{"ً":{"ٌ":604,"ٍ":"القواعد في توحيد العبادة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/qwtthdebda/","files":["169829.pdf|0","169829p.pdf|المقدمة"]},"ّ":"الكتاب: القواعد فى توحيد العبادة وما يضاده من الشرك عند أهل السنة والجماعة جمعا ودراسة.\nالمؤلف: د. محمد بن عبد الله بن علي باجسير\nتقديم: د. محمد بن عبد الرحمن الخميس\nاعتنى به وأعده للنشر: عبد الجبار بن عبد العظيم بن محمد آل ماجد\nالناشر: دار الأماجد للطباعة والنشر - الرياض\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م\nعدد الأجزاء: ٢ (متسلسلة الترقيم)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3116,"ٕ":1,"ٖ":1780758683,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["المقدمة","1","2"],"ٚ":[{"title":"مقدمة المعتني بالكتاب","level":1,"page":5},{"title":"المقدمة","level":1,"page":9},{"title":"أهمية الموضوع","level":2,"page":12},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":15},{"title":"المنهج المتبع في هذا البحث","level":2,"page":21},{"title":"مشاكل البحث وصعوباته","level":2,"page":23},{"title":"شكر وتقدير","level":2,"page":24},{"title":"التمهيد","level":1,"page":27},{"title":"المبحث الأول القاعدة لغة واصطلاحا","level":2,"page":28},{"title":"المطلب الأول القاعدة لغة","level":3,"page":28},{"title":"المطلب الثاني القاعدة اصطلاحا","level":3,"page":29},{"title":"المطلب الثالث بيان العلاقة بين القاعدة والضابط والأصل","level":3,"page":35},{"title":"المبحث الثاني أهمية القواعد وأثرها في العلوم","level":2,"page":40},{"title":"المبحث الثالث التقعيد ومنهج العلماء فيه","level":2,"page":47},{"title":"المبحث الرابع توحيد العبادة ومنزلته الشرعية","level":2,"page":55},{"title":"المطلب الأول معناه وحقيقته","level":3,"page":55},{"title":"المطلب الثاني أهميته ومنزلته من الدين","level":3,"page":60},{"title":"المطلب الثالث أدلته","level":3,"page":64},{"title":"المطلب الرابع أسماؤه وإطلاقاته","level":3,"page":67},{"title":"أ - توحيد الطلب والقصد","level":4,"page":67},{"title":"ب - توحيد الارادة والطلب","level":4,"page":68},{"title":"ج - توحيد الشرع والقدر","level":4,"page":69},{"title":"د - التوحيد العملي الإرادي، أو العملي القصدي","level":4,"page":70},{"title":"هـ - توحيد الإلهية أو الألوهية أو العبادة","level":4,"page":70},{"title":"الباب الأول القواعد المتعلقة بتوحيد العبادة","level":1,"page":73},{"title":"الفصل الأول القواعد العامة في توحيد العبادة","level":2,"page":74},{"title":"المبحث الأول قاعدة دين الأنبياء واحد هو الإسلام","level":3,"page":76},{"title":"المسألة الأولى شرح ألفاظ القاعدة","level":4,"page":76},{"title":"المسألة الثانية بيان معنى القاعدة","level":4,"page":79},{"title":"المسألة الثالثة أدلة القاعدة","level":4,"page":84},{"title":"المسألة الرابعة: أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":88},{"title":"المسألة الخامسة: فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":91},{"title":"المبحث الثاني قاعدة الشرع مبناه على تكميل أديان الخلق وعلى تكميل عقولهم","level":3,"page":102},{"title":"المسألة الأولى شرح ألفاظ القاعدة","level":4,"page":102},{"title":"أولا: الشرع","level":5,"page":102},{"title":"ثانيا: العقل","level":5,"page":103},{"title":"المسألة الثانية: بيان معنى القاعدة","level":4,"page":108},{"title":"المسألة الثالثة: أدلة القاعدة","level":4,"page":112},{"title":"المسألة الرابعة: أقوال العلماء في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":117},{"title":"المسألة الخامسة: فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":118},{"title":"المبحث الثالث قاعدة الدين قد كمل بيانه في أصوله وفروعه باطنه وظاهره علمه وعمله","level":3,"page":124},{"title":"المسألة الأولى معنى القاعدة","level":4,"page":124},{"title":"المسألة الثانية: أدلة القاعدة","level":4,"page":126},{"title":"المسألة الثالثة: أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":134},{"title":"المسألة الرابعة: فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":136},{"title":"المبحث الرابع قاعدة العبادة هي الغاية التي خلق الله لها الخلق من جهة أمره ومحبته ورضاه","level":3,"page":151},{"title":"المسألة الأولى شرح ألفاظ القاعدة","level":4,"page":151},{"title":"المسألة الثانية: معنى القاعدة","level":4,"page":154},{"title":"المسألة الثالثة أدلة القاعدة","level":4,"page":158},{"title":"المسألة الرابعة أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":163},{"title":"المسألة الخامسة: فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":166},{"title":"المبحث الخامس قاعدة ليس في الشريعة بقعة تقصد للعبادة لذاتها إلا المساجد ومشاعر الحج","level":3,"page":185},{"title":"المسألة الأولى معنى القاعدة","level":4,"page":185},{"title":"المسألة الثانية: أدلة القاعدة","level":4,"page":187},{"title":"المسألة الثالثة: أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":198},{"title":"المسألة الرابعة: فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":200},{"title":"المبحث السادس قاعدة النزاع بين الرسل وأقوامهم إنما كان في إفراد الله بالعبادة وترك عبادة ما سواه","level":3,"page":221},{"title":"المسألة الأولى معنى القاعدة","level":4,"page":221},{"title":"المسألة الثانية: أدلة القاعدة","level":4,"page":223},{"title":"المسألة الثالثة: أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":231},{"title":"المسألة الرابعة: فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":233},{"title":"المبحث السابع قاعدة البركة لله وصفا وملكا وفعلا وكل بركة في الكون فمن آثار بركته سبحانه","level":3,"page":238},{"title":"المسألة الأولى شرح بعض ألفاظ القاعدة","level":4,"page":238},{"title":"المسألة الثانية: معنى القاعدة","level":4,"page":241},{"title":"المسألة الثالثة: أدلة القاعدة","level":4,"page":246},{"title":"المسألة الرابعة: أقوال أهل العلم في اعتماد القاعدة","level":4,"page":250},{"title":"المسألة الخامسة: فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":252},{"title":"المبحث الثامن قاعدة التوجه إلى شيء أو إلى جهة بقصد القربة وحصول الثواب عبادة","level":3,"page":283},{"title":"توطئة","level":4,"page":283},{"title":"المسألة الأولى شرح ألفاظ القاعدة","level":4,"page":285},{"title":"معنى التوجه لغة وشرعا","level":5,"page":285},{"title":"تمهيد في أحوال التوجه والاستقبال","level":5,"page":290},{"title":"المسألة الثانية معنى القاعدة","level":4,"page":299},{"title":"المسألة الثالثة: أدلة القاعدة","level":4,"page":300},{"title":"المسألة الرابعة أقوال العلماء في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":303},{"title":"المسألة الخامسة فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":305},{"title":"الفصل الثاني القواعد المتعلقة بحقيقة العبادة وضابطها","level":2,"page":317},{"title":"المبحث الأول قاعدة العبادة لا تسمى عيادة في حكم الشرع إلا مع التوحيد","level":3,"page":318},{"title":"المسألة الأولى معنى القاعدة","level":4,"page":318},{"title":"المسألة الثانية أدلة القاعدة","level":4,"page":319},{"title":"المسألة الثالثة: أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":324},{"title":"المسألة الرابعة فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":325},{"title":"المبحث الثاني قاعدة مناط العبادة غاية الحب مع غاية الذل ولا تنفع عبادة بواحد دون الآخر","level":3,"page":329},{"title":"المسألة الأولى شرح معاني مفردات القاعدة","level":4,"page":329},{"title":"معنى العبادة","level":5,"page":329},{"title":"المسألة الثانية: بيان معنى القاعدة","level":4,"page":337},{"title":"المسألة الثالثة أدلة القاعدة","level":4,"page":341},{"title":"المسألة الرابعة أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":351},{"title":"المسألة الخامسة فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":353},{"title":"المبحث الثالث قاعدة صلاح الأعمال بصلاح النيات وكل عمل تابع لنية عامله وقصده","level":3,"page":373},{"title":"المسألة الأولى شرح معاني مفردات القاعدة","level":4,"page":373},{"title":"معنى النية لغة وشرعا","level":5,"page":373},{"title":"المسألة الثانية بيان معنى القاعدة","level":4,"page":388},{"title":"المسألة الثالثة: أدلة القاعدة","level":4,"page":397},{"title":"المسألة الرابعة أقوال العلماء في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":404},{"title":"المسألة الخامسة فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":406},{"title":"الفصل الثالث القواعد المتعلقة بأنواع التوحيد","level":2,"page":414},{"title":"المبحث الأول قاعدة أنواع التوحيد وأضدادها متلازمة لا ينفك أحدها عن الآخر","level":3,"page":415},{"title":"المسألة الأولى شرح معاني مفردات القاعدة","level":4,"page":415},{"title":"بيان معنى التلازم في القاعدة","level":5,"page":415},{"title":"المسألة الثانية بيان معنى القاعدة","level":4,"page":418},{"title":"المسألة الثالثة أدلة القاعدة","level":4,"page":425},{"title":"المسألة الرابعة أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":430},{"title":"المسألة الخامسة: فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":435},{"title":"المبحث الثاني قاعدة توحيد الربوبية لا يصير الإنسان به مسلما حتى يأتي بأنواع التوحيد الأخرى","level":3,"page":438},{"title":"المسألة الأولى معنى القاعدة","level":4,"page":438},{"title":"المسألة الثانية: أدلة القاعدة","level":4,"page":439},{"title":"المسألة الثالثة أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":442},{"title":"المسألة الرابعة: فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":445},{"title":"المبحث الثالث قاعدة توحيد الربوبية أقرت به الخلائق مؤمنها وكافرها ولم ينكره إلا الشذاذ من العالم","level":3,"page":448},{"title":"المسألة الأولى بيان بعض ألفاظ القاعدة","level":4,"page":448},{"title":"معنى توحيد الربوبية","level":5,"page":448},{"title":"المسألة الثانية معنى القاعدة","level":4,"page":452},{"title":"المسألة الثالثة أدلة القاعدة","level":4,"page":456},{"title":"المسألة الرابعة أقوال العلماء في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":462},{"title":"المسألة الخامسة فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":467},{"title":"المبحث الرابع قاعدة الربوبية والألوهية مفهومان متغايران فإذا اقترنا افترقا وإذا افترقا اقترنا","level":3,"page":468},{"title":"المسألة الأولى شرح ألفاظ القاعدة","level":4,"page":468},{"title":"بيان معنى الرب والاله في القاعدة","level":5,"page":468},{"title":"أما الألوهية","level":5,"page":471},{"title":"المسألة الثانية بيان معنى القاعدة","level":4,"page":475},{"title":"المسألة الثالثة أدلة القاعدة","level":4,"page":477},{"title":"المسألة الرابعة أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":486},{"title":"المسألة الخامسة فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":487},{"title":"الفصل الرابع القواعد المتعلقة بأصل التوحيد","level":2,"page":490},{"title":"المبحث الأول قاعدة أصل الإيمان وقاعدته التي عليها مدار أعمال العباد هو تحقيق معنى الشهادتين قولا وعملا وعقيدة","level":3,"page":491},{"title":"المسألة الأولى معنى القاعدة","level":4,"page":491},{"title":"المسألة الثانية: أدلة القاعدة","level":4,"page":494},{"title":"القسم الأول","level":5,"page":494},{"title":"القسم الثاني","level":5,"page":496},{"title":"القسم الثالث","level":5,"page":501},{"title":"القسم الرابع","level":5,"page":502},{"title":"المسألة الثالثة: أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":504},{"title":"المسألة الرابعة: فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":505},{"title":"المبحث الثاني قاعدة شهادة أن لا إله إلا الله مشتملة على النفي والإثبات","level":3,"page":521},{"title":"المسألة الأولى شرح مفردات القاعدة","level":4,"page":521},{"title":"المسألة الثانية: معنى القاعدة","level":4,"page":522},{"title":"المسألة الثالثة: أدلة القاعدة","level":4,"page":524},{"title":"المسألة الرابعة: أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":528},{"title":"المسألة الخامسة: فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":531},{"title":"المبحث الثالث قاعدة الكفر بالطاغوت ركن التوحيد","level":3,"page":537},{"title":"المسألة الأولى شرح ألفاظ القاعدة","level":4,"page":537},{"title":"معنى الطاغوت","level":5,"page":537},{"title":"المسألة الثانية: معنى القاعدة","level":4,"page":542},{"title":"المسألة الثالثة: أدلة القاعدة","level":4,"page":545},{"title":"المسألة الرابعة: أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":548},{"title":"المسألة الخامسة: فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":549},{"title":"المبحث الرابع قاعدة محبة الله هي أصل الدين والمحبة فيه أو له تبع لمحبته والمحبة معه تضاده وتناقضه","level":3,"page":554},{"title":"المسألة الأولى شرح معاني مفردات القاعدة","level":4,"page":554},{"title":"معنى المحبة","level":5,"page":554},{"title":"المسألة الثانية: معنى القاعدة","level":4,"page":557},{"title":"المسألة الثالثة: أدلة القاعدة","level":4,"page":566},{"title":"المسألة الرابعة: أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":584},{"title":"المسألة الخامسة: فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":588},{"title":"المبحث الخامس قاعدة الحنيفية من موجبات الفطرة ومقتضياتها","level":3,"page":604},{"title":"المسألة الأولى شرح ألفاظ القاعدة","level":4,"page":604},{"title":"أولا: معنى الحنيفية","level":5,"page":604},{"title":"ثانيا: معنى الفطرة","level":5,"page":606},{"title":"ثالثا: معنى الموجب والمقتضى","level":5,"page":612},{"title":"المسألة الثانية: معنى القاعدة","level":4,"page":614},{"title":"المسألة الثالثة: أدلة القاعدة","level":4,"page":617},{"title":"المسألة الرابعة: أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":623},{"title":"المسألة الخامسة: فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":624},{"title":"الفصل الخامس القواعد المتعلقة بتحقيق توحيد العبادة وأدلته","level":2,"page":630},{"title":"المبحث الأول قاعدة تحقيق التوحيد يتضمن تحقيق أصله وكماله الواجب وكماله المستحب وبحسبها يتفاضل المؤمنون","level":3,"page":631},{"title":"المسألة الأولى معاني مفردات القاعدة","level":4,"page":631},{"title":"معنى التحقيق","level":5,"page":631},{"title":"المسألة الثانية: معنى القاعدة","level":4,"page":634},{"title":"المسألة الثالثة: أدلة القاعدة","level":4,"page":639},{"title":"المسألة الرابعة: أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":644},{"title":"المسألة الخامسة: فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":649},{"title":"المبحث الثاني قاعدة توحيد الربوبية هو أصل توحيد الإلهية ودليله الأكبر","level":3,"page":654},{"title":"المسألة الأولى شرح معاني مفردات القاعدة","level":4,"page":654},{"title":"المسألة الثانية: بيان معنى القاعدة","level":4,"page":656},{"title":"المسألة الثالثة: أدلة القاعدة","level":4,"page":658},{"title":"المسألة الرابعة: أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":668},{"title":"المسألة الخامسة: فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":673},{"title":"الفصل السادس القواعد المتعلقة برد البدع","level":2,"page":676},{"title":"المبحث الأول قاعدة العبادات توقيفية","level":3,"page":677},{"title":"المسألة الأولى شرح ألفاظ القاعدة","level":4,"page":677},{"title":"المسألة الثانية: معنى القاعدة","level":4,"page":678},{"title":"المسألة الثالثة: أدلة القاعدة","level":4,"page":679},{"title":"المسألة الرابعة أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":682},{"title":"المسألة الخامسة فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":684},{"title":"المسألة الأولى معنى القاعدة","level":4,"page":696},{"title":"المبحث الثاني قاعدة اعتبار ما صدر عن النبي -ﷺ- عبادة موقوف على قصده التعبد","level":3,"page":696},{"title":"المسألة الثانية أدلة القاعدة","level":4,"page":700},{"title":"المسألة الثالثة: أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":706},{"title":"المسألة الرابعة: فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":708},{"title":"المسألة الأولى شرح ألفاظ القاعدة","level":4,"page":711},{"title":"المبحث الثالث قاعدة الوسائل لها أحكام المقاصد","level":3,"page":711},{"title":"المسألة الأولى شرح ألفاظ القاعدة","level":4,"page":711},{"title":"معنى الوسائل والمقاصد اصطلاحا","level":5,"page":713},{"title":"المسألة الثانية: معنى القاعدة","level":4,"page":714},{"title":"المسألة الثالثة: أدلة القاعدة","level":4,"page":716},{"title":"المسألة الرابعة: أقوال أهل العلم في اعتماد معنى القاعدة","level":4,"page":720},{"title":"المسألة الخامسة: فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":721},{"title":"الباب الثاني القواعد المتعلقة بما يضاد توحيد العبادة","level":1,"page":729},{"title":"الفصل الأول القواعد المتعلقة بتعريف الشرك وحقيقته","level":2,"page":730},{"title":"المبحث الأول قاعدة التشبيه هو أصل عبادة الأوثان عند أكثر المشركين","level":3,"page":732},{"title":"المسألة الأولى شرح ألفاظ القاعدة","level":4,"page":732},{"title":"معنى التشبيه لغة واصطلاحا","level":4,"page":732},{"title":"المسألة الثانية: معنى القاعدة","level":4,"page":737},{"title":"المسألة الثالثة: أدلة القاعدة","level":4,"page":741},{"title":"المسألة الرابعة: أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":752},{"title":"المسألة الخامسة: فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":754},{"title":"المبحث الثاني قاعدة الشرك هو التسوية بين الله وغيره في شيء من خصائصه وحقه","level":3,"page":758},{"title":"المسألة الأولى شرح ألفاظ القاعدة","level":4,"page":758},{"title":"أولا: معنى الشرك لغة","level":5,"page":758},{"title":"ثانيا: معنى التسوية","level":5,"page":759},{"title":"المسألة الثانية: معنى القاعدة","level":4,"page":760},{"title":"المسألة الثالثة: أدلة القاعدة","level":4,"page":763},{"title":"المسألة الرابعة: أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":769},{"title":"المسألة الخامسة: فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":771},{"title":"المبحث الثالث قاعدة الخوف الشركي أن يخاف العبد من غير الله أن يصيبه مكروه بمشيئته وقدرته وإن لم يباشره","level":3,"page":775},{"title":"المسألة الأولى شرح ألفاظ القاعدة","level":4,"page":775},{"title":"معنى الخوف وأنواعه","level":5,"page":775},{"title":"المسألة الثانية: معنى القاعدة","level":4,"page":784},{"title":"المسألة الثالثة: أدلة القاعدة","level":4,"page":786},{"title":"المسألة الرابعة: أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":791},{"title":"المسألة الخامسة: فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":793},{"title":"المبحث الرابع قاعدة السؤال والطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك","level":3,"page":797},{"title":"المسألة الأولى شرح ألفاظ القاعدة","level":4,"page":797},{"title":"بيان معنى السؤال والطلب","level":5,"page":797},{"title":"المسألة الثانية: معنى القاعدة","level":4,"page":800},{"title":"المسألة الثالثة: أدلة القاعدة","level":4,"page":805},{"title":"المسألة الرابعة: أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":811},{"title":"المسألة الخامسة: فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":815},{"title":"المبحث الخامس قاعدة الاعتقاد في الأسباب بذاتها شرك في الربوبية والألوهية","level":3,"page":825},{"title":"المسألة الأولى شرح ألفاظ القاعدة","level":4,"page":825},{"title":"معنى الأسباب","level":5,"page":825},{"title":"المسألة الثانية: معنى القاعدة","level":4,"page":826},{"title":"المسألة الثالثة: أدلة القاعدة","level":4,"page":831},{"title":"المسألة الرابعة: أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":835},{"title":"المسألة الخامسة: فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":838},{"title":"المبحث السادس قاعدة الشفاعة ملك لله تعالى وطلبها ورجاؤها من غير الله أو بغير إذن شرك","level":3,"page":842},{"title":"المسألة الأولى معنى الشفاعة لغة وشرعا","level":4,"page":842},{"title":"المسألة الثانية: بيان معنى القاعدة","level":4,"page":845},{"title":"المسألة الثالثة: أدلة القاعدة","level":4,"page":852},{"title":"المسألة الرابعة: أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":858},{"title":"المسألة الخامسة: فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":860},{"title":"المبحث السابع قاعدة كل ما ورد في القرآن من الأمر بالدعاء والنهي عن دعاء غير الله يتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة","level":3,"page":870},{"title":"المسألة الأولى شرح ألفاظ القاعدة","level":4,"page":870},{"title":"بيان معنى الدعاء وأقسامه","level":5,"page":870},{"title":"المسألة الثانية: معنى القاعدة","level":4,"page":877},{"title":"المسألة الثالثة: أدلة القاعدة","level":4,"page":878},{"title":"المسألة الرابعة: أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":884},{"title":"المسألة الخامسة: فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":885},{"title":"الفصل الثاني القواعد المتعلقة بقبح الشرك وأنواعه","level":2,"page":891},{"title":"المبحث الاول قاعدة الشرك هضم لعظمة الربوبية وتنقص لحق الإلهية وسوء ظن برب العالمين","level":3,"page":892},{"title":"المسألة الأولى شرح بعض ألفاظ القاعدة","level":4,"page":892},{"title":"معنى الهضم والتنقص","level":5,"page":892},{"title":"معنى سوء الظن","level":5,"page":893},{"title":"المسألة الثانية: معنى القاعدة","level":4,"page":895},{"title":"المسألة الثالثة: أدلة القاعدة","level":4,"page":898},{"title":"المسألة الرابعة: أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":903},{"title":"المسألة الخامسة: فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":904},{"title":"المبحث الثاني قاعدة قبح الشرك مستقر في العقول والفطر والسمع نبه العقول وأرشدها إلى معرفة ما أودع فيها من قبح ذلك","level":3,"page":915},{"title":"المسألة الأولى معنى القاعدة","level":4,"page":915},{"title":"المسألة الثانية: أدلة القاعدة","level":4,"page":916},{"title":"المسألة الثالثة: أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":923},{"title":"المسألة الرابعة: فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":925},{"title":"المبحث الثالث قاعدة الشرك الأصغر كل وسيلة وذريعة يتطرق منها إلى الشرك الأكبر من الإرادات والأقوال والأفعال التي لم تبلغ رتبة العبادة","level":3,"page":928},{"title":"المسألة الأولى معنى القاعدة","level":4,"page":928},{"title":"المسألة الثانية أدلة القاعدة","level":4,"page":935},{"title":"المسألة الثالثة أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":937},{"title":"المسألة الرابعة فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":938},{"title":"الفصل الثالث القواعد المتعلقة بوسائل الشرك وأسبابه","level":2,"page":949},{"title":"المبحث الأول قاعدة سد الذرائع المفضية إلى الشرك من المقاصد الشرعية","level":3,"page":950},{"title":"المسألة الأولى شرح مفردات القاعدة","level":4,"page":950},{"title":"معنى سد الذرائع","level":5,"page":950},{"title":"المسألة الثانية: معنى القاعدة","level":4,"page":953},{"title":"المسألة الثالثة أدلة القاعدة","level":4,"page":954},{"title":"المسألة الرابعة أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":967},{"title":"المسألة الخامسة فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":969},{"title":"المبحث الثاني قاعدة الحقائق لا تتغير بتغير المسميات","level":3,"page":975},{"title":"المسألة الأولى شرح ألفاظ القاعدة","level":4,"page":975},{"title":"المسألة الثانية: معنى القاعدة","level":4,"page":977},{"title":"المسألة الثالثة: أدلة القاعدة","level":4,"page":977},{"title":"المسألة الرابعة: أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":983},{"title":"المسألة الخامسة: فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":984},{"title":"المبحث الثالث قاعدة تعظيم شعائر الله هو تعظيم لله وعبادة له، فهو تابع لتعظيم الله وإجلاله","level":3,"page":994},{"title":"المسألة الأولى شرح مفردات القاعدة","level":4,"page":994},{"title":"أولا: معنى التعظيم","level":5,"page":994},{"title":"ثانيا: معنى شعائر الله","level":5,"page":994},{"title":"المسألة الثانية: بيان معنى القاعدة","level":4,"page":999},{"title":"المسألة الثالثة: أدلة القاعدة","level":4,"page":1000},{"title":"المسألة الرابعة: أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":1001},{"title":"المسألة الخامسة: فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":1002},{"title":"الفصل الرابع القواعد المتعلقة بإبطال الشرك وحقيقة المشركين","level":2,"page":1013},{"title":"المبحث الأول قاعدة المشركون ما قصدوا من معبوداتهم إلا القربة والشفاعة ويقولون نريد من الله ﷿ لا منهم لكن بشفاعتهم والتقرب إلى الله بهم","level":3,"page":1014},{"title":"المسألة الأولى بيان معنى القاعدة","level":4,"page":1014},{"title":"المسألة الثانية: أدلة القاعدة","level":4,"page":1015},{"title":"المسألة الثالثة: أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":1020},{"title":"المسألة الرابعة: فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":1021},{"title":"المبحث الثاني قاعدة الأصنام الجمادية لم تعبد لذاتها وإنما وضعت في الأصل لما كان غائبا من معبودات المشركين","level":3,"page":1026},{"title":"المسألة الأولى بيان معنى القاعدة","level":4,"page":1026},{"title":"المسألة الثانية أدلة القاعدة","level":4,"page":1031},{"title":"المسألة الثالثة: أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة","level":4,"page":1035},{"title":"المسألة الرابعة فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":1037},{"title":"المبحث الثالث قاعدة المشركون الأولون يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة ومشركو زماننا شركهم دائم في الشدة والرخاء","level":3,"page":1039},{"title":"المسألة الأولى بيان معنى القاعدة","level":4,"page":1039},{"title":"المسألة الثانية: أدلة القاعدة","level":4,"page":1040},{"title":"المسألة الثالثة أقوال أهل العلم في اعتماد معنى القاعدة","level":4,"page":1048},{"title":"المسألة الرابعة: فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":1049},{"title":"المبحث الرابع قاعدة دين الحنفاء ليس فيه واسطة بين الله وخلقه في الربوبية والألوهية، والرسل وسائط في التبليغ والدلالة","level":3,"page":1054},{"title":"المسألة الأولى بيان معاني مفردات القاعدة","level":4,"page":1054},{"title":"معنى الواسطة لغة واصطلاحا","level":5,"page":1054},{"title":"المسألة الثانية معنى القاعدة","level":4,"page":1056},{"title":"المسألة الثالثة: أدلة القاعدة","level":4,"page":1061},{"title":"الأول: الأدلة الدالة على الواسطة المثبتة الشرعية الإيمانية","level":5,"page":1061},{"title":"القسم الثاني: الأدلة الدالة على الواسطة المنفية غير الشرعية","level":5,"page":1064},{"title":"المسألة الرابعة: أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":1067},{"title":"المسألة الخامسة فوائد القاعدة وتطبيقاتها","level":4,"page":1069},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":1071},{"title":"فهرس المصادر والمراجع","level":1,"page":1083}],"ٛ":{"المقدمة,1":1,"المقدمة,2":2,"المقدمة,3":3,"المقدمة,4":4,"المقدمة,5":5,"المقدمة,6":6,"المقدمة,7":7,"المقدمة,8":8,"1,5":9,"1,6":10,"1,7":11,"1,8":12,"1,9":13,"1,10":14,"1,11":15,"1,12":16,"1,13":17,"1,14":18,"1,15":19,"1,16":20,"1,17":21,"1,18":22,"1,19":23,"1,20":24,"1,21":25,"1,22":26,"1,23":27,"1,25":28,"1,26":29,"1,27":30,"1,28":31,"1,29":32,"1,30":33,"1,31":34,"1,32":35,"1,33":36,"1,34":37,"1,35":38,"1,36":39,"1,37":40,"1,38":41,"1,39":42,"1,40":43,"1,41":44,"1,42":45,"1,43":46,"1,44":47,"1,45":48,"1,46":49,"1,47":50,"1,48":51,"1,49":52,"1,50":53,"1,51":54,"1,52":55,"1,53":56,"1,54":57,"1,55":58,"1,56":59,"1,57":60,"1,58":61,"1,59":62,"1,60":63,"1,61":64,"1,62":65,"1,63":66,"1,64":67,"1,65":68,"1,66":69,"1,67":70,"1,68":71,"1,69":72,"1,71":73,"1,73":74,"1,74":75,"1,75":76,"1,76":77,"1,77":78,"1,78":79,"1,79":80,"1,80":81,"1,81":82,"1,82":83,"1,83":84,"1,84":85,"1,85":86,"1,86":87,"1,87":88,"1,88":89,"1,89":90,"1,90":91,"1,91":92,"1,92":93,"1,93":94,"1,94":95,"1,95":96,"1,96":97,"1,97":98,"1,98":99,"1,99":100,"1,100":101,"1,101":102,"1,102":103,"1,103":104,"1,104":105,"1,105":106,"1,106":107,"1,107":108,"1,108":109,"1,109":110,"1,110":111,"1,111":112,"1,112":113,"1,113":114,"1,114":115,"1,115":116,"1,116":117,"1,117":118,"1,118":119,"1,119":120,"1,120":121,"1,121":122,"1,122":123,"1,123":124,"1,124":125,"1,125":126,"1,126":127,"1,127":128,"1,128":129,"1,129":130,"1,130":131,"1,131":132,"1,132":133,"1,133":134,"1,134":135,"1,135":136,"1,136":137,"1,137":138,"1,138":139,"1,139":140,"1,140":141,"1,141":142,"1,142":143,"1,143":144,"1,144":145,"1,145":146,"1,146":147,"1,147":148,"1,148":149,"1,149":150,"1,150":151,"1,151":152,"1,152":153,"1,153":154,"1,154":155,"1,155":156,"1,156":157,"1,157":158,"1,158":159,"1,159":160,"1,160":161,"1,161":162,"1,162":163,"1,163":164,"1,164":165,"1,165":166,"1,166":167,"1,167":168,"1,168":169,"1,169":170,"1,170":171,"1,171":172,"1,172":173,"1,173":174,"1,174":175,"1,175":176,"1,176":177,"1,177":178,"1,178":179,"1,179":180,"1,180":181,"1,181":182,"1,182":183,"1,183":184,"1,184":185,"1,185":186,"1,186":187,"1,187":188,"1,188":189,"1,189":190,"1,190":191,"1,191":192,"1,192":193,"1,193":194,"1,194":195,"1,195":196,"1,196":197,"1,197":198,"1,198":199,"1,199":200,"1,200":201,"1,201":202,"1,202":203,"1,203":204,"1,204":205,"1,205":206,"1,206":207,"1,207":208,"1,208":209,"1,209":210,"1,210":211,"1,211":212,"1,212":213,"1,213":214,"1,214":215,"1,215":216,"1,216":217,"1,217":218,"1,218":219,"1,219":220,"1,220":221,"1,221":222,"1,222":223,"1,223":224,"1,224":225,"1,225":226,"1,226":227,"1,227":228,"1,228":229,"1,229":230,"1,230":231,"1,231":232,"1,232":233,"1,233":234,"1,234":235,"1,235":236,"1,236":237,"1,237":238,"1,238":239,"1,239":240,"1,240":241,"1,241":242,"1,242":243,"1,243":244,"1,244":245,"1,245":246,"1,246":247,"1,247":248,"1,248":249,"1,249":250,"1,250":251,"1,251":252,"1,252":253,"1,253":254,"1,254":255,"1,255":256,"1,256":257,"1,257":258,"1,258":259,"1,259":260,"1,260":261,"1,261":262,"1,262":263,"1,263":264,"1,264":265,"1,265":266,"1,266":267,"1,267":268,"1,268":269,"1,269":270,"1,270":271,"1,271":272,"1,272":273,"1,273":274,"1,274":275,"1,275":276,"1,276":277,"1,277":278,"1,278":279,"1,279":280,"1,280":281,"1,281":282,"1,282":283,"1,283":284,"1,284":285,"1,285":286,"1,286":287,"1,287":288,"1,288":289,"1,289":290,"1,290":291,"1,291":292,"1,292":293,"1,293":294,"1,294":295,"1,295":296,"1,296":297,"1,297":298,"1,298":299,"1,299":300,"1,300":301,"1,301":302,"1,302":303,"1,303":304,"1,304":305,"1,305":306,"1,306":307,"1,307":308,"1,308":309,"1,309":310,"1,310":311,"1,311":312,"1,312":313,"1,313":314,"1,314":315,"1,315":316,"1,317":317,"1,319":318,"1,320":319,"1,321":320,"1,322":321,"1,323":322,"1,324":323,"1,325":324,"1,326":325,"1,327":326,"1,328":327,"1,329":328,"1,330":329,"1,331":330,"1,332":331,"1,333":332,"1,334":333,"1,335":334,"1,336":335,"1,337":336,"1,338":337,"1,339":338,"1,340":339,"1,341":340,"1,342":341,"1,343":342,"1,344":343,"1,345":344,"1,346":345,"1,347":346,"1,348":347,"1,349":348,"1,350":349,"1,351":350,"1,352":351,"1,353":352,"1,354":353,"1,355":354,"1,356":355,"1,357":356,"1,358":357,"1,359":358,"1,360":359,"1,361":360,"1,362":361,"1,363":362,"1,364":363,"1,365":364,"1,366":365,"1,367":366,"1,368":367,"1,369":368,"1,370":369,"1,371":370,"1,372":371,"1,373":372,"1,374":373,"1,375":374,"1,376":375,"1,377":376,"1,378":377,"1,379":378,"1,380":379,"1,381":380,"1,382":381,"1,383":382,"1,384":383,"1,385":384,"1,386":385,"1,387":386,"1,388":387,"1,389":388,"1,390":389,"1,391":390,"1,392":391,"1,393":392,"1,394":393,"1,395":394,"1,396":395,"1,397":396,"1,398":397,"1,399":398,"1,400":399,"1,401":400,"1,402":401,"1,403":402,"1,404":403,"1,405":404,"1,406":405,"1,407":406,"1,408":407,"1,409":408,"1,410":409,"1,411":410,"1,412":411,"1,413":412,"1,414":413,"1,415":414,"1,417":415,"1,418":416,"1,419":417,"1,420":418,"1,421":419,"1,422":420,"1,423":421,"1,424":422,"1,425":423,"1,426":424,"1,427":425,"1,428":426,"1,429":427,"1,430":428,"1,431":429,"1,432":430,"1,433":431,"1,434":432,"1,435":433,"1,436":434,"1,437":435,"1,438":436,"1,439":437,"1,440":438,"1,441":439,"1,442":440,"1,443":441,"1,444":442,"1,445":443,"1,446":444,"1,447":445,"1,448":446,"1,449":447,"1,450":448,"1,451":449,"1,452":450,"1,453":451,"1,454":452,"1,455":453,"1,456":454,"1,457":455,"1,458":456,"1,459":457,"1,460":458,"1,461":459,"1,462":460,"1,463":461,"1,464":462,"1,465":463,"1,466":464,"1,467":465,"1,468":466,"1,469":467,"1,470":468,"1,471":469,"1,472":470,"1,473":471,"1,474":472,"1,475":473,"1,476":474,"1,477":475,"1,478":476,"1,479":477,"1,480":478,"1,481":479,"1,482":480,"1,483":481,"1,484":482,"1,485":483,"1,486":484,"1,487":485,"1,488":486,"1,489":487,"1,490":488,"1,491":489,"1,493":490,"1,495":491,"1,496":492,"1,497":493,"1,498":494,"1,499":495,"1,500":496,"1,501":497,"1,502":498,"1,503":499,"1,504":500,"1,505":501,"1,506":502,"1,507":503,"1,508":504,"1,509":505,"1,510":506,"1,511":507,"1,512":508,"1,513":509,"1,514":510,"1,515":511,"1,516":512,"1,517":513,"1,518":514,"1,519":515,"1,520":516,"1,521":517,"1,522":518,"1,523":519,"1,524":520,"1,525":521,"1,526":522,"1,527":523,"1,528":524,"1,529":525,"1,530":526,"1,531":527,"1,532":528,"1,533":529,"1,534":530,"1,535":531,"1,536":532,"1,537":533,"1,538":534,"1,539":535,"1,540":536,"1,541":537,"1,542":538,"1,543":539,"1,544":540,"1,545":541,"1,546":542,"1,547":543,"1,548":544,"1,549":545,"1,550":546,"1,551":547,"1,552":548,"1,553":549,"1,554":550,"1,555":551,"1,556":552,"1,557":553,"1,558":554,"1,559":555,"1,560":556,"1,561":557,"1,562":558,"1,563":559,"1,564":560,"1,565":561,"1,566":562,"1,567":563,"1,568":564,"1,569":565,"1,570":566,"1,571":567,"1,572":568,"1,573":569,"1,574":570,"1,575":571,"1,576":572,"1,577":573,"1,578":574,"1,579":575,"1,580":576,"1,581":577,"1,582":578,"1,583":579,"1,584":580,"1,585":581,"1,586":582,"1,587":583,"1,588":584,"1,589":585,"1,590":586,"1,591":587,"1,592":588,"1,593":589,"1,594":590,"1,595":591,"1,596":592,"1,597":593,"1,598":594,"1,599":595,"1,600":596,"1,601":597,"1,602":598,"1,603":599,"1,604":600,"1,605":601,"1,606":602,"1,607":603,"1,608":604,"1,609":605,"1,610":606,"1,611":607,"1,612":608,"1,613":609,"1,614":610,"1,615":611,"1,616":612,"1,617":613,"1,618":614,"1,619":615,"1,620":616,"1,621":617,"1,622":618,"1,623":619,"1,624":620,"1,625":621,"1,626":622,"1,627":623,"1,628":624,"1,629":625,"1,630":626,"1,631":627,"1,632":628,"1,633":629,"2,636":630,"2,637":631,"2,638":632,"2,639":633,"2,640":634,"2,641":635,"2,642":636,"2,643":637,"2,644":638,"2,645":639,"2,646":640,"2,647":641,"2,648":642,"2,649":643,"2,650":644,"2,651":645,"2,652":646,"2,653":647,"2,654":648,"2,655":649,"2,656":650,"2,657":651,"2,658":652,"2,659":653,"2,660":654,"2,661":655,"2,662":656,"2,663":657,"2,664":658,"2,665":659,"2,666":660,"2,667":661,"2,668":662,"2,669":663,"2,670":664,"2,671":665,"2,672":666,"2,673":667,"2,674":668,"2,675":669,"2,676":670,"2,677":671,"2,678":672,"2,679":673,"2,680":674,"2,681":675,"2,683":676,"2,685":677,"2,686":678,"2,687":679,"2,688":680,"2,689":681,"2,690":682,"2,691":683,"2,692":684,"2,693":685,"2,694":686,"2,695":687,"2,696":688,"2,697":689,"2,698":690,"2,699":691,"2,700":692,"2,701":693,"2,702":694,"2,703":695,"2,704":696,"2,705":697,"2,706":698,"2,707":699,"2,708":700,"2,709":701,"2,710":702,"2,711":703,"2,712":704,"2,713":705,"2,714":706,"2,715":707,"2,716":708,"2,717":709,"2,718":710,"2,719":711,"2,720":712,"2,721":713,"2,722":714,"2,723":715,"2,724":716,"2,725":717,"2,726":718,"2,727":719,"2,728":720,"2,729":721,"2,730":722,"2,731":723,"2,732":724,"2,733":725,"2,734":726,"2,735":727,"2,736":728,"2,737":729,"2,739":730,"2,740":731,"2,741":732,"2,742":733,"2,743":734,"2,744":735,"2,745":736,"2,746":737,"2,747":738,"2,748":739,"2,749":740,"2,750":741,"2,751":742,"2,752":743,"2,753":744,"2,754":745,"2,755":746,"2,756":747,"2,757":748,"2,758":749,"2,759":750,"2,760":751,"2,761":752,"2,762":753,"2,763":754,"2,764":755,"2,765":756,"2,766":757,"2,767":758,"2,768":759,"2,769":760,"2,770":761,"2,771":762,"2,772":763,"2,773":764,"2,774":765,"2,775":766,"2,776":767,"2,777":768,"2,778":769,"2,779":770,"2,780":771,"2,781":772,"2,782":773,"2,783":774,"2,784":775,"2,785":776,"2,786":777,"2,787":778,"2,788":779,"2,789":780,"2,790":781,"2,791":782,"2,792":783,"2,793":784,"2,794":785,"2,795":786,"2,796":787,"2,797":788,"2,798":789,"2,799":790,"2,800":791,"2,801":792,"2,802":793,"2,803":794,"2,804":795,"2,805":796,"2,806":797,"2,807":798,"2,808":799,"2,809":800,"2,810":801,"2,811":802,"2,812":803,"2,813":804,"2,814":805,"2,815":806,"2,816":807,"2,817":808,"2,818":809,"2,819":810,"2,820":811,"2,821":812,"2,822":813,"2,823":814,"2,824":815,"2,825":816,"2,826":817,"2,827":818,"2,828":819,"2,829":820,"2,830":821,"2,831":822,"2,832":823,"2,833":824,"2,834":825,"2,835":826,"2,836":827,"2,837":828,"2,838":829,"2,839":830,"2,840":831,"2,841":832,"2,842":833,"2,843":834,"2,844":835,"2,845":836,"2,846":837,"2,847":838,"2,848":839,"2,849":840,"2,850":841,"2,851":842,"2,852":843,"2,853":844,"2,854":845,"2,855":846,"2,856":847,"2,857":848,"2,858":849,"2,859":850,"2,860":851,"2,861":852,"2,862":853,"2,863":854,"2,864":855,"2,865":856,"2,866":857,"2,867":858,"2,868":859,"2,869":860,"2,870":861,"2,871":862,"2,872":863,"2,873":864,"2,874":865,"2,875":866,"2,876":867,"2,877":868,"2,878":869,"2,879":870,"2,880":871,"2,881":872,"2,882":873,"2,883":874,"2,884":875,"2,885":876,"2,886":877,"2,887":878,"2,888":879,"2,889":880,"2,890":881,"2,891":882,"2,892":883,"2,893":884,"2,894":885,"2,895":886,"2,896":887,"2,897":888,"2,898":889,"2,899":890,"2,901":891,"2,903":892,"2,904":893,"2,905":894,"2,906":895,"2,907":896,"2,908":897,"2,909":898,"2,910":899,"2,911":900,"2,912":901,"2,913":902,"2,914":903,"2,915":904,"2,916":905,"2,917":906,"2,918":907,"2,919":908,"2,920":909,"2,921":910,"2,922":911,"2,923":912,"2,924":913,"2,925":914,"2,926":915,"2,927":916,"2,928":917,"2,929":918,"2,930":919,"2,931":920,"2,932":921,"2,933":922,"2,934":923,"2,935":924,"2,936":925,"2,937":926,"2,938":927,"2,939":928,"2,940":929,"2,941":930,"2,942":931,"2,943":932,"2,944":933,"2,945":934,"2,946":935,"2,947":936,"2,948":937,"2,949":938,"2,950":939,"2,951":940,"2,952":941,"2,953":942,"2,954":943,"2,955":944,"2,956":945,"2,957":946,"2,958":947,"2,959":948,"2,961":949,"2,963":950,"2,964":951,"2,965":952,"2,966":953,"2,967":954,"2,968":955,"2,969":956,"2,970":957,"2,971":958,"2,972":959,"2,973":960,"2,974":961,"2,975":962,"2,976":963,"2,977":964,"2,978":965,"2,979":966,"2,980":967,"2,981":968,"2,982":969,"2,983":970,"2,984":971,"2,985":972,"2,986":973,"2,987":974,"2,988":975,"2,989":976,"2,990":977,"2,991":978,"2,992":979,"2,993":980,"2,994":981,"2,995":982,"2,996":983,"2,997":984,"2,998":985,"2,999":986,"2,1000":987,"2,1001":988,"2,1002":989,"2,1003":990,"2,1004":991,"2,1005":992,"2,1006":993,"2,1007":994,"2,1008":995,"2,1009":996,"2,1010":997,"2,1011":998,"2,1012":999,"2,1013":1000,"2,1014":1001,"2,1015":1002,"2,1016":1003,"2,1017":1004,"2,1018":1005,"2,1019":1006,"2,1020":1007,"2,1021":1008,"2,1022":1009,"2,1023":1010,"2,1024":1011,"2,1025":1012,"2,1027":1013,"2,1029":1014,"2,1030":1015,"2,1031":1016,"2,1032":1017,"2,1033":1018,"2,1034":1019,"2,1035":1020,"2,1036":1021,"2,1037":1022,"2,1038":1023,"2,1039":1024,"2,1040":1025,"2,1041":1026,"2,1042":1027,"2,1043":1028,"2,1044":1029,"2,1045":1030,"2,1046":1031,"2,1047":1032,"2,1048":1033,"2,1049":1034,"2,1050":1035,"2,1051":1036,"2,1052":1037,"2,1053":1038,"2,1054":1039,"2,1055":1040,"2,1056":1041,"2,1057":1042,"2,1058":1043,"2,1059":1044,"2,1060":1045,"2,1061":1046,"2,1062":1047,"2,1063":1048,"2,1064":1049,"2,1065":1050,"2,1066":1051,"2,1067":1052,"2,1068":1053,"2,1069":1054,"2,1070":1055,"2,1071":1056,"2,1072":1057,"2,1073":1058,"2,1074":1059,"2,1075":1060,"2,1076":1061,"2,1077":1062,"2,1078":1063,"2,1079":1064,"2,1080":1065,"2,1081":1066,"2,1082":1067,"2,1083":1068,"2,1084":1069,"2,1085":1070,"2,1087":1071,"2,1088":1072,"2,1089":1073,"2,1090":1074,"2,1091":1075,"2,1092":1076,"2,1093":1077,"2,1094":1078,"2,1095":1079,"2,1096":1080,"2,1097":1081,"2,1098":1082,"2,1099":1083,"2,1100":1084,"2,1101":1085,"2,1102":1086,"2,1103":1087,"2,1104":1088,"2,1105":1089,"2,1106":1090,"2,1107":1091,"2,1108":1092,"2,1109":1093,"2,1110":1094,"2,1111":1095,"2,1112":1096,"2,1113":1097,"2,1114":1098,"2,1115":1099,"2,1116":1100,"2,1117":1101,"2,1118":1102,"2,1119":1103,"2,1120":1104,"2,1121":1105,"2,1122":1106,"2,1123":1107,"2,1124":1108,"2,1125":1109,"2,1126":1110,"2,1127":1111,"2,1128":1112,"2,1129":1113,"2,1130":1114,"2,1131":1115,"2,1132":1116,"2,1133":1117,"2,1134":1118,"2,1135":1119,"2,1136":1120,"2,1137":1121,"2,1138":1122,"2,1139":1123,"2,1140":1124,"2,1141":1125,"2,1142":1126,"2,1143":1127,"2,1144":1128,"2,1145":1129,"2,1146":1130,"2,1147":1131},"ٜ":{"المقدمة":[1,8],"1":[5,633],"2":[636,1147]},"ٝ":["المقدمة,1","المقدمة,2","المقدمة,3","المقدمة,4","المقدمة,5","المقدمة,6","المقدمة,7","المقدمة,8","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,71","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,317","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,493","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","2,636","2,637","2,638","2,639","2,640","2,641","2,642","2,643","2,644","2,645","2,646","2,647","2,648","2,649","2,650","2,651","2,652","2,653","2,654","2,655","2,656","2,657","2,658","2,659","2,660","2,661","2,662","2,663","2,664","2,665","2,666","2,667","2,668","2,669","2,670","2,671","2,672","2,673","2,674","2,675","2,676","2,677","2,678","2,679","2,680","2,681","2,683","2,685","2,686","2,687","2,688","2,689","2,690","2,691","2,692","2,693","2,694","2,695","2,696","2,697","2,698","2,699","2,700","2,701","2,702","2,703","2,704","2,705","2,706","2,707","2,708","2,709","2,710","2,711","2,712","2,713","2,714","2,715","2,716","2,717","2,718","2,719","2,720","2,721","2,722","2,723","2,724","2,725","2,726","2,727","2,728","2,729","2,730","2,731","2,732","2,733","2,734","2,735","2,736","2,737","2,739","2,740","2,741","2,742","2,743","2,744","2,745","2,746","2,747","2,748","2,749","2,750","2,751","2,752","2,753","2,754","2,755","2,756","2,757","2,758","2,759","2,760","2,761","2,762","2,763","2,764","2,765","2,766","2,767","2,768","2,769","2,770","2,771","2,772","2,773","2,774","2,775","2,776","2,777","2,778","2,779","2,780","2,781","2,782","2,783","2,784","2,785","2,786","2,787","2,788","2,789","2,790","2,791","2,792","2,793","2,794","2,795","2,796","2,797","2,798","2,799","2,800","2,801","2,802","2,803","2,804","2,805","2,806","2,807","2,808","2,809","2,810","2,811","2,812","2,813","2,814","2,815","2,816","2,817","2,818","2,819","2,820","2,821","2,822","2,823","2,824","2,825","2,826","2,827","2,828","2,829","2,830","2,831","2,832","2,833","2,834","2,835","2,836","2,837","2,838","2,839","2,840","2,841","2,842","2,843","2,844","2,845","2,846","2,847","2,848","2,849","2,850","2,851","2,852","2,853","2,854","2,855","2,856","2,857","2,858","2,859","2,860","2,861","2,862","2,863","2,864","2,865","2,866","2,867","2,868","2,869","2,870","2,871","2,872","2,873","2,874","2,875","2,876","2,877","2,878","2,879","2,880","2,881","2,882","2,883","2,884","2,885","2,886","2,887","2,888","2,889","2,890","2,891","2,892","2,893","2,894","2,895","2,896","2,897","2,898","2,899","2,901","2,903","2,904","2,905","2,906","2,907","2,908","2,909","2,910","2,911","2,912","2,913","2,914","2,915","2,916","2,917","2,918","2,919","2,920","2,921","2,922","2,923","2,924","2,925","2,926","2,927","2,928","2,929","2,930","2,931","2,932","2,933","2,934","2,935","2,936","2,937","2,938","2,939","2,940","2,941","2,942","2,943","2,944","2,945","2,946","2,947","2,948","2,949","2,950","2,951","2,952","2,953","2,954","2,955","2,956","2,957","2,958","2,959","2,961","2,963","2,964","2,965","2,966","2,967","2,968","2,969","2,970","2,971","2,972","2,973","2,974","2,975","2,976","2,977","2,978","2,979","2,980","2,981","2,982","2,983","2,984","2,985","2,986","2,987","2,988","2,989","2,990","2,991","2,992","2,993","2,994","2,995","2,996","2,997","2,998","2,999","2,1000","2,1001","2,1002","2,1003","2,1004","2,1005","2,1006","2,1007","2,1008","2,1009","2,1010","2,1011","2,1012","2,1013","2,1014","2,1015","2,1016","2,1017","2,1018","2,1019","2,1020","2,1021","2,1022","2,1023","2,1024","2,1025","2,1027","2,1029","2,1030","2,1031","2,1032","2,1033","2,1034","2,1035","2,1036","2,1037","2,1038","2,1039","2,1040","2,1041","2,1042","2,1043","2,1044","2,1045","2,1046","2,1047","2,1048","2,1049","2,1050","2,1051","2,1052","2,1053","2,1054","2,1055","2,1056","2,1057","2,1058","2,1059","2,1060","2,1061","2,1062","2,1063","2,1064","2,1065","2,1066","2,1067","2,1068","2,1069","2,1070","2,1071","2,1072","2,1073","2,1074","2,1075","2,1076","2,1077","2,1078","2,1079","2,1080","2,1081","2,1082","2,1083","2,1084","2,1085","2,1087","2,1088","2,1089","2,1090","2,1091","2,1092","2,1093","2,1094","2,1095","2,1096","2,1097","2,1098","2,1099","2,1100","2,1101","2,1102","2,1103","2,1104","2,1105","2,1106","2,1107","2,1108","2,1109","2,1110","2,1111","2,1112","2,1113","2,1114","2,1115","2,1116","2,1117","2,1118","2,1119","2,1120","2,1121","2,1122","2,1123","2,1124","2,1125","2,1126","2,1127","2,1128","2,1129","2,1130","2,1131","2,1132","2,1133","2,1134","2,1135","2,1136","2,1137","2,1138","2,1139","2,1140","2,1141","2,1142","2,1143","2,1144","2,1145","2,1146","2,1147"],"ٞ":{"5":[1],"9":[2],"12":[3],"15":[4],"21":[5],"23":[6],"24":[7],"27":[8],"28":[9,10],"29":[11],"35":[12],"40":[13],"47":[14],"55":[15,16],"60":[17],"64":[18],"67":[19,20],"68":[21],"69":[22],"70":[23,24],"73":[25],"74":[26],"76":[27,28],"79":[29],"84":[30],"88":[31],"91":[32],"102":[33,34,35],"103":[36],"108":[37],"112":[38],"117":[39],"118":[40],"124":[41,42],"126":[43],"134":[44],"136":[45],"151":[46,47],"154":[48],"158":[49],"163":[50],"166":[51],"185":[52,53],"187":[54],"198":[55],"200":[56],"221":[57,58],"223":[59],"231":[60],"233":[61],"238":[62,63],"241":[64],"246":[65],"250":[66],"252":[67],"283":[68,69],"285":[70,71],"290":[72],"299":[73],"300":[74],"303":[75],"305":[76],"317":[77],"318":[78,79],"319":[80],"324":[81],"325":[82],"329":[83,84,85],"337":[86],"341":[87],"351":[88],"353":[89],"373":[90,91,92],"388":[93],"397":[94],"404":[95],"406":[96],"414":[97],"415":[98,99,100],"418":[101],"425":[102],"430":[103],"435":[104],"438":[105,106],"439":[107],"442":[108],"445":[109],"448":[110,111,112],"452":[113],"456":[114],"462":[115],"467":[116],"468":[117,118,119],"471":[120],"475":[121],"477":[122],"486":[123],"487":[124],"490":[125],"491":[126,127],"494":[128,129],"496":[130],"501":[131],"502":[132],"504":[133],"505":[134],"521":[135,136],"522":[137],"524":[138],"528":[139],"531":[140],"537":[141,142,143],"542":[144],"545":[145],"548":[146],"549":[147],"554":[148,149,150],"557":[151],"566":[152],"584":[153],"588":[154],"604":[155,156,157],"606":[158],"612":[159],"614":[160],"617":[161],"623":[162],"624":[163],"630":[164],"631":[165,166,167],"634":[168],"639":[169],"644":[170],"649":[171],"654":[172,173],"656":[174],"658":[175],"668":[176],"673":[177],"676":[178],"677":[179,180],"678":[181],"679":[182],"682":[183],"684":[184],"696":[185,186],"700":[187],"706":[188],"708":[189],"711":[190,191,192],"713":[193],"714":[194],"716":[195],"720":[196],"721":[197],"729":[198],"730":[199],"732":[200,201,202],"737":[203],"741":[204],"752":[205],"754":[206],"758":[207,208,209],"759":[210],"760":[211],"763":[212],"769":[213],"771":[214],"775":[215,216,217],"784":[218],"786":[219],"791":[220],"793":[221],"797":[222,223,224],"800":[225],"805":[226],"811":[227],"815":[228],"825":[229,230,231],"826":[232],"831":[233],"835":[234],"838":[235],"842":[236,237],"845":[238],"852":[239],"858":[240],"860":[241],"870":[242,243,244],"877":[245],"878":[246],"884":[247],"885":[248],"891":[249],"892":[250,251,252],"893":[253],"895":[254],"898":[255],"903":[256],"904":[257],"915":[258,259],"916":[260],"923":[261],"925":[262],"928":[263,264],"935":[265],"937":[266],"938":[267],"949":[268],"950":[269,270,271],"953":[272],"954":[273],"967":[274],"969":[275],"975":[276,277],"977":[278,279],"983":[280],"984":[281],"994":[282,283,284,285],"999":[286],"1000":[287],"1001":[288],"1002":[289],"1013":[290],"1014":[291,292],"1015":[293],"1020":[294],"1021":[295],"1026":[296,297],"1031":[298],"1035":[299],"1037":[300],"1039":[301,302],"1040":[303],"1048":[304],"1049":[305],"1054":[306,307,308],"1056":[309],"1061":[310,311],"1064":[312],"1067":[313],"1069":[314],"1071":[315],"1083":[316]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"- أ -\n\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nإنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nأما بعد:\nفقد بعث الله الأنبياء والرسل بتبليغ التوحيد ولبيانه؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]؛ ومن أجله خلق الله الخلق، وأُنزلت الكتب، وتفرق الناس لأجله بين شقي وسعيد، فأما الموحد فهو من أهل السعادة، وأما المشرك فهو من أهل الشقاء، وهو من أول ما يدخل به العبد في الإسلام؛ فغير الموحد لا يعتبر مسلمًا البتة كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥]، وكما قال رسول الله - ﷺ -: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله\" (^١)، والتوحيد هو مفتاح دعوة الرسل، ولهذا قال النبي - ﷺ - لرسوله معاذ بن جبل -﵁- وقد بعثه إلى اليمن-: \"إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله\n_________\n(^١) رواه البخاري برقم (٢٥)، ومسلم برقم (٢٢).","vol":"المقدمة","page":1},{"text":"- ب -\n\nإلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة\" (^١) وذكر الحديث، وهو أول واجب على العبد، وآخر ما يجب أن يخرج به العبد من الدنيا كما قال رسول الله -ﷺ-: \"من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة\" (^٢).\nوقد مكث النبي -ﷺ- في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو الناس إلى التوحيد، فآمن به من آمن، وكفر به من كفر، فهاجر بعد ذلك فرارًا بدينه إلى المدينة إلى أن توفاه الله، فسار الصحابة -﵃- على نهج نبيهم في الدعوة إلى التوحيد، ففتحوا الأمصار ونشروا الدعوة واستمر الحال إلى زمن التابعين وأتباعهم إلى أنْ ظهرت الفرق المخالفة للسُّنَّة كالجهمية ثم المعتزلة ثم الكلابية، وكان انحرافهم في الصفات والتوحيد، لذا بذل العلماء جهودهم في الرد على المنحرفين في توحيد الأسماء والصفات، مثل كتب الرد على الجهمية للإمام أحمد بن حنبل والدارمي والبخاري وغيرهم من أهل العلم.\nثم حصل بعد القرون الثلاثة المفضلة انحراف في توحيد العبادة على يد الرافضة -أهل قم- فنشروا شرك الوسائط في الأمة، فاهتم العلماء بالرد على المنحرفين في هذا التوحيد وخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- وتلامذته، ثم بعد ذلك الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتلامذته، فألَّفوا المؤلفات العظيمة في تقرير توحيد العبادة وبيان نواقضه، وهذا بفضل الله ورحمته.\nوفي هذا العصر اهتم طلبة العلم ببيان مصطلحات التوحيد وبيان\n_________\n(^١) رواه البخاري برقم (١٣٣١).\n(^٢) رواه أبو داود والحاكم وقال الشيخ الألباني: صحيح.","vol":"المقدمة","page":2},{"text":"- ج -\n\nقواعده، فسجِّلت الرسائل العلمية العالمية (الماجستير والدكتوراه) في بيان المصطلحات (^١) العلمية للتوحيد وقاعدته؛ والمصطلحات العقدية لها أهمية بالغة، إذْ تحدد معاني الألفاظ الشرعية على مذهب أهل السُّنَّة والجماعة والرد على الطوائف المخالفة فيها، قال شيخ الإسلام: (وهذه الحدود معرفتها من الدين في كل لفظ هو كتاب الله وسُنَّة رسوله -ﷺ- ثم قد تكون معرفتها فرض عين وقد تكون فرض كفاية، ولهذا ذم الله تعالى من لم يعرف هذه الحدود بقوله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧]، وبالجملة فالحاجة إلى معرفة هذه الحدود ماسة لكل أمة، وفي كل لغة، فإن معرفتها من ضرورة التخاطب، الذي هو النطق الذي لا بد منه لبني آدم (^٢).\nومن جملة من اهتم من طلبة العلم في هذا العصر ببيان مصطلحات التوحيد وبيان قواعده: الأخ/ محمد باجسير؛ فقد بحث في رسالة الماجستير بعنوان: مصطلحات توحيد العبادة، وأما بحثه في الدكتوراه فهو في بيان قواعد توحيد العبادة، فيعتبر الدكتوراه هي امتداد للماجستير، إذْ أنَّ موضوعهما واحد، ألا وهو توحيد العبادة، وقد أجاد فيهما.\n_________\n(^١) أ - كأطروحة الدكتوراه بعنوان: \"الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بتوحيد الأسماء والصفات -جمعًا ودراسة\"- للدكتورة: أسماء السلمان.\nب - أطروحة الدكتوراه بعنوان: \"الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بتوحيد الربوبية -جمعًا ودراسة-\".\nج - أطروحة الدكتوراه بعنوان: \"الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بالنبوات -جمعًا ودراسة-\" للدكتورة: منيرة العقلا.\nد - أطروحة الماجستير بعنوان: \"المصطلحات الكلامية في أفعال الله -عرض ونقد-\" للباحث: أحمد محمد طاهر؛ وغير ذلك من الرسائل العلمية.\n(^٢) الرد على المنطقيين لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٤٩ - ٥١)، وانظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (٩/ ٩٥).","vol":"المقدمة","page":3},{"text":"- د -\n\nهذا وأسأل الله التوفيق للباحث والأجر والثواب.\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.\nكتبه\nأ. د. محمَّد بن عَبد الرَّحمن الخَميِّس\nأستاذ العقيدة في حلية أصول الدين","vol":"المقدمة","page":4},{"text":"- هـ -\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>مُقَدِّمَةُ المُعتَني باِلكِتَاب</span>\nإنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١].\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -ﷺ-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nوبعد: فإن علم التوحيد أشرف العلوم وأفضلها، وأرفعها مكانة وأجلها لتعلقه بذات الباري سبحانه، وتضمنه معرفة أسمائه وصفاته وأفعاله والعلم بما أنزل من كتبه وأرسل من رسله، ولتأكيد أهميته وعُلوّ شأنه، ونُبل غايته وعظيم منزلته، خلق من أجله الخلق وأجرى عليهم الرزق كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)","vol":"المقدمة","page":5},{"text":"- و-\n\nمَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].\nواتفقت كلمة جميع المرسلين عليهم الصلاة والتسليم على الدعوة إليه ونصرته والجهاد في سبيله، كما في قوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزخرف: ٤٥]. فأمرُ توحيده تعالى إذًا: الدلالة على أمره ونهيه، ومعرفة وعده ووعيده، وإقامة دينه وشرعه، لذا وُضعت من أجله الدواوين، ونُصِبت بشأنه الموازين، وكان الثواب والعقاب، والجزاء والحساب، وافتراق العباد، فريق في الجنة وفريق في السعير.\nولما كان \"من المِحَال أن تَسْتَقِلّ العقول البشرية بمعرفة ذلك وإدراكه على التفصيل اقتضت حكمة العزيز الرحيم أن بعث الرسل به مُعَرِّفِين وإليه داعين، ولمن أجابهم مبشرين، ولمن خالفهم منذرين، وجعل مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله؛ إذ على هذه المعرفة تنبني مطالب الرسالة جميعها، وأن الخوف والرجاء والمحبة والطاعة والعبودية تابعة لمعرفة المرجو المخوف المحبوب المطاع المعبود\" (^١).\nثلَاث عشرةَ سَنَةً في مكة والنَّبيُّ -ﷺ- يدعو إليه، ويغرس جذوره في أعماق النفوس، ويبني أُسُسَهُ ودعائمه في سويداء القلوب، ويثبت أَركانه في الوجدان؛ حتى اتضحت سبيله للسالكين، وبانت معالمه للراغبين، فأَظهر الله الحق وأَزهق الباطل، وأَضاءت القلوبَ أَنوارُ التوحيد الخالص، فَجلتْه من أَوضار الشرك، وصقلته من أَدران التنديد.\n_________\n(^١) مقدمة الصواعق المرسلة للإمام ابن القيم -﵀-: (١/ ٥).","vol":"المقدمة","page":6},{"text":"- ز -\n\nبقيت العقيدة على صفائها ونقائها وطهرها؛ حتى إذا قضى الله أمرًا كان مفعولًا، ودخل في دين الله من لم يتشرَّب قلبه التوحيد الخالص، حدث في النَّاس الخلل، وتفرَّقت بهم السُّبل، وراجت المذاهب المنحرفة، والأفكار الهدَّامة، وأَطلَّت الفتن برأسها، وفشت البدع ببؤسها، حتى إذا زاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا، قيَّض الله من أَئمَّة الهدى، ومصابيح الدجى من يعيد النَّاس إلى مشكاة النبوة وقلعة الإيمان، ويكشف لهم زيوف الباطل، ويدحض شُبَه المبطلين، ويردَّهم إلى منهج السَّلف الصَّالح.\nإنَّ المتبصِّر في تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة؛ ليرى أن عزَّتها وعلوَّها وغلبتها ودينونة الأُمم لها مرتبطة بصفاء عقيدتها، وصدق توجهها إلى الله، واتباعها لأَثر النَّبيِّ -ﷺ- وسيرها على منهج السَّلف الصَّالح، واجتماعها على أَئمَّتها، وعدم منازعتهم في ذلك، وأَنَّ ذلها وضعفها وانخذالها، وتسلط الأُمم عليها مرتبط بانتشار البدع والمحدثات في الدِّين، واتخاذ الأَنداد والشركاء مع الله، وظهور الفِرَق الضالَّة، ونزع يد الطاعة، والخروج على الأَئمَّة.\nإنَّ الانحرافات العقدية، والحيدة عن منهج السَّلف الصَّالح، والانخداع بزخرف قول أرباب المذاهب المنحرفة هو الذي فرق الأُمَّة، وأَضعف قوتها، وكسر شوكتها، والواقع شاهد على ذلك، ولا مخرج لها من ذلك إلَّا بالرجوع إلى ما كان عليه النَّبي -ﷺ- وأصحابه وأئمَّة الهدى، فلن يصلح آخر هذه الأُمَّة إلَّا بما صلح به أَولها.\nومن هنا تأتي أهمية العناية بهذا الأمر، وتربية الناشئة عليه وتصحيح المسار إليه حتى لا تتشعب بها السُبل فتضل في متاهات الأهواء والفتن. وقد وفق الله عددًا من مشايخنا وعلمائنا ونفرًا من طلبة العلم المخلصين إلى الاهتمام بهذا الموضوع العظيم، تقريرًا واستدلالًا،","vol":"المقدمة","page":7},{"text":"- ح -\n\nوتأصيلًا وتقعيدًا، وتأليفًا وإبطالًا لما يُضادُّه، ويُناقِضه ويُعارضُه من شُبَهِ أَهْلِ الضَّلالِ والانحرافِ في هذا الباب.\nوكان منهم صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور محمد بن عبد الله باجسير في كتابه الماتع \"القواعد في توحيد العبادة وما يضاده من الشرك عند أهل السُّنَّة والجماعة -جمعًا ودراسة-\".\nوفّقه الله وبارك في علمه وعمله وأهله وذريته، وهو كتاب نفيس فيه تأصيل بديع وتوجيهات رصينة لا يستغنى عنه طلاب العلم ولا يشبع منه العلماء.\nكما أسأله جلّت عظمته أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، مقربًا إليه نافعًا لعباده إنه سميع مجيب وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.\nكتبه الفقير إلى عفو ربه ورحمته\n\nعَبدُ الجَبَّار بن عَبدُ العظيم بن محَمَّد آلَ مَاجِد\nغَفرَ الله لَه وَلوَالدَيْه ولجميع المُسلمِينَ\nEmail: a.j.majid@hotmail.com","vol":"المقدمة","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>المُقَدِّمَة</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله:\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١].\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾. [الأحزاب؛ ٧٠، ٧١].\nأما بعد:\nفَمِمَّا لا يَخْفَى على كلّ مسلمٍ بَصِيرٍ في دِينِهِ أن اللهَ تعالى أرسلَ جميعَ رسلِه بالدعوةِ إلى التوحيدِ وإفرادِه بالعبادةِ دونَ غيرِه؛ والغايةُ من خلق الخلقِ هو إفراد الله بالعبادة وهو مقصودِ الرسالاتِ؛ لأنَّ ابتلاء العباد بإرسالِ الرسلِ إنما وقع في معاني الألوهيةِ، أما معانِي الربوبيةِ فقد كانت مستقرةً عندَ المشركين في الجملةِ، والله -﷿- لا يقبلُ من عبادِه صَرْفًا ولا عَدْلًا بدونِ التوحيدِ الذي هو إفرادِه -﷾- بالعبادةِ، والناظرُ في كلامِ اللهِ يَجِدُ الله قد أكثرَ من ذكر توحيد العبادةِ؛ لأنَّه المقصودُ من دعوةِ","vol":"1","page":5},{"text":"المشركين، فَقَدْ ذكره اللهُ تعالى في غالبِ سورِ القرآنِ وبيَّنَ أدِلَّتَه بطرق عديدة، وحاجَّ المشركين في تركِ عبادتِه وحدَه واتخاذِ الأندادِ والأصنامِ من دونه، وهكذا كان شأن رسولِنا -ﷺ- وصحابتِه الكرامِ -﵃- في دعوتِهم إلى اللهِ -﷿-، ظَهرَ ذلك في حِرْصِه -ﷺ- وسدِّه لأبوابِ الشركِ بكلِّ الطرقِ والوسائِل، وكذا صحابته من بعده فقويَتِ الأُمّةُ في عَقِيدَتِها، وصارَت صلتُها عظيمةً بربِّها -﷿-، وَرَسَخَتْ عَقِيدَةُ التوحيدِ في القلوبِ، وسارَتِ الأمّةُ على هذا التوحيدِ رَدْحًا من الزمن ثم بدأ الشركُ في هذا الباب وغيره يَدُبُّ إليهم من جديدٍ، ويَسْرِي فِي كثيرٍ منهم سَرَيَان الرُّوحِ في البدنِ، وإلى اليوم تعاني الأمة من الانحرافِ العظيم، والضلالِ الواضحِ في أصلِ دعوةِ الأنبياءِ والمرسلين، فانتشرَ بَيْنَهم الشِّرْكُ بكل أشْكَالِهِ وصوَرِهِ، وتَعَلَّقَ كثير من الأمّةِ بغيرِ اللهِ تعالى، وصرفوا صنوفًا من العباداتِ والتَّقَرُّباتِ إلى البشرِ دونَ اللهِ تعالى، فأُصِيبَتِ الأُمّةُ بسببِ ذلك بالضعفِ والذلةِ، وَتَكَالُبِ الأَعْداءِ عليها، وأخذوا منها كُلَّ مأخَذٍ.\nولذا كان الاهتمامُ بهذا النوعِ العظيمِ من التوحيد (^١) في كلام أهل العلم في مُقَدِّمَةِ المَهَام؛ تقريرًا واستدلالًا، وتأصيلًا وتقعيدًا، وإبطالًا لما يُضادُه، ويُناقِضُه ويُعارضُه من شُبَهِ أَهْلِ الضَّلالِ والانحرافِ في هذا الباب.\nولقد قُمْتُ بتوفيقٍ مِنَ اللهِ - ﷿ - في مرحلةِ الماجستير بجمع المصطلحات والألفاظِ المُتَعَلِّقَةِ بتوحيدِ الألوهيةِ وَمِنْ ثَمَّ دِرَاسَتُها وذِكْرُ أقْوَالِ العلماءِ في بيانِها، فَظَهَرَ لي من خلاله أهمِّيَةُ التَرْكِيزِ على القواعدِ والضوابطِ التي تَضبِطُ هذا البابَ وَتُبِيِّنُ الأُسُسَ التي يُبْنَى عليها فَقَاعِدَةُ الشيءِ هي أصلُهُ وأَسَاسُهُ.\n_________\n(^١) لا يعني هذا إهمال بقية أنواع التوحيد؛ فإنها هي أصله وأساسه، ولا يستقيم عمود توحيد العبادة بدون توحيد الربوبية أو الأسماء والصفات، كما سيأتي مفصلًا تقرير ذلك في قاعدة مستقلة. [انظر: (ص ٤٤٠، ٦٦٠)، من هذه الرسالة].","vol":"1","page":6},{"text":"يقول الإمام ابن تيمية: \"فإنَّ هذهِ القَوَاعِدَ المُتَعَلِّقَةَ بِتَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ وَحَسْمِ مادةِ الشِّرْكِ، والغُلُوِّ، كُلَّما تَنَوَّعَ بيانُها، وَوَضَحَتْ عِباراتُها، كان ذلك نورًا على نورٍ، واللهُ المستعانُ\" (^١).\nويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: \"وَكَذَلِكَ القَوَاعِدُ؛ فإنَّ كُلَّ مسألةٍ يَنْبَنِي عليها مَسائلُ، يُسَمِّيها العُلَماءُ قاعِدةً، وَقَدْ صَنَّفَ العُلَماءُ كُتُبًا كِبارًا، وسَمُّوها بالقَواعِد؛ فَمِنْها ما هُوَ في أُصُولِ الفِقْهِ؛ كالقَوَاعِدِ لابنِ عَبْدِ السَّلامِ الشافعيّ، وابنِ اللَّحامِ الحَنْبَلِي، ومِنْها ما هو في الفِقْهِ، كالقَواعِدِ لابنِ رَجَبٍ، وهو كِتابٌ ضَخْمٌ كَبِيرُ الحَجْمِ.\nوهذهِ القَواعِدُ التي وَضَعَها شَيْخُنا - ﵀ -، أَحَقُ بهذا الاسمِ من غَيْرِها، لما يَنْبَنِي عليْها مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، فإنَّ مَعْرَفَةَ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيةِ مِنْ تَوْحِيدِ الإلهيةِ، لا يَسَعُ أحدًا جَهْلُهُ. فَمَنْ أَنْكَر هَذهِ القَواعِدَ التي وَضَعَها شَيْخُ الإسلامِ محمد بن عبد الوهاب قَدَّسَ اللهُ روحَه، فَقَدْ كَفَرَ بما تَضمَّنَتْهُ مِنْ أَدْلَّةِ أُصُول الدِّينِ، التي تَضَمَّنَتْها آياتُ القرآنِ المُحْكَماتِ، وَصَحِيح الأحاديثِ؛ وذلك هو الدينُ القيمُ، كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠] ... وبهذا البيانِ، يَعْلَمُ المُنْصفُ أنَّهُ لا يُنْكِرُ تِلْكَ القَواعِدَ إلا مَنْ أَقْعَدَهُ جَهْلُه، وَعَمِيَتْ بَصِيرَتُه، وَضَلَّ فَهْمُهُ، وَتَغَيَّرَتْ فِطْرَتُهُ، وَضَاعَ عَقْلُهُ؛ نَعُوذُ باللهِ مِنَ الخُذْلانِ، وَنَسْأَلُهُ مَعْرفَةَ الحَقِّ وَقَبُولَهُ، وَمَحَبَّتَهُ والعَمَلُ بِهِ، والثَّباتَ عَلَيْهِ، والاستقامةَ في الدنيا والآخرةِ؛ ولا حول ولا قوة إلا باللهِ العليِّ العظيمِ، وهو حسبنا ونعم الوكيل\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ٣١٣).\n(^٢) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١١/ ٣٦٥ - ٣٦٨).","vol":"1","page":7},{"text":"ويقولُ الشيخُ سُلَيْمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ الحمدان في مقدمة شرحه لكتاب التوحيد: \"فإنَّ \"كِتابَ التَّوْحِيدِ\" الذي ألَّفَهُ الإمامُ المجددُ شيخُ الإسلامِ محمدِ بنِ عبدِ الوهابِ -﵀ ورضي عنه-، كتاب بديعُ الوضعِ، عظيمُ النَّفْعِ، لَمْ أَرَ مَنْ سَبَقَهُ إلى مِثالِه، أوْ نَسَجَ في تألِيفِه على مِنْوالِه، فَكُلُّ بابٍ مِنْهُ قاعِدةٌ مِنَ القَواعِد يَنْبَنِي عليها كثير من الفوائدِ\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>أهمية الموضوع:</span>\nلَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ العِلْمِ جَمْعًا لا يَكَادُ يُحْصَى كَثْرةً مِن هذهِ القَواعِدِ والضَوَابِطِ من خِلالِ جُهُودِهم في هذا البابِ، فاسْتِخْرَاجُ هَذِهِ القَواعِدِ والضَوَابِطِ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ العِلْمِ، وإظْهارُها في مُؤَلَّفٍ لَهُ أَهَمِّيَة بالغةٌ في مُعالَجَةِ هذا البابِ بطَريقَةٍ مُفِيدَة قد لا تكونُ طُرِقَتْ مِنْ قَبْلُ حَسْبَ عِلْمِي.\nإِضَافَة إلى جُمْلَةِ أَسْبابٍ أُخْرى شَجَّعَتْني على الكِتابةِ في هذا الموضوعِ منها ما يلي:\n١ - تَعَلُّقُ البحثِ بتَوْحيدِ العِبادَةِ الذي هُوَ مِحْوَرُ دَعْوَةِ الرُّسُلِ -﵈-، وأنَّه لا نَجَاةَ لهذهِ الأُمّةِ بدونِ تَحْقِيقِهِ والعَمَلِ بِه، فإنَّ تَوْحِيدَ الرُّبوبِيةِ لا يَكْفِي في الدُّخُولِ في الإسلام فضلًا عن النجاةِ من النارِ.\n٢ - جَمْعُ هذهِ القَواعِدِ فِيهِ حَصرٌ لِبعضِ جُهُودِ أَهْلِ العِلْمِ في هذا البابِ، وإظهار للأصولِ الجامعةِ والمعاني الكُلّيَةِ والأُسُسِ التي تَضبِطُ مَسائِلَ هذا البابِ.\n٣ - أنَّ جَمْعَ هذهِ القَواعِدِ ودراسَتَها دراسةً عِلْمِيةً فِيهِ تَيْسِيرٌ لِحِفْظِ كَثِيرٍ مِنْ مَسائِلِ هذا البابِ وضبْطِها وتَصَوُّرِها بأسهلِ عبارةٍ وأقربِ طريقٍ.\n_________\n(^١) الدر النضيد على أبواب التوحيد (ص ٥).","vol":"1","page":8},{"text":"٤ - أنَّ دِرَاسَةَ هذهِ القَواعِدِ وَمَعْرِفَةَ مآخِذِ العلماءِ في الاستْدِلالِ لها يُعْطِي الباحثَ القَارِئَ مَلَكَةً في فَهْمِ كَلَامِ العُلَمَاءِ في هذا البابِ.\n٥ - أنَّ جَمْعَ القواعِدِ في توحيدِ العبادةِ واستخلاصَها من كلامِ العُلماءِ يُعْتَبرُ طَرِيقَةً جَديدةً في طَرْحِ قَضايا تَوْحِيدِ العبادةِ، مِمَّا سَيَكُونُ لَهُ بالغُ الأثرِ في خِدْمَةِ هذا الجانبِ العظيمِ، فإنَّ تَنَوُّعَ العِباراتِ والأَسالِيبِ يَزِيدُ في الفَهْمِ والتَّصُورِ كما مر في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية السابق.\n٦ - الانحرافُ العظيمُ الذي وقع بينَ الأُمّةِ؛ حَيْثُ انتشرَ الشِّرْكُ بِجَمِيعِ أَشْكَالِهِ وصُوَرِهِ وخَفِيَ على كَثِيرٍ مِمَّنْ ينتسب إلى العِلْمِ فضلًا عن العامَةِ، وصارَ التوحيدُ غَرِيبًا بَيْنَهُم والشّرْكُ هو الدِّينُ الذي لا يَعْرِفُونَ غَيْرَه، فالتَّرْكِيزُ على هذا الجانبِ وإبرازُهُ بِكِلِّ الوسائِلِ والطرقِ فيه فائدةٌ كبيرةٌ ونفغ عظيمٌ في مُحارَبَةِ الفَسادِ في هذا الباب العظيمِ.\n٧ - لا تَخْفَى أَهَمَّيةُ القَواعِدِ والضوابِطِ في أبوابِ العِلْمِ إذْ بِهَا تُحْصَرُ أبوابُ العِلْمِ وتُضْبَطُ مسائِلُهُ، ولِخُطُورَةِ هذا البابِ -بابِ توحيدِ العبادةِ- كان مِنَ المُهِمِّ جدًا الاهتمامُ بقَوَاعِدِه وضوَابِطِه، وحَصْرُها وإبرازُها حتى يَعْرِفَ المُسْلِمُ ما يَدْخُلُ وما يَخْرُجُ من هذا البابِ فَيَسْلَمُ في دِينِه وعَقِيدَتِه.\n٨ - سَبَقَ وأنْ سُجّلَتْ رِسالة عِلْميّة بعنوانِ القَواعِدِ الكُلِّيَةِ في الأسماءِ والصفاتِ للشيخ إبراهيم البُرَيْكان، جَمَعَ فيها عَدَدًا من القواعدِ في بابِ الأسماءِ والصفاتِ، ولم أَجِدْ في قَوَاعِدِ توحيدِ الإلهيةِ دِراسَةً علميةً -حَسْبَ عِلْمِي- فَلَعَلَّ الكِتابَةَ فيه يَكُونُ فيها شيءٌ من الجدة والإفادة.\n٩ - شَجَّعَنِي على الكِتابَةِ في هذا الموضوعِ جَمْع من المشايخِ المُتَخَصصِينَ في قسم العقيدة.","vol":"1","page":9},{"text":"الدراسات السابقة:\nلَمْ أَقِفُ حتى الساعة على مُؤَلَّفٍ أو رِسَالَةٍ عِلْمِيةٍ تُعالِجُ مَوْضوعَ القَواعِدِ في توحيدِ العبادةِ، من حيثُ الجمعُ والشُّمُول، ولكِنْ هناك بعضُ مَنْ أَلَّفَ مُؤَلَّفاتٍ مُخْتَصَرةً في هذا البابِ ومن ذلك:\n١ - القواعِدُ الأربعُ لشيخِ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -﵀-، حيثُ ذَكَرَ فِيهِ أَرْبَعَ قَواعِدَ تَتَعَلَّقُ بالتوحيدِ والشِّرْكِ وحالِ المشركين، وهي قواعدُ مفيدةٌ في الدعوةِ إلى توحيدِ العبادةِ.\n٢ - الأصول الثلاثة: كذلك للشيخ المجدد الإمام محمد بن عبد الوهاب.\n٣ - هناك بعضُ الكُتُبِ في القَواعِدِ ولكنَّها عامة وغيرُ متخصصةٍ في باب توحيدِ العبادةِ؛ كَكِتابِ الشيخِ السَّعْدي (طريقُ الوُصولِ إلى العِلْمِ المأَمول بِمَعْرِفَةِ القَواعِدِ والضَوَابِطِ والأُصُولِ)، وهي عِبارَةٌ عن اختياراتٍ من كُتُبِ شَيْخِ الإسْلامِ ابنِ تيميةَ وتلميذِه ابنِ القيمِ، وفيها بعضُ القواعدِ المتعلقةِ بتوحيدِ العبادةِ.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>خطة البحث</span>\nتَشْتَمِلُ الخُطّةُ على مقدمةٍ وتمهيدٍ وبابينِ وخاتمةٍ:\n\nالمقدمة:\nوفيها الكلامُ على أهميةِ الموضوعِ وأسبابِ اختيارِه وخُطّةِ البحثِ والمنهجِ المُتَّبَعِ في كِتابَةِ هذه القواعدِ:\n\nالتمهيد:\nوفيه شرحُ مُفْرَداتِ العُنْوانِ، وفيه أربعةُ مباحثَ:\nالمبحثُ الأولُ: القاعدةُ لغةً واصطلاحًا:\nوفيهْ ثلاثةُ مطالب:\nالمطلبُ الأولُ: القاعدةُ لغةً.\nالمطلب الثاني: القاعدةُ اصطلاحًا.\nالمطلبُ الثالثُ: بيانُ العِلاقةِ بَيْنَ القَاعِد والضّابِطِ والأَصْلِ.\nالمبحثُ الثاني: أهميةُ القواعدِ وأثرُها في العلوم.\nالمبحثُ الثالثُ: التَّقْعِيدُ ومناهِجُ العلماءِ فيه.\nالمبحثُ الرابعُ: توحيدُ العبادةِ ومنزلتُهُ الشرعيةِ:\nوتحتَه أربعةُ مطالب:\nالمطلب الأول: معناه وحقيقتُه.\nالمطلب الثاني: أهميتُه ومنزِلَتُه من الدينِ.","vol":"1","page":11},{"text":"المطلبُ الثالثُ: أدلتُه.\nالمطلبُ الرابعُ: أسماؤُه وإطلاقاتُه.\n\nالباب الأول القواعد المتعلقة بتوحيد العبادة\nوفيه ستةُ فصولٍ:\nالفصلُ الأول: القواعد العامة في توحيد العبادة:\nوفيه ثمانية مباحث:\nالمبحثُ الأول: قاعدةٌ: دينُ الأَنْبِياءِ واحدٌ وهو الإسلامُ.\nالمبحث الثاني: قاعدةٌ: الشَّرْعُ مَبْناهُ على تَكْمِيلِ أَدْيانِ الخَلْقِ بِنَبْذِ الوَثَنِيات، وعلى تَكْمِيلِ عُقُولِهِم بِنَبْذِ الخُرافات.\nالمبحثُ الثالث: قاعدةٌ: الدينُ قَدْ كَمُلَ بَيانُه في أُصُولِه وفُرُوعِه باطِنِهِ وظاهِرِهِ عِلْمِهِ وعَمَلِهِ.\nالمبحثُ الرابع: قاعدةٌ: العبادةُ هي الغايةُ التي خَلَقَ اللهُ لها الخَلْقَ من جِهَةِ أَمْرِهِ ومَحَبَّتِهِ ورِضاهُ.\nالمبحث الخامس: قاعدةٌ: ليسَ فى الشريعةِ بقعةٌ تُقْصدُ للعبادَةِ لِذَاتِها إلا المساجدَ ومشاعرَ الحجِ.\nالمبحثُ السادسُ: قاعدةٌ: النِّزَاعُ بينَ الرُّسُلِ وأقْوامِهِم إنَّما كان في إفْرادِ اللهِ بالعبادةِ وتركِ عبادةِ ما سواه.\nالمبحثُ السابع: قاعدةٌ: البركةُ للهِ وصفًا وملكًا وفعلًا، وكُلُّ بَرَكَةٍ في الكونِ فَمِنْ آثارِ بَرَكَتِهِ سبحانه.\nالمبحثُ الثامن: قاعدةٌ: التَّوَجُهُ إلى شئٍ أو إلى جهةٍ بِقَصْدِ القُرْبَةِ وحُصولِ الثوابِ عبادةٌ.","vol":"1","page":12},{"text":"الفصل الثاني: القواعد المتعلقة بحقيقة العبادة وضابطها:\nوفيه ثلاثةُ مباحث:\nالمبحثُ الأول: قاعدةٌ: العبادةُ لا تُسَمَّى عِبادَةً في حُكْمِ الشَّرْعِ إلَّا معَ التوحيدِ.\nالمبحثُ الثاني: قاعدةٌ: مَنَاطُ العِبادَةِ غَايَةُ الحُبِّ مَعْ غَايَةِ الذُلِّ ولا تَنْفَعُ عِبادَةٌ بواحدٍ دونَ الآخرِ.\nالمبحثُ الثالث: قاعدةٌ: صلاحُ الأعمالِ بصلاحِ النِّياتِ وَكُلُّ عَمَلٍ تابعٌ لِنِيَّةِ عامِلِهِ وقَصْدِهِ.\n\nالفصلُ الثالث: القواعدُ المتعلقةُ بأنواعِ التوحيدِ الأخرى:\nوفيهِ أربعةُ مباحث:\nالمبحثُ الأول: قاعدةٌ: أنواعُ التوحيدِ وأضْدَادُها متلازِمَة لا ينْفَكّ أحدها عن الآخرِ.\nالمبحث الثاني: قاعدةٌ: توحيدُ الرُّبوبيةِ لا يَصيرُ الإنسانُ به مُسْلِمًا حتى يأتي بأنواعِ التوحيدِ الأخرى.\nالمبحثُ الثالث: قاعدةٌ: توحيدُ الرُّبُوبِيةِ أَقَرَّتْ به الخلائقُ مُؤْمِنُها وكافِرُها ولم يَنْكِرْه إلا الشُّذاذِ من البشر.\nالمبحثُ الرابع: قاعدةٌ: الرُّبُوبيةُ والألوهيةُ مَفْهُومان مُتَغايِرانِ فإذا اقْتَرَنا افْتَرَقا وإذا افْتَرَقا اقْتَرَنا.\n\nالفصلُ الرابع: القواعدُ المتعلقةُ بأصلِ التوحيدِ:\nوفيه خمسةُ مباحث:\nالمبحث الأول: قاعدةٌ: أصلُ الإيمانِ وقاعدتُه التي عليها مدارُ أعمالِ العبادِ هو تحقيقُ مَعْنى الشَّهادَتَيْنِ قولًا وعملًا وعقيدة.","vol":"1","page":13},{"text":"المبحثُ الثاني: قاعدةٌ: شَهادَةُ أنْ لا إلهَ إلَّا الله مُشْتَمِلَةٌ على النَّفْيِ والإِثْباتِ.\nالمبحثُ الثالث: قاعدةٌ: الكفرُ بالطاغوتِ رُكْنُ التَوْحِيدِ.\nالمبحثُ الرابعُ: قاعدةٌ: محبةُ اللهِ هي أصلُ الدينِ والمَحَبةُ فيهِ أو لَهُ تَبَعٌ لَمَحَبَّتِهِ، والمَحَبَةُ مَعَهُ تُضادُهُ وتُناقِضُهُ.\nالمبحثُ الخامس: قاعدةٌ: الحَنِيفِيَّةُ مِنْ مُوجِباتِ الفِطْرَةِ وَمُقْتَضَياتِها.\n\nالفصل الخامس: القواعد المتعلقة بتحقيق توحيد العبادة وأدلته:\nوفيه مبحثان:\nالمبحثُ الأول: قاعدةٌ: تَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ يَتَضمَّنُ تَحْقِيقَ أَصْلِهِ وَكَمالِهِ الواجبِ وكَمَالِهِ المُسْتَحَبِّ وبَحَسْبِها يَتَفاضَلُ المؤمنون.\nالمبحثُ الثاني: قاعدةٌ: توحيدُ الرُّبُوبية هو أصلُ توحيدِ الإلهيةِ وَدَلِيلُهُ الأكبرُ.\nالفصل السادس: القواعد المتعلقة بردّ البدع:\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحثُ الأول: قاعدةٌ: العباداتُ توقيفيةٌ.\nالمبحثُ الثاني: قاعدةٌ: اعتبارُ ما صدَرَ عن النّبِي -ﷺ- عبادةً مَوْقُوفٌ على قَصْدِهِ التَعَبُّدُ.\nالمبحثُ الثالث: قاعدةٌ: الوَسائِلُ لَها أَحْكامُ المَقَاصدِ.\n\nالباب الثاني القواعد المتعلقة بما يضاد توحيد العبادة\nوفيه أربعة فصول:\nالفصل الأول: القواعد المتعلقة بتعريف الشرك وحقيقته:\nوفيه سبعةُ مباحث:","vol":"1","page":14},{"text":"المبحثُ الأول: قاعدة: التَّشْبِيهُ هو أَصْلُ عِبادَةِ الأوْثانِ عندَ أَكْثَرِ المشركين.\nالمبحثُ الثاني: قاعدةٌ: الشِّرْكُ هُوَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ اللهِ وغَيْرِهِ في شيءٍ مِنْ خَصَائِصِهِ وَحَقِّهِ.\nالمبحثُ الثالث: قاعدةٌ: الخوفُ الشِّرْكِي: أنْ يخَافَ العَبْدُ مِنْ غيرِ اللهِ أنْ يُصِيبَهُ مَكْروهٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وإنْ لَمْ يُباشِرْه.\nالمبحثُ الرابع: قاعدةٌ: السؤالُ والطلبُ من غيرِ اللهِ فيما لا يَقْدِرُ عليه إلّا الله شركٌ.\nالمبحثُ الخامس: قاعدةً: الاعتقادُ في الأسبابِ بِذَاتِها شِرْكٌ في الرُّبُوبيةِ والأُلوهِيةِ.\nالمبحثُ السادس: قاعدةٌ: الشفاعةُ مُلكٌ للهِ تعالى وطَلَبُها ورَجَاؤُها من غيرِ اللهِ أو بغيرِ إذنِهِ شِرْكٌ.\nالمبحثُ السابع: قاعدةٌ: كُلُّ ما وَرَدَ في القرآنِ من الأمرِ بالدعاءِ، والنهيِ عن دعاءِ غيرِ اللهِ، يَتَناوَلُ دُعاءَ المَسْأَلَةِ، وَدُعاءَ العبادةِ.\n\nالفصل الثاني: القواعد المتعلقة بقبح الشرك وأنواعه:\nوفيه ثلاثةُ مباحث:\nالمبحثُ الأول: قاعدةٌ: الشِّرْكُ هَضْم لِعَظَمَةِ الرُّبُوبيةِ وَتَنقُّصٌ لِحَقِ الإلهيةِ وسوءُ ظَن بِرَبِّ العالمين.\nالمبحثُ الثاني: قاعدة: قُبْحُ الشِّرْكِ مُسْتَقِرُ في العقولِ والفطرِ، والسّمعُ نَبَّه العُقَولَ وأَرْشَدَها إلى مَعْرِفَةِ ما أُوْدِعْ فيها مِنْ قُبْحِ ذلك.\nالمبحثُ الثالث: قاعدةٌ: الشِّرْكُ الأصغرُ هُوَ كُلُّ وَسِيلَةٍ وَذَرِيعَةٍ يُتَطَرَّقُ مِنْها إلى الشِّرْكِ الأكبرِ من الإراداتِ والأقوالِ والأفعالِ التي لم تَبْلُغْ رُتْبَةَ العبادةِ.","vol":"1","page":15},{"text":"الفصل الثالث: القواعد المتعلقة بوسائل الشرك وأسبابه:\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحثُ الأول: قاعدةٌ: من المقاصدِ الشَّرعيةِ سَدُّ الذّرائع المفضيةِ إلى الشِّرْكِ.\nالمبحثُ الثاني: قاعدةٌ: الحقائِقُ لا تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ المُسَمَّياتِ.\nالمبحثُ الثالث: قاعدةٌ: تَعْظِيمُ شَعائِرِ اللهِ هُوَ تَعْظِيمٌ للهِ وعبادةٌ لَهُ، فَهُوَ تابعٌ لِتَعْظِيمِ اللهِ وإِجْلالِهِ.\n\nالفصل الرابع: القواعد المتعلقة بإبطال الشرك وحقيقة المشركين:\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحثُ الأول: قاعدةٌ: المشركونَ ما قَصَدُوا من مَعْبُوداتِهم إلّا القُرْبَةَ والشفاعةَ ويقولون: نريدُ من اللهِ لا مِنْهم لَكِنْ بِشَفاعَتِهم والتَّقَرُّبِ إلى اللهِ بِهِم.\nالمبحث الثاني: قاعدةٌ: الأصنامُ الجماديةُ لم تُعْبدْ لِذَاتِها وَإنَّما وُضِعَتْ في الأصلِ لما كان غائبًا من معبوداتِ المشركين.\nالمبحث الثالث: قاعدةٌ: المشركون الأولون يُشْرِكُونَ في الرَّخَاءِ ويُخْلِصُونَ في الشّدّةِ ومُشْرِكُو زَمانِنا شِرْكُهُم في الرَّخاءِ والشّدَّةِ.\nالمبحثُ الرابع: قاعدةٌ: دينُ الحُنَفاءِ ليسَ فيهِ واسطة بينَ اللهِ وخَلْقِهِ في الرُّبُوبيةِ والألوهيةِ والرُّسُلُ وسائِطُ في التبليغِ والدَّلَالَةِ.\n\nالخاتمة:\nوفيها أَهَمُّ نَتائِج البحثِ وفوائِده، وفهرسُ المراجعِ والمصادرِ، وفهرسُ الموضوعاتِ.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المنهج المتبع في هذا البحث</span>\nأولًا: ما يَتَعَلَّقُ بِدِرَاسَةِ القَواعدِ والضوابِطِ؛ وهي على النحو التالي:\n١ - ذِكْرُ صُورَةِ القاعدةِ.\n٢ - بيانُ معنى القاعدةِ إجمالًا.\n٣ - شرحُ وبيانُ ألفاظِ القاعدةِ إنْ احْتاجَ الأمرُ إلى بيانٍ.\n٤ - ذِكْرُ أَدِلَّةِ القاعدةِ.\n٥ - ذِكْرُ أَقْوالِ العُلَماءِ في اعْتِمادِ القاعدةِ.\n٦ - بيانُ فائدةِ القاعدةِ وأثرِها الإيجابي.\nثانيًا: الاعتمادُ في القاعدةِ على أقوالِ العلماءِ وتَعْبِيراتِهم، وَقَدْ تَتَنَوَّعُ تَعْبِيراتِهِم في صِياغَةِ القواعدِ، فالمنهجُ المُتَّبَعُ هو -بعدَ البَحْثِ والتَّأَمُّلِ- انتقاءُ الصياغةِ من كلامِ أهلِ العلمِ التي تَمَيّزَتْ بِالشُّمُولِ والدِّقَّةِ في لَفْظِها ومَعْناها.\nولزيادَةِ التَّوْضيحِ أقولُ: بأنَّ ما ذَكَرْتُهُ من القواعدِ لا يَخْرُجُ عن ثَلاثَةِ أُمُورٍ:\nأ - ما نَصَّ أَهْلُ العِلْمِ على أنَّه قاعِدةٌ، أوْ أصْلٌ من أُصُولِ الدينِ، فإنّي ألْتَزِمُ بِهِ، وَقَدْ تَتَنَوَّعُ تَعْبِيراتُهُم وأَلْفاظُهُم عِنْدَ ذِكْرِ القاعِدةِ بِعِبارَاتٍ مختلفةٍ، فَيُؤْخَذُ التَّعْبِيرُ الأقصرُ والأشملُ والأدقُ، وقد تَحْتاجُ العبارةُ لِشَيْءٍ من الإضافةِ أو التقديمِ والتأخيرِ.\nب - التَّعْبِيرُ من بَعْضِ أهلِ العِلْمِ بالأمرِ الكُلِّي الذي تَرْجِعُ إليهِ","vol":"1","page":17},{"text":"مُفْرادتُه وجزئياتُه، فَيَبْتَدِئُ الحكمَ بلفظةِ (كُلٍّ)؛ فيقول: كُلُّ كذا وكذا ثُمَّ يَذْكُرُ حُكْمًا من الأحكام، أو يقول: فَكُلُّ شَيْءٍ كان كذا ... ثم يعقبه بِذِكْرِ الحُكْمِ، ومن المَعْلُومِ أن التَّعْبِيرَ بالأمرِ الكُلِّي يُفْهَمُ منه أنّ ثَمَّةَ فُروعًا وجزئياتٍ لهذا الحُكْمِ؛ ولا شَكَّ أنَّ هذا داخلٌ في التَّقْعِيدِ؛ إذِ الكُلِّياتُ تَرْجِعُ إليها أفرادُها، كما أنَّ القاعدةَ: أمرٌ كُلِّيٍّ مُنْطَبِقٌ على جُزْئياتِ مَوْضُوعِه (^١).\nج - أنْ يَرِدَ في ضِمْنِ كَلام العالم ما يفهم منه التقعيد، أو التأصيل لأمر؛ بحيث يبني شيئًا على شيء، فيستنتج شيئًا بناء على أمر من الأمور؛ كأن يقول: وهذا الأمر مبني على كذا وكذا، أو يكون سببًا وأثرًا لشيء وقد يحتاج إلى تحرير اللفظ لكي تكون صياغته على هيئة القاعدة.\nثالثًا: الالتزام بما ذكره العلماء في تعريف القواعد حيث نصوا على عدة أمور تتضمنها القاعدة؛ منها:-\nأ - الإيجاز في العبارة إيجازًا غير مخل.\nب - أن تكون أصلًا يبنى عليه غيره أو تتضمن حكمًا كليًّا يطرد في أفرادها.\nج - أن تتضمن بعض الجزئيات أو المسائل أو التفريعات.\nد- أن يكون حدها جامعًا مانعًا.\nرابعًا: من العلماء من فرق بين القاعدة والضابط بأن القاعدة أعم من الضابط ومنهم من لم يفرق، وعلى هذا الأخير سيجري العمل في هذه الرسالة بإذن الله تعالى، وقد مشى على ذلك بعض الباحثين (^٢).\n_________\n(^١) انظر: محاضرة: (قواعد القواعد) لمعالي الشيخ صالح آل الشيخ، (شريط كاسيت).\n(^٢) انظر: العلاقة بين القاعدة والضابط والأصل (ص ٣٢)، و\"قواعد التفسير\"، للشيخ خالد السبت (١/ ٣٢).","vol":"1","page":18},{"text":"خامسًا: عزوت الآيات إلى مواضعها، بذكر اسم السورة ورقم الآية، مع كتابتها بالرسم العثماني، وجعلت العزو في المتن رغبةً في تخفيف الحاشية.\nسادسًا: قمت بتخريج الأحاديث وَعزوها إلى كتب الحديث، مكتفيًا بصحيحي البخاريّ ومسلم في حالة وجود الحديث فيهما، أو في أحدهما، وإلَّا خرّجتُه من كتب الحديث الأخرى، وذلك بذكر اسم الكتاب، والجزء والصفحة، ورقم الحديث إن وجد، مع ذكر حكم أهل العلم عليه.\nسابعًا: ترجمت للأعلام غير المشهورين الذين ورد ذكرُهم في البحث بتراجم مختصرة.\nثامنًا: شرحت الألفاظ والمفردات الغريبة التي وردت في البحث، من كتب غريب الحديث والمعاجم اللغوية ونحوها.\nتاسعًا: ختمت البحث بخلاصةٍ أذكر فيها أهم المسائل والفوائد التي تضمنها البحث.\nعاشرًا: التزمت بعلامات الترقيم وضبطت ما يحتاج إلى ضبط.\nحادي عشر: ذيلت البحث بفهارس علمية تُقرِّبُ مسائله وفوائده، وتُسهِّلُ الاستفادة منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>مشاكل البحث وصعوباته:</span>\nلقد واجهتني بعض الصعوبات أثناء إعداد هذه الرسالة، أذكر منها ما يلي:\nأولًا: سعة المادة العلمية المبثوثة في كتب أهل العلم وكثرتها وتداخلها.\nثانيًا: تفرق مادة البحث في كتب أهل العلم، وقد تكون -في غالب الأحوال- في غير مظانها، مما أدى إلى مزيد من الوقت والجهد.","vol":"1","page":19},{"text":"ثالثًا: ما تميزت به طبيعة البحث من كونه يتعلق بالتقعيد والتأصيل، ولا تخفى صعوبة هذا الباب وخطورته.\nرابعًا: طبيعة الخطة الموضوعة للبحث التي اشتملت على الدقة في التقسيم والترتيب، وذلك يتطلب بناء المادة العلمية على تلك الهيئة المرسومة في دراسة كل قاعدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>شكر وتقدير:</span>\nوفي الختام أشكر الله تعالى شكرًا كثيرًا، وأحمده حمدًا مزيدًا لا ينقطع، وهو للحمد أهل أن وفقني على إكمال هذا البحث وإخراجه بهذه الصورة، أسأل الله تعالى أن يجعله خالصًا لوجهه سبحانه، وأن يبارك فيه وينفع به من كتبه وجمعه وقرأه وسمعه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.\nثم أتقدم بوافر الشكر والتقدير إلى أستاذي وشيخي الجليل فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور إبراهيم بن عامر الرحيلي الذي شرُفت بإشرافه، وسعدت بمرافقته وصحبته ومتابعته لي في هذه المرحلة.\nولقد أفادني -رفع الله قدره- بتوجيهاته القيمة النافعة، وآرائه النيرة المسددة، وتعليقاته الدقيقة، ولقد بذل لي من وقته الكثير -رُغْمَ كَثْرَةِ مشاغله وأعماله العلمية والدعوية- مما ذلل أمامي عقباتٍ كثيرةً في البحث، ولولا فضل الله تعالى أولًا ثم متابعته المتواصلة لي، وحرصه الدائم، واستشعاره بأهمية البحث ودقته، ما كنت أظن أن يصل هذا البحث إلى نهايته، فقد كنت كثيرًا ما أقف حائرًا وعاجزًا عن معالجة بعض مباحث الرسالة، فما أن ألتقي به -حفظه الله- وأعرض عليه ما استعصى على إلا وكان لي -بعد الله تعالى- خير عون، وأزال ما عندي من اللبس، وأوضح ما خفي علي من المسائل، فأسأل الله تعالى أن يثيبه وافر الثواب، وأن يجزيه أحسن الجزاء، وأن يطيل عمره في طاعته، وأن يبارك له في وقته وأهله وماله.","vol":"1","page":20},{"text":"وأعقب ذلك بالشكر والتقدير والعرفان لكلِّ من أصحاب الفضيلة عضوي المناقشة؛ فضيلة شيخنا وأستاذنا محمد بن عبد الرحمن الخميس الأستاذ الدكتور بقسم أصول الدين بجامعةِ الإمامِ محمدِ بن سعودٍ الإسلامية، وصاحبِ المؤلفات النافعة والتآليف البديعة، بل هو من أبرز المشتغلين بتنقيح تراث الأمة في عصرنا الحاضر، وفضيلةِ شيخِنا وأستاذِنا المبدعِ الكبير محمد بن خليفة بن علي التميمي الأستاذِ الدكتورِ بقسمِ العقيدةِ بالجامعةِ الإسلاميةِ والمشرفِ العامِ على مشروع جامعةِ المدينةِ العالميةِ، بل هو صاحبُ إبداعِها وواضعُ لبناتِها الأولى، في عصرٍ أصبحت فيه تقنيةُ المعلوماتِ هي القوةُ المهيمنةُ على كثيرٍ من جوانب الحياة، الأمر الذي اختصر المسافات، وبارك في الزمان، وقرَّب المكان، بحيث أصبحَ العالمُ كالقريةِ الواحدةِ.\nوهو حفظه الله ممن حظيت بإشرافه في مَرْحَلَةِ الماجستير فكان له بالغ الأثر في نفسي، فجزاه الله عني خير الجزاء، وبارك فيه وفي جهوده.\nوليس لي من شيء أقدمه لمشايخي وأساتذتي غيرُ الدعاء لهم: فأسأل الله العلي العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجزيهم خير الجزاء وأن يحفظهم في دينهم ودنياهم وأموالهم وذرياتهم.\nولا يفوتني أن أتقدم بالشكر إلى الجامعة الإسلامية على ما تبذله من عطاء متدفق، وجهد كبير، وغرس للعقيدة الصحية في نفوس أبنائها، ولقد حظيتُ بالدراسة فيها كغيري من طلبة العلم، واستفدت منها غاية الاستفادة، فأسأله سبحانه أن يجزي القائمين عليها خير الجزاء، وأن يتقبل منهم هذا السعي في خدمة العلم وأهله، وأن يزيدهم توفيقًا وسدادًا، وأن يعينهم على أداء واجبهم على الوجه الذي يرضاه إنه سميع مجيب.","vol":"1","page":21},{"text":"كما أسأله سبحانه أن يَمُنّ علينا بتحقيق توحيده، وبالفقه في دينه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يصلح سرائرنا ونياتنا، وأنْ يجعل ما قدمنا حجة لنا لا حجة علينا إنه ولي ذلك والقادر عليه.\nوصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>التمهيد</span>\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: القاعدة لغة واصطلاحًا.\nالمبحث الثاني: أهمية القواعد وأثرها في العلوم.\nالمبحث الثالث: التقعيد ومنهج العلماء فيه.\nالمبحث الرابع: توحيد العبادة ومنزلته الشرعية.","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>المبحث الأول القاعدة لغة واصطلاحًا</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>المطلب الأول: القاعدة لغة</span>.\nالمطلب الثاني: القاعدة اصطلاحًا.\nالمطلب الثالث: بيان العلاقة بين القاعدة والضابط والأصل.\n\n* المطلب الأول * القاعدة لغة\nالقاعدة مشتقة من الأصل اللغوي الثلاثي (قعد)، يقال: (قَعَدَ يَقْعُدُ قُعُودًا فهو قَاعِدٌ)، و(القَعْدَة) بالفتح: المرة، وبالكسر: هيئة نحو: قعد قعدة خفيفة، والفاعل قاعد، والجمع (قعود)، والمرأة (قاعدة)، والجمع (قواعد وقاعدات)، ويتعدى بالهمزة فيقال: أقعدته، والمَقْعَد: موضع القعود، و(قعد قعودًا): جلس من قيام، وقعد للأمر: اهتم به وتهيأ له، وقعد بفلان أجلسه، وقعد عن الأمج: تأخر عنه أو تركه، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ٩٠]، وقعدت المرأة عن الحيض: أسنت وانقطع حيضها، والمقعدة: السافلة من الشخص، وأُقْعِدَ بالبناء للمفعول أصابه داء في جسده فلا يستطيع الحركة ولا المشي، فهو مُقْعَد، وقواعد البيت: أساسه، الواحدة قاعدة (^١).\n_________\n(^١) انظر: المصباح المنير (٢/ ٥١٠)، والمعجم الوسيط (٢/ ٧٤٨).","vol":"1","page":25},{"text":"ويطلق القعود على ما فيه لبث بخلاف الجلوس؛ ولهذا يقال: قواعد البيت، ولا يقال: جوالسه، ويقال أيضًا: فلان جليس الملك، ولا يقال: قعيده، ويقال أيضًا لمن كان قائمًا: اقعد، ولمن كان نائمًا أو ساجدًا: اجلس؛ وذلك لكون القعود: انتقال من علو إلى سفل، ولهذا قيل لمن أصيبت رجله: قعد، والجلوس: انتقال من سفل إلى علو، ومنه سميت نجد جلسا لارتفاعها، ويقال: الرجال قُعَّاد جمع قاعد، كما يقال: ركاب في جمع راكب (^١).\nوذو القِعْدَة: شهر كانت العرب تقعد فيه عن الأسفار، والقِعْدَة: الدابة تُقْتَعَد للركوب خاصة، والقعود من الإبل كذلك، وقواعد البيت أساسه، وقواعد الهودج: خشبات أربع معترضات في أسفله (^٢).\nفالقاعدة هي الأصل والأساس لما فوقها، وتجمع على قواعد، ومنها الحسية كقواعد البيت، ومنها المعنوية كقواعد الدين وقواعد الفقه (^٣)، وعليه فمدار مادة قعد تدل على الثبوت، وتفيد الاستقرار (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-11> المطلب الثاني * القاعدة اصطلاحًا</span>\nقبل الكلام على معنى القواعد المتعلقة بالعقيدة وخاصة في التوحيد أتناول معنى القاعدة اصطلاحًا عند أهل الفقه والأصول، إذ هم أكثر من تكلم في ذلك، لكثرة التقعيد وشهرته عندهم، ولاتفاق معنى القواعد في الجملة بين سائر العلوم.\nولقد اختلفت تعبيرات أهل الفقه وأصوله في معنى القاعدة، وهي\n_________\n(^١) انظر: الكليات، للكفوي (ص ٧٢٨).\n(^٢) انظر: مقاييس اللغة (٥/ ١٠٩).\n(^٣) انظر: شرح القواعد السعدية، للزامل (ص ٨).\n(^٤) انظر: التبيان في تفسير غريب القرآن، لشهاب الدين المصري (ص ١٠٨)، وقاعدة العادة محكمة، دراسة نظرية تأصيلية تطبيقية، د. الباحسين (ص ١٣).","vol":"1","page":26},{"text":"في جملتها على قولين؛ قول اعتبر القاعدة أمرًا كليًا، وآخر اعتبرها حكمًا أغلبيًا.\nومنشأ الخلاف أن من قال: إنها كلية نظر إلى أصل القاعدة بالنسبة إلى عموم لفظها، ومن قال: إنها أغلبية نظر إلى وجود مستثنيات في كل قاعدة. (^١).\nومما قالوا في تعريفها:\nقول ابن السبكي (^٢) بأنها: \"الأمر الكلي الذي ينطبق عليه جزئيات كثيرة يفهم أحكامها منه\" (^٣).\nوعرَّفها الجرجاني (^٤) بقوله: \"القاعدة: هي قضية كلية (^٥) منطبقة على جميع جزئياتها\" (^٦).\n_________\n(^١) يقول محمد علي بن حسين المكي في كتابه: \"تهذيب الفروق\" (١/ ٥٨)، بهامش \"أنوار البروق في أنواء الفروق\": \"من المعلوم أن أكثر قواعد الفقه أغلبية\".\n(^٢) هو: عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن علي السبكي الشافعي، ولد بالقاهرة سنة ٧٢٧ هـ، وسمع من علمائها، له مؤلفات أصولية عديدة منها: رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، وجمع الجوامع، والإبهاج وهو تكملة شرح والده على المنهاج، توفي سنة ٧٧١ هـ. [انظر ترجمته في: طبقات الشافعية، لابن قاضي شهبة (٣/ ١٠٤)، والبدر الطالع (١/ ٤١٠)].\n(^٣) الأشباه والنظائر، لابن السبكي (١/ ١١).\n(^٤) هو: علي بن محمد بن علي الحنفي الشريف الجرجاني، متبحر في العلوم العقلية. له مصنفات كثيرة منها: التعريفات، وحاشية على شرح العضد لمختصر ابن الحاجب، توفي سنة ٨١٦ هـ. انظر ترجمته في: بغية الوعاة (٢/ ١٩٦)، والبدر الطالع (١/ ٤٨٨).\n(^٥) القضية الكلية هي الاستقامة (١/ ١١ - ١٢)، والكلمة الجامعة هي القضية الكلية والقاعدة العامة التي بعث بها نبينا -ﷺ- فمن فهم كلمه الجوامع علم اشتمالها لعامة الفروع وانضباطها بها والله أعلم.\n(^٦) التعريفات (ص ٢١٩)، [وانظر: تيسير التحرير (١/ ١٤)، وجمع الجوامع (١/ ٣١ - ٣٢)، والتوقيف على مهمات التعاريف، للمناوي (ص ٥٦٩)، ومطالب أولي النهي للرحيباني (١/ ١٨)].","vol":"1","page":27},{"text":"ويقول أبو البقاء الكفوي (^١) في تعريفها: \"والقاعدة اصطلاحًا: قضية كلية من حيث اشتمالها بالقوة على أحكام جزئيات موضوعها، وتسمى فروعًا، واستخراجها منها تفريعًا\" (^٢).\nوعرَّفها شهاب الدين الحموي (^٣) بتعريف مغاير لما سبق، فهو يعتبر القاعدة بأنها حكم أكثري أو أغلبي فليس من شرطها أن تكون كلية مطردة، فقال: \"لأن القاعدة عند الفقهاء غيرها عند النحاة والأصوليين؛ إذ هي عند الفقهاء: حكم أكثري لا كلي ينطبق على أكثر جزئياته لتعرف أحكامها منه\" (^٤).\nوجمع بعض أهل العلم بين الأمرين، فقد جاء في \"درر الحكام\": \"وفي اصطلاح الفقهاء هو الحكم الكلي أو الأكثري الذي يراد به معرفة حكم الجزئيات\" (^٥).\nوالصحيح أن القاعدة كلية، وأما وجود المستثنيات للقواعد فهذا لا يخرجها عن كونها كلية؛ لأنَّها قليلة فلا تخدش في كلية القواعد الاستقرائية (^٦).\n_________\n(^١) هو: أيوب بن السيد شريف موسى الحسيني، أبو البقاء (١٠٩٤ هـ)، من أهل (كفا) بالقرم، ومن قضاة الأحناف، توفي وهو قاضي بالقدس. من تصانيفه: \"تحفة الشاهان\" تركي، في فروع الحنفية، و\"الكليات\" في اللغة [انظر: هدية العارفين (١/ ٢٢٩)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٣١)، والأعلام للزركلي (١/ ٣٨٣)].\n(^٢) الكليات (ص ٧٢٨).\n(^٣) هو: أبو العباس أحمد بن محمد مكي المعروف بشهاب الدين الحموي الحنفي، المصري الحموي الأصل، مفتي الحنفية في مصر، درس بالمدرسة السليمانية بالقاهرة، توفي سنة ١٠٩٨ هـ، من مؤلفاته: حاشية الدرر والغرر في الفقه، وغمز عيون البصائر شرح كتاب الأشباه والنظائر لابن نجيم، وكشف الرمز عن خبايا الكنز. [انظر ترجمته: الأعلام (١/ ٢٣٩)، ومعجم المؤلفين (٢/ ٩٣)].\n(^٤) غمز عيون البصائر (١/ ٥١).\n(^٥) درر الحكام شرح مجلة الأحكام (١/ ١٧).\n(^٦) انظر: قاعدة العادة محكمة، ليعقوب الباحسين (ص ١٤ - ١٥).","vol":"1","page":28},{"text":"يقول الشاطبي (^١): \"فكل هذا غير قادح في أصل المشروعية؛ لأن الأمر الكلي إذا ثبت فتخلف بعض الجزئيات عن مقتضى الكلي لا يخرجه عن كونه كليًا، وأيضًا؛ فإن الغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار العام القطعي، لأن المتخلفات الجزئية لا ينتظم منها كلي يعارض هذا الكلي الثابت\" (^٢).\nويقول الإمام ابن القيم (^٣): \"إذ شأن الشرائع الكلية أن تراعي الأمور العامة المنضبطة، ولا ينقضها تخلف الحكم في أفراد الصور\" (^٤).\nأما بالنسبة لطبيعة القواعد المتعلقة بباب الاعتقاد والتوحيد؛ فإن أهل العلم لم يلتزموا بالضوابط الخاصة المعتبرة في تعريف القاعدة الأصولية أو القاعدة الفقهية؛ بحيث تكون لها جزئيات وفروع تندرج تحتها ويعرف حكمها من القاعدة، وإنما الأمر عندهم أوسع من ذلك؛ إذ كل مسألة (^٥)، من المسائل العلمية تنبني عليها مسألة أو عدة مسائل فهي\n_________\n(^١) هو: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي، الغرناطي، أبو إسحاق الشهير بالشاطبي فقيه، أصولي، مفسر، محدث، لغوي، (له استنباطات جليلة ودقائق منيفة وفوائد لطيفة، وأبحاث شريفة، وقواعد محررة). له مصنفات نافعة منها: الاعتصام، والموافقات في أصول الفقه، توفي سنة ٧٩٠ هـ. [انظر ترجمته في: نيل الابتهاج بتطريز الديباج (ص ٤٦)، وشجرة النور الزكية (ص ٢٣١)، والأعلام للزركلي (١/ ٧٥)].\n(^٢) الموافقات (٢/ ٥٣).\n(^٣) هو: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن جرير الزرعي ثم الدمشقي، الفقيه، الأصولي المفسر النحوي، شمس الدين، أبو عبد الله، ابن قيم الجوزية، أخذ العلم عن كثيرين من أشهرهم شيخ الإسلام ابن تيمية ولازمه مدة طويلة، له تصانيف كثيرة منها: إعلام الموقعين، وزاد المعاد، وبدائع الفوائد، توفي سنة ٧٥١ هـ.\nانظر ترجمته في: ذي طبقات الحنابلة لابن رجب: (٢/ ٤٤٧)، والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (٥/ ١٣٧)، والرد الوافر (ص ٦٨).\n(^٤) إعلام الموقعين (٢/ ١٠١).\n(^٥) المسألة: هي القضية التي يبرهن عنها في العلم، يعبر عنها بهذه العبارة، فيقال: مسألة كذا، مسألة كذا. انظر: المعجم الوسيط (١/ ٤١١)، والدرر السنية (١/ ٣٦٥).","vol":"1","page":29},{"text":"عندهم قاعدة، وقد يعبرون بالأصل في كثير من الأحيان.\nفكأنهم اعتمدوا في استعمال القواعد على المعنى اللغوي العام لمادة (قعد).\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فهذه القواعد: هي الكلمات الجامعة، والأصول الكلية، التي تنبني عليها هذه المسائل ونحوها، وقد ذكرنا منها نكتًا جامعة بحسب ما تحتمله الورقة يعرفها المتدرب في فقه الدين\" (^١).\nويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: \"وكذلك القواعد؛ فإن كل مسألة ينجني عليها مسائل، يسميها العلماء قاعدة، وقد صنف العلماء كتبًا كبارًا، وسموها بالقواعد؛ فمنها ما هو في أصول الفقه؛ كالقواعد لابن عبد السلام الشافعي، وابن اللحام الحنبلي، ومنها ما هو في الفقه، كالقواعد لابن رجب، وهو كتاب ضخم كبير الحجم.\nوهذه القواعد التي وضعها شيخنا الله، أحق بهذا الاسم من غيرها، لما ينبني عليها من أصول الدين؛ فإن معرفة توحيد الربوبية من توحيد الإلهية، لا يسع أحدًا جهله. فمن أنكر هذه القواعد التي وضعها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه، فقد كفر بما تضمنته من أدلة أصول الدين، التي تضمنتها آيات القرآن المحكمات، وصحيح الأحاديث؛ وذلك هو الدين القيم، كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]، ... وبهذا البيان، يعلم المنصف أنه لا ينكر تلك القواعد إلا من أقعده جهله، وعميت بصيرته، وضل فهمه، وتغيرت فطرته، وضاع عقله؛ نعوذ بالله من الخذلان، ونسأله معرفة الحق\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣١/ ٤٠).","vol":"1","page":30},{"text":"وقبوله، ومحبته والعمل به، والثبات عليه، والاستقامة في الدنيا والآخرة؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهو حسبنا ونعم الوكيل\" (^١).\nبل من أهل العلم من جعل الأبواب التي تضمنها كتاب التوحيد للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب قواعد في حد ذاتها وقد اشتملت على فوائد استخرجها الشيخ في مسائله عقب كل باب.\nيقول الشيخ سليمان بن عبد الرحمن الحمدان في مقدمة شرحه لكتاب \"التوحيد\": \"فإن \"كتاب التوحيد\" الذي ألَّفه الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - ﵀ ورضي عنه -، كتاب بديع الوضع، عظيم النفع، لم أرَ من سبقه إلى مثاله، أو نسج في تأليفه على منواله، فكل باب منه قاعدة من القواعد ينبني عليها كثير من الفوائد\" (^٢).\nثم إن قواعد التوحيد والعقيدة بالإضافة إلى ما ينبني عليها من المسائل فإنها تكون في الغالب مقصودة لذاتها علمًا ومعرفة واعتقادًا وعملًا، وليست كالقواعد الأصولية أو الفقهية التي لا تكون مقصودة لذاتها، وإنما وضعت للتوصل بها إلى غيرها (^٣).\nوعلى ضوء ما سبق يمكن القول بأن القواعد العقدية، أو قواعد أصول الدين: هي الأصول الكلية، والكلمات الجامعة التي ينبني عليها مسائل وأحكام؛ أصلية لا يصح الإيمان بدونها، أو فرعية يتحقق بها كماله الواجب، ولا يسع أحدًا الجهل بها (^٤).\n_________\n(^١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١١/ ٣٦٥ - ٣٦٨).\n(^٢) الدر النضيد على أبواب التوحيد (ص ٥).\n(^٣) انظر: التقرير والتحبير في شرح تحرير ابن الهمام، لابن أمير الحاج الحلبي الحنفي (١/ ٣٤).\n(^٤) انظر: أربع قواعد تدور الأحكام عليها، للإمام محمد بن عبد الوهاب (ص ٣).","vol":"1","page":31},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-12> المطلب الثالث * بيان العلاقة بين القاعدة والضابط والأصل</span>\nسبق بيان معنى القاعدة، ولمعرفة العلاقة بينها وبين الضابط والأصل فلا بد من معرفة معاني هذه المفردات من الناحية اللغوية، ثم الاصطلاحية، ومن ثم معرفة أقوال أهل العلم في طبيعة العلاقة بين هذه الألفاظ:\nالضابط: لغة؛ اسم فاعل مشتق من الفعل الثلاثي (ضبط)، من باب ضرب، يقال: ضبَطَهُ يَضْبُطه ويَضْبِطُه ضبْطًا وضَبَاطَةً بالفَتْحِ: حَفِظَهُ بالحَزْمِ، فهو ضَابِطٌ؛ أَيْ: حازِمٌ، وقيل: ضَبْطُ الشَّيْءِ لُزُومُه لا يُفارِقُه، يُقَالُ ذَلِكَ في كلِّ شيءٍ، وضَبْطُ الشَّيْءِ: حِفْظُه بالحَزْم، وأحكمه وأتقنه، وقيل: ضَبَطَ الرَّجُلُ الشَّيءَ يَضْبِطُه ضبْطًا: إِذا أَخَذَه أَخْذًا شَدِيدًا.\nومنه قيل: ضبطت البلاد وغيرها: إذا قمت بأمرها قيامًا ليس فيه نقص، وضبط الكتاب ونحوه: أصلح خلله، أو صححه وشكله، وضَبِطَ ضبطًا من باب تَعِبَ: عمل بكلتا يديه، فهو أضبط وهي ضبطاء (^١).\nواصطلاحًا عند العلماء: \"حكم كلي ينطبق على جزئياته\" (^٢).\nوقال يعقوب الباحسين: \"هو قضية كلية تحصر الفروع وتحبسها\" (^٣).\nأما علاقة القاعدة بالضابط فهي علاقة تداخل وعموم؛ فالقاعدة أعم من الضابط من حيث دخولها وتطبيقها على أبواب متعددة، بخلاف الضابط فإنَّه يختص بفروع الباب الواحد.\n_________\n(^١) انظر: تاج العروس (١٩/ ٤٣٩)، والمعجم الوسيط (١/ ٥٣٣)، والمصباح المنير (٢/ ٣٥٧).\n(^٢) المعجم الوسيط (١/ ٥٣٣).\n(^٣) قاعدة العادة محكمة، للباحسين (ص ١٥).","vol":"1","page":32},{"text":"يقول الحموي في معنى الضابط: \"ما يجمع فروعًا من باب واحد، بخلاف القاعدة وهي ما يجمعها من أبواب شتى\" (^١).\nويقول الكفوي عن القاعدة: \"وهي تجمع فروعًا من أبواب شتى، والضابط يجمع فروعًا من باب واحد\" (^٢).\nويقول الباحسين: \"والفرق بينه وبين القاعدة، كما قالوا: أن القاعدة تكون الفروع الداخلة تحتها من أبواب مختلفة كقاعدة (المشقة تجلب التيسير) التي تدخل فيها فروع العبادات، والمعاملات والجنايات وغيرها.\nوأما الضابط فإن الفروع الداخلة تحته تكون من باب واحد؛ كقولهم: (كل مكروه في الجماعة يسقط فضيلتها)، و(ما أبطل عمده الصلاة اقتضى سهوه السجود، وما لا فلا)، فإن جزئيات هذين الضابطين داخلة في باب الصلاة، ولا تتعداه إلى غيره\" (^٣).\nكما أن للضابط إطلاقات عديدة ومختلفة عند أهل العلم؛ فمن ذلك: إطلاق الضابط على تعريف الشيء؛ كضابط العَصَبة: كل ذكر ليس بينه وبين الميت أنثى، ويطلق على المقياس الذي يكون علامة على تحقق معنى من المعاني؛ كقولهم: (ضابط المشقة المؤثرة في التحقيق هو كذا)، ويطلق على تقاسيم الشيء، أو أقسامه؛ كقول بعضهم: (ضابط الناس في الإمامة أقسام ...)، ومنهم من أطلقه على القاعدة والعكس واقع أيضًا (^٤).\n_________\n(^١) غمز عيون البصائر، للحموي (١/ ٣١).\n(^٢) الكليات (ص ٧٢٨).\n(^٣) قاعدة العادة محكمة، للباحسين (ص ١٥ - ١٦).\n(^٤) انظر: القواعد الفقهية -المبادئ- المقومات - المصادر الدليلية -، للباحسين (ص ٦٣ - ٦٥).","vol":"1","page":33},{"text":"مع العلم أن الذين فرقوا بين القاعدة والضابط لم يلتزموا بهذا التفريق بدقة في مجال التطبيق، بحيث تجدهم يعبرون عن القاعدة بالضابط والعكس كذلك (^١).\nيقول الشيخ يعقوب الباحسين بعد أن ذكر إطلاقات أهل العلم السابقة بالنسبة للضابط: \"لكنا نختار الأمر الثاني، وهو تفسير الضابط بمعنى أوسع مما ذكروه؛ فنحمل الضابط على معناه اللغوي الدال على الحصر والحبس، فالضابط: هو كل ما يحصر ويحبس سواء كان بالقضية الكلية، أو بالتعريف، أو بذكر مقياس الشيء، أو بيان أقسامه، أو شروطه، أو أسبابه، وحصرها. وهذا أولى من اللجوء إلى التأويل والتكلف بتحويل تلك الصور إلى قضايا كلية، ولهذا فإنَّه يحسن تعريفه بأنه: كل ما يحصر جزئيات أمر معين\" (^٢).\nوعرَّف الضابط أيضًا مستخلصًا للتعريف من كلام ابن السبكي بقوله: \"إنه ما انتظم صورًا متشابهة في موضوع واحد، غير ملتفت فيها إلى معنى جامع مؤثر\" (^٣).\nالأصل: لغة؛ مشتق من الأصل اللغوي الثلاثي (أصل) (^٤)، وأصل الشيء: أساسه وأسفله الذي يقوم عليه، ومنشؤه الذي ينبت منه، واستأصل الشيء: ثبت أصله، وقوي، وأصلته تأصيلًا: جعلت له أصلًا ثابتًا يبنى عليه، والأصل: كرم النسب، والأصلي: ما كان أصلًا في معناه، ويقابل بالفرعي، أو الزائد، أو الاحتياطي، أو المُقلد، والجمع\n_________\n(^١) انظر: القواعد الفقهية المستخرجة من كتاب إعلام الموقعين، لعبد المجيد جمعة (ص ١٦٥).\n(^٢) القواعد الفقهية - المبادئ - المقومات - المصادر الدليلية ...، للباحسين (ص ٦٥ - ٦٦).\n(^٣) المصدر نفسه (ص ٦٧).\n(^٤) انظر: معجم مقاييس اللغة (١/ ١٠٩).","vol":"1","page":34},{"text":"أصول، وأصول العلوم: قواعده التي تبنى عليها الأحكام، والنسبة إليها أصولي، والأصيل: الوقت بعد العصر إلى المغرب، وجمعه أُصُل وآصال وأصائل (^١).\nأما اصطلاحًا فيطلق على عدة معانٍ عند أهل العلم؛ منها:\nالدليل؛ يقال: الأصل في المسألة قوله تعالى كذا ...، ويطلق على القاعدة أو الضابط، فيقال: الأصل بقاء ما كان على ما كان، والأصل في المياه الطهارة، ويطلق على الراجح، فيقال: الحقيقة هي الأصل عند تعارض الحقيقة والمجاز، وغير ذلك من المعاني (^٢).\nوعلى ضوء هذه المعاني تظهر علاقة القاعدة بالأصل، فهي علاقة عموم وخصوص، فالأصل أعم من القاعدة إذ إنه يجمع مسائل متفرقة من أبواب شتى، وقد يجمعها من باب واحد، بخلاف القاعدة فإن مسائلها لا تكون إلا من أبواب متفرقة، ولا تجمع مسائل الباب الواحد.\nوقد نص على هذه العلاقة الإمام المقري (^٣) عندما عرَّف القاعدة حيث قال: \"كل كلي هو أخص من الأصول وسائر المعاني العقلية العامة، وأعم من العقود، وجملة الضوابط الفقهية الخاصة\" (^٤).\nوعليه فقد يطلق الأصل على القاعدة، وعلى الضابط لما له من\n_________\n(^١) انظر: المعجم الوسيط (١/ ٢٠)، والمصباح المنير (١/ ١٦)، ومختار الصحاح (ص ٨).\n(^٢) انظر: قاعدة العادة محكمة ليعقوب الباحسين (ص ١٦ - ١٧)، والقواعد الفقهية المستخرجة من كتاب إعلام الموقعين، لعبد المجيد جمعة (ص ١٦٨ - ١٦٩).\n(^٣) هو: محمد بن أحمد بن بكر بن يحيى القرشي المقري يكنى أبا عبد الله، قاضي الجماعة بفاس فقيه مالكي، لقي أبا حبان، والشمس الأصبهاني وابن عدلان بمكة، وابن القيم بدمشق، وآخرين وأخذ عنه الشاطبي، وابن الخطيب التلمساني، وابن خلدون وغيرهم. له مصنفات منها: القواعد، توفي سنة ٧٥٩ هـ. [انظر ترجمته في: الديباج المذهب (ص ٢٨٨)، ونيل الابتهاج (ص ٢٤٩)].\n(^٤) القواعد، للمقري (١/ ٢١٢).","vol":"1","page":35},{"text":"العموم المطلق بين هذه الألفاظ؛ ولذا قال التهانوي في تعريف القاعدة: \"هي تطلق على معانٍ: مرادف الأصل، والقانون، والمسألة، والضابطة، والمقصد. وعرّفت بأنّها أمر كلّي منطبق على جميع جزئيّاته عند تعرّف أحكامها منه\" (^١).\n_________\n(^١) كشاف اصطلاحات الفنون (ص ٨٨٦)، نشر: دار صادر - بيروت.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>المبحث الثاني أهمية القواعد وأثرها في العلوم</span>\nمما لا شك فيه أن القواعد والأصول والكليات لا يكاد يخلو منها علم من العلوم، ولا فن من الفنون، وذلك لما لها من الأهمية العظيمة، والأثر الكبير في صياغة هذه العلوم، وسهولة حفظها وانتشارها، وخاصة القواعد المتعلقة بالتوحيد والشرك.\nيقول الإمام ابن تيمية (^١): \"فإن هذه القواعد المتعلقة بتقرير التوحيد وحسم مادة الشرك، والغلو، كلما تنوع بيانها، ووضحت عباراتها، كان ذلك نورًا على نور، والله المستعان\" (^٢).\nوفيما يأتي أذكر بعض الأمور الدالة على هذه الأهمية العظيمة، والمكانة الجليلة، والأثر البالغ خاصة فيما يتعلق بقواعد التوحيد، وأصول العقيدة، وكليات الشريعة:\n_________\n(^١) هو: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني، الدمشقي، الإمام الفقيه المجتهد المحدث الحافظ الأصولي، أبو العباس تقي الدين، شيخ الإسلام، سيرته بلغت من الشهرة ما يكفي عن الكلام فيه، صاحب التصانيف الكثيرة والشهيرة، وهي أعظم دليل على عظيم باعه في العلم، وقوة فهمه، بلغ الغاية في الإمامة والفتوى والاجتهاد، المجاهد بلسانه وسنانه، وآية في الحفظ والاستنباط وقوة الذاكرة، مع تمسكه التام بالكتاب والسُّنَّة، وسيره على نهج سلف الأمة وتصانيفه كثيرة وقيمة منها: الإيمان، ودرء تعارض العقل والنقل، ومنهاج السُّنَّة، وبيان تلبيس الجهمية، واقتضاء الصراط المستقيم، توفي -﵀- سنة ٧٢٨ هـ. [انظر ترجمته في: ذيل طبقات الحنابلة: (٢/ ٣٨٧)، والبدر الطالع (١/ ٦٣)].\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ٣١٣).","vol":"1","page":37},{"text":"أ- أن هذه القواعد هي كليات اشتملت على مسائل جزئية، وفروع عديدة، فهي بذلك تجمع الكم الكثير من المسائل تحت مبنى القاعدة ذات الكلمات القليلة، والعبارات المختصرة، والألفاظ المقتضبة، وهذه هي صفة النصوص الشرعية التي استخلصت منها القواعد الشرعية، فإن النبي -ﷺ- قد أوتي جوامع الكلم كما أخبر عن نفسه في قوله -ﷺ-: \"وبعثت بجوامع الكلم\" (^١)، فكلامه -ﷺ- تضمن المعاني الكثيرة في الألفاظ اليسيرة، وفي هذا حث على التفهم والاستنباط (^٢).\nوهكذا سائر نصوص الشريعة سواء كانت من القرآن أو من السُّنَّة عباراتها موجزة، على هيئة الكليات المتضمنة للجزئيات والمسائل.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فإن الله سبحانه بعث محمدًا -ﷺ- بجوامع الكلم، فالكلم التي في القرآن جامعة محيطة، كلية عامة لما كان متفرقًا منتشرًا في كلام غيره\" (^٣).\nفهو -ﷺ- يتكلم بالكلمة الجامعة العامة التي هي قضية كليه، وقاعدة عامة تتناول أنواعًا كثيرة، وتلك الأنواع تتناول أعيانًا لا تحصى، بل هي عامة في كل ما يدخل في لفظها ومعناها، سواء كانت الأعيان موجودة في زمانه ومكانه أو لم تكن (^٤).\nيقول الإمام ابن القيم: \"وإذا كان أرباب المذاهب يضبطون مذاهبهم، ويحصرونها بجوامع تحيط بما يحل ويحرم عندهم، مع قصور بيانهم، فالله ورسوله المبعوث بجوامع الكلم أقدر على ذلك فإنه -ﷺ- يأتي\n_________\n(^١) قطعة من حديث أبي هريرة -﵁-: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب: قول النبي -ﷺ-: \"نصرت بالرعب مسيرة شهر\" (٣/ ١٠٨٧)، برقم (٢٨١٥)، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد (١/ ٣٧١)، برقم (٥٢٣).\n(^٢) انظر: كشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ٣٤٩).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٤/ ١٣٣).\n(^٤) انظر: مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٨٠)، و(٣٤/ ٢٠٥).","vol":"1","page":38},{"text":"بالكلمة الجامعة وهي قاعدة عامة، وقضية كلية، تجمع أنواعًا وأفرادًا، وتدل دلالتين؛ دلالة طرد ودلالة عكس (^١) \" (^٢).\nويقول الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب (^٣): \"ومن أعظم ما منَّ الله به عليه -ﷺ- وعلى أمته إعطاء جوامع الكلم، فيذكر الله تعالى في كتابه كلمة واحدة تكون قاعدة جامعة يدخل تحتها من المسائل ما لا يحصر، وكذلك رسول الله -ﷺ- فقد خصه الله بالحكمة الجامعة، ومن فهم هذه المسألة فهمًا جيدًا فهم قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وهذه الكلمة أيضًا من جوامع الكلم؛ إذ الكامل لا يحتاج إلى زيادة، فعلم منه بطلان كل محدث بعد رسول الله -ﷺ- وأصحابه ... \" (^٤).\n_________\n(^١) ينقسم القياس إلى قياس طرد وقياس عكس: فقياس الطرد: هو ما اقتضى إثبات الحكم في الفرع لثبوت علة الأصل فيه، وقياس العكس: هو ما اقتضى نفي الحكم عن الفرع لنفي علة الحكم فيه. يقول ابن تيمية -﵀-: \"وما أمر الله به من الاعتبار في كتابه يتناول قياس الطرد وقياس العكس، فإنه لما أهلك المكذبين للرسل بتكذيبهم، كان من الاعتبار أن يُعلم أن من فعل مثل ما فعلوا أصابه مثل ما أصابهم (قياس الطرد) فيتقي تكذيب الرسل حذرًا من العقوبة\"، [مجموع الفتاوى (٩/ ٢٣٩).\nويعلم أن من لم يكذب الرسل لا يصيبه ذلك (قياس العكس).\n(^٢) إعلام الموقعين (١/ ٣٣٣).\n(^٣) شيخ الإسلام الإمام المجدد المصلح محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي التميمي النجدي، أبو عبد الله، ولد عام ١١١٥ هـ بالعيينة من بلاد نجد، ورحل إلى المدينة ومكة والعراق وغيرها، كان من المجددين للدعوة السلفية في الجزيرة العربية بمساعدة الأمير محمد بن سعود، ولا زالت آثار دعوته المباركة لا ينكرها إلا أهل مغرور أو حاقد قتله الحسد، له مصنفات كثيرة ونافعة؛ منها كتاب التوحيد وهو أعظمها، وكشف الشبهات والأصول الثلاثة، وغيرها من الكتب التي لا يستغني عنها أحد، توفي - ﵀ - عام ١٢٠٦ هـ. [نظر ترجمته في: روضة الأفكار (١/ ٢٥ - ٢٦)، عنوان المجد (١/ ٨٩ - ٩٦)، وعقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية، لمعاني الشيخ صالح العبود (ص ٦٥ - ١٥٢)].\n(^٤) أربع قواعد تدور الأحكام عليها، للإمام محمد بن عبد الوهاب (ص ١٠).","vol":"1","page":39},{"text":"وبذلك تظهر أهمية القواعد وأثرها في حفظ العلوم وأهمية إتقانها وفهمها والقياس عليها، وتفريع المسائل الجزئية منها.\nفإن من ضبط القواعد والكليات استغنى بها عن حفظ أكثر الجزئيات، لاندراجها في الكليات، وانضبط في ذهنه ما تناقض عند غيره، وحصل مقصوده في أقرب وقت وأقصر زمان (^١).\nب - سبق بيان أن قواعد التوحيد والعقيدة منها ما هو من قواعد الدين وأصوله؛ كالإيمان بالله ورسوله وباليوم الآخر، ومنها ما هو من فروعه الواجبة التي هى من مكملات تلك الأصول والكليات، وعليه فإن معرفة تلك القواعد وما ينبني عليها هي من أصول الدين، وأسس العقيدة، إذ بدون تحقيق هذه القواعد الأصلية معرفة واعتقادًا وقولًا وعملًا لا يستقيم إسلام، ولا يتم إيمان، وقد يخرج من الدين باعتقاده لنقيض تلك الأصول العظيمة، والقواعد الكبيرة، ويكفي هذا في الدلالة على أهمية هذه القواعد العقدية، وضرورة الحرص عليها واعتقادها وتعلمها والعمل بها والدعوة إليها كما فعل أئمة الإسلام.\nيقول الإمام الشاطبي: \"اعلم أن القواعد الكلية هي الموضوعة أولًا، والذي نزل بها القرآن على النبي -ﷺ- بمكة، ثم تبعها أشياء بالمدينة كُمِّلَت بها تلك القواعد التي وضع أصلها بمكة، وكان أولها الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، ثم تبعه ما هو من الأصول العامة كالصلاة، وإنفاق المال، وغير ذلك، ونهي عن كل ما هو كفر، أو تابع للكفر؛ كالافتراءات التي افتروها؛ من الذبح لغير الله، وللشركاء الذين ادعوهم افتراء على الله، وسائر ما حرموه على أنفسهم، أو أوجبوه من غير أصل، مما يخدم أصل عبادة غير الله، وأمر مع ذلك بمكارم الأخلاق كلها؛ كالعدل والإحسان والوفاء بالعهد، وأخذ العفو والإعراض عن\n_________\n(^١) انظر: الفروق، للقرافي (١/ ٧).","vol":"1","page":40},{"text":"الجاهل، والدفع بالتي هي أحسن، والخوف من الله وحده، والصبر، والشكر، ونحوها، ونهي عن مساوئ الأخلاق؛ من الفحشاء والمنكر والبغي، والقول بغير علم، والتطفيف في المكيال والميزان، والفساد في الأرض والزنا، والقتل، والوأد، وغير ذلك مما كان سائرًا في دين الجاهلية، وإنما كانت الجزئيات المشروعات بمكة قليلة، والأصول الكلية كانت في النزول والتشريع أكثر\" (^١).\nويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (^٢) فيما وضعه جده الإمام من القواعد والمسائل: \"والجهل بما فيها من الأصول هلاك وضلال؛ فلا يصح إسلام أحد إلا بمعرفة ما تضمنته هذه الأصول والقواعد\" (^٣).\nج - ومما يدل على أهمية القواعد في جميع العلوم أنها تضبط الأمور المنتشرة الكثيرة، وتجمع النظائر والأشباه، فتعرف الصفات الجامعة بين الجزئيات المتعددة، وعن طريقها يحصل التفريق بين المسائل المتشابهة.\n_________\n(^١) الموافقات (٣/ ١٠٢ - ١٠٣).\n(^٢) هو: الإمام العالم العلامة، الحبر البحر الفهَّامة، مفيد الطالبين، مرجع الفقهاء، العام الرَّباني، والمجدد الثاني، الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي، ولد عام ١١٩٦ هـ بالدرعية، قرأ على جده كتاب التوحيد، وآداب المشي إلى الصلاة وحضر عليه مجالس كثيرة، عمل على نشر الدعوة السلفية، وانتهت إليه رئاسة علماء نجد، وتخرج به خلائق كثيرون، منهم: ابناه: الشيخ عبد اللطيف، والشيخ إسماعيل، وكذلك الشيخ صالح الشثري، وخلق كثير، له مصنفات منها: فتح المجيد بشرح كتاب التوحيد، وقرة عيون الموحدين، وغيرها، توفي - ﵀ - في سنة ٢٨٥ اهـ. [انظر ترجمته: مقدمة فتح المجيد نقلًا عن عنوان المجد لابن بشر].\n(^٣) الدر السنية في الأجوبة النجدية (١١/ ٣٦٥)، وليس قصد الشيخ عبد الرحمن بن حسن الجهل بذات القواعد التي وضعها الشيخ بحروفها وألفاظها، وإنما المقصود الجهل بتوحيده -﷾-، وعدم العلم بأصول هذا التوحيد وقواعده.","vol":"1","page":41},{"text":"يقول ابن رجب (^١) في مقدمة كتاب \"القواعد\": \"فهذه قواعد مهمة، وفوائد جمة، تضبط للفقيه أصول المذهب، وتطلعه من مآخذ الفقه على ما كان عنه قد تَغَيَّب، وتنظم له منثور المسائل في سلك واحد، وتقيد له الشوارد، وتقرب عليه كل متباعد\" (^٢).\nويقول الشيخ السعدي (^٣): \"ومعلوم أن الأصول والقواعد للعلوم بمنزلة الأساس للبنيان، والأصول للأشجار، لا ثبات لها إلا بها، والأصول تبني عليها الفروع، والفروع تثبت وتقوى بالأصول، وبالقواعد والأصول يثبت العلم ويقوى وينمى نماءً مطردًا، وبها تُعرف مآخذ الأصول، وبها يحصل الفرقان بين المسائل التي تشتبه كثيرًا، كما أنها تجمع النظائر والأشباه التي من جمال العلم جمعها، ولها من الفوائد الكثيرة غير ما ذكرنا\" (^٤).\n_________\n(^١) هو: عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي البغدادي الدمشقي الفقيه، الزاهد البارع الأصولي المحدث. له مصنفات كثيرة منها: فتح الباري شرح صحيح البخاري لم يكمله، وذيل طبقات الحنابلة، والقواعد الفقهية، وجامع العلوم والحكم، توفي سنة ٧٩٥ هـ. [انظر ترجمته في: شذرات الذهب (٦/ ٣٣٩)، والجوهر المنضد (ص ٤٦)].\n(^٢) القواعد، لابن رجب (ص ٣).\n(^٣) هو: العلامة الورع الزاهد، الفقيه الأصولي المحقق المدقق الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي. من نواصر بني تميم، من بني عمرو أحد البطون الكبار من قبيلة بني تميم الشهيرة، من مؤلفاته: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، والدرة البهية في شرح القصيدة ناصر بن حمد آل سعدي. من نواصر بني تميم، من بني عمرو أحد البطون الكبار من قبيلة بني تميم الشهيرة، من مؤلفاته: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، والدرة البهية في شرح القصيدة التائية، وتوضيح الكافية الشافية، وغيرها، توفي - ﵀ - عام ١٣٧٦ هـ. [انظر ترجمته في: علماء نجد خلال ستة قرون، للبسام (٢/ ٤٢٢)، و(الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في توضيح العقيدة): للأستاذ الدكتور عبد الرزاق البدر.\n(^٤) طريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد والضوابط والأصول، للعلامة السعدي (ص ٥ - ٦)، دار الآثار - صنعاء، ودار البصرة - الإسكندرية.","vol":"1","page":42},{"text":"ويقول أيضًا: \"من محاسن الشريعة وكمالها وجمالها وجلالها: أنَّ أحكامَها الأصوليَّة والفروعية، والعبادات والمعاملات، وأمورها كلّها لها أصولٌ وقواعدُ، تَضبِطُ أحكامَها، وتَجمعُ مُتفرِّقَها، وتَنشر فروعَها، وتَردُّها إلى أصولها، فهي مبنية على الحكمة والصلاح، والهدى والرحمة، والخير والعدل، ونفي أضداد ذلك\" (^١).\n\"ولهذا فإنَّه يترتَّب على العناية بالقواعد المأثورة والأصول الكليّة المنقولة عن السلف الصالح -﵏- من الفوائد والمنافع ما لا يعلمه إلّا اللَّه؛ لأنَّ فيها كما يقال: وضعُ النقاط على الحروف، وفيها تجليةٌ للأُمور، وتوضيحٌ للمسائل، وإزالةٌ للّبْس، وأَمْنٌ من الخَلْط، إلى غير ذلك من الفوائد\" (^٢).\nد - ومما يدل على أهمية القواعد والأصول: أنها تقي المسلم بإذن اللَّه من الانحراف والزلل، وتجعله ينظر إلى الأقوال والأعمال والأعيان بتأنٍ وتؤده، وبها يكون كلامه مبنيًا على علمٍ متينٍ وعدل وإنصافٍ.\nولذا يقول الإمام ابن تيمية: \"لا بُدَّ أنْ يكون مع الإنسان أصولٌ كليّةٌ تُردُّ إليها الجزئيّات، ليتكلّم بعلمِ وعدل، ثمّ يعرف الجزئيّات كيف وقعت، وإلّا فيبقى في كذب وجهلٍ في الجزئيّات، وجهلٍ وظُلمٍ في الكليّات فيتولّد فساد عظيمٌ\" (^٣).\n_________\n(^١) الرياض الناضرة، للسعدي (ص ٥٢٢)، ضمن المجموع الكاملة لمؤلفات الشيخ السعدي، المجلد الأول/ ثقافة إسلامية.\n(^٢) انظر: الأثر المشهور عن الإمام مالك -﵀- في صفة الاستواء، للأستاذ الدكتور/ عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر، ضمن: مجلة الجامعة الإسلامية، عدد (١١١) (ص ٣٥).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٠٣).","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>المبحث الثالث التقعيد ومنهج العلماء فيه</span>\nعرفنا فيما سبق أهمية القواعد الشرعية، لا سيما القواعد التي تتعلق بأصول الدين وأسس العقيدة، ونتعرف في هذا المبحث على المناهج المتبعة والطرق التي سلكها أهل العلم عمومًا في وضع القواعد، واعتمادها في سائر الفنون ولا سيما علم أصول الدين، وفيما يأتي أقف بعض الوقفات التي يتضح من خلالها منهج أهل العلم وطريقتهم في اعتماد القواعد وتقريرها:\nأولًا: معنى كلمة التقعيد قد مرَّ معنا في المبحث الأول من هذا التمهيد عند الكلام على مادة (قعد)، وأنها راجعة إلى الثبوت والاستقرار، فتقعيد الأمر أو الشيء هو أن تجعل له أصلًا وأساسًا ثابتًا مستقرًا يعتمد عليه، ويتقوى به، وهذا الأساس هو القاعدة.\nوعليه فالتقعيد في عرف أهل العلم واستعمالهم: هو عملية وضع القواعد، أو إبرازها من مصادرها لتطبيقها والاستفادة منها.\nثانيًا: منهج أهل العلم في وضعهم للقواعد:\nلقد تميزت طريقة العلماء في اعتماد القواعد وإبرازها والاستدلال بها بعدة أمور، أذكر فيما يأتي ما ظهر لي منها:\nأ - كان اعتمادهم في وضع القواعد وإبرازها في المقام الأول على نصوص الكتاب والسُّنَّة، إذ لا تخلو قاعدة شرعية من دليلٌ شرعي يدل عليها، وإلا لم تكن قاعدة صحيحة، وكما ذكرنا من قبل فإن نصوص","vol":"1","page":44},{"text":"الكتاب والسُّنَّة يصلح بعضها لأن يكون قاعدة في نفسه، فيأتي العالم ويبرز هذه المعاني التي جاء التنصيص عليها في الكتاب أو السُّنَّة؛ كمن يقعد فيقول: الشرك لا يغفره اللَّه تعالى أبدًا، مستخلصًا لها من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وكمن يقعد قاعدة: صلاح الأعمال بصلاح النيات، من قوله -ﷺ-: \"إنما الأعمال بالنيات\" (^١)، وهكذا في سائر ما وضعه أهل العلم من قواعد في سائر العلوم.\nيقول الإمام ابن تيمية مبينًا أهمية الاعتماد على النصوص في وضع القواعد: \"وقد كتبت قبل هذا في القواعد ما في طريقي أهل الكلام والنظر، وأهل الإرادة والعمل من الانحراف إذا لم يقترن بمتابعة الرسول -ﷺ-، كما بينت في قاعدة كبيرة أن أصل العلم والهدى والدين هو الإيمان باللّه ورسوله، واستصحاب ذلك في جميع الأقوال والأحوال\" (^٢).\nويقول الشيخ السعدي: \"ولهذا كان الكتاب والسُّنَّة كافيين كل الكفاية في أحكام الدين، وأصوله وفروعه، فكل متكلف يزعم أنه لا بد للناس في معرفة عقائدهم، وأحكامهم، إلى علوم غير علم الكتاب والسُّنَّة، من علم الكلام وغيره، فهو جاهل مبطل في دعواه، قد زعم أن الدين لا يكمل إلا بما قاله ودعا إليه، وهذا من أعظم الظلم والتجهيل للّه ولرسوله\" (^٣).\nوبيَّن -﵀- الواجب تجاه النصوص النبوية، بقوله: \"ولذلك أمر اللَّه بالقاعدة الكلية، والأصل العام فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وهذا شامل لأصول الدين وفروعه،\n_________\n(^١) سيأتي تخريج الحديث في قاعدة النيات، من هذه الرسالة.\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ٣٦٠).\n(^٣) تفسير السعدي (ص ٢٢٠).","vol":"1","page":45},{"text":"وظاهره وباطنه، وأن ما جاء به الرسول يتعين على العباد الأخذ به، واتباعه، ولا تحل مخالفته، وأن نص الرسول على حكم الشيء كنص اللَّه تعالى، لا رخصة لأحد، ولا عذر له في تركه، ولا يجوز تقديم قول أحد على قوله\" (^١).\nويقول الشيخ صالح الفوزان حفظه اللَّه في دفاعه عن -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب في سياق حديثه عن القواعد: \"ولكن الواجب: أننّا نرجع في تقعيدنا إلى الكتاب والسُّنَّة، ليكون هذا التقعيد تقعيدًا صحيحًا، سليمًا، مأخوذًا من كتاب اللَّه وسُنّة رسوله -ﷺ-، لا سيّما في هذين الأمرين العظيمين -التوحيد والشرك-، والشيخ -﵀- لم يذكر هذه القواعد من عنده أو مِنْ فكره، كما يفعل ذلك كثيرٌ من المتخبِّطين، وإنما أخذ هذه القواعد من كتاب اللَّه ومن سُنّة رسول اللَّه -ﷺ- وسيرته.\nفإذا عرفت هذه القواعد وفهمتها سهُل عليك بعد ذلك معرفة التوحيد الذي بعث اللَّه به رسله، وأنزل به كتبه، ومعرفة الشرك الذي حذّر اللَّه منه، وبيّن خطره وضرره في الدنيا والآخرة، وهذا أمرٌ مهمّ جدًّا، وهو ألزم عليك من معرفة أحكام الصلاة والزكاة والعبادات وسائر الأمور الدينيّة؛ لأن هذا هو الأمر الأوّلي والأساس؛ لأنّ الصلاة والزكاة والحج وغيرها من العبادات لا تصحّ إذا لم تُبنَ على أصل العقيدة الصحيحة، وهي التوحيد الخالص للّه ﷿\" (^٢).\nفجميع ما سبق من نقول تدلل على أن الواجب في التقعيد والتأصيل التقيد بنصوص الكتاب والسُّنَّة، وما يتبع ذلك من إجماع صحيح ثابت، أو استقراء تام.\nيقول يعقوب الباحسين مبينًا أن القاعدة الفقهية لا بد أن تستند على\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٨٥١).\n(^٢) شرح القواعد الأربع، للشيخ صالح الفوزان، تحقيق: خالد الردادي (ص ٧ - ٨).","vol":"1","page":46},{"text":"النص الشرعي: \"تُعَدُّ النصوص الشرعية أقوى مصادر القواعد الفقهية، وأرسخها، كما تُعَدُّ القواعد المستندة إليها أقوى أنواع القواعد، وأرجحها في الاستدلال\" (^١). ثم ذكر أن بناء القواعد على النصوص إما أن تكون مباشرة فتكون القاعدة بصيغة النص، أو تستخرج القاعدة من النص عن طريق الاجتهاد والنظر.\nب - ومن أبرز ما تَمَيَّزَ به منهج العلماء في صياغة القواعد وتقريرها هو التزامهم بفهم السلف الصالح من الصحابة وأهل القرون المفضلة فيما يؤصلونه ويقعدونه؛ وذلك لما لهم من الخصائص التي انفردوا بها عن غيرهم من مشاهدة التنزيل ومعايشة الوحي، والتلقي عن النبع الصافي الذي لا كدر فيه ولا نقص، ولما لهم من الفهم الثاقب، والذهن المتوقد، والنظرة العميقة الفاحصة، والقلب الصافي المتهيئ لمباشرة النصوص وفهمها الفهم الصحيح، مع إخلاصهم للّه تعالى، وتجردهم للحق، إضافة إلى ما اختصوا به من علوم الآلة التي كانت سجيتهم بدون تعب ولا تكلف.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وكل من أمعن نظره، وفهم حقيقة الأمر علم أن السلف كانوا أعمق من هؤلاء علمًا، وأبر قلوبًا، وأقل تكلفًا، وأنهم فهموا من حقائق الأمور ما لم يفهمه هؤلاء الذين خالفوهم، وقبلوا الحق، وردوا الباطل\" (^٢).\nويقول الإمام ابن القيم في تعظيم شأن الصحابة: \"أما المدارك التي شاركناهم فيها من دلالات الألفاظ والأقيسة فلا ريب أنهم كانوا أبو قلوبًا، وأعمق علمًا، وأقل تكلفًا، وأقرب إلى أن يوفقوا فيها لما لم نوفق له نحن؛ لما خصهم اللَّه تعالى به من توقد الأذهان، وفصاحة اللسان، وسعة العلم، وسهولة الأخذ، وحسن الإدراك وسرعته، وقلة المعارض أو\n_________\n(^١) القواعد الفقهية، للباحسين (ص ١٩٥).\n(^٢) درء التعارض (٣/ ٤٥٤).","vol":"1","page":47},{"text":"عدمه، وحسن القصد، وتقوى الرب تعالى، فالعربية طبيعتهم وسليقتهم، والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم وعقولهم، ولا حاجة بهم إلى النظر في الإسناد، وأحوال الرواة، وعلل الحديث والجرح والتعديل، ولا إلى النظر في قواعد الأصول، وأوضاع الأصوليين، بل قد غنوا عن ذلك كله، فليس في حقهم إلا أمران؛ أحدهما: قال اللَّه تعالى كذا، وقال رسوله كذا، والثاني: معناه كذا وكذا، وهم أسعد الناس بهاتين المقدمتين، وأحظى الأمة بهما، فقواهم متوفرة مجتمعة عليهما.\nوأما المتأخرون فقواهم متفرقة، وهممهم متشعبة، فالعربية وتوابعها قد أخذت من قوى أذهانهم شعبة، والأصول وقواعدها قد أخذت منها شعبة، وعلم الإسناد وأحوال الرواة قد أخذ منها شعبة، وفكرهم في كلام مصنفيهم وشيوخهم على اختلافهم، وما أرادوا به قد أخذ منها شعبة، إلى غير ذلك من الأمور، فإذا وصلوا إلى النصوص النبوية إن كان لهم همم تسافر إليها، وصلوا إلها بقلوب وأذهان قد كلت من السير في غيرها، وأوهن قواهم مواصلة السرى في سواها، فأدركوا من النصوص ومعانيها بحسب القوة، وهذا أمر يحس به الناظر في مسألة، إذا استعمل قوى ذهنه في غيرها، ثم صار إليها وافاها بذهن كال، وقوة ضعيفة، وهذا شأن من استفرغ قواه في الأعمال غير المشروعة، تضعف قوته عند العمل المشروع، كمن استفرغ قوته في السماع الشيطاني، فإذا جاءه قيام الليل قام إلى ورده بقوة كالة، وعزيمة باردة، وكذلك من صرف قوى حبه وإرادته إلى الصور، أو المال، أو الجاه، فإذا طالب قلبه بمحبة اللَّه فإن انجذب معه انجذب بقوة ضعيفة، قد استفرغها في محبة غيره، فمن استفرغ قوى فكره في كلام الناس، فإذا جاء إلى كلام اللَّه ورسوله جاء بفكرة كالة، فأعطى بحسب ذلك.\nوالمقصود أن الصحابة أغناهم اللَّه تعالى عن ذلك كله، فاجتمعت قواهم على تينك المقدمتين فقط، هذا إلى ما خصوا به من قوى","vol":"1","page":48},{"text":"الأذهان، وصفائها، وصحتها، وقوة إدراكها، وكماله، وكثرة المعاون، وقلة الصارف، وقرب العهد بنور النبوة، والتلقي من تلك المشكاة النبوية، فإذا كان هذا حالنا وحالهم فيما تميزوا به علينا، وما شاركناهم فيه، فكيف نكون نحن، أو شيوخنا، أو شيوخهم، أو من قلدناه أسعد بالصواب منهم في مسألة من المسائل، ومن حدث نفسه بهذا فليعزلها من الدين والعلم واللّه المستعان\" (^١).\nفهذا هو المنهج الذي سار عليه علماء الإسلام من أهل السُّنَّة والجماعة فيما يتعلق بوضعالقواعد وتقريرها، إذ ما برحوا يستدلون على دينهم، وعقائدهم، بما جاء في كتاب اللَّه - ﷿ -، وبما صح من سُنّة رسول الله -ﷺ-، فإن لم يجدوا فبما ثبت وأُثر عن السلف الصالحين، من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين المعروف عنهم الإمامة في السُّنَّة والتقدم فيها، فيسلكون طريقهم ويقولون فيها بقولهم (^٢).\nج - طريقة أهل العلم فيما يبرزونه من القواعد والأصول إنما يكون لفائدة مرجوة من هذا التقعيد، أو لحاجة طرأت لهم، كما حصل لهم عندما كثرت الفرق والطوائف والآراء، وخالفت ما هو مقرر من أصول أهل السُّنَّة والجماعة اضطر العلماء بعد ذلك لإبراز هذه الأصول والتعبير بالقواعد؛ لأن القواعد في الأصل لم يكن معبِّرًا عنها بالقاعدة عند السلف الصالح؛ يعني عند الصحابة والتابعين، وإنما وضعها العلماء وعبروا عنها بلفظ قاعدة، أو باصل ونحو ذلك من التعبيرات؛ لأجل أن تُضبط المسائل، وحتى يسهل على الناظر أنْ يتفطّن للمسائل المتفرقة وما يجمعها من قاعدةٍ وأصلٍ واحد (^٣).\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٤/ ١٤٨ - ١٥٠).\n(^٢) انظر: وسطية أهل السُّنَّة بين الفرق (ص ١٠٣ - ١٠٤).\n(^٣) محاضرة بعنوان (قواعد القواعد) لمعالي الشيخ صالح آل الشيخ (كاسيت)، مع التصرف.","vol":"1","page":49},{"text":"د - بالنسبة للتنصيص على أن هذه قاعدة أو لأصل موجود في كثير من أقوالهم -﵏-، فيقولون: لأنّ القاعدة كذا، أو لأنّ الأصل كذا، وتارة لا تجد التعبير بلفظ القاعدة أو أصل، وإنما تجد التعبير بالأمر الكلّي، أو الكلمة الجامعة في كذا كذا، ويقولون: كل كذا ثم يذكر الحكم، أو يقول فكل شيء ثم يذكر الحكم، ومن المعلوم أن التعبير بالأمر الكلي يفهم منه أنّ هذا تقعيد؛ لأنّ الكليات ترجع إليها أفرادها (^١).\nثالثًا: ومما يتعلق بمبحث التقعيد أن بابه ليس مفتوحًا بحيث يتاح لكل أحد أن يُقَعِّد، وأن يستخرج قواعد أو أصول كلية من خلال النصوص الشرعية، وإنما مرجع هذه الأمور للمجتهد المتمرس الذي استقرى الأدلة، وسبر النصوص، وبالنسبة للعالم الذي يريد وضع قواعد في العقيدة لا بد أن يكون متمكنًا في العقيدة، مُلِمًّا بأقوال السلف في أدق الأمور، وبأقوال مخالفيهم واستدلالهم وشبهاتهم، كشيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -، فإنه قعَّد وأصَّل في كثير من مسائل العقيدة وهو أَهْلٌ لذلك؛ لمعرفته الدقيقة بمآخذ الأدلة وأصول الاعتقاد من الكتاب والسُّنَّة، إذ جميع ما قرره من قواعد لها أدلتها من الكتاب والسُّنَّة، ولم يأت بشيء يخالف هذه الأصول في الغالب.\nوما يجب التنبيه عليه في هذا المقام أنه لا يسوغ لأحد أن ينسب قاعدة من القواعد؛ سواء كانت في العقيدة، أو في العبادة فينسبها للسلف الصالح فيقول: القاعدة عند السلف كذا، أو من قواعد السلف كذا إلا بأحد طريقين:\nالأول: أنْ يجد نصًا من أحد علماء السلف على أنها قاعدة، مثل قولهم: والقاعدة كذا، والأصل كذا، حتَّى لا نجعل السلف مقعدين\n_________\n(^١) المصدر نفسه، مع التصرف.","vol":"1","page":50},{"text":"لقواعد لا علم لهم بها، هذا الطريق الأول لفهم التقعيد المنسوب للسلف الصالح أن ينص على هذه القاعدة عند السلف.\nالثاني: أنْ يستقري (^١) عالم راسخ متأن لكلام السلف في المسألة، وبعد استقرائه لكلامهم ولأحوالهم يُخْرِج تقعيدًا وينسبه للسلف الصالح كما فعل الإمام ابن تيمية في كثير من مسائل العقيدة، وإذا نظرت في غالب أقوال السلف وأحوالهم لا تجد أنها تخرج عن تقعيدات شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنّه استقرى وهو راسخ في العلم، واستقرى وهو ينظر إلى أقوال السلف جميعًا بروية وتؤده وبدودن عجلة، حتَّى لا يقع في مخالفة أقوال السلف (^٢).\n_________\n(^١) الاستقراء: من الفعل استقرى يستقري، وهو الحكم على كلي بما تحقق في جزئياته، فإن كان في جميع الجزئيات كان الاستقراء تامًا؛ ... والناقص؛ كالحكم على الحيوان بأنه إذا أكل تحرك فكه الأسفل عند المضغ؛ لوجود ذلك في أكثر جزئياته، ولعله فيما لم يستقرى على خلافه. [انظر: المعجم الوسيط (٢/ ٧٣٢)، ومجموع الفتاوى (٩/ ١٩٦)].\n(^٢) محاضرة بعنوان (قواعد القواعد)، الشيخ صالح آل الشيخ (كاسيت)، مع بعض التصرف.","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>المبحث الرابع توحيد العبادة ومنزلته الشرعية</span>\nوتحته أربعة مطالب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>المطلب الأول: معناه وحقيقته</span>.\nالمطلب الثاني: أهميته ومنزلته من الدين.\nالمطلب الثالث: أدلته.\nالمطلب الرابع: أسماؤه وإطلاقاته.\n\n* المطلب الأول* معناه وحقيقته\nمما لا يخفى تقسيم أهل العلم للتوحيد إلى ثلاثة أقسام، وهي توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية أو العبادة، وتوحيد الأسماء والصفات، والذي يتعلق بمبحثنا هنا هو النوع الثاني وهو توحيد العبادة.\nولمعرفة معنى توحيد العبادة فلا بد من معرفة معاني مفردات هذا التركيب:\nفالتَّوحِيدُ: على وزن (تَفْعِيلٌ)، مشتق من الأصل اللغوي الثلاثي (وَحُدَ)، وهو مصدر للفعل الثلاثي المزيد بتضعيف العين فيه، وهو مثال واوي، من باب: (كَرُمَ) وقيل من باب (عَلِمَ)، يقال: وَحُدَ يُوْحُدُ وحَادَةً وَوَحْد ووَحَدًا، وكل شيء على حدة: بائن من آخر، يقال: ذلك على حدته، وهما على حدتهما، وهم على حدتهم، والرجل الوحيد ذو","vol":"1","page":52},{"text":"الوحدة، وهو المنفرد لا أنيس معه، والتوحيد تفعيل للنسبة كالتصديق والتكذيب لا للجعل.\nوأصل هذه الكلمة يدل على الانفراد والتفرد، كما قال ابن فارس (^١) في مادة (وحد): أصل واحد يدل على الانفراد، من ذلك الوَحْدَة، وهو واحد قبيلته إذا لم يكن فيهم مثله (^٢). أما معنى العبادة، لغة فهي من الذل والخضوع والتطامن (^٣).\nوشرعًا: هي غاية الذل والخضوع مع غاية الحب والخوف والانقياد، مع تضمنها لأفعال المكلفين وأقوالهم الظاهرة والباطنة التي أمرهم اللَّه بها، وأحبها منهم، ورضيها لهم (^٤).\nويدخل في العبادة الشرعية كل ما شرعه اللَّه تعالى، وأحبه، ورضيه؛ من الأقوال والأعمال، الباطنة والظاهرة؛ كمحبة اللَّه، وتعظيمه، وإجلاله، وطاعته، والتوكل عليه، والإنابة إليه، ودعائه خوفًا وطمعًا، وسؤاله رغبًا ورهبًا، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهود، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الجار واليتيم، والمسكين وابن السبيل، وكذا النحر والنذر فإنَّهما من أجل العبادات، وأفضل الطاعات، وكذا الطواف ببيته تعالى، وحلق الرأس تعظيمًا وعبودية، وكذا سائر الواجبات والمستحبات (^٥).\nوفيما يأتي بعض أقوال علماء الأمة في تعريف توحيد العبادة:\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وهذا التوحيد: هو عبادة اللَّه وحده لا\n_________\n(^١) ترجمته في: (ص ٤٧٣).\n(^٢) انظر: تهذيب اللغة (٥/ ١٢٥)، ومعجم مقاييس اللغة (٦/ ٩٠)، والعين، للخليل (٣/ ٢٨١)، ولوامع الأنوار (١/ ٥٦)، والمعجم الوسيط (٢/ ١٠١٦).\n(^٣) انظر: العين، للخليل (٢/ ٥٠)، ومقاييس اللغة (٤/ ٢٠٦).\n(^٤) سيأتي الكلام على العبادة بمزيد تفصل. [انظر: (ص ٣٣٠) وما بعدها].\n(^٥) انظر: مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (٣/ ٣٢١ - ٣٢٢).","vol":"1","page":53},{"text":"شريك له، وأن لا نعبده إلا بما أحبه، وما رضيه، وهو ما أمر به وشرعه على ألسن رسله -صلوات اللَّه عليهم-، فهو متضمن لطاعته وطاعة رسوله، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، وأن يكون اللَّه ورسوله أحب إلى العبد من كل ما سواهما، وهو يتضمن أن يحب اللَّه حبًا لا يماثله ولا يساويه فيه غيره، بل يقتضي أن يكون رسوله -ﷺ- أحب إليه من نفسه، فإذا كان الرسول -لأجل أنه رسول اللَّه- يجب أن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه، فكيف بربه سبحانه؟ \" (^١).\nفبيَّن -﵀- أن توحيد العبادة: أن نعبد اللَّه تعالى وحده ونفرده بالعبادة، وأن نعبد كما شرع على لسان رسوله محمد -ﷺ-، إضافة إلى محبته ﷾، ومحبة ذلك الرسول الكريم أكثر من محبة النفس والمال.\nوعرَّفه الشيخ سليمان آل الشيخ (^٢) بقوله: \"النوع الثالث: توحيد الإلهية المبني على إخلاص التأله للّه تعالى؛ من المحبة، والخوف، والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والدعاء للّه وحده، وينبني على ذلك إخلاص العبادات كلها؛ ظاهرها وباطنها للّه وحده لا شريك له، لا يجعل فيها شيئًا لغيره، لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل فضلًا عن غيرهما\" (^٣).\nوإخلاص التأله: هو إفراده تعالى بجميع العبادات الظاهرة والباطنة.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٤/ ٣٧٨).\n(^٢) هو: الشيخ الفقيه المحدث سليمان بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد الوهاب، ولد في مدينة الدرعية، وقد بلغ مرتبة عظيمة، حيث ولي قضاء مكة المكرمة في عهد الإمام سعود بن عبد العزيز، وبعدها قاضيًا في الدرعية، من أشهر كتبه: تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد، وله كتب أخرى: -﵀- ظلمًا وعدوانًا عام ١٢٣٣ هـ بأمر من إبراهيم باشا. انظر: عنوان المجد (١/ ٢٨٢)، وعلماء نجد خلال ستة قرون للبسام (٢/ ٣٤١).\n(^٣) تيسيير العزيز الحميد (ص ٢٨).","vol":"1","page":54},{"text":"ويقول الشيخ السعدي: \"الثالث: توحيد الإلهية ويقال له: توحيد العبادة: وهو العلم والاعتراف بأن اللَّه ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، وإفراده وحده بالعبادة كلها، وإخلاص الدين للّه وحده، وهذا الأخير يستلزم القسمين الأولين ويتضمنهما، لأن الألوهية التي هي صفة تعم أوصاف الكمال، وجميع أوصاف الربوبية والعظمة، فإنَّه المألوه المعبود لما له من أوصاف العظمة والجلال، ولما أسداه إلى خلقه من الفواضل والأفضال، فتوحده تعالى بصفات الكمال، وتفرده بالربوبية يلزم منه أن لا يستحق العبادة أحد سواه\" (^١).\nوهنا نص -﵀- على مسألة العلم والاعتقاد واليقين بألوهية اللَّه تعالى، واستحقاقه -﷿- للعبادة دون ما سواه، وبئن أن هذا الاستحقاق للعبادة هو لازم استحقاقه تعالى لصفات الربوبية، وتفرده بصفات الجلال والكمال.\nويبيِّن الشيخ السعدي حقيقة توحيد العبادة بقوله: \"يأمر تعالى عباده بعبادته وحده لا شريك له، وهو الدخول تحت رق عبوديته، والانقياد لأوامره ونواهيه؛ محبة وذلًا، وإخلاصًا له في جميع العبادات الظاهرة والباطنة، وينهى عن الشرك به شيئًا؛ لا شركًا أصغر، ولا أكبر، لا ملكًا ولا نبيًا ولا وليًا ولا غيرهم من المخلوقين، الذين لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، بل الواجب المتعين إخلاص العبادة لمن له الكمال المطلق من جميع الوجوه، وله التدبير الكامل الذي لا يشركه ولا يعينه عليه أحد\" (^٢).\nولذا يقول الإمام ابن تيمية: \"وَمِنْ تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللّهَ تَعَالَى أَثْبَتَ لَهُ حَقًّا لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ مَخْلُوقٌ، كَالْعِبَادَةِ وَالتَّوَكُّلِ وَالْخَوْفِ وَالْخَشْيَةِ وَالتَّقْوَى\" (^٣).\n_________\n(^١) القول السديد في مقاصد التوحيد (ص ١٩).\n(^٢) تفسير السعدي (ص ١٧٨).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٣/ ١٠٦).","vol":"1","page":55},{"text":"ويقول الشيخ صالح الفوزان - حفظه اللَّه -: \"توحيد الألوهية؛ وهو إفراد اللَّه بالعبادة، وترك عبادة ما سواه، والبراءة من ذلك، وبيان ما يناقضه من الشرك الأكبر، أو ينقص كماله الواجب أو المستحب من الشرك الأصغر\" (^١).\nويقول أيضًا: \"النوع الثاني: توحيد الألوهية؛ ومعناه: إفراد اللَّه تعالى بالعبادة، هذا غير إفراده بالخلق، والرزق، والتدبير، بل إفراد اللَّه بالعبادة؛ بأن لا يُعبَد إلا اللَّه -﷾-؛ لا يُصلّى، ولا يُدعى، ولا يُذبَح، ولا يُنذَر، ولا يُحَج، ولا يُعتَمر، ولا يُتصَدق، إلى آخره؛ إلا للّه -﷾-، يُبتغى بذلك وجه اللَّه -﷾-\" (^٢).\nفذكر حفظه اللَّه أن توحيد العبادة يتضمن البراءة من الشرك وأهله، وبغضهم وعداوتهم، وهذا القيد تتضمنه محبة اللَّه تعالى؛ لأنَّها تستلزم بغض أعدائه وأعداء رسله وأوليائه.\nفحقيقة هذا التوحيد تتضمن الحكم الجازم واليقين القاطع ببطلان كل ما عبد مع اللَّه تعالى من الأنداد والأوثان والأحبار والرهبان، وأن عبادته من أبطل الباطل، وأعظم الفساد، وأكبر العدوان، وهذا هو النفي الذي تضمنته كلمة التوحيد والإخلاص.\nويقول الشيخ صالح آل الشيخ: \"فتوحيد الألوهية: هو توحيد اللَّه بأفعال العبد المتنوعة، التي يوقعها على جهة التقرّب، فإذا توجه بها لواحد وهو اللَّه -جلَّ وعلا- كان موحدًا إياه توحيد الإلهية، وإذا توجّه العبد بها للّه ولغيره كان مشركًا في هذه العبادة\" (^٣).\nوهنا يشير إلى أن توحيد العبادة هو توحيد اللَّه بأفعال المكلفين،\n_________\n(^١) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (١/ ١١).\n(^٢) المصدر نفسه (١/ ٢٠).\n(^٣) التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص ٧).","vol":"1","page":56},{"text":"بخلاف توحيد الربوبية فإنَّه توحيد اللَّه في أفعاله من الخلق والرزق والإحياء والإماتة، فتوحيد الألوهية هو فعل العبد وعمله وكسبه (^١).\nولذلك فسَّره الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب بقوله: \"وتوحيد الإلهية: فِعْلُكَ أيها العبد؛ مثل الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل، والإنابة، والرغبة، والرهبة، والنذر، والاستغاثة، وغير ذلك من أنواع العبادة\" (^٢).\nفيظهر مما سبق أن توحيد العبادة هو كل ما يتعلق بأعمال العباد وأقوالهم الظاهرة والباطنة، التي يحبها اللَّه ويرضاها، مع الاعتراف الجازم باستحقاق اللَّه للعبادة وحده، وبطلان عبادة ما سواه، مع ملازمة الخضوع والخوف والمحبة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-17> المطلب الثاني * أهميته ومنزلته من الدين</span>\nمما لا شكَّ فيه أن توحيد العبادة ذو منزلة عظيمة، ومكانة عليّة، بين أنواع التوحيد الأخرى، بل هو أعظمها وأجلها، والناس فيه ما بين شقي وسعيد، منهم ما هو من أصحاب اليمين وآخر خاسر من أصحاب الشمال، وفيما يأتي أتناول بعض ما يدل على هذه المنزلة السامية، والمكانة الكبيرة في دين الإسلام:\nأولًا: أن هذا التوحيد المتضمن لإخلاص التاله للّه تعالى هو الغاية التي خلق اللَّه من أجلها الخلق، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] فلم يخلقهم سبحانه من أجل أن يعرفوه فقط أو يعرفوا ربوبيته وأسماءه وصفاته بدون عبادته والخضوع والذلة\n_________\n(^١) انظر: مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (٣/ ٣٠٠).\n(^٢) مجموعة رسائل في التوحيد والإيمان، للشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص ٣٧١).","vol":"1","page":57},{"text":"لعظمته، بل خلقهم من أجل تحقيق هذه الغاية السامية المحبوبة للّه ﵎، وهذا يدل على عظم ومكانة توحيد العبادة (^١).\nيقول الإمام ابن القيم: \"فيجمع غايات فعله، وحكمة خلقه وأمره إلى غاية واحدة، هي منتهى الغايات، وهي إلهية الحق التي كل إلهية سواها فهي باطل ومحال، فهي غاية الغايات، ثم ينزل منها إلى غايات أخر هي وسائل بالنسبة إليها، وغايات بالنسبة إلى ما دونها، وإن إلى ربك المنتهى\" (^٢).\nثانيًا: يوضح ما سبق إكثار اللَّه تعالى في القرآن الكريم من ذكر هذا النوع من التوحيد، أمرًا وإيجابًا، وتحذيرًا وتخويفًا، بحيث جعل تحقيقه في مقدمة المقاصد الشرعية، وبيانه له بشتى أساليب البيان، وكونه هو الغاية العظمى، وأنه سبب النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة، وأن الناس انقسموا بسببه إلى موحدين في الجنان؛ ومشركين في النجران، وبيانه لحقوق هذا التوحيد وواجباته، والتحذير مما يناقضه أو ينقص كماله الواجب، وهذا الإكثار يدل على المكانة العظيمة، والمنزلة الجليلة التي تبوأها هذا التوحيد.\nوذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] وغيرها من الآيات الكثيرة، بل لو قال قائل: إن القرآن من أوله إلى آخره يدعو إلى هذه القضية، ويؤكدها، ويثبتها بالأساليب المختلفة والمتعدده، لما كان مبالغًا في ادعائه، فهذا هو المقصد الأساسي في الشريعة، والمقصد الأصلي من الخلقة، وما عداه فهو تابع له، وقد بيَّنه القرآن أعظم بيان، وحذر مما يضاده ويعود عليه بالإبطال (^٣).\n_________\n(^١) لمزيد من البسط. انظر: قاعدة: (العبادة هي الغاية التي خلق اللَّه لها الخلق ...) (ص ١٥٠).\n(^٢) شفاء العليل، لابن القيم (ص ٢٣٢).\n(^٣) انظر: مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة، للدكتور محمد اليوبي (ص ٤٧٧).","vol":"1","page":58},{"text":"يقول الإمام ابن القيم: \"فأخبر سبحانه أنه القصد بالخلق والأمر: أن يعرف بأسمائه وصفاته، ويعبد وحده لا يشرك به، وأن يقوم النّاس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض\" (^١).\nثالثًا: ومما يبيِّن منزلة هذا التوحيد أن اللَّه تعالى بعث جميع الأنبياء والمرسلين بهذا التوحيد، توحيد العبادة، فلم يأت رسول إلى قومه يدعوهم إلى الاعتراف بوجود اللَّه ﵎، وأنه الخالق القادر المحيي والمميت، وإنما تتابعت الأنبياء والرسل من أولهم إلى آخرهم بهذا التوحيد، ويكفيه شرفًا هذه المنزلة التي جعلته في مقدمة دعوات الأنبياء، وأولى مهام رسالاتهم (^٢).\nيقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وقوله ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥].\nومعنى: فاعبدون في الآية؛ أي: وحدون (^٣).\nفهذا الأصل وهو توحيد العبادة هو أصل الدين الذي لا يقبل اللَّه من الأولين والآخرين دينًا غيره، وبه أرسل اللَّه الرسل وأنزل الكتب (^٤).\nيقول الشيخ السعدي في الآية: \"فكل الرسل الذين من قبلك مع كتبهم؛ زبدة رسالتهم، وأصلها الأمر بعبادة اللَّه وحده لا شريك له، وبيان أنه الإله الحق المعبود، وأن عبادة ما سواه باطلة\" (^٥).\nويقول الشيخ سليمان آل الشيخ في بيان ما سبق من أهمية:\n_________\n(^١) الجواب الكافي لابن القيم (ص ٨٩)، وانظر: التوضيح عن توحيد الخلاق (ص ٥).\n(^٢) لمزيد من التوضيح. انظر: قاعدة: (النزاع بين الرسل وأقوامهم ...) (ص ٢٢٠).\n(^٣) انظر: تفسير السمعاني (٣/ ٣٧٥).\n(^٤) انظر: مجموع الفتاوى (١/ ١٥٤).\n(^٥) تفسير السعدي (ص ٥٢١).","vol":"1","page":59},{"text":"\"وهذا التوحيد هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، وهو معنى قول لا إله إلا اللَّه؛ فإن الإله هو المألوه المعبود بالمحبة، والخشية، والإجلال، والتعظيم، وجميع أنواع العبادة، ولأجل هذا التوحيد خلقت الخليقة، وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وبه افترق الناس إلى مؤمنين وكفار، وسعداء أهل الجنة وأشقياء أهل النار، قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١] فهذا أول أمر في القرآن\" (^١).\nرابعًا: هذا النوع من التوحيد هو أصل الإسلام، وأساس الإيمان، وأول ما يؤمر به العبد، وهو ميزان الأعمال صحة وفسادًا.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"والمقصود هنا أن السلف والأئمة متفقون على أن أول ما يؤمر به العباد الشهادتان\" (^٢).\nوشهادة أن لا إله إلا اللَّه دالة على توحيد العبادة بالمطابقة (^٣).\nويقول الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب فيما لخصه من المسائل عن شيخ الإسلام: \"وعلم بالاضطرار من دين الرسول، واتفقت عليه الأمة: أن أصل الإسلام، وأول ما يؤمر به الخلق شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وشهادة أن محمدًا رسول اللَّه، فبه يصير الكافر مسلمًا، والعدو وليًا، ثم إن كان من قلبه دخل في الإيمان، وإن قاله بلسانه دون قلبه فهو في ظاهر الإسلام\" (^٤).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد (ص ٢٨).\n(^٢) درء التعارض (٨/ ١١).\n(^٣) دلالة المطابقة: هي دلالة اللفظ على تمام معناه، كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق.\n(^٤) مسائل لخصها الإمام محمد بن عبد الوهاب (ص ١٤٩).","vol":"1","page":60},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-18> المطلب الثالث* أدلته</span>\nسبق الكلام عن أهمية توحيد العبادة، وبسبب هذه المنزلة العظيمة لهذا التوحيد فقد تعددت أدلته وتعاضدت، وفيما يأتي أذكر ما ظهر لي من أدلة لهذا النوع العظيم من أنواع التوحيد:\nأولًا: أمر اللَّه تعالى في نصوص عديدة -يصعب حصرها- بهذا التوحيد، وإلزامه العباد به، وأنه من أعظم الفروض الواجبة المتحتمة على كل مسلم، وهذه النصوص الكثيرة تدل على أنه أصل عظيم من أصول الإسلام، ومن تلك النصوص:\nقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾ [آل عمران: ٥١] وقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾ [مريم: ٣٦]، وقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾ [الأنبياء: ٩٢]، وقوله -﷿-: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤)﴾ [الزخرف: ٦٤]، وقال -﷾-: ﴿... فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢، ٣]، وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]، وقوله ﷿: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ [النمل: ٩١]، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾ [الزمر: ١١].\nفكل هذه النصوص تدل على هذا الأصل العظيم من أصول الإسلام، وكونه من أفرض الفروض، وأكبر الواجبات على المسلم.\nثانيًا: من أعظم الأدلة الدالة على توحيد اللَّه وإفراده بالعبادة،","vol":"1","page":61},{"text":"وعدم عبادة ما سواه اتصافه -﷾- بصفات الربوبية، وتفرده بكشف الضراء وجلب السراء، المالك لكل شيء، فما من شيء سواه إلا في قبضه وتحت أمره.\nيقول الإمام ابن القيم: \"فتوحيد الربوبية أعظم دليل على توحيد الإلهية، ولذلك وقع الاحتجاج به في القرآن أكثر مما وقع بغيره؛ لصحة دلالته، وظهورها، وقبول العقول والفطر لها، ولاعتراف أهل الأرض بتوحيد الربوبية، وكذلك كان عباد الأصنام يقرون به وينكرون توحيد الإلهية، ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾، مع اعترافهم بأن اللَّه وحده هو الخالق لهم، وللسموات والأرض وما بينهما، وأنه المنفرد بملك ذلك كله، فأرسل اللَّه تعالى يذكر بما في فطرتهم الإقرار به؛ من توحيده وحده لا شريك له، وأنهم لو رجعوا إلى فطرهم وعقولهم لدلتهم على امتناع إله آخر معه، واستحالته وبطلانه\" (^١).\nويقول الشيخ السعدي: \"ومن أدلة توحيده: أنه تعالى المنفرد بكشف الضراء، وجلب الخير والسراء، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ [الأنعام: ١٧]؛ من فقر، أو مرض، أو عسر، أو غم، أو هم، أو نحوه، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾، فإذا كان وحده النافع الضار فهو الذي يستحق أن يفرد بالعبودية والإلهية\" (^٢).\nولذا يقول الإمام الطبري (^٣) في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ\n_________\n(^١) طريق الهجرتين (ص ٨٠).\n(^٢) تفسير السعدي (ص ٢٥٢).\n(^٣) هو: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الآملي الطبري، أبو جعفر الإمام المفسر الحافظ أحد الأعلام، ولد عام ٢٢٤ هـ، وهو إمام من أئمة أهل السُّنَّة والجماعة، صاحب المؤلفات الشهيرة في التاريخ والتفسير، له عناية بعلم القراءات، وأقوال الصحابة والتابعين، من مصنفاته: جامع البيان، وتهذيب الآثار، وتاريخ الأمم والملوك، توفي - ﵀ - سنة ٣١٠ هـ. انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ (٢/ ٧١٠)، =","vol":"1","page":62},{"text":"حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]: \"ومن الدلالة على أن الألوهة للّه الواحد القهار، خالصة دون كل ما سواه: أنه يميت ويحيي، ويفعل ما يشاء، ولا يقدر على ذلك شيء سواه، فجعل ذلك خبرًا نبههم به على عظيم قدرته، فقال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]؛ فيقبضها عند فناء أجلها، وانقضاء مدة حياتها، ويتوفى أيضًا التي لم تمت في منامها كما التي ماتت عند مماتها، ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ [الزمر: ٤٢] ... \" (^١).\nفكونه -﷾- متصفًا بصفات الربوبية من الخلق والإحياء والإماتة جعل له الاستحقاق الكامل دون غيره للتأله والتعبد، وهذا هو توحيد الإلهية، كما قال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾ [النحل: ١٧].\nويبين الإمام ابن القيم أن الإلهية التي دعت الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها هي العبادة والتأليه، ومن لوازمها توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون، فاحتج اللَّه عليهم به؛ فإنَّه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الإلهية (^٢).\nيقول الألولسي (^٣) في \"تفسيره\": \"فإن توحيد الربوبية يشير إلى توحيد الألوهية؛ بناء على أن اختصاص الربوبية به -﷿- علة لاختصاص الألوهية، واستحقاق المعبودية به -﷾ -، وقد ألزم جلَّ وعلا الوثنية\n_________\n= وسير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٦٧)، والبداية والنهاية، لابن كثير (١١/ ١٥٦)، وشذرات الذهب (٢/ ٢٦٠)، وطبقات المفسرين (ص ٩٥).\n(^١) تفسير الطبري (٢٤/ ٨).\n(^٢) انظر: إغاثة اللهفان (٢/ ١٣٥).\n(^٣) هو: محمد شهاب الدين بن عبد اللَّه الحسيني الألوسي أبو الثناء، ولد عام ١٢١٧ هـ، عالم جليل، له عناية بعلم الحديث وأصوله، وبرع في التفسير: من مؤلفاته: روح المعاني في تفسير القرآن، توفي عام ١٢٧٠ هـ. [انظر ترجمته في: الأعلام للزركلي (٧/ ١٧٦)، ومعجم المؤلفين لرضا كحالة (٣/ ٨١٥)].","vol":"1","page":63},{"text":"القائلين باختصاص الربوبية بذلك في غير موضع\" (^١).\nويقول -﵀- أيضًا: \"فهو -﷾- الخالق كل شيء؛ فإن كل من لا يكون خالقًا لكل شيء لا يكون نافعًا ضارًا على الإطلاق، وكل من لا يكون كذلك لا يستحق أن يعبده كل مخلوق؛ لأن العبادة هي الطاعة، والانقياد، والخضوع، ومن لا يملك نفعًا ولا ضرًا بالنسبة إلى بعض المخلوقين لا يستحق أن يعبده ذلك البعض، ويطيعه، وينقاد له، فإن من لا يقدر على إيصال نفع إلى شخص، أو دفع ضر عنه لا يرجوه، ومن لا يقدر على إيصال ضر إليه لا يخافه، وكل من لا يخاف ولا يرجى أصلًا لا يستحق أن يعبد وهو ظاهر\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-19> المطلب الرابع* أسماؤه وإطلاقاته</span>\nلقد عبَّر أهل العلم عن هذا النوع من التوحيد بعدة أسماء وإطلاقات، وكل من هذه الأسماء لها مناسبات بسببها وجدت التسمية، ولا شكَّ أن معرفة الأسماء والإحاطة بإطلاقات المسميات الشرعية، ومعرفة تعبيرات أهل العلم عنها ومناسبات ذلك له فوائد عظيمة لا تخفى، وفيما يأتي أنقل ما وقفت عليه من تلك الإطلاقات لهذا النوع العظيم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>أ - توحيد الطلب والقصد:</span>\nأطلق هذه التسمية عدد من أهل العلم، ومناسبة ذلك أن توحيد العبادة قد تضمن طلب المخلوق من الخالق، كما أن فيه القصد والتوجه ظاهرًا وباطنًا إلى المعبود الحق -﷾-.\n_________\n(^١) روح المعاني (١٥/ ٢١٩).\n(^٢) المصدر نفسه (٢٦/ ٥٩).","vol":"1","page":64},{"text":"يقول الإمام ابن تيمية: \"وذلك لأن العبادة تتضمن الطلب والقصد، والإرادة والمحبة\" (^١).\nويقول الإمام ابن القيم: \"وهو نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات وتوحيد في الطلب والقصد\" (^٢).\nويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن: \"وهذا هو التوحيد في الربوبية، وهو الدليل على توحيد الإلهية الذي هو إفراد اللَّه تعالى بجميع أنواع العبادة وهو توحيد القصد والإرادة، وقد تقدم بيان ذلك بحمد اللَّه\" (^٣).\nويقول الشيخ سليمان بن عبد اللَّه آل الشيخ: \"وإن شئت قلت: التوحيد نوعان؛ توحيد في المعرفة والإثبات، وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات، وتوحيد في الطلب والقصد، وهو توحيد الإلهية والعبادة\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>ب - توحيد الارادة والطلب:</span>\nوهذا أيضًا من تعبيرات أهل العلم عن توحيد العبادة، ومأخذ هذه التسمية أن العبد له في فعل العبادة إرادة، فهو إما أن يفعل أو لا يفعل، كما أنه يطلب بتلك العبادة وجه اللَّه ويبتغي مرضاته (^٥).\nيقول الإمام ابن القيم في بيان دلالة القرآن على نوعي التوحيد: \"فإن القرآن\" إما خبر عن اللَّه وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع كل ما يعبد من دونه فهو التوحيد الإرادي الطلبي\" (^٦).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢/ ٢٩٨).\n(^٢) مدارج السالكين (٣/ ٤٤٩)، وانظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص ٨٨).\n(^٣) قرة عيون الموحدين (ص ١٥١).\n(^٤) تيسير العزيز الحميد (ص ٢٦).\n(^٥) انظر: معتقد أهل السُّنَّة والجماعة، للأستاذ الدكتور محمد التميمي (ص ٤٥).\n(^٦) مدارج السالكين (٣/ ٤٥٠).","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>ج - توحيد الشرع والقدر:</span>\nوهو توحيد العبادة، والشرع يتعلق بالأمر، والقدر يتعلق بعلم اللَّه تعالى وربوبيته، وجمع فيه بين الشرع والقدر؛ لأن اللَّه يعبد بمعرفته كما أنه يعبد بامتثال أمره -﷾- (^١).\nيقول الإمام ابن تيمية: \"والكلام في الشرع والقدر هو من باب الطلب والإرادة، الدائر بين الإرادة والمحبة، وبين الكراهة والبغض، نفيًا وإثباتًا\" (^٢).\nويقول الشيخ فالح بن مهدي (^٣): \"فمن الطلبي الإرادي توحيد\n_________\n(^١) يقول الأستاذ الدكتور الشيخ محمد الخميس - حفظه اللَّه - في تعليقه على كلام شيخ الإسلام ابن تيمجة في التدمرية: \"لقد صرح شيخ الإسلام في كلامه هذا: بأن القدر من باب الطلب والإرادة: ولكن أقول: إن هذا يحتاج إلى تفصيل: وهو أن القدر له جهتان؛ جهة الإخبار، وجهة الإرادة، فالقدر من جهة الإخبار هو من باب الخبر نفيًا وإثباتًا، فإذا أخبر اللَّه تعالى أنه قدَّر كذا وكذا -أو أنه ليس بكذا فهو من باب الخبر، أما نفس القدر- فهو من باب الإرادة، فاللّه تعالى قد أراد أشياء وأحبها، فقدَّرها كونًا وأرادها شرعًا؛ كالتوحيد والطاعات، وقدر أشياء كونًا ولكنه لم يقدِّرها شرعًا؛ لأنَّهُ لم يحبها، بل كرهها وأبغضها فلم يردها شرعًا كالكفر والفسوق\". [توحيد مقاصد المصطلحات العلمية (ص ١١)].\nوقال الشيخ فخر الدين المحسي وفقه اللَّه في تعليقه على التدمرية: \"الذي يظهر لي أن القدر ليس من باب الطلب، وإنما هو من باب الخبر، فهو من مباحث الإيمان، وإنما أدخله شيخ الإسلام في الشرع لسببين: أولهما: للتلازم بين الشرع والقدر كما سبق فلا بد من العمل بالشرع مع الاستعانة باللّه للتوفيق. ثانيهما: لأن القدر دائر بين الإرادة والمحبة، والكراهية والبغض، فيتفق مع الشرع من هذا الوجه، واللّه تعالى أعلم\". [التوضيحات الأثرية على متن الرسالة التدمرية (ص ٢٧)، لفخر الدين المحسي].\n(^٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٢).\n(^٣) هو: الشيخ فالح بن مهدي بن سعيد بن مهدي بن مبارك آل مهدي الدوسري، ولد في (ليلى) من الأفلاج، عام ١٣٥٢ هـ، وكف بصره عام ١٣٦٢ هـ، ختم القرآن وعمره ثلاثة عشر عامًا، رحل إلى الرياض ودرس على الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ، وسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي الديار السعودية وغيرهم=","vol":"1","page":66},{"text":"الشرع والقدر؛ فمنه ما هو مطلوب مراد محبوب كالتوحيد وسائر الطاعات، ومنه ما هو مبغض ممنوع، كالشرك والمعاصي\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>د - التوحيد العملي الإرادي، أو العملي القصدي:</span>\nوسمي بذلك لأن العبادة تتضمن عمل القلب والجوارح، وذلك مستلزم لعلم القلب واعتقاده ومعرفته، وقول اللسان كما لا يخفى.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"والتوحيد العملي الإرادي؛ أن لا يعبد إلا إياه، فلا يدعو إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يخاف إلا إياه، ولا يرجو إلا إياه، ويكون الدين كله للّه\" (^٢).\nويقول -﵀- أيضًا: \"وقد بسط الكلام في التوحيد وأنه نوعان؛ علمي قولي وعملي قصدي؛ فـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ اشتملت على التوحيد العملي نصًا، وهي دالة على العلمي لزومًا، و﴿قُل هُوَ اَللَّهُ أَحَدُ﴾ (١)﴾ اشتملت على التوحيد العلمي القولي نصًا وهي دالة على التوحيد العملي لزومًا\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>هـ - توحيد الإلهية أو الألوهية أو العبادة:</span>\nوسمي بذلك لأنَّهُ اشتمل على التأله وهو التعبد والتنسك للّه -﷾-، أو على الألوهة وهي العبادة.\nيقول الإمام الطبري في رده على قول النصارى: \"لأن من كان له ولد فليس بإله، وكذلك من كالن له صاحبة فغير جائز أن يكون إلهًا\n_________\n= كثير، دَرَّس بمعهد الرياض العلمي ثم انتقل للتدريس بكلية الشريعة بالرياض، من كتبه: شرح الرسالة التدمرية المسمى بالتحفة المهدية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، توفي -﵀- عام ١٣٩٢ هـ. [انظر ترجمته في: مقدمة تحقيق التحفة المهدية بقلم تلميذه: علي بن حسن شهراني].\n(^١) التحفة المهدية (ص ٢٦).\n(^٢) الصفدية (٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٧/ ١٠٧ - ١٠٨).","vol":"1","page":67},{"text":"معبودًا، ولكن اللَّه الذي له الألوهة والعبادة إله واحد معبود، لا ولد له، ولا والد، ولا صاحبة، ولا شريك\" (^١).\nويقول الشيخ السعدي في شأن توحيد الألوهية: \"وهذا النوع يقال له: توحيد الإلهية، وتوحيد العبادة؛ فالألوهية وصفه تعالى، والعبودية وصف عبده\" (^٢).\nيقول الشيخ العثيمين (^٣) -﵀- في فوائد بعض الآيات: \"ومنها: أن العبادة والألوهية معناهما واحد؛ لكن العبادة باعتبار العابد؛ والألوهية باعتبار المعبود، ولهذا كان أهل العلم يسمون التوحيد توحيد العبادة؛ وبعضهم يقول: توحيد الألوهية\" (^٤).\nويقول الشيخ فالح آل مهدي: \"قوله: (وهذا) راجعة إلى توحيد الشرع والقدر، وكما يسمى بذلك يسمى أيضًا التوحيد الطلبي الإرادي، وتوحيد العبادة، وتوحيد الألوهية، والتوحيد الفعلي نسبة إلى أفعال العباد، وتوحيد القصد والعمل، فهذه كلها ألقاب لهذا النوع\" (^٥).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٦/ ٣٧).\n(^٢) تفسير السعدي (ص ٥٠٣).\n(^٣) هو: العالم، الجليل، الزاهد، الورع، الفقيه، الأصولي، المفسر: أبو عبد الله محمد بن صالح بن محمد بن سليمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أحمد بن مقبل العثيمين الوهيبي التميمي، ولد في مدينة عنيزة في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك عام ١٣٤٧ هـ، من أبرز شيوخه: علامة القصيم الشيخ عبد الرحمن السعدي، وعبد الرزاق عفيفي، والشيخ المفسر محمد الأمين الشنقيطي، والشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز مفتي المملكة سابقًا، مؤلفاته كثيرة وشهيرة ومنها: القول المفيد شرح كتاب التوحيد، وشرح الواسطية، وفتح رب البرية بتلخيص الحموية، وغيرها الكثير، ووافاه الأجل بعد عصر يوم الأربعاء الخامس عشر من شهر شوال سنة ١٤٢١ هـ، بمدينة جدة. [انظر ترجمته في: (ابن عثيمين الإمام الزاهد)، د. ناصر الزهراني، و(الجامع لحياة العلامة محمد بن صالح العثيمين -﵀-) لتلميذه وليد بن أحمد الحسين].\n(^٤) تفسير سورة البقرة (٢/ ٨٠)، وانظر: القول المفيد للشيخ ابن عثيمين (١/ ١٤).\n(^٥) التحفة المهدية (ص ٢٨).","vol":"1","page":68},{"text":"ومما يحسن التنبيه عليه في ختام هذا المطلب أن جميع هذه التسميات متفقة في مضمونها ولا تعارض بينها، وإنما حصل الاختلاف في التعبير نسبة لاختلاف اعتباراتها وما ترجع إليه، واللّه أعلم.","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>الباب الأول القواعد المتعلقة بتوحيد العبادة</span>\nوفيه ستة فصول:\nالفصل الأول: القواعد العامة في توحيد العبادة.\nالفصل الثاني: القواعد المتعلقة بحقيقة العبادة وضابطها.\nالفصل الثالث: القواعد المتعلقة بأنواع التوحيد.\nالفصل الرابع: القواعد المتعلقة بأصل التوحيد.\nالفصل الخامس: القواعد المتعلقة بتحقيق توحيد العبادة وأدلته.\nالفصل السادس: القواعد المتعلقة برد البدع.","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>الفصل الأول القواعد العامة في توحيد العبادة</span>\nوفيه ثمانية مباحث:\nالمبحث الأول: قاعدة: دين الأنبياء واحد هو الإسلام.\nالمبحث الثاني: قاعدة: الشرع مبناه على تكميل أديان الخلق وعلى تكميل عقولهم.\nالمبحث الثالث: قاعدة: الدين قد كَمُلَ بيانه في أصوله وفروعه باطنه وظاهره علمه وعمله.\nالمبحث الرابع: قاعدة: العبادة هي الغاية التي خلق اللَّه لها الخلق من جهة أمره ومحبته ورضاه.\nالمبحث الخامس: قاعدة: ليس في الشريعة بقعة تقصد للعبادة لذاتها إلا المساجد ومشاعر الحج.\nالمبحث السادس: قاعدة: النز اع بين الرسل وأقوامهم إنما كان في إفراد اللَّه بالعبادة وترك عبادة ما سواه.","vol":"1","page":73},{"text":"المبحث السابع: قاعدة: البركة للّه وصفًا وملكًا وفعلًا وكل بركة في الكون فمن آثار بركته سبحانه.\nالمبحث الثامن: قاعدة: التوجه إلى شيء أو إلى جهة بقصد القربة وحصول الثواب عبادة.","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>المبحث الأول قاعدة دين الأنبياء واحد هو الإسلام</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-28> المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة</span>\nاشتملت القاعدة على ألفاظ لا بد لنا من معرفة معناها، وبيان مدلولها؛ وذلك لنتوصل للفهم الصحيح الشامل لهذه القاعدة، ومن تلكم الألفاظ:\n\nالدين والإسلام:\nفأما لفظ الدين فهو من أصل لغوي ثلاثي هو (دَيَنَ)، وهو جنس من الانقياد والذُّل (^١) وإلى هذا الأصل ترجع فروع هذه اللفظة، ومما جاء من معانيها:\nالدين بمعنى الجزاء والحساب، والحكم، والعادة، والطاعة، والاستسلام، والانقياد، والقهر والملة، والشريعة، والسياسة، وغيرها من المعاني (^٢).\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة (٢/ ٣١٩ - ٣٢٠).\n(^٢) انظر: معجم مقاييس اللغة (٢/ ٣١٩ - ٣٢٠)، ومختار الصحاح (ص ٩١)، ومعجم =","vol":"1","page":75},{"text":"وأقرب هذه المعاني للقاعدة هو الدين بمعنى الملة.\nيقول ابن عطية (^١) - ﵀ -: \"والدين لفظ يجيء في كلام العرب على أنحاء منها الملة قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وسمي حظ الرجل منها في أقواله وأعماله واعتقاداته دينًا فيقال فلان حسن الدين\" (^٢).\nومن أهل العلم من جعل الملة أخص من الدين.\nيقول الشيخ علي القاري (^٣): \"والظاهر أن الملة أخص من الدين؛ ولذا قيل باتحاد دين الأنبياء وهو الإسلام والتوحيد، واختلاف مللهم لاختلاف شرائعهم\" (^٤).\nأما لفظ الإسلام فهو من أصل لغوي ثلاثي هو (سلم)، ومعظم بابه من الصحة والعافية والسلامة (^٥).\n_________\n= الأفعال المتعدية بحرف (ص ١٠٧)، واتفاق المباني وافتراق المعاني (ص ١٩٣)، وفتح الباري (٨/ ١٥٦)، وعمدة القارئ (١/ ٢٥٥).\n(^١) هو: أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن غابى الغرناطي المالكي، فقيه، عالم بالتفسير، والأحكام، والحديث، والفقه، والنحو، واللغة، والأدب، حسن التقييد، له نظم ونثر، ولي قضاء المرية، وكان غاية في الذكاء، والدهاء، والتهمم بالعلم، توخى الحق، وعدل في الحكم، وألف كتابه المحرر الوجيز في التفسير فأحسن فيه وأبدع، وطار بحسن نيته كل مطار، وكتابًا ضمنه مروياته وأسماء شيوخه فحرر وأجاد، ولد سنة ٤٨١ هـ، وتوفي سنة ٥٤٦ هـ. انظر ترجمته في: نفح الطيب (٢/ ٥٢٦ - ٥٢٧)، ومعجم المؤلفين (٥/ ٩٣).\n(^٢) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (١/ ٧٠).\n(^٣) هو: العلامة علي بن سلطان محمد نور الدين الملا الهروي القاري، فقيه حنفي من صدور العلم، ولد في هراة وسكن مكة وتوفي بها سنة (١٠١٤ هـ)، قيل: كان يكتب فلي كل عام مصحفًا وعليه طرر من القراءات والتفسير فيبيعه فيكفيه قوته من العام إلى العام، وصنف كتبًا كثيرة، منها: أنوار القرآن وأسرار الفرقان، والأثمار الجنية في أسماء الحنفية، وغيرها كثير. [ترجمته في: الأعلام للزركلي (٥/ ١٢)، والإعلام بتصحيح كتاب الأعلام (ص ١٠٥)].\n(^٤) مرقاة المفاتيح (١/ ٢٦٢).\n(^٥) انظر: معجم مقاييس اللغة (٣/ ٩٠).","vol":"1","page":76},{"text":"ومن معانيه في لغة العرب؛ البراءة، والنجاة والوقاية، والدفع والإعطاء، والرضا بالحكم، والدخول في دين الإسلام، والانقياد والإذعان وغيرها (^١).\nوأما معنى الإسلام في الشرع فيأتي على معانٍ عدة وباعتبارات وإطلاقات مختلفة؛ فهو باعتبار ما أنزله اللَّه على أنبيائه ورسله على معنيين:\nالأول: بمعنى الدين المشترك والعقيدة الواحدة، التي جاء بها جميع الأنبياء والمرسلين من أولهم إلى آخرهم، يصدق اللاحق السابق، ويبشر السابق باللاحق.\nالثاني: الرسالة الشاملة الكاملة، التي بعث بها خير الخلق وأفضل البشرية وأكرمها على اللَّه محمد بن عبد اللَّه -ﷺ-، وهي شريعة الإسلام التي ختمت بها جميع الرسالات.\nقال الإمام ابن تيمية - ﵀ -: \"وله معنيان: أحدهما: الدين المشترك، وهو عبادة اللَّه وحده لا شريك له الذي بعث به جميع الأنبياء، كما دلَّ على اتحاد دينهم نصوص الكتاب والسُّنَّة. الثاني: ما اختص به محمد -ﷺ- من الدين والشرعة والمنهاج\" (^٢).\nأما باعتبار ما يتضمنه الإسلام، فيأتي على معنيين:\nأحدهما: بمعنى الاستسلام والانقياد في ظاهر القول والعمل.\nالثاني: الاستسلام والانقياد في الظاهر والباطن.\nيقول الإمام ابن تيمية -﵀-: \"وله مرتبتان: أحدهما: الظاهر من القول والعمل؛ وهي المباني الخمس. والثاني: أن يكون ذلك الظاهر\n_________\n(^١) انظر: معجم مقاييس اللغة (٣/ ٩٠)، الصحاح (٥/ ١٩٥٠ - ١٩٥٢)، لسان العرب (٦/ ٣٤٢ - ٣٥٠)، معجم الأفعال المتعدية بحرف (ص ١٦٠).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٣٥ - ٦٣٦).","vol":"1","page":77},{"text":"مطابقًا للباطن\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-29> المسألة الثانية* بيان معنى القاعدة</span>\nدلت القاعدة على أصل عظيم من أصول الاعتقاد في الإسلام، وهو أن دين جميع الأنبياء من أولهم إلى آخرهم دين واحد، هو دين الإسلام، ليس للّه تعالى دين سواه، فهو الدين الذي جاءت به الرسل من نوح إلى محمد -ﷺ-، وهو دين اللَّه إلى أن يرث اللَّه الأرض ومن عليها، فجميع الأنبياء وأممهم كانوا مسلمين مؤمنين موحدين، لم يكن قط للّه تعالى دين يقبله، ولا يكون له دين يرضى عنه سوى دين الإسلام.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فمن لم يقر باطنًا وظاهرًا بأن اللَّه لا يقبل دينًا سوى الإسلام فليس بمسلم\" (^٢).\nويمكن القول بأن الدين المشترك الذي جاء به جميع الأنبياء وهو الإسلام العام يرتكز في الجملة على أصول ثلاثة، ما من دعوة نبي إلا ونادت بهذه الأصول، ودعت إليها، وهي: \"الأول: الدعوة إلى اللَّه في إثبات التوحيد، وتقريره، وعبادة اللَّه وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه.\nالثاني: التعريف بالطريق الموصل إليه بإثبات النبوات وما يتفرع عنها من الشرائع، من صلاة وصيام وجهاد، أمرًا ونهيًا، في دائرة أحكام التكليف الخمسة فيقامة العدل، والفضائل، والترغيب والترهيب.\nالثالث: التعريف بحال الخليقة بعد الوصول إلى اللَّه: من إثبات\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٣٦).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٦٣)، وجاء عن ابن جريج في الآية: \"ليس للّه دين غيره\".\n[انظر: تفسير الطبري (٣/ ٣١٠)].","vol":"1","page":78},{"text":"أمر البرزخ والقبر وما فيه من نعيم وعذاب، وأمر المعاد، واليوم الآخر، والبعث بعد الموت، والجنة والنار، والثواب والعقاب\" (^١).\nيقول الإمام ابن القيم: \"والرسل من أولهم إلى خاتمهم - صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين - أرسلوا بالدعوة إلى اللَّه، وبيان الطريق الموصل إليه، وبيان حال المدعوين بعد وصولهم إليه، فهذه القواعد الثلاث ضرورية في كل ملة على لسان كل رسول\" (^٢).\nيقول الإمام ابن رجب مبينًا معنى الإسلام العام: \"ومعنى ذلك: أن دين الأنبياء كلهم دين واحد وهو الإسلام العام، المشتمل على الإيمان باللّه، وملائكته، وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعلى توحيد اللَّه وإخلاص الدين له، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٤، ٥] \" (^٣).\nويقول الإمام ابن تيمية: \"فالرسل متفقون في الدين الجامع للأصول الاعتقادية والعملية، فالاعتقادية؛ كالإيمان باللّه وبرسوله وباليوم الآخر، والعملية؛ كالأعمال العامة المذكورة في الأنعام والأعراف وسورة بني إسرائيل ... \" (^٤).\nوقال -﵀-: \"وهكذا القرآن، فإنه قرر ما في الكتب المتقدمة من الخبر عن اللَّه وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك بيانًا وتفصيلًا وبين الأدلة والبراهين على ذلك، وقرر نبوة الأنبياء كلهم ورسالة المرسلين، وقرر\n_________\n(^١) انظر: الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان (ص ٤٨ - ٤٩)، للشيخ بكر أبو زيد بتصرف، وقد أجملها الإمام ابن القيم في مدارج السالكين (٣/ ٣٤٨ - ٣٤٩).\n(^٢) مدارج السالكين (٣/ ٣٤٨).\n(^٣) فتح الباري لابن رجب (١/ ١٧ - ١٨).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١٥/ ١٥٩).","vol":"1","page":79},{"text":"الشرائع الكلية التي بعث بها الرسل كلهم\" (^١).\nويقول العلامة ابن عطية: \"وأما في المعتقد، فالدين واحد لجميع العالم؛ توحيد، وإيمان بالبعث، وتصديق للرسل، وقد ذكر اللَّه تعالى في كتابه عددًا من الأنبياء شرائعهم مختلفة ثم قال لنبيه - ﷺ -: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] فهذا عند العلماء في المعتقدات فقط\" (^٢).\nوقال الإمام الشوكاني (^٣) في قوله تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]: \"أي: لا تختلفوا في التوحيد والإيمان باللّه، وطاعة رسله، وقبول شرائعه، فإن هذه الأمور قد تطابقت عليها الشرائع، وتوافقت فيها الأديان، فلا ينبغي الخلاف في مثلها\" (^٤).\nوعرَّف -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب دين الإسلام بقوله: \"الأصل الثاني: معرفة دين الإسلام بالأدلة، وهو الاستسلام للّه بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله\" (^٥).\nومن المعلوم أن الأنبياء إنما بعثوا لتقرير الأصل الأول بخلاف غيره، إذ هي تبع للأصل الأول، فالأصل هو إفراده بالعبادة دون ما سواه، وأنه هو المستحق للعبادة، لا إله غيره ولا رب سواه.\n_________\n(^١) المصدر نفسه (١٧/ ٤٤).\n(^٢) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٢/ ٣٠٠ - ٢٠١).\n(^٣) هو: محمد بن علي بن محمد بن عبد اللَّه الشوكاني الصنعاني، اليماني، الفقيه، المجتهد، المحدث، الأصولي. ألف كثيرًا من الكتب النافعة منها: فتح القدير في \"التفسير\"، ونيل الأوطار شرح منتهى الأخبار، وإرشاد الفحول. توفي سنة ١٢٥٠ هـ. [انظر ترجمته في: البدر الطالع (٢/ ٢١٤)، والأعلام للزركلي (٦/ ٢٩٩٨)].\n(^٤) فتح القدير (٤/ ٥٣٠).\n(^٥) ثلاثة الأصول، ضمن مؤلفات الإمام محمد بن عبد الوهاب (٦/ ١٣٧).","vol":"1","page":80},{"text":"يقول الإمام ابن تيمية: \"والأنبياء إنما بعثوا بالدعوة إلى اللَّه وحده؛ وقد يذكرون المعاد مجملًا ومفصلًا، والقصص قد يذكر بعضهم بعضها مجملًا، وأما الإلهيات فهي الأصل، ولا بد من تفصيل الأمر بعبادة اللَّه وحده دون ما سواه، فلا بد لكل نبي من الأصول الثلاثة؛ الإيمان باللّه، واليوم الآخر، والعمل الصالح\" (^١).\nفهذا هو أصل دعوتهم، وفيه وقع الخلاف بين الرسل وأقوامهم.\nيقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"العبادة هي التوحيدُ لأن الخصومة فيه\" (^٢).\nولذا اهتم العلماء بهذا الأصل العظيم، وبه فسروا الإسلام العام والملة المشتركة، والدين الذي جاء به جميع الأنبياء والمرسلين.\nيقول الإمام الطبري: \"ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره التوحيد والإخلاص للّه الذي جاءت به الرسل\" (^٣).\nويقول الإمام ابن تيمية: \"فهذا دين الأولين والآخرين من الأنبياء وأتباعهم هو دين الإسلام: وهو عبادة اللَّه وحده لا شريك له وعبادته تعالى في كل زمان ومكان بطاعة رسله -﵈-، فلا يكون عابدًا له من عبده بخلاف ما جاءت به رسله\" (^٤).\nويقول ابن كثير (^٥) -﵀-: \"والدين الذي جاءت به الرسل كلهم هو\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٧/ ١٢٥ - ١٢٦).\n(^٢) كتاب التوحيد، للإمام محمد بن عبد الوهاب (ص ٩).\n(^٣) جامع البيان (٦/ ٢٦٩).\n(^٤) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (١/ ٨٣)، [وانظر: اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٤٥٥)، الرد على المنطقيين (ص ٢٩٠)].\n(^٥) هو: إسماعيل بن عمر بن ضوء بن كثير القيسي البصروي، عماد الدين أبو الفداء الحافظ المفسر، له مصنفات عديدة منها: البداية والنهاية في التاريخ، وتفسير القرآن، توفي -﵀- سنة ٧٧٤ هـ. [انظر ترجمته في: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٣/ ٨٥)، وطبقات المفسرين للداوودي (١/ ٢٦٠)، والبدر الطالع (١/ ١٥٣)].","vol":"1","page":81},{"text":"عبادة اللَّه وحده لا شريك له\" (^١).\nوقد جاء في تفسير وصية الأنبياء لأقوامهم عند قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣] أن إقامة الدين الذي وصى به هؤلاء الأنبياء جميعًا هو توحيد اللَّه تعالى وعبادته وحده لا شريك له.\nويقول -الإمام المجدد- محمد بن عبد الوهاب: \"وكل أمة بعث اللَّه إليها رسولًا من نوح إلى محمد يأمرهم بعبادة اللَّه وحده، وينهاهم عن عباده الطاغوت\" (^٢).\nويقول الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ (^٣): \"واعلم أن الدين كلمة جامعة لخصال الخير وأعلاها التوحيد كما تقدم؛ وهو على القلب بالاعتقاد والصدق والمحبة، وعلى اللسان بتقريره وتحقيقه والدعوة إليه واللهج به، وعلى الجوارح بالعمل بمقتضاه، والسعي في وسائله والبعد عن مضاده\" (^٤).\nومما سبق يظهر لنا معنى الإسلام العام، والدين الذي اتفق عليه جميع الأنبياء والمرسلين، من أولهم إلى آخرهم، ألا وهي أصول ثلاثة: التوحيد والنبوات والمعاد، وأن أعظم هذه الأصول وأبرزها في دعوة\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٤/ ١١٠).\n(^٢) ثلاثة الأصول ضمن مؤلفات الإمام محمد بن عبد الوهاب (٦/ ١٤١).\n(^٣) هو: العلامة المحدث إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، ولد عام: ٢٧٦ اهـ، من مصنفاته: سلوك الطريق الأحمد، والجوابات المسمعية على الأسئلة الروائية، والرد على أمين العراقي، توفي عام ١٣١٩ هـ. [ترجمته في: علماء نجد للبسام (١/ ٢٠٥ - ٢٠٦)].\n(^٤) سلوك الطريق الأحمد (ص ٢٦)، وهي رسالة أجاب فيها الشيخ إسحاق عن سؤال وجه له، وسبب تسميتها أنه قال في مطلعها: \"من إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن، إلى الأخ المكرم: عبد اللَّه آل أحمد، وفقنا اللَّه وإياه لسلوك الطريق الأحمد\". [انظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١٢/ ٣٩٣)].","vol":"1","page":82},{"text":"هؤلاء الرسل، وبسببه وقع الخصام والقتال بينهم وبين أقوامهم هو الأصل الأول، وهو إفراد المعبود بالعبادة، والكفر بكل معبود سواه.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-30> المسألة الثالثة* أدلة القاعدة</span>\nلهذه القاعدة أدلة كثيرة لا تكاد تحصى إلا بعد الجهد والنظر المتكرر في أدلة القرآن والسُّنَّة، وفيما يلي أذكر بعض هذه الأدلة التي تؤيد هذه القاعدة، فمما جاء من أدلة في كتاب اللَّه تعالى:\nأولًا: الأدلة الدالة على أن الدين عند اللَّه دين واحد هو دين الإسلام، فهو الدين الذي أمر به جميع خلقه، ورضيه منهم، وشرعه لهم، وهو الفطرة التي فطر الناس عليها، وحذَّر من ابتغى غيره بأنه في الآخرة من الخاسرين.\nقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)﴾ [آل عمران: ١٩] وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥] وقوله - ﷿ -: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣] وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)﴾ [المؤمنون: ٥٢] وقال - ﷿ -: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].\nثانيًا: ما أخبر اللَّه تعالى به في كتابه الكريم عن كل نبي من الأنبياء أن دينه كان هو الإسلام، فذكر ذلك عن نوح وإبراهيم ويعقوب ويوسف","vol":"1","page":83},{"text":"وموسى وعيسى وغيرهم، والمقصود هو اتفاقهم في أصل الدين وإن اختلفت شرائعهم كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].\n\nوفيما يلي بعض النصوص القرآنية التي نصت على هذا:\nأخبر تعالى عن نوح - ﵇ - أنه قال لقومه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)﴾ [يونس: ٧٢] فهذا نوح -﵇- يبيِّن لقومه أن اللَّه تعالى أمره أن يكون من المسلمين، وقال ﷿ عن دعاء خليله إبراهيم - ﵇ -: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾ [البقرة: ١٢٨]، وقال تعالى في شأن وصيته ووصية يعقوب -﵉- ولأبنائهم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة: ١٣١، ١٣٢] وقال تعالى مبينًا براءته - ﵇ - من جميع الأديان سوى الإسلام: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾ [آل عمران: ٦٧].\nوقال تعالى مخبرًا عن يوسف الصديق بن يعقوب - ﵉ - أَنَّهُ قال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف: ١٠١].\nوقال -﷾- عن موسى -﵇-: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾ [يونس: ٨٤] وقال عن السحرة الذين آمنوا بموسى -﵇-: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾ [الأعراف: ١٢٦].\nوقال تعالى عن سليمان - ﵇ -: ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨)﴾ [النمل: ٣٨]، وقال عن بلقيس عند إيمانها بسليمان -﵇-:","vol":"1","page":84},{"text":"﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾ [النمل: ٤٤] وقال ﷿ عن أصحاب عيسى -﵇- ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١)﴾ [المائدة: ١١١].\nيقول ابن تيمية: \"فهؤلاء الأنبياء كلهم وأتباعهم كلهم يذكر اللَّه تعالى أنهم كانوا مسلمين، وهذا مما يبين أن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥] وقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] لا يختص بمن بعث إليه محمد -ﷺ-، بل هو حكم عام في الأولين والآخرين، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥] وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ [البقرة: ١١١، ١١٢] \" (^١).\n\nومما يدل على هذه القاعدة من السُّنَّة:\nحديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات (^٢)؛ أمهاتهم شتى ودينهم واحد\" (^٣).\n_________\n(^١) دقائق التفسير (١/ ٣٣٩)، وانظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (١/ ٨١ - ٨٣) (٢/ ١٢٨ - ١٣٢)، الصفدية (٢/ ٣٠١ - ٣٠٣)، والفتاوى (٣/ ٩٠ - ٩٢) (٢٧/ ٣٧٠)، ومنهاج السُّنَّة (١/ ٣١٩ - ٣٢٠)، (٥/ ٢٦٥ - ٢٦٧).\n(^٢) العلات: هم أولاد الرجل الواحد من نسوة شتى، سميت بذلك؛ لأن الذي تزوج أخرى على أولى قد كانت قبلها قد علَّ، والعلل الشرب الثاني، ويقابلهم بنو الأخياف: وهم بنو الأم الواحدة من آباء شتى. [انظر: المعجم الوسيط (٢/ ٦٢٣)، ومختار الصحاح (ص ١٨٩)].\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٣/ ١٢٧٠)، رقم (٣٢٥٩)، ومسلم في صحيحه، باب: فضائل عيسى -﵇- (٤/ ١٨٣٧)، رقم (٢٣٦٥).","vol":"1","page":85},{"text":"والمقصود أنهم متفقون في أصول الدين، فدينهم جميعًا هو الإسلام لا اختلاف بينهم في ذلك، وإنما وقع الخلاف بينهم في فروع الشرائع، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].\nقال الإمام النووي: \"قال جمهور العلماء: معنى الحديث أصل إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة، فإنهم متفقون في أصول التوحيد، وأما فروع الشرائع فوقع فيها الاختلاف وأما قوله -ﷺ-: \"ودينهم واحد\"؛ فالمراد به أصول التوحيد، وأصل طاعة اللَّه تعالى وإن اختلفت صفتها\" (^١).\nويقول أبو العباس القرطبي (^٢): \"وقوله: \"ودينهم واحد\"؛ أي: في توحيدهم، وأصول أديانهم، وطاعتهم للّه تعالى، واتباعهم لشرائعه، والقيام بالحق، كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الآية [الشورى: ١٣] ولم يُرِد فروع الشرائع؛ فإنَّهم مختلفون فيها كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] \" (^٣).\nوقال الحافظ ابن حجر (^٤): \"ومعنى الحديث أن أصل دينهم واحد\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم (١٥/ ١٢٠).\n(^٢) هو: الإمام أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر الأنصاري الأندلسي القرطبي المالكي، أبو العباس الملقب بضياء الدين وكان يعرف في بلاده بابن المزين، ولد عام ٥٧٨ هـ بقرطبة، له: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، وتلخيص صحيح مسلم، ومختصر البخاري وغيره، توفي عام ٦٥٦ هـ، ودفن بالإسكندرية. [تذكرة الحفاظ للذهبي (٤/ ١٤٣٨)، نفح الطيب للمقري (٢/ ٦١٥)].\n(^٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٦/ ١٧٦ - ١٧٧).\n(^٤) هو: الإمام الحافظ الفقيه المحدث المنفرد بمعرفة الحديث وعلله، أبو الفضل شهاب الدين، أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي الكناني العسقلاني الشافعي ثم المصري، المشهور بابن حجر العسقلاني، ولد سنة ٧٧٣ هـ، ومؤلفاته يصعب حصرها منها: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ولسان الميزان، وتهذيب \"التهذيب\"، وغيرها. توفي سنة ٨٥٢ هـ. [انظر ترجمته في: الضوء اللامع (٢/ ٣٦)، والبدر الطالع (١/ ٨٧)].","vol":"1","page":86},{"text":"وهو التوحيد وإن اختلفت فروع الشرائع\" (^١).\nوالمتأمل في النصوص الشرعية يظهر له العديد من الوجوه الدالة على تقرير معنى القاعدة، وما سبق من النصوص يقوم بالغرض والكفاية في تقريرها وبطرق مختلفة ومتعددة، فبعضها دلَّ على أن الدين عند اللَّه الإسلام، وبعضها دلَّ على أنه ما من نبي أرسل إلى قومه إلا وجاء قومه بالإسلام، وبعضها دلَّ على أن الدين المتقبل عند اللَّه هو الإسلام لا غير، كما أن هناك أدلة كثيرة دلت بكل صراحة ووضوح على أن ما من نبي أُرسل إلى قومه إلا ودعاهم إلى الإسلام العام، والدين المشترك.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-31> المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nلقد تضافرت أقوال العلماء -﵏- على تأييد هذه القاعدة واعتمادها والاستدلال بها، وبيان أنها من الأصول الاعتقادية العظيمة لهذا الدين، وفيما يلي أنقل بعض هذه الأقوال التي قررت معنى القاعدة؛ إذ حصر أقوالهم في ذلك وتتبعها مما يصعب جدًا، فمن تلك الأقوال ما يلي:\nجاء عن مجاهد (^٢) في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] يقول: \"أوصاك به يا محمد وأنبياءه كلهم بالإسلام دينًا واحدًا\" (^٣).\n_________\n(^١) فتح الباري (٦/ ٤٨٩).\n(^٢) هو: الإمام مجاهد بن جبر المكي، أبو الحجاج، شيخ القراء والمفسرين، روى عن ابن عباس فأكثر من الرواية عنه، وعنه أخذ القرآن، والتفسير، والفقه، وروى عن جمع من الصحابة. قيل: كانت سنة وفاته ١٠٤ هـ، وقيل: غير ذلك، وكان عمره ٨٣ سنة. [انظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٤٩)، والتاريخ الكبير (٧/ ٤١١)].\n(^٣) تفسير مجاهد (٢/ ٥٧٤)، جامع البيان (٢٥/ ١٥).","vol":"1","page":87},{"text":"ويقول الإمام الطحاوي (^١): \"ودين اللَّه في الأرض والسماء واحد وهو دين الإسلام، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] \" (^٢).\nويقول الإمام ابن رجب -﵀-: \"ومعنى ذلك: أن دين الأنبياء كلهم دين وحد وهو الإسلام العام\" (^٣).\nوقال الإمام ابن تيمية -﵀-: \"فدين الأنبياء واحد وهو دين الإسلام ... \" (^٤).\nويقول أيضًا: \"فدين الأنبياء والمرسلين دين واحد، وإن كان لكل من التوراة والإنجيل والقرآن شرعة ومنهاج\" (^٥).\nويقول الإمام ابن القيم: \" ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]؛ يعني: الذي جاء به محمد، وهو دين الأنبياء من أولهم إلى آخرهم، ليس للّه دين سواه، ... وقد دلَّ قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ على أنه دين جميع أنبيائه ورسله، وأتباعهم من أولهم إلى آخرهم، وأنه لم يكن للّه قط ولا يكون له دين سواه\" (^٦).\nوقال ﵀: \"فالإسلام دين أهل السموات، ودين أهل التوحيد من أهل الأرض، لا يقبل اللَّه من أحدردينًا سواه، فأديان أهل الأرض ستة،\n_________\n(^١) هو: الإمام العلامة الحافظ صاحب التصانيف البديعة أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي الحجري المصري الحنفي الطحاوي، ابن أخت المزني ولد عام (٢٣٧ هـ)، له كتاب معاني الآثار، وغيره، توفي سنة ٣٢١ هـ. [انظر: طبقات الحفاظ (ص ٣٣٩)].\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٧٨٦).\n(^٣) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب (١/ ١٧).\n(^٤) جامع الرسائل (١/ ٢٨٣)، الفتاوى (١١/ ٢٢٠)، (١٥/ ١٥٩)، [وانظر كذلك: الجواب الصحيح (١/ ٨٣)، (٢/ ١٢٨)، ودقائق التفسير (١/ ٣٣٧)، اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٤٥٥)].\n(^٥) الجواب الصحيح (١/ ٦٦).\n(^٦) مدارج السالكين (٣/ ٤٧٦).","vol":"1","page":88},{"text":"واحد للرحمن وخمسة للشيطان، فدين الرحمن هو الإسلام، والتي للشيطان اليهودية والنصرانية والمجوسية والصابئة ودين المشركين\" (^١).\nويقول الإمام ابن كثير: \"والإسلام هو دين الأنبياء جميعًا من أولهم إلى آخرهم وإن تنوعت شرائعهم وتعددت مناهلهم\" (^٢).\nويقول الإمام الشوكاني: \"فالتوحيد هو دين العالم؛ أوله وآخره، وسابقه ولاحقه\". ويقول -﵀-: \"وبالجملة فكتب اللَّه -﷿- بأسرها، ورسله جميعًا متفقون على التوحيد والدعاء إليه، ونفي الشرك بجميع أقسامه\" (^٣).\nويقول الدهلوي (^٤): \"اعلم أن أصل الدين واحد اتفق عليه الأنبياء ﵈، وإنما الاختلاف في الشرائع والمناهج\" (^٥).\nويقول الشيخ حافظ الحكمي (^٦): \"وقد اتفقت دعوتهم من أولهم إلى آخرهم في أصل الدين؛ وهو توحيد اللَّه -﷿- بإلهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ونفى ما يضاد ذلك أو ينافي كماله، كما تقدم ذلك\n_________\n(^١) المصدر نفسه (٣/ ٤٧٦)، ومقصود الإمام ابن القيم من إدخال اليهودية والنصرانية ضمن أديان الشيطان أن ذلك بعد تحريفها، وإلا فهي قبل التحريف أديان صحيحة.\n(^٢) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٤٢٦). وانظر: (١/ ٣٥٥)، (٢/ ٢٠٠).\n(^٣) إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات (ص ٨، ٥).\n(^٤) هو: أحمد بن عبد الرحيم الفاروقي، الدهلوي، الهندي الملقب (شاه ولي اللَّه) حنفي من المحدثين. له مصنفات كثيرة منها: الفوز الكبير في أصول التفسير، والإنصاف في أسباب الاختلاف، وحجة اللَّه البالغة. توفي سنة ١١٧٦ هـ. [انظر: ترجمته في (الأعلام) (١/ ١٤٩)، ومعجم المؤلفين (١/ ١٦٨)].\n(^٥) حجة اللَّه البالغة (ص ١٨٢).\n(^٦) هو: العلامة المتفنن الأديب حافظ بن أحمد بن علي الحكمي، من أعلام زمانه في جنوب المملكة العريية السعودية، ولد عام ١٣٤٢ هـ، من أبرز شيوخه: العلامة عبد اللَّه القرعاوي -﵀-، برع في علوم كثيرة، له كثير من المؤلفات نظمًا ونثرًا، توفي عام ١٣٧٧ هـ في مكة وعمره لم يتجاوز السادسة والثلاثين -﵀-. [انظر ترجمته في: مقدمة كتاب \"معارج القبول\"، بتحقيق: عمر بن محمود أبو عمر].","vol":"1","page":89},{"text":"في تقرير توحيد الطلب والقصد، وأما فروع الشرائع من الفرائض، والحلال، والحرام، فقد تختلف؛ فيفرض على هؤلاء ما لا يفرض على هؤلاء، ويخفف على هؤلاء ما شدد على أولئك، ويحرم على أمة ما يحل للأخرى، وبالعكس؛ لحكمة بالغة، وغاية محمودة، قضاها ربنا ﷿ ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [المائدة: ٤٨] ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] \" (^١).\nهذا بعض ما وقفت عليه من أقوال أهل العلم في تقرير هذه القاعدة، وكلها دلت على صحة هذا الأصل العظيم، واعتماده؛ وهو اتحاد دين جميع الأنبياء، وهو الإسلام العام والعقيدة المشتركة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-32> المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nدلت هذه القاعدة العظيمة على فوائد عديدة استنبطها أهل العلم -﵏- من منطوق القاعدة أو مفهومها، واستعملوها في مجالات شتى، وفيما يلي أذكر ما وقفت عليه من فوائد وتطبيقات لهذه القاعدة:\nأولًا: من أعظم فوائد القاعدة أنها دلت على مكانة التوحيد العظيمة، وأنه أعظم أركان الدين، وأهم مهماته، وأكبر أسسه وقواعده، ولهذا كان شعار جميع الأنبياء في دعوتهم لأقوامهم، وكل ما مرَّ من نصوص، وأدلة، وأقوال للعلماء متضمن لأعظم الدلالة على أهمية هذا التوحيد ومكانته عند اللَّه تعالى، ولولا ذلك لما بعث به جميع أنبيائه، وجعله مفتاح دعوة كل الرسل.\nوبهذا يعلم الخلل الكبير الواقع في كثير من الجهات والأنشطة التي تتبنى أمر الدعوة إلى اللَّه تعالى، وتوجيه الناس، حيث لم توفق لسلوك\n_________\n(^١) معارج القبول (٢/ ٦٧٧).","vol":"1","page":90},{"text":"طريق الأنبياء، فأهملت هذا الجانب العظيم، فلم تأمر بالتوحيد ولم تنه عن الشرك، ثم هم بعد ذلك ضروب وأصناف؛ فمنهم من انشغل بالسياسة والجري وراء المناصب، ومنهم من صار جلَّ اهتمامه، الانشغال عن التوحيد بشيء من فروع الإسلام، ومنهم من يدعو إلى نفسه أو شيخه وحزبه وجماعته، وغير هؤلاء كثير، فمن جعل أنبياءه ورسله قدوة له فليكن أول ما يدعو إليه الناس هو توحيد اللَّه تعالى وإفراده سبحانه بالعبادة، والتحذير من الشرك صغيره وكبيره.\nثانيًا: أن دين الأنبياء جميعًا دين واحد، وذلك لأن إلههم ومعبودهم واحد أحد، فرد صمد، فوحدة الدين تابعة لوحدة المعبود، إذ لو كان هناك إلهان لكان هناك حتمًا ولا بد دينان، ولذهب كل إله بدينه وعابديه.\nيقول الإمام ابن تيمية -﵀- في تفسير سورة الإخلاص: \"فدين اللَّه واحد لا تفرق فيه، والصمد يناسب اجتماعه، فاللّه -﷾- هو الإله الواحد، ودينه واحد، وعباده المؤمنون مجتمعون يعتصمون بحبله غير متفرقين، واسمه الأحد يقتضي التوحيد والصمد يقتضي الاجتماع وعدم التفرق؛ فإن الصمد فيه معنى الاجتماع وعدم التفريق، والتوحيد أبدًا قرين الاجتماع؛ لأن الاجتماع فيه الوحدة والتفرق لا بد فيه من التثنية والتعدد كما أن الإشراك مقرون بالتفرق\" (^١).\nويقول الإمام ابن القيم: \"والمقصود أن الطريق إلى اللَّه واحد، فإنَّه الحق المبين، والحق واحد مرجعه إلى واحد، وأما الباطل والضلال فلا ينحصر بل كل ما سواه باطل، وكل طريق إلى الباطل فهو باطل، فالباطل متعدد وطرقه متعددة ...، ومن هنا يعلم تنوع الشرائع واختلافها مع رجوعها كلها إلى دين واحد مع وحدة المعبود ودينه\" (^٢).\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٣١٠).\n(^٢) طريق الهجرتين (ص ٢٧٨ - ٢٧٩).","vol":"1","page":91},{"text":"ثالثًا: جاء عن بعض أهل العلم -﵏- القول بعدم جواز إطلاق لفظ (الدين) على غير دين المسلمين، وأنه خاص بدين الإسلام، ولا يطلق على بقية الملل؛ من يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو غيرها - من ملل الكفر، وأنه تعبير شرعي خاص بدين الإسلام مستدلين بمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾.\nيقول الشيخ محمود شاكر (^١): \"فصار بينًا بعد هذا أن اللَّه سبحانه لا يرضى لنا أن نسمي شيئًا من الملل؛ من نصرانية ويهودية وغيرهما دينًا سوى ملة أبينا إبراهيم -﵇-، وملة أنبيائه جميعًا وهي (الإسلام) (دين اللَّه) الذي لا يقبل من عباده دينًا سواه، والذي أرسل به رسوله محمدًا -ﷺ- ليبطل الملل كلها ولا يكون شيء منها يسمى دينًا سوى الإسلام. وإذًا فقول المسلم مثلًا: الأديان السماوية قول مخالف لعقيدة أهل الإسلام في حقيقة هذه الملل\" (^٢).\nولكن في هذا نظر سيأتي بيانه، وقبل ذلك ينبغي أن يعلم أن الدين دينان لا ثالث لهما؛ دين الإسلام ودين الشرك والكفر، فجميع الملل\n_________\n(^١) هو: محمود بن محمد شاكر، أديب لغوي محقق باحث، ولد بمدينة الإسكندرية سنة ١٣٢٧ هـ، حصل على شهادة الثانوية العامة، وسافر إلى الحجاز، فأنشأ مدرسة جدة الابتدائية، وكان مديرها، وعاد إلى مصر فأنشأ جمعية الشبان المسلمين، وسجن أيام عبد الناصر وانتخب عضوًا في مجمع اللغة العربية، وحصل على جائزة الملك فيصل العالمية، من مؤلفاته: القوس العذراء، ومع المتنبي، وأباطيل وأسمار، وحقق تفسير الطبري ونظم أشعارًا وكتب مقالات كثيرة في الدوريات المصرية والعربية، توفي سنة ١٤١٨ هـ. [ترجمته في: إتمام الأعلام (ص ٢٨٢)، ومن أعلام العصر (ص ٧٣) فما بعدها].\n(^٢) أباطيل وأسمار (ص ٤٤٠)، والتعبير بـ \"الأديان السماوية\". تعبير باطل -كما بينه الشيخ- إذ المفهوم منه أن هذه الأديان لا زالت لها علاقة بالوحي السماوي، وهذا غير صحيح وهي خلاف دين الإسلام، إذ غالب ما فيها إما منسوخ أو محرف، وما فيه من أمور موافقة لشريعة الإسلام، فهي من دين الإسلام الذي جاء به نبينا محمد -ﷺ-.","vol":"1","page":92},{"text":"والنحل والأديان -سوى دين الإسلام- يجمعها دين الشرك والكفر، ولذا\nقيَّد اللَّه الدين في مواضع من كتابه بقوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] وقوله: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢)﴾ [النصر: ٢] كما أضافه في مواضع إلى وصف يخصصه عن غيره بقوله: ﴿دِينَ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٢٩]، و﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]، و﴿الدِّينُ القَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦] و﴿دِينَا قِيَمًا﴾ [الأنعام: ١٦١] إلى غير ذلك من الأوصاف التي تدل على أن هناك دينًا آخر لا ينسب للّه تعالى، ولا يتصف بهذه الأوصاف، وهو دين الشرك وملة الكفر.\nكما أن اللَّه تعالى وصف ملل الكفر بأنها دين؛ فقال -﷿-: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ٦]، وقال في أهل الكتاب: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٧٧]، وقال في شأن فرعون: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ [غافر: ٢٦]، وقال عن اليهود: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٤]، وذمَّ أهل التفرق في الدين بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] (^١).\nفدين الإسلام يقابله ويضاده دين الشرك والكفر الذي انتظم جميع أهل الملل والنحل المخالفة له، ولذا عبَّر جمع من العلماء بأن الكفر ملة واحدة.\nيقول الإمام الشافعي (^٢) في مسألة توريث أهل الكتاب بعضهم من بعض: \"ونجعل الكفر ملة واحدة كما جعلنا الإسلام ملة؛ لأن الأصل\n_________\n(^١) انظره بتصرف في: الدعوة إلى تقريب الأديان (١/ ٣٠).\n(^٢) هو: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع المطلبي القرشي، إمام جليل صاحب مذهب معروف، ومناقبه كثيرة، من مؤلفاته: الأم، واختلاف الحديث، والرسالة في أصول الفقه، توفي سنة ٢٠٤ هـ. [انظر ترجمته في: الديباج المذهب (ص ٢٢٧)، وما بعدها].","vol":"1","page":93},{"text":"إنما هو إيمان أو كفر\" (^١).\nويقول الإمام أبو بكر الجصاص (^٢) في تفسير قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ٦]: \"فإنها دلت على أن الكفر كله ملة واحدة؛ لأن من لم يسلم منهم مع اختلاف مذاهبهم مرادون بالآية، ثم جعل دينهم دينًا واحدًا، ودين الإسلام دينًا واحدًا، فدل على أن الكفر مع اختلاف مذاهبه ملة واحدة\" (^٣).\nويقول ابن كثير في آية الكافرون: \"وقد استدل الإمام أبو عبد اللَّه الشافعي وغيره بهذه الآية الكريمة: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ على أن الكفر كله ملة واحدة ...؛ لأن الأديان ما عدا الإسلام كلها كالشيء الواحد في البطلان\" (^٤).\nوقال ﵀ في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]: \"وقد استدل كثير من الفقهاء بقوله: ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾؛ حيث أفرد الملة: على أن الكفر كله ملة واحدة\" (^٥).\nوعليه فكل الملل والنحل تضمنت الوصف بالدينونة بأحد اعتبارين:\nالأول: باعتبار أن دينهم هو الشرك والكفر، المقابل لدين الإسلام، فليس هناك إلا دينان دين الإسلام ودين الكفر.\n_________\n(^١) الأم (٧/ ١٢٧).\n(^٢) هو: أحمد بن علي أبو بكر الرازي الإمام الكبير المعروف بالجصاص، وهو لقب له، مولده سنة ٣٠٥ هـ، سكن بغداد، وعنه أخذ فقهاؤها، كان إمام أصحاب أبي حنيفة في وقته، وكان مشهورًا بالزهد، تفقه علي الكرخي، استقر التدريس ببغداد له، وله في المصنفات: أحكام القرآن، وشرح مختصر الكرخي، وشرح مختصر الطحاوي، وله كتاب مفيد في أصول الفقه، توفي سنة ٣٧٠ هـ. [انظر ترجمته في: طبقات الحنفية (١/ ٨٤)].\n(^٣) أحكام القرآن للجصاص (٥/ ٣٧٦).\n(^٤) تفسير ابن كثير (٤/ ٥٦٢).\n(^٥) المصدر نفسه (١/ ١٦٤).","vol":"1","page":94},{"text":"الثاني: باعتبار المعنى اللغوي (^١) الذي يحمل معنى العادة، والاعتقاد ومطلق الطاعة والانقياد، لكن يقيد في هذه الحالة فيقال: (دين النصرانية)، أو (دين اليهودية).\nيقول الرازي (^٢): \"الدين المطلق في اصطلاح أهل الإسلام والقرآن هو الإسلام، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ أما سائر المذاهب فلا تسمى دينًا إلا بضرب من التقييد، كدين النصارى واليهود\" (^٣).\nوبذلك يظهر جواز إطلاق لفظ الدين بما سبق من ضوابط، وهو في ذلك يشبه إطلاق لفظ الإله والآلهة على ما يعبد من دون اللَّه تعالى، مع أن اللَّه هو الإله الواحد الحق المبين؛ وذلك باعتبار تأليههم لها (^٤).\nوقاعدة: دين الأنبياء واحد هو دين الإسلام أفادت بمفهوم المخالفة أن ما يقابل دين الأنبياء من المذاهب والنحل والعقائد والملل، التي واجهت بها تلك الأمم أنبياءها، وحاربتهم بها على مرّ تلك العصور والأزمان تمثل دينًا واحدًا كذلك؛ هو دين الشرك وملة الكفر وعبادة غير اللَّه ﵎، فجميع ملل الكفر، على اختلاف أنواعها، وتباين ضلالها وتعدد مسمياتها يجمعها دين واحد هو دين الكفر والشرك باللّه\n_________\n(^١) ذكر الباقلاني في كتابه \"تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل\" (ص ٣٨٧): \"من ذلك قوله: (إنَّ الدّينَ عِنْدَ اللّهِ الْإِسْلام) يريد دين الحق، لا على أن اليهودية لا تسمى دينًا في اللغة وغيرها من الأديان\".\n(^٢) هو: محمد بن عمر بن الحسين بن علي التميمي البكري الطربستاني الرازي المعروف (بابن الخطيب) ولد بالري سنة ٥٤٤ هـ، وتفقه على والده، ضياء الدين عمر، المفسر المتكلم صاحب التصانيف الكثيرة منها: مفاتيح الغيب المعروف بـ (التفسير الكبير) والمحصول في الأصول توفي سنة ٦٠٦ هـ. [انظر ترجمته في: طبقات الشافعية للسبكي (٥/ ٣٣)، وطبقات المفسرين للداودي (ص ٢١٣)].\n(^٣) التفسير الكبير للرازي (٣٢/ ١٠٥).\n(^٤) انظر: دعوة التقريب بين الأديان، دراسة نقدية في ضوء العقيدة الإسلامية (١/ ٣٠).","vol":"1","page":95},{"text":"﵎، وإن اختلفت الشرائع وتباينت المناهج وتعددت المشارب.\nرابعًا: استدل بهذه القاعدة الشرعية العظيمة قوم ممن لا خلاق لهم على دعوة باطلة خاطئة آثمة، ألا وهي الدعوة لـ (وحدة الأديان السماوية)، أو ما يسميه البعض بـ (دعوة التقريب بين الأديان) زعموا، وما هذه إلا شعارات جوفاء، أرادوا بها تلميع باطلهم، وترويجه على العامة، وإلا فحقيقة أمرهم شقاق ونفاق ودعوة جاهلية، وردة ظاهرة لا مرية فيها، ونقض لأصول الإسلام العظام، وثوابته اليقينية، وتمييع لأسسه ومرتكزاته، فلا ولاء ولا براء، ولا جهاد، ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، فالجميع إخوان يجمعهم رب واحد، وأديانهم متساوية لا فضل لدين على دين، وهؤلاء الدعاة لمثل هذا الكفر البواح، والردة الصريحة ممن تحقق فيهم وصف النَّبِيّ -ﷺ- في الحديث بأنهم: \"دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوها فيها\" (^١).\nفحقيقة هذه الدعوة أن كل الأديان، من يهودية ونصرانية هم من أهل السعادة والنجاة في الآخرة كالمسلمين لكن بشرط إيمانهم باللّه وباليوم الآخر، ولا يشترط في سعادتهم وفلاحهم في الآخرة إيمانهم بالنبي محمد -ﷺ-.\nومن هذا المنطلق استدلوا بهذا الأصل الذي تضمن وحدة دين جميع الأنبياء، قاصدين افتراء وتلبيسًا بأن أهل الكتاب وجميع من آمن باللّه وباليوم الآخر يشملهم الإسلام بمعناه العام، والملة المشتركة، وفيما يأتي أذكر ما يدل على نقض هذه الشبهة المتهالكة.\nأ - علمنا مما سبق أن الدين المشترك هو الإسلام العام، وهو\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن، باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة (٦/ ٢٥٩٥)، برقم (٦٦٧٣)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين (٣/ ١٤٤٧٥)، برقم (١٨٤٧)، من حديث حذيفة بن اليمان -﵁-.","vol":"1","page":96},{"text":"الاستسلام للّه بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، وطاعة كل نبي في وقته هي دين الإسلام الذي ارتضاه اللَّه تعالى، وأمر عباده به، فدين الإسلام في عهد موسى هو الاستسلام للّه بالتوحيد، والانقياد له بطاعة نبيه موسى -﵇-، فإذا جاء عيسى -﵇- كان دين الإسلام الاستسلام للّه، والانقياد له بطاعة نبيه عيسى -﵇- وهكذا، فإذا بعث خاتم النبيين وإمام المرسلين محمد بن عبد اللَّه - ﵇ -، كان دين الإسلام هو الاستسلام للّه بالتوحيد، والانقياد له بطاعة نبيه محمد - ﷺ -، وعندئذٍ فلا تكون طاعة موسى ولا عيسى ولا أحد من الأنبياء من دين الإسلام بعد بعثة خاتم الرسل محمد - ﷺ -.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وكذلك شريعة التوراة في وقتها كانت من دين الإسلام، وشريعة الإنجيل في وقتها كانت من دين الإسلام، ومن آمن بالتوراة ثم كذب بالإنجيل خرج من دين الإسلام، وكان كافرًا، وكذلك من آمن بالكتابين المتقدمين وكذب بالقرآن كان كافرًا خارجًا من دين الإسلام، فإن دين الإسلام يتضمن الإيمان بجميع الكتب وجميع الرسل\" (^١).\nفأصبح (الإسلام)، و(دين الإسلام)، منذ بعثة النَّبِيّ محمد وإلى أن يرث اللَّه الأرض ومن عليها اسمًا خاصًا بمن آمن بالنبي الكريم، واتبعه، وصدقه في جميع أقواله وأخباره، وكل من خالفه فلم يؤمن به ولا اتبعه كان كافرًا خارجًا عن دين الإسلام.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فإن الإسلام الخاص الذي بعث اللَّه به محمدًا -ﷺ- المتضمن لشريعة القرآن ليس عليه إلا أمة محمد -ﷺ - والإسلام اليوم عند الإطلاق يتناول هذا، وأما الإسلام العام المتناول لكل شريعة بعث اللَّه بها نبيًا فإنَّه يتناول إسلام كل أمة متبعة لنبي من الأنبياء\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٧/ ١٥٠).\n(^٢) المصدر نفسه (٣/ ٩٤).","vol":"1","page":97},{"text":"ويقول -﵀-: \"وكان استقبال الشام ذلك الوقت من دين الإسلام ... ثم لما نسخ صار دين الإسلام هو الناسخ، وهو الصلاة إلى الكعبة، فمن تمسك بالمنسوخ دون الناسخ فليس هو على دين الإسلام، ولا هو متبع لأحد من الأنبياء، ومن بدل شرع الأنبياء وابتدع شرعًا فشرعه باطل لا يجوز اتباعه، كما قال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] م ولهذا كفر اليهود والنصارى؛ لأنهم تمسكوا بشرع مبدل منسوخ، واللّه أوجب على جميع الخلق أن يؤمنوا بجميع كتبه ورسله، ومحمد خاتم الرسل، فعلى جميع الخلق اتباعه واتباع ما شرعه من الدين ... \" (^١).\nب - على التسليم بأن دينهم الإسلام العام، فهل بقوا أو استمروا على هذا الوصف، أم أنهم خرجوا عنه، وحرفوه وبدلوه، وابتدعوا دينًا لم يأذن به اللَّه كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾ [الشورى: ٢١].\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فابتدعت اليهود والنصارى ما ابتدعوه مما خرج بهم عن دين اللَّه الذي أمروا به وهو الإسلامِ العام، ولهذا أمرنا أن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦، ٧] ... وكل من هاتين الأمتين خرجت عن الإسلام، وغلب عليها أحد ضديه، فاليهود يغلب عليهم الكبر ويقل فيهم الشرك، والنصارى يغلب عليهم الشرك ويقل فيهم الكبر\" (^٢).\nوبهذا يعلم أن اليهود والنصارى وغيرهم من الملل والأديان ليسوا على شيء من الإسلام أصلًا، بل هم على دين الكفر والشرك، وعليه\n_________\n(^١) المصدر نفسه (٣٥/ ٣٦٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٢٤).","vol":"1","page":98},{"text":"(فكل ما جاء في القرآن من الثناء على مؤمني الأديان السابقة، اليهود والنصارى وغيرهم، فإنما يراد به من اتصف بوصف الإسلام العام وربما أضيف إلى ذلك وصف الإيمان باليوم الآخر، ووصف العمل الصالح، ممن لم يدرك رسالة نبينا محمد - ﷺ - أو أدركها وآمن به، وكل ما جاء من الذم والوعيد في شأن اليهود والنصارى، فالمراد به من خالف ذلك وحرَّف وابتدع) (^١).\nخامسًا: دلت القاعدة على وحدة دين جميع الأنبياء والرسل، ولذا من آمن برسول منهم لزمه الإيمان بجميع الرسل، ومن كذب بواحد منهم لزمه تكذيب بقية الرسل؛ لأن أصل وقاعدة دعوتهم واحدة.\nيقول الشيخ الأمين الشنقيطي (^٢) باسطًا القول في تقرير ذلك:\n\"التحقيق في الجواب: أن من كذب رسولًا واحدًا فقد كذب جميع المرسلين، ومن كذب نذيرًا واحدًا فقد كذب جميع النذر؛ لأن أصل دعوة جميع الرسل واحدة، وهي مضمون: لا إله إلا اللَّه كما أوضحه تعالى بقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزخرف: ٤٥] \".\nوأوضح تعالى أن من كذب بعضهم فقد كذب جميعهم في قوله\n_________\n(^١) انظر: دعوة التقريب بين الأديان (٢/ ٦٤٢ - ٦٤٣).\n(^٢) هو: محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر بن محمد بن أحمد بن نوح الجكني الشنقيطي الفقيه الأصولي، المفسر، السلفي. من مصنفاته: أضواء البيان، ومنع جواز المجاز، ودفع إيهام الاضطراب والمذكرة. توفي -﵀- سنة ١٣٩٣ هـ. [انظر ترجمته في: ترجمة ملحقة بأضواء البيان (١٠/ ١٨)، للشيخ عطية محمد سالم، والأعلام للزركلي (٦/ ٤٥)].","vol":"1","page":99},{"text":"تعالى: ﴿... وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١] وأشار إلى ذلك في قوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقد أوضح تعالى في سورة الشعراء أن تكذيب رسول واحد تكذيب لجميع الرسل، وذلك في قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾، ثم بيَّن أن تكذيبهم للمرسلين إنما وقع بتكذيبهم نوحًا وحده، حيث ردَّ ذلك بقوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦)﴾ [الشعراء: ١٠٥، ١٠٦] \" (^١).\n_________\n(^١) أضواء البيان (٧/ ٤٨٤)، مع التصرف، وانظر: (٢/ ٢٨٩ - ٢٩٠).","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>المبحث الثاني\nقاعدة الشرع مبناه على تكميل أديان الخلق وعلى تكميل عقولهم</span>\nوفيه عدة مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-34> المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>أولًا: الشرع:</span>\nالشرع لغة: مشتق من الأصل اللغوي الثلاثي (شرع)، وهو شيء يفتح في امتداد يكون فيه، من ذلك الشريعة، وهي مورد الماء، واشتق من ذلك الشِرْعَة في الدين، والشريعة أيضًا ما شرع لعباده من الدين وقد شرع لهم؛ أيْ: سنَّ (^١).\nومعناه في الشرع: هو دين اللَّه الذي أنزله على رسوله محمد -ﷺ-، بواسطة الملك جبريل، وهو يشمل كل ما يتعلق بالدين من أصول وفروع.\nيقول ابن الأثير: \"قد تكرر في الحديث ذكرُ الشَّرع والشريعة في\n_________\n(^١) انظر: معجم مقاييس اللغة (٣/ ٢٦٢)، ومختار الصحاح (ص ١٤١).","vol":"1","page":101},{"text":"غير موضع، وهو ما شرع اللَّه لعباده من الدين؛ أي: سَنَّه لهم، وافترضه عليهم، يقال: شرَعَ لهم يَشرَع شرعًا فهو شارع، وقد شرع اللَّه الدين شرْعًا إذا أظهره وبيَّنه\" (^١).\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فالشرع يطلق تارة على ما جاء به الرسول من الكتاب والسُّنَّة، هذا هو الشرع المنزل وهو الحق الذي ليس لأحد خلافه\" (^٢).\nويقول الشيخ صديق حسن (^٣): \"والشرع ما شرعه اللَّه لعباده من الأحكام التي جاء بها كتابه المنزل، ونبيه المرسل الموحى إليه منه تعالى؛ سواء كانت متعلقة بكيفية عمل وتسمى فرعية وعملية، أو بكيفية الاعتقاد وتسمى أصلية واعتقادية، ويسمى أيضًا بالدين والملة\" (^٤).\nوعرَّفه بعضهم بقوله: \"هو وضع إلهي يسوق العقول باختيارهم المحمود إلى الخير بالذات، وهو ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>ثانيًا: العقل:</span>\nوهو في اللغة مصدر عَقَلَ يَعْقِلُ عَقْلًا، وأصل معناه الحبس والمنع. يقول ابن فارس: \"العين والقاف واللام أصل منقاس مطرد، يدلُّ عُظْمُه على حُبْسَة في الشيء أو ما يقارب الحُبْسَة؛ من ذلك العَقْل، وهو الحابس عن ذميم القَول والفِعْل\" (^٦).\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٦٠).\n(^٢) النبوات (ص ٦٧)، وانظر: مجموع الفتاوى (١٩/ ٩٩)، (٣٥/ ٣٧٦)، ومنهاج السُّنَّة (٥/ ١٢٨).\n(^٣) هو: العلامة صديق حسن الحسيني القنوجي، أبو الطيب، ولد سنة ١٢٤٨ هـ. من مصنفاته: فتح البيان، والدين الخالص. توفي عام ١٣٠٧ هـ. [التاج المكلل (ص ٥٤٦ - ٥٥٦)].\n(^٤) انظر: أبجد العلوم (٢/ ٣٣٧).\n(^٥) انظر: المصدر السابق (٢/ ٣٣٧).\n(^٦) معجم مقاييس اللغة (٤/ ٦٩).","vol":"1","page":102},{"text":"وقال الراغب: \"وأصل العقل الإمساك والاستمساك؛ كعقل البعير بالعقال، وعقل الدواء البطن، وعقلت المرأة شعرها، وعقل لسانه كفه، ومنه قيل للحصن: معقل وجمعه معاقل\" (^١).\n\nوأما معناه في الاصطلاح (^٢):\nفقيل: هو العلم الضروري الذي يقع ابتداء، وقيل: هو ما أفاد العلم بموجباته، وقيل: بل هو قوة التمييز بين الحق والباطل، وقيل: هو العلم بخفيات الأمور التي لا يوصل إليها إلا بالاستدلال والنظر، وقيل: هو ضبط ما وصل إلى القلب، وإمساكه حتَّى لا يتفلت، وقيل: هو القوة المتهيئة لقبول العلم، وقيل: هو استعمال الطاعات والفضائل، وقيل: هو العلم الذي يعمل به صاحبه، وقيل: هو قدر من العلم يميز من قام به بين خير الخيرين وشر الشرين، ويصح منه بحصوله به الاستشهاد بالشاهد على الغائب، ويخرج به عن حد المجانين والمعتوهين، ويصح معه التكليف والخطاب.\n_________\n(^١) المفردات في غريب القرآن (ص ٣٤٢).\n(^٢) المقصود معناه عند من ينتسب إلى أهل الإسلام، وذلك بخلاف قول الفلاسفة فإنه عندهم جوهر قائم بنفسه، يفصل بين حقائق المعلومات، ولا شكَّ في بطلانه. يقول الإمام السمعاني: \"وقد جعله المتقدمون جوهرة، وقالوا إنه جوهر لطيف يُفصَل به بين حقائق المعلومات، وهذا فاسد؛ لأنَّهُ لو كان جوهرًا لصح قيامه بذاته، فجاز أن يكون عقل بلا عاقل، كما جاز أن يكون جسم بغير عقل، فحين لم يتصور ذلك دل أنه ليس بجوهر\". [انظر: قواطع الأدلة في الأصول (١/ ٢٧)]. ويقول الإمام ابن تيمية: \"فإن العقل في لغة المسلمين عرض من الأعراض، قائم بغيره، وهو غريزة، أو علم، أو عمل بالعلم، ليس العقل في لغتهم جوهرًا قائمًا بنفسه، فيمتنع أن يكون أول المخلوقات عرضًا قائمًا بغيره؛ فإن العرض لا يقوم إلا بمحل، فيمتنع وجوده قبل وجود شيء من الأعيان، وأما أولئك المتفلسفة ففي اصطلاحهم أنه: جوهر قائم بنفسه، وليس هذا المعنى هو معنى العقل في لغة المسلمين، والنبي -ﷺ- خاطب المسلمين بلغة العرب، لا بلغة اليونان، فعلم أن المعنى الذي أراده المتفلسفة لم يقصده الرسول لو كان تكلم بهذا اللفظ، فكيف إذا لم يتكلم به\". [مجموع الفتاوى ١٨/ ٣٣٨)].","vol":"1","page":103},{"text":"وقيل: إنه قوة ضرورية للوجود، بها يصح درك الأشياء، ويتوجه تكليف الشرع، وهو ما يعرفه كل إنسان من نفسه ولا يستدل عليه بغيره، وقيل: هو نور يضاء به طريق إصابة الحق، والمصالح الدينية والدنيوية، فيدرك القلب به كما يدرك العين بالنور الحسي المبصرات، وقيل: هو صفة إذا ثبتت تأتَّى بها التوصل إلى العلوم النظرية، ومقدماتها من الضروريات التي هي مستند النظريات، وقيل: العقل هو ما يحجز الإنسان عن فعل ما لا ينبغي؛ وهو خلاف الذكاء، فالذكاء هو سرعة البديهة، والفهم؛ وقد يكون الإنسان ذكيًا، ولكنه ليس بعاقل (^١).\nويمكن إرجاع ما سبق من تفسيرات للعقل إلى ثلاثة معانٍ:\nالأول: القوة الغريزية التي في الإنسان، وبها يعلم ويميز ويقصد المنافع ويحذر المضار.\nالثاني: العلم الذي ناله بواسطة هذه القوة، سواء كان علمًا ضروريًا أم نظريًا.\nالثالث: العمل بمقتضى وموجب ذلك العلم (^٢).\nولذا قسم بعضهم (^٣) العقل من حيث آثاره وفوائده إلى قسمين:\nالأول: عقل إدراك: وهو العقل المشترك الذي عند كل أحد، ما لم يكن مسلوبًا بجنون، أو قاصرًا لصغر السن، وهو الذي يميز به الناس\n_________\n(^١) انظر: قواطع الأدلة في الأصول، للسمعاني (١/ ٢٨)، وإحياء علوم الدين (١/ ٨٦)، والبرهان في أصول الفقه (١/ ٩٦)، وأعلام النبوة، للماوردي (ص ٢٧)، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (١/ ٥٠)، وكشف الأسرار (٢/ ٥٧٥)، ومفتاح دار السعادة (ص ١٢٥)، ومجلة الجامعة الإسلامية أمقال بعنوان: التربية الإبداعية عدد (١١٦)].\n(^٢) انظر: الإحياء للغزالي (١/ ٨٦)، ومنهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد (١/ ١٥٨).\n(^٣) انظر: بحث بعنوان: (التربية الإبداعية في منظور التربية الإسلامية) للدكتور خالد الحازمي، بمجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية عدد (١١٦)، (ص ٤٥٣ - ٤٥٤).","vol":"1","page":104},{"text":"بين الأشياء؛ في الكثرة، والقلة، والأعداد، والأحجام، ونحو ذلك. وهذا عند المسلم والكافر، وليس له علاقة بالديانة.\nالثاني: عقل رشد: وهو الذي يعلم به صاحبه فيعمل، وهو العقل الصحيح الذي يقبل الحق إذا علمه، ويبتعد عن الشر إذا عرفه، فالذي يعلم الحق ولا يعمل به ليس لديه عقل رشد، وإنما لديه عقل إدراك، حيث أدرك به العلم، ولم يسترشد بذلك ويرشد.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"والمقصود هنا أن اسم العقل عند المسلمين وجمهور العقلاء إنما هو صفة، وهو الذي يسمى عرضًا قائمًا بالعاقل، وعلى هذا دل القرآن، .. وإذا كان كذلك؛ فالعقل لا يسمى به مجرد العلم الذي لم يعمل به صاحبه، ولا العمل بلا علم، بل إنما يسمى به العلم الذي يعمل به والعمل بالعلم\" (^١).\nفهؤلاء الكفار لديهم عقل إدراك الذي هو مناط التكليف، ولكنهم فقدوا عقل الرشد بسبب عدم اتباعهم الحق بعد أن تبين لهم.\nفالعقل النافع الممدوح هو العلم المستلزم للعمل المصاحب للانقياد والتطبيق، وهو بخلاف الذكاء الذي هو سرعة البديهة وبخلاف مطلق التمييز كذلك.\nيقول الإمام ابن حزم (^٢): \"والعقل هو استعمال الطاعات والفضائل، وهو غير التمييز؛ لأنَّهُ استعمال ما ميز الإنسان فَضلَهُ، فكل\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٩/ ٢٨٦ - ٢٨٧).\n(^٢) هو: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف، الفارسي الأصل، الأموي مولاهم، الظاهري، الأندلسي القرطبي، أديب، أصولي، محدث حافظ، ألف كتبًا كثيرة منها: الفصل في الملل والأهواء والنحل، والإحكام في أصول الإحكام، والمحلى بالآثار، توفي ﵀ سنة ٤٥٦ هـ، وقيل: ٤٥٧ هـ. [انظر ترجمته في: شذرات الذهب (٣/ ٢٩٩)، والبلغة في تراجم أئمة النحو واللغة (ص ١٤٦)، وسير أعلام النبلاء (١٨/ ١٩٨)].","vol":"1","page":105},{"text":"عاقل مميز، وليس كل مميز عاقلًا (^١).\nوقال ﵀ أيضًا: \"لأن العقل على الحقيقة إنما هو استعمال الطاعات، واجتناب المعاصي، وما عدا هذا فليس عقلًا بل هو سخف وحمق\" (^٢).\nفالعاقل إذًا لا بد أن يجمع بين العلم بالحق والعمل به.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"والمطلوب من الناس أن يعقلوا ما بلغه الرسل، والعقل يتضمن العلم والعمل، فمن عرف الخير والشر فلم يتبع الخير ويحذر الشر لم يكن عاقلًا؛ ولهذا لا يعد عاقلًا إلا من فعل ما ينفعه واجتنب ما يضره، فالمجنون الذي لا يفرق بين هذا وهذا قد يُلْقِي نفسه في المهالك، وقد يفر مما ينفعه\" (^٣).\nويقول الإمام أبو عبد اللَّه القرطبي (^٤): \"وأما كمال العقل فبه تعرف حقائق الأمور، ويفصل بين الحسنات والسيئات، فالعاقل يعمل لآخرته ويرغب فيما عند ربه\" (^٥).\nوالقلب هو مكان التعقل، ولذا ربما جاء التعبير بالقلب مرادًا به العقل، وهو أسلوب عربي معروف، فيطلق المحل ويراد الحال فيه.\nولذا عرَّف بعضهم القلب بقوله: \"وهو النور الذي خص اللَّه تعالى به نوع الإنسان، وشرفه به، وجعله مناط توجيه الأمر والنهي، والإبانة\n_________\n(^١) الإحكام لابن حزم (١/ ٥٠).\n(^٢) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٣/ ٦٦).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٥/ ١٠٨).\n(^٤) هو: محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري، الخزرجي، الأندلسي، القرطبي المالكي المفسر؛ من مصنفاته: جامع أحكام القرآن، في التفسير، والتذكرة، وغيرها. توفي سنة ٦٧١ هـ. [انظر ترجمته في: الديباج المذهب (ص ٣١٧)، وطبقات المفسرين للداوودي (١/ ٦٩)].\n(^٥) تفسير القرطبي (١٤/ ٣٥٤).","vol":"1","page":106},{"text":"والعقوبة\" (^١).\nوبذلك يظهر تفاوت العقول فيما بينها، وتفاضل بعضها على بعض، وذلك بحسب ما يقترن بها من مؤثرات، وبحسب نصيبها من استعمال الفضائل، والتزود بالطاعات، وفعل المأمورات وترك المنكرات.\nيقول الشيخ السعدي: \"وإذا أردت معرفة مقادير عقول الخلق على الحقيقة فانظر إلى عقول المهتدين بهداية القرآن والسُّنَّة، وإلى عقول المنحرفين عن ذلك تجد الفرق العظيم.\nولا تحسبن العقل هو الذكاء، وقوة الفطنة، والفصاحة اللفظية، وكثرة القيل والقال، وإنما العقل الصحيح أن يعقل العبد في قلبه الحقائق النافعة، عقلًا يحيط بمعرفتها، ويميز بينها وبين ضدها، ويعرف الراجح من الأمور فيؤثره، والمرجوح أو الضار فيتركه\" (^٢).\nيقول الشيخ محمود محمد شاكر: \"فإن العقل هبة اللَّه لكل حي، وَلَكِن أساليب تَفْكِيرِهِ كسبٌ يكتسبه من معالجة النظر، ومن التربية ومن التعليم، ومن الثقافة، ومن آلاف التجارب التي يحياها المرء في هذه الحياة\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-37> المسألة الثانية * بيان معنى القاعدة</span>\nدلَّت القاعدة على أن الشرع مبناه على أمرين:\nالأول: تكميل أديان الخلق وصيانتها عن الانحراف، والمحافظة\n_________\n(^١) انظر: نعمة الذريعة في نصرة الشريعة، لإبراهيم الحلبي (ص ٩٦).\n(^٢) تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن (ص ٤٥١ - ٤٥٢). الجزء الثامن ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفات الشيخ السعدي.\n(^٣) مقدمته لكتاب \"الظاهرة القرآنية\" لمالك بن نبي (ص ١٩).","vol":"1","page":107},{"text":"عليها لكيلا تفسد وتختل، ويشمل ذلك جميع جزئيات الدين في أصوله وفروعه، ومن أعظم ما كمَّل اللَّه به أديان الخلق أن أوجب عليهم توحيده -﷾-، وإفراده بالعبادة، وإخلاص الدين له، وصرف القلوب إلى التعلق بربها وفاطرها جل وعزَّ، وسد أمامها كل الطرق والسبل المؤدية إلى اختلال الأديان وفسادها.\nيقول الإمام ابن القيم مبينًا مفهوم تكميل الدين: \"وجماع الأمر في ذلك إنما هو بتكميل عبودية اللَّه في الظاهر والباطن، فتكون حركات نفسه وجسمه كلها في محبوبات اللَّه، وكمال عبودية العبد موافقته لربه في محبة ما أحبه، وبذل الجهد في فعله، وموافقته في كراهة ما كرهه، وبذل الجهد في تركه\" (^١).\nفليس المراد بالتكميل هنا تكميله بالفضائل فحسب، وإنما المقصود إصلاح ما فسد من تلك الأديان المنحرفة عن الصراط المستقيم، والتي أصابها الخلل العظيم في عقيدتها وأخلاقها وسلوكها، ابتداء بتقرير التوحيد وإفراد اللَّه تعالى بالعبادة والتوجه والتعظيم، وعدم التعلق بالمخلوقات المربوبة الضعيفة، والانقياد لرسل اللَّه بالطاعة والتوقير، ومن ثم الدعوة إلى التحلي بالأخلاق الفاضلة والشيم الكريمة، والصفات الحميدة.\nيقول الرازي في شأن العرب قبل البعثة النبوية: \"كان دين العرب أرذل الأديان، وهو عبادة الأوثان، وأخلاقهم أرذل الأخلاق؛ وهو الغارة، والنهب، والقتل، وأكل الأطعمة الرديئة، ثم لما بعث اللَّه محمدًا - ﷺ - نقلهم اللَّه ببركة مقدمه من تلك الدرجة التي هي أخس الدرجات إلى أن صاروا أفضل الأمم؛ في العلم، والزهد، والعبادة، وعدم الالتفات إلى الدنيا وطياتها، ولا شكَّ أن فيه أعظم المنة (^٢).\n_________\n(^١) طريق الهجرتين (ص ٣٣٤).\n(^٢) التفسير الكبير (٩/ ٦٥).","vol":"1","page":108},{"text":"وهكذا سار أفضل الخلق في دعوته الكبرى، وأثره الخالد في إصلاح أديان البشر، وشرائعهم، وأعمالهم، وأخلاقهم وفي إنقاذ الإنسانية العانية وتجديد دينها بدينه الجديد، الذي قلب به أوضاع الدنيا، ونقل بسببه العالم إلى طور سعيد، بل إلى الطور السعيد الذي لولاه لدام يتخبط في الظلمات، ولبات في عداد الأموات (^١).\nالثاني: كمال العقول (^٢)، وقد كملها اللَّه بأمرين:\nأحدهما: بما ركَّبه في طبيعة هذه العقول من هيئة تستحسن الشرع، وتميل إليه، وتستهجن كل ما يخالفه ويناقضه ويضاده، وتنفر عنه، لا سيما في أوجب الواجبات، فإنَّه لا أوجب في العقول من عبادة الرب وحده، ولا أقبح من صرف خالص حقه لغيره (^٣).\nالثاني: تكميله بالشرع الذي هو نور اللَّه في أرضه وعدله بين عباده، فجاءت نصوص الشرع حاضة على صرف العبادة لمستحقها وهو اللَّه جلَّ في علاه، وحرمت عليهم كل ما فيه تعلق أو صرف للقلوب بغير المولى، وصانهم عن كل ما فيه تدني وتذلل وتضرع لغير وجهه الكريم، وعن كل ما فيه إهانة وإهدار لقيمة هذا العقل الذي شرَّف اللَّه به البشرية، وميزهم به عن سائر الحيوان، فلا يستعملونه إلا في معرفة خالقهم والتقرب إليه بأنواع العبادات وصنوف الخضوع، وغاية المحبة والذلة، مع التعظيم والإجلال (^٤).\n_________\n(^١) مناهل العرفان في علوم القرآن، للزرقاني (٢/ ٣١٠).\n(^٢) لا شكَّ أن العقل هو من أكبر النعم التي أنعم اللَّه بها على الإنسان، لأنَّهُ يستطيع به التمييز بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال، وبين الخير والشر، وبين النافع والضار، وبين الصالح والفاسد، فيستطيع به أن يعرف الدين الحق ويدين به، وأن ينتج الحضارة الصالحة المفيدة في الدنيا والآخرة. [انظر: مقال بعنوان: الدين والحضارة، بمجلة الجامعة الإسلامية عدد (٤١)].\n(^٣) انظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ٨ - ٩).\n(^٤) انظر: تطهير المجتمعات من أرجاس الموبقات (ص ٥٦).","vol":"1","page":109},{"text":"يقول الشيخ السعدي: \"في هذا أكبر دليل على أن معرفة ما أنزل اللَّه إلينا من أعظم ما يربي عقولنا، ويجعلها عقولًا تفهم الحقائق النافعة والضارة، وترجح هذه أعظم ما يربي عقولنا، ويجعلها عقولًا تفهم الحقائق النافعة والضارة، وترجح هذه على هذه، ولا تميل بها الأهواء، والأغراض، والخيالات، والخرافات الضارة، المفسدة للعقول\" (^١).\nفالعقول قد أدركت بنفسها حسن الشريعة والتوحيد وقبح الشرك على وجه الإجمال، ثم جاء الشرع وكمل هذه العقول بأن نبهها وفصَّل لها قضايا التوحيد، وما يجب من حق اللَّه تعالى، وما لا يجوز في حقه من عبادة غيره أو التعلق بغيره جلَّ وعلا، فحرم تعاطي كل ما تنكره وتنفر منه العقول، وحررته من قيود الذلة والخضوع لغير الباري ﵎، وجعلته عزيزًا مكرمًا، غير منساق خلف الخرافات والخزعبلات، فلا يخشى ولا يخاف إلا اللَّه، ولا يرجو غير مولاه، وبذلك يكون قد ترقى في أعلى درجات الكمال (^٢).\nيقول ابن القيم في بيان تكميل الشرع لهذه العقول: \"وجاءت الرسل وأنزلت الكتب لتقرير ما استودع سبحانه في الفطر والعقول من ذلك، وتكميله، وتفصيله، وزيادته حسنًا إلى حسنه، فاتفقت شريعته وفطرته، وتطابقا، وتوافقا، وظهر أنهما من مشكاة واحدة، فعبدوه وأحبوه ومجدوه وحمدوه بداعي الفطرة، وداعي الشرع، وداعي العقل، فاجتمعت لهم الدواعي، ونادتهم من كل جهة ودعتهم إلى وليهم وإلههم\" (^٣).\n_________\n(^١) تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن (٨/ ٤٥١)، ملحق بآخر التفسير ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفات الشيخ السعدي.\n(^٢) انظر: منهج السلف والمتكلمين في موافقة العقل للنقل، (١/ ٢٥٦)، وشرح الصدور ببيان بدع الجنائز والقبور (ص ٢٦)، ومنهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد (١/ ١٧٠).\n(^٣) مفتاح دار السعادة (٢/ ٨٨).","vol":"1","page":110},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-38> المسألة الثالثة * أدلة القاعدة</span>\nيستدل لهذه القاعدة بالنصوص الدالة على أنه لا يعلم الغيب إلا اللَّه تعالى، فهو العالم بما كان وبما سيكون، وبما لم يكن لو كان كيف يكون، وهو القادر على إيصال النفع أو الضر إلى من يشاء من خلقه، وهذا من أعظم أصول الإسلام، وقواعده العظام:\nلقد دلَّ على تقرير هذا الأصل أدلة لا تكاد تحصى كثرة، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩] وقوله: فَقُل ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ [يونس: ٢٠] وقوله سبحانه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ [النمل: ٦٥] وقوله جلَّ وعز: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ [الجن: ٢٦] والشرع قد حافظ على هذا الأصل العظيم، وشدَّد فيه، وحرَّم كل الطرق والوسائل المؤدية إلى خدشه وزعزعته، وبذلك يكون قد حث على تكميل الأديان بالمحافظة عليها وعلى تكميل العقول بصيانتها، وتوضيح ذلك فيما يلي:\n١ - أنه حرَّم إتيان الكهان، وسؤال العرافين، أو تصديقهم، وهم الذين يدعون معرفة الغيوب، ويحدثون الناس بما يكون في المستقبل؛ سواء كان عامًا أو خاصًا، فالشرع حرَّم إتيانهم وسؤالهم حفاظًا على الدين، وصيانة للعقول من الجري وراءهم، ولذا جاء فيما رواه أبو هريرة والحسن - ﵄ -: عن النَّبِيّ -ﷺ- قال: \"من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد -ﷺ-\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في \"مسنده\" (٢/ ٤٢٩)، برقم (٩٥٣٢)، من طريق خلاس عن =","vol":"1","page":111},{"text":"وقال -ﷺ-: \"من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة\" (^١).\nوجاء عن ابن مسعود -﵁- موقوفًا قال: \"من أتى كاهنًا فسأله وصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد -ﷺ- \" (^٢).\nيقول الشيخ السعدي في شرحه لباب: (ما جاء في الكهان ونحوهم) من كتاب التوحيد للإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"أي: من كل من يدّعي علم الغيب بأي طريق من الطرق، وذلك أن اللَّه تعالى هو المنفرد بعلم الغيب، فمن ادعى مشاركة اللَّه في شيء من ذلك بكهانة، أو عرافة، أو غيرهما، أو صدق من ادعى ذلك، فقد جعل اللَّه شريكًا فيما هو من خصائصه، وقد كذب اللَّه ورسوله.\nوكثير من الكهانة المتعلقة بالشياطين لا تخلو من الشرك، والتقرب إلى الوسائط التي تستعين بها على دعوى العلوم الغيبية، فهو شرك من جهة دعوى مشاركة اللَّه في علمه الذي اختص به، ومن جهة التقرب إلى غير اللَّه، وفيه إبعاد الشارع للخلق عن الخرافات المفسدة للأديان والعقول (^٣).\nيقول الشيخ عبد العزيز بن باز (^٤): \"ومن الضلال المبين والجهل\n_________\n= أبي هريرة، لكن خلاسًا لم يسمع من أبي هريرة، إلا أن الحاكم قد أخرج الحديث من طريق خلاس بمتابعة محمد بن سيرين. انظر: المستدرك على الصحيحين (١/ ٤٩)، برقم (١٥)، وقال عقبه بن: \"هذا حديث صحيح على شرطهما ولم يخرجاه\". انظر: إرواء الغليل حديث (٢٠٠٦)، والحديث أخرجه البزار من طريق عمران بن حصين (٩/ ٥٢)، برقم (٣٥٧٨)، وقال ابن كثير: \"وهذا إسناد صحيح وله شواهد أخر\". [انظر: تفسير ابن كثير (١/ ١٤٤)].\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب السلام، باب: تحريم الكهانة (٤/ ١٧٥١)، برقم (٢٢٣٠).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١١/ ٢١٠)، برقم (٢٠٣٤٨).\n(^٣) القول السديد في مقاصد التوحيد (ص ١٠٠).\n(^٤) هو: الإمام الجليل، العالم القدوة سماحة الوالد الزاهد الورع أبو عبد اللَّه العزيز بن =","vol":"1","page":112},{"text":"العظيم تصديق الكهان، والعرافين، والرمالين، والمنجمين، والمشعوذين، والدجالين، بالإخبار عن المغيبات؛ فإن هذا منكر، وشعبة من شعب الكفر ... فالواجب على المسلمين الحذر من سؤال الكهنة، والعرافين، وسائر المشعوذين، والمشتغلين بالإخبار عن المغيبات، والمتلاعبين بعقول الجهلة، والتلبيس على المسلمين؛ فالأمور الغيبية لا يعلمها إلا الذي يعلم ما تكن الصدور، ويعلم الخفايا، حتَّى أنبياؤه ورسله، وملائكته، لا يعلمون شيئًا من المغيبات إلا ما أخبرهم به سبحانه\" (^١).\nفسؤال الكهان، وتصديقهم فيما يقولونه من الكفر العظيم، لأن فيه ادعاءً لعلم الغيب الذي اختص اللَّه به، وفي هذا غاية الفساد للعقائد والأديان، والتسفيه للعقول والأحلام، ومن صدق من يفعل شيئًا من هذه الأمور فقد كفر بالقرآن الذي نص على أن الغيب من خصوصيات الرب ﵎.\n٢ - ما جاء من النهي عن التنجيم، كما في حديث ابن عباس (^٢) -﵄- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"من اقتبس علمًا من النجوم\n_________\n= عبد اللَّه بن باز، ولد عام (١٣٣٠ هـ) بالرياض، صاحب المناقب الكثيرة، والأخلاق الفاضلة الكريمة، له الذكر الطيب والصيت الحسن بين عامة الأمة، وله مؤلفات كثيرة حازت على القبول والرضى من عامة علماء الأمة، ونفع اللَّه بها خلقًا لا يحصيهم إلا هو سبحانه، له جهود عظيمة في الدعوة إلى اللَّه، ونشر العلم، بأسلوب متميز ومؤثر، توفي عام ١٤٢٠ هـ، وصلي عليه بالمسجد الحرام، ودفن بمكة المكرمة، ﵀ رحمة واسعة. [انظر ترجمته في: الإيجاز في ترجمة الشيخ ابن باز، للشيخ عبد الرحمن الرحمة].\n(^١) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، للعلامة ابن باز (٣/ ٩٦).\n(^٢) هو: حبر الأمة عبد اللَّه بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي ابن عم رسول اللَّه -ﷺ-، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، دعا له النَّبِيّ -ﷺ- بالفقه في الدين، توفي -﵁- سنة ٦٨ هـ. [انظر ترجمته في: الاستيعاب (٢/ ٣٤٢)، والإصابة (٢/ ٣٢٢)].","vol":"1","page":113},{"text":"اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد\" (^١)، وهو ادعاء معرفة المغيبات عن طريق النجوم، وهو نوع من السحر، وهو ثلاثة أنواع؛ واحد جائز: وهو ما يسمى بعلم التسيير. وهو أن يعلم النجوم وحركات النجوم؛ لأجل أن يعلم القبلة والأوقات، وما يصلح من الأوقات للزرع وما لا يصلح، والاستدلال بذلك على وقت هبوب الرياح، وعلى الوقت الذي أجرى فيه سُنَّته أنه يحصل فيه من المطر كذا ونحو ذلك، واثنان ممنوعان وهما:\nالأول: اعتقاد أن النجوم فاعلة مؤثرة بنفسها، وأن الحوادث الأرضية منفعلة ناتجة عن النجوم وعن إراداتها، وهذا تأليه للنجوم.\nالثاني: ما يسمى بعلم التأثير؛ وهو الاستدلال بحركة النجوم والتقائها وافتراقها، وطلوعها وغروبها على ما سيحصل في الأرض في المستقبل (^٢).\nولا شكَّ أن هذا النظر في النجوم، والتوصل بها إلى معرفة الغيوب من ادعاء علم الغيب، وهو نوع من السحر والكهانة، ولا شكَّ أن هذا مناف للتوحيد؛ لما فيه من التعلق بغيره ﷿، واختصاصه بعلم الغيب، كما أن فيه إفسادًا للعقل وتسفيه له لما فيه من تصديق الكهنة والمنجمين فيما توحيه إليهم الشياطين.\nيقول الشيخ السعدي: \"الشجيم نوعان: نوع يسمى علم التأثير: وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الكونية، فهذا باطل ودعوى لمشاركة اللَّه في علم الغيب الذي انفرد به، أو تصديق لمن ادعى ذلك، وهذا ينافي التوحيد لما فيه من هذه الدعوى الباطلة، ولما فيه من\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ٣١١)، برقم (٢٨٤١)، وأبو داود في سننه (٤/ ١٦)، برقم (٣٩٠٥)، وصححه العراقي في المغني عن حمل الأسفار (٢/ ١٠٢٩).\n(^٢) انظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص ٣٤٤).","vol":"1","page":114},{"text":"تعلق القلب بغير اللَّه، ولما فيه من فساد العقل؛ لأن سلوك الطرق الباطلة وتصديقها من مفسدات العقول والأديان\" (^١).\n٣ - ما جاء من النهي عن الطيرة والتطير، كما في حديث ابن مسعود -﵁- عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"الطيرة شرك ثلاثًا وما منا إلا ولكن اللَّه يذهبه بالتوكل\" (^٢).\nوحقيقة التطير التشاؤم أو التفاؤل بحركة الطير من السوانح والبوارح (^٣)، كانوا في الجاهلية إذا أراد أحد أن يذهب إلى مكان، أو يمضي في سفر، استدل بما يحدث له من أنواع حركات الطيور، أو بما يحدث له من الحوادث على أن هذا السفر سفر سعيد فيمضي فيه، أو أنه سفر سيئ فيرجع عنه (^٤).\nيقول الشيخ السعدي في حالة التطير الشركية: \"وأما الطيرة فإنه إذا عزم على فعل شيء من ذلك من الأمور النافعة في الدين أو في الدنيا، فيرى أو يسمع ما يكره، أثر في قلبه أحد أمرين، أحدهما أعظم من الآخر:\nأحدهما: أن يستجيب لذلك الداعي فيترك ما كان عازمًا على فعله، أو بالعكس، فيتطير بذلك، وينكص عن الأمر الذي كان عازمًا عليه، فهذا كما ترى قد علق قلبه بذلك المكروه غاية التعليق، وعمل عليه، وتصرف ذلك المكروه في إرادته وعزمه وعمله، فلا شكَّ أنه على هذا\n_________\n(^١) القول السديد في مقاصد التوحيد (ص ١٠٨).\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٨٩)، برقم (٣٦٨٧)، وأبو داود في سننه (٤/ ١٧)، برقم (٣٩١٠)، وصححه الشيخ الألباني. انظر: السلسلة الصحيحة (١/ ٧١٦)، برقم (٤٢٩).\n(^٣) قال ابن السمعاني: \"فالسانح: هو الذي يطير من قبل اليمين فيتبرك به الإنسان، والبارح هو الذي يطير من قبل الشمال فيتشاءم به الإنسان\". [انظر: تفسير السمعاني (٣/ ٢٢٥)].\n(^٤) التمهيد لشرح كتاب الوحيد (ص ٣٣٥).","vol":"1","page":115},{"text":"الوجه أثَّر على إيمانه وأخل بتوحيده وتوكله، ثم بعد هذا لا تسأل عما يحدثه له هذا الأمر من ضعف القلب، ووهنه، وخوفه من المخلوقين، وتعلقه بالأسباب، وبأمور ليست أسبابًا، وانقطاع قلبه من تعلقه باللّه، وهذا من ضعف التوحيد والتوكل، ومن طرق الشرك ووسائله، ومن الخرافات المفسدة للعقل.\nالأمر الثاني: أن لا يستجيب لذلك الداعي، ولكنه يؤثر في قلبه حزنًا، وهمًّا، وغمًّا، فهذا وإن كان دون الأول لكنه شمر وضرر على العبد، وضعف لقلبه، وموهن لتوكله، وربما أصابه مكروه فظن أنه من ذلك الأمر فقوي تطيّره، وربما تدرج إلى الأمر الأول، فهذا التفصيل يبين لك وجه كراهة الشارع للطيرة وذمها، ووجه منافاتها للتوحيد والتوكل\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-39> المسألة الرابعة * أقوال العلماء في تقرير معنى القاعدة</span>\nذكر هذه القاعدة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -﵀- في كتابه \"القول السديد في مقاصد التوحيد\"؛ فقال في شرح باب: (من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوها لرفع البلاء أو دفعه) ما نصه: \"والشرع مبناه على تكميل أديان الخلق بنبذ الوثنيات والتعلق بالمخلوقين، وعلى تكميل عقولهم بنبذ الخرافات والخزعبلات، والجد في الأمور النافعة المرقية للعقول، المزكية للنفوس، المصلحة للأحوال كلها دينيها ودنيويها\" (^٢).\nومقصوده بالتكميل كما سبق هو إصلاحها وصيانتها والمحافظة عليها.\n_________\n(^١) القول السديد في مقاصد التوحيد (ص ١٠٦).\n(^٢) القول السديد في مقاصد التوحيد (ص ٤٤).","vol":"1","page":116},{"text":"يقول أبو عبد اللَّه القرطبي في شأن حرص الشارع على الأديان: \"وأما المحافظة على الأديان وصيانتها فهو المقصود الأعظم، والمستند الأعصم، فحرم الكفر والفسوق والعصيان، وأوجب الطاعات والإيمان، وأوجب قتل الكافر وتوعده بالعذاب الدائم والهوان، ولا يخفى على من معه أدنى مسكة، إذا تأمل بأدنى فكرة، أن الإيمان باللّه رأس المصالح والخيرات، والكفر رأس المقابح والهلكات، ولأجل وجوب الإيمان وتحريم الكفران أرسل اللَّه الرسل وأنزل الكتب\" (^١).\nويقول الإمام ابن تيمية: \"فإنهم ضادوا الرسول، إذ بعث بإصلاح العقول والأديان، وتكميل نوع الإنسان وحرم ما يغير العقل من جميع الألوان\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-40> المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nلهذه القاعدة فوائد عدة يمكن الاستفادة منها، فمن هذه الفوائد ما يلي:\nأولًا: استشعار نعمة اللَّه تعالى بإكماله لهذا الدين، والفرح بذلك، ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨]، فما من نعمة بعد الإسلام والإيمان، وبعثة سيد الأنام محمد -ﷺ- أعظم من نعمة إكمال اللَّه لدين الإسلام، وتتميمه وصيانته والمحافظة عليه، كيف لا وقد قال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]؛ ولذا أدرك اليهود -عليهم لعائن اللَّه- قدر هذه النعمة، فحسدوا المسلمين عليها، كما جاء في البخاري عن عمر بن\n_________\n(^١) الإعلام بما في دين النصارى، لأبي عبد اللَّه القرطبي (ص ٢٩٧ - ٢٩٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٣٢/ ٢٥٥).","vol":"1","page":117},{"text":"الخطاب -﵁-: (أن رجلًا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النَّبِيّ -ﷺ- وهو قائم بعرفة يوم جمعة) (^١).\nوما من شكَّ أن توحيد اللَّه بالعبادة، وإفراده بالتعلق، وتصفية القلوب بتعبيدها لخالقها، وتخليص العقول من الذل والخضوع والتعلق بغير اللَّه تعالى هو من أعظم النعم التي كمل اللَّه بها شريعة الإسلام، بل في شريعة الإسلام من إظهار هذا التوحيد، وتحقيقه وتوطيده في قلوب العباد ما لا يعرف مثله في ديانة من الديانات.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فلما بعث اللَّه محمدًا أظهر به توحيد اللَّه، وعبادته وحده لا شريك له ظهورًا لم يعرف في أمة من الأمم، ولم يحصل مثله لنبي من الأنبياء، وأظهر به من تصديق الكتب والرسل .... ما لم يكن ظاهرًا لا عند أهل الكتاب ولا غيرهم\" (^٢).\nثانيًا: أن علم المسلم بتكميل اللَّه تعالى للأديان والعقول يجعله عزيزًا قويًا بربه ﵎، لا يخاف ولا يتذلل ولا يخضع إلا لفاطر السموات والأرض، ولا يضعف تحت تأثير الخرافات والخزعبلات؛ إذ كل ما سوى اللَّه لا يخرج عن أمره وسلطانه، بل هو ضعيف ذليل لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا فضلًا عن أن يملكه لغيره، كما أنه عزيز مكرم بهذا العقل الذي وهبه اللَّه إياه، وميَّزه به عن سائر الحيوان، يدرك به ما ينفعه، ويتوصل به إلى أعلى درجات الرقي والتقدم فيما يصلح دينه ودنياه، ويحفظه عن كل ما فيه إهدار لقيمته، أو تحقير من شأنه ومنزلته،\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١/ ٢٥)، رقم (٤٥).\n(^٢) الجواب الصحيح (٥/ ٩٥ - ٩٦).","vol":"1","page":118},{"text":"فلا يعتقد في كبير ولا صغير، ولا عظيم ولا حقير، فلا نافع له سوى ربه ومعبوده ﵎.\nيقول الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي (^١): \"وحيث كان الشرك قبيحًا عقلًا وذوقًا وإنصافًا وعدلًا، إذ هو إهدار لكرامة الإنسان التي كرمه اللَّه بها، وإذلال له حيث يتدنى ويتذلل لمخلوق من ماء مهين مثله، يخضع بين يديه، ويتضرع لديه راجيًا منه وخائفًا كما فيه إهدار لقيمة العقل، العقل الذي شرَّف اللَّه به صاحبه، وجعله مكرمًا ومميزًا به على غيره، وبه يدرك العلوم ويخترع الصنائع ويسخر الطبيعة، ويستخرج منها ما يكون به سيدًا عليها، فهل يليق بالإنسان الذي وهبه اللَّه هذه الصفات أن يسقط نفسه ويذلها لقبر، أو لشجر، أو لكوكب، أو لنار، أو لصنمٍ، أو لبقر؟ - الجواب: لا يليق به، والمراد من الإنسان أن يكون شريفًا، مطاعًا، عزيزًا، أبيًا، لا مهانًا وذليلًا ومستعبدًا للأوهام، والظنون،\n_________\n(^١) هو: أحمد بن حجر بن محمد بن حجر بن أحمد بن حجر بن طامي بن حجر بن سند بن سعدون آل بوطامي البنعلي، من قبيلة بني سلم، ولد عام ١٣٣٥ هـ، الموافق ١٩١٥ م، درس القرآن الكريم طفلًا، وحفظ الكثير من المتون في مختلف العلوم، درس على الشيخ أحمد نور بن عبد اللَّه، والشيخ أحمد بن علي العرفج، وعبد العزيز بن صالح العلجي، وقرأ على شيخ من السودان من بلدة سنار (مصطلح الحديث)، كان شاعرًا أديبًا ألّف الشعر في المسائل العلمية وخاصة العقيدة، بدأ ممارسة القضاء في رأس الخيمة، ثم عين قاضيًا رسميًا للبلاد، ثم تلقى دعوة من الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي المملكة العربية السعودية ليكون مدرسًا في معهد إمام الدعوة بالرياض، وفي عام ١٩٥٨ م عرض عليه أن يتولى القضاء في قطر فهاجر إلى قطر واستقر بها، ومارس التدريس إلى جانب ممارسته للقضاء، من مؤلفاته: جوهرة الفرائض (منظومة)، والدرر السنية في عقد أهل السُّنَّة المرضية (منظومة)، وتطهير الجنان والأركان عن درن الشرك والكفران، والشيخ محمد بن عبد الوهاب عقيدته السلفية ودعوته الإصلاحية وثناء العلماء عليه، وغيرها كثير، توفي يوم الثلاثاء الخامس من جمادى الأولى سنة ١٤٢٣ هـ الموافق ١٤/ ٦/ ٢٠٠٢ م عن عمر ناهز الثامنة والثمانين عامًا. [ترجمته في: علماء فقدناهم، لإدارة الدعوة والإرشاد بوزارة الشؤون الإسلامية بدولة قطر].","vol":"1","page":119},{"text":"والخيالات، بل المطلوب منه أن يعبد خالقه الذي وهبه تلك الصفات السنية، وأهّله لتلك المراتب العلية، وأن يتذلل بين يديه يرجو رحمته ويخاف عذابه\" (^١).\nثالثًا: دلت القاعدة على صيانة الشرع وإصلاحه، وتكميله لأديان الخلق وعقولهم، وفي هذا أعظم الدلالة على اتفاق الشرع والعقل وتعاضدهما وعدم اختلافهما وتناقضهما، فالعقل لا يهتدي بدون الشرع، كما أن الشرع لا يفهم المقصود من نصوصه إلا بالعقل.\nيقول العلامة ابن القيم: \"فجمع سبحانه بين السمع والعقل، وأقام بهما حجته على عباده فلا ينفك أحدهما عن صاحبه أصلًا، فالكتاب المنزل والعقل المدرك حجة اللَّه على خلقه، وكتابه هو الحجة العظمى فهو الذي عرفنا ما لم يكن لعقولنا سبيل إلى استقلالها بإدراكه أبدًا\" (^٢).\nرابعًا: اعلم أن تكميل اللَّه لعقول الخلق ليس تكميلًا مطلقًا، بحيث تستقل عن الشرع فتدرك كل شيء، بل هي لا تزال تحت حجر الشرع، فهو الآمر والناهي والحاكم عليها، وإن كان الشرع لا يأتي بما تحيله العقول، بل كل ما جاء به فالعقل السليم يؤيده، ويصدقه، ويؤمن به، والمقصود أنه ليس في مقدور العقول إدراك كل شيء، فوجب رجوعها إلى الشرع، وانقيادها له.\nفالتكميل المقصود هو معرفتها وإدراكها لكل ما ينفعها في أمر دينها ودنياها، وصيانتها والمحافظة عليها، لكي تعرف الخير والهدى فتتبعه، وتعلم الشر والضلال فتجتنبه، وإلا فلا تزال هذه العقول قاصرة عن محرفة الكثير من عجائب اللَّه، وحِكَمِه في مخلوقاته وأمره وشرعه، ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥].\n_________\n(^١) تطهير المجتمعات من أرجاس الموبقات (ص ٥٦).\n(^٢) الصواعق المرسلة (٢/ ٤٥٨).","vol":"1","page":120},{"text":"يقول الإمام ابن تيمية: \"وخلاصة ما عند أرباب النظر العقلي في الإلهيات من الأدلة اليقينية، والمعارف الإلهية قد جاء به الكتاب والسُّنَّة، مع زيادات وتكميلات لم يهتد إليها إلا من هداه اللَّه بخطابه، فكان فيما جاء به الرسول من الأدلة العقلية والمعارف اليقينية فوق ما في عقول جميع العقلاء من الأولين والآخرين\" (^١).\nويقول الإمام ابن القيم: \"فهذا أصل يجب التمسك به في هذا المقام، وأن يعلم أن عقول العالمين، ومعارفهم، وعلومهم، وحكمهم تقصر عن الإحاطة بتفاصيل حكمة الرب سبحانه في أصغر مخلوقاته\" (^٢).\nبل إن عقول جميع الخلائق لو ركبت، وجعلت عقلًا واحدًا، ثم تأمل الإنسان بهذا العقل الواحد في عجائب حكمة اللَّه تعالى، في أقل الأشياء، لما أدرك منها إلا القليل (^٣).\nخامسًا: كما أن العقول ليس لها الكمال المطلق بحيث تحكم في كل شيء، كذلك يجب اعتبارها وعدم إهدارها وإلغائها عن الفهم عن اللَّه تعالى؛ إذ هي مناط التكليف وعليها يكون الثواب والعقاب، والذي يلغي عقله فلا يستعمله في الوصول إلى الحق يكون من جملة البهائم وفي عداد الأنعام؛ ولذا نعى اللَّه في كتابه حال الكافرين، حيث عطلوا عقولهم عن التفكر في آيات اللَّه القرآنية، وآياته الكونية، فلم يستفيدوا منها في الوصول إلى الحق. قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤].\nوالعقل إذا لم يجعل مطية إلى الوصول إلى فهم كلام اللَّه، وكلام رسوله -ﷺ-، والتدبر في خلق اللَّه وبديع صنعته، فإن وجوده كعدمه.\nفيجب تسخير العقل في الوصول إلى الحق، والمحافظة عليه من\n_________\n(^١) منهاج السُّنَّة النبوية (٢/ ١١٠).\n(^٢) شفاء العليل (ص ١٨٧).\n(^٣) انظر: التفسير الكبير (١٩/ ١٠٢).","vol":"1","page":121},{"text":"كل فكر دخيل، أو مذهب هدام، أو نحلة باطلة، تُغَيِّرُ مفهوماتِه الشرعية.\nسادسًا: أن تكميل أديان الخلق وعقولهم يكون بمحاربة جميع العقائد الفاسدة والأفكار المنحرفة، وما يتبع ذلك من رد شبه أهل الباطل التي تؤدي إلى فتنة الناس في أديانهم وتفسد عليهم عقولهم؛ ولذا غضب النَّبِيّ -ﷺ- لما رأى الصحيفة من التوراة (^١) في يد عمر -﵁-؛ لما يؤدي إليه ذلك من إفساد العقل السليم، واختلاط الحق بالباطل، وعليه فمن أعظم الواجبات، وأجل الفروض محاربة العقائد الفاسدة، والأفكار المنحرفة حماية للأديان وصيانة للعقول\" (^٢).\nيقول الدكتور خالد الحازمي: \"ومما يفسد العقل فكرًا وتصورًا، إثارة الشبه بيَّن الناس، وإشغالهم، وافتتانهم بها، وكذا الترويج للشعوذة والكهانة، والنظريات الباطلة في التربية، والسياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والأخلاق، ونشر اللهو عن طريق وسائل متعددة: كالكتاب، والمجلة، والصحيفة، والمسرح، والقصص، والسينما، والرائي، والمذياع، وغير ذلك من الوسائل ذات التأثير الفاعل، وهذه المفسدات العقلية تنحو بفكر الإنسان منحًى يبعده عن مساره الصحيح\" (^٣).\n_________\n(^١) يشير إلى ما خرجه الإمام أحمد في المسند (٣/ ٣٨٧)، برقم (١٥١٩٥)، عن جابر بن عبد اللَّه -﵁- أن عمر بن الخطاب -﵁- أتى النَّبِيّ -ﷺ- بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب فقرأه النَّبِيّ -ﷺ- فغضب فقال: \"أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب! والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى -ﷺ- كان حيًا ما وسعه إلا أن يتبعني\"، والحديث سنده ضعيف من أجل مجالد بن سعيد الهمداني، ولكن له شواهد يتقوى بها إلى درجة الحسن. [انظر: إرواء الغليل حديث رقم (١٥٨٩)].\n(^٢) انظر: مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية، للدكتور اليوبي (ص ٢٤٣ - ٢٤٤).\n(^٣) بحث بعنوان: (التربية الإبداعية في منظور التربية الإسلامية) للدكتور خالد الحازمي، عدد (١١٦)، (ص ٤٨٣) ضمن مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية.","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>المبحث الثالث\nقاعدة\nالدين قد كَمُلَ بيانه في أصوله وفروعه باطنه وظاهره علمه وعمله</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-42> المسألة الأولى * معنى القاعدة</span>\nيظهر جليًا نوع علاقة هذه القاعدة بسابقتها؛ إذ بيان الشرع وإيضاحه واستبانته في أصوله وفروعه من أعظم وسائل تكميل الدين وحفظه وصيانته، ومن المعلوم أن تمام الدين وكمال بيانه يكون بتبليغ ألفاظ الشرع ومعانيه، إذ تبليغ الألفاظ دون المعاني من العبث الذي يُنَزَّه عنه اللَّه ﵎ ورسوله -ﷺ-، كما أن تبليغ المعاني بدون الألفاظ مما يتعذر ولا يعقل، إذ الألفاظ قوالب المعاني، والذي يجب الجزم واليقين به أن بيان الدين قد وقع من النَّبِيّ -ﷺ- على أكمل الوجوه وأتم الصور.\nيقول الإمام ابن القيم -﵀-: \"فهذا البيان الذي تكفل به سبحانه وأمر به رسوله؛ إما أن يكون المراد به بيان اللفظ وحده، أو المعنى وحده، أو اللفظ والمعنى جميعًا، ولا يجوز أن يكون المراد به بيان اللفظ دون المعنى؛ فإن هذا لا فائدة فيه ولا يحصل به مقصود الرسالة،","vol":"1","page":123},{"text":"وبيان المعنى وحده بدون دليله وهو اللفظ الدال عليه ممتنع، فعلم قطعًا أن المراد بيان اللفظ والمعنى، واللّه تعالى أنزل كتابه؛ ألفاظه ومعانيه، وأرسل رسوله ليبين اللفظ والمعنى، فكما أنا نقطع ونتيقن أنه بيَّن اللفظ فكذلك نقطع ونتيقن أنه بيَّن المعنى، بل كانت عنايته ببيان المعنى أشد من عنايته ببيان اللفظ وهذا هو الذي ينبغي، فإن المعنى هو المقصود وأما اللفظ فوسيلة إليه ودليل عليه، فكيف تكون عنايته بالوسيلة أهم من عنايته بالمقصود وكيف نتيقن بيانه للوسيلة ولا نتيقن بيانه للمقصود وهل هذا إلا من أبين المحال\" (^١).\nفالقاعدة دلت على كمال بيان اللَّه تعالى لهذا الدين في كتابه، وعلى لسان رسوله محمد -ﷺ-، بما أوحاه اللَّه إليه من الوحي؛ وهذا البيان شامل لأصول الدين وفروعه وأقواله وأعماله، ويدخل في ذلك جميع شرائع الدين الظاهرة والباطنة، سواء كانت من الأمور العلمية الخبرية، أم كانت من الأمور العملية، فجميع ذلك قد تم بيانه، واكتمل إيضاحه على غاية الإتقان والبيان (^٢).\nولا شكَّ أن أصول الدين وقواعد الإسلام هي من أكثر أمور الدين بيانًا ووضوحًا؛ وذلك لشدة الحاجة إليها.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته، واعتقاده، والتصديق به من هذه المسائل فقد بيَّنه اللَّه ورسوله بيانًا شافيًا قاطعًا للعذر؛ إذ هذا من أعظم ما بلغه الرسول البلاغ المبين وبيَّنه للناس، وهو من أعظم ما أقام اللَّه به الحجة على عباده فيه بالرسل الذين بيَّنوه، وبلغوه، وكتاب اللَّه الذي نقل الصحابة تم التابعون عن الرسول لفظه ومعانيه، والحكمة التي هي سُنّة رسول الله -ﷺ- التي نقلوها أيضًا عن الرسول مشتملة من ذلك على\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة (٢/ ٧٣٧ - ٧٣٨).\n(^٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ١٠٩)، وتفسير السعدي (ص ٢٣٩).","vol":"1","page":124},{"text":"غاية المراد، وتمام الواجب والمستحب\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-43> المسألة الثانية * أدلة القاعدة</span>\nدلَّ على صحة هذه القاعدة أدلة عديدة في كتاب اللَّه تعالى وفي سُنّة النَّبِيّ -ﷺ-، وإجماع الأمة، وفيما يأتي أذكر بعض ما ظهر لي منها:\nأولًا: عموم النصوص الدالة على إكمال اللَّه تعالى لهذا الدين، وأنه لم ينقص منه شيئًا، كما في قوله -﷾-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وقال سبحانه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] ولا شكَّ أن كمال الدين يستلزم اكتمال معانيه، وبيانها، وعدم خفائها وغموضها، لا سيما أصول الدين وقواعده العظام.\nيقول الإمام ابن حزم: \"فأيقنا -وللّه الحمد- بأن الدين الذي كَلَّفَنا به ربنا، ولم يجعل لنا مخلصًا من النار إلا باتباعه، مبين كله في القرآن الكريم، وسُنّة رسوله -ﷺ-، وإجماع الأمة، وأن الدين قد كمل فلا مزيد فيه ولا نقص، وأيقنا أن كل ذلك محفوظ مضبوط ... \" (^٢).\nويقول -﵀-: \"وقد شهد اللَّه تعالى بأن النص لم يفرط فيه شيئًا، وأن رسوله ﵊ قد بيَّن للناس كل ما نزل إليهم، وأن الدين قد كمل، فصح أن النص قد استوفى جميع الدين\" (^٣).\nويقول الإمام ابن تيمية في بيان قول اللَّه تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾: \"وهذا نص في أن الدين كامل لا يحتاج معه إلى غيره\" (^٤).\nويقول الإمام ابن كثير: \"هذه أكبر نعم اللَّه تعالى على هذه الأمة\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٩٥).\n(^٢) النبذة الكافية لابن حزم (ص ١٦).\n(^٣) المحلى (١/ ٥٦).\n(^٤) الصفدية (١/ ٢٥٩).","vol":"1","page":125},{"text":"حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجودن إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم -صلوات اللَّه وسلامه عليه- ولهذا جعله اللَّه تعالى خاتم الأنبياء وبعثه إلى الإنس والجن ... \" (^١).\nويقول الإمام ابن القيم: \"إن اللَّه سبحانه قد تمم الدين بنبيه وأكمله به، ولم يحوجه ولا أمته بعده إلى عقل ولا نقل سواه، ولا رأي ولا منام ولا كشوف، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وأنكر على من لم يكتف بالوحي عن غيره، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت: ٥١] \" (^٢).\nويبيِّن العلامة ابن سعدي - ﵀ - معنى إكمال الدين بأنه يكون: \"بتمام النصر، وتكميل الشرائع الظاهرة والباطنة، الأصول والفروع، ولهذا كالن الكتاب والسُّنَّة كافيين كل الكفاية في أحكام الدين\" (^٣).\nثانيًا: الأدلة الدالة على أن الرسول -ﷺ- قد ألزمه ربه بتبليغ الرسالة، وتبيينها للناس، فهو -ﷺ- الموكل من قبل ربه بتلك المهمة وهي مهمة بيان هذا الدين، ولا شك أنه -ﷺ- قد قام بهذه المهمة على أتم وجه وأحسن حال، ومن تلك النصوص ما يلي:\nقوله -﷾-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤].\nتضمنت الآية الكريمة الدلالة على وظيفة النَّبِيّ -ﷺ- مع القرآن الكريم، ألا وهي إيضاحه وتفصيله وتفسيره وتكميله بكمال بيانه له، وتوضيحه للناس.\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٢/ ١٣).\n(^٢) الصواعق المرسلة (٣/ ٨٢٦)، وانظر: إعلام الموقعين (١/ ٣٣٢).\n(^٣) تفسير السعدي (ص ٢٢٠).","vol":"1","page":126},{"text":"وقد قام -ﷺ- بهذه المهمة خير قيام، وأداها كما يحب ربه ويرضى؛ إذ هو -ﷺ- أفضل من أطاع ربه واتبع أمره.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"يجب أن يُعْلَم أن النَّبِيّ -ﷺ- بيَّن لأصحابه معاني القرآن كما بيَّن لهم ألفاظه، فقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ يتناول هذا وهذا\" (^١).\nويقول الشيخ السعدي في بيان هذه الآية: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾؛ أي: القرآن الذي فيه ذكر ما يحتاج إليه العباد من أمور دينهم ودنياهم الظاهرة والباطنة، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، وهذا شامل لتبيين ألفاظه وتبيين معانيه\" (^٢).\nومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾ [النور: ٥٤].\nأي: التبليغ البيِّن الواضح الذي لا شكَّ فيه والظاهر الذي لا لبس فيه، والذي يصل إلى القلوب فلا تبقى بعده حجة، ولا يثبت لصاحبه عذر.\nيقول الإمام الطبري: \"ويعني بقوله: ﴿الْمُبِينُ﴾: الذي يبين عن معناه لمن أبلغه ويفهمه من أرسل إليه\" (^٣).\nوقال الإمام ابن كثير: \"فنحن نشهد أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم ونصحوا الأمم وأفصحوا لهم عن الحق المبين الواضح الجلي الذي لا لبس فيه ولا شكَّ ولا امتراء وإن كذبهم من كذبهم من الجهلة والمعاندين والمارقين والقاسطين فما جاءت به الرسل هو الحق ومن خالفهم فهو على الضلال\" (^٤).\nويقول الشيخ السعدي: \"أي: تبليغكم البين الذي لا يُبْقي لأحد\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٣١).\n(^٢) تفسير السعدي (ص ٤٤١).\n(^٣) تفسير الطبري (١٤/ ١٠٣).\n(^٤) تفسير ابن كثير (٣/ ٤٧٠).","vol":"1","page":127},{"text":"شكًا ولا شبهة، وقد فعل -ﷺ-\" (^١).\nفليست وظيفة الأنبياء إلا البلاغ للرسالة، الموضح لطريق الحق، والمظهر لأحكام الوحي (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].\nفهذا أمر من اللَّه تعالى لرسوله -ﷺ- بتبليغ جميع ما أنزله إليه من الوحي، فلا يترك شيئًا، وإن ترك من الوحي شيئًا فكأنه ما بلغ شيئًا من الرسالة، ولكنه -ﷺ- امتثل الأمر وقام به خير قيام، فلم يترك من الدين شيئًا صغيرًا كان أم كبيرًا إلا وبيَّنه وفصله ولم يترك لأحد بعده مقالًا.\nفالمقصود أنه -ﷺ- قد أمر بتبليغ جميع ما أوحي إليه على الاستيفاء والكمال؛ لأنَّه كان قد بلغ، وإنما أمر هنا ألا يتوقف عن شيء مخافة أحد (^٣).\nيقول الشيخ السعدي ﵀: \"هذا أمر من اللَّه لرسوله محمد -ﷺ- بأعظم الأوامر وأجلها وهو التبليغ لما أنزل اللَّه إليه، ويدخل في هذا كل أمر تلقته الأمة عنه -ﷺ-؛ من العقائد، والأعمال، والأقوال، والأحكام الشرعية، والمطالب الإلهية، فبلغ -ﷺ- أكمل تبليغ، ودعا وأنذر، وبشر ويسر، وعلم الجهال الأميين حتَّى صاروا من العلماء الربانيين، وبلغ بقوله وفعله وكتبه ورسله، فلم يبق خير إلا دلَّ أمته عليه، ولا شرٌّ إلا حذرها عنه، وشهد له بالتبليغ أفاضل الأمة من الصحابة فمن بعدهم من أئمة الدين ورجال المسلمين\" (^٤).\nثالثًا: النصوص المبينة أن اللَّه تعالى تكفل بحفظ هذا الدين وببيانه\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٥٧٣)، وانظر: (ص ٤٤٠).\n(^٢) مسائل الجاهلية (ص ٥٨).\n(^٣) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل (١/ ١٨٣).\n(^٤) تفسير السعدي (ص ٢٣٩).","vol":"1","page":128},{"text":"كذلك، ولا شكَّ أن الحفظ يقتضي حفظه في ألفاظه ومعانيه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩] ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩].\nوعن ابن عباس -﵄- في قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٩]: (أن نبينه على لسانك) (^١).\nويقول الحافظ ابن كثير في معنى الآيات: \"وكان هذا في الابتداء، كان عليه وسلم من شدة حرصه على أخذه من المَلَك ما يوحى إليه عن اللَّه ﷿ ليساوقه في التلاوة، فأمره اللَّه تعالى أن ينصت لذلك حتَّى يفرغ من الوحي، وتكفل له أن يجمعه في صدره، وأن ييسر عليه تلاوته، وتبليغه، وأن يبينه له، ويفسره، ويوضحه، ويوقفه على المراد منه\" (^٢).\nويقول ﵀ أيضًا: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٩]؛ أي: بعد حفظه وتلاوته نبينه لك، ونوضحه، ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا\" (^٣).\nويقول الشيخ السعدي: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾؛ أي: بيان معانيه، فوعده بحفظ لفظه وحفظ معانيه\" (^٤).\nرابعًا: ومما يدل على كمال بيان الدين، واستغنائه عن الآراء والعقول المنحرفة ما وصف اللَّه تعالى به آيات كتابه بأنها آيات بينات، أو مبينات، أو بينة، ووصف الوحي بأنه مبين، ووصفه -ﷺ- بأنه رسول مبين وغير ذلك:\nفمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ\n_________\n(^١) انظر: صحيح البخاري (٤/ ١٨٧٦)، برقم (٤٦٤٤)، وصحيح مسلم (١/ ٣٣٠)، برقم (٤٤٨).\n(^٢) البداية والنهاية (٣/ ٢٣).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٤/ ٤٥٠).\n(^٤) تفسير السعدي (ص ٨٩٩).","vol":"1","page":129},{"text":"خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)﴾ [النور: ٣٤]، وقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦)﴾ [النور: ٤٦]، وقوله -﷿- ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الطلاق: ١١] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] وقال جلَّ وعزَّ: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٧]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)﴾ [البينة: ٤] وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩)﴾ [البقرة: ٩٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٥٩]، وقوله سبحانه: ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ [الطلاق: ١١]، وقوله جلَّ وعلا: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ [الجاثية: ١٧]، وقوله تعالى في وصف رسوله محمد -ﷺ-: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣)﴾ [الدخان: ١٣] (^١).\nيقول الشيخ السعدي في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾: \"أي: لقد رحمنا عبادنا، وأنزلنا إليهم آيات بينات؛ أي: واضحات الدلالة على جميع المقاصد الشرعية، والآداب المحمودة، والمعارف الرشيدة، فاتضحت بذلك السبل، وتبين الرشد من الغي، والهدى من الضلال، فلم يبق أدنى شبهة لمبطل يتعلق بها، ولا أدنى إشكال لمريد الصواب؛ لأنَّها تنزيل مَنْ كَمُلَ علمه، وكَمُلَت رحمته، وَكَمُلَ بيانه، فليس بعد بيانه بيان، ليهلك بعد ذلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة\" (^٢).\nويقول -﵀- أيضًا في نفس الآية: \"أي: واضحات الدلالة على كل\n_________\n(^١) انظر: المفردات في غريب القرآن (ص ٦٨).\n(^٢) تفسير الطبري (ص ٥٧١).","vol":"1","page":130},{"text":"أمر تحتاجون إليه؛ من الأصول والفروع، بحيث لا يبقى فيها إشكال ولا شبهة\" (^١).\nويقول الشيخ الشنقيطي: \"فالمعنى آيات مبينات؛ أي: بينات واضحات\" (^٢).\nوما يدل على صحة القاعدة أيضًا:\nما جاء عن أبي ذر (^٣) -﵁-: قال: (تركنا رسول اللَّه -ﷺ- وما طائر يطير بجناحيه إلا عندنا منه علم). قال أبو حاتم (^٤): \"معنى عندنا منه: يعني: بأوامره ونواهيه وأخباره وأفعاله وإباحاته -ﷺ-\" (^٥).\nوالمقصود: أنه استوفى بيان الشريعة، وما يحتاج إليه من الدين، حتَّى لم يبق مشكل، فضرب ذلك مثلًا، وقيل: أراد أنه لم يترك شيئًا إلا بيَّنه حتَّى بيَّن لهم أحكام الطير، وما يحل منه وما يحرم، وكيف يذبح، وما الذي يفدي منه المحرم إذا أصابه، وأشباه ذلك (^٦).\nوجاء عن جابر بن عبد اللَّه (^٧) -﵁- في حجة النَّبِيّ -ﷺ- وفيه:\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٥٦٨)، وانظر: تفسير السمعاني (٣/ ٥٢٩).\n(^٢) أضواء البيان (٥/ ٥٣٧).\n(^٣) هو: جندب بن جنادة بن سكن الغفاري، من السابقين إلى الإسلام، لم يشهد بدرًا لكن عمر ألحقه بهم، مات في الربذة سنة إحدى وثلاثين، وصلى عليه ابن مسعود -﵄-، الإصابة (٧/ ١٠٥).\n(^٤) هو: الإمام العلامة الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد التميمي الدارمي البستي، كان من أوعية العلم في الفقه، واللغة، والحديث، والوعظ، من مؤلفاته كتابه \"الصحيح\"، توفي سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. انظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٩٢).\n(^٥) رواه ابن حبان في صحيحه (١/ ٢٦٧) برقم (٦٥)، والمعجم الكبير (٢/ ١٥٥)، برقم (١٦٤٧)، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (٤/ ٤١٦)، برقم (١٨٠٣).\n(^٦) انظر: النهاية في غريب الحديث (٣/ ١٥٠)، ولسان العرب (٤/ ٥٠٩).\n(^٧) هو: أبو عبد اللَّه جابر بن عبد اللَّه بن حرام بن كعب الأنصاري السلمي الصحابي =","vol":"1","page":131},{"text":"(... \"وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب اللَّه وأنتم تسألون عني فما أنضم قائلون\"، قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت) (^١).\nولا شكَّ أن تبليغه -ﷺ- كما سبق تقريره شامل للألفاظ والمعاني.\nما جاء عن عائشة (^٢) -﵂- أنها قالت لمسروق (^٣): (من حدثك أن محمدًا -ﷺ- كتم شيئًا مما أنزل عليه فقد كذب، واللّه يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧] الآية\" (^٤).\nوقد دل قول عائشة -﵂- على نفي الكتمان عن النَّبِيّ -ﷺ- ومن المعلوم أن عدم بيان معاني ألفاظ الوحي من أعظم الكتمان.\nيقول الإمام ابن القيم: \"وشهد له أعقل الخلق وأفضلهم وأعلمهم بأنه قد بلغ، فأشهد اللَّه عليهم بذلك في أعظم مجمع وأفضله، فقال في خطبته بعرفات في حجة الوداع: \"إنكم مسؤولون عني فماذا أنتم قائلون\"، قالوا: نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت، فرفع إصبعه إلى السماء\n_________\n= الجليل، أحد المكثرين عن النَّبِيّ -ﷺ-، توفي -﵁- سنة (٧٨ هـ). [انظر ترجمته في: الاستيعاب (١/ ٢١٩ - ٢٢٠)، والإصابة (١/ ٢١٤)].\n(^١) رواه مسلم في صحيحه (٢/ ٨٩٠)، برقم (١٢١٨).\n(^٢) هي: أم المؤمنين، عائشة بنت أبي بكر الصديق عبد اللَّه بن عثمان بن عامر القرشية التيمية، أم عبد اللَّه، وأمها أم رومان بنت عمير بن عامر، ولدت بعد البعثة سنين وقيل خمس، وكانت من أفقه الصحابة وأكثرهم رواية للحديث، روى عنها جمع من الصحابة والتابعين، توفيت بالمدينة سنة ٥٨ هـ، وقيل: ٥٧ هـ. [انظر: الطبقات الكبرى (٨/ ٥٨)، والإصابة (٨/ ١٣٩)].\n(^٣) هو: مسروق بن الأجدع الهمداني، أبو عائشة الكوفي، الإمام القدوة العلم الفقيه، حدث عن جملة من الصحابة -﵃- قال ابن معين: (مسروق ثقة لا يُسأل عن مثله)، مات سنة اثنتين وستين. [انظر ترجمته في: السير (٤/ ٦٣)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٤٩)].\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ....﴾ (٤/ ١٦٨٦)، برقم (٤٣٣٦)، ومسلم في صحيحه، باب: معنى قول اللَّه -﷿-: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ (١/ ١٥٩)، برقم (١٧٧).","vol":"1","page":132},{"text":"مستشهدًا بربه الذي فوق سمواته، وقال: \"اللَّهُمَّ اشهد\".\nفلو لم يكن قد عرف المسلمون وتيقنوا ما أرسل به، وحصل لهم منه العلم واليقين، لم يكن قد حصل منه البلاغ المبين، ولما رفع اللَّه عنه اللوم، ولما شهد له أعقل الأمة بأنه قد بلغ وبيَّن\" (^١).\nويقول الإمام ابن تيمية: \"والأمة تشهد له بأنه بلغ الرسالة كما أمره اللَّه وبيَّن ما أنزل إليه من ربه، وقد أخبر اللَّه بأنه قد أكمل الدين، وإنما كَمُلَ بما بلغه، إذ الدين لم يعرف إلا بتبليغه، فعلم أنه بلغ جميع الدين الذي شرعه اللَّه لعباده\" (^٢).\nوقال الإمام ابن كثير: \"وقد شهدت له أمته بإبلاع الرسالة وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه نحو من أربعين ألفًا\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-44> المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nأشار إلى معنى هذه القاعدة جمع من العلماء، وفيما يلي أذكر بعض أقوالهم الدالة على اعتمادهم للقاعدة، فمما وقفت عليه من ذلك:\nقول الإمام الخطابي (^٤): \"فلم يترك -ﷺ- شيئًا من أمور الدين؛ قواعده، وأصوله، وشرائعه، وفصوله، إلا بيَّنه وبلغه على كماله وتمامه،\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة (٢/ ٧٣٣).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٥/ ١٥٥ - ١٥٦).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٧٨).\n(^٤) هو: حَمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب، أبو سليمان الخطابي البستي الشافعي، وقيل: اسمه أحمد، ولد سنة تسع عشرة وثلاثمائة بمدينة بست، وتوفي بها سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، له تآليف عدة منها: أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري، وغريب الحديث وغيرها. [انظر ترجمته في: السير (١٧/ ٢٣)، وطبقات الشافعية الكبرى (٣/ ٢٨٢)].","vol":"1","page":133},{"text":"ولم يؤخر بيانه عن وقت الحاجة إليه، إذ لا خلاف بين فرق الأمة أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بحال\" (^١).\nوقريبًا منه قول الإمام السمعاني (^٢): \"وكان مما أنزل إليه -ﷺ- وأمر بتبليغه: أمر التوحيد وبيانه بطريقته، فلم يترك النَّبِيّ -ﷺ- شيئًا من أمور الدين، وقواعده، وأصوله، وشرائعه، وفصوله، إلا بيَّنه وبلغه على كماله وتمامه، ولم يؤخر بيانه عن وقت الحاجة إليه، إذ لو أخر فيها البيان لكان قد كلفهم ما لا سبيل لهم إليه\" (^٣).\nويقول الإمام ابن تيمية: \"فصل: في أن رسول الله -ﷺ- بَيَّنَ جميع الدين؛ أصوله وفروعه، باطنه وظاهره، علمه وعمله، فإن هذا الأصل هو أصل أصول العلم والإيمان، وكل من كان أعظم اعتصامًا بهذا الأصل كان أولى بالحق علمًا وعملًا، ومن كان أبعد عن الحق علمًا وعملًا، [كان بُعده عن هذا الأصل بحسب حاله، ومن كان أبعد عن الحق علمًا وعملًا، كان بُعده عن هذا الأصل بحسب حاله، فمستقل ومستكثر من الباطل] (^٤) (^٥).\nوقال ﵀: \"والرسول -صلوات اللَّه عليه وسلامه- قد أرسل\n_________\n(^١) ذكره الخطابي في: (الغنية)، ونقله عنه ابن تيمية في درء التعارض (٧/ ٢٩٦).\n(^٢) هو: منصور بن أحمد بن عبد الجبار التميمي، أبو المظفر المعروف بابن السمعاني الحنفي ثم الشافعي. من مصنفاته: القواطع في أصول الفقه، وله كتاب التفسير، توفي سننة ٤٨٨ هـ. [انظر ترجمته: طبقات الشافعية للسبكي (٤/ ٢١)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٢٧٣)].\n(^٣) الانتصار لأصحاب الحديث، لابن السمعاني (ص ٧٠).\n(^٤) ما بين المعقوفتين لعله ساقط من نسخة (مجموع الفتاوى)، وقد نقل العبارة بكاملها العلامة ابن سعدي في كتابه \"طريق الوصول إلى العلوم المأمول بمعرفة القواعد والضوابط والأصول\" (ص ٢٩).\n(^٥) مجموع الفتاوى (١٩/ ١٥٥ - ١٥٦)، وانظر: طريق الوصول للعلامة السعدي (ص ٢٩).","vol":"1","page":134},{"text":"بالبينات والهدى، بَيَّنَ الأحكام الخبرية والطلبية، وأدلتها الدالة عليها، بَيَّنَ المسائل والوسائل، بَيَّنَ الدين ما يقال وما يعمل، وبيَّن أصوله التي يعلم أنه دين حق\" (^١).\nويقول الإمام ابن القيم في وصفه -ﷺ-: \"ولم يدع بابًا من العلم النافع للعباد، المقرب لهم إلى ربهم إلا فتحه، ولا مشكلًا إلا بيَّنه وشرحه، حتَّى هدى اللَّه به القلوب من ضلالها، وشفاها به من أسقامها، وأغاثها به من جهلها، فأي بشر أحق بأن يحمد منه -ﷺ-، وجزاه عن أمته أفضل الجزاء\" (^٢).\nويقول الشيخ السعدي: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]؛ في أصول الدين وفروعه، وفي أحكام الدارين، وكل ما يحتاج إليه العباد فهو مبين فيه أتم تبيين، بألفاظ واضحة، ومعانٍ جلية، حتَّى إنه تعالى يثني فيه الأمور الكبار التي يحتاج القلب لمرورها عليه كل وقت، وإعادتها في كل ساعة، ويعيدها ويبديها بألفاظ مختلفة، وأدلة متنوعة لتستقر في القلوب، فتثمر من الخير والبر بحسب ثبوتها في القلب، وحتى إنه تعالى يجمع في اللفظ القليل الواضح معاني كثيرة، يكون اللفظ لها كالقاعدة والأساس\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-45> المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nلهذه القاعدة فوائد عظيمة يمكن الاستفادة منها وتطبيقها في مناحٍ شتى، ومن ذلك: -\n_________\n(^١) النبوات (١/ ١٦٥)، وانظر: درء التعارض (٧/ ٢٩٦)، بيان تلبيس الجهمية (١/ ٢٥٥).\n(^٢) جلاء الأفهام (ص ١٨١).\n(^٣) تفسير السعدي (ص ٤٤٧).","vol":"1","page":135},{"text":"أولًا: كمال بيان هذا الدين ووضوحه، وأنه -ﷺ- قد بلَّغ البلاغ المبين، وأوضح جميع ما أنزل إليه من ربه، ولم يكتم منه حرفًا واحدًا، وهو دين الإسلام بلغه بلا نقص ولا تقصير، فلم يبق فيه إشكال فيحتاج إلى حلّ ولا إجمال فيفتقر إلى تفصيل، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] (^١).\nفالأمة ليست في حاجة إلى أحد بعده -ﷺ- يأتي ليتصرف في شيء من دينه، بزياده أو نقص، وإنما هي في أمس الحاجة، وألح الضرورة إلى من يعرفها حقيقة دينها الذي بعث به محمد -ﷺ- (^٢).\nيقول الحافظ ابن عساكر (^٣): \"فإن اللَّه - ﷾ - بعث نبينا محمدًا - صلوات اللَّه عليه وسلامه - فأيده بالآيات الباهرة، والمعجزات القاهرة، حتَّى أوضح الشريعة وبيَّنها، وعلمهم مواقيتها وعينها، فلم يترك لهم أصلًا من الأصول إلا بناه وشيَّده، ولا حكمًا من الأحكام إلا أوضحه ومهَّده\" (^٤).\nويقول الشيخ حافظ الحكمي: \"أن هذا الذي بلغه الرسول -ﷺ- عن ربه تعالى هو جميع دين الإسلام؛ مكملًا محكمًا، لم يبق فيه نقص بوجه\n_________\n(^١) انظر: معارج القبول (٣/ ١١١٠)، بتصرف.\n(^٢) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (١/ ٣٦٢).\n(^٣) هو: أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة اللَّه الدمشقي محدث الشام ثقة الدين، قال الذهبي: (أحد الأعلام في الحديث)، فخر الشافعية وإمام أهل الحديث في زمانه، ولد في مستهل سنة تسع وتسعين وأربعمائة، رحل إلى بلاد كثيرة، وسمع الكثير من نحو ألف وثلاثمائة شيخ، وكان كثير العلم، غزير الفضل، حافظ ثقة متقن دين، خير، حسن السمت، جمع بين معرفة المتون والأسانيد، توفي في رجب عام إحدى وسبعين وخمسمائة، من مؤلفاته: التاريخ الكبير في ثمانين مجلدًا، وفضل أصحاب الحديث، وتبيين كذب المفتري على الشيخ أبي الحسن الأشعري. [انظر: تاريخ الإسلام (٤٠/ ٧٠)، وشذرات الذهب (٤/ ٢٣٩)].\n(^٤) تبيين كذب المفتري (ص ٣٥٤).","vol":"1","page":136},{"text":"من الوجوه فيحتاج إلى تكميل، ولم يبق فيه إشكال فيحتاج إلى حل، ولا إجمال فيفتقر إلى تفصيل، قال اللَّه تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، فكما أن الإمام المبين قد أحصى كل ما هو كائن كما علمه اللَّه ﷿، فكذلك هذا القرآن واف، شاف، كاف، محيط بجميع أصول الشريعة وفروعها، وأقوالها وأعمالها، وسرها وعلانيتها، فمن لم يكفه فلا كفي، ومن لم يشفه فلا شفي، ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت: ٥١]، ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾ [الأعراف: ١٨٥].\nوكما وفَّى بتقرير الدين، وتكميله، وشرحه، وتفصيله، كذلك هو واف بالذب عنه، وبرد كل شبهة ترد عليه، وبقمع كل ملحد ومعاند ومشاق ومحاد، وبدمغ كل باطل وإزهاقه، ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ [الفرقان: ٣٣]، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩] \" (^١).\nثانيًا: أبطلت القاعدة قول القرامطة الباطنية (^٢) الذين يزعمون: أن الرسل ما كانوا يعلمون حقائق العلوم الإلهية، ويجعلون خاصة النبوة هي التخييل.\nولا شكَّ أن هذا القول فيه تنقص للرسل ﵇؛ إذ فيه اتهام لهم بالتجهيل وعدم العلم، والأصل الثابت دال على كمال هذا الدين، وأن\n_________\n(^١) معارج القبور (٣/ ١١١٠).\n(^٢) القرامطة: حركة باطنية هدامة، اعتمدت التنظيم السري العسكري، ظاهرها التشيع لآل البيت والانتساب إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق وحقيقتها الإلحاد والشيوعية والإباحية وهدم الأخلاق والقضاء على الدولة الإسلامية. سميت بهذا الاسم نسبة إلى حمدان قرمط بن الأشعث الذي نشرها في سواد الكوفة سنة ٢٧٨ هـ. [انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة (ص ٣٩٥)].","vol":"1","page":137},{"text":"النَّبِيّ -ﷺ- قد قام ببيان هذا الدين كاملًا، فكيف يكون قد بلغ الدين وبيَّنه ولم يترك منه شيئًا مع الجهل وعدم العلم بما أوحاه اللَّه إليه، هذا لا يعقل.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"والرسول -ﷺ- أعلم الخلق بالحق، وأقدر الناس على بيان الحق، وأنصح الخلق للخلق، وهذا يوجب أن يكون بيانه للحق أكمل من بيان كل أحد\" (^١).\nويقول ﵀ أيضًا بعد أن ذكر جملة من النصوص الدالة على تبليغه -ﷺ- لهذا الدين: \"وأمثال هذه النصوص التي تبين أن الرسول هدى الخلق، وبيَّن لهم، وأنه أخرجهم من الظلمات إلى النور، لا أنه لبس عليهم، وخيل، وكتم الحق فلم يبينه، ولم يهد إليه لا للخاصة ولا للعامة؛ فإنَّه من المعلوم أن الرسول -ﷺ- لم يتكلم مع أحد بما يناقض ما أظهره للناس، ولا كان خواص أصحابه يعتقدون فيه نقيض ما أظهره للناس، بل كل من كان به أخص، وبحاله أعرف كان أعظم موافقة له وتصديقًا له على ما أظهره وبيَّنه، فلو كان الحق في الباطن خلاف ما أظهره للزم إما أن يكون جاهلًا به، أو كاتمًا له عن الخاصة والعامة، ومظهرًا خلافه للخاصة والعامة\" (^٢).\nويقول ابن القيم: \"لا ريب عند كل مؤمن باللّه ورسوله: أنه -ﷺ- كان أعلم الخلق بما يخبر به، وما يأمر به، فهو أعلم الخلق بما أخبر به عن اللَّه واليوم الآخَر، وأعلمهم بدينه وشرعه الذي شرعه لعباده\" (^٣).\nثالثًا: أبطلت هذه القاعدة قول الفلاسفة (^٤) الذين يقولون بأن الرسل\n_________\n(^١) درء التعارض (١/ ٢٣).\n(^٢) المصدر نفسه (٥/ ٢٥).\n(^٣) الصواعق المرسلة (٢/ ٦٥١)، وانظر: زاد المعاد (٤/ ٤١٤).\n(^٤) هم: الفلاسفة: مأخوذة من الفلسفة (باليونانية)؛ أي: محبة الحكمة، فهي مركبة من كلمتين (فيلا)؛ أي: المحب، و(سوفا)؛ أي: الحكمة، وهم على ثلاثة أقسام (الدهريون، الطبيعيون، الإلهيون). [انظر: الملل والنحل (٢/ ٥٨)].","vol":"1","page":138},{"text":"علموا الحقائق لكن لم يبينوها للناس بل خاطبوا الجمهور بالتخييل، وأنهم كذبوا لمصلحة الخلق، فيجعلون التخييل في خطابه لا في علمه.\nوفي هذا القول أيضًا تكذيب للرسل واتهام لهم بعدم البيان وكتمان الحق، وهذا مما لا يليق بالرسل، فإنهم بلغوا البلاغ المبين، بل فيه مسبة لرب العالمين، إذ كيف يرسل رسلًا إلى الخلق يبلغونهم ألفاظًا لا تطابق الحق في نفس الأمر، هذا من أعظم العبث الذي ينزه عنه الرب ﵎ ورسوله -ﷺ-.\nرابعًا: أبطلت القاعدة قول الذين يقولون: الرسل علموا الحق وبينوه لكن لا يمكن معرفته من كلامهم بل يعرف بطرق أخرى؛ من المعقول أو القياس أو الكشف، ثم بعد ذلك ينظر في كلام الرسول فما وافق ذلك قبل، وما خالفه إما أن يفوض، وإما أن يؤول، وهذا هو قول أهل الكلام.\nوهذا من أعظم التناقض، كيف يكون الرسل قد بلغوا الحق وبينوه للناس، ثم لا يمكن للخلق معرفته إلا بطرق خارجة عن نفس بيانهم وتبليغهم، هذا من أعظم الباطل وأعظم التنقيص للرسول -ﷺ-، واتهامه بالتلبيس والتدليس إذ جاء بما ظاهره الباطل، ولم يبيِّن الحق الذي يجب اعتقاده، بل أراد منهم أن يجتهدوا فيه بإتعاب أذهانهم، وتأويل ألفاظه حتَّى يتوصلوا إلى المعنى الحق في نفس الأمر، فحقيقة قول هؤلاء أن مجيء الرسل وعدم ذلك سواء، بل قد يكون حال الناس قبل بعثة الرسل أفضل من حالهم بعد بعثتهم.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وطريقة التأويل: طريقة المتكلمين من الجهمية (^١)\n_________\n(^١) هم: أصحاب الجهم بن صفوان، وهو من الجبرية الخالصة ظهرت بدعته بترمذ، وقتله مسلم المازني بمرو في آخر ملك بني أمية، وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية، وزاد عليهم بأشياء؛ منها: قوله لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلقه؛ لأن ذلك يقتضي تشبيهًا، فنفى كونه حيًا عالمًا، وأثبت كونه قادرًا=","vol":"1","page":139},{"text":"والمعتزلة (^١) وأتباعهم، يقولون: إن ما قاله له تأويلات تخالف ما دل عليه اللفظ، وما يفهم منه، وهو وإن كان لم يبين مراده، ولا بيَّن الحق الذي يجب اعتقاده، فكان مقصوده أن هذا يكون سببًا للبحث بالعقل حتَّى يعلم الناس الحق بعقولهم، ويجتهدوا في تأويل ألفاظه إلى ما يوافق قولهم؛ ليثابوا على ذلك، فلم يكن قصده لهم البيان والهداية، والإرشاد والتعليم، بل قصده التعمية والتلبيس، ولم يعرفهم الحق حتَّى ينالوا الحق بعقلهم، ويعرفوا حينئذٍ أن كلامه لم يقصد به البيان، فيجعلون حالهم في العلم مع عدمه خيرًا من حالهم مع وجوده\" (^٢).\nخامسًا: دلت القاعدة على إبطال قول الرافضة الذين يدعون أن الرسول -ﷺ- بلغ جزءًا من الشريعة وكتم الباقي، وأودعه الإمام عليًا -﵁- فأظهر علي منه جزءًا في حياته وعند موته أودعه الحسن، وهكذا كل إمام يظهر منه جزءًا حسب الحاجة ثم يعهد بالباقي لمن يليه إلى أن صار عند إمامهم المنتظر (^٣).\nيقول الإمام ابن تيمية ﵀: \"ومعلوم أنه قد بلغ الرسالة كما أمر، ولم يكتم منها شيئًا، فإن كتمان ما أنزله اللَّه إليه يناقض موجب الرسالة،\n_________\n= فاعلًا خالقًا؛ لأنه لا يوصف شيء من خلقه بالقدرة والفعل والخلق. [انظر: الملل والنحل (١/ ٨٦)].\n(^١) هم: أتباع واصل بن عطاء الذي أحدث القول في مرتكب الكبيرة بأنه في منزلة بين المنزلتين، واعتزل مجلس الحسن البصري فسُموا معتزلة، وأصولهم خمسة مشهورة هي: العدل، والتوحيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوعد والوعيد، والوعيد، وقرروا تحت هذه الأصول الخمسة ما يخالف ويضاد الكتاب والسُّنَّة، وما كان عليه سلف الأمة الصالح. ومن عقيدتهم الجمع بين نفي الصفات ونفي القدر؛ ولذلك سموا قدرية. [انظر: الملل والنحل (١/ ٣٠، ٤٦ - ٤٨)].\n(^٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٦٧).\n(^٣) انطر: مسألة التقريب بين أهل السُّنَّة والشيعة، د. ناصر بن عبد اللَّه القفاري (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦).","vol":"1","page":140},{"text":"كما أن الكذب يناقض موجب الرسالة، ومن المعلوم من دين المسلمين أنه معصوم من الكتمان لشيء من الرسالة\" (^١).\nسادسًا: أفادت القاعدة إبطال قول الرافضة الباطنية الذين يدعون بأن للنصوص ظاهرًا وباطنًا، وزاد بعضهم على ذلك فزعم أن لكل آية سبعة أبطن (^٢)، وأنهم هم الذين يعرفون هذه المعاني الباطنة دون غيرهم.\nوهذا من الإفك البيّن على اللَّه وعلى رسوله -ﷺ-، فليس للشرع باطن لم يبلغه النَّبِيّ -ﷺ- لأمته، ولم يخص بعض أصحابه بشيء من الدين لم يخبر به عامتهم، بل تبليغه -ﷺ- كان عامًا للأسود والأحمر، والحر والعبد، والصغير والكبير، والذكر والأنثى، لم يفرق -ﷺ- بينهم في تبليغ الرسالة، وبيان الدين.\nقال الإمام ابن حزم: \"واعلموا أن دين اللَّه ظاهر لا باطن فيه، وجهر لا سر تحته، ... وكل من ادعى للديانة سرًا وباطنًا فهي دعاوى ومخارق، واعلموا أن رسول اللَّه -ﷺ- لم يكتم من الشريعة كلمة فما فوقها، ولا أطلع أخص الناس به من زوجة، أو ابنة عم، أو ابن عم، أو صاحب على شيء من الشريعة كتمه عن الأحمر والأسود، ورعاة الغنم، ولا كان عنده ﵇ السر، ولا رمز، ولا باطن غير ما دعا الناس كلهم إليه، ولو كتم شيئًا لما بلَّغ كما أمر\" (^٣).\nوقال القرطبي: \"فدلت الآية على رد قول من قال: إن النَّبِيّ -ﷺ- كتم شيئًا من أمر الدين تقية وعلى بطلانه، وهم الرافضة ودلت على أنه -ﷺ- لم يسر إلى أحد شيئًا من أمر الدين؛ لأن المعنى بلغ جميع ما\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٥/ ١٥٥).\n(^٢) انظر: أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية، للقفاري (١/ ١٥٢).\n(^٣) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٢/ ٩١ - ٩٢)، وانظر: معارج القبول (٣/ ١١٠٨).","vol":"1","page":141},{"text":"أنزل إليك ظاهرًا\" (^١).\nويقول الإمام الشوكاني: \"العموم الكائن في ﴿مَا أُنْزِلَ﴾: يفيد أنه يجب عليه -ﷺ- أن يبلغ جميع ما أنزله اللَّه إليه، لا يكتم منه شيئًا، وفيه دليلٌ على أنه لم يسر [إلى] (^٢) أحد مما يتعلق بما أنزل اللَّه إليه شيئًا\" (^٣).\nوالمقصود من نفي الباطن عن الشرع أن يكون للنصوص معانٍ في الباطن تخالف ظاهرها، ولا تعرف إلا بطرق لم يبيِّنها النَّبِيّ -ﷺ-، وقد علم مما سبق أن المقصود بالظاهر والباطن في لفظ القاعدة ما يتعلق بأعمال الجوارح والقلوب، فإن أعمال القلوب من أعظم أمور الدين، وهي أعمال باطنة جاء بها النَّبِيّ -ﷺ- وبيَّنها لأمته أكمل البيان وأتمه، بل كل قول وعمل ظاهر فلا بد له من باطن يتعلق بالقلب.\nيقول ابن تيمية: \"كل قول وعمل فلا بد له من ظاهر وباطن، فظاهر القول لفظ اللسان، وباطنه ما يقوم من حقائقه ومعانيه بالجنان، وظاهر العمل حركات الأبدان، وباطنه ما يقوم بالقلب من حقائقه ومقاصد الإنسان\" (^٤).\nويقول ابن القيم: \"قاعدة: الإيمان له ظاهر وباطن، وظاهره قول اللسان، وعمل الجوارح، وباطنه تصديق القلب، وانقياده، ومحبته، فلا ينفع ظاهر لا باطن له ... ولا يجزئ باطن لا ظاهر له\" (^٥).\nكما قد يراد بالباطن الأمور المجملة في القرآن وجاء النَّبِيّ -ﷺ- ببيانها في السُّنَّة، ولم يتوف ﵇ حتَّى بيَّن جميع ما للناس حاجة إليه.\nيقول الإمام أحمد (^٦) في خطبة كتابه الذي صنفه في طاعة\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٢٤٢).\n(^٢) زيادة مني لتوضيح المعنى.\n(^٣) فتح القدير (٢/ ٥٩).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٦٢).\n(^٥) الفوائد (ص ٨٥).\n(^٦) هو: الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني، إمام أهل السُّنَّة وناصرها، =","vol":"1","page":142},{"text":"رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: \"إن الله جلَّ ثناؤه وتقدست أسماؤه بعث محمدًا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأنزل عليه كتابه الهدى والنور لمن اتبعه، وجعل رسوله الدال على ما أراد من ظاهره وباطنه، وخاصه وعامه، وناسخه ومنسوخه، وما قصد له الكتاب، فكان رسول الله -صلي الله عليه وسلم- هو المعبر عن كتاب الله، الدال على معانيه، شاهده في ذلك أصحابه الذين ارتضاهم الله لنبيه، واصطفاهم له، ونقلوا ذلك عنه، فكانوا هم أعلم الناس برسول الله -صلي الله عليه وسلم- وبما أراد الله من كتابه بمشاهدتهم، وما قصد له الكتاب، فكانوا هم المعبرين عن ذلك بعد رسول الله -صلي الله عليه وسلم-\" (^١).\nفبهذين الاعتبارين يصح أن يقال بأن في الدين باطنًا، ولكن المحظور في ذلك هو جعل الباطن مخالفًا للظاهر، ولم يبلغه النبي -صلي الله عليه وسلم- لأمته، والله أعلم.\nسابعًا: بيانه -ﷺ- لهذا الدين لم يكن من عند نفسه، بل كله كان وحيًا من عند ربه ﵎، ولذا قال -سبحانه وتعالي-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤]، وقال -﷿-: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦].\nيقول الإمام الزهري (^٢): \"من الله الرسالة، وعلى رسول الله -صلي الله عليه وسلم-\n_________\n= وقامع البدعة ومزهقها، قال فيه الإمام الشافعي: \"أحمد إمام في ثماني خصال: إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في اللغة، إمام في القرآن، إمام في الفقر، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في السُّنَّة\". من أشهر مؤلفاته: المسند، وفضائل الصحابة، توفي سنة ٢٤١ هـ. [انظر ترجمته في: طبقات الحنابلة (١/ ٤)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٣١)].\n(^١) إعلام الموقعين عن رب العالمين (٢/ ٢٩٠).\n(^٢) هو: الإمام محمد بن مسلم بن عبد الله الزهري، كان إمامًا حافظًا، مات سنة أربع أو ثلاث وعشرين ومائة. [انظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ٣٢٦)، وتذكرة الحفاظ (١/ ١٠٨)].","vol":"1","page":143},{"text":"البلاع، وعلينا التسليم\" (^١).\nفليس له -ﷺ- إلا البلاغ والبيان، كما قال -سبحانه وتعالي-: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾ [النور: ٥٤]. وأما مضمون الرسالة والوحي فهو من عند الله ﵎ لم يتدخل فيه -﵇- ولا بكلمة واحدة، ولا استفاده ممن سبقه، وإنما هو محض الوحي الذي جاء به جبريل كما قال سبحانه: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥)﴾ [الشعراء: ٩٢ - ٩٥].\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وأيضًا فإنه أخبر أنه ليس ينطق من عنده، بل يتكلم بكل ما يسمع، وهذا إخبار بأن كل ما يتكلم به فهو وحي يسمعه، ليس هو شيئًا تعلمه من الناس، أو عرفه باستنباطه، وهذه خاصة محمد -ﷺ-، فإن المسيح ومن قبله من الأنبياء كانوا يتعلمون من غيرهم مع ما كان يوحى إليهم، فعندهم علم غير ما يسمعونه من الوحي\" (^٢).\nويقول الشيخ حافظ حكمي: \"يخبر -ﷺ- أنه مخبر عن الله ومبلغ رسالته، وأن ما أمر به ونهى عنه وأخبر به هو تبليغ لأمر الله، ونهيه، وخبره، وإنه لم يقل شيئًا من عند نفسه فيقول: هو من عند الله، ومن اعتقد ذلك فهو كافر من حزب أبي جهل، والوليد بن المغيرة، وملئهم. قال الله -﷿-: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧] ... \" (^٣).\nثامنًا: أن بيانه -﵇- لهذا الدين لا يعدله بيان أحد من البشر؛ إذ هو -ﷺ- أعلم الخلق بالحق، وأفصحهم لسانًا وبيانًا، وأنصح الخلق للخلق، فاجتمع فيه -﵇- كمال العلم وكمال القدرة وكمال الإرادة.\n_________\n(^١) رواه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٦/ ٢٧٣٨).\n(^٢) الجواب الصحيح (٥/ ٢٩٩).\n(^٣) معارج القبول (١/ ٢٦٨).","vol":"1","page":144},{"text":"ولذا قال -﵇- لأصحابه: \"إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا\" (^١).\nووصفه ربه ﵎ بالحرص على المؤمنين فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، ومما يظهر ذلك الحرص معاناته -ﷺ- وتحمله للمشاق العظام، التي لم يتحملها بشر في سبيل إيضاح هذا الدين تمام الإيضاح بحيث لا يفهم أحد من أصحابه شيئًا من الدين خلاف مراد الله ورسوله -ﷺ-.\nوأنزل الله عليه آيات عديدة تسلية له من الحزن والألم، والضيق الذي أَلَمَّ به بسبب كفر قومه وإعراضهم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾ [فاطر: ٨]، وقوله: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)﴾ [النحل: ٣٧]، وغيرها من الآيات، وما ذاك إلا لشدة حرصه، وكمال نصحه، وشفقته على أمته -ﷺ- أن تعتقد أمته شيئًا يبغضه الله ورسوله.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"والرسول -ﷺ- أعلم الخلق بالحق، وأقدر الناس على بيان الحق، وأنصح الخلق للخلق، وهذا يوجب أن يكون بيانه للحق أكمل من بيان كل أحد\" (^٢).\nويقول -﵀- أيضًا: \"وقد أوجب الله عليه البلاغ المبين، وأنزل عليه الكتاب ليبين للناس ما نُزِّلَ إليهم، فلا بد أن يكون بيانه، وخطابه، وكلامه أكمل وأتم من بيان غيره، فكيف يكون مع هذا لم يبين الحق، بل بيَّنه من قامت الأدلة الكثيرة على جهله، ونقص علمه وعقله\" (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب: قول النبي -ﷺ-: \"أنا أعلمكم بالله\" (١/ ١٦) برقم (٢٠).\n(^٢) درء التعارض (١/ ٢٣٣).\n(^٣) المصدر نفسه (١/ ٢٤).","vol":"1","page":145},{"text":"ومن المعلوم أن من قصَّر في بيان أمر من الأمور؛ فإما أن يكون قد أُتِيَ من قِبَلِ عِلْمِه أو قَصْدِه أو عَجْزِه، فيكون إما جاهلًا بما يتكلم به، أو غاشًّا لمن يخاطبهم لا يريد لهم علمًا ولا يبغي لهم هدى، أو عاجزًا عن البيان والإفصاح، فإن الفعل يتعذر لعدم العلم، أو لعدم القدرة، أو لعدم الإرادة، فإذا اجتمعت هذه الأمور الثلاثة لزم حصول الفعل ووقوع المطلوب، وجميع هذه الأمور تحققت في نبينا محمد ﵇ على الكمال والتمام (^١).\nوقال -﵀-: \"ومن علم أن الرسول -صلي الله عليه وسلم- أعلم الخلق بالحق، وأفصح الخلق في البيان، وأنصح الخلق للخلق، علم أنه قد اجتمع في حقه كمال العلم بالحق، وكمال القدرة على بيانه، وكمال الإرادة له، ومع كمال العلم والقدرة والإرادة يجب وجود المطلوب على أكمل وجه، فيعلم أن كلامه أبلغ ما يكون، وأتم ما يكون، وأعظم ما يكون بيانًا لما بيَّنه في الدين من أمور الإلهية وغير ذلك\" (^٢).\nويقول العلامة ابن القيم -﵀-: \"لا ريب عند كل مؤمن بالله ورسوله أنه كان أعلم الخلق بما يخبر به، وما يأمر به، فهو أعلم الخلق بما أخبر به عن الله واليوم الآخر، وأعلمهم بدينه وشرعه الذي شرعه لعباده، وأنه كان أفصح الأمة، وأقدرهم على البيان، وكشف المعاني؛ فإنه عربي، والعرب أفصح الأمم، وقرشي، وقريش أفصح العرب، وهو في نفسه كان أفصح قريش على الإطلاق، وقد أقر له أعداؤه بذلك ... ثم من المعلوم بالاضطرار من حاله أنه كان أحرص الناس على هدى أمته، وتعليمهم والبيان لهم، فاجمع في حقه كمال القدرة، وكمال الداعي، وكمال العلم، فهو أعلم الناس بما يدعو إليه، وأقدرهم على\n_________\n(^١) انظر: المصدر نفسه (٥/ ٣٧١)، مع التصرف والزيادة.\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٧/ ١٢٩) وانظر: كذلك (٥/ ٣١).","vol":"1","page":146},{"text":"أسباب الدعوة، وأعظمهم رغبة وأتمهم نصيحة\" (^١).\nويقول -﵀- في صفة كلام النبي -صلي الله عليه وسلم-: \"كان أفصح خلق الله وأعذبهم كلامًا وأسرعهم أداء وأحلاهم منطقًا، حتى إن كلامه ليأخذ بمجامع القلوب، ويسبي الأرواح، ويشهد له بذلك أعداؤه، وكان إذا تكلم تكلم بكلام مفصل مبين يعده العاد\" (^٢).\nوقال -﵀- أيضًا: \"فما الظن بأفضل الأنبياء، وأعلمهم، وأكملهم بيانًا، وأتمهم فصاحة، وأقدرهم على التعبير عن المعنى باللفظ الذي لا يزيد عليه ولا ينقص عنه، ولا يوهم غيره، وأحرصهم على تعليم الأمة وتفهيمهم ... \" (^٣).\nفهو كلام المعصوم في منطقه، وعلمه، وقصده، وعمله، وكل كلمة منه جاءت في موضعها، ومنزلتها، ومقرها، لا يتعدى بها عنه، ولا يقصر بها (^٤).\nيقول الجاحظ (^٥) عند ذكره لصفة كلامه -ﷺ-، وما تضمنه من البلاغة والإعجاز: \"وأنا اذكر بعد هذا فنًا آخر من كلامه -ﷺ -؛ وهو الكلام الذي قلَّ عدد حروفه، وكثر عدد معانيه، وجلَّ عن الصنعة، ونزه عن التكلف، وكان كما قال الله ﵎: ﴿قُل﴾ يا محمد:\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة (٢/ ٥٦١ - ٥٦٢).\n(^٢) زاد المعاد (١/ ١٨٢).\n(^٣) الصواعق المرسلة (٢/ ٦٤٥).\n(^٤) طريق الهجرتين (ص ٣٦٨).\n(^٥) هو: العلامة المتبحر ذو الفنون أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب مولى أبي القلمس عمرو بن قلع الكناني ثم الفقمي، أحد النسابين، البصري، المعتزلي، صاحب التصانيف، أخذ عن النظام، وروى عن أبي يوسف القاضي، كان أحد الأذكياء، سريع الحفظ، قال عنه الذهبي: \"وكان واسع النقل، كثير الإطلاع، من أذكياء بني آدم، وأفرادهم، وشياطينهم\"، وقال أبو العباس ثعلب: \"ليس بثقة ولا مأمون\"، ولد في أول سنة خمسين ومائة، ومات سنة خمس وخمسين ومائتين في خلافة المعتز. [انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١١/ ٥٢٦)، وتاريخ الإسلام (١٨/ ٣٧٢)، ومعجم الأدباء (٤/ ٤٧٣ - ٤٧٤)].","vol":"1","page":147},{"text":"﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص: ٨٦]، فكيف وقد عاب التشديق، وجانب أصحاب التقعير، واستعمل المبسوط في موضع البسط، والمقصور في موضع القصر، وهجر الغريب الوحشي، ورغب عن الهجين السوقي، فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة، ولم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة، وشيد بالتأييد، ويسر بالتوفيق.\nوهذا الكلام الذي ألقى الله المحبة عليه، وغشاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، بين حسن الإفهام، وقلة عدد الكلام، ومع استغنائه عن إعادته، وقلة حاجة السامع إلى معاودته، لم تسقط له كلمة، ولا زلت له قدم، ولا بارت له حجة، ولم يقم له خصم، ولا أفحمه خطيب، بل يبذ (^١) الخطب الطوال بالكلام القصير، ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم، ولا يحتج إلا بالصدق، ولا يطلب يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم، ولا يحتج إلا بالصدق، ولا يطلب الفلج (^٢) إلا بالحق، ولا يستعين بالخلابة (^٣)، ولا يستعمل المواربة (^٤)، ولا يهمز ولا يلمز (^٥)، ولا يبطئ ولا يعجل، ولا يسهب\n_________\n(^١) تقول العرب: بَذَ يَبذُّ بَذًّا: إذا خرج شيء على الآخر في حسن أو عمل كائنًا ما كان، وبَذَّه إذا سبقه وغلبه. [انظر: العين (٨/ ١٧٧)، والأفعال (١/ ٩٧)، وتاج العروس (٩/ ٣٧٤)]. سبقه وغلبه. [انظر: العين (٨/ ١٧٧)، والأفعال (١/ ٩٧)، وتاج العروس (٩/ ٣٧٤)].\n(^٢) يقال: فلج الرجل على خصمه إذا فاز، والرجل الفالج: الفائز والاسم الفلج، وله أصل آخر: بمعنى التباعد والفرجة، ومنه فلج الأسنان، وهو تباعد ما بين الثنايا والرباعيات [انظر: مقاييس اللغة (٤/ ٤٤٨ - ٤٤٩)].\n(^٣) الخلابة: الخديعة برقيق الحديث [انظر: المعجم الوسيط (١/ ٢٤٨)].\n(^٤) المواربة: براءٍ مهملةٍ وباءٍ موحدةٍ: أن يقول المتكلم قولًا يتضمن ما ينكر عليه، فإذا حصل الإنكار استحضر بحذقه وجهًا من الوجوه يتخلص به؛ إما بتحريف كلمة، أو تصحيفها، أو زيادة أو نقص. [انظر: الحماسة البصرية (١/ ١٦٦)، والإتقان في علوم القرآن (٢/ ٢٥٧)].\n(^٥) اللَّمْزُ: العَيْبُ في الوَجْه بالعَيْنِ والرَّاسِ والشَّفَة، مع كَلامٍ خفِيٍّ، وقِيلَ: هو =","vol":"1","page":148},{"text":"ولا يحصر، ثم لم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعًا، ولا أصدق لفظًا، ولا أعدل وزنًا، ولا أجمل مذهبًا، ولا أكرم مطلبًا، ولا أحسن موقعًا، ولا أسهل مخرجًا، ولا أفصح عن معناه، ولا أبين في فحواه، من كلامه -ﷺ-\" (^١).\nتاسعًا: لا يقدح في هذه القاعدة ما يحصل من الإشكالات والتعارضات في بعض النصوص عند بعض الناس؛ وذلك لأن أفهام الناس تتفاوت وتختلف حتى بين أهل العلم فضلًا عن غيرهم، وهذا التعارض لا يتعلق بذات النصوص، إذ النصوص الشرعية لا يمكن أن تتعارض بحال، أو تتضارب، وإنما يحصل الإشكال والالتباس والتضارب في أذهان البشر، لما فيها من الضعف والقصور.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وذلك كله داخل في البلاغ المبين، فإنه ليس من شرط البلاغ المبين أن لا يشكل على أحد، فإن هذا لا ينضبط، وأذهان الناس وأهواؤهم متفاوتة تفاوتًا عظيمًا، وفيهم من يبلغه العلم، وفيهم من لا يبلغه؛ إما لتفريطه، وإما لعجزه.\nوإنما على الرسول البلاغ المبين: البيان المُمَكِّن، وهذا ولله الحمد قد حصل منه -ﷺ-، فإنَّه بلغَ البلاغ المبين، وترك الأمة على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعده إلا هالك، وما ترك من شيء يقرب إلى الجنة إلا أمر الخلق به، ولا من شيء يقربهم من النار إلا نهاهم عنه، فجزاه الله عن أمته أفضل ما جزى نبيًا عن أمته\" (^٢).\n_________\n= الاغْتِيابُ؛ لَمَزَه يَلْمِزُه وَيِلْمُزُه. والهَمْزُه: أصله الدفع والضرب، والهمَّازُ والهُمَزَة: الذي يخلف الناس من ورائهم، ويأكل لحومهم، ويقع فيهم، وهو مثل الغيبة، ويكون ذلك بالشدق والعين والرأس، وفي التنزيل: (هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَميم)، وفيه: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾. [انظر: المحكم والمحيط الأعظم (٤/ ٢٤٢) و(٩/ ٥٩)، والقاموس المحيط (ص ٦٧٤)].\n(^١) البيان والتبيين، للجاحظ (ص ٢٢١).\n(^٢) منهاج السُّنَّة النبوية (٨/ ٥٧٦).","vol":"1","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>المبحث الرابع\n\nقاعدة العبادة هي الغاية التي خلق الله لها الخلق من جهة أمره ومحبته ورضاه</span>\nوفيه عدة مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-47> المسألة الأولى* شرح ألفاظ القاعدة</span>\nمعنى العبادة لغة وشرعًا (^١):\nالعبادة في اللغة: هي الخضوع والذلة والانقياد.\nوفي الشرع: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فيشمل ذلك قول اللسان، وعمل الجوارح، وأعمال القلوب، فكلها داخلة في معنى العبادة الشرعي الذي أحبه الله وأمر به العباد.\n\nمعنى الغاية:\nالغاية مشتقة من الأصل اللغوي الثلاثي (غَيِيَ)؛ يقال: غَيَّا وغَايا وأغْيا وتغايا، لفيف مقرون، والمصدر تغِيَّة ومُغَاياةٌ، واسم الفاعل: مُغَيٍّ\n_________\n(^١) سيأتي تفصيل معنى العبادة لغة وشرعًا. [انظر: (ص ٣٣٠) وما بعدها].","vol":"1","page":150},{"text":"ومُغايٍ، واسم المفعول: مُغَيَّى ومُغايَّى، والغاية: مدى كل شيء وقصاره، وألفه ياء وهو من تأليف غين وياءين، وغَيَّي للقَوْمِ، نَصبَ لهم غايَةً أَو عَمِلَها لهم، والغايَةُ السَّحابَةُ المُنْفَرِدَةُ، وغايَتُكَ أَنْ تَفْعَل كذا: أَي نِهايَةُ طاقَتِكَ أَو فِعْلِكَ، ويقالُ في صَوابِ الرأي: أَنتَ بَعِيدُ الغايَةِ، وأَغْيا الرَّجلُ: بَلَغَ الغايَةَ في الشَّرَفِ والأمْرِ، والعِلَّةُ الغائِيَّةُ عنْدَ المُتَكَلِّمِيْن ما يكونُ المَعْلول لأجْلِها، وقوْلُهم المُغَيَّا كمُعَظَّمٍ لانْتِهاءِ الغايَةِ، هكذا يقولُه الفُقهاءُ والأُصُوليُّون وهي لُغَةٌ مولَّدَةٌ.\nوالغاية: هي ما لأجله وجود الشيء، وهي أقصى الشيء، ومدى كل شيء، وغاية الشيء مقطعه ومنتهاه (^١).\nومعنى الغاية في القاعدة: حكمة الله تعالى في إيجاد الخليقة، وما يستتبع ذلك من الغايات الحميدة، ويعبر عنها بالعلة الغائية.\nفالعبادة التي هي غاية الله من الخلق والإيجاد هي علة غائية.\nوخلق العباد وإيجادهم هو علة فاعلية وسبب وسبيل لتحقيق العلة الغائية.\nفالعلة الفاعلية التي هي خلق الخلق هي سبب وعلة وموجدة للعلة الغائية، فإذا لم توجد العلة الفاعلية فلا وجود للعلة الغائية.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فلو لم يخلق شيئًا بمشيئته وقدرته لم يوجد شيء، وكل الأعمال إن لم تكن لأجله فيكون هو المعبود المقصود المحبوب لذاته، وإلا كانت أعمالًا فاسدة؛ فإن الحركات تفتقر إلى العلة الغائية، كما افتقرت إلى العلة الفاعلية، بل العلة الغائية بها صار الفاعل فاعلًا، ولولا ذلك لم يفعل.\n_________\n(^١) انظر: تهذيب اللغة (٨/ ١٨٨)، والتعريفات (ص ٢٠٧)، وتاج العروس (٣٩/ ٢٠٥)، والعين (٨/ ٤٥٧)، والتفسير الكبير (٥/ ٩٥)، ومعجم تصريف الأفعال العربية (ص ٢٥٧، ص ٢٧١).","vol":"1","page":151},{"text":"فلولا أنه المعبود المحبوب لذاته لم يصلح قط شيء من الأعمال والحركات، بل كان العالم يفسد، وهذا معنى قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، ولم يقل لعدمتا\" (^١).\nوعليه تكون غاية الله من خلقه هو تحقيقهم لتوحيد الإلهية، كما أن ربوبية الله تعالى لخلقه التي تضمنت الخلق والإحياء هي العلة الفاعلية التي حصلت بسببها العلة الغائية.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فإن العبادة هي الغاية التي لها خلق الخلق، والإلهية هي الغاية، والربوبية تتضمن خلق الخلق وإنشاءهم، فهو متضمن ابتداء حالهم، والمصلي إذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥] فبدأ بالمقصود الذي هو الغاية على الوسيلة التي هي البداية، فالعبادة غاية مقصوده، والاستعانة وسيلة إليها، تلك حكمة، وهذا سبب، والفرق بين العلة الغائية والعلة الفاعلية معروف؛ ولهذا يقال: أول الفكرة آخر العلم، وأول البغية آخر الدرك، فالعلة الغائية متقدمة في التصور والإرادة، وهي متأخرة في الوجود، فالمؤمن يقصد عبادة الله ابتداء، وهو يعلم أن ذلك لا يحصل إلا بإعانته، فيقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ \" (^٢).\nوقد أوضح التفتازاني (^٣) العلاقة بين العلة الغائية والفاعلية بقوله:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٥/ ٥١٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٨٤)، وانظر: (٢/ ٣٠)، و(٢/ ٣٧).\n(^٣) هو: مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني، وقيل: محمود بن عمر، الملقب بـ (سعد الدين) الشافعي، عالم النحو والتصريف والمعاني والبيان والمنطق وغير ذلك، ولد سنة اثنتي عشرة وسبعمائة بتفتازان؛ بفتح الفوقتين والزاي وسكون الفاء وبالنون: قرية بنواحي نسا الأصولي المفسر، المتكلم، البلاغي، أخذ عن العضد وغيره. له مصنفات منها: حاشية على شرح العضد، وشرح التلخيص، وشرح التلويح على التوضيح، توفي سنة ٧٩٣ هـ. [انظر ترجمته في: بغية الوعاة (٢/ ٢٨٥)، وشذرات الذهب (٦/ ٣١٩)].","vol":"1","page":152},{"text":"\"وأما غاية الشيء: يريد بيان علته الغائية؛ دفعًا لما يستبعد من كون المتأخر عن الشيء علة له، فمعنى كون غاية الشيء علة له: أن ذلك الشيء يفتقر في وجوده العيني إلى وجودها العقلي، بواسطة أنه يحتاج إلى علته الفاعلية، وهي في كونها علة تحتاج إلى تصور الغائية ضرورة أن الفاعل ما لم يتصور غاية ما لا يُفْعَل إلا لغاية لم يفعله، ومن ههنا قالوا: إن الغاية بماهيتها؛ أي: بصورتها الذهنية علة لفاعلية الفاعل وبانيتها؛ أي: هويتها الخارجية معلول للفاعل، بل لمعلوله الذي هو ما له الغاية؛ فإن النجار يتصور الجلوس على السرير فَيُوْجِدَه، ثم يوجد الجلوس عليه، وللقوم عبارة أخرى: وهو أن الغاية بالوجود الذهني علة، وبالوجود العيني معلول، وهذا معنى قولهم: أول الفكر آخر العمل\" (^١).\nويقول الرازي: \"العلة الغائية حال كونها ذهنية علة العلل، وحال كونها خارجية معلولة العلل، فقد حصلت له علاقتا العلية والمعلولية\" (^٢).\nوكونها علة العلل؛ لأن جميع الحركات والأفعال في هذا الكون ناتجة منها، وكائنة بسببها؛ لأنَّها أول ما يتصورها الفاعل في ذهنه، فإذا وجدت بعد ذلك كانت معلولة لفعل الفاعل الذي كان سببًا في وجودها وخروجها إلى العين.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-48> المسألة الثانية * معنى القاعدة</span>\nلا شك أن بيان غاية الشيء، ومعرفة الحكمة منه فيما يتعلق بخلق الله وأمره مما له بالغ الأثر، وعظيم الفائدة العائدة على النفس\n_________\n(^١) شرح المقاصد في علم الكلام (١/ ١٧٢ - ١٧٣).\n(^٢) المحصول (١/ ٤٥٠)، وانظر: شرح التوضيح على التوضيح، لعبيد الله الحنفي (١/ ١٨٠).","vol":"1","page":153},{"text":"البشرية بالطمأنينة والسكون والثقة بربها ﵎، ولا سيما فيما يتعلق بالغاية الحميدة، والحكمة الجليلة في إيجاد المخلوقات؛ إذ في هذه الغاية التي لا أعظم منها تجلى حكمة الله تعالى الباهرة، ورحمته الشاملة؛ إذ خلق الخلق لعبادته التي هي أعظم ما يحتاجه البشر، وبذلك تظهر قيمة الإنسان في هذا الكون، التي اتسمت بعظيم الشرف ومنتهى العزة والرقي، إذ هو لم يخلق للعبث ولا للعب، ولا لغاية دنيئة، ولا حكمة حقيرة، وإنما خلق لغاية عظيمة هي منتهى عزه وغاية سعادته.\nوالقاعدة دلت على أن عبادة الله ﵎، وإفراده بالتوحيد، وترك عبادة ما سواه، والقيام بفعل أوامره وترك مناهيه، هو الغاية والحكمة التي خلق لها الإنس والجن، ففعل بهم الأول وهو خلقهم ليفعلوا هم الثاني وهو عبادته، لا ليفعله هو فيجعلهم عابدين له، وإنما خلقهم مهيئين مستعدين لها في أصل الخلقة، فمن وقعت منه العبادة فقد أرادها الله منه شرعًا وكونًا، ومن لم تقع منه فقد أرادها منه شرعًا ولم يردها سبحانه كونًا وقدرًا (^١).\nفالله تعالى لم يخلقهم للعباده خلق جبلة وإجبار، وإنّما خلقه لهم خلق تكليف واختيار، فمن وفّقه وسدّده أقام العبادة التي خُلق لها، ومن خذله وطرده حرمها وعمل بأعمال أهل الشقاء (^٢).\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وهو سبحانه لم يقل أنه فعل الأول ليفعل هو الثاني، ولا ليفعل بهم الثاني، فلم يذكر أنه خلقهم ليجعلهم هم عابدين، فإن ما فعله من الأسباب لما يفعله هو من الغايات يجب أن يفعله لا محالة، ويمتنع أن يفعل أمرًا ليفعل أمرًا ثانيًا ولا يفعل الأمر الثاني، ولكن ذكر أنه فعل الأول ليفعلوا هم الثاني فيكونون هم\n_________\n(^١) انظر: حاشية الشيخ عبد الرحمن بن قاسم على كتاب التوحيد (ص ١٣)، بتصرف.\n(^٢) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٢١)، والكشاف للزمخشري (٤/ ٤٠٨ - ٤٠٩).","vol":"1","page":154},{"text":"الفاعلين\" (^١).\nوالمقصود بكون العبادة غاية للرب ﵎؛ أي: أن الله تعالى أرادها وقصدها وهذا يستلزم علمه بها، إذ لا توجد الإرادة بدون العلم.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وتلك الغاية لا بد أن تكون معلومة للخالق، فإن العلة الغائية هي أول في العلم والإرادة، وهي آخر في الوجود والحصول، ولهذا كان الخالق لا بد أن يعلم ما خلق؛ فإنَّه قد أراده وأراد الغاية التي خلقه لها، والإرادة مستلزمة للعلم، فيمتنع أن يريد الحي ما لا شعور له به.\nوالصانع إذا أراد أن يصنع شيئًا فقد علمه وأراده، وقدر في نفسه ما يصنعه، والغاية التي ينتهي إليها، وما الذي يوصله إلى تلك الغاية.\nوالله سبحانه قدر وكتب مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم، كما ثبت في \"صحيح مسلم\" عن عبد الله بن عمرو (^٢)، عن النبي -صلي الله عليه وسلم- أنه قال: \"قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء\" (^٣).\nوفي البخاري عن عمران بن حصين (^٤)، عن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٨/ ٥٦).\n(^٢) هو: عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم ابن كعب بن لؤي القرشي السهمي، كنيته أبو محمد، من نجباء الصحابة وعلمائهم، أسلم قبل أبيه، ولم يكن أصغر من أبيه إلا باثنتي عشرة سنة، وقيل: بإحدى عشرة سنة، وكان واسع العلم، مجتهدًا في العبادة، توفي بالشام سنة ٦٥ هـ على اختلاف في ذلك. [انظر ترجمته في: الإصابة (٤/ ١٩٢ - ١٩٣)، وتاريخ الإسلام (٥/ ١٦٢ - ١٦٣)، والسير (٣/ ٨٠)].\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب القدر، باب: حجاج آدم وموسى -﵇- (٤/ ٢٠٤٤) برقم (٢٦٥٣)، ولفظ مسلم: \"كتب الله مقادير الخلائق\".\n(^٤) هو: عمران بن حصين بن عبيد بن خلف، أبو نجيد الخزاعي، صحابي كأبيه، وله غزوات مع النبي -صلي الله عليه وسلم-، وكان يكون ببلاد قومه ويتردد إلى المدينة، ولي قضاء البصرة، =","vol":"1","page":155},{"text":"\"كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض\" (^١) \" (^٢).\nوكون العبادة غاية لله من جهة أمره -سبحانه وتعالي- بها؛ لأنَّه لا يأمر إلا بما يحب ويرضى فكل ما أمر الله تعالى به فهو من محبوباته ومرضياته، فالله يحب العبادة ويرضى عن من فعلها، فهي من هذه الجهة تعتبر غاية محبوبة لله ﵎، وإلا فنفعها وفائدتها حاصلة للعبد، والله غني عن عبادة الخلق، لا تنفعه طاعتهم، ولا تضره معصيتهم؛ ولذا قال سبحانه بعد أن بيَّن هذه الغاية: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٧، ٥٨].\nيقول الشيخ السعدي: \"وهذان الأمران؛ وهما معرفة الله وعبادته: هما اللذان خلق الله الخلق لأجلهما، وهي الغاية المقصودة منه تعالى لعباده، وهما الموصلان إلى كل خير وفلاح وصلاح وسعادة دنيوية وأخروية، وهما أشرف عطايا الكريم لعباده، وهما أشرف اللذات على الإطلاق، وهما اللذان إن فاتا فات كل خير، وحضر كل شر، فنسأله تعالى أن يملأ قلوبنا بمعرفته ومحبته، وأن يجعل حركاتنا الباطنة والظاهرة خالصة لوجهه، تابعة لأمره، إنه لا يتعاظمه سؤال، ولا يحفه نوال\" (^٣).\n_________\n= وبعثه إليهم عمر ليفقههم، وكان الحسن البصري يحلف ما قدمها عليهم خير منه، ومات بها في ولاية عمر سنة اثنتين وخمسين، ومناقبه شهيرة وهو ممن اعتزل الفتنة وذمها. [انظر ترجمته في: التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة (٢/ ٣١٥)، وسير أعلام النبلاء (٢/ ٥٠٨)].\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب: ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ (٣/ ١١٦٦) برقم (٣٠١٩).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٦/ ١٣٦).\n(^٣) تفسير السعدي (ص ٧٤١).","vol":"1","page":156},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-49> المسألة الثالثة* أدلة القاعدة</span>\nدلَّ على صحة هذه القاعدة أدلة عديدة، أذكر منها ما يلي:\nأولًا: من أصرح الأدلة الدالة على تقرير ما أفادته القاعدة قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].\nودلالة الآية من حيث إفادتها للحصر (بما) النافية مع (إلا) المفيدان للحصر والقصر، (فيكون معنى الكلام: أني خلقت الجن والإنس لغاية واحدة هي العبادة دون ما سواها، ففيه قصر علة الخلق على العبادة).\nولأن الاستثناء هنا مفرغ -أي: من أعمِّ الأحوال كما يقول النحاة- والمعنى: وما خلقت الجن والإنس لشيء، أو لغاية من الغايات أبدًا إلا لغاية واحدة هي: أن يعبدوني (^١).\n_________\n(^١) انظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص ١١ - ١٢)، وفي نوع القصر خلاف بين أهل العلم؛ أي: هل هو قصر حقيقي أم إضافي، والظاهر أن العبادة هي أعظم الغايات من إيجاد الخلق، ولا يمنع ذلك وجود غايات أخرى للرب ﵎ من الخلق تكون تابعة للغاية العظمى، ألا وهي العبادة، يقول الشيخ ابن عاشور: \"فالحصر المستفاد من قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ قصرُ علة خلق الله الإنس والجنَّ على إرادته أن يعبدوه، والظاهر أنه قصر إضافي، وأنه من قبيل قصر الموصوف على الصفة، وأنه قصر قلب باعتبار مفعول (يعبدون)؛ أي: إلا ليعبدوني وحدي؛ أي: لا ليشركوا غيري في العبادة، فهو ردّ للإشراك، وليس هو قصرًا حقيقيًا، فإنا وإن لم نطلع على مقادير حِكَم الله تعالى من خَلق الخلائق، لكنَّا نعلم أن الحكمة من خلقهم ليست مُجردَ أن يعبدوه، لأن حِكَم الله تعالى من أفعاله كثيرة لا نُحيط بها، وذكر بعضها كما هنا لما يقتضي عدم وجود حكمة أخرى، ألَا ترى أن الله ذكر حِكمًا للخلق غير هذه كقوله: ﴿... وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩]، بَلْهَ ما ذكره من حكمة خلق بعض الإنس =","vol":"1","page":157},{"text":"يقول الإمام النووي في بيان معنى الآية: \"وهذا تصريح بأنهم خلقوا للعبادة، فحق عليهم الاعتناء بما خلقوا له، والإعراض عن حظوظ الدنيا بالزهادة، فإنَّها دار نفاد لا محل إخلاد، ومركب عبور لا منزل حبور، ومشرع انفصام لا موطن دوام\" (^١).\nقال ابن عاشور (^٢): \"واللام في ﴿لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ لام العلة؛ أي: ما خلقتهم لعلة إلا علة عبادتهم إياي، والتقدير: لإرادتي أن يعبدون، ويدل على هذا التقدير قوله في جملة البيان: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾، وهذا التقدير يلاحظ في كل لام ترد في القرآن تعليلًا لفعل الله تعالى؛ أي: ما أرضى لوجودهم إلا أن يعترفوا لي بالتفرد بالإلهية\" (^٣).\nثانيًا: قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١].\nلقد دلت الآيتان على حصر أمر الله لأهل الكتاب في أمرهم بالعبادة؛ أي: أنهم ما أمروا بشيء من التكاليف في هذه الدنيا إلا بعبادة الله تعالى وحده، فالنفي الذي يأتي بعده استثناء ثم إثبات يفيد قمة\n_________\n= والجن كقوله في خلق عيسى: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ [مريم: ٢١]. [التحرير والتنوير، لابن عاشور (٢٧/ ٢٦ - ٢٧)].\n(^١) رياض الصالحين (ص ٥).\n(^٢) هو: محمد الطاهر بن عاشور، رئيس المفتيين المالكيين بتونس، وشيخ جامع الزيتونة وفروعه، ولد سنة: ١٢٩٦ هـ، وعين عام ١٩٣٢ م شيخًا للإسلام مالكيًا، له مصنفات منها: التحرير والتنوير في تفسير القرآن العظيم، ومقاصد الشريعة الإسلامية، وأصول النظام الاجتماعي في الإسلام، والوقف وآثاره في الإسلام، وموجز في البلاغة، توفي سنة ١٣٩٣ هـ. [انظر ترجمته في: الأعلام (٦/ ١٧٤)].\n(^٣) التحرير والتنوير (٢٧/ ٢٥).","vol":"1","page":158},{"text":"الحصر؛ أي: هم مقصورون على العبادة، فلم يخلقوا إلا للأمر بها وتحصيلها، وإفراد الرب ﵎ بها دون ما سواه.\nوهذا يدل على أن العبادة هي غاية الله من خلقه؛ لأنَّه جعل الأمر بها أعظم مأمور، وأفضل مطلوب كما أفادته طريقة الحصر في الآيتين؛ فكأنَّه لم يأمرهم بشيء سوى عبادته سبحانه، ولهذا كثر في الكتب الإلهية الأمر بعبادة الله وحده (^١).\nقال الفخر الرازي في معنى آية التوبة: \"ومعناه ظاهر: وهو أن التوراة والإنجيل والكتب الإلهية ناطقة بذلك\" (^٢).\nأي: ناطقة ومصرحة بالأمر بالعبادة، فكون جميع الكتب الإلهية قد أمرت أول ما أمرت بهذه العبادة ليدل أعظم الدلالة على أنها هي غاية الغايات من خلق العباد.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فإن المسلمين واليهود والنصارى متفقون على أن في الكتب الإلهية الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وأنه أرسل إلى الخلق رسلًا من البشر، وأنه أوجب العدل، وحرم الظلم والفواحش والشرك، وأمثال ذلك من الشرائع الكلية\" (^٣).\nويقول الإمام ابن القيم في الآية: \"فنهى سبحانه أن يكون أَمَرَ عباده بغير العبادة التي قد أخلص عاملها له فيها النية\" (^٤).\nبل هذا ما أمر الله به صفوة خلقه، وخير البشر، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)﴾ [الزمر: ١١، ١٢].\nوهذا يؤيد كون العبادة هي غاية الخلق وغاية الأمر.\nيقول الرازي في بيان الآيات: \"وهذا يشتمل على قيدين؛ أحدهما:\n_________\n(^١) انظر: الجواب الصحيح (٦/ ٣١).\n(^٢) التفسير الكبير (١٦/ ٣١).\n(^٣) الجواب الصحيح (٢/ ٤٤٠).\n(^٤) بدائع الفوائد (٣/ ٧٠٧).","vol":"1","page":159},{"text":"الأمر بعبادة الله، الثاني: كون تلك العبادة خالصة عن شوائب الشرك الجلي، وشوائب الشرك الخفي، وإنما خص الله تعالى الرسول بهذا الأمر؛ لينبه على أن غيره بذلك أحق، فهو كالترغيب للغير\" (^١).\nثالثًا: الأدلة الدالة على أن الله إنما بعث رسله جميعًا بالأمر بالعبادة وترك الشرك، وهذا يدل على أن العبادة هي غاية الله من خلقه، إذ لا يتصور أن يتوارد الرسل جميعًا على دعوة واحدة، وعقيدة مشتركة إلا ويكون ما بعثوا به هو غاية الله منهم ومن خلقهم وإيجادهم. ومن تلك النصوص:\nقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وغيرها من النصوص.\nفالآيات أفادت حصر مهمة الرسل العظمى في الدعوة لهذا الأصل العظيم، إذ ليس لهم مهمة في حياتهم سوى بيان العبادة التي خلق الخلق من أجلها، وهذا يدل على أن عبادة الله وحده هي غايته من خلق الخلق وبعثة الرسل.\nيقول أبو حيان (^٢): \"وكل واحد من هؤلاء الأنبياء؛ نوح وهود وصالح تواردوا على الأمر بعبادة الله؛ والتنبيه على أنه لا إله غيره، إذ\n_________\n(^١) التفسير الكبير (٢٦/ ٢٢٢).\n(^٢) هو: محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الأندلسي ثم المصري، الشيخ الإمام العلامة المحدث البارع، ترجمان العرب، ولسان أهل الأدب، أثير الدين الغرناطي المولد والمنشأ، المصري الدار والوفاة، الظاهري المذهب ولد سنة أربع وخمسين وستمائة، ومن عيون تصانيفه البحر المحيط في التفسير، وشرح التسهيل، وله من الكتب الصغار ما ينيف على أربعين تصنيفًا، وكانت وفاته في سنة خمس وأربعين وسبعمائة. [انظر ترجمته في: ذيل تذكرة الحفاظ (ص ٢٣ - ٢٦)].","vol":"1","page":160},{"text":"كان قومهم عابدي أصنام، ومتخذي آلهة مع الله كما كانت قريش والعرب\" (^١).\nرابعًا: من المعلوم أن خلق الخلق بدون غاية من خلقهم ينافي كمال حكمة الله تعالى؛ وعليه فلا بد من وجود غاية يرجع إليها وجود الخليقة، ولا بد أن تكون غاية الخلق هي أعظم محبوباته ﵎، ولا شك أن أعظم محبوبات الرب هي عبادته سبحانه وحده، وإفراده بالخضوع والتذلل والمحبة، كما أن العبادة بالنسبة لبني آدم هي غاية كمالهم، والله متصف بصفات الكمال والجلال، يحب الكمال لنفسه، ومن آثار كماله سبحانه محبته لتكميل عباده، ولذا كانت العبادة هي غاية الله من إيجاد خلقه، من جهة أمره ومحبته ورضاه، يحبها منهم، ويكملهم بها.\nيقول ابن القيم: \"ومعلوم أن ترك الإنسان كالبهائم مهملًا معطلًا مضاد للحكمة، فإنه خلق لغاية كماله، وكماله أن يكون عارفًا بربه، محبًا له، قائمًا بعبوديته، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].\nفهذه المعرفة وهذه العبودية هما غاية الخلق والأمر، وهما أعظم كمال الإنسان، والله تعالى من عنايته به ورحمته له عرضه لهذا الكمال، وهيأ له أسبابه الظاهرة والباطنة ومكنه منها\" (^٢).\nفالأمر بالعبادة وقيام الخلق بها هو غاية كمالهم، وبه تظهر وتتجلى آثار أسمائه وصفاته سبحانه؛ إذ هذا هو مقتضى الاتصاف بالكمال، والتنزه عن النقص (^٣).\nيقول الإمام ابن تيمية في شأن العبادة: \"فهو العمل الذي خلق\n_________\n(^١) تفسير البحر المحيط (٤/ ٣٣٠).\n(^٢) شفاء العليل (ص ٢٢٦).\n(^٣) انظر: المصدر نفسه (ص ٢٥٧).","vol":"1","page":161},{"text":"العباد له؛ أي: هو الذي يحصل كمالهم وصلاحهم الذي به يكونون مرضيين محبوبين، فمن لم تحصل منه هذه الغاية كان عادمًا لما يحب ويرضى، ويراد له الإرادة الدينية التي فيها سعادته ونجاته\" (^١).\nوقال -﵀-: \"فالغاية الحميدة التي بها يحصل كمال بني آدم، وسعادتهم، ونجاتهم عبادة الله وحده، وهي حقيقة قول القائل: لا إله إلا الله\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"وجماع الصلاح للآدميين هو طاعة الله ورسوله، وهو فعل ما ينفعهم وترك ما يضرهم، والفساد بالعكس، فصلاح الشيء هو حصول كماله الذي به تحصل سعادته، وفساده بالعكس، والخلق صلاحهم وسعادتهم في أن يكون الله هو معبودهم الذي تنتهي إليه محبتهم وإرادتهم، ويكون ذلك غاية الغايات، ونهاية النهايات، فعبادته هي الغاية التي فيها صلاحهم\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-50> المسألة الرابعة* أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nتضافرت أقوال أهل العلم -﵏- في اعتماد هذه القاعدة والتدليل عليها، بل واعتبروها من الأصول العظيمة لهذا الدين، وفيما يأتي أنقل بعض ما وقفت عليه من أقوالهم:\nقال الإمام الشافعي -﵀-: \"خلق الله الخلق لعبادته\" (^٤).\nويقول الإمام ابن تيمية: \"والعبادة: هي الغاية التي خلق الله لها العباد؛ من جهة أمر الله، ومحبته، ورضاه كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٨/ ١٨٩).\n(^٢) الجواب الصحيح (٦/ ٢٩).\n(^٣) انظر: درء التعارض (٩/ ٣٧٢ - ٣٧٣)، ومجموع الفتاوى (١٠/ ٥٤٥).\n(^٤) انظر: معرفة السُنن والآثار للبيهقي (٦/ ٤٩١)، وأحكام القرآن للشافعي (٢/ ٣).","vol":"1","page":162},{"text":"الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] \" (^١).\nويقول الإمام ابن القيم: \"فالعبادة هي الغاية التي خلق لها الجن والإنس والخلائق كلها\" (^٢).\nوقال الإمام ابن كثير: \"ومعنى الآية: أنه ﵎ خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له\" (^٣).\nويقول المقريزي (^٤): \"فالعبادة هي التي ما وجدت الخلائق كلها إلا لأجلها\" (^٥).\nويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن: \"ومعنى الآية: أن الله تعالى أخبر أنه ما خلق الجن والإنس إلا لعبادته، فهذا هو الحكمة في خلقهم. قلت: وهي الحكمة الشرعية الدينية\" (^٦).\nويقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: \"وأهم ما يبدأ به في التعليم هو معرفة أصول الدين وقواعد الإسلام، التي لا يحصل بدونها، ولا يستقيم بناؤه إلا عليها، لا سيما معرفة ما دلت عليه كلمة التوحيد، شهادة أن لا إله إلا الله، من الإيمان باللّه ومعرفته وتوحيده، بإخلاص العبادة بأنواعها له سبحانه، والبراءة من كل معبود سواه، والقيام بذلك علمًا وعملًا.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٠/ ١٩).\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ٩٨).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٣٩).\n(^٤) هو: أحمد بن علي بن عبد القادر أبو العباس الحسيني العبيدي تقي الدين المقريزي، مؤرخ الديار المصرية، أصله من بعلبك، ونسبته إلى حارة المقارزة، المصري مولدًا ووفاة، ولد عام ٧٦٦ هـ، كان إمامًا بارعًا مفننًا متقنًا ضابطًا دينًا خيرًا، محبًا لأهل السُّنَّة، يميل إلى الحديث والعمل به، مات في القاهرة عام ٨٤٥ هـ، مؤلفاته قيمة تدل على مقدرة علمية وتاريخية وسعة أفق، منها: تجريد التوحيد المفيد، والذهب المسبوك في ذكر من حج من الخلفاء والملوك. [ترجمته في: النجوم الزاهرة (١٥/ ٤٩١)، والأنس الجليل (١/ ١٦)، والبدر الطالع (١/ ٧٩)].\n(^٥) تجريد التوحيد المفيد (ص ٦٠).\n(^٦) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص ١٥).","vol":"1","page":163},{"text":"فإن هذا هو أصل الدين وقاعدته، وهو الحكمة التي لأجلها خلقت الخليقة، وشرعت الطريقة، وأرسلت لأجلها الرسل، وبها أنزلت الكتب؛ وجميع أحكام الأمر والنهي تدور عليها، وترجع إليها\" (^١).\nوقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ (^٢) عقب ذكره لبعض تقريراته في العبادة: \"فهذه هي: الحكمة الشرعية الدينية، والأمر المقصود في إيجاد البرية\" (^٣).\nويقول الشيخ السعدي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾: \"هذه الغاية التي خلق الله الجن والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته المتضمنة لمعرفته، ومحبته، والإنابة إليه، والإقبال عليه، والإعراض عما سواه\" (^٤).\nويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: \"وهذا الحكم من أعدل الأحكام، وأوضحها، وأظهرها حكمة، وذلك أن الله جلَّ وعلا خلق الخلق ليعبدوه، ويوحدوه، وأوضحها، وأظهرها حكمة، وذلك أن الله جلَّ وعلا خلق الخلق ليعبدوه، ويوحدوه، ويمتثلوا أوامره، ويجتنبوا نواهيه\" (^٥).\n_________\n(^١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١٤/ ١٩٩).\n(^٢) هو: محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فقيه حنبلي، من علماء آل الشيخ بنجدن مولده عام ١٢٨٦ هـ بالرياض، وتفقه بها، ورحل إلى عمان وقطر ثم إلى اليمن، وعينه الملك عبد العزيز قاضيًا لشقرى، فأقام بها مدة طويلة، ثم انتقل إلى الرياض فاشتغل بالعلم ونشره، وجمع مكتبة كبيرة احتوت على جملة من النفائس، له رسائل في الدعوة إلى التوحيد، ونصائح الإخوان أهل البادية؛ منها: (الدعوة إلى حقيقة الدين)، وتوفي بالرياض عام ١٣٦٧ هـ. [انظر ترجمته في: الأعلام (٦/ ٢١٨)].\n(^٣) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١/ ٥٦٧).\n(^٤) تفسير السعدي (ص ٨١٣).\n(^٥) أضواء البيان (٣/ ٣٠).","vol":"1","page":164},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-51> المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nلقد تضمنت القاعدة العديد من الفوائد أستعرض ما ظهر لي من ذلك فيما يلي:\nأولًا: اتصافه تعالى بالعلم الشامل المحيط لكل ما في الكون، وبالحكمة الباهرة الجليلة، إذ هو سبحانه لا يفعل شيئًا عبثًا، ولا لعبًا، ولا سدى بدون حكمة ولا غاية، وإنما له سبحانه في جميع خلقه وأمره، وقضائه وقدره: الغاية الباهرة العظيمة، والحكمة البالغة الجليلة، التي تقصر العقول عن الإحاطة بكنهها وحقيقتها، وتعجز الألسن عن الإفصاح بأسرارها ومكنوناتها.\nقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥].\nوقال -﷿-: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ [القيامة: ٣٦].\nيقول الإمام الشافعي: \"لا يؤمر ولا ينهي\" (^١).\nوقال تعالى في وصف المؤمنين: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩١].\nوقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ [ص: ٢٧].\nوقال -﷿-: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥)﴾ [القمر: ٥].\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وما خلق الخلق باطلًا ولا فعل شيئًا عبثًا، بل هو الحكيم في أفعاله وأقواله -سبحانه وتعالي-، ثم حكمته ما أطلع بعض خلقه\n_________\n(^١) الأم (٧/ ٢٩٨).","vol":"1","page":165},{"text":"عليه، ومنه ما استأثر سبحانه بعلمه\" (^١).\nويقول العلامة ابن القيم: \"إنه سبحانه حكيم، لا يفعل شيئًا عبثًا، ولا لغير معنى ومصلحة، وحكمة هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة، لأجلها فعل كما فعل، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل\" (^٢).\nويقول -﵀- أيضًا: \"وإن حكمته حكمة حق عائدة إليه، قائمه به كسائر صفاته، وليست عبارة عن مطابقة علمه لمعلومه، وقدرته لمقدوره، كما يقوله نفاة الحكمة الذين يقرون بلفظها دون حقيقتها، بل هي أمر وراء ذلك، وهي الغاية المحبوبة له المطلوبة، التي هي متعلق محبته وحمده، ولأجلها خلق فسوى، وقدر فهدى، وأحيى وأسعد وأشقى، وأضل وهدى، ومنع وأعطى، وهذه الحكمة هي الغاية، والفعل وسيلة إليها، فإثبات الفعل مع نفيها إثبات للوسائل ونفي للغايات، وهو محال؛ إذ نفي الغاية مستلزم لنفي الوسيلة، فنفي الوسيلة وهي الفعل لازم لنفي الغاية، وهي الحكمة، ونفي قيام الفعل والحكمة به نفي لهما في الحقيقة؛ إذ فعل لا يقوم بفاعله، وحكمة لا تقوم بالحكيم شيء لا يعقل، وذلك يستلزم إنكار ربوبيته وإلهيته\" (^٣).\nثانيًا: لا يخفى أن المقصود من العبادة في القاعدة هي العبادة التي سبقتها معرفة العبد بربه ﵎، وما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى، وعليه فلا تعتبر العبادة مع الجهل بالمعبود، وبما له من الأسماء العليا، والصفات الحميدة.\nيقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: \"هذه الغاية التي خلق الله الجن\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٨/ ١٩٧).\n(^٢) شفاء العليل (ص ١٩٠)، وانظر: مدارج السالكين (١/ ٤٠٧).\n(^٣) طريق الهجرتين (ص ١٦١).","vol":"1","page":166},{"text":"والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته المتضمنة لمعرفته، ومحبته، والإنابة إليه، والإقبال عليه، والإعراض عما سواه، وذلك متوقف على معرفة الله تعالى؛ فإن تمام العبادة متوقف على المعرفة بالله، بل كلما ازداد العبد معرفة بربه كانت عبادته أكمل، فهذا الذي خلق الله المكلفين لأجله، فما خلقهم لحاجة منه إليهم\" (^١).\nثالثًا: تضمنت القاعدة الدلالة على وجوب صرف العبادة لله تعالى وحده دون غيره من الخلق؛ لأن القاعدة نصت على أن العبادة هي غاية الله من خلقه، وأخبر الله الخلق بهذه الغاية، فدل ذلك على وجوب عبادته -سبحانه وتعالي-، وإلا لما كانوا محققين لما خلقوا من أجله، فإخباره دال على أن هذا هو الغاية من الخلق، ودال في نفس الوقت على أمرهم بعبادته سبحانه وحده لا شريك له، وهو أمر عام لجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم كما سيأتي إيضاحه.\nرابعًا: دلت القاعدة على صحة مذهب أهل السُّنَّة والجماعة من كون العبادات غايات ووسائل؛ إذ هي في نفسها غاية بالنسبة للعبد، كما أنها وسائل لرضا الله تعالى، ودخول جنته، وذلك بخلاف قول الفلاسفة والباطنية وغلاة أهل البدع من الرافضة والصوفية، كما نقل ذلك عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-؛ فإنَّهم قرروا أن العبادات التي أمرت بها الرسل مقصودها إصلاح أخلاق النفس لتستعد للعلم الذي زعموه بأنه كمال النفس، فيجعلون العبادات وسيلة محضة إلى ما يدعونه من العلم، ولهذا يرون سقوط العبادة عمن تحصل على هذا العلم المزعوم، ولا شك في بطلان هذا المذهب وفساده، ومعارضته الظاهرة للنصوص المصرحة بخلافه، وهو خلاف ما قرره أهل السُّنَّة من أن العبادة غاية عظيمة كما أنها وسيلة في ذاتها إلى رحمة الله ورضوانه.\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٨١٣).","vol":"1","page":167},{"text":"يقول الإمام ابن تيمية: \"والمقصود هنا التنبيه على أنه لو قدر أن النفس تكمل بمجرد العلم كما زعموه؛ مع أنه قول باطل، فإن النفس لها قوتان؛ قوة علمية نظرية، وقوة إرادية عملية، فلا بد لها من كمال القوتين؛ بمعرفة الله وعبادته، وعبادته تجمع محبته، والذل له، فلا تكمل نفس قط إلا بعبادة الله وحده لا شريك له.\nوالعبادة تجمع معرفته ومحبته والعبودية له، بهذا بعث الله الرسل، وأنزل الكتب الإلهية كلها تدعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وهؤلاء يجعلون العبادات التي أمرت بها الرسل مقصودها إصلاح أخلاق النفس؛ لتستعد للعلم الذي زعموا أنه كمال النفس، أو مقصودها إصلاح المنزل والمدينة، وهو الحكمة العملية، فيجعلون العبادات وسائل محضة إلى ما يدعونه من العلم؛ ولذلك يرون هذا ساقطًا عمن حصل المقصود كما تفعل الملاحدة الإسماعيلية، ومن دخل في الإلحاد أو بعضه، وانتسب إلى الصوفية، أو المتكلمين، أو الشيعة، أو غيرهم\" (^١).\nولا ينكر كون العلم والمعرفة أصل للعبادة، وبدون العلم النظري المستقر في القلب لا تنفع العبادات العملية، وعليه يكون كل من العلم والعبادة غاية مقصودة لله ﵎ وذلك لتلازمهما أبدًا.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وليست عبادته مجرد الأعمال البدنية، بل أصل العبادة: معرفته، وكمال محبته، وكمال تعظيمه، وهذه الأمور تصحبه في الدار الآخرة.\nفكل من النظر والعمل مأمور به مقصود للشارع، وكل منهما معين للآخر وشرط في حصول المقصود بالآخر، فإن الناظر مع سوء قصده وهواه لا يحصل له المطلوب لا من العلم ولا من العمل.\nوالعابد مع فساد نظره لا يحصل له المقصود لا من العلم ولا من\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٩/ ١٣٦).","vol":"1","page":168},{"text":"العمل، بل كلاهما واجب لنفسه وشرط للآخر فلا بد من سلوك الطريقين معًا\" (^١).\nخامسًا: سبق وأن بيَّنت معنى العبادة في القاعدة، وهي إفراده سبحانه بالتوحيد والانقياد له بطاعته وطاعة رسله، وإخلاص الدين له -سبحانه وتعالي-، وهذا ما دعت إليه جميع الرسل، وهو الغاية من إيجاد الخلف، ودل على ذلك صريح القرآن كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، وهذا هو المذهب الحق في تفسير هذه الآية، لكن للسلف أقوالًا كثيرةً في تفسير العبادة الواردة في هذه الآية، وقد ذكرها الإمام ابن تيمية -﵀- في مصنفاته متعقبًا لكثير منها، ومناقشًا لأدلتها، وفيما يلي تلخيص هذه الأقوال، مع بيان ما فيها من قوة أو ضعف، مستعينًا في ذلك بكلام الشيخ -﵀- وغيره من أهل العلم. فأقول يمكن إجمال هذه الأقوال فيما يلي:\nالأول: قول جمهور المسلمين، الذين فسروا العبادة بما ذكرناه في معنى القاعدة، وأنها إفراده سبحانه بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله، فهذه هي العبادة التي هي غاية الله من إيجاد الخليقة كلها؛ وهي المقصود الأعظم من إيجاد الخلق وإرسال الرسل (^٢).\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وهو الذي عليه جمهور المسلمين: أن الله خلقهم لعبادته، وهو فعل ما أمروا به؛ ولهذا يوجد المسلمون قديمًا وحديثًا يحتجون بهذه الآية على هذا المعنى حتى في وعظهم وتذكيرهم وحكاياتهم\" (^٣).\nقال الربيع بن أنس (^٤): ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾؛ \"أي: إلا\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٢٦٨).\n(^٢) انظر: التفسير الكبير (٢٨/ ١٩٨).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٨/ ٥١ - ٥٢).\n(^٤) الربيع بن أنس بن زياد البكري البصري ثم الخراساني، عالم مرو في زمانه، توفي سنة (٢٣٩ هـ)، روى عن أنس بن مالك وأبي العالية، قال العجلي: صدوق، وقال =","vol":"1","page":169},{"text":"للعبادة\" (^١).\nوالمعنى: أن الله خلقهم ليعبدوه ففعل بعضهم، وقام بالعبادة، وترك البعض فلم يعبد الله (^٢).\nالثاني: وهو مروي عن علي بن أبي طالب (^٣)، ومجاهد أيضًا؛ قال: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾؛ \"أي: إلا لآمرهم بعبادتي؛ فيعبدني من وفقته منهم لعبادتي دون غيره\" (^٤).\nفعبر عن الأمر والإيجاب بالعبادة، وهي ثمرته ومقتضاه.\nويمكن توجيه هذا القول بأن فعل العبادة هو الغاية من الخلق، ولكن هذه العبادة لا تحصل ولا تصح إلا بأمره سبحانه الشرعي الديني، فصارت العبادة مشروطة وجودًا واعتبارًا بورود الأمر بها من الله تعالى.\nولذا جاء البيان من الله تعالى بأن عبادته -سبحانه وتعالي- هي غاية الأمر كما أنها غاية الخلق، فقال -سبحانه وتعالي-: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١].\nيقول ابن القيم: \"فهذه المعرفة وهذه العبودية هما غاية الخلق والأمر\" (^٥).\n_________\n= أبو حاتم: صدوق، وهو أحب إليّ في أبي العالية، وقال النسائي: ليس به بأس. توفي سنة ١٣٩ هـ، وقيل: ١٤٠ هـ. [انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (٦/ ١٦٩)، وتهذيب التهذيب (٣/ ٢٣٨)].\n(^١) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٣٩)، وانظر: درء التعارض (٨/ ٤٧٨).\n(^٢) انظر: صحيح البخاري (٤/ ١٨٣٧).\n(^٣) هو: علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي، ابن عمر رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، أول الناس إسلامًا على قول الأكثر، ولد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح، فتربى في حجر رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، ولم يفارقه، وشهد معه المشاهد كلها إلا غزوة تبوك، وزوّجه النبي -صلي الله عليه وسلم- ابنته فاطمة -﵂-، ومناقبه -﵁كثيرة، توفي سنة ٤٠ هـ. [انظر ترجمته في: الاستيعاب (٣/ ٢٦)، والإصابة (٢/ ٥٠١)].\n(^٤) انظر: تفسير السمعاني (٥/ ٢٦٤)، وتفسير البغوى (٤/ ٢٣٥).\n(^٥) شفاء العليل (ص ٢٦٦).","vol":"1","page":170},{"text":"الثالث: قول طائفة من السلف، وافقوا الجمهور في معنى العبادة المراد من القاعدة، لكن قالوا هي مخصوصة بمن وقعت منه العبادة، فمن وجدت منه العبادة فهو مخلوق لها ومن لم توجد منه فليس مخلوقًا لها، فالغاية من إيجاد الخلق التي هي عبادة الله تعالى حاصلة بفعل السعداء منهم.\nقال سعيد بن المسيب (^١): \"ما خلقت من يعبدني إلا ليعبدني\" (^٢). وقال الضحاك (^٣): \"هذا خاص لأهل طاعته\" (^٤).\nوقال البخاري في معنى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾: \"ما خلقت أهل السعادة من أهل الفريقين إلا ليوحدون\" (^٥).\nفهؤلاء قالوا: الآية بمعنى الخصوص لا العموم لأن البله والأطفال والمجانين لا يدخلون تحت الخطاب، وإن كانوا من الإنس، وكذلك الكفار يخرجون من هذا الخطاب بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، فمن خلق للشقاء ولجهنم لم يخلق للعبادة.\nومال إليه الشيخ يحيى بن أبي الخير العمراني (^٦) بعد أن ذكر في\n_________\n(^١) هو: سعيد بن المسيب بن حَزْن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ القرشي المخزومي الإمام، عالم أهل المدينة، وسيد التابعين في زمانه، ولد لسنتين من خلافة عمر -﵁-. توفي -﵀- سنة ٩٤ هـ. [انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (٤/ ٢١٧)].\n(^٢) انظر: زاد المسير، لابن الجوزي (٨/ ٤٢).\n(^٣) هو: أبو محمد الضحاك بن مزحم الهلالي، أحد أوعية العلم، إمام في التفسير، توفي -﵀- سنة ١٠٥ هـ، وقيل: ١٠٦ هـ. [انظر ترجمته: طبقات ابن سعد (٦/ ٣٠٠)، وسير أعلام النبلاء (٤/ ٥٩٨ - ٦٠٠)].\n(^٤) انظر: زاد المسير (٨/ ٤٢)، وهو قول سفيان وابن قتيبة [انظر: تفسير الطبري (٢٧/ ١٢)].\n(^٥) صحيح البخاري (٤/ ١٨٣٧)، وهو قول الفراء [انظر: فتح الباري لابن حجر (٨/ ٦٠٠)].\n(^٦) هو: يحيى بن أبي الخير بن سالم بن أسعد بن يحيى أبو الخير العمراني اليماني، =","vol":"1","page":171},{"text":"الآية ثلاثة أقوال، فقال مقررًا ومرجحًا له: \"والثالث: أن لفظه لفظ العموم والمراد به الخصوص، وأراد بذلك الذين هداهم ووفقهم لطاعته وعبادته؛ يدل على هذا شيئان؛ أحدهما: أن فيهم الأطفال، والمجانين، ومن خرج من عموم الآية، والثاني: أنه قال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، فأخبر بهذه الآية أنه خلق كثيرًا منهم لجهنم، ومن خلقه الله لجهنم لم يخلقه للعبادة، والقرآن لا يتناقض، بل يؤيد بعضه بعضًا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]، ولا ينتفي عنه الاختلاف إلا إذا حملت الآيتان على ما ذكرنا\" (^١).\nوقد بيَّن الإمام ابن تيمية ضعف هذا القول من وجوه عديدة أذكرها باختصار مع بعض التصرف فيما يلي (^٢):\nأولًا: أن قصد العموم ظاهر في الآية، وبيِّن بيانًا لا يحتمل النقيض؛ إذ لو كان المراد المؤمنين فقط لم يكن فرق بينهم وبين الملائكة؛ فإن الجميع قد فعلوا ما خلقوا له، بل الطاعة والعبادة وقعت من الملائكة دون كثير من الإنس والجن.\nثانيًا: وأيضًا فإن سياق الآية يقتضي أن هذا ذم وتوبيخ لمن لم يعبد الله منهم؛ لأن الله خلقه لشيء فلم يفعل ما خلق له، ولهذا عقبها\n_________\n= ولد سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وكان شيخ الشافعية ببلاد اليمن، وكان إمامًا زاهدًا ورعًا عالمًا خيرًا، عارفًا بالفقه وأصوله، معتقدًا لعقيدة السلف، وكان يحفظ المهذب عن ظهر قلب، وكان صاحب ذكر وتعبد، توفي سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، من تصانيفه: البيان في نحو عشر مجلدات، وكتاب الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار ينصر فيه عقيدة السلف، وغيرها كثير، مات -﵀- مبطونًا، وما ترك فريضة في جملة مرضه. [انظر ترجمته في: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٣٢٧ - ٣٢٨)، وشذرات الذهب (٤/ ١٨٥ - ١٨٦)].\n(^١) الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (٢/ ٤٣٦).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٤٠ - ٤٤).","vol":"1","page":172},{"text":"بقوله: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ [الذاريات: ٥٧]، فإثبات العبادة ونفي الرزق والإطعام يبين أنه خلقهم للعبادة، ولم يرد منهم ما يريده السادة من عبيدهم من الإعانة لهم بالرزق والإطعام.\nثالثًا: القول بأنها للمؤمنين فقط يجعل هذا كالعذر لمن لا يعبده ممن ذمه الله ووبخه، وغايته يقول: أنت لم تخلقني لعبادتك وطاعتك، ولو خلقتني لها لكنت عابدًا، وإنما خلقت هؤلاء فقط لعبادتك، وأنا خلقتني لأكفر بك، وأشرك بك، وقد فعلت ما خلقتني له، كما فعل أولئك المؤمنون ما خلقتهم له، فهذا مما يلزم هذا القول وكلام الله منزه عن هذا.\nالرابع: قول من قال الآية على عمومها؛ لكن المراد بالعبادة تعبيده لهم، وقهره لهم، ونفوذ قدرته ومشيئته فيهم، وأنه صيرهم إلى ما خلقهم له من السعادة والشقاوة.\nوعن زيد بن أسلم (^١) في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] \"قال: ما جبلوا عليه من الشقاء والسعادة\" (^٢).\nوقيل: \"جبلهم على الطاعة وجبلهم على المعصية\" (^٣).\nفالمؤمن مطيع ومنقاد باختياره، والكافر مذعن منقاد لقضاء ربه وقدره، جبرًا وقصرًا (^٤).\n_________\n(^١) هو: الإمام الحجة أبو عبد الله زيد بن أسلم العدوي العمري المدني الفقيه العامل بعلمه، كان له حلقة للعلم في مسجد الرسول -صلي الله عليه وسلم-، وله تفسير رواه عنه ابنه عبد الرحمن، توفي عام ١٣٦ هـ. [انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ (١/ ١٣٢ - ١٣٣)، والتقريب (ص ٣٥٠)].\n(^٢) تفسير الطبري (٢٧/ ١١).\n(^٣) انظر: درء التعارض (٨/ ٤٨٠)، وهو مروي عن وهب بن منبه.\n(^٤) الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم (٣/ ٨٠).","vol":"1","page":173},{"text":"وهذا معنى صحيح في نفسه، فلا يخرج أحد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور، ولكن قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ لم يرد به هذا المعنى الذي ذهبوا إليه، وحاموا حوله من أن المخلوقات كلها تحت مشيئته وقهره وحكمه. وبيان ذلك:\nأولًا: أن نفاذ المشيئة في الخلق ليس هو العبادة، فإن جميع المخلوقات حتى البهائم والجمادات بهذه المنزلة.\nثانيًا: أن لفظ العبادة في عامة سور القرآن لا يراد به هذا المعنى.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فهذا ونحوه كثير في القرآن؛ لم يرد بعبادة الله إلا العبادة التي أمرت بها الرسل؛ وهي عبادته وحده لا شريك له، والمشركون لا يعبدودن الله، بل يعبدودن الشيطان، وما يدعونه من دودن الله؛ سواء عبدوا الملائكة، أو الأنبياء والصالحين، أو التماثيل والأصنام المصنوعة، فهؤلاء المشركودن قد عبدوا غير الله تعالى كما أخبر الله بذلك؛ فكيف يقال: أن جميع الإنس والجن عبدوا الله لكون قدر الله جاريًا عليهم، والفرق ظاهر بين عبادتهم إياه التي تحصل بإرادتهم، واختيارهم، وإخلاصهم الدين له، وطاعة رسوله، وبين أن يُعَبِّدَهُم هو وَيُنْفِذ فيهم مشيئته، وتكودن عبادتهم لغيره، للشيطان، وللأصنام من المقدور\" (^١).\nثالثًا: أن قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ يقتضي فعلًا يفعلونه هم، وكونه يَرُبُّهم ويخلقهم، وينفذ فيهم مشيئته ليس إلا فعله ليس في ذلك فعل لهم.\nالخامس: قول السدي (^٢): \"من العبادة ما ينفع ومنها ما لا ينفع،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٧).\n(^٢) هو: الإمام المفسر أبو محمد إسماعيل بن عبد الرحمن، الحجاز ثم الكوفي، أحد موالي قريش، توفي سنة ١٢٧ هـ. [الطبقات الكبرى (٦/ ٣٢٣)، سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٦٤)].","vol":"1","page":174},{"text":"﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، هذا منهم عبادة وليس ينفعهم مع الشرك\" (^١).\nلكن هذا أيضًا ضعيف؛ لأن المشركين لا يعبدون الله بل يعبدون الشيطان، وما يدعونه من دون الله؛ سواء عبدوا الملائكة، أو الأنبياء والصالحين، أو التماثيل، كما أخبر الله بذلك، فالمشرك يعبد الشيطان وما عدل به الله ولا يعبد الله، ولا يسمى مجرد الإقرار بالصانع عبادة لله مع الشرك بالله (^٢)، ولكن يقال كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦]، فإيمانهم بالخالق مقرون بشركهم به، فعبادة المشركين وإن جعلوا جزءًا منها لله فإن الله لا يقبل منها شيئًا، بل كلها لمن أشركوه، فلا يكونون قد عبدوا الله سبحانه.\nالسادس: قول مجاهد في قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾: قال: \"إلا ليعرفون\" (^٣).\nوهذا المعنى صحيح، وكونه إنما عرف بخلقهم يقتضي أن خلقهم شرط في معرفتهم، لا يقتضي أن يكون ما حصل لهم من المعرفة هو الغاية التي خلقوا لها، فهذه المعرفة هي من إقرارهم العام الذي هم فيه مشركون، وليست هي العبادة التي هي غاية الله من خلقه (^٤).\nالسابع: معنى العبادة في الآية هو الاستعداد الفطري لها، الذي فطر الله النفوس عليه؛ فجعل لهم عقولًا وحواسًا وقلوبًا منقادة نحو العبادة، فباعتبار استعدادهم الفطري للعبادة وتمكنهم التام منها جعل خلقهم مغيًا بها، وهذا كما تقول: البقر مخلوقة للحرث، والخيل\n_________\n(^١) رواه ابن أبي حاتم. انظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٢٣٩)، وفتح الباري (٨/ ٦٠٠).\n(^٢) لمزيد من الإيضاح انظر قاعدة: (العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد) (ص ٣١٩).\n(^٣) انظر: تفسير الثعلبي (٩/ ١٢٠).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٨/ ٥٠ - ٥١) بتصرف.","vol":"1","page":175},{"text":"للحرب، وقد يكون منها ما لا يحارب به أصلًا، فالمعنى: أن الإعداد في خلق هؤلاء إنما هو للعبادة (^١).\nوهذا المعنى صحيح، لكن لفظ يعبدون كما سبق يقتضي فعلًا منهم، وكونهم معدين ومهيئين للعبادة هو فعل الله بهم لا فعلهم، ثم إن الملائكة قد طبعت نفوسهم على العبادة، وانقطعت عنهم أسباب الانحراف، بحيث لا تقع منهم معصية على الإطلاق، فهم أولى بهذا الوصف من سائر الإنس والجن، كما أن لام الغاية قد دلت على آخر الشي ونهايته في أمر الخلق، والفطرة إنما تكون مع ابتداء الخلق.\nالثامن: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾: إلا ليوحدون؛ فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء، وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء، بيانه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ [العنكبوت: ٦٥] (^٢).\nوهذا ضعيف أيضًا، فإن المشرك إذا أخلص الدعاء في حال الشدة دون الرخاء فلا يسمى موحدًا هكذا بإطلاق، فإن التوحيد المطلق هو الذي لا يقارنه الشرك، وإخلاص هذا الكافر إنما هو في حال شدته فقط، فهو إخلاص وتوحيد مقيد، إذ هم لا يثبتون على التوحيد بل يسارعون إلى الشرك في حال الأمن والرخاء، ولا يعتبر عابدًا موحدًا لله إلا من ثبت على التوحيد والعبادة.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"نفي العبادة مطلقًا ليس هو نفي لما قد يسمى عبادة مع التقييد، والمشرك إذا كان يعبد الله ويعبد غيره فيقال: إنه\n_________\n(^١) تفسير أبي السعود (٣/ ٢٩٥)، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية (٥/ ١٨٣).\n(^٢) معالم التنزيل للبغوي (٤/ ٢٣٥)، والجامع لأحكام القرآن (١٧/ ٥٦)، وهو مروي عن الكلبي.","vol":"1","page":176},{"text":"يعبد الله وغيره، أو يعبده مشركًا به، لا يقال: إنه يعبد مطلقًا\" (^١).\nوقال ابن القيم: \"لأن من عبد غير الله لم يكن ثابتًا على عبادة الله، موصوفًا بها، فتأمل هذه النكتة البديعة كيف تجد في طيها أنه لا يوصف بأنه عابد الله وعبده المستقيم علي عبادته إلا من انقطع إليه بكليته، وتبتل إليه تبتيلًا، لم يلتفت إلى غيره، ولم يشرك به أحدًا في عبادته، وأنه وإن عبده وأشرك به غيره فليس عابدًا لله ولا عبدًا له\" (^٢).\nوقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب-: عن عبادة المشركين-: \"وأما عبادته سبحانه بالإخلاص دائمًا في الشدة والرخاء فلا يعرفونها وهي نتيجة الإلهية\" (^٣).\nهذا ما وقفت عليه من أقوال أهل العلم في تفسير معنى الآية، والذي يترجح من هذه الأقوال، وعليه جملة من المحققين؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والصنعاني، والشوكاني، والشنقيطي، وغيرهم هو الأول، وقريبًا منه الثاني، فإن العبادة لا توجد بدون الأمر من الله تعالى.\nوبهذا يظهر أن العبادة الشرعية هي الغاية من خلق الخلق وعلى ذلك تكون الإرادة التي دلت عليها اللام في قوله: ﴿لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾. إرادة دينية شرعية، إذ هي الأصل في إيجاد المخلوق، وهي لا تقتضي وجود المراد.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"إن الله إنما خلق الجن والإنس ليعبدوه، فإن هذا هو الغاية التي أرادها منهم بأمره، وبها يحصل محبوبه، وبها تحصل سعادتهم ونجاتهم، وإن كان منهم من لم يعبده ولم يجعله عابدًا له، إذ كان في ذلك الجعل تفويت محبوبات أخر هي أحب إليه من عبادة\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٦/ ٥٧٤).\n(^٢) بدائع الفوائد (١/ ١٤٤).\n(^٣) الدرر السنية (٢/ ٦٥).","vol":"1","page":177},{"text":"أولئك، وحصول مفاسد أخر هي أبغض إليه من معصية أولئك\" (^١).\nويقول -﵀- عند كلامه على أنواع الإرادة: \"ولهذا كانت الأقسام أربعة:\nأحدها: ما تعلقت به الإرادتان؛ وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فإن الله أراده إرادة دين وشرع فأمر به، وأحبه، ورضيه، وأراده إرادة كون فوقع، ولولا ذلك لما كان.\nوالثاني: ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط؛ وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة فعصى ذلك الأمر الكفار والفجار، فتلك كلها إرادة دين، وهو يحبها ويرضاها لو وقعت ولو لم تقع.\nوالثالث: ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط؛ وهو ما قدره وشاءه من الحوادت التي لم يأمر بها؛ كالمباحات، والمعاصي، فإنه لم يأمر بها، ولم يرضها، ولم يحبها، إذ هو لا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولولا مشيئته وقدرته وخلقه لها لما كانت ولما وجدت؛ فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.\nوالرابع: ما لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه، فهذا ما لم يكن من أنواع المباحات والمعاصي، وإذا كان كذلك فمقتضى اللام في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، هذه الإرادة الدينية الشرعية، وهذه قد يقع مرادها وقد لا يقع، والمعنى: أن الغاية التي يحب لهم ويرضى لهم، والتي أمروا بفعلها هي العبادة، فهو العمل الذي خلق العباد له؛ أي: هو الذي يحصل كمالهم وصلاحهم الذي به يكونون مرضيين محبوبين، فمن لم تحصل منه هذه الغاية كان عادمًا لما يحب ويرضى ويراد له الإرادة الدينية، التي فيها سعادته ونجاته، وعادمًا لكماله وصلاحه العدم المستلزم فساده وعذابه\" (^٢).\n_________\n(^١) درء التعارض (٨/ ٤٧٧).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٨/ ١٨٨ - ١٩٠).","vol":"1","page":178},{"text":"ويقول الشيخ عبد الله أبا بطين (^١): \"والإرادة الدينية: أصل في إيجادَ المخلوق، والإرادة الكونية: أصل فيمن كتبت عليه الشقاوة، فلا ييسر إلا لها، ولا يعمل إلا بها، قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩] فهي الإرادة الكونية، وهي لا تعارض الإرادة الدينية، التي هي أصل إيجاد المخلوقات، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] فقد يعبدون وقد لا يعبدون\" (^٢).\nوقال الشيخ الشنقيطي: \"فإرادة عبادتهم المدلول عليها باللام في قوله: ﴿لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾: إرادة دينية شرعية، وهي الملازمة للأمر، وهي عامة لجميع من أمرتهم الرسل لطاعة الله، لا إرادة كونية قدرية؛ لأنَّها لو كانت كذلك لعبده جميع الإنس والجن والواقع خلاف ذلك\" (^٣).\nوبذلك يظهر أن الإرادة الكونية للعبادة غير لازمة على جميع الخلق، وليست هي من مقتضيات اللام في قوله: ﴿لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، بخلاف الدينية؛ إذ هي الأصل في إيجاد البشرية فهي لازمة وداخلة في معنى اللام، ولا يلزم من انتفاء الإرادة الكونية انتفاء الإرادة الدينية؛ فإن تعوق البعض عن الوصول إلى الغاية، مع تعاضد المبادئ، وتآخذ المقدمات الموصلة إليها لا يمنع كونها غاية، كما في قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ [إبراهيم: ١]، ونظائره (^٤).\n_________\n(^١) هو: العالم الجليل عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، من بيت علم وشرف ودين، ولد عام ١١٩٤ هـ، كان آية في العدالة والنزاهة مسددًا في أقضيته مشتهرًا بفراسته، له من المؤلفات، مختصر بدائع الفوائد، ومختصر إغاثة اللهفان، تأسيس التقديس، توفي عام ١٢٨٢ هـ. [مقدمة كتاب تأسيس التقديس، بتحقيق: الشيخ عبد السلام بن برجس].\n(^٢) الدرر السنية (٢/ ٣٠٦ - ٣٠٧).\n(^٣) أضواء البيان (٧/ ٤٤٥).\n(^٤) انظر: تفسير أبي السعود (٨/ ١٤٤)، وروح المعاني (٢٧/ ٢١).","vol":"1","page":179},{"text":"سادسًا: دلَّت القاعدة كذلك على إبطال قول من زعم بأن خلق آدم -﵇- وجميع ما في الكون كان من أجل النبي محمد -ﷺ-، ورووا في ذلك خبرًا باطلًا موضوعًا وفيه: (ولولا حمد ما خلقتك) (^١).\n_________\n(^١) رواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٦٧٢)، رقم (٤٢٢٨)، والطبراني في المعجم الأوسط (٦/ ٣١٣)، برقم (٦٥٠٢)، والبيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٤٨٩)، كلهم عن عمر بن الخطاب -﵁- وقال: \"تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من هذا الوجه عنه وهو ضعيف\". وقال البخاري: \"ضعفه علي جدًّا\"؛ يعني: ابن المديني الضعفاء الصغير للبخاري (ص ٧١)، وقال فيه الإمام ابن خزيمة: \"وعبد الرحمن بن زيد ليس هو ممن يحتج أهل التثبيت بحديثه؛ لسوء حفظه للأسانيد ... \" صحيح ابن خزيمة (٣/ ٢٣٣). وقال ابن حبان في زيد بن عبد الرحمن: \"لا أدري التخليط منه أو من أبيه؛ لأن أباه ليس بشيء في الحديث\" الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (١/ ٣٠٦). وقال ابن الجوزي: \"عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يروي عن أبيه، ضعفه أحمد، وعلي، وأبو داود، وأبو زرعة، وأبو حاتم الرازي، والنسائي، والدارقطني، وقال ابن حبان: كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك في روايته من رفع المراسيل: وإسناد الموقوف فاستحق الترك\" الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٢/ ٩٥). وقال الإمام ابن تيمية: \"قلت وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف باتفاقهم يغلط كثيرًا\" مجموع الفتاوى (١/ ٢٥٥)، بل الحاكم نفسه قد ضعف عبد الرحمن بن زيد وهذا يدل على تساهله أو غفلته كما بين ذلك الحافظ ابن حجر بقوله: \"والحاكم أجل قدرًا، وأعظم خطرًا، وأكبر ذكرًا من أن يذكر في الضعفاء، لكن قيل في الاعتذار عنه: أنه عند تصنيفه للمستدرك كان في أواخر عمره، وذكر بعضهم أنه حصل له تغير وغفلة في آخر عمره، ويدل على ذلك أنه ذكر جماعة في كتاب الضعفاء له، وقطع بترك الرواية عنهم، ومنع من الاحتجاج بهم، ثم أخرج أحاديث بعضهم في مستدركه وصححها؛ من ذلك أنه أخرج حديثًا لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وكان قد ذكره في الضعفاء، فقال: أنه روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا تخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه، وقال في آخر الكتاب: فهؤلاء الذين ذكرتهم في هذا الكتاب ثبت عندي صدقهم؛ لأنني لا أستحل الجرح إلا مبينًا، ولا أجيزه تقليدًا، والذي أختار لطالب العلم أن لا يكتب حديث هؤلاء أصلًا\". لسان الميزان (٥/ ٢٣٢).\nوقد حكم على الحديث بالضعف أو بالوضع جملة من أهل العلم منهم: الإمام ابن تيمية فقد بين أن هذا الحديث مما أنكر على الحاكم تصحيحه. مجموع الفتاوى (١/ ٢٥٤ - ٢٥٦)، وقال الذهبي في الميزان في ترجمة عبد الله بن مسلم الفهري بأنه روى: \"خبرًا باطلًا فيه: (يا آدم لولا محمد ما خلقتك) ميزان الاعتدال في نقد =","vol":"1","page":180},{"text":"فالله تعالى لم يخلق أحدًا من الإنس والجن من أجل أحد لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا، وإنما خلق الله الخلق من أجل عبادته وحده لا شريك له وطاعة رسله -﵈-.\nوقد بيَّن الشيخ الألباني (^١) ضعف الحديث من جهة المتن؛ لمعارضته لما هو مقرر في الشريعة، ومتفق عليه بين أهل الإسلام في موضعين، فقال: \"الموضع الثاني: قوله في آخره: (ولولا محمد ما\n_________\n= الرجال (٤/ ١٩٩) \". وقال العلامة ابن عبد الهادي في رده على السبكي: \"وإني لأتعجب منه كيف قلد الحاكم فيما صححه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم الذي رواه في التوسل، وفيه قول الله لآدم: (ولولا محمد ما خلقتك)، مع أنه حديث غير صحيح، ولا ثابت بل هو حديث ضعيف الإسناد جدًّا، وقد حكم عليه بعض الأئمة بالوضع، وليس إسناده من الحاكم إلى عبد الرحمن بن زيد بصحيح، بل هو مفتعل على عبد الرحمن كما سنبينه، ولو كان صحيحًا إلى عبد الرحمن لكان ضعيفًا غير محتج به؛ لأن عبد الرحمن في طريقه، وقد أخطأ الحاكم في تصحيحه وتناقض تناقضًا فاحشًا كما عرف له ذلك في مواضع والله أعلم\" الصارم المنكي في الرد على السبكي (ص ٦٠ - ٦١)، وممن ضعف الحديث العلامة الألباني حيث قال: \"وقد اتفق عند التحقيق كلام الحفاظ ابن تيمية والذهبي والعسقلاني على بطلان هذا الحديث، وتبعهم على ذلك غير واحد من المحققين\" التوسل أنواعه وأحكامه (ص ١٠٨)، وللمزيد يراجع: سلسلة الأحاديث الضعيفة (١/ ٨٨/ ٢٥) وما بعدها، والتوسل أنواعه وأحكامه (ص ١٠٥ - ١١٦).\n(^١) هو: أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين بن الحاج نوح الألباني، ولد عام ١٣٣٣ هـ في مدينة (أشقودرة) عاصمة دولة ألبانيا سابقًا، ثم هاجر بصحبة والده إلى دمشق الشام، ثم انتقل إلى المملكة الأردنية، حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة على يد والده، ودرس عليه أيضًا التجويد، والنحو والصرف، وفقه المذهب الحنفي، كما درس على الشيخ سعيد البرهاني، والعلامة بهجة البيطار، وغيرهم، وهو حامل راية الدعوة إلى التوحيد والسُّنَّة في عصرنا، وصاحب المؤلفات العظيمة والتحقيقات القيمة، من أبرزها: إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، وسلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقها وفوائدها، وسلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة، منح جائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية عام ١٤١٩ هـ، توفي بالأردن عام ١٤٢١ هـ. [انظر ترجمته في: (علماء الشام في القرن العشرين) (١٧٣ - ١٨٦)، لمحمد الناصر].","vol":"1","page":181},{"text":"خلقتك) فإن هذا أمر عظيم يتعلق بالعقائد التي لا تثبت إلا بنص متواتر اتفاقًا، أو صحيح عند آخرين، ولو كان ذلك صحيحًا لورد في الكتاب أو السُّنَّة الصحيحة، وافتراض صحته في الواقع مع ضياع النص الذي تقوم به الحجة ينافي قوله ﵎: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، والذكر هنا يشمل الشريعة كلها قرآنا وسُنّة ... وأيضًا فإن الله ﵎ قد أخبرنا عن الحكمة التي من أجلها خلق آدم وذريته، فقال -﷿-: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، فكل ما خالف هذه الحكمة أو زاد عليها لا يقبل إلا بنص صحيح عن المعصوم -ﷺ- كمخالفة هذا الحديث الباطل\" (^١).\nومثله حديث: (لولاك ما خلقت الأفلاك) (^٢) فإنَّه حديث موضوع، وقد جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية تعقيبًا على من صحح معنى الحديث: \"بل هو باطل لفظًا ومعنى، فإن الله تعالى إنما خلق الخلق ليعبدوه، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾، ولم يثبت حديث عن النبي -صلي الله عليه وسلم- يدل على أن الخلق خلقوا من أجله لا الأفلاك ولا غيرها من المخلوقات، ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢] \" (^٣).\nوقال الشيخ محمد جمال الدين القاسمي (^٤): \"ومما هو جدير\n_________\n(^١) التوسل أنواعه وأحكامه (ص ١١٦).\n(^٢) ذكره العجلوني في كشف الخفاء (٢/ ٢١٤)، وذكره الشوكاني في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة (ص ٣٢٦)، وحكم عليه الألباني بأنه: موضوع. انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة (١/ ٤٥٠) برقم (٢٨٢).\n(^٣) انظر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، جمع وترتيب أحمد بن عبد الرزاق الدويش (١/ ٤٦٥).\n(^٤) هو: جمال الدين (أو محمد جمال الدين) بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق، ولد سننة ١٢٨٣ هـ، إمام الشام في عصره مولده ووفاته في دمشق. كان سلفي العقيدة =","vol":"1","page":182},{"text":"بالعناية قصص المولد النبوي الذي اشتمل على كثير من الخيال الشعري، والأحاديث التي وضعها المطرون الغلاة كحديث: (لولاك ما خلقت الأفلاك) \" (^١).\n_________\n= لا يقول بالتقليد. من مصنفاته: محاسن التأويل في تفسير القرآن الكريم، وإصلاح المساجد من البدع والعوائد، وتعطير المشام في مآثر دمشق الشام، وقواعد التحديث من فن مصطلح الحديث، ودلائل التوحيد، وديوان خطب، وغيرها، ولابنه الأستاذ ظافر القاسمي كتاب: (جمال الدين القاسمي وعصره)، توفي سنة ١٣٣٢ هـ. [انظر ترجمته في: الأعلام للزركلي (٢/ ١٣٥)].\n(^١) قواعد التحديث (ص ١٥٥).","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>المبحث الخامس\nقاعدة ليس في الشريعة بقعة تقصد للعبادة لذاتها إلا المساجد ومشاعر الحج</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-53> المسألة الأولى * معنى القاعدة</span>\nمما لا يخفى أن الله تعالى قد خصَّ بعض البقاع والأمكنة والأزمنة بزيادة الفضل ومزيد التشريف، ورفعة القدر، وعلو الدرجة، وجعل هذه البقاع، وتلك الأمكنة والأزمنة، مخصوصة بشيء من التعبد، أو الذكر المشروع فعله تقربًا إلى الله ﵎، وبقدر ما شرع فيها من التعبد والذكر يكون حظها ونصيبها من سمو الشرف، وزيادة الفضل، وعظيم المكانة.\nيقول الرازي: \"وبيانه أن الأمكنة والأزمنة إنما تتشرف بذكر الله تعالى\" (^١).\nويقول ابن الحاج (^٢): \"وفضيلة الأزمنة والأمكنة بما خصها الله\n_________\n(^١) التفسير الكبير (٤/ ١٢).\n(^٢) هو: محمد بن محمد بن محمد ابن الحاج أبو عبد الله العبدري الفاسي، نزيل مصر، =","vol":"1","page":184},{"text":"تعالى به من العبادات التي تفعل فيها؛ لما قد علم أن الأمكنة والأزمنة لا تتشرف لذاتها، وإنما يحصل لها التشريف بما خصت به من المعاني\" (^١).\nومن أعظم هذه المعاني عبادته -سبحانة وتعالي- وإقامة ذكره -﷿-، فهي شريفة في ذاتها بتشريف الله تعالى لها، وهي من شعائر الله التي أمر الله تعالى بتعظيمها وإقامة ذكر الله عندها، والله تعالى لم يعظمها إلا لمعنى اختصت به في نفسها، ومن أعظم ذلك ارتباطها الشرعي بنوع من التعبد لله تعالى.\nفالبقعة من حيث هي بقعة لا تقصد بالعبادة شرعًا، وإنما تقصد لإيقاع العبادة فيها لله تعالى (^٢).\nومحصل ما دلت عليه القاعدة أنه لا يجوز قصد بقعة أو مكان للعبادة إلا ما شرعه الشارع، أو حثَّ عليه، أو رغَّب فيه، ومن المقرر المعلوم أن الله تعالى لم يشرع للمسلمين مكانًا يقصدونه للعبادة إلا المساجد ومشاعر الحج؛ فأما المساجد فيشرع قصدها للصلاة فيها والذكر والدعاء ونحو ذلك، وأما المشاعر فيشرع قصدها لأداء شعائر الحج ومناسكه، ولا يشرع قصدها للصلاة لذاتها ابتداء، وإنما تدخل الصلاة تبعًا لأداء المناسك؛ إذ لا يشرع قصد مكان للصلاة إلا أن يكون من المساجد التي هي بيوت الله والتي تقام فيها صلوات المسلمين.\n_________\n= سمع ببلاده ثم قدم الديار المصرية، وحج، جمع كتابًا سماه المدخل، كثير الفوائد كشف فيه عن معايب وبدع يفعلها الناس، ويتساهلون فيها، وذكر أشياء لا تحسن حسبت عليه، ومات في جمادى الأولى سنة ٧٣٧ هـ، وقد بلغ الثمانين أو جاوزها وأضر في آخر عمره. [ترجمته في: الدر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (٥/ ٥٠٧)].\n(^١) المدخل (٢/ ٣).\n(^٢) انظر حاشية الجمل شرح المنهج، لسليمان الجمل (١/ ٤٨٦)، وتفسير السلمي (٢/ ٤٠٦).","vol":"1","page":185},{"text":"يقول الإمام ابن تيمية: \"ولم يشرع الله تعالى للمسلمين مكانًا يقصد للصلاة إلا المسجد، ولا مكانًا يقصد للعبادة إلا المشاعر، فمشاعر الحج كعرفة ومزدلفة ومنى تقصد بالذكر والدعاء والتكبير، لا الصلاة، بخلاف المساجد فإنَّها هي التي تقصد للصلاة، وما ثَمَّ مكان يقصد بعينه إلا المساجد والمشاعر، وفيها الصلاة والنسك، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]، وما سوى ذلك من البقاع فإنَّه لا يستحب قصد بقعة بعينها للصلاة ولا الدعاء، ولا الذكر إذ لم يأت في شرع الله ورسوله قصدها لذلك\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-54> المسألة الثانية * أدلة القاعدة</span>\nفيما يأتي أذكر بعض ما ظهر لي من أدلة على صحة القاعدة وتقريرها:\nأولًا: أن قصد مكان أو زمان لأداء العبادة فيه مما يحتاج إلى دليل شرعي يدل على مشروعية هذا القصد؛ وقد جاءت النصوص الشرعية بالوعيد الأكيد لمن عمل عملًا تعبديًا بدون مستند شرعي.\nفقد روى الشيخان من حديث عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد\"، وفي رواية لمسلم: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٥٠٣ - ٥٠٤).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح، باب: إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود (٢/ ٩٥٩)، رقم (٢٥٥٠)، ومسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب: نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور (٣/ ١٣٤٣) رقم (١٧٢٨).","vol":"1","page":186},{"text":"وعليه يكون قصد مكان أو زمان لعبادة من العبادات بدون دليل شرعي من العمل المردود على صاحبه، وهو أيضًا من إحداث وتشريع دين لم يأذن به الله.\nثانيًا: وفي مقابل ذلك فقد جاءت النصوص الشرعية آمرة وحاثة على إقامة ذكر الله تعالى؛ من الصلاة والدعاء والاعتكاف، في المساجد التي هي بيوت الله تعالى، وعلى إقامة ذكره في مشاعر الحج، وهذا يدل على أن قصد مكان للعبادة غير ما حثَّ الله تعالى عباده عليه، وأمرهم بعمارته بالعبادة من الإحداث في الدين، ومن فعل ما يغضب رب العالمين؛ لأن في ذلك هجرًا لما أمر به ورغَّب فيه.\nفمن ذلك قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦)﴾ [النور: ٣٦]، قال ابن عباس -﵄-: \"هي المساجد المخصوصة لله تعالى\" (^١). فبيوت الله التي هي المساجد هي التي أذن وقضى وأمر أن ترفع فتبنى وتعظم، ويذكر فيها اسمه سبحانه بالتسبيح والتقديس والتهليل، ولم يأمر سبحانه برفع المشاهد، أو القبور، أو تعظم الآثار النبوية الأرضية، ولا أمر بذكر اسمه فيها، ولا أمر بعبادته سبحانه عندها، وإنما خص بيوته سبحانه التي هي المساجد بما يليق بها من الذكر والتسبيح والصلاة (^٢).\nوأما غير ذلك من البيوت والأمكنة؛ كبيوت الأوثان، وبيوت النيران، وبيت الكواكب، وبيت المقابر، فلم يمدح الله شيئًا منها، ولم يذكر ذلك إلا في قصة من لعنهم النبي -صلي الله عليه وسلم-، قال الله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ [الكهف: ٢١] فهؤلاء الذين اتخذوا مسجدًا على أهل الكهف كانوا من النصارى الذين لعنهم\n_________\n(^١) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٤/ ١٨٥).\n(^٢) انظر: التفسير الكبير (٢٤/ ٤).","vol":"1","page":187},{"text":"النبي -صلي الله عليه وسلم- (^١).\nفقصد تلك الأماكن بالعبادة من تعظيم ما لم يعظمه الرب ﵎، وهذا خلاف دين الإسلام الذي بعث به محمد -ﷺ-، والذي تضمن تعظيم بيوت الله وحده لا شريك له؛ وهي المساجد التي تشرع فيها الصلوات جماعة وغير جماعة، والاعتكاف، وسائر العبادات البدنية والقلبية؛ من القراءة، والذكر، والدعاء لله، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨] (^٢).\nيقول ابن تيمية: \"فقد علم بالنقل المتواتر، بل علم بالاضطرار من دين الإسلام أن الرسول -صلي الله عليه وسلم- شرع لأمته عمارة المساجد بالصلوات، والاجتماع للصلوات الخمس، ولصلاة الجمعة والعيدين، وغير ذلك، وأنه لم يشرع لأمته أن يبنوا على قبر نبي، ولا رجل صالح؛ لا من أهل البيت، ولا غيرهم، لا مسجدًا، ولا مشهدًا\" (^٣).\nوقال -﵀-: \"وإنما البقاع التي يحبها الله، ويحب الصلاة والعبادة فيها هي المساجد التي قال الله فيها: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦)﴾ [النور: ٣٦] (^٤).\nومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾ [الأعراف: ٢٩].\nقال الإمام ابن تيمية: \"ولم يقل: (عند كل مشهد)؛ فإن أهل المشاهد ليس فيهم إخلاص الدين لله، بل فيهم نوع من الشرك\" (^٥).\nويقول ابن كثير في الآية: \"أي: أمركم بالاستقامة في عبادته\n_________\n(^١) انظر: تلخيص كتاب الاستغاثة (٢/ ٥٦٧).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٤٩).\n(^٣) منهاج السُّنَّة النبوية (١/ ٤٧٩).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٦٢).\n(^٥) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٩٨).","vol":"1","page":188},{"text":"في محالها\" (^١).\nومن ذلك ما جاء من الترغيب في الاجتماع في المساجد؛ من أجل قراءة القرآن، ومدارسته كقوله -ﷺ-: \":وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه\" (^٢).\nولم يرغب في الاجتماع في غير المساجد لأداء العبادة.\nولذا جاء الترغيب بقصد المساجد دون غيرها، كما في حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: \"إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة، لا يريد إلا الصلاة، فلم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه يقولون: اللَّهُمَّ ارحمه اللَّهُمَّ اغفر له اللَّهُمَّ تب عليه ما لم يؤذ فيه ما لم يحدث فيه\" (^٣) فذكر -ﷺ- إتيان المساجد ولم يقل ثم أتى القبر الفلاني أو المشهد الفلاني، أو جاء إلى قبر نبي أو صالح.\nكما جاء في السُّنَّة فضل واستحباب تعلق القلوب بالمساجد، فعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: \"سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٢/ ٢٠٩).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر (٤/ ٢٠٧٤)، رقم (٢٦٩٩)، من حديث أبي هريرة -﵁-.\n(^٣) رواه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب: ما ذكر في الأسواق (٢/ ٧٤٦)، رقم (٢٠١٣)، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة (١/ ٤٥٩)، حديث رقم (٦٤٩).","vol":"1","page":189},{"text":"إلا ظله؛ الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد\" (^١).\nولم يستحب -سبحانة وتعالي- تعلق القلوب بمقامات الأنبياء والصالحين، أو قبورهم كما هو المشاهد من كثير من الجهال.\nومن ذلك تخصيصه -سبحانه وتعالي- عكوف العبادة بكونه في المساجد لا في غيرها فقال -﵀-: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧].\nومن ذلك ما أمر الله به من قصد المشاعر للذكر والدعاء: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾ [البقرة: ١٩٨].\nفلم يأذن بقصد القبور ولا المشاهد ولا مكانًا بعينه إلا المساجد والمشاعر.\nومن ذلك أمره سبحانه بقصد مسجده الحرام، وبيته العتيق، والمشاعر لأداء مناسك الحج فقال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقال -﷿-: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٩٧]، ولم يأمرنا -سبحانه وتعالي- بقصد الحج إلى قبر أو إلى مشهد.\nثالثًا: أن قصد مكان من الأمكنة من أجل العبادة، لم تأت الشريعة باستحباب قصده، لا يكون إلا عن اعتقاد خصوصية هذا المكان دون غيره، بأن يعتقد بأن العبادة فيه أفضل من المساجد، أو أنها أحب إلى الله تعالى لتعلقها بأحد أوليائه، ولا شك أن هذه الخصوصية لا تثبت إلا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجماعة والإمامة، باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد (١/ ٢٣٤)، رقم (٦٢٨)، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب: فضل إخفاء الصدقة (٢/ ٧١٥)، رقم (١٠٣١).","vol":"1","page":190},{"text":"بدليل صحيح وإلا كان شرع دين لم يأذن به الله كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وإن لم يكن الدعاء عندها أفضل كان قصد الدعاء عندها ضلالة ومعصية، كما لو تحرى الدعاء وقصده عند سائر البقاع التي لا فضيلة للدعاء عندها؛ من شطوط الأنهار، ومغارس الأشجار، وحوانيت الأسواق، وجوانب الطرقات، وما لا يحصي عدده إلا الله، وهذا قد دل عليه كتاب الله في مواضع مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، فإذا لم يشرع الله استحباب الدعاء عند المقابر، ولا وجوبه، فمن شرعه فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله\" (^١).\nرابعًا: أن تقديس الأمكنة والبقاع التي لم يأت الشرع بتقديسها، أو قصدها بالعبادة، وخاصة إذا كانت قبرًا لنبي، أو صالح، أو مقامًا لهما، فيه تشبه بأهل الكتاب الذين كانوا يقدسون ويعظمون أماكن دفن أنبيائهم وصالحيهم فيتخذونها مساجد، وقد نهينا عن التشبه بهم، وأمرنا بمخالفتهم، ولذا لعنهم النبي -صلي الله عليه وسلم- بسبب فعلهم هذا، كما في قوله -ﷺ- قبل أن يموت بخمس: \"إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك\" (^٢).\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٣٤٠).\n(^٢) رواه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد (١/ ٣٧٧)، رقم (٥٣٢).","vol":"1","page":191},{"text":"خامسًا: أن قصد مكان أو بقعة بالعبادة -دون مساجد المسلمين ومشاعر الحج- فيه فتح باب لمفسدة عظيمة تؤدي إلى تعلق قلوب العامة بهذه الأمكنة، وخاصة إذا صدر هذا ممن يحسنون به الظن؛ فإن قلوبهم ضعيفة وسرعان ما يضلهم الشيطان ويسول لهم بأن هذا المكان مبارك، أو أنه قبر لنبي، أو مقام لصالح، إما بخبر لا يعرف قائله، أو بمنام لا تعرف حقيقته، ثم يترتب على هذا اتخاذ هذا المكان وتلك البقعة مسجد يتحرون الصلاة فيه ويقصدونه ولو من بعيد، أضف إلى ذلك صرفها للقلوب عن الأماكن الشرعية التي أمرنا بالتعلق بها.\nيقول الإمام ابن تيمية -﵀-: \"ثم ذلك يفضي إلى ما أفضت إليه مفاسد القبور، فإنَّه يقال: إن هذا مقام نبي، أو قبر نبي، أو ولي، بخبر لا يعرف قائله، أو بمنام لا تعرف حقيقته، ثم يترتب على ذلك اتخاذه مسجدًا، فيصير وثنًا يعبد من دون الله تعالى. شرك مبني على إفك! والله سبحانه يقرن في كتابه بين الشرك والكذب، كما يقرن بين الصدق والإخلاص\" (^١).\nسادسًا: ما جاء من الآثار عن الصحابة -﵃- من إنكار تتبع آثار النبي -صلي الله عليه وسلم- وتحري مواضعه التي وجد فيها، أو عبد الله عندها، فمن ذلك ما ثبت عن عمر بن الخطاب (^٢) -﵁- من النهي والتشديد على من تتبع آثار النبي -صلي الله عليه وسلم-، وقصدها للعبادة، كما جاء عن المعرور بن سويد (^٣) قال:\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٣٩٠).\n(^٢) هو: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزي بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح القرشي، العدوي، أبو حفص أمير المؤمنين، وخليفة خليفة رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، أسلم بعد أربعين رجلًا وإحدى عشر امرأة، وأظهر الله به الإسلام، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا، وبيعة الرضوان، وكل مشهد شهده رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، وقبض رسول الله -صلي الله عليه وسلم- وهو عنه راضٍ، قتله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة سنة ٢٣ هـ. [انظر: الاستيعاب (٢/ ٤٥٠)، والإصابة: (٢/ ٥١١)].\n(^٣) هو: المعرور بن سويد، أبو أمية الأسدي الكوفي، من الثقات المعمرين، عاش مائة =","vol":"1","page":192},{"text":"(خرجنا مع عمر في حجة حجها، فقرأ بنا في الفجر: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١)﴾ [الفيل: ١]، ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)﴾ هو [قريش]، فلما قضى حجه ورجع والناس يبتدرون فقال: ما هذا؟ فقالوا: مسجد صلى فيه رسول الله -ﷺ-، فقال: هكذا هلك أهل الكتاب، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل) (^١).\nوروي عن عمر -﵁- أنه لما أُخبر عن شأن الشجرة التي كان يقصدها بعض الناس متوهمين أنها شجرة البيعة رجاء بركتها أمر -﵁- بقطعها:\nفعن نافع (^٢) قال: (بلغ عمر بن الخطاب أن أناسًا يأتون الشجرة التي بويع تحتها، قال: فأمر بها فقطعت) (^٣).\n_________\n= وعشرين سنة، حدث عن عمر، وأبي ذر، وابن مسعود -﵃-، وعنه: عاصم بن بهدلة، وأعمش، وواصل الأحدب، والمغيرة اليشكري، وثقه يحيى بن معين، وأبو حاتم الرازي. [نظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ (١/ ٦٧)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٨/ ٤١٥)].\n(^١) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ١٥١)، رقم (٧٥٥٠)، وعبد الرزاق في مصنفه (٢/ ١١٨)، رقم (٢٧٣٤)، وقال الشيخ الألباني: \"وسنده صحيح على شرط الشيخين\". انظر: تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد (ص ٩٧)، ورواه الحافظ الطبري في التفسير من طريق أخرى عن الشعبي قال: (نزل عمر الروحاء فرأى رجالًا يبتدرون أحجارًا يصلون إليها، فقال: ما هؤلاء، قالوا: يزعمون أن رسول الله -ﷺ - صلى هاهنا، فكره ذلك وقال: إنما رسول الله أدركته الصلاة بواد فصلى ثم ارتحل فتركه). [نظر: تفسير الطبري (١/ ٤٣٣)، وتاريخ المدينة المنورة (٢/ ٤٩)، حديث رقم (١٤٦٨)].\n(^٢) هو: نافع مولى ابن عمر أبو عبد الله المدني، كثير الحديث، قال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع، عن ابن عمر، بعثه عمر بن عبد العزيز إلى مصر يعلمهم السنن، مات نافع سنة ست عشرة ومائة، أو سبع، أو تسع، أو عشرين. [انظر: طبقات الحفاظ (١/ ٤٧)].\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ١٥٠)، رقم (٧٥٤٥)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ١٠٠)، لكنها منقطعة بين نافع وعمر، وانظر: تحذير الساجد (ص ٨٤)، وجاء =","vol":"1","page":193},{"text":"يقول الإمام ابن تيمية: \"فلما كان النبي -ﷺ- لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه، بل صلى فيه لأنَّه موضع نزوله، رأى عمر أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة، بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التي هلكوا بها، ونهى المسلمين عن التشبه بهم في ذلك، ففاعل ذلك متشبه بالنبي -ﷺ- في الصورة، ومتشبه باليهود والنصارى في القصد الذي هو عمل القلب، وهذا هو الأصل؛ فإن المتابعة في السُّنَّة أبلغ من المتابعة في صورة العمل\" (^١).\nوهذه الشجرة ليست هي شجرة البيعة التي بايع النبي -ﷺ- أصحابه تحتها بيعة الرضوان، وإنما تلك خفيت عليهم في زمان النبي - ﷺ -، فقد جاء عن نافع قال: قال ابن عمر -﵄-: (رجعنا من العام المقبل فما اجتمع اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله) (^٢).\nولذا جاء في البخاري (^٣) عن طارق بن عبد الرحمن (^٤) قال:\n_________\n= عن ابن جريج في قوله تعالى: ﴿يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ قال: (... فكانت هذه الشجرة يعرف موضعها، ويؤتى هذا المسجد، حتى كان عمر بن الخطاب -﵁-؛ فبلغه أن الناس يأتونها، ويصلون عندها فيما هنالك، ويعظمونها؛ فرأى أنَّ ذلك من فعلهم حدث) وحسن إسناده الفاكهي. [انظر: أخبار مكة للفاكهى (٥/ ٧٧)].\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ٢٨١).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب: البيعة في الحرب أن لا يفروا (٣/ ١٠٨٠)، رقم (٢٧٩٨).\n(^٣) هو: شيخ الإسلام، وإمام الحفاظ أبو عبد الله، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه الجعفي مولاهم، البخاري صاحب الصحيح كان رأسًا في الذكاء، رأسًا في العلم، رأسًا في الورع والعبادة توفي سنة ٢٥٦ هـ. [انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي (٢/ ٥٥٥)].\n(^٤) هو: طارق بن عبد الرحمن البجلي الكوفي، روى عن سعيد بن المسيب، ثقة مشهور إلا أن أحمد بن حنبل قال: ليس حديثه بذاك، وقال يحيى بن سعيد القطان: هو عندي كإبراهيم بن مهاجر، قال الذهبي: قلت قد روى عنه شعبة، وأبو عوانة، ووكيع، ووثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: لا بأس به يكتب حديثه، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. [انظر ترجمته في: ميزان الاعتدال (٣/ ٤٥٤ - ٤٥٥)، ورجال =","vol":"1","page":194},{"text":"(انطلقت حاجًا فمررت بقوم يصلون قلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله -ﷺ- بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته، فقال سعيد: حدَّثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله -ﷺ- تحت الشجرة، قال فلما خرجنا من العام المقبل أُنسيناها فلم نقدر عليها. فقال سعيد: إن أصحاب محمد -ﷺ- لم يعلموها وعلمتموها أنتم فأنتم أعلم) (^١).\nقال الإمام ابن عبد البر (^٢): \"وقد كره مالك (^٣) وغيره من أهل العلم طلب موضع الشجرة التي بويع تحتها بيعة الرضوان؛ وذلك -والله أعلم- مخالفة لما سلكه اليهود والنصارى في مثل ذلك\" (^٤).\nهذا ما حصل في زمان النبي -ﷺ- من تعمية الشجرة على الصحابة، ونسيانهم لموضعها، ثم في زمان عمر -﵁- توهموا في شجرة أخرى أنها شجرة البيعة، وصاروا يقصدونها للعبادة رجاء بركتها، فقطعها عمر سدًا لذريعة تعظيمها والافتتان بها (^٥).\n_________\n= صحيح البخاري (الهداية والإرشاد) (٢/ ٣٧٦)].\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، المغازي، باب: غزوة الحديبية (٤/ ١٥٢٨)، رقم (٣٩٣٠)، والطبراني في المعجم الكبير (٢/ ٣٤٧٠)، رقم (٨١٦)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ٩٩).\n(^٢) هو: يوسف بن عمر بن عبد البر بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الحافظ شيخ علماء الأندلس، وكبير محدثيها في وقته، وأحفظ من كان فيها لسنة مأثورة له مؤلفات كثيرة نافعة منها: التمهيد، والاستذكار، والاستيعاب، توفي - ﵀ - سنة ٤٦٣ هـ. [انظر ترجمته في: الديباج المذهب ص ٣٥٧، وشجرة النور الزكية (ص ١١٩)].\n(^٣) هو: إمام دار الهجرة، الإمام مالك بن أنس الأصبحي المدني، ولد سنة ٩٣ هـ، وهو أحد الأئمة الأربعة، جمع بين الفقه والحديث والرأي، جلس للفتيا وله إحدى وعشرون سنة، وقصده طلبة العلم من الآفاق، من أشهر مصنفاته الموطأ، توفي سنة ١٧٩ هـ. [تذكرة الحفاظ (١/ ٢٠٧ - ٢١٣)، وسير أعلام النبلا (٨/ ٤٨ - ١٣٥)].\n(^٤) الاستذكار (٢/ ٣٦٠).\n(^٥) انظر: فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (١/ ١٥١ - ١٥٢).","vol":"1","page":195},{"text":"ولذا قال الإمام ابن تيمية: \"وأمر عمر -﵁- بقطع الشجرة التي توهموا أنها الشجرة التي بايع الصحابة النبي -ﷺ- تحتها بيعة الرضوان، لما رأى الناس ينتابونها، ويصلون عندها، كأنها المسجد الحرام، أو مسجد المدينة\" (^١).\nأما الشجرة الحقيقية فقد عميت عليهم في زمان النبي -ﷺ- فلم يهتدوا لمعرفتها، وكان إخفاؤها رحمة من الله كما قال ابن عمر - ﵄ - (^٢).\nيقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (^٣) بعد أن ذكر قصة خفاء الشجزة على الصحابة -﵃-: \"هذا ما صار إليه شأن شجرة البيعة في عهد النبي -ﷺ-، ثم صار في خلافة عمر بن الخطاب ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم: وهو توهم من توهم في شجرة بالحديبية أنها هي الشجرة التي بايع الصحابة النبي -ﷺ- تحتها (بيعة الرضوان)، فكان من توهم ذلك ينتابها ويصلي عندها، فأمر عمر بن\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٣٠٦).\n(^٢) وبهذا التوفيق ينتفي التعارض بين روايات القصة.\n(^٣) هو: صاحب السماحة الشيخ الجليل أبو عبد العزيز محمد بن إبراهيم ابن الشيخ عبد اللطيف ابن الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ابن شيخ الإسلام الإمام مجدد القرن الثاني عشر محمد بن عبد الوهاب، ولد في: ٧/ محرم/ ١٣١١ هـ، في مدينة الرياض، وأخذ العلم عن والده الشيخ إبراهيم وعن عمه الشيخ عبد اللطيف وعن الشيخ سعد بن عتيق وعن الشيخ حمد بن فارس وغيرهم، من أبرز تلامذته: فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وفضيلة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد وفضيلة الشيخ عبد المحسن العباد، وغيرهم، كان مفتيًا للديار السعودية، ورئيسًا للجامعة الإسلامية، ورئيسًا للقضاء في جميع المملكة، ورئيسًا لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، له فتاوى جمعها الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في ١٣ مجلد، وله رسائل مفيدة أخرى، توفي إثر مرض ألم به في الرابع والعشرين من شهر رمضان من عام ١٣٨٩ هـ. [انظر ترجمته في: مقال للشيخ عبد المحسن العباد ضمن مجلة الجامعة الإسلامية، العدد ٦ (١٥)، و(العالم العابد الشيخ عبد الرحمن بن قاسم -﵀- حياته وسيرته ومؤلفاته، تأليف عبد الملك القاسم) (ص ٩٧)، من مطبوعات دار القاسم].","vol":"1","page":196},{"text":"الخطاب بقطعها فقطعت\" (^١).\nيقول الإمام النووي (^٢): \"قال العلماء: سبب خفائها أن لا يفتتن الناس بها لما جرى تحتها من الخير، ونزول الرضوان والسكينة، وغير ذلك، فلو بقيت ظاهرة معلومة لخيف تعظيم الأعراب والجهال إياها، وعبادتهم لها، فكان خفاؤها رحمة من الله تعالى\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-55> المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nفيما يلي أذكر ما وقفت عليه من أقوال لأهل العلم في ذكرهم لهذه القاعدة أو استدلالهم بها أو لها:\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وأصل هذا الباب: أنه ليس في شريعة الإسلام بقعة تقصد لعبادة اللّه فيها بالصلاة، والدعاء، والذكر، والقراءة، ونحو ذلك، إلا مساجد المسلمين ومشاعر الحج\" (^٤).\nوقال -﵀-: \"وأصل دين المسلمين أنه لا تختص بقعة بقصد العبادة فيها إلا المساجد خاصة، وما عليه المشركون وأهل الكتاب من تعظيم بقاع للعبادة غير المساجد، كما كانوا في الجاهلية يعظمون حراء ونحوه من البقاع هو مما جاء الإسلام بمحوه وإزالته ونسخه، ثم المساجد جميعها تشترك في العبادات فكل ما يفعل في مسجد يفعل في سائر\n_________\n(^١) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (١/ ١٥١) فما بعدها.\n(^٢) هو: يحيى بن شرف بن مري بن حسن الحزامي، النووي، الفقيه الحافظ الشافعي.\nله مؤلفات كثيرة منها: المجموع شرح المهذب لم يتمه، وروضة الطالبين، ورياض الصالحين، وغيرها. توفي -﵀- سنة ٦٧٦ هـ. [ترجمته في: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ١٥٣)].\n(^٣) شرح النووي على صحيح مسلم (١٣/ ٥).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٢٧/ ١٣٧ - ١٣٨).","vol":"1","page":197},{"text":"المساجد، إلا ما خص به المسجد الحرام من الطواف ونحوه، فإن خصائص المسجد الحرام لا يشاركه فيها شيء من المساجد كما أنه لا يصلى إلى غيره\" (^١).\nوقال -﵀- أيضًا: \"ودين الإسلام أنه لا تقصد بقعة للصلاة إلا أن يكون مسجدًا فقط؛ ولهذا مشاعر الحج غير المسجد الحرام تقصد للنسك لا للصلاة، فلا صلاة بعرفة، وإنما صلى النبي -ﷺ- الظهر والعصر يوم عرفة بعرنة، خطب بها ثم صلى، ثم بعد الصلاة ذهب إلى عرفات فوقف بها، وكذلك يذكر الله، ويدعى بعرفات، وبمزدلفة على قزح (^٢)، وبالصفا والمروة، وبين الجمرات، وعند الرمي، ولا تقصد هذه البقاع للصلاة، وأما غير المساجد ومشاعر الحج فلا تقصد بقعة لا للصلاة ولا للذكر ولا للدعاء، بل يصلي المسلم حيث أدركته الصلاة، إلا حيث نهي، ويذكر الله ويدعوه حيث تيسر من غير قصد تخصيص بقعة بذلك، وإذا اتخذ بقعة لذلك كالمشاهد نهي عن ذلك كما نهي عن الصلاة في المقبرة، إلا ما يفعله الرجل عند السلام على الميت من الدعاء له وللمسلمين، كما يفعل مثل ذلك في الصلاة على الجنازة، فإن زيارة قبر المؤمن من جنس الصلاة على جنازته، يفعل في هذا من جنس ما يفعل في هذا، ويقصد بالدعاء هنا ما يقصد بالدعاء هنا\" (^٣).\nويقول الشيخ الدهلوي: \"ومعنى ذلك أن الله - ﷾ - قد خصص أمكنة لتعظيمه؛ كالكعبة، وعرفات، والمزدلفة، ومنى، والصفا والمروة، ومقام إبراهيم، والمسجد الحرام كله، ومكة كلها، والحرم كله، وألهم الناس شوقًا لزيارتها، والحنان إليها، فيتوجهون إلى هذه الأمكنة رجالًا\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٤٣٩).\n(^٢) هو جبل بآخر مزدلفة. المصباح المنير (١/ ٣١٥).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٧٧ - ٤٧٨).","vol":"1","page":198},{"text":"وركبانًا، ويأتون إليها من كل واد عميق، ومرمى سحيق، ويتجشمون في سبيلها مشاق السفر وعناء التنقل، ... فيذبحون هنالك الأنعام لله تعالى، ويوفون نذورهم ويطوفون بالبيت\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-56> المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nهذه بعض الفوائد التي يمكن الاستفادة منها من خلال هذه القاعدة العظيمة:\nأولًا: الضابط في تتبع آثار النبي -ﷺ-، سواء كانت مقامًا له، أو مكانًا مرَّ به وصلى فيه، أو بقعة نزل واستراح فيها، أو غير ذلك من مواضع جلوسه أو قيامه أو نومه، أو البقاع التي نزل بها في طريق هجرته، هو أن:\nما قصده الرسول -ﷺ- من هذه الأمكنة والبقاع بالعبادة، أو كان يتحراها بإيقاع العبادة فيها، أو قصدها تشريعًا للأمة فهذا يشرع متابعته فيها -ﷺ-، وتحري تلك الأمكنة بالعبادة اقتداء به ﵊، وطلبًا للقربة والثواب، وذلك مثل قصده للصلاة عند مقام إبراهيم -﵇- عملًا بقوله تعالى: ﴿مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، وكقصده لعرفات، ومزدلفة، ومنى، وغيرها من المواضع التي قصدها تقربًا وتشريعًا للأمة.\nوأما ما فعله -ﷺ- من العبادات وغيرها في أي بقعة من البقاع اتفاقًا، أو للحاجة، ولم يكن قصده التشريع للأمة، وإنما فعلها من باب العادة، أو صادفته الصلاة فيها، وصلى من غير قصد أو تحر لها، فهذا مما لا يشرع قصده أو متابعته فيه.\n_________\n(^١) رسالة التوحيد (ص ١٠٠).","vol":"1","page":199},{"text":"هذا هو الضابط في تتبع آثار النبي -ﷺ-، وهو أنه لا يجوز متابعته إلا فيما قصد فيه التعبد، والقربة إلى الله تعالى، وأما ما حصل من باب العادة، أو اتفاقًا ومصادفة، أو للحاجة، فلا تشرع فيه المتابعة؛ لأن المتابعة الشرعية تكون في صورة العمل والقصد، وهذا هو المذهب الحق (^١).\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وما فعله النبي -ﷺ- على وجه التعبد فهو عبادة يشرع التأسي به فيه، فإذا خصص زمانًا أو مكانًا بعبادة كان تخصيصه بتلك العبادة سُنَّة؛ كتخصيصه العشر الأواخر بالاعتكاف فيها، وكتخصيصه مقام إبراهيم بالصلاة فيه، فالتأسي به أن يفعل مثل ما فعل، على الوجه الذي فعل؛ لأنَّه فعل، وذلك إنما يكون بأن يقصد مثلما قصد\" (^٢).\nوقال -﵀-: \"فأما الفعل الذي لم يشرعه هو لنا، ولا أمرنا به، ولا فعله فعلًا سنَّ لنا أن نتأسى به فيه، فهذا ليس من العبادات والقرب، فاتخاذ هذا قربة مخالفة له -ﷺ-، وما فعله من المباحات على غير وجه التعبد يجوز لنا أن نفعله مباحًا كما فعله مباحًا؛ ولكن هل يشرع لنا أن نجعله عبادة وقربة؟ فيه قولان، كما تقدم. وأكثر السلف والعلماء على أنّا لا نجعله عبادة وقربة، بل نتبعه فيه؛ فإن فعله مباحًا فعلناه مباحًا، وإن فعله قربة فعلناه قربة. ومن جعله عبادة رأى أن ذلك من تمام التأسي به والتشبه به، ورأى أن في ذلك بركة لكونه مختصًا به نوع اختصاص\" (^٣).\nوممن مال إلى كونه عبادة الإمام الشوكاني حيث قال: \"فإن تتبع\n_________\n(^١) لقد تمت دراسة هذه المسألة في قاعدة مستقلة بعنوان: (اعتبار ما صدر عن النبي -ﷺ- عبادة موقوف على قصده التعبد) (ص ٧٠٤).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٠٩).\n(^٣) المصدر نفسه (٢٧/ ٥٠٤).","vol":"1","page":200},{"text":"آثاره، والوقوف في مواقفه، في حج وغيره، هو من أعظم مواطن التبرك التي تكون ذريعة إلى الخير، وصلة إلى الرشد، وقد كان الصحابة -﵃- يبالغون في مثل هذا، ويتنافسون فيه، حتى كان عبد الله بن عمر إذا وصل إلى السباطة التي بال فيها رسول الله -ﷺ- قائمًا فعل كفعله وبال قائمًا\" (^١).\nوهذا كما سبق خلاف ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من السلف.\nلكن هناك فرقًا بين التأسي به في مجرد أفعاله -ﷺ- التي لم يقصد بها العبادة، -كما هو الواقع من فعل ابن عمر- وبين تلمس البركة واعتقادها في آثاره -ﷺ- المكانية، فيعتقد أن في نفس المكان وذات الموضع بركة تلتمس بسببه -ﷺ-، فهذا الثاني مما لا خلاف فيه بين السلف، وهو من أسباب حدوث الشرك في الأمة، إذ هو ما كانت اليهود والنصارى تفعله مع قبور أنبيائها.\nيقول الشيخ العلامة صالح بن فوزان الفوزان: \"فالجاهلية هي التي تعظم آثار أنبيائها، ولهذا يقول عمر -﵁- لما رأى الناس يذهبون إلى شجرة البيعة: (إنما أهلك من كان قبلكم أنهم تتبعوا آثار أنبيائهم) ثم أمر بقطع الشجرة، وهذه الأماكن لم يقصدها النبي -ﷺ- للتشريع، أما الأماكن التي قصدها النبي -ﷺ- للتشريع، مثل صلاته عند مقام إبراهيم، عملًا بقوله تعالى: ﴿مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، فإنَّها تشرع الصلاة فها اقتداء بالنبي -ﷺ-، أما جلوسه في غار حراء، وفي غار ثور، أو جلوسه في الطريق بين مكة والمدينة للاستراحة، فهذا لم يفعله من أجل التشريع، وإنما فعله اتفاقًا وللحاجة، فيجب أن يفرق بين هذا وهذا، فالأماكن التي لم يقصدها للتشريع، وإنما مرّ بها أو جلس فيها\n_________\n(^١) السيل الجرار (٢/ ٢٠١).","vol":"1","page":201},{"text":"من باب العادة، أو للاستراحة، أو صادفته الصلاة وصلى فيها من غير قصد لها، فإنَّه لا يتخذ هذا المكان الذي صلى فيه الرسول مصلى؛ لأنَّه فعله لا من باب القصد، وإنما فعله لأن الصلاة أدركته في هذا المكان فصلى فيه\" (^١).\nومما سبق تقريره يمكن القول بأنه لا يجوز تتبع آثاره -ﷺ- بقصد العبادة إلا ما ثبت عنه -ﷺ- قصده إياها لأجل التعبد؛ وهذا بخلاف مسجده -ﷺ-، والمسجد الحرام، ومسجد قباء، وكقصده لمقام إبراهيم، وكل ما ثبت بالنص من ذلك.\nثانيًا: لا يشرع قصد المساجد والمشاهد التي بمكة أو بالمدينة، وما حولهما من بقاع وجبال وأودية، بنية التعبد وحصول الثواب، وبحجة أنها آثار له -ﷺ-؛ إذ إن مجرد قصد التعبد يفتقر إلى دليل يثبته، وهذا فيما ثبت أنه من الآثار النبوية؛ فكيف بما أحدث وجعل من الآثار المعظمة بعده -ﷺ- بقرون عديدة، وأزمان مديدة.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فأما قصد الصلاة في تلك البقاع التي صلى فيها اتفاقًا فهذا لم ينقل عن غير ابن عمر من الصحابة، بل كان أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وسائر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، يذهبون من المدينة إلى مكة حجاجًا وعمارًا ومسافرين، ولم ينقل عن أحد منهم أنه تحرى الصلاة في مصليات النبي -ﷺ-.\nومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحبًا لكانوا إليه أسبق، فإنهم أعلم بسُنَّته، وأتبع لها من غيرهم، وقد قال -ﷺ-: \"عليكم بسُنَّتي وسُنّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة\n_________\n(^١) شرح مسائل الجاهلية، للشيخ صالح الفوزان (ص ٢٢٨).","vol":"1","page":202},{"text":"ضلالة\" (^١) \" (^٢).\nكما أنه لم يثبت عنه -ﷺ- أنه قصد جبل حراء، ولا جبل ثور بعد أن أكرمه الله بالرسالة، وأمر الأمة بالإيمان به وبطاعته، مع أنه اعتمر أربع عمر، وحج حجة الوداع، لا هو ولا أحد من صحابته لم يثبت عنهم ذلك.\nيقول شيخ الإسلام: \"فتحنثه (^٣) وتعبده بغار حراء كان قبل المبعث، ثم إنه لما أكرمه الله بنبوته ورسالته، وفرض على الخلق الإيمان به، وطاعته، واتباعه، أقام بمكة بضع عشرة سنة هو ومن آمن به من المهاجرين الأولين، الذين هم أفضل الخلق، ولم يذهب هو ولا أحد من أصحابه إلى حراء.\nثم هاجر إلى المدينة واعتمر أربع عمر، وعمرته الرابعة مع حجة الوداع، وحج معه جماهير المسلمين، لم يتخلف عن الحج معه إلا من شاء الله.\nوهو في ذلك كله؛ لا هو، ولا أحد من أصحابه يأتي غار حراء، ولا يزوره، ولا شيئًا من البقاع التي حول مكة، ولم يكن هناك عبادة إلا\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السُّنَّة، باب: في لزوم السُّنَّة (٤/ ٢٠٠)، رقم (٤٦٠٧)، والترمذي في جامعه، كتاب العلم، باب: ما جاء في الأخذ بالسُّنَّة واجتناب البدع (٥/ ٤٤)، رقم (٢٦٧٦)، وقال: (هذا حديث حسن صحيح)، وأحمد في المسند (٤/ ١٢٦)، رقم (١٧١٨٥)، والدارمي في المقدمة (١/ ٥٧)، رقم (٩٥).\n(^٢) اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٣٨٩).\n(^٣) التَّحَنُّثُ: هُوَ مطلق التَّعَبُّدُ، وقيل: هو التعبد اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَد، كما في حديث الغار، حيث جاء تقييده في كلام الزهري، فظَنَّ البعض أَنّ قولَه الليَالِيَ ذوات العدَد قَيْدٌ في تَفْسِيرِ يَتَحَنَّث، وقد صَرّحَ شُرّاحُ البُخَارِيّ وغيرُهم من أَهلِ الغَريب بأَنَّ قولَ الزُّهْرِيّ اللّيَالِي ذَواتِ العَدَدِ إِنّمَا هو لِبَيَانِ الوَاقِعَةِ، ذَكَرَها اتّفاقِيَّةً، لا أنّ الَتَّحَنُتَ هو التَّعَبُّدُ بقَيْدِ اللّيَالِي ذَواتِ العَدَدِ، فإِنّه لا قائِلَ بِه، بل التَّحَنُّثُ هو التَّعَبُّد المُجَرَّدُ، صرَّحَ به غيرُ واحِدٍ، فلا معنى لتَقْييدِه، وقوى هذا البحث الزبيدي جدًّا. [انظر: المصباح المنير (١/ ١٥٤)، وتاج العَروس (٥/ ٢٢٥)].","vol":"1","page":203},{"text":"بالمسجد الحرام، وبين الصفا والمروة، وبمنى، والمزدلفة، وعرفات، وصلى الظهر والعصر ببطن عرنة، وضربت له القبة يوم عرفة بنمرة، المجاورة لعرفة.\nثم بعده خلفاؤه الراشدون، وغيرهم من السابقين الأولين، لم يكونوا يسيرون إلى حراء ونحوه للصلاة فيه والدعاء\" (^١).\nفتتبع هذه الآثار وقصدها من أجل القربة والعبادة ليس من فعل صحابة النبي -ﷺ-، ولا خلفائه الراشدين، الذين أعلى الله ذكرهم في كتابه، وحث المصطفى -ﷺ- على متابعتهم، والاهتداء بهديهم، بل هو مما أحدث في دين الله -﷾-.\nيقول الإمام ابن وضاح القرطبي (^٢) بعد أن ذكر قصتي عمر: \"وكان مالك بن أنس، وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد، وتلك الآثار للنبي -ﷺ-، ما عدا قباء وأُحدًا. قال: وسمعتهم يذكرون أن سفيان الثوري دخل مسجد بيت المقدس، فصلى فيه، ولم يتبع تلك الآثار، ولا الصلاة فيها، وكذلك فعل غيره أيضًا ممن يقتدى به، وقَدِمَ وكيع (^٣) أيضًا مسجد بيت المقدس فلم يَعْدُ فعل سفيان ...\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٤٢٥).\n(^٢) هو: محمد بن وضاح بن بزيع مولى ملك الأندلس عبد الرحمن بن معاوية الأموي الداخل، وهو الحافظ الكبير أبو عبد الله القرطبي، ولد سنة تسع وتسعين ومائة، أو سنة مائتين بقرطبة، وكان عالمًا بالحديث، بصيرًا بطرقه، متكلمًا على علله، كثير الحكاية عن العباد، ورعًا، زاهدًا، متعففًا، صبورًا على نشر العلم، رحل إلى المشرق، وأخذ عن كثير من العلماء، ثم عاد إلى الأندلس، فحدث مدة طويلة، ونشر بها علمه، فنفع الله بن أهل الأندلس، صنف كتبًا منها: البدع والنهي عنها، ومكنون السر ومستخرج العلم، توفي سنة ٢٨٩ هـ. [انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ (٢/ ٦٤٦ - ٦٤٧)، والأعلام (٧/ ١٣٣)].\n(^٣) هو: وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي الرؤاسي أبو سفيان، من الحفاظ المتقنين، وأهل الفضل في الدين، وكان ممن رحل، وكتب، وجمع، وصنف، وحفظ، وحدث، وذاكر، وبث، كان مولده سننة تسع وعشرين ومائة، ومات بطريق مكة سنة =","vol":"1","page":204},{"text":"فعليكم بالاتباع لأئمة الهدى المعروفين، فقد قال بعض من مضى: كم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكرًا عند من مضى، ومتحبب إليه بما يبغضه عليه، ومتقربٍ إليه بما يبعده منه، وكل بدعة عليها زينة وبهجة\" (^١).\nكما أن تتبع هذه الآثار من أعظم أسباب الفتنة، والشيطان حريص على إيقاع المسلم فيما يبعده عن ربه ﵎، وأعظم ما يحرص عليه الشيطان تلبيس الدين على أهل الإسلام بإيقاعهم في البدع والشرك بالله العظيم.\nولذا كان أمن الفتنة، وسد باب الذريعة من أعظم الأسباب التي دعت عمر -﵁- لقطع الشجرة التي كان ينتابها أصحابه، ولا شك أن سد ذرائع الشر، وقفل أسباب الفتن من أعظم أصول هذه الشريعة (^٢).\nيقول عيسى بن يونس (^٣) مفتي أهل طرسوس (^٤) عن قطع عمر للشجرة: \"قطعها لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها فخاف عليهم الفتنة\" (^٥).\n_________\n= ست وتسعين ومائة. [انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ (١/ ٣٠٦)، ومشاهير علماء الأمصار (ص ١٧٣)].\n(^١) انظر: البدع والنهي عنها لابن وضاح (ص ٤٣).\n(^٢) سيأتي الكلام عن قاعدة: سد ذرائع الشرك (ص ٩٦٣).\n(^٣) هو: عيسى بن يونس ابن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله، الإمام، القدوة، الحافظ، الحجة، أبو عمرو وأبو محمد، الهمداني، السبيعي، الكوفي، كان واسع العلمن كثير الرحلة، وافر الجلالة، واتفقوا على توثيقه، مات سنة تسع وثمانين ومائة. [انظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٨٩ - ٤٩٢)، ومشاهير علماء الأمصار (ص ١٨٦)].\n(^٤) طَرَسُوس بفتح أوله وثانيه، وسينين مهملتين بينهما واو ساكنة، بوزن قَرَبُوس: كلمة أعجمية رومية، ولا يجوز سكون الراء إلا في ضرورة الشعر، قيل: إن مدينة طرسوس أحدثها سليمان خادم الرشيد، وهي مدينة بثغور الشام بين أنطاكية وحلب وبلاد الروم. [انظر: معجم البلدان (٤/ ٢٨)].\n(^٥) البدع والنهي عنها (ص ٤٢).","vol":"1","page":205},{"text":"وقال الحافظ ابن حجر في شأن الشجرة التي قطعها عمر: \"وبيان الحكمة في ذلك: وهو أن لا يحصل بها افتتان لما وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أمن تعظيم بعض الجهال لها، حتى ربما أفضى بهم إلى اعتقاد أن لها قوة نفع أو ضر، كما نراه الآن مشاهدًا فيما هو دونها، وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله: كانت رحمة من الله؛ أي: كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمة من الله تعالى\" (^١).\nوقال الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله-: \"ولأن تتبعها -أي: آثار النبي ﷺ- يحدث الوثنية فيما بعد بتبرك الناس به، ويقصدونه من بعيد، ويسافرون إليه، فيحصل في ذلك ما حصل في الأمم السابقة من الشرك، وربما يبنى عليه\" (^٢).\nوبناء على ذلك فالقول بعدم جواز تتبع آثار النبي -ﷺ- فيه سد لذرائع عظيمة وفتن كبيرة، ومن أعظمها الشرك بالله العظيم، خاصة من عوام الأمة وضعفاء القلوب.\nثم إن بركة ذوات الأنبياء والمرسلين لا تتعدى إلى الأمكنة الأرضية، وإلا لزم أن تكون كل أرض وطئها النبي، أو جلس عليها، أو طريق مرَّ بها تطلب بركتها، ويتبرك بها، وهذا لازم باطل قطعًا، مع عدم فعل الصحابة لشيء من ذلك (^٣).\nيقول الشيخ صديق حسن خان: \"قالوا: المشي في أرض مشى فيها رسول الله -ﷺ- يكفر السيئات، خصوصًا مع النجة الصالحة، وفيها بشرى له برجاء أن يكون متبعًا آثاره الشريفة، قلت: وذلك يحتاج إلى سند؛ لأن المكفّر إنما هو اتباع هديه وسُنَّته ظاهرًا وباطنًا، دون تتبع آثاره\n_________\n(^١) فتح الباري (٦/ ١١٨)، وانظر: عمدة القارئ (١٧/ ٢٢٠).\n(^٢) شرح مسائل الجاهلية، للشيخ الفوزان (ص ٢٢٨ - ٢٢٩).\n(^٣) انظر: التبرك أنواعه وأحكامه، للجديع (ص ٣٤٨).","vol":"1","page":206},{"text":"الأرضية فقط، فتدبر\" (^١).\nويقول الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ -حفظه الله-: \"وأما آثاره المكانية كمكانٍ سار فيه، أو بقعةٍ صلى فيها، أو أرضٍ نزل بها، فلم يعرف دليل شرعي يومئ أو يشير إلى أن بركة بدن الرسول -ﷺ- قد تعدت إلى هذا المكان، فيكون مباركًا يشرع التبرك به، ولذا لم يكن يفعل هذا صحابته في حياته ولا بعد مماته.\nفما سار فيه رسول الله أو نزل فيه فلا يجوز التبرك به؛ لأن هذا وسيلة إلى تعظيم البقاع التي لم يشرع لنا تعظيمها، ووسيلة من وسائل الشرك، وما تتبع قوم آثار أنبيائهم إلا ضلوا وهلكوا\" (^٢).\nوأما ما استدل به البعض بما كان يفعله ابن عمر (^٣) - ﵄ - من تتبعه لمواضع النبي -ﷺ- التي صلى فيها أو نزل فيها (^٤)، فلا حجة في فعله -﵁-، وقبل بيان ضعف هذه الحجة لا بد من تصور محل النزاع في هذه المسألة، وبيان ما كان يفعله ابن عمر -﵄- على وجه التحديد؛ لأن بعض الناس قد اتخذ من فعل ابن عمر ذريعة لتجويز أمور لا يستحلها ابن عمر -﵁- ولا غيره من الصحابة، بحجة أن ابن عمر فعلها، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- ثلاثة صور لتتبع آثار النبي -ﷺ- ومواطن عبادته، وبيَّن أن الصورة الأولى هي التي كان ابن عمر يفعلها، بخلاف\n_________\n(^١) رحلة الصديق إلى البيت العتيق، لصديق حسن خان (ص ٢١).\n(^٢) هذه مفاهيمنا، صالح آل الشيخ (ص ٢٢٠ - ٢٢١).\n(^٣) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزّى القرشي العدوي، ولد سنة ثلاث من البعثة النبوية، وكان من أهل الورع والعلم، كثير الاتباع لآثار رسول الله -ﷺ-، شديد الحرص على تحري أفعاله وسيرته، والتشبه به في سائر أحواله، وكان من المكثرين من الرواية عنه -ﷺ-، توفي -﵁- سنة ٧٢ هـ، وقيل: ٧٣ هـ. [انظر: الاستيعاب (٢/ ٣٣٣)، والإصابة (٢/ ٣٣٨)].\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب: المساجد التي على طرق المدينة، والمواضع التي صلى فيها النبي -ﷺ- (١/ ١٨٣)، رقم (٤٦٩).","vol":"1","page":207},{"text":"بقية الصور، وفيما يلي ذكر هذه الصور بإيجاز وتصرف:\nأولًا: أن يتأسى بالنبي -ﷺ- في صورة الفعل الذي فعله، من غير أن يعلم قصده فيه، أو مع عدم السبب الذي فعله، وهذا ما كان يفعله عبد اللّه بن عمرر -﵄-.\nثانيًا: أن يتحرى تلك البقعة للصلاة عندها من غير أن يكون ذلك وقتًا للصلاة، بل أراد أن ينشئ الصلاة والدعاء لأجل البقعة، فهذا لم ينقل عن ابن عمر ولا غيره.\nثالثًا: أن لا تكون تلك البقعة في طريقه، بل يعدل عن طريقه إليها، أو يسافر إليها سفرًا قصيرًا أو طويلًا، مثل من يذهب إلى حراء ليصلي فيه ويدعو، أو يذهب إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى ليصلي فيه ويدعو، أو يسافر إلى غير هذه الأمكنة من الجبال وغير الجبال، التي يقال: فيها مقامات الأنبياء أو غيرهم، أو مشهد مبني على أثر نبي من الأنبياء، ونحو هذه البقاع، فهذا مما يعلم كل من كان عالمًا بحال رسول الله -ﷺ-، وحال أصحابه من بعده، أنهم لم يكونوا يقصدون شيئًا من هذه الأمكنة (^١).\nوالصورة الأولى التي كان يفعلها ابن عمر لا حجة للمتمسك بها في تجويزه تتبع آثار النبي -ﷺ- من أجل العبادة أو التبرك بها؛ لأمور عدة:\nأولًا: أن عبد الله بن عمر -﵄- لم يكن قصده بركة البقعة، أو خيرية المكان، وإنما كان يقصد تمام الاقتداء بالنبي -ﷺ- والمتابعة له في كل أموره وشؤونه.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وهذا من ابن عمر تحرِّ لمثل فعله، فإنه قصد أن يفعل مثل فعله، في نزوله وصلاته، وصبه للماء وغير ذلك، ولم\n_________\n(^١) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٤٢٤).","vol":"1","page":208},{"text":"يقصد ابن عمر الصلاة والدعاء في المواضع التي نزلها\" (^١).\nوقال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ -حفظه الله-: \"وابن عمر ما كان يطلب بركة المكان، ولكنه يطلب تمام الاقتداء بكل ما فعله رسول الله -ﷺ- في جميع أحواله، حتى إنه أراد الصلاة في كل مكانٍ صلى فيه رسول الله -ﷺ-، وكان يتتبع ذلك ويعلمه، وما كان فعله -فيما يظهر- قصدًا للتبرك بالبقعة كما يفهمه المتأخرون، وإنما قصد تمام الاقتداء\" (^٢).\nويقول الدكتور ناصر الجديع: \"إن عبد الله بن عمر -﵄- لا يقصد التبرك بالصلاة في المواضع التي صلى فيها الرسول -ﷺ-، إنما كان قصده شدة الاقتداء والاتباع للنبي -ﷺ- والتشبه به، فهو حريص على بركة الاقتداء، لا على بركة المكان\" (^٣).\nثانيًا: أن اتباع النبي -ﷺ- لا يكون إلا بموافقته في الظاهر والباطن؛ أي: في صورة العمل وقصده من العمل -كما مرَّ معنا من قبل- أما موافقته -ﷺ- في ظاهر العمل ومخالفته في القصد والنية، فالصحيح من أقوال أهل العلم أن ذلك لا يعتبر اتباعًا للنبي -ﷺ-، بل قد يكون من البدع المنهي عنها.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وذلك لأن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا فعل فعلًا على وجه العبادة شرع لنا أن نفعله على وجه العبادة، وإذا قصد تخصيص مكان أو زمان بالعبادة خصصناه بذلك، كما كان يقصد أن يطوف حول الكعبة، وأن يستلم الحجر الأسود، وأن يصلي خلف المقام، وكان يتحرى الصلاة عند إسطوانة\n_________\n(^١) المصدر نفسه (ص ٤٢٣).\n(^٢) هذه مفاهيمنا، للشيخ صالح آل الشيخ (ص ٢٢٢).\n(^٣) التبرك أنواعه وأحكامه (ص ٣٥٠).","vol":"1","page":209},{"text":"مسجد المدينة، وقصد الصعود على الصفا والمروة، والدعاء، والذكر هناك، وكذلك عرفة ومزدلفة وغيرهما.\nوأما ما فعله بحكم الاتفاق ولم يقصده؛ مثل أن ينزل بمكان ويصلى فيه لكونه نزله لا قصدًا لتخصيصه به بالصلاة والنزول فيه، فإذا قصدنا تخصيص ذلك المكان بالصلاة فيه، أو النزول لم نكن متبعين، بل هذا من البدع\" (^١).\nثالثًا: أنه لم يوافق ابن عمر -﵄- على فعله هذا جمهور الصحابة، بل هذا مما انفرد به مخالفًا بذلك الغالب والمتواتر من فعل صحابة النبي -ﷺ-، وبناء على ذلك فالحجة في قول جمهور الصحابة؛ إذ إن قول الصحابي لا يعتبر حجة إذا خالفه صحابي آخر، فكيف والمخالفة وقعت من جمهورهم.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"ولم يستحب ذلك جمهور العلماء، كما لم يستحبه ولم يفعله أكابر الصحابة؛ كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وغيرهم، لم يفعلوا مثل ما فعل ابن عمر، ولو رأوه مستحبًا لفعلوه كما كانوا يتحرون متابعته والإقتداء به\" (^٢).\nوقال - ﵀ - أيضًا: \"وإدن ادعى بعض الناس أن ابن عمر فعله، فقد ثبت عن أبيه عمر أنه نهى عن ذلك، وتواتر عن المهاجرين والأنصار:\nأنهم لم يكونوا يفعلون ذلك؛ فيمتنع أن يكون فعل ابن عمر -لو فعل ذلك- حجة على أبيه، وعلى المهاجرين والأنصار\" (^٣).\nوقال الشيخ محمود شكري الألوسي (^٤) في ترجيحه لفعل عمر بن\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ٢٨٠)، وانظر: اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٣٨٧).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ٢٨٠).\n(^٣) اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٤٢٤).\n(^٤) هو: أبو المعالي السيد محمود شكري ابن السيد عبد الله بن السيد محمود (٥) شهاب الدين الألوسي، العالم العلامة، اللغوي، الأديب المصلح، ولد سنة =","vol":"1","page":210},{"text":"الخطاب على ابنه عبد اللّه بن عمر -﵄-: \"وما ذكره عمر هو الحريّ بالقبول، وهو مذهب جمهور الصحابة -غير ابنه-، وهو الذي يجب العمل به ويعول عليه\" (^١).\nويقول الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ -حفظه الله-: \"وإنما قصد -أي: ابن عمر- تمام الاقتداء، ولم يفعله غيره من صحابة المصطفى -ﷺ-، ولم يوافقوه، بل إن أباه نهى الناس عن تتبع الآثار المكانية، وقوله مقدم على رأي ابنه عند الخلاف باتفاق، وهو خلاف لا يقوم في مقابلة اتفاق عمل الصحابة على ترك ما فعله ابن عمر -﵁-، ولا شك أن الصواب، والحق مع عمر -﵁- وبقية الصحابة، وهو الحري بالاتباع، الفاصل عند النزاع، والله أعلم\" (^٢).\nثالثًا: لقد ظهر لنا بجلاء -مما سبق- خطورة تتبع آثار الأنبياء وما فيه من التشبه بالمشركين وأهل الكتاب، وكونه ذريعة لتعظيم تلك الآثار، وتعلق القلوب بها، مما يفضي في الغالب -مع طول العهد- إلى وقوع المسلم في الشرك بالله تعالى، واعتقاد النفع والضر في تلك الأماكن، فيقصدها تقربًا إلى الله، وطلبًا للبركة وابتغاء للخير.\nوبناء على ذلك، يظهر حكم إحياء الآثار الإسلامية؛ وخاصة آثار الأنبياء والصالحين، والاهتمام بها، وتعظيمها، وتمجيدها، والمحافظة عليها، وأن ذلك مما نهى عنه الشرع وحرمه، بل الواجب هو إزالتها،\n_________\n= ١٢٧٢ هـ، تلقي العلم عن أبيه وعمه نعمان خير الدين وغيرهم، وتقدم في العلوم العقلية والنقلية، حارب البدع والخرافات، ودعا إلى نهج السلف الصالح، وهاجم التصوف وطرقه، من مؤلفاته: بلوغ الإرب في أحوال العرب، وأخبار بغداد وما جاورها من البلدان، وغاية الأماني في الرد على النبهاني، توفي -﵀- في بغداد سنة ألف وثلاثمائة واثنتين وأربعين من الهجرة. [انظر ترجمته في: مشاهير علماء نجد وغيرهم (ص ٢٨٦)، والأعلام للزركلي (٧/ ١٧٢ - ١٧٣)].\n(^١) مسائل الجاهلية (ص ١٢٣).\n(^٢) هذه مفاهيمنا (ص ٢٢٢ - ٢٢٣).","vol":"1","page":211},{"text":"وإخفاؤها، والقضاء عليها حتى لا تكون مصدر شر، ومنبع فتنة للجهلة وضعاف النفوس.\nومما يدل على حرمة إحياء ما يسمى بالآثار الإسلامية، وتشديد الشرع في تشييدها، والمحافظة عليها ما يلي:\nأولًا: كون ذلك من البدع التي ليس عليها دليل من الكتاب والسُّنَّة، ولا من فعل سلف الأمة من أهل القرون المفضلة، فلم يثبت عن النبي -ﷺ- أنه اهتم بالآثار الإسلامية من حيث البناء والتشييد والزيارة (^١)، إلا ما دل الشرع على وجوب تعظيمه، ولم يثبت ذلك عن صحابته الكرام، ولا عن أحد من علماء الأمة المشهود لهم بالخيرية والإمامة، ولو كان ذلك خيرًا وسُنَّة وطاعة لسبقونا إليه، فعلم أنه من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان، ومن الإحداث في الدين الذي نهانا عنه ربنا ﵎ في قوله -﷿-: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾ [الشورى: ٢١]. فسماهم الله ظالمين وتوعدهم بالعذاب.\nوجاء عن جابر بن عبد الله -﵁- قال: (كان رسول الله -ﷺ- إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: \"صبحكم ومساكم\"، ويقول: \"بعثت أنا والساعة كهاتين\"، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: \"أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة\") (^٢).\n_________\n(^١) لقد أقام -ﷺ- بمكة بعد النبوة بضع عشرة سنة، وأتاها بعد الهجرة في عمرة القضية، وفي غزوة الفتح، وفي عمرة الجعرانة، ولم يقصد غار حراء، وكذلك أصحابه من بعده لم يكن أحد منهم يأتي غار حراء. [انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ١١)، وانظر: (٢٦/ ١٤٤)].\n(^٢) رواه الإمام مسلم، كتاب الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة (٢/ ٥٩٢)، رقم (٨٦٧).","vol":"1","page":212},{"text":"يقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ في جواب سؤال عن دار الأرقم وجعلها مزارًا أو مكتبة، أو متحفًا: \"أما اتخاذ دار الأرقم بن أبي الأرقم (^١) مزارًا للوافدين إلى البيت الحرام يتبركون به بأي وسيلة كان ذلك، سواء كانت إعلان كتابة دار الأرقم عليها وفتحها للزيارة، أو اتخاذها مكتبة، أو متحفًا، أو مدرسة، فهذا أمر لم يسبق إليه الصحابة الذين هم أعلم بما حصل في هذه الدار من الدعوة إلى الإسلام والاستجابة لها؛ بل كانوا يعتبرونها دارًا للأرقم، له التصرف فيها شأن غيرها من الدور، وكان الأرقم نفسه يرى هذا الرأي حتى إنه تصدق بها على أولاده، فكانوا يسكنون فيها\" (^٢).\nويقول الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز: \"ولو كان تعظيم الآثار بالوسائل التي ذكرها الكاتب وأشباهها مما يحبه الله ورسوله لأمر به -ﷺ-، أو فعله أصحابه الكرام -﵃-، فلما لم يقع شيء من ذلك علم أنه ليس من الدين، بل هو من المحدثات التي حذر منها النبي -ﷺ-، وحذر منها أصحابه -﵃-\" (^٣).\nويقول -﵀- أيضًا: \"ولو كان إحياؤها أو زيارتها أمرًا مشروعًا لفعله النبي -ﷺ- في مكة وبعد الهجرة، أو أمر بذلك، أو فعله أصحابه،\n_________\n(^١) هو: الأرقم بن أبي الأرقم بن عبد مناف بن أسد بن عبد الله بن مرة بن كعب أبو عبيد الله القرشي المخزومي، أحد السابقين، استخفى النبي -ﷺ- بداره المعروفة بدار الخيزران عند الصفا حين دخل عليه عمر بن الخطاب -﵁- وأسلم، نفله النبي -ﷺ- يوم بدر سيفًا، واستعمله على الصدقات، وهو ممن شهد بدرًا وأحدًا، والمشاهد كلها، وأقطعه النبي -ﷺ- دارًا بالمدينة، مات سنة ٥٣ هـ، وقيل: سنة ٥٥ هـ، وقيل: يوم توفي أبو بكر الصديق -﵁-، ودفن بالبقيع عن بضع وثمانين سنة، وصلى عليه سعد بن أبي وقاص -﵁- بوصيته. [انظر ترجمته في: مشاهير علماء الأمصار (ص ٣١)، والتحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة (١/ ١٦٥)].\n(^٢) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (١/ ١٥٢) وما بعدها.\n(^٣) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، للشيخ ابن باز (١/ ٤٠٣ - ٤٠٤).","vol":"1","page":213},{"text":"أو أرشدوا إليه، وسبق أنهم أعلم الناس بشريعة الله، وأحبهم لرسوله -ﷺ-، وأنصحهم لله ولعباده، ولم يحفظ عنه -ﷺ- ولا عنهم أنهم زاروا غار حراء حين كانوا بمكة، أو غار ثور، ولم يفعلوا ذلك أيضًا حين عمرة القضاء، ولا عام الفتح، ولا في حجة الوداع، ولم يعرجوا على موضع خيمتي أم معبد، ولا محل شجرة البيعة، فعلم أن زيارتها وتمهيد الطرق إليها أمر مبتدع لا أصل له في شرع الله\" (^١).\nثانيًا: ما يتضمنه إحياء هذه الآثار من التشبه بالمشركين وأهل الكتاب الذين يهتمون ويمجدون هذه الآثار، ويعتجرون تعظيمها والعناية بها مظهرًا من مظاهر التقدم والحضارة، بل ورافدًا اقتصاديًا، وموردًا هامًّا يُدِرُّ على الدول الأموال الطائلة، وذلك بسبب فتحهم لأبواب السياحة، التي أصبحت الشغل الشاغل لكثير من الناس.\nوقد نهينا عن مشابهتهم كما في حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من تشبه بقوم فهو منهم\" (^٢).\nيقول الإمام ابن القيم: \"ومن خص الأمكنة والأزمنة من عنده بعبادات لأجل هذا وأمثاله كان من جنس أهل الكتاب، الذين جعلوا زمان أحوال المسيح مواسم وعبادات؛ كيوم الميلاد، ويوم التعميد، وغير ذلك من أحواله\" (^٣).\nيقول الشيخ محمود شكري الألوسي في مسألة اتخاذ آثار الأنبياء مساجد؛ والتي نص عليها الشيخ -المجدد الإمام- محمد بن عبد الوهاب في كتابه مسائل الجاهلية ما نصه: \"فإن هذه المسألة أيضًا من بدع\n_________\n(^١) المصدر نفسه (٣/ ٣٣٩).\n(^٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب اللباس، باب: في لبس الشهرة (٤/ ٤٤)، رقم (٤٠٣١)، من رواية ابن عمر -﵁- وحسنه الحافظ في الفتح (١٠/ ٢٧١).\n(^٣) زاد المعاد في هدي خير العباد (١/ ٥٩).","vol":"1","page":214},{"text":"جاهلية الكتابيين، كانوا يتخذون آثار أنبيائهم مساجد، فورثهم الجاهلون من هذه الأمة، فتراهم يبنون على موضع اختفى به النبي -ﷺ- أو وصل قدمه المبارك إليه، أو تعبد فيه، وهذا ليس مما يحمد في الشريعة؛ لجره إلى الغلو\" (^١).\nويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: \"أما التمثيل بما فعله اليهود والنصارى؛ فإن الله جلَّ وعلا أمر بالحذر من طريقهم؛ لأنَّه طريق ضلال وهلاك، ولا يجوز التشبه بهم في أعمالهم المخالفة لشرعنا، وهم معروفون بالضلال، واتباع الهوى، والتحريف لما جاء به أنبياؤهم، فلهذا ولغيره من أعمالهم الضالة نهينا عن التشبه بهم، وسلوك طريقهم\" (^٢).\nولقد جدَّ أعداء الإسلام في نشر هذا الداء بين المسلمين، وهو العناية بالآثار، والتنقيب عنها، وتشييدها، والاهتمام بها، وتسهيل الوصول إليها، وتهيئتها لاستقبال الزوار والسياح، بل والافتخار بها، وتأسيس الوزارات للقيام بشؤونها، والمحافظة عليها، وفرض الميزانيات الضخمة للقيام بصيانتها، واللّه لهم بالمرصاد واللّه غالب على أمره وهو المستعان.\nيقول الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله- مبينًا ما يحيكه الأعداء لهدم الإسلام: \"ومن دسائس هذه المنظمات الكفرية: دعوتها إلى إحياء الآثار القديمة، والفنودن الشعبية المندثرة؛ حتى يشغلوا المسلمين عن العمل المثمر، بإحياء الحضارات القديمة، والعودة إلى الوراء، وتجاهل حضارة الإسلام، وإلا فما فائدة المسلمين من البحث عن أطلال الديار البائدة! والرسوم البالية الدارسة! وما فائدة المسلمين من إحياء عادات وتقاليد، أو ألعاب قد فنيت وبادت! في وقت هم في أمسّ الحاجة إلى\n_________\n(^١) مسائل الجاهلية التي خالف فيها رسول الله -ﷺ- أهل الجاهلية، للألوسي (ص ١٢٠).\n(^٢) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، لسماحة الشيخ ابن باز -﵀- (٣/ ٣٣٨).","vol":"1","page":215},{"text":"العمل الجاد المثمر، وقد أحاط بهم أعداؤهم من كل جانب واحتلوا كثيرًا من بلادهم وبعض مقدساتهم\" (^١).\nثالثًا: إن العناية بهذه الآثار، وتمجيدها، والمحافظة عليها من أسباب الشرك بالله العظيم، كما هو المشاهد من بعض الجهلة عند هذه الآثار من التمسح بها والصلاة عندها، واعتقاد النفع والضر فيها، وطلب الشفاعة من أصحابها.\nيقول الإمام ابن رجب: \"وهذا فيه إشارة إلى أن الإفراط في تتبع مثل هذه الآثار يخشى منه الفتنة، كما كره اتخاذ قبور الأنبياء مساجد، وقد زاد الأمر في ذلك عند الناس حتى وقفوا عنده، واعتقدوا أنه كاف لهم، واطرحوا ما لا يُنَجِّيهم غَيْرُه، وهو طاعة الله ورسوله\" (^٢).\nويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: \"إن العناية بالآثار على الوجه الذي ذكر يؤدي إلى الشرك بالله جلَّ وعلا؛ لأن النفوس ضعيفة ومجبولة على التعلق بما تظن أنه يفيدها.\nوالشرك بالله أنواعه كثيرة غالب الناس لا يدركها، والذي يقف عند هذه الآثار سواء كانت حقيقة أو مزعومة بلا حجة، يتضح له كيف يتمسح الجهلة بترابها، وما فيها من أشجار أو أحجار، ويصلي عندها ويدعو من نسبت إليه ظنًا منهم أن ذلك قربة إلى الله سبحانه، ولحصول الشفاعة، وكشف الكربة، ويعين على هذا كثرة دعاة الضلال الذين تربَّت الوثنية في نفوسهم، والذين يستغلون مثل هذه الآثار لتضليل الناس، وتزيين زيارتها لهم حتى يحصل بسبب ذلك على بعض الكسب المادي، وليس هناك غالبًا من يخبر زوارها بأن المقصود العبرة فقط، بل الغالب العكس، ويشاهد العاقل ذلك واضحًا في بعض البلاد التي بليت بالتعلق\n_________\n(^١) الخطب المنبرية في المناسبات العصرية (٣/ ٨٥ - ٨٦).\n(^٢) فتح الباري لابن رجب (٣/ ١٧٩).","vol":"1","page":216},{"text":"بالأضرحة، وأصبحوا يعبدونها من دون الله ويطوفون بها كما يطاف بالكعبة باسم أن أهلها أولياء، فكيف إذا قيل لهم: إن هذه آثار رسول الله -ﷺ-\" (^١).\nرابعًا: أن تعظيم آثار الأنبياء والصالحين لا يكون بتمجيد آثارهم الأرضية الترابية، وإنما يكون بتمجيد آثارهم في أفعالهم وأقوالهم وسيرتهم وحياتهم كلها، والاقتداء بهم فيها، واتباع هديهم، واقتفاء طريقتهم، هذا هو التعظيم النافع، الذي تحتاجه الأمة، وهو الذي ينال به العبد محبة الله تعالى ورضوانه والجنة.\nفعن الحسن البصري: \"أنه رأى قومًا يزدحمون على حمل نعش بعض الموتى الصالحين، فقال: في عمله فنافسوا\" (^٢).\nقال ابن رجب بعد أن نقل قول الحسن: \"يشير إلى أن المقصود الأعظم متابعته في عمله، لا مجرد الازدحام على حمل نعشه\" (^٣).\nيقول الشيخ عبد العزيز بن باز: \"إن تعظيم الآثار لا يكون بالأبنية، والكتابات، والتأسي بالكفرة، وإنما تعظيم الآثار يكون باتباع أهلها في أعمالهم المجيدة، وأخلاقهم الحميدة، وجهادهم الصالح قولًا وعملًا، ودعوة وصبرًا، هكذا كان السلف الصالح يعظمون آثار سلفهم الصالحين، وأما تعظيم الآثار بالأبنية، والزخارف، والكتابة، ونحو ذلك فهو خلاف هدي السلف الصالح، وإنما ذلك سُنَّة اليهود والنصارى ومن تشبه بهم\" (^٤).\nويقول الشيخ صالح الفوزان: \"إن الأمة ليست بحاجة إلى إحياء\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ومقالات متنوعة (٣/ ٣٣٦).\n(^٢) فتح الباري، لابن رجب (٣/ ١٧٩) وذكر المحقق أن في إحدى النسخ: (فتنافسوا)، وقد بحثت عن إسناده فلم أجده.\n(^٣) فتح الباري لابن رجب (٣/ ١٧٩).\n(^٤) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (١/ ٣٩١).","vol":"1","page":217},{"text":"الآثار الترابية، وإنما هي بحاجة إلى إحياء السُّنَّة النبوية، واقتصاد في سُنّة خير من اجتهاد في بدعة\" (^١).\nولذلك عميت غالب آثار الأنبياء؛ كقبورهم، وما كان مختصًا بهم، وتلك رحمة من الله ﵎، ثم إنه لا يترتب على معرفتها مصلحة دينية، ولو كانت هناك مصلحة دينية شرعية لبقيت تلك الآثار إلى نهاية الدنيا، إذ هي بهذه الحال جزء من الدين الذي تكفل الله بحفظه، كما أبقى الله آثار الأنبياء في حجهم مثلًا لهذا البيت العظيم، فأبقى البيت العتيق وعرفة ومزدلفة وغيرها من مشاعر الحج، فهي معروفة معلومة لا يجهلها أحد؛ لما سرتب عليها من المصلحة العظيمة إلى نهاية الدنيا.\nيقول الإمام ابن كثير فيما يتعلق بأصحاب الكهف: \"ولم يخبرنا بمكان هذا الكهف، في أي البلاد من الأرض؛ إذ لا فائدة لنا فيه، ولا قصد شرعي، وقد تكلف بعض المفسرين فذكروا فيه أقوالًا ... \"، فذكرها ثم قال: \"والله أعلم بأي بلاد الله هو، ولو كان لنا فيه مصلحة دينية لأرشدنا الله تعالى ورسوله إليه، فقد قال -ﷺ-: \"ما تركت شيئًا يقربكم إلى الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أعلمتكم به\" (^٢)، فأعلمنا تعالى بصفته ولم يعلمنا بمكانه\" (^٣).\n_________\n(^١) مقال بعنوان: (أتعجب من استغلالك النصوص في غير مدلولها وليّ أعناقها في غير اتجاهها)، وهو رد على الكاتب عمر كامل، لمعالي الشيخ صالح الفوزان، جريدة المدينة -ملحق الرسالة- الجمعة بتاريخ ٨/ ٣/ ١٤٢٤ هـ.\n(^٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٥) برقم (٢١٣٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٧٩) برقم (٣٤٣٣٢)، وغيرهم، ولفظه: \"ليس من عمل يقرب إلى الجنة إلا قد أمرتكم به، ولا عمل يقرب إلى النار إلا قد نهيتكم عنه ... \"، وبلفظ آخر رواه الشافعي في مسنده (ص ٢٣٣)، وعبد الرزاق في مصنفه (١١/ ١٢٥) برقم (٢٠١٠٠)، والزهد، لهناد بن السري (١/ ٢٨١) برقم (٤٩٤)، وحسنه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة (٦/ ٨٦٥) برقم (٢٨٦٦).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٣/ ٧٦).","vol":"1","page":218},{"text":"ومما سبق يتبين لنا حرمة تعظيم هذه الآثار -سواء كانت آثارًا للنبي -ﷺ- أو لأحد من الأنبياء أو الصالحين أو العلماء- والمحافظة عليها وتشييدها، وأن الواجب على أولياء الأمور والعلماء محاربة هذه الآثار التي ضلَّ بسببها كثير من الناس، وقادتهم إلى التعلق بها، ومن ثم الاعتقاد فيها رجاء نفعها وبركتها، بل الواجب هدم هذه الآثار، وإزالتها؛ خاصة إذا صارت مظاهر للشرك بالله العظيم.\nيقول الإمام ابن القيم: \"ومنها: أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يومًا واحدًا؛ فإنَّها شعائر الكفر والشرك، وهي أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة، وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانًا وطواغيت تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذر والتقبيل لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، أو أعظم شركًا عندها وبها، والله المستعان\" (^١).\nهذا ما وقفت عليه من مفاسد تنجم عن العناية بمثل هذه الآثار، إضافة إلى ما في العناية بها من تبذير للأموال العظيمة، وإهدار للطاقات، وتضييع للأوقات، فيما لا نفع فيه ولا فائدة تعود على الأمة، والله أعلم.\n_________\n(^١) زاد المعاد (٣/ ٥٠٦)، وانظر كذلك: (٣/ ٦٠١).","vol":"1","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>المبحث السادس\nقاعدة النزاع بين الرسل وأقوامهم إنما كان في إفراد الله بالعبادة وترك عبادة ما سواه</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-58> المسألة الأولى * معنى القاعدة</span>\nإن من سُنّة الله تعالى في خلقه أن خلق الخير والشر منذ بدء الخليقة وإلى نهاية الدنيا، وله سبحانه في ذلك الحكمة البالغة، فمن ذلك أنه جعل لكل من يدعو إلى الخير مضادًا ومعارضًا يعارضه في دعوته للخير بنشر الشر وإحقاق الباطل، والإفك والعدوان، ولذا جعل لكل نبي من الأنبياء عدوًا يعارض دينهم، ويضع العراقيل في طريق دعوتهم، ويفتري الكذب، ويصنع الشبهات التي تصد الناس عن التزام طريقهم، والسير على منهاجهم، هذه سُنَّة ربانية لا تتخلف أبدًا، فكل الأنبياء لهم أعداء، وكذلك أتباعهم من المؤمنين لهم نصيب وافر من هذه العداوة، وهذا الكيد من أعداء الله، وأعداء دينه.\nقال تعالى في بيان تاريخ هذه العداوة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ [الأنعام: ١١٢]، وقال سبحانه:","vol":"1","page":220},{"text":"﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾ [الفرقان: ٣١]، وقال - ﷿ -: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (٤٣)﴾ [فصلت: ٤٣]، وقد جاء في حديث ورقة بن نوفل عندما قال للنبي -ﷺ-: \"ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك؛ فقال رسول الله -ﷺ-: أو مخرجي هم؟ قال: نعم؛ لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا\" (^١).\nوله -﷾- في جعل هؤلاء الأعداء للحق الحكمة البالغة، والغاية العظيمة، ومن تلك الحكم أن وجود الباطل مقابل الحق من أعظم الطرق لظهور الحق وغلبته، وانتصاره، وقوته، وهيمنته على الباطل أجمع، فبظهور الباطل يظهر الحق ناصعًا وغالبًا، وعندها يعلم الله المجاهدين في سبيله والصابرين من أجل نصرة دينه وعلو شريعته.\nوقد نصت القاعدة على أن أصل النزاع بين جميع الرسل وأقوامهم إنما كان في توحيد الرب ﵎ بالعبادة، وإفراده بجميع العبادات، وعدم صرف شيء من العبادة لغيره -﷾-.\nفالصراع الذي دام بين الأنبياء وأتباعهم وبين الأمم الكافرة على مدى تاريخ البشرية الغابر لم يكن في إثبات وجوده سبحانه، ولا كونه ربًّا خالقًا ومالكًا للعالم، فكل هذه المعاني في الجملة من المُسَلَّمَات التي كان يعتقدها أهل الكفر ويؤمنون بها (^٢)، بل ولم ينازعوا الرسل في كونه سبحانه يستحق العبادة؛ لأنَّهم ما تركوا عبادة الله تعالى، بل كانت لهم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، بدء الوحي (١/ ٤) برقم (٣)، عن عائشة -﵂-.\n(^٢) اعتقادهم لربوبية الله تعالى عمومًا لم يكن تامًا صحيحًا، بل هم في الجملة يسلمون ببعض معاني الربوبية خاصة الخلق، والملك، والإحياء، والإماتة، وغير ذلك مما ذكره الله عنهم في القرآن، وسيأتي بيان هذه المسألة بتفصيل في قاعدة مستقلة (ص ٤٥٠).","vol":"1","page":221},{"text":"عبادات يصرفونها لله تعالى، وقد يخلصون في عباداتهم في أوقات الشدة والضيق، وإنما النزاع بينهم وبين الرسل في تخصيص الله بالعبادة، وإفراده بها دون كل ما سواه جلَّ وعلا (^١).\nهذا هو محك الخصومة، وأساس النزاع، ومنبع العداوة بين الأنبياء وأقوامهم، فالأنبياء ما زالوا يدعونهم إلى توحيد الله تعالى، وإخلاص العبادة له، وأقوامهم المشركون ما فتئوا يعاندون، ويستكبرون، ويصرون على الشرك بالله العظيم، والعكوف على عبادة الأوثان، ويصدون عن ذكر الله كثيرًا، إلا من هداه الله منهم فرجع إلى التوحيد وإخلاص التعبد لله وحده.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-59> المسألة الثانية * أدلة القاعدة</span>\nلا تكاد أدلة هذه القاعدة تحصى كثرة، فهي من أوضح المعاني التي كثر ذكرها وتقريرها في القرآن العظيم، كما أن سيرته -ﷺ- خير شاهد على ما دلت عليه، وفيما يأتي أذكر بعض هذه الأدلة الدالة على حقيقة الخصومة بين الأنبياء وأممهم الذين بعثوا إليهم:\nأولًا: الأدلة العامة الدالة على أن أصل دعوة جميع الأنبياء والمرسلين إنما كان قائمًا على دعوة المشركين إلى عبادة الله تعالى، وإخلاص التوجه له وحده، والتحذير من الإشراك في العبادة بأحد من الخلق مهما كانت مكانته، ومهما علت منزلته، ومن تلك النصوص:\n١ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥].\n_________\n(^١) انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (٢/ ٥١).","vol":"1","page":222},{"text":"فأبان الله سبحانه في هذه الآيات الكريمة أنه بعث في كل أمة من الناس رسولًا، وأنه ما أرسل رسولًا إلى قومه إلا وجاءهم يدعوهم إلى أن يعبدوا الله وحده، ويجتنبوا عبادة الطاغوت، والعبادة هي التوحيد؛ لأن الخصومة بين الرسل وأممهم في ذلك؛ لأن المشركين يعبدون الله سبحانه، ويعبدون معه غيره، فبعث الله الرسل -﵇- تأمرهم بعبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه (^١).\nيقول الشيخ المراغي (^٢) في معنى الآية: \"أي: وما أرسلنا رسولًا إلى أمة من الأمم إلا أوحينا إليه أنه لا معبود في السموات والأرض إلا أنا؛ فأخلصوا لي العبادة وأفردوا لي الألوهة\" (^٣).\nثانيًا: الأدلة الخاصة على أن دعوة كل نبي لقومه إنما كانت بأمرهم بعبادة الله وحده، وعدم عبادة غيره معه، وأن الخصومة، والصراع، والجدال الذي حصل بين الأنبياء وأقوامهم إنما كان أصله وأساسه راجع إلى إفراد الله بالعبادة، وأن ما يعبدونه من الآلهة والأنداد من دون الله تعالى كلها باطلة لا تملك لهم نفعًا ولا ضرًا، ومن تلك النصوص ما يلي:\n١ - ما حكاه الله تعالى في شأن دعوة نوح -﵇- لقومه: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤)﴾ [نوح: ٢٣، ٢٤]، وقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ\n_________\n(^١) انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (٣/ ٣).\n(^٢) هو: أحمد بن مصطفى المراغي: مفسر مصري، ولد سنة ١٣٠٠ هـ، تخرج بدار العلوم سنة ١٩٠٩ هـ، ثم كان مدرس الشريعة الإسلامية بها، وولي نظارة بعض المدارس، وعين أستاذًا للعربية والشريعة الإسلامية بكلية غوردون -حاليًا جامعة الخرطوم- بالسودان، وتوفي بالقا هرة، له كتب، منها: الحسبة في الإسلام، والوجيز في أصول الفقه، وتفسير المراغي، وعلوم البلاغة، توفي سنة ١٣٧١ هـ. [ترجمته في: الأعلام للزركلي (١/ ٢٥٨)، والإعلام بتصحيح كتاب الأعلام (ص ٤٠)].\n(^٣) تفسير المراغي (١٧/ ٢١).","vol":"1","page":223},{"text":"أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)﴾ [الأعراف: ٥٩].\nفدلت هذه الآيات على أن الصراع بين نوح -﵇- وقومه المشركين كان أساسه في إفراد الله بالعبادة، وتخصيصه جلَّ وعلا بالتأله الخالص، وبطلان عبادة آلهتهم، وبيان حقارتها، وما فتئ الأنبياء -﵈- والصادقون من عباد الله من أتباعهم -من عهد نوح -﵇- وإلى يومنا هذا- ينهون عن تعظيم أحد من الخلق تعظيمًا خاصًا بالرب ﵎، وأن تُصْرف إليه أعمال يقصد منها غاية التعظيم، والذل، والتواضع؛ لأنَّها مختصة بالله تعالى، وهكذا ظلت الحرب الضارية قائمةً بين الفريقين على قدم وساق، لم تضع أوزارها إلى اليوم، وحتى يأتي أمر الله (^١).\nولذا فقد حكى الله تعالى عن جملة من الأنبياء أنهم بدؤوا قومهم بقولهم: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾، بل جميع الرسل كانت دعوتهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له (^٢).\nيقول الشيخ السعدي - ﵀ - في معنى الآية: \"فكلهم اتفقوا على هذه الدعوة، وهي أول دعوة يدعون بها أممهم؛ الأمر بعبادة الله، والإخبار بأنه المستحق لذلك، والنهي عن عبادة ما سواه، والإخبار ببطلان ذلك وفساده\" (^٣).\n٢ - قوله سبحانه عن إبراهيم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ\n_________\n(^١) انظر: رسالة التوحيد للدهلوي (ص ٩٥).\n(^٢) انظر: تفسير الطبري (١٢/ ٥٧)، تفسير ابن كثير (٢/ ٢٢٩)، و(٢/ ٢٣٢)، وتفسير السعدي (ص ٢٩٤)، و(ص ٥٥٠).\n(^٣) تفسير السعدي (ص ٥٥١)، وانظر: (ص ٣٨٣).","vol":"1","page":224},{"text":"مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) ... إلى قوله: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ [الأنبياء: ٥١ - ٦٧]، فأوضح الله تعالى في هذه الآيات أصل الخصومة والجدال الذي دار بين إبراهيم وقومه، وأنه انحصر في تخصيص الله بالعبادة، وإبطال إلهية ما سواه، وأنها من أبطل الباطل المزعوم، وأعظم الإفك المفترى.\nولذا قال سبحانه عن إبراهيم: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾ [العنكبوت: ١٦، ١٧].\nوبذلك تظهر حقيقة الصراع المحتدم، والجدال العنيف، والتصادم الضاري، والخصام الشديد الذي دار بين خليل الرحمن إبراهيم -﵇- وبين قومه المشركين، وأن أصل ذلك النزاع في إفراد الله تعالى، وتخصيصه بالعبادة، وأن آلهتهم ما هي إلا مجرد إفك مفترى، وباطل مزعوم.\n٣ - قوله تعالى في قصة هود -﵇- مع قومه: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)﴾ [الأعراف: ٧٠]، وقوله سبحانه عنهم: ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣)﴾ [هود: ٥٣].\nأي: أجئتنا لنعبد الله وحده، ونخالف آباءنا وأسلافنا، وما كانوا عليه، فإن كنت صادقًا فيما جئت به فأتنا بما تعدنا من العذاب،","vol":"1","page":225},{"text":"والنكال، فإنا لا نؤمن بك، ولا نتبعك، ولا نصدقك (^١).\nفهم إنما أنكروا اختصاصه -﷾- بالعبادة، والإعراض عن عبادة الأوثان؛ انهماكًا منهم في التقليد، وحبًّا لما ألفوه، وألفوا أسلافهم عليه (^٢).\n٤ - وقال سبحانه عن قوم صالح -﵇-: ﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢)﴾ [هود: ٦٢].\nأي: قد كنا نرجو أن يكون عقلك كاملًا قبل هذه المقالة، وهي دعاؤك إيانا إلى إفراد العبادة، وترك ما كنا نعبده من الأنداد، والعدول عن دين الآباء والأجداد، أفتنهانا أن نعبد الآلهة التي كانت آباؤنا تعبد، مع عدم علمنا بصحة ما تدعونا إليه من توحيد الله تعالى، وإخلاص الألوهية له (^٣).\nفجعلوا نهي نبي الله صالح -﵇- لهم عن عبادة الآلهة قدحًا في عقولهم، وعقول آبائهم الضالين، كيف ينهاهم عن عبادة من لا ينفع ولا يضر ولا يغني شيئًا؛ من الأحجار، والأشجار، ونحوها، ويأمرهم بإخلاص الدين لله ربهم، وقد قالوا له ذلك على جهة التوعد والاستبشاع لتلك المقالة منه (^٤).\n٥ - وقال تعالى عن قوم شعيب - ﵇ -: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾ [هود: ٨٧].\n_________\n(^١) انظر: البداية والنهاية (١/ ١٢٥).\n(^٢) انظر: تفسير أبي السعود (٣/ ٢٣٩).\n(^٣) انظر: تفسير الطبري (١٢/ ٦٣)، والبداية والنهاية لابن كثير (١/ ١٣٣).\n(^٤) انظر: تفسير السعدي (٣٨٥)، وروح المعاني (١٢/ ٨٩).","vol":"1","page":226},{"text":"يقولون هذا على سبيل الاستهزاء، والتنقص، والتهكم بنبيهم، والاستبعاد لإجاباتهم له، فمعنى كلامهم: أنه لا موجب لنهيك لنا إلا أنك تصلي لله، وتتعبد له، فإن كنت كذلك؛ أفيوجب ذلك علينا أن نترك ما يعبد آباؤنا لقول ليس عليه دليل إلا أنه موافق لك، فكيف نتبعك ونترك ما يعبد آباؤنا الأقدمون وأسلافنا الأولون، أولي العقول والألباب (^١).\n٦ - وقال سبحانه عن كفار العرب من قريش: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾ [ص: ١ - ٧].\nأي: أزعم هذا الرسول محمد -ﷺ- أن المعبود واحد [لا إله إلا هو)، أنكر المشركون ذلك قبحهم الله تعالى، وتعجبوا من ترك الشرك بالله؛ فإنَّهم كانوا قد تلقوا عن آبائهم عبادة الأوثان، وأشربته قلوبهم، فلما دعاهم الرسول -ﷺ- إلى خلع ذلك من قلوبهم، وإفراد الإله بالوحدانية، أعظموا ذلك، كيف ينهى عن اتخاذ الشركاء، والأنداد، ويأمر بإخلاص العبادة لله وحده، إن هذا الذي جاء به لشيء يقضي منه العجب؛ لبطلانه، وفساده عندهم. وأصبح سادتهم، وقادتهم، ورؤساؤهم، وكبراؤهم يوصون أتباعهم بالصبر على عبادة الآلهة، وعدم الالتفات إلى ما يدعوهم إليه محمد -ﷺ- من التوحيد والإخلاص (^٢).\nوقال ﵎ عنهم كذلك: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا\n_________\n(^١) انظر: البداية والنهاية (١/ ١٨٦ - ١٨٧)، وتفسير السعدي (٣٨٧).\n(^٢) انظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٢٨)، وتفسير السعدي (ص ٧١٠).","vol":"1","page":227},{"text":"أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤١ - ٤٤].\nوالمعنى: أي ليصرفنا ويثنينا عن عبادتها صرفًا كليًا، بحيث يبعدنا عنها، لا عن عبادتها فقط بأن يجعل الآلهة إلهًا واحدًا، ولولا أن ثبتنا عليها، واستمسكنا بعبادتها، لأضلنا، فزعموا -قبحهم الله- أن الضلال هو التوحيد، وأن الهدى ما هم عليه من الشرك؛ فلهذا تواصوا بالصبر، والاستمرار، والتجلد عليه (^١).\nفهذه النصوص وما جاء في معناها لتدل أوضح دلالة على أن معترك الخصومة، ومضمون النزال والجدال بين الأنبياء وأقوامهم: إنما كان حول توحيد العبادة والدعوة إلى إخلاص الدين لله.\nثالثًا: ما حكاه الله تعالى عن المشركين من النفور، والصد، والاشمئزاز، والاستكبار، وتسفيه الرسول -ﷺ-، والطعن في القرآن الكريم، كل ذلك بسبب قول الرسول -﵇- لهم: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، إضافة لما في نفوسهم من الإصرار على عبادة الآلهة، والأنداد، ورفضهم إخلاص الدين والعبادة لله سبحانه وحده دون ما سواه، وكل هذا يدل دلالة واضحة على أن أصل النزاع كان في توحيد العبادة، وإفراد الله سبحانه بالتأله، وإبطال جميع ما يعبد من دونه سبحانه، ومن تلك النصوص ما يلي:\nقوله سبحانه عن المشركين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ [الصافات: ٣٥،\n_________\n(^١) انظر: تفسير أبي السعود (٦/ ٢٢٠)، وتفسير ابن كثير (٣/ ٣٢٠)، وتفسير السعدي (ص ٥٨٣).","vol":"1","page":228},{"text":"٣٦]، وقوله - ﷿ -: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾ [الزمر: ٤٥]، وقوله: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ [غافر: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾ [الإسراء: ٤٦] (^١).\nأي: يستكبرون عن كلمة التوحيد أن يقولوها كما يقولها المؤمنون، ويمتنعون منها، وقيل: يستكبرون عن المتابعة، والانقياد لها، فقلوبهم لا تقبل الخير، ومن لم يقبل الخير يقبل الشر، فهم كانوا إذا قيل لهم: لا إله إلا الله استكبروا، ولم يقولوا، بل قالوا مكانها: أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون (^٢).\nوبقية الآيات أيضًا أشارت إلى هذه الصفة القبيحة، والعادة الذميمة، والطبع المشين للمشركين، والذي يدل على جهلهم، وحماقتهم، وضلالهم، واستكبارهم، وتجبرهم على الحق، وهو أنك إذا ذكرت الله وحده، وقلت: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ودعوت الله وحده دون ما سواه، ظهرت آثار النفرة على وجوههم، وامتلأت قلوبهم غيظًا واشمئزازًا، وإذا ذكرت الأصنام، والأوثان ظهرت آثار الفرح، وتباشير السرور على وجوههم، وانبسطت قلوبهم وانشرحت صدورهم، وذلك يدل على غاية الجهل ومنتهى الحماقة؛ لأن ذكر الله وتوحيده رأس السعادات، وعنوان الخيرات، وأما ذكر الأصنام، وتأليهها مع الله فهو رأس الجهالات والحماقات، فنفرتهم عن ذكر الله وحده، واستبشارهم بذكر هذه الأصنام من أقوى الدلائل\n_________\n(^١) انظر: درء التعارض (١/ ٢٥٥)، وانظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (١٦/ ٢٤٤).\n(^٢) انظر: شعب الإيمان للبيهقي (١/ ١٠٦)، وتفسير السمعاني (٤/ ٣٩٧)، وتفسير البغوي (٤/ ٢٦)، وتفسير ابن كثير (٤/ ٦)، و(٤/ ٥٧).","vol":"1","page":229},{"text":"على الجهل الغليظ والحمق الشديد (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-60> المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nالناظر في كلام أهل العلم - ﵏ - يجد تأييدهم لهذه القاعدة العظيمة التي ينبني عليها كثير من المسائل المتعلقة بالتوحيد والدعوة إليه، -كما سيأتي بيان ذلك قريبًا إن شاء الله-، وما ذاك إلا لكون فهمها واعتقاد ما دلت عليه هو المقياس الصحيح لفهم التوحيد الذي جاء به الأنبياء قاطبة، وفيما يأتي أذكر بعض النقول لأهل العلم المؤيدة والمقررة لهذه القاعدة:\nيقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"والعبادة هي التوحيد؛ لأن الخصومة بين الأنبياء والأمم فيه\" (^٢).\nوقال -﵀- أيضًا: \"والأصل الثاني: وهو توحيد الألوهية، فهو الذي وقع فيه النزاع في قديم الدهر وحديثه، وهو توحيد الله بأفعال العباد؛ كالدعاء، والرجاء، والخوف، والخشية، والاستعانة، والاستعاذة، والمحبة، والإنابة، والنذر، والذبح، والرغبة، والخشوع، والتذلل، والتعظيم\" (^٣).\nويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: \"فاعلم أن الاختلاف بين الرسل وأممهم إنما هو معنى (لا إله إلا الله) بالمطابقة؛ فإن جلمة (لا إله): تنفي الشرك والإلهية عن كل ما سوى الله، وجملة\n_________\n(^١) انظر: التفسير الكبير (٢٦/ ٢٤٨ - ٢٤٩).\n(^٢) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٢/ ٦٦ - ٦٧)، وانظر: مسائل كتاب التوحيد للشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب (ص ٩).\n(^٣) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٢/ ٦٧ - ٦٨).","vol":"1","page":230},{"text":"(إلا الله): تثبت الإلهية بجميع أنواعها الباطنة والظاهرة لله وحده، وبيان هذا في القرآن في آي كثير\" (^١).\nويقول الشيخ السعدي: \"وزبدة دعوة الرسل كلهم، ومدارها على قوله: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ [النحل: ٢] أي: على معرفة الله تعالى، وتوحده في صفات العظمة التي هي صفات الألوهية، وعبادته وحده لا شريك له، فهي التي أنزل بها كتبه، وأرسل بها رسله، وجعل الشرائع كلها تدعو إليها، وتحث وتجاهد من حاربها وقام بضدها\" (^٢).\nويقول -العلامة المفسّر- محمد الأمين الشنقيطي: \"وأكثر آيات القرآن في هذا النوع من التوحيد، وهو الذي فيه المعارك بين الرسل وأممهم\" (^٣).\nويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: \"وإنما الخصومة بين المشركين وبين الرسل في إخلاص العبادة لله وحده\" (^٤).\nويقول الشيخ حافظ الحكمي: \"وإذا عرفت أن توحيد الإلهية هو إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة، ونفي العبادة عن كل ما سوى الله ﵎، فضد ذلك هو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله -﷿-، وهذا هو الغالب على عامة المشركين، وفيه الخصومة بين جميع الرسل وأممها\" (^٥).\nويظهر مما سبق من أقوال أهل العلم أن توحيد الألوهية والعبادة هو محور الخلاف، وأصل النزاع بين الأنبياء وأقوامهم، ومن أجله\n_________\n(^١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١١/ ٤٨٧ - ٤٨٨)، وانظر: مصباح الظلام للشيخ عبد اللطيف (ص ٢٩٨).\n(^٢) تفسير السعدي (٤٣٥).\n(^٣) أضواء البيان (٣/ ١٨).\n(^٤) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (١/ ١٧٣)، وانظر: (٤/ ٤٠٢).\n(^٥) معارج القبول للشيخ حافظ الحكمي (٢/ ٤٥٩).","vol":"1","page":231},{"text":"قامت المعارك الكلامية، والقتالية بين الرسل وأقوامهم المكذبين لهم (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-61> المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nبناء على ما سبق من تقرير للقاعدة، وتدليل على صحتها وثبوتها من النصوص الشرعية، ومن أقوال أهل العلم المرعية، فلا يخفى بعد ذلك أهمية القاعدة، وكونها أصلًا تنبني عليه بعض المسائل الهامة التي هي من صميم التوحيد، والتي لها الأثر الكبير في مسار دعوة الخلق إلى الله تعالى، وفيما يأتي أذكر بعض ما ظهر لي من تلك المسائل والفوائد المستفادة من القاعدة:\nأولًا: دلت القاعدة على أن أصل النزاع بين الرسل وأقوامهم انحصر في توحيد العبادة، وهذا يدل على أنهم كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وأنهم لم ينكروا الله تعالى، سواء وجوده، أو صفاته (^٢)، ولذا لم يأت التكليف من الله تعالى على لسان الرسل بتقرير الربوبية، أو الأسماء والصفات أصالة واستقلالًا، وإنما الذي ضلوا فيه الضلال المبين هو توحيد الإلهية، وإفراد الله تعالى بالتأله والتعبّد، ولذا جاء الأمر به في دعوة جميع الرسل.\nيقول الشهرستاني (^٣): \"ولهذا لم يرد التكليف بمعرفة وجود الصانع، وإنما ورد بمعرفة التوحيد، ونفي الشريك، \"أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ\n_________\n(^١) انظر: مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين (٤/ ٢٣٣ - ٢٣٤).\n(^٢) سيأتي تفصيل ذلك في قاعدة مستقلة (ص ٤٥٠).\n(^٣) هو: محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني أبو الفتح شيخ أهل الكلام وصاحب التصانيف منها نهاية الإقدام والملل والنحل مات سنة تسع وأربعين وخمسمائة. [انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٢٨٦)].","vol":"1","page":232},{"text":"النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أنْ لَا إلهَ إلَّا الله\" (^١)، ولهذا جعل محل النزاع بين الرسل وبين الخلق في التوحيد، ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ...﴾ الآية [غافر: ١٢]، ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الزمر: ٤٥]، ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾ [الإسراء: ٤٦] \" (^٢).\nويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: \"فالخصومة: بين الرسل وأممهم، ليست في وجود الرب، وقدرته على الاختراع: فإن الفطر، والعقول: دلتهم على وجود الرب، وأنه رب كل شيء ومليكه، وخالق كل شيء، والمتصرف في كل شيء؛ وإنما كانت الخصومة: في ترك ما كانوا يعبدونه من دون الله\" (^٣).\nثانيًا: ومما يستفاد من القاعدة أن النزاع بين الرسل وأقوامهم إنما كان في إبطال معبودات المشركين الباطلة من حيث عبادتها والتوجه إليها، ولم يكن نزاعهم من جهة وجودها الحسي، وإمكانها العيني، بل كانت خصومتهم مع المشركين في حقيقة هذه المعبودات، وفي حكم وجودها شرعًا، وفي صحة ما ألبسوها من الأسماء والصفات؛ ولذا ما جاء من التعبير بالنفي المطلق لهذه المعبودات في النصوص الشرعية عائد إلى الحكم الشرعي لا إلى الوجود الحسي (^٤).\nيقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ (^٥): \"والنزاع\n_________\n(^١) انظر: (ص ٥٠١).\n(^٢) نهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني (ص ١٢٣ - ١٢٤)، ونقله عنه شيخ الإسلام في درء التعارض (٣/ ١٢٩ - ١٣٠)، و(٧/ ٣٩٨)، [وانظر: الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية للعروسي (٢/ ٨٦٤)].\n(^٣) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٢/ ٢٣٤).\n(^٤) انظر: للتفريق بين الوجود الحسي والشرعي: كتاب الكليات للكفوي (ص ٤١٨).\n(^٥) هو: هو العلامة الأوحد الكبير الفقيه علامة المعقول والمنقول حاوي علمي الفروع والأصول كما وصفه بهذا علامة العراق محمود شكري الألوسي: الشيخ عبد اللطيف =","vol":"1","page":233},{"text":"بين الرسل ومن خالفهم، في حقيقة معبوداتهم مع الله، لا في وجودها؛ فإن الوجود أمر محسوس لا ينكر؛ ولكن أهل الكلام يكذبون بالحسيات والبديهيات، ويزعمون أنهم أهل العلم والعقليات، ويسمون نصوص الكتاب والسُّنَّة ظنيات، وقواعد المناطقة قطعيات؛ فلا عجب من ضلالهم، في معنى هذه الكلمة، وما أحسن ما حكى الله عن رسله -﵇- من قولهم لمن كذب بتوحيده، وشك فيما جاءت به رسله: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠]؛ لأن هذا من أظهر الظاهرات، وأوضح الواضحات، وأبين البينات.\nوليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل\" (^١)\nثانيًا: أن الدعوة إلى توحيد العبادة هي مفتتح دعوة جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم، لم يشذ نبي في ذلك البتة، ولذا كان أصل النزاع محصورًا فيه، وهذا يدل على أهمية الدعوة إلى التوحيد (^٢).\nيقول أبو حيان: \"أخبر -سبحانه- أنه ما أرسل من رسول إلا جاء مقررًا لتوحيد الله، وإفراده بالإلهية، والأمر بالعبادة، وهذه العقيدة من توحيد الله لم تختلف فيها النبوات، وإنما وقع الاختلاف في أشياء من الأحكام\" (^٣).\nرابعًا: ومما يستفاد من القاعدة أن أصل النزاع والخصومة محصور\n_________\n= ابن الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي أبو عبد الله، ولد -﵀- في بلدة الدرعية عام ١٢٢٥ هـ، من مصنفاته: البراهين الإسلامية في الرد على الشبهات الفارسية وعيون الرسائل، ومصباح الظلام وغيرها كثير، توفي عام ١٢٩٣ هـ. [مشاهير علماء نجد (ص ٧٠) فما بعدها].\n(^١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٢/ ٣٤٠).\n(^٢) سبقت الإشارة إلى هذا المعنى في: قاعدة: دين الأنبياء واحد وهو دين الإسلام (ص ٧٥).\n(^٣) انظر: تفسير البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٢٨٥).","vol":"1","page":234},{"text":"في إفراد الله بالعبادة، وتخصيصه -﵇- بها دون غيره، لا في صرف أصل العبادة لله تعالى، إذ لم ينازع أحد من المشركين في كونه سبحانه معبودًا (^١)، أو في كونه يعبد ويستحق العبادة في الجملة، وإنما كانت حقيقة الخلاف في اختصاص الله بالعبادة، وأنه هو الإله الحق، وأن ما دونه من الآلهة لا تستحق شيئًا من العبادة، وأنها باطلة لا تملك لعابديها نفعًا ولا ضرًا، وأن ما أطلق عليها من تسميات فإنما هي تسميات باطلة خاوية من الحقيقة في أرض الواقع.\nيقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: \"وتقدم قول قوم هود -﵇-: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ [الأعراف: ٧٠]: دليل على أنهم أقروا بوجوده، وربوبيته، وأنهم يعبدونه، لكنهم أبوا أن يجردوا العبادة لله وحده دون آلهتهم التي كانوا يعبدونها معه، فالخصومة بين الرسل وأممهم ليست في وجود الرب، وقدرته على الاختراع: فإن الفطر والعقول دلتهم على وجود الرب، وأنه رب كل شيء ومليكه، وخالق كل شيء، والمتصرف في كل شيء؛ وإنما كانت الخصومة: في ترك ما كانوا يعبدونه من دون الله\" (^٢).\nويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: \"الخصومة بين الرسل والأمم في توحيد العبادة، وإلا فالأمم تقر بأن الله ربها، وخالقها، ورازقها، وتعرف كثيرًا من أسمائه وصفاته، ولكن النزاع والخصومة من عهد نوح إلى يومنا\n_________\n(^١) وما وقع من إنكار ذلك: فإنما هو محض المكابرة، وحال الجحود، ومجرد العناد، وقع من نزر حقير لا يكاد يذكر، قد ملئ مكرًا وخبثًا وخسة وتجبرًا واستكبارًا؛ من شذاذ العالم، وسفلة الخلق، وأراذل البشرية، أنكروا ذلك في الظاهر، وأخفوا بين جنبات نفوسهم يقينًا لم ينفعهم، واعترافًا أوقعهم في المهالك، فكانوا كما حكى الله عنهم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾ [النمل: ١٤].\n(^٢) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٢/ ٢٣٤).","vol":"1","page":235},{"text":"هذا في توحيد الله بالعبادة، فالرسل تقول للناس: أخلصوا العبادة له، وحدوه بها، واتركوا عبادة ما سواه، وأعداؤهم وخصومهم يقولون: لا، بل نعبده، ونعبد غيره، ما نخصه بالعبادة.\nهذا هو محل النزاع بين الرسل والأمم، الأمم لا تنكر عبادته بالجملة، بل تعبده، ولكن النزاع هل يخص بها أم لا يخص؟، فالرسل بعثهم الله لتخصيص الرب بالعبادة، وتوحيده بها دون كل ما سواه؛ لكونه -﷿- القادر على كل شيء، الخلاق، الرزاق للعباد، العليم بأحوالهم، إلى غير ذلك\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (٢/ ٤٢).","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>المبحث السابع\nقاعدة البركة لله وصفًا وملكًا وفعلًا وكل بركة في الكون فمن آثار بركته سبحانه</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-63> المسألة الأولى * شرح بعض ألفاظ القاعدة</span>\nمعنى البركة:\nالبَرَكَةُ في اللغة مشتقة من الأصل اللغوي الثلاثي (بَرَكَ)، على وزن (فَعَلة)، بفتحتين، وهي اسم من (بارك) الرباعي، يقال: بارك يبارك فهو مبارك، والتبريك: الدعاء بالبركة، وبارك الله الشيء، وبارك فيه، وعليه: وضع فيه البركة، وبارك فلانًا، وبارك له، وبارك عليه، وبارك فيه: جعله ذا بركة، وبارك على الشيء: واظب، وبارك الله على محمد وآله أثبت له ولهم، وأدام ما أعطاه وأعطاهم من التشريف (^١).\nوللبركة معانٍ عديدة منها:\n١ - الثبات واللزوم.\n_________\n(^١) ينظر: مقاييس اللغة (١/ ٢٢٧)، والمحكم والمحيط الأعظم (٧/ ٢٣)، ومعجم الأفعال المتعدية بحرف (ص ١٦)، معجم تصريف الأفعال العربية (ص ٢٨٧).","vol":"1","page":237},{"text":"ومنه البروك، وهو ثبات الشيء، يقال: برك البعير يبرُك بروكًا (^١).\nيقول الراغب الأصفهاني (^٢): \"برك البعير ألقى رُكَبَه، واعتُبر منه معنى الملزوم فقيل: ابتركوا في الحرب؛ أي: ثبتوا ولازموا موضع الحرب\" (^٣).\nوقال الجوهري (^٤): \"كل شيء ثبت وقام فقد برك\" (^٥).\n٢ - الزيادة والنماء.\nقال الخليل (^٦): \"البركة من الزيادة والنماء\" (^٧).\nوقال ابن الأثير (^٨) بعد أن ذكر معنى الثبات: \"وتطلق البركة أيضًا\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة (١/ ٢٢٧).\n(^٢) هو: الحسين بن محمد بن المفضل، المعروف بالراغب الأصفهاني، من أهل أصفهان، سكن بغداد، ومن مؤلفاته: محاضرات الأدباء، والذريعة إلى مكارم الشريعة، والمفردات في غريب القرآن ... وغيرها، توفي سنة ٥٠٢ هـ[انظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٢٠)، والأعلام، لخير الدين الزركلي (٢/ ٢٢٥)].\n(^٣) المفردات في غريب القرآن (ص ٤٤)، وانظر: المعجم الأوسط (١/ ٥١).\n(^٤) هو: أبو نصر إسماعيل بن حماد التركي الجوهري؛ إمام اللغة، وأحد من يضرب به المثل في ضبط اللغة، سافر كثيرًا في تطلّب لسان العرب، من أشهر مصنفاته الصحاح، مات سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة. [انظر: السير (١٧/ ٨٢)].\n(^٥) الصحاح (٤/ ١٥٧٤).\n(^٦) هو: العلامة اللغوي الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي الأزدي اليحمدي، أبو عبد الرحمن من أئمة اللغة والأدب وواضع علم العروض، ولد عام ١٠٠ هـ بالبصرة، له مؤلفات منها العين في اللغة ومعاني الحروف وكتاب العروض، وتوفي عام ١٧٠ هـ بالبصرة [انظر: وفيات الأعيان (١/ ١٧٢)، إنباء الرواة للقفطي (١/ ٣٤١)، الأعلام للزركلي (٢/ ٣١٤).\n(^٧) معجم مقاييس اللغة (١/ ٢٣٠).\n(^٨) هو: القاضي مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد الشيباني الجزري، ولد سنة أربع وأربعين وخمسمائة، له مصنفات منها: \"النهاية في غريب الحديث والأثر\"، و\"جامع الأصول\" توفي سنة ست وستمائة [انظر: السير (٢١/ ٤٨٨)، وشذرات الذهب (٥/ ٢٢)].","vol":"1","page":238},{"text":"على الزيادة، والأصل الأوّل\" (^١). والتبريك: هو الدعاء بالبركة (^٢)، واليمن هو البركة.\n\"وقد تكرر ذكر اليُمْن في الحديث، وهو البركة، وضده الشُّوم. يقال: يُمِنَ فهو ميمون\" (^٣)، ومنه قول بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾ [القصص: ٣٠]، وقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢] من اليمن وهو البركة؛ لأن تلك البلاد بارك الله فيها (^٤).\nوالتبرُّك: تَفَعُّل، ويأتي التفعُّل بمعنى: (استَفْعَل) التي بمعنى الطلب، وعلى هذا فمعنى التبرك بالشيء هو: \"طلب البركة والنماء، والخير والسعادة، والزيادة، بواسطة ذلك الشيء\" (^٥).\nوقيل: البركة: النماء والزيادة؛ حسية كانت أو معنوية، وثبوت الخير الإلهي في الشيء ودوامه (^٦).\nومعنى البركة الشرعي لا يخرج عن هذين المعنيين، الزيادة والنماء، والثبات والدوام، وبهذا فسَّر العلماء البركة في نصوص الشرع:\nيقول الإمام ابن جرير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧]: \"أي: التي جعلنا فيها الخير ثابتًا دائمًا لأهلها\" (^٧).\nويقول القرطبي: \"فالبركة: كثرة الخير\" (^٨).\n_________\n(^١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٢٠).\n(^٢) الصحاح (٤/ ١٥٧٤ - ١٥٧٥).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٣٠٢).\n(^٤) انظر: أضواء البيان (٣/ ٤٣٣)، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (ص ٤٩٦).\n(^٥) جهود علماء الحنفية (٣/ ١٥٧١).\n(^٦) انظر: الكليات للكفوي (ص ٢٤٨).\n(^٧) تفسير الطبري (٩/ ٤٣).\n(^٨) تفسير القرطبي (٤/ ١٣٩).","vol":"1","page":239},{"text":"ويقول الراغب الأصفهاني: \"والبركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء، ولما كان الخير الإلهي يصدُرُ من حيث لا يُحَسُّ، وعلى وجه لا يُحْصَى ولا يُحْصَر، قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة: هو مبارك وفيه بركة\" (^١).\nولذا يقول الإمام ابن القيم: \"وحقيقة اللفظة أن البركة: كثرة الخير ودوامه، وتفسير السلف يدور على هذين المعنيين، وهما متلازمان\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-64> المسألة الثانية * معنى القاعدة</span>\nلا يخفى على المتأمل في نصوص الشرع أن البركة الواردة فيها على قسمين:\nالأول: بركة متعلقة بالله ﵎، وهي على نوعين أيضًا:\nأ - بركة هي صفته -﷾- الذاتية، تضاف إليه إضافة الصفة للموصوف؛ كإضافة الرحمة والعزة، ويأتي الفعل منها على صيغة الماضي وهو (تبارك).\nب - بركة هي فعله ﵎، والفعل منها (بارك)، والمفعول منها (مُبَارَك).\nالثاني: بركة متعلقة بالمخلوق؛ أيْ: يتصف بها المخلوق، وهي فعل الله ﵎ بالمخلوق فيجعله (مُبَارَكًا)، كما أنها من آثار اتصافه -﷾- بكونه (تبارك)؛ أيْ: ذو بركة في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.\n_________\n(^١) انظر: المفردات في غريب القرآن (ص ٤٤)، وتفسير الرازي (٨/ ١٣٠)، و(١٤/ ١١٩).\n(^٢) بدائع الفوائد (٢/ ٤١١).","vol":"1","page":240},{"text":"ولا فعل للمخلوق في إحداث وإيجاد ذات هذه البركة في نفسه، وإنما هي صفة يتصف بها، لكنه قد يسعى في استجلابها باتخاذ أسبابها، وتطلب طرقها.\nيقول الإمام ابن القيم: \"وأما البركة فكذلك نوعان أيضًا؛ أحدهما: بركة هي فعله ﵎، والفعل منها بارك، ويتعدى بنفسه تارة، وبأداة (على) تاره، وبأداة (في) تارة، والمفعول منها مُبارَك، وهو ما جعل كذلك فكان مُبارَكًا بجعله تعالى، والنوع الثاني: بركة تضاف إليه إضافة الرحمة والعزة، والفعل منها تبارك، ولهذا لا يقال لغيره ذلك، ولا يصلح إلا له - ﷿ - فهو سبحانه المُبَارِك عبده ورسوله، كما حكى الله عن المسيح - ﵇ - قوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١]، فمن بارك الله فيه فهو المُبَارَك، وأما صفته (تبارك) فمختصة به تعالى كما أطلقها على نفسه بقوله: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤] \" (^١).\nوهذان المعنيان المتعلقان بالرب ﵎، من كون البركة هي صفته الذاتية والفعلية هما اللذان يذكرهما أهل العلم عند تفسير معنى (تبارك)، وأنه على وزن تفاعل من البركة، أي: بركته متعلقة بذاته وأسمائه وصفاته. ومنهم من يفسرها بأنه كثرت خيراته وتزايدت من قِبَلِهِ تعالى وتقدس.\nفالأول يتعلق بذاته وأسمائه وصفاته، والثاني يتعلق بفعله ﵎.\nفتبارك تفاعل من البركة، وهي الزيادة والنماء والكثرة والاتساع؛ أي: البركة تكتسب وتنال بذكره، ويقال: تبارك: تعاظم، ويقال: تقدس، والقدس الطهارة (^٢).\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (٢/ ٤١١).\n(^٢) انظر: التبيان في تفسير غريب القرآن، لشهاب الدين المصري (ص ٢٥).","vol":"1","page":241},{"text":"قال الإمام الحبر عبد الله بن عباس -﵄-: \"تبارك: تفاعل من البركة\" (^١).\nوهو قول الإمام الطبري (^٢).\nوقال أبو حيان الأندلسي: \"قال ابن عباس: لم يزل ولا يزول، وقال الخليل: تمجد، وقال الضحاك: تعظّم، وحكى الأصمعي (^٣): (تباركت عليكم)؛ أيْ: (تعاليت وارتفعت)، ففي هذه الأقوال يكون صفة ذات.\nوقال ابن عباس أيضًا: هو من البركة، وهو التزايد في الخير من قِبَلِهِ، فالمعنى زاد خيره وعطاؤه وكثر، وعلى هذا يكون صفة فعل\" (^٤).\nوقد بيَّن الإمام السمعاني معنى (تبارك) وما قيل فيها فقال: \"تبارك: تفاعل من البركة، وقيل: تبارك: أي جلّ بما لم يزل ولا يزال، وقال الحسن: (تبارك) صفة من صفات الله تعالى؛ لأن كل بركة تجئ منه، وقال غيره: لأنه يتبرك باسمه، وأما البركة فهي الخير والزيادة، وقيل: فعل كل طاعة من العباد بركة، والبروك هو الثبوت، ويقال: فلان مبارك؛ أي: ينزل الخير حيث ينزل\" (^٥).\nوقال الرازي عند تفسير قوله (تبارك): \"وفيه معنيان أحدهما: تَزَايَدَ\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٨/ ١٧٩)، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥/ ١٤٩٨)، والدر المنثور (٦/ ٢٣٥).\n(^٢) تفسير الطبري (١٨/ ١٧٩).\n(^٣) الإمام العلامة الحافظ، حجة الأدب، لسان العرب، أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع بن مظهر بن عبد شمس الأصمعي البصري، اللغوي الأخباري، أحد الأعلام، ولد سنة ١٢٥ هـ، ومات سنة ٢١٠ هـ، إمام في النحو واللغة والأشعار والأخبار والملح، كان متحرزًا في التفسير. [انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١٠/ ١٧٥)، والبلغة (ص ١٣٦)].\n(^٤) انظر: تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي (٦/ ٤٤٠).\n(^٥) تفسير القرآن للإمام أبي المظفر السمعاني الشافعي (٤/ ٥).","vol":"1","page":242},{"text":"خَيْرُهُ وَتَكَاثَر، والثاني: تزايد عن كل شيء وتعالى عنه؛ في ذاته وصفاته وأفعاله، ولما كان ﷾ هو الخالق لوجوه المنافع والمصالح، والمبقى لها، وجب وصفه سبحانه بأنه (﵎) \" (^١).\nوقال الشيخ الأمين الشنقيطي: \"فمعنى تبارك: تكاثرت البركات والخيرات من قِبَلِهِ، وذلك يستلزم عظمته وتقدسه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله؛ لأن من تأتي من قِبَلِهِ البركات والخيرات، وَيَدُرُّ الأرزاق على الناس، هو وحده المتفرد بالعظمة، واستحقاق إخلاص العبادة له، والذي لا تأتي من قِبَلِهِ بركة، ولا خير، ولا رزق؛ كالأصنام وسائر المعبودات من دون الله، لا يصح أن يعبد، وعبادته كفر مخلد في نار جهنم\" (^٢).\nوقال أبو السعود (^٣) في تفسير قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١]: \"البركة: النماء والزيادة حسية كانت أو معنوية، وكثرة الخير ودوامه أيضًا، ونسبتها إلى الله ﷿ على المعنى الأول، وهو الأليق بالمقام، باعتبار تعاليه عما سواه في ذاته وصفاته وأفعاله، التي من جملتها تنزيل القرآن الكريم، المعجز، الناطق بعلو شأنه تعالى، وسمو صفاته، وابتناء أفعاله على أساس الحِكَم والمصالح، وخلوها عن شائبة الخلل بالكلية، وعلى المعنى الثاني باعتبار كثرة ما يفيض منه على مخلوقاته، لا سيما على الإنسان؛ من فنون الخيرات، التي من جملتها تنزيل القرآن المنطوي على جميع الخيرات الدينية والدنيوية\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: التفسير الكبير (٢٤/ ٣٩).\n(^٢) أضواء البيان (٦/ ٤).\n(^٣) أبو السعود الشيخ المفسر محمد بن محمد العمادي، ولد عام ٨٩٨ هـ، من تصانيفه التفسير المشهور بتفسير أبي السعود واسمه: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، توفي سنة ٩٨٢ هـ. [انظر ترجمته في: البدر الطالع (١/ ٢٦١)].\n(^٤) تفسير أبي السعود (٦/ ٢٠٠).","vol":"1","page":243},{"text":"فالحاصل: أن العلماء أشاروا إلى معنيين للبركة المضافة إلى الله ﵎ التي هي صفته الذاتية والفعلية، والإمام ابن القيم ﵀ يرى أن لفظة (تبارك) تتضمن المعنيين كليهما، وهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، ولكنه يرى أن تفسير لفظة (تبارك) بالصفة الذاتية أقرب للمعنى من تفسيرها بالصفة الفعلية حسب قواعد اللغة.\nيقول ﵀: \"وتفسير السلف يدور على هذين المعنيين، وهما متلازمان\" لكن الأليق باللفظة -أي: لفظة (تبارك) - معنى الوصف لا الفعل، فإنَّه فعل لازم مثل: تَعَالَى وَتَقَدَّس وَتَعَاظَمَ؛ ومثل هذه الألفاظ ليس معناها أنه جعل غيره عاليًا، ولا قدوسًا، ولا عظيمًا، هذا مما لا يحتمله اللفظ بوجه، وإنما معناها في نفس من نسبت إليه، فهو المتعالي المتقدس.\nفكذلك (تبارك) لا يصح أن يكون معناها بارك في غيره، وأين أحدهما من الآخر لفظًا ومعنى، هذا لازم وهذا متعدّ، فعلمت أن من فسر (تبارك) بمعنى: ألقى البركة، وبارك في غيره لم يصب معناها، وإن كان هذا من لوازم كونه متباركًا، (فتبارك): من باب مَجُدَ، والمجد كثرة صفات الجلال والسعة والفضل، و(بارك) من باب: أعطى وأنعم، ولما كان المتعدي في ذلك يستلزم اللازم من غير عكس فسّر من فسّر من السلف اللفظة بالمتعدي لينتظم المعنيين، فقال: مجيء البركة كلها من عنده، أو البركة كلها من قبله، وهذا فرع على تبارك في نفسه\" (^١).\nفخلاصة معنى القاعدة: أن البركة صفة ذاتية وفعلية لله ﵎، وهي كلها لله ملكًا ووصفًا، ومنه مجيئها وابتداؤها، كما أن المخلوق يتصف بالبركة، وهي من آثار صفة الله تعالى الذاتية والفعلية،\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (٢/ ٤١١ - ٤١٢) بتصرف.","vol":"1","page":244},{"text":"ولا شك أن بركة الله تعالى بركة تليق بذاته الكريمة، وقد تضمنت جميع الكمالات على الإطلاق، بخلاف بركة المخلوق فهي مخلوقة بجعل الله له (مُبَارَكًا)، وهي تناسب ضعفه ونقصه.\nوما دام أن أصل البركة من الله تعالى، وليس باستطاعة بشر أن يكون واهبًا لشيء منها، وإنما جميع البشر هم موضع تنزل البركة من معطيها وواهبها ﷾، وعليه فالواجب أن لا ترجى هذه البركة إلا منه ﷾، وأن لا تلتمس إلا بما شرع الله ﷿، فلا تطلب إلا ممن ثبتت بركته عن الشارع على وفق الكيفية الواردة في الشرع، وتوفر الشروط، وسيأتي بيان ذلك قريبًا، والله أعلم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-65> المسألة الثالثة * أدلة القاعدة</span>\nدلَّ على صحة هذه القاعدة أدلة كثيرة، ومنها:\nأولًا: النصوص الدالة على اتصاف الله تعالى بأنه (تبارك)؛ أي: ذو بركة في ذاته وأسمائه وصفاته، وأفعاله، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقال ﷿: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١]، وقال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾ [الفرقان: ٦١]، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ [الرحمن: ٧٨]، وقال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].\nفوصف نفسه تعالى بالتبارك من البركة، وهذه البركة في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله. وقد مرَّ فيما سبق أقوال العلماء في بيان معنى (تبارك) وأنها صفته ﷿.","vol":"1","page":245},{"text":"قال الحسن البصري (^١): \" (تبارك): صفة من صفات الله تعالى؛ لأن كل بركة تجيء منه\" (^٢).\nويقول الإمام ابن تيمية: \"وقد قال بعض الناس: إن ذكر الاسم هنا صلة، والمراد تبارك ربك؛ ليس المراد الإخبار عن اسمه بأنه تبارك؛ وهذا غلط، فإنَّه على هذا يكون قول المصلي (تبارك اسمك)؛ أي: تباركت أنت، ونفس أسماء الرب لا بركة فيها، ومعلوم أن نفس أسمائه مباركة، وبركتها من جهة دلالتها على المسمى\" (^٣).\nوتَبَارُك الرب هو تفاعل من البركة، أي: تباركت ذاته، وتباركت أسماؤه، وتباركت صفاته، وتباركت أفعاله، والمعنى: أي: عظمت وجلت وبلغت غاية الكمال والعظمة.\nويقول ابن القيم في معرض ذكر أوصاف الله تعالى والثناء عليه: \"له كل كمال، ومنه كل خير، له الحمد كله، وله الثناء كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، تبارك اسمه، وتباركت أوصافه، وتباركت أفعاله، وتباركت ذاته، فالبركة كلها له ومنه\" (^٤).\nويقول ﵀: \"تبارك اسمه فلا يذكر على قليل إلا كثره، وعلى خير إلا أنماه وبارك فيه، ولا على آفة إلا أذهبها، ولا على شيطان إلا رده خاسئًا داحرًا، وكمال الاسم من كمال مسماه، فإذا كان شأن اسمه الذي لا يضر معه شيء في الأرض ولا في السماء، فشأن المسمى أعلى وأجل\" (^٥).\n_________\n(^١) هو: أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار الأنصاري مولاهم البصري، قال ابن حجر: \"ثقة فقيه فاضل مشهور وكان يرسل كثيرًا ويدلس\" توفي سنة ١١٠ هـ. [ترجمته في: سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٦٣)، والتقريب (١٦٠)].\n(^٢) تفسير القرآن للإمام أبي المظفر السمعاني الشافعي (٤/ ٥).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٦/ ١٩٣ - ١٩٤).\n(^٤) شفاء العليل (ص ١٨٤).\n(^٥) الصلاة وحكم تاركها (ص ٢٠١).","vol":"1","page":246},{"text":"ثانيًا: النصوص الدالة على أن الله تعالى هو صاحب البركة، الذي يبارك في من شاء من خلقه، إذ هو مصدر البركة ومنشئها وخالقها ومالكها وواهبها.\nفعن عبد الله بن مسعود (^١) -﵁- قال: (كنا نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفًا (^٢)، كنا مع رسول الله -ﷺ- في سفر فقلَّ الماء، فقال: اطلبوا فضلة من ماء فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء ثم قال: \"حي على الطهور المبارك، والبركة من الله\"، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله -ﷺ-، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل) (^٣).\nقال الحافظ ابن حجر: \"والبركة مبتدأ والخبر من الله؛ وهو إشارة إلى أن الإيجاد من الله\" (^٤).\nوالمقصود: أن إيجاد البركة وإحداثها وخلقها منه تعالى دون ما سواه.\nوقال الشيخ علي القاري في بيان معنى هذا الحديث: \"\"والبركة\n_________\n(^١) هو: أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود الهذلي من السابقين إلى الإسلامي، أسلم بمكة وهاجر الهجرتين، وشهد بدرا، وأُحدًا، والخندق، وبيعة الرضوان، وغيرها.\nأحد فقهاء الصحابة وقرائهم المشهورين توفي بالمدينة سنة ٣٢ هـ. [انظر: الاستيعاب لابن عبد البر (٣/ ١١٠)، وأسد الغابة (٣/ ٣٨٤)].\n(^٢) قال الإمام الطحاوي: \"فاحتمل قول عبد الله: كنا نعدها بركة، وأنتم تعدونها تخويفًا؛ أي: إنا كنا نعدها بركة، لأنا نخاف بها، فنزداد إيمانًا وعملًا، فيكون ذلك لنا بركة، وأنتم تعدونها تخويفًا، ولا تعملون معها عملًا يكون لكم به بركة، ولم يكن ما قال عبد الله -﵁- عندنا مخالفًا لما جاء به كتاب الله ﷿ من قول الله ﷿: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ [الإسراء: ٥٩]؛ أي: تخويفًا لكم بها لكي تزدادوا عملًا وإيمانًا فيعود ذلك لكم بركة\". [شرح مشكل الآثار (٩/ ٦)].\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام (٣/ ١٣١٢)، رقم (٣٣٨٦)، وابن خزيمة في صحيحه، كتاب الوضوء، باب: الرخصة في وضوء الجماعة (١/ ١٠٢)، رقم (٢٠٤).\n(^٤) فتح الباري (٦/ ٥٩٢).","vol":"1","page":247},{"text":"من الله\"؛ أي: لا من أحد سواه\" (^١).\nفإضافة البركة إلى الله تعالى إضافة ملك وفعل؛ لأنَّه تعالى هو الذي وفقهم وأسعدهم بتوفيقه لهم (^٢).\nثالثًا: عموم الأدلة الدالة على ملكه ﷾ لجميع ما في الكون من الخيرات والنعم والهبات والأفضال -ومن ضمنها البركة-، وأنه ﵎ هو المعطي والواهب لكل خير وبركة في هذا الكون؛ ومن تلك الأدلة ما يلي:\n١ - قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]، وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٩]، وقال ﷿: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨)﴾ [المؤمنون: ٨٨]، وقوله: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)﴾ [آل عمران: ٧٣].\nيقول الإمام الطبري: \" ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾؛ أي: كل ذلك بيدك وإليك، لا يقدر على ذلك أحد؛ لأنك على كل شيء قدير دون سائر خلقك، ودون من اتخذه المشركون من أهل الكتاب والأميين من العرب إلهًا وربًا يعبدونه من دونك؛ كالمسيح، والأنداد، التي اتخذها الأميون ربًا\" (^٣).\nوقال الشيخ السعدي: \"والله المنفرد بالعطاء والإحسان ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ﴾ ظاهرة وباطنة ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ لا أحد يشركه فيها\" (^٤).\n_________\n(^١) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، لعلي بن سلطان القاري (٥/ ٤٦٦).\n(^٢) انظر: إيضاح الدليل، لابن جماعة (ص ٢٠٧).\n(^٣) تفسير الطبري (٣/ ٢٢٢).\n(^٤) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (ص ٤٤٢).","vol":"1","page":248},{"text":"وجاء في تفسير ابن سعدي كذلك: \"وقوله: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾؛ أي: الخير كله منك، ولا يأتي بالحسنات والخيرات إلا الله، وأما الشر فإنَّه لا يضاف إلى الله تعالى لا وصفًا ولا اسمًا ولا فعلًا\" (^١).\nوجاء في صلاة رسول الله -ﷺ- بالليل قوله: \"لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك ... \") (^٢).\nيقول الصنعاني (^٣): \"ومعنى \"الخير كله في يديك\": الإقرار بأن كل خير واصل إلى العباد ومرجو وصوله فهو في يديه تعالى\" (^٤).\nولا شك أن وصول البركة للعباد، وحصولها لهم في أمور دينهم ودنياهم، من أعظم الخير والنعم والفضل، وهذا لا يملكه إلا الله ﵎، يعطيه من يشاء من خلقه، ويصرفه عمن يشاء.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-66> المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في اعتماد القاعدة</span>\nفيما يلي أذكر ما وقفت عليه من أقوال لأهل العلم في تقرير معنى القاعدة؛ إما بلفظها أو بمعناها:\n_________\n(^١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير الكلام المنان (١/ ١٢٧)، طبعة: مركز صالح بن صالح الثقافي.\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه (١/ ٥٣٤ - ٥٣٥)، رقم (٧٧١).\n(^٣) هو: أبو إبراهيم محمد بن إسماعيل بن صلاح الصنعاني المعروف بالأمير قال الشوكاني: (الإمام الكبير المجتهد المطلق صاحب التصانيف برع في جميع العلوم) من كتبه تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد وسبل السلام شرح بلوغ المرام، وله ديوان مطبوع مدح فيه الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، توفي سنة اثنتان وثمانون ومائة وألف. [انظر ترجمته في: البدر الطالع (٢/ ١٣٣)].\n(^٤) سبل السلام (١/ ١٦٤).","vol":"1","page":249},{"text":"يقول الإمام ابن القيم: \"وكذا الحمد، كله له وصفًا وملكًا، فهو المحمود في ذاته، وهو الذي يجعل من يشاء من عباده محمودًا فيهبه حمدًا من عنده، وكذلك العزة كلها له وصفًا وملكًا، وهو العزيز الذي لا شيء أعزَّ منه، ومن عَزَّ من عباده فبإعزازه له، وكذلك الرحمة كلها له وصفًا وملكًا، وكذلك البركة فهو المُتَبَارِك في ذاته، الذي يبارك فيمن شاء من خلقه، وعليه فيصير بذلك مُبَارَكًا، فتبارك الله رب العالمين\" (^١).\nويقول ﵀: \"وحقيقة اللفظة: أن البركة كثرة الخير ودوامه، ولا أحد أحق بذلك وصفًا وفعلًا منه ﵎، وتفسير السلف يدور على هذين المعنيين وهما متلازمان\" (^٢).\nويقول أيضًا: \"تبارك اسمه، وتباركت أوصافه، وتباركت أفعاله، وتباركت ذاته، فالبركة كلها له ومنه\" (^٣).\nويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٤]: \"أي: عظم وتعالى وكثر خيره وإحسانه، فتبارك في نفسه لعظمة أوصافه وكمالها، وبارك في غيره بإحلال الخير الجزيل والبر الكثير، فكل بركة في الكون فمن آثار رحمته، ولهذا قال: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤] \" (^٤).\nوقال الشيخ الألوسي في تفسير قوله: ﴿تَبَارَكَ﴾: \"أي: تعالى جل شأنه؛ في ذاته وصفاته وأفعاله، على أتم وجه وأبلغه، كما يشعر به إسناد صيغة التفاعل إليه تعالى، وهذا الفعل لا يسند في الأغلب إلى غيره تعالى\" (^٥).\nويقول الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز في جواب\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (٢/ ٤١٢).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٤١١).\n(^٣) شفاء العليل (ص ١٨٤).\n(^٤) تفسير السعدي (ص ٢٩١).\n(^٥) روح المعاني (١٨/ ٢٣٠).","vol":"1","page":250},{"text":"سؤال عن حكم التبرك بالأموات: \"لا يجوز لأحد أن يتبرك بالأموات أو قبورهم ...؛ لأن العبادة حق الله وحده ومنه تطلب البركة وهو سبحانه هو الموصوف بالتبارك كما قال ﷿ في سورة الفرقان: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١]، وقال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]، ومعنى ذلك: أنه سبحانه بلغ النهاية في العظمة والبركة\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-67> المسألة الخامسة [*]: فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nالمتأمل لهذه القاعدة يظهر له العديد من الفوائد والفروع التي يمكن الاستفادة منها، وفيما يلي أستعرض ما ظهر لي من ذلك:\nأولًا: دلت القاعدة على أن البركة والتبارك والمباركة من الصفات الذاتية الفعلية لله ﷾، فبركته في ذاته مستلزمة لمباركته ﵎ لمن شاء من خلقه، وهذه المباركة هي صفة فعل لله تعالى، والفعل منها (بَارَكَ)، والمفعول منها (مُبَارَك).\nوقد ذكرت فيما مضى طرفًا من الآيات القرآنية، وأقوال أهل العلم الدالة على هذا المعنى.\nومما يدل على أن البركة صفة لله ﵎ ما جاء عن أبي هريرة -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: \"بينا أيوب يغتسل عريانًا فخرَّ عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحتثي في ثوبه فناداه ربه: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عما ترى، قال: بلى وعزتك، ولكن لا غنى بي عن بركتك\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ (٤/ ٣٣٠).\n(^٢) البخاري في الصحيح، كتاب الغسل، باب: من اغتسل عريانًا (١/ ١٠٧)، رقم (٢٧٥).\n\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: بالمطبوع «السادسة»","vol":"1","page":251},{"text":"فأضاف البركة إليه ﷾ إضافة الصفة للموصوف.\nيقول الحسن: \" (تبارك) صفة من صفات الله تعالى؛ لأن كل بركة تجيء منه\" (^١).\nويقول ابن القيم: \"فتباركه سبحانه صفة ذات له وصفة فعل\" (^٢).\nوقد جاء عن السلف عدة تفسيرات لمعنى هذه الصفة وفيما يلي أذكر بعضها:\nقال ابن عباس -﵁-: \"جاء بكل بركة\" (^٣). وقيل: \"تعظَّم\" (^٤).\nوقيل: \"ارتفع، والمبارك المرتفع\" (^٥). وقيل: \"تقدس، والقدس الطهارة\" (^٦).\nوقيل: \"تبارك الله؛ أي: باسمه يتبرك في كل شيء\" (^٧).\nوكل هذه الأقوال ذكرها الإمام البغوي ثم قال بعدها: \"وقال المحققون: معنى هذه الصفة: ثبت ودام بما لم يزل ولا يزال، وأصل البركة الثبوت\" (^٨).\nيقول الإمام ابن عطية الأندلسي: \"تبارك: تفاعل من البركة؛ وهي التزيد في الخيرات\" (^٩).\nويقول الإمام ابن القيم: \"وحقيقة اللفظة أن البركة: كثرة الخير ودوامه، ولا أحد أحق بذلك وصفًا وفعلًا منه ﵎. وتفسير السلف يدور على هذين المعنيين وهما متلازمان\" (^١٠)؛ أي: الكثرة والنماء مع الثبات والدوام، والله أعلم.\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٤/ ٥).\n(^٢) جلاء الأفهام (ص ٣٠٦).\n(^٣) تفسير البغوي (٢/ ١٦٥).\n(^٤) المصدر السابق (٣/ ٣٦٠).\n(^٥) المصدر السابق (٢/ ١٦٥).\n(^٦) المصدر السابق (٢/ ١٦٥).\n(^٧) المصدر السابق (٢/ ١٦٥).\n(^٨) المصدر السابق (٢/ ١٦٥).\n(^٩) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية (٥/ ٣٣٧).\n(^١٠) بدائع الفوائد (٢/ ٤١١).","vol":"1","page":252},{"text":"ويقول ابن كثير: \"تبارك: وهو تفاعل من البركة المستقرة الثابتة الدائمة\" (^١).\nويقول الشيخ الشنقيطي: \"الأظهر في معنى (تبارك) بحسب اللغة التي نزل بها القرآن أنه تفاعل من البركة، كما جزم به ابن جرير الطبري، وعليه فمعنى تبارك: تكاثرت البركات والخيرات من قبله؛ وذلك يستلزم (^٢) عظمته وتقدسه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله؛ لأن من تأتي من قبله البركات والخيرات، ويدر الأرزاق على الناس، هو وحده المتفرد بالعظمة واستحقاق إخلاص العبادة له، والذي لا تأتي من قبله بركة ولا خير ولا رزق؛ كالأصنام وسائر المعبودات من دون الله لا يصح أن يعبد، وعبادته كفر مخلد في نار جهنم\" (^٣).\nكما أنه لا يجوز أن تطلق لفظة (تبارك) (^٤) على غير الله تعالى، فهي صفة خاصة بالله ﷿، ولذا فإنك تجدها مطردة في جميع النصوص مضافة إلى الله ﷾، أو إلى أسمائه، ولم تضف ولا في موضع واحد إلى غيره.\nيقول الإمام ابن عطية: \"وتبارك: فعل مختص بالله تعالى لم يستعمل في غيره؛ ولذلك لم يصرف منه مستقبل ولا اسم فاعل، وهو صفة فعل؛ أي: كثرت بركته\" (^٥).\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٣/ ٣٠٩).\n(^٢) المفعولات دالة على الأفعال، والأفعال دالة على الصفات، والصفات لا تنفك عن الذات.\n(^٣) أضواء البيان (٦/ ٤).\n(^٤) كما أن (تبارك) فعل جامد لا يتصرف فلا يأتي منه مضارع ولا مصدر، والسبب في ذلك عدم وجود النص، فالواجب عند ذلك التوقيف؛ إذ صفاته سبحانه وأسماؤه مبناها على التوقيف. [انظر: أضواء البيان (٦/ ٤ - ٥)].\n(^٥) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية الأندلسي (٤/ ١٩٩).","vol":"1","page":253},{"text":"وقال ابن القيم مفصلًا لهذا المعنى: \"والنوع الثاني: بركة تضاف إليه إضافة الرحمة والعزة، والفعل منها (تبارك)، ولهذا لا يقال لغيره ذلك، ولا يصلح إلا له ﷿، فهو سبحانه (المُبَارِك)، وعبده ورسوله (المُبَارَك)، كما قال المسيح ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١]، فمن بارك الله فيه وعليه فهو المبارَك، وأما صفته (تبارك) فمختصة به تعالى كما أطلقها على نفسه بقوله: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]، أفلا تراها كيف اطردت فى القرآن جارية عليه، مختصة به، لا تطلق على غيره\" (^١).\nوقال الشوكاني: \"قال العلماء: هذه اللفظة -أى: تبارك- لا تستعمل إلا لله سبحانه، ولا تستعمل إلا بلفظ الماضي\" (^٢).\nويقول الشيخ محمد بن عثيمين: \"قال العلماء: معنى تبارك؛ أي: كثرت بركاته وخيراته، ولهذا يقولون: إن هذا لا يوصف به إلا الله، فلا يقال: تبارك فلان؛ لأن هذا الوصف خاص بالله\" (^٣).\nوالسبب في عدم جواز إطلاقها على غير الله تعالى هو أنها لم ترد في النصوص مسندة لغير الله ﷿، والواجب الوقوف على ما ورد به الشرع، هذا أولًا؛ وثانيًا: لتضمنها لغاية التعظيم والثناء، ونهاية التمجيد والتبجيل، وكل ذلك لا يليق إلصاقه بمخلوق قط، فهي كلمة تعظيم لا تليق إلا بالله تعالى (^٤).\nومما سبق يتضح لنا أن التبارك والبركة صفة لله تعالى، ذاتية وفعلية، وأن لفظ (تبارك) خاص بالله ﷿ لا يطلق على غيره ﷾.\nثانيًا: طلب البركة واعتقادها ورجاؤها، عبادة لله ﷿، وبيان\n_________\n(^١) انظر: بدائع الفوائد (٢/ ٤١١).\n(^٢) فتح القدير (٤/ ٦٠).\n(^٣) فتاوى الشيخ ابن عثيمين (١٠/ ١١٠٣).\n(^٤) فتح القدير، للشوكاني (٤/ ٦٠).","vol":"1","page":254},{"text":"ذلك: أن ما شرع لنا التماس البركة منه، أو به، لا يخلو إما أن يكون واجبًا أو مستحبًا أو مباحًا، فالواجب والمستحب لا شك من دخوله في العبادة، وأما المباح فإن قصد به طاعة الله تعالى، أو معنى صحيحًا يحبه الله فإنَّه يدخل في العبادة كذلك، أما إذا لم ينو قصدًا حسنًا محبوبًا لله يثاب عليه فلا يدخل التماسه في العبادة.\nكما أن اعتقاد وجود البركة فيما نص عليه الشرع هو من التصديق الواجب الذي يثاب عليه العبد، ويؤجر عليه، بل هو أصل لا يصح الإيمان بدونه؛ لأن عدم اعتقاده يكون من باب التكذيب لله ولكتابه ولرسوله -ﷺ-.\nيقول الشيخ عبد العزيز بن باز في جواب سؤال حول التبرك بالقبور: \"لأن العبادة حق الله وحده ومنه تطلب البركة\" (^١).\nويقول الشيخ محمد بن عثيمين: \"لأن التبرك بالله وأسمائه لا يمكن أن يستعمل إلا على الوجه الذي ورد؛ لأنَّه عباده، والعبادة مبناها على التوقيف\" (^٢).\nثالثًا: دلت القاعدة على بطلان فعل المشركين من التماسهم للبركة من الآلهة والأوثان من دون الله ﷾، لأنَّهم بهذا الفعل وهو طلب البركة من الآلهة، واعتقاد أنهم يهبون البركة في الأموال والأولاد، وأن دوام الخير وثباته بسبب القرب منهم، قد صرفوا العبادة لغير الله ﷾، فالطلب والرجاء لا يكون إلا من الله وفي الله تعالى، وهم بفعلهم هذا قد تعلقوا بغير الله في حصول البركة والخير والفضل، ولا شك أنهم عاجزون كل العجز عن تحقيق ما يطلبونه منهم.\nفالعلة التي صاروا بها مشركين كونهم اعتقدوا أن الآلهة تملك\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (٤/ ٣٣٠).\n(^٢) فتاوى نور على الدرب، لابن عثيمين، التوحيد والعقيدة.","vol":"1","page":255},{"text":"البركة، وتهبها لهم؛ إما بذاتها، أو بوساطتها عند الله تعالى، وكل ذلك شرك أكبر مخرج عن ملة الإسلام، أضف إلى هذا ما يقوم بقلوب هؤلاء من عظيم الخضوع وغاية المحبة، وخالص الخشوع.\nولهذا أنكر النبي -ﷺ- على من سأله في غزوة حنين، فقد روى الإمام أحمد عن أبي واقد الليثي (^١): (أنهم خرجوا من مكة مع رسول الله -ﷺ- إلى حنين، قال: وكان للكفار سدرة يعكفون عندها، ويعلقون بها أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط. قال: فمررنا بسدرة خضراء عظيمة قال: فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط. فقال رسول الله -ﷺ-: \"قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة. قال: إنكم قوم تجهلون. إنها السُّنن لتركبن سُنن من كان قبلكم ... \" (^٢).\nفشبه النبي -ﷺ- طلبهم هذا من أجل التبرك باتخاذ إله مع الله، وسمى التماس التبرك منه، واعتقاد البركة فيه تألهًا.\nوذلك لكون المشركين اعتقدوا أن الأوثان تملك البركة، وتعطيها من تشاء، ثم رتبوا على ذلك دعاءها والرغبة إليها، والخضوع بين يديها وصرفوا لها صنوف العبادات والتعظيمات.\nيقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: \"عباد هذه الأوثان إنما كانوا يعتقدون حصول البركة منها بتعظيمها، ودعائها، والاستعانة بها، والاعتماد عليها في حصول ما يرجونه منها، ويؤملونه ببركتها، وشفاعتها، وغير ذلك، فالتبرك بقبور الصالحين كاللات، وبالأشجار\n_________\n(^١) أبو واقد الليثي مختلف في اسمه قيل: الحارث بن مالك وقيل: ابن عوف وقيل: عوف بن الحارث بن أسيد بن جابر بن عبد مناة بن شجع بن ليث بن بكر بن مناف، شهد بدرًا. [انظر ترجمته في: الإصابة في تمييز الصحابة (٧/ ٤٥٥)].\n(^٢) مسند الإمام أحمد (٥/ ٢١٨)، رقم (٢١٩٤٧).","vol":"1","page":256},{"text":"والأحجار؛ كالعزى ومناة من ضمن فعل أولئك المشركين مع تلك الأوثان، فمن فعل مثل ذلك واعتقد في قبر، أو حجر، أو شجر، فقد ضاهى عبَّاد هذه الأوثان فيما كانوا يفعلونه معها من هذا الشرك، على أن الواقع من هؤلاء المشركين مع معبوديهم أعظم مما وقع من أولئك. فالله المستعان\" (^١).\nويقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: \"وكذلك البركة لا تطلب إلا من الله، وطلبها من غير الله شرك\" (^٢).\nويقول ﵀ في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ [النجم: ١٩]: \"دلت الآية على أن الله تعالى أنكر على المشركين ما كانوا يفعلونه عند هذه الأوثان، وذلك أنهم كانوا يعتقدودن حصول البركة بتعظيمها، ودعائها، والاستعانة بها، والاعتماد عليها في حصول ما يرجونه منها، ويؤملونه ببركتها وشفاعتها، وغير ذلك\" (^٣).\nوقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في حكم من يتبرك بالأشجار والأحجار: \"وحكمه أنه مشرك الشرك الأكبر، لكونه تعلق على غير الله في حصول البركة من غيره، وإن كان الله جعل فيه بركة\" (^٤).\nوقد ردّ الشيخ النجمي -حفظه الله- على من قال بأن التبرك: معلوم من الدين وسير السلف الصالح، قال: \"نعم معلوم من الدين منعه وتحريمه، وجعله من التاله لغير الإله الحى الذي انفرد بالنفع والضر، ومن المعلوم أن الكفار حينما علقوا أسلحتهم بالشجرة زاعمين أنها تبارك هذه الأسلحة قد طلبوا البركة من غير مصدرها، وطلبوا النصر من غير\n_________\n(^١) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص ١٠٣)، وانظر: الدر النضيد على أبواب التوحيد، للشيخ سليمان الحمدان (ص ٩٠).\n(^٢) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (١/ ١١٥)، رقم (٦٢).\n(^٣) المصدر نفسه (١/ ١٢٤) رقم (٦٣).\n(^٤) حاشية كتاب التوحيد للشيخ عبد الرحمن بن قاسم (ص ٩٠).","vol":"1","page":257},{"text":"مالكه، وذلك تأليه للشجرة، [و] من تبرك بالموتى فقد طلب البركة من غير مالكها وواهبها جلَّ وعلا\" (^١).\nويقول الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله -: \"فمعنى تبرك المشركين: أنهم كانوا يرجون كثرة الخير، ودوام الخير، ولزوم الخير، وثبات الخير، بالتوجه إلى الآلهة، وهذه الآلهة يكون منها: الصنم الذي من الحجارة، والقبر من التراب، ويكون منها الوثن، والشجر، ويكون منها البقاع المختلفة، كالغار أو عين ماء، أو نحو ذلك، فهذه التبركات المختلفة جميعها تبركات شركية\" (^٢).\nهذا ما كان يفعله المشركون مع آلهتهم، إذ إن طلبهم للبركة، ورجاءها، واعتقاد كونهم مالكين لها، من الشرك بالله ﵎، وبناء على ذلك صرفوا لهم صنوفًا من العبادات والتألهات، من الدعاء والتعظيم، والعكوف عليهم وغير ذلك.\nرابعًا: ما خصه الله بالبركة من الذوات، والأماكن، والأزمان، والأقوال، والأفعال، وغير ذلك، هو محض فضل الله، وبالغ حكمته؛ إذ هو مالك البركة، وخالقها، وواهبها، كما قال سبحانه: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨)﴾ [القصص: ٦٨]، ولكن هذا الاختيار والتخصيص له أسباب وموجبات وصفات خلقها الله وقدرها في ذات الشيء الذي بارك فيه، ثم تتفاوت العظمة والقداسة والبركة فيه بعد ذلك بحسب ما يقترن به من أحوال، ويتصل به من أعمال مشروعة يحبها الله ﵎.\nيقول الإمام ابن القيم: \"فليس كل محل يصلح لشكره، واحتمال منته، والتخصيص بكرامته. فذوات ما اختاره واصطفاه من الأعيان\n_________\n(^١) أوضح الإشارة في الرد على من أجاز الممنوع من الزيارة (ص ٢٠٧).\n(^٢) التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص ١٢٧).","vol":"1","page":258},{"text":"والأماكن والأشخاص، وغيرها مشتملة على صفات، وأمور قائمة بها ليست لغيرها، ولأجلها اصطفاها الله، وهو سبحانه الذي فضلها بتلك الصفات، وخصها بالاختيار، فهذا خلقه، وهذا اختياره: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨]، وما أبين بطلان رأي يقضي بأن مكان البيت الحرام مساو لسائر الأمكنة، وذات الحجر الأسود مساوية لسائر حجارة الأرض، وذات رسول الله -ﷺ- مساوية لذات غيره، وإنما التفضيل في ذلك بأمور خارجة عن الذات والصفات القائمة بها، وهذه الأقاويل وأمثالها من الجنايات التي جناها المتكلمون على الشريعة، ونسبوها إليها وهي بريئة منها، وليس معهم أكثر من اشتراك الذوات في أمر عام، وذلك لا يوجب تساويها في الحقيقة؛ لأن المختلفات قد تشترك في أمر عام مع اختلافها في صفاتها النفسية، وما سوى الله تعالى بين ذات المسك وذات البول أبدًا، ولا بين ذات الماء وذات النار أبدًا، والتفاوت البيَّن بين الأمكنة الشريفة وأضدادها، والذوات الفاضلة وأضدادها أعظم من هذا التفاوت بكثير؛ فبين ذات موسى ﵇ وذات فرعون من التفاوت أعظم مما بين المسك والرجيع، وكذلك التفاوت بين نفس الكعبة وبين بيت السلطان أعظم من هذا التفاوت أيضًا بكثير، فكيف تجعل البقعتان سواء في الحقيقة، والتفضيل باعتبار ما يقع هناك من العبادات، والأذكار، والدعوات\".\nثم قال ﵀: \"ولم نقصد استيفاء الرد على هذا المذهب المردود المرذول، وإنما قصدنا تصويره، وإلى اللبيب العادل العاقل التحاكم، ولا يعبأ الله وعباده بغيره شيئًا، والله سبحانه لا يخصص شيئًا ولا يفضله ويرجحه إلا لمعنى يقتضي تخصيصه وتفضيله؛ نعم هو معطي ذلك المرجح وواهبه، فهو الذي خلقه ثم اختاره بعد خلقه: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ \" (^١).\n_________\n(^١) زاد المعاد في هدي خير العباد (١/ ٥٣ - ٥٤).","vol":"1","page":259},{"text":"خامسًا: أن الأماكن والأزمان المباركة إنما يحصل نفعها، وتحصل بركتها للشخص الذي يطيع الله تعالى فيها، أما ذات المكان والزمان فلا نفع فيه -يرجع إلى المكلف- بدون القيام بطاعة الله ﵎، وطاعة رسوله -ﷺ- واتباع سُنَّته.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فالمساجد والمشاعر إنما ينفع فضلها لمن عمل فيها بطاعة الله ﷿، وإلا فمجرد البقاع لا يحصل بها ثواب ولا عقاب، وإنما الثواب والعقاب على الأعمال المأمور بها والمنهي عنها، وكان النبي -ﷺ- قد آخى بين سلمان الفارسي (^١) وأبي الدرداء (^٢)، وكان أبو الدرداء بدمشق، وسلمان الفارسي بالعراق، فكتب أبو الدرداء إلى سلمان: (هلم إلى الأرض المقدسة. فكتب إليه سلمان: أن الأرض لا تقدس أحدًا، وإنما يقدس الرجل عمله) (^٣) \" (^٤).\n_________\n(^١) هو: سلمان أبو عبد الله الفارسي، ويقال له سلمان بن الإسلام، وسلمان الخير، وقال ابن حبان: من زعم أن سلمان الخير آخر فقد وهم. أصله من رامهرمز، وقيل: من أصبهان، وكان قد سمع بأن النبي -ﷺ- سيبعث، فخرج في طلب ذلك، فأسر وبيع بالمدينة، فاشتغل بالرق حتى كان أول مشاهده الخندق، وشهد بقية المشاهد، وفتوح العراق، وولي المدائن، وكان عالمًا زاهدًا، خيرًا فاضلًا متقشفًا، سابق الفرس إلى الإسلام، صحب النبي -ﷺ- وخدمه وحدث عنه، وكان لبيبًا حازمًا من عقلاء الرجال وعبادهم ونبلائهم، توفي في آخر خلافة عثمان سنة خمس وثلاثين وقيل: سنة ست وثلاثين في أولها. [ترجمته في: الاستيعاب (٢/ ٦٣٥ - ٦٣٨)، وسير أعلام النبلاء (١/ ٥٠٥)، والإصابة (٣/ ١٤١)].\n(^٢) هو: الصحابي الجليل المشهور، اشتهر بكنيته واختلف في اسمه فقيل عويمر بن عامر، وقيل غير ذلك الأنصاري الخزرجي، أسلم يوم بدر وشهد أُحدًا، توفي -﵁- في خلافة عثمان -﵁-. [ترجمته في: الإصابة (٤/ ٦٢١ - ٦٢٢)، التقريب (ص ٧٥٩)].\n(^٣) رواه الإمام مالك في الموطأ، باب: جامع القضاء وكراهيته (٢/ ٧٦٩) رقم (١٤٥٩).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٣٨)، وانظر: غاية الأماني في الرد على النبهاني، لمحمود شكري الآلوسي (ص ١٥٢).","vol":"1","page":260},{"text":"وقال الزرقاني (^١) في معنى: (إن الأرض لا تقدس أحدًا): \"لا تطهره من ذنوبه، ولا ترفعه إلى أعلى الدرجات، وإنما يقدس الإنسان عمله الصالح في أي مكان\" (^٢).\nسادسًا: أفادت القاعدة أن حصول البركة موقوف على الشرع، فلا يشرع التماس البركة إلا بالطريقة الشرعية التي دلت عليها النصوص الواردة في القرآن والسُّنَّة؛ وبناء على ذلك فإنه يجب التفريق بين ما شُرعَ لمجرد التعبد، أو شُرعَ لمجرد التماس البركة الحسية، أو لمجموعهما، وعليه فالأحوال ثلاثة:\n١ - ما شرع لأجل التعبد المحض، ولا يجوز التماس البركة الحسية عن طريقه، كتقبيل الحجر الأسود، فلا يجوز التماس البركة الحسية منه، أو طلب الاستشفاء بمسحه وتقبيله.\n٢ - ما أثبت الشارع فيه البركة الحسية، كالاستشفاء بالعسل، فهذا يتبرك به ولا تدخله نية العبادة إلا من حيث اعتقاد صدق ما أخبر به الشارع.\n٣ - ما شرع لأجل الأمرين معًا؛ كقراءة القرآن تعبدًا وطلبًا للثواب، وهذا هو الأصل في تنزيله، ثم طلبًا للشفاء والبركة.\nوكل هذه الأمور مردها إلى حكم الشارع الحكيم، فما شُرعَ لنا فيه التعبد أو التبرك، أو التعبد مقرونًا بالتبرك فلا يجوز أن يتعدى حكم الله ورسوله -ﷺ-.\n_________\n(^١) هو: العلامة محمد بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن علوان الأزهري أبو عبد الله المصري المالكي الشهير بالزرقاني، ولد سنة ١٠٥٥ هـ، وتوفي سنة ١٢٢٢ هـ، من تصانيفه: شرح موطأ مالك في الحديث، وشرح المواهب اللدنية للقسطلاني في إحدى عشر مجلدًا، ومختصر المقاصد الحسنة للسخاوي وغير ذلك. [ترجمته في: كشف الظنون (٢/ ١٨٩٦)، والأعلام (٦/ ١٨٤)].\n(^٢) شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٩٣).","vol":"1","page":261},{"text":"يقول الإمام أبو العباس القرطبي: \"وقوله: (إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع) (^١) دفع لتوهم من وقع له من الجهال: أن للحجر الأسود خاصية ترجع إلى ذاته، كما توهمه بعض الباطنية (^٢)، وبين أنه ليس في تقبيله إلا الاقتداء المحض، ولو كان هناك شيء مما يفترى لكان عمر -﵁- أحق الناس بعلمه\" (^٣).\nوقال الطيبي (^٤) في حديث عمر وتقبيله للحجر الأسود: \"إنما قال ذلك: لئلا يغتر بعض قربيي العهد بالإسلام، الذين قد ألفوا عبادة الأحجار وتعظيمها، ورجاء نفعها، وخوف الضرر بالتقصير في تعظيمها، فخاف -﵁- أن يراه بعضهم يقبله فيفتتن به، فبين أنه لا يضر ولا ينفع بذاته، وإن كان امتثال ما شرع فيه ينفع باعتبار الجزاء والثواب\" (^٥).\nولا شك أن مجرد التعبد بامتثال أمر الشارع من أعظم الخيرات المعقولة، وأجل البركات المحسوسة، التي ينالها المسلم في دنياه وآخرته.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج، باب: ما ذكر في الحجر الأسود (٢/ ٥٧٩) برقم (١٥٢٠)، عن عمر بن الخطاب.