{"ً":{"ٌ":6338,"ٍ":"رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/rhmihb/","files":["rhmih0.pdf","rhmih1.pdf","rhmih2.pdf","rhmih3.pdf","rhmih4.pdf"]},"ّ":"الكتاب: رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب\nالمؤلف: تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن [تقي الدين] علي بن عبد الكافي السبكي (٧٢٧ - ٧٧١ هـ)\nوبأعلى الصفحات: متن مختصر ابن الحاجب [ت ٦٤٦ هـ]\nالمحقق: علي محمد معوض - عادل أحمد عبد الموجود\nالناشر: عالم الكتب، بيروت - لبنان\nالطبعة: الأولى، ١٩٩٩ م - ١٤١٩ هـ\nعدد الأجزاء: ٤\nتنبيه: انتشر هذا الكتاب في كثيرٍ من النُسَخ الإلكترونية مقتصِرًا على الجزء الأول فقط، وتَداخَل فيه المتن بالشرح؛ خلافًا لهذه النسخة الكاملة\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"3.2","ٔ":723,"ٕ":11,"ٖ":1770155241,"ٗ":224},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4"],"ٚ":[{"title":"مقدمة الناشر","level":1,"page":1},{"title":"مقدمة التحقيق","level":1,"page":3},{"title":"ابن الحاجب بين يدي أصحاب التراجم","level":2,"page":7},{"title":"نسبه","level":3,"page":7},{"title":"مولده","level":3,"page":8},{"title":"نبذة عن عصر ابن الحاجب","level":3,"page":10},{"title":"نشأته","level":3,"page":12},{"title":"شيوخه","level":3,"page":12},{"title":"١ - الشاطبي","level":4,"page":12},{"title":"٢ - الشهاب الغزنوي","level":4,"page":13},{"title":"٣ - القاسم بن عساكر","level":4,"page":13},{"title":"٤ - أبو الحسن الأبياري","level":4,"page":14},{"title":"٥ - أبو الجود","level":4,"page":14},{"title":"تلامذته","level":3,"page":15},{"title":"١ - شهاب الدين القرافي","level":4,"page":15},{"title":"٢ - ابن المنير","level":4,"page":15},{"title":"٣ - المنذري صاحب الترغيب والترهيب","level":4,"page":16},{"title":"٤ - الدمياطي","level":4,"page":17},{"title":"ثناء العلماء عليه","level":3,"page":18},{"title":"بين ابن الحاجب والعز بن عبد السلام","level":3,"page":19},{"title":"آثاره","level":3,"page":20},{"title":"(أ) مصنفاته في الأصول","level":4,"page":20},{"title":"(ب) مصنفاته في الفقه","level":4,"page":20},{"title":"(ج) مصنفاته في التاريخ","level":4,"page":20},{"title":"(د) مصنفاته في النحو","level":4,"page":21},{"title":"(هـ) مصنفاته في التصريف","level":4,"page":21},{"title":"(و) مصنفاته في العروض","level":4,"page":21},{"title":"(ز) مصنفاته في الأدب","level":4,"page":21},{"title":"(ح) مصنفاته في العقيدة","level":4,"page":21},{"title":"وفاته","level":3,"page":22},{"title":"إضاءة على: القرن الثامن الهجري الذي عاش فيه الشارح (ابن السبكي)","level":2,"page":23},{"title":"ديباجة","level":3,"page":23},{"title":"الحالة السياسية في عصر سلاطين المماليك","level":3,"page":25},{"title":"الأولى: من سنة ٦٩٣ - ٦٩٤ هـ","level":4,"page":29},{"title":"الثانية: من سنة ٦٩٨ - ٧٠٨ هـ","level":4,"page":30},{"title":"الثالثة: من سنة ٧٠٩ - ٧٤١ هـ","level":4,"page":31},{"title":"الحالة الاجتماعية في عصر سلاطين المماليك","level":3,"page":33},{"title":"الطبقة الأولى: أهل الحكم","level":4,"page":34},{"title":"الطبقة الثانية: أهل العلم أو المعممون","level":4,"page":37},{"title":"الطبقة الثالثة: عامة طوائف الشعب (تجار - فلاحون - أصحاب حرف - عوام)","level":4,"page":38},{"title":"التجار","level":5,"page":38},{"title":"الفلاحون","level":5,"page":38},{"title":"أصحاب الحرف","level":5,"page":39},{"title":"العوام","level":5,"page":39},{"title":"الطبقة الرابعة: أهل الذمة والأقليات الأجنبية","level":4,"page":40},{"title":"المجتمع الشامي في عصر: سلطان المماليك","level":4,"page":41},{"title":"وأهم هذه العصبيات","level":5,"page":42},{"title":"الحالة الاقتصادية في عصر سلاطين المماليك","level":3,"page":44},{"title":"١ - طبقية المجتمع","level":4,"page":44},{"title":"٢ - انتشار المجاعات والأمراض الفتاكة","level":4,"page":44},{"title":"٣ - الزلازل","level":4,"page":45},{"title":"الحالة الثقافية في عصر سلاطين المماليك","level":3,"page":46},{"title":"المدارس والمكتبات","level":4,"page":47},{"title":"١ - المدرسة الظاهرية","level":5,"page":47},{"title":"٢ - المدرسة الناصرية","level":5,"page":48},{"title":"٣ - مدرسة السلطان الناصر حسن بن الناصر محمد بن قلاوون","level":5,"page":48},{"title":"تاج الدين السبكي بين يدي أصحاب الطبقات","level":2,"page":53},{"title":"نسبه","level":3,"page":53},{"title":"نسبة التاج السبكي","level":3,"page":55},{"title":"مولده","level":3,"page":57},{"title":"نشأته","level":3,"page":57},{"title":"آل السبكي","level":3,"page":59},{"title":"١ - علي بن عبد الكافي: الشيخ تقي الدين","level":4,"page":60},{"title":"٢ - أحمد بن علي بن عبد الكافي: بهاء الدين أبو حامد","level":4,"page":61},{"title":"٣ - الحسين بن علي بن عبد الكافي: جمال الدين أبو الطيب","level":4,"page":62},{"title":"٤ - سارة بنت علي بن عبد الكافي","level":4,"page":62},{"title":"٥ - محمد بن علي بن عبد الكافي: أبو بكر","level":4,"page":63},{"title":"٦ - محمد بن أحمد بن علي بن عبد الكافي: تقي الدين أبو حاتم","level":4,"page":63},{"title":"٧ - محمد بن محمد بن أحمد بن علي بن عبد الكافي: تقي الدين أبو حاتم","level":4,"page":63},{"title":"٨ - ستيتة بنت علي بن عبد الكافي","level":4,"page":63},{"title":"٩ - صالحة بنت أحمد بن علي بن عبد الكافي","level":4,"page":64},{"title":"١٠ - صالحة بنت عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي","level":4,"page":64},{"title":"١١ - علي بن عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي.","level":4,"page":64},{"title":"١٢ - وعبد الله بن أحمد بن علي بن عبد الكافي.","level":4,"page":64},{"title":"١٣ - وعبد العزيز بن أحمد بن علي بن عبد الكافي","level":4,"page":64},{"title":"١٤ - فاطمة بنت محمد بن محمد بن أحمد بن علي بن عبد الكافي","level":4,"page":64},{"title":"شيوخه","level":3,"page":66},{"title":"١ - تقي الدين علي بن عبد الكافي","level":4,"page":67},{"title":"٢ - ابن سيد الناس","level":4,"page":68},{"title":"٣ - ابن الصابوني","level":4,"page":68},{"title":"٤ - ابن جملة","level":4,"page":69},{"title":"٥ - صالح بن مختار","level":4,"page":69},{"title":"٦ - زينب بنت الكمال","level":4,"page":69},{"title":"٧ - أبو الحجاج المزي","level":4,"page":69},{"title":"٨ - ابن النقيب","level":4,"page":70},{"title":"٩ - أبو حيان","level":4,"page":70},{"title":"١٠ - الذهبي","level":4,"page":70},{"title":"١١ - ابن جماعة","level":4,"page":71},{"title":"تلاميذه","level":3,"page":71},{"title":"محنة التاج السبكي","level":4,"page":73},{"title":"آثاره","level":3,"page":75},{"title":"١ - تاج الدين السبكي وعلم الحديث","level":4,"page":76},{"title":"٢ - التاج السبكي وعلم الكلام","level":4,"page":77},{"title":"٣ - التاج وعلم الأصول","level":4,"page":77},{"title":"٤ - التاج والقواعد الفقهية","level":4,"page":78},{"title":"٥ - ابن السبكي والفقه","level":4,"page":78},{"title":"٦ - تاج الدين المؤرخ","level":4,"page":79},{"title":"٧ - ابن السبكي والأدب","level":4,"page":79},{"title":"٨ - ابن السبكي وعلم النحو","level":4,"page":80},{"title":"٩ - ابن السبكي مصلحا اجتماعيا","level":4,"page":80},{"title":"وفاته","level":3,"page":82},{"title":"علم أصول الفقه","level":2,"page":84},{"title":"تعريف علم أصول الفقه","level":3,"page":84},{"title":"تعريف علم أصول الفقه بالمعنى الإضافي","level":4,"page":87},{"title":"تعريف المضاف أصول","level":4,"page":87},{"title":"تعريف الأصل اصطلاحا","level":4,"page":87},{"title":"تعريف المضاف إليه الفقه","level":4,"page":88},{"title":"الفقه في نظر أهل العلم","level":4,"page":90},{"title":"التعريف اللقبي لأصول الفقه","level":4,"page":92},{"title":"موضوع أصول الفقه","level":4,"page":94},{"title":"نشأة علم أصول الفقه","level":3,"page":97},{"title":"مثال صيغة الأمر","level":4,"page":98},{"title":"ومثال صيغة النهي","level":4,"page":98},{"title":"اختلاف العلماء حول واضع علم الأصول","level":4,"page":99},{"title":"أولا: الإمام محمد الباقر","level":5,"page":99},{"title":"ثانيا: الإمام أبو حنيفة النعمان","level":5,"page":100},{"title":"ثالثا: محمد بن الحسن","level":5,"page":100},{"title":"رابعا: أبو يوسف","level":5,"page":101},{"title":"الرسالة والشافعي","level":6,"page":102},{"title":"خلاصة رسالة الشافعي","level":6,"page":104},{"title":"جهة العلم بالحكم","level":6,"page":105},{"title":"مناهج العلماء في الدراسات الأصولية","level":3,"page":107},{"title":"أولا: الاتجاه النظري","level":4,"page":108},{"title":"١ - الشافعية","level":5,"page":108},{"title":"٢ - المالكية","level":5,"page":110},{"title":"خوض المتكلمين في الاتجاه النظري","level":5,"page":110},{"title":"ثانيا: الاتجاه المذهبي المتأثر بالفروع","level":4,"page":111},{"title":"١ - الحنفية","level":5,"page":112},{"title":"٢ - المالكية","level":5,"page":113},{"title":"٣ - الحنابلة","level":5,"page":114},{"title":"٤ - الشافعية","level":5,"page":115},{"title":"ثالثا: الاتجاه الجامع بين المذهبين","level":4,"page":115},{"title":"رابعا: حول قضية التجديد في أصول الفقه","level":4,"page":116},{"title":"أصول الفقه والعلوم الأخرى","level":3,"page":121},{"title":"استمداده","level":4,"page":122},{"title":"أولا: علم الكلام","level":4,"page":122},{"title":"ثانيهما: اللغة العربية","level":4,"page":123},{"title":"شبهة ورد","level":5,"page":124},{"title":"فائدة علم أصول الفقه وغايته","level":4,"page":125},{"title":"الكتاب","level":5,"page":127},{"title":"ماهيته","level":5,"page":127},{"title":"واصطلاحا","level":5,"page":127},{"title":"حجيته","level":5,"page":128},{"title":"السنة","level":5,"page":129},{"title":"ماهيتها","level":5,"page":130},{"title":"اصطلاحا","level":5,"page":130},{"title":"حجيتها ووجوب اتباعها والتحذير من مخالفتها","level":4,"page":131},{"title":"إنكار حجية السنة موجب للردة","level":4,"page":132},{"title":"العلاقة بين الكتاب والسنة","level":4,"page":134},{"title":"أولا","level":5,"page":134},{"title":"ثانيا","level":5,"page":135},{"title":"ثالثا","level":5,"page":135},{"title":"رابعا","level":5,"page":136},{"title":"خامسا","level":5,"page":136},{"title":"الإجماع","level":4,"page":140},{"title":"الإجماع اصطلاحا","level":5,"page":142},{"title":"المبحث الأول فيما تتوقف عليه الحجية","level":5,"page":143},{"title":"المقام الأول في بيان إمكان الإجماع","level":6,"page":143},{"title":"شبه المخالفين في إمكان الإجماع","level":7,"page":144},{"title":"المقام الثاني في بيان إمكان العلم بإلإجماع","level":6,"page":145},{"title":"المقام الثالث في إمكان نقله إلى من يحتج به","level":6,"page":145},{"title":"المبحث الثاني في إثبات أن الإجماع حجة","level":5,"page":147},{"title":"المسلك الأول الكتاب","level":6,"page":147},{"title":"المسلك الثاني السنة","level":6,"page":148},{"title":"احتجوا منها بأحاديث كثيرة","level":7,"page":148},{"title":"المسلك الثالث: المعقول","level":6,"page":150},{"title":"تأويل قول الإمام أحمد من ادعى الإجماع فهو كاذب","level":7,"page":152},{"title":"القياس","level":4,"page":153},{"title":"مكانة القياس من مصادر الشريعة الإسلامية، ومدى الحاجة إليه","level":5,"page":154},{"title":"القياس أصل من أصول الفقه","level":5,"page":156},{"title":"القياس لغة","level":5,"page":157},{"title":"تحرير فعل القياس وتعديته","level":5,"page":157},{"title":"حكاية الأصوليين لمعنى القياس لغة","level":5,"page":158},{"title":"القياس في اصطلاح علماء الشرع","level":5,"page":160},{"title":"حجج الرأي الأول","level":5,"page":160},{"title":"حجج الرأي الآخر","level":5,"page":161},{"title":"أولا: تعريف القياس، بناء على أنه التسوية في الحكم.","level":5,"page":162},{"title":"ثانيا: تعريف القياس، بناء على أنه المساواة في العلة","level":5,"page":163},{"title":"حجية القياس","level":5,"page":164},{"title":"حجج الجمهور","level":5,"page":165},{"title":"حجج الموجبين للقياس","level":5,"page":165},{"title":"حجج المنكرين للقياس ومناقشتها","level":5,"page":166},{"title":"وقوع القياس وعدمه","level":5,"page":169},{"title":"أدلة وقوع القياس سمعا وعقلا وحجيته","level":5,"page":170},{"title":"أدلة السنة المطهرة","level":5,"page":173},{"title":"أدلة الإجماع","level":5,"page":174},{"title":"الدليل العقلي","level":5,"page":177},{"title":"شبه ورد","level":5,"page":177},{"title":"النسخ","level":5,"page":179},{"title":"النسخ لغة","level":5,"page":180},{"title":"النسخ في نظر علماء الأصول","level":5,"page":181},{"title":"النسخ في نظر الفقهاء","level":5,"page":184},{"title":"الفرق بين الاصطلاحين","level":5,"page":184},{"title":"موضوع النسخ","level":5,"page":185},{"title":"شراح المختصر","level":2,"page":187},{"title":"١ - سلطان العلماء ابن عبد السلام","level":3,"page":187},{"title":"نسبه - شيوخه - مكانته","level":4,"page":187},{"title":"تلامذته","level":4,"page":188},{"title":"مصنفاته - وفاته","level":4,"page":188},{"title":"٢ - القاضي البيضاوي","level":3,"page":189},{"title":"نسبه - مكانته - شدته في الحق","level":4,"page":189},{"title":"مؤلفاته - وفاته","level":4,"page":189},{"title":"٣ - ابن دقيق العيد","level":3,"page":190},{"title":"نسبه - نشأته - شيوخه","level":4,"page":190},{"title":"فضائله - وتقواه - ونبوغه","level":4,"page":190},{"title":"مصنفاته","level":4,"page":191},{"title":"وفاته","level":4,"page":191},{"title":"٤ - عبد العزيز الطوسي","level":3,"page":191},{"title":"نسبه","level":4,"page":191},{"title":"مؤلفاته","level":4,"page":192},{"title":"وفاته","level":4,"page":192},{"title":"٥ - القطب الشيرازي","level":3,"page":192},{"title":"نسبه - شيوخه - مكانته","level":4,"page":192},{"title":"غناه وكرمه وفضائله وأخلاقه","level":4,"page":192},{"title":"مؤلفاته","level":4,"page":193},{"title":"وفاته","level":4,"page":193},{"title":"٦ - ركن الدين الأستراباذي","level":3,"page":193},{"title":"نسبه - شيوخه - كرمه","level":4,"page":193},{"title":"مؤلفاته","level":4,"page":194},{"title":"وفاته","level":4,"page":194},{"title":"٧ - ابن المطهر الشيعي","level":3,"page":194},{"title":"نسبه - مؤلفاته - وفاته","level":4,"page":194},{"title":"٨ - إبراهيم الجعبري","level":3,"page":195},{"title":"نسبه - شيوخه","level":4,"page":195},{"title":"تلاميذه - مصنفاته","level":4,"page":195},{"title":"وفاته","level":4,"page":196},{"title":"٩ - بدر الدين التستري","level":3,"page":196},{"title":"نسبه - منزلته العلمية","level":4,"page":196},{"title":"مصنفاته","level":4,"page":196},{"title":"وفاته","level":4,"page":196},{"title":"١٠ - عبد الله بن علي الكناني الغرناطي","level":3,"page":197},{"title":"نسبه - شيوخه - مكانته","level":4,"page":197},{"title":"مؤلفاته","level":4,"page":197},{"title":"١١ - شمس الدين السفاقسي","level":3,"page":197},{"title":"نسبه - شيوخه - تلاميذه","level":4,"page":197},{"title":"مصنفاته وفاته","level":4,"page":197},{"title":"١٢ - الخلخالي","level":3,"page":198},{"title":"نسبه","level":4,"page":198},{"title":"١٣ - شمس الدين الأصفهاني","level":3,"page":198},{"title":"نسبه - شيوخه - مكانته","level":4,"page":198},{"title":"مؤلفاته - وفاته","level":4,"page":199},{"title":"١٤ - زين الدين العجمي","level":3,"page":199},{"title":"نسبه - مؤلفاته - وفاته","level":4,"page":199},{"title":"١٥ - زين الدين الموصلي","level":3,"page":200},{"title":"نسبه - شيوخه - رحلاته","level":4,"page":200},{"title":"أخلاقه - مصنفاته - وفاته","level":4,"page":200},{"title":"١٦ - عضد الدين الإيجي","level":3,"page":200},{"title":"نسبه - شيوخه","level":4,"page":200},{"title":"تلاميذه - مؤلفاته","level":4,"page":201},{"title":"وفاته","level":4,"page":201},{"title":"١٧ - محب الدين القونوي","level":3,"page":201},{"title":"نسبه - شيوخه - مكانته","level":4,"page":201},{"title":"مصنفاته - وفاته","level":4,"page":202},{"title":"١٨ - أبو العباس البجائي","level":3,"page":202},{"title":"نسبه - شيوخه - تلاميذه","level":4,"page":202},{"title":"مصنفاته - وفاته","level":4,"page":202},{"title":"١٩ - ابن عسكر البغدادي","level":3,"page":202},{"title":"نسبه - شيوخه - مكانته","level":4,"page":202},{"title":"مصنفاته - وفاته","level":4,"page":203},{"title":"٢٠ - الإمام ابن السبكي","level":3,"page":203},{"title":"٢١ - أبو حامد بهاء الدين السبكي","level":3,"page":203},{"title":"نسبه - شيوخه","level":4,"page":203},{"title":"قضاؤه - تدريسه - إفتاؤه - مكانته","level":4,"page":203},{"title":"مؤلفاته - وفاته","level":4,"page":204},{"title":"٢٢ - يحيى الرهوني","level":3,"page":204},{"title":"نسبه - شيوخه - فضائله","level":4,"page":204},{"title":"مؤلفاته - وفاته","level":4,"page":204},{"title":"٢٣ - شمس الدين الغماري","level":3,"page":205},{"title":"نسبه - شيوخه - تلاميذه","level":4,"page":205},{"title":"مصنفاته","level":4,"page":205},{"title":"وفاته","level":4,"page":205},{"title":"٢٤ - الشيخ خليل","level":3,"page":205},{"title":"٢٥ - الحسيني الواسطي","level":3,"page":206},{"title":"نسبه - رحلاته","level":4,"page":206},{"title":"٢٦ - شمس الدين الكرماني","level":3,"page":206},{"title":"نسبه - شيوخه - أخلاقه","level":4,"page":206},{"title":"مؤلفاته - وفاته","level":4,"page":207},{"title":"٢٧ - البابرتي","level":3,"page":207},{"title":"نسبه - شيوخه - مكانته","level":4,"page":207},{"title":"مصنفاته","level":4,"page":208},{"title":"وفاته","level":4,"page":208},{"title":"٢٨ - سعد الدين التفتازاني","level":3,"page":208},{"title":"نسبه - شيوخه - تلاميذه","level":4,"page":208},{"title":"مصنفاته","level":4,"page":208},{"title":"وفاته","level":4,"page":209},{"title":"٢٩ - الصرخدي","level":3,"page":209},{"title":"نسبه - شيوخه - رحلاته - مكانته","level":4,"page":209},{"title":"مصنفاته","level":4,"page":209},{"title":"وفاته","level":4,"page":210},{"title":"٣٠ - ابن عطاء الله الزبيري","level":3,"page":210},{"title":"نسبه - شيوخه - تلاميذه","level":4,"page":210},{"title":"مصنفاته - وفاته","level":4,"page":210},{"title":"٣١ - ابن الملقن","level":3,"page":210},{"title":"نسبه - نشأته - شيوخه - تلاميذه","level":4,"page":210},{"title":"مصنفاته - وفاته","level":4,"page":211},{"title":"٣٢ - تاج الدين الدميري","level":3,"page":212},{"title":"نسبه - شيوخه - تلاميذه","level":4,"page":212},{"title":"مصنفاته - وفاته","level":4,"page":212},{"title":"٣٣ - ابن قنفذ","level":3,"page":212},{"title":"نسبه - شيوخه - فضائله","level":4,"page":212},{"title":"تلاميذه - مؤلفاته - وفاته","level":4,"page":213},{"title":"٣٤ - السيد الشريف الجرجاني","level":3,"page":213},{"title":"نسبه - شيوخه - منزلته العلمية","level":4,"page":213},{"title":"مصنفاته - وفاته","level":4,"page":213},{"title":"٣٥ - ابن جماعة","level":3,"page":214},{"title":"نسبه - شيوخه - تبحره في العلوم","level":4,"page":214},{"title":"مؤلفاته - وفاته","level":4,"page":214},{"title":"٣٦ - الرملي","level":3,"page":215},{"title":"نسبه","level":4,"page":215},{"title":"مصنفاته - وفاته","level":4,"page":215},{"title":"٣٧ - ابن زاغو التلمساني","level":3,"page":216},{"title":"نشأته - شيوخه - تلاميذه","level":4,"page":216},{"title":"مصنفاته - وفاته","level":4,"page":216},{"title":"٣٨ - بدر الدين المالكي","level":3,"page":216},{"title":"نسبه - شيوخه - مصنفاته - وفاته","level":4,"page":216},{"title":"٣٩ - كمال الدين إمام الكاملية","level":3,"page":217},{"title":"نسبه - شيوخه - مصنفاته - وفاته","level":4,"page":217},{"title":"٤ - التريكي التونسي","level":3,"page":217},{"title":"نسبه - شيوخه - مصنفاته - وفاته","level":4,"page":217},{"title":"٤١ - أبو العباس الربعي","level":3,"page":218},{"title":"نسبه - شيوخه - تلاميذه","level":4,"page":218},{"title":"مصنفاته","level":4,"page":218},{"title":"وفاته","level":4,"page":218},{"title":"٤٢ - خطيب زاده","level":3,"page":218},{"title":"نسبه - شيوخه - مكانته - تلاميذه","level":4,"page":218},{"title":"مؤلفاته - وفاته","level":4,"page":219},{"title":"٤٣ - صدر الدين الشيرازي","level":3,"page":219},{"title":"نسبه - شيوخه - تلاميذه","level":4,"page":219},{"title":"مؤلفاته - وفاته","level":4,"page":219},{"title":"٤٤ - الدواني","level":3,"page":220},{"title":"نسبه - شيوخه - تلاميذه","level":4,"page":220},{"title":"مصنفاته - وفاته","level":4,"page":220},{"title":"٤٥ - القرافي","level":3,"page":220},{"title":"نسبه - شيوخه - تلاميذه","level":4,"page":220},{"title":"مؤلفاته - وفاته","level":4,"page":221},{"title":"وصف النسخ","level":2,"page":222},{"title":"عملنا في الكتاب","level":2,"page":223},{"title":"مقدمة الماتن والشارح","level":1,"page":224},{"title":"ما ينحصر فيه علم الأصول","level":1,"page":234},{"title":"حد علم الأصول","level":2,"page":237},{"title":"تعريف الفقه","level":2,"page":239},{"title":"فائدة علم أصول الفقه","level":2,"page":245},{"title":"تعريف الدليل","level":2,"page":247},{"title":"الفرق بين الدليل والأمارة","level":2,"page":248},{"title":"تعريف النظر","level":2,"page":250},{"title":"حد العلم","level":2,"page":251},{"title":"أصح الحدود في تعريف العلم","level":2,"page":260},{"title":"فائدة","level":2,"page":267},{"title":"أقسام العلم","level":2,"page":278},{"title":"تعريف التصور والتصديق","level":2,"page":279},{"title":"مادة المركب","level":2,"page":281},{"title":"تقسيم الحد","level":2,"page":282},{"title":"الحد الحقيقي والرسمي واللفظي","level":3,"page":282},{"title":"شروط التعريف","level":2,"page":283},{"title":"بيان الذاتي","level":2,"page":285},{"title":"بيان المقصود بتمام الماهية","level":2,"page":285},{"title":"بيان الجنس والفضل والنوع","level":2,"page":286},{"title":"بيان العرضي","level":2,"page":287},{"title":"صورة الحد","level":2,"page":288},{"title":"مبحث التصديقات","level":1,"page":294},{"title":"عكس النقيض","level":2,"page":313},{"title":"الأشكال","level":2,"page":314},{"title":"القياس الاستثنائي","level":2,"page":333},{"title":"الخطأ في البرهان","level":2,"page":338},{"title":"مبادئ اللغة","level":1,"page":344},{"title":"تعريف الحد","level":2,"page":344},{"title":"أقسام اللغة","level":2,"page":346},{"title":"تقسيم المفرد","level":2,"page":347},{"title":"دلالة المفرد","level":3,"page":347},{"title":"تقسيم المركب","level":2,"page":349},{"title":"تقسيم المفرد باعتبار وحدته ومدلوله","level":2,"page":350},{"title":"الخلاف في وقوع المشترك","level":1,"page":352},{"title":"مسألة: وقوع المشترك","level":2,"page":352},{"title":"المترادف","level":1,"page":359},{"title":"الحد والمحدود غير مترادفين","level":1,"page":365},{"title":"الحقيقة والمجاز","level":1,"page":367},{"title":"دوران اللفظ بين الاشتراك والمجاز","level":2,"page":381},{"title":"مسألة: دوران اللفظ بين الاشتراك والمجاز","level":2,"page":381},{"title":"مسألة: إذا دار اللفظ بين المجاز والاشتراك","level":2,"page":381},{"title":"فرع: موطوءة الأب بالزنا","level":2,"page":383},{"title":"الألفاظ الشرعية","level":1,"page":386},{"title":"فائدة","level":2,"page":399},{"title":"وقوع المجاز","level":2,"page":404},{"title":"مسألة: وقوعه في القرآن","level":3,"page":406},{"title":"المعرب في القرآن الكريم","level":2,"page":409},{"title":"المشتق","level":2,"page":413},{"title":"مسألة: اشتراط بقاء المعنى في كون المشتق حقيقه","level":3,"page":414},{"title":"الاشتقاق من اسم الفاعل","level":2,"page":417},{"title":"دلالة المشتق إذا أطلق","level":2,"page":419},{"title":"ثبوت اللغة","level":2,"page":420},{"title":"الكلام على الحروف","level":1,"page":425},{"title":"ما تفيده الواو","level":2,"page":426},{"title":"ابتداء الوضع","level":2,"page":434},{"title":"توقيفية الألفاظ","level":2,"page":435},{"title":"فائدة","level":2,"page":439},{"title":"مباحث الأحكام","level":1,"page":442},{"title":"مسألتان على التنزل","level":2,"page":466},{"title":"الأول: شكر المنعم ليس بواجبات عقلا","level":3,"page":467},{"title":"الثانية: حكم الأشياء قبل الشرع","level":3,"page":470},{"title":"تعريف الحكم الشرعي","level":2,"page":477},{"title":"أقسامه","level":2,"page":479},{"title":"الوجوب والواجب","level":1,"page":486},{"title":"الفرض والواجب مترادفان","level":2,"page":489},{"title":"الأداء والقضاء والإعادة","level":2,"page":491},{"title":"الواجب على الكفاية","level":2,"page":494},{"title":"فرع: في فساد الصلاة بعد الشروع فيها","level":3,"page":494},{"title":"مسألة: الواجب على الكفاية","level":3,"page":494},{"title":"خاتمة: تقسيم الأفعال","level":3,"page":496},{"title":"فائدة: فرض الكفاية منزلة بين منزلين","level":3,"page":498},{"title":"فائدة: فرض الكفاية أفضل من فرض العين","level":3,"page":500},{"title":"فائدة: نسبة