\n(^٢) الذي يظهر أن للحجر الأسود خاصية ترجع إلى ذاته، وليس هو كبقية أحجار الدنيا، وأن بركته بركة ذاتية كما سبق تقرير ذلك، وهكذا جميع الأعيان التي أثبت الشارع بركتها كما مرَّ في كلام ابن القيم، ومع كون ذاته مباركة فلا يلزم منه جواز التماس البركة الحسية منه لعدم ورود الدليل المثبت لشرعية ذلك، فلم يبق إلا بركة التعبد المحض، كما نص على ذلك عمر -﵁-.\n(^٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٣/ ٣٧٨).\n(^٤) هو: شرف الدين الحسين بن عبد الله بن محمد الطيبي، ولد سنة ٧٤٣ هـ، كان حسن المعتقد، شديد الرد على الفلاسفة والمبتدعة، له مصنفات منها: حاشية على الكشاف والكاشف عن حقائق السُنن، شرح مشكاة المصابيح وغيرها. [الدرر الكامنة (٢/ ١٥٦)].\n(^٥) شرح الطيبي على مشكاة المصابيح (٥/ ٢٧٨).","vol":"1","page":262},{"text":"وقال أبو الحسن المباركفوري (^١) في فوائد قول عمر عن الحجر الأسود: \"وفيه الحث على الاقتداء برسول الله -ﷺ- في تقبيله، وتنبيه على أنه: لولا الاقتداء لما فعله\" (^٢).\nويقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: \"والكعبة نفسها -زادها الله تشريفًا- لا يتبرك بها؛ ولهذا لا يقبل منها إلا الحجر الأسود فقط، ولا يمسح منها إلا هو، والركن اليماني فقط، وهذا المسح والتقبيل المقصود منه طاعة رب العالمين، واتباع شرعه؛ ليس المراد أن تنال اليد البركة في استلام هذين الركنين\" (^٣).\nويقول الشيخ العثيمين في الإجابة على أحد الأسئلة: \"وبهذه المناسبة أود أن ألفت نظر الحجاج إلى أن المقصود بمسح الحجر الأسود والركن اليماني: هو التعبد لله تعالى بمسحهما لا التبرك (^٤) بمسحهما، خلافًا لما يظنه الجهلة، حيث يظنون إن المقصود هو التبرك، ولهذا ترى بعضهم يمسح الركن اليماني أو الحجر الأسود ثم يمسح بيده\n_________\n(^١) هو: عبيد الله بن عبد السلام الرحماني المباركفوري أبو الحسن، من الدعاة من الهند ومن أهل الحديث، ولد في مباركفور سنة ١٣٢٧ هـ، وهو من مؤسسي الجامعة السلفية في بنارس، وترأسها وعمل على إنشاء جامعة المعارف الإسلامية، وهو قائد جماعة أهل الحديث في شبه القارة الهندية. شغل منصب نائب رئيس هيئة الأحوال الشخصية لمسلمي الهند. بالإضافة إلى عضويته وقيادته لعدد من المؤسسات التعليمية والدينية. وله مؤلفات عديدة على رأسها شرحه الضافي لمشكاة المصابيح: \"مرعاة المفاتيح في شرح مشكاة المصابيح\" وصل فيه إلى نهاية كتاب البيوع وأكمله ولده عبد الرحمن من بعده. [ترجمته في: إتمام الأعلام (ص ١٨٠ - ١٨١)].\n(^٢) مرعاة المفاتيح (٩/ ١٢٨).\n(^٣) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (٥/ ٩)، برقم (١١٧٦).\n(^٤) أي: ليس المقصود من (التقبيل والمسح) البركة الحسية؛ من شفاء أو زيادة خير دنيوي، بحيث تنتقل البركة من الحجر إلى الشخص المقبل والماسح، وإنما المقصود بركة التعبد لله وامتثال أمره، وهو كثرة الخير والأجر في الدار الآخرة، وكفى بها بركة.","vol":"1","page":263},{"text":"على صدره، أو على وجهه، أو على صدر طفله، أو على وجهه، وهذا ليس بمشروع، وهو اعتقاد لا أصل له، ففرق بين التعبد والتبرك، ويدل على أن المقصود التعبد المحض دون التبرك أن عمر -﵁- قال وهو يقبل الحجر: (إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت النبي -ﷺ- يقبلك ما قبلتك) \" (^١).\nويقول الشيخ صالح آل الشيخ - حفظه الله -: \"ومعنى كون الأرض مباركة: أن يكون فيها الخير الكثير اللازم الدائم لها؛ ليكون ذلك أشجع في أن يلازمها أهلها الذين دعوا إليها، وهذا لا يعني - أبدًا - أن يتمسح بأرضها، أو أن يتمسح بحيطانها؛ لأن بركتها لازمة لا تنتقل بالذات. فبركة الأماكن، أو بركة الأرض، ونحو ذلك، بركة لازمة لا تنتقل بالذات؛ يعني: أنك إذا لامستَ الأرض، أو دُفنت فيها، أو تبركت بها، فإن بركتها لا تنتقل إليك بالذات، وإنما بركتها من جهة المعنى فقط (^٢).\nكذلك بيت الله الحرام هو مبارك لا من جهة ذاته؛ يعني: ليس كما يعتقد البعض أن من تمسح به انتقلت إليه البركة، وإنما هو مبارك من جهة المعنى (^٣)؛ يعني: اجتمعت فيه البركة التي جعلها الله في البنية، من جهة تعلق القلوب بها، وكثرة الخير الذي يكون لمن أرادها، وأتاها، وطاف بها، وتعبد عندها.\nوكذلك الحجر الأسود، هو حجر مبارك، ولكن بركته لأجل العبادة؛\n_________\n(^١) فتاوى نور على الدرب، لابن عثيمين، التوحيد والعقيدة.\n(^٢) هذا التعبير والذي بعده في كون بركة (المسجد الحرام ليست بركة ذاتية) فيه نظر، إذ ليس عليه دليل، والصحيح أن بركة المسجد الحرام وغيره من الذوات المباركة بركتها بركة ذاتية؛ أي: أن ذاته نفسها مباركة، فالتعبير بالبركة المعنوية أو بركته من جهة المعنى قد يلزم منه أن الله لم يبارك في ذات قط وإنما بركته حالة ونازلة فيما يتعلق بهذه الذات ولا شك أن هذا خطأ إذ فيه مصادمة للنصوص التي دلت على أن بركة الله تتعلق بالذوات.\n(^٣) وفي هذا نظر أيضًا. انظر: الحاشية السابقة.","vol":"1","page":264},{"text":"يعني: أن من استلمه تعبدًا مطيعًا للنبي -ﷺ- في استلامه له، وفي تقبيله فإنَّه يناله به بركة الاتباع. وقد قال عمر -﵁- لما قبَّل الحجر: (إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر) فقوله: لا تنفع ولا تضر؛ يعني: لا يجلب لمن قَبَّلَه شيئًا من النفع، ولا يدفع عن أحد شيئًا من الضر، وإنما الحامل على التقبيل مجرد الاتّساء، تعبدًا لله، ولذلك قال: (ولولا أني رأيت رسول الله -ﷺ- يقبلك ما قبلتك)، فهذا معنى البركة التي جعلت في الأمكنة\" (^١).\nأما التبرك بآثار النبي -ﷺ- المكانية التي قصدها للعبادة، كمقام إبرا هيم، وكعرفات ومزدلفة ومنى وغيرها، فهذه تقصد للعبادة، وتكون البركة فيها بامتثال أمر النبي -ﷺ- وطاعته، وكفى بذلك بركة.\nأما الآثار المكانية التي لم يقصدها -ﷺ- بقربة ولا طاعة، وإنما نزل فيها لمصادفته أو لحاجته، فهذه لم يثبت عن الصحابة -﵃- أنهم تتبعوها رجاء بركتها، بل تتبع هذه الآثار من أجل العبادة فيها، والتبرك بها من البدع التي لم يكن عليها فعل السلف، لا من الصحابة ولا من بعدهم، بل هو من فعل أهل الكتاب والمشركين كما أخبر النبي -ﷺ- عنهم بقوله في مرضه الذي لم يقم منه: \"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد\" (^٢).\nوقال عمر -﵁- عندما رأى الناس يذهبون مذاهب فسأل عن ذلك فقيل له: مسجد صلى فيه النبي -ﷺ-، فقال -﵁-: (هكذا هلك أهل الكتاب اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل) (^٣).\n_________\n(^١) التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص ١٢٤ - ١٢٥).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ٤٦٨) برقم (١٣٢٤)، ومسلم في صحيحه (١/ ٣٧٦) برقم (٥٢٩)، من حديث عائشة - ﵂ -.\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ١٥١)، رقم (٧٥٥٠)، وعبد الرزاق في مصنفه =","vol":"1","page":265},{"text":"ومما يستدل به البعض على جواز التبرك بآثار النبي -ﷺ- المكانية حديث عتبان بن مالك -﵁- المروي في \"الصحيحين\": \"أن عتبان بن مالك وهو من أصحاب رسول الله -ﷺ- ممن شهد بدرًا من الأنصار، أنه أتى رسول الله -ﷺ- فقال: يا رسول الله قد أنكرت بصري وأنا أصلي لقومي، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم، وودت يا رسول الله أنك تأتيني فتصلي في بيتي فأتخذه مصلى، قال: فقال له رسول الله -ﷺ-: \"سأفعل إن شاء الله\". قال عتبان: فغدا رسول الله -ﷺ- وأبو بكر حين ارتفع النهار فاستأذن رسول الله -ﷺ- فأذن له، فلم يجلس حتى دخل البيت ثم قال: \"أين تحب أن أصلي من بيتك\"، قال: فأشرت له إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله -ﷺ- فكبر، فقمنا فصففنا فصلى ركعتين ثم سلم\" (^١).\nلكن لا حجة في هذا، وقد بيَّن أهل العلم أن عتبان لم يكن قصده أثر النبي -ﷺ- حتى يتبرك به، وإنما كان مقصوده التبرك بكون النبي -ﷺ- هو أول من يصلي في مسجده.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"لأن عتبان -﵁- كان مقصوده بناء مسجد لحاجته إليه، وتبرك بكون النبي -ﷺ- يصلي فيه أولًا، كما أنه -ﷺ- بنى مسجد قباء، وبنى مسجده، والمسجد الذي يتخذه بناء أفضل من غيره، كما فضل المسجد الحرام ومسجد سليمان ﵇، بخلاف من لم يكن\n_________\n= (٢/ ١٨)، رقم (٢٧٣٤)، وقال الشيخ الألباني ﵀: \"وسنده صحيح على شرط الشيخين\". [انظر: تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد (ص ٩٧)، وما نقل عن ابن عمر - ﵄ - من تتبعه لآثار النبي -ﷺ- إنما كان قصده مجرد الاتباع والاتساء بالنبي الكريم -ﷺ-، ولم يكن قصده التبرك بتلك الآثار].\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب: المساجد في البيوت (١/ ١٦٤)، رقم (٤١٥)، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر (١/ ٤٥٥)، رقم (٣٣).","vol":"1","page":266},{"text":"مقصوده إلا بناء مسجد لأجل ذلك الأثر\" (^١).\nوقال ﵀: \"فإنَّه قصد -أي: عتبان- أن يبني مسجدًا وأحب أن يكون أول من يصلى فيه النبي -ﷺ-، وأن يبنيه في الموضع الذي صلى فيه، فالمقصود كان بناء المسجد، وأراد أن يصلي النبي -ﷺ- في المكان الذي يبنيه، فكانت الصلاة مقصودة لأجل المسجد، لم يكن بناء المسجد مقصودًا لأجل كونه صلى فيه اتفاقًا، وهذا المكان مكان قصد النبي -ﷺ- الصلاة فيه ليكون مسجدًا، فصار قصد الصلاة فيه متابعة له، بخلاف ما اتفق أنه صلى فيه بغير قصد\" (^٢).\nوهناك احتمال آخر ذكره الحافظ ابن حجر بقوله: \"ويحتمل أن يكون عتبان -﵁- إنما طلب بذلك الوقوف على جهة القبلة بالقطع\" (^٣).\nويظهر بهذا أن فعل عتبان إنما كان قصده التبرك بالصلاة في الموضع الذي قصد النبي -ﷺ- الصلاة فيه، ولا شك في جواز ذلك، أما ما صلى فيه اتفاقًا بدون قصد فلا يجوز جعله مسجدًا ولا التبرك بالصلاة فيه.\nثم إن البركة المشروعة في حديث عتبان هي بركة متابعته في الصلاة التي صلاها في تلك البقعة لا أن يتبرك بذات البقعة من جلوس وتمسح وغير ذلك، وإنما البركة محصورة في صلاته فيها كما صلى النبي -ﷺ-.\nوعليه يحمل بعض كلام أهل العلم ممن صرح بجواز التبرك بآثار النبي -ﷺ- كما صرح بذلك ابن عبد البر حيث قال: \"وفيه التبرك بالمواضع التي صلى فيها رسول الله -ﷺ- ووطئها وقام عليها\" (^٤).\n_________\n(^١) تلخيص كتاب الاستغاثة (٢/ ٥٢٧).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٦٨)، وانظر: اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٣٨٧).\n(^٣) فتح الباري (١/ ٥٢٢).\n(^٤) التمهيد لابن عبد البر (٦/ ٢٢٨).","vol":"1","page":267},{"text":"فالمقصود الآثار التي قصدها النبي -ﷺ- فأوقع فيها العبادة بقصد منه، فصارت متابعته في فعله وقصده هي عين السُّنَّة، أما عموم ما وطئه وقام عليه بدون تقصد منه للعبادة فلا تجوز متابعته في ذلك كما سيأتي تقريره (^١).\nثم إن تبرك عتبان بصلاة النبي -ﷺ- له في بيته، وتحديد مكان لمسجده ومصلاه هو من خصوصياته -ﷺ-، فلا يجوز أن يؤتى بصالح أو عالم أو زاهد فيتبرك بصلاته كما فعل عتبان مع النبي -ﷺ-، بل هو من أعظم ذرائع الشرك، وأكبر وسائل الفتنة.\nوقد بيَّن سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز في تعليقه على قول الحافظ ابن حجر من الفتح بوجوب إجابة من دعي من الصالحين ليتبرك به، فقال: \"هذا فيه نظر، والصواب أن مثل هذا خاص بالنبي -ﷺ- لما جعل الله فيه من البركة، وغيره لا يقاس عليه، لما بينهما من الفرق؛ ولأن فتح هذا الباب قد يفضي إلى الغلو والشرك، كما قد وقع من بعض الناس. نسأل الله العافية\" (^٢).\nسابعًا: لقد جعل الله البركة فيمن شاء من خلقه؛ إذ هي خلقه وملكه وفعله وصفته، فبارك فيمن شاء من الأعيان والذوات والأشخاص، وعليه يكون التماس البركة من تلك الذوات والأعيان مبنيًا على أصول ومقدمات:\nالأولى: إثبات كون الذات المعينة مباركة، بدليل شرعي من الكتاب أو السُّنَّة.\nالثانية: اعتقاد أن مصدر البركة ومنشأها هو الله ﵎، وليس في مقدور أحد إنشاء البركة في نفسه أو في غيره.\n_________\n(^١) سيأتي التفصيل في هذه المسألة في قاعدة خاصة (ص ٧٠٤).\n(^٢) فتح الباري شرح صحيح البخاري (١/ ٥٢٢).","vol":"1","page":268},{"text":"الثالثة: معرفة الكيفية الشرعية التي تنال بها بركة هذه العين أو ذاك الشخص، وعمدة ثبوت ذلك على النصوص الشرعية.\nوهذا الضابط الأخير من الأهمية بمكان؛ إذ ليس في استطاعة كل أحد أن يلتمس البركة في كل ذات أو عين، وإن ثبتت بركتها من ناحية الشرع، إذ لا بد من التقيد والالتزام بالكيفية الشرعية لالتماس البركة.\nوعليه فما هي الصفة الشرعية لالتماس البركة من الأنبياء وأهل العلم والصلاح، وقبل ذلك يجب لفت النظر إلى انقسام التبرك بالذوات سواء كانوا أنبياء أو من تبعهم من أهل العلم والصلاح إلى قسمين:\n١ - تبرك عام، ويشترك فيه جميع الأنبياء والمرسلين والعلماء وأهل الصلاح، ويكون سببه العلم والعمل، ولا شك أن الأنبياء هم الأعظم بركة من ناحية العلم والعمل، لكثرة من يقتدي بهم ويتبعهم، ولعظم إيمانهم وطاعتهم وقربهم من الله تعالى، وأعظمهم بركة في ذلك نبينا محمد -ﷺ- ثم الأنبياء من بعده، ثم صحابة نبينا محمد -ﷺ-، وهكذا تكون درجاتهم بحسب ما معهم من العلم والعمل.\nويدخل في التبرك بالنبي -ﷺ-: التبرك بالإيمان به، واتباعه، وطاعته، ونصرته، وموالاته، ومجاهدة أعداء الدين معه، ودعاؤه لأصحابه، واستغفاره لهم، وتعليمه إياهم.\nيقول الإمام ابن عبد البر: \"فالبركة والخير كله في اتباع أدب رسول الله، وامتثال أمره -ﷺ-\" (^١).\nويقول ابن الحاج: \"فالحاصل من هذا: أن البركة كامنة في امتثال السُّنَّة حيث كانت\" (^٢).\nويقول الإمام ابن تيمية: \"بل كل مؤمن آمن بالرسول وأطاعه:\n_________\n(^١) التمهيد (١٨/ ١٨٢).\n(^٢) المدخل (٣/ ١٤٠).","vol":"1","page":269},{"text":"حصل له من بركة الرسول بسب إيمانه وطاعته من خير الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله\" (^١).\nوأما غير الأنبياء من أهل العلم والصلاح والاستقامة فيتبرك بعلمهم وعملهم كذلك، مع العلم أن بركتهم أصلها وأساسها هو طاعتهم للنبي محمد -ﷺ-، فيتبرك بأخذ العلم عنهم، الذي أساسه نصوص الشرع، ويقتدى كذلك بعملهم الذي وافقوا فيه السُّنَّة، واعتمدوا فيه على الشرع والدليل.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وقول القائل: ببركة الشيخ، قد يعنى بها دعاءه، وأسرع الدعاء إجابة دعاء غائب لغائب، وقد يعنى بها بركة ما أمره به، وعلمه من الخير، وقد يعنى بها بركة معاونته له على الحق وموالاته في الدين، ونحو ذلك، وهذه كلها معانٍ صحيحة\" (^٢).\nويقول ﵀: \"فبركات أولياء الله الصالحين باعتبار نفعهم للخلق؛ بدعائهم إلى طاعة الله، وبدعائهم للخلق، وبما ينزل الله من الرحمة، ويدفعِ من العذاب بسببهم، حق موجود فمن أراد بالبركة هذا، وكان صادقًا فقوله حق\" (^٣).\nويقول الشيخ صالح آل الشيخ - حفظه الله -: \"فكل مسلم فيه بركة، وهذه البركة ليست بركة ذات، وإنما هي بركة عمل (^٤)، وبركة ما معه من الإسلام والإيمان، وما في قلبه من الإيقان والتعظيم لله - جلَّ وعلا - والإجلال له، والاتباع لرسوله -ﷺ-، فهذه البركة التي في العلم أو العمل، أو الصلاح: لا تنتقل من شخص إلى آخر، وعليه فيكون معنى\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١١/ ١٣١).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٩٦).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١١/ ١١٣ - ١١٤).\n(^٤) هذا الإطلاق فيه نظر، والصحيح أن بركة المسلم بركة ذات ومعنى، وانظر: ما سبق تقريره.","vol":"1","page":270},{"text":"التبرك بأهل الصلاح هو الاقتداء بهم في صلاحهم، والتبرك بأهل العلم هو الأخذ من علمهم والاستفادة منه وهكذا، ولا يجوز أن يتبرك بهم بمعنى أن يتمسح بهم، أو يتبرك بريقهم\" (^١).\nوعلة المنع من ذلك هو عدم ورود الدليل الدال على مشروعية التماس البركة عن طريق أبدانهم، وإن كانت ذواتهم مباركة في نفسها.\nثم هي لا تستطيع أن تفيض على غيرها البركة؛ لأن إفاضة البركة على الغير هو فعل الله تعالى، ولا يتأتى ذلك إلا بنص.\n٢ - تبرك خاص: وهو يتعلق بالأنبياء والمرسلين فحسب، وليس له تعلق بأهل العلم والصلاح من غير الأنبياء، بل هو خاص بالرسل الكرام ﵈، فقد شرع الله لنا التماس البركة في أجسادهم وما انفصل منها، في حياتهم وبعد مماتهم، وعليه يجوز التبرك بكل ما ثبت من ذلك (^٢).\nيقول الشيخ صالح آل الشيخ عند كلامه على بركة الأنبياء والرسل: \"فهؤلاء بركتهم بركة ذاتية، يعني: أن أجسامهم مباركة، فالله - جلَّ وعلا - هو الذي جعل جسد آدم مباركًا، وجعل جسد إبراهيم ﵇ مباركًا، وجعل جسد نوح مباركًا، وهكذا جسد عيسى، وموسى، -عليهم جميعًا الصلاة والسلام- جعل أجسادهم جميعًا مباركة، بمعنى: أنه لو تبرك أحد من أقوامهم بأجسادهم، إما بالتمسح بها، أو بأخذ عرقها، أو بالتبرك ببعض أشعارهم، فهذا جائز، لأن الله جعل أجسادهم مباركة بركة متعدية، وهكذا نبينا محمد بن عبد الله -ﷺ- جسده -أيضًا- جسد مبارك\" (^٣).\n_________\n(^١) التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص ١٢٧).\n(^٢) انظر: المفهم لم أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٥/ ٢٧٦).\n(^٣) التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص ١٢٥).","vol":"1","page":271},{"text":"ولذا ثبت عن صحابة النبي -ﷺ- أنهم كانوا يتبركون بجسده الطاهر -ﷺ-، وكذا بما انفصل منه؛ من الشعر والريق، والنخامة، والعرق، وكذا التبرك بثيابه التي كان يلبسها، ومن ذلك التبرك بفضل وضوءه وغسله، وفضل إنائه الذي شرب منه، ومواضع أصابعه في الإناء الذي أكل منه وغير ذلك (^١).\nومما يجب التنبيه إليه هنا أن التبرك بآثار النبي -ﷺ- المنفصلة عن جسده الطاهر غير ممكن، وذلك لعدم القطع واليقين بوجود شيء من آثاره ﵇ في هذه الأيام، والموجود من ذلك قد حامت حوله الشبهات والشكوك، مع توافر دواعي فقدها، وأسباب ضياعها؛ لأجل ما مرت به الأمة من فتن وبلايا وحروب (^٢).\nوأما قياس غير النبي -ﷺ- به في باب التبرك بالآثار الجسدية المنفصلة؛ فإنه من أبطل الباطل، وبيانه كما يلي:\nأولًا: قياس الصالحين على النبي -ﷺ- قياس مع الفارق، إذ من المعلوم أن مقام النبوة أعلى من مجرد مقام الصلاح، فالمقاربة في\n_________\n(^١) تبرك الصحابة بجسد النبي -ﷺ- أو بما انفصل من جسده، أو لامس بدنه الطاهر، في حياته وبعد مماته من الشهرة بمكان. انظر: صحيح البخاري (١/ ٧٥) رقم (١٦٨)، و(٢/ ٩٧٤)، رقم (٢٥٨١)، و(٣/ ١٤٢٢)، رقم (٣٦٩٧)، و(٥/ ٢٢٤)، رقم (٥٦٨٩)، و(٥/ ٢٢١٠)، رقم (٥٥٥٧)، و(٦/ ٢٦٧٣)، رقم (٦٩١٠)، وصحيح الإمام مسلم (٣/ ١٦٩١)، رقم (٢١٤٦)، و(٣/ ١٦٢٣)، رقم (٢٠٥٣)، و(٤/ ١٧٢٣)، رقم (٢١٩٢)، و(٤/ ١٨١٢)، رقم (٢٣٢٥)، و(٤/ ١٨١٥)، رقم (٢٣٣١).\n(^٢) قد نفى وجود آثار النبي -ﷺ- في عصرنا الحاضر جملة من العلماء منهم أحمد تيمور باشا، والشيخ الألباني، والشيخ النجمي وغيرهم. انظر: [الآثار النبوية لأحمد تيمور باشا (ص ٧٨)، والتوسل أنواعه وأحكامه (ص ١٦١ - ١٦٢)، وأوضح الإشارة في الرد على من أجاز الممنوع من الزيارة للنجمي (ص ٥٠٥)، وللوقوف على المزيد في هذه المسألة يرجى الرجوع والنظر في كتاب التبرك أنواعه وأحكامه للشيخ الجديع (ص ٢٥٦ - ٢٦٠).","vol":"1","page":272},{"text":"الفضل والبركة منتفية فضلًا عن المساواة، فكيف يقاس الأعلى بالأدنى، ثم إن سبب التبرك بالجسد أو بما انفصل منه ليس هو الصلاح فحسب، وإنما الأصل في جواز التبرك به -ﷺ- هو النبوة.\nثانيًا: بركة النبوة يقينية، وبركة الصلاح ظنية، فكيف يقاس الظني على اليقيني.\nثالثًا: دل فعل الصحابة وسيرتهم على أن التبرك بآثاره -ﷺ- الجسدية من خصوصياته ﵇؛ ولذا لم ينقل عنهم -مع حرصهم على الخير- أنهم تبركوا بآثار أبي بكر ولا عمر -﵄ -، فدل ذلك على الخصوصية.\nرابعًا: عدم أمن الفتنة على الشخص الذي يتبرك بجسده، أو ما ينفصل منه، إذ قد يدخله العجب، ويلعب به الشيطان، فيورثه ذلك فسادًا ومرضًا في القلب، بل هذا هو الواقع المحتوم لمن تأمل في حال من يُفْعَل بهم هذا.\nوقد نص الإمام الشاطبي على المنع من ذلك ناقلًا إجماع الصحابة -﵃- على تركه، وعدم جوازه، مع عنايتهم العظيمة باتباع السُّنَّة واقتفاء الهدي، والحرص على الخير، فقال ﵀: \"إلا أنه عارضنا في ذلك أصل مقطوع به في متنه، مشكل في تنزيله، وهو أن الصحابة - ﵃ - لم يقع من أحدٍ منهم شيء من ذلك بالنسبة إلى من خلفه، إذ لم يترك النبي -ﷺ- بعده في الأمة أفضل من أبي بكر الصديق - ﵃ - فهو كان خليفته، ولم يُفعل به شيء من ذلك، ولا عمر -﵁-، وهو كان أفضل الأمة بعده، ثم كذلك عثمان، ثم علي ثم سائر الصحابة، الذين لا أحد أفضل منهم في الأمة، ثم لم يثبت لواحدٍ منهم من طريق صحيح معروف أن متبركًا تبرك به على أحد تلك الوجوه أو نحوها -يعني: بجسده أو بما انفصل منه-، بل اقتصروا فيهم على الاقتداء بالأفعال، والأقوال، والسير التي اتبعوا فيها النبي -ﷺ-، فهو إذًا إجماع منهم على","vol":"1","page":273},{"text":"ترك تلك الأشياء\" (^١).\nثم بيَّن ﵀ توجيه ترك الصحابة ومأخذهم في هذا الترك بقوله: \"وبقي النظر في وجه ترك ما تركوا منه ويحتمل وجهين:\nأحدهما: أن يعتقدوا في الاختصاص، وأن مرتبة النبوة يسع فيها ذلك كله؛ للقطع بوجود ما التمسوا من البركة والخير؛ لأنه ﵇ كان نورًا كله في ظاهره وباطنه، فمن التمس منه نورًا وجده على أي جهة التمسه؛ بخلاف غيره من الأمة؛ فإنه -وإن حصل له من نور الاقتداء به، والاهتداء بهديه ما شاء الله- لا يبلغ مبلغ على حال توازيه في مرتبته، ولا يقاربه، فصار هذا النوع مختصًا به؛ كاختصاصه بنكاح ما زاد على الأربع، وإحلال بضع الواهبة نفسها له، وعدم وجوب القسم على الزوجات، وشبه ذلك.\nفعلى هذا المأخذ لا يصح لمن بعده الاقتداء به في التبرك على أحد تلك الوجوه ونحوها، ومن اقتدى به كان اقتداؤه بدعة، كما كان الاقتداء به في الزيادة على أربع نسوة بدعة.\nالثاني: أن لا يعتقدوا الاختصاص، ولكنهم تركوا ذلك من باب سد الذرائع؛ خوفًا من أن يُجعل ذلك سُنَّة؛ كما تقدم ذكره في اتباع الآثار والنهي عن ذلك، أو لأن العامة لا تقتصر في ذلك على حد، بل تتجاوز فيه الحدود، وتبالغ بجهلها في التماس البركة، حتى يداخلها للمُتَبرَّك به تعظيم يخرج به عن الحد، فربما اعتُقِد في المبترَّك به ما ليس فيه، وهذا التبرك هو أصل العبادة، ولأجله قطع عمر -﵁- الشجرة التي بويع تحتها رسول الله -ﷺ-، بل هو كان أصل عبادة الأوثان في الأمم الخالية -حسبما ذكره أهل السير- فخاف عمر -﵁- أن يتمادى الحال في الصلاة إلى تلك الشجرة حتى تُعْبَد من دون الله، فكذلك يتفق عند\n_________\n(^١) الاعتصام (١/ ٤٨٢).","vol":"1","page":274},{"text":"التوغل في التعظيم\" (^١).\nويستمر الإمام الشاطبي في تجلية الأمر فيقول: \"ولأن الولاية؛ وإن ظهر لها في الظاهر آثار؛ فقد يخفى أمرها؛ لأنَّها في الحقيقة راجعة إلى أمر باطن لا يعلمه إلا الله، فربما ادعيت الولاية لمن ليس بوليٍّ، أو ادعاها هو لنفسه، أو أظهر خارقة من خوارق العادات هي من باب الشعوذة لا من باب الكرامة، أو من باب السحر (^٢)، أو الخواص أو غير ذلك، والجمهور لا يعرف الفرق بين الكرامة والسحر، فيعظمون من ليس بعظيم، ويقتدون بمن لا قدوة فيه، وهو الضلال البعيد، إلى غير ذلك من المفاسد، فتركوا العمل بما تقدم -وإن كان له أصل-؛ لما يلزم عليه من الفساد في الدين\" (^٣).\nوتابع الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ من قبله من أهل العلم في تأييد ما قرروه من إبطال قياس من قاس غير النبي -ﷺ- عليه في التبرك بجسده وما انفصل منه فقال: \"وظن أن بقية الصالحين في ذلك كالنبي -ﷺ-، وهذا خطأ صريح لوجوه: منها عدم المقاربة فضلًا عن المساواة للنبي -ﷺ- في الفضل والبركة، ومنها عدم تحقق الصلاح فإنَّه لا يتحقق إلا بصلاح القلب، وهذا أمر لا يمكن الاطلاع عليه إلا بنص؛ كالصحابة الذين أثنى الله عليهم ورسوله، أو أئمة التابعين، أو من شهر بصلاح ودين كالأئمة الأربعة ونحوهم من الذين تشهد لهم الأمة\n_________\n(^١) المصدر السابق (١/ ٤٨٣ - ٤٨٤) وهنا ذكر الشاطبي عن الفرغاني مذيل (تاريخ الطبري) عن الحلاج: أن أصحابه بالغوا في التبرك به، حتى كانوا يتمسحون ببوله، ويتبخرون بعذرته، حتى ادعوا فيه الإلهية، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا. [انظر: المصدر السابق].\n(^٢) كلمة (السحر) ساقطة من النسخة، والتصحيح من طبعة أخرى بتحقيق: أحمد عبد الشافي، دار الكتب العلمية (٢/ ٢٧٨).\n(^٣) الاعتصام (١/ ٤٨٤).","vol":"1","page":275},{"text":"بالصلاح، وقد عُدم أولئك. أما غيرهم فغاية الأمر أن نظن أنهم صالحون فنرجو لهم، ومنها أنا لو ظننا صلاح شخص فلا نأمن أن يختم له بخاتمة سوء، والأعمال بالخواتيم، فلا يكون أهلًا للتبرك بآثاره، ومنها أن الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك مع غيره لا في حياته ولا بعد موته، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، فهلا فعلوه مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ونحوهم من الذين شهد لهم النبي -ﷺ- بالجنة، وكذلك التابعون هلا فعلوه مع سعيد بن المسيب، وعلي بن الحسين، وأويس القرني، والحسن البصري، ونحوهم ممن يقطع بصلاحهم، فدل أن ذلك مخصوص بالنبي -ﷺ-، ومنها أن فعل هذا مع غيره -ﷺ- لا يؤمن أن يفتنه، وتعجبه نفسه، فيورثه العجب، والكبر، والرياء، فيكون هذا كالمدح في الوجه بل أعظم\" (^١).\nويقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ في حكم قول القائل: (وأعاد علينا من بركته)، فأجاب بقوله: \"يعني بركة علمه، وليس المراد بركة ذاته، فإن الذوات جعل الله فيها ما جعل من البركة، ولكن لا تصلح للتبرك بها إلا نبينا محمد -ﷺ- من أَبْعاضِه كريقه، ولا يقاس على النبي -ﷺ- غيره، والصحابة ما فعلوا مع أَبِي بكر وعمر من قصد البركة فيهما كما فعلوا مع النبي\" (^٢).\nوقال ﵀ أيضًا في مسألة التبرك بآثار الصالحين قياسًا على التبرك بشعر النبي -ﷺ-: \"مسألة؛ وهي: أن بعض شراح الحديث يذكر أنه لا بأس بالتبرك بآثار الصالحين إذا مروا بذكر شعر النبي -ﷺ-. وهذا غلط ظاهر لا يوافقهم عليه أهل العلم والحق، وذلك أنه: ما ورد إلا في حق النبي -ﷺ-.\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد (ص ١٥٣ - ١٥٤).\n(^٢) مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم (١/ ١٠٣ - ١٠٤) رقم (٤٠).","vol":"1","page":276},{"text":"أبو بكر، وعمر، وذو النورين عثمان، وعلي، وبقية العشرة المبشرين بالجنة، وبقية البدريين، وأَهل بيعة الرضوان، ما فعل السلف هذا مع واحد منهم، أفيكون هذا منهم نقصًا في تعظيم الخلفاء التعظيم اللائق بهم، أو أنهم لا يلتمسون ما ينفعهم؟! فاقتصارهم على النبي -ﷺ- يدل على أنه من خصائص النبي -ﷺ-، وهي بركة جعلها الله في النبي -ﷺ- كما جعلها في بعض المخلوقات\" (^١).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: \"لأن ريق الإنسان ليس سببًا للبركة والشفاء، ولا أحد يتبرك بآثاره إلا محمد -ﷺ-، أما غيره فلا يتبرك بآثاره. فالنبي -ﷺ- يتبرك بآثاره في حياته وكذلك بعد مماته إذا بقيت تلك الآثار، كما كان عند أم سلمة (^٢) - ﵄ - جلجل من فضة فيه شعرات من شعر النبي -ﷺ- يستشفي بها المرضى، فإذا جاء مريض صبت على هذه الشعرات ماء ثم حركته ثم أعطته الماء، لكن غير النبي -ﷺ- لا يجوز لأحد أن يتبرك بريقه، أو بعرقه، أو بثوبه، أو بغير ذلك، بل هذا حرام، ونوع من الشرك\" (^٣).\nوبهذه النقول يتبين لنا ضعف قول من قاس أهل الصلاح على النبي -ﷺ-، إذ إن السبب الذي من أجله جاز التبرك ببدن النبي -ﷺ- أو بما انفصل منه ليس هو مجرد الصلاح، وإنما السبب الرئيس هو النبوة والرسالة، فالله تعالى قد بارك في أجساد الأنبياء، وجعلها مباركة، وشُرعَ لنا أن نتبرك بها إكرامًا لهم ورفعةً لمنزلتهم.\n_________\n(^١) المصدر السابق (١/) رقم (٤١).\n(^٢) هي: هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشية المخزومية، أم المؤمنين أم سلمة، مشهورة بكنيتها، وكانت تحت أبي سلمة بن عبد الأسد، وهو ابن عمها، وهاجرت معه إلى الحبشة، ثم هاجرت إلى المدينة، ولما مات تزوجها النبي -ﷺ-. [ترجمتها في: الإصابة (٨/ ١٥٠)].\n(^٣) مجموع فتاوى الشيخ محمد بن عثيمين (١/ ١٠٧ - ١٠٨).","vol":"1","page":277},{"text":"ومما ينبغي التنبيه عليه أن التبرك المشروع ببدن النبي -ﷺ- أو بما انفصل منه ليس من باب الغلو في النبي -ﷺ-، إذ ليس هو مالك البركة وواهبها، ولكنه يدخل في باب التعظيم الذي يستحقه -ﷺ-، والإكرام الذي يليق به ﵇، مع وجوب القطع بأن مالك البركة وواهبها هو الله تعالى، والنبي -ﷺ- جعلت فيه البركة، فهو مبارَك، والله هو المبارِك له، وقد شرع لنا التماس البركة منه -ﷺ-.\nثم لو كان في ذلك أدنى مثقال ذرة من الغلو، أو صرف لشيء من التأله لغير الله تعالى لما رضيه -ﷺ-، وأقرَّ أصحابه عليه، كيف وهو إمام الحنفاء، وأعظم من حقق التوحيد وحمى حماه.\nيقول الشيخ عبد العزيز المحمد السلمان (^١): \"وإنما جاز في حقه -ﷺ- النص به والأمر\" (^٢).\nثم إن التبرك ببدن النبي -ﷺ- فيه دليل على صدق إيمان المُتَبَرِّك، والتصديق برسالته وتعظيمه وحبه، وأن له عند الله تعالى مقامًا عظيمًا لا\n_________\n(^١) هو: العالم المفسر الأصولي الفقيه الفرضي الورع الزاهد، الشيخ عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن السلمان أبو محمد من قبيلة عتيبة، ولد في مدينة عنيزة في ٢٥/ رمضان/ ١٣٣٧ هـ، ابتدأ بالقراءة على علامة القصيم الشيخ المحقق عبد الرحمن بن ناصر السعدي ولازمه ستة عشر عامًا، تولى الإمامة وخطبة الجمعة، وعمل في المعهد العلمي، وبعده في معهد إمام الدعوة العلمي، له كثير من المؤلفات التي لم يسمح بيعها وجعلها وقفًا لله تعالى، ومنها: الأنوار الساطعات لآيات جامعات، والكواشف الجلية عن معاني الواسطية، وإتحاف المسلمين بما تيسر من أحكام الدين، وأوضح المسالك إلى أحكام المناسك، وغيرها كثير، توفي في التاسع عشر من شهر صفر لعام ١٤٢٢ هـ. [ترجمته في: مقال بعنوان: (شيخ الزهد)، في جريدة الرياض، يوم الأربعاء ٢٢/ ٢/ ١٤٢٢ هـ، كتبه: إبراهيم بن عبد العزيز الشثري بمركز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالسويدي، وللمؤرخ كامل محمد عويصة ترجمة موسعة بعنوان: شيخ المعلمين وعلامة القرن العشرين، وعلمت أنها ما زالت مخطوطة في ٢٠٣ صفحة].\n(^٢) الكواشف الجلية عن معاني الواسطية (ص ٧٤٦).","vol":"1","page":278},{"text":"يدركه أحد من أمته، كما أن فيه إعلامًا عظيمًا لجميع أهل الأرض، على اختلاف أديانهم، وتنوع مشاربهم بمكانة هذا النبي الأمي العظيم الصادق الأمين الكريم -ﷺ-.\nيقول الإمام القرطبي في تعليل فعل الصحابة وتبركهم بآثار النبي ﵇ المنفصلة عنه: \"وهذا كله عمل بمقتضى الأمر بالتعزير والتعظيم ونتيجة الحب الصحيح، رزقنا الله الحظ الأكبر من تعظيمه ومحبته وحشرنا في زمرته\" (^١).\nويقول الشيخ النجمي - حفظه الله -: \"التبرك بالنبي -ﷺ- إنما جاز؛ لأنَّه ثمرة الإيمان به، ودليل على صدق إيمان المتبرك [به]، كما في قصة أم سليم، والمهم أن التبرك به إنما جاز؛ لأنَّه من ثمرات الإيمان به، وبرسالته، وأن له عند الله مقامًا لا يوازيه فيه أحد من بني آدم\" (^٢).\nولذا أقر النبي -ﷺ- صحابته الكرام - ﵃ - على هذا التبرك في غزوة الحديبية، وكان في ذلك غايات حميدة منها إرهاب قريش وإطلاعهم على مكانة النبي -ﷺ- بين أصحابه، وحبهم وتعظيمهم له.\nيقول الشيخ الألباني: \"النبي -ﷺ- وإن أقرّ الصحابة في غزوة الحديبية وغيرها على التبرك بآثاره والتمسح بها، وذلك لغرض مهم، وخاصة في تلك المناسبة، وذلك الغرض هو إرهاب كفار قريش، وإظهار مدى تعلق المسلمين بنبيهم، وحبهم له، وتفانيهم في خدمته، وتعظيم شأنه\" (^٣).\nولذا لم يكن هذا التبرك نافعًا للمنافقين، وأهل الشرك والفساد، بل لا بد للانتفاع بهذا التبرك من الإيمان الصحيح المقبول عند الله تعالى (^٤).\n_________\n(^١) المفهم (٥/ ٢٧٦).\n(^٢) انظر: أوضح الإشارة (ص ٥٠٤ - ٥٠٥).\n(^٣) التوسل أنواعه وأحكامه (ص ١٦٢).\n(^٤) التوسل أنواعه وأحكامه (ص ١٦١)، وأوضح الإشارة (ص ٥٠٥).","vol":"1","page":279},{"text":"ثامنًا: دلت القاعدة على أن البركة ملكه سبحانه، وصفته تعالى، وفعله ﷿، وعليه يكون حظ الخلق من البركة بقدر قربهم من ربهم، وتعلقهم بمعبودهم، ومحبتهم لخالقهم ﷾، وقد سبق تقرير ذلك في الكلام على بركة الأنبياء وأهل العلم، وعمومًا فكلما كان الشيء أقرب إلى الله زادت بركته وكثر خيره، وفي الأعمال كذلك؛ فكلما كان العمل أكثر إخلاصًا وموافقة للسُّنَّة كانت بركته بحسب ذلك.\nوالعكس بالعكس فكل ما بَعُدَ عن الله ودينه وشرعه وما يحبه ويرضاه، أو أبْعَدَ عنه قلَّ خيره، ونزعت بركته، وذهبت عافيته (^١).\nيقول أبو عبد الله الحكيم الترمذي (^٢): \"وكل شيء هو عون للدين فالبركة حالة به، وإذا بورك في الشيء سعد به أهله، وكل شيء يتصل به الشيطان ويقارنه فبركته ممحوقة، ولهذا شرع ذكر اسم الله تعالى عن الأكل، والشرب، واللبس، والركوب، والجماع؛ لما في مقارنة اسم الله من البركة، وذكر اسمه يطرد الشيطان فتحصل البركة ولا معارض لها، وكل شيء لا يكون لله فبركته منزوعة؛ فإن الرب هو الذي يبارك وحده، والبركة كلها منه، وكلما نسب إليه مُبَارَكٌ، فكلامه مُبَارَك، ورسوله مُبَارَك، وعبده المؤمن النافع لخلقه مُبَارَك، وبيته الحرام مُبَارك، وكنانته من أرضه وهي الشام أرض البركة، وصفها بالبركة في ست آيات من كتابه، فلا مُبَارِك إلا هو وحده، ولا مُبَارَك إلا ما نسب إليه؛ أعني: إلى\n_________\n(^١) انظر: فيض القدير (٣/ ٥٥٠).\n(^٢) هو: محمد بن علي بن الحسن بن بشير الترمذي المؤذن المعروف بالحكيم، صاحب كتاب نوادر الأصول المشهور، وله كتاب ختم الولاية وعلل الشريعة، هجر بسببه في ترمذ آخر عمره. قال عنه ابن حجر: \"لم يكن من أهل الحديث، ولا رواية له\"، وذكر أنه: تكلم بإشارات الصوفية، ودعوى الكشف عن الأمور الغامضة والحقائق، حتى خرج في ذلك عن قاعدة الفقهاء، واستحق الطعن عليه بذلك، عاش إلى حدود العشرين وثلاثمائة، وعاش نحوًا من تسعين سنة. [ترجمته في: لسان الميزان (٥/ ٣٠٨ - ٣١٠)].","vol":"1","page":280},{"text":"محبته وألوهيته ورضاه، وإلا فالكون كله منسوب إلى ربوبيته وخلقه، وكلما باعده من نفسه من الأعيان، والأقوال، والأعمال، فلا بركة فيه، ولا خير فيه، وكلما كان منه قريبًا من ذلك ففيه من البركة على قدر قربه منه.\nوضد البركة اللعنة فأرض لعنها الله، أو شخص لعنه الله، أو عمل لعنه الله، أبعد شيء من الخير والبركة، وكلما اتصل بذلك، وارتبط به، وكان منه بسبيل فلا بركة فيه البتة، وقد لعن عدوه إبليس، وجعله أبعد خلقه منه، فكل ما كان من جهته فله من لعنة الله بقدر قربه منه، واتصاله، فمن ههنا كان للمعاصي أعظم تأثير في محق بركة العمر، والرزق، والعلم، والعمل، فكل وقت عصيت الله فيه، أو مال عصى الله به، أو بدن، أو جاه، أو علم، أو عمل، فهو على صاحبه ليس له، فليس له من عمره، وماله، وقوته، وجاهه، وعلمه، وعمله، إلا ما أطاع الله به؛ ولهذا من الناس من يعيش في هذه وقوته، وجاهه، وعلمه، وعمله، إلا ما أطاع الله به؛ ولهذا من الناس من يعيش في هذه الدار مائة سنة، أو نحوها، ويكون عمره لا يبلغ عشرين سنة، أو نحوها، كما أن منهم من يملك القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، ويكون ماله في الحقيقة لا يبلغ ألف درهم، أو نحوها، وهكذا الجاه والعلم، ... ما كان لله هذا هو الذي فيه البركة خاصة والله المستعان\" (^١).\n_________\n(^١) نوادر الأصول في أحاديث الرسول (١/ ٣٩٧).","vol":"1","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>المبحث الثامن\nقاعدة التوجه إلى شيء أو إلى جهة بقصد القربة وحصول الثواب عبادة</span>\nوفيه<span data-type=\"title\" id=toc-69> توطئة </span>ومسائل:\nتوطئة:\nمن المعلوم أن اتخاذ القبلة التي يتوجه إليها وقت العبادة يعتبر من الشعائر العظيمة التي يتقرب بها إلى الله ﵎، وما من أهل دين وملة إلا ولهم قبلة؛ هي من أعلام دينهم، ومما يتميزون به عن غيرهم، فهم يتوجهون إليها وقت عبادتهم لا يفارقونها أبدًا إلا إذا فارقوا دينهم.\nيقول الإمام ابن تيمية ﵀: \"ثم أخذ سبحانه في بيان شرائع الإسلام التي على ملة إبراهيم فذكر إبراهيم الذي هو إمام، وبناء البيت الذي بتعظيمه يتميز أهل الإسلام عما سواهم، وذكر استقباله وقرر ذلك، فإنَّه شعار الملة بين أهلها وغيرهم؛ ولهذا يقال: أهل القبلة، كما يقال: \"من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم\" (^١) \" (^٢).\n_________\n(^١) قطعة من حديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب: فضل استقبال القبلة يستقبل بأطراف رجليه (١/ ١٥٣) برقم (٣٨٤)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأضاحي، باب: وقتها (٣/ ١٥٥٣) برقم (١٩٦١)، عن أنس بن مالك -﵁-.\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٢).","vol":"1","page":282},{"text":"ويقول الإمام ابن القيم ﵀: \"لأن القبلة من خواص الدين، وأعلامه، وشعائره الظاهرة، فأهل كل دين لا يفارقون قبلتهم إلا أن يفارقوا دينهم\" (^١).\nوإنما أمر سبحانه باستقبال جهة بعينها دون عموم الجهات؛ لأنَّه أكمل في الإقبال على مناجاة ذي الجلال (^٢).\nوقد بيَّن الإمام أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي بعض الحِكَم الشرعية من استقبال الكعبة بقوله: \"ثم أُمِرَ أن يستقبل الكعبة، فاستقر الأمر على ذلك. أقول: السر في ذلك أنه لما كان تعظيم شعائر الله وبيوته واجبًا؛ لا سيما فيما هو أصل أركان الإسلام، وأم القربات، وأشهر شعائر الدين، وكان التوجه في الصلاة إلى ما هو مختص بالله بطلب رضا الله بالتقرب منه أجمع للخاطر، وأحث على صفة الخشوع، وأقرب لحضور القلب؛ لأنَّه يشبه مواجهة الملك في مناجاته؛ اقتضت الحكمة الإلهية أن يجعل استقبال قبلة ما شرطًا في الصلاة في جميع الشرائع، وكان إبراهيم وإسماعيل ﵈ ومن تدين بدينهما يستقبلون الكعبة، وكان إسرائيل ﵇ وبنوه يستقبلون بيت المقدس هذا هو الأصل المسلَّم في الشرائع\" (^٣).\nويقول الشيخ السعدي: \"كل أهل دين وملة له وجهة يتوجه إليها في عبادته، وليس الشأن في استقبال القبلة، فإنَّه من الشرائع التي تتغير بها الأزمنة والأحوال، ويدخلها النسخ والنقل من جهة إلى جهة، ولكن الشأن كل الشأن في امتثال طاعة الله، والتقرب إليه، وطلب الزلفى عنده، فهذا هو عنوان السعادة ومنشور الولاية، وهو الذي إذا لم تتصف\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (٤/ ٩٦٧).\n(^٢) انظر: قواعد الأحكام في مصالح الأنام، لابن عبد السلام (١/ ١٨٣).\n(^٣) حجة الله البالغة (ص ٤١٥).","vol":"1","page":283},{"text":"به النفوس حصلت لها خسارة الدنيا والآخرة، كما أنها إذا اتصفت به فهي الرابحة على الحقيقة، وهذا أمر متفق عليه في جميع الشرائع، وهو الذي خلق الله له الخلق وأمرهم به\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-70> المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>معنى التوجه لغة وشرعًا:</span>\nالتوجه فعل لازم من وَجَهَ، والواو والجيم والهاء: أصل واحد يدل على مقابلةٍ لشيء، فالوَجه مستقبَلُ كلِّ شيء والوِجْهَة: القِبلة وكل موضع استقبلته، والمُوَاجَهة المقابلة، ووجهت الشيء: جعلته على جهة، وَوَجَّه وَجْهَهُ إلى كذا: ولَّى وجهه إليه، ويقال للقَصْدِ: وجه، وللمقصد: جهةٌ ووِجهةٌ (^٢).\nوأما التوجه شرعًا الذي هو عبادة لله تعالى فينقسم إلى قسمين:\nالأول: توجه قلبي باطني.\nالثاني: توجه ظاهري.\nوقد يجتمعان في العبادة الواحدة، بل قد لا يعتبر أحدهما بدون الآخر في بعض الأحوال، كما هو الحال في الصلاة.\nفالتوجه الباطني هو الإقبال على الله تعالى بالكلية والانقياد إليه، والانقطاع عما سواه، وإخلاص العبادة له، وقصده ﷿ بجميع أنواع العبادة.\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٧٣).\n(^٢) انظر: تهذيب اللغة (٦/ ١٨٦)، معجم مقاييس اللغة (٦/ ٨٨ - ٨٩)، المفردات (ص ٥١٣ - ٥١٤)، مختار الصحاح (ص ٢٩٦)، معجم الأفعال المتعدية بحرف (ص ٤٢٣ - ٤٢٤).","vol":"1","page":284},{"text":"يقول الإمام الطبري ﵀: \"ثم أخبرهم تعالى ذكره أن توجيهه وجهه لعبادته بإخلاص العبادة له، والاستقامة في ذلك لربه على ما يجب من التوحيد، لا على الوجه الذي يوجه له وجهه من ليس بحنيف، ولكنه به مشرك، إذ كان توجيه الوجه لا على التحنيف غير نافع موجهه بل ضاره ومهلكه\" (^١).\nوقال السمعاني ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٢٥]: \"أي: أخلص عبادته لله، وقيل: توجه بعبادته إلى الله، والوجه يذكر بمعنى الدين والعبادة ومنه قول المصلى: وجهت وجهي؛ أي: ديني وهو الصلاة\" (^٢).\nويقول الإمام ابن تيمية: \"وكذلك توجيه الوجه للذي فطر السموات والأرض توجيه قصده، وإراداته، وعبادته، وذلك يستتبع الوجه وغيره، وإلا فمجرد توجيه العضو من غير عمل القلب لا يفيد شيئًا\" (^٣).\nويقول الإمام ابن القيم: \"وتوجيه وجهه إليه يتضمن؛ إقباله بالكلية على ربه، وإخلاص القصد والإرادة له، وإقراره بالخضوع، والذل، والانقياد، قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠]، وذكر الوجه إذ هو أشرف ما في الإنسان، ومجمع الحواس، وأيضًا ففيه معنى التوجه والقصد من قوله:\nأستغفر الله ذنبًا لست محصيه ... رب العباد إليه الوجه والعمل\" (^٤)\nويقول الإمام ابن كثير في قوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٧/ ٢٥٢)، وفي نسخة أخرى: \"إذا كان توجيه الوجه على غير التحنُّف غير نافع موجِّهه، بل ضارّه ومهلكه\". [انظر: تفسير الطبري بتحقيق: الشيخ أحمد ومحمود محمد شاكر (١١/ ٤٨٧)].\n(^٢) تفسير السمعاني (١/ ٤٨٤)، وانظر: تفسير القرطبي (٧/ ٢٨)، وشرح مسلم للنووي (٦/ ٥٧).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢/ ٤٣١).\n(^٤) زاد المعاد (٤/ ٢٤٤).","vol":"1","page":285},{"text":"فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ [الأنعام: ٧٩]:\n\"أي: أخلصت ديني، وأفردت عبادتي للذي فطر السماوات والأرض\" (^١).\nوالمقصود من الآية: أن إبراهيم ﵇ وجه وجهه لله وحده، مقبلًا عليه بالتوحيد، ومذعنًا له بالانقياد، معرضًا عن من سواه، متبرئً من الشرك وأهله؛ فدعا قومه إلى التوحيد، وأعلنه إعلانًا، فلم يترك للشرك مسلكًا إلى نفوس الغافلين، وأقام بناية هي الكعبة، أول بيت وضع للناس، وفرض حَجّه على الناس، ارتباطًا بمغزاه، وأعلن تمام العبودية لله تعالى (^٢).\nيقول الشيخ المباركفوري: \"أي: توجهت بالعبادة بمعنى: أخلصت عبادتي لله، وقيل: صرفت وجهي، وعملي، ونيتي، أو أخلصت وجهتي وقصدي للذي فطر السماوات والأرض\" (^٣).\nلكن التوجه الظاهري بالوجه لا يعتبر إذا خلا القلب من التوجه والانقياد والخضوع والتعظيم، فإن هذه الأمور إن حصلت في القلب استلزمت توجه الوجه فيما شرع فيه التوجه.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وذلك أنهما متلازمان؛ فحيث توجه الإنسان توجه وجهه، ووجهه مستلزم لتوجهه، وهذا في باطنه وظاهره جميعًا، فهي أربعة أمور، والباطن هو الأصل، والظاهر هو الكمال والشعار، فإذا توجه قلبه إلى شيء تبعه وجهه الظاهر، فإذا كان العبد قصده ومراده وتوجهه إلى الله، فهذا صلاح إرادته وقصده، فإذا كان مع ذلك محسنًا فقد اجتمع له أن يكون عمله صالحًا، وأن يكون لله تعالى\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٢/ ١٥٢).\n(^٢) انظر: تفسير السعدي (ص ٢٦٢)، وتفسير التحرير والتنوير (٣/ ٢٧٥).\n(^٣) تحفة الأحوذي (٩/ ٢٦٤).\n(^٤) الاستقامة (٢/ ٣٠٧).","vol":"1","page":286},{"text":"فالوجه إنما يتوجه حيث توجه القلب، فإذا توجه الوجه نحو جهة، كان القلب متوجهًا إليها، ولا يمكن للوجه أن يتوجه بدون القلب، فإسلام الوجه وإقامته وتوجيهه مستلزم لإسلام القلب وإقامته وتوجيهه (^١).\nوتوجيه الوجه وإسلامه وإقامته كلها ألفاظ متقاربة، والمقصود: تقويمه وتعديله باتجاهه قبالة نظره، غير ملتفت يمينًا ولا شمالًا؛ وهو تمثيل لحالة الإقبال على الشيء، والتمحض للشغل به، بحال قصر النظر إلى صوب قبالته، غير ملتفت يَمْنَةً ولا يَسْرَةً، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، وقوله عن إبراهيم: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩]، وقوله تعالى: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠]؛ أي: أعطيته لله، وذلك معنى التمحيض لعبادة الله، وأن لا يلتفت إلى معبود غيره (^٢).\nوبهذا يظهر أن توجيه الوجه إلى الله تعالى يشمل صرف الوجه وتوجيه القلب، لكن ما يتعلق بالقلب هو الأصل، ويأتي توجه الوجه مستتبعًا لما في القلب.\nكما أن توجه الوجه الذي أوجبه الله تعالى، وجعله عبادة له لا بد أن يلازمه توجه جملة البدن أيضًا؛ لأن الواجب على الإنسان أن يستقبل القبلة بجملته بما في ذلك الوجه والبدن والقلب، لا بوجهه فقط، والوجه يذكر ويراد به نفس الشيء؛ لأن الوجه أشرف الأعضاء؛ ولأن بالوجه تميز بعض الناس عن بعض؛ فلهذا السبب قد يعبر عن كل الذات بالوجه (^٣).\n_________\n(^١) النبوات (ص ٧٥).\n(^٢) انظر: تفسير التحرير والتنوير (٢١/ ٨٩).\n(^٣) انظر: تفسير البحر المحيط (١/ ٦٠٣)، والتفسير الكبير للرازي (٤/ ١٠٢).","vol":"1","page":287},{"text":"يؤيد ذلك ما ثبت في السُّنَّة من أن المصلي يستقبل بأطراف أصابعه القبلة في حال سجوده (^١).\nيقول الشيخ ابن عاشور في معنى قوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: \"وجملة (إنّي وجَّهْت وَجْهِي) بمنزلة بدل الاشتمال من جملة (إنّي بريء ممّا تشركون)؛ لأنّ البراءة من الإشراك تشتمل على توجيه الوجه إلى الله، وهو إفراده بالعبادة. والوجه في قوله: (وجهي)، و(وجّهت) مشتقّ من الجهة والوجهة؛ أي: صرفته إلى جهة؛ أي: جعلت كذا جهة له يقصدها. يقال: وجَّهه فتوجّه إلى كذا إذا ذهب إليه. ويقال للمكان المقصود: وِجْهَة بكسر الواو، وكأنَّهم صاغوه على زنة الهيئة من الوَجه؛ لأنّ القاصد إلى مكان يقصده من نحو وجهه، وفعلوه على زنة الفعلة بكسر الفاء؛ لأنّ قاصد المكان بوجهه تَحْصُل هيئة في وجهه وهي هيئة العزم وتحديقُ النظر؛ فمعنى: (وجَّهت وجهي): صرفتُه وأدرته. وهذا تمثيل: شبّهت حالة إعراضه عن الأصنام وقصده إلى إفراد الله تعالى بالعبادة، بمن استقبل بوجهه شيئًا وقصده وانصرف عن غيره\" (^٢).\nوالمعنى المقصود الأساس في القاعدة هو الثاني، ولكن كما سبق فإن توجه الوجه يفتقر إلى توجه القلب؛ وإلا صار توجهًا ظاهريًا لا فائدة منه ولا ثمرة له، ولا يعتبر مقبولًا عند الله ﵎؛ إذ ليس في الشرع ظاهر بدون باطن.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب صفة الصلاة، باب سُنة الجلوس في التشهد (١/ ٢٨٤) برقم (٧٩٣)، كما أن من السُّنَّة أيضًا توجيه أصابع اليدين إلى جهة القبلة أثناء السجود، فقد جاء في حديث أبي حميد الساعدي -﵁- في وصفه لصلاة النبي -ﷺ- وفيه: (واستقبل بأطراف أصابعه القبلة). [صحيح ابن خزيمة (١/ ٣٢٤) برقم (٦٤٣)].\n(^٢) تفسير التحرير والتنوير (٧/ ٣٢٣).","vol":"1","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>تمهيد في أحوال التوجه والاستقبال:</span>\nالناظر في كتب أهل العلم -﵏- يجد أنهم قسموا التوجه والاستقبال إلى أقسام شتى، وفيما يلي أذكر ما وقفت عليه من تلك الأقسام مع بيان أمثلتها وأقوال أهل العلم فيها، فأقول وبالله التوفيق:\nلقد تكلم أهل العلم في طبيعة التوجه والاستقبال الذي يقارن أحوال الإنسان سواء كانت عبادة أو عادة، وذكروا أنه على أحوال:\nأولًا الذي يتصور من التوجه والاستقبال في الشرع أنه إما يكون إلى جهة القبلة -وهي الكعبة (^١) -، أو أن يكون إلى غير جهة الكعبة، فإن كان إلى جهة القبلة؛ فله ثلاثة أحوال:\nالأول: استقبال واجب في حال العلم بجهة القبلة، وحال الاستطاعة، والأمن، وحالة الحضر والإقامة؛ كاستقبال المصلي للقبلة في الصلاة، ويخرج بذلك صلاة الجاهل بجهة القبلة، فإنَّه يصلي حسب اجتهاده وإن كان هو في الواقع لم يصب القبلة (^٢)، وكذا صلاة الخائف،\n_________\n(^١) القبلة في اللغة هي الجهة، فقبلة الشيء؛ أي: جهته، ولكنها صارت في الشرع لا يفهم منها سوى الكعبة، يصلى إليها. قال الهروي: إنما سميت قبلة؛ لأن المصلى يقابلها وتقابله، ونقل الإمام ابن عبد البر الإجماع على أن القبلة التي أمر الله النبي -ﷺ-، وعباده بالتوجه نحوها في صلاتهم هي الكعبة؛ البيت الحرام بمكة. [انظر: تاج العروس (٣٠/ ٢٠٧)، والاستذكار (٢/ ٤٥٥)، وإعانة الطالبين (١/ ١٢٣)، وتهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٢٥٩)].\n(^٢) والأصل في ذلك حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه عند الترمذي (٢/ ١٧٦)، رقم (٣٤٥)، قال: (كنا مع النبي -ﷺ- في سفر في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي -ﷺ-، فنزل ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥])، وجاء عند الدارقطني عن جابر (١/ ٢٧١)، باب: الاجتهاد في القبلة وجواز التحري في ذلك، حديث رقم (٤)، وفيه زيادة: (فلم يأمرنا بالإعادة وقال قد أجزأت صلاتكم)، وحسنه الشيخ الألباني ﵀. [انظر: إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (١/ ٣٢٣)، رقم (٢٩١)، وانظر: أصل صفة صلاة النبي -ﷺ- للألباني (١/ ٧٢)].","vol":"1","page":289},{"text":"فلا يجب عليه استقبال القبلة لعدم أمنه، وكذلك صلاة المسافر للنافلة فقد رُخِّص له في عدم استقبالها مراعاة للمشقة أثناء السفر (^١).\nيقول الإمام ابن قدامة (^٢) بعد نقله لكلام الخرقي (^٣): \"ولا يصلى في غير هاتين الحالتين -أي: حالة الخوف وحالة السفر- فرضًا ولا نافلة إلا متوجهًا إلى الكعبة\": \"قد ذكرنا أن استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة، ولا فرق (^٤) بين الفريضة والنافلة؛ لأنَّه شرط للصلاة، فاستوى فيه الفرض والنفل؛ كالطهارة والستارة؛ ولأن قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠] عام فيهما جميعًا\" (^٥).\nوقال الإمام ابن عبد البر: \"فالواجب أن لا يصلي إلى غير القبلة إلا في الحال التي وردت بها السُّنَّة لا تتعدى\" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: صحيح البخاري، كتاب صلاة الكسوف، باب: صلاة التطوع على الدواب وحيثما توجهت به (١/ ٣٧٠)، رقم (١٠٤٣)، وانظر: صحيح مسلم (١/ ٣٨٤)، رقم (٥٤٠)، وسنن النسائي (٢/ ٦١)، رقم (٧٤٤).\n(^٢) هو: عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الدمشقي، موفق الدين، أبو محمد، أحد كبار الحنابلة في عصره، ولد عام ٥٤١ هـ، قال الذهبي: \"أحد الأئمة الأعلام\"، وقال ابن كثير: \"شيخ الإسلام، إمام عالم بارع\"، له مصنفات نافعة منها: المغني، والكافي، والمقنع، وروضة الناظر، توفي عام ٦٢٠ هـ. [ترجمته في: سير أعلام النبلاء (٢٢/ ١٦٥ - ١٧٣)، وشذرات الذهب (٥/ ٨٨ - ٩٢)].\n(^٣) هو: عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد، أبو القاسم الخرقي، أحد أئمة المذهب الحنبلي كان عالمًا بارعًا في المذهب، وكان ذا دين وورع، من مصنفاته المختصر الفقهي الذي شرحه جماعة من العلماء، منهم ابن قدامة في كتابه \"المغني\" توفي سنة ٣٣٤ هـ. [ترجمته في: طبقات الحنابلة (٢/ ٧٥)].\n(^٤) الفروق بين الفريضة والنافلة كثيرة ومتعددة، ولكن قصد المصنف التفريق بين الفريضة والنافلة من حيث استقبال القبلة حالة السفر، فتجوز صلاة النافلة للمسافر على الراحلة إلى غير جهة القبلة، أما الفريضة فيجب عليه استقبال القبلة فيها.\n(^٥) المغني لابن قدامة المقدسي (١/ ٢٦٢)، وانظر: التمهيد لابن عبد البر (١٥/ ٣٢٠) و(١٧/ ٧٢)، أحكام القرآن للجصاص (١/ ٧٨).\n(^٦) التمهيد لابن عبد البر (١٧/ ٧٧)، وانظر: شرح العمدة لابن تيمية (٤/ ٥٢١).","vol":"1","page":290},{"text":"فإذا توسط بين المصلي والقبلة شيء، بحيث تكون القبلة هي المقصودة في الأصل، ولكنه جعل شيئًا بينه وبين جهة القبلة، فهذه فيها تفصيل؛ إذ الأصل في استقبال الأشياء الإباحة ما دام المصلي متوجهًا إلى القبلة، وقاصدًا لها، ولكن قد يختلف الحكم في بعض الصور:\nالأولى: أن يكون الشيء الذي بين المصلي والقبلة مما نهي عن استقباله حال الصلاة؛ وإن لم يقصد المصلي استقباله؛ كاستقبال النار (^١)، والقبر (^٢)، والأصنام، والتصاوير (^٣)؛ لكونها هيئة فيها مشابهة المشركين، وكذا استقبال الأماكن النجسة، والمستقذرة؛ كالحش والمجزرة، والطريق (^٤) وجميع ما يشوش فكر المصلي، فكل هذه الأشياء مما نهي عن استقبالها حال الصلاة سواء بقصد أو بدون قصد (^٥).\nيقول الإمام ابن تيمية: \"ونهى أن يستقبل الرجل القبر في الصلاة\n_________\n(^١) لما في ذلك من التشبه بالمجوس عبدة النار، وقد نهينا عن التشبه بالمشركين، قال الإمام ابن قدامة: \"ويكره أن يصلي إلى نار قال أحمد: إذا كان التنور في قبلته لا يصلي إليه، وكره ابن سيرين ذلك، وقال أحمد في السراج والقنديل يكون في القبلة: أكرهه وأكره كل شيء، حتى كانوا يكرهون أن يجعلوا شيئًا في القبلة حتى المصحف، وإنما كره ذلك؛ لأن النار تعبد من دون الله فالصلاة إليها تشبه الصلاة لها\". [المغني (٢/ ٣٩)].\n(^٢) الصلاة إلى القبر لا تجوز بدليل حديث أبي مرثد الغنوي -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها\"، هذا لفظ مسلم (٢/ ٦٦٨)، رقم (٩٧٢)، [وانظر: أضواء البيان (٢/ ٢٩٨)].\n(^٣) دل على عدم جواز استقبال الأصنام والتصاوير ما رواه البخاري من حديث أنس -﵁- قال: كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها فقال النبي -ﷺ-: \"أميطي عنا قرامك هذا، فإنه لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي\". [أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب: إن صلى في ثوب مصلب أو تصاوير هل تفسد صلاته وما ينهى عن ذلك (١/ ١٤٧)، رقم (٣٦٧)].\n(^٤) قياسًا على منع استقبال القبلة بغائط أو بول، فكيف إذا كانت القبلة مكانًا للنجاسة والقاذورات، ولأن قارعة الطريق، والمجزرة، والمزبلة، مظان للنجاسة، أشبهت الحش والحمام. [انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد لابن قدامة (١/ ١١٠)].\n(^٥) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (٤/ ٧٦).","vol":"1","page":291},{"text":"حتى لا يتشبه بالمشركين الذين يسجدون للقبور، ففي الصحيح أنه قال: \"لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها\" (^١)، إلى أمثال ذلك مما فيه تجريد التوحيد لله رب العالمين، الذي أنزل الله به كتبه، وأرسل به رسله .. والصلاة إلى الشمس والقمر والكواكب والسجود إليها ذريعة إلى السجود لها\" (^٢).\nويقول ﵀: \"ولأن الصور قد تعبد من دون الله، وفيها مضاهاة لخلق الله، فالصلاة عندها تشبه بمن يعبدها ويعظمها، لا سيما إن كانت الصورة في جهة القبلة، فإن السجود إلى جهتها يشبه السجود لغير الله\" (^٣).\nويقول أيضًا: \"فينبغي للمصلي أن يتجنب استقبال الأمكنة الخبيثة، والمواضع الردية، ألا ترى أنا نهينا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، فكيف إذا كان البول والغائط والشياطين ومواضع ذلك في القبلة وقت الصلاة\" (^٤).\nالثانية: أن يكون الشيء الذي بين المصلي والقبلة مما أمر به ورغب فيه؛ كوضع السترة للصلاة إليها؛ لكون ذلك علامة على موضع سجوده، فيمتنع المارة من المرور فيما بينه وبين القبلة (^٥)؛ لما روي عن النبي -ﷺ- من حديث سهل بن سعد الساعدي (^٦) -﵁- قال: (كان بين\n_________\n(^١) سبق تخريجه قريبًا انظر: (ص ٢٩١).\n(^٢) الجواب الصحيح (١/ ٣٤٩)، وانظر: منهاج السُّنَّة (٢/ ٤٣٩)، وإعلام الموقعين (٢/ ٣٦٦).\n(^٣) شرح العمدة (٤/ ٥٠٥).\n(^٤) المصدر نفسه (٤/ ٤٨١).\n(^٥) انظر: الموسوعة الفقهية (٤/ ٧٥ - ٧٦)\n(^٦) هو: سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة الأنصاري الساعدي من مشاهير الصحابة، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، مات سنة إحدى وتسعين، وقيل: قبل ذلك، وقد بلغ مائة سنة، ويقال: إنه آخر من بقي بالمدينة من أصحاب رسول الله -ﷺ-، وحكي عنه أنه قال: لو مت لم تسمعوا أحدًا يقول: قال رسول الله -ﷺ-: [ترجمته في: الإصابة في تمييز الصحابة (٣/ ٢٠٠)، والاستيعاب (٢/ ٦٦٥)].","vol":"1","page":292},{"text":"مصلى رسول الله -ﷺ- وبين الجدار ممر الشاة) (^١).\nالثاني: استقبال مستحب؛ كاستقبال القبلة حال الدعاء، والذكر، وقراءة القرآن، وانتظار الصلاة في المصلى، وحال الوضوء والتيمم، وقد يقال بأن جميع الهيئات والأحوال التي لم يرد فيها أمر بوجوب الاستقبال، أو نهي عنه، فإنَّه يستحب فيها الاستقبال؛ لعموم حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إن لكل شيء سيدًا وإن سيد المجالس قبالة القبلة\" (^٢).\nيقول الإمام ابن عبد البر ﵀: \"فإن القبلة على كل حال يستحب استقبالها بالأعمال التي يراد بها الله ﷿ تبركًا بذلك، واتباعًا للسُّنَّة، قال رسول الله -ﷺ-: \"من أكل ذبيحتنا واستقبل قبلتنا\" الحديث\" (^٣).\nولذا قال المناوي في معنى حديث: \"أكرم المجالس\": \"فيُسن استقبالها في الجلوس للعبادات، سيما الدعاء، وأخذ منه النووي وغيره أنه يُسن للمدرس ونحوه أن يستقبل عند التدريس القبلة إن أمكن\" (^٤).\nيقول الإمام النووي في دعاء النبي -ﷺ- يوم بدر: \"فيه استحباب استقبالها للدعاء، ويلحق به الوضوء، والغسل، والتيمم، والقراءة، والأذكار، والأذان، وسائر الطاعات، إلا ما خرج بدليل كالخطبة\" (^٥).\nومن أهل العلم من عارض هذا التعميم، وجزم بعدم شرعية ذلك، وأنه لا يسن للإنسان أن يستقبل القبلة حالة العبادة إلا ما ورد الدليل\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الصالة، باب دنو المصلي من السترة (١/ ٣٦٤)، رقم (٥٠٨).\n(^٢) المعجم الأوسط (٣/ ٢٥)، رقم (٢٣٥٤)، والترغيب والترهيب للمنذري (٤/ ٢٩)، رقم (٤٦٦٣) وحسنه، ومجمع الزائد للهيثمي وحسنه (٨/ ٥٩)، وذكر له الشيخ الألباني شاهدًا عن ابن عباس. انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (٦/ ٣٠٠ - ٣٠١)، رقم (٢٦٤٥).\n(^٣) الاستذكار (٤/ ٢٤٦).\n(^٤) فيض القدير (٢/ ٩٠).\n(^٥) شرح صحيح مسلم للنووي (٦/ ١٨٩).","vol":"1","page":293},{"text":"بمشروعيته؛ لأن الرسول -ﷺ- أحرص الخلق على الطاعة، وأحرصهم على تبليغ جميع ما يتقرب به إلى الرب ﵎.\nيقول الشيخ العثيمين في جواب سؤال عن مشروعية استقبال القبلة حال الوضوء، فأجاب بقوله: \"ذكر بعض الفقهاء أنه يستحب استقبال القبلة حال الوضوء، وعلل ذلك بأنه عبادة، وأن العبادة كما يتوجه الإنسان فيها بقلبه إلى الله فينبغي للإنسان أن يتوجه بجسمه إلى بيت الله، حتى أن بعضهم قال: إن هذا متوجه في كل عبادة إلا لدليل، ولكن الذي يظهر لي من السُّنَّة أنه لا يُسن أن يتقصد استقبال القبلة عند الوضوء؛ لأن استقبال القبلة عبادة، ولو كان هذا مشروعًا لكان نبينا -ﷺ- أول من يشرعه لأمته؛ إما بفعله، وإما بقوله، ولا أعلم إلى ساعتي هذه أن النبي -ﷺ- كان يتقصد استقبال القبلة عند وضوئه\" (^١).\nلكن في حال الأذان فالواجب استقبال القبلة، وقد نقل الإمام ابن المنذر (^٢) الإجماع على ذلك بقوله: \"وأجمعوا على أن من السُّنَّة أن تستقبل القبلة بالأذان\" (^٣).\nوذلك لأن مؤذني رسول الله -ﷺ- كانوا يؤذنون مستقبلين القبلة، ولما تضمنه من الذكر ولكونه فيه نوع مناجاة (^٤).\nويقول الإمام العيني (^٥) في علة التنصيص على الاستقبال في\n_________\n(^١) فتاوى نور على الدرب، شريط كاسيت برقم (٢٤٣) الوجه (أ).\n(^٢) هو: محمد بن إبراهيم بن المنذر الإمام أبو بكر النيسابوري، نزيل مكة، أحد أعلام هذه الأمة وعلمائها، كان إمامًا، مجتهدًا، حافظًا، ورعًا، وله التصانيف المفيدة السائرة\" منها: كتاب الأوسط، وكتاب الإشراف في اختلاف العلماء، وكتاب الإجماع، والتفسير، وكتاب السُنن والإجماع والاختلاف، قال الذهبي: \"كان على نهاية من معرفة الحديث والاختلاف، وكان مجتهدًا لا يقلد أحدًا\". [انظر: تاريخ الإسلام (٢٣/ ٥٦٨)، وطبقات الشافعية (٣/ ١٠٢)].\n(^٣) الإجماع لابن المنذر (ص ٣٦).\n(^٤) انظر: كشاف القناع (١/ ٢٣٩).\n(^٥) هو: محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين البدر الحلبي الأصل، القاهري =","vol":"1","page":294},{"text":"قوله -ﷺ-: \"من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا\": \"بيانه أنه أفرد بذكر استقبال القبلة بعد قوله: \"من صلى صلاتنا\"، مع كونه داخلًا فيها؛ لأنه من شرائطها؛ وذلك للتنبيه على تعظيم شأن القبلة، وعظم فضل استقبالها، وهو غير مقتصر على حالة الصلاة، بل أعم من ذلك على ما لا يخفى\" (^١).\nوصرح بذلك الإمام ابن مفلح (^٢) بقوله: \"وهو متجه -أي: استحباب الاستقبال- في كل طاعة إلا لدليل\" (^٣).\nويقول الإمام الشوكاني: \"أقول وجه ذلك أنها الجهة -أي: القبلة- التي يتوجه إليها العابدون لله سبحانه، والداعون له، والمتقربون إليه، وقد ورد ما يرغب في ذلك على العموم كما أخرجه الطبراني بإسناد حسن عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إن لكل شيء سيدًا وإن سيد المجالس قبالة القبلة\"\" (^٤).\nوالذي يترجح أنه لا يتعبد باستقبال إلا ما ورد في الشرع استحبابه ومشروعيته، وأما ما لم يرد فيه دليل خاص باستحباب استقباله فلا يتقصد لذلك، والله أعلم.\n_________\n= الحنفي، المعروف بالعيني، ولد سنة ٧٦٢ هـ، وبرع في كثير من العلوم، وتولى القضاء ثم تركه ولزم بيته مقبلًا على الجمع والتصنيف، من تصانيفه: عمدة القاري شرح صحيح البخاري، وَشَرَحَ معاني الآثار للطحاوي، وشرح الكلم الطيب لابن تيمية، مات سنة ٨٥٥ هـ بالقاهرة. [ترجمته في: البدر الطالع (٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥)، والضوء اللامع (١٠/ ١٣١)].\n(^١) عمدة القاري، للإمام العيني (٤/ ١٢٤ - ١٢٥).\n(^٢) هو: محمد بن مفلح بن محمد بن مفرّج الراميني، المقدسي الحنبلي الفقيه النحوي الأصولي، وحيد دهره، وفريد عصره، وشيخ الحنابلة في وقته، بل شيخ الإسلام، وأحد الأئمة الأعلام، له مصنفات كثيرة منها: الفروع، والأصول، والآداب الشرعية، توفي سنة (٧٦٣ هـ). [ترجمته فى: المقصد الأرشد (٢/ ٥١٨)، وشذرات الذهب (٦/ ١٩٩)].\n(^٣) الفروع لابن مفلح (١/ ١٢٢).\n(^٤) تحفة الذاكرين للشوكاني (ص ٥٧).","vol":"1","page":295},{"text":"الثالث: استقبال محرم؛ كالتوجه إلى القبلة حال قضاء الحاجة (^١) وكالتفل والتنخم تجاه القبلة (^٢).\nوأما إن كان التوجه والاستقبال إلى غير جهة القبلة فعلى قسمين:-\nالأول: استقبال وتوجه شرعي، أمر به الشارع، أو دل عليه كاستقبال الخطيب للقوم (^٣)، واستقبالهم له (^٤)، وكاستقبال الإمام للناس بعد انتهاء الصلاة المكتوبة (^٥)، وكاستقبال الناس بعضهم لبعض حال\n_________\n(^١) فعن أبي أيوب الأنصاري أن النبي -ﷺ- قال: \"إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا\". [أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب: قبلة أهل المدينة وأهل الشام. .. (١/ ١٥٤) رقم (٣٨٦)].\n(^٢) ثبت عن ابن عمر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"يبعث صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة وهي في وجهه\"، ومن طريق حذيفة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفله بين عينيه\". [رواهما ابن خزيمة في صحيحه (٢/ ٢٧٨)، رقم (١٣١٣)، و(١٣١٤)، وصححهما الألباني: انظر: السلسلة الصحيحة (١/ ٤٣٧ - ٤٣٨)].\n(^٣) استقبال الخطيب للمصلين يوم الجمعة هو السُّنَّة التي داوم عليها - ﷺ - وصحابته من بعده، ولم يثبت عنه ﵇، ولا عن أحد من الصحابة أنه خطب الناس مستقبلًا للقبلة، فصار كالإجماع. قال ابن مفلح ﵀: \"وهو كالإجماع قاله ابن المنذر\". [المبدع (٢/ ١٦٢)]، بل قد عدَّ ابن الحاج في المدخل وقوف الإمام في الخطبة مستقبلًا القبلة للدعاء من البدع فقال: \"ولا يقف مستقبل القبلة ويبسط يديه ليدعو إذ ذاك؛ لأن علماءنا -رحمة الله عليهم- قد عدوا ذلك من البدع\". [المدخل لابن الحاج (٢/ ٢٦٧)].\n(^٤) يستحب استقبال المصلين للخطيب أثناء الخطبة، فقد ثبت استقبال الصحابة للنبي -ﷺ-، فقد جاء عن مطيع الغزال عن أبيه عن جده قال: (كان النبي -ﷺ- إذا صعد المنبر أقبلنا بوجوهنا إليه). [رواه ابن عدي في الكامل (٦/ ٢٤٩)، رقم (١٧٢٧)، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (٥/ ١١٠)، وانظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٧٥)].\n(^٥) ثبت عن النبي -ﷺ- من حديث سمرة بن جندب قال: (كان النبي -ﷺ- إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه). [صحيح البخاري، كتاب صفة الصلاة، باب: يستقبل الإمام الناس إذا سلم (١/ ٢٩٠)، رقم (٨٠٩)].","vol":"1","page":296},{"text":"السلام عند اللقاء (^١).\nالثاني: استقبال غير شرعي، وهو استقبال ما لم يرد به الشرع بنية القربة وحصول الثواب، وهو على قسمين أيضًا:\nأولًا: استقبال بدعي؛ كمن يستقبل القبور حال الدعاء، أو يستقبل بيت المقدس بدعاء أو ذكر أو عبادة، أو أن يتوجه إلى جهة شيخه ومعظمه بالدعاء؛ راجيًا سرعة الإجابة من الله تعالى بسبب هذا التوجه والاستقبال، أو أن يتوجه مستقبلًا إلى أي جهة معتقدًا أن لها خاصية ذاتية تميزها وتفضلها على غيرها بدون مسوغ شرعي، فهذا العمل من البدع العظيمة، بل هو في بعض أنواعه من أعظم الذرائع، وأخطر الوسائل المؤدية إلى الوقوع في الشرك الأكبر.\nثانيًا: استقبال شركي؛ كمن يستقبل القبور مثلًا معتقدًا تعظيمها، وأن لأصحابها شيئًا من التصرف، وقبول الدعاء، أو أن يعتقد أنهم بسبب توجهه يقربونه إلى الله تعالى، أو يشفعون له عنده، أو غير ذلك من الصور الشركية التي تقع من كثير من جهلة المسلمين.\nفهذه هي صور التوجه والاستقبال التي وقفت عليها من خلال كلام أهل العلم حسب اطلاعي، وقد توجد صور كثيرة غير ما ذكرته، ولكنها غالبًا ما تكون مندرجة تحت قسم من تلك الأقسام السابقة.\n_________\n(^١) وهذا من الآداب التي حث عليها الإسلام، فإن استقباله ومواجهته حال السلام مما يزيد في المحبة ويقوي رابطة الأخوة بينهما، ولذا جاء في الحديث عن أبي هريرة -﵁- قال: \"لقيني رسول الله -ﷺ- فأخذ بيدي ثم قال: ما التقى المسلمان فسلم أحدهما على صاحبه إلا لم يتفرقا حتى يغفر لهما\". [مسند الشاميين (١/ ٢٩٠)، رقم (٥٠٦)] وهذا الالتقاء والسلام لا يكون بدون استقبال ومواجهة.","vol":"1","page":297},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-73> المسألة الثانية* معنى القاعدة</span>\nقررت القاعدة أن التوجه والاستقبال إذا كان مقصودًا به القربة ونيل الأجر والثواب فهو في نفسه عبادة من العبادات، فيجب فيها الإخلاص لله تعالى، ومتابعة صاحب الشرع المطهر.\nوالمقصود: أنه لا يشرع التوجه والاستقبال بنية التقرب والتعبد والتعظيم والخضوع إلى أي شيء سوى ما شرع الله تعالى التوجه إليه، وتعبدنا بقصد استقباله، وهذا يشمل حال كثير من العبادات، فمن العبادات ما يكون التوجه والاستقبال فيه مخصوصًا بالكعبة، ومنها ما خص بغيرها، وكل بحسبه من حيث الوجوب والاستحباب، فالتوجه والاستقبال بنية التقرب مخصوص بالكعبة خاصة، وكما بينا ليس في الإسلام إلا قبلة واحدة (^١).\nيقول الإمام ابن عبد البر: \"فإن القبلة على كل حال يستحب استقبالها بالأعمال التي يراد بها الله - ﷿ -؛ تبركًا بذلك، واتباعًا للسُّنَّة قال رسول الله -ﷺ-: \"من أكل ذبيحتنا واستقبل قبلتنا ... \" الحديث\" (^٢).\nثم إن سائر الجهات قد خص منها جهة القبلة بالتشريف، فالعدل أن يستقبل في الذكر، والعبادة، والوضوء، وأن ينحرف عنها حال قضاء الحاجة، وكشف العورة، إظهارًا لفضل ما ظهر فضله (^٣).\nوقال المناوي (^٤): \"فاستقبال القبلة مطلقًا مطلوب؛ لكنه في الصلاة\n_________\n(^١) المشاهدات المعصومية لمحمد سلطان المعصومي، وهو ضمن المجموع المفيد في نقض القبورية ونصرة التوحيد، للأستاذ الدكتور محمد الخميس- حفظه الله- (ص ٢٥٧ - ٢٦١).\n(^٢) الاستذكار (٤/ ٢٤٦).\n(^٣) انظر: فيض القدير (١/ ٥٢٣).\n(^٤) هو: محمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي، =","vol":"1","page":298},{"text":"واجب، وخارجها مندوب\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-74> المسألة الثالثة * أدلة القاعدة</span>\nيمكن الاستدلال على هذه القاعدة بما يلي:\nأولًا: قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وقال سبحانه: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩)﴾ [البقرة: ١٤٩].\nوليس بخاف أنّ أوّل ما نسخ من أمور الشرع أمر القبلة (^٢)؛ وذلك أنّ رسول الله -ﷺ- وأصحابه كانوا يصلّون بمكّة إلى الكعبة، فلمّا هاجر النبيّ -ﷺ- إلى المدينة وقدمها لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، أمره تعالى أن يصلي نحو الصخرة ببيت المقدس؛ ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إيّاه إذا صلّى إلى قبلتهم، مع ما يجدون من نعته في التوراة، وهذا قول عامّة المفسّرين (^٣).\nوأما وجه دلالة الآيات على معنى القاعدة فمن وجوه:\nالأول: دلَّ قوله تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ على أن استقبال القبلة عبادة لله تعالى؛ لأن العبادة هي كل ما يحبه الله ويرضاه، وبيان\n_________\n= المناوي القاهري الشافعي. له مصنفات كثيرة منها: فيض القدير شرح الجامع الصغير، وشرح الشمائل للترمذي، توفي سنة ١٠٣١ هـ. [انظر ترجمته في: البدر الطالع (١/ ٣٥٧)].\n(^١) فيض القدير (١/ ٥٢٣).\n(^٢) ذكر ذلك الإمام الطبري عن ابن عباس -﵄-. انظر: تفسير الطبري (١/ ٥٠٢).\n(^٣) انظر: تفسير الثعلبي (٢/ ١٠)، ومال إليه جملة من المحققين منهم الإمام ابن عبد البر، وفي المسألة قول آخر. [انظر: الاستذكار (١/ ١٩)].","vol":"1","page":299},{"text":"ذلك أن الله تعالى أثبت للرسول -ﷺ- رضاه وميله ومحبته للتوجه إلى جهة الكعبة، ومن المعلوم أنه -ﷺ- لا يرضى ولا يحب إلا ما أحبه الله ورضيه ﷾، إذ إن جميع محابه -ﷺ- تابعة في الأصل لمحبة معبوده ﷾ (^١).\nولذا ذكر أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾؛ أي: تحبها بسبب اشتمالها على المصالح الدينية والغايات الشرعية (^٢).\nيقول الإمام البغوي في معنى الآية: \"فلنحولنك إلى قبلة ترضاها؛ أي: تحبها وتهواها\" (^٣).\nويقول الشيخ السعدي في معنى الآية: \"أي: تحبها؛ وهي الكعبة، وفي هذا بيان لفضله وشرفه -ﷺ- حيث إن الله تعالى يسارع في رضاه\" (^٤).\nويقول الإمام ابن كثير في معنى قوله تعالى في شأن تحويل القبلة: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩)﴾: \"فبيَّن أنه الحق أيضًا من الله يحبه ويرتضيه\" (^٥).\nالثاني: كما أفاد قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ الأمر باستقبال الكعبة حال الصلاة، والله تعالى لا يأمر إلا بما هو محبوب لديه مرضي عنده، وعليه يكون الاستقبال عبادة لله ﵎.\n_________\n(^١) سيأتي تقرير هذه المسألة الهامة في قاعدة المحبة (ص ٥٥٨).\n(^٢) التفسير الكبير للرازي (٤/ ١٠٢)، وليس نسخ قبلة بيت المقدس بقبلة الكعبة لمجرد ميل النبي -ﷺ- ومحبته لذلك فحسب، بل إن ذلك هو عين ما يحبه الله ويرضاه لعباده، وهو مقتضى الحكمة الربانية؛ التي تؤول إلى غايات حميدة، ونتائج محبوبة للرب ﵎، ولذا بين سبحانه في الآية الأخرى بأن ذلك هو الحق الذي لا حق غيره، ولا محيد عنه، الآتي من عنده ﷾. [وانظر: التفسير الكبير (٤/ ١٢٥)].\n(^٣) تفسير البغوي (١/ ١٢٤).\n(^٤) تفسير السعدي (ص ٧١).\n(^٥) تفسير ابن كثير (١/ ١٩٦).","vol":"1","page":300},{"text":"يقول الإمام ابن كثير في تفسير الآية: \"أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض؛ شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، ولا يستثنى من هذا شيء سوى النافلة في حال السفر، فإنَّه يصليها حيثما توجه قالبه وقلبه نحو الكعبة، وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي على كل حال، وكذا من جهل جهة القبلة يصلي باجتهاده وإن كان مخطئًا في نفس الأمر؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها\" (^١).\nوقد جاء في السُّنَّة الأمر باستقبال القبلة حال الصلاة، ففي حديث المسيء صلاته عند البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة -﵁- وفيه: \"إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن\" (^٢).\nفدل الأمر باستقبال على كونه محبوبًا مرضيًا عند الرب ﵎، وبذلك يكون داخلًا في العبادة التي يحبها الله ويرضاها.\nكذلك ما جاء في النصوص من تعظيم شأن القبلة، وبيان مكانتها، وقرنها بالصلاة، بل هي شرط من شروط صحتها، فعن أنس بن مالك (^٣) قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله\" (^٤).\n_________\n(^١) المرجع السابق (١/ ١٩٤).\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب: من رد فقال عليك السلام .. (٥/ ٢٣٠٧)، رقم (٥٨٩٧)، ومسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة (١/ ٢٩٨)، رقم (٣٩٧)، وانظر: مصنف عبد الرزاق (٢/ ١٧٢).\n(^٣) هو: أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم الإمام أبو حمزة الأنصاري النجاري المدني، خادم رسول الله -ﷺ-، وله صحبة طويلة، وحديث كثير، وملازمة للنبي -ﷺ- منذ هاجر إلى أن مات، ثم أخذ عن أبي بكر وعمر وعثمان، وعُمِّرَ دهرًا، وكان آخر الصحابة موتًا، توفي سنة ثلاث وتسعين وقد جاوز المائة. [أخرجه في: الإصابة في تمييز الصحابة (١/ ١٢٦)].\n(^٤) تقدم تخريجه في أول القاعدة.","vol":"1","page":301},{"text":"قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: \"وفي الحديث تعظيم شأن القبلة، وذكر الاستقبال بعد الصلاة للتنويه به، وإلا فهو داخل في الصلاة لكونه من شروطها\" (^١).\nفالقبلة شعار الملة التي تتميز به الأديان، ولذا يعبر أهل العلم بقولهم أهل القبلة يعنون أهل الإسلام، وإن كان لكل ديانة من الديانات قبلة يعظمونها ويستقبلونها في عباداتهم. ثم إن الشعائر دليل الإيمان الباطن كالشهادتين (^٢).\nولذا توعد النبي -ﷺ- من لم يستقبل قبلة أهل الإسلام بأنه ليس له ذمة عند الله ولا عند رسوله، فكل هذه الأمور تبين أن استقبال القبلة عبادة لله ﵎ يثيب عليها ويعاقب على تركها.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-75> المسألة الرابعة* أقوال العلماء في تقرير معنى القاعدة</span>\nفيما يلي أنقل بعض ما وقفت عليه من أقوال العلماء في اعتماد هذه القاعدة إما بلفظها أو بمعناه وما دلت عليه:\nيقول الشيخ محمد سلطان المعصومي (^٣): \"ولا شك أن التوجه إلى\n_________\n(^١) فتح الباري (١/ ٤٩٦).\n(^٢) انظر: الذخيرة (٢/ ٢٣٨).\n(^٣) هو: محمد بن سلطان المعصومي الخُجَنْدِي، ولد في خُجَنْدَة سنة ١٢٩٧ هـ، تعلم في بلده، ثم سافر إلى الحجاز، سنة ١٣٢٣ هـ، ودرَسَ على كبار المشايخ، ثم رجع إلى بلاده، فعين فيها مُفتيًا للمحاكم الشرعية وذلك سنة ١٣٤٢ هـ، ثم عاود الرجوع إلى مكة المشرفة سنة ١٣٥٣ هـ، وعمل مدرسًا في المسجد الحرام ودار الحديث المكية، ودار الحديث المدنية. من مؤلفاته: المشاهدات المعصومية عند قبر خير البرية، رفع الالتباس في أمر الخضر وإلياس، ومفتاح الجنة لا إله إلا الله، البرهان الساطع في تبرؤ المتبوع من التابع، وغيرها من المؤلفات، توفي سنة ١٣٧٩ هـ. [انظر: مقدمة كتاب: أجوبة المسائل الثمان في السُّنَّة والبدعة والكفر والإيمان للمعصومي -ضبط وتعليق وتخريج الشيخ علي الحلبي].","vol":"1","page":302},{"text":"شيء أو إلى جهة بقصد التقرب وحصول الثواب عبادة، والعبادة حق الله خاصة دون غيره، وهذا لا يكون إلا للكعبة فقط (^١)، فمن توجه إلى غير الكعبة بقصد القربة (^٢) فقد أشرك بعبادة الله غيره، وهذا مناف للإسلام، وما جاء به محمد رسول الله ﵊\" (^٣).\nويقول ﵀ أيضًا: \"فقبلة العبادة وقبلة التوجه، وقبلة الفيض (^٤) والبركة، وقبلة الدعاء: إنما هي الكعبة لا غير في دين الإسلام: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] \" (^٥).\nهذا فيما يتعلق بالاستقبال الشرعي إلى جهة القبلة، الذي منه ما هو واجب أو مستحب، فالواجب يكون في الصلاة، والمستحب يكون فيها وفي غيرها من أنواع العبادة من الدعاء والذكر وانتظار الصلاة وغير ذلك.\n_________\n(^١) أي: في غير ما ورد النص باستثنائه كاستقبال الخطيب للناس، وكاستقبال الإمام للمصلين بعد الانتهاء من الصلاة المكتوبة، وغير ذلك.\n(^٢) تقدم الكلام فيما سبق على مسألة استقبال غير الكعبة، وهو على أقسام؛ شرعي، وبدعي، وشركي، والذي قصده الشيخ هنا إنما هو التوجه والاستقبال الشركي الذي يكون فيه تعظيم المتوجه إليه أو صرف شيء من العبادة له.\n(^٣) المشاهدات المعصومية عند قبر خير البرية، ضمن المجموع المفيد في نقض القبورية ونصرة التوحيد، للأستاذ الدكتور محمد الخميس (ص ٢٥٧ - ٢٥٨).\n(^٤) الفيض: مصطلح صوفي فلسفي، يقصد به آثار التجلي الإلهي على العبد، وهو نوع من الكشف عندهم، وقد اعتمد عليه غلاة أهل التصوف، كطريق لمعرفة الحقائق الدينية، بل جعلوه نوعًا من الوحي الذي يحصل للقلوب الزكية، وممن تولى كبر هذه الدعوة أبو حامد الغزالي حيث قرره سبيلًا لمعرفة الحقائق وأن النفوس إذا قطعت علائقها بالدنيا، واشتغلت بالزهد والرياضة فإنها تنكشف لها أسرار الملكوت، فتنزل عليها الفيوضات الربانية ونكشف لها الحقائق. [انظر: إحياء علوم الدين (٢/ ٤٢٤)، ومعجم مصطلحات الصوفية، لأنور فؤاد (ص ١٣٨)، والأمثال القرآنية القياسية، د. عبد الله الجربوع (٢/ ٤٢٤)].\n(^٥) المرجع السابق (ص ٢٥٨).","vol":"1","page":303},{"text":"ويقول الإمام ابن تيمية ﵀ في استحباب استقبال القبلة حال الدعاء: \"وهذا أصل مستمر، فإنَّه لا يستحب للداعي أن يستقبل إلا ما يستحب أن يصلي إليه؛ ألا ترى أن المسلم لما نهي عن الصلاة إلى جهة المشرق وغيرها، فإنَّه ينهى أن يتحرى استقبالها وقت الدعاء\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-76> المسألة الخامسة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nيمكن الاستفادة من هذه القاعدة في نواحٍ عدة\nأولًا: أن الاستقبال بقصد التقرب عبادة لله تعالى، وذلك لأمر الله تعالى به فيما سبق من الآيات، كما أن الاستقبال داخل في حد الصلاة وهيئتها.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"ولأن الصلاة إلى الشيء استقبال له وتوجه إليه، وجعل له قبلة؛ فإن ما يستقبله المصلي قبلة له كما أن البيت قبلة له، يبين هذا أن النبي -ﷺ- نهى عن النخامة في القبلة، والاستقبال داخل في حدود الصلاة، ولهذا أمرنا أن نستقبل في صلاتنا أشرف البقاع وأحبها إلى الله وهو بيته العتيق\" (^٢).\nوقال ﵀: \"فإن اختصاص بعض الجهات والأمكنة بأنه يستقبل دون غيرها هو أمر شرعي، ولهذا افترقت أهل الملل كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨] \" (^٣).\nثانيًا: استقبال القبلة عبادة مشروعة، وعليه فلا يجوز استقبال غير القبلة في الصلاة، ومن صلى إلى غير جهة القبلة فقد عارض نصوص الكتاب والسُّنَّة وناقضها، وهو من أضل الناس، وأبعدهم عن الله تعالى.\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٣٦٥).\n(^٢) شرح العمدة (٤/ ٤٨١).\n(^٣) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٤٦٠).","vol":"1","page":304},{"text":"يقول الإمام ابن تيمية: \"فمن اتخذ الصخرة اليوم قبلة يصلى إليها فهو كافر مرتد (^١) يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، مع أنها كانت قبلة لكن نسخ ذلك، فكيف بمن يتخذها مكانًا يطاف به كما يطاف بالكعبة؟! والطواف بغير الكعبة لم يشرعه الله بحال، وكذلك من قصد أن يسوق إليها غنمًا أو بقرًا ليذبحها هناك، ويعتقد أن الأضحية فيها أفضل، وأن يحلق فيها شعره في العيد، أو أن يسافر إليها ليعرف بها عشية عرفة.\nفهذه الأمور التي يشبه بها بيت المقدس في الوقوف والطواف والذبح والحلق من البدع والضلالات، ومن فعل شيئًا من ذلك معتقدًا أن هذا قربة إلى الله فإنَّه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، كما لو صلى إلى الصخرة معتقدًا أن استقبالها في الصلاة قربة كاستقبال الكعبة؛ ولهذا بنى عمر بن الخطاب مصلى المسلمين في مقدم المسجد الأقصى\" (^٢).\nويقول -﵀-: \"فمن قصد أن يصلي إلى غير تلك الجهة لم يكن على دين الإسلام؛ لأنَّه يريد أن يعبد الله بما لم يأمره، وهكذا كل بدعة تخالف أمر الرسول؛ إما أن تكون من الدين المبدل الذي ما شرعه الله قط، أو من المنسوخ الذي نسخه الله بعد شرعه كالتوجه إلى بيت المقدس\" (^٣).\nثالثًا: الاستقبال المقصود في القاعدة هو الاستقبالى بقصد القربة وحصول الثواب من الله تعالى، وإفراد العبودية له ﷿، أما الاستقبال والتوجه بدون نية التعبد والتقرب لشيء وإنما كان لغرض آخر فلا يدخل ضمن القاعدة.\n_________\n(^١) التوجه إلى القبلة حال الصلاة مما قطعت به النصوص، وأجمعت عليه الأمة، وعرفه الصغير والكبير، والعالم والجاهل، فصار من المعلوم من الدين بالضرورة، فالمخالف لذلك يكفر لتكذيبه بالنصوص.\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٧/ ١١).\n(^٣) النبوات (ص ٩٤).","vol":"1","page":305},{"text":"رابعًا: إطلاق لفظ القبلة خاص بالكعبة عرفًا وشرعًا، وعليه فليس للمسلمين إلا قبلة واحدة يستقبلونها في صلاتهم بنية القربة وحصول الثواب.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فليس للمسلمين بل ولا لغيرهم قبلتان أصلًا في العبادات التي هي من جنسين؛ كالصلاة والنسك فضلًا عن العبادات التي هي من جنس واحد وبعضها متصل ببعض\" (^١).\nوقال -﵀- أيضًا: \"وأنه ليس لنا إلا قبلة واحدة، وأن محمدًا لا نبي بعده\" (^٢).\nويقول الإمام ابن القيم: \"بل ومن خصائصها كونها قبلة لأهل الأرض كلهم، فليس على وجه الأرض قبلة غيرها\" (^٣).\nيقول ابن الحاج: \"وليحذر مما يفعله بعضهم من أنهم يتعمدون الصلاة خلف الصخرة، حتى يجمعوا في صلاتهم بنياتهم بين استقبال القبلتين الكعبة والصمخرة، واستقبال الصخرة منسوخ باستقبال الكعبة، فمن نوى ذلك فهو بدعة، بل ينوي استقبال الكعبة فقط دون أن يخلط معها ما ذكر\" (^٤).\nفتعظيمها واستقبالها بهذه النية بدعة؛ لأنها منسوخة بالكعبة، وعليه فلا تتعلق بها عبادة من العبادات من حيث التوجه أبدًا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.\nويقول الإمام ابن تيمية: \"وأما أهل العلم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان فلم يكونوا يعظمون الصخرة؛ فإنَّها قبلة منسوخة، كما أن يوم السبت كان عيدًا في شريعة موسى ﵇، ثم نسخ في شريعة محمد بيوم الجمعة، فليس للمسلمين أن يخصوا يوم السبت ويوم الأحد بعبادة،\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٤٥٢).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢١/ ٥٤٣).\n(^٣) زاد المعاد (١/ ٤٩).\n(^٤) المدخل (٤/ ٢٤٣).","vol":"1","page":306},{"text":"كما تفعل اليهود والنصارى، وكذلك الصخرة إنما يعظمها اليهود وبعض النصارى\" (^١).\nومن ثم تعقَّب بعض أهل العلم من يعبر عن المسجد الأقصى بأنه: (أُوْلَى القبلتين)، وجزم بأنها عبارة موهمة؛ إذ قد يفهم من هذا التعبير بأن للمسلمين قبلتين معظمتين من حيث التوجه إليهما؛ المسجد الأقصى ومسجد الكعبة، وهذا لا يصح كما سبق، فإن قبلة المسجد الأقصى منسوخة (^٢)، ولا يصح تعظيمها بهذا الاعتبار.\nيقول الشيخ ابن عثيمين: \"المسألة السابعة: أن للأمة الإسلامية قبلة سابقة، وقبلة لاحقة؛ نسمع تعبيرًا عن المسجد الأقصى: (إنه ثالث الحرمين وأولى القبلتين)، وهذا التعبير يحتاج إلى فهم؛ إذا قلنا: ثالث الحرمين فإنَّه ربما يفهم السامع أن المسجد الأقصى له حرم، أو أنه حرم، وليس كذلك فإن المسلمين أجمعوا على أنه لا حرم إلا في مكة والمدينة، واختلفوا في وادي وج، وهو واد في الطائف، والصحيح أنه ليس بحرم، أما المسجد الأقصى فليس بحرم، لكنه مسجد معظم تشد\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٧/ ١٢ - ١٣).\n(^٢) ومع كونها منسوخة من حيث استقبالها في صلاة الفريضة إلا أن فضلها وبعض أحكامها لا زالت باقية، كما هي سُنّة الله تعالى فيما قضى بنسخه، يقول الإمام ابن القيم ﵀: \"فتأمل الأحكام المنسوخة؛ حكمًا حكمًا كيف تجد المنسوخ لم يبطل بالكلية، بل له بقاء بوجه؛ فمن ذلك نسخ القبلة، وبقاء بيت المقدس معظمًا محترمًا تشد إليه الرحال، ويُقْصد بالسفر إليه، وحط الأوزار عنده، واستقباله مع غيره من الجهات في السفر، فلم يبطل تعظيمه واحترامه بالكلية، وإن بطل خصوص استقباله بالصلوات، فالقصد إليه ليصلى فيه باق، وهو نوع من تعظيمه وتشريفه بالصلاة فيه، والتوجه إليه قصدًا لفضيلته، وشرعه له نسبة من التوجه إليه بالاستقبال بالصلوات، فقدم البيت الحرام عليه في الاستقبال؛ لأن مصلحته أعظم وأكمل، وبقي قصده وشد الرحال إليه والصلاة فيه منشأ للمصلحة، فتمت للأمة المحمدية المصلحتان المتعلقتان بهذين البيتين، وهذا نهاية ما يكون من اللطف وتحصيل المصالح وتكميلها\". [مفتاح دار السعادة (٢/ ٣٢ - ٣٣)].","vol":"1","page":307},{"text":"الرحال إليه، وأما أولى القبلتين فإنَّه قد يفهم السامع أن هناك قبلتين باقيتين، وأن أولاهما المسجد الأقصى، فيظن السامع أن الاتجاه إلى المسجد الأقصى ليس بمنسوخ مع أنه منسوخ، والذي ينبغي أن يتجنب الإنسان كل عبارة فيها إبهام، ونقول في المسجد الأقصى إنه أحد المساجد الثلاثة التي تشد الرحال إليها، وكفى به شرفًا أن تشد الرحال إليه\" (^١).\nوكلامه -﵀- هو باعتبار ما يؤدي إليه من الوهم وسوء الفهم عند بعض الناس، وإن كانت العبارة من الناحية اللغوية الشرعية مستقيمة لا إشكال فيها على أحد القولين في المسألة؛ فإن قبلة بيت المقدس هي القبلة الأولى في الإسلام التي أمر -ﷺ- باستقبالها والتوجه إليها؛ وأما على القول الآخر وهو أن قبلة بيت المقدس إنما شرعت في المدينة، وأنه -ﷺ- كان بمكة يستقبل البيت الحرام فتكون العبارة غير صحيحة من حيث الواقع وحقيقة الأمر، وعليه تكون قبلة الكعبة هي القبلة الأولى والأخيرة.\nخامسًا: تضمنت القاعدة الرد على بعض الغلاة الذين يستقبلون قبور شيوخهم في الصلاة أو غيرها ويعتبرون هذه القبور هي قبلة الخواص منهم، أما الكعبة فهي قبلة العوام من المسلمين.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"مع أن طائفة من غلاة العباد يصلون إلى قبور شيوخهم، بل يستدبرون القبلة ويصلون إلى قبر الشيخ، ويقولون هذه قبلة الخاصة والكعبة قبلة العامة\" (^٢).\nويقول -﵀-: \"ومنهم من يستقبل قبر شيخه وقت الصلاة ويستدبر الكعبة، ويقول: هذا قبلة الخاصة والكعبة قبلة العامة، وهذا كفر صريح\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن صالح العثيمين (١٢/ ٤٣٠).\n(^٢) تلخيص كتاب الاستغاثة (١/ ١٦٦).","vol":"1","page":308},{"text":"يوجب استتابة قائله مع أنه يفعله طائفة من الزهاد والعباد، وبعضهم يسجد لقبورهم\" (^١).\nويقول -﵀- أيضًا: \"ومنهم من يجعل استقبالها -أي: القبور- في الصلاة أولى من استقبال الكعبة ويقول: هذه قبلة الخاصة والكعبة قبلة العامة. ومعلوم أن هذا من الكفر بالرسول وبما جاء به الرسول، ومن الشرك برب العالمين لا يفعل هذا من يعلم أن الرسول جاء بخلافه، وأن الرسول جاء بالحق الذي لا يسوغ خلافه، بل إنما يفعل هذا من كان جاهلًا بسُنّة الرسول، أو من يجعل له طريقًا إلى الله غير متابعة الرسول، مثل من يجعل الرسول مبعوثًا إلى العامة، وأنه أو شيخه من الخاصة الذين لا يحتاجون إلى متابعة الرسول، أو أن لهم طريقًا أفضل من طريقة الرسول، ونحو ذلك وهؤلاء كلهم كفار وإن عظموا قبر الرسول كما يعظمون قبور شيوخهم\" (^٢).\nومن هؤلاء الضلال من يتقصد الجهة التي فيها شيخه، أو من يعظمه، وقت الدعاء، ولا شك أنه لم يصدر منهم هذا الاستقبال إلا لاعتقادهم في شيوخهم، وانتفاعهم بذلك التوجه، وهذا أمر من الخطورة بمكان؛ وهو من البدع الشنيعة، ومن أقصر الطرق المؤدية إلى الوقوع في الشرك بالله العظيم.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"ومن الناس من يتحرى وقت دعائه استقبال الجهة التي يكون فيها معظمه الصالح، ... وهذا ضلال بيِّن وشرك واضح .. وكل هذه الأشياء من البدع التي تضارع دين النصارى\" (^٣).\nسادسًا: تضمنت القاعدة إبطال فعل من يقف مستقبلًا القبر النبوي أو الحجرة النبوية من أي مكان في المسجد بعيدًا عن مكان القبر؛ وذلك\n_________\n(^١) تلخيص كتاب الاستغاثة (١/ ٨٨).\n(^٢) الرد على الإخنائي (ص ٢٢).\n(^٣) اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٣٦٥).","vol":"1","page":309},{"text":"من أجل السلام على الرسول -ﷺ-، وهذا الواقف لا يخلو من حالتين: إما أن يقصد باستقباله السلام على الرسول -ﷺ-، وهذا لا يجوز؛ إذ لم يثبت فعل هذه الهيئة عن السلف لا من الصحابة ولا من بعدهم من أهل القرون المفضلة، ولا عن أهل العلم الموثوق بدينهم وعلمهم، وإنما كانوا يسلمون عليه في الصلاة أو عند القبر، كما أن هذه هي سُنَّة الرسول -ﷺ- فإنه ما كان يسلم على الأموات من بعيد، وإنما كان هديه السلام عليهم في المقبرة، أو عند قبورهم، كما هو معلوم من سيرته ﵊؛ ولذا جاء في حديث بريدة (^١) قال: (كان رسول الله -ﷺ- يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: ... السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله للاحقون أسأل الله لنا ولكم العافية) (^٢).\nفإن قصد السلام والدعاء لنفسه أو لغيره متحريًا الإجابة باستقباله للقبر أو للحجرة، فإن ذلك من البدع التي تؤدي وتقود إلى الشرك بالله العظيم، إذ الأصل في من دعا لنفسه استقبال القبلة، ولا يقصد بدعائه لنفسه استقبال غير القبلة، كما أن في ذلك ذريعة إلى تعظيم القبور وعبادتها من دون الله تعالى.\nأما الدعاء للميت نفسه فقد ثبت عنه -ﷺ- الدعاء للميت في حال استقباله للقبر، فقد روي أنه كان: (إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه\n_________\n(^١) هو: بريدة بن الحصيب بن عبد الله الأسلمي، من المهاجرين الأولين ممن هاجر إلى النبي -ﷺ- قبل قدومه المدينة ولحق به، ثم حمل عمامته وشدها في رمح ومشى بين يدي النبي -ﷺ- يوم قدومه المدينة، كنيته أبو سهل، سكن البصرة ثم سجستان ثم مرو فاستوطنها إلى أن مات، وبها عقبه، وقبره بمرو معروف. [ترجمته في: مشاهير علماء الأمصار (ص ٦٠)].\n(^٢) رواه مسلم في صحيحه، باب: ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها (٢/ ٦٧١)، رقم (٩٧٥).","vol":"1","page":310},{"text":"فقال: \"استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنَّه الآن يسأل\") (^١).\nيقول الإمام ابن تيمية: \"ولو كان استقبال الحجرة عند الدعاء مشروعًا لكانوا هم أعلم بذلك، وكانوا أسبق إليه ممن بعدهم، والداعي يدعو الله وحده، وقد نهى عن استقبال الحجرة عند دعائه لله تعالى كما نهى عن استقبال الحجرة عند الصلاة لله تعالى\" (^٢).\nوقال الشيخ محمد المعصومي في شأن من يتوجهون إلى القبر النبوي من جميع نواحي المسجد للسلام والدعاء: \"وأما التوجه إلى قبره -ﷺ- من كل نواحي المسجد كلما دخل المسجد أو كلما فرغ من الصلاة، فليس من دين الإسلام أصلًا، بل من شعار عباد الأوثان والمشركين قطعًا\" (^٣).\nولم يكتف هؤلاء الواقفون المستقبلون للحجرة النبوية بالسلام أو الدعاء البدعي، بل زادوا على ذلك الوقوف بخشوع وخضوع وتواضع ووضع لليد اليمنى على اليسرى كالهيئة التي يقفون بها أمام الله تعالى، بل قد يكون وقوفهم واستقبالهم للقبر أشد طمأنينة وأعظم خشوعًا، وأكمل خضوعًا، ومن المعلوم أن الوقوف والاستقبال بخشوع وخضوع وطمأنينة عبادة عظيمة لا تصرف إلا لله ﵎، فهي من هيئات التعظيم الخاصة برب العالمين، وصرفها لغيره سبحانه من الشرك الواضح والكفر المستبين.\nيقول الشيخ المعصومي: \"والعمل الذي- أنتم أيها المدعون-\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في سننه (٣/ ٢١٥) برقم (٣٢٢١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٥٦) برقم (٦٨٥٦)، وحكم الإمام النووي على إسناده بأنه: جيد. [المجموع (٥/ ٢٥٢)].\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ٣٥٣).\n(^٣) المشاهدات المعصومية لمحمد سلطان المعصومي، وهو ضمن المجموع المفيد في نقض القبورية ونصرة التوحيد للأستاذ الدكتور/ محمد الخميس (ص ٢٥٧).","vol":"1","page":311},{"text":"تعملونه من التوجه إلى القبر النبوي بالتواضع والتذلل هو بعينه ما يفعله عباد الأوثان لأوثانهم، رجاء البركة والفيض، فإذن لا فرق بين ما تعملونه أنتم أيها المدعون، وما تعمله عبدة الأوثان!! اللات والعزَّى وودّ وسواع ويعوق ويغوث ونسرًا.\nواحذروا مما أنتم عليه من التوجه إلى القبر؛ لأنَّه وثنية وشرك وضلالة، وصلوا وسلموا على النبي -ﷺ- حيثما كنتم، فإن صلاتكم تصل إليه، والعمدة على صدق النية، والتوجه بقصد القربة مخصوص شرعًا بالكعبة خاصة، فمن توجه إلى غيرها بقصد القربة فقد أشرك في عبادة الله تعالى غيره\" (^١).\nويبين العلامة الأمين الشنقيطي بأن وضع اليد اليمنى على اليسرى من الهيئات الداخلة في الصلاة فلا يجوز أن تصرف لغيره ﷾، فيقول: \"اعلم أنه يجب على كل مسلم أن يتأمل في معنى العبادة، وهي تشمل جميع ما أمر الله أن يتقرب إليه به من جميع القربات؛ فيخلص تقربه بذلك إلى الله ولا يصرف شيئًا منه لغير الله كائنًا ما كان.\nوالظاهر أن ذلك يشمل هيئات العبادة فلا ينبغي للمُسَلِّم عليه -ﷺ- أن يضع يده اليمنى على اليسرى كهيأة المصلي؛ لأن هيأة الصلاة داخلة في جملتها فينبغي أن تكون خالصة لله، كما كان -ﷺ- هو وأصحابه يخلصون العبادات وهيئاتها لله وحده\" (^٢).\nوقال الشيخ عبد العزيز بن باز في بيان هذه البدعة الشنيعة المنكرة: \"وهكذا ما يفعله بعض الزوار عند السلام عليه -ﷺ- من وضع يمينه على شماله فوق صدره، أو تحته كهيئة المصلي؛ فهذه الهيئة لا تجوز عند السلام عليه -ﷺ-، ولا عند السلام على غيره من الملوك والزعماء وغيرهم؛\n_________\n(^١) المشاهدات المعصومية (ص ٢٦٠ - ٢٦١).\n(^٢) أضواء البيان (٧/ ٤١٠).","vol":"1","page":312},{"text":"لأنَّها هيئة ذل وخضوع وعبادة لا تصلح إلا لله، كما حكى ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح عن العلماء، والأمر في ذلك جلي واضح لمن تأمل المقام، وكان هدفه اتباع هدي السلف الصالح.\nوكذا ما يفعله بعض الناس من استقبال القبر الشريف من بعيد، وتحريك شفتيه بالسلام أو الدعاء، فكل هذا من جنس ما قبله من المحدثات، ولا ينبغي للمسلم أن يحدث في دينه ما لم يأذن به الله، وهو بهذا العمل أقرب إلى الجفاء منه إلى الموالاة والصفاء\" (^١).\nويقول الشيخ العثيمين في جواب سؤال عن شرعية استقبال قبر النبي -ﷺ- من أي مكان في المسجد: \"إذا كان يريد بذلك أن يسلم على النبي -ﷺ- فنقول له: ادن من القبر، فإن زيارة القبر لا بد فيها من الدنو، وإذا كنت تريد أن تدعوه فهو شرك أكبر يخرجك من ملة الرسول﵊-، أو أن تدعو الله متوجهًا إلى القبر فهذا بدعية ووسيلة للشرك، وليس من المعقول أن تنصرف من بيت الله إلى قبر الرسول -ﷺ-؛ فإن بيت الله الذي يجب على كل مسلم أن يتجه إليه في صلاته أفضل من قبر الرسول -ﷺ-، فأفضل بقعة على وجه الأرض هو بيت الله ﷿ الكعبة، فلا يليق بك وأنت تدعي أنك تعبد الله أن تتوجه بدعائك إلى قبر الرسول - ﵊- دون أن تتوجه إلى بيت الله، هذا من تسفيه ومن إضلال الشيطان لبني آدم وإغوائه إياهم، وإلا فبمجرد أن يفكر الإنسان بقطع النظر عن الدليل الشرعي يعلم أن هذا ضلال وسفه، حينئذٍ نقول للواقف على هذا الوجه يريد التسليم على رسول الله -ﷺ- نقول له: ادن من القبر، والذي يدعو الله متوجهًا إلى القبر، نقول: هذا بدعة ووسيلة للشرك وضلال في الدين وسفه في العقل؛ لأن توجهك إلى بيت الله أولى من توجهك إلى قبر الرسول -ﷺ-.\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (١٦/ ١١٠).","vol":"1","page":313},{"text":"وإذا كان يتوجه هذا التوجه يدعو الرسول -ﷺ- فهو مشرك شركًا أكبر يخرجه عن ملة رسول الله﵊-\" (^١).\nوقد جعل العلامة المحدث عبد المحسن بن حمد العباد -حفظه الله- هذا الاستقبال بهذه الكيفية من الزيارة البدعية، فقال: \"الثاني: أن يضَعَ يدَيْهِ على صدرِه كهيئَةِ الصلاةِ فإنَّ ذلك لا يَجوزُ، لأنَّ هذه هيئةُ خضوعٍ وذلٍّ لله ﷿ شُرعت في الصلاةِ حيث يكون المسلمُ قائمًا في صلاتِه يُناجِي ربَّه، وقد كان أصحابُ رسول الله -ﷺ- في حياتِهِ إذا وَصَلُوا إليه لا يَضَعُون أيدِيهم على صدورِهم عندَ سلامِهم عليه، ولو كان خيرًا لَسبَقُوا إليه\" (^٢).\nوقد قرر الإمام ابن تيمية بأن العبادات بجميع أجزائها وهيآتها لا يجوز أن يصرف منها شيء لغيره سبحانه، فقال: \"وأصناف العبادات الصلاة بأجزائها مجتمعة، وكذلك أجزاؤها التي هي عبادة بنفسها من السجود، والركوع، والتسبيح، والدعاء، والقراءة، والقيام، لا يصلح إلا لله وحده، ولا يجوز أن يتنفل على طريق العبادة إلا لله وحده؛ لا لشمس، ولا لقمر، ولا لملك، ولا لنبي، ولا صالح، ولا لقبر نبي، ولا صالح، هذا في جميع ملل الأنبياء.\nوقد ذكر ذلك في شريعتنا حتى نهى أن يتنفل على وجه التحية والإكرام للمخلوقات؛ ولهذا نهى النبي معاذًا أن يسجد له، وقال: \"ولو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها\" (^٣)،\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ورسائل محمد بن صالح العثيمين (١٧/ ٣٠٢)، برقم (٢٦٧).\n(^٢) فضل المدينة وآداب سكناها وزيارتها، للشيخ عبد المحسن العباد البدر (ص ٤٠).\n(^٣) أخرجه أبو داود في سننه (٢/ ٢٤٤)، برقم (٢١٤٠)، وابن ماجه (١/ ٥٩٥) برقم (١٨٥٢)، والحديث صححه الشيخ الألباني: [انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/ ٢٠١ - ٢٠٢) تحت حديث (١٢٠٣).","vol":"1","page":314},{"text":"ونهى عن الانحناء في التحية (^١)، ونهاهم أن يقوموا خلفه في الصلاة وهو قاعد\" (^٢) \" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ١٩٨) برقم (١٣٠٦٧)، والترمذي في جامعه (٥/ ٧٥) برقم (٢٧٢٨)، وحسنه، كما حسنه الشيخ الألباني. [انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٢٩٨ - ٢٩٩) تحت حديث رقم (١٦٠)، قال في الإحياء: (والانحناء عند السلام منهي عنه ... والالتزام والتقبيل قد ورد به الخير عند القدوم من السفر\". [إحياء علوم الدين (٢/ ٢٠٤)].\n(^٢) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (١/ ٣٠٩) برقم (٣٠٩) برقم (٤١٣)، وابن حبان في صحيحه (٥/ ٤٩١) بر قم (٢١٢٢)، وابن ماجه في سننه (١/ ٣٩٣) برقم (١٢٤٠).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١/ ٧٤ - ٧٥).","vol":"1","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>الفصل الثاني\nالقواعد المتعلقة\nبحقيقة العبادة وضابطها</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: قاعدة العبادة لا تسمى عباده إلا مع التوحيد.\nالمبحث الثاني: مناط العبادة غاية الحب مع غاية الذل.\nالمبحث الثالث: صلاح الأعمال بصلاح النيات وكل عمل تابع لنية عامله وقصده.","vol":"1","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>المبحث الأول\nقاعدة العبادة لا تسمى عيادة في حكم الشرع إلا مع التوحيد</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-79> المسألة الأولى* معنى القاعدة</span>\nسبق معنا في دراسة القواعد السابقة تفصيل الكلام على معنى العبادة الشرعية، بشمولها للاعتقادات والأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وأنها متضمنة للمحبة والذل للمبعود بحق ﷾، وإلا لم تكن عبادة شرعية ولا نافعة، وهذه القاعدة متعلقة بأعظم ما يجب أن تتضمنه العبادة المعتبرة شرعًا عند الله ﵎، فإنَّها دلت على أنه لا تكون ولا تحصل عبادة بدون التوحيد فهو الركن الأعظم لأي عبادة يتقرب بها إلى المولى ﷾، وبدونه تخرج العبادة عن حدّ العبادة الشرعية المقبولة عند اللّه.\nفالتوحيد في حد نفسه عبادة، بل هو من أعظم العبادات التي يتقرب بها إلى الله تعالى، كما أنه ركن في جميع العبادات الباقية لا تنفك عنه عبادة من العبادات وإلا خرجت عن كونها عبادة لله، وخرج فاعلها عن كونه عَبَدَ الله، أو عَبْدُهُ المستقيم على عبادته؛ فإن من لم يفرد الله بالعبادة فإنَّه لم يعبده.","vol":"1","page":319},{"text":"والقاعدة نصت على أن العبادة -التي أمر الله بها- لا تسمى عبادةً إلا مع توحيده تعالى، فلا تصح عبادة مع الشرك، ولا يوصف أحد بأنه عَبَدَ الله تعالى إلا من حقق التوحيد، وأفرد الله تعالى بالعبادة، فمن عَبَده وأشرك معه غَيْرَه فليس عبدًا لله (^١).\nوبذلك يتضح لنا تفسير -من فسر من السلف- العبادة بالتوحيد، إذ هو أعظم المقصود، وأجلُّ الغايات، كما أنه ركن في جميع العبادات لا تنفك عبادة شرعية عنه بحال من الأحوال مهما كان.\nفالتجرد من الشرك لا بد منه في العبادة، وإلا فلا يكون العبد آتيًا بعبادة الله، بل مشرك، حتى يفرد الله بالعبادة ويتجرد من الشرك، ويعبده سبحانه وحده دون من سواه (^٢).\nولا يعني ذلك أن من عَبَدَ مع الله غيره وأشرك في عبادته ليس فاعلًا للعبادة اللغوية، بل هي واقعة منه لغة؛ لأنَّها في اللغة من الذل والتطامن والخضوع، والمقصود من القاعدة العبادة الشرعية؛ أي: أن فعله لا يسمى عبادة شرعًا.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-80> المسألة الثانية* أدلة القاعدة</span>\nمن أدلة القاعدة ما يأتي:\n١ - من المعلوم أن النصوص الشرعية قد دلت على أنه لا اعتبار للأعمال والعبادات في ميزان الشرع بدون توحيده ﷾، وأن من عبد الله وكان متلبسًا بالشرك فإن عبادته هباء منثور، ذاهبة أدراج الرياح، وهدر لا خير فيها، وما دام الأمر كذلك فهي خارجة عن كونها عبادة لله تعالى لفقدها لأعظم أركانها، وأكبر شروطها ألا وهو توحيد الله تعالى وإفراده\n_________\n(^١) انظر: تفسير النسفي (٤/ ٩١).\n(^٢) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص ٥١).","vol":"1","page":320},{"text":"سبحانه بها، فهي صورة بلا مضمون، ومظهر لا حقيقة له.\nيقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ [الأنعام: ٨٨]، وقوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧)﴾ [التوبة: ١٧]، وقال ﷿: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزمر: ٦٥].\nقال أهل العلم في معنى ذلك: أي: بطلت أعمالهم الصالحة في الدنيا والآخرة فلا اعتداد بها ولا ثواب عليها (^١).\nيقول الإمام ابن تيمية ﵀ في بيان استحالة عمارة المشركين للمساجد: \"فبيَّن الله تعالى أن المشركين ما كان لهم عمارة مساجد الله مع شهادتهم على أنفسهم بالكفر، وبيَّن إنما يعمرها من آمن بالله، واليوم الآخر، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، ولم يخش إلا الله، وهذه صفة أهل التوحيد وإخلاص الدين لله، الذين لا يخشون إلا الله، ولا يرجون سواه، ولا يستعينون إلا به، ولا يدعون إلا إياه\" (^٢).\nأما أهل الشرك والتنديد فلا إخلاص لهم ولا توحيد، فلا يعتبرون من عمارها أبدًا وإن أقاموا فيها الليل والنهار.\nويقول الشيخ سليمان آل الشيخ ﵀: \"لا تصح الأعمال إلا به -يقصد التوحيد-، فهو أصلها الذي تبنى عليه، ومتى لم يوجد لم ينفع العمل، بل هو حابط؛ إذ لا تصح العبادة مع الشرك\" (^٣).\nوإذا لم تكن العبادة صحيحة -لفقدها لأعظم أركانها- خرجت عن حقيقتها الشرعية، فلا تسمى عبادة شرعًا.\n_________\n(^١) تفسير الجلالين (ص ٤٦).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٩٩).\n(^٣) تيسير العزيز الحميد (ص ٩٦).","vol":"1","page":321},{"text":"٢ - أن الله تعالى نفى عن المشركين العبادة، ونفى أن يكونوا من العابدين لله ﷾، فقال ﷿: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ [الكافرون: ٣] مع عبادتم لله تعالى، وربما أخلصوا الدعاء في أوقات الشدة، ولكن لما كانت تلك العبادة مشوبة بالشرك بالله العظيم، وكانت فاقدة لأعظم أركانها -وهو توحيده سبحانه- نفيت عنهم العبادة، ونفي وصفهم بأنهم من العابدين لله تعالى.\nيقول الإمام ابن تيمية في بيان معنى الآية: \"قوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥)﴾ نفى عنهم عبادة معبوده، فهم إذا عبدوا الله مشركين به لم يكونوا عابدين معبوده، وكذلك هو إذا عبده مخلصًا له الدين لم يكن عابدًا معبودهم\" (^١).\nويقول الإمام عبد العزيز بن باز ﵀ في بيان الفروق بين الطاعة والعبادة: \"ومما يزيد الأمر وضوحًا أن من أطاع الله في بعض الأمور وهو متلبس بالشرك يستحق أن تنفى عنه العبادة، كما قال الله سبحانه في حق المشركين: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ [الكافرون: ٣]، فنفى عنهم العبادة من أجل شركهم، ومعلوم أنهم يعبدون الله في الشدة بالتوحيد، وبالحج والعمرة، وبالصدقات في بعض الأحيان، ونحو ذلك، ولكن لما كانت هذه العبادة مشوبة بالشرك في الرخاء، وعدم الإيمان بالآخرة، إلى غير ذلك من أنواع الكفر جاز أن تنفى عن أصحابها\" (^٢).\n٣ - يبيّن ذلك وصفه سبحانه لـ \"عبادة المشركين\" بأنها عبادة من دونه وعبادة لغيره مع تلبسهم بعبادته ﷿، وتقربهم بشركهم وشركائهم إليه سبحانه رجاء القربة والشفاعة، ولكن لما كانت عبادتهم لله مختلطة\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٦/ ٦٠٠).\n(^٢) فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز (٥/ ١٨).","vol":"1","page":322},{"text":"بالشرك به سبحانه وصفها الله بأنها عبادة من دونه وعبادة لغيره، ومن تلك الأدلة ما يأتي: يقول سبحانه: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾ [المائدة: ٧٦]، وقال ﷿: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾ [البقرة: ١٦٥]، ولذلك استنكر عليهم النبي -ﷺ- طلبهم منه أن يعبد آلهتهم، كما حكى الله ذلك بقوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)﴾ [الزمر: ٦٤]، مع أنهم لم يطلبوا منه أن يترك عبادة الله ﷾، ولكن لما كانت عبادته -﷿- المطلقة لا تتحقق إلا بترك الشرك مطلقًا، كان من عَبَدَ الله بهذه الحالة الشركية عابدًا لغيره.\n٤ - ومما يزيد الأمر بيانًا ووضوحًا أيضًا أن الله تعالى أمر المشركين بعبادته سبحانه وحده دون من سواه، وأرسل جميع رسله بدعوتهم إلى عبادته هافراده بالتوحيد، بل عاب وتوعَّد من ترك عبادته وعَبَدَ غيره، كل ذلك مع أن المشركين كانوا يعبدون الله تعالى، بل ربما أخلصوا له العبادة وقت الشدة، فلو كان ما قاموا به عبادة شرعية لما أمرهم الله بها، وتوعدهم على تركها، ولما أرسل رسله بالأمر بها والجهاد في سبيلها.\nومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١]، وقوله -﷿-: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢]، وقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى","vol":"1","page":323},{"text":"قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)﴾ [الأعراف: ٥٩]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣)﴾ [قريش: ٣]، والآيات في هذا الباب يصعب حصرها إلا بجهد الأنفس.\n٥ - ومما يدل على معنى القاعدة قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ [البقرة: ١٣٣]، فهنا قالوا: (نعبد إلهك وإله آبائك)، ثم قالوا: (إلهًا واحدًا) فهذا بدل من الأول في أظهر الوجهين؛ فإن النكرة تبدل من المعرفة، فقالوا: (نعبد إلهك)، فعرفوه ثم قا لوا: (إلهًا واحدًا) فوصفوه، والبدل في الحكم تكرير العامل أحيانًا، فالتقدير: نعبد إلهك نعبد إلهًا واحدًا ونحن له مسلمون، فجمعوا بين الخبرين بأمرين؛ بأنهم يعبدون إلهه، وأنهم إنما يعبدون إلهًا واحدًا، فمن عَبَدَ إلهين لم يكن عابدًا لإلهه وإله آبائه، وإنما يعبد إلهه من عبد إلهًا واحدًا، ولو كان من عبد الله وعبد معه غيره عابدًا له لكانت عبادته نوعين؛ عبادة إشراك، وعبادة إخلاص (^١).\n٦ - أن العبادة من الألفاظ الشرعية التي جاء الشرع بتخصيصها عن مدلولها اللغوي إلى حقيقتها الشرعية، مشتملة على أركان وشروط شرعية، ومن المقرر أن الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ تَنْتَفِي بِانْتِفاءِ رُكْنِهَا أَوْ شَرْطِهَا (^٢)، ولا شك أن التوحيد وإفراد الله بالعبادة هو ركنها الأعظم، وأساسها الذي لا قوام لها بدونه.\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (١٦/ ٥٧٤).\n(^٢) انظر: البحر المحيط في أصول الفقه (١/ ٥٢٦).","vol":"1","page":324},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-81> المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nلقد قرر أهل العلم -﵏- هذه القاعدة بلفظها ومعناها، وفيما يأتي بعض ما وقفت عليه من ذلك:\nيقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: \"فإذا عرفت أنّ الله خلقك لعبادته فاعلم: أنّ العبادة لا تسمّى عبادة إلا مع التوحيد، كما أنّ الصلاة لا تسمّى صلاة إلا مع الطهارة، فإذا دخل الشرك في العبادة فسدتْ كالحدَث إذا دخل في الطهارة\" (^١).\nوإذا كانت العبادة فاسدة شرعًا خرجت عن حقيقتها الشرعية لفقدها لأعظم ركائزها، وعندها فلا يطلق عليها عبادة شرعًا، وإن كانت هي في صورة العبادة.\nويقول الشيخ سليمان آل الشيخ: \"التجرد من الشرك لا بد منه في العبادة، وإلا فلا يكون العبد آتيًا بعبادة الله، بل مشرك، وهذا هو معنى قول المصنف: إن العبادة هي التوحيد؛ لأن الخصومة فيه\" (^٢).\nويقول أيضًا: \"وأنها -أي: العبادة- لا تنفع مع الشرك بل لا تسمى عبادة شرعًا\" (^٣).\nويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: في معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ [الكافرون: ٣]: \"لعدم إخلاصكم في عبادته، فعبادتكم له المقترنة بالشرك لا تسمى عبادة، وكرر ذلك ليدل الأول على عدم وجود الفعل، والثاني على أن ذلك قد صار وصفًا لازمًا؛ ولهذا ميز بين الفريقين وفصل بين الطائفتين فقال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ٦] \" (^٤).\n_________\n(^١) الدرر السنية (٢/ ٢٣).\n(^٢) تيسير العزيز الحميد (ص ٥١).\n(^٣) المصدر نفسه (ص ٥٢).\n(^٤) تفسير السعدي (٩٣٦).","vol":"1","page":325},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-82> المسألة الرابعة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nبعض ما ظهر لي من فوائد للقاعدة:\nأولًا: بناء على القاعدة فقد عرَّف بعض أهل العلم العبادة بأنها التوحيد؛ كما جاء ذلك عن ابن عباس -﵄-: \"قال: قال الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] للفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين؛ أي: وحدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم\" (^١).\nيقول الإمام الطبري مفسرًا لقول ابن عباس -﵄-: \"والذي اراد ابن عباس -إن شاء الله- بقوله في تأويل قوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾: وحدوه، أي: أفردوا الطاعة والعبادة لربكم دون سائر خلقه\" (^٢).\nوقال الإمام البخاري عند قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]: \"مَا خَلَقْتُ أهْلَ السَّعَادَةِ مِنْ أهْلِ الفَرِيقَيْنِ إلَّا لِيُوحِّدُونِ\" (^٣).\nويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مسائله على كتاب التوحيد: \"الثانيةُ: أن العبادة هي التوحيدُ؛ لأن الخصومة فيه\" (^٤).\nوالمقصود: أن الخصومة بين الأنبياء وأقوامهم كانت في التوحيد؛ لأنَّهم جاؤوا بأشياء كثيرة غير التوحيد فلم ينكرها المشركون وإنما جادلوا في شأن التوحيد.\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١/ ١٦٠).\n(^٢) المصدر نفسه (١/ ١٦٠).\n(^٣) صحيح البخاري (٤/ ١٨٣٧)، ولقد جاء تفسير العبادة بالتوحيد عن غير واحد ممن أهل العلم، [انظر: تفسير الطبري (١٦/ ١٤٧)، وتفسير البحر المحيط (٦/ ٢١٧)، وعمدة القاري (٩/ ٢٥)، وتفسير ابن كثير (٣/ ١٤٥)].\n(^٤) كتاب التوحيد (ص ٩).","vol":"1","page":326},{"text":"ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: \"وهكذا قال جميع العلماء: إن العبادة هي التوحيد، إذ هو المقصود، والأمم الكافرة تعبد الله وتعبد معه سواه\" (^١).\nوذلك باعتبار أن التوحيد هو أعظم أركان العبادة، وأجل أفرادها، وأن جميع العبادات مبنية عليه، وأنه هو مقصود الرسل، وغاية الخلق، والحق أن العبادة شاملة للاعتقادات والأقوال والأعمال، وعليه فتعريف العبادة بالتوحيد هو من باب إطلاق الاسم على بعض مسمياته، وتعريف الشيء بأهم أركانه، ولا يعني ذلك حصر العبادة في التوحيد، وإنما يدل على أنه أصل وركن في العبادة، فهو كقول النبي -ﷺيمّ: \"الْحَجُّ عَرَفَةٌ\" (^٢).\nفهذا الحصر لا ينفي اعتبار غيره، بل يدل على أن هذا المذكور جزء شريف من المقصود، وأنه هو الأصل والباقي تابع له، والخبر عن الشيء يصدق ببعض أركانه وأهم مقاصده (^٣).\nيقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين في شرحه لكتاب التوحيد: \"العبادة هي التوحيد؛ أي: أن العبادة مبنية على التوحيد، فكل عبادة لا توحيد فيها ليست بعبادة، لا سيما أن بعض السلف فسروا قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾: إلا ليوحدون، وهذا مطابق تمامًا لما استنبطه\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، ابن باز (٢/ ٤٣).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٣٠٩)، برقم (١٨٧٩٦)، وانظر: سنن النسائي (٢٥٦/ ٥)، برقم (٣٠١٦)، والترمذي في جامعه (٣/ ٢٣٧)، برقم (٨٨٩)، والحاكم في المستدرك (١/ ٦٣٥)، برقم (١٧٠٣)، وَقَالَ: حَديثٌ صَحِيحٌ الْإسْنادِ، وَلَمْ يخرجاه، وأقره الذهبي، وأخرجه ابن خزيمة (٤/ ٢٥٧)، برقم (٢٨٢٢)، والدارقطني في سننه (٢/ ٢٤٠)، برقم (١٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣/ ٢٢٦)، برقم (١٣٦٨٣)، [وانظر: تلخيص الحبير (٢/ ٢٥٥)، وصححه العلامة الألباني]. [انظر: صحيح الجامع الصغير برقم (٣١٧٢)، وإرواء الغليل (٤/ ٢٥٦) برقم (١٠٦٤)].\n(^٣) انظر: التفسير الكبير (١٥/ ١٤٨)، ولسان الميزان (٥/ ١٤٤)، وفيض القدير (٤/ ٥٢١).","vol":"1","page":327},{"text":"المؤلف ﵀ من أن العبادة هي التوحيد؛ فكل عبادة لا تبنى على التوحيد فهي باطلة\" (^١).\nثانيًا: المقصود من القاعدة عدم إطلاق العبادة على من تلبَّس بالشرك؛ أي: بدون تقييد، أما مع التقييد فلا إشكال في ذلك؛ فإن \"نفي العبادة مطلقًا ليس هو نفي لما قد يسمى عبادة مع التقييد، والمشرك إذا كان يعبد الله ويعبد غيره فيقال: إنه يعبد الله وغيره، أو يعبده مشركًا به، لا يقال إنه يعبد مطلقًا، والمعطل الذي لا يعبد شيئًا شر منه، والعبادة المطلقة المعتدلة هي المقبولة، وعبادة المشرك ليست مقبولة\" (^٢).\nثالثًا: يستفاد من القاعدة عدم وصف الكافر أو المشرك بأنه عابد لله تعالى، وإن كان يوصف بالفعل مع التقييد فيقال يعبد الله مع غيره، أو يعبده مشركًا به، أما وصفه بأنه عابد فهذا لا يصلح إطلاقه على المشرك أبدًا؛ لأن اسم الفاعل وصف دال على الثبوت والاستمرار، والكافر لا يستمر أبدًا على عبادة الله تعالى.\nيقول الإمام ابن القيم في علة مجيء النفي في قوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ [الكافرون: ٣] بصيغة اسم الفاعل دون الفعل: \"وأما في حقهم -أي: الكافرين- فإنما أتى بالاسم الدال على الوصف والثبوت، دون الفعل؛ أي: أن الوصف الثابت اللازم العائد لله منتفٍ عنكم، فليس هذا الوصف ثابتًا لكم، وإنما ثبت لمن خص الله وحده بالعبادة لم يشرك معه فيها أحدًا، وأنتم لما عبدتم غيره فلستم من عابديه، وإن عبدوه في بعض الأحيان؛ فإن الشرك يعبد الله ويعبد معه غيره كما قال الله عن أهل الكهف: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [الكهف: ١٦]؛ أي: اعتزلتم معبودهم إلا الله فإنكم لم تعتزلوه.\n_________\n(^١) القول المفيد على كتاب التوحيد (١/ ٤٩).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٦/ ٥٧٤).","vol":"1","page":328},{"text":"وكذا قوله تعالى عن قول المشركين عن معبوداتهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فهم كانوا يعبدون الله ويعبدون معه غيره، فلم ينتف عنهم الفعل لوقوعه منهم، ونفي الوصف، لأن من عبد غير الله لم يكن ثابتًا على عبادة الله، موصوفًا بها.\nفتأمل هذه النكتة البديعة كيف تجد في طيها: أنه لا يوصف بأنه عابد الله وعبده المستقيم على عبادته إلا من انقطع إليه بكليته، وتبتل إليه تبتيلًا لم يلتفت إلى غيره ولم يشرك به أحدًا في عبادته، وأنه وإن عبده وأشرك به غيره فليس عابدًا لله ولا عبدًا له، وهذا من أسرار هذه السورة العظيمة الجليلة\" (^١).\nولذا قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ [الكافرون: ٣]: \"فإن زعمتم أنكم تعبدونه فأنتم كاذبون؛ لأنكم تعبدونه مشركين، فأنا لا أعبد ما عبدتم؛ أي: مثل عبادتكم\" (^٢).\nوالمعنى: ولا أنتم عابدون مثل عبادتي التي هي توحيد وإفراد (^٣).\n_________\n(^١) انظر: بدائع الفوائد بتصرف (١/ ١٤٤ - ١٤٥)، وقال السهيلي ﵀: \"فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَقُولُ لَهُمْ: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ وَهُمْ قَدْ قَالُوا: هَلُمّ فَلْنَعْبُدْ رَبّك، وَتَعْبُدُ رَبَّنَا، كَيْفَ نَفَى عَنْهُمْ مَا أَرَادُوا وَعَزَمُوا عَلَيْهِ؛ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنّهُ عَلِمَ أَنّهُمْ لَا يَفْعَلُونَ فَأَخْبَرَ بِمَا عَلِمَ. الثّانِي: أَنّهُم لَوْ عَبَدُوهُ عَلَى الْوَجْهِ الّذِي قَالُوهُ مَا كَانَتْ عِبَادَة، وَلَا يُسَمّى عَابِدًا للهِ مَنْ عَبَدَهُ سَنَة وَعَبَدَ غَيْرَهُ أُخْرَى\" [الروض الأنف (٢/ ١٤٧)].\n(^٢) تفسير القرطبي (٢٠/ ٢٢٨).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (١٦/ ٥٤٧).","vol":"1","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>المبحث الثاني\nقاعدة مناط العبادة غاية الحب مع غاية الذل ولا تنفع عبادة بواحد دون الآخر</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-84> المسألة الأولى* شرح معاني مفردات القاعدة</span>\nمعنى المناط: المناط مشتق من الأصل الثلاثي (نوط)، والنوط مصدر ناط ينوط نوطًا؛ تقول: نطت القربة بنياطها نوطًا؛ أي: علقتها، وأصل المناط: موضع النوط؛ أي: التعليق، وأصله منوط كمنور، والنوط علق شيء يجعل فيه تمر ونحوه أو ما كان يعلق من محمل وغيره، والمنوط جراب صغير يجعل فيه التمر وما شاكله، والمناط: موضع التعليق، ومناط الحكم عند الأصوليين علته؛ يقال: مناط الحكم بتحريم الخمر هو الإسكار (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>معنى العبادة:</span>\nالعبادة في اللغة مشتقة من أصل لغوي ثلاثي هو (عبد)، وقد ورد لهذا الأصل عدة معانٍ في اللغة، ومنها:\n_________\n(^١) انظر: العين (٧/ ٤٥٥)، ولسان العرب (٧/ ٤١٧)، والمعجم الوسيط (٢/ ٩٦٣)، وحاشية العطار على جمع الجوامع (٢/ ٣٣٧).","vol":"1","page":330},{"text":"١ - الخضوع.\n٢ - الذُّل.\n٣ - الانقياد والاستسلام.\n٤ - الطاعة.\n٥ - التعبُّد والتنسُّك.\n٦ - القوة والصلابة (^١).\nولقد أرجع ابن فارس هذه المعاني وغيرها إلى أصلين صحيحين تجتمع فيهما هذه المعاني، فقال: \" (العين والباء والدال): أصلان صحيحان كأنهما متضادان، والأول من ذينك الأصلين يدل على لين وذل، والآخر على شدة وغلظ؛ فالأول العبد، وهو المملوك والجماعة العبيد ... قال -الخليل-: وأما عَبَدَ يَعْبُدُ عِبَادَة فلا يقال إلا لمن يعبد الله تعالى، يقال منه: عبد يعبد عبادة، وتعبد يتعبد تعبدًا، فالمتعبد المتفرد بالعبادة، واستعبدت فلانًا اتخذته عبدًا ... ويقال: أعبد فلان فلانًا؛ أي: جعله عبدًا، ويقال للمشركين: عبدة الطاغوت والأوثان، وللمسلمين: عباد يعبدون الله تعالى ... ومن الباب البعير المعبد؛ أي: المهنوء بالقطران، وهذا أيضًا يدل على ما قلناه؛ لأن ذلك يذله ويخفض منه ... والمُعَبَّد: الذلول يوصف به البعير أيضًا، ومن الباب: الطريق المعبد، وهو المسلوك المذلل، والأصل الآخر: العبدة، وهي القوة والصلابة، يقال: هذا ثوب له عبدة إذا كان صفيقًا قويًا\" (^٢).\n_________\n(^١) انظر لهذه المعاني: تهذيب اللغة للأزهري (٢/ ١٣٨ - ١٤١)، معجم مقاييس اللغة لا بن فارس (٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦)، الصحاح للجوهري (٢/ ٥٠٢ - ٥٠٤)، وتاج العروس للزبيدي (٨/ ٣٣٠، ٣٣١، ٣٤٤)، المعجم الوسيط (٢/ ٥٧٩)، مختار الصحاح للرازي (ص ١٧٢).\n(^٢) معجم مقاييس اللغة (٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦).","vol":"1","page":331},{"text":"والأصل الأول هو الأكثر والأشهر في استعمال العرب، وهو كلّ ما دلَّ على اللين والذُّل؛ ولذا يقول الإمام ابن جرير الطبري مقررًا ومؤيدًا كون معنى الذل والخضوع هو الأشهر عند العرب، فقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]: \"وإنما اخترنا البيان عن تأويله بأنه: بمعنى نخشع، ونذل، ونستكين، دون البيان عنه بأنه بمعنى: نرجو، ونخاف، وإن كان الرجاء والخوف لا يكونان إلا مع ذلة؛ لأن العبودية عند جميع العرب أصلها الذلة ... والشواهد من أشعار العرب وكلامها على ذلك أكثر من أن تحصى، وفيما ذكرناه كفاية لمن وفق لفهمه إن شاء الله تعالى\" (^١).\nويقول الشيخ ابن عاشور: \"ومعنى العبادة في اللغة العربية قبل حدوثِ المصطلحات الشرعية دقيق الدلالة، وكلمات أئمة اللغة فيه خفية، والذي يُستخلص منها أنها: إظهار الخضوع للمعبود، واعتقاد أنه يملك نفع العابد وضرّه ملكًا ذاتيًا مستمرًا، فالمعبود إله للعابد\" (^٢).\nأما معناها في الشرع فقد تنوعت تعريفات العلماء وتعددت بحسب تعدد الاعتبارات التي ترجع إليها تعريفاتهم؛ فبعضهم نظر إلى أصل العبادة وأساسها وما تنبني عليه، وبعضهم نظر إلى شروطها وأركانها، والبعض نظر إلى أفرادها، وهكذا، وفيما يلي بعض ما وقفت عليه من تلك التعاريف:\nعرَّفها سعيد بن جبير (^٣) بقوله وقد سئل عنها: \"والعبادة هى الطاعة\" (^٤)\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١/ ٦٩).\n(^٢) التحرير والتنوير (٢٧/ ٢٦).\n(^٣) هو: أبو محمد سعيد بن جبير بن هشام الأسدي مولاهم، قال الذهبي: \"الإمام الحافظ المقرئ المفسر الشهيد\"، قتله الحجاج بواسط في شعبان سنة ٩٥ هـ. [انظر سير أعلام النبلاء (٤/ ٣٤١)، والتقريب (٢٣٤)].\n(^٤) ذكر بعض أهل العلم أن العبادة في القرآن تأتي على وجهين: الأول: التوحيد، =","vol":"1","page":332},{"text":"ثم بيَّن ﵀ وجه ذلك بقوله: \"وذلك أنه من أطاع الله فيما أمره به وفيما نهاه عنه فقد أتم عبادة الله، ومن أطاع الشيطان في دينه وعمله فقد عبد الشيطان، ألم تر أن الله قال للذين فرطوا: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾ [يس: ٦٠]، وإنما كانت عبادتهم الشيطان أنهم أطاعوه في دينهم؛ فمنهم من أمرهم فاتخذوا أوثانًا أو شمسًا أو قمرًا أو بشرًا أو ملكًا يسجدون له من دون الله، ولم يظهر الشيطان لأحد منهم فيتعبد له أو يسجد له، ولكنهم أطاعوه فاتخذوها آلهة من دون الله\" (^١).\nوعرَّفها الطبري بقوله: \"العبادة: الخضوع لله بالطاعة، والتذلل له بالاستكانة\" (^٢).\nويقول الإمام السمعاني: \"والعبادة هي الطاعة مع التذلل والخضوع\" (^٣).\nويقول الرازي: \"العبادة: هي التذلل والخضوع للمعبود على غاية ما يكون\" (^٤)\nويقول أيضًا في معنى العبادة: \"والعبادة: عبارة عن إظهار\n_________\n= والثاني: الطاعة، يقول الإمام ابن الجوزي ﵀: \"وذكر أهل التفسير أن العبادة في القرآن على وجهين: أحدهما: التوحيد، ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، أي: وحدوه، وفي المؤمنين: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، وفي الأنبياء: ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)﴾، وفي سورة نوح: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾، كذلك كل ما ورد في دعاء الأنبياء قومهم. وافماني: الطاعة ومنه قوله تعالى فى القصص: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣)﴾، وفي يس: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾، وفي سبأ: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠)﴾ [نزهة الأعين النواظر لابن الجوزي (٤٣١)].\n(^١) تعظيم قدر الصلاة (١/ ٣٤٦).\n(^٢) جامع البيان (١/ ٣٦٢).\n(^٣) تفسير السمعاني (١/ ٣٧)، وانظر: الإمام في بيان أدلة الأحكام (١/ ١٦٩).\n(^٤) التفسير الكبير (٣٢/ ١٠١).","vol":"1","page":333},{"text":"الخضوع، والخشوع، ونهاية التواضع، والتذلل، وهذا لا يليق إلا بالخالق المدبر الرحيم المحسن، فثبت أن عبادة غير الله منكرة، والإعراض عن عبادة الله منكر\" (^١).\nوعرَّفها ابن الجوزي (^٢) بقوله: \"وعبادة الله تعالى الذل له بالانقياد لما أمر والانتهاء عما نهى\" (^٣).\nوقيل: هي ما يأتيه العبد تذللًا وتخشعًا لله تعالى على مخالفة الهوى تعظيمًا (^٤).\nوعرَّفها الإمام ابن تيمية بقوله: \"والعبادة تتضمن كمال الحب ونهايته وكمال الذل ونهايته\" (^٥).\nوقال ﵀ في معنى العبادة: \"العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه؛ من الأقوال والأعمال، الباطنة والظاهرة\" (^٦).\nوعرَّفها الإمام ابن القيم بقوله: \"والعبادة تجمع أصلين غاية الحب بغاية الذل والخضوع\" (^٧).\nوعرَّفها الإمام ابن كثير بقوله: \"وفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف\" (^٨).\n_________\n(^١) التفسير الكبير (١٧/ ١٤٤).\n(^٢) الحافظ المفسر جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي القرشي الحنبلي اشتهر بالوعظ وصنف عدة مصنفات منها تفسير \"زاد المسير\" والموضوعات ولطائف المعارف وغيرها كثير. توفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة. [انظر: السير (٢١/ ٣٦٥)].\n(^٣) نزهة الأعين النواظر (٤٣١).\n(^٤) انظر: اللباب في الجمع بين السُّنَّة والكتاب (١/ ١٠١).\n(^٥) مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٦)، وانظر: الجواب الصحيح (٦/ ٣١)، درء التعارض (٦/ ٦٢).\n(^٦) انظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ١٤٩).\n(^٧) مدارج السالكين (١/ ٧٤) (٣/ ٤٤١)، وانظر: الجواب الكافي (١٦٤).\n(^٨) تفسير ابن كثير (١/ ٢٦).","vol":"1","page":334},{"text":"وعرَّفها الإمام ابن أبي العز (^١) بقوله: \"فإن العبادة تتضمن كمال المحبة ونهايتها، وكمال الذل ونهايته\" (^٢).\nويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"العبادة: ما أمر به شرعًا من غير اطراد عرفي، ولا اقتضاء عقلي\" (^٣).\nوقال ﵀ أيضًا: \"فالعبادة كمال المحبة وكمال الخضوع والخوف والذل\" (^٤).\nوعرَّفها الإمام الشوكاني بقوله: \"والعبادة أقصى غايات الخضوع والتذلل\" (^٥).\nويقول الألوسي في معناها: \"العبادة: هي الطاعة والانقياد والخضوع\" (^٦).\nوعرَّفها الإمام المعلمي بقوله: \"وتحرير العبارة في معنى العبادة أن يقال: خضوع اختياري يطلب منه نفع غيبي\" (^٧).\n_________\n(^١) هو: الإمام العلامة أبو الحسن علي بن علاء الدين بن شمس الدين الدمشقي الصالحين الحنفي تولى التدريس في سن مبكرة وولي القضاء بدمشق له كتب نفيسة منها شرح العقيدة الطحاوية وكتاب الاتباع وهما مطبوعان. توفي في ٧٩٢ هـ. [انظر ترجمته في: إنباء الغمر بأبناء العمر، لابن حجر (٢/ ٩٥)، وشذرات الذهب في أخبار من ذهب، لابن العماد (٦/ ٣٢٦)].\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٤٣٢).\n(^٣) مؤلفات محمد بن عبد الوهاب في العقيدة (ص ٩٠).\n(^٤) تفسير آيات من القرآن الكريم (ص ١٦).\n(^٥) فتح القدير (١/ ١٩)، يقول الشيخ صالح بن المهدي المقبلي: \"ولذلك لم يستعمل؛ أي: لفظ العبادة إلا في الخضوع لله تعالى، لأنه مولي أعظم النعم فكان حقيقًا بأقصى غاية الخضوع\". [العلم الشامخ في تفضيل الحق على الآباء والمشايخ (ص ٦١)].\n(^٦) روح المعاني (٢٦/ ٥٩).\n(^٧) مخطوط العبادة لوحة (٤٨٠)، وانظر: رسالة (منهج المعلمي)، لأحمد بيه (ص ٣٠٧).","vol":"1","page":335},{"text":"ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في بيان ما تتضمنه العبادة: \"وهي تشمل جميع ما أمر الله أن يتقرب إليه به من جميع القربات، فيخلص تقربه بذلك إلى الله، ولا يصرف شيئًا منه لغير الله كائنًا ما كان\" (^١).\nهذا بعض ما وقفت عليه من أقوال العلماء في بيان معنى العبادة، والمتأمل فيها يجدها قد تنوعت وتعددت عباراتهم في تقرير معناها بحسب نظر كل منهم؛ فمنهم من نظر إلى أصل العبادة وما تقوم عليه من معاني الخضوع والذل والمحبة، وهي ها هنا مصدر بمعنى التعبد، ومنهم من نظر إلى شروط صحتها وقبولها عند الله ﵎، ومنهم من نظر إلى أفرادها ومفرداتها إلى غير ذلك.\nوالمهم في الأمر هو التنبيه إلى أن المحبة التي هي ركن في العبادة الشرعية لم يذكرها أهل اللغة في ضمن تعريفهم للعبادة، وإنما عُرف ذلك بالشرع، فالشرع دلَّ على أن أصل العبادة هو المحبة، وأن الشرك فيها هو أصل الشرك؛ ولذلك صرح إبراهيم ﵇ بنفي هذه المحبة التي هي روح العبادة عن الكوكب السماوي فقال تعالى حاكيًا عنه: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾ [الأنعام: ٧٦] (^٢).\nفهي أصل الإيمان العملي؛ فلا يقبل عمل من الأعمال بدونها، ولذا حكم الله تعالى على من لم تتحقق فيه هذه المحبة الشرعية بالكفر وحبوط العمل، كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾ [محمد: ٩]، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾ [محمد: ٢٨].\nيقول الإمام الطبري: \"وقوله: ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾: يقول فأبطل الله\n_________\n(^١) أضواء اليبان (٧/ ٤١٠).\n(^٢) انظر: قاعدة في المحبة لابن تيمية (ص ٨٧).","vol":"1","page":336},{"text":"ثواب أعمالهم وأذهبه؛ لأنَّها عملت في غير رضاه، ولا محبته، فبطلت، ولم تنفع عاملها\" (^١).\nوعليه فكل من عرَّف العبادة الشرعية بذكر أصلها، فذكر الخضوع، والتذلل، والخوف، ولم يذكر المحبة، فإن ذلك ليس إهمالًا لها، أو عدم اعتبارها -كيف وهي أصل الإيمان العملي وأساسه- بل إن مقام المحبة لا يتحقق إلا إذا تحقق في القلب الخوف، والرجاء، والخضوع، والتذلل لله ﵎، فهم ذكروا في التعريف ما يلتئم منه معنى المحبة وتجتمع عليه (^٢).\nفالخضوع والذل الذي عرفوا به العبادة إنما هو خضوع وذل خاص مقيّد بمحبوبهم وهو الرب ﵎، لا غيره، ولذا يقول الإمام ابن القيم: \"وحقيقة التعبد الذل والخضوع للمحبوب\" (^٣).\nولذا تعقَّب الشيخ تقي الدين الهلالي (^٤) تعريف الإمام الشوكاني\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢٦/ ٦٠).\n(^٢) انظر: مدارج السالكين (١/ ١٣٦).\n(^٣) الجواب الكافي (ص ١٣٢).\n(^٤) هو: العلامة المحدث واللغوي الأديب، والرحالة المغربي السلفي محمد تقي الدين بن عبد القادر بن الطيب بن أحمد، ويرجع نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب، ولد سنة ١٣١١ هـ، وحفظ القرآن، ودرس على كثير من علماء المغرب، ثم سافر إلى القاهرة، وبعدها إلى الهند، ثم العراق، ثم السعودية مرورًا بمصر، وأصدر في الهند مجلة (الضياء)، وعين محاضرًا في جامعة \"بون\" بألمانيا، بعدها انتقل إلى جامعة برلين حيث قدم رسالة الدكتوراه: (ترجمة مقدمة كتاب الجماهر من الجواهر مع تعليقات عليها)، بعدها رجع إلى المغرب، وفي سنة ١٩٦٨ م قدم إلى الجامعة الإسلامية وعمل أستاذًا فيها لأكثر من خمس سنوات، ثم عاد إلى المغرب، وتفرغ للدعوة والتعليم، من مؤلفاته: سبيل الرشاد في هدي خير العباد، والإلهام والإنعام في تفسير الأنعام، ومختصر هدي الخليل في العقائد وعبادة الجليل، والهدية الهادية للطائفة التجانية، وحاشية على كتاب التوحيد، وعلى كشف الشبهات للإمام محمد بن عبد الوهاب، وغيرها، توفي في يوم الاثنين ٢٥ شوال ١٤٠٧ هـ. [ترجمته في: مقدمة كتاب: سبيل الرشاد في هدي خير العباد، لتقي الدين الهلالي، تحقيق: مشهور حسن سلمان (١/ ٩٢) فما بعدها].","vol":"1","page":337},{"text":"بقوله: \"قول الشوكاني: والعبادة أقصى غايات الخضوع والتذلل، إن كان يريد المعنى اللغوي فهو صحيح، قال تعالى في سورة المؤمنين حكاية عن موسى: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧)﴾ [المؤمنون: ٤٧]؛ أي: خاضعون، متذللون، خادمون، وأما إن أراد المعنى الشرعي، فهو ناقص، إذ لا تتمّ العبادة بالخضوع والتذلل فقط، حتى يصحبها الحب، والتعظيم، والإجلال، وتوحيد الله بذلك\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-86> المسألة الثانية * بيان معنى القاعدة</span>\nدلَّت القاعدة على أن العبادة تنبني على ركنين أساسيين؛ هما: محبة المعبود، والذل والخضوع له، فلا تقوم عبادة إلا بهذين الركنين، بل لا تسمى العبادة عبادة إذا خلت من إحدى هاتين الركيزتين العظيمتين؛ محبة الرب ﵎، والذل له، وكلاهما لا يحصل تمامه إلا بالآخر، فلا يكون حب بدون ذل للمعبود، ولا ينفع ذل بدون محبة المعبود، (فمتى استحكم الذل والحب صار عبودية، فيصير القلب المحب معبدًا لمحبوبه، وهذه الرتبة لا يليق أن تتعلق بمخلوق، ولا تصلح إلا لله وحده) (^٢).\nيقول ابن القيم: \"والحب مبناه على الذل والخضوع للمحبوب\" (^٣).\nويقول أيضًا: \"المرتبة الثالثة: ذُلُّ المحبة؛ فإن المحب ذليل بالذات، وعلى قدر محبته له يكون ذُلُّه، فالمحبة أسست على الذِّلة للمحبوب\" (^٤).\n_________\n(^١) سبيل الرشاد في هدي خير العباد (١/ ١٣٨ - ١٣٩).\n(^٢) روضة المحبين (ص ٢٨٢) بتصرف يسير.\n(^٣) المصدر السابق (ص ١٨٢).\n(^٤) مدارج السالكين (١/ ٢٠٧).","vol":"1","page":338},{"text":"فالذُّل والخضوع للرب ﵎ هو أساس المحبة، وهو في حقيقته عزة النفس وشرف العبودية، (ولا يأنف العزيز الذي لا يذل لشيء من ذُله لمحبوبه، ولا يعده نقصًا ولا عيبًا، بل كثير منهم يعد ذله عزًا) (^١).\nيقول الإمام ابن تيمية في بيان ما يتضمنه لفظ العبادة: \"ولفظ العبادة يتضمن كمال الذل، بكمال الحب، فلا بد أن يكون العابد محبًا للإله المعبود كمال الحب، ولا بد أن يكون ذليلًا له كمال الذل، فمن أحب شيئًا ولم يذل له لم يعبده، ومن خضع له ولم يحبه لم يعبده، وكمال الحب والذل لا يصلح إلا لله وحده، فهو الإله المستحق للعبادة التي لا يستحقها إلا هو، وذلك يتضمن كمال الحب، والذل، والإجلال، والإكرام، والتوكل، والعبادة، فالنفوس محتاجة إلى الله من حيث هو معبودها\" (^٢).\nومن المعلوم أن محبة المعبود ومعرفته هما أصل الإيمان في القلب، فمعرفته والعلم به أصل الإيمان القولي، ومحبته أصل الإيمان العملي، والإيمان القولي هو الذي ينبني عليه الإيمان العملي؛ فإن من عرف معبوده حق المعرفة، وعلم به تمام العلم، استلزم ذلك محبته، والذل له والخوف منه والرجاء فيه.\nيقول الإمام ابن القيم: \"والمعرفة تثمر المحبة والخوف والرجاء\" (^٣).\nفالمحبة فرع المعرفة والعلم بالله ﵎، فالحب يتبع العلم، بل هو شرط صحة المحبة، وكل من المحبة والمعرفة يستلزم الذل\n_________\n(^١) روضة المحبين (ص ٢٨٢).\n(^٢) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، لابن تيمية (٦/ ٣١).\n(^٣) مدارج السالكين (٢/ ٢٨).","vol":"1","page":339},{"text":"للمعبود والخضوع له والخوف منه والرجاء فيه، والانقياد له وطاعته، فلا تقوم محبة في القلب بدون الخوف والرجاء، وبدون الرغب والرهب.\nيقول ابن القيم: \"ومقام المحبة جامع لمقام المعرفة، والخوف، والرجاء، والإرادة، فالمحبة معنى يلتئم من هذه الأربعة وبها تحققها\" (^١).\nويقول ﵀ أيضًا: \"وهؤلاء المشركون يحبون أوثانهم، وأصنامهم، وآلهتهم مع الله كما يحبون الله، فهذه: محبة تأله، وموالاة، يتبعها الخوف، والرجاء، والعبادة، والدعاء، وهذه المحبة هي محض الشرك الذي لا يغفره الله، ولا يتم الإيمان إلا بمعاداة هذه الأنداد، وشدة بغضها، وبغض أهلها، ومعاداتهم، ومحاربتهم، وبذلك أرسل الله جميع رسله، وأنزل جميع كتبه، وخلق النار لأهل هذه المحبة الشركية، وخلق الجنة لمن حارب أهلها، وعاداهم فيه، وفي مرضاته\" (^٢).\nوهذه المراتب من المحبة والخوف والرجاء هي مراتب الإيمان التي يقوم عليها، وهي المحرك لسير العبد إلى ربه ﵎، إذ هي قوام العبودية وقطبها الذي لا تقوم بدونه.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"ولا بد من التنبيه على قاعدة تحرك القلوب إلى الله ﷿، فتعتصم به، فتقل آفاتها، أو تذهب عنها بالكلية، بحول الله وقوته.\nفنقول: اعلم أن محركات القلوب إلى الله -﷿- ثلاثة: المحبة والخوف والرجاء، وأقواها المحبة، وهي مقصودة تراد لذاتها؛ لأنَّها تراد في الدنيا والآخرة، بخلاف الخوف، فإنَّه يزول في الآخرة، قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [يونس: ٦٢]، والخوف: المقصود منه الزجر، والمنع من الخروج عن الطريق، فالمحبة تلقى العبد في السير إلى محبوبه؛ وعلى قدر ضعفها\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ١٣٦).\n(^٢) الروح، لابن القيم (ص ٢٥٤).","vol":"1","page":340},{"text":"وقوتها يكون سيره إليه، والخوف يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب، والرجاء يقوده، فهذا أصل عظيم يجب على كل عبد أن يتنبه له، فإنَّه لا تحصل له العبودية بدونه، وكل أحد يجب أن يكون عبدًا لله لا لغيره\" (^١).\nويقول ابن القيم: \"وهذه الثلاثة التي تضمنتها هذه الدرجة، وهي الحب، والخوف، والرجاء، هي التي تبعث على عمارة الوقت بما هو الأولى لصاحبه، والأنفع له، وهي أساس السلوك والسير إلى الله، وقد جمع الله سبحانه الثلاثة في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٧]، وهذه الثلاثة هي قطب رحى العبودية، وعليها دارت رحى الأعمال والله أعلم\" (^٢).\nبل حصول هذه الثلاثة وتحققها هو أصل الخيرات، وانعدامها أصل كل شر وفساد، فحصول الخير في النفوس يستوجب وجود القلب المتأله لربه ﵎، بالمحبة، والخوف، والرجاء.\nيقول الشيخ السعدي: \"وهذه الأمور الثلاثة: الخوف، والرجاء، والمحبة، التي وصف الله بها هؤلاء المقربين عنده هي الأصل، والمادة في كل خير، فمن تمت له تمت له أموره، وإذا خلا القلب منها، ترحلت عنه الخيرات، وأحاطت به الشرور\" (^٣).\nفالحاصل في معنى القاعدة: أن العبادة الشرعية لا بد أن تتضمن الحب والخوف والرجاء، وإلا كانت عبادة باطلة غير مقبوله عند الله ﵎، بل تكون خارجة عن مسمى العبادة الشرعي الذي اعتبره الله ﵎، فلا بد من اجتماع المحبة مع الرغب والرهب.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ٩٥).\n(^٢) مدارج السالكين (٣/ ١٣٣).\n(^٣) تفسير السعدي (ص ٤٦١).","vol":"1","page":341},{"text":"يقول ابن الوزير (^١): \"والجمع بين الخوف والرجاء سُنّة الله وسُنّة رسله ﵇ وسُنّة دين الإسلام، والأولى للإنسان تغليب الخوف في حق نفسه إلا عند اقتراب الأجل الاقتراب الخاص: أعني عند ظهور أمارات الموت في المرض الشديد\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-87> المسألة الثالثة* أدلة القاعدة</span>\nمن أدلة القاعدة ما يلي:\nأولًا: من المعلوم أنه ما من حركة في العالم العلوي أو السفلي إلا وأصلها المحبة والإرادة، ولا شك أن العبادة مما يدخل في تلك الحركات سواء كانت عبادة حقة، أم باطلة فإن أصلها الذي تقوم عليه هو المحبة والإرادة، لكن الإرادة هي الأصل الذي تنبني عليه المحبة، وعليهما تنبني سائر الحركات من عبادة وغيرها.\nيبيّن الإمام ابن تيمية هذا بقوله: \"وهذا القدر الذي ذكرناه من أن المحبة والإرادة أصل كل حركة في العالم، فقد بينا في القواعد وغيرها أن هذا يندرج فيه كل حركة وعمل، فإن ما في الأجسام من حركه طبعية فإنما أصلها السكون، فإنَّه إذا خرجت عن مستقرها كانت بطبعها تطلب مستقرها، وما فيها من حركة قسرية فأصلها من القاسر القاهر، فلم تبق حركة اختيارية إلا عن الإرادة.\n_________\n(^١) هو: محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى اليماني، الإمام المجتهد ويعرف بابن الوزير، ولد في سنة ٧٧٥ هـ، وكان مشتغلًا بالحديث شديد التمسك بالسُّنَّة، وذابًا عنها، ومحاربًا لأهل البدع، وكان عابدًا زاهدًا، من مصنفاته: العواصم من القواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، وترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان، وإيثار الحق على الخلق، توفي سنة ٨٤٠ هـ. [ترجمته في: البدر الطالع (ص ٨١) وما بعدها].\n(^٢) إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات (ص ٣٥٤).","vol":"1","page":342},{"text":"والحركات: إما إرادية، وإما طبعية، وإما قسرية؛ لأن الفاعل المتحرك إن كان له شعور بها فهي الإرادية، وإن لم يكن له شعور؛ فإن كانت على وفق طبع المتحرك فهي الطبعية، وإن كانت على خلاف ذلك فهي القسرية.\nوبينا أن ما في السموات والأرض وما بينهما من حركة الأفلاك، والشمس، والقمر، وا نجوم، وحركة الرياح، والسحاب، والمطر، والنبات، وغير ذلك، فإنما هو بملائكة الله تعالى الموكلة بالسموات والأرض، الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، كما قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: ٥]، ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾ [الذاريات: ٤]، وكما دل الكتاب والسُّنَّة على أصناف الملائكة، وتوكلهم بأصناف المخلوقات.\nولفظ المَلَك يشعر بأنه رسول منفذ لأمر غيره، فليس لهم من الأمر شيء بل: كَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضى، ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم: ٦٤، ٦٥]، وإذا كان كذلك فجميع تلك المحبات، والإرادات، والأفعال، والحركات، هي عبادة لله رب الأرض والسموات كما قد بيناه في غير هذا الموضع.\nوإذا كان كذلك، فأصل المحبة المحمودة التي أمر الله بها وخلق خلقه لأجلها هي ما في عبادته وحده لا شريك له، إذ العبادة متضمنة لغاية الحب بغاية الذل\" (^١).\nويزيد -﵀- الأمر وضوحًا بقوله: \"ولما كانت كل حركة وعمل في العالم فأصلها المحبة والإرادة، وكل محبة وإرادة لا يكون أصلها\n_________\n(^١) قاعدة في المحبة (ص ٩ - ١٠).","vol":"1","page":343},{"text":"محبة الله، وإرادة وجهه، فهي باطلة فاسدة، كان كل عمل لا يراد به وجهه باطلًا، فأعمال الثقلين الجن والإنس منقسمة؛ منهم من يعبد الله، ومنهم من لا يعبده، بل قد يجعل معه إلهًا آخر.\nوأما الملائكة فهم عابدون لله، وجميع الحركات الخارجة عن مقدور بني آدم، والجن، والبهائم، فهي من عمل الملائكة وتحريكها لما في السماء والأرض وما بينهما، فجميع تلك الحركات والأعمال عبادات لله، متضمنة لمحبته، وإرادته، وقصده\" (^١).\nويقول أيضًا: \"ومن المعلوم أن كل حي فله إرادة وعمل بحسبه، وكل متحرك فأصل حركته المحبة والإرادة، ولا صلاح للموجودات إلا أن يكون كمال محبتها وحركتها لله تعالى، كما لا وجود لها إلا أن يبدعها الله\" (^٢).\nفجميع الحركات أصلها المحبة والإرادة، وهذه المحبة والإرادة لا بد أن تكون لمحبوب مراد لنفسه، ليس محبوبًا لغيره وإلا لزم التسلسل في المحبوبين، وهو باطل.\nيقول ابن تيمية: \"وإذا كانت كل حركة فأصلها الحب والإرادة من محبوب مراد لنفسه لا يحب لغيره، إذ لو كان كل شيء محبوبًا لغيره لزم الدور، أو التسلسل، والشيء قد يحب من وجه دون وجه، وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله وحده، ولا تصلح الإلهية إلا له، ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا\" (^٣).\nويقول الإمام ابن القيم مؤيدًا لما قرره شيخه ابن تيمية -رحمهم الله تعالى-: \"والمقصود: أن حركات الأفلاك، وما حوته تابعة للحركة الإرادية المستلزمة للمحبة، فالمحبة والإرادة أصل كل فعل ومبدأه، فلا يكون الفعل\n_________\n(^١) قاعدة في المحبة (ص ٢٢ - ٢٤).\n(^٢) المصدر السابق (ص ١٤).\n(^٣) المصدر السابق (ص ١٣ - ١٤).","vol":"1","page":344},{"text":"إلا عن محبة وإرادة، حتى دفعه للأمور التي يبغضها ويكرهها فإنما يدفعها بإرادته ومحبته لأضدادها، واللذة التي يجدها بالدفع كما يقال: شفى غيظه، وشفى صدره، والشفاء والعافية يكون للمحبوب، وإن كان كريهًا مثل شرب الدواء الذي يدفع به ألم المرض، فإنَّه وإن كان مكروهًا من وجه، فهو محبوب؛ لما فيه من زوال المكروه، وحصول المحبوب.\nوكذلك فعل الأشياء المخالفة للهوى، فإنها وإن كانت مكروهة، فإنما تفعل لمحبة وإرادة، وإن لم تكن محبوبة لنفسها، فإنها مستلزمة للمحبوب لنفسه، فلا يترك الحي ما يحبه ويهواه، إلا لما يحبه ويهواه، ولكن يترك أضعفهما محبة لأقواهما محبة، ولذلك كانت المحبة والإرادة أصلًا للبغض والكراهة؛ فإن البغيض المكروه ينافي وجود المحبوب، والفعل؛ إما أن يتناول وجود المحبوب، أو دفع المكروه المستلزم لوجود المحبوب، فعاد الفعل كله إلى وجود المحبوب.\nوالحركة الاختيارية: أصلها الإرادة، والقسرية والطبيعية تابعتان لها، فعاد الأمر إلى الحركة الإرادية، فجميع حركات العالم العلوي والسفلي تابعة للإرادة والمحبة، وبها تحرك العالم ولأجلها، فهي العلة الفاعلية والغائية، بل هي التي بها ولأجلها وجد العالم، فما تحرك في العالم العلوي والسفلي حركة إلا والإرادة والمحبة سببها وغايتها، بل حقيقة المحبة حركة نفس المحب إلى محبوبه، فالمحبة حركة بلا سكون، وكمال المحبة هو العبودية، والذل، والخضوع، والطاعة للمحبوب، وهو الحق الذي به وله خلقت السموات والأرض، والدنيا والآخرة\" (^١).\nوإذا ثبت أن المحبة والإرادة أصل كل عمل وحركة، فإن كانت محبة الله، وإرادة وجهه، وقصده سبحانه وحده دون ما سواه، فهي من أعظم الحق الذي قامت عليه السموات والأرض، وإن كانت لغير الله\n_________\n(^١) روضة المحبين (ص ٥٨ - ٥٩)، وانظر: قاعدة في المحبة، لابن تيمية (ص ٩).","vol":"1","page":345},{"text":"تعالى فهي من أعظم الباطل، وهي من اتخاذ أنداد مساوية لله رب العالمين، ويعرف من هذا أن المحبة والإرادة هي أصل جميع الأديان، سواء كان دينًا حقًا، أم باطلًا، فإن الدين يشتمل على الأعمال الباطنة والظاهرة، والمحبة والإرادة أصل ذلك كله (^١).\nيقول الإمام ابن تيمية: \"محبة الله بل محبة الله ورسوله من أعظم واجبات الإيمان، وأكبر أصوله، وأجل قواعده، بل هي أصل كل عمل من أعمال الإيمان والدين، كما أن مجموع التصديق به أصل كل قول من أقوال الإيمان والدين، فإن كل حركة في الوجود إنما تصدر عن محبة؛ إما عن محبة محمودة، أو عن محبة مذمومة ... فجميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن المحبة المحمودة، وأصل المحبة المحمودة هي محبة الله﷾-، إذ العمل الصادر عن محبة مذمومة عند الله لا يكون عملًا صالحًا، بل جميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن محبة الله، فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه، كما ثبت في الصحيح عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"يقول الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملًا فأشرك فيه غيري فأنا منه بريء، وهو كله للذي أشرك\" (^٢)، وثبت في الصحيح حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار: القارئ المرائي، والمجاهد المرائي، والمتصدق المرائي (^٣) \" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: قاعدة في المحبة، لابن تيمية (٣١ - ٣٢).\n(^٢) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، باب: ذكر نفي قبول صلاة المرائي بها (٢/ ٦٧)، برقم (٩٣٨)، وابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب: الرياء والسمعة (٢/ ١٤٠٥)، برقم (٤٢٠٢)، والطبري في تهذيب الآثار، مسند علي (٢/ ٧٩٠)، برقم (١١١٢)، وأصل الحديث رواه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، باب: من أشرك في عمله غير الله (٤/ ٢٢٨٩)، برقم (٢٩٨٥).\n(^٣) رواه الترمذي في سننه، كتاب الزهد، باب: ما جاء في الرياء والسمعة (٤/ ٥٩١)، برقم (٢٣٨٢).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٨ - ٤٩).","vol":"1","page":346},{"text":"ثانيًا: دلَّ قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾ [البقرة: ١٦٥] على أن التشريك في المحبة مناف لأصل التوحيد، فدلَّ ذلك على أن حصول المحبة أصل في تحقق التوحيد والعبادة، فكل من عَبَدَ الله تعالى فمحبته هي أصل هذه العبادة، كما أن كل من اتخذ ندًا من دونه لا بد أن يكون محبًا لهذا الند مشركًا بالله تعالى في هذه المحبة، ولذا حكم الله عليهم بالكفر والخلود في النار وأنهم لا يخرجون منها بسبب هذا التشريك وهذه التسوية في المحبة وتوابعها من الخوف والرجاء، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ [البقرة: ١٦٧].\nيقول الإمام ابن تيمية: \"والعبادة تتضمن كمال الحب ونهايته، وكمال الذل ونهايته؛ فالمحبوب الذي لا يُعَظَّم، ولا يُذَلُّ له لا يكون معبودًا، والمُعَظَّم الذي لا يحب لا يكون معبودًا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، فبيَّن سبحانه أن المشركين بربهم الذين يتخذون من دون الله أندادًا، وإن كانوا يحبونهم كما يحبون الله، فالذين آمنوا أشد حبًا لله منهم لله ولأوثانهم؛ لأن المؤمنين أعلم بالله، والحب يتبع العلم، ولأن المؤمنين جعلوا جميع حبهم لله وحده، وأولئك جعلوا بعض حبهم لغيره، وأشركوا بينه وبين الأنداد في الحب، ومعلوم أن ذلك أكمل \" (^١).\nلقد ذكر الله تعالى في هذه الآية ما يدل على أن العبادة لا بد أن تتضمن المحبة، سواء كانمت لله تعالى، أم للأوثان والأنداد، فالمحبة\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٦).","vol":"1","page":347},{"text":"ركن فيها، وإلا لم تكن عبادة، ولذا نصت الآية على أن هؤلاء المشركين يحبون أندادهم كحبهم لله ﵎، ثم إن محبتهم لله تعالى لم تكن نافعة لهم، ولا منجية من الخلود في النار؛ لأن محبة الأوثان قد خالطتها وشابتها، والله تعالى لا يقبل من المحبة إلا المحبة الخالصة له دون ما سواه.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فدعاء إله آخر مع الله هو اتخاذ ند من دون الله يحب كحب الله؛ إذ أصل العبادة المحبة\" (^١).\nولذا بوَّب (^٢) الإمام البخاري في \"صحيحه\" لهذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] ثم ذكر تحتها حديث عبد الله بن مسعود -﵁- قال: (قال النبي -ﷺ- كلمة وقلت أخرى، قال النبي -ﷺ-: \"من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار\" وقلت أنا: من مات وهو لا يدعو لله ندًا دخل الجنة (^٣).\nفالآية فيها شرك المحبة، والحديث فيه شرك الدعاء، والإمام جعل الآية ترجمة للحديث؛ مما يدل على أن، كل من اتخذ من دون الله ندًا بأي شكل كان، كان واقعًا حتمًا في شرك المحبة، مما يؤكد أن المحبة أصل العبادة سواء كانت عبادة شرعية، أم عبادة شركية.\nويبيِّن الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ التلازم الحاصل بين عبادة غير الله تعالى وبين محبة ذلك المعبود فيقول في معنى قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾: \"فكل من اتخذ ندًا لله يدعوه من دون الله، ويرغب إليه، ويرجوه لما يؤمله منه من قضاء حاجاته، وتفريج كرباته -كحال عباد القبور والطواغيت والأصنام-،\n_________\n(^١) قاعدة في المحبة (ص ٧٥).\n(^٢) وقال بعد ذكر الآية: يعني أضدادًا واحدها ند. صحيح البخاري (٤/ ١٦٣٦).\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير (٤/ ١٦٣٦)، برقم (٤٢٢٧).","vol":"1","page":348},{"text":"فلا بد أن يعظموهم، ويحبوهم لذلك، فإنهم أحبوهم مع الله، وإن كانوا يحبون الله تعالى، ويقولون: لا إله إلا الله، ويصلون، ويصومون، فقد أشركوا بالله في المحبة بمحبة غيره، وعبادة غيره، فاتخاذهم الأنداد يحبونهم كحب الله يبطل كل قول يقولونه، وكل عمل يعملونه؛ لأن المشرك لا يقبل منه عمل، ولا يصح منه\" (^١).\nويقول الشيخ سليمان آل الشيخ في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]: \"قلت: مراده أن معنى التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله: هو إفراد الله بأصل الحب الذي يستلزم إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وعلى قدر التفاضل في هذا الأصل وما ينبني عليه من الأعمال الصالحة يكون تفاضل الإيمان، والجزاء عليه في الآخرة، فمن أشرك بالله تعالى في ذلك، فهو المشرك لهذه الآية\" (^٢).\nفتبين من ذلك أن إفراد الله بأصل الحب هو أصل العبادة الشرعية المستوجبة للذل له والخوف منه، والرجاء فيه وجميع العبادات الظاهرة والباطنة.\nومما يوضح الأمر أن كراهية الله أو بغضه، أو بغض شيء من دينه، وشرعه، تنافي أصل الإيمان القلبي وتناقضه، وما ذلك إلا لمناقضتها لأصل المحبة، إذ لا تجتمع المحبة والبغض في القلب لذات واحدة؛ ولذلك حكم الله تعالى على من وجد في قلبه شيء من هذه الكراهية، أو هذا البغض لله، أو لشرع الله بالكفر المخرج عن ملة الإسلام، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾ [محمد: ٩]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾ [محمد: ٢٨].\n_________\n(^١) فتح المجيد (ص ٧٦).\n(^٢) تيسير العزيز الحميد (ص ١١٢).","vol":"1","page":349},{"text":"يقول الإمام ابن تيمية: \"والذين كرهوا ما أنزل الله: كفار، وأعمال القلوب؛ مثل حب الله ورسوله، وخشية الله، ونحو ذلك: كلها من الإيمان، وكراهة ما أنزل الله كفر، وأوثق عرى الإيمان الحب في الله، والبغض في الله، وقد قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] \" (^١).\nويقول الإمام ابن كثير في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: \"أي: لا يريدونه، ولا يحبونه، ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ \" (^٢).\nثالثًا: ومما يدل على أن المحبة أصل في كل عبادة أن إبراهيم -﵇- نفى هذه المحبة عن نفسه للشمس والقمر والكواكب، وهو في مقام المناظرة والإلزام لقومه، وكانوا قد عبدوا الكواكب والشمس والقمر، مما يدل على أن أصل إشراكهم هو محبتهم لهذه الآلهة من دون الله تعالى كعادة المشركين، فإنهم يعبدون ما يهونه ويحبونه (^٣)، ولذا أنكر الله عليهم بقوله: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)﴾ [الفرقان: ٤٣].\nيقول الإمام ابن تيمية: \"ومما يبين ذلك: أن أصل العبادة: هي المحبة، وأن الشرك فيها أصل الشرك، كما ذكره الله في قصة إمام الحنفاء إبراهيم الخليل حيث قال: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا\n_________\n(^١) منهاج السُّنَّة النبوية (٥/ ٢٩٨).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٤/ ١٧٥).\n(^٣) يقول الإمام ابن تيمية عن شرك قوم إبراهيم -﵇- ومناظرته لهم: \"وكانوا يتخذونهم شفعاء، وشركاء، كما أخبر القرآن بذلك، ولهذا قال الخليل: ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾، فذكر أنه لا يحب الآفلين لأنهم كانوا على عادتهم، على عادة المشركين، يعبد أحدهم ما يحبه ويهواه، ويتخذ إلهه هواه، وقوله: (لا أحب الآفلين): كلام مناسب ظاهر؛ فإن الأقل يغيب عن عابده، فلا يبقى وقت أفوله من يعبده، ويستعينه، وينتفع به، ومن عبد ما يطلب منه المنفعة ودفع المضرة فلا بد أن يكون ذلك في جميع الأوقات، فإذا أفل ظهر بالحس حينئذٍ أنه لا يكون سببًا في نفع ولا ضر، فضلًا عن أن يكون مستقلًا\". [بغية المرتاد (٣٧٤)].","vol":"1","page":350},{"text":"رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾ [الأنعام: ٧٦]، وقال في القمر: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧)﴾ [الأنعام: ٧٧]، فلما أفلت الشمس قال: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ [الأنعام: ٧٨، ٧٩]، ولهذا تبرأ إبراهيم من المشركين، وممن أشركوا بالله قال: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧]، وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤)﴾ [الممتحنة: ٤] \" (^١).\nرابعًا: أن محبة الله تعالى ورجاءه والخوف منه متلازمة، لا ينفك أحدها عن الآخر، فالقلب متى ما تحقق بالمحبة لله ﵎، فإن ذلك يقتضي ويستوجب الرجاء والخوف من المعبود، فإن من أحب شيئًا طمع في حصوله وقربه، وخاف من فقده وبعده، الذي أحب الله تعالى طمع في قربه وإحسانه ونعيمه، وخاف من بعده وعذابه.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وإذا كانت المحبة أصل كل عمل ديني؛ فالخوف، والرجاء، وغيرهما يستلزم المحبة ويرجع إليها، فإن الراجي الطامع إنما يطمع فيما يحبه لا فيما يبغضه، والخائف يفر من الخوف؛ لينال المحبوب\" (^٢).\nويقول الإمام ابن القيم: \"ومنها أن المحبة لا تنفك عن الرجاء كما تقدم، فكل واحد منهما يمد الآخر ويقويه، ومنها أن الخوف مستلزم للرجاء، والرجاء مستلزم للخوف، فكل راج خائف، وكل خائف راج،\n_________\n(^١) قاعدة في المحبة (ص ٨٧).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ٦١).","vol":"1","page":351},{"text":"ولأجل هذا حسن وقوع الرجاء في موضع يحسن فيه وقوع الخوف، قال الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾ [نوح: ١٣]، قال كثير من المفسرين: المعنى: ما لكم لا تخافون لله عظمة، قالوا: والرجاء بمعنى الخوف.\nوالتحقيق أنه ملازم له، فكل راج خائف من فوات مرجوه، والخوف بلا رجاء يأس وقنوط، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [الجاثية: ١٤]، قالوا في تفسيرها: لا يخافون وقائع الله بهم كوقائعه بمن قبلهم من الأمم.\nومنها: أن العبد إذا تعلق قلبه برجاء ربه فأعطاه ما رجاه كان ذلك ألطف موقعًا، وأحلى عند العبد، وأبلغ من حصول ما لم يرجه، وهذا أحد الأسباب والحكم في جعل المؤمنين بين الرجاء والخوف في هذه الدار، فعلى قدر رجائهم وخوفهم يكون فرحهم في القيامة بحصول مرجوهم، واندفاع مخوفهم\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-88> المسألة الرابعة* أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nتضافرت أقوال العلماء في تقرير القاعدة، سواء بلفظها أو بمعناها، وفيما يلي أذكر بعض ما وقفت عليه من تلك الأقوال:\nيقول الإمام ابن تيمية: \"والعبادة تجمع كمال المحبة، وكمال الذل، فالعابد محب خاضع، بخلاف من يحب من لا يخضع له، بل يحبه ليتوسل به إلى محبوب اَخر، وبخلاف من يخضع لمن لا يحبه، كما يخضع للظالم، فإن كُلًّا من هذين ليس عبادة محضة\" (^٢).\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٥١).\n(^٢) قاعدة في المحبة (٩٨).","vol":"1","page":352},{"text":"ويقول الإمام ابن القيم: \"والعبادة: تجمع أصلين؛ غاية الحب، بغاية الذل والخضوع ... فمن أحببته ولم تكن خاضعًا له لم تكن عابدًا له، ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابدًا له، حتى تكون محبًا خاضعًا\" (^١).\nويقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: \"فإن العبادة لا تقوم إلا بقطب رحاها الذي لا تدور إلا عليه: وذلك غاية الذل في غاية المحبة، وكمال الذل يقتضي الخضوع، والخشية، والاستكانة لله تعالى، وأن لا يرى نفسه إلا في مقام الذم لها، والمعاتبة لها في حق ربه، وكذلك الحمب لا تحصل غايته إلا إذا كان يحب ما يحبه الله، ويكره ما يكرهه الله؛ من الأقوال والأعمال والإرادات\" (^٢).\nويقول الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين بعد ذكره لأبيات ابن القيم:\nليس العبادة غير توحيد المحبة ... مع خضوع القلب والأركان\nوالحب نفس وفاقه فيما يحب ... وبغض ما لا يرتضي بجنان\nووفاقه نفس اتباعك أمره ... والقصد وجه الله ذي الإحسان\nفقال -﵀-: \"فعرف العبادة: بتوحيد المحبة، مع خضوع القلب، والجوارح؛ فمن أحب شيئًا، وخضع له، فقد تعبد قلبه له، فلا تكون المحبة المنفردة عن الخضوع عبادة، ولا الخضوع بلا محبة عبادة؛ فالمحبة والخضوع: ركنان للعبادة، فلا يكون أحدهما عبادة بدون الآخر، فمن خضع لإنسان مع بغضه له، لم يكن عابدًا له؛ ولو أحب شيئًا، ولم يخضع له، لم يكن عابدًا له؛ كما يحب ولده، وصديقه؛ ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون أعظم عنده من كل شيء، بل لا\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٧٤).\n(^٢) تيسير العزيز الحميد (٦٣٠).","vol":"1","page":353},{"text":"يستحق المحبة الكاملة، والذل التام إلا الله سبحانه\" (^١).\nويقول الشيخ حافظ الحكمي: \"ثم اعلم أنها لا تقبل الأعمال الظاهرة ما لم يساعدها عمل القلب، ومناط العبادة هي غاية الحب مع غاية الذل ولا تنفع عبادة بواحد من هذين دون الآخر، ولذا قال من قال من السلف (^٢): من عَبَدَ الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-89> المسألة الخامسة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nلا تخفى أهمية هذه القاعدة، لتعلقها بالغاية التي خلق الله الخلق من أجلها، وهي عبادة الله ﵎، وبعد إنعام النظر، واستقصاء التأمل فيها، بدت لي بعض الفوائد الإيجابية لها أذكرها فيما يلي:\nالفائدة الأولى: أن المحبة والذل والخضوع لله تعالى أصل العبادة، فلا تصح عبادة ظاهرة ولا باطنة بدون المحبة والخضوع، بل لا تسمى عبادة؛ لأن العبادة هي توجه إلى المعبود على غاية الحب والخضوع.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"والعبادة أصلها عبادة القلب المستتبع للجوارح؛ فإن القلب هو الملك، والأعضاء جنوده، وهو المضغة الذي إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، وإنما ذلك بعلمه وحاله، كان هذا الأصل الذي هو عبادة الله بمعرفته، ومحبته، هو أصل الدعوة\" (^٤).\n_________\n(^١) الدرر السنية (٢/ ٢٩٠ - ٢٩١).\n(^٢) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٧٢).\n(^٣) معارج القبول (٢/ ٤٣٧).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٢/ ٦).","vol":"1","page":354},{"text":"ويقول -﵀-: \"وإذا كان أصل الإيمان العملي هو حب الله تعالى ورسوله -ﷺ-، وحب الله أصل التوحيد العملي، وهو أصل التأليه الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له؛ فإن العبادة أصلها أكمل أنواع المحبة، مع أكمل أنواع الخضوع وهذا هو الإسلام\" (^١).\nويقول الشيخ حافظ حكمي: \"ثم اعلم أنها لا تقبل الأعمال الظاهرة ما لم يساعدها عمل القلب، ومناط العبادة: هي غاية الحب مع غاية الذل، ولا تنفع عبادة بواحد من هذين دون الآخر\" (^٢).\nثانيًا: قررت القاعدة أصول التعبد لله ﵎، التي يسير بها العبد إلى ربه ﵎، وهي المحبة والخوف والرجاء، فلا تصح عبادة بدون هذه الأصول الثلاثة، فإن المحبة تستوجب الذل والخوف والرجاء، ولا بد، فلا تنفع محبة بدون أصل الخوف والرجاء، ولا ينفع كل من الرجاء والخوف بدون محبة، ومثال ذلك: الطائر الذي يطير في جو السماء، فإن المحبة هي رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فلا يستقر سيره وطيرانه بدون واحد من الثلاثة.\nيقول الإمام ابن القيم: \"الخوف أحد أركان الإيمان والإحسان الثلاثة التي عليها مدار مقامات السالكين جميعها؛ وهي الخوف، والرجاء، والمحبة، وقد ذكره سبحانه في قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٦، ٥٧] فجمع بين المقامات الثلاثة؛ فإن ابتغاء الوسيلة إليه: هو التقرب إليه بحبه، وفعل ما يحبه، ثم يقول: ويرجون رحمته، ويخافون عذابه، فذكر الحب والخوف والرجاء؛ والمعنى: إن الذين تدعونهم من دون الله؛ من الملائكة، والأنبياء،\n_________\n(^١) قاعدة في المحبة (ص ٦٨).\n(^٢) معارج القبول (٢/ ٤٣٧).","vol":"1","page":355},{"text":"والصالحين، يتقربون إلى ربهم، ويخافونه، ويرجونه، فهم عبيده كما أنكم عبيده، فلماذا تعبدونهم من دونه، وأنتم وهم عبيد له، وقد أمر سبحانه بالخوف منه في قوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥]، فجعل الخوف منه شرطًا\" (^١).\nويقول -﵀- أيضًا: \"فصل: القلب في سيره إلى الله -﷿- بمنزلة الطائر\" فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان فالطير جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد، وكاسر، ولكن السلف: استحبوا أن يقوى في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء، وعند الخروج من الدنيا يقوى جناح الرجاء على جناح الخوف ... فالمحبة هي المركب، والرجاء حاد، والخوف سائق، والله الموصل بمنه وكرمه\" (^٢).\nويقول- الإمام المجدد- محمد بن عبد الوهاب في تفسير قوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]: \"هذه الآيات الثلاث تضمنت ثلاث مسائل؛ (الآية الأولى): فيها المحبة؛ لأن الله منعم، والمنعم يحب على قدر إنعامه ... (الآية الثانية): فيها الرجاء، و(الآية الثالثة): فيها الخوف، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أي: أعبدك يا رب بما مضى بهذه الثلاث؛ بمحبتك، ورجائك، وخوفك، فهذه الثلاث (أركان العبادة)، وصرفها لغير الله شرك، وفي هذه الثلاث الرد على من تعلق بواحدة منهن، كمن تعلق بالمحبة وحدها، أو تعلق بالرجاء وحده، أو تعلق بالخوف وحده، فمن صرف منها شيئًا لغير الله فهو مشرك، وفيها من الفوائد: الرد على (الثلاث الطوائف) التي كل طائفة تتعلق بواحدة منها، كمن عَبَدَ الله تعالى بالمحبة وحدها، وكذلك من عَبَدَ الله بالرجاء\n_________\n(^١) طريق الهجرتين (ص ٤٢٢).\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ٥١٧).","vol":"1","page":356},{"text":"وحده كالمرجئة، وكذلك من عبد الله بالخوف وحده كالخوارج\" (^١).\nثالثًا: تضمنت القاعدة الرد على كل من تعبد لله بواحد من هذه الثلاثة، كمن ادعى محبة الله تعالى بدون الخوف والرجاء، أو تعبَّد لله بالخوف وحده، أو بالرجاء وحده، فاعلم أنه لا تصح محبة ولا تكمل إلا إذا قارنها أصل الخوف من الله تعالى، والرغبة فيه -﷿-، وهكذا كل واحد من الثلاثة لا يصح بدون البقية، فهي متلازمة لا ينفك أحدها عن الآخر.\nقال وهب بن منبه (^٢): \"قال حكيم من الحكماء: إني لأستحي من الله -﷿- أن أعبده رجاء ثواب الجنة قط فأكون كالأجير السوء، إذا أعطي عمل، وإذا لم يعط لم يعمل، وإني لأستحي من الله -﷿- أن أعبده مخافة النار قط فأكون كالعبد السوء، إن خاف عمل، وإن لم يخف لم يعمل، وأنه يستخرج حبه مني ما لا يستخرجه مني غيره\" (^٣).\nيقول الإمام ابن رجب بعد أن ذكر أثر وهب بن منبه هذا: \"وفي تفسير لهذا الكلام من بعض رواته: وهو أنه ذم العبادة على وجه الرجاء وحده، أو على وجه الخوف وحده، وهذا حسن، وكان بعض السلف يقول: من عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق (^٤)، ومن عبده\n_________\n(^١) مجموعة رسائل في التوحيد والإيمان (ص ٣٨٣).\n(^٢) هو: أبو عبد الله، وهب بن منبه بن كامل الأبناوي، اليماني، تابعي ثقة، أخذ عن ابن عباس، وأبي هريرة وأبي سعيد وابن عمر وغيرهم، ولد سنة ٣٤ هـ، ومات سنة ١١٤ هـ، وقيل: ١١٣ هـ. [انظر ترجمته في: التاريخ الكبير (٨/ ١٦٤)، وتذكرة الحفاظ (١/ ١٠٠)].\n(^٣) حلية الأولياء (٤/ ٥٣ - ٥٤)، والمقصود الجمع بين هذه الأركان الثلاثة للعبادة، كما هي حال الأنبياء والمرسلين؛ إذ كانوا يدعون ربهم خوفًا وطمعًا، ولا يخفى أن جعل العبادة من أجل المحبة فقط لا غير دون الخوف والرجاء من عقائد أهل التصوف التي ضلوا بسببها.\n(^٤) يقول السبكي في معنى زنديق في قول مكحول: (وقول مكحول: من عبد الله بالمحبة =","vol":"1","page":357},{"text":"بالخوف، والرجاء، والمحبة، فهو موحد مؤمن، وسبب هذا أنه يجب على المؤمن أن يعبد الله بهذه الوجوه الثلاثة: المحبة، والخوف، والرجاء، ولا بد له من جميعها، ومن أخل ببعضها فقد أخل ببعض واجبات الإيمان.\nوهؤلاء العارفون لهم ملحظان، أحدهما: أن الله تعالى يستحق لذاته أن يطاع، ويحب، ويبتغي قربه، والوسيلة إليه، مع قطع النظر عن كونه يثيب عباده، ويعاقبهم كما قال القائل:\nهب لبعث لم تأتنا رسله ... وجاحمة النار لم تضرم\nأليس من الواجب المستحق ... حياء العباد من المنعم\nوقد أشار هذا إلى أن نعمه على عباده تستوجب منهم شكره عليها، وحياءهم منه، وهذا هو الذي أشار إليه النبي -ﷺ-: \"لما قام حتى تورمت قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا\" (^١).\nوالملحظ الثاني: أن أكمل الخوف والرجاء ما تعلق بذات الحق سبحانه دون ما تعلق بالمخلوقات في الجنة والنار، فأعلى الخوف خوف البعد، والسخط، والحجاب عنه سبحانه، كما قدم سبحانه ذكر هذا العقاب لأعدائه على صليهم النار في قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ\n_________\n= فهو زنديق؛ فمعناه: من لم يعبده خوفًا منه، ولا رجاءً، ولا لصفة أخرى غير المحبة، ولا شك أنه متى فرض بهذه المثابة انتفى اعتقاد الوجوب، وصار كمن يعمل لمن يحبه عملًا لأجل محبته له، لا لاستحقاقه عليه ذلك العمل، ومن اعتقد هذا في حق الله تعالى فهو كافر، وإظهاره للإيمان بلسانه وبطاعاته الظاهرة فقط مثل إظهار الزنديق الإسلام بالشهادتين، وإسراره الكفر؛ فلهذا شبهه بالزنديق من جهة أن اعتقاده كفر، وعمله عمل الإسلام). [فتاوى السبكي (٢/ ٥٥٩)].\n(^١) رواه البخاري في صحيحه، باب: قيام النبي -ﷺ- حتى ترم قدماه (١/ ٣٨٠)، برقم (١٠٧٨)، ومسلم في صحيحه، باب: باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة (٤/ ٢١٧١)، برقم (٢٨١٩).","vol":"1","page":358},{"text":"لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦)﴾ [المطففين: ١٥، ١٦].\nكما أن أعلى الرجاء: ما تعلق بذاته سبحانه من رضاه، ورؤيته، ومشاهدته، وقربه، ولكن قد يغلط بعض الناس في هذا، فيظن: أن هذا كله ليس بداخل في نعيم الجنة، ولا في مسمى الجنة إذا أطلقت، ولا في مسمى عذاب النار، أو في مسمى النار إذا أطلقت، وليس كذلك.\nوبقي ها هنا أمر آخر وهو أن يقال: ما أعده الله في جهنم من أنواع العذاب المتعلق بالأمور المخلوقة، لا يخافها العارفون، كما أن ما أعده الله في الجنة من أنواع النعيمِ المتعلق بالأمور المخلوقة، لا يحبه العارفون، ولا يطلبونه، وهذا أيضًا غلط، والنصوص الدالة على خلافه كثيرة جدًا، ظاهرة.\nوهو أيضًا مناقض لما جبل الله عليه الخلق من محبة ما يلائمهم، وكراهة ما ينافرهم، وإنما صدر مثل هذا الكلام ممن صدر منه في حال سكره، واصطلامه، واستغراقه، وغيبة عقله، فظن أن العبد لا يبقى له إرادة أصلًا، فإذا رجع إليه عقله، وفهمه، علم أن الأمر على خلاف ذلك.\nويستمر الإمام ابن رجب في توضيح هذه المسألة فيقول: ونحن نضرب لذلك مثلًا يتضح به هذا الأمر -إن شاء الله تعالى- وهو: أن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة، واستدعاهم الرب سبحانه إلى زيارته، ومشاهدته، ومحاضرته يوم المزيد، فإنَّهم ينسون عند ذلك كل نعيم عاينوه في الجنة قبل ذلك، ولا يلتفتون إلى شيء مما هم فيه من نعيم الجنة، حتى يحتجب عنهم سبحانه، ويحقرون كل نعيم في الجنة حين ينظرون إلى وجهه -ﷻ-\" (^١).\nويقول الإمام ابن تيمية: \"والمحبة ما لم تقترن بالخوف فإنها لا\n_________\n(^١) انظر: التخويف من النار لابن رجب (ص ١٦ - ١٨).","vol":"1","page":359},{"text":"تنفع صاحبها، بل تضره؛ لأنَّها توجب التواني والانبساط، وربما آلت بكثير من الجهال المغرورين إلى أن استغنوا بها عن الواجبات، وقالوا: المقصود من العبادات إنما هو عبادة القلب، وإقباله على الله، ومحبته له، فإذا حصل المقصود فالاشتغال بالوسيلة باطل\" (^١).\nويقول أيضًا: \"وقال بعضهم: (من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عَبَدَ الله بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد) (^٢)؛ وذلك لأن الحب المجرد تنبسط النفوس فيه حتى تتوسع في أهوائها إذا لم يزعها وازع الخشية لله، حتى قالت اليهود والنصارى: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، ويوجد في مدعي المحبة من مخالفة الشريعة ما لا يوجد في أهل الخشية، ولهذا قرن الخشية بها في قوله: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤)﴾ [ق: ٣٢ - ٣٤] \" (^٣).\nويقول الشيخ الحكمي: \"ولذا قال من قال من السلف: (من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد).\nقلت: وبيان كلامهم هذا: أن دعوى الحب لله بلا تذلل، ولا خوف، ولا رجاء، ولا خشية، ولا رهبة، ولا خضوع دعوى كاذبة: ولذا ترى من يدعي ذلك كثيرًا ما يقع في معاصي الله -﷿- ويرتكبها، ولا يبالي، ويحتج في ذلك بالإرادة الكونية، وأنه مطيع لها، وهذا شأن\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٥/ ٢٠).\n(^٢) هذا القول ينسب إلى مكحول الدمشقي، [وانظر إلى كلام السبكي السابق].\n(^٣) المصدر السابق (١٠/ ٨١ - ٨٢).","vol":"1","page":360},{"text":"المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الزخرف: ٢٠] وغير ذلك، وإمامهم في ذلك الاحتجاج: هو إبليس.\nوكذلك الرجاء وحده إذا استرسل فيه العبد تجرأ على معاصي الله، وأمن مكر الله، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ [الأعراف: ٩٩].\nوكذلك الخوف وحده إذا استرسل فيه العبد ساء ظنه بربه، وقنط من رحمته، ويئس من روحه، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾ [يوسف: ٨٧]، وقال: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦)﴾ [الحجر: ٥٦]، فالأمن من مكر الله خسران، واليأس من روحه كفران، والقنوط من رحمة الله ضلال وطغيان، وعبادة الله -﷿- بالحب، والخوف، والرجاء، توحيد وإيمان؛ فالعبد المؤمن بين الخوف والرجاء كما قال تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩]، وبين الرغبة والرهبة كما قال تعالى في آل زكريا -﵇-: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠] \" (^١).\nرابعًا: ومما سبق يتبين بطلان قول من قال: ما عبدتك شوقًا إلى جنتك، ولا خوفًا من نارك، وإنما عبدتك شوقًا إلى رؤيتك، أو حبًا لذاتك، فهذا وأمثاله مما زيَّنه الشيطان لأرباب العبادة والسلوك، فخرج بهم عن المنهج المحمدي الذي سار عليه -ﷺ- هو وأصحابه، بل هو منهج جميع الأنبياء والمرسلين، وكان من جملة الأسباب في ضلال\n_________\n(^١) معارج القبول (٢/ ٤٣٧ - ٤٣٨).","vol":"1","page":361},{"text":"هؤلاء المنحرفين في هذا الباب خطؤهم في مفهوم الجنة الشرعي، حيث قصروا ذلك المفهوم على المآكل والمشارب واللباس، والنكاح، والتمتع بالمخلوقات، ونفوا أن يكون الخالق نفسه من النعيم في الجنة، وأن رؤيته ومحبته، والقرب منه من مفهوم الجنة.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"ومن هنا يتبين زوال الاشتباه في قول من قالى: ما عبدتك شوقًا إلى جنتك، ولا خوفًا من نارك، وإنما عبدتك شوقًا إلى رؤيتك، فإن هذا القائل ظن هو ومن تابعه: أن الجنة لا يدخل في مسماها إلا الأكل، والشرب، واللباس، والنكاح، والسماع، ونحو ذلك مما فيه التمتع بالمخلوقات، كما يوافقه على ذلك من ينكر رؤية الله من الجهمية، أو من يقر بها ويزعم أنه لا تمتع بنفس رؤية الله، كما يقوله طائفة من المتفقهة، فهؤلاء متفقون على أن مسمى الجنة والآخرة لا يدخل فيه إلا التمتع بالمخلوقات، ولهذا قال بعض من غلط من المشائِخ لما سمع قوله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، قال: فأين من يريد الله، وقال آخر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]، قال: إذا كانت النفوس والأموال بالجنة فأين النظر إليه، وكل هذا لظنهم أن الجنة لا يدخل فيها النظر.\nوالتحقيق: أن الجنة: هي الدار الجامعة لكل نعيم، وأعلى ما فيها النظر إلى وجه الله، وهو من النعيم الذي ينالونه في الجنة كما أخبرت به النصوص، وكذلك أهل النار فإنهم محجوبون عن ربهم، يدخلون النار، مع أن قائل هذا القول إذا كان عارفًا بما يقولى فإنما قصده: أنك لو لم تخلق نارًا، أو لم تخلق جنة، لكان يجب أن تعبد، ويجب التقرب إليك، والنظر إليك، ومقصوده بالجنة هنا: ما يتمتع فيه المخلوق.\nولكن تارة يقوم بالقلب من محبة الله ما يدعوه إلى طاعته، ومن إجلاله، والحياء منه، ما ينهاه عن معصيته، كما قالى عمر -﵁-: (نعم","vol":"1","page":362},{"text":"العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه) (^١)؛ أي: هو لم يعصه، ولو لم يخفه فكيف إذا خافه؛ فإن إجلاله، وإكرامه لله يمنعه من معصيته.\nفالراجي الخائف إذا تعلق خوفه، ورجاؤه، بالتعذب باحتجاب الرب عنه، والتنعم بتجليه له، فمعلوم أن هذا من توابع محبته له، فالمحبة: هي التي أوجبت محبة التجلي، والخوف من الاحتجاب، وإن تعلق خوفه ورجاؤه بالتعذب بمخلوق، والتنعم به، فهذا إنما يطلب ذلك بعبادة الله المستلزمة محبته، ثم إذا وجد حلاوة محبة الله وجدها أحلى من كل محبة، ولهذا يكون اشتغال أهل الجنة بذلك أعظم من كل شيء، كما في الحديث: \"إن أهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس\" (^٢)، وهو\n_________\n(^١) اشتهر في كلام الأصوليين، وأصحاب المعاني، وأهل اللغة، من حديث عمر، وبعضهم يرفعه إلى النبي -ﷺ- وذكر البهاء السبكي: أنه لم يظفر به بعد البحث والتفحص، وهذا ما قاله جمع من أهل اللغة، ونقل السخاوي عن ابن حجر أنه ظفر به في مشكل الحديث لابن قتيبة، ولكن بدون إسناد، ولكن جاء بمعناه عن سالم مولى أبي حذيفة، فقد أخرج أبو نعيم في الحلية من طريق عبد الله بن الأرقم قال: حضرت عمر عند وفاته مع ابن عباس، والمسور بن مخرمة، فقال عمر سمعت رسول الله يقول: \"إن سالما شديد الحب لله ﷿ لو كان لا يخاف الله ما عصاه\" قال السخاوي: (وسنده ضعيف)، وذكر كثجر من أهل العلم بأنه لا أصل له. [انظر: المقاصد الحسنة للسخاوي (ص ٧٠١)، كشف الخفاء للعجلوني (٢/ ٤٢٨)، والنخبة البهية لمحمد الأمير المالكي (ص ١٢٨)، والمصنوع لعلي القارئ (ص ٢٠٢)، وكذا: الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة للقارئ (ص ٣٧٢)، واللؤلؤ المرصوع لمحمد خليل الطرابلسي (ص ٢١٠)، والتذكرة في الأحاديث المشتهرة لبدر الدين الزركشي (ص ١٦٩)، والفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للشوكاني (ص ٤٠٩)، والفوائد الموضوعة في الأحاديث الموضوعة للشيخ مرعي المقدسي (ص ١١٢)، ونقل الزركشي -﵀- عن بعض الفقهاء في معناه: \"وهو الذي يقتضيه قول عمر: (نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه) وتقديره: أنه لو لم يخف الله لم يعصه؛ لإجلاله لذاته وتعظيمه، فكيف وهو يخاف، وإذا كان كذلك كان عدم عصيانه معللًا بالخوف والإجلال والإعظام\". [البحر المحيط في أصول الفقه (٤/ ١٥٨ - ١٥٧)].\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: في صفات=","vol":"1","page":363},{"text":"يبين غاية تنعمهم بذكر الله، ومحبته، فالخوف من التعذب بمخلوق، والرجاء له يسوقه إلى محبة الله التي هي الأصل، وهذا كله ينبني على أصل المحبة\" (^١).\nوبذلك يتبين بطلان الحديث المرفوع إلى النبي -ﷺ- عن شداد بن أوس قال: (بكى شعيب النبي -ﷺ- من حب الله حتى عمي، فرد الله إليه بصره، وأوحى إليه: يا شعيب ما هذا البكاء؟ أشوقًا إلى الجنة، أم خوفًا من النار، قال: إلهي وسيدي أنت تعلم ما أبكي شوقًا إلى جنتك، ولا خوفًا من النار، ولكني اعتدت حبك بقلبي، فإذا نظرت إليك فما أبالي ما الذي يصنع بي، فأوحى الله إليه: يا شعيب إن يك ذلك حقًا فهنيئًا لك لقائي يا شعيب؛ لذلك أخدمتك موسى بن عمران كليمي) (^٢).\nويتبيَّن ضعف الحديث بما يلي:-\n١ - مخالفة الحديث لنص القرآن، حيث ذكر الله تعالى حال جملة من الأنبياء في عبادتهم ودعائهم لله ﵎، وأنهم كانوا يدعونه خوفًا من عذابه، وطمعًا ورجاء في ثوابه، كما قال سبحانه: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]، ونبي الله شعيب شأنه شأن هؤلاء الأنبياء ممن عبد الله حبًا لذاته وخوفًا من عقابه، وطمعًا في ثوابه؛ ولذا عندما أعرض قومه عن دعوته حذرهم من عذاب الله كما قال -﷿-: ﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ\n_________\n= الجنة وأهلها وتسبيحهم فيها بكرة وعشيًا (٤/ ٢١٨٠)، برقم (٢٨٣٥)، من حديث جابر بن عبد الله -﵁-.\n(^١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٦٢ - ٦٤).\n(^٢) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٣١٥)، ترجمة رقم (٣٣٦٢)، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (٩/ ١٩)، ترجمة رقم (٧٥١)، وكنز العمال (١٢/ ٢١٦)، برقم (٣٥٥٨٠)، كلهم من رواية: إسماعيل بن الحسن بن بندار الأستراباذي.","vol":"1","page":364},{"text":"تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣)﴾ [هود: ٩٣].\n٢ - كما أن الحديث ضعيف من ناحية السند لا يثبت، وحكم عليه أهل العلم بالنكارة والضعف (^١).\nيقول الشيخ الألباني بعد ذكره للحديث وتضعيفه: \"ومما ينكر في هذا الحديث قوله: (ما أبكي شوقًا إلى جنتك، ولا خوفًا من النار)!، فإنَّها فلسفة صوفية، اشتهرت بها رابعة العدوية، إن صح ذلك عنها، فقد ذكروا أنها كانت تقول في مناجاتها: (رب! ما عبدتك طمعًا في جنتك، ولا خوفًا من نارك). وهذا كلام لا يصدر إلا ممن لم يعرف الله ﵎ حق معرفته، ولا شعر بعظمته وجلاله، ولا بجوده وكرمه، وإلا لتعبده طمعًا فيما عنده من نعيم مقيم، ومن ذلك رؤيته ﵎، وخوفًا مما أعده للعصاة والكفار من الجحيم والعذاب الأليم، ومن ذلك حرمانهم النظر إليه كما قال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]، ولذلك كان الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- وهم\n_________\n(^١) في السند عدة علل منها: إسماعيل بن علي بن الحسن بن بندار الأستراباذي، قال ابن طاهر: (بان كذبه ومزقوا حديثه)، وقال عنه الخطيب: (ولم يكن موثوقًا به في الرواية)؛ ولذلك حكم على الحديث بأنه منكر، ورواه ابن عساكر من طريق علي بن الحسن بن بندار والد إسماعيل كما رواه إسماعيل فبرئ إسماعيل من عهدته، لكن والده أيضأ ضعيف، قال عنه الذهبي: (اتهمه محمد بن طاهر، وقال ابن النجار: ضعيف)، ولذا حكم الحفاظ على الحديث بالضعف: قال الإمام السمعاني بعد ذكره: (والخبر غريب)، وقال الذهبي: (هذا حديث باطل لا أصل له)، وقال ابن الجوزي: (هذا حديث لا أصل له)، وقال ابن كثير بعد ذكره للحديث: (وهو غريب جدًّا، وقد ضعفه الخطيب البغدادي)، وقال عنه الشيخ الألباني: (ضعيف جدًّا). [انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (٣٠/ ١٧٢)، وتاريخ بغداد للخطيب (٦/ ٣١٥)، والبداية والنهاية لابن كثير (١/ ١٨٨)، والعلل المتناهية لابن الجوزي (١/ ٦٠)، وميزان الاعتدال للذهبي (١/ ٣٩٩)، وتفسير السمعاني (٤/ ١٣٥)، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، (٢/ ٤٢٥) برقم (٩٩٨)].","vol":"1","page":365},{"text":"العارفون بالله حقًا لا يناجونه بمثل هذه الكلمة الخيالية، بل يعبدونه طمعًا في جنته، وكيف لا وفيها أعلى ما تسمو إليه النفس المؤمنة، وهو النظر إليه سبحانه، ورهبة من ناره، ولما لا، وذلك يستلزم حرمانهم من ذلك، ولهذا قال تعالى بعد أن ذكر نخبه من الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]؛ ولذلك كان نبينا محمد -ﷺ- أخشى الناس لله كما ثبت في غير ما حديث صحيح عنه. هذه كلمة سريعة حول تلك الجملة العدوية، التي افتتن بها كثير من الخاصة فضلًا عن العامة، وهي في الواقع ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ [النور: ٣٩] \" (^١).\nخامسًا: وكان من آثار هذه العقيدة: أن ترك أصحابها دعاء الله تعالى؛ فلا يسألونه الجنة، ولا يستعيذون به من النار، بل يعبدونه لذاته، وما يستحقه من الكمال والجلال، ولا شك أن هذا غلط مخالف لهدي النبي -ﷺ- الثابت عنه، وهدي أصحابه -﵃- بل مخالف لهدي جميع الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم-، كما حكى الله -﷿- عنهم ذلك بقوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠] وكما قال عز من قائل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٧]، فأخبر سبحانه بأنهم كانوا يعبدونه بالرغب والرهب، وأنهم كانوا يرجون رحمته وجنته سبحانه، ويخافون من عذابه وناره وأليم عقابه.\nفحال نبينا محمد -ﷺ-، أنه كان دائم الدعاء والخضوع لربه ﵎، يدعوه، ويسأله الجنة، ويستعيذ به من النار، خلافًا لما عليه من\n_________\n(^١) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للشيخ الألباني (٢/ ٤٢٦ - ٤٢٧).","vol":"1","page":366},{"text":"اعتقد أن العبادة لا تكون إلا لحصول نفع، أو دفع شر، ولذا ثبت عنه أنه كان يعلم أصحابه ذلك، كما جاء عن عائشة أن رسول الله -ﷺ- علمها هذا الدعاء \"اللَّهُمَّ إني أسألك من الخير كله، عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، اللَّهُمَّ إني أسألك من خير ما سألك عبدك ونبيك، وأعوذ بك من شر ما عاذ به عبدك ونبيك، اللَّهُمَّ إني أسألك الجنة، وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار، وما قرب إليها من قول أو عمل، وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيرًا\" (^١).\nكما جاء في \"الصحيح\" من حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع: يقول: اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال\" (^٢).\nبل كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن كما ثبت عن عبد الله بن عباس -﵄- (أن رسول الله -ﷺ- كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن، يقول: \"اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات) (^٣).\nوثبت عنه ﵇ أنه: (قال لرجل: كليف تقول في الصلاة؟ قال:\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في مسند عائشة (٦/ ١٣٣)، برقم (٢٥٠٦٣)، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب الدعاء، باب: ما علمه النبي -ﷺ- عائشة أن تدعو به (٦/ ٤٤)، برقم (٢٩٣٤٥)، ورواه ابن ماجه في سننه، كتاب الدعاء، باب: الجوامع من الدعاء (٢/ ١٢٦٤)، برقم (٣٨٤٦)، وصححه الشيخ الألباني. [انظر: السلسلة الصحيحة (٤/ ٥٦) برقم (١٥٤٢)].\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: ما يستعاذ منه في الصلاة (١/ ٤١٢)، برقم (٥٨٨).\n(^٣) رواه أبو داود في سننه، كتاب: باب: (٢/ ٩٠)، برقم (١٤٥٢).","vol":"1","page":367},{"text":"أتشهد، وأقول: اللَّهُمَّ إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دندنتك (^١)، ولا دندنة معاذ، فقال النبي -ﷺ-: \"حولها ندندن\") (^٢).\nيقول الإمام ابن تيمية: (وطلب الجنة والاستعاذة من النار طريق أنبياء الله، ورسله، وجميع أولياء الله السابقين المقربين، وأصحاب اليمين، كما في \"السُّنن\": أن النبي -ﷺ- سأل بعض أصحابه، \"كيف تقول في دعائك؟ \" قال: أقول: اللَّهُمَّ إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال النبي -ﷺ-: \"حولها ندندن\"، فقد أخبر أنه هو -ﷺ- ومعاذ، وهو أفضل الأئمة الراتبين بالمدينة في حياة النبي -ﷺ-، إنما يدندنون حول الجنة، أفيكون قول أحد فوق قول رسول الله -ﷺ- ومعاذ، ومن يصلي خلفهما من المهاجرين والأنصار\" (^٣).\nويتبين بذلك أن طلب الجنة والاستعاذة من النار لا يعارض محبة الله تعالى، وكونه يستحق العبادة لما اتصف من صفات الجمال والكمال، كما أن النظر إلى الثواب والعقاب لا يعتبر مما ينقص رتبة\n_________\n(^١) يقول الإمام النووي: \"الدندنة: كلام لا يفهم معناه، ومعنى \"حولها ندندن\"؛ أي: حول الجنة والنار، أو حول مسألتهما\" إحداهما: سؤال طلب، والثانية: سؤال استعاذة، والله أعلم\"، وقال أبو عبيد: \"الدندنة: أن يتكلم الرجل بالكلام تسمع نغمته، ولا تفهم عنه؛ لأنه يخفيه، وإنما أراد: أن هذا تسمعه منا، إنما هو من أجل الجنة والنار فهذه الدندنة\". [الأذكار للنووي (٥٧)، وغريب الحديث لابن سلام الهروي (١/ ٢٦٠)، وانظر: النهاية (٢/ ١٣٧)].\n(^٢) رواه أبو داود في سننه، كتاب: باب: في تخفيف الصلاة (١/ ٢١٠)، برقم (٧٩٢)، قال النووي: \"رواه أبو داود بإسناد صحيح\"، [المجموع (٣/ ٤٣٦)].\n(^٣) الاستقامة (٢/ ١١٠ - ١١١)، يقول السبكي: \"ويظن بعض الجهلة خلاف ذلك، وهو جهل، فمن لم يسأل الله الجنة، والنجاة من النار، فهو مخالف للسُّنَّة؛ فإن من سُنّة النبي -ﷺ- ذلك، ولما قال ذلك القائل للنبي -ﷺ-: إنه يسأل الله الجنة، ويستعيذ به من النار، وقال ما أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ قال النبي -ﷺ-: \"حولها ندندن\". فهذا سيد الأولين والآخرين يقول هذه المقالة، فمن اعتقد خلاف ذلك فهو جاهل ختال\".\n[فتاوى السبكي (٢/ ٥٦٠)، وانظر: تفسير ابن كثير (١/ ٢٧)].","vol":"1","page":368},{"text":"الإنسان عند الله تعالى، بل هذا مما يحبه الله تعالى من عباده أن يفعلوه، ولهذا طلب الله -﷿- منهم ودعاهم إلى الجنة، كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ [يونس: ٢٥].\nويسوق الإمام ابن القيم عددًا من الأدلة في بيان أن سؤال الله الجنة والاستعاذة به من النار هو من صفات عباد الله المؤمنين، وأوليائه المتقين فيقول: \"أما إذا كان مطلوبهم الأعظم الذاتي: هو قربه، والوصول إليه، والتنعم بحبه، والشوق إلى لقائه، وانضاف إلى هذا طلبهم لثوابه المخلوق المنفصل، فلا علة في هذه العبودية بوجه ما، ولا نقص، وقد قال النبي -ﷺ-: \"حولها ندندن\"؛ يعني: الجنة، وقال: \"إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس؛ فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة\" (^١)، ومعلوم أن هذا: مسكن خاصة الخاصة، وسادات العارفين، فسؤالهم إياه ليس علة في عبوديتهم، ولا قدحًا فيها\" (^٢).\nويقول ﵀ أيضًا: \"والقرآن والسُّنَّة مملوءان من الثناء على عباده، وأوليائه بسؤال الجنة، ورجائها، والاستعاذة من النار، والخوف منها ...\nوالعمل على طلب الجنة والنجاة من النار مقصود الشارع من أمته؛ ليكونا دائمًا على ذكر منهم، فلا ينسونهما؛ ولأن الإيمان بهما شرط في النجاة، والعمل على حصول الجنة، والنجاة من النار هو محض الإيمان ...\nوقد حض النبي عليها أصحابه وأمته، فوصفها وجلَّاها لهم؛ ليخطبوها وقال: \"ألا مشمر للجنة، فإنها ورب الكعبة: نور يتلألأ،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب: درجات المجاهدين في سبيل الله (٣/ ١٠٢٨)، برقم (٢٦٣٧)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عن -.\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ٤٨٠).","vol":"1","page":369},{"text":"وريحانة تهتز، وزوجة حسناء، وفاكهة نضيجة، وقصر مشيد، ونهر مطرد، ... \" الحديث، فقال الصحابة -﵃-: يا رسول الله، نحن المشمرون لها، فقال: \"قولوا: إن شاء الله\" (^١) \".\nولو ذهبنا نذكر ما في السُّنَّة من قوله: من عمل كذا وكذا أدخله الله الجنة؛ تحريضًا على عمله لها، وأن تكون هي الباعثة على العمل، لطال ذلك جدًا، وذلك في جميع الأعمال، فكيف يكون العمل لأجل الثواب، وخوف العقاب معلولًا ..\nوأيضًا فالله سبحانه يحب من عباده أن يسألوه جنته، ويستعيذوا به من ناره، فإنَّه يحب أن يسأل، ومن لم يسأله يغضب عليه، وأعظم ما سئل الجنة، وأعظم ما استعيذ به من النار، فالعمل لطلب الجنة محبوب للرب، مرضي له، وطلبها عبودية للرب، والقيام بعبوديته كلها أولى من تعطيل بعضها.\nوإذا خلا القلب من ملاحظة الجنة والنار، ورجاء هذه، والهرب\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب: صفة الجنة (٢/ ١٤٤٨)، برقم (٤٣٣٢)، وابن حبان في صحيحه، باب: وصف الجنة وأهلها (١٦/ ٣٨٩)، برقم (٧٣٨١)، والبزار في مسنده (٧/ ٤٣)، برقم (٢٥٩١)، والمنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٨٣)، برقم (٥٦٥٤)، كلهم من رواية محمد بن مهاجر، عن الضحاك المعافري، عن سليمان بن موسى عنه، والضحاك: قال عنه الحافظ مقبول، وقال الذهبي: لا يعرف، ووثقه ابن حبان في الثقات. وقال عنه الإمام المنذري: (والضحاك: لم يخرج له من أصحاب الكتب الستة أحد غير ابن ماجه، ولم أقف فيه على جرح ولا تعديل لغير ابن حبان، بل هو في عداد المجهولين)، وقال البزار: (وهذا الحديث لا نعلم رواه عن النبي إلا أسامة، ولا نعلم له طريقًا عن أسامة إلا هذا الطريق، ولا نعلم رواه عن الضحاك المعافري إلا هذا الرجل: محمد بن مهاجر). [انظر: الترغيب والترهيب (٤/ ٢٨٤)، ومسند البزار (٧/ ٤٥)، وتقريب التهذيب (ص ٢٨٠)، برقم (٢٩٨١)، والمغني في الضعفاء (١/ ٣١٢)، برقم (٢٩١٧)، والثقات (٨/ ٣٢٥)، برقم (١٣٦٨٨)]، والحديث ضعفه الشيخ الألباني. [انظر: السلسلة الضعيفة (٧/ ٣٧٠)، برقم (٣٣٥٨)].","vol":"1","page":370},{"text":"من هذه، فترت عزائمه، وضعفمت همته، ووهى باعثه، وكلما كان أشد طلبًا للجنة، وعملًا لها، كان الباعث له أقوى، والهمة أشد، والسعي أتم، وهذا أمر معلوم بالذوق.\nولو لم يكن هذا مطلوبًا للشارع، لما وصف الجنة للعباد، وزينها لهم، وعرضها عليهم، وأخبرهم عن تفاصيل ما تصل إليه عقولهم منها، وما عداه أخبرهم به مجملًا، كل هذا تشويقًا لهم إليها، وحثًا لهم على السعي لها سعيها.\nوقد قال الله -﷿-: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥]، وهذا حث على إجابة هذه الدعوة، والمبادرة إليها، والمسارعة في الإجابة.\nوالتحقيق أن يقال: الجنة ليست اسمًا لمجرد الأشجار، والفواكه، والطعام، والشراب، والحور العين، والأنهار، والقصور، وأكثر الناس يغلطون في مسمى الجنة، فإن الجنة، اسم لدار النعيم المطلق الكامل، ومن أعظم نعيم الجنة التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه، وقرة العين بالقرب منه، وبرضوانه، فلا نسبة للذة ما فيها من المأكول، والمشروب، والملبوس، والصور، إلى هذه اللذة أبدًا، فأيسر يسير من رضوانه أكبر في الجنان وما فيها من ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢]، وأتى به منكرًا في سياق الإثبات؛ أي: أي شيء كان من رضاه عن عبده فهو أكبر من الجنة:\nقليل منك يقنعني ولكن ... قليلك لا يقال له قليل (^١)\nوكذلك النار، أعاذنا الله منها، فإن لأربابها من عذاب الحجاب\n_________\n(^١) لم أقف على قائله، وذكره السيوطي في الإتقان ضمن أسباب وأغراض التنكير والتعريف، فقال: (السادس: التقليل، نحو ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾؛ أي: رضوان قليل منه أكبر من الجنات؛ لأنه رأس كل سعادة: قليل منك يكفيني ولكن قليلك لا يقال له قليل). [الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (١/ ٥٥٧)].","vol":"1","page":371},{"text":"عن الله، وإهانته، وغضبه، وسخطه، والبعد عنه أعظم من التهاب النار في أجسامهم، وأرواحهم، بل التهاب هذه النار في قلوبهم هو الذي أوجب التهابها في أبدانهم، ومنها سرت إليها.\nفمطلوب الأنبياء، والمرسلين، والصديقين، والشهداء، والصالحين هو الجنة، ومهربهم من النار، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل\" (^١).\nسادسًا: كما أنه يستفاد من القاعدة في الرد على من جعل الإيمان هو مجرد التصديق بالقلب بدون إقرار اللسان، وبدون عمل القلب من المحبة والخضوع والخوف والرجاء وبدون الانقياد إلى الله بطاعته وطاعة رسوله -ﷺ-، بل المحبة والخضوع أصل وركن في الإيمان لا يصح إيمان بدون محبة الله تعالى، بل هي شرطه الأعظم، ولا يقبل من أحد إيمان ولا إسلام بدون هذه المحبة لله تعالى.\nيقول الإمام أبو الحسن الأشعري في بيان مقالات أهل الفرق في حقيقة الإيمان: \"فالفرقة الأولى منهم: يزعمون أن الإيمان بالله هو المعرفة بالله، وبرسله، وبجميع ما جاء من عند الله فقط، وإن ما سوى المعرفة؛ من الإقرار باللسان، والخضوع بالقلب، والمحبة لله، ولرسوله، والتعظيم لهما، والخوف منهما، والعمل بالجوارح، فليس بإيمان، وزعموا أن الكفر بالله: هو الجهل به، وهذا قول يحكى عن جهم بن صفوان، وزعمت الجهمية: أن الإنسان إذا أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه أنه لا يكفر بجحده، وأن الإيمان لا يتبعض، ولا يتفاضل أهله فيه، وأن الإيمان والكفر لا يكونان إلا في القلب، دون غيره من الجوارح\" (^٢).\nثم إن مقتضى كونهم مشركين أنهم يعبدونه سبحانه أيضًا لكن على\n_________\n(^١) انظر: مدارج السالكين (٢/ ٧٨ - ٨١).\n(^٢) مقالات الإسلاميين (ص ١٣٢).","vol":"1","page":372},{"text":"طريق الإشراك بل قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] كما قص سبحانه عنهم يقتضي أنه جل مجده المعبود الحقيقي عندهم وقد يقال: إن الشارع أسقط مثل هذه العبادة عن درجة الاعتبار فهم غير عابدين الله جلَّ وعلا شرعًا بل قيل: إنهم غير عابدين لغة أيضًا؛ لأن العبادة لغة غاية الخضوع والتذلل ولا يتحقق ذلك مع الشركة ولو على الوجه الذي زعموه فتأمل (^١).\n_________\n(^١) انظر: روح المعاني (١٥/ ١١٥).","vol":"1","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>المبحث الثالث\nقاعدة صلاح الأعمال بصلاح النيات وكل عمل تابع لنية عامله وقصده</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-91> المسألة الأولى * شرح معاني مفردات القاعدة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>معنى النية لغة وشرعًا:</span>\nأصل النية مشتق من الفعل الثلاثي المعتل (نوى)، يقال: نَوَى الشَيءَ يَنْوِيهِ نِيَّةً بالكَسْر مع تَشْدِيدِ ذلك النَّوَى: وهو التَّحَوُّل من دار إلى دار، هذا هو الأصل، ثم حمل عليه البابُ كلُّه، ومنه النِّيَّةُ فإنَّها: عزمُ القَلْب وتَوَجُّهه وقَصْدُه إلى الشيءِ وقيل: أصل فقالوا: نوَى الأمرَ يَنوِيه، إذا قَصَدَ له، ومنه قولهم: نَوَاه الله، كأنَّه قَصَدَه بالحِفْظِ والحِياطة. قال الشاعر:\nيا عَمرُو أحسِنْ نَواكَ اللّهُ بالرَّشَدِ ... واقرأْ سلامًا على الذَّلْفاءِ بالثَّمَدِ (^١)\n_________\n(^١) ذكره الأزهري وابن فارس ولم أقف على قائله. انظر: تهذيب اللغة (١٥/ ٣٩٩)، ومعجم مقاييس اللغة (٥/ ٣٦٦).","vol":"1","page":374},{"text":"أي: قصَدَك بالرَّشَد، وقيلَ: النَّوَى: البُعْد، كأنَّ النَّاوِي يَطْلبُ بعَزْمِه ما لم يَصِل إليه، والنِيَّةُ بالكسر: الوجهُ الذي يُذْهَبُ فيه مِن سَفَرٍ أَو عَمَلٍ، أو الوجهُ الذي يَنْوِيه المُسافِرُ مِن قُرْبٍ أَو بُعْدٍ (^١)، وبناء على ما سبق يكون معنى النية لغةً: انبعاث القلب، وقصده نحو ما يراه موافقًا لغرضه؛ من جلب نفع ودفع ضر حالًا ومآلًا (^٢).\nوحقيقة النية ترجع إلى الإرادة، فالإرادة أصل النية، وهي -أي: الإرادة- صفة تقتضي التخصيص لذاتها عقلًا، شاهدًا وغائبًا، كما يقتضي العلم الكشف لذاته عقلًا، شاهدًا وغائبًا، وترتب الكشف عليه، والتخصيص على الإرادة ليس بمعنى زائد أوجب له ذلك، بل التخصيص مع الإرادة، والكشف مع العلم، نحو: كون العشرة زوجًا، والخمسة فردًا، ليس معللًا بشيء.\nثم إن هذه الإرادة متنوعة إلى: العزم، والهم، والنية، والشهوة، والقصد، والاختيار، والقضاء، والقدر، والعناية، والمشيئة، فهي عشرة ألفاظ (^٣).\nوهذه الألفاظ غير مترادفة وبينها فروق دقيقة (^٤).\nيقول القرافي في بيان حقيقة النية: \"وأما النية فهي إرادة تتعلق بإمالة الفعل إلى بعض ما يقبله، لا بنفس الفعل من حيث هو فعل، ففرق بين قصدنا لفعل الصلاة، وبين قصدنا لكون ذلك قربة، أو فرضًا، أو نفلًا، أو أداء، أو قضاء، إلى غير ذلك مما هو جائز على الفعل بالإرادة المتعلقة بأصل الكسب والإيجاد، وهي المسماة: بالإرادة، من جهة أن\n_________\n(^١) انظر: تهذيب اللغة (١٥/ ٣٩٩)، وتاج العروس (٤٠/ ١٣٩ - ١٤٠)، ومعجم مقاييس اللغة (٥/ ٣٦٦)، والمصباح المنير (٢/ ٦٣١ - ٦٣٢)، والمعجم الوسيط (٢/ ٩٦٦).\n(^٢) انظر: الكليات للكفوي (ص ٩٠٢).\n(^٣) انظر: الأمنية في إدراك النية (ص ٧).\n(^٤) انظر: الأمنية في إدراك النية (ص ٧ - ١١).","vol":"1","page":375},{"text":"هذه الإرادة مميلة للفعل إلى بعض جهاته الجائزة عليه، فتسمى من هذا الوجه: نية، فصارت الإرادة إذا أضيف إليها هذا الاعتبار صارت نية، وهذا الاعتبار هو تمييز الفعل عن بعض رتبه (^١) ...\nهذا، إن اقتصر على الاعتبار العام، وهو مطلق إمالة الفعل إلى بعض جهاته، والصحيح: أنه لا يقتصر عليه، وأن يؤخذ معنى أخص منه، وهو: إمالة الفعل إلى جهة حكم شرعي يشمل الإباحة، فينوي إيقاع الفعل على الوجه الذي أمر الله به، ونهى عنه، أو أباحه.\nومنهم من يقول: بل أخص من هذا، وهو: أن يميل الفعل إلى جهة التقرب، والعبادة\" (^٢).\nويقول أيضًا في بيان حقيقة النية: \"حقيقتها: وهى قصد الإنسان بقلبه ما يريده بفعله، فهي من باب العزوم والإرادات، لا من باب العلوم والاعتقادات، والفرق بينها وبين الإرادة المطلقة: أن الإرادة قد تتعلق بفعل الغير، بخلافها، كما نريد مغفرة الله جلا جلاله ... والفرق بينها وبين العزم: أن العزم تصميم على إيقاع الفعل، والنية تمييز له، فهي أخفض منه رتبة، وسابقة عليه\" (^٣).\nوقال -﵀- بعد أن بيَّن الفروق التي بين النية وغيرها من الألفاظ -القريبة منها في المعنى-: \"فتلخص: أن النية غير التسعة الباقية؛ لما ذكر فيها من الخصوصية المتقدمة، وخصوصيات كل واحد من التسعة المفقودة في النية، فيجزم الناظر بالفرق حينئذٍ، ولا يضر كون الاستعمال قد يتوسع فيه، فيستعمل: أراد، ومراده نوى، أراد ومراده عزم، أو\n_________\n(^١) تمييز الفعل عن بعض رتبه: هو من الفروق بين الإرادة والنية، وهناك فرق آخر ذكره القرافي ﵀ بعد ذلك فقال: (وتفارق النية الإرادة من وجه آخر، وهو: أن النية لا تعلق إلا بفعل الناوي، والإرادة تتعلق بفعل الغير، كما نريد مغفرة الله تعالى وإحسانه، وليست من فعلنا). [الأمنية في إدراك النية (ص ١٠)].\n(^٢) الأمنية في إدراك النية (ص ٩ - ١٠).\n(^٣) الذخيرة للقرافي (١/ ٢٤٠).","vol":"1","page":376},{"text":"قصد، أو عنى، فإنَّها متقاربة المعاني حتى يكاد يجزم بينها بالترادف\" (^١).\nوبهذا يتضح أن النية الشرعية هي إرادة متوجهة نحو الفعل ابتغاء لوجه الله، وامتثالًا لحكمه، فهي قصد العبادة والتقرب إلى الله تعالى في إيجاد الفعل (^٢).\nهذا هو معناها في الشرع، وفيما يلي أنقل بعض ما وقفت عليه من تعريفات العلماء لها: قيل: هي العزم على فعل الشيء تقربًا إلى الله (^٣).\nوعرَّفها البهوتي (^٤) بأنها: \"عزم القلب على فعل العبادة، تقربًا إلى الله تعالى، بأن يقصد بعمله الله تعالى دون شيء آخر؛ من تصنع لمخلوق، أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح منهم، أو نحوه\" (^٥).\nوقال القرطبي ﵀ في بيان حقيقة النية: \"وحقيقتها: قصد التقرب إلى الآمر، بفعل ما أمر به، على الوجه المطلوب منه\" (^٦).\nوقال الشوكاني: \"والمراد بالنية: قصد تأدية تلك العبادة التي شرعها الله سبحانه لعباده، على الوجه المطلوب منهم\" (^٧).\nويقول الشيخ أحمد الدهلوي: \"أقول النية: القصد والعزيمة، والمراد ههنا: العلة الغائية التي يتصورها الإنسان فيبعثه على العمل؛ مثل طلب ثواب من الله، أو طلب رضا الله، والمعنى ليس للأعمال أثر في\n_________\n(^١) الأمنية في إدراك النية (ص ١٢).\n\n(^٢) انظر: الكليات للكفوي (ص ٩٠٢).\n(^٣) انظر: المطلع على أبواب المقنع (ص ٦٩).\n(^٤) هو: منصور بن يونس بن صلاح الدين بن حسن بن إدريس البهوتي الحنبلي: شيخ الحنابلة بمصر في عصره، نسبته إلى (بهوت) في غربية مصر، ولد سنة ١٠٠٠ هـ، له كتب، منها: الروض المربع شرح زاد المستقنع المختصر من المقنع، وكشاف القناع عن متن الإقناع للحجاوي، ودقائق أولي النهي لشرح المنتهى، وغيرها، توفي سنة ١٠٥١ هـ. [ترجمته في: الأعلام للزركلي (٧/ ٣٠٧)].\n(^٥) كشاف القناع (١/ ٣١٣).\n(^٦) تفسير القرطبي (١/ ١٧٦).\n(^٧) السيل الجرار للشوكاني (١/ ٢١١).","vol":"1","page":377},{"text":"تهذيب النفس، وإصلاح عوجها، إلا إذا كانت صادرة من تصور مقصد، مما يرجع إلى التهذيب، دون العادة، وموافقة الناس، أو الرياء والسمعة، أو قضاء جبلة؛ كالقتال من الشجاع الذي لا يستطيع الصبر عن القتال، فلولا مجاهدة الكفار لصرف هذا الخلق في قتال المسلمين\" (^١).\nوقال -﵀- أيضًا: \"وأعني بالنية المعنى الباعث على العمل، من التصديق بما أخبر به الله على ألسنة الرسل، من ثواب المطيع، وعقاب العاصي، أو حب امتثال حكم الله فيما أمر ونهى، ولذلك وجب أن ينهى الشارع عن الرياء والسمعة، ويبين مساويهما أصرح ما يكون\" (^٢).\nوعمومًا فإطلاق النية في كلام أهل العلم يتضمن نوعين هما:\nالأول: قصد العبادة، وهذا يشتمل على مرتبتين:\n١ - تمييز عبادة عن عبادة.\n٢ - تمييز عبادة عن عادة.\nالثاني: قصد المعبود، وبهذه النية يتميز المعبود المستحق للعبادة عن غيره.\nوهما بمثابة الركنين لنية العبادة.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وأصل ذلك أن النية المعهودة في العبادات تشتمل على أمرين: على قصد العبادة، وقصد المعبود، وقصد المعبود هو الأصل الذي دلَّ عليه قوله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] وقول النبي -ﷺ-: \"فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرف إلى ما هاجر إليه\" (^٣)، فإنه -﵀- ميز بين مقصود ومقصود ...\n_________\n(^١) حجة الله البالغة، للدهلوي (ص ٣٦٤ - ٣٦٥).\n(^٢) المرجع السابق (ص ٥٩٧).\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه، في بدء الوحي وغيره، باب: كيف كان بدء الوحي =","vol":"1","page":378},{"text":"وأما قصد العبادة: فقصد العمل الخاص، فإن من أراد الله والدار الآخرة بعمله؛ فقد يريده بصلاة، وقد يريده بحج، وكذلك من قصد طاعته بامتثال ما أمره به، فقد أطاعه في هذا العمل، وقد يقصد طاعته في هذا العمل، فهذا القصد الثاني مثل: قصد الصلاة دون الصوم، ثم صلاة الظهر دون صلاة العصر، ثم الفرض دون النفل، وهذه النية التي تذكر غالبًا في كتب الفقه المتأخرة، وكل واحدة من النيتين فرض في الجملة.\nأما الأولى: فبها يتميز من يعبد الله مخلصًا له الدين ممن يعبد الطاغوت، أو يشرك بعبادة ربه، ومن يريد حرث الآخرة ممن يريد حرث الدنيا، وهو الدين الخالص لله -الذي تشترك فيه جميع الشرائع- الذي نهى الأنبياء عن التفرق فيه كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] \" (^١).\nويزيد الإمام ابن تيمية الأمر وضوحًا بقوله: \"ولفظ النية يجري في كلام العلماء على نوعين؛ فتارة يريدون بها: تمييز عمل من عمل، وعبادة من عبادة، وتارة يريدون بها: تمييز معبود عن معبود، ومعمول له عن معمول له.\n_________\n= إلى رسول الله -ﷺ- (١/ ٣)، برقم (١)، وفي كتاب الإيمان، باب: ما جاء أن\nالأعمال بالنية والحسبة .. (١/ ٣٠)، برقم (٥٤)، كما أخرجه في مواضع عديدة من\nكتابه الصحيح، وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب: قوله -ﷺ-\nإنما الأعمال بالنية، وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال (٣/ ١٥١٥)، برقم (١٩٠٧)، بلفظ (النية) بدلًا عن (النيات). قال الإمام النووي: \"هذا حديث صحيح متفق على صحته، مجمع على عظم موقعه وجلاته، وهو أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، وكان السلف وتابعوهم من الخلف -﵏- يستحبون استفتاح المصنفات بهذا الحديث؛ تنبيهًا للمطالع على حسن النية، واهتمامه بذلك، والاعتناء به\". [الأذكار للنووي (ص ٥)].\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٦/ ٢٣، ٢٤، ٢٥).","vol":"1","page":379},{"text":"فالأول: كلامهم في النية هل هي شرط في طهارة الأحداث، وهل تشترط نية التعيين والتبييت في الصيام، وإذا نوى بطهارته ما يستحب لها هل تجزيه عن الواجب، أو أنه لا بد في الصلاة من نية التعيين ونحو ذلك.\nوالثاني: كالتمييز بين إخلاص العمل لله، وبين أهل الرياء والسمعة، كما سألوا النبي -ﷺص عن الرجل يقاتل شجاعة، وحمية، ورياء، فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: \"من قماتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله\" (^١).\nوهذا الحديث يدخل فيه سائر الأعمال، وهذه النية تميز بين من يريد الله بعمله والدار الآخرة، وبين من يريد الدنيا؛ مالًا، وجاهًا، ومدحًا، وثناء، وتعظيمًا، وغير ذلك، والحديث دل على هذه النية بالقصد -وإن كان قد يقال: إن عمومه يتناول النوعين- فإنه فرق بين من يريد الله ورسوله، وبين من يريد دنيا أو امرأة، ففرق بين معمول له ومعمول له، ولم يفرق بين عمل وعمل\" (^٢).\nويقول الإمام ابن القيم مبينًا الفرق بين النيّتين: \"ويفرق بين النية المتعلقة بالمعبود، التي هي من لوازم الإسلام، وموجباته، بل هي روحه، وحقيقته التي لا يقبل الله من عامل عملًا بدونها البتة، وبين النية المتعلقة بنفس العمل، التي وقع فيها النزاع في بعض المواضع، ثم يعرف ارتباطها بالعمل، وكيف قصد به تمييز العبادة عن العادة، إذ كانا في الصورة واحدًا، وإنما يتميزان بالنية، فإذا عدمت النية كان العمل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا (٣/ ١٠٣٤)، برقم (٢٦٥٥)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا (٣/ ١٥١٣)، برقم (١٩٠٤)، من حديث أبي موسى الأشعري -﵁-.\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٨/ ٢٥٦ - ٢٥٧).","vol":"1","page":380},{"text":"عاديًا، لا عباديًا، والعادات لا يتقرب بها إلى بارئ البريات، وفاطر المخلوقات.\nفإذا عري العمل عن النية، كان كالأكل، والشرب، والنوم الحيواني البهيمي، الذي لا يكون عبادة بوجه، فضلًا أن يؤمر به، ويرتب عليه الثواب، والعقاب، والمدح، والذم، وما كان هذا سبيله لم يكن من المشروع للتقرب به إلى الرب ﵎، ولذلك يقصد بها تمييز مراتب العبادات بعضها عن بعض، فيميز فرضها عن نفلها، ومراتبها بعضها عن بعض، وهذه أمور لا تَحَقُّقَ لها إلا بالنية، ولا قوام لها بدونها البتة\" (^١).\nومن أهل العلم من اعتبر مراتب النوع الأول للنية -وهو قصد العبادة- هي الحكمة في إيجاب النية ومنهم القرافي -﵀- فقال: \"حكمة إيجابها وهي تمييز العبادات عن العادات؛ ليتميز ما لله عن ما ليس له، أو تمييز مراتب العبادات في أنفسها؛ لتتميز مكافأة العبد على فعله، ويظهر قدر تعظيمه لربه، فمثال الأول: الغسل يكون تبردًا، وعبادة، ودفع الأموال يكون صدقة شرعية، ومواصلة عرفية، والإمساك عن المفطرات، يكون عبادة، وحاجة، وحضور المساجد، يكون مقصودًا للصلاة، وتفرجًا، يجري مجرى اللذات.\nومثال القسم الثاني: الصلاة؛ تنقسم إلى فرض ومندوب، والفرض ينقسم إلى الصلوات الخمس؛ قضاء، أو أداء، والمندوب ينقسم إلى راتب كالعيدين، والوتر، وغير راتب كالنوافل، وكذلك القول في قربات المال، والصوم، والنسك، فشرعت النية لتمييز هذه الرتب، ولأجل هذه الحكمة تضاف صلاة الكسوف، والاستسقاء، والعيدين، إلى أسبابها؛ لتمييز رتبتها، وكذلك تتعين إضافة الفرائض إلى أسبابها؛ لتتميز لأن تلك\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (٣/ ٧٠٦).","vol":"1","page":381},{"text":"الأسباب قرب في نفسها\" (^١).\nفذكر -﵀- النوع الأول للنية وهو قصد العبادة، وذكر مراتبه وهي: تمييز عبادة عن عادة، أو تمييز عبادة عن عبادة، ولم يتطرق إلى النوع الثاني وهو قصد المعبود وتمييزه عن غيره، والأول هو المشهور عن الفقهاء عند كلامهم في أبواب الطهارة والصلاة وغيرها.\nفالنية كما أنها أصل في حصول الأعمال الشرعية وصلاحها، ومع ذلك فهي تميّز الأعمال عن بعضها البعض، وإن اتفقت في الصورة، وعليه فتختلف أحكامها، فالذي يذبح شاة مثلًا، يحتمل فعله هذا عدة صور، فربما ذبحه تقربًا لله تعالى، وربما كان الذبح لغير الله، وربما كان لمجرد الأكل والاستمتاع باللحم، وأحكام هذه الصور تختلف بحسب اختلاف نية الذابح.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وقول النبي -ﷺ-: \"إنما الأعمال بالنيات\": كلمة جامعة كاملة؛ فإن النية للعمل كالروح للجسد، وإلا فكل واحد من الساجد لله، والساجد للشمس والقمر، قد وضع جبهته على الأرض، فصورتهما واحدة، ثم هذا أقرب الخلق إلى الله تعالى، وهذا أبعد الخلق عن الله\" (^٢).\nويقول الشاطبي: \"ويكفيك منها: أن المقاصد تفرق بين ما هو عادة، وما هو عبادة، وفي العبادات بين ما هو واجب، وغير واجب، وفي العادات بين الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه، والمحرم، والصحيح، والفاسد، وغير ذلك من الأحكام، والعمل الواحد يقصد به أمر فيكون عبادة، ويقصد به شيء آخر فلا يكون كذلك، بل يقصد به شيء فيكون إيمانًا، ويقصد به شيء آخر فيكون كفرًا؛ كالسجود لله أو للصنم.\n_________\n(^١) الذخيرة (١/ ٢٤٢)، وانظر: (٣/ ٢١٩)، والأمنية في إدراك النية (ص ٢٠).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٢٩١).","vol":"1","page":382},{"text":"وأيضًا فالعمل إذا تعلق به القصد تعلقت به الأحكام التكليفية، وإذا عرى عن القصد لم يتعلق به شيء منها، كفعل النائم، والغافل، والمجنون\" (^١).\nويقول الإمام ابن رجب مبينًا إطلاقات النية في النصوص الشرعية، وفي كلام أهل العلم: \"والنية في كلام العلماء تقع بمعنيين:\nأحدهما: تمييز العبادات بعضها عن بعض؛ كتمييز صلاة الظهر من صلاة العصر مثلًا، وتمييز رمضان من صيام غيره، أو تمييز العبادات من العادات؛ كتمييز الغسل من الجنابة من غسل التبرد والتنظيف، ونحو ذلك، وهذه النية هي التي توجد كثيرًا في كلام الفقهاء في كتبهم.\nوالمعنى الثاني: بمعنى تمييز المقصود بالعمل، وهل هو لله وحده لا شريك له، أم لله وغيره، وهذه هي النية التي يتكلم فيها العارفون في كتبهم في كلامهم على الإخلاص وتوابعه، وهي التي توجد كثيرًا في كلام السلف المتقدمين.\nوقد صنَّف أبو بكر بن أبي الدنيا (^٢) مصنفًا سماه كتاب \"الإخلاص والنية\"، وإنما أراد هذه النية، وهي النية التي يتكرر ذكرها في كلام النبي -ﷺ-، تارة بلفظ النية، وتارة بلفظ الإرادة، وتارة بلفظ مقارب لذلك\" (^٣).\nوبناء على ذلك فإن لفظ النية الشرعي يتضمن معنى الإخلاص\n_________\n(^١) الموافقات (٢/ ٣٢٤).\n(^٢) هو: المحدث العالم الصدوق أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس أبي الدنيا القرشي الأموي مولاهم البغدادي، صاحب التصانيف المشهورة المفيدة، ولد سنة ثمان ومائتين، وكان مؤدب أولاد الخلفاء، ومات في جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين ومائتين. [ترجمته في: تذكرة الحفاظ (٢/ ٦٧٧ - ٦٧٩)، طبقات الحفاظ (١/ ٢٩٨)].\n(^٣) جامع العلوم والحكم (ص ١١ - ١٢).","vol":"1","page":383},{"text":"إضافة إلى معنى قصد التعبد والتقرب، فهو يتضمن معنى الإخلاص وزيادة.\nيقول الإمام العز بن عبد السلام (^١): \"الرياء والإخلاص: إرادتان زائدتان على إرادة العبادة، فإرادة العبادة أن يريد إيقاع تلك الطاعة، والإخلاص: أن يريد بها ثواب الله تعالى، دون شيء من الأغراض الدنيوية، والرياء: أن يريد بعمله التعظيم، والمدح، وغير ذلك من أغراض الرياء\" (^٢).\nفالنية شاملة لهذين المعنيين، قصد العبادة بتمييزها عن غيرها، أو عن العادة، وقصد المعبود بتمييزه عن غيره مما لا يستحق العبادة، ومن الناس من جعل المعنى الأول هو المختص بلفظ النية -فلا يستعمل لفظ النية إلا فيه- مع أن المعنى الثاني هو الغالب، وهو الأكثر في كلام النبي -ﷺ-، وسلف الأمة.\nيقول الإمام ابن رجب: \"وقد جاء ذكرها كثيرًا في كتاب الله -﷿- بغير لفظ النجة أيضًا- من الألفاظ المقاربة لها، وإنما فرق من فرق بين النية، وبين الإرادة والقصد ونحوهما؛ لظنهم اختصاص النية بالمعنى الأول الذي يذكره الفقهاء، ... وقد ذكرنا أن النية في كلام النبي -ﷺ- وسلف الأمة إنما يراد بها هذا المعنى الثاني غالبًا، فهى حينئذٍ بمعنى الإرادة\" (^٣).\n_________\n(^١) هو: أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام السلمي، المشهور بسلطان العلماء، ولد سنة سبع أو ثمان وسبعين وخمسمائة وتفقه على ابن عساكر، وقرأ الأصول على الآمدي، وبرع في المذهب، وفاق فيه الأقران، وجمع بين فنون العلم، له تفسير مختصر، وكتاب قواعد الأحكام، ومختصر صحيح مسلم، وغيرها، ولي الخطابة بدمشق، وولي القضاء في مصر ثم عزل نفسه، توفي بمصر سنة ستين وستمائة. [ترجمته في: طبقات المفسرين (ص ٢٤٢)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ١٠٩)].\n(^٢) مقاصد الرعاية لحقوق الله ﷿ (ص ٩١).\n(^٣) جامع العلوم والحكم (ص ١١ - ١٢).","vol":"1","page":384},{"text":"أما النية في القرآن الكريم، فإنها لم ترد بلفظها، لكن ورد معناها وعُبِّر عنها بلفظ الإرادة، وبلفظ الابتغاء، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، وقوله -﷿-: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [هود: ١٥]، وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ [الشورى: ٢٠]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]، وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨]، وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٨]، وقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾ [الروم: ٣٩].\nوقد يعبر عنها في القرآن بلفظ الابتغاء كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، وقوله: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤] (^١).\nوالحاصل: أن الغالب في استعمالات النية في النصوص الشرعية هو المعنى الثاني، وهو قصد المعبود وتمييزه عن غيره، وهذا هو\n_________\n(^١) انظر: جامع العلوم والحكم (ص ١١ - ١٢).","vol":"1","page":385},{"text":"الإخلاص المذكور في النصوص، وكما سبق التعبير عنه في القرآن الكريم، والسُّنَّة النبوية، بالإرادة والابتغاء.\nولذا عبَّر كثير من أهل العلم بالنية عن الإخلاص، أو العكس، فإن النية تتضمن إخلاص العمل لله، والإخلاص لا يحصل بدون النية (^١)، فكلاهما يحصل به تمييز المعبود الذي يستحق أن يعبد ممن لا يستحق ذلك، ولذلك عرَّفوا الإخلاص بالنية، والنية بالإخلاص:\nومن ذلك قولهم في معنى الإخلاص: \"تصفية النية في طاعة الله تعالى\" (^٢).\nويقول الإمام ابن حزم: \"والإخلاص: هو القصد بالقلب إلى ذلك، وهو النية نفسها\" (^٣).\nوقال الإمام الماوردي (^٤): \"والإخلاص في كلامهم: النية\" (^٥).\nوقال الإمام ابن عبد البر: \"والإخلاص: النية في التقرب إليه، والقصد بأداء ما افترض على المؤمن\" (^٦).\nويقول الإمام ابن قدامة: \"والإخلاص: عمل القلب، وهو النية، وإرادة الله وحده دون غيره\" (^٧).\nويقول الشيخ السعدي: \"والإخلاص: معناه: تخليص القصد لله تعالى في جميع العبادات، الواجبة والمستحبة\" (^٨).\n_________\n(^١) انظر: بدائع الصنائع (١/ ١٢٧).\n(^٢) تفسير السمعاني (٤/ ٤٥٧).\n(^٣) النبذة الكافية لابن حزم (ص ٥٠).\n(^٤) هو: علي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري الفقيه الشافعي. له مصنفات كثيرة منها: الأحكام السلطانية، والحاوي، والإقناع في الفقه، وأدب الدين والدنيا، والتفسير، توفي سنة ٤٥٠ هـ. [ترجمته في: طبقات الفقهاء (ص ١٣١)، وطبقات الشافعية للسبكي (٣/ ٣٠٣)].\n(^٥) مغني المحتاج (١/ ١٤٨).\n(^٦) التمهيد (٢٢/ ١٠٠).\n(^٧) المغني (١/ ٢٧٨).\n(^٨) تفسير الشيخ السعدي (ص ٧٣٤).","vol":"1","page":386},{"text":"ومنهم من عرَّف النية بالإخلاص، ومن ذلك:\nقول الزبيدي -﵀- في معنى حديث: \"ولكن جهاد ونية\": \"والمراد بالنِّيّة: إِخلاصُ العَمَلِ لله تعالى\" (^١).\nوقال الإمام ابن تيمية: \"وأما النية: التي هي إخلاص الدين لله، فقد تكلم الناس في حدها، وحد الإخلاص\" (^٢).\nومما ينبغي التنبيه عليه أن كلا النيّتين واجبة ومقصودة للشارع، سواء نية قصد العبادة، التي تتضمن تمييز العبادة عن العادة، وتمييز مراتب العبادات.\nأو نية قصد المعبود التي يتميز فيها المعبود عن المعبود.\nأما بالنسبة لنية قصد العبادة التي تتضمن تمييز العبادة عن العادة، أو عن غيرها من العبادات، فهي واجبة في الجملة، على خلاف وتفصيل في بعض الصور يرجع إليه في كتب الفقه.\nوأما الثانية: وهي نية قصد المعبود فهي واجبة بالجملة، فلا توجد عبادة؛ سواء كانت قولية، أو فعلية، أو اعتقادية إلا ويشترط في صحتها قصد المعبود، وإفراده بالعبادة دون ما سواه، وإلا كانت فاسدة وباطلة.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"والذي يجب أن يكون العمل له هو الله سبحانه وحده لا شريك له، فإن هذه النية-[أي: نية قصد المعبود]- فرض في جميع العبادات، بل هذه النية أصل جميع الأعمال، ومنزلتها منها منزلة القلب من البدن، ولا بد في جميع العبادات أن تكون خالصة لله سبحانه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢)﴾ [الزمر: ٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾ [الزمر: ١١] ... \" (^٣).\n_________\n(^١) تاج العروس (٧/ ٥٣٧). وانظر: النهاية في غريب الأثر (١/ ٢١٩).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٨/ ٢٦٠).\n(^٣) شرح العمدة (٤/ ٥٧٦).","vol":"1","page":387},{"text":"ويقول ﵀: \"والكلام في هذه النية وتفاصيلها لا يختص بعبادة دون عبادة، إذ الفعل بدون هذه النية ليس عبادة أصلًا\" (^١).\nوعمومًا فلا تكاد تنفصل نية قصد العبادة عن نية قصد المعبود، إذ لا يمكن إفراد المعبود بإرادة العبادة دون ما سواه، بدون تمييز العبادة عن غيرها من العبادات أو العادات.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وقد اتفق الفقهاء على أن نية نوع العمل الواجب لا بد منها في الجملة، فلا بد أن يقصد الصلاة، أو الحج، أو الصيام، ولهم في فروع ذلك تفصيل وخلاف ليس هذا موضعه\" (^٢).\nويقول -﵀- في بيان دليل وجوب كلا النيّتين: \"وإنما وجب كل واحد من النيّتين؛ لأن الله فرض علينا أن نقيم دينه بالشريعة التي بعث بها رسوله محمدًا -ﷺ-، إذ لا يقبل منا أن نعبده بشريعة غيرها.\nوالأعمال المشروعة مؤلفة من: أقوال، وأعمال مخصوصة، قد يعتبر لها أوقات وأمكنة مخصوصة، وصفات، كلما كان فرضًا علينا أن نعبد الله، وأن تكون العبادة على وصف معين، كان فرضًا علينا أن نقصده القصد الذي نكون به عابدين، والقصد الذي به نكون عابدين بنفس العمل الذي أمر به\" (^٣).\nويقول الإمام ابن القيم في بيان التلازم بين نوعي النية: \"وهي -أي: النية بنوعيها- مرادة للشارع، بل هي وظائف العبودية، فكيف يؤدي وظائف العبودية من لا يخطر بباله التمييز بين العبادات والعادات، ولا التمييز بين مراتب تلك الوظائف، ومنازلها من العبودية، هذا أمر ممتنع عادة، وعقلًا، وشرعًا، فالنية هي سر العبودية، وروحها، ومحلها من العمل محل الروح من الجسد\" (^٤).\n_________\n(^١) شرح العمدة (٤/ ٥٧٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٦/ ٢٩).\n(^٣) المصدر السابق (٢٦/ ٢٦).\n(^٤) بدائع الفوائد (٣/ ٧٠٦).","vol":"1","page":388},{"text":"ويقول أيضًا في بيان الارتباط بين قصد المعبود، وقصد التعبد: \"فكما أنه يجب في العبادات إفراد المعبود تعالى بها لا سواه، فكذلك يجب فيها تمييز العبادة عن العادة، ولا يقع التمييز بين النوعين -اتحاد صورة العملين- إلا بالنية، فعمل لا يصحبه إرادة المعبود غير مقبول، ولا يعتد به، وكذلك عمل لا تصحبه إرادة التعبد له، والتقرب إليه غير مقبول، ولا [معتد] (^١) به، بل نية التقرب والتعبد جزء من نية الإخلاص، ولا قوام لنية الإخلاص للمعبود إلا بنية التعبد، فإذا كان نية الإخلاص شرطًا في صحة أداء العبادة فاشتراط نية التعبد أولى وأحرى\" (^٢).\nويقول ﵀: \"فالمتفق على وجوبه؛ كالإخلاص، والتوكل، والمحبة، والصبر، والإنابة، والخوف، والرجاء، والتصديق الجازم، والنية في العبادة، وهذه قدر زائد على الإخلاص؛ فإن الإخلاص هو إفراد المعبود عن غيره.\nونية العبادة لها مرتبتان:\nإحداهما: تمييز العبادة عن العادة.\nوالثانية: تمييز مراتب العبادات بعضها عن بعض. والأقسام الثلاثة واجبة\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-93> المسألة الثانية*\nبيان معنى القاعدة</span>\nمن المعلوم أنه ما من حركة متحرك في هذا الكون إلا بإرادة ومحبة، والنية أصلها الإرادة، فهي إرادة مخصوصة بإمالة الفعل إلى إحدى جهاته، فكل متحرك لا بد له من إرادة، فإذا تحرك بالإرادة كانت\n_________\n(^١) في الأصل (معتقد).\n(^٢) المصدر السابق (٣/ ٧١١).\n(^٣) مدارج السالكين (١/ ١١٠).","vol":"1","page":389},{"text":"النية لازمة لذلك، فلا يخلو متحرك من نية يتحرك بها، وعليه فتكون جميع الأعمال الصادرة من الحي المتحرك صادرة عن نية وإرادة كانت سببًا في تحركه، ولولا هذه الإرادة وتلك النية لما تحرك حي.\nفجميع الأعمال الصادرة من الحي المتحرك سواء كانت صالحة، أم فاسدة لا توجد بدون النية، فالنية هي شرط حصولها، سواء كانت نية شرعية، أم نية مباحة.\nثم لا بد لهذه الإرادة والنية أن تكون متوجهة ومائلة إلى المعبود الحق، المقصود لذاته دون ما سواه، وهو الرب ﵎، فذلك شرطها لتكون نافعة لصاحبها، مصلحة لأحواله وشؤونه، فإن مالت إلى غيره فلا أضر على العبد من ذلك.\nيقول الإمام ابن تيمية في بيان ذلك: \"فالإنسان متحرك بالإرادة، وكل مريد لا بد له من مراد، والذي يجب أن يكون هو المراد المقصود بالحركات هو الله، فصلاح النفوس وسعادتها وكمالها في ذلك، ... وكل إرادة لا يكون الله هو المراد المقصود بالقصد الأول بها، كانت ضارة لصاحبها، مفسدة له غير نافعة، ولا مصلحة له، وليس ما يستحق أن يكون هو المحبوب لذاته، المراد لذاته، المطلوب لذاته، المعبود لذاته: إلا الله، كما أنه ليس ما هو بنفسه مبدع، خالق إلا الله، فكما أنه لا رب غيره، فلا إله إلا هو\" (^١).\nويقول ﵀: \"ولهذا كان من أجمع الكلام وأبلغه قوله -ﷺ-: \"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى\"، وهذا يعم كل عمل، وكل نية.\nفكل عمل في العالم هو بحسب نية صاحبه، وليس للعامل إلا ما نواه، وقصده، وأحبه، وأراده بعمله، ليس في ذلك تخصيص، ولا\n_________\n(^١) درء التعارض (٩/ ٣٧٤).","vol":"1","page":390},{"text":"تقييد، كما يظنه طوائف من الناس، حيث يحسبون أن النية المراد به (^١) النية الشرعية المأمور بها، فيحتاجون أن يحصروا الأعمال بالأعمال الشرعية، فإن النية موجودة لكل متحرك، كما قال النبي -ﷺ- في الحديث الصحيح: \"أصدق الأسماء الحارث وهمام\" (^٢)، فالحارث: هو العامل الكاسب، والهمام: هو القاصد المريد، وكل إنسان متحرك بإرادته حارث همام\" (^٣).\nويقول الإمام ابن حزم: \"ولا بد لكل عمل من نية، وكل شيء يتصرف فيه المرء، فلا يخلو من أحد وجهين: إما حركة، وإما إمساك عن حركة، وإنما يفرق بين الطاعة من هذين الوجهين، وبين المعصية منهما، وبين اللغو منهما النيات فقط، ولا فرق بين الطاعة والمعصية، واللغو في الحركات، والإمساك عن الحركات، إلا بالنيات فقط، وإلا فكل واحد فهو إما: واقع تحت جنس الحركة، وإما واقع تحت جنس الإمساك عن الحركة.\nفوجب بالضرورة أن لا يتم عمل، ولا يصح أن يكون حركة، إو إمساك، متوجهين إلى الطاعة المأمور بها، خارجين عن المعصية، وعن اللغو إلا بنية، هذا أمر لا محيد عنه أصلًا، إلا لجاهل لا معرفة له بحقائق الأمور\" (^٤).\nويقول ابن الحاج: \"فلا يكون عمل من الأعمال إلا عن إرادة،\n_________\n(^١) كذا في المطبوع، ولعل الصواب [بها].\n(^٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في تغيير الأسماء (٤/ ٢٨٧)، برقم (٤٩٥٠)، وأحمد في مسنده (٤/ ٣٤٥)، برقم (١٩٠٥٤)، وأبو يعلى في مسنده (١٣/ ١١١)، برقم (٧١٦٩)، والحديث حسنه الشيخ الألباني. [انظر: صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٤٣١)، برقم (١٩٧٧)، ولفظ أبي داود: (وأصدقها حارث وهمام وأقبحها حرب ومرة)].\n(^٣) قاعدة في المحبة (ص ١٥).\n(^٤) الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم (٥/ ١٣٤).","vol":"1","page":391},{"text":"ولا تكون الإرادة إلا عن نية، وقد نهى الله ﵎ عن إضاعة شيء من ذلك، وأي عمل أكبر من الإرادة والنية، وقد وجدنا الإنسان لا يخلو من حركة أو سكون، والحركة والسكون جميعها عمل\" (^١).\nويقول الإمام ابن تيمية: \"ولما كان العمل لا بد فيه من شيئين: النية والحركة، كما قال النبي -ﷺ-: \"أصدق الأسماء حارث وهمام\" فكل أحد حارث وهمام له عمل ونية\" لكن النية المحمودة التي يتقبلها الله ويثيب عليها: أن يراد الله بذلك العمل، والعمل المحمود: الصالح؛ وهو المأمور به، ولهذا كان عمر بن الخطاب -﵁- يقول في دعائه: \"اللَّهُمَّ اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا\" (^٢) \" (^٣).\nوالمقصود: أن جميع أعمال العبد وحركاته لا بد لها من غاية هي نهاية مقصوده وإلا لما تحرك، ولما كان فاعلًا، ولا تكون هذه الحركات نافعة إلا أن يكون مقصوده وغاية مطلبه هو الله ﵎، بأن يكون هو معبوده، ومقصوده، ومحبوبه، وإلا كانت فاسدة غير نافعة، كما أن ما كان لغيره لا يدوم ولا يستمر، فالعبد مفتقر إلى ربه في وجوده، وكماله، فكما لا وجود له إلا بالله، فكذلك لا كمال له، ولا نفع لأعماله وحركاته إلا بأن تكون لله، فهو مفتقر إلى الله لذاته في الأسباب والغايات (^٤).\n_________\n(^١) المدخل، لابن الحاج (٣/ ١٤).\n(^٢) أخرجه أحمد في الزهد (ص ١١٨)، عن الحسن، وذكره الهندي في كنز العمال (٢/ ٢٨٦)، برقم (٥٠٤١)، ورواه أبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٤/ ٢٦١)، وفيه زيادة، ولفظه: (اللَّهُمَّ اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لك خالصًا، ولا تجعل لغيرك منه شيئًا، اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من ظلم خلقك إياي، وأسألك العافية من ظلمي إياهم).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢٨/ ١٣٥)، وانظر: (١٠/ ٦٣).\n(^٤) انظر: الفوائد لابن القيم (ص ١٨٤).","vol":"1","page":392},{"text":"يقول الإمام ابن تيمية: \"وكل الأعمال إن لم تكن لأجله؛ فيكون هو المعبود، المقصود، المحبوب، لذاته، وإلا كانت أعمالًا فاسدة؛ فإن الحركات تفتقر إلى العلة الغائية، كما افتقرت إلى العلة الفاعلية، بل العلة الغائية بها صار الفاعل فاعلًا ولولا ذلك لم يفعل.\nفلولا أنه المعبود المحبوب لذاته لم يصلح قط شيء من الأعمال والحركات بل كان العالم يفسد وهذا معنى قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢] ولم يقل لعدمتا وهذا معنى قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل\" (^١).\nفكل عمل لا يراد به وجهه فهو باطل لا منفعة فيه؛ فإن ما لا يكون بالله لا يكون؛ فإنه لا حول ولا قوة إلا به، وما لا يكون له لا ينفع ولا يدوم، كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]، وإنما ذلك لكونه لم يكن لله فجعله الله هباء لا فائدة فيه، وكما قال سبحانه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨)﴾ [إبراهيم: ١٨]، فحكم الله عليهم بالضلال، وجعل أعمالهم كالرماد لا فائدة فيها؛ إذ كان مقصودًا بها غير الرب ﵎ (^٢).\nويقول الإمام ابن القيم: \"ولا صلاح له إلا أن تكون غاية حركته، ونهاية مطلبه، هو الله وحده، كما لا وجود له إلا أن يكون الله وحده هو ربه، وخالقه، فوجوده بالله وحده، وكماله أن يكون لله وحده، فما لا يكون به لا يكون، وما لا يكون له لا ينفع، ولا يدوم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ولم يقل: لعدمتا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٥/ ٥١٥).\n(^٢) درء التعارض (٤/ ١٤ - ١٥) بتصرف.","vol":"1","page":393},{"text":"إذ هو سبحانه قادر على أن يبقيهما على وجه الفساد، لكن لا يمكن أن تكونا صالحتين إلا بأن يكون فاطرهما، وخالقهما هو المعبود وحده لا شريك له\" (^١).\nوالحاصل: أن من كان باعثه في جميع أعماله وحركاته صالحًا، متضمنًا لرضا الله تعالى، ومن أجله سبحانه، وفي ذاته ﷿، استجابة لأمره، وانتهاء عن نهيه، وحبًا وتعظيمًا، وخوفًا، ورجاء، كان العمل صالحًا ومقبولًا ومثابًا عليه، والعبادة صحيحة، ومعتبرة، وصالحة، فالعمل يتبع النية في الصحة، والاعتبار والصلاح، والثواب عند الله ﵎.\nيوضح ذلك أن اتصاف الأعمال، والحكم عليها بالصحة أو الفساد، لا تخلو إما أن تكون في ذاتها صحيحة، أو فاسدة، فيحكم عليها بحسب ما قام بذاتها من الوصف، صحة وفسادًا، فإذا ثبتت صحتها في ذاتها، فينظر بعد ذلك إلى المرجح الآخر، وهو النية والقصد الباعث على فعله؛ فإن كان قصدًا شرعيًا، وصحيحًا محمودًا، كان العمل صالحًا، ومثابًا عليه، وإن كانت النية فاسدة، والقصد سيئًا، كان العمل بحسب ذلك، فظهر بذلك أن صلاح الأعمال وفسادها هو باعتبار ذواتها تارة، وباعتبار نياتها ومقاصدها تارة أخرى (^٢).\nوأعمال العباد من منظورها الشرعي لا تخرج عن وصفها بالأمر، أو التحريم، أو الإباحة، فالمأمورات داخلة في العبادة، سواء كان أمر إيجاب أو استحباب، فلا يخلص فاعلها من عهدة تكليفه بها، بأن تقع صحيحة، ومجزئة، ومثابًا عليها، إلا مع النية، وهذا شامل لجميع ما يدخل تحت مسماها؛ كطهارة الحدث، والصلاة، والزكاة، والصيام،\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (٢/ ١٣٦).\n(^٢) انظر: إغاثة اللهفان، لابن القيم (٢/ ١٣٦).","vol":"1","page":394},{"text":"والحج، والعمرة، والأضحية، والهدي، والعقيقة، والكفارة، والجهاد، والصدقات، وقضاء حوائج الناس، وعيادة المرضى، واتباع الجنائز، وابتداء السلام، ورده، وتشميت العاطس، وجوابه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإجابة الدعوى، وحضور مجلس العلم، والأذكار، وزيارة الإخوان، والقبور، والنفقة على الأهل، والضيفان، وإكرام أهل الفضل، وذوي الأرحام، ومذاكرة العلم، والمناظرة فيه، وتكريره، وتدريسه، وتعلمه، وتعليمه، ومطالعته، وكتابته، وتصنيفه، والفتوى، والقضاء، وإماطة الأذى عن الطريق، والنصيحة، والإعانة على البر والتقوى، وقبول الأمانات، وأداؤها.\nوأما المحرمات فلا تفتقر إلى نية في اعتبار تركها، بل مجرد تركها يخرج العبد من عهدة التكليف بها، ولكنها تفتقر إلى النية في اعتبار الثواب وتحصيله.\nفالذي يترك المحرم ابتغاء لوجه الله تعالى، وقصدًا لطاعته، ونيلًا لمرضاته، وتحصيلًا لثوابه، فهذا يثاب على هذه النية القلبية التي نواها.\nيقول الإمام ابن القيم: \"كل ترك لا يكون عبادة ولا يثاب عليه إلا بالنية\" (^١).\nوالحاصل: أن ترك المحرمات لا يكون عبادة يثاب عليها إلا بما يقترن بها من أعمال قلبية كالبغض لها، وتركها من أجل الله ﷾، وتعظيمًا لجلال الله وشعائره.\nوقد قرر هذا الأمر الإمام ابن القيم تقريرًا مبسوطًا رأيت ذكره هنا باختصار لما فيه من مزيد الفائدة، يقول ﵀: \"وقد جعل -ﷺ- البغض في الله من أوثق عرى الإيمان، وهو أصل الترك، وجعل المنع لله من كمال الإيمان، وهو أصل الترك، وجعل إنكار المنكر بالقلب من مراتب\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٢/ ٥١).","vol":"1","page":395},{"text":"الإيمان، وهو بغضه وكراهته المستلزم لتركه، فلم يكن الترك من الإيمان إلا بهذه الكراهة، والبغض، والامتناع، والمنع لله، وكذلك براءة الخليل وقومه من المشركين ومعبودهم ليست تركًا محضًا، بل تركًا صادرًا عن بغض ومعاداة وكراهة، وهي أمور وجودية هي عبودية للقلب يترتب عليها خلو الجوارح من العمل، فلا يكفي أن يعبد الله، ويحبه، ويتوكل عليه، وينيب إليه، ويخافه، ويرجوه، حتى يترك عبادة غيره، والتوكل عليه، والإنابة إليه، وخوفه، ورجائه، ويبغض ذلك، وهذه كلها أمور وجودية، وهي الحسنات التي يثيب الله عليها، وأما مجرد ترك السيئات من غير أن يعرف أنها سيئة، ولا يكرهها بقلبه، ويكف نفسه عنها، بل يكون تركها لعدم خطورها بقلبه، فلا يثاب على هذا الترك.\nفالترك ثلاثة أقسام:\nقسم يثاب عليه.\nوقسم يعاقب عليه.\nوقسم لا يثاب ولا يعاقب عليه.\nفالأول: ترك العالم بتحريمها، الكاف نفسه عنها لله مع قدرته عليها.\nوالثاني: كترك من يتركها لغير الله لا لله، فهذا يعاقب على تركه لغير الله كما يعاقب على فعله لغير الله؛ فإن ذلك الترك والامتناع فعل من أفعال القلب، فإذا عبد به غير الله استحق العقوبة.\nوالثالث: كترك من لم يخطر على قلبه علمًا ولا محبة ولا كراهة.\nثم قال ﵀ بعد ذلك: فإن قيل: كيف يعاقب على ترك المعصية حياء من الخلق، وإبقاء على جاهه بينهم، وخوفًا منهم أن يتسلطوا عليه، والله سبحانه لم يذم على ذلك ولم يمنع منه؟\nقيل: لا ريب أنه لا يعاقب على ذلك، وإنما يعاقب على تقربه إلى","vol":"1","page":396},{"text":"الناس بالترك، ومرآتهم به، وأنه تركها خوفًا من الله، ومراقبة، وهو في الباطن بخلاف ذلك، فالفرق بين ترك يتقرب به إليهم ومرآتهم به، وترك يكون مصدره الحياء منهم، وخوف أذاهم له، وسقوطه من أعينهم، فهذا لا يعاقب عليه، بل قد يثاب عليه إذا كان له فيه غرض يحبه الله؛ من حفظ مقام الدعوة إلى الله، وقبولهم منه، ونحو ذلك، وقد تنازع الناس في الترك هل هو أمر وجودي أم عدمي والأكثرون على أنه وجودي\" (^١).\nويقول أبو العباس القرطبي: \"الترك للسيئة لا يكتب حسنة إلا إذا كان خوفًا من الله أو حياءً من الله\" (^٢).\nوالمباحات كذلك لا تفتقر إلى النية في الاعتبار الشرعي، ولكن ينبغي استحضار النية فيها لتحصيل الثواب، فينوي عند الأكل، والشرب، والنوم، بأن يقصد بهم التقوي على الطاعة، وعند الجماع بأن يقصد به المعاشرة بالمعروف، والعفة، وتحصيل ولد صالح ليعبد الله، وعند عمل حرفة كالزراعة، بأن يقصد بها إقامة فرض الكفاية، ونفع المسلمين (^٣).\nيقول الإمام الشاطبي: \"وأما الأعمال العادية وإن لم تفتقر في الخروج عن عهدتها إلى نية، فلا تكون عبادات، ولا معتبرات في الثواب، إلا مع قصد الامتثال، وإلا كانت باطلة\" (^٤).\nفظهر بهذا أن النية الشرعية المتعلقة بأعمال العبد تدخل فيها المأمورات، والمباحات، والمحرمات، بل جميع حركات العبد وسكناته يستحب أن تكون بنية حتى يتحقق له تحصيل الأجر والثواب.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"لأن النية مشروعة في جميع الواجبات\n_________\n(^١) شفاء العليل (ص ١٦٩ - ١٧٠).\n(^٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (١/ ٣٤٢).\n(^٣) انظر: غاية البيان، لمحمد بن أحمد الرملي (ص ٧) بتصرف.\n(^٤) الموافقات (٢/ ٣٢٩).","vol":"1","page":397},{"text":"والمستحبات، بل يستحب أن تكون جميع حركات العبد وسكناته بنية صالحة\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-94> المسألة الثالثة * أدلة القاعدة</span>\nدلَّ على صحة هذه القاعدة العظيمة أدلة عديدة أذكر بعضها فيما يلي:\nأولًا: ما ورد من الأدلة الآمرة بعبادة الله تعالى على وجه الإخلاص، وعدم الالتفات إلى غيره ﷾، وأن العمل الصالح المقبول عند الله تعالى هو ما كان بنية خالصة من جميع الشوائب، ومن ذلك:\nقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].\nدلَّت الآيات على أن العبادة الخالية من إخلاص النية للمعبود وحده هي عبادة لم يأمر الله بها عباده، فالله إنما أمر عباده بالعبادة المتضمنة للإخلاص والنية الصالحة، فما خلا من ذلك فليس بعبادة، إذ العبادة المأمور بها لا بد أن تتضمن النية الخالصة، وعليه فلا يكون العمل معتبرًا، ولا مقبولًا عند الله ﵎، في حال خلوه عن النية، إذ هو خارج عن حكم العبادة، فظهر توقف العمل على النية.\nيقول الإمام ابن القيم في معنى الآية: \"فإذا لم يأمرهم إلا بعمل هو عبادة قد أخلص عاملها النية فيها لربه ﷿، ومعلوم أن النية جزء من العبادة، بل هي روح العبادة كما تبين، علم أن العمل الذي لم ينو ليس\n_________\n(^١) شرح العمدة (٤/ ٥٩١).","vol":"1","page":398},{"text":"بعبادة، ولا مأمور به، فلا يكون فاعله متقربًا إلى الله تعالى، وهذا مما لا يقبل نزاعًا\" (^١).\nومن ذلك قوله ﷿: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢)﴾ [الزمر: ٢]، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾ [الزمر: ١١]، وقوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤)﴾ [غافر: ١٤].\nيقول الإمام القرطبي في آية الزمر: \"وفي هذا دليل على وجوب النية في العبادات؛ فإن الإخلاص من عمل القلب، وهو الذي يراد به وجه الله تعالى لا غيره\" (^٢).\nوقال الشوكاني: \"وفي الآية دليل على وجوب النية، وإخلاصها عن الشوائب؛ لأن الإخلاص من الأمور القلبية، التي لا تكون إلا بأعمال القلب، وقد جاءت السُّنَّة الصحيحة: أن ملاك الأمر في الأقوال، والأفعال النية\" (^٣).\nثانيًا: ما ورد من الأدلة الدالة على أن العمل المعتبر المقبول هو ما كان لوجهه سبحانه، وابتغاء مرضاته والدار الآخرة، وأن من أراد بعمله غير ذلك من متاع الدنيا فلا اعتبار بعمله ولا ثواب فيه.\nكما قال ﷿: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]، والمراد بتلك الإرادة هي النية (^٤).\nومن ذلك قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (٣/ ٧٠٧).\n(^٢) تفسير القرطبي (٢٠/ ١٤٤)، وانظر: أحكام القرآن لابن العربي (٤/ ٧٦).\n(^٣) فتح القدير (٤/ ٤٤٨).\n(^٤) إحياء علوم الدين (٤/ ٣٦٢).","vol":"1","page":399},{"text":"إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود: ١٥، ١٦].\nقال مجاهد في معنى الآية: \"من عمل عملًا مما أمر الله به من صلاة، أو صدقة، لا يريد بها وجه الله أعطاه الله في الدنيا ثواب ذلك مثل ما أنفق\" (^١).\nوقال الإمام ابن العربي (^٢) في الآيات: \"بيان لما قال النبي -ﷺ-: \"إنما الأعمال بالنيات\"؛ وذلك لأن العبد لا يعطى إلا على وجه قصده، وبحكم ما ينعقد ضميره عليه، وهذا أمر متفق عليه في الأمم من أهل كل ملة\" (^٣).\nوقال القرطبي: \"وتدلُّك هذه الآية على أن من صام في رمضان لا عن رمضان، لا يقع عن رمضان، وتدل على أن من توضأ للتبرد، والتنظف، لا يقع قربة عن جهة الصلاة، وهكذا كل ما كان في معناه\" (^٤).\nويقول الشيخ السعدي في تفسيرها: \"أي: كل إرادته مقصورة على الحياة الدنيا، وعلى زينتها؛ من النساء، والبنين، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسومة، والأنعام، والحرث، قد صرف رغبته، وسعيه، وعمله في هذه الأشياء، ولم يجعل لدار القرار من إرادته شيئًا، فهذا لا يكون إلا كافرًا؛ لأنه لو كان مؤمنًا لكان ما معه من\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٢/ ١١).\n(^٢) هو: محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد المعروف بابن العربي الأندلسي المكنى بـ (أبي بكر) مالكي، فقيه أصولي مفسر أحد أئمة المالكية، ولد سنة ٤٦٨ هـ. له مصنفات كثيرة منها: المحصول في الأصول، وأحكام القرآن، والناسخ والمنسوخ، توفي سنة ٥٤٣ هـ. [انظر ترجمته في: الديباج المذهب (ص ٢٨١)، وشجرة النور الزكية (ص ١٣٦)].\n(^٣) أحكام القرآن (٣/ ١٤).\n(^٤) تفسير القرطبي (٩/ ١٤).","vol":"1","page":400},{"text":"الإيمان يمنعه أن تكون جميع إرادته للدار الدنيا، بل نفس إيمانه، وما تيسر له من الأعمال، أثر من آثار إرادته الدار الآخرة، ولكن هذا الشقي الذي كأنه خلق للدنيا وحدها\" (^١).\nومن ذلك قوله ﷿: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨)﴾ [الإسراء: ١٨].\nيقول الإمام ابن العربي في معنى الآية: \"قد قدمنا أن الأعمال بالنية، ولكل امرئ ما نوى، وبينا أن من أراد غير الله فهو متوعد\" (^٢).\nومن ذلك قوله سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ [الشورى: ٢٠].\nيقول الإمام ابن القيمِ بعد ذكره للآيات الثلاثة السابقة \"فهذه ثلاث آيات يشبه بعضها بعضًا، وتدل على معنى واحد، وهو أن من أراد بعمله الدنيا، وزينتها دون الله، والدار الآخرة فحظه ما أراد، وهو نصيبه ليس له نصيب غيره\" (^٣).\nوقال ﵀ أيضًا عن نفس هذه الآيات: \"فهذه ثلاث مواضع من القرآن، يشبه بعضها بعضًا، ويصدق بعضها بعضًا، وتجتمع على معنى واحد، وهو: أن من كانت الدنيا مراده، ولها يعمل في غاية سعيه، لم يكن له في الآخرة نصيب، ومن كانت الآخرة مراده، ولها عمل، وهي غاية سعيه فهي له\" (^٤).\nومن ذلك قوله جلَّ وعلا: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨)﴾ [الروم: ٣٨]،\n_________\n(^١) تفسير الشيخ السعدي (ص ٣٧٨ - ٣٧٩).\n(^٢) أحكام القرآن (٣/ ١٨٣).\n(^٣) عدة الصابرين (ص ١٨٧).\n(^٤) المصدر نفسه (ص ١٣٧ - ١٣٨).","vol":"1","page":401},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾ [الروم: ٣٩]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾ [الليل: ١٩، ٢٠]، فعلَّق الأجر والخير والثواب والنعمة على النية الصالحة التي تتضمن إرادة وجه الله سبحانه دون ما سواه.\nومن ذلك قوله عزَّ من قائل: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤].\nيقول الإمام ابن رجب في معنى الآية: \"فنفى الخير عن كثير مما يتناجى الناس به إلا في الأمر بالمعروف، وخصَّ من أفراده الصدقة، والإصلاح بين الناس لعموم نفعهما، فدل ذلك على أن التناجي بذلك خير.\nوأما الثواب عليه من الله فخصَّه بمن فعله ابتغاء مرضات الله.\nوإنما جعل الأمر بالمعروف من الصدقة، والإصلاح بين الناس وغيرهما خيرًا، وإن لم يُبْتَغَ به وجه الله لما يترتب على ذلك من النفع المتعدي، فيحصل به الناس إحسان وخير، وأما بالنسبة إلى الأمر، فإن قصد به وجه الله، وابتغاء مرضاته، كان خيرًا له، وأثيب عليه، وإن لم يقصد ذلك، لم يكن خيرًا له، ولا ثواب له عليه.\nوهذا بخلاف من صلى وصام وذكر الله، يقصد بذلك عرض الدنيا، فإنه لا خير له فيه بالكلية؛ لأنه لا نفع في ذلك لصاحبه؛ لما يترتب عليه من الإثم فيه، ولا لغيره؛ لأنه لا يتعدى نفعه إلى أحد، اللَّهُمَّ إلا أن يحصل لأحد اقتداء به في ذلك (^١).\nثالثًا: ما ورد من الأحاديث النبوية المصرحة بأن العمل لا اعتبار\n_________\n(^١) انظر: جامع العلوم والحكم (ص ١٢).","vol":"1","page":402},{"text":"له بدون النية، وأن العمل الخالي عن النية يكون فاسدًا لا ثواب فيه ولا أجر، وصاحبه متوعد بالعذاب والعقاب، ومن ذلك:\n١ - حديث عمر بن الخطاب -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال:\n\"الأَعْمَالُ بالنِّيَّةِ ولِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى فَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورسولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورسولِهِ ومَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ لدنْيَا يُصِيبُهَا أو امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُها فَهِجْرَتُهُ إلى ما هَاجَرَ إِليهِ\" (^١).\nفهذا الحديث يعتبر نصًا في القاعدة، لتضمنه معنى القاعدة، إذ فيه التنصيص على أن لكل عامل من الأجر والثواب وصحة العمل بحسب نيته التي نواها، ثم قرَّب ذلك بالهجرة، وأن من هاجر ونيته الله ورسوله، فهجرته واقعة ومنصرفة إلى الله ورسوله، صحة وأجرًا، وأما من هاجر ونيته الدنيا أو النكاح فهجرته واقعة ومنصرفة إلى ما نواه؛ أي: لا صحة لهجرته، ولا ثواب فيها.\nيقول الإمام ابن العربي: \"وهذا حديث غريب اجتمعت فيه فائدتان:\nإحداهما: تأسيس القاعدة.\nوالثانية: عموم اللفظ في كل حكم منوي\" (^٢).\nويقول الإمام الشاطبي: \"الأحكام الخمسة إنما تتعلق بالأفعال والتروك بالمقاصد، فإذا عريت عن المقاصد لم تتعلق بها، والدليل على ذلك أمور:\nأحدها: ما ثبت من أن الأعمال بالنيات، وهو أصل متفق عليه في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة (١/ ٣٠) برقم (٥٤)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب: قوله -ﷺ- إنما الأعمال بالنية وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال (٣/ ١٥١٥) برقم (١٩٠٧).\n(^٢) أحكام القرآن، لابن العربي (١/ ٢٢ - ٢٣).","vol":"1","page":403},{"text":"الجملة، والأدلة عليه لا تقصر عن مبلغ القطع؛ ومعناه: أن مجرد الأعمال من حيث هي محسوسة فقط غير معتبرة شرعًا على حال، إلا ما قام الدليل على اعتباره في باب خطاب الوضع خاصة، أما في غير ذلك فالقاعدة مستمرة، وإذا لم تكن معتبرة حتى تقترن بها المقاصد، كان مجردها في الشرع بمثابة حركات العجماوات والجمادات، والأحكام الخمسة لا تتعلق بها عقلًا ولا سمعًا، فكذلك ما كان مثلها\" (^١).\nفالنيات هي الأصل، المصحح للأعمال، فمع إنفرادها عنها لا تقع مواقع القبول والإجزاء (^٢).\nيقول الإمام الخطابي (^٣): \"معناه: أن صحة الأعمال، ووجوب أحكامها إنما تكون بالنية، وأن النية هي المصرفة لها إلى جهاتها، ولم يرد به أعيان الأعمال؛ لأن أعيانها حاصلة بغير نية، \"وإنما لامرئ ما نوى\" أشار به إلى أن تعيين المنوي شرط\" (^٤).\nوقال الإمام نور الدين السندي (^٥) في معنى الحديث: \"أفردت النية لكونها مصدرًا، ووجه الاستدلال: أن الجار والمجرور خبر، والظاهر\n_________\n(^١) الموافقات (١/ ١٤٩).\n(^٢) انظر: مشكل الحديث وبيانه لأبي بكر الأصبهاني (ص ٢٧٠).\n(^٣) أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب الخطابي البستي. كان من العلماء المحدثين الفقهاء المجتهدين. صنف: غريب الحديث، معالم السنن، والعزلة، والغنية عن الكلام وأهله. توفي سنة ٣٨٨ هـ. [انظر: السير (١٧/ ٢٣)، والبداية والنهاية (١١/ ٣٤٦)].\n(^٤) عون المعبود (٦/ ٢٠٣).\n(^٥) هو: نور الدين محمد بن عبد الهادي التتوي أبو الحسن السندي، المدني محدث المدينة النبوية، وأحد من خدم السُّنَّة من المتأخرين، له حواش على الكتب الستة، وعلى مسند أحمد، وحواشيه على البخاري والنسائي وابن ماجه، وحاشية على مسند الإمام أحمد، كان أحد الحفاظ المحققين، والجهابذة المدققين، توفي سنة ١١٣٩ هـ. [ترجمته في: فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمسلسلات (١/ ١٤٨ - ١٤٩)].","vol":"1","page":404},{"text":"من جهة القواعد تعلقه بكون عام، والمعنى: أعمال المكلفين لا تتحقق ولا تكون إلا بالنية، وهذا يؤدي إلى أن وجود العمل يتوقف على النية، والواقع يشهد بخلافه، فإن الوجود الحسي لا يحتاج إلى نية، وأيضًا الأنسب بكلام الشارع هو الوجود الشرعي، فلا بد من تقدير كون خاص هو: الوجود الشرعي، ومرجعه إلى الصحة، أو الاعتبار، فالمعنى: الأعمال لا تتحقق شرعًا، ولا تصح، فلا تعتبر إلا بالنية\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-95> المسألة الرابعة* أقوال العلماء في تقرير معنى القاعدة</span>\nبعض أقوال العلماء التي وقفت عليها في تقرير معنى القاعدة:\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فإن صلاح الحي إنما هو صلاح مقصوده، ومراده، وصلاح الأعمال، والحركات بصلاح إرادتها، ونياتها؛ ولهذا كان من أجمع الكلام، وأبلغه قوله -ﷺ-: \"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى\"، وهذا يعم كل عمل، وكل نية\" (^٢).\nويقول الإمام ابن القيم: \"فإن صلاح الأعمال، والحركات، بصلاح نياتها ومقاصدها، فكل عمل فهو تابع لنية عامله، وقصده، وإرادته، وتقسيم الأعمال إلى صالح وفاسد، هو باعتبارها في ذواتها تارة، وباعتبار مقاصدها ونياتها تارة\" (^٣).\nويقول الإمام ابن رجب في معنى حديث: \"إنما الأعمال بالنيات\": \"فإن الجملة الأولى: دلت على أن صلاح العمل وفساده بحسب النية المقتضية لإيجاده، والجملة الثانية: دلت على أن ثواب العامل على عمله بحسب نيته الصالحة، وأن عقابه عليه بحسب نيته الفاسدة، وقد تكون\n_________\n(^١) سنن النسائي بحاشية الإمام السندي (١/ ٥٨).\n(^٢) قاعدة في المحبة (ص ١٥).\n(^٣) إغاثة اللهفان لابن القيم (٢/ ١٣٦).","vol":"1","page":405},{"text":"نيته مباحة فيكون العمل مباحًا، فلا يحصل له ثواب ولا عقاب، فالعمل في نفسه صلاحه، وفساده، وإباحته، بحسب النية الحاملة عليه، المقتضية لوجوده، وثواب العامل، وعقابه، وسلامته، بحسب النية التي صار بها العمل صالحًا، أو فاسدًا، أو مباحًا\" (^١).\nويقول ﵀ في معنى حديث: \"أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ\" (^٢): \"فيه إشارة إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه، واجتنابه المحرمات، واتقاءه للشبهات، بحسب صلاح حركة قلبه، فإذا كان قلبه سليمًا ليس فيه إلا محبة الله، ومحبة ما يحبه الله، وخشية الوقوع فيما يكرهه، صلحت حركات الجوارح كلها، ونشأ عن ذلك اجتناب المحرمات كلها، وتوقي للشبهات حذرًا من الوقوع في المحرمات، وإن كان القلب فاسدًا، قد استولى عليه اتباع الهوى، وطلب ما يحبه ولو كرهه الله، فسدت حركات الجوارح كلها، وانبعثت إلى كل المعاصي والمشتبهات، بحسب اتباع هوى القلب، ولهذا يقال: القلب ملك الأعضاء، وبقية الأعضاء جنوده، وهم مع هذا جنود طائعون له، منبعثون في طاعته وتنفيذ أوامره، لا يخالفونه في شيء من ذلك، فإن كان الملك صالحًا، كانت هذه الجنود صالحة، وإن كان فاسدًا، كانت جنوده بهذه المشابهة فاسدة، ولا ينفع عند الله إلا القلب السليم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩] \" (^٣).\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (ص ١١).\n(^٢) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب: فضل من استبرأ لدينه (١/ ٢٨) برقم (٥٢)، مع الفتح، ومسلم: كتاب المساقاة، باب: أخذ الحلال (٣/ ١٢١٩)، برقم (١٥٩٩).\n(^٣) جامع العلوم والحكم (ص ٧٤).","vol":"1","page":406},{"text":"ويقول الإمام الشوكاني: \"فتقرر بمجموع ما ذكرنا: أن حصول الأعمال وثبوتها لا يكون إلا بالنية، فلا حصول، أو لا ثبوت لما ليس كذلك، فكل طاعة من الطاعات، وعبادة من العبادات، إذا لم تصدر عن إخلاص نية، وحسن طوية، لا اعتداد بها، ولا التفات إليها، بل هي إن لم تكن معصية فأقل الأحوال أن تكون من أعمال العبث واللعب، التي هي بما يصدر عن المجانين أشبه منها بما يصدر عن العقلاء\" (^١).\nويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الكلام على قصة آدم وإبليس: \"ومنها الشهادة للقاعدة المعروفة في الشريعة: أن كل عمل لا يقصد به وجه الله فهو باطل لاستثنائه المخلصين\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-96> المسألة الخامسة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nمما سبق من تقرير لهذه القاعدة يتبين لنا عظم ومكانة هذه القاعدة، وذلك لعمومها إذ لا يكاد يخلو باب من أبواب الشريعة إلا وكان له حظ منها؛ ولهذا كان اعتبار المقاصد والنيات في الأعمال من القواعد العظيمة في الشريعة، فالنيةُ أصل الشريعة، وعماد الأعمال، وعيار التكليف، فهي رأس الأمر، وعموده، وأساسه، وأصله الذي عليه يبنى، فإنها روح العمل، وقائده، وسائقه، والعمل تابع لها، يبنى عليها، يصح بصحتها، ويفسد بفسادها، وبها يستجلب التوفيق، وبعدمها يحصل الخذلان، وبحسبها تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة، فقد يعمل العمل الواحد شخصان، ولا فرق بينهما في الصورة، ويكون بينهما من الفرق كما بين المشرق والمغرب (^٣)، ولذا اعتبر الفقهاء قاعدة المقاصد\n_________\n(^١) أدب الطلب للشوكاني (ص ٣٠).\n(^٢) تفسير آيات من القرآن الكريم (ص ٩٨).\n(^٣) من كلام الإمام ابن القيم بتصرف. انظر: إعلام الموقعين (٤/ ١٩٩).","vol":"1","page":407},{"text":"والنيات إحدى القواعد الخمسة الكبرى وعبَّروا عنها بقولهم: (الأمور بمقاصدها) (^١).\nوفيما يلي أذكر بعض ما ظهر لي من فوائد وتطبيقات يمكن أخذها من القاعدة:\nالفائدة الأولى: أشارت القاعدة إلى التلازم والارتباط الحاصل بين صلاح الظاهر وصلاح الباطن، فلا اعتبار بالظاهر إلا بتحقق الباطن وصلاحه، وهذا مما يدلى على أهمية وعظم أعمال القلوب، وأنها هي الأصل الذي تقوم عليه جميع الأعمال.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وكلما أوجبه الله على العباد لا بد أن يجب على القلب؛ فإنه الأصل، وإن وجب على غيره تبعًا، فالعبد المأمور المنهي إنما يعلم بالأمر والنهي قلبه، وإنما يقصد الطاعة والامتثال القلب، والعلم بالمأمور، والامتثال يكون قبل وجود الفعل المأمور به؛ كالصلاة، والزكاة، والصيام، وإذا كان العبد قد أعرض عن معرفة الأمر، وقصد الامتثال، كان أولى المعصية منه، بل كان هو العاصي وغيره تبع له في ذلك، ولهذا قالى في حق الشقي: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢)﴾ [القيامة: ٣١، ٣٢] الآيات، وقال في حق السعداء: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] في غير موضع.\nوالمأمور نوعان: نوع هو عمل ظاهر على الجوارح، وهذا لا يكون إلا بعلم القلب وإرادته، فعلم القلب وعمله هو الأصل فيه؛ كالوضوء، والاغتسال، وكأفعال الصلاة، من القيام، والركوع، والسجود، وأفعال الحج من الوقوف والطواف.\n_________\n(^١) انظر إلى مزيد من التفصيل لهذه القاعدة: القواعد والضوابط الفقهية المتضمنة للتيسير (١/ ١٩٥)، وقواعد الوسائل في الشريعة الإسلامية، دراسة أصولية في ضوء المقاصد الشرعية (ص ٢٢٣).","vol":"1","page":408},{"text":"وإن كانت أقوالًا، فالقلب أخص بها، فلا بد أن يعلم القلب وجود ما يقوله، أو بما يقول ويقصده؛ ولهذا كانت الأقوال في الشرع لا تعتبر إلا من عاقل يعلم ما يقول، ويقصده، فأما المجنون، والطفل الذي لا يميز، فأقواله كلها لغو في الشرع لا يصح منه إيمان، ولا كفر، ولا عقد من العقود، ولا شيء من الأقوال باتفاق المسلمين\" (^١).\nويقول الإمام ابن القيم: \"الكلام في مسألة النية شديد الارتباط بأعمال القلوب، ومعرفة مراتبها، وارتباطها بأعمال الجوارح، وبنائها عليها، وتأثيرها فيها صحة وفسادًا، وإنما هي الأصل المراد المقصود، وأعمال الجوارح تبع، ومكملة، ومتممة، وأن النية بمنزلة الروح، والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء الذي إذا فارق الروح فموات، وكذلك العمل إذا لم تصحبه النية فحركة عابث، فمعرفة أحكام القلوب أهم من معرفة أحكام الجوارح؛ إذ هي أصلها، وأحكام الجوارح متفرعة عليها\" (^٢).\nويقول ﵀: \"ومن تأمل الشريعة في مصادرها، ومواردها، علم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب، وأنها لا تنفع بدونها، وأن أعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح، وهل يميز المؤمن عن المنافق، إلا بما في قلب كل واحد منهما من الأعمال التي ميزت بينهما، وهل يمكن أحد الدخول في الإسلام إلا بعمل قلبه قبل جوارحه، وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح، وأكثر، وأدوم، فهي واجبة في كل وقت؛ ولهذا كان الإيمان واجب القلب على الدوام، والإسلام واجب الجوارح في بعض الأحيان، فمركب الإيمان القلب، ومركب الإسلام الجوارح\" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٤/ ١١٣ - ١١٥).\n(^٢) بدائع الفوائد (٣/ ٧٠٥).\n(^٣) بدائع الفوائد (٣/ ٧١٠).","vol":"1","page":409},{"text":"الفائدة الثانية: عرفنا مما سبق في تقرير معنى القاعدة أن الأعمال يحكم عليها بالصحة والفساد إما بسبب ذواتها، أو بسبب نياتها ومقاصدها، ولا شك أن المحرمات؛ سواء كانت في نفسها محرمة، أو كانت تؤدي إلى المحرم، كل ذلك مما يوصف بالفساد والبطلان بذاته، إذ الوسيلة إلى المحرم محرمة، ولو كانت المحرمات أو وسائلها صالحة، وكان نفعها غالب لما حرمت، وعليه فالنية مهما كانت صالحة وخالصة لله ﵎، فإنها لا تؤثر في المحرمات صحة وصلاحًا، لأن الله أمرنا بترك المحرم والابتعاد منه، وهذا هو الواجب نحو كل ما حرمه الله تعالى، أو حرمه رسوله -ﷺ-، إذ لا يحلُّ لأحد أن يفعل المحرم بحجة أن نيته فيه صالحة، وأنه ما أراد من ورائه إلا الخير، وكل ذلك من تلبيس إبليس عليه لعنة الله.\nيقول الرازي في \"تفسيره\": \"اعلم أن الأعمال على ثلاثة أقسام: طاعات، ومعاصي، ومباحات، أما المعاصي: فهي لا تتغير عن موضوعاتها بالنية، فلا يظن الجاهل أن قوله -﵊-: \"إنما الأعمال بالنيات\" يقتضي انقلاب المعصية طاعة بالنية؛ كالذي يطعم فقيرًا من مال غيره، أو يبني مسجدًا من مال حرام\" (^١).\nالفائدة الثالثة: دلت القاعدة على أن الأعمال تكون فاسدة إذا كانت نيتها فاسدة، حتى لو كانت الأعمال في أصلها صحيحة، وجائزة، ومباحة، فإنها تنتقل إلى حكم الفساد والمنع والتحريم بسبب النية الفاسدة التي قارنتها، وهذا يفيد في إبطال الحيل التي قد تكون في أصلها عملًا حلالًا، وكانت النية في العمل فاسدة تؤدي إلى محرم، وهذا عكس مفهوم القاعدة، مما يدل على علاقة التلازم بين الأعمال والنيات.\nيقول الإمام ابن القيم: \"فالنية روح العمل، ولبه، وقوامه، وهو\n_________\n(^١) التفسير الكبير (٤/ ٦).","vol":"1","page":410},{"text":"تابع لها يصح بصحتها، ويفسد بفسادها، والنبي -ﷺ- قد قال كلمتين؛ كفتا، وشفتا، وتحتهما كنوز العلم، وهما: قوله: \"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ مما نوى\" فبيَّن في الجملة الأولى: أن العمل لا يقع إلا بالنية، ولهذا لا يكون عمل إلا بنية، ثم بيَّن في الجملة الثانية: أن العامل ليس له من عمله إلا ما نواه، وهذا يعم العبادات، والمعاملات، والأيمان، والنذور، وسائر العقود، والأفعال، وهذا دليل على أن من نوى بالبيع عقد الربا حصل له الربا، ولا يعصمه من ذلك صورة البيع، وأن من نوى بعقد النكاح التحليل، كان محللًا، ولا يخرجه من ذلك صورة عقد النكاح؛ لأنه قد نوى ذلك \"وإنما لامرئ ما نوى\"، فالمقدمة الأولى معلومة بالوجدان، والثانية معلومة بالنص، وعلى هذا فإذا نوى بالعصر حصول الخمر، كان له ما نواه، ولذلك استحق اللعنة، وإذا نوى بالفعل التحليل على ما حرمه الله ورسوله، كان له ما نواه، فإنه قصد المحرم، وفعل مقدوره في تحصيله، ولا فرق في التحيل على المحرم بين الفعل الموضوع له، وبين الفعل الموضوع لغيره، إذا جعل ذريعة له، لا في عقل، ولا في شرع، ولهذا لو نهى الطبيب المريض عما يؤذيه، وحماه منه، فتحيل على تناوله عد متناولًا لنفس ما نهى عنه، ولهذا مسخ الله اليهود قردة لما تحيلوا على فعل ما حرمه الله، ولم يعصمهم من عقوبته إظهار الفعل المباح، لما توسلوا به إلى ارتكاب محارمه\" (^١).\nويقول ﵀ أيضًا: \"وقد فصل قوله -ﷺ-: \"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى\" الأمر في هذه الحيل، وأنواعها، فأخبر أن الأعمال تابعة لمقاصدها ونياتها، وأنه ليس للعبد من ظاهر قوله وعمله، إلا ما نواه وأبطنه، لا ما أعلنه وأظهره، وهذا نص في أن من نوى التحليل كان محللًا، ومن نوى الربا بعقد التبايع كان مرابيًا، ومن نوى المكر والخداع\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٣/ ١١١ - ١١٢).","vol":"1","page":411},{"text":"كان ماكرًا مخادعًا، ويكفي هذا الحديث وحده في إبطال الحيل، ولهذا صدَّر به حافظ الأمة: محمد بن إسماعيل البخاري (إبطال الحيل) والنبي -ﷺ- أبطل ظاهر هجرة مهاجر أم قيس بما أبطنه ونواه من إرادة أم قيس\" (^١).\nالفائدة الرابعة: دلت القاعدة على ضرورة اجتماع العمل الظاهر والنية، فلا يغني عمل بلا نية، ولا تغني نية ليس معها ما يستطاع من العمل، فإذا كان العمل غير مقدور عليه، أو حصل عائق يمنع حصوله ثبت عند ذلك أجر النية، ولو استقلت عن العمل، فقد وسع الله تعالى على هذه الأمة، وأنعم عليهم بإعطائهم الأجر والثواب بالنية الصالحة، ولو لم يتبعها عمل، فكل فعل لم يقسم الله تعالى لهم مباشرته، والقيام به، -مع عزمهم على فعله- فإنهم يحوزون فضله وثوابه بالنية، ولذا قال ﵇: \"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى\"، ولم يقل -ﷺ-: وإنما لكل امرئ ما عمل ونوى، بل ربط الأجر بالنية فقط، مع أن النية أيضًا عمل قلبي، فدلَّ ذلك على أن النية الصالحة يثاب عليها إذا خلت من العمل غير المقدور عليه، أما إذا كان العمل مقدورًا عليه وتركه تكاسلًا، ورغبة عنه اكتفاء وتعويلًا على النية، فالحاصل والحالة هذه أن النية الشرعية لم تتحقق، إذ لو وجدت النية الصادقة، وعزيمة القلب، مع القدرة على العمل الظاهر لأثمر ذلك حصول العمل.\nيقول الإمام ابن القيم: \"وهذا لأن قاعدة الشريعة: أن العزم التام إذا اقترن به ما يمكن من الفعل، أو مقدمات الفعل، نُزِّل صاحبه في الثواب والعقاب منزلة الفاعل التام، كما دلى عليه قوله -ﷺ-: \"إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: هذا القاتل فما بال\n_________\n(^١) المرجع نفسه (٣/ ١٦٤).","vol":"1","page":412},{"text":"المقتول؟ قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه\" (^١) \" (^٢).\nويقول الشيخ السعدي: \"لأن النية الجازمة إذا اقترن بها مقدورها، من القول، أو الفعل ينزل صاحبها منزلة الفاعل\" (^٣).\nالفائدة الخامسة: القاعدة فيها الرد على طائفة من أهل الإرجاء الذين يقولون: بأن الإيمان هو قول باللسان فقط، ولا عبرة بالقلب، ولا بأعمال الجوارح، والقاعدة أفادت بأن صلاح جميع الأعمال والحركات بصلاح النيات، والنيات من أعمال القلوب، فلا فائدة من قول وإقرار باللسان لا ينبني على اعتقاد القلب وعمله، فالأصل كما علمنا من قبل هو القلب في جميع حركات الإنسان وأعماله، فهو كالملك، والجوارح جنوده.\nولذا بوَّب (^٤) الإمام البخاري في \"صحيحه\"، في كتاب الإيمان: باب: ما جاءَ أنّ الأعْمَال بالنِّيَّةِ والحِسْبَةِ، ولِكُلِّ امرِئ ما نَوَى، فَدَخَلَ فيهِ الإيمانُ والوضُوء والصَّلاةُ والزَّكاةُ والحَجُّ والصَّوْم والأحْكامُ، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤] على نيَّتِهِ، قال النَّبيُّ -ﷺ-: \"وَلَكِنْ جهادٌ ونِيَّةٌ\".\nوذكر أهل العلم أن قصد الإمام البخاري هو الرد على طائفة المرجئة القائلين بأن الإيمان هو مجرد قول اللسان، فبيَّن لهم أن النية من عمل القلب، وهي مشترطة في صحة جميع الأعمال.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (١/ ٢٠)، برقم (٣١)، ومسلم في صحيحه، كتاب الفتن وشرائط الساعة، باب: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما (٤/ ٢٢١٣)، برقم (٢٨٨٨).\n(^٢) طريق الهجرتين (ص ٥٣٢).\n(^٣) تفسير السعدي (ص ١٩٥).\n(^٤) صحيح البخاري (١/ ٢٩).","vol":"1","page":413},{"text":"قال ابن المنبر (^١): \"المرجئة (^٢) تزعم أن المعتبر الإيمان باللسان، ولا حظ للقلب فيه، فردّ عليهم باعتبار نية القلب في الأعمال مطلقًا، فدخل الإيمان وغيره من العبادات\" (^٣).\nوالمقصود: أن الإيمان وجميع شعبه لا بد فيه من نية، بل النية ركن فيه، فإن أصل النية هو محبة الله تعالى وإرادة قصده بالعبادة، فالنية في جميع الأعمال القلبية جزء مسماها، فلا عبرة بها، بل تعتبر خارجة عن حدها ومسماها بدون النية.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"والمحبة لا تستلزم نقصًا، بل هي صفة كمال، بل هي أصل الإرادة، فكل إرادة فلا بد أن تستلزم محبة، فإن الشيء إنما يراد لأنه محبوب، أو لأنه وسيلة إلى المحبوب، ولو قدر عدم المحبة لامتنعت الإرادة، فإن المحبة لازمة للإرادة، فإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، وكذلك المحبة\" (^٤).\n_________\n(^١) هو: أحمد بن محمد بن منصور الجذامي الإسكندراني ابن المنير المفسر العلامة ناصر الدين أبو العباس، أحد الأئمة المتبحرين في العلوم من التفسير والفقه والعربية والبلاغة والإنشاء، من تصانيفه: التفسير للقرآن العظيم، والانتصاف من الكشاف بين فيه ما تضمنه من الاعتزال، ومناسبات تراجم البخاري، ولد في سنة عشرين وستمائة، وتوفي سنة ثلاث وثمانين وستمائة بالإسكندرية. [ترجمته في: طبقات المفسرين للداودي (ص ٢٥٢)].\n(^٢) المرجئة: اشتقاقها من الإرجاء بمعنى التأخير، أو بمعنى إعطاء الرجاء، وهم على أنواع؛ منهم مرجئة الفقهاء: وهم الذين أخرجوا الأعمال عن مسمى الإيمان، ونفوا أن يزيد الإيمان أو ينقص، ومنعوا الاستثناء فيه. ومنهم المرجئة الخالصة، وهم الجهمية الذين يقولون: إن الإيمان هو المعرفة، ومنهم مرجئة الكرامية الذين يقولون: الإيمان هو قول اللسان. [انظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٦١)، والفرق بين الفرق (ص ١٨٧)، ومجموع الفتاوى (٧/ ٢٩٧ - ٣١١)، و(٧/ ١٩٥)، و(٧/ ٥٤٣ - ٥٥١)، ومنهاج السُّنَّة (٧/ ٢٣١)].\n(^٣) المتواري على أبواب البخاري (ص ٥٦).\n(^٤) منهاج السُّنَّة النبوية (٥/ ٤٠٠).","vol":"1","page":414},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>الفصل الثالث\nالقواعد المتعلقة بأنواع التوحيد</span>\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: قاعدة: أنواع التوحيد وأضدادها متلازمة لا ينفك أحدها عن الآخر.\nالمبحث الثاني: قاعدة: توحيد الربوبية لا يصير الإنسان به مسلمًا حتى يأتي بأنواع التوحد الأخرى.\nالمبحث الثالث: قاعدة: توحيد الربوبية أقرت به الخلائق مؤمنها وكافرها ولم ينكره إلا الشذاذ من العالم.\nالمبحث الرابع: قاعدة: الربوبية والألوهية مفهومان متغايران فإذا اقترنا افترقا وإذا افترقا اقترنا.\nالمبحث الخامس: قاعدة: الحنيفية من موجبات الفطرة ومقتضياتها.","vol":"1","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>المبحث الأول\nقاعدة أنواع التوحيد وأضدادها متلازمة لا ينفك أحدها عن الآخر</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-99> المسألة الأولى * شرح معاني مفردات القاعدة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>بيان معنى التلازم في القاعدة:</span>\nالتلازم في اللغة مشتق من الفعل الثلاثي (لَزِمَ)، وهو أصل واحد صحيح يدل على مصاحبة الشيء للشيء دائمًا، والفِعل لَزِم يَلزم، والفاعل لازم، والمفعولُ به ملزوم، ولزم الشيء لزومًا، ثبت ودام، ولَزِمَ كذا من كذا: نشأ عنه وحصل منه، ولازمه ملازمة ولزامًا: داوم عليه، واستلزم الشيء عده لازمًا واقتضاه، واللَّازِمُ ما يَمْتَنِعُ انفِكَاكُهُ عن الشَّيء، والجَمْعُ لَوَازِمُ وهو مَلْزُومٌ بِهِ (^١).\nومعنى اللزوم للشيء: عدم مفارقته، يقال: لزم فلان بيته إذا لم يفارقه، ولم يوجد في غيره، ومنه قولهم: (الباء) لازمة للحرفية والجر،\n_________\n(^١) تهذيب اللغة (١٣/ ١٥٠)، ومعجم مقاييس اللغة (٥/ ٢٤٥)، تاج العروس (٣٣/ ٤٢٠)، المعجم الوسيط (٢/ ٨٢٣).","vol":"1","page":417},{"text":"و(قد) من لوازم الأفعال، وإطلاق الملازمة والتلازم أيضًا على معنى اللزوم كثير، وقد يراد بلازم الشيء ما يتبعه ويرادفه، وبلزومه إياه أن يكون له تعلق ما، والملزوم أصل ومتبوع من حيث إن منه الانتقال، واللازم فرع وتبع، من جهة أن إليه الانتقال (^١).\nفالتلازم إذن لغة: امتناع انفكاك الشيء عن الشيء، ويأتي اللزوم والتلازم بمعنى الملازمة (^٢).\nأما معنى التلازم واللزوم في اصطلاح العلماء؛ فإنه أحد الدلالات اللفظية التي تدل على المعنى، فإنَّه ليس خافيًا أن دلالة الألفاظ على المعنى تنحصر في ثلاث دلالات؛ المطابقة، والتضمن، واللزوم؛ فالمطابقة: كدلالة لفظ البيت على معنى البيت، والتضمن: كدلالته على السقف، ودلالة لفظ الإنسان على الجسم، واللزوم: كدلالة لفظ السقف على الحائط إذ ليس هو جزءًا من السقف، ولكنه لا ينفك عنه، فهو كالرفيق الملازم (^٣).\nيقول الجرجاني: \"واصطلاحًا كون الحكم مقتضيًا للآخر، على معنى أن الحكم بحيث لو وقع يقتضي وقوع حكم آخر اقتضاء ضروريًا؛ كالدخان للنار في النهار، والنار للدخان في الليل\" (^٤).\nوالتلازم إما أن يكون تلازمًا من الطرفين، أو يكون تلازمًا من طرف واحد، فالأول يسمى تلازم تساو، والثاني تلازمًا مطلقًا، وقد بيَّن الإمام الشوكاني هذين النوعين بقوله: \"التلازم: وهو أربعة أقسام؛ لأن التلازم إنما يكون بين حكمين، وكل واحد منهما إما مثبت أو منفي،\n_________\n(^١) انظر: الكليات للكفوي (ص ١٢٢)، و(ص ٧٩٥ - ٧٩٦)، والتوضيح في حل غوامض التنقيح (١/ ١٤١).\n(^٢) انظر: التعريفات للجرجاني (ص ٢٩٣).\n(^٣) انظر: روضة الناظر لابن قدامة (ص ١٤).\n(^٤) تعريفات الجرجاني (ص ٢٩٣ - ٢٩٤).","vol":"1","page":418},{"text":"وحاصله: إذا كان تلازم تساو فثبوت كل يستلزم ثبوت الآخر، ونفيه نفيه، وإن كان مطلق اللزوم فثبوت الملزوم يستلزم ثبوت اللازم من غير عكس، ونفي اللازم يستلزم نفي الملزوم من غير عكس\" (^١).\nوتلازم التساوي هو التلازم من الطرفين بحيث أنه إذا ثبت أحدهما ثبت الآخر، وإذا انتفى أحدهما انتفى الآخر، أما مطلق التلازم فإن ثبوت الملزوم يستلزم ثبوت اللازم، لكن ثبوت اللازم لا يستلزم ثبوت الملزوم، كما أن نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم، ونفي الملزوم لا يستلزم نفي اللازم.\nيبيّن الإمام ابن تيمية هذه العلاقة بين اللازم والملزوم في حالتي التلازم من الطرفين أو من طرف واحد فيقول ﵀: \"ومعلوم أنه إذا كان اللزوم من أحد الطرفين لزم من وجود الملزوم وجود اللازم، ومن نفي اللازم نفي الملزوم، فكيف إذا كان التلازم من الجانبين، فإن هذا التلازم يستلزم أربع نتائج؛ فيلزم من ثبوت هذا اللازم ثبوت هذا، ومن نفيه نفيه، ومن ثبوت الملزوم الآخر ثبوت ذلك ومن نفيه نفيه\" (^٢).\nويقرر الإمام ابن القيم ما قرره شيخه فيقول: \"الشرع والعقل متلازمان، ويمتنع تعارض المتلازمين، إن العقل ملزوم لعلمنا بالشرع ولازم له، ومعلوم أنه إذا كان اللزوم من أحد الطرفين لزم من وجود الملزوم وجود اللازم، ومن نفي اللازم نفي الملزوم، فكيف إذا كان التلازم من الجانبين، فإن هذا التلازم يستلزم أربع نتائج، إذ يلزم من ثبوت هذا الملزوم ثبوت لازمه، ومن ثبوت لازمه المساوي ثبوته، ومن نفي اللازم نفي ملزومه، ومن نفي ملزومه المساوي نفيه، وهذا شأن كل شيئين بينهما تلازم من الطرفين\" (^٣).\n_________\n(^١) إرشاد الفحول (ص ٣٩٥).\n(^٢) درء التعارض (٥/ ٢٦٨ - ٢٦٩).\n(^٣) الصواعق المرسلة (٣/ ١٠٩١).","vol":"1","page":419},{"text":"وبهذا يتبين لنا معنى التلازم وأنواعه.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-101> المسألة الثانية* بيان معنى القاعدة</span>\nأشارت القاعدة إلى العلاقة بين أنواع التوحيد الثلاثة، توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وأضدادها من أنواع الشرك، وأنها علاقة تلازم، فلا ينفك نوع منها عن الآخر، بل ثبوت بعضها وصحته يستلزم ثبوت البقية، ونفي بعضها يستلزم نفي الباقي.\nفهي متكافلة متلازمة يكمل بعضها بعضًا، ولا يمكن الاستغناء ببعضها عن الآخر، فلا ينفع توحيد الربوبية بدون توحيد الألوهية، وكذلك لا يصح، ولا يقوم توحيد الألوهية بدون توحيد الربوبية، وكذلك توحيد الله في ربوبيته وألوهيته لا يستقيم بدون توحيد الله في أسمائه وصفاته، فالخلل والانحراف في أي نوع منها هو خلل في التوحيد كله (^١).\nومما ينبغي التنبيه عليه قبل الدخول في تقرير معنى القاعدة، أن التلازم الحاصل بين أنواع التوحيد الذي أشارت إليه القاعدة هو بالنظر إلى ذات أنواع التوحيد، مع قطع النظر عن تعلق هذه الأنواع بالعباد؛ إذ إن تعلقها بهم مما يختلفون فيه اختلافًا عظيمًا، ويتباينون فيه تباينًا كبيرًا فلا يمكن ضبطه، كما أن غالب مسائل التوحيد -بأنواعه الثلاثة- يكون تعلقها بالمخلوقين مختصًا بأعمال وأقوال القلوب، وهذه مرجعها إلى الله ﵎، كما قال عزَّ من قائل: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ\n_________\n(^١) انظر: الكواشف الجلية عن معاني الواسطية (ص ٤٢٢)، ومعتقد أهل السُّنَّة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات، للأستاذ الدكتور محمد بن خليفة التميمي (ص ٤٧).","vol":"1","page":420},{"text":"وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]، وقال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩)﴾ [النحل: ١٩]، وقال تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣)﴾ [الملك: ١٣]، وعليه فيكون تطبيق القاعدة وطردها على جميع العباد جملة وتفصيلًا من العسر بمكان؛ إذ لا يمكننا الوقوف على حقيقة ما تضمنته القلوب، وانعقدت عليه الضمائر.\nوالحاصل في معنى القاعدة: أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية والأسماء والصفات؛ فإن علة اختصاصه ﵎ بالألوهية هي كونه ربًّا خالقًا عالمًا محيطًا بكل شيء، وأنه على كل شيء قدير، كما أن خلقه تعالى متضمن لكمال قدرته، وإرادته، وعلمه، وحكمته، وحياته، وذلك مسلتزم لسائر صفات كماله، ونعوت جلاله، فتضمن ذلك إثبات صفاته، وأفعاله، ووحدانيته في صفاته (^١).\nوتوحيد الأسماء والصفات يستلزم توحيد الربوبية والألوهية ويشملهما؛ فإن من أعظم صفاته ﵎، صفتي الألوهية والربوبية، فتوحيد الأسماء والصفات يتضمن ويشمل إفراد الله تعالى في أعظم صفاته التي اتصف بها وهما الألوهية والربوبية.\nيقول الشيخ عبد العزيز السلمان: \"وأما توحيد الأسماء والصفات وأنه شامل للنوعين فهو يقوم على إفراد الله سبحانه بكل ما له من الأسماء الحسنى والصفات العليا التي لا تنبغي إلا له، ومن جملتها كونه ربًّا واحدًا لا شريك له في ربوبيته، وكونه إلهًا واحدًا لا شريك له في إلهيته، فاسم (الرب) لا ينصرف إلا إليه عند الإطلاق، فله وحده الربوبية المطلقة الشاملة لجميع خلقه، وكذلك اسم الجلالة (الله) لا يطلق إلا عليه وحده، فهو ذو الألوهية على جميع خلقه ليس لهم إله غيره\" (^٢) ..\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (٤/ ٩٤٣).\n(^٢) الكواشف الجلية عن معاني الواسطية للسلمان (ص ٤٢٢).","vol":"1","page":421},{"text":"وهكذا إلهية الله تعالى تستلزم النوعين الآخرين وتتضمنهما؛ فإنهما الأصل والأساس الذي ينبني عليه (^١) إذ لا يتصور وجوده بدونهما؛ فإن عبادة المعبود مبنية على وجوده وثباته، فإذا لم يثبت فكيف تصرف له العبادة، ولا يثبت الشيء إلا بثبوت ذاته وصفاته، إضافة إلى أن صفة الألوهية مستتبعة لسائر صفات الكمال، ونعوت الجمال والجلال، نافية لسمات النقصان (^٢)، وعليه فكل نوع منها لازم وملزوم للنوعين الآخرين، لا ينفك أحدهما عن الآخر أبدًا.\nيقول الإمام ابن أبي العز: \"فلما كان هذا الشرك في الربوبية موجودًا في الناس بيّن القرآن بطلانه كما في قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] فتأمل هذا البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز الظاهر؛ فإن الإله الحق لا بد أن يكون خالقًا فاعلًا يوصل إلى عابده النفع ويدفع عنه الضر\" (^٣).\nوهكذا أضداد هذه الأنواع من الشرك فإنها أيضًا متلازمة، فالإشراك في الربوبية يستلزم الإشراك في الإلهية إذ هو أصله وأساسه ومقدمته، ولا شك أن الخلل والانحراف في الأساس يدل على الانحراف في الفرع القائم عليه، وهكذا فالشرك في الإلهية يستلزم الشرك في الربوبية والأسماء والصفات، وكذلك الأمر في حال الشرك في الأسماء والصفات، فجميع أنواع الشرك متلازمة، فكل واحد منها لازم وملزوم للنوعين الآخرين لا ينفك أحدهما عن الآخر، فالخلل والانحراف في أي نوع من أنواع التوحيد إنما هو دليل ومؤشر إلى خلل ولا بد في النوعين الآخرين؛ فإن هذه الأنواع يصحح بعضها البعض ويقوي بعضها البعض فإذا ثبت وصح\n_________\n(^١) انظر: قاعدة توحيد الربوبية هو الأصل توحيد الألوهية ودليله الأكبر (ص ٦٦٠).\n(^٢) انظر: تفسير أبي السعود (٧/ ٢٤٢).\n(^٣) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٨٥).","vol":"1","page":422},{"text":"منها نوع صحح الباقي وأثبته، وهكذا إذا حصل ضعف في نوع دلَّ على أن هناك ضعفًا في النوعين الآخرين ولا بد.\nيبيّن الإمام ابن القيم استلزام أنواع التوحيد بعضها لبعض: \"فعلم أن اسمه (الله) مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، دال عليها بالإجمال، والأسماء الحسنى تفصيل وتبيين لصفات الإلهية التي اشتق منها اسم الله، واسم الله دال على كونه مألوهًا معبودًا تألهه الخلائق؛ محبة، وتعظيمًا، وخضوعًا، وفزعًا إليه في الحوائج والنوائب، وذلك مستلزم لكمال ربوبيته، ورحمته، المتضمنين لكمال الملك، والحمد.\nوإلهيته، وربوبيته ورحمانيته وملكه مستلزم لجميع صفات كماله، إذ يستحيل ثبوت ذلك لمن ليس بحي، ولا سميع، ولا بصير، ولا قادر، ولا متكلم، ولا فعال لما يريد، ولا حكيم في أفعاله\" (^١).\nوهكذا من نفى صفات الرب ﵎ وعطلها وأشرك فيها فإن ذلك يستلزم إشراكه في ربوبية الله تعالى، ونفي ذاته، يقول الإمام ابن تيمية: \"وفي خصوم إبراهيم ومحمد -ﷺ- معطلة ومشركة، لكن التعطيل المحض للذات قليل، وأما الكثير فهو تعطيل صفات الكمال، وهو مستلزم لتعطيل الذات، فإنهم يصفون واجب الوجود بما يوجب أن يكون ممتنع الوجود\" (^٢).\nويقول أيضًا مبينًا ارتباط الشرك في التوحيد العلمي بالشرك في التوحيد العملي: \"لكن المقصود هنا هو التوحيد العملي، وهو إخلاص الدين لله، وإن كان أحد النوعين مرتبطًا بالآخر، فلا يوجد أحد من أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة إلا وفيه نوع من الشرك العملي، إذ أصل قولهم فيه شرك وتسوية بين الله وبين خلقه، أو بينه وبين المعدومات في الصفات السلبية التي لا تستلزم مدحًا ولا ثبوت كمال، أو يسوون بينه وبين\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٣٢ - ٣٣).\n(^٢) منهاج السُّنَّة النبوية (٣/ ٢٩٢).","vol":"1","page":423},{"text":"الناقص من الموجودات في صفات النقص، وكما يسوون إذا أثبتوا هم ومن ضاهاهم من الممثلة بينه وبين المخلوقات في حقائقها، حتى قد يعبدونها فيعدلون بربهم ويجعلون له أندادًا، ويسوون المخلوقات برب العالمين\" (^١).\nويقول الإمام ابن القيم مبينًا علاقة التلازم بين الإلحاد في الأسماء والصفات وبين الشرك الأكبر المخرج عن الملة سواء كان في الربوبية أم في الألوهية: \"إن التوحيد الذي دعا إليه هؤلاء الملاحدة وذكروا أنه التوحيد الحق هو من أعظم الإلحاد في أسماء الرب وصفاته وأفعاله، وهو حقيقة الكفر به، وتعطيل العالم عن صانعه، وتعطيل الصانع الذي أثبتوه عن صفات كماله، فشرك عباد الأصنام، والأوثان، والكواكب، والشمس، والقمر، خير من توحيد هؤلاء بكثير، فإنه شرك في الإلهية مع إثبات صانع العالم، وصفاته، وأفعاله، وقدرته، ومشيئته، وعلمه بالكليات والجزئيات، وتوحيد هؤلاء تعطيل الربوبية، والإلهية، وسائر صفاته، وهذا التوحيد ملازم لأعظم أنواع الشرك ولهذا كلما كان الرجل أعظم تعطيلًا كان أعظم شركًا ولا تجد معطلًا نافيًا إلا وفيه من الشرك بقدر ما فيه من التعطيل\" (^٢).\nولذا صرح -﵀- في نونيته بتلازم الشرك والتعطيل فقال:\n\"واعلم بأن الشرك والتعطيل مذ كانا هما لا شك مصطحبان أبدًا فكل معطل هو مشرك حتمًا وهذا واضح التبيان\" (^٣).\nولذا يبين الإمام ابن تيمية تلازم التعطيل لأسماء الله وصفاته مع الشرك في الربوبية فيقول: \"وهذان المحذوران التعطيل والإشراك في الربوبية لازمان لكل من أثبت فاعلًا مستقلًّا غير الله؛ كالفلاسفة الذين\n_________\n(^١) مجمع الفتاوى (١٠/ ٥٤ - ٥٥).\n(^٢) الصواعق المرسلة (٣/ ١١١١).\n(^٣) انظر: توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم، تأليف: أحمد بن إبراهيم بن عيسى (٢/ ٤٤٨).","vol":"1","page":424},{"text":"يقولون: إن الفلك يتحرك حركة اختيارية بسببها تحدث الحوادث من غير أن يكون قد حدث من جهة الله ما يوجب حركته\" (^١).\nويقول الإمام ابن القيم مبينًا تلازم التعطيل والشرك، وأن الأول أصل للثاني وأساسه ومبدأه: \"بل كل شرك في العالم فأصله التعطيل؛ فإنه لولا تعطيل كماله، أو بعضه، وظن السوء به لما أشرك به ... والمقصود: أن التعطيل مبدأ الشرك، وأساسه، فلا تجد معطلًا إلا وشركه على حسب تعطيله فمستقل ومستكثر\" (^٢).\nويقول -﵀- أيضًا: \"فالشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك، لكن -أي: الشرك- لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرًا بالخالق سبحانه وصفاته ولكن عطل حق التوحيد\" (^٣).\nويبيّن الإمام ابن القيم السبب الذي قاد أهل التعطيل لأسماء الله وصفاته إلى الوقوع في الشرك الأكبر فيقول: \"ولهذا كان مرض التعطيل ومرض الشرك أخوين متصاحبين، لا ينفك أحدهما عن صاحبه، فإن المعطل قد جعل آراء الرجال، وعقولهم ندًا لكتاب الله، والمشرك قد جعل ما يعبده من الأوثان ندًا له، ومما يبين تلازم التعطيل والشرك: أن القلوب خلقت متحركة، طالبة للتأله، والمحبة، فهي لا تسكن إلا لمحبوب تطمئن إليه، وتسكن عنده، يكون هو غاية محبوبها، ومطلوبها، ولا قرار لها، ولا طمأنينة، ولا سكون بدون هذا المطلوب، والظفر به، والوصول إليه، ولو ظفرت بما ظفرت به سواه لم يزدها ذلك إلا فاقة، وفقرًا، وحاجة، وقلقًا، واضطرابًا.\nفطلب هذا المراد المطلوب كامن مستقر فيها وإن أعرضت عنه، واشتغلت بغيره، ولم تشعر به، فوجود الشيء لا يستلزم الشعور به، بل\n_________\n(^١) منهاج السُّنَّة النبوية (٣/ ٢٧٩).\n(^٢) مدارج السالكين (٣/ ٣٤٧ - ٣٤٨).\n(^٣) الجواب الكافي (ص ٩٠).","vol":"1","page":425},{"text":"وجوده شيء، والشعور به شيء، وهذا الطلب والإرادة هو بحسب الشعور، والمعرفة بالمطلوب المراد، وصفات كماله، ونعوت جلاله وجماله ...\nفالرسل جاؤوا بكمال الأمرين على أتم الوجوه، فإنهم ذكروا من فات هذا الرب الذي تألهه القلوب وتطمئن إليه الأرواح ما يكون داعيًا إلى محبته، وأمروا الناس من توحيده وعبادته وحده لا شريك له بما إذا فعلوه أحبهم عليه، فجاءت النفاة المعارضون للوحي بعقولهم، وآرائهم، فوقفوا في طريق الرسل، وأتوا بما يضاد دعوتهم، فنفوا صفاته التي تعرَّف بها إلى عباده، وجعلوا إثباتها تجسيمًا وتشبيهًا، ووصفوه من السلوب والنفي بما حال بين القلوب وبين معرفته، وأكدوا ذلك بأنه لا يُحِب ولا يُحَب، ولا له وجه يراه العابدون المحبون له يوم القيامة فضلًا عن أن يحصل لهم لذة هناك بالنظر إليه، ولا يكلمهم، ولا يخاطبهم، ولا يسلم عليهم من فوقهم، فلما استقر هذا النفي في قلوبهم تعلقت بغيره من أصناف المحبوبات، فأشركت به في المحبة، ولا بد، وكان أعظم الأسباب الحاملة لها على الشرك هو التعطيل، فانظر إلى تلازم الشرك والتعطيل وتصادقهما وكونهما:\nرضيعَي لِبانٍ ثَدْيَ أمٍّ تقاسما ... بأسْحَمَ داجٍ عَوْضَ لا نتفرّقُ (^١) \" (^٢)\n_________\n(^١) البيت للأعشى، وانظر: جمهرة اللغة (٢/ ٩٠٥)، وقوله: رضيعي لبان: هو مثنى رضيع، ورضيع الإنسان مراضعه، فإنه إذا كانت المفاعلة بين اثنين جاء كل واحدٍ منهما على فعيل، كقعيد وجليس بمعنى مقاعد ومجالس، والفعيل بمعنى الفاعل كالجليس فليس للمبالغة فلا يعمل اتفاقًا، والمعنى: أن (المحلق الكلابي) الممدوح والندى ارتضعا ثدي أم تحالفا على أنهما لا يتفرقان أبدًا؛ لأن (عَوْضَ) من أسماء الدهر، وهو مما يبنى على الضم والفتح، وعنى بالأسحم الداجي ظلمة الرحم، وقيل: بل عنى به الليل، ومعنى تقاسما فيهما؛ أي: تحالفا وقد قيل: إن المراد بلفظة تقاسما اقتسما، وأن المراد بالأسحم الداجي: الدم وقيل: بل المراد بالأسحم: اللبن لاعتراض السمرة فيه، وبالداجي: الدائم. [نظر: خزانة الأدب (٧/ ١٤٤)، ودرة الغواص في أوهام الخواص (١٩٣)].\n(^٢) الصواعق المرسلة (٤/ ١٣٥٣ - ١٣٥٦).","vol":"1","page":426},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-102> المسألة الثالثة* أدلة القاعدة</span>\nيمكن الاستدلال لتلازم أنواع التوحيد وأضدادها بأدلة عامة تشمل التدليل على قضية التلازم بين جميع الأنواع، كما أن هناك أدلة تدل على التلازم بين نوع وآخر، فهي بمجموعها تشير إلى التلازم بين أنوع التوحيد وأضدادها:\nأولًا: الفطرة التي فطر الله عليها الخلق، فإنها في أصلها متضمنة للإقرار باللّه تعالى، ومعرفته، وكونه متصفًا بأجمل الصفات وأكملها، كما أنها متضمنة لمحبته، والخضوع له، والذل لعظمته، فكل نفس تضمنت فطرتها الإقرار بالخالق وعبادته، وهذا تلازم في أصل الفطرة بين التوحيد القولي العلمي، وبين التوحيد الإرادي العملي، فلا ينفك أحدهما عن الآخر أبدًا، لكن إذا حصل الانحراف ووقع الشرك وصار هو الغالب طغى على أصل الفطرة فطمسها وغيرها، مع وجود أصلها في النفس، ولذا إذا تاب ورجع عن شركه رجع إلى فطرته الأولى التي فطر عليها، كما جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة -﵁- كان يحدث قال النبي -ﷺ-: \"ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء\" ثم يقول أبو هريرة -﵁-: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] الآية (^١).\nثانيًا: ومما يدل على صحة التلازم بين أنواع التوحيد أن دعوة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب: إذا أسلم الصبي هل يصلى عليه ... (١/ ٤٥٦)، رقم (١٢٩٢)، ومسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة (٤/ ٢٠٤٧)، برقم (٢٦٥٨). من حديث أبي هريرة -﵁-.","vol":"1","page":427},{"text":"المشركين على اختلاف أديانهم ومذاهبهم إنما تكون بدعوتهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ سواء كانوا من المعطلين، أو من المشركين، أو من أي نحلة كانوا، وهذا يدل على تضمن واستلزام كلمة التوحيد لتوحيدي الربوبية والأسماء والصفات.\nولذا جاء في الحديث المتفق عليه عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما أنَّ رسول الله -ﷺ- لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا -﵁- عَلَى اليَمَنِ قال: \"إنَّكَ تَقْدُمُ عَلَى قَوْمٍ أهْلِ كِتَابِ فلْيَكُنْ أوَّلَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ الله، فإذَا عَرَفُوا الله فأخْبِرْهُم أنَّ الله قَد فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَواتٍ في يَوْمِهِمْ ولَيْلَتِهِمْ، فإذَا فَعَلُوا فأخْبِرْهُمْ أنَّ الله فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكاةً تُؤْخَذُ مِنْ أمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فإذَا أطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أمْوَالِ النَّاسِ\" (^١).\nوالذين بعث إليهم معاذ -﵁- باليمن هم أهل الكتاب كما جاء التنصيص عليهم في الحديث، وكانوا من اليهود والنصارى كما نص على ذلك بعض أهل العلم (^٢)، ولا شك أن فيهم من ألوان الشرك وأنواعه المتعددة ما لا يخفى، ففيهم الشرك والتعطيل ونسبة الولد إلى الله ﵎، ومع ذلك فالنبي -﵇- أرشد معاذًا آمرًا له بالبداءة بالتوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، مع ما عند هؤلاء من الشرك في الربوبية، فدلَّ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب: لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة (٢/ ٥٢٩)، رقم (١٣٨٩)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام (١/ ٥٠)، برقم (١٩). من حديث ابن عباس -﵄-.\n(^٢) صرح بهذا الإمام أبو العباس القرطبي حيث قال في معنى الحديث: \"يعني به: اليهودَ والنصارى؛ لأنهم كانوا في اليمنِ أكثرَ مِنْ مشركي العَرَب أو أغلَبَ، وإنما نبَّهه على هذا؛ ليتهيَّأَ لمناظرتهم، ويُعِدَّ الأدلَّةَ لإفحامهم؛ لأنَّهَم أهلُ عِلْمٍ سابقٍ، بخلافِ المُشْرِكين وعَبَدَةِ الأوثان\". [المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (١/ ١٨١)، ونص عليه العلامة علي القاري في مرقاة المفاتيح (٤/ ٢٢٣)]، وذكر شيخ الإسلام أنهم: \"كانوا من أهل الكتاب، كانوا يهودًا؛ فإن اليهود كانوا كثيرين بأرض اليمن\". [الفتاوى (١٧/ ٣٥٤)].","vol":"1","page":428},{"text":"هذا على أن كلمة التوحيد -أي: توحيد العبادة- لا تنفك في مدلولها عن بقية الأنواع؛ فإن الدعوة إليها تتضمن بلا شك الدعوة إلى التوحيد العلمي الخبري.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وهذا مما اتفق عليه أئمة الدين وعلماء المسلمين، فإنهم مجمعون على ما علم بالاضطرار من دين الرسول: أن كل كافر فإنه يدعى إلى الشهادتين؛ سواء كان معطلًا، أو مشركًا، أو كتابيًا، وبذلك يصير الكافر مسلمًا، ولا يصير مسلمًا بدون ذلك ... والمقصود هنا أن السلف والأئمة متفقون على أن أول ما يؤمر به العباد الشهادتان، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقب البلوغ، والشهادة تتضمن الإقرار بالصانع تعالى، وبرسوله، لكن مجرد المعرفة بالصانع لا يصير به الرجل مؤمنًا، بل ولا يصير مؤمنًا بأن يعلم أنه رب كل شيء حتى يشهد أن لا إله إلا الله، ولا يصير مؤمنًا بذلك حتى يشهد أن محمدًا رسول الله\" (^١).\nثالثًا: ومما يدل على التلازم بين الشرك في العبادة وتعطيل أسماء الله وصفاته: أن العبادة لا بد فيها من القصد والإرادة للمعبود والتوجه إليه، وعليه فلا بد أن يكون المعبود في جهة يتوجه إليه العابد، فإذا انتفت الجهة بحيث لم يوجد المعبود في جميع الجهات كان في حكم المعدوم، وكانت النتيجة ولا بد انتفاء العبادة، لكن لا بد للقلب من تعلق فرجع به الأمر فتعلق بغير الله تعالى حبًا وتألهًا وخضوعًا فوقع الشرك في العبادة ولا بد بسبب ما قام بقلبه من التعطيل، فثبت بذلك التلازم بين التعطيل وبين الشرك في العبادة.\nيقول شيخ الإسلام: \"كون الرب إلهًا معبودًا يستلزم أن يكون بجهة من عابده بالضرورة، وذلك أن العبادة تتضمن قصد المعبود وإرادته\n_________\n(^١) درء التعارض (٨/ ٧، ١١).","vol":"1","page":429},{"text":"وتوجه القلب إليه، وهذا أمر يحسه الإنسان من نفسه في جميع مراداته ومقصوداته ومطلوباته ومحبوباته التي قصدها وأحبها وطلبها دون قصده وحبه وطلبه للآلهة، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾ [البقرة: ١٦٥].\nوالإنسان يحس من نفسه أنه إذا قصد شيئًا أو أحبه غير نفسه فلا بد وأن يكون بجهة منه، وأنه إذا قيل له: اقصد أو اطلب أو اعبد أو أحب من لا يكون بجهة منك، ولا هو فيك، ولا فوقك، ولا تحتك، ولا أمامك، ولا وراءك، ولا عن يمينك، ولا عن شمالك كان هذا أمرًا بالممتنع لذاته ليس هو أمرًا بممكن لا يطيقه، والممتنع لذاته يمتنع الأمر الشرعي به باتفاق المسلمين، ويكون حقيقة الأمر: اعبد من يمتنع أن تعبد، واقصد من يمتنع أن تقصد، وادع من يمتنع أن يدعى، ووجه وجهك إلى من يمتنع التوجه إليه، وهذا أمر بالجمع بين النقيضين.\nوقد ذكرنا نظير هذا غير مرة، وبينا أن قول الجهمية يستلزم الجمع بين النقيضين، وأن يكون موجودًا معدومًا، معبودًا غير معبود، مأمورًا بعبادته منهيًا عنها. فحقيقته أمر بعبادة العدم المحض، والنفي الصرف، وترك عبادة الله سبحانه، وهذا رأس الكفر وأصله، وهو لازم لهم لزومًا لا محيد عنه\" (^١).\nويقول -﵀- أيضًا: \"وقالوا -أي: الجهمية-: إنه مجهول لا يعرف بصفة، عرف المسلمون أنهم لا يعبدون شيئًا؛ لأن العبادة أصلها قصد المعبود وإرادته، والقصد والإرادة مستلزمة للعلم بالمراد المقصود، فما يكون مجهولًا لا يعرف بصفة يمتنع أن يكون مقصودًا، فيمتنع أن يكون معبودًا، والعبادة هي أمر ديني أمر الله بها ورسوله، وهي أصل دين\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٤٦٦ - ٤٦٧).","vol":"1","page":430},{"text":"المسلمين\" (^١).\nرابعًا: من المعلوم أن التساوي في الذوات والأوصاف يوجب التساوي في الأحكام والخصائص والحقوق؛ فإن المستويين ذاتًا ووصفًا يستويان في الحكم والحق والاختصاص؛ وذلك لتحقيق التساوي (^٢).\nيقول الشيخ الدكتور عبد الله الجربوع في تقرير هذا الدليل: \"إن المتقرر في دلالة العقول: أن المساواة في الذات والصفات تعني المساواة في الاستحقاق العام والأحكام، فكل من أثبت مشابهًا ونظيرًا لله في ذاته أو شيء من صفاته وأفعاله، فقد جعل له شيئًا من الألوهية، وأوجب له العبادة تعالى الله عن ذلك.\nوعلى هذه القاعدة جاء قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ [الزخرف: ٨١].\nومعنى الآية: (قل يا محمد إن ثبت لله ولد، فأنا أول من يعبد هذا الولد الذي تزعمون ثبوته. ولكنه يستحيل أن يكون له ولد. وفيه نفي للولد على أبلغ وجه، وأتم عبارة، وأحسن أسلوب. وهذا هو الظاهر من النظم القرآني ... ومثل هذا قول الرجل لمن يناظره: إن ثبت ما تقول بالدليل فأنا أول من يعتقده ويقول به) (^٣).\nفتبيَّن بهذا الدليل الذي يحس به كل أحد، ولا ينكره بشر التلازم وعدم الانفكاك بين شرك التعطيل لأسماء الله وصفاته وبين الشرك في العبادة\" (^٤).\n_________\n(^١) درء التعارض (٥/ ١٨١).\n(^٢) انظر: قواطع الأدلة في الأصول، للسمعاني (٢/ ١٦٨).\n(^٣) انظر: فتح القدير (٤/ ٥٦٦)، ويقول الإمام القرطبي في معنى الآية: \"وقيل المعنى: قل يا محمد؛ إن ثبت لله ولد فأنا أول من يعبد ولده، ولكن يستحيل أن يكون له ولد، وهو كما تقول لمن تناظره: إن ثبت ما قلت بالدليل فأنا أول من يعتقده، وهذه مبالغة في الاستبعاد؛ أي: لا سبيل إلى اعتقاده\". [تفسير القرطبي (١٦/ ١١٩)].\n(^٤) الأمثال القرآنية القياسية المضروبة للإيمان بالله، للدكتور عبد الله الجربوع (٣/ ٨٢٧).","vol":"1","page":431},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-103> المسألة الرابعة* أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nاهتم العلماء بقضية التلازم بين أنواع التوحيد، والتلازم بين أضداده من أنواع الشرك باللّه العظيم؛ والسبب في هذا أنه لا يكمل إيمان أحد إلا باجتماعها جميعًا، فإذا وجد بعضها ولم يوجد الآخر دلَّ ذلك على عدم اعتباره وتمامه وصحته، إذ لو كان صحيحًا تامًا لاستلزم بقية الأنواع، إضافة إلى أنهم احتاجوا إلى هذا التلازم في الرد على المنحرفين في أبواب التوحيد، فألزموا أهل الباطل بما هو لازم قولهم، وإن لم يقروا بما ألزموا به، ولكنه لازم لمذهبهم الفاسد لزومًا لا محيد لهم عنه.\nوفيما يلي أنقل ما وقفت عليه من أقوال العلماء في تأييد معنى القاعدة، وكلامهم قد يكون في اعتماد القاعدة بجملتها، وقد يكون متعلقًا ببعض أجزائها فيستفاد منه في تقرير معنى القاعدة:\nوكما ذكرت من قبل بأن التلازم بين أنواع التوحيد وأضدادها تلازم كلي عام من الطرفين، لكن من أهل العلم من يعبّر أحيانًا بما يفهم أنه تلازم من طرف واحد بمعنى أن ثبوت الملزوم يستلزم ثبوت اللازم بلا عكس، وانتفاء اللازم يستلزم انتفاء الملزوم بلا عكس، أو يجعل التلازم من جهة والتضمن من جهة، وهم إنما قرروا هذا باعتبار تعلق هذه الأنواع بالمخلوقين، فإنه قد يوجد في البعض -كمشركي العرب- الإقرار بالربوبية العامة ويتخلف عندهم توحيد العبادة، كما أنه قد يوجد الشرك في العبادة ولا يستلزم الشرك في أصل الربوبية العامة؛ ولذا جعلوا التلازم من طرف واحد، فتوحيد الربوبية والأسماء والصفات يستلزم توحيد الإلهية، فيكون الأول ملزوم والثاني لازم، وإذا ثبت الملزوم اقتضى اللازم، وإذا انتفى اللازم اقتضى انتفاء الملزوم، هذه هي قاعدة التلازم من طرف واحد.","vol":"1","page":432},{"text":"أما بالنسبة لتضمن توحيد الإلهية للنوعين الآخرين وشموله لهما فهي موضع اتفاق بين أهل العلم ولذا نصَّ عليها غير واحد منهم كما سيأتي بعد.\nوفيما يلي أنقل ما وقفت عليه من أقوال العلماء في تأييد معنى القاعدة أو بعض أجزائها:\nيقول الشيخ حافظ الحكمي: \"وبقية المشركين يقرون بالربوبية باطنًا وظاهرًا كما صرح بذلك القرآن فيما قدمنا من الآيات وغيرها، مع أن الشرك في الربوبية لازم لهم من جهة إشراكهم في الإلهية، وكذا في الأسماء والصفات؛ إذ أنواع التوحيد متلازمة لا ينفك نوع منها عن الآخر، وهكذا أضدادها، فمن ضاد نوعًا من أنواع التوحيد بشيء من الشرك فقد أشرك في الباقي\" (^١).\nوالمقصود: أنه رغم إقرارهم واعترافهم بالربوبية فإن الشرك فيها وفي الأسماء والصفات لازم لهم وإن لم يلتزموه هم.\nويقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: \"لأن القرآن إما خبر عن الله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وهو توحيد الربوبية، وتوحيد الصفات فذاك -أي: توحيد العبادة- مستلزم لهذا متضمن له، وإما دعاء إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع ما يعبد من دونه، أو أمر بأنواع من العبادات، ونهي عن المخالفات، فهذا هو توحيد الإلهية، والعبادة، وهو مستلزم للنوعين الأولين متضمن لهما أيضًا\" (^٢).\nفجعل التوحيد العملي الطلبي مستلزمًا للتوحيد العلمي الخبري ومتضمنًا له.\nويبيِّن الإمام ابن تيمية استلزام توحيد العبادة لإثبات صفات الكمال لله ﵎ فيقول: \"والإله هو المألوه الذي تألهه القلوب؛\n_________\n(^١) معارج القبول (٢/ ٤٧٤ - ٤٧٥).\n(^٢) تيسير العزيز الحميد (٣٠).","vol":"1","page":433},{"text":"وكونه يستحق الإلهية مستلزمًا لصفات الكمال، فلا يستحق أن يكون معبودًا محبوبًا لذاته إلا هو، وكل عمل لا يراد به وجهه فهو باطل، وعبادة غيره، وحب غيره يوجب الفساد\" (^١).\nويقول أيضًا: \"فالتوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه، هو أن يعبد الله وحده لا شريك له، فهو توحيد الألوهية وهو مستلزم لتوحيد الربوبية، وهو أن يعبد الحق رب كل شيء. فأما مجرد توحيد الربوبية، وهو شهود ربوبية الحق لكل شيء، فهذا التوحيد كان في المشركين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦] \" (^٢).\nويقول -﵀-: \"إن الإلهية تستلزم الربوبية\" (^٣).\nويقول الإمام ابن القيم: \"لأن الرضا بتجريد ربوبيته يستلزم تجريد عبادته، كما أن العلم بتوحيد الربوبية يستلزم العلم بتوحيد الإلهية\" (^٤).\nويقول أيضًا: \"والإلهية التي دعت الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها: هي العبادة والتأليه، ومن لوازمها توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون فاحتج الله عليهم به؛ فإنه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الإلهية\" (^٥).\nويقول -﵀- مبينًا استلزام الربوبية التامة الصحيحة لتوحيد العبادة: \"والربوبية التامة تستلزم توحيده، وأنه الذي لا تنبغي العبادة والحب والخوف والرجاء والإجلال والطاعة إلا له\" (^٦).\nولذا نص -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب على أن الخلل في الإلهية ناتج عن خلل وانحراف في الربوبية، إذ لو كانت كاملة\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم (٤٦١).\n(^٢) الاستقامة (٢/ ٣١).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢/ ٤٣٣).\n(^٤) مدارج السالكين (٢/ ١٨٢).\n(^٥) إغاثة اللهفان (٢/ ١٣٥).\n(^٦) زاد المعاد (٤/ ٢٠٣ - ٢٠٤).","vol":"1","page":434},{"text":"وتامة وصحيحة لأنتجت الإلهية التامة الصحيحة فقال -﵀- في جواب سؤال عن الربوبية والألوهية، وعن السبب في أن مشركي العرب لم يوصلهم توحيد الربوبية إلى توحيد العبادة وغيرها من الأسئلة فقال: \"سرني ما ذكرت من الإشكال، وانصرافك إلى الفكرة في توحيد الربوبية، ولا يخفاك: أن التفصيل يحتاج إلى أطول، ولكن ما لا يدرك كله، لا يترك كله، فأما توحيد الربوبية، فهو: الأصل ولا يغلط في الإلهية إلا من لم يعطه حقه، كما قال تعالى، فيمن أقر بمسألة منه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)﴾ [العنكبوت: ٦١]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ [الزخرف: ٨٧].\nومما يوضح لك الأمر: أن التوكل من نتائجه، والتوكل من أعلى مقامات الدين، ودرجات المؤمنين؛ وقد تصدر الإنابة والتوكل من عابد الوثن بسبب معرفته بالربوبية، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ [الزمر: ٨] وأما عبادته سبحانه بالإخلاص دائمًا، في الشدة والرخاء، فلا يعرفونها وهي نتيجة الإلهية، وكذلك الإيمان باللّه واليوم الآخر، والإيمان بالكتب، والرسل وغير ذلك؛ وأما الصبر والرضا، والتسليم والتوكل، والإنابة، والتفويض، والمحبة، والخوف، والرجاء، فمن نتائج توحيد الربوبية، وكذلك توحيد الإلهية، هو: أشهر نتائج توحيد الربوبية\" (^١).\nفبيّن -﵀- علاقة التلازم بين الشرك في الإلهية والشرك في الربوبية، وأن الأول يستلزم الثاني، فلا يحصل خلل في الإلهية قط وتكون الربوبية تامة كاملة هذا لا يحصل؛ بل كل خلل وانحراف في الإلهية إنما هو نتيجة لخلل في الربوبية أو في الأسماء والصفات ولا بد.\n_________\n(^١) الدرر السنية (٢/ ٦٣ - ٦٥).","vol":"1","page":435},{"text":"ويؤكد الإمام ابن تيمية حقيقة التلازم والارتباط بين توحيد الربوبية وتوحيد العبادة، وأنه إذا دخل الخلل والانحراف في الأول فمن باب أولى أن يحصل في الثاني، فيقول -﵀-: \"وذلك أن كثيرًا من كلامهم أخذوه من كلام المعتزلة، والمعتزلة مقصرون في هذا الباب فإنهم لم يفوا توحيد الربوبية حقه فكيف بتوحيد الإلهية\" (^١).\nويبيّن الإمام سليمان بن عبد الله آل الشيخ التلازم بين الشرك في العبادة والإلحاد في أسمائه -﷾-، فيقول -﵀-: \"قوله: ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠]: يشركون؛ أي: يشركون غيره في أسمائه؛ كتسميتهم الصنم إلهًا، ويحتمل أن المراد الشرك في العبادة؛ لأن أسماءه تعالى تدل على التوحيد، فالإشراك بغيره إلحاد في معاني أسمائه -﷾-، لا سيما مع الإقرار بها كما كانوا يقرون بالله ويعبدون غيره، فهذا الاسم وحده أعظم الأدلة على التوحيد، فمن عبد غيره فقد ألحد في هذا الاسم وعلى هذا بقية الأسماء\" (^٢).\nويقول الشيخ العثيمين مبينًا التلازم من طرف واحد بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية فيقول: \"فقوله: (الملك) من توحيد الربوبية، والألوهية من توحيد الربوبية أيضًا؛ لأن إثبات الألوهية، متضمن لإثبات الربوبية، وإثبات الربوبية مستلزم لإثبات الألوهية، ولهذا لا تجد أحدًا يوحد الله في ألوهيته إلا وقد وحَّده في ربوبيته، لكن من الناس من يوحد الله في ربوبيته، ولا يوحده في ألوهيته وحينئذٍ نلزمه، ونقول: إذا وحدت الله في الربوبية، لزمك أن توحده في الألوهية، ولهذا فإن عبارة العلماء محكمة حيث قالوا: (توحيد الربوبية مسلتزم لتوحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية) \" (^٣).\n_________\n(^١) منهاج السُّنَّة النبوية (٣/ ٢٩٥).\n(^٢) تيسير العزيز الحميد (ص ٥٤٨).\n(^٣) الشرح الممتع لابن عثيمين (٧/ ١٢٤).","vol":"1","page":436},{"text":"فإن توحيد الألوهية ها هنا يكون ملزومًا لتوحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية هو اللازم له، فإذا ثبت الملزوم ثبت لازمه، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، ولا يلزم من انتفاء الملزوم وهو توحيد العبادة انتفاء لازمه من توحيد الربوبية، وهذا كما علمنا في حال ما إذا كان توحيد الربوبية غير تام، وإلا فلا يحصل خلل في توحيد العبادة ويكون توحيد الربوبية تامًا.\nولذا يقول أبو البقاء في بيان التلازم من طرف واحد: \"اتصال اللازم بالملزوم أشد عن عكسه؛ لأن الملزوم لما لم يوجد بدون اللازم كان اللازم متصلًا به لا محالة، واللازم لما وجد بدون الملزوم تصور انفكاك الملزوم عنه، كالحيوانية اللازمة للإنسان فإنها لا تنفك عنه، وتنفك الإنسانية التي هي ملزوم الحيوانية في الفرس ونحوه\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-104> المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nدلَّت قاعدة التلازم بين أنواع التوحيد وأضدادها على فوائد عديدة منها:\nأولًا: من المعلوم أن أعظم أركان الإيمان بالله تعالى هو توحيده، وهو متضمن للقول والعمل كما هو اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة، وعليه فلا يصح إيمان أحد إلا باجتماع القول والعمل والاعتقاد، ولا يمكن تصور هذا الاجتماع إلا باجتماع أنواع التوحيد الثلاثة، فهي متلازمة هي وأضدادها كذلك فإذا اختل واحد منها سرى الخلل في الجميع ولا بد.\nفلا ينفع توحيد الربوبية بدون توحيد الألوهية، كما لا ينفع توحيد الألوهية بدون توحيد الربوبية، فإن من عبد الله وحده ولم يشرك به شيئًا\n_________\n(^١) الكليات (ص ١٠٧٤).","vol":"1","page":437},{"text":"في عبادته، ولكنه اعتقد مع ذلك أن لغير الله تعالى تأثيرًا في شيء، أو قدرة على ما لا يقدر عليه إلا لله، أو أنه يملك ضر العباد أو نفعهم ونحو ذلك، فهذا لا تصح عبادته؛ لأن أساسها يجب أن يكون الإيمان بالله ربًّا متفردًا بخصائص الربوبية جميعًا.\nثانيًا: من دعا غير الله تعالى فلا شك أنه أشرك في العبادة، وهذا الشرك يستلزم إشراكه في الربوبية وفي الأسماء والصفات؛ فإن أضداد أنواع التوحيد متلازمة.\nيقول الشيخ الحكمي بعد أن قرَّر قاعدة التلازم: \"مثال ذلك في هذا الزمن: عُباد القبور إذا قال أحدهم: يا شيخ فلان لذلك المقبور أغثني، أو افعل لي كذا ونحو ذلك، يناديه من مسافة بعيدة، وهو مع ذلك تحت التراب، وقد صار ترابًا، فدعاؤه إياه عبادة صرفها له من دون الله؛ لأن الدعاء مخ العبادة، فهذا شرك في الإلهية، وسؤاله إياه تلك الحاجة، من جلب خير، أو دفع ضر، أو رد غائب، أو شفاء مريض، أو نحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله معتقدًا أنه قادر على ذلك هذا شرك في الربوبية، حيث اعتقد أنه متصرف مع الله تعالى في ملكوته، ثم إنه لم يدعه هذا الدعاء إلا مع اعتقاده أنه يسمعه على البعد والقرب، في أي وقت كان، وفي أي مكان ويصرحون بذلك، وهذا شرك في الأسماء والصفات، حيث أثبت له سمعًا محيطًا بجميع المسموعات، لا يحجبه قرب ولا بعد، فاستلزم هذا الشرك في الإلهية الشرك في الربوبية والأسماء والصفات\" (^١).\nويقول الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز: \"أما الحي فيطلب منه ما يقدر عليه، إذا كان حاضرًا يسمع كلامك، أو من طريق الكتابة، أو من طريق الهاتف، وما أشبه ذلك من الأمور الحسية، تطلب منه ما يقدر\n_________\n(^١) معارج القبول (٢/ ٤٧٥).","vol":"1","page":438},{"text":"عليه، تبرق له أو تكتب له أو تكلمه في الهاتف، تقول ساعدني على عمارة بيتي، أو على إصلاح مزرعتي؛ لأن بينك وبينه شيئًا من المعرفة أو التعاون.\nوهذا لا بأس به، كما قال الله -﷿- في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] أما أن تطلب من الميت، أو الغائب، أو الجماد كالأصنام، شفاء مريض، أو النصر على الأعداء، أو نحو ذلك، فهذا من الشرك الأكبر.\nوهكذا طلبك من الحي الحاضر ما لا يقدر عليه إلا الله -﷾- يعتبر شركًا به -﷾-؛ لأن دعاء الغائب بدون الآلات الحسية معناه: اعتقاد أنه يعلم الغيب، أو أنه يسمع دعاءك وإن بعد، وهذا اعتقاد باطل يوجب كفر من اعتقده، يقول الله جلَّ وعلا: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] أو تعتقد أن له سرًا يتصرف به في الكون، فيعطي من يشاء ويمنع من يشاء، كما يعتقده بعض الجهلة في بعض من يسمونهم بالأولياء، وهذا شرك في الربوبية أعظم من شرك عباد الأوثان\" (^١).\n_________\n(^١) فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ ابن باز (١٣/ ٣٢٩ - ٣٣٠)، و(٥/ ٣٣٤ - ٣٣٥).","vol":"1","page":439},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>المبحث الثاني\nقاعدة توحيد الربوبية لا يصير الإنسان به مسلمًا حتى يأتي بأنواع التوحيد الأخرى</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-106> المسألة الأولى* معنى القاعدة</span>\nلقد بيَّنتُ في قاعدة سابقة إقرار المشركين واعترافهم بتوحيد الربوبية، بل وإقرار البشرية عامة بهذا التوحيد، وأنه لم ينكره أحد من البشر إلا الشواذ منهم على وجه الاستكبار والعناد، وهذه القاعدة دلَّت على أن هذا الاعتراف بهذا النوع من التوحيد لا يفيدهم شيئًا إذا لم يقترن به توحيد العبادة، ولا يخلصهم من شركهم، ولا يدخلهم فيما دعاهم له الأنبياء من التوحيد الخالص، وليس بمبعدهم من عذاب الله الذي توعَّد به الكافرين، كما أن هذا الإقرار منهم لا يعتبر عاصمًا لدمائهم وأموالهم، ولا يدخلهم في دين الإسلام، بل هو من أعظم الحجج التي حجَّهم بها الرب ﵎ في القرآن: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ [الأنعام: ١٤٩].\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وهذا التوحيد توحيد الربوبية العامة كان المشركون يقرون به، فهو وحده لا ينجي من نار ولا يدخل الجنة، بل","vol":"1","page":440},{"text":"التوحيد المنجي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، بحيث يقر بأن الله هو المستحق للعبادة دون ما سواه، وأن محمدًا رسوله\" (^١).\nويقول الإمام ابن القيم مؤكدًا هذا المعنى: \"وأما ما فيه من التوحيد، وانتهاء الأمور إلى مشيئة الرب -ﷻ-، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فذلك عقد نظام الإيمان، ومع ذلك فلا يكفي وحده، إذ غايته تحقيق توحيد الربوبية الذي لا ينكره عباد الأصنام، وإنما الشأن في أمر آخر وراء هذا، هذا بابه، والمدخل إليه، والدليل عليه، ومنه يوصل إليه، وهو التوحيد الذي دعت إليه الرسل، ونزلت به الكتب، وعليه الثواب\" (^٢).\nفكلام ابن القيم: يدل على أهمية توحيد الربوبية، وأنه الأصل والأساس الذي يقوم عليه توحيد العبادة، كما سيأتي بيان ذلك مفصلًا في قاعدة مستقلة، ولكنه مع كل هذه المكانة إلا أنه لا يكفي ولا يفيد شيئًا إذا لم يقرن بتوحيد العبادة الذي هو غاية الله من بعثة الرسل.\nيقول الشيخ سليمان آل الشيخ: \"وقد عرفوا معنى لا إله إلا الله وأبوا على النطق والعمل بها، فلم ينفعهم توحيد الربوبية مع الشرك في الإلهية، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦] \" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-107> المسألة الثانية * أدلة القاعدة</span>\nأذكر فيما يلي بعض الأدلة التي تدلل على صحة القاعدة وشرعيتها:\n_________\n(^١) تلخيص كتاب الاستغاثة (١/ ٣٥٨ - ٣٥٩).\n(^٢) مدارج السالكين (٣/ ٣٩٧).\n(^٣) تيسير العزيز الحميد (ص ٥٩).","vol":"1","page":441},{"text":"١ - إقرار المشركين بتوحيد الربوبية لا يدخلهم في الإسلام؛ لأن الإسلام هو التوحيد، وإفراده -﷿- بالعبادة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، فالذي أقرَّ لله بالربوبية ولم يأت بلازمه من توحيد العبادة لم يحقق الإسلام الذي سمى الله تعالى أهله مسلمين، ووعدهم بالحسنى.\nيقول الشيخ سليمان آل الشيخ: \"وهذا التوحيد هو حقيقة دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد سواه كما قال النبي -ﷺ-: \"بُني الاسلامُ على خَمْس شَهَادةِ أنْ لَا إله إلّا الله، وأن محمدًا رسولُ الله، وإقامِ الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاةِ، وَصَوْم رَمَضَانَ، وحَج البَيتِ\"\" (^١).\nفأخبر أن دين الإسلام مبني على هذه الأركان الخمسة: وهي الأعمال، فدل على أن الإسلام: هو عبادة الله وحده لا شريك له بفعل المأمور وترك المحظور، والإخلاص في ذلك لله، وقد تضمن ذلك جميع أنواع العبادة، فيجب إخلاصها لله تعالى، فمن أشرك بين الله تعالى وبين غيره في شيء فليس بمسلم\" (^٢).\n٢ - أن توحيد الربوبية الذي أقرَّ به المشركون لم يقبله الله منهم، بل هو مردود عليهم، ولو كان إقرارهم هذا كافيًا عند الله تعالى لما أرسل الرسل وأنزل الكتب التي فيها الأمر بإفراده بالعبادة، كما قال عزَّ من قائل: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١].\nيقول الإمام الصنعاني: \"الحمد لله الذي لا يقبل توحيد ربوبيته من العباد حتى يفردوه بتوحيد العبادة كل الإفراد؛ من اتخاذ الأنداد، فلا يتخذون له ندًا، ولا يدعون معه أحدًا، ولا يتكلون إلا عليه، ولا\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه، انظر: (ص ٥٠٥) من الرسالة.\n(^٢) تيسير العزيز الحميد (ص ٣١).","vol":"1","page":442},{"text":"يفزعون في كل حال إلا إليه، ولا يدعونه بغير أسمائه الحسنى، ولا يتوصلون إليه بالشفعاء\" (^١).\nولذا من اتخذ غير عبادة الله وتوحيده دينًا، كان ولا بد متخذًا غير الله معبودًا، فكان ممن ابتغى غير دين الإسلام دينًا، فلا يقبل الله منه، ولذا يقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فبيَّن سبحانه أنه بهذا التوحيد بعث جميع الرسل، وأنه بعث إلى كل أمة رسولًا به، وهذا هو الإسلام الذي لا يقبل الله من الأولين ولا من الآخرين دينًا غيره\" (^٢).\n٣ - أن إقرار المشركين بتوحيد الربوبية دون توحيد العبادة لم يعصم دماءهم ولم يحرّم أموالهم، بل أمر الله نبيه بقتالهم، فأوجب سفك دمائهم، وأحلَّ له أخذ أموالهم، وأباح سبي نساءهم، ولو كان اعترافهم وإيمانهم بربوبية الله تعالى نافعًا لهم لما أمر الله بقتالهم حتى يوحدوه ويفردوه بالعبادة، ولكان قتال النبي -ﷺ- لهم، وسفكه لدمائهم، وسبيه لذراريهم ونسائهم، هو عين الظلم والجور.\nقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [التوبة: ٥].\nيقول الإمام الطبري في تفسير الآية: \"فإن رجعوا عما نهاهم عليه من الشرك بالله، وجحود نبوة نبيه محمد -ﷺ- إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأنداد، والإقرار بنبوة محمد -ﷺ- ﴿وَأَقَامُواْ اَلصَّلَوةَ﴾، يقول: وأدوا ما فرض الله عليهم من الصلاة بحدودها، وأعطوا الزكاة التي أوجبها الله عليهم في أموالهم أهلها، ﴿فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾،\n_________\n(^١) تطهير الاعتقاد (ص ٦٧).\n(^٢) الفتاوى الكبرى (٥/ ٢٤٩).","vol":"1","page":443},{"text":"يقول: فدعوهم يتصرفون في أمصاركم ويدخلون البيت الحرام\" (^١).\n٤ - ثم لو كان اعترافهم هذا نافعًا لهم عند الله تعالى لما حجَّهم الله ﵎ به، وألزمهم بتوحيد الألوهية بسبب إقرارهم هذا، ولكنهم لما لم يأتوا بتوحيد العبادة صار إقرارهم هذا حجة عليهم (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-108> المسألة الثالثة* أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nنبَّه على هذه القاعدة، وقرر معناها جملة من أهل العلم، وفيما يأتي أنقل ما وقفت عليه من ذلك:\nيقول الإمام ابن القيم: \"وأما توحيد الربوبية الذي أقرَّ به المسلم والكافر، وقرره أهل الكلام في كتبهم فلا يكفي وحده بل هو الحجة عليهم كما بيَّن ذلك سبحانه في كتابه الكريم في عدة مواضع، ولهذا كان حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا\" (^٣).\nويقول ﵀: \"وكان توحيد الإلهية الذي كلمته (لا إله إلا الله) رأس الأمر، فأما توحيد الربوبية الذي أقر به كل المخلوقات فلا يكفي وحده وإن كان لا بد منه، وهو حجة على من أنكر توحيد الألوهية، فحق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحقهم عليه إذا فعلوا ذلك أن لا يعذبهم، وأن يكرمهم إذا قدموا عليه، وهذا كما أنه غاية محبوب العبد ومطلوبه، وبه سروره ولذته ونعيمه، فهو أيضًا محبوب الرب من عبده، ومطلوبه الذي يرضى به، ويفرح بتوبة عبده -إذا رجع إليه وإلى عبوديته وطاعته- أعظم من فرح من وجد راحلته التي عليها\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٠/ ٧٨)، (١٠/ ٨٦).\n(^٢) انظر: التمهيد في مبحث أدلة توحيد العبادة (ص ٦١).\n(^٣) إغاثة اللهفان (١/ ٣٠)، وانظر: قواعد ومسائل في توحيد الإلهية للريس (ص ٣٤).","vol":"1","page":444},{"text":"طعامه وشرابه\" (^١).\nفأشار إلى أن توحيد الربوبية لا يكفي في اعتبار الإسلام، وإن كان لا بد منه، إذ لا يصح توحيد الألوهية إلا به، فهو كالأساس الذي يبنى عليه.\nويؤكد -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذا المعنى بقوله: \"وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة والأنبياء والأولياء يريدون شفاعتهم والتقرب إلى الله تعالى بهم هو الذي أحل دماءهم وأموالهم، عرفت حينئذٍ التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون، وهذا التوحيد هو معنى قولك لا إله إلا الله؛ فإن الإله عندهم هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور؛ سواء كان ملكًا أو نبيًا أو وليًا أو شجرة أو قبرًا أو جنيًا، لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرزاق المدبر\" (^٢).\nبل إن مشركي العرب مع إقرارهم بتوحيد الربوبية كانت لهم عبادات يفعلونها لله تعالى كالحج والصدقة وإخلاص الدعاء حال الشدة، وكان لهم نصيب من محبة الله ﵎ كما قال ﷿: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾ [البقرة: ١٦٥].\nقال الزجاج في معنى الآية: \"يحبون الأصنام كما يحبون الله؛ لأنهم أشركوها مع الله فسووا بين الله وبين أوثانهم في المحبة\" (^٣).\nلكن هذا الإقرار وهذه العبادات التي يفعلونها لم تنفعهم عند الله ﵎؛ لأنَّهم لم يخلصوا العبادة له ﷿.\n_________\n(^١) طريق الهجرتين (ص ٩٨).\n(^٢) مؤلفات محمد بن عبد الوهاب في العقيدة (١٥٤).\n(^٣) تفسير البغوي (١/ ١٣٦).","vol":"1","page":445},{"text":"يقول -الإمام المجدد-: الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"ومنها آية البقرةِ في الكفار الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا هُم بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ [البقرة: ١٦٧] ذكر أنهم يُحبُّون أندادهم كحبِّ الله، فدلَّ عَلى أنهم يحبون الله حبًا عظيمًا ولم يُدْخلهم في الإسلام فكيف بمن أحبَّ النِّدَّ أكبر من حُبِّ الله!، فكيف بمن لم يُحِبَّ إلا النِّدَّ وحده ولم يُحِبَّ اللّه! \" (^١).\nويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: \"توحيد الربوبية، واعتقاد الفاعلية له تعالى لا يكفي في السعادة والنجاة، ولا يكون به الرجل مسلمًا حتى يعبد الله وحده، ويتبرأ مما سواه من الأنداد والآلهة\" (^٢).\nويقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: \"ومجرد الإقرار بتوحيد الربوبية من أَن اللّه هو الخالق الرازق المدبر وحده لا يكفي في عصمة الدم والمال، ولا يكون به الرجل مسلمًا حتى يوحد الله تعالى في العبادة؛ فإن المشركين الذين بعث فيهم رسول الله -ﷺ- كانوا مقرين بتوحيد الربوبية\" (^٣).\nويقول الشيخ الشنقيطي: \"والآيات الدالة على أن المشركين مقرون بربوبيته جلَّ وعلا ولم ينفعهم ذلك لإشراكهم معه غيره في حقوقه جلَّ وعلا كثيرة\".\nثم ذكر جملة منها ثم قال: \"والآيات المذكورة صريحة في أن الاعتراف بربوبيته جلَّ وعلا لا يكفي في الدخول في دين الإسلام إلا\n_________\n(^١) كتاب التوحيد (ص ٢٥).\n(^٢) تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس (ص ٥٠).\n(^٣) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (١/ ٧٣)، برقم (١٨) تحت عنوان: (تفسير أصل الإسلام).","vol":"1","page":446},{"text":"بتحقيق معنى لا إله إلا الله نفيًا وإثباتًا\" (^١).\nويقول الشيخ الألباني مصرحًا بما تضمنته القاعدة: \"فإن هذا التوحيد وهو المعروف عند العلماء بتوحيد الربوبية، كان يؤمن به المشركون الذين بعث إليهم رسول الله -ﷺ- كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨]، ومع ذلك فلم ينفعهم هذا التوحيد شيئًا، لأنهم كفروا بتوحيد الألوهية والعبادة، وأنكروه على النبي -ﷺ- أشد الإنكار بقولهم فيما حكاه الله عنهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص: ٥].\nومن مقتضيات هذا التوحيد الذي أنكروه ترك الاستغاثة بغير الله، وترك الدعاء والذبح لغير الله، وغير ذلك مما هو خاص بالله تعالى من العبادات، فمن جعل شيئًا من ذلك لغير الله ﵎ فقد أشرك به، وجعل له ندًا وإن شهد له بتوحيد الربوبية، فالإيمان المنجي إنما هو الجمع بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وإفراد الله بذلك\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-109> المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nمن الفوائد التي دلت عليها القاعدة:\nأولًا: عظم مكانة توحيد الألوهية عند الله تعالى، وأنه رأس الأمر وأساس الملة، وهو الذي رضيه الله ﵎ لعباده، وأعدَّ لمن حققه جنات النعيم، والفوز المقيم، والسعادة في الدنيا والآخرة، وهذا لا يعني إهمال توحيد الربوبية، بل هو الأصل لتوحيد العبادة، ودليله الأكبر، وهو الباب الذي يدخل منه إلى عبادة الله ﵎.\n_________\n(^١) أضواء البيان (٢/ ١٥٤).\n(^٢) تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد (ص ٧٣).","vol":"1","page":447},{"text":"ثانيًا: أن عدم انتفاع المشركين بإقرارهم بتوحيد الربوبية بسبب أنهم لم يأتوا بلازمه؛ إذ إن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية كما سيأتي بيانه، فإذا تخلف توحيد العبادة ولم يحصل دلَّ ذلك على عدم اعتبار توحيد الربوبية، إذ لو كان نافعًا لأتى بلازمه من توحيد العبادة.\nيقول الإمام الصنعاني: \"ومع هذا كله فهم مقرون لله تعالى بالربوبية، وأنه الخالق، ولكنهم لما أشركوا في عبادته جعلهم مشركين ولم يعتد بإقرارهم هذا؛ لأنَّه نافاه فعلهم، فلم ينفعهم الإقرار بتوحيد الربوبية، فمن شأن من أقر لله تعالى بتوحيد الربوبية أن يفرده بتوحيد العبادة، فإذا لم يفعل ذلك فالإقرار الأول باطل. وقد عرفوا ذلك وهم في طبقات النار فقالوا: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء:٩٧، ٩٨] مع أنهم لم يسووهم به من كل وجه، ولا جعلوهم خالقين ولا رازقين، لكنهم علموا إذ صاروا في النار وهم في قعر جهنم أن خلطهم الإقرار بذرة من ذرات الإشراك وعدم توحيد العبادة صيرهم كمن سوى بين الأصنام وبين ربّ الأنام.\nثالثًا: في القاعدة رد على أهل الكلام والتصوف الذين جعلوا من أتى بتوحيد الربوبية فقد أتى بالإسلام التام، وصار من المؤمنين الذين يستحقون الجنة والنجاة من النار، ولا شك في بطلان هذا الزعم؛ لأن هذا التوحيد لو كان كافيًا في أصل الإسلام لكفى المشركين الذين أقروا به.\nيقول شيخ الإسلام في معرض رده على المتكلمين: \"وأدخلوا في التوحيد والإسلام أمورًا باطلة ظنوها من التوحيد وهي تنافيه، وأخرجوا من الإسلام والتوحيد أمورًا عظيمة لم يظنوها من التوحيد وهي أصله، فأكثر هؤلاء المتكلمين لا يجعلون التوحيد إلا ما يتعلق بالقول والرأي واعتقاد ذلك دون ما يتعلق بالعمل والإرادة واعتقاد ذلك، بل التوحيد الذي لا بد منه لا يكون إلا بتوحيد الإرادة والقصد، وهو توحيد العبادة،","vol":"1","page":448},{"text":"وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله أن يقصد الله بالعبادة ويريده بذلك دون ما سواه\" (^١).\nويقول الإمام اللغوي ابن منظور (^٢): \"اللَّهُمَّ إنا نسألك صحة التوحيد، والإخلاص في الإيمان؛ انظر إلى هؤلاء: لم ينفعهم طوافهم، ولا تلبيتهم، ولا قولهم عن الصنم: (هو لك)، ولا قولهم: (تملكه وما ملك)، مع تسميتهم الصنم شريكًا، بل حبط عملهم بهذه التسمية، ولم يصح لهم التوحيد مع الاستثناء، ولا نفعتهم معذرتهم بقولهم: إلا ليقربونا إلى الله زلفى\" (^٣).\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (٥/ ٢٥٠).\n(^٢) هو: اللغوي الأديب أبو الفضل محمد بن مكرم بن علي بن منظور الأنصاري الأفريقي المصري جمال الدين ولد في محرم ٦٣٠ هـ، ولي قضاء طرابلس مات في شعبان سنة ٧١١ هـ، ومن كتبه: لسان العرب، ومختار الأغاني في الأخبار والتهاني، وغيرها [انظر: الدرر الكامنة لابن حجر (٥/ ٣١)، والأعلام للزركلي (٧/ ١٠٨)].\n(^٣) لسان العرب (١٠/ ٤٥٠).","vol":"1","page":449},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>المبحث الثالث\nقاعدة توحيد الربوبية أقرت به الخلائق مؤمنها وكافرها ولم ينكره إلا الشذاذ من العالم</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-111> المسألة الأولى* بيان بعض ألفاظ القاعدة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>معنى توحيد الربوبية:</span>\nتوحيد الربوبية معناه: الاعتقاد الجازم، والإيمان القاطع بإفراد الله ﷿ يختص به من أفعاله ﷾، هو وحده ربُّ كلّ شيء ومليكه، وهو الخالق لهذا الكون والمدبّر له، لم يشركه في خلقه أحد؛ لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا منازع له في شيء من خصائص ربوبيته، ولا شريك له في شيء من ملكه، وبهذه المعاني السالفة أو بعضها عرَّفه أهل العلم، وفيما يلي أذكر ما وقفت عليه من ذلك:\nعرَّفه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: \"فتوحيد الربوبية: أنه لا خالق إلا الله، فلا يستقل شيء سواه بإحداث أمر من الأمور، بل ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٣٣١).","vol":"1","page":450},{"text":"وعرَّفه -الإمام المجدد- محمد بن عبد الوهاب: \"توحيد الربوبية: فعل الرب مثل الخلق والرزق والإحياء والإماتة وإنزال المطر وإنبات النبات وتدبير الأمور\" (^١).\nوعرَّفه سليمان آل الشيخ بقوله: \"توحيد الربوبية والملك: وهو الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء، ومالكه وخالقه ورازقه، وأنه المحيي المميت النافع الضار، المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له الأمر كله وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء، ليس له في ذلك شريك ويدخل في ذلك الإيمان بالقدر\" (^٢).\nوعرَّفه الإمام الصنعاني بقوله بعد ما ذكر أن التوحيد قسمان: \"القسم الأول: توحيد الربوبية والخالقية والرازقية ونحوها؛ ومعناه: أن الله تعالى وحده هو الخالق للعالم، وهو الرب لهم والرازق لهم\" (^٣).\nوعرَّف الزَّبِيدِي (^٤) مَنْ حَقَّق (توحيد الربوبية) بقوله: \"التَّوْحِيدُ تَوْحِيدَانِ: تَوْحِيد الرُّبُوبِيَّة وتَوْحِيدُ الإلهِية؛ فصاحِبُ تَوْحِيد الرَّبَّانيَّةِ: يَشْهَد قَيُّومِيَّةَ الرَّبِ فَوْقَ عَرْشِه يُدَبِّرُ أَمْرَ عِبادِهِ وَحْدَه، فلا خالِقَ ولا رَازِقَ ولا\n_________\n(^١) مجموعة رسائل في التوحيد والإيمان (ص ٣٧١)، وانظر: مؤلفات محمد بن عبد الوهاب في العقيدة (ص ١٤٥).\n(^٢) تيسير العزيز الحميد (ص ٢٦).\n(^٣) تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد (ص ٧٩).\n(^٤) هو: محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني الزبيدي، أبو الفيض، الملقب بمرتضى: علامة باللغة، والحديث، والرجال، والأنساب، من كبار المصنفين، ولد سنة ١١٤٥ هـ، أصله من واسط (في العراق)، ومولده بالهند (في بلجرام)، ومنشأه في زبيد (باليمن) رحل إلى الحجاز، وأقام بمصر، فاشتهر فضله، من كتبه: تاج العروس في شرح القاموس، وإتحاف السادة المتقين في شرح الإحياء، وعقود الجواهر المنيفة في أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة، وكشف اللثام عن آداب الإيمان والإسلام، وغيرها، توفي بالطاعون في مصر سنة ١٢٠٥ هـ. [ترجمته في: الأعلام للزركلي (٧/ ٧٠)].","vol":"1","page":451},{"text":"مُعْطِيَ ولا مَانِعَ ولا مُحْيِيَ ولا مُمِيتَ، ولا مُدَبِّرَ لأَمْرِ المَمْلَكَةِ ظَاهِرًا وباطِنًا غيرُه، فما شاءَ كانَ وما لم يَشَأ لم يَكُنْ، ولا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، ولا يَجُوز حادِثٌ إِلا بِمَشِيئَتِهِ، ولا تَسْقُط وَرَقَةٌ إِلَّا بِعِلْمِهِ، ولا يَعْزُب عنه مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأَرْضِ ولا أَصْغَرُ مِن ذلك ولا أَكْبَرُ إِلَّا وقد أَحْصَاهَا عِلْمُه، وأَحاطتْ بها قُدْرَتُه، ونَفَذَتْ فيها مَشِيْئَتُه، واقْتَضَتْهَا حِكْمَتُه\" (^١).\nوعرَّفه الشيخ السعدي بقوله: \"توحيد الربوبية: بأن يعتقد العبد أن الله هو الرب المتفرد بالخلق والرزق والتدبير، الذي ربى جميع الخلق بالنعم، وربى خواص خلقه وهم الأنبياء وأتباعهم بالعقائد الصحيحة، والأخلاق الجميلة، والعلوم النافعة، والأعمال الصالحة، وهذه التربية النافعة للقلوب والأرواح المثمرة لسعادة الدارين\" (^٢).\nوعرَّفه الشيخ الحكمي بقوله: \"فإذا عرفت أن توحيد الربوبية هو الإقرار بأن الله تعالى هو الخالق الرازق، المحي المميت، المدبر لجميع الأمور، المتصرف في كل مخلوقاته، لا شريك له في ملكه، فضد ذلك: هو اعتقاد العبد وجود متصرف مع الله غيره فيما لا يقدر عليه إلا الله ﷿\" (^٣).\nومما سبق يتبين لنا معنى توحيد الربوبية، وهو إفراد الله تعالى بأفعاله، ولا شك أن أفعال الله كثيرة، كالخلق والرَّزق، والإحياء، والإماتة، وتدبير الكون، والنفع والضر، والشفاء، والإجارة، وإجابة دعوة المضطر، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم، فيعتقد المسلم اعتقادًا جازمًا بأن هذه الأفعال خاصة بالله ﵎، لا يشركه فيها أحد من\n_________\n(^١) تاج العروس (٩/ ٢٧٦).\n(^٢) القول السديد في مقاصد التوحيد (ص ١٩).\n(^٣) معارج القبول (٢/ ٤٥٩).","vol":"1","page":452},{"text":"خلقه لا ملك مقرَّب ولا نبيّ مرسل (^١).\nومما ينبغي التنبيه عليه أن ربوبية الله تعالى على خلقه قسمان:\n١ - ربوبية عامة، وهي شاملة لجميع ما خلقه الله تعالى في هذا الكون، من الخلق والرزق والإحياء والإماتة والتدبير وغير ذلك مما فيه صلاح دنياهم، واستقامة معايشهم، وسلامة أبدانهم، وهذا مما يشترك فيه المؤمن والكافر، والبرّ والفاجر.\n٢ - ربوبية خاصة، وهي ربوبية الهداية والرشاد، والتأييد والنصر على الأعداء، وهي متعلقة بخواص الخلق من الأنبياء وأتباعهم من أهل الإيمان والصلاح، فيربيهم بالإيمان والطاعة، وبالعلوم النافعة، والعقائد الصحيحة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الجميلة، وهذه هي التربية النافعة للقلوب والأرواح، المثمرة للسعادة والفلاح في الدنيا والآخرة (^٢).\nولما كانت حاجة الأنبياء والأولياء من المؤمنين إلى ربوبيته تعالى الخاصة ملحةً وعظيمةً، بحيث لا يستغنون عنها طرفة عين ناسب أن تكون غالب أدعيتهم بلفظ (الرب) دون لفظ (الإله)، إذ إن مطالبهم كلها مندرجة تحت ربوبيته الخاصة (^٣).\nيقول الإمام ابن تيمية: \"ونظيرها من بعض الوجوه: الربوبية والعبودية؛ فإنهما وإن اشتركتا في أصل الربوبية والعبودية، فلما قال: ﴿... بِرَبِّ اَلعَلَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ (١٢٢) [الأعراف: ١٢١، ١٢٢]، كانت ربوبية موسى وهارون لها اختصاص زائد على الربوبية العامة للخلق؛ فإن من أعطاه الله من الكمال أكثر مما أعطى غيره فقد ربه ورباه ربوبية وتربية\n_________\n(^١) انظر: التمهيد على كتاب التوحيد (ص ٦).\n(^٢) انظر: المفيد على كتاب التوحيد، للشيخ عبد الله بن صالح القصير (ص ٨ - ٩).\n(^٣) انظر: تفسير السعدي (ص ٣٩).","vol":"1","page":453},{"text":"أكمل من غيره\" (^١).\nويقول أيضًا: \"فالعبد مع شهوده الربوبية العامة الشاملة للمؤمن والكافر والبر والفاجر؛ عليه أن يشهد ألوهيته التي اختص بها عباده المؤمنين الذين عبدوه وأطاعوا أمره واتبعوا رسله\" (^٢).\nويقول - الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"السابعة عشرة: فى أول اقرأ: الربوبية العامة، وأول المدثر: الربوبية الخاصة\" (^٣).\nوكلاهما من فعل الرب ﵎ لا يخرج منهما شيء عن خلقه وتدبيره ﷾.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-113> المسألة الثانية* معنى القاعدة</span>\nدلَّت القاعدة على إقرار واعتراف جميع الخلائق بربوبية الله تعالى العامة، وأنه الخالق لهذا الكون فلا تخرج مثقال ذرة منه عن خلقه وعلمه وتدبيره وإحاطته ﵎، كما أنه المالك لهذا الكون الملك التام الذي لا ينازعه فيه أحد من الخلق لا ملك مقرَّب، ولا نبيّ مرسل، أحكم كل شيء خلقه، وأتقنه بعلمه وحكمته، فكل مشرك وملحد يقرّ بذلك في نفسه، وإن جحده بلسانه.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فالكفار المشركون مقرون أن الله خالق السماوات والأرض، وليس في جميع الكفار من جعل لله شريكًا مساويًا له في ذاته، وصفاته، وأفعاله، هذا لم يقله أحد قط، لا من المجوس الثنوية، ولا من أهل التثليث، ولا من الصابئة المشركين الذين يعبدون\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٥/ ١٠٥).\n(^٢) اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٤٦١).\n(^٣) تفسير آيات من القرآن الكريم (ص ٣٦٧).","vol":"1","page":454},{"text":"الكواكب والملائكة، ولا من عُباد الأنبياء والصالحين، ولا من عُباد التماثيل والقبور، وغيرهم؛ فإن جميع هؤلاء وإن كانوا كفارًا، مشركين، متنوعين في الشرك، فهم مقرون بالرب الحق الذي ليس له مثل في ذاته، وصفاته، وجميع أفعاله، ولكنهم مع هذا مشركون به في ألوهيته بأن يعبدوا معه آلهة أخرى يتخذونها شفعاء أو شركاء، أو في ربوبيته بأن يجعلوا غيره رب بعض الكائنات دونه، مع اعترافهم بأنه رب ذلك الرب، وخالق ذلك الخلق\" (^١).\nويقول ابن أبي العز الحنفي: \"وهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم، بل القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات، كما قالت الرسل فيما حكى الله عنهم: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم:١٠] \" (^٢).\nكما أن القاعدة دلَّت على أنه لم ينكر إفراد الله بالربوبية، واختصاصه بالخلق والملك والتدبير إلا من شذَّ من أهل الأرض.\nثم إن من أشهر من أنكر توحيد الله تعالى جملة وتفصيلًا في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته هو فرعون -عليه لعنة الله-.\nيقول الإمام محمد الأمين الشنقيطي: \"أما تجاهل فرعون لعنه الله لربوبيته جلَّ وعلا في قوله: ﴿قَالَ فِرغَوْنُ وَمَا رَبُّ اَلْعلمِينَ (٢٣)﴾ [الشعراء: ٢٣]، فإنه تجاهل عارف؛ لأنَّه عبد مربوب كما دل عليه قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، وقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] \" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١١/ ٥١).\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٧٧).\n(^٣) أضواء البيان (٢/ ١٥٥)، وانظر: (٣/ ١٨).","vol":"1","page":455},{"text":"ويقول الإمام ابن أبي العز: \"وأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع فرعون، وقد كان مستيقنًا به في الباطن كما قال له موسى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾، وقال تعالى عنه وعن قومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾، ولهذا لما قال: ﴿وَمَا رَبُّ اَلعلَمِينَ (٢٣)﴾ على وجه الإنكار له تجاهل العارف قال له موسى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨)﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٨] \" (^١).\nيقول الشيخ حافظ الحكمي: \"توحيد الربوبية لم ينكره أحد إلا مكابرة؛ كفرعون، ونمرود، والثنوية الذين اعتقدوا للوجود خالقين اثنين تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا\" (^٢).\nوالمقصود هنا: أن من أنكر توحيد الربوبية إنما أنكره مكابرة وعنادًا، ومنهم من أسند الخلق إلى النور أو الظلمة أو غير ذلك، ولكنهم على اختلاف فرقهم لم يثبتوا صانعين للعالم متماثلين في الصفات والأفعال.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وذلك أن المشركين من جميع الأمم لم يكن أحد منهم يقول إن للمخلوقات خالقين منفصلين متماثلين في الصفات، فإن هذا لم يقله طائفة معروفة من بني آدم، ولكن الثنوية (^٣)\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٧٧).\n(^٢) معارج القبول (٢/ ٤٠٢).\n(^٣) الثنوية: هم طائفة من المجوس الذين أثبتوا أصلين اثنين، مدبرين قديمين، الأول للخير وانفع، والثاني للشر والضر، ويسمون الأول: (النور)، والثاني: (الظلمة)، والنور عندهم هو إله الخير المحمود والظلمة هي الإله الشرير المذموم، ويزعمون أن النور والظلمة أزليان قديمان بخلاف المجوس الأصليين القائلين بحدوث الظلام، =","vol":"1","page":456},{"text":"من المجوس ونحوهم يقولون: إن العالم صادر عن أصلين؛ النور والظلمة، والنور عندهم هو إله الخير المحمود، والظلمة هي الإله الشرير المذموم، وبعضهم يقول: إن الظلمة هي الشيطان؛ وهذا ليجعلوا ما في العالم من الشر صادرًا عن الظلمة\" (^١).\nويقول ﵀ أيضًا في بيان شرك قوم إبراهيم وأنهم ممن أقرَّ بالخالق: \"والمقصود هنا: أن المشركين لم يكونوا يثبتون مع الله إلهًا آخر مساويًا له في الصفات والأفعال، بل ولا كانوا يقولون: إن الكواكب والشمس والقمر خلقت العالم، ولا أن الأصنام تخلق شيئًا من العالم، ومن ظن أن قوم إبراهيم الخليل كانوا يعتقدون أن النجم أو الشمس أو القمر رب العالمين، أو أن الخليل ﵇ لما قال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾، أراد به (رب العالمين)، فقد غلط غلطًا بينًا، بل قوم إبراهيم كانوا مقرين بالصانع وكانوا يشركون بعبادته كأمثالهم من المشركين، قال تعالى عن الخليل: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)﴾ [الشعراء: ٧٧]، فأخبر تعالى عن الخليل: أنه عدو لكل ما يعبدونه إلا لرب العالمين، وأخبر أنهم يقولون يوم القيامة: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء: [٩٧، ٩٨] ... وقال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ [الأنعام: ٧٩]، ولم يقل: من المعطلين؛ فإن قومه كانوا يشركون ولم يكونوا معطلين كفرعون اللعين، فلم يكونوا جاحدين للصانع، بل عدلوا به وجعلوا له أندادًا في العبادة والمحبة والدعاء\" (^٢).\n_________\n=وهؤلاء قالوا بتساويهما في القدم واختلافهما في الجوهر والطبع والفعل والحيز والمكان والأجناس والأبدان والأرواح [انظر: الفهرست (ص ٤٤٢) وما بعدها، والملل والنحل (١/ ٢٤٤)].\n(^١) الجواب الصحيح (١/ ٣٥١).\n(^٢) الجواب الصحيح (١/ ٣٥٤ - ٣٥٦).","vol":"1","page":457},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-114> المسألة الثالثة* أدلة القاعدة</span>\nدلَّ على صحة القاعدة أدلة كثيرة أذكر بعضًا منها فيما يلي:\nأولًا: ما ذكره ﷾ في كتابه الكريم من إقرار المشركين بكونه الخالق والرازق وأن المُلْكَ بيده، والكون تحت قهره وقدرته، وأنه المحيي المميت، وكونه يجير ولا يجار عليه، إلى غير ذلك من صفات الربوبية، وأفعال الرب ﵎، ومن ذلك الآيات:\nقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)﴾ [العنكبوت:٦١]، وقوله سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾ [لقمان: ٢٥]، وقوله ﷿: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩]، وقوله ﷾: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾ [العنكبوت: ٦٣]، وقال عزَّ من قائل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)﴾ [الزمر: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)﴾ [الزخرف: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ [الزخرف:٨٧]،وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦].","vol":"1","page":458},{"text":"فجميع ما سبق من آيات فيها إقرار المشركين بربوبية الله تعالى وكونه الخالق والمالك والمدبر لكل ما في الكون، وفيما يلي بعض أقوال المفسرين في هذه الآيات:\nروى الإمام الطبري عن ابن عباس -﵁- في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦]: \"قال من إيمانهم إذا قيل لهم: من خلق السماء، ومن خلق الأرض، ومن خلق الجبال، قالوا: الله، وهم مشركون\" (^١).\nويقول الإمام ابن جرير: \"يقول تعالى ذكره ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله: من خلق السماوات والأرض فسواهن وسخر الشمس والقمر لعباده يجريان دائبين لمصالح خلق الله، ليقولن الذي خلق ذلك وفعله الله، ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ [الزخرف: ٨٧] يقول جلَّ ثناؤه: فأنى يصرفون عمن صنع ذلك فيعدلون عن إخلاص العبادة له\" (^٢).\nويقول الرازي في تفسيره: \"الأصل الأول: هو أن هؤلاء المشركين مقرون بوجود الإله القادر العالم الحكيم الرحيم، وهو المراد بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] \" (^٣).\nويقول يحيى العمراني: \"وقد علمنا أن الكفار عرفوا بعقولهم أن الله خلقهم وأنه خلق السموات والأرض، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨]، ويعرفون أيضًا أنه لا ينجيهم من ظلمات البر والبحر إلا الله، ويدعون إلى الله أن ينجيهم، وبذلك أخبر الله عنهم\" (^٤).\nويقول الإمام ابن تيمية: \"وأما قوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٣/ ٧٧)، وحسَّنه الحافظ ابن حجر في الفتح. انظر: (١٣/ ٤٩٥).\n(^٢) تفسير الطبري (١٢/ ١١).\n(^٣) التفسير الكبير (٢٦/ ٢٤٥).\n(^٤) الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (٣/ ٧٩٥).","vol":"1","page":459},{"text":"السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، فالاستفهام عن عين الخالق للتمييز بينه وبين الآلهة التي تعبد؛ فإن المستفهمين بها كانوا مقرين بصفة الخالق، وإنما طلب بالاستفهام تعيينه وتمييزه ولتقام عليهم الحجة باستحقاقه وحده العبادة\" (^١).\nويقول ﵀: \"وقد أخبر عن الكفار أنهم يعرفونه مع ردهم على رسله قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ [الزخرف: ٨٧]، مع آيات كثيرة وذلك موجود منهم ضرورة، وهم في الجاهلية يعرفونه ولا ينكرونه ويقولون: إلهنا القديم والعتيق، وإله الآلهة، ورب الأرباب، وغير ذلك من كفرهم\" (^٢).\nويقول ابن كثير: \"ثم قال ﷿: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾؛ أي: ولئن سألت هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره من خلقهم ليقولن الله؛ أي: يعترفون أنه الخالق للأشياء جميعًا وحده لا شريك له في ذلك\" (^٣).\nويقول الإمام ابن أبي العز: \"فإن المشركين من العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وأن خالق السموات والأرض واحد كما أخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥)﴾ [المؤمنون: ٨٤، ٨٥]، ومثل هذا كثير في القرآن، ولم يكونوا يعتقدون في الأصنام: أنها مشاركة لله في خلق العالم، بل كان حالهم فيها كحال أمثالهم من مشركي الأمم؛ من الهند والترك والبربر وغيرهم\" (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٦/ ٥٩٧).\n(^٢) درء التعارض (٨/ ٥٠٩).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٤/ ١٣٧)، وانظر: (٣/ ٣٧٠).\n(^٤) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٧٩).","vol":"1","page":460},{"text":"ويقول الشيخ المعلمي (^١): \"وأما الفريق الثاني فمنهم مشركو العرب، فإنهم كانوا يعترفون بأن الله هو الخالق والرازق والمدبر إلى غير ذلك، وفي كتاب الله تعالى الشهادة عليهم بذلك في مواضع كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١، ٣٢] ثم ذكر آيات كثيرة ثم قال: \"ففي هذه الآيات أن المشركين كانوا معترفين بوجود الله ﷿، وأنه الذي يرزقهم من السماء والأرض، والذي يملك السمع والأبصار، والذي يخرج الحيّ من الميت، ويخرج الميّت من الحيّ، والذي يدبر الأمر، والذي له السموات والأرض، وأنه رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، وأنه بيده ملكوت كل شيء، وأنه يجير ولا يجار عليه، وأنه الذي خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر، وأنه الذي ينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها، وأنه العزيز العليم، وفي القراَن آيات كثيرة تشهد على المشركين باعترافهم بتفرد الله ﷿ بما تقدم من الصفات وغيرها، وإن لم يكن ذلك مثل ما تقدم في الصراحة\" (^٢).\n_________\n(^١) هو: عبد الرحمن بن يحيى بن علي بن محمد المعلمي العتمي، ولد سنة ١٣١٣ هـ، من بلاد عتمة باليمن، وسافر إلى جيزان (سنة ١٣٢٩ هـ) وتولى رئاسة القضاة ولقب بشيخ الإسلام، ثم سافر إلى الهند وعمل في دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد، مصححًا كتب الحديث والتاريخ، وعاد إلى مكة، فعين أمينًا لمكتبة الحرم المكي، من مصنفاته: طليعة التنكيل؛ وهو مقدمة كتابه التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل، والأنوار الكاشفة في الرد على كتاب (أضواء أهل السُّنَّة) لمحمود أبي رية، ومحاضرة في كتب الرجال، وكتاب العبادة (بعضه مخطوط)، وله رسائل في تحقيق بعض المسائل، ما زالت مخطوطة، وغيرها، توفي سنة ١٣٨٦ هـ، ودفن بمكة. [ترجمته في: الأعلام للزركلي (٣/ ٣٤٢)].\n(^٢) مخطوط: (العبادة) للمعلمي (لوحة/ ٤٦٠ - ٤٦٣).","vol":"1","page":461},{"text":"يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: \"قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦]، قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وعامر الشعبي، وأكثر المفسرين (^١): إن معنى هذه الآية أن أكثر الناس وهم الكفار ما كانوا يؤمنون بالله بتوحيدهم له في ربوبيته، إلا وهم مشركون به غيره في عبادته.\nفالمراد بإيمانهم: اعترافهم بأنه ربهم الذي هو خالقهم، ومدبر شؤونهم، والمراد بشركهم: عبادتهم غيره معه، والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة جدًا\" (^٢).\nثانيًا: أن الله تعالى حجَّ المشركين بإقرارهم بتوحيد الربوبية، وألزمهم بتوحيد الألوهية، فلو لم يكونوا مقرين به لما كان للاحتجاج معنى؛ فإن توحيد الربوبية هو الأصل الذي ينبني عليه توحيد العبادة، ولكانت مجرد دعوى:\nيقول الشيخ المعلمي: \"فإن كل آية ذكر الله تعالى بها نفسه بأنه الخالق أو الرازق، أو غير ذلك من نعوت الكمال، وكان مساق الكلام على إقامة الحجة على المشركين، فهي من هذا القبيل، إذ لو لم يكن المشركون يقرون بأن الله ﷿ هو وحده فالق الإصباح وجاعل الليل سكنًا إلخ، لكان ذكر ذلك دعوى فقط لا تكون حجة عليهم في إبطال شركهم، والحكيم لا يحتج بما هو دعوى مجردة، ومن هذا القبيل (الفاتحة) فلولا أن المشركين يعترفون بأن الله ﷿ رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين لما كان في ذلك حجة عليهم يثبت بها ما تضمنه قوله: ﴿إيَّاكَ\n_________\n(^١) انظر: قول الحسن ومجاهد وعامر الشعبي وغيرهم: تفسير الطبري (١٣/ ٧٧ - ٧٨)، وقول عكرمة في: صحيح البخاري (٦/ ٢٧٣٤)، وقول عطاء في: سنن سعيد بن منصور (٥/ ٤١١)، برقم (١١٤٦)، وصحح الحافظ ابن حجر أثري مجاهد وعطاء. انظر: الفتح (١٣/ ٤٩٤).\n(^٢) أضواء البيان (٣/ ٢١٨).","vol":"1","page":462},{"text":"نَعبُدُ وإيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، فإن قلت: فإنهم لا يؤمنون بيوم الدين، قلت: لكنهم لو قيل لهم إذا فرض أن يوم الدين حق فمن يكون مالكه لقالوا الله فتدبر هذا المعنى حق تدبّره ثم اقرأ القرآن تجده مملوء بالحجج على أن المشركين كانوا يعترفون بالله ﷿ وصفاته، وإنما زاغوا في انفراده باستحقاق العبادة، والله أعلم\" (^١).\nثالثًا: أن الله تعالى أقرَّ المشركين على هذا الاعتراف بربوبيته، ولو كان باطلًا لأكذبهم ﷾، فلما صدقهم دلَّ على صدق ما اعترفوا به:\nيقول الإمام ابن حزم في شأن اعتراف المشركين بربوبية الله تعالى، وإقرار الله ﵎ لهم: \"قال أبو محمد: ولم يكذبهم في ذلك أصلًا، بل حكى هذا القول عنهم كما حكى تعالى أيضًا قولهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، ولو أنكر ﷿ قولهم ذلك لأكذبهم، فإذ لم يكذبهم فلقد صدقهم في ذلك والحمد لله رب العالمين\" (^٢).\nرابعًا: دلَّ على ثبوت إقرار المشركين بتوحيد الربوبية دلالة الفطرة التي فطروا عليها، فإنهم فطروا على الإقرار بالله ﵎، ولذلك كان من ضرورة كل نفس الإيمان بوجود الخالق؛ لأن تلك هي الفطرة التي لا يستطيع أحد من البشر إنكارها بقلبه وإن أنكرها بلسانه:\nيقول الإمام ابن القيم في بيان كون إقرار المشركين بالربوبية من مقتضيات فطرتهم التي فطروا عليها: \"ثم قال: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وهذا يقتضي إقرارهم بربوبيته إقرارًا تقوم عليهم به الحجة، وهذا إنما هو الإقرار الذي احتج به عليهم على ألسنة رسله كقوله تعالى: ﴿قَالَت رُسُلُهُم أَفِى اللهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠]، وقوله: ﴿وَلَئِن\n_________\n(^١) مخطوط العبادة (لوحة/٤٦٨ - ٤٦٩).\n(^٢) الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم الأندلسي (٣/ ٨٧).","vol":"1","page":463},{"text":"سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اَللهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨]، ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٤، ٨٥]، ونظائر ذلك كثيرة يحتج عليهم بما فطروا عليه من الإقرار بربهم وفاطرهم\" (^١).\nويقول الإمام ابن أبي العز الحنفي: \"فإن توحيد الربوبية لا يحتاج إلى دليل، فإنه مركوز في الفطر\" (^٢).\nويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: \"الأول: توحيده في ربوبيته وهذا النوع من التوحيد جبلت عليه فطر العقلاء\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-115> المسألة الرابعة* أقوال العلماء في تقرير معنى القاعدة</span>\nتضافرت أقوال أهل العلم على تأييد هذه القاعدة، كما اعتبرها بعض العلماء من أهم قواعد الدين، إذ فيها التفريق بين أهل التوحيد والإيمان وأهل الشرك والكفران:\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فإن المشركين كانوا يقرون بهذا التوحيد توحيد الربوبية\" (^٤).\nويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"ونحن نُعَلِّمُه أكثر من سنة: أن هذا هو توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون، فالله الله في التفطن لهذه المسألة، فإنها الفارقة بين الكفر والإسلام\" (^٥).\nويقول -الإمام المجدد- في بيان القواعد الأربع: \"وذلك بمعرفة أربع قواعد ذَكرها اللهُ تعالى في كتابه: القاعدة الأولى: أن تَعْلَم أنَّ\n_________\n(^١) أحكام أهل الذمة (٢/ ٩٤٩).\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٧٤).\n(^٣) أضواء البيان (٣/ ١٧).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١٤/ ٣٧٧).\n(^٥) مؤلفات محمد بن عبد الوهاب في العقيدة (ص ٢١).","vol":"1","page":464},{"text":"الكفار الذين قاتلهم رسولُ الله -ﷺ- مُقِرُّون بأنَّ اللهَ تعالى هو الخالقُ المدَبِّر، وأنَّ ذلك لم يدخلهم في الإسلام، والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ [يونس: ٣١] \" (^١).\nوذكر هذه القاعدة الإمام المحدث محمد بن إسماعيل الصنعاني اليمني وجعلها من أصول التوحيد، فقال: الأصل الرابع: أن المشركين الذين بعث الله الرسل إليهم مقرون أن الله خالقهم. قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وأنه الذي خلق السموات والأرض: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)﴾ [الزخرف: ٩].\nوبأنه الرّازق الذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي وأنه الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض وأنه الذي يملك السمع والأبصار والأفئدة. قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ [يونس:٣١]، ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩].\nوهذا فرعون مع غلوه في كفره ودعواه أقبح دعوى ونطقه بالكلمة الشنعاء، يقول الله في حقه حاكيًا عن موسى ﵇: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، وقال إبليس\n_________\n(^١) القواعد الأربع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٦/ ١٤٤).","vol":"1","page":465},{"text":"اللعين: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦)﴾ [الحشر: ١٦]، وقال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩]، وقال: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦)﴾ [الحجر: ٣٦].\nوكل مشرك مقر بأن الله خالقه وخالق السموات والأرض وربهن ورب ما فيهما ورازقهم، ولهذا تحتج عليهم الرسل بقولهم: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]، وبقولهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣]، والمشركون مقرون بذلك لا ينكرونه\" (^١).\nويقول الإمام ابن جرير الطبري عقب ذكره لتفسير مجاهد لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢] وتقييده ذلك باليهود والنصارى: \"وأحسب أن الذي دعا مجاهدًا إلى هذا التأويل، وإضافة ذلك إلى أنه خطاب لأهل التوراة والإنجيل دون غيرهم، الظن منه بالعرب أنها لم تكن تعلم أن الله خالقها ورازقها بجحودها وحدانية ربها، وإشراكها معه في العبادة غيره.\nوإن ذلك لقول؛ ولكن الله جلَّ ثناؤه قد أخبر في كتابه عنها: أنها كانت تقر بوحدانيته، غير أنها كانت تشرك في عبادته ما كانت تشرك فيها، فقال جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وقال: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ [يونس: ٣١].\nفالذي هو أولى بتأويل قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾: إذ كان ما كان عند العرب من العلم بوحدانية الله، وأنه مبدع الخلق، وخالقهم، ورازقهم نظير الذي كان من ذلك عند أهل الكتابين، ولم يكن في الآية\n_________\n(^١) تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد، بشرح الشيخ علي بن محمد آل سنان (ص ٨٥ - ٨٨).","vol":"1","page":466},{"text":"دلالة على أن اللّه جلَّ ثناؤه عنى بقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ أحد الحزبين بل مخرج الخطاب بذلك عام للناس كافة لهم\" (^١).\nويقول الرازي في تفسيره: \"دلائل وجود الله تعالى ظاهرة، وهي دلائل الآفاق والأنفس، وقلما توجد في الدنيا طائفة ينكرون وجود الإله تعالى؛ ولذلك قال تعالى في صفة الكفار: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥].\nقال مصنف هذا الكتاب محمد بن عمر الرازي -﵀ وختم له بالحسن-: دخلت بلاد الهند فرأيت أولئك الكفار مطبقين على الاعتراف بوجود الإله، وأكثر بلاد الترك أيضًا كذلك، وإنما الشأن في عبادة الأوثان؛ فإنها آفة عمت أكثر أطراف الأرض، وهكذا الأمر كان في الزمان القديم؛ أعني: زمان نوح وهود وصالح ﵈ فهؤلاء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم كانوا يمنعونهم من عبادة الأصنام، فكان قوله: ﴿اعْبُدُواْ اَللَّهَ﴾ [المائدة: ١١٧]؛ معناه: لا تعبدوا غير الله (^٢)، والدليل عليه أنه قال عقيبه: ﴿مَا لَكُم مِّن إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، وذلك يدل على أن المقصود من هذا الكلام منعهم عن الاشتغال بعبادة الأصنام\" (^٣).\nويؤيد الإمام المقريزي هذه القاعدة بقوله: \"ولا ريب أن توحيد الربوبية لم ينكره المشركون، بل أقروا بأنه سبحانه وحده خالقهم وخالق السموات والأرض والقائم بمصالح العالم كله، وإنما أنكروا توحيد الإلهية والمحبة، كما حكى الله تعالى عنهم في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١/ ١٦٤).\n(^٢) سبق تقرير وبيان أن عبادة الله تعالى لا تتحقق إلا بترك الشرك وعبادة غيره، بل لا تسمى العبادة عبادة مع فعل الشرك. انظر: (ص ٣١٩) من هذه الرسالة.\n(^٣) تفسير الرازي (١٨/ ٩).","vol":"1","page":467},{"text":"يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] ... فتوحيد الربوبية هو الذي اجتمعت فيه الخلائق مؤمنها وكافرها، وتوحيد الإلهية مفرق الطرق بين المؤمنين والمشركين\" (^١).\nويقول ﵀ أيضًا: \"فالعبادة هي التي ما وجدت الخلائق كلها إلّا لأجلها\" (^٢).\nويقول الشيخ النعمي (^٣): \"وتتبعنا في كتاب الله فصول تراكيبه، وأصول أساليبه، فلم نجده تعالى حكى عن المشركين أن آلهتهم وشركاءهم التي عبدوها من دونه: تخلق، ترزق، تحيي، تميت، تنزل من السماء ماء، تخرج الحي من الميت، والميت من الحي، تأتي بالضياء والظلمة، تنبت حدائق ذات بهجة، أو أنها جعلت الأرض قرارًا، وخلالها أنهارًا، ولها رواسي، وبين البحرين حاجزًا، أو تجيب المضطر إذا دعا، وتكشف السوء والبلوى، أو تؤتي الملك من تشاء، وتنزعه ممن تشاء، وتعز وتذل وتهدي في ظلمات البر والبحر، وترسل الرياح بشرًا بين يدي المطر.\nبل إذا سئلوا دانوا وأذعنوا له تعالى بالاختصاص والانفراد فيما حكى عنهم بقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ\n_________\n(^١) تجريد التوحيد المفيد (ص ٧ - ٨).\n(^٢) المصدر نفسه (ص ٦٠).\n(^٣) هو: العلامة الحسين بن مهدي بن عز الدين بن علي بن الحسن النُّعْمِي، اليمني، كنيته أبو محمد، ولد بمدينة صبيا في سنة ١١٣٩ هـ، ونشأ بها، ثم رحل إلى مدينة صنعاء، ونهل عن علمائها، وقد برع في العلوم العقلية والنقلية الفرعية، والأصولية حتى فاق الأقران، من مصنفاته: الجواب على الطليعة في فضل الشيعة، ومدارج العبور على مفاسد القبور، ومعارج الألباب في مناهج الحق والصواب، والنجم الزاهر في تحقيق الانتساب إلى طريق الآل والأطاهر، وغيرها، توفي سنة ١١٨٧ هـ. [ترجمته في: الأعلام (٢/ ٢٦٠)، ومقدمة كتاب: معارج الألباب، تحقيق: الشيخ محمد عبد الله مختار (١/ ٤١ - ٥٥)].","vol":"1","page":468},{"text":"الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧)﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٧]، فهذا شرك القوم واتخاذهم الآلهة الذي كان سببًا أن سجّل عليهم ربهم الكريم بالشرك والغي والضلالة والكفر والظلم والجهالة\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-116> المسألة الخامسة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nفيما يأتي بعض الفوائد التي ظهرت لي من خلال دراسة هذه القاعدة:\nأولًا: أن الإقرار بتوحيد الربوبية أمر فطري فطر الله عليه عباده، وهو مستقر في نفس كل إنسان ولذا لم تكن خصومة الرسل مع أقوامهم في تقريره وإثباته؛ إذ إنه لا يحتاج إلى دليل.\nثانيًا: إقرار المشركين بتوحيد الربوبية لا يصح منهم ولا يقبل منهم، ولا يثابون عليه يوم القيامة؛ لأنَّهم لم يأتوا به على الوجه الصحيح، وهو القيام بلازمه من توحيد العبادة، وعليه فلا يقال: إن المشركين وحدوا الله في ربوبيته؛ إذ إن إقرارهم لا قيمة له عند الله ﵎.\n_________\n(^١) انظر: معارج الألباب، للنعمي (٢/ ٦٨٨ - ٦٩٣).","vol":"1","page":469},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>المبحث الرابع\nقاعدة الربوبية والألوهية مفهومان متغايران فإذا اقترنا افترقا وإذا افترقا اقترنا</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-118> المسألة الأولى* شرح ألفاظ القاعدة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>بيان معنى الرب والاله في القاعدة:</span>\nأولًا .. معنى الرب:\nيتبين معنى الربوبية ببيان معنى الرب في اللغة، وهو يطلق على عدة معانٍ:\nالأول: السيد المطاع.\nالثاني: المصلح للشيء المدبر له.\nالثالث: المالك للشيء.\nالرابع: المعبود.\nوقد تطلق كلمة (رب) على غير هذه المعاني، ولكنها عند التأمل تعود إليها.","vol":"1","page":470},{"text":"يقول الإمام الأزهري (^١): \"الرّبّ هو الله ﵎، هو رَبُّ كُلّ شيء؛ أي: مالكه وله الرّبُوبيّة على جَميع الخَلْق لا شَريك له، ويقال: فلانٌ رَبّ هذا الشيء؛ أي: مِلْكه له، ولا يُقال: الرّب بالألف واللام لغير الله، وهو رَبّ الأَرْباب، ومالك المُلوك والأمْلاك، وكُل مَن مَلك شيئًا فهو رَبُّه، والعَرب تقول: لأن يَرُبَّني فلانٌ أَحَبّ إليّ من أن يَرُبّني فلان؛ يعني: أن يَكون رَبًّا فوقي وسَيّدًا يَمْلكني، والرَّبّ يَنْقسم على ثلاثة أَقْسام؛ يكون الرَّبُّ المالك، ويكون الرَّبّ السيِّدُ المُطاع، ويكون الرَّبُّ المُصْلح، رَبَّ الشيءَ؛ أي: أَصْلحه\" (^٢).\nويقول الإمام الطبري: \"وقد يتصرف أيضًا معنى الرب في وجوه غير ذلك، غير أنها تعود إلى بعض هذه الوجوه الثلاثة، فربنا جلَّ ثناؤه السيد الذي لا شبه له ولا مثل في سؤدده، والمصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه، والمالك الذي له الخلق والأمر\" (^٣).\nوأما الرب المعرَّف بالألف واللام بدون إضافة فلا يطلق إلا على الله ﵎، لكن يطلق على المخلوق ما كان مضافًا كرب الدار، ورب البئر، وربة البيت.\nقال أبو السعود في تفسيره لقوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ (٢)﴾: \"أي: مالكهم ومربيهم، والكل تحت ملكوته مفتقر إليه في ذاته ووجوده وسائر أحواله جميعًا\" (^٤).\nويقول المقريزي: \"فالرب: مصدر رب يرب ربًّا فهو رابّ، فمعنى\n_________\n(^١) أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري، كان رأسًا في اللغة والفقه من مصنفاته: تهذيب اللغة وعلل القراءات، وشرح ديوان أبي تمام توفي عام ٣٧٠ هـ. [انظر ترجمته في: وفيات الأعيان (٤/ ٣٣٤)، وسير أعلام النبلاء (١٦/ ٣١٥ - ٣١٧)].\n(^٢) انظر: تهذيب اللغة (١٥/ ١٢٨).\n(^٣) تفسير الطبري (١/ ٦٢).\n(^٤) تفسير أبي السعود (٧/ ٢٨٣).","vol":"1","page":471},{"text":"قوله: ﴿رَبِّ اَلعَلَمِينَ (٢)﴾: رابّ العالمين، فإن الرب ﷾ هو الخالق الموجد لعباده القائم بتربيتهم وإصلاحهم، المتكفل بصلاحهم من خلق ورزق وعافية وإصلاح دين ودنيا\" (^١).\nويقول الإمام ابن القيم: \"فإن الرب هو القادر، الخالق، البارئ، المصور، الحي، القيوم، العليم، السميع، البصير، المحسن، المنعم، الجواد، المعطي، المانع، الضار، النافع، المقدم، المؤخر، الذي يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، ويسعد من يشاء، ويشقي ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته\" (^٢).\nوعليه فربوبية الله تعالى هي صفة من صفاته ﷾ بكونه الخالق والموجد لهذا الكون، وهو المالك لجميع ما سواه، وهو المصلح أمر خلقه، المدبر لشؤونهم، المعبود المطاع في أمره ونهيه، وبهذه المعاني تواردت تفسيرات العلماء للفظة الرب (^٣).\nيقول ابن أبي العز الحنفي: \"والرب يقتضي معاني كثيرة: وهي الملك، والحفظ، والتدبير، والتربية، وهي تبليغ الشيء كماله بالتدريج، فلا جرم أتى بلفظ يشمل هذه المعاني وهي الربوبية\" (^٤).\nويقول الشيخ علي القارئ: \" ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾؛ أي: مالكهم، وخالقهم، ومربيهم، ومصلح أمورهم، ومعطي حاجاتهم، ومجيب دعواتهم\" (^٥).\nويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"وأما الرب: فمعناه: المالك المتصرف، وأما العالمين: فهو اسم لكل ما سوى الله ﵎، فكل ما سواه من ملك ونبي وإنسي وجني وغير\n_________\n(^١) تجريد التوحيد المفيد (ص ٤ - ٥).\n(^٢) بدائع الفوائد (٢/ ٤٧٣).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٤/ ٥٧٥) بتصرف.\n(^٤) شرح العقيدة الطحاوية (ص ١٤٢).\n(^٥) مرقاة المفاتيح (٣/ ٣٧٢).","vol":"1","page":472},{"text":"ذلك مربوب مقهور يتصرف فيه، فقير محتاج\" (^١).\nويقول الشيخ السعدي في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦)﴾ [الجاثية: ٣٦]: \"أي: له الحمد على ربوبيته لسائر الخلق حيث خلقهم، ورباهم، وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة\" (^٢).\nويقول الكفوي: \"الرب: المالك والمصلح والسيد والمعبود\" (^٣).\nفجميع ما سبق من تفسيرات لكلمة الرب لا تخرج عن تلك المعاني الثلاثة التي ذكرها أهل العلم، وبهذا يتبين لنا معنى الرب والربوبية في اللغة وفي تعبيرات العلماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>أما الألوهية:</span>\nفهي مصدر للفعل أَلَهَ بالفتح، تقول: أَلَهَ يألَهَ إِلَاهة؛ أي: عبد يعبد عبادة. قال ابن فارس (^٤): \"الهمزة واللام والهاء أصل واحد وهو التعبد، فالإله الله تعالى وسمي بذلك لأنه معبود ويقال: تأله الرجل إذا تعبد\" (^٥).\nو(الإِلاهُ: الله ﷿، وكل ما اتُّخذ من دونه معبودًا إلاهٌ عند متخذه، والجميع آلِهَة، والإلاهَة والأُلوهَة والأُلُوهِيَّةُ: العبادة.\nوأَلَهَ إلاهَةً بالكسْرِ وأُلُوهَةً وأُلُوهِيَّةً بضمِّهِما: عَبَدَ عِبادَةً، وإلاهٌ: كفِعالٍ بمعَنْى مَألُوهٍ؛ لأنَّه مَألُوهٌ؛ أَي: مَعْبودٌ، كَقَوْلِنا: إمامٌ فِعَالٌ بمعنَى\n_________\n(^١) تفسير آيات من القرآن الكريم (ص ١١).\n(^٢) تفسير السعدي (ص ٧٧٨).\n(^٣) الكليات للكفوي (ص ٤٦٦).\n(^٤) هو: أبو الحسن أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد، اللغوي: القزويني، له تصانيف كثيرة منها: مجمل اللغة، ومعجم مقاييس اللغة، وفقه اللغة، توفي سنة ٣٩٥ هـ.\n[ترجمته في: البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة (ص ٦١)].\n(^٥) معجم مقاييس اللغة (١/ ١٢٧).","vol":"1","page":473},{"text":"مَفْعولٍ لأنَّه مُؤْتَمٌّ به، والتَّأَلُّه: التَّنَسُّكُ والتَّعَبُّدُ، والتَّأْلِيه: التَّعْبِيدُ قالَ رُؤْبَة:\nلِلَّهِ دَرُّ الغَانِياتِ المُدَّهِ ... سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ من تأَلُّهِي (^١)\nوكانت العَرَب في جاهليتها يَدعُون مَعبُوداتهم من الأصنام والأوْثان: آلهة وهي جمعُ إلاهة قال الله جلَّ وعزَّ: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ وهي أصنامٌ عَبَدها قومُ فرعون معه، ورُوِي عن ابن عباس أنه قرأ: ﴿وَيَذَرَكَ وَإِلاهَتَكَ﴾ ويُفسِّره: وعِبادَتك، واعتلّ بأنّ فرعون كان يُعبَد ولا يَعْبُد، فهو على هذا ذو إلاهَةٍ لا ذو آلهَةٍ ... والقراءة الأولى أكثر وأشهَر وعليها قراءة الأمصار) (^٢).\nيتبين مما سبق أن الإله مصدر للفعل أَلَهَ إلهة وألوهية إذا عبد عبادة وعبودية، فالإله هو المعبود والألوهية هي العبادة، وبهذا المعنى للإله وهو المعبود فسر العلماء النصوص الواردة في الشرع.\nيقول الإمام الطبري: \"فإن قال وما دل على أن الألوهية هي العبادة، وأن الإله هو المعبود، وأن له أصلًا في فعل ويفعل. قيل: لا تمانع بين العرب في الحكم لقول القائل يصف رجلًا بعبادة ويطلب مما عند الله جلَّ ذكره: تأله فلان بالصحة ولا خلاف، ولا شك أن التأله التَّفَعُّل من أَلَه يَأْلَه، وأن معنى أَلَه إذا نطق به: عبد الله\" (^٣).\nويقول الإمام ابن تيمية: \"والإله: هو المعبود الذي هو المقصود بالإرادات والأعمال كلها\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: العين، للخليل بن أحمد (٤/ ٣٢) مادة: (مده).\n(^٢) انظر: تهذيب اللغة للأزهري (٦/ ٢٢٢ - ٢٢٤)، وتاج العروس للزبيدي (٣٦/ ٣٢٠ - ٣٢٤)، والمحكم والمحيط الأعظم، لابن سيده (٤/ ٣٥٨)، ولسان العرب (١٣/ ٤٧٠)، والقاموس المحيط (ص ١٦٠٣).\n(^٣) تفسير الطبري (١/ ٥٤).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١٧/ ٥١٧).","vol":"1","page":474},{"text":"ويقول الإمام ابن رجب: \"فإن الإله: هو المعبود الذي يطاع فلا يعصى خشية وإجلالًا ومهابة ومحبة ورجاء وتوكلًا ودعاء\" (^١).\nويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"إذا عرفت أن معنى الله هو الإله وعرفت أن الإله هو المعبود\" (^٢).\nويقول الشيخ سليمان آل الشيخ: \"وهذا كثير جدًا في كلام العلماء، وهو إجماع منهم أن الإله هو المعبود خلافًا لما يعتقده عباد القبور وأشباههم في معنى الإله أنه الخالق أو القادر على الاختراع أو نحو هذه العبارات\" (^٣).\nويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: \"وهو الإله المعبود في السموات والأرض؛ لأنه جلَّ وعلا هو المعبود وحده بحق في الأرض والسماء\" (^٤).\nفالإله في اللغة كما مرَّ هو المعبود؛ فإن سمي به الله تعالى فهو المعبود بالحق المستحق للعبادة، وإن أطلق على غيره سبحانه كان معبودًا بالباطل، لكن عند تعريفه بالألف واللام وإطلاقه فلا يطلق إلا على الإله الحق المبين ﷾، ولذا فإن بعض أهل العلم عندما عرَّفوا الإله قيّدوه بأنه المعبود بحق، أو بأنه المستحق للعبادة، وهذا واضح؛ فإن مقصودهم بالإله الحق: هو الله تعالى، بخلاف الآلهة الباطلة فإن الله قد سماها آلهة؛ أي: معبودة، ولكنها عبدت بالباطل ولم تعبد بالحق، والله هو المعبود الحق المتفرد بالعبادة دون ما سواه.\nولذا قال ابن فارس: \"فالإله: الله تعالى، وسمي بذلك لأنه معبود\" (^٥).\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٠٤).\n(^٢) تفسير آيات من القرآن الكريم (ص ١٢).\n(^٣) تيسير العزيز الحميد (ص ٥٨).\n(^٤) أضواء البيان (١/ ٤٧٠).\n(^٥) معجم مقاييس اللغة (١/ ١٢٧).","vol":"1","page":475},{"text":"ويقول أبو بكر الدمياطي (^١): \"وأصله إله: أي: أصله الأول إله كإمام، وهو اسم جنس لكل معبود؛ أي: سواء كان بحق أو باطل، ثم بعد تعريفه غلب استعماله في الله المعبود بحق غلبة تقديرية، وهي اختصاص اللفظ بمعنى مع إمكان استعماله (^٢) في غيره بحسب الوضع، لكن لم يستعمل فيه بالفعل كما هنا، فإن لفظ الإله صالح لأن يستعمل في غير الله بحسب الوضع لكن لم يستعمل إلا في الله ﷾\" (^٣).\nولذا يقول الإمام ابن تيمية: \"والإله هو بمعنى المألوه المعبود الذي يستحق العبادة ليس هو الإله بمعنى القادر على الخلق\" (^٤).\nولا شك أن الذي يستحق العبادة هو الإله الحق، وهو الله ﷾، بخلاف غيره من المعبودات فإن ألوهيتها ألوهية باطلة، فهي مجرد تسمية لا حقيقة لها في الخارج، كما قال تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف: ٤٠]، وإنما الألوهية الحقة التامة الشاملة هي الثابتة لله وحده لا شريك له، ولذلك استحق العبادة دون ما سواه.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"أخبر -سبحانه- أن الأسماء التي سماها المشركون أسماء ابتدعوها: لا حقيقة لها، فهم إنما يعبدون أسماء لا مسميات لها؛ لأنه ليس في المسمى من الألوهية، ولا العزة، ولا التقدير شيء، ولم ينزل الله سلطانًا بهذه الأسماء؛ إن يتبع المشركون إلا ظنًا لا\n_________\n(^١) هو: بكري بن محمد زين الدين شطا الدمياطي الشافعي، أبو بكر البكري: فقيه فاضل، ولد سنة ١٢٦٦ هـ، له كتب منها: إعانة الطالبين في حل ألفاظ فتح المعين؛ وهو من الكتب المعتمدة عند متأخري الشافعية، والدرر البهية فيما يلزم المكلف من العلوم الشرعية، وكفاية الأتقياء ومنهاج الأصفياء، وتفسير القرآن لم يكمله، توفي سنة ١٣١٠ هـ. [ترجمته في: الإعلام بتصحيح كتاب الأعلام (ص ٩٧)، والأعلام (٤/ ٢١٤)].\n(^٢) في الأصل المطبوع (استعمال) والزيادة مني.\n(^٣) إعانة الطالبين (١/ ٩).\n(^٤) درء التعارض (١/ ٢٢٦).","vol":"1","page":476},{"text":"يغني من الحق شيئًا؛ في أنها آلهة تنفع وتضر، ويتبعوا أهواء أنفسهم\" (^١).\nويقول ابن القيم: \"فإنهم سموها آلهة وعبدوها لاعتقادهم حقيقة الإلهية لها، وليس لها من الألوهية إلا مجرد الأسماء لا حقيقة المسمى، فما عبدوا إلا أسماء لا حقائق لمسمياتها، وهذا كمن سمى قشور البصل لحمًا وأكلها فيقال: ما أكلت من اللحم إلا اسمه لا مسماه، وكمن سمى التراب خبزًا وأكله يقال: ما أكلت إلا اسم الخبز، بل هذا النفي أبلغ في آلهتهم؛ فإنَّه لا حقيقة لإلهيتها بوجه\" (^٢).\nوالخلاصة مما سبق: أن الربوبية والألوهية صفتان لله ﵎، وقد تفرَّد بهما ﷾ دون أحدٍ من خلقه؛ فهو الرب الذي خلق عباده وملكهم ودبّرهم ورباهم بنعمه العظيمة، وآلائه الجليلة، كما أنه ﷿ هو معبودهم الحق فليس لهم معبود سواه.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-121> المسألة الثانية* بيان معنى القاعدة</span>\nبيَّنت القاعدة العلاقة بين الربوبية والألوهية، وأن لكل واحدٍ منهما مفهومًا خاصًا به؛ فالربوبية، من الملك والتربية بالنعم، والإله من التأله وهو القصد بالعبادة.\nوهذا الاختلاف في المفهوم دلّت عليه اللغة كما سبق ذلك مفصلًا من كلام أرباب العربية، كما جاءت النصوص الشرعية وأقوال علماء الإسلام مؤيدة لهذا التباين في المعنى والمفهوم.\nيقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب -الإمام المجدد- في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢/ ٢٥٩).\n(^٢) بدائع الفوائد (١/ ٢٤).","vol":"1","page":477},{"text":"أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]: \"واعلم رحمك الله: أنه لا يعرف هذه الآية المعرفة التي تنفعه إلا من يميّز بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية\" (^١).\nكما أفادت القاعدة علاقة الربوبية بالألوهية في النصوص الشرعية، وبيّنت حقيقة التداخل والتلازم بينهما، فالألوهية تتضمن الربوبية، والربوبية تستلزم الألوهية، وعبَّرت القاعدة عن ذلك بقاعدة (الاقتران والافتراق) في الذكر، فالألوهية والربوبية، أو الرب والإله إذا اقترنا في الذكر وسياق الكلام افترقا في المعنى، فصار لكل واحد منهما معنى يخصُّه وينفرد به، وإذا افترقا في الذكر، بحيث ذكر كل واحد منهما في سياق منفردًا: اجتمعا وتداخلا، وأصبح كل واحد منهما يحمل معنى الربوبية والألوهية.\nوقاعدة (الاقتران والافتراق) (^٢) من القواعد المقررة عند أهل العلم، وهي تعتمد على استقراء النصوص الشرعية في معاني هذه الأسماء واستعمالاتها، في حالة اجتماعها وافتراقها.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وذلك أن الاسم الواحد تختلف دلالته بالإفراد والاقتران، فقد يكون عند الإفراد فيه عموم لمعنيين، وعند الاقتران لا يدل إلا على أحدهما\" (^٣).\nويقول الإمام ابن رجب في مسألة دخول الأعمال في مسمى الإسلام دون الإيمان في بعض النصوص النبوية، ثم أوضح ذلك بقوله: \"فإنه يتضح بتقرير أصل: وهو أن من الأسماء ما يكون شاملًا لمسميات متعددة عند إفراده وإطلاقه، فإذا قرن ذلك الاسم بغيره صار دالًّا على\n_________\n(^١) تفسير آيات من القرآن الكريم (ص ٢٦١).\n(^٢) انظر في تقرير معنى قاعدة الافتراق والاقتران: الفتاوى (٧/ ٦٤٨)، (١٣/ ٣٩)، (١٤/ ٩٣)، (١٥/ ٣٤٧)، (٣٢/ ١٨٠)، الجواب الصحيح (٣/ ١١٦ - ١١٧)، شرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٩٤).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٥١).","vol":"1","page":478},{"text":"بعض تلك المسميات، والاسم المقرون به دال على باقيها، وهذا كاسم الفقير والمسكين؛ فإذا أفرد أحدهما دخل فيه كل من هو محتاج، فإذا قرن أحدهما بالآخر دل الاسمين على بعض أنواع ذوي الحاجات والآخر على باقيها، فكهذا اسم الإسلام والإيمان إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر، ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، فإذا قُرِنَ بينهما دل أحدهما على بعض ما يدل عليه بانفراده، ودل الآخر على الباقي، وقد صرح بهذا المعنى جماعة من الأئمة\" (^١).\nفخلاصة القاعدة: أنها دلت على تغاير مفهومي الربوبية والألوهية، وأنه في حال اجتماعهما في النصوص فلكل واحد منهما معنى، وعند افتراقهما فكل واحد منهما يتضمن معنى الآخر ويشمله.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-122> المسألة الثالثة* أدلة القاعدة</span>\nدلَّ على صحة القاعدة أدلة متعددة منها:\n١ - تفريق أهل اللغة وأرباب العربية بين مدلول كلمة (رب) ومدلول كلمة (إله)، فذكروا أن معنى الرب الخالق المالك المدبر شؤون عباده ومصلحها، وأن الإله هو المألوه المعبود الذي تألهه القلوب خضوعًا وحبًا وخوفًا ورجاء كما سبق بيان ذلك.\n٢ - النصوص الشرعية أيدت هذا التباين، وقررت هذا الفرق، فالمتأمل لنصوص الشرع يجدها قد دلَّت على عدم اتحاد معنى (الرب) و(الإله)، وذلك بما ورد فيها من اجتماع كلمة (الرب) و(الإله) في سياق واحد، مما يدل على أن لكل كلمة معنى خاصًا بها وإلا كان تكرارًا يتنزه الشرع عنه، ومن تلك النصوص:\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (ص ٢٨).","vol":"1","page":479},{"text":"أ- قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ [الناس: ١ - ٣]، فهنا ذكر الرب والإله في سياق واحد مما يدل على أن لكل من (الرب) و(الإله) معنى يخصه وإلا كان تكرارًا مخرجًا للكلام عن حد البلاغة، مدخلًا له في حد الركاكة، وهذا مما يتنزّه عنه كلام الرب ﷾ الذي هو في قمّة الفصاحة، وقوة البلاغة، وعظم الإعجاز، ولذا وصف سبحانه كتابه العزيز بقوله: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤٢].\nولذا اتفق أهل التفسير على التفريق بين الرب الخالق المدبر، وبين الإله المعبود إذا اجتمع ذكرهم في النصوص (^١).\nيقول ابن القيم: \"فإن الإله: هو الذي تألهه القلوب محبة وإنابة وإجلالًا وإكرامًا وتعظيمًا وذلًا وخضوعًا وخوفًا ورجاءً وتوكلًا، والرب: هو الذي يربي عبده فيعطيه خلقه ثم يهديه إلى مصالحه، فلا إله إلا هو، ولا رب إلا هو، فكما أن ربوبية ما سواه أبطل الباطل فكذلك إلهية ما سواه\" (^٢).\nويقول الإمام ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣ ضض)﴾: \"هذه ثلاث صفات من صفات الرب ﷿ الربوبية، والملك، والإلهية، فهو رب كل شيء ومليكه وإلهه، فجميع الأشياء مخلوقة له مملوكة عبيد له\" (^٣).\nب- قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]، فجمع في هذه الآية بين (الله) وبين (الرب) مما يدل على أن لكل واحد منهما معنى يخصه.\n_________\n(^١) انظر: تفسير الطبري (٣٠/ ٣٥٤)، وتفسير الرازي (٢٦/ ١١)، وتفسير أبي السعود (٩/ ٢١٦)، وأضواء البيان (٩/ ١٨٨)، وتفسير آيات من القرآن الكريم (ص ٣٨٧).\n(^٢) إغاثة اللهفان (١/ ٢٧)، وانظر: طريق الهجرتين (ص ٩٧).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٤/ ٥٧٥).","vol":"1","page":480},{"text":"يقول -الإمامِ المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾: \"فذكر في أول هذه السورة التي هي أول المصحف الألوهية والربوبية والملك، كما ذكره في آخر سورة في المصحف: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ \" (^١).\nوالآيات التي اقترن فيها لفظ الرب بالإله كثيرة جدًا لمن تأمل كتاب الله تعالى، وكلها قاطعة بالفرق في المعنى بين الرب والإله وإلا صار تكرارًا مخلًا بأسلوب الكلام وبلاغته يتنزه عنه كلام الله تعالى.\n٣ - ومما يدل على التفريق في المعنى بين (الرب) و(الإله): أن كلمة التوحيد، وهي قول: لا إله إلا الله هي كلمة الإسلام التي يدخل بها الكافر في الإسلام، وأنه لا يقبل إسلام من قال: لا رب إلا الله، أو لا خالق إلا الله، أو لا موجود إلا الله وخاصة مع وجود الاشتباه في إسلامه؛ إذ ليس في هذه الكلمات تفريق بين الإسلام والكفر، ولو كان مدلول معنى كلمة (الرب) هو نفسه مدلول كلمة (الإله) لصح إسلام الشخص بها وبدون أن يتلفظ بكلمة التوحيد: لا إله إلا الله.\nولذا جاء عن النبي -ﷺ- من رواية عبد الله بن -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- قال: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله\" (^٢).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ففاتحة دعوة الرسل: الأمر\n_________\n(^١) تفسير آيات من القرآن الكريم (ص ١١).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم (١/ ١٧)، برقم (٢٥)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله (١/ ٥٣)، برقم (٢٢).","vol":"1","page":481},{"text":"بالعبادة. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١]، وقال -ﷺ-: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله\"، وذلك يتضمن الإقرار به، وعبادته وحده، فإن الإله هو المعبود، ولم يقل: حتى يشهدوا أن لا رب إلا الله، فإن اسم الله أدل على مقصود العبادة له، التي لها خلق الخلق، وبها أمروا\" (^١).\nويقول العلامة المعصومي: \"اعلم أن (لا إله إلا الله) هي الكلمة الفارقة بين الكفر والإسلام، فمن قالها -عالمًا بمعناها، ومعتقدًا إياها- فقد دخل في الإسلام وصار من أهل دار السلام (الجنة)، وأما من قال: (لا خالق إلا الله)، أو (لا رازق إلا الله)، أو (لا رب إلا الله)، أو (لا موجود إلا الله)، أو (الله موجود)، أو نحو ذلك فلا يكون مسلمًا، ولا يكون من أهل دار السلام، وهذه الكلمات- وإن كانت حقًا لكن يشترك في القول بها سائر الناس، من المشركين والمجوس، والنصارى، واليهود، وغيرهم ... فما يتداوله العوام، ومن يدعي العلم والدين من الطغام من قولهم: (اللّه موجود)، أو (لا رب إلا الله)، أو (لا خالق إلا الله)، أو نحو ذلك، فليس من خصائص دين الإسلام، ولا من خصائص المسلمين، بل يشترك فيه المشركون، واليهود، والنصارى، والمجوس، فتنبه وتدبر، ولا تكن أعمى، وأصم، تقلّد كل ناعق وناهق\" (^٢).\nفبيَّن ﵀ أن: لا إله إلا الله هي الفارقة بين الإسلام والشرك، فلا يعتبر إسلام الكافر إلا بقولها، ولو كان الرب بمعنى الإله، أو كان الإله بمعنى الخالق، أو الرازق، أو الموجود لم يكن لـ (لا إله إلا الله) خاصية في اعتبار الدخول في الإسلام دون غيرها.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢/ ١٣ - ١٤).\n(^٢) مفتاح الجنة (ص ٤٠ - ٤١).","vol":"1","page":482},{"text":"وأما ما ذكره أهل العلم من علاقة الاقتران والافتراق بين الربوبية والألوهية بأنهما إذا اقترنا افترقا وإذا افترقا اجتمعا فإنما أخذوا ذلك من دلالة النصوص الشرعية، إذ قد وردت نصوص ذكر فيها اسم الرب متضمنًا معنى الربوبية والألوهية ولا يصح حمله على الربوبية فقط دون الألوهية، وقد تطلق الربوبية في بعض النصوص ويراد بها الألوهية، ولكن تدخل فيها الربوبية من باب التضمن، وقد تطلق الربوبية وتدخل فيها الألوهية من باب الاستلزام، ولذا جمع أهل العلم بين هذه النصوص بتطبيق قاعدة (الاقتران والافتراق) بين كلمة (الرب) و(الإله) ومن ذلك:\n١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾ [آل عمران: ٨٠].\nفكلمة الأرباب جمع رب ومعناها: الإله والمعبود؛ لأن الآية قيل نزلت في اليهود والنصارى، وهم لم يدعوا أن الملائكة والنبيين خالقين لهم ولا خالقين للعالم، وقيل: نزلت في وفد نجران عندما قالوا للنبي -ﷺ-: (أتريد أن نعبدك) (^١)، فهذا يدل على أن كلمة الأرباب المقصود منها أنهم اتخذوهم آلهة ومعبودين صرفوا لهم العبادة، أو أنهم صرفوا لهم الطاعة في الحلال والحرام وكلاهما عبادة لله ﵎.\nيقول الإمام الطبري: \"لأن الآية نزلت في سبب القوم (^٢) الذين قالوا لرسول الله -ﷺ-: (أتريد أن نعبدك)، فأخبرهم الله جلَّ ثناؤه أنه ليس لنبيه -ﷺ- أن يدعو الناس إلى عبادة نفسه، ولا إلى اتخاذ الملائكة والنبيين\n_________\n(^١) أخرجه الإمام الطبري في تفسيره (٣/ ٣٢٥)، وابن كثير في التفسير (١/ ٣٧٨)، وعلق عليه العلامة أحمد شاكر في تفسير الطبري ولم يتكلم على سنده صحة وضعفًا.\nانظر: تفسير الطبري (٦/ ٥٣٩) برقم (٧٢٩٦) بتحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر.\n(^٢) علق الشيخ محمود محمد شاكر على هذا الموضع بقوله: \"في المطبوعة: \"في سبب القوم ... \"، وهو باطل المعنى، ولم يحسن قراءة المخطوطة؛ لأنها غير منقوطة؛ يعني: بقوله: \"في سب القوم ... \": من جراء القوم وبسبب قولهم ما قالوا\". [تفسير الطبري بتحقيق شاكر (٦/ ٥٤٨)].","vol":"1","page":483},{"text":"أربابًا، ولكن الذي له أن يدعوهم إلى أن يكونوا ربانيين ... فتأويل الآية إذًا: وما كان للنبي أن يأمر الناس أن يتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا؛ يعني بذلك: آلهة يعبدون من دون الله، كما ليس له أن يقول لهم: كونوا عبادًا لي من دون الله\" (^١).\nويقول الإمام السمعاني: \"ولا يأمركم ذلك البشر أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا؛ فالنصارى هم الذين اتخذوا النبيين أربابًا، والصابئون هم الذين اتخذوا الملائكة أربابًا\" (^٢).\nومن المعلوم أن النصارى تؤمن بربوبية الله تعالى وكونه رب العالمين، وخالقهم لكنهم يشركون بالله تعالى بعبادة الأحبار، وقولهم في عيسى ﵇ أنه ابن الله.\nيقول الإمام ابن تيمية في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾ [آل عمران: ٨٠]: \"فبيَّن أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كفر، ومعلوم أن أحدًا من الخلق لم يزعم: أن الأنبياء والأحبار والرهبان والمسيح ابن مريم شاركوا الله في خلق السماوات والأرض، بل ولا زعم أحد من الناس: أن العالم له صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، بل ولا أثبت أحد من بني آدم إلهًا مساويًا لله في جميع صفاته.\nبل عامة المشركين بالله: مقرون بأنه ليس شريكه مثله، بل عامتهم يقرون أن الشريك مملوك له؛ سواء كان ملكًا أو نبيًا أو كوكبًا أو صنمًا كما كان مشركوا العرب يقولون في تلبيتهم: (لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك) فأهلَّ رسول الله -ﷺ- بالتوحيد وقال: \"لبيك اللَّهُمَّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك\".\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٣/ ٣٢٩).\n(^٢) تفسير السمعاني (١/ ٣٣٦).","vol":"1","page":484},{"text":"وقد ذكر أرباب المقالات: ما جمعوا من مقالات الأولين والآخرين، في الملل والنحل، والآراء والديانات، فلم ينقلوا عن أحد إثبات شريك مشارك له في خلق جميع المخلوقات، ولا مماثل له في جميع الصفات\" (^١).\nفدل ذلك على أن اتخاذهم كان للعبادة وليس لاعتقاد الربوبية في الملائكة أو الأنبياء.\nويقول ابن كثير في الآية: \"أي: ولا يأمركم بعبادة أحد غير الله، لا نبي مرسل، ولا ملك مقرب، ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾: أي: لا يفعل ذلك إلا من دعا إلى عبادة غير الله، ومن دعا إلى عبادة غير الله فقد دعا إلى الكفر، والأنبياء إنما يأمرون بالإيمان وهو عبادة الله وحده لا شريك له\" (^٢).\nويقول الألوسي: \"والمعنى: ما كان لبشر أن يؤتيه الله تعالى ذلك، ويرسله للدعوة إلى اختصاصه بالعبادة، وترك الأنداد، ثم يأمر الناس بأن يكونوا عبادًا له\" (^٣).\nويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"كما قال للصحابة: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾ [آل عمران: ٨٠]، فتأمل هذه الآية، واعرف ما ذكرت لك في الربوبية (^٤): أنها التي نسبت إلى تاج ومحمد بن شمسان، فإذا كان الصحابة لو يفعلونها مع الرسل كفروا بعد إسلامهم، فكيف بمن فعلها في تاج وأمثاله\" (^٥).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ٩٦).\n(^٢) تفسير ابن كثير (١/ ٣٧٨).\n(^٣) روح المعاني (٣/ ٢٠٨).\n(^٤) أي: أنها العبادة أو صرف شيء من العبادة لهؤلاء.\n(^٥) تفسير آيات من القرآن الكريم (ص ١٦).","vol":"1","page":485},{"text":"ويقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في تفسير الآية: \"يمتنع ويستحيل كل الاستحالة لبَشَرٍ مَنَّ الله عليه بالوحي، والكتاب والنبوة، وأعطاه الحكم الشرعي، أن يأمر الناس بعبادته، وبعبادة النبيين والملائكة، واتخاذهم أربابًا؛ لأن هذا هو الكفر، فكيف وقد بعث بالإسلام المنافي للكفر من كل وجه، فكيف يأمر بضده، هذا هو الممتنعح لأن حاله وما هو عليه، وما منَّ الله به عليه من الفضائل والخصائص تقتضي العبودية الكاملة، والخضوع التام لله الواحد القهار\" (^١).\nوبهذا يتبين لنا أن المقصود من الأرباب في الآية هم الآلهة المعبودة من دون الله تعالى.\n٢ - ومن ذلك قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١].\nذكرت الأرباب في هذه الآية والمقصود بها الآلهة المعبودة؛ فإنهم لم يعتقدوا الأحبار والرهبان أربابًا خالقين ومدبرين، بل ما حصل منهم من الكفر هو عبادتهم، وهذه العبادة هي طاعتهم ومتابعتهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال، ولذا قال سبحانه في آخر الآية مؤكدًا أن هذا الاتخاذ للأرباب هو عبادة الأحبار والرهبان: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]، كما بيَّن النبي -ﷺ- هذه الطاعة في التحليل والتحريم بأنها عبادة لهم في حديث عدي بن حاتم الآتي، وعليه يكون معنى الأرباب؛ أي: المعبودون بمتابعتهم في التحليل والتحريم.\nوتفسير النبي -ﷺ- للأرباب جاء في حديث عدي بن حاتم -﵁-\n_________\n(^١) تفسير الشيخ السعدي (ص ١٣٦).","vol":"1","page":486},{"text":"قال: أتيت النبي -ﷺ- وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: \"يا عدي اطرح عنك هذا الوثن\"، وسمعته يقرأ في سورة براءة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال: \"أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه\" (^١).\nفسمى النبي -ﷺ- هذه الطاعة في التحليل والتحريم عبادة وأنها من اتخاذ الأرباب، فدل على أن معنى الأرباب في الآية هم المعبودون بسبب الطاعة واتباعهم في التحليل والتحريم.\nيقول الإمام الطبري: \" ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: يعني: سادة لهم من دون الله، يطيعونهم في معاصي الله، فيحلون ما أحلوه لهم مما قد حرمه الله عليهم، ويحرمون ما يحرمونه عليهم مما قد أحله الله لهم\" (^٢).\nويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: \"فإن عدي بن حاتم -﵁- لما قال للنبي -ﷺ-: كيف اتخذوهم أربابًا؟ قال له النبيﷺ-: \"إنهم أحلوا لهم ما حرم الله، وحرموا عليهم ما أحل الله فاتبعوهم\" وذلك هو معنى اتخاذهم إياهم أربابًا\" (^٣).\n٣ - ومن ذلك حديث سؤال الملكين في القبر (من ربك وما دينك ومن نبيك) (^٤)، والمراد بالرب في الحديث: من إلهك ومن معبودك؛ فإن الربوبية لم ينكرها أحد من المشركين كما مرَّ تقرير ذلك من قبل.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في جامعه، كتاب: تفسير القرآن عن رسول الله -ﷺ-، باب: ومن سورة التوبة (٥/ ٢٧٨)، برقم (٣٠٩٥)، وأخرجه الطبري في التفسير (١٠/ ١١٤)، وصححه الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٧/ ٨٦١)، برقم (٣٢٩٣).\n(^٢) تفسير الطبري (١٠/ ١١٤).\n(^٣) أضواء البيان (١/ ٣٠٧).\n(^٤) أخرجه أبو داود في سننه (٤/ ٢٣٩)، برقم (٤٧٥٣)، والترمذي في جامعه: (٥/ ٢٩٥)، برقم (٣١٢٠)، وقال عقبه: \"هذا حديث حسن صحيح\"، وهو من حديث البراء بن عازب -﵁-.","vol":"1","page":487},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-123> المسألة الرابعة* أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nقرر أهل العلم هذه القاعدة إما في ثنايا كلامهم في تقرير العلاقة بين الربوبية والألوهية، وبعضهم يقررها في رده على بعض شبه أهل الضلال، وفيما يلي أنقل ما وقفت عليه من ذلك:\nيقول العلامة الألوسي: \"وقد يقال: إنهم أشاروا بالجملة الأولى إلى توحيد الربوبية، وبالجملة الثانية إلى توحيد الألوهية، وهما أمران متغايران وعبدة الأوثان لا يقولون بهذا ويقولون بالأول\" (^١).\nويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"فاعلم أن الربوبية والألوهية يجتمعان ويفترقان كما في قوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ [الناس:١ - ٣] وكما يقال: رب العالمين وإله المرسلين، وعند الإفراد يجتمعان كما في قول القائل: من ربك مثاله الفقير والمسكين نوعان في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] ونوع واحد في قوله: (افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم).\nإذا ثبت هذا فقول الملكين للرجل في القبر: (من ربك)؛ معناه: من إلهك لأن الربوبية التي أقر بها المشركون ما يمتحن أحد بها، وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] فالربوبية في هذا هي الألوهية ليست قسيمة لها كما تكون قسيمة لها عند الاقتران فينبغي التفطن لهذه المسألة\" (^٢).\nويقول الإمام ابن تيمية موضحًا لهذه القاعدة: \"وفي لفظ الفقير\n_________\n(^١) روح المعاني (١٥/ ٢١٩).\n(^٢) مؤلفات محمد بن عبد الوهاب في العقيدة (ص ١٧).","vol":"1","page":488},{"text":"والمسكين إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر وإذا اقترن اختص، وكذا الإله والرب مثل قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢] فإن الإله هو المعبود والرب هو الذي يرب غيره فَيُدَبِّرُه\" (^١).\nويقول ﵀ أيضًا مقررًا لمعنى القاعدة: \"وإن كانت الإلهية تتضمن الربوبية، والربوبية تستلزم الإلهية؛ فإن أحدهما إذا تضمن الآخر عند الانفراد لم يمنع أن يختص بمعناه عند الاقتران، كما في قوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ [الناس:١ - ٣]، فجمع بين الاسمين؛ اسم الإله، واسم الرب؛ فإن الإله هو المعبود الذي يستحق أن يعبد، والرب هو الذي يرب عبده فيدبره\" (^٢).\nويقول الشيخ حافظ الحكمي: \"والمقصود: أن الربوبية والإلهية متلازمان لا ينفك نوع منهما عن الآخر\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-124> المسألة الخامسة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nفيما يأتي بعض الفوائد المستفادة من القاعدة:\nأولًا: في القاعدة رد على من جعل الربوبية هي نفس الألوهية ولا فرق بينهما، فجعلوا معنى لا إله إلا الله هو لا خالق إلا الله أو لا رب إلا الله، وأن التوحيد هو إفراد الله بالربوبية، وأن من وحّد الله في الربوبية فهو المسلم الموحد الناجي يوم القيامة، ولا شك أن ذلك مخالف لما هو مقرر في النصوص الشرعية، والقاعدة دلت على الفرق بين الربوبية والألوهية وأن معنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله.\n_________\n(^١) مختصر الفتاوى المصرية (ص ١٣٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٨٤).\n(^٣) معارج القبول (٢/ ٤٠٢).","vol":"1","page":489},{"text":"ثانيًا: الألوهية والربوبية صفتان للرب ﵎، وهي متلازمة وغير مترادفة كما سبق تقرير ذلك، لكن جاء في القرآن الكريم تسمية معبودات المشركين أربابًا، وذلك لأن العرب استعملت الرب بمعنى المعبود، فأطلقت على المعبود ربًّا كما سبق بيانه في معاني كلمة الرب في لغة العرب، وعليه فجميع ما ورد في القرآن أو في السُّنَّة من وصف آلهة المشركين بأنها أرباب هو من هذا القبيل، والمقصود بها الآلهة المعبودة.\nيقول ابن عطية: \"ويسمون الله ربًّا، ويسمون أوثانهم أربابًا ونحو هذا\" (^١).\nويقول الشهرستاني: \"وكانوا يسمونها أربابًا آلهة، والله تعالى هو رب الأرباب، وإله الآلهة\" (^٢).\nوقد أوضح هذا -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب لما سئل: ما قول الشيخ في تسمية المعبودات أربابًا؟ إذ الرب يطلق على المالك، والمعبود على الإله، وكل اسم من أسمائه جل وعلا له معنى يخصه بالتخصيص دون التداخل بالتعميم؟ فقال ﵀: \"الجواب: الرب والإله في صفة الله ﵎ متلازمة غير مترادفة، الرب من الملك والتربية بالنعم، والإله من التأله؛ وهو القصد لجلب النفع ودفع المضرة بالعبادة، ولذلك صارت العرب تطلق الرب على الإله؛ فسمُّوا معبوداتهم أربابًا من دون الله؛ لأجل ذلك؛ أي: لكونهم يسمُّون الله ربًا بمعنى إلهًا\" (^٣).\nثالثًا: أفادت القاعدة علاقة الربوبية بالألوهية، وأنهما متلازمان،\n_________\n(^١) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٢/ ٤٨١).\n(^٢) الملل والنحل (٢/ ٤٩).\n(^٣) الفتاوى (ص ٤٣).","vol":"1","page":490},{"text":"ومع ذلك فهما مفهومان متغايران؛ ولزوم أحدهما للآخر في بعض الصور لا يدل على اتحادهما (^١).\nيقول العلامة العلائي (^٢) في كلامه على العطف الواقع في قوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣]: \"قد يظن أنهما يجريان مجرى الوصف الواحد لتلازمهما، فمن غفر الذنب قبل التوب فبين الله سبحانه بعطف أحدهما على الآخر أنهما مفهومان متغايران ووصفان مختلفان يجب أن يعطى لكل واحد حكمه وذلك مع العطف أبين وأوضح\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: شرح التلويح على التوضيح (١/ ٢٥).\n(^٢) هو: الشيخ الإمام العلامة الحافظ البارع صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي الدمشقي الشافعي، ولد سنة أربع وتسعين وستمائة، برع في الحديث ومعرفة الرجال والمتون والعلل وخرج وصنف وأفاد، من مصنفاته: النفحات القدسية، ونهاية الأحكام في دراية الأحكام، وكتاب تحفة الرائض بعلوم آيات الفرائض، وكتاب جامع التحصيل لأحكام المراسيل، وله غير ذلك من التآليف المفردة في علوم متعددة، توفي سنة إحدى وستين وسبعمائة بالقدس. [ترجمته في: ذيل تذكرة الحفاظ (ص ٤٣ - ٤٦].\n(^٣) الفصول المفيدة في الواو المزيدة (ص ١٤٣).","vol":"1","page":491},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>الفصل الرابع\nالقواعد المتعلقة بأصل التوحيد</span>\nوفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: قاعدة: أصل الإيمان وقاعدته التي عليها\nمدار أعمال العباد هو تحقيق معنى\nالشهادتين قولًا وعملًا وعقيدة.\nالمبحث الثاني: قاعدة: شهادة أن لا إله إلا اللّه مشتملة\nعلى النفي والإثبات.\nالمبحث الثالث: قاعدة: الكفر بالطاغوت ركن التوحيد.\nالمبحث الرابع: قاعدة: محبة الله هي أصل الدين\nوالمحبة فيه أو له تبع لمحبته والمحبة\nمعه تضاده وتناقضه.\nالمبحث الخامس: قاعدة: الحنيفية من موجبات الفطرة\nومقتضياتها.","vol":"1","page":493},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>المبحث الأول\nقاعدة\nأصل الإيمان وقاعدته التي عليها مدار أعمال العباد هو تحقيق معنى الشهادتين قولًا وعملًا وعقيدة</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-127> المسألة الأولى * معنى القاعدة</span>\nأشارت القاعدة إلى الأصلين العظيمين من أصول الإسلام، وهما تحقيق شهادة أن لا إله الله، وأن محمدًا رسول الله، فتحقيق هاتين الكلمتين ينبني عليهما دين الإسلام، وعليهما تقوم الملة، ويثبت بهما أصل الإيمان، وعمود الإسلام، ولا يُعتد بعمل من الأعمال إذا لم يتم تحقيق هذين الأصلين، إذ مدار الأعمال على صحة العقيدة، وسلامة الأصول، وهذا التحقيق لهذين الأصلين لا بد أن يجتمع فيه قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، فينطق اللسان أولًا بما أضمره القلب بهاتين الشهادتين؛ شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأنَّ محمدًا رسول الله، فيطابق قول اللسان ما اعتقده القلب وصدَّق به، ولا بد من اقتران جميع ذلك بأعمال القلب، وكذا بأعمال الجوارح، التي هي موجب ذلك القول والاعتقاد ولازمه، وأكبر دلائله، وأعظم علاماته، وأظهر شواهده، وأجلّ ثمراته (^١).\n_________\n(^١) انظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١٤/ ٥٤٨).","vol":"1","page":495},{"text":"يقول الإمام ابن تيمية مبينًا معنى القاعدة: \"فلا بد من الكلام في هذين الأصلين: الأصل الأول: توحيد الإلهية؛ فإنه سبحانه أخبر عن المشركين كما تقدم بأنهم أثبتوا وسائط بينهم وبين الله، يدعونهم ويتخذونهم شفعاء بدون إذن الله، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس:١٨]، فأخبر أن هؤلاء الذين اتخذوا هؤلاء شفعاء مشركون.\nومن تحقيق التوحيد أن يعلم أن الله تعالى أثبت له حقًا لا يشركه فيه مخلوق؛ كالعبادة والتوكل، والخوف، والخشية، والتقوى، كما قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء:٢٢].\nالأصل الثاني: حق الرسول -ﷺ- فعلينا أن نؤمن به، ونطيعه، ونتبعه، ونرضيه، ونحبه، ونسلم لحكمه، وأمثال ذلك قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [التوبة: ٦٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وأمثال ذلك\" (^١).\nويقول ﵀ أيضًا: \"وهذان الأصلان: هما تحقيق الشهادتين اللتين هما رأس الإسلام؛ شهادة أن لا إله إلا الله (^٢)، وشهادة أن محمدًا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٠٥ - ١١٠) بتصرف.\n(^٢) وإذا أطلقت كلمة التوحيد لا إله إلا الله دخلت فيها الشهادة بأن محمدًا رسول الله =","vol":"1","page":496},{"text":"رسول اللّه؛ فإن الشهادة لله بأنه لا إله إلا هو تتضمن إخلاص الألوهية له، فلا يجوز أن يتأله القلب غيره؛ لا بحب، ولا خوف، ولا رجاء، ولا إجلال، ولا إكبار، ولا رغبة، ولا رهبة، بل لا بد أن يكون الدين كله للّه.\nوالشهادة بأن محمدًا رسول اللّه تتضمن تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، فما أثبته وجب إثباته، وما نفاه وجب نفيه، كما يجب على الخلق أن يثبنوا ما أثبته الرسول لربه، وينفوا عنه ما نفاه عنه من مماثلة المخلوقات، وعليهم أن يفعلوا ما أمرهم به، وأن ينتهوا عما نهاهم عنه، ويحللوا ما أحله، ويحرموا ما حرمه، فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله\" (^١).\nكما دلت القاعدة على أن جميع الأعمال مدارها على الشهادتين، وذلك لأن جميع أعمال الدين داخلة في الشهادتين، فما من طاعة أو عبادة أو شعبة من شعب الإسلام إلا وأصلها شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول اللّه.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وإذا كانت الشهادتان هي أصل الدين؛ وفرعه، وسائر دعائمه، وشعبه داخلة فيهما، فالعبادة متعلقة بطاعة الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] \" (^٢).\n_________\n= ضمنًا كما حقق ذلك أهل العلم، قال الحافظ ابن حجر: \"والمراد بقوله: (لا إله إلا الله) في هذا الحديث وغيره كلمتا الشهادة، فلا يرد إشكال ترك ذكر الرسالة. قال الزين بن المنير: قول (لا إله إلا الله) لقب جرى على النطق بالشهادتين شرعًا\". [فتح الباري (٣/ ١١٠)]، وقال الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله-: \"وإذا جاءت لا إله إلا اللّه وحدها تدخل فيها شهادة أن محمدًا رسول الله ضِمنًا\". [إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (١/ ٦٢)].\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم (٤٥٢) بتصرف، وانظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١٠/ ٢٨٧ - ٢٨٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٤١).","vol":"1","page":497},{"text":"ويقول ﵀ أيضًا: \"وهذا الذكر يتضمن التوحيد والاستغفار؛ فإن صدره الشهادتان اللتان هما أصلًا الدين وجماعه؛ فإن جميع الدين داخل في الشهادتين؛ إذ مضمونهما أن لا نعبد إلا الله، وأن نطيع رسوله، والدين كله داخل في هذا؛ في عبادة الله بطاعة الله وطاعة رسوله، وكل ما يجب أو يستحب داخل في طاعة الله ورسوله\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-128> المسألة الثانية * أدلة القاعدة</span>\nالمتأمل في القاعدة يراها قد اشتملت على عدة مسائل تحتاج إلى دليل وحجة، وفيما يأتي أذكر ما وقفت عليه من أدلة لمسائل هذه القاعدة، ويمكن تصنيف الأدلة إلى أقسام متعددة حسب ما دلت عليه القاعدة، مع ملاحظة أن بعض الأدلة قد يكون جامعًا لأكثر من مسألة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>القسم الأول:</span>\nالأدلة العامة التي تدل على الأمر بعبادة الله، واتباع أنبيائه، وطاعتهم، والتحذير من عبادة غيره، أو مخالفة أنبيائه، ومعصيتهم:\nومن تلك الأدلة ما يأتي:\nقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)﴾ [نوح: ١ - ٣].\nيقول الإمام السمعاني: \"وقوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)﴾: وهذا هو الذي بعث الله لأجله الرسل؛ فإن الله تعالى ما بعث رسولًا إلا ليعبدوه، ويتقوه، ويطيعوا رسوله\" (^٢).\n_________\n(^١) المصدر نفسه (١٠/ ٢٦٣).\n(^٢) تفسير السمعاني (٦/ ٥٣).","vol":"1","page":498},{"text":"وقال الرازي في معنى الآية: \"ثم إنه أمر القوم بثلاثة أشياء: بعبادة اللّه، وتقواه، وطاعة نفسه، فالأمر بالعبادة يتناول جميع الواجبات والمندوبات من أفعال القلوب، وأفعال الجوارح، والأمر بتقواه يتناول الزجر عن جميع المحظورات والمكروهات، وقوله: ﴿وَأَطِيعُونِ (٣)﴾ يتناول أمرهم بطاعته، وجميع المأمورات والمنهيات، وهذا وإن كان داخلًا في الأمر بعبادة اللّه وتقواه، إلا أنه خصه بالذكر تأكيدًا في ذلك التكليف ومبالغة في تقريره\" (^١).\nولذا جاء عن قتادة (^٢) في قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)﴾: \"قال: بها أرسل الله المرسلين؛ أن يعبد الله وحده، وأن تتقى محارمه، وأن يطاع أمره\" (^٣).\nويقول الإمام ابن تيمية: \"وقد قالت الرسل كلهم مثل نوح، وهود، وصالح، وغيرهم: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)﴾، فكل الرسل دعوا إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له، وإلى طاعتهم، والإيمان بالرسل هو الأصل الثاني من أصلي الإسلام، فمن لم يؤمن بأن محمدًا رسول الله إلى جميع العالمين، وأنه يجب على جميع الخلق متابعته، وأن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، والدين ما شرعه فهو كافر مثل هؤلاء المناففين، ونحوهم ممن يجوز الخروج عن دينه، وشرعته، وطاعته؛ إما عمومًا وإما خصوصًا\" (^٤).\n_________\n(^١) التفسير الكبير (٣٠/ ١١٩).\n(^٢) هو: قتادة بن دعامة السدوسي أبو الخطاب الضرير، ولد سنة ٦٠ هـ. كان من أوعية العلم بالتفسير والحديث. وممن يضرب به المثل في قوة الحفظ. كان له باع واسع في العربية والغريب، وأيام العرب وأنسابها توفي سنة ١١٨ هـ، وقيل غير ذلك.\n[ترجمته في: سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٦٩)، وتقريب التهذيب (٢/ ١٢٣)].\n(^٣) انظر: تفسير الطبري (٢٩/ ٩٠)، والدر المنثور (٨/ ٢٨٩).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١١/ ٥٢)، وانظر: (٢٢/ ٣٢١)، وتفسير السعدي (ص ٨٨٩).","vol":"1","page":499},{"text":"وقوله تعالى عن جملة من الأنبياء: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، وكل من الرسل يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨)﴾ [الشعراء: ١٠٨]، وقال سبحانه عن أمة محمد -ﷺ-: ﴿(٤٦) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [النور: ٤٦، ٤٧]، وغير ذلك من الآيات (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>القسم الثاني:</span> الأدلة على أن النطق بالشهادتين والتكلم بهما أصل لا بد منه، ولا تصح لا إله إلا اللّه بدونه، وهذه على أنواع كذلك:\nأولًا: الأمر من اللّه ﷾ بالقول والإقرار الذي يتضمن الإيمان والتوحيد، ولا شك أن التكلم بالشهادتين هما الأصل والأساس في هذا الإقرار؛ إذ بهما يحصل الإسلام، ويصح الإيمان، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦]، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [آل عمران: ٨٤]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾ [العنكبوت: ٤٦] (^٢).\nومن المعلوم أن الإيمان عند أهل السُّنَّة والجماعة هو قول وعمل؛ فالقول قول القلب واللسان، والعمل عمل القلب واللسان والجوارح، فإذا تخلف النطق بالشهادتين عن الإيمان بدون عذر لم يكن إيمانًا مقبولًا عند اللّه ﵎ كما سيأتي إيضاحه.\nيقول أبو السعود في تفسير قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا\n_________\n(^١) انظر: قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق، لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ١٦ - ١٧).\n(^٢) انظر: معارج القبول للحكمي (٢/ ٥٨٩).","vol":"1","page":500},{"text":"فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣)﴾ [المنافقون: ٣]: \"أي: بسبب أنهم ﴿آمَنُوا﴾؛ أي: نطقوا بكلمة الشهاة كسائر من يدخل في الإسلام\" (^١).\nثانيًا: ما جاء من سيرة النبي - ﷺ - في دعوته بأمره من أراد الدخول في الإسلام بالشهادتين، وأنه لم يعتبر إسلام من لم يتكلم بها، وهذا كثير في سُنته وسيرته ﵇، بل أخبر أنه قد أُمِرَ بقتال من كفر وأشرك بالله تعالى حتى يشهد وينطق ويتكلم بهاتين الشهادتين، ومن ذلك:\nما رواه سعيد بن المسيب عن أبيه - ﵁ - أنه أخبره: أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول اللّه - ﷺ - فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد اللّه بن أبي أمية بن المغيرة قال رسول اللّه - ﷺ - لأبي طالب: \"يا عم قل: لا إله إلا الله كلمةً أشهد لك بها عند الله ... \" (^٢).\nومعنى قوله - ﷺ -: (قل لا إله إلا اللّه)؛ أي: انطق وتكلم بهذه الكلمة الفارقة بين المؤمن والكافر، والمسلم والمشرك (^٣).\nوعن أنس بن مالك - ﵁ - قال - ﵁ -: قال رسول الله - ﷺ -: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللّه\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير أبي السعود (٨/ ٢٥٢).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب: إذا قال المشرك عند الموت لا إله إلا الله (١/ ٤٥٧)، رقم (١٢٩٤)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ما لم يشرع في النزع وهو الغرغرة (١/ ٥٤)، رقم (٢٤).\n(^٣) انظر: مصباح الظلام للشيخ عبد اللطيف آل الشيخ (ص ٤٢٩).\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب: فضل استقبال القبلة (١/ ١٥٣)، رقم (٣٨٤)، من حديث أنس بن مالك - ﵁ -، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول اللّه (١/ ٥٢)، رقم (٢١)، من حديث أبي هريرة، واللفظ للبخاري.","vol":"1","page":501},{"text":"ومن ذلك حديث ابن عباس -﵄- (قال: قال رسول اللّه - ﷺ - لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا رسول اللّه، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن اللّه قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينه وبين اللّه حجاب) (^١).\nفالكفار لم يكن النبي - ﷺ - يأمرهم بالفروع قبل الشهادتين والدخول في الإسلام (^٢).\nقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: \"ومن المعلوم بالضرورة أن النبي - ﷺ - كان يقبل من كل من جاءه يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط، ويعصم دمه بذلك ويجعله مسلمًا\" (^٣).\nوقال الإمام ابن تيمية: \"وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر\" (^٤).\nوقال أيضًا: \"فأما الشهادتان: إذا لم يتكلم بهما مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين، وهو كافر باطنًا وظاهرًا عند سلف الأمة،\n_________\n(^١) تقدم تخريج الحديث برواية أخرى عند البخاري ومسلم، وهذه الرواية أخرجها البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب: أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا (٢/ ٥٤٤)، رقم (١٤٢٥)، ومسلم في صحيحه، كتاب، باب: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام (١/ ٥٠)، برقم (١٩).\n(^٢) منهاج السُّنَّة النبوية (٧/ ٦٨).\n(^٣) جامع العلوم والحكم (٨٤)، وكرر المعنى نفسه في حديث قصة علي - ﵁ - عندما ابتعثه النبي - ﷺ - لفتح خبير. انظر: (ص ٨٥)، وانظر: تفسير القرطبي (٧/ ٣٣٢).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٠٢).","vol":"1","page":502},{"text":"وأئمتها، وجماهير علمائها\" (^١).\nوقال العينٍ في شرح حديث معاذ هذا: \"لا يحكم بإسلام الكافر إلَّا بالنطق بالشهادتين، وهذا مذهب أهل السُّنَّة لأن ذلك أصل الدين الذي لا يصح شيء من فروعه إلَّا به\" (^٢).\nوقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم (^٣): \"لا يحكم بإسلام شخص إلا بالنطق بالشهادتين، كما هو مذهب أهل السُّنَّة. وقال الشيخ: قد علم بالاضطرار من دين الرسول، واتفقت الأمة أن أصل الإسلام، وأول ما يؤمر به الخلق شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا رسول اللّه، فبذلك يصير الكافر مسلمًا، وإذا لم يتكلم مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين\" (^٤).\nثالثًا: أن نطق اللسان والتكلم بالشهادتين من لازم تصديق القلب وعمله وإرادته، فلا يتصور وجود تصديق القلب وحبه وانقياده لهذه الكلمة ثم لا ينطق بها مطلقًا، هذا لا يتصور إلا ممن خلا قلبه من التصديق أو المحبة والخضوع لله تعالى، فثبت بذلك أن النطق بالشهادتين أصل من أصول الدين لا تتحقق الشهادتان بدونه، وأنه ملازم لتصديق\n_________\n(^١) المصدر نفسه (٧/ ٦٠٩).\n(^٢) عمدة القاري للعيني (٨/ ٢٣٦)، بل نقل الإجماع في ذلك. انظر: شرح النووي على صحيح الإمام مسلم (١/ ١٩٧)، الزواجر عن اقتراف الكبائر (١/ ٥٥).\n(^٣) هو: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي القحطاني نسبًا، أبو عبد الله: ففيه حنبلي من الأعيان فى نجد، ولد بقرية (البير) من قرى المحمل قرب الرياض سنة ١٣١٩ هـ، وأولع في أوليته بالتاريخ والأنساب والجغرافية، وصنف: إحكام الأحكام، والسيف المسلول على عابد الرسول، وجمع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، وسافر من أجل البحث عنها إلى بلاد كثيرة، وله الدرر السنية في الأجوبة النجدية، وعمل في مطبعة الحكومة بمكة، ثم تولى إدارة المكتبة السعودية في الرياض. توفي سنة ١٣٩٢ هـ. [ترجمته في: مشاهير علماء نجد (ص ١٠٤)، والأعلام للزركلي (٣/ ٣٣٦)].\n(^٤) حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم (ص ٥٧).","vol":"1","page":503},{"text":"القلب وانقياده وخضوعه لا ينفك عنه أبدًا في حال صحة الإسلام وسلامة عقد الإيمان.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"إِذَا تَحَقَّقَ الْقَلْبُ بِالتَّصْدِيقِ، وَالْمَحَبَّةِ التَّامَّةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْإرَادَةِ لَزِمَ وُجُودُ الْأَفْعالِ الظَّاهِرَةِ؛ فَإِنَّ الْإِرَادَةَ الْجَازِمَةَ إِذَا اقْتَرَنَتْ بِهَا الْقُدْرَةُ التَّامَّةُ لَزِمَ وُجُودُ الْمُرَادِ قَطْعًا، وَإِنَّما يَنْتَفِي وُجُودُ الْفِعْلِ لِعَدَمِ كَمَالِ الْقُدْرَةِ أَوْ لِعَدَمِ كَمَالِ الْإِرَادَةِ، وإلَّا فَمَعَ كَمَالِهَا يَجِبُ وُجُودُ الْفِعْلِ الِاخْتِيارِيِّ، فَإِذَا أَقَرَّ الْقَلْبُ إِقْرارًا تَامًّا بِأَنَّ مَحَمَّدًا رَسُولُ اللّهِ، وَأَحَبَّهُ مَحَبَّةً تَامَّةً امْتَنَع مَعَ ذَلِكَ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ، لَكِنْ إنْ كَانَ عَاجزًا لِخَرَسِ وَنَحْوِهِ، أَوْ لِخَوْفِ وَنَحْوِهِ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى النُّطْقِ بِهِمَا\" (^١).\nويقول ﵀ أيضًا: \"وَإِلَّا فَمِنْ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَصلَ لَهُ الْإِقْرارُ وَالحُبُّ وَالِانْقِيَادُ بَاطِنًا وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ فِي الظَاهِرِ مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ كَمَا يَمْتَنِعُ وُجُودُ الْإِرَادَةِ الْجَازِمَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ بِدُونِ وُجُودِ الْمُرَادِ، وَبِهَذَا تَعْرِفُ أَنَّ مَنْ آمَنَ قَلْبُهُ إيمَانًا جَازِمًا امْتَنَعَ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَ الْقُدْرَةِ فَعَدَمُ الشَّهَادَتَيْنِ مَعَ الْقُدْرَةِ مُسْتَلْزَمٌ انْتِفَاءَ الْإِيمَانِ الْقَلْبِيِّ التَّامِّ\" (^٢).\nويقول الشيخ مرعي الكرمي (^٣): \"فمن أراد النطق بالشهادتين مثلًا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٧٢).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٥٣).\n(^٣) هو: الشيخ مرعي بن يوسف بن أبي بكر بن أحمد الكرمي ثم المقدسي الحنبلي، وُلِدَ في طور كرم بفلسطين، وانتقل إلى القدس، ثم إلى القاهرة، واستقر بها إلى أن توفي، وكان إمامًا محدِّثًا فقيهًا، ذا اطلاع واسع على نقول الفقه، ودقائق الحديث، ومعرفة تامة بالعلوم المتداولة، وكان ينظم الشعر، وله ديوان جيد، وله مصنفات قيمة، فاقت السبعين مصنفًا، منها: غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى في فقه الحنابلة، ودليل الطالب، والكلمات السنيات، ومسبوك الذهب في فضل العرب، ورياض الأزهار في حكم السماع والأوتار، وغيرها كثير، توفي سنة ١٠٣٣ هـ. =","vol":"1","page":504},{"text":"إرادة جازمة نطق بهما قطعًا لوجود القدرة والداعي التام ومن لم ينطق علم أنه لم يرد ومن لم يرد الطاعة فيمتنع أن يطلب من الرسول أن يخلقها فيه فإنَّه إذا طلب من الرسول أن يخلقها الله فيه كان مريدًا لها ولا يتصور أن يقول مثل ذلك إلا مريدًا ولا يكون مريدًا للطاعة إلا ويفعلها\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>القسم الثالث:</span>\nالأدلة على أن تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله لا بد أن يتضمن العمل بشرائع الإسلام الظاهرة، فمن لم يعمل بشرائع الإسلام الظاهرة فهذا يدل على عدم إيمانه أو على ضعفه؛ وذلك كمن ينتفي عنه الإيمان لعدم نطقه بالشهادتين مع القدرة إجماعًا، أو مع الخلاف كما في الصلاة، وقد لا ينتفي أصل الايمان، ولكن ينتفي تمامه وكماله لعدم أدائه ذلك الواجب المعين، ومن تلك الأدلة ما يأتي:\nحديث عبد الله بن عمر - ﵄ -: \"بني الإسلامي على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول اللّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة الحج وصوم رمضان\" (^٢)، فذكر قواعد الإسلام وأصوله الخمسة التي ينبني عليها، وهذا يدل على أن هذه المباني لا يحصل تحقيق الشهادتين إلا بها، فمنها ما ينتفي الإيمان بانتفائه، كالشهادتين إجماعًا، وكالصلاة على الخلاف، وأما بقية الأركان فإن الإيمان لا يكون تامًا بدونها؛ إذ الإيمان الصحيح التام لا يحصل بدون تحقق العبد بشعائر الإسلام وأعماله الظاهرة.\n_________\n= [ترجمته في: خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر (٤/ ٣٥٨)، والأعلام للزركلي (٧/ ٢٠٣)].\n(^١) رفع الشبهة والغرر عمن يحتج على فعل المعاصي بالقدر، لمرعي الكرمي (ص ٦١).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: دعاؤكم إيمانكم (١/ ١٢)، برقم (٨)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام (١/ ٤٥)، برقم (١٦) من حديث ابن عمر -﵄-.","vol":"1","page":505},{"text":"يقول الإمام ابن تيمية: \"وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب، وإن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع؛ سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان، أو جزءًا من الإيمان\" (^١).\nويقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز: \"وهكذا من ادعى الإيمان بهذه الأصول ثم لم يؤد شرائع الإسلام الظاهرة، فلم يشهد أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا رسول اللّه، أو لم يصل، أو لم يصم، أو لم يزك، أو لم يحج، أو ترك غير ذلك من شعائر الإسلام الظاهرة التي أوجبها اللّه عليه، فإن ذلك دليل على عدم إيمانه، أو على ضعف إيمانه، فقد ينتفي الإيمان بالكلية كما ينتفي بترك الشهادتين إجماعًا، وقد لا ينتفي أصله، ولكن ينتفي تمامه وكماله لعدم أدائه ذلك الواجب المعين\" (^٢).\nويقول الشيخ حافظ الحكمي: \"ومحال أن ينتفي انقياد الجوارح بالأعمال الظاهرة مع ثبوت عمل القلب\" (^٣).\nوسيأتي مزيد بيان لهذا التلازم فيما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>القسم الرابع:</span>\nالأدلة على أن تحقيق شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا رسول اللّه لا بد أن يتضمن معرفة القلب وعلمه وتصديقه وإقراره، وأن هذا هو أصل الإيمان، وأساس الإسلام:\nأولًا: ما دلَّ من النصوص أن كفر الكافرين والمنافقين كان بسبب خلو قلوبهم من الأقوال والأعمال، وبذلك حكم الله عليهم بالكفر باللّه العظيم، ومن تلك الأدلة ما يأتي:\nقوله سبحانه: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ\n_________\n(^١) الإيمان الأوسط (ص ٥٦٧)، وانظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٦١٦).\n(^٢) مجموع الفتاوى ومقالات متنوعة (٣/ ٢٠).\n(^٣) معارج القبول (٢/ ٥٩٤).","vol":"1","page":506},{"text":"ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧)﴾ [آل عمران: ١٦٧]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾ [المائدة:٤١]، وقوله تعالى: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢)﴾ [النحل: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦].\nفدلت هذه النصوص على أن الإيمان الصحيح والمعتبر هو ما كان أصله حاصلًا في القلب؛ من التصديق، والإقرار، والانقياد، والتعظيم، والمحبة، وغير ذلك من أعمال القلوب التي هي ركن في صحة الإيمان.\nولذلك كان ذكر الإيمان في القرآن غالبًا ما يكون مقرونًا بالقلب، ومضافًا إليه؛ وذلك لأنه الأصل لبقية أعمال الجوارح كما لا يخفى.\nيقول الإمام ابن كثير في معنى قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]: \"أي: أظهروا الإيمان بألسنتهم وقلوبهم خراب، خاوية منه، وهؤلاء هم المنافقون\" (^١).\nوقال الشوكاني في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٢/ ٥٩)، وانظر: تفسير القرطبي (٦/ ١٨١).","vol":"1","page":507},{"text":"[الحجرات: ١٤]: \"أي: لم يكن ما أظهرتموه بألسنتكم عن مواطأة قلوبكم، بل مجرد قول باللسان من دون اعتقاد صحيح، ولا نية خالصة\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-133> المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nنظرًا لما لهذه القاعدة من أهمية بالغة، ومكانة عظيمة إذ هي أصل الدين كما سبق بيان ذلك، وعليها تنبني جميع الشرائع والأعمال، فقد أولاها أهل العلم اهتمامًا كبيرًا، وحرصًا بالغًا، ولا يكاد يخلو كلام واحد من أهل العلم من تقريرها، أو تقرير جزء منها، وفيما يأتي أذكر بعضًا مما وجدته من أقوالهم المؤيدة لهذه القاعدة.\nيقول الإمام ابن تيمية في أثناء تقريره لهذين الأصلين: \"ولهذا يقرر الله هذين الأصلين في غير موضع من القرآن، بل يقدمهما على كل ما سواهما؛ لأنهما أصل الأصول\" (^٢).\nويقول ﵀ أيضًا: \"وهذان الأصلان: توحيد الرب، والإيمان برسله لا بد منهما، ولهذا لا يدخل أحد في الإسلام حتى يشهد أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا رسول اللّه - ﷺ -، وهذا يتضمن الإسلام والإيمان، وهو الدين الذي بعث الله به جميع النبيين، فكلهم كانوا مسلمين، مؤمنين، قائمين بهذين الأصلين\" (^٣).\nويقول الإمام ابن رجب في معنى الشهادتين: \"وهما أصل الإسلام كله\" (^٤).\nويقول الإمام ابن القيم في أثناء تقريره لتوحيد العبادة: \"والجامع لهذا كله: تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله علمًا، ومعرفةً، وعملًا،\n_________\n(^١) فتح القدير (٥/ ٦٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٢٧٤).\n(^٣) الرد على الأخنائي (ص ٢٠٣).\n(^٤) جامع العلوم والحكم (ص ٣٩).","vol":"1","page":508},{"text":"وحالًا، وقصدًا\" (^١).\nوقال المناوي: \"والشهادتان: هما الأساس الكلي الحامل لجميع ذلك البناء، ولبقية تلك القواعد\" (^٢).\nويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: \"إن هاتين الشهادتين هما أصل الدين وأساس الملة وقاعدة الإسلام التي عليها مداره\" (^٣).\nويقول ﵀: \"ومعلوم أن أصل الدين وأساسه وقاعدته التي عليها مدار أعمال العباد، هي تحقيق معنى شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا رسول اللّه؛ قولًا: وعملًا، وعقيدة\" (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-134> المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nلا يخفى علينا مكانة هذه القاعدة ومنزلتها من الدين، إذ لا يكاد يخلو باب من أبواب الدين إلا وله تعلق بهذه القاعدة، ولذا بنى أهل العلم على هذه القاعدة كثيرًا من التطبيقات والفوائد، وفيما يأتي بعض ما وقفت عليه من ذلك:\nأولًا: إن جميع الفرق، والمذاهب، والطوائف، بل وسائر المعتقدات، والأديان المحرفة الباطلة التي خالفت منهج أهل السُّنَّة والجماعة، وضلت الصراط المستقيم فإنما حصل ذلك بسبب إخلالها بهذين الأصلين العظيمين اللذين تضمنتهما القاعدة، أو بأحدهما، وما من صاحب بدعة أو شَرّ أو ضلال إلا وسبب ضلاله وانحرافه عدم تحقيقه\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ١٦٧)، وانظر: إغاثة اللهفان (٢/ ١٣٤).\n(^٢) فيض القدير (٣/ ٢٠٨).\n(^٣) مجموع الفتاوى ومقالات متنوعة (٢/ ٣٣٦).\n(^٤) المصدر نفسه (١٦/ ٢٤٢)، وانظر: (٧/ ٣٩).","vol":"1","page":509},{"text":"لأحد هذين الأصلين اللذين يتميّز بهما أهل الإسلام والإيمان والسُّنَّة، وأصحاب الصراط المستقيم عن غيرهم من أهل الكفر، والبدعة، وأصحاب الضلالة والغواية.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فهذا أصل عظيم على المسلم أن يعرفه، فإنه أصل الإسلام الذي يتميز به أهل الإيمان من أهل الكفر، وهو الإيمان بالوحدانية والرسالة؛ شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدًا رسول اللّه، وقد وقع كثير من الناس في الإخلال بحقيقة هذين الأصلين أو أحدهما، مع ظنه أنه في غاية التحقيق، والتوحيد، والعلم، والمعرفة.\nفإقرار المشرك بأن اللّه رب كل شيء، ومليكه، وخالقه لا ينجيه من عذاب اللّه إن لم يقترن به إقراره بأنه: لا إله إلا اللّه، فلا يستحق العبادة أحد إلا هو، وأن محمدًا رسول اللّه، فيجب تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، فلا بد من الكلام في هذين الأصلين\" (^١).\nبل من كان من أهل السُّنَّة والجماعة، ومن أهل الإيمان والطاعة، قد تصدر منه بعض المخالفة لمنهج أهل السُّنَّة والجماعة، والسبب هو عدم تحقيقه لهذين الأصلين كمال التحقيق قولًا وعملًا واعتقادًا.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"ودليل هذا الأصل كثير في الكتاب والسُّنَّة، وهو أصل الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدًا رسول اللّه، وهو متفق عليه بين الذين أوتوا العلم والإيمان؛ قولًا، واعتقادًا، وإن خالفه بعضهم عملًا، وحالًا، فليس عالم من المسلمين يشك في أن الواجب على الخلق طاعة الله ورسوله، وأن ما سواه إنما تجب طاعته حيث أوجبها الله ورسوله -ﷺ-\" (^٢).\nثانيًا: إن هذين الأصلين -تحقيق الشهادتين- هما أول ما يسأل\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٠٤ - ١٠٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٩/ ٦٨).","vol":"1","page":510},{"text":"عن تحقيقهما العبد في الآخرة، وعليه يُصَنَّفُ العِبَادُ إلى سعداء وأشقياء؛ فمن أتى بهما ووفى بحقوقهما كان من الناجين السعداء، ومن عارضهما وناقضهما كان من أهل النار الهالكين، والقاعدة دلت على أنهما أصل الإسلام وقاعدته التي عليها مدار الأعمال.\nوهذا باب واسع؛ فإن الناس مضطرون إلى هذين الأصلين، فلا ينجون من العذاب، ولا يسعدون إلا بهما، فعليهم أن يؤمنوا بالأنبياء وما جاؤوا به، وأصل ما جاؤوا به: أن لا يعبدوا إلا اللّه وحده كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥] (^١).\nيقول الإمام ابن تيمية: \"والذين يحجون إلى القبور، ويدعون الموتى من الأنبياء وغيرهم عصوا الرسول، وأشركوا بالرب، ففاتهم ما أمروا به من تحقيق التوحيد، والإيمان بالرسول، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا رسول اللّه، وجميع الخلق يأتون يوم القيامة فيسألون عن هذين الأصلين: ماذا كنتم تعبدون، وبما أجبتم المرسلين، كما بسط هذا في موضعه\" (^٢).\nويقول ﵀: \"قال أبو العالية (^٣) في قوله: ﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣]، قال: (خلتان يسأل عنهما كل أحد؛ ماذا كنت تعبد؟ وماذا أجبن المرسلين؟)؛ فالأولى: تحقيق شهادة أن لا إله إلا اللّه، والثانية: تحقيق الشهادة بأن محمدًا رسول اللّه\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: المصدر نفسه (٢٧/ ٢٧٩).\n(^٢) الرد على الأخنائي (ص ١١٧).\n(^٣) هو: رفيع بن مهران البصري أبو العالية الرياحي، الفقيه المقرئ، مولى امرأة من بني رياح بطن من تميم، من جلة التابعين وثقاتهم، رأى أبا بكر وقرأ القرآن على أبي، وسمع من عمر وابن مسعود وعلي وعائشة -﵃-، توفي سنة ٩٣ هـ. [ترجمته في: تذكرة الحفاظ (١/ ٦١)، وميزان الاعتدال في نقد الرجال (٧/ ٣٨٨)].\n(^٤) مجموع الفتاوى (١٩/ ١٧٢)، وانظر: الرد على الأخنائي (ص ٢٠٢)، وأثر أبي =","vol":"1","page":511},{"text":"ويقول أيضًا: \"فلهذا كانت السعادة متضمنة لهذين الأصلين: الإسلام والإيمان، عبادة الله وحده وتصديق رسله، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا رسول اللّه\" (^١).\nويقول ابن القيم: \"وعنها -أي: عن لا إله إلا اللّه- يسأل الأولون والآخرون، فلا تزول قدما العبد بين يدي الله حتى يسأل عن مسألتين: ماذا كنتم تعبدون، وماذا أجبتم المرسلين، فجواب الأولى: بتحقيق لا إله إلا اللّه؛ معرفة، وإقرارًا، وعملًا، وجواب الثانية: بتحقيق أن محمدًا رسول اللّه، معرفة، وإقرارًا، وانقيادًا، وطاعة\" (^٢).\nثالثًا: تحقيق الشهادتين قولًا وعملًا واعتقادًا لا يحصل بدون العلم بهما، وفهم ما دلتا عليه من النفي والإثبات، إذ النطق بالشهادتين، والعمل بما تضمنتاه لا يوجد، بل لا يتصور من جاهل لمعنى هاتين الشهادتين، ولذا كان العلم بهما من أول ما يجب على المكلف من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وكما سبنق فإنه يستحيل تحقيقهما بدون العلم ومعرفة ما دلتا عليه من العلم والعمل.\nقال اللّه تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]، وقال سبحانه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢﴾ [إبراهيم: ٥٢]، وقال ﷿: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ [الزخرف: ٨٦] (^٣)، وقال تعالى:\n_________\n= العالية أخرجه الطبري بسنده: \"عن الربيع عن أبي العالية ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ قال: يسأل العباد كلهم عن خلتين يوم القيامة. عما كانوا يعبدون، وعما أجابوا المرسلين\". [تفسير الطبري (١٤/ ٦٧)].\n(^١) النبوات (ص ٩١).\n(^٢) زاد المعاد (١/ ٣٤).\n(^٣) قال الرازي في تفسيرها: \"ومعنى من شهد بالحق: من شهد أنه لا إله إلا الله، ثم قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾، وهذا القيد يدل على أن الشهادة باللسان فقط =","vol":"1","page":512},{"text":"﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عمران: ١٨].\nوفي \"الصحيح\" عن عثمان بن عفان -﵁- قال: قال رسول اللّه - ﷺ -: \"من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا اللّه دخل الجنة\" (^١).\nوقد تضمنت هذه النصوص الأمر أولًا بالعلم بلا إله إلا اللّه، وأن الذين يملكون الشفاعة في الآخرة هم أهل العلم بالحق وهو لا إله إلا اللّه، كما خص اللّه تعالى أهل العلم دون بنية الناس بالشهادة بالقسط وبلا إله إلا اللّه، وأن الجنة لا يدخلها إلا من كان عالمًا بلا إلي إلا اللّه.\nيقول الشيخ السعدي: \" ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾: أي: نطق بلسانه مقرًا بقلبه، عالمًا بما يشهد به، ويشترط أن تكون شهادته بالحق: وهي الشهادة لله تعالى بالوحدانية، ولرسله بالنبوة والرسالة، وصحة ما جاءوا به من أصول الدين وفروعه، وحقائقه وشرائعه\" (^٢).\nويقول الشيخ عبد الله أبا بطين: \"أول واجب على الإنسان: معرفة معنى هذه الكلمة، قال الله تعالى، لنبيه - ﷺ -: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] وقال: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: ٨٦] أي: بلا إله إلا اللّه ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم، فأفرض الفرائض: معرفة معنى هذه الكلمة، ثم التلفظ بها والعمل بمقتضاها\" (^٣).\nولذا بوب البخاري في \"صحيحه\" فقال: \"باب العلم قبل القول\n_________\n= لا تفيد البتة\". [التفسير الكبير (٢٧/ ١٩٩)، وانظر: تفسير الطبري (٢٥/ ١٠٥)، تفسير السمعاني (٥/ ١١٩)].\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا (١/ ٥٥)، برقم (٢٦)، من حديث عثمان بن عفان.\n(^٢) تفسير السعدي (٧٧١).\n(^٣) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٢/ ٣١٠).","vol":"1","page":513},{"text":"والعمل لقول الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فبدأ بالعلم\" (^١).\nقال ابن المنير في توجيه تبويب البخاري: \"أراد به أن العلم شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به، فهو متقدم عليهما؛ لأنه مصحح للنية المصححة للعمل، فنبه المصنف على ذلك حتى لا يسبق إلى الذهن من قولهم: (إن العلم لا ينفع إلا بالعمل) تهوين أمر العلم والتساهل في طلبه\" (^٢).\nيقول قوام السُّنَّة الإمام الأصبهاني (^٣): \"قال بعض العلماء: أول فرض فرضه الله على خلقه: معرفته، فإذا عرفه الناس عبدوه، قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] \" (^٤).\nوقال الغزالي (^٥) فيما يجب على المكلف: \"فأول واجب عليه:\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١/ ٣٧)، وقيل: في المعنى المقصود من الآية وهو أمر النبي -ﷺ- بالعلم مع أنه من أعلم الخلق بلا إله إلا اللّه؛ فقيل: المراد الثبات على العلم لا ابتداء العلم؛ أي: فأثبت عليها، وقال بعضهم الخطاب للنبي -ﷺ- والمراد غيره، ومثل هذا كثير، وقال الحسين بن الفضل: فازدد علمًا على علمك، وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: هو أنّ النبي -ﷺ- كان يضجر ويضيق صدره من طعن الكافرين والمنافقين فيه، فأنزل الله هذه الآية: يعني: فاعلم إنّه لا كاشف يكشف ما بك إلّا اللّه، فلا تعلق قلبك على أحد سواه. وقيل: غير ذلك. [انظر: تفسير السمعاني (٥/ ١٧٧)، وتفسير الثعلبي (٩/ ٣٤)].\n(^٢) فتح الباري (١/ ١٦٠).\n(^٣) هو: الإمام العلامة الحافظ شيخ الإسلام أبو القاسم إسماعيل القرشي التميمي ثم الطلحي الأصبهاني الملقب بقوام السُّنَّة، قال الحافظ يحيى بن منده: (كان أبو القاسم حسن الاعتقاد جميل الطريقة قليل الكلام ليس في وقته مثله) له مؤلفات منها: \"الترغيب والترهيب\"، و\"الحجة في بيان المحجة\" توفي سنة خمس وثلاثين وخمسمائة [انظر: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٨٠)].\n(^٤) الحجة في بيان الحجة (١/ ١٢٢).\n(^٥) هو: محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي أبو حامد الملقب بحجة الإسلام، الفقيه الشافعي الأصولي صنف كثيرًا من الكتب منها: \"إحياء علوم الدين\"، و\"الوسيط\"، و\"الوجيز في الفقه\"، و\"المستصفى\"، و\"المنخول\"، و\"شفاء الغليل في الأصول\"، توفي سنة ٥٠٥ هـ. [انظر ترجمته في: طبقات الشافعية للسبكي: =","vol":"1","page":514},{"text":"تعلم كلمتي الشهادة وفهم معناهما، وهو قول لا إله إلا اللّه، محمد رسول اللّه\" (^١).\nويقول الشيخ الإمام سليمان بن عبد الله آل الشيخ في معنى قوله ﵇: \"من شهد أنه لا إله إلا اللّه\": \"أي: من تكلم بهذه الكلمة عارفًا لمعناها، عاملًا بمقتضاها، باطنًا وظاهرًا كما دل عليه قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ [الزخرف: ٨٦]، أما النطق بها من غير معرفة لمعناها، ولا عمل بمقتضاها فإن ذلك غير نافع بالإجماع، وفي الحديث ما يدل على هذا وهو قوله: (من شهد)؛ إذ كيف يشهد وهو لا يعلم (^٢)، ومجرد النطق بشيء لا يسمى شهادة به\" (^٣).\nويقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: \"وكل من عقل عن الله يعلم علمًا ضروريًا: أن المقصود من الشهادتين ما دلَّتا عليه من الحقيقة والمعنى، وما اشتملتا عليه من العلم والعمل، وأما مجرد اللفظ من غير علم بمعناهما، ولا اعتقاد لحقيقتهما فهذا لا يفيد العبد شيئًا، ولا يخلِّصه من شعب الشرك وفروعه ...\nفالإيمان بمعناهما، والانقياد له لا يتصور ولا يتحقق إلا بعد العلم، والحكم على الشيء فرع عن تصوره؛ فإذا لم يعلم، ولم يتصور فهو كالهاذي، وكالنائم، وأمثالهما ممن لا يعقل ما يقول، بل لو حصل\n_________\n= (٤/ ١٠١)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة: (١/ ٢٩٣)].\n(^١) إحياء علوم الدين (١/ ١٤).\n(^٢) روى الإمام الخلال في كتاب السُّنَّة: عن أبي بكر بن حماد المقري أنه سأل أبا عبد الله في هذه المسألة -أي: الشهادة للعشرة بالجنة- قال: تفرق بين العلم وبين الشهادة؟ قال: لا؛ إذا قلت أعلم فأنا أشهد، قال الله: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾، وقال: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف: ٨١] إسناده صحيح. [السُّنَة للخلال (٢/ ٣٥٦)، رقم (٤٧٨)].\n(^٣) تيسير العزيز الحميد (ص ٥٦).","vol":"1","page":515},{"text":"له العلم، وفاته الصدق لم يكن شاهدًا، بل هو كاذب، وإن أتى بهما صورة\" (^١).\nرابعًا: دلت القاعدة على أن تحقيق الشهادتين لا بد أن يكون بالقول والعمل والاعتقاد، فلا بد من التصديق والمعرفة، ثم النطق مع الإقرار، والانقياد والالتزام والقبول للطاعات ظاهرًا وباطنًا.\nيقول الإمام ابن القيم في قصة الكاهن الذي أقرَّ للنبي -ﷺ- بالنبوة: \"وفيها أن إقرار الكاهن الكتابي لرسول الله -ﷺ- بأنه نبي لا يدخله في الإسلام ما لم يلتزم طاعته ومتابعته، فإذا تمسك بدينه بعد هذا الإقرار لا يكون ردة منه، ونظير هذا قول الحبرين له وقد سألاه عن ثلاث مسائل، فلما أجابهما قالا: نشهد أنك نبي، قال: فما يمنعكما من اتباعي؟ قالا نخاف أن تقتلنا اليهود، ولم يلزمهما بذلك الإسلام، ونظير ذلك شهادة عمه أبي طالب له بأنه صادق هو، وأن دينه من خير أديان البرية دينًا، ولم تدخله هذه الشهادة في الإسلام.\nومن تأمل ما في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب، والمشركين له -ﷺ- بالرسالة، وأنه صادق فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإسلام علم أن الإسلام أمر وراء ذلك، وأنه ليس هو المعرفة فقط، ولا المعرفة والإقرار فقط، بل المعرفة، والإقرار، والانفياد، والتزام طاعته ودينه ظاهرًا وباطنًا\" (^٢).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: \"فاعلم أن العلماء أجمعوا على أن من صرف شيئًا من نوعي الدعاء لغير الله فهو مشرك ولو قال لا إله إلا الله محمد رسول اللّه وصلى وصام إذ شرط الإسلام مع التلفظ بالشهادتين أن لا يعبد إلا الله فمن أتى بالشهادتين وعبد غير الله\n_________\n(^١) مصباح الظلال للشيخ عبد اللطيف آل الشيخ (ص ١٦١).\n(^٢) زاد المعاد في هدي خير العباد (٣/ ٦٣٨ - ٦٣٩).","vol":"1","page":516},{"text":"فما أتى بهما حقيقة وإن تلفظ بهما كاليهود الذين يقولون لا إله إلا اللّه وهم مشركون ومجرد التلفظ بهما لا يكفي في الإسلام بدون العمل بمعناهما واعتقاده إجماعًا\" (^١).\nوقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز: \"أولًا لا بد من النطق بالشهادتين، فلو أمكنه النطق ولكنه امتنع من النطق لم يدخل في الإسلام حتى ينطق بالشهادتين، وهذا محل إجماع من أهل العلم، ثم مع النطق لا بد من اعتقاد معنى الشهادتين والصدق في ذلك، وذلك بأن يعتقد بأنه لا معبود حق إلا الله، ولو قالها كاذبًا كالمناففين يقولونها وهم يعتقدون أن مع الله آلهة أخرى لم تنفعهم هذه الكلمة، ولم يدخلوا في الإسلام باطنًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥]، وقال ﷿: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [البقرة: ٨]، فلا بد من التصديق بالقلب، واليقين بأنه لا معبود حق إلا الله؛ فإن استكبر عن الانقياد لشرع الله كفر ولم ينفعه النطق بالشهادتين. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج: ٦٢]، وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]، وهكذا لو استكبر عن الشهادة بان محمدًا رسول الله، أو قالها كاذبًا فإنه يكون كافرًا حتى يؤمن بأن محمدًا رسول الله، وينقاد لشرعه، وهذا أمر مجمع عليه بين أهل العلم، والله المستعان\" (^٢).\nخامسًا: ومما ينبني على القاعدة من تفريعات قاعدة التلازم بين الظاهر والباطن بحيث إنه إذا صلح الباطن فلا بد من استقامة الظاهر،\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد (ص ١٨٣).\n(^٢) مجموع الفتاوى ومقالات متنوعة (٥/ ٣٤٠ - ٣٤١).","vol":"1","page":517},{"text":"وإذا فسد الظاهر فليس فساده إلا من فساد الباطن، فمن صلح باطنه بقول القلب وعمله فلا بد من نطقه بالشهادتين، وعمله بالجوارح، فإذا لم ينطق بالشهادتين مع القدرة، ولم يعمل شيئًا من الأعمال دلَّ ذلك على فساد إيمانه الباطن، وهذا ما سبق تقريره مرارًا.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وإذا أفرد الإيمان أدخل فيه الأعمال الظاهرة؛ لأنها لوازم ما في القلب؛ لأنه متى ثبت الإيمان في القلب، والتصديق بما أخبر به الرسول -ﷺ- وجب حصول مقتضى ذلك ضرورة؛ فإنه ما أسرَّ أحد سريرة إلا أبداها اللّه على صفحات وجهه، وفلتات لسانه، فإذا ثبت التصديق في القلب لم يتخلف العمل بمقتضاه البتة، فلا تستقر معرفة تامة، ومحبة صحيحة ولا يكون لها أثر في الظاهر، ولهذا ينفي الله الإيمان عمن انتفت عنه لوازمه؛ فإن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ [المائدة: ٨١]، وقوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، ونحوها، فالظاهر والباطن متلازمان، لا يكون الظاهر مستقيمًا إلا مع استقامة الباطن، وإذا استقام الباطن فلا بد أن يستقيم الظاهر (^١)؛ ولهذا قال النبي -ﷺ-: \"أَلا وَإنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّه، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ\" (^٢) \" (^٣).\n_________\n(^١) قصده -والعلم عند اللّه تعالى- باستقامة الباطن والظاهر هنا: أي: الاستقامة الحقيقة التي يترتب عليها صلاح العمل، وصحته، وقبوله عند الله تعالى، وأما الاستقامة الظاهرية مع عدم الصحة والقبول عند الله فلا يلزم منه صلاح الباطن وصحته، وبذلك تخرج أعمال أهل النفاق.\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: فضل من استبرأ لدينه (١/ ٢٨)، برقم (٥٢)، ومسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب: أخذ الحلال وترك الشبهات (٣/ ١٢٩١)، برقم (١٥٩٩)، من حديث النعمان بن بشير.\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٨/ ٢٧٢).","vol":"1","page":518},{"text":"ويقول ﵀ في معنى الحديث: \"فإذا كان القلب صالحًا بما فيه من الإيمان؛ علمًا، وعملًا قلبيًا لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر، والعمل بالإيمان المطلق، كما قال أئمة أهل الحديث: قول وعمل؛ قول باطن وظاهر، وعمل باطن وظاهر، والظاهر تابع للباطن، لازم له، متى صلح الباطن صلح الظاهر، وإذا فسد فسد\" (^١).\nويقول الإمام ابن أبي العز الحنفي: \"ولا شك أنه يلزم من عدم طاعة الجوارح عدم طاعة القلب، إذ لو أطاع القلب وانقاد لأطاعت الجوارح وانقادت، ويلزم من عدم طاعة القلب وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة قال -ﷺ-: \"إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب\"، فمن صلح قلبه صلح جسده قطعًا بخلاف العكس\" (^٢).\nويقول ابن الحاج في تقرير معنى الحديث: \"فالأصل الذي تتفرع عنه العبادات على أنواعها هو الإخلاص، وذلك لا يكون إلا بالقلب، فعلى هذا الجوارح الظاهرة تبع للباطنة، فإن استقام الباطن استقام الظاهر جبرًا، وإذا دخل الخلل في الباطن دخل في الظاهر من باب أولى، فعلى هذا ينبغي للمؤمن أن تكون همته وكليته في تخليص باطنه واستقامته؛ إذ أن أصل الاستقامة منه تتفرع، وهو معدنها، وقد نص الحديث على هذا وبيَّنه أتم بيان\" (^٣).\nسادسًا: تحقيق الشهادتين لا يتم إلا بإخلاص العبادة لله ﷾ وحده دون غيره من المعبودات والمألوهات، ومتابعة نبيه محمد -ﷺ-، فمن لم\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ١٨٧)، وانظر: (١٣/ ٤٠)، (١٤/ ١١٤)، (١٤/ ١٢١).\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٨٤)، وانظر: الصلاة وحكم تاركها لابن القيم (ص ٧١).\n(^٣) المدخل لابن الحاج (١/ ٧).","vol":"1","page":519},{"text":"يخلص عبادته لله تعالى، وتعبَّد لله تعالى بما يخالف الطريقة المحمدية لم يكن ممن حقّق الشهادتين عملًا واعتقادًا، بل إن ذلك من صفات أهل البدع والفرقة الذين يعبدون مع الله غيره، وإذا عبدوه عبدوه بالبدع.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وأصل الإسلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول اللّه؛ فمن طلب بعباداته الرياء والسمعة فلم يحقق شهادة أن لا إله إلا الله، ومن خرج عما أمره به الرسول -ﷺ- من الشريعة، وتعبد بالبدعة فلم يحقق شهادة أن محمدًا رسول اللّه، وإنما يحقق هذين الأصلين: من لم يعبد إلا اللّه، ولم يخرج عن شريعة رسول اللّه -ﷺ- التي بلغها عن الله، فإنه قال: \"تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك\" (^١) \" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ١٢٦)، رقم (١٧١٨٢)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين (١/ ١٧٥)، رقم (٣٣١)، وابن ماجه في سننه، باب: اتباع سُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين (١/ ١٦)، رقم (٤٣)، وأبو نعيم في المستخرج على صحيح مسلم (١/ ٣٦)، رقم (٢)، وقال عقبه: \"وهذا حديث جيد من صحيح حديث الشاميين، وهو وإن تركه الإمامان: محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج فليس ذلك من جهة انكسار -[هكذا في المطبوع، ولعلها: إنكار، واللّه أعلم]- منهما له، فإنهما قد تركا كثيرًا مما هو بشرطهما أولى، إلى طريقهما أقرب\"، وصححه الشيخ الألباني، وحسَّنه الشيخ محمد جمال الدين القاسمي. انظر: [سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٦١٠)، رقم (٩٣٧)، وقواعد التحديث (ص ٥٣)].\nوقال الإمام أبو نعيم الأصبهاني بعد ذكره لرواية أخرى للحديث: \"فَتَلَقَّت الهداة والعقلاء وصية نبيهم -ﷺ- بالقبول، ولزموا التوطين على سُنَّته، وسُنَّة الهداة المرشدة من الخلفاء، فلم يرغبوا عنه، بل علموا أن الثبوت عليه غير ممكن إلا بتتبع ما سنَّه -ﷺ-، وسنَّه بعده أئمة الهدى الذين هم خلفاؤه في أمته، فتركوا الاشتغال بهواجس النفوس، وخواطر القلوب، وما يتولد من الشبهات التي تولد آراء النفوس، وقضايا العقول؛ خوفًا من أن يزيغوا عن المحجة التي فارقهم عليها رسول اللّه -ﷺ-، الذي شبه ليلها بنهارها، مع ما جاءهم عن الله تعالى من الوعيد البليغ المصرح بنفي الإيمان عما خالفه -ﷺ-، أو طعن على أحكامه، ولم تطب نفسه بالتسليم له\". [انظر: المسند المستخرج على صحيح مسلم لأبي نعيم الأصبهاني (١/ ٣٧)].\n(^٢) مجموع الفتاوى (١١/ ٦١٧ - ٦١٨)، وانظر: (٥/ ٥٢).","vol":"1","page":520},{"text":"ويقول ﵀: \"ودين الإسلام مبنى على أصلين؛ وهما: تحقيق شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا رسول اللّه، وأول ذلك أن لا تجعل مع اللّه إلهًا آخر؛ فلا تحب مخلوقًا كما تحب اللّه، ولا ترجوه كما ترجو اللّه، ولا تخشاه كما تخشى الله، ومن سوى بين المخلوق والخالق في شيء من ذلك فقد عدل بالله، وهو من الذين بربهم يعدلون، وقد جعل مع الله إلهًا آخر وإن كان مع ذلك يعتقد أن الله وحده خلق السماوات والأرض.\nالأصل الثاني: أن نعبده بما شرع على ألسن رسله ﵈ لا نعبده إلا بواجب أو مستحب، والمباح إذا قصد به الطاعة دخل في ذلك\" (^١).\nويقول ﵀ أيضًا: \"فلا ينفع المريد القاصد أن يعبد؛ أي معبود كان، ولا أن يعبد الله بأي عبادة كانت، بل هذه طريقة المشركين المبتدعين الذين لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به اللّه؛ كالنصارى ومن أشبههم من أهل البدع الذين يعبدون غير الله، بغير أمر اللّه، وأما أهل الإسلام والسُّنَّة فهم يعبدون اللّه وحده، ويعبدونه بما شرع، لا يعبدونه بالبدع إلا ما يقع من أحدهم خطأ\" (^٢).\nسابعًا: ومما ينبني على القاعدة أن لا يُعْتقد في غير الله تعالى شيءٌ من خصائص الألوهية أو الربوبية، ولا في غير رسوله -ﷺ- شيءٌ من خصائص النبوة والرسالة، فمن وُجِدَ في قلبه أو حاله شيءٌ من ذلك لم يكن قد تحقق بالشهادتين قولًا وعملًا واعتقادًا، بل يشهد عليه لسان حاله إقراره بألوهية إله غير الله -تعالى وتنزه- وبنبوة رسول غير محمد بن عبد الله -ﷺ-.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فإن رأس الإسلام شهادة أن لا إله إلا اللّه،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ٣١٠ - ٣١١)، وانظر أيضًا: (١/ ٣٣٣).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٨٧).","vol":"1","page":521},{"text":"وأن محمدًا عبده ورسوله، فلا بد من إخلاص الدين لله حتى لا يكون في القلب تأله لغير اللّه، فمتى كان في القلب تأله لغير اللّه فذاك شرك يقدح في تحقيق شهادة أن لا إله إلا اللّه، ولا بد من الشهادة بأن محمدًا رسول اللّه، وذلك يتضمن تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته فيما أمر به، ومن ذلك الإيمان بأنه خاتم النبيين، وأنه لا نبي بعده، فمتى جعل لغيره نصيبًا من خصائص الرسالة والنبوة كان في ذلك نصيب من الإيمان بنبي بعده، ورسول بعده؛ كالمؤمنين بنبوة مسيلمة، والعنسي، وغيرهما من المتنبئين الكذابين، كما قال -ﷺ-: \"إن بين يدي الساعة ثلاثين دجالين كذابين كلهم يزعم أنه رسول الله\" (^١).\nفمن أوجب طاعة أحد غير رسول الله -ﷺ- في كل ما يأمر به، وأوجب تصديقه في كل ما يخبر به، وأثبت عصمته أو حفظه في كل ما يأمر به، ويخبر من الدين فقد جعل فيه من المكافأة لرسول اللّه، والمضاهاة له في خصائص الرسالة بحسب ذلك؛ سواء جعل ذلك المضاهي لرسول اللّه -ﷺ- بعض الصحابة، أو بعض القرابة، أو بعض الأثمة والمشايخ، أو الأمراء من الملوك وغيرهم\" (^٢).\nثامنًا: تضمنت القاعدة التعريف بأصلي الإسلام الذين ينبني عليهما هذا الدين، الأصل الأول: معرفة المعبود والتعرف على أسمائه وصفاته،\n_________\n(^١) أصل الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن، باب: باب خروج الناس .. (٦/ ٢٦٠٥)، برقم (٦٧٠٤)، ومسلم في صحيحه، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء، (٤/ ٢٢٣٩)، برقم (١٥٧)، ولفظهما عن أبي هريرة - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللّه -ﷺ- قَالَ: \"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ يكُونُ بَيْنَهُما مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، دَعْوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ، وَحَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاِثينَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولَ اللهِ ... \"، وهناك ألفاظ أخرى للحديث رواها أصحاب السُّنن قريبة مما ذكره شيخ الإسلام.\n(^٢) جامع الرسائل (١/ ٢٧٣).","vol":"1","page":522},{"text":"واستحقاقه للعبادة دون ما سواه، وأن جميع ما عبد بالتنديد من دونه لا يستحق شيئًا من العبادة والخضوع، والأصل الثاني: معرفة الطريق المؤدية والموصلة إلى رضوان ذلك المعبود العظيم الذي اتصف بجميع صفات الكمال، ونعوت الجلال، وهو طريق الرسول -ﷺ-؛ إذ هو أعظم من عبده ووحده وأخلص له.\nيقول الشيخ حافظ الحكمي: \"الشهادتان؛ وهما شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول اللّه، ... فبالشهادة الأولى يعرف المعبود وما يجب له، وبالثانية يعرف كيف يعبده، وبأي طريق يصل إليه، وكيف يؤمن بالعبادة أحد قبل تعريفه بالمعبود، وكيف يؤديها من لم يعرف كيف أمر الله أن يعبد، ففي الشهادة الأولى توحيد المعبود الذي ما خلق الخلق إلا ليعبدوه وحده لا شريك له، وفي الشهادة الثانية توحيد الطريق الذي لا يوصل إلى الله تعالى إلا منه، ولا يقبل دينًا ممن ابتغى غيره، ورغب عنه\" (^١).\nتاسعًا: تحقيق الشهادتين لا يحصل إلا باجتماعهما؛ أي: تحقيق شهادة أن لا إله إلا اللّه لا يصح ولا يقبل لا حقيقة ولا حكمًا إلا بعد أن ينضم إليه تحقيق شهادة أن محمدًا رسول اللّه -ﷺ-، فهما قرينتان لا ينفك أحدهما عن الآخر في حال الإسلام وصحة الإيمان.\nولذلك لم يقبل الرسول -ﷺ- من أهل الكتاب كاليهود مثلًا قولهم: لا إله إلا اللّه، وقاتلهم، وحكم بكفرهم لعدم إيمانهم وتصديقهم وإقرارهم بأن محمدًا رسول اللّه -ﷺ-.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وأما الإيمان بالرسول -ﷺ- فهو المهم؛ إذ لا يتم الإيمان بالله بدون الإيمان به، ولا تحصل النجاة والسعادة بدونه؛ إذ هو الطريق إلى الله سبحانه؛ ولهذا كان ركنا الإسلام: أشهد أن لا إله\n_________\n(^١) معارج القبول (٢/ ٦١٩ - ٦٢٠).","vol":"1","page":523},{"text":"إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله -ﷺ-\" (^١).\nعاشرًا: ومما يستفاد من القاعدة أنه لا يجوز أن يحكم على شخص بأنه حقق الشهادتين، أو حقق التوحيد؛ لما سبق بيانه في معنى القاعدة أن التحقيق لا يحصل إلا بمطابقة القول مع العمل الصادر عن اعتقاد صحيح، وانقياد قلبي سليم.\nيقول الإمام ابن القيم: \"وفيه معنى آخر: وهو أن الاستعانة، والاستعاذة، والاستغفار: طلب وإنشاء، فيستحب للطالب أن يطلبه لنفسه، ولإخوانه المؤمنين. وأما الشهادة فهي إخبار عن شهادته لله بالوحدانية، ولنبيه بالرسالة، وهي خبر يطابق عقد القلب، وتصديقه، وهذا إنما يخبر به الإنسان عن نفسه؛ لعلمه بحاله، بخلاف إخباره عن غيره، فإنه إنما يخبر عن قوله، ونطقه، لا عن عقد قلبه والله أعلم\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٣٨).\n(^٢) حاشية ابن القيم (٦/ ١٠٦).","vol":"1","page":524},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>المبحث الثاني\nقاعدة شهادة أن لا إله إلا الله مشتملة على النفي والإثبات</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-136> المسألة الأولى * شرح مفردات القاعدة</span>\nالشهادة مشتقة من الأصل الثلاثي (شَهِدَ)، فالشين والهاء والدال أصل يدل على حضور، وعلم، وإعلام، لا يخرج شيء من فروعه عن ذلك، يقال: شَهِدَ يَشْهَدُ شَهَادَةً، وَشَهِدَ الرجل على كذا يشهد عليه شهادة: إذا أخبر به قطعًا، والأصل في الشهادة الإخبار عما شاهد المخبر بحسه، ثم قد تطلق على ما يحققه الإنسان ويتقنه معرفة وعلمًا، وإن لم يكن شاهدًا للحس؛ لأن المحقَّق علمًا كالمدرك حسًّا ومشاهدة (^١).\nوشهادة أن لا إله إلا الله هي شهادة التوحيد التي يُدْخَلُ بها في الإسلام، فهي أول الواجبات، وأصل الأصول، ولا يعتد بدخول الكافر في الإسلام إلا بعد أن ينطق بها ويقرَّ للنبي -ﷺ- بالرسالة.\n_________\n(^١) انظر: معجم مقاييس اللغة (٣/ ٢٢١)، وتهذيب اللغة للأزهري (٦/ ٤٧)، والكليات (٥٢٨)، والمعجم الوسيط (١/ ٤٩٧)، والمفهم بشرح صحيح مسلم للقرطبي (١/ ٨٧).","vol":"1","page":525},{"text":"والنَّفي: مصدر نَفَيْتُ الشيءَ أَنْفِيه نَفْيًا، وأصله من الفعل الثلاثي (نفى)، فالنون والفاء والحرف المعتلّ: أُصَيلٌ يدلُّ على تعْرِيةِ شيء من شيءٍ وإبعاده منه، تقول: نَفَيتُ الشّيءَ أَنفيه نَفْيًا ونُفَاية: إذا رددته، وأزلته، وجحدته (^١).\nوأما الإثْباتُ: فهو ضد النفي، وهو مصدر للفعل الرباعي (أَثْبَتَ) وأصله (ثَبَتَ) صحيح سالمٌ، قال أهل اللغة: الثاء والباء والتاء كلمةٌ واحدة، وهي دَوامُ الشيء، وَثَبَتَ الشَّيْءُ يَثْبُتُ ثُبُوتًا دَامَ وَاسْتَقَرَّ فَهُوَ ثَابِتٌ، وَثَبَتَ الْأَمْرُ صَحَّ، وَيَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ وَالتَّضْعِيفِ، فَيُقالُ: أَثْبَتَهُ وَثَبَّتَهُ وَالِاسْمُ الثَّبَاتُ (^٢).\nوقال المناوي في معناه: \"الإثبات: ضد الإزالة؛ ثم تارة يقال بالفعل، فيقال لما يخرج من العدم نحو: أثبت الله كذا، وتارة لما ثبت بالحكم، فيقال: أثبت الحاكم كذا، وتارة لما يكون بالقول؛ سواء كان صدقًا أم كذبًا، فيقال: أَثْبَتَ التوحيد، وَصَدَّقَ النبوة، وفلان أثبت مع الله إِلَهًا آخر\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-137> المسألة الثانية * معنى القاعدة</span>\nالقاعدة أفادت اشتمال شهادة أن لا إله إلا الله على معنيين\n_________\n(^١) انظر: معجم مقاييس اللغة (/)، والمحكم والمحيط الأعظم (١٠/ ٤٩٥)، والأفعال (٣/ ٢٨١)، وجمهرة اللغة (٢/ ٩٧٢)، وتهذيب اللغة (١٥/ ٣٤١)، وتاج العروس (٤٠/ ١١٧)، ولسان العرب (١٥/ ٣٣٧).\n(^٢) انظر: معجم مقاييس اللغة (١/ ٣٩٩)، وتهذيب اللغة (١٤/ ١٩٠)، وتاج العروس (٤/ ٤٧٢)، والمصباح المنير (١/ ٨٠)، والمعجم الوسيط (١/ ٩٣)، ومعجم تصريف الأفعال العربية للدحداح (٢٧٤)، ومعجم الأفعال المتعدية بحرف (٢٧).\n(^٣) التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي (٣٣).","vol":"1","page":526},{"text":"عظيمين، بل على أصلين كبيرين لا تقوم الشهادة إلا عليهما؛ وهما النفي والإثبات؛ فالنفي في شقها الأول: (لا إله)، والإثبات في الشق الثاني: (إلا الله)، والمقصود بالنفي: نفي جميع الآلهة المعبودة من دون الله تعالى، ونفيها يستلزم إبطالها، والكفر بها، وبغضها، وإزالتها عند القدرة، وبيان ضعفها وحقارتها، وأنها لا تستحق مثقال ذرة من العبادة ولا أدنى من ذلك.\nوالمقصود بالإثبات هو إثبات الألوهية لله تعالى وحده دون ما سواه، ثم إفراده ﷿ بأنواع العبادة.\nيقول الإمام الصنعاني: \"قوله: (لا إله إلا اللّه) للتوحيد؛ أي: وضع لإفادته، ومعناه: النفي والإثبات، فلو كان تكلمًا بالباقي لكان نفيًا لغيره؛ أي: نفيًا لما سوى الله تعالى؛ لأنه هو الباقي بعد الاستثناء؛ لإثباته للألوهية لله، فيصح من كونها كلمة التوحيد بالإجماع\" (^١).\nويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن: \"والمقصود أن نفي الأوثان الذي دلت عليه كلمة الإخلاص يحصل بتركها، والرغبة عنها، والبراءة منها، والكفر بها وبمن يعبدها، واعتزالها واعتزال عابديها، وبغضها وعداوتها، وكل هذا في القرآن مبينًا، وقد انتفت عبادة كل ما عبد من دون الله مما هو موجود في الخارج مما يعبده المشركون سلفًا وخلفًا بهذه الكلمة كما تقدم\" (^٢).\nويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: \"لأن (لا إله إلا اللّه): نفي وإثبات؛ فمعنى النفي منها هو البراءة من جميع المعبودات غير اللّه في جميع أنواع العبادات، وهذا المعنى جاء موضحًا في قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ\n_________\n(^١) إجابة السائل شرح بغية الأمل (ص ٢٦٥).\n(^٢) بيان كلمة التوحيد والرد على الكشميري عبد المحمود للشيخ عبد الرحمن بن حسن مطبوع ضمن مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (٤/ ٣٤٣).","vol":"1","page":527},{"text":"مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦]، ومعنى الإثبات منها: هو إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله، وهذا المعنى جاء موضحًا في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)﴾ [الزخرف: ٢٧] \" (^١).\nويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: \"فقولك: (لا إله إلا اللّه): فـ (لا): نافية للجنس، و(الإله) هو: المألوه بالعبادة، وهو الذي تألهه القلوب، وتقصده رغبة إليه في حصول نفع، أو دفع ضر، كحال من عبد الأموات، والغائبين، والأصنام، فكل معبود مألوه بالعبادة، والخبر المرفوع محذوف تقديره: حق، وقوله: (إلا الله): استثناء من الخبر المرفوع، فاللّه سبحانه هو الحق، وعبادته وحده هي الحق، وعبادة غيره منتفية بلا في هذه الكلمة.\nقال اللّه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان:٣٠]، فإلهية ما سواه باطلة، فدلت الآية على أن صرف الدعاء الذي هو مخ العبادة عنه لغيره باطل؛ فتبيَّن أن الإلهية هي العبادة؛ لأن الدعاء من أفرادها، فمن صرف منها شيئًا لغيره تعالى فهو باطل\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-138> المسألة الثالثة * أدلة القاعدة</span>\nدلَّ على صحة القاعدة ما يلي:\nأولًا: لفظ الشهادة نفسه مشتمل على دلالة النفي والإثبات؛ فإن (لا إله) نفي لجميع ما يوجد أو سيوجد من آلهة في هذا العالم، و(إلا اللّه) استثناء للإله الحق الواحد، والاستثناء بعد النفي إثبات كما هو\n_________\n(^١) أضواء النبيان (٧/ ١٠٢).\n(^٢) مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (٢/ ٨٨).","vol":"1","page":528},{"text":"مقرر عند جمهور أهل العلم من أهل اللغة والأصول، وعليه فتكون كلمة التوحيد (لا إله إلا اللّه) دالة ومشتملة على النفي والإثبات.\nيقول الإمام ابن قدامة: \"فإن هذا صريح في الإثبات والنفي فمن قال: (لا إله إلا اللّه): مثبت للإلهية نافٍ لها عمن سواه\" (^١).\nوقال القرطبي: \"لا خلاف بين أهل اللسان وغيرهم أن الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي\" (^٢).\nوقال الآمدي (^٣): \"الاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات، خلافًا لأبي حنيفة، ودليلنا في ذلك أن القائل إذا قال (لا إله إلا اللّه) كان موحدًا مثبتًا للألوهية لله ﷾، ونافيًا لها عما سواه، ولو كان نافيًا للألوهية عما سوى الرب تعالى، غير مثبت لها بالنسبة إلى الرب تعالى لما كان ذلك توحيدًا لله تعالى؛ لعدم إشعار لفظه بإثبات الألوهية لله تعالى وذلك خلاف الإجماع\" (^٤).\nوقال الزركشي (^٥): \"قول (لا إله إلا اللّه)؛ أي: على هذه الصيغة\n_________\n(^١) روضة الناظر لابن قدامة (ص ٢٧٠)، وانظر لتقرير قاعدة الاستثناء من النفي: الأشباه والنظائر\" للسيوطي (ص ٣٧٨)، ومعنى لا إله إلا الله، للزركشي (ص ١٠١ - ١٠٤).\n(^٢) تفسير القرطبي (١٠/ ٣٧).\n(^٣) هو: علي بن أبي علي بن محمد بن سالم الثعلبي، الفقيه، الأصولي، له تصانيف عديدة منها: \"الإحكام في أصول الأحكام\"، و\"منتهى السول\"، توفي سنة ٦٣١ هـ.\n[انظر ترجمته في: طبقات الشافعية للسبكي: (٥/ ١٢٩)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شبهة (٢/ ٧٩)].\n(^٤) الإحكام للآمدي (٢/ ٣٣٠)، وانظر: (٣/ ١٠٨ - ١٠٩)، وإرشاد الفحول (ص ٢٥٥).\n(^٥) هو: الإمام بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد اللّه الزركشي، الشافعي، أحد علماء مصر في القرن الثامن الهجري، ولد سنة ٧٤٥ هـ، من مؤلفاته: البحر المحيط في أصول الفقه، والبرهان في علوم القرآن وغيرها، توفي سنة ٧٩٤ هـ. [انظر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (٣/ ٣٩٧)، وشذرات الذهب (٦/ ٣٣٥)].","vol":"1","page":529},{"text":"الخاصة الجامعة بين النفي والإثبات ليدل على حصر الإلهية لله تعالى؛ فإن الجمع بين النفي والإثبات أبلغ صيغ الحصر، وقد ثبت العلم الضروري بالاكتفاء بهذه الكلمة الشريفة في إثبات التوحيد لله تعالى، من غير نظر إلى واسطة بين النفي والإثبات، ولا انضمام لفظ آخر إليه\" (^١).\nويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: \"اعلم أن (لا إله إلا اللّه)، هي كلمة التقوى، والعروة الوثقى، وأصل دين الإسلام، ومفتاح دار السلام؛ قد دلت بمنطوقها وموضوعها، على نفي استحقاق الإلهية عن غيره تعالى، والبراءة من كل معبود سواه، قولًا وفعلًا، وإثبات استحقاق الإلهية على وجه الكمال لله تعالى.\nفالأول: وهو النفي، يستفاد من: (لا) واسمها، وخبرها المقدر، والإثبات: يستفاد من الاستثناء؛ لأن الإثبات بعد النفي المتقدم، أبلغ من الإثبات بدونه، وهذه طريقة القرآن، يقرن بين النفي والإثبات غالبًا؛ -كما في هذا الموضع- لأن المقصود لا يحصل إلا بهما\" (^٢).\nثانيًا: من المعلوم مجيء جميع الأنبياء والرسل بالدعوة إلى (لا إله إلا اللّه)، وإخلاص العبادة لله تعالى، وقد جاءت النصوص القرآنية تبين وتوضح اشتمال دعوة الرسل جميعًا على النفي والإثبات، ومعناه كما سبق: الأمر بعبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه، فهذا هو المقصود من النفي والإثبات، فإن دلالة (لا إله إلا اللّه) اللفظية على صورة الخبر، والمقصود منه الأمر والنهي -كما سيأتي تفصيل ذلك في تطبيقات القاعدة- ومن تلك الآيات التي جاءت مفسرة لكلمة التوحيد ما يأتي:\nقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].\n_________\n(^١) معنى لا إله إلا الله للزركشي (ص ٨٣).\n(^٢) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٢/ ٣٢٦).","vol":"1","page":530},{"text":"يقول الشيخ سليمان آل الشيخ في معنى الآية: \"وهذه الآية هي معنى (لا إله إلا اللّه)، فإنها تضمنت النفي والإثبات كما تضمنته (لا إله إلا اللّه) ففي قوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ الإثبات، وفي قوله: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ النفي، فدلت الآية على أنه لا بد في الإسلام من النفي والإثبات، فيثبت العبادة لله وحده، وينفي عبادة ما سواه\" (^١).\nويقول الشيخ الأمين الشنفيطي في تفسير الآية: \"ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه بعث في كل أمة رسولًا بعبادة اللّه وحده، واجتناب عبادة ما سواه، وهذا هو معنى (لا إله إلا اللّه)؛ لأنها مركبة من نفي وإثبات، فنفيها: هو خلع جميع المعبودات غير الله تعالى، في جميع أنواع العبادات، وإثباتها: هو إفراده جلَّ وعلا بجميع أنواع العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله -عليهم صلوات اللّه وسلامه-\" (^٢).\nومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦].\nوقوله تعالى في براءة إبراهيم ﵇ من معبودات أبيه وقومه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧].\nيقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"ومعنى (لا إله): نفي و(إلا الله): إثبات. فإذا قيل لك إيش أنت ناف؟ وإيش أنت مثبت؟ فقل: ناف جميع ما يعبد من دون اللّه، ومثبت العبادة لله وحده لا شريك له، فإذا قيل لك: إيش الدليل على ذلك؟ فقل: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ هذا دليل النفي، ودليل\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد (ص ٣٨)، وانظر: حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم (ص ١٤).\n(^٢) أضواء البيان (٢/ ٣٧٤).","vol":"1","page":531},{"text":"الإثبات: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ \" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-139> المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nلا يكاد يخلو كلام أحد من أهل العلم -ممن تكلم في معنى كلمة التوحيد- من تقرير قاعدة النفي والإثبات في لا إله إلا اللّه؛ فمنهم من عبَّر عنهما بالأصل، وآخر بالركن، وغير ذلك، وفيما يأتي أذكر بعضًا مما وقفت عليه من تلك التقريرات:\nيقول الإمام ابن أبي العز الحنفي في قول الإمام الطحاوي: (ولا إله غيره): \"هذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلهم كما تقدم ذكره، وإثبات التوحيد بهذه الكلمة باعتبار النفي والإثبات المقتضي للحصر؛ فإن الإثبات المجرد قد يتطرق إليه الاحتمال، ولهذا والله أعلم لما قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] قال بعده: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]؛ فإنه قد يخطر ببال أحد خاطر شيطاني: هب أن إلهنا واحد فلغيرنا إله غيره، فقال تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ \" (^٢).\nويقول الإمام ابن تيمية: \"من سَوَّغَ أن يُدْعَى المخلوق، ومنع من دعاء الخالق الذي فيه تحقيق صمديته، وإلهيته فقد ناقض الإسلام في النفي والإثبات، وهو شهادة أن لا إله إلا اللّه\" (^٣).\nويقول الإمام ابن القيم: \"ونظير هذا اشتمال كلمة الإسلام وهي شهادة أن لا إله إلا اللّه على النفي والإثبات، فكان في الإتيان بالنفي في صدر هذه الكلمة من تقرير الإثبات، وتحقيق معنى الإلهية، وتجريد\n_________\n(^١) الدرر السنية (١/ ١٥٣)، وانظر: مجموع الفتاوى ورسائل ابن عثيمين (٩/ ٢٢ - ٢٣).\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية (ص ١١١).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٧٦).","vol":"1","page":532},{"text":"التوحيد الذي يقصد بنفي الإلهية عن كل ما ادعيت فيه سوى الإله الحق ﵎، فتجريد هذا التوحيد من العقد واللسان بتصور إثبات الإلهية لغير اللّه -كما قاله أعداؤه المشركون- ونفيه وإبطاله من القلب واللسان من تمام التوحيد، وكماله، وتقريره، وظهور أعلامه، ووضوح شواهده، وصدق براهينه\" (^١).\nوقال أيضًا في حقيقة كلمة التوحيد: \"وهي حقيقة التجريد والتفريد؛ فيتجرد عن عبادة ما سواه، ويفرده وحده بالعبادة، فالتجريد نفي، والتفريد إثبات، ومجموعهما هو التوحيد\" (^٢).\nوقال الإمام القرطبي: \"قوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، نفي وإثبات، أولها كفر وآخرها إيمان\" (^٣).\nويقول الإمام العينٍ: \"قوله: (لا إله إلَّا اللّه) إلى آخره: كلمة توحيد بالإجماع، وهي مشتملة على النفي والإثبات، فقوله: (لا إله): نفي الألوهية عن غير الله، وقوله: (إلا الله): إثبت الألوهية لله تعالى، وبهاتين الصفتين صار هذا كلمة التوحيد والشهادة، وقد قيل: إن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي\" (^٤).\nويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"فاعلموا أن قول الرجل (لا إله إلا الله): نفي وإثبات؛ إثبات الألوهية كلها لله وحده، ونفيها عن الأنبياء، والصالحين وغيرهم\" (^٥).\nويقول الشيخ سليمان بن عبد الله: \"فـ (لا إله إلا اللّه) اشتملت على نفي وإثبات، فنفت الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى، فكل ما\n_________\n(^١) طريق الهجرتين (ص ٢٣٦).\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ١٦٨).\n(^٣) تفسير القرطبي (٢/ ١٩١).\n(^٤) محمدة القاري للعيني (٦/ ١٣٣)، وانظر: نوادر الأصول في أحاديث الرسول (٤/ ١٩٦).\n(^٥) الرسائل الشخصية (ص ١٨٧).","vol":"1","page":533},{"text":"سواه من الملائكة، والأنبياء، فضلًا عن غيرهم، فليس بإله، ولا له من العبادة شيء، وأثبتت الإلهية للّه وحده: بمعنى أن العبد لا يَألَه غيره: أي: لا يقصده بشيء من التأله، وهو تعلق القلب الذي يوجب قصده بشيء من أنواع العبادة\" (^١).\nويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن: \"و(لا إله إلا اللّه) خير الكلام وأفضله، وتناولت الدين كله، ودلت عليه مطابقة وتضمنًا والتزامًا، وتضمنت أمرين هما أساس الدين:\nالأول: نفي الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى نفيًا عامًا، وهي العبادة كما نطق به القرآن في مواضع كثيرة فـ (لا): هي أداة النفي، دخلت على المنفي بها، فينتفي إذا قاله الموحد.\nالأمر الثاني: المستثنى بـ (إلا): وهو اللّه وحده دون كل ما سواه؛ من قبر، أو وثن، أو شجر، أو حجر، أو غير ذلك، فلا يقصد بشيء من أنواع العبادة شيئًا سوى اللّه تعالى وحده. فدلت على هذين الأمرين مطابقة\" (^٢).\nويقول الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: \"فبهذا ونحوه تعرف أن معنى (لا إله إلا اللّه): النفي والإثبات، والولاء والبراء، والتجريد والتفريد، وهذه التفاسير ونحوها ترجع إلى معنى واحد، وهو: تجريد غير اللّه عن الألوهية وتفريدها للّه وحده دون كل من سواه، والبراءة من تأله غير اللّه بالكلية، ومن اعتقد أنه بمجرد تلفظه بالشهادة يدخل الجنة، ولا يدخل النار فهو ضال، مخالف للكتاب، والسُّنَّة، وإجماع الأمة\" (^٣).\nويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: \"تحقيق معنى (لا إله إلا اللّه)،\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد (ص ٥٨ - ٥٩).\n(^٢) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١١/ ٥٦٨).\n(^٣) حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم (ص ٨٧ - ٨٨).","vol":"1","page":534},{"text":"وهي متركبة من نفي وإثبات، فمعنى النفي منها خلع جميع أنواع المعبودات غير الله كائنة ما كانت في جميع أنواع العبادات كائنة ما كانت، ومعنى الإثبات منها إفراد اللّه جلَّ وعلا وحده بجميع أنواع العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله -عليهم الصلاة والسلام-\" (^١).\nويقول الشيخ حافظ الحكمي: \"فمعنى (لا إله إلا اللّه): لا معبود بحق إلا اللّه (لا إله) نافيًا جميع ما يعبد من دون اللّه، فلا يستحق أن يعبد (إلا اللّه)، مثبتًا العبادة للّه، فهو الإله الحق المستحق للعبادة\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-140> المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nبعض فوائد القاعدة:\nأولًا: دلت القاعدة على تضمن كلمة التوحيد -لا إله إلا اللّه- على النفي والإثبات معًا؛ إذ لا تصح هذه الكلمة العظيمة بواحد منهما دون الآخر، ولا يدخل الكافر في الإسلام إلا إذا جمع بين النفي والإثبات، فالنفي المحض والعدم الصرف لا يكون موجبًا للمدح والثناء، بل لا يكون مدحًا إلا إذا تضمن أمرًا ثبوتيًا؛ فإن من أثبت الألوهية لله تعالى بدون نفيها عن غيره لم يأت بالتوحيد الذي دلت عليه كلمة لا إله إلا اللّه حتى يجمع بين النفي والإثبات.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وهذا أصل مستمر: وهو أن العدم المحض الذي لا يتضمن ثبوتًا لا مدح فيه ولا كمال\" (^٣).\nويقول الإمام ابن القيم: \"طريقة القرآن في مثل هذا أن يقرن النفي\n_________\n(^١) أضواء البيان (٣/ ١٨).\n(^٢) معارج القبول (٢/ ٤١٦).\n(^٣) منهاج السُّنَّة النبوية (٢/ ٣١٩).","vol":"1","page":535},{"text":"بالإثبات، فينفي عبادة ما سوى الله ويثبت عبادته، وهذا هو حقيقة التوحيد، والنفي المحض ليس بتوحيد، وكذلك الإثبات بدون النفي، فلا يكون التوحيد إلا متضمنًا للنفي والإثبات، وهذا حقيقة (لا إله إلا الله) فلم جاءت هذه السورة بالنفي المحض وما سر ذلك\" (^١).\nبل لا يمكن تحقيق الإثبات الكامل العاري عن كل نقص بدون اعتقاد النفي، ولذا قُدّم النفي على الإثبات، فينفي النقص والباطل أولًا ثم يثبت بعد ذلك الكمال.\nيقول أبو المظفر الإسفرايني (^٢): \"وأمر سبحانه الكافة بكلمة الإيمان (لا إله إلا اللّه)، جمع فيها بين النفي والإثبات، وقدم النفي على الإثبات ليعلم أن الإثبات لا يحصل إلا بصيانته عن كل ما يتضمن مخالفته، وهكذا جمع في سورة الإخلاص بين النفي والإثبات، فوصف نفسه بأوصاف الكمال في قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ [الإخلاص: ١، ٢]، ونفى عن نفسه النقصان بقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ٣، ٤]، ... وتقرَّر بهذه الجملة وجوب المعرفة بالنفي والإثبات، والتمييز بين الحق والباطل، ومن لم يتحقق له معرفة نفي صفة الباطل لم يتحقق له معرفة إثبات صفة المعرفة بالحق، وقد كان أصحاب رسول اللّه -ﷺ- يسألونه عن الحق لصحة الاعتقاد والمعرفة، وعن الباطل والشر للتمكن من المجانبة\" (^٣).\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (١/ ١٤١).\n(^٢) هو: شهفور بن طاهر بن محمد الإسفرايني، أبو المظفر، ثم الطوسي، الشافعي، العلامة الفقيه الأصولي المفسر، صاحب التفسير الكبير، كان أحد الأعلام، وكان له اتصال مصاهرة بالأستاذ أبي منصور البغدادي، من كتبه: \"التبصير في الدين\"، توفي سنة إحدى وسبعين وأربعمائة. [ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى (٥/ ١١)، وسير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٠١)].\n(^٣) التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية (ص ١٤).","vol":"1","page":536},{"text":"ثانيًا: جاءت كلمة التوحيد (لا إله إلا اللّه) بما تضمنته من نفي وإثبات على صورة الخبر، والمقصود بذلك الأمر والنهي؛ النهي عن عبادة غيره ﷾، وإفراده ﷿ بالعبادة والخضوع والتعظيم، فهي أمر ونهي لكن بصيغة الإخبار.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وَلَكِنَّ الْكَلَامَ فِي دَلَالَةِ لَفْظِ الشَّهَادَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا شَهِدَ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَقَدْ أَخْبَرَ وَبَيَّنَ وأَعْلَمَ أَنَّ مَا سَوَاهُ لَيْسَ بِإِلَهِ فَلَا يُعْبَدُ، وَأَنَّهُ وَحْدَهُ الْإِلَهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ، وَهَذَا يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ بِعِبَادَتِهِ، وَالنَّهْيَ عَنْ عِبَادَةِ مَا سَواهُ؛ فَإِنَّ النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ فِي مِثْلِ هَذَا يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ، كَمَا إِذَا اسْتَفْتَى شَخْصٌ شَخْصًا فَقَال لَهُ قَائِلٌ: هَذَا لَيْسَ بِمُفْتٍ هَذَا هُوَ الْمُفْتِي فَفِيهِ نَهْيٌ عَنْ اسْتِفْتَاءِ الْأَوَّلِ، وأَمْرٌ وَإِرْشَادٌ إِلَى اسْتِفْتَاءِ الثَّانِي.\nوَكَذَلِكَ إِذَا تَحَاكَمَ إِلَى غَيْرِ حَاكِمٍ، أَوْ طَلَبَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ وَليِّ الْأَمْرِ فَقِيلَ لَهُ: لَيْسَ هَذَا حَاكِمًا وَلَا هَذَا سُلْطَانًا؛ هَذَا هُوَ الْحَاكِمُ، وَهَذَا هُوَ السّلْطَانُ، فَهَذَا النَّفْيُ وَالْإِثْباتُ يَتَضَمَنُ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الطَّالِبَ إِنَّمَا يَطْلُبُ مَنْ عِنْدَهُ مُرادُهُ وَمَقْصُودُهُ، فَإِذَا ظَنَّهُ شَخْصًا فَقِيلَ لَهُ: لَيْسَ مُرَادُك عِنْدَهُ، وَإِنَّمَا مُرَادُكَ عِنْدَ هَذَا كَانَ أَمْرًا لَهُ بِطَلَبِ مُرَادِهِ عِنْدَ هَذَا دُونَ ذَاكَ. وَالْعَابِدُونَ إنَّمَا مَقْصُودُهُمْ أَنْ يَعْبُدُوا مَنْ هُوَ إِله يَسْتَحِق الْعِبَادَةَ؛ فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ كُلُّ مَا سَوَى اللّهِ لَيْسَ بِإِلَهِ، إِنَّمَا الْإِلَهُ هُوَ اللّهُ وَحْدَهُ كَانَ هَذَا نَهْيًا لَهُمْ عَنْ عِبَادَةِ مَا سَوَاهُ وأَمْرًا بِعِبَادَتِهِ\" (^١).\nويقول الشيخ سليمان آل الشيخ: \"فتضمنت هذه الكلمة العظيمة أن ما سوى اللّه ليس بإله، وأن إلهية ما سواه أبطل الباطل، وإثباتها أظلم\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٤/ ١٧١ - ١٧٢).","vol":"1","page":537},{"text":"الظلم، فلا يستحق العبادة سواه، كما لا تصلح الإلهية لغيره، فتضمنت نفي الإلهية عما سواه، وإثباتها له وحده لا شريك له، وذلك يستلزم الأمر باتخاذه إلهًا وحده، والنهي عن اتخاذ غيره معه إلهًا، وهذا يفهمه المخاطب من هذا النفي والإثبات، كما إذا رأيت رجلًا يستفتي أو يستشهد من ليس أَهْلًا لذلك، ويدع من هو أَهْلٌ له، فتقول: هذا ليس بمفتٍ، ولا شاهدٍ، المفتي فلان، والشاهد فلان؛ فإن هذا أمر منه ونهي\" (^١).\nثالثًا: لا بد من اعتقاد النفي والإثبات الذي دلت عليه كلمة التوحيد، وإلا فمجرد النطق بها باللسان لا يعتد به، ولا يكون المتلفظ بها داخلًا في الإسلام إذا لم يعتقد ويعلم ويتيقن بما دلت عليه من النفي والإثبات، فمن لم يعتقد ذلك ويوقن به فلا اعتبار لقوله، وإن نطق بها ليله ونهاره، فإن مدار نفع هذه الكلمة بعد النطق بها على معرفة معناها، واعتقاد ما دلت عليه من نفي الإلهية عن غيره سبحانه، واثباتها له ﷿ خالصة دون ما سواه.\nيقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن في شرحه لكلام جدّه - الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب- رحمها اللّه: \"وقوله ﵀: (ومنهم من لم يعرف الشرك، ولم ينكره) قلت: من لم يعرف الشرك، ولم ينكره لم ينفه؛ ولا يكون موحدًا إلا من نفى الشرك، وتبرأ منه، وممن فعله، وكفرهم، وبالجهل بالشرك لا يحصل شيء مما دلت عليه لا إله إلا اللّه، ومن لم يقم بمعنى هذه الكلمة، ومضمونها فليس من الإسلام في شيء؛ لأنه لم يأت بهذه الكلمة، ومضمونها عن علم، ويقين، وصدق، وإخلاص، ومحبة، وقبول، وانقياد، وهذا النوع ليس معه من ذلك شيء، وإن قال لا إله إلا اللّه، فهو لا يعرف ما دلت\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد (ص ٥٦) بتصرف.","vol":"1","page":538},{"text":"عليه، ولا ما تضمنته\" (^١).\nرابعًا: النفي الذي تضمنته كلمة التوحيد والمتمثل في قولنا (لا إله) يتناول آلهة حقيقية، لها أفراد في هذا العالم، عبدت وصرفت لها العبادة من دون اللّه تعالى، من الأصنام والأوثان، والطواغيت، والأحجار، والأشجار، وغير ذلك مما عُبِدَ وأُلِّه من دون اللّه ﷿.\nوفي هذا إبطال لقول من جعل المنفي بلا إله إلا اللّه كلي منوي لا يوجد منه في الخارج إلا فرد هو المستثنى، فهو المنفي وهو المستثنى.\nيقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: \"واعلم أنني لما كتبت قبل هذا في رد قول هذا الملحد: أن المنفي بلا إله إلا اللّه كلي منوي، لا يوجد منه في الخارج إلا فرد وهو المستثنى، فأجبت بما حاصله:\nإذا كانت لا إله إلا اللّه لم تنف إلا كليًا منويًا، فعلى هذا القول الباطل لم تنف لا إله إلا اللّه صنمًا، ولا وثنًا، ولا طاغوتًا، وصار النفي مُنْصبًّا على الفرد، فهو المنفي وهو المستثنى، وتناقض هذا لا يخفى على من له عقل وفهم.\nوقد عرفت أن هذه دعوى منه مخالفة لما بعث اللّه به رسله من توحيده، وعلى قول هذا لم يكن لـ (لا إله إلا اللّه) مدخل في الكفر بالطاغوت، والبراءة من الأوثان التي صرح القرآن بنفيها بكلمة الإخلاص -لا إله إلا اللّه-\" (^٢).\nوقال ﵀ أيضًا: \"وكل ما نفته (لا إله إلا اللّه) من الأصنام والأنداد فليس كليًا لا يوجد إلا ذهنًا، كما يقوله المفتري أفلاطون الفيلسوف وشيعته، وإنما كانت أشخاصًا متعددة، يباشرها عبادها بالعبادة\n_________\n(^١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٢/ ٢٠٨).\n(^٢) مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (٤/ ٤٣٩).","vol":"1","page":539},{"text":"بالدعاء، والاستغاثة والاستشفاع بها، والعكوف عندها، والتبرك بها كأصنام قوم نوح، وأصنام قوم عاد\" (^١).\nوقال ﵀: \"ثم إن هذا الرجل انتهى أمره في ما كتبه إلى أن زعم: أن المنفي بـ (لا) كلي، وهذا الكلي منوي ذهنًا لا يوجد منه في الخارج إلا فرد، وذلك الفرد المنفي بلا هو المستثنى بعينه، وهذا صريح كلامه، وأتى فيه بثلاث عظام هي إلى الكفر أقرب منها إلى الإيمان:\nالأولى: أنه زعم أن المنفي بلا كلي لا يوجد إلا ذهنًا، فعنده أنها لم تنف طاغوتًا، ولا وثنًا، ولا صنمًا، ولا غيرها مما يعبد من دون اللّه.\nكما أنه خالف أيضًا أهل المنطق؛ فإن الكلي عندهم مقول على كثيرين، مختلفين بالعدد دون الحقيقة، ولم يقولوا: إنه منوي لا يوجد منه في الخارج إلا فرد.\nالثانية: أنه زعم أن ذلك الفرد الذي لا يوجد غيره، لما كان منفيًا بـ (لا) صار ثابتًا بـ (إلا)، وهو فرد واحد، فصار الإله عنده متصفًا بالنفي والإثبات، والنفي والإثبات في فرد نقيضان، ومقتضاه أن هذا الفرد صار أولًا باطلًا؛ لأنه منفي بـ (لا) ثم صار حقًا؛ لأنه استثني بـ (إلا)، فاجتمع فيه الوصفان. نعوذ باللّه من هذا التهافت والإلحاد، والتناقض والعناد.\nوالثالثة: أنه صرح أن المنفي كلي، والفرد الموجود في الخارج جزئي، تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا، وهذا هو حقيقة قول هذا؛ ولهذا مثّله بقوله: (لا شمس إلا الشمس) \" (^٢).\n_________\n(^١) الدرر السنية (١/ ٢٤٩).\n(^٢) الدرر السنية (١١/ ٢٦١ - ٢٦٣) بتصرف.","vol":"1","page":540},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>المبحث الثالث\nقاعدة الكفر بالطاغوت ركن التوحيد</span>\nويشتمل على ما يأتي من مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-142> المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>معنى الطاغوت:</span>\nالطاغوت مشتق من أصل لغوي ثلاثي هو (طَغَى يَطْغَى أو يَطْغُو) (^١) على وزن (فَعَلُوتٌ)، وليس (فَاعُوْل)، يدل على ذلك الاشتقاق، وأن (طوغ وطيغ) مهملان في العربية، وأصله (طَغَيُوت أو طَغَوُوت)، من الياء أو الواو؛ لأن (طغى يطغى ويطغو) كلاهما ثابتان في العربية، ثم وقع فيه قلب مكاني بتقديم لام الكلمة على عينها، فصار (طَيَغُوت أو طَوَغوت) على وزن (فَلَعُوت)، والقصد من هذا القلب تأتّي إبدال الواو ألفًا\n_________\n(^١) قال السيوطي فى المزهر: \"ذِكْرُ الأفعال التي جاءت لاماتها بالواو وبالياء: عقد لها ابن السكيت بابًا في إصلاح المنطق، وابن قتيبة بابًا في أدب الكاتب، وقد نظمها ابن مالك في أبيات فقال من الكامل ... \" ثم ذكرها السيوطي كاملة وهي تسعة عشر بيتًا ومنها قوله:\nوَطغَوْت في معنى طَغَيْتُ ومن قَنَى ... شفيًا يقول قنَوْتُه وقنَيْتُهُ\nانظر: المزهر في علوم اللغة والأدب (٢/ ٢٤١).","vol":"1","page":541},{"text":"بتحرّكها وانفتاح ما قبلها، والعرب قد يقلبون حروف الكلمة ليتأتّى الإبدال، كما قلبوا (أرْءَام) جمع ريم إلى (آرام) ليتأتى إبدال الهمزة الثانية الساكنة ألفًا بعد الأولى المفتوحة، وقد ينزلون هذا الاسم منزلة المفرد فيجمعونه جمع تكسير على (طواغيت) ووزنه (فَعَالِيل) (^١).\nو(طَغَى) سواء كان اعتلاله بالواو أو الياء فهو أصل واحد يدل على معنى واحد، وهو مجاوزة الحد في العصيان، وكل مجاوز حدَّه في العصيان فهو طاغ، والطَغْوَى مثل الطُغْيَان، وكذا الطُغْوَانُ (^٢).\nوفي معنى الطاغوت أقوال كثيرة لأهل العلم، فقيل: هو الشيطان، وهو قول عمر بن الخطاب وابن عباس -﵃- ومجاهد وقتادة والشعبي، وقيل: هو الكاهن، قاله سعيد بن جبير، وقيل: الساحر، قاله أبو العالية، وقيل: الأصنام، وقيل: مردة الجن والإنس وكل ما يطغى (^٣).\nوهذا تفسير له ببعض أفراده، وإلا فالطاغوت يطلق على كل من طغى وتجاوز حده بعبادة أو طاعة، كما سيأتي بيانه في أقوال أهل العلم (^٤).\nقال الإمام مالك بن أنس: \"الطاغوت: كل ما عبد من دون اللّه؛\n_________\n(^١) انظر تصريف الكلمة في: مقاييس اللغة (٣/ ٤١٢)، والمحتسب لابن جني (١/ ١٣١)، والمحكم والمحيط الأعظم لابن سيده (٦/ ٨)، وتفسير الطبري (٣/ ١٩)، والتفسير الكبير للرازي (٧/ ١٤)، وتفسير البحر المحيط لأبي حيان (٢/ ٢٨١)، وكشف المشكل لابن الجوزي (١/ ٤٩٠)، ومشكل إعراب القرآن لأبي طالب القيسي (١/ ١٣٧)، والصحاح للجوهوي (٦/ ٢٤١٢ - ٢٤١٣)، ولسان العرب (٨/ ١٦٩)، وروح المعاني (٢٣/ ٢٥٢)، والتحرير والتنوير لابن عاشور (٥/ ٨٦)، ومعجم تصريف الأفعال العربية (ص ٤٩٧).\n(^٢) انظر: تهذيب اللغة (٨/ ١٦٧)، الصحاح (٦/ ٢٤١٢ - ٢٤١٣)، لسان العرب (٨/ ١٦٩ - ١٧١).\n(^٣) انظر: تفسير الطبري (٣/ ١٨ - ١٩)، والتفسير الكبير (٧/ ١٥)، وتفسير الثعلبي (٢/ ٢٣٧).\n(^٤) انظر: الأمثال القرآنية القياسية، للدكتور عبد الله الجربوع (١/ ٢١٥).","vol":"1","page":542},{"text":"من صنم، أو كاهن، أو ساحر، أو كيفما تصرف الشرك فيه\" (^١).\nويقول الإمام الطبري: \"والصواب من القول عندي في الطاغوت: أنه كل ذي طغيان على الله، فَعُبِدَ من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، إنسانًا كان ذلك المعبود، أو شيطانًا، أو وثنًا، أو صنمًا، أو كائنًا ما كان من شيء\" (^٢).\nويقرِّر الرازي عموم معنى الطاغوت وأن ما ذكر عن السلف من معانٍ إنما هي أسباب حصل بسببها الطغيان، وليس بمنحصر فيها، فقد يوجد الطغيان بصور أخرى غيرها (^٣)، وحصر ابن عطية: معنى الطاغوت فيمن عُبِدَ وأطيع من دون الله تعالى (^٤).\nوحقق الألولسي عمومه في سائر ما يطغى، وأن ما ذكر عن السلف هو من باب التمثيل فقط (^٥).\nويقول الإمام ابن القيم: \"والطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده؛ من معبود، أو متبوع، أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله، فهذه طواغيت العالم، إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم من عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكم إلى الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته\" (^٦).\nويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"والطاغوت عام؛ فكل ما عبد من دون الله، ورضي بالعبادة، من معبود،\n_________\n(^١) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٥٧٨).\n(^٢) تفسير الطبري (٣/ ١٩).\n(^٣) التفسير الكبير (٧/ ١٥).\n(^٤) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٢/ ٦٦)، وانظر: تفسير السمعاني (١/ ٢٦٠).\n(^٥) روح المعاني (٣/ ١٣).\n(^٦) إعلام الموقعين (١/ ٥٠).","vol":"1","page":543},{"text":"أو متبوع، أو مطاع في غير طاعة الله ورسوله فهو طاغوت\" (^١).\nيقول الشيخ سليمان بن عبد الله: \"والطاغوت كل باطل ليس من الدين وكل ما طغى من شيطان جني أو أنسي\" (^٢).\nوقال الشيخ سليمان بن سحمان (^٣) معقبًا على تعريف الإمام ابن القيم للطاغوت ومبينًا لأفراده: \"وحاصله: أن الطاغوت ثلاثة أنواع: طاغوت حكم، وطاغوت عبادة، وطاغوت طاعة ومتابعة\" (^٤).\nوقال الشيخ عبد الرحمن السعدي مبينًا عموم معنى الطاغوت: \"وهو كل ما ينافي الإيمان بالله من الشرك وغيره\" (^٥).\nويقول الشيخ الأمين الشنقيطي: \"واعلم أن كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت، ولا تنفع عبادة الله إلا بشرط اجتناب عبادة ما سواه\" (^٦).\n\"والذي يستخلص من كلام السلف -﵃-، أن الطاغوت: كل ما صرَف العبد وصدّه عن عبادة الله، وإخلاص الدين والطاعة لله ولرسوله -ﷺ-، سواء في ذلك الشيطان من الجن، والشيطان من الإنس، والأشجار، والأحجار، وغيرها\" (^٧).\nفظهر مما سبق من أقوال أهل العلم أن لفظ الطاغوت اسم جنس\n_________\n(^١) مجموعة رسائل في التوحيد والإيمان للإمام محمد بن عبد الوهاب (ص ٣٧٧).\n(^٢) التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة أولي الألباب في طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص ٩٣).\n(^٣) هو: العلامة سليمان بن مصلح بن حمدان الخثعمي، مولاهم التبالي العسيري أصلًا، والنجدي مولدًا ومستقرًا، ولد في عام ١٢٦٦ هـ، كان ﵀ سيفًا مسلطًا على أعداء التوحيد والدعوة السلفية، وصاحب حجة قوية، من أشهر مصنفاته الضياء الشارق وإرشاد الطالب، توفي عام ١٣٤٩ هـ. [انظر: علماء نجد (١/ ٢٧٩)].\n(^٤) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١٠/ ٥٠٣).\n(^٥) تفسير السعدي (ص ١١١).\n(^٦) أضواء البيان (٢/ ٣٧٤).\n(^٧) انظر: هامش كتاب \"فتح المجيد شرح كتاب التوحيد\" للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، تحقيق: الشيخ محمد حامد الفقي، طبعة دار الفكر ١٣٩٩ هـ.","vol":"1","page":544},{"text":"عام يشمل كل ما تجاوز به المخلوق حدَّه، فادعى لنفسه أو لغيره شيئًا من خصائص الربوبية أو الألوهية، مما تفرد الله ﵎ به، أو نُسِبَ إليه شيء من هذه الخصائص فرضي بها ولم ينكرها، ويدخل فيه كل ما عبد من دون الله تعالى، ومن يتسبب في ضلال الناس وصدهم من الشياطين وبني آدم فيفسد عليهم فطرهم التي خلقهم الله عليها (^١).\nويمكن إرجاع جميع الأقوال السابقة عن أهل العلم في معنى الطاغوت إلى قول عمر بن الخطاب وابن عباس -﵃- ومن قال بقولهم بأن الطاغوت هو الشيطان، وذلك لأن الشيطان هو الداعي في الأصل إلى عبادة ما عبد من دونه، وكل من وقع وذلك لأن الشيطان هو الداعي في الأصل إلى عبادة ما عبد من دونه، وكل من وقع في الكفر بالله العظيم فبسبب دعوته وتسويله وتزيينه، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا\n_________\n(^١) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل للكلبي (١/ ٩٠)، والأمثال القرآنية القياسية (١/ ٢١٦)، ويستثنى من معنى الطواغيت الذين عبدوا من دون الله الأنبياء والملائكة وعباده الصالحون من أهل الإيمان والتوحيد، قال تعالى في تبرؤ الملائكة ممن عبِدوهم: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ [سبأ: ٤٠، ٤١]، وقال سبحانه في شأن عيسى ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦)﴾ [المائدة: ١١٦]، ولذا عندما المشركون قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ ضربوا مثلًا بعيسى ﵇ وأنه عُبِدَ من دون الله تعالى مع انه نبي من أهل الجنة، وذلك احتجاجًا منهم على عبادة آلهتهم الباطلة من دون الله ردَّ الله عليهم، وأبطل احتجاجهم باستثناء عباده الصالحين الذين عُبدوا من دونه من الدخول في جهنم؛ وذلك لأن عبادتهم لم تكن بطلب أو برضا منهم، بل نُسب إليهم ذلك زورًا وبهتانًا، وهم من أشد الخلق كرهًا وبغضًا وتسخطًا على عبادة غيره سبحانه، وسيتبرّؤون منهم يوم القيامة قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢)﴾ [الأنبياء: ١٠١، ١٠٢]. [انظر: الأمثال القرآنية القياسية للدكتور عبد الله الجربوع (١/ ٢١٦ - ٢١٨)].","vol":"1","page":545},{"text":"الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ [مريم: ٨٣]، فمن عبد غير الله كائنًا ما كان فإنما عبد في الحقيقة الشيطان كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾ [يس: ٦٠].\nوقال ﷿ عن مجادلة إبراهيم ﵇ لأبيه: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)﴾ [مريم: ٤٤]، مع ما صرح الله به من عبادة أبيه للأصنام: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤)﴾ [الأنعام: ٧٤].\nفالشيطان هو أصل الطغيان في الأرض، وكل من طغى وتجاوز الحد بعده فهو إمامه وقائده، يستمد منه الكفر والطغيان، ويستقي منه الضلال والبهتان، فكان حقيقًا بأن يسمى الطاغوت الأكبر.\nيقول ابن عطية معقبًا على الأقوال التي قيلت في معنى الطاغوت: \"وبين أن هذه أمثلة في الطاغوت؛ لأن واحد منها له طغيان، والشيطان أصل ذلك كله\" (^١).\nولذا قال الإمام ابن كثير عقب ذكره لقول عمر -﵁- في الطاغوت بأنه الشيطان: \"ومعنى قوله في الطاغوت إنه الشيطان قوي جدًا؛ فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية من عبادة الأوثان، والتحاكم إليها، والاستنصار بها\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-144> المسألة الثانية * معنى القاعدة</span>\nجاءت هذه القاعدة في بيان مكانة الكفر بالطاغوت من الإسلام، وأنه عمود من أعمدته، وركن من أركانه، ولا يبقى مع الإيمان\n_________\n(^١) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (١/ ٣٤٤).\n(^٢) تفسير ابن كثير (١/ ٣١٢).","vol":"1","page":546},{"text":"بالطاغوت إسلام ولا دين، وهو أصل متين، وأساس مكين يقوم عليه ركن النفي في كلمة الإخلاص لا إله إلا الله (^١)، ولا نصيب لأحد بدونه في نجاة ولا سعادة، إذ كيف ينال السعادة من لم يحقق كلمة الإخلاص التي هي أساس النجاة والخلاص.\nيقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"واعلم أن الإنسان ما يصير مؤمنًا بالله إلا بالكفر بالطاغوت\" (^٢).\nوقال الإمام عبد الرحمن بن حسن: \"إن لم ينكر الشرك لم يعرف التوحيد، ولم يأت به، وقد عرفت أن التوحيد لا يحصل إلا بنفي الشرك، والكفر بالطاغوت\" (^٣).\nويقول الإمام عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: \"وأعظم حق الإسلام وأصله الأصيل: هو عبادة الله وحده، والكفر بما يعبد من دونه، وهذا هو الذي دلت عليه كلمة الإخلاص\" (^٤).\nوأما كيفية الكفر بالطاغوت فإنه يشمل الاعتقاد، والقول، والعمل، فيعتقد بطلان جميع الآلهة والمعبودات من دن الله تعالى، وأنها لا تملك خيرًا ولا شرًا، ولا نصرًا ولا عزًا، ويوقن ببطلان كل عبادة صرفت لغيره ﷿، مع بغض الشرك وعداوة أهله وأنصاره، والبراءة منهم، ثم لا بد من التصريح باللسان بنفي هذه المعبودات نفيًا قاطعًا حاسمًا، وأنه ليس لها أدنى مثقال ذرة من الحق في الألوهية والعبادة والتعظيم من دون الله تعالى، والحكم عليها بالكفر والخسران، والضلال والخذلان، ويلزمه بعد ذلك اجتناب المعبودات من دونه سبحانه، ومفارقتها، ومجاهدتها وأهلها بالقول والعمل، وإزالتها باليد عند القدرة وانعدام\n_________\n(^١) سبق بيان ركني النفي والإثبات المشتملة عليهما كلمة التوحيد في القاعدة السابقة.\n(^٢) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١/ ١٦٣).\n(^٣) المصدر نفسه (٢/ ٢٠٧).\n(^٤) المصدر نفسه (١٢/ ٢٧٥).","vol":"1","page":547},{"text":"المفسدة، وفيما يأتي تقرير أهل العلم لكيفية الكفر بالطاغوت:\nيقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"فأما صفة الكفر بالطاغوت فهو أن تعتقد بطلان عبادة غير الله، وتتركها، وتبغضها، وتكفر أهلها، وتعاديهم\" (^١).\nويقول ﵀: \"ومعنى الكفر بالطاغوت: أن تبرأ من كل ما يعتقد فيه غير الله؛ من جني، أو إنسي، أو شجر، أو حجر، أو غير ذلك، وتشهد عليه بالكفر والضلال، وتبغضه، ولو كان أنه أبوك أو أخوك\" (^٢).\nويقول الشيخ سليمان بن عبد الله: \"ومعنى الكفر بالطاغوت: هو خلع الأنداد والآلهة التي تدعى من دون الله من القلب، وترك الشرك بها رأسًا، وبغضه وعداوته\" (^٣).\nوقال ﵀ أيضًا: \"ويدخل في الكفر بالطاغوت: بغضه، وكراهته، وعدم الرضا بعبادته بوجه من الوجوه\" (^٤).\nويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: \"بل لا بد من الكفر بما عبد من دون الله، والكفر فيه بغضه، وتركه، وردَّه، والبراءة منه، ومعرفة بطلانه، وهذا لا بدَّ منه في الإسلام، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] \" (^٥).\nوبين الشيخ سليمان بن سحمان كيفية الكفر بالطاغوت، وأنه يتضمن القول والعمل، والاعتقاد فيقول عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ... وقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى\n_________\n(^١) مجموعة رسائل في التوحيد والإيمان للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب (٣٧٦).\n(^٢) الدر السنية في الأجوبة النجدية (٢/ ١٢١ - ١٢٢)، ومجموعة الرسائل والمسائل (٤/ ٣٣).\n(^٣) تيسير العزيز الحميد (٩٨).\n(^٤) تيسير العزيز الحميد (٣٨).\n(^٥) مصباح الظلام (ص ٢٦٦).","vol":"1","page":548},{"text":"فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧)﴾ [الزمر: ١٧]: \"ففي هذه الآيات من الحجج على وجوب اجتنابه وجوه كثيرة؛ والمراد من اجتنابه هو بغضه، وعداوته بالقلب، وسبه وتقبيحه باللسان، وإزالته باليد عند القدرة، ومفارقته، فمن ادعى اجتناب الطاغوت ولم يفعل ذلك فما صدق\" (^١).\nويقول الشيخ أبا بطين: \"لان معنى الكفر بما يعبد من دونه: البراءة منه، واعتقاد بطلانه، وهذا معنى الكفر بالطاغوت\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-145> المسألة الثالثة * أدلة القاعدة</span>\nدلت أدلة كثيرة على اعتبار الكفر بالطاغوت من أركان الإيمان، وأصول التوحيد، وأنه شرط في أصل الإيمان لا يصح إيمان إنسان بدونه، ومن تلك الأدلة ما يلي:\nأولًا: قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦].\nدلالة الآية: أن من كفر بالطاغوت قولًا وعملًا واعتقادًا، وآمن بالله تعالى قولًا وعملًا واعتقادًا كان ممن استمسك بالعروة الوثقى؛ التي لا انقطاع لها، وهي كلمة التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.\nفلا يصح الإيمان والتوحيد إذا لم يتقدمه كفر بالطاغوت، بل لا يتصور وجود إيمان صحيح، وتوحيد نافع بدون تحقيق هذا الركن؛ ولذا قرن الله تعالى بينهما فلا يفترقان أبدًا.\nيقول الإمام ابن كثير في معنى الآية: \"أي: من خلع الأنداد،\n_________\n(^١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١٠/ ٥٠٣ - ٥٠٤).\n(^٢) مجموعة الرسائل والمسائل (٥/ ٥٠١).","vol":"1","page":549},{"text":"والأوثان، وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله، ووحد الله، فعبده وحده، وشهد أن لا إله إلا هو فقد استمسك بالعروة الوثقى، أي: فقد ثبت في أمره، واستقام على الطريقة المثلى، والصراط المستقيم\" (^١).\nوقال الإمام عبد الرحمن بن حسن: \"فدلت الآية على أنه لا يكون مستمسكًا بلا إله إلا الله إلا إذا كفر بالطاغوت، وهي العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن لم يعتقد هذا فليس بمسلم، لأنه لم يتمسك بلا إله إلا الله\" (^٢).\nوقال الإمام سليمان بن سحمان: \"فبين تعالى أن المستمسك بالعروة الوثقى هو الذي يكفر بالطاغوت، وقدم الكفر على الإيمان بالله؛ لأنه قد يدعي المدعي أنه يؤمن بالله وهو لا يتجنب الطاغوت، فتكون دعواه كاذبة\" (^٣).\nوقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: \"فدلت هذه الآية وما قبلها على أن الكفر بالطاغوت شرط لا يحصل الإسلام بدونه\" (^٤).\nويقول الأمين الشنقيطي: \"وأشار إلى أنه لا يؤمن أحد حتى يكفر بالطاغوت بقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾، ومفهوم الشرط أن من لم يكفر بالطاغوت لم يستمسك بالعروة الوثقى وهو كذلك، ومن لم يستمسك بالعروة الوثقى فهو بمعزل عن الإيمان؛ لأن الإيمان بالله هو العروة الوثقى، والإيمان بالطاغوت\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (١/ ٣١٢).\n(^٢) الدرر السنية (١١/ ٢٦٣)، ومجموعة الرسائل والمسائل النجدية (٤/ ٣٣٩).\n(^٣) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١٠/ ٥٠٢).\n(^٤) مصباح الظلام (ص ٢٦٦).","vol":"1","page":550},{"text":"يستحيل اجتماعه مع الإيمان بالله؛ لأن الكفر بالطاغوت شرط في الإيمان بالله، أو ركن منه كما هو صريح قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ \" (^١).\nوقال في موضع آخر مستدلًا بالآية: \"فيفهم منه أن من لم يكفر بالطاغوت لم يتمسك بالعروة الوثقى، ومن لم يستمسك بها فهو مترد مع الهالكين\" (^٢).\nثانيًا: قوله ﵇: \"مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ\" (^٣).\nيقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله، فإنه لم يجعل التلفُّظَ بها عاصِمًا للدَّم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لَفْظها، بل ولا الإقرارَ بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك به، بل لا يَحْرُمُ ماله ودمُه حتى يُضِيفَ إلى ذلك الكفْرَ بما يعْبُدُ من دون الله، فإن شَك أو توقّفَ لم يَحْرُمْ ماله ودمُه، فيا لها من مسألةٍ ما أعْظَمها وأجَلّها، ويا لَهُ من بيانٍ ما أوْضَحَهُ، وحجّةٍ ما أقطَعَهَا للمنازع\" (^٤).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله: \"اعلم أن النبي -ﷺ- في هذا الحديث علق عصمة المال والدم بأمرين؛ الأول: قول لا إله إلا الله، والثاني: الكفر بما يعبد من دون الله، فلم يكتف باللفظ المجرد عن المعنى، بل لا بد من قولها والعمل بها\" (^٥).\n_________\n(^١) أضواء البيان (١/ ٢٤٤ - ٢٤٥).\n(^٢) أضواء البيان (٧/ ٥٠).\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله (١/ ٥٣) برقم (٢٣) من حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه -﵄-، قال الإمام ابن منده عقب ذكره للحديث: \"وهذا حديث ثابت أخرجه مسلم والجماعة، إلا البخاري لم يخرجه لأبي مالك الأشجعي، ومحله الصدق\". [الإيمان لابن منده (١/ ١٧٦)].\n(^٤) كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب (ص ٢٦).\n(^٥) تيسير العزيز الحميد (ص ١١٣).","vol":"1","page":551},{"text":"ويقول الشيخ عبد الرحمن بن قاسم بعد ذكره لكلام الإمام المجدد في حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه: \"وهذا -أي: الكفر بالطاغوت- هو الشرط المصحح لقول لا إله إلا الله، فلا يصح قولها بدون هذه الخمس التي ذكر أصلًا\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-146> المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nمن الواضح المستبين لمن ناظر أقوال أهل العلم، وتأمَّل تقريراتهم في هذا الباب اهتمامهم البالغ، وحرصهم العظيم على تجلية مسائل الكفر بالطاغوت، وبيان مكانته من الدين، ولا يبعد ذلك عليهم بعد أن عرفنا مكانة هذا الركن الأكبر، والأصل الأعظم لدين الإسلام؛ إذ هو المتمثِّل في جانب النفي في كلمة التوحيد، وفيما يأتي أذكر بعض أقوالهم التي وقفت عليها في ذلك:\nيقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: \"لأن الكفر بالطاغوت ركن التوحيد كما في آية البقرة، فإذا لم يحصل هذا الركن لم يكن موحدًا\" (^٢).\nوقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن أبا بطين: \"ومن المعلوم أنّه لا يصحّ إسلام إنسان حتّى يكفر بالطّاغوت وهو كلّ ما عبد من دون الله ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وفي الحديث الصحيح: \"من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه\"، والكفر بذلك: البراءة منه، واعتقاد\n_________\n(^١) حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم (ص ٧٢).\n(^٢) فتح المجيد (ص ٣٢٨)، وقرة عيون الموحدين (ص ١٩٤)، وقرَّر المعنى نفسه الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في حاشيته على كتاب التوحيد. انظر: (ص ٢٨٤).","vol":"1","page":552},{"text":"بطلانه، نسأل الله لنا ولكم الهدي والسّداد والله أعلم\" (^١).\nوقال الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى النجدي (^٢): \"وقد علمنا أن الله ﷾ قد شرط في صحة الإيمان به الكفر بالطاغوت؛ لقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]، فصار الكفر بالطاغوت شرطًا في صحة الإيمان بالله واجبًا لا يمكن وجود الإيمان إلا بوجوده (^٣) \".\nوقال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان -حفظه الله-: \"فالإيمان بالله لا يصح إلا بعد الكفر بالطاغوت، فالكفر بالطاغوت ركن الإيمان، فلا يصح أن يجمع بين الإيمان بالله والإيمان بالطاغوت؛ لأن هذا جمع بين نقيضين، والله قدم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله\" (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-147> المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nيمكن الاستفادة من هذه القاعدة وتطبيقها في نواح شتى، ومجالات عديدة، وفيما يأتي أنقل بعض ما ظهر من تلك الفوائد:\nأولًا: عدم صحة الإيمان والتوحيد بدون تحقيق الكفر بالطاغوت، إذ هو ركنه الأصيل، وإذا فقد ركن الشيء زالت ماهيته، وبطل وجوده، وتحول عن مسماه الشرعي، فلا يبقى بدون تحقيقه إيمان شرعي في القلب.\n_________\n(^١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١٠/ ٤١٧).\n(^٢) هو: الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى النجدي، ولد عام ١٢٥٣ هـ، من مصنفاته: شرح نونية ابن القيم، وتهديم المباني في الرد على النبهاني، توفي عام ١٣٢٩ هـ.\n[انظر: علماء نجد خلال ستة قرون للبسام (١/ ١٥٥ - ١٦٢)].\n(^٣) توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة ابن القيم (ص ١٥٧).\n(^٤) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (٢/ ١٢٢).","vol":"1","page":553},{"text":"ثانيًا: ركنية الكفر بالطاغوت وشرطيته في صحة الإيمان، وقيام الإسلام منشؤه من التلازم الكلي التام -الذي لا ينفك أبدًا- بينه وبين الإيمان الشرعي الصحيح بالله تعالى، وبين بغض الطاغوت وعداوته، وبين محبة الرب ﷾، ولذا لا يوجد إيمان صحيح في القلب بالله تعالى بدون الكفر بالطاغوت، ولا محبة شرعية مقبولة عند الله تعالى بدون بغض وعداوة للطاغوت.\nيقول أبو حيان: \"لأن الكفر بها هو رفضها ورفض عبادتها ولم يكتف بالجملة الأولى؛ لأنها لا تستلزم الجملة الثانية إذ قد يرفض عبادتها ولا يؤمن بالله لكن الإيمان يستلزم الكفر بالطاغوت\" (^١).\nيقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: في جواب سؤال عمن كان في سلطان المشركين، وعرف التوحيد وعمل به، ولكن ما عاداهم، ولا فارق أوطانهم؟ فأجاب ﵀ بقوله: \"هذا السؤال صدر عن عدم التعقل لصورة الأمر، والمعنى المقصود من التوحيد والعمل به؛ لأنه لا يتصور أنه يعرف التوحيد ويعمل به، ولا يعادي المشركين؛ ومن لم يعادهم لا يقال له: عرف التوحيد وعمل به. والسؤال متناقض -وحسن السؤال مفتاح العلم-.\nوأظن مقصودك: من لم يظهر العداوة، ولم يفارق؛ ومسألة إظهار العداوة غير مسألة وجود العداوة، فالأول: يعذر به مع الخوف والعجز، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]، والثاني: لا بد منه؛ لأنه يدخل في الكفر بالطاغوت، وبينه وبين حبِّ الله ورسوله تلازم كُليِّ لا ينفك عن المؤمن\" (^٢).\nثالثًا: سبقت الإشارة إلى أن تحقيق الكفر بالطاغوت يكون بالقلب\n_________\n(^١) تفسير البحر المحيط (٢/ ٢٩٢).\n(^٢) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٨/ ٣٥٨ - ٣٥٩).","vol":"1","page":554},{"text":"واللسان والجوارح، ولكن لا يلزم من تحقيق الكفر به إزالته عن الوجود، وإن كانت إزالته من أعظم القربات، وأجل الطاعات، وهو أمر مطلوب شرعًا؛ لما في وجوده من الشر المستطير، والفتنة العظيمة، ولكن ذلك حسب الاستطاعة والقدرة، ومراعاة المصالح والمفاسد التي يقدرها أهل العلم والأمانة، الراسخين في الفهم والديانة.\nولا أدل على هذا من وجود ثلاثِ مائة وستون صنمًا حول الكعبة، في أيام الجاهلية تعبدها قريش والعرب من دون الله تعالى، والرسول -ﷺ- يدعوهم إلى إفراد الله بالعبادة، ونبذ هذه الطواغيت، وترك عبادتها، والكفر بها، والبراءة منها، بل سفهها لهم، وبين لهم فقرها وضعفها، ومع ذلك فإنه ﵇ لم يتعرض لهدمها أو تكسيرها وإزالتها في أول الدعوة؛ لعدم قدرته على ذلك مع تحقيقه -ﷺ- هو وأصحابه للكفر بهذه الطواغيت بالقلب واللسان أعظم تحقيق، وبعدما مكنه الله تعالى من قريش فظفر بهم، وفتحت مكة على يديه، كانت إزالة هذه الطواغيت هي أولى مهامه التي قام بها في مكة، فلم يترك فيها صنمًا واحدًا إلا كسره وأباده، بل أرسل بعض أصحابه إلى هدم ما بَعُدَ منها عن مكة؛ كاللات والعزى وغيرها من الأوثان.\nيقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: \"إن الله تعالى لما أرسل محمدًا -ﷺ- يدعو الناس إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنه رسول الله، وكان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا تعبدها قريش، وكانوا يعبدون اللات، والعزى، ومناة، وهي أكبر الطواغيت التي يعبدها أهل مكة والطائف ومن حولهم، فاستجاب للنبي -ﷺ- من استجاب من السابقين الأولين، وهاجر من هاجر منهم إلى الحبشة، وكل من آمن منهم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، رغبة عن الشرك وعبادة الأوثان، وكفرًا بها، وبراءة منها، ومسبة لها، فصح إسلامهم وإيمانهم بذلك مع كونها موجودة يعبدها من يعبدها ممن لم يرغب عنها وعن عبادتها.","vol":"1","page":555},{"text":"فبهذا يتبين أنه ليس المراد من نفي الأوثان والأصنام وغيرها في كلمة الإخلاص زوال ماهية الأصنام ونفي وجودها، وإنما المراد إنكار عبادتها، والكفر بها، وعداوتها كما تقدم بيانه، وكل من تبرأ منها ورغب عنها فقد نفاها بقول لا إله إلا الله، وأثبت الألوهية لله تعالى دون كل ما يعبد من دونه، فلما تمكن -ﷺ- من إزالة هذه الأصنام كسرها وبعث من يزيل ما بعد عنه منها فخلت الجزيرة من أعيانها، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣] \" (^١).\nرابعًا: أن من لوازم الكفر بالطاغوت الكفر بأهله وأنصاره، وبغضهم وعدم موادتهم، والبراءة منهم ومن أعمالهم، وجهادهم باللسان والسنان في ذات الله تعالى، نصرة للتوحيد، ولتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى.\nوالحاصل أنه يلزم الكفر بالفعل والفاعل، والعمل والعامل، والشرك والمشرك؛ وهذا أمر بين. قال ﷾: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦)﴾ [الزخرف: ٢٦]،، وقال ﷿: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣)﴾ [التوبة: ٣].\nوهكذا أعلنها إبراهيم ﵇ لقومه مصرحًا لهم بكفره بهم وبما\n_________\n(^١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١١/ ٢٧٠)، ومجموعة الرسائل والمسائل (٤/ ٣٤٣ - ٣٤٤).","vol":"1","page":556},{"text":"عبدوه من دون الله من الطواغيت فقال لهم: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ وقبلها: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.\nيقول الإمام الطبري: \" ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾: أيها المعبودون من دون الله، ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾ أيها العابدون ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ \" (^١).\nقال البيضاوي: \" ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾: أي: بدينكم أو بمعبودكم، أو بكم وبه فلا نعتد بشأنكم وآلهتكم\" (^٢).\nيقول الإمام ابن كثير: \" ﴿قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾: أي: تبرأنا منكم ﴿وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾: أي: بدينكم وطريقكم ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾؛ يعني: وقد شرعت العداوة والبغضاء من الآن بيننا وبينكم ما دمتم على كفركم فنحن أبدًا نتبرأ منكم ونبغضكم ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾: أي: إلى أن توحدوا الله فتعبدونه وحده لا شريك له، وتخلعوا ما تعبدون معه من الأوثان والأنداد\" (^٣).\nويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: \" ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا﴾؛ أي: ظهر وبان ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ﴾؛ أي: البغض بالقلوب وزوال مودتها، والعداوة بالأبدان، وليس لتلك العداوة والبغضاء وقت ولا حد، بل ذلك ﴿أَبَدًا﴾ ما دمتم مستمرين على كفركم ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾؛ أي: فإذا آمنتم بالله وحده زالت العداوة والبغضاء وانقلبت مودة وولاية\" (^٤).\n_________\n(^١) تاريخ الطبري (١/ ١٤٨).\n(^٢) تفسير البيضاوي (٥/ ٣٢٧).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٤/ ٣٤٩).