سنة الكفاية من سنة العين نسبة فرض الكفاية من فرض العين","level":3,"page":501},{"title":"الأمر بواحد مبهم الواجب المخير","level":2,"page":502},{"title":"مسألة الواجب المخير","level":3,"page":502},{"title":"فائدة: إذا فعل الخصال كلها فالواجب أعلاها","level":3,"page":513},{"title":"مسألة: الواجب الموسع","level":3,"page":514},{"title":"مسألة: تأخير الواجب الموسع","level":3,"page":519},{"title":"مسألة: ما لا يتم الواجب إلا به","level":3,"page":523},{"title":"فروع","level":3,"page":530},{"title":"تحريم واحد لا بعينه","level":2,"page":532},{"title":"مسألة: تحريم واحد لا بعينه","level":3,"page":532},{"title":"مسألة: يستحيل كون الشيء واجبا حراما من جهة واحدة إلا عند بعض من يجوز تكليف المحال.","level":3,"page":534},{"title":"من توسط أرضا مغصوبة","level":2,"page":544},{"title":"هل المندوب مأمور به","level":1,"page":552},{"title":"مسألة: هل المندوب مأمور به؟","level":2,"page":552},{"title":"مسألة: المندوب ليس بتكليف","level":2,"page":556},{"title":"مباحث المكروه","level":1,"page":557},{"title":"مسألة: بيان كون المكروه منهيا عنه","level":2,"page":557},{"title":"الجائز","level":1,"page":560},{"title":"مسألة: إطلاق الجائز على المباح","level":2,"page":560},{"title":"الإباحة والمباح","level":2,"page":560},{"title":"مسألة: الإباحة حكم شرعي مسألة: المباح غير مأمور به","level":3,"page":560},{"title":"مسألة: المباح غير مأمور به","level":3,"page":561},{"title":"المباح ليس بجنس للواجب","level":2,"page":565},{"title":"مسألة: المباح ليس بجنس للواجب","level":3,"page":565},{"title":"خطاب الوضع","level":1,"page":566},{"title":"الصحة والبطلان","level":1,"page":573},{"title":"الرخصة","level":1,"page":580},{"title":"مسألة: شرط المطلوب الإمكان، والخلاف في ذلك","level":2,"page":587},{"title":"مسألة: حصول الشرط الشرعي في التكليف ليس شرطا","level":2,"page":600},{"title":"مسألة: لا تكليف إلا بفعل","level":2,"page":609},{"title":"مسألة: قول الأشعري: لا ينقطع التكليف بفعل حال حدوثه","level":2,"page":611},{"title":"مسألة: الفهم شرط صحة التكليف","level":2,"page":616},{"title":"مسألة: في الأمر يتعلق بالمعدوم","level":2,"page":619},{"title":"مسألة: التكليف بما علم الآمر انتفاء شرط وقوعه","level":2,"page":625},{"title":"الأدلة الشرعية","level":1,"page":630},{"title":"مباحث الكتاب","level":2,"page":637},{"title":"مسألة: ما نقل آحادة فليس بقرآن","level":3,"page":638},{"title":"مسألة: حكم البسملة في أوائل السور؟","level":3,"page":638},{"title":"القراءات","level":3,"page":646},{"title":"مسألة: القراءات السبع متواترة","level":4,"page":646},{"title":"العمل بالشاذ","level":3,"page":650},{"title":"مسألة: العمل بالشاذ","level":4,"page":650},{"title":"فرع: حكم القراءة بالشاذ","level":4,"page":652},{"title":"المحكم والمتشابه","level":4,"page":652},{"title":"[مباحث السنة]","level":2,"page":655},{"title":"الأنبياء والمعصية","level":3,"page":655},{"title":"مسألة: عصمة الأنبياء","level":4,"page":655},{"title":"فعل النبي ﷺ","level":3,"page":657},{"title":"مسألة: فعل النبي ﷺ","level":4,"page":657},{"title":"دلالة سكوته ﷺ","level":3,"page":679},{"title":"مسألة: إذا علم بفعل ولم ينكره قادرة","level":4,"page":679},{"title":"حكم الفعلين الصادرين عن الرسول ﷺ وعلاقة القول بالفعل","level":3,"page":685},{"title":"مسألة: الفعلان لا يتعارضان","level":4,"page":685},{"title":"مباحث الإجماع","level":2,"page":690},{"title":"تعريف الإجماع","level":3,"page":690},{"title":"حكم ثبوت الإجماع","level":3,"page":696},{"title":"أدلة الإجماع","level":3,"page":700},{"title":"حكم وفاق من سيوجد والمقلد","level":3,"page":727},{"title":"حكم المبتدع","level":3,"page":731},{"title":"هل يختص الإجماع بالصحابة؟","level":3,"page":733},{"title":"حكم مخالفة البعض في الإجماع","level":3,"page":737},{"title":"مكانة التابعي المجتهد مع الصحابة","level":3,"page":743},{"title":"مسألة: التابعي المجتهد معتبر مع الصحابة","level":4,"page":744},{"title":"إجماع أهل المدينة","level":3,"page":748},{"title":"مسألة: إجماع أهل البيت وحدهم","level":4,"page":751},{"title":"الكلام في عدد التواتر","level":3,"page":757},{"title":"مسألة: الكلام في اشتراط عدد التواتر","level":4,"page":757},{"title":"مسألة: إذا افتي واحد وعرفوا به","level":4,"page":758},{"title":"الكلام في انقراض العصر","level":3,"page":774},{"title":"مسألة: اشتراط انقراض العصر","level":4,"page":774},{"title":"مستند الإجماع","level":3,"page":778},{"title":"حكم الإجماع عن قياس","level":3,"page":780},{"title":"حكم الإجماع على قولين","level":3,"page":782},{"title":"إحداث الدليل والتأويل","level":3,"page":792},{"title":"حكم اتفاق العصر الثاني","level":3,"page":794},{"title":"اتفاق أهل العصر بأعيانهم","level":3,"page":809},{"title":"الاختلاف في جواز عدم علم الأمة بخبر أو دليل راجح","level":3,"page":811},{"title":"حكم ارتداد الأمة سمعا","level":3,"page":812},{"title":"الأخذ بأقل ما قيل","level":3,"page":813},{"title":"العمل بالإجماع بنقل الواحد","level":3,"page":817},{"title":"الكلام في إنكار حكم الإجماع القطعي","level":3,"page":821},{"title":"حكم الإجماع فيما لا يتوقف عليه صحة الإجماع","level":3,"page":832},{"title":"ما يشترك فيه الأدلة الثلاثة - الكتاب - السنة - الإجماع","level":3,"page":833},{"title":"السند","level":2,"page":833},{"title":"فائدة: إطلاق لفظ «القاضي» على عبد الجبار","level":3,"page":844},{"title":"فائدة أخرى","level":3,"page":844},{"title":"أقسام الخبر","level":3,"page":846},{"title":"أقسام الخبر إلى صدق وكذب","level":4,"page":846},{"title":"تقسيم آخر للخبر","level":4,"page":849},{"title":"الخبر المتواتر والآحاد","level":4,"page":851},{"title":"إفادة المتواتر العلم","level":4,"page":852},{"title":"إفادة المتواتر العلم ضروري أم لا؟","level":4,"page":853},{"title":"شرط المتواتر","level":3,"page":856},{"title":"الشرائط التي اعتبرها البعض","level":4,"page":859},{"title":"اختلاف التواتر في الوقائع","level":3,"page":861},{"title":"مسألة: اختلاف التواتر في الوقائع","level":4,"page":861},{"title":"خبر الواحد","level":3,"page":862},{"title":"المستفيض","level":3,"page":863},{"title":"العلم بخبر الواحد","level":3,"page":864},{"title":"مسألة: حصول العلم بخبر الواحد العدل","level":4,"page":864},{"title":"إخبار الواحد بحضرة النبي ﷺ","level":3,"page":869},{"title":"مسألة: إذا أخبر واحد بحضرة الرسول ولم ينكره","level":4,"page":869},{"title":"إخبار الواحد بحضرة الجمع","level":3,"page":870},{"title":"مسألة: إذا أخبر واحد بحضرة خلق كثير ولم يكذبوه","level":4,"page":870},{"title":"انفراد الواحد","level":3,"page":871},{"title":"مسألة: إذا انفرد واحد فيما يتوفر الدواعي على نقله","level":4,"page":871},{"title":"التعبد بخبر الواحد","level":3,"page":885},{"title":"العمل بخبر الواحد","level":3,"page":888},{"title":"شروط العمل بخبر الواحد","level":4,"page":907},{"title":"البلوغ","level":5,"page":908},{"title":"الإسلام","level":5,"page":916},{"title":"العدالة","level":5,"page":922},{"title":"حكم خبر مجهول الحال","level":3,"page":938},{"title":"مسألة: مجهول الحال لا تقبل روايته","level":4,"page":938},{"title":"الجرح والتعديل","level":3,"page":943},{"title":"مسألة: ثبوت الجرح والتعديل بخبر الواحد","level":4,"page":943},{"title":"مسألة: هل يكفي في التعديل والجرح إطلاق العدالة والفسق أم لا؟","level":4,"page":945},{"title":"مسألة: الجرح مقدم، وقيل: الترجيح","level":4,"page":949},{"title":"مسألة: حكم الحاكم المشترط العدالة إلخ","level":4,"page":951},{"title":"عدالة الصحابة","level":3,"page":954},{"title":"التعريف بالصحابي وحكم مروياته","level":4,"page":957},{"title":"مسألة: تعريف الصحابي","level":5,"page":957},{"title":"مسألة: لو قال المعاصر العدل: أنا صحابي","level":5,"page":960},{"title":"مسألة: اشتراط العدد في الرواية","level":5,"page":960},{"title":"مسألة: إذا قال الصحابي: قال ﷺ","level":5,"page":962},{"title":"مسألة: إذا قال: سمعته أمر أو نهي","level":5,"page":963},{"title":"مسألة: إذا قال: أمرنا أو نهينا أو أوجب أو حرم","level":5,"page":963},{"title":"مسألة: إذا قال من السنة كذا","level":5,"page":967},{"title":"مسألة: إذا قال: كنا نفعل أو كانوا","level":5,"page":968},{"title":"مستند غير الصحابي","level":3,"page":969},{"title":"حكم نقل الحديث بالمعنى","level":3,"page":977},{"title":"مسألة: حكم نقل الحديث بالمعني","level":4,"page":977},{"title":"تكذيب الأصل الفرع","level":3,"page":986},{"title":"انفراد العدل بالزيادة","level":3,"page":990},{"title":"حكم حذف بعض الخبر","level":3,"page":994},{"title":"مسألة: حذف بعض الخبر جائز","level":4,"page":994},{"title":"مسألة: خبر الواحد فيما تعم به البلوي","level":4,"page":997},{"title":"مسألة: خبر الواحد في الحد مقبول","level":4,"page":1002},{"title":"حكم حمل الصحابي مرويه على أحد محمليه","level":3,"page":1003},{"title":"مسألة: إذا حمل الصحابي ما رواه على أحد محمليه","level":4,"page":1003},{"title":"حكم مخالفة الخبر للقياس","level":3,"page":1006},{"title":"المرسل والمنقطع","level":3,"page":1017},{"title":"الحديث المنقطع والموقوف","level":3,"page":1037},{"title":"فائدة: في حديث عروة البارقي","level":4,"page":1038},{"title":"الكلام في الأمر","level":2,"page":1040},{"title":"القائلون بالنفسي اختلفوا في كون الأمر له صيغة تخصه","level":3,"page":1051},{"title":"صيغة الأمر لا تدل على تكرار ولا مرة","level":3,"page":1064},{"title":"تعليق الأمر","level":3,"page":1070},{"title":"مسألة: الأمر: إذا علق على علة ثابتة","level":4,"page":1070},{"title":"علاقة التعليق بالفور","level":3,"page":1073},{"title":"مسألة: القائلون بالتكرار قائلون بالفور","level":4,"page":1073},{"title":"فرع: في اشتراط التعجيل في قبول الوكالة","level":4,"page":1081},{"title":"هل الأمر بشيء معين نهي عن ضده؟ عظيمة الإشكال متشعبة الأقوال","level":3,"page":1082},{"title":"مسألة: الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده","level":4,"page":1082},{"title":"مسألة: الإجزاء","level":4,"page":1098},{"title":"فرع","level":4,"page":1098},{"title":"مسألة: الأمر بعد الحظر للإباحة عند الأكثر","level":4,"page":1103},{"title":"مدلول صيغة الأمر بعد الحظر","level":4,"page":1103},{"title":"فائدة","level":4,"page":1107},{"title":"مسألة: القضاء بأمر جديد","level":4,"page":1107},{"title":"هل القضاء بأمر جديد؟","level":3,"page":1107},{"title":"الأمر بالأمر بالشيء","level":3,"page":1112},{"title":"المطلوب بأمر فعل مطلق، ما هو؟","level":3,"page":1115},{"title":"الأمران المتعاقبان","level":3,"page":1118},{"title":"النهي","level":2,"page":1127},{"title":"فائدة: حكم النهي بعد الوجوب","level":3,"page":1132},{"title":"مسألة: النهي عن الشيء لعينه يقتضي الفساد","level":3,"page":1132},{"title":"فائدتان: المنهي عنه إما تمام الماهية أو جزؤها","level":3,"page":1167},{"title":"مسألة: النهي عن الشيء لوصفه","level":3,"page":1175},{"title":"مسألة: النهي يقتضي الدوام ظاهرا","level":3,"page":1178},{"title":"العام والخاص","level":2,"page":1180},{"title":"تعريف العام","level":3,"page":1180},{"title":"مسألة: العموم من عوارض الألفاظ حقيقة","level":3,"page":1187},{"title":"مسألة: الشافعي والمحققون","level":3,"page":1191},{"title":"فوائد: الأولى: خلاف بعض الأئمة في تعميم اسم الجنس إلخ","level":3,"page":1202},{"title":"الثانية: حيث قلنا بتعميم المعرف والمضاف الجمع والإفراد فعموم الإضافة أقوى","level":3,"page":1203},{"title":"الثالثة: مدلول العموم كلية لا كل ولا كلى","level":3,"page":1204},{"title":"الرابعة: قال القرافي وغيره من المتأخرين: العام في الأشخاص مطلق","level":3,"page":1205},{"title":"الخامسة: اتفقت النحاة على أن أربع صيغ من جموع التكسير للقلة الخ","level":3,"page":1207},{"title":"السادسة: اتفق الفقهاء على أن من أقر بدراهم قبل منه تفسيره بثلاثة","level":3,"page":1207},{"title":"السابعة: صيغ العموم","level":3,"page":1208},{"title":"الثامنة: مدلول هذه الصيغ كل فرد","level":3,"page":1210},{"title":"مسألة: الجمع المنكر ليس بعام","level":3,"page":1211},{"title":"مسألة: لا أبنية الجمع لاثنين","level":3,"page":1214},{"title":"مسألة: الخلاف في أقل الجمع","level":3,"page":1214},{"title":"مسألة: إذا خص العام كان مجازا في الباقي","level":3,"page":1224},{"title":"فوائد: الأولى: إذا كان اللفظ العام صيغة