\n(^٤) تفسير السعدي (ص ٨٥٦).","vol":"1","page":557},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>المبحث الرابع\nقاعدة محبة الله هي أصل الدين والمحبة فيه أو له تبع لمحبته والمحبة معه تضاده وتناقضه</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-149> المسألة الأولى * شرح معاني مفردات القاعدة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>معنى المحبة:</span>\nالمَحَبَّةُ مصدر مشتق من أصل لغوي هو (حب)، يقال: أَحَبَّهُ وحَبَّه حُبًا ومَحَبَّةً، ولا فرق، هذا هو اشتقاقها من حيث اللفظ، أما من حيث المعنى فقد ذُكرت في معنى هذه المادة أقوال كثيرة في كتب اللغة، وساقها الإمام ابن القيم مبينًا ارتباط هذه المعاني وعلاقتها بالمحبة، وفيما يلي أسوق هذه المعاني بشيء من الاختصار والتصرف:\nمادة (حب) تدور في اللغة على خمسة أشياء:\nأحدها: الصفاء والبياض.\nالثاني: العلو والظهور.\nالثالث: اللزوم والثبات.\nالرابع: اللب.","vol":"1","page":558},{"text":"الخامس: الحفظ والإمساك (^١).\nيقول الإمام ابن القيم بعد ذكره هذه المعاني: \"ولا ريب أن هذه الخمسة من لوازم المحبة؛ فإنها صفاء المودة، وهيجان إرادات القلب للمحبوب، وعلوها وظهورها منه، لتعلقها بالمحبوب المراد، وثبوت إرادة القلب للمحبوب ولزومها لزومًا لا تفارقه، ولإعطاء المحب محبوبه لبه وأشرف ما عنده وهو قلبه، ولاجتماع عزماته وإراداته وهمومه على محبوبه\" (^٢).\nوأصل المحبة الإرادة والميل إلى المحبوب، ولذا فسرها جمع من أهل العلم بذلك:\nيقول ابن عطية: \"والمحبة إرادة يقترن بها إقبال من النفس وميل بالمعتقد\" (^٣).\nوقال ابن عرفة: \"المحبة عند العرب: إرادة الشيء على قصد له\" (^٤).\nويقول الحافظ ابن حجر: \"والمحبة إرادة ما يعتقده خيرًا\" (^٥).\nوقيل هي: \"ميل إلى الأشخاص، أو الأشياء العزيزة، أو الجذابة، أو النافعة\" (^٦).\nهذا هو معنى المحبة في اللغة؛ أما معناها في الشرع فهي ميل\n_________\n(^١) انظر: تهذيب اللغة (٤/ ٨)، وتاج العروس (٢/ ٢١٢)، والقاموس المحيط (ص ٩٠)، والمعجم (١/ ١٥٠ - ١٥١)، وانظر: مجموع الفتاوى (١١/ ١٤٩)، وشعب الإيمان للحليمي (١/ ٣٨٨).\n(^٢) مدارج السالكين (٣/ ٩ - ١٠)، وروضة المحبين (ص ١٧ - ١٨)، ومقاييس اللغة (٢/ ٢٦).\n(^٣) المحرر الوجيز (١/ ٤٢٢)، وعرَّفها أيضًا بتعريف آخر. انظر: (٢/ ١٢٩).\n(^٤) تفسير القرطبي (٤/ ٦٠).\n(^٥) فتح الباري (١/ ٥٧) وبهذا عرَّفها القاضي عياض والنووي وغيرهم. انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (٢/ ١٤).\n(^٦) المعجم الوسيط (١/ ١٥١).","vol":"1","page":559},{"text":"مخصوص، يقود إلى طاعة المحبوب وتعظيمه، وابتغاء مرضاته، والبعد عما يغضبه ويسخطه، ولذا يقول الإمام ابن القيم: \"ولما كانت المحبة التامة ميل القلب بكليته إلى المحبوب كان ذلك الميل حاملًا على طاعته وتعظيمه، وكلما كان الميل أقوى كانت الطاعة أتم، والتعظيم أوفر، وهذا الميل يلازم الإيمان (^١)، بل هو روح الإيمان ولبه، فأي شيء يكون أعلى من أمر يتضمن أن يكون الله سبحانه أحب الأشياء إلى العبد، وأولى الأشياء بالتعظيم، وأحق الأشياء بالطاعة\" (^٢).\nوقد أكثر أهل العلم -﵏- الكلام في بيانها وشرحها وتوضيحها وتجليتها، ومع كثرة الأقوال التي قيلت فيها يرى بعض المحقِقين أنها لم تُصِبْ حقيقتها إذ ليست المحبة من الأمور المحسوسة، وإنما هي من الأمور القلبية الوجدانية التي تعلم بالذوق والوجدان.\nيقول الإمام ابن القيم في معنى المحبة: \"فحدها وجودها، ولا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة، وإنما يتكلم الناس في أسبابها وموجباتها وعلاماتها وشواهدها وثمراتها وأحكامها، فحدودهم ورسومهم دارت على هذه الستة، وتنوعت بهم العبارات، وكثرت الإشارات بحسب إدراك الشخص ومقامه وحاله وملكه للعبارة\" (^٣).\nوالسبب في ذلك أن المحبة ليست من الأمور الملموسة التي يشترك الناس في معرفتها ووصفها، ولا تكشف حقيقتها إلا بذوقها ووجودها، وفرق بين ذوق الشيء ووجوده، وبين تصوره والعلم به، فالحدود التي قيلت في المحبة صحيحة ولكنها غير وافية بحقيقتها، بل هي علامات وتنبيهات، وتجري هذه القاعدة على أسماء أخرى تشترك مع المحبة؛ كالمصيبة، والبلية، والشدة، والألم، واللذة، والفرح، والخوف، وغيرها\n_________\n(^١) هذا فيما يتعلق بمحبة الله ﷾.\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ١٨٦).\n(^٣) مدارج السالكين (٣/ ٩).","vol":"1","page":560},{"text":"من الأمور التي لا يطلب من قامت به شاهدًا عليها من سوى أنفسها (^١).\nويقول الإمام ابن أبي العز الحنفي: \"ولا تُحَد المحبة بحد أوضح منها، فالحدود لا تزيدها إلا خفاءً، وهذه الأشياء الواضحة لا تحتاج إلى تحديد؛ كالماء، والهواء، والتراب، والجوع، ونحو ذلك\" (^٢).\nويقول الحافظ ابن حجر: \"وحقيقة المحبة عند أهل المعرفة من المعلومات التي لا تُحَد، وإنما يعرفها من قامت به وجدانًا لا يمكن التعبير عنه\" (^٣).\nويقول الإمام ابن القيم بعد أن ساق جملة من الأقوال التي قيلت في معنى المحبة: \"ولا توصف المحبة ولا تحد بحد أوضح من المحبة، ولا أقرب إلى الفهم من لفظها، وأما ذكر الحدود والتعريفات فإنما يكون عند حصول الإشكال والاستعجام على الفهم، فإذا زال الإشكال وعدم الاستعجام فلا حاجة إلى ذكر الحدود والتعريفات، كما قال بعض العارفين: إن كل لفظ يعبر به عن الشيء فلا بد أن يكون ألطف وأرق منه، والمحبة ألطف وأرق من كل ما يعبر به عنها\" (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-151> المسألة الثانية * معنى القاعدة</span>\nمن المعلوم أن المحبة من حيث تعلقها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: محبة دينية شرعية تتعلق بالله ﵎، وهذه على نوعين:\nالأول: محبة أصلية تتعلق بذاته ﷿ وأسمائه وصفاته وأفعاله.\n_________\n(^١) انظر: طريق الهجرتين (ص ٤٤٠)، ومدارج السالكين (٣/ ٣٦٧).\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية (ص ١٧٦).\n(^٣) فتح الباري (١٠/ ٤٦٢ - ٤٦٣).\n(^٤) طريق الهجرتين (ص ٤٦١).","vol":"1","page":561},{"text":"الثاني: محبة تابعة تتعلق بمحبوبات الرب ﵎.\nالقسم الثاني: محبة دينية غير شرعية، وهي المحبة مع الله ﷿، وهذه على نوعين:\nالأول: محبة شركية تقدح في أصل التوحيد وتضاده وتناقضه، بل تذهبه بالكلية، ويخرج بسببها المرء عن دينه، ويصبح كافرًا بالله العظيم.\nالثاني: محبة محرمة تقدح في كمال التوحيد الواجب، وتنقص من كمال الإخلاص، ولكنها لا تخرج من الإسلام.\nالقسم الثالث: محبة طبيعية خلقها الله في قلوب العباد وجبلهم عليها، وهذه إذا لم توصل إلى خير، ولا تسببت في شر لا يتعلق بها ثواب ولا عقاب، وكانت في حيز المباح.\nوالقاعدة أشارت إلى المحبة الدينية سواء كانت شرعية أو غير شرعية.\nفأما المحبة الدينية الشرعية فأصلها وأساسها محبة الرب ﵎، فهي الأصل الذي تنبني عليه جميع المحاب، والأساس الذي يقوم عليه دين الإسلام، بل هي أصل كل خير في الدنيا والآخرة (^١).\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فجميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن المحبة المحمودة، وأصل المحبة المحمودة هي محبة الله ﷾، إذ العمل الصادر عن محبة مذمومة عند الله لا يكون عملًا صالحًا، بل جميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن محبة الله\" (^٢).\nويقول الإمام ابن القيم: \"فمحبته تعالى، بل كونه أحب إلى العبد من كل ما سواه على الإطلاق من أعظم واجبات الدين، وأكبر أصوله، وأجلّ قواعده، ومن أحب معه مخلوقًا مثل ما يحبه فهو من الشرك الذي\n_________\n(^١) انظر: طريق الهجرتين (ص ٤٧٦).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٩).","vol":"1","page":562},{"text":"لا يغفر لصاحبه، ولا يقبل معه عمل\" (^١).\nفنفس محبته أصل لعبادته، والشرك في محبته أصل الإشراك في عبادته (^٢).\nبل هي أعظم الغايات، وأجلّ المقامات، وأكبر الأصول، وأعلى الدرجات، بل ما من مقام بعد إدراك المحبة إلا وهو ثمرة من ثمارها، وتابع من توابعها؛ كالشوق، والأنس، والرضا، والإنابة، ولا من مقام قبلها إلا وهو مقدمة من مقدماتها؛ كالتوبة، والصبر، والزهد، وغيرها من المقامات (^٣).\nفثبت بذلك أن محبة الله تعالى هي أصل الدين وأساس الملة، فلا يقوم دين ولا يصح إيمان بدون هذه المحبة، كما سيأتي بيان ذلك بأدلة الكتاب والسُّنَّة، كما أنها أصل لجميع المحاب الشرعية، إذ جميع المحاب الشرعية غيره ﷾ لا بد أن تكون محبة الله هي أصلها وأساسها الذي تنبني عليه هذه المحاب، فهي تابعة لمحبته سبحانه، ومحبة الله هي محبة لذاته ﷿ لا لشيء آخر، فهي محبة أصلية ترجع إليها جميع المحاب التابعة، فالله هو منتهى الحب والعبادة والتعظيم والذل والخضوع.\nيقول الإمام ابن القيم فيما يجب أن يتحقق به العبد حتى يكون الله تعالى أحب إليه من كل شيء: \"الثالث: أن تكون محبة غيره تابعة لمحبته، فيكون هو المحبوب بالذات والقصد الأول وغيره محبوبًا تبعًا لحبه كما يطاع تبعًا لطاعته، فهو في الحقيقة المطاع المحبوب\" (^٤).\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (٢/ ١٩٦)، وانظر: تفسير السعدي (ص ٩١٩).\n(^٢) انظر: منهاج السُّنَّة النبوية (٥/ ٣٢٩).\n(^٣) انظر: إحياء علوم الدين (٤/ ٢٩٤).\n(^٤) مدارج السالكين (٢/ ١٨٣)، وانظر: ومجموع الفتاوى (١٠/ ٢٦٥)، و(١٠/ ٣٠٦)، و(١٨/ ٣١٦)، وروضة المحبين (ص ١٩٩).","vol":"1","page":563},{"text":"ويقول الإمام ابن رجب: \"ومحبة الرسول تابعة لمحبة مرسلة\" (^١).\nأما المحبة مع الله تعالى فهي أن يحب غيره سبحانه معه محبة ذاتية، وهذا كما سبق على ضربين؛ إما أن يحب غيره محبة كحبه وهي المحبة الخاصة التي تستوجب قصد المعبود بالعبادة والذل التام والخضوع للمعبود، وكمال التعظيم، والانقياد له بالطاعة، وهذه هي المحبة الشركية التي توقع صاحبها في الشرك الأكبر الذي لا يبقى معه مثقال ذرة من الإيمان، فبوجود هذه المحبة يزول أصل الإيمان والتوحيد، ويخرج بها الإنسان عن دين الإسلام.\nومعلوم أن المحبة تتبع العلم والمعرفة والاعتقاد كما سبق بيانه، فهؤلاء الذين وقعوا في المحبة الشركية مع الله تعالى قد صرفوا لمعبوداتهم بعض صفات الرب تعالى؛ كعلم الغيب، والاستقلال بالنفع والضر، فصاروا يدعون أندادهم من دون الله لما اعتقدوا فيهم من صفات الرب، ومالت قلوبهم إليهم وصرفوا لهم أنواع العبادة من دون الله تعالى من الحب والخوف والخضوع والذل، وبذلك وقعوا في المحبة الشركة مع الله تعالى.\nفمن أحب ما سوى الله تعالى، معتقدًا فيه بعض صفات الرب فهذا يكون قد أشرك به في المحبة، فالذي يحب الرسول -ﷺ- لأنه يعلم الغيب (^٢)، فقد عبده بالمحبة حبًّا يخرجه من الإسلام بالكلية؛ لأن علم\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٣٨٩)، وانظر: مرقاة المفاتيح (٩/ ٢٥٤).\n(^٢) كما قال قائلهم يمدح النبي -ﷺ- بقوله:\nفإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم\nانظر: بُردة المديح للبوصيري (ص ٣٥)، ولا شك أن هذه المحبة المبنية على هذا الاعتقاد في النبي -ﷺ- من المحبة الشركية كالذين اتخذوا من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله. يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في رده على البوصيري: \"وأضاف المتكلم إلى هذا إثبات عموم العلم وإحاطته بالكليات والجزئيات، وأن الدنيا والآخرة حصلتا وكانتا عن جوده وإحسانه، بل بعض جوده. =","vol":"1","page":564},{"text":"الغيب من خصائص الرب تعالى، أو أحب الأولياء لأنهم يسمعون دعاء الغائبين فيشفعون لهم عند الله، أو أنهم ينفعون استقلالًا عن الله فقد عبدهم بالمحبة.\nوالنوع الثاني، وهي المحبة التي تؤدي إلى ترك الأوامر، وتضييع الواجبات، وارتكاب المنكرات، وإيثار محاب النفس والهوى والشيطان، على محاب الرب تعالى، وهذه المحبة لا يزول الإيمان بها، وإنما ينقص كماله الواجب، وهي مؤشر إلى الضعف في محبة الله تعالى الواجبة.\nيقول الإمام ابن القيم: \"وأما المحبة الخاصة التي لا تصلح إلا لله وحده، ومتى أحب العبد بها غيره كان شركًا لا يغفره الله، فهي محبة العبودية المستلزمة للذل، والخضوع، والتعظيم، وكمال الطاعة، وإيثاره على غيره، فهذه المحبة لا يجوز تعلقها بغير الله أصلًا، وهي التي سوى المشركون بين آلهتهم وبين الله فيها كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وأصح القولين أن المعنى: يحبونهم كما يحبون الله، وسووا بين الله وبين أندادهم في الحب، ثم نفى ذلك عن المؤمنين فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، فإن الذين آمنوا وأخلصوا حبهم لله لم يشركوا به معه غيره، وأما المشركون فلم يخلصوا لله\" (^١).\nويقول ﵀ في بيان المحبة الخاصة: \"وهي محبة تقتضي تقديم المحبوب فيها على النفس، والمال، والولد، وتقتضي كمال اللذة،\n_________\n= كما تدل عليه (من) الموضوعة في اللغة العربية للتبعيض، ومعلوم أن هذا يدخل فيه كل تدبير وتأثير وتقدير وتيسير. فأي فرد يبقى لله؟ وأي شيء اختص به؟ فافهم ما في هذه الأبيات من منافاة مقتضى الرسالة وصريح الآيات\". [مصباح الظلام (ص ٢٠١ - ٢٠٢)].\n(^١) طريق الهجرتين (ص ٤٤٢)، وانظر: حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم (ص ٢٣٦).","vol":"1","page":565},{"text":"والخضوع، والتعظيم، والإجلال، والطاعة، والانقياد ظاهرًا وباطنًا، وهذا لا نظير له في محبة مخلوق ولو كان المخلوق من كان.\nولهذا من أشرك بين الله وبين غيره في هذه المحبة الخاصة كان مشركًا شركًا لا يغفره الله، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، والصحيح أن معنى الآية: والذين آمنوا أشد حبًّا لله من أهل الأنداد لأندادهم كما تقدم بيانه؛ فإن محبة المؤمنين لربهم لا يماثلها محبة مخلوق أصلًا، كما لا يماثل محبوبهم غيره، وكل أذى في محبة غيره فهو نعيم في محبته، وكل مكروه في محبة غيره فهو قرة عين في محبته\" (^١).\nفكل من اتخذ من دون الله ندًا وصرف له شيئًا من العبادة فقد أحبه محبة مع الله كالذين اتخذوا من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله، ففرق بين الحب لله والحب مع الله، فأهل التوحيد والإخلاص يحبون غير الله لله، والمشركون يحبون غير الله مع الله كحب المشركين لآلهتهم، وحب النصارى للمسيح، وحب أهل الأهواء لرؤسائهم وكبرائهم (^٢).\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فإن هذا التوحيد يتضمن محبة الله وحده، وترك محبة المخلوق مطلقًا، إلا إذا أحبه الله فيكون داخلًا في محبة الله، بخلاف من يحبه مع الله، فإن هذا شرك\" (^٣).\nوكل من كان حبه مصروفًا لغير الله وهوى النفس؛ إما من أجل الدنيا، أو الجاه، أو المال، أو العصبية، فإنه واقع في المحبة مع الله تعالى، وهذه المحبة إن لم توقعه في الكفر بالله العظيم، فهو مقترف\n_________\n(^١) روضة المحبين (ص ٢٠٠).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٦٥)، (١٠/ ٢٦٥)، وقاعدة في المحبة (ص ١٠٢).\n(^٣) النبوات (ص ٨٤).","vol":"1","page":566},{"text":"لأعظم المنكرات، وقد تقوده إلى الكفر والشرك الأكبر، فإن مثل هذه المحاب مع ما فيها من الإثم، فإنها غالبًا ما توصل الإنسان إلى الكفر والفسوق والعصيان.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فإن المتحابين يحب أحدهما ما يحب الآخر بحسب الحب، فإذا اتبع أحدهما صاحبه على محبته ما يبغضه الله ورسوله نقص من دينهما بحسب ذلك إلى أن ينتهي إلى الشرك الأكبر، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. الذين قدموا محبة المال الذي كنزوه، والمخلوق الذي اتبعوه على محبة الله ورسوله، كان فيهم من الظلم والشرك بحسب ذلك. . . فهؤلاء أهل الشرك الأكبر.\nوأما عبيد المال الذين كنزوه، وعبيد الرجال الذين أطاعوهم في معاصي الله فأولئك يعذبون عذابًا دون عذاب أولئك المشركين؛ إما في عرصات القيامة، وإما في جهنم، ومن أحب شيئًا دون الله عذب به\" (^١).\nوبهذا يظهر أن المحبة الخاصة لا ينبغي أن تصرف لغيره ﷿؛ إذا هي حقيقة الإلهية، وحقيقة كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، وهذه المحبة تتميّز عن باقي المحاب في عدة أمور:\nأولًا: في قدر هذه المحبة، فمحبة الله لا نهاية لها، ومهما بلغ العبد من محبة الله الشرعية ما بلغ فإن ما يستحقه الله من المحبة لعظيم كماله، وكبير جلاله فوق ذلك بكثير.\nثانيًا: في صفة هذه المحبة، فمحبة الله الخاصة مستلزمة للذل والخضوع، والخوف والرجاء، والطاعة الكاملة، والانقياد التام للرب ﵎.\nثالثًا: في وجوب إفراد الله بهذه المحبة، فلا يجوز أن يشركه فيها\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ٧٣ - ٧٤).","vol":"1","page":567},{"text":"أحد من البشر مهما كان، ومهما بلغ من الصلاح والديانة، حتى ولو كان ملكًا مقربًا، أو نبيًا مرسلًا.\nيقول الإمام ابن القيم: \"ومحبة الرب تعالى تختص عن محبة غيره في قدرها، وصفتها، وإفراده سبحانه بها، فإن الواجب له من ذلك كله أن يكون إلى العبد أحب إليه من ولده ووالده، بل من سمعه، وبصره، ونفسه التي بين جنبيه، فيكون إلهه الحق ومعبوده أحب إليه من ذلك كله، والشيء قد يحب من وجه دون وجه، وقد يحب بغيره، وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله وحده، ولا تصلح الألوهية إلا له، ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، والتأله هو المحبة والطاعة والخضوع\" (^١).\nفالمحبة الخاصة بالله تعالى يجب ألا تصرف لغيره سبحانه، والمشركون قد أثبت الله لهم محبته العظيمة، ولكنهم أشركوا معه غيره فيها، فأبطل الله عليهم جميع محابهم، ولم يتقبل منهم شيئًا، كما قال سبحانه في مآل المشركين يوم القيامة: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣].\nيقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ في شرحه لكلام الإمام محمد بن عبد الوهاب: \"قلت: مراده أن معنى التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله هو إفراد الله بأصل الحب الذي يستلزم إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وعلى قدر التفاضل في هذا الأصل وما ينبني عليه من الأعمال الصالحة يكون تفاضل الإيمان، والجزاء عليه في الآخرة، فمن أشرك بالله تعالى في ذلك فهو المشرك لهذه الآية\" (^٢).\nوالقاعدة ذكرت أنواع المحبة الدينية المتعلقة بالثواب والعقاب، والمدح والذم، وبقيمت المحبة الطبيعية، وهي محبة فطرية، وميل يلائم طبع الإنسان جَبَلَ الله خلقه عليه؛ لما فيه من المنافع العظيمة، والمقاصد\n_________\n(^١) الجواب الكافي (ص ١٤٢).\n(^٢) تيسير العزيز الحميد (ص ١١٢).","vol":"1","page":568},{"text":"الشرعية، والحكم المرعية، ولكن قد يدخل ما هو محبوب لله في هذه المحبة فتكون محمودة، وقد يلابسها ما هو مبغوض لله فتكون مذمومة، كل ذلك بحسب نية صاحبها وقصده، وبحسب ما تؤول إليه هذه المودة والمحبة؛ فإن كانت نتائجها وما تؤدي إليه مما يحبه الله ويرضى عنه كانت محمودة، وأثيب عليها صاحبها، وإن أدت إلى محرم لا يرضاه الله ولا رسوله -ﷺ- كانت مذمومة، واستحق صاحبها العقاب، فإن لم تؤد إلى هذا ولا ذاك، كانت في حيّز المباح، وتحت حكم الجواز، فلم يتعلق بها مدح ولا ذم، ولا ثواب ولا عقاب، وبعض أهل العلم يعبّر عنها بالمحبة المشتركة؛ أي: يشترك فيها جميع الخلق، فجعلها في مقابل المحبة الخاصة بالله ﵎، وهي على أنواع كما سيأتي بيانها.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"والله تعالى خلق في النفوس حب الغذاء، وحب النساء، لما في ذلك من حفظ الأبدان، وبقاء الإنسان؛ فإنه لولا حب الغذاء لما أكل الناس ففسدت أبدانهم، ولولا حب النساء لما تزوجوا فانقطع النسل، والمقصود بوجود ذلك بقاء كل منهم ليعبدوا الله وحده، ويكون هو المحبوب المعبود لذاته الذي لا يستحق ذلك غيره\" (^١).\nويقول الإمام ابن القيم: \"وبقي قسم خامس ليس مما نحن فيه وهي: المحبة الطبيعية: وهي ميل الإنسان إلى ما يلائم طبعه؛ كمحبة العطشان للماء، والجائع للطعام، ومحبة النوم، والزوجة، والولد، فتلك لا تذم مالًا (^٢)، إن ألهت عن ذكر الله، وشغلته عن محبته كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٩]، وقال تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] \" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٦٠٧).\n(^٢) صواب العبارة: (إلا إن ألهت).\n(^٣) الجواب الكافي (ص ١٣٤).","vol":"1","page":569},{"text":"ويبيّن ﵀ أنواع المحبة الطبيعية المشتركة فيقول: \"والمحبة المشتركة ثلاثة أنواع؛ أحدها: محبة طبيعية مشتركة، كمحبة الجائع للطعام، والظمآن للماء، وغير ذلك، وهذه لا تستلزم التعظيم، والنوع الثاني: محبة رحمة وإشفاق، كمحبة الوالد لولده الطفل ونحوها، وهذه أيضًا لا تستلزم التعظيم، والنوع الثالث: محبة أنس وإلف؛ وهي محبة المشتركين في صناعة، أو علم، أو مرافقة، أو تجارة، أو سفر بعضهم بعضًا، وكمحبة الإخوة بعضهم بعضًا، فهذه الأنواع الثلاثة هي المحبة التي تصلح للخلق بعضهم من بعض، ووجودها فيهم لا يكون شركًا في محبة الله سبحانه؛ ولهذا كان رسول الله -ﷺ- يحب الحلواء والعسل، وكان أحب الشراب إليه الحلو البارد، وكان أحب اللحم إليه الذراع، وكان يحب نساءه، وكانت عائشة -﵂- أحبهن إليه، وكان يحب أصحابه، وأحبهم إليه الصديق\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-152> المسألة الثالثة * أدلة القاعدة</span>\nكما سبق معنا في معنى القاعدة أنها تضمنت المحبة الدينية سواء كانت شرعية أم غير شرعية، وفيما يلي أذكر من الأدلة ما يناسب هذه الأنواع، وهذه الأدلة على أنواع حسب ما دلت عليه القاعدة؛ فإن القاعدة دلت في الجملة على أربعة أنواع من المحبة:\nالأول: محبة هي أصل الدين، وأساس الإسلام، وقاعدة الإيمان، وقوام الملة، وعليها تقوم جميع الأعمال الإيمانية، الظاهرة والباطنة.\nالثاني: محبة شركية هي أساس الشرك، وأصل الكفر، بل ما من شرك في الأرض إلا وهذه المحبة أساسه وقوامه، وبها ينهدم الإيمان ولا يبقى منه حبة خردل.\n_________\n(^١) طريق الهجرتين (ص ٤٤١ - ٤٤٢)، وانظر: إغاثة اللهفان (٢/ ١٤٠).","vol":"1","page":570},{"text":"الثالث: محبة واجبة، تبعث على فعل الواجبات وترك المحرمات.\nالرابع: محبة محرمة تبعث على فعل المحرمات وترك الواجبات.\nوفيما يأتي أذكر بعض ما ظهر لي من أدلة حسب هذه الأنواع مع ملاحظة أن من الأدلة ما هو عام شامل لأكثر من نوع:\nأولًا: قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ [البقرة: ١٦٥ - ١٦٧].\nفالآية أشارت إلى المحبتين الأصليتين؛ الإيمانية والشركية، فالأولى هي محبة المؤمنين لربهم ﷾ المستلزمة لقصده بالتأله والخضوع وكمال الذل والطاعة، وهذه أصل الإيمان والتوحيد، وأساس الإسلام والملة، فإن صرف منها لغير الرب ﵎ شيئًا تحولت إلى المحبة الشركية، وهي أصل الشرك، وأساس الكفر بالله العظيم، وما من تنديد في الأرض، واتخاذ آلهة مع الله تعالى إلا وأساسه هذه المحبة الشركية، بل ما من عبادة لغير الله إلا وأساسها الحب لذلك المعبود، فكل عابد محب لمعبوده، والمشركون يحبون آلهتهم كما بيَّن الله ذلك بقوله: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].\nوهذا التشبيه الذي في الآية فيه قولان للعلماء: الأول: إثبات محبة المشركين للأنداد كمحبتهم لله تعالى فساووا بين حبهم للآلهة وبين حبهم للرب ﵎، هذا اختيار الزجاج ونصره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم -﵏-.\nوالقول الثاني: أنهم يحبون آلهتهم كحب الذين آمنوا لله، وهذا","vol":"1","page":571},{"text":"قول ابن عباس وعكرمة، وأبي العالية، وابن زيد، ومقاتل والفراء (^١)، والأول أرجح (^٢).\nيقول الإمام البغوي: \"قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾؛ يعني: المشركين ﴿مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾؛ أي: أصنامًا يعبدونها ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾؛ أي: يحبون آلهتهم كحب المؤمنين الله، وقال الزجاج: يحبون الأصنام كما يحبون الله لأنهم أشركوها مع الله فسووا بين الله وبين أوثانهم في المحبة، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾؛ أي: أثبت وأدوم على حبه من المشركين لأنهم لا يختارون على الله ما سواه\" (^٣).\nويقول الإمام ابن تيمية: \"فالمشركون اتخذوا مع الله أندادًا يحبونهم كحب الله، واتخذوا شفعاء يشفعون لهم عند الله، ففيهم محبة لهم وإشراك بهم، وفيهم من جنس ما في النصارى من حب المسيح وإشراك به.\nوالمؤمنون أشد حبًا لله، فلا يعبدون إلا الله وحده، ولا يجعلون معه شيئًا يحبونه كحبه لا أنبياءه ولا غيرهم، بل أحبوا ما أحبه بمحبتهم لله، وأخلصوا دينهم لله، وعلمو أن أحدًا لا يشفع لهم إلا بإذن الله، فأحبوا عبد الله ورسوله محمدًا -ﷺ- لحب الله،. . . فعلى المسلم أن يفرق بين محبة النصارى والمشركين ودينهم، ويتّبع أهل التوحيد والإيمان، ويخرج عن مشابهة المشركين وعبدة الصلبان\" (^٤).\nويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مسائله\n_________\n(^١) زاد المسير لابن الجوزي (١/ ١٧٠).\n(^٢) انظر: تفسير البغوي (١/ ١٣٦).\n(^٣) المصدر نفسه (١/ ١٣٦).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١١/ ٥٢٩ - ٥٣٠)، وانظر: (١٨/ ٣٢٤ - ٣٢٥)، (١٠/ ٢٦٥)، والاستقامة (١/ ٢٦٢)، وتفسير ابن كثير (١/ ٢٠٣)، ويقول الإمام ابن تيمية: (فمن رغب إلى غير الله في قضاء حاجة أو تفريج كربة لزم أن يكون محبًا له، ومحبته هي الأصل في ذلك\". [نقلًا عن فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص ٨٢) ولم أجده فيما لدي من كتب شيخ الإسلام].","vol":"1","page":572},{"text":"عند قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾: \"الحادية عشرة: أدن من اتخذ ندًا تُساوِي محبته محبة الله فهو الشرك الأكبر\" (^١).\nوسياق الآيات دل على أنهم -بصرف هذه المحبة لغير الله- مشركون شركًا أكبر مخرجًا عن ملة الإسلام بدليل ما لهم من العذاب والخلود في نار جهنم (^٢).\nفمن لم يخلص في محبة الله التي هي أصل الإيمان وأشرك معه غيره كان من المشركين الذين حبطت أعمالهم وحرمت عليهم الجنة؛ ولذا حكم الله عليهم بالخلود في النار وعدم الخروج منها بقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ (^٣).\nوهذه المحبة الشركية تظهر آثارها على المشركين وإن انتفوا منها وأنكروها، فهم يغضبودن لآلهتهم إذا انتهكت، ويفرحون بها ويستبشرون بذكرها، ويوالون عليها، ويعادون من أجلها (^٤).\nيقول الشيخ ابن عثيمين: \"قوله: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾؛ أي: في كيفيته ونوعه، فالنوع أدن يحب غير الله محبة عبادة، والكيفية: أن يحبه كمحبة الله أو أشد، حتى إن بعضهم يعظِّم محبوبه ويغار له أكثر مما يعظِّم الله ويغار له، فلو قيل: احلف بالله، لحلف، وهو كاذب ولم يبال، ولو قيل: احلف بالند، لم يحلف، وهو كاذب، وهذا شرك أكبر\" (^٥).\nثانيًا: قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ\n_________\n(^١) كتاب التوحيد (ص ٩٠).\n(^٢) وانظر: تيسير العزيز الحميد (ص ٣١)، وفتح المجيد (ص ٧٦).\n(^٣) انظر: روضة المحبين (ص.٢٨)، تفسير السعدي (ص ٧٩ - ٨٠).\n(^٤) انظر: مدارج السالكين (١/ ٣٤١ - ٣٤٣).\n(^٥) القول المفيد على كتاب التوحيد لابن عثيمين (٢/ ٤٦).","vol":"1","page":573},{"text":"يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء: ٩٢ - ٩٨].\nبيَّن تعالى في هذه الآيات حقيقة عبادة المشركين لمعبوداتهم، وأنهم ساووا هذه المعبوات بالله ﵎ في المحبة والتعظيم والخضوع، فحكم الله عليهم بالشرك والخلود في النار بسبب هذه المحبة الشركية التي لا يبقى بعدها من الإيمان حبة خردل.\nيقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: \"وقال تعالى حاكيًا عن أهل النار أنهم يقولون لأَلهتهم التي عبدت مع الله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾، ومعلوم أنهم ما سووهم بالله في الخلق والرزق والتدبير، وإنما هو في المحبة والخضوع والتعظيم والخوف والرجاء، ونحو ذلك من العبادات، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، هذا حب عبادة وتأله وتعظيم؛ ولهذا ونحوه كفَّرهم الله تعالى، وأباح دماءهم وأموالهم ونساءهم لعباده المؤمنين حتى يسلموا ويكون الدين كله لله\" (^١).\nثالثًا: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾ [محمد: ٩]، وقوله ﷿: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦)﴾ [محمد: ٢٦]، وقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾ [محمد: ٢٨]، وحبوط الأعمال لا يكون إلا بسبب الكفر والخروج عن الدين.\nومما يدل على أن محبة الله ورسوله أصل أصيل، وركن في الدين\n_________\n(^١) مصباح الظلام (ص ٣٧).","vol":"1","page":574},{"text":"أن الله تعالى قد حكم بالكفر وحبوط الأعمال على من وُجِدَ في قلبه كراهية وبغض لشيء من الدين الذي جاء به النبي -ﷺ- بعد معرفته بذلك، وعلمه بأنه من عند الله تعالى أنزله على نبيه ﵇، فهذا إذا كان في شيء من الدين، فكيف بمن وُجِدَ في قلبه شيء من بغض النبي -ﷺ- وبغض القرآن بل وبغض الرب ﵎.\nيقول الإمام الطبري: \"وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [محمد: ٩] يقول تعالى ذكره: هذا الذي فعلنا بهم من الإتعاس وإضلال الأعمال من أجل أنهم كرهوا كتابنا الذي أنزلناه إلى نبينا محمد -ﷺ-، وسخطوه فكذبوا به، وقالوا: هو سحر مبين.\nوقوله: ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾ يقول: فأبطل أعمالهم التي عملوها في الدنيا، وذلك عبادتهم الآلهة لم ينفعهم الله بها في الدنيا ولا في الآخرة، بل أوبقهم بها فأصلاهم سعيرًا، وهذا حكم الله ﷻ في جميع من كفر به من أجناس الأمم\" (^١).\nويقول الإمام السمعاني: \"قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾؛ أي: كرهوا نبوة محمد وما أنزله الله من القرآن\" (^٢).\nفكل من أبغض شيئًا من الكتاب والسُّنَّة، عالمًا بأنه كلام الله وشرعه ودينه، فكرهه من أجل ذلك فإنه بذلك يكون قد نقض أصل المحبة؛ إذ البغض يدل على عدم الرضى والتسليم والقبول للشرع، وجميع ذلك من النفاق الأكبر المخرج عن الملة.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فقد دل الكتاب والسُّنَّة على أن من في قلبه\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢٦/ ٤٦).\n(^٢) تفسير السمعاني (٥/ ١٧١)، وانظر: تفسير القرطبي (١٦/ ٢٣٣)، تفسير ابن كثير (٤/ ١٧٥)، روح المعاني (٢٦/ ٤٥)، تفسير السعدي (ص ٧٨٥).","vol":"1","page":575},{"text":"الكفر، وبغض الرسول وبغض ما جاء به أنه كافر بالله ورسوله\" (^١).\nويقول الإمام ابن القيم: \"كل من أبغض شيئًا من نصوص الوحي ففيه من عداوة الله ورسوله بحسب ذلك، ومن أحب نصوص الوحي ففيه من ولاية الله ورسوله بحسب ذلك، وأصل العداوة البغض، كما أن أصل الولاية الحب، قال عبد الله بن مسعود: (لا يسأل أحدكم عن نفسه غير القرآن، فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله، وإن كان يبغض القرآن فهو يبغض الله) (^٢) \" (^٣).\nولزيد الإمام ابن تيمية الأمر بيانًا وتفصيلًا فيقول: \"فمن اعتقد قبح ما أمر الله به أمر إيجاب أو استحباب، أو أبغض ذلك وكرهه بحيث يتألم على فعله، ويتأذى بوجوده، ففيه من النفاق بحسب ذلك، وهو إما نفاق أكبر يخرجه من أصل الإيمان، وإما نفاق أصغر يخرجه من كماله الواجب عليه، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾. . . بل إذا علم العبد أن هذا الفعل قد أمره الله به وأحبه فاعتقد هو أن ذلك ليس مما أمر الله به، وأبغضه وكرهه فهو كافر بلا ريب\" (^٤).\nولذا عدَّ -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب بغض شيء من الدين ناقضًا من نواقض الإسلام فقال: \"الخامس: من أبغض\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٤/ ١٠٧).\n(^٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١/ ٣٨٨)، برقم (١٠٩٧)، وسعيد بن منصور في سننه (١/ ١٠)، برقم (٢)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٣٢)، برقم (٨٦٥٧)، والبيهقي في شعب الإيمان، فصل: في إدمان تلاوة القرآن (٢/ ٣٥٣)، برقم (٢٠١٧)، والهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٦٥)، وقال: \"رواه الطبراني ورجاله ثقات\". وفي رواية ابن مسعود -﵁- قال: \"لا يضر الرجل أن لا يسأل عن نفسه إلا القرآن فإن كان يحب القرآن فإنه يحب الله ﷿ ورسوله -ﷺ-\".\n(^٣) الصواعق المرسلة (٣/ ١٠٤١)، وانظر: درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٢١٩).\n(^٤) جامع الرسائل (١/ ٢٤٨).","vol":"1","page":576},{"text":"شيئًا مما جاء به الرسول -ﷺ- ولو عمل به كفر إجماعًا، والدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾ [محمد: ٩] \" (^١).\nفانعدام المحبة من القلب دليل الكراهية والبغض في القلب.\nيقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن في شرحه لكلام الشيخ -المجدد- محمد بن عبد الوهاب: \"ثم قال ﵀: ومنهم من لم يحب التوحيد، ولم يبغضه؛ فالجواب: أن من لم يحب التوحيد، لم يكن موحدًا؛ لأنه هو الدين الذي رضيه الله تعالى لعباده، كما قال: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] فلو رضي بما رضي به الله، وعمل به لأحبه.\nولا بد من المحبة لعدم حصول الإسلام بدونها، فلا إسلام إلا بمحبة التوحيد،. . . وبالمحبة يترتب عليها ما تقتضيه كلمة الإخلاص من شروط التوحيد\" (^٢).\nرابعًا: قوله سبحانه: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)﴾ [الفرقان: ٤٣]، وقول الله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣)﴾ [الجاثية: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [الأنعام: ٥٦].\nذكر الله في هذه الآيات الهوى، وبيَّن أن اتباع هوى النفس -وهو الحب وميل النفس- كان سببًا في ضلال من ضلَّ وانحرف عن منهج الله\n_________\n(^١) الرسائل الشخصية (ص ٢١٣)، وانظر: مسائل لخصها الإمام محمد بن عبد الوهاب (ص ١٤٠)، ومنهاج السُّنَّة النبوية (٥/ ٢٩٨)، ويقول أيضًا: \"واذكر قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾ فإذا كانت الكراهية تحبط الورع الذي تذكر، فكيف الصدّ مع الكراهة، واليهود والنصارى فيهم أهل زهد أعظم من الورع والله أعلم\". [الفتاوى (ص ٥١)].\n(^٢) الدرر السنية (٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨).","vol":"1","page":577},{"text":"تعالى، بل هو أصل الزيغ عن الصراط المستقيم، فالهوى إما أن يعمي بصيرة صاحبه فيرى الحق باطلًا، والباطل حقًا، وإما أن يظهر له الحق ويستبينه فيتركه لأجل هواه، فمن سلم من هوى نفسه وفق للحق وهدي إلى الصراط المستقيم، فإن الحق لا يجتمع مع اتباع الهوى أبدًا، بل هو صارف عن الحق معرفة وقصدًا.\nوأصل ذلك كله من خلو القلب من محبة الله تعالى، والإخلاص له، وتعظيمه والخضوع والذل له، والوقوف مع أمره ونهيه، ومحابه ومساخطه، والتشريك بينه وبين غيره في المحبة، ومن محبة ما يحبه لغير الله، فيقول ذلك بالقلب، ويعمل بموجبه بالجوارح، وإلا لو كان في القلب وجدان حلاوة الإيمان، وذوق طعمه أغناه ذلك عن محبة الأنداد وتأليهها، وإذا خلا القلب من ذلك احتاج إلى أن يستبدل به ما يهواه ويتخذه إلهه، وهذا من تبديل الدين وتغيير فطرة الله التي فطر عباده عليه، وهذا هو حقيقة اتباع الهوى (^١).\nولذا جاء ذمه في القرآن الكريم، فلم يأت ذكره إلا في معرض الذم والتقبيح (^٢)، ومما ذكره الله تعالى في شأن الهوى واتباعه.\nيقول الإمام الطبري في معنى قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] بعد ذكره للخلاف: \"معنى ذلك: أفرأيت يا محمد من اتخذ معبوده هواه، فيعبد ما هوي من شيء دون إله الحق الذي له الألوهة من كل شيء\" (^٣).\nفكل من عَبَدَ مع الله غيره فهو في الحقيقة عَبْدٌ لهواه، بل كل ما\n_________\n(^١) انظر: إغاثة اللهفان (٢/ ١٥٢ - ١٥٦).\n(^٢) انظر: تفسير السمعاني (٣/ ٩٨)، ذم الهوى لابن الجوزي (ص ١٢)، روضة المحبين (ص ٤٦٩)، والموافقات (٢/ ١٧٠)، والاعتصام (٢/ ١٨٠).\n(^٣) تفسير الطبري (٢٥/ ١٥٠).","vol":"1","page":578},{"text":"عصي الله به من الذنوب فإنما هو بسبب تقديم العبد هواه على أوامر الله تعالى.\nويقول الشيخ يحيى العمران في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾: \"وهذه الآية نزلت في قوم هووا الأوثان فعبدوها، فأخبر الله أنه أضلهم: أي: حرمهم التوفيق والتسديد على ما سبق في علمه أنه يخلقهم ضلالًا\" (^١).\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الآية: \"فهو لا يتأله من يستحق التأله، بل يتأله ما يهواه، وهذا المتخذ إلهه هواه له محبة كمحبة المشركين لآلهتهم، ومحبة عباد العجل له، وهذه محبة مع الله لا محبة لله، وهذه محبة أهل الشرك\" (^٢).\nويقول ﵀: \"وأما من أحب شخصًا لهواه؛ مثل أن يحبه لدنيا يصيبها منه، أو لحاجة يقوم له بها، أو لمال يتآكله به، أو بعصبية فيه، ونحو ذلك من الأشياء فهذه ليست محبة لله، بل هذه محبة لهوى النفس، وهذه المحبة هي التي توقع أصحابها في الكفر، والفسوق، والعصيان، وما أكثر من يدّعي حب مشايخ لله، ولو كان يحبهم لله لأطاع الله الذي أحبهم لأجله؛ فإن المحبوب لأجل غيره تكون محبته تابعة لمحبة ذلك الغير، وكيف يحب شخصًا لله من لا يكون محبًا لله، وكيف يكون محبًا لله من يكون معرضًا عن رسول الله، وسبيل الله، وما أكثر من يحب شيوخًا، أو ملوكًا، أو غيرهم فيتخذهم أندادًا يحبهم كحب الله\" (^٣).\nويقول الإمام ابن القيم: \"التوحيد واتباع الهوى متضادان؛ فإن الهوى صنم ولكل عبد صنم في قلبه بحسب هواه، وإنما بعث الله رسله\n_________\n(^١) الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (١/ ٢٨٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٣٥٩)، و(١٠/ ٢٦٠).\n(^٣) المصدر نفسه (١١/ ٥٢٠ - ٥٢١)، و(١٨/ ٣١٦)، وانظر: (٢٨/ ١٣٢).","vol":"1","page":579},{"text":"بكسر الأصنام وعبادته وحده لا شريك له، وليس مراد الله سبحانه كسر الأصنام المجسدة وترك الأصنام التي في القلب، بل المراد كسرها من القلمب أولًا. . . وتأمل قول الخليل -ﷺ- لقومه: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون كيف تجده مطابقًا للتماثيل التي يهواها القلب ويعكف عليها ويعبدها من دون الله، قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٣، ٤٤] \" (^١).\nخامسًا: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤].\nبيَّن سبحانه في هذه الآية الكريمة أن من كانت محبته لمحبوباته أكثر من محبته لله ورسوله والجهاد في سبيله فإنه من الذين توعدهم الله تعالى بالعذاب بسبب هذه المحبة، والواجب على أهل الإيمان الحق ألا يقدِّموا على محبة الله ورسوله محبة أحد سواهما.\nيقول الإمام البيهقي في معنى الآية: \"فأبان بهذا أن حب الله وحب رسوله والجهاد في سبيله فرض، وأنه لا ينبغي أن يكون شيء سواه أحب إليهم منه، وبمثل ذلك جاءت السُّنَّة\" (^٢).\nويقول الإمام ابن تيمية في توضيحه لمعنى الآية: \"فانظر إلى هذا الوعيد الشديد الذي قد توعد الله به من كان أهله وماله أحب إليه من الله، ورسوله، وجهاد في سبيله، فعلم أنه يجب أن يكون الله ورسوله، والجهاد في سبيله أحب إلى المؤمن من الأهل، والمال، والمساكن،\n_________\n(^١) روضة المحبين (٤٨١ - ٤٨٢).\n(^٢) شعب الإيمان للبيهقي (١/ ٣٦٣).","vol":"1","page":580},{"text":"والمتاجر، والأصحاب، والأخوان، وإلا لم يكن مؤمنًا حقًا\" (^١).\nوالمقصود بالحب هو الديني الشرعي المستلزم لتقديم طاعة الله ورسوله على طاعة كل أحد، أما الحب الطبيعي فإن الإنسان مجبول عليه ولا يمكنه تركه فلا تكليف فيه كما سبق بيانه.\nويقول الشيخ سليمان بن عبد الله: \"المحبة الصادقة تستلزم تقديم مراضي الله على هذه الثمانية كلها فكيف بمن أَثر بعضها على الله ورسوله وجهاد في سبيله، فإن قلت قد قال شيخ الإسلام: إن كثيرًا من المسلمين أو أكثرهم بهذه الصفة. قيل مراده أن كثيرًا من المسلمين قد يكون ما ذكر أحب إليه من الله ورسوله؛ أي: في إيثار ذلك على فعل أمر الله وأمر رسوله الذي ينشأ عن المحبة، لا في الحب الذي يوجب قصد المحبوب بالتأله، فإن من ساوى بين الله وبين غيره في هذا الحب فهو مشرك، فكيف إذا كان غير الله أحب إليه كما هو الواقع من عبَّاد القبور، فإنهم يحبون أندادهم أعظم من حب الله\" (^٢).\nولذا استدل بهذه الآية بعض أهل العلم على وجوب محبة الله ورسوله؛ لأن الله توعدهم على تفضيل محبتهم لغيره على محبته، والوعيد لا يقع إلا على فرض لازم\" (^٣).\nسادسًا: قوله -ﷺ- عَنْ أَنَسٍ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإيمَانِ مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا للهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٧٥٠ - ٧٥١)، وانظر: تفسير السعدي (٣٣٢)، روح المعاني (١٠/ ٧١).\n(^٢) تيسير العزيز الحميد (ص ٣٩١).\n(^٣) انظر: تاريخ الإسلام (٢٦/ ٥٠٩ - ٥١٠)، وسير أعلام النبلاء (١٦٣٤٥ - ١٦٣٤٦)، وطبقات الشافعية الكبرى (٣/ ١٥٨).","vol":"1","page":581},{"text":"أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ\" (^١).\nفأما كون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما فإن هذا من الإيمان الواجب الذي فرضه الله على عباده المؤمنين، وهو أن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد -محبة دينية شرعية وهي المحبة المتضمنة لأصل الحب وكماله الواجب- فيميل إلى الله ورسوله بقلبه أكثر من ميله إلى ما سواهما.\nوأما محبته للمرء لا يحبه إلا من أجل الله، وبغضه للكفر وكراهيته له فإن ذلك من لوازم كون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.\nيقول الشيخ سليمان آل الشيخ: \"بل المراد في الحديث أن يكون الله ورسوله عند العبد أحب إليه مما سواهما: حبًا قلبيًا. . . فيميل بكليته إلى الله وحده حتى يكون وحده محبوبه ومعبوده، وإنما يحب من سواه تبعًا لمحبته كما يحب الأنبياء والمرسلين والملائكة والصالحين لما كان يحبهم رَبُّه سبحانه\" (^٢).\nوعدم تحقق هذه المحبة الواردة في الحديث لا يدل على انعدام أصل المحبة من القلب، لكن انعدامها تمامًا يدل على خلو القلب من العلم والتصديق والمعرفة، فإن المحبة تبع لهذه الأمور، بل المنفي في الحديث هو كمال المحبة الواجبة.\nويقول الإمام ابن تيمية: \"وقد يكون مسلمًا يعبد الله كما أمر ولا يعبد غيره، ويخافه ويرجوه، ولكن لم يَخْلُص إلى قلبه أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ولا أن يكون الله ورسوله والجهاد في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: حلاوة الإيمان (١/ ١٤)، برقم (١٦)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان (١/ ٦٦)، برقم (٤٣).\n(^٢) تيسير العزيز الحميد (ص ٣٩٥).","vol":"1","page":582},{"text":"سبيله أحب إليه من جميع أهله وماله، وأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يخاف الله لا يخاف غيره، وأن لا يتوكل إلا على الله، وهذه كلها من الإيمان الواجب، وليست من لوازم الإسلام،. . . وأما طمأنينة القلب بمحبته وحده، وأن يكون أحب إليه مما سواهما، وبالتوكل عليه وحده، وبأن يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه، فهذه من حقائق الإيمان التي تختص به، فمن لم يتصف بها لم يكن من المؤمنين حقًا، وإن كان مسلمًا، وكذلك وجل قلبه إذا ذكر الله، وكذلك زيادة الإيمان إذا تليت عليه آياته\" (^١).\nويقول الإمام ابن القيم في بيان كون الله ورسوله أحب إلى العبد مما سواهما: \"وهذا النوع من الحب لا يمكن أن يكون إلا لله ورسوله شرعًا ولا قدرًا، وإن وجد في الناس من يؤثر محبوبه بنفسه وماله فذاك في الحقيقة إنما هو لمحبة غرضه منه، فحمله محبة غرضه على أن بذل فيه نفسه وماله، وليست محبته لذلك المحبوب لذاته، بل لغرضه منه، وهذا المحبوب له مثل ولمحبته مثل، وأما محبة الله ليس لها مثل، ولا للمحبوب مثل، ولهذا حَكَّمَ الصحابة -﵃- رسول الله -ﷺ- في أنفسهم وأموالهم\" (^٢).\nويقول الإمام ابن رجب في بيان معنى الحديث: \"فهذه الثلاث خصال من أعلى خصال الإيمان، فمن كملها فقد وجد حلاوة الإيمان وطَعِمَ طعمه، فالإيمان له حلاوة وطعم يذاق بالقلوب كما يذاق حلاوة الطعام والشراب بالفم، فإن الإيمان هو غذاء القلوب وقوتها كما أن الطعام والشراب غذاء الأبدان وقوتها، وكما أن الجسد لا يجد حلاوة الطعام والشراب إلا عند صحته، فإذا سقم لم يجد حلاوة ما ينفعه من ذلك، بل قد يستحلي ما يضره وما ليس فيه حلاوة لغلبة السقم عليه،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٧/ ٤٢٦ - ٤٢٧).\n(^٢) روضة المحبين (ص ٢٧٦).","vol":"1","page":583},{"text":"فكذلك القلب إنما يجد حلاوة الإيمان من أسقامه وآفاته، فإذا سَلِمَ من مرض الأهواء المضلة، والشهوات المحرمة وجد حلاوة الإيمان حينئذٍ، ومتى مرض وسقم لم يجد حلاوة الإيمان، بل يستحلي ما فيه هلاكه من الأهواء والمعاصي.\nومن هنا قال -ﷺ-: \"لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ\" (^١)؛ لأنه لو كمل إيمانه لوجد حلاوة الإيمان فاستغنى بها عن استحلاء المعاصي.\nالخصلة الثانية: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، والحب في الله من أصول الإيمان وأعلى درجاته، وإنما كانت هذه الخصلة تالية لما قبلها؛ لأن من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما فقد صار حبه كله له، ويلزم من ذلك أن يكون بغضه لله وموالاته له ومعاداته له، وأن لا تبقى له بقية من نفسه وهواه، وذلك يستلزم محبة ما يحبه الله من الأقوال والأعمال، وكراهة ما يكرهه من ذلك، وكذلك من الأشخاص، ويلزم من ذلك معاملتهم بمقتضى الحب والبغض، فلا تتم محبة الله ورسوله إلا بمحبة أوليائه وموالاتهم وبغض أعدائه ومعاداتهم.\nالخصلة الثالثة: أن يكره الرجوع إلى الكفر كما يكره الرجوع إلى النار؛ فإن علامة محبة الله ورسوله: محبة ما يحبه الله ورسوله، وكراهة ما يكرهه الله ورسوله -كما سبق-، فإذا رسخ الإيمان في القلب وتحقق به ووجد حلاوته وطعمه: أحبه وأحب ثباته ودوامه والزيادة منه، وكره مفارقته وكان كراهته لمفارقته أعظم عنده من كراهة الإلقاء في النار، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم، باب: النهبى بغير إذن صاحبه وقال عبادة: بايعنا النبي -ﷺ- أن لا ننتهب (٢/ ٨٧٥)، برقم (٢٣٤٣)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: بيان نقصان الإيمان بالمعاصي ونفيه عن المتلبس بالمعصية على إرادة نفي كماله (١/ ٧٦)، برقم (٥٧)، عن أبي هريرة -﵁-.","vol":"1","page":584},{"text":"الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)﴾ [الحجرات: ٧].\nواعلم أن القدر الواجب من كراهة الكفر والفسوق والعصيان هو أن ينفر من ذلك ويتباعد منه جهده، ويعزم على أن لا يلابس شيئًا منه جهده لعلمه بسخط الله له وغضبه على أهله، فأما ميل الطبع إلى ما يميل من ذلك -خصوصًا لمن اعتاده ثم تاب منه- فلا يؤاخذ به إذا لم يقدر على إزالته، ولهذا مدح الله من نهى النفس عن الهوى، وذلك يدل على أن الهوى يميل إلى ما هو ممنوع منه، وأن من عصى هواه كان محمودًا عند الله ﷿\" (^١).\nسابعًا: قوله -ﷺ- في حديث أنس -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: \"لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ\" (^٢).\nفهذا الحديث نفى فيه النبي -ﷺ- إطلاق الإيمان عمن أحب غيره أكثر من محبته ﵇، والمقصود كمال الإيمان لا أصل الإيمان؛ لأنه باق ما بقي أصل الحب في القلب، كما أن المقصود بالمحبة هي المحبة الشرعية الدينية لا المحبة الطبيعية، وهي محبة تابعة لمحبة الرب تعالى إذ هي الأصل لجميع المحاب، والحديث دلَّ على وجوب محبته -ﷺ-؛ لأن الإيمان الواجب لا ينفى إلا لانتفاء واجب أو فعل محرم.\nيقول الإمام ابن رجب: \"محبة النبي -ﷺ- من أصول الإيمان، وهي مقارنة لمحبة الله ﷿، وقد قرنها الله بها، وتوعد من قدَّم عليها شيئًا من الأمور المحبوبة طبعًا من الأقارب والأموال والأوطان وغير ذلك، فيجب تقديم محبة الرسول -ﷺ- على النفوس والأولاد والأقارب والأهلين\n_________\n(^١) انظر: فتح الباري لابن رجب، كتاب الإيمان (١/ ٥٠ - ٥٨).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: حب الرسول -ﷺ- من الإيمان، (١/ ١٤)، برقم (١٥)، ومسلم في صحيحه، باب: وجوب محبة رسول الله -ﷺ- أكثر من الأهل والولد والوالد والناس أجمعين وإطلاق عدم الإيمان على من لم يحبه هذه المحبة، (١/ ٦٧)، برقم (٤٤) من حديث أنس -﵁-.","vol":"1","page":585},{"text":"والأموال والمساكن، وغير ذلك مما يحبه الناس غاية المحبة، وإنما تتم المحبة بالطاعة كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، فعلامة تقديم محبة الرسول على محبة كل مخلوق: أنه إذا تعارض طاعة الرسول -ﷺ- في أوامره وداع آخر يدعو إلى غيرها من هذه الأشياء المحبوبة، فإن قدَّم المرء طاعة الرسول وامتثال أوامره على ذلك الداعي: كان دليلًا على صحة محبته للرسول وتقديمها على كل شيء، وإن قدَّم على طاعته وامتثال أوامره شيئًا من هذه الأشياء المحبوبة طبعًا: دلَّ ذلك على عدم إتيانه بالإيمان التام الواجب عليه.\nوكذلك القول في تعارض محبة الله ومحبة داعي الهوى والنفس، فإن محبة الرسول تبع لمحبة مرسله ﷿.\nهذا كله في امتثال الواجبات وترك المحرمات، فإن تعارض داعي النفس ومندوبات الشريعة، فإن بلغت المحبة على تقديم المندوبات على دواعي النفس كان ذلك علامة كمال الإيمان، وبلوغه إلى درجة المقربين والمحبوبين، المتقربين بالنوافل بعد الفرائض، وإن لم تبلغ هذه المحبة إلى الدرجة فهي درجة المقتصدين أصحاب اليمين الذين كملت محبتهم ولم يزيدوا عليها\" (^١).\nويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: \"قوله: (لا يؤمن أحدكم): أي: الإيمان الواجب، والمراد كماله، حتى يكون الرسول أحب إلى العبد من ولده ووالده والناس أجمعين، بل ولا يحصل هذا الكمال إلا بأن يكون الرسول أحب إليه من نفسه، كما في الحديث: \"أن عمر بن الخطاب -﵁- قال: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال: والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال له عمر: فإنك الآن أحب إلي من نفسي، فقال: الآن\n_________\n(^١) انظر: فتح الباري لابن رجب، كتاب الإيمان (١/ ٤٨ - ٤٩).","vol":"1","page":586},{"text":"يا عمر\"\" (^١).\nفمن قال: إن المنفي هو الكمال، فإن أراد الكمال الواجب الذي يذم تاركه ويعرض للعقوبة فقد صدق، وإنه أراد أن المنفي الكمال المستحب، فهذا لم يقع قط في كلام الله ورسوله -ﷺ-، قاله شيخ الإسلام ﵀ (^٢).\nوكما سبق فإن المقصود بالمحبة في الحديث هي المحبة الشرعية الدينية الاختيارية لا المحبة الطبيعية، ولذا نقل الإمام النووي في شرح الحديث عن بعض أهل العلم أنه قال: \"لم يرد به حب الطبع بل أراد به حب الاختيار؛ لأن حب الإنسان نفسه طبع، ولا سبيل إلى قلبه، قال فمعناه: لا تصدق في حبي حتى تُفْنِي في طاعتي نفسك، وتؤثر رضاي على هواك وإن كان فيه هلاكك\" (^٣).\nويقول الإمام ابن الجوزي في إيضاح معنى الحديث: \"اعلم أن المراد بهذه المحبة: المحبة الشرعية فإنه يجب على المسلمين أن يقوا رسول الله -ﷺ- بأنفسهم وأولادهم، وليس المراد بهذا المحبة الطبيعية فإنهم قد فروا عنه في القتال وتركوه، وكل ذلك لإيثار حب النفس\" (^٤).\nوقال ﵀ أيضًا: \"ففي الأول أن عمر قال يا رسول الله: لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي فقال رسول الله -ﷺ-: \"لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك\": إن قال قائل: كيف كلفه بما لا يدخل تحت طوقه فإن المحبة في الجملة ليست إلى الإنسان، ثم إن حبه لنفسه أشد من حبه لغيرها ولا يمكنه تغيير ذلك، فالجواب: إنه إنما كلفه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأيمان والنذور، باب: كانت يمين النبي -ﷺ- (٦/ ٢٤٤٥)، برقم (٦٢٥٧).\n(^٢) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص ٢٧٤).\n(^٣) شرح النووي على صحيح مسلم (٢/ ١٥)، وانظر: طرح التثريب في شرح التقريب (٦/ ١٩٥).\n(^٤) كشف المشكل (٣/ ٢٣١).","vol":"1","page":587},{"text":"الحب الشرعي، وهو إيثاره على النفس وتقديم أوامره على مراداتها فأما الحب الطبعي فلا وقد سبق بيان هذا\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-153> المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nتضافرت أقوال أهل العلم في بيان أنواع المحبة الدينية سواء كانت شرعية، أم غير شرعية، وهي: محبة الله ﵎ محبة ذاتية، والمحبة في الله ولله المستلزمة لمحبة ما يحب الله، والمحبة مع الله، فالأولى هي الأصل لجميع المحاب، والثانية مكملة ومتممة لأصل المحبة، أما الثالثة فهي إما ناقضة لأصل المحبة فتزول بسببها جميع المحاب الشرعية، بل تبطل بوجودها جميع الأعمال الدينية، أو تكون منقصة لتمامها وكمالها.\nوقد تعددت أقوال أهل العلم في بيان هذه الأنواع، وتنوعت تعبيراتهم وتقسيماتهم لأنواع المحبة الدينية، وكلها ترجع إلى هذه المعاني الثلاثة، وفيما يلي أسوق بعضًا مما ذكره العلماء من هذه الأنواع التي تضمنتها القاعدة:\nيقول الإمام ابن تيمية: \"ثم إنه كما بَيَّن أن محبته أصل الدين، فقد بَيَّن أن كمال الدين بكمالها ونقصه بنقصها\" (^٢).\nويقول ﵀: \"محبة الله، بل محبة الله ورسوله من أعظم واجبات الإيمان، وأكبر أصوله، وأجلّ قواعده، بل هي أصل كل عمل من أعمال الإيمان والدين، كما أن التصديق به أصل كل قول من أقوال الإيمان والدين\" (^٣).\n_________\n(^١) كشف المشكل (٤/ ١٦٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٦ - ٥٧).\n(^٣) المصدر نفسه (١٠/ ٤٨ - ٤٩)، وانظر: قاعدة في المحبة (ص ٦٨).","vol":"1","page":588},{"text":"ويقول الإمام ابن القيم: \"فمحبة الله ﷿ أصل المحاب المحمودة وأصل الإيمان والتوحيد\" (^١).\nويقول ﵀: \"فإن المحبة ثلاثة أقسام: محبة الله، والمحبة له وفيه، والمحبة معه؛ فالمحبة له وفيه من تمام محبته وموجباتها لا من قواطعها؛ فإن محبة الحبيب تقتضي محبة ما يحب، ومحبة ما يعين على حبه، ويوصل إلى رضاه وقربه، وكيف لا يحب المؤمن ما يستعين به على مرضاة ربه، ويتوصل به إلى حبه وقربه.\nوأما المحبة مع الله فهي المحبة الشركية، وهي كمحبة أهل الأنداد لأندادهم كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وأصل الشرك الذي لا يغفره الله هو الشرك في هذه المحبة، فإن المشركين لم يزعموا أن آلهتهم وأوثانهم شاركت الرب سبحانه في خلق السموات والأرض، وإنما كان شركهم بها من جهة محبتها مع الله، فوالوا عليها، وعادوا عليها، وتألهوها، وقالوا هذه آلهة صغار تقربنا إلى الإله الأعظم.\nففرق بين محبة الله أصلًا والمحبة له تبعًا والمحبة معه شركًا، وعليك بتحقيق هذا الموضع فإنه مفرق الطرق بين أهل التوحيد وأهل الشرك\" (^٢).\nويقول أيضًا: \"وها هنا أربعة أنواع من الحب يجب التفريق بينها، وإنما ضلَّ من ضلَّ بعدم التمييز بينها: أحدهما: محبة الله، ولا تكفي وحدها في النجاة من الله من عذابه، والفوز بثوابه، فإن المشركين، وعُبّاد الصليب، واليهود، وغيرهم يحبون الله.\nالثاني: محبة ما يحب الله، وهذه هي التي تدخله في الإسلام، وتخرجه من الكفر، وأحب الناس إلى الله أقومهم بهذه المحبة، وأشدهم فيها.\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (٢/ ١٤٠).\n(^٢) روضة المحبين (ص ٢٩٣).","vol":"1","page":589},{"text":"الثالث: الحب لله وفيه، وهي من لوازم محبة ما يحب الله، ولا تستقيم محبة ما يحب الله إلا بالحب فيه وله.\nالرابع: المحبة مع الله وهي المحبة الشركية، وكل من أحب شيئًا مع الله لا لله، ولا من أجله ولا فيه فقد اتخذه ندًا من دون الله، وهذه محبة المشركين\" (^١).\nويقول ﵀: \"وأصل العبادة، وتمامها، وكمالها: هو المحبة، وإفراد الرب سبحانه بها، فلا يشرك العبد به فيها غيره\" (^٢).\nفجعل ﵀ المحبة على أقسام بالنسبة للعبادة؛ منها ما هو أصل في العباة لا تصح بدونها، ومنها ما هو واجب لا تتم العبادة إلا به، ويأثم من لا يتحقق فيه هذا، ومنها ما هو كمال تنقص به العبادة عن درجة الكمال، وإن كان صاحبها لا يأثم بفقدها، وهذا الأخير هو معترك التفضيل بين أهل الإيمان.\nويقول ﵀ في بيان أنواع المحبة وتصنيفها إلى نافعة وضارة: \"فالمحبة النافعة ثلاث أنواع: محبة الله، ومحبة في الله، ومحبة ما يعين على طاعة الله تعالى اجتناب معصيته، والمحبة الضارة ثلاثة أنواع: المحبة مع الله، ومحبة ما يبغضه الله تعالى، ومحبة ما تقطع محبته عن محبة الله تعالى أو تنقصها، فهذه ستة أنواع عليها مدار محاب الخلق، فمحبة الله ﷿ أصل المحاب المحمودة، وأصل الإيمان والتوحيد، والنوعان الآخران تبع لها\" (^٣).\nويقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: \"لما كانت محبة الله سبحانه: هي أصل دين الإسلام الذي يدور عليه قطب رحاها، فبكمالها يكمل الإيمان، وبنقصانها ينقص توحيد الإنسان، نبه المُصَنِّف ﵀\n_________\n(^١) الجواب الكافي (ص ١٣٤).\n(^٢) إغاثة اللهفان (٢/ ١٣٤).\n(^٣) إغاثة اللهفان (٢/ ١٤٠).","vol":"1","page":590},{"text":"على وجوبها على الأعيان\" (^١).\nويقول الشيخ محمد العثيمين: \"والمحبة تنقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: محبة عبادة، وهي التي توجب التذلل والتعظيم، وأن يقوم بقلب الإنسان من إجلال المحبوب وتعظيمه ما يقتضي أن يمتثل أمره ويجتنب نهيه، وهذه خاصة بالله، فمن أحب مع الله غيره محبة عبادة، فهو مشرك شركًا أكبر، ويعبر العلماء عنها بالمحبة الخاصة.\nالقسم الثاني: محبة ليست بعبادة في ذاتها، وهذه أنواع:\nالنوع الأول: المحبة لله وفي الله، وذلك بأن يكون الجالب لها محبة الله؛ أي: كون الشيء محبوبًا لله تعالى من أشخاص، كالأنبياء، والرسل، والصديقين، والشهداء، والصالحين، أو أعمال، كالصلاة، والزكاة، وأعمال الخير، أو غير ذلك.\nوهذا النوع تابع للقسم الأول الذي هو محبة الله.\nالنوع الثاني: محبة إشفاق ورحمة، وذلك كمحبة الولد، والصغار، والضعفاء، والمرضى.\nالنوع الثالث: محبة إجلال وتعظيم لا عبادة، كمحبة الإنسان لوالده، ولمعلمه، ولكبير من أهل الخير.\nالنوع الرابع: محبة طبيعية، كمحبة الطعام، والشراب، والملبس، والمركب، والمسكن.\nوأشرف هذه الأنواع النوع الأول، والبقية من قسم المباح، إلا إذا اقترن بها ما يقتضي التعبد صارت عبادة، فالإنسان يحب والده محبة إجلال وتعظيم، وإذا اقترن بها أن يتعبد لله بهذا الحب من أجل أن يقوم ببر والده صارت عبادة، وكذلك يحب ولده محبة شفقة، وإذا اقترن بها\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد (ص ٣٨٨).","vol":"1","page":591},{"text":"ما يقتضي أن يقوم بأمر الله بإصلاح هذا الولد صارت عبادة.\nوكذلك المحبة الطبيعية، كالأكل والشرب والملبس والمسكن إذا قصد بها الاستعانة على عبادة صارت عبادة، ولهذا (حبب للنبي -ﷺ- النساء والطيب) من هذه الدنيا، فحبب إليه النساء، لأن ذلك مقتضى الطبيعية، ولما يترتب عليه من المصالح العظيمة، وحبب إليه الطيب؛ لأنه ينشط النفس ويريحها ويشرح الصدر، ولأن الطيبات للطيبين والله طيب لا يقبل إلا طيبًا.\nفهذه الأشياء إذا اتخذها الإنسان بقصد العبادة صارت عبادة، قال النبي -ﷺ-: \"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى\" (^١)، وقال العلماء: إن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وقالوا: الوسائل لها أحكام المقاصد، وهذا أمر متفق عليه\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-154> المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nلا يخفى بما سبق ذكره من مسائل: أهمية هذه القاعدة العظيمة التي بيَّنت أصل الدين، وأساس الملة الحنيفية، وفرَّقت بين أصول التوحيد وأصول الشرك، وبعد تأمّل أقوال أهل العلم في هذا الباب يمكننا استخراج العديد من الفوائد والتطبيقات من خلال القاعدة، ومن ذلك ما يلي:\nأولًا: دلت القاعدة على إثبات المحبة الحقيقية للرب تعالى، وهذا هو اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة، وهو الذي دلت عليه نصوص القرآن الكريم والسُّنَّة المطهرة؛ أي: كون الله يُحِب ويُحَب حقيقة، فهو يُحِب\n_________\n(^١) انظر: تخريج الحديث (ص ٣٦٨).\n(^٢) القول المفيد شرح كتاب التوحيد (٢/ ٤٤ - ٤٦).","vol":"1","page":592},{"text":"نفسه ﵎، ويحب عباده المؤمنين، ويحب جميع ما أمر به عباده المخلصين، كما أن أهل الإيمان يحبونه -﷾-، فالقاعدة أثبتت المحبة في قلوب المؤمنين لربهم -﷿-، وأنها أصل جميع الأعمال الإيمانية، وفي ذلك إبطال لأقوال أهل البدعة والفرقة الذين تجرؤوا على الله تعالى، وتجاسروا على نصوص الشريعة فأنكروا حقيقة المحبة وأوَّلوها بتأويلات باطلة خالفوا بها نصوص القرآن الصريحة والسُّنَّة النبوية الشريفة (^١).\nيقول الإمام ابن تيمية في بيان أقوال الطوائف في مسألة المحبة: \"وقد بسطنا في غير هذا الموضع الكلام في محبة الله، وذكرنا أن للناس في هذا الأصل العظيم ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن الله تعالى يُحِب ويُحَب كما قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] فهو المستحق أن يكون له كمال المحبة دون ما سواه، وهو سبحانه يُحِب ما أمر به ويُحِب عباده المؤمنين، وهذا قول سلف الأمة وأئمتها، وهذا قول أئمة شيوخ المعرفة.\nوالقول الثاني: أنه يستحق أن يُحَب لكنه لا يُحِب إلا بمعنى أن\n_________\n(^١) وأول من أظهر ذلك في الإسلام في أوائل المائة الثانية فأنكر المحبة الحقيقية لله تعالى هو الجعد بن درهم شيخ الجهم بن صفوان، فضحى به خالد بن عبد الله القسري بواسط على عهد علماء التابعين وغيرهم من علماء المسلمين مثل الحسن البصري وغيره الذين حمدوه على ما فعل وشكروا له ذلك فقال: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا -تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا- ثم نزل فذبحه، وأخذ هذه المقالة عنه جهم ابن صفوان وقتله بخراسان سلمة بن أحوز، وإليه نسبت هذه المقالة التي تسمى مقالة الجهمية. [انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٣٥٤)، (١٠/ ٦٦)، (١٢/ ٣٥٠)، (١٢/ ٥٠٣)]، يقول الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في رده على بشر المريسي: \"فكان أول من أظهره في آخر الزمان الجعد بن درهم بالبصرة وجهم بخراسان فقتلهما الله بشر قتلة، وفطن الناس لكفرهما، حتى كان سبيل من أظهر ذلك في الإسلام القتل صبرًا حتى كانوا يسمونهم بذلك الزنادقة\". [نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد (١/ ٥٣٠ - ٥٣١)].","vol":"1","page":593},{"text":"يريد، وهذا قول كثير من المتكلمين ومن وافقهم من الصوفية.\nوالثالث: أنه لا يُحِب ولا يُحَب وإنما محبة العباد له إرادتهم طاعته، وهذا قول الجهمية ومن وافقهم من متأخري أهل الكلام\" (^١).\nويقول -﵀-: \"وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات محبة الله تعالى لعباده المؤمنين، ومحبتهم له، وهذا أصل دين الخليل إمام الحنفاء -﵇-\" (^٢).\nثانيًا: فرَّقت القاعدة بين محبة الله تعالى ومحبة غيره، فمحبته -﷾- لا يشترك معه أحد من الناس فيها مهما كانت مكانته ومنزلته، فهي محبة خاصة بالرب ﵎، ولذا كان التعبير عن محبة الله -في الغالب- يأتي بما يختص بالله تعالى دون غيره كلفظ العبادة والإنابة والتبتل والاستكانة والتوبة فإن جميعها متضمن لمحبة الله تعالى.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"واسم المحبة فيه إطلاق وعموم؛ فإن المؤمن يحب الله، ويحب رسله، وأنبياءه، وعباده المؤمنين، وإن كان ذلك من محبة الله، وإن كانت المحبة التي لله لا يستحقها غيره؛ ولهذا جاءت محبة الله -﷾- مذكورة بما يختص به سبحانه من العبادة، والإنابة إليه، والتبتل له، ونحو ذلك، فكل هذه الأسماء تتضمن محبة الله -﷾-\" (^٣).\nثالثًا: المقارنة -مع عظم الفارق- بين محبة المؤمنين لربهم سبحانه وبين محبة المشركين لأوثانهم وأندادهم، وكون الأولى أشد وأقوى وأثبت وأعظم من الثانية، فمن ذلك:\nأن محبة المؤمنين متصلة بالله تعالى لا تنقطع أبدًا ما داموا على الإيمان والتوحيد، بخلاف محبة الأنداد فإنها لأغراض فاسدة موهومة\n_________\n(^١) شرح العقيدة الأصفهانية (ص ٢٧)، وانظر للرد على من تأوَّل محبة الله تعالى: مجموع الفتاوى (٨/ ١٤٢)، و(٨/ ٣٥٧)، وأقاويل الثقات (ص ٧٧ - ٧٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢/ ٣٥٤).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٦ - ٥٧).","vol":"1","page":594},{"text":"تزول بأدنى سبب؛ ولذلك كانوا يعدلون عن اَلهتهم إلى الله تعالى عند الشدائد، ويعبدون الصنم زمانًا ثم يرفضونه إلى غيره (^١).\nكما أن محبة المؤمنين لربهم -﷾- ثابتة لا تتزعزع؛ لأنهم على يقين من ربهم، قد عرفوه بأسمائه وصفاته وأفعاله، بلا شك ولا ريب، فأيقنت قلوبهم بذلك واطمأنت به، فلا يختارون على الله ما سواه، والمشركون إذا اتخذوا صنمًا ثم رأوا أحسن منه طرحوا الأول واختاروا الثاني (^٢).\nرابعًا: من خلال القاعدة يمكن تقسيم المحبة الدينية الشرعية إلى قسمين:\nالقسم الأول: محبة هي ركن الحب وأصل الدين وأساس الإسلام، وأعظمها محبة الرب ﵎ الناشئة عن معرفة ذاته المقدسة، وأسمائه الحسنى، وصفاته المجيدة، وأفعاله الحميدة، وأقداره الحكيمة.\nثم محبة رسوله - ﷺ - محبة تابعة ولازمة لمحبة مرسلة وهذه ناشئة عن التصديق بكونه رسولًا نبيًا أرسله الله تعالى، وبما اتصف به -﵇- من صفات الكمال البشري، وبما جاء به من التنزيل والقرآن، كما أنه يدخل في ذلك محبة جميع ما أنزل على الرسول -ﷺ- مما يتعلق بهذا الأصل فيحب الإيمان ويبغض الكفر، وهذه كالقاعدة التي تنبني عليها جميع شرائع الإسلام وجميع المحاب الدينية الشرعية.\nالقسم الثاني: محبة هي كمال في الدين وهذه على نوعين:\nالأول: محبة هي كمال واجب وفرض لازم على كل مسلم، وهي\n_________\n(^١) انظر: تفسير البيضاوي (١/ ٤٤١).\n(^٢) انظر: تفسير الطبري (٢٥/ ١٥٠)، تفسير السمعاني (١/ ١٦٤)، وتفسير البغوي (١/ ١٣٦).","vol":"1","page":595},{"text":"تتضمن محبة جميع الأوامر الدينية الشرعية محبة تامة والقيام بها، وبغض جميع ما نهى عنه الرب ﵎ أو رسوله الكريم -﵇-.\nالثاني: محبة هي كمال مستحب، وندب وفضيلة، ويتضمن ذلك محبة ما يحبه الله ورسوله من نوافل الطاعات، وفضائل الأعمال، ويدخل في ذلك محبة اتباعه -ﷺ- في سننه وآدابه والتخلق بأخلاقه الظاهرة والباطنة.\nيقول الإمام ابن تيمية في بيان القسم الثاني من المحبة: \"ومحبة الله ورسوله على درجتين: واجبة وهي درجة المقتصدين، ومستحبة وهي درجة السابقين:\nفالأولى تقتضي أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما بحيث لا يحب شيئًا يبغضه كما قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، وذلك يقتضي محبة جميع ما أوجبه الله تعالى، وبغض ما حرَّمه الله تعالى وذلك واجب؛ فإن إرادة الواجبات إرادة تامة تقتضي وجود ما أوجبه كما تقتضي عدم الأشياء التي نهى الله عنها وذلك مستلزم لبغضها التام.\nفيجب على كل مؤمن أن يحب ما أحبه الله ويبغض ما أبغضه الله قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾ [محمد: ٢٨].\nوأما محبة السابقين بأن يحب ما أحبه الله من النوافل والفضائل محبة تامة، وهذه حال المقربين الذين قربهم الله إليه\" (^١).\nفالواجب على كل من وقر الإيمان في قلبه أن يحب ما أحبه الله محبة تامة توجب له الإتيان بما وجب عليه منه، فإن زادت المحبة حتى أتي بما ندب إليه منه كان ذلك فضلًا وسبقًا، وأن يكره ما كرهه الله\n_________\n(^١) انظر: قاعدة في المحبة (٩١ - ٩٢)، وفتح الباري (١/ ٦١).","vol":"1","page":596},{"text":"تعالى كراهة تامة توجب له الكف عما حرم عليه منه، فإن زادت الكراهة حتى أوجبت الكف عما كرهه تنزيهًا كان ذلك فضلًا وسبقًا (^١).\nسادسًا: دلت القاعدة على أن محبة الرب تعالى هي الأصل، وعليه قرَّر أهل العلم من سلف هذه الأمة وأئمتها: أنه لا يحب لذاته إلا هو سبحانه، وكل من سواه من محبوباته فإنما يحب تبعًا لمحبته -﷿-، فالمحبة الذاتية لا تكون إلا للمعبود الذي يستحق أن يعبد دون ما سواه، فكما أنه لا يكون وجود غيره سبحانه لذاته كذلك لا يحب غيره لذاته (^٢).\nفلا يستحق أن يحب لذاته -محبة مطلقة من كل وجه- إلا الرب العظيم، وهذا هو معنى كونه إلهًا معبودًا ومقصودًا بالتأله.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"بل لا يجوز أن يحب شيء من الموجودات لذاته إلا هو سبحانه وبحمده، فكل محبوب في العالم إنما يجوز أن يحب لغيره لا لذاته، والرب تعالى هو الذي يجب أن يحب لنفسه، وهذا من معاني إلهيته، ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا؛ فإن محبة الشيء لذاته شرك، فلا يحب لذاته إلا الله؛ فإن ذلك من خصائص إلهيته، فلا يستحق ذلك إلا الله وحده، وكل محبوب سواه إن لم يحب لأجله، أو لما يحب لأجله فمحبته فاسدة\" (^٣).\nويقول -﵀- أيضًا: \"وقد قررنا في مواضع من القواعد الكبار أنه لا يجوز أن يكون غير الله محبوبًا مرادًا لذاته، كما لا يجوز أن يكون غير الله موجودًا بذاته، بل لا رب إلَّا الله ولا إله إلا هو المعبود الذي يستحق أن يحب لذاته، ويعظم لذاته كمال المحبة والتعظيم\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: جامع العلوم والحكم (ص ٣٨٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٣٧٨)، النبوات (ص ٧١)، وقاعدة في المحبة (ص ١٠١).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٠/ ٦٠٧).\n(^٤) المصدر نفسه (١٠/ ٧٢)، وانظر: قاعدة في المحبة (ص ١٠١).","vol":"1","page":597},{"text":"ويقول ابن القيم: \"وليس في الوجود ما يحب لذاته ويحمد لذاته إلا هو سبحانه، وكل ما يُحَب سواه؛ فإن كانت محبته تابعة لمحبته سبحانه بحيث يُحَب لأجله فمحبته صحيحة، وإلا فهي محبة باطلة، وهذا هو حقيقة الإلهية؛ فإن الإله الحق هو الذي يحب لذاته ويحمد لذاته\" (^١).\nفظهر بذلك أن جميع محاب العباد الشرعية تابعة لمحبة ذات الله ﵎، بل إن جميع محاب الرب تعالى تابعة في الأصل لمحبته لنفسه -﷿-، إذ محبته سبحانه لنفسه هي أعظم محبوباته، وكل ما أحبه سبحانه سواه فإنما أحبه لمحبته لنفسه -﷿-، وهذا يدل على أن محبة ذات الرب هي أصل جميع المحاب، وأساس جميع الأعمال الإيمانية في هذا الكون.\nيقول ابن تيمية: \"فلا ثناء من مثنٍ أعظم من ثناء الرب على نفسه، ولا ثناء إلا بحب، ولا حب من محبوب لمحبوب أعظم من محبة الرب لنفسه، وكل ما يحبه من عباده فهو تابع لحبه لنفسه، فهو يحب المقسطين، والمحسنين، والصابرين، والمؤمنين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويفرح بتوبة التائبين، كل ذلك تبعًا لمحبته لنفسه، فإن المؤمن إذا كان يحب ما يحبه من المخلوقات لله، فيكون حبه للرسول والصالحين تبعًا لحبه لله\" (^٢).\nوبناء عليه فإن محبة النبي - ﷺ - لا تكون لذاته -﵇-، فإن محبة الشيء لذاته شرك؛ -كما سبق تقرير ذلك- إذ هي من خصائص إلهيته -﷾-، ولكن تكون تبع لمحبة الله -ﷻ-، وليس في هذا تنقيص له﵊-، ولا غضٌ من مكانته العالية، ومنزلته الرفيعة، بل هذا مما يعظم شأن نبينا ويعلي مكانته -﵇-.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"ومحبة الرسول هي من محبة الله، فهي\n_________\n(^١) الفوائد (ص ١٨٣).\n(^٢) منهاج السُّنَّة النبوية (٥/ ٤٠٨).","vol":"1","page":598},{"text":"حب لله وفي الله، ليست محبة محبوب مع الله كالذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] \" (^١).\nويقول أيضًا: \"وليس للخلق محبة أعظم ولا أكمل ولا أتم من محبة المؤمنين لربهم، وليس في الوجود ما يستحق أن يحب لذاته -من كل وجه- إلا الله تعالى وكل ما يحب سواه فمحبته تبع لحبه؛ فإن الرسول﵊- إنما يُحَب لأجل الله، ويُطَاع لأجل الله، ويتبع لأجل الله كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ \" (^٢).\nويقول الإمام ابن القيم: \"فإن محبة رسول الله - ﷺ -، بل تقديمه في الحب على الأنفس، وعلى الآباء، والأبناء، لا يتم الإيمان إلا بها، إذ محبته من محبة الله، وكذلك كل حب في الله ولله\" (^٣).\nويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: \"محبة الرسول - ﷺ - واجبة تابعة لمحبة الله لازمة لها، فإنها لله ولأجله، تزيد بزيادة محبة الله في قلب المؤمن وتنقص بنقصها، وكل من كان محبًا لله فإنما يحب في الله ولأجله كما يحب الإيمان والعمل الصالح.\nوهذه المحبة ليس فيها شيء من شوائب الشرك؛ كالاعتماد عليه ورجائه في حصول مرغوب منه أو دفع مرهوب منه، وما كان فيها ذلك فمحبته مع الله لما فيها من التعلق على غيره والرغبة إليه من دون الله، فبهذا يحصل التمييز بين المحبة في الله ولأجله، التي هي من كمال التوحيد، وبين المحبة مع الله التي هي محبة الأنداد من دون الله لما يتعلق في قلوب المشركين من الإلهية التي لا تجوز إلا لله وحده\" (^٤).\n_________\n(^١) الرد على الأخنائي (٦٣).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ٦٤٩).\n(^٣) الجواب الكافي (ص ١٣٣).\n(^٤) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص ٢٧٥).","vol":"1","page":599},{"text":"ويقول الشيخ ابن عثيمين: \"فمحبة الرسول - ﷺ - تابعة لمحبة الله، وتعظيمنا له - ﷺ - تابع لتعظيم الله -﷿- وهو دون تعظيم الله؛ ولهذا نهى النبي - ﷺ - أن نغلو فيه وأن نجعل له حقًا مساويًا لحق الله -﷿-.\nوالخلاصة: أنه يجب على الإنسان أن يكون تعظيم الله تعالى ومحبته في قلبه أعظم من محبة وتعظيم كل أحد، وأن تكون محبة النبي - ﷺ - وتعظيمه في قلبه أعظم من محبة وتعظيم كل مخلوق، وأما أن يساوي بين حق الرسول - ﷺ -، وحق الله تعالى فيما يختص الله به فهذا خطأ عظيم\" (^١).\nسابعًا: الأصل المعتبر عند الله تعالى هو المحبة الدينية الشرعية، فهي التي يترتب عليها صحة الإسلام وتمام الإيمان، وعليها يقوم الثواب والعقاب، وذلك بخلاف المحبة الطبيعية، فهي كما سبق لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب، ولكن قد تتحول إلى محبة شرعية بحسب نية صاحبها وقصده، وعليه فمن أحب الرسول - ﷺ - محبة طبيعية لا يقبل منه حتى يحبه محبة شرعية تابعة لمحبة الرب تعالى.\nيقول الحافظ ابن كثير في نصرة أبي طالب للنبي - ﷺ -: \"ومن عصمة الله لرسوله: حفظه له من أهل مكة وصناديدها وحسادها ومعانديها ومترفيها؛ مع شدة العداوة والبغضة ونصب المحاربة له ليلًا ونهارًا بما يخلقه الله من الأسباب العظيمة بقدرته وحكمته العظيمة، فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب إذ كان رئيسًا مطاعًا كبيرًا في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله - ﷺ - لا شرعية، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر هابوه واحترموه\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن صالح العثيمين (٢/ ٣٠٤).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٢/ ٨٠).","vol":"1","page":600},{"text":"ويقول الشيخ العثيمين في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]: \"ويجوز أن يحبه محبة قرابة، ولا ينافي هذا المحبة الشرعية، وقد أُحِبُّ أن يهتدي هذا الإنسان، وإن كنت أبغضه شخصيًا لكفره، ولكن لأني أحب أن الناس يسلكون دين الله\" (^١).\nويقول ابن الجاج: \"فليس الإنسان مكلفًا بأن لا يقع له محبة الشيء، وإنما هو مكلف بأن لا يرضى به وإن كانت نفسه تحبه فيكرهه لكراهية الشرع الشريف\" (^٢).\nثامنًا: كان هدي النبي - ﷺ - في جميع محابّه -سواء الدينية أو الطبيعية- أنها تابعة لمحبة خالقه ومرسله -﷾-؛ وهذا يدل على عظم محبة النبي -ﷺ- لربه، وكمال توحيده وإخلاصه، ورسوخ إيمانه ويقينه، وشدة تعظيمه وإجلاله لربه، وكبير تعلقه به سبحانه، ولذا كان حبه لأبي بكر الصديق - ﵁ - أكثر من غيره لما علم من محبة الله لأبي بكر، وكذلك عائشة - ﵂ - كانت أحب نسائه إليه -ﷺ- لما كان لها من المنزلة والمكانة عند ربها ﵎.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وأيضًا فالنبي - ﷺ - محبته تابعة لمحبة الله، وأبو بكر أحبهم إلى الله تعالى، فهو أحبهم إلى رسوله، وإنما كان كذلك لأنه أتقاهم وأكرمهم، وأكرم الخلق على الله تعالى أتقاهم بالكتاب والسُّنَّة\" (^٣).\nويقول ابن الحاج: \"فكان - ﷺ - يزيد لكل شخص في المحبة بحسب ما كانت منزلته عند الله تعالى، ليس للنفس فيه حظ، ولا للهوى فيه مطمع، ولا للعادة فيه مدخل\" (^٤).\n_________\n(^١) القول المفيد على كتاب التوحيد (١/ ٣٤٩).\n(^٢) المدخل (١/ ١٩١).\n(^٣) منهاج السُّنَّة النبوية (٧/ ٣٧٦).\n(^٤) المدخل لابن الحاج (١/ ١٧٣).","vol":"1","page":601},{"text":"وهذا يدل على أن عظم محبته -ﷺ- لعائشة -﵂- ولأبي بكر الصديق - ﵁ - إنما هي محبة دينية تابعة لمحبة الله، ولم تكن محبة لمجرد الهوى، أو الطبيعية والجبلة (^١).\nولذا يرى بعض أهل العلم أن إخباره - ﷺ - بحبه لعائشة وأبي بكر - ﵄ - وحيٌ من الله ﵎ أوحاه إليه ليتحقق بتلك المحبة (^٢).\nكما أنه من الممكن أن تكون محبة النبي - ﷺ - الطبيعية تابعة للمحبة الشرعية بحيث يكون تناوله لهذه المحبوبات من باب الإذن من الله والتشريع للأمة كما ذكره بعض أهل العلم.\nيقول الإمام الشاطبي: \"وأيضًا فإنه لا يلزم من حب الشيء أن يكون مطلوبًا بحظ؛ لأن الحب أمر باطن لا يملك، وإنما ينظر فيما ينشأ عنه من الأعمال، فمن أين لك أنه كان -﵊- يتناول تلك الأشياء لمجرد الحظ دون أن يتناوله من حيث الإذن وهذا هو عين البراءة من الحظ، وإذا تبين هذا في القدوة الأعظم - ﷺ - تبين نحوه في كل مقتدى به ممن اشتهرت ولايته\" (^٣).\nعاشرًا: ويتفرع على ذلك قاعدة ذكرها أهل العلم وهي أن المحبة الدينية لازمة للأفضلية فمن كان أفضل من غيره كانت محبتنا الدينية له أعظم، وعكس الحب البغض، وكلاهما يتبع الفضل والمكانة والمنزلة.\nفمن كان إثم بغضه في الشرع عظيمًا كان ذلك دليلًا على فضله ومكانته، فليست محبة النبي - ﷺ - كمحبة غيره من أصحابه، كما أنه ليس بغض النبي - ﷺ - كبغض أبي بكر، أو عمر، وليس بغض الصحابة كبغض\n_________\n(^١) انظر: سير أعلام النبلاء (٢/ ١٤٣)، وحاشية السندي على سنن النسائي (٧/ ٦٨).\n(^٢) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل (٤/ ٩٥)، وانظر: تاريخ الإسلام (٤/ ٢٤٦).\n(^٣) الموافقات (٢/ ٢٠٠).","vol":"1","page":602},{"text":"غيرهم، فكلما عظم إثم البغض دلَّ ذلك على عظم الفضل.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"لأن الحب والبغض يتبع الفضل فمن كان بغضه أعظم دلَّ على أنه أفضل، ودل حينئذٍ على أن محبته دين لأجل ما فيه من زيادة الفضل، ولأن ذلك ضد البغض، ومن كان بغضه سببًا للعذاب لخصوصه كان حبه سببًا للثواب، وذلك دليل على الفضل\" (^١).\nوقد نقل الإمام الذهبي فتوى أبي زرعة العراقي (^٢) في تقرير هذه القاعدة فقال: \"سئل شيخ الإسلام، محقق عصره: أبو زرعة الولي العراقي -﵀- عمن اعتقد في الخلفاء الأربعة الأفضلية على الترتيب المعلوم ولكنه يحب أحدهم أكثر هل يأثم؟.\nفأجاب بأن المحبة قد تكون لأمر ديني وقد تكون لأمر دنيوي، فالمحبة الدينية لازمة للأفضلية، فمن كان أفضل كانت محبتنا الدينية له أكثر، فمتى اعتقدنا في واحد منهم أنه أفضل ثم أحببنا غيره من جهة الدين أكثر كان تناقضًا، نعم إن أحببنا غير الأفضل أكثر من محبة الأفضل لأمر دنيوي كقرابة وإحسان ونحوه فلا تناقض في ذلك ولا امتناع، فمن اعترف بأن أفضل هذه الأمة بعد نبيها - ﷺ -: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي لكنه أحب عليًا أكثر من أبي بكر مثلًا، فإن كانت المحبة المذكورة محبة دينية فلا معنى لذلك؛ إذ المحبة الدينية لازمة للأفضلية كما قررناه، وهذا لم يعترف بأفضلية أبي بكر إلا بلسانه، وأما\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم (ص ١٥٦).\n(^٢) هو: أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين الولي بن الزين العراقي المصري، أبو زرعة، قاضي الديار المصرية، مولده بالقاهرة، رحل به أبوه (الحافظ العراقي) إلى دمشق فقرأ فيها، وعاد إلى مصر فارتفعت مكانته إلى أن ولي القضاء سنة ٨٢٤ هـ، وحمدت سيرته، من كتبه: البيان والتوضيح لمن أخرج له في الصحيح وقد مس بضرب من التجريح، وفضل الخيل، والإطراف بأوهام الأطراف للمزي، ورواة المراسيل، وحاشية على الكشاف، وأخبار المدلسين، وغيرها، وله نظم ونثر كثير، توفي سنة ٨٢٦ هـ. [ترجمته في: البدر الطالع (١/ ٧٢)، والأعلام (١/ ١٤٨)].","vol":"1","page":603},{"text":"بقلبه فهو مفضل لعلي لكونه أحبه محبة دينية زائدة على محبة أبي بكر، وهذا لا يجوز، وإن كانت المحبة المذكورة محبة دنيوية لكونه من ذرية علي أو لغير ذلك من المعاني فلا امتناع فيه\" (^١).\nويقول الشيخ علي القاري: \"ثم لا يلزم من أكثرية المحبة تحقق الأفضلية؛ إذ محبة الأولاد وبعض الأقارب أمر جبلي مع العلم القطعي بأن غيرهم قد يوجد أفضل منهم، وأما بالنسبة إلى الأجانب فالأفضلية توجب زيادة المحبة، وبهذا يندفع الإشكال والله أعلم بالأحوال\" (^٢).\nالحادي عشر: إن من لوازم محبة الله أو المحبة فيه أو له بغض ما أبغضه الله تعالى، من الأقوال، والأعمال، والأشخاص، وغير ذلك، فلا تستقيم هذه المحبة الدينية الإيمانية إلا بوجود هذا البغض لكل ما يُبْغِضُهُ الرب تعالى، والعداوة لأعداء الله تعالى، وأعداء رسوله -ﷺ-، ودينه، وعباده المؤمنين، فلا يجتمع في قلب المؤمن إيمان كامل بالله تعالى وحب أعدائه وأعداء رسله ودينه.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وفي الإنسان قوتان: قوة الحب، وقوة البغض، وإنما خَلَقَ ذلك فيه ليحب الحق الذي يحبه الله، ويُبْغِض الباطل الذي يبغضه الله، وهؤلاء هم الذين يحبهم الله ويحبونه\" (^٣).\nويقول -﵀-: \"فهذا هو الأصل الذي يجب على كل أحد أن يعتصم به، فلا بد أن يكون مريدًا محبًا لما أمره الله بإرادته ومحبته، كارهًا مبغضًا لما أمره الله بكراهته وبغضه، والناس في هذا الباب أربعة أنواع:\n_________\n(^١) ذكر من تكلم فيه وهو موثوق للذهبي (١٩٠)، وانظر: الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة (١/ ١٨٧)، وذكر هذه الفتوى بلفظها أحمد بن محمد الحموي -﵀- مقررًا لها ومتعقبًا لقول ابن نجيم. [انظر: غمز عيون البصائر لابن نجيم الحنفي (٢/ ١٩٧)].\n(^٢) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (١١/ ٣٠٩).\n(^٣) قاعدة في المحبة (ص ١٣٦).","vol":"1","page":604},{"text":"أكملهم الذين يحبون ما أحبه الله ورسوله، ويبغضون ما أبغضه الله ورسوله، فيريدون ما أمرهم الله ورسوله بإرادته، ويكرهون ما أمرهم الله ورسوله بكراهته، وليس عندهم حب ولا بغض لغير ذلك، فيأمرون بما أمر الله به ورسوله ولا يأمرون بغير ذلك، وينهون عما نهى الله عنه ورسوله ولا ينهون عن غير ذلك، وهذه حال الخليلين أفضل البرية محمد وإبراهيم -صلى الله عليهما وسلم-\" (^١).\nالثاني عشر: القاعدة عند أهل السُّنَّة والجماعة أن الشخص الواحد يجتمع فيه الكفر والإيمان، والسُّنَّة والبدعة، والطاعة والمعصية، والبر والفجور، فيُحَب على قدر ما فيه من طاعة ومحبة لله وقرب منه، ويبغض على قدر ما فيه من بعد عن الله واقتراف للذنوب وارتكاب للمعاصي.\nفمن ثبت إيمانه وكثرت طاعته وعبادته وجب له من المحبة والموالاة بقدر ما فيه من الإيمان وإن ظلمك واعتدى عليك في نفسك أو مالك أو عرضك، كما أنه يعادى ويبغض بقدر ما فيه من المعاصي والذنوب، ومن الظلم والجور وإن كان محسنًا إليك، مثنيًا عليك، وهذا هو مقتضى العدل الإلهي الذي أمر الله به، فالسارق الفقير تقطع يده ويعطى من زكاة المسلمين.\nيقول الإمام ابن تيمية مقررًا لهذا الأصل العظيم: \"فليتدبر المؤمن الفرق بين هذين النوعين، فما أكثر ما يلتبس أحدهما بالَاخر وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك؛ فإن الله سبحانه بعث الرسل، وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه، والبغض لأعدائه، والإكرام لأوليائه، والإهانة لأعدائه، والثواب لأوليائه، والعقاب لأعدائه.\nوإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وفجور وطاعة ومعصية،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٦٧).","vol":"1","page":605},{"text":"وسُنة وبدعة، استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة فيجتمع له من هذا وهذا، كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته. هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السُّنَّة والجماعة، وخالفهم الخوارج، والمعتزلة ومن وافقهم ... \" (^١).\nويقول الإمام ابن القيم في علامة المحبة الدينية الإيمانية في الله تعالى: \"وعلامة هذا الحب والبغض في الله أنه لا ينقلب بغضه لبغيض الله حبًا لإحسانه إليه، وخدمته له، وقضاء حوائجه، ولا ينقلب حبه لحبيب الله بغضًا إذا وصل إليه من جهته من يكرهه ويؤلمه، إما خطأ، وإما عمدًا مطيعًا لله فيه، أو متأولًا أو مجتهدًا، أو باغيًا نازعًا تائبًا، والدين كله يدور على أربع قواعد حب وبغض ويترتب عليهما فعل وترك\" (^٢).\nويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: \"وكذلك من كره دخول الناس في التوحيد، وأحب بقاءهم على الشرك فقد خالف الكتاب والسُّنَّة والإجماع.\nوبهذا تعلم أن المحبة ذات مراتب، لا يلزم من وجود بعضها وجود غيره، وكذلك المتابعة، ومن لم يستكمل الإيمان الواجب في الحب والمتابعة قد يقع منه ما ينافيهما فيجتمع الضدان، ولا يستحيل ذلك لا عقلًا ولا شرعًا؛ أما العقل فقد جوَّز اجتماع الأضداد كافة النظار والمتكلمين ومثلوا لذلك.\nوأما الشرع فإجماع السلف والأئمة على أن الشخص يجتمع فيه مادتان متضادتان: كفر وإسلام، توحيد وشرك، طاعة وفسق، إيمان\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٢٠٩).\n(^٢) الروح (ص ٢٥٣).","vol":"1","page":606},{"text":"ونفاق. وهو لأيهما غلب ولو عقل المعترض لعرف المراد، لكنه جهل فاعترض، وجعل جهله وعقله الضال ميزانًا يزن به، فلا أحكم ممن قضي له بالخذلان وعدم العلم بحقائق الإسلام والإيمان\" (^١).\nفالواجب على المسلم أن يجعل المحبة والبغض ميزانًا دينيًا يفرق به بين أعداء الله وأوليائه، ولا يجعله ميزانًا دنيويًا يحكم فيه بالهوى، فمن أعطاه شيئًا من الدنيا أحبه ووالاه ولو كان من أبعد الناس عن الله، وأشدهم كفرًا وفسوقًا، وإن لم يعطه شيئًا منها أبغضه وأبعده ولو كان من أقرب الناس إلى الله، وأشدهم إيمانًا وتوحيدًا، وأكثرهم طاعة وعبادة.\nولذا فالمحبة الدينية التابعة لمحبة الرب تعالى لا تزيد بالوفاء والبر والعطاء الدنيوي، بل المقياس فيها الإيمان والطاعة، ولو أنها ازدادت بالوفاء والبر لكان المحبوب هو النصيب والحظ.\n_________\n(^١) مصباح الظلام في الرد على من كذب على الشيخ الإمام (ص ١٤٧ - ١٤٨).","vol":"1","page":607},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>المبحث الخامس\nقاعدة الحنيفية من موجبات الفطرة ومقتضياتها</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-156> المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>أولًا: معنى الحنيفية:</span>\nالحَنِيفيّة مشتقة من الأصل اللغوي الثلاثي (حَنِفَ) على وزن (فَعِيلِية)، وهي مصدر صناعي نسبة إلى (حَنِيف)، والحنيف على وزن (فَعِيل)، بمعنى (فَاعِل)، يقال: حَنِفَ يَحْنَفُ حَنَفًا (^١).\nومعنى الحنف في اللغة: الإقبال على الشيء، يقال: أحنف الرجلين من الحَنَف؛ أي: كل واحدة من الرجلين مقبلة على الأخرى بإبهامها. وقيل: هو الميل عن الشيء.\nومن معان الحنف: الاستقامة، فالحنيف: المستقيم، وقد قيل للرجل الأعرج الذي تقبل إحدى قدميه على الأخرى إنما قيل له: أحنف؛ على جهة التفاؤل، ونظرًا إلى السلامة، كما قيل للقفر وللمهلكة\n_________\n(^١) انظر: مقاييس اللغة (٢/ ١١٠)، وتصريف الأسماء (ص ٥١ - ٧٦ - ٧٧)، ومعجم تصريف الأفعال العربية (ص ٢٠٧ - ٤٨٥).","vol":"1","page":608},{"text":"من البلاد: المفازة، بمعنى الفوز بالنجاة منها والسلامة، وكما قيل للديغ: السليم تفاؤلًا له بالسلامة من الهلاك (^١).\nأما معنى الحنيفية شرعًا فقد قيل في معناها أقوال كثيرة، منها ما يتعلق بأصل الإسلام وهو التوحيد، والبعض فسرها ببعض الأعمال التي اختصت بها الشريعة؛ من الحج والختان وتحريم المحارم، وغير ذلك (^٢)، والصحيح في معناها أنها بمعنى التوحيد، وإخلاص الدين لله -﷿-، إضافة إلى أعمال الشرائع التي اختص بها الحنيفية؛ ويظهر ذلك من قوله تعالى في شأن إبراهيم -﵇-: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾ [آل عمران: ٦٧]، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ [الأنعام: ١٦١].\nففسَّر تعالى حنيفية إبراهيم -﵇- ببعده وبراءته من الشرك وأهله، وهذا يدل على أن معنى الحنيفية التوحيد وإسلام الوجه لله، وإخلاص العبادة له سبحانه بالحب والخضوع والانقياد (^٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والحنيفية: هي الاستقامة بإخلاص الدين لله، وذلك يتضمن حبه تعالى والذل له، لا يشرك به شيئًا؛ لا في الحب ولا في الذل\" (^٤).\nويقول أيضًا: \"فالدين الحنيف: هو الإقبال على الله وحده، والإعراض عما سواه، وهو الإخلاص الذي ترجمته كلمة الحق، والكلمة\n_________\n(^١) الصحاح (٤/ ١٣٤٧)، ولسان العرب (٢/ ٣٦٢ - ٣٦٣)، وانظر: تفسير الطبري (١/ ٥٦٤)، والاستذكار (٣/ ١٠٢)، وجلاء الأفهام (ص ٢٦٩)، ومفتاح دار السعادة (١/ ١٧٤).\n(^٢) انظر: تفسير الطبري (٣٠/ ٢٦٣)، وتفسير ابن كثير (١/ ١٨٨).\n(^٣) انظر: منهاج السُّنَّة النبوية (٥/ ٣٥٠).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٦٦).","vol":"1","page":609},{"text":"الطيبة: لا إله إلا الله\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>ثانيًا: معنى الفطرة:</span>\nالفِطْرَةُ مشتقة من أصل لغوي ثلاثي هو (فَطَرَ)، على وزن (فِعْلَة)، وهي اسم من الفعل (فَطَرَ)، والمصدر منه (فَطْرًا)، يقال: فَطَرَ يَفْطُرُ ويَفْطِرُ فَطْرًا (^٢).\nيقال: فَطَرَ الشيءَ يفْطُرُه فَطْرًا وفطَّرَه فَانْفَطَرَ: شقَّه، وتفطَّر الشيء: تشقق. فالفَطْرُ: الشق، وجمعه: فطور، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ [الانفطار: ١]؛ أي: انشقت، وفي الحديث: \"أن النبي - ﷺ - كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه ... \" (^٣).\nوفَطَر الله الخلق، يفطرهم: خلقهم وابتدأهم واخترعهم، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]؛ أي: خالقهما ومبتدئهما (^٤)، وعن ابن عباس - ﵄ - قال: \"لم أكن أدري ما ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئر، قال أحدهما: أنا فطرتها؛ أي: ابتدأتها\" (^٥).\nوفَطَرَ الشَّيءَ أَنْشَأَه وبَدَأَه، وإذا كان الفَطْرُ، بمعنى الابتداء والاختراع، فَالْفِطْرَة منه الحالة كَالْجِلْسَةِ (^٦).\n_________\n(^١) درء التعارض (٨/ ٤٥١)، وانظر: منهاج السُّنَّة النبوية (٥/ ٤٠٣).\n(^٢) انظر: مقاييس اللغة (٤/ ٥١٠)، والصحاح (٢/ ٧٨١)، تصريف الأسماء (ص ٥١)، معجم تصريف الأفعال العربية (ص ٧٨، ٥٠٣).\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب: قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢)﴾ (٤/ ١٨٣٠)، برقم (٤٥٥٧)، من حديث عائشة -﵂-.\n(^٤) انظر: غريب الحديث لابن قتيبة (١/ ٣٥٠).\n(^٥) التمهيد لابن عبد البر (١٨/ ٧٨ - ٧٩).\n(^٦) انظر: الصحاح (٢/ ٧٨١)، ولسان العرب (١٠/ ٢٨٥ - ٢٨٨)، والمحكم والمحيط =","vol":"1","page":610},{"text":"فأصل الفَطْرِ هو بداية الخلق والابتداء، وهذا يشمل جميع ما في الكون، فالله هو الفاطر للسموات والأرضين، والجبال والبحار، والجن والإنس، بل ما من ذرة في الكون إلا هو خالقها وفاطرها.\nوالفِطْرَة التي فطر الله عليها الخلق أمر زائد على مجرد خلقهم وإيجادهم، إذ هي هيئة وطبيعة في النفس الموصوفة بالحياة، تقود إلى إدراك وفعل ما فيه الخير والنفع، وإلى ترك وتجنب ما فيه الشر والضر، دون حاجة لتوسط الآخرين في المعرفة والتعليم، أو الإدراك والتفهيم، وهي بهذا عامة مشتركة بين الإنسان والحيوان.\nفهي في الأصل قوة علمية وعملية مرتبطة بحقيقة الخلقة، وأصل التكوين البشري، ولا تعلق لها بمؤثر خارجي البتة؛ لا في إيجادها، ولا في حقيقة صفاتها الأصلية (^١)، وإن كانت قابلة للتأثر والتغير بعد ذلك. وهذا هو السبب في تسميتها (بِالفِطْرَة) إذ هي مرتبطة ببداية الخَلْقِ ووجوده؛ فمتى وجد الخَلْقُ وجدت معه الفِطْرَة ولا بد ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠].\nيقول الإمام ابن القيم: \"فإن الله سبحانه فطر عباده على الفرق بين الحسن والقبيح، وركب في عقولهم إدراك ذلك، والتمييز بين النوعين، كما فطرهم على الفرق ين النافع والضار، والملائم لهم والمنافر، وركب في حواسهم إدراك ذلك، والتمييز بين أنواعه، والفطرة الأولى هي خاصة الإنسان التي تميز بها عن غيره من الحيوانات، وأما الفطرة الثانية فمشتركة بين أصناف الحيوان، وحجة الله عليه إنما تقوم بواسطة الفطرة\n_________\n= الأعظم لابن سيده (٩/ ١٥٣)، والنهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٤٥٧).\n(^١) قال السمعاني في معرض ذكره لقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾: \"فأخبر أن الناس قد خلقوا على الدين الحنيفي بلا صنع منهم\". [قواطع الأدلة في الأصول (٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩)، لأبي المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني].","vol":"1","page":611},{"text":"الأولى؛ ولهذا اختص من بين سائر الحيوانات بإرسال الرسل إليه، وبالأمر والنهي، والثواب والعقاب، فجعل سبحانه في عقله ما يفرق بين الحسن والقبح، وما ينبغي إيثاره وما ينبغي اجتنابه\" (^١).\nبل إن جميع ما يجده الإنسان في نفسه، أو يفعله بجوارجه بدون سابق تعلم مكتسب -بأحد وسائل الحصول على المعرفة- يعتبر أمرًا فطريًا ضروريًا في النفس البشرية. وهذا هو المقصود من قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ [طه: ٥٠].\nثم جاء في النصوص الشرعية إضافة الفِطْرَة إلى الله -﷾-، فعظمت بذلك مكانتها، وعلت مرتبتها، وازدادت شرفًا ورفعة بهذه النسبة، ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، وهذه الفطرة جاءت متعلقة بخلق الإنسان دون الحيوان والجماد، وبذلك يظهر أن خلق الإنسان يختلف عن بقية الخلق، حيث إنه وجد على صفة كريمة، وحالة شريفة، وهيئة مخصوصة، ووضعية ممدوحة تميزه عن بقية الخلق (^٢).\nوقد تعددت أقوال أهل العلم في معنى الفِطْرَة التي خلق الله عليها الخلق، وكثرت أقوالهم فيها، وأشهر الأقوال في ذلك، وعليه جملة السلف وجمهورهم، وهو الراجح الصحيح بإذن الله تعالى: أن المراد بالفطرة دين الإسلام (^٣) المتضمن للمعرفة والإقرار، وما يتبع ذلك من\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة (٢/ ١١٦).\n(^٢) جاءت نصوص الفِطْرَة مسندة إلى الإنسان، كقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، وكما في اَية الميثاق، وفي الحديث: \"يولد المولود على الفِطْرَة\"، فهل يدخل الجن في هذه الفِطْرَة أم لا؟ وقد ذكر بعض أهل العلم ما يدل على ذلك، يقول ابن حزم: \"فصح يقينًا أنه كل من مات قبل أن تجتاله الشياطين عن دينه فقد مات حنيفًا، وهذا حديث تدخل فيه الملائكة والجن والأنس عباد له -﷿- مخلوقين\". [الفصل في الملل والأهواء (٤/ ٦٥)].\n(^٣) انظر: الاستذكار لابن عبد البر (٣/ ١٠٢)، وممن ذهب إلى تفسير الفِطْرَة الواردة في الحديث بالإسلام: أبو هريرة -﵁-، وابن شهاب الزهري، وذكر ذلك عن عكرمة، =","vol":"1","page":612},{"text":"الإخلاص والخضوع، والتسليم، والقبول والميل لأحكام الإسلام واستحسانها عمومًا، والسلامة من جميع الاعتقادات الباطلة المنافية لأصل الإسلام (^١).\nيقول الإمام ابن القيم بعد حصره للأقوال التي قيلت في معنى الفطرة: \"والصحيح من هذه الأقوال ما دل عليه القرآن والسُّنَّة: أنهم ولدوا حنفاء على فطرة الإسلام، بحيث لو تركوا وفطرهم لكانوا حنفاء مسلمين، كما ولدوا أصحاء كاملي الخلقة، فلو تركوا وخلقهم لم يكن فيهم مجدوع، ولا مشقوق الأذن؛ ولهذا لم يذكر النبي - ﷺ - لذلك شرطًا مقتضيًا غير الفطرة، وجعل خلاف مقتضاها من فعل الأبوين\" (^٢).\nوالمقصود بهذا أن فطرة المولود تكون موجبة ومقتضية لدين الإسلام والتوحيد، ومتهيئة ومتمكنة بالقوة من معرفته، كما سيأتي بيانه.\nيقول البيضاوي (^٣) فى قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]: \"خلقهم عليها، وهي قبولهم للحق، وتمكنهم من إدراكه، أو ملة الإسلام؛ فإنهم لو خلوا وما خلقوا عليه أدى بهم إليها\" (^٤).\n_________\n= ومجاهد، والحسن، وإبراهيم، والضحاك، وقتادة، وغيرهم. انظر: الاستذكا ر (٣/ ١٠٤، ١٠٢)، وقال الإمام البخاري: \"والفطرة الإسلام\". [صحيح البخاري (٤/ ١٧٩٢)].\n(^١) انظر: الاستذكار لابن عبد البر (٣/ ١٠٢ - ١٠٣).\n(^٢) أحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٦٩ - ١٠٧٠).\n(^٣) هو: عبد الله بن عمر بن محمد بن علي البيضاوي الشافعي، الملقب بـ (ناصر الدين) فقيه، أصولي، مفسر، له تصانيف كثيرة منها: الطوالع والمصباح في أصول الدين، والغاية القصوى في الفقه، والمنهاج في أصول الفقه، ومختصر الكشاف في التفسير، وغيرها، توفي سنة ٦٨٥ هـ. [ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى (٨/ ١٥٧)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ١٧٢)].\n(^٤) تفسير البيضاوي (٤/ ٣٣٥)، وانظر: تفسير النسفي (٣/ ٢٧٣).","vol":"1","page":613},{"text":"وقال الثعالبي (^١): \"والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة أنها الخلقة والهيئة التي في نفس الطفل التي هي معدة مهيئة؛ لأن يميز بها مصنوعات الله، ويستدل بها على ربه، ويعرف شرائعه، ويؤمن به، فكأنه تعالى قال: أقم وجهك للدين الذي هو الحنيف، وهو فطرة الله الذي على الإعداد له فُطِرَ البشر، لكن تعرضهم العوارض\" (^٢).\nوهذه الفِطرَة الخاصة بالإنسان المكلف يعبَّر عنها بدليل الفِطْرَة، وهي تتضمن أمورًا إضافية لا توجد في فِطَرِ الحيوانات البهيمية، وهي على ضربين:\nالأول: أصل الفِطْرَة: وهو معرفة النفس وإقرارها بالله تعالى، وشعورها وإدراكها له، وتقبّلها لدين الإسلام، واستحسانه، والميل إليه، ابتداء بتوحيد الله تعالى، وإخلاص العبادة له، مع الخضوع والمحبة والذل له، هذه أمور موجودة في فطرة كل مخلوق، وإن لم يشعر بها في بداية نشأته؛ لعدم أهليته لإدراكها؛ إذ إن إدراك هذه الأمور متوقف على نضوج العقل ونموه، وعليه فيزداد شعور المولود بهذه الفِطْرَة، ويحسها من نفسه بحسب نمو عقله ونضوجه.\nفلو ترك المولود وفطرته، بعيدًا عن المؤثرات الاجتماعية والبيئة، لما اختارت نفسه غير التوحيد وإخلاص الدين لله، ولكانت أشد حذرًا وبعدًا من الشرك، وأعظم نفرة وبغضًا له.\n_________\n(^١) هو: عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي الجزائري، المغربي المالكي، ولد سنة ٧٨٦ هـ، وحج وأخذ عن الولي العراقي، وكان إمامًا علامة مصنفًا اختصر تفسير ابن عطية في: الجواهر الحسان في تفسير القرآن، وشرح ابن الحاجب، وروضة الأنوار ونزهة الأخيار، والذهب الإبريز في غريب القرآن العزيز، وعمل في الوعظ والرقائق وغير ذلك، مات في سنة ٨٧٥ هـ. [ترجمته في: الضوء اللامع (٤/ ١٥٢)، والأعلام للزركلي (٣/ ٣٣١)].\n(^٢) تفسير الثعالبي (٣/ ٢٠٢ - ٢٠٣)، وانظر: تفسير أبي السعود (٧/ ٦٠).","vol":"1","page":614},{"text":"يقول الرازي في معنى حديث الفطرة: \"دلَّ الحديث على أن المولود لو ترك مع فطرته الأصلية لما كان على شيء من الأديان الباطلة، وأنه إنما يقدم على الدين الباطل لأسباب خارجية، وهي سعي الأبوين في ذلك، وحصول الأغراض الفاسدة من البغي والحسد\" (^١).\nويقول الإمام ابن تيمية: \"فالنفس بفطرتها إذا تركت كانت مقرة لله بالإلهية، محبة له، تعبده لا تشرك به شيئًا، ولكن يفسدها ما يزين لها شياطين الإنس والجن بما يوحي بعضهم إلى بعض من الباطل\" (^٢).\nالثاني: كمال الفِطْرَة: وهو كل ما يتعلق بتفاصيل الإيمان وفروع التوحيد التي لم تأت في أصل الفطرة، وما يتبع ذلك من إدراك الحُسْنِ والقُبْحِ فيما يتعلق بأحكام لم تأت في أصل الفطرة، وما يتبع ذلك من إدراك الحُسْنِ والقُبْحِ فيما يتعلق بأحكام الإسلام وجزئياته جميعها، إذ يوجد في النفس القبول لهذه الأحكام الشرعية، واستحسانها، والميل إليها.\nوالفرق بين الضربين: أن أصل الفِطْرَة من المعرفة والإخلاص الذي هو جزء حقيقتها تدركه النفس بواسطة العقل المؤهل بدون حاجة إلى رسول أو معلم، ومجيء الرسل - ﵈ - إنما كان لتقويمه وإصلاحه إذا بدا منه الانحراف، ودبَّ إليه الفساد.\nوذلك بخلاف كمالها؛ إذ النفس مفطورة على تقبّل ذلك الكمال واستحسانه، وعدم الممانعة والرد له، لكنها لا تدركه -بمجرد العقل وإن تأهّل- إلا ببعثة الرسل المبلغين عن رب العالمين.\nيقول الإمام ابن كثير: \"وذلك أن المؤمن عنده من الفطرة ما يشهد للشريعة من حيث الجملة، والتفاصيل تؤخذ من الشريعة، والفطرة تصدقها وتؤمن بها، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ [هود: ١٧]، وهو القرآن بلغه جبريل إلى النبي - ﷺ -، وبلغه\n_________\n(^١) التفسير الكبير (٦/ ١٢).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٤/ ٢٩٦).","vol":"1","page":615},{"text":"النبي محمد - ﷺ - إلى أمته\" (^١).\nويقول الشيخ السعدي: \"إن جميع أحكام الشرع الظاهرة والباطنة قد وضع الله في قلوب الخلق كلهم الميل إليها، فوضع في قلوبهم محبة الحق، وإيثار الحق، وهذا حقيقة الفطر، ومن خرج عن هذا الأصل فلعارض عرض لفطرته أفسدها\" (^٢).\nوعلى ضوء ما سبق يمكننا تصنيف الفِطْرَة على قسمين أساسيين:\nالأول: فطرة عامة مشتركة بين جميع الأحياء في هذه الحياة، تمكنهم من العيش في هذه الأرض، فبها يدركون المنافع فيطلبونها، والمضار فيحذرونها.\nالثاني: فطرة شرعية خاصة ببني الإنسان، وهي من النعم العظيمة على العباد، ومن أهل العلم من قسم هذه إلى قسمين:\nيقول الإمام ابن القيم: \"والفطرة فطرتان: فطرة تتعلق بالقلب، وهي معرفة الله، ومحبته، وإيثاره على ما سواه، وفطرة عملية؛ وهي هذه الخصال، فالأولى تزكي الروح وتطهر القلب، والثانية تطهر البدن، وكل منهما تمد الأخرى وتقويها\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>ثالثًا: معنى المُوْجَبِ والمُقْتَضى:</span>\nالمُوْجَب: اسم مفعول من الفعل (أَوْجَبَ)، وزنه (أَفْعَلَ)، وأصله (وَجَبَ) معتل الفاء، واسم الفاعل منه (مُوْجِبٌ)، والمصدر (إِيْجَابٌ) (^٤)، والمُوْجِب بالكسر هو السبب أو الدليل، والمُوْجَب بالفتح المُسَبَّب والأثر الناتج عن السبب (^٥)، والقول بِمُوجَب الدليل؛ أي: القول بما أوجبه\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٢/ ٤٤١).\n(^٢) تفسير السعدي (ص ٦٤١).\n(^٣) تحفة المودود في أحكام المولود (ص ١٦١).\n(^٤) انظر: معجم تصريف الأفعال العربية، للدحداح (ص ٢٧٩).\n(^٥) المصباح المنير (٢/ ٦٤٨).","vol":"1","page":616},{"text":"دليل المستدل (^١)، والمُوْجِب بالكسر هو الدليل نفسه (^٢).\nفمثلًا ثبوت الحكم الشرعي هو مُوْجَب ثبوت الدليل، فالدليل هو المُوْجِب للحكم الشرعي، فإذا انتفى المُوْجِب انتفى المُوْجَب، فَيُسْتَدلُّ بعدم المُوْجِب على عدم المُوْجَب؛ لأن وجوده بدون سبب محال، فإذا علمنا أن لا سبب يقتضي وجوده علمنا عدم وجوده، ولهذا يقال: لا مُوْجِب بلا مُوْجَب (^٣).\nوالمُقْتَضَى: اسم مفعول من الفعل (اقْتَضى)، على وزن (افْتَعَلَ) أصله (قَضَى) معتل اللام، وأصل الفعل (اقْتَضَيَ) فقلبت الياء ألفًا مقصورة لوقوعها متحركة بعد فتحة في آخر الكلمة، واسم الفاعل (مُقْتَضٍ)، والمصدر (اقْتضاءٌ)، ومعنى (المُقْتَضَى): ما يطلبه ويستدعيه ويستلزمه (المُقْتَضِي) (^٤)، وَيُطلق الْمُقْتَضَى على اللَّازِمُ الَّذِي اقْتَضى النَّصُّ تَقْدِيرَهُ (^٥).\nومن أهل العلم من جعل المُوْجَب والمُقْتَضى بمعنى واحد، فكلاهما عبارة عن ناتج ومُسَبَّب وأثر.\nقال الإمام النووي: \"مُوْجَبُ البيع: هو بفتح الجيم؛ أي: مقتضاه\" (^٦).\nوقال البهوتي: \"فإن مُوْجَبَ الشَّيءِ هو مُقْتَضَاه\" (^٧).\nوقال أيضًا: \"لأنَّ مَوْجَبَ الشَّيْءِ هو أَثَرُهُ الذي ترتب عليه\" (^٨).\n_________\n(^١) إرشاد الفحول للشوكاني (ص ٣٨٥).\n(^٢) الفروق للقرافي (٤/ ٥٧).\n(^٣) انظر: درء التعارض (٨/ ١١٧)، وإعلام الموقعين (٣/ ٢٧٢).\n(^٤) انظر: معجم تصريف الأفعال العربية، للدحداح (ص ٣٥٠).\n(^٥) انظر: غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر، لابن نجيم الحنفي (١/ ٥٢).\n(^٦) تحرير ألفاظ التنبيه (ص ١٧٨).\n(^٧) دقائق أولي النهى لشرح المنتهى، وهو المسمى بشرح منتهى الإرادات للبهوتي (٣/ ٥٠٥).\n(^٨) كشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي (٦/ ٣٢٣)، وانظر: الفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر الهيتمي (٢/ ١٩٨).","vol":"1","page":617},{"text":"وبعضهم ذكر تفريقًا بينهما (^١).\nويقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين في شرحه لقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته، وَمُوْجَبَ حِكْمَتِهِ وَحَمْدِهِ\" (^٢) قال -﵀-: \"وقوله: (مُوْجَبَ) مُوْجَبَ بالفتح: هو المُسَبَّبُ الناتج عن السَّبَبِ؛ بمعنى المُقْتَضَى، وبالكسر: السَّبَبُ الذي يقتضي الشيءَ؛ بمعنى: المُقْتَضي\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-160> المسألة الثانية * معنى القاعدة</span>\nتضمنت القاعدة بيان مقتضيات وآثار الفِطْرَة السليمة، التي فطر الله عليها العباد، ألا وهي حنيفيَّة الإسلام والتوحيد، والخضوع والمحبة للخالق العظيم -﷾-، فكل ذلك من آثار ومُسَبَّبات وموجَبات هذه الفِطْرَة السليمة التي جبل الله تعالى عليها الخلق، ويشترط في إيجاب الفِطْرَة واقتضائها لهذه الحنيفية أن تكون سليمة كما خلقها الله ﵎، على هيئتها وجبلتها الأولى يوم خلقت، فهذه هي الفِطْرَة التي توجب موجَباتِها، وتقتضي آثارها ومُسَبَّباتِهَا.\n_________\n(^١) ووجه التفريق بينهما ذكره بعض الفقهاء؛ كقول ابن عابدين: \"وهذا معنى قول بعض المحققين من الشافعية: إن المُوْجَبَ: عبارة عن الأثر المترتب على ذلك الشيء، وهو والمُقْتَضَى مختلفان، خلافًا لمن زعم اتحادهما؛ إذ المُقْتَضى لا ينفك، والمُوْجَبُ قد ينفك؛ فالأول: كانتقال الملك للمشتري بعد لزوم البيع، والثاني: كالرد بالعيب، والموجب أعم\". [حاشية ابن عابدين (٥/ ٣٩٧)، وانظر: حاشية الجمل على شرح المنهج (٥/ ٥٣)].\n(^٢) كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص ١٣٤).\n(^٣) القول المفيد على كتاب التوحيد لابن عثيمين (٢/ ٣٩٢)، وانظر للمزيد في استعمالاته أهل العلم (للمُوجَب)، و(المُقْتَضَى): [حاشية ابن عابدين (٥/ ٣٩٨)، ومواهب الجليل (٣/ ١٩٤)].","vol":"1","page":618},{"text":"وهذه الآثار والمقتضيات للفطرة لازمة لها لا تنفك عنها ما دامت سليمة على خلقتها الأولى؛ فإن موجَبَ الشيءِ لا يتخلف عنه البتة.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"ولكنَّ فطرته مُقْتَضِيَة، مُوْجِبَة لدين الإسلام، لمعرفته ومحبته، فنفس الفطرة تستلزم الإقرار بخالقه، ومحبته، وإخلاص الدين له، ومُوجَبَات الفِطْرَة وَمُقْتَضَاهَا تحل شيئًا بعد شيء، بحسب كمال الفطرة إذا سلمت عن المعارض\" (^١).\nوهذه الفطرة مشتملة على قوة علمية وعملية تقتضي وجود وحصول موجَباتها ومقتضياتها كما سبق بيان ذلك، وهذه القوة هي جزء ماهيتها، بحيث تخلق معها، وتوجد بوجودها.\nوقد بين الإمام ابن تيمية مدى ارتباط الفطرة السليمة بموجَباتها ومقتضياتها من الإسلام والإخلاص، فقال: \"فعلم أن في فطرة الإنسان قوة تقتضي اعتقاد الحق، وإرادة النافع، وحينئذٍ فالإقرار بوجود الصانع ومعرفته والإيمان به هو الحق، أو نقيضه، والثاني معلوم الفساد قطعًا، فتعين الأول، وحينئذٍ فيجب أن يكون في الفطرة ما يقتضي معرفة الصانع، والإيمان به، وأيضًا فإنه مع الإقرار به إما أن تكون محبته أنفع للعبد، أو عدم محبته، والثاني معلوم الفساد، وإذا كان الأول أنفع له كان في فطرته محبة ما ينفعه.\nوأيضًا فإنه إما أن تكون عبادته وحده لا شريك له أكمل للناس؛ علمًا وقصدًا، أو الإشراك به، والثاني معلوم الفساد، فوجب أن يكون في فطرته مقتض يقتضي توحيده.\nوأيضًا فإما أن يكون دين الإسلام مع غيره من الأديان متماثلين، أو الإسلام مرجوحًا، أو راجحًا، والأول والثاني باطلان باتفاق المسلمين، وبأدلة كثيرة، فوجب أن يكون في الفطرة مقتض يقتضي خير\n_________\n(^١) درء التعارض (٨/ ٣٨٣).","vol":"1","page":619},{"text":"الأمرين لها، وامتنع أن تكون نسبة الإسلام وسائر الملل إلى الفطرة واحدة؛ سواء كانت نسبة قدرة أو نسبة قبول.\nوإذا لزم أن يكون في الفطرة مرجح للحنيفية التي أصلها معرفة الصانع، ومحبته، وإخلاص الدين له؛ فإما أن يكون مع ذلك لا يوجد مقتضاها إلا بسبب منفصل؛ مثل من يعلمه ويدعوه، أو يمكن وجود ذلك بدون هذا السبب المنفصل، فإن كان الأول لزم أن يكون موجَبها متوفقًا على مخاطب منفصل دائمًا فلا يحصل بدونه البتة، ثم القول في حصول موجَبها لذلك المخاطب المنفصل كالقول في الأول، وحينئذٍ فيلزم التسلسل في المخاطبين، ووجود مخاطبين لا يتناهون، وهم أيضًا مخاطبون، وهذا تسلسل في الفاعلين وهو ممتنع.\nوإن كان في المخاطبين من حصل له بموجب الفطرة بلا مخاطب منفصل دل على إمكان ذلك في الفطرة، فبطل هذا التقدير وهو كون موجب الفطرة لا يحصل قط إلا لمخاطب منفصل، وإذا أمكن حصول موجب الفطرة بدون مخاطب منفصل علم أن في الفطرة قوة تقتضي ذلك، وأن ذلك ليس موقوفًا على مخاطب منفصل، لكن قد يكون لذلك المقتضي معارض مانع، وهذا هو الفطرة.\nوهذا الدليل يقتضي أنه لا بد في الفطر ما يكون مستغنيًا عن مخاطب منفصل في حصول موجَب الفطرة، لكن لا يقتضي أن كل واحد كذلك، لكن إذا عرف أن ما جاز على أحد الإنسانين يجوز على الآخر لتماثلهما في النوع أمكن ذلك في حق كل شخص وهو المطلوب\" (^١).\nويقول أيضًا: \"وإذا كان كذلك؛ علم أن في النفوس قوة تقتضي العلم والإرادة؛ يبين ذلك أن ذلك المرجح إذا حصل من خارج فمعلوم\n_________\n(^١) درء التعارض (٨/ ٤٥٨ - ٤٦٠)، وقرر مثله ابن القيم. انظر: شفاء العليل (ص ٣٣٠ - ٣٠٢).","vol":"1","page":620},{"text":"أنه نفسه، لا يوجب بنفسه حصول العلم والإرادة في النفس إلا بقوة منها تقبل ذلك، وتلك القوة لا تتوقف على أخرى، وإلا لزم التسلسل الذي لا يتناهى بين طرفين متناهيين، أو الدور القبلي، وكلاهما ممتنع بالضرورة واتفاق العقلاء.\nفهذا يدل على أن في النفس قوة ترجح الدين الحق على غيره، وحينئذٍ فالمخاطب إنما عنده تنبيهها على ما لا تعلمه لتعلمه، أو تذكيرها بما كانت ناسية لتذكره، أو تحضيضها على ما لا تريده لتريده، ونحو ذلك.\nوكل هذه الأمور يمكن أن تحصل بخواطر في النفس تقتضي تنبيهها وتذكيرها وتحضيضها، واعتبار الإنسان ذلك من نفسه يوجب علمه بذلك؛ فإن ما يسمعه الإنسان من كلام البشر يمكن أن يخطر له مثله في قلبه، فعلم أن الفطرة يمكن حصول إقرارها بالصانع والمحبة والإخلاص له بدون سبب منفصل، وأنه يمكن أن تكون الذات كافية في ذلك.\nومن المعلوم أنه إذا كان المُقْتَضِي لذلك قائمًا في النفس، وقدر عدم المعارض، فالمقتضي السالم عن المعارض المُقَاوِم يوجب مقتضاه، فعلم أن الفطرة السليمة إذا لم يحصل لها من يفسدها كانت مقرة بالصانع، عابدة له\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-161> المسألة الثالثة * أدلة القاعدة</span>\nيمكن الاستدلال بعدد من الأدلة المؤيدة لهذه القاعدة، ومن ذلك: أولًا: قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].\n_________\n(^١) درء التعارض (٨/ ٤٦١ - ٤٦٢).","vol":"1","page":621},{"text":"ففسّر -﷾- الفطرة بأنها: إقامة الوجه للدين حالة كونه حنيفًا، مائلًا عن الشرك إلى التوحيد، فهذه هي الفطرة التي خلق عليها الخلق جميعهم، وإقامة الوجه لله هو دين الإسلام، وهو الحنيفية، وإخلاص الدين له سبحانه وحده دون ما سواه، والحذر والابتعاد عن كل معبود بالباطل سواه سبحانه؛ من الأنداد، والأوثان، والأصنام، ولذا قال سبحانه في الآية الأخرى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥)﴾ [يونس: ١٠٥]، فجعل سبحانه إقامة الوجه للدين هو التوحيد والإخلاص وعدم الشرك بالله العظيم.\nوالمراد بالفطرة في الآية: دين الإسلام؛ لأن الله خلق الخلق عليه، إذ هو الذي تقتضيه عقولهم السليمة، وإنما كفر من كفر لعارض أخرجه عن أصل فطرته (^١).\nيقول الإمام السمعاني: \"قوله تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفًا)؛ أي: أخلص دينك لله وإقامة الوجه هو إقامة الدين\" (^٢).\nوقال الإمام ابن رجب: \"وكذلك فسر قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ بإخلاص القصد لله وإرادته لا شريك له\" (^٣).\nويقول الإمام البغوي في معنى: \" ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾؛ أي: أخلص دينك لله قاله سعيد بن جبير، وإقامة الوجه: إقامة الدين، وقال غيره: سدد عملك، والوجه ما يتوجه إليه الإنسان، ودينه وعمله مما يتوجه إليه لتسديده (حَنِيفًا) مائلًا مستقيمًا عليه (فِطْرَتَ اللهِ): دين الله، وهو نصب على الإغراء؛ أي: الزم فطرة الله التي فطر الناس عليها ... وهذا قول ابن عباس وجماعة من المفسرين أن المراد بالفطرة الدين وهو الإسلام\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل للكلبي (٣/ ١٢٢).\n(^٢) تفسير السمعاني (٤/ ٢٠٩).\n(^٣) جامع العلوم والحكم (ص ٢٠٥).\n(^٤) تفسير البغوي (٣/ ٤٨٢).","vol":"1","page":622},{"text":"وقال الإمام الثعلبي (^١) في معنى الآية: \"إنّ الدّين الحنيفية فطرة الله الَّتي فَطرَ النَّاسَ عَلَيْهَا\" (^٢).\nويقول الإمام ابن تيمية مبينًا معنى الآية: \"فأخبر أنه فطر عباده على إقامة الوجه حنيفًا: وهو عبادة الله وحده لا شريك له، فهذه من الحركة الفطرية الطبيعية المستقيمة المعتدلة للقلب\" (^٣).\nوقال الإمام ابن القيم مفسرًا للآية: \"فبين سبحانه أن إقامة الوجه: وهو إخلاص القصد، وبذل الوسع لدينه المتضمن محبته وعبادته، حنيفًا مقبلًا عليه، معرضًا عما سواه: هو فطرته التي فطر عليها عباده، فلو خلوا ودواعي فطرهم لما رغبوا عن ذلك، ولا اختاروا سواه، ولكن غيرت الفطر وأفسدت\" (^٤).\nوقال الإمام ابن كثير في الآية: \"يقول تعالى فسدد وجهك، واستمر على الدين الذي شرعه الله لك؛ من الحنيفية ملة إبراهيم، الذي هداك الله لها، وكملها لك غاية الكمال، وأن مع ذلك لازم فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره\" (^٥).\nويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في الآية: \"إذ المعنى على التحقيق: لا تبدلوا فطرة الله التي خلقكم عليها بالكفر، فقوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] خبر أريد به الإنشاء، إيذانًا بأنه لا ينبغي إلا أن\n_________\n(^١) هو: الإمام الحافظ العلامة شيخ التفسير أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري، كان أحد أوعية العلم، وكان صادقًا موثقًا بصيرًا بالعربية، طويل الباع في الوعظ، له كتاب التفسير الكبير وكتاب العرائس في قصص الأنبياء، توفي سنة سبع وعشرين وأربع مئة. [ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٤٣٥ - ٤٣٧)].\n(^٢) تفسير الثعلبي (٧/ ٣٠١).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٠/ ١٤٦).\n(^٤) مفتاح دار السعادة (٢/ ٨٧).\n(^٥) تفسير ابن كثير (٣/ ٤٣٣)، وانظر: (٢/ ٢١٠).","vol":"1","page":623},{"text":"يمتثل حتى كأنه خبر واقع بالفعل لا محالة\" (^١).\nوقال الشيخ السعدي في تفسير الآية: \" (فأقم وجهك)؛ أي: انصبه ووجهه للدين الذي هو: الإسلام والإيمان والإحسان، بأن تتوجه بقلبك وقصدك وبدنك إلى إقامة شرائع الدين الظاهرة؛ كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، ونحوها، وشرائعه الباطنة؛ كالمحبة، والخوف، والرجاء، والإنابة، والإحسان في الشرائع الظاهرة والباطنة؛ بأن تعبد الله فيها كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.\nوخص الله إقامة الوجه؛ لأن إقبال الوجه تبع لإقبال القلب، ويترتب على الأمرين سعي البدن، ولهذا قال: (حنيفًا)؛ أي: مقبلًا على الله في ذلك، معرضًا عما سواه، وهذا الأمر الذي أمرناك به هو فطرة الله فطر الناس عليها\" (^٢).\nثانيًا: حديث عياض بن حمار المجاشعي - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال ذات يوم في خطبته: (ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا ...) (^٣).\nويقول الإمام ابن تيمية في معناه: \"فأخبر أنه خلقهم حنفاء، وذلك يتضمن معرفة الرب، ومحبته، وتوحيده، فهذه الثلاثة تضمنتها الحنيفية وهي معنى قول لا إله إلا الله\" (^٤).\nويقول الإمام ابن القيم: في معرض استدلاله بالحديث على أن\n_________\n(^١) أضواء البيان (١/ ٣٠٩).\n(^٢) تفسير السعدي (ص ٦٤١).\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (٤/ ٢١٩٧)، برقم (٢٨٦٥).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١٦/ ٣٤٥).","vol":"1","page":624},{"text":"الفطرة هي دين الإسلام: \"وهذا صريح في أنهم خلقوا على الحنيفية، وأن الشياطين اقتطعتهم بعد ذلك عنها، وأخرجوهم منها. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وهذا يتناول إخراج الشياطين لهم من نور الفطرة إلى ظلمة الكفر والشرك، ومن النور الذي جاءت به الرسل من الهدى والعلم إلى ظلمات الجهل والضلال\" (^١).\nوقال -﵀- أيضًا في بيانه لهذا الحديث: \"فأخبر أن تغيير الحنيفية التي خلقوا عليها بأمر طارئ من جهة الشيطان، ولو كان الكفار منهم مفطورين على الكفر لقال: خلقت عبادي مشركين فأتتهم الرسل فاقتطعتهم عن ذلك، كيف وقد قال: خلقت عبادي حنفاء كلهم، فهذا القول؛ أي: أن الفطرة هي دين الإسلام، أصح الأقوال والله أعلم\" (^٢).\nثالثًا: ما رواه أبو هُرَيْرَة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما مِنْ مَوْلُودٍ إلا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ فأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أوْ يُمَجِّسانِهِ كما تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَة جَمعاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيها مِنْ جَدْعاءَ\" ثُمَّ يَقُولُ -أي: أبو هريرة-: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (^٣).\nوللحديث روايات أخرى منها قوله - ﷺ -: \"ما من مولود يولد إلا على فطرة الإسلام\"، وقوله: \"لا يولد مولود إلا على هذه الملة\" (^٤).\n_________\n(^١) أحكام أهل الذمة (٢/ ٩٥٤).\n(^٢) المصدر نفسه (٢/ ١٠٧٠).\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب: إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه (١/ ٤٥٦)، برقم (١٢٩٣)، ومسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (٤/ ٢٠٤٧)، برقم (٢٦٥٨).\n(^٤) انظر: صحيح مسلم (٤/ ٢٠٤٨)، برقم (٢٦٥٨)، ومسند الإمام أحمد (٢/ ٢٥٣)، برقم (٧٤٣٨)، وصحيح ابن حبان (١/ ٣٤١)، وموارد الظمآن (١/ ٣٩٩)، برقم =","vol":"1","page":625},{"text":"فذكر -ﷺ- أنواع الانحرافات العقدية، وأشار إلى أثر البيئة والتربية الاجتماعية في اتجاه الإنسان إلى الفطرة، أو الانحراف عنها، ولم يجعل الإسلام منها، وأنزل الكتب وأرسل الرسل وجعلهما ميزانًا للحق، ومصدرًا له، كما قال سبحانه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣].\nوقد جاء الرسل بتكميل هذه الفطرة وتتميمها وتنميتها وإزالة غشاوة الباطل عنها، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (^١).\nدلالة الحديث على أن معنى الفطرة الإسلام:\n١ - روايات الحديث المتعددة والمتعاضدة التي يفسر بعضها بعضًا، فمرة قال: على الملة أو على هذه الملة، ومرة قال: على فطرة الإسلام، وهي دالة على أن معنى الفطرة هو الإسلام (^٢).\n٢ - تأييد أبي هريرة - ﵁ - لمعنى الحديث بالآية: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] وسبق بيان معنى الآية وأن الفطرة فيها الإسلام والتوحيد، وإخلاص الوجه لله ﵎، ومن المعلوم أن تفسير الراوي حجة في هذا المقام، لحضوره وسماعه، ومعرفته بحقيقة الحال.\n٣ - أن الحديث ذكر تغيير الفطرة بسائر ملل الكفر، ولم يذكر من ضمنها ملة الإسلام، فدلَّ على أنه باق على الأصل وهو الإسلام، ثم ينتقل منه إلى سائر الملل بعد فساد فطرته بتأثير أبويه.\n_________\n= (١٦٥٧)، والمعجم الكبير (١/ ٢٨٣)، برقم (٨٣٧).\n(^١) انظر: مجلة البحوث الإسلامية، (عدد/ ٤٦)، (ص ٣٣٤).\n(^٢) انظر: درء التعارض (٨/ ٣٧١)، أحكام أهل الذمة (٢/ ٩٦١).","vol":"1","page":626},{"text":"وقال ابن حزم عقب الحديث: \"فكل مولود فهو على الفطرة، وعلى ملة الإسلام\" (^١).\nويزيد الإمام ابن القيم الأمر بينًا في كون الفطرة هي الإسلام فيقول في \"شرح أبي داود\": \"ولأن قراءة قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ عقب الحديث صريح في أن المراد بها فطرة الإسلام؛ ولأن تشبيه المولود في ولادته عليها بالبهيمة الجمعاء وهي الكاملة الخلق، ثم تشبيهه إذا خرج عنها بالبهيمة التي جدعها أهلها فقطعوا أذنها دليل على أن الفطرة هي الفطرة المستقيمة السليمة.\nوما يطرأ على المولود من التهويد والتنصير بمنزلة الجدع والتغيير في ولد البهيمة؛ ولأن الفطرة حيث جاءت مطلقة معرفة باللام لا يراد بها إلا فطرة التوحيد والإسلام؛ وهي الفطرة الممدوحة؛ ولهذا جاء في حديث الإسراء لما أخذ النبي - ﷺ - اللبن قيل له: أصبت الفطرة، ولما سمع النبي - ﷺ - المؤذن يقول: الله أكبر الله أكبر قال: على الفطرة، وحيث جاءت الفطرة في كلام رسول الله - ﷺ - فالمراد بها فطرة الإسلام لا غير، ولم يجيء قط في كلامه مرادًا بها فطرة الشقاوة وابتداء الخلقة في موضع واحد\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-162> المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nفيما يأتي بعض ما وقفت عليه من أقوال أهل العلم تؤيد وتقرر معنى القاعدة:\n_________\n(^١) المحلى (١١/ ٣٠).\n(^٢) حاشية ابن القيم على سنن أبي داود (١٢/ ٣١٨).","vol":"1","page":627},{"text":"يقول الإمام ابن تيمية: \"والفطرة تستلزم معرفة الله ومحبته وتخصيصه بأنه أحب الأشياء إلى العبد، وهو التوحيد، وهذا معنى قول لا إله إلا الله\" (^١).\nويقول -﵀- أيضًا: \"فعلم أن الحنيفية من مُوْجَباتِ الفِطْرَةِ ومقتضياتها، والحب لله، والخضوع له، والإخلاص له هو أصل أعمال الحنيفية، وذلك مستلزم للإقرار والمعرفة، ولازم اللازم لازم، وملزوم الملزوم ملزوم، فعلم أن الفطرة ملزومة لهذه الأحوال، وهذه الأحوال لازمة لها وهو المطلوب\" (^٢).\nويقول الإمام ابن القيم: \"ولكن فطرته سبحانه موجبة مقتضية لمعرفة دين الإسلام ومحبته، ففطروا على فطرة مستلزمة للإقرار بالخالق، ومحبته، وإخلاص الدين له، وموجبات الفطرة ومقتضياتها تحصل شيئًا بعد شيء بحسب كمال الفطرة إذا سلمت عن المعارض\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-163> المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nأشارت القاعدة إلى عدة فوائد؛ منها ما يلي:\nأولًا: أن النفس البشرية مفطورة على معرفة الحق ومحبته، والميل إلى الأمور المستحسنة، وهي بالمقابل مفطورة على بغض الباطل وكرهه، والبعد عنه، والميل عن الأمور المستهجنة القبيحة، وبذلك يظهر خطأ البعض في قوله: إن النفس مفطورة على الخير والشر على حدّ سواء (^٤)، وفي ذلك مخالفة صريحة للنصوص الواردة في الفِطْرَة، فإنها قررت أن\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٦/ ٣٤٤ - ٣٤٥).\n(^٢) درء التعارض (٨/ ٤٥١)، وانظر: أحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٦٨).\n(^٣) أحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٢٠).\n(^٤) انظر: مقدمة ابن خلدون (ص ١٢٣).","vol":"1","page":628},{"text":"النفس في الأصل مفطورة على الخير ومعرفة الحق وحبه، وهي ما دامت سليمة فإنها باقية على هذا الحق ومحبته، نعم إن فسدت الفِطْرَة وتغيرت تقبَّلت بعد ذلك الشر، واعتقدته، وعملت، -بحسب ما طرأ عليها من تغيير- لا أنه في أصل ذاتها وخلقتها، وإنما طرأ عليها الشر بعد فسادها وانحرافها، مع بقاء شيء من أصل الفِطْرَة السليمة يتلجلج في صدرها، لا تستطيع نفيه، تشعر به وتحسه، وهو داعي الخير في قلب كل إنسان، متى ما أراد الله بعبده خيرًا تحرك هذا الداعي ونشط وهبَّ في صلاح القلب والنفس، فكان رجوعها إلى الله تعالى بالتوبة والطاعة.\nيقول الإمام ابن رجب: \"وهذا يدل على أن الله فطر عباده على معرفة الحق، والسكون إليه، وقبوله، وركز في الطباع محبة ذلك، والنفور عن ضده\" (^١).\nويقول الإمام ابن تيمية: \"وليس المراد مجرد قبول الفطرة لذلك أكثر من غيره، كما أن كل مولود يولد، فإنه يولد على محبة ما يلائم بدنه من الأغذية، والأشربة، فيشتهي اللبن الذي يناسبه، وهذا من قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ [طه: ٥٠]، وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ٢، ٣]، فهو سبحانه خلق الحيوان مهتديًا إلى طلب ما ينفعه، ودفع ما يضره، ثم هذا الحب والبغض يحصل فيه شيئًا فشيئًا، بحسب حاجته، ثم قد يعرض لكثير من الأبدان ما يفسد ما ولد عليه من الطبيعة السليمة، والعادة الصحيحة\" (^٢).\nويقول أيضًا: \"ومما يبين ذلك أنه قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] فهذه فطرة محمودة أمر الله بها نبيه فكيف يكون فيها كفر وإيمان مع أمر الله\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (ص ٢٥٣).\n(^٢) درء التعارض (٨/ ٣٨٤).","vol":"1","page":629},{"text":"تعالى بها وهل يأمر الله تعالى قط بالكفر\" (^١).\nوقال الإمام العيني في معنى حديث الفِطْرَة: \"قلت: الغرض من التركيب أن الضلالة ليست من ذات المولود، ومقتضى طبعه، بل أينما حصلت فإنما هي بسبب خارج عن ذاته\" (^٢).\nثانيًا: دلت القاعدة على أن الفِطْرَة هي الحنيفية والتوحيد المبنية على المعرفة والإقرار، فالفطرة السليمة هي الإقرار بالخالق ومعرفته ومحبته، وأما مجرد المعرفة بالخالق فإنه جزء الفِطْرَة، ولا يعتبر بمفرده الفِطْرَة الممدوحة في الكتاب والسُّنَّة، بل إن المقر بمعرفة الله ووجوده بقلبه ولسانه بدون الإرادة والمحبة والتوحيد لا يعد ممن تحققت فيه الفِطْرَة السليمة التي فطر الله الخلق عليها، بل هو ممن تبدلت وتغيرت فطرته.\nيقول الإمام ابن تيمية ناقلًا عن الإمام ابن عبد البر اختلاف العلماء في معنى الفِطْرَة، وأن منهم من فسَّرها بمعرفة الله تعالى، فقال: \"فقال ابن عبد البر: وأما اختلاف العلماء في الفطرة المذكورة في هذا الحديث، وما كان مثله، فقالت فرقة: الفطرة في هذا الموضع أريد بها الخِلْقَة التي خُلِقَ عليها المولود من المعرفة بربه، فكأنه قال: كل مولود يولد على خِلْقَه يَعْرِفُ بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة، يريد خِلْقَة مخالفة لِخِلْقَة البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفة ذلك؛ قالوا لأن الفاطر هو الخالق.\nقال -أي: ابن عبد البر-: وأنكرت أن يكون المولود يُفْطَرُ على إيمان، أو كفر، أو معرفة، أو إنكار.\nقلت: صاحب هذا القول إن أراد بالفطرة التمكن من المعرفة\n_________\n(^١) المصدر نفسه (٨/ ٤٢٦).\n(^٢) عمدة القاري في شرح صحيح البخاري (٨/ ١٧٧).","vol":"1","page":630},{"text":"والقدرة عليها فهذا ضعيف؛ فإن مجرد القدرة على ذلك لا يقتضي أن يكون حنيفًا، ولا أن يكون على الملة، ولا يحتاج أن يذكر تغيير أبويه لفطرته، حتى يُسْأَل عمن مات صغيرًا؛ ولأن القدرة هي في الكبير أكمل منها في الصغير، ولو أريد القدرة لكان البالغون كذلك، مع كونهم مشركين، مستوجبين للقتل.\nوإن أراد بالفطرة: على المعرفة مع إرادتها؛ فالقدرة الكاملة مع الإرادة التامة تستلزم وجود المراد المقدور، فدل على أنهم فطروا على القدرة على المعرفة وإرادتها وذلك مستلزم للإيمان\" (^١).\nويقول الإمام ابن القيم: \"فالإقرار بالصانع بدون عبادته والمحبة له وإخلاص الدين له لا يكون نافعًا، بل الإقرار مع البغض أعظم استحقاقًا للعذاب، فلا بد أن يكون في الفطرة متقض للعلم، ومقتض للمحبة، والمحبة مشروطة بالعلم؛ فإن ما لا يشعر به الإنسان لا يحبه، ومحبة الأشياء المحبوبة لا تكون بسبب من خارج، بل هو أمر جبلي فطري، وإذا كانت المحبة فطرية فالشعور فطري، ولو لم تكن المحبة فطرية لكانت النفس قابلة لها ولضدها على السواء، وهذا ممتنع\" (^٢).\nثالثًا: ليس المقصود بأن الخلق يفطرون على الإسلام، وأن المولود يولد على الفِطْرَة، أنه يكون حين يولد عارفًا لهذا الدين معتقدًا ومحبًا له، وإنما المراد أنه يولد سليمًا من الاعتقادات الباطلة؛ من وثنية، ونصرانية، ويهودية، فتكون نفسه متهيئة متقبلة للحق، وهو الإسلام والتوحيد والميل إلى الدين، وبغض الشرك والنفرة منه.\nيقول الطيبي في معنى الفِطْرَة الواردة في الحديث: \"والمراد تَمَكُّن الناس من الهدى في أصل الجبلة، والتهيؤ لقبول الدين، فلو ترك المرء عليها لاستمر على لزومها، ولم يفارقها إلى غيرها؛ لأن حسن هذا الدين\n_________\n(^١) درء التعارض (٨/ ٣٨٤ - ٣٨٥).\n(^٢) أحكام أهل الذمة (٢/ ١٠٦٨).","vol":"1","page":631},{"text":"ثابت في النفوس، وإنما يعدل عنه لآفة من الآفات البشرية؛ كالتقليد\" (^١).\nوإلى هذا مال أبو العباس القرطبي حيث قال: \"المعنى: أن الله خلق قلوب بني آدم مؤهلة لقبول الحق، كما خلق أعينهم وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات، فما دامت باقية على ذلك القبول، وعلى تلك الأهلية أدركت الحق. ودين الإسلام هو الدين الحق\" (^٢).\nوقال الإمام النووي: \"والأصح أن معناه: أن كل مولود يولد متهيئًا للإسلام؛ فمن كان أبواه أو أحدهما مسلمًا استمر على الإسلام في أحكام الآخرة والدنيا، وإن كان أبواه كافرين جرى عليه حكمهما في أحكام الدنيا، وهذا معنى يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه؛ أي: يحكم له بحكمهما في الدنيا، فإن بلغ استمر عليه حكم الكفر ودينهما، فإن كانت سبقت له سعادة أسلم، وإلا مات على كفره\" (^٣).\n\"وقال ابن الأثير في معنى حديث الفطرة: \"والمعنى أنه يولد على نوع من الجبلة، والطبع المتهيء لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها، وإنما يعدل عنه من يعدل لَافة من آفات البشر والتقليد\" (^٤).\nوقال ابن القيم ليس المراد بقوله يولد على الفطرة أنه خرج من بطن أمه يعلم الدين؛ لأن الله يقول والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا ولكن المراد أن فطرته مقتضية لمعرفة دين الإسلام ومحبته\n_________\n(^١) انظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٢٤٩).\n(^٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٦/ ٦٧٦). وانظر: طرح التثريب (٢/ ٦٩).\n(^٣) شرح النووي على صحيح مسلم (١٦/ ٢٠٨).\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٤٥٧)، وانظر: مهمات التعاريف للمناوي (ص ٥٦٠)، والتعريفات للجرجاني (ص ٢١٥).","vol":"1","page":632},{"text":"فنفس الفطرة تستلزم الإقرار والمحبة وليس المراد مجرد قبول الفطرة لذلك؛ لأنه لا يتغير بتهويد الأبوين مثلًا بحيث يخرجان الفطرة عن القبول وإنما المراد أن كل مولود يولد على إقراره بالربوبية فلو خلي وعدم المعارض لم يعدل عن ذلك إلى غيره كما أنه يولد على محبة ما يلائم بدنه من ارتضاع اللبن حتى يصرفه عنه الصارف ومن ثم شبهت الفطرة باللبن بل كانت إياه في تأويل الرؤيا والله أعلم\" (^١).\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وإذا قيل إنه ولد على فطرة الإسلام، أو خلق حنيفًا، ونحو ذلك، فليس المراد به: أنه حين خرج من بطن أمه يعلم هذا الدين، ويريده؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، ولكن فطرته مقتضية، موجبة لدين الإسلام، لمعرفته ومحبته\" (^٢).\nويقول المناوي: \"والحاصل أن الإنسان مفطور على التهيؤ للإسلام بالقوة، لكن لا بد من تعلمه بالفعل، فمن قدر الله كونه من أهل السعادة قيض الله له من يعلمه سبيل الهدى، فصار مهذبًا بالفعل، ومن خذله وأشقاه سبب له من يغير فطرته، ويثني عزمته، والله سبحانه هو المتصرف في عبيده كيف يشاء\" (^٣).\nويقول الألوسي: \"فإن الجبلة الإنسانية في أصل الفطرة سليمة، متهيئة لقبول الحق؛ لقضية: كل مولود يولد على الفِطْرَة، فهو في بقاع التمكن على الهدى والدين\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٢٤٩).\n(^٢) درء التعارض (٨/ ٣٨٣).\n(^٣) فيض القدير (٥/ ٣٤).\n(^٤) روح المعاني (٩/ ١٢٦).","vol":"1","page":633},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>الفصل الخامس\nالقواعد المتعلقة بتحقيق توحيد العبادة وأدلته</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: تحقيق التوحيد يتضمن تحقيق أصله وكماله الواجب وكماله المستحب وبحسبها يتفاضل المؤمنون.\nالمبحث الثاني: توحيد الربوبية هو أصل توحيد الإلهية ودليله الأكبر.","vol":"2","page":636},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>المبحث الأول\nقاعدة تحقيق التوحيد يتضمن تحقيق أصله وكماله الواجب وكماله المستحب وبحسبها يتفاضل المؤمنون</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-166> المسألة الأولى * معاني مفردات القاعدة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>معنى التحقيق:</span>\nكلمة (التَحْقِيق) على وزن تفعيل، وهي مصدر للفعل الثلاثي (حَقّقَ) وأصله من المضاعف (حَقَّ) (^١)، وترجع معاني هذا الأصل اللغوي إلى الإحكام والثبات والصحة واليقين. يقول ابن فارس: \"الحاء والقاف أصل واحد، وهو يدل على إحكام الشيء وصحته\" (^٢).\nوما ذكره أهل اللغة من معاني لهذه اللفظة فإنها ترجع إلى تلك المعاني.\nوجاء في \"تاج العروس\": \"والحَق اليقين بعد الشّكِّ، وحَقَه حَقًا أحقهُ: صَيَّرهُ حَقًا لا شك فيهِ، وحَقه حَقًا: صَدقَه، وأحْققتَ الأمرَ\n_________\n(^١) انظر: معجم تصريف الأفعال العربية (ص ٤٨٥).\n(^٢) معجم مقاييس اللغة (٢/ ١٥).","vol":"2","page":637},{"text":"إحقاقًا: أحكَمته وصَححته\" (^١).\nوحَقَقْتُ الأمْرَ: إِذا تَحَققْته وتَيَقنته؛ أي: وصرتَ منه عَلَى يَقِين (^٢).\nوقال ابن فارس: \"ويقال: حَقَقْتُ الأمر وأحقَقْتُه؛ أي: كنت على يقين منه\" (^٣).\nوجاء في \"المصباح المنير\": \"وحَقَقْتُ الأمر أَحُقُه: إذا تيقنته، أو جعلته ثابتًا لازمًا\" (^٤).\nفهذه هي معاني لفظة (التحقيق) وجميعها يرجع إلى معنى الإحكام، وهو إتقان الشيء ومنعه من الفساد، أو إلى تثبيته وتصحيحه ولزومه وتيقنه.\nوبهذه المعاني استعمل العلماء لفظ (التحقيق).\nيقول أبو البقاء الكفوي: \"التحقيق تفعيل من حق بمعنى ثبت، وقال بعضهم التحقيق لغة: رجع الشيء إلى حقيقته بحيث لا يشوبه شبهة، وهو المبالغة في إثبات حقيقة الشيء بالوقوف عليه\" (^٥).\nوالمبالغة المقصود منها الاجتهاد في إتقان الشيء وتكميله.\nويقول المناوي: \"التحقيق: إثبات المسألة بدليلها\" (^٦).\nفالمقصود من تحقيق المسألة: تصحيحها وتثبيتها وإتقانها، بحيث يكون المحقق لها على يقين من حكمها.\nويقول الإمام ابن القيم: \"لفظ التحقيق وهو تفعيل من حقق الشيء تحقيقًا فهو مصدر فعله حقق الشيء؛ أي: أثبته وخلصه من غيره\" (^٧).\n_________\n(^١) تاج العروس (٢٥/ ١٨١)، وانظر: القاموس المحيط (ص ١١٣٠).\n(^٢) انظر: تاج العروس (٢٥/ ١٦٩).\n(^٣) معجم مقاييس اللغة (٢/ ١٩).\n(^٤) المصباح المنير (ص ١٤٤)، وانظر: أساس البلاغة (ص ١٣٥).\n(^٥) الكليات لأبي البقاء (ص ٢٩٦).\n(^٦) التوقيف على مهمات التعاريف (ص ١٦٤).\n(^٧) مدارج السالكين (٣/ ٣٨٨).","vol":"2","page":638},{"text":"وجاء في \"شرح مختصر خليل\": \"والتحقيق: مصدر حقق الشيء إذا تيقنه وعرفه حق معرفته فصار محققًا له، فيكون فَعَّل للاتصاف بمعناه نحو عدلته؛ أي: صيرته عدلًا\" (^١).\nوجميع هذه المعاني يتناولها لفظ التحقيق، إذ لا بد فيه من تثبيت الأصل والفرع، وحصول التمام والكمال، ولا يتم ذلك إلا بالعلم والمعرفة الحقة، واليقين، والإحكام، والمبالغة في الإتقان، وتخليصه من جميع الشوائب والمنقصات التي تعارض أصله، أو تنقص تمامه أو كماله، إذ لا يحصل الكمال في الشيء إلا بعد تثبيت أصله وتتميم أساسه.\nيقول الرازي: \"أن الكمال في كل شيء إنما يحصل إذا حصل الأصل والفرع معًا، فقوم أطنبوا في الأعمال من غير إحكام الأصول\" (^٢).\nفتحقيق التوحيد يتناول تثبيت الأصل، وتتميم الناقص من الأصل، وتكميل التام، إذ لا تتميم بدون أصل، ولا تكميل بدون تتميم، فلا بد للتتميم من أصل يقوم عليه، ولا بد للتكميل من تتميم ينبني عليه.\nيقول تقي الدين الحموي: \"والفرق بين التكميل والتتميم أن التتميم يرد على الناقص فيتمه، والتكميل يرد على المعنى التام فيكمله إذ الكمال أمر زائد على التتميم\" (^٣).\nوقال أبو البقاء: \"والتكميل يرد على المعنى التام فيكمله، إذ الكمال أمر زائد على التمام، والتمام يقابل نقصان الأصل، والكمال يطابق نقصان الوصف بعد تمام الأصل، ولهذا كان قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] أحسن من تامة؛ لأن التمام من العدد قد علم\n_________\n(^١) شرح مختصر خليل للخرشي (١/ ٣٣).\n(^٢) تفسير الرازي (٣٢/ ٤٥).\n(^٣) خزانة الأدب وغاية الأرب (١/ ٢٧٣ - ٣٧٥).","vol":"2","page":639},{"text":"وإنما احتمال النقص في صفاتها، وقيل الكمال: اسم لاجتماع أبعاض الموصوف، والتمام: اسم للجزء الذي يتم به الموصوف\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-168> المسألة الثانية * معنى القاعدة</span>\nدلت القاعدة على أن المؤمنين يتفاضلون تفاضلًا عظيمًا عند المولى - ﷿ - بحسب درجاتهم في تحقيق التوحيد؛ فمنهم من بلغ الغاية في تحقيقه كالأنبياء والرسل لا سيما أولو العزم منهم، ومنهم من حققه تحقيقًا لا يصل به رتبة الرسل، كأهل العلم والصلاح وأهل التقى والطاعة، ومنهم من قصر في تحقيقه فصار ناقصًا مذمومًا بسبب تقصيره في تحقيقه.\nيقول الإمام محمد بن نصر المروزي (^٢): \"وفي ذلك دليل على تفاضل المؤمنين والصالحين من الأنبياء وغيرهم في التوكل\" (^٣).\nويقول الإمام ابن تيمية: \"والقرآن كله مملوء من تحقيق هذا التوحيد، والدعوة إليه، وتعليق النجاة والفلاح، واقتضاء السعادة في الآخرة به، ومعلوم أن الناس متفاضلون في تحقيقه وحقيقته إخلاص الدين كله لله\" (^٤).\n_________\n(^١) الكليات لأبي البقاء (ص ٢٩٦).\n(^٢) هو: محمد بن نصر الإمام شيخ الإسلام، أبو عبد الله المروزي، الفقيه، ولد سنة اثنتين ومائتين، وكان من أعلم الناس باختلاف الصحابة ومن بعدهم في الأحكام، وكان إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة، كان جامعًا للسُّنن، ضابطًا لها، مستذكرًا لمعانيها، ومن تصانيفه: كتاب تعظيم قدر الصلاة؛ مشتمل على أحاديث كئيرة، وأحكام يسيرة، وكتاب قيام الليل، وكتاب رفع اليدين، توفي سنة ٢٩٤ هـ. [ترجمته في: طبقات الحفاظ (ص ٣٦٦)، وشذرات الذهب (٢/ ٢١٦)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٨٥)].\n(^٣) تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٥٦٢).\n(^٤) منهاج السُّنَة النبوية (٥/ ٣٤٧).","vol":"2","page":640},{"text":"ويقول -﵀ - أيضًا: \"لكن أول الدين وآخره، وظاهره وباطنه هو التوحيد وإخلاص الدين كله لله هو تحقيق قول لا إله إلا الله، فإن المسلمين وإن اشتركوا في الإقرار بها فهم متفاضلون في تحقيقها تفاضلًا لا نقدر أن نضبطه\" (^١).\nويقول أيضًا: \"وإنما يتفاوت أهل العلم والإيمان بحسب تفاوتهم في تحقيق التوحيد كما قد بسط في موضعه\" (^٢).\nويقول الشيخ حمد بن ناصر وأبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ﵏ -: \"إذا تمهَّدت هذه القاعدة، تبين لك أن الناس يتفاضلون في التوحيد تفاضلًا عظيمًا، ويكونون فيه على درجات بعضها أعلى من بعض؛ فمنهم من يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، كما دلت عليه النصوص الصريحة الصحيحة، ومنهم من يدخل النار وهم العصاة، ويمكثون فيها على قدر ذنوبهم، ثم يخرجون منها لأجل ما في قلوبهم من التوحيد والإيمان\" (^٣).\nويقول الشيخ حافظ الحكمي: \"والمقصود بيان أن الناس متفاوتون في الدين بتفاوت الإيمان في قلوبهم، متفاضلون فيه بحسب ذلك، فأفضلهم وأعلاهم أولو العزم من الرسل، وأدناهم المخلطون من أهل التوحيد، وبَيْنَ ذلك مراتب ودرجات لا يحيط بها إلا الله - ﷿ - الذي خلقهم ورزقهم\" (^٤).\nكما دلت القاعدة على أن تحقيق التوحيد يتضمن ثلاثة أمور:\nالأول: تثبيت أصل التوحيد، بإفراده -﷾- بجميع ما يختص به؛ في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، فيعتقد بأنه لا خالق ولا نافع ولا ضار\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٦٤).\n(^٢) الصفدية (٢/ ٣٤٠).\n(^٣) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١/ ٢٠٧).\n(^٤) معارج القبول (٣/ ١٠١٥).","vol":"2","page":641},{"text":"إلا الله، وأنه لا يستقل شيء من دونه بإحداث أمر من الأمور، بل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ويعلم أن لله حقًا لا يشركه فيه مخلوق؛ كاستحقاق العبادة والإلهية، وذلك يستلزم اتصاف المعبود بجميع صفات الكمال، وتنزهه عن النقص من كل وجه.\nيقول شيخ الإسلام: \"فالله تعالى مستحق أن يعبد لا يشرك به شيء، وهذا هو أصل التوحيد الذي بعث الله به الرسل، وأنزلت به الكتب\" (^١).\nويقول الإمام ابن القيم: \"وأما إثبات صفات الكمال: فهو أصل التوحيد\" (^٢).\nوالمقصود أن تحقيق أصل التوحيد لا يتم إلا بتحقيق أنواع التوحيد الثلاثة إذ لا ينفك بعضها عن بعض، والبعد عن كل ناقض يُضاد هذه الأنواع الثلاثة، ويبطل أصلها.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فتعين أن الأمر كله عائد إلى تحقيق التوحيد، وأنه لا ينفع أحد ولا يضر إلا بإذن الله، وأنه لا يجوز أن يعبد أحد غير الله، ولا يستعان به من دون الله، وأنه يوم القيامة يظهر لجميع الخلق أن الأمر كله لله، ويتبرأ كل مدع من دعواه الباطلة\" (^٣).\nويقول - ﵀ - \"ومن تحقيق التوحيد أن يعلم أن الله أثبت له حقًا لا يشركه فيه مخلوق؛ كالعبادة، والتوكل، والخوف، والخشية، والتقوى كما قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢] (^٤).\nويقول الشيخ مرعي الكرمي: \"وإنما التوحيد الذي أمر الله به العباد هو توحيد الألوهية المتضمن لتوحيد الربوبية؛ بأن يعتقد إثبات الله،\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٤٤٦).\n(^٢) إغاثة اللهفان (٢/ ٢٣٣).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١/ ١١٩).\n(^٤) المصدر نفسه (٣/ ١٠٦).","vol":"2","page":642},{"text":"وصفاته، ويعبده ولا يشرك به شيئًا والعبادة تجمع غاية الحب وغاية الذل له سبحانه\" (^١).\nوالله تعالى إنما أمر عباده بتحقيق التوحيد وتكميله، ولا ينفك نوع عن نوع، فلا يتم تحقيق نوع منها إلا بتحقيقها جميعًا، والابتعاد عن كل ما ينافيها أو ينقض أصلها.\nفإذا قام العبد بتحقيق جميع أنواع التوحيد، وابتعد عن كل ناقض أو مفسد فقد أتى بتحقيق أصل التوحيد الذي رتب الله عليه قبول الأعمال والجزاء بالحسنى.\nيقول الشيخ السعدي: \"ولا يكون العمل صالحًا إلا إذا كان مع العبد أصل التوحيد والإيمان المخرج عن الكفر والشرك الذي هو شرط لكل عمل صالح\" (^٢).\nالثاني: تحقيق التمام؛ أي: تتميم ذلك الأصل أو ما يسمى بـ (الكمال الواجب) والمقصود به تخليصه مما حرَّمه الله ﵎؛ من الشرك الأصغر، والبدع غير المكفرة، والمعاصي، والتفريط في الواجبات.\nوهذا التحقيق هو الذي يحرم صاحبه على النار.\nيقول الإمام ابن رجب: \"إنما أراد التوحيد الكامل الذي يحرم صاحبه على النار وهو تحقيق معنى لا إله إلا الله فإن الإله هو المعبود ... \" (^٣).\nويقول - ﵀ -: \"فإذا تحقق القلب بالتوحيد التام لم يبق فيه محبة لغير ما يحبه الله ولا كراهة لغير ما يكرهه الله\" (^٤).\n_________\n(^١) رفع الشبهة والغرر عمن يحتج على فعل المعاصي بالقدر، للشيخ مرعي (ص ٦٧).\n(^٢) تفسير السعدي (ص ٣٥٠).\n(^٣) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٠٥).\n(^٤) جامع العلوم والحكم (١/ ٣٦٦).","vol":"2","page":643},{"text":"ويقول الشيخ محمد بن عثيمين: \"لأن تحقيق التوحيد يستلزم اجتناب المعاصي؛ لأن المعاصي صادرة عن الهوى، وهذا نوع من الشرك، قالى تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] \" (^١).\nالثالث: تحقيق كمال التوحيد؛ أي: الكمال المستحب، وهو تخليصه وتصفيته من الأمور المكروهة، والاجتهاد في تحصيل الطاعات والقربات، وتخليص القلب من الالتفات والتوجه إلى غير الله بأن يكون متوجهًا بكليته إلى الله، فتنجذب روحه إلى الله؛ محبة وخوفًا وإنابة وتوكلًا ودعاء وإخلاصًا وإجلالًا وهيبة وتعظيمًا وعبادة، فلا يكون في قلبه أدنى شيء لغير الله، ولا أدنى إرادة لما حرم الله، ولا أدنى كراهة لما أمر الله، وعبَّر بعضهم بأنه ترك ما لا بأس به حذرًا مما به بأس (^٢).\nوقد بين العلامة عبد العزيز بن باز الأعمال التي تضاد تحقيق التوحيد؛ سواء ما ينافي أصله، أو ينافي كماله بنوعيه، فقال - ﵀ -: \"وأما الفرق بين الأعمال التي تنافي هذه الكلمة وهي لا إله إلا الله، والتي تنافي كمالها الواجب، فهو: أن كل عمل أو قول أو اعتقاد يوقع صاحبه في الشرك الأكبر فهو ينافيها بالكلية ويضادها؛ كدعاء الأموات، والملائكة، والأصنام، والأشجار، والأحجار، والنجوم، ونحو ذلك، والذبح لهم، والنذر، والسجود لهم، وغير ذلك.\nفهذا كله ينافي التوحيد بالكلية، ويُضاد هذه الكلمة ويبطلها؛ وهي: لا إله إلا الله، ومن ذلك استحلال ما حرم الله من المحرمات المعلومة من الدين بالضرورة والإجماع\" كالزنا، وشرب المسكر، وعقوق الوالدين، والربا، ونحو ذلك، ومن ذلك أيضًا جحد ما\n_________\n(^١) القول المفيد على كتاب التوحيد (ص ٤٨).\n(^٢) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص ٧٧)، وإبطال التنديد (ص ٢٨)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص ٣٣)، وحاشية كتاب التوحيد (ص ٣٧).","vol":"2","page":644},{"text":"أوجب الله من الأقوال والأعمال المعلومة من الدين بالضرورة والإجماع؛ كوجوب الصلوات الخمس، والزكاة، وصوم رمضان، وبر الوالدين، والنطق بالشهادتين، ونحو ذلك.\nأما الأقوال والأعمال والاعتقادات التي تضعف التوحيد والإيمان، تنافي كماله الواجب فهي كثيرة ومنها: الشرك الأصغر؛ كالرياء، والحلف بغير الله، وقول ما شاء الله وشاء فلان أو هذا من الله ومن فلان ونحو ذلك، وهكذا جميع المعاصي كلها تضعف التوحيد والإيمان، وتنافي كماله الواجب، فالواجب الحذر من جميع ما ينافي التوحيد والإيمان، أو ينقص ثوابه، والإيمان عند أهل السُّنَّة والجماعة قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-169> المسألة الثالثة * أدلة القاعدة</span>\nدلت على صحة القاعدة أدلة عديدة، أفادت تفاضل المؤمنين في إيمانهم وتوحيدهم، بحسب ما يقوم بهم من أقوال وأعمال، ظاهرة وباطنة؛ من اعتقادات القلوب وأعمالها، وكذا أعمال الجوارح، ومنها ما يلي:\n١ - قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ [فاطر: ٣٢].\nفالله - ﷿ - قسم المؤمنين في هذه الآية إلى ثلاثة أقسام ووعدهم جميعًا بالجنة، وذلك بحسب تحقيقهم للتوحيد والإيمان؛ فأولهم الظالم لنفسه بالمعاصي والإصرار عليها، والثاني القائم بالواجبات والمنتهي عن\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (٧/ ٥٨ - ٥٩).","vol":"2","page":645},{"text":"المحرمات، والثالث الحريص على الخيرات والطاعات، التارك ما لا بأس به حذرًا مما به بأس.\nيقول ابن الأثير في أقسام المذكورين في الآية: \"وهذه قسمة صحيحة؛ فإنه لا يخلو أقسام العباد من هذه الثلاثة؛ فإما عاص ظالم لنفسه، وإما مطيع مبادر إلى الخيرات، وإما مقتصد بينهما\" (^١).\nويقول الإمام ابن تيمية: \"فالقول الجامع أن الظالم لنفسه: هو المفرط بترك مأمور أو فعل محظور، والمقتصد: القائم بأداء الواجبات وترك المحرمات، والسابق بالخيرات: بمنزلة المقرب الذي يتقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض حتى يحبه الحق\" (^٢).\nوقال -﵀- أيضًا: \"وهذا التقسيم لأمة محمد فالظالم لنفسه: أصحاب الذنوب المصرون عليها، ومن تاب من ذنبه؛ أي: ذنب كان توبة صحيحة لم يخرج بذلك عن السابقين، والمقتصد: المؤدي للفرائض المجتنب للمحارم، والسابق للخيرات: هو المؤدي للفرائض والنوافل كما في تلك الآيات، ومن تاب من ذنب؛ أي ذنب كان توبة صحيحة لم يخرج بذلك عن السابقين والمقتصدين\" (^٣).\nوقال الحافظ ابن كثير مبينًا تفاوت الناس في تحقيق التوحيد: \"ثم قسمهم إلى ثلاثة أنواع فقال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾: وهو المفرط في فعل بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات، ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾: وهو المؤدي للواجبات التارك للمحرمات، وقد يترك بعض المستحبات ويفعل بعض المكروهات، ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: وهو الفاعل للواجبات والمستحبات، التارك للمحرمات والمكروهات، وبعض المباحات\" (^٤).\n_________\n(^١) المثل السائر لابن الأثير (٢/ ٢٨٧).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٥/ ١٦١).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١١/ ١٨٣).\n(^٤) تفسير ابن كثير (٣/ ٥٥٥ - ٥٥٦).","vol":"2","page":646},{"text":"ويقول الشيخ السعدي: \"وهم هذه الأمة؛ فمنهم ظالم لنفسه بالمعاصي التي هي دون الكفر، ومنهم مقصد مقتصر على ما يجب عليه تارك للمحرم، ومنهم سابق بالخيرات؛ أي: سارع فيها واجتهد فسبق غيره، وهو المؤدي للفرائض المكثر من النوافل التارك للمحرم والمكروه، فكلهم اصطفاه الله تعالى لوراثة هذا الكتاب وإن تفاوتت مراتبهم، وتميزت أحوالهم، فلكل منهم قسط من وراثته حتى الظالم لنفسه فإنه ما معه من أصل الإيمان وعلوم الإيمان وأعمال الإيمان من وراثة الكتاب؛ لأن المراد بوراثة الكتاب وراثة علمه، وعمله، ودراسة ألفاظه، واستخراج معانيه\" (^١).\nويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: \"وأظهر الأقوال في المقتصد والسابق والظالم، أن المقتصد: هو من امتثل الأمر واجتنب النهي ولم يزد على ذلك، وأن السابق بالخيرات: هو من فعل ذلك وزاد بالتقرب إلى الله بالنوافل، والتورع عن بعض الجائزات خوفًا من أن يكون سببًا لغيره، وأن الظالم هو المذكور في قوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] والعلم عند الله تعالى\" (^٢).\nوقال الشيخ حافظ الحكمي: \"فقسم تعالى الناجين منهم إلى مقتصدين: وهم الأبرار أصحاب اليمين الذين اقتصروا على التزام الواجبات واجتناب المحرمات، فلم يزيدوا على ذلك ولم ينقصوا منه، وإلى سابق بالخيرات: وهم المقربون الذين تقربوا إليه بالنوافل بعد الفرائض، وتركوا ما لا بأس به خوفًا مما به بأس، وما زالوا يتقربون إلى الله تعالى بذلك حتى كان سمعهم الذي يسمعون به وبصرهم الذي يبصرون به إلى آخر معنى الحديث السابق، فبه يسمعون، وبه يبصرون،\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٦٨٩).\n(^٢) أضواء البيان (١/ ٤١٧)، (٥/ ٤٩٠).","vol":"2","page":647},{"text":"وبه يبطشون، وبه يمشون، وبه ينطقون، وبه يعقلون يسبحون الليل والنهار لا يفترون وأما الظالم لنفسه ففي المراد به عن السلف الصالح قولان: أحدهما أن المراد به الكافر ... والقول الثاني أن المراد به عصاة الموحدين؛ فإنهم ظالمون لأنفسهم ولكن ظلم دون ظلم لا يخرج من الدين، ولا يخلد في النار ... فإذا كان هذا التفاوت بين أتباع الرسل فكيف تفاوت ما بينهم وبين رسلهم\" (^١).\nوالصحيح من القولين هو أن الظالم لنفسه من المؤمنين، لكنه مستحق للوعيد ومتوعد بالعذاب، ولا يعني هذا خروجه عن الإيمان أو نقضه للتوحيد، فإن المعاصي تعارض كمال التوحيد وتمامه الواجب، وهذا ما رجحه جمع من المحققين.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وقد تقدم أن ظلم الإنسان لنفسه يدخل فيه كل ذنب كبير أو صغير مع الإطلاق، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢] فهذا ظلم لنفسه مقرون بغيره فلا يدخل فيه الشرك الأكبر\" (^٢).\nويقول الحافظ ابن كثير: \"والصحيح أن الأقسام الثلاثة من هذه الأمة كلهم يدخلون الجنة\" (^٣).\nوهذا ما رجحه الإمام الطبري حيث يقول: \"فبين أن المصطفين من عباده هم مؤمنو أمته، وأما الظالم لنفسه فإنه لأن يكون من أهل الذنوب والمعاصي التي هي دون النفاق والشرك عندي أشبه بمعنى الآية من أن يكون المنافق أو الكافر، وذلك أن الله تعالى ذكره أتبع هذه الآية قوله جنات عدن يدخلونها، فعم بدخول الجنة جميع الأصناف الثلاثة.\n_________\n(^١) معارج القبول، للشيخ حافظ بن أحمد الحكمي (٣/ ١٠٠٨ - ١٠٠٩).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٧٧/ ٧٩).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٢/ ٧٧).","vol":"2","page":648},{"text":"فإن قال قائل: فإن قوله يدخلونها إنما عنى به المقتصد والسابق، قيل له وما برهانك على أن ذلك كذلك من خبر أو عقل، فإن قال: قيام الحجة أن الظالم من هذه الأمة سيدخل النار ولو لم يدخل النار من هذه الأصناف الثلاثة أحد وجب أن لا يكون لأهل الإيمان وعيد. قيل: إنه ليس في الآية خبر أنهم لا يدخلون النار، وإنما فيها إخبار من الله تعالى ذكره أنهم يدخلون جنات عدن، وجائز أن يدخلها الظالم لنفسه بعد عقوبة الله إياه على ذنوبه التي أصابها في الدنيا، وظلمه نفسه فيها بالنار، أو بما شاء من عقابه ثم يدخله الجنة، فيكون ممن عمه خبر الله جل ثناؤه بقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر: ٣٣] \" (^١).\n٢ - ومما يدل على تفاوت الناس وتفاضلهم بحسب تحقيقهم للتوحيد والإيمان، وبحسب ما يقوم بقلوبهم من العلم واليقين: ما رواه البخاري عن سهل قال: (مرَّ رجل على رسول الله -ﷺ- فقال: ما تقولون في هذا، قالوا: حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يستمع، قال ثم سكت فمرَّ رجل من فقراء المسلمين فقال: ما تقولون في هذا، قالوا: حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يستمع، فقال رسول الله - ﷺ -: هذا خير من ملء الأرض مثل هذا) (^٢).\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فإن ألوهية الله متفاوتة في قلوبهم على درجات عظيمة، تزيد وتنقص، ويتفاوتون فيها تفاوتًا لا ينضبط طرفاه، حتى قدثبت في \"الصحيح\" عن النبي - ﷺ - في حق شخصين: (هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا)، فصار واحد من الآدميين خيرًا من ملء\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢٢/ ١٣٦ - ١٣٧).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب: الأكفاء في الدين (٥/ ١٩٥٨)، رقم (٤٨٠٣).","vol":"2","page":649},{"text":"الأرض من بني جنسه؛ وهذا تباين عظيم لا يحصل مثله في سائر الحيوان\" (^١).\nوما هذا التباين والتفاوت إلا بسبب ما قام بقلوبهم وأبدانهم من تحقيق أصل التوحيد، وتتميم كماله الواجب، وتكميله بتحقيق الكمال المستحب، من صدق اليقين، وقوة التوكل، وخالص الالتجاء، وحقيقة العبودية.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-170> المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nسبق وأن ذكرت بأن تحقيق التوحيد يتضمن تثبيت أصله، وتتميم كماله الواجب، وتكميل كماله المستحب، وبينت بأن أصل التوحيد يضاده الشرك الأكبر والكفر الأكبر المنافيين لأصله وأساسه، وأن تمامه الواجب تعارضه البدع والإصرار على المعاصي، وأما كماله المستحب فتعارضه المكروهات وترك المستحبات.\nوفيما يلي أنقل ما وقفت عليه من أقوال أهل العلم في بيان حقيقة تحقيق التوحيد، وعباراتهم في تأييد لفظ القاعدة، أو معناه، مع ملاحظة أن تعبيراتهم قد تنوعت وتباينت بعض الشيء ولكنهم لا يختلفون في المضمون، كما أن بعضهم قد يذكر نوعًا أو أكثر من أنواع تحقيق التوحيد.\nيقول الإمام ابن رجب: \"ولعل من قال: إن المراد الاستقامة على التوحيد، إنما أراد التوحيد الكامل الذي يحرم صاحبه على النار، وهو تحقيق معنى لا إله إلا الله؛ فإن الإله هو المعبود الذي يطاع فلا يعصى خشية وإجلالًا ومهابة ومحبة ورجاء وتوكلًا ودعاء والمعاصي قادحة كلها\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥).","vol":"2","page":650},{"text":"في هذا التوحيد\" (^١).\nفقد أشار -﵀- إلى النوع الثاني من التحقيق وهو تمام التوحيد أو الكمال الواجب.\nويقول -﵀-: \"فإذا تحقق القلب بالتوحيد التام لم يبق فيه محبة لغير ما يحبه الله ولا كراهة لغير ما يكرهه الله\" (^٢).\nويقول الإمام ابن القيم في بيان تحقيق التوحيد في المحبة لغير الله: \"وهذا بخلاف الحب مع الله فهو نوعان؟ يقدح في أصل التوحيد وهو شرك، ونوع يقدح في كمال الإخلاص ومحبة الله ولا يخرج من الإسلام\" (^٣).\nوقصده بكمال الإخلاص هو تحقيق الكمال الواجب للتوحيد وهو تمام التوحيد.\nويقول الشيخ سليمان آل الشيخ: \"وتحقيق التوحيد: هو معرفته والاطلاع على حقيقته والقيام بها علمًا وعملًا، وحقيقة ذلك انجذاب الروح إلى الله محبة وخوفًا وإنابة وتوكلًا ودعاء وإخلاصًا وإجلالًا وهيبة وتعظيمًا وعبادة، وبالجملة فلا يكون في قلبه شيء لغير الله، ولا إرادة لما حرم الله ولا كراهة لما أمر الله وذلك هو حقيقة لا إله إلا الله\" (^٤).\nوهذا التعريف لتحقيق التوحيد تضمن تحقيق الأصل، وتحقيق التمام، وتحقيق الكمال المستحب، إذ معرفة التوحيد بأنواعه الثلاثة لا سيما توحيد العبادة، وكونه - ﷾ - هو المستحق للعبادة دون ما سواه، كما أن القيام بحقيقته علمًا وعملًا يتضمن الأصل والتمام، وأشار إلى كماله المستحب بقوله: انجذاب الروح إلى الله محبة وخوفًا وإنابة وتوكلًا.\nويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: \"قلت: تحقيقه:\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (ص ٢٠٤).\n(^٢) المصدر نفسه (ص ٣٦٦).\n(^٣) الروح (ص ٢٥٣).\n(^٤) تيسير العزيز الحميد (ص ٧٧).","vol":"2","page":651},{"text":"تخليصه وتصفيته من شوائب الشرك والبدع والمعاصي\" (^١).\nويقول الشيخ سليمان بن عبد الرحمن الحمدان (^٢): \"وتحقيق التوحيد تخليصه وتصفيته من شوائب الشرك والبدع والمعاصي، فلا يعمل شركًا يحبطه، ولا بدعة تقدح فيه، ولا معصية تنقصه، وتحقيق التوحيد عزيز في الأمة لا يوجد إلا في أهل الإيمان الخالص الذين أخلصهم الله واصطفاهم من خلقه\" (^٣).\nويبين الشيخ عبد الرحمن السعدي حقيقة تحقيق التوحيد بقوله: \"فإن تحقيق التوحيد تهذيبه وتصفيته من الشرك الأكبر والأصغر، ومن البدع القولية الاعتقادية، والبدع الفعلية العملية، ومن المعاصي، وذلك بكمال الإخلاص لله في الأقوال والأفعال والإرادات، وبالسلامة من الشرك الأكبر المناقض لأصل التوحيد، ومن الشرك الأصغر المنافي لكماله، وبالسلامة من البدع والمعاصي التي تكدر التوحيد، وتمنع كماله، وتعوقه عن حصول آثاره\" (^٤).\nويقول الشيخ حافظ الحكمي: \"فالذين آمنوا الإيمان التام الذي لم\n_________\n(^١) فتح المجيد (ص ٤٧)، وأقر الشيخ حمد بن عتيق ما ذكره الشيخ عبد الرحمن والشيخ سليمان آل الشيخ في إبطال التنديد (ص ٢٨).\n(^٢) هو: الشيخ سليمان بن عبد الرحمن بن محمد آل حمدان، ولد عام ١٣٢٢ هـ، وحفظ القرآن وطلب العلم، وعد من كبار علماء بلدته، انتقل إلى مكة، وتولى القضاء، وإمامة مسجد ابن عباس، وكان مكان تدريسه للطلبة، ثم عين إمامًا وخطيبًا في المسجد النبوي ومدرسًا فيه، بعدها رجع إلى مكة وعين عضوًا في رئاسة القضاء، من مؤلفاته: الدر النضيد شرح كتاب التوحيد، الأجوبة الحسان في جواب المستفتي من باكستان، والأجوبة البيرونية، ورسالة في أن قتال الكفار جهاد لا دفاع، توفي في عام ١٣٩٧ هـ، ودفن في الطائف. [ترجمته في: علماء نجد خلال ثمانية قرون (٢/ ٢٩٥ - ٣٠٠)، وكتاب قضاة المدينة المنورة (١/ ١٨٨ - ١٩١)].\n(^٣) الدر النضيد على أبواب التوحيد (ص ٣٧).\n(^٤) القول السديد في مقاصد التوحيد، ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفات الشيخ السعدي، قسم العقيدة الإسلامية (٣/ ١٣ - ١٤).","vol":"2","page":652},{"text":"تشبه شوائب الشرك الأكبر المنافي لجميعه، ولا الشرك الأصغر المنافي لكماله، ولا معاصي الله المحبطة لثمراته من الطاعات فأولئك لهم الأمن التام من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، والاهتداء التام في الدنيا والآخرة ... \" (^١).\nويقول الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: \"وتحقيقه من وجهين، واجب ومندوب، فالواجب تخليصه وتصفيته عن شوائب الشرك والبدع والمعاصي، فالشرك ينافيه بالكلية، والبدع تنافي كماله الواجب، والمعاصي تقدح فيه وتنقص ثوابه، فلا يكون العبد محققًا للتوحيد حتى يسلم من الشرك بنوعيه، ويسلم من البدع والمعاصي، والمندوب تحقيق المقربين، تركوا ما لا بأس به حذرًا مما به بأس، وحقيقته هو انجذاب الروح إلا الله، فلا يكون في قلبه شيء لغيره، فإذا حصل تحقيقه بما ذكر، فقد حصل الأمن التام، والاهتداء التام\" (^٢).\nويقول الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز: \"تحقيق التوحيد: تخليصه من شوائب الشرك والبدع والمعاصي، فمن حقق توحيده، وسلم من الشرك والبدع والمعاصي، دخل الجنة بغير حساب ولا عذاب\" لأن الشرك الأكبر ينافي التوحيد، والأصغر ينافي كماله الواجب، والبدع والمعاصي تقدح فيه، وتنقص ثوابه\" (^٣).\nويقول الشيخ صالح آل الشيخ -حفظه الله-: \"وتحقيقه بمعنى تحقيق الشهادتين (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ومعنى تحقيق الشهادتين: تصفية الدين من شوائب الشرك والبدع والمعاصي، فصار تحقيق التوحيد يرجع إلى ثلاثة أشياء:\n_________\n(^١) معارج القبول (٢/ ٤٠٥).\n(^٢) حاشية كتاب التوحيد (ص ٣٧).\n(^٣) شرح كتاب التوحيد لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز (ص ٢٧)، تحقيق: محمد العلاوي.","vol":"2","page":653},{"text":"الأول: ترك الشرك بأنواعه: الأكبر والأصغر والخفي.\nالثاني: ترك البدع بأنواعها.\nالثالث: ترك المعاصي بأنواعها.\nفيكون تحقيق التوحيد على هذا على درجتين: درجة واجبة، ودرجة مستحبة، وعليها يكون الذين حققوا التوحيد على درجتين أيضًا: فالدرجة الواجبة: أن يترك ما يجب تركه من الأشياء الثلاثة التي ذكرت، فيترك الشرك خفيه وجليه، صغيره وكبيره، ويترك البدع، ويترك المعاصي، هذه درجة واجبة.\nوالدرجة المستحبة في تحقيق التوحيد -وهي التي يتفاضل فيها الناس من المحققين للتوحيد أعظم تفاضل- هي ألا يكون في القلب شيء من التوجه أو القصد لغير الله - جل وعلا - يعني: أن يكون القلب متوجهًا إلى الله بكليته، ليس فيه التفات إلى غير الله، فيكون نطقه لله، وفعله وعمله لله، بل وحركة قلبه لله - جل وعلا - وقد عبر عنها بعض أهل العلم - أعني: هذه الدرجة المستحبة - بقوله: أن يترك ما لا بأس به حذرًا مما به بأس، يعني: فى مجال أعمال القلوب، وأعمال اللسان، وأعمال الجوارح\" (^١).\nويقول الشيخ عبد العزيز الريس - حفظه الله -: \"المحققون للتوحيد دررجات متفاوتة لكن شرط تحقيق التوحيد تخليصه من أحد نواقضه المخرجة من الدين والملة، ثم بعد ذلك الناس في تحقيقه جملة قسمان:\nأ - تحقيق واجب: وهو تخليصه من الأمور المحرمة كالشرك الأصغر والبدع والمعاصي مع فعل الواجبات الشرعية والناس في هذا على درجات.\nب - تحقيق مستحب: وهو تخليصه من الأمور المكروهة مع فعل\n_________\n(^١) التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص ٣٢ - ٣٣).","vol":"2","page":654},{"text":"القربات المستحبة، والناس في هذا على درجات متفاوتة\" (^١).\nهذا ما وقفت عليه من أقوال لأهل العلم في بيان درجات تحقيق التوحيد، وبيان تفاوت أهل الإيمان والتوحيد فيه على درجات عظيمة لا يعلم قدرها إلا الله ﵎.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-171> المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nالفائدة الأولى: أن الأنبياء والمرسلين هم أعظم الناس تحقيقًا للتوحيد، خاصة أولو العزم منهم، وفي مقدمتهم الخليلان محمد - ﷺ - وإبراهيم - ﵇ - والناس بعدهم يتفاوتون بين مقل ومكثر بحسب ما يقوم بقلوبهم من هذا التحقيق.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"إن الخليلين هما أكمل خاصة الخاصة توحيدًا، فلا يجوز أن يكون في أمة محمد - ﷺ - من هو أكمل توحيدًا من نبي من الأنبياء فضلًا عن الرسل، فضلًا عن أولي الحزم، فضلًا عن الخليلين، وكمال توحيدهما بتحقيق إفراد الألوهية، وهو أن لا يبقى في القلب شيء لغير الله أصلًا، بل يبقى العبد مواليًا لربه في كل شيء، يحب ما أحب، ويبغض ما أبغض، ويرضى بما رضي، ويسخط بما سخط، ويأمر بما أمر وينهى عما نهى\" (^٢).\nثم يأتي من بعد هؤلاء الأنبياء والمرسلين صحابة النبي - ﷺ -، وأهل العلم والصلاح من أمته، فهم أولى الناس بهذا التحقيق، إذ هم الأسعد بمعرفة التوحيد ومعرفة حقيقته وفضله ومكانته.\n_________\n(^١) قواعد ومسائل في توحيد الإلهية، وانظر: المفيد على كتاب التوحيد (ص ٢٠ - ٢١).\n(^٢) منهاج السُّنَّة النبوية (٥/ ٣٥٥).","vol":"2","page":655},{"text":"يقول الإمام ابن كثير في بيان معنى السابقين بالخيرات بتحقيقهم لكمال التوحيد: \"فالعلماء أغبط الناس بهذه النعمة وأولى الناس بهذه الرحمة\" (^١).\nالفائدة الثانية: أن المحققين لكمال التوحيد لا تبقى معهم ذنوب، بحيث يحفظهم الله تعالى، ويصرف عنهم المعاصي والذنوب، وإن وقعوا فيها فإن الله يوفقهم إلى المسارعة إلى التوبة والإنابة إليه - ﷾ -، وما ذلك إلا لأنهم بلغوا من محبة الله تعالى الشيء العظيم بحيث لا يبقى في قلوبهم محبوب سوى الله تعالى وسوى ما يحبه الله.\nيقول شيخ الإسلام: \"وكلما حقق العبد الإخلاص في قول لا إله إلا الله خرج من قلبه تأله ما يهواه وتصرف عنه المعاصي والذنوب، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ [يوسف: ٢٤]، فعلل صرف السوء والفحشاء عنه بأنه من عباد الله المخلصين، وهؤلاء هم الذين قال فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، وقال الشيطان: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٢، ٨٣]، وقد ثبت في \"الصحيح\" عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"من قال لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه حرمه الله على النار\" (^٢)، فإن الإخلاص ينفي أسباب دخول النار، فمن دخل النار\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٣/ ٥٥٧).\n(^٢) لم أقف على لفظ الحديث كما ذكره الشيخ، وأصله في الصحيحين بألفاظ مقاربة، وجميع ألفاظ الحديث على كثرتها يؤيد بعضها بعضًا. [صحيح البخاري: (١/ ٥٩) برقم (١٢٨)، وصحيح مسلم (١/ ٦١) برقم (٣٢) من حديث أنس بن مالك -﵁-].\nيقول أبو جعفر الكتاني: \"قلت: الأحاديث في هذا الباب كثيرة، وألفاظها مختلفة، ففي بعضها كما ذكر، وفي بعضها: (دخل الجنة)، وفي بعضها: (حرم الله عليه النار)، وما أشبه هذا؛ منها حديث الصحيحين عن عتبان بن مالك: \"أن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله\"، وحديثهما أيضًا عن أنس: \"ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه إلا حرمه الله =","vol":"2","page":656},{"text":"من القائلين لا إله إلا الله لم يحقق إخلاصها المحرم له على النار، بل كان في قلبه نوع من الشرك الذي أوقعه فيما أدخله النار\" (^١).\nويقول الإمام ابن القيم: \"ولكن ينبغي أن يعلم ارتباط إيمان القلوب بأعمال الجوارح، وتعلقها بها، وإلَّا لم يفهم مراد الرسول، ويقع الخلط والتخبيط، فاعلم أن هذا النفي العام للشرك: أن لا يشرك بالله شيئًا ألبتة لا يصدر من مصرٍ على معصية أبدًا، ولا يمكن مدمن الكبيرة والمُصِر على الصغيرة أن يصفو له التوحيد حتى لا يشرك بالله شيئًا؛ هذا من أعظم المحال، ولا يلتفت إلى جدلي لا حظ له من أعمال القلوب، بل قلبه كالحجر أو أقسى؛ يقول: وما المانع؟ وما وجه الإحالة؟ ولو فرض ذلك واقعًا لم يلزم منه محال لذاته.\nفدع هذا القلب المفتون بجدله وجهله، واعلم أن الإصرار على المعصية يوجب من خوف القلب من غير الله، ورجائه لغير الله، وحبه لغير الله، وذله لغير الله، وتوكله على غير الله، ما يصير به منغمسًا في بحار الشرك، والحاكم في هذا ما يعلمه الإنسان من نفسه، إن كان له عقل؛ فإن ذل المعصية لا بد أن يقوم بالقلب، فيورثه خوفًا من غير الله تعالى، وذلك شرك، ويورثه محبة لغير الله، واستعانة بغيره في الأسباب التي توصله إلى غرضه، فيكون عمله لا بالله ولا لله.\nوهذا حقيقة الشرك؛ نعم قد يكون معه توحيد أبي جهل، وعباد\n_________\n= على النار\"، وحديثهما أيضًا عن عبادة بن الصامت واللفظ لمسلم: \"من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله حرم الله عليه النار\"، وحديثهما أيضًا عن ابن مسعود: \"من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة\"، وحديث البخاري عن أبي هريرة: \"أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه\"، وحديث البزار بإسناد صحيح عن عمر مرفوعًا: \"من شهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة\"، وحديثه أيضًا بسند رجاله ثقات عن أبي سعيد: \"من قال لا إله إلا الله مخلصًا دخل الجنة\" إلى غير ذلك\". [نظم المتناثر (ص ٣٩)].\n(^١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٦٠).","vol":"2","page":657},{"text":"الأصنام، وهو توحيد الربوبية، وهو الاعتراف بأنه لا خالق إلا الله، ولو أنجى هذا التوحيد وحده لأنجى عباد الأصنام، والشأن في توحيد الإلهية الذي هو الفارق بين المشركين والموحدين.\nوالمقصود أن من لم يشرك بالله شيئًا يستحيل أن يلقى الله بقراب الأرض خطايا، مصرًا عليها، غير تائب منها، مع كمال توحيده الذي هو غاية الحب، والخضوع، والذل، والخوف، والرجاء للرب تعالى\" (^١).\nويقول الإمام ابن رجب: \"ما يحتاج إلى التطهير بنار جهنم إلا من لم يكمل تحقيق التوحيد والقيام بحقوقه\" (^٢).\nويقول -﵀-: \"فإذا تحقَّق القلبُ بالتَّوحيد التَّامَ، لم يبق فيه محبةٌ لغير ما يُحبُّه الله، ولا كراهة لغير ما يكرهه الله، ومن كان كذلك، لم تنبعثْ جوارحُهُ إلّا بطاعة الله، وإنَّما تنشأ الذُّنوب من محبَّة ما يكرهه الله، أو كراهة ما يُحبه الله، وذلك ينشأ من تقديم هوى النَّفس على محبَّة الله وخشيته، وذلك يقدحُ في كمال التَّوحيد الواجبِ، فيقعُ العبدُ بسبب ذلك في التَّفريط في بعض الواجبات، أو ارتكابِ بعضِ المحظوراتِ، فأَمَّا من تحقَّق قلبُه بتوحيدِ الله، فلا يبقى له همٌّ إلا في الله وفيما يُرضيه به\" (^٣).\nويقول المناوي: \"التوحيد المحض الخالص عن شوائب الشرك لا يبقى معه ذنب، فإنه يتضمن من محبة الله وإجلاله وخوفه ورجائه وحده ما يوجب غسل الذنوب فلو لقي الموحد المخلص ربه بقراب الأرض خطايا قابله بقرابها مغفرة؛ فإن نجاسة الذنوب عارضة والدفع لها قوي فلا تثبت معه خطيئة\" (^٤).\nوعليه فليس من شرط المحقق للتوحيد ألا يقع في المعاصي أبدًا،\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٣٢٦ - ٣٢٧)، وانظر: إغاثة اللهفان (١/ ٦٤).\n(^٢) كلمة الإخلاص (ص ٣٩).\n(^٣) جامع العلوم والحكم (ص ٣٦٦).\n(^٤) فيض القدير (٣/ ٣٨٨).","vol":"2","page":658},{"text":"بل قد تحصل منه بعض الذنوب ولكنه سرعان ما يؤوب وينيب ويرجع إلى ربه ﵎ بالتوبة والاستغفار.\nيقول الشيخ محمد بن عثيمين: \"إذ تحقيق التوحيد لا يكون إلا باجتناب الشرك بالمعنى الأعم، ولكن ليس معنى هذا ألا تقع منهم المعاصي؛ لأن كل ابن آدم خطاء، وليس بمعصوم، ولكن إذا عصوا فإنهمٍ يتوبون ولا يستمرون عليها؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)﴾ [آل عمران: ١٣٥] \" (^١).\n_________\n(^١) القول المفيد على كتاب التوحيد (١/ ٩٦).","vol":"2","page":659},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>المبحث الثاني\nقاعدة توحيد الربوبية هو أصل توحيد الإلهية ودليله الأكبر</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-173> المسألة الأولى * شرح معاني مفردات القاعدة</span>\nتضمنت القاعدة بعض الألفاظ التي تحتاج إلى بيان، ومنها لفظ الأصل والدليل، وفيما يلي أتعرض لشرحها وتفصيلها:\nفأما الأصل فمعناه في اللغة: أَسْفَلُ الشيء وجمعُه أُصولٌ، يُقال قَعَدَ في أَصْل الجَبَلِ، وأَصْلِ الحائِطِ، وقَلَعَ أَصْلَ الشَّجَرِ، ثم كَثُرَ حَتّى قِيلَ: أَصلُ كُلِّ شَيْءٍ ما يستَنِدُ وُجُودُ ذلك الشيءِ إِليهِ؛ فالأب أَصلٌ للوَلَدِ، والنَّهَرُ أَصْلٌ للجَدْوَلِ، فأصل الشيء أساسه الذي يقوم عليه، ومنشؤه الذي ينبت منه، وقال الرّاغِبُ: أَصْلُ كُل شَيءٍ قاعِدَتُه التي لو تُوُهِّمَتْ مُرتَفِعَةً ارْتَفَعَ بارْتِفاعَها سائِرُه، وقالَ غَيرُه الأَصْلُ ما يُبنَى عليه غَيرُه، وقيل: هو عبارة عما يُفْتَقَر إليه، ولا يَفْتَقِر هو إلى غيره (^١).\n_________\n(^١) انظر: تاج العروس (٢٧/ ٤٤٧)، تهذيب اللغة (١٢/ ١٦٨)، المحكم والمحيط الأعظم (٨/ ٣٥٢)، التعريفات (ص ٤٥)، المعجم الوسيط (ص ٢٠)، المصباح المنير (ص ١٦).","vol":"2","page":660},{"text":"أما استعمال الأصل في تعبيرات أهل العلم فهو بمعناه اللغوي، لكنهم أطلقوه على أمور أخرى يرجع مؤداها إلى المعنى اللغوي:\nفقيل هو: عبارة عما ينبى عليه غيره، ولا يبنى هو على غيره، والأصل ما يثبت حكمه بنفسه ويبنى على غيره (^١).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والأصول مأخوذة من أصول الشجرة، وأساس البناء، ولهذا يقال فيه: الأصل ما ابتنى عليه غيره، أو ما تفرع عنه غيره\" (^٢).\nوقيل هي: \"جمع أصل، وأصل الشيء: ما منه الشيء، أو ما استند الشيء في وجوده إليه، أو ما ينبني عليه غيره، أو ما احتيج إليه\" (^٣).\nوقد أطلق الأصل على أمور أخرى ترجع إلى معناه.\nيقول الإمام الشوكاني: \"فالأصول جمع أصل وهو في اللغة ما ينبني عليه غيره، وفي الاصطلاح: يقال على الراجح، والمستصحب، والقاعدة الكلية، والدليل، والأوفق بالمقام\" (^٤).\nفأما الدَّلِيلُ فمعناه في اللغة: ما يُستَدَلُّ به، وأيضًا الدَّالُّ، وقيل هو المُرشِدُ وما به الإرشادُ، والجمع أَدِلَّةٌ وأَدِلَّاءُ، وقد دَّلَهُ على الطريق يَدُلُّه بالضم دَلَالَة بفتح الدال وكسرها ودَلُولَة بالضم (^٥).\nوعرَّفه ابن قدامة اصطلاحًا بقوله: \"الدليل وهو ما يتوصل بصحيح النظر فيه إلى علم أو ظن ...، وقيل: هو ما دل على المراد بما يستقل بنفسه في الدلالة على المراد\" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: التعريفات للجرجاني (ص ٤٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٣/ ١٥٨).\n(^٣) المختصر في أصول الفقه (ص ٣٠).\n(^٤) إرشاد الفحول (ص ١٧).\n(^٥) انظر: تاج العروس (٢٨/ ٥٠١)، ومختار الصحاح (ص ٨٨).\n(^٦) روضة الناظر (ص ١٨٤).","vol":"2","page":661},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-174> المسألة الثانية * بيان معنى القاعدة</span>\nالقاعدة أفادت أن الإقرار بتوحيد الربوبية، وكون الله ﵎ هو الخالق والمالك والمدبر هو الأصل الذي يثمر توحيد الألوهية، ويتوصل به إلى توحيد العبادة، كما أنه الأساس والأصل الذي ينبني عليه توحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية يتفرع عنه، فهو مصدره وأساسه، فلا يثبت توحيد العبادة، ولا يقوم ولا يصح بدون ثبات أصله وهو الإقرار بالرب تعالى ومعرفته ومعرفة أسمائه وصفاته، وكونه المالك المدبر، العالم بكل شيء، المحيط بجميع ما في الكون.\nكما أنه الدليل والحبل الذي يوصل إلى توحيد الألوهية، فإن الذي يخلق ويرزق ويملك ويدبر وله الأسماء الحسنى والصفات العلى، حري بأن يعبد، ويفرد بالخضوع والذل والمحبة، والرغبة والرهبة والخشوع والإنابة والتوكل والصبر.\nيقول الإمام ابن القيم: \"فيثبت قدم العبد في توحيد الربوبية ثم يرقى منه صاعدًا إلى توحيد الإلهية؛ فإنه إذا تيقن أن الضر والنفع، والعطاء والمنع، والهدى والضلال، والسعادة والشقاء، كل ذلك بيد الله لا بيد غيره، وأنه الذي يقلب القلوب ويصرفها كيف يشاء، وأنه لا موفق إلا من وفقه وأعانه، ولا مخذول إلا من خذله وأهانه وتخلى عنه، وأن أصح القلوب، وأسلمها، وأقومها، وأرقها، وأصفاها، وأشدها، وألينها، من اتخذه وحده إلهًا ومعبودًا، فكان أحب إليه من كل ما سواه، وأخوف عنده من كل ما سواه، وأرجى له من كل ما سواه، فتتقدم محبته في قلبه جميع المحاب، فتنساق المحاب تبعًا لها كما ينساق الجيش تبعًا للسلطان، ويتقدم خوفه في قلبه جميع المخوفات، فتنساق المخاوف كلها تبعًا لخوفه، ويتقدم رجاؤه في قلبه جميع الرجاء، فينساق كل رجاء تبعًا لرجائه.","vol":"2","page":662},{"text":"فهذا علامة توحيد الإلهية في هذا القلب، والباب الذي دخل إليه منه توحيد الربوبية، أي: باب توحيد الإلهية هو توحيد الربوبية، فإن أول ما يتعلق القلب يتعلق بتوحيد الربوبية، ثم يرتقي إلى توحيد الإلهية، كما يدعو الله سبحانه عباده في كتابه بهذا النوع من التوحيد إلى النوع الآخر، ويحتج عليهم به، ويقررهم به، ثم يخبر أنهم ينقضونه بشركهم به في الإلهية\" (^١).\nفلا يحصل ولا يتحقق توحيد العبادة إلا بتحقيق توحيد الربوبية، فهو الباب والمفتاح الذي يفتح القلوب لتصل إلى هذه الغاية العظيمة، وتحقق الحكمة الشرعية من خلق الإنس والجن وهي إلهية الله تعالى وإفراده -﷿- بالعبادة.\nويقول الإمام ابن أبي العز الحنفي: \"فإن توحيد الربوبية لا يحتاج إلى دليل؛ فإنه مركوز في الفطر، وأقرب ما ينظر فيه المرء أمر نفسه لما كان نطفة وقد خرج من بين الصلب والترائب، والترائب: عظام الصدر، ثم صارت تلك النطفة في قرار مكين في ظلمات ثلاث، وانقطع عنها تدبير الأبوين وسائر الخلائق، ولو كانت موضوعة على لوح أو طبق واجتمع حكماء العالم على أن يصوروا منها شيئًا لم يقدروا، ومحال توهم عمل الطبائع فيها؛ لأنها موات عاجزة، ولا توصف بحياة، ولن يتأتى من الموات فعل وتدبير، فإذا تفكر في ذلك وانتقال هذه النطفة من حال إلى حال علم بذلك توحيد الربوبية، فانتقل منه إلى توحيد الإلهية؛ فإنه إذا علم بالعقل أن له ربًا أوجده كيف يليق به أن يعبد غيره، وكلما تفكر وتدبر ازداد يقينًا وتوحيدًا، والله الموفق لا رب غيره، ولا إله سواه\" (^٢).\nفذكر - ﵀ - أن توحيد الربوبية لا يحتاج إلى دليل؛ وذلك لأنه\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٤١١).\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٧٤).","vol":"2","page":663},{"text":"الأصل، فهو مركوز في فطر الخلق، والأصل في حد ذاته دليل على الفرع، فتوحيد الربوبية هو الدليل على توحيد العبادة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-175> المسألة الثالثة * أدلة القاعدة</span>\nمما يدل على صحة القاعدة واعتبارها أمور عدة:\nأولًا: إلزام الله ﵎ المشركين بتوحيد الله في عبادته، بناء على إقرارهم بتوحيد الربوبية، وهذا الاستدلال كثير في القرآن الكريم وهو يدل على أن إقرار العبد بتوحيد الربوبية هو أكبر دليل على تقريره إفراد الله تعالى بالعبادة دون ما سواه، ولو لم يكن هذا الإقرار دليلًا على هذا لم يحتج به سبحانه على المشركين ولم يلزمهم بهذا الإقرار أصلًا، وما دام أن الإقرار أصبح دليلًا، فإنَّه يكون سابقًا ومتقدمًا على المدلول فثبت كونه أصلًا للمدلول.\nومن تلك النصوص:\nقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)﴾ [العنكبوت: ٦١]، وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾ [العنكبوت: ٦٣]، وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾ [لقمان: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)﴾ [الزخرف: ٩]، وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ [الزخرف: ٨٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤)﴾ [يونس: ٣٤]، وقوله عز من قائل: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ","vol":"2","page":664},{"text":"خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾ [الزمر: ٦].\nوغير ذلك من الآيات التي يذكر الله تعالى فيها إقرار المشركين بتوحيد الربوبية، ثم يوبخهم محتجًا عليهم به على عدم تحقيقهم لتوحيد الألوهية.\nيقول الإمام الطبري في بيان احتجاج الله ﵎ على المشركين بهذا التوحيد: \"وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾ يقول تعالى ذكره: لا ينبغي أن يكون معبود سواه، ولا تصلح العبادة إلا له، ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾ يقول تعالى ذكره: فأنى تصرفون أيها الناس فتذهبون عن عبادة ربكم الذي هذه الصفة صفته إلى عبادة من لا ضر عنده لكم ولا نفع\" (^١).\nويقول الإمام أبو عبد الله القرطبي في قوله: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾: \"أي: كيف تصرفون عقولكم إلى عبادة ما لا يرزق ولا يحيي ولا يميت\" (^٢).\nويقول الإمام ابن القيم: \"وهذه طريقة القرآن الكريم يحتج عليهم بإقرارهم بهذا التوحيد على ما أنكروه من توحيد الإلهية والعبادة، وإذا كان وحده هو ربنا ومالكنا وإلهنا فلا مفزع لنا في الشدائد سواه، ولا ملجأ لنا منه إلا إليه، ولا معبود لنا غيره، فلا ينبغي أن يدعى، ولا يخاف، ولا يرجى، ولا يحب سواه، ولا يذل لغيره، ولا يخضع لسواه، ولا يتوكل إلا عليه؛ لأن من ترجوه وتخافه وتدعوه وتتوكل عليه، إما أن يكون مربيك، والقيم بأمورك، ومولي شأنك، وهو ربك فلا رب سواه، أو تكون مملوكه وعبده الحق، فهو ملك الناس حقًا، وكلهم عبيده ومماليكه\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢٣/ ١٩٧).\n(^٢) تفسير القرطبي (٨/ ٣٤٠).\n(^٣) بدائع الفوائد (٢/ ٤٧٢).","vol":"2","page":665},{"text":"ويقول الإمام ابن كثير: \"فكما أنه -سبحانه- الواحد في ملكه فليكن الواحد في عبادته، وكثيرًا ما يقرر تعالى مقام الإلهية بالاعتراف بتوحيد الربوبية، وقد كان المشركون يعترفون بذلك كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك\" (^١).\nويقول الإمام الشاطبي: \"ووجه خامس: وهو أن القرآن قد احتج على الكفار بالعمومات العقلية، والعمومات المتفق عليها؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥)﴾ [المؤمنون: ٨٤، ٨٥]، فاحتج عليهم بإقرارهم بأن ذلك لله على العموم، وجعلهم إذ أقروا بالربوبية لله في الكل ثم دعواهم الخصوص محسورين لا عقلاء، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)﴾ [العنكبوت: ٦١]؛ يعني: كيف يُصرَفُونَ عن الإقرار بأن الرب هو الله بعد ما أقروا فيدعون شريكًا\" (^٢).\nويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: \"وأول أمر في القرآن، يقرع سمع السامع، والمستمع، قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١] فأمرهم بتوحيد الإلهية واستدل عليه بالربوبية، ونهاهم عن الشرك به، وأمرهم بخلع الأنداد، التي يعبدها المشركون من دون الله\" (^٣).\nويصرح الإمام محمد الأمين الشنقيطي بهذه الطريقة القرآنية التي سبق وأن أشار إليها الإمام ابن القيم فيقول: \"ويكثر في القرآن العظيم الاستدلال على الكفار باعترافهم بربوبيته جلَّ وعلا على وجوب توحيده في عبادته؛ ولذلك يخاطبهم في توحيد الربوبية باستفهام التقرير، فإذا\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٣/ ٤٢٢).\n(^٢) الموافقات (٤/ ٣٢٦).\n(^٣) الدرر السنية (١/ ٤٤٣).","vol":"2","page":666},{"text":"أقروا بربوبيته احتج بها عليهم على أنه هو المستحق؛ لأن يعبد وحده، ووبَّخهم منكرًا عليهم شركهم به غيره مع اعترافهم بأنه هو الرب وحده؛ لأن من اعترف بأنه هو الرب وحده لزمه الاعتراف بأنه هو المستحق لأن يعبد وحده\" (^١).\nثانيًا: أن تحقيق توحيد الألوهية بدون تحقيق الربوبية لا يتصور؛ لأنك إن لم تثبت الله تعالى ربًا موجودًا، وخالقًا ورازقًا ومحييًا ومميتًا وقادرًا وفعَّالًا لما يريد، يعلم السر وأخفى، يراك في كل حال وحين، ويعلم كل ما يحدث في الكون على وجه التفصيل، فكيف تعبده، هذا هو النظر الصحيح؛ وذلك أنه لا يعبد ولا تصرف العبادة إلا لمن اتصف بالربوبية التامة، والملك الشامل، والتدبير لكل ذرات الكون، فصار بذلك مستحقًا للعبادة، وهذا يدل على أن توحيد الربوبية هو الأصل الذي يقوم فصار بذلك مستحقًا للعبادة، عليه توحيد العبادة، وهو الدرجة الأولى في سلم التعبد والتأله للملك الحق المبين، وبدونه لا يتصور حصول توحيد الألوهية.\nولقد بيَّن الله ﵎ هذا الأمر في كتابه الكريم في آيات كثيرة، وهو أن الذي يستحق أن تصرف له العبادة هو الخالق القوي لا غيره من الآلهة والأنداد التي هي مملوكة، ولا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًا فضلًا عن أن تملكه لغيرها.\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١]، فدلت الآية على أن المعبود هو الخالق دون غيره.\nوقال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾ [النحل: ١٧]، وقال عز من قائل: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ\n_________\n(^١) أضواء البيان (٣/ ١٩).","vol":"2","page":667},{"text":"الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ [الرعد: ١٦]، وقال: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣)﴾ [الفرقان: ٢، ٣]، وقال - ﷿ -: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ [لقمان: ١١]، وقال -﷾-: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٤٠)﴾ [فاطر: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤)﴾ [الأحقاف: ٤]، وقال سبحانه: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ [الأعراف: ١٩١]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)﴾ [الحج: ٧٣]، وقال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ [الطور: ٣٥]، وقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)﴾ [النحل: ٢٠]، إلى غير ذلك من الآيات التي فيها أن الذي لا يرزق عباده ويتكفل برزقهم فلا يستحق أن يكون معبودًا كقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾ [العنكبوت: ١٧].\nيقول ابن عطية في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)﴾ [يس: ٢٢]: ﴿وَمَا لِيَ لَا﴾: تقرير لهم على جهة التوبييخ في هذا الأمر الذي يشهد العقل بصحته؛ أن من فطر واخترع","vol":"2","page":668},{"text":"وأخرج من العدم إلى الوجود فهو الذي يستحق أن يعبد\" (^١).\nويقول الواحدي (^٢): ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢]: أندادًا: أمثالًا من الأصنام التي تعبدونها وأنتم تعلمون أنهم لا يخلقون، والله هو الخالق، وهذا احتجاج عليهم في إثبات التوحيد\" (^٣).\nوالمقصود إثبات توحيد الألوهية؛ لأنهم أقروا واعترفوا بتوحيد الربوبية.\nولذا عقد الإمام البيهقي بابًا في كتابه الكبير \"شعب الإيمان\" أشار فيه إلى أن الإقرار بتوحيد الربوبية حجة نبَّه الله تعالى بها إلى إفراده بالعبادة فقال -﵀-: \"الثالث والثلاثون من شعب الإيمان، وهو باب (في تعديد نعم الله - ﷿ - وما يجب من شكرها\" قال الله - ﷿ - فيما عدد على عباده من نعمه، ونبههم بذلك على ما يلزمهم من عبادته، تعظيمًا له وشكرًا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١، ٢٢] \" (^٤).\nويقول الإمام ابن القيم في تفسير آية البقرة: \"ثم قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ فتأمل هذه النتيجة وشدة لزومها لتلك المقدمات قبلها، وظفر العقل بها بأول وهلة، وخلوصها من كل\n_________\n(^١) تفسير ابن عطية (٤/ ٤٥١).\n(^٢) هو: علي بن أحمد به محمد بن علي أبو الحسن الواحدي النيسابوري، كان واحد عصره في التفسير، وكان حقيقًا بكل احترام وإعظام، لازم أبا إسحاق الثعلبي، وتصدر للإفادة وللتدريس مدة، وله شعر حسن، صنف التصانيف الثلاثة في التفسير البسيط والوسيط والوجيز، وأسباب النزول، وشرح ديوان المتنبي، وغيرها، توفي سنة ثمان وستين وأربعمائة. [ترجمته في: طبقات المفسرين (ص ٧٨ - ٧٩)، وطبقات الشافعية الكبرى (٥/ ٢٤٠ - ٢٤١)].\n(^٣) تفسير الواحدي (١/ ٩٥).\n(^٤) شعب الإيمان (٤/ ٨٥).","vol":"2","page":669},{"text":"شبهة وريبة وقادح، وإن كل متكلم ومستدل ومحاج إذا بالغ في تقرير ما يقرره وأطاله وأعرض القول فيه، فغايته إن صح ما يذكره أن ينتهي إلى بعض ما في القرآن.\nفتأمل ما تحت هذه الألفاظ من البرهان الشافي في التوحيد؛ أي: إذا كان الله وحده هو الذي فعل هذه الأفعال، فكيف يجعلون له أندادًا وقد علمتم أنه لا ند له يشاركه في فعله\" (^١).\nويقول -﵀- في قصة صاحب ياسين: \"ومن هذا قوله تعالى حاكيًا عن صاحب ياسين أنه قال لقومه محتجًا عليهم بما تقر به فطرهم وعقولهم: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)﴾ [يس: ٢٢]، فتأمل هذا الخطاب كيف تجد تحته أشرف معنى وأجله، وهو أن كونه سبحانه فاطرًا لعباده يقتضي عبادتهم له، وأن من كان مفطورًا مخلوقًا فحقيق به أن يعبد فاطره وخالقه، ولا سيما إذا كان مرده إليه، فمبدأه منه ومصيره إليه، وهذا يوجب عليه التفرغ لعبادته\" (^٢).\nويقول الإمام ابن كثير في قوله تعالى: ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾ [نوح: ٢٠]: \"أي: خلقها لكم لتستقروا عليها، وتسلكوا فيها أين شئتم من نواحيها وأرجائها وأقطارها، وكل هذا مما ينبههم به نوح -﵇- على قدرة الله وعظمته في خلق السماوات والأرض، ونعمه عليهم فيما جعل لهم من المنافع السماوية والأرضية، فهو الخالق الرزاق، جعل السماء بناء والأرض مهادًا، وأوسع على خلقه من رزقه، فهو الذي يجب أن يعبد ويوحد، ولا يشرك به أحد؛ لأنه لا نظير له، ولا عديل له، ولا ند، ولا كفء، ولا صاحبة، ولا ولد، ولا وزير، ولا مشير، بل هو العلي الكبير\" (^٣).\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (٤/ ٩٤٥).\n(^٢) مفتاح دار السعادة (٢/ ٨)، وانظر: الصواعق المرسلة (٢/ ٤٩٥).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٤/ ٤٢٧).","vol":"2","page":670},{"text":"ويقول الألوسي مبينًا كون صفات الربوبية هي الدليل الأكبر على توحيد العبادة: \"أما الأول الذي هو قصر الخالقية فيه تعالى؛ فلأن مقتضى قصر الألوهية عليه تعالى قصرًا حقيقيًا هو أن الله - ﷿ - هو الذي يستحق أن يعبده كل مخلوق؛ فهو النافع الضار على الإطلاق، - ﷾ - الخالق لكل شيء، فإن كل من لا يكون خالقًا لكل شيء لا يكون نافعًا ضارًا على الإطلاق، وكل من لا يكون كذلك لا يستحق أن يعبده كل مخلوق؛ لأن العبادة هي الطاعة، والانقياد، والخضوع، ومن لا يملك نفعًا ولا ضرًّا بالنسبة إلى بعض المخلوقين لا يستحق أن يعبده ذلك البعض، ويطيعه، وينقاد له؛ فإن من لا يقدر على إيصال نفع إلى شخص، أو دفع ضر عنه، لا يرجوه، ومن لا يقدر على إيصال ضر إليه، لا يخافه، وكل من لا يخاف ولا يرجى أصلًا لا يستحق أن يعبد، وهو ظاهر؛ لكن الذي يقتضيه قصر الألوهية عليه تعالى قصرًا حقيقيًا هو أن الله تعالى: هو الذي يستحق أن يعبده كل مخلوق، فهو النافع الضار\" (^١).\nويقول العلامة محمد بشير السهسواني الهندي (^٢): \"الإقرار بتوحيد الربوبية مع لحاظ قضية بديهية وهي أن غير الرب لا يستحق العبادة، يقتضي الإقرار بتوحيد الألوهية عند من له عقل سليم، وفهم مستقيم، فيكون الإقرار المذكور حجة عليهم، كما احتج الله تعالى على المشركين بتوحيد الرازق، ومالك السمع والأبصار، والمحيي والمميت، ومدبر الأمر، ومن له الأرض ومن فيها، ورب السماوات السبع ورب العرش\n_________\n(^١) روح المعاني (٢٦/ ٥٩).\n(^٢) هو: محمد بشير بن محمد بدر الدين السهسواني الهندي: عالم بالحديث والفقه، من أهل الهند، مولده في لكهنؤ، سنة ١٢٥٠ هـ، ونسبته إلى سهسوان، من ولاية (بدايون)، تعلم في دهلي، وتولى رئاسة المدارس الدينية في بهوبال نحو ٢٥ عامًا، ثم عاد إلى دهلي فتوفي بها، من أشهر كتبه: صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان، والحق الصريح في إثبات حياة المسيح، وغيرها، توفي سنة ١٣٢٦ هـ. [انظر: الأعلام للزركلي (٦/ ٥٣)].","vol":"2","page":671},{"text":"العظيم، ومن بيده ملكوت كل شيء، ومن خلق السموات والأرض، وسخر الشمس والقمر، ومن أنزل من السماء ماء، ومن خلقهم -في الآيات التي تليت فيما تقدم- على وحدانية الألوهية\" (^١).\nولكن المشركين لفساد عقولهم، وحقارة أفهامهم، وسقامة قلوبهم لم يتوصلوا إلى تحقيق توحيد العبادة، ولا وصلوا إلى تلك النتيجة التي هي ملزومة لإقرارهم بتوحيد الربوبية، وهو لازم لها.\nيقول الشيخ الأمين الشنقيطي بعد ذكره جملة من الآيات السابقة: \"فهذه الآيات تبين أن الذي يستحق أن يعبد هو من يخلق الخلق، ويبرزهم من العدم إلى الوجود، أما غيره فهو مخلوق مربوب، محتاج إلى من يخلقه ويدبر شؤونه\" (^٢).\nوقال - ﵀ -: \"لأن من تأتى من قبله البركات والخيرات، ويدرّ الأرزاق على الناس، هو وحده المتفرّد بالعظمة، واستحقاق إخلاص العبادة له، والذي لا تأتي من قبله بركة، ولا خير، ولا رزق، كالأصنام وسائر المعبودات من دون الله لا يصحّ أن يعبد، وعبادته كفر مخلّد في نار جهنّم\" (^٣).\nويقول الشيخ السعدي: \"أما الدليل العقلي: فإنه قد علم كل أحد حتى هؤلاء الذين جادلهم إبراهيم، أن الله وحده الخالق لجميع المخلوقات من بني آدم، والملائكة، والجن، والبهائم، والسموات والأرض، المدبر لهن بجميع أنواع التدبير، فيكون كل مخلوق مفطورًا، مدبرًا، متصرفًا فيه، ودخل في ذلك جميع ما عبد من دون الله، أفيليق عند من له أدنى مسكة من عقل، وتمييز أن يعبد مخلوقًا مُتَصَرَفًا فيه، لا يملك نفعًا، ولا ضرًا، ولا موتًا، ولا حياة، ولا نشورًا، ويدع عبادة\n_________\n(^١) صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان (ص ٤٤٣).\n(^٢) أضواء البيان (٢/ ٣٣٠).\n(^٣) أضواء البيان (٦/ ٤).","vol":"2","page":672},{"text":"الخالق الرازق المدبر\" (^١).\nويقول أيضًا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)﴾ [يس: ٢٢]: \"أي: وما المانع لي من عبادة من هو المستحق للعبادة؛ لأنه الذي فطرني، وخلقني، ورزقني، وإليه مآل جميع الخلق فيجازيهم بأعمالهم، فالذي بيده الخلق، والرزق، والحكم بيد العباد في الدنيا والآخرة، هو الذي يستحق أن يعبد، ويثنى عليه، ويمجد، دون من لا يملك نفعًا، ولا ضرًّا، ولا عطاء، ولا منعًا، ولا موتًا، ولا حياة، ولا نشورًا\" (^٢).\nثالثًا: دليل الفطرة التي فطر الله عليها الخلق؛ فإن الله فطر عباده على فطرة تضمنت الإقرار به ومعرفته كما تضمنت محبته والذل له وتوحيده؛ والإقرار والمعرفة سابقة للمحبة والتوحيد وهي فرع عن الإقرار والمعرفة في ذات الفطرة، فدل ذلك على أن الإقرار والمعرفة هما الاصل لما يأتي بعدهما من المحبة والذل والخضوع والتوحيد.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"ومن المعلوم أن وجود حب الله، وخشيته، والرغبة إليه، وتألهه في القلب، فرع وجود الإقرار به، وهذا الثاني مستلزم للأول؛ فإذا كان هذا يكون ضروريًا في القلب، فوجود الإقرار السابق عليه اللازم له أولى أن يكون ضروريًا، فإن ثبوت الملزوم لا يكون إلا مع ثبوت اللازم\" (^٣).\nوالملزوم هو حب الله وخشيته والرغبة إليه وتألهه، واللازم هو الإقرار والمعرفة به - ﷾ -، فإذا ثبت الملزوم ثبت اللازم، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم (^٤).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٥٢٦).\n(^٢) المصدر نفسه (ص ٦٩٤).\n(^٣) درء التعارض (٣/ ١٣٧).\n(^٤) انظر: قاعدة التلازم بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية (ص ٤١٧).","vol":"2","page":673},{"text":"يوضحه: أن العباد مفطورون على العلم بربوبية الله تعالى قبل علمهم بألوهيته -﷾-؛ لأن فقرهم وحاجتهم إلى الربوبية سابق لفقرهم واحتياجهم إليه تعالى في ألوهيته.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"ولما كان علم النفوس بحاجتهم وفقرهم إلى الرب قبل علمهم بحاجتهم وفقرهم إلى الإله المعبود، وقصدهم لدفع حاجاتهم العاجلة قبل الآجلة، كان إقرارهم بالله من جهة ربوبيته أسبق من إقرارهم به من جهة ألوهيته، وكان الدعاء له، والاستعانة به، والتوكل عليه فيهم أكثر من العبادة له، والإنابة إليه\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-176> المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nتضافرت أقوال أهل العلم في تقرير ما دلت عليه القاعدة من كون توحيد الربوبية هو الأصل والمقدمة والواسطة والأساس الذي يأتي بعده توحيد العبادة، وكون الأول هو الدليل الأكبر الباهر الذي يدل ويقود الخلق إلى إفراد الله ﵎ بخالص العبادة، والخضوع، والذل، والمحبة، وفيما يأتي أسوق ما وقفت عليه من تلكم الأقوال التي تؤيد هذا المعنى:\nومما قرره أهل العلم: أن عبادة الله النافعة مشروطة بتحصيل معرفة الله تعالى قبل العبادة؛ لأن من لا يعرف معبوده لا ينتفع بعبادته، فكان الأمر بعبادة الله أمرًا بتحصيل المعرفة أولًا، ونظيره قوله تعالى في أول سورة البقرة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، ثم أتبعه بالدلائل الدالة على وجود الصانع وهو قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إنما حسن ذلك لأن الأمر بالعبادة يتضمن الأمر بتحصيل المعرفة\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٤/ ١٤ - ١٥).","vol":"2","page":674},{"text":"فلا جرم ذكر ما يدل على تحصيل المعرفة (^١).\nيقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب في معرض جوابه عن سؤال تضمن بيان سبب قلة تعريج الشيخ على موضوع الربوبية؛ مع أن موجب الإلهية هو الربوبية، كما تضمن طلب بيان حال من لا يرى أهمية الربوبية، ولا يعتبرها، ويتهاون بها فأجاب بقوله: \"سرَّني ما ذكرت من الإشكال، وانصرافك إلى الفكرة في توحيد الربوبية، ولا يخفاك أن التفصيل يحتاج إلى أطول، ولكن ما لا يدرك كله، لا يترك كله، فأما توحيد الربوبية، فهو الأصل ولا يغلط في الإلهية إلا من لم يعطه حقه، كما قال تعالى، فيمن أقر بمسألة منه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ [الزخرف: ٨٧].\nومما يوضح لك الأمر: أن التوكل من نتائجه، والتوكل من أعلى مقامات الدين، ودرجات المؤمنين؛ وقد تصدر الإنابة والتوكل من عابد الوثن بسبب معرفته بالربوبية، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ [الزمر: ٨]، وأما عبادته سبحانه بالإخلاص دائمًا، في الشدة والرخاء، فلا يعرفونها وهي نتيجة الإلهية، وكذلك الإيمان بالله واليوم الآخر، والإيمان بالكتب، والرسل وغير ذلك؛ وأما الصبر والرضا، والتسليم والتوكيل، والإنابة، والتفويض، والمحبة، والخوف، والرجاء، فمن نتائج توحيد الربوبية، وكذلك توحيد الالهية، هو: أشهر نتائج توحيد الربوبية\" (^٢).\nفبيّن -﵀- أن توحيد الربوبية هو الأصل، وأن الخلل الحاصل في توحيد العبادة، وصرف العبادة والتأله لغير الله -﷿- إنما هو بسبب خلل حاصل في توحيد الربوبية، وإلا فإذا سلم توحيد الربوبية من الخلل\n_________\n(^١) انظر: التفسير الكبير للرازي (١٧/ ١٤٥).\n(^٢) الدرر السنية (٢/ ٦٣ - ٦٥).","vol":"2","page":675},{"text":"والضعف فإن توحيد الإلهية يكون من أعظم ثمراته، وأشهر نتائجه التي تحصل بسببه حتمًا ولا بد.\nويقول الألوسي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤)﴾ [الكهف: ١٤]: \"وابتدأوا بما يشير إلى توحيد الربوبية لأنه أول مراتب التوحيد والتوحيد الذي أقرت به الأرواح في عالم الذرويون (^١)، قال لها سبحانه: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)، وفي ذكر ذلك أولًا وذكر الآخر بعده تدرج في المخالفة؛ فإن توحيد الربوبية يشير إلى توحيد الألوهية بناء على أن اختصاص الربوبية به -﷿- علة لاختصاص الألوهية واستحقاق المعبودية به -﷾-، وقد ألزم جل وعلا الوثنية القائلين باختصاص الربوبية بذلك في غير موضع، ولكون الجملة الأولى مشيرة إلى توحيد الألوهية قيل: إن في الجملة الثانية تأكيدًا لها، فتأمل ولا تعجل بالاعتراض\" (^٢).\nويعتبر الإمام ابن القيم دلالة توحيد الربوبية على توحيد العبادة من أعظم الأدلة وأصحها وأظهرها، لما فيها من موافقة العقول وتقبل الفطر، وكونه لم ينكره أحد من البشر إلا عنادًا واستكبارًا، فيقول: \"فتوحيد الربوبية أعظم دليل على توحيد الالهية؛ ولذلك وقع الاحتجاج به في القرآن أكثر مما وقع بغيره؛ لصحة دلالته، وظهورها، وقبول العقول والفطر لها، ولاعتراف أهل الأرض بتوحيد الربوبية، وكذلك كان عباد الأصنام يقرون به وينكرون توحيد الإلهية\" (^٣).\n_________\n(^١) قصده: وهم في عالم الذر، وهي الهيئة التي أخرج الله بها ذرية آدم حينما مسح ظهره، وقد جاء في الأثر عن ابن عباس، وابن مسعود: أن الله تعالى لما أخرج آدم من الجنة قبل أن يهبطه من السماء مسح صفحة ظهره اليمنى، فأخرج منها ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر. [انظر: التمهيد لابن عبد البر (١٨/ ٨٦)].\n(^٢) روح المعني (١٥/ ٢١٩).\n(^٣) طريق الهجرتين (٨٠).","vol":"2","page":676},{"text":"بل إن توحيد العبادة هو ثمرة ونتيجة لتوحيد الربوبية كما صرح بذلك الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ - ﵀ - حيث يقول: \"لأن فيها التبرؤ من الحول والقوة والمشيئة بدون حول الله وقوته ومشئته، والإقرار بقدرته على كل شيء، وبعجز العبد عن كل شيء إلا ما أقدره عليه ربه، وهذا نهاية توحيد الربوبية الذي يثمر التوكل وتوحيد العبادة\" (^١).\nويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ مبينًا كون توحيد الربوبية هو الدليل على توحيد العبادة: \"ففيه التبري من الحول والقوة والمشيئة بدون حول الله وقوته ومشيئته، وهذا هو التوحيد في الربوبية، وهو الدليل على توحيد الإلهية الذي هو إفراد، الله تعالى بجميع أنواع العبادة، وهو توحيد القصد والإرادة\" (^٢).\nويقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ في معرض جوابه عن سؤال في شرك الربوبية والألوهية: \"ولهذا توحيد الربوبية هو الدليل على توحيد الألوهية، ولا يمكن أَحدًا أَن يقر بتوحيد الإلهية ويجحد توحيد الربوبية أَبدًا، وقد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب -﵀- في بعض مؤلفاته كلامًا معناه: أَما توحيد الربوبية فهو الأصل الأَصيل\" (^٣).\nويصف الشيخ السعدي الإقرار بتوحيد الربوبية بأنه من أعظم الأدلة العقلية على توحيد الباري جل في علاه فيقول: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾: أن الله ليس له شريك، ولا نظير، لا في الخلق والرزق والتدبير، ولا في العبادة، فكيف تعبدون معه آلهة أخرى مع علمكم بذلك، هذا من أعجب العجب، وأسفه السفه، وهذه الآية جمعت بين الأمر بعبادة الله وحده والنهي عن عبادة ما سواه، وبيان الدليل الباهر على وجوب عبادته\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد (٣٦٤).\n(^٢) فتح المجيد (٢٥١).\n(^٣) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (١/ ٢٧). تحت عنوان: الشرك في الربوبية أَعظم، برقم (٤).","vol":"2","page":677},{"text":"وبطلان عبادة من سواه، وهو ذكر توحيد الربوبية المتضمن لانفراده بالخلق والرزق والتدبير، فإذا كان كل أحد مقرًا بأنه ليس له شريك في ذلك، فكذلك فليكن الإقرار بأن الله ليس له شريك في العبادة وهذا أوضح دليل عقلي على وحدانية الباري وبطلان الشرك\" (^١).\nويقول -﵀-: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)﴾؛ أي: فكيف يصرفون عن عبادة الله، والإخلاص له وحده، فإقرارهم بتوحيد الربوبية يلزمهم به الإقرار بتوحيد الألوهية، وهو من أكبر الأدلة على بطلان الشرك\" (^٢).\nوإذا بطل الشرك في الألوهية ثبت التوحيد في العبادة.\nويصرح الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - ﵀ - في بعض فتاواه بما تضمنه لفظ القاعدة، مؤكدًا أهمية توحيد الربوبية، ومكانته من الدين فيقول: \"والله سبحانه أنزل الكتب وأرسل الرسل ليعبد وحده لا شريك له، وليبين حقه لعباده، ويذكر للعباد ما هو موصوف به سبحانه من أسمائه الحسنى وصفاته العلى، ليعرفوه جل وعلا بأسمائه وصفاته وعظيم إحسانه، وكمال قدرته، وإحاطة علمه جل وعلا، وما ذاك إلا لأن توحيد الربوبية هو الأساس والأصل لتوحيد الالهية والعبادة، فلهذا بعثت الرسل -عليهم الصلاة والسلام- وأنزلت الكتب السماوية من الله - ﷿ - لبيان صفاته وأسمائه وعظيم إحسانه، وبيان استحاقه أن يعظم ويدعى ويسأل جل وعلا، حتى تخضع الأمم لعبادته وطاعته، وحتى تنيب إليه، وحتى لعبده دون كل ما سواه جل وعلا، وهذا موجود كثيرًا في كتاب الله - ﷿ -، وقد ذكر الله - ﷾ - ذلك عن كثير من رسله - عليهم الصلاة والسلام - \" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير الشيخ السعدي (ص ٤٥)، وانظر كذلك: (ص ٤٩٣).\n(^٢) المصدر نفسه (ص ٧٧١).\n(^٣) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز (٢/ ٤٦ - ٤٧).","vol":"2","page":678},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-177> المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nيؤخذ من القاعدة ويستفاد منها بعض الفوائد منها ما يلي:\nأولًا: دلت القاعدة على أهمية توحيد الربوبية، ومكانته العظيمة؛ وذلك لكونه أصلًا وأساسًا لتوحيد العبادة، ولا تخفى مكانة توحيد العبادة في دين الإسلام فكيف بأصله وأساسه الذي يقوم عليه ولا يصح بدونه، بل لا يكمل توحيد الألوهية ويحصل تحقيقه في القلب بدون تحقيق توحيد الربوبية.\nيقول أبو حيان: \"لأن التوحيد هو الأصل والعبادة فرعه\" (^١).\nثانيًا: قرَّر أهل العلم -﵏- قاعدة قرآنية بنوها على استقراء القرآن وما ثبت من إقرار المشركين بتوحيد الربوبية وعدم إنكارهم له، وأنه لم ينكره أحد من البشرية إلا على جهة العناد والاستكبار، وهذه القاعدة هي أن الاستفهامات الواردة في القرآن الكريم والمتعلقة بالربوبية هي استفهامات تقرير وليست استفهامات إنكار.\nيقول الإمام ابن أبي العز: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾ [النمل: ٦٠]؛ أي: أإله مع الله فعل هذا، وهذا استفهام إنكار يتضمن نفي ذلك، وهم كانوا مقرين بأنه لم يفعل ذلك غير الله، فاحتج عليهم بذلك، وليس المعنى أنه استفهام: هل مع الله إله؟ كما ظنه بعضهم؛ لأن هذا المعنى لا يناسب سياق الكلام، والقوم كانوا يجعلون مع الله آلهة أخرى\" (^٢).\nويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: \"ولأجل ذلك ذكرنا في غير هذا الموضع أن كل الأسئلة المتعلِّقة بتوحيد الربوبية استفهامات تقرير،\n_________\n(^١) تفسير البحر المحيط (١/ ١٤٣).\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٨٤).","vol":"2","page":679},{"text":"يراد منها أنهم إذا أقروا رتب لهم التوبيخ، والإنكار على ذلك الإقرار؛ لأن المقر بالربوبية يلزمه الإقرار بالألوهية ضرورة نحو قوله تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠]، وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وإن زعم بعض العلماء أن هذا استفهام إنكار؛ لأن استقراء القرآن دلَّ على أن الاستفهام المتعلِّق بالربوبية استفهام تقرير، وليس استفهام إنكار؛ لأنهم لا ينكرون الربوبية كما رأيت كثرة الآيات الدالة عليه\" (^١).\nيقول الإمام ابن تيمية: \"ولما كان علم النفوس بحاجتهم وفقرهم إلى الرب قبل علمهم بحاجتهم وفقرهم إلى الإله المعبود، وقصدهم لدفع حاجاتهم العاجلة قبل الآجلة، كان إقرارهم بالله من جهة ربوبيته أسبق من إقرارهم به من جهة ألوهيته، وكان الدعاء له، والاستعانة به، والتوكل عليه فيهم أكثر من العبادة له، والإنابة إليه.\nولهذا إنما بعث الرسل يدعونهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، الذي هو المقصود المستلزم للإقرار بالربوبية، وقد أخبر عنهم أنهم لئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله وأنهم إذا مسهم الضر ضل من يدعون إلا إياه وقال وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فأخبر أنهم مقرُّون بربوبيته وأنهم مخلصون له الدين إذا مسهم.\nالضر في دعائهم واستعانتهم ثم يعرضون عن عبادته في حال حصول أغراضهم وكثير من المتكلمين إنما يقرون الوحدانية من جهة الربوبية وأما الرسل فهم دعوا إليها من جهة الألوهية وكذلك كثير من المتصوفة المتعبدة وأرباب الأحوال إنما توجههم إلى الله من جهة ربوبيته لما يمدهم به في الباطن من الأحوال التي بها يتصرفون وهؤلاء من جنس الملوك وقد ذم الله - ﷿ - في القرآن هذا الصنف كثيرًا فتدبر هذا فإنه تنكشف به أحوال قوم يتكلمون في الحقائق ويعملون عليها وهم لعمري\n_________\n(^١) أضواء البيان (٣/ ٢١).","vol":"2","page":680},{"text":"في نوع من الحقائق الكونية القدرية الربوبية لا في الحقائق الدينية الشرعية الإلهية وقد تكلمت على هذا المعنى في مواضع متعددة وهو أصل عظيم يجب الاعتناء به والله سبحانه أعلم\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٤/ ١٤ - ١٥).","vol":"2","page":681},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>الفصل السادس\nالقواعد المتعلقة برد البدع</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: قاعدة: العبادات توقيفية.\nالمبحث الثاني: قاعدة: اعتبار ما صدر عن النبي - ﷺ -\nعبادة موقوف على قصده التعبد.\nالمبحث الثالث: قاعدة: الوسائل لها أحكام المقاصد.","vol":"2","page":683},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>المبحث الأول\nقاعدة العبادات توقيفية</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-180> المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة</span>\nسبق بيان معنى العبادة فيما مضى من قواعد.\nمعنى توقيفية: مشتقة من الفعل الثلاثي (وقف)، فالواو والقاف والفاء: أصل واحد يدل على تمكث في شيء ثم يقاس عليه منه، يقال: وقف يقف وقوفًا وموقفًا بالمكان: دام قائمًا، وهو خلاف الجلوس والسكون بعد المشي، ووقف فلانًا على سوء صنعه: أطلعه عليه، ووقف وقوفًا على ما عنده: فهمه وتبينه، ووقف القارئ على الكلمة وقوفًا: علم مواقع الوقوف، ووقف عليه: عاينه وأحاط به، ووقف الدابة وفلانًا عن الشيء: منعه عنه، ووقف الأمر على حضور فلان: علق الحكم فيه بحضوره، ووقف الدار ونحوها: حبسها في سبيل الله، وتوقف عن كذا: امتنع وكف، وتوقف عليه: تثبت، وتوقف فيه: تمكث وانتظر، واستوقفه: سأله الوقوف وحمله عليه، والتوقيف: نصف الشارع المتعلق ببعض الأمور (^١).\n_________\n(^١) انظر: مقاييس اللغة (٦/ ١٣٥)، والمعجم الوسيط (٢/ ١٠٥١)، ومعجم الأفعال المتعدية بحرف (ص ٤٣٩).","vol":"2","page":685},{"text":"فالتوقيفية: نسبة إلى التوقيف؛ أي: أن العبادة مبنية على الوقف والمنع والحبس والمكث والانتظار حتى يجيء النص الشرعي من الله ﵎.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-181> المسألة الثانية * معنى القاعدة</span>\nالقاعدة تضمنت الدلالة على إحدى الأصول العظيمة من أصول الإسلام، بعد إفراده تعالى بالعبادة دون عبادة ما سواه، ألا وهو عبادة الله تعالى على وفق ما شرع -﷾- في كتابه، أو على لسان رسوله محمد - ﷺ -.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع؛ فإن الإسلام مبني على أصلين: أحدهما: أن نعبد الله وحده لا شريك له، والثاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله - ﷺ -\" (^١).\nوالحاصل أن العبادة ممنوعة ومحظورة وموقوفة ومحبوسة حتى يأتي الإذن بها من الله ﵎.\nفالله تعالى هو المعبود، وهو الذي أمر بعبادته، وعبادته حقه الذي لا يشركه فيه أحد من الخلق، وعليه فلا يعبد إلا كما يريد ويحب - ﷾ -، كما أنه تعالى هو الخالق للبشر ولعقولهم، المحيط بكل شيء، العالم بدقائق الأمور وغوامضها، الرحيم بعباده فيما شرع وأمر، فلا يأمر عباده إلا بما فيه الخير والبركة لهم (^٢).\nفلا مجال لاختراع العقول والاستدراكات والقياسات العقلية فيما يتعلق بعبادته - ﷾ -؛ إذ العقول مختلفة ومتباينة، وإذا أوقفت العبادة على العقول، فما من عقل من عقول البشر إلا وله تصور وميول وإردة تختلف\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ٨٠).\n(^٢) انظر: إعلام الموقعين (١/ ٣٤٤).","vol":"2","page":686},{"text":"عن الآخر، والنتيجة وجود عبادات لا حد لها ولا حصر في أعدادها، وأوقاتها، وكيفياتها، وشروطها وأركانها، وعليه فيعبد كل إنسان ما تهواه نفسه، ويشتهيه قلبه، ويزينه له عقله (^١).\nولذا جاء الشرع بوقف العبادات على النصوص الشرعية من الكتاب أو السُّنَّة، فكل عبادة خلت من هذا الختم العظيم فلا اعتبار بها، ولا ثواب عليها، بل صاحبها مستحق للعقوبة في الدنيا والآخرة.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"ومعلوم أن من شرع عبادة يتقرب بها إلى الله، ويجعلها وسيلة له إلى الله، يرجو عليها ثواب الله؛ إما واجبة أو مستحبة، فلا بد أن يكون من الدين الذي شرعه الله وأمر به، وإلَّا كان حظ صاحبها الإبعاد والطرد، ولهذا قال الفقهاء: العبادات مبناها على التوقيف والاتباع لا على الهوى والابتداع وقد قال الله لنبيه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾، [الأحزاب: ٤٥، ٤٦]، فهو داع إلى الله بإذن الله لا من تلقاء نفسه بل أُمِر\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-182> المسألة الثالثة * أدلة القاعدة</span>\nالمتأمل في نصوص الشريعة يجد الأدلة العديدة، والواضحة في تأييد هذه القاعدة العظيمة، وفيما يأتي أذكر بعض النصوص المؤيدة والمقررة لما دلت عليه القاعدة:\nأولًا: النصوص الواردة في أمر الله تعالى لنبيه محمد - ﷺ - بالاستقامة على الدين، واتباع ما جاءه من عند ربه سبحانه، وتصريحه - ﷺ - بأنه متبع لوحي الله ﵎، ولا شك أن عبادة الله تعالى هي أعظم\n_________\n(^١) انظر: الموافقات للشاطبي (١/ ٢٨٤ - ٢٨٥).\n(^٢) تلخيص كتاب الاستغاثة (١/ ٢٨٨).","vol":"2","page":687},{"text":"ما أمر النبي - ﷺ - بالاستقامة عليه واتباعه، ومن تلك النصوص:\nقوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢]، وقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ [الجاثية: ١٨]، وقال عن نبيه - ﵇ -: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾ [الأحقاف: ٩]، وقوله تعالى: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٣].\nوكلمة الاستقامة كلمة جامعة في كل ما يتعلق بالعقائد والأقوال والأعمال؛ سواء كان مختصًا به، أو كان متعلقًا بتبليغ الوحي وبيان الشرائع (^١).\nفيدخل في ذلك: جميع ما أمره به، وجميع ما نهاه عنه؛ لأنه قد أمره بتجنب ما نهاه عنه، كما أمره بفعل ما تعبده بفعله (^٢).\nوالواجب على الخلق كلهم اتباع محمد - ﷺ -، فلا يعبدون إلا الله، ويعبدونه بشريعة محمد -ﷺ- لا بغيرها (^٣).\nيقول الإمام ابن القيم في معنى الآية: \"فقسم الأمر بين الشريعة التي جعله هو سبحانه عليها، وأوحى إليه العمل بها، وأمر الأمة بها، وبين اتباع أهواء الذين لا يعلمون؛ فأمر بالأول، ونهى عن الثاني\" (^٤).\nويقول الشيخ صالح الفوزان حفظه الله في قوله تعالى: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾: \"أمرني ربي -﷾-، فدل على أن العبادات توقيفية، لا يصلح منها شيء إلا بأمر الله -﷾-\" (^٥).\nثانيًا: حديث عائشة -﵂- قالت: قال رسول -ﷺ-: \"مَنْ أَحْدَثَ\n_________\n(^١) انظر: التفسير الكبير (١٨/ ٥٧)، ومجموع الفتاوى (٢٠/ ١١٢).\n(^٢) انظر: فتح القدير للشوكاني (٢/ ٥٢٩).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٥٢٣).\n(^٤) إعلام الموقعين عن رب العالمين (١/ ٤٧).\n(^٥) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (١/ ١٦٦).","vol":"2","page":688},{"text":"فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ\" (^١).\nهذا الحديث أصل من أصول الإسلام كما نص على ذلك بعض أهل العلم، وهو دال على أن الإحداث في العبادات بما يخالف الشرع يقضي ببطلانها وردها؛ لأنها والحالة هذه تكون العبادة قد خرجت عن أمر النبي -ﷺ- وفعله وتقريره، وخالفت ما أجمع عليه صحابته الكرام -رضوان الله عليهم- فكان عاقبتها الرد وعدم القبول، وهذا يدل دلالة صريحة على أن العبادة مبنية على التوقيف من صاحب الشريعة -ﷺ-.\nيقول الإمام ابن رجب -﵀-: \"فقوله -ﷺ- \"كلُّ بدعة ضلالة\" (^٢)، من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيءٌ، وهو أصلٌ عظيمٌ من أصول الدِّين، وهو شبيهٌ بقوله: \"مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنا ما لَيْسَ مِنْهُ فهو رَدٌّ\"، فكلُّ من أحدث شيئًا، ونسبه إلى الدِّين، ولم يكن له أصل من الدِّين يرجع إليه، فهو ضلالةٌ، والدِّينُ بريءٌ منه، وسواءٌ في ذلك مسائلُ الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة\" (^٣).\nفالأصل في العبادة أنها مبنية على الأمر والطلب، فإذا لم تطلب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح، باب: إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود (٢/ ٩٥٩)، برقم (٢٥٥٠)، ومسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب: نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، (٣/ ١٣٤٣)، برقم (١٧١٨).\n(^٢) قطعة من حديث: أخرجه الإمام أحمد في المسند (٤/ ١٢٦)، برقم (١٧١٨٤)، وابن ماجة: المقدمة، باب: اتباع سُنّة الخلفاء الراشدين (١/ ١٥)، برقم (٤٢)، والدارمي في سننه (١/ ٥٧)، برقم (٩٥)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٧٤)، برقم (٣٢٩)، وقال: \"هذا حديث صحيح ليس له علة، وقد احتج البخاري بعبد الرحمن بن عمرو، وثور بن يزيد، وروي هذا الحديث في أول كتاب الاعتصام بالسُّنَّة، والذي عندي أنهما رحمهما الله توهما أنه ليس له راو عن خالد بن معدان غير ثور بن يزيد، وقد رواه محمد بن إبراهيم بن الحارث المخرج حديثه في الصحيحين عن خالد بن معدان\". وصححه الألباني في إرواء الغليل (٨/ ١٠٧).\n(^٣) جامع العلوم والحكم (ص ٢٦٦).","vol":"2","page":689},{"text":"من العبد كان فعلها سدى؛ لأنَّها على خلاف الأمر والتكليف، بل لا تنعقد من أصلها، وهي مردودة على صاحبها.\nثالثًا: ما جاء عن عمر بن الخطاب - ﵁ -: (أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي - ﷺ - يقبلك ما قبلتك) (^١).\nيقول الإمام ابن تيمية: \"ولهذا قال الفقهاء العبادات مبناها على التوقيف كما في \"الصحيحين\" عن عمر بن الخطاب\" (^٢)، ثم ذكر حديث عمر.\nفاستدل - ﵀ - بالحديث على القاعدة، ووجه ذلك: أن عمر - ﵁ - أوقف فعله وتقبيله على رؤيته للنبي - ﷺ -، فتبرأ - ﵁ - من فعل التقبيل في حال أنه لم يثبت لديه فعل النبي - ﷺ - لذلك.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-183> المسألة الرابعة* أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nلقد حرص أهل العلم أشد الحرص على بيان هذه القاعدة الشرعية، واستعملوها في ردِّهم لكثير من البدع والحيل، وفيما يأتي أنقل بعض ما وقفت عليه من أقوال تؤيد معنى القاعدة، وتقرر مفهومها الذي دلت عليه:\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فإن العبادة مبناها على الإذن من الشارع\" (^٣).\nويقول -﵀- أيضًا: \"والعبادة مبناها على التوقيف والإتباع لا على الهوى والابتداع\" (^٤).\n_________\n(^١) سبق تخريجه. انظر: (ص ٢٣٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ٣٣٤).\n(^٣) مختصر الفتاوى المصرية (ص ٢٦٩).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١/ ١٤١).","vol":"2","page":690},{"text":"ويقول الإمام ابن كثير: \"وباب القربات يُقْتَصَرُ فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء\" (^١).\nويقول الشيخ الإمام محمد بن إبراهيم آل الشيخ: \"وتقرير ذلك أن العبادات توقيفية، فلا يقال: هذه العبادة مشروعة إلا بدليل من الكتاب والسُّنَّة والإجماع، ولا يقال: إن هذا جائز من باب المصلحة المرسلة، أو الاستحسان، أو القياس، أو الاجتهاد؛ لأن باب العقائد، والعبادات، والمقدرات؛ كالمواريث، والحدود لا مجال لتلك فيها\" (^٢).\nويقول - ﵀ - أيضًا في حكم اتخاذ الأعياد: \"وعلى هذا فتخصيص يوم من الأيام وتمييزه على غيره بشيء من الطاعات أمر توقيفي، إنما يصار في معرفته إلى الشريعة المطهرة، ولم تخصص الشريعة يومًا من الأيام باتخاذه عيدًا للإسلام سوى يومي العيدين؛ عيد الفطر، وعيد النحر، وما يتبعه من أيام التشريق الثلاثة، وسوى العيد النسبي وهو يوم الجمعة، فإنه عيد الأسبوع، فليس للمسلمين أن يتخذوا عيدًا سواها\" (^٣).\nويقول الإمام عبد العزيز بن باز: \"لأن العبادات توقيفية لا يشرع فيها إلا ما دل عليه الكتاب والسُّنَّة، أما أقوال الناس وآراؤهم فلا حجة فيها إذا خالفت الأدلة الشرعية، وهكذا المصالح المرسلة لا تثبت بها العبادات، وإنما تثبت العبادة بنص من الكتاب أو السُّنَّة أو إجماع قطعي\" (^٤).\nويقول العلامة العثيمين: \"فالعبادات مبناها على الأمر، فما لم\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٥٩)، وانظر: فتاوى اللجنة الدائمة (٩/ ٤٣ - ٤٥).\n(^٢) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (٣/)، برقم (٨٢٠)، بعنوان: (الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج غير مشروع).\n(^٣) المصدر نفسه (٣/) رقم (٨١٣)، بعنوان: (حكم إقامة الموالد وذكريات الأيام ...).\n(^٤) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (١٣/ ٢٢).","vol":"2","page":691},{"text":"يثبت فيه أمر الشارع، فهو بدعة، فمن تعبد بعبادة طولب بالدليل؛ لأن الأصل في العبادات الحظر والمنع، إلا إذا قام الدليل على مشروعيتها\" (^١).\nوقال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في معنى قوله تعالى: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [الأنعام: ١٦٣]: \"أمرني ربي -﷾-، فدلّ على أن العبادات توقيفيّة، لا يصلح منها شيء إلَّا بأمر الله -﷾-\" (^٢).\nوجاء في فتاوى لجنة الإفتاء: \"والعبادات مبناها على الأمر والنهي والاتباع\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-184> المسألة الخامسة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nلقد فرَّعَ أهل العلم بعض الفروع والجزئيات والمسائل على هذه القاعدة، واستفادوا منها في إبطال كثير من البدع والضلالات، وفيما يأتي أتناول بعض ما ذكره أهل العلم من فروع ومسائل متعلقة بالقاعدة، أو ظهر لي من خلال كلامهم:\nأولًا: أن شرط التوقيف الوارد في القاعدة يتضمن عدة أمور زائدة على أصل العبادة، وهذه لا بد من مراعاتها حتى تكون العبادة صحيحة ومقبولة عند الله ﵎، فما من عبادة إلا وهي مفتقرة إلى إذن شرعي في عدة أمور لكي تصبح عبادة شرعية يتقرب بها العبد إلى الرب تعالى وتقدس، ومن تلك الأمور ما يلي:\nالأول: السبب: فإذا تعبد لله تعالى بعبادة مقرونة بسبب غير شرعي\n_________\n(^١) انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد (١/ ٢١١ - ٢١٢).\n(^٢) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (١/ ١٦٦).\n(^٣) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٣/ ٦٤).","vol":"2","page":692},{"text":"فهي بدعة مردودة على صاحبها، مثل إحياء ليلة السابع والعشرين من رجب بالتهجد، بحجة أنها ليلة الإسراء والمعراج، فالتهجد عبادة، لكن لما قرن بهذا السبب كان بدعة لكونه بني على سبب لم يثبت شرعًا.\nالثاني: الجنس: فلا بد أن تكون العبادة موافقة للشرع في جنسها؛ فلو تعبد إنسان لله بعبادة لم يشرع جنسها فهي غير مقبولة؛ كمن يضحي بفرس فلا يصح؛ لأنَّه خالف الشريعة في الجنس، فالأضاحي لا تكون إلا من بهيمة الأنعام على الراجح من أقوال أهل العلم.\nالثالث: القَدْر: فلو زاد صلاة سادسة على أنها فريضة فهذه بدعة غير مقبولة؛ لأنَّها مخالفة للشرع في القدر، ومن باب أولى لو صلى الظهر خمسًا فصلاته باطلة.\nالرابع: الكيفية: فلو توضأ فبدأ بغسل رجليه، ثم مسح رأسه، ثم غسل يديه، ثم وجهه فنقول: وضوؤه باطل؛ لأنَّه مخالف للشرع في الكيفية، وذلك على الراجح خلافًا لبعض الفقهاء ممن يصحح عدم الترتيب.\nالخامس: الزمان فلو ضحى في أول أيام ذي الحجة فلا تقبل الأضحية لمخالفة الشرع في الزمان.\nالسادس: المكان: فلو اعتكف في غير مسجد فإن اعتكافه لا يصح، وذلك لأن الاعتكاف لا يكون إلا في المساجد (^١).\nثانيًا: دلت القاعدة على أن العبادة موقوفة على الإذن الشرعي بها من صاحب الشريعة، ولا يكفي دخول العبادة تحت دليل ونص عام، بل لا بد من الدليل الخاص بهذه العبادة.\nيقول الإمام ابن دقيق العيد (^٢) -﵀- في كلامه على حرمة إحداث\n_________\n(^١) انظر: الإبداع في بيان كمال الشرع وخطر الابتداع لابن عثيمين (ص ٢١، ٢٢).\n(^٢) هو: محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة القشيري، أبو الفتح تقي الدين، =","vol":"2","page":693},{"text":"الأعياد: \"قد منعنا إحداث ما هو شعار في الدين، ومثاله ما أحدثته الروافض من عيد ثالث سموه عيد الغدير، وكذلك الاجتماع وإقامة شعاره في وقت مخصوص، على شيء مخصوص لم يثبت شرعًا، وقريب من ذلك أن تكون العبادة من جهة الشرع مرتبة على وجه مخصوص، فيريد بعض الناس أن يحدث فيها أمرًا آخر لم يرد به الشرع زاعمًا أن يدرجه تحت عموم، فهذا لا يستقيم؛ لأن الغالب على العبادات التعبد، ومأخذها التوقيف.\nوهذه الصورة حيث لا يدل دليل على كراهة ذلك المحدث أو منعه؛ فأما إذا دل فهو أقوى في المنع وأظهر من الأول، ولعل مثال ذلك: ما ورد في رفع اليدين في القنوت، فإنه قد صح رفع اليد في الدعاء مطلقًا، فقال بعض الفقهاء: يرفع اليد في القنوت؛ لأنه دعاء، فيندرج تحت الدليل المقتضي لاستحباب رفع اليد في الدعاء مطلقًا، وقال غيره: يكره؛ لأن الغالب على هيئة العبادة التعبد والتوقيف، والصلاة تصان عن زيادة عمل غير مشروع فيها، فإذا لم يثبت الحديث في رفع اليد في القنوت كان الدليل الدال على صيانة الصلاة عن عمل لم يشرع أخص من الدليل الدال على رفع اليد في الدعاء\" (^١).\nفالواجب عدم الاكتفاء بالدليل العام على جواز التعبد بأمور محدثة، بل لا بد من طلب الدليل الخاص على كل عبادة بذاتها، وهذا هو المنهج الذي سار عليه سلف هذه الأمة كما هو ظاهر للمتأمل (^٢).\n_________\n= الفقيه، الأصولي، المحدث. له مصنفات نافعة منها: الإلمام في الحديث، والإمام شرح الإلمام، وشرح العمدة \"عمدة الأحكام\" للمقدسي، توفي سنة ٧٠٢ هـ. [ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى (٦/ ٢)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ٢٢٩)].\n(^١) إحكام الأحكام لابن دقيق العيد (١/ ١٧٢).\n(^٢) انظر: المرجع نفسه (١/ ١٧٣).","vol":"2","page":694},{"text":"ويقول -﵀- في ترجيح المطالبة بالدليل الخاص في كل عبادة: \"ويحتمل أن يقال: إن هذه الخصوصيات بالوقت أو بالحال والهيئة والفعل المخصوص يحتاج إلى دليل خاص يقتضي استحبابه بخصوصه، وهذا أقرب والله أعلم\" (^١).\nولا يلزم أن ما كان قربة في عبادة من العبادات من الصفات والهيئات يكون قربة بدون اقترانه بتلك العبادة، أو مع اقترانه بعبادة أخرى غير التي جاء النص بها.\nوقد بيَّن الإمام ابن رجب هذه المسألة بتوسع فقال: \"فأما العبادات؛ فما كان منها خارجًا عن حكم الله ورسوله بالكلية فهو مردود على عامله، وعامله يدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، فمن تقرب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله فعمله باطل مردود عليه، وهو شبيه بحال الذين كانت صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية، وهذا كمن تقرب إلى الله تعالى بسماع الملاهي، أو بالرقص، أو بكشف الرأس في غير الإحرام، وما أشبه ذلك من المحدثات التي لم يشرع الله ورسوله التقرب بها بالكلية، وليس ما كان قربة في عبادة يكون قربة في غيرها مطلقًا، فقد (رأى النبي -ﷺ- رجلًا قائمًا في الشمس فسأل عنه فقيل: إنه نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل وأن يصوم فأمره النبي -ﷺ- أن يقعد ويستظل وأن يتم صومه) (^٢)، فلم يجعل قيامه وبروزه في الشمس قربة يوفي بنذرهما، ... مع أن القيام عبادة في مواضع أخر؛ كالصلاة، والأذان، والدعاء بعرفة، والبروز للشمس قربة للمحرم، فدل على أنه ليس كل ما كان قربة في موطن يكون قربة\n_________\n(^١) إحكام الأحكام لابن دقيق العيد (١/ ١٧١).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأيمان والنذور، باب: النذر فيما لا يملك وفي معصية (٦/ ٢٤٦٥)، برقم (٦٣٢٦)، من طريق ابن عباس -﵄-.","vol":"2","page":695},{"text":"في كل المواطن، وإنما يتبع في ذلك كله ما وردت به الشريعة في مواضعها. وكذلك من تقرب بعبادة نهي عنها بخصوصها؛ كمن صام يوم العيد، أو صلى وقت النهي، وأما من عمل عملًا أصله مشروع وقربة ثم أدخل فيه ما ليس بمشروع، أو أخل فيه بمشروع فهذا أيضًا مخالف للشريعة بقدر إخلاله بما أخل به، أو إدخال ما أدخل فيه ...، وإن كان قد زاد في العمل المشروع ما ليس بمشروع فزيادته مردودة عليه؛ بمعنى أنها لا تكون قربة ولا يثاب عليها\" (^١).\nثالثًا: تضمنت القاعدة أن الأذكار الشرعية، والأوراد والأدعية مبنية على التوقيف، فلا يجوز أن يزاد عليها، ولا أن ينقص منها شيئًا، بل الواجب المحافظة عليها كما علمها النبي -ﷺ- لأصحابه من بعده.\nيقول الإمام النووي -﵀-: \"فإن ألفاظ الأذكار يحافظ فيها على الثابت عن النبي -ﷺ-\" (^٢).\nويقول الإمام ابن تيمية -﵀-: \"لا ريب أن الأذكار والدعوات من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على التوقيف والاتباع، لا على الهوى والابتداع، فالأدعية والأذكار النبوية هي أقل ما يتحراه المتحري من الذكر والدعاء، وسالكها على سبيل أمان وسلامة، والفوائد والنتائج التي تحصل لا يعبر عنه لسان، ولا يحيط به إنسان\" (^٣).\nومن أصرح الأدلة الدالة على المنع من تغيير ألفاظ الأذكار النبوية ما جاء عن البراء بن عازب -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: \"إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل اللَّهُمَّ أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك،\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (ص ٦٠).\n(^٢) المجموع للنووي (٣/ ٤٥٩).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٥١٠ - ٥١١).","vol":"2","page":696},{"text":"رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، اللَّهُمَّ آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به، قال فرددتها على النبي -ﷺ- فلما بلغت: اللَّهُمَّ آمنت بكتابك الذي أنزلت قلت: ورسولك، قال: لا؛ ونبيك الذي أرسلت\" (^١).\nقال الحافظ ابن حجر -﵀- فى معنى حديث البراء: \"وأولى ما قيل في الحكمة في رده -ﷺ- على من قال الرسول بدل النبي: إن ألفاظ الأذكار توقيفية، ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس، فتجب المحافظة على اللفظ الذي وردت به، وهذا اختيار المازري، قال: فيقتصر فيه على اللفظ الوارد بحروفه، وقد يتعلق الجزاء بتلك الحروف، ولعله أوحي إليه بهذه الكلمات فيتعين أداؤها بحروفها\" (^٢).\nوهكذا نجد أهل العلم يقررودن أن ألفاظ الأذكار توقيفية، ويعلل بعضهم ذلك باحتمال وجود معنى خاص وسر معين في صيغة الألفاظ النبوية (^٣).\nيقول الحافظ السخاوي (^٤): \"بل الاستدلال به لمجرد المنع ممنوع؛\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، فضل من بات على الوضوء (١/ ٩٧)، برقم (٢٤٤).\n(^٢) فتح الباري لابن حجر (١١/ ١١٢).\n(^٣) انظر: تدريب الراوي للسيوطي (٢/ ١٢٢).\n(^٤) هو: محمد بن عبد الرحمن بن محمد، شمس الدين السخاوي: مؤرخ حجة، عالم بالحديث والتفسير والأدب، أصله من سخا من قرى مصر، ومولده في القاهرة في عام ٨٣١ هـ، ساح في البلدان سياحة طويلة، وصنف زهاء مئتي كتاب أشهرها: \"الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع\"، ترجم لنفسه فيه، وله: \"شرح ألفية العراقي\"، و\"المقاصد الحسنة\"، و\"القول البديع في أحكام الصلاة على الحبيب الشفيع\"، و\"الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التأريخ\"، وغيرها، توفي سنة ٩٠٢ هـ، ووفاته بالمدينة. [ترجمته في: الضوء اللامع (٨/ ٢ - ٣٢)، والأعلام للزركلي (٦/ ١٩٤)].","vol":"2","page":697},{"text":"بأن ألفاظ الأذكار توقيفية، فلا يدخلها القياس، بل يجب المحافظة على اللفظ الذي جاءت به الرواية؛ إذ ربما كان فيه خاصية وسر لا يحصل بغيره\" (^١).\nويقول المناوي في معنى حديث البراء: \"لأن ألفاظ الأذكار توقيفية في نفس اللفظ وتقدير الثواب، فربما كان في اللفظ سر ليس في الآخر ولو كان مرادفه في الظاهر، أو لعله أوحي إليه بهذا اللفظ فرأى أن يقف عنده\" (^٢).\nوأما ما كان من الأذكار التي لم ترد بها السُّنَّة، ولا فعلها الصحابة -﵃- فهذه يحرم فعلها والتزامها، وهي من المحدثات والبدع التي لا خير فيها بلا شك.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وما سواها من الأذكار، قد يكون محرَّمًا، وقد يكون مكروهًا، وقد يكون فيه شرك ما لا يهتدي إليه أكثر الناس، وهي جملة يطول تفصيلها.\nوليس لأحد أن يسن للناس نوعًا من الأذكار والأدعية غير المسنون، ويجعلها عبادة راتبة يواظب الناس عليها كما يواظبون على الصلوات الخمس، بل هذا ابتداع دين لم يأذن الله به، بخلاف ما يدعو به المرء أحيانًا من غير أن يجعله للناس سنة، فهذا إذا لم يعلم أنه يتضمن معنى محرمًا لم يجز الجزم بتحريمه، لكن قد يكون فيه ذلك والإنسان لا يشعر به، وهذا كما أن الإنسان عند الضرورة يدعو بأدعية تفتح عليه ذلك الوقت، فهذا وأمثاله قريب.\nوأما اتخاذ ورد غير شرعي، واستنان ذكر غير شرعي فهذا مما ينهى عنه، ومع هذا ففي الأدعية الشرعية، والأذكار الشرعية غاية المطالب الصحيحة، ونهاية المقاصد العلية، ولا يعدل عنها إلى غيرها\n_________\n(^١) فتح المغيث (٢/ ٣٠٠).\n(^٢) فيض القدير (٢/ ١٢٢).","vol":"2","page":698},{"text":"من الأذكار المحدثة المبتدعة إلا جاهل أو مفرط أو متعد\" (^١).\nفالجاهل يجب عليه أن يتعلم هدي النبي -ﷺ-، والمفرط عاقبته الحسرة والندامة بما فرط في جنب الله، أما المتعدي فتتلى عليه نصوص الوعيد والزجر فيمن تعدى حرمات الله وانتهكها، فإن نفع ذلك وإلا كان حقه العقاب الشديد، والتأديب البليغ.\nفالحاصل أن جميع العبادات؛ كالذكر وغيرها كلها توقيفية، فلا مجال فيها للاجتهاد، واختراع العقول، بل لا بد من لزوم سنة صاحب الشريعة؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، والتقرب إلى الله بتشريع شيء لم يشرعه الله تعالى من أعظم الاعتداء على حق الله تعالى في التشريع، ومنازعته لله تعالى في حكمه.\nيقول الشيخ السعدي في تفسير قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] فقال: \"من الشرك، والبدع، وتحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله، ونحو ذلك، مما اقتضته أهواؤهم، مع أن الدين لا يكون إلا ما شرعه الله تعالى، ليدين به العباد، ويتقربوا به إليه، فالأصل الحجر على كل أحد أن يشرع شيئًا ما جاء عن الله ولا عن رسوله\" (^٢).\nرابعًا: ومما يستفاد من القاعدة عدم اتخاذ شيء من الأعمال الدينية العبادية، وجعلها أسبابًا لأمور وأغراض دنيوية إلا أن يكون مأذونًا بها من صاحب الشريعة، فإذا لم يأت الإذن من الشارع كانت أسبابًا باطلة، وكان صاحبها مستحقًا للعقوبة حسب إحداثه في الدين ما لم يأذن به الله.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ شيء منها سببًا للدنيا، إلا أن تكون مشروعة، فإن العبادة مبناها على الإذن من\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٥١١).\n(^٢) تفسير السعدي (ص ٧٥٧).","vol":"2","page":699},{"text":"الشارع، فلا يجوز أن يشرك بالله فيدعو غيره وإن ظن أن ذلك سبب في حصول بعض أغراضه، وكذلك لا يعبد الله بالبدع وإن ظن في ذلك ثوابًا؛ فإن الشيطان قد يعين الإنسان على بعض مقاصده إذا أشرك، وقد يحصل له بالكفر والفسق والعصيان بعض أغراضه فلا يجوز له ذلك\" (^١).\nويقول الشيخ سليمان آل الشيخ: \"فإن العبادات مبناها التوقيف، ولا سيما إذا نسب أمر إلى هديه وشرعه وسنته، والعقل لا مدخل لاستحسانه واستقباحه في الدين، وليس كل من قضيت حاجته بسبب يقتضي أن يكون السبب مشروعًا مأمورًا به، فقد كان رسول الله -ﷺ- يُسأل في حياته المسألة فيعطيها لا يرد سائلًا، وتكون المسألة محرمة في حق السائل، حتى قال -ﷺ-: \"إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها نارًا، قالوا: يا رسول الله فلم تعطهم قال: يأبون إلا أن يسألوا ويأبى الله لي البخل\" (^٢) \" (^٣).\nويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: \"وليس في إنزال المطر إذا كشفت أجساد الأنبياء أو قبورهم ما يستدل به على جواز التوسل الشركي بهم، فإن الأمر الشرعي والعبادات الدينية توقيفية، لا يجوز إحداثها نظرًا إلى الأسباب القدرية الكونية؛ فإن أسباب الكائنات لا يحصيها إلا الله أعيانًا وأنواعًا، وليس كل سبب منها دينيًا، شرعيًا، محمديًا عليه رسم المدينة\" (^٤).\n_________\n(^١) مختصر الفتاوى المصرية (ص ٢٦٩)، وانظر: مجموع الفتاوى (١/ ١٣٧).\n(^٢) أخرجه بنحوه الإمام أحمد في المسند (٣/ ٤)، برقم (١١٠١٧)، والمنذري في الترغيب والترهيب (١/ ٣٣٠)، برقم (١٢١٢)، وقال: \"رواه أحمد وأبو يعلى ورجال أحمد رجال الصحيح\"، وصححه الألباني في: غاية المرام (ص ٢٢٦)، برقم (٤٦٣).\n(^٣) التوضيح عن توحيد الخلاق (ص ٢٤٤).\n(^٤) مصباح الظلام في الرد على من طعن في الشيخ الإمام (ص ٢٩٤).","vol":"2","page":700},{"text":"خامسًا: نصت القاعدة على الفارق الرئيس بين العبادات والعادات؛ من بيع وشراء وعقود ومعاملات، فالعبادات مبناها على التوقيف والأمر من الله تعالى، فالأصل في العبادة الحرمة التي قد تصل بالعبادة إلى حد الفساد والبطلان والرد حتى يأتي الدليل القاطع بها، بخلاف العادات فالأصل فيها الجواز والصحة حتى يقوم المانع الشرعي المبطل لها.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم، وعادات يحتاجون إليها في دنياهم، فباستقراء أصول الشيعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله، أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع، وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه، والأصل فيه عدم الحظر، فلا يحظر منه إلا ما حظره الله -﷾-؛ وذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله، والعبادة لا بد أن تكون مأمورًا بها، فما لم يثبت أنه مأمور به كيف يحكم عليه بأنه عبادة، وما لم يثبت من العبادات أنه منهي عنه كيف يحكم على أنه محظور، ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا شرعه الله تعالى وإلا دخلنا في معنى قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].\nوالعادات الأصل فيها العفو فلا يحظر منها إلا ما حرمه وإلا دخلنا في معنى قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ [يونس: ٥٩]، ولهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، وحرموا ما لم يحرمه\" (^١).\nويقول الإمام ابن القيم: \"فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر، والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم، والفرق بينهما: أن الله سبحانه لا يعبد إلا بما\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٦/ ٢٩ - ١٧)، وانظر: (٤/ ١٩٦).","vol":"2","page":701},{"text":"شرعه على ألسنة رسله، فإن العبادة حقه على عباده، وحقه الذي أحقه هو، ورضي به، وشرعه.\nوأما العقود والشروط والمعاملات فهي عفو حتى يحرمها، ولهذا نعى الله سبحانه على المشركين مخالفة هذين الأصلين، وهو تحريم ما لم يحرمه، والتقرب إليه بما لم يشرعه، وهو سبحانه لو سكت عن إباحة ذلك وتحريمه لكان ذلك عفوًا، لا يجوز الحكم بتحريمه وإبطاله؛ فإن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه، وما سكت عنه فهو عفو، فكل شرط وعقد ومعاملة سكت عنها فإنه لا يجوز القول بتحريمها؛ فإنه سكت عنها رحمة منه من غير نسيان وإهمال، فكيف وقد صرحت النصوص بأنها على الإباحة فيما عدا ما حرمه\" (^١).\nويقول ابن الحاج: \"فليست العبادة بالعادة، ولا بالاستحسان، ولا بالاختيار، وإنما هي راجعة إلى امتثال أمر المولى -﷾-، مع بيان رسوله المعصوم في الحركات والسكنات -صلوات الله عليه وسلامه-، فحيث مشى مشينا، وحيث وقف وقفنا، وكذلك يتعين الرجوع إلى ما استنبطه العلماء، وأفادوه من كتاب الله -﷿- وحديث رسوله -ﷺ- مما للقياس فيه مدخل\" (^٢).\nسادسًا: ومما يستفاد من القاعدة أنه لا يجوز التعبد لله تعالى إلا بما هو عبادة مشروعة من الله تعالى أو رسوله -ﷺ-، وعليه فلا يجوز التعبد بما هو مباح أو جائز فيجعل عبادة يتقرب بها إلى الله تعالى، فإن هذا من أعظم التلبيس والافتراء على الله تعالى وعلى رسوله -ﷺ-، وهو داخل في وعيد قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (١/ ٣٤٤ - ٣٤٥).\n(^٢) المدخل لابن الحاج (٤/ ٢٦٣ - ٢٦٤).","vol":"2","page":702},{"text":"يقول الإمام ابن تيمية: \"وهذا أصل عظيم من أصول الديانات\" وهو التفريق بين المباح الذي يُفعل لأنه مباح، وبين ما يتخذ دينًا وعبادة وطاعة وقربة واعتقادًا ورغبة وعملًا؛ فمن جعل ما ليس مشروعًا، ولا هو دينًا، ولا طاعة، ولا قربة، جعله دينًا، وطاعة، وقربة، كان حرامًا باتفاق المسلمين\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣١/ ٣٨).","vol":"2","page":703},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>المبحث الثاني\nقاعدة اعتبار ما صدر عن النبي -ﷺ- عبادة موقوف على قصده التعبد</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-185> المسألة الأولى* معنى القاعدة</span>\nمن المعلوم المستقر في العقول، ولا ينكره إلا من جهل أحوال النفوس البشرية، وما فطرت عليه من الطبائع الجبلية أن التأسي بافعال العظماء واتباعهم عليها من الأسرار العميقة المبثوثة في طباع البشر، لا يقدرون على الانفكاك عنه بوجه ولا بحال، لا سيما عند الاعتياد والتكرار، وخاصة إذا صادف محبة وميلًا إلى المتأسي به، ومتى وَجَدْتَ التأسي بمن هذا شأنه مفقودًا في بعض الناس فاعلم أنه إنما تُرِكَ لتأسٍ آخر أعظم في النفس من الأول (^١).\nومن أعظم هؤلاء العظماء المتبوعين الذين حظيت بهم البشرية عبر تأريخها الطويل هو رسول الإسلام محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، الذي عظم الله قدره، وأعلى شأنه، وأوجب على\n_________\n(^١) انظر: الموافقات للشاطبي (٤/ ٢٤٨ - ٢٤٩).","vol":"2","page":704},{"text":"الأمة اتباعه، وجعله خير أسوة، وأعظم قدوة، وأحسن مثال، وخير متبوع، بل جعل اتباعه والسير على منهاجه من أعظم الطاعات، وأفضل القرب، وأرجى الأعمال عند الملك الديَّان يوم يبعث الأبدان.\nولذا كان من أعظم خصائصه -ﷺ- أن الله تعالى فرض طاعته واتباعه على العالم فرضًا مطلقًا، وأوجب على الناس كافة التأسي به قولًا واعتقادًا، وفعلًا وتركًا، بلا قيد فيه، ولا شرط، ولا استثناء، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨] (^١).\nومع كل هذا الثناء والتمجيد، والتعظيم والإعزاز لم يخرج النبي -ﷺ- عن حد الطبيعة البشرية، ولا عن حيز الجبلة الإنسانية التي فطره الله عليها، فهو كسائر البشر فيما يتعلق بهذه الأمور إلا ما ثبت بالنص اختصاصه بأشياء لا يشركه فيه غيره.\nفهو -﵇- كغيره في الخصائص البشرية؛ لكونه يأكل ويشرب، ويجوع ويعطش، وينام ويتعب، ويمشي ويسافر، ويركب الدابة، ويتزوج النساء، ويمرض ويموت، وغير ذلك مما هو من خصائص البشر التي لا ينفكون عنها بحال، ولا يستغنون منها.\nوهنا يأتي التساؤل الهام على ضوء ما سبق من وجوب الاقتداء والتأسي بالنبي -ﷺ- مطلقًا، وهل يشرع لنا التعبد بجميع أفعاله الصادرة\n_________\n(^١) انظر: فيض القدير (١/ ٥٤٨)، والخصائص الكبرى، للسيوطي (٢/ ٣٤٢)، نقلًا عن أبي نعيم.","vol":"2","page":705},{"text":"منه؛ سواء كانت تعبدية أم جبلية وعادية، والتي فعلها -ﷺ- بحكم الاتفاق بدون تقصد لقربة أو نية لتعبد؟.\nوبمعنى آخر: متى يكون فعله -ﷺ- عبادة شرعية، وتكون أمته من بعده متعبَّدة لله تعالى باتباعه والتأسي به فيها، ويترتب على ذلك الثواب والعقاب.\nولقد بذل العلماء -لا سيما علماء الأصول- جهدًا كبيرًا في بحث هذه المسألة واستقصاء أحوالها الشائكة مع كثرتها وتشابهها ضمن كلامهم على أفعال النبي -ﷺ- عمومًا، فتكلموا على أنواعها، وأحوالها، وتقاسيمها، ولأجل توضيح المسألة أذكر لمحة سريعة مختصرة فيما يتعلق بأفعاله -ﷺ- (^١)، مع العلم أن بعضها ليس موضع اتفاق بين أهل العلم، بل وقع فيها الخلاف بينهم.\nيقول الدكتور الأشقر ملخصًا أحوال أفعال النبي -ﷺ-: \"فعل\nالنبي -ﷺ-: إما متعلق بغيره وهو الفعل المتعديّ، أو قاصر عليه. وفعله\nالقاصر عليه إما أن يصدر عنه لداعي الجبلة، أو اتباعًا للعادة، أو لتقديره فيه منفعة أو دفع مضرة، أو هو تابع للشرع. وفعله التابع للشرع إما معجز أو غير معجز. وفعله غير المعجز إما أن يفعله لأنه مطلوب منه خاصة وهي الخصائص النبوية، أو هو مشترك بيننا وبينه. والمشترك إما أن يعلم أنه متعلق بوحي معين، يفعله بغرض تبيين مجمل في ذلك الوحي أو مشكل وارد فيه، أو لمجرد امتثال الأمر الإلهي في ذلك الوحي، وإما أنه لا يعلم تعلقه بوحي معين، والذي لا يعلم تعلقه به إما أن يفعله مؤقتًا لانتظار الوحي، وإما أن يفعله على غير ذلك الوجه، وهو\n_________\n(^١) لقد بحث علماء الأصول في كتبهم أفعاله -ﷺ- وما يتعلق بها من المتابعة والتأسي والموافقة والمخالفة، وما يترتب عليها من أحكام من الوجوب والندب والإباحة؛ وذلك لكوننا متعبدين باتباعه -ﷺ- والتأسي به في أفعاله.","vol":"2","page":706},{"text":"الفعل المبتدأ المجرد\" (^١).\nوقال بعد ذلك في معنى هذه الأقسام: \"إن الفعل الجبلي والعادي والدنيوي لا قدوة فيها، ولا تدل على أكثر من الإباحة، والفعل المعجز والخاص كذلك لا قدوة فيهما، لما فيهما من معنى الاختصاص به -ﷺ-، والفعل البياني والامتثالي يقتدى بهما، والمؤقت لانتظار الوحي لا قدوة فيه إذا جاء الوحي بخلافه، والمجرد فيه تفصيل، يعلم في موضعه\" (^٢).\nوالقاعدة نصت على أن المرجع في اعتبار كون الفعل الصادر من النبي -ﷺ- عبادة هو تضمنه لقصد التعبد، فما فعله النبي -ﷺ- على وجه العبادة والتقرب إلى الله تعالى كان في حق الأمة كذلك، وما فعله بحكم الجبلة والعادة الدنيوية ولم يقصد به تعبدًا ولا تشريعًا للأمة فلا يدخل في حكم العبادة.\nويدخل في ذلك النية والقصد في صفة العبادة كذلك؛ فما فعله بقصد الوجوب كان فعله في حق أمته على أنه واجب، وما فعله بقصد الندب كان فعله على جهة الندب، وما تركه تعبدًا كان تركه في حق الأمة عبادة، وما تركه لحرمته تعين على الأمة تركه على اعتبار حرمته، وهكذا ما تركه كراهة وتنزهًا. وأما ما تركه جبلة وطبعًا فليس داخلًا في باب التأسي والمتابعة كما سبق بيانه.\nوالحاصل أن التعبد لله تعالى بمتابعة النبي -ﷺ- والتأسي به في فعله وتركه موقوف على نيته وقصده -﵇- من الفعل.\n_________\n(^١) أفعال الرسول -ﷺ- ودلالتها على الأحكام الشرعية، لمحمد سليمان الأشقر (١/ ٢١٦).\n(^٢) المرجع نفسه (١/ ٢١٦).","vol":"2","page":707},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-187> المسألة الثانية* أدلة القاعدة</span>\nبعد التأمل لكلام أهل العلم فيما يتعلق بهذه القاعدة ظهر لي عدد من الأدلة التي تصلح للاستدلال على صحة القاعدة، ومن تلك الأدلة ما يلي:\nأولًا: قوله -﷿-: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].\nوجه الدلالة: أن التعبد إلى الله تعالى بظاهر الفعل النبوي الذي لم يقصد به النبي -ﷺ- التعبد ولا نيل القربة من الله تعالى يعتبر من المشاقة للرسول -ﷺ- وعدم المتابعة له، إذ المتابعة لا بد فيها من الإتيان بظاهر الفعل مع الموافقة في القصد والنية.\nكما أن الذي يتعبد الله تعالى بما جاء عن النبي -ﷺ- فعله على جهة العادة والجبلة، وليس له فيه أي نية أو قصد للتعبد أنه متبع لغير سبيل المؤمنين؛ لأن جمهور الصحابة -﵃- لم يتعبدوا لله تعالى إلا بما ثبت عن نبيهم -﵇- أنه فعله على جهة القربة وقصد التعبد، ويدل على ذلك:\nثانيًا: ما جاء عن المعرور بن سويد قال: (خرجنا مع عمر في حجة حجها، فقرأ بنا في الفجر: (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) و(لإيلاف قريش)، فلما قضى حجه ورجع والناس يبتدرون، فقال: ما هذا؛ فقالوا: مسجد صلى فيه رسول الله -ﷺ-، فقال: هكذا هلك أهل الكتاب اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل) (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ١٥١)، برقم (٧٥٥٠)، وعبد الرزاق في =","vol":"2","page":708},{"text":"وجه الدلالة: أنه لما كانت صلاة النبي -ﷺ- في هذه الأمكنة حصلت بحكم الاتفاق، ولم يقصد -ﷺ- ذات هذه الأمكنة بعبادة تخصها رأى عمر أن مشاركة النبي -ﷺ- في صورة العمل دون الموافقة له في القصد والنية ليست من الاتباع والتأسي في شيء، بل جعل ذلك من المشابهة لليهود والنصارى الذين اتخذوا آثار أنبيائهم مساجد.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فلما كان النبي -ﷺ- لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه، بل صلى فيه لأنه موضع نزوله رأى عمر أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة، بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التي هلكوا بها، ونهى المسلمين عن التشبه بهم في ذلك، ففاعل ذلك متشبه بالنبي -ﷺ- في الصورة، ومتشبه باليهود والنصارى في القصد الذي هو عمل القلب، وهذا هو الأصل؛ فإن المتابعة في السُّنَّة أبلغ من المتابعة في صورة العمل\" (^١)، ويوضحه:\nثالثًا: أن متابعة النبي -ﷺ- والتأسي به المعتبران شرعًا (^٢)، إنما يكونان بالاقتداء به وموافقته في صورة العمل الظاهرة مع المشاركة له في القصد والنية، أما مجرد الموافقة الظاهرية بدون المشاركة في النية فلا يعد من المتابعة ولا التأسي في شيء، وعليه فما كان من الأفعال عبادة في حق النبي -ﷺ- وقصد به التعبد صار عبادة في حق أمته، وما تركه تعبدًا صار تركه في حق أمته عبادة.\n_________\n= مصنفه (٢/ ١١٨)، برقم (٢٧٣٤)، والهندي في كنز العمال (١٤/ ٧٧)، برقم (٣٨٢٧٨)، والبدع والنهي عنها، لابن وضاح (ص ٨٧)، وقال الألباني: وسنده صحيح على شرط الشيخين، تحذير الساجد (ص ٩٧)، وأشار إلى صحة إسناده ابن تيمية، مجموع الفتاوى (١/ ٢٨١)، وصحح إسناده شيخنا عبد المحسن العباد في رسالته: التحذير من تعظيم الآثار غير المشروعة (ص ١٢).\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ٢٨١).\n(^٢) اتباعه -ﷺ- عمومًا هو: الاقتداء به -ﷺ- في جميع ما جاء به؛ اعتقادًا وقولًا وفعلًا. [انظر: تفسير البحر المحيط، لأبي حيان (٤/ ٤٠٢)].","vol":"2","page":709},{"text":"يقول الإمام ابن تيمية: \"فعلم أنه لا بد في المتابعة للنبي -ﷺ- من اعتبار القصد والنية؛ فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى\" (^١).\nويستطرد الآمدي مفصلًا وشارحًا لمسألة المتابعة والتأسي بأفعال النبي الكريم -ﷺ- بقوله: \"المقدمة الثانية: في معنى التأسي والمتابعة والموافقة والمخالفة؛ إذ الحاجة داعية إلى معرفة ذلك فيما نرومه من النظر في مسائل الأفعال.\nأما التأسي بالغير فقد يكون في الفعل والترك.\nأما التأسي في الفعل: فهو أن تفعل مثل فعله على وجهه، من أجل فعله.\nفقولنا: (مثل فعله)؛ لأنه لا تأسي مع اختلاف صورة الفعل كالقيام والقعود.\nوقولنا: (على وجهه): معناه المشاركة في غرض ذلك الفعل ونيته؛ لأنه لا تأسي مع اختلاف الفعلين في كون أحدهما واجبًا والآخر ليس بواجب، وإن اتحدت الصورة.\nوقولنا: (من أجل فعله)؛ لأنه لو اتفق فعل شخصين في الصورة والصفة ولم يكن أحدهما من أجل الآخر كاتفاق جماعة في صلاة الظهر مثلًا، أو صوم رمضان اتباعًا لأمر الله تعالى؛ فإنه لا يقال بتأسي البعض بالبعض.\nوعلى هذا فلو وقع فعله في مكان أو زمان مخصوص فلا مدخل له في المتابعة والتأسي؛ وسواء تكرر أو لم يتكرر؛ إلا أن يدل الدليل على اختصاص العبادة به؛ كاختصاص الحج بعرفات، واختصاص الصلوات بأوقاتها.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٧٥)، وانظر: (١٧/ ٤٨٦).","vol":"2","page":710},{"text":"وأما التأسي في الترك: فهو ترك أحد الشخصين مثل ما ترك الآخر من الأفعال على وجهه وصفته؛ من أجل أنه ترك.\nوأما المتابعة فقد تكون في القول وقد تكون في الفعل والترك؛ فاتباع القول: هو امتثاله على الوجه الذي اقتضاه القول.\nوالاتباع في الفعل: هو التأسي بعينه.\nوأما الموافقة: فمشاركة أحد الشخصين للآخر في صورة قول، أو فعل، أو ترك، أو اعتقاد، أو غير ذلك؛ وسواء كان ذلك من أجل ذلك الآخر، أو لا من أجله.\nوأما المخالفة: فقد تكون في القول، وقد تكون في الفعل والترك، فالمخالفة في القول: ترك امتثال ما اقتضاه القول.\nوأما المخالفة في الفعل: فهو العدول عن فعل مثل ما فعله الغير مع وجوبه؛ ولهذا فإن من فعل فعلًا ولم يجب على غيره مثل فعله لا يقال له: إنه مخالف في الفعل بتقدير الترك؛ ولذلك لم تكن الحائض مخالفة بترك الصلاة لغيرها\" (^١).\nويقول أبو الحسين البصري (^٢): \"أما التأسي بالنبي -ﷺ- فقد يكون في فعله، وفي تركه؛ أما التأسي به في الفعل: فهو أن نفعل صورة ما فعل، على الوجه الذي فعل، لأجل أنه فعل، والتأسي في الترك: هو أن نترك مثل ما ترك، على الوجه الذي ترك، لأجل أنه ترك، وإنما شرطنا أن تكون صورة الفعل واحدة؛ لأنه -ﷺ- لو صام وصلينا لم نكن متأسين\n_________\n(^١) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ٢٢٦ - ٢٢٧)، (بتصرف).\n(^٢) هو: محمد بن علي الطيب، أبو الحسين، البصري: أحد أئمة المعتزلة، ولد في البصرة، وسكن ببغداد، قال الخطيب البغدادي: (له تصانيف وشهرة بالذكاء والديانة على بدعته)، وكان يقرئ الاعتزال ببغداد وله حلقة كبيرة، من كتبه: المعتمد في أصول الفقه، وتصفح الأدلة، وشرح الأصول الخمسة، توفي سنة ٤٣٦ هـ. [ترجمته في: العبر في خبر من غبر (٣/ ١٨٩)، والأعلام للزركلي (٦/ ٢٧٥)].","vol":"2","page":711},{"text":"به، وأما الوجه الذي وقع عليه الفعل فهو الأغراض والنيات، فكل ما عرفناه أن غرض في الفعل اعتبرناه، ويدخل في ذلك نية الوجوب والنفل، ألا ترى أنه لو صام واجبًا فتطوعنا بالصوم لم نكن متأسين به، وكذلك لو تطوع بالصوم فافترضنا به، وإذا لم يكن له في الفعل غرض مخصوص لم يجب اعتباره؛ لأنه لو أزال النجاسة لا لأجل الصلاة لم يجب إذا تأسينا بها في إزالتها أن ننوي به ذلك، وقد يدخل المكان والزمان في الأغراض، وقد لا يدخلان فيه، فمتى علمنا كونهما غرضين اعتبرناهما وإلا لم نعتبر؛ أمثال ذلك: الوقوف بعرفة، وصوم شهر رمضان، وصلاة الجمعة.\nوإنما شرطنا أن نفعل الفعل لأنه -ﷺ- لو صلى فصلى مثل صلاته رجلان من أمته؛ لأجل أنه صلى لوصف كل واحد منهما بأنه متأس به -ﷺ-، ولا يوصف كل واحد منهما بأنه متأسٍ بالآخر\" (^١).\nويقول أبو بكر الجصاص في معنى التأسي به -ﷺ-: \"لأن التأسي به: هو أن نفعل مثل ما فعل، ومتى خالفناه في اعتقاد الفعل، أو في معناه لم يكن ذلك تأسيًا به؛ ألا ترى أنه إذا فعله على الندب وفعلناه على الوجوب كنا غير متأسين به، وإذا فعل -ﷺ- فعلًا لم يجز لنا أن نفعله على اعتقاد الوجوب فيه حتى نعلم أنه فعله على ذلك، فإذا علمنا أنه فعله على الوجوب لزمنا فعله على ذلك الوجه\" (^٢).\nويقول الشاطبي: \"والتأسي: إيقاع الفعل على الوجه الذي فعله\" (^٣).\nرابعًا: ومما يدل على صحة القاعدة: أن التقرب إلى الله بفعله -ﷺ- الذي فعله بدافع الجبلة والعادة، ولم يفعله تعبدًا لله تعالى يؤدي\n_________\n(^١) انظر: المعتمد (١/ ٣٤٣)، بتصرف.\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص (٥/ ٢٢٤).\n(^٣) الموافقات (٤/ ٢٤٧).","vol":"2","page":712},{"text":"بلا شك إلى تبديل الشريعة، واعتقاد ما ليس بعبادة أنه عبادة، وما ليس بسنَّة أنه سُنَّة، ويجري الأمر في جانب الترك كذلك، فيعتقد فيما تركه النبي -ﷺ- على جهة العادة أو العرف أنه عبادة يتقرب إلى الله بها، ولا شك أن هذا من أعظم أسباب الولوج في البدع، وعمله مردود عليه.\nيقول الإمام ابن تيمية في مسألة النذر بالمباحات: \"كذلك لا يؤمر الناذر أن يفعلها، فمن فعلها على وجه التعبد بها، والتقرب، واتخاذ ذلك دينًا وطريقًا إلى الله تعالى فهو ضال جاهل، مخالف لأمر الله ورسوله، ومعلوم أن من يفعل ذلك من نذر اعتكافًا ونحو ذلك إنما يفعله تدينًا، ولا ريب أن فعله على وجه التدين حرام؛ فإنه يعتقد ما ليس بقربة قربة، ويتقرب إلى الله تعالى بما لا يحبه الله، وهذا حرام، لكن من فعل ذلك قبل بلوغ العلم إليه فقد يكون معذورًا بجهله إذا لم تقم عليه الحجة فإذا بلغه العلم فعليه التوبة\" (^١).\nويقول أيضًا فيما يتعلق بالسفر إلى القبور بقصد العبادة: \"والسفر إلى القبور إنما يقصد به العبادة، والعبادة إنما تكون بواجب أو مستحب، فإذا حصل الاتفاق على أن السفر إلى القبور ليس بواجب ولا مستحب كان من فعله على وجه التعبد مبتدعًا مخالفًا للإجماع، والتعبد بالبدعة ليس بمباح، لكن من لم يعلم أن ذلك بدعة فإنه قد يعذر، فإذا بينت له السُّنَّة لم يجز له مخالفة النبي -ﷺ-، ولا التعبد بما نهى عنه\" (^٢).\nويقول ابن رجب: \"فأما العبادات فما كان منها خارجًا عن حكم الله ورسوله بالكلية فهو مردود على عامله، وعامله يدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٥/ ٢٩٣).\n(^٢) المصدر نفسه (٢٧/ ٣٣٥ - ٣٣٦).","vol":"2","page":713},{"text":"[الشورى: ٢١]، فمن تقرب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله فعمله باطل مردود عليه\" (^١).\nويقول الإمام الشاطبي: \"وهذا فساد عظيم؛ لأن اعتقاد ما ليس بسُنّة سنة، والعمل بها على حد العمل بالسُّنَّة؛ نحوٌ من تبديل الشريعة؛ كما لو اعتقد في الفرض أنه ليس بفرض، أو بما ليس بفرض أنه فرض، ثم عمل على وفق اعتقاده؛ فإنه فاسد، فهب العمل في الأصل صحيحًا؛ فإخراجه عن بابه اعتقادًا وعملًا من باب إفساد الأحكام الشرعية، ومن هنا ظهر عذر السلف الصالح في تركهم سننًا قصدًا؛ لئلا يعتقد الجاهل أنها من الفرائض؛ كالأضحية وغيرها؛ كما تقدم ذلك\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-188> المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nلقد اهتم أهل العلم بهذه القاعدة لما لها من الأثر الكبير في صيانة الشريعة من البدع والمحدثات؛ وذلك لكثرة أفعاله -ﷺ- التي حصل فيها اللبس، وتنوعت أنظار العلماء حيالها، ومن أكثر من قررها ودندن حولها الإمام ابن تيمية -﵀-، وفيما يأتي أذكر ما وقفت عليه من أقواله، وأقوال غيره من أهل العلم في تقرير معنى القاعدة.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فَمَا فَعَلَهُ عَلَى وَجْهِ التَّقَرُّبِ كَانَ عِبَادَةً تُفْعَلُ عَلَى وَجْهِ التَّقَرُّبِ، وَمَا أَعْرَضَ عَنْهُ وَلَمْ يَفْعَلْهُ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْمُقْتَضِي لَمْ يَكُنْ عِبادَةً وَلَا مُسْتَحَبًّا. وَمَا فَعَلَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ التَّعَبُّدِ بِهِ كَانَ مُبَاحًا، وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَسْتَحِبُّ مُشَابَهَتَهُ فِي هَذَا فِي الصُّورَةِ كَمَا\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (ص ٦٠).\n(^٢) الاعتصام، للشاطبي (١/ ٤٤٨).","vol":"2","page":714},{"text":"كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ، وأَكْثَرُهُمْ يَقُولُ: إنَّمَا تَكُونُ الْمُتَابَعَةُ إِذَا قَصَدْنا مَا قَصَدَ، وَأَمَّا الْمُشَابَهَةُ فِي الصورَةِ مِنْ غَيْرِ مُشَارَكَةٍ فِى الْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ فَلَا تَكُونُ مُتَابَعَةً. فَمَا فَعَلَهُ عَلَى غَيْرِ الْعِبَادَةِ فَلَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُفْعَلَ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُتَابَعَةِ؛ بَلْ مُخَالَفَةٌ\" (^١).\nويقول أيضًا: \"ونحن مأمورون باتباعه -ﷺ- وذلك بأن نصدقه في كل ما أخبر به، ونطيعه في كل ما أوجبه وأمر به، لا يتم الإيمان به إلا بهذا وهذا، ومن ذلك أن نقتدي به في أفعاله التي يشرع لنا أن نقتدي به، فما فعله على وجه الوجوب، أو الاستحباب، أو الإباحة نفعله على وجه الوجوب، أو الاستحباب، أو الإباحة، وهو مذهب جماهير العلماء، إلا ما ثبت اختصاصه به، فإذا قصد عبادة في مكان شرع لنا أن نقصد تلك العبادة في ذلك المكان\" (^٢).\nويقول أيضًا: \"وما فعله النبي -ﷺ- على وجه التعبد فهو عبادة، يشرع التأسي به فيه، فإذا خَصَّصَ زمانًا أو مكانًا بعبادة كان تخصيصه بتلك العبادة سنة، كتخصيصه العشر الأواخر بالاعتكاف فيها، وكتخصيصه مقام إبراهيم بالصلاة فيه، فالتأسي به أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل لأنه فعل\" (^٣).\nويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"وأما متابعة الرسول -ﷺ- فواجب على أمته متابعته في الاعتقادات والأقوال والأفعال، فتوزن الأقوال والأفعال بأقواله وأفعاله، فما وافق منها قُبل، وما خالف رد على فاعله كائنًا من كان\" (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٢٢).\n(^٢) المصدر نفسه (٢٧/ ٤٢٠).\n(^٣) المصدر نفسه (١٠/ ٤٠٩).\n(^٤) انظر: مؤلفات محمد بن عبد الوهاب في العقيدة (ص ١٠٦).","vol":"2","page":715},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-189> المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nبعض ما ظهر لي من الفوائد والإيجابيات يمكن استخلاصها من القاعدة:\nأولًا: يؤخذ من القاعدة عدم شرعية العبادة في الأماكن أو الأزمان التي تعبد فيها النبي -ﷺ-، لأنَّه لم يتقصد تلك الأماكن، ولا تلك الأزمان بإيقاع العبادة فيهما، وإنما حصلت منه -ﷺ- العبادة بحكم الاتفاق كأن يوافق نزوله في مكان معين، وزمان معلوم فيصلي فيه، ولم يتقصد مكانًا بعينه ولا زمانًا لإيقاع العبادة فيهما، فاتخاذ ذلك المكان وتعيينه وقصده للعبادة، واعتقاد أن له ميزة تخصه عن غيره لعبادة النبي -ﷺ- فيه من المنكرات والبدع، ويدخل في ذلك تعظيم آثار الأنبياء والمحافظة عليها، والتردد عليها بالزيارة؛ كمن يتردد على غار حراء للتعبد فيه، فكل ذلك من البدع المحدثة في دين الإسلام (^١).\nيقول الإمام ابن تيمية: \"والصواب مع جمهور الصحابة؛ لأن متابعة النبي -ﷺ- تكون بطاعة أمره، وتكون في فعله بأن يفعل مثل ما فعل، على الوجه الذي فعله، فإذا قصد النبي -ﷺ- العبادة في مكان كان قصد العبادة فيه متابعة له كقصد المشاعر والمساجد، وأما إذا نزل في مكان بحكم الاتفاق؛ لكونه صادف وقت النزول، أو غير ذلك مما يعلم أنه لم يتحر ذلك المكان، فإنّا إذا تحرينا ذلك المكان لم نكن متبعين له فإن الأعمال بالنيات\" (^٢).\n_________\n(^١) انظر: فيما يتعلق بتخصيص الأمكنة أو الأزمان بقصد العبادة إلى المبحث الخامس من الفصل الأول. قاعدة: (ليس في الشريعة بقعة تقصد للعبادة لذاتها) (ص ١٨٤).\n(^٢) اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٣٨٧).","vol":"2","page":716},{"text":"ويقول أيضًا: \"فإن الدين أصله متابعة النبي -ﷺ- وموافقته بفعل ما أمرنا به وشرعه لنا وسنَّه لنا، ونقتدي به في أفعاله التي شرع لنا الاقتداء به فيها، بخلاف ما كان من خصائصه.\nفأما الفعل الذي لم يشرعه هو لنا، ولا أمرنا به، ولا فعله فعلًا سن لنا أن نتأسى به فيه، فهذا ليس من العبادات والقرب، فاتخاذ هذا قربة مخالفة له -ﷺ-، وما فعله من المباحات على غير وجه التعبد يجوز لنا أن نفعله مباحًا كما فعله مباحًا، ولكن هل يشرع لنا أن نجعله عبادة وقربة؟ فيه قولان كما تقدم، وأكثر السلف والعلماء على أنا لا نجعله عبادة وقربة، بل نتبعه فيه؛ فإن فعله مباحًا فعلناه مباحًا، وإن فعله قربة فعلناه قربة، ومن جعله عبادة رأى أن ذلك من تمام التأسي به والتشبه به، ورأى أن في ذلك بركة لكونه مختصًا به نوع اختصاص\" (^١).\nثانيًا: يستفاد من القاعدة أن العبادة لا تكون عبادة إلا بقصد المعبود والتعبد إليه، وطلب القربة والثواب منه -﷾-، إضافة إلى قصد العبادة نفسها، فالأول هو الإخلاص في العبادة، والثاني هو النية التي تتميز بها العبادات عن غيرها، وفيما بينها.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"العبادة تتضمن قصد المعبود، وإرادته، وتوجه القلب إليه، وهذا أمر يحسه الإنسان من نفسه في جميع مراداته ومقصوداته ومطلوباته ومحبوباته\" (^٢).\nويقول الإمام ابن القيم: \"فإن الإخلاص قصد المعبود وحده بالتعبد، والغافل لا قصد له فلا عبودية له\" (^٣).\nويقول الإمام الشاطبي: \"وهكذا العبادات؛ فإن المقصود الأصلي\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٥٠٤).\n(^٢) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٤٦٦)، وانظر: درء التعارض (٥/ ١٨١).\n(^٣) مدارج السالكين (١/ ٥٢٧).","vol":"2","page":717},{"text":"فيها التوجه إلى الواحد المعبود، وإفراده بالقصد إليه على كل حال، ويتبع ذلك قصد التعبد لنيل الدرجات في الآخرة، أو ليكون من أولياء الله تعالى، وما أشبه ذلك؛ فإن هذه التوابع مؤكدة للمقصود الأول، وباعثة عليه، ومقتضية للدوام فيه سرًا وجهرًا، بخلاف ما إذا كان القصد إلى التابع لا يقتضي دوام المتبوع، ولا تأكيده؛ كالتعبد بقصد حفظ المال والدم، أو لينال من أوساخ الناس، أو من تعظيمهم، كفعل المنافقين والمرائين؛ فإن القصد إلى هذه الأمور ليس بمؤكد، ولا باعث على الدوام، بل هو مُقَوٍّ للترك، وَمُكَسِّل عن الفعل؛ ولذلك لا يدوم عليه صاحبه إلا ريثما يترصد به مطلوبه، فإن بَعُدَ عليه تركه ... فمثل هذا المقصد مضاد لقصد الشارع إذا قصد العمل لأجله، وإن كان مقتضاه حاصلًا بالتبعية من غير قصد\" (^١).\n_________\n(^١) الموافقات (٢/ ٣٩٨).","vol":"2","page":718},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>المبحث الثالث\nقاعدة الوسائل لها أحكام المقاصد</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-190><span data-type=\"title\" id=toc-192> المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة</span></span>\nالوسائل لغة: مشتقة من الأصل اللغوي (وسل) من باب وعد، مفردها (وسيلة)، يقال: (وَسَلَ يَسِلُ وَسْلًا وَتَوَسُّلًا) إذا رغب وتقرَّب، والواسل: الراغب، وأصل المادة فيه دلالة على الرغبة والطلب، ومنه اشتقت الوَسِيْلَةُ: وهي ما يتقرب به إلى الشيء، وقيل: المَنْزِلَةُ عِنْدَ المَلِكِ، والدَّرَجَةُ والقُرْبَةُ والوُصْلَةُ، وَقِيْل: الوَسِيْلَةُ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلى الغَيْرِ، والجَمْعُ: الوُسُلُ والوَسائِلُ، والوسيلة أخص من الوصيلة لتضمن الوسيلة لمعنى الرغبة (^١).\nالمقاصدُ لغة: جمع مَقْصِدٍ، والمقْصَدُ، مصدر ميمي (^٢)، مأخوذ من\n_________\n(^١) انظر: معجم مقاييس اللغة (٦/ ١١٠)، وتاج العروس (٣١/ ٧٥)، ولسان العرب (١١/ ٧٢٤)، والمصباح المنير (٢/ ٦٦٠).\n(^٢) المصدر الميمي: هو المبدوء بميم زائدة لغير المفاعلة، ويدل على الحدث مجردًا من الزمن، ويصاغ من الثلاثي على وزن مَفْعَل: مَنْظَر، وإن كان مثالًا صحيح اللام على =","vol":"2","page":719},{"text":"الفعل (قَصَدَ)، يقال: (قَصَدَ يقْصِد قصْدًا وَمقْصَدًا) (^١)، فالقصْدُ والمقْصدُ بمعنى واحد، ولمادة (قصد) عدة معاني مذكورة في كتب أهل اللغة، ومن تلك المعاني:\nالاعتماد، والأَمُّ -بفتح الهمزة وتشديد الميم مع ضمها-، وإتيان الشيء، والتوجّهُ إليه، تقول: قصده، وقَصَدَ له، وقصَد إليه: إذا أمَّه، فالمقصد: هو ما يؤَمُّ ويتوجه إليه.\nو(القصد): الاستقامة وعدم الاعوجاج، طريق قاصد مستقيم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ [النحل: ٩]: \"والسبيل: هي الطريق، والقصد من الطريق: المستقيم الذي لا اعوجاج فيه\" (^٢). ويقال: طريق قاصد؛ أي: سهل ومستقيم، وسفر قاصد، أي: سهل وقريب، ومنه قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ﴾ [التوبة: ٤٢]؛ أي: وموضعًا قريبًا سهلًا (^٣).\nو(القصد): العدل، والتوسط وعدم الإفراط، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩]، ومن ذلك قول جابر بن سمرة (^٤): (كنت أصلي مع رسول الله -ﷺ- فكانت صلاته\n_________\n= وزن مَفْعِل: مَوْعِد. ومن غير الثلاثي على وزن اسم مفعوله: مُسْتَحْسن، مُسْتَسَاغ. [انظر: الشافية في علم التصريف، لابن الحاجب (ص ٢٨)، وشرح شذور الذهب، لابن هشام (ص ٥٢٦).\n(^١) انظر: معجم مقاييس اللغة (٥/ ٩٥)، والمحكم والمحيط الأعظم (٦/ ١٨٥)، وتاج العروس (٩/ ٣٦)، والقاموس المحيط (ص ٣٩٦)، والمعجم الوسيط (٢/ ٧٣٨).\n(^٢) انظر: تفسير الطبري (١٤/ ٨٣).\n(^٣) انظر: المرجع نفسه (١٠/ ١٤١).\n(^٤) هو: جابر بن سمرة بن جنادة بن جندب العامري السوائي حليف بني زهرة يكنى أبا عبد الله ويقال: يكنى أبا خالد. روى كثيرًا من الأحاديث عن النبي -ﷺ-، توفي -﵁- سنة ٧٤ وقيل: ٦٦ هـ. انظر ترجمته في: الاستعياب (١/ ٢٢٤)، والإصابة (١/ ٤٣١).","vol":"2","page":720},{"text":"قصدًا وخطبته قصدًا) (^١). \"أي: بين الطول الظاهر والتخفيف الماحق\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>معنى الوسائل والمقاصد اصطلاحًا:</span>\nما ذكره أهل العلم في معنى الوسائل والمقاصد المذكورة في القاعدة له ارتباط واضح، وعلاقة ظاهرة بمعاني هذه المفردات اللغوية؛ فالوسائل عندهم هي الطرق الموصلة التي يتقرب بها إلى المصالح والمفاسد، كما أن المقاصد لديهم هي المصالح والمفاسد التي اعتمدها الشرع، وتوجه إلى اعتبارها ومراعاتها، وهذا هو المعنى الأول من معاني مادة (قصد)، وإذا أضيفت إلى العباد، أو إلى المكلفين فالمقصود هو نياتهم وما يؤمونه ويتوجهون إليه بقلوبهم.\nوقيل: لفظ الوسائل له معنيان عند أهل العلم:\nالأول: معنى عام؛ وهو: الأفعال التي يتوصل بها إلى تحقيق المقاصد.\nالثاني: معنى خاص؛ وهو: الأفعال التي لا تقصد لذاتها؛ لعدم تضمنها المصلحة أو المفسدة، ولكنها تقصد للتوصل بها إلى أفعال أخرى هي المتضمنة للمصلحة أو المفسدة والمؤدية إليها (^٣).\nوأما المقاصد فكما سبق هي جملة المصالح والمفاسد التي اعتبرها الشارع، ومنهم من عرَّف المقاصد بقوله: \"المقاصد هي المعاني والحِكَم ونحوها التي راعاها الشارع في التشريع عمومًا وخصوصًا، من أجل\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة (٢/ ٥٩١)، برقم (٨٦٦).\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم (٦/ ١٥٣).\n(^٣) انظر: قواعد الوسائل في الشريعة الإسلامية دراسة أصولية في ضوء المقاصد الشرعية، د. مصطفى مخدوم، الناشر: دار إشبيليا للنشر والتوزيع (ص ٥١٧).","vol":"2","page":721},{"text":"تحقيق مصالح العباد\" (^١).\nيقول الإمام القرافي (^٢) مبينًا لذلك: \"وموارد الأحكام على قسمين: مقاصد؛ وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها، ووسائل؛ وهي الطرق المفضية إليها\" (^٣).\nفجعل الوسائل: هي الطرق المفضية إلى المصالح والمفاسد.\nوالمقاصد: هي الأمور المتضمنة للمصالح والمفاسد.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-194> المسألة الثانية * معنى القاعدة</span>\nإن من رحمة الله تعالى بعباده أن أنزل إليهم قرآنًا كريمًا، وبعث فيهم رسولًا عظيمًا، جاءهم بشريعة سمحاء، وشرعة كاملة لا نقص فيها ولا قصور، قد بنيت على الحِكَمِ، وأسست على مصالح العباد في المعاش والمعاد، فما من أمر من الأمور المتعلقة بحاجة العباد في عباداتهم، ومعاملاتهم، وجميع أمورهم إلا وتجد حُكْمَه في شريعة الإسلام مسطورًا من لدن حكيم خبير.\nومما لا يخفى أن الأحكام الشرعية كلها لا بد لها من مقاصد\n_________\n(^١) انظر: مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية، تأليف: د. محمد اليوبي (ص ٣٧)، وهذا التعريف هو خلاصة ما توصل إليه -حفظه الله- من مجموع التعريفات التي ذكرها.\n(^٢) هو: أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن بن عبد الله الصنهاجي، المالكي، العالم الشهير الأصولي، كان إمامًا في أصول الدين وأصول الفقه، عالمًا بمذهب مالك، وبالتفسير، وصنف في أصول الفقه الكتب المفيدة الكثيرة، له مصنفات كثيرة مفيدة منها: شرح المحصول وتنقيح الفصول وشرحه، والفروق، والعقد المنظوم وغيرها، توفي سنة ٦٨٤ هـ. أترجمته في: الديباج المذهب (ص ٦٢)، وشجرة النور الذكية (ص ١٨٨)].\n(^٣) الذخيرة (١/ ١٥٣).","vol":"2","page":722},{"text":"وحكم، تشتمل عليها، وتشرع لأجلها، وترجع إليها، وهذه الأحكام منها ما هو وسائل ومنها ما هو مقاصد؛ أما المقاصد فقد حرصت الشريعة على تبيينها، بل ونصت عليها في الغالب، وأما الوسائل فهي تابعة لأحكام مقاصدها، إن كان المقصد واجبًا كانت وسيلته التي يتوقف عليها ولا يتم بدونها واجبة، وإن كان حرامًا كانت الوسيلة محرمة، وإن كان المقصد مندوبًا أو مكروهًا أو مباحًا كانمت الوسيلة في كل ذلك حسب مقصدها.\nوهذا يدل على عظمة هذه الشريعة وكمالها؛ فإنها إذا حرمت أمرًا حرمت وسائله المفضية إليه ولو كانت مظنونة؛ فإن من تمام تحريم الشيء تحريم وسائله، وسد جميع ذرائعه، وإذا أوجبت أمرًا أوجبت وسيلته التي لا يتم إلا بها؛ إذ من تمام إيجاب الشيء إيجاب جميع الأشياء التي يتوقف حصوله عليها.\nيقول الإمام ابن القيم: \"لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها، كانت طرقها وأسبابها تابعة لها، معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غايتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل.\nفإذا حرم الرب تعالى شيئًا وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها، ويمنع منها؛ تحقيقًا لتحريمه، وتثبيتًا له، ومنعًا أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضًا للتحريم، وإغراء للنفوس به، وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء، بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك؛ فإن أحدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل بيته من شيء ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه لَعُدَّ متناقضًا،","vol":"2","page":723},{"text":"ولحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده، وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه، وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه، فما الظن بهذه الشريعة الكاملة، التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال\" (^١).\nوالقاعدة أوضحت مدى العلاقة والارتباط بين مقاصد الأمور ووسائلها، وأن الوسائل تابعة للمقاصد فيما يتعلق بأحكام المقاصد الشرعية، فما كان للمقاصد من أحكام انتقلت وسرت إلى وسائلها فتأخذ الوسائل نفس أحكام المقاصد من حيث الجملة.\nفما كان وسيلة لواجب فهو واجب، وما كان وسيلة لمستحب فهو مستحب، وما كان وسيلة لمحرم فهو محرم، وما كان وسيلة لمكروه فهو مكروه، وما كان وسيلة لمباح فهو مباح.\nيقول الإمام القرافي -﵀- في بيانه لحكم الوسائل: \"وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريم أو تحليل، غير أنها أخفض رتبة من المقاصد في حكمها؛ فالوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما هو متوسط متوسطة\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-195> المسألة الثالثة * أدلة القاعدة</span>\nلقد دلَّ على صحة القاعدة وما تضمنته أدلة عديدة من الكتاب والسُّنَّة، وفيما يأتي أنقل بعضًا مما استدل به أهل العلم على صحة القاعدة:\nأولًا: لا يخفى ارتباط هذه القاعدة بقاعدة (سد الذرائع)، فإن الوسائل المؤدية للفساد هي الذرائع التي يعبر عنها العلماء، لكن الوسائل\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٣/ ١٣٥).\n(^٢) الذخيرة (١/ ١٥٣).","vol":"2","page":724},{"text":"أشمل؛ لأنها مرتبطة بالمصالح والمفاسد، وإن كان الأمر عند المالكية لا يختلف؛ إذ الوسائل عندهم هي الذرائع نفسها (^١).\nوعليه، فإن جميع الأدلة المذكورة في قاعدة (سد الذرائع) تصلح للاستدلال بها على قاعدة (الوسائل لها أحكام المقاصد)، فلتراجع هناك (^٢).\nثانيًا: قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)﴾ [التوبة: ١٢٠].\nفكتب الله لهم ثواب الظمأ والنصب والسير والتعب، وإن لم يكن مقصودًا منهم، ولكنه حصل تبعًا للجهاد الذي فرضه الله عليهم، فالجهاد مقصد والسير إليه وسيلة، فجعلت الوسيلة عبادة يثاب عليها العبد تبعًا لمقصدها.\nوعليه، فمن قصده طاعة الله كان قيامه، وقعوده، ومشيته، وحركته، وسكونه، وجميع ما يتوصل به إلى الطاعة كلها حسنات مكتوبة عند الله، وكذا القول في طرف المعصية؛ فما أعظم بركة الطاعة، وما أعظم شؤم المعصية (^٣).\nيقول القرافي: \"وينبه على اعتبار الوسائل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ\n_________\n(^١) انظر: الفروق، للقرافي (٢/ ٥٩).\n(^٢) انظر: قاعدة سد الذرائع (ص ٩٦٣) (المبحث الأول/ الفصل الثالث من الباب الثاني).\n(^٣) انظر: التفسير الكبير للرازي (١٦/ ١٧٨).","vol":"2","page":725},{"text":"صَالِحٌ﴾، فأثابهم على الظمأ والنصب وإن لم يكونا من فعلهم؛ لأنهما حصلا لهم بسبب التوسل إلى الجهاد الذي هو وسيلة لإعزاز الدين، وصون المسلمين، فالاستعداد وسيلة إلى الوسيلة\" (^١).\nفوجوب الجهاد وجوب الوسائل لا المقاصد؛ إذ المقصود بالقتال إنما هو الهداية والدخول في الإسلام، والشهادة في سبيل الله؛ وأما قتل الكفار فليس بمقصود، حتى لو أمكن هدايتهم بإقامة الدليل بغير جهاد كان أولى من الجهاد (^٢).\nثالثًا: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].\nنهى سبحانه عن الضرب بالأرجل المستلزم لخروج صوت الخلخال والذي يؤدي إلى استدعاء الميل وتحريك النفس، وإثارة الشهوة.\nيقول الإمام ابن القيم: \"فمنعهن من الضرب بالأرجل وإن كان جائزًا في نفسه لئلا يكون سببًا إلى سمع الرجال صوت الخلخال، فيثير ذلك دواعي الشهوة منهم إليهن\" (^٣).\nيقول الشيخ السعدي في معنى الآية: \"أي: لا يضربن الأرض بأرجلهن ليصوت ما عليهن من حلي؛ كخلاخل وغيرها، فتعلم زينتها بسببه، فيكون وسيلة إلى الفتنة، ويؤخذ من هذا ونحوه قاعدة: سد الوسائل، وأن الأمر إذا كان مباحًا ولكنه يفضي إلى محرم، أو يخاف من وقوعه فإنه يمنع منه؛ فالضرب بالرجل في الأرض الأصل أنه مباح، ولكن لما كان وسيلة لعلم الزينة منع منه\" (^٤).\n_________\n(^١) الذخيرة (١/ ١٥٣)، وانظر: قواعد الأحكام، للعز بن عبد السلام (١/ ١٠٥ - ١٠٦).\n(^٢) انظر: مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، تأليف: محمد الخطيب الشربيني، دار الفكر - بيروت (٤/ ٢١٠).\n(^٣) إعلام الموقعين (٣/ ١٣٧).\n(^٤) تفسير السعدي (ص ٥٦٧).","vol":"2","page":726},{"text":"ويقول أيضًا في قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ [الأحزاب: ٣٢]: \"فهذا دليل على أن الوسائل لها أحكام المقاصد؛ فإن الخضوع بالقول واللين فيه في الأصل مباح، ولكن لما كان وسيلة إلى المحرم منع منه\" (^١).\nرابعًا: ما رواه ثابت بن الضحاك (^٢) -﵁-، قال: (نذر رجل على عهد رسول الله -ﷺ- أن ينحر إبلًا بِبُوَانَة (^٣)، فأتى النبي -ﷺ- فقال: إني نذرت أن أنحر إبلًا بِبُوَانَة، فقال النبى -ﷺ-: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا، قال: هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا، قال رسول الله -ﷺ-: \"أوف بنذرك؛ فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم\") (^٤).\nيقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ في معنى الحديث: \"ففيه المنع من عبادة الله في أماكن الشرك وعبادة غيره؛ للمشابهة الصورية، وإن لم تقصد، فكيف بالذرائع والوسائل القريبة المفضية إلى عين الشرك، ونفس المحذور الأكبر! (^٥).\n_________\n(^١) المصدر نفسه (ص ٦٦٤).\n(^٢) هو: الصحابي الجليل ثابت بن الضحاك بن خليفة الأنصاري شهد بيعة الرضوان والحديبية، ولد سنة ثلاث من البعثة وتوفي سنة ٦٤ هـ. [الإصابة (١/ ٥٠٧)].\n(^٣) بُوَانَة: بضم الباء الموحدة وبعد الألف نون على بناء فعالة: موضع بين الشام وديار بني عامر، وقيل: موضع أسفل مكة دون يلملم، وقيل: هضبة من وراء ينبع. [انظر: معجم ما استعجم، لأبي عبيد (١/ ٢٨٣)، وتلخيص الحبير، لابن حجر (٤/ ١٨٠)].\n(^٤) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأيمان والنذور، باب: ما يؤمر به من الوفاء بالنذر (٣/ ٢٣٨)، برقم (٣٣١٣)، وقال ابن تيمية: \"أصل هذا الحديث في \"الصحيحين\"، وهذا الإسناد على شرط الصحيحين وإسناده كلهم ثقات مشاهير، وهو متصل بلا عنعنة\"، اقتضاء الصراط المستقيم (ص ١٨٦)، وصحح إسناده ابن حجر في التلخيص الحبير (٤/ ١٨٠)، وابن الملقن في خلاصة البدر المنير (٢/ ٤٢٢)، وحسن طرقًا أخرى له.\n(^٥) منهاج التأسيس والتقديس، لعبد اللطيف آل الشيخ (ص ٢٤٢).","vol":"2","page":727},{"text":"ويقول الشيخ الأمين الشنقيطي في معناه: \"وفيه الدلالة الظاهرة على أن النحر بموضع كان فيه وثن يعبد، أو عيد من أعياد الجاهلية من معصية الله تعالى، وأنه لا يجوز بحال والعلم عند الله تعالى\" (^١).\nويقول الشيخ السعدي في مقاصد كتاب التوحيد، وتناسق أبوابه: \"ما أحسن إتباع هذا الباب بالباب الذي قبله، فالذي قبله من المقاصد وهذا من الوسائل، ذاك من باب الشرك الأكبر، وهذا من وسائل الشرك القريبة، فإن المكان الذي يذبح فيه المشركون لآلهتهم تقربًا إليها، وشركًا بالله قد صار مشعرًا من مشاعر الشرك، فإذا ذبح فيه المسلم ذبيحة ولو قصدها لله، فقد تشبه بالمشركين وشاركهم في مشعرهم، والموافقة الظاهرة تدعو إلى الموافقة الباطنة والميل إليهم.\nولهذا السبب نهى الشارع عن مشابهة الكفار في شعارهم وأعيادهم وهيئاتهم ولباسهم، وجميع ما يختص بهم؛ إبعادًا للمسلمين عن الموافقة لهم في الظاهر، التي هي وسيلة قريبة للميل والركون إليهم، حتى إنه نهى عن الصلاة النافلة في أوقات النهي التي يسجد المشركون فيها لغير الله خوفًا من التشبه المحذور\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-196> المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في اعتماد معنى القاعدة</span>\nلقد تضافرت أقوال العلماء في تقرير معنى القاعدة؛ وذلك لما لها من المكانة العظيمة، والمنزلة العالية؛ إذ عليها مبنى الشريعة المتضمنة لمصالح العباد في معاشهم ومعادهم، وفيما يأتي ذكر بعض أقوالهم المؤيدة والمقررة لمعنى القاعدة:\n_________\n(^١) أضواء البيان (٥/ ٢٤٩).\n(^٢) القول السديد في مقاصد التوحيد (ص ٥٦).","vol":"2","page":728},{"text":"يقول الإمام القرافي: \"القاعدة أن الوسائل تتبع المقاصد في أحكامها، فوسيلة المحرم محرمة، ووسيلة الواجب واجبة، وكذلك بقية الأحكام، غير أنها أخفض رتبة منها، ووسيلة أقبح المحرمات أقبح الوسائل، ووسيلة أفضل الواجبات أفضل الوسائل\" (^١).\nويقول الشيخ السعدي في قواعده الحسان: \"قد أرشد القرآن إلى المنع من الأمر المباح إذا كان يفضي إلى ترك الواجب، أو فعل محرم، وهذه القاعدة وردت في القرآن في مواضع متعددة، وهي من قاعدة: الوسائل لها أحكام المقاصد ... فالأمور المباحة هي بحسب ما يتوسل بها إليه، فإن توسل بها إلى فعل واجب، أو مسنون كانت مأمورًا بها، وإن توسل بها إلى فعل محرم، أو ترك واجب، كانت محرمة منهيًا عنها، وإنما الأعمال بالنيات الابتدائية والغائية\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-197> المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nلقد استفاد أهل العلم من هذه القاعدة في الحكم على كثير من المسائل الشرعية، لا سيما مستجدات المسائل التي تطرأ حسب تغير الأزمان، وفيما يأتي أتناول بعض تلك الفوائد والتطبيقات مستخلصًا لها من كلام أهل العلم:\nأولًا: دلت القاعدة على أن الوسائل لها أحكام المقاصد، هذا في الغالب الأعم ومن حيث الجملة؛ فإن كانت الوسيلة يتوقف عليها حصول المقصود فإنها تعطى حكمه تمامًا، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم المندوب إلا به فهو مندوب، وما لا يتم ترك المحرم إلا بتركه فتركه واجب، وهكذا.\n_________\n(^١) الفروق (٣/ ٢٠٠).\n(^٢) القواعد الحسان في تفسير القرآن، للشيخ السعدي، قاعدة (٦٥)، (ص ٩٦).","vol":"2","page":729},{"text":"وأما إن كانت الوسيلة لا يتوقف عليها وحدها حصول المقصود، وذلك عند تعدد الوسائل المؤدية إلى مقصود واحد، ففيه تفصيل؛ فإن كان المقصود منهيًا عنه أو مباحًا فتأخذ الوسيلة حكمه.\nوأما إن كان المقصود مطلوبًا ومأمورًا به؛ سواء أمر إيجاب أو استحباب فإحدى الوسائل تكون مطلوبة دون تعيين؛ لتوقف المقصود المطلوب على مباشرة إحدى هذه الوسائل، ومرد ذلك إلى اختيار المكلف واجتهاده، فيكون الأمر كالواجب المخير تمامًا، وبهذا يظهر أن القاعدة المذكورة أغلبية (^١).\nومما يوضح ذلك أن الحكم قد يختلف في بعض الصور النادرة فيحكم على الوسيلة بخلاف مقصدها، وذلك في حال تعارض المقاصد.\nيقول القرافي في تنوع أحكام الوسائل: \"وحكمها: حكم ما أفضت إليه من وجوب أو غيره، إلا أنها أخفض رتبة في حكمها مما أفضت إليه، فليس كل ذريعة يجب سدها، بل الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها، وتكره، وتندب، وتباح، بل قد تكون وسيلة المحرم غير محرمة إذا أفضت إلى مصلحة راجحة؛ كالتوسل إلى فداء الأسارى بدفع المال للكفار الذي هو محرم عليهم الانتفاع به، بناء على الصحيح عندنا من خطابهم بفروع الشريعة، وكدفع مال لرجل يأكله حرامًا حتى لا يزني بامرأة إذا عجز عن دفعه عنها إلا بذلك ... \" (^٢).\nثانيًا: أن تطبيق قاعدة الوسائل لها أحكام المقاصد لا بد فيها من معرفة حقيقة الوسائل وحقيقة المقاصد، وإمكانية التفريق بينهما بحيث لا\n_________\n(^١) انظر: قواعد الوسائل في الشريعة الإسلامية دراسة أصولية في ضوء المقاصد الشرعية (ص ٥٢٠ - ٥٢١)، د. مصطفى بن كرامة الله مخدوم، دار إشبيليا للنشر والتوزيع.\n(^٢) الفروق (٢/ ٦٠).","vol":"2","page":730},{"text":"يختلط أمرهما فلا يدرى مقصد الشيء من وسيلته، فتجعل الوسائل بمرتبة المقاصد أو العكس.\nيقول القرافي: \"الأحكام على قسمين: مقاصد، ووسائل؛ فالمقاصد كالحج، والسفر إليه وسيلة، وإعزاز الدين ونصر الكلمة مقصد، والجهاد وسيلة، ونحو ذلك من الواجبات والمحرمات والمندوبات والمكروهات والمباحات، فتحريم الزنا مقصد؛ لاشتماله على مفسدة اختلاط الأنساب، وتحريم الخلوة والنظر وسيلة، وصلاة العيدين مقصد مندوب والمشي إليها وسيلة، ورطانة الأعاجم مكروهة، ومخالطتهم وسيلة إليه، وأكل الطيبات مقصد مباح، والاكتساب له وسيلة مباحة، وحكم كل وسيلة حكم مقصدها في اقتضاء الفعل أو الترك، وإن كانت أخفض منه في ذلك الباب\" (^١).\nوالله تعالى لم يجعل المقاصد في مرتبة الوسائل، بل فرق بينهما في أمور عديدة، من ذلك محبته للمقاصد أكثر من وسائلها؛ إذ هي الأصل في المحبة، ومن أجلها شرع الوسائل.\nيقول الإمام ابن القيم: \"وإذا كان إنما قدر ما يكرهه لأنه يكون وسيلة إلى ما يحبه، علم أن محبوبه هو الغاية، ففوات محبوبه أبغض إليه وأكره له من حصول مبغوضه، بل إذا ترتب على حصول مبغوضه ما يحبه من وجه آخر كان المبغوض مرادًا له إرادة الوسائل، كما كان النهي عنه وكراهته لذلك، وأما المحبوب فمراده إرادة المقاصد كما تقدم، فهو سبحانه إنما خلق الخلق لأجل محبوبه ومأموره، وهو عبادته وحده كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقدر مكروهه ومبغوضه تكميلًا لهذه الغاية التي خلق خلقه لأجلها، فإنه ترتب عليه من المأمورات ما لم يكن يحصل بدون تقديره؛ كالجهاد الذي\n_________\n(^١) الذخيرة (٢/ ١٢٩).","vol":"2","page":731},{"text":"هو أحب العمل إليه، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، ولولا محبته لهذه المأمورات لما قدر من المكروه له ما يكون سببًا لحصولها\" (^١).\nفالواجب على العباد معرفة الفوارق بين مقاصد الشرع ووسائله، فيحرصون على المقاصد أشد من حرصهم على الوسائل، وإلا وقعوا في حبائل الشيطان وخدعه.\nيقول الإمام ابن تيمية في كلامه عن حقيقة ما يحصل للأولياء من خوارق: \"لكن المقصود أن تُعرف مرتبة الخوارق، وأنها عند أولياء الله الذين يريدون وجهه، ويحبون ما أحبه الله ورسوله: في مرتبة الوسائل التي يُستعان بها كما يُستعان بغير الخوارق، فإن لم يحتاجوا إليها استغناءً بالمعتادات لم يلتفتوا إليها. وأما عند كثير ممن يتبع هواه، ويحب الرياسة عند الجهال، ونحو ذلك، فهي عندهم أعلى المقاصد.\nكما أن كثيرًا من طلبة العلم ليس مقصودهم به إلا تحصيل رياسة أو مال، ولكل امرئٍ ما نوى، وأما أهل العلم والدين الذين هم أهله، فهو مقصود عندهم لمنفعته لهم، وحاجتهم إليه في الدنيا والآخرة\" (^٢).\nفجميع الأمور الخارجة عن الإيمان والتقوى لا تعتبر من المقاصد الشرعية، وقد تدخل في باب الوسائل التي يتوصل بها إلى المقصود الشرعي الذي يتحقق به الإيمان والتقوى.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"أما الأمور الخارجية عن نفس الإيمان والتقوى فلا يحصل بها فضيلة عند الله تعالى، وإنما يحصل بها الفضيلة عند الله إذا كانت مُعينة على ذلك؛ فإنها من باب الوسائل لا المقاصد؛ كالمال والسلطان والقوة والصحة ونحو ذلك، فإن هذه الأمور لا يفضّل\n_________\n(^١) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين (١/ ٢٩ - ٣٠).\n(^٢) منهاج السُّنَّة النبوية (٨/ ٢٠٩).","vol":"2","page":732},{"text":"بها الرجل عند الله إلا إذا أعانته على طاعة الله بحسب ما يعينه، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] \" (^١).\nوما يدخل في مسألة التفريق بين الوسائل والمقاصد فيما يتعلق بالعلوم والفنون؛ لأن عدم التفريق يؤدي بطالب العلم إلى انقضاء الأعمار فيما منفعته قليلة أو معدومة.\nيقول الإمام الشاطبي: \"وأيضًا؛ فإن علوم الشريعة منها ما يجري مجرى الوسائل بالنسبة إلى السعادة الأخروية، ومنها ما يجري مجرى المقاصد، والذي يجري منها مجرى المقاصد أعلى مما ليس كذلك -بلا نزاع بين العقلاء أيضًا-؛ كعلم العربية بالنسبة إلى علم الفقه؛ فإنه كالوسيلة، فعلم الفقه أعلى، وإذا ثبت هذا؛ فأهل العلم أشرف الناس، وأعظم منزلة بلا إشكال ولا نزاع\" (^٢).\nويقول ابن خلدون في مقدمته: \"وهذا كما فعل المتأخرون في صناعة النحو، وصناعة المنطق، وأصول الفقه؛ لأنَّهم أوسعوا دائرة الكلام فيها، وأكثروا من التفاريع والاستدلالات بما أخرجها عن كونها آلهة، وصيرها من المقاصد، وربما يقع فيها لذلك أنظار ومسائل لا حاجة بها في العلوم المقصودة، فهي من نوع اللغو، وهي أيضًا مضرة بالمتعلمين على الإطلاق؛ لأن المتعلمين اهتمامهم بالعلوم المقصودة أكثر من اهتمامهم بوسائلها، فإذا قطعوا العمر في تحصيل الوسائل فمتى يظفرون بالمقاصد؟، فلهذا يجب على المعلمين لهذه العلوم الآلية أن لا يستبحروا في شأنها، ولا يستكثروا من مسائلها، وينبهوا المتعلم على الغرض منها، ويقفوا به عنده، فمن نزعت به همته بعد ذلك إلى شيء من التوغل، ورأى من نفسه قيامًا بذلك، وكفاية به فليرق له ما شاء من\n_________\n(^١) منهاج السُّنَّة النبوية (٨/ ٢١٤).\n(^٢) الاعتصام (٢/ ٨٥٦).","vol":"2","page":733},{"text":"المراقي؛ صعبًا أو سهلًا، وكل ميسر لما خلق له\" (^١).\nثالثًا: ومما يعين على فهم القاعدة وتطبيقها التطبيق الصحيح والدقيق والموفق معرفة مراتب الوسائل والمقاصد، ودرجات تفاضلها، وذلك في حالة تعارض الوسائل أو المقاصد المشتملة على المصالح والمفاسد، فقد تتعارض المصالح، أو المفاسد، أو تتعارض مصلحة مع مفسدة، فمعرفة مراتب الوسائل يستطيع العالم من معرفة أيهما المقدم وأيهما المؤخر.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"والمقاصد أفضل من وسائلها\" (^٢).\nويقول أيضًا: \"والمقاصد مقدمة في القصد والقول على الوسائل\" (^٣).\nيقول القرافي: \"فإنه يجب تقديم المقاصد لكونها أهم في نظر الشرع\" (^٤).\nويقول العز ابن عبد السلام: \"الوَاجِبَاتُ وَالْمَنْدُوبَاتُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُما مَقَاصِدُ، وَالثَّانِي وَسَائِلُ، وَكَذَلِكَ الْمَكْرُوهَات وَالْمُحَرَّمَاتُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُما مَقَاصِدُ، والثَّانِي: وَسَائِلُ، وَلْلوَسَائِلِ أَحْكَامُ الْمَقَاصِدِ، فَالْوَسِيلَةُ إِلَى أَفْضَلِ الْمَقَاصِدِ هِيَ أَفْضَلُ الْوَسَائِلِ، وَالْوَسِيلَةُ إِلَى أَرْذَل الْمَقَاصِدِ هِيَ أَرْذَل الْوَسَائِلِ، ثُمَّ تَتَرتَّبُ الوْسَائِلُ بِتَرَتُبِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ، فَمَنْ وَفَّقَهُ اللهُ لِلْوُقُوفِ عَلَى تَرتُّبِ الْمَصَالِحِ عَرَفَ فَاضِلَهَا مِنْ مَفْضُولِهَا، وَمُقَدَّمَهَا مِنْ مَؤَخَّرِهَا، وَقَدْ يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِي بَعْضِ رُتَبِ الْمَصَالِحِ، فَيَخْتَلِفُونَ فِي تَقْدِيمِهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ، وَكَذَلِكَ مَنْ وَفَّقَهُ اللهُ لِمَعْرِفَةِ رُتَبِ الْمَفَاسِدِ فَإِنَّهُ يَدْرَأُ أَعْظَمَهَا بأَخَفِّها عِنْدَ تَزَاحُمِهَا، وَقَدْ يَخْتَلِفُ\n_________\n(^١) مقدمة ابن خلدون (ص ٥٣٧).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٩/ ٣٠٥).\n(^٣) المصدر نفسه (٢٢/ ٣٨٥).\n(^٤) الذخيرة (٢/ ١١٩).","vol":"2","page":734},{"text":"الْعُلَمَاءُ فِي بَعْضِ رُتَبِ الْمَفَاسِدِ، فَيَخْتَلِفُونَ فِيمَا يُدْرَأُ مِنْهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ دَفْعِ جَمِيعِهَا، وَالشَّرِيعَةُ طَافِحَةٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ\" (^١).\nرابعًا: لا شك أن من أعظم مقاصد الدين، وأفرض واجباته عبادة الله تعالى وحده كما شرع، والحفاظ على الشريعة بعدم الزيادة أو النقصان منها، أو الإحداث والتعبد لله تعالى بالبدع، والقاعدة نصت على أن الوسائل لها أحكام المقاصد، فكل وسيلة أدت إلى تثبيت هذا المقصود العظيم كان تحصيلها والقيام بها واجبًا على أهل الإسلام، والعكس بالعكس.\nوالبدع من أعظم الوسائل التي يتم بها تبديل الدين، وتحريفه، وإدخال ما ليس منه فيه، وفتح باب التعبد لله بغير ما شرع، فهي ذريعة عظيمة، ووسيلة إلى إضاعة المشروع، وإحلال غيره محله.\nفإنكار البدع وردها وتحريمها، وعقوبة المبتدع من أعظم الوسائل إلى تحقيق هذا المقصود الأكبر، والغاية الأسمى؛ من حفظ الدين وعبادة الله وفق ما شرع (^٢).\nخامسًا: دلت القاعدة على أن الوسائل المشروعة أو الجائزة لها حكم المقاصد الشرعية التي اعتبرها الشارع وحافظ عليها، وهذا يخرج الوسائل المحرمة فلا يجوز اتخاذ الوسائل المحرمة والممنوعة في سبيل تحقيق المقصد الشرعي، أو الغاية الحميدة؛ لأن حسن الغايات والمقاصد لا يبيح استعمال الوسائل الممنوعة، بل ما من مقصد شرعي إلا وله وسيلة مشروعة أو جائزة.\nيقول الشيخ صالح الفوزان فيما يستفاد من قصة (ذات أنواط) (^٣):\n_________\n(^١) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (١/ ٤٦).\n(^٢) انظر: مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية، د. اليوبي (ص ٣٣٩ - ٣٤٠).\n(^٣) تقدم تخريجه (ص ٢٣٣).","vol":"2","page":735},{"text":"\"وفيه -أيضًا- مسألة مهمة: وهي أن حُسن المقاصد لا يغير من الحكم الشرعي شيئًا، هؤلاء لهم مقصد حسن، ولكن النبي -ﷺ- لم يعتبر مقاصدهم، بل أنكر هذا؛ لأن الوسائل التي تُفضي إلى المحاذير ممنوعة (^١)، صحابي مع رسول الله -ﷺ- يحمل السيف للجهاد، ما قصد إلا الخير هو ومن معه، ومع هذا غضب النبي -ﷺ- عند مقالتهم، وجعلها مثل مقالة بني إسرائيل، فدلّ على أن المقاصد الحسنة لا تبرِّر الغايات السيّئة والمنكرة\" (^٢).\nوهذا يدل على أن الوسائل غير محصورة بعدد، بل كل ما كان وسيلة إلى مقصود شرعي كان حكمها بحسب مقصدها شريطة أن تكون الوسيلة جائزة وغير محرمة شرعًا.\nيقول الشيخ العثيمين: \"والوسائل ليس لها حد شرعي، فكل ما أدى إلى المقصود فهو مقصود ما لم يكن منهيًا عنه بعينه، فإن كان منهيًا عنه بعينه فلا نقربه، فلو قال قائل: أنا أريد أن أدعو شخصًا بالغناء والموسيقى؛ لأنه يطرب لها ويستأنس بها، وربما يكون هذا جذبًا له، فأدعوه بالموسيقى والغناء. هل نبيح له ذلك؟ لا؛ لا يجوز أبدًا؛ لكن إذا كانت وسيلة لم يُنْهَ عنها، ولها أثر فهذه لا بأس بها، فالوسائل غير المقاصد، وليس من اللازم أن يَنصَّ الشرع على كل وسيلة بعينها؛ يقول: هذه جائزة، وهذه غير جائزة، لأن الوسائل لا حصر لها، ولا حد لها، فكل ما كان وسيلة لخير فهو خير\" (^٣).\n_________\n(^١) سؤالهم -﵃- للتبرك الذي هو وسيلة وليس مقصدًا شرعيًا، ومقصدهم كان النصر على الأعداء.\n(^٢) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (١/ ١٦٢).\n(^٣) لقاء الباب المفتوح، للشيخ ابن عثيمين (لقاء الباب المفتوح ١٥/ ٤٩ - ٥٠)، (١٥/ ٢١).","vol":"2","page":736},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>الباب الثاني\nالقواعد المتعلقة بما يضاد توحيد العبادة</span>\nوفيه أربعة فصول:\nالفصل الأول: القواعد المتعلقة بتعريف الشرك وحقيقته.\nالفصل الثاني: القواعد المتعلقة بقبح الشرك وأنواعه.\nالفصل الثالث: القواعد المتعلقة بوسائل الشرك وأسبابه.\nالفصل الرابع: القواعد المتعلقة بإبطال الشرك وحقيقة المشركين.","vol":"2","page":737},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>الفصل الأول\nالقواعد المتعلقة بتعريف الشرك وحقيقته</span>\nوفيه سبعة مباحث:\nالمبحث الأول: قاعدة: التشبيه هو أصل عبادة الأوثان عند أكثر المشركين.\nالمبحث الثاني: قاعدة: الشرك هو التسوية بين الله وغيره في شيء من خصائصه وحقه.\nالمبحث الثالث: قاعدة: الخوف الشركي أن يخاف العبد من غير الله أن يصيبه مكروه بمشيئته وقدرته وإن لم يباشره.\nالمبحث الرابع: قاعدة: السؤال والطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك.","vol":"2","page":739},{"text":"المبحث الخامس: قاعدة: الاعتقاد في الأسباب بذاتها شرك في الربوبية والألوهية.\nالمبحث السادس: قاعدة: الشفاعة ملك لله تعالى وطلبها ورجاؤها من غير الله أو بغير إذن شرك.\nالمبحث السابع: قاعدة: كل ما ورد في القرآن من الأمر بالدعاء والنهي عن دعاء غير الله يتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة.","vol":"2","page":740},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>المبحث الأول\nقاعدة التشبيه هو أصل عبادة الأوثان عند أكثر المشركين</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-201> المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>معنى التشبيه لغة واصطلاحًا:</span>\nالتشبيه مشتق من الأصل الثلاثي اللغوي (شبه)، فالشين والباء والهاء أصل واحد يدل على تشابه الشيء وتشاكله؛ لونًا ووصفًا، من المشابهة، وجمعه القياسي أشباه، ومَشَابِه على غير قياس، كما قالوا مَحَاسِن ومَذَاكِر، ويقال: شِبْهٌ وَشَبَهٌ وَشَبَيهٌ، ونظيره لفظًا ومعنى: المَثَل والمِثْل بفتح الميم والثاء، وكسر الميم وتسكين الثاء، وأشبه الشيء بالشيء: ماثله، وفي فلان شبَه من فلان، وهو شِبْهُهُ وشَبَههُ؛ أي: شبيهه.\nوشَبَّهْتُ الشيء بالشيء: أقمته مقامه لصفة جامعة بينهما، وتكون الصفة ذاتية ومعنوية؛ فالذاتية: نحو هذا الدرهم كهذا الدرهم، وهذا السواد كهذا السواد، والمعنوية: نحو زيد كالأسد أو كالحمار؛ أي: في شدته وبلادته، وزيد كعمرو؛ أي: في قوته وكرمه وشبهه، وأشبه الولد","vol":"2","page":741},{"text":"أباه وشابهه: إذا شاركه في صفة من صفاته، واشتبهت الأمور وتشابهت: التبست فلم تتميز ولم تظهر، وتشابهت الآيات: تساوت أيضًا، فالمشابهة هي المشاركة في معنى من المعاني، والتشبيه: إثبات المثل للشيء مساويًا له من بعض الوجوه (^١).\nوأما معناه عند أهل البلاغة فعرَّفه ابن الأثير بقوله: \"حد التشبيه: هو أن يثبت للمشبه حكم من أحكام المشبه به، فإذا لم يكن بهذه الصفة، أو كان بين المشبه والمشبه به بعد فذلك الذي يطرح ولا يستعمل\" (^٢).\nوقال تقي الدين الحموي: \"وأصحاب المعاني والبيان أطلقوا أعنة الكلام في ميادين حدود التشبيه وتقاريرها، وهو عندهم: الدلالة على مشاركة أمر لأمر في معنى\".\nثم ذكر أقوالًا عن أهل الأدب والبيان في معنى التشبيه، ومن ذلك:\nأن التشبيه: هو العقد على أن أحد الشيئين يسد مسد الآخر في حال.\nومنهم من قال: التشبيه: هو الدلالة على اشتراك شيئين في وصف هو من أوصاف الشيء الواحد.\nوقيل: التشبيه: صفة الشيء بما قاربه وشاكله من جهة واحدة؛ لأنَّه لو ناسبه مناسبة كلية كان إياه.\nوقيل: التشبيه إلحاق أدنى الشيئين بأعلاهما في صفة اشتركا في أصلها، واختلفا في كيفيتها قوةً وضعفًا.\n_________\n(^١) مقاييس اللغة (٣/ ٢٤٢)، والعين للخليل (٣/ ٤٠٤)، والمحكم والمحيط الأعظم لابن سيده (٤/ ١٩٣)، وتحرير ألفاظ التنبيه للنووي (٢٧٣)، والمصباح المنير (١/ ٣٠٣ - ٣٠٤)، وطلبة الطلبة لنجم الدين النسفي (٣٢٨).\n(^٢) المثل السائر (١/ ٣٩٩)، وانظر: (٢/ ١٨١).","vol":"2","page":742},{"text":"قلت -القائل الحموي-: وهذا حدّ مفيد.\nوأورد البعض حدًّا زاد في حسنه على الحد، وهو أن التشبيه تشبيهان:\nالأول منهما: تشبيه شيئين متفقين بأنفسهما كتشبيه الجوهر بالجوهر، مثل قولك: ماء النيل كماء الفرات، وتشبيه العرض بالعرض كقولك: حمرة الخد كحمرة الورد، وتشبيه الجسم بالجسم كقولك: الزبرجد مثل الزمرد.\nوالثاني: تشبيه شيئين مختلفين بالذات لجمعهما معنى واحدًا مشتركًا، كقولك: حاتم كالغمام، وعنترة كالضرغام (^١).\nوهذا التشبيه عند أهل الأدب والبيان له أغراض؛ فقد يقصد به المدح، أو الذم، وقد يقصد به الإيضاح والإبانة، وإزالة الغموض، وتجلية الأمور (^٢).\nويظهر مما سبق أن التَّشْبِيه لَا يَسْتَلْزِمُ الْمُشَارَكَةَ بَيْن الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ فِي جَمِيعِ الْأَوْصَافِ بَلْ يَكْفِي حُصولُهُ فِي بَعْضِها دُونَ بَعْضٍ (^٣).\nوالتشبيه في اصطلاح أهل السُّنَّة والجماعة هو تشبيه الخالق بالمخلوق، أو العكس لصفة جامعة بينهما؛ إما فى الذات، أو الصفات، أو الأفعال، أو الحقوق.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فإن التشبيه الذي يجب نفيه عن الرب تعالى: اتصافه بشيء من خصائص المخلوقين، كما أن المخلوق لا يتصف بشيء من خصائص الخالق، وإن يثبت للعبد شيء يماثل فيه الرب\" (^٤).\n_________\n(^١) خزانة الأدب وغاية الأرب للحموي (١/ ٣٨٤).\n(^٢) انظر: المثل السائر لابن الأثير (١/ ٣٨٠).\n(^٣) انظر: فتح الباري (١١/ ٣٧٣).\n(^٤) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٥٨٨).","vol":"2","page":743},{"text":"وقيل: التشبيه هو تصور الآلهة في ذاتها وصفاتها على غرار الإنسان (^١).\nوهو على نوعين (^٢):\nأحدهما: تشبيه الخالق بالمخلوق بحيث يجعل المخلوق أصلًا ثم يقاس به الخالق.\nالثاني: تشبيه المخلوق بالخالق بحيث يجعل الخالق هو الأصل، ويقاس عليه المخلوق.\nوكلاهما مذموم، بل هو خروج عن الدين، وإشراك برب العالمين.\nيقول الإمام ابن أبي العز الحنفي: \"وَهَذَا أصل نَوْعَيِ التَّشْبِيهِ، فَإِنَّ التَّشْبِيهَ نَوْعَانِ: تَشْبِيهُ الْخَالِقِ بِالْمَخْلُوق، وَهَذَا الَّذِي يَتْعَبُ أَهْلُ الْكَلَامِ فِي رَدِّهِ وَإِبْطَالِهِ، وَأَهْلُهُ فِي النَّاسِ أَقَلُّ مِنَ النَّوْعِ الثَّانِي، الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ تَشْبِيهِ المْخَلُوقِ بِالْخَالِقِ، كَعُبَّادِ الْمَشَايخ، وَعُزَيْرٍ، وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَالْأَصْنَامِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّارِ، وَالْمَاءِ، وَالْعِجْلِ، وَالْقُبُورِ، وَالْجِنِّ، وَغيْرِ ذَلِكَ. وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ أُرْسِلَتْ لَهُمُ الرُّسُلُ يَدْعُونَهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ\" (^٣).\nويقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين: \"ثم التشبيه الذي ضلَّ به من ضلَّ من الناس على نوعين:\nأحدهما: تشبيه المخلوق بالخالق.\nوالثاني: تشبيه الخالق بالمخلوق.\nفأما تشبيه المخلوق بالخالق فمعناه: إثبات شيء للمخلوق مما\n_________\n(^١) المعجم الفلسفي لمجمع اللغة العربية (ص ٤٤)، وانظر: التعريفات (ص ٢٧٤).\n(^٢) انظر: مقالة التشبيه وموقف أهل السُّنَّة منها (١/ ٧٩).\n(^٣) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٣٧).","vol":"2","page":744},{"text":"يختص به الخالق من الأفعال، والحقوق، والصفات، وهذا على ثلاثة أقسام:\nفالأول: كفعل من أشرك في الربوبية ممن زعم أن مع الله خالقًا.\nوالثاني: كفعل المشركين بأصنامهم حيث زعموا أن لها حقًّا في الألوهية، فعبدوها مع الله.\nوالثالث: كفعل الغلاة في مدح النبي -ﷺ- أو غيره مثل قول المتنبي (^١):\nفكن كما شئت يا من لا شبيه له ... وكيف شئت فما خَلْقٌ يدانيكا\nوأما النوع الثاني وهو تشبيه الخالق بالمخلوق فمعناه: أن يثبت لله تعالى في ذاته، أو صفاته من الخصائص مثل ما يثبت للمخلوق من ذلك، كقول القائل: إن يدي الله مثل أيدي المخلوقين، واستواءه على عرشه كاستوائهم ونحو ذلك\" (^٢).\nوالتشبيه المذموم عند أهل السُّنَّة والجماعة بنوعيه يقع بالقول والاعتقاد والفعل، فمن شبَّه الله بلسانه، أو اعتقد التشبيه بقلبه، أو فعل فعلًا بجوارحه استلزم التشبيه، وأفضى إليه كان ممن وقع في تشبيه الخالق بالمخلوق، وتشبيه المخلوق بالخالق.\nيقول الدكتور جابر إدريس -وفقه الله-: \"ومثال مقالة التشبيه\n_________\n(^١) المُتَنَبِّي: بضم الميم وفتح التاء والنون وكسر الباء الموحدة المشددة، هو أبو الطيب أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكوفي، الشاعر المشهور، وإنما قيل له ذلك لأنه ادعى النبوة فتبعه كثير، فسجن طويلًا، ثم أطلق وطلب الشعر وقاله فأجاد، وفاق أهل عصره.\nقال ابن خلكان: اعتنى العلماء بديوانه فشرحوه حتى قال لي بعض شيوخي وقفت له على أكثر من أربعين شرحًا ما بين مطول ومختصر، قتل في رمضان سنة (٣٥٤ هـ).\n[انظر: لسان الميزان (١/ ١٦٠)، وتوضيح المشتبه (٨/ ٣٤)].\n(^٢) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (٤/ ٢٢ - ٢٣)، بتصرف.","vol":"2","page":745},{"text":"الفعلية كأن يقوم المُشَبِّه بفعلِ يفضي به إلى الشرك بالله تعالى الذي هو تشبيه الله بخلقه، وتمثيله بهم (^١)؛ كالذبح لغير الله، أو السجود لغير الله، ونحو ذلك من الأعمال الشركية التي فيها تشبيه المخلوق بالخالق ﷿\" (^٢).\nوأمَّا الأَصْلُ فهو أسفلُ الشيءِ وجمعُه أُصولٌ لا يُكَسَّر، وأصل الشيء أسفله، وأساس الحائط أصله، واستأصل الشيء ثبت أصله وقوى، ثم كثر حتى قيل: أصل كل شيء ما يستند وجود ذلك الشيء إليه، وأصل الشيء ما منه الشيء؛ أي: مادته كالوالد للولد والشجرة للغصن، فالأب أصل للولد، والشجرة أصل للغصن (^٣)، فالأصل هو ما ابتنى عليه غيره، أو ما تفرع عنه غيره (^٤).\nقال الراغب: \"وأصل الشيء: قاعدته التي لو توهمت مرتفعة لارتفع بارتفاعه سائره لذلك، قال تعالى: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤)﴾ [إبراهيم: ٢٤] \" (^٥).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-203> المسألة الثانية * معنى القاعدة</span>\nتضمنت القاعدة بيان التشبيه الواقع من المشركين؛ الذين أشركوا مع الله تعالى في العبادة، وشبهوا المخلوق بالخالق، والخالق\n_________\n(^١) فيه نظر؛ لأنه مثل بعد ذلك بصورة الذبح لغير الله والسجود لغير الله وهذه فيها تشبيه المخلوق بالخالق لا العكس وهذا الذي قرره في غاية الجملة والله أعلم.\n(^٢) مقالة التشبيه وموقف أهل السُّنَّة منها، للدكتور جابر إدريس أمير (١/ ١٥٩).\n(^٣) انظر: المحكم والمحيط الأعظم (٨/ ٣٠٥)، ومعجم مقاييس اللغة (١/ ١٠٩)، والتعريفات للجرجاني (ص ٤٥).\n(^٤) انظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ١٥٨)، والبحر المحيط في أصول الفقه (١/ ١٠)، وحاشية ابن عابدين (٤/ ٥٤٧).\n(^٥) المفردات في غريب القرآن، للراغب (ص ١٩).","vol":"2","page":746},{"text":"بالمخلوق، ومعنى كون التشبيه أصلًا للشرك وعبادة الأوثان والأصنام؛ أي: هو حقيقته وموجبه وعلته الملازمة له، إذ لا ينفك الشرك وعبادة غيره سبحانه عن تشبيه واقع بين المخلوق والخالق، فمن صرف الدعاء لغيره ﷿ فقد شبَّه ذلك الغير بالله تعالى بإعطائه أخص ما يستحقه سبحانه من التضرع والخضوع والذلة الملازمة للداعي.\nكما أنهم شبهوا الله تعالى بخلقه في كونه لا يتوصَّل إليه إلَّا بالوسائط، فهم يرفعون حوائجهم إلى تلك الوسائط، ومن ثم ترفعها الوسائط إليه ﷾، فما من مشرك إلا وقد شبَّه معبوده بالله تعالى، فجعل لله مثلًا وشبيهًا، وعدلًا ونديدًا، أو شَبَّه الله تعالى بالمخلوقين، فلا يخلو المشرك من أحد التشبيهين، وقد يجمع في شركه بين النوعين، ولا شك في شناعة كِلا التشبيهين؛ إذ فيه تشبيه المخلوق الضعيف الذي لا يملك نفعًا ولا ضرًّا -لنفسه فضلًا عن غيره- بالخالق العلي العظيم، الذي خلق كل شيء فقدره تقديرًا، مالك الملك لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، العليم بخفايا الأمور ودقيقها، الغني عن كل ما سواه، وجميع خلقه مفتقرون إليه، الذي لا يعجزه شيء من سؤال خلقه له ﷾.\nفلا وجه لهذا التشبيه البتة إذ إن الخالق والمخلوق متخالفان كل التخالف، وصفاتهما متخالفة كل التخالف؛ فبأي وجه يعقل دخول صفة المخلوق في اللفظ الدال على صفة الخالق، أو دخول صفة الخالق في اللفظ الدال على صفة المخلوق، مع كمال المنافاة بين الخالق والمخلوق (^١).\nيقول الإمام ابن تيمية في طريقة أهل الحق في هذا الباب: \"ولا يصفون أحدًا من المخلوقين بخصائص الخالق ﷻ، بل كل ما سواه من الملائكة والأنبياء وسائر الخلق فقير إليه، عبد له، وهو الصمد الذي\n_________\n(^١) انظر: أضواء البيان (٧/ ٢٧١).","vol":"2","page":747},{"text":"يحتاج إليه كل شيء، ويسأله كل أحد، وهو غني بنفسه لا يحتاج إلى أحد في شيء من الأشياء، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥] \" (^١).\nوالفرق بين تشبيه صفات المخلوق بالخالق، وتشبيه صفات الخالق بالمخلوق: أن في تشبيه صفات المخلوق بالخالق تعظيمًا للمخلوق، ورفعًا له إلى مقام الألوهية، وهذا بلا شك من أعظم الإشراك بالله العظيم، أما تشبيه صفات الخالق بالمخلوق فحط من قدر الخالق ﷾، وتنقص له، وهو كسابقه في الكفر والشناعة.\nيقول الإمام ابن القيم: \"فتبين أن المُشَبِّهَةَ هم الذين يشبهون المخلوق بالخالق في العبادة، والتعظيم، والخضوع والحلف به، والنذر له، والسجود له، والعكوف عند بيته، وحلق الرأس له، والاستغاثة به، والتشريك بينه وبين الله في قولهم: ليس لي إلا الله وأنت، وأنا متكل على الله وعليك، وهذا من الله ومنك، وأنا في حسب الله وحسبك، وما شاء الله وشئت، وهذا لله ولك، وأمثال ذلك\" (^٢).\nويقول أيضًا: \"ومن خصائص الإلهية الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال، والخشية، والدعاء، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والاستعانة، وغاية الذل مع غاية الحب، كل ذلك يجب عقلًا وشرعًا وفطرة أن يكون له وحده، ويمنع عقلًا وشرعًا وفطرة أن يكون لغيره، فمن جعل شيئًا من ذلك لغيره فقد شبه\n_________\n(^١) الجواب الصحيح (٢/ ١٤٣).\n(^٢) إغاثة اللهفان (٢/ ٢٣٣).","vol":"2","page":748},{"text":"ذلك الغير بمن لا شبيه له، ولا ند له وذلك أقبح التشبيه وأبطله.\nفمن أعطى حبه، وذله، وخضوعه لغير الله فقد شبهه به في خالص حقه، فمن خصائص الإلهية السجود؛ فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به، ومنها التوكل؛ فمن توكل على غيره فقد شبهه به، ومنها التوبة؛ فمن تاب لغيره فقد شبهه به، ومنها الحلف باسمه تعظيمًا وإجلالًا؛ فمن حلف بغيره فقد شبهه به\" (^١).\nومن أجل هذا التشبيه الشنيع الواقع من المشركين حرَّم الله تعالى الشرك، وجعله من أكبر الجرائم، وأعظم المحرمات، وأفظع الظلم الذي تتفطر له السموات، وتنشق له الأرضون، وتتفتت من قبحه وشناعته الجبال الرواسي.\nيقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: \"فمن صرف شيئًا من العبادات لغير الله فقد أشرك به شركًا يبطل التوحيد وينافيه؛ لأنه شبه المخلوق بالخالق، وجعله في مرتبته؛ ولهذا كان أكبر الكبائر على الإطلاق، ولما فيه من سوء الظن به تعالى\" (^٢).\nويقول الشيخ حافظ الحكمي: \"فكيف بالقول على الله بلا علم في إلهيته، وربوبيته، وأسمائه، وصفاته: من تشبيه خلقه به، أو تشبيهه لخلقه في اتخاذ الأنداد معه، وصرف العبادة لهم، وإن اعتقاد تصرفهم في شيء من ملكوته تشبيه للمخلوق بالخالق، كما أن تمثيل صفاته تعالى بصفات خلقه تشبيه للخالق بالمخلوق، وكِلا التشبيهين كفر بالله ﷿ أقبح الكفر، وقد نَزَّه الله تعالى نفسه عن ذلك كله في كتابه\" (^٣).\nويقول الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ -حفظه الله- في\n_________\n(^١) انظر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم (٩٤ - ٩٥).\n(^٢) مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (٣/ ٣٢٢).\n(^٣) معارج القبول (١/ ٣٦٤).","vol":"2","page":749},{"text":"معنى قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾ [سبأ: ٢٢]: ﴿وَمَا لَهُ﴾؛ أي: الله تعالى: و﴿مِنْهُمْ﴾؛ يعني: من تلك الآلهة، ما له من وزير ولا معاون؛ لأنه قد يتبادر إلى ذهن بعض الناس أن ثمة من يعين الله على تدبير الأمور، وتصريف الشؤون، كالملائكة، أو الأنبياء، فيظن أنه إذا توجّه إلى أولئك بالدعاء والطلب، كان قد توجه إلى من يعين الله، فيعتقد أنه إذا طلب من الله فإن الله لن يردّه؛ لأنه ممن يعين الله! وقد بنوا هذا الاعتقاد الفاسد على تشبيه الخالق (^١) -تعالى- بما يحصل من المخلوقين بعضهم لبعض، فإن الملك في هذه الدنيا، أو الحاكم، أو الأمير إذا كان له من يعينه، ومن يظاهره، وشَفَعَ هذا المعين لأحد فإنه لا يردُّ شفاعته؛ لأنه يحتاجه، فلأجل هذه الحاجة لا يرد الأمير، أو الملك، شفاعة من كان له ظهيرًا، فلما ظنَّ هؤلاء المشركون أن بعض تلك الآلهة معاونة لله -جل وعلا- نفى الله هذا الاعتقاد الجاهلي\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-204> المسألة الثالثة * أدلة القاعدة</span>\nلقد دلَّ على صحة ما قررته القاعدة أدلة عديدة أذكر بعضًا منها فيما يلي:\n_________\n(^١) وقد صرح أهل الباطل بهذا التشبيه في تجويزهم الوساطة الشركية، وعللوا جوازها بأن الناس جبلوا على معرفة \"أن إكرام عبيد السلطان وأتباعه وتعظيمهم هو من أحسن وجوه التقرب إليه لقضاء حوائجهم عنده، وكلما كان ذلك العبد أو التابع أقرب له وأحب إليه كان إكرامه وتعظيمه والتوسل به إليه أقرب من نجاح الحاجة وحصول المقصود ... \". [انظر: شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق، ليوسف بن إسماعيل النبهاني (ص ٨٧)، وانظر: الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية، للعروسي (٢/ ٨٣٨).\n(^٢) التمهيد لشرح كتاب التوحيد (٢١٨).","vol":"2","page":750},{"text":"أولًا: النصوص التي نفى الله فيها أن يكون في خلقه مشابهًا أو مماثلًا له في ذاته، أو صفاته، أو أفعاله، بل ونهيه عن ذلك؛ مثل الكفؤ، والسمي، والشريك، والمثل، والند، وضرب الأمثال له؛ إذ تماثل الصفات والأفعال يستلزم تماثل الذوات، فإن الصفة تابعة للموصوف بها، والفعل أيضًا تابع للفاعل (^١)، ومن تلك النصوص ما يلي:\n١ - قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ٤].\nأي: ليس له شبيه ولا نظير ولا مساوي، وهي عامة لكل ما يدخل في مسمى الكفؤ (^٢).\nقال أبو العالية: \"لم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء\" (^٣).\nوقال الإمام السمعاني في معنى الآية: \"أي: لم يكن أحد نظيرًا له ولا شبيهًا\" (^٤). فيمتنع ويستحيل أن يكون في الموجودات من هو مساوٍ له في شيء من صفات الكمال، والجلال، والعظمة، والكبرياء (^٥).\n٢ - ومنها قوله سبحانه: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم: ٦٥].\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ فبين بذلك أن الله لا مثل له، ولا سمي، ولا كفو، فلا يجوز أن يكون شيء من صفاته مماثلًا لشيء من صفات المخلوقات، ولا أن يكون المخلوق مكافئًا ولا مساميًا له في شيء من صفاته ﷾\" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٣٢٥)، والعقيدة الأصفهانية لابن تيمية (ص ٢٥).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٤٤٤).\n(^٣) انظر: تفسير الطبري (٣٠/ ٣٤٧).\n(^٤) تفسير السمعاني (٦/ ٣٠٤)، وانظر: تفسير ابن زمنين (٥/ ١٧٢).\n(^٥) انظر: التفسير الكبير للرازي (٢٣/ ١٦٩).\n(^٦) مجموع الفتاوى (٦/ ٥١٦).","vol":"2","page":751},{"text":"ويقول أيضًا: \"وأصل دين الإسلام أن نعبد الله وحده ولا نجعل له من خلقه ندًا، ولا كفوًا، ولا سميًا\" (^١).\nويقول ابن القيم في معنى الآية: \"وذلك نفي عن المخلوق أن يكون مشابهًا للخالق، ومماثلًا له، بحيث يستحق العبادة والتعظيم، ولم يقل سبحانه: هل تعلمه سميًا أو مشبهًا لغيره؛ فإن هذا لم يقله أحد، بل المشركون المشبهون جعلوا بعض المخلوقات مشابهًا له، مساميًا وندًّا وعدلًا، فأنكر عليهم هذا التشبيه والتمثيل\" (^٢).\n٣ - ومنها قوله جل وعلا: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢]. وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩)﴾ [فصلت: ٩].\nوالند: الشبيه والنظير والمثيل، وكل شيء كان نظيرًا لشيء وشبيهًا فهو له ند (^٣).\nوقيل: حقيقة الله أنه المضاد لنده الجاري على مناقضته (^٤).\nوقال الأَخفشُ: \"النِّدُ: الضِّدُّ والشِّبْهُ\" (^٥).\nوالأنداد في الآيات السابقة: هي الأوثان التي اتخذوها آلهة لتقربهم إلى الله زلفى، ورجوا من عندها النفع والضر، وقصدوها بالمسائل، ونذروا لها النذور، وقربوا لها القرابين (^٦).\nوعن ابن عباس -﵄-: \" ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾: أندادًا قال أشباهًا\" (^٧).\n_________\n(^١) المصدر نفسه (٢٧/ ٣٣٨).\n(^٢) إغاثة اللهفان (٢/ ٢٣٠).\n(^٣) انظر: تفسير الطبري (١/ ١٦٣).\n(^٤) انظر: الموافقات للشاطبي (٣/ ٣٩٨)، وفتح الباري (١٣/ ٤٩١).\n(^٥) تاج العروس (٨/ ٣١٠).\n(^٦) انظر: التفسير الكبير (٤/ ١٨٤).\n(^٧) تفسير الطبري (١/ ١٦٣)، والدر المنثور (١/ ٨٧)، وانظر: تفسير السمعاني (٤/ ٣٣٥).","vol":"2","page":752},{"text":"يقول الإمام ابن تيمية في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾: \"فليس لصفة الله ند ولا مثل، ولا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين\" (^١).\nويقول أيضًا: \"فمن جعل لله ندًّا من خلقه فيما يستحقه ﷿ من الإلهية والربوبية فقد كفر بإجماع الأمة\" (^٢).\nويقول الشيخ السعدي: \" ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾؛ أي: نظراء وأشباهًا من المخلوقين، فتعبدونهم كما تعبدون الله، وتحبونهم كما تحبونه، وهم مثلكم مخلوقون، مرزوقون، مدبرون، لا يملكون مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض، ولا ينفعونكم ولا يضرون\" (^٣).\nوقال الإمام السمعاني: \"وقوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [فصلت: ٩]؛ أي: أشباهًا وأمثالًا وشركاءً\" (^٤).\nوقال ابن أبي زمنين: \" ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾: أعدالًا تعدلونهم به فتعبدونهم دونه\" (^٥).\n٤ - ومنها قوله تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]، وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].\n﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾: \"لا تجعلوا لله أشباهًا تشركونهم به\" (^٦).\nيقول الإمام ابن تيمية: \"والقرآن ملآن من توحيد الله تعالى، وأنه ليس كمثله شيء، فلا يمثل به شيء من المخلوقات في شيء من الأشياء؛ إذ ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في\n_________\n(^١) درء التعارض (٢/ ٤٢)، وانظر: شرح العقيدة الأصفهانية (ص ٥٣).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ٨٨).\n(^٣) تفسير السعدي (٤٥)، وانظر: تفسير البغوي (١/ ٥٥).\n(^٤) تفسير السمعاني (٥/ ٣٨)، وانظر: تفسير البحر المحيط (٧/ ٤٦٥).\n(^٥) تفسير ابن أبي زمنين (٤/ ١٤٦).\n(^٦) انظر: تفسير الجلالين (ص ٣٥٦).","vol":"2","page":753},{"text":"أفعاله، ولا فيما يستحقه من العبادة، والمحبة، والتوكل، والطاعة، والدعاء، وسائر حقوقه\" (^١).\nفالآية الكريمة المتضمنة النهي عن ضرب الأمثال لله تعالى بالمخلوقين، فلا يشبه ﷿ بالمخلوق الذي يحتاج إلى الأعوان والحجاب، ولا يشبه المخلوق بالله تعالى في استحقاق العبادة والتأله (^٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، رد للتشبيه والتمثيل (^٣).\nيقول الإمام ابن القيم: \"وكذلك قوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ إنما قصد به نفي أن يكون معه شريك، أو معبود يستحق العبادة والتعظيم، كما يفعله المشبهون والمشركون، ولم يقصد به نفي صفات كماله، وعُلُوَّه على خلقه، وتَكَلُّمَه بكتبه، وتَكْلِيمَه لرسله\" (^٤).\nويقول الشيخ صلاح الدين آيبك الصفدي (^٥) في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾: \"وشيء للعموم، وشيء يستغرق الإلهية، والصورة، والصفة، وكل ما سوى الله تعالى\" (^٦).\nويقول الشيخ السعدي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ أي: ليس يشبهه\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٣٦٦).\n(^٢) وانظر: المصدر نفسه (٢٧/ ٣٤٠ - ٣٤١).\n(^٣) انظر: المصدر نفسه (٣/ ٤).\n(^٤) إغاثة اللهفان (٢/ ٢٣١).\n(^٥) هو: خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي، صلاح الدين: أديب، مؤرخ، كثير التصانيف الممتعة، ولد في صفد (بفلسطين) سنة ٦٩٦ هـ، وإليها نسبته، وتعلم في دمشق فعانى صناعة الرسم فمهر بها، ثم ولع بالأدب وتراجم الأعيان، وتولى ديوان الإنشاء في صفد ومصر وحلب، ثم وكالة بيت المال في دمشق، فتوفي فيها سنة ٧٦٤ هـ، وله زهاء مئتي مصنف، منها: الوافي بالوفيات، في التراجم، والشعور بالعور، في تراجم العور وأخبارهم، ونكت الهميان، وغيرها. [ترجمته في: الأعلام للزركلي (٢/ ٣١٥)].\n(^٦) انظر: الوافي بالوفيات (٣/ ٧٩).","vol":"2","page":754},{"text":"تعالى ولا يماثله شيء من مخلوقاته؛ لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله؛ لأن أسماءه كلها حسنى، وصفاته صفات كمال وعظمة، وأفعاله تعالى أوجد بها المخلوقات العظيمة من غير مشارك، فليس كمثله شيء؛ لانفراده وتوحده بالكمال من كل وجه\" (^١).\nفكل ما سبق من النصوص، ومن أقوال أهل العلم يدل على أن شرك المشركين كان بسبب اتخاذ الشركاء والنظراء الذين شبهوهم بالله تعالى، فصرفوا لهم العبادة والتأله والمحبة والتذلل التي هي من خصائص الرب ﵎، ولذا اشتملت جميع النصوص السابقة على النفي أو النهي عن هذا التشبيه الشركي.\nيقول الإمام ابن القيم: في ذكر أسباب عبادة الأصنام وأن منها الغلو في المخلوق وإعطاؤه فوق منزلته: \"حتى جعل فيه حظ من الإلهية، وشبهوه بالله سبحانه، وهذا هو التشبيه الواقع في الأمم الذي أبطله الله سبحانه وبعث رسله وأنزل كتبه بإنكاره والرد على أهله.\nفهو سبحانه ينفي وينهى أن يجعل غيره مثلًا له، وندًّا له، وشبهًا له، لا أن يُشَبَّه هو بغيره؛ إذ ليس في الأمم المعروفة أمة جعلته سبحانه مثلًا لشيء من مخلوقاته، فجعلت المخلوق أصلًا وشبهت به الخالق، فهذا لا يعرف في طائفة من طوائف بني آدم، وإنما الأول هو المعروف في طوائف أهل الشرك؛ غلوا فيمن يعظمونه ويحبونه حتى شبهوه بالخالق، وأعطوه خصائص الإلهية، بل صرحوا أنه إله وأنكروا جعل الآلهة إلهًا واحدًا، وقالوا: ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص: ٦]، وصرحوا بأنه إله معبود، يرجى، ويخاف، ويعظم، ويسجد له، ويحلف باسمه، وتقرب له القرابين إلى غير ذلك من خصائص العبادة التي لا تنبغي إلا لله تعالى. فكل مشرك فهو مُشَبِّه لإلهه ومعبوده بالله سبحانه وإن لم يُشَبِّهْهُ\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٧٥٤).","vol":"2","page":755},{"text":"به من كل وجه\" (^١).\nثانيًا: النصوص الدالة على إبطال ما وقع فيه المشركون من العدل، والتسوية، والتمثيل، والقياس، والتشريك، والتشبيه (^٢)، بين الله تعالى ومعبوداتهم الباطلة، وتقرير توحده سبحانه بصفات الربوبية، وانفراده بخصائص الإلهية التي لا يشركه فيها أحد من الخلق، وهذا يدل على أن أصل شركهم بالله كان من تشبيههم معبوداتهم بالرب تعالى، ومن تلك النصوص ما يلي:\n١ - قوله ﷿: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].\nقال الزجاج (^٣): \"يحبون الأصنام كما يحبون الله؛ لأنهم أشركوها مع الله فسووا بين الله وبين أوثانهم في المحبة\" (^٤).\nوجاء عن مجاهد: في معنى الآية: \"مباهاة ومضاهاة للحق بالأنداد\" (^٥).\nوقد أشار سبحانه في آيات كثيرة إلى أن الكفار ساووا بين المخلوق والخالق قبحهم الله تعالى (^٦).\n٢ - ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ\n_________\n(^١) إغاثة اللفهان (٢/ ٢٢٦ - ٢٢٧).\n(^٢) جميع هذه المواد من جنس واحد. انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٢٠/ ٨٢).\n(^٣) هو: إبراهيم بن السري بن سهل أبو إسحاق النحوي الزجاج؛ بفتح الزاي والألف بين الجيمين الأولى مشددة، هذا الاسم لمن يعمل الزجاج، كان من أهل الفضل والدين، حسن الاعتقاد، جميل المذهب، وله مصنفات حسان في الأدب، من تصانيفه: معاني القرآن في التفسير، وخلق الإنسان، وتفسير جامع المنطق، وفعلت وأفعلت، توفي سنة ٣١١ هـ. [ترجمته في: طبقات المفسرين (ص ٥٢)، والأعلام للزركلي (١/ ٤٠)].\n(^٤) تفسير البغوي (١/ ١٣٦).\n(^٥) انظر: تفسير الطبري (٢/ ٦٦).\n(^٦) انظر: أضواء البيان (١/ ٤٦٩).","vol":"2","page":756},{"text":"كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ [سبأ: ٢٧]، وهم قد ألحقوا وشْبهوا شركاءهم وأندادهم بالله تعالى، وقد بين سبحانه في هذه الآية أنه لا يعبد أحد لاستحقاقه العبادة غيره ﷿؛ إذ هو المعبود لذاته، الذي ليس كمثله شيء (^١).\nيقول الإمام ابن كثير: \"أي: أروني هذه الآلهة التي جعلتموها لله أندادًا، وصيرتموها له عدلًا، (كَلَّا)؛ أي: ليس له نظير، ولا نديد، ولا شريك، ولا عديل\" (^٢).\nوالشركاء جمع شريك وهو النظير والمثيل والشبيه.\nوقال الألوسي: \"والمراد أرونيهم لأنظر بأي صفة الحقتموهم بالله ﷿ الذي ليس كمثله شيء في استحقاق العبادة، أو ألحقتموهم به سبحانه جاعليهم أو مسميهم شركاء\" (^٣).\nفعبادتهم للشركاء تشبيه لشركائهم بالله تعالى في العبادة، وهذا ما يفيده لفظ الإلحاق (^٤).\nيقول الشيخ الشنقيطي: \"أمر الله جلَّ وعلا نبيّه -ﷺ- في هذه الآية الكريمة أن يقول لعبدة الأوثان: أروني أوثانكم التي ألحقتموها بالله شركاء له في عبادته كفرًا منكم وشركًا وافتراء. وقوله: ﴿أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾، لأنَّهم إن أروه إيّاها تبيّن برؤيتها أنها جماد لا ينفع ولا يضرّ، واتّضح بُعْدها عن صفات الألوهية، فظهر لكل عاقل برؤيتها\n_________\n(^١) انظر: تفسير الرازي (٢٥/ ٢٢٣)، وتفسير البيضاوي (٤/ ٤٠١)، وتفسير ابن أبي زمنين (٤/ ١٦).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٣/ ٥٣٩).\n(^٣) روح المعاني (٢٢/ ١٤١).\n(^٤) فإنه بمعنى الإدراك والإتباع؛ يقال: ألحق به: أدركه، وألحق فلانًا به: أتبعه إياه، ويقال: ألحق القائف الولد بأبيه: أخبر بأنه ابنه لشبه بينهما يظهر له. [انظر: تاج العروس (٢٦/ ٣٥٢)، والمعجم الوسيط (٢/ ٨١٨)، ومعجم الأفعال المتعدية بحرف (ص ٣٢٥)].","vol":"2","page":757},{"text":"بطلان عبادة ما لا ينفع ولا يضرّ\" (^١).\n٣ - ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١]، وقوله: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾ [الأنعام: ١٥٠]، وقوله ﷿ مستفهمًا ومقررًا المشركين بعد اعترافهم بربوبيته سبحانه: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾ [النمل: ٦٠].\nيقال: عدلت الشيء بالشيء أعدله عدولًا إذا ساويته به؛ والمعنى: يعدلون بالله غير الله، وقال مجاهد: معناه؛ ثم الذين كفروا بربهم يشركون، والمعنيان متقاربان؛ لأن من ساوى غير الله بالله فقد أشرك (^٢).\nفالمعنى أنه سبحانه خلق ما لا يقدر عليه سواه، ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شيء (^٣).\nيقول أبو حيان في شأن العادلين بالله تعالى غيره: \"وهم عبدة الأوثان، والجاعلون لربهم عديلًا؛ وهو المثل، عدلوا به الأصنام في العبادة والإلهية\" (^٤).\nويقول الإمام الطبري: ﴿وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾ [الأنعام: ١٥٠]، يقول: وهم مع تكذيبهم بالبعث بعد الممات، وجحودهم قيام الساعة،\n_________\n(^١) أضواء البيان (٦/ ٢٦٩).\n(^٢) انظر: تفسير السمعاني (٢/ ٨٦)، ومعاني القرآن (٢/ ٣٩٨)، وقال النحاس بعد ذكره لقول الكسائي: \"وهذا القول يرجع إلى قول مجاهد؛ لأنهم إذا عبدوا مع الله غيره فقد ساووه به وأشركوا\". [معاني القرآن (٢/ ٣٩٠٨)، و(٢/ ٥١٥)، وتفسير الثعلبي (٤/ ١٣٣)].\n(^٣) شرح شذور الذهب، لابن هشام (١٨٥).\n(^٤) تفسير البحر المحيط (٤/ ٢٤٩).","vol":"2","page":758},{"text":"بالله يعدلون الأوثان والأصنام، فيجعلونها له عدلًا، ويتخذونها له ندًا، يعبدونها من دونه\" (^١).\nوالمقصود أنهم يجعلون له عدلًا في العبادة، والمحبة، والتعظيم، فهذه هي التسوية التي أثبتها المشركون بين الله وآلهتهم، وعرفوا وهم في النار أنها كانت ضلالًا وباطلًا، فيقولون لآلهتهم وهم في النار معهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨]، ومعلوم أنهم ما سووهم به في الذات، والصفات، والأفعال، ولا قالوا: إن آلهتهم خلقت السموات والأرض، وأنها تحيي وتميت، وإنما سووها به في محبتهم لها، وتعظيمهم لها، وعبادتهم إياها، كما ترى عليه أهل الإشراك ممن ينتسب إلى الإسلام (^٢).\nوقال الشيخ يحيى العمراني: \"وقد أخبر الله بضلال من سوى بين الله وبين خلقه بشيء، فقال تعالى إخبارًا عن أهل النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾، ومن سمى غير الله خالقًا لشيء من الأشياء فقد سوى غير الله بالله\" (^٣).\nثالثًا: النصوص الدالة على أن شرك المشركين كان باتخاذهم وسائط وشفعاء وشركاء وأندادًا تقربهم إلى الله ﷿، وفي ذلك تشبيه لله تعالى بملوك الدنيا في كونهم لا يتوصلون إليهم إلا بالوسائط، فجعلوا الله تعالى لا يمكن الوصول إليه إلا بتوسط آلهتهم، وشفاعة أوثانهم، ومن تلك النصوص ما يلي:\n١ - قوله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٨/ ٨١).\n(^٢) انظر: إغاثة اللهفان (١/ ٦١)، و(٢/ ٢٢٩)، ومدارج السالكين (١/ ٣٤١)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ١٢٠).\n(^٣) الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (١/ ٢٣١).","vol":"2","page":759},{"text":"أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾ [الزمر: ٣].\nفبين حالهم في كونهم إنما عبدوا الأصنام لأجل أن تقربهم من الله زلفى، والزلفى القرابة (^١).\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وإن أثبتم وسائط بين الله وبين خلقه؛ كالحجاب الذين بين الملك ورعيته بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، فالله إنما يهدى عباده ويرزقهم بتوسطهم، فالخلق يسألونهم وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك الحوائج للناس لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدبًا منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك؛ لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب للحوائج، فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء مشبهون لله شبهوا المخلوق بالخالق، وجعلوا لله أندادًا\" (^٢).\nفهم بذلك واقعون في التشبيهين؛ تشبيه الخالق سبحانه بملوك الدنيا، وتشبيه المخلوق بالخالق في صرف العبادة له.\nيقول الشيخ السعدي في معنى الآية: \"أي: لترفع حوائجنا لله، وتشفع لنا عنده، وإلا فنحن نعلم أنها لا تخلق، ولا ترزق، ولا تملك من الأمر شيئًا؛ أي: فهؤلاء قد تركوا ما أمر الله به من الإخلاص، وتجرؤوا على أعظم المحرمات وهو الشرك، وقاسوا الذي ليس كمثله شيء الملك العظيم بالملوك، وزعموا بعقولهم الفاسدة ورأيهم السقيم أن الملوك كما أنه لا يوصل إليهم إلا بوجهاء، وشفعاء، ووزراء، يرفعون إليهم حوائج رعاياهم، ويستعطفونهم عليهم، ويمهدون لهم الأمر في ذلك أن الله تعالى كذلك، وهذا القياس من أفسد الأقيسة، وهو يتضمن\n_________\n(^١) انظر: أضواء البيان (٦/ ٣٥٢).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ١٢٦).","vol":"2","page":760},{"text":"التسوية بين الخالق والمخلوق، مع ثبوت الفرق العظيم عقلًا ونقلًا وفطر\" (^١).\n٢ - وقوله سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨].\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وأصل ضلال المشركين أنهم ظنوا أن الشفاعة عند الله كالشفاعة عند غيره، وهذا أصل ضلال النصارى أيضًا، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ...﴾ فمن ظن أنْ الشفاعة المعهودة من الخلق للخلق تنفع عند الله مثل أن يشفع الإنسان عند من يرجوه المشفوع إليه، أو يخافه، كما يشفع عند الملك ابنه، أو أخوه، أو أعوانه، أو نظراؤه الذين يخافهم، أو يرجوهم، فيجب سؤالهم لأجل رجائه وخوفه منهم فيمن يشفعون به عنده، وإن كان الملك أو الأمير أو غيرهما يكره الشفاعة فيمن شفعوا فيه، فيشفعهم فيه على كراهة منه، ويشفعون عنده أيضًا بغير إذنه، فالله تعالى هو رب كل شيء، ومليكه، وخالقه، فلا يشفع أحد عنده إلا بإذنه\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-205> المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nلقد عني أهل العلم -﵏- ببيان معنى القاعدة، وتوضيح العلاقة القوية، والصلة الرابطة بين التشبيه والشرك بالله تعالى في الربوبية، أو الألوهية، أو في الأسماء والصفات، وفيما يأتي أتعرض لبعض أقوالهم المؤيدة لمعنى القاعدة:\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٧١٨).\n(^٢) تلخيص كتاب الاستغاثة (١/ ١٥١).","vol":"2","page":761},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأصل الشرك أن تعدل بالله تعالى مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده\" (^١).\nويقول الإمام ابن القيم: \"وهذا التشبيه الذي أبطله الله سبحانه نفيًا ونهيًا هو أصل شرك العالم، وعبادة الأصنام، ولهذا نهى النبي -ﷺ- أن يسجد أحد لمخلوق مثله، أو يحلف بمخلوق مثله، أو يصلي إلى قبر، أو يتخذ عليه مسجدًا، أو يعلق عليه قنديلًا، أو يقول القائل: ما شاء الله وشاء فلان، ونحو ذلك حذرًا من هذا التشبيه الذي هو أصل الشرك\" (^٢).\nويقول ﵀ أيضًا: \"والمقصود أنه لم يكن في الأمم من مثله بخلقه، وجعل المخلوق أصلًا ثم شبهه به، وإنما كان التمثيل والتشبيه في الأمم حيث شبهوا أوثانهم ومعبوديهم به في الإلهية، وهذا التشبيه هو أصل عبادة الأصنام\" (^٣).\nويقول المقريزي: \"اعلم أن حقيقة الشرك: تشبيه الخالق بالمخلوق، وتشبيه المخلوق بالخالق؛ أمّا الخالق: فإن المشرك شبّه المخلوق بالخالق في خصائص الإلهيّة، وهي التفرّد بملك الضّر والنفع، والعطاء والمنع، فمن علّق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق تعالى، وسوّى بين التراب وربّ الأرباب، فأي فجور وذنب أعظم من هذا؟ \" (^٤).\nويقول أيضًا: \"وبالجملة؛ فالتَّشْبِيهُ والتَّشَبُّه هو حقيقة الشرك، ولذلك كان من ظن أنه إذا تقرب إلى غيره بعبادة ما يُقَرِّبَه ذلك الغير إليه تعالى فإنه يخطئ؛ لكونه شَبَّهَهُ به، وأخذ ما لا ينبغي أن يكون إلّا له، فالشرك منعه ﷾ حقَّه، فهذا قبيح عقلًا وشرعًا، ولذلك لم يشرع ولم\n_________\n(^١) الاستقامة (١/ ٣٤٤)، وانظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ١٩)، والدرر السنية (١/ ١٨٩).\n(^٢) إغاثة اللهفان لابن القيم (٢/ ٢٣٢ - ٢٣٣).\n(^٣) المصدر نفسه (٢/ ٢٢٨).\n(^٤) تجريد التوحيد المفيد (ص ٢٦).","vol":"2","page":762},{"text":"يغفر لفاعله\" (^١).\nويقول الشيخ أحمد ولي الله الدهلوي في بيان طرق الشرك وأسبابه: \"ومعظم الخطأ شيئان: أن يعتقد في الواجب صفات المخلوق، أو يعتقد في المخلوق صفات الواجب، فالأول هو التشبيه، ومنشؤه قياس الغائب على الشاهد، والثاني هو الإشراك ومنشؤه رؤية الآثار الخارقة من المخلوقين فيظن أنها مضافة إليهم بمعنى الخلق وأنها ذاتية لهم\" (^٢).\nوقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: \"والقرآن من أوله إلى آخره، يبين أن الشرك تشبيه المخلوق بالخالق في العبادة، على أي وجه كان، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨] \" (^٣).\nوقال الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: \"وأصل الشرك: تشبيه المخلوق بالخالق\" (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-206> المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nدلت القاعدة على عدة أمور وفوائد، فمن ذلك ما يلي:\nأولًا: دلت القاعدة على أن التشبيه بنوعيه خاصة تشبيه المخلوق بالخالق يستلزم الشرك بالله وعبادة الأوثان، فالتشبيه هو الأصل، وعبادة غيره ﷾ هي فرع لازم لذلك الأصل، ثم إن فساد هذا الفرع الذي هو\n_________\n(^١) تجريد التوحيد المفيد (ص ٢٩ - ٣٠).\n(^٢) حجة الله البالغة، للدهلوي (ص ١١٨).\n(^٣) الدرر السخية في الأجوبة النجدية (١١/ ٢٢٠).\n(^٤) مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (٣/ ٢٤٧).","vol":"2","page":763},{"text":"الشرك بالله العظيم، وقبحه وبطلانه دالٌ على فساد أصله وبطلانه؛ إذ فساد الفرع اللازم قال على فساد أصله الملزوم، وكل أصل فهو علة لفرعه وموجب له.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"كذلك الأعمال المحرمة التي تورث مفاسد؛ كشرب الخمر الذي يصد عن ذكر الله تعالى، وعن الصلاة، ويوقع العداوة والبغضاء، فهذه المفاسد الناشئة من هذا العمل هي فرع لازم للأصل، ففسادها يدل على فساد الأصل، وهكذا كل أصل فهو علة لفرعه وموجب له\" (^١).\nثانيًا: من المعلوم أن التشبيه والتمثيل المذموم بين الله وخلقه هو وصف الله تعالى بصفات المخلوقين، أو وصف المخلوقين بصفات الرب ﵎، وذلك بخلاف وصف الله تعالى بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله -ﷺ-، فليس في ذلك أدنى تشبيه، ولا شائبة تمثيل، بل هو أصل الإيمان، وأساس الإسلام؛ أي: وصف الله تعالى بصفات الكمال وتنزيهه عن سائر صفات النقص والعيب والعجز.\nهذا الإثبات لصفات الله تعالى هو منهج القرآن الذي جاء به محمد بن عبد الله -ﷺ- من عند ربه، وعليه سار صحابته الكرام، وسلف الأمة وعلماؤها من بعدهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، حاشا أهل الكلام فإنهم لم يكتب لهم التوفيق في السير على هذا المنهج النبوي القويم، ففروا من التشبيه الذي زعموه وتوهموه في إثبات الصفات إلى تشبيه الله تعالى بالناقصات العاجزات، بل بالأموات بل المعدومات.\nيقول الإمام ابن القيم: \"حقيقة الشرك: هو التشبه بالخالق والتشبيه للمخلوق به، هذا هو التشبيه في الحقيقة لا إثبات صفات الكمال التي وصف الله بها نفسه، ووصفه بها رسول الله -ﷺ- فعكس من نكس الله\n_________\n(^١) انظر: بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٥٦).","vol":"2","page":764},{"text":"قلبه، وأعمى عين بصيرته، وأركسه بلبسه الأمر، وجعل التوحيد تشبيهًا، والتشبيه تعظيمًا وطاعة، فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية، فإن من خصائص الإلهية التفرد بملك الضر، والنفع، والعطاء، والمنع، وذلك يوجب تعليق الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل به وحده، فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل من لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا أفضل من غيره تشبيهًا بمن له الأمر كله، ... فمن أقبح التشبيه تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات\" (^١).\nويقول أيضًا: \"وإنما كان التمثيل والتشبيه في الأمم حيث شبهوا أوثانهم ومعبوديهم به في الإلهية، وهذا التشبيه هو أصل عبادة الأصنام، فأعرض عنه وعن بيان بطلانه أهل الكلام، وصرفوا العناية إلى إنكار تشبيهه بالخلق الذي لم تعرف أمة من الأمم عليه، وبالغوا فيه حتى نفوا به عنه صفات الكمال.\nوهذا موضع مهم نافع جدًا، به يعرف الفرق بين ما نزَّه الرب سبحانه نفسه عنه وذم به المشركين المشبهين العادلين به خلقه، وبين ما ينفيه الجهمية المعطلة من صفات كماله، ويزعمون أن القرآن دل عليه وأريد به نفيه.\nوالقرآن مملوء من إبطال أن يكون في المخلوقات ما يشبه الرب تعالى، أو يماثله، فهذا هو الذي قصد بالقرآن إبطالًا لما عليه المشركون والمشبهون العادلون بالله تعالى غيره\" (^٢).\nثالثًا: أن تشبيه المخلوق بالخالق في شيء من خصائصه، أو وصف الخالق بصفات المخلوق يُعَدُّ كفرًا بواحًا وشركًا صراحًا لا نصيب\n_________\n(^١) الجواب الكافي لابن القيم (ص ٩٤ - ٩٥)، وانظر: تيسير العزيز الحميد (ص ٩١).\n(^٢) إغاثة اللهفان (٢/ ٢٢٨).","vol":"2","page":765},{"text":"لصاحبه في إسلام ولا دين، وذلك لما اشتمل عليه من تَنَقُّص الرب ﷾، ورفع للمخلوق فوق منزلته، بل هو تأليه للمخلوق ومساواته بالله العلي العظيم.\nيقول الشيخ سليمان آل الشيخ: \"وما الظن والاحتمال فيمن شَبَّه المخلوق بالخالق في خصائص ألوهيته؛ من دعائه بما لا يقدر على دفعه أو جلبه إلا الله وحده، والتوكل عليه، ورجاؤه، والالتجاء إليه، وذبح القربان والنذر له؛ ليدفع عنه ما حَلَّ به، أو ينال ما أمَّله منه، إما معتقدًا في الضرر والنفع، والعطاء والمنع، وإما راجيًا شفاعته متقربًا بعبادته، فهل له احتمال واحد مُؤَدٍّ إلى الإيمان مع هذا الكفر الحقيقي والبهتان، فإن هذا الاعتقاد مناف لقوله الكلمة الطيبة، وإقراره بها في مجرد اللسان، وإذًا فلا يصح منه سائر ما عمله ظاهرًا من بقية الأركان\" (^١).\n_________\n(^١) التوضيح عن توحيد الخلاق (ص ١٩٨).","vol":"2","page":766},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>المبحث الثاني\nقاعدة الشرك هو التسوية بين الله وغيره في شيء من خصائصه وحقه</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-208> المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>أولًا: معنى الشرك لغة:</span>\nالشِّرْكُ: مشتق من أصل لغوي ثلاثي هو (شرك)، يقال: (شَرَكَه)، و(شَرَّكه)، و(أَشْرَكَه شِرْكًا وإِشْراكًا) والجمع (أَشْرَاك)، ويقال: (شَريكٌ) وجمعه (شُرَكَاء) وقيل: (أَشْرَاكٌ)، وشريك الرجل ومشاركه سواء.\nومادة (الشرك) تدل على مقارنة وخلاف انفراد، بأن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، ويقال: (شَارَكْتُ) فلانًا في الشيء: إذا صرت شريكه، و(أَشْرَكْتُ) فلانًا و(شَرَّكْتُه) إذا جعلته شريكًا لك، قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢)﴾ [طه: ٣٢]، وأشركه في الأمر: أدخله معه فيه، و(أَشْرَكَ) بالله تعالى: (شَرَّك) في عمله غير الله.\nوالشِّرْكَة والمُشَاركَة: خلط الملكين، وقيل: هو أن يوجد شيء","vol":"2","page":767},{"text":"لاثنين فصاعدًا عينًا كان ذلك الشيء أو معنى، وقيل: هو الاختلاط على الشيوع أو على المجاورة.\nوالشرك بدون الهاء: النصيب تسمية بالمصدر، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [فاطر: ٤٠]؛ أي: نصيب (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>ثانيًا: معنى التسوية:</span>\nالتسوية مشتقة من أصل لغوي ثلاثي هو (سوى)، وسَاوَاه وَسَوّاهُ تَسْوِيَةً وأسْواهُ: جَعَلَهُ سَوِيًّا، وتقول: استوى الشيئان وتساويا، وساوى أحدهما صاحبه، وفلان يساويك في العلم، وساوى بين الشيئين وسوى بينهما، وساويت هذا بهذا وسويته.\nوأصل مادتها يدل على استقامة واعتدال بين شيئين، يقال: هذا لا يساوي كذا؛ أي: لا يعادله، وفلان وفلان على سوية من هذا الأمر؛ أي: سواء، والسَّي المُسَاوِي مثل عَدْل ومُعَادل، تقول سيان زيد وعمرو، وأسواء جمع سَي نحو نقض وأنقاض، يقال قوم أسواء ومستوون، والمساواة أصلها من ساواه في القدر.\nوساواه مساواة: ماثله وعادله قدرًا أو قيمة، والسواء: العدل، وسواء الشيء: وسطه، وسواء الشيء: غيره، وتَسْوِيَةُ الشيءِ جَعْلَه سَواء إمَّا في الرّفْعَةِ أَو في الضِّعَةِ، ويقال: ساوَى الشيءُ الشيءَ إذا عادَلَه، وساوَيْتُ بين الشيئين إذا عَدَلْتَ بينهما وسَوّيتَ، ويقال: تَساوَت الأمورُ واستوتْ وتساوَى الشيئان واستَوَيا بمعنًى واحد (^٢).\n_________\n(^١) انظر: تهذيب اللغة (١٠/ ١٣)، ومعجم مقاييس اللغة (٣/ ٢٦٥)، والمفردات في غريب القرآن (ص ٢٥٩)، وعمدة القاري (١٣/ ٤٠)، والمصباح المنير (١/ ٣٣١)، والمغرب في ترتيب المعرب (١/ ٤٤١)، والمعجم الوسيط (١/ ٤٨٠)، وطلبة الطلبة (ص ٢٢٠)، ومعجم الأفعال المتعدية بحررف (ص ١١٧).\n(^٢) انظر: مقاييس اللغة (٣/ ١١٢)، والعين (٧/ ٣٢٥ - ٣٢٦)، وتهذيب اللغة (١٣/ ٨٦)، =","vol":"2","page":768},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-211> المسألة الثانية * معنى القاعدة</span>\nتضمنت القاعدة بيان حقيقة الشرك الشرعية، وبيان أحد أركانه التي لا ينفك عنها البتة، وهو بمثابة الضابط والميزان لكل ما يعتبر شركًا بالله العظيم، ألا وهو التسوية الحاصلة بين الله تعالى وبين من أُشْرِكَ معه فيما يختص به في الذات أو الصفات أو الأفعال أو الحقوق (^١).\nوبحسب هذه الأنواع يتنوع الشرك بالله العظيم؛ فمن سَوَّى بين الله وغيره في ذاته وأفعاله، أو في أسمائه وصفاته كان واقعًا في شرك الربوبية.\nيقول الإمام يحيى بن أبي الخير العمراني: \"وقد أخبر الله بضلال من سوى بين الله وبين خلقه بشيء فقال تعالى إخبارًا عن أهل النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨]، ومن سمى غير الله خالقًا لشيء من الأشياء فقد سوى غير الله بالله، وقد قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] \" (^٢).\nومن وقع في تسوية الله تعالى مع أحد من خلقه -مهما كان- في شيء من خصائصه وحقوقه، واستحقاقه للعبادة، والخضوع والمحبة له فإنه يكون بذلك واقعًا في شرك الألوهية والعبادة.\nوالتسوية في الخصائص والحقوق المشار إليها في القاعدة تَعُم جميع ما اختص به سبحانه في الذات أو الصفات أو الأفعال، أو\n_________\n= وتاج العروس (٣٨/ ٣٣٢)، وتفسير الطبري (٤/ ٥١)، وأساس البلاغة (ص ٣١٥)، والمصباح المنير (١/ ٢٩٨)، ومختار الصحاح (١٣٦)، ومجموع الفتاوى (١٦/ ١٣٣)، وانظر: (٢٠/ ٨٢).\n(^١) انظر: الدرر السنية (٢/ ٣٢١).\n(^٢) الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (١/ ٢٣١).","vol":"2","page":769},{"text":"استحقاق العبادة، وعليه فيكون الشرك عمومًا في أنواعه الثلاثة لا يخلو من تسوية بين الخالق والمخلوق في شيء يختص بالخالق، كما سبق تقريره، بل حتى الشرك الأصغر لا يخلو من هذه التسوية كما سيأتي بيانه في قاعدة مستقلة (^١).\nوهذه التسوية والعدل هما أعظم الظلم وأقبحه؛ بل لا يوجد عدل ولا تسوية في الكون أشنع ولا أظلم منها؛ إذ هي تسوية بين أشد الأمور مفارقة واختلافًا وتنافرًا، تسوية بين التراب ورب الأرباب، تسوية بين العاجز الضعيف الفقير بالذات والغني القوي القادر بالذات، تسوية بين من لا نعمة إلا وهي منه، ومن لا نعمة منه أصلًا ولا ملكًا وإيجادًا (^٢).\nيقول الإمام ابن القيم في شأن تسوية المشركين بين الله تعالى وبين معبوداتهم: \"ومعلوم أنهم ما سووهم به سبحانه في الخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء، والملك، والقدرة، وإنما سووهم به في الحب، والتأله، والخضوع لهم، والتذلل، وهذا غاية الجهل والظلم، فكيف يسوى من خُلِقَ من التراب برب الأرباب، وكيف يسوى العبيد بمالك الرقاب، وكيف يسوى الفقير بالذات، الضعيف بالذات، العاجز بالذات، المحتاج بالذات، الذي ليس له من ذاته إلا العدم بالغني بالذات، القادر بالذات، لذي غناه، وقدرته، وملكه، وجوده، وإحسانه، وعلمه، ورحمته، وكماله المطلق التام من لوازم ذاته، فأي ظلم أقبح من هذا، وأي حكم أشد جورًا منه، حيث عدل من لا عدل له بخلقه ... فيا لك من عدل تضمن أكبر الظلم وأقبحه\" (^٣).\nواعلم أن القسط والعدل والتسوية بين الشيئين تُحْمَد بل وتجب إن\n_________\n(^١) انظر: القاعدة التالية في حقيقة الشرك الأصغر (ص ٩٣٩).\n(^٢) انظر: تفسير البيضاوي (٤/ ٣٤٧)، وتفسير النسفي (٣/ ٢٨٢).\n(^٣) الجواب الكافي لابن القيم (ص ٩٢).","vol":"2","page":770},{"text":"كانت بين أمرين متماثلين، وتذم وتشان، ويعظم جرمها وتزداد شناعتها، ونفرة النفوس منها، إن كانت بين الشيء وضده، والشيء ونقيضه، والشيء وخلافه، وكانت حينئذٍ من أعظم الظلم وأحلك الظلام، وأقبح الإفك ومنكر البهتان، إذ هي تسوية بين ما علم بالاضطرار في دلالات الفطر (^١) والعقول فسادها وتعارضها وتناقضها واضطرابها؛ ولأنَّها تسوية بين ما فرَّق الشارع بينهما بمقتضى عدله وحكمته، فلا يستويان أبدًا؛ لا عند الله ولا عند رسوله ولا عند أولي النهى من الناس (^٢).\nيقول الإمام ابن تيمية: \"والقسط والعدل: هو التسوية بين الشيئين؛ فإن كان بين متماثلين كان هو العدل الواجب المحمود، وإن كان بين الشيء وخلافه كان من باب قوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١] كما قالوا لقد: ﴿... كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾، فهذا العدل والتسوية والتمثيل والإشراك هو الظلم العظيم\" (^٣).\nويقول الشيخ السعدي -مبينًا فساد تسوية الخالق بالمخلوق، ومنع ذلك بالعقل والنقل والفطرة-: \"وزعموا -أي: المشركون- بعقولهم الفاسدة، ورأيهم السقيم أن الملوك كما أنه لا يوصل إليهم إلا بوجهاء وشفعاء، ووزراء، يرفعون إليهم حوائج رعاياهم، ويستعطفونهم عليهم، ويمهدون لهم الأمر في ذلك أن الله تعالى كذلك، وهذا القياس من أفسد الأقيسة، وهو يتضمن التسوية بين الخالق والمخلوق، مع ثبوت الفرق\n_________\n(^١) يقول الإمام ابن القيم: \"وقد ركز الله في فطر الناس وعقولهم التسوية بين المتماثلين، وإنكار التفريق بينهما، والفرق بين المختلفين، وإنكار الجمع بينهما\". [إعلام الموقعين (١/ ١٣١)].\n(^٢) انظر: حاشية ابن القيم على السُّنن (٩/ ١٨٧)، وشفاء العليل (ص ٢٧)، وتيسير العزيز الحميد (ص ٨٦).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٨٢).","vol":"2","page":771},{"text":"العظيم عقلًا ونقلًا وفطرةً\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-212> المسألة الثالثة * أدلة القاعدة</span>\nمما يدل على تقرير معنى القاعدة ما يلي:\nأولًا: الأدلة التي بينت حقيقة شرك المشركين، وأنه تضمن التسوية والعدل بين الله وبين أحد من خلقه، ومن تلك النصوص ما يلي:\nقوله تعالى في شأن الكافرين وحكاية حالهم في جهنم: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)﴾ [الشعراء: ٩٢ - ١٠١].\nفذكروا أن ضلالهم، وهلاكهم، وعذابهم في النار كان بسبب تسويتهم الأصنام والأنداد بالله تعالى، وأنهم استحقوا الخلود في النيران من أجل هذه التسوية في العبادة والمحبة والذل والخضوع، كما نص على ذلك جمع من أهل العلم.\nثم ذكر سبحانه ما دار من الخصومة بينهم، وقد عادوا على أنفسهم باللوم، وهم في أشد الحسرة، وأعظم الندم، قائلين لمعبوداتهم: كيف استجبنا لكم أيها المعبودون وعظمناكم تعظيم المعبود الحق، وسويناكم برب العالمين، فجعلناكم وإيَّاه سواءً في استحقاق العبادة.\nوهذا يدل على أن حقيقة شرك المشركين: هو تسوية الله بغيره في شيء من خصائصه وحقوقه.\nيقول ابن القيم عن قول المشركين وهم في النار: \"فاعترفوا أنهم\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٧١٨).","vol":"2","page":772},{"text":"كانوا في أعظم الضلال وأبينه إذ جعلوا لله شبهًا وعدلًا من خلقه سووهم به في العبادة والتعظيم\" (^١).\nوالحاصل أنهم بقسمهم هذا قد حكموا على أنفسهم بالضلال المبين؛ بسبب تسوية أصنامهم بالله تعالى في العبادة، والمحبة، والخوف، والرجاء، ودعائهم لأندادهم كما يدعونه ﷾، فتبين لهم حينئذٍ ضلالهم، وأقروا بعدل الله في عقوبتهم، وأنها في محلها، وهم لم يسووهم برب العالمين إلا في استحقاق العبادة لا في الخلق، بدليل قولهم: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾: فهم مقرون أن الله رَبُ العالمين كلهم الذين من جملتهم أصنامهم وأوثانهم (^٢).\nوبذلك يظهر المقصود من اشتمال الشرك وَتَضمُّنِهِ لمعنى التسوية والعدل.\nوقوله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١] وهذا العدل هو التسوية بين الله وبين الآلهة في المحبة والميل والخضوع والعبادة والتعظيم، مما يدل على أن شركهم راجع إلى تسوية الخالق بالمخلوق.\nثانيًا: الأمثال التي ضربها الله تعالى، والدالة على إبطال شرك المشركين بنفي التسوية بين الله تعالى وبين معبوداتهم في الذات والصفات والأفعال والخصائص والحقوق، وهذا يوضح أن شركهم أصله من هذه التسوية الواقعة منهم؛ ومن تلك النصوص ما يلي:\nقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (٢/ ٢٣٠).\n(^٢) تفسير السعدي (ص ٥٩٣) مع بعض التصرف، وانظر: تفسير الطبري (١٩/ ٨٨)، وتفسير البغوي (٣/ ٣٩١)، وتفسير السمعاني (٤/ ٥٦)، وتفسير البيضاوي (٤/ ٢٤٥)، وتفسير الثعلبي (٧/ ١٧١).","vol":"2","page":773},{"text":"أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ [الرعد: ١٦].\nدلت الآية على إبطال اتخاذ المشركين أولياء من دونه بعد إقرارهم بأن الله رب السموات والأرض، ولتوضيح هذا المعنى وتجليته ضرب الله مثلًا لذلك؛ فنفى التسوية بين الأعمى والبصير، والظلمات والنور، ولا شك أن التفريق بين هذه الأمور من المسلمات المقطوع بها عقلًا لا يشك فيها ذو عينين، والتسوية بينها من منكرات العقول التي تنكرها القلوب بفطرتها، وهي من المقدمات البديهية المستقرة فيها، والمقصود من ذلك إنكار التسوية الواقعة منهم بين الله تعالى وبين معبوداتهم وأوثانهم، فَفَرَّق بين المعبود الغافل -وهي الأوثان- والمعبود العالم بكل شيء -وهو الرب تعالى-، وهذا يدل على أن حقيقة ما وقعوا فيه من الشرك هو تسوية معبوداتهم بالله ﵎ (^١).\nثم أكد ﷾ هذا التباين والاختلاف بينه وبين الأصنام في أفراد الربوبية من الخلق والإيجاد، فنفى استحقاقهم للألوهية، ومساواتهم لله تعالى في العبادة بنفي اتصافهم ومساواتهم لله في شيء من أفراد الربوبية، والتي هي مُوْجِب العبادة ولازم استحقاقها.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وأعظم من ذلك أنه بين الفرق بين الخالق والمخلوق، وأن المخلوق لا يجوز أن يُسَوِّي بين الخالق والمخلوق في شيء، فيجعل المخلوق ندًّا للخالق، وضرب الأمثال في القرآن على من لم يفرق، بل عدل بربه، وسوى بينه وبين خلقه\" (^٢).\nويقول الإمام ابن كثير في معنى الآية: \"أي: أجعل هؤلاء المشركون مع الله آلهة تناظر الرب وتماثله في الخلق، فخلقوا كخلقه\n_________\n(^١) انظر: درء التعارض (١٠/ ١٥٤).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ١٤).","vol":"2","page":774},{"text":"فتشابه الخلق عليهم، فلا يدرون أنها مخلوقة من مخلوق غيره، أي: ليس الأمر كذلك؛ فإنه لا يشابهه شيء، ولا يماثله، ولا ند له، ولا عدل له، ولا وزير له، ولا ولد، ولا صاحبة، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وإنما عبد هؤلاء المشركون معه آلهة هم معترفون أنها مخلوقة له، عبيد له، كما كانوا يقولون في تلبيتهم: (لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ) (^١) \" (^٢).\nوالمعنى: أنهم لم يجعلوا لله تعالى شركاء في الخلق فتشابه الخلق عليهم بسبب ذلك، ولا قالوا: هؤلاء خلقوا كخلقه فاستحقوا بذلك العبادة كما استحقها سبحانه ليكون ذلك منشأ لخطئهم، بل إنما جعلوا له شركاء ما هو بمعزل من ذلك بالمرة، فلا مساواة بينهما لا في الخلق ولا في استحقاق العبادة (^٣).\nيقول الشيخ السعدي مبينًا أن اتخاذ الأنداد من دون الله تسوية بين الله وبينها: \"وهؤلاء -أي: المعبودات- لا يملكون ولا يقدرون، فهذه صفة آلهتهم كيف جعلوها مع الله، وشبهوها بمالك الأرض والسموات، الذي له الملك كله، والحمد كله، والقوة كلها، ولهذا قال: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]: المتضمنة للتسوية بينه وبين خلقه\" (^٤).\nويقول الشيخ الشنقيطي في تقرير هذا المعنى: \"ألقم الله تعالى المشركين في هذه الآيات حجرًا بأن الشركاء التي يعبدونها من دونه لا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب: التلبية وصفتها ووقتها (٢/ ٨٤٣)، برقم (١١٨٥).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٢/ ٥٠٨).\n(^٣) انظر: تفسير البغوي (٣/ ١٣)، وتفسير أبي السعود (٥/ ١٣)، وتفسير البيضاوي (٣/ ٣٢٥).\n(^٤) تفسير السعدي (ص ٤٤٥).","vol":"2","page":775},{"text":"قدرة لها على فعل شيء، وأنه هو وحده جل وعلا الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده بالإحياء مرة أخرى، وأنه يهدي من يشاء .... -ثم ذكر جملة من الآيات المؤيدة لذلك ثم قال:- والآيات في مثل ذلك كثيرة، ومعلوم أن تسوية ما لا يضر ولا ينفع ولا يقدر على شيء مع من بيده الخير كله المتصرف بكل ما شاء لا تصدر إلا ممن لا عقل له\" (^١).\nفأقام ﷾ الحجة على المشركين بما يبطل شركهم بالله، وتسويتهم غيره به في العبادة بضرب الأمثال وغير ذلك، وهذا في القرآن كثير (^٢).\nوهذا يدل على أن شركهم كان بسبب تسويتهم معبوداتهم التي لا تضر ولا تنفع مع الرب ﵎ الذي بيده الخير كله.\nومن ذلك قوله ﷿: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)﴾ [النحل: ٧٥، ٧٦].\nفي هذه الآيات ضرب الله مثلين نفى بهما التسوية بين أمور مستقر التفريق بينها في الفطر والعقول، والقصد منها نفي وإبطال التسوية التي وقع فيها المشركون بين الله تعالى وبين أصنامهم وأوثانهم، فالنفي لحقيقة ذلك ووقوعه لا لنفي الواقع الذي تلبسوا به.\nوضرب هذين المثلين يدل على أن أصل شرك المشركين التسوية بين الخالق والمخلوق في الخصائص والحقوق.\n_________\n(^١) أضواء البيان (٢/ ١٥٥)، فظهر بذلك انتفاء التسوية واستحالتها بين الخالق والمخلوق؛ وذلك لأن المخلوق محتاج إلى خالقه، فهو عبد مربوب مثلك، يجب عليه أن يعبد من خلقه وحده، كما يجب عليك ذلك، فأنتما سواء بالنسبة إلى وجوب عبادة الخالق وحده لا شريك له. [انظر: المصدر نفسه (٢/ ٢٣٩)، و(٢/ ٣٣٠)].\n(^٢) انظر: قرة عيون الموحدين للشيخ عبد الرحمن بن حسن (ص ٥٢).","vol":"2","page":776},{"text":"قال مجاهد: \"ضرب الله هذا المثل والمثل الآخر بعده لنفسه والآلهة التي تعبد من دونه\" (^١).\nيقول الإمام ابن تيمية في معنى المثلين: \"كلاهما مثل بين الله فيه أنه لا يستوي هو وما يشركون به، كما ذكر نظير ذلك في غير موضع، وإن كان هذا الفرق معلومًا بالضرورة لكل أحد، لكن المشركون مع اعترافهم بأن آلهتهم مخلوقة مملوكة له يسوون بينه وبينها في المحبة والدعاء والعبادة ونحو ذلك\" (^٢).\nويقول الإمام ابن القيم في معنى المثل الثاني المتعلق بالأبكم: \"فهذا مثل ضربه الله للأصنام التي لا تسمع، ولا تنطق، ولا تعقل، وهي كَلٌّ (^٣) على عابدها، يحتاج الصنم إلى أن يحمله عابده، ويضعه، ويقيمه، ويخدمه، فكيف يسوونه في العبادة بالله الذي يأمر بالعدل والتوحيد، وهو قادر متكلم غني، وهو على صراط مستقيم في قوله وفعله، فقوله صدق ورشد ونصح وهدى، وفعله حكمة وعدل ورحمة ومصلحة، هذا أصح الأقوال في الآية، وهو الذي لم يذكر كثير من المفسرين غيره\" (^٤).\nويقول الشيخ السعدي: \"فلهذا ضرب تعالى مثلين له ولمن يُعْبَدُ من دونه؛ أحدهما: عبد مملوك؛ أي: رقيق لا يملك نفسه، ولا يملك من المال والدنيا شيئًا، والثاني: حُرٌّ غنيٌ قد رزقه الله منه رزقًا حسنًا من جميع أصناف المال، وهو كريم محب للإحسان، فهو ينفق منه سرًا\n_________\n(^١) انظر: تفسير الطبري (١٤/ ١٤٩).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٤/ ١٧٨ - ١٧٩).\n(^٣) (كلٌّ): ينطبق على الواحد والجميع، والذكر والأنثى. [انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض (١/ ٣٤١).\n(^٤) مدارج السالكين (١/ ١٨)، وانظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٨٠)، ومفتاح دار السعادة (٢/ ٧٩)].","vol":"2","page":777},{"text":"وجهرًا، هل يستوي هذا وذاك، لا يستويان مع أنهما مخلوقان، وغير محال استواؤهما، فإذا كانا لا يستويان فكيف يستوي المخلوق والعبد الذي ليس له ملك، ولا قدرة، ولا استطاعة، بل هو فقير من جميع الوجوه بالرب المالك لجميع الممالك، القادر على كل شيء ... فكأنه قيل إذا كان الأمر كذلك فَلِمَ سوَّى المشركون آلهتهم بالله ...\nوالمثل الثاني: مثل رجلين أحدهما أبكم لا يسمع، ولا ينطق، ولا يقدر على شيء؛ لا قليل ولا كثير، وهو كَلٌّ على مولاه؛ أي: يخدمه مولاه، ولا يستطيع هو أن يخدم نفسه، فهو ناقص من كل وجه، هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل، وهو على صراط مستقيم، فأقواله عدل، وأفعاله مستقيمة، فكما أنهما لا يستويان فلا يستوي من عبد من دون الله، وهو لا يقدر على شيء من مصالحه، فلولا قيام الله بها لم يستطع شيئًا منها، ولا يكون كفوًا، ولا ندًّا لمن لا يقول إلا الحق، ولا يفعل إلا ما يحمد عليه\" (^١).\nوالمقصود من هذين المثلين الاستدلال بعدم تساوي هذه المذكورات على امتناع التساوي بينه سبحانه وبين ما يجعلونه شريكًا له (^٢)، وهذا يدل على أن حقيقة ما وقعوا فيه هو التسوية بين الخالق والمخلوق.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-213> المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nلقد تضافرت أقوال العلماء على تأييد معنى القاعدة ولفظها، وذلك انطلاقًا من اهتمامهم بأصل الإسلام الذي هو التوحيد، ومعرفة حقيقة ما\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٤٤٥)، [وانظر: تفسير الطبري (١٤/ ١٥٠)، وتفسير السمعاني (٣/ ١٩٠)، ومعاني القرآن (٤/ ٩٣)، وتفسير ابن زمنين (٢/ ٣٥٧)، و(٢/ ٤١٢)، والصواعق المرسلة (٣/ ١٠٣٥)].\n(^٢) انظر: فتح القدير، للشوكاني (٣/ ١٨٢).","vol":"2","page":778},{"text":"يناقضه ويضاده من الشرك بأنواعه المختلفة، وفيما يأتي أذكر بعض ما وقفت عليه من ذلك:\nيقول الإمام ابن القيم مبينًا حقيقة الشرك وشناعته: \"الشرك أبغض الأشياء إليه؛ لأنه ينقص هذه المحبة ويجعلها بينه وبين من أشرك به، ولهذا لا يغفر الله أن يشرك به؛ لأن الشرك يتضمن نقصان هذه المحبة والتسوية فيها بينه وبين غيره\" (^١).\nويقول ﵀ أيضًا: \"وهو الشرك الذي تضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين\" (^٢).\nويقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ في بيانه لحقيقة الشرك بالله العظيم: \"فتسوية المخلوق بالخالق بصرف حقه لمن لا يستحقه من خلقه، وجعله شريكًا له فيما اختص به تعالى وتقدس هو أعظم ذنب عصي الله تعالى به\" (^٣).\nويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: \"وتسوية المخلوق بالخالق بكل نوع من العبادة شرك\" (^٤).\nويصف الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ الشرك بكونه تسوية فيقول: \"فكيف بالشرك الأكبر وما فيه التسوية بين الله وبين عباده في خالص حقه؟ \" (^٥).\nويقول أيضًا -واصفًا للشرك بالتسوية- في معرض كلامه على المتنقصين لأهل العلم والتقى، والمستحلين لأعراض خيار الأمة وأئمتها: \"الذين يأمرون بعبادة الله وحده لا شريك له، ويدعون إلى ذلك، وينهون عن الشرك به، واتخاذ الأنداد معه، والتسوية بينه وبين\n_________\n(^١) طريق الهجرتين (ص ٣٦٥).\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ٣٣٩).\n(^٣) تيسير العزيز الحميد (ص ٦٠١).\n(^٤) قرة عيون الموحدين (ص ٢٠٧).\n(^٥) مصباح الظلام (ص ٤٤٣).","vol":"2","page":779},{"text":"غيره، فيما يستحقه على عباده، ويختص به من العبادات الباطنة والظاهرة، كالحب والخضوع، والخوف، والرجاء، والاستعانة، والاستغاثة، والإنابة، والتوكُّل، والطاعة والتقوى، وغير ذلك من أنواع العبادات والطاعات\" (^١).\nويقول الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: \"وتسوية المخلوق بالخالق في نوع من أنواع العبادة شرك، فإن كان في الأصغر -مثل هذا- (^٢) فهو أصغر، وإن كان في الأكبر فهو أكبر\" (^٣).\nويقول أيضًا: \"والشرك: تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله\" (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-214> المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nيمكن الاستفادة من القاعدة وتطبيقها في نواح عديدة، ومن ذلك:\nأولًا: أن جميع أنواع الشرك لا تخلو من تسوية بين الخالق والمخلوق، فإن كانت فيما يتعلق بأفراد الشرك الأصغر كانت هذه التسوية شركًا أصغر، وإن كانت فيما يتعلق بأفراد الشرك الأكبر أخذت حكم الشرك الأكبر.\nيقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن في كلامه على حديث حذيفة\n_________\n(^١) مصباح الظلام (ص ٥٨٢).\n(^٢) أي: التسوية في قوله: (ما شاء الله وشاء فلان)، وسيأتي قريبًا ذكر حديث حذيفة في ذلك (ص ٧٨١).\n(^٣) حاشية كتاب التوحيد (ص ٣٠٤)، وقال أيضًا: \"وكما أن الشرك أظلم الظلم، وأبطل الباطل -كما تقدم- فهو هضم للربوبية، وتنقص للألوهية، وسوء ظن برب العالمين، وهو أقبح المعاصي؛ لأنه تسوية للمخلوق الناقص بالخالق الكامل من جميع الوجوه\". [حاشية ثلاثة الأصول للشيخ عبد الرحمن بن قاسم (ص ٣٧)].\n(^٤) حاشية كتاب التوحيد، لابن قاسم (ص ١٥).","vol":"2","page":780},{"text":"عَنْ النَّبِيّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ فُلَانٌ وَلَكِنْ قُولُوا مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ\" (^١)، قال: \"وذلك لأن المعطوف بـ (الواو) يكون مساويًا للمعطوف عليه؛ لكونها إنما وضعت لمطلق الجمع، فلا تقتضي ترتيبًا ولا تعقيبًا، وتسوية المخلوق بالخالق شرك إن كان في الأصغر -مثل هذا- فهو أصغر- وإن كان في الأكبر فهو أكبر، ... بخلاف المعطوف بثم؛ فإن المعطوف بها يكون متراخيًا عن المعطوف عليه بمهملة، فلا محذور لكونه صار تابعًا\" (^٢).\nوهذا يدل على أن التسوية بين الخالق والمخلوق لا تجوز ولو كانت في مجرد اللفظ؛ لأنَّها قد تكون ذريعة إلى اعتقادات القلوب، وإرادات النفوس، وسدًّا لذريعة التشريك في المعنى بالتشريك في اللفظ، وحسمًا لمادة الشرك حتى في اللفظ (^٣).\nثانيًا: أفادت القاعدة أن ضابط الشرك بالله تعالى ومرجعه الذي يدور حوله هو التسوية الحاصلة بين الخالق والمخلوق، سواء كانت بالاعتقاد القلبي، أو باللسان، أو بالفعل، فمن اعتقد التسوية بين الخالق والمخلوق فيما يختص بالخالق أو يختص بالمخلوق، في الذات أو الصفات أو الأفعال، أو صرح بها بلسانه، أو فعل فعلًا يقتضيها ويؤول إليها كان واقعًا في الشرك بالله تعالى.\nوبذلك يحكم على جميع الاعتقادات والأقوال والأعمال المتضمِّنة\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٣٨٤)، (١٣/ ٢٣٣١٣)، والنسائي في السُّنن الكبرى (٦/ ٢٤٥)، (١٠٨٢١)، وأبو داود في السُّنن (٤/ ٢٩٥)، (٤٩٨٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٣٤٠)، (٢٦٦٩٠)، رواه أبو داود بسند صحيح.\n(^٢) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص ٤١٥)، [وانظر: حاشية كتاب التوحيد، لابن قاسم (ص ٣٠٤)، والمقصود أن (الواو) تفيد الجمع والتشريك، بخلاف (ثم) فإنها تفيد الترتيب المتراخي].\n(^٣) انظر: إعلام الموقعين لابن القيم (٣/ ١٤٦)، والفتاوى (١/ ١٣٦).","vol":"2","page":781},{"text":"لهذه التسوية بأنها شرك بالله العظيم بحسب حال هذه التسوية.\nويدخل في ذلك جميع العبادات من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة التي يحبها الله تعالى، وقد أمر بها سبحانه ورغَّب فيها، فهذه إذا صرفت لغير الله تعالى وقعت التسوية بين الخالق والمخلوق.\nومن ذلك ما يفعله من يغلو في القبور؛ من الخضوع للأولياء في أضرحتهم كخضوعهم للملك الجبار، مع شدة المحبة والرهبة والخوف من غضبهم، بل ألبسوهم بعض صفات الباري من السمع المطلق والبصر المطلق، والقدرة المطلقة، وغير ذلك، وسووهم بالله تعالى في صفاته وأفعاله وحقوقه.\nوقد استفحل هذا الداء العضال، واستشرى بين أهل الإسلام، ولا يكاد يخلو منه قطر من أقطار المسلمين إلا وتجده يسري فيهم سريان النار في الهشيم، وكأنه هو الدين الذي بعث به محمد بن عبد الله ﵇، كل ذلك بسبب الجهل العظيم بحقيقة دين الإسلام وما بعث به خاتم النبيين محمد -ﷺ- من التوحيد المبين، ودعوة الإسلام الخالصة، وبسبب إيحاء شياطين الإنس والجن إلى هؤلاء الجاهلين أن من لم يحضر إلى قبر الولي الفلاني ويقدم له النذور، وينحر عند قبره الذبائح، أو لم يحضر احتفال مولده حلت عليه اللعنة في حياته وبعد موته، وغشيه السخط، وتتابعت عليه المصائب، ولحقه الأذى في دينه ودنياه.\nولا تكاد اللعنة ترفع عنه حتى يراجع نفسه، ويعود إلى قبر الولي خاضعًا متضرعًا ذليلًا يتفطّر فؤاده، وخائفًا راهبًا وراغبًا يرجف قلبه، مقرًّا بجرمه، تائبًا من ذنبه، عازمًا على أن لا يعود إلى سابق ضلاله، وعظيم جفائه. فما أقبح هذه المساواة، وأشنع هذه التسوية بين الخالق العظيم والمخلوق الضعيف.\nثالثًا: دلت القاعدة على أن الشرك تسوية بين الخالق والمخلوق،","vol":"2","page":782},{"text":"وهذه التسوية بين الخالق العظيم والمخلوق الحقير هي الظلام الأكبر، والضلال الأبعد، والظلم المبين، الذي استحق العبد بسببه العذاب المستديم، والخلود في الجحيم، لما اقترفه من القدح في عظمة الربوبية، والتنقيص من جلال الألوهية.\nيقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: \"وهو أن الشرك لا يغفره الله تعالى؛ لِتَضمُّنِهِ القدح في رب العالمين، ووحدانيته، وتسوية المخلوق الذي لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا بمن هو مالك النفع والضر، الذي ما من نعمة إلا منه، ولا يدفع النقم إلا هو، الذي له الكمال المطلق من جميع الوجوه، والغنى التام بجميع وجوه الاعتبارات، فمن أعظم الظلم وأبعد الضلال عدم إخلاص العبادة لمن هذا شأنه وعظمته، وصرف شيء منها للمخلوق الذي ليس له من صفات الكمال شيء، ولا له من صفات الغنى شيء، بل ليس له إلا العدم؛ عدم الوجود، وعدم الكمال، وعدم الغنى من جميع الوجوه\" (^١).\nرابعًا: أن التسوية بالألفاظ بين الله تعالى وبين خلقه توقع في ذرائع الشرك بالله تعالى وأسبابه، وهي دائرة بين أنواع الشرك الأكبر والأصغر بحسب اللفظ والقصد والنية؛ كقولك: ما شاء الله وشاء فلان، وهذا لله ولك.\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٢٠٣).","vol":"2","page":783},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>المبحث الثالث\nقاعدة الخوف الشركي أن يخاف العبد من غير الله أن يصيبه مكروه بمشيئته وقدرته وإن لم يباشره</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-216> المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>معنى الخوف وأنواعه:</span>\nالْخَوْفُ مشتق من الأصل اللغوي (خَوِفَ)، يقال: خافَ يَخافُ خَوْفًا، ومنه التخْوِيفُ والإِخافَةُ، وطَرِيقٌ مَخُوْفٌ: يَخافُه الناسُ، ومُخِيفٌ: اسمُ فَاعِل يُخِيْفُ الناسَ، وخائف: ذو خَوْفٍ. وَخَوَّفْتُه: جَعَلْت فيه الخَوْفَ، وصَيَّرْتَه بحالٍ يَخَافُه الناسُ. والخِيْفَةُ: الخَوْفُ، وجَمْعُه خِيفٌ. وأخافَ الثغْرُ فهو مُخِيْفٌ. وخاوَفَني فَخُفْتُه أخُوْفُه. و(أخاف) اللصوص الطريق فالطريق (مُخَاف) على مَفْعَل بضم الميم، ويتعدى بالهمزة، والتضعيف فيقال: أخفته الأمر فخافه، وخوفته إياه فتخوفه (^١).\n_________\n(^١) انظر: تاج العروس (١١/ ٣٧٠)، والمحكم والمحيط الأعظم (٢/ ٧٦)، وجمهرة =","vol":"2","page":784},{"text":"وأما معنى هذا الأصل فقد ذكر ابن فارس أنه أصل واحد يدل على الذعر والفزع، والخوف: ضد الأمن (^١).\nأما معنى الخوف الشرعي فهو حالة نفسية ملازمة للنفس المؤمنة سببها أمران:\nأحدهما: معرفة العبد وعلمه بوعد الله ووعيده، وجزائه وعقابه.\nوالثاني: ثمرة العلم بقدرة الله وعظمته، وعزته وجلاله، وأنه الفعال لما يريد، وأنه المحرك للقلب المصرف له، المقلب له كيف يشاء، لا إله إلا هو، مشيئته نافذة، ولا معقّب لحكمه ولا رادّ لقضائه وأمره (^٢).\nوبذلك يظهر مدى ارتباط الخوف بالعلم والمعرفة القلبية، وكونهما أصلًا محركًا للخوف؛ فلذلك لا يتصور أن ينفك مؤمن عن خوف من الله وإن ضعف إيمانه، ويكون ضعف خوفه بحسب ضعف معرفته وإيمانه، ثم إن كملت المعرفة في القلب أورثت جلال الخوف، وخضوع القلب ثم يفيض أثر ذلك من القلب على البدن، وعلى الجوارح، وعلى الصفات (^٣).\nوهذه المعرفة تحجز العبد عن مقارفة المعاصي، وتدفعه إلى فعل الطاعات، وهذا العلم والمعرفة هو أصل الخوف القلبي؛ إذ عبادة الخوف موردها القلب، ثم يظهر بعد ذلك أثره على الجوارح.\n_________\n= اللغة (١/ ٦١٧)، والمعجم الوسيط (١/ ٣١٢)، والمصباح المنير (١/ ١٨٤)، والصحاح (٤/ ١٣٥٨)، ولسان العرب (٤/ ٢٤٨)، وأساس البلاغة (ص ١١٩)، ومعجم الأفعال المتعدية بحرف (٩٣)، غراس الأساس (ص ١٣١).\n(^١) مقاييس اللغة (٢/ ٢٣٠)، وانظر: تفسير البحر المحيط (١/ ٣١٢)، والمراجع السابقة.\n(^٢) انظر: طريق الهجرتين، لابن القيم (ص ٤٢٥).\n(^٣) انظر: إحياء علوم الدين، للغزالي (٤/ ١٦١)، و(٤/ ١٥٥ - ١٥٦).","vol":"2","page":785},{"text":"ويقول الإمام ابن تيمية في معنى الخوف الشرعي: \"حد الخوف ما حجزك عن معاصي الله، فما زاد على ذلك فهو غير محتاج إليه\" (^١).\nويقول ابن القيم: \"والخوف المحمود الصادق ما حال بين صاحبه وبين محارم الله ﷿، فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط\" (^٢).\nوفي هذا التعريف والذي قبله بيان لمعنى الخوف بحسب مستلزماته وآثاره ونتائجه، وليس بيانًا للحقيقة.\nوعرَّفه الشيخ العثيمين بقوله: \"الخوف من الله تعالى؛ وهو الحالة النفسية التي تجعل المؤمن يقدر ربه حق قدره، ويعرفه معرفة تحول بينه وبين ارتكاب المعاصي، أو التمادي في ارتكابها، وتحول بينه وبين التقصير في الطاعات، أو التمادي في التقصير فيها\" (^٣).\nهذا هو الخوف الشرعي خوف العبادة، ولزيادة التوضيح فقد قسَّم أهل العلم الخوف إلى أقسام باعتبارات عديدة، وفيما يلي تلخيص تلك الأقسام:\nالقسم الأول: الخوف الاعتقادي: وهو خوف التأله والتعبد والتعظيم، ويعرف عند أهل العلم بخوف السر، وهو اعتقاد قدرة في المخوف ومشيئة مستقلة يفعل بها ما يشاء، وهو من لوازم الألوهية، وينتج عن ذلك طاعة في الباطن، وخوف وخضوع سري يزجر صاحبه عن معصية من يخافه، ويجعله يلجأ إلى المخوف منه كما يلجأ إلى الله أو أشد. فمن خاف مخلوقًا أن يميته، أو يضره، أو يملك قطع رزقه، كان واقعًا في الخوف الشركي المخرج من الملة والعياذ بالله.\nويلحق بهذا الخوف الاعتقادي الشركي الخوف من غير الله المتعلق\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٣٩٤).\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ٥١٤)، وانظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٧١).\n(^٣) شرح ثلاثة الأصول، لابن عثيمين (ص ٥٢).","vol":"2","page":786},{"text":"بالآخرة، كأن يخاف العبد من غيره سبحانه بأن لا ينفعه في الآخرة، فلأجل رغبته في نفعه له في الدار الآخرة، وأن يشفع له عند الله، وأن يقربه منه في دار الجزاء، وأن يبعد عنه عذاب جهنم خاف منه وصرف له هذه العبادة العظيمة (^١).\nولا شك أن هذا خوف إذا تعلق بالله تعالى فهو أصل من أصول الإيمان، ومن أعظم واجبات الدين. وأما إذا تعلق بغير الله تعالى كان من أصول الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله؛ لأنه شرك في هذه العبادة التي هي من أعظم أعمال القلوب.\nيقول الشيخ سليمان آل الشيخ في هذا النوع من الخوف: \"وهذا الخوف لا يكون العبد مسلمًا إلا بإخلاصه لله تعالى، وإفراده بذلك دون من سواه\" (^٢).\nولا شك أن هذا النوع إذا تعلَّق بالله استلزم فعل الطاعات والأوامر، وترك المنكرات والنواهي، ونتج عنه قسم آخر للخوف وهو:\nالقسم الثاني: وهو خوف الوعيد الذي توعد الله به العصاة، وهو الذي قال الله فيه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤)﴾ [إبراهيم: ١٤]، وقال سبحانه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ [الإنسان: ٧]، وهذا الخوف من أعلى مراتب الإيمان، ونسبة الأول إليه كنسبة الإسلام إلى الإحسان، وإنما يكون محمودًا إذا لم يوقع في القنوط واليأس من روح الله، والتمادي في فعل المنكرات، فإذا وجد هذا الخوف المحمود في النفس، سكن القلب، واطمأن، وغلب عليه الفرح بنعمة الله، والرجاء لثوابه (^٣).\n_________\n(^١) انظر: التمهيد بشرح كتاب التوحيد (ص ٣٦٩).\n(^٢) تيسير العزيز الحميد (ص ٤٠٧).\n(^٣) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص ٤٠٧).","vol":"2","page":787},{"text":"القسم الثالث: الخوف العملي: وهو الخوف من غير الله المؤدي إلى ترك الواجب، أو فعل المحرم بدافع الهوى والشهوة، وبدون عذر شرعي، فهذا النوع من الخوف ينافي كمال التوحيد الواجب، وهو في حكم الشرك الأصغر؛ وذلك لأن ترك الواجب وفعل المحرم خوفًا من ذم الناس، ومن ترك مدحهم له فيه تعظيم وتقديم لخوف الناس على خوف الله تعالى، ومن آثر خوف الناس على خوف الله فقد دخل بابًا من الشرك (^١).\nوذلك كمن يترك ما يجب عليه من الجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بغير عذر إلَّا لخوف من الناس، فهذا محرم، وهو الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥]، وهو الذي جاء فيه حديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ -ﷺ-: \"لَا يَحْقِرَنَّ أَحَدُكم نَفْسَهُ إِذَا رَأَى أَمْرًا للهِ عَلَيْهِ فِيهِ مَقَالًا فَلَا يَقُولُ بِهِ فَيَلْقَى اللهَ وَقَدْ أَضَاعَ ذَلِكَ فَيَقُولُ مَا مَنَعَكَ فَيَقُولُ خَشِيتُ النَّاسَ. فَيَقُولُ أَنَا كُنْتُ أَحَقَّ أَنْ تَخْشَى\" (^٢).\nويدخل في هذا النوع المحرم الخوف مما لم تجر العادة بكونه سببًا للخوف، فهذا نوع من الشرك الأصغر أيضًا؛ كمن يتطير ويتشاءم برؤية\n_________\n(^١) انظر: فتح الحميد في شرح كتاب التوحيد، لعثمان بن منصور (٣/ ١٤٠٢)، والتمهيد بشرح كتاب التوحيد، لصالح آل الشيخ (ص ٣٦٩).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ٩١)، برقم (١١٨٨٦)، وابن ماجه في سننه، كتاب الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٢/ ١٣٢٨)، برقم (٤٠٠٨)، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٣/ ١٦٠) عقب ذكره الحديث: \"ورواته ثقات\"، وقال الكناني في مصباح الزجاجة (٤/ ١٨٢): \"هذا إسناد صحيح\"؛ ومعناه كما قال الإمام أحمد بن حنبل: \"وهذا فيمن يتركه خشية ملامة الناس وهو قادر على القيام به\"، وقال الإمام ابن رجب بأنه محمول: \"على أن يكون المانع له من الإنكار مجرد الهيبة دون الخوف المسقط للإنكار\". [شعب الإيمان للبيهقي (٦/ ٩٠)، وجامع العلوم والحكم (ص ٣٢٢)، وانظر: تيسير العزيز الحميد (ص ٤٠٧)].","vol":"2","page":788},{"text":"طير أو حيوان، فيبني على هذه الرؤية فعلًا أو تركًا، ولا شك في حرمة هذا النوع من الخوف.\nالقسم الرابع: خوف طبيعي مشترك وجوده بين كل البشر، بل يوجد في غير البشر من سائر الحيوان، فطر الله عليه النفس الحية، وهو خوف من الأسباب العادية التي جعل الله فيها ما يخاف ابن آدم منه، كأنه يخاف من النار أن تحرقه، أو يخاف من السبع أن يعدو عليه، أو من العقرب أن تلدغه، أو أن يخاف من ذي سلطان وغلبة وقهر أن يعتدي عليه ونحو ذلك مما يخاف منه عادة، فهذا النوع من الخوف الطبيعي لا يُنقص الإيمان؛ لأنه مما جبل الله جل وعلا الخلق عليه. وهو خوف ليس معه تأله للمخوف ولا تعظيم له، ولا صرف لصفتي القدرة والمشيئة لغيره سبحانه، وليس فيه تفريطًا في واجب، أو فعلًا لمحرم، وإنما هو خوف بدافع الجبلة عند شعورها بقدوم شر وأذى، أو بفقد خير ونعمة، وحكمه الجواز.\nالقسم الخامس: خوف وهمي خيالي لا حقيقة له، ولا أساس له في الواقع، وإنما هو مجرد وساوس وخيالات وحديث نفس، فهذا مما لا ينبغي التمادي والاسترسال معه، ويجب قطعه والتعوذ بالله منه؛ فإنه من صفات الأنفس الضعيفة، التي اتصفت بالجبن والخور، وليس من صفات أهل الإيمان والتوحيد والاعتصام بالله تعالى؛ فإن من خاف الله حق الخوف لم يخف بعده أحدًا، ومن لم يخفه أخافه من كل شيء، وما خاف أحدٌ غير الله إلا لنقص خوفه من الله (^١).\nيقول الإمام القرافي: مبينًا حالات الخوف من حيث الجواز والمنع: \"الفرق الخامس والستون والمائتان: بين قاعدة الخوف من غير الله تعالى المحرم وقاعدة الخوف من غير الله تعالى الذي لا يحرم: ورد قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا\n_________\n(^١) انظر: بدائع الفوائد (٢/ ٤٦٣)، ومجموع الفتاوى (١/ ٩٤).","vol":"2","page":789},{"text":"تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: ١٥٠]، وقوله تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ونحو ذلك من النصوص المانعة من خوف غير الله تعالى، وهو المستفيض على ألسنة الجمهور، وهذه النصوص محمولة على خوف غير الله تعالى المانع من فعل واجب أو ترك محرم، أو خوف مما لم تجر العادة بأنه سبب للخوف؛ كمن يتطير بما لا يخاف منه عادة، كالعبور بين الغنم يخاف لذلك أن لا تقضى حاجته بهذا السبب، فهذا كله خوف حرام.\nومما ورد في هذا الباب وقلَّ أن يتفطن له قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] فمعنى هذا التشبيه في هذه الكاف قَلَّ مَنْ يُحَقِّقَهُ وهو قد ورد في هذا الباب في سياق الذم والإنكار، مع أن فتنة الناس مؤلمة وعذاب الله مؤلم، ومن شبه مؤلمًا بمؤلم كيف ينكر عليه هذا التشبيه، وَمَدْرَكُ الإنكار بَيِّن وهو أن الله تعالى وضع عذابه حاثًّا على طاعته، وزاجرًا عن معصيته، فمن جعل أذية الناس حاثة على طاعتهم في ارتكاب معصية الله تعالى، وزاجرة له عن طاعة الله تعالى فقد سوَّى بي عذاب الله وفتنة الناس في الحث والزجر، وشبه الفتنة بعذاب الله تعالى من هذا الوجه، والتشبيه من هذا الوجه حرام قطعًا، مُوْجِب للتحريم، واستحقاق الذم الشرعي، فأنكر على فاعله ذلك، وهو من باب خوف غير الله المحرم، وهو سر التشبيه ها هنا، وقد يكون الخوف من غير الله تعالى ليس محرمًا؛ كالخوف من الأسد، والحيات، والعقارب، والظلمة.\nوقد يجب الخوف من غير الله تعالى كما أُمِرْنَا بالفرار من أرض الوباء، والخوف منها على أجسامنا من الأمراض والأسقام، وفي الحديث: \"فر من المجذوم فرارك من الأسد\" (^١). فصون النفس،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، باب: الجذام (٥/ ٢١٥٨)، برقم (٥٣٨٠)، ولفظه: =","vol":"2","page":790},{"text":"والأجسام، والمنافع، والأعضاء، والأموال، والإعراض عن الأسباب المفسدة واجب، وعلى هذه القواعد فقس يظهر لك ما يَحْرُم من الخوف من غير الله تعالى، وما لا يحرم، وحيث تكون الخشية من الخلق محرمة، وحيث لا تكون فاعلم ذلك\" (^١).\nوعليه فالخوف يختلف بحسب نوعه؛ فمنه ما هو عبادة، ومنه ما هو عادة، وقد فصل الشيخ السعدي هذه الأحوال بقوله: \"اعلم أن الخوف والخشية تارة يقع عبادة، وتارة يقع طبيعة وعادة، وذلك بحسب أسبابه ومتعلقاته؛ فإن كان الخوف والخشية خوف تأله وتعبد، وتقرب بذلك الخوف إلى من يخافه، وكان يدعو إلى طاعة باطنة، وخوف سري يزجر عن معصية من يخافه، كان تعلقه بالله من أعظم واجبات القلب غير الله مع الله، وربما زاد خوفه من غير الله على خوفه من الله.\nوأيضًا فمن خشي الله وحده على هذا الوجه فهو مخلص موحد، ومن خشي غيره فقد جعل لله ندًّا في الخشية، كمن جعل لله ندًّا في المحبة، وذلك كمن يخشى من صاحب القبر أن يوقع به مكروهًا، أو يغضب عليه فيسلبه نعمة أو نحو ذلك، مما هو واقع من عباد القبور.\nوإن كان الخوف طبيعيًا كمن يخشى من عدو أو سبع أو حية أو نحو ذلك مما يخشى ضرره الظاهري، فهذا النوع ليس عبادة، وقد يوجد من كثير من المؤمنين ولا ينافي الإيمان.\nوهذا إذا كان خوفًا محققًا قد انعقدت أسبابه فليس بمذموم، وإن كان هذا خوفًا وهميًا كالخوف الذي ليس له سبب أصلًا، أو له سبب\n_________\n= (وفِرَّ مِنَ المَجْذُوم كَما تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ) من حديث أبي هريرة، وأخرجه بنفس اللفظ: الإمام أحمد في المسند (٢/ ٤٤٣)، برقم (٩٧٢٠)، والبيهقي في السُّنن (٧/ ١٣٥)، برقم (١٣٥٥٠)، ومصنف ابن أبي شيبة (٥/ ١٤٢)، برقم (٢٤٥٤٣)، وتهذيب الآثار للطبري (٣/ ١٧)، بكر قم (٣٨).\n(^١) الفروق (٤/ ٤٠٠ - ٤٠٢).","vol":"2","page":791},{"text":"ضعيف فهذا مذموم يدخل صاحبه في وصف الجبناء، وقد تعوذ -ﷺ- من الجبن (^١)، فهو من الأخلاق الرذيلة\" (^٢).\nويقول الشيخ عبد العزيز بن باز مقسمًا الخوف إلى ثلاثة أقسام:\n\"القسم الأول: شرك أكبر.\nوالثاني: معصية وليس بشرك.\nوالثالث: جائز، بل مشروع للأخذ بالأسباب التي شرعها الله.\nفالقسم الأول: أن تخاف الأصنام، أو أصحاب القبور، أو الأشجار، أو الأحجار، أو الجن، أو غيرهم من الغائبين أن يفعلوا بك ما يضرك؛ لاعتقاد أنهم يستطيعون ذلك بغير أسباب حسية، بل بقدرتهم الخاصة، فهذا هو الشرك الأكبر.\nالثاني: أن تخاف من الأعداء أو بعض الأقارب أو غيرهم أن يفعلوا ما يستطيعون من الضرر بك، وهم أحياء قادرون فيحملك ذلك على فعل بعض المعاصي، أو ترك بعض الواجبات من أجل ذلك.\nأما القسم الثالث: فهو يتعلق بالخوف الطبيعي لوجود أسبابه، كخوف الإنسان من اللصوص فيغلق بابه ويحفظ متاعه، ومن السباع والحيات والعقارب فيأخذ حذره منه بالأسباب الشرعية المباحة، وخوف الجوع فيأكل، وخوف الظمأ فيشرب، وأشباه ذلك\" (^٣).\nوهذا الخوف الطبيعي لا يعد منقصة، ولا يذم صاحبه -على\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب: الاستعاذة من الجبن والكسل، (٥/ ٢٣٤٢)، برقم (٦٠٠٨)، عن أنس -﵁- قال: كان النبي -ﷺ- يقول: \"اللَّهُمَّ إنّي أَعُوذُ بكَ مِنَ الْهَمِّ والحَزَنِ والعَجْزِ والكَسَلِ والجُبْنِ والبُخْلِ وضَلَعِ الدَّيْن وغَلَبَة الرِّجال\".\n(^٢) القول السديد في مقاصد التوحيد (ص ١١٧ - ١١٨).\n(^٣) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، للعلامة ابن باز (٨/ ٢٨١ - ٢٨٢).","vol":"2","page":792},{"text":"التفصيل السابق- إذ هو مما فطر عليه البشر، بل قد وقع من أفضل الخلق من أنبياء الله ورسله، بل الخوف من الأعداء سُنّة الله في أنبيائه وأوليائه، مع معرفتهم لعظمته وملكه وجبروته، وثقتهم الكاملة بعزته ونصرته (^١).\nوقال الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"وقوله: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢١]: فيه أن ذلك الخوف والترقب لا يُذّمّ\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-218> المسألة الثانية * معنى القاعدة</span>\nلا يخفى أن الخوف الذي هو عبادة لله تعالى من أفضل مقامات الدين وأَجَلِّهَا؛ فلذا يجب إخلاصه لله تعالى، وقد ذكره الله تعالى في كتابه عن سادات المقربين من الملائكة والأولياء والصالحين، قال الله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وقال الله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧)﴾ [المؤمنون: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾ [الأحزاب: ٣٩]، وأمر بإخلاصه له فقال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾ [البقرة: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤] ... (^٣).\nومع هذه المكانة العظيمة، والمنزلة الجليلة فإن من المقرر عند أهل العلم أن الخوف ليس مقصودًا لذاته، بل هو مقصود لغيره قصد الوسائل؛ ولهذا يزول بزوال المخوف، فإن أهل الجنة لا خوف عليهم\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرطبي (١١/ ٢٠٢).\n(^٢) تفسير آيات من القرآن الكريم (ص ٢٨٧).\n(^٣) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص ٤٠٦).","vol":"2","page":793},{"text":"ولا هم يحزنون، والخوف يتعلق بالأفعال، والمحبة تتعلق بالذات والصفات؛ ولهذا تتضاعف محبة المؤمنين لربهم إذا دخلوا دار النعيم، ولا يلحقهم فيها خوف (^١).\nوهذه القاعدة بمثابة الضابط والحدّ للخوف الشركي؛ إذ فيها بيان حقيقة خوف العبادة، وكيف يفرَّق بينه وبين أنواع الخوف الأخرى، والحاصل أن الخوف إذا تلبَّس بامور معينة كان خوفًا شركيًا، ومن تلك الأمور ما يلي:\nأن يقترن به اعتقاد استقلال المشيئة عند المخوف بحيث يفعل الشيء بمشيئته المستقلة عن مشيئة الله ﵎، فالخائف يعتقد أن المَخُوفَ باستطاعته أذيته وإلحاق الضرر به متى ما شاء ذلك، ولا يثنيه عن ذلك أحد، ولذا ينزجر الخائف ويبتعد عن مساخط المخوف، ويجتهد في مراضيه.\nأو أن يعتقد الخائف أن للمخوف قدرةً غيبيةً تمكنه من فعل ما يشاء، من نفع هذا، أو الإضرار بذاك، بدون أمور ظاهرة وحسية، بل هي قدرة سرية فوق طاقة البشر وعاداتهم المعروفة.\nوسواء ادُّعِيَ أن ذلك كرامة للمخوف بالشفاعة، أو على سبيل الاستقلال، فهذا الخوف لا يجوز تعلقه بغير الله أصلًا؛ لأنَّه من لوازم الإلهية وخصائص الربوبية، وبهذا يكون الخائف قد وقع في شرك الربوبية الشرك المخرج من ملة الإسلام (^٢).\nفهذا هو الخوف الاعتقادي الشركي، أو خوف السر، وهذا النوع من الشرك محله القلب، ولذا سمي اعتقاديًا، وهو شرك أكبر؛ لأن النفع والضر إنما يكون بمشيئته وإرادته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن (^٣).\n_________\n(^١) مدارج السالكين لابن القيم (١/ ٥١٤).\n(^٢) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص ٤٠٦).\n(^٣) انظر: قرة عيون الموحدين، للشيخ عبد الرحمن بن حسن (ص ١٦٧).","vol":"2","page":794},{"text":"ويدخل في ذلك الخوف من الأصنام، والأوثان، والجن، والشياطين، والسحرة، والمشعوذين، والكهنة، والعرافين، والمنجمين، والاعتقاد بقدرتهم ومشيئتهم في جلب المصالح ودفع المضار.\nثم يلزم من هذا الاعتقاد أن تقترن بالخائف أمور هي من أعظم أحوال العبادات القلبية؛ من الرجاء، والمحبة، والتعظيم، والمهابة، والخضوع، والذل، والرغبة، والرهبة، وغير ذلك. وبهذه الأحوال القلبية من الخائف يكون قد جمع بين شرك الربوبية وشرك الإلهية؛ فإن مما لا يخفى أن الشرك في الإلهية هو نتاج وثمرة الإشراك أو التقصير في حق الربوبية، وإلا فإن من وحَّد الله في الربوبية التوحيد الكامل لا يتصور، بل ولا يقع منه الإشراك في الإلهية (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-219> المسألة الثالثة * أدلة القاعدة</span>\nلقد اعتمد أهل العلم في تقرير معنى هذه القاعدة على أدلة عديدة، أذكر فيما يأتي بعضًا منها، فمن ذلك:\nأولًا: ما تواترت به النصوص الشرعية مما حكاه الرب ﵎ من تخويف المشركين لأنبيائه ورسله وأتباعهم بمعبوداتهم من الأصنام والأوثان، وهذا يدل على أن هذا الخوف الشركي كان مستقرًا في نفوسهم، وقد أشربته قلوبهم، وهو إيصال هذه الأصنام للأذى بتمام قدرتها على ذلك، واستقلال مشيئتها، ومن أجل هذا الخوف كفرهم الله تعالى، ومن تلك النصوص ما يلي:\n١ - قوله سبحانه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ\n_________\n(^١) انظر: قاعدة: أنواع التوحيد وأضدادها متلازمة (ص ٤١٧) لا ينفك أحدها عن الآخر (ص ٣٨٢).","vol":"2","page":795},{"text":"دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦)﴾ [الزمر: ٣٦].\nفقد ذكر سبحانه في هذه الآية الكريمة أن الكفار عبدة الأوثان يخوفون النبي -ﷺ-، ويتوعدونه بأصنامهم وآلهتهم التي يدعونها من دون الله جهلًا منهم وضلالًا، ويقولون له: إنها ستضره وتخبله، وهذه عادة عبدة الأوثان يخوفون الرسل بالأوثان (^١)، ويزعمون أنها ستضرهم، وتصل إليهم بالسوء، ومعلوم أن الأنبياء ﵈ لا يخافون غير الله، ولا سيما الأوثان التي لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع (^٢).\nيقول الشيخ الشنقيطي: \"وهذه عادة عبدة الأوثان لعنهم الله يخوفون الرسل بالأوثان، ويزعمون أنها ستضرهم وتصل إليهم بالسوء، ومعلوم أن أنبياء الله -عليهم صلوات الله وسلامه- لا يخافون غير الله، ولا سيما الأوثان التي لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع\" (^٣).\n٢ - وقال تعالى عن نبيه إبراهيم ﵇ لما خوَّفوه بها: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١)﴾ [الأنعام: ٨٠، ٨١].\nوالمعنى؛ أي: لا يقع بي مخوف من جهة آلهتكم أبدًا إلا أن يشاء ربي شيئًا، فينفذ ما شاءه، وما شاءه هو منه سبحانه وليس من معبوداتكم الباطلة التي لا تملك شيئًا (^٤).\nفبين لهم ﵇ أن ما يصيبه من المكروه والأذى فليس ذلك من قبل\n_________\n(^١) انظر: صحيح البخاري (٤/ ١٨١٠).\n(^٢) انظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٥٥)، وأضواء البيان (٦/ ٣٦٤).\n(^٣) أضواء البيان (٦/ ٣٦٤).\n(^٤) انظر: إعلام الموقعين (٤/ ٧٧)، وإغاثة اللهفان (٢/ ٢٥٤).","vol":"2","page":796},{"text":"هذه الأصنام التي يعبدونها من دون الله، وهي أقل شأنًا وأحقر منزلة من ذلك؛ فإنها ليست مما يرجى ويخاف، بل يكون ذلك الذي أصابني من قبل الحي الفعال الذي يفعل ما يشاء، الذي بيده الضر والنفع، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد (^١).\nيقول الإمام الشوكاني في قول إبراهيم ﵇ لقومه: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾: \"قال هذا لما خوفوه من آلهتهم بأنها ستغضب عليه، وتصيبه بمكروه؛ أي: إني لا أخاف ما هو مخلوق من مخلوقات الله لا يضر ولا ينفع، ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾؛ أي: إلا وقت مشيئة ربي بأن يلحقني شيئًا من الضرر بذنب عملته، فالأمر إليه، وذلك منه لا من معبوداتكم الباطلة التي لا تضر ولا تنفع، ثم قال لهم مكملًا للحجة عليهيم، دافعًا لما خوفوه به: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾؛ أي: كيف أخاف ما لا يضر، ولا ينفع، ولا يخلق، ولا يرزق، والحال أنكم لا تخافون ما صدر منكم من الشرك بالله، وهو الضار النافع، الخالق الرازق\" (^٢).\nوذلك لأن الخوف إنما يحصل ممن يقدر على النفع والضر، والعطاء والمنع، بقدرته ومشيئته، وهذا هو الخوف الذي وقع فيه أهل الشرك مع معبوداتهم (^٣).\n٣ - وقوله تعالى عن نبيه هود وما ذكره له قومه من ذلك: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤)﴾ [هود: ٥٤].\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وهؤلاء الذين يعتقدون أن القبور تنفعهم\n_________\n(^١) انظر: الصواعق المرسلة (٢/ ٤٨٧)، والبداية والنهاية (١/ ١٤٣)، وإيثار الحق على الخلق، لابن الوزير (ص ٦٢ - ٦٣).\n(^٢) انظر: فتح القدير (٢/ ١٣٤).\n(^٣) انظر: التفسير الكبير (١٣/ ٤٨).","vol":"2","page":797},{"text":"وتدفع البلاء عنهم قد اتخذوها أوثانًا من دون الله، وصاروا يظنون فيها ما يظنه أهل الأوثان في أوثانهم، فإنهم كانوا يرجونها، ويخافونها، ويظنون أنها تنفع وتضر؛ ولهذا قالوا لهود ﵇: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ فقال هود: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦] \" (^١).\nفظهر مما سبق من أدلة: حقيقة الخوف الذي أشرك به المشركون، وخوفوا به أنبياء الله ورسله، وهو الخوف الغيبي من الأصنام والأوثان التي كانوا يعبدونها ويعتقدون فيها القدرة التامة، والمشيئة النافذة.\nيقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: \"ومعلوم أن الخوف من تلك الأصنام من أشنع أنواع الكفر والإشراك بالله\" (^٢).\nثانيًا: النصوص الدالة على أن الخوف عبادة خاصة بالله تعالى، ولا يجوز صرفه لغيره ﷾، وأنه من لوازم الإيمان، فعلى قدر إيمان العبد الذي في قلبه يكون خوفه من ربه ﵎، وإذا انعدم الخوف بالكلية من القلب، تبعه الإيمان فلا يكون في القلب إيمان، فهما متلازمان، ومن تلك النصوص ما يلي:\n١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥].\nنهى الله تعالى في هذه الآية عن خوف غيره، وأمر بالخوف منه وحده، وهذا الأمر بالخوف منه وحده يدل على أن الخوف عبادة لله تعالى، ويجب أن لا يصرف إلا إليه سبحانه، بل جعله سبحانه من لوازم الإيمان ومقتضياته، وأما الخوف المحرم الممنوع فهو كما سبق على ضربين؛ أقله ما صرفك عن الطاعة وحملك على المعصية، وأكبره\n_________\n(^١) الرد على الأخنائي (ص ٥٦).\n(^٢) أضواء البيان (٦/ ٣٦٤).","vol":"2","page":798},{"text":"وأعظمه يخرج من الدين بالكلية، ولا يبقى معه إيمان في القلب، وهو الذي يتضمن اعتقاد الخائف في المخوف بأن له القدرة التامة، والمشيئة النافذة؛ سواء عن طريق الاستقلال، أو عن طريق الكرامة لهم من الله لمكانتهم وقربهم منه سبحانه، والآية الكريمة نصت على أن هذا الخوف من لوازم الإيمان ومقتضياته.\nقال البيضاوي: \"فإن الإيمان يقتضي إيثار خوف الله تعالى على خوف الناس\" (^١).\nويقول الإمام ابن القيم: \"وقد أمر سبحانه بالخوف منه في قوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾، فجعل الخوف منه شرطًا في تحقيق الإيمان، وإن كان الشرط داخلًا في الصيغة على الإيمان فهو المشروط في المعنى، والخوف شرط في حصوله وتحققه؛ وذلك لأن الإيمان سبب الخوف الحاصل عليه، وحصول المُسَبَّب شرط في تحقيق السبب، كما أن حصول السبب مُوْجِب لحصول مُسَبَّبِهِ، فانتفاء الإيمان عند انتفاء الخوف انتفاء للمَشْرُوط عند انتفاء شرطه، وانتفاء الخوف عن انتفاء الإيمان انتفاء للمعلول عند انتفاء عِلَّتِهِ فتدبره، والمعنى إن كنتم مؤمنين فخافوني ... فأداة الشرط قد دخلت على السبب المقتضي للخوف وهو الإيمان، وكل منهما مستلزم للآخر، لكن الاستلزام مختلف، وكل منهم منتف عند انتفاء الآخر، لكن جهة الانتفاء مختلفة كما تقدم، والمقصود أن الخوف من لوازم الإيمان وموجباته فلا يختلف عنه\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"فكلما قوي إيمان العبد زال من قلبه خوف أولياء الشيطان، وكلما ضعف إيمانه قوي خوفه منهم\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير البيضاوي (٢/ ١١٨).\n(^٢) طريق الهجرتين (ص ٤٢٢ - ٤٢٣).\n(^٣) إغاثة اللهفان (١/ ١١٠).","vol":"2","page":799},{"text":"وقال العيني: \"والخوف من لوازم الإيمان\" (^١).\nويقول الشيخ السعدي: \"وفي هذه الآية وجوب الخوف من الله وحده، وأنه من لوازم الإيمان، فعلى قدر إيمان العبد يكون خوفه من الله والخوف المحمود ما حجز العبد عن محارم الله\" (^٢).\nويقول الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في معنى قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾: \"جعله شرطًا في صحة الإيمان، فكما أنه إذا دعا غير الله انتفى عنه الإيمان، فكذلك إذا خاف غير الله خوف السر، مثل أن يخاف أن يفعل شيئًا بسره، فإن الخوف أنواع منها: خوف السر، فإذا خاف من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-220> المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nلقد عظم اهتمام العلماء بدراسة ضوابط العبادات الشرعية، وكيفية خروج هذه العبادات عن حدود الشرعية، فتكون معصية، أو شركًا أصغر أو أكبر مخرجًا عن ملة الإسلام، ومن تلك العبادات التي ضبطها العلماء عبادة الخوف من الله تعالى، ومتى تكون توحيدًا وإيمانًا وطاعة، ومتى تكون معصية أو شركًا بالله العظيم. ولذا تضافرت أقوالهم في ضبط هذا الباب، وفيما يأتي أذكر ما وقفت عليه من ذلك:\nيقول الشيخ سليمان آل الشيخ في معنى الخوف الشركي وهو خوف العبادة: \" ... خوف السر: وهو أن يخاف من غير الله أن يصيبه بما يشاء؛ من مرض، أو فقر، أو قتل، ونحو ذلك بقدرته ومشيئته، سواء ادعى أن\n_________\n(^١) عمدة القاري (٢٣/ ٧٣)، وانظر: فتح القدير للشوكاني (١/ ٤٠٠).\n(^٢) تفسير السعدي (ص ١٥٧).\n(^٣) حاشية الأصول الثلاثة لعبد الرحمن بن قاسم (ص ٥٩).","vol":"2","page":800},{"text":"ذلك كرامة للمخوف بالشفاعة، أو على سبيل الاستقلال، فهذا الخوف لا يجوز تعلقه بغير الله أصلًا؛ لأن هذا من لوازم الإلهية، فمن اتخذ مع الله ندًّا يخافه هذا الخوف فهو مشرك، وهذا هو الذي كان المشركون يعتقدونه في أصنامهم وآلهتهم، ولهذا يخوفون بها أولياء الرحمن\" (^١).\nويقول أيضًا: \"ومعنى خوف السر: هو أن يخاف العبد من غير الله تعالى أن يصيبه مكروه بمشيئته وقدرته، وإن لم يباشره، فهذا شرك أكبر؛ لأنه اعتقاد للنفع والضر في غير الله\" (^٢).\nويقرر هذا المعنى الشيخ عبد الرحمن بن قاسم بقوله: \"فإذا خاف من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر\" (^٣).\nويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: \"وإنما الخوف الذي نهى الله عنه هو الخوف من المخلوق على وجه يحمل صاحبه على ترك الواجب، أو فعل المعصية، وفي ذلك نزل قوله سبحانه: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ وهكذا الخوف من غير الله على وجه العبادة لغيره، واعتقاد أنه يعلم الغيب، أو يتصرف في الكون، أو يضر وينفع بغير مشيئة الله كما يفعل المشركون مع آلهتهم\" (^٤).\nويقول الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: \"الخوف الشركي: وهو خوف السر؛ يعني: أن يخاف في داخله من هذا المخوف منه، وخوفه لأجل ما عند هذا المخوف منه مما يرجوه، أو يخافه من أن يمسه سرًا بشيء، أو أنه يملك له في آخرته ضرًا أو نفعًا، فالخوف الشركي متعلق في الدنيا بخوف السر، بأن يخاف أن يصيبه ذلك الإله بشر وذلك شرك.\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد (ص ٤٠٦).\n(^٢) تيسير العزيز الحميد (ص ٣١).\n(^٣) حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم (ص ٥٩).\n(^٤) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (٦/ ٤٠٠).","vol":"2","page":801},{"text":"والخوف المتعلق بالآخرة، معناه أن يخاف العبد غير الله ويتعلق خوفه بغير الله من أن لا ينفعه ذلك الإله في الآخرة، فلأجل رغبه في أن ينفعه ذلك الإله في الآخرة وأن يشفع له، وأن يقربه منه في الآخرة، وأن يبعد عنه العذاب في الآخرة، خاف منه فأنزل خوفه به\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-221> المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nبعض الفوائد والتطبيقات للقاعدة:\nأولًا: أن هذا الخوف الشركي الذي بيَّنت القاعدة حقيقته يقابله خوف العبادة، وهو الخوف الذي لا يصح الإيمان إلا بإخلاصه لله تعالى دون ما سواه، ويتضمن اعتقاد الخائف اتصاف الله تعالى بالقدرة التامة لكل ما في الكون، والمشيئة الشاملة المستقلة التي لا يغلبها ولا تتقدمها مشيئة أحد من الخلق، بل مشيئة جميع الخلق تابعة لمشيئته ﷾.\nيقول الشيخ سليمان آل الشيخ: \"وهذا الخوف -يعني: خوف العبادة- لا يكون العبد مسلمًا إلا بإخلاصه لله تعالى وإفراده بذلك دون من سواه\" (^٢).\nثانيًا: القاعدة بيَّنت الضابط لما يكون شركًا حال الخوف من غيره ﷾، وهو اعتقاد القدرة التامة الغيبية، والمشيئة النافذة المستقلة في المخوف منه، بحيث يتصرف في الكون إما استقلالًا أو مع الله تعالى، فاجتمع هنا شركان؛ شرك في الربوبية باعتقاد القدرة في غيره سبحانه، وشرك في الإلهية بصرف عبادة الخوف القلبي لغيره ﷿.\nوهذا الضابط ينسحب على كثير من العبادات كالرجاء والمحبة\n_________\n(^١) التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص ٣٦٩).\n(^٢) تيسير العزيز الحميد (ص ٤٠٧).","vol":"2","page":802},{"text":"والتوكل وغيرها من أنواع العبادة (^١)؛ فمن رجا مخلوقًا أو توكل عليه معتقدًا فيه القدرة على جلب النفع وتحقيق المرجو بقدرته ومشيئته كان واقعًا في الشركين معًا.\nيقول الإمام ابن القيم: \"فالخوف عبودية القلب فلا تصلح إلا لله؛ كالذل، والمحبة، والإنابة، والتوكل، والرجاء، وغيرها من عبودية القلب\" (^٢).\nوكمن دعا ميتًا في قبره لتحقيق رغبته معتقدًا قدرته على تحقيق ما يطلبه بمشيئته الخاصة كان واقعًا في شرك الربوبية وشرك الإلهية.\nيقول الشيخ عبد العزيز بن باز: \"فالواجب خشية الله وخوفه؛ لأنه مصرف القلوب ومقلبها، والقادر على كل شيء، وهو الذي ينفع ويضر، ويعطي ويمنع، فالواجب تخصيصه بالخوف، وألا يخاف إلا الله في كل الأمور (^٣).\nولكن خوف السر يختص به سبحانه؛ وهو كون الإنسان يخاف من أجل قدرة خاصة سرية ليست حسب الحس، ولذلك يعتقد عباد القبور أن بعض الناس له القدرة على التصرف في الكون مع الله جل وعلا، ويعتقدون ذلك أيضًا في الأصنام والجن وغيرها، وهذا هو الشرك الأكبر، ويعتقد فيهم أيضًا أن لهم القدرة على العطاء والمنع، وزيغ القلوب، وموت النفوس دون أسباب حسية\" (^٤).\nثالثًا: ومما يدخل في حكم القاعدة الخوف من الجن أن يصيبوا الإنس بشيء من الأذى المحسوس المشاهد مع اعتقاد قدرتهم ومشيئتهم\n_________\n(^١) انظر: منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس (ص ٢٩٩ - ٣٠٠).\n(^٢) طريق الهجرتين (ص ٤٣٧).\n(^٣) انظر: شعب الإيمان للبيهقي (٢/ ٢٧).\n(^٤) شرح الأصول الثلاثة للعلامة ابن باز، شريط كاسيت.","vol":"2","page":803},{"text":"المستقلة، فإنه من الشرك الأكبر الذي يكفر به صاحبه؛ فإن الله تعالى جعل للجن إذنًا كونيًا عامًا في الوسوسة القلبية لبني آدم فحسب، ولم يأذن لهم كونًا في إيصال الأذى إلى بني الإنسان، فذلك فوق قدرتهم، والله تعالى لم يمكنهم من ذلك، ولو مكنهم وأذن لهم كونًا في أذية بني آدم بما يريدون لما سلم منهم حتى الأنبياء والرسل، ولقتلوهم عن بكرة أبيهم، وخربوا ديارهم وأفسدوا أموالهم.\nلكن قد يأذن الله لبعض الجن إذنًا كونيًا خاصًا في أذية بعض بني آدم عقوبة منه، أو ابتلاء، أو غير ذلك لحكمة يعلمها ﷾ (^١).\nيقول ابن حزم: \"فصح أن الشيطان يمس الإنسان الذي يسلطه الله عليه\" (^٢).\nويقول الإمام ابن تيمية: \"بل على العبد أن يخاف الله وحده، ولا يخاف أحدًا؛ فإن من لا يخاف الله أذل من أن يخاف؛ فإنه ظالم وهو من أولياء الشيطان، فالخوف منه قد نهى الله عنه، وإذا قيل: قد يؤذيني، قيل: إنما يؤذيك بتسليط الله له، وإذا أراد الله دفع شره عنك دفعه، فالأمر لله، وإنما يسلط على العبد بذنوبه، وأنت إذا خفت الله فاتقيته وتوكلت عليه كفاك شر كل شر، ولم يسلطه عليك فإنه قال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ١٣]، وتسليطه يكون بسبب ذنوبك وخوفك منه، فإذا خفت الله، وتبت من ذنوبك، واستغفرته لم يسلط عليك\" (^٣).\nويقول الإمام ابن القيم: \"وأكثر تسلط الأرواح الخبيثة على أهله تكون من جهة قلة دينهم، وخراب قلوبهم وألسنتهم من حقائق الذكر، والتعاويذ، والتحصنات النبوية والإيمانية، فتلقى الروح الخبيثة الرجل\n_________\n(^١) انظر: التفسير الكبير للرازي (١/ ٧٥)، و(٧/ ٧٨).\n(^٢) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٥/ ١٠).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١/ ٥٨).","vol":"2","page":804},{"text":"أعزل لا سلاح معه، وربما كان عريانًا فيؤثر فيه هذا، ولو كشف الغطاء لرأيت أكثر النفوس البشرية صرعى هذه الأرواح الخبيثة، وهي في أسرها وقبضتها، تسوقها حيث شاءت، ولا يمكنها الامتناع عنها، ولا مخالفتها\" (^١).\nويقول الشيخ الشنقيطي نقلًا عن ابن القيم في شأن الشيطان: \"الله لم يجعل له عليهم سلطانًا ابتداء البتة، ولكنهم هم الذين سلَّطوه على أنفسهم بطاعاته، ودخولهم في حزبه، فلم يتسلط عليهم بقوة؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ [النساء: ٧٦] \" (^٢).\nفالخوف من الجنّ إذا كان خوف سر، وهذا هو غالب الخوف من الجن، فإنه يدخل في خوف العبادة؛ لأن الخائف يعتقد فيهم النفع والضر، والحق أنها لا تملك لأحد نفعًا ولا ضرًا إلا أن يشاء الله، بل لو اجتمع الإنس والجن ما نفعوا أحدًا، وما ضروه بشيء لم يكتبه الله عليه، ولذا جاء في الحديث المشهور عن ابن عباس -﵄-: (قال كنت خلف رسول الله -ﷺ- يَوْمًا فقال: يَا غلام إنِّي أُعلِّمُك كلماتٍ: احْفَظ الله يَحْفَظْكَ، احفَظ الله تجدْهُ تُجاهَكَ، إِذا سألتَ فَاسألِ الله، وإذا استَعَنْتَ فاستَعِنْ بالله، واعلمْ أَنَّ الأمَّةَ لو اجتمَعَتْ على أَنْ يَنْفعوكَ بشيءٍ لم يَنْفَعُوكَ إِلَّا بشيء قَدْ كَتَبَهُ الله لَكَ، ولو اجتَمعُوا على أَنْ يَضرُّوكَ بشيء، لم يَضُرُّوكَ إِلَّا بشيءٍ قَدْ كَتبهُ الله عَليكَ، رُفِعَت الأَقلامُ، وَجَفّتِ الصُحف\" (^٣).\n_________\n(^١) زاد المعاد في هدي خير العباد (٤/ ٦٩).\n(^٢) أضواء البيان (٢/ ٤٤٥).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ٢٩٣)، برقم (٢٦٦٩)، والترمذي في جامعه (٤/ ٦٦٧)، برقم (٢٥١٦)، وقال عقبه: \"حديث حسن صحيح\"، وأبو يعلى في مسنده (٤/ ٤٣٠)، برقم (٢٥٥٦)، وحسَّن الإمام الصنعاني إسناد الإمام أحمد، والحديث صححه الشيخ الألباني. [انظر: سبل السلام (٤/ ١٧٥)، ومشكاة المصابيح حديث رقم (٥٣٠٢)].","vol":"2","page":805},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>المبحث الرابع\nقاعدة السؤال والطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-223> المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>بيان معنى السؤال والطلب:</span>\nأما السؤال فهو من الأصل اللغوي الثلاثي (سأل)، يقال: سأل يسأل سؤالًا ومسألة، وجمعها مسائل، ورجل سؤلة: كثير السؤال، وسألت الله العافية: طلبتها وتساءل القوم: سأل بعضهم بعضًا، والسؤل: ما يسأل، والمسؤول: المطلوب (^١).\nواصطلاحًا: طلب الأدنى من الأعلى (^٢).\nوقال الراغب: \"السؤال استدعاء معرفة، أو ما يؤدي إلى المعرفة،\n_________\n(^١) انظر: معجم مقاييس اللغة، لابن فارس (٣/ ١٢٤)، والمصباح المنير (١/ ٢٩٧)، ومختار الصحاح (ص ١١٩).\n(^٢) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، للمناوي (ص ٤١٧).","vol":"2","page":806},{"text":"واستدعاء مال، أو ما يؤدي إلى المال\" (^١).\nوقال أيضًا في أنواع السؤال: \"والسؤال على ضربين: طلب المقال وجوابه المقال، وطلب النوال وجوابه النوال، فعلى الأول: ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١]، وقال: ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣٢]، وعلى الثاني قوله: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: ٨٩]؛ أي: أعطيتما ما سألتما، والاستجابة قيل هي الإجابة، وحقيقتها هي التحري للجواب والتهيؤ له\" (^٢) ..\nأما الطلب فهو من الأصل الثلاثي (طلب)، يقال: طلبت الشيء أطلبه طلبًا، وهذا مطلبي، وهذه طلبتي، وهو أصل واحد يدل على ابتغاء الشيء، وطلبه طلبًا إذا هم بتحصيله، أو التمسه وأراده ورغب فيه، والطَّلَبُ مُحَاوَلَة وِجْدَانِ الشَّيءِ وأَخْذِه (^٣).\nقال الراغب: \"الطلب الفحص عن وجود الشئ عينًا كان أو معنى، قال: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)﴾ [الكهف: ٤١]، وقال: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)﴾ [الحج: ٧٣]، وأطلبت فلانًا إذا أسعفته لما طلب وأحوجته إلى الطلب\" (^٤).\nوبذلك يظهر التقارب الشديد بين السؤال والطلب؛ ولذا كان استعمال أهل العلم لكلا اللفظين من باب استعمال الكلمات المترادفة في المعنى (^٥)، مع وجود الفرق بينهما عند التدقيق.\n_________\n(^١) المفردات في غريب القرآن (ص ٢٥٠).\n(^٢) المصدر نفسه (ص ١٠٢).\n(^٣) انظر: معجم مقاييس اللغة (٣/ ٤١٧)، وتهذيب اللغة (٣/ ٢٣٧)، وتاج العروس (٣/ ٢٧٤)، والعين (٧/ ٤٣٠)، ومختار الصحاح (ص ١٦٦)، والمعجم الوسيط (٢/ ٥٦١)، والقاموس المحيط (ص ١٤٠).\n(^٤) المفردات في غريب القرآن (ص ٣٠٥ - ٣٠٦).\n(^٥) انظر: الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق، لابن سحمان (ص ٤٥٢).","vol":"2","page":807},{"text":"جاء \"في معجم الفروق اللغوية\": \"الفرق بين السؤال والطلب: أن السؤال لا يكون إلا كلامًا، ويكون الطلب السعي وغيره، وفي مَثَلٍ: عليك الهرب وعلى الطلب\" (^١).\nوذكر أبو البقاء الكفوي فرقًا آخر فقال: \"والطلب عام، حيث يقال فيما تسأله من غيرك، وفيما تطلبه من نفسك، والسؤال لا يقال إلا فيما تطلبه من غيرك\" (^٢).\nوقد جاء التعبير كثيرًا في النصوص الشرعية عن السؤال والطلب -الذي هو عبادة لله تعالى- بالدعاء، والدعاء كما سيأتي على قسمين في الشرع:\nدعاء عبادة، ودعاء مسألة (^٣).\nوالسؤال والطلب في القاعدة متعلقان بدعاء المسألة، متضمنان لدعاء العبادة للتلازم وعدم الانفكاك بين النوعين، ومن أمثلة ذلك في النصوص الشرعية قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ [الأنعام: ٤٠، ٤١]، فالدعاء في هذه الآيات المقصود به دعاء المسألة، فهو ظاهر فيه، بدليل أنهم في حال شدة وكربة وطلبوا كشفها عنهم، ودعاء العبادة يدخل فيه من باب اللزوم، إذ لا ينفك دعاء العبادة عن دعاء المسألة كما سيأتي تقريره.\nيقول الشيخ الدهلوي في آية الأنعام: \"وليس المراد من الدعاء العبادة كما قاله بعض المفسرين، بل هو الاستعانة\" (^٤).\n_________\n(^١) معجم الفروق اللغوية، للعسكري (ص ٢٨٩).\n(^٢) كتاب الكليات، لأبي البقاء الكفوي (ص ٩١٧).\n(^٣) انظر: القاعدة التالية المتعلقة بدعاء العبادة ودعاء المسألة (ص ٨٧٩).\n(^٤) حجة الله البالغة (ص ١٢٩).","vol":"2","page":808},{"text":"وقال الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ في الآية: \"وهذا الدعاء ظاهر في دعاء المسألة حال الشدة والضرورة\" (^١).\nبل هذا هو الكثير والغالب في الاستعمال؛ إذا أطلق لفظ الدعاء في النصوص الشرعية فالمقصود به دعاء المسألة المتضمن لدعاء العبادة.\nيقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: \"قلت: وأكثر ما يستعمل الدعاء في الكتاب والسُّنَّة واللغة ولسان الصحابة ومَن بعدهم من العلماء: في السؤال والطلب، كما قال العلماء من أهل اللغة وغيرهم: الصلاة لغة الدعاء، وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ [فاطر: ١٣]، في الآيتين، وقال: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأنعام: ٦٣]، وَقَالَ: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ [يونس: ١٢]، وَقَالَ: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾ [فُصِّلَت: ٥١]، وَقَالَ: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فُصِّلَت: ٤٩] \" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-225> المسألة الثانية * معنى القاعدة</span>\nالقاعدة نصت على ضابط لمسألة الطلب والدعاء والسؤال، وأنه يعتبر شركًا أكبر، مخرجًا من ملة الإسلام إذا توجه به العبد لغير الله ﷾؛ سواء لنبي، أو صالح، أو ملك، أو جني، أو غير ذلك في الأمور التي لا تكون في مقدور ذلك الغير بحسب طبيعته وفطرته التي فطر عليها، ولا يستطيعها إلا الرب ﷾.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وتفصيل القول أن مطلوب العبد إن كان\n_________\n(^١) تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس (ص ١١٥).\n(^٢) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص ١٣٦).","vol":"2","page":809},{"text":"من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى؛ مثل أن يطلب شفاء مريضه من الآدميين والبهائم، أو وفاء دينه من غير جهة معينة، أو عافية أهله وما به من بلاء الدنيا والآخرة، وانتصاره على عدوه، وهداية قلبه، وغفران ذنبه، أو دخوله الجنة، أو نجاته من النار، أو أن يتعلم العلم والقرآن، أو أن يصلح قلبه، ويُحَسِّن خلقه، ويزكي نفسه، وأمثال ذلك، فهذه الأمور كلها لا يجوز أن تطلب إلَّا من الله تعالى، ولا يجوز أن يقول لملك، ولا نبي، ولا شيخ؛ سواء كان حيًّا أو ميتًا اغفر ذنبي، ولا انصرني على عدوي، ولا اشف مريضي، ولا عافني أو عاف أهلي أو دابتي\" (^١).\nوقال في موضع آخر بعد ذكره لهذه الأمور: \"فمن سأل مخلوقًا شيئًا من ذلك فهو مشرك، به قد اتخذ لله ندًّا، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهذا مثل دين النصارى\" (^٢).\nوحتى يتضح معنى القاعدة بجلاء، ويمكن التفريق بين ما هو جائز وما هو محرم أو شرك من أنواع السؤال، ومعرفة الضابط للسؤال الذي إذا وقع لغير الله تعالى كان دعاء وعبادة للمسؤول، وصار شركًا بالله العظيم؛ فمن أجل كل ذلك فإنه لا بد من معرفة أصل مسألة السؤال، وما ذكره أهل العلم من تقسيمات لحالات السؤال، فأقول مستعينًا بالله تعالى.\nلقد ورد في بعض النصوص الشرعية الأمر بسؤال الله تعالى وحده، كما في حديث ابن عباس -﵄-: (إذا سألت فاسأل الله) (^٣)، وصح عنه -ﷺ-\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٦٧).\n(^٢) مختصر الفتاوى المصرية (ص ١٩٢).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد (١/ ٢٩٣) برقم (٢٦٦٩)، والترمذي في سننه (٤/ ٦٦٧)، برقم (٢٥١٦)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصحح الشيخ الألباني، [انظر: مشكاة المصابيح (٣/ ١٤٥٩)، برقم (٥٣٠٢)، وذكر الإمام ابن رجب روايات الحديث، ثم حكم على رواية الترمذي بأنها: حسنة جيدة (ص ١٨٤ - ١٨٥)].","vol":"2","page":810},{"text":"أنه بايع جماعة من أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئًا، فكان بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدًا يناوله إياه (^١).\nقال النووي في معنى الحديث: \"فيه التمسك بالعموم؛ لأنهم نهوا عن السؤال فحملوه على عمومه، وفيه الحث على التنزيه عن جميع ما يسمى سؤالًا وإن كان حقيرًا والله أعلم\" (^٢).\nوجاءت أحاديث كثيرة في تحريم سؤال الناس (^٣) شيئًا من أموالهم في غير ما ضرورة، فقط من باب التكثير بالمال، أو استشراف النفس له.\nيقول ابن تيمية: \"فقد جاء بضعة عشر حديثًا في النهي عن المسألة\" (^٤).\nوجاء في حديثٍ النهيُ عن الاسترقاء في شأن الذين يدخلون الجنة بدون حساب ولا عذاب: (قال: هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون) (^٥)، فمدحهم ﵇ من أجل اتصافهم\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب: كراهية المسألة للناس (٢/ ٧٢١)، برقم (١٠٤٣)، من حديث عوف بن مالك الأشجعي.\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم (٧/ ١٣٢).\n(^٣) ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب: من تحل له المسألة (٢/ ٧٢٢)، برقم (١٠٤٤)، عن قبيصة بن مخارق الهلالي، وفيه: (يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، أو قال سدادًا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه لقد أصابت فلانًا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، أو قال سدادًا من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتًا يأكلها صاحبها سحتًا).\n(^٤) مختصر الفتاوى المصرية (ص ٥٧٥).\n(^٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطب، باب: من اكتوى أو كوى غيره (٥/ ٢١٥٧)، برقم (٥٣٧٨)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: الدليل على دخول طوائف المسلمين الجنة بغير حساب (١/ ١٩٩)، برقم (٢٢٠)، من حديث ابن عباس -﵄-.","vol":"2","page":811},{"text":"بعدة صفات ومنها: عدم استرقائهم، والاسترقاء: طلب الرقية من الغير، وهي من جنس الدعاء والسؤال.\nفالله تعالى لم يأمر بسؤال الخلق قط؛ لا أحياء ولا أمواتًا، ومن زعم أن سؤال المخلوق حيًّا أو ميتًا قد أمر الله به، أو هو واجب، أو مستحب فهو غالط (^١).\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وأما نفس سؤال الناس فسؤالهم في الأصل محرم بالنصوص المحرمة له، وإنما يباح عند الضرورة\" (^٢).\nولا شك أن ترك سؤال المخلوق اعتياضًا بسؤال الخالق أفضل مطلقًا (^٣).\nويزيد الإمام ابن تيمية الأمر إيضاحًا بقوله: \"وأصل سؤال الخلق الحاجات الدنيوية التي لا يجب عليهم فعلها ليس واجبًا على السائل، ولا مستحبًا، بل المأمور به سؤال الله تعالى، والرغبة إليه، والتوكل عليه، وسؤال الخلق في الأصل محرم لكنه أبيح للضرورة، وتركه توكلًا على الله أفضل، قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ [الشرح: ٧، ٨]؛ أي: ارغب إلى الله لا إلى غيره، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)﴾ [التوبة: ٥٩]، لم يأمرهم أن يقولوا: إنا لله ورسوله راغبون؛ فالرغبة إلى الله وحده\" (^٤).\nويقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: \"ومعلوم أن الرسل نهت عن دعاء غير الله بما لا يقدر عليه إلا الله، بل وفيما لا تدعو إليه حاجة ولا\n_________\n(^١) انظر: تلخيص كتاب الاستغاثة المعروف بالرد على البكري (١/ ٢١٧ - ٢١٨).\n(^٢) تلخيص كتاب الاستغاثة (١/ ٤٠١).\n(^٣) انظر: تلخيص كتاب الاستغاثة (١/ ٢١٥).\n(^٤) انظر: مجموع الفتاوى (١/ ١٨١).","vol":"2","page":812},{"text":"ضرورة من جنس المسألة\" (^١).\nوقد لخص العلامة المعلمي حالات السؤال وأحكامه بعد أن ذكر جملة من الأدلة المتعلقة بالسؤال فقال ﵀: \"وقد نظرت في وجوه السؤال فوجدته على أقسام:\nالقسم الأول: ما هو من باب سؤال الإنسان حقًا له عند المسؤول؛ كأن يكون لك دَيْن عند إنسان فتطلبه منه.\nالثاني: ما جرت العادة بالتسامح به على نية المكافأة؛ كقول التلميذ لزميله: ناولني الكتاب.\nالثالث: سؤال الإنسان ما ليس بحق له ولا جرت العادة بالتسامح به على نية المكافأة، وذلك كقول من يجد الكفاف من العيش لغني لا حق له عليه: أعطني دينارًا مثلًا، ومن هذا القسم سؤال الإنسان من ربه تعالى؛ لأنه لا حق له على ربه تعالى.\nفأما الأول: فلا يسمى استعانة ولا يلزمه التذلل والخضوع، وأما الثاني: فإنه وإن سمي استعانة لكنه لا يلزمه التذلل والخضوع إلا أن فيه رائحة ما من ذلك. وأما الثالث: فهو الذي يلزمه التذلل والخضوع\" (^٢).\nويبين الشيخ ابن عثيمين حالات سؤال ودعاء المخلوق بقوله: \"ودعاء المخلوق ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: جائز، وهو أن تدعو مخلوقًا بأمر من الأمور التي يمكن أن يدركها بأشياء محسوسة معلومة، فهذا ليس من دعاء العبادة، بل هو من الأمور الجائزة، قال -ﷺ-: \"وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْه\"\" (^٣).\n_________\n(^١) تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس (ص ١٤٠).\n(^٢) انظر: مخطوط (العبادة) للمعلمي، (لوحة: ٥٠٧ - ٥٠٨).\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب: من حق المسلم للمسلم رد السلام، (٤/ ١٧٠٥)، برقم (٢١٦٢)، من حديث أبي هريرة -﵁-.","vol":"2","page":813},{"text":"الثاني: أن تدعو مخلوقًا مطلقًا، سواء كان حيًّا أو ميتًا فيما لا يقدر عليه إلَّا الله، فهذا شرك أكبر لأنك جعلته ندًّا لله فيما لا يقدر عليه إلا الله، مثل: يا فلان! اجعل ما في بطن امرأتي ذكرًا.\nالثالث: أن تدعو مخلوقًا ميتًا لا يجيب بالوسائل الحسية المعلومة، فهذا شرك أكبر أيضًا لأنه لا يدعو من كان هذه حاله حتى يعتقد أن له تصرفًا خفيًا في الكون (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-226> المسألة الثالثة * أدلة القاعدة</span>\nبعض ما ظهر لي من أدلة مؤيدة لمعنى القاعدة:\nأولًا: أن التوجه بالطلب والسؤال لغير الله فيما لا يقدر عليه إلا هو سبحانه فيه صرف لبعض صفات الربوبية لمن توجه إليه بالسؤال والطلب؛ من العلم المطلق، والبصر المطلق، والسمع المطلق، والقدرة المطلقة المساوية لقدرة الله تعالى، ولا شك أن هذا الاعتقاد من أعظم الشرك، وأقبح الكفر بالله العظيم.\nيقول الرازي في \"تفسيره\" لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ [الأحقاف: ٥]، والآيات التي بعدها: \"اعلم أنه تعالى بيّن فيما سبق أن القول بعبادة الأصنام قول باطل من حيث إنها لا قدرة لها ألبتة على الخلق، والفعل، والإيجاد، والإعدام، والنفع، والضر، فأردفه بدليل آخر يدل على بطلان ذلك المذهب، وهي أنها جمادات فلا تسمع دعاء الداعين، ولا تعلم حاجات المحتاجين، وبالجملة فالدليل الأول كان إشارة إلى نفي العلم من كل الوجوه، وإذا انتفى العلم والقدرة من كل\n_________\n(^١) القول المفيد على كتاب التوحيد (١/ ١٥٩ - ١٦٠).","vol":"2","page":814},{"text":"الوجوه لم تبق عبادة معلومة ببديهة العقل\" (^١).\nويقول الألوسي: \"إن الناس قد أكثروا من دعاء غير الله تعالى من الأولياء الأحياء منهم والأموات وغيرهم، مثل يا سيدي فلان أغثني، وليس ذلك من التوسل المباح في شيء، واللائق بحال المؤمن عدم التفوه بذلك وأن لا يحوم حول حماه، وقد عده أناس من العلماء شركًا، وإن لا يكنه فهو قريب منه، ولا أرى أحدًا ممن يقول ذلك إلا وهو يعتقد أن المدعو الحي الغائب أو الميت المغيب يعلم الغيب أو يسمع النداء، ويقدر بالذات أو بالغير على جلب الخير ودفع الأذى وإلا لما دعاه ولا فتح فاه وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم\" (^٢).\nوالمراد من الدعاء كما قال غير واحد السؤال والطلب، وهو مخ العبادة؛ لأن الداعي لا يقدم على الدعاء إلا إذا عرف من نفسه الحاجة إلى ذلك المطلوب، وأنه عاجز عن تحصيله، وعرف أن ربه ﵎ يسمع الدعاء، ويعلم الحاجة، وهو قادر على إيصالها إليه، ولا شك أن معرفة العبد نفسه بالعجز والنقص، ومعرفته ربه بالقدرة والكمال من أعظم العبادات\" (^٣).\nويقول الشيخ سليمان آل الشيخ: \"جعله الدعاء والهتف ليسا نتيجة الاعتقاد، بل يصدران ممن اعتقاده منحصر في الله، وهو يدعو غيره، ويلتجئ إليه فيما لا يقدر عليه إلا الله وحده، ويهتف بذكره عند الشدائد وغيرها ليجلب له، أو يدفع عنه، وهو لا يعتقد فيه القدرة على شيء مما طلبه منه، هذا محال أن يطلب أحد غيره شيئًا، أو يدعوه منه، وهو يعلم ويعتقد أنه لا يقدر عليه، ولا يوصل مطلوبه ومقصوده إليه\" (^٤).\n_________\n(^١) التفسير الكبير للرازي (٢٨/ ٦).\n(^٢) روح المعاني للألوسي (٦/ ١٢٨).\n(^٣) روح المعاني (٨/ ١٣٩).\n(^٤) التوضيح عن توحيد الخلاق، للشيخ سليمان (ص ١٧٧ - ١٧٨).","vol":"2","page":815},{"text":"ويقول الشيخ ابن عثيمين: \"فمن دعا غير الله ﷿ بشيء لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر سواء كان المدعو حيًّا أو ميتًا، ومن دعا حيًا بما يقدر عليه مثل أن يقول: يا فلان أطعمني، يا فلان أسقني فلا شيء فيه، ومن دعا ميتًا أو غائبًا بمثل هذا فإنه مشرك؛ لأن الميت أو الغائب لا يمكن أن يقوم بمثل هذا فدعاؤه إياه يدل على أنه يعتقد أن له تصرفًا في الكون فيكون بذلك مشركًا\" (^١).\nثانيًا: أن السؤال والطلب في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله عبادة عظيمة، يحبها ﷾، ولذا أمر بها عباده، بل هي من خصائص ألوهيته سبحانه، ولا شك أن صرف هذا الحق، وتلك العبادة لغيره سبحانه لون من ألوان الإشراك بالله العظيم.\n\"يدل على ذلك ما جاء في حديث النعمان بن بشير -﵄- عن النبي -ﷺ- قال: \"الدعاء هو العبادة\" وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ... \" (^٢).\n\" وكما سبق تقريره فإن أحد نوعي الدعاء هو السؤال والطلب، فثبت بذلك أن السؤال والطلب عبادة لله تعالى؛ وإنما كان عبادة لما فيه من إظهار الافتقار والخضوع والضراعة إلى الله تعالى (^٣).\nيقول الإمام ابن رجب: \"فإن السؤال هو دعاؤه والرغبة إليه، والدعاء هو العبادة\" (^٤).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (٦/ ٥١ - ٥٢).\n(^٢) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٢٦٧)، برقم (١٨٣٧٨)، وأبو داود في سننه، باب: الدعاء (٢/ ٧٦)، برقم (١٤٧٩)، والترمذي في سننه (٥/ ٢١١)، برقم (٢٩٦٩)، وقال عقبه: \"قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح\". وانظر أيضًا: (٥/ ٣٧٤)، و(٥/ ٤٥٦)، وقال الحافظ ابن حجر: \"أخرجه أصحاب السُّنن بسند جيد\". [فتح الباري (١/ ٤٩)].\n(^٣) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل للكلبي (٤/ ٨).\n(^٤) جامع العلوم والحكم (ص ١٩١)، وانظر: روح المعاني (٨/ ١٣٩).","vol":"2","page":816},{"text":"ومن ذلك قوله -ﷺ- في حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من لا يسأل الله يغضب عليه\" (^١).\nوهذا الحديث يدل على محبة الله تعالى لسؤال عبده له ورضاه عن ذلك؛ إذ معنى الحديث أن من يسأل الله تعالى ويدعوه يرضى عنه ولا يغضب عليه.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وهو سبحانه لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، بل يحب من يدعوه ويتضرع إليه، ويبغض من لا يدعوه\" (^٢).\nولذا قال الناظم:\nالله يغضب إن تركت سؤاله ... وبني آدم حين يسأل يغضب\nويقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ مبينًا معنى الحديث: \"مفهومه أن من سأله رضي عليه، وهل هذا الرضا وهذا الغضب إلَّا لحصول عبادة يحبها ويرضاها، أو لفقدها الموجب لغضبه وسخطه، فإذا صرف ذلك لغير الله في الأمور العامة الكلية التي مصدرها عن قدرة كاملة ليست في قوى البشر، وليست من جنس الأسباب العادية، فهذا عين الشرك\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى في مسنده (١٢/ ١٠)، برقم (٦٦٥٥)، وأخرجه الترمذي (٥/ ٤٥٦)، (٣٣٧٣)، وابن ماجة (٢/ ١٢٥٨)، رقم (٣٨٢٧)، وأحمد (٢/ ٤٤٢، ٤٤٣)، والبخاري في الأدب المفرد (٦٥٨)، والطبراني في الدعاء (٢/ ٧٩٦)، رقم (٢٣)، وفي الأوسط (٣/ ٢١٦)، رقم (٢٤٥٢)، كلهم من طريق أبي المليح صبيح عن أبي صالح الخوزي عن أبي هريرة به، وبعضهم ذكر لفظ الحديث: \"من لم يدع الله يغضب عليه\"، والحديث مختلف في تصحيحه وتضعيفه. قال الحافظ في الفتح: (١١/ ٩٥): \"وهذا الخوزي مختلف فيه ضعفه ابن معين وقواه أبو زرعة\"، وقال ابن كثير عقب ذكره لرواية الإمام أحمد: (٤/ ٨٦): \"وهذا إسناد لا بأس به\". وقد حسن الحديث الألباني. [انظر: صحيح الأدب المفرد (ص ٢٤٦)، برقم: (٢٥٢/ ٥١٢/ ٦٧٥)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٦/ ٣٢٣)، برقم (٢٦٥٤)].\n(^٢) مجموع الفتاوى (٣٥/ ٣٧٠).\n(^٣) مصباح الظلام، للشيخ عبد اللطيف (ص ٣١٣).","vol":"2","page":817},{"text":"وقال أيضًا: \"وسيأتيك أن الدعاء والنداء بما لا يقدر عليه إلا الله داخل في مسمى العبادة فتنبه\" (^١).\nولذا جاء الأمر الشرعي بسؤال الله ودعائه وحده دون ما سواه، فقال سبحانه: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢].\nوقال -ﷺ- لابن عباس: (إذا سألت فاسأل الله) (^٢).\nيقول الصنعاني: \"وقوله: (فاسأل الله) أمر بإفراد الله ﷿ بالسؤال، وإنزال الحاجات به وحده، ... وإفراد الله بطلب الحاجات دون خلقه يدل له العقل والسمع؛ فإن السؤال بذل لماء الوجه، وذل لا يصلح إلا لله تعالى؛ لأنه القادر على كل شيء، الغني مطلقًا، والعباد بخلاف هذا\" (^٣).\nويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ بعد أن ذكر جملة من الأدلة على أن السؤال والطلب عبادة لله تعالى -فقال-: \"وأمثال هذا في الكتاب والسُّنَّة أكثر من أن يحصر في الدعاء الذي هو السؤال والطلب، فمن جحد كون السؤال والطلب عبادة فقد صادم النصوص، وخالف اللغة واستعمال الأمة سلفًا وخلفًا\" (^٤).\nووجه كون السؤال والطلب فيما لا يقدر عليه إلا الله عبادة هو أن السائل اعتقد في المسؤول التأثير بقوة غيبية، حيث طلب منه ما هو فوق طاقة البشر؛ ولأجل هذا طلب منه جلب نفع أو دفع ضر، فاعتقد فيه خاصية من خصائص الربوبية من التأثير الغيبي، والقدرة المطلقة، والسمع في حال القرب والبعد (^٥).\n_________\n(^١) تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس (ص ٧٥).\n(^٢) تقدم تخريجه في أول القاعدة.\n(^٣) سبل السلام (٤/ ١٧٦).\n(^٤) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص ١٣٦).\n(^٥) انظر: الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية (٢/ ٤٩٤).","vol":"2","page":818},{"text":"ثالثًا: أن السؤال والطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله يستلزم الوقوع في أنواع أخرى من الذل، والخضوع، والافتقار إلى غيره سبحانه، إضافة إلى الرجاء والرغبة الملازمة لمثل هذه الأحوال، وخوفه من عدم الاستجابة له، ولا شك أن صرف مثل هذه الأمور لغير الله هو من أعظم الشرك وأشنع الكفر؛ لأنها من أعظم العبادات القلبية.\nيقول الشيخ سليمان آل الشيخ في شأن السؤال من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله: \"ولأن من خصائص الإلهية إفراد الله بسؤال ذلك، إذ معنى الإله هو الذي يعبد لأجل هذه الأمور، ولأن الداعي إنما يدعو إلهه عند انقطاع أمله مما سواه، وذلك هو خلاصة التوحيد، وهو انقطاع الأمل مما سوى الله، فمن صرف شيئًا من ذلك لغير الله فقد ساوى بينه وبين الله، وذلك هو الشرك، ولهذا يقول المشركون لآلهتهم وهم في الجحيم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨] \" (^١).\nويقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: \"يوضح هذا: أن ما لا يقدر عليه إلا الله من الأمور العامة الكلية لهداية القلوب، ومغفرة الذنوب، والنصر على الأعداء، وطلب الرزق من غير جهة معينة، والفوز بالجنة، والإنقاذ من النار، ونحو ذلك غاية في القصد والإرادة، فسؤاله وطلبه غاية في السؤال والطلب، وفي ذلك من الذل، وإظهار الفاقة، والعبودية ما لا ينبغي أن يكون لمخلوق، أو يقصد به غير الله، وهذا أحد الوجوه في الفرق بين دعاء المخلوق فيما يقدر عليه من الأسباب العادية الجزئية، وبين ما تقدم، مع أن سؤال المخلوق قد يحرم مطلقًا\" (^٢).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد (ص ١٩٣).\n(^٢) تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس (ص ١١٦).","vol":"2","page":819},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-227> المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nلقد أوضح أهل العلم معنى القاعدة، وبينوا أنواع السؤال، كما سبق بيانه، وفيما يأتي أذكر بعض أقوالهم في تقرير معنى القاعدة:\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وتفصيل القول أن مطلوب العبد إن كان من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى مثل أن يطلب شفاء مريضه من الآدميين والبهائم، أو وفاء دينه من غير جهة معينة، أو عافية أهله، وما به من بلاء الدنيا والآخرة، وانتصاره على عدوه، وهداية قلبه، وغفران ذنبه، أو دخوله الجنة، أو نجاته من النار، أو أن يتعلم العلم والقرآن، أو أن يصلح قلبه، ويحسن خلقه، ويزكي نفسه، وأمثال ذلك، فهذه الأمور كلها لا يجوز أن تطلب إلا من الله تعالى، ولا يجوز أن يقول لملك، ولا نبي، ولا شيخ، سواء كان حيًّا أو ميتًا: اغفر ذنبي، ولا انصرني على عدوي، ولا اشف مريضي، ولا عافني، أو عاف أهلي، أو دابتي، وما أشبه ذلك، ومن سأل ذلك مخلوقًا كائنًا من كان فهو مشرك بربه، من جنس المشركين الذين يعبدون الملائكة والأنبياء والتماثيل التي يصورونها على صورهم، ومن جنس دعاء النصارى للمسيح وأمه\" (^١).\nويقول ﵀ أيضًا في تقسيمه لحالات السؤال والطلب من أهل القبور: \"وأما من يأتي إلى قبر نبي، أو صالح، أو من يعتقد فيه أنه قبر نبي، أو رجل صالح وليس كذلك، ويسأله، ويستنجده، فهذا على ثلاث درجات:\nإحداها: أن يسأله حاجته؛ مثل أن يسأله أن يزيل مرضه، أو مرض\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٦٧ - ٦٨).","vol":"2","page":820},{"text":"دوابه، أو يقضي دينه، أو ينتقم له من عدوه، أو يعافي نفسه وأهله ودوابه، ونحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله ﷿، فهذا شرك صريح يجب أن يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل\" (^١).\nويقول الإمام محمد بن عبد الوهاب: \"فمن دعا غير الله طالبًا منه ما لا يقدر عليه إلا الله من جلب نفع، أو دفع ضر فقد أشرك في عبادة الله\" (^٢).\nويذكر الشيخ سليمان آل الشيخ جملة من الأمور الشركية، ومن ضمنها دعاء غيره سبحانه فيقول: \"ومنها الدعاء فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ سواء كان طلبًا للشفاعة، أو غيرها من المطالب، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣، ١٤] \" (^٣).\nويقول أيضًا مقررًا لحكم القاعدة: \"أن دعاء الميت، والغائب، والحاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله، والاستغاثة بغير الله في كشف الضر أو تحويله هو الشرك الأكبر، بل هو أكبر أنواع الشرك؛ لأن الدعاء مخ العبادة\" (^٤).\nويقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: \"وسؤال العباد والاستعانة بهم فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك جلي، ولو قال: يا ولي الله اشفع لي فإن نفس السؤال محرم، وطلب الشفاعة منهم يشبه قول النصارى: يا والدة الله اشفعي لنا إلى الابن والإله\" (^٥).\n_________\n(^١) المصدر نفسه (٢٧/ ٧٢).\n(^٢) درر السنية في الأجوبة النجدية (٢/ ١٩).\n(^٣) تيسير العزيز الحميد (ص ٣٢).\n(^٤) المصدر نفسه (ص ١٩٣)، وانظر: (ص ١٧١)، و(ص ١٩٥).\n(^٥) البراهين الإسلامية في رد الشبهة الفارسية، للشيخ عبد اللطيف آل الشيخ (ص ١١٦).","vol":"2","page":821},{"text":"ويقول أيضًا: \"ويقال: كتاب الله، وسُنّة رسوله، وأقوال أهل العلم صريحة متوافرة متظاهرة على تكفير من دعا غير الله، وناداه بما لا يقدر عليه إلا الله\" (^١).\nوجاء فيما أفتى به علماء مكة ونجد فيما اتفقوا عليه من مسائل التوحيد: \"وأنَّ أعتقادَ أنَّ لشيءٍ من الأشياءِ سُلطانًا على ما خرجَ من قدرةِ المخلوقينَ شركٌ أكبر. وأنَّ من عظَمَ غيرَ اللهِ مستعينًا به فيما لا يقدرُ عليه إلَّا الله، كالاستنصارِ في الحربِ بغير قوَّة الجيوشِ، والاستشفاءِ من الأمراضِ بغير الأدويةِ التي هَدانا اللهُ لها، والاستغاثةِ على السَّعادةِ الأُخروِيَّةِ أو الدُّنْيَويّةِ بغير الطُّرقِ والسُّنَنِ التي شَرَعَها اللهُ لَنا يُكونُ شِركًا أكبر\" (^٢).\nويقول الشيخ السهسواني: \"أقول: إنما نكفر بالنداء الحقيقي الذي يطلب فيه من الأموات والجمادات ما لا يقدر عليه إلا الله\" (^٣).\nويقول ﵀ أيضًا: \"مراد المانعين للنداء ليس مطلق النداء، بل النداء الحقيقي الذي يقصد به من المنادَى ما لا يقدر عليه إلا الله من جلب النفع وكشف الضر، ولا مرية في أنه عبادة، وكونه عبادة وممنوعًا\n_________\n(^١) تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس (ص ٣٩).\n(^٢) انظر: البيان بعنوان: (نداء عام من علماء بلد الله الحرام)، وقد نشر هذا الخطاب في جريدة (أم القرى) العدد الثامن والثلاثين عام (١٣٤٤ هـ)، ثم أصدرته الجريدة في كتاب بعنوان: (البيان فيما اتفق عليه علماء مكة ونجد من عقائد التوحيد) في ٤/ ٣ / ١٣٤٤ هـ، وقد ضُمَّ إلى النداء خطاب رئيس القضاء الشيخ ابن بُلَيْهِد، ثم نشرته رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عام (١٣٩٨ هـ) وضمَّت إليه بيانًا من علماء مكة في ذكر بعض المسائل العقدية المتفق عليها بينهم، ثم نشره محققًا له: محمد بن عبد العزيز الأحمد، عام (١٤١٠ هـ)، نشرته دار الوطن بالرياض، [وانظر: مشاهير علماء نجد وغيرهم، للشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ (ص ٣٦)، والدرر السنية في الأجوبة النجدية (١/ ٢٢٤)].\n(^٣) صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان (ص ٣٩٩).","vol":"2","page":822},{"text":"لا يقتضي كون كل نداء ممنوعًا، حتى يلزم منه عدم جواز نداء الأحياء فيما يقدرون عليه\" (^١).\nويقول الشيخ حافظ الحكمي مقررًا لمعنى القاعدة: \"وسؤاله إياه (^٢) تلك الحاجة؛ من جلب خير، أو دفع ضر، أو رد غائب، أو شفاء مريض، أو نحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله، معتقدًا أنه قادر على ذلك، هذا شرك في الربوبية؛ حيث اعتقد أنه متصرف مع الله تعالى في ملكوته\" (^٣).\nويقول الشيخ السعدي: \"فالاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك\" (^٤).\nويربط الإمام ابن باز بين السؤال من غير الله ما لا يقدر عليه إلا هو، وبين اعتقاد علم الغيب وغيره من صفات الربوبية فيقول: \"أما أن تطلب من الميت، أو الغائب، أو الجماد كالأصنام شفاء مريض، أو النصر على الأعداء، أو نحو ذلك، فهذا من الشرك الأكبر، وهكذا طلبك من الحي الحاضر ما لا يقدر عليه إلا الله ﷾ يعتبر شركًا به ﷾؛ لأن دعاء الغائب بدون الآلات الحسية معناه اعتقاد أنه يعلم الغيب، أو أنه يسمع دعاءك وإن بعد، وهذا اعتقاد باطل يوجب كفر من اعتقده، يقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، أو تعتقد أن له سرًا يتصرف به في الكون، فيعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، كما يعتقده بعض الجهلة في بعض من يسمونهم بالأولياء، وهذا شرك في الربوبية أعظم من شرك عباد الأوثان\" (^٥).\n_________\n(^١) صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان (ص ٣٦٧).\n(^٢) المقصود سؤال غير الله فيما لا يقدر عليه إلا هو سبحانه.\n(^٣) معارج القبول للشيخ حافظ الحكمي (٢/ ٤٧٥)، وانظر: (٢/ ٥٢٣).\n(^٤) القول السديد في مقاصد التوحيد (ص ٤٧)، وانظر: القواعد الحسان في تفسير القرآن، قاعدة رقم (٥١).\n(^٥) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (١٣/ ٣٣٠)، وانظر: (٥/ ٣٣٢).","vol":"2","page":823},{"text":"وأجاب الشيخ ابن عثيمين عن سؤال فيمن يدعي الولاية مع دعائه لغير الله ﷾، فقال ﵀: \"فأي إنسان يدعو غير الله، أو يستغيث بغير الله بما لا يقدر عليه إلا الله ﷿ فإنه مشرك كافر، وليس بولي لله ولو ادعى ذلك، بل دعواه أنه ولي مع عدم توحيده وإيمانه وتقواه دعوى كاذبة تنافي الولاية\" (^١).\nويقول الشيخ صالح الفوزان: \"فكل ما لا يقدر عليه إلَّا الله فإنه لا يُطلب إلَّا من الله، فإن طُلب من غيره كان ذلك شركًا\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-228> المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nفيما يأتي بعض ما ظهر لي من فوائد القاعدة:\nأولًا: تضمنت القاعدة ذكر الضابط في كون السؤال والطلب شركًا أكبر مخرجًا من ملة الإسلام، وهو السؤال والطلب من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله ﷾، هذا هو المشهور في كلام أهل العلم ولا إشكال فيه، لكن بعض أهل العلم عبَّر عن ضابط الشرك في القاعدة بأنه: دعاء المخلوق وسؤاله ما لا يقدر عليه ذلك المخلوق المعين (^٣).\nولا شك أن هذا الضابط صحيح في الجملة ولكنه غير دقيق، إذ من الممكن أن يدعو ويسأل أحدٌ مخلوقًا حيًّا شيئًا وهو يظن قدرته على تحقيقه وإجابة طلبه، ولكنه في واقع الحال لا يستطيع فعل شيء من ذلك المطلوب، فلا يكون من سأله ودعاه والحالة هذه واقعًا في الشرك الأكبر؛ وذلك لكون هذا الفعل مقدورًا عليه في غالب طبع البشر، وذلك\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى والرسائل، للشيخ العثيمين (٢/ ١٦٧).\n(^٢) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (١/ ١٨٦).\n(^٣) انظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص ١٧٨).","vol":"2","page":824},{"text":"كمن استغاث بأصم وناداه كي يغيثه من الغرق أو الحرق مثلًا فلم يسمعه ولم يغثه، فليس في مقدوره سماعه ولا إغاثته، وكمن سأل من يسمعه وطلب منه إغاثته من الغرق، والمسؤول لا يحسن السباحة، فهو غير قادر على تحقيق ما طلب منه، فكل ذلك لا يعتبر فيه السائل والطالب واقعًا في الشرك؛ لأن جنس هذه الأمور مما يستطيعه البشر، وإن كان هذا المسؤول المعين لا يقدر عليه.\nوعليه فالضابط الأول هو الأدق والأولى؛ وذلك أن ما لا يقدر عليه إلا الله مطلقًا هذا لا يمكن أن يفعله مخلوق بحال، في أي زمان، ولا أي مكان، وسيأتي فيما بعد التفريق بين حال الأحياء وحال الأموات بالنسبة للسؤال والطلب.\nيقول الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ -حفظه الله- مبينًا الفرق بين الضابطين في مسألة الاستغاثة: \"أما قول من قال من أهل العلم: إن الاستغاثة شرك أكبر إذا استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه، فإن هذا يَرِدُ عليه أن ثَمَّة أشياء قد يكون المخلوق في ظاهر الأمر قادرًا عليها، ولكنه فى الحقيقة لا يقدر عليها، لكن هذا الضابط غير منضبط؛ لأن من وقع في شدة كغرقٍ -مثلًا- وتوجّه لرجل يراه بأن يغيثه فقال مخاطبًا إياه: أستغيث بك، أستغيث بك، أستغيث بك، وذاك لا يحسن السباحة، ولا يحسن الإنجاء من الغرق، فهذا يكون قد استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه المخلوق، فهل يكون شركًا أكبر؟! لا يكون منه؛ لأن الإغاثة من الغرق ونحوه يصلح -في الغالب- أن يكون المخلوق قادرًا عليها، فيكون الضابط الثاني هو الصحيح، وهو أن يقال: الاستغاثة بغير الله شرك أكبر إذا كان قد استغاث به فيما لا يقدر عليه إلا الله، أما إذا استغاث به فيما يقدر عليه غير الله من المخلوقين، لكن هذا المخلوق المعين لم يقدر على هذا الشيء المعين، فإنَّه لا يكون شركًا أكبر؛ لأنه ما اعتقد في المخلوق شيئًا لا","vol":"2","page":825},{"text":"يصلح إلا لله ﷻ\" (^١).\nثانيًا: حرمة التوجه بالدعاء والسؤال للأموات في قبورهم؛ لأنَّهم لا يقدرون على قضاء الحاجات، وكشف الملمات، وتفريج الكربات، حتى ما كانوا يستطيعونه في الدنيا هم الآن عاجزون عنه شرعًا وعقلًا، وليس في مقدورهم، بل حتى رسولنا -ﷺ- مع ما له من المكانة العظيمة العالية عند ربه ﷾، وأنه سيد ولد آدم، وصاحب المقام المحمود، وحامل لواء الحمد يوم القيامة، وما أعطاه الله ﷿ من العطايا الجزيلة في الدنيا والآخرة، وكونه حيًّا في قبره حياة برزخية هي أفضل من حياة الشهداء، فمع كل هذه الفضائل والمنن فلا يجو دعاؤه ولا سؤاله ما لا يقدر عليه إلا الله من أمور الدنيا والآخرة، وحتى ما كان يستطيعه في الدنيا فلا يطلب منه بعد موته.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وكذلك الأنبياء والصالحون وإن كانوا أحياء في قبورهم، وإن قُدِّرَ أنهم يدعون للأحياء، وإن وردت به آثار فليس لأحد أن يطلب منهم ذلك، ولم يفعل ذلك أحد من السلف؛ لأن ذلك ذريعة إلى الشرك بهم، وعبادتهم من دون الله تعالى، بخلاف الطلب من أحدهم في حياته فإنَّه لا يفضي إلى الشرك؛ ولأن ما تفعله الملائكة، ويفعله الأنبياء والصالحون بعد الموت هو بالأمر الكوني فلا يؤثر فيه سؤال السائلين، بخلاف سؤال أحدهم في حياته، فإنَّه يشرع إجابة السائل، وبعد الموت انقطع التكليف عنهم\" (^٢).\nويقول الإمام الشوكاني: \"وكذلك من صار يطلب من الرسول -ﷺ- ما لا يقدر على تحصيله إلا الله سبحانه؛ فإن هذا مقام رب العالمين الذي خلق الأنبياء، والصالحين، وجميع المخلوقين، ورزقهم،\n_________\n(^١) التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص ١٧٩).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ٣٣٠ - ٣٣١).","vol":"2","page":826},{"text":"وأحياهم، ويميتهم، فكيف يطلب من نبي من الأنبياء، أو ملك من الملائكة، أو صالح من الصالحين ما هو عاجز عنه، غير قادر عليه، ويترك الطلب لرب الأرباب، القادر على كل شيء، الخالق، الرازق، المعطي، المانع، وحسبك بما في هذه الآية موعظة؛ فإن هذا سيد ولد آدم، وخاتم الرسل، يأمره الله بأن يقول لعباده: لا أملك لنفسي ضرًّا ولا نفعًا، فكيف يملكه لغيره، وكيف يملكه غيره ممن رتبته دون رتبته، ومنزلته لا تبلغ إلى منزلته لنفسه فضلًا عن أن يملكه لغيره\" (^١).\nفلا يوجد أي فرق بين سؤال الحي ما لا يستطيعه وبين التوجه بنفس السؤال للميت؛ وذلك لأن الميت انقطع عن الحياة فصار لا يستطيع فعل ما كان يفعله وهو حي يرزق من السعي والحركة؛ وعليه يكون سؤاله والطلب منه في هذه الحال من الشرك الأكبر.\nيقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ مبينًا ذلك: \"فإن الأسباب العاديَّة التي يستطيعها الإنسان في حياته تنقطع بموته، كما دلَّ عليه الحديث (^٢)، وبذلك تصير ملحقة في الحكم والشرع بما لا يستطيعه في حياته؛ كهداية القلوب، وشفاء المريض، وإنبات النبات، وطلب الذرية؛ فلا فرق بين قول الرجل للمسيح بعد رفعه: أعطني كذا وكذا من القوت ونحوه، وقوله: اهدِ قلبي، اغفر ذنبي، وقد تقدَّم أن قول النصارى: (يا والدة المسيح اشفعي لنا عند الإله) شرك بإجماع المسلمين؛ ولو طلب منها في حياته أن تشفع بالدعاء والاستغفار، كما كان يفعله -ﷺ- مع أصحابه لم يمنع من ذلك\" (^٣).\nويقول الشيخ ابن سحمان: \"لا يجوز لأحد أن يعتقد أن الأحياء\n_________\n(^١) انظر: فتح القدير (٢/ ٤٤٩ - ٤٥٠)، (٣/ ٥٩).\n(^٢) المقصود حديث: \"إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة\".\n(^٣) مصباح الظلام (ص ٣٩٠).","vol":"2","page":827},{"text":"يقدرون على ما لا يقدر عليه إلا الله، فإن اعتقاد ذلك شرك، وإذا كان الأحياء لا يقدرون على شيء من ذلك، فالأموات بطريق الأولى، وإنما يجوز من الحي طلب الدعاء منه، والاستغفار، والتوسل بدعائه وشفاعته، إذ هو قادر على ذلك، وأما الميت فقد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، فضلًا لمن استغاث به، أو دعاه، أو سأله أن يشفع له، كما قال -ﷺ-: \"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث\" (^١)، وهذا يدل على انقطاع الحس والحركة من الميت، وأن أعمالهم منقطعة عن زيادة ونقصان، فدل ذلك على أنه ليس للميت تصرف في ذاته، فضلًا عن غيره، فإنما عجز عن حركة نفسه، فكيف يتصرف في غيره؟.\nوأما الأحياء القادرون على الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية، في قتال، أو إدراك عدو، أو دفع سبع صائل، وغيره، فهذا لا مانع منه، وهذا ليس في قدرة الأموات: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر: ٢٢]، ومن سوَّى بينهما فقد جمع بين ما فرق الله بينه، وكفى بذلك عتوًّا وعنادًا\" (^٢).\nثالثًا: حرمة سؤال الهداية من غيره ﷾؛ أي: هداية التوفيق، أما هداية البيان فهي في مقدور البشر من الأنبياء وأهل العلم، فهم يهدون الناس بعلومهم ومعارفهم بما يبلغونهم من العلم والهدى، ومن الكتاب العظيم والسُّنَّة المطهرة، أما هداية القلوب بجعل الهدى والنور فيها، وإخراج الزيغ والضلال منها، فهذا لا يستطيعه إلا الله وحده.\nوعليه فمن اعتقد في مخلوق القدرة على إيجاد الهداية في قلوب الخلق، أو سألها من غيره سبحانه معتقدًا قدرته على ذلك فقد وقع في الشرك الأكبر المخرج عن ملة الإسلام.\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه: انظر: (ص ٨٥٦).\n(^٢) الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق، لابن سحمان (ص ٥٥٥ - ٥٥٦).","vol":"2","page":828},{"text":"ولا شك أن هداية البيان والإيضاح هي من أعظم الطرق والذرائع للوصول إلى هداية التوفيق والاستقامة على الهدى، والبعد عن الضلال، وعليه يمكن القول بأن الأنبياء والرسل وأهل العلم هم السبب الموصل إلى هداية التوفيق والإيمان، أما نفس خلق التوفيق والهدى في القلوب فلا يقدر عليه حتى الأنبياء والرسل فضلًا عن غيرهم من أهل العلم والصلاة.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وأما جعل الهدى في قلوب العباد فهو إلى الله تعالى لا إلى الرسول كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧] \" (^١).\nويقول ﵀ أيضًا: \"وأما حصول الهدى في القلب فهذا لا يقدر عليه أحد باتفاق المسلمين؛ سنيهم وقدريهم؛ لأن أحدًا لا يستطيع أن يهدي القلوب، ويخلق الهدى فيها غير الله. أما أهل السُّنَّة فيقولون: إن الاهتداء الذي في القلب لا يقدر عليه إلا الله، ولكن العبد يقدر على أسبابه، وهو المطلوب منه\" (^٢).\nرابعًا: سؤال أهل العلم -﵏- لا يدخل في السؤال المحرم الممنوع، بل قد يكون سؤالهم فرض واجب وحتم لازم لا محيص عنه، وقد أمر الله ﵎ به في قوله سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣]، فسؤال العلماء فيما افترضه الله تعالى من الواجبات، وما نهى عنه من المحرمات من أوجب الأمور؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وبيان ذلك:\nأن سؤال أهل العلم ليس فيه خضوع أو ذلة للمسؤول، بل فيه\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ٣٠٨).\n(^٢) تلخيص كتاب الاستغاثة (١/ ٤٣٦)، وانظر: مجموع الفتاوى (١/ ٣٢٩).","vol":"2","page":829},{"text":"تعظيم أهل العلم التعظيم الجائز، والتبجيل الذي يستحقونه، ورفعًا لهم في مكانتهم التي أنزلهم الله إياها.\nيقول الإمام المعلمي اليماني: \"وقد يكون السؤال من القسم الأول ولكنه يصحبه تذلل ما فيما يظهر، وذلك كسؤال الناس أنبياءهم عن أمور دينهم، وكذلك سؤال العامة علماءهم عن أمور الدين، وكذلك سؤال المحتاج العاجز حاجته من الغني.\nوالحق أن السؤال من الأنبياء والعلماء إنما يصحبه الإكرام والاحترام الذي أمر الله ﷿ به، وأما سؤال المحتاج العاجز فإنما يصحبه التذلل لجهل الأغنياء بما عليهم من الحقوق\" (^١).\nثم إن سؤال أهل العلم عن أمور الدين ليس هو مما يبغضونه ولا يحبونه، ثم إن سؤالهم العلم لا ينقص منهم شيئًا، بل هم في ازدياد مستمر، ورفعة دائمة في الدنيا والآخرة.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فأما سؤال ما يسوغ مثله من العلم فليس من هذا الباب؛ لأن المخبر لا ينقص الجواب من علمه، بل يزداد بالجواب، والسائل محتاج إلى ذلك، قال -ﷺ-: \"هَلَّا سَألوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّما شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤالُ\" (^٢)، ولكن من المسائل ما ينهى عنه كما قال تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١] الآية، وكنهيه عن أغلوطات\n_________\n(^١) مخطوط العبادة، مصورة مكتبة الجامعة الإسلامية (لوحة/ ٥٠٨).\n(^٢) أخرجه أبو داود في سننه (١/ ٩٣)، برقم (٣٣٧)، والدارمي في سننه، باب: المجروح تصيبه الجنابة (١/ ٢١٠)، برقم (٧٥٢)، عن ابن عباس -﵄- وحسنه الشيخ الألباني. انظر: صحيح الجامع، (٢/ ٨٠٤)، برقم (٤٣٦٢)، وانظر: صحيح سنن أبي داود (٢/ ١٦١)، حديث رقم (٣٦٥)، وللحديث شاهد آخر عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء: ٤٣]، ونص بعض أهل العلم كالبيهقي وصوبه الدارقطني: أنه موقوف. وتعقبه الشيخ الألباني بقوله: \"ولكنه في حكم المرفوع لأنه في التفسير، ولا سيما من ترجمان القرآن ابن عباس -﵄-\". [انظر: صحيح سنن أبي داود (٢/ ١٦٤)].","vol":"2","page":830},{"text":"المسائل ونحو ذلك\" (^١).\nويقول الإمام ابن القيم: \"وكذلك سؤال الناس هو عيب ونقص في الرجل، وذلة تنافي المروءة إلا في العلم، فإنه عين كماله ومروءته وعزه، كما قال بعض أهل العلم: خير خصال الرجل السؤال عن العلم. وقيل: إذا جلست إلى عالم فسل تفقهًا لا تعنتًا\" (^٢).\nويلحق بسؤال أهل العلم السؤال من السلطان الحاكم، فإن سؤاله شيئًا من أمور الدنيا جائز إذا كان للسائل حق في بيت مالك المسلمين، أما إذا لم يكن له حق لم يجز لما يترتب على سؤاله من الخضوع والتذلل له.\nيقول الإمام ابن حزم: \"وأما السلطان فليس يُسْأَل من ماله شيء، إنما بيده أموال المسلمين، فلا حرج على المسلم أن يسأله من أموال المسلمين الذين هو أحدهم\" (^٣).\nويقول الشيخ المعلمي في معرض تقسيمه لأحوال السؤال: \"ومن القسم الأول ما أبيح من سؤال السلطان؛ فالمراد إباحة أن يسأله من كان له حق في بيت المال، فأما من لم يكن له حق أصلًا فسؤاله من السلطان كسؤاله من غيره\" (^٤).\nخامسًا: طلب الإعانة والاستغاثة المقيدة جائزة من غير الله فيما يقدر عليه ذلك الغير، وأما الإعانة المطلقة والإغاثة المطلقة بمعنى خلق المعين والمغيث فهذا لا يقدر عليه إلا الرب ﷾، وإنما غاية المخلوق أن يكون سببًا في الإعانة والإغاثة.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فمن فهم معنى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، عرف أنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ٧٨ - ٧٩).\n(^٢) مفتاح دار السعادة (١/ ١٦٨).\n(^٣) المحلى، لابن حزم (٩/ ١٥٩).\n(^٤) مخطوط \"العبادة\"، (لوحة/ ٥٠٩).","vol":"2","page":831},{"text":"إلا الله وحده، وأنه يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه، وكذلك الاستغاثة لا تكون إلا بالله، والتوكل لا يكون إلا عليه: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]، فالنصر المطلق وهو خلق ما يغلب به العدو لا يقدر عليه إلا الله\" (^١).\nسادسًا: ومن فروع القاعدة أن من سأل الطبيب البرء من مرضه معتقدًا قدرته على ذلك كان واقعًا في الشرك بالله العظيم؛ لأنه سأله شيئًا لا يقدر عليه إلا الله، أما البرء والشفاء فهو من عند الله ﷾، ولكن الله قد شرع له أسبابًا، ومنها الطبيب المعالج، والدواء الناجع، فالأطباء أسباب، ويوصلون بقدرة الله إلى أسباب من وصف الأدوية المناسبة للداء، أما حقيقة خلق البرء، وإيجاد الشفاء فهو بيد الله تعالى.\nيقول ابن حزم: \"مسألة ولا تجوز مشارطة الطبيب على البرء أصلًا؛ لأنه بيد الله تعالى لا بيد أحد، وإنما الطبيب معالج، ومقو للطبيعة بما يقابل الداء، ولا يعرف كمية قوة الدواء من كمية قوة الداء، فالبرء لا يقدر عليه إلا الله تعالى ... فإن أعطي شيئًا عند البرء بغير شرط فحلال؛ لأمر النبي -ﷺ- بأخذ ما أعطي المرء من غير مسألة\" (^٢).\nسابعًا: طلب الدعاء ممن يظن فيه الخير والصلاح جائز ولا دخل في سؤال المخلوق ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى؛ لأنه لم يطلب منه سوى الدعاء وهذا شيء يستطيعه ويقدر عليه، وأما تحقيق مطلوب السائل واستجابة الدعاء فهذه إلى الله تعالى.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وَذَلِكَ أَنَّ الْمَخْلوقَ يَطْلُبُ مِنْ الْمَخْلُوقِ مَا يَقْدِرُ المَخْلُوقُ عَلَيْهِ، والْمَخْلُوقُ قَادِرٌ عَلَى دُعَاءِ اللهِ وَمَسْأَلَتِهِ، فَلِهَذَا كَانَ طَلَبُ الدُّعَاءِ جَائِزًا كَمَا يَطْلُبُ مِنْهُ الْإعَانَةَ بمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَالْأَفْعَالَ الَّتِي يَقْدِرُ عَلَيْهَا. فَأَمَّا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللهُ تَعَالَى فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُطْلَبَ إِلَّا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ٣٧٥).\n(^٢) المحلى، لابن حزم (٨/ ١٩٦).","vol":"2","page":832},{"text":"مِنْ اللهِ سُبْحَانَهُ لَا يُطْلَبُ ذَلِكَ لَا مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَلَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ\" (^١).\nويقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: \"وهذا من جنس الأسباب العادية، فإن الرجل إذا كان معروفًا بالصلاح، وإجابة الدعاء، فطلب منه الدعاء، أو أمر به، فدعا الله واستجيب له، لا يكون هو الفاعل للاستجابة، وليس المطلوب منه ما يختص بالله من الفعل، وإنما يطلب منه ما يختص به من الدعاء والتضرع\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ٣٢٩).\n(^٢) تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس (ص ٤٩).","vol":"2","page":833},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-229>المبحث الخامس\nقاعدة الاعتقاد في الأسباب بذاتها شرك في الربوبية والألوهية</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-230> المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>معنى الأسباب:</span>\nالأسباب: جمع سبب، وهو الحبل، ويقال للطريق الموصل إلى الشيء سبب؛ لأنك بسلوكه تصل الموضع الذي تريده، ومنه قيل للباب سبب، وكل شيء يتوصل به إلى شيء يسمى سببًا؛ وذلك لإيصاله إلى المقصود. قال بعض أهل اللغة: السبب من الحبال القوي الطويل، ولا يدعى الحبل سببًا حتى يصعد به وينزل ثم قيل لكل شيء وصلت به إلى موضع أو حاجة تريدها سبب، يقال: ما بيني وبين فلان سبب أي آصرة رحم أو عاطفة مودة، وقد سمى تعالى وِصَل الناس بينهم أسبابًا وهي التي يتسببون بها إلى قضاء حوائجهم بعضهم من بعض، قال تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦)﴾ [البقرة: ١٦٦]؛ يعني: الواصلات التي كانت بينهم في الدنيا، وقال تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥)﴾ [الكهف: ٨٥]؛ أي: طريقًا، وقال تعالى مخبرًا عن فرعون: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ","vol":"2","page":834},{"text":"السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧]، وأسباب السموات: أبوابها؛ لأن الوصول إلى السماء يكون بدخولها، وقال زهير بن أبي سلمى:\nومَنْ هابَ أسبابَ الْمَنِيَّةِ يَلْقَهَا ... ولو رامَ أسبابَ السَّماء بسُلَّمِ (^١)\nوالمودة بين القوم تسمى سببًا؛ لأنهم بها يتواصلون وبالجملة فسمى الله سبحانه ذلك أسبابًا؛ لأنَّها كانت يتوصل بها إلى مسبباتها (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-232> المسألة الثانية * معنى القاعدة</span>\nلقد بيَّنت القاعدة إحدى القضايا المتعلقة بالأسباب، وهي مسألة الاعتقاد في الأسباب، وكونها مؤثرة في المُسَبَّبات بذاتها بدون قدرة الله تعالى ومشيئته، أو مع المشاركة لله تعالى في القدرة والتأثير، والقاعدة نصت على أن هذا الاعتقاد شرك بالله تعالى يخرج صاحبه عن دائرة الإسلام، ويبطل الإيمان الذي في قلبه.\nكما أشارت القاعدة إلى أن هذا الاعتقاد يعتبر شركًا في الربوبية لكونه اعتقد أن ثمة مشاركًا لله تعالى في الخلق والإيجاد والتأثير، وهذا شرك في أخص صفات الربوبية، كما أن اعتقاد تأثير الأسباب بذاتها شرك في الألوهية أيضًا؛ لما تقرر من أن الشرك في الربوبية مستلزم للشرك في الإلهية ولا بد، فمن اعتقد في تأثير الأسباب بذاتها، بقدرتها ومشيئتها الخاصة فلا بد أن يصرف لها شيئًا من العبادة القلبية من التوكل\n_________\n(^١) انظر: الحماسة المغربية، لأبي العبادس الجرواي (٢١/ ١٢١٦)، وجمهرة أشعار العرب، لأبي زيد القرشي (ص ٩٤)، وخزانة الأدب وغاية الأرب، للحموي (١/ ٤٢٢).\n(^٢) انظر: المحكم والمحيط الأعظم (٨/ ٤٢٤)، ولسان العرب (١/ ٤٥٨)، والتفسير الكبير (٤/ ١٩٠ - ١٩١)، ومشارق الأنوار (٢/ ٢٠٢)، وشفاء العليل (ص ١٩٠).","vol":"2","page":835},{"text":"عليها التوكل الشركي، ومن تفويض الأمور إليها، وما يتبع ذلك من الخوف والمحبة والرجاء، وغير ذلك من العبادات القلبية.\nولزيادة التوضيح في معنى القاعدة لا بد من التقديم بمقدمة تبيّن أصل مسألة الأسباب، ومعرفة الموقف الشرعي منها، فيقال:\nلا يخفى أن الله خلق هذا العالم، وجعل له سننًا كونية لا تتغير ولا تتبدل إلا أن يشاء الله تعالى ذلك، كما قال سبحانه: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، ومن تلك السُنن الكونية أن جعل لكل شيء سببًا، وربط بين المسببات والأسباب، وبين النتائج والمقدمات، إذ هو خالق الأسباب والمُسَبَّبَات، فهو خالق للسبب وجعله مؤثرًا ومنتجًا للمُسَبَّب، وإن كان السبب لوحده لا يوجب المُسَبَّب، بل لا بد أن يضم الله إليه أمورًا أخرى، وأن يدفع عنه آفات كثيرة، وأنه قد يخلق المسبب بدون السبب، إذ ليس في الكون ما يستقل بإحداث شيء إلا مشيئة الله تعالى وقدرته، فهو ﷾ الوحيد الذي يستقل بإحداث الأشياء بخلق أسبابها، وقد يحدثها بغير أسباب سوى مشيئته سبحانه (^١).\nيقول الإمام ابن تيمية: \"ومعلوم أنه ليس في المخلوقات شيء هو وحده علة تامة، وسبب تام للحوادث؛ بمعنى أن وجوده مستلزم لوجود الحوادث، بل ليس هذا إلا مشيئة الله تعالى خاصة، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.\nوأما الأسباب المخلوقة كالنار في الإحراق، والشمس في الإشراق، والطعام والشراب في الإشباع والإرواء، فجميع هذه الأمور سبب لا يكون الحادث به وحده، بل لا بد أن ينضم إليه سبب آخر، ومع هذا فلهما موانع تمنعهما عن الأثر، فكل سبب فهو موقوف على وجود الشروط وانتفاء الموانع، وليس في المخلوقات واحد يصدر عنه\n_________\n(^١) انظر: جامع الرسائل (١/ ١٥٢).","vol":"2","page":836},{"text":"وحده شيء\" (^١).\nوالأسباب التي جعلها الله تعالى منتجة لمسبَّباتها منها ما هي أسباب كونية، ومنها ما هي أسباب شرعية دلَّ الشرع الحكيم على كونها أسبابًا، وأمر بها؛ فمن أعظم الأسباب الشرعية الموصلة إلى رضوان الله وجنته الإيمان بالله تعالى وإفراده بالعبادة، وعدم الإشراك به، والتوكل عليه، والإيمان برسوله -ﷺ-، وطاعته، والإيمان بالقرآن وكونه كلامه منه بدأ وإليه يعود، فهذه أعظم الأسباب التي ينال بها العبد رحمة الله ومغفرته ورضوانه.\nأما في الأمور الكونية فقد جعل الله جل وعلا بعض الأمور أسبابًا منتجة لمسبَّباتها، فمن ذلك أنه جعل الماء منبتًا للزرع، قال ﷿: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩)﴾ [ق: ٩]، وجعل سبحانه الولد مسببًا عن النكاح بين الرجل والمرأة وحصول الوقاع بينهما فتحمل به بإذن الله. كما أنه سبحانه جعل الماء العذب سببًا كونيًا لإزالة العطش، بخلاف الماء المالح فلم يجعله سببًا كونيًا لإزالة العطش. وجعل النار سببًا للإحراق، وجعل في الماء خاصية إطفاء النار، وهكذا.\nوخلقه ﷾ للأسباب وتأثيراتها ونتائجها من المُسَبَّبات من أعظم النعم التي أنعم بها على بني الإنسان (^٢)؛ لتستقيم حياتهم، وأمرهم بمعالجة هذه الأسباب والعمل بها، سواء الكونية أو الشرعية للوصول إلى نتائجها ومسبباتها، مع الاعتماد التام على خالق السبب والمسبب وهو الرب ﵎، فإنَّه هو الذي جعل هذه الأسباب تنتج المسبَّبات.\nمع ملاحظة أنه يشترط في الأخذ بالأسباب الكونية أن تكون مشروعة، أما إذا كانت محرمة فلا يجوز تعاطيها وإن ثبتت سببيتها\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٨/ ١٣٣).\n(^٢) انظر: شفاء العليل (ص ٣٧).","vol":"2","page":837},{"text":"وتأثيرها وإنتاجها للمسبب؛ وذلك كالتداوي بالمحرمات فإنه لا يجوز لمنع الشرع من ذلك وإن ثبت نفعه وتأثيره.\nوخلاصة الأمر أن من الأسباب ما ينتج المسبَّب كونًا، ومنها ما لا ينتجه، فإذا كان ينتج المسبب كونًا وذلك حسب العادة والعرف، فينظر بعد ذلك في إباحته الشرعية، فإنْ أَباحته الشريعة فهو سبب شرعي وقدري، وإذا لم تبحه كان سببًا كونيًا، كالتداوي بالمحرمات، وليس بسبب شرعي فهذا النوع لا يجوز تعاطيه شرعًا.\nوإذا كان السبب لا ينتج المسبب كونًا وقدرًا فمثله لا يأتي الإذن به شرعًا، فلا يجوز تعاطيه (^١).\nومما ينبغي معرفته أن يعلم أن الأسباب لا تؤثر أصلًا بنفسها، وإنما تأثيرها بتقدير الله أن يرتب عليها مسبباتها، وأنها لا تنفع ولا تضر بذاتها، ولا تؤثر بنفسها، بل الأسباب ومسبباتها تحت مشيئة الله سبحانه، والله تعالى هو الذي أودع في الكون الأسباب والمسببات التي قام بها الخلق والأمر، وهو الذي خلق من الأسباب ما خلق به المسببات (^٢).\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وأما إثبات الأسباب التي لا تستقل بالأثر، بل تفتقر إلى مشارك معاون، وانتفاء معارض مانع، وجعلها مخلوقة لله، فهذا هو الواقع الذي أخبر به القرآن، ودل عليه العيان والبرهان؛ فإن ذلك مما يبين أنه ليس في المخلوقات ما يستقل بمفعول من المفعولات\" (^٣).\n_________\n(^١) وذلك كمن يعلق خيطًا لدفع العين مثلًا؛ إذ ليس في الخيط سببية دفع العين لا حسًّا ولا كونًا ولا أُذن في ذلك شرعًا؛ كمن يعلق التمائم التي هي طلاسم أو خرزات أو جلد فكل ذلك لا أثر له قدرًا وكونًا، وهو غير مأذون به شرعًا، بل هو من الشرك الأصغر.\n(^٢) انظر: تفسير البيضاوي (١/ ٣٧٣).\n(^٣) درء التعارض (٩/ ٣٤٨)، وانظر: الصفدية (١/ ٢٢٢)، وتلخيص كتاب الاستغاثة =","vol":"2","page":838},{"text":"ويقول أيضًا: \"فمعلوم أن السبب لا يستقل بالحكم، فمجرد نزول المطر ليس موجبًا للنبات، بل لا بد من أن يخلق الله أمورًا أخرى، ويدفع عنه الآفات المانعة فيربيه بالتراب والشمس والريح ويدفع عنه ما يفسده، فالنبات محتاج مع هذا السبب إلى فضل من الله أكبر منه\" (^١).\nفالأسباب الكونية أو الشرعية مؤثرات، ولكن تأثيرها ناقص، لا يحصل المسبب بها وحدها، وإنما المؤثر التام هو إرادة الله الكونية القدرية، ومشيئته النافذة فإن المراد لا يتأخر عنهما أبدًا.\nيقول الإمام الشاطبي: \"إذ كان واجبًا على كل مؤمن أن يعتقد أن الأسباب غير فاعلة بأنفسها، وإنما الفاعل فيها مسببها سبحانه؛ لكن عادته في خلقه جارية بمقتضى العوائد المطردة، وقد يخرقها إذا شاء لمن شاء، فمن حيث كانت عادة اقتضت الدخول في الأسباب، ومن حيث كانت الأسباب فيها بيد خالق المسببات اقتضت أن للفاعل أن يفعل بها وبدونها\" (^٢).\nوالقاعدة نصت على أن من اعتقد في فاعلية الأسباب وتأثيرها بذاتها بدون مشيئة الله وقدرته النافذة، كان مشركًا الشرك الأكبر السالب للإيمان بالكلية، وذلك كحال عباد الأصنام وعباد القبور الذين يعتقدون أنها تنفع وتضر استقلالًا، وهذا عام في جميع الأسباب سواء كانت كونية أو شرعية.\nأما من تعاطى الأسباب بدون اعتقاد فيها، وأنها لا تؤثر بذاتها، ولكنه اعتمد عليها واطمأن لها بدون التفات إلى خالقها وخالق أثرها كان\n_________\n= (١/ ٤٢٦)، وشفاء العليل (ص ٣٧)، ومنهاج التأسيس والتقديس، للشيخ عبد اللطيف (ص ٢٠٥).\n(^١) جامع الرسائل، لابن تيمية (١/ ١٤٦).\n(^٢) الموافقات (١/ ٢٠٦ - ٢٠٧).","vol":"2","page":839},{"text":"واقعًا في الشرك الخفي وهو شرك أصغر لا يخرج عن ملة الإسلام.\nوأما من تعاطى ما ليس سببًا كونيًا ولا شرعيًا واعتقده سببًا مع عدم الدليل على سببيته؛ لا كونًا ولا شرعًا ولا عرفًا كان واقعًا في الشرك الأصغر؛ لأنه شارك الرب ﵎ في الحكم لهذا الشيء بالسببية مع أن الله لم يجعله سببًا، وليست له سببية بحسب العادة والعرف (^١).\nوبفهم هذه المسألة العظيمة يصل المؤمن إلى التحقيق الكامل لتوحيد الله تعالى؛ فإن حقيقته أن ترى الأمور كلها من الله تعالى، رؤية تقطع الاعتماد على الأسباب، واعتقاد كونها مؤثرة بذاتها، وهذا المقام يثمر التوكل، وترك شكاية الخلق، وترك لومهم، والرضا عن الله تعالى، والتسليم لحكمه (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-233> المسألة الثالثة * أدلة القاعدة</span>\nلقد تظاهرت الأدلة الدالة على تقرير معنى القاعدة من الكتاب الكريم والسُّنَّة النبوية الصحيحة، وفيما يأتي أذكر ما ظهر لي منها:\nأولًا: أن إثبات تأثير الأسباب وإنتاجها للمسببات بذاتها فيه إثبات القدرة والإيجاد والإبداع لها، ولا شك أن إثبات موجد مستقل بالتأثير معِ الله شرك في الربوبية؛ لأنه لا خالق إلا الله ﵎، قال ﷾: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]، فخص الخلق به سبحانه دون ما سواه.\nفلا محدث، ولا خالق، ولا موجد إلا الله تعالى، فكل ما يدخل\n_________\n(^١) انظر: مجلة البحوث الإسلامية عدد (٦٩)، (ص ١١٨ - ١١٩).\n(^٢) انظر: تجريد التوحيد، المفيد للمقريزي (ص ١٨).","vol":"2","page":840},{"text":"في الوجود من المخلوقات، ومن أفعال العباد، وأعمالهم الظاهرة والباطنة كلها إنما حصلت بإيجاد الله تعالى وإحداثه.\nفهو سبحانه وحده المتفرد بالخلق والإيجاد، والإبداع والتصوير، وقد نص على هذا الدليل في أكثر من موضع كما في قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ [الأنعام: ١٠١] فنص على أنه خلق كل شيء بما في ذلك الأسباب ومسبباتها (^١).\nفكيف بعد ذلك يسند الإبداع والإيجاد، وهما من خواص الإلهية إلى أعجز شيء وأهونه وهو الأسباب، فالقرآن الكريم يرسخ هذا الدليل في آياته التي تبحث عن الخلق والإيجاد، ويقرر أن لا مؤثر إلا الله وحده، فالأسباب لا تأثير لها تأثيرًا حقيقيًا، وإنما هي أسباب مُدَبَّرَة ومُصَرَّفَة بخلق الله لها، وجعلها مؤثرة إذا شاء ذلك ﷾ (^٢).\nوالحاصل أن هذا الأصل -أعني: اختصاصه سبحانه بالخلق والإبداع والتدبير والتصريف دون ما سواه- هو من أعظم أصول الإسلام وأجلها، والقاعدة العظمى التي تدور عليها جميع الأحكام، وجميع القرآن من أوله إلى آخره يدل على هذا الأصل ويقرره، وقد احتج به تعالى على وجوب عبادته وطاعته، وأنه الإله الحق دون ما سواه (^٣).\nثانيًا: حديث زيْدِ بنِ خالدٍ الجُهَنِّيّ (^٤) أنَّهُ قالَ: (صَلَّى لَنَا\n_________\n(^١) انظر: أضواء البيان (٨/ ٧٠).\n(^٢) انظر: حقيقة التوحيد لبديع الزمان النورسي (ص ١٧٣).\n(^٣) انظر: البراهين الإسلامية في رد الشبهة الفارسية، للشيخ عبد اللطيف آل الشيخ (٩٠).\n(^٤) هو: زيد بن خالد الجهني، مختلف في كنيته؛ فقيل: أبو زرعة، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو طلحة، روى عن النبي - ﷺ - وعن عثمان وأبي طلحة وعائشة، وروى عن ابناه خالد وأبو حرب، ومولاه أبو عمرة وغيرهم، وشهد الحديبية وكان معه لواء جهينة يوم الفتح، وحديثه في \"الصحيحين\" وغيرهما، مات =","vol":"2","page":841},{"text":"رسولُ الله -ﷺ- صلاةَ الصبْحِ بالحُدَيْبِيَةِ عَلَى إثْرِ سَماءٍ كانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فلمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فقال: \"هَلْ تَدْرُونَ ماذَا قال ربُّكُمْ؟ \" قالُوا: الله ورسولُهُ أعْلَمُ. قال: \"أصْبَحَ مِنْ عِبَادي مُؤْمِنٌ بي وكافِرٌ فأمَّا منْ قالَ مُطِرْنا بفَضْلِ الله ورَحْمَتِهِ فذلِكَ مُؤْمِنٌ بي وكافِرٌ بالكوْكَبِ وأمَّا مَنْ قال مُطِرْنا بَنَوْءٍ كَذَا وكَذَا فذَلِكَ كافِرٌ بي ومُؤْمِنٌ بالكَوْكَبِ\") (^١).\nقال الإمام الشافعي: \"وأرى معنى قوله والله أعلم: أن من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك إيمان بالله؛ لأنه يعلم أنه لا يمطر، ولا يعطي إلا الله ﷿، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا على ما كان بعض أهل الشرك يعنون من إضافة المطر إلى أنه أمطره نوء كذا فذلك كفر، كما قال رسول الله - ﷺ -؛ لأن النوء وقت، والوقت مخلوق لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئًا، ولا يمطر، ولا يصنع شيئًا، فأما من قال مطرنا بنوء كذا على معنى مطرنا بوقت كذا فإنما ذلك كقوله مطرنا في شهر كذا، ولا يكون هذا كفرًا، وغيره من الكلام أحب إليَّ منه\" (^٢).\nويقول الإمام النووي: \"فاختلف العلماء في كفر من قال: مطرنا بنوء كذا على قولين؛ أحدهما: هو كفر بالله ﷾، سالب لأصل الإيمان، مخرج من ملة الإسلام، قالوا: وهذا فيمن قال ذلك معتقدًا أن الكوكب فاعل مدبر، منشئ للمطر، كما كان بعض أهل الجاهلية يزعم، ومن اعتقد هذا فلا شك في كفره، وهذا القول هو الذي ذهب إليه جماهير\n_________\n= سنة ثمان وسبعين بالمدينة وله خمس وثمانون. [ترجمته في: الإصابة في تمييز الصحابة (٢/ ٦٠٣)].\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب صفة الصلاة، باب: يستقبل الإمام الناس إذا سلم (١/ ٢٩٠)، برقم (٨١٠)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: بيان كفر من قال مطرنا بالنوء (١/ ٨٣)، برقم (٧١)، من حديث زيد بن خالد الجهني.\n(^٢) الأم (١/ ٢٥٢)، وانظر: الاستذكار (٢/ ٤٣٨).","vol":"2","page":842},{"text":"العلماء، والشافعي منهم، وهو ظاهر الحديث\" (^١).\nوقال الإمام ابن عبد البر بعد ذكره لحديث النوء: \"فمعناه عندي على وجهين؛ أحدهما: أن القائل مطرنا بنوء كذا؛ أي: بسقوط نجم كذا، أو بطلوع نجم كذا، إن كان يعتقد أن النوء هو المنزل للمطر، والخالق له، والمنشئ للسحاب من دون الله، فهذا كافر كفرًا صريحًا ينقل عن الملة، وإن كان من أهلها استتيب. فإن رجع إلى ذلك إلى الإيمان بالله وحده وإلا قتل إلى النار.\nوإن كان أراد أن الله ﷿ جعل النوء علامة للمطر، ووقتًا له، وسببًا من أسبابه؛ كما تحيي بالأرض الماء (^٢) بعد موتها، وينبت به الزرع، ويفعل به ما يشاء من خليفته (^٣)، فهذا مؤمن لا كافر.\nويلزمه مع هذا أن يعلم: أن نزول الماء لحكمة الله تعالى، ورحمته، وقدرته لا بغير ذلك؛ لأنه مرة ينزله بالنوء ومرة بغير نوء كيف يشاء لا إله إلا هو.\nوالذي أحب لكل مؤمن أن يقول كما قال أبو هريرة: مطرنا بفضل الله ورحمته ويتلو الآية إن شاء\" (^٤).\nويقول الشيخ الدهلوي عقب ذكره لحديث النوء: \"ومغزى الحديث أن من اعتقد للنجوم تأثيرًا في العالم وما يحدث فيه من الحوادث كان عند الله ممن كفر به وعبد النجوم، ومن عزا كل ما يحدث في العالم من خير وشر، ومن حوادث وأمور إلى الله وحده كان عند الله من عباده المقبولين، الذين تبرأوا من عبادة النجوم والكواكب\" (^٥).\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم (٢/ ٦٠).\n(^٢) هكذا في المطبوع، وكذا في الطبعة التي بتحقيق: عبد المعطي قلعجي، ولم يظهر لي وجه ذلك، والمقصود: (كما يحيى الأرض بالماء).\n(^٣) هكذا في المطبوع ولم يظهر لي وجه ذلك ولعلها تصحفت من (خليقته).\n(^٤) الاستذكار (٢/ ٤٣٧) ..\n(^٥) رسالة التوحيد للدهلوي (ص ١٣٠).","vol":"2","page":843},{"text":"والحاصل أن ظهور النوء وقت لنزول المطر بإذن الله تعالى ومشيئته؛ فمن اعتقد أن له تأثيرًا في إنزال المطر بذاته فهذا شرك أكبر بالإجماع، وهو الذي يعتقده أهل الجاهلية، كاعتقادهم في الأموات والغائبين لجلب نفع أو دفع ضر، وإما أن ينسب إنزال المطر إلى النجم، وكونها سببًا للمطر مع اعتقاد أن الله هو الفاعل، فهذا أيضًا مما نفاه النبي - ﷺ - وأبطله، وأخبر أنه من أمر الجاهلية، حماية منه لجناب التوحيد، وسدًّا لذرائع الشرك ولو بالعبارات الموهمة التي لا يقصدها الإنسان، وذلك لأنه نسب ما هو من فعل الله إلى خلق مسخر لا ينفع ولا يضر، ولا قدرة له على شيء فيكون شركًا أصغر (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-234> المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nلا يخفى على المتأمل في كلام العلماء فيما يتعلق بالأسباب والمسببات اهتمامهم بهذا الجانب الهام الذي يحتاج إلى معرفته وتجليته كل مسلم لما فيه من الخطورة، خاصة على عامة الناس ممن ليس له معرفة بالنصوص الشرعية وكلام علماء الأمة، وفيما يأتي أذكر بعض النقول من أقوالهم في تأييد معنى القاعدة:\nيقول الإمام ابن القيم مبينًا حقيقة الشرك المتعلق بالأسباب: \"فالالتفات إلى الأسباب ضربان: أحدهما شرك، والآخر عبودية وتوحيد، فالشرك: أن يعتمد عليها، ويطمئن إليها، ويعتقد أنها بذاتها محصلة للمقصود، فهو معرض عن المسبب لها، ويجعل نظره والتفاته مقصورًا عليها\" (^٢).\n_________\n(^١) حاشية كتاب التوحيد، لابن قاسم (ص ٢٣١).\n(^٢) مدارج السالكين (٣/ ٤٩٩).","vol":"2","page":844},{"text":"ويقسم ﵀ الوقوف مع الأسباب إلى وقوف مأمور به بحيث لا يتعدى حدودها، ولا يقصر عنها؛ فيقف معها مراعاة لحدودها وأوقاتها وشرائطها، وهذا الوقوف لا تتم العبودية إلا به، \"ووقوف معها بحيث يعتقد أنها هي الفاعلة المؤثرة بنفسها، وأنها تنفع وتضر بذاتها، فهذا لا يعتقده موحد، ولا يحتاج أن يحترز منه من يتكلم في المعرفة والسلوك\" (^١).\nفاعتقاد أن السبب مؤثر بذاته، ومبدع لمسببه بانفراده أو مع الله تعالى شرك بالله تعالى، يخرج صاحبه عن ملة الإسلام.\nومما قرره الإمام ابن تيمية كثيرًا -ونسبه في مواضع إلى الغزالي وابن الجوزي-: \"الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ... \" (^٢).\nوهذا الالتفات إذا تضمن اعتقاد التأثير الذاتي للأسباب بدون مشيئة الله كان شركًا في الربوبية مخرجًا عن ملة الإسلام، مستلزمًا للشرك في الإلهية كما سبق تقريره؛ لأنَّه لا بد من حصول الاعتماد والرجاء والخوف على هذه الأسباب وهي عبادات قلبية لا يجوز صرفها لغير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ وليس في المخلوقات ما يستحق هذا؛ لأن غيره سبحانه لا يستقل بفعل شيء البتة، فكل سبب لا بد له من شريك وضد، ومع هذا كله، فإن لم يسخره مسبب الأسباب لم يُسَخَّر (^٣).\nويقول الإمام الشاطبي: \"فالالتفات إلى المسببات بالأسباب له ثلاث مراتب؛ أحدها: أن يدخل فيها على أنه (^٤) فاعل للمسبب أو مولد\n_________\n(^١) المصدر نفسه (٣/ ٤٧٩).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٨/ ١٦٩)، وانظر: (٨/ ١٧٠)، ومنهاج السُّنَّة (٥/ ٣٦٦)، والآداب الشرعية، لابن مفلح (٢/ ٢٨٦).\n(^٣) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص ٥٢١).\n(^٤) يعني: السبب.","vol":"2","page":845},{"text":"له فهذا شرك أو مضاه له والعياذ بالله والسبب غير فاعل بنفسه\" (^١).\nويقول الألوسي: \"القول بأن الفلكيات ونحوها مؤثرة بنفسها ولو لم يأذن الله تعالى: ضلال واعتقاده كفر\" (^٢).\nويفصل الإمام المعلمي في مسألة الاعتقاد في الأسباب بقوله: \"فأما اعتقاد التأثير فاعلم أن التأثير على ضربين:\nالأول: ما ثبت بالعادة القطعية المبنية على الحس والمشاهدة؛ كتأثير الآدميين الأحياء وغيرهم من الحيوان إلى الحد المحدود المعروف، وتأثير الشمس للحرارة واليبوسة، وتأثير الأدوية في الصحة والمرض ونحو ذلك فلا يكفر إلا من يخرجها من خلق الله تعالى أصلًا.\nفأما من يقول إن الله تعالى أودع في النار قوة الإحراق مثلًا، فهي تؤثر بذلك إلا أن يشاء الله ﷿ سلبها قوة الإحراق فيسلبها، فلا يكفر هذا وإن خطأه كثير من العلماء، ويدخل في هذا ما لم يكن قطعيًا ولكنه مستند إلى قطعي كما سلف في التمهيد.\nالضرب الثاني: ما لم يثبت بالعادة القطعية المبنية على الحس والمشاهدة فإن بلغ اعتقاد التأثير إلى زعم أن ذلك المؤثر مؤثر استقلالًا وقد مر تفسيره فهو شرك، وإن لم يبلغ ذلك فإن كان في ذلك الاعتقاد تكذيب لله ﷿ أو كذب عليه فهو كفر وشرك وإلا فهو من الخرص المذموم.\nهذه حكم الاعتقاد؛ فأما إن صحبه خضوع أو طاعة فقد مرَّ حكم ذلك ولا يتوقف كون الخضوع أو الطاعة شركًا على فساد الاعتقاد في التأثير\" (^٣).\nيقول الشيخ صالح الفوزان - يحفظه الله -: \"أما إذا اعتقد أنّ النعم\n_________\n(^١) الموافقات (١/ ٢٠١).\n(^٢) روح المعاني (٤/ ١٦٢).\n(^٣) مخطوط العبادة، للمعلمي، لوحة (٦٩١ - ٦٩٢).","vol":"2","page":846},{"text":"من إحداث المخلوق ومن صُنع المخلوق، فإنّ هذا كفرٌ أكبر يُخرِجُ من الملّة\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-235> المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nبعض ما ظهر لي من فوائد للقاعدة:\nأولًا: هذا الحكم الذي دلت عليه القاعدة عام ومطرد في جميع الكائنات؛ وليس خاصًا بالأسباب المؤثرة فحسب؛ فمن اعتقد في أي مخلوق كائنًا ما كان له يفعل بذاته ويوجد الشيء بنفسه ومشيئته استقلالًا بدون إرادة الله ومشيئته وقدرته فقد أشرك بالله شركًا أكبر مخرجًا عن ملة الإسلام؛ حتى ولو كان الفعل مقدورًا للبشر، فكيف إذا وجد في الأمة من يعتقد في أصحاب القبور من يفعل وينفع ويضر بروحه، ويعتقدون أن في أيديهم الشفاء، والعطاء، والصحة وغير ذلك من أمور تتعلق بالدنيا بل والآخرة كذلك؛ من مغفرة الذنوب وستر العيوب، وهداية القلوب، ودخول الجنة (^٢).\nثانيًا: الواجب اعتقاد تأثير الأسباب في مسبَّباتها بمشيئة الله وإذنه وقدرته، وبما أودعه فيها من الطبيعة والعادة، كما أن الأسباب نفسها وجدت بإيجاد الرب تعالى، وهو سبحانه الجاعل فيها التأثير في المسببات، فنفي كون الأسباب مؤثرة بإذن الله تعالى قدح في العقل.\nيقول الألوسي: \"فالأسباب مؤثرة بقوى أودعها الله تعالى فيها، ولكن بإذنه، وإذا لم يأذن وحال بينها وبين التأثير لم تؤثر، ... ولو لم يكن في هذه الأسباب قوى أودعها العزيز الحكيم لما قال سبحانه:\n_________\n(^١) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (ص ١٥١).\n(^٢) انظر: تحفة الأحوذي (٥/ ١٩٧).","vol":"2","page":847},{"text":"﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩]؛ إذ ما الفائدة في القول وهي ليس فيها قوة الإحراق، وإنما الإحراق منه تعالى بلا واسطة، ولو كان الأمر كما ذكروا لكان للنار أن تقول: إلهي ما أودعتني شيئًا، ولا منحتني قوة، وما أنا إلا كَيَدٍ شلاء، صحبتها يد صحيحة تعمل الأعمال، وتصول وتجول في ميدان الأفعال؛ أفيقال لليد الشلاء: لا تفعلي وفي ذلك الميدان لا تنزلي، ولا يقال ذلك لليد الفعالة وهي الحَرِية بتلك المقالة\" (^١).\nثالثًا: تضمنت القاعدة بيان حكم من اعتقد في السبب بذاته دون مشيئة الله تعالى، وأن ذلك شرك أكبر في الربوبية والإلهية، وقد مضى بيان شيء من ذلك فيما سبق، والحاصل أن من اعتقد في الأسباب أو في غيرها من المخلوقات أنها فاعلة ومؤثرة بدون مشيئة الله وإرادته الكونية كان واقعًا في شرك الربوبية، وهو نسبة الخلق والإيجاد لغيره ﷾.\nفإذا استقرت هذه العقيدة الشركية في القلب استلزمت أعمالًا قلبية أخرى؛ من التوكل والالتجاء والخوف والرجاء والرهبة والمحبة والطمأنينة لهذه الأسباب، وهذه من أعظم العبادات القلبية التي من صرفها لغير الله تعالى وقع في شرك العبادة.\nفالالتفات إلى الأسباب شرك بالله تعالى؛ لأنه تضمن صرف العبادة لغيره سبحانه؛ من اعتماد القلب، ورجائه، والاستناد إلى غيره ﷿؛ فإن وجد ذلك مع اعتقاد استقلالية تأثيرها في المسببات كان شركًا أكبر كما سبق بيانه.\nواعلم أنه ليس في المخلوقات من يستحق هذا؛ لأنَّه لا يوجد سبب مستقل بمطلوب، بل لا بد من انضمام أسباب أخر إليه، وما ثَمَّ علة تامة إلا مشيئة الله، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا بد\n_________\n(^١) روح المعاني (١/ ١٩٠).","vol":"2","page":848},{"text":"أيضًا من صرف الموانع والمعارضات عنه حتى يحصل المقصود، فكل سبب فله شريك وله ضد، فإن لم يعاونه شريكه ولم يصرف عنه ضده لم يحصل مُسَبَّبُه، فالمطر وحده لا ينبت النبات إلا بما ينضم إليه من الهواء والتراب وغير ذلك، ثم الزرع لا يتم حتى تصرف عنه الآفات المفسدة له، والطعام والشراب لا يغذي إلا بما جعل في البدن من الأعضاء والقوى، ومجموع ذلك لا يفيده إن لم تصرف المفسدات، فلا يتم المطلوب إلا بوجود المقتضي وعدم المانع، وكل سبب معين فإنما هو جزء من المقتضي فليس في الوجود شيء واحد هو المقتضي بنفسه (^١).\nوعليه فلا يستقيم عقلًا ولا شرعًا صرف العبادة، أو الاعتقاد في مثل هذه الأسباب الناقصة الضعيفة التي لا تفي بالمطلوب لوحدها.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وإما أن يكون في المخلوقات علة تامة تستلزم معلولها، وسبب تام يستلزم مسببه فهذا باطل\" (^٢).\nهذا ومما ينبغي أن يعلم أنه بعد انتفاء المانع ووجود المقتضي فلا بد من تسخير مسبب الأسباب وخالق الأسباب، فالرجاء يجب أن يكون كله للرب، والتوكل عليه، والدعاء له، فإنه إن شاء ذلك ويسره كان وتيسر ولو لم يشأ الناس، وإن لم يشأه ولم ييسره لم يكن وإن شاءه الناس (^٣).\nرابعًا: في القاعدة رد على الفلاسفة والطبائعيين الذين يعتقدون في الأسباب، وأنه لا يمكن تجريدها عن آثارها ونتائجها، فهي ليست عندهم مربوبة مسخرة، بل هي فاعلة منتجة بذاتها.\nيقول الإمام ابن القيم: \"فهكذا سائر أفعاله سبحانه، مع أنه أشهد\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٨/ ١٦٧).\n(^٢) المصدر السابق، وانظر: (٨/ ١٦٩ - ١٣٣)، وبيان تأسيس الجهمية (٢/ ٤٥٧).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ١٦٦).","vol":"2","page":849},{"text":"عباده بذلك: أنه مسبب الأسباب، وأن الأسباب خلقه، وأنه يملك تعطيلها عن مقتضياتها وآثارها، وأن كونها كذلك لم يكن من ذاتها وأنفسها، بل هو الذي جعلها كذلك، وأودع فيها من القوى والطبائع ما اقتضت به آثارها، وأنه إن شاء أن يسلبها إياها سلبها، لا كما يقول أعداؤه من الفلاسفة والطبائعيين وزنادقة الأطباء: أنه ليس في الإمكان تجريد هذه الأسباب عن آثارها وموجباتها.\nويقولون لا تعطيل في الطبيعة، وليست الطبيعة عندهم مربوبة مقهورة تحت قهر قاهر، وتسخير مسخر يصرفها كيف يشاء، بل هي المتصرفة المدبرة، ولا كما يقول من نقص علمه ومعرفته بأسرار مخلوقاته، وما أودعها من القوى والطبائع والغرائز، وبالأسباب التي ربط بها خلقه وأمره، وثوابه وعقابه، فجحد ذلك كله ورد الأمر إلى مشيئة محضة، مجردة عن الحكمة والغاية، وعن ارتباط العالم بعضه ببعض ارتباط الأسباب بمسبباتها، والقوى بمحالها، ثم المحذور اللازم من إنكار الفاعل المختار، الفعال لما يريد بقدرته ومشيئته فوق كل محذور، فإن القائل بذلك يجعل هذه الشرور بأسرها لازمة له لزوم الطفل لحامله، والحرارة للنار ولا يمكنه دفعها\" (^١).\n_________\n(^١) طريق الهجرتين (ص ٢٥٦).","vol":"2","page":850},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>المبحث السادس\nقاعدة الشفاعة ملك لله تعالى وطلبها ورجاؤها من غير الله أو بغير إذن شرك</span>\nوتشتمل على عدة مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-237> المسألة الأولى * معنى الشفاعة لغة وشرعًا</span>\nالشَّفاعة على وزن (فَعَالَة) مشتقة من أصل لغوي ثلاثي هو (شَفَعَ)، والشَّفْعُ ضد الوتر، يقال: كان وترًا فشفعه من باب قَطَعَ، فالشَّفْعُ: ما شَفَعَ غيره وجعله زوجًا جمع أَشْفاعٍ وشُفَّاع، وكذلك شَفَعَ الشيء شَفْعًا: ضم مثله إليه، وجعله زوجًا، وتَشَفَّع إليه في فلان فَشَفَّعَهُ فيه تَشْفِيعًا: قبل شفاعته فيه، ويقال: هو مُشَفِّعٌ: يقبل الشفاعة وهو مُشَفَّعٌ: مقبول الشفاعة. واسْتَشْفَعَ: طلب الناصر، والشَّفِيع والشَّافِع: صاحب الشفاعة، والشَّفَاعَة: كلام الشفيع والجَمعُ شُفَعاء وهو الطالبُ لغَيرِه يَتَشَفَّعُ به إلى المَطلوب (^١).\n_________\n(^١) انظر: تاج العروس (٢١/ ٢٨٢ - ٢٨٦، ٢٨٥، ٢٨٣)، ومقاييس اللغة (٣/ ٢٠١)، والصحاح (٣/ ١٢٣٨)، ولسان العرب (٧/ ١٥٠ - ١٥٢)، ومعجم الأفعال المتعدية بحرف (ص ١٨٠)، ومختار الصحاح (١٤٤)، والمعجم الوسيط (١/ ٤٨٧).","vol":"2","page":851},{"text":"هذا هو أصل مادة (شَفَعَ)، وعليه فمعنى الشَّفَاعَة في اللغة من الشَّفْعِ؛ كأن المَشْفُوع له كان فردًا فجعله الشَّفِيعُ شفْعًا، ولذا عرَّفها الراغب بقوله: \"والشفاعة: الانضمام إلى آخر ناصرًا له وسائلًا عنه، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى من هو أدنى، ومنه الشفاعة في القيامة\" (^١).\nوهذا المعنى هو حقيقة الشفاعة الشرعية الواردة في الكتاب والسُّنَّة، وبهذا عرَّفها أهل العلم، وأذكر فيما يلي بعض ما وقفت عليه من ذلك:\nيقول الزبيدي: هي كلامُ الشَّفيع للمَلِكِ في حاجةٍ يسألُها لغيرِه، وَشفَع إليه في معنى طَلَبَ إليه.\nوقيل: الشَّفاعة: التَّجاوُزُ عن الذُّنُوبِ والجرائم.\nوقيل: الشّفاعَةُ المُطالَبةُ بوَسيلةٍ أو ذِمامٍ (^٢).\nوفسَّر بعض أهل اللغة الشفاعة الواردة في قول الله ﵎: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ ذعِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] أن الشفاعة ها هنا هي الدعاء (^٣).\nوقال أبو جعفر الطبري: \"والشفاعة: مصدر من قول الرجل شَفَعَ لي فلان إلى فلان شفاعة: وهو طلبه إليه في قضاء حاجته، وإنما قيل للشفيع شفيع وشافع؛ لأنَّه ثَنَّى المستشفع به فصار له شفعًا، فكان ذو الحاجة قبل استشفاعه به في حاجته فردًا فصار صاحبه له فيها شافعًا، وطلبه فيه وفي حاجته شفاعة؛ ولذلك سمي الشفيع في الدار وفي الأرض شفيعًا لمصير البائع به شفعًا\" (^٤).\n_________\n(^١) المفردات في غريب القرآن (ص ٢٦٣).\n(^٢) انظر: تاج العروس (٢١/ ٢٨٦)، وبه قال الأزهري في تهذيب اللغة (١/ ٢٧٨).\n(^٣) انظر: تهذيب اللغة (١/ ٢٧٨)، وقد نقله الأزهري عن المبرد وثعلب.\n(^٤) تفسير الطبري (١/ ٢٦٧).","vol":"2","page":852},{"text":"وقال أبو السعود في تفسيره: \"الشفاعة: هي التوسط بالقول في وصول شخص إلى منفعة من المنافع الدنيوية أو الأخروية، أو خلاصه من مضرة ما كذلك، من الشفع كأن المشفوع له كان فردًا فجعله الشفيع شفعًا\" (^١).\nويقول الإمام القرطبي: \"فالشفاعة إذًا ضَمُّ غيرك إلى جاهك ووسيلتك، فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشَّفِيع عند المُشَفِّع وإيصال المنفعة إلى المشفوع له\" (^٢).\nوعرَّفها الإمام ابن تيمية بقوله: \"والشَّفاعة هي الدعاء\" (^٣).\nوعرَّفها الشيخ مبارك الميلي (^٤) بقوله: \"فالشَّفاعة تحمل معنى الضم والإعانة للمشفوع له، ومعنى الجاه والحرمة للشفيع عند المشفوع إليه، فسعيك لآخر في حاجة له عند عظيم شفاعة، وأنت شفيع، وذلك الآخر مشفوع له، وذلك العظيم مشفوع إليه، وقضاء تلك الحاجة تشْفِيع\" (^٥).\nهذا بعض ما وقفت عليه من كلام العلماء في تحرير معنى الشفاعة (^٦) والحاصل أن الشفاعة في حقيقتها أنها دعاء الشافع لربه تبارك\n_________\n(^١) تفسير أبو السعود (٢/ ٢١٠)، وانظر: روح المعاني (٥/ ٩٧).\n(^٢) تفسير القرطبي (٥/ ٢٩٥)، وانظر: (١/ ٣٦٨)، وفتح القدير (١/ ٤٩٢)، وعمدة القارئ (٤/ ١٠).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١/ ١٣٠).\n(^٤) هو: العلامة الشيخ السلفي مبارك بن محمد الهلالي الميلي الجزائري، ولد سنة ١٣١٦ هـ، بقرية ميلية من نواحي قسنطينة (شرق الجزائر)، درس على العلامة ابن باديس، ثم التحق بعد ذلك بجامع الزيتونة بتونس وتتلمذ على علمائها، من أعماله: عين عضوًا في مجلس إدارة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأمينًا لماليتها، مؤلفاته: تاريخ الجزائر في القديم والحديث، ورسالة الشرك ومظاهره، ومجموعة من المقالات القيمة والبحوث، توفي سنة ١٩٤٥ هـ. [ترجمته في: معجم المؤلفين (٣/ ١٣)، برقم (١١٣٣٨)].\n(^٥) رسالة الشِّرك ومظاهره (ص ٢١٧).\n(^٦) انظر للوقوف على المزيد من أقوال أهل العلم في تحرير معنى الشفاعة: التوقيف =","vol":"2","page":853},{"text":"وتعالى للمشفوع له لينال الخير والأجر والنعيم، ويوقى الشر والعذاب، ولكنها أخص من الدعاء من حيث إن الدعاء يتصور أن يصدر من شخص واحد يطلب أمرًا له أو لغيره من غير طلب المدعو له لهذا الأمر، بل قد لا يعلم به أصلًا ولا يتصوره في نفسه، وهذا بخلاف الشفاعة إذ لا تكون إلا إذا كان هناك شخصان يطلبان أمرًا، فيشفع أحدهما الآخر بخلاف الطالب الواحد الذي لم يشفع غيره (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-238> المسألة الثانية * بيان معنى القاعدة</span>\nدلت القاعدة في الجملة على أمرين عظيمين:\nالأول: أن مالك الشفاعة هو الله تعالى، فلا يملكها مخلوق على الإطلاق لا مَلَكٌ مقرب، ولا نبي مرسل، ولا ولي ولا صالح ولا جن ولا إنس، بل هي حق الله الخالص الذي لا يشركه فيه مخلوق بحال.\nالثاني: أن الأصل في الاستشفاع وهو طلب الشفاعة أن يكون من مالكها وهو الرب تعالى، أو ممن أذن الله تعالى أن يستشفع به فمن طلبها من غير الله أو من غير من أذن له وقع في الشرك الأكبر.\nفالقاعدة قررت ملك الله تعالى الكامل للشفاعة واستقلاله بها، فالمخلوقات دونه سبحانه لا تملك شيئًا من هذه الشفاعة على الإطلاق، وعليه فلا تطلب إلا من مالكها أو ممن أذن له سبحانه أن يشفع.\n_________\n= على مهمات التعاريف (ص ٤٣٢)، فتح الباري لابن حجر (١١/ ٤٤١)، الكليات لأبي البقاء (ص ٥٣٦)، لوامع الأنوار للسفاريني (٢/ ٢٠٤)، روح المعاني (٥/ ٩٧)، والتحرير والتنوير لابن عاشور (١/ ٤٨٦)، القول المفيد على كتاب التوحيد لابن عثيمين (١/ ٣٣١).\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (١/ ٢٤٢)، والتوسل أنواعه وأحكامه للشيخ الألباني (ص ٧٣).","vol":"2","page":854},{"text":"يقول الإمام ابن تيمية: \"إذ المخلوق لا يملك شيئًا يشارك فيه الخالق، كما قد ذكرناه في قوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ [الزخرف: ٨٦]: أن هذا عام مطلق؛ فإن أحدًا ممن يدعى من دونه لا يملك الشفاعة بحال، ولكن الله إذا أذن لهم شفعوا من غير أن يكون ذلك مملوك لهم\" (^١).\nولزيادة التوضيح والبيان لمعنى القاعدة فإن الاستشفاع وهو طلب الشفاعة يكون على ثلاث أحوال:\nالحالة الأولى: طلب الشفاعة في الدنيا ممن هو حي حاضر وقادر على أداء الشفاعة، وتكون الشفاعة فيما أباحه الله ورضيه لا فيما حرمه ومنعه، والشافع سائلٍ وداعٍ قد تقبل شفاعته بما له عند المُشَفِّع من المكانة والمنزلة والجاه وقد ترد، وهذه الشفاعة شاملة لأمور الدنيا والآخرة، وقد يكون المشفوع إليه هو الله تعالى وقد يكون غيره، فهذا مما أمر الله به أو أباحه (^٢).\nالحالة الثانية: طلب الشفاعة في الدنيا من الميت، أو من الحي الغائب، سواء كان موضوع الشفاعة يتعلق بأمر دنيوي، أو بأمر أخروي: فهذه هي الشفاعة الشركية، وهي شفاعة المشركين وقد أبطلها القرآن ونفاها في غير ما موضع، ولذا لم يثبت عن أحد من الصحابة -﵃- ولا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٤/ ٣٩٧).\n(^٢) يقول العز بن عبد السلام فيما يتعلق بمصالح الشفاعات الدنيوية ومقاصدها: \"وأما الشفاعات، فمصالحها للشافعين أخروية إذا قصدوا بذلك وجه الله ﷿، وأما المشفوع لهم فإن كانت الشفاعة في أمر دنيوي فهي دنيوية وسيلتها خير منها، وإن كانت أخروية كمن يشفع [في] تعليم علم، أو إعانة على عبادة من العبادات؛ كالجهاد والحج فهي للمشفوع له أخروية، وأجر المشفوع إليه أفضل من أجر الشافع؛ لأن الشافع مسبب، والمشفوع إليه مباشر، والمقاصد أفضل من الوسائل\". [الفوائد في اختصار المقاصد للعز بن عبد السلام وهو المسمى بالقواعد الصغرى (ص ٦٠)، وما بين المعقوفتين لعله سقط وهي زيادة يقتضيها السياق].","vol":"2","page":855},{"text":"عن تابعيهم، ولا عن أحد من سلف الأمة أنه دعا ميتًا أو غائبًا أو طلب منه الشفاعة.\nومن المعلوم بداهة أن طلب الشفاعة من أحد يلزم منه علم الشافع بهذه الشفاعة، ثم أداؤها، والميت أو الغائب إذا اسْتُشْفِعَ به فإنه لا يعلم بهذه الشفاعة، ولا يستطيع أداءها بحكم موته أو غيبته، وعليه فإن الشفاعة باطلة من أساسها (^١).\nالحالة الثالثة: طلب الشفاعة يوم القيامة، وهذه على ضربين:\nأحدهما: شفاعة مثبتة وهي شفاعة الأنبياء والملائكة والصالحين والشهداء وهي جائزة ونافعة إذا تحققت فيها شروط قبول الشفاعة وهي: إذنه سبحانه للشافع أن يشفع وللمشفوع له أن يشفع فيه (^٢)، ثم رضاه ﷿ عن الشافع والمشفوع له (^٣).\n_________\n(^١) والذي يطلب الشفاعة من الميت فإنه يعتقد علم الميت بحاله وسماعه لكلامه، وقدرته على أداء الشفاعة وتحقيق ما طلبه منه، ولا شك أن الميت ليس بوسعه فعل كل ذلك، ولذا بيَّن النبي - ﷺ - في حديث أبي هريرة - ﵁ - انقطاع الأعمال عن الميت إلا ما استثناه - ﷺ - فقال: \"إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له\". [أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الوصية، باب: ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، (٣/ ١٢٥٥)، رقم (١٦٣١)].\nيقول الشيخ عبد الله أبا بطين في حديث انقطاع عمل الميت: \"فدل على أن هذه الأشياء التي يطلبها المشركون من الأموات من قضاء حوائجهم أو الدعاء لهم ونحو ذلك التي هي أعمال صالحة من الحي قد استحال وجودها من الميت، فطلبها منه طلبٌ مستحيل لعجزه حسًّا، فلا يملك لنفسه ولا لغيره نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا\". [تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس (ص ٨٩)، وانظر: البراهين الإسامية (ص ٦٦)].\n(^٢) يقول الإمام ابن كثير: \"وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه ﷿ أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة\". [تفسير ابن كثير (١/ ٣١٠)].\n(^٣) هذا هو الذي حققه شيخ الإسلام ابن تيمية في أن الإذن والرضا كلاهما يتعلق بالشافع والمشفوع له، خلافًا لمن قصر الإذن على الشافع، والرضا عن المشفوع له. =","vol":"2","page":856},{"text":"الثاني: الشفاعة المنفية وهي التي يتخلف عنها أحد شرطي الشفاعة المثبتة، هذا النوع من الشفاعة غير واقع أصلًا، وإنما شيء تخيله المشركون في أذهانهم المنكوسة، وإلا فمن الذي يتجرأ في ذلك اليوم العصيب أن يتقدم ويتكلم ويخاطب رب العزة بدون إذنه سبحانه، بل قال سبحانه في شأن الملائكة: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾ [النبأ: ٣٨].\nوجملة القول أن الشفاعة إما أن تكون دنيوية يطلبها المستشفع في الدنيا، وإما أن تكون أخروية تطلب في الآخرة، والقاعدة دلت على أن الشفاعة ملك لله تعالى مطلقًا في الدنيا والآخرة، وأما كون طلبها ورجائها من غير الله أو من غير من أذن له شرك فهذا خاص بالحالة الثانية وهي طلب الشفاعة من الميت، أو من الحي الغائمب، الذي ليس\n_________\n= يقول الإمام ابن تيمية: \"وذلك أنه سبحانه قال: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ [طه: ١٠٩] والشفاعة: مصدر شفع شفاعة، والمصدر يضاف إلى (الفاعل) تارة، وإلى (محل الفعل) تارة، ويماثله الذي يسمى لفظه (المفعول به) تارة، كما يقال: أعجبني دق الثوب، ودق القصار، وذلك مثل لفظ العلم، يضاف تارة إلى العلم، وتارة إلى المعلوم، فالأول كقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ونحو ذلك. والثاني: كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، فالساعة هنا معلومة لا عالمة، وقوله حين قال فرعون: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١)﴾ [طه: ٥١] قال موسى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه: ٥٢]، ومثل هذا كثير. فالشفاعة مصدر لا بد لها من شافع ومشفوع له، والشفاعة تعم شفاعة كل شافع وكل شفاعة لمشفوع له، فإذا قال: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ [طه: ١٠٩]: نفى النوعين شفاعة الشفعاء والشفاعة للمذنبين فقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾: يتناول النوعين؛ من أذن له الرحمن ورضي له قولًا من الشفعاء، ومن أذن له الرحمن ورضي له قولًا من المشفوع له، وهي تنفع المشفوع له فتخلصه من العذاب، وتنفع الشافع فتقبل منه، ويكرم بقبولها، ويثاب عليه، والشفاعة يومئذٍ لا تنفع لا شافعًا ولا مشفوعًا له ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾ [النبأ: ٣٨]، فهذا الصنف: المأذون لهم، المرضي قولهم، هم الذين يحصل لهم نفع الشفاعة وهذا موافق لسائر الآيات\". [مجموع الفتاوى (١٤/ ٣٩١ - ٣٩٢)].","vol":"2","page":857},{"text":"في مقدوره أداء الشفاعة، والله تعالى لم يأذن لنا في دعاء الأموات ولا غيرهم إلا هو سبحانه، فقال ﷿: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨]، ومن المعلوم أن طلب الشفاعة من الله تعالى دعاء وهو عبادة فلا يجوز صرفها لغيره ﷾.\nولذلك قسَّم -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب الشفاعة إلى قسمين، فقال ﵀: \"والشفاعة شفاعتان؛ شفاعة منفية؛ وشفاعة مثبتة: فالشفاعة المنفية، هي التي تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله (^١)؛ والدليل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ [البقرة: ٢٥٤]، والمثبتة: هي التي تطلب من الله فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ والشافع: مكرم بالشفاعة؛ والمشفوع له: من رضي الله قوله وعمله، بعد الإذن\" (^٢).\nوأما طلبها في الآخرة ممن أذن له، أو في الدنيا من الأنبياء والصالحين حال حياتهم وحضورهم فهذا جائز لا منع فيه.\n_________\n(^١) يقول الإمام ابن تيمية: \"وتفصيل القول أن مطلوب العبد إن كان من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى؛ مثل أن يطلب شفاء مريضه من الآدميين والبهائم، أو وفاء دينه من غير جهة معينة، أو عافية أهله وما به من بلاء الدنيا والآخرة، وانتصاره على عدوه، وهداية قلبه، ويحسن خلقه، ويزكى نفسه، وأمثال ذلك، فهذه الأمور كلها لا يجوز أن تطلب إلا من الله تعالى، ولا يجوز أن يقول لملك ولا نبي ولا شيخ، سواء كان حيًا أو ميتًا: اغفر ذنبي، ولا انصرني على عدوي، ولا اشف مريضي، ولا عافني أو عاف أهلي أو دابتي، وما أشبه ذلك، ومن سأل ذلك مخلوقًا كائنًا من كان فهو مشرك بربه من جنس المشركين الذين يعبدون الملائكة والأنبياء والتماثيل التي يصورونها على صورهم، ومن جنس دعاء النصارى للمسيح وأمه ... وأما ما يقدر عليه العبد: فيجوز أن يطلب منه في بعض الأحوال دون بعض؛ فإن مسألة المخلوق قد تكون جائزة وقد تكون منهيًا عنها\". [مجموع الفتاوى (٢٧/ ٦٧ - ٦٨)].\n(^٢) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٢/ ٢٤)، [وانظر: القواعد الأربع ضمن مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٦/ ١٤٥)].","vol":"2","page":858},{"text":"يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: \"فإن الخصومة والنزاع في طلب الشفاعة، أو غيرها من الشفعاء في حال مماتهم، وقصدهم لذلك، ونحوه من المطالب المهمة، وأما حصول الشفاعة بسؤاله - ﷺ - إياها يوم القيامة، فهذا لا ينكر، وهو من جنس ما كان يطلب منه في حياته -ﷺ-، وأما بعد موته فلم يعرف عن أحد من أصحابه ولا عن أحد من أئمة الإسلام بعدهم أنه دعاه وطلب منه شفاعته أو غيرها، وإنما فعله بعض الخلوف الذين لا يرجع إليهم في مسائل الأحكام\" (^١).\nويقول الشيخ محمد بشير السهسواني: \"وجملة القول أن طلب الشفاعة منه - ﷺ - في حياته ثابتة بلا شك، وكذلك طلب الشفاعة منه - ﷺ - يوم القيامة، وهذا لا ينكره أحد\" (^٢).\nويقول الشيخ حسين بن غنام (^٣) في بيان أن طلب الشفاعة من الميت كفر مخرج عن الدين: \"وأما كون الطلب لها والسؤال كفرًا مبيحًا للدم والمال، فهذا كلام فيه غاية الإجمال، بل هو من المغالطة في\n_________\n(^١) منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس، للشيخ عبد اللطيف آل الشيخ (٢١٣).\n(^٢) صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دخلان (ص ٣٦٣)، وقال أيضًا: \"ثبوت الشفاعة وحصول الإذن يوم القيامة مسلّم لا ينكره أحد من أهل السُّنَّة والجماعة، وأما حصول الإذن الآن بالشفاعة التي تكون يوم القيامة فثبوته غير مسلم\". [المصدر السابق (ص ٣٧٢)].\n(^٣) هو: الشيخ حسين بن أبي بكر ابن غنام الإحسائي، المالكي مذهبًا، التميمي نسبًا، ولد ببلدة المبرز بالإحساء، ونشأ بها، ثم نزح من الإحساء إلى مدينة الدرعية ونزل على الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، فأكرماه وأنزلاه المنزلة الرفيعة، فاستقر في الدرعية وجلس فيها لطلبة العلم، وقد ألف مؤلفين هما: العقد الثمين في أصول الدين، وتاريخه المشهور بتاريخ ابن غنام وقد سماه: روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام. توفي سنة ١٢٢٥ هـ في الدرعية. [ترجمته في: مشاهير علماء نجد وغيرهم (ص ١٤٧)، ومعجم المؤلفين (١/ ٦٠٥) برقم (٤٥٥٧)].","vol":"2","page":859},{"text":"المناظرة والجدال، والذي نجزم به وندين هو ما أفصح به النور المبين، وذلك أن الحكم مختلف باختلاف الحال، في صدور السؤال والمقال:\nفما كان في حياته ﵊ فليس إلى منعه من سبيل، لورود النص فيه والدليل، ولا يلزم على ذلك وقوع المحذور، وحاشا أن يُقِرَّ أحدًا على محظور، فقد سأله الشفاعة من أصحابه جماعة (^١)، ولو كان سؤالها في حياته شركًا لسدَّ بابه، بل لم تسأل ذلك الصحابة، فلا ريب في جواز ذلك ولا إشكال، وليس للمقال فيه مجال.\nوأما بعد موته - ﷺ - فهو مما لا سبيل إليه، والطرق دونه مسدودة، وما يتشبث به المخالف للصواب من موضوعات الأدلة وضعافها مردودة، لا تقاوم قواطع النصوص، ولا تعارض براهين المنع المنصوص على استواء العموم في ذلك والخصوص.\nوحاصل التحقيق في إيضاح هذه الطريق أن نقول:\nاعلم أن الشفاعة كالاستغاثة محض حق لله تعالى، لا خلاف فيه بين أهل الحق في ذلك، ولا نزاع، ولا عبرة بخلاف أهل الزيغ والابتداع،\n_________\n(^١) سؤال الصحابة للنبي - ﷺ - الشفاعة والدعاء في حال حياته وحضوره لا يكاد يحصر أو يحصى، ومن ذلك: قول عكاشة بن محصن - ﵁ - في السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب: (ادع الله لي يا رسول الله أن يجعلني منهم فقال: اللَّهُمَّ اجعله منهم) صحيح البخاري (٥/ ٢١٨٩)، برقم (٥٤٧٤)، وصحيح مسلم (١/ ١٩٨)، برقم (٢١٨)، وكقول أم سليم: (يا رسول الله خادمك أنس ادع الله له قال اللَّهُمَّ أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته) صحيح البخاري (٥/ ٢٣٣٦)، برقم (٥٩٨٤)، وصحيح مسلم (١/ ٤٥٧)، برقم (٦٦٠)، وقول والد عبد الله بن بسر - ﵁ -: (ادع الله لنا، فقال: \"اللَّهُمَّ بارك لهم في ما رزقتهم واغفر لهم وارحمهم\") صحيح مسلم (٣/ ١٦١٥)، برقم (٢٠٤٢)، وقول المرأة التي كانت تصرع وتتكشف: (فادع الله لي قال: \"إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك\" فقالت: أصبر فقالت: إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف فدعا لها) صحيح البخاري (٥/ ٢١٤٠)، برقم (٥٣٢٨)، وكقول أبي هريرة - ﵁ - في قصة إسلام أمه صحيح مسلم (٤/ ١٩٣٨)، برقم (٢٤٩١)، وغير ذلك كثير.","vol":"2","page":860},{"text":"الذين يحرفون الكلم على خلاف مراد واضعه، ويضعون على وفق أهويتهم لا على وفق مواضعه، بل يبتدعون الأقوال، ويخترعون شبه الضلال.\nفإذا تقرر أنها من خالص حق رب العالمين، وأنها داخلة في جملة أنواع الدين، الذي قضاه وأمر به وأوجبه لنفسه دون البرية أجمعين: امتنع صرفها لغيره، فلا يجوز صرفها لرسول ولا نبيّ، ولا ملك مقرب ولا وليّ؛ لأن ذلك من الشرك الجلي، إلا أن الدليل القاطع خصَّ عموم النهي بالأموات لقيام المانع، ودلَّ على أن الاستغاثة بالحي الحاضر فيما يقدر عليه وكذلك الاستشفاع، كل منهما جائز من غير منازعة ولا دفاع، وأنهما خارجان من عموم الامتناع\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-239> المسألة الثالثة * أدلة القاعدة</span>\nعلمنا مما سبق دلالة القاعدة على أمرين:\nالأول: استقلاله سبحانه وتفرده بملكيته للشفاعة دون غيره من الخلق.\nالثاني: طلب الشفاعة من غير الله تعالى مباشرة، أو من غير من أَذن له تعالى يوقع في الشرك بالله العظيم.\nوفيما يلي أذكر بعض ما وقفت عليه من أدلة تدل على كلا الأمرين الذين اشتملت عليهما القاعدة:\nأولًا: أدلة عامة دلت على ملكية الله تعالى لجميع ما في الكون، بل هو مالك الدنيا والآخرة والشفاعة داخلة في هذا العموم، ومن تلك الآيات:\n_________\n(^١) انظر: العقد الثمين في شرح أحاديث أصول الدين، للشيخ حسين بن غنام (١٦٩ - ١٧١)، بتصرف.","vol":"2","page":861},{"text":"قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾ [البقرة: ١٠٧]، وقوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [المائدة: ١٧]، وقال سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقوله ﷿: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ [الفرقان: ٢]، وقال عز من قائل: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ [غافر: ١٥، ١٦].\nيقول الإمام السمعاني في قوله تعالى: ﴿مالك الملك﴾: \"ومعناه مالك العباد وما ملكوه\" (^١).\nويقول الشيخ السعدي في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾: \"بل الكلك كله لله الواحد القهار، فالعالم العلوي والسفلي كلهم مملوكون لله ليس لأحد من الملك شيء\" (^٢).\nثانيًا: تصريحه ﷾ بملكه التام للشفاعة وأنه لا يشركه فيها أحد من الخلق مهما كانت مكانته ومنزلته، ومن تلك الآيات:\nقوله سبحانه: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)﴾ [الزمر: ٤٣، ٤٤].\nبيَّن ﷾ ضعف هؤلاء الشفعاء وأنهم لا يملكون مثقال ذرة، لا\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ٣٠٦).\n(^٢) تفسير السعدي (ص ٤٦٩)، وانظر (ص ٥٧٧).","vol":"2","page":862},{"text":"شفاعة ولا غيرها، وأن الشفاعة جميعها خالصة لله تعالى ملكًا وتصرفًا، وعليه فيجب ألا تطلب الشفاعة إلا من الله تعالى أو ممن أذن له تعالى أن يشفع.\nيقول البيضاوي في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾: \"والمعنى أنه مالك الشفاعة كلها لا يستطيع أحد شفاعة إلا بإذنه ورضاه، ولا يستقل بها، ثم قرر ذلك فقال: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فإنه مالك الملك كله لا يملك أحد أن يتكلم في أمره دون إذنه ورضاه، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)﴾ يوم القيامة، فيكون الملك له أيضًا حينئذٍ\" (^١).\nويقول الإمام ابن القيم في بيان معنى الآية: \"فأخبر أن الشفاعة لمن له ملك السموات والأرض، وهو الله وحده، فهو الذي يشفع بنفسه إلى نفسه ليرحم عبده، فيأذن هو لمن يشاء أن يشفع فيه فصارت الشفاعة في الحقيقة إنما هي له، والذي يشفع عنده إنما يشفع بإذنه له وأمره بعد شفاعته سبحانه إلى نفسه، وهي إرادته من نفسه أن يرحم عبده، وهذا ضد الشفاعة الشركية التي أثبتها هؤلاء المشركون ومن وافقهم وهي التي أبطلها الله سبحانه في كتابه.\nفأخبر سبحانه أنه ليس للعباد شفيع من دونه، بل إذا أراد الله سبحانه رحمة عبده أذن هو لمن يشفع فيه ... فالشفاعة بإذنه ليست شفاعة من دونه ولا الشافع شفيع من دونه بل شفيع بإذنه\" (^٢).\nويقول الشيخ السندي: \"وثبوت الشفاعة لا يوجب أنه يملك شيئًا، سيما إذا كان محتاجًا فيها إلى الإذن من الله تعالى فقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ \" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير البيضاوي (٥/ ٧٠).\n(^٢) إغاثة اللهفان (١/ ٢٢٠)، وانظر: تفسير القرطبي (١٥/ ٢٦٤).