من صيغ العموم الخ","level":3,"page":1231},{"title":"الثانية: في قوله تعالى: اقتلوا المشركين","level":3,"page":1231},{"title":"الثالثة: الفرق بين العام المخصوص والذي أريد به الخصوص","level":3,"page":1232},{"title":"مسألة: العام المخصوص هل يحتج به","level":3,"page":1232},{"title":"فوائد: الأولى: استدل إمام الحرمين","level":3,"page":1253},{"title":"الثانية: قال أبي ﵀: إنما يكون دخول صورة السبب قطعيا إلخ","level":3,"page":1254},{"title":"الثالثة: جميع ما تقدم في السبب وبقية الأفراد الخ","level":3,"page":1255},{"title":"الرابعة: سأل أبي ﵁ عن قولهم: إن السبب داخل قطعا، أنه قبل نزول الآية","level":3,"page":1256},{"title":"مسألة: المشترك يصح إطلاقه على كل واحد من معنييه","level":3,"page":1257},{"title":"فوائد: الأولى: الخلاف في استعمال اللفظ في مجازيه","level":3,"page":1265},{"title":"الثانية: الخلاف في الحمل على الحقيقة والمجاز","level":3,"page":1265},{"title":"الثالثة: قد علمت نقل النقلة عن الشافعي أن اللفظ يستعمل في معنييه","level":3,"page":1267},{"title":"الرابعة: نظير الخلاف في المسألة فيما إذا وقف على مواليه","level":3,"page":1268},{"title":"الخامسة: القرء على الصحيح مشترك بين الطهر والحيض","level":3,"page":1268},{"title":"السادسة: نقض ابن السمعاني على الحنفية","level":3,"page":1268},{"title":"مسألة: معروفة بالحنفية حاصلها: أنهم ادعوا تعميما لبعض الأشياء","level":3,"page":1269},{"title":"مسألة: نفي المساواة يقتضي العموم","level":3,"page":1270},{"title":"فائدتان إحداهما: قد يقال: قوله: نفي المساواة يقتضي أن المنفي الاسم، وهو المساواة","level":3,"page":1273},{"title":"الثانية: ما ينكره الأصوليون على الحنفية هنا وعلى الشافعية بتقدير تعميمهم المشترك","level":3,"page":1273},{"title":"مسألة: المقتضي وهو ما احتمل أحد تقديرات الاستقامة الكلام","level":3,"page":1274},{"title":"تنبيه: ما تقدم من تعذر حمل «لا نكاح» و«لا صيام»","level":3,"page":1285},{"title":"مسألة: تقدم في أول العموم أن النكرة في سياق النفي تعم","level":3,"page":1286},{"title":"فرع: أقر في صك أنه لا دعوى له على زيد","level":3,"page":1288},{"title":"فائدة: الكلام في المطلق إذا نوى به مقيدا","level":3,"page":1289},{"title":"مسألة: الفعل المثبت إذا كان له أقسام وجهات لا يكون عاما","level":3,"page":1289},{"title":"فائدة","level":3,"page":1293},{"title":"مسألة: نحو قول الصحابي نهي ﵊ عن بيع الغرر","level":3,"page":1294},{"title":"مسألة: النص على العلة لا يكفي","level":3,"page":1296},{"title":"مسألة: إذا علق ة حكمة على علة","level":3,"page":1296},{"title":"مسألة: الخلاف في أن المفهوم هل له عموم أم لا؟","level":3,"page":1298},{"title":"تنبيه: في قوله ﵇: «ولا ذو عهد في عهده»","level":3,"page":1312},{"title":"مسألة: إذا وردت صيغة مختصة في وضع اللسان برسول الله ﵇ إلخ","level":3,"page":1315},{"title":"فرع: في انعقاد النكاح بلفظ الهبة","level":3,"page":1319},{"title":"مسألة: إذا خاطب الشارح واحدة بلفظ يختص به فإنه ليس بعام","level":3,"page":1319},{"title":"فائدة","level":3,"page":1330},{"title":"فرع: قال واعظ لحاضريه: طلقتكم ثلاثا وامرأته فيهم","level":3,"page":1330},{"title":"مسألة: من الشرطية والاستفهامية وما يلحقها من عموم","level":3,"page":1331},{"title":"فرع: لو نظرت الأجنبية في بيت الأجنبي جاز رميها على أصح الوجين","level":3,"page":1332},{"title":"مسألة: الخطاب بالناس والمؤمنين يشمل العبيد","level":3,"page":1333},{"title":"فرع: أمان العبد صحيح عندنا","level":3,"page":1335},{"title":"فائدة: استدلال الشافعي في تفاوت الحر والعبد فيما يملك من الطلاق","level":3,"page":1335},{"title":"مسألة: مثل «يأيها الناس»، «يا عبادي» يشمل الرسول ﵇","level":3,"page":1337},{"title":"مسألة: مثل «يأيها الناس» ليس خطابا لمن بعدهم","level":3,"page":1340},{"title":"مسألة: المخاطب داخل في عموم متعلق خطابه","level":3,"page":1342},{"title":"فائدة: ما أحسن حذف المصنف اللازم وذكر دليله","level":3,"page":1343},{"title":"فرع: اختلف الأصحاب فيمن قال: نساء العالمين طوالق، هل تطلق امرأته؟","level":3,"page":1343},{"title":"مسألة: مثل «خذ من أموالهم صدقة» لا يقتضي أخذ الصدقة من كل نوع من المال","level":3,"page":1344},{"title":"مسألة: العام بمعنى المدح والذم","level":3,"page":1345},{"title":"فائدة: مثل اللذين سيعد أحدهما للمدح دون الآخر","level":3,"page":1347},{"title":"فائدة أخرى","level":3,"page":1348},{"title":"التخصيص","level":2,"page":1351},{"title":"مسألة: التخصيص جائز إلا عند شذوذ","level":3,"page":1351},{"title":"مسألة: الأكثر لا بد في التخصيص من بقاء جمع يقرب من مدلوله","level":3,"page":1352},{"title":"المخصص: متصل، ومنفصل","level":3,"page":1356},{"title":"تنبيه","level":3,"page":1362},{"title":"فائدة: المخالفة تعرف بالاستثناء","level":3,"page":1362},{"title":"تعريف المتصل","level":3,"page":1363},{"title":"فائدة","level":3,"page":1373},{"title":"فرع","level":3,"page":1374},{"title":"تنبيه","level":3,"page":1374},{"title":"مسألة: شرط الاستثناء","level":3,"page":1375},{"title":"فرع","level":3,"page":1379},{"title":"مسألة: الاستثناء المستغرق باطل باتفاق","level":3,"page":1380},{"title":"تنبيه","level":3,"page":1380},{"title":"فرع: فيمن قال: كل امرأة لي طالق إلا عمرة","level":3,"page":1381},{"title":"مسألة: وقالت الحنابلة والقاضي: بمنعهما.","level":3,"page":1382},{"title":"مسألة: الاستثناء بعد جمل بالواو","level":3,"page":1388},{"title":"الاستثناء يصير المتعدد كالمفرد","level":3,"page":1394},{"title":"تنبيهات: الأول: قد لقب صاحب الكتاب المسألة بالجمل المتعاطفة بالواو","level":3,"page":1400},{"title":"الثاني: أن الاستثناء يعود إلى الجميع عند الصلاحية","level":3,"page":1403},{"title":"الثالث: قول الشافعي: إن الاستثناء يعود إلى جميع الجمل السابقة","level":3,"page":1409},{"title":"الرابع: مذهبنا أن التائب تزول عنه سمة القسق وتقبل شهادته","level":3,"page":1410},{"title":"مسألة: الاستثناء من الإثبات نفي وبالعكس","level":3,"page":1411},{"title":"فوائد الأولى: لا صلاة إلا بطهور","level":3,"page":1414},{"title":"فروع","level":3,"page":1414},{"title":"أقسام التخصيص","level":3,"page":1415},{"title":"التخصيص بالشرط","level":3,"page":1415},{"title":"فرع [لو] قال لامرأتيه: إن حضتما فأنتما طالقان","level":4,"page":1418},{"title":"الشرط كالاستثناء في الاتصال وفي تعقبة الجمل","level":4,"page":1418},{"title":"التخصيص بالصفة","level":3,"page":1419},{"title":"التخصيص بالغاية","level":3,"page":1420},{"title":"فائدتان: الأولى: الغايات ثلاث","level":4,"page":1421},{"title":"الثانية: من شرط المغيا أن يثبت قبل الغاية","level":4,"page":1422},{"title":"التخصيص بالمنفصل","level":3,"page":1423},{"title":"مسألة: تخصيص الكتاب بالكتاب","level":3,"page":1426},{"title":"تنبيه","level":3,"page":1432},{"title":"مسألة: تخصيص السنة بالسنة","level":3,"page":1434},{"title":"مسألة: تخصيص السنة بالقرآن","level":3,"page":1435},{"title":"مسألة: تخصيص القرآن بخبر الواحد","level":3,"page":1435},{"title":"الأول: بيع الفضولي","level":3,"page":1450},{"title":"الثانية: بيع الغاصب","level":3,"page":1452},{"title":"الثالثة: بيع مال يظنه لأبيه","level":3,"page":1452},{"title":"الرابعة: بيع المرهون","level":3,"page":1452},{"title":"الخامسة: بيع المفلس ماله","level":3,"page":1452},{"title":"السادسة: تصرف المريض","level":3,"page":1454},{"title":"مسألة: الإجماع يخصص القرآن والسنة","level":3,"page":1455},{"title":"مسألة: العام يخص بالمفهوم","level":3,"page":1457},{"title":"تنبيه","level":3,"page":1460},{"title":"فائدة","level":3,"page":1460},{"title":"مسألة: الجمهور أن مذهب الصحابي ليس بمخصص","level":3,"page":1464},{"title":"فرع: في قول ابن عباس: إن المرأة لا تقتل بالردة","level":3,"page":1466},{"title":"مسألة: الجمهور: إن العادة في تناول بعض خاص - ليس بمخصص خلافا للحنفية","level":3,"page":1467},{"title":"فرع إذا باع شجرة وأطلق، دخل في بيعها أغصانها إلا اليابس","level":3,"page":1472},{"title":"مسألة: الجمهور إذا وافق الخاص حكم العام فلا تخصيص","level":3,"page":1473},{"title":"مسألة: رجوع الضمير إلى البعض ليس بتخصيص","level":3,"page":1474},{"title":"فائدة","level":3,"page":1476},{"title":"فرع قال الحنفية في قوله ﵇: لا تبيعوا البر بالبر إلا كيلا بكيل","level":3,"page":1476},{"title":"مسألة: جواز تخصيص العموم بالقياس","level":3,"page":1477},{"title":"فرع: تخصيص العموم بالقياس","level":3,"page":1485},{"title":"فائدة: مانع التخصيص بالقياس","level":3,"page":1486},{"title":"المطلق والمقيد","level":2,"page":1488},{"title":"مسألة: حمل المطلق على المقيد","level":3,"page":1490},{"title":"فائدتان: إحداهما: مثل جماعة حمل المطلق على المقيد","level":3,"page":1496},{"title":"الثانية: ما أطلق في مكان ثم قيد في مكانين","level":3,"page":1498},{"title":"المجمل والمبين","level":2,"page":1499},{"title":"تعريف المجمل","level":3,"page":1500},{"title":"مسألة: لا إجمال في نحو «حرمت عليكم الميتة»","level":3,"page":1506},{"title":"مسألة: لا إجمال في «وامسحوا برءوسكم»","level":3,"page":1508},{"title":"مسألة: لا إجمال في «رفع عن أمتي الخطأ»","level":3,"page":1511},{"title":"مسألة: لا إجمال في «لا صلاة إلا بطهور»","level":3,"page":1512},{"title":"مسألة: لا إجمال في «والسارق والسارقة»","level":3,"page":1515},{"title":"مسألة: ما له محمل لغوي وآخر شرعي ليس بمجمل","level":3,"page":1525},{"title":"لا إجمال فيما له مسمي لغوي ومسمى شرعي","level":3,"page":1529},{"title":"البيان والمبين","level":2,"page":1533},{"title":"تعريف البيان","level":3,"page":1533},{"title":"مسألة: إذا ورد بعد المجمل قول وفعل","level":3,"page":1540},{"title":"مسألة: المختار أن البيان أقوى","level":3,"page":1542},{"title":"تأخير البيان عن وقت الحاجة","level":3,"page":1543},{"title":"فائدة: ثمرة تأخير البيان عن وقت الحاجة","level":3,"page":1559},{"title":"مسألة: المختار على المنع جواز تأخير إسماع المخصص الموجود","level":3,"page":1561},{"title":"مسألة: المختار على المنع جواز تأخيره ﷺ تبليغ الحكم إلى وقت الحاجة","level":3,"page":1563},{"title":"مسألة: المختار على التجويز: جواز بعض دون بعض","level":3,"page":1564},{"title":"مسألة: يمتنع العمل بالعموم قبل البحث عن المخصص","level":3,"page":1566},{"title":"فائدة: سئل الصيرفي عن قوله تعالي: ﴿فامشوا في مناكبها﴾","level":3,"page":1568},{"title":"فائدة: مثار الخلاف في وجوب البحث التعارض بين الأصل والظاهر","level":3,"page":1569},{"title":"فرع: إذا اقتضى العام عملا مؤقتا، وضاق الوقت عن طلب الخصوص","level":3,"page":1569},{"title":"مبحث الظاهر والمؤول","level":2,"page":1570},{"title":"تعريف التأويل","level":3,"page":1570},{"title":"فائدة","level":3,"page":1588},{"title":"مبحث المفهوم والمنطوق","level":2,"page":1605},{"title":"أقسام المفهوم","level":3,"page":1613},{"title":"مفهوم موافقة","level":4,"page":1613},{"title":"مفهوم المخالفة","level":4,"page":1622},{"title":"مفهوم الصفة","level":4,"page":1626},{"title":"مفهوم الشرط","level":2,"page":1657},{"title":"تنبيه","level":3,"page":1659},{"title":"تنبيه: دخول الشرط على الطلاق وعلقه","level":3,"page":1661},{"title":"مفهوم الغاية","level":2,"page":1671},{"title":"مفهوم اللقب وما يتعلق به","level":3,"page":1674},{"title":"مفهوم الحصر وما يتعلق به","level":3,"page":1679},{"title":"تنبيه ما في إنما ليست نافية، بل زائدة","level":3,"page":1682},{"title":"خاتمة: المفاهيم أقسام","level":3,"page":1688},{"title":"مبحث النسخ","level":2,"page":1692},{"title":"حد النسخ لغة واصطلاحا","level":3,"page":1693},{"title":"تعريف النسخ عند الفقهاء","level":3,"page":1702},{"title":"جواز النسخ والوقوع","level":3,"page":1706},{"title":"فائدة: في ترجمة أبو مسلم الأصفهاني","level":3,"page":1712},{"title":"مسألة: المختار جواز النسخ قبل وقت الفعل","level":3,"page":1714},{"title":"مسألة: الجمهور على جواز نسخ الخطاب المقيد بالتأبيد مثل صوموا أبدا","level":3,"page":1723},{"title":"مسألة: جواز النسخ من غير بدل","level":3,"page":1727},{"title":"مسألة: جواز النسخ بأثقل","level":3,"page":1732},{"title":"فائدة: في بيان جواز النسخ بالأخف","level":3,"page":1734},{"title":"مسألة: الجمهور على جواز نسخ التلاوة دون الحكم وبالعكس","level":3,"page":1735},{"title":"مسألة: المختار جواز نسخ التكليف بالإخبار بنقيضه","level":3,"page":1740},{"title":"فوائد تتعلق بهذا","level":3,"page":1744},{"title":"مسألة: يجوز نسخ القرآن بالقرآن","level":3,"page":1745},{"title":"نسخ المتواتر بالآحاد","level":3,"page":1746},{"title":"مسألة: الجمهور على جواز نسخ السنة بالقرآن","level":3,"page":1753},{"title":"مسألة: الجمهور على جواز نسخ القرآن بالخبر المتواثر خلافا للشافعي","level":3,"page":1756},{"title":"مسألة: الجمهور أن الإجماع لا ينسخ","level":3,"page":1765},{"title":"مسألة: الجمهور على أن الإجماع لا ينسخ به","level":3,"page":1766},{"title":"مسألة: المختار: أن القياس المظنون لا يكون ناسخا ولا منسوخا","level":3,"page":1767},{"title":"فائدة: الخلاف في النسخ بالقياس جار فيما يجري مجراه من الاستدل وطرق الاجتهاد","level":3,"page":1769},{"title":"مسألة: المختار جواز نسخ أصل الفحوي دونه وامتناع نسخ الفحوي دون أصله","level":3,"page":1769},{"title":"فائدة في أن الفحوي تكون ناسخا","level":3,"page":1771},{"title":"فائدة: مفهوم المخالفة يجوز نسخه مع نسخ الأصل وبدونه","level":3,"page":1772},{"title":"المختار: أن نسخ حكم أصل القياس لا يبقى معه حكم الفرع","level":3,"page":1774},{"title":"فائدة: في ذكر الحنفية فرعيين بناء على هذا الأصل","level":3,"page":1776},{"title":"مسألة: المختار: أن الناسخ قبل تبليغه ﷺ لا يثبت حكمه","level":3,"page":1776},{"title":"فوائد ملحقة بهذا الأصل","level":3,"page":1779},{"title":"مسألة: العبادات المستقلة ليست نسخا","level":3,"page":1782},{"title":"مسألة: إذا نقص جزء العبادة أو شرطها فنسخ للجزء والشرط لا للعبادة","level":3,"page":1798},{"title":"فائدتان تتعلقان بهذا الأصل","level":3,"page":1799},{"title":"مسألة: المختار: جواز نسخ وجوب معرفته وتحريم الكفر وغيره","level":3,"page":1800},{"title":"كتاب القياس","level":2,"page":1801},{"title":"تعريف القياس لغة","level":3,"page":1801},{"title":"تعريفه اصطلاحا","level":3,"page":1803},{"title":"قياس الدلالة","level":3,"page":1808},{"title":"قياس العكس","level":3,"page":1809},{"title":"تعاريف أخرى للقياس","level":3,"page":1814},{"title":"أركان القياس","level":3,"page":1822},{"title":"شروط حكم الأصل","level":3,"page":1824},{"title":"أن يكون شرعيا","level":3,"page":1824},{"title":"وألا يكون منسوخا","level":3,"page":1824},{"title":"وأن يكون حكم الأصل غير فرع عن أصل آخر","level":3,"page":1825},{"title":"فوائد","level":3,"page":1832},{"title":"ألا يكون ذا قياس مركب","level":3,"page":1836},{"title":"وألا يكون دليل حكم الأصل شاملا لحكم الفرع","level":3,"page":1840},{"title":"شروط علة الأصل","level":3,"page":1840},{"title":"أن تكون بمعنى الباعث","level":4,"page":1840},{"title":"وأن تكون وصفا ضابطا لحكمة.","level":4,"page":1844},{"title":"ألا تكون عدما في الحكم الثبوتي","level":4,"page":1844},{"title":"ألا تكون المتعدية المحل ولا جزءا منه","level":4,"page":1847},{"title":"فائدة: الخلاف في التعليل بمجرد الاسم","level":3,"page":1854},{"title":"تعريف النقض والكلام عليه","level":3,"page":1856},{"title":"تعريف الكسر","level":3,"page":1876},{"title":"النقض المكسور","level":3,"page":1880},{"title":"مسألة: تعليل الحكم بعلتين","level":3,"page":1884},{"title":"تعليل الحكم بعلتين","level":3,"page":1884},{"title":"مسألة: يجوز تعليل حكمين بعلة بمعنى الباعث","level":3,"page":1920},{"title":"فروع من هذا الجنس","level":3,"page":1920},{"title":"من شروط علة الأصل: ألا تتأخر عن حكم الأصل","level":3,"page":1956},{"title":"وألا ترجع على الأصل بالابطال","level":3,"page":1957},{"title":"وألا تكون المستنبطة معارضة بمعارض في الأصل","level":3,"page":1957},{"title":"وألا تخالف نصا أو اجماعا","level":3,"page":1960},{"title":"وألا تتضمن المستنبطة زيادة على النص","level":3,"page":1960},{"title":"وأن يكون دليلها شرعيا","level":3,"page":1961},{"title":"وألا يكون دليلها متناولا حكم الفرع","level":3,"page":1961},{"title":"والمختار جواز كون العلة حكما شرعيا","level":3,"page":1963},{"title":"والمختار جواز تعدد الوصف ووقوعه","level":3,"page":1964},{"title":"ولا يشترط القلع بالأصل","level":3,"page":1967},{"title":"مسألة: قالت الشافعية: حكم الأصل ثابت بالعلة","level":3,"page":1970},{"title":"شروط الفرع وهو الذي يراد ثبوت الحكم فيه","level":3,"page":1974},{"title":"مسالك العلة","level":3,"page":1978},{"title":"الأول: الإجماع","level":3,"page":1978},{"title":"الثاني: النص وأقسامه","level":3,"page":1978},{"title":"الثالث: السبر والتقسيم","level":3,"page":1991},{"title":"الرابع: المناسبة والإخالة","level":3,"page":1996},{"title":"مسألة: المختار انخرام المناسبة لمفسدة","level":3,"page":2005},{"title":"تقسيم المناسب","level":3,"page":2007},{"title":"الشبه","level":3,"page":2011},{"title":"الطرد والعكس","level":3,"page":2016},{"title":"أقسام القياس","level":3,"page":2020},{"title":"مسألة: القائلون بالجواز قائلون بالوقوع","level":3,"page":2039},{"title":"«مسألة» النص على العلة لا يكفي في التعدي دون التعبد بالقياس","level":3,"page":2059},{"title":"مسألة: القياس يجري في الحدود والكفارات خلافا للحنفية","level":3,"page":2068},{"title":"فرع: إذا قال لامرأته: أنت علي حرام","level":3,"page":2075},{"title":"فائدة لا بد من أمارة يعرف بها القسم الذي يجري فيه التعليل","level":3,"page":2075},{"title":"مسألة: لا يصح القياس في الأسباب","level":3,"page":2077},{"title":"مسألة: لا يجري القياس في جميع الأحكام","level":3,"page":2082},{"title":"الاعتراضات الواردة على القياس","level":3,"page":2084},{"title":"الأول الاستفسار","level":4,"page":2084},{"title":"الثاني: فساد الاعتبار","level":4,"page":2086},{"title":"الثالث: فساد الوضع","level":4,"page":2090},{"title":"الرابع: منع حكم الأصل","level":4,"page":2092},{"title":"الخامس: التقسيم","level":4,"page":2094},{"title":"السادس: منع وجود المدعي علة في الأصل","level":4,"page":2095},{"title":"السابع: منع كونه علة وهو من أعظم الأسئلة","level":4,"page":2096},{"title":"الثامن: عدم التأثير وأقسامه الأربع","level":4,"page":2098},{"title":"التاسع: القدح في المناسبة","level":4,"page":2101},{"title":"العاشر: القدح في افضاء الحكم إلى المقصود","level":4,"page":2102},{"title":"الحادي عشر: كون الوصف خفيا","level":4,"page":2102},{"title":"الثاني عشر: كونه غير منضبط","level":4,"page":2103},{"title":"الثالث عشر: النقض","level":4,"page":2103},{"title":"الرابع عشر: الكسر","level":4,"page":2108},{"title":"الخامس عشر: المعارضة في الأصل","level":4,"page":2109},{"title":"السادس عشر: التركيب","level":4,"page":2120},{"title":"السابع عشر: التعدية","level":4,"page":2120},{"title":"الثامن عشر: منع وجود الوصف في الفرع","level":4,"page":2121},{"title":"التاسع عشر: المعارضة في الفرع","level":4,"page":2121},{"title":"العشرون: الفرق","level":4,"page":2123},{"title":"الحادي والعشرون: اختلاف الضابط في الأصل والفرع","level":4,"page":2131},{"title":"الثاني والعشرون: اختلاف جنس المصلحة","level":4,"page":2133},{"title":"الثالث والعشرون: مخالفة حكم الفرع لحكم الأصل","level":4,"page":2133},{"title":"الرابع والعشرون: القلب","level":4,"page":2134},{"title":"الخامس والعشرون: القول بالموجب وحقيقته","level":4,"page":2137},{"title":"الاستدلال","level":2,"page":2146},{"title":"مبحث في الاستصحاب","level":3,"page":2155},{"title":"تنبيهات مهمة","level":4,"page":2162},{"title":"شرع من قبلنا","level":4,"page":2172},{"title":"مسألة: المختار: أنه بعد البعث متعبد بما لم ينسخ.","level":4,"page":2175},{"title":"فوائد","level":4,"page":2177},{"title":"قول الصحابي","level":3,"page":2179},{"title":"تنبيه مهم على هذا الأصل","level":4,"page":2183},{"title":"فائدة","level":4,"page":2184},{"title":"[مبحث في الاستحسان]","level":3,"page":2186},{"title":"الاستحسان","level":4,"page":2186},{"title":"المصالح المرسلة","level":3,"page":2193},{"title":"الاجتهاد","level":1,"page":2194},{"title":"مسألة: في تجزؤ الاجتهاد","level":2,"page":2197},{"title":"مسألة: المختار أنه كان متعبدا بالاجتهاد","level":2,"page":2199},{"title":"فائدة","level":2,"page":2199},{"title":"مسألة: المختار وقوع الاجتهاد ممن عاصره ظنا","level":2,"page":2203},{"title":"مسألة: الإجماع على أن المصيب في العقليات واحد","level":2,"page":2206},{"title":"مسألة: القطع: لا إثم على مجتهد في حكم شرعي اجتهادي","level":2,"page":2209},{"title":"مسألة: التي لا قاطع فيها قال القاضي والجبائي","level":2,"page":2211},{"title":"فرع من نفاذ حكم الحكم باطنا في المسائل الاجتهادية","level":2,"page":2220},{"title":"مسألة: تقابل الدليلين العقليين محال","level":2,"page":2222},{"title":"مسألة: لا يستقيم لمجتهد قولان متناقضان في وقت واحد","level":2,"page":2225},{"title":"مسألة: لا ينقض الحكم في الاجتهاديات منه، ولا من غيره باتفاق","level":2,"page":2227},{"title":"مسألة: المجتهد قبل أن يجتهد ممنوع من التقليد","level":2,"page":2229},{"title":"مسألة: المختار يجوز أن يقال للمجتهد: احكم بما شئت فهو صواب","level":2,"page":2233},{"title":"مسألة: المختار: أنه ﷺ لا يقر على خطأ في اجتهاده","level":2,"page":2239},{"title":"مسألة: المختار: أن النافي مطالب بدليل","level":2,"page":2245},{"title":"التقليد","level":1,"page":2247},{"title":"حد المفتي والمستفتي وما يستفتي به","level":2,"page":2247},{"title":"مسألة: لا تقليد في العقليات","level":2,"page":2249},{"title":"فائدة: في معرفة إيمان المقلد","level":2,"page":2251},{"title":"فائدة: في معرفة الإلهام وحكم العمل به","level":2,"page":2253},{"title":"مسألة: غير المجتهد يلزمه التقليد وإن كان عالما","level":2,"page":2258},{"title":"مسألة: الاتفاق، على استفتاء من عرف بالعلم والعدالة، أو رآه منتصبا","level":2,"page":2260},{"title":"مسألة: إذا تكررت الواقعة لم يلزم تكرير النظر","level":2,"page":2262},{"title":"مسألة: يجوز خلو الزمان عن مجتهد خلافا للحنابلة","level":2,"page":2264},{"title":"مسألة: إفتاء من ليس بمجتهد بمذهب مجتهد","level":2,"page":2267},{"title":"فائدة لمن لم يبلغ رتبة الاجتهاد المطلق مراتب","level":2,"page":2268},{"title":"مسألة: للمقلد أن يقلد المفضول","level":2,"page":2270},{"title":"مسألة: ولا يرجع عنه بعد تقليده اتفاقا","level":2,"page":2272},{"title":"الترجيح","level":1,"page":2274},{"title":"القسم الثاني المعقولان: قياسان أو استدلالان","level":2,"page":2303},{"title":"في تعارض الدليلين المعقولين","level":2,"page":2303},{"title":"الترجيح بحسب الفرع","level":2,"page":2311},{"title":"القسم الثالث في ترجيح المنقول والمعقول","level":2,"page":2312},{"title":"ثبت المراجع","level":1,"page":2316}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,114":110,"1,115":111,"1,116":112,"1,117":113,"1,118":114,"1,119":115,"1,120":116,"1,121":117,"1,122":118,"1,123":119,"1,124":120,"1,125":121,"1,126":122,"1,127":123,"1,128":124,"1,129":125,"1,130":126,"1,131":127,"1,132":128,"1,133":129,"1,134":130,"1,135":131,"1,136":132,"1,137":133,"1,138":134,"1,139":135,"1,140":136,"1,141":137,"1,142":138,"1,143":139,"1,144":140,"1,145":141,"1,146":142,"1,147":143,"1,148":144,"1,149":145,"1,150":146,"1,151":147,"1,152":148,"1,153":149,"1,154":150,"1,155":151,"1,156":152,"1,157":153,"1,158":154,"1,159":155,"1,160":156,"1,161":157,"1,162":158,"1,163":159,"1,164":160,"1,165":161,"1,166":162,"1,167":163,"1,168":164,"1,169":165,"1,170":166,"1,171":167,"1,172":168,"1,173":169,"1,174":170,"1,175":171,"1,176":172,"1,177":173,"1,178":174,"1,179":175,"1,180":176,"1,181":177,"1,182":178,"1,183":179,"1,184":180,"1,185":181,"1,186":182,"1,187":183,"1,188":184,"1,189":185,"1,190":186,"1,191":187,"1,192":188,"1,193":189,"1,194":190,"1,195":191,"1,196":192,"1,197":193,"1,198":194,"1,199":195,"1,200":196,"1,201":197,"1,202":198,"1,203":199,"1,204":200,"1,205":201,"1,206":202,"1,207":203,"1,208":204,"1,209":205,"1,210":206,"1,211":207,"1,212":208,"1,213":209,"1,214":210,"1,215":211,"1,216":212,"1,217":213,"1,218":214,"1,219":215,"1,220":216,"1,221":217,"1,222":218,"1,223":219,"1,224":220,"1,225":221,"1,226":222,"1,227":223,"1,229":224,"1,230":225,"1,231":226,"1,232":227,"1,233":228,"1,234":229,"1,235":230,"1,236":231,"1,237":232,"1,238":233,"1,239":234,"1,240":235,"1,241":236,"1,242":237,"1,243":238,"1,244":239,"1,245":240,"1,246":241,"1,247":242,"1,248":243,"1,249":244,"1,250":245,"1,251":246,"1,252":247,"1,253":248,"1,254":249,"1,255":250,"1,256":251,"1,257":252,"1,258":253,"1,259":254,"1,260":255,"1,261":256,"1,262":257,"1,263":258,"1,264":259,"1,265":260,"1,266":261,"1,