\n(^٣) حاشية السندي على سنن النسائي (٦/ ٢٤٨).","vol":"2","page":863},{"text":"ثالثًا: أدلة دلت على أن الله هو المالك الحق للشفاعة دون غيره من الآلهة، ومع ملكه التام لها فقد أذن لمن شاء من عباده أن يشفع فيمن شاء منهم، ومن تلك الأدلة:\nقوله ﷿: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ [الزخرف: ٨٦]، وقوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾ [مريم: ٨٧].\nنفى الله سبحانه في الآيتين الشفاعة عمن دعي وعبد من دونه ثم استثنى بعد ذلك، وهذا الاستثناء فيه قولان لأهل العلم: الأول: أنه استثناء متصل، فقيل: المستثنى هو الشافع، وقيل بل هو المشفوع له، والثاني: أن الاستثناء في الآية منقطع وهذا هو الراجح (^١).\nيقول الإمام ابن تيمية بعد ذكره للقولين: \"قلت: كِلا القولين معناه صحيح، لكن التحقيق في تفسير الآية أن الاستثناء منقطع، ولا يملك أحد من دون الله الشفاعة مطلقًا لا يستثنى من ذلك أحد عند الله، فإنه لم يقل: ولا يشفع أحد، ولا قال: لا يشفع لأحد، بل قال: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾، وكل من دعي من دون الله لا يملك الشفاعة البتة، والشفاعة بإذن ليست مختصة بمن عبد من دون الله\" (^٢).\nوقال ﵀ أيضًا: \"والمقصود هنا أن قوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ قد تم الكلام هنا، فلا يملك أحد من المعبودين من دون الله الشفاعة البتة، ثم استثنى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ فهذا استثناء منقطع، والمنقطع يكون في المعنى المشترك بين\n_________\n(^١) ورجح هذا القول جمع من أهل العلم منهم الإمام ابن تيمية كما في النقل الآتي، وابن القيم، وابن كثير في تفسيره (٣/ ١٣٩)، و(٤/ ١٣٧)، وغيرهم، وانظر: أضواء البيان (٣/ ٥١٦).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٠٢)، وانظر: الرد على الإخنائي (ص ١٣٥).","vol":"2","page":864},{"text":"المذكورين، فلما نفى ملكهم الشفاعة بقيت الشفاعة بلا مالك لها، كأنه قد قيل: فإذا لم يملكوها هل يشفعون في أحد فقال: نعم\" (^١).\nويقول الشيخ السعدي في معنى الآية: \"أي: ليست الشفاعة ملكهم ولا لهم منها شيء، وإنما هي لله تعالى قل لله الشفاعة جميعًا\" (^٢).\nوقد يقال: إن من أَذن الله له في الشفاعة فقد مَلَّكَه ما أُذن له فيه، ولا يقال: إنه مالك للشفاعة بإطلاق، ولكن يقال: إن الله ملكه ذلك بإذن خاص، فهو مالك لما أذن له فيه فقط، أما ما لم يؤذن له فيه فلا يملك منه شيئًا.\nيقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: \"وقد بين تعالى في مواضع أخر أن المعبودات التي يعبدونها من دون الله لا تملك الشفاعة، وأن من شهد بالحق يملكها بإذن الله له في ذلك\" (^٣).\nويقول الشيخ عبد الله أبا بطين في رده على ابن جرجيس على قوله: إن الله ملَّك المؤمنين الشفاعة. فقال: \"فإطلاق القول بأن الله ملك المؤمنين الشفاعة خطأ، بل الشفاعة كلها لله وحده ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، وأثبت سبحانه الشفاعة بإذنه، وأخبر النبي - ﷺ - أن الأنبياء يشفعون والصالحين يشفعون، وعلى هذا فمن أذن الله له في الشفاعة يصح أن يقال: إنه مَلَكَ ما أُذن له فيه فقط، لا ما لم يؤذن له فيه، فهو تمليك معلَّق على الإذن والرضا، لا تمليك مطلق كما يزعمه هذا الضال\" (^٤).\nومن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٠٩).\n(^٢) تفسير السعدي (ص ٥٠٠).\n(^٣) أضواء البيان (٣/ ٥١٦).\n(^٤) تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس (ص ١١٥).","vol":"2","page":865},{"text":"مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾ [سبأ: ٢٢، ٢٣].\nوهذه الآية قطعت أصول الشفاعة الشركية، إذ نفت ملك الآلهة المعبودة لشيء من ذرات الكون لا استقلالًا ولا مشاركة ولا معاونة، ولم تبق إلا الشفاعة فبيّن الله أنها لا تنفع إلا من بعد إذنه سبحانه ورضاه (^١).\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فإن غير الله لا يستقل بفعل شيء البتة، ... فغير الله لا مالك لشيء، ولا شريك في شيء، ولا هو معاون للرب في شيء، بل قد يكون له شفاعة إن كان من الملائكة والأنبياء والصالحين، ولكن لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له، فلا بد أن يأذن للشافع أن يشفع، وأن يأذن للمشفوع له أن يُشْفَع له، ومن دونه لا يملكون الشفاعة البتة\" (^٢).\nوقال ﵀ أيضًا: \"وأما في الملك فلا يمكن أن يكون غيره مالكًا لها، فلا يملك مخلوق الشفاعة بحال، ولا يتصور أن يكون نبي فمن دونه مالكًا لها، بل هذا ممتنع كما يمتنع أن يكون خالقًا وربًّا، وهذا كما قال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾ فنفى الملك مطلقًا، ثم قال: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ فنفى نفع الشفاعة إلا لمن استثناه، لم يثبت أن مخلوقًا يملك الشفاعة، بل هو سبحانه له الملك وله الحمد، لا شريك له في الملك ... ولهذا لما نفى الشفعاء من دونه نفاهم نفيًا مطلقًا بغير استثناء، وإنما يقع الاستثناء إذا لم يقيدهم بأنهم من دونه ... فلما قال: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾\n_________\n(^١) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص ٢٢٦).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٠٥)، وانظر: (٧/ ٧٧)، و(٨/ ٥١٩ - ٥٢٠).","vol":"2","page":866},{"text":"[الأنعام: ٥١] نفى الشفاعة مطلقًا، وإذا ذكر ﴿بِإِذْنِهِ﴾ لم يقل: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] \" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-240> المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nأدرك أهل العلم -﵏- خطورة مسألة الشفاعة وسؤالها من غير مالكها، ولذا كثر اهتمامهم ببحثها وتقريرها وضبطها، كيف لا وهي سبب الضلال والانحراف لكثير من الأمم والشعوب في حاضر تاريخها وغابره، فوقعوا بسببها في الشرك بالله العظيم، وصرفت العبادة لغير الله المولى ﷾ (^٢)، وفيما يلي أذكر بعضًا مما وقفت عليه من كلام أهل العلم في تقرير وتأييد معنى القاعدة:\nيقول الإمام ابن تيمية في شأن المشركين: \"لكن كانوا يثبتون الشفاعة بدون إذنه، فيجعلون المخلوق يملك الشفاعة، وهذا نوع من الشرك، فلهذا قال تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾، فالشفاعة لا يملكها أحد غير الله\" (^٣).\nويقول - الإمام المجدد - الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"فإذا كانت الشفاعة كلها لله، ولا تكون إلا من بعد إذنه، ولا يشفع النبي - ﷺ - ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيه، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد، تبين لك أن الشفاعة لله كلها فاطلبها منه فأقول: اللَّهُمَّ لا تحرمني شفاعته، اللَّهُمَّ شفعه في وأمثال هذا\" (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٠٦).\n(^٢) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص ٢٢٠)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص ٢١٤).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٦/ ١٢٢).\n(^٤) كشف الشبهات ضمن مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب (الرسالة السابعة عشرة، رسالة إلى أهل المغرب) (٣/ ٦٣).","vol":"2","page":867},{"text":"ويقول ﵀: \"فالشّفاعة حق ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله تعالى\" (^١).\nويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾: \"أي: هومالكها، فليس لمن تطلب منه شيء منها، وإنما تطلب ممن يملكها دون كل من سواه؛ لأن ذلك عبادة وتأليه لا يصلح إلا لله\" (^٢).\nويقول الشيخ السعدي: \"فإذا أراد رحمة عبده أذن للشفيع الكريم عنده أن يشفع رحمة بالاثنين، ثم قرر أن الشفاعة كلها له بقوله: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٤٤]؛ أي: جميع ما فيها من الذوات والأفعال والصفات فالواجب أن تطلب الشفاعة ممن يملكها وتخلص له العبادة\" (^٣).\nويقول الشيخ حافظ الحكمي: \"والمقصود أن الشفاعة ملك لله ﷿ ولا تُسأل إلا منه، كما لا يكون إلا بإذنه للشافع في المشفوع حين يأذن في الشفاعة\" (^٤).\nويقول الشيخ صالح آل الشيخ - حفظه الله -: \"فإذا تبيَّن حَدُّ الشفاعة وحقيقتها، وأنها محض فضل من الله ﷾ وإكرام أوجب ذلك تعلق القلوب به سبحانه في طلب الشفاعة ورجائها، فالله تعالى هو المتفضل بها على الحقيقة، والعباد مكرمون بها، لا يبتدئون بالقول، ولا يسبقون بالقول، وإنما يجلّون، ويخافون، ويثنون على الله، ويحمدون، حتى يؤذن لهم بالشفاعة\" (^٥).\n_________\n(^١) الرسائل الشخصية ضمن مجموع مؤلفات محمد عبد الوهاب (الرسالة السابعة عشرة، رسالة إلى أهل المغرب) (٣/ ٦٣).\n(^٢) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص ١٥٩ - ١٦٠).\n(^٣) تفسير السعدي (ص ٧٢٦).\n(^٤) معارج القبول، للشيخ حافظ الحكمي (٢/ ٨٨٨ - ٨٨٩).\n(^٥) التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص ٢٢٣).","vol":"2","page":868},{"text":"هذا ما وقفت عليه من ألفاظ العلماء في تأييد معنى القاعدة وتقريرها.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-241> المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nيمكن الاستفادة من القاعدة وتطبيقها في أمور عديدة، ومن تلك الفوائد ما يلي:\nأولًا: دلت القاعدة على ثبوت الشفاعة الشرعية في الآخرة، وهذا هو مذهب أهل السُّنَّة والجماعة أخذًا بالنصوص الصريحة الدالة على ثبوتها، وذلك خلافًا لمن أنكرها من أهل البدع وتأول فيها النصوص على غير وجهها، والحق أنها ثابتة لمن أذن الله له في الآخرة أن يشفع من الأنبياء والملائكة والصالحين والشهداء وغيرهم، فهي نائلة كل من مات على التوحيد والإيمان وكان مقترفًا لكبائر الذنوب بعد إذن الله للشافع ورضاه عن المشفوع له.\nيقول الإمام ابن أبي العز الحنفي: \"ثم إن الناس في الشفاعة على ثلاثة أقوال: فالمشركون والنصارى والمبتدعون من الغلاة في المشايخ وغيرهم: يجعلون شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا، والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة نبينا - ﷺ - وغيره في أهل الكبائر، وأما أهل السُّنَّة والجماعة فيقرون بشفاعة نبينا - ﷺ - في أهل الكبائر وشفاعة غيره، لكن لا يشفع أحد حتى يأذن الله له، ويحد له حدًّا كما في الحديث الصحيح حديث الشفاعة\" (^١).\nثانيًا: دلت القاعدة على أن طلب الشفاعة في الدنيا من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا هو أو من غير إذنه شرك بالله تعالى؛ لأنها متضمنة\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٦٠)، وانظر: مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٤٠)، والفصل في الملل والأهواء (٤/ ٥٣).","vol":"2","page":869},{"text":"لسؤال غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، والإقبال عليه، رغبة ورهبة، وفي هذا إعراض عن الله وقصده وإرادة وجهه، فلا يشرع دعاء الملائكة ولا من مات من الأنبياء والصالحين لما يترتب على ذلك من مفسدة الوقوع في الشرك بالله تعالى.\nيقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: \"فإن قلت: إنما حكم ﷾ بالشرك على من عبد الشفعاء، أما من دعاهم للشفاعة فقط فهو لم يعبدهم فلا يكون ذلك شركًا.\nقيل: مجرد اتخاذ الشفعاء ملزوم للشرك، والشرك لازم له، كما أن الشرك ملزوم لتنقص الرب ﷾، والتنقص لازم له ضرورة، شاء المشرك أم أبى.\nوعلى هذا فالسؤال باطل من أصله لا وجود له في الخارج، وإنما هو شيء قدره المشركون في أذهانهم، فإدن الدعاء عبادة، بل هو مخ العبادة، فإذا دعاهم للشفاعة فقد عبدهم، وأشرك في عبادة الله شاء أم أبى\" (^١).\nويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: \"ولا ريب أن الاستشفاع بالأموات يتضمن أنواعًا من العبادة سؤال غير الله، وإنزال الحوائج به من دودن الله، ورجائه والرغبة إليه والإقبال عليه بالقلب والوجه واللسان، وهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله\" (^٢).\nويقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: \"وسؤال العباد والاستعانة بهم فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك جلي، ولو قال: يا ولي الله اشفع لي فإدن نفس السؤال محرم، وطلب الشفاعة منهم يشبه قول النصارى: يا\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان آل الشيخ (ص ٢٢١)، وأصل الكلام لابن القيم.\nانظر: إغاثة اللهفان (١/ ٦٢).\n(^٢) القول الفصل النفيس (ص ٩٠)، وانظر: فتح المجيد (ص ٥٩).","vol":"2","page":870},{"text":"والدة الله اشفعي لنا إلى الابن والإله، وقد أجمع المسلمون على أن هذا شرك، وإذا سألهم معتقدًا تأثيرهم من دون الله فهو أكبر وأطم\" (^١).\nويقول الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى: \"قد أخبر تعالى أن الشفاعة جميعها له، فمن طلبها من غير الله فقد طلبها ممن لا يملكها، ولا يسمع ولا يستجيب، وفي غير الوقت الذي تقع فيه، ولا قدرة له عليها إلا برضا ممن هي له، وإذنه فيها وقبوله، فطلبها ممن هي له في دار العمل عبادة من جملة العبادات، وصرف ذلك الطلب لغيره شرك عظيم، ومن تدبر آيات الشفاعة حق التدبر علم علمًا يقينيًا أنها لا تقع إلا لمن أخلص أعماله كلها لله، واتبع ما جاء به الرسول - ﷺ - من توحيده وشرائع دينه، فليس لله من عمل عبده إلا الإخلاص\" (^٢).\nولذا يقول الشيخ الشنقيطي مبينًا ومقررًا أن طلب الشفاعة من غير الله، واتخاذ الشفعاء بقصد القربة إلى الله تعالى هو أصل شرك المشركين، فقال: \"ادعاء الشفعاء، واتخاذ المعبودات من دون الله وسائط من أصول كفر الكفار\" (^٣).\nثالثًا: دلت القاعدة على أن الشفاعة لا تطلب إلا من مالكها، فلا تطلب ممن لا يملكها، ولم يؤذن له فيها، وكون الملائكة والأنبياء يشفعون في الآخرة فإن هذا لا يجيز دعاءهم وطلب الشفاعة منهم بعد موتهم أو في غيبتهم؛ لما يترتب على طلب الشفاعة منهم من مفسدة التوجه إلى غير الرب تعالى.\n_________\n(^١) البراهين الإسلامية في رد الشبهة الفارسية، للشيخ عبد اللطيف آل الشيخ (ص ١١٦)، ويقول أيضًا: \"فإن تعليق القلب والهمة بغير الله، والإقبال على سواه تعالى هو عين الشرك الأكبر الذي أنكره القرآن، وكفر أهله، وأباح دماءهم وأموالهم لأهل التوحيد والإيمان\". [اليراهين الإسلامية (ص ٦٨)].\n(^٢) الرد على شبهات المستعينين بغير الله (ص ٤٥).\n(^٣) أضواء البيان (٦/ ٣٥٣).","vol":"2","page":871},{"text":"يقول الإمام ابن تيمية: \"وإذا لم يشرع دعاء الملائكة لم يشرع دعاء من مات من الأنبياء والصالحين، ولا أن نطلب منهم الدعاء والشفاعة، وإن كانوا يدعون ويشفعون لوجهين:\nأحدهما: أن ما أمرهم الله به من ذلك هم يفعلونه وإن لم يطلب منهم، وما لم يؤمروا به لا يفعلونه ولو طلب منهم، فلا فائدة في الطلب منهم.\nالثاني: أن دعاءهم وطلب الشفاعة منهم في هذه الحال يفضي إلى الشرك بهم، ففيه هذه المفسدة، فلو قدر أن فيه مصلحة لكانت هذه المفسدة راجحة، فكيف ولا مصلحة فيه، بخلاف الطلب منهم في حياتهم وحضورهم فإنه لا مفسدة فيه، فإنهم ينهون عن الشرك بهم، بل فيه منفعة: وهو أنهم يثابون ويؤجرون على ما يفعلونه حينئذٍ من نفع الخلق كلهم؛ فإنهم في دار العمل والتكليف، وشفاعتهم في الآخرة فيها إظهار كرامة الله لهم يوم القيامة\" (^١).\nويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"فإن قال: النبي - ﷺ - أُعطي الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله! فالجواب أن الله أعطاه الشفاعة ونهاك عن هذا، فقال: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨]، فإذا كنت تدعو الله أن يُشَفِّعَ نبيه فيك فأطعه في قوله: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾.\nوأيضًا فإن الشفاعة أعطيها غير النبي - ﷺ -، فصح أن الملائكة يشفعون، والأولياء يشفعون، والأفراط يشفعون، أتقول: إنه الله أعطاهم الشفاعة فاطلبها منهم، فإن قلت هذا رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكر الله في كتابه، وإن قلت: لا بطل قولك أعطاه الله الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ١٨٠ - ١٨١).\n(^٢) كشف الشبهات ضمن مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٦/ ١٢١).","vol":"2","page":872},{"text":"رابعًا: دلت القاعدة على أن الشفاعة ملك لله تعالى ليس لأحد من الخلق حق فيها، بحيث يشفع لمن شاء كيف شاء في الوقت الذي يشاء، وهذا ما أوقع أهل الشرك والتنديد في الشرك بالله العظيم، حيث ادعوا لآلهتهم وأوليائهم هذا الحق، والشبهة التي أوقعتهم في هذا الجرم العظيم أنهم قاسوا الله تعالى على ملوك الدنيا حيث لا تستطيع الرعية سؤال الملك والطلب منه مباشرة، وإنما يرفعون أمرهم إلى المقربين من حاشية الملك وخاصته، وهم يرفعونها إلى الملك، فحقيقة أمرهم تشبيه الخالق بالمخلوق وهذا من أقبح الشرك والتنديد.\nوممن فنَّد هذه الشبهة وأطال في إبطالها الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في معرض رده على زعم مشركي العرب بأن للملائكة حق الاختيار في الشفاعة بدون إذن الله تعالى، فقال ﵀: \"شبهة هذا الفريق هي القياس على ملوك الدنيا كأنهم يقولون إننا نرى الملك من ملوك الدنيا لا يخلو أن يكون لديه أشخاص مقربون تعرض الناس عليهم حوائجهم فيعرضها المقربون على الملك، ويسألونه قضاءها فيقضيها إكرامًا لهؤلاء المقربين وَيُعَدُّ هذا من تمام عظمة الملك؛ لأن من الحوائج ما لا يَحْسُن عرضها على الملك بدون واسطة، ومن أصحاب الحوائج من لا يليق لمخاطبة الملك؛ إما لدناءته، وإما لإساءة تقدمت منه، ومنهم من لا يستحق أن تقضى حاجته، ولكن إذا شفع فيها أحد المقربين قضاها الملك؛ لأن ذلك المقرب يستحق الإكرام.\nالجواب: قد أبطل الله ﷿ هذه الشبهة بإخباره أن الملائكة لا يشفعون إلا بعد أن يأذن لهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، فهم بغاية التعظيم لربهم ﷿ والمحبة له، والاجتهاد في مرضاته. إن أحبوا أن يشفعوا لأحد فإنما ذلك لعلمهم بأن ربهم ﵎ يحب الشفاعة له ويرضاها، وقد أخبر الله تعالى عن بعض شفاعتهم بقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ","vol":"2","page":873},{"text":"وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)﴾ [الشورى: ٥ - ٦] وبيَّن استغفارهم لمن هو بقوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾ [غافر: ٧ - ٩].\nفأنت تراهم إنما شفعوا لمن تاب واتبع سبيل الله تعالى، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وإذا كان الأمر كذلك فطريق التوصل إلى شفاعة الملائكة إنما هي بطاعة الله تعالى، واتباع سبيله، والتوبة من الذنوب، ونحو ذلك، فأما تعظيمهم فإنه لا يحملهم على الشفاعة، بل إذا علموا أن تعظيمهم معصية لله تعالى، وكفر به كان أبغض الأشياء إليهم، فهم إلى أن يسألوا الله تعالى تعذيب فاعله أقرب من أن يشفعوا له، وكذا يقال في سؤال الشفاعة منهم\" (^١).\nويبين الإمام ابن القيم خطأ هذا القياس فيقول: \"وسر الفرق بين الشفاعتين: أن شفاعة المخلوق للمخلوق، وسؤاله للمشفوع عنده لا يفتقر فيها إلى المشفوع عنده؛ لا خلقًا، ولا أمرًا، ولا إذنًا، بل هو\n_________\n(^١) العبادة للشيخ عبد الرحمن المعلمي، (لوحة/ ٥٨٤ - ٥٨٦) بشيء من الاختصار والتصرف، وهو مخطوط بمكتبة الجامعة الإسلامية (فلم/ ٣٥٧٧)، وقرر هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية وقال في آخر كلامه: \"والمقصود هنا أن من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك بل هذا دين المشركين عباد الأوثان كانوا يقولون: إنها تماثيل الأنبياء والصالحين وأنها وسائل يتقربون بها إلى الله وهو من الشرك الذي أنكره الله على النصارى\". [انظر: مجموع الفتاوى (١/ ١٢٦ - ١٣٤، ١٢٩ - ١٣٥)، وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٦٥)، وتيسير العزيز الحميد (ص ٢٢١)، تفسير السعدي (ص ٧١٨)].","vol":"2","page":874},{"text":"سبب محرك له من خارج كسائر الأسباب التي تحرك الأسباب، وهذا السبب المحرك قد يكون عند المتحرك لأجله ما يوافقه كمن يشفع عنده في أمر يحبه ويرضاه وقد يكون عنده ما يخالفه كمن يشفع إليه\" (^١).\nويقول الإمام الصنعاني: \"وأما قياس رب العالمين على الكبراء حيث يتخذ الرجل من خواصه وأوليائه من يشفع عنده في الحوائج، فهذا قياس فاسد، والفرق بينهما هو الفرق بين الخلق والخالق، والرب والعبد، والمالك والمملوك، والغني والفقير، والذي لا حاجة له إلى أحد قط، والمحتاج من كل وجه إلى غيره، فأي قياس أبطل في الوجود من هذا القياس، مع مخالفته النصوص القرآنية، والسُّنَّة الإلهية، والطريقة الإيمانية\" (^٢).\nخامسًا: أفادت القاعدة جواز طلب الشفاعة ممن أذن له الرب ﵎ حال حياته وفي حضوره بعد رضاه عن المشفوع له، والله تعالى لا يرضى إلا بالتوحيد وإخلاص الدين له، وعليه فمن كان واقعًا في الشرك بالله العظيم فإن الله لا يأذن في الشفاعة فيه مطلقًا ولو بلغ الشفيع من المكانة والمنزلة ما بلغ.\nيقول الله تعالى في شأن الكافرين: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر: ٤٨]، وقال سبحانه: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨)﴾ [غافر: ١٨]، وقال تعالى حاكيًا لقولهم: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠)﴾ [الشعراء: ١٠٠]، وقال ﷿: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣)﴾ [الروم: ١٣]، وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣)﴾ [الزمر: ٤٣].\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (١/ ٢٢٢).\n(^٢) الإنصاف في حقيقة الأولياء ومالهم من الكرامات والألطاف، للصنعاني (ص ٦١).","vol":"2","page":875},{"text":"وقال سبحانه عن الملائكة: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾ [الأنبياء: ٢٨]، مع قوله: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧].\nيقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: \"الشفاعة المنفية هي الشفاعة للكفار، والشفاعة لغيرهم بدون إذن رب السماوات والأرض\" (^١).\nويقول الإمام ابن تيمية: \"وأما الشفاعة والدعاء: فانتفاع العباد به موقوف على شروط وله موانع، فالشفاعة للكفار بالنجاة من النار والاستغفار لهم مع موتهم على الكفر لا تنفعهم، ولو كان الشفيع أعظم الشفعاء جاهًا -فلا شفيع أعظم من محمد -ﷺ- ثم الخليل إبراهيم، وقد دعا الخليل إبراهيم لأبيه واستغفر له كما قال تعالى عنه: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم: ٤١].\nوقد كان -ﷺ- أراد أن يستغفر لأبي طالب اقتداء بإبراهيم، وأراد بعض المسلمين أن يستغفر لبعض أقاربه فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة: ١١٣] \" (^٢).\nسادسًا: الأصل الذي دلت عليه الأدلة المتعاضدة من الكتاب والسُّنَّة، أن الكفار الذين ماتوا على الشرك لا تنالهم الشفاعة أبدًا، ولا\n_________\n(^١) أضواء البيان (١/ ٣٥)، ويقول أيضًا في معنى قوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾ [مريم: ٨٧]: \"أي: لا يملك المجرمون الشَّفاعة؛ أي: لا يستحقون أن يشفع فيهم شافع يخلصهم مما هم فيه من الهول والعذاب ... وهذا الوجه يفهم منه بالأحرى أن المجرمين لا يشفعون في غيرهم؛ لأنَّهم إذا كانوا لا يستحقون أن يشفع فيهم غيرهم لكفرهم، فشفاعتهم في غيرهم ممنوعة من باب أولى\". [المصدر السابق (٣/ ٥١٥)].\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ١٤٥)، وانظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل (٤/ ٥٣).","vol":"2","page":876},{"text":"يجوز للمسلم أن يشفع فيهم ما داموا على كفرهم وعنادهم، ويستثنى من ذلك أمران:\nالأول: شفاعته - ﷺ - لأهل الموقف (الشفاعة العظمى).\nالثاني: شفاعته - ﷺ - لعمه أبي طالب (^١).\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وأيضًا فالأحاديث المستفيضة عن النبي - ﷺ - في الشفاعة فيها استشفاع أهل الموقف ليقضى بينهم، وفيهم المؤمن والكافر، وهذا فيه نوع شفاعة للكفار.\nوأيضًا ففي \"الصحيح\" عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: (يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء؛ فإنه كان يحوطك ويغضب لك، قال: نعم هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) ... فهذا نص صحيح صريح لشفاعته في بعض الكفار أن يخفف عنه العذاب، بل في أن يجعل أهون أهل النار عذابًا\" (^٢).\nوالحاصل أن هذه الشفاعة في تخفيف العذاب لا في رفعه بالكلية، وهي خاصة بالنبي - ﷺ - وبأهل الموقف وبعم النبي -ﷺ- أبي طالب.\nيقول ابن العربي: \"وهذه شفاعة في تخفيف العذاب\" (^٣).\nويقول القرطبي ﵀: \"لا يبعد أن يخفف عن الكافر بعض العذاب بما عمل من الخير، لكن مع انضمام شفاعة، كما جاء في أبي طالب، فأما غيره فقد أخبر التنزيل بقوله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] \" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب: قصة أبي طالب عن العباس بن عبد المطلب -﵁- (قال للنبي -ﷺ-: ما أغنيت عن عمك فإنه كان يحوطك ويغضب لك، قال: هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) (٨/ ١٤٠٣)، برقم (٣٦٧٠)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: باب: قصة أبي طالب (١/ ١٩٤)، برقم (٢٠٩).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ١١٦ - ١١٧).\n(^٣) أحكام القرآن، لابن العربي (٢/ ٥٩٤).\n(^٤) تفسير القرطبي (٨/ ١٦٢ - ١٦٣).","vol":"2","page":877},{"text":"ويقول الإمام ابن تيمية: \"فإذا كان في الكفار من خفَّ كفره بسبب نصرته ومعونته، فإنه تنفعه شفاعته في تخفيف العذاب عنه، لا في إسقاط العذاب بالكلية\" (^١).\nويقول الإمام ابن كثير في شفاعة النبي - ﷺ - لأبي طالب: \"وقد يكون هذا خاصًا بأبي طالب من دون الكفار\" (^٢).\nويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: \"تنبيه: هذا الذي قررناه من أن الشفاعة للكفار مستحيلة شرعًا مطلقًا يستثنى منه شفاعته -ﷺ- لعمه أبي طالب في نقله من محل من النار إلى محل آخر منها، كما ثبت عنه -ﷺ- في \"الصحيح\"، فهذه الصورة التي ذكرنا من تخصيص الكتاب بالسُّنَّة\" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ١٤٤).\n(^٢) تفسير ابن كثير (١/ ٤٩٨).\n(^٣) أضواء البيان (١/ ٣٦)، وانظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٥٧).","vol":"2","page":878},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>المبحث السابع\nقاعدة كل ما ورد في القرآن من الأمر بالدعاء والنهي عن دعاء غير الله يتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-243> المسألة الأولى* شرح ألفاظ القاعدة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>بيان معنى الدعاء وأقسامه:</span>\nالدُّعاءُ مشتق من أصل لغوي ثلاثي هو (دَعَوَ)، تقول: دعوت الشيء أدعوه دعاء، وهو مصدر ممدود الآخر، على وزن (فُعَالٌ)، تقول: دَعا يَدْعُو دُعاءً ودَعْوَى وأَلِفُها للتَّأْنِيثِ، وبعضُ العَرَبِ يُؤَنِّثُ الدَّعْوَةَ بالأَلِفِ فيقولُ الدَّعْوَى.\nوالهمزة في (دعاء) منقلبة عن واو، والأصل (دعاو)، فهي واوية الأصل، تقول: دعوتُ أدعو دُعاءً فأنا داعٍ والمفعول مدعوِّ، فهذا يدل على أن أصل الهمزة في دعاء الواو، وإنما أبدلت همزة لتطرفها إثر ألف زائدة (^١).\n_________\n(^١) انظر: الصحاح للجوهري (٦/ ٢٣٣٧)، وجمهرة اللغة، لابن دريد (٢/ ١٠٥٩)، وتاج العروس (١٠/ ١٢٦).","vol":"2","page":879},{"text":"وقد أرجع ابن فارس معاني مادة (دعو) وتصاريفها إلى أصل واحد فقال: \" (دعو) الدال والعين والحرف المعتل أصل واحد، وهو أن تميل الشيء إليك بصوت وكلام يكون منك\" (^١).\nيقال: دعا بالشيء دعوًا ودعوة ودعاء ودعوى: طلب إحضاره، ودعا إلى الشيء يدعو دعاء: رغب فيه وقرب إليه، ودعا فلانًا: سأله واستعان به ورغب إليه وابتهل، ويقال: دعا الله رجا منه الخير، ودعا لفلان: طلب الخير له، ودعا على فلان طلب له الشر، ودعا إلى الشيء حثه على قصده، ويقال ما دعاه إلى أن يفعل كذا: ما اضطره ودفعه، واستدعاه: صاح به وطلبه واستلزمه، وطلب أن يدعو له، أو فعل ما يستحق أن يدعو عليه، وتداعت عليهم القبائل من كل جانب: اجتمعت عليهم، وتألبت بالعداوة (^٢).\nوألصق المعاني بالمعنى الشرعي معنيان:\nالأول: السؤال والطلب.\nالثاني: الرغبة والرجاء والابتهال.\nقال ابن سيده في معنى الدعاء: \"طلب الطالب للفعل من غيره\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"الدعاء: الرغبة إلى الله ﷿\" (^٤).\nوقال ابن العربي: \"وَالدُّعَاءُ فِي اللُّغَةِ وَالْحَقِيقَةِ هُوَ الطَّلَبُ\" (^٥).\nوقال الشوكاني: \"لأن معنى الدعاء حقيقة وشرعًا هو الطلب\" (^٦).\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة (٢/ ٢٧٩).\n(^٢) انظر: تاج العروس (٣٨/ ٤٦)، والقاموس المحيط (١٦٥٥)، والمعجم الوسيط (١/ ٢٨٦)، ومعجم الأفعال المتعدية بحرف (ص ١٠٠).\n(^٣) المخصص لابن سيده (١٣/ ٨٨).\n(^٤) المحكم والمحيط الأعظم (٢/ ٣٢٥).\n(^٥) أحكام القرآن، لابن العربي (٢/ ٣٥٠ - ٣٥١).\n(^٦) فتح القدير (٤/ ٤٩٨)، وانظر: التسهيل لعلوم التنزيل (٤/ ٨)، وصيانة الإنسان (ص ٤٢٨).","vol":"2","page":880},{"text":"والدعاء في عرف الشرع ينقسم إلى قسمين:\n١ - دعاء العبادة.\n٢ - ودعاء المسألة.\nفدعاء العبادة هو العبادة نفسها، والتي يتقرب بها العبد إلى ربه ﵎، طالبًا رضوانه والجنة، وأن يبعده من النار وما يقرب إليها، ويدخل في ذلك جميع ما يتعبد به الله تعالى، ومن أعظم العبادات هي سؤاله والطلب منه ﷾، وهو النوع الثاني من أنواع الدعاء وهو:\nدعاء المسألة، وهو أن يسأل الله ويطلب منه تحقيق أمر من أمور الدنيا أو الآخرة.\nيقول الإمام ابن أبي العز الحنفي: \"وإذا علم العباد أنه قريب يجيب دعوة الداعي علموا قربه منهم، وتمكنهم من سؤاله، وعلموا علمه ورحمته وقدرته فدعوه دعاء العبادة في حال، ودعاء المسألة في حال، وجمعوا بينهما في حال؛ إذ الدعاء اسم يجمع العبادة والاستعانة\" (^١).\nويقول الشيخ سليمان آل الشيخ في بيان المقصود بدعاء المسألة: \"دعاء المسألة: وهو دعاؤه سبحانه في جلب المنفعة ودفع المضرة، بقطع النظر عن الامتثال، ولفظ الصلاة في اللغة أصله الدعاء، وسميت الصلاة دعاء لتضمنها معناه، وهو الدعاء الشامل للعبادة والمسألة\" (^٢).\nويقول الشيخ محمود شكري الألوسي معرفًا له: \"وهو طلب العبد من ربه بالصيغة القولية\" (^٣).\nوعرَّفه الشيخ السعدي بقوله: \"وذلك لأن الداعي دعاء المسألة يطلب سؤله بلسان المقال\" (^٤).\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٥٢٢).\n(^٢) التوضيح عن توحيد الخلاق (ص ٢٩٢).\n(^٣) غاية الأماني في الرد على النبهاني (٢/ ٣٣٢، ٣٣٥، ٣٣٧).\n(^٤) القواعد الحسان (ص ١٢٧).","vol":"2","page":881},{"text":"ويقول الشيخ سليمان آل الشيخ في معنى دعاء العبادة: \"أما دعاء العبادة فهو عبادة الله تعالى بأنواع العبادات؛ من الصلاة، والذبح، والنذر، والصيام، والحج، وغيرها، خوفًا وطمعًا، يرجو رحمته، ويخاف عذابه، وإن لم يكن في ذلك صيغة سؤال وطلب، فالعابد الذي يريد الجنة ويهرب من النار وهو سائل راغب راهب، يرغب في حصول مراده ويرهب من فواته، وهو سائل لما يطلبه بامتثال الأمر في فعل العبادة، وقد فسر قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، بهذا وهذا، قيل اعبدوني وامتثلوا أمري أستجب لكم، وقيل سلوني أعطكم\" (^١).\nويظهر مما سبق أن دعاء العبادة أعم من دعاء المسألة، فالأول يراد به التقرب إلى الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه بجميع أنواع العبادة، ويكون الطلب والسؤال من الله داخلًا تحت عموم العبادة، إذ يعد والحالة هذه فردًا من أفراد العبادة، وهو في نفس الوقت قسيمًا لدعاء العبادة تحت لفظ الدعاء الشرعي العام (^٢).\nومما يدل على كون الدعاء أعم من السؤال تفريق النبي - ﷺ - بين الداعي والسائل كما جاء في حديث (النزول) عنْ أبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أنَّ رسول الله -ﷺ - قال: \"يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فأستَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْألُنِي فأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُني فأغْفِرَ لَهُ\" (^٣).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد (ص ١٨٢).\n(^٢) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٦/ ٨٤).\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه، أبواب التهجد، باب: الدعاء والصلاة من آخر الليل (١/ ٣٨٤)، برقم (١٠٩٤)، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين، باب: الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه (١/ ٥٢١)، برقم (٧٥٨)، من رواية أبي هريرة -﵁-.","vol":"2","page":882},{"text":"يقول ابن أبي العز الحنفي: \"والداعي أعم من السائل، وإجابة الداعي أعم من إعطاء السائل، ولهذا قال النبي - ﷺ - ... فذكر حديث أبي هريرة - ﵁ - السابق ثم قال عقبه: ففرق بين الداعي والسائل، وبين الإجابة والإعطاء، وهو فرق بين العموم والخصوص، كما أتبع ذلك بالمستغفر، وهو نوع من السائل، فذكر العام ثم الخاص ثم الأخص\" (^١).\nوالتوجه بالدعاء لا بد فيه من إرادة وقصد، فإذا أردت بدعائك المعبود نفسه كان ذلك دعاء عبادة، وإذا كان قصدك بدعائك تحصيل أمر، ونيل مطلوب من المعبود كان الدعاء دعاء مسألة.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"ولفظ دعاء الله في القرآن يراد به دعاء العبادة ودعاء المسألة، فدعاء العبادة يكون الله هو المراد به، فيكون الله هو المراد، ودعاء المسألة يكون الله هو المراد منه، كما في قول المصلي: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، فالعبادة إرادته والاستعانة وسيلة إلى العبادة، فالعبادة إرادة المقصود، وإرادة الاستعانة إرادة الوسيلة إلى المقصود\" (^٢).\nويقول أيضًا: \"والدعاء: قصد المدعو والتوجه إليه إما على وجه المسألة، وإما على وجه العبادة المحضة؛ لأن دعاء الشيء هو طلبه وإرادته، سواء طلب لذاته أو للأمر منه\" (^٣).\nوالعلاقة بين دعاء العبادة ودعاء المسألة (^٤): أن دعاء العبادة مُسْتَلْزِم لدعاء المسألة ومتضمن له من جهة، فإن من رضي بالله ربًّا\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٥٢٢).\n(^٢) النبوات (ص ٨٢).\n(^٣) شرح العمدة (٤/ ٢٧ - ٢٨).\n(^٤) انظر: مجموع الفتاوى (١٥/ ١٠، ٢٤٣)، وجلاء الأفهام (ص ٨١).","vol":"2","page":883},{"text":"ومعبودًا، وكان خاضعًا ذليلًا، راجيًا محبًا، قائمًا وساجدًا لزمه أن يسأل ربه في كل ما يحتاجه من أمور دينه ودنياه، كأن يسأله القبول والثواب لما يقوم به من العبادة، وهو متضمن لدعاء المسألة بلسان الحال؛ إذ العابد المعظم لمعبوده هو في الحقيقة سائل وطالب منه الرضا والمثوبة.\nكما أن دعاء المسألة متضمِّن لدعاء العبادة؛ بمعنى: أن بعض أفراد دعاء العبادة داخلة في دعاء المسألة؛ وذلك لكون الداعي دعاء المسألة عابد لله تعالى بسؤاله، ورغبته، والتضرع إليه، والابتهال إليه، والانطراح بين يديه، وهو يرجو قبول دعوته، وقضاء حاجته، وهو مع ذلك خائف من طرده، وعدم قبول دعوته، فهذا هو لب العبادة، ومخها، وروحها، وحقيقتها (^١).\nأو يقال: العلاقة بينهما السببية والمسببية، فإن العبادة سبب للدعاء؛ فإن من عبد شيئًا، فإنَّه يدعوه عند احتياجه إليه، وهذا هو الغالب من حال من يعبد غيره أن يلتجئ إليه في المسألة ليعرف مراده إذا سمع دعاءه، ثم يستجيب له في بذل منفعة، أو دفع مضرة (^٢).\nويمكن القول بأن دعاء العبادة ودعاء المسألة يشبه الألفاظ التي إذا اجتمعت في الذكر افترقت في المعنى، وإذا افترقت في الذكر اجتمعت في المعنى؛ ولذا لا يتصور الانفكاك بينهما.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"اعلم أن لفظ الدعاء والدعوة يتناول معنيين: دعاء العبادة ودعاء المسألة، وكل عابد سائل، وكل سائل عابد، فأحد الاسمين يتناول الآخر عند تجرده عنه، وإذا جمع بينهما فإنه يراد بالسائل الذي يطلب جلب المنفعة، ودفع المضرة بصيغ السؤال والطلب،\n_________\n(^١) انظر: الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية، للعروسي (١/ ١١٦).\n(^٢) انظر: صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان نقلًا عن الرازي (ص ٤٣٤).","vol":"2","page":884},{"text":"ويراد بالعابد من يطلب ذلك بامتثال الأمر وإن لم يكن هناك صيغة سؤال ولا طلب، ولا يتصور أن يخلو داع لله دعاء عبادة أو دعاء مسألة من الرغب والرهب، والخوف والطمع\" (^١).\nومما ينبغي التنبيه عليه أن تقسيم الدعاء الشرعي إلى نوعين لا يعني أنهما متضادان أو متباينان بحيث لا يقصد به إلا معنى واحدًا من أنواع الدعاء في كل موطن ورد فيه مع عدم أخذ المعنى الآخر في الاعتبار، هذا لا يحصل؛ لعدم انفكاك أحد النوعين عن الآخر، وإنما غاية الأمر أن تكون دلالة السياق أو ما يقترن به على أحد النوعين أظهر من النوع الآخر، وهو في نفس الوقت دال على النوع الآخر إما بدلالة الالتزام، أو بدلالة التضمن، وعلى النوع الذي هو فيه أظهر بدلالة المطابقة؛ فإذا أريد بالدعاء دعاء المسألة والطلب، فإنَّه يدل على دعاء العبادة بطريق التضمن؛ لأن الداعي دعاء المسألة عابد لله تعالى بسؤاله والتضرع إليه، وأما إذا أريد بالدعاء دعاء العبادة، فإنَّه يدل على دعاء المسألة بطريق دلالة الالتزام والتضمن من جهة كما سبق تفصيله.\nومن أهل العلم من قسَّم دعاء المسألة إلى قسمين: دعاء عبادة ودعاء عادة.\nيقول الشيخ محمد رشيد رضا: \"إن الدعاء قسمان: دعاء العبادة، ودعاء العادة، فالثاني ما يطلبه الناس بعضهم من بعض، مما يقدرون عليه بالأسباب التي سخرها الله لهم، ودعاء العبادة: هو طلب ما وراء الأسباب مما لا يقدر عليه إلا رب العباد\" (^٢).\n_________\n(^١) مختصر الفتاوى المصرية (ص ١٢٨).\n(^٢) انظر: تعليق الشيخ محمد رشيد على كتاب \"صيانة الإنسان\" (ص ٣٧٤)، وحياة القلوب بدعاء علام الغيوب، لعبد الظاهر أبي السمح (ص ٣١).","vol":"2","page":885},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-245> المسألة الثانية * معنى القاعدة</span>\nالمتأمل في آيات القرآن الكريم ونصوص الشرع عمومًا يظهر له صحة هذه القاعدة؛ لأن ذكر أهل العلم لها إنما كان عن استقراء لنصوص الشرع وآيات القرآن المجيد التي جاء فيها ذكر الدعاء، والقاعدة أفادت بأن مجيء الأمر من الله تعالى بدعائه سبحانه وحده، والنهي عن دعاء أحد سواه يتناول كلا نوعي الدعاء؛ دعاء العبادة ودعاء المسألة.\nوعليه فجميع ما ورد في القرآن من الأمر بدعاء الله وحده، أو النهي عن دعاء غيره يصح تفسيره بدعاء العبادة ودعاء المسألة في آن واحد؛ وذلك لكون كلا النوعين عبادة لله تعالى، والعبادة يحبها الله تعالى ويأمر بها، وينهى أن تصرف لغيره سبحانه، وعليه فإذا جاء الأمر بدعاء الله وحده، أو النهي عن دعاء غيره لا يمكن حمله على نوع دون الآخر؛ لأن كلا النوعين مما أحبه ورضيه ﷾، وأمر بأن يصرف له وحده، وكلاهما مما نهى عن صرفه لغيره سبحانه، ولذا فالواجب صرف الدعاء كله لله تعالى، وعدم صرف شيء منه لأحد دونه؛ سواء كان دعاء عبادة أو دعاء مسألة (^١).\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وهذان هما نوعا الدعاء كما تقدم، وهما جميعًا مختصان بالله، حقَّان له لا يصلحان لغيره، بل دعاء غيره بأحد النوعين شرك كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠)﴾ [الجن: ١٨ - ٢٠]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]، وقال تعالى: ﴿دُعَاؤُكُمْ﴾\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (١/ ٦٩).","vol":"2","page":886},{"text":"[الفرقان: ٧٧]، وقال: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١)﴾ [هود: ١٠١]، فغير الله لا يجوز أن يكون مستعانًا به، متوكلًا عليه؛ لأنه لا يستقل بفعل شيء أصلًا\" (^١).\nومن أعظم أنواع دعاء العبادة التي يتقرب بها العبد إلى الله تعالى هو توحيده سبحانه والإيمان به ﷿، وتعظيمه وإجلاله ﵎.\nيقول الإمام ابن رجب: \"اعلم أن أصل الدعاء في اللغة: الطلب، فهو استدعاء لما يطلبه الداعي ويؤثر حصوله، فتارة يكون الدعاء بالسؤال من الله ﷿ والابتهال إليه؛ كقول الداعي: اللَّهُمَّ اغفر لي، اللَّهُمَّ ارحمني، وتارة يكون بالإتيان بالأسباب التي تقتضي حصول المطالب؛ وهو الاشتغال بطاعة الله وذكره، وما يجب من عبده أن يفعله وهذا هو حقيقة الإيمان ... فما اسْتَجْلَبَ العبد من الله ما يحب، واسْتَدْفَعَ منه ما يكره بأعظم من اشتغاله بطاعة الله، وعبادته، وذكره، وهو حقيقة الإيمان، فإن الله يدافع عن الذين آمنوا\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-246> المسألة الثالثة * أدلة القاعدة</span>\nلا تكاد أدلة هذه القاعدة تحصى إلا بشيء من الجهد، خاصة بعد التأمل في آيات القرآن المجيد، وأحاديث المصطفى الكريم، وفيما يأتي بعض ما وقفت عليه من أدلة مما ذكره أهل العلم، أو ظهر لي استقامة الاستدلال به:\nأولًا: من المعلوم أن دعاء المسألة ودعاء العبادة لا يخرجان عن مفهوم العبادة العام، كما سبق بيانه؛ فدعاء العبادة هو العبادة نفسها،\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٤٥٧).\n(^٢) فتح الباري، لابن رجب (١/ ٢٠).","vol":"2","page":887},{"text":"ودعاء المسألة دلت النصوص الشرعية على أنه عبادة، كما في حديث النعمان بن بشير - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ\"، وقرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، إلى قوله: ﴿دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠] (^١).\nفإذا ثبت كون الدعاء بنوعيه عبادة صح أن يتوجه الأمر أو النهي إليهما جميعًا؛ لأن الله لا يأمر إلَّا بما هو عبادة يحبها ويرضاها، وحمل الأمر أو النهي على أحدهما دون الآخر تحكم بلا دليل، إذ كلاهما محبوب لله تعالى فتوجه إليها الأمر سواء كان أمر إيجاب أو أمر استحباب.\nلكن قد يكون أحد المعنيين أظهر من الآخر، فهذا لا يعني أن حمله على الآخر يعد باطلًا، بل معناه حق وصواب وإن كان ظهوره ليس كالأول، وذلك إنما يصار إليه إذا كان في النص قرينة تقوي حمله على أحد المعنيين، فإذا لم يكن في الدليل النصي قرينة تحدد أحد المعنيين، تعين حمله على المعنيين جميعًا على السواء؛ لأن حمل النص على أحد المعنيين بدون دليل ولا برهان تحكُم في النص وذلك لا يجوز.\nثانيًا: الأدلة التي جاء فيها الأمر بدعاء الله وحده، والنهي عن دعاء غيره، أو فيها الثناء على الداعين فسَّرها أهل العلم بدعاء العبادة ودعاء المسألة، وفي بعضها نصوا على أن أحد المعنيين أظهر من المعنى\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٢٦٧)، برقم (١٨٣٧٨)، وأبو داود في سننه، باب: الدعاء (٢/ ٧٦)، برقم (١٤٧٩)، والترمذي في جامعه (٥/ ٢١١)، برقم (٢٩٦٩)، وقال عقبه: \"قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح\"، وأخرجه البزار في مسنده (٨/ ٢٠٥)، برقم (٣٢٤٣)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين (١/ ٦٦٧)، برقم (١٨٠٢)، وقال: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\"، وصححه النووي في الأذكار (٣٠٩)، وقال الحافظ ابن حجر عقب ذكره للحديث: \"أخرجه أصحاب السُّنن بسند جيد\". [فتح الباري (١/ ٤٩)].","vol":"2","page":888},{"text":"الآخر، مع اعتبار المعنى الآخر، وفيما يأتي بعض هذه النصوص وكلام أهل العلم في بيانها:\nفمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].\nيقول الإمام الطبري: \"وقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾: يقول تعالى ذكره: ويقول ربكم أيها الناس ادعوني لكم استجب؛ يقول: اعبدوني وأخلصوا لي العبادة دون من تعبدون من دون الأوثان والأصنام وغير ذلك أستجب لكم؛ يقول أجب دعاءكم، فأعفو عنكم وأرحمكم\" (^١).\nوبعض أهل العلم فسر الدعاء بدعاء العبادة، وممن ذكر هذا البغوي حيث قال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾؛ أي: اعبدوني دون غيري أجبكم وأثبكم وأغفر لكم، فلما عبر عن العبادة بالدعاء جعل الإصابة استجابة\" (^٢).\nوذكر الثعلبي معنى القولين ونسبهما إلى أكثر المفسرين حيث قال: \" ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾؛ أي: وحدوني واعبدوني دون غيري أجبكم، وآجركم، وأثيبكم، وأغفر لكم. هذا قول أكثر المفسرين يدل عليه سياق الآية\" (^٣).\nويقول الإمام ابن تيمية: \"ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾: فالدعاء يتضمن النوعين، وهو في دعاء العبادة\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢٤/ ٧٨)، يقول الإمام الشوكاني: \"وكون الدعاء من العبادة لا يستلزم أن الإجابة هي القبول للدعاء؛ أي: جعله عبادة متقبلة، فالإجابة أمر آخر غير قبول هذه العبادة، والمراد أنه سبحانه يجيب بما شاء وكيف شاء، فقد يحصل المطلوب قريبًا، وقد يحصل بعيدًا، وقد يدفع عن الداعي من البلاء ما لا يعلمه بسبب دعائه، وهذا مقيد بعدم اعتداء الداعي في دعائه\". [فتح القدير (١/ ١٨٤)].\n(^٢) تفسير البغوي (٤/ ١٠٣).\n(^٣) تفسير الثعلبي (٨/ ٢٧٩).","vol":"2","page":889},{"text":"أظهر؛ ولهذا أعقبه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ الآية، ويفسر الدعاء في الآية بهذا وهذا\" (^١).\nويقول الشيخ السعدي في معنى الآية: \"هذا من لطفه بعباده ونعمته العظيمة، حيث دعاهم إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، وأمرهم بدعائه دعاء العبادة ودعاء المسألة، ووعدهم أن يستجيب لهم، وتوعد من استكبر عنها\" (^٢).\nويقول الشيخ الأمين الشنقيطي: \"قال بعض العلماء: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾: اعبدوني أثبكم من عبادتكم، ويدل لهذا قوله بعده: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾، وقال بعض العلماء: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾؛ أي: اسألوني أعطكم، ولا منافاة بين القولين لأن دعاء الله من أنواع عبادته\" (^٣).\nثالثًا: ومما يدل على صحة القاعدة مسألة التلازم الحاصل بين دعاء العبادة ودعاء المسألة؛ إذ كل دعاء عبادة يستلزم دعاء المسألة ويتضمنه من جهة، وكل دعاء مسألة يتضمن دعاء العبادة، فلا يمكن تصور صدور دعاء العبادة من العبد بدون نية الطلب ولو بدون صيغة السؤال القولية، إذ كل عابد إنما يريد ويطلب بعبادته رضا الله وجنته، والبعد عن سخطه وناره، كما أن دعاء المسألة داخل في دعاء العبادة (^٤)، إذ هو فرد من أفراده، فثبت بذلك عدم انفكاك أحد النوعين عن الآخر، وعليه يكون الأمر بأحدهما أمرًا بالآخر، والنهي عن أحدهما نهي عن الآخر.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"اعلم أن لفظ الدعاء والدعوة يتناول\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٥/ ١٢).\n(^٢) تفسير السعدي (٧٤٠).\n(^٣) أضواء البيان (٦/ ٣٩٣)، وانظر: مواهب الجليل (١/ ٣٧٨).\n(^٤) انظر: أضواء البيان للشنقيطي (٦/ ٨٤).","vol":"2","page":890},{"text":"معنيين؛ دعاء العبادة ودعاء المسألة، وكل عابد سائل، وكل سائل عابد، فأحد الاسمين يتناول الآخر عند تجرده عنه، وإذا جمع بينهما فإنه يراد بالسائل الذي يطلب جلب المنفعة ودفع المضرة بصيغ السؤال والطلب، ويراد بالعابد من يطلب ذلك بامتثال الأمر وإن لم يكن هناك صيغة سؤال ولا طلب، ولا يتصور أن يخلو داع لله دعاء عبادة أو دعاء مسألة من الرغب والرهب، والخوف والطمع\" (^١).\nويقول الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: \"لا انفكاك في الحقيقة بين دعاء المسألة ودعاء العبادة، فهذا هو ذاك، إما بالتضمن أو باللزوم، ومعلوم أن دلالات التضمن واللزوم دلالات لغوية واضحة جاءت في القرآن، وجاءت في السُّنَّة\" (^٢).\nرابعًا: سبق البيان بالأدلة أن الدعاء في الشرع على نوعين؛ دعاء عبادة ودعاء مسألة، وجاء في النصوص الشرعية الأمر أو النهي عن الدعاء بإطلاق، بدون تقييد له بنوع معين فالقاعدة أنه يحمل على المعنيين لدلالة النصوص على العموم، ومن تلك الأدلة:\nقوله تعالى ناهيًا عن دعاء غيره: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ [يونس: ١٠٦]، فقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ﴾ عام يتناول دعاء العبادة ودعاء المسألة، ولا دليل على التخصيص أو التقييد.\nيقول الشيخ صالح آل الشيخ: \"فقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ﴾: هذا نهي، والنهي هنا قد توجه إلى الفعل (تدع) وإذا كان كذلك فإنه يعمُّ أنواع الدعاء، وسبق القول بأن الدعاء منه: دعاء مسألة ومنه دعاء عبادة، والقاعدة: أن النكرة في سياق النهي، أو في سياق النفي، أو في سياق\n_________\n(^١) مختصر الفتاوى المصرية (ص ١٢٨).\n(^٢) التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص ١٨١).","vol":"2","page":891},{"text":"الشرط، فإنها تعمُّ، و(تدعُ) نكرة؛ لأنه فعل مشتمل على مصدر، والمصدر حدثٌ نكرة، فهو يعمّ نوعي الدعاء\" (^١).\nخامسًا: ومما يدل على صحة توجه الأمر أو الثناء أو النهي عن دعاء غير الله، واشتمال ذلك على نوعي الدعاء أن دعاء المسألة لا يصح توجهه -وحتى دعاء العبادة- إلا لمن يملك النفع والضر، والعطاء والمنع، الغني الكريم، العالم بأحوال الخلق جميعهم فلا تخفى عليه خافية، وليس ذلك إلا الرب الخالق ﵎، فإذا جاء النهي عن دعاء غيره تعالى، أو الأمر بإفراده وإخلاصه والثناء على أهله تضمن كلا النوعين.\nيقول الإمام ابن تيمية في قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٥، ٥٦]: \"هاتان الآيتان مشتملتان على آداب نوعي الدعاء، دعاء العبادة ودعاء المسألة، فإن الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة وهذا تارة، ويراد به مجموعهما، وهما متلازمان، فإن دعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي، وطلب كشف ما يضره ودفعه، وكل من يملك الضر والنفع، فإنَّه هو المعبود لا بد أن يكون مالكًا للنفع والضر، ولهذا أنكر تعالى على من عبد من دونه ما لا يملك ضرًّا ولا نفعًا، وذلك كثير في القرآن كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ [يونس: ١٠٦]، وقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [يونس: ١٨]، فنفى سبحانه عن هؤلاء المعبودين الضر والنفع القاصر والمتعدي، فلا يملكون لأنفسهم ولا لعابديهم، وهذا كثير في القرآن يبين تعالى أن المعبود لا بد أن يكون مالكًا للنفع والضر، فهو يدعو للنفع والضر دعاء المسألة،\n_________\n(^١) التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص ١٨١).","vol":"2","page":892},{"text":"ويدعو خوفًا ورجاءً دعاء العبادة\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-247> المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nوفيما يأتي أذكر جملًا مما وقفت عليه من أقوالهم في تقرير معنى القاعدة:\nيقول الإمام ابن تيمية: \"لفظ الدعاء والدعوة في القرآن يتناول معنيين: دعاء العبادة، ودعاء المسألة ... ولفظ الصلاة في اللغة أصله الدعاء، وسميت الصلاة دعاء لتضمنها معنى الدعاء وهو العبادة والمسألة\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"فإن الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة وهذا تارة، ويراد به مجموعهما، وهما متلازمان\" (^٣).\nويقول ﵀: \"إذا عرف هذا فقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، يتناول نوعي الدعاء، لكنه ظاهر في دعاء المسألة، متضمن دعاء العبادة؛ ولهذا أمر بإخفائه وإسراره\" (^٤).\nويقول أيضًا بعد أن ذكر جملة من النصوص التي فيها الأمر بدعاء الله وحده والنهي عن دعاء غيره: \"فإن الدعاء في هذه المواضع يراد به نفس اتخاذ المدعو ربًا وإلهًا بحيث يسأل ويعبد، وقد فصل معنى الدعاء بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وفي قوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود: ٨٨]، ونحو ذلك من الآي؛ فهو يعبد من حيث هو إله، ويسأل من حيث هو رب، وإن كان كل عابد سائلًا وطالبًا، وكل سائل\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٥/ ١٠ - ١١).\n(^٢) المصدر نفسه (١٠/ ٢٣٧ - ٢٣٨).\n(^٣) المصدر نفسه (١٥/ ١٠).\n(^٤) المصدر نفسه (١٥/ ١٥).","vol":"2","page":893},{"text":"عابدًا وقاصدًا من جهة الالتزام\" (^١).\nويقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: \"فعلى هذا فنهيه سبحانه عن دعاء غيره نص في دعاء العبادة ودعاء المسألة حقيقة، فهو نهي عن كل واحد منهما حقيقة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ [فاطر: ١٣]، فهذا يتناول نوعي الدعاء\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-248> المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nفيما يأتي أذكر بعض ما ظهر لي من فوائد لهذه القاعدة:\nالأولى: شمول الاستدلال بالأدلة التي ورد فيها النهي عن دعاء غير الله تعالى وبطلانه لحرمة وبطلان التوجه بجميع العبادات لغير الله تعالى؛ لأن النهي عن دعاء غير الله -هو في حكم الشرع وبحسب ما نصت القاعدة- نهي عن السجود والذبح والنذر والرجاء والمحبة والخضوع لغير الله تعالى، وغيرها من كل ما هو داخل تحت مسمى العبادة الشرعية.\nولذلك يستدل أهل العلم بالآيات التي فيها النهي عن دعاء غير الله تعالى على بطلان وحرمة التوجه بجميع العبادات لغيره ﷿، وكذلك الأمر بإفراد وإخلاص الدعاء لله تعالى وحده هو أمر بإخلاص جميع ما هو عبادة شرعًا، وذلك استنادًا على هذه القاعدة.\nالثانية: تناول لفظ الدعاء الشرعي في نصوص القرآن الكريم لدعاء العبادة ودعاء المسألة ليس هو من باب استعمال اللفظ المشترك (^٣) في\n_________\n(^١) شرح العمدة (٤/ ٢٩).\n(^٢) تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس (ص ١٠٢).\n(^٣) قال الرازي: \"الفظ المشترك: هو اللفظ الموضوع لحقيقتين مختلفتين أو أكثر وضعًا =","vol":"2","page":894},{"text":"معنييه، وإنما هو من باب استعمال اللفظ في حقيقته المشتملة على المعنيين جميعًا، فهو من باب الألفاظ المتواطئة (^١)، التي وضعت لمعنى واحد صادق على أفراد، وليست موضوعة لمعانٍ متعددة (^٢)، فالأسماء المتواطئة إنما تقتضى أن يكون بين المسميين قدر مشترك وإن كان المسميان مختلفين أو متضادين (^٣).\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وعلى هذا فقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]: يتناول نوعي الدعاء، وبكل منهما فسرت الآية؛ قيل: أعطيه إذا سألني، وقيل: أثيبه إذا عبدني، والقولان متلازمان، وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه كليهما، أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، بل هذا استعماله في حقيقته المتضمنة للأمرين جميعًا، فتأمله فإنه موضوع عظيم النفع، وقل ما يُفْطَن له، وأكثر آيات القرآن دالة على معنيين فصاعدًا فهي من هذا القبيل\" (^٤).\n_________\n= أولًا من حيث هما كذلك\"، وقال الجرجاني: \"المشترك: ما وضع لمعنى كثير بوضع كثير؛ كالعين لاشتراكه بين المعاني\". [انظر: المحصول للرازي (١/ ٣٥٩)، والتعريفات (ص ٢٧٤)].\n(^١) قال الجرجاني: \"المتواطئ: هو الكلي الذي يكون حصول معناه وصدقه على أفراده الذهنية والخارجية على السوية؛ كالإنسان والشمس فإن الإنسان له أفراد في الخارج، وصدقه عليها بالسوية، والشمس لها أفراد في الذهن، وصدقها عليها أيضًا بالسوية\". [التعريفات (ص ٢٥٧)، وانظر: التمهيد للأسنوي (ص ٨٠)، والتوقيف على مهمات التعاريف (ص ٦٣٥)].\n(^٢) انظر: القواعد والفوائد الأصولية، لعلي بن عباس البعلي الحنبلي (ص ٦٦).\nوقال المرداوي: \"والفرق بين الاشتراك والتواطؤ: أن الاشتراك يقال على كل واحد منهما بانفراده حقيقة بخلاف المتواطئ فإنه لا يقال حقيقة إلا عليهما مجتمعين لا غير والله أعلم\". [الإنصاف (٨/ ٥ - ٦)].\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٢١٢).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١٥/ ١١)، ويقول أيضًا: \"واللفظ إذا استعمل في معنيين فصاعدًا فإما أن يجعل حقيقة في أحدهما مجازًا في الآخر، أو حقيقة فيما يختص به كل =","vol":"2","page":895},{"text":"وقال الشيخ عبد الله أبا بطين بعد نقله لكلام الإمام ابن القيم -وهو بمعنى كلام شيخ الإسلام-: \"فعلى هذا فنهيه سبحانه عن دعاء غيره نص في دعاء العبادة ودعاء المسألة حقيقة، فهو نهي عن كل واحد منهما حقيقة\" (^١).\nثالثًا: قد يقترن بسياق النصوص الوارد فيها الدعاء ما يرجح أحد النوعين على الآخر مع اعتبار الآخر، وكونه داخلًا في معنى النص، فقد يقترن ببعض النصوص من القرائن ما يجعل دعاء العبادة أظهر من دعاء المسألة أو العكس، ولا يقتضي هذا الظهور عدم اعتبار المعنى الآخر.\nوهذا يعتبر بمثابة الضابط للتفريق بين دعاء العبادة ودعاء المسألة في النصوص الشرعية، وقد أشار الإمام ابن تيمية إلى بعض ذلك فقال: \"وكل موضع ذكر فيه دعاء المشركين لأوثانهم فالمراد به دعاء العبادة المتضمن دعاء المسألة، فهو من دعاء العبادة أظهر لوجوه ثلاثة:\nأحدها: أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فاعترفوا بأن دعاءهم إياهم عبادتهم لهم.\nالثاني: أن الله تعالى فسر هذا الدعاء في موضع آخر كقوله تعالى: ﴿يلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣)﴾ [الشعراء: ٩٢، ٩٣]، وقوله ﷾: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ [الأنبياء: ٩٨]، وقوله تعالى: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾ [الكافرون: ٢]، فدعاؤهم لآلهتهم هو عبادتهم.\nالثالث: أنهم كانوا يعبدونها في الرخاء فإذا جاءتهم الشدائد دعوا الله وحده وتركوها، ومع هذا فكانوا يسألونها بعض حوائجهم،\n_________\n= منهما فيكون مشتركًا اشتراكًا لفظيًا، أو حقيقة في القدر المشترك بينهما وهي الأسماء المتواطئة، وهي الأسماء العامة كلها، وعلى الأول يلزم المجاز، وعلى الثاني يلزم الاشتراك، وكلاهما خلاف الأصل، فوجب أن يجعل من المتواطئة، وبهذا يعرف عموم الأسماء العامة كلها\". [مجموع الفتاوى (٧/ ١٠٨)].\n(^١) تأسيس التقديس في كشف تلبس داود بن جرجيس (ص ١٠٢).","vol":"2","page":896},{"text":"ويطلبون منها، وكان دعاؤهم لها دعاء عبادة ودعاء مسألة\" (^١).\nرابعًا: فيها الرد على من أجاز الطلب والسؤال من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى؛ بحجة أن الأدلة الناهية عن دعاء غيره سبحانه إنما أُريد بها دعاء العبادة؛ كالصلاة والسجود والركوع، ولا يدخل فيها طلب وسؤال الشفاعة، أو نداء (^٢) الأموات والغائبين.\nيقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: \"وما زال أهل العلم يستدلون بالآيات التي فيها الأمر بدعاء الله؛ والنهي عن دعاء غيره على المنع من مسألة المخلوق ودعائه بما لا يقدر عليه إلا الله، وكتبهم مشحونة بذلك\" (^٣).\nويقول الشيخ سليمان آل الشيخ: \"وإذا كان هذا الدعاء وأمثاله هو دعاء العبادة المشتمل على الاستعانة من رب العالمين بالنص عند كل علماء المسلمين، فلو صرف لغير الله من سائر الخلق لكان معبودًا به، والداعي عابد المدعو ومستعين به ومتوكل عليه، ولا يقال ليس هو عابدًا ولا مستعينًا؛ لأنَّه إنما يناديه فقط، فيصرف العبادة والاستعانة وجود النداء كما فهمه صاحب المقدمة معللًا لزوم العبادة كل منادي، وعدم تكفير كل من نادى غيره، لأنا نقول علة التكفير وجود دعاء العبادة الشاملة لدعاء المسألة التي هي حق الله، وصرفه إلى غيره سواء وجد النداء أو لم يوجد، وليس العلة وجود النداء نفسه خاليًا من العبادة، وبهذا يعلم ما ذكره المفسرون تحت قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٥/ ١٣)، ونقله عنه ابن القيم. انظر: بدائع الفوائد (٣/ ٥١٥).\n(^٢) النداء هو رفع الصوت بما له معنى، والعربي يقول لصاحبه ناد معي ليكون ذلك أندى لصوتنا؛ أي: أبعد له، والدعاء يكون برفع الصوت وخفضه، يقال: دعوته من بعيد، ودعوت الله في نفسي، ولا يقال: ناديته في نفسي، وأصل الدعاء طلب الفعل؛ دعا يدعو، وادعى ادعاء؛ لانه يدعو إلى مذهب من غير دليل، وتداعى البناء يدعو بعضه بعضًا. [الفروق اللغوية للعسكري (ص ٤١)].\n(^٣) تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس (ص ١١٦).","vol":"2","page":897},{"text":"دُونِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٤]؛ أي: تعبدون، ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الأعراف: ١٩٧]؛ أي: تعبدون وأمثاله؛ وذلك لأن العبد محتاج إلى الاستعانة بالله في كل الأفعال المأمورات، وفي ترك المحرمات، وفي الصبر على المقدورات ... فالعبد محتاج في مصالح دينه ودنياه، وكل ما لا يقدر عليه إلَّا الله منهما لا يجوز أن يسأل من غيره فلا يعبد إلَّا الله، ولا يتوكل إلَّا عليه، ولا يستعان إلَّا به، لأن ما سواه مفتقر إليه، مقهور بالعبودية، فكيف يصلح أن يكون معبودًا\" (^١).\nوكون الدعاء في الأصل بمعنى النداء والطلب مما لا مرية فيه، كما قال الراغب: \"الدعاء والنداء واحد، لكن قد يتجرد النداء عن الاسم، والدعاء لا يكاد يتجرد\"، فلا يدخل في دعاء العبادة المستلزم لدعاء المسألة، كما أنه لا يدخل في دعاء المسألة المتضمن للعبادة، فليس كل مطلق دعاء يكون عبادة، فإدخال مطلق النداء في معنى العبادة من الترويج والتلبيس، بل نداء العبادة هو الطلب من غير الله جلب منفعة، أو دفع مضرة فيما لا يقدر عليه إلا الله، والمنادي في هذه الحال يكودن داعيًا وطالبًا وسائلًا (^٢).\nويدحض الشيخ عبد الله أبا بطين شبهة التفريق بين الدعاء والنداء، وأن الطلب من الأموات والغائبين لا يسمى دعاء بل هو نداء، فيقول: \"فيقال لهذا: تفريقك بين الدعاء والنداء تفريق باطل مخالف للكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمة مع مخالفته اللغة، فقد سمى الله سبحانه سؤال عباده له دعاء ونداء، قال تعالى عن نوح: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠)﴾ [القمر: ١٠]، وقال: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾ [الأنبياء: ٧٦]، فسماه في موضع دعاء\n_________\n(^١) التوضيح عن توحيد الخلاق (ص ٢٩٧ - ٢٩٨).\n(^٢) انظر: الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق (ص ٤٥١).","vol":"2","page":898},{"text":"وفي موضع نداء، وقال عن زكريا: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾ [مريم: ٣]، وقال في موضع: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران: ٣٨]، وقال عن أيوب: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾ [الأنبياء: ٨٣]، وقال: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وقال - ﷺ -: \"دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنْ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْع بِهَا رَجُل مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللهُ لَهُ\" (^١).\nوقال بعض الصحابة للنبي -ﷺ-: (يَا رَسُولَ اللهِ: أَقَرِيبٌ رَبُّنا فَنُنَاجِيهِ، أَمْ بَعِيدٌ فَنُنَادِيهِ؟ فَسَكَتَ الرَّسُولُ -ﷺ- فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة: ١٨٦] (^٢) ... \" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١/ ١٧٠)، برقم (١٤٦٢)، والترمذي في سننه (٥/ ٥٢٩)، برقم (٣٥٠٥)، والحاكم في المستدرك (١/ ٦٨٤)، برقم (١٨٦٢)، وقال عقبه: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\"، وأبو يعلى في مسنده (٢/ ١١٠)، برقم (٧٧٢)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٥٩)، و(٧/ ٦٨)، وقال عقب ذكره: \"ورجال أحمد وأبي يعلى وأحد إسنادي البزار رجال الصحيح غير إبراهيم ابن محمد بن سعد بن أبي وقاص وهو ثقة\"، وحسنه الحافظ ابن حجر كما في الفتوحات الربانية: (٤/ ١١)، وصححه الألباني. [انظر: صحيح الجامع (٣/ ١٤٥)، رقم (٣٣٧٨)، وتخريجه للكلم الطيب (ص ١١٨)، برقم (١٢٣)].\n(^٢) أخرجه ابن جرير الطبري في التفسير (٢/ ١٥٨)، وأبو سعيد النقاش في فوائد العراقيين (ص ٣١)، برقم (١٧)، والأصبهاني في العظمة (٢/ ٥٣٥)، برقم (٢٢)، من طريق الصلت بن حكيم عن أبيه، عن جده، والصلت بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري قال عنه الحافظ: مجهول. لسان الميزان (٣/ ١٩٥)، (٨٧١)، وأخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في السُّنَّة (١/ ٢٧٧)، برقم (٥٢٢)، قال حدَّثني إسماعيل أبو معمر، نا سفيان، عن أبي قال: قال المسلمون: (يا رسول الله أقريب ...) ثم ذكر الحديث.\n(^٣) تأسيس التقديس في كشف تليس داود بن جرجيس (ص ٧٧).","vol":"2","page":899},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>الفصل الثاني\nالقواعد المتعلقة بقبح الشرك وأنواعه</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: قاعدة: الشرك هضم لعظمة الربوبية\nوتنقص لحق الإلهية وسوء ظن برب\nالعالمين.\nالمبحث الثاني: قاعدة: قبح الشرك مستقر في العقول\nوالفطر والسمع نبه العقول وأرشدها إلى\nمعرفة ما أودع فيها من قبح ذلك.\nالمبحث الثالث: قاعدة: الشرك الأصغر هو كل وسيلة\nوذريعة يتطرق منها إلى الشرك الأكبر من\nالإرادات والأقوال والأفعال التي لم تبلغ\nرتبة العبادة.","vol":"2","page":901},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>المبحث الاول\nقاعدة الشرك هضم لعظمة الربوبية وتنقص لحق الإلهية وسوء ظن برب العالمين</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-251> المسألة الأولى * شرح بعض ألفاظ القاعدة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>معنى الهضم والتنقص:</span>\nالهضم: مشتق من الأصل اللغوي الثلاثي (هضم)، وهو مصدر، يقال: هضمه يهضمه هضمًا، وهو يدل على كسر وضغط وتداخل، والهضم: الظلم، والهضم المطمئن من الأرض، وقيل أصله من النقصان ثم صار كل ظُلم هَضْمًا، وهضم الشيء: كسره، وهضم فلانًا: ظلمه وغصبه، وهضم حقه: نقصه، وهضم نفسه: وضع من قدرها تواضعًا (^١).\nوفرق بعض أهل العلم بين الظلم والهضم: بأن الظلم المنع من الحق كله والهضم النقص والمنع من بعض الحق فكل هضم ظلم ولا ينعكس، فالهضم نقصان بعض الحق، ولا يقال لمن أُخِذَ جميعُ حقه: قد\n_________\n(^١) انظر: مقاييس اللغة (٦/ ٥٥)، وإصلاح المنطق، لابن السكيت (ص ٢٢)، وجمهرة اللغة (٢/ ٩١٢)، والمعجم الوسيط (٢/ ٩٨٧).","vol":"2","page":903},{"text":"هُضِم، وأما الظلم فيكون في البعض وفي الكل، وفي القرآن: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ [طه: ١١٢]؛ أي: لا يمنع حقه ولا بعض حقه (^١).\nأما التنقص فهو مشتق من الفعل (نقص)، يقال: نقص الشيء نقصًا ونقصانًا، إذا خس وقل، ونَقَّص الشيء: صيَّره ناقصًا، ونقص فلانًا حقه: غمطه إياه، و(نَقَّص) الشيء مبالغة في نقصه، و(انْتُقِصَ) الشيء: نقص، و(تناقص) الشيء نقص شيئًا فشيئًا، وتنقص الشيء أخذ منه قليلًا قليلًا، وتنقص فلانًا: عابه، واستنقص الشيء: عده ناقصًا أو نسب إليه النقصان (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>معنى سوء الظن:</span>\nالظن مشتق من الأصل اللغو (ظنن)، يقال: ظَنَّ يَظُنُّ ظنًّا، وجمعه: ظنون وأظانين، ويتعدى إلى مفعولين؛ يقال: ظننت زيدًا صادقًا، وقيل: معنى الظَّنُّ: التَّرَدُّدُ الرَّاجِحُ بين طَرَفَي الاعْتِقادِ الغيرِ الجازِمِ، وقيل: هو إدراك الذهن الشيء مع ترجيحه، وقد يكون مع اليقين، فهو شَكٌّ ويَقِينٌ إلَّا أنه ليسَ بيَقِينِ عِيانٍ إنَّما هو يَقِينُ تَدَبُّرٍ فَأَمَّا يَقِينُ العِيانِ فلا يُقالُ فيه إلَّا عَلِمَ؛ فإذا قيل: ظن فلان الشيء ظنًا: علمه بغير يقين وقد تأتي بمعنى اليقين، والظنة التهمة، والظنون السيء الظن من الرجال، والظنين: كل ما لا يوثق به، والمتهم والقليل الخير، ومظنة الشيء: موضعه ومألفه الذي يظن كونه فيه، والجمع مظان وهي المراجع التي ينشد فيها الباحث طلبته (^٣).\n_________\n(^١) انظر: الفروق اللغوية للعسكري (٢٥٥)، وتفسير البحر المحيط (٦/ ٢٦١)، وأضواء البيان للشنقيطي (٤/ ١٠٢).\n(^٢) انظر: المعجم الوسيط (٢/ ٩٤٦ - ٩٤٧).\n(^٣) انظر: تاج العروس (٣٥/ ٣٦٥)، وجمهرة اللغة (١/ ١٥٤)، والمعجم الوسيط (٢/ ٥٧٨).","vol":"2","page":904},{"text":"وقال الراغب: \"الظن اسم لما يحصل عن أمارة، ومتى قويت أدت إلى العلم ومتى ضعفت جدًا لم يتجاوز حد التوهم\" (^١).\nفظن السوء بالله تعالى مع اختلاف درجاته، وكون بعضه أعظم من بعض؛ فإنه لا يجوز مطلقًا، بل هو من أعظم الذنوب التي عصي الله ﵎ بها، ولذا جاء في القرآن بيان شناعته وقبحه، وأنه من أعظم الذنوب.\nيقول الإمام ابن القيم ﵀: \"ولم يجيء في القرآن وعيد أعظم من وعيد من ظَنَّ به ظَنَّ السوء قال تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ [الفتح: ٥، ٦]، وقال تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [فصلت: ٢٣].\nفهؤلاء ظنوا أنه لا يعلم بعض الجزئيات، فكيف بمن ظن أنه لا علم له، ولا سمع، ولا بصر، ولا تكلم ولا يتكلم، ولا استوى على عرشه، ولا له فعل حقيقة يدبر به الأمر، ولا له حكمة يفعل ما يفعل لأجلها، وأولئك جوزوا عليه أن لا ينصر رسوله، وأن يجعل الدائرة عليه وعلى المؤمنين\" (^٢).\nأما إساءة الظن بالمسلمين عمومًا ففيها تفصيل؛ فإن كان ظنًا مقرونًا بدليل شرعي، وقرينة ظاهرة، فلا لوم على صاحبه، وإلا كان محرمًا منهيًا عنه، وتزيد الحرمة إن كان ظنًا بأهل الخير والصلاح والعلم والفضل.\n_________\n(^١) المفردات في غريب القرآن (ص ٣١٧).\n(^٢) الصواعق المرسلة، لابن القيم (٤/ ١٣٥٦ - ١٣٥٧).","vol":"2","page":905},{"text":"يقول الإمام السمعاني: \"واعلم أن الظن المنهي عنه هو ظن السوء بأهل الخير، فأما بأهل الشر فجائز\" (^١).\nوأما إساءة الظن بالأنبياء والمرسلين فقد صرح بعض أهل العلم بأنه كفر، ونقل إجماع أهل العلم على ذلك.\nيقول الإمام النووي ﵀: \"فإن ظن السوء بالأنبياء كفر بالإجماع\" (^٢).\nثم إن سوء الظن بالمسلمين بدون مسوغ شرعي، أو قرينة ظاهرة هو إثم في نفسه، وإذا استمر في قلب العبد أنتج آثامًا عظيمة، وأورث أقوالًا وفعالًا محرمة، فهو لا خير فيه أبدًا لا في الدنيا ولا في الآخرة.\nيقول الشيخ السعدي ﵀: \"نهى الله ﷿ عن كثير من الظن السيء بالمؤمنين، حيث قال: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]، وذلك كالظن الخالي من الحقيقة والقرينة، وكظن السوء الذي يقترن به كثير من الأقوال والأفعال المحرمة؛ فإن بقاء ظن السوء بالقلب لا يقتصر صاحبه على مجرد ذلك، بل لا يزال به حتى يقول ما لا ينبغي ويفعل ما لا ينبغي، وفي ذلك أيضًا إساءة الظن بالمسلم، وبغضه، وعداوته المأمور بخلافها منه\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-254> المسألة الثانية * معنى القاعدة</span>\nأشارت القاعدة إلى بعض صفات الشرك الشنيعة، وسماته القبيحة التي اشتمل عليها، ولا يخلو منها شرك ألبتة، بل جميع أهل الإشراك في\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٥/ ٢٢٥).\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٤/ ١٥٦).\n(^٣) تفسير السعدي (ص ٨٠١).","vol":"2","page":906},{"text":"الأرض لا تكاد قلوبهم تخلوا من هذه الصفات القبيحة، التي حقيقتها أشنع الظلم، وأعظم الإجحاف، ومنتهى الإجرام، وعظيم التجني، وغاية الاعتداء على حق الملك الديان، مالك الملك، وخالق الكون، وموجد البرية من العدم، فأشرك مع الرب غيره في العبادة، وأدخل الوسائط بينه وبين معبوده الحق، فصار يدعوهم ويتوجه إليهم بأخص خصائص الإلهية، ومعاني الربوبية فخضع قلبه، وتعلق فؤاده، خوفًا ورجاء ومحبة وخضوعًا، وذلًا وإخباتًا في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء.\nيقول الإمام ابن تيمية ﵀: \"وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٣، ٤٤]، إلى أمثال ذلك مما في كتاب الله من الآيات التي فيها تجريد التوحيد وتحقيقه، وقطع ملاحظة الأغيار في العبادة، والاستغاثة، والدعاء، والمسألة، والتوكل، والرجاء، والخشية، والتقوى، والإنابة، ونحو ذلك مما هو من خصائص حق الربوبية التي لا تصلح لملك مقرب ولا نبي مرسل\" (^١).\nوقد يدعي بلسان حاله وربما مقاله عدم أهليته للطلب من الله مباشرة، وأن الله لا يقبل دعاءه إلا بوساطة هؤلاء الأولياء وشفاعتهم فيه، أو أن الله لا يفعل حتى يجعل الولي يفعل، ولا يرحم حتى تجعله الوسائط يرحم، وربما اعتقد بعضهم أن الأولياء يشاركون الله تعالى تدبير الكون، ورعاية أحوال الخلق فيخبرونه جل في علاه بأهل الحاجات، وما أصاب بعضهم من المحن والبلايا فيجيب الله دعاءهم بسبب دعائهم لهذه الوسائط، ولا شك أن هذا من أعظم الهضم والتنقيص لعظمة الإلهية وقهر الربوبية مع ما تضمنه من إساءة الظن البالغة بمن اجتمع فيه غاية الكمال، ومنتهى الجلال، وعظيم الإحسان.\n_________\n(^١) الاستقامة، لابن تيمية (٢/ ٢٥).","vol":"2","page":907},{"text":"يبين الإمام ابن القيم ﵀ وجه دلالة القاعدة في كون الشرك سوء ظن بالله ﷻ فيقول: \"فإن المشرك إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى من يدبر أمر العالم من وزير أو ظهير أو عون، وهذا أعظم التنقيص لمن هو غني عن كل ما سواه بذاته، وكل ما سواه فقير إليه بذاته، وإما أن يظن أن الله سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشريك، وإما أن يظن بأنه لا يعلم حتى يعلمه الواسطة، أو لا يرحم حتى يجعله الواسطة يرحم، أو لا يكفي عبده وحده، أو لا يفعل ما يريد العبد حتى يشفع عنده الواسطة، كما يشفع المخلوق عند المخلوق فيحتاج أن يقبل شفاعته لحاجته إلى الشافع، وانتفاعه به، وتكثره به من القلة، وتعززه به من الذلة، أو لا يجيب دعاء عباده حتى يسألوا الواسطة أن ترفع تلك الحاجات إليه، كما هو حال ملوك الدنيا، وهذا أصل شرك الخلق.\nأو يظن أنه لا يسمع دعاءهم لبعده عنهم حتى يرفع الوسائط ذلك، أو يظن أن للمخلوق عليه حقًّا فهو يقسم عليه بحق ذلك المخلوق عليه، ويتوسل إليه بذلك المخلوق كما يتوسل الناس إلى الأكابر والملوك بمن يعز عليهم ولا يمكنهم مخالفته، وكل هذا تنقص للربوبية، وهضم لحقها، ولو لم يكن فيه إلا نقص محبة الله تعالى، وخوفه، ورجائه، والتوكل عليه، والإنابة إليه من قلب المشرك بسبب قسمته ذلك بينه سبحانه وبين من أشرك به، فينقص ويضعف أو يضمحل ذلك التعظيم والمحبة والخوف والرجاء بسبب صرف أكثره أو بعضه إلى من عبده من دونه ... فالشرك ملزوم لتنقص الرب سبحانه، والتنقص لازم له ضرورة شاء المشرك أم أبى\" (^١).\nونقل كلامه مقررًا له الشيخ سليمان آل الشيخ فقال: بقوله: \"وإنما كان ذلك هضمًا لحق الربوبية، وتنقصًا لعظمة الإلهية، وسوء ظن برب\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان عن مصائد الشيطان، لابن القيم (١/ ٦٢).","vol":"2","page":908},{"text":"العالمين؛ لأن المتخذ للشفعاء والأنداد إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى من يدبر أمر العالم معه ... إلى أن قال: وكل هذا تنقص للربوبية، وهضم لحقها ذكر معناه ابن القيم؛ فلهذه الأمور وغيرها أخبر ﷾ أن ذلك شرك، ونزه نفسه عنه فقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨] \" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-255> المسألة الثالثة * أدلة القاعدة</span>\nقد دل على تقرير هذه القاعدة عدة أدلة منها:\nأولًا: إكثاره ﷾ من ذكر معاني ربوبيته الحقة، وقيوميته الشاملة، وملكه التام لجميع ما في الكون، وذلك في معرض إبطال حجج المشركين، العادلين به غيره في العبادة؛ يأتي هذا مع ثبوت إقرار المشركين بمعاني ربوبيته في الجملة، وهذا يشير إلى أن ثمة تقصيرًا وتفريطًا، وهضمًا وتنقيصًا من قبل المشركين في هذا الجانب العظيم، وهو ما سبق تقريره في قاعدة التلازم بين أنواع الشرك.\nمن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤)﴾ [يونس: ٣٤]، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ [الرعد: ١٦]، وقوله ﷿: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد (ص ٢٢١).","vol":"2","page":909},{"text":"يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١، ٣٢].\nثانيًا: ما دلَّ من النصوص على أن المشركين بسبب إشراكهم وعبادتهم لغيره سبحانه قد هضموا حق الربوبية، وتنقصوا عظمة الإلهية، فوصفوا الله تعالى بلسان حالهم أو مقالهم بما لا يليق بربوبيته جلَّ في علاه، فمن ذلك وصفهم لله ﷾ بعدم العلم والجهل العظيم البالغ بعظمة الربوبية وجلال الإلهية؛ ومن تلك النصوص:\nقوله ﷾: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨]، فاتخاذهم للشفعاء من أعظم التنقص لعظمة الربوبية، واتهام لله تعالى -بلسان حالهم- بالجهل وعدم العلم، ولذا استنكر الله عليهم ذلك.\nيقول الشيخ السعدي في معنى الآية: \"أي الله تعالى هو العالم الذي أحاط علمًا بجميع ما في السموات والأرض، وقد أخبركم بأنه ليس له شريك، ولا إله معه، أفأنتم يا معشر المشركين تزعمون أنه يوجد لها فيها شركاء، أفتخبرونه بأمر خفي عليه وعلمتموه، أأنتم أعلم أم الله، فهل يوجد قول أبطل من هذا القول المتضمن: أن هؤلاء الضلال الجهال السفهاء أعلم من رب العالمين، فليكتف العاقل بمجرد تصور هذا القول، فإنه يجزم بفساده وبطلانه\" (^١).\nثالثًا: ومما يدل على أن الشرك يتضمن التنقيص والهضم لحق الإلهية وجلال الربوبية اشتماله على الظلم العظيم، والمنكر الفاحش بتشبيه الرب العظيم القادر، والخالق العليم القاهر بالمخلوق الضعيف الحقير الذي لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا فضلًا عن أن يملكه لغيره،\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٣٦٠).","vol":"2","page":910},{"text":"فتوجه إليه بالعبادة، وصرف له خالص الذل والإنابة، فدعاه عند حاجته، واستنجده عند كربته.\nيقول الإمام ابن القيم: \"والمقصود أن الشرك لما كان أظلم الظلم، وأقبح القبائح، وأنكر المنكرات كان أبغض الأشياء إلى الله تعالى، وأكرهها، وأشدها مقتًا لديه، ورتب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه، وأخبر أنه لا يغفره، وأن أهله نجس، ومنعهم من قربان حرمه، وحرم ذبائحهم، ومناكحتهم، وقطع الموالاة بينهم وبين المؤمنين، وجعلهم أعداء له سبحانه، ولملائكته ورسله وللمؤمنين، وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم، وأن يتخذوهم عبيدًا؛ وهذا لأن الشرك هضم لحق الربوبية، وتنقيص لعظمة الإلهية، وسوء ظن برب العالمين ... فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على أهل الشرك؛ فإنهم ظنوا به ظن السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظن لوحدوه حق توحيده\" (^١).\nرابعًا: الأدلة الدالة على أن سوء الظن، أو الظن السيء يتضمن الشرك الأكبر بالله العظيم، بل هو أعظم إساءة ظن وجدت من بني البشر، فما من مشرك على ظهر البسيطة إلَّا وسوء الظن بالله تعالى هو الذي أوقعه فيما وقع فيه من التشريك في عبادة الرب ﵎، ولو أحسن ظنه بالله، وأسمائه، وصفاته، وعظمته، وملكه وغناه عن كل أحد بذاته، وكل أحد سواه فقير إليه بذاته، وقَدَرَ الله حق قدره لما حام حول الشرك ولا شم رائحته.\nقال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ [الفتح: ٦]، فجعل ﷾ استحقاقهم للوصف بالشرك\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (١/ ٦٠ - ٦١).","vol":"2","page":911},{"text":"بسبب سوء ظنهم بالله ﵎، فاتخاذهم للشريك مع الله تعالى كان علامة على ظنهم السيء بالله تعالى.\nقال ابن الجوزي: \"قوله تعالى: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾: فيه خمسة أقوال:\nأحدها: أنهم ظنوا أن لله شريكًا\" (^١).\nوقوله سبحانه في قصة إبراهيم ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧)﴾ [الصافات: ٨٥ - ٨٧]؛ أي: فما ظنكم أن يجازيكم وقد عبدتم معه غيره (^٢).\nقال أبو السعود في معنى الآية: \"أي: بمن هو حقيق بالعبادة لكونه ربًّا للعالمين حتى تركتم عبادته خاصة وأشركتم به أخس مخلوقاته، أو فما ظنكم به أي شيء هو من الأشياء حتى جعلتم الأصنام له أندادًا، أو فما ظنكم به ماذا يفعل بكم، وكيف يعاقبكم بعد ما فعلتم ما فعلتم من الإشراك به\" (^٣).\nويقول الشيخ السعدي: \"فما ظنكم برب العالمين، أي: وما الذي ظننتم برب العالمين من النقص حتى جعلتم له أندادًا وشركاء\" (^٤).\nيقول الإمام ابن القيم: \"فالشرك والتعطيل مبنيان على سوء الظن بالله تعالى، ولهذا قال إبراهيم إمام الحنفاء لخصمائه من المشركين: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧)﴾، وإن كان المعنى ما ظنكم به أن يعاملكم ويجازيكم به وقد عبدتم معه غيره وجعلتم له ندًّا فأنت تجد تحت هذا التهديد ما ظننتم بربكم من السوء حتى عبدتم\n_________\n(^١) زاد المسير (٧/ ٤٢٦)، وانظر: تفسير البحر المحيط (٨/ ٩١).\n(^٢) انظر: تفسير الطبري (٢٣/ ٧٠)، وتفسير البغوي (٤/ ٣٠)، وتفسير ابن كثير (٤/ ١٣).\n(^٣) تفسير أبي السعود (٧/ ١٩٧)، وانظر: (٥/ ١٣٠).\n(^٤) تفسير السعدي (ص ٧٠٥).","vol":"2","page":912},{"text":"معه غيره فإن المشرك إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى من يدبر أمر العالم من وزير أو ظهير أو عون وهذا أعظم التنقيص لمن هو غني عن كل ما سواه بذاته وكل ما سواه فقير إليه بذاته وإما أن يظن أن الله سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشريك وإما أن يظن بأنه لا يعلم حتى يعلمه الواسطة أو لا يرحم حتى يجعله الواسطة يرحم أو لا يكفي عبده وحده أو لا يفعل ما يريد العبد حتى يشفع عنده الواسطة كما يشفع المخلوق عند المخلوق فيحتاج أن يقبل شفاعته لحاجته إلى الشافع وانتفاعه به وتكثره به من القلة وتعززه به من الذلة أو لا يجيب دعاء عباده حتى يسألوا الواسطة أن ترفع تلك الحاجات إليه كا هو حال ملوك الدنيا وهذا أصل شرك الخلق.\nأو يظن أنه لا يسمع دعاءهم لبعده عنهم حتى يرفع الوسائط ذلك أو يظن أن للمخلوق عليه حقًا فهو يقسم عليه بحق ذلك المخلوق عليه ويتوسل إليه بذلك المخلوق كما يتوسل الناس إلى الأكابر والملوك بمن يعز عليهم ولا يمكنهم مخالفته وكل هذا تنقص للربوبية وهضم لحقها ولو لم يكن فيه إلا نقص محبة الله تعالى وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه من قلب المشرك بسبب قسمته ذلك بينه سبحانه وبين من أشرك به فينقص ويضعف أو يضمحل ذلك التعظيم والمحبة والخوف والرجاء بسبب صرف أكثره أو بعضه إلى من عبده من دونه لكفى في شفاعته.\nفالشرك ملزوم لتنقص الرب سبحانه والتنقص لازم له ضرورة شاء المشرك أم أبى ولهذا اقتضى حمده سبحانه وكمال ربوبيته أن لا يغفره وأن يخلد صاحبه في العذاب الأليم ويجعله أشقى البرية فلا تجد مشركًا قط إلا وهو متنقص لله سبحانه وإن زعم أنه يعظمه بذلك كما أنك لا تجد مبتدعًا إلا وهو متنقص للرسول وإن زعم أنه معظم له بتلك البدعة، فإنه يزعم أنها خير من السُّنَّة وأولى بالصواب أو يزعم أنها هي السُّنَّة إن","vol":"2","page":913},{"text":"كان جاهلًا مقلدًا وإن كان مستبصرًا في بدعته فهو مشاق لله ورسوله\" (^١).\nويقول ﵀ أيضًا: \"بل كل شرك في العالم فأصله التعطيل، فإنه لولا تعطيل كماله أو بعضه وظن السوء به لما أشرك به كما قال إمام الحنفاءء وأهل التوحيد لقومه أئفكًا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين؛ أي: فما ظنكم به أن يجازيكم وقد عبدتم معه غيره وما الذي ظننتم به حتى جعلتم معه شركاء أظننتم أنه محتاج إلى الشركاء والأعوان أم ظننتم أنه يخفى عليه شيء من أحوال عباده حتى يحتاج إلى شركاء تعرفه بها كالملوك أم ظننتم أنه لا يقدر وحده على استقلاله بتدبيرهم وقضاء حوائجهم أم هو قاس فيحتاج إلى شفعاء يستعطفونه على عباده أم ذليل فيحتاج إلى ولي يتكثر به من القلة ويتعزز به من الذلة أم يحتاج إلى الولد فيتخذ صاحبة يكون الولد منها ومنه تعالى الله عن ذلك كله علوًا كبيرًا\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-256> المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nفيما يأتي بعض أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة:\nيقول الإمام القرافي: \"أصل الكفر اهتضام جانب الربوبية\" (^٣).\nويقول الإمام ابن القيم: \"وهذا لأن الشرك هضم لحق الربوبية، وتنقيص لعظمة الإلهية، وسوء ظن برب العالمين ... فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على أهل الشرك، فإنهم ظنوا به ظن السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظن لوحدوه حق توحيده\" (^٤).\nويقول الشيخ سليمان آل الشيخ: \"فإن اتخاذ الشفعاء والأنداد من دون الله هضم لحق الربوبية وتنقص للعظمة الإلهية وسوء ظن برب\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (١/ ٦٢).\n(^٢) مدارج السالكين (٣/ ٣٤٧ - ٣٤٨).\n(^٣) الفروق (١/ ٢٢٤).\n(^٤) إغاثة اللهفان (١/ ٦٠ - ٦١).","vol":"2","page":914},{"text":"العالمين كما قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ [الفتح: ٦]، فإنهم ظنوا به ظن السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظن لوحدوه حق توحيده؛ ولهذا أخبر ﷾ عن المشركين أنهم ما قدروه حق قدره، وكيف يقدره حق قدره من اتخذ من دونه ندًّا أو شفيعًا يحبه، ويخافه، ويرجوه، ويذل له، ويخضع له، ويهرب من سخطه، ويؤثر مرضاته، ويدعوه، ويذبح له، وينذر، وهذه هي التسوية التي أثبتها المشركون بين الله وبين آلهتهم، وعرفوا وهم في النار أنها كانت باطلًا وضلالًا\" (^١).\nوالسبب في عدم قدرهم لله تعالى هو سوء ظنهم بربهم، وحسن ظنهم بغيره، وأنهم يشفعون عنده، ويقربون من عَبَدهم إلى الله، وأنهم ينفعون ويضرون.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-257> المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nبعض ما يستفاد من القاعدة:\nأولًا: دلَّ مفهوم القاعدة على أن توحيد الله تعالى، وإفراده بالعبادة دون ما سواه مبني على حسن الظن بالله تعالى، إذ التوحيد ضد الشرك الذي هو إساءة ظن بربوبية الله تعالى وألوهيته وأسمائه وصفاته.\nفهو يحسن الظن بربه معتقدًا اتصافه سبحانه وتقدس بنعوت الربوبية، واختصاصه بصفات الإلهية لا شريك له في ذاته ولا معين له في أفعاله، ولا ظهير ولا شفيع، وليس له نديد في استحقاق العبادة، ولا مثيل له في سائر أسمائه وصفاته.\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد (ص ٢٢٠).","vol":"2","page":915},{"text":"وعليه فحسن الظن به ﷾ من أعظم العبادات، وأجلّ القربات التي يتقرب بها العبد إلى ربه وخالقه ﷿، والتي تقوم في الأصل على العلم الشرعي الصحيح، والفقه السليم لأسماء الله وصفاته، ومعرفته تعالى المعرفة الحقة في ربوبيته وألوهيته، وسائر صفاته.\nكما أن سوء الظن بالله من نتاج وآثار الجهل بالله، وبأسمائه وصفاته، وما له من العظمة، والكبرياء، والقوة، والقدرة، ومنتهى الكمال في كل شيء.\nولذا جاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم في \"صحيحه\" عن جابر بن عبد الله الأنصاري -﵁- قال سمعت رسول الله -ﷺ- قبل موته بثلاثة أيام يقول: \"لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ﷿\" (^١).\nقال الجصاص: \"فحسن الظن بالله فرض، وسوء الظن به محظور منهي عنه، وكذلك سوء الظن بالمسلمين الذين ظاهرهم العدالة محظور مزجور عنه، وهو من الظن المحظور المنهي عنه\" (^٢).\nوهذا يدل على أن حسن الظن من العبادة التي يحبها الله ﵎، وقد روي في الحديث عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن حسن الظن بالله ﷿ من حسن عبادة الله\" (^٣).\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٤/ ٢٢٠٦)، برقم (٢٨٧٧)، يقول الإمام النووي: \"ومعنى يحسن الظن بالله تعالى أن يظن أن الله تعالى يرحمه، ويرجو ذلك، ويتدبر الآيات والأحاديث الواردة في كرم الله ﷾ وعفوه ورحمته، وما وعد به أهل التوحيد، وما ينشره من الرحمة لهم يوم القيامة كما قال ﷾ في الحديث الصحيح: \"أنا عند ظن عبدي بي\" هذا هو الصواب في معنى الحديث، وهو الذي قاله جمهور العلماء\". [المجموع شرح المهذب (٥/ ٩٨)].\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص (٥/ ٢٨٨).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٢٩٧)، برقم (٧٩٤٣)، وأبو داود في سننه (٤/ ٢٩٨)، برقم (٤٩٩٣)، وابن حبان في صحيحه (٢/ ٣٩٩)، برقم (٦٣١)، ومحمد بن نصر المروزي في: (تعظيم قدر الصلاة): (٢/ ٧٨٧)، والحاكم في المستدرك =","vol":"2","page":916},{"text":"فحسن الظنّ بالله ﷿ من أوجب الواجبات، وأفرض الفروض، التي يحبها الرب ﵎، وسوء الظن على العكس من ذلك؛ فهو من أقبح المنكرات، وأعظم الكبائر.\nومما لا يخفى ارتباط سائر العبادات بحسن الظن بالله تعالى وتقدس، وقد بين هذا الارتباط فأكثر العبادات أو كلها قائمة على حسن ظن العبد بربه سبحانه وتقدس، وقد بين هذا الارتباط العلامة ابن القيم ﵀ بقوله: \"فعلى قدر حسن ظنك بربك ورجائك له يكون توكلك عليه؛ ولذلك فسر بعضهم التوكل بحسن الظن بالله، والتحقيق أن حسن الظن به يدعوه إلى التوكل عليه؛ إذ لا يتصور التوكل على من ساء ظنك به، ولا التوكل على من لا ترجوه والله أعلم\" (^١).\nثانيًا: دلت القاعدة على أن صرف العبادة لغيره سبحانه، وتأليه المخلوق من أعظم الانتقاص والإهانة للجناب الرباني الكريم، مع ما فيه من رفعة المخلوق فوق منزلته التي أنزله الله إياها، كما أن ذلك من أبشع\n_________\n= (٤/ ٢٨٥)، برقم (٧٦٥٧)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ومرة قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم). [انظر: المستدرك (٤/ ٢٦٩)]، والحديث ضعفه الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة (٧/ ١٤٠)، برقم (٣١٥٠)، بسبب سمير أو (شتير) بن نهار، وقال بعد أن ذكر كلام الحاكم في تصحيح الحديث وكونه على شرط مسلم، وموافقة الإمام الذهبي له، قال: \"قلت: وهو من أوهامهما؛ فإن سميرًا هذا نكرة؛ كما قال الذهبي نفسه (الميزان)، ولم يرو عنه غير ابن واسع\". وقال عنه الدارقطني في سؤالات البرقاني: \"مجهول\" وسأل عبد الله بن أحمد أباه عنه فقال: \"لا أعرفه\"، وذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقال ابن حجر في التقريب: \"صدوق\"، وقد وثقه ابن حبان في الثقات (٤/ ٣٧٠)، (٣٣٩٨)، يقول الشيخ الألباني ﵀: \"توثيق ابن حبان مما لا ينبغي الاعتماد عليه؛ لأن من قاعدته فيه توثيق المجهولين\". [السلسلة الضعيفة (٢/ ٣٠٠)]، وعليه يكون سمير أو شتير مجهول الحال ويضعف الحديث بسببه كما قرر ذلك علماء هذا الفن.\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ١٢١)، وانظر: (١/ ٤٧١).","vol":"2","page":917},{"text":"الظلم في حق الملك الديان إذ جرده سبحانه عن صفات الربوبية الحقة، وألبس المخلوق ما لا يستحقه من خصائص الإلهية.\nومما لا شك فيه أن جميع الخلق مفطورون على الضعف والضعة والافتقار إلى ربهم وخالقهم ومالكهم ورازقهم، فهذه هي صفتهم التي هي مقتضى خلقتهم وتكوينهم، وإنما جعل كمالهم ورفعتهم في عبادة الله وتوحيده ﷿؛ ولذا أثنى الله على رسوله الكريم في غير موضع أنه عبد الله ﵎.\nفالواجب معرفة الفرق بين الخالق والمخلوق في كل ما يختص به، وينزل كل واحد منزلته، وليس في سلب خصائص الربوبية والإلهية عن المخلوق إهانة، أو سب، أو تنقيصًا له مكانته، وإنما ذلك هو مختص التكريم والتقدير الذي يحبه الله ﵎.\nيقول الإمام ابن القيم: \"فإذا هَضَم المخلوقَ خصائصَ الربوبيةِ، وأنزله منزلة العبد المحض الذي لا يملك لنفسه فضلًا عن غيره ضرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا لم يكن هذا تنقصًا له، ولا حطًّا من مرتبته ولو رغم المشركون\" (^١).\nثالثًا: أن سؤال المخلوق والطلب منه ما لا يستطيعه ويقدر عليه فيه نوع من صرف حق الرب تعالى، وهضم لربوبيته ومقتضاها من التأله والتعبد، وإعطاء نصيب منها لغيره ﷾؛ وذلك لملازمة المسألة في الغالب للذل والافتقار والمحبة لغير الرب جل وعلا، ولذا جاءت النصوص الشرعية بتحريم السؤال والمسألة إلا في حال الضرورة الملجئة فتقدر بقدرها، وترك مسألة الناس ولو فيما يستطيعونه من كمال تحقيق التوحيد.\nيقول الإمام ابن القيم: \"والمسألة في الأصل حرام، وإنما أبيحت\n_________\n(^١) الروح، لابن القيم (ص ٢٦٣).","vol":"2","page":918},{"text":"للحاجة والضرورة؛ لأنها ظلم في حق الربوبية، وظلم في حق المسؤول، وظلم في حق السائل، أما الأول: فلأنه بَذَل سؤاله وفَقْرَه وَذُلَّه واستعطاءه لغير الله، وذلك نوع عبودية، فوضع المسألة في غير موضعها، وأنزلها بغير أهلها، وظلم توحيدَه وإخلاصَه وفقرَه إلى الله، وتوكلَه عليه، ورضاه بقسمه، واستغنى بسؤال الناس عن مسألة رب الناس، وذلك كله يهضم من حق التوحيد، ويطفئ نوره، ويضعف قوته\" (^١).\nرابعًا: دلت القاعدة على أن الشرك واتخاذ الشفعاء هضم وتنقص من جناب الربوبية، فالمشرك بالله تعالى واقع في هذا التنقص شاء أم أبى، ولا ينفعه أنه إنما كان قصده تعظيم الباري جل وعلا، وأنه بسبب إجلاله وإعظامه لا يستطيع أن يتوصل إليه إلا بالشفعاء، فإن تعظيمه هذا الذي اعتقده هو محض التنقص، وخالص الظلم.\nيقول ابن القيم: \"فإن قلت إذا كان من اتخذ شفيعًا عند الله إنما قصده تعظيم الرب تعالى وتقدس أن يتوصل إليه إلا بالشفعاء؛ فلم كان هذا القدر شركًا؟ قيل: قصده للتعظيم لا يدل على أن ذلك تعظيم لله تعالى، فكم مَنْ يقصد التعظيم لشخص ينقصه بتعظيمه؛ ولهذا قيل من في المثل المشهور: يضر الصديق الجاهل ما لا يضر العدو العاقل؛ فإن اتخاذ الشفعاء والأنداد من دون الله هضم لحق الربوبية، وتنقص للعظمة الإلهية، وسوء ظن برب العالمين كما قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ [الفتح: ٦]، فإنهم ظنوا به ظن السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظن لوحدوه حق توحيده؛ ولهذا أخبر ﷾ عن المشركين أنهم ما قدروه حق قدره، وكيف يقدره حق قدره من اتخذ من دونه ندًّا، أو شفيعًا يحبه، ويخافه،\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٢٣٢).","vol":"2","page":919},{"text":"ويرجوه، ويذل له، ويخضع له، ويهرب من سخطه، ويؤثر مرضاته، ويدعوه، ويذبح له، وينذر ... فالشرك ملزوم لتنقص الرب ﷾، والتنقص لازم له ضرورة، شاء المشرك أم أبى\" (^١).\nخامسًا: دلت القاعدة على أن الشرك سوء ظن بالله تعالى، والحاصل أن سوء الظن تتفاوت مراتبه ودرجاته؛ فمنه ما هو شرك أكبر مخرج عن دين الإسلام بالكلية، ومنه ما يؤثر في تمام التوحيد الواجب، فهو دائر بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر.\nوهذا التفاوت كما سبق هو بحسب أسبابه ودوافعه، فالظن أصله في القلب، وهو بحسب العلم والمعرفة، فالظن الحسن بالله تعالى ينبني على علم العبد بمعبوده الحق، وما له من الأسماء الحسنى والصفات العليا؛ من الملك والخلق والغنى والرحمة؛ فإذا ساء ظن العبد بربه بسبب خلل فيما يتعلق بربوبية الله تعالى؛ كأن يظن عدم قدرة الله، أو عدم علمه ومعرفته لأمر من الأمور، أو عدم غناه وكرمه، أو اعتقد أن غيره ﷾ قادر على ما لا يقدر عليه إلا هو سبحانه بحسب الطبيعة والعرف، محسنًا ظنه بذلك الغير، أو اعتقد أن لغيره ﷿ حقًّا في العبادة والتعظيم كان فاقدًا لأصل من أصول التوحيد وقاده حينئذٍ حسن ظنه بغيره سبحانه، وسوء ظنه بالله تعالى إلى الكفر والخروج عن ملة الإسلام، فسوء الظن درجات منه ما ينافي أصل التوحيد وأساس الإيمان، ومنه ما ينافي كماله الواجب (^٢).\nيقول الشيخ سليمان آل الشيخ في شرحه لتبويب الإمام محمد بن\n_________\n(^١) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص ٢٢٠ - ٢٢١).\n(^٢) انظر: حاشية الأصول الثالثة، لابن قاسم (ص ٧٠)، حيث قرر أن حالة حسن الظن بالله المقارن للشخص عند نحره للذبيحة من أفضل القرب، وأن صرفه لغير الله شرك أكبر.","vol":"2","page":920},{"text":"عبد الوهاب في أحد أبواب كتاب التوحيد، والتي افتتحها بقوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]: \"أراد المصنف بهذه الترجمة التنبيه على وجوب حسن الظن بالله؛ لأن ذلك من واجبات التوحيد، ولذلك ذم الله من أساء الظن به؛ لأن مبنى حسن الظن على العلم برحمة الله، وعزته، وإحسانه، وقدرته، وعلمه، وحسن اختياره، وقوة المتوكل عليه، فإذا تم العلم بذلك أثمر له حسن الظن بالله، وقد ينشأ حسن الظن من مشاهدة بعض هذه الصفات، وبالجملة فمن قام بقلبه حقائق معاني أسماء الله وصفاته قام به من حسن الظن ما يناسب كل اسم وصفة؛ لأن كل صفة لها عبودية خاصة، وحسن ظن خاص\" (^١).\nوعليه فيختلف حسن الظن وتتفاوت درجاته بحسب ما يقوم بقلب العبد من العلم والمعرفة، ويقبح سوء الظن ويزداد شناعة وسوءًا بحسب ما يقوم بقلب العبد من قلة العلم والمعرفة بالله تعالى وبأسمائه وصفاته؛ فمنه ما يصل إلى الحد المخرج عن ملة الإسلام، ومنه ما يعتبر نقصًا في إيمان العبد، وخدشًا في توحيده فيكون من الشرك الأصغر.\nويبين الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ صلة حسن الظن بالعلم بالله، ومعرفة أسمائه وصفاته، واعتقاد كماله وعظمته، فيقول: \"وذلك أنه لا يتم للعبد إيمان ولا توحيد حتى يعتقد جميع ما أخبر الله من أسمائه وصفاته وكماله، وتصديقه بكل ما أخبر به، وأنه يفعله، وما وعد به من نصر الدين، وإحقاق الحق، وإبطال الباطل، فاعتقاد هذا من الإيمان، وطمأنينة القلب بذلك من الإيمان، وكل ظن ينافي ذلك فإنه من ظنون الجاهلية المنافية للتوحيد؛ لأنها سوء ظن بالله، ونفي لكماله، وتكذيب لخبره، وشك في وعده\" (^٢).\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد (ص ٥٧٨).\n(^٢) القول السديد في مقاصد التوحيد (ص ١٧٥).","vol":"2","page":921},{"text":"ويقول الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله- ضمن فوائد بعض الآيات التي استدل بها الإمام محمد بن عبد الوهاب في إحدى أبواب كتاب التوحيد: \"أولًا: أنّ حسن الظنّ بالله ﷿ واجبٌ من واجبات التّوحيد: ثانيًا: أن سوء الظنّ بالله ﷾ ينافي التّوحيد أو ينافي كمالَه، ينافي أصلَه إذا زاد وكثُر واستمرّ، أو ينافي كمالَه إذا كان شيئًا عارضًا، أو شيئًا خفيفًا، أو خاطرًا في النّفس فقط ولا يتكلّم به بلسانِه، أمّا إن تكلّم به بلسانِه فإنّه يكونُ منافيًا للتّوحيد\" (^١).\nويقول ابن القيم ﵀ مبينًا حقيقة الظن المخرج عن ملة الإسلام: \"ومن ظن أن له ولدًا، أو شريكًا، أو أن أحدًا يشفع عنده بدون إذنه، أو أن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم إليه، أو أنه نصب لعباده أولياء من دونه يتقربون بهم إليه، ويتوسلون بهم إليه، ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه، فيدعونهم، ويحبونهم كحبه، ويخافونهم، ويرجونهم فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه\" (^٢).\nويقول ﵀ أيضًا مبينًا أنواعًا مختلفة من سوء الظن بالله تعالى، وعموم البلوى بذلك: \"فأكثر الخلق بل كلهم إلا من شاء الله يظنون بالله غير الحق ظن السوء، فإن غالب بني آدم يعتقد أنه مبخوس الحق، ناقص الحظ، وأنه يستحق فوق ما أعطاه الله، ولسان حاله يقول: ظلمني ربي، ومنعني ما أستحقه، ونفسه تشهد عليه بذلك، وهو بلسانه ينكره، ولا يتجاسر على التصريح به، ومن فتش نفسه وتغلغل في معرفة دفائنها وطواياها رأى ذلك فيها كامنًا كمون النار في الزناد، فاقدح زناد من شئت ينبئك شراره عما في زناده، ولو فتشت من فتشته لرأيت عنده تَعَتُّبًا على القدر، وملامة له، واقتراحًا عليه خلاف ما جرى به، وأنه كان\n_________\n(^١) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (٢/ ٢٤٧).\n(^٢) زاد المعاد، لابن القيم (٣/ ٢٣٣).","vol":"2","page":922},{"text":"ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك هل أنت سالم في ذلك:\nفإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا إخالك ناجيًا\nفليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا الموضع، وليتب إلى الله تعالى، وليستغفره كل وقت من ظنه بربه ظن السوء، وليظن السوء بنفسه التي هي مأوى كل سوء، ومنبع كل شر، المركبة على الجهل والظلم، فهي أولى بظن السوء (^١) من أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين، وأرحم الراحمين، الغني الحميد، الذي له الغنى التام، والحمد التام، والحكمة التامة، المنزَّه عن كل سوء في ذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه، فذاته لها الكمال المطلق من كل وجه، وصفاته كذلك، وأفعاله كذلك كلها حكمة ومصلحة ورحمة وعدل، وأسماؤه كلها حسنى\" (^٢).\nويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب مختصرًا وملخصًا لما سبق من كلام الإمام ابن القيم، ومبينًا درجات سوء الظن بالله ﵎: \"فمن ظن به خلاف ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسله، أو عطّل ما وصف به نفسه فقد ظن به ظن السوء؛ كمن ظن أن له ولدًا، أو شريكًا، أو شفيعًا بدون إذنه، أو أن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم إليه، أو أن ما عنده ينال بالمعصية كما ينال بالطاعة، أو ظن أنه إذا ترك لأجله شيئًا لم يعوضه خيرًا منه، أو ظن أنه يعاقب بمحض المشيئة بغير سبب من العبد، أو ظن أنه إذا صدقه في الرغبة والرهبة أنه يخيبه، أو ظن أنه يسلط على رسوله محمد -ﷺ- أعداءه تسليطًا مستقرًا في حياته ومماته\" (^٣).\n_________\n(^١) التعبير بأولى هنا ليست على أفعل التفضيل وإلا لكان المعنى سيئًا؛ إذ فيه إساءة الظن بالرب تعالى، والله أعلم.\n(^٢) زاد المعاد (٣/ ٢٣٥ - ٢٣٦).\n(^٣) مختصر زاد المعاد (ص ٢٤١).","vol":"2","page":923},{"text":"والمتأمل لما سبق يجد أن سوء الظن بالله تعالى منه ما يصل إلى درجة الشرك والكفر بالله العظيم، ويخرج المسلم عن دائرة الإسلام، ومنه ما يعتبر شركًا أصغر ومعصية عظيمة، وكل ذلك بحسب العلم والاعتقاد الدافع والمولد لسوء الظن بالله جل وعلا، وبحسب قوة سوء الظن وكثرته واستمراره، أو كونه ضعيفًا قليلًا مترددًا كالخطرات التي تختلج القلوب فيدفعها القلب، ويصدها بحسب قوة إيمانه ويقينه ومعرفته بالله تعالى وبأسمائه وصفاته.\nيقول الشيخ صالح آل الشيخ -حفظه الله- مبينًا بعض أنواع سوء الظن: \"فالذي يخالف ما أمر الله -جل وعلا- به شرعًا فيما يتصل بنصرة الدين، فإنه يقع في سوء ظن بالله ﷻ وهذا مما ينافي كمال التوحيد الواجب.\nولهذا يجب على المؤمن أن يتحرز كثيرًا، وأن يحترس من سوء الظن بالله -جل وعلا-، فإن بعض الناس قد ينال الشيء فيرى أنه يستحق أكثر منه، وقد يحصل له الشيء بقضاء الله وبقدره فيظن أنه لا يستحق ذلك الشيء (^١)، أو أن الذي ينبغي أن يصاب به هو غيره، فينظر إلى فعل الله -جل وعلا- وقضائه وقدره على وجه الاتهام، وقلَّ من يَسْلَم باطنًا وظاهرًا من ذلك، فكثيرون قد يَسْلَمون ظاهرًا، ولكن في الباطن يقوم بقلوبهم ظن الجاهلية، ... والظن محله القلب، فلهذا يجب على المؤمن أن يخلّص قلبه من كل ظن بالله غير الحق، وأن يتعلم\n_________\n(^١) لكن إذا ساق الله إليه خيرًا عظيمًا وفضلًا جزيلًا فاعتقد أنه لا يستحق ذلك من أجل نقص في عمله أو لتقصير في طاعته، وإنما هو محض فضل الله وكرمه فلا شيء في ذلك، بل هذا هو الواجب على المسلم؛ وهو إساءة الظن بالنفس وبالعمل بكونه ناقصًا وغير كامل، يؤيده قوله تعالى في الحديث القدسي: \"فمن وجد خيرًا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه\". [صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم (٤/ ١٩٩٤) برقم (٢٥٧٧)].","vol":"2","page":924},{"text":"أسماء الله -جل وعلا- وصفاته، وأن يتعلم آثار ذلك في ملكوت الله، حتى لا يقوم بقلبه إلا أن الله ﷻ هو الحق، وأن فعله حق\" (^١).\nسادسًا: تضمنت القاعدة بعض الفروق بين الشرك بنوعيه وبين سائر المعاصي؛ من حيث آثارهما ما يستلزمه كل منهما، مع اتصافهما بكونهما من الذنوب التي يتنجس بها ابن آدم.\nيقرر هذا المعنى الإمام ابن القيم ﵀ فيقول: \"وأما نجاسة الذنوب والمعاصي فإنها بوجه آخر، فإنها لا تستلزم تنقيص الربوبية، ولا سوء الظن بالله ﷿؛ ولهذا لم يرتب الله سبحانه عليها من العقوبات والأحكام ما رتبه على الشرك.\nوهكذا استقرت الشريعة على أنه يعفي عن النجاسة المخففة؛ كالنجاسة في محل الاستجمار، وأسفل الخف والحذاء، أو بول الصبي الرضيع، وغير ذلك ما لا يعفى عن المغلظة، وكذلك يعفي عن الصغائر ما لا يعفي عن الكبائر، ويعفي لأهل التوحيد المحض الذي لم يشوبوه بالشرك ما لا يعفى لمن ليس كذلك\" (^٢).\n_________\n(^١) التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص ٥٤٥ - ٥٤٦).\n(^٢) إغاثة اللهفان (١/ ٦٣).","vol":"2","page":925},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>المبحث الثاني\nقاعدة قبح الشرك مستقر في العقول والفطر والسمع نبه العقول وأرشدها إلى معرفة ما أودع فيها من قبح ذلك</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-259> المسألة الأولى * معنى القاعدة</span>\nدلت القاعدة على أن قبح الشرك وشناعته، ونفور العقول السليمة منه، واستبشاع الفطر المستقيمة له من أوضح الأمور وأبينها في دلالات العقول والفطر، فقبح الشرك والتنديد، واتخاذ معبود مع الله ﵎ مستقر في خلقة كل عقل بشري، وتقتضيه الفطر قبل أن ينزل وحي إلهي أو كتاب سماوي، وذلك من أعظم أسباب الهداية، والسلامة من الغواية التي امتن الله بها على عباده.\nفالفطر السليمة والعقول الصحيحة بطبيعتها التي خلقت عليها تستبشع وتستعظم اتخاذ معبود دون الله تعالى، تصرف له العبادة مع الله، ويشرك معه غيره في الحب، والخضوع، والذلة، والخوف، والرجاء، والتوكل، وسائر ما يتقرب به إلى الله ﷿.\nيقول الشيخ السعدي ﵀: \"فَإِن ذَكَرَ التوحيدَ والشركَ، وأَمَرَ بالأولِ، ونهى عن الثاني أقام من البراهين القاطعة على صحة التوحيد،","vol":"2","page":926},{"text":"وحسنه، وتعينه طريقًا للنجاة، وقبح الشرك، وبطلانه، وكونه هو الطريق للهلاك ما يجعل ذلك للبصيرة كالشمس في نحر الظهيرة\" (^١).\nويقول ابن الوزير اليماني: \"لأنه لا يخفى على عاقل أن أقبح الشرك أن يجعل العبد المخلوق شريكًا لربه الخالق له، وذلك الشريك مخلوق لربه بإقرار العبد، ولا سيما وذلك الشريك المخلوق جماد مسخر للعبد، مصنوع له، ينحته، ويكسره، ويشكله، ويطمسه، ويضعه، ويرفعه، ويدنيه، ويقصيه، ويتصرف أنواع التصرف فيه\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-260> المسألة الثانية * أدلة القاعدة</span>\nمن الأدلة الدالة على صحة القاعدة ما يلي:\nأولًا: النصوص التي فيها إبطال شرك المشركين، وإلزامهم بعبادة معبودهم الحق ﷾، المتفرد بالربوبية، المختص بالإلهية، مع بيان عدم استحقاق تلك الآلهة المعبودة مع الله للعبادة؛ لضعفها ونقصها وفقرها وعجزها عن نصرة نفسها فضلًا عن غيرها من العابدين لها، فترك عبادة من تفرد بالربوبية والإنعام والإيجاد، وإشراك من سبق وصفه بالمهانة والحقارة معه في العبادة مستقبح في العقول الصحيحة، مستهجن في الفطر السليمة، ومن تلك النصوص ما يلي:\n١ - ما ذكره ﷾ عن خليله إبراهيم ﵇ في محاجته لقومه، وبيانه لضعف آلهتهم وكونها مخلوقة معمولة كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٣٨).\n(^٢) إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات (ص ٣٢١).","vol":"2","page":927},{"text":"آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩١ - ٩٦].\nقال ابن عطية: \" ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥)﴾؛ أي: تجعلون إلهًا معظمًا شيئًا صنعتموه من عود أو حجر، وعملتموه بأيديكم، أخبرهم بخبر لا يمكنهم إنكاره\" (^١).\nفهذا إلزام لهم من الناحية العقلية، إذ من المستبعد أن يتوجه القلب والعقل لعبادة معبود صنعه عابده بيده، وكونه وشكله ببنانه.\nيقول الإمام ابن تيمية في معنى الآيات: \"فهذا كله يبين قبح ما كانوا عليه قبل النهي، وقبل إنكاره عليهم؛ ولهذا استفهم استفهام منكر فقال: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾؛ أي: وخلق ما تنحتون، فكيف يجوز أن تعبدوا ما تصنعونه بأيديكم وتدعون رب العالمين.\nفلولا أن حسن التوحيد وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وقبح الشرك ثابت في نفس الأمر، معلوم بالعقل لم يخاطبهم بهذا؛ إذ كانوا لم يفعلوا شيئًا يذمون عليه، بل كان فعلهم كأكلهم وشربهم، وإنما كان قبيحًا بالنهي، ومعنى قبحه كونه منهيًا عنه لا لمعنى فيه كما تقوله المجبرة\" (^٢).\nوبين ﵀ أيضًا وجهة الآية في بطلان الشرك وفساده عقلًا بقوله: \"ثم نَبَّه عُبَّاد الأصنام بتعريفه لهم على فساد ما صاروا إلى عبادتها مع نحتها بقوله تعالى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥)﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾: فبين لهم فساد عبادتها، ووجوب عبادته دونها؛\n_________\n(^١) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٤/ ٤٧٩).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١١/ ٦٨١ - ٦٨٢).","vol":"2","page":928},{"text":"بأنها إذا كانت لا تصير أصنامًا إلا بنحتكم لها فأنتم أيضًا لن تكونوا على ما أنتم عليه من الصور والهيئات إلا بفعلي، وإني مع خلقي لكم وما تنحتونه خالق لنحتكم، إذ كنت أنا المُقْدِرُ لكم عليه، والمُمَكِّنُ لكم منه\" (^١).\nوفي علة كونه سبحانه جمع في الآية بين خلقه لآلهتهم وخلقه للعابدين وما يعملون يقول الإمام ابن القيم: \"قيل في ذكر خلقه سبحانه لآلهتهم ولعابديها من بيان تقبيح حالهم، وفساد رأيهم وعقولهم في عبادتها دونه تعالى ما ليس في الاقتصار على ذكر خلق الآلهة فقط؛ فإنه إذا كان الله تعالى هو الذي خلقكم، وخلق معبوديكم فهي مخلوقة أمثالكم، فكيف يعبد العاقل من هو مثله، ويتألهه، ويفرده بغاية التعظيم والإجلال والمحبة، وهل هذا إلا أقبح الظلم في حق أنفسكم، وفي حق ربكم.\nوقد أشار تعالى إلى هذا المعنى بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤]، ومن حق المعبود أن لا يكون مثل العابد؛ فإنه إذا كان مثله كان عبدًا مخلوقًا، والمعبود ينبغي أن يكون ربًّا خالقًا، فهذا من أحسن الاحتجاج وأبينه\" (^٢).\nويزيد الإمام ابن كثير الأمر بيانًا بقوله في معنى الآيات: \"أي: كيف تعبدون أصنامًا أنتم تنحتونها من الخشب والحجارة، وتصورونها وتشكلونها كما تريدون، ... فمقتضى الكلام أنكم مخلوقون، وهذه الأصنام مخلوقة، فكيف يعبد مخلوق لمخلوق مثله، فإنه ليس عبادتكم لها بأولى من عبادتها لكم، وهذا باطل، فالآخر باطل للتحكم؛ إذ ليست العبادة تصلح ولا تجب إلا للخالق وحده لا شريك له\" (^٣).\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ١٩٧ - ١٩٨).\n(^٢) بدائع الفوائد، لابن القيم (١/ ١٥٨ - ١٥٩).\n(^٣) البداية والنهاية، لابن كثير (١/ ١٤٥).","vol":"2","page":929},{"text":"٢ - قوله تعالى: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣)﴾ [يس: ٢٣].\nيقول الإمام ابن القيم: \"ثم احتج عليهم بما تقر به عقولهم وفطرهم من قبح عبادة غيره، وأنها أقبح شيء في العقل وأنكره، فقال: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ [يس: ٢٣، ٢٤]، أفلا تراه كيف لم يحتج عليهم بمجرد الأمر، بل احتج عليهم بالعقل الصحيح ومقتضى الفطرة\" (^١).\nوهذا يدل على أن قبحه وشناعته مستقرة في العقول والفطر وإلا لم يحسن الاستدلال ولا الإلزام.\nثانيًا: النصوص التي ضرب الله فيها الأمثال المبطلة للشرك، والدالة على التوحيد وحسنه، وقد خاطب الرب تعالى بها عقول الخلق، مبينًا لهم حسن التوحيد، وتقبُّل العقول له، وموضحًا لهم قبح الشرك وشناعته، وهذا يدل على أن هذا القبح مستقر في عقولهم وأصل فطرتهم التي فطروا عليها، ومن تلك النصوص ما يلي:\n١ - قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨)﴾ [الروم: ٢٨].\nيقول الإمام ابن تيمية في معنى المثل: \"يخاف أحدكم مملوكه كما يخاف بعضكم بعضًا، فإذا كان أحدكم لا يرضى أن يكون مملوكه شريكه فكيف ترضونه لله\" (^٢).\nويقول ابن القيم: \"وهذا دليل قياس احتج الله سبحانه به على المشركين، حيث جعلوا له من عبيده وملكه شركاء، فأقام عليهم حجة\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة (٢/ ٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ١٥٦).","vol":"2","page":930},{"text":"يعرفون صحتها من نفوسهم لا يحتاجون فيها إلى غيرهم، ومن أبلغ الحجاج أن يأخذ الإنسان من نفسه، ويحتج عليه بما هو في نفسه مقرر عندها، معلوم لها: فقال: هل لكم مما ملكت أيمانكم من عبيدكم، وإمائكم شركاء في المال والأهل؛ أي: هل يشارككم عبيدكم في أموالكم وأهليكم فأنتم وهم في ذلك سواء، تخافون أن يقاسموكم أموالكم، ويشاطروكم إياها، ويستأثرون ببعضها عليكم، كما يخاف الشريك شريكه، ... فإذا لم ترضوا ذلك لأنفسكم فلم عدلتم بي من خلقي من هو مملوك لي، فإن كان هذا الحكم باطلًا في فطركم وعقولكم مع أنه جائز عليكم، ممكن في حقكم؛ إذ ليس عبيدكم ملكًا لكم حقيقة، وإنما هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، وأنتم وهم عبيد لي، فكيف تستجيزون مثل هذا الحكم في حقي، مع أن من جعلتموهم لي شركاء عبيدي وملكي وخلقي\" (^١).\n٢ - وقوله سبحانه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩)﴾ [الزمر: ٢٩].\nيقول الإمام ابن القيم: \"ضرب الله الأمثال في القرآن، وذَكَّرَ العقول، ونَبَّهَهَا وأرشدها إلى ذلك؛ كقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾: فهذا مثل ضربه يتضمن قياس الأولى؛ يعني: إذا كان المملوك فيكم له مُلاك مشتركون فيه، وهم متنازعون، ومملوك آخر له مالك واحد، فهل يكون هذا وهذا سواء، فإذا كان هذا ليس عندكم كمن له رب واحد، ومالك واحد، فكيف ترضون أن تجعلوا لأنفسكم آلهة متعددة تجعلونها شركاء لله، تحبونها كما يحبونه، وتخافونها كما يخافونه، وترجونها كما يرجونه\" (^٢).\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (١/ ١٥٩ - ١٦٠).\n(^٢) مفتاح دار السعادة، لابن اليم (٢/ ٧٦).","vol":"2","page":931},{"text":"٣ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)﴾ [الحج: ٧٣].\nهذه الآية من البراهين العقلية التي أرشد إليها القرآن، ونبه عليها، وقد تضمنت الدلالة على حسن التوحيد وقبح الشرك، وأن ذلك مستقر في العقول والفطر، وجاء بعد ذلك الوحي مؤيدًا لما قررته العقول، وتقبلته الفطر.\nيقول الإمام ابن القيم في معنى المثل: \"فضرب لهم سبحانه مثلًا من عقولهم يدلهم على قبح عبادتهم لغيره، وإن هذا أمر مستقر قبحه وهجنته في كل عقل، وإن لم يرد به الشرع، وهل في العقل أنكر وأقبح من عبادة من لو اجتمعوا كلهم لم يخلقوا ذبابًا واحدًا، وإن يسلبهم الذباب شيئًا لم يقدروا على الانتصار منه، واستنقاذ ما سلبهم إياه، وترك عبادة الخلاق العليم القادر على كل شيء، الذي ليس كمثله شيء، أفلا تراه كيف احتج عليهم بما ركبه في العقول من حسن عبادته وحده، وقبح عبادة غيره\" (^١).\nويزيد ﵀ المثل إيضاحًا وبيانًا فيقول: \"حقيق على كل عبد أن يستمع قلبه لهذا المثل، ويتدبره حق تدبره، فإنه يقطع مواد الشرك من قلبه؛ وذلك أن المعبود أقل درجاته أن يقدر على إيجاد ما ينفع عابده، وإعدام ما يضره، والآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله لن تقدر على خلق الذباب ولو اجتمعوا كلهم لخلقه، فكيف ما هو أكبر منه، ولا يقدرون على الانتصار من الذباب إذا سلبهم شيئًا مما عليهم من طيب ونحوه، فسيتنقذوه منه، فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو من أضعف الحيوانات، ولا على الانتصار منه، واسترجاع ما سلبهم إياه،\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة (٢/ ٨ - ٩).","vol":"2","page":932},{"text":"فلا أعجز من هذه الآلهة، ولا أضعف منها، فكيف يستحسن عاقل عبادتها من دون الله، وهذا المثل من أبلغ ما أنزله الله سبحانه في بطلان الشرك، وتجهيل أهله، وتقبيح عقولهم، والشهادة على أن الشيطان قد تلاعب بهم أعظم من تلاعب الصبيان بالكرة، حيث أعطوا الإلهية التي من بعض لوازمها القدرة على جميع المقدورات، والإحاطة بجميع المعلومات، والغنى عن جميع المخلوقات، وأن يصمد إلى الرب في جميع الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وإجابة الدعوات، فأعطوها صورًا وتماثيل يمتنع عليها القدرة على أقل مخلوقات الآلهة الحق، وأذلها، وأصغرها، وأحقرها، ولو اجتمعوا لذلك وتعاونوا عليه\" (^١).\nويقول ابن كثير في الآية: \"أخبر تعالى أن آلهتهم لو اجتمعوا كلهم ما استطاعوا خلق ذبابة، بل لو سلبتهم الذبابة شيئًا من حقير المطاعم وطارت لما استطاعوا إنقاذه منها، فمن هذه صفته وحاله كيف يعبد ليرزق ويستنصر\" (^٢).\nولذا يقول الإمام الطبري ﵀ بعد أن ساق تفسير الآية: \"وإنما أخبر جل ثناؤه عن الآلهة بما أخبر به عنها في هذه الآية من ضعفها ومهانتها تقريعًا منه بذلك عبدتها من مشركي قريش، يقول تعالى ذكره: كيف يجعل مثل في العبادة، ويشرك فيها معي ما لا قدرة له على خلق ذباب، وإن أخذ له الذباب فسلبه شيئًا عليه لم يقدر أن يمتنع منه، ولا ينتصر، وأنا الخالق ما في السماوات والأرض، ومالك جميع ذلك، والمحيي من أردت، والمميت ما أردت، ومن أردت\" (^٣).\n_________\n(^١) إعلام الموقعين، لابن القيم (١/ ١٨١).\n(^٢) تفسير ابن كثير (٢/ ٢٧٧)، وانظر: (٣/ ٢٣٦).\n(^٣) تفسير الطبري (١٧/ ٢٠٣).","vol":"2","page":933},{"text":"ويقول الإمام القرطبي ﵀: \"فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان وأحقره لا يقدر من عبدوه من دون الله ﷿ على خلق مثله ودفع أذيته فكيف يجوز أن يكونوا آلهة معبودين وأربابًا مطاعين وهذا من أقوى حجة وأوضح برهان\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-261> المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nلقد اهتم أهل العلم بتقرير معنى القاعدة في ثنايا كلامهم على الأدلة القرآنية العقلية الدالة على حسن التوحيد وقبح الشرك، وبيان منتهى شناعته، وعظيم جرمه، وفيما يلي بعض أقوالهم المؤيدة لمعنى القاعدة:\nيقول الإمام ابن القيم: \"والحق أن وجوبه -يعني حسن التوحيد وقبح الشرك- ثابت بالعقل، والسمع، والقرآن على هذا يدل؛ فإنه يذكر الأدلة والبراهين العقلية على التوحيد، ويبين حسنه، وقبح الشرك عقلًا وفطرة، ويأمر بالتوحيد، وينهى عن الشرك؛ ولهذا ضرب الله سبحانه الأمثال؛ وهي الأدلة العقلية، وخاطب العباد بذلك خطاب من استقر في عقولهم وفطرهم حسن التوحيد ووجوبه، وقبح الشرك وذمه\" (^٢).\nويقول أيضًا -بعد أن ذكر عدة أمثال قرآنية مضروبة لبيان قبح الشرك-: \"وهذا يبين أن قبح عبادة غير الله تعالى مستقر في العقول والفطر، والسمع نبَّه العقول وأرشدها إلى معرفة ما أودع فيها من قبح ذلك\" (^٣).\nويقول ﵀: \"واعلم أنه إن لم يكن حسن التوحيد وقبح الشرك\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١٢/ ٩٧).\n(^٢) مدارج السالكين، لابن القيم (٣/ ٤٨٨).\n(^٣) المصدر نفسه (١/ ٢٤٠).","vol":"2","page":934},{"text":"معلومًا بالعقل، مستقرًا في الفطرة فلا وثوق بشيء من قضايا العقل؛ فإن هذه القضية من أجل القضايا البديهيات، وأوضح ما ركب الله في العقول والفطر، ولهذا يقول سبحانه عقيب تقرير ذلك: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾، وينفي العقل عن أهل الشرك، ويخبر عنهم بأنهم يعترفون في النار أنهم لم يكونوا يسمعون، ولا يعقلون، وأنهم خرجوا عن موجب السمع والعقل، وأخبر عنهم أنهم صم بكم عمي فهم لا يعقلون، وأخبر عنهم إن سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم لم تغن عنهم شيئًا، وهذا إنما يكون في حق من خرج عن موجب العقل الصريح، والفطرة الصحيحة، ولو لم يكن في صريح العقل ما يدل على ذلك لم يكن في قوله تعالى: ﴿انْظُرُوا﴾ ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾ فائدة؛ فإنهم يقولون: عقولنا لا تدل على ذلك، وإنما هو مجرد إخبارك، فما هذا النظر والتفكر والاعتبار والسير في الأرض، وما هذه الأمثال المضروبة، والأقيسة العقلية، والشواهد العيانية، أفليس في ذلك أظهر دليل على حسن التوحيد والشكر. وقبح الشرك والكفر مستقر في العقول والفطر، معلوم لمن كان له قلب حي، وعقل سليم، وفطرة صحيحة\" (^١).\nويقول المقريزي: \"ومن خصائص الإلهيّة العبوديّة التي لا تقوم إلّا على ساق الحب والذّل، فمن أعطاهما لغيره فقد شبّهه بالله ﷾ في خالص حقه، وقُبح هذا مستقر في العقول والفطر، لكن لما غيّرت الشياطين فطر أكثر الخلق، واجتالتهم عن دينهم، وأمرتهم أن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا، كما روى عن الله أعرف الخلق به وبخلقه، عموا عن قبح الشرك حتى ظنّوه حسنًا\" (^٢).\nويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب في ذكر ما\n_________\n(^١) مدارج السالكين، لابن القيم (٣/ ٤٩١).\n(^٢) تجريد التوحيد المفيد (ص ٢٦).","vol":"2","page":935},{"text":"في قصة عمرو بن عبسة السلمي من الفوائد عند قوله: (كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان) (^١): \"الأولى: كون الشرك يعرف قبحه بالفطرة، لقوله: كنت أظن الناس ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-262> المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nيستطيع المتأمل لما سبق من تقرير لمعنى القاعدة، وكلام أهل العلم حولها استخلاص بعض الفوائد، وفيما يلي بعض ما ظهر لي من ذلك:\nأولًا: أن من رحمة الله تعالى، وعظيم منته على عباده أن خلقهم متهيئين لمعرفته وعبادته، فخلق عقولهم مقرة بربوبيته ووحدانيته، واستحقاقه للإلهية دون غيره، وجعل نفوسهم قابلة لتوحيده وإفراده بالتأله، منصرفة لعبادته وحده لا شريك له، مستقبحة لجعل ند وشبيه له في العبادة، مستهجنة لصرف خالص حقه لغيره ممن لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا.\nوزادهم من نعمائه، وخصهم من سائر مخلوقاته فأنزل عليهم وحيًا أحيا به قلوبهم بالتوحيد والإخلاص، ونَبَّه به عقولهم، واستثار به ما وجد في مكامن نفوسهم من حسن توحيده، وإفراده بالتأله والخضوع والمحبة، وقبح الإشراك به، واتخاذ أنداد من دونه يشاركونه في التوجه\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، باب: إسلام عمرو بن عبسة (١/ ٥٦٩)، برقم (٨٣٢). يقول الإمام النووي في وصف حديث عمرو بن عبسة: \"ومن أهمها حديث عمرو بن عبسة - ﵁ - الطويل المشتمل على جمل كثيرة من قواعد الإسلام وآدابه\". [رياض الصالحين (ص ٧٨)].\n(^٢) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١٠/ ١٠).","vol":"2","page":936},{"text":"والتعظيم والمحبة والخوف والخشية وغيرها من صنوف التعبدات، وأنواع التقربات.\nثانيًا: أنه مع استقرار قبح الشرك وشناعته في العقول الصحيحة، ونفور النفوس منه بفطرتها وطبيعتها السليمة التي خلقت عليها فإن الحجة على الخلق لم تقم بمجرد ذلك، بل لا بد من بعثة الرسل، ونزول الوحي، كما قال ﷿: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥].\nيقول الشيخ الشنقيطي ﵀ مبينًا ومقررًا لذلك: \"أما وجه دلالة القرآن عليه فهو أن مقتضى القول الأول: أن ما أقام الله لهم من البراهين القطعية؛ كخلق السماوات والأرض، وما فيهما من غرائب صنع الله الدالة على أنه الرب المعبود وحده، وما ركز فيهم من الفطرة التي فطرهم عليها تقوم عليهم به الحجة، ولو لم يأتهم نذير، والآيات القرآنية مصرحة بكثرة بأن الله تعالى لا يعذب أحدًا حتى يقيم عليه الحجة بإنذار الرسل، وهو دليل على عدم الاكتفاء بما نصب من الأدلة، وما ركز من الفطرة؛ فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥] فإنه قال فيها: ﴿حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، ولم يقل حتى نخلق عقولًا، وننصب أدلة، ونركز فطرة.\nومن ذلك قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، فصرح بأن الذي تقوم به الحجة على الناس، وينقطع به عذرهم هو إنذار الرسل، لا نصب الأدلة والخلق على الفطرة\" (^١).\nويقول الإمام ابن القيم بعد أن قرر أن الشرك إنما علم قبحه بالعقل والفطرة قبل الشرع: \"ولكن ههنا أمر آخر وهو أن العقاب على ترك هذا الواجب يتأخر إلى حين ورود الشرع، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا\n_________\n(^١) أضواء البيان (٢/ ٤٣).","vol":"2","page":937},{"text":"مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾، وقوله: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا﴾ [الملك: ٨، ٩]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)﴾ [القصص: ٥٩]، وقوله: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١)﴾ [الأنعام: ١٣١]، فهذا يدل على أنهم ظالمون قبل إرسال الرسل، وأنه لا يهلكهم بهذا الظلم قبل إقامة الحجة عليهم، فالآية رد على الطائفتين معًا؛ من يقول: إنه لا يثبت الظلم والقبح إلا بالسمع، ومن يقول: إنهم معذبون على ظلمهم بدون السمع، فالقرآن يبطل قول هؤلاء وقول هؤلاء، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [القصص: ٤٧] فأخبر أن ما قدمت أيديهم قبل إرسال الرسل سبب لإصابتهم بالمصيبة، ولكن لم يفعل سبحانه ذلك قبل إرسال الرسول الذي يقيم به حجته عليهم ... وهذا في القرآن كثير يخبر أن الحجة إنما قامت عليهم بكتابه ورسوله، كما نبههم بما في عقولهم وفطرهم من حسن التوحيد والشكر وقبح الشرك والكفر\" (^١).\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٣/ ٤٨٩ - ٤٩٠).","vol":"2","page":938},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>المبحث الثالث\nقاعدة الشرك الأصغر كل وسيلة وذريعة يتطرق منها إلى الشرك الأكبر من الإرادات والأقوال والأفعال التي لم تبلغ رتبة العبادة</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-264> المسألة الأولى * معنى القاعدة</span>\nهذه القاعدة بمثابة الضابط والحد للشرك الأصغر، إذ فيها بيان حقيقته الشرعية، وطبيعة وجوده، ومدى تعلقه وارتباطه بالشرك الأكبر، وبها يحصل التفريق بين ما هو داخل في الشرك الأكبر أو خارج عنه، ولا يخفى أهمية الحدود للأسماء والألفاظ الشرعية، إذ بها يعرف حقيقة ما أراده الله ﵎ من عباده فيما أنزله عليهم من الوحي، كما أن الجهل بها، وإهمالها وعدم حفظها له خطورته العظيمة في تحريف النصوص، وانقلاب المفاهيم، مما يتسبب في انحراف المسلمين وتخبطهم وضلالهم وبعدهم عن الدين الحق الذي أنزله الله على نبيه محمد -ﷺ-.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"والحدود: هي حدود الأسماء المذكورة","vol":"2","page":939},{"text":"فيما أنزل الله من الكتاب والحكمة؛ مثل حدود الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والمؤمن، والكافر، والزاني، والسارق، والشارب، وغير ذلك حتى يعرف من الذي يستحق ذلك الاسم الشرعي ممن لا يستحقه، وما تستحقه مسميات تلك الأسماء من الأحكام\" (^١).\nوالشرك الأصغر من الأسماء الشرعية التي جاء ذكرها في السُّنَّة النبوية، وفسرها النبي -ﷺ- كما سيأتي قريبًا في حديث محمود بن لبيد (^٢).\nوالقاعدة عرَّفت الشرك الأصغر وحدته بعدة أمور هي كما يلي:\n١ - كونه وسيلة وذريعة وطريقًا إلى الشرك الأكبر.\n٢ - أنه يتنوع فيشمل إرادات القلوب وأعماله، وأقوال اللسان وأفعال الجوارح.\n٣ - أن لا تصل تلك الإرادات والأقوال والأفعال إلى رتبة عبادة غيره ﷾، والمقصود بذلك أن تصرف الإرادات والأقوال والأفعال المختصة بالله تعالى للمخلوق، فيكون هناك نوع من التنديد، ولكن ليست بنفس الطريقة التي تصرف بها للرب ﵎، وعليه فإنها لا تنافي التوحيد منافاة مطلقة، وإن كان فيها نوع منافاة، لكنها لا تتضمن الاعتقاد الشركي الذي يخرج به الإنسان عن ملة الإسلام.\nوقبل الخوض في تفاصيل معنى القاعدة أتناول بعض التعاريف والحدود التي وضعها أهل العلم لبيان حقيقة الشرك الأصغر وضابطه، ومن ثم مقارنتها بقاعدتنا هذه.\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم (ص ١٤٦ - ١٤٧).\n(^٢) هو: محمود بن لبيد بن عقبة بن رافع بن امرئ القيس بن الأوسي الأنصاري الأشهلي أبو نعيم المدني، وأمه أم منظور بنت محمد بن مسلمة روى عن النبي -ﷺ- أحاديث ولم تصح له رؤية ولا سماع منه، وسمع من عمر وكان ثقة قليل الحديث، وتوفي بالمدينة سنة ست وتسعين. [ترجمته في: تهذيب التهذيب (١٠/ ٥٩)، وسير أعلام النبلاء (٣/ ٤٨٥)].","vol":"2","page":940},{"text":"عرَّفه الراغب بقوله: \"الشرك الصغير: وهو مراعاة غير الله معه في بعض الأمور، وهو الرياء والنفاق ... ولفظ الشرك من الألفاظ المشتركة\" (^١).\nوبين الشيخ سليمان آل الشيخ معنى الشرك الأصغر، معرَّفًا بالحد والمثال، ومستخلصًا له من كلام ابن القيم وغيره من أهل العلم فقال: \"الشرك الأصغر؛ كيسير الرياء، والتصنع للمخلوق، وعدم الإخلاص لله تعالى في العبادة؛ بل يعمل لحظ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب المنزلة والجاه عند الخلق تارة، فله من عمله نصيب، ولغيره منه نصيب، ويتبع هذا النوع الشرك بالله في الألفاظ؛ كالحلف بغير الله، وقول ما شاء الله وشئت، وما لي إلا الله وأنت، وأنا في حسب الله وحسبك، ونحوه، وقد يكون ذلك شركًا أكبر بحسب حال قائله ومقصده\" (^٢).\nوعرَّفه الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀- بقوله: \"وأما الشرك الأصغر: فهو ما ثبت بالنصوص من الكتاب أو السُّنَّة تسميته شركًا، ولكنه ليس من جنس الشرك الأكبر؛ كالرياء في بعض الأعمال، والحلف بغير الله، وقول ما شاء الله وشاء فلان، ونحو ذلك\" (^٣).\nوعرَّفه الشيخ العثيمين -﵀- بقوله: \"الشرك الأصغر وهو: كل عمل قولي، أو فعلي أطلق عليه الشرع وصف الشرك، ولكنه لا يخرج من الملة\" (^٤).\nوقيل: \"هو كل ما نهى عنه الشرع مما هو ذريعة إلى الشرك الأكبر، ووسيلة للوقوع فيه، وجاء في النصوص تسميته شركًا\" (^٥).\n_________\n(^١) المفردات في غريب القرآن (ص ٢٦٠).\n(^٢) تيسيير العزيز الحميد (ص ٣٥).\n(^٣) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ ابن باز -﵀- (٣/ ٢٨٩).\n(^٤) الأصول الثلاثة، لابن عثيمين (ص ٤٢)، وفتاوى مهمة (ص ٢٨).\n(^٥) فتاوى اللجنة الدائمة (١/ ٧٤٨).","vol":"2","page":941},{"text":"وقيل: \"هو تسوية غير الله بالله في هيئة العمل، وأقوال اللسان، فالشرك في هيئة العمل هو الرياء، والشرك في أقوال اللسان هو الألفاظ التي فيها معنى التسوية بين الله وغيره، كقوله: ما شاء الله وشئت، وقوله: اللَّهُمَّ اغفر لي إن شئت، وقوله عبد الحارث ونحو ذلك\" (^١).\nوجاء في تعريف اللجنة الدائمة للبحوث العلمية: \"أما الشرك الأصغر: فكل ما نهى عنه الشرع مما هو ذريعة إلى الشرك الأكبر، ووسيلة للوقوع فيه، وجاء في النصوص تسميته شركًا، كالحلف بغير الله، فإنه مظنة للانحدار إلى الشرك الأكبر\" (^٢).\nهذه بعض التعاريف والحدود لمعنى الشرك الأصغر، وبعد التأمل فيها، والنظر فيما ورد من أدلة ونصوص متعلقة بالشرك الأصغر، وجدت أن تعريفات أهل العلم اعتمدت على عدة مرتكزات وضوابط لمعنى الشرك الأصغر أذكرها فيما يلي:\nأولًا: أن تأتي النصوص بوصفه وتسميته شركًا، مع ورود الأدلة القاطعة بعدم إرادة الشرك الأكبر.\nثانيًا: أن يشتمل على تسوية بين الله وغيره لا تبلغ درجة العبادة.\nثالثًا: ما كان فيه تعلُّق بغير الله؛ سواء عن طريق المحبة، أو الخوف، أو الرجاء، أو التوكل والاعتماد على غيره تعالى، بحيث لا يصل إلى حد التعلق الشركي المخرج عن الملة.\nرابعًا: ما كان فيه تشريك واقتران وتنديد بين الله وغيره، بحيث لا يبلغ درجة التنديد الأعظم.\nخامسًا: كونه وسيلة وذريعة يتطرق منها إلى الشرك الأكبر.\nوجميع هذه الضوابط عدا الأخير منها موضع اتفاق بين جمهور\n_________\n(^١) المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية (ص ١٢٦ - ١٢٧).\n(^٢) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١/ ٧٤٨).","vol":"2","page":942},{"text":"أهل العلم؛ إذ لا يكاد يخلو نوع من أنواع الشرك الأصغر منها، أو من بعضها، ولا يشترط اجتماعها في كل نوع.\nأما الضابط الخامس باعتبار كونه وسيلة وذريعة إلى الشرك الأكبر، وهو ما جاء التنصيص عليه في القاعدة، وذكره بعض أهل العلم فهو من أوسع الضوابط لمعرفة الشرك الأصغر؛ إذ يدخل في ذلك أشياء كثيرة من البدع والمعاصي، وبناء عليه فإنك تجد تعبيرات أهل العلم قد اختلفت في وصف بعض البدع؛ كالغلو في مدح الأنبياء والصالحين، وبناء الأضرحة والقباب على قبورهم، وتحري الدعاء والعبادة عندها؛ فالبعض جعلها من الشرك الأصغر، وبعضهم عبَّر عنها بأنها من وسائل الشرك وأسبابه وشوائبه.\nيقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"وأما المسائل التي ذكر في الجنائز؛ من لمس القبر، والصلاة عنده، وقصده لأجل الدعاء، أو كذا وكذا فهذا أنواع؛ أما بناء القباب عليها فيجب هدمها، ولا علمت أنه يصل إلى الشرك الأكبر، وكذلك الصلاة عنده، وقصده لأجل الدعاء فكذاك لا أعلمه يصل إلى ذلك، ولكن هذه الأمور من أسباب حدوث الشرك، فيشتد نكير العلماء لذلك\" (^١).\nفسماها -﵀- أسبابًا للشرك، ولم يتعرض لكونها من الشرك الأصغر أم لا.\nوالأصل أن يقتصر في معنى الشرك الأصغر على ما سبق من ضوابط من كونه قد وردت تسميته شركًا في النصوص الشرعية، أو أن حقيقته قد تضمنت تسوية بين الله وخلقه، أو استلزم تعلقًا قلبيًا بغيره سبحانه، أو اقترن بالفعل أو القول تشريكًا أو تنديدًا شريطة أن لا يصل في جميع ذلك إلى حد العبادة أو الاعتقاد المؤدي إلى الشرك الأكبر،\n_________\n(^١) الفتاوى، للإمام محمد بن عبد الوهاب (ص ٧٠).","vol":"2","page":943},{"text":"وكل ما ذكر من ضوابط للشرك الأصغر إذا وجدت كانت من أكبر الوسائل، وأقوى الذرائع المؤدية إلى الشرك الأكبر.\nيقول الشيخ صالح بن فوزان الفوزان -حفظه الله-: \"فالرسول نهى عن الصلاة عند القبور، ونهى عن الدعاء عند القبور، ونهى عن البناء على القبور، ونهى عن العكوف عند القبور، واتخاذ القبور عيدًا، إلى غير ذلك، كل هذا من الوسائل التي تُفضي إلى الشرك، وهي ليست شركًا في نفسها، بل قد تكون مشروعة في الأصل، ولكنها تؤدي إلى الشرك بالله ﷿، ولذلك منعها -ﷺ-\" (^١).\nأما كون الشرك الأصغر من وسائل الشرك الأكبر فمما لا شك فيه، ولكن ليست كل وسيلة وسبب للشرك الأكبر نسميه شركًا أصغر؛ كالبدع والمعاصي، وغالب أهل العلم كما سبق يطلق عليها: أسباب الشرك، ووسائله وشوائبه (^٢).\nعلى أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد يدخلها أحيانًا في عموم الإشراك بسبب طاعة الإنسان لهواه، أو بطاعته الشيطان، فيكون عابدًا لهواه وللشيطان، أو لأن تجويز واستحباب مثل هذه البدع؛ كالعبادة عند القبور يدخل فيمن شرع في الدين ما لم يأذن به الله.\nيقول الإمام ابن تيمية في مسألة دعاء الله عند القبور: \"وهذا قد دل عليه كتاب الله في مواضع مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، فإذا لم يشرع الله استحباب الدعاء عند المقابر، ولا وجوبه، فمن شرعه فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله.\nوقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ\n_________\n(^١) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (١/ ٣١٠).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٤٣)، و(٢٧/ ١٢٠)، و(٢٧/ ١٣٧)، و(٢٧/ ١٤٥).","vol":"2","page":944},{"text":"وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]، وهذه العبادة عند المقابر نوع من أن يشرك بالله ما لم ينزل به سلطانًا؛ لأن الله لم ينزل حجة تتضمن استحباب قصد الدعاء عند القبور وفضله\" (^١).\nبل اعتبر جميع المعاصي والذنوب داخلة في عموم الإشراك بطاعة الشيطان، وأنها من شعب الكفر والشرك.\nيقول الإمام ابن تيمية في شأن عبادة الشيطان: \"ولهذا لم يخلص من الشيطان إلا المخلصون لله كما قال تعالى عن إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ [الحجر: ٣٩ - ٢٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: ٩٩ - ١٠٠]، فإذا كان الشيطان ليس له سلطان إلا على من أشرك به، فكل من أطاع الشيطان في معصية الله فقد تسلط الشيطان عليه، وصار فيه من الشرك بالشيطان بقدر ذلك\" (^٢).\nويقول أيضًا: \"فجميع ما نهى الله عنه هو من شعب الكفر وفروعه، كما أن كل ما أمر الله به هو من الإيمان والإخلاص لدين الله؛ ... لكن قد يكون ذلك شركًا أكبر، وقد يكون شركًا أصغر بحسب ما يقترن به من الإيمان، فمتى اقترن بما نهي الله عنه الإيمان لتحريمه، وبغضه، وخوف العقاب، ورجاء الرحمة لم يكن شركًا أكبر، وأما إن اتخذ الإنسان ما يهواه إلهًا من دون الله، وأحبه كحب الله، فهذا شرك أكبر،\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط لمخالفة أصحاب الجحيم (ص ٣٤٠).\n(^٢) قاعدة في المحبة، لابن تيمية (ص ٢٩١)، ضمن جامع الرسائل/ المجموعة الثانية.","vol":"2","page":945},{"text":"والدرجات في ذلك متفاوتة\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-265> المسألة الثانية* أدلة القاعدة</span>\nهذه القاعدة التي تضمنت تعريف الشرك الأصغر ذكرها الشيخ عبد الرحمن السعدي -﵀- في كتابه القول السديد، وتابعه بعض العلماء في جميع ما ذكره أو في بعضه، والذي يظهر لي أن وضع أهل العلم لهذا الحد لتعريف الشرك الأصغر كان مستندًا ومبينًا على عدة أمور:\nأولًا: حديث محمود بن لبيد -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إِنَّ أَخوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيكُمْ الشِّرْكُ الأَصغَرُ\" قَالُوا وَمَا الشِّركُ الأَصغَرُ يَا رَسُولَ اللّهِ قَالَ: \"الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللهُ ﷿ لهُم يَومَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بأَعمَالِهِم اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً\" (^٢).\nفكان هذا الشرك من أعظم الذنوب مخافة من النبي -ﷺ- على أهل التوحيد؛ لأنه يؤدي بهم إلى الشرك الأكبر، والتنديد الأعظم؛ لما فيه من صرف نوع حق لله تعالى لغيره من الخلق؛ ولذا يطلب منهم ربهم يوم القيامة أن يذهبوا إلى من كانوا يراءون في الدنيا، مع تعظيم القلوب لهم، وظنهم الانتفاع من قبلهم أن يطلبوا منهم الجزاء على\n_________\n(^١) قاعدة في المحبة، لابن تيمية (ص ٢٩٢ - ٢٩٣).\n(^٢) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (٤/ ٢٥٣)، برقم (٤٣٠١)، والإمام أحمد في مسنده (٥/ ٤٢٨)، حديث (٢٣٦٨٠)، وقال العراقي عقب ذكره: \"ورجاله ثقات\"، المغني عن حمل الأسفار (٢/ ٩٢٩)، وقال الهيثمي: \"ورجاله رجال الصحيح\". مجمع الزوائد (١/ ١٠٢)، وقال الحافظ ابن حجر في \"بلوغ المرام\": \"أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِسَنَدِ حَسَنٍ\"، وحسنه الصنعاني في سبل السلام (٤/ ١٨٥)، وصححه الألباني في صحيح الجامع حديث (١٥٥٥).","vol":"2","page":946},{"text":"تلك المراءاة وذلك التعظيم والظن الحسن بهم في الدنيا.\nثانيًا: استقراؤهم للنصوص الواردة في الشرك الأصغر، وكون أفراده المنصوص عليها لم تصل إلى درجة الشرك الأكبر، لكنهم لحظوا التشابه والاتفاق في الظاهر بين حالتي الشرك الأكبر والأصغر في بعض الأمور، وقد يحصل الاشتباه أحيانًا بحيث لا يفرق بينهما إلا من ألهمه الله علمًا ورزقه فهمًا، هذا مع وجود الاختلاف الكبير أيضًا الذي يعطي كل واحد منهما حكمه، والذي مرجعه في الغالب إلى النية والإرادة والقصد والاعتقاد.\nفوجود هذا التشابه والاشتباه، مع غفلة الناس، وتزيين الشيطان، وحرصه الشديد على إيقاع أهل التوحيد في مستنقع الإشراك ومنحدر التنديد، بل وفرحه بذلك أشد الفرح صار الشرك الأصغر من أمضى أسلحته، وأعظم وسائله، وأخطر ذرائعه، وأكبر أبوابه التي يتوصل بها إلى تلبس أهل التوحيد بالشرك الأكبر المخرج عن ملة الإسلام.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فإن الشرك، وتعلق القلوب بغير الله؛ عبادة واستعانة غالب على قلوب الناس في كل وقت، إلا من عصم الله، والشيطان سريع إلى دعاء الناس إلى ذلك\" (^١).\nثالثًا: استقراؤهم لواقع الناس وتقصيهم لأحوالهم، فإن الناظر في سيرة من تلبس بشيء من الشرك الأصغر أن نهايته كانت وقوعه في الشرك الأكبر وخروجه عن ملة الإسلام؛ فإن من ابتلي بلبس التمائم على أساس أنها سبب للشفاء لا يزال معه الشيطان مزينًا له هذه التمائم حتى يصل به إلى أن يعتقد فيها استقلال النفع والضر، ولا شك أن اعتقاد أن أحدًا دون الله يملك جلب نفع، أو دفع ضر بذاته استقلالًا من أعظم الإشراك\n_________\n(^١) شرح العمدة (٤/ ٤٥٢).","vol":"2","page":947},{"text":"المخرج عن دين الإسلام بالكلية، وهكذا في جميع أفراد الشرك الأصغر وخاصة مع فشو الجهل وغربة الدين.\nرابعًا: كما دلت النصوص الواردة في أفراد الشرك الأصغر على تنوع أحواله، وتعدد صفاته؛ فتارة يكون في النيات والإرادات، وتارة يكون في الأقوال، وتارة يكون في الأعمال، فيشترك فيه القلب واللسان والجوارح.\nخامسًا: بالنسبة لقيد (التي لم تبلغ رتبة العبادة)؛ أي: مرتبة عبادة غير الله ﵎، وهي المرتبة التي تتضمن إعتقادًا شركيًا يخرج به الإنسان عن ملة الإسلام بالكلية؛ كمن يحلف بغير الله معتقدًا تعظيم المحلوف به كتعظيم الرب تعالى، أو محبته المحبة الشركية الملازمة للخضوع والذلة وتعظيم المحبوب، واعتقاد ملكه للنفع والضر، أو الخوف منه خوفًا يتضمن اعتقاد أنه بمقدوره إيصال النفع والضر بذاته بدون أسباب محسوسة، فكل ذلك من الشرك الأكبر المخرج عن الإسلام، والمنافي للتوحيد جملة وتفصيلًا.\nولذا قيد الشرك الأصغر بأن لا يصل إلى درجة العبادة لغيره ﷾، ولكنه متضمن لنوع من التسوية والتنديد ولكنها لا تصل إلى درجة العبادة المتضمنة للاعتقاد الشركي المخرج عن الملة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-266> المسألة الثالثة* أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nأذكر فيما يأتي بعض أقوال أهل العلم في اعتماد القاعدة وتقريرها:\nيقول الشيخ عبد الرحمن السعدي -﵀-: \"وأما الشرك الأصغر: فهو جميع الأقوال والأفعال التي يتوسل بها إلى الشرك، كالغلو في","vol":"2","page":948},{"text":"المخلوق الذي لا يبلغ رتبة العبادة، وكالحلف بغير الله، ويسير الرياء ونحو ذلك\" (^١).\nويقول أيضًا: \"حَدُّ الشرك الأصغر هو: كل وسيلة وذريعة يتطرق منها إلى الشرك الأكبر؛ من الإرادات، والأقوال، والأفعال التي لم تبلغ رتبة العبادة\" (^٢).\nوجاء في فتاوى اللجنة الدائمة قولهم في تأييد معنى القاعدة مع زيادة بعض القيود وذكر المثال: \"أما الشرك الأصغر: فكل ما نهى عنه الشرع مما هو ذريعة إلى الشرك الأكبر، ووسيلة للوقوع فيه، وجاء في النصوص تسميته شركًا، كالحلف بغير الله، فإنه مظنة للانحدار إلى الشرك الأكبر\" (^٣).\nفزاد بعض القيود: منها أن يكون مما نهى الله عنه. ومنها: أن يأتي في النصوص الشرعية تسميته شركًا.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-267> المسألة الرابعة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nبعض ما ظهر لي من فوائد وتطبيقات للقاعدة:\nأولًا: وهي أعظم فائدة إذ يمكن الاستفادة من القاعدة في ضبط مسائل الشرك المتشابهة، والتفريق بين ما هو من قبيل الشرك الأكبر، أو من قبيل الشرك الأصغر من الإرادات والأقوال والأفعال، وكما سبق بيانه فإن مناط التفريق بين ما هو شرك أكبر أو أصغر مرجعه إلى الأمور القلبية والاعتقادية، أما من حيث الظاهر فلا يمكن الحكم إلا بالشرك الأصغر على بعض الأقوال والأعمال (^٤).\n_________\n(^١) القول السديد في مقاصد التوحيد (ص ٣٢).\n(^٢) المرجع نفسه (ص ٥٤).\n(^٣) فتاوى اللجنة الدائمة (١/ ٧٤٨).\n(^٤) المقصود ما يتردد بين الشرك الأكبر والأصغر من الأقوال والأعمال، ولا شك أن =","vol":"2","page":949},{"text":"ثانيًا: أفادت القاعدة الحذر العظيم من الشرك الأصغر لكونه طريقًا وبابًا إلى الشرك الأكبر، والخسران الأعظم، الذي ليس بعده فلاح ولا نجاح ولا فوز، بل هو الخلود في جهنم وساءت مصيرًا؛ ولذا كان هذا الشرك من أعظم مخاوف النبي -ﷺ- على أمته كما سبق في حديث محمود بن لبيد.\nثالثًا: ومما يدخل في القاعدة: تعليق التمائم، ولبس الحلقة، أو الخيط، أو العظم، أو الشعر، أو غير ذلك لرفع البلاء أو دفعه. كل ذلك من الشرك الأصغر المنهي عنه شرعًا؛ لما فيه من تعلق القلب بغيره سبحانه، واعتقاد أنها سبب يؤثر في رفع البلايا، أو جلب المنافع.\nولا شك أن جعل الشيء مؤثرًا في غيره إنما هو من خصاص الرب ﵎، إذ هو الخالق لكل شيء، فمن تعلق قلبه بشيء لجلب خير أو دفع شر لم يجعله الشارع سببًا لهذا، ولم يأذن باتخاذه يكون واقعًا في الشرك الأصغر؛ لأنَّه لما اعتقد أن ما ليس بسبب سببًا فقد شارك الله تعالى في الحكم لهذا الشيء بأنه سبب، والله تعالى لم يجعله سببًا، أما إن اعتقد أن هذه الأمور المعلقة تدفع الشر، وتجلب الخير بذاتها وقدرتها المستقلة أداه ذلك إلى الشرك الأكبر في توحيد الربوبية، المخرج عن دين الإسلام؛ لأنه اعتقد أن مع الله خالقًا غيره (^١).\nيقول الشيخ حافظ الحكمي: \"هذه الأمور المذكورة التي يتعلق بها العامة غالبها من الشرك الأصغر، لكن إذا اعتمد العبد عليها بحيث يثق بها، ويضيف النفع والضر إليها كان ذلك شركًا أكبر والعياذ بالله؛ لأنه حينئذٍ صار متوكلًا على سوى الله، ملتجئًا إلى غيره\" (^٢).\n_________\n= هناك من الأقوال والأعمال ما هو شرك أكبر مخرج عن الإسلام؛ وهي الأقوال والأعمال المناقضة لكلمة التوحيد.\n(^١) انظر: الشرح الممتع، لابن عثيمين (١/ ١٦٥).\n(^٢) معارج القبول، لحافظ الحكمي (٢/ ٤٩٧).","vol":"2","page":950},{"text":"رابعًا: ومن ذلك إرادة الإنسان بعمله الدنيا، فهو يعمل العمل لله تعالى ولكنه يريد به ثواب الدنيا، فقلبه متعلق بالمال والبنين، ولذا وصفه -ﷺ- في الحديث بكونه عابدًا للدينار والدرهم فعن أبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قال: \"تَعِسَ عبْدُ الدِّينَارِ وعبْدُ الدِّرْهَمِ وعبْدُ الخَمِيصَةِ، إنْ أُعْطيَ رَضِيَ وإنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ تَعِسَ وانْتَكَسَ وإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ ... \" (^١).\nيقول الإمام ابن تيمية في كلامه على الحديث: \"وكذلك من غلب عليه الثقة بجاهه وماله، بحيث يكون عنده مخدومه من الرؤساء ونحوهم، أو خادمه من الأعوان والأجناد ونحوهم، أو أصدقائه، أو أمواله هي التي تجلب المنفعة الفلانية، وتدفع المضرة الفلانية، فهو معتمد عليها، ومستعين بها، والمستعان هو مدعو ومسؤول.\nوما أكثر ما تستلزم العبادة الاستعانة، فمن اعتمد عليه القلب في رزقه ونصره ونفعه وضره خضع له وذل، وانقاد، وأحبه من هذه الجهة، وإن لم يحبه لذاته لكن قد يغلب عليه الحال حتى يحبه لذاته، وينسى مقصوده منه، كما يصيب كثيرًا ممن يحب المال، أو يحب من يحصل له به العز والسلطان \" (^٢).\nفسمى هؤلاء الذين إن أعطوا رضوا وإن منعوا سخطوا عبيدًا لهذه الأشياء؛ لانتهاء محبتهم ورضاهم ورغبتهم إليها، فإذا شغف الإنسان بمحبة المال، أو الصور، أو الدنيا، وتعلق قلبه لغير الله بحيث يرضى وصول ذلك إليه، وظفره به، ويسخطه فوات ذلك كان فيه من التعبد لها والعبودية بقدر ذلك (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب: الحراسة في الغزو في سبيل الله (٣/ ١٠٥٧)، برقم (٢٧٣٠).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ٣٥ - ٣٦).\n(^٣) انظر: إغاثة اللهفان، لابن القيم (٢/ ١٤٩).","vol":"2","page":951},{"text":"فالعبودية درجات، منها: عبودية الشرك الأصغر، ومنها عبودية الشرك الأكبر، فالذي يشرك بغير الله الشرك الأكبر هو عابد له، كأهل الأوثان، وعبدة الأصنام، وعبدة الصليب، وكذلك من يعمل الشرك الأصغر، ويتعلق قلبه بشيء من الدنيا فهو عابد لذلك، يقال: عبد هذا الشيء؛ لأنه هو الذي حرك همته، فهذا الذي حركته همته للدنيا وللدينار وللدرهم عبد لها؛ لأن همته معلقة بتلك الأشياء، وإذا وجد لها سبيلًا تحرك إليها بدون النظر هل يوافق أمر الله أم لا يوافق أمر الله وشرعه (^١).\nفالذي يعمل العبادة لله طمعًا في ثواب الدنيا ولا هم له في الآخرة كان فيه من الشرك الأصغر بحسب تعلقه؛ أما من كانت إرادته للدنيا أصلًا وقصدًا وتعلقًا وهمة وتحركًا، فعمل من أجل الدنيا ولم يتحرك قلبه بإرادة الله تعالى والدار الآخرة، فهذا ليس له في الآخرة من نصيب، وهذا العمل على هذا الوصف لا يصدر من مؤمن؛ فإن المؤمن ولو كان ضعيف الإيمان، فلا بد أن يريد الله والدار الآخرة، بل هو من أعمال الكافرين الخارجين عن ملة الإسلام جملة وتفصيلًا، وفيهم نزل قوله ﷾: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود: ١٥، ١٦] (^٢).\nخامسًا: ومما يدخل في حكم القاعدة مسألة الرياءء وهو بكسر الراء وتخفيف التحتانية والمد، وهو مشتق من الرؤية، والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها (^٣)، فهو ما يفعل طاعة لله ليراه الناس، ولا يكتفي فيه برؤية الله ﷾ (^٤).\n_________\n(^١) انظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص ٤١٠).\n(^٢) انظر معناه في: القول السديد في مقاصد التوحيد، للسعدي (ص ١٣٠)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد، للشيخ صالح آل الشيخ (ص ٤٠٥).\n(^٣) انظر: فتح الباري (١١/ ٣٣٦).\n(^٤) انظر: مرقاة المفاتيح (٩/ ٥٠٠).","vol":"2","page":952},{"text":"قال الصنعاني فى معناه: \"وشرعًا: أن يفعل الطاعة ويترك المعصية مع ملاحظة غير الله، أو يخبر بها، أو يحب أن يطلع عليها لمقصد دنيوي من مال أو نحوه\" (^١).\nفالرياء ليس فيه صرف للعبادة لغير الله، بل هو تزيين العبادة من أجل رؤية المخلوق ومدحه، وأما العبادة فهي لله وحده، وأما من توجه بالعبادة لغير الله وقصد بها غيره سبحانه فهذا قد وقع في الشرك الأكبر.\nوقد فصَّل الشيخ السعدي -﵀- حالات الرياء، ومتى يكون شركًا أكبر أو شركًا أصغر، فيقول: \"واعلم أن الرياء فيه تفصيل: فإن كان الحامل للعبد على العمل قصد مراءاة الناس، واستمر على هذا القصد الفاسد، فعمله حابط، وهو شرك أصغر، ويخشى أن يتذرع به إلى الشرك الأكبر.\nوإن كان الحامل على العمل إرادة وجه الله مع إرادة مراءاة الناس، ولم يقلع عن الرياء بعمله، فظاهر النصوص أيضًا بطلان هذا العمل.\nوإن كان الحامل للعبد على العمل وجه الله وحده، ولكن عرض له الرياء في أثناء عمله، فإن دفعه وخلص إخلاصه لله لم يضره، وإن ساكنه واطمأن إليه نقص العمل، وحصل لصاحبه من ضعف الإيمان والإخلاص بحسب ما قام في قلبه من الرياء\" (^٢).\nويقول الشيخ حافظ الحكمي: \"فإن كان الباعث على العمل من أصله هو إرادة غير الله فنفاق، وإن كان دخل الرياء في تزيين العمل وكان الباعث عليه أولًا إرادة الله والدار الآخرة كان شركًا أصغر بحسبه، حتى إذا غلب عليه التحق بالأكبر\" (^٣).\n_________\n(^١) سبل السلام (٤/ ١٨٥).\n(^٢) القول السديد في مقاصد التوحيد (ص ١٢٩ - ١٣٠).\n(^٣) معارج القبول (٢/ ٤٤٢).","vol":"2","page":953},{"text":"وبين الشيخ علي القاري -﵀- خطورة الرياء بأنه ذريعة إلى الشرك الأكبر فقال: \"ثم إذا ثبت المرائي على اعوجاجه، ولم يرجع إلى الصراط المستقيم، هام في أودية الضلال، وأداه الشرك الأصغر إلى الشرك الأكبر أعاذنا الله منه\" (^١).\nسادسًا: ومما تتناوله القاعدة مسألة الحلف بغير الله تعالى، حيث جاء في الحديث عن سعد بن عبيدة قال سمع بن عمر -﵄- رجلًا يحلف بالكعبة فقال: لا تحلف بالكعبة فإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك\" (^٢).\nوالمقصود بالشرك هنا الشرك الأصغر، وهو دون الشرك الأكبر المخرج من الإسلام، وحكمة النهي أن حقيقة العظمة مختصة بالله تعالى، كما قال تعالى: \"الكبرياء ردائي والعظمة إزاري\" (^٣)، فلا ينبغي مضاهاة غيره به في الألفاظ (^٤)؛ لأن الحلف بشيء يقتضي تعظيمه\n_________\n(^١) مرقاة المفاتيح، لعلي القاري (١/ ٤٨١).\n(^٢) أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (٤/ ٣٣٠)، برقم (٧٨١٤)، وقال عقبه: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ومرة قال (١/ ٦٥)، برقم (٤٥): \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجا بمثل هذا الإسناد وخرجاه في الكتاب، وليس له علة، ولم يخرجاه، وله شاهد على شرط مسلم فقد احتج بشريك بن عبد الله النخعي\"، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (١٠/ ١٩٩)، برقم (٤٣٥٨)، وأبو داود في سننه (٣/ ٢٢٣)، برقم (٣٢٥١)، والترمذي في جامعه (٤/ ١١٠)، برقم (٤٣٥٨)، وأبو داود في سننه (٣/ ٢٢٣)، برقم (٣٢٥١)، والترمذي في جامعه (٤/ ١١٠)، برقم (١٥٣٥)، وقال عقبه: \"هذا حديث حسن، وفسر هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن قوله: فقد كفر أو أشرك على التغليظ ... قال أبو عيسى: هذا مثل ما روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: إن الرياء شرك، ... \"، وصححه الألباني: انظر: التعليقات الرضية على الروضة الندية (٢/ ٥٤٢).\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣٧٦)، برقم (٨٨٨١)، وأبو داود (٤/ ٥٩)، برقم (٤٠٩٠)، والحديث عند مسلم (٤/ ٢٠٢٣)، برقم (٢٦٢٠)، بلفظ: \"العز إزاره والكبرياء رداؤه فمن ينازعني عذبته\"، من روايته أبي سعيد الخدري وأبي هريرة.\n(^٤) انظر: طرح التثريب في شرح التقريب للحافظ العراقي (٧/ ١٣٣، ١٣٤).","vol":"2","page":954},{"text":"والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده (^١).\nقال الإمام أبو جعفر الطحاوي -﵀- في معنى قوله -ﷺ-: \"أن من حلف بشيء دون الله فقد أشرك\": \"فكان ذلك عندنا والله أعلم لم يرد به الشرك الذي يخرج به من الإسلام حتى يكون به صاحبه خارجًا من الإسلام، ولكنه أريد أن لا ينبغي أن يحلف بغير الله تعالى، وكان من حلف بغير الله قد جعل ما حلف به كما الله تعالى محلوفًا به، وكان بذلك قد جعل من حلف به، أوما حلف به شريكًا فيما يحلف به، وذلك عظيم، فجعل مشركًا بذلك شركًا غير الشرك الذي يكون به كافرًا بالله تعالى\" (^٢).\nويقول الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀-: \"وكذلك الحلف بغير الله لا يجوز، وهو من الشرك الأصغر أيضًا، وقد يكون من الشرك الأكبر إذا اعتقد الحالف بغير الله أن هذا المحلوف به مثل الله، أو يصح أن يدعى من دون الله، أو أنه يتصرف في الكون من دون الله فإنه يكون شركًا أكبر\" (^٣).\nويقول الشيخ محمد أمان الجامي -﵀-: \"وقد ينتقل بعض أفراد هذا النوع من الشرك الأصغر إلى دائرة الشرك الأكبر بأمور خارجة تطرأ أحيانًا وتصاحب القول، كأن يصل تعظيم المحلوف به في قلب الحالف، والخوف إلى حد تعظيم الموحد ربه وخالقه، أو أعظم من ذلك، وفي هذه الحالة ينتقل القَسَم بغير الله من الشرك الأصغر إلى الشرك الأكبر؛ لأن من بلغ إلى هذه الحالة فقد خرب قلبه، وحقيقة الكفر هو خراب القلب، ويفقد تقدير الله حق قدره، وتعظيمه، والخوف منه، ويحل محل\n_________\n(^١) انظر: شرح الزرقاني (٣/ ٨٨)، وفيض القدير للمناوي (٦/ ١٢٠).\n(^٢) شرح مشكل الآثار للطحاوي (٢/ ٢٩٧).\n(^٣) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (٥/ ٣٠٧).","vol":"2","page":955},{"text":"تعظيم الله تعظيم مخلوق؛ فنسأله تعالى العفو والعافية\" (^١).\nسابعًا: ومما يدخل في الشرك الأصغر الذي هو وسيلة إلى الشرك الأكبر التشريك في الألفاظ؛ كقولك: ما شاء الله وشئت، ولولا الله وفلان، وهذا من الله وفلان، وما لي إلا الله وأنت، ونحو ذلك.\nفعن قتيلة (^٢) امرأة من جهينة (أن يهوديًا أتى النبي -ﷺ- فقال: إنكم تنددون وإنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي -ﷺ- إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، ويقول أحدهم: ما شاء الله ثم شئت) (^٣).\nوعن ابن عباس -﵄- أن رجلًا أتى النبي -ﷺ- فكلمه في بعض الأمر، فقال ما شاء الله وشئت. فقال النبي -ﷺ-: \"أجعلتني لله عدلًا قل ما شاء الله وحده\" (^٤).\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فأنكر عليه أن جعله ندًا لله في هذه الكلمة\n_________\n(^١) مقال بعنوان: (ما هكذا يا سعد تورد الإبل) بقلم فضيلة الشيخ: محمد أمان بن علي الجامي ﵀، وهو رد على الدكتور: أحمد الشلبي ضمن مجلة الجامعة الإسلامية عدد (٤٣).\n(^٢) هي: قتيلة بنت صيفي، قال ابن عبد البر: ويقال: الأنصارية، كانت من المهاجرات الأول، وتعقبه الحافظ ابن حجر بقوله: ولم أر من نسبها أنصارية، وقوله من المهاجرات يأبى ذلك. وقد أخرج حديثها ابن سعد وأشار إلى أنها ليس لها غيره. [ترجمته في: الاستيعاب (٤/ ١٩٠٣)، والإصابة في تمييز الصحابة (٨/ ٧٩)].\n(^٣) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٣/ ١٢٤)، برقم (٤٧١٤)، وانظر: (٦/ ٢٤٥)، برقم (١٠٨٢٢)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٣١)، برقم (٧٨١٥)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الحافظ ابن حجر في \"الإصابة\" (٨/ ٧٩): \"سنده صحيح\". اهـ.\n(^٤) أخرجه النسائي في السُّنن الكبرى (٦/ ٢٤٥)، برقم (١٠٨٢٥)، والخطيب في تاريخ بغداد (٨/ ١٠٤)، برقم (٤٢١٨)، بلفظ: (ندًا) بدلًا من (عدلًا)، وحسَّن إسناده العراقي وكذا الألباني. [انظر: المغني عن حمل الأسفار (٢/ ٨٣٥)، برقم (٣٠٦٦)، والسلسلة الصحيحة (١/ ٢٦٦)].","vol":"2","page":956},{"text":"التي جمع فيها بينه وبين الله في المشيئة؛ إذ مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله، فلا يكون شريكه لما يعلم أن كون الشيء ندًا لله قد يكون بدون أن يعبد العبادة التامة، فإن ذلك الرجل ما كان يعبد رسول الله تلك العبادة\" (^١).\nيقول العلامة عبد العزيز بن باز: \"ومن هذا الباب قول: ما شاء الله وشاء فلان، ولولا الله وفلان، وهذا من الله وفلان، وهذا كله من الشرك الأصغر، لقول النبي -ﷺ-: \"لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان\" (^٢)، وبهذا يعلم أنه لا حرج بأن يقول: لولا الله ثم فلان، أو هذا من الله ثم فلان .. إذا كان له تسبب في ذلك.\nوثبت عنه -ﷺ-: أن رجلًا قال له: ما شاء الله وشئت فقال له -ﷺ-: \"أجعلتني لله ندًّا قل ما شاء الله وحده\"، فدل هذا الحديث على أنه إذا قال: ما شاء الله وحده فهذا هو الأكمل، وإن قال ما شاء الله ثم شاء فلان فلا حرج جمعًا بين الأحاديث والأدلة كلها والله ولي التوفيق\" (^٣).\nوفيما سبق من نصوص الدلالة على حرمة التسوية بين الله وغيره، وأنه يعد من الشرك، وهو من شرك الألفاظ؛ لأنَّه يوهم أن مشيئة العبد مساوية لمشيئة الرب ﷾، والسبب في ذلك استعمال الواو التي تقتضي مطلق الجمع بين المشيئتين، فإن اعتقد حقيقة المساواة بين الرب والعبد كان مشركًا الشرك الأكبر المخرج إلى الكفر بالله العظيم.\n_________\n(^١) قاعدة في المحبة ضمن جامع الرسائل، لابن تيمية المجموعة الثانية (ص ٢٧٥).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٥/ ٣٨٤)، برقم (٢٣٣١٣)، والنسائي في السُّنن الكبرى (٦/ ٢٤٥)، برقم (١٠٨٢١)، وأبو داود في السُّنن (٤/ ٢٩٥)، برقم (٤٩٨٠)، والدارمي في سننه (٢/ ٣٨٢)، برقم (٢٦٩٩)، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ٢١٤)، برقم (١٣٧): \"قلت: وهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير عبد الله بن يسار، وهو \"قلت: وهذا سند صحيح، ورجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير عبد الله بن يسار، وهو الجهني الكوفي وهو ثقة، وثقه النسائي وابن حبان\".\n(^٣) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، لابن باز (٧/ ٥٢).","vol":"2","page":957},{"text":"يقول الشيخ حافظ الحكمي ﵀: \"والفرق بين الواو وثم: أنه إذا عطف بالواو كان مضاهيًا مشيئة الله بمشيئة العبد إذ قرن بينهما، وإذا عطف بـ (ثم) فقد جعل مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله ﷿ كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٩] \" (^١).\nوقال الشافعي -﵀-: \"المشيئة: إرادة الله -﷿- قال الله -﷿-: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، فأعلم الله خلقه أن المشيئة له دون خلقه، وأن مشيئتهم لا تكون إلا أن يشاء\" (^٢).\nومما يلحق بذلك قول البعض: (ما لي غير الله وأنت) و(أنا داخل على الله وعليك)، وأقبح منه قول البعض: (باسم الله والوطن)، أو (باسم الله والشعب)، ونحو ذلك من الألفاظ الشركية التي تضمنت سوء الأدب وسوء الظن بالرب المالك القدير.\nيقول الإمام ابن القيم: \"وفي معنى هذا الشرك المنهي عنه قول من لا يتوقى الشرك: (أنا بالله وبك) (وأنا في حسب الله وحسبك) (ومالي إلا الله وأنت) (وأنا متوكل على الله وعليك) (وهذا من الله ومنك) (والله لي في السماء وأنت لي في الأرض)، و(الله وحياتك)، وأمثال هذا من الألفاظ التي يجعل فيها قائلها المخلوق ندًّا للخالق، وهي أشد منعًا وقبحًا من قوله: (ما شاء الله وشئت) \" (^٣).\nثامنًا: ومن أنواع الشرك الأصغر وتتناوله القاعدة في كونه وسيلة إلى الشرك الأكبر الخوف من غير الله المؤدي إلى ترك الطاعة وفعل المعصية، وكذا رجاء غير الله فيما يملكه المخلوق ويقدر عليه، وكذلك محبة ما يبغضه الله تعالى مما حرمه، ومن ذلك التوكل والاعتماد على غير الله تعالى فيما يقدر عليه ذلك الغير من الأسباب الظاهرة الحسية،\n_________\n(^١) معارج القبول للحكمي (٢/ ٤٩٧).\n(^٢) الاعتقاد للبيهقي (ص ١٥٧).\n(^٣) زاد المعاد في هدي خير العباد (٢/ ٣٥٣).","vol":"2","page":958},{"text":"وهذا الشرك متعلق بالقلب، ويشبهه من يتوكل على سلطان أو ملك ظالم فيما جعله الله في يده من القوة والبطش أو الرزق والخير.\nأما الخوف الشركي فأن يخاف ممن لا يملك أسباب الخوف الحسية والظاهرة، وكذا الرجاء فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وكذا من توكل واعتمد على غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فذلك هو عين الشرك المخرج عن الإسلام، وعليه فالشرك الأصغر في الخوف والرجاء والتوكل يؤدي إلى الشرك الأكبر المحبط لجميع الأعمال.\nيقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"وأما خوف المخلوق؛ فالمراد به الخوف الذي يحملك أن تترك ما فرض الله عليك، وتفعل ما حرم الله عليك خوفًا من ذلك المخلوق، وأما الرجاء فلعل المراد الذي يخرج العبد عن التوكل على الله، والثقة بوعده، وكل هذه الأمور كثيرة جدًّا.\nوأما قولك: هل المراد به الشرك الأصغر أو الأكبر فهذا يختلف باختلاف الأحوال، وقد يتصنع لمخلوق فيخافه أو يرجوه فيدخل في الشرك الأصغر، وقد يتزايد ذلك ويتوغل فيه حتى يصل إلى الشرك الأكبر\" (^١).\nويقول الإمام ابن تيمية: \"وإن كان مراده جنس الشرك؛ فيقال: ظلم العبد نفسه كبخله -لحب المال- ببعض الواجب هو شرك أصغر وحبه ما يبغضه الله حتى يكون يقدم هواه على محبة الله شرك أصغر، ونحو ذلك، فهذا صاحبه قد فاته من الأمن والاهتداء بحسبه، ولهذا كان السلف يدخلون الذنوب في هذا الظلم بهذا الاعتبار\" (^٢).\n_________\n(^١) الفتاوى، للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب (ص ٣٨).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٨٢).","vol":"2","page":959},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>الفصل الثالث\nالقواعد المتعلقة بوسائل الشرك وأسبابه</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: قاعدة: سد الذرائع المفضية إلى الشرك\nمن المقاصد الشرعية.\nالمبحث الثاني: قاعدة: الحقائق لا تتغير بتغير\nالمسميات.\nالمبحث الثالث: قاعدة: تعظيم شعائر الله هو تعظيم لله\nوعبادة له، فهو تابع لتعظيم الله وإجلاله.","vol":"2","page":961},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>المبحث الأول\nقاعدة سد الذرائع المفضية إلى الشرك من المقاصد الشرعية</span>\nوتشتمل على عدة مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-270> المسألة الأولى* شرح مفردات القاعدة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>معنى سد الذرائع:</span>\nالسدُّ: هو الحاجز بين الشيئين، والبناء في مجرى الماء ليحجزه، والجمع: سدود وأسداد، فالسين والدال: أصل واحد، وهو يدل على ردم شيء، وملاءمته؛ من ذلك: سددت الثُّلْمَة سدًّا، وكل حاجز بين الشيئين سَدٌّ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤)﴾ [الكهف: ٩٤]، وقوله سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩)﴾ [يس: ٩] (^١).\nوالذرائع: جمع ذريعة، والذريعة: الوسيلة (^٢)، وقد تَذرَّعَ فلان\n_________\n(^١) انظر: مقاييس اللغة، لابن فارس (٣/ ٦٦)، لسان العرب (٣/ ٢٠٨)، المعجم الوسيط (١/ ٤٢٣)، المصباح المنير (١/ ٢٧٠).\n(^٢) ومن أهل اللغة من فرَّق بين الذريعة والوسيلة، وذكر ذلك أبو هلال العسكري في =","vol":"2","page":963},{"text":"بذريعة؛ أي: تَوَسَّلَ، والذريعة: السبب إلى الشيء، وقولهم فلان ذَرِيعتي إلى كذا، وهذا الأمر ذَرِيعَتي؛ أي: سببي ووسيلتي إليه، ومعنى الذريعة في كلام العرب: ما يدني الإنسان من الشيء ويُقرِّبه منه، والأصل في هذا: أنْ يُرْسَلَ البعيرُ مع الوحش يرعى معها، حتى يأنس بالوحش، ويأنس به الوحش، فإذا أراد الرجل أن يصيدها استتر بالبعير، حتى إذا حاذى الوحش وداناها رماها فصادها، ويسمُّون هذا البعير الذريعة، ثم جُعِلت الذريعةُ مثلًا لكل شيء أَدْنى من شيء وقَرَّب منه (^١).\nوبهذا يظهر الاتفاق بين معنى الوسيلة والذريعة من جهة المعنى العام، وهي ما يتوصل به إلى الشيء، سواء كان هذا الشيء خيرًا أم شرًا، مصلحة أو مفسدة، وهذا هو معنى الذريعة العام.\nغير أن غالب أهل الفقه قد اصطلحوا على أن الذرائع هي: الطرق المفضية إلى المفاسد والشرور -خاصة-، أو هي: الأشياء الّتي ظاهرها الإباحة ويتوصّل بها إلى فعل محظور.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"والذريعة: ما كان وسيلة وطريقًا إلى الشيء، لكن صارت في عرف الفقهاء عبارة: عما أفضت إلى فعل محرم، ولو تجردت عن ذلك الإفضاء لم يكن فيها مفسدة، ولهذا قيل: الذريعة الفعل الذي ظاهره أنه مباح، وهو وسيلة إلى فعل المحرم، أما\n_________\n= كتابه \"معجم الفروق اللغوية\" فقال: \"الفرق بين الوسيلة والذريعة: أن الوسيلة عند أهل اللغة هي القربة، وأصلها من قولك: سألت أسال؛ أي: طلبت، وهما يتساولان؛ أي: يطلبان القربة التي ينبغي أن يطلب مثلها، وتقول: توسلت إليه بكذا، فتجعل كذا طريقًا إلى بغيتك عنده، والذريعة إلى الشيء: هي الطريق إليه؛ ولهذا يقال: جعلت كذا ذريعة إلى كذا، فتجعل هي الطريقة نفسها، وليست الوسيلة هي الطريقة فالفرق بينهما بَيِّن\". [معجم الفروق اللغوية للعسكري (ص ٣٣٣)].\n(^١) انظر: العين (٢/ ٩٨)، وتاج العروس (٢١/ ١٢)، ومقاييس اللغة (٢/ ٣٥٠)، ولسان العرب (٨/ ٩٦)، والزاهر في معاني كلمات الناس (١/ ٥٠١)، وتهذيب الأسماء (٣/ ١٠٤)، والمعجم الوسيط (١/ ٣١١).","vol":"2","page":964},{"text":"إذا أفضت إلى فساد ليس هو فعلًا كإفضاء شرب الخمر إلى السكر، وإفضاء الزنا إلى اختلاط المياه، أو كان الشيء نفسه فسادًا؛ كالقتل، والظلم، فهذا ليس من هذا الباب، فإنا نعلم إنما حرمت الأشياء لكونها في نفسها فسادًا، بحيث تكون ضررًا لا منفعة فيه، أو لكونها مفضية إلى فساد، بحيث تكون هي في نفسها فيها منفعة، وهي مفضية إلى ضرر أكثر منها\" (^١).\nويقول القرطبي: \"والذريعة عبارة عن أمر غير ممنوع لنفسه يخاف من ارتكابه الوقوع في ممنوع\" (^٢).\nويقول الإمام محمد بن جزي (^٣) الغرناطي المالكي: \"وأما سد الذرائع فمعناه: حسم مادة الفساد بقطع وسائله\" (^٤).\nفالذريعة في الأصل مباحة لكن يتوصل بها إلى المحرم، فنهى الشارع عن هذا المباح خوفًا من أثره، وهو الوصول إلى المحرم والفساد.\nيقول الإمام الشاطبي: \"وقد منع الله أشياء من الجائزات لإفضائها إلى الممنوع\" (^٥).\nوعليه فمعنى سدّ الذّريعة: حسم مادّة وسائل الفساد وسد بابها دفعًا\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (٣/ ٢٥٦).\n(^٢) تفسير القرطبي (٢/ ٥٧ - ٥٨).\n(^٣) هو: محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن بن يوسف بن جزي الكلبي، كنيته أبو القاسم، ولد سنة ٦٩٣ هـ، كان ﵀ نابغة زمانه في مختلف العلوم الإسلامية، من مؤلفاته: التسهيل لعلوم التنزيل، وتقريب الوصول إلى علم الأصول، والأنوار السنية، والقوانين الفقهية في تلخيص المالكية، وغيرها، توفي سنة ٧٤١ هـ. [ترجمته في: الديباج المذهب (ص ٢٩٥)، ومقدمة كتاب: تقريب الوصول بتحقيق: محمد المختار الشنقيطي (ص ٢٣ - ٥٠)].\n(^٤) تقريب الوصول إلى علم الأصول (ص ٤١٥)، وقيل هي: المسألة التي ظاهرها الإباحة، ويتوصل بها إلى فعل المحظور. [المصدر نفسه].\n(^٥) الموافقات (٤/ ٢٦٤).","vol":"2","page":965},{"text":"لها؛ إذا كان الفعل السالم من المفسدة وسيلةً إلى مفسدة، وإن لم تكن المفسد مقصودة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-272> المسألة الثانية * معنى القاعدة</span>\nلا شك أن قاعدة سد الذرائع عمومًا من القواعد العظيمة في الشريعة الإسلامية، بل هي جزء عظيم لا يتجزأ عن تكاليف الشريعة، ظهرت فيه حكمة الله سبحانه، وكمال تشريعاته، وحسن أحكامه، وأنها تقود إلى المقاصد الحميدة، والنتائج السليمة الموافقة للعقول الصحيحة، والعارف البصير من نظر في الأسباب وتحقق من غاياتها، وعرف نتائجها، وتأمل مقصادها وما تؤول إليه.\nيقول الإمام ابن القيم عن هذه القاعدة: \"وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف، فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان: أحدهما: مقصود لنفسه، والثاني: وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان: أحدهما: ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه، والثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة، فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين\" (^١).\nواعلم أنه يعظم تطبيق هذه القاعدة ويزداد وجوبًا كلما عظم المنكر والشر الذي يراد سد بابه، وقفل طريقه، وحسم مادته، إذ المحرمات تتفاوت درجاتها، وأعظمها هو الشرك بالله ﵎، وعدم الإخلاص في العبادة، فهو الداء الخطير، والسم القاتل، والمرض العضال الذي متى ما وقع فيه الإنسان خسر الدنيا والآخرة، وكان من أهل النار، وسكان دار البوار، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا؛ ولذا كان اعتماد هذه القاعدة في هذا الباب فرض واجب وحتم لازم؛ من\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٣/ ١٥٩).","vol":"2","page":966},{"text":"أجل السلامة من الشرك كبيره وصغيره، وتخليص القلوب لربها ومالكها.\nوالقاعدة دلت على أن من المقاصد الشرعية، والقواعد المرعية في شريعة الإسلام سدّ باب الذرائع المؤدية إلى الشرك، والموصلة إلى تعليق القلوب لغير باريها وخالقها.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-273> المسألة الثالثة* أدلة القاعدة</span>\nلقد حازت هذه القاعدة العظيمة على مكانة كبيرة في الشرع، ولذا فلا تكاد تحصر أدلتها من حيث عمومها إلا بشيء من الجهد، وفيما يأتي أذكر بعض ما وقفت عليه من ذلك، وسيكون التركيز على الأدلة المتعلقة بالعقيدة، والتي فيها سد الطرق المؤدية والموصلة إلى الشرك بجميع أنواعه، وقد أذكر بعض الأدلة العامة التي فيها اعتماد القاعدة عمومًا:\nأولًا: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ [الأنعام: ١٠٨].\nوجه الاستدلال من الآية: أن الله تعالى منع أهل الإيمان من سبِّ آلهة المشركين، ومن المعلوم أن سبَّ آلهتهم دائر بين الوجوب والندب والإباحة، ولكنه لما كان سبّ آلهتهم قد يفضي إلى سبّهم لله تعالى نهي عن ذلك؛ سدًا لهذه المفسدة وهذه الذريعة، وهي شتمهم لله تعالى، وظاهر الآية وإن كان نهيًا عن سبِّ الأصنام فحقيقته النهي عن سب الله تعالى؛ لأنَّه سبب لذلك (^١).\n_________\n(^١) ولكن كيف يقع من مشركي قريش وغيرهم سبّ الله تعالى مع إيمانهم بوجود الله تعالى، وعدم إنكارهم له، واعتقادهم بربوبيته ﷾، وقد ذكر الرازي بعض الأوجه التي تزيل هذا الإشكال فقال: \"واعلم أنا قد دللنا على أن القوم كانوا مقرين بوجود =","vol":"2","page":967},{"text":"يقول الإمام ابن تيمية في معرض ذكره لدلالة الآية على سد الذرائع: \"حرَّم سب الآلهة مع أنه عبادة؛ لكونه ذريعة إلى سبهم ﷾؛ لأن مصلحة تركهم سب الله سبحانه راجحة على مصلحة سبّنا لآلهتهم\" (^١).\nويقول الإمام ابن كثير في معنى الآية: \"يقول الله تعالى ناهيًا لرسوله -ﷺ- والمؤمنين عن سبِّ آلهة المشركين وإن كان فيه مصلحة إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسبّ إله المؤمنين وهو: الله لا إله إلا هو، ومن هذا القبيل ترك المصلحة لمفسدة أرجح منها\" (^٢).\nويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في معنى الآية: \"ينهى الله المؤمنين عن أمر كان جائزًا، بل مشروعًا في الأصل وهو سب آلهة المشركين التي اتخذت أوثانًا وآلهة مع الله، التي يتقرب إلى الله بإهانتها وسبها، ولكن لما كان هذا السب طريقًا إلى سب المشركين لرب العالمين الذي يجب تنزيه جنابه العظيم عن كل عيب وآفة وسب وقدح\n_________\n= الإله تعالى فاستحال إقدامهم على شتم الإله، بل هاهنا احتمالات؛ أحدها: أنه ربما كان بعضهم قائلًا بالدهر، ونفي الصانع، فما كان يبالي بهذا النوع من السفاهة.\nوثانيها: أن الصحابة متى شتموا الأصنام فهم كانوا يشتمون الرسول -﵊-، فالله تعالى أجرى شتم الرسول مجرى شتم الله تعالى، ... وثالثها: أنه ربما كان في جُهّالهم من كان يعتقد أن شيطانًا يحمله على ادعاء النبوة والرسالة، ثم إنه لجهله كان يسمي ذلك الشيطان بأنه إله محمد -﵊- فكان يشتم إله محمد بناء على هذا التأويل\".\nوقال ابن الجوزي ﵀: \" (فيسبوا الله)؛ أي: فيسبوا من أمركم بعيبها، فيعود ذلك إلى الله تعالى، لا أنهم كانوا يصرحون بسبّ الله تعالى؛ لأنَّهم كانوا يقرون أنه خالقهم وإن أشركوا به\". [انظر: التفسير الكبير (١٣/ ١١٥)، وتفسير السمعاني (٢/ ١٣٥)، وزاد المسير (٣/ ١٠٢)، وتفسير البغوي (٢/ ١٢٢)، ومرقاة المفاتيح (٧/ ٣٥٤)].\n(^١) الفتاوى الكبرى (٣/ ٢٥٨).\n(^٢) انظر: تفسير ابن كثير (٢/ ١٦٥).","vol":"2","page":968},{"text":"نهى الله عن سب آلهة المشركين؛ لأنَّهم يتحمسون لدينهم ويتعصبون له؛ ... وفي هذه الآية الكريمة دليل للقاعدة الشرعية وهي: أن الوسائل تعتبر بالأمور التي توصل إليها، وأن وسائل المحرَّم ولو كانت جائزة تكون محرمة إذا كانت تفضي إلى الشر\" (^١).\nولكن إذا كان شتم المؤمنين للأصنام من الطاعات العظيمة التي يحبها الله ﵎، فما هي الحكمة من نهي الله تعالى عن سب آلهتهم، والجواب: أن هذا الشتم وإن كان طاعة إلا أنه إذا وقع على وجه يستلزم وجود منكر عظيم وجب الاحتراز منه، والأمر هاهنا كذلك؛ لأن هذا الشتم كان يستلزم إقدامهم على شتم الله، وشتم رسوله -ﷺ-، وعلى فتح باب السفاهة، وعلى تنفيرهم عن قبول الدين، وإخال الغيظ والغضب في قلوبهم؛ فلكونه مستلزمًا لهذه المنكرات وقع النهي عنه (^٢).\nثانيًا: قوله ﵎ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ [البقرة: ١٠٤].\nتضمنت الآية الكريمة نهي المؤمنين عن قول (راعنا) للنبي -ﷺ-، وذلك لكون اليهود كانوا يقولونها على أساس أنها (راعن) من الرعونة، وهي الجهل، يقولونها بقصد إيذائه ﵇، فيظهرون أنهم يريدون المراعاة، ويبطنون أنهم يريدون الرعونة، فنهى الله المسلمين عن قول هذه الكلمة سدًّا لذريعة الاتفاق الواقع في المعنى بين ما قصده المسلمون وقصده اليهود، والمسلمون قصدوا من (راعنا)؛ أي: انظرنا واسمع لنا، فنهى الله المؤمنين عن هذا القول سدًّا للذريعة لئلا يتطرق\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٢٦٨ - ٢٦٩).\n(^٢) انظر: التفسير الكبير (١٣/ ١١٥)، وما ذكره شيخ الإسلام في الصارم المسلول (٣/ ٩٢٤).","vol":"2","page":969},{"text":"منه اليهود إلى المحظور (^١).\nيقول الإمام الطبري في تفسير الآية: \"والصواب من القول في نهي الله جل ثناؤه المؤمنين أن يقولوا لنبيه (راعنا) أن يقال: إنها كلمة كرهها الله لهم أن يقولوها لنبيه -ﷺ- نظير الذي ذكر عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"لا تقولوا للعنب الكرم ولكن قولوا الحبلة\" (^٢)، \"ولا تقولوا عبدي ولكن قولوا فتاي\" (^٣)، وما أشبه ذلك من الكلمتين اللتين تكونان مستعملتين بمعنى واحد في كلام العرب، فتأتي الكراهة أو النهي باستعمال إحداهما واختيار الأخرى عليها في المخاطبات\" (^٤).\nويقول الإمام ابن القيم في الآية: \"نهاهم سبحانه أن يقولوا هذه الكلمة مع قصدهم بها الخير؛ لئلا يكون قولهم ذريعة إلى التشبه باليهود\n_________\n(^١) انظر: تفسير البغوي (١/ ١٠٢)، التسهيل لعلوم التنزيل (١/ ٥٦)، والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (١/ ١٨٩)، وقال الرازي في تفسيره: \"كان المسلمون يقولون لرسول الله -ﷺ- إذا تلا عليهم شيئًا من العلم: راعنا يا رسول الله، واليهود كانت لهم كلمة عبرانية يتسابُّون بها تشبه هذه الكلمة، وهي (راعينا)؛ ومعناها: اسمع لا سمعت، فلما سمعوا المؤمنين يقولون راعنا افترضوه، وخاطبوه به النبي -ﷺ- وهم يعنون تلك المسبة، فنهي المؤمنون عنها، وأمروا بلفظة أخرى وهي قوله: (انظُرْنَا)، ويدل على صحة هذه التأويل قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦] \".\nوذكر الإمام السمعاني قولًا آخر في حكمة النهي عن كلمة (راعنا) فقال: \"والقول الثاني: أن قولهم راعنا كان فيه جفوة وخشونة؛ لأن حقيقته: (فرغ سمعك لكلامنا حتى تفهم)، وفي هذا نوع جفاء، فنزل قوله: ﴿تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، حتى يقولوا ما يقولون على طريق التبجيل والمسألة، ويختاروا من الألفاظ أحسنها ومن المعاني أحكمها\". [انظر: تفسير الرازي الكبير (٣/ ٢٠٣)، وتفسير السمعاني (١/ ١٢٠)].\n(^٢) أخرجه بهذا اللفظ الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١٣) برقم (١٤)، والإمام أحمد في مسنده (٢/ ٥٠٩)، برقم (١٠٦٢٠)، مع بعض الاختلاف، وأوله ثابت عند البخاري (٥/ ٢٢٨٦) برقم (٥٨٢٨)، ومسلم في صحيحه (٤/ ١٧٦٣)، برقم (٢٢٤٧)، من رواية أبي هريرة أيضًا.\n(^٣) سيأتي تخريجه انظر: (ص ٩٧٨).\n(^٤) تفسير الطبري (١/ ٤٧١).","vol":"2","page":970},{"text":"في أقوالهم، وخطابهم، فإنهم كانوا يخاطبون بها النبي -ﷺ- ويقصدون بها السب، يقصدون فاعلًا من الرعونة، فنهي المسلمون عن قولها سدًا لذريعة المشابهة، ولئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن يقولها اليهود للنبي -ﷺ- تشبهًا بالمسلمين، يقصدون بها غير ما يقصده المسلمون\" (^١).\nثالثًا: قوله -ﷺ- في حديث عبد الله بن عمرو -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ أنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ والدَيْهِ\"، قيل: يا رَسول الله وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ والِدَيْهِ، قال: \"يَسُبُّ الرَّجُلُ أبا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أباهُ ويَسُبُّ أمّهُ فَيَسُبُّ أُمّهُ\" (^٢).\nقال ابن بطال: \"هذا الحديث أصل في سد الذرائع ويؤخذ منه أن من آل فعله إلى محرم يحرم عليه ذلك الفعل وإنْ لم يقصد إلى ما يحرم والأصل في هذا الحديث قوله تعالى ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٠٨] \" (^٣).\nويقول الإمام ابن تيمية بعد ذكره للحديث: \"فإذا كان النبي -ﷺ- قد جعل من الكبائر أن يسب الرجل أبا غيره لئلا يسب أباه، فكيف إذا سب هو أباه مباشرة، فهذا يستحق العقوبة التي تمنعه عن عقوق الوالدين\" (^٤).\nرابعًا: نهى النبي -ﷺ- عن عدة أمور تتعلق بالقبور؛ كبناء المساجد عليها، بل لعن من فعل ذلك، ونهى عن الصلاة إليها وعندها، وعن تجصيصها وتشريفها، ونهى عن إيقاد المصابيح عليها، وأمر بتسويتها، ونهى عن اتخاذها عيدًا، وعن شد الرحال إليها (^٥).\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٣/ ١٣٧).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب: لا يسب الرجل والديه، (٥/ ٢٢٢٨)، رقم (٥٦٢٨)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: بيان الكبائر وأكبرها، (١/ ٩٢)، رقم (٩٠).\n(^٣) فتح الباري (١٠/ ٤٠٤).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٣٤/ ٢٢٦).\n(^٥) انظر الأدلة على ما سبق: صحيح البخاري (١/ ١٦٨)، برقم (٤٢٥، ٤٢٦)،=","vol":"2","page":971},{"text":"كل ذلك لئلا تكون هذه الأمور ذريعة إلى الغلو فيها، واتخاذها أوثانًا والإشراك بها، وقد منع -ﷺ- من هذه الأمور سواء قصدها المسلم أم لم يقصدها، بل منع من قصد خلافها سدًّا للذريعة (^١).\nيقول الإمام ابن تيمية: \"واتخاذ المكان مسجدًا: هو أن يتخذ للصلوات الخمس وغيرها، كما تبنى المساجد لذلك، والمكان المتخذ مسجدًا إنما يقصد فيه عبادة الله، ودعاؤه، لا دعاء المخلوقين، فحرم -ﷺ- أن تتخذ قبورهم مساجد بقصد الصلوات فيها كما تقصد المساجد، وإن كان القاصد لذلك إنما يقصد عبادة الله وحده؛ لأن ذلك ذريعة إلى أن يقصدوا المسجد لأجل صاحب القبر، ودعائه، والدعاء به، والدعاء عنده، فنهى رسول الله -ﷺ- عن اتخاذ هذا المكان لعبادة الله وحده؛ لئلا يتخذ ذريعة إلى الشرك بالله، والفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة ينهى عنه\" (^٢).\nويقول الإمام ابن عبد الهادي (^٣): \"فإن النصوص التي صحت عنه -ﷺ- بالنهي عن تعظيم القبور بكل نوع يؤدي إلى الشرك ووسائله؛ من الصلاة عندها وإليها، واتخاذها مساجد، وإيقاد السرج عليها، وشد الرحال إليها، وجعلها أعيادًا يجتمع لها كما يجتمع للعيد، ونحو ذلك\n_________\n= وصحيح مسلم (٢/ ٦٦٨)، برقم (٣١٦٤)، وسنن الترمذي (٣/ ٣٦٨)، برقم (١٠٥٢)، وسنن النسائي الكبرى (١/ ٦٥٣)، بقم (٢١٥٥، ٢١٥٦)، ومصنف ابن ابي شيبة (٣/ ٢٥)، برقم (١١٧٦٤).\n(^١) انظر: إعلام الموقعين (٣/ ١٣٩).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ١٦٣ - ١٦٤)، وانظر: اقتضاء الصراط (٤٠٤، ٤٠٥، ٤٢٣).\n(^٣) هو: شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي، الإمام المحدث الحافظ، الحاذق الفقيه، النحوي اللغوي ذو الفنون، ولد سنة ٧٠٥ هـ، من مؤلفاته: شرح على التسهيل والأحكام في الفقه، والصارم المنكي، وله المحرر في اختصار الإلمام، وغيرها، مات في جمادى الأولى سنة ٧٤٤ هـ. [ترجمته في: شذرات الذهب (٦/ ١٤١)، وطبقات الحفاظ (ص ٥٢٤ - ٥٢٥)].","vol":"2","page":972},{"text":"صحيحة صريحة محكمة فيما دلت عليه، وقبور المعظمين مقصودة بذلك النص والعلة، ولا ريب أن هذا من أعظم المحاذير، وهو أصل أسباب الشرك، والفتنة به في العالم\" (^١).\nويقول الحافظ ابن حجر في مسألة اتخاذ المساجد على قبور الصالحين مرجحًا للمنع من ذلك سدًّا للذريعة: \"وقد يقول بالمنع مطلقًا من يرى سد الذريعة، وهو هنا متجه قوي \" (^٢).\nونقل الإمام الصنعاني عن الشيخ شَرَفِ الدِّين الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَغْرِبِيِّ (^٣) فقال: \"وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ الْمُعَبَّرُ فِيهَا بِاللَّعْنِ وَالتَّشْبيهِ بِقَوْلِهِ: \"لَا تَجْعَلُوا قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ الله\" تُفِيدُ التَّحْرِيمَ لِلْعِمَارَةِ، والتَّزْيِينِ، وَالتَّجْصِيصِ وَوَضْعِ الصُّنْدُوقِ الْمُزَخْرَفِ، وَوَضْعِ السَّتَائِر عَلَى الْقَبْرِ، وَعَلَى سَمَائِهِ، وَالتَّمَسُّحِ بِجِدَارِ الْقَبْرِ، وَأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يُفْضِي مَعَ بُعْدِ الْعَهْدِ، وَفشو الْجَهْلِ إِلَى مَا كَانَ عَليْهِ الْأُمَمُ السَّابِقَةُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، فَكَانَ فِي الْمَنْعِ عَنْ ذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ قَطَعًا لِهَذِهِ الذَّرِيعَةِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى الْفَسادِ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْحِكْمَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي شَرْعِ الْأَحْكَامِ؛ مِنْ جَلْبِ الْمَصالِحِ، وَدَفْعِ الْمَفَاسِدَ، سَوَاءٌ كَانَتْ بِأَنْفُسِهَا، أَوْ بِاعْتِبارِ مَا تُفْضي إِلَيْهِ\" (^٤).\n_________\n(^١) الصارم المنكي في الرد على السبكي (ص ٤٥٩).\n(^٢) فتح الباري (٣/ ٢٠٨).\n(^٣) هو: الحسين بن محمد بن سعيد بن عيسى اللاعي المعروف بالمغربي، قاضي صنعاء وعالمها ومحدثها، ولد سنة ١٠٤٨ هـ، وبرع في عدة علوم، وأخذ عنه جماعة من العلماء، وهو مصنف: البدر التمام شرح بلوغ المرام، وهو شرح حافل ومفيد، وقد اختصره السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير، وسمى المختصر: سبل السلام، وله رسالة في حديث: \"أخرجوا اليهود من جزيرة العرب\"، وكان أخوه الحسن من محاسن اليمن، ولهذين الأخوين ذرية صالحة هم ما بين عالم وعامل وإلى الآن وهم كذلك، وبيتهم معمور بالفضائل، توفى صاحب الترجمة سنة ١١١٩ هـ، وقيل: سنة ١١١٥ هـ. [ترجمته في: البدر الطالع (١/ ٢٣٠ - ٢٣١)].\n(^٤) سبل السلام (٢/ ١١١).","vol":"2","page":973},{"text":"ويقول الإمام الشنقيطي في المسألة: \"ومعلوم أن قبور الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- ليست نجسة، فالعلة للنهي سد الذريعة؛ لأنَّهم إذا عبدوا الله عند القبور آل بهم الأمر إلى عبادة القبور، فالظاهر من النصوص المذكورة منع الصلاة عند المقابر مطلقًا\" (^١).\nويقول محمد ابن الحاج (^٢): في حكم البناء على القبور: \"وأما تعلية البناء الكثير على نحو ما كانت الجاهلية تفعله تفخيمًا وتعظيمًا فذلك يهدم ويزال؛ فإن فيه استعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة، وتشبيهًا بمن كان يعظم القبور ويعبدها، وباعتبار هذه المعاني، وظاهر النهي ينبغي أن يقال: هو حرام\" (^٣).\nويقول الإمام الصنعاني في علة تحريم البناء على القبور: \"والظاهر أن العلة سدُّ الذريعة، والبعد عن التشبيه بعبدة الأوثان، الذين يعظمون الجمادات التي لا تسمع ولا تنفع ولا تضر؛ ولما في إنفاق المال في ذلك من العبث والتبذير الخالي عن النفع بالكلية، ولأنَّه سبب لإيقاد السرج عليها الملعون فاعله، ومفاسد ما يُبنى على القبور من المشاهد والقباب لا تحصر\" (^٤).\nخامسًا: نهيه -ﷺ- عن مشابهة المشركين وأهل الكتاب في عباداتهم وفي هديهم الظاهر؛ لئلا تكون هذه المشابهة ذريعة للمشابهة في الباطن، وليحصل كمال التمييز، فإن المشابهة في الظاهر تدعو إلى المشابهة في\n_________\n(^١) أضواء البيان (٢/ ٢٩٦)، وانظر: (٨/ ٣٥١).\n(^٢) هو: محمد بن محمد، أبو عبد الله العبدري، المعروف بابن الحاج، نسبته إلى قبيلة عبد الدار، نزيل مصر، ومن أعيان المالكية، كان قاضيًا فقيهًا عارفًا بمذهب الإمام مالك، فاضلًا تفقه في بلاده، وقدم مصر، وحج، وكف بصره في آخر عمره وأقعد، وتوفي بالقاهرة، عن نحو ٨٠ عامًا، من تصانيفه: مدخل الشرع الشريف، وشموس الأنوار، وكنوز الأسرار، مات سنة ٧٣٧ هـ. [ترجمته في: الديباج المذهب (ص ٣٢٧)، والأعلام للزركلي (٧/ ٣٥)].\n(^٣) المدخل، لابن الحاج (٣/ ٢٦٤).\n(^٤) سبل السلام (١/ ١٥٣).","vol":"2","page":974},{"text":"الباطن بحسبها، وهذا أمر معلوم بالمشاهدة، قد دلَّ عليه الشرع والعقل والحس (^١).\nوكما نهى عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح؛ فإن الكفار يسجدون للشمس في هذين الوقتين، فمنع من الصلاة فيهما سدًّا للذريعة.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فإن المشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة، على وجه المسارقة، والتدريج الخفي، والمشاركة في الهدي الظاهر توجب أيضًا مناسبة، وائتلافًا وإن بعد المكان والزمان، فهذا أيضًا أمر محسوس.\nفمشابهتهم في الظاهر سبب ومظنة لمشابهتهم في عين الأخلاق والأفعال المذمومة، بل في نفس الاعتقادات، وتأثير ذلك لا يظهر ولا ينضبط، ونفس الفساد الحاصل من المشابهة قد لا يظهر ولا ينضبط، وقد يتعسر أو يتعذر زواله بعد حصوله لو تفطن له، وكل ما كان سببًا إلى مثل هذا الفساد فإن الشارع يحرمه كما دلت عليه الأصول المقررة (^٢).\nويقول الإمام ابن القيم: \"ونهى عن التشبه بأهل الكتاب، وغيرهم من الكفار في مواضع كثيرة؛ لأن المشابهة الظاهرة ذريعة إلى الموافقة الباطنة؛ فإنه إذا أشبه الهدي الهدي، أشبه القلب القلب\" (^٣).\nكما نهى عن التشبه بأهل الكتاب في أحاديث كثيرة؛ كقوله: \"إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم\" (^٤)، وقوله: \"خالفوا اليهود فإنهم\n_________\n(^١) انظر: أحكام أهل الذمة (٣/ ١٢٨٢ - ١٢٨٣)، والفروسية (ص ١٢١).\n(^٢) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٢٢٠).\n(^٣) إغاثة اللهفان (١/ ٣٦٤)، وانظر: إعلام الموقعين (٣/ ١١٣٩ - ١١٤٠).\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل (٣/ ١٢٧٥)، برقم (٣٢٧٥)، ومسلم في صحيحه، كتاب اللباس والزينة (١٣/ ٦٦٣)، برقم (٢١٠٣).","vol":"2","page":975},{"text":"لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم\" (^١)، وقوله -ﷺ- في صيام عاشوراء: \"فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع\" (^٢)، مخالفة لليهود، وقوله: \"ليس منا من تشبه بغيرنا\" (^٣)، وقوله: \"من تشبه بقوم فهو منهم\" (^٤)، وسر ذلك أن المشابهة في الهدى الظاهر ذريعة إلى الموافقة في القصد والعمل (^٥).\nيقول الإمام ابن كثير: \"والمقصود من هذه الأخبار عما يقع من الأقوال، والأفعال المنهي عنها شرعًا، مما يشابه أهل الكتاب قبلنا: أن الله ورسوله ينهيان عن مشابهتهم في أقوالهم، وأفعالهم، حتى لو كان\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعل (١/ ١٧٦)، برقم (٦٥٢)، والبزار في مسنده (٨/ ٤٠٥)، برقم (٣٤٨٠)، وابن حبان في صحيحه، في ذكر الأمر بالصلاة في الخفاف والنعال إذا أهل الكتاب لا يفعلونه (٥/ ٥٦١)، برقم (٢١٨٦)، والبيهقي في سننه، باب: سنة الصلاة في النعلين (٢/ ٤٣٢)، برقم (٤٠٥٦)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣٩١)، برقم (٩٥٦)، وقال عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الألباني. [انظر: صحيح الجامع (١/ ٥٥٣)، برقم (٣٢١٠)].\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب: أي يوم يصام في عاشوراء (٢/ ٧٩٧)، برقم (١١٣٤)، وانظر: مسند أحمد (١/ ٢٣٦)، برقم (٢١٠٦)، ومصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٣١٣)، برقم (٩٣٨١)، والمعجم الكبير (١١/ ١٦)، برقم (١٠٨٩١).\n(^٣) أخرجه الترمذي في سننه، باب: ما جاء في كراهية إشارة اليد بالسلام، (٥/ ٥٦)، برقم (٢٦٩٥)، وقال أبو عيسى: هذا حديث إسناده ضعيف، وروى ابن المبارك هذا الحديث عن ابن لهيعة فلم يرفعه، والطبراني في المعجم الأوسط (٧/ ٢٣٨)، برقم (٧٣٨٠)، قال الشيخ الألباني: (قلت: والموقوف أصح إسنادًّا؛ لأن حديث ابن المبارك عن ابن لهيعة صحيح؛ لأنه قديم السماع منه). انظر: إرواء الغليل (٥/ ١١١)، وصحيح الجامع رقم (٥٤٣٤).\n(^٤) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب اللباس، باب: في لبس الشهرة (٤/ ٤٤)، برقم (٤٠٣١)، ومصنف ابن أبي شيبة (٦/ ٤٧١)، برقم (٣٣٠١٦)، قال الشيخ الألباني: \"قلت: وهذا إسناد حسن رجاله كلهم ثقات غير ابن ثوبان هذا ففيه خلاف\". [إرواء الغليل (٥/ ١٠٩)].\n(^٥) إعلام الموقعين (٣/ ١٤٠).","vol":"2","page":976},{"text":"قصد المؤمن خيرًا؛ لكنه تشبه، ففعله في الظاهر فعلهم، وكما نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها لئلا تشابه المشركين الذين يسجدون للشمس حينئذٍ، وإن كان المؤمن لا يخطر بباله شيء من ذلك بالكلية، وهكذا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ [البقرة: ١٠٤]، فكان الكفار يقولون للنبي -ﷺ- كلامهم معه (راعنا)؛ أي: انظر إلينا ببصرك، واسمع كلامنا، ويقصدون بقولهم: (راعنا) من الرعونة: فنهى المؤمنين أن يقولوا ذلك، وإن كان لا يخطر ببال أحد منهم هذا أبدًا ... فليس للمسلم أن يتشبه بهم؛ لا في أعيادهم، ولا مواسمهم، ولا في عباداتهم؛ لأن الله تعالى شرف هذه الأمة بخاتم الأنبياء، الذي شرع له الدين العظيم القويم الشامل الكامل، الذي لو كان موسى بن عمران الذي أنزلت عليه التوراة، وعيسى ابن مريم الذي أنزل عليه الإنجيل حين لم يكن لهما شرع متبع، بل لو كانا موجودين، بل وكل الأنبياء لما ساغ لواحد منهم أن يكون على غير هذه الشريعة المطهرة المشرفة المكرمة المعظمة، فإذا كان الله تعالى قد من علينا بأن جعلنا من أتباع محمد -ﷺ- فكيف يليق بنا أن نتشبه بقوم قد ضلُّوا من قبل، وأضلوا كثيرًا، وضلوا عن سواء السبيل، قد بدَّلوا دينهم، وحرّفوه، وأوَّلوه حتى صار كأنه غير ما شرع لهم أولًا، ثم هو بعد ذلك كله منسوخ، والتمسك بالمنسوخ حرام لا يقبل الله منه قليلًا ولا كثيرًا، ولا فرق بينه وبين الذي لم يشرع بالكلية\" (^١).\nسادسًا: نهى النبي -ﷺ- الصحابة -﵃- عن التشريك في اللفظ بين الله وبين عباده؛ سواء في مخاطبتهم للنبي -ﷺ- أو في التخاطب فيما بينهم؛ وذلك سدًّا لذريعة التشريك في المعنى والاعتقاد.\n_________\n(^١) البداية والنهاية (٢/ ١٤٥).","vol":"2","page":977},{"text":"من ذلك قوله -ﷺ- عن ابن عباس وعيهنما: أن رجلًا قال للنبي -ﷺ-: ما شاء الله وشئت، فقال له النبي -ﷺ-: \"أجعلتني والله عدلًا بل ما شاء الله وحده\" (^١).\nيقول الإمام ابن القيم مبينًا حرصه ﵇ على أصحابه: \"وذم الخطيب الذي قال: \"من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن عصاهما فقد غوى\" (^٢)؛ سدًّا لذريعة التشريك في المعنى بالتشريك في اللفظ، وحسمًا لمادة الشرك حتى في اللفظ، ولهذا قال للذي قال له ما شاء الله وشئت: (أجعلتني لله ندًا)، فحسم مادة الشرك، وسد الذريعة إليه في اللفظ، كما سدّها في الفعل والقصد، فصلاة الله وسلامه عليه، وعلى آله أكمل صلاة وأتمها وأزكاها وأعمَّها\" (^٣).\nومن ذلك نهيه -ﷺ- عن قول السيد عبدي وأَمَتي، وعن قول المملوك ربي؛ وذلك سدًّا لذريعة التشريك في المعنى.\nفعن أبي هريرة -﵁- عنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أنَّهُ قال: \"لا يَقُلْ أَحَدُكُمْ أَطْعِمْ رَبَّكَ وَضِّئْ رَبَّكَ اسْقِ رَبَّكَ، ولْيَقُلْ سَيِّدي ومَوْلاي، ولا يَقُلْ أَحَدُكُمْ عَبْدِي أَمَتي ولْيَقُلْ فَتايَ وفَتَاتي وغُلامِي\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢١٤)، برقم (١٨٣٩)، و(١/ ٢٨٣)، برقم (٢٥٦١)، و(١/ ٣٤٧)، وسنن النسائي الكبرى، كتاب: عمل اليوم والليلة، باب: النهي أن يقال: ما شاء الله وشاء فلان (٦/ ٢٤٥)، برقم (١٠٨٢٥)، ومصنف ابن أبي شيبة (٦/ ٧٤)، برقم (٢٩٥٧٣)، والمعجم الكبير (١٢/ ٢٤٤)، برقم (١٣٠٠٦)، وحسّن إسناده العراقي. انظر: المغني عن حمل الأسفار (٢/ ٨٣٥)، حديث رقم (٣٠٦٦)، وكذا حسنه الشيخ الألباني. انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/ ٨٥)، حديث رقم (١٠٩٣).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة (٢/ ٥٩٤)، برقم (٨٧٠)، وأبو داود في سننه (٤/ ٢٩٥)، برقم (٤٩٨١)، مصنف ابن أبي شيبة (٦/ ٧٤)، برقم (٢٩٥٧٤)، وابن حبان في صحيحه (٧/ ٣٧)، برقم (٢٧٩٨)، وانظر: خطبة الحاجة للشيخ الألباني (ص ١٥) وما بعدها.\n(^٣) إعلام الموقعين (٣/ ١٤٦).\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العتق، باب: كراهية التطاول على الرقيق وقوله =","vol":"2","page":978},{"text":"قال الإمام النووي: \"قال العلماء مقصود الأحاديث شيئان، أحدهما: نهى المملوك أن يقول لسيده ربي؛ لأن الربوبية إنما حقيقتها لله تعالى؛ لأن الرب هو المالك أو القائم بالشيء، ولا يوجد حقيقة هذا إلا في الله تعالى ...\nالثاني: يكره للسيد أن يقول لمملوكه عبدي وأَمَتي، بل يقول غلامي وجاريتي، وفتاي وفتاتي؛ لأن حقيقة العبودية إنما يستحقها الله تعالى؛ ولأن فيها تعظيمًا بما لا يليق بالمخلوق استعماله لنفسه\" (^١).\nوقال الحافظ ابن حجر: \"فأرشد -ﷺ- إلى العلة في ذلك؛ لأن حقيقة العبودية إنما يستحقها الله تعالى؛ ولأن فيها تعظيمًا لا يليق بالمخلوق استعماله لنفسه\" (^٢).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ في بيان علة النهي: \"لما في ذلك من الإيهام من المشاركة في الربوبية، فنهى عن ذلك أدبًا مع جناب الربوبية، وحماية لجناب التوحيد\" (^٣).\nوقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في توجيه النهي: \"لأن الإنسان مربوب متعبد بإخلاص التوحيد لله، منهي عن المضاهاة بهذا الاسم، لما فيه من التشريك في اللفظ، وإن كان يطلق لغة، فالنبي -ﷺ- نهى عنه تحقيقًا للتوحيد، وسدًّا لذرائع الشرك، والله تعالى رب العباد جميعهم، فإذا أطلق على غيره شاركه في الاسم، فنهى عن ذلك لذلك، وإن لم يقصد بذلك التشريك في الربوبية التي هي وصف الله تعالى، وإنما\n_________\n= عبدي أو أمتي (٢/ ٩٠١)، برقم (٢٤١٤)، ومسلم صحيحه، كتاب: الألفاظ من الأدب وغيرها، باب حكم إطلاق لفظة العبد والأمة والمولى والسيد (٤/ ١٧٦٤)، برقم (٢٢٤٩)، والنسائي في السُّنن الكبرى (٦/ ٦٩)، برقم (١٠٠٧٠)، وأبو داود في سننه (٤/ ٢٩٤)، برقم (٤٩٧٥)، وأحمد في المسند (٢/ ٣١٦)، برقم (٨١٨٢).\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم (١٥/ ٦ - ٧). وانظر: الأذكار للنووي (ص ٢٨٩).\n(^٢) فتح الباري (٥/ ١٨٠).\n(^٣) تيسير العزيز الحميد (ص ٥٥٥).","vol":"2","page":979},{"text":"المعنى أن هذا مالك له، فيطلق عليه هذا اللفظ بهذا الاعتبار فنهى عنه حسمًا لمادة التشريك بين الخالق والمخلوق، وتحقيقًا للتوحيد، وبعدًا عن الشرك حتى في اللفظ، وأما ما لا تعبد عليه من سائر الحيوانات والجماد فلا يمنع منه كقوله: رب الدار، ورب الدابة\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-274> المسألة الرابعة* أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nيكاد يقع الاتفاق من أهل العلم على تقرير القاعدة واعتمادها والعناية بها؛ قاعدة شرعية واسعة الانتشار والاستعمال في جميع أبواب الشريعة كلها، وقد كان الاهتمام بهذه القاعدة في جانب العقيدة أكبر، وكانت العناية بها أشد؛ لخطورة هذا الباب، وما يترتب عليه من آثار، وفيما يأتي بعض ما وقفت عليه من أقوال العلماء في تقرير هذه القاعدة خاصة فيما يتعلق بباب العقيدة (^٢).\nيقول الإمام ابن القيم بعد أن ذكر أدلة سد الذرائع في الشرع: \"وليس المقصود استيفاء أدلة المسألة من الجانبين، وإنما الغرض التنبيه على أن من قواعد الشرع العظيمة قاعدة سد الذرائع\" (^٣).\nويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: \"ومنها القاعدة الكلية، والأصل العظيم، وهو سد الذرائع المفضية إلى أشد المفاسد، إذ الوسائل لها حكم الغايات\" (^٤).\nوقال ﵀ أيضًا: \"سد الذرائع، وقطع الوسائل، من أكبر أصول\n_________\n(^١) حاشية كتاب التوحيد، لابن قاسم (٣٤٥ - ٣٤٦).\n(^٢) وانظر: التسهيل لعلوم التنزيل (١/ ٤٤)، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (١/ ١٢٧).\n(^٣) إغاثة اللهفان (١/ ٣٦٦).\n(^٤) الدرر السنية (١٢/ ٤٢٨).","vol":"2","page":980},{"text":"الدين وقواعده، وقد رتب العلماء على هذه القاعدة، من الأحكام الدينية تحليلًا وتحريمًا، ما لا يحصى كثرة، ولا يخفى أهل العلم (^١) والخبرة، وقد ترجم شيخ الدعوة النجدية، قدس الله روحه، لهذه القاعدة في كتاب التوحيد، فقال: باب ما جاء في حماية المصطفى -ﷺ- جناب التوحيد، وسده كل طريق يوصل إلى الشرك، وساق بعض أدلة هذه القاعدة\" (^٢).\nويقول الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: \"وكلما أدى إلى محرم فهو محرم، فإن الوسائل لها حكم الغايات، فوسائل الشرك محرمة، لأنها تؤدي إليه\" (^٣).\nويقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: \"ومعلوم أن سد الذرائع المفضية للمحرمات من أهم أبواب الشريعة الكاملة\" (^٤).\nوجاء في فتاوى اللجنة الدائمة عن القاعدة ما نصه: \"ولقد جاءت أدلة كثيرة في الكتاب والسُّنَّة تدل دلالة قاطعة على أن سد الذرائع إلى الشرك والمحرمات من مقاصد الشريعة\" (^٥).\nويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: \"سدّ الذرائع وقطع الوسائل الموصلة إلى الشرك من أكبر أصول الدين وقواعده\" (^٦).\nوقال ﵀ أيضًا: \"وقد جاءت الشريعة الإسلامية الكاملة بسد الذرائع المفضية إلى الشرك أو المعاصي\" (^٧).\n_________\n(^١) كذا بالأصل ولعل الصواب: ولا يخفي على أهل العلم.\n(^٢) الدرر السنية (٨/ ٣٣٦)، ونقلها عنه الشيخ سعد بن حمد بن عتيق. انظر: (١٠/ ٤٦٧).\n(^٣) حاشية كتاب التوحيد، لابن قاسم (ص ١٥٣).\n(^٤) فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (ج ١٠)، كتاب النكاح، تحت عنوان: الغناء وصوت المرأة في الإذاعة.\n(^٥) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (١/ ٥٠١).\n(^٦) فتاوى الشيخ ابن باز (٩/ ٤٠٥).\n(^٧) فتاوى الشيخ ابن باز (٥/ ٣٠٦).","vol":"2","page":981},{"text":"ويقول الشيخ صالح آل الشيخ -حفظه الله- في شرحه لكتاب \"التوحيد\": \"وقد تقرر في القواعد الشرعية، وأجمع عليه المحققون: أن سد الذرائع الموصلة إلى الشرك، وإلى المحرمات، أمر واجب، لأن الشريعة جاءت بسد أصول المحرمات، وسد الذرائع إليها، فيجب أن يغلق كل باب من أبواب الشرك بالله\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-275> المسألة الخامسة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nقاعدة سد الذرائع من القواعد العظيمة التي يجب اعتبارها ومراعاتها، لا سيما في جانب التوحيد، وفوائد هذه القاعدة لا تكاد تحصر، واستعمالها لا ينتهي؛ وذلك لصلاحيتها لكل زمان، ودخولها في جميع القضايا الطارئة التي تكون في نفسها مباحة وجائزة ولكنها تؤدي إلى شر وفساد، وفيما يأتي بعض الفوائد المستفادة من هذه القاعدة:\nأولًا: بتأمل أفراد القاعدة وجزئياتها وفرعياتها، سواء العقدية أو الفقهية، تتبيّن عظمة هذا الدين، وموافقته للعقول الصحيحة، والأفهام السليمة، وبعده عن المتناقضات، إضافة إلى ما اشتملت عليه أحكامه من الحكم الجليلة، بمراعاة المقاصد، وما يتبعها من تقدير المصالح والمفاسد، ومن عرف مقاصد الشرع في سد الذرائع المفضية إلى الشر والفساد ازداد يقينه، وقوي إيمانه، بكمال هذه الشريعة السمحاء التي أنعم الله بها على أمة الإسلام على يد أحب الخلق إليه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ﵇ (^٢).\nيقول الإمام ابن القيم: \"لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا\n_________\n(^١) التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص ٢٦٥).\n(^٢) انظر: إعلام الموقعين (٣/ ١٣٥).","vol":"2","page":982},{"text":"بأسباب وطرق تفضي إليها، كانت طرقها وأسبابها تابعة لها، معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها، وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غايتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل، فإذا حرَّم الرب تعالى شيئًا وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها، تحقيقًا لتحريمه، وتثبيتًا له، ومنعًا أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضًا للتحريم، وإغراء للنفوس به، وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء، بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك، فإن أحدهم إذا منع جنده، أو رعيته، أو أهل بيته، من شيء ثم أباح لهم الطرق، والأسباب، والذرائع الموصلة إليه، لَعُدَّ متناقضًا، ولحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده. وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه، وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه، فما الظن بهذه الشريعة الكاملة، التي هي في أعلى درجات الحكمة، والمصلحة، والكمال، ومن تأمل مصادرها، ومواردها، علم أن الله تعالى ورسوله سد الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرَّمها، ونهى عنها\" (^١).\nثانيًا: أن الذرائع حكمها بحسب المتذرع إليه؛ فإن كان المتذرع إليه شرًا ومفسدة كانت الذريعة شرًّا وفسادًا وينهى عنها حينئذٍ، وإن كان المتذرع إليه جائزًا أو مشروعًا كانت الذريعة بحسب ذلك، فتسد الذرائع التي تؤدي إلى الشر والفساد بكل صوره وألوانه، وتفتح الذريعة التي توصل إلى الجائز أو المشروع، فقد يكون فعل الذريعة واجبًا أو مندوبًا أو مباحًا بحسب مرتبة المتذرّع إليه (^٢).\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٣/ ١٣٥).\n(^٢) السيل الجرار للشوكاني (٢/ ١١٩).","vol":"2","page":983},{"text":"يقول الإمام الشاطبي: \"الذرائع في الحكم بمنزلة المتذرع إليه، ومنه ما ثبت في \"الصحيح\" من قول رسول الله -ﷺ-: \"من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه\"، قالوا يا رسول الله: وهل يسب الرجل والديه، قال: \"نعم؛ يسب أبا الرجل فيسب أباه وأمه\" فجعل سب الرجل لولدي غيره بمنزلة سبه لوالديه نفسه، حتى ترجمه عنها بقوله: (أن يسب الرجل والديه) ولم يقل: (أن يسب الرجل والدي من يسب والديه) أو نحو ذلك، وهو غاية معنى ما نحن فيه\" (^١).\nويقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين: \"والذرائع نوعان:\nأ- ذرائع إلى أمور مطلوبة، فهذه لا تسد، بل تفتح وتطلب.\nب- ذرائع إلى أمور مذمومة؛ فهذه تسد ...\nوذات الأنواط وسيلة إلى الشرك الأكبر، فإذا وضعوا عليها أسلحتهم وتبركوا بها؛ يتدرج بهم الشيطان إلى عبادتها وسؤالهم حوائجهم منها مباشرة، فلهذا سد النبي -ﷺ- الذرائع\" (^٢).\nثالثًا: ما نهي عنه من الأمور التي هي مباحة في الأصل أو مشروعة سدًّا للذريعة فإنه يباح وتفعل الذريعة إذا انتفت المفسدة، أو كان في فعلها مصلحة راجحة فاقت تلك المفسدة، ولا شك أن مرجع النظر في هذه الأمور للراسخين من أهل العلم.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"فالنهى عن الصلاة فيها -أي: في أوقات النهي- هو من باب سد الذرائع؛ لئلا يتشبه بالمشركين فيفضي إلى الشرك، وما كان منهيًا عنه لسد الذريعة لا لأنه مفسدة في نفسه يشرع إذا كان فيه مصلحة راجحة، ولا تُفَوت المصلحة لغير مفسدة راجحة، والصلاة لله فيه ليس فيها مفسدة، بل هي ذريعة إلى المفسدة، فإذا\n_________\n(^١) الاعتصام (٢/ ٣٤).\n(^٢) القول المفيد على كتاب التوحيد (١/ ٢٠٩).","vol":"2","page":984},{"text":"تعذرت المصلحة إلا بالذريعة شرعت، واكتفى منها إذا لم يكن هناك مصلحة، وهو التطوع المطلق، فإنه ليس في المنع منه مفسدة، ولا تفويت مصلحة؛ لإمكان فعله في سائر الأوقات\" (^١).\nوذلك كالنهي أول الإسلام عن زيارة القبور سدًّا لذريعة الشرك، فلما استقر التوحيد في نفوسهم، وقوي الإيمان في قلوبهم أذن في زيارتها، وهذا يدل على أن النهي كان بسبب الخوف من الفتنة بالقبور أول الأمر، ولما كان يحصل عندها من الأقوال المنكرة، والأفعال الشنيعة، فسدت ذريعة ذلك بمنع الزيارة (^٢).\nيقول الإمام ابن القيم: \"بل كان في أول الإسلام قد نهى عن زيارة القبور؛ صيانة لجانب التوحيد، وقطعًا للتعلق بالأموات، وسدًّا لذريعة الشرك التي أصلها تعظيم القبور وعبادتها كما قال ابن عباس، فلما تمكن التوحيد من قلوبهم، واضمحل الشرك، واستقر الدين أذن في زيارة يحصل بها مزيد الإيمان، وتذكير ما خلق العبد له من دار البقاء، فأذن حينئذٍ فيها، فكان نهيه عنها للمصلحة، وأذنه فيها للمصلحة.\nوأما النساء؛ فإن هذه المصلحة وإن كانت مطلوبة منهن لكن ما يقارن زيارتهن من المفاسد التي يعلمها الخاص والعام، من فتنة الأحياء، وإيذاء الأموات، والفساد الذي لا سبيل إلى دفعه إلا بمنعهن منها أعظم مفسدة من مصلحة يسيرة تحصل لهن بالزيارة، والشريعة مبناهما على تحريم الفعل إذا كانت مفسدته أرجح من مصلحته، ورجحان هذه المفسدة لا خفاء به، فمنعهن من الزيارة من محاسن الشريعة\" (^٣).\nوليس في ترك الزيارة المتذرع بها إلى الشرك أو الفساد أدنى\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٢١٤).\n(^٢) انظر: المصدر نفسه (٢٧/ ٣٧٦)، وزاد المعاد (٣/ ٦٠٨).\n(^٣) حاشية ابن القيم على سنن أبي داود (٩/ ٤٤)، وانظر: إغاثة اللهفان (١/ ٢٠٠).","vol":"2","page":985},{"text":"غضاضة، ولو كانت قربة وطاعة؛ لأن مفسدتها راجحة، وليس فيها مصلحة راجحة، والشريعة إنما تأمر بالمصالح الخالصة، أو الراجحة، وهذه ليس فيه مصلحة راجحة، بل إما أن يكون مفسدة محضة، أو مفسدة راجحة وكلاهما غير مشروع (^١).\nيقول الإمام ابن عبد الهادي: \"وكيف يقاس على الزيارة التي لا يتعلق بها مفسدة البتة، بل هي مصلحة محضة الزيارة التي يخشى بها أعظم الفتنة، وتتخذ وسيلة إلى ما يبغضه المزور، ويكرهه، ويمقت فاعله، حتى لو كانمت الزيارة من أفضل القربات، وكانمت ذريعة ووسيلة إلى ما يكرهه المزور ويبغضه لنهي عنها طاعة له، وتعظيمًا، ومحبة، وتوقيرًا، وسعيًا في محابه، كما نهي عن الصلاة التي هي قربة إلى الله في الأوقات المخصوصة؛ لما يستلزمه من حصول ما يكرهه الله، ويبغضه، ولم يكن في ذلك إخلال بتعظيم الله، بل هذا عين تعظيمه وإجلاله وطاعته، فتأمل هذا الموضع حق التأمل؛ فإنه سر الفرق بين عباد القبور وأهل التوحيد\" (^٢).\nرابعًا: ومما استعمل فيه أهل العلم قاعدة (سد الذرائع) لسد الطرق المفضية إلى الشرك ووسائله ما فعله المسلمون حيال حجرة النبي -ﷺ- من تعلية الحيطان، وإحاطتها بالجدر الثلاثة، وسد جميع المنافذ المؤدية إليها، كل ذلك سدًّا لذريعة الغلو والمبالغة في ذلك المؤديان إلى الشرك بالله العظيم، واتخاذه ندًّا مع الله ﵎، وسدًّا لذريعة اتخاذ قبره قبلة، وغير ذلك.\nيقول الإمام القرطبي: \"ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي -ﷺ-؛ فأعلوا حيطان تربته، وسدوا المداخل إليها، وجعلوها\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (١/ ١٩٤).\n(^٢) الصارم المنكي في الرد على السبكي (ص ٤٥٧).","vol":"2","page":986},{"text":"محدقة بقبره -ﷺ-، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذ كان مستقبل المصلين، فتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من ناحية الشمال، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره\" (^١).\nخامسًا: إن حسن النية والقصد لا يسوغ إباحة الفعل الذي حُرّم سدًّا للذريعة؛ لأن التحريم لم يراع فيه قصد المتذرع بالذريعة، وهل نيته حسنة أم سيئة، بل حرمت الشريعة الذريعة المؤدية إلى الشر والفساد والمنكر، حتى ولو كانت نيته صالحة، وقصده حسنًا.\n_________\n(^١) المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (٢/ ١٢٧)، وانظر: فتح المجيد (ص ٢٦٣).","vol":"2","page":987},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>المبحث الثاني\nقاعدة الحقائق لا تتغير بتغير المسميات</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-277> المسألة الأولى* شرح ألفاظ القاعدة</span>\nالحقائق: جمع حقيقة، وهي الشيء الثابت يقينًا، أو هي ما استعمل في معناه الأصلي، وحقيقة الشيء: خالصه وكنهه، وحقيقة الأمر: يقين شأنه، وقيل: حقيقة الشيء: منتهاه وأصله المشتمل عليه (^١).\nالأَسْمَاء: جَمْعُ اسْمٍ، والاسْمُ: هُوَ اللفْظُ المَوْضُوعُ لِلدَّلَّالَة عَلَى المُسَمَّى، وَقِيلَ: هُوَ اللفْظُ الدَّالُّ عَلَى المَعْنَى بِالوضْعِ لُغَة، وَقِيلَ الاسْمُ: مَا يُعْرَفُ بِهِ ذَاتُ الشَّيْء وَأَصْلُهُ، وَلَيْسَ الِاسْمُ نَفْسَ الْمُسَمَّى، فَإِنَّ الِاسْمَ هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ، وَالْمُسَمَّى هُوَ الْمَعْنَى الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الِاسْمِ، وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ نَفْسَ التَّسْمِيَّةِ؛ فَإِنَّهَا فِعْلُ الْمُسَمِّي. فالاسْمُ: لَفْظ مَوْضُوعٌ عَلَى الذَّاتِ لِتَعْرِيفَهَا أَوْ لِتَخْصِيصِهَا عَنْ غَيْرِهَا كَلَفْظِ زَيْدٍ، وَالْمُسَمَّى هُوَ الذَّاتُ الْمَقْصُودُ تَمْيِيزُهَا بِالاسْمِ؛ كَشَخْصِ زَيْدٍ، وَالمُسَمِّي هُوَ الْوَاضِعُ لِذَلِكَ\n_________\n(^١) انظر: المعجم الوسيط (١/ ١٨٨)، والمصباح المنير (١/ ١٤٤).","vol":"2","page":988},{"text":"اللَّفْظِ، والتَّسْمِيَةُ هِيَ اخْتِصاصُ ذَلِكَ اللَّفْظِ بِتِلْكَ الذَّاتِ (^١) (^٢).\nولا يكاد ينفك اللفظ أو الاسم عن الحقيقة والمعنى؛ إذ لا سبيل إلى معرفة حقائق الأشياء إلا بتوسط الألفاظ، فإن الألفاظ قوالب المعاني، والأسماء قوالب المسميات (^٣).\nيقول الإمام الشوكاني: \"فإن الألفاظ إنما هي قوالب المعاني، ولا تراد لذاتها أصلًا؛ لا عند أهل اللغة ولا عند أهل الشرع\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: المفردات في غريب القرآن (ص ٢٤٤)، والمقصد الأسنى للغزالي (ص ١٧٣)، وعمدة القاري (١٤/ ٢٣)، وسبل الهدى والرشاد، لمحمد بن يوسف الصالحي الشامي (١/ ٤٩٣).\n(^٢) مسألة الاسم والمسمى خاض فيها أهل الكلام والذي عليه أهل السُّنَّة أنه لا يقال الاسم نفس المسمى ولا غير المسمى؛ لأن هذا من الألفاظ المجملة، التي توقف فيها أهل السُّنَّة والجماعة بدون نفي ولا إثبات، والصواب أن يقال: الاسم للمسمى.\nيقول الشيخ يحيى العمراني: \"واختلف الناس في الاسم هل هو المسمى، أو غيره، فذهب أحمد بن حنبل ومن تابعه إلى أن: الاسم للمسمى، وقال بعضهم: هو صفة للمسمى، وقال بعضهم: هو صفة للمسمى، وقال بعضهم: هو علم للمسمى، والجميع واحد. وقال المعتزلة: الاسم غير المسمى، وقال أبو الحسن الأشعري: الاسم هو المسمى\". [الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (٢/ ٦٠٣)].\nويقول الإمام ابن تيمية: \"وأما الذين يقولون: أن الاسم للمسمى كما يقوله أكثر أهل السُّنَّة، فهؤلاء وافقوا الكتابِ والسُّنَّة والمعقول قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقال: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، وقال النبي -ﷺ-: \"إن الله تسعى وتسعين اسمًا\" ....\nوإذا قيل لهم: أهو المسمى أم غيره؟ فصلوا؛ فقالوا: ليس هو نفس المسمى، ولكن يراد به المسمى، وإذا قيل: أنه غيره بمعنى أنه يجب أن يكون مباينًا له فهذا باطل؛ فإن المخلوق قد يتكلم بأسماء نفسه فلا تكون بائنة عنه، فكيف بالخالق، وأسماؤه من كلامه، وليس كلامه بائنًا عنه، ولكن قد يكون الاسم نفسه بائنًا مثل أن يسمي الرجل غيره باسم أو يتكلم باسمه، فهذا الاسم نفسه ليس قائمًا بالمسمى، لكن المقصود به المسمى، فإن الاسم مقصوده إظهار المسمى وبيانه\". [مجموع الفتاوى (٦/ ٢٠٦ - ٢٠٧)].\n(^٣) انظر: فيض القدير (١/ ٣١٢)، وروح المعاني (١٥/ ٨١).\n(^٤) السيل الجرار (٢/ ٣٤٣).","vol":"2","page":989},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-278> المسألة الثانية * معنى القاعدة</span>\nدلت القاعدة على أن حقائق الأشياء ومعانيها اللغوية أو الشرعية لا تتغير بتغير الألفاظ والأسماء، كما أن الأحكام الشرعية مرتبطة بالحقائق والمعاني، فمتى ما وجدت الحقيقة وجد الحكم بغض النظر عن اختلاف الأسماء وتنوع الألفاظ؛ إذ الأسماء عرضة للتغيير حسب الأزمنة والأمكنة وأعراف الناس، وهذا أمر مشاهد بين الناس ولا ينكره منكر.\nيقول الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين ﵀: \"فمن صرف لغير الله شيئًا من أنواع العبادة فقد عبد ذلك الغير واتخذه إلهًا، وأشركه مع الله في خالص حقه، وإن فرَّ من تسمية فعله ذلك تألهًا وعبادة وشركًا، ومعلوم عند كل عاقل أن حقائق الأشياء لا تتغير بتغير أسماءها ... فالشرك إنما حرم لقبحه في نفسه، وكونه متضمنًا مسبة للرب، وتنقصه وتشبيهه بالمخلوقين، فلا تزول هذه المفاسد بتغيير اسمه، كتسميته توسلًا، وتشفعًا، وتعظيمًا للصالحين، وتوقيرًا لهم، ونحو ذلك، فالمشرك مشرك شاء أم أبى (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-279> المسألة الثالثة * أدلة القاعدة</span>\nالمتأمل في النصوص الشرعية يجد فيها تقرير وتكرير ما دلت عليه القاعدة من كون العبرة بالحقائق وليست بالألفاظ، وأن الأحكام دائرة مع الحقائق وإن اختلفت الألفاظ، وفيما يأتي أذكر بعض ما ظهر لي من أدلة تصلح للاحتجاج للقاعدة:\n_________\n(^١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٢/ ١٤٣ - ١٤٤).","vol":"2","page":990},{"text":"أولًا: النصوص الدالة على حرمة التحايل على المحرمات الذي هو فعل اليهود وصفتهم الغالبة، ومن ذلك:\nما رواه أبو هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتْ الْيَهُودُ فَتَسْتَحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ بِأَدْنَى الْحِيَلِ\" (^١).\nوقد جاء فعل اليهود في تحايلهم على تحليل الشحوم التي حرمها الله عليهم، ففي \"الصحيحين\" عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ - رضي الله تعالى عنهُ - يَقُولُ: قاتَلَ الله فُلانًا ألَم يَعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قال: \" لَعَنَ الله اليَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَجَمَّلُوها فَبَاعُوهَا\" (^٢).\nولا شك أن تغيير الألفاظ الشرعية التي لها دلالات معينة، وحقائق ثابتة، ومن ثم تسميتها بأسماء أخرى مألوفة وغير منفرة من أجل إباحتها وتجويزها من أعظم الحيل المحرمة.\nووجه الشاهد من هذه الأدلة: أنه لو كان مجرد تغيير الاسم واللفظ يؤثر في تغيير المعنى والمضمون لما حُرِّمَت الحيل أصلًا؛ لأنَّه بتغيير الاسم واللفظ سيتغير المعنى وينتقل إلى حقيقة أخرى غير الحقيقة الأولى، وعندها فلا مانع من أن يكون للحقيقة الثانية حكم آخر يختلف عن الأول. لكن مع تحريم هذا الصنيع دلالة على أن تغيير اللفظ والاسم\n_________\n(^١) رواه الإمام ابن بطة في: إبطال الحيل (ص ٤٧)، ويقول الإمام ابن تيمية عقب ذكره للحديث: \"هذا إسناد جيد، يصحح مثله الترمذي وغيره تارة، ويحسنه تارة، ومحمد بن مسلم المذكور مشهور ثقة، ذكره الخطيب في تاريخه كذلك، وسائر رجال الإسناد أشهر من أن يحتاج إلى وصفهم، وقد تقدم ما يشهد لهذا الحديث من قصة أصحاب السبت\". الفتاوى الكبرى (٣/ ١٢٣)، وانظر: مجموع الفتاوى (٢٩/ ٢٩)، وحسَّنه الإمامان: ابن القيم وابن كثير. انظر: حاشية ابن القيم على سنن أبي داود (٩/ ٢٤٤)، وتفسير ابن كثير (١/ ١٠٨).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل (٣/ ١٢٧٥)، برقم (٣٢٧٣)، ومسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب: تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام (٣/ ١٢٠٧)، برقم (١٥٨٢).","vol":"2","page":991},{"text":"لا يغير في الحقيقة شيئًا، بل هي باقية والحكم يدور معها وجودًا وعدمًا لا مع الاسم واللفظ.\nيقول الإمام ابن القيم معلِّقًا على حيلة اليهود في الشحوم: \"وجملوها: يعني أذابوها وخلطوها، وإنما فعلوا ذلك؛ ليزول عنها اسم الشحم ويحدث لها اسم آخر وهو الوَدَك (^١)، وذلك لا يفيد الحِلَّ؛ فإن التحريم تابع للحقيقة، وهي لم تتبدل بتبدل الاسم\" (^٢).\nفاليهود لعنوا لما أكلوا ثمن ما حرم الله عليهم أكله، ولم يعصمهم التوسل إلى ذلك بصورة البيع، كما أنه لم ينفعهم إزالة اسم الشحوم عنها بإذابتها؛ فإنها بعد الإذابة يفارقها الاسم، وتنتقل إلى اسم الودك، فلما تحيلوا على استحلالها بإزالة الاسم لم ينفعهم ذلك (^٣).\nومما يدل على صحة القاعدة مما هو داخل في حكم الحيل أيضًا: ما جاء عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إن أناسًا من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها\" (^٤)، وفي رواية عند الدارمي من طريق عائشة -﵂-: \"يسمونها بغير اسمها فيستحلونها\" (^٥)؛ يعني: الخمر.\n_________\n(^١) الوَدَك: بفتحتين، هو دسم اللحم والشحم ودهنه الذي يستخرج منه، أو يستحلب منه. [انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٦٨)، والمصباح المنير (٢/ ٦٥٣)، والمعجم الوسيط (٢/ ١٠٢٢)].\n(^٢) حاشية ابن القيم على سنن أبي داود (٩/ ٢٤٤)، وانظر: فيض القدير (٥/ ٣٩١).\n(^٣) انظر: إعلام الموقعين (٣/ ١١٢).\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٣٧)، برقم (١٨٠٩٨)، وابن حبان في صحيحه (١٥/ ١٦٠)، برقم (٦٧٥٨)، وأبو داود في سننه (٣/ ٣٢٩)، برقم (٣٦٨٨)، من طريق أبي مالك الأشعري، والحديث ذكره الشيخ الألباني في: سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٧٠١)، برقم (٤١٤)، وقال عقبه: \" قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الستة، وجهالة اسم الصحابي لا تضر، كما في المصطلح تقرر\". [المرجع نفسه].\n(^٥) سنن الدارمي (٢/ ١٥٥)، برقم (٢١٠٠)، وحسَّنه الألباني، وله شاهد. [انظر: =","vol":"2","page":992},{"text":"يقول الشيخ السندي ﵀: \" (يسمونها بغير اسمها): قاله في محل\nالذم، فيدل على أن التسمية والحيلة لا تجعلان الحرام حلالًا\" (^١).\nويقول الشيخ عبد الله أبا بطين ﵀: \"التسمية لا حكم لها، ولا تتغير حقيقة الشيء بتغير الاسم كما جاء عنه - ﷺ -: \" أنه يأتي ناس من أمتي يسمون الخمر بغير اسمها\"، وكذا من سمى الزنا نكاحًا، فالتسمية لا تزيل الاسم ولا الحكم؛ ومن عامل معاملة ربوية فهو مرابي وإن لم يسمه ربًا، فكذا من ارتكب شيئًا من الأمور الشركية فهو مشرك وإن سمى ذلك توسلًا وتشفعًا ونحوه\" (^٢).\nولا شك أن إبليس قد سبق اليهود عليهم لعائن الله على هذا المنهج المنحرف، إذ هو قائدهم الأول، وإمامهم الأعظم في التلبيس والتدليس والكذب على الله ﵎.\nيقول الإمام الصنعاني: \"وأول من سمى ما فيه غضب الله وعصيانه بالأسماء المحبوبة عند السامعين إبليس لعنه الله، فإنه قال لأبي البشر آدم ﵇: ﴿يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠]، فسمى الشجرة التي نهى الله تعالى آدم عن قربانها - غرورًا وتدليسًا - بالاسم الذي اخترعه لها، كما يسمي إخوانه المقلدون له الحشيشة بلقمة الراحة، وكما يسمي الظلمة ما يقبضونه من أموال عباد الله ظلمًا وعدوانًا: أدبًا، فيقولون: أدب القتل، أدب السرقة، أدب التهمة، بتحريف اسم الظلم إلى اسم الأدب، كما يحرفونه في بعض المقبوضات إلى سم (النفاعة)، وفي بعضها إلى اسم (السياقة)، وفي بعضها أدب المكاييل والموازين.\n_________\n= السلسلة الصحيحة (١/ ١٣٤)، رقم (٨٩)].\n(^١) حاشية السندي (٨/ ٣١٣٩).\n(^٢) تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس (ص ٩٤).","vol":"2","page":993},{"text":"وكل ذلك اسمه عند الله ظلم وعدوان، كما يعرفه من شم رائحة الكتاب والسُّنَّة، وكل ذلك مأخوذ عن إبليس حيث سمى الشجرة المنهي عنها شجرة الخلد\" (^١).\nثانيًا: إنكاره ﷾ على المشركين تسمية أصنامهم وأوثانهم بأنهم آلهة، وأنها مجرد أسماء لا حقيقة لها، ولا نصيب لها من خصائص الإلهية شيء البتة، وهذا الإنكار من الله تعالى عليهم يدل على أن العبرة بحقائق الأشياء وما هي عليه من الصفات الثابتة، أما مجرد إطلاق الأسماء والألفاظ على ما هو عار وخواء من الحقائق والمعاني التي دلت عليها الألفاظ فلا اعتبار له، كما أن هذا التغيير في الألفاظ والأسماء لا أثر له في تغيير الحقائق البتة.\nوعليه فهذه الأصنام والأوثان حقيقتها أنها حجارة، وهؤلاء المعبودون غايتهم أنهم بشر لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، بل وأموات قد استحالوا ترابًا ورفاتًا، فمهما بالغوا في تعظيمهم، وإلباسهم لباس العزة، وتسميتهم بأسماء العظمة، ووصفهم بأخص خصائص الإلهية، لم تكن سوى أسماء جوفاء، وألفاظ عارية فقيرة، متناقضة غاية التناقض مع حقيقة الحال.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"ومن هذا الباب تسمية المعبودين آلهة، سموها بما لا تستحقه، كما يسمى الجاهل عالمًا، والعاجز قادرًا، وِالكذاب نبيًّا فلهذا قال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣] \" (^٢).\nوقال أيضًا: \"أخبر سبحانه أن الأسماء التي سماها المشركون أسماء ابتدعوها، لا حقيقة لها، فهم إنما يعبدودن أسماء لا مسميات لها؛\n_________\n(^١) تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد (ص ١٠٨)، بتعليق الشيخ: علي آل سنان.\n(^٢) النبوات (ص ٢٠٠).","vol":"2","page":994},{"text":"لأنه ليس في المسمى من الألوهية، ولا العزة، ولا التقدير شيء، ولم ينزل الله سلطانًا بهذه الأسماء، إن يتبع المشركون إلا ظنًا لا يغني من الحق شيئًا في أنها آلهة تنفع وتضر \" (^١).\nويقول الشيخ السعدي في معنى قوله تعالى: ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [الأعراف: ٧١]: \"أي: كيف تجادلون على أمور لا حقائق لها، وعلى أصنام سميتموها آلهة، وهي لا شيء من الإلهية فيها، ولا مثقال ذرة\" (^٢).\nثالثًا: قصة ذات أنواط التي حدثت في خروج النبي - ﷺ - مع أصحابه\nإلى خيبر فمر بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط يعلقون عليها أسلحتهم، فقالوا: يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي -ﷺ-: \"سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لتركبن سُنَّة من كان قبلكم\" (^٣).\nفلم يكن استبدالهم للفظ الآلهة بذات أنواط مؤثرًا ما دامت الحقيقة واحدة في كلتا الصورتين، فدل ذلك على أن الحقائق لا تتغير وإن تغيرت الأسماء والألفاظ.\nيقول الشيخ سليمان آل الشيخ عقب ذكره للقصة: \"وفيها أن الاعتبار في الأحكام بالمعاني لا بالأسماء؛ ولهذا جعل النبي - ﷺ - طلبتهم كطلبة بني إسرائيل، ولم يلتفت إلى كونهم سموها ذات أنواط، فالمشرك وإن سمى شركه ما سماه؛ كمن يسمي دعاء الأموات، والذبح لهم، والنذر، ونحو ذلك تعظيمًا ومحبة فإن ذلك هو الشرك، وإن سماه ما سماه وقس على ذلك\" (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢/ ٢٥٩).\n(^٢) تفسير السعدي (ص ٢٩٤).\n(^٣) سبق تخريجه في (ص ٢٣٣)، وقال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح.\n(^٤) تيسير العزيز الحميد (ص ١٤٢).","vol":"2","page":995},{"text":"رابعًا: من المعلوم أن التفريق في الحكم بين الشيئين المتفقين في الحقيقة والمعنى والصفة لمجرد اختلاف الأسماء من الظلم العظيم الذي نهى الله عنه، بل هو تفريق بين المتماثلين، والله تعالى قد أمر بالعدل والاعتبار الذي هو القياس الشرعي، وهو التسوية في الحكم بين المتماثلين في الحقيقة والمعنى ولو اختلفت الألفاظ، وتنوعت الأسماء، فلا فرق بين شرك وشرك، ولا بين شراب مسكر وآخر مثله باسم آخر، وهكذا (^١).\nخامسًا: كما لا يخفى أن التحريم الشرعي إنما يكون تابعًا للحقيقة والمفسدة لا للاسم والصورة؛ فإن إيقاع العداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله، وعن الصلاة بسبب شرب الخمر، وكذا سوء الظن وقلة الأدب مع الله، وتشبيه المخلوق بالخالق، والتنقص لعظمة الألوهية والربوبية الحاصل بسبب الإشراك في عبادة الله تعالى لا يزول، ولا يتغير بتبديل الأسماء والصور، وهل هذا إلا من سوء الفهم، وعدم الفقه عن الله ورسوله (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-280> المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nلقد حرص أهل العلم أشد الحرص على بيان هذه القاعدة الشرعية، واستعملوها في ردِّهم لكثير من البدع والحيل، وفيما يأتي أنقل بعض ما وقفت عليه من أقوال تؤيد معنى القاعدة، وتقرر مفهومها الذي دلت عليه:\nيقول الإمام ابن القيم: \"فإن الحقائق لا تتغير بتغير الألفاظ\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٣٤/ ١٩٦).\n(^٢) انظر: إعلام الموقعين (٣/ ١١٦).\n(^٣) إعلام الموقعين (١/ ٢٢٤).","vol":"2","page":996},{"text":"ويقول الإمام الصنعاني في كلامه على فعل المشركين: \"وإنما الجاهلية سموه صنمًا ووثنًا، وهؤلاء القبوريون يسمونه وليًّا وقبرًا ومشهدًا، والأسماء لا أثر لها ولا تغير المعاني، ضرورة لغوية وعقلية وشرعية؛ فإن من شرب الخمر وسماها ماء، ما شرب إلا خمرًا، وعقابه عقاب شارب الخمر، ولعله يزيد عقابه للتدليس والكذب في التسمية\" (^١).\nويقول العلامة السهسواني الهندي في معرض كلامه على التوسل بالأعمال الصالحة: \" وهذا التوسل هو عين دين الإسلام، لا يجحده أحد من المسلمين، لكن هذا التوسل في الحقيقة هو التوسل بالأعمال الصالحة، وإن سماه أحد توسلًا بالأنبياء والصالحين، فلا يتغير حكمه بهذه التسمية، فإن العبرة للمُسَمَّى والمُعَنْوَن لا للاسم والعنوان\" (^٢).\nويقول الشيخ السعدي: \" ولا فرق في هذا بين أن يسمي تلك العبادة التي صرفها لغير الله عبادة، أو يسميها توسلًا، أو يسميها بغير ذلك من الأسماء، فكل ذلك شرك أكبر؛ لأن العبرة بحقائق الأشياء ومعانيها دون ألفاظها وعباراتها\" (^٣).\nويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: \"لأن الحقائق لا تتغير بإطلاق الألفاظ عليها كما هو معلوم\" (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-281> المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nلقد فرَّعَ أهل العلم بعض الفروع والجزئيات والمسائل على هذه القاعدة، واستفادوا منها في إبطال كثير من البدع والضلالات، وفيما\n_________\n(^١) تطهير الاعتقاد عن أدران الألحاد (ص ١٠٧).\n(^٢) صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان (ص ١٩٩).\n(^٣) القول السديد في مقاصد التوحيد (ص ٣١).\n(^٤) أضواء البيان للشنقيطي (١/ ٣٠٧).","vol":"2","page":997},{"text":"يأتي أتناول بعض ما ذكره أهل العلم من فروع ومسائل متعلقة بالقاعدة، أو ظهر لي من خلال كلامهم:\nأولًا: دلت القاعدة على ثبات الحقائق والمعاني للألفاظ والأسماء، إذ إن جميع الأحكام الشرعية إنما بنيت على الحقائق والمعاني، وهي بلا شك مرتبطة بأسمائها الشرعية التي جاءت بها النصوص الشرعية في القرآن والسُّنَّة، فالعبرة والمعول على الحقائق والمعاني، فهي التي عليها مدار الأحكام، وبها يكون الحكم والقضاء، ولا ينكر أهمية المحافظة على الألفاظ والأسماء الشرعية، وأن تغييرها مع اعتبار الحقيقة الأولى يعد من التحريف والكذب على الله تعالى.\nويستخلص من ذلك: أن حكم الشيء تابع لحقيقته ومعناه، لا لاسمه ولفظه ولا لاعتقاد فاعله: يوضح ذلك: أن من أطاع مخلوقًا في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله فقد اتخذه ربًّا وإلهًا ومعبودًا من دون الله، كما قال تعالى في شأن اليهود والنصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]، وقد قال عديّ بن حاتم لما قدم على النبي - ﷺ - وهو يقرأ هذه الآية فقال للنبي - ﷺ -: إنهم لم يعبدوهم فقال -ﷺ-: \"أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلُّوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرَّموا عليهم شيئًا حرموه\" (^١).\nفهؤلاء الذين أخبر الله عنهم في هذه الآية لم يسمّوا أحبارهم\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في جامعه، كتاب: تفسير القرآن (٥/ ٢٧٨)، برقم (٣٠٩٥)، والبيهقي في السُّنن الكبرى (١٠/ ١١٦)، برقم (٢٠١٣٧)، وصحح الشيخ الألباني بعض طرقه في السلسلة الصحيحة (٧/ ٨٦١)، رقم (٣٢٩٣)، وحسن بعضها في غاية المرام حديث رقم (٦).","vol":"2","page":998},{"text":"ورهبانهم أربابًا ولا آلهة، ولا معبودين، ولا كانوا يعتقدون أو يظنون أن فعلهم هذا معهم عبادة لهم، ولهذا استعظم عدي هذا وقال: إنهم لم يعبدوهم، ومع ذلك سمَّاهم الله أربابًا وبيَّن النبي - ﷺ - أن فعلهم هذا عبادة وتأليه لهم، ولم يكن عدم ظنهم هذا عذرًا لهم، ولا مزيلًا لاسم فعلهم ولا رافعًا لحقيقته وحكمه.\nوفي هذا دلالة على أن حكم الشيء تابع لحقيقته وما هو عليه، لا لاسمه، ولا لاعتقاد فاعله.\nثانيًا: فيها الرد على من أجاز الشرك الواضح الذي لا شك فيه بحجة أنه توسل إلى الله تعالى بأهل الخير والصلاح، وأنه من محبة الأولياء ومن حقهم علينا، والقاعدة تبطل هذا المفهوم الشركي، بل هذا هو عين الإشراك بالله ﵎.\nيقول الإمام ابن القيم في كلامه على حكم الساحر: \"والساحر وإن لم يسم هذا عبادة للشيطان فهو عبادة له، وإن سماه بما سماه به\" فإن الشرك والكفر هو شرك وكفر لحقيقته ومعناه، لا لاسمه ولفظه، فمن سجد لمخلوق، وقال ليس هذا بسجود له، وهذا خضوع وتقبيل الأرض بالجبهة كما أقبلها بالنعم، أو هذا إكرام لم يخرج بهذه الألفاظ عن كونه سجودًا لغير الله فليسمه بما شاء\" (^١).\nويقول الإمام الشوكاني: \"إذ ليس الشرك هو مجرد إطلاق بعض الأسماء على بعض المسميات، بل الشرك هو أن يفعل لغير الله شيئًا يختص به سبحانه؛ سواء أطلق على ذلك الغير ما كان تطلقه عليه الجاهلية، أو أطلق عليه اسمًا آخر، فلا اعتبار بالاسم قط، ومن لم يعرف هذا فهو جاهل لا يستحق أن يخاطب بما يخاطب به أهل العلم\" (^٢).\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (٢/ ٤٦١).\n(^٢) رسالة الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد (ص ١٨)، ضمن مجموع (الرسائل =","vol":"2","page":999},{"text":"ويقول الشيخ سليمان بن سحمان: \"هذه العبادة التي صرفها المشركون الأولون لآلهتهم هي ما يفعله المشركون من عباد القبور في هذه الأزمان سواء بسواء، وإن زعموا أن هذا توسل، فالعبرة بالحقائق لا بالأسماء\" (^١).\nكما أبطل الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ ﵀ مقالة من قال: إن دعاء الصالحين والاستغاثة بهم فيما لا يقدر عليه إلا الله يسمى توسلًا عنده وتشفعًا. فقال: \"وهذا فرار منه أن يسميه شركًا وكفرًا، وهذا من جنس جهله بالأسماء والمسميات ...، وأن التوسل صار مشتركًا في عرف كثيرين، وأن العبرة بالحقائق لا بالأسماء، وأن الله سمى هذا شركًا وعبادة لغيره في مواضع من كتابه ...، فإياك أن تغتر بالإلحاد وتغيير الأسماء؛ فقف مع الحدود الشرعية، واعتبر بالحقائق تعرف أن هؤلاء مشركون وثنيون، عبَّاد قبور، لا يستريب في ذلك إلّا جاهل بأصل الإسلام لم يدر ما جاءت به الرسل الكرام\" (^٢).\nولقد دخل كثير من هذه الأمة في الشرك بالله، والتعلق على من سواه، ويسمون ذلك توسلًا، وتشفعًا، وتغيير الأسماء، لا اعتبار به، ولا تزول حقيقة الشيء، ولا حكمه بزوال اسمه، وانتقاله في عرف الناس، واستبداله باسم آخر، ولما علم الشيطان أن النفوس تنفر من تسمية ما يفعله المشركون تألهًا، أخرجه في قالب آخر، تقبله النفوس، فتغيير الأسماء، لا يزيل الحقائق، فمن ارتكب شيئًا من الأمور الشركية، فهو مشرك، وإن سمى ذلك توسلًا، وتشفعًا (^٣).\n_________\n= السلفية في إحياء سنة خير البرية)، للإمام الشوكاني.\n(^١) الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق (ص ٤٠٦).\n(^٢) منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس (ص ١٧).\n(^٣) انظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١/ ٥٦٧ - ٥٦٨).","vol":"2","page":1000},{"text":"وذكر العلامة محمود شكري الألوسي حقيقة واقع أهل القبور، وما وقعوا فيه من التلبيس والتدليس بتغييرهم للأسماء، وبين ﵀ أن هذا التغيير لا يغير من الحقيقة شيئًا، وأن العبرة بحقائق أفعالهم وأعمالهم؛ فقال ما ملخصه: \"ونذكر لك طرفًا من معتقد هؤلاء وحقيقة ما هم عليه من الدين؛ ليعلم الواقف عليه أي الفريقين أحق بالأمن؛ إن كان الواقف ممن اختصه الله بالفضل والمن، ولئلا يلتبس الأمر بتسميتهم لكفرهم ومحالهم تشفعًا وتوسلًا واستظهارًا، مع ما في التسمية من الهلاك المتناهي عند من عقل الحقائق.\nمن ذلك محبتهم مع الله محبة تأله وخضوع ورجاء، ودعاؤهم مع الله في المهمات، والعكوف حول أجداثهم، وتقبيل أعتابهم، والتمسح بآثارهم، طلبًا للغوث واستجابة الدعوات، وإظهار الفاقة وإبداء الفقر والضراعة واستنزال الغيوث والأمطار، وطلب السلامة من شدائد البراري والبحار، وسؤالهم تزويجهم الأرامل والأيامى، واللطف بالضعفاء واليتامى، والاعتماد عليهم في المطالب العالية، وتأهيلهم لمغفرة الذنوب والنجاة من الهاوية، وإعطاء تلك المراتب السامية وجماهيرهم -لما ألفت ذلك طباعهم، وفسدت به فطرهم، وعز عنه امتناعهم - لا يكاد يخطر ببال آحاد المسلمين من قصد الله تعالى، والإنابة إليه، بل ليس ذلك عندهم إلا الولي الفلاني، ومشهد الشيخ فلان، حتى جعلوا الذهاب إلى المشاهد عوضًا عن الخروج للاستسقاء، والإنابة إلى الله تعالى في كشف الشدائد والبلوى، وكل هذا رأيناه وسمعناه عنهم، فهل سمعت عن جاهلية العرب، مثل هذه الغرائب التي ينتهي عندها العجب.\nوالكلام مع ذكي القلب، يقظ الذهن، قوي الهمة، العارف بالحقائق، ومن لا ترضى نفسه بحقيقة التقليد في أصول الديانات والتوحيد، وأما ميت القلب، بليد الذهن، وضيع النفس، جامد القريحة،","vol":"2","page":1001},{"text":"ومن لا تفارق همته التشبث بأذيال التقليد والتعلق بما يحكى عن فلان وفلان في معتقد أهل المقابر والتنديد؛ فذاك فاسد الفطرة، معتل المزاج، وخطابه محض عناء ولجاج.\nإلى أن قال ﵀:\nوباب تصرف المشايخ والأولياء قد اتسع حتى سلكه جمهور من يدعي الإسلام حتى سلكه جمهور من يدعي الإسلام من أهل البسيطة وخرقه قد هلك في بحاره أكثر من سكن الغبراء، وأظلته المحيطة، حتى نسي القصد الأول من التشفع والوساطة، فلا يعرج عليه عندهم إلا من نسي عهود الحمى فعاد الأمر إلى الشرع في توحيد الربوبية والتدبير والتأثير، ولم يبلغ شرك الجاهلية الأولى إلى هذه الغاية، بل ذكر الله ﷿ أنهم يعترفون به، ولذلك احتج عليهم في غير موضع من كتابه بما أقروا به من الربوبية، والتدبير على ما أنكروه من الإلهية.\nولا يمانع هذا إلا مكابر في الحسيات وإن فقد بعض أنواع في بعض البلاد فكم له من نظائر، ... ومن شاهد ما يقع منهم عند مشهد علي والحسين وموسى الكاظم، ومحمد الجواد -﵃- عند رافضتهم، والشيخ عبد القادر والحسن البصري والزبير وأمثالهم -﵃- عند سنتهم: من العبادات وطلب العطايا والمواهب والتصرفات، وأنواع الموبقات علم أنهم من أجهل الخلق وأضلهم وأنهم في غاية من الكفر والشرك ما وصل إليها من قبلهم ممن ينتسب إلى الإسلام، والله المسؤول أن ينصر دينه، ويعلي كلمته بمحو هذه الضلالات حتى يعبد وحده، فتسلم الوجوه له، وتعود البيضاء كما كانت ليلها كنهارها\" (^١).\nويبين الشيخ عبد العزيز بن باز استشكال من يقول: إن المتأخرين لم يدعوا عبادة الأولياء أو الصالحين، وإنما هم يتبركون بهم، فقال:\n_________\n(^١) انظر: تاريخ نجد، للعلامة: محمود شكري الألوسي (ص ٧٥ - ٧٩).","vol":"2","page":1002},{"text":"\"الاعتبار بالحقائق والمعنى لا باختلاف الألفاظ، فإذا قالوا: ما نعبدهم وإنما نتبرك بهم، لم ينفعهم ذلك، ما داموا فعلوا فعل المشركين من قبلهم، وإن لم يسموا ذلك عبادة، بل سموه توسلًا أو تبركًا، فالتعلق بغير الله، ودعاء الأموات، والأنبياء، والصالحين، والذبح لهم، أو السجود لهم، أو الاستغاثة بهم، كل ذلك عبادة ولو سموها خدمة، أو سموها غير ذلك؛ لأن العبرة بالحقائق لا بالأسماء كما تقدم\" (^١).\nويقول الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله-: \"والآن عَبَدَة القبور يقولون: هذا ليس بشرك، هذا توسُّل، وهذا محبة للأولياء والصالحين. إن أولياء الله الصالحين لا يرضون بهذا العمل، ولا يرضون أن تُجعل قبورهم أوثانًا تُعبد من دون الله، والنبي -ﷺ- يقول: \"اللَّهُمَّ لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" (^٢)، فدلّ على أن تعظيم القبور والتبرك بها يجعلها أوثانًا تُعبد من دون الله.\nفالحاصل؛ أن هذا فيه دليل على أن العبرة في المعاني لا في الألفاظ، فاختلاف الألفاظ لا يؤثر، وإن سموه توسّلًا، أو سموه إظهارًا لشرف الصالحين، أو وفاءً بحقهم علينا -كما يقولون-، هذا هو الشرك، سواء بسواء، فالذي يتبرّك بالحجر أو بالشجر أو بالقبر قد اتخذه إلهًا، وإن كان يزعم أنه ليس بإله، فالأسماء لا تغير الحقائق، إذا سمّيت الشرك، توسلًا، أو محبة للصالحين، أو وفاءً بحقهم، نقول: الأسماء لا\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (٣/ ١٣٩).\n(^٢) أخرجه الإمام مالك في الموطأ (١/ ١٧٢)، برقم (٤١٤)، مرسلًا عن عطاء بن يسار، وابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ١٥٠)، برقم (٧٥٤٤)، عن زيد بن أسلم عن النبى - ﷺ -، وللحديث طريق آخر عند أحمد بلفظ: \"اللَّهُمَّ لا تجعل قبري وثنًا لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -. قال الشيخ الألباني: \"وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير حمزة بن المغيرة وهو المخزومي وهو ثقة بلا خلاف\". [انظر: الثمر المستطاب في فقه السُّنَّة والكتاب (١/ ٣٦١)].","vol":"2","page":1003},{"text":"تغير الحقائق\" (^١).\nثالثًا: هذه القاعدة بمثابة السد المنيع، والباب المغلق أمام جميع أهل الباطل من أصحاب الديانات المحرفة، أو من أهل الأهواء المضلة والبدع المغوية والمبعدة عن هدي القرآن والسُّنَّة، ولو فتح هذا الباب لتبدلت الشرائع، وفسدت الأحكام، ولم يوثق بعدها بنص أو تنزيل.\nيقول الإمام ابن القيم: \"ولو أوجب تبديلُ الأسماء والصور تبدلَ الأحكام والحقائق لفسدت الديانات، وبدلت الشرائع، واضمحل الإسلام، وأي شيء نفع المشركين تسميتهم أصنامهم آلهة، وليس فيها شيء من صفات الإلهية وحقيقتها، وأي شيء نفعهم تسمية الإشراك بالله تقربًا إلى الله، وأي شيء نفع المعطلين لحقائق أسماء الله وصفاته تسمية ذلك تنزيهًا، وأي شيء نفع الغلاة من البشر واتخاذهم طواغيت يعبدونها من دون الله تسمية ذلك تعظيمًا واحترامًا، وأي شيء نفع نفاة القدر المخرجين لأشرف ما في مملكة الرب تعالى من طاعات أنبيائه، ورسله، وملائكته، وعباده عن قدرته تسمية ذلك عدلًا، وأي شيء نفعهم نفيهم لصفات كماله تسمية ذلك توحيدًا، وأي شيء نفع أعداء الرسل من الفلاسفة القائلين بأن الله. لم يخلق السماوات والأرض في ستة أيام، ولا يحيي الموتى، ولا يبعث من في القبور، ولا يعلم شيئًا من الموجودات، ولا أرسل إلى الناس رسلًا يأمرونهم بطاعته تسمية ذلك حكمة، وأي شيء نفع أهل النفاق تسمية نفاقهم عقلًا معيشيًا، وقدحهم في عقل من لم ينافق نفاقهم، ويداهن في دين الله، وأي شيء نفع المكسة تسمية ما يأخذونه ظلمًا وعدوانًا حقوقًا سلطانية، وتسمية أوضاعهم الجائرة الظالمة المناقضة لشرع الله ودينه شرعَ الديوان.\nوأي شيء نفع أهل البدع والضلال تسمية شبهم الداحضة عند\n_________\n(^١) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (١/ ١٦٢).","vol":"2","page":1004},{"text":"ربهم، وعند أهل العلم والدين والإيمان عقليات، وبراهين، وتسمية كثير من المتصوفة الخيالات الفاسدة، والشطحات حقائق، فهؤلاء كلهم حقيق أن يتلى عليهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣].\nوكما يسمي بعضهم المغني بالحادي، والمطرب، والقوال، وكما يسمي الديوث بالمصلح، والموفق، والمحسن، ورأيت من يسجد لغير الله من الأحياء والأموات، ويسمى ذلك وضع الرأس للشيخ، قال: ولا أقول هذا سجود، وهكذا الحيل سواء، فإن أصحابها يعمدون إلى الأحكام فيعلقونها بمجرد اللفظ، ويزعمون أن الذي يستحلونه ليس بداخل في لفظ الشيء المحرم، مع القطع بأن معناه معنى الشيء المحرم\" (^١).\nويقول الإمام ابن أبي العز الحنفي في رده على من سمى إثبات صفات الله تركيبًا: \"هم سموه تركيبًا لينفوا به صفات الرب تعالى، وهذا اصطلاح منهم لا يعرف في اللغة، ولا في استعمال الشارع، فلسنا نوافقهم على هذه التسمية ولا كرامة، ولئن سموا إثبات الصفات تركيبًا فنقول لهم: العبرة للمعاني لا للألفاظ، سموه ما شئتم، ولا يترتب على التسمية بدون المعنى حكم، فلو اصطلح على تسمية اللبن خمرًا لم يحرم بهذه التسمية\" (^٢).\nرابعًا: ومما يعد من دلالات أو فروع القاعدة: أن الحقائق لا تتغير بتغير الشعارات والعناوين والألقاب والانتسابات، فليس كل من انتسب إلى السُّنَّة، أو رفع شعارها صحت نسبته، وبورك شعاره، وإن كان مخالفًا للسُّنَّة، متنكرًا لها، معاديًا لأهلها أين ما كانوا، ومبغضًا لحملتها أين ما حلوا، فتسميته وانتسابه لا يغير في حقيقة أمره شيئًا.\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٣/ ١١٧ - ١١٨).\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٢٦).","vol":"2","page":1005},{"text":"ولذا يقول أبو البقاء الكفوي: \"العبرة للمعاني دون الصور والمباني\" (^١).\nخامسًا: ومما يستفاد من القاعدة: استعمالها في وزن أقوال الناس وآرائهم ونتائج عقولهم، بحيث لا يغتر بالأقوال والعبارات والألفاظ، إلا بعد تفحصها، ومعرفة حقيقتها، والوصول إلى مضمونها، وملاحظة ما تؤول إليه، وبعد ذلك تعرض على ميزان الكتاب والسُّنَّة، فما وافقهما منها قُبِلَ وإن كانت عبارته ركيكة، وألفاظه منفرة، وما خالفهما من تلك الأقوال رُدَّ وأُبعد وإن كانت ألفاظها منمقة، وأسلوبها مبهرجًا.\nيقول الشيخ السعدي: \"وأما أهل الإيمان بالآخرة، وأولو العقول الوافية، والألباب الرزينة، فإنهم لا يغترون بتلك العبارات، ولا تخلبهم تلك التمويهات، بل همتهم مصروفة إلى معرفة الحقائق، فينظرون إلى المعاني التي يدعو إليها الدعاة؛ فإن كانت حقًا قبلوها وانقادوا لها، ولو كسيت عبارات رديئة، وألفاظًا غير وافية، وإن كانت باطلًا ردوها على من قالها، كائنًا من كان، ولو أُلْبِسَت من العبارات المستحسنة ما هو أرق من الحرير\" (^٢).\nويقول أيضًا في معنى قوله تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]: \"أي: يزين بعضهم لبعض الأمر الذي يدعون إليه من الباطل، ويزخرفون له العبارات حتى يجعلوه فى أحسن صورة ليغتر به السفهاء، وينقاد له الأغبياء الذين لا يفهمون الحقائق، ولا يفقهون المعاني، بل تعجبهم الألفاظ المزخرفة، والعبارات المموهة، فيعتقدون الحق باطلًا والباطل حقًا\" (^٣).\n_________\n(^١) كتاب الكليات (ص ١٠٦٧).\n(^٢) تفسير السعدي (ص ٢٧٠).\n(^٣) تفسير السعدي (ص ٢٦٩ - ٢٧٠).","vol":"2","page":1006},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>المبحث الثالث\nقاعدة تعظيم شعائر الله هو تعظيم لله وعبادة له، فهو تابع لتعظيم الله وإجلاله</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-283> المسألة الأولى * شرح مفردات القاعدة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>أولًا: معنى التعظيم:</span>\nالتعظيم مشتق من أصل لغوي ثلاثي هو (عظم)، والعين والظاء والميم أصلٌ واحد صحيح يدلُّ على كِبَر وقُوّة، فالعِظَم: مصدر الشَّيء العظيم، تقول: عَظُمَ يَعْظُم عِظَمًا، وعَظَّمَه تَعْظِيمًا وأعْظَمَهُ: فَخَّمَهُ، وكَبَّرَهُ، فإذا عَظُم في عينيك قلت: أعْظَمْتُهُ واسْتَعْظَمْتُه، ومن الباب العَظْم، سمِّي بذلك لقوّته وشِدّته (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>ثانيًا: معنى شعائر الله:</span>\nالشعائر على وزن فَعَائِل، وأصلها من الفعل الثلاثي (شعر)، ومفردها: (شَعِيرَة) على وزن (فَعِيلة)؛ فقيل هي بمعنى (مُشْعِرَة) بصيغة\n_________\n(^١) انظر: معجم مقاييس اللغة (٤/ ٣٥٥)، والقاموس المحيط (ص ١٤٧٠).","vol":"2","page":1007},{"text":"اسم فاعل، وقيل: بمعنى مفعولة؛ أي: (مُشْعرٌ بها)، ثم إن مادة (شعر) تتضمن أصلين: أحدهما الثَبَات، والآخر عِلْم وعَلَم (^١).\nفمن الأول: (الشَّعْر) وجمعه أَشْعار والواحدة (شعرة)، ورجل أشعر: طويل شعر الجسد، ومن الثاني: قولهم شعرت بالشيء إذا علمته وفطنت له، وليت شعري؛ أي: ليتني علمت، ومنه سمي الشاعر؛ لأنه يفطن لما لا يفطن له غيره (^٢)، ومنه الشِّعار: الذي يتنادَى به القومُ في الحرب ليَعرِف بعضُهم بعضًا، ومشاعر الحج: مواضع المناسك، سميت بذلك، لأنَّها ظاهرة للحواس (^٣).\nفالشعائر إذًا كل ما جعل علمًا على شيء، أو كان علامة على أمر بحيث يكون ظاهرًا للحواس (^٤).\nوأما معنى الشعائر في الشرع فقد اختصت بعدة أمور بيَّنها أهل العلم في ثنايا كلامهم في بيان معنى الشعائر التي أمر الله بتعظيمها:\nفجاء عن ابن عباس -﵄- بأن الشعائر هي الهدي والبدن، قال وتعظيمها يكون باستحسانها، واستسمانها، وقيل: هي الجمار، وقيل: هي الصفا والمروة، وقيل: هي الركن والبيت، وقيل: الوقوف بعرفة\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة (٣/ ١٩٣).\n(^٢) سمي الشاعر شاعرًا لفطنته ودقة معرفته، فالشِّعْرُ في الأصل: اسم للعلم الدقيق، وصار في التعارف اسمًا للكلام الموزون والمقفى، وحده: ما تركب تركبًا متعاضدًا، وكان مقفى، موزونًا، مقصودًا به ذلك، فما خلا من هذه القيود أو من بعضها فلا يسمى شعرًا، ولا يسمى قائله شاعرًا؛ ولهذا ما ورد في الكتاب أو السُّنَّة موزونًا فليس بشعر؛ لعدم القصد، أو التقفية، وكذلك ما يجري على ألسنة بعض الناس من غير قصد؛ لأنه مأخوذ من شعرت إذا فطنت وعلمت، وسمي شاعرًا لفطنته وعلمه به، فإذا لم يقصده فكأنه لم يشعر به، ... [انظر: المصباح المنير (١/ ٣١٥)، والمفردات في غريب القرآن (ص ٢٦٢)].\n(^٣) انظر: المصباح المنير (١/ ٣١٥)، والمفردات في غريب القرآن (ص ٢٦٢)، ومعاني القرآن للنحاس (٢/ ٢٥٠)، ومشارق الأنوار (٢/ ٢٢٥).\n(^٤) انظر: غريب الحديث، لابن قتيبة (١/ ٢٢٠).","vol":"2","page":1008},{"text":"ومزدلفة (^١).\nوبعد أن ذكر الإمام الطبري هذه الأقوال وغيرها تعقبها بقوله: \"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن تعظيم شعائره وهي ما جعله أعلامًا لخلقه فيما تعبدهم به من مناسك حجهم؛ من الأماكن التي أمرهم بأداء ما افترض عليهم منها عندها، والأعمال التي ألزمهم عملها في حجهم من تقوى قلوبهم، لم يخصص من ذلك شيئًا فتعظيم كل ذلك من تقوى القلوب\" (^٢).\nوالناظر في كلام أهل العلم في معنى (الشعائر) يجد بعضهم قد فسرها بحسب معناها في الآية، كما جاء عن ابن عباس وغيره، ومنهم من فسرها بما هو أعم من ذلك، وقد يمثلون بشيء مما مرَّ ذكره.\nوالصحيح أن الشعائر هي كل ما أشعر الله به عباده وأعلمهم بتعظيمه وتعبدهم بذلك، فهي أعلام الدين، وشعائر الملة، أعم من كونها أعلامًا للحج، وإن كانت شعائر الحج تدخل في ذلك دخولًا أوليًا (^٣)، وفيما يأتي بعض ما وقفت عليه من أقوال أهل العلم في بيان معنى الشعائر:\nفعن عطاء: \"أنه سئل عن شعائر الله، فقال: حرمات الله، اجتناب سخط الله، واتباع طاعته، فذلك شعائر الله\" (^٤).\nوجاء عنه بأنها: \"جميع ما أمر به أو نهى عنه\" (^٥).\nوقال الإمام الطبري: \"وأما قوله: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾: فإنه يعني من معالم الله التي جعلها تعالى ذكره لعباده معلمًا ومشعرًا يعبدونه عندها؛\n_________\n(^١) انظر: تفسير الطبري (١٧/ ١٥٦)، وتفسير السمعاني (٣/ ٤٣٧).\n(^٢) تفسير الطبري (١٧/ ١٥٧)، وهذا ما رجحه في مواضع أخرى. انظر: (١٧/ ١٥٩).\n(^٣) انظر: فتح القدير (٣/ ٤٥٢).\n(^٤) تفسير الطبري (٦/ ٥٤).\n(^٥) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٢/ ١٤٦).","vol":"2","page":1009},{"text":"إما بالدعاء، وإما بالذكر، وإما بأداء ما فرض عليهم من العمل عندها\" (^١).\nوعرَّفها الرازي بقوله: \"فهي أعلام طاعته، وكل شيء جعل علمًا من أعلام طاعة الله فهو من شعائر الله\" (^٢).\nوقال الجصَّاص في معنى الشعائر: \"الشعائر: هي معالم للطاعات والقرب\" (^٣).\nوقال الزجاج في بيان معنى الشعائر: \" يعْنِي بها جَميعَ مُتَعَبَّداتِه التي أَشْعَرَها الله: أَي جَعَلَها أَعلامًا لنا، وهي كلُّ ما كان من مَوْقفٍ، أَو مَسْعًى، أَو ذَبْحٍ، وإِنّما قيل شَعائِرُ لكُلّ عَلَمٍ ممّا تُعَبِّدَ به؛ لأنّ قَوْلَهُمْ شَعَرْتُ به: عَلِمْتُه، فلهذا سُمِّيَتِ الأَعلامُ التي هي مُتَعَبَّداتُ اللّهِ تعالى شَعَائِرَ\" (^٤).\nويقول العلامة عبد الرحمن السعدي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]: \"يخبر تعالى أن الصفا والمروة وهما معروفان: من شعائر الله: أي: أعلام دينه الظاهرة التي تعبَّد الله بها عباده\" (^٥).\nويقول الشيخ ابن عاشور في تفسير معنى الشعائر: \"والشعائر: جمع شعيرة، وهي أمكنة، وأزمنة، وذوات؛ فالصفا والمروة، والمشعر الحرام: من الأمكنة، والشهر الحرام: من الشعائر الزمانية، والهدي والقلائد: من الشعائر الذوات\" (^٦).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢/ ٤٤)، وانظر: تفسير القرطبي (٢/ ١٨٠)، و(١٢/ ٥٦).\n(^٢) التفسير الكبير (٤/ ١٤٣)، وانظر: تفسير ابن زمنين (١/ ١٩٠).\n(^٣) أحكام القرآن، للجصاص (١/ ١٢١).\n(^٤) تاج العروس (١٢/ ١٩١)، وتهذيب اللغة للأزهري (١/ ٢٦٧).\n(^٥) تفسير السعدي (ص ٧٦).\n(^٦) انظر: التحرير والتنوير (٦/ ٨١ - ٨٢).","vol":"2","page":1010},{"text":"ويقول الشيخ العثيمين: \"والشعائر: جمع شعيرة؛ وهي التي تكون عَلَمًا في الدين؛ يعني: من معالم الدين الظاهرة؛ لأن العبادات منها خفية: بَيْن الإنسان وربه؛ ومنها أشياء عَلَم ظاهر بيِّن، وهي الشعائر\" (^١).\nويقول الشيخ أحمد شاه الدهلوي: \"وأعني بالشعائر: أمورًا ظاهرة محسوسة، جعلت ليعبد الله بها، واختصت به حتى صار تعظيمها عندهم تعظيمًا لله، والتفريط في جنبها تفريطًا في جنب الله، وركز ذلك في صميم قلوبهم، لا يخرج منه إلا أن تقطع قلوبهم\" (^٢).\nويظهر مما سبق أن الشعائر عامة في كل ما أشعر الله ﵎ به عباده، وبين لهم مكانته وأهميته وشرفه، وتعبدهم بكل ذلك، وأنها مشتملة على أمكنة وأزمنة وذوات وأقوال وأفعال.\nولذا يقول الشيخ السعدي في قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦]: \"هذا دليل على أن الشعائر عام في جميع أعلام الدين الظاهرة\" (^٣).\nويقول الشيخ الدهلوي أيضًا: \"وإنما ينبغي أن يجعل من الشعائر: ما كثر وجوده، وتكرر وقوعه، وكان ظاهرًا، وفيه فوائد جمة، تقبله\n_________\n(^١) تفسير القرآن الكريم للعثيمين، سورة البقرة (٢/ ١٨٤)، وإنما أضيفت الشعائر إلى الله؛ لأنه هو الذي أشعرها وشرعها، وأثبتها، وجعلها طريقًا موصولًا إليه، إذ التعظيم من حيث هو تعظيم لا يمدح ولا يذم إلا باعتبار متعلقه، فإذا كان تعظيمًا لله، وكتابه، ودينه، ورسوله، كان خيرًا محضًا، وإن كان تعظيمًا للصنم، وللشيطان، فإضافته إلى هذا المحل جعلته شرًا، كما أن إضافة السجود إلى غير الله جعلته كذلك. [انظر: شفاء العليل (ص ١٨٢)].\n(^٢) حجة الله البالغة (ص ١٤٥).\n(^٣) تفسير السعدي (ص ٥٣٨)، ومثل الشعائر في ذلك الحرمات، ولذا عرفها الإمام ابن القيم بالعموم بعد أن ذكر عدة أقوال للسلف فيها فقال: \"والصواب أن (الحرمات) تعم هذا كله، وهي جمع حرمة، وهي ما يجب احترامه وحفظه من الحقوق، والأشخاص، والأزمنة، والأماكن، فتعظيمها: توفيتها حقها، وحفظها من الإضاعة\". [مدارج السالكين (٢/ ٧٤)].","vol":"2","page":1011},{"text":"أذهان الناس أشد القبول\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-286> المسألة الثانية * بيان معنى القاعدة</span>\nلا يخفى على المتأمِّل في حال الأمم، وسائر الأديان اهتمامهم بأمر الشعائر، -سواء كانت مما أنزله الله إليهم أو اخترعوه بأنفسهم- فهي التي تميّزهم عن غيرهم، إذ كل ديانة من الديانات إنما تعرف وتتميّز بما لها من الشعائر الخاصة بها، بل إن مبنى الشرائع على تعظيم شعائر الله تعالى، والتقرب بها إليه تعالى (^٢).\nوالقاعدة أشارت إلى أن تعظيم شعائر الله، وإجلالها، ومحبتها من العبادات القلبية العظيمة التي تستتبع أعمال الجوارح، فهذا التعظيم لهذه الشعائر من الأمور التي يتقرب بها العبد إلى ربه ﷾، ويرجو بسببها رحمة الله وجنته، كما أشارت القاعدة إلى أن هذا التعظيم لشعائر الله هو فرع عن تعظيم الله تعالى، فتعظيم الله تعالى هو الأصل الذي يَنْتُجُ عنه تعظيم جميع ما أشعر الله بتعظيمه وأخبر عباده بمكانته ومنزلته، إذ تعظيم المأمور به وتبجيله يلزم منه تعظيم الآمر به.\nوالقاعدة دلت على أن تعظيم الشعائر عبادة لله تعالى، وعليه فيكون تعظيمها بإجلالها بالقلب ومحبتها، وتكميلها وتحسينها، وباعتقاد أن التقرب بها من أجل القربات، وأعظم الطاعات (^٣).\nيقول الإمام ابن القيم: \"وروح العبادة: هو الإجلال والمحبة، فإذا تخلى أحدهما عن الآخر فسدت\" (^٤).\n_________\n(^١) حجة الله البالغة (ص ٣٨٥).\n(^٢) حجة الله البالغة (ص ١٤٥ - ١٤٦)، وانظر كذا: (ص ٣٤٦).\n(^٣) انظر: تفسير أبي السعود (٦/ ١٠٦).\n(^٤) مدارج السالكين (٢/ ٤٩٥).","vol":"2","page":1012},{"text":"ومن أعظم شعائر الدين وأركان الملة كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، إذ هي الفارقة بين أهل الإسلام وعبدة الأوثان، وهي شعار الدين ودِثاره، وأوله وآخره، فلا يستقيم دين، ولا تصح ملة بدون تعظيمها وإجلالها ومحبتها وإقامتها.\nيقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: \"ومن عرف ما جاء به الشيخ ودعا إليه؛ من توحيد الله تعالى، وإفراده بالعبادة، والبراءة من كل معبود سواه، وعرف أن هذا أصل الأصول، وأكبر القواعد، وأظهر الشعائر، وأن القرآن من أوله إلى آخره دال عليه، آمر به، مقرر له، محتج عليه، مبين له\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-287> المسألة الثالثة * أدلة القاعدة</span>\nيمكن الاستدلال لهذه القاعدة بما يلي:\nأولًا: قوله ﷾: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢]، ووجه دلالة الآية: أن الله تعالى جعل تعظيم الشعائر ناتجًا عن التقوى، ومن المعلوم أن تقواه سبحانه واجبة على جميع الخلق، وكل ما كان سببًا للتقوى، أو مسببًا عنها كان مما يحبه الله تعالى ويرضى عنه، فإن تقوى الله لا تصدر إلا عن عبادة لله وتقواه، ولا يصدر عن التقوى إلا عبادة وتقوى، فظهر كون تعظيم الشعائر من العبادات التي يحبها الله ومن أعمال القلوب العظيمة المستتبعة لأعمال الجوارح (^٢).\nثانيًا: إن شعائر الله تعالى هي ما أشعر الله عباده بها، وأظهر أهميتها ومكانتها، وبيَّن فضلها وعظمتها، وما يترتب عليها من الرحمة والرضوان، والثواب والإحسان، فهو الذي أمر بتعظيمها في كتابه\n_________\n(^١) مصباح الظلام (ص ٣١٣).\n(^٢) تبيين الحقائق (٢/ ٩١).","vol":"2","page":1013},{"text":"العزيز، وعلى لسان رسوله -ﷺ- في سنته المطهرة، ولا شك أن تعظيم المأمور به يلزم منه تعظيم الآمر، فتعظيم شعائر الله هي أكبر دليل وأجلى برهان على عظمة وجلال من أمر بتعظيمها وإجلالها.\nيقول الإمام ابن القيم: \"فلا يتم الإيمان إلا بتعظيمه ﷾، ولا يتم تعظيمه إلا بتعظيم أمره ونهيه، فعلى قدر تعظيم العبد لله سبحانه يكون تعظيمه لأمره ونهيه، وتعظيم الأمر دليل على تعظيم الآمر\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-288> المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nلقد قرر أهل العلم هذه القاعدة، وعبروا عنها بعبارات عديدة، وفيما يأتي بعض ما وقفت عليه من ذلك:\nيقول الشيخ السعدي: \"فتعظيم شعائر الله صادر من تقوى القلوب، فالمعظم لها يبرهن على تقواه، وصحة إيمانه، لأن تعظيمها تابع لتعظيم الله وإجلاله\" (^٢).\nوقال الشيخ الدهلوي: \"المصالح المرعية في الحج أمور: منها تعظيم البيت، فإنه من شعائر الله، وتعظيمه هو تعظيم الله تعالى \" (^٣).\nولقد قرر بعض أهل العلم أن جميع العبادات المتعلقة بالخلق؛ من المحبة والطاعة، والتعظيم فإن أصلها محبة الله وطاعته وتعظيمه وهي تابعة لهذا الأصل ولهذا يقول الإمام ابن القيم ﵀ في مسألة المحبة: \"فإن تعظيم الرسول، وإجلاله، ومحبته، وطاعته، تابع لتعظيم مرسله سبحانه، وإجلاله، ومحبته، وطاعته، فمحال أن تثبت المحبة، والطاعة، والتعظيم، والإجلال للرسول -ﷺ- دون مرسله، بل إنما يثبت ذلك له تبعًا\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة (٤/ ١٥٦١).\n(^٢) تفسير السعدي (ص ٥٣٨).\n(^٣) حجة الله البالغة (ص ٥٣٥).","vol":"2","page":1014},{"text":"لمحبة الله، وتعظيمه، وإجلاله، ولهذا كانت طاعة الرسول طاعة لله، ومحبته محبة لله، وتعظيمه تعظيم لله، ونصرته نصرة لله؛ فإنه رسوله، وعبده الداعي إليه، وإلى طاعته، ومحبته وإجلاله، وتعظيمه، وعبادته وحده لا شريك له\" (^١).\nويقول ﵀ أيضًا في شرحه لكلام الهروي: \"الثاني: تعظيم الخدمة وإجلالها، وذلك تبع لتعظيم المعبود، وإجلاله، ووقاره، فعلى قدر تعظيمه في قلب العبد، وإجلاله، ووقاره، يكون تعظيمه لخدمته، وإجلاله لها، ورعايته لها\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-289> المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nلهذه القاعدة العظيمة العديد من الفوائد، أذكر فيما يأتي بعض ما ظهر لي من ذلك:\nأولًا: إن تعظيم العبد لشعائر الله تعالى ليس هو في مرتبة تعظيمه لربه سبحانه؛ إذ تعظيم الرب هو الأصل والمؤثر الذي ينتج عنه تعظيم الشعائر، بل العلاقة بين التعظيمين علاقة طردية عكسية؛ فكلما زاد تعظيم الرب وتقواه في القلب زاد تعظيمه لشعائره، كما أن تعظيم الشعائر -بتكميلها والمحافظة عليها- مما يزيد في تقوى القلوب، ويكبر به تعظيم الرب في قلب العبد، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١].\nوقد بيَّن الشيخ السعدي التعظيم الخاص بالرب تعالى بقوله: \"من معاني عظمته تعالى: أنه لا يستحق أحد من الخلق أن يُعَظَّم كما\n_________\n(^١) جلاء الأفهام (ص ٣٩٥ - ٣٩٦) بتصرف.\n(^٢) مدارج السالكين (٢/ ٥١٠).","vol":"2","page":1015},{"text":"يُعَظَّم الله، فيستحق ﷻ من عباده أن يعظموه بقلوبهم، وألسنتهم، وجوارحهم، وذلك ببذل الجهد في معرفته، ومحبته، والذل له، والانكسار له، والخضوع لكبريائه، والخوف منه، وإعمال اللسان بالثناء عليه، وقيام الجوارح بشكره وعبوديته، ومن تعظيمه أن يتقى حق تقاته؛ فيطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، ومن تعظيمه تعظيم ما حرمه وشرعه من زمان ومكان وأعمال ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢]، و﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠]، ومن تعظيمه أن لا يُعْتَرض على شيء مما خلقه أو شرعه \" (^١).\nثانيًا: تعظيم الشعائر يتضمن أمرين: تعظيم هو من عمل القلب، وهو الأصل، وتعظيم تابع لذلك، وهو الظاهر على الجوارح -من إحسان العمل وتكميله وإتقانه- وهذا فرع عن تعظيم القلب، وبذلك يظهر لنا أن أعمال القلوب هي الأصل لأعمال الجوارح، فإذا ثبت في القلب التعظيم، تبعته الجوارح في ذلك ولا بد، وهذا أمر مطرد، لكنه قد لا ينعكس؛ إذ يمكن أن يظهر على الجوارح من الأفعال الدالة على التعظيم والتوقير ما يكون القلب خاليًا منه (^٢).\nويقول الإمام ابن تيمية: \"فالمقصود تقوى القلوب لله، وهو عبادتها له وحده دون ما سواه، بغاية العبودية له، والعبودية فيها: غاية المحبة، وغاية الذل، والإخلاص، وهذه ملة إبراهيم الخليل، وهذا كله مما يبين\n_________\n(^١) تفسير أسماء الله الحسنى، للشيخ عبد الرحمن السعدي، جمع ودراسة وتحقيق: عبيد بن علي العبيد، ضمن مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية (عدد: ١١٢)، (ص ٢١٧ - ٢١٨).\n(^٢) ولذا قرَّر أهل العلم -﵏- استحالة انتفاء انقياد الجوارح بالأعمال الظاهرة مع ثبوت عمل القلب. ويقول الشيخ حافظ الحكمي: \"ومحال أن ينتفي انقياد الجوارح بالأعمال الظاهرة مع ثبوت علم القلب\". [معارج القبول (٢/ ٥٩٤)].","vol":"2","page":1016},{"text":"أن عبادة القلوب هي الأصل كما قال النبي -ﷺ-: \"إنَّ في الجسد مُضغَة إذا صَلَحَت صَلَحَ الجَسدُ كُلُّهُ وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ألا وهْيَ القَلبُ\" (^١) \" (^٢).\nويقول ابن العربي في معنى كون تعظيم الشعائر من تقوى القلوب: \"يريد: فإن حالة التعظيم إذا كست العبد باطنًا وظاهرًا، فأصله تقاة القلب بصلاح السر، وإخلاص النية؛ وذلك لأن التعظيم فعل من أفعال القلب، وهو الأصل لتعظيم الجوارح بالأفعال\" (^٣).\nويقول ابن عاشور في تعليل إضافة التقوى إلى القلوب من قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢]: \" وإضافة (تقوى) إلى (القلوب)؛ لأنّ تعظيم الشعائر اعتقاد قلبي ينشأ عنه العمل\" (^٤).\nثالثًا: إن التحقير والاستهانة والاستهزاء بالله تعالى أو برسوله أو بدين الإسلام كفر مخرج عن ملة الإسلام كما سبق تقرير.\nيقول الشيخ السعدي: \"فإن الاستهزاء بالله ورسوله كفر مخرج عن الدين؛ لأن أصل الدين مبني على تعظم الله، وتعظيم دينه، ورسله، والاستهزاء بشيء من ذلك مناف لهذا الأصل، ومناقض له أشد المناقضة\" (^٥).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٨٥).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: فضل من استبرأ لدينه (١/ ٢٨)، برقم (٥٢)، ومسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب: أخذ الحلال وترك الشبهات (٣/ ١٢١٩)، برقم (١٥٩٩)، ولفظه: \"ألا وإنّ في الجسد مضغة\".\n(^٣) أحكام القرآن، لابن العربي (٣/ ٢٨٨)، ولذا يقول الرازي: \"وإنما ذكرت القلوب؛ لأن المنافق قد يزهر التقوى من نفسه، ولكن لما كان قلبه خاليًا عنها لا جرم، لا يكون مجدًا في أداء الطاعات، أما المخلص الذي تكون التقوى متمكنة في قلبه فإنه يبالغ في أداء الطاعات على سبيل الإخلاص\". [التفسير الكبير (٢٣/ ٢٩)].\n(^٤) التحرير والتنوير، لابن عاشور (١٧/ ٢٥٧).\n(^٥) تفسير السعدي (ص ٣٤٢ - ٣٤٣).","vol":"2","page":1017},{"text":"أما التحقير والاستهانة بشعيرة من شعائر الرب ﵎ ففيه تفصيل؛ فإن كان قاصدًا في احتقاره واستهانته لذات الشعيرة نفسها فلا شك أن هذا العمل من أعظم الذنوب، وأقبح المعاصي التي يستحق صاحبها شديد العذاب وأليم العقاب.\nوأما إن كان قصده الاستهانة بها وبالله تعالى الذي شرعها وأشعر بها عباده فلا شك في كفر من تلبس بهذه النية وهذا العمل، وهذا من أكبر البراهين على خلو القلب من تعظيم الله وتوقيره، إذ المُعَظِّم لله والمُبَجِّل له لا يستهزئ بما عظمه ربه وبجله، بل الواجب أن يكون معظمًا له غاية التعظيم والتبجيل.\nيقول الحافظ ابن حجر: \"اِنْتَهَاك حُرْمَة الحَرَم بِالْمَعْصيَةِ تَسْتَلزِم اِنْتَهَاك حُرمَة الله لِأَنَّ تَعْظِيم الْحَرَم مِنْ تَعْظِيم الله، فَصارَتْ الْمَعْصيَة فِي الْحَرَم أَشَدَّ مِنْ الْمَعْصِيَة فِي غَيْرِهِ، وَإِنْ اِشْتَرَكَ الْجَمِيع فِي تَرْكِ تَعْظِيم الله تَعَالى، نَعَمْ مَنْ هَمَّ بِالْمَعْصِيَةِ قَاصِدًا الِاسْتِخْفاف بِالْحَرَمِ عَصى، وَمَنْ هَمَّ بِمَعصِيَة الله قَاصِدًا الِاستِخْفَاف بِاللّهِ كَفَرَ، وَإِنَّمَا الْمَعْفُوّ عَنْهُ مَنْ هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ ذَاهِلًا عَنْ قَصْد الِاسْتِخْفافَ، وَهَذَا تَفْصِيل جَيِّد\" (^١).\nرابعًا: إن تعظيم شعائر الله لا بد أن يكون بالطريقة الشرعية، وبالكيفية التي جاء بها كتاب الله وسُنة رسوله - ﷺ - وعلى نهج أصحابه وسلف الأمة، فلا يكون تعظيم الشعائر بآراء الناس وأذواقهم، وما تستحسنه عقولهم، بل ذلك كله إلى الشرع، فلا يُعَظِّم إلا ما عظَّمه الشرع، وبالكيفية التي جاء بها.\nيقول ابن عبد الهادي في معرض مناقشته لأهل التعظيم البدعي: \"أتوجبون كل تعظيم للرسول -ﷺ-، أو نوعًا خاصًا من التعظيم، فإن\n_________\n(^١) فتح الباري (١١/ ٣٢٨).","vol":"2","page":1018},{"text":"أوجبتم كل تعظيم لزمكم أن توجبوا السجود لقبره، وتقبيله، واستلامه، والطواف به؛ لأنه من تعظيمه، وقد أنكر -ﷺ- على من عَظَّمَه بما لم يأذن به كتعظيم من سجد له، ... فمن عَظَّمَه بما لايحب فإنما أتى بضد التعظيم\" (^١).\nويقول ابن الحاج: \"لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ مُتَلَقَّاةٌ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ - صَلَوَاتُ اللّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ - وَقَدْ بَيَّنَ - ﵊ - مَا تَفْعَلُهُ أُمَّتُهُ فِي كُلِّ زَمَانٍ وأَوَانٍ، وَأَيْضًا فَيَسَعُنَا فِيهَا مَا وَسِعَ السَّلَفَ إنْ كُنَّا صَالِحينَ؛ لِأنَّ تَعْظِيمُ الشَّعَائِرِ وَاحْتِرَامَها عَنْهُم يُؤْخَذُ وَمِنْهُمْ يُتَلَقَّى، لَا بِمَا سَوَّلَتْ لَنَا أَنْفُسُنَا، وَمَضتْ عَلَيْهَا عَادَتُنَا؛ لِأَنَّ الْحَكَمَ الشَّرْعُ الشَّرِيفُ، فَهُوَ الَّذِي يُتَّبَعُ لَا الْعَوَائِدُ، أَعَاذَنَا اللهُ مِنْ بَلَائِهِ بِمَنِّهِ\" (^٢).\nويقول ﵀ أيضًا في معرض مناقشته لبعض أهل العلم في مسألة القام للقادم: \"وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ﵀ (^٣) مُسَلَّمٌ لَا يُنَازَعُ فِيهِ، إِلَّا أَنَّ تَعْظِيمَ الْحُرَمَاتِ وَالشَّعَائِرِ قَدْ عُرِفَتْ مِنْ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَيْسَ لِلْقِيَامِ فِيهَا مَجَالٌ\" (^٤).\nولا يكفي في ذلك كون نية الشخص صالحة، وأنه أراد بهذا العمل تعظيم الله تعالى؛ لأن التعظيم إذا لم يكن أصله شرعيًا، موافقًا للكتاب والسُّنَّة انقلب إلى تنقيص وتحقير، ولا مجال للنية الصالحة مع المخالفة (^٥).\nخامسًا: إن القطع بكون هذا المكان، أو الزمان من شعائر الله لا بد فيه من دليل شرعي يثبت ذلك، بحيث يكون علمًا ظاهرًا للحواس،\n_________\n(^١) الصارم المنكي في الرد على السبكي (ص ٤٤٧).\n(^٢) المدخل، لابن الحاج (٤/ ٢٥٠ - ٢٥١).\n(^٣) المقصود هنا هو أبو الوليد الباجي.\n(^٤) المدخل، لابن الحاج (١/ ١٨١).\n(^٥) تيسير العزيز الحميد (ص ٢٢٠).","vol":"2","page":1019},{"text":"مشتهرًا بين الناس، تَعَبَّدَ الله به عباده، وأمرهم بتعظيمه، وعليه فلا مجال للآراء والأذواق في اختيار الأمكنة والأزمنة، وتخصيصها بالعبادة، وإشهار ذلك، وجعلها من شعائر الله، بل مرجع ذلك إلى الشرع الحكيم، فما جعله الله من الشعائر، وأشهره وأظهره، وأذن بتعظيمه كان تعظيمه من تعظيم شعائر الله.\nيقول الشيخ حافظ الحكمي: \" (كمن يَلُذ ببقعة): أي: يعوذ بها، ويختلف إليها، ويتبرك بها، ولو بعبادة الله تعالى عندها، وتقدم تقييد ذلك بما لم يأذن به الله، فيخرج بهذا القيد ما أذن الله تعالى بتعظيمه؛ كتعظيم بيته الحرام بالحج إليه، وتعظيم شعائر الله من المشاعر، والمواقف، وغيرها، فإن ذلك تعظيم لله ﷿ الذي أمر بذلك لا لتلك البقعة ذاتها (^١) ... وكذلك التعظيم أيضًا نفسه إنما أردنا منع تعظيم لم يأذن الله به، لا المأذون فيه\" (^٢).\nسادسًا: إن تعظيم شعائر الله من الأماكن، والأزمان، والأشخاص، والأعلام هو تعظيم لله، وتعظيم لذات هذه الشعائر؛ وذلك لما تميّزت به عن غيرها، نعم الباعث على هذا التعظيم هو اصطفاء الله تعالى لها دون غيرها، فهو المخصص لها، والآمر عباده بتعظيمها، فحقيقة التعظيم راجعة إليه أصلًا ومآلًا، ولذات الشعائر نصيب من التعظيم تبعًا.\nلكن يبقى أن يقال -كما سبق تقريره-: إن الكيفية التي تُعَظَّم بها شعائر الله تعالى، وأعلام دينه، يجب أن تكون مطابقة وموافقة للطريقة التي كان عليها -أعظم البشرية تعظيمًا لشعائر ربه- رسول الله -ﷺ-، ثم صحابته الكرام الذين ساروا على دربه، ورضي الله عنهم بذلك.\n_________\n(^١) معارج القبول (٢/ ٥١٣).\n(^٢) الظاهر أن التعظيم يتعلق بذات الشعيرة أيضًا، كما سيأتي توضيح ذلك.","vol":"2","page":1020},{"text":"يقول الإمام ابن القيم: \"فليس كل محل يصلح لشكره، واحتمال منته، والتخصيص بكرامته. فذوات ما اختاره واصطفاه من الأعيان والأماكن والأشخاص، وغيرها مشتملة على صفات وأمور قائمة بها ليست لغيرها، ولأجلها اصفطاها الله، وهو سبحانه الذي فضلها بتلك الصفات، وخصها بالاختيار، فهذا خلقه، وهذا اختياره ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨]، وما أَبْيَنَ بطلان رأي يقضي بأن مكان البيت الحرام مساوٍ لسائر الأمكنة، وذات الحجر الأسود مساوية لسائر حجارة الأرض، وذات رسول الله - ﷺ - مساوية لذات غيره، وإنما التفضيل في ذلك بأمور خارجة عن الذات والصفات القائمة بها، وهذه الأقاويل وأمثالها من الجنايات التي جناها المتكلمون على الشريعة، ونسبوها إليها\" (^١).\nويقول أيضًا: \"والتفاوت البَيِّن بين الأَمكنة الشريفة وأضدادها، والذوات الفاضلة وأضدادها أعظم من هذا التفاوت بكثير؛ فبين ذات موسى ﵇ وذات فرعون من التفاوت أعظم مما بين المسك والرجيع، وكذلك التفاوت بين نفس الكعبة وبين بيت السلطان أعظم من هذا التفاوت أيضًا بكثير، فكيف تجعل البقعتان سواء في الحقيقة، والتفضيل باعتبار ما يقع هناك من العبادات والأذكار والدعوات.\nولم نقصد استيفاء الرد على هذا المذهب المردود المرذول، وإنما قصدنا تصويره، وإلى اللبيب العادل العاقل التحاكم، ولا يعبأ الله وعباده بغيره شيئًا، والله سبحانه لا يخصص شيئًا، ولا يفضله ويرجحه، إلا لمعنى يقتضي تخصيصه وتفضيله، نعم هو معطي ذلك المرجح وواهبه، فهو الذي خلقه ثم اختاره بعد خلقه، وربك يخلق ما يشاء ويختار\" (^٢).\n_________\n(^١) زاد المعاد في هدي خير العباد (١/ ٥٣).\n(^٢) زاد المعاد (١/ ٥٣ - ٥٤).","vol":"2","page":1021},{"text":"سابعًا: إن من تعظيم شَعَائِر الله وإجلالها أن لا تجتمع مع شعائر الشرك والكفر، بل الواجب إزالة ومحو جميع شَعَائِر الكفر والشرك؛ إذ في بقائها وإقرارها تعظيم لها، ورفع من شأنها، وتحقير لشعائر الله وإهانة لها، وذلك يستلزم الاستهانة بالله تعالى وبأمره (^١).\nيقول الإمام ابن القيم في معرض ذكره للفوائد المستفادة من غزوة الطائف: \"ومنها أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يومًا واحدًا؛ فإنها شعائر الكفر والشرك، وهي أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة، وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور، التي اتخذت أوثانًا وطواغيت تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتعظيم، والتبرك، والنذر، والتقبيل، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، أو أعظم شركًا عندها وبها، والله المستعان\" (^٢).\nويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: \"فعلم بذلك أن بناءها -أي: المساجد على القبور- لا يجوز مطلقًا، وما ذلك إلا لكونها من أعظم وسائل الشرك، ومن أظهر أعلامه وشعائره، وهي سنة اليهود والنصارى التي نُهِينَا عن اتِّبَاعِهَا، وَحُذِّرْنَا من سُلُوكِهَا\" (^٣).\nوقال الإمام ابن تيمية في شأن شَعَائِر أهل الكتاب: \"فهذا من شَعائِر الكفر التي نحن مأمورون بإزالتها، والمنع منها في ديار الإسلام،\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٢٥/ ٣٣٠)، و(٢٨/ ٦٥٥)، والبحر الرائق (٨/ ٣٣٠)، وبدائع الصنائع للكاساني (٧/ ١١٣)، وأسنى المتاجر للونشرسي (ص ٥٩).\n(^٢) زاد المعاد في هدي خير العباد (٣/ ٥٠٦)، وانظر: الدرر السنية (١١/ ٩٩ - ١٠٠)، والانتصار لحزب الله الموحدين، تأليف: عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز أبابطين (ص ٦٨).\n(^٣) فتاوى الشيخ ابن باز (١/ ٣٩٦).","vol":"2","page":1022},{"text":"فلا يجوز إعانتهم عليها\" (^١).\nويقول ابن القيم فيما يحرم على أهل الذمة إظهاره: \"لما كان الصليب من شَعَائِرِ الكفر الظاهرة كانوا ممنوعين من إظهاره\" (^٢).\nومما ينبغي أن يعلم أنه لا بأس من إقامة شَعَائِر الإسلام في نفس المكان الذي كانت فيه شعائر الكفر والشرك، وذلك بعد محوها وإزالتها، فيصبح المكان شعيرةً من شعائر الله، وبيتًا من بيوته، بعد أن كان معلمًا من معالم الكفر والشرك، كما فعل النبي - ﷺ - في بناء مسجده بعد أن أزال مقابر المشركين، وكما أمر ببناء مسجد الطائف في مكان اللات والعزى (^٣).\nيقول الإمام ابن القيم: \"قصد النبي - ﷺ - إظهار شَعَائِرِ الإسلام في المكان الذي أظهروا فيه شعائر الكفر، والعداوة لله ورسوله، وهذه كانت عادته - صلوات الله وسلامه عليه - أن يقيم شعار التوحيد في مواضع شعائر الكفر والشرك، كما أمر النبي - ﷺ - أن يبنى مسجد الطائف موضع اللات والعزى \" (^٤).\nولا تعارض بين فعله هذا، وبين قوله - ﷺ - للرجل الذي قال له: (إني نذرت أن أنحر إبلًا ببوانة، فقال النبي - ﷺ -: \" هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد \"، قالوا: لا، قال: \"هل كان فيها عيد من أعيادهم\"،\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط (ص ٢٥٠).\n(^٢) أحكام أهل الذمة (٣/ ١٢٤٠).\n(^٣) يقول الحافظ ابن حجر: \" إن الوعيد على ذلك يتناول من اتخذ قبورهم مساجد تعظيمًا ومغالاةً، كما صنع أهل الجاهلية، وجرهم ذلك إلى عبادتهم، ويتناول من اتخذ أمكنة قبورهم مساجد بأن تنبش، وترمى عظامهم، فهذا يختص بالأنبياء، ويلتحق بهم أتباعهم، وأما الكفرة فإنه لا حرج في نبش قبورهم؛ إذ لا حرج في إهانتهم، ولا يلزم من اتخاذ المساجد في أمكنتها تعظيم، فعرف بذلك أن لا تعارض بين فعله - ﷺ - في نبش قبور المشركين، واتخاذ مسجده مكانها وبين لعنه - ﷺ - من اتخذ قبور الأنبياء مساجد لما تبين من الفرق\". [فتح الباري (١/ ٥٢٤)].\n(^٤) زاد المعاد (٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥).","vol":"2","page":1023},{"text":"قالوا: لا، قال رسول الله -ﷺ-: \" أوف بنذرك؛ فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم\") (^١).\nفإن هذا الحديث قد دلَّ على أن الذبح بموضع كان فيه وثن يعبد، أو فيه عيد من أعياد الجاهلية معصية لله تعالى لا يجوز بحال (^٢)؛ لكن المقصود المنع من ذلك مع بقاء معالم ذاك المكان، وكونه معلمًا من معالم الكفر، وشعيرة من شَعائِر الشرك، أما إذا تحوَّلت معالمه، وصار من شَعَائِر الله تعالى، وأُزيلت عنه معالم الشرك، وشعائر الكفر زال عنه المنع، وتغير الحكم، وأبيحت فيه سائر العبادات المشروعة في مثله، فإذا كان الموضع فيه صنم يعبد، أو فيه عيد من أعياد أهل الشرك، ثم أزيلت وبني في مكانه مسجد للمسلمين، جازت فيه الصلاة، والذكر، وقراءة القرآن، والوفاء بالنذور الجائزة في مثله.\nثامنًا: كل ما كان من شَعَائِر الله المكانية أو الزمانية فلا بد فيه من عبادة الله تعالى ترتبط به، ولا تنفك عنه، ولا يكمل تعظيمها بدون القيام بهذه العبادة، إضافة إلى التعظيم القلبي الذي هو أصل تعظيم جميع الشعائر، وذلك يختلف باختلاف درجة تلك العبادة من حيث الوجوب، أو الاستحباب.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وكل ما كان من شَعَائِر الله فلا بد من نسك واجب بهما، كسائر الشعائر؛ من عرفة، ومزدلفة، ومنى، والبيت؛\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في سننه (٣/ ٢٣٨)، برقم (٣٣١٣)، وغيره، وصَحَّحَ الحافظ ابن حجر إسناده، وكذا ابن الملقن، والإمام النووي، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \" أصل هذا الحديث في \"الصحيحين\"، وهذا الإسناد على شرط الصحيحين، وإسناده كلهم ثقات مشاهير، وهو متصل بلا عنعنة\". انظر: [تلخيص الحبير (٤/ ١٨٠)، والمجموع (٨/ ٣٥٨)، وخلاصة البدر المنير، لابن الملقن (٢/ ٤٢٢)، واقتضاء الصراط المستقيم (ص ١٨٦)، وتيسير العزيز الحميد (ص ١٥٦)].\n(^٢) وذلك لأن فعل العبادة في أماكن شَعَائِر الشرك يعتبر تعظيمًا لغير ما عظم الله، يشبه تعظيم الكفار للأصنام، فحرم كتعظيم الأصنام. [انظر: المغني، لابن قدامة (١٠/ ٧٩)].","vol":"2","page":1024},{"text":"فإن هذه الأمكنة جعلها الله يذكر فيها اسمه، ويتعبد فيها له، وينسك، حتى صارت أعلامًا، وفرض على الخلق قصدها، وإتيانها، فلا يجوز أن يجعل المكان شَعِيرَة لله، وعلمًا له، ويكون الخلق مخيرين بين قصده، والإعراض عنه؛ لأن الإعراض عنه مخالف لتعظيمه، وتعظيم الشعائر واجب، لقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، والتقوى واجبة على الخلق، وقد أمر الله بها، ووصى بها في غير موضع، وذم من لا يتقي الله، ومن استغنى عن تقواه توعده، ولذا كان ترك الحج بالكلية ترك لتعظيم الأماكن، التي شَرَّفَهَا الله، وترك تعظيمها من فجور القلوب بمفهوم الآية\" (^١).\n_________\n(^١) شرح العمدة (٣/ ٦٢٧).","vol":"2","page":1025},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>الفصل الرابع\nالقواعد المتعلقة بإبطال الشرك وحقيقة المشركين</span>\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: قاعدة: المشركون ما قصدوا من\nمعبوداتهم إلا القربة والشفاعة ...\nالمبحث الثاني: قاعدة: الأصنام الجمادية لم تعبد لذاتها،\nوإنما وضعت في الأصل لما كان غائبًا\nمن معبودات المشركين.\nالمبحث الثالث: قاعدة: المشركون الأولون يشركون في\nالرخاء ويخلصون في الشدة ...\nالمبحث الرابع: قاعدة: دين الحنفاء ليس فيه واسطة\nبين الله وخلقه في الربوبية والألوهية ...","vol":"2","page":1027},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>المبحث الأول\nقاعدة المشركون ما قصدوا من معبوداتهم إلا القربة والشفاعة ويقولون نريد من الله ﷿ لا منهم لكن بشفاعتهم والتقرب إلى الله بهم</span>\nوتشتمل على عدة مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-292> المسألة الأولى * بيان معنى القاعدة</span>\nأشارت القاعدة إلى مقاصد المشركين ونياتهم في توجهاتهم وعبادتهم لغير الله تعالى، وأنهم ما أرادوا من معبوداتهم إلا التسبّب والتشفّع والتقرب، ولم يدعوا لآلهتهم التصرف والاستقلال بالتأثير في شيء من الكون، وإن كان ذلك لازمًا لهم من جهة إشراكهم في توحيد العبادة كما سبق بيانه من قبل.\nفالذي أوقع المشركين في الشرك بالله تعالى هو قولهم واعتقادهم هذا، وصرفهم العبادة لغير الله ممن لا يضر ولا ينفع، قصدًا للزلفى والشفاعة، فاعتقدوا أن صرف العبادة لهذه المعبودات يجلب محبتها، ومن ثم تقرّبهم إلى الله تعالى وتشفع لهم عنده، بل جعلوا هذا من تعظيم المعبودات الذي يحبه الله تعالى ويرضى عنهم بسببه، فجعلوا تلك","vol":"2","page":1029},{"text":"المعبودات واسطة بينهم وبين الله تعالى، والحاصل أن مجرد اعتقاد أن هناك واسطة بين الله تعالى وبين عباده في شأن عباداتهم وتوجهاتهم إليه سبحانه شرخ مخرج عن الدين.\nوالمقصود أن صرف العبادة لغير الله تعالى شرك أكبر سواء اعتقد في ذلك الغير كونه إلهًا للعالم وخالقًا للكون، أو اعتقد أن عبادته تقرّبه إلى الله تعالى؛ لأن العبادة نهاية التعظيم، ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام والإكرام (^١).\nيقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"واعلم أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله -ﷺ- صفة إشراكهم أنهم يدعون الله، ويدعون معه الأصنام والصالحين، مثل عيسى وأمه والملائكة، يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وهم يقرون أن الله سبحانه هو النافع الضار المدبر كما ذكر الله عنهم\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-293> المسألة الثانية * أدلة القاعدة</span>\nالمتدبّر لكتاب الله تعالى يجد تقرير معنى القاعدة في كثير من آيات القرآن المجيد، وما ذاك إلا لعظمها وأهميتها، إذ هي من أعظم المسائل، بل هي أعظم مسألة خالف فيها رسول الله -ﷺ- مشركي العرب، واستوجبوا بذلك سفك دماءهم، واستحلال أموالهم.\nيقول الشيخ محمود شكري الألوسي في شرحه لمسائل الجاهلية للإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"المسألة الأولى: أنهم يتعبدون بإشراك الصالحين في دعاء الله تعالى وعبادته، ويرون ذلك من\n_________\n(^١) انظر: التفسير الكبير (١٤/ ١٨٢).\n(^٢) مجموعة رسائل في التوحيد والإيمان (ص ٣٩٨ - ٣٩٩).","vol":"2","page":1030},{"text":"تعظيم الصالحين الذي يحبه الله، ويريدون بذلك شفاعتهم عند الله؛ لظنهم أنهم يحبون ذلك ... وهذه أعظم مسألة خالفهم فيها رسول الله -ﷺ- فأتى بالإخلاص، وأخبرهم أنه دين الله الذي لا يقبل من أحد سواه، وأخبر أن من فعل ما يستحسنونه فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار، وهذه المسألة هي الدين كله، ولأجلها تفرق الناس بين مسلم وكافر، وعندها وقعت العداوة، ولأجلها شرع الجهاد\" (^١).\nوفيما يلي أذكر بعض الأدلة الدالة على صحة القاعدة:\nقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨].\nبيَّن الله تعالى ذكره في هذه الآية صفة عبادة المشركين، لأوثانهم، وأنهم تجاوزوا الله تعالى إلى عبادة غيره مع عبادتهم له سبحانه، فأشركوا معبوداتهم مع الله تعالى في العبادة، مع كونها لا تملك لهم ضرًّا ولا نفعًا، معتقدين وقاصدين بتلك العبادة التقرّب إلى الله تعالى، وحصول الشفاعة عنده ﷿، فأبطل سبحانه قولهم بأنه لا يعلم في السموات ولا في الأرض شفيعًا يشفع بدون إذنه ورضاه.\nيقول الإمام الطبري في تأويل الآية: \"يعني أنهم كانوا يعبدونها رجاء شفاعتها عند الله ... وكان المشركون يزعمون أنها تشفع لهم عند الله، فقال الله لنبيه -ﷺ-: قل لهم أتخبرون الله أن ما لا يشفع في السماوات ولا في الأرض يشفع لكم فيهما، وذلك باطل لا تعلم حقيقته وصحته، بل يعلم الله أن ذلك خلاف ما تقولون، وأنها لا تشفع لأحد ولا تنفع ولا تضر\" (^٢).\n_________\n(^١) مسائل الجاهلية التي خالف فيها رسول الله -ﷺ- أهل الجاهلية، للألوسي (ص ٤ - ٥).\n(^٢) تفسير الطبري (١١/ ٩٨)، وانظر: فتح القدير (٢/ ٤٣٢).","vol":"2","page":1031},{"text":"ويقول الرازي في معنى الآية: \"فاعلم أن من الناس من قال: إن أولئك الكفار توهموا أن عبادة الأصنام أشد في تعظيم الله من عبادة الله ﷾، فقالوا: ليست لنا أهلية أن نشتغل بعبادة الله تعالى، بل نحن نشتغل بعبادة هذه الأصنام وأنها تكون شفعاء لنا عند الله تعالى\" (^١).\nويقول الإمام ابن تيمية: \"وكان المشركون الذين جعلوا معه آلهة أخرى مقرين بأن آلهتهم مخلوقة، ولكنهم كانوا يتخذونهم شفعاء ويتقربون بعبادتهم إليه، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨] \" (^٢).\nويقول الشيخ السعدي في بيان معنى الآية: \"أي: يعبدونهم ليقربوهم إلى الله، ويشفعوا لهم عنده، وهذا قول من تلقاء أنفسهم، وكلام ابتكروه هم، ولهذا قال تعالى مبطلًا لهذا القول: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: الله تعالى هو العالم الذي أحاط علمًا بجميع ما في السموات والأرض، وقد أخبركم بأنه ليس له شريك ولا إله معه\" (^٣).\nثانيًا: قوله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾ [الزمر: ٣].\nدلت الآية الكريمة على أن الله تعالى لا يقبل دينًا إلا ما كان خالصًا لوجهه، وأن الذين أشركوا في عبادة الله تعالى قد اتخذوا من دونه أولياء يتولونهم بصرف العبادة لهم والتوجه إليهم، مع اعترافهم بأنهم\n_________\n(^١) التفسير الكبير (١٧/ ٤٩).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ١٥٥).\n(^٣) تفسير السعدي (ص ٣٦٠).","vol":"2","page":1032},{"text":"لم يعبدوهم إلا من أجل أن يقربوهم إلى الله زلفى، فكان عذرهم هذا هو عين الشرك بالله تعالى.\nيقول الإمام الطبري في تأويل الآية: \"لأن المشركين قالوا: ما نعبد أوثاننا هذه إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فقال الله تعالى ذكره لهم: لي ما في السماوات وما في الأرض مع السماوات والأرض ملكًا، فلا ينبغي العبادة لغيري، فلا تعبدوا الأوثان التي تزعمون أنها تقربكم مني زلفى، فإنها لا تنفعكم عندي ولا تغني عنكم شيئًا، ولا يشفع عندي أحد لأحد إلا بتخليتي إياه، والشفاعة لمن يشفع له من رسلي، وأوليائي، وأهل طاعتي\" (^١).\nويقول الإمام الشوكاني: \"فالتوحيد هو دين العالم أوله وآخره وسابقه ولاحقه ومن خالف في ذلك فجعل لله ﷿ شريكًا، وَعَبَدَ الأصنام فإنه كما أرشد إليه القرآن حكاية عنهم بقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ مقر بأنه إيمان، وإنما جعل الشريك وصلة إلى الرب سبحانه، ووسيلة إلى التقريب إليه\" (^٢).\nويقول الشيخ الشنقيطي: \"ثم لما ذكر جل وعلا إخلاص العبادة له وحده بيّن شبهة الكفار التي احتجوا بها للإشراك به تعالى في قوله تعالى هنا: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، فبين أنهم يزعمون أنهم ما عبدوا الأصنام إلا لأجل أن تقربهم من الله زلفى، والزلفى القرابة\" (^٣).\nثالثًا: قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾ [الأحقاف: ٢٨].\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٣/ ٨).\n(^٢) إرشادات الثقات إلى اتفاق الشرائع (ص ٥).\n(^٣) أضواء البيان (٦/ ٣٥٢).","vol":"2","page":1033},{"text":"يقول الإمام السمعاني: \"وقوله: ﴿قُرْبَانًا﴾ إنما قال ذلك لأنهم كانوا يقولون إن عبادتنا لها تقربنا إلى الله\" (^١).\nويقول الإمام الطبري: \"فلولا نصر هؤلاء الذين أهلكناهم من الأمم الخالية قبلهم أوثانهم، وآلهتهم التي اتخذوا عبادتها قربانًا يتقربون بها فيما زعموا إلى ربهم منا، إذ جاءهم بأسنا فتنقذهم من عذابنا إن كانت تشفع لهم عند ربهم كما يزعمون، وهذا احتجاج من الله لنبيه محمد -ﷺ- على مشركي قومه، يقول لهم: لو كانت آلهتكم التي تعبدون من دون الله تغني عنكم شيئًا، أو تنفعكم عند الله كما تزعمون أنكم إنما تعبدونها لتقربكم إلى الله زلفى، لأغنت عمن كان قبلكم من الأمم التي أهلكتها بعبادتهم إياها\" (^٢).\nويقول الرازي في بيان معنى الآية: \"ثم قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾، القربان: ما يتقرب به إلى الله تعالى؛ أي: اتخذوهم شفعاء متقربًا بهم إلى الله حيث قالوا: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ \" (^٣).\nويقول أبو السعود في تفسير الآية: \"فهلا نصرهم وخلصهم من العذاب الذين اتخذوهم آلهة حال كونها متقربًا بها إلى الله تعالى، حيث كانوا يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، هؤلاء شفعاؤنا عند الله\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٥/ ١٦١).\n(^٢) تفسير الطبري (٢٦/ ٢٩)، وانظر: تفسير القرطبي (١٥/ ٢٣٣)، وفتح القدير، للشوكاني (٤/ ٤٤٩)، وتفسير أبي ابن زمنين (٤/ ٢٣٠).\n(^٣) التفسير الكبير (٢٨/ ٢٦).\n(^٤) تفسير أبو السعود (٨/ ٨٧).","vol":"2","page":1034},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-294> المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nلقد تضافرت أقوال أهل العلم، وتنوعت عباراتهم في بيان القاعدة وتقريرها لما لها من الأهمية العظمى في بيان حقيقة مقاصد المشركين في عبادتهم لغير الله تعالى، وفيما يلي أذكر بعضًا مما وقفت عليه من ذلك:\nيقول الإمام ابن تيمية: \"والمشرك يقصد فيما يشرك به أن يشفع له، أو يتقرب بعبادته إلى الله، أو يكون قد أحبه كما يحب الله\" (^١).\nويقول ﵀ أيضًا: \"وكانوا يتخذون آلهتهم وسائط تقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم\" (^٢).\nويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب في القواعد الأربع: \" القاعدة الثانية: أنهم - أي: المشركون - يقولون: ما دعوناهم وتوجهنا إليهم إلا لطلب القربة، والشفاعة، ونريد من الله لا منهم، لكن بشفاعتهم، والتقرب إلى الله بهم\" (^٣).\nويقول الشيخ سليمان آل الشيخ: \"وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾ [الأحقاف: ٢٨]، فهذا هو مقصود المشركين ممن عبدوهم وهو الشفاعة لهم عند الله\" (^٤).\nويقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: \"ومن له أدنى نهمة في العلم، والتفات إلى ما جاءت به الرسل، يعرف أن المشركين من كل أمة في كل قرن ما قصدوا من معبوداتهم، وآلهتهم التي عبدوها مع الله إلا\n_________\n(^١) الرد على الأخنائي (٤٠).\n(^٢) اقتضاء الصراط (٤٤٢).\n(^٣) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٢/ ٢٤).\n(^٤) تيسير العزيز الحميد (٢٢٢).","vol":"2","page":1035},{"text":"التسبب، والتوسل، والتشفع، ليس إلا، ولم يدَّعوا الاستقلال والتصرف لأحد من دون الله، ولا قال به أحد منهم سوى فرعون، والذي حاج إبراهيم في ربِّه\" (^١).\nويقول الشيخ الأمين الشنقيطي: \"ولكن الكفار غالطوا أنفسهم لشدة تعصبهم لأوثانهم، فزعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى، وأنها شفعاؤهم عند الله مع أن العقل يقطع بنفي ذلك\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-295> المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nدلت القاعدة على فوائد عديدة فمن ذلك:\nأولًا: أفادت القاعدة أن عبادة المشركين لمعبوداتهم كانت محصورة في طلب الشفاعة، وابتغاء القربة من الله تعالى، ولم يدعوا الاستقلال والتصرف والتأثير لهذه المعبودات، بل كانوا يقرُّون بأنها مخلوقة مصنوعة، وأنها لا تملك نفعًا ولا ضرًّا.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"والذين كانوا يدعون مع الله آلهة أخرى، مثل الشمس، والقمر، والكواكب، والعزير، والمسيح، والملائكة، واللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، ويغوث، ويعوق، ونسر، أو غير ذلك لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، أو أنها تنزل المطر، أو أنها تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدون الأنبياء، والملائكة، والكواكب، والجن، والتماثيل المصورة لهؤلاء، أو يعبدون قبورهم، ويقولون إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، ويقولون هم شفعاؤنا عند الله\" (^٣).\n_________\n(^١) تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس (ص ٤٢ - ٤٣).\n(^٢) أضواء البيان (٣/ ٦٩).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٩٦)، وانظر: منهاج السُّنَّة (٣/ ٣٣٠)، وتيسير العزيز الحميد (ص ١٨٣).","vol":"2","page":1036},{"text":"فالخلق والإيجاد والاستقلال بالتأثير والتصرف ملك الله تعالى لا يشركه فيه مخلوق، مهما كانت مكانته، أو علت منزلته، فلا يطلب من مخلوق شيء على جهة أنه مستقل بالقدرة والتأثير؛ فإن الاستقلال من خصائص الرب ﷾ (^١).\nبل إن الاستقلال والانفراد، وعدم الشركة هو من أخص خصائص الإلهية الحقة، لا انفكاك لها عنه، بل هو لازمها ومقتضاها الدائم الذي إن زال فسدت السموات والأرض ومن فيهن.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"قول القائل عن مخلوق؛ إنه لا يضر ولا ينفع؛ تارة مريد به نفي الاستقلال بذلك على سبيل توحيد الربوبية، بمعنى أن ما يجري على يديه من الضر والنفع فالله هو خالقه، وهو الذي يجعله فاعلًا بمشيئته، أو يريد أنه لا ينفع ولا يضر إلا بمشيئة الله تعالى وقدرته، أو إرادته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فهذا صحيح، فليس في المخلوقات بهذا الاعتبار شيء ينفع ويضر؛ إذ ليس في المخلوقات شيء ما يستقل بإحداث ضرر غيره ونفعه، ولا يفعل شيء إلا بإذن الله، كما ليس فيها من يعطي ويمنع بهذا الاعتبار، ولا ينبغي بهذا الاعتبار، كما من أسمائه تعالى: المعطي، المانع، الضار، النافع\" (^٢) (^٣).\nويقول ﵀: \"فإن الاستقلال ينافي الاشتراك، إذ المستقل لا شريك له، فالمجتمعان على أمر واحد لا يكون أحدهما مستقلًا به، وأن\n_________\n(^١) انظر: تلخيص كتاب الاستغاثة (١/ ٣٨٩)، وانظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٣٤).\n(^٢) هذه الأسماء الثلاثة الأخيرة: المانع والنافع والضار الصحيح أنها ليست من أسماء أللّه تعالى المطلقة لعدم ثبوتها مطلقة في الكتاب والسنة.\n(^٣) تلخيص كتاب الاستغاثة (٢/ ٦٣٨)، ويقول ابن رجب: \"وأما الاستعانة بالله ﷿ دون غيره من الخلق فلأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله ﷿، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول، وهذا تحقيق معنى قول لا حول ولا قوة إلا بالله\". [جامع العلوم والحكم (١٩٢)].","vol":"2","page":1037},{"text":"الحكم الثابت بعلتين، سواء قيل هو أحكام، أو حكم واحد مؤكد لا تستقل به إحداهما، بل كل منهما جزء من علته لا علة له\" (^١).\nوالمشركون كما نصت القاعدة لم يدعوا هذا في معبوداتهم، وإنما كانوا يقولون عنها: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨].\nيقول الإمام ابن أبي العز الحنفي: \"وهم لم يقولوا: إن العالم له صانعان، بل جعلوا معه آلهة اتخذوهم شفعاء، وقالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى\" (^٢).\nويقول الصنعاني: \"قلت: ولذا قالوا في الأصنام: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فلم يكونوا نافين له، بل أثبتوا معه غيره، فخوطبوا بكلمة التوحيد، والقصد نفي الألوهية عن غيره تعالى\" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٠/ ١٧٤)، وانظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص ٤٦١)، ويقول الإمام ابن تيمية: \"وهذا كله مما يبين عجز كل مخلوق عن الاستقلال بمفعول ما، فلا يكون شيء من المخلوقات ربًا لشيء من المخلوقات ربوبية مطلقة أصلًا؛ إذ رب الشيء من يربه مطلقًا من جميع جهاته، وليس هذا إلا لله رب العالمين، ولهذا منع في شريعتنا من إضافة الرب إلى المكلفين كما قال -ﷺ-: \"لا يقل أحدكم: اسق ربك، أطعم ربك\"، بخلاف إضافته إلى غير المكلفين، كقول النبي -ﷺ- لمالك بن عوف الجشمي: (أرب إبل أنت، أم رب شاء)، وقولهم: رب الثوب والدار؛ فإنه ليس في هذه الإضافة ما يقتضي عبادة هذه الأمور لغير الله، فإن هذا لا يمكن فيها؛ فإن الله فطرها على أمر لا يتغير، بخلاف المكلفين فإنهم يمكن أن يعبدوا غير الله كما عبد المشركون به من الجن والإنس غيره، فمنع من الإضافة في حقهم تحقيقًا للتوحيد الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، ولهذا لم يكن شيء يستلزم وجود المفعولات إلا مشيئة الله وحده، فما شاء الله كان وإن لم يشأ ذلك غيره، وما لم يشأ لا يكون ولو شاءه جميع الخلق، وإذا عرف أنه ليس في المخلوقات، ما هو مستقل بمفعول ولا معلول، فليس في المخلوقات ما هو رب لغيره أصلًا، بل فعل كل مخلوق له فيه شريك، وقد يكون له مانع، وهذا مما يدل على إثبات الصانع تعالى ووحدانيته\". [درء التعارض (٩/ ٣٤١ - ٣٤٢)].\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٨٧).\n(^٣) إجابة السائل شرح بغية الآمل للصنعاني (ص ٢٥٨).","vol":"2","page":1038},{"text":"ويقول الشيخ حافظ الحكمي: \"وأشركوهم في عبادة الله، ولم يفردوا الله بالعبادة دون من سواه، مع أنهم لم يعبدوهم استقلالًا، بل زعموهم شفعاء لهم عند الله ليقربوهم إلى الله زلفى، ولكن اعتقدوا تلك الشفاعة والتقريب ملكًا للمخلوق، ويطلبونه منه، وأن له أن يشفع بدون إذن الله\" (^١).\nثانيًا: الذي أوقع المشركين في هذا الاعتقاد أنهم رأوا القصور في أنفسهم وأنهم ليسوا أهلًا لعبادة الله تعالى مباشرة بدون واسطة، وأنهم لا يستطيعون الوصول إليه سبحانه إلا عن طريق هذه المعبودات؛ لأنَّها قريبة من الله تعالى، ونفوسها طاهرة زكية، فهم يتقربون إليها وهي تقربهم إلى الله تعالى.\nيقول الإمام ابن القيم في شأن مشركي الفلاسفة الذين عبدوا الكواكب: \"ثم قال المشركون منهم: لا سبيل لنا إلى الوصول إلى جلاله إلا بالوسائط، فالواجب علينا أن نتقرب إليه بتوسطات الروحانيات القريبة منه، وهم الروحانيون المقربون المقدسون عن المواد الجسمانية، وعن القوى الجسدانية، بل قد جبلوا على الطهارة، فنحن نتقرَّب إليهم ونتقرب بهم إليه، فهم أربابنا، وآلهتنا، وشفعاؤنا عند رب الأرباب، وإله الآلهة، فما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فالواجب علينا أن نطهر نفوسنا عن الشهوات الطبيعية، ونهذب أخلاقنا من علائق القوى الغضبية، حتى تحصل المناسبة بيننا وبين الروحانيات، وتتصل أرواحنا بهم، فحينئذٍ نسأل حاجتنا منهم، ونعرض أحوالنا عليهم، ونصبو في جميع أمورنا إليهم، فيشفعون لنا إلى إلهنا ... \" (^٢).\nثالثًا: دلت القاعدة على أن شرك المشركين الأوائل كان بقصد القربة والشفاعة والتوصل بمعبوداتهم إلى الله تعالى، وذلك بخلاف\n_________\n(^١) معارج القبول (٢/ ٤٨٣).\n(^٢) إغاثة اللهفان (٢/ ٢٥٢).","vol":"2","page":1039},{"text":"الشرك في هذه الأزمان الصادر ممن غلا في الأولياء والصالحين وفي وقبورهم، فصاروا يعتقدون فيهم النفع والضر والاستقلال بالفعل من دون الله ﵎.\nيقول الإمام الشوكاني: \"فيا عجبًا لقوم يعكفون على قبور الأموات الذين قد صاروا تحت أطباق الثرى، ويطلبون منهم من الحوائج ما لا يقدر عليه إلا الله ﷿ كيف لا يتيقظون لما وقعوا فيه من الشرك، ولا يتنبهون لما حل بهم من المخالفة لمعنى لا إله إلا الله، ومدلول ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١]، وأعجب من هذا اطلاع أهل العلم على ما يقع من هؤلاء، ولا ينكرون عليهم، ولا يحولون بينهم وبين الرجوع إلى الجاهلية الأولى، بل إلى ما هو أشد منها، فإن أولئك يعترفون بأن الله سبحانه هو الخالق، الرازق، المحيي، المميت، الضار، النافع، وإنما يجعلون أصنامهم شفعاء لهم عند الله، ومقربين لهم إليه، وهؤلاء يجعلون لهم قدرة على الضر، والنفع، وينادونهم تارة على الاستقلال، وتارة مع ذي الجلال، وكفاك من شر سماعه، والله ناصر دينه، ومطهر شريعته من أوضار الشرك، وأدناس الكفر، ولقد توسل الشيطان أخزاه الله بهذه الذريعة إلى ما تقرُّ به عينه، وينثلج به صدره من كفر كثير من هذه الأمة المباركة\" (^١).\n_________\n(^١) فتح القدير (٢/ ٤٥٠).","vol":"2","page":1040},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-296>المبحث الثاني\nقاعدة الأصنام الجمادية لم تعبد لذاتها وإنما وضعت في الأصل لما كان غائبًا من معبودات المشركين</span>\nويشتمل على عدة مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-297> المسألة الأولى* بيان معنى القاعدة</span>\nدلت القاعدة على أن عبادة المشركين للأصنام ونحوها من الأوثان والأنصاب لم يكن لأجل ذاتها، أو لكونها أحجارًا وأخشابًا، أو لشيء من صفاتها التكوينية، وإنما كانت عبادتهم لها لأغراض أخرى، وأسباب عديدة اقتضت تصوير هذه الأصنام ونحتها على شكل وهيئة معبوداتهم، فإن معبودهم في الأصل إما أن يكون من الكواكب؛ كالشمس، أو القمر، أو زحل، أو غير ذلك، وإما أن يكون من الملائكة كجبريل وغيره، أو يكون من الأنبياء؛ كالمسيح عيسى ابن مريم، وإبراهيم، وموسى، ونبينا محمد -ﷺ-، وإما أن يكون من الصالحين، أو يكون من الجن.\nيوضح ذلك أن منشأ الشرك في الأرض وأصله لا يخرج عن ثلاثة أمور:\nالأول: عبادة البشر من الأنبياء والصالحين وأهل الزهد، سواء كانوا أحياء، أم أمواتًا في قبورهم.","vol":"2","page":1041},{"text":"الثاني: عبادة الكواكب.\nالثالث: عبادة الملائكة أو الجن.\nوبناء على ذلك وضعت الأصنام والأوثان لتكون قائمة مقام هذه المعبودات الغائبة، وتصرف لها العبادة والتوجه والخضوع والتعظيم، هذا هو أصل عبادة الأصنام من دون الله ﵎.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"أصل الشرك في العالم كان من عبادة البشر الصالحين، وعبادة تماثيلهم، وهم المقصودون، ومن الشرك ما كان أصله عبادة الكواكب؛ إما الشمس، وإما القمر، وإما غيرهما، وصورت الأصنام طلاسم لتلك الكواكب، وشرك قوم إبراهيم -والله أعلم- كان من هذا، أو كان بعضه من هذا، ومن الشرك ما كان أصله عبادة الملائكة أو الجن وضعت الأصنام لأجلهم\" (^١).\nويقول الرازي في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر: ٢٩] مبينًا اختلاف المشركين في علة اتخاذ الأصنام: \"فإن قيل هذا المثال لا ينطبق على عبادة الأصنام؛ لأنَّها جمادات فليس بينها منازعة ولا مشاكسة، قلنا: إن عبدة الأصنام مختلفون؛ منهم من يقول: هذه الأصنام تماثيل الكواكب السبعة، فهم في الحقيقة إنما يعبدون الكواكب السبعة، ثم إن القوم يثبتون بين هذه الكواكب منازعة ومشاكسة، ألا ترى أنهم يقولون: زحل هو النحس الأعظم، والمشتري هو السعد الأعظم، ومنهم من يقول هذه الأصنام تماثيل الأرواح الفلكية، والقائلون بهذا القول زعموا أن كل نوع من أنواع حوادث هذا العالم يتعلق بروح من الأرواح السماوية، وحينئذٍ يحصل بين تلك الأرواح منازعة ومشاكسة، وحينئذٍ يكون المثل مطابقًا، ومنهم من يقول هذه الأصنام تماثيل الأشخاص من العلماء والزهاد الذين\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٦٠ - ٤٦١).","vol":"2","page":1042},{"text":"مضوا، فهم يعبدون هذه التماثيل لتصير أولئك الأشخاص من العلماء والزهاد شفعاء لهم عند الله، والقائلون بهذا القول تزعم كل طائفة منهم: أن المحق هو ذلك الرجل الذي هو على دينه، وأن من سواه مبطل، وعلى هذا التقدير أيضًا ينطبق المثال، فثبت أن هذا المثال مطابق للمقصود\" (^١).\nوذكر ﵀ أيضًا بعض الأسباب التي دعت المشركين إلى اتخاذ الأصنام فقال: \"ورابعها: أنه متى مات منهم رجل كبير يعتقدون فيه أنه مجاب الدعوة، ومقبول الشفاعة عند الله تعالى اتخذوا صنمًا على صورته، يعبدونه على اعتقاد أن ذلك الإنسان يكون شفيعًا لهم يوم القيامة عند الله تعالى على ما أخبر الله تعالى عنهم بهذه المقالة في قوله: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] \" (^٢).\nويوضح الشهرستاني منشأ الشرك بالكواكب والملائكة -بعد أن قسَّمه إلى شرك أصحاب الهياكل وشرك أصحاب الأشخاص- بقوله: \"اعلم أن أصحاب الروحانيات لما عرفوا أن لا بد للإنسان من متوسط، ولا بد للمتوسط من أن يرى فيتوجه إليه، ويتقرب به، ويستفاد منه، فزعوا إلى الهياكل التي هي السيارات السبِع؛ فتعرفوا أولًا: بيوتها ومنازلها: وثانيًا: مطالعها ومغاربها، وثالثًا: اتصالاتها على أشكال الموافقة والمخالفة مرتبة على طبائعها، ورابعًا: تقسيم الأيام والليالي والساعات عليها، وخامسًا: تقدير الصور والأشخاص والأقاليم والأمصار عليها.\nوكانوا يسمونها أربابًا آلهة، ومنهم من جعل الشمس إله الآلهة ورب الأرباب، وكانوا يتقربون إلى الهياكل تقربًا إلى الروحانيات، ويتقربون إلى الروحانيات تقربًا إلى الباري تعالى، ثم استخرجوا من\n_________\n(^١) التفسير الكبير (٢٦/ ٢٤١ - ٢٤٢).\n(^٢) التفسير الكبير (٢/ ١٠٤).","vol":"2","page":1043},{"text":"عجائب الحيل المرتبة على عمل الكواكب ما كان يقضي منهم العجب، وهذه الطلسمات المذكورة في الكتب، والسحر، والكهانة، والتنجيم، والتعزيم، والخواتيم، والصور كلها من علومهم.\nوأما أصحاب الأشخاص؛ فقالوا: إذا كان لا بد من متوسط يُتَوَسَّل به، وشفيع يتشفع إليه، والروحانيات وإن كانت هي الوسائل لكنا إذا لم نرها بالأبصار، ولم نخاطبها بالألسن، لم يتحقق التقرب إليها إلَّا بهياكلها، ولكن الهياكل قد تُرَى في وقت، ولا تُرى في وقت؛ لأن لها طلوعًا وأفولًا، وظهورًا بالليل وخفاءً بالنهار، فلم يصف لنا التقرب بها، والتوجه إليها، فلا بد لنا من صور وأشخاص موجودة، قائمة منصوبة نصب أعيننا، نعكف عليها، ونتوسل بها إلى الهياكل، فنتقرب بها إلى الروحانيات، ونتقرب بالروحانيات إلى الله ﷾، فنعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى. فاتخذوا أصنامًا أشخاصًا على مثال الهياكل السبعة، وذلك هو الذي أخبر التنزيل عنهم أنهم عبدة الكواكب والأوثان.\nفأصحاب الهياكل هم عبدة الكواكب إذ قالوا بإلهيتها كما شرحنا، وأصحاب الأشخاص هم عبدة الأوثان إذ سموها آلهة في مقابلة الآلهة السماوية، وقالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله\" (^١).\nويحصر الإمام ابن القيم أسباب الشرك في العالم في أمرين شرك النجوم وشرك الأموات، فيقول ﵀: \"والأصنام التي كانوا يعبدونها\n_________\n(^١) الملل والنحل (٢/ ٤٩ - ٥١)، ويجزم الشهرستاني بأن جميع مذاهب أهل الشرك؛ من عبدة الملائكة والكواكب والجن والأنبياء والصالحين وغيرهم يرجعون في نهاية أمرهم إلى عبادة الأصنام، وعلل ذلك بقوله: \"اعلم أن الأصناف التي ذكرنا مذاهبهم يرجعون آخر الأمر إلى عبادة الأصنام، إذ كان لا يستمر لهم طريقة إلا بشخص حاضر ينظرون إليه، ويعكفون عليه، وعن هذا اتخذت أصحاب الروحانيات والكواكب أصنامًا، زعموا أنها على صورتها\". [الملل والنحل للشهرستاني (٢/ ٢٥٩)، وانظر: التفسير الكبير للرازي (١٣/ ٣٠ - ٣١)].","vol":"2","page":1044},{"text":"كانت صورًا وتماثيل للكواكب، وكانوا يتخذون لها هياكل، وهي بيوت العبادات، لكل كوكب منها هيكل في أصنام تناسبه، فكانت عبادتهم للأصنام وتعظيمهم لها تعظيمًا منهم للكواكب التي وضعوا الأصنام عليها، وعبادة لها، وهذا أقوى السببين في الشرك الواقع في العالم، وهو الشرك بالنجوم، وتعظيمها، واعتقاد أنها أحياء ناطقة، ولها روحانيات تتنزل على عابديها، ومخاطبيها، فصوروا لها الصور الأرضية، ثم جعلوا عبادتها وتعظيمها ذريعة إلى عبادة تلك الكواكب، واستنزال روحانياتها، وكانت الشياطين تتنزل عليهم، وتخاطبهم، وتكلمهم، وتريهم من العجائب ما يدعوهم إلى بذل نفوسهم، وأولادهم، وأموالهم لتلك الأصنام، والتقرب إليها، وكان مبدأ هذا الشرك تعظيم الكواكب، وظن السُّعُود والنُّحُوس، وحصول الخير والشر في العالم منها، وهذا شرك خواص المشركين، وأرباب النظر منهم، وهو شرك قوم إبراهيم - ﵊-.\nوالسبب الثاني: عبادة القبور والإشراك بالأموات، وهو شرك قوم نوح -﵊- وهو أول شرك طرق العالم، وفتنته أعم، وأهل الابتلاء به أكثر، وهم جمهور أهل الإشراك، قال تعالى عن قوم نوح: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ [نوح: ٢٣].\nوهؤلاء هم أعداء نوح، كما أن المشركين بالنجوم أعداء إبراهيم، فنوح عاداه المشركون بالقبور، وإبراهيم عاداه المشركون بالنجوم، والطائفتان صوروا الأصنام على صور معبوديهم ثم عبدوها\" (^١).\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة، لابن القيم (٢/ ١٩٧)، وقال مبينًا تلاعب الشيطان بالمشركين: (تلاعب بكل قوم على قدر عقولهم؛ فطائفة دعاهم إلى عبادتها من جهة تعظيم الموتى الذين صوروا تلك الأصنام على صورهم، كما تقدم عن قوم نوح ﵇، ... وهذا السبب هو الغالب على عوام المشركين، وأما خواصهم فإنهم اتخذوها بزعمهم=","vol":"2","page":1045},{"text":"ويقول الألولسي مبيّنًا أصل الشرك وعبادة الأصنام: \"وذلك لأنهم - أي: المشركين- كما هو المشهور وضعوها على صور رجال صالحين، ذوي خطر عندهم، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادتها فإن أولئك الرجال يشفعون لهم، وقيل: إنهم كانوا يعتقدون أن المتولي لكل إقليم روح معين من أرواح الأفلاك، فعينوا لذلك الروح صنمًا من الأصنام، واشتغلوا بعبادتها قصدًا إلى عبادة الكواكب، وقيل غير ذلك، والحق أن من الأصنام ما وضع على الوجه الأول، ومنها ما وضع لكونها كالهياكل للروحانيات\" (^١).\nونقل بعض أهل العلم أن عبادة فارس للنار هو من هذا الباب، إذ كانوا يعتقدون أن عبادة النار تقرب إلى البارئ ﷿؛ لأنَّها أقوى وأعظم الأركان، وهو كقول المشركين العرب في عبادتهم الأوثان: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وأنه لا يجوز أن يكون غير هذا حالة من يعبد شيئًا من دون الله؛ لأنَّه يعلم أن معبوده من خشب، أو حجر، أو نحاس، أو ذهب، أو شيء من الجواهر، غير خالقه، ولا صانعه ولا مدبرة أمره، ولا محولة حاله (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-298> المسألة الثانية* أدلة القاعدة</span>\nدلت على صحة القاعدة عدة أمور:\nأولًا: ما رواه البخاري عن ابن عباس -﵄- أنه قال: (صارَتِ\n_________\n= على صور الكواكب المؤثرة في العالم عندهم، وجعلوا لها بيوتًا وسدنة وحجابًا وحجًا وقربانًا، ولم يزل هذا في الدنيا قديمًا وحديثًا). [إغاثة اللهفان (٢/ ٢٢٢)].\n(^١) روح المعاني (١١/ ٨٨ - ٨٩)، ويقول الإمام ابن القيم ﵀ في مناظرة إبراهيم ﵇ للنمرود: (وفي هذه المناظرة نكتة لطيفة جدًّا: وهي أن شرك العالم إنما هو مسند إلى عبادة الكواكب والقبور، ثم صورت الأصنام على صورها). [مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٠٥)].\n(^٢) البدء والتاريخ، للطاهر المقدسي (١/ ٦٢).","vol":"2","page":1046},{"text":"الأوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نوحٍ فِي العَرَبِ بَعْدُ؛ أمَّا وَدّ فَكَانَتْ لِكَلْبٍ بِدُومَةِ الجَنْدَل، وَأمَّا سُوَاعٌ فَكَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ ثُمَّ لِبَنِي غُطيْفٍ بِالجَوْفِ عِنْدَ صَبا، وأمّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وأمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرِ لآل ذِي الكَلاع، أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلمَّا هَلَكُوا أوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أنْ انْصبُوا إِلَى مَجَالِسهِمْ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أنْصابًا، وَسَموها بأسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ) (^١).\nوروى ابن جرير في قوله تعالى: ﴿وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ قال: \"كانوا قومًا صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر فعبدوهم\" (^٢).\nفهذه الَاثار توضّح وتبيّن حقيقة الشرك وعبادة الأصنام في عهد نوح ﵇، وأنها وضعت في الأصل لتنوب مناب معبوداتهم من الأنبياء والصالحين، ولتقوم مقام قبورهم (^٣).\nويقول الإمام ابن القيم: \"وقال غير واحد من السلف: كان هؤلاء قومًا صالحين في قوم نوح ﵇، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب: ﴿وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ﴾، (٤/ ١٨٧٣)، برقم (٤٦٣٦).\n(^٢) تفسير الطبري (٢٩/ ٩٩).\n(^٣) ذكر الحافظ ابن حجر عن الواقدي قوله: (كان ود على صورة رجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسر على صورة طائر)، ثم قال معلقًا على قوله: \"وهذا شاذ، والمشهور أنهم كانوا على صورة البشر، وهو مقتضى ما تقدم من الآثار في سبب عبادتها والله أعلم\". [انظر: فتح الباري (٨/ ٦٦٩)].","vol":"2","page":1047},{"text":"صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم، فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين فتنة القبور وفتنة التماثيل\" (^١).\nويقول الحافظ ابن حجر: \"وقصة الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح هذه الأصنام، ثم تبعهم من بعدهم على ذلك\" (^٢).\nثانيًا: إن عبادة الأصنام لأجل كونها أحجارًا أو أخشابًا مما يحكم العقل بفساده، فلا يعقل أن يصنع أحد صنمًا بيده، وينحته ويشكله ببنانه، من أحجار وأخشاب، ثم بعد فراغه منه مباشرة يعتقد أنه إلهه ومعبوده (^٣).\nيقول الإمام ابن القيم: \"وإلا فمن المعلوم أن عاقلًا لا ينحت خشبة، أو حجرًا بيده ثم يعتقد أنه إلهه ومعبوده \" (^٤).\nويقول الشهرستاني موضحًا هذا الأمر: \"وبالجملة وضع الأصنام حيث ما قدروه إنما هو على معبود غائب، حتى يكون الصنم المعمول على صورته وشكله وهيأته نائبًا منابه، وقائمًا مقامه، وإلا فنعلم قطعًا أن عاقلًا ما لا ينحت جسمًا بيده، ويصور صورة، ثم يعتقد أنه إلهه\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (١/ ١٨٤)، ودلَّ كلام ابن القيم على أن أصل عبادة الأصنام هو الغلو في الأموات وقبورهم، يقول الإمام ابن كثير: \"وأصل عبادة الأصنام من المغالاة في القبور وأصحابها، وقد أمر النبي -ﷺ- بتسوية القبور وطمسها، والمغالاة في البشر حرام\".\nويقول الإمام ابن قدامة: \"وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات باتخاذ صورهم ومسحها والصلاة عندها\". [انظر: البداية والنهاية (١٠/ ٢٦٢)، والمغني لابن قدامة (٢/ ١٩٣)، وانظر: بدائع الفوائد (٣/ ٧٢٥)].\n(^٢) فتح الباري (٨/ ٦٦٩).\n(^٣) يقول الرازي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾ [الزمر: ٣]: \"والمراد بهذا الكذب: وصفهم بهذه الأصنام بأنها آلهة مستحقة للعبادة مع علمهم بأنها جمادات خسيسة، وهم نحتوها وتصرفوا فيها، والعلم الضروري حاصل بأن وصف هذه الأشياء بالإلهية كذب محض\". [التفسير الكبير (٢٦/ ٢١١)].\n(^٤) إغاثة اللهفان (٢/ ٢٢٤).","vol":"2","page":1048},{"text":"وخالقه، وإله الكل، وخالق الكل؛ إذ كان وجوده مسبوقًا بوجود صانعه، وشكله يحدث بصنعة ناحته (^١)، لكن القوم لما عكفوا على التوجه إليها كان عكوفهم ذلك عبادة، وطلبهم الحوائج منها إثبات إلهية لها، وعن هذا كانوا يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى\" (^٢).\nثالثًا: ومما يدل على أن المشركين لم يقصدوا عبادة ذات الأصنام، وإنما قصدوا عبادة من صورت الأصنام على صورهم: أنهم لم يكونوا يعبدون إلا ما صوروه ونحتوه من الأصنام والأوثان، فلم يعبدوا جميع الأحجار، ولا جميع الأشجار، بل كان الصنم يكون مع أحدهم مدة من الزمن يعبده فإذا رأى أحسن منه رمى الأول واستبدله بالثاني وهكذا، وهذا يدل على أن مقصودهم ليس هو ذات الصنم المصنوع من الحجر أو الخشب.\nيقول الشيخ العمراني: \"إن المشركين إنما كانوا يعبدون من الأخشاب والأحجار أوثانًا وأصنامًا؛ فالأوثان ما نحتوه على مثال ما ليس له صورة، والأصنام على مثال ما له صورة، دقوم إبراهيم ﵇ إنما عبدوا تلك الأوثان والأصنام لأجل نحتهم وتصويرهم الذي نحتوه وصوروه، تعظيمًا للنحت والتصوير لا للأعيان، بدليل أنهم كانوا لا يعبدونها قبل ذلك، ولما كسرها إبراهيم ﵇ وأزال تصويرها ونحتها بطلت عندهم أن تكون آلهة\" (^٣).\n_________\n(^١) في الأصل المطبوع: (إذ كان وجوده مسبوقًا بوجوده صانعه، وشكله يحدث بصنعته ناحته)، ولعل الصواب ما أثبته في المتن، والله أعلم.\n(^٢) الملل والنحل للشهرستاني (٢/ ٢٥٩ - ٢٦٠)، ويقول الرازي: \"ويمكن أن يقال: إن العاقل لا يعبد الصنم من حيث إنه خشب أو حجر وإنما يعبدونه لاعتقادهم أنها تماثيل الكواكب أو تماثيل الأرواح السماوية أو تماثيل الأنبياء والصالحين الذين مضوا ويكون مقصودهم من عبادتها توجيه تلك العبادات إلى تلك الأشياء التي جعلوا هذه التماثيل صورًا لها\". [التفسير الكبير (٢٦/ ٢١١)].\n(^٣) الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (١/ ١٨٩).","vol":"2","page":1049},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-299> المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة</span>\nفيما يلي بعض ما وقفت عليه من أقوال العلماء التي تؤيد معنى القاعدة: يقول ابن الأثير مقررًا وموضحًا لمعنى القاعدة: \"فإن القول الحق الذي لا يشك فيه: هو أنهم كانوا أهل أوثان يعبدونها كما نطق به القرآن، وهو مذهب طائفة من الصابئين، فإن أصل مذهب الصابئين عبادة الروحانيين وهم الملائكة؛ لتقربهم إلى الله تعالى زلفى، فإنهم اعترفوا بصانع العالم، وأنه حكيم قادر مقدس، إلا أنهم قالوا: الواجب علينا معرفة العجز عن الوصول إلى معرفة جلاله، وإنما نتقرب إليه بالوسائط المقربة لديه، وهم الروحانيون، وحيث لم يعاينوا الروحانيين تقربوا إليهم بالهياكل، وهي الكواكب السبعة السيارة؛ لأنَّها مدبرة لهذا العالم عندهم.\nثم ذهبت طائفة منهم وهم أصحاب الأشخاص، حيمث رأوا أن الهياكل تطلع وتغرب، وترى ليلًا ولا ترى نهارًا إلى وضع الأصنام لتكون نصب أعينهم؛ ليتوسلوا بها إلى الهياكل، والهياكل إلى الروحانيين، والروحانيون إلى صانع العالم.\nفهذا كان أصل وضع الأصنام أولًا، وقد كان أخيرًا في العرب من هو على هذا الاعتقاد، قال تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] \" (^١).\nويقول الإمام ابن تيمية في بيان مذاهب المشركين في اتخاذ الأصنام: \"بل إنما كانوا يتخذونها شفعاء ووسائط لأسباب؛ منهم من\n_________\n(^١) الكامل في التاريخ، لابن الأثير (١/ ٥٤ - ٥٥).","vol":"2","page":1050},{"text":"صورها على صور الأنبياء والصالحين، ومنهم من جعلها تماثيل وطلاسم للكواكب والشمس والقمر، ومنهم من جعلها لأجل الجن، ومنهم من جعلها لأجل الملائكة، فالمعبود لهم في قصدهم إنما هو الملائكة والأنبجاء والصالحون أو الشمس أو القمر وهم في نفس الأمر يعبدون الشياطين، فهي التي تقصد من الإنس أن يعبدوها، وتظهر لهم ما يدعوهم إلى ذلك\" (^١).\nويقول ﵀: \"ومن الشرك ما كان أصله عبادة الملائكة، أو الجن، وضعت الأصنام لأجلهم، وإلا فنفس الأصنام الجمادية لم تعبد لذاتها، بل لأسباب اقتضت ذلك\" (^٢).\nويقول الإمام ابن القيم بعد أن ذكر جملة المعبودات من دون الله تعالى، وكيفية عبادتها: \"وكل هؤلاء مرجعهم إلى عبادة الأصنام؛ فإنهم لا تستمر لهم طريقة إلا بشخص خاص، على شكل خاص، ينظرون إليه، ويعكفون عليه، ومن ها هنا اتخذ أصحاب الروحانيات والكواكب أصنامًا زعموا أنها على صورتها، فوضع الصنم إنما كان في الأصل على شكل معبود غائب، فجعلوا الصنم على شكله وهيأته وصورته ليكون نائبًا منابه، وقائمًا مقامه، وإلا فمن المعلوم أن عاقلًا لا ينحت خشبة، أو حجرًا بيده ثم يعتقد أنه إلهه ومعبود\" (^٣).\nويقول الإمام ابن كثير في شأن مناظرة إبراهيم لقومه: \"والحق أن إبراهيم﵊- كان في هذا المقام مناظرًا لقومه، مبينًا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام، فبين في المقام\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ٣٦١)، وانظر: (١٧/ ٤٥٥)، واقتضاء الصراط المستقيم (٤٠٦)، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٢/ ٢٦١).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٦٠ - ٤٦١).\n(^٣) إغاثة اللهفان (٢/ ٢٢٤)، وانظر: معارج القبول (٢/ ٤٧٢).","vol":"2","page":1051},{"text":"الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية التي هي على صور الملائكة السماوية؛ ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم الذين هم عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه، وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكته ليشفعوا لهم عنده في الرزق، والنصر، وغير ذلك مما يحتاجون إليه\" (^١).\nويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب في معرض ذكره للفوائد المستنبطة من قصة الجاهلية المذكورة في السيرة: \"السادسة: معرفة أن الأصنام لم تعبد لذاتها؛ وإنما عبدت لأجل الصالحين\" (^٢).\nويقول الشيخ سليمان آل الشيخ: \"فإن الغرانيق هي الملائكة على قول، وعلى آخر هي الأصنام، ولا تنافي بينهما؛ فإن المقصود بعبادتهم الأصنام: الملائكة والصالحين كما تقدم ... \" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-300> المسألة الرابعة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nبعض الفوائد المستفادة من القاعدة:\nأولًا: دلت القاعدة على أن عبادة الأصنام لم تكن لأجل ذاتها، وإنما عبدت لأسباب أخرى، وفي هذا رد على شبهة أهل الشرك في هذا الزمان الذين يدعون أن المشركين إنما عبدوا الأصنام والأحجار، وأما نحن فإنما نتوجه إلى الأنبياء والصالحين، ولا شك في بطلان هذه الشبهة، فإنه لا فرق بين المعبودات سواء كانت من الأنبياء أو الصالحين، أو من الأحجار والأشجار أو غير ذلك.\nيقول الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين في رده على من ألقى\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٢/ ١٥٢)، وانظر: (٤/ ٤٦).\n(^٢) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٢/ ١٤٧).\n(^٣) تيسير العزيز الحميد (ص ٢٢٦).","vol":"2","page":1052},{"text":"هذه الشبهة: \"قوله: إن هذه الآية أعني آية يس في الأصنام خاصة فهو كاذب ضال في قوله هذا، بل الآية عامة في كل ما عبد من دون الله؛ لأن من أراده الله بضر لم يغن عنه معبوده شيئًا سواء كان معبوده ملكًا أو نبيًا أو غيرهما، فلا يكشف عنه ضرًا أراده الله به، ولا يجلب له نفعًا، وأتى سبحانه في الآية بضمير العقلاء بالواو والميم فهي عامة في كل معبود من دون الله سواء كان عاقلًا أو جمادًا ...\nوهذا المعترض يقول هذه الآية آية يس فيمن عبد الأصنام، ومقتضى كلامه أن من عبد غير الأصنام أن معبوده ينفعه بشفاعة وغيرها، ومن المعلوم بالسُّنَّة المتواترة وإجماع أهل السُّنَّة، بل الأمة أن من مات مشركًا لا شفيع له، وأخبر سيد الشفعاء صلوات الله وسلامه عليه أن شفاعته لمن مات لا يشرك بالله شيئًا، فمن عبد غير الله من ملك أو نبي أو صالح أو صنم، أو غير ذلك فإنه لا يشفع فيه شافع، ولا يدفع عنه دافع\" (^١).\nويقول الشيخ سليمان بن سحمان: \"إن المشركين عبدوا تلك الآلهة بالفعل الصادر منهم، كالدعاء والحب، والخوف، والتعظيم، والرجاء، والاستغاثة، والاستعاذة، والذبح لهم، والنذر، والالتجاء إليهم، فصرفوا لهم هذه العبادة، ليشفعوا لهم عند الله، وليقربوهم إلى الله زلفى، وهكذا حال مشركي هذه الأزمان، إنما عبدوهم بالفعل والاعتقاد فيهم، وتوسلوا بهم، وقصدوهم لأجل التبرك بهم، والاستشفاع بجاههم، لا لأجل أنهم مستحقون للعبادة، ولا أنهم مستقلون بالخلق والإيجاد، والنفع والضر - أيضًا- فإن مجرد ارتكاب فعل، أو قول، أو اعتقاد لغير الله، مما يعد من العبادة من الدعاء، والذبح -وما تقدم ذكره- مُوْقِع في الإشراك، سواء وجد معه اعتقاد ألوهية غير الله أم لا\" (^٢).\n_________\n(^١) تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود بن جرجيس (ص ٦٩ - ٧٠).\n(^٢) الضياء الشارق في رد شبهة الماذق المارق (٤٠٩ - ٤١٠).","vol":"2","page":1053},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-301>المبحث الثالث\nقاعدة المشركون الأولون يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة ومشركو زماننا شركهم دائم في الشدة والرخاء</span>\nوتشتمل على عدة مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-302> المسألة الأولى * بيان معنى القاعدة</span>\nأشارت القاعدة إلى طبيعة الشرك الذي كان عند العرب الأوائل الذي بعث فيهم محمد -ﷺ-، وأنهم كانوا على حالتين؛ الأولى: وهي حالة الرخاء فكانوا يشركون الأصنام والآلهة مع الله تعالى في العبادة، والثانية: حالة الشدة والكرب ونزول العذاب فكانوا يرجعون إلى الله تعالى بالتوحيد، ويفردونه سبحانه بالعبادة، فيخلصون له الدعاء ويتضرعون إليه بالسؤال وطلب النجاة، وعندها ينسون ما كانوا يشركونه من الأنداد والآلهة؛ لعلمهم بأن ساعات الشدة والعذاب لا ينجي منها إلا الرب سبحانه وجلَّ في علاه.\nوهذا يدل على أن لعقولهم نوع سلامة، حيث عرفوا أنه لا ينفع في حال الشدة سوى الله تعالى، وهذه المعرفة ناتجة عن الفطرة التي فطرت عليها قلوب الخلق عامة، ولكنها تغفل وتنسى في حال الرخاء فتعود أدراجها إلى ما كانت تشرك به من قبل، فمتى جاء الاضطرار رجعت","vol":"2","page":1054},{"text":"القلوب إلى الفطرة، وزال ما ينازعها فالتجأت إليه، وأنابت إليه وحده لا شريك له، وهذا بخلاف من لجأ إلى غير الله، وعلَّق قلبه بغير مولاه في حالتي الشدة والرخاء، والنعمة والعذاب، فما أضله وأظلمه وأجهله حيث فاق شركه شرك الأوائل (^١).\nفالمشركون الأوائل كانت لهم عبادات يتعبدون بها الله ﵎ في حال الرخاء والسعة وعند حصول النعم، ويشركون في ذلك أصنامهم، فإذا جاءت الضراء والكروب والضيق أخلصوا العبادة للّه تعالى.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-303> المسألة الثانية * أدلة القاعدة</span>\nدلَّت القاعدة على أمرين:\nالأول: أن مشركي العرب كانت لهم عبادات يتعبدون بها الرب ﷾.\nالثاني: أنهم يخلصون حال الشدة والضيق ويشركون في حال الرخاء والسعة.\nأما الأول فدليله ما يأتي:\nأولًا: عن ابن عباس -﵄- قال: (كان المشركون يقولون: (لبيك لا شريك لك) قال: فيقول رسول الله -ﷺ-: \"ويلكم قدٍ قدٍ\"، فيقولون: (إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك)، يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت) (^٢).\nثانيًا: وجاء عن ابن عباس -﵄- في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا\n_________\n(^١) تيسير العزيز الحميد (ص ١٩٢).\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب: التلبية وصفتها ووقتها (٢/ ٨٤٣)، برقم (١١٨٥).","vol":"2","page":1055},{"text":"لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]: (كان المشركون يحجون البيت الحرام، ويهدون الهدايا، ويعظمون حرمة المشاعر، ويتجرون في حجهم، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم، فقال الله ﷿: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ (^١).\nيقول الشهرستاني في بيان حال الجاهلية: \"وكانوا يحجون البيت، ويعتمرون، ويحرمون، ويطوفون بالبيت سبعًا، ويمسحون بالحجر، ويسعون بين الصفا والمروة، وكانوا يلبون إلا أن بعضهم كان يشرك في تلبيته في قوله: إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، ويقفون المواقف كلها\" (^٢).\nويقول الإمام ابن تيمية: \"كانت العرب تحج إلى اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، وهم مع ذلك يحجون إلى البيت، ويطوفون به، ويقفون بعرفات، ولهذا كانوا تارة يعبدون الله، وتارة يعبدون غيره، وكانوا يقولون في تلبيتهم: (لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك) \" (^٣).\nوأما الأمر الثاني فالدليل عليه ما يأتي:\nأولًا: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ [العنكبوت: ٦٥].\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٦/ ٥٤).\n(^٢) انظر: الملل والنحل للشهرستاني (٢/ ٢٤٧)، وقال ياقوت الحموي: \"ولقد بلغ من تعظيم العرب لمكة أنهم كانوا يحجون البيت، ويعتمرون، ويطوفون، فإذا أرادوا الانصراف أخذ الرجل منهم حجرًا من حجارة الحرم فنحته على صورة أصنام البيت، فيحفى به في طريقه، ويجعله قبلة، ويطوفون حوله، ويتمسحون به، ويصلون له تشبيهًا له بأصنام البيت، وأفضى بهم الأمر بعد طول المدة أنهم كانوا يأخذون الحجر من الحرم فيعبدونه، فذلك كان أصل عبادة العرب للحجارة في منازلهم؛ شغفًا منهم بأصنام الحرم\". [معجم البلدان (٥/ ١٨٥)، وانظر: البداية والنهاية (٢/ ١٨٨)، وتاريخ اليعقوبي (١/ ٢٥٤)].\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٣٥٤).","vol":"2","page":1056},{"text":"بيَّن سبحانه في هذه الآية حال المشركين في ركوب البحر؛ لأنَّهم يخلصون لله الدعاء، ويفردونه بالعبادة؛ لأنَّهم يعلمون أنهم في شدة وكرب لا يقدر على كشف ذلك إلا فاطر السموات والأرضين، فخصوه بالعبادة والدعاء، وتركوا جميع الالهة من الأصنام والأنداد فلم يلتفتوا إليها، وكأنها لم تكن.\nيقول الإمام الطبري: \"فإذا ركب هؤلاء المشركون السفينة في البحر فخافوا الغرو، والهلاك فيه دعوا الله مخلصين له الدين، يقول: أخلصوا لله عند الشدة التي نزلت بهم التوحيد، وأفردوا له الطاعة، وأذعنوا له بالعبودة، ولم يستغيثوا بآلهتهم وأندادهم، ولكن بالله الذي خلقهم، فلما نجاهم إلى البرِّ، يقول: فلما خلصهم مما كانوا فيه، وسلمهم فصاروا إلى البر إذا هم يجعلون مع الله شريكًا في عبادتهم، ويدعون الالهة والأوثان معه أربابًا\" (^١).\nويقول الإمام البغوي: \"هذا إخبار عن عنادهم وأنهم عند الشدائد يقرون أن القادر على كشفها هو الله ﷿ وحده فإذا زالت عادوا إلى كفرهم. قال عكرمة: كان أهل الجاهلية إذا ركبوا البحر حملوا معهم الأصنام، فإذا اشتدت بهم الريح ألقوها في البحر، وقالوا: يا رب يا رب\" (^٢).\nويؤيده قول قتادة في الآية: \"إن الكافر يعرض عن معبوده في وقت البلاء، ويقبل على الله تعالى كما أخبر الله ﷿ عنهم فقال: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، والمؤمن لا يعرض عن الله في السراء والضراء والشدة والرخاء\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢١/ ١٣).\n(^٢) تفسير البغوي (٣/ ٤٧٤)، وانظر: تفسير السمعاني (٤/ ١٩٣).\n(^٣) تفسير الطبري (١/ ١٣٦).","vol":"2","page":1057},{"text":"ويقول الإمام القرطبي: \"قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾؛ يعني: السفن وخافوا الغرق ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، أي: صادقين في نياتهم، وتركوا عبادة الأصنام ودعاءها، ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾، أي: يدعون معه غيره وما لم ينزل به سلطانًا\" (^١).\nوقال العلامة الشوكاني: \" ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: انقطع رجاؤهم من الحياة وخافوا الغرق رجعوا إلى الفطرة، فدعوا الله وحده كائنين على صورة المخلصين له الدين؛ بصدق نياتهم وتركهم عند ذلك لدعاء الأصنام، لعلمهم أنه لا يكشف هذه الشدة العظيمة النازلة بهم غير الله سبحانه، فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون\" (^٢).\nثانيًا: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)﴾ [يونس: ٢٢].\nيقول أبو عبد الله القرطبي: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾؛ أي: دعوه وحده وتركوا ما كانوا يعبدون، وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد، وأن المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافرًا، لانقطاع الأسباب، ورجوعه إلى الواحد رب الأرباب\" (^٣).\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١٣/ ٣٦٣).\n(^٢) تفسير الشوكاني (٤/ ٢١١)، وانظر: تفسير البيضاوي (٤/ ٣٢٣).\n(^٣) تفسير الطبري (٨/ ٣٢٥)، وقال أيضًا: \"وقوله: (فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون) فأجابهم عند ضرورتهم ووقوع إخلاصهم مع علمه أنهم يعودون إلى شركهم وكفرهم، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فيجيب المضطر لموضع اضطراره وإخلاصه\". [المراجع نفسه (١٣/ ٢٢٣)، وانظر: فتح القدير للشوكاني (٤/ ١٤٧)].","vol":"2","page":1058},{"text":"ويقول الحافظ ابن كثير: \" ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾؛ أي: لا يدعون معه صنمًا ولا وثنًا، بل يفردونه بالدعاء والابتهال، وقال ها هنا: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ﴾؛ أي: هذه الحال ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)﴾؛ أي: لا نشرك بك أحدًا، ولنفردنك بالعبادة هناك كما أفردناك بالدعاء ها هنا\" (^١).\nويقول الشيخ الشنقيطي: \"واعلم أن الكفار في زمن النبي -ﷺ- كانوا يعلمون علمًا يقينًا أن ما ذكر من إجابة المضطر، وكشف السوء عن المكروب: من خصائص الربوبية، وكانوا إذا دهمتهم الكروب؛ كإحاطة الأمواج بهم في البحر في وقت العواصف يخلصون الدعاء لله وحده؛ لعلمهم أن كشف ذلك من خصائصه، فإذا أنجاهم من الكرب رجعوا إلى الإشراك \" (^٢).\nثالثًا: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ [الأنعام: ٤٥، ٤١].\nيقول الإمام الطبري في معنى قوله تعالى: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾: \"يقول تعالى ذكره مكذبًا لهؤلاء العادلين به الأوثان: ما أنتم أيها المشركون بالله الآلهة والأنداد، ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ بمستجيرين بشيء غير الله في حال شدة الهوة النازل بكم؛ من آلهة، ووثن، وصنم، بل تدعون هناك ربكم الذي خلقكم، وبه تستغيثون، وإليه تفزعون دون كل شيء غيره، ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾، يقول: فيفرج عنكم عند استغاثتكم به، وتضرعكم إليه عظيم البلاء النازل بكم إن شاء أن يفرج ذلك عنكم؛ لأنَّه القادر على كل شيء، ومالك كل شيء دون ما تدعونه إلهًا من الأوثان، والأصنام، ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ يقول\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٢/ ٤١٣ - ٤١٤).\n(^٢) أضواء البيان (٧/ ٤٠٧).","vol":"2","page":1059},{"text":"وتنسون حين يأتيكم عذاب الله أو تأتيكم الساعة بأهوالها ما تشركونه مع الله في عبادتكم إياه فتجعلون له ندًّا من وثن وصنم وغير ذلك مما تعبدونه من دونه وتدعونه إلهًا\" (^١).\nويقول الرازي في معنى الآية: \"قل يا محمد لهؤلاء الكفار: إن أتاكم عذاب الله في الدنيا، وأتاكم العذاب عند قيام الساعة، أترجعون إلى غير الله في دفع ذلك البلاء والضر، أو ترجعون فيه إلى الله تعالى، ولما كان من المعلوم بالضرورة أنهم إنما يرجعون إلى الله تعالى في دفع البلاء والمحنة، لا إلى الأصنام والأوثان، لا جرم قال: ﴿... تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾، يعني: أنكم لا ترجعون في طلب دفع البلية والمحنة إلا إلى الله تعالى\" (^٢).\nوقال الشيخ السعدي في تفسير الآية: \"فإذا كانت هذه حالكم مع أندادكم عند الشدائد: تنسونهم، لعلمكم أنهم لا يملكون لكم ضرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، وتخلصون لله الدعاء؛ لعلمكم أنه هو الضار النافع، المجيب لدعوة المضطر، فما بالكم في الرخاء تشركون به، وتجعلون له شركاء، هل دلكم على ذلك عقل، أو نقل، أم عندكم من سلطان بهذا، أم تفترون على الله الكذب\" (^٣).\nوقال أبو حيان: \"وظاهر قوله: ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ النسيان حقيقة والذهول والغفلة عن الأصنام، لأن الشخص إذا دهمه ما لا طاقة له بدفعه تجرد خاطره من كل شيء إلا من الله الكاشف لذاك الداهم، فيكاد يصير الملجأ إلى التعلق بالله والذهول عن من سواه، فلا يذكر غير الله القادر على كشف ما دهم\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٧/ ١٩٢)، وانظر: تفسير القرطبي (٦/ ٤٢٣).\n(^٢) التفسير الكبير (١٢/ ١٨٤).\n(^٣) تفسير السعدي (ص ٢٥٦).\n(^٤) تفسير البحر المحيط (٤/ ١٣٣)، وانظر: تفسير الثعلبي (٤/ ١٤٧).","vol":"2","page":1060},{"text":"رابعًا: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨)﴾ [الزمر: ٨]، وقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [الروم: ٣٣]، وقال ﷿: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾ [الإسراء: ٦٧]، وغير ذلك من الآيات التي تقرر حال الإنسان عمومًا عند السراء والرخاء والنعمة وحال مشركي العرب خاصة.\nيقول الإمام الطبري في تأويل الآية: \"يقول تعالى ذكره وإذا مس هؤلاء المشركين الذين يجعلون مع الله إلهًا آخر ضرٌ فأصابتهم شدة، وجدوب، وقحوط دعوا ربهم، يقول: أخلصوا لربهم التوحيد، وأفردوه بالدعاء والتضرع إليه، واستغاثوا به منيبين إليه، تائبين إليه من شركهم وكفرهم، ثم إذا أذاقهم منه رحمة، يقول: ثم إذا كشف ربهم تعالى ذكره عنهم ذلك الضر وفرَّجه عنهم، وأصابهم برخاء، وخصب وسعة، إذا فريق منهم يقول: إذا جماعة منهم بربهم يشركون يقول: يعبدون معه الآلهة والأوثان\" (^١).\nوقال الإمام السمعاني: \"وقوله: ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾؛ أي: منقلبين إليه بالدعاء؛ ومعناه: أنهم إذا وقعوا في الشدة تركوا دعاء الأصنام ودعوا الله وحده\" (^٢).\nويقول الشيخ السعدي: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ﴾: مرض أو خوف من هلاك ونحوه ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾، ونسوا ما كانوا به يشركون في تلك الحال؛ لعلمهم أنه لا يكشف الضر إلا الله ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢١/ ٤٣)، وانظر: تفسير القرطبي (١٤/ ٣٣).\n(^٢) تفسير السمعاني (٤/ ٢١٤).","vol":"2","page":1061},{"text":"رَحْمَةً﴾ فشفاهم من مرضهم، وآمنهم من خوفهم ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ ينقضون تلك الإنابة التي صدرت منهم، ويشركون به ... وكل هذا كفر بما آتاهم الله وَمَنَّ به عليهم، حيث أنجاهم، وأنقذهم من الشدة، وأزال عنهم المشقة، فهلا قابلوا هذه النعمة الجليلة بالشكر، والدوام على الإخلاص له في جميع الأحوال\" (^١).\nويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)﴾ [الإسراء: ٦٧ - ٦٩]: \"بَيَّنَ جل وعلا في هذه الآيات الكريمة أن الكفار إذا مسهم الضُّرُّ في البحر؛ أي: اشتدت عليهم الريح فغشيتهم أمواج البحر كأنَّها الجبال، وظنوا أنهم لا خلاص لهم من ذلك، ضل عنهم، أي: غاب عن أذهانهم وخواطرهم في ذلك الوقت كل ما كانوا يعبدون من دون الله جل وعلا، فلا يدعون في ذلك الوقت إلا الله جل وعلا وحده؛ لعلمهم أنه لا ينقذ من ذلك الكرب وغيره من الكروب إلا هو وحده جل وعلا، فأخلصوا العبادة والدعاء له وحده في ذلك الحين الذي أحاط بهم فيه هول البحر، فإذا نجَّاهم الله وفرَّج عنهم ووصلوا البر رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر\" (^٢).\nخامسًا: ومما يدل على أن المشركين يخلصون الدعاء وقت الشدة ما رواه سعد بن أبي وقاص في قصة إسلام عكرمة، وفيه: (وأما عكرمة فركب البحر، فأصابتهم عاصف، فقال أصحاب السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئًا ها هنا، فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني من\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٦٤١ - ٦٤٢)، وانظر: (ص ٧٢٠).\n(^٢) أضواء البيان (٣/ ١٧١ - ١٧٢).","vol":"2","page":1062},{"text":"البحر إلا الإخلاص، لا ينجيني في البر غيره، اللَّهُمَّ إن لك علي عهدًا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدًا -ﷺ- حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوًا كريمًا فجاء فأسلم) (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-304> المسألة الثالثة* أقوال أهل العلم في اعتماد معنى القاعدة</span>\nتواتر ذكر معنى القاعدة في كلام أهل العلم وتقريراتهم، وفيما يأتي أذكر بعضًا مما وقفت عليه من ذلك مما يشير إلى اعتماد العلماء لمعنى القاعدة:\nيقول الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب: \"القاعدة الرابعة: أنَّ مشركي زَمانِنَا أغلظُ شِرْكًا مِنَ الأوَّلين؛ لأن الأولينَ يُشركُونَ في الرخاءِ ويُخْلصونَ في الشدةِ، ومُشركُو زَماننا شركُهم دائمًا في الرخاء والشدة\" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في السُّنن الصغرى، كتاب تحريم الدم، باب: الحكم في المرتد (٧/ ١٠٥ - ١٠٦)، برقم (٤٠٦٧)، وأبو داود في سننه، كتاب الجهاد، باب: قتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام (٣/ ٥٩)، برقم (٢٦٨٣)، وذكره الهيثمي من طريقين، ثم قال عقبهما: ورجالهما ثقات، مجمع الزوائد (٦/ ١٦٩)، والحاكم في المستدرك في ذكر مناقب عكرمة ابن أبي جهل (٣/ ٢٦٩)، برقم (٥٠٥٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٠٤)، برقم (٣٦٩١٣)، وأبو يعلى في مسنده (٢/ ١٠٠)، برقم (٧٥٧)، والبزار في مسنده (٣/ ٣٥٠)، برقم (١١٥١)، وذكره العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة. [انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ٣٠٠)، برقم (١٧٢٣)، وصحيح الجامع حديث رقم (٢٤٢٦)].\n(^٢) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٢/ ٢٦)، وقال ﵀ أيضًا: \"فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا بأمرين؛ أحدهما: أن الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء والأوثان مع الله إلا في الرخاء، وأما في الشدة فيخلصون لله الدعاء\". [كشف الشبهات ضمن مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٦/ ١٢٤)].","vol":"2","page":1063},{"text":"ويقول ﵀ أيضًا: \"فإذا فهمت هذا، ورأيت العجب، فاعرف، وحقق: المسألة الرابعة، وهي: أن الذين في زمن رسول الله -ﷺ- لا يشركون دائمًا، بل تارة يشركون، وتارة يوحدون، ويتركون دعاء الأنبياء، والشياطين، فإذا كانوا في السراء دعوهم، واعتقدوا فيهم، وإذا أصابهم الضر، والألم الشديد، تركوهم، وأخلصوا لله الدين، وعرفوا: أن الأنبياء، والصالحين، لا يملكون نفعًا، ولا ضرًّا\" (^١).\nويقول الشيخ سليمان بن سحمان: \"وأما كون الكفار في زمن رسول الله -ﷺ- لا يشركون دائمًا، بل تارة يشركون، وتارة يوحدون، ويتركون دعاء الأنبياء والصالحين، وذلك أنهم إذا كانوا في السراء دعوهم، واعتقدوا بهم، وإذا أصابهم الضر والشدائد تركوهم وأخلصوا لله الدين، وعرفوا أن الأنبياء والصالحين لا يملكون ضرًّا ولا نفعًا\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-305> المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nللقاعدة فوائد عديدة أذكرها فيما يأتي:\nأولًا: بالنظر إلى حال من وقع في الشرك من هذه الأمة يظهر الفرق الكبير، والبون الشاسع بين الشرك القديم، الذي كان على عهد المصطفى ﵇، وبين الشرك في هذه الأوثان، وإن كان جميعه شركًا مخلدًا في النار، لكن بعض الشر أهون من بعض، فالشرك عند العرب لا يكون إلا في الرخاء، أما في الشدة فإنَّهم يرجعون إلى الله بالإخلاص وإفراده بالعبادة، وذلك بخلاف الشرك اليوم فإن أصحابه يشركون في الرخاء والشدة، بل إنهم يزدادون شركًا وضلالًا حال الشدة، فيعظم\n_________\n(^١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٢/ ٢٩).\n(^٢) الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق (ص ٣٩٧ - ٣٩٨).","vol":"2","page":1064},{"text":"تعلقهم بالمعبود، وتنعقد قلوبهم عليه، ولا تكاد ألسنتهم تفتر من ذكره، وسؤاله، والاستغاثة به، والرغب فيما عنده، والالتجاء إليه، أما الأوائل فإذا نزلت بهم الكربة والشدة لا يعبدون إلا الله، وينسون معبوداتهم من دون الله تعالى.\nيقول الشيخ سليمان بن سحمان: \"وأما مشركو أهل هذه الأزمان فإنه لا يشتد شركهم إلا إذا وقعت بهم الشدائد، فإنهم ينسون الله، ولا يدعون إلا معبودهم، فشركهم دائم في الرخاء والشدة، وهذا أمر معلوم مشاهد، لا ينكره إلا مكابر في الحسيات، مباهت في الضروريات\" (^١).\nويقول الشيخ حافظ الحكمي: \"وهؤلاء أعظم شركًا وأشد؛ لأنَهم يشركون في الرخاء وفي الشدة، بل هم في الشدة أكثر شركًا، وأشد تعلقًا بهم من حالة الرخاء، وأما مشركو الجاهلية الأولى فيشركون في الرخاء ويخلصون لله في الشدة\" (^٢).\nويقول ﵀ أيضًا: \"وهذا بخلاف مشركي زماننا اليوم من عباد القبور وغيرها، فإنَّهم يشركون في الشدة أضعاف شركهم في الرخاء، حتى إن كانوا ينذرون لهذا الولي في الرخاء ببعير، أو تبيع، أو شاة، أو دينار، أو درهم، أو نحو ذلك فأصابتهم الشدة زادوا ضعف ذلك، فجعلوا له بعيرين، أو تبيعين، أو شاتين، أو دينارين، أو درهمين، أو غير ذلك، وأيضًا فإنهم يعتقدون فيهم من صفات الربوبية، وأنهم متصرفون فيما لا يقدر عليه إلا الله، وغلا بعضهم حتى جعل منهم المتصرف في تدبير الكون على سبيل الاستقلال، ويقولون فيه: إنها لا تتحرك ذرة ولا تسكن إلا بإذن فلان، تعالى الله وتقدس، وجل وعلا عن أن يكون معه إله غيره، أو يكون له شريك في الملك، أو ولي\n_________\n(^١) الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق (ص ٣٩٨).\n(^٢) معارج القبول (٢/ ٥٣٩).","vol":"2","page":1065},{"text":"من الذل\" (^١).\nوبهذا يتبيَّن الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين، والنصوص فرَّقت بين الشركين، وفرقت بين حالتي الشدة والغفلة؛ فالشدة يتبعها الإخلاص والتوبة والإنابة، والرخاء والسعة يتبعهما الانتكاس والغفلة، وعليه فشرك الأولين أخف، وشرك المتأخرين أعظم وأغلظ، وإن كان كلّ منهما مشرك، ولكن الشرك يتفاوت، بعضه أغلظ من بعض.\nيقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعد ذكره لهذه القاعدة: \"فمن فهم هذه المسألة التي وضحها الله في كتابه: وهي أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله -ﷺ- يدعون الله ويدعودن غيره في الرخاء، وأما في الضراء والشدة فلا يدعولن إلا الله وحده لا شريك له، وينسون سادتهم، تبيَّن له الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين، ولكن أين من يفهم قلبه هذه المسألة فهمًا راسخًا؛ والله المستعان\" (^٢).\nثانيًا: الذي قاد المشركين إلى إخلاص العبادة لله تعالى حال الشدة والكربة، ورجوعهم إلى الله تعالى إيمانهم وإقرارهم بربوبية الله تعالى، وأنه الخالق والمتصرف في هذا الكودن، وكونه يستحق أن يعبد -﷾-، وهذا إدن دلَّ على شيء فإنما يدل على توحيدهم بربوبية الله تعالى، ورجوعهم إلى الفطرة التي فطر الله عليها الخلق، فميّزوا وعرفوا أنه لا ينجي حال حصول الشدائد والآفات، ووقوع المصائب والكربات، وتلاطم أمواج البحار، وعتو الرياح، إلا المولى ﷾.\nيقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: \"يقرر تعالى أنه الإله الواحد الذي لا شريك له، ولا معبود سواه مما يشترك في معرفته المؤمن والكافر؛ لأن القلوب مفطورة على ذلك، فمتى جاء الاضطرار رجعت\n_________\n(^١) معارج القبول (٢/ ٤٨٥).\n(^٢) كشف الشبهات ضمن مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٦/ ١٢٤).","vol":"2","page":1066},{"text":"القلوب إلى الفطرة، وزال ما ينازعها فالتجأت إليه، وأنابت إليه وحده لا شريك له، ومثل هذا كثير في القرآن؛ يبين تعالى أنه المدعو عند الشدائد، الكاشف للسوء وحده، فيكون هو المعبود وحده، ومن المعلوم أن المشركين كانوا يعلمون أنه لا يقدر على هذه الأمور إلا الله وحده، وإذا جاءتهم الشدائد أخلصوا الدعاء لله كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ [العنكبوت: ٦٥] \" (^١).\nوذلك بخلاف ما يعتقد كثير من الجهلة: وهو أن الولي له التصرف في الخلق؛ جلبًا، وصرفًا، فيزعمون أن الأولياء لهم التصرف في الكون كاملًا، وأن الله أعطاهم التصرف، والكشف، والخطوة إلى ما يريدون، وهذا بلا ريب أعظم من شرك السابقين.\nثالثًا: أشارت القاعدة إلى اضطراب المشركين وعدم ثبات الإيمان في قلوبهم، وأنهم لا يكادون يرجعون إلى الله بالتوحيد وإفراده بالعبادة حال الشدة والكرب، إلا وسرعان ما ينقلبون وينتكسون على رؤوسهم حال الرخاء والنعماء؛ ولذا كان توحيدهم هباء، وعبادتهم سدى، ولا يوصفون بأنهم عابدون لله تعالى وإن وقعت منهم العبادة بعض الأحيان.\nيقول الإمام ابن القيم: \"وأنتم لما عبدتم غيره فلستم من عابديه، وإن عبدوه في بعض الأحيان؛ فإن المشرك يعبد الله ويعبد معه غيره كما قال أهل الكهف: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [الكهف: ١٦]؛ أي: اعتزلتم معبودهم إلا الله فإنكم لم تعتزلوه، وكذا قال المشركون عن معبودهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فهم كانوا يعبدون الله ويعبدون معه غيره، فلم ينتف عنهم الفعل لوقوعه منهم، ونفي الوصف؛ لأن من عبد غير الله لم يكن ثابتًا على عبادة الله، موصوفًا\n_________\n(^١) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص ١٩٢).","vol":"2","page":1067},{"text":"بها، فتأمل هذه النكتة البديعة، كيف تجد في طيها: أنه لا يوصف بأنه عابد الله، وعبده المستقيم على عبادته إلا من انقطع إليه بكليته، وتبتل إليه تبتيلًا، لم يلتفت إلى غيره، ولم يشرك به أحدًا في عبادته، وأنه وإن عبده وأشرك به غيره فليس عابدًا لله، ولا عبدًا له\" (^١).\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (١/ ١٤٤ - ١٤٥).","vol":"2","page":1068},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>المبحث الرابع\nقاعدة دين الحنفاء ليس فيه واسطة بين الله وخلقه في الربوبية والألوهية، والرسل وسائط في التبليغ والدلالة</span>\nوفيه مسائل:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-307> المسألة الأولى* بيان معاني مفردات القاعدة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>معنى الواسطة لغة واصطلاحًا:</span>\nالواو والسين والطاء: بناء صحيح يدلُّ على العَدل والنِّصف، وأعدل الشيء أوسطه (^١)، ووسط الشيء: ما بين طرفيه، أو ما له طرفان متساويا القدر، ويقال: (وَسَط) في الكمية المتصلة، كالجسم الواحد، وفي الكمية المنفصلة كشيء يفصل بين جسمين يقال: (وَسْط)، والتوسط بين الناس من الوساطة، فالذي يقوم بالتوسط بين شيئين هو الواسطة، التي توصل أحد الطرفين بالآخر (^٢).\n_________\n(^١) انظر: معجم مقاييس اللغة (٦/ ١٠٨).\n(^٢) انظر: لسان العرب لابن منظور (٧/ ٤٢٧)، والمفردات في غريب القرآن للراغب =","vol":"2","page":1069},{"text":"والوساطة: عمل الوسيط، وهي التوسط بين الشيئين أو الموجودين، إذا كان هذان الشيئان، أو الموجودان مستقلين في الواقع عن ذلك التوسط (^١).\nولقد شاع استعمال الواسطة في عصرنا بمعنى الجاه والمكانة (^٢).\nومن العلماء من عبر بالواسطة عن الوسيلة والشفاعة.\nكما يقول الإمام ابن القيم: \"وتسقط الوسائط بينك وبينه -أي: النبي -ﷺ- إلا في التبليغ، كما تسقط الوسائل بينك وبين المُرسل في العبودية، ولا تثبت وساطة إلا في وصول أمره ونهيه ورسالته إليك\" (^٣)، فعبَّر عن الواسطة بالوسيلة.\nويقول الألولسي: \"والوسيلة في الأصل الواسطة التي يتوسل ويتقرب بها إلى الشيء وهي هنا الطاعة\" (^٤).\nويقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: \"وإما على سبيل الوساطة بينهم وبين الله بالشفاعة وهذا شرك الذين قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] \" (^٥).\nويقول الشيخ ابن عثيمين: \"الواسطة: هي الشفاعة للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة\" (^٦).\nوالذي يظهر أن الواسطة تتناول الوسيلة والشفاعة، ومطلق التوسط بين شيئين، فكل وسيلة هي واسطة يتوصل بها إلى الشيء المراد،\n_________\n= (ص ٥٢٢)، والتوقيف على مهمات التعاريف للمناوي (ص ٧٢٥)، مختار الصحاح (ص ٣٠٠).\n(^١) المعجم الفلسفي للدكتور جميل صليبا (٢/ ٥٧٢).\n(^٢) انظر: رسالة الواسطة بين الله وخلقه، إعداد: المرابط بن محمد الشنقيطي (ص ٢٢).\n(^٣) مدارج السالكين (٣/ ١٤٤).\n(^٤) روح المعاني (١٥/ ١٢٦).\n(^٥) تيسير العزيز الحميد (ص ٢٣٨).\n(^٦) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (٥/ ٦١).","vol":"2","page":1070},{"text":"وكذلك الشفاعة هي توسط الشافع للمشفوع له عند المشفوع إليه (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-309> المسألة الثانية* معنى القاعدة</span>\nدلت القاعدة على نوعين من الواسطة:\nالنوع الأول: واسطة منفية وهي واسطة شركية بدعية.\nوالثاني: واسطة مثبتة وهي واسطة شرعية إيمانية (^٢).\nفأما الواسطة الشركية البدعية فهي المنفية عن دين الحنفاء -وهو دين الإسلام العام (^٣) - فليس فيه واسطة بين الله وخلقه، لا في أمور الربوبية؛ من الخلق والرزق، والنفع والضر، وإجابة الدعاء، والنصر على الأعداء، وتفريج الكربات، والحفظ والهداية، ولا في شيء من أمور الألوهية، من عبادة الله تعالى، والتقرب إليه بالدعاء والاستعانة وغير ذلك من أنواع العبادات، فالحنفاء يوحدون ربهم في ربوبيته وألوهيته بدون واسطة لا من البشر ولا من غير البشر.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وأما خلق الله تعالى للخلق ورزقه إياهم،\n_________\n(^١) انظر: رسالة الواسطة بين الله وخلقه، للمرابط يسلم الشنقيطي (ص ٢٠ - ٢٥).\n(^٢) الناس في الواسطة بنوعيها بين مثبت ونافي، وبيان ذلك كما يلي:\nالفلاسفة: الذين يقولون: إن الكواكب والروحانيات، والعقول المدبرة هي الواسطة بين الله وخلقه.\nالرافضة: الذين يزعمون أن الأئمة من أهل البيت هم الواسطة بين الله والناس.\nالصوفية: الذين يدعون أن أرباب الطرق، وشيوخ الفرق هم الواسطة بين الحق والخلق، كما أن منهم ينفي الواسطة في التبليغ والرسالة فيعتقدون أنهم يتلقون من الله مباشرة وهو ما يعرف عندهم بالعلم اللدني.\nأهل المذهب الحق: الذين يفصلون فيثبتون الواسطة في التبليغ والرسالة، وينفونها في العابدة. [انظر: الواسطة بين الله وخلقه عند أهل السُّنَّة ومخالفيهم، للمرابط الشنقيطي (ص ٥، ٩٥)].\n(^٣) انظر: قاعدة دين الأنبياء واحد (ص ٧٥) من هذه الرسالة.","vol":"2","page":1071},{"text":"وإجابته لدعائهم، وهدايته لقلوبهم، ونصرهم على أعدائهم وغير ذلك من جلب المنافع ودفع المضار فهذا لله وحده يفعله بما يشاء من الأسباب، لا يدخل في مثل هذا وساطة الرسل\" (^١).\nوجميع هذه الأمور التي ذكرها شيخ الإسلام تتعلق بصفات الربوبية.\nويقول -﵀-: \"وإن أراد بالواسطة أن لا بد من واسطة في جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم، يسألونه ذلك ويرجعون إليه فيه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين\" (^٢).\nويقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الإسراء: ٥٧]: \"يقول تعالى قل يا محمد لهؤلاء المشركين الزاعمين أن لله شريكًا من خلقه، العابدين معه غيره ليقربهم إليه زلفى: لو كان الأمر كما يقولون وأن معه آلهة تعبد لتقرب إليه، وتشفع لديه، لكان أولئك المعبودون يعبدونه ويتقربون إليه، ويبتغون إليه الوسيلة والقربة، فاعبدوه أنتم وحده كما يعبده من تدعونه من دونه، ولا حاجة لكم إلى معبود يكون واسطة بينكم وبينه فإنه لا يحب ذلك ولا يرضاه بل يكرهه ويأباه وقد نهى عن ذلك على ألسنة جميع رسله وأنبيائه\" (^٣).\nوأما الواسطة الشرعية الإيمانية، فهي وساطة الأنبياء في تبليغ الرسالة، وإرشاد الأمة إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم، فكل وساطة من الله تعالى في تبليغ دينه وشرعه فهي وساطة شرعية إيمانية لا يصح إيمان الإنسان إلا بالإيمان بها واعتقادها واتباعها، ويدخل في ذلك وساطة الملائكة بين الله ورسله، ووساطة الأنبياء بين الله وخلقه، وكذلك وساطة\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١١/ ١٧١).\n(^٢) المصدر نفسه (١/ ١٢٣).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٣/ ٤٢).","vol":"2","page":1072},{"text":"العلماء بين النبي -ﷺ- وأمته، فجميع هذه الوساطات لا تخرج عن حيز التبليغ والدلالة، ولا يحق لها التوسط بين الله وخلقه في الربوبية والألوهية.\nوالملائكة من جملة تلك الوسائط لتبليغ الوحي والنزول بالشرائع من عند الله تعالى إلى أنبيائه ورسله، كما أنها واسطة في تدبير أوامر الله الكونية.\nيقول الشيخ الألوسي: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]: على القولين يحتمل أن يكون معناه جاعل الملائكة ﵈ وسائط بينه وبين أنبيائه، والصالحين من عباده يبلغون إليهم رسالته سبحانه بالوحي، والإلهام، والرؤيا الصادقة، أو جاعلهم وسائط بينه وبين خلقه ﷿ يوصلون إليهم آثار قدرته وصنعه؛ كالأمطار والرياح وغيرهما، وهم الملائكة الموكلون بأمور العالم\" (^١).\nويقول الشيخ السعدي: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾: في تدبير أوامره القدرية، ووسائط بينه وبين خلقه في تبليغ أوامره الدينية\" (^٢).\nوالمقصود أن الملائكة وسائط بين الله وبين تدبيره سبحانه لبعض أمور الكون، فهم من ضمن الأسباب التي يخلق الله بها ما يشاء من المسببات.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وأما أهل الهدى والفلاح؛ فيؤمنون بهذا وهذا، ويؤمنون بأن الله خالق كل شيء، وربه ومليكه، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو على كل شيء قدير، وأحاط بكل شيء علمًا، وكل شيء أحصاه في إمام مبين.\nويتضمن هذا الأصل من إثبات علم الله وقدرته ومشيئته ووحدانيته وربوبيته، وأنه خالق كل شيء، وربه ومليكه، ما هو من أصول الإيمان.\n_________\n(^١) روح المعاني (٢٢/ ١٦١).\n(^٢) تفسير السعدي (ص ٦٨٤).","vol":"2","page":1073},{"text":"ومع هذا فلا ينكرون ما خلقه الله من الأسباب التي يخلق بها المسببات كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦]، وقال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]، فأخبر أنه يفعل بالأسباب\" (^١).\nوبالنسبة للوحي فإن جبريل هو الواسطة بين الله تعالى وجميع أنبيائه ورسله، كما قال ﷿ في شأن الوحي إلى النبي -ﷺ-: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤].\nيقول الرازي في \"تفسيره\": \"وأما جبريل ﵇ فهو كان الواسطة بين الله تعالى وبين جميع الأنبياء، فكان عالمًا بكل الشرائع الماضية والحاضرة، وهو أيضًا عالم بشرائع الملائكة وتكاليفهم\" (^٢).\nويقول الألوسي: \"وقد دلت الآية على تعظيم جبريل، والتنويه بقدره، حيث جعله الواسطة بينه تعالى وبين أشرف خلقه، والمنزل بالكتاب الجامع للأوصاف المذكورة\" (^٣).\nكما أن الرسل هم الواسطة بيننا وبين الله تعالى في تبليغ الوحي وإيصال الشرائع والأحكام إلى الخلق.\nيقول أبو عبد الله القرطبي: \"وأن رسله صادقون في قولهم، ومؤيدون بالمعجزات من عند ربهم، وأنهم عبيد الله ورسله، وأنهم بشر مثلنا، إلا أن الله تعالى فضلهم: بأن جعلهم واسطة بينه وبين خلقه\" (^٤).\nويقول الشيخ السعدي في شأن عيسى ﵇ وما له من المنزلة عند\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ١١٢).\n(^٢) التفسير الكبير (٢/ ٢٠٨).\n(^٣) تفسير الألوسي (١/ ٣٣٣).\n(^٤) الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام، للقرطبي (ص ٤٤٠).","vol":"2","page":1074},{"text":"ربه ﵎: \"وكذلك يكلمهم كهلًا؛ أي: في حال كهولته، وهذا تكليم النبوة والدعوة والإرشاد، فكلامه في المهد فيه آيات وبراهين على صدقه ونبوته، وبراءة أمه مما يظن بها من الظنون السيئة، وكلامه في كهولته فيه نفعه العظيم للخلق، وكونه واسطة بينهم وبين ربهم في وحيه وتبليغ دينه وشرعه\" (^١).\nوكذلك الصحابة ﵃، والعلماء من بعدهم -سيما أهل الحديث- فهم الواسطة بيننا وبين النبي -ﷺ- في تلقي الوحي، ومعرفة الشرائع لا تكون إلا عن طريقهم؛ لأن هذا الدين ما كان ليصلنا كاملًا بدون نقص -بعد حفظ الله ﵎ له- بدون الصحابة ﵃؛ بصبرهم وجهادهم في سبيل الله لنصرة هذا الدين.\nيقول الإمام البيهقي (^٢) في وصفه لصحابة النبي -ﷺ-: \"وقطع الريب عن الرسول -ﷺ-، وعن الصحابة النجباء الذين اختارهم الله تعالى له وزراء وأصفياء، وخلفاء، وجعلهم السفراء بيننا وبينه -ﷺ- عن حق عداه أو عدوه، وصدق تجاوزوه\" (^٣).\nويقول الإمام ابن عبد البر: \"وكانوا أئمة يقتدي بهم من بعدهم ممن ينظر في دينه إليهم، لأنَّهم الواسطة بين النبي -ﷺ- وبين أمته\" (^٤).\nفأهل الحديث جعلهم الله أركان الشريعة، وهدم بهم كل بدعة شنيعة، فهم أمناء الله من خليقته، والواسطة بين النبي -ﷺ- وأمته، والمجتهدون في حفظ ملته، أنوارهم زاهرة، وفضائلهم سائرة، وآياتهم\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ١٣٠).\n(^٢) هو: الإمام حافظ الزمان أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي الشافعي، له العديد من المصنفات منها: \"السُّنن الكبرى والصغرى\"، \"دلائل النبوة\"، و\"شعب الإيمان\"، و\"الأسماء والصفات\" وغيرها، توفي سنة ٤٥٨ هـ. [انظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٦٣)، وطبقات الحفاظ (١/ ٤٣٢)].\n(^٣) كتاب الأسماء والصفات، البيهقى (٢/ ٣٨٥).\n(^٤) التمهيد (٢٣/ ١٩٥).","vol":"2","page":1075},{"text":"باهرة، ومذاهبهم ظاهرة، وحججهم قاهرة (^١).\nويقول الإمام ابن تيمية: \"ومن سوى الأنبياء؛ من مشايخ العلم والدين، فمن أثبتهم وسائط بين الرسول -ﷺ- وأمته؛ يبلغونهم، ويعلمونهم، ويؤدبونهم، ويقتدون بهم، فقد أصاب في ذلك. وهؤلاء إذا أجمعوا فإجماعهم حجة قاطعة، لا يجتمعون على ضلالة، وإن تنازعوا في شيء ردوه إلى الله والرسول\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-310> المسألة الثالثة * أدلة القاعدة</span>\nدلت القاعدة على نوعين من أنواع الواسطة، ولكل نوع منها أدلته الخاصة، وعليه فيحسن تصنيف الأدلة إلى قسمين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>الأول: الأدلة الدالة على الواسطة المثبتة الشرعية الإيمانية:</span>\nوهذه كما سبق هي الواسطة في تبليغ الوحي من الله تعالى إلى خلقه ويدخل في ذلك تبليغ جبريل لنبينا محمد -ﷺ-، وكذلك تبليغ الصحابة الذين للأمة متلقين له من نبيهم محمد -ﷺ-.\nفمما دل على كون الملائكة وسائط بين الله ورسله في تبليغ الوحي ما يلي:\nقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤]. فقد جاء عن ابن عباس ﵄ أن الروح الأمين: هو جبريل ﵇ (^٣).\n_________\n(^١) انظر: شرف أصحاب الحديث، البغدادي (ص ٨ - ٩).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١/ ١٢٥).\n(^٣) تفسير الطبري (١٩/ ١١٢)، وهو الذي رجحه ابن جرير الطبري ونقله عن: قتادة والضحاك.","vol":"2","page":1076},{"text":"وقال بهذا القول جملة من السلف، بل هو مما لا نزاع فيه (^١).\nومن ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ [البقرة: ٩٨].\nوقوله ﷿: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾ [الحج: ٧٥].\nيقول الحافظ ابن كثير في تفسير قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾: \"يقول تعالى: من عاداني وملائكتي ورسلي - ورسله تشمل رسله من الملائكة والبشر كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ - ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ وهذا من باب عطف الخاص على العام فإنهما دخلا في الملائكة في عموم الرسل (^٢)، ثم خُصِّصَا بالذكر؛ لأن السياق في الانتصار لجبرائيل، وهو السفير بين الله وأنبيائه\" (^٣).\nومن السُّنَّة حديث عمر بن الخطاب -﵁- المعروف بحديث جبريل الطويل، وفيه مجيء جبريل على صورة أعرابي وسؤاله عن الإسلام والإيمان والإحسان وأمور أخرى، فلما انصرف قال النبي -ﷺ-: \"يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم\" (^٤).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٣/ ٣٤٨).\n(^٢) في النسخة المحققة: (في الملائكة ثم عموم الرسل). [انظر: تفسير ابن كثير: (١/ ٥٠٨) بتحقيق ت مجموعة من الباحثين؛ منهم: مصطفى السيد، طبعة مؤسسة قرطبة].\n(^٣) تفسير ابن كثير (١/ ١٣٣).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب: سؤال جبريل النبي -ﷺ- عن الإيمان والإسلام والإحسان ... (١/ ٢٧)، رقم (٥٠)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان (١/ ٣٩)، رقم (٩).","vol":"2","page":1077},{"text":"فجميع هذه النصوص دلت على أن الواسطة في تبليغ الوحي إلى الأنبياء والرسل جميعًا هي الملائكة.\nيقول الرازي: \"فإذا ثبت أن وحي الله تعالى إنما يصل إلى البشر بواسطة الملائكة، فالملائكة يكونون كالواسطة بين الله تعالى وبين البشر\" (^١).\nكما أن الأنبياء واسطة بيننا وبين الله ﵎ في تبليغ الوحي والشرائع كما قال ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤]، وقوله سبحانه: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾ [الحج: ٧٥] وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠)﴾ [الحجر: ١٠].\nيقول الإمام ابن تيمية: \"والرسول هو الواسطة والسفير بينهم وبين الله ﷿، فهو الذي يبلغهم أمر الله ونهيه ووعده ووعيده، وتحليله وتحريمه: فالحلال ما حلله الله ورسوله، والحرام ما حرَّمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله\" (^٢).\nوقال ابن الوزير: \"وهذا رسول الله -ﷺ- وهو المبين لكتاب الله الواسطة المختارة بين الله وبين عباد الله \" (^٣).\nأما ما دون الأنبياء من الصحابة ومشايخ العلم والدين فهم واسطة كذلك بين النبي -ﷺ- وما علموه من الكتاب والسُّنَّة وبين الأمة، إذ هم ورثة الأنبياء فيجب عليهم التبليغ والبيان بقدر ما عرفوه من ذلك، ويدل على ذلك حديث عبد الله بن عمرو -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: \"بلِّغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمّدًا\n_________\n(^١) التفسير الكبير (٧/ ١١٣).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٣٥/ ٣٧٢).\n(^٣) إيثار الحق على الخلق، لابن الوزير اليماني (ص ١٤٠).","vol":"2","page":1078},{"text":"فليتبوأ مقعده من النار\" (^١).\nيقول الإمام الطحاوي في شرح هذا الحديث: \"فأوجب رسول الله -ﷺ- في هذا الحديث على أمته التبليغ عنه، ثم قد فرق رسول الله -ﷺ- بين التبليغ عنه والحديث عن غيره فقال وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج؛ أي: ولا حرج عليكم في أن لا تحدثوا عنهم في ذلك \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>القسم الثاني: الأدلة الدالة على الواسطة المنفية غير الشرعية:</span>\nبينَّا فيما سبق معنى هذه الواسطة المنفية، وهي اتخاذ أو اعتقاد واسطة بينك وبين الله تعالى فيما يتعلق بأمور الربوبية أو الألوهية، ولا شك في بطلان هذا الاتخاذ، بل مجرد اعتقاد مثل هذه الواسطة بينك وبين الله تعالى في شأن الربوبية والألوهية يعتبر مخرجًا من الإسلام، ومما يدل على بطلان هذه الوسائط ما يلي:\n١ - ما أمر به سبحانه عباده من إخلاص الدعاء له وحده والاستغاثة به واللجوء إليه وحده، وإنزال الحاجات والضرورات والشدائد به سبحانه دون ما سواه، ولم يقل سبحانه لعباده اطلبوا واسطة مناسبة تصلون بها إليَّ، أو أنه لا يمكن الوصول إليه إلا عن طريق تلك الوسائط، بل دلهم على دعائه سبحانه وحده مباشرة بدون أي وسائط، أو تدخلات من البشر، كما قال ﷿: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل (٣/ ١٢٧٥)، رقم (٣٢٧٤).\n(^٢) شرح معاني الآثار (٤/ ١٢٨).","vol":"2","page":1079},{"text":"وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾ [العنكبوت: ١٧].\nيقول الرازي في \"تفسيره \": \"ولم يقل (فقل إني قريب) فتدل على تعظيم حال الدعاء من وجوه؛ الأول: كأنه ﷾ يقول: عبدي أنت إنما تحتاج إلى الواسطة في غير وقت الدعاء، أما في مقام الدعاء فلا واسطة بيني وبينك\" (^١).\nفدعاء الله تعالى سواء كان دعاء عبادة أو دعاء مسألة يجب إخلاصه لله تعالى والعمل بطاعته وليس باتخاذ الوسائط طلبًا للقربة ورجاء في قبول الدعاء عند الله تعالى فما عند الله لا ينال بمعصيته.\nيقول الإمام الطبري عند الآية: \"فأخبر -ﷺ- أن دعاء الله إنما هو عبادته ومسألته بالعمل له والطاعة\" (^٢).\nكما أمر ﷾ عباده بإخلاص الدين له، وإفراده بالعبادة بدون واسطة أو شفاعة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾ [الزمر: ٢، ٣].\nيقول الحافظ ابن كثير: \"أي: فاعبد الله وحده لا شريك له، وادع الخلق إلى ذلك، وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا له وحده، وأنه ليس\n_________\n(^١) التفسير الكبير (٥/ ٨٤).\n(^٢) تفسير الطبري (٢/ ١٦٠).","vol":"2","page":1080},{"text":"له شريك، ولا عديل، ولا نديد، ولهذا قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾؛ أي: لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله وحده لا شريك له ... ثم أخبر ﷿ عن عباد الأصنام من المشركين أنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] \" أي: إن ما يحملهم على عبادتهم لهم، أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم، فعبدوا تلك الصور تنزيلًا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة؛ ليشفعوا لهم عند الله تعالى؛ في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمور الدنيا\" (^١).\n٢ - أن جعل الوسائط بين العبد وربه، والتقرب إليهم بالعبادة والتعظيم مناقض ومناف للحكمة الشرعية والغاية المطلوبة من إيجاد المخلوقات، وهي عبادة الله تعالى بإخلاص ومحبة وخضوع وإنابة وتضرع بين يديه، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ [الذاريات: ٥٦، ٥٧].\nفالذي يتقرب إلى الله بالوسائط قد عارض هذه الحكمة وهذه الغاية العظيمة، وصرف المحبة والخضوع والتعظيم والخوف والخشية لغير الله العظيم، فإن المتخذ للوسائط من دون الله تعالى يعتقد أنها توصله إلى الله، وتقربه منه، وأنه لا يستطيع الوصول إليه، والنيل من خيراته، والأمن من الشرور والمضار إلا عن طريق هذه الواسطة، وأن الله لا يقبل منه صرفًا ولا عدلًا إن لم يأته بواسطة، ولا شك أن هذا الاعتقاد يجعل قلبه يتعلق بهذه الواسطة فيصرف لها صنوفًا من العبادات والتعظيمات فيقع في الشرك بالله العظيم.\n٣ - أن التقرب إلى الله تعالى باتخاذ الوسائط فيه تشبه بالمشركين عبدة الأنبياء والصالحين، من عهد نوح ﵇ وإلى يومنا هذا، جميعهم\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٤/ ٤٦).","vol":"2","page":1081},{"text":"كان شركهم من قبيل اتخاذ الوسائط والشفعاء التي تقربهم إلى الله تعالى.\nقال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وقال ﷿ ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، وقوله: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾ [الأحقاف: ٢٨]، فهذه الآيات الكريمة واضحة في صنيع المشركين وأنهم لم يقصدوا من آلهتهم إلا الجاه والواسطة والشفاعة؛ أي: الواسطة التي تقربهم من الله تعالى، وترفع لهم دعاءهم ومسألتهم لتقضى لهم الحوائج.\nيقول ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾: \"أي: ليشفعوا لنا ويقربونا عنده منزلة، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك، وهذه الشبهة -أي: شبهة الشفاعة والواسطة- هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بردها والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم، لم يأذن الله فيه، ولا رضي به، بل أبغضه ونهى عنه\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-313> المسألة الرابعة * أقوال العلماء في اعتماد القاعدة</span>\nلا يخفى على القارئ ما أولاه أهل العلم من عناية فائقة، واهتمام بالغ، وحرص شديد، وتركيز كبير على مسألة الواسطة بنوعيها المثبتة والمنفية، وفيما يلي أنقل ما وقفت عليه من أقوال لأهل العلم؛\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٤/ ٤٦).","vol":"2","page":1082},{"text":"سواء كانت بالتنصيص على القاعدة، أو جاءت بمعناها:\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وهذا جهل بدين الحنفاء فإن الحنفاء ليس بينهم وبين الله تعالى واسطة في العبادة والدعاء والاستعانة بل يناجون ربهم ويدعونه ويعبدونه بلا واسطة، وإنما الرسل بلغتهم عن الله تعالى ما أمر به وأحبه من العبادات وغيرها، وما نهى عنه، فهم وسائط في التبليغ والدلالة\" (^١).\nويقول ﵀: \"والله سبحانه لم يجعل له أحدًا من الأنبياء والمؤمنين واسطة في شيء من الربوبية والألوهية مثل ما ينفرد به من الخلق والرزق وإجابة الدعاء، والنصر على الأعداء وقضاء الحاجات وتفريج الكربات، بل غاية ما يكون العبد سببًا مثل أن يدعو أو يشفع\" (^٢).\nويقول الإمام ابن القيم: \"وبالجملة فتجعل الرسول شيخك وأستاذك ومعلمك ومربيك ومؤدبك وتسقط الوسائط بينك وبينه إلا في التبليغ، كما تسقط الوسائل بينك وبين المرسل في العبودية، ولا تثبت وساطة إلا في وصول أمره ونهيه ورسالته إليك\" (^٣).\nويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: \"وبهذا التحقيق تعلم أن: ما يزعمه كثير من ملاحدة أتباع الجهال المدعين للتصوف، من أن المراد بالوسيلة في الآية الشيخ الذي يكون له واسطة بينه وبين ربه، أنه تخبط في الجهل والعمى، وضلال مبين وتلاعب بكتاب الله تعالى، واتخاذ الوسائط من دون الله من أصول كفر الكفار كما صرح به تعالى في قوله عسهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ \" (^٤).\nهذا ما وقفت عليه من أقوال لأهل العلم في التنصيص على القاعدة، أو في ذكرهم لمعناها.\n_________\n(^١) الرد على البكري (٢/ ٥٧٢).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٤٠).\n(^٣) مدارج السالكين (٣/ ١٤٤).\n(^٤) أضواء البيان (١/ ٤٠٣).","vol":"2","page":1083},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-314> المسألة الخامسة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها</span>\nيمكن الاستفادة من القاعدة وتطبيقها في عدة أمور:\nأولًا: إن دين الحنفاء جميعًا من لدن نوح ﵇ وحتى نبينا محمد -ﷺ- هو دين التوحيد وإفراده ﷿ بالعبادة، ورفض جميع الوسطاء والشفعاء بين العباد وخالقهم، لا يختلف في ذلك البتة، والله تعالى لم يشرع لأمة من الأمم اتخاذ الوسطاء في العبادة، بل حرمه سبحانه على جميع الأمم، وكان اتخاذهم لها سببًا لهلاكهم وعذابهم، فإن الله تعالى لا يحب الشرك ولا يشرعه أبدًا.\nثانيًا: إن جميع أهل الملل والأديان يؤمنون بالواسطة في التبليغ والدلالة، وهي أصل في جميع الأديان، ولا يصح إيمان الإنسان إلا بالإيمان بهذه الواسطة الشرعية.\nيقول الإمام ابن تيمية: \"وهذا مما أجمع عليه جميع أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى، فإنهم يثبتون الوسائط بين الله وبين عباده، وهم الرسل الذين بلغوا عن الله أمره وخبره قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]، ومن أنكر هذه الوسائط فهو كافر بإجماع أهل الملل\" (^١).\nثالثًا: إن مجرد اعتقاد كون هذا النبي أو ذاك الصالح واسطة بيننا وبين الله تعالى، تقرب العبد من ربه وتدنيه إليه، هو من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله ﵎، وإن لم يدع تلك الواسطة، ولم يسألها شيئًا؛ لأنه يكون حينئذٍ قد اعتقد النفع والضر بيد غير الله تعالى.\nيقول الإمام ابن القيم: \"ومن ظن أن له ولدًا أو شريكًا أو أن أحدًا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ١٢٢ - ١٢٣).","vol":"2","page":1084},{"text":"يشفع عنده بدون إذنه أو أن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم إليه أو أنه نصب لعباده أولياء من دونه يتقربون بهم إليه ويتوسلون بهم إليه ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه فيدعونهم ويحبونهم كحبه ويخافونهم ويرجونهم فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه\" (^١).\nرابعًا: التفريق بين الواسطة المنفية والوسيلة الشرعية، فالأولى شرك بالله العظيم، والثانية قربة قد رتب الله عليها الأجر والثواب.\nيقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: \"وأَما التوسل بالأموات إلى الله سبحانه، وجعلهم واسطة بينهم وبين الله، فهذا من أكبر المحرمات\" (^٢).\nخامسًا: دلت القاعدة على إبطال قول من زعم أنه يتلقى الدين عن غير طريق الرسول -ﷺ-، ولا شك في بطلان هذا القول، بل كفره، فإن من اعتقد أنه يسوغ له الخروج عن شريعة النبي -ﷺ- فهو كافر زنديق.\n_________\n(^١) زاد المعاد (٣/ ٢٣٣).\n(^٢) مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (١/ ١١٧)، كتاب العقيدة، تحت عنوان: إقامة الاحتفالات عند أضرحة الأولياء والشهداء ... برقم (٦٢).","vol":"2","page":1085},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-315>الخاتمة</span>\nوفي ختام هذه الرسالة أسأل الله ﵎ أن ينفعني بها وينفع بها كل من نظر فيها، ثم أرى من المفيد أن أسوق خلاصة الفوائد والنتائج التي حصلت عليها من خلال البحث، وأختصرها في النقاط التالية:\n١ - أهمية التقعيد في جميع العلوم وخاصة علم العقيدة؛ لأن قواعده تضمنت في الغالب أصول الدين وأسس الإسلام، فمن أعرض عن هذه القواعد ولم يحقق معانيها، وأتى بما يناقضها لم يكن ممن حقق التوحيد، أو أتى بأصل الإيمان، أو حتى بتمامه وكماله.\n٢ - أهمية توحيد العبادة، وأنه أساس الإسلام، فلا فوز للمسلم في الدنيا ولا في الآخرة إذا فقد نصيبه من هذا التوحيد العظيم، ولذا يجب أن يكون نصب أعين جميع الدعاة والمصلحين في دعوتهم للناس، فإن نجاتهم وسعادتهم مربوطة بتحقيقهم لهذا التوحيد.\n٣ - أن دين الأنبياء جميعًا دين واحد، وذلك لأن إلههم ومعبودهم واحد أحد، فرد صمد، فوحدة الدين دلت على وحدة المعبود، إذ لو كان هناك إلهان لكان هناك حتمًا ولا بد دينان، ولذهب كل إله بدينه وعابديه.\n٤ - استشعار نعمة الله تعالى فيما مَنَّ به على الإنسان بإنزال الشرع ومنحة العقل الذي ركَّبه فيه، فهو عزيز قوي بربه ﵎، لا يخاف ولا يتذلل ولا يخضع إلا لفاطر السموات والأرض؛ إذ كل ما سوى الله","vol":"2","page":1087},{"text":"لا يخرج عن أمره وسلطانه، بل هو ضعيف ذليل لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا فضلًا عن أن يملكه لغيره، كما أنه عزيز مكرم بهذا العقل الذي وهبه الله إياه، وميَّزه به عن سائر الحيوان، يدرك به ما ينفعه، ويتوصل به إلى أعلى درجات الرقي والتقدم فيما يصلح دينه ودنياه، ويحفظه عن كل ما فيه إهدار لقيمته، أو تحقير من شأنه ومنزلته، فلا يعتقد في كبير ولا صغير، ولا عظيم ولا حقير، فلا نافع له سوى ربه ومعبوده ﵎.\n٥ - كمال هذا الدين وأنه -ﷺ- قد بلغ جميع ما أنزل إليه من ربه ولم يكتم منه حرفًا واحدًا، وهو دين الإسلام بلغه بلا نقص ولا تقصير، فلم يبق فيه إشكال فيحتاج إلى حلّ ولا إجمال فيفتقر إلى تفصيل.\n٦ - أن الغاية العظيمة والحكمة الجليلة من خلق الخلق هو عبادته ﷾ وحده دون ما سواه، وفي معرفة الإنسان بهذه الغاية تتجلى قيمة الإنسان في هذا الكون، وأنه إنما خلق لغاية عظيمة، ومقصد شريف، ونهاية عزيزة، تؤول به إلى السعادة الدائمة، والنعيم المقيم.\n٧ - أن معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته هي أصل العبادة، وتمام العبادة متوقف على تمام هذه المعرفة، فكلما ازدادت معرفة العبد بربه كانت عبادته على غاية من التمام والكمال.\n٨ - أن ما قصده الرسول -ﷺ- من الأمكنة والبقاع بالعبادة، أو تحرّاها بإيقاع العبادة فيها، أو قصدها تشريعًا للأمة فمثل هذا تشرع متابعته فيها -ﷺ-، ويسن تحري تلك الأمكنة بالعبادة اقتداء به -﵊- طلبًا للقربة والثواب من الله ﵎، وذلك مثل قصده للصلاة عند مقام إبراهيم ﵇، وكقصده لعرفات ومزدلفة ومنى وغيرها من المواضع التي قصدها تقربًا وتشريعًا للأمة.\n٩ - أن تعظيم آثار الأنبياء والصالحين لا يكون بتمجيد آثارهم","vol":"2","page":1088},{"text":"الأرضية الترابية، وإنما يكون بتمجيد أفعالهم وأقوالهم وسيرتهم الحسنة التي يحبها الله ﵎ ويرضى عنها، هذا هو التعظيم النافع الذي تحتاجه الأمة المسلمة.\n١٠ - أن البركة والتبارك الواردين في النصوص الشرعية على قسمين:\nالأول: بركة متعلقة بالله تعالى؛ وهذه على نوعين:\nأ- بركة هي صفته ﷾ الذاتية، تضاف إليه إضافة الصفة للموصوف كإضافة الرحمة والعزة، ويأتي الفعل منها مبنيًا على صيغة الماضي وهو (تبارك).\nب- بركة هي فعله تعالى، والفعل منها (بارك) والمفعول (مُبَارَك).\nالثاني: بركة متعلقة بالمخلوق، وهي آثار فعله ﵎ بالمخلوق.\nوهذا النوع أعني البركة المتعلقة بالمخلوق ليست ملكًا للمخلوق بحيث يوجدها في نفسه أو في غيره متى شاء ومتى ما أراد، وإنما هي من إيجاد الرب ﵎ وخلقه لها، لكنه قد يسعى في استجلابها باتخاذ الأسباب الجالبة لها.\n١١ - أن اتخاذ القبلة التي يتوجه إليها حال العبادة يعتبر من الشعائر العظيمة التي يتقرب بها إلى الله تعالى، وما من أهل دين ولا ملة إلا ولهم قبلة يتوجهون إليها حال عبادتهم، ويعتبرونها من أعلام دينهم وشعائره التي تميزهم عن غيرهم.\n١٢ - أن التوجه الشرعي يكون على قسمين:\nالأول: توجه قلبي باطني.\nالثاني: توجه ظاهري، وقد يجتمعان في العبادة الواحدة، بل قد لا يعتبر أحدهما بدون الآخر في بعض الأحوال كما في الصلاة.","vol":"2","page":1089},{"text":"فالتوجه الباطني: هو الإقبال على الله تعالى بالكلية والانقياد له انقيادًا قلبيًا باطنيًا وقصده بأنواع العبادة الظاهرة والباطنة.\nوالتوجه الظاهري يكون بالوجه إلى جهة معينة وهي جهة القبلة التي شرعها الله حال العبادة.\nوالوجه إنما يتوجه حيث توجه القلب، فإذا توجه الوجه نحو جهة، كان القلب متوجهًا إليها، ولا يمكن للوجه أن يتوجه بدون القلب، فإسلام الوجه وإقامته وتوجيهه مستلزم لإسلام القلب وإقامته وتوجيهه.\n١٣ - أن ما يفعله بعض الناس من وضع اليد اليمنى على اليسرى أمام الحجرة النبوية هو من الهيئات الداخلة في حد الصلاة فلا يجوز أن تصرف لأحد سوى الله ﵎، كما أنها هيئة خضوع وذل لله شرعت في الصلاة، والصحابة عندما كانوا يسلمون على النبي -ﷺ- في حياته لم يكونوا يفعلون ذلك، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.\n١٤ - أنه لا يسمى شيء من العبادات عبادة إذا خلا قلب العابد عن التوحيد، ولا يوصف أحد بأنه عبد الله أو عابد لله إلا من تحقق قلبه بالتوحيد والإخلاص والبعد عن الشرك.\n١٥ - أن العبادة الشرعية تنبني على ركنين أساسيين؛ هما محبة المعبود والخضوع له، ولا يحصل أحدهما إلا بالآخر، وتمام كل واحد منهما بتمام الآخر.\n١٦ - أن الأعمال يحكم عليها بالصحة والفساد إما بسبب ذواتها، أو بسبب نياتها ومقاصدها، ولا شك أن المحرَّمات؛ سواء كانت في نفسها محرَّمة، أو كانت تؤدي إلى المحرم، كل ذلك مما يوصف بالفساد والبطلان بذاته، إذ الوسيلة إلى المحرَّم محرَّمة، ولو كانت المحرَّمات أو وسائلها صالحة، وكان نفعها غالب لما حرمت، وعليه فالنية مهما كانت صالحة وخالصة لله ﵎، فإنها لا تؤثر في المحرَّمات صحة","vol":"2","page":1090},{"text":"وصلاحًا، لأن الله أمرنا بترك المحرَّم والابتعاد منه، وهذا هو الواجب نحو كل ما حرَّمه الله تعالى، أو حرَّمه رسوله -ﷺ-، إذ لا يحلُّ لأحد أن يفعل المحرم بحجة أن نيته فيه صالحة، وأنه ما أراد من ورائه إلا الخير، وكل ذلك من تلبيس إبليس عليه لعنة الله.\n١٧ - أنواع التوحيد الثلاثة متلازمة، فلا يقوم واحد منها إلا باستقامة من النوعين الآخرين، وكمال أحدهما بكمال البقية، كما أن الخلل والانحراف في أي نوع منها هو خلل وانحراف في جملة التوحيد.\n١٨ - أن اعتراف المشركين وإقرارهم بتوحيد الربوبية لم يفدهم شيئًا، في تخليصهم من النار أو دخولهم الجنة؛ لأن إقرارهم هذا لا عبرة له، ولا يقبل منهم؛ لأنهم لم يأتوا بلازمه الرئيس الذي به يصح وهو توحيد العبادة.\n١٩ - أن ربوبية الله تعالى على خلقه نوعان:\nالأول: ربوبية عامة؛ وهي شاملة لجميع ما في الكون.\nالثاني: ربوبية خاصة: وهي ربوبية الهداية والرشاد والتأييد والنصر، وهي متعلقة بخواص خلقه من الأنبياء وأتباعهم.\n٢٠ - أن الربوبية والألوهية مفهومان متغايران؛ فلكل واحد مفهوم يخصه في حال اجتماعهما، وإذا افترقا دخل كل واحد منهما في الآخر وشمله في المعنى.\n٢١ - أن مدار أعمال العباد على تحقيق معنى الشهادتين باللسان والقلب والجوارح؛ فيطابق قول اللسان ما اعتقده القلب وصدقه وعمل به، ولا بد أن يلازم كل ذلك أعمال الجوارح والتي هي موجب ذلك القول والاعتقاد والعمل، وهي من أكبر دلائله وأعظم علاماته.\n٢٢ - أن المقصود بالنفي والإثبات في شهادة أن لا إله إلا الله هو","vol":"2","page":1091},{"text":"إثبات الألوهية الخالصة لله وحده دون ما سواه، ثم إفراده بجميع أنواع العبادة، وإبطال عبادة جميع ما يعبد من دونه في الوجود.\n٢٣ - أن المقصود بالنفي في كلمة التوحيد هو الكفر بالطاغوت.\n٢٤ - أن لفظ الطاغوت في عرف الشرع عام يشمل كل من طغى أو تجاوز حده من معبود أو متبوع أو مطاع.\n٢٥ - أن صحة الإيمان متوقفة على تحقيق الكفر بالطاغوت، بل لا يتصور وجود إيمان صحيح في القلب مع الإيمان بالطاغوت أو محبته أو تعظيمه.\n٢٦ - أن المحبة ليست من الأمور الملموسة التي يشترك الناس في معرفتها ووصفها، ولا تكشف حقيقتها إلا بذوقها ووجودها، وفرق بين ذوق الشيء ووجوده، وبين تصوره والعلم به.\n٢٧ - أن من آثار الفطرة التي فطر الله عليها عباده الحنيفية وإسلام الوجه بالتوحيد والخضوع والمحبة للخالق ﵎، ولا بد للفطرة لكي تستوجب آثارها أن تكون سليمة على خلقتها الأولى التي خلقت عليها.\n٢٨ - أن المؤمنين يتفاضلون تفاضلًا عظيمًا عند المولى -﷿- بحسب درجاتهم في تحقيق التوحيد؛ فمنهم من بلغ الغاية في تحقيقه كالأنبياء والرسل لا سيما أولوا العزم منهم، ومنهم من حققه تحقيقًا لا يصل به رتبة الرسل، كأهل العلم والصلاح وأهل التقى والطاعة، ومنهم من قصر في تحقيقه فصار ناقصًا مذمومًا بسبب تقصيره في تحقيقه.\n٢٩ - أنه ليس من شرط المحقق للتوحيد ألا يقع في المعاصي أبدًا، بل قد تحصل منه بعض الذنوب ولكنه سرعان ما يؤوب وينيب ويرجع إلى ربه ﵎ بالتوبة والاستغفار.\n٣٠ - أن الإقرار بتوحيد الربوبية، والإيقان بأن الله ﵎","vol":"2","page":1092},{"text":"هو الخالق والمالك والمدبر هو الأصل الذي يثمر توحيد الإلهية، ويتوصل به إلى توحيد العبادة، فتوحيد الله في ربوبيته هو الأساس والأصل الذي ينبني عليه توحيد العبادة.\n٣١ - أن العبادة ممنوعة ومحظورة وموقوفة ومحبوسة حتى يأتي الإذن بها من الله ﵎، فالله تعالى هو المعبود الحق، وهو الذي أمر بعبادته، وتشريعه للعبادة حقه الذي لا يشركه فيه أحد من الخلق، وعليه فلا يعبد إلا كما يريد ويحب -﷾-.\n٣٢ - أن من أعظم خصائصه -ﷺ- أن الله تعالى فرض طاعته واتِّباعه على العالم فرضًا مطلقًا وعامًا، وأوجب على الناس كافة التأسي به قولًا واعتقادًا، وفعلًا وتركًا، بلا قيد فيه، ولا شرط، ولا استثناء، وذلك بخلاف غيره من البشر.\n٣٣ - أن الوسائل لها أحكام المقاصد، هذا في الغالب الأعم ومن حيث الجملة؛ فإن كانت الوسيلة يتوقف عليها حصول المقصود فإنها تعطى حكمه تمامًا، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم المندوب إلا به فهو مندوب، وما لا يتم ترك المحرم إلا بتركه فتركه واجب، وهكذا.\nوأما إن كانت الوسيلة لا يتوقف عليها وحده حصول المقصود، وذلك عند تعدد الوسائل المؤدية إلى مقصود واحد، ففيه تفصيل؛ فإن كان المقصود منهيًا عنه أو مباحًا فتأخذ الوسيلة حكمه.\nوأما إن كان المقصود مطلوبًا ومأمورًا به؛ سواء أمر إيجاب أو استحباب فإحدى الوسائل تكون مطلوبة دون تعيين؛ لتوقف المقصود المطلوب على مباشرة إحدى هذه الوسائل، ومرد ذلك إلى اختيار المكلف واجتهاده، فيكون الأمر كالواجب المخير تمامًا، وبهذا يظهر أن القاعدة المذكورة أغلبية.","vol":"2","page":1093},{"text":"٣٤ - أن التشبيه هو حقيقة الشرك وموجبه وعلته الملازمة له، إذ لا ينفك الشرك وعبادة غيره سبحانه عن تشبيه واقع بين المخلوق والخالق، فمن صرف الدعاء لغيره -﷿- قد شبَّه ذلك الغير بالله تعالى بإعطائه أخص ما يستحقه سبحانه من التضرع والخضوع والذلة الملازمة للداعي.\n٣٥ - أن حقيقة الشرك هو التسوية بين الله تعالى وبين من أُشْرِكَ معه فيما يختص به في الذات أو الصفات أو الأفعال أو الحقوق.\n٣٦ - أن طلب الشفاعة من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا هو أو من غير إذنه شرك بالله تعالى؛ لأنَّها متضمنة لسؤال غير الله، والإقبال عليه، رغبة ورهبة، وفي هذا إعراض عن الله وقصده وإرادة وجهه، فلا يشرع دعاء الملائكة ولا من مات من الأنبياء والصالحين لما يترتب على ذلك من مفسدة الوقوع في الشرك بالله تعالى.\n٣٧ - الضابط لما يكون شركًا حال الخوف من غيره -﷾-، وهو اعتقاد القدرة التامة الغيبية، والمشيئة النافذة المستقلة في المخوف منه، بحيث يتصرف في الكون إما استقلالًا أو مع الله تعالى، فاجتمع هنا شركان؛ شرك في الربوبية باعتقاد القدرة في غيره سبحانه، وشرك في الإلهية بصرف عبادة الخوف القلبي لغيره -﷿-.\nوهذا الضابط ينسحب على كثير من العبادات كالرجاء والمحبة والتوكل وغيرها من أنواع العبادة؛ فمن رجا مخلوقًا أو توكل عليه معتقدًا فيه القدرة على جلب النفع وتحقيق المرجو بقدرته ومشيئته كان واقعًا في الشركين معًا.\n٣٨ - أن الاعتقاد في الأسباب، بكونها مؤثرة في المُسَبَّبات بذاتها بدون قدرة الله تعالى ومشيئته، أو مع المشاركة لله تعالى في القدرة والتأثير، شرك بالله تعالى يخرج صاحبه عن دائرة الإسلام، ويبطل الإيمان الذي في قلبه.","vol":"2","page":1094},{"text":"٣٩ - أن مالك الشفاعة هو الله تعالى، فلا يملكها مخلوق على الإطلاق لا مَلَكٌ مقرب، ولا نبي مرسل، ولا ولي ولا صالح ولا جن ولا إنس، بل هي حق الله الخالص الذي لا يشركه فيه مخلوق بحال.\n٤٠ - أن الأصل في الاستشفاع وهو طلب الشفاعة أن يكون من مالكها وهو الرب تعالى، أو ممن أَذن الله تعالى أن يستشفع به فمن طلبها من غير الله أو من غير من أذن له وقع في الشرك الأكبر.\n٤١ - أن مجيء الأمر من الله تعالى بدعائه سبحانه وحده، والنهي عن دعاء أحد سواه يتناول كلا نوعي الدعاء؛ دعاء العبادة ودعاء المسألة، وعليه فجميع ما ورد في القرآن من الأمر بدعاء الله وحده، أو النهي عن دعاء غيره يصح تفسيره بدعاء العبادة ودعاء المسألة في آن واحد؛ وذلك لكون كلا النوعين عبادة لله تعالى، والعبادة يحبها الله تعالى ويأمر بها، وينهى أن تصرف لغيره سبحانه.\n٤٢ - أن المشرك بالله تعالى قد اتصف بأشنع الصفات، وأقبح السمات التي حقيقتها الظلم، والإجحاف، والإجرام، والتجني، والاعتداء على حق الملك الديان، مالك الملك، وخالق الكون، وموجد البرية من العدم، فأشرك مع الرب غيره في العبادة، وأدخل الوسائط بينه وبن معبوده الحق، فصار يدعوهم ويتوجه إليهم بأخص خصائص الإلهية، ومعاني الربوبية فخضع قلبه، وتعلق فؤاده، خوفًا ورجاء ومحبة وخضوعًا، وذلًا وإخباتًا في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء.\n٤٣ - أن قبح الشرك وشناعته، ونفور العقول السليمة منه، واستبشاع الفطر المستقيمة له من أوضح الأمور وأبينها في دلالات العقول والفطر، فقبح الشرك والتنديد، واتخاذ معبود مع الله ﵎ مستقر في خلقة كل عقل بشري، وتقتضيه الفطر قبل أن ينزل وحي إلهي","vol":"2","page":1095},{"text":"أو كتاب سماوي، وذلك من أعظم أسباب الهداية، والسلامة من الغواية التي امتن الله بها على عباده.\n٤٤ - أن حقيقة الشرك الأصغر يمكن ضبطها بعدة أمور هي كما يلي:\n١ - كونه وسيلة وذريعة وطريقًا إلى الشرك الأكبر.\n٢ - أنه يتنوع فيشمل إرادات القلوب وأعماله، وأقوال اللسان وأفعال الجوارح.\n٣ - أن لا تصل تلك الإرادات والأقوال والأفعال إلى رتبة عبادة غيره -﷾-، والمقصود بذلك أن تصرف الإرادات والأقوال والأفعال المختصة بالله تعالى للمخلوق، فيكون هناك نوع من التنديد، ولكن ليست بنفس الطريقة التي تصرف بها للرب ﵎، وعليه فإنها لا تنافي التوحيد منافاة مطلقة، وإن كان فيها نوع منافاة، لكنها لا تتضمن الاعتقاد الشركي الذي يخرج به الإنسان عن ملة الإسلام.\n٤٥ - أن قاعدة سد الذرائع من القواعد العظيمة في الشريعة الإسلامية، بل هي جزء عظيم لا يتجزأ عن تكاليف الشريعة، ظهرت فيه حكمة الله سبحانه، وكمال تشريعاته، وحسن أحكامه، وأنها تقود إلى المقاصد الحميدة، والنتائج السليمة الموافقة للعقول الصحيحة، والعارف البصير من نظر في الأسباب وتحقق من غاياتها، وعرف نتائجها، وتأمل مقاصدها وما تؤول إليه.\n٤٦ - أن حقائق الأشياء ومعانيها اللغوية أو الشرعية لا تتغير بتغير الألفاظ والأسماء، كما أن الأحكام الشرعية مرتبطة بالحقائق والمعاني، فمتى ما وجدت الحقيقة وجد الحكم بغض النظر عن اختلاف الأسماء وتنوع الألفاظ؛ إذ الأسماء عرضة للتغيير حسب الأزمنة والأمكنة وأعراف الناس، وهذا أمر مشاهد بين الناس ولا ينكره منكر.","vol":"2","page":1096},{"text":"٤٧ - أن تعظيم العبد لشعائر الله تعالى ليس هو في مرتبة تعظيمه لربه سبحانه؛ إذ تعظيم الرب هو الأصل والمؤثر الذي ينتج عنه تعظيم الشعائر، بل العلاقة بين التعظيمين علاقة طردية عكسية؛ فكلما زاد تعظيم الرب وتقواه في القلب زاد تعظيمه لشعائره، كما أن تعظيم الشعائر -بتكميلها والمحافظة عليها- مما يزيد في تقوى القلوب، ويكبر به تعظيم الرب في قلب العبد.\n٤٨ - أن مقاصد المشركين ونياتهم في توجهاتهم وعبادتهم لغير الله تعالى، وأنهم ما أرادوا من معبوداتهم إلا التسبّب والتشفّع والتقرب، ولم يدعوا لآلهتهم التصرف والاستقلال بالتأثير في شيء من الكون، وإن كان ذلك لازمًا لهم من جهة إشراكهم في توحيد العبادة كما سبق بيانه من قبل.\n٤٩ - أن عبادة المشركين للأصنام ونحوها من الأوثان والأنصاب لم يكن لأجل ذاتها، أو لكونها أحجارًا وأخشابًا، أو لشيء من صفاتها التكوينية، وإنما كانت عبادتهم لها لأغراض أخرى، وأسباب عديدة اقتضت تصوير هذه الأصنام ونحتها على شكل وهيئة معبوداتهم.\n٥٠ - أن طبيعة الشرك الذي كان عند العرب الأوائل الذين بعث فيهم محمد -ﷺ-، وأنهم كانوا على حالتين؛ الأولى، وهي حالة الرخاء فكانوا يشركون الأصنام والآلهة مع الله تعالى في العبادة، والثانية حالة الشدة والكرب ونزول العذاب فكانوا يرجعون إلى الله تعالى بالتوحيد، ويفردونه سبحانه بالعبادة، فيخلصون له الدعاء ويتضرعون إليه بالسؤال وطلب النجاة، وعندها ينسون ما كانوا يشركونه من الأنداد والآلهة؛ لعلمهم بأن ساعات الشدة والعذاب لا ينجي منها إلا الرب سبحانه وجلَّ في علاه.\n٥١ - أن الواسطة الشركية البدعية منتفية عن دين الحنفاء -وهو","vol":"2","page":1097},{"text":"دين الإسلام العام- فليس فيه واسطة بين الله وخلقه، لا في أمور الربوبية؛ من الخلق والرزق، والنفع والضر، وإجابة الدعاء، والنصر على الأعداء، وتفريج الكربات، والحفظ والهداية، ولا في شيء من أمور الإلهية، من عبادة الله تعالى، والتقرب إليه بالدعاء والاستعانة وغير ذلك من أنواع العبادات.\nهذا وأسأل الله تعالى التوفيق والقبول إنه خير مسؤول.\nوالله أعلم.\nوصلى الله على نبيه محمد وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"2","page":1098},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-316>فهرس المصادر والمراجع</span>\n١ - أباطيل وأسمار: محمود محمد شاكر، الناشر: مكتبة الخانجي، الطبعة الثالثة، (٢٠٠٥ م).\n٢ - أبجد العلوم، الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم: صديق حسن خان القنوجي، تحقيق: عبد الجبار زكار -دار الكتب العلمية- بيروت، الطبعة الرابعة، (١٩٧٨ م).\n٣ - إبطال التنديد باختصار شرح كتاب التوحيد: تأليف: العلامة الشيخ حمد بن علي بن محمد بن عتيق، تقديم ومراجعة: الشيخ إسماعيل بن سعد بن عتيق، تحقيق: عبد الإله بن عثمان الشايع، دار أطلس الخضراء - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤٢٤ هـ).\n٤ - إبطال الحيل: تأليف: عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري العقيلي، المكتب الإسلامي - بيروت، (١٤٠٣ هـ)، الطبعة الثانية، تحقيق: زهير الشاويش.\n٥ - الإبطال لنظرية الخلط بين دين الاسلام وغيره من الأديان: للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد، نشر: رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء - الرياض، الطبعة الثانية، (١٤٢٣ هـ).\n٦ - ابن رجب الحنبلي وأثره في توضيح عقيدة السلف: د. عبد الله الغفيلي، دار المسير - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٨ هـ).\n٧ - ابن عثيمين الإمام الزاهد: د. ناصر الزهراني، دار ابن الجوزي - الدمام، الطبعة الأولى، (١٤٢٢ هـ).\n٨ - اتفاق المباني وافتراق المعاني: تأليف: سليمان بن بنين الدقيقي النحوي، دار عمار - الأردن، (١٤٠٥ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: يحيى عبد الرؤوف جبر.\n٩ - الإتقان في علوم القرآن: تأليف: جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، دار الفكر - لبنان، (١٤١٦ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: سعيد المندوب.\n١٠ - إتمام الأعلام: ذيل لكتاب الأعلام لخير الدين الزركلي، تأليف: د. نزار أباظة، ومحمد رياض المالح، نشر: دار صادر - بيروت، الطبعة الأولى، (١٩٩٩ م).","vol":"2","page":1099},{"text":"١١ - الأثر المشهور عن الإمام مالك -﵀- في صفة الاستواء: للأستاذ الدكتور: عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر، ضمن مجلة الجامعة الإسلامية، عدد (١١١).\n١٢ - الإجماع: تأليف: محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري أبو بكر، دار الدعوة - الإسكندرية، (١٤٠٢ هـ)، الطبعة الثالثة، تحقيق: د. فؤاد عبد المنعم أحمد.\n١٣ - أجوبة المسائل الثمان في السُّنَّة والبدعة والكفر والإيمان للمعصومي: ضبط وتعليق وتخريج: الشيخ علي الحلبي، الناشر: دار الراية - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٧ هـ).\n١٤ - أحاديث في ذم الكلام وأهله: عبد بن محمد الهروي، تحقيق: عبد الله عثمان الأنصاري - مكتبة الغرباء، الطبعة الأولى.\n١٥ - إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام: تأليف: تقي الدين أبي الفتح، دار الكتب العلمية - بيروت.\n١٦ - أحكام القرآن: أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي، تحقيق: علي البجاوي، دار المعرفة، بيروت.\n١٧ - أحكام القرآن: أحمد بن علي الرازي الجصاص، تحقيق: عبد السلام بن محمد علي شاهين، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، (١٤١٥ هـ).\n١٨ - أحكام القرآن: تأليف: محمد بن إدريس الشافعي، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤٠٠ هـ)، تحقيق: عبد الغني عبد الخالق.\n١٩ - أحكام أهل الذمة: للإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، تحقيق: يوسف أحمد البكري، شاكر توفيق، رمادي للنشر- دار ابن حزم، الدمام، بيروت، الطبعة الأولى، (١٤١٨ هـ).\n٢٠ - الأحكام في أصول الأحكام: علي بن أحمد بن حزم الأندلسي، دار الحديث - القاهرة، الطبعة الأولى، (١٤٠٤ هـ).\n٢١ - الأحكام في أصول الأحكام: تأليف: علي بن محمد الآمدي أبو الحسن، دار الكتاب العربي - بيروت، (١٤٠٤ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: د. سيد الجميلي.\n٢٢ - إحياء علوم الدين: تأليف: محمد بن محمد الغزالي أبو حامد، دار المعرفة - بيروت.\n٢٣ - أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه: محمد بن إسحاق بن العباس الفاكهي أبو عبد الله، نشر: دار خضر - بيروت، (١٤١٤ هـ)، الطبعة الثانية، تحقيق: د. عبد الملك عبد الله دهيش.","vol":"2","page":1100},{"text":"٢٤ - الآداب الشرعية والمنح المرعية: تأليف: الإمام أبي عبد الله محمد بن مفلح المقدسي، مؤسسة الرسالة - بيروت، (١٤١٧ هـ)، الطبعة الثانية، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، وعمر القيام.\n٢٥ - أدب الطلب ومنتهى الأدب: تأليف: محمد بن علي الشوكاني، دار ابن حزم - بيروت، (١٤١٩ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: عبد الله يحيى السريحي.\n٢٦ - أدب الكاتب: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري أبو محمد، تعليق: علي فاعور، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، (١٤٠٨ هـ).\n٢٧ - الأدب المفرد: تأليف: محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، دار البشائر الإسلامية - بيروت، ١٤٠٩ هـ، الطبعة الثالثة: تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.\n٢٨ - الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار: تأليف: الإمام النووي، دار الكتب العربي - بيروت، ١٤٠٤ هـ.\n٢٩ - أربع قواعد تدور الأحكام عليها: تأليف: محمد بن عبد الوهاب، نشر: مطابع الرياض - الرياض، الطبعة الأولى، تحقيق: عبد العزيز بن زيد الرومي، د. محمد بلتجاي، ود. سيد حجاب.\n٣٠ - إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات: لمحمد بن علي الشوكاني، تحقيق: جماعة من العلماء، بإشراف الناشر، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، (١٤٠٤ هـ).\n٣١ - إرشاد الفحول: محمد بن علي الشوكاني، تحقيق: محمد سعيد البدري، مؤسسة الكتاب الثقافية، الطبعة الثانية، (١٤١٣ هـ).\n٣٢ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل: محمد ناصر الدين الألباني، إشراف: محمد زهير الشاويش، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الأولى، (١٣٩٩ هـ).\n٣٣ - أساس البلاغة: محمود بن عمر الزمخشري، مكتبة لبنان ناشرون - بيروت، الطبعة الأولى، (١٩٩٦ م).\n٣٤ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار: ابن عبد البر، (نسخة أخرى كاملة في ثلاثين مجلد)، وثق أصوله وخرج نصوصه ووضع فهارسه الدكتور: عبد المعطي قلعجي، دار قتيبة - دمشق - بيروت، ودار الوعي، حلب - القاهرة، الطبعة الأولى، (١٤١٤ هـ).","vol":"2","page":1101},{"text":"٣٥ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار: تأليف: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري القرطبي، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، (٢٠٠٠ م)، الطبعة الأولى، تحقيق: سالم محمد عطا، ومحمد معوض.\n٣٦ - الاستقامة: لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود، الطبعة الأولى، (١٤٠٣ هـ).\n٣٧ - الاستيعاب في معرفة الأصحاب: تأليف: يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر، نشر: دار الجيل - بيروت، (١٤١٢ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: علي محمد البجاوي.\n٣٨ - الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة: المعروف بـ (الموضوعات الكبرى)، تأليف: نور الدين علي بن محمد بن سلطان المشهور بالملا علي القاري، دار الأمانة، مؤسسة الرسالة - بيروت، (١٣٩١ هـ)، تحقيق: محمد الصباغ.\n٣٩ - الأسماء والصفات: للإمام أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، الطبعة الأولى، (١٤١٣ هـ)، مكتبة السوادي - جدة، تحقيق: عبد الله بن محمد الحاشدي، تقديم الشيخ مقبل بن هادي الوادعي.\n٤٠ - أسنى المتاجر وبيان أحكام من غلب على وطنه النصاري ولم يهاجر وما يترتب عليه من العقوبات والزواجر: تأليف: أبي العباس أحمد بن يحيى بن محمد التلمساني الونشرسي، مكتبة الثقافة الدينية - مصر، (١٤٠٦ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: د. حسين مؤنس.\n٤١ - الأشباه والنظائر: تأليف: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤٠٣ هـ)، الطبعة الأولى.\n٤٢ - الأشباه والنظائر: لتاج الدين عبد الوهاب المعروف بابن السبكي، تحقيق: عادل أحمد وعلي عوض، الطبعة الأولى، (١٤١١ هـ)، دار الكتب العلمية - بيروت.\n٤٣ - الاشتقاق: محمد بن الحسن بن دريد - دار الجيل، بيروت.\n٤٤ - الإصابة في تمييز الصحابة: أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، دار الجيل - بيروت، (١٤١٢ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: علي محمد البجاوي.\n٤٥ - أصل صفة صلاة النبي -ﷺ- من التكبير إلى التسليم - كأنك تراها -: محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤٢٧ هـ).\n٤٦ - إصلاح المنطق: تأليف: أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن السكيت، دار المعارف - القاهرة، الطبعة الرابعة، تحقيق: أحمد محمد شاكر، وعبد السلام.","vol":"2","page":1102},{"text":"٤٧ - أصول الفقه المسمى إجابة السائل شرح بغية الأمل: تأليف: محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، مؤسسة الرسالة - بيروت، (١٩٨٦ م)، الطبعة الأولى، تحقيق: القاضي حسين بن أحمد السياغي والدكتور حسن محمد مقبولي الأهدل.\n٤٨ - أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية: للدكتور: ناصر بن عبد الله بن علي القفاري، دار الحرمين للطباعة - القاهرة، الطبعة الثانية، (١٤١٥ هـ).\n٤٩ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: تأليف: محمد الأمين بن محمد بن المختار الجكني الشنقيطي، نشر: دار الفكر للطباعة، والنشر - بيروت، (١٤١٥ هـ)، تحقيق: مكتب البحوث والدراسات.\n٥٠ - إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد: للشيخ صالح بن فوزان الفوزان، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الثالثة، (١٤٢٣ هـ).\n٥١ - الاعتصام: للشاطبي، تحقيق: سليم الهلالي، دار ابن عفان، الخبر - السعودية، الطبعة الأولى، (١٤١٢ هـ).\n٥٢ - الاعتصام: لأبي إسحاق، إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي، تحقيق: أحمد عبد الشافي، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، (١٤٠٨ هـ / ١٩٨٨ م).\n٥٣ - إعلام الموقعين عن رب العالمين: للإمام ابن القيم الجوزية، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل، بيروت، الطبعة الثانية، (١٩٧٣ م).\n٥٤ - أعلام النبوة: تأليف: أبو الحسن علي بن محمد الماوردي الشافعي، دار الكتاب العربي - بيروت، (١٤٠٧ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي.\n٥٥ - الإعلام بتصحيح كتاب الأعلام: محمد بن عبد الله الرشيد، دار ابن حزم - بيروت، ومكتبة الإمام الشافعي - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤٢٢ هـ).\n٥٦ - الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإظهار محاسن الإسلام: تأليف: محمد بن أحمد بن بكر بن فرح القرطبي أبو عبد الله، دار التراث العربي- القاهرة، (١٣٩٨ هـ)، تحقيق: د. أحمد حجازي السقا.\n٥٧ - الأعلام: قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستغربين والمستشرقين، تأليف: خير الدين الزركل، دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة الخامسة عشرة، (٢٠٠٢ م).","vol":"2","page":1103},{"text":"٥٨ - إغاثة اللهفان: للإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار المعرفة - بيروت، الطبعة الثانية، (١٣٩٥ هـ).\n٥٩ - أفعال الرسول -ﷺ- ودلالتها على الأحكام الشرعية: لمحمد سليمان الأشقر، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الخامسة، (١٤١٧ هـ).\n٦٠ - الأفعال: تأليف: أبو القاسم علي بن جعفر السعدي، عالم الكتب - بيروت، (١٤٠٣ هـ)، الطبعة الأولى.\n٦١ - اقتضاء الصراط المستقيم: لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: محمد حامد الفقي، مطبعة أنصار السُّنَّة المحمدية - القاهرة، الطبعة الثانية، (١٣٦٩ هـ).\n٦٢ - إلجام العوام عن علم الكلام: محمد بن محمد الغزالي، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الأولى، (١٤٠٦ هـ).\n٦٣ - الأم: تأليف: محمد بن إدريس الشافعي، نشر: دار المعرفة - بيروت، (١٣٩٣ هـ)، الطبعة الثانية.\n٦٤ - الإمام الشاطبي: عقيدته وموقفه من البدع وأهلها، للشيخ عبد الرحمن آدم علي - ﵀ - مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٨ هـ).\n٦٥ - الأمثال القرآنية القياسية المضروبة للإيمان بالله: للدكتور عبد الله الجربوع، الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية - المدينة المنورة، الطبعة الأولى.\n٦٦ - الأمنية في إدراك النية: تأليف: أحمد بن إدريس المالكي الشهير بالقرافي، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤٠٤ هـ).\n٦٧ - إنباء الغمر بأبناء العمر: تأليف: الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، حيدر آباد - الهند، (١٣٩٤ هـ).\n٦٨ - إنباه الرواة على أنباء النحاة: لجمال الدين أبي الحسن علي بن يوسف القفطي، تحقيق: محمد أبي الفضل إبراهيم، الطبعة الأولى، (١٤٠٦ هـ)، دار الفكر العربي - القاهرة.\n٦٩ - الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار: للشيخ يحيى بن أبي الخير العمراني، تحقيق: د. سعود الحلف، مكتبة أضواء السلف - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٩ هـ).\n٧٠ - الانتصار لأصحاب الحديث: تأليف: منصور بن محمد السمعاني أبو الظفر، مكتبة أضواء المنار - السعودية، (١٤١٧ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد بن حسين بن حسن الجيزاني.","vol":"2","page":1104},{"text":"٧١ - الانتصار لحزب الله الموحدين والرد على المجادل عن المشركين: تأليف: عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز أبابطين، دراسة وتحقيق: الوليد بن عبد الرحمن الفريان، دار طيبة للنشر والتوزيع - الرياض، (١٤٠٩ هـ).\n٧٢ - الإنجاز في ترجمة الشيخ ابن باز: للشيخ عبد الرحمن الرحمة، الطبعة الأولى، (١٤١٩ هـ).\n٧٣ - الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل: تأليف: مجير الدين الحنبلي العليمي، نشر: مكتبة دنديس - عمان، (١٤٢٠ هـ)، تحقيق: عدنان يونس عبد المجيد نباتة.\n٧٤ - الأنساب: تأليف: أبي سعيد عبد الكريم بن محمد بن منصور التمتيمي السمعاني، دار الفكر - بيروت، (١٩٩٨ م)، الطبعة الأولى، تحقيق: عبد الله عمر البارودي.\n٧٥ - الإنصاف في حقيقة الأولياء وما لهم من الكرامات والألطاف: محمد بن إسماعيل الصنعاني، تحقيق: عبد الرزاق العباد - دار ابن عفان، الطبعة الأولى، (١٤١٨ هـ).\n٧٦ - الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل: تأليف: علي بن سليمان المرداوي أبو الحسن، دار إحياء التراث العربي - بيروت، تحقيق: محمد حامد الفقي.\n٧٧ - الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به: أبو بكر بن الطيب الباقلاني، تحقيق: عماد الدين أحمد حيدر، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأولى، (١٤٠٧ هـ).\n٧٨ - أوضح الإشارة في الرد على من أجاز الممنوع من الزيارة: أحمد بن يحيى النجمي، إدارة البحوث العلمية والإفتاء، الرياض، الطبعة الأولى، (١٤٠٥ هـ).\n٧٩ - إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق من أصول التوحيد: تأليف: محمد بن نصر المرتضى اليماني (ابن الوزير)، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٩٨٧ م)، الطبعة الثانية.\n٨٠ - إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل: تأليف: محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة، نشر: دار السلام للطباعة والنشر- مصر، (١٤١٠ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: وهبي سليمان غاوجي.\n٨١ - الإيمان: لابن منده، تأليف: محمد بن إسحاق بن يحيى بن منده، مؤسسة الرسالة - بيروت، (١٤٠٦ هـ)، الطبعة الثانية، تحقيق: د. علي بن محمد بن ناصر الفقيهي.","vol":"2","page":1105},{"text":"٨٢ - البحر الرائق شرح كنز الدقائق: تأليف: زين الدين ابن نجيم الحنفي، دار المعرفة - بيروت، الطبعة الثانية.\n٨٣ - البحر الزخار: تأليف: أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار، مؤسسة علوم القرآن - بيروت، مكتبة العلوم والحكم - المدينة، (١٤٠٩ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: د. محفوظ الرحمن زين الله.\n٨٤ - البحر المحيط في أصول الفقه: تأليف: بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤١٢ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: ضبط نصوصه وخرج أحاديثه وعلق عليه: د. محمد محمد تامر.\n٨٥ - البدء والتاريخ: تأليف: وهو المطهر بن طاهر المقدسي، مكتبة الثقافة الدينية - بورسعيد.\n٨٦ - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: تأليف: علاء الدين الكاساني، دار الكتاب العربي - بيروت، (١٩٨٢ م)، الطبعة الثانية.\n٨٧ - بدائع الصنائع: الكاساني، دار الكتب العلمية - بيروت.\n٨٨ - بدائع الفوائد: للإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، تحقيق: هشام عطا، وعادل العدوي، وأشرف ألج، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، (١٤١٦ هـ).\n٨٩ - البداية والنهاية: تأليف: إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي أبو الفداء، مكتبة المعارف - بيروت.\n٩٠ - البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع: لمحمد بن علي الشوكاني، المتوفى سنة (١٢٥٠ هـ)، الطبعة الأولى، (١٣٤٨ هـ)، مطبعة السعادة بالقاهرة، الناشر: دار المعرفة، بيروت.\n٩١ - البدع والنهي عنها: محمد بن وضاح القرطبي، الطبعة الثانية، (١٤٠٢ هـ)، دار الرائد العربي - بيروت.\n٩٢ - البراهين الإسلامية في رد الشبهة الفارسية: تأليف: عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن برجس، تحقيق وتعليق: الأستاذ محمد العارف بن عثمان الهرري الأرومي، مكتبة الهداية - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٠ هـ).\n٩٣ - بردة المديح: لأبي عبد الله محمد البوصيري، المكتبة الثقافية - بيروت، بدون تاريخ الطبعة ولا رقمها.\n٩٤ - البرهان في أصول الفقه: تأليف: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني أبو المعالي، الوفاء - المنصورة - مصر، (١٤١٨ هـ)، الطبعة الرابعة، تحقيق: د. عبد العظيم محمود الديب.","vol":"2","page":1106},{"text":"٩٥ - بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز: محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، تحقيق: محمد علي النجار، المكتبة العلمية - بيروت.\n٩٦ - بغية المرتاد: لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: د. موسى الدويش، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الأولى، (١٤٠٨ هـ).\n٩٧ - بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة: لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي المتوفى سنة (٩١١ هـ)، تحقيق: محمد أبي الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية - بيروت.\n٩٨ - البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة: تأليف: محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، جمعية إحياء التراث الإسلامي - الكويت، (١٤٠٧ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد المصري.\n٩٩ - بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية: تأليف: أحمد عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، نشر: مطبعة الحكومة - مكة المكرمة، (١٣٩٢ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم.\n١٠٠ - تاج العروس من جواهر القاموس: لمحمد مرتضى الحسيني الزبيدي، مجموعة من المحققين من بينهم عبد السلام هارون ومحمود الطناحي وإبراهيم الترزي وغيرهم، دار إحياء التراث العربي - الكويت، (١٣٨٥ هـ).\n١٠١ - التاج والإكليل لمختصر خليل: تأليف: محمد بن يوسف بن أبي القاسم العبدري أبو عبد الله، دار الفكر- بيروت، (١٣٩٨ هـ)، الطبعة الثانية.\n١٠٢ - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام: شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، دار الكتاب العربي - بيروت، (١٤٠٧ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: د. عمر عبد السلام تدمري.\n١٠٣ - التاريخ الكبير: تأليف: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم أبو عبد الله البخاري الجعفي، دار الفكر، تحقيق: السيد هاشم الندوي.\n١٠٤ - تاريخ المدينة المنورة: تأليف: أبو زيد عمر بن شبة النميري البصري، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤١٧ هـ)، تحقيق: علي محمد دندل وياسين سعد الدين بيان.\n١٠٥ - تاريخ النحو العربي حتى أواخر القرن الثاني الهجري: علي أبو المكارم، القاهرة، الطبعة الأولى، (١٣٩١ هـ).\n١٠٦ - تاريخ اليعقوبي: تأليف: أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح اليعقوبي، دار صادر - بيروت.","vol":"2","page":1107},{"text":"١٠٧ - تاريخ بغداد: تأليف: أحمد بن علي أبو بكر الخطيب البغدادي، دار الكتب العلمية - بيروت.\n١٠٨ - تاريخ مدينة دمشق: أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله المعروف بابن عساكر، تحقيق: محب الدين أبىِ سعيد عمر بن غرامة العمري - دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، (١٤١٥ هـ).\n١٠٩ - تاريخ نجد المسمى روضة الأفكار والأفهام: لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام، للشيخ حسين بن غنام، طبع على نفقة عبد المحسن أبابطين بالرياض، مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر، عام (١٣٦٨ هـ).\n١١٠ - تاريخ نجد وفي آخره تتمة ونقد: للشيخ سليمان بن سحمان، تأليف: محمود شكري الألوسي، الطبعة الرابعة، (٢٠٠٥ م)، تحقيق: محمد بهجة الأثري.\n١١١ - تأسيس التقديس فى كشف تلبيس داود بن جرجيس: للعلامة عبد الله بن عبد الرحمن أبابطين، تحقيق: عبد السلام برجس، مؤسسة الرسالة - بيروت، (١٤٢٢ هـ)، الطبعة الأولى.\n١١٢ - تأويل مختلف الحديث: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، تحقيق: محمد زهري النجار - دار الجيل، بيروت، (١٣٩٣ هـ).\n١١٣ - التبرك المشروع والتبرك الممنوع: علي بن نفيع العلياني، دار الوطن، الرياض، (١٤١١ هـ).\n١١٤ - التبرك أنواعه وأحكامه: ناصر بن عبد الرحمن بن محمد الجديع، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الثانية، (١٤١٣ هـ).\n١١٥ - التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين: تأليف: طاهر بن محمد أبو المظفر الإسفراييني، عالم الكتب - لبنان، (١٤٠٣ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: كمال يوسف الحوت.\n١١٦ - التبصير في معالم الدين: محمد بن جرير الطبري، تحقيق: على عبد العزيز الشبل، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٦ هـ).\n١١٧ - التبيان في تفسير غريب القرآن: تأليف: شهاب الدين أحمد بن محمد الهائم المصري، نشر: دار الصحابة للتراث - بطنطا، مصر، (١٤١٢ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: فتحي أنور الدابولي.\n١١٨ - تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق: تأليف: فخر الدين عثمان بن علي الزيلعي الحنفي، دار الكتب الإسلامي - القاهرة، (٣١٣١ هـ).","vol":"2","page":1108},{"text":"١١٩ - تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري: تأليف: علي بن الحسن بن هبة الله عساكر الدمشقي، دار الكتاب العربي - بيروت، (١٤٠٤ هـ)، الطبعة الثالثة.\n١٢٠ - تجريد التوحيد المفيد: تأليف: تقي الدين أحمد بن علي المقريزي: دراسة وتحقيق: طه محمد الزيني، الناشر: الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، (١٤٠٩ هـ).\n١٢١ - تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد: تأليف: تقي الدين أحمد بن علي المقريزي، دراسة وتحقيق: طه محمد الزيني، الناشر: الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، (١٤٠٩ هـ).\n١٢٢ - تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد: تأليف: الشيخ محمد بن ناصر الدين الألباني، الطبعة الرابعة، المكتب الإسلامي.\n١٢٣ - التحذير من تعظيم الآثار غير المشروعة: عبد المحسن العباد، الناشر: الدار الحديثة - مصر، الطبعة الأولى، (١٤٢٥ هـ).\n١٢٤ - التحذير من مختصرات الصابوني ضمن مجموع لعدد من الرسائل باسم الردود: بكر بن عبد الله أبو زيد - دار العاصمة، الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٤ هـ).\n١٢٥ - تحرير ألفاظ التنبيه (لغة الفقه): تأليف: يحيى بن شرف بن مري النووي أبو زكريا، دار القلم - دمشق، (١٤٠٨ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: عبد الغني الدقر.\n١٢٦ - التحف في مذاهب السلف: محمد بن علي الشوكاني، مطبعة المدني، جدة، نشر: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.\n١٢٧ - تحفة الأحوذي: محمد عبد الرحمن عبد الرحيم المباركفوري - دار الكتب العلمية - بيروت.\n١٢٨ - تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين: تأليف: محمد بن علي بن محمد الشوكاني، دار القلم - بيروت، (١٩٨٤ م)، الطبعة الأولى.\n١٢٩ - تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن برجيس: تأليف: عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، آل الشيخ، تحقيق: عبد السلام برجس، دار العاصمة، الطبعة الثانية، (١٤١٠ هـ).\n١٣٠ - التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة: الإمام شمس الدين السخاوي، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤١٤ هـ)، الطبعة الأولى.\n١٣١ - التحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية: فالح بن مهدي آل مهدي، تصحيح وتعليق: الشيخ د. عبد الرحمن بن صالح المحمود، دار الوطن - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٤ هـ).","vol":"2","page":1109},{"text":"١٣٢ - تحفة المودود بأحكام المولود: للإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط، مكتبة دار البيان، دمشق، الطبعة الأولى، (١٣٩١ هـ).\n١٣٣ - التخويف من النار: عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلى - مكتبة دار البيان، دمشق، الطبعة الأولى، (١٣٩٩ هـ).\n١٣٤ - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي: تأليف: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، مكتبة الرياض الحديثة - الرياض، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف.\n١٣٥ - تذكرة الحفاظ: تأليف: أبو عبد الله شمس الدين محمد الذهبى، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى.\n١٣٦ - التربية الإبداعية في منظور التربية الإسلامية: بحث للدكتور خالد الحازمي، ضمن مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، عدد (١١٦).\n١٣٧ - الترغيب والترهيب: عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، تحقيق: إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، (١٤١٧ هـ).\n١٣٨ - تصريف الأسماء: محمد الطنطاوي، مطبعة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية - الطبعة السادسة، (١٤٠٨ هـ).\n١٣٩ - التصوف المنشأ والمصادر: إحسان إلهي ظهير- الناشر: إدارة ترجمان السُّنَّة، باكستان، الطبعة الأولى، (١٤٠٦ هـ).\n١٤٠ - تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد: محمد بن إسماعيل الأمير اليمني الصنعاني، تعليق: علي محمد سنان، تحقيق: د. ناصر بن علي الشيخ، مطابع الوحيد - مكة المكرمة، الطبعة الأولى، (١٤٢٥ هـ).\n١٤١ - تطهير المجتمعات من أرجاس الموبقات: لأحمد بن حجر آل بوطامي، دار الكتب القطرية، الطبعة الثانية، (١٩٧٨ م).\n١٤٢ - التعرُّف على مذهب أهل التصوف: محمد آلكلاباذي أبو بكر- دار الكتب العلمية - بيروت (١٤٠٠ هـ).\n١٤٣ - التعريفات: علي بن محمد بن علي الجرجاني، دار الكتاب العربي - بيروت، (١٤٠٥ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: إبراهيم الأبياري.\n١٤٤ - تعظيم قدر الصلاة: محمد بن نصر المروزي، تحقيق: عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي، مكتبة الدار - المدينة المنورة، الطبعة الأولى، (١٤٠٦ هـ).\n١٤٥ - تفسير أبي السعود: المسمى: إرشاد العقل السليم: محمد بن محمد العمادي أبو السعود، دار إحياء التراث العربي - بيروت.","vol":"2","page":1110},{"text":"١٤٦ - تفسير أسماء الله الحسنى: للشيخ عبد الرحمن ناصر السعدي، جمع ودراسة وتحقيق: عبيد بن علي العبيد، ضمن مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، عدد (١١٢).\n١٤٧ - تفسير البحر المحيط: للإمام محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤٢٢ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود، وعلي محمد معوض.\n١٤٨ - تفسير البيضاوي المسمى: أنوار التنزيل وأسرار التأويل: عبد الله بن عمر الشيرازي، تحقيق: عبد القادر حسونة، دار الفكر، بيروت، (١٤١٦ هـ).\n١٤٩ - تفسير التحرير والتنوير: لسماحة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، الدار التونسية، تونس، (١٩٨٤ م).\n١٥٠ - تفسير الثعالبي: الموسوم بالجواهر الحسان: عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت.\n١٥١ - تفسير الجلالين: تأليف: جلال الدين المحلي (٨٦٤ هـ)، وتلميذه جلال الدين السيوطي (٩١١ هـ) اللذين لقبا بالجلالين، دار الحديث - القاهرة، الطبعة الأولى.\n١٥٢ - تفسير القرآل الحكيم: الشهير بـ (تفسير المنار): محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية.\n١٥٣ - تفسير القرآن العزيز: تأليف: أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين، الفاروق الحديثة - القاهرة، (١٤٢٣ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: أبو عبد الله حسين بن عكاشة، ومحمد بن مصطفى الكنز.\n١٥٤ - تفسير القرآن العظيم: لأبي الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي، دار الفكر، بيروت، (١٤٠١ هـ).\n١٥٥ - تفسير القرآن العظيم: للحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي، تحقيق: مجموعة من المحققين، منهم: مصطفى السيد محمد، ومحمد السيد رشاد، وحسن عباس قطب وغيرهم، الطبعة الأولى، (١٤٢١ هـ)، مؤسسة قرطبة، ومكتبة أولاد الشيخ للتراث - الجيزة، مصر.\n١٥٦ - تفسير القرآن الكريم: لفضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين، دار ابن الجوزي - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤٢٣ هـ).\n١٥٧ - تفسير القرآن: المسمى تفسير الصنعاني: عبد الرزاق بن همام الصنعاني، تحقيق: د. مصطفى مسلم محمد، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٠ هـ).","vol":"2","page":1111},{"text":"١٥٨ - تفسير القرآن: تأليف: أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني، نشر: دار الوطن - الرياض، (١٤١٨ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس.\n١٥٩ - تفسير القرآن: تأليف: أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني، دار الوطن - الرياض، (١٤١٨ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم.\n١٦٠ - التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب: تأليف: فخر الدين محمد بن عمر التميمي الرازي الشافعي، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤٢١ هـ)، الطبعة الأولى.\n١٦١ - تفسير الماوردي النكت والعيون: علي بن محمد بن حبيب الماوردي، مراجعة وتعليق: السيد بن عبد المقصود بن عبد الرحيم، دار الكتب العلمية.\n١٦٢ - تفسير المراغي: لأحمد مصطفى المراغي، مكتبة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، القاهرة، الطبعة الأولى، (١٣٦٥ هـ).\n١٦٣ - تفسير النسفي المسمى بمدارك التنزيل وحقائق التأويل: لعبد الله بن أحمد النسفي، اعتناء: عبد المجيد طعمة حلبي، دار المعرفة - بيروت، الطبعة الأولى، (١٤٢١ هـ).\n١٦٤ - تفسير آيات أشكلت: لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: عبد العزيز محمد الخليفة، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٧ هـ).\n١٦٥ - تفسير آيات من القرآن الكريم: تأليف: محمد بن عبد الوهاب، مطابع الرياض - الرياض، الطبعة الأولى، تحقيق: راجع أصوله وصححه ووضع هوامشه وأعده للطبع الدكتور محمد بلتاجي.\n١٦٦ - تفسير مجاهد: مجاهد بن جبر المخزومي التابعي أبو الحجاج، نشر: المنشورات العلمية - بيروت، تحقيق: عبد الرحمن الطاهر محمد السورتي.\n١٦٧ - تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين: الأصبهاني، تحقيق: د. عبد المجيد النجار، دار الغرب الإسلامي.\n١٦٨ - تقريب التدمرية: لمحمد صالح العثيمين، مطبعة سفير، الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٢ هـ).\n١٦٩ - تقريب التهذيب: تأليف: أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، نشر: دار الرشيد - سوريا، (١٤٠٦ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد عوامة.","vol":"2","page":1112},{"text":"١٧٠ - تقريب التهذيب: تأليف: أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، دار الرشيد - سوريا، (١٤٠٦ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد عوامة.\n١٧١ - تقريب الوصول إلى علم الأصول: تأليف: أبي القاسم محمد بن أحمد بن جزي لكلبي المالكي، تحقيق: د. محمد المختار الشنقيطي، نشر: مكتبة ابن تيمية - القاهرة، ومكتبة العلم - جدة، الطبعة الأولى، (١٤١٤ هـ).\n١٧٢ - تلبيس إبليس: عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي، تحقيق: د. السيد الجميلي - دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، (١٤٠٥ هـ).\n١٧٣ - تلخيص الحبير في أحاديث الرافعي الكبير: تأليف: أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني - المدينة المنورة، (١٣٨٤ هـ)، تحقيق: السيد عبد الله هاشم اليماني المدني.\n١٧٤ - تلخيص كتاب الاستعانة أو الرد على البكري: لشيخ الإسلام ابن تيمية، مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، (١٤١٧ هـ).\n١٧٥ - تمهيد الأوائل في تلخيص الدلائل: تأليف: محمد بن الطيب الباقلاني، مؤسسة الكتب الثقافية - لبنان، (١٤٠٧ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: عماد الدين أحمد حيدر.\n١٧٦ - التمهيد في تخريج الفروع على الأصول: تأليف: عبد الرحيم بن الحسن الأسنوي أبو محمد، مؤسسة الرسالة - بيروت، (١٤٠٠ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: د. محمد حسن هيتو.\n١٧٧ - التمهيد: لشرح كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، تأليف: الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، دار التوحيد - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤٢٣ هـ).\n١٧٨ - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد: يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري، تحقيق: مصطفى العلوي - محمد البكري - وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، (١٣٨٧ هـ).\n١٧٩ - التنبيهات اللطيفة فيما احتوت عليه العقيدة الواسطية من المباحث المنفية: عبد الرحمن بن ناصر السعدي - تحقيق: أشرف عبد المقصود، أضواء السلف، الطبعة الأولى، (١٤٢٠ هـ).\n١٨٠ - تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله من الأخبار: تأليف: أبي جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري، مطبعة المدني - القاهرة، تحقيق: محمود محمد شاكر.","vol":"2","page":1113},{"text":"١٨١ - تهذيب الأسماء واللغات: محيي الدين يحيى بن شرف النووي، دار الكتب العلمية - بيروت.\n١٨٢ - تهذيب التهذيب: تأليف: أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، نشر: دار الفكر - بيروت، (١٤٠٤ هـ)، الطبعة الأولى.\n١٨٣ - تهذيب اللغة: لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري، دار إحياء التراث العربي - بيروت، (٢٠٠١ م)، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد عوض مرعب.\n١٨٤ - توحيد مقاصد المصطلحات العلمية: د. محمد عبد الرحمن الخميس، دار إيلاف الدولية، الطبعة الأولى.\n١٨٥ - التوسل أنواعه وأحكامه: تأليف: محمد ناصر الدين الألباني، تنسيق: محمد عيد العباسي، الطبعة الثالثة، (١٣٩٥ هـ)، المكتب الإسلامي.\n١٨٦ - توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم: أحمد بن إبراهيم بن عيسى، تحقيق: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة، (١٤٠٦ هـ).\n١٨٧ - التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة أولي الألباب في طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: تأليف: سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، دار طيبة، الطبعة الأولى، (١٤٠٤) هـ.\n١٨٨ - التوضيحات الأثرية على متن الرسالة التدمرية: لفخر الدين بن الزبير المحسي، نشر: مكتبة الفرقان بعجمان، ومكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى، (١٤٢٠ هـ).\n١٨٩ - التوقيف على مهمات التعاريف: محمد عبد الرؤوف المناوي، تحقيق: د. محمد رضوان الداية، دار الفكر- دمشق، الطبعة الأولى، (١٤١٠ هـ).\n١٩٠ - التوكل: ضمن موسوعة رسائل ابن أبي الدنيا: أبو بكر عبد الله بن عبيد بن سفيان ابن أبي الدنيا - مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت، الطبعة الأولى، (١٤١٤ هـ).\n١٩١ - تيسير التحرير: تأليف: محمد أمين المعروف بأمير بادشاه، نشر: دار الفكر - بيروت.\n١٩٢ - تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد: تأليف: سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، عالم الكتب - بيروت، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد أيمن الشبراوي.\n١٩٣ - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: تأليف: عبد الرحمن بن ناصر السعدىِ، مؤسسة الرسالة - بيروت، (١٤٢١ هـ)، راجعه: الشيخ ابن عثيمين.","vol":"2","page":1114},{"text":"١٩٤ - الثقات: تأليف: محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي، دار الفكر، (١٣٩٥ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: السيد شرف الدين أحمد.\n١٩٥ - الثمر المستطاب في فقه السُّنَّة والكتاب: بقلم: محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، غراس للنشر والتوزيع - الكويت.\n١٩٦ - جامع البيان في تأويل القرآن: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، دار الفكر - بيروت، (١٤٠٥ هـ).\n١٩٧ - جامع البيان في تأويل القرآن: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري، تحقيق: أحمد ومحمود ابني محمد شاكر، نشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، (١٤٢٠ هـ).\n١٩٨ - جامع الرسائل: لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، دار المدني، الطبعة الأولى، (١٤٠٥ هـ).\n١٩٩ - الجامع الصحيح المختصر: تأليف: محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، دار ابن كثير، اليمامة - بيروت، (١٤٠٧ هـ)، الطبعة الثالثة، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا.\n٢٠٠ - جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم: تأليف: زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين البغدادي، مؤسسة الرسالة - بيروت، (١٤١٧ هـ)، الطبعة السابعة، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، إبراهيم باجس.\n٢٠١ - الجامع الفريد: مجموعة كتب ورسائل لأئمة الدعوة، طبع كوقف على نفقة: محمد النعمان.\n٢٠٢ - جامع بيان العلم وفضله: أبو عمر يوسف بن عبد البر، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري - دار ابن الجوزي، الدمام، الطبعة الأولى، (١٤١٤ هـ).\n٢٠٣ - الجامع لأحكام القرآن: تأليف: أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، نشر: دار الشعب - القاهرة.\n٢٠٤ - الجامع لحياة العلامة محمد بن صالح العثيمين - ﵀ -: لتلميذه وليد بن أحمد الحسين، مجلة الحكمة، بريطانيا، ليدز، الطبعة الأولى، (١٤٢٢ هـ).\n٢٠٥ - الجرح والتعديل: تأليف: عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس أبو محمد الرازي التميمي، نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، (١٢٧١ هـ)، الطبعة الأولى.\n٢٠٦ - جريدة الرياض: السعودية، العدد (١٣٠٥٧)، السنة ٣٩ الأحد (٣٠/ ١/ ١٤٢٥ هـ).","vol":"2","page":1115},{"text":"٢٠٧ - جريدة المدينة: مقال بعنوان: (أتعجب من استغلالك النصوص في غير مدلولها وليّ أعناقها في غير اتجاهها)، وهو ضمن سلسلة في الرد على الكاتب عمر كامل، لمعالي الشيخ صالح الفوزان، - ملحق الرسالة - الجمعة بتاريخ ٨/ ٣/ ١٤٢٤ هـ.\n٢٠٨ - جريدة الوطن: السعودية، العدد (١٢١٦)، السنة الرابعة: (٦/ ١٢/ ١٤٢٤ هـ). ٢٠٩ - جريدة أم القرى: العدد الثامن والثلاثين لعام (١٣٤٤ هـ)، بيان بعنوان: (نداء عام من علماء بلد الله الحرام).\n٢١٠ - جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام: للإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، تحقيق: شعيب وعبد القادر الأرناؤوط، دار العروبة - الكويت، الطبعة الثانية، (١٤٠٧ هـ).\n٢١١ - جمهرة أشعار العرب: تأليف: أبو زيد القرشي، دار الأرقم - بيروت، تحقيق: عمر فاروق الطباع.\n٢١٢ - جمهرة اللغة: دار العلم للملايين - بيروت، (١٩٨٧ م)، الطبعة الأولى، تحقيق: رمزي منير بعلبكي.\n٢١٣ - جهود علماء الحنفية: شمس الدين الأفغاني، دار الصميعي، الطبعة الأولى، (١٤١٦ هـ).\n٢١٤ - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: تأليف: أحمد عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية، مطبعة المدني - مصر، تحقيق: علي سيد صبح المدني.\n٢١٥ - الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي: للإمام المحقق شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزي، تحقيق: د. محمد جميل غازي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، (١٤١٤ هـ).\n٢١٦ - الجواهر المضية في طبقات الحنفية: تأليف: عبد القادر بن أبي الوفاء محمد بن أبي الوفاء القرشي أبو محمد، مير محمد كتب خانه - كراتشي.\n٢١٧ - الجوهر المنضد في طبقات متأخري أصحاب أحمد: ليوسف بن الحسن بن عبد الهادي الدمشقي المتوفى سنة (٩٠٩ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، الطبعة الأولى، (١٤٠٧ هـ)، مطبعة المدني، مصر، مكتبة الخانجي - مكة المكرمة.\n٢١٨ - حاشية إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين لشرح قرة العين بمهمات الدين: تأليف: أبي بكر ابن السد محمد شطا الدمياطي، نشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت.","vol":"2","page":1116},{"text":"٢١٩ - حاشية الأصول الثلاثة: تأليف: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم الحنبلي، بتصحيح الشيخ عبد الله بن جبرين، دار الزاحم، الطبعة الثانية، (١٤٢٣ هـ).\n٢٢٠ - حاشية الإمام ابن القيم على سنن أبي داود: للإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن القيم الجوزي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثانية، (١٤١٥ هـ).\n٢٢١ - حاشية السندي على النسائي: تأليف: نور الدين بن عبد الهادي أبو الحسن السندي، مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب، (١٤٠٦ هـ)، الطبعة الثانية، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة.\n٢٢٢ - حاشية الشيخ سليمان الجمل على شرح المنهج (لزكريا الأنصاري): تأليف: سليمان الجمل، نشر: دار الفكر - بيروت، بدون طبعة وتاريخ.\n٢٢٣ - حاشية العطار على جمع الجوامع: تأليف: حسن العطار، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤٢٠ هـ)، الطبعة الأولى.\n٢٢٤ - حاشية رد المختار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار فقه أبو حنيفة: تأليف: ابن عابدين، دار الفكر للطباعة والنشر - بيروت، (١٤٢١ هـ).\n٢٢٥ - حاشية كتاب التوحيد لشيخ الاسلام محمد بن عبد الوهاب: تأليف الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم النجدي، الطبعة الرابعة، (١٤١٤ هـ).\n٢٢٦ - الحاوي: عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة بمصر، الطبعة الثالثة، (١٣٧٨ هـ).\n٢٢٧ - حجة الله البالغة: تأليف: الإمام أحمد المعروف بشاه ولي الله ابن عبد الرحيم الدهلوي، دار الكتب الحديثة - القاهرة، ومكتبة المثنى - بغداد، تحقيق: سيد سابق.\n٢٢٨ - الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السُّنَّة: إسماعيل بن أحمد بن الفضل التيمي الأصبهاني، تحقيق: محمد ربيع بن هادي المدخلي، دار الراية - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١١ هـ).\n٢٢٩ - حقائق التفسير: تأليف: أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين بن موسى الأزدي السلمي، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤٢١ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: سيد عمران.\n٢٣٠ - حقيقة التوحيد: تأليف: بديع الزمان سعيد النورسي، دار سوزلر للطباعة والنشر، (١٩٨٨ م)، الطبعة الثانية.\n٢٣١ - الحقيقة الشرعية: محمد بن عمر بن سالم بازمول، دار الهجرة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، (١٤١٥ هـ).","vol":"2","page":1117},{"text":"٢٣٢ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: تأليف: أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، دار الكتاب العربي - بيروت، (١٤٠٥ هـ)، الطبعة الرابعة.\n٢٣٣ - الحماسة المغربية: مختصر كتاب صفوة الأدب ونخبة ديوان العرب، تأليف: أبو العباس أحمد بن عبد السلام الجراوي التادلي، دار الفكر المعاصر- بيروت، (١٩٩١ م)، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد رضوان الداية.\n٢٣٤ - حياة القلوب بدعاء علام الغيوب: لمحمد عبد الظاهر بن محمد نور الدين الفقيه أبو السمح، الطبعة الرابعة، (١٤٠٤ هـ)، مطبعة سفير - الرياض.\n٢٣٥ - الخرشي على مختصر سيدي خليل: تأليف: محمد بن عبد الله الخرشي المالكي، دار الفكر للطباعة - بيروت.\n٢٣٦ - خزانة الأدب وغاية الأرب: تأليف: تقي الدين أبىِ بكر علي المعروف بابن حجة الحموي، نشر: دار ومكتبة الهلال - بيروت، (١٩٨٧ م)، الطبعة الأولى، تحقيق: عصام شقيو.\n٢٣٧ - الخصائص الكبرى: تأليف: أبو الفضل جلال الدين عبد الرحمن أبي بكر السيوطي، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤٠٥ هـ).\n٢٣٨ - الخطب المنبرية في المناسبات العصرية: لمعالي الشيخ صالح الفوزان، نشر: مكتبة المعارف - الرياض، (١٩٩٩ م).\n٢٣٩ - خطبة الحاجة التي كان رسول الله -ﷺ- يعلمها أصحابه: تأليف: العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي - دمشق، الطبعة الرابعة، (١٤٠٠ هـ).\n٢٤٠ - خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر: تأليف: محمد الأمين بن فضل الله المحبي، دار صادر - بيروت.\n٢٤١ - خلاصة البدر المنير في تخريج كتاب الشرح الكبير: للرافعي، تأليف: عمر بن علي بن الملقن الأنصاري، مكتبة الرشد - الرياض، (١٤١٠ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: حمدي عبد المجيد إسماعيل السلفي.\n٢٤٢ - الدر المنثور: عبد الرحمن بن الكمال جلال الدين السيوطي، دار الفكر- بيروت، (١٩٩٣ م).\n٢٤٣ - الدر النضيد على أبواب التوحيد: تأليف: سليمان بن عبد الرحمن الحمدان، اعتنى به: عبد الإله بن عثمان الشايع، دار الصميع - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤٢٤ هـ).","vol":"2","page":1118},{"text":"٢٤٤ - الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد، ضمن مجموع الرسائل السلفية في إحياء سنة خير البرية: للإمام الشوكاني، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٣٤٨ هـ).\n٢٤٥ - درء تعارض العقل والنقل: لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: د. محمد رشاد سالم - طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، الطبعة الثانية، (١٤١١ هـ).\n٢٤٦ - درء تعارض العقل والنقل: تأليف: تقي الدين أحمد بن عبد السلام بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤١٧ هـ)، تحقيق: عبد اللطيف عبد الرحمن.\n٢٤٧ - درة الغواص في أوهام الخواص: تأليف: القاسم بن علي الحريري، مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت، (١٤١٨ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: عرفات مطرجي.\n٢٤٨ - درر الحكام شرح مجلة الأحكام: تأليف: علي حيدر، دار الكتب العلمية - بيروت، تحقيق: تعريب: المحامي فهمي الحسيني.\n٢٤٩ - الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ في الأجوبة النجدية: تأليف: علماء نجد الأعلام من عصر الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى عصرنا هذا، دراسة وتحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، الناشر: بدون الطبعة: متنوعة ما بين الطبعة الأولى إلى الطبعة السادسة، وما بين (١٤١٣ هـ- إلى ١٤٢٠ هـ).\n٢٥٠ - الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة: تأليف: الحافظ شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن محمد العسقلاني، نشر: مجلس دائرة المعارف العثمانية - صيدر أباد/ الهند، (١٣٩٢ هـ)، الطبعة الثانية، تحقيق: محمد عبد المعيد ضان.\n٢٥١ - الدروس المهمة لعامة الأمة: عبد العزيز بن باز، ضمن مجموع فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، دار الوطن - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٦ هـ).\n٢٥٢ - الدعاء: للطبراني، تأليف: سليمان بن أحمد الطبراني أبو القاسم، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤١٣ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا.\n٢٥٣ - الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية: جيلان خضر العروسى، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى، (١٤١٧ هـ).\n٢٥٤ - الدعوة إلى تقريب الأديان: د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، جمادى الثانية، (١٤٢٢ هـ).","vol":"2","page":1119},{"text":"٢٥٥ - دقائق التفسير الجامع لتفسير ابن تيمية: تأليف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، مؤسسة علوم القرآن - دمشق، (١٤٠٤ هـ)، الطبعة الثانية، تحقيق: د. محمد السيد الجليند.\n٢٥٦ - دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة: لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، وثق أصوله وخرج أحاديثه عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، (١٤٠٥ هـ).\n٢٥٧ - الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب: للعلامة برهان الدين بن علي بن محمد بن فرحون المالكي المتوفى سنة (٧٧٩ هـ)، دار الكتب العلمية - بيروت.\n٢٥٨ - الذخيرة: تأليف: شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، نشر: دار الغرب - بيروت، تحقيق: محمد حجي.\n٢٥٩ - ذكر أسماء من تكلم فيه وهو موثق: تأليف: محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي أبو عبد الله، مكتبة المنار - الزرقاء، (١٤٠٦ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد شكور أمرير المياديني.\n٢٦٠ - ذم الهوى: تأليف: أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن الجوزي، (١٩٦٢ م)، تحقيق: مصطفى عبد الواحد.\n٢٦١ - ذيل تذكرة الحافظ: للذهبي، لتلميذه: أبي المحاسن محمد بن علي بن الحسن الحسيني الدمشقي الشافعي، دار الكتب العلمية - بيروت.\n٢٦٢ - ذيل طبقات الحنابلة: لأبي الفرج عبد الرحم بن رجب، دار المعرفة - بيروت.\n٢٦٣ - رجال صحيح البخاري المسمى: الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد، تأليف: أحمد بن محمد بن الحسين البخاري الكلاباذي أبو نصر، دار المعرفة - بيروت، (١٤٠٧ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: عبد الله الليثي.\n٢٦٤ - رحلة الصديق إلى البيت العتيق: صديق حسن خان، الطبعة الثالثة، (١٤٠٦ هـ)، دار ابن القيم، تعليق عبد الحكيم شرف الدين.\n٢٦٥ - الرد الوافر: تأليف: محمد بن أبي بكر بن ناصر الدين الدمشقي، المكتب الإسلامي - بيروت، (١٣٩٣ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: زهير الشاويش.\n٢٦٦ - الرد على الأخنائي واستحباب زيارة خير البرية: تأليف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، المطبعة السلفية - القاهرة، تحقيق: عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني.\n٢٦٧ - الرد على المنطقيين: لشيخ الإسلام ابن تيمية، دار المعرفة - بيروت.","vol":"2","page":1120},{"text":"٢٦٨ - الرد على شبهات المستعينين بغير الله: لأحمد بن إبراهيم بن عيسى، دار مصر للطباعة.\n٢٦٩ - الرسائل الشخصية: ضمن مؤلفات الإمام محمد بن عبد الوهاب: محمد بن عبد الوهاب، جمع وتصحيح: عبد العزيز زيد الرومي وآخرون - طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود، الرياض، الطبعة الأولى، (١٤٠٦ هـ).\n٢٧٠ - الرسالة التبوكية أو زاد المهاجر: للإمام محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد جميل غازي، مكتبة المدني، جدة.\n٢٧١ - رسالة التوحيد: إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي، نقل أصله إلى العربية وقدّم له وعلَّق عليه: أبو الحسن علي الحسيني الندوي، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف بالمملكة العربية السعودية - مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة النبوية، (١٤١٧ هـ).\n٢٧٢ - رسالة الشرك ومظاهره: مبارك بن محمد الميلي، مطابع الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة (١٤١٢ هـ).\n٢٧٣ - الرسالة القشيرية: عبد الكريم بن هوازن القشيري، تحقيق: معروف زريق، وعلي عبد الحميد بلطجي، دار الجيل - بيروت، الطبعة الثانية.\n٢٧٤ - رفع الشبهة والغرر عمن يحتج على فعل المعاصي بالقدر: لمرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي، دار حراء - مكة المكرمة، (١٤١٠ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: أسعد محمد المغربي.\n٢٧٥ - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: تأليف: العلامة أبي الفضل شهاب الدين السيد محمود الألوسي البغدادي، نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n٢٧٦ - الروح: للإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، دار الكتب العلمية - بيروت (١٣٩٥ هـ).\n٢٧٧ - روضة الطالبين: يحيى بن شرف النووي - إشراف: زهير الشاويش - المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة، (١٤١٢ هـ).\n٢٧٨ - روضة المحبين ونزهة المشتاقين: للإمام محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، دار الكتب العلمية - بيروت (١٤١٢ هـ).\n٢٧٩ - روضة الناظر وجنة المناظر: تأليف: عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي أبو محمد، جامعة الإمام محمد بن سعود - الرياض، (١٣٩٩ هـ)، الطبعة الثانية، تحقيق: د. عبد العزيز عبد الرحمن السعيد.","vol":"2","page":1121},{"text":"٢٨٠ - رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين: تأليف: أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، دار الفكر- بيروت، (١٤٢١ هـ)، الطبعة الثالثة.\n٢٨١ - الرياض الناضرة والحدائق الزاهرة في العقائد والفنون المتنوعة الفاخرة: ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفات الشيخ السعدي، مركز صالح بن صالح الثقافي بعنيزة، الطبعة الثانية، (١٤١٢ هـ).\n٢٨٢ - زاد المسير في علم التفسير: عبد الرحمن بن الجوزي، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الثالثة، (١٤٠٤ هـ).\n٢٨٣ - زاد المعاد في هدي خير العباد: للإمام محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، تحقيق: شعيب الأرناؤوط - عبد القادر الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الرابعة عشر، (١٤٠٧ هـ).\n٢٨٤ - الزهد: تأليف: عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي أبو عبد الله، دار الكتب العلمية - بيروت، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي.\n٢٨٥ - الزهد: لهناد بن السري الكوفي، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي - الكويت، (١٤٠٦ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي.\n٢٨٦ - الزواجر عن اقتراف الكبائر: تأليف: ابن حجر الهيثمي، المكتبة العصرية - صيدا - بيروت، (١٤٢٠ هـ)، الطبعة الثانية، تحقيق: تم التحقيق والأعداد بمركز الدراسات والبحوث بمكتبة نزار مصطفى الباز.\n٢٨٧ - زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه: عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر - مكتبة دار القلم والكتاب - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٦ هـ).\n٢٨٨ - سبل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام: تأليف: محمد بن إسماعيل الصنعاني الأمير، دار إحياء التراث العربي - بيروت، (١٣٧٩ هـ)، الطبعة الرابعة، تحقيق: محمد عبد العزيز الخولي.\n٢٨٩ - سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد: للإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي، وزارة الأوقاف المصرية، لجنة إحياء التراث الإسلامي - القاهرة، (١٤١٨ هـ).\n٢٩٠ - سبيل الرشاد في هدي خير العباد: تقي الدين الهلالي، تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، الدار الأثرية - الأردن، الطبعة الأولى، (١٤٢٧ هـ).\n٢٩١ - سلسلة الأحاديث الصحيحة: لمحمد بن ناصر الدين الألباني، دار المعارف- الرياض، الطبعة متعددة، (١٤١٥ هـ).","vol":"2","page":1122},{"text":"٢٩٢ - سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء في الأمة: محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الأولى، للطبعة الحديثة، (١٤١٢ هـ).\n٢٩٣ - السُّنَّة: تأليف: أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد الخلال، نشر: دار الراية - الرياض، (١٤١٠ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: د. عطية الزهراني.\n٢٩٤ - السُّنَّة: تأليف: عبد الله بن أحمد بن حنبل الشيباني، دار ابن القيم - الدمام، (١٤٠٦ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: د. محمد سعيد سالم القحطاني.\n٢٩٥ - سنن ابن ماجه: محمد بن يزيد أبو عبد الله القزويني، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي - دار الفكر، بيروت.\n٢٩٦ - سنن أبي داود: سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني الأزدي، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد - دار الفكر.\n٢٩٧ - سنن البيهقي الكبرى: أحمد بن الحسين بن علي أبو بكر البيهقي، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، (١٤١٤ هـ).\n٢٩٨ - سنن الترمذي: محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي السلمي- تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العرب - بيروت.\n٢٩٩ - سنن الدارقطني: تأليف: علي بن عمر أبو الحسن الدارقطني البغدادي، دار المعرفة - بيروت، (١٣٨٦ هـ)، تحقيق: السيد عبد الله هاشم يماني المدني.\n٣٠٠ - سنن الدارمي: تأليف: عبد الله بن عبد الرحمن أبو محمد الدارمي، نشر: دار الكتاب العربي - بيروت، (١٤٠٧ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: فواز أحمد زمرلي، خالد السبع العلمي.\n٣٠١ - السنن الكبرى: أحمد بن شعيب النسائي، تحقيق: د. عبد الغفار البنداري - وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، (١٤١١ هـ).\n٣٠٢ - سنن النسائي (المجتبى): أحمد بن شعيب النسائي، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، مكتبة المطبوعات الإسلامية - حلب، الطبعة الثانية، (١٤٠٦ هـ).\n٣٠٣ - سنن سعيد بن منصور: تأليف: سعيد بن منصور، دار العصيمي - الرياض، (١٤١٤ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: د. سعد بن عبد الله بن عبد العزيز آل حميد.\n٣٠٤ - سير أعلام النبلاء: محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، محمد نعيم العرقسوسي، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة التاسعة، (١٤١٣ هـ).","vol":"2","page":1123},{"text":"٣٠٥ - السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار: تأليف: محمد بن علي بن محمد الشوكاني، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤٠٥ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: محمود إبراهيم زايد.\n٣٠٦ - الشافية في علم الثصريف: تأليف: جمال الدين أبو عمرو عثمان بن عمر الدويني النحوي المعروف بان الحاجب، المكتبة المكية - مكة، (١٤١٥ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: حسن أحمد العثمان.\n٣٠٧ - شجرة النور الزكية في طبقات المالكية: لمحمد بن محمد مخلوف، طبعة مصورة عن الطبعة الأولى سنة (١٣٤٩ هـ)، المطبعة السلفية، دار الكتاب العربي - بيروت.\n٣٠٨ - شذرات الذهب في أخبار من ذهب: تأليف: عبد الحي بن أحمد بن محمد العكري الحنبلي، دار بن كثير- دمشق، (١٤٠٦ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط، ومحمود الأرناؤوط.\n٣٠٩ - شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه: تأليف: عبيد الله بن مسعود المحبوبي البخاري الحنفي، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤١٦ هـ)، تحقيق: زكريا عميرات.\n٣١٠ - شرح الزرقاني: محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، (١٤١١ هـ).\n٣١١ - شرح السُّنَّة: الحسين بن مسعود البغوي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، ومحمد زهير الشاويش، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الثانية، (١٤٠٣ هـ).\n٣١٢ - شرح الصدور ببيان بدع الجنائز والقبور: لأبي عمر عبد الله بن محمد الحمادي، قدم له: أ. د. محمد بن عبد الرحمن الخمس، مكتبة الصحابة - الشارقة، ومكتبة التابعين - القاهرة، الطبعة الأولى، (١٤٢٠ هـ).\n٣١٣ - شرح العقيدة الأصفهانية: تأليف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، مكتبة الرشد - الرياض، (١٤١٥ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: إبراهيم سعيداي.\n٣١٤ - شرح العقيدة الطحاوية: لابن أبي العز الحنفي - المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الرابعة (١٣٩١ هـ).\n٣١٥ - شرح العقيدة الواسطية: محمد خليل هراس، تحقيق: علوي السقاف - دار الهجرة، الطبعة الثالثة، (١٤١٥ هـ).","vol":"2","page":1124},{"text":"٣١٦ - شرح العمدة في الفقه: لشيخ الإسلام ابن تيمية - تحقيق: د. سعود صالح العطيشان، مكتبة العبيكان، الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٣ هـ).\n٣١٧ - شرح القواعد الأربع: للشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان، تحقيق: خالد الردادي، الناشر: مؤسسة الرسالة - الرياض.\n٣١٨ - شرح القواعد السعدية: للشيخ عبد المحسن الزامل، دار أطلس - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤٢٢ هـ).\n٣١٩ - شرح المقاصد في علم الكلام: لسعد الدين مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني، دار المعارف النعمانية - باكتسان، (١٤٠١ هـ)، الطبعة الأولى.\n٣٢٠ - الشرح الممتع على زاد المستنقع: شرح فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، مؤسسة آسام - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٦ هـ).\n٣٢١ - شرح المواقف في علم الكلام: الجرجاني، تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة - دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، (١٩٩٧ م).\n٣٢٢ - شرح ثلاثة الأصول: محمد صالح العثيمين، إعداد: فهد ناصر السليمان، دار الثريا للنشر- الرياض، الطبعة الثانية، (١٤٢٤ هـ).\n٣٢٣ - شرح حديث جبريل - ﵇ - في الإسلام والإيمان والإحسان المعروف باسم كتاب الإيمان الأوسط: تأليف: أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، دراسة وتحقيق: د. علي بن بخيت الزهراني، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، (١٤٢٣ هـ).\n٣٢٤ - شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب: تأليف: عبد الله جمال الدين ابن هشام الأنصاري، الشركة المتحدة للتوزيع - سوريا، (١٤٠٤ هـ)، تحقيق: عبد الغني الدقر.\n٣٢٥ - شرح صحيح الإمام مسلم: أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية، (١٣٩٢ هـ).\n٣٢٦ - شرح كتاب التوحيد: للعلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز، تحقيق وتخريج: محمد العلاوي، دار الضياء للطباعة والنشر- طنطا.\n٣٢٧ - شرح مختضر الروضة: لأبي الربيع سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم بن سعيد الطوفي - تحقيق: الدكتور: عبد الله بن عبد المحسن التركي، طبعة وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف بالمملكة العربية السعودية - الطبعة الثانية، (١٤١٩ هـ).\n٣٢٨ - شرح مسائل الجاهلية: لمعالي الشيخ صالح بن فوزان الفوزان، دار العاصمة - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤٢١ هـ).","vol":"2","page":1125},{"text":"٣٢٩ - شرح مشكل الآثار، تأليف: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، مؤسسة الرسالة - بيروت، (١٤٠٨ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: شعيب الأرنؤوط.\n٣٣٥ - شرح معاني الآثار: تأليف: أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة أبو جعفر الطحاوي، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٣٩٩ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد زهري النجار.\n٣٣١ - شرح منتهى الإرادات المسمى دقائق أولي النهي لشرح المنتهى: تأليف: منصور بن يونس بن إدريس البهوتي، عالم الكتب - بيروت، (١٩٩٦ م)، الطبعة الثانية.\n٣٣٢ - شرف أصحاب الحديث: تأليف: أحمد بن علي بن ثابت البغدادي أبو بكر، دار إحياء السُّنَّة النبوية - أنقرة، تحقيق: د. محمد سعيد خطي اوغلي.\n٣٣٣ - شريط (كاسيت): محاضرة بعنوان: قواعد القواعد، لمعالي الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ.\n٣٣٤ - شريط كاسيت، فتاوى نور على الدرب: للشيخ محمد بن صالح بن عثيمين شريط برقم (٢٤٣) الوجه (أ).\n٣٣٥ - شريط كاسيت، للشيخ صالح الفوزان ترجم فيه لنفسه، وكان ذلك في عام (١٤٢٠ هـ).\n٣٣٦ - الشريعة: محمد بن الحسين الآخري، تحقيق: الدميجي، دار الوطن، الطبعة الأولى.\n٣٣٧ - شعب الإيمان: أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: محمد سعيد بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، (١٤١٠ هـ).\n٣٣٨ - شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل: للإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، تحقيق: أبو فراس محمد بدر الدين النعساني، دار الفكر- بيروت، (١٣٩٨ هـ).\n٣٣٩ - شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق: يوسف بن إسماعيل النبهاني، طبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، (١٣٥٢ هـ).\n٣٤٠ - الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في توضيح العقيدة: للأستاذ الدكتور: عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد، مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١١ هـ).\n٣٤١ - الصارم المسلول: لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: محمد عبد الله عمر الحلواني، محمد كبير أحمد شودري، دار ابن حزم بيروت، الطبعة الأولى، (١٤١٧ هـ).","vol":"2","page":1126},{"text":"٣٤٢ - الصارم المنكي في الرد على السبكي: تأليف: محمد بن عبد الهادي أبو عبد الله، نشر: مكتبة التوعية الإسلامية، تحقيق: إسماعيل بن محمد الأنصاري.\n٣٤٣ - الصحاح: لإسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة الثانية، (١٣٩٩).\n٣٤٤ - صحيح ابن حبان: محمد بن حبان بن أحمد البستي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الثانية، (١٤١٤ هـ).\n٣٤٥ - صحيح ابن خزيمة: محمد بن إسحاق بن خزيمة أبو بكر السلمي النيسابوري، نشر: المكتب الإسلامي- بيروت، (١٣٩٠ هـ)، تحقيق: د. محمد مصطفى الأعظمي.\n٣٤٦ - صحيح الأدب المفرد للإمام البخاري: مكتبة الدليل - الجبيل - السعودية، الطبعة الرابعة، (١٤١٨ هـ).\n٣٤٧ - صحيح البخاري: محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي، تحقيق: مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير- اليمامة، بيروت، الطبعة الثالثة، (١٤٠٧ هـ).\n٣٤٨ - صحيح سنن أبي داود: للإمام الحافظ سليمان بن الأشعث السجستاني، تأليف: محمد ناصر الدين الألباني، غراس للنشر- الكويت، الطبعة الأولى، (١٤٢٣ هـ).\n٣٤٩ - صحيح مسلم بشرح النووي: تأليف: أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي، نشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، (١٣٩٢ هـ)، الطبعة الثانية.\n٣٥٠ - صحيح مسلم: تأليف: مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري، دار إحياء التراث العربي - بيروت، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.\n٣٥١ - الصفات الإلهية في الكتاب والسُّنَّة النبوية في ضوء التنزيه والإثبات: د. محمد بن أمان الجامي دار الفنون - جدة، الطبعة الثانية، (١٤١١ هـ).\n٣٥٢ - الصفدية: لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، الطبعة الثانية، (١٤٠٦ هـ).\n٣٥٣ - الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة: تأليف: أبو العباس أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيثمي، مؤسسة الرسالة - لبنان، (١٤١٧ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: عبد الرحمن بن عبد الله التركي - كامل محمد الخراط.\n٣٥٤ - الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة: للإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزي - تحقيق: د. علي بن محمد الدخيل الله - دار العاصمة - الرياض، الطبعة الثالثة، (١٤١٨ هـ).","vol":"2","page":1127},{"text":"٣٥٥ - صيانة الانسان عن وسوسة الشيخ دحلان: تأليف: محمد بشير السهسواني، المطبعة السلفية ومكتبتها - الطبعة الثالثة، (١٣٧٨ هـ).\n٣٥٦ - الضعفاء الصغير: محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، نشر: دار الوعي- حلب، (١٣٩٦ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: محمود إبراهيم زايد.\n٣٥٧ - الضعفاء والمتروكين: تأليف: عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي أبو الفرج، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤٠٦ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: عبد الله القاضي.\n٣٥٨ - الضوء اللامع لأهل القرن التاسع: تأليف: شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، منشورات دار مكتبة الحياة - بيروت.\n٣٥٩ - الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق: تأليف: سليمان بن سحمان، دراسة وتحقيق: عبد السلام بن برجس بن ناصر بن عبد الكريم، رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء - الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الخامسة، (١٤١٤ هـ).\n٣٦٠ - طبقات الحفاظ: لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي أبو الفضل، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤٠٣ هـ)، الطبعة الأولى.\n٣٦١ - طبقات الحنابلة: تأليف: محمد بن أبي يعلى أبو الحسين، دار المعرفة - بيروت، تحقيق: محمد حامد الفقي.\n٣٦٢ - طبقات الشافعية الكبرى: تأليف: تاج الدين بن علي بن عبد الكافي السبكي، هجر للطباعة والنشر والتوزيع (١٤١٣ هـ)، الطبعة، ط ٢، تحقيق: د. محمود محمد الطناحي د. عبد الفتاح محمد الحلو.\n٣٦٣ - طبقات الشافعية: لأبي بكر بن أحمد بن محمد بن عمر بن قاضي شهبة، دار عالم الكتب - بيروت، (١٤٠٧ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: د. الحافظ عبد العليم خان.\n٣٦٤ - طبقات الفقهاء: تأليف: إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي أبو إسحاق، دار القلم - بيروت، تحقيق: خليل الميس.\n٣٦٥ - الطبقات الكبرى: تأليف: محمد بن سعد بن منيع البصري الزهري، نشر: دار صادر - بيروت.\n٣٦٦ - طبقات المفسرين: لأحمد بن محمد الأدنه وي، مكتبة العلوم والحكم- السعودية- (١٤١٧ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: سليمان بن صالح الخزي.","vol":"2","page":1128},{"text":"٣٦٧ - طبقات المفسرين: لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، مكتبة وهبة - القاهرة، (١٣٩٦ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: علي محمد عمر.\n٣٦٨ - طرح التثريب في شرح التقريب: تأليف: زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسيني العراقي، دار الكتب العلمية - بيروت، (٢٠٠٠ م)، الطبعة الأولى، تحقيق: عبد القادر محمد علي.\n٣٦٩ - طريق الهجرتين: للإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، تحقيق: عمر بن محمود أبو عمر، نشر: دار ابن القيم - الدمام، الطبعة الثانية، (١٤١٤ هـ).\n٣٧٠ - طريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد والضوابط والأصول: للعلامة السعدي، دار الآثار- صنعاء، ودار البصيرة - الإسكندرية.\n٣٧١ - طلبة الطلبة في الإصطلاحات الفقهية: تأليف: نجم الدين أبي حفص عمر بن محمد النسفي، دار النفائس - عمان، (١٤١٦ هـ)، تحقيق: خالد عبد الرحمن العك.\n٣٧٢ - الظاهرة القرآنية: لمالك بن نبي، ترجمة عبد الصبور شاهين، تقديم: محمد عبد الله دراز والأستاذ محمود محمد شاكر، إعادة للطبعة الرابعة لعام (١٩٨٧ م)، دار الفكر- دمشق.\n٣٧٣ - ظاهرة النفاق وخبائث المنافقين في التاريخ: عبد الرحمن حسن حنبكة الميداني - دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، (١٤١٤ هـ).\n٣٧٤ - العالم العابد الشيخ عبد الرحمن بن قاسم - ﵀ - حياته وسيرته ومؤلفاته: تأليف: عبد الملك القاسم، من مطبوعات دار القاسم.\n٣٧٥ - العبادة: للمعلمي، وهو مخطوط بمكتبة الجامعة الإسلامية، ميكروفلم برقم (٣٥٧٧).\n٣٧٦ - العبر في خبر من غبر: تأليف: شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، مطبعة حكومة الكويت - الكويت، (١٩٨٤ م)، الطبعة الثانية، تحقيق: د. صلاح الدين المنجد.\n٣٧٧ - عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين: للإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، تحقيق: زكريا علي يوسف، دار الكتب العلمية - بيروت.\n٣٧٨ - العظمة: تأليف: عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأصبهاني أبو محمد، دار العاصمة - الرياض، (١٤٥٨ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: رضاء الله بن محمد إدريس المباركفوري.","vol":"2","page":1129},{"text":"٣٧٩ - العقد الثمين في شرح أحاديث أصول الدين: تأليف: الشيخ العلامة حسين بن غنام، تحقيق وتعليق: محمد بن عبد الله الهبدان، دار القاسم للنشر- الرياض، الطبعة الأولى، (١٤٢٣ هـ).\n٣٨٠ - العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية: لمحمد بن أحمد بن عبد الهادي أبو عبد الله، دار الكاتب العربي - بيروت، تحقيق: محمد حامد الفقي.\n٣٨١ - عقيدة الإمام ابن عبد البر في التوحيد والإيمان: سليمان بن صالح الغصن، دار العاصمة، الطبعة الأولى، (١٤١٦ هـ).\n٣٨٢ - عقيدة التوحيد وبيان ما يضادها أو ينقضها من الشرك الأكبر والأصغر والتعطيل والبدع وغير ذلك: د. صالح بن فوزان الفوزان - دار العاصمة - الرياض الطبعة الأولى، (١٤٢٠ هـ).\n٣٨٣ - العلل المتناهية في الأحاديث الواهية: تأليف: عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤٠٣ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: خليل الميس.\n٣٨٤ - العلم الشامخ في تفضيل الحق على الآباء والمشايخ: صالح بن المهدي المقبلي، دار البيان، دمشق.\n٣٨٥ - علماء الشام في القرن العشرين: لمحمد الناصر، دار المعالي - عمان، الطبعة الأولى، (١٤٤٢ هـ).\n٣٨٦ - علماء الشام في القرن العشرين: لمحمد بن حامد الناصر، دار المعالي - عمان، الطبعة الأولى، (١٤٢٤ هـ).\n٣٨٧ - علماء فقدناهم: تأليف: إدارة الدعوة والإرشاد بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر.\n٣٨٨ - علماء نجد خلال ستة قرون: للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام، الطبعة الأولى، مؤسسة الخدمة الطباعية - بيروت، (١٣٩٨ هـ).\n٣٨٩ - عمدة القاري شرح صحيح البخاري: تأليف: بدر الدين محمود بن أحمد العيني، دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n٣٩٠ - عنوان المجد في تاريخ نجد: للمؤرخ الشهير عثمان بن عبد الله النجدي الحنبلي، حققه عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ، طبع وزارة المعارف، المملكة، الطبعة الثالثة، (١٣٩٤ هـ).","vol":"2","page":1130},{"text":"٣٩١ - عوارف المعارف: السهروردي - ملحق بآخر كتاب إحياء علوم الدين، دار القلم، بيروت، الطبعة الثالثة.\n٣٩٢ - عون المعبود: محمد شمس الحق العظيم أبادي أبو الطيب، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثانية، (١٤١٥ هـ).\n٣٩٣ - غاية الأماني في الرد على النبهاني: محمود شكري الألوسي، مطابع نجد التجارية، الرياض.\n٣٩٤ - غاية البيان شرح زبد ابن رسلان: تأليف: محمد بن أحمد الرملي الأنصاري، دار المعرفة - بيروت.\n٣٩٥ - غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام: تأليف: العلامة محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الأولى، (١٤٠٠ هـ).\n٣٩٦ - غراس الأساس: ابن حجر العسقلاني، تحقيق: د. توفيق محمد شاهين، مكتبة وهبة، القاهرة، الطبعة الأولى، (١٤١١ هـ).\n٣٩٧ - غريب الحديث: تأليف: القاسم بن سلام الهروي أبو عبيد، دار الكتاب العربي - بيروت، (١٣٩٦ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: د. محمد عبد المعيد خان.\n٣٩٨ - غريب الحديث: تأليف: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري أبو محمد، مطبعة العاني - بغداد، (١٣٩٧ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: د. عبد الله الجبوري.\n٣٩٩ - غمز عيون البصائر شرح كتاب الأشباه والنظائر: تأليف: زين الدين بن إبراهيم بن محمد بن محمد بن بكر المشهور بابن النجيم الحنفي، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤٠٥ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: شرح مولانا السيد أحمد بن محمد الحنفي الحموي.\n٤٠٠ - فتاوى السبكي: تأليف: الإمام أبي الحسن تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي، دار المعرفة - بيروت.\n٤٠١ - الفتاوى الكبرى الفقهية: تأليف: ابن حجر الهيتمي، دار الفكر.\n٤٠٢ - الفتاوى الكبرى: لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: حسنين محمد مخلوف، دار المعرفة - بيروت، الطبعة الأولى، (١٣٨٦ هـ).\n٤٠٣ - فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: جمع وترتيب: أحمد عبد الرزاق الدويش، دار العاصمة - الرياض، الطبعة الثالثة، (١٤١٩ هـ).\n٤٠٤ - فتاوى مهمة لعموم الأمة: تأليف: عبد العزيز بن باز، ومحمد بن صالح العثيمين، دار العاصمة - الرياض، (١٤١٣ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: إبراهيم الفارس.","vol":"2","page":1131},{"text":"٤٠٥ - فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ: جمع وترتيب وتحقيق: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، مطبعة الحكومة - مكة المكرمة، الطبعة الأولى، (١٣٩٩ هـ).\n٤٠٦ - فتح الباري شرح صحيح البخاري: للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، قرأ أصله تصحيحًا وتحقيقًا، سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، قام بترقيمه: محمد فؤاد عبد الباقي، قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب، دار المعرفة- بيروت، (١٣٧٩ هـ).\n٤٠٧ - فتح الباري شرح صحيح البخاري: للحافظ زين الدين أبي الفرج ابن رجب الحنبلي، تحقيق: مجموعة من المحققين، مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة النبوية، الطبعة الأولى، (١٤١٧ هـ).\n٤٠٨ - فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في \"التفسير\": محمد بن علي الشوكاني، دار الفكر، بيروت.\n٤٠٩ - فتح المجيد شرح كتاب التوحيد: تأليف: عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار الفكر، (١٣٩٩ هـ).\n٤١٠ - فتح المجيد شرح كتاب التوحيد: تأليف: عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، دار المسلم، طبع على نفقة مؤسسة الحرمين الخيرية - الرياض.\n٤١١ - فتح المغيث شرح ألفية الحديث: تأليف: شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، دار الكتب العلمية - لبنان، (١٤٠٣ هـ)، الطبعة الأولى.\n٤١٢ - الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية: تأليف: عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي أبو منصور، دار الآفاق الجديدة - بيروت، (١٩٧٧ م)، الطبعة الثانية.\n٤١٣ - الفروع وتصحيح الفروع: تأليف: محمد بن مفلح المقدسي أبو عبد الله، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤١٨ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: أبو الزهراء حازم القاضي.\n٤١٤ - الفروق اللغوية: تأليف: أبو هلال العسكري، تحقيق: محمد إبراهيم سليم، دار العلم والثقافة، (١٤١٨ هـ).\n٤١٥ - الفروق أو أنوار البروق في أنواء الفروق (مع الهوامش)، تأليف: أبو العباس أحمد بن إدريس الصنهاجي القرافي، درا الكتب العلمية - بيروت، (١٤١٨ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: خليل المنصور.","vol":"2","page":1132},{"text":"٤١٦ - الفصل في الملل والأهواء والنحل: ابن حم، تحقيق: سمير أمين الزهيري، مكتبة الخانجي - القاهرة، الطبعة الثانية، (١٩٧٧ هـ).\n٤١٧ - الفصول المفيدة في الواو المزيدة: تأليف: صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي، نشر: دار البشير- عمان، (١٤١٠ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: حسن موسى الشاعر.\n٤١٨ - فضل المدينة وآداب سكناها وزيارتها: تأليف: عبد المحسن بن حمد العباد البدر، الناشر: مطبعة النرجس، الطبعة الأولى، (١٤٢١ هـ).\n٤١٩ - فهرس الفهارس والإثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات:\nتأليف: عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني، نشر: دار العربي الإسلامي - بيروت، (١٤٠٢ هـ)، الطبعة الثانية، تحقيق: د. إحسان عباس.\n٤٢٠ - الفهرست: تأليف: محمد بن إسحاق أبو الفرج النديم، دار المعرفة - بيروت، (١٣٩٨ هـ).\n٤٢١ - الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة: تأليف: محمد بن علي بن محمد الشوكاني، المكتب الإسلامي - بيروت، (١٤٠٧ هـ)، الطبعة الثالثة، تحقيق: عبد الرحمن يحيى المعلمي.\n٤٢٢ - الفوائد الموضوعة في الأحاديث الموضوعة: العلامة الشيخ مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي، دار الوراق - الرياض، (١٤١٩ هـ)، الطبعة الثالثة، تحقيق: د. محمد بن لطفي الصباغ.\n٤٢٣ - الفوائد في اختصار المقاصد: تأليف: عبد العزيز بن عبد السلام السلمي، دار الفكر المعاصر، دار الفكر- دمشق، (١٤١٦ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: إياد خالد الطباع.\n٤٢٤ - الفوائد: للإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثانية، (١٣٩٣ هـ).\n٤٢٥ - في العقيدة الإسلامية بين السلفية والمعتزلة: د. محمود أحمد خفاجي، الطبعة الأولى، (١٣٩٩ هـ).\n٤٢٦ - فيض القدير شرح الجامع الصغير: محمد عبد الرؤوف المناوي، الناشر: المكتبة لتجارية الكبرى، مصر، الطبعة الأولى، (١٣٥٦ هـ).\n٤٢٧ - القائد إلى تصحيح العقائد: عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني، تعليق: محمد ناصر الدين الألباني، طبعة المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة، (١٤٠٤ هـ).","vol":"2","page":1133},{"text":"٤٢٨ - قاعدة العادة محكمة: دراسة نظرية تأصيلية تطبيقية، د. يعقوب الباحسين، مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤٢٣ هـ).\n٤٢٩ - قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة: لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: د. ربيع بن هادي المدخلي، هجر للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، (١٤٠٩ هـ).\n٤٣٠ - قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق: أحمد بن تيمية، سليمان بن صالح الغصن، دار العاصمة - الرياض، الطبعة الثانية، (١٤١٨ هـ).\n٤٣١ - القرآن والفلسفة: لمحمد يوسف موسى، طبعة دار المعارف، (١٩٨٢ م).\n٤٣٢ - قرة عيون الموحدين لعبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: تحقيق: بشير محمد عيون، الناشر: مكتبة المؤيد - السعودية، ومكتبة دار البيان - دمشق، الطبعة الأولى، (١٤١١ هـ).\n٤٣٣ - قواطع الأدلة في الأصول: تأليف: أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤١٨ هـ)، تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي.\n٤٣٤ - قواعد الأحكام في مصالح الأنام: لأبي محمد عز الدين بن عبد السلام، دار الكتب العلمية - بيروت.\n٤٣٥ - قواعد التحديث من فنون المصطلح الحديث: تأليف: محمد جمال الدين القاسمي، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، (١٣٩٩ هـ)، الطبعة الأولى.\n٤٣٦ - القواعد الفقهية المستخرجة من كتاب إعلام الموقعين للعلامة ابن قيم الجوزية: إعداد: أبي عبد الرحمن بن عبد المجيد جمعة الجزائري، تقديم: بكر أبو زيد، دار ابن القيم - الدمام، الطبعة الأولى، (١٤٢١ هـ).\n٤٣٧ - القواعد الفقهية: المبادئ، المقومات، المصادر، الدليلية، التطور: دراسة نظرية، تحليلية، تأصيلية، تاريخية، مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة الثالثة، (١٤٢٤ هـ).\n٤٣٨ - القواعد النورانية: لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار المعرفة - بيروت، (١٣٩٩ هـ).\n٤٣٩ - قواعد الوسائل في الشريعة الإسلامية، دراسة أصولية في ضوء المقاصد الشرعية: تأليف: د. مصطفى بن كرامة الله مخدوم، دار إشبليا - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤٢٠ هـ).","vol":"2","page":1134},{"text":"٤٤٠ - القواعد والضوابط الفقهية المتضمنة للتيسير، تأليف: د. عبد الرحمن بن صالح العبد اللطيف، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية - المدينة النبوية، الطبعة الأولى، (١٤٢٣ هـ).\n٤٤١ - قواعد ومسائل في توحيد الإلهية: تأليف: عبد العزيز بن ريس الريس، بدون دار النشر، الطبعة الأولى، (١٤٢٦ هـ).\n٤٤٢ - القواعد: تأليف: ابن رجب الحنبلي، مكتبة نزار مصطفى الباز- مكة، (١٩٩٩ م)، الطبعة الثانية.\n٤٤٣ - القواعد: لأبي عبد الله محمد بن أحمد المقري المتوفى سنة (٧٥٨ هـ)، تحقيق: أحمد بن عبد الله بن حميد، شركة مكة للطباعة، ضمن منشورات معهد البحوث العلمية وإحياء التراث، مركز إحياء التراث، جامعة أم القرى - مكة.\n٤٤٤ - القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد: عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر- دار ابن عفان للنشر والتوزيع، الخبر، الطبعة الأولى، (١٤١٧ هـ).\n٤٤٥ - القول السديد في مقاصد التوحيد: تأليف: الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي، دراسة وتحقيق: المرتضى الزين أحمد، الناشر: مجموعة التحف النفائس الدولية - الرياض، الطبعة الثالثة.\n٤٤٦ - القول الفصل النفيس في الرد على المفتري داود بن جرجيس: تأليف: الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الإمام محمد بن عبد الوهاب، بإشراف ومراجعة: فضيلة الشيخ إسماعيل بن سعد بن عتيق، دار الهداية للطبع والنشر- الرياض، (١٤٠٥ هـ).\n٤٤٧ - القول المفيد على كتاب التوحيد: محمد بن صالح العثيمين، دار ابن الجوزي - الرياض، الطبعة الثانية، (١٤٢٤ هـ)، بإشراف مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية.\n٤٤٨ - الكافي في فقه الإمام المبجل أحمد بن حنبل: تأليف: عبد الله بن قدامة المقدسي أبو محمد، المكتب الإسلامي- بيروت.\n٤٤٩ - الكافية الشافية: للإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، عُنِيَ بها: عبد الله بن محمد العمير- دار ابن خزيمة، الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٦ هـ).\n٤٥٠ - الكامل في التاريخ: تأليف: أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤١٥ هـ)، الطبعة الثانية، تحقيق: عبد الله القاضي.","vol":"2","page":1135},{"text":"٤٥١ - كتاب التسهيل لعلوم التنزيل: تأليف: محمد بن أحمد بن محمد الغرناطي، الكبي، دار الكتاب العربي - لبنان، (١٤٠٣ هـ)، الطبعة الرابعة.\n٤٥٢ - كتاب التوحيد: تأليف: محمد بن عبد الوهاب، نشر: مطابع الرياض - الرياض، الطبعة الأولى، تحقيق: عبد العزيز بن زيد الرومي، ود. محمد بلتاجي، د. سيد حجاب.\n٤٥٣ - كتاب العين: تأليف: الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب ومكتبة الهلال، تحقيق: د. مهدي المخزومي، د. إبراهيم السامرائي.\n٤٥٤ - الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار: تأليف: أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي، مكتبة الرشد - الرياض، (١٤٠٩ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: كمال يوسف الحوت.\n٤٥٥ - كتاب قضاة المدينة المنورة: تأليف: عبد الله بن محمد بن زاحم، الناشر: مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة، الطبعة الأولى، (١٤١٨ هـ).\n٤٥٦ - كشاف اصطلاحات الفنون: للتهانوني، نشر: دار صادر- بيروت.\n٤٥٧ - كشاف القناع عن متن الإقناع: تأليف: منصور بن يونس بن إدريس البهوتي، دار الفكر- بيروت، (١٤٠٢ هـ)، تحقيق: هلال مصيلحي مصطفى هلال.\n٤٥٨ - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل: تأليف: أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، تحقيق: عبد الرزاق المهدي.\n٤٥٩ - كشف الأسرار عن أول فخر الإسلام البزدوي: تأليف: علاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤١٨ هـ)، تحقيق: عبد الله محمود محمد عمر.\n٤٦٠ - كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس: تأليف: إسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي، نشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، (١٤٠٥ هـ)، الطبعة الرابعة، تحقيق: أحمد القلاش.\n٤٦١ - كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: تأليف: مصطفى بن عبد الله القسطنطيني الرومي الحنفي، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤١٣ هـ).\n٤٦٢ - كشف المشكل من حديث الصحيحين: تأليف: أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي، دار الوطن - الرياض، (١٤١٨ هـ)، تحقيق: علي حسين البواب.","vol":"2","page":1136},{"text":"٤٦٣ - الكشف والبيان (تفسير الثعلبي): تأليف: أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري، دار إحياء التراث العربي - بيروت، (١٤٢٢ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: أبي محمد بن عاشور، مراجعة وتدقيق: الأستاذ نظير الساعدي.\n٤٦٤ - الكلم الطيب: لابن تيمية، تخريج الشيخ الألباني، مكتبة المعارف للنشر- الرياض، الطبعة الأولى، (١٤٢٢ هـ).\n٤٦٥ - كلمة الإخلاص وتحقيق معناها: تأليف: ابن رجب الحنبلي، المكتب الإسلامي - بيروت، (١٣٩٧ هـ)، الطبعة الرابعة، تحقيق: زهير الشاويش.\n٤٦٦ - الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية: تأليف: أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفومي، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الثانية، (١٤١٩ هـ)، تحقيق: عدنان درويش - ومحمد المصري.\n٤٦٧ - كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال: تأليف: علاء الدين علي المتقي بن حسام الدين الهندي، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤١٩ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: محمود عمر الدمياطي.\n٤٦٨ - الكواشف الجلية عن معاني الواسطية: تأليف: عبد العزيز المحمد السلمان، الطبعة الثامنة عشرة، (١٤١٣ هـ).\n٤٦٩ - اللؤلؤ المرصوع فيما لا أصل له أو بأصله موضوع: تأليف: محمد بن خليل بن إبراهيم المشيشي الطرابلسي، دار البشائر الإسلامية - بيروت، (١٤١٥ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: فوا أحمد زمرلي.\n٤٧٠ - اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة المعروف بـ (التذكرة في الأحاديث المشتهرة): تأليف: بدر الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الله الزركشي، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤٠٦ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا.\n٤٧١ - اللباب في الجمع بين السُّنَّة والكتاب: تأليف: الإمام جمال الدين أبو محمد علي بن أبي يحيى زكريا بن مسعود الأنصاري الخزرجي، (١٤١٤ هـ)، الطبعة الثانية، تحقيق: د. محمد فضل عبد العزيز المراد.\n٤٧٢ - لسان العرب: تأليف: محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، دار صادر - بيروت، الطبعة الأولى.\n٤٧٣ - لسان الميزان: تأليف: أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، نشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، (١٤٠٦ هـ)، الطبعة الثالثة، تحقيق: دائرة المعارف النظامية - الهند.","vol":"2","page":1137},{"text":"٤٧٤ - لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية شرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية: لمحمد بن أحمد السفاريني، مؤسسة الخافقين - دمشق، الطبعة الثانية، (١٤٠٢ هـ).\n٤٧٥ - المبدع في شرح المقنع: تأليف: إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن مفلح الحنبلي أبو إسحاق، المكتب الإسلامي - بيروت، (١٤٠٠ هـ).\n٤٧٦ - المبدع في شرح المقنع: تأليف: إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن مفلح الحنبلي أبو إسحاق، المكتب الإسلامي - بيروت، (١٤٠٠ هـ).\n٤٧٧ - المتواري علي تراجم أبواب البخاري: تأليف: ناصر الدين أحمد بن محمد المعروف بابن المنير الإسكندري، مكتبة المعلا - الكويت، (١٤٠٧ هـ)، تحقيق: صلاح الدين مقبو أحمد.\n٤٧٨ - المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر: تأليف: أبو الفتح ضياء الدين نصر الله بن محمد بن محمد بن عبد الكريم المعروف بابن الأثير، المكتبة العصرية للطباعة والنشر- بيروت، (١٩٩٥ م)، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد.\n٤٧٩ - مجلة البحوث الإسلامية: إدارة البحوث العلمية - الرياض، العدد (٤٦).\n٤٨٠ - مجمع الزاوئد ومنبع الفوائد: تأليف: علي بن أبي بكر الهيثمي، دار الريان للتراث، دار الكتاب العربي - القاهرة، بيروت، (١٤٠٧ هـ).\n٤٨١ - المجموع المفيد في نقض القبورية ونصرة التوحيد: لأستاذ الدكتور محمد الخميس، دار أطلس الخضراء - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٨ هـ).\n٤٨٢ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن ثيمية: جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، (١٤١٦ هـ).\n٤٨٣ - مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين: جمع وترتيب: فهد بن ناصر السليمان، دار الثريا للنشر، الطبعة الأولى، (١٤١٩ هـ).\n٤٨٤ - مجموع فتاوى ومقالات متنوعة: لسماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز، جمع وترتيب وإشراف: د. محمد بن سعد الشويعر، نشر: رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء - الرياض، الطبعة الرابعة، (١٤٢٣ هـ).\n٤٨٥ - المجموع: تأليف: يحيى بن شرف النووي، دار الفكر- بيروت، (١٩٩٧ م).\n٤٨٦ - مجموعة الرسائل والمسائل النجدية: تأليف بعض علماء نجد الأعلام، الناشر: دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الثالثة، (١٤١٢ هـ).","vol":"2","page":1138},{"text":"٤٨٧ - مجموعة رسائل في التوحيد والإيمان: تأليف: محمد بن عبد الوهاب، مطابع الرياض - الرياض، الطبعة الأولى، تحقيق: فضيلة الشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري.\n٤٨٨ - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: تأليف: أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي، نشر: دار الكتب العلمية - لبنان، (١٤١٣ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد.\n٤٨٩ - المحصول في علم الأصول: تأليف: محمد بن عمر بن الحسين الرازي، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض، (١٤٠٠ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: طه أبر فياض العلواني.\n٤٩٠ - المحكم والمحيط الأعظم: تأليف: أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، (٢٠٠٠ م)، الطبعة الأولى، تحقيق: عبد الحميد هنداوي.\n٤٩١ - المحلى: تأليف: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري أبو محمد، دار الآفاق الجديدة - بيروت، تحقيق: لجنة إحياء التراث العربي.\n٤٩٢ - مختار الصحاح: تأليف: محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، مكتبة لبنان ناشرون - بيروت، (١٤١٥ هـ)، الطبعة: طبعة جديدة، تحقيق: محمود خاطر.\n٤٩٣ - مختصر الفتاوى المصرية: لابن تيمية، تأليف: بدر الدين أبو عبد الله محمد بن علي الحنبلي البعلي، دار ابن القيم - الدمام، (١٤٠٦ هـ)، الطبعة الثانية، تحقيق: محمد حامد الفقي.\n٤٩٤ - المختصر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل: تأليف: علي بن محمد بن علي البعلي أبو الحسن، جامعة الملك عبد العزيز- مكة المكرمة، تحقيق: د. محمد مظهر بقا.\n٤٩٥ - مخطوط العبادة: للمعلمي، بمكتبة الجامعة الإسلامية فلم برقم (٣٥٧٧).\n٤٩٦ - مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإيك نستعين: تأليف: محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله، دار الكتاب العربي - بيروت، (١٣٩٣ هـ)، الطبعة الثانية، تحقيق: محمد حامد الفقي.\n٤٩٧ - المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية على مذهب أهل السُّنَّة والجماعة: تأليف: إبراهيم بن محمد البريكان، دار السُّنَّة للنشر- الخبر، الطبعة الثالثة، (١٤١٥ هـ).\n٤٩٨ - المدخل: تأليف: أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي المالكي الشهير بابن الحاج، نشر: دار الفكر- بيروت، (١٤٠١ هـ).","vol":"2","page":1139},{"text":"٤٩٩ - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: تأليف: علي بن سلطان محمد القاري، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤٢٢ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: جمال عيتاني.\n٥٠٠ - المزهر في علوم اللغة وأنواعها: تأليف: جلال الدين السيوطي، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤١٨ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: فؤاد علي منصور.\n٥٠١ - مسائل الجاهلية التى خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية: تأليف: محمد بن عبد الوهاب، نشر: الجامعة الإسلامية المدينة المنورة، (١٣٩٦ هـ)، تحقيق: محمود شكري الألوسي.\n٥٠٢ - مسائل لخصها الإمام محمد بن عبد الوهاب: تأليف: محمد بن عبد الوهاب، مطابع الرياض - الرياض، الطبعة الأولى، تحقيق: عبد العزيز بن زيد الرومي، ود. محمد بلتجاي، ود. سيد حجاب.\n٥٠٣ - مسألة التقريب بين أهل السُّنَّة والشيعة: تأليف: د. ناصر بن عبد الله بن علي القفاري، الطبعة الثانية، دار طيبة - الرياض، (١٤١٣ هـ).\n٥٠٤ - المستدرك على الصحيحين: محمد بن عبد الله أبو عبد الله الحاكم النيسابوري، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤١١ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا.\n٥٠٥ - مسند أبي يعلى: تأليف: أحمد بن علي بن المثنى أبو يعلى الموصلي التميمي، دار المأمون للتراث - دمشق، (١٤٠٤ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: حسين سليم أسد.\n٥٠٦ - مسند الإمام أحمد بن حنبل: تأليف: أحمد بن حنبل أبو عبد الله الشيباني، نشر: مؤسسة قرطبة - مصر.\n٥٠٧ - مسند الشافعي: تأليف: محمد بن إدريس أبو عبد الله الشافعي، دار الكتب العلمية - بيروت.\n٥٠٨ - مسند الشاميين: تأليف: سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني، مؤسسة الرسالة - بيروت، (١٤٠٥ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: حمدي بن عبد الحميد السلفي.\n٥٠٩ - المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم: تأليف: أبي نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الهراني الأصبهاني، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤١٧ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي.\n٥١٠ - مشارق الأنوار على صحاح الآثار: تأليف: القاضي أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي المالكي، المكتبة العتيقة ودار التراث.","vol":"2","page":1140},{"text":"٥١١ - المشاهدات المعصومية: تأليف: محمد سلطان المعصومي، وهو ضمن المجموع المفيد في نقض القبورية ونصرة التوحيد، للأستاذ الدكتور محمد الخميس.\n٥١٢ - مشاهير علماء الأمصار: لأبي حاتم بن حبان التميمي البستي، تصحيح م. فلايشهمر، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، (١٣٧٩ هـ ١٩٥٩ م).\n٥١٣ - مشاهير علماء نجد وغيرهم: تأليف: عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله آل الشيخ، الناشر: دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، الطبعة الأولى، (١٣٩٢ هـ).\n٥١٤ - مشكاة المصابيح: تأليف: محمد بن عبد الله الخطيب التبريزي، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي- دمشق - بيروت، الطبعة الثانية، (١٣٩٩ هـ).\n٥١٥ - مشكل إعراب القرآن: تأليف: مكي بن ابي طالب القيسي أبو محمد، مؤسسة الرسالة - بيروت، (١٤٠٥ هـ)، الطبعة الثانية، تحقيق: د. حاتم صالح الضامن.\n٥١٦ - مشكل الحديث وبيانه: تأليف: أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك الأصبهاني، عالم الكتب - بيروت، (١٩٨٥ م)، الطبعة الثانية، تحقيق: موسى محمد علي.\n٥١٧ - مصباح الظلام: تأليف: عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، دراسة وتحقيق: عبد العزيز بن عبد الله بن إبراهيم الزير آل حمد، الناشر: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤٢٤ هـ).\n٥١٨ - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير: للرافعي، تأليف: أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي، نشر: المكتبة العلمية - بيروت.\n٥١٩ - المصنف: تأليف: أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني، المكتب الإسلامي - بيروت، (١٤٠٣ هـ)، الطبعة الثانية، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي.\n٥٢٠ - المصنوع في معرفة الحديث الموضوع (الموضوعات الصغرى): تأليف: علي بن سلطان محمد الهروي القاري، مؤسسة الرسالة - بيروت، (١٣٩٨ هـ)، الطبعة الثانية، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة.\n٥٢١ - مطالب أولي النهي في شرح غاية المنتهى: تأليف: مصطفى السيوطي الرحيباني، المكتب الإسلامي- دمشق، (١٩٦١ م).","vol":"2","page":1141},{"text":"٥٢٢ - المطلع على أبواب المقنع: تأليف: محمد بن أبي الفتح البعلي الحنبلي أبو عبد الله، المكتب الإسلامي - بيروت، (١٤٠١ هـ)، تحقيق: محمد بشير الأدلبي.\n٥٢٣ - معارج الألباب في مناهج الحق والصواب: لحسين بن مهدي النعمي، تحقيق: محمد عبد الله مختار، دار المغني- الرياض، الطبعة الأولى، (١٤٢٥ هـ).\n٥٢٤ - معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول: تأليف: حافظ ابن أحمد حكمي، نشر: دار ابن القيم - الدمام، (١٤١٠ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: عمر بن محمود أبو عمر.\n٥٢٥ - معاني القرآن الكريم: تأليف: النحاس، جامعة أم القرى - مكة المكرمة، (١٤٠٩ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد علي الصابوني.\n٥٢٦ - معتقد أهل السُّنَة والجماعة فى توحيد الأسماء والصفات: أ. د. محمد بن خليفة التميمي - دار الحريري، القاهرة.\n٥٢٧ - المعتمد في أصول الفقه: تأليف: محمد بن علي بن الطيب البصري أبو الحسين، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤٠٣ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: خليل الميس.\n٥٢٨ - معجم الأدباء أو إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب: تأليف: أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤١١ هـ)، الطبعة الأولى.\n٥٢٩ - معجم الأفعال المتعدية بحرف: تأليف: موسى بن محمد الملياني الأحمدي، دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة الثالثة، (١٩٨٦ م).\n٥٣٠ - المعجم الأوسط: أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، نشر: دار الحرمين - القاهرة، (١٤١٥ هـ)، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد، وعبد المحسن بن إبراهيم الحسيني.\n٥٣١ - معجم البلدان: تأليف: ياقوت بن عبد الله الحموي أبو عبد الله، دار الفكر - بيروت.\n٥٣٢ - المعجم الفلسفي بالألفاظ العربية والفرنسية والانجليزية واللاتينية: د. جميل صليبا، دار الكتاب اللبناني، بيروت، (١٩٧٩ م).\n٥٣٣ - المعجم الفلسفي: الصادر عن مجمع اللغة العربية - مصر، (١٩٧٩ م).\n٥٣٤ - المعجم الكبير: تأليف: سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني، مكتبة الزهراء - الموصل، (١٤٠٤ هـ / ١٩٨٣ م)، الطبعة الثانية، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي.","vol":"2","page":1142},{"text":"٥٣٥ - معجم المؤلفين: لعمر رضا كحالة، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى، (١٤١٤ هـ).\n٥٣٦ - معجم المصطلحات الصوفية: الدكتور أنور فؤاد أبي خزام، مكتبة لينان ناشرون - بيروت، الطبعة الأولى، (١٩٩٣ م).\n٥٣٧ - المعجم الوسيط: تأليف: إبراهيم مصطفى، وأحمد الزيات، وحامد عبد القادر، ومحمد النجار، دار الدعوة، تحقيق: مجمع اللغة العربية.\n٥٣٨ - معجم تصريف الأفعال العربية: تأليف: السفير أنطوان الدحداح، راجعه: د. جورج متري، مكتبة لبنان - بيروت، الطبعة الأولى، (١٩٩١ م).\n٥٣٩ - معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع: تأليف: عبد الله بن عبد العزيز البكري الأندلسي أبو عبيد، عالم الكتب - بيروت، (١٤٠٣ هـ)، الطبعة الثالثة، تحقيق: مصطفى السقا.\n٥٤٠ - معجم مقاييس اللغة: تأليف: أبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، دار الجيل - بيروت، (١٤٢٠ هـ)، الطبعة الثانية، تحقيق: عبد السلام محمد هارون.\n٥٤١ - معرفة السُّنن والآثار عن الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الله الشافعي: الحافظ الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: بدون، تحقيق: سيد كسروي حسن.\n٥٤٢ - معنى لا إله إلا الله: تأليف: الإمام بدر الدين محمد عبد الله الزركشي، دار الاعتصام - القاهرة، (١٤٠٥ هـ)، الطبعة الثالثة، تحقيق: علي محيي الدين علي القرة راغي.\n٥٤٣ - مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج: تأليف: محمد الخطيب الشربيني، دار الفكر - بيروت.\n٥٤٤ - المغني عن حمل الأسفار: تأليف: أبو الفضل العراقي، مكتبة طبرية - الرياض، (١٤١٥ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: أشرف عبد المقصود.\n٥٤٥ - المغني في الضعفاء: لمحمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي أبو عبد الله، تحقيق: نور الدين عتر، دار الكتب العلمية - بيروت.\n٥٤٦ - المغني: تأليف: عبد الله بن أحمد بن عثمان بن المقدسي أبو محمد، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى، (١٤٠٥ هـ).\n٥٤٧ - مفتاح الجنة لا إله إلا الله: تأليف: محمد بن سلطان المعصومي الخجندي، تحقيق: علي حسن عبد الحميد، دار الإمام أحمد للنشر - القاهرة، (٢٠٠٦ م).","vol":"2","page":1143},{"text":"٥٤٨ - مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة: تأليف: محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله، دار الكتب العلمية - بيروت.\n٥٤٩ - المفردات في غريب القرآن: تأليف: أبو القاسم الحسين بن محمد، دار المعرفة - لبنان، تحقيق: محمد سيد كيلاني.\n٥٥٠ - المفيد على كتاب التوحيد: تأليف: عبد الله بن صالح القصير، دار الحلية - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤٢٣ هـ).\n٥٥١ - المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة: تأليف: أبو الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد السخاوي، دار الكتاب العربي - بيروت، (١٤٠٥ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد عثمان الخشت.\n٥٥٢ - مقاصد الرعاية لحقوق الله - ﷿ -: تأليف: سلطان العلماء عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي، دار الفكر - دمشق، (١٤١٦ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: إياد خالد الطباع.\n٥٥٣ - مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية: تأليف: د. محمد سعد بن أحمد بن مسعود اليوبي، دار الهجرة - الرياض، الطبعة الثانية، (١٤٢٣ هـ).\n٥٥٤ - مقال بعنوان: (شيخ الزهد): في جريدة الرياض، يوم الأربعاء (٢٢/ ٢/ ١٤٢٢ هـ)، كتبه: إبراهيم بن عبد العزيز الشثري بمركز هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بالسويدي.\n٥٥٥ - مقال بعنوان: رئيس الجامعة الإسلامية الشيخ محمد بن إبراهيم - ﵀ -: للشيخ عبد المحسن العباد ضمن مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، العدد ٦ (١٥)، سنة (١٣٨٩ هـ).\n٥٥٦ - مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين: تأليف: علي بن إسماعيل الأشعري أبو الحسن، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الثالثة، تحقيق: هلموت ريتر.\n٥٥٧ - مقالة التشبيه وموقف أهل السُّنَّة منها: تأليف: د. جابر بن إدريس بن علي أمير، أضواء السلف - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤٢٢ هـ).\n٥٥٨ - مقدمة ابن خلدون: تأليف: عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي، دار القلم - بيروت، (١٩٨٤ م)، الطبعة الخامسة.\n٥٥٩ - المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد: تأليف: الإمام برهان الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفل، مكتبة الرشد - الرياض، السعودية، (١٤١٠ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: د. عبد الرحمن بن سليمان العثيمين.","vol":"2","page":1144},{"text":"٥٦٠ - المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى: تأليف: محمد بن محمد الغزالي أبو حامد، الجفان والجابي - قبرص، (١٤٠٧ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: بسام عبد الوهاب الجابي.\n٥٦١ - الملل والنحل: تأليف: محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني، دار المعرفة - بيروت، (١٤٠٤ هـ)، تحقيق: محمد سيد كيلاني.\n٥٦٢ - من أعلام العصر: بقلم أسامة أحمد شاكر، الطبعة الأولى، (١٤٢٢ هـ).\n٥٦٣ - مناهل العرفان في علوم القرآن: تأليف: محمد عبد العظيم الزرقاني، دار الفكر - لبنان، (١٤١٦ هـ)، الطبعة الأولى.\n٥٦٤ - منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس: تأليف: العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن جرجيس، تأليف: العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ابن الشيخ، دار الهداية - الرياض، الطبعة الثانية، (١٤٠٧ هـ).\n٥٦٥ - منهاج السُّنَّة النبوية: تأليف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، نشر: مؤسسة قرطبة، (١٤٠٦ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: د. محمد رشاد سالم.\n٥٦٦ - منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السُّنَّة والجماعة: تأليف: عثمان علي حسن، مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة الرابعة، (١٤١٨ هـ).\n٥٦٧ - منهج السلف والمتكلمين في موافقة العقل للنقل وأثر المنهجين في العقيدة: د. جابر إدريس علي أمير، مكتبة أضواء السلف - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤١٩ هـ).\n٥٦٨ - الموافقات في أصول الفقه: تأليف: إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي، دار المعرفة - بيروت، تحقيق: عبد الله دراز.\n٥٦٩ - مواهب الجليل لشرح مختصر خليل: تأليف: محمد بن عبد الرحمن المغربي أبو عبد الله، دار الفكر - بيروت، (١٣٩٨ هـ)، الطبعة الثانية.\n٥٧٠ - الموسوعة الفقهية: إصدار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت، الطبعة الثانية، (١٤٠٤ هـ)، نشر: دار السلاسل - الكويت.\n٥٧١ - الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة: الندوة العالمية للشباب الإسلامي - الرياض، الطبعة الثانية، (١٤٠٩ هـ).\n٥٧٢ - ميزان الاعتدال في نقد الرجال: تأليف: شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، (١٩٩٥ م)، الطبعة الأولى، تحقيق: الشيخ علي محمد معوض والشيخ عادل أحمد عبد الموجود.","vol":"2","page":1145},{"text":"٥٧٣ - النبذة الكافية في أحكام أصول الدين: تأليف: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري أبو محمد، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤٠٥ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد أحمد عبد العزيز.\n٥٧٤ - النبذة الكافية في أحكام أصول الدين: تأليف: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري أبو محمد، دار الكتب العلمية - بيروت، (١٤٠٥ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد أحمد عبد العزيز.\n٥٧٥ - النبوات: تأليف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، المطبعة السلفية - القاهرة، (١٣٨٦ هـ).\n٥٧٦ - النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: تأليف: جمال الدين أبي المحاسن يوسف بن تغري بردى الأتابكي، نشر: وزارة الثقافة والإرشاد القومى - مصر.\n٥٧٧ - النخبة البهية في الأحاديث المكذوبة على خير البرية: تأليف: العلامة محمد الأمير الكبير المالكي، المكتب الإسلامي - بيروت، (١٤٠٩ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: زهير الشاويش.\n٥٧٨ - نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر: تأليف: جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، مؤسسة الرسالة - بيروت، (١٤٠٤ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد عبد الكريم كاظم الراضي.\n٥٧٩ - نظم المتناثر من الحديث المتواتر: تأليف: محمد بن جعفر الكتاني أبو عبد الله، نشر: دار الكتب السلفية - مصر، تحقيق: شرف حجازي.\n٥٨٠ - نعمة الذريعة في نصرة الشريعة: تأليف: العلامة إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحلب، دار المسير - الرياض، (١٤١٩ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: علي رضا بن عبد الله بن رضا.\n٥٨١ - نفخ الطيب من غصن الأندلس الرطيب: تأليف: أحمد بن محمد المقري التلمساني، دار صادر - بيروت، (١٣٨٨ هـ)، تحقيق: د. إحسان عباس.\n٥٨٢ - نقض الإمام عثمان بن سعيد الدارمي على المريسي الجهمي العنيد: تأليف: أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي، مكتبة الرشد - السعودية، (١٤١٨ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: رشيد بن حسن الألمعي.\n٥٨٣ - نهاية الإقدام في علم الكلام: للشهرستاني أبي الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد، (ت ٥٤٨ هـ)، تحقيق جيوم، نشر مكتبة المثنى، ببغداد.\n٥٨٤ - النهاية في غريب الحديث والأثر: تأليف: أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري، المكتبة العلمية - بيروت، (١٣٩٩ هـ)، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي - محمود محمد الطناحي.","vol":"2","page":1146},{"text":"٥٨٥ - نوادر الأصول في أحاديث الرسول -ﷺ-: تأليف: محمد بن علي بن الحسن أبو عبد الله الحكيم الترمذي، دار الجيل - بيروت، تحقيق: عبد الرحمن عميرة.\n٥٨٦ - نيل الابتهاج بتطريز الديباج: لأبي العباس أحمد بن أحمد التنبكتي المتوفى سنة (١٠٣٢ هـ)، مطبوع على هامش (الديباج المذهب)، دار الكتب العلمية - بيروت.\n٥٨٧ - هذه مفاهيمنا: صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ، الناشر: إدارة المساجد والمشاريع الخيرية - الرياض، الطبعة الثانية، (١٤٢٢ هـ).\n٥٨٨ - الواسطة بين الله وخلقه عند أهل السُّنَّة والجماعة ومخالفيهم: إعداد: د. المرابط بن محمد يسلم المجتبى الشنقيطي، دار الفضيلة - الرياض، الطبعة الأولى، (١٤٢٤ هـ).\n٥٨٩ - الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: تأليف: علي بن أحمد الواحدي أبو الحسن، دار القلم، والدار الشامية - دمشق - بيروت، (١٤١٥ هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: صفوان عدنان داوودي.\n٥٩٠ - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: تأليف: أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان، نشر: دار الثقافة - لبنان، تحقيق: إحسان عباس.","vol":"2","page":1147}]}