267":262,"1,268":263,"1,269":264,"1,270":265,"1,271":266,"1,272":267,"1,273":268,"1,274":269,"1,275":270,"1,276":271,"1,277":272,"1,278":273,"1,279":274,"1,280":275,"1,281":276,"1,282":277,"1,283":278,"1,284":279,"1,285":280,"1,286":281,"1,287":282,"1,288":283,"1,289":284,"1,290":285,"1,291":286,"1,292":287,"1,293":288,"1,294":289,"1,295":290,"1,296":291,"1,297":292,"1,298":293,"1,299":294,"1,300":295,"1,301":296,"1,302":297,"1,303":298,"1,304":299,"1,305":300,"1,306":301,"1,307":302,"1,308":303,"1,309":304,"1,310":305,"1,311":306,"1,312":307,"1,313":308,"1,314":309,"1,315":310,"1,316":311,"1,317":312,"1,318":313,"1,319":314,"1,320":315,"1,321":316,"1,322":317,"1,323":318,"1,324":319,"1,325":320,"1,326":321,"1,327":322,"1,328":323,"1,329":324,"1,330":325,"1,331":326,"1,332":327,"1,333":328,"1,334":329,"1,335":330,"1,336":331,"1,337":332,"1,338":333,"1,339":334,"1,340":335,"1,341":336,"1,342":337,"1,343":338,"1,344":339,"1,345":340,"1,346":341,"1,347":342,"1,348":343,"1,349":344,"1,350":345,"1,351":346,"1,352":347,"1,353":348,"1,354":349,"1,355":350,"1,356":351,"1,357":352,"1,358":353,"1,359":354,"1,360":355,"1,361":356,"1,362":357,"1,363":358,"1,364":359,"1,365":360,"1,366":361,"1,367":362,"1,368":363,"1,369":364,"1,370":365,"1,371":366,"1,372":367,"1,373":368,"1,374":369,"1,375":370,"1,376":371,"1,377":372,"1,378":373,"1,379":374,"1,380":375,"1,381":376,"1,382":377,"1,383":378,"1,384":379,"1,385":380,"1,386":381,"1,387":382,"1,388":383,"1,389":384,"1,390":385,"1,391":386,"1,392":387,"1,393":388,"1,394":389,"1,395":390,"1,396":391,"1,397":392,"1,398":393,"1,399":394,"1,400":395,"1,401":396,"1,402":397,"1,403":398,"1,404":399,"1,405":400,"1,406":401,"1,407":402,"1,408":403,"1,409":404,"1,410":405,"1,411":406,"1,412":407,"1,413":408,"1,414":409,"1,415":410,"1,416":411,"1,417":412,"1,418":413,"1,419":414,"1,420":415,"1,421":416,"1,422":417,"1,423":418,"1,424":419,"1,425":420,"1,426":421,"1,427":422,"1,428":423,"1,429":424,"1,430":425,"1,431":426,"1,432":427,"1,433":428,"1,434":429,"1,435":430,"1,436":431,"1,437":432,"1,438":433,"1,439":434,"1,440":435,"1,441":436,"1,442":437,"1,443":438,"1,444":439,"1,445":440,"1,446":441,"1,447":442,"1,448":443,"1,449":444,"1,450":445,"1,451":446,"1,452":447,"1,453":448,"1,454":449,"1,455":450,"1,456":451,"1,457":452,"1,458":453,"1,459":454,"1,460":455,"1,461":456,"1,462":457,"1,463":458,"1,464":459,"1,465":460,"1,466":461,"1,467":462,"1,468":463,"1,469":464,"1,470":465,"1,471":466,"1,472":467,"1,473":468,"1,474":469,"1,475":470,"1,476":471,"1,477":472,"1,478":473,"1,479":474,"1,480":475,"1,481":476,"1,482":477,"1,483":478,"1,484":479,"1,485":480,"1,486":481,"1,487":482,"1,488":483,"1,489":484,"1,490":485,"1,491":486,"1,492":487,"1,493":488,"1,494":489,"1,495":490,"1,496":491,"1,497":492,"1,498":493,"1,499":494,"1,500":495,"1,501":496,"1,502":497,"1,503":498,"1,504":499,"1,505":500,"1,506":501,"1,507":502,"1,508":503,"1,509":504,"1,510":505,"1,511":506,"1,512":507,"1,513":508,"1,514":509,"1,515":510,"1,516":511,"1,517":512,"1,518":513,"1,519":514,"1,520":515,"1,521":516,"1,522":517,"1,523":518,"1,524":519,"1,525":520,"1,526":521,"1,527":522,"1,528":523,"1,529":524,"1,530":525,"1,531":526,"1,532":527,"1,533":528,"1,534":529,"1,535":530,"1,536":531,"1,537":532,"1,538":533,"1,539":534,"1,540":535,"1,541":536,"1,542":537,"1,543":538,"1,544":539,"1,545":540,"1,546":541,"1,547":542,"1,548":543,"1,549":544,"1,550":545,"1,551":546,"1,552":547,"1,553":548,"1,554":549,"1,555":550,"1,556":551,"1,557":552,"1,558":553,"1,559":554,"1,560":555,"1,561":556,"1,562":557,"1,563":558,"1,564":559,"2,5":560,"2,6":561,"2,7":562,"2,8":563,"2,9":564,"2,10":565,"2,11":566,"2,12":567,"2,13":568,"2,14":569,"2,15":570,"2,16":571,"2,17":572,"2,18":573,"2,19":574,"2,20":575,"2,21":576,"2,22":577,"2,23":578,"2,24":579,"2,25":580,"2,26":581,"2,27":582,"2,28":583,"2,29":584,"2,30":585,"2,31":586,"2,32":587,"2,33":588,"2,34":589,"2,35":590,"2,36":591,"2,37":592,"2,38":593,"2,39":594,"2,40":595,"2,41":596,"2,42":597,"2,43":598,"2,44":599,"2,45":600,"2,46":601,"2,47":602,"2,48":603,"2,49":604,"2,50":605,"2,51":606,"2,52":607,"2,53":608,"2,54":609,"2,55":610,"2,56":611,"2,57":612,"2,58":613,"2,59":614,"2,60":615,"2,61":616,"2,62":617,"2,63":618,"2,64":619,"2,65":620,"2,66":621,"2,67":622,"2,68":623,"2,69":624,"2,70":625,"2,71":626,"2,72":627,"2,73":628,"2,74":629,"2,75":630,"2,76":631,"2,77":632,"2,78":633,"2,79":634,"2,80":635,"2,81":636,"2,82":637,"2,83":638,"2,84":639,"2,85":640,"2,86":641,"2,87":642,"2,88":643,"2,89":644,"2,90":645,"2,91":646,"2,92":647,"2,93":648,"2,94":649,"2,95":650,"2,96":651,"2,97":652,"2,98":653,"2,99":654,"2,100":655,"2,101":656,"2,102":657,"2,103":658,"2,104":659,"2,105":660,"2,106":661,"2,107":662,"2,108":663,"2,109":664,"2,110":665,"2,111":666,"2,112":667,"2,113":668,"2,114":669,"2,115":670,"2,116":671,"2,117":672,"2,118":673,"2,119":674,"2,120":675,"2,121":676,"2,122":677,"2,123":678,"2,124":679,"2,125":680,"2,126":681,"2,127":682,"2,128":683,"2,129":684,"2,130":685,"2,131":686,"2,132":687,"2,133":688,"2,134":689,"2,135":690,"2,136":691,"2,137":692,"2,138":693,"2,139":694,"2,140":695,"2,141":696,"2,142":697,"2,143":698,"2,144":699,"2,145":700,"2,146":701,"2,147":702,"2,148":703,"2,149":704,"2,150":705,"2,151":706,"2,152":707,"2,153":708,"2,154":709,"2,155":710,"2,156":711,"2,157":712,"2,158":713,"2,159":714,"2,160":715,"2,161":716,"2,162":717,"2,163":718,"2,164":719,"2,165":720,"2,166":721,"2,167":722,"2,168":723,"2,169":724,"2,170":725,"2,171":726,"2,172":727,"2,173":728,"2,174":729,"2,175":730,"2,176":731,"2,177":732,"2,178":733,"2,179":734,"2,180":735,"2,181":736,"2,182":737,"2,183":738,"2,184":739,"2,185":740,"2,186":741,"2,187":742,"2,188":743,"2,189":744,"2,190":745,"2,191":746,"2,192":747,"2,193":748,"2,194":749,"2,195":750,"2,196":751,"2,197":752,"2,198":753,"2,199":754,"2,200":755,"2,201":756,"2,202":757,"2,203":758,"2,204":759,"2,205":760,"2,206":761,"2,207":762,"2,208":763,"2,209":764,"2,210":765,"2,211":766,"2,212":767,"2,213":768,"2,214":769,"2,215":770,"2,216":771,"2,217":772,"2,218":773,"2,219":774,"2,220":775,"2,221":776,"2,222":777,"2,223":778,"2,224":779,"2,225":780,"2,226":781,"2,227":782,"2,228":783,"2,229":784,"2,230":785,"2,231":786,"2,232":787,"2,233":788,"2,234":789,"2,235":790,"2,236":791,"2,237":792,"2,238":793,"2,239":794,"2,240":795,"2,241":796,"2,242":797,"2,243":798,"2,244":799,"2,245":800,"2,246":801,"2,247":802,"2,248":803,"2,249":804,"2,250":805,"2,251":806,"2,252":807,"2,253":808,"2,254":809,"2,255":810,"2,256":811,"2,257":812,"2,258":813,"2,259":814,"2,260":815,"2,261":816,"2,262":817,"2,263":818,"2,264":819,"2,265":820,"2,266":821,"2,267":822,"2,268":823,"2,269":824,"2,270":825,"2,271":826,"2,272":827,"2,273":828,"2,274":829,"2,275":830,"2,276":831,"2,277":832,"2,278":833,"2,279":834,"2,280":835,"2,281":836,"2,282":837,"2,283":838,"2,284":839,"2,285":840,"2,286":841,"2,287":842,"2,288":843,"2,289":844,"2,290":845,"2,291":846,"2,292":847,"2,293":848,"2,294":849,"2,295":850,"2,296":851,"2,297":852,"2,298":853,"2,299":854,"2,300":855,"2,301":856,"2,302":857,"2,303":858,"2,304":859,"2,305":860,"2,306":861,"2,307":862,"2,308":863,"2,309":864,"2,310":865,"2,311":866,"2,312":867,"2,313":868,"2,314":869,"2,315":870,"2,316":871,"2,317":872,"2,318":873,"2,319":874,"2,320":875,"2,321":876,"2,322":877,"2,323":878,"2,324":879,"2,325":880,"2,326":881,"2,327":882,"2,328":883,"2,329":884,"2,330":885,"2,331":886,"2,332":887,"2,333":888,"2,334":889,"2,335":890,"2,336":891,"2,337":892,"2,338":893,"2,339":894,"2,340":895,"2,341":896,"2,342":897,"2,343":898,"2,344":899,"2,345":900,"2,346":901,"2,347":902,"2,348":903,"2,349":904,"2,350":905,"2,351":906,"2,352":907,"2,353":908,"2,354":909,"2,355":910,"2,356":911,"2,357":912,"2,358":913,"2,359":914,"2,360":915,"2,361":916,"2,362":917,"2,363":918,"2,364":919,"2,365":920,"2,366":921,"2,367":922,"2,368":923,"2,369":924,"2,370":925,"2,371":926,"2,372":927,"2,373":928,"2,374":929,"2,375":930,"2,376":931,"2,377":932,"2,378":933,"2,379":934,"2,380":935,"2,381":936,"2,382":937,"2,383":938,"2,384":939,"2,385":940,"2,386":941,"2,387":942,"2,388":943,"2,389":944,"2,390":945,"2,391":946,"2,392":947,"2,393":948,"2,394":949,"2,395":950,"2,396":951,"2,397":952,"2,398":953,"2,399":954,"2,400":955,"2,401":956,"2,402":957,"2,403":958,"2,404":959,"2,405":960,"2,406":961,"2,407":962,"2,408":963,"2,409":964,"2,410":965,"2,411":966,"2,412":967,"2,413":968,"2,414":969,"2,415":970,"2,416":971,"2,417":972,"2,418":973,"2,419":974,"2,420":975,"2,421":976,"2,422":977,"2,423":978,"2,424":979,"2,425":980,"2,426":981,"2,427":982,"2,428":983,"2,429":984,"2,430":985,"2,431":986,"2,432":987,"2,433":988,"2,434":989,"2,435":990,"2,436":991,"2,437":992,"2,438":993,"2,439":994,"2,440":995,"2,441":996,"2,442":997,"2,443":998,"2,444":999,"2,445":1000,"2,446":1001,"2,447":1002,"2,448":1003,"2,449":1004,"2,450":1005,"2,451":1006,"2,452":1007,"2,453":1008,"2,454":1009,"2,455":1010,"2,456":1011,"2,457":1012,"2,458":1013,"2,459":1014,"2,460":1015,"2,461":1016,"2,462":1017,"2,463":1018,"2,464":1019,"2,465":1020,"2,466":1021,"2,467":1022,"2,468":1023,"2,469":1024,"2,470":1025,"2,471":1026,"2,472":1027,"2,473":1028,"2,474":1029,"2,475":1030,"2,476":1031,"2,477":1032,"2,478":1033,"2,479":1034,"2,480":1035,"2,481":1036,"2,482":1037,"2,483":1038,"2,484":1039,"2,485":1040,"2,486":1041,"2,487":1042,"2,488":1043,"2,489":1044,"2,490":1045,"2,491":1046,"2,492":1047,"2,493":1048,"2,494":1049,"2,495":1050,"2,496":1051,"2,497":1052,"2,498":1053,"2,499":1054,"2,500":1055,"2,501":1056,"2,502":1057,"2,503":1058,"2,504":1059,"2,505":1060,"2,506":1061,"2,507":1062,"2,508":1063,"2,509":1064,"2,510":1065,"2,511":1066,"2,512":1067,"2,513":1068,"2,514":1069,"2,515":1070,"2,516":1071,"2,517":1072,"2,518":1073,"2,519":1074,"2,520":1075,"2,521":1076,"2,522":1077,"2,523":1078,"2,524":1079,"2,525":1080,"2,526":1081,"2,527":1082,"2,528":1083,"2,529":1084,"2,530":1085,"2,531":1086,"2,532":1087,"2,533":1088,"2,534":1089,"2,535":1090,"2,536":1091,"2,537":1092,"2,538":1093,"2,539":1094,"2,540":1095,"2,541":1096,"2,542":1097,"2,543":1098,"2,544":1099,"2,545":1100,"2,546":1101,"2,547":1102,"2,548":1103,"2,549":1104,"2,550":1105,"2,551":1106,"2,552":1107,"2,553":1108,"2,554":1109,"2,555":1110,"2,556":1111,"2,557":1112,"2,558":1113,"2,559":1114,"2,560":1115,"2,561":1116,"2,562":1117,"2,563":1118,"2,564":1119,"2,565":1120,"2,566":1121,"2,567":1122,"3,1":1123,"3,2":1124,"3,3":1125,"3,4":1126,"3,5":1127,"3,6":1128,"3,7":1129,"3,8":1130,"3,9":1131,"3,10":1132,"3,11":1133,"3,12":1134,"3,13":1135,"3,14":1136,"3,15":1137,"3,16":1138,"3,17":1139,"3,18":1140,"3,19":1141,"3,20":1142,"3,21":1143,"3,22":1144,"3,23":1145,"3,24":1146,"3,25":1147,"3,26":1148,"3,27":1149,"3,28":1150,"3,29":1151,"3,30":1152,"3,31":1153,"3,32":1154,"3,33":1155,"3,34":1156,"3,35":1157,"3,36":1158,"3,37":1159,"3,38":1160,"3,39":1161,"3,40":1162,"3,41":1163,"3,42":1164,"3,43":1165,"3,44":1166,"3,45":1167,"3,46":1168,"3,47":1169,"3,48":1170,"3,49":1171,"3,50":1172,"3,51":1173,"3,52":1174,"3,53":1175,"3,54":1176,"3,55":1177,"3,56":1178,"3,57":1179,"3,58":1180,"3,59":1181,"3,60":1182,"3,61":1183,"3,62":1184,"3,63":1185,"3,64":1186,"3,65":1187,"3,66":1188,"3,67":1189,"3,68":1190,"3,69":1191,"3,70":1192,"3,71":1193,"3,72":1194,"3,73":1195,"3,74":1196,"3,75":1197,"3,76":1198,"3,77":1199,"3,78":1200,"3,79":1201,"3,80":1202,"3,81":1203,"3,82":1204,"3,83":1205,"3,84":1206,"3,85":1207,"3,86":1208,"3,87":1209,"3,88":1210,"3,89":1211,"3,90":1212,"3,91":1213,"3,92":1214,"3,93":1215,"3,94":1216,"3,95":1217,"3,96":1218,"3,97":1219,"3,98":1220,"3,99":1221,"3,100":1222,"3,101":1223,"3,102":1224,"3,103":1225,"3,104":1226,"3,105":1227,"3,106":1228,"3,107":1229,"3,108":1230,"3,109":1231,"3,110":1232,"3,111":1233,"3,112":1234,"3,113":1235,"3,114":1236,"3,115":1237,"3,116":1238,"3,117":1239,"3,118":1240,"3,119":1241,"3,120":1242,"3,121":1243,"3,122":1244,"3,123":1245,"3,124":1246,"3,125":1247,"3,126":1248,"3,127":1249,"3,128":1250,"3,129":1251,"3,130":1252,"3,131":1253,"3,132":1254,"3,133":1255,"3,134":1256,"3,135":1257,"3,136":1258,"3,137":1259,"3,138":1260,"3,139":1261,"3,140":1262,"3,141":1263,"3,142":1264,"3,143":1265,"3,144":1266,"3,145":1267,"3,146":1268,"3,147":1269,"3,148":1270,"3,149":1271,"3,150":1272,"3,151":1273,"3,152":1274,"3,153":1275,"3,154":1276,"3,155":1277,"3,156":1278,"3,157":1279,"3,158":1280,"3,159":1281,"3,160":1282,"3,161":1283,"3,162":1284,"3,163":1285,"3,164":1286,"3,165":1287,"3,166":1288,"3,167":1289,"3,168":1290,"3,169":1291,"3,170":1292,"3,171":1293,"3,172":1294,"3,173":1295,"3,174":1296,"3,175":1297,"3,176":1298,"3,177":1299,"3,178":1300,"3,179":1301,"3,180":1302,"3,181":1303,"3,182":1304,"3,183":1305,"3,184":1306,"3,185":1307,"3,186":1308,"3,187":1309,"3,188":1310,"3,189":1311,"3,190":1312,"3,191":1313,"3,192":1314,"3,193":1315,"3,194":1316,"3,195":1317,"3,196":1318,"3,197":1319,"3,198":1320,"3,199":1321,"3,200":1322,"3,201":1323,"3,202":1324,"3,203":1325,"3,204":1326,"3,205":1327,"3,206":1328,"3,207":1329,"3,208":1330,"3,209":1331,"3,210":1332,"3,211":1333,"3,212":1334,"3,213":1335,"3,214":1336,"3,215":1337,"3,216":1338,"3,217":1339,"3,218":1340,"3,219":1341,"3,220":1342,"3,221":1343,"3,222":1344,"3,223":1345,"3,224":1346,"3,225":1347,"3,226":1348,"3,227":1349,"3,228":1350,"3,229":1351,"3,230":1352,"3,231":1353,"3,232":1354,"3,233":1355,"3,234":1356,"3,235":1357,"3,236":1358,"3,237":1359,"3,238":1360,"3,239":1361,"3,240":1362,"3,241":1363,"3,242":1364,"3,243":1365,"3,244":1366,"3,245":1367,"3,246":1368,"3,247":1369,"3,248":1370,"3,249":1371,"3,250":1372,"3,251":1373,"3,252":1374,"3,253":1375,"3,254":1376,"3,255":1377,"3,256":1378,"3,257":1379,"3,258":1380,"3,259":1381,"3,260":1382,"3,261":1383,"3,262":1384,"3,263":1385,"3,264":1386,"3,265":1387,"3,266":1388,"3,267":1389,"3,268":1390,"3,269":1391,"3,270":1392,"3,271":1393,"3,272":1394,"3,273":1395,"3,274":1396,"3,275":1397,"3,276":1398,"3,277":1399,"3,278":1400,"3,279":1401,"3,280":1402,"3,281":1403,"3,282":1404,"3,283":1405,"3,284":1406,"3,285":1407,"3,286":1408,"3,287":1409,"3,288":1410,"3,289":1411,"3,290":1412,"3,291":1413,"3,292":1414,"3,293":1415,"3,294":1416,"3,295":1417,"3,296":1418,"3,297":1419,"3,298":1420,"3,299":1421,"3,300":1422,"3,301":1423,"3,302":1424,"3,303":1425,"3,304":1426,"3,305":1427,"3,306":1428,"3,307":1429,"3,308":1430,"3,309":1431,"3,310":1432,"3,311":1433,"3,312":1434,"3,313":1435,"3,314":1436,"3,315":1437,"3,316":1438,"3,317":1439,"3,318":1440,"3,319":1441,"3,320":1442,"3,321":1443,"3,322":1444,"3,323":1445,"3,324":1446,"3,325":1447,"3,326":1448,"3,327":1449,"3,328":1450,"3,329":1451,"3,330":1452,"3,331":1453,"3,332":1454,"3,333":1455,"3,334":1456,"3,335":1457,"3,336":1458,"3,337":1459,"3,338":1460,"3,339":1461,"3,340":1462,"3,341":1463,"3,342":1464,"3,343":1465,"3,344":1466,"3,345":1467,"3,346":1468,"3,347":1469,"3,348":1470,"3,349":1471,"3,350":1472,"3,351":1473,"3,352":1474,"3,353":1475,"3,354":1476,"3,355":1477,"3,356":1478,"3,357":1479,"3,358":1480,"3,359":1481,"3,360":1482,"3,361":1483,"3,362":1484,"3,363":1485,"3,364":1486,"3,365":1487,"3,366":1488,"3,367":1489,"3,368":1490,"3,369":1491,"3,370":1492,"3,371":1493,"3,372":1494,"3,373":1495,"3,374":1496,"3,375":1497,"3,376":1498,"3,377":1499,"3,378":1500,"3,379":1501,"3,380":1502,"3,381":1503,"3,382":1504,"3,383":1505,"3,384":1506,"3,385":1507,"3,386":1508,"3,387":1509,"3,388":1510,"3,389":1511,"3,390":1512,"3,391":1513,"3,392":1514,"3,393":1515,"3,394":1516,"3,395":1517,"3,396":1518,"3,397":1519,"3,398":1520,"3,399":1521,"3,400":1522,"3,401":1523,"3,402":1524,"3,403":1525,"3,404":1526,"3,405":1527,"3,406":1528,"3,407":1529,"3,408":1530,"3,409":1531,"3,410":1532,"3,411":1533,"3,412":1534,"3,413":1535,"3,414":1536,"3,415":1537,"3,416":1538,"3,417":1539,"3,418":1540,"3,419":1541,"3,420":1542,"3,421":1543,"3,422":1544,"3,423":1545,"3,424":1546,"3,425":1547,"3,426":1548,"3,427":1549,"3,428":1550,"3,429":1551,"3,430":1552,"3,431":1553,"3,432":1554,"3,433":1555,"3,434":1556,"3,435":1557,"3,436":1558,"3,437":1559,"3,438":1560,"3,439":1561,"3,440":1562,"3,441":1563,"3,442":1564,"3,443":1565,"3,444":1566,"3,445":1567,"3,446":1568,"3,447":1569,"3,448":1570,"3,449":1571,"3,450":1572,"3,451":1573,"3,452":1574,"3,453":1575,"3,454":1576,"3,455":1577,"3,456":1578,"3,457":1579,"3,458":1580,"3,459":1581,"3,460":1582,"3,461":1583,"3,462":1584,"3,463":1585,"3,464":1586,"3,465":1587,"3,466":1588,"3,467":1589,"3,468":1590,"3,469":1591,"3,470":1592,"3,471":1593,"3,472":1594,"3,473":1595,"3,474":1596,"3,475":1597,"3,476":1598,"3,477":1599,"3,478":1600,"3,479":1601,"3,480":1602,"3,481":1603,"3,482":1604,"3,483":1605,"3,484":1606,"3,485":1607,"3,486":1608,"3,487":1609,"3,488":1610,"3,489":1611,"3,490":1612,"3,491":1613,"3,492":1614,"3,493":1615,"3,494":1616,"3,495":1617,"3,496":1618,"3,497":1619,"3,498":1620,"3,499":1621,"3,500":1622,"3,501":1623,"3,502":1624,"3,503":1625,"3,504":1626,"3,505":1627,"3,506":1628,"3,507":1629,"3,508":1630,"3,509":1631,"3,510":1632,"3,511":1633,"3,512":1634,"3,513":1635,"3,514":1636,"3,515":1637,"3,516":1638,"3,517":1639,"3,518":1640,"3,519":1641,"3,520":1642,"3,521":1643,"3,522":1644,"3,523":1645,"3,524":1646,"3,525":1647,"3,526":1648,"3,527":1649,"3,528":1650,"3,529":1651,"3,530":1652,"3,531":1653,"3,532":1654,"3,533":1655,"3,534":1656,"3,535":1657,"3,536":1658,"3,537":1659,"3,538":1660,"3,539":1661,"3,540":1662,"3,541":1663,"3,542":1664,"3,543":1665,"3,544":1666,"4,1":1667,"4,2":1668,"4,3":1669,"4,4":1670,"4,5":1671,"4,6":1672,"4,7":1673,"4,8":1674,"4,9":1675,"4,10":1676,"4,11":1677,"4,12":1678,"4,13":1679,"4,14":1680,"4,15":1681,"4,16":1682,"4,17":1683,"4,18":1684,"4,19":1685,"4,20":1686,"4,21":1687,"4,22":1688,"4,23":1689,"4,24":1690,"4,25":1691,"4,26":1692,"4,27":1693,"4,28":1694,"4,29":1695,"4,30":1696,"4,31":1697,"4,32":1698,"4,33":1699,"4,34":1700,"4,35":1701,"4,36":1702,"4,37":1703,"4,38":1704,"4,39":1705,"4,40":1706,"4,41":1707,"4,42":1708,"4,43":1709,"4,44":1710,"4,45":1711,"4,46":1712,"4,47":1713,"4,48":1714,"4,49":1715,"4,50":1716,"4,51":1717,"4,52":1718,"4,53":1719,"4,54":1720,"4,55":1721,"4,56":1722,"4,57":1723,"4,58":1724,"4,59":1725,"4,60":1726,"4,61":1727,"4,62":1728,"4,63":1729,"4,64":1730,"4,65":1731,"4,66":1732,"4,67":1733,"4,68":1734,"4,69":1735,"4,70":1736,"4,71":1737,"4,72":1738,"4,73":1739,"4,74":1740,"4,75":1741,"4,76":1742,"4,77":1743,"4,78":1744,"4,79":1745,"4,80":1746,"4,81":1747,"4,82":1748,"4,83":1749,"4,84":1750,"4,85":1751,"4,86":1752,"4,87":1753,"4,88":1754,"4,89":1755,"4,90":1756,"4,91":1757,"4,92":1758,"4,93":1759,"4,94":1760,"4,95":1761,"4,96":1762,"4,97":1763,"4,98":1764,"4,99":1765,"4,100":1766,"4,101":1767,"4,102":1768,"4,103":1769,"4,104":1770,"4,105":1771,"4,106":1772,"4,107":1773,"4,108":1774,"4,109":1775,"4,110":1776,"4,111":1777,"4,112":1778,"4,113":1779,"4,114":1780,"4,115":1781,"4,116":1782,"4,117":1783,"4,118":1784,"4,119":1785,"4,120":1786,"4,121":1787,"4,122":1788,"4,123":1789,"4,124":1790,"4,125":1791,"4,126":1792,"4,127":1793,"4,128":1794,"4,129":1795,"4,130":1796,"4,131":1797,"4,132":1798,"4,133":1799,"4,134":1800,"4,135":1801,"4,136":1802,"4,137":1803,"4,138":1804,"4,139":1805,"4,140":1806,"4,141":1807,"4,142":1808,"4,143":1809,"4,144":1810,"4,145":1811,"4,146":1812,"4,147":1813,"4,148":1814,"4,149":1815,"4,150":1816,"4,151":1817,"4,152":1818,"4,153":1819,"4,154":1820,"4,155":1821,"4,156":1822,"4,157":1823,"4,158":1824,"4,159":1825,"4,160":1826,"4,161":1827,"4,162":1828,"4,163":1829,"4,164":1830,"4,165":1831,"4,166":1832,"4,167":1833,"4,168":1834,"4,169":1835,"4,170":1836,"4,171":1837,"4,172":1838,"4,173":1839,"4,174":1840,"4,175":1841,"4,176":1842,"4,177":1843,"4,178":1844,"4,179":1845,"4,180":1846,"4,181":1847,"4,182":1848,"4,183":1849,"4,184":1850,"4,185":1851,"4,186":1852,"4,187":1853,"4,188":1854,"4,189":1855,"4,190":1856,"4,191":1857,"4,192":1858,"4,193":1859,"4,194":1860,"4,195":1861,"4,196":1862,"4,197":1863,"4,198":1864,"4,199":1865,"4,200":1866,"4,201":1867,"4,202":1868,"4,203":1869,"4,204":1870,"4,205":1871,"4,206":1872,"4,207":1873,"4,208":1874,"4,209":1875,"4,210":1876,"4,211":1877,"4,212":1878,"4,213":1879,"4,214":1880,"4,215":1881,"4,216":1882,"4,217":1883,"4,218":1884,"4,219":1885,"4,220":1886,"4,221":1887,"4,222":1888,"4,223":1889,"4,224":1890,"4,225":1891,"4,226":1892,"4,227":1893,"4,228":1894,"4,229":1895,"4,230":1896,"4,231":1897,"4,232":1898,"4,233":1899,"4,234":1900,"4,235":1901,"4,236":1902,"4,237":1903,"4,238":1904,"4,239":1905,"4,240":1906,"4,241":1907,"4,242":1908,"4,243":1909,"4,244":1910,"4,245":1911,"4,246":1912,"4,247":1913,"4,248":1914,"4,249":1915,"4,250":1916,"4,251":1917,"4,252":1918,"4,253":1919,"4,254":1920,"4,255":1921,"4,256":1922,"4,257":1923,"4,258":1924,"4,259":1925,"4,260":1926,"4,261":1927,"4,262":1928,"4,263":1929,"4,264":1930,"4,265":1931,"4,266":1932,"4,267":1933,"4,268":1934,"4,269":1935,"4,270":1936,"4,271":1937,"4,272":1938,"4,273":1939,"4,274":1940,"4,275":1941,"4,276":1942,"4,277":1943,"4,278":1944,"4,279":1945,"4,280":1946,"4,281":1947,"4,282":1948,"4,283":1949,"4,284":1950,"4,285":1951,"4,286":1952,"4,287":1953,"4,288":1954,"4,289":1955,"4,290":1956,"4,291":1957,"4,292":1958,"4,293":1959,"4,294":1960,"4,295":1961,"4,296":1962,"4,297":1963,"4,298":1964,"4,299":1965,"4,300":1966,"4,301":1967,"4,302":1968,"4,303":1969,"4,304":1970,"4,305":1971,"4,306":1972,"4,307":1973,"4,308":1974,"4,309":1975,"4,310":1976,"4,311":1977,"4,312":1978,"4,313":1979,"4,314":1980,"4,315":1981,"4,316":1982,"4,317":1983,"4,318":1984,"4,319":1985,"4,320":1986,"4,321":1987,"4,322":1988,"4,323":1989,"4,324":1990,"4,325":1991,"4,326":1992,"4,327":1993,"4,328":1994,"4,329":1995,"4,330":1996,"4,331":1997,"4,332":1998,"4,333":1999,"4,334":2000,"4,335":2001,"4,336":2002,"4,337":2003,"4,338":2004,"4,339":2005,"4,340":2006,"4,341":2007,"4,342":2008,"4,343":2009,"4,344":2010,"4,345":2011,"4,346":2012,"4,347":2013,"4,348":2014,"4,349":2015,"4,350":2016,"4,351":2017,"4,352":2018,"4,353":2019,"4,354":2020,"4,355":2021,"4,356":2022,"4,357":2023,"4,358":2024,"4,359":2025,"4,360":2026,"4,361":2027,"4,362":2028,"4,363":2029,"4,364":2030,"4,365":2031,"4,366":2032,"4,367":2033,"4,368":2034,"4,369":2035,"4,370":2036,"4,371":2037,"4,372":2038,"4,373":2039,"4,374":2040,"4,375":2041,"4,376":2042,"4,377":2043,"4,378":2044,"4,379":2045,"4,380":2046,"4,381":2047,"4,382":2048,"4,383":2049,"4,384":2050,"4,385":2051,"4,386":2052,"4,387":2053,"4,388":2054,"4,389":2055,"4,390":2056,"4,391":2057,"4,392":2058,"4,393":2059,"4,394":2060,"4,395":2061,"4,396":2062,"4,397":2063,"4,398":2064,"4,399":2065,"4,400":2066,"4,401":2067,"4,402":2068,"4,403":2069,"4,404":2070,"4,405":2071,"4,406":2072,"4,407":2073,"4,408":2074,"4,409":2075,"4,410":2076,"4,411":2077,"4,412":2078,"4,413":2079,"4,414":2080,"4,415":2081,"4,416":2082,"4,417":2083,"4,418":2084,"4,419":2085,"4,420":2086,"4,421":2087,"4,422":2088,"4,423":2089,"4,424":2090,"4,425":2091,"4,426":2092,"4,427":2093,"4,428":2094,"4,429":2095,"4,430":2096,"4,431":2097,"4,432":2098,"4,433":2099,"4,434":2100,"4,435":2101,"4,436":2102,"4,437":2103,"4,438":2104,"4,439":2105,"4,440":2106,"4,441":2107,"4,442":2108,"4,443":2109,"4,444":2110,"4,445":2111,"4,446":2112,"4,447":2113,"4,448":2114,"4,449":2115,"4,450":2116,"4,451":2117,"4,452":2118,"4,453":2119,"4,454":2120,"4,455":2121,"4,456":2122,"4,457":2123,"4,458":2124,"4,459":2125,"4,460":2126,"4,461":2127,"4,462":2128,"4,463":2129,"4,464":2130,"4,465":2131,"4,466":2132,"4,467":2133,"4,468":2134,"4,469":2135,"4,470":2136,"4,471":2137,"4,472":2138,"4,473":2139,"4,474":2140,"4,475":2141,"4,476":2142,"4,477":2143,"4,478":2144,"4,479":2145,"4,480":2146,"4,481":2147,"4,482":2148,"4,483":2149,"4,484":2150,"4,485":2151,"4,486":2152,"4,487":2153,"4,488":2154,"4,489":2155,"4,490":2156,"4,491":2157,"4,492":2158,"4,493":2159,"4,494":2160,"4,495":2161,"4,496":2162,"4,497":2163,"4,498":2164,"4,499":2165,"4,500":2166,"4,501":2167,"4,502":2168,"4,503":2169,"4,504":2170,"4,505":2171,"4,506":2172,"4,507":2173,"4,508":2174,"4,509":2175,"4,510":2176,"4,511":2177,"4,512":2178,"4,513":2179,"4,514":2180,"4,515":2181,"4,516":2182,"4,517":2183,"4,518":2184,"4,519":2185,"4,520":2186,"4,521":2187,"4,522":2188,"4,523":2189,"4,524":2190,"4,525":2191,"4,526":2192,"4,527":2193,"4,528":2194,"4,529":2195,"4,530":2196,"4,531":2197,"4,532":2198,"4,533":2199,"4,534":2200,"4,535":2201,"4,536":2202,"4,537":2203,"4,538":2204,"4,539":2205,"4,540":2206,"4,541":2207,"4,542":2208,"4,543":2209,"4,544":2210,"4,545":2211,"4,546":2212,"4,547":2213,"4,548":2214,"4,549":2215,"4,550":2216,"4,551":2217,"4,552":2218,"4,553":2219,"4,554":2220,"4,555":2221,"4,556":2222,"4,557":2223,"4,558":2224,"4,559":2225,"4,560":2226,"4,561":2227,"4,562":2228,"4,563":2229,"4,564":2230,"4,565":2231,"4,566":2232,"4,567":2233,"4,568":2234,"4,569":2235,"4,570":2236,"4,571":2237,"4,572":2238,"4,573":2239,"4,574":2240,"4,575":2241,"4,576":2242,"4,577":2243,"4,578":2244,"4,579":2245,"4,580":2246,"4,581":2247,"4,582":2248,"4,583":2249,"4,584":2250,"4,585":2251,"4,586":2252,"4,587":2253,"4,588":2254,"4,589":2255,"4,590":2256,"4,591":2257,"4,592":2258,"4,593":2259,"4,594":2260,"4,595":2261,"4,596":2262,"4,597":2263,"4,598":2264,"4,599":2265,"4,600":2266,"4,601":2267,"4,602":2268,"4,603":2269,"4,604":2270,"4,605":2271,"4,606":2272,"4,607":2273,"4,608":2274,"4,609":2275,"4,610":2276,"4,611":2277,"4,612":2278,"4,613":2279,"4,614":2280,"4,615":2281,"4,616":2282,"4,617":2283,"4,618":2284,"4,619":2285,"4,620":2286,"4,621":2287,"4,622":2288,"4,623":2289,"4,624":2290,"4,625":2291,"4,626":2292,"4,627":2293,"4,628":2294,"4,629":2295,"4,630":2296,"4,631":2297,"4,632":2298,"4,633":2299,"4,634":2300,"4,635":2301,"4,636":2302,"4,637":2303,"4,638":2304,"4,639":2305,"4,640":2306,"4,641":2307,"4,642":2308,"4,643":2309,"4,644":2310,"4,645":2311,"4,646":2312,"4,647":2313,"4,648":2314,"4,649":2315,"4,735":2316,"4,736":2317,"4,737":2318,"4,738":2319,"4,739":2320,"4,740":2321,"4,741":2322,"4,742":2323,"4,743":2324,"4,744":2325,"4,745":2326,"4,746":2327,"4,747":2328,"4,748":2329,"4,749":2330},"ٜ":{"1":[5,564],"2":[5,567],"3":[1,544],"4":[1,749]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","3,470","3,471","3,472","3,473","3,474","3,475","3,476","3,477","3,478","3,479","3,480","3,481","3,482","3,483","3,484","3,485","3,486","3,487","3,488","3,489","3,490","3,491","3,492","3,493","3,494","3,495","3,496","3,497","3,498","3,499","3,500","3,501","3,502","3,503","3,504","3,505","3,506","3,507","3,508","3,509","3,510","3,511","3,512","3,513","3,514","3,515","3,516","3,517","3,518","3,519","3,520","3,521","3,522","3,523","3,524","3,525","3,526","3,527","3,528","3,529","3,530","3,531","3,532","3,533","3,534","3,535","3,536","3,537","3,538","3,539","3,540","3,541","3,542","3,543","3,544","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,388","4,389","4,390","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","4,401","4,402","4,403","4,404","4,405","4,406","4,407","4,408","4,409","4,410","4,411","4,412","4,413","4,414","4,415","4,416","4,417","4,418","4,419","4,420","4,421","4,422","4,423","4,424","4,425","4,426","4,427","4,428","4,429","4,430","4,431","4,432","4,433","4,434","4,435","4,436","4,437","4,438","4,439","4,440","4,441","4,442","4,443","4,444","4,445","4,446","4,447","4,448","4,449","4,450","4,451","4,452","4,453","4,454","4,455","4,456","4,457","4,458","4,459","4,460","4,461","4,462","4,463","4,464","4,465","4,466","4,467","4,468","4,469","4,470","4,471","4,472","4,473","4,474","4,475","4,476","4,477","4,478","4,479","4,480","4,481","4,482","4,483","4,484","4,485","4,486","4,487","4,488","4,489","4,490","4,491","4,492","4,493","4,494","4,495","4,496","4,497","4,498","4,499","4,500","4,501","4,502","4,503","4,504","4,505","4,506","4,507","4,508","4,509","4,510","4,511","4,512","4,513","4,514","4,515","4,516","4,517","4,518","4,519","4,520","4,521","4,522","4,523","4,524","4,525","4,526","4,527","4,528","4,529","4,530","4,531","4,532","4,533","4,534","4,535","4,536","4,537","4,538","4,539","4,540","4,541","4,542","4,543","4,544","4,545","4,546","4,547","4,548","4,549","4,550","4,551","4,552","4,553","4,554","4,555","4,556","4,557","4,558","4,559","4,560","4,561","4,562","4,563","4,564","4,565","4,566","4,567","4,568","4,569","4,570","4,571","4,572","4,573","4,574","4,575","4,576","4,577","4,578","4,579","4,580","4,581","4,582","4,583","4,584","4,585","4,586","4,587","4,588","4,589","4,590","4,591","4,592","4,593","4,594","4,595","4,596","4,597","4,598","4,599","4,600","4,601","4,602","4,603","4,604","4,605","4,606","4,607","4,608","4,609","4,610","4,611","4,612","4,613","4,614","4,615","4,616","4,617","4,618","4,619","4,620","4,621","4,622","4,623","4,624","4,625","4,626","4,627","4,628","4,629","4,630","4,631","4,632","4,633","4,634","4,635","4,636","4,637","4,638","4,639","4,640","4,641","4,642","4,643","4,644","4,645","4,646","4,647","4,648","4,649","4,735","4,736","4,737","4,738","4,739","4,740","4,741","4,742","4,743","4,744","4,745","4,746","4,747","4,748","4,749"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2],"7":[3,4],"8":[5],"10":[6],"12":[7,8,9],"13":[10,11],"14":[12,13],"15":[14,15,16],"16":[17],"17":[18],"18":[19],"19":[20],"20":[21,22,23,24],"21":[25,26,27,28,29],"22":[30],"23":[31,32],"25":[33],"29":[34],"30":[35],"31":[36],"33":[37],"34":[38],"37":[39],"38":[40,41,42],"39":[43,44],"40":[45],"41":[46],"42":[47],"44":[48,49,50],"45":[51],"46":[52],"47":[53,54],"48":[55,56],"53":[57,58],"55":[59],"57":[60,61],"59":[62],"60":[63],"61":[64],"62":[65,66],"63":[67,68,69,70],"64":[71,72,73,74,75,76],"66":[77],"67":[78],"68":[79,80],"69":[81,82,83,84],"70":[85,86,87],"71":[88,89],"73":[90],"75":[91],"76":[92],"77":[93,94],"78":[95,96],"79":[97,98],"80":[99,100],"82":[101],"84":[102,103],"87":[104,105,106],"88":[107],"90":[108],"92":[109],"94":[110],"97":[111],"98":[112,113],"99":[114,115],"100":[116,117],"101":[118],"102":[119],"104":[120],"105":[121],"107":[122],"108":[123,124],"110":[125,126],"111":[127],"112":[128],"113":[129],"114":[130],"115":[131,132],"116":[133],"121":[134],"122":[135,136],"123":[137],"124":[138],"125":[139],"127":[140,141,142],"128":[143],"129":[144],"130":[145,146],"131":[147],"132":[148],"134":[149,150],"135":[151,152],"136":[153,154],"140":[155],"142":[156],"143":[157,158],"144":[159],"145":[160,161],"147":[162,163],"148":[164,165],"150":[166],"152":[167],"153":[168],"154":[169],"156":[170],"157":[171,172],"158":[173],"160":[174,175],"161":[176],"162":[177],"163":[178],"164":[179],"165":[180,181],"166":[182],"169":[183],"170":[184],"173":[185],"174":[186],"177":[187,188],"179":[189],"180":[190],"181":[191],"184":[192,193],"185":[194],"187":[195,196,197],"188":[198,199],"189":[200,201,202],"190":[203,204,205],"191":[206,207,208,209],"192":[210,211,212,213,214],"193":[215,216,217,218],"194":[219,220,221,222],"195":[223,224,225],"196":[226,227,228,229,230],"197":[231,232,233,234,235,236],"198":[237,238,239,240],"199":[241,242,243],"200":[244,245,246,247,248],"201":[249,250,251,252],"202":[253,254,255,256,257,258],"203":[259,260,261,262,263],"204":[264,265,266,267],"205":[268,269,270,271,272],"206":[273,274,275,276],"207":[277,278,279],"208":[280,281,282,283,284],"209":[285,286,287,288],"210":[289,290,291,292,293,294],"211":[295],"212":[296,297,298,299,300],"213":[301,302,303,304],"214":[305,306,307],"215":[308,309,310],"216":[311,312,313,314,315],"217":[316,317,318,319],"218":[320,321,322,323,324,325],"219":[326,327,328,329],"220":[330,331,332,333,334],"221":[335],"222":[336],"223":[337],"224":[338],"234":[339],"237":[340],"239":[341],"245":[342],"247":[343],"248":[344],"250":[345],"251":[346],"260":[347],"267":[348],"278":[349],"279":[350],"281":[351],"282":[352,353],"283":[354],"285":[355,356],"286":[357],"287":[358],"288":[359],"294":[360],"313":[361],"314":[362],"333":[363],"338":[364],"344":[365,366],"346":[367],"347":[368,369],"349":[370],"350":[371],"352":[372,373],"359":[374],"365":[375],"367":[376],"381":[377,378,379],"383":[380],"386":[381],"399":[382],"404":[383],"406":[384],"409":[385],"413":[386],"414":[387],"417":[388],"419":[389],"420":[390],"425":[391],"426":[392],"434":[393],"435":[394],"439":[395],"442":[396],"466":[397],"467":[398],"470":[399],"477":[400],"479":[401],"486":[402],"489":[403],"491":[404],"494":[405,406,407],"496":[408],"498":[409],"500":[410],"501":[411],"502":[412,413],"513":[414],"514":[415],"519":[416],"523":[417],"530":[418],"532":[419,420],"534":[421],"544":[422],"552":[423,424],"556":[425],"557":[426,427],"560":[428,429,430,431],"561":[432],"565":[433,434],"566":[435],"573":[436],"580":[437],"587":[438],"600":[439],"609":[440],"611":[441],"616":[442],"619":[443],"625":[444],"630":[445],"637":[446],"638":[447,448],"646":[449,450],"650":[451,452],"652":[453,454],"655":[455,456,457],"657":[458,459],"679":[460,461],"685":[462,463],"690":[464,465],"696":[466],"700":[467],"727":[468],"731":[469],"733":[470],"737":[471],"743":[472],"744":[473],"748":[474],"751":[475],"757":[476,477],"758":[478],"774":[479,480],"778":[481],"780":[482],"782":[483],"792":[484],"794":[485],"809":[486],"811":[487],"812":[488],"813":[489],"817":[490],"821":[491],"832":[492],"833":[493,494],"844":[495,496],"846":[497,498],"849":[499],"851":[500],"852":[501],"853":[502],"856":[503],"859":[504],"861":[505,506],"862":[507],"863":[508],"864":[509,510],"869":[511,512],"870":[513,514],"871":[515,516],"885":[517],"888":[518],"907":[519],"908":[520],"916":[521],"922":[522],"938":[523,524],"943":[525,526],"945":[527],"949":[528],"951":[529],"954":[530],"957":[531,532],"960":[533,534],"962":[535],"963":[536,537],"967":[538],"968":[539],"969":[540],"977":[541,542],"986":[543],"990":[544],"994":[545,546],"997":[547],"1002":[548],"1003":[549,550],"1006":[551],"1017":[552],"1037":[553],"1038":[554],"1040":[555],"1051":[556],"1064":[557],"1070":[558,559],"1073":[560,561],"1081":[562],"1082":[563,564],"1098":[565,566],"1103":[567,568],"1107":[569,570,571],"1112":[572],"1115":[573],"1118":[574],"1127":[575],"1132":[576,577],"1167":[578],"1175":[579],"1178":[580],"1180":[581,582],"1187":[583],"1191":[584],"1202":[585],"1203":[586],"1204":[587],"1205":[588],"1207":[589,590],"1208":[591],"1210":[592],"1211":[593],"1214":[594,595],"1224":[596],"1231":[597,598],"1232":[599,600],"1253":[601],"1254":[602],"1255":[603],"1256":[604],"1257":[605],"1265":[606,607],"1267":[608],"1268":[609,610,611],"1269":[612],"1270":[613],"1273":[614,615],"1274":[616],"1285":[617],"1286":[618],"1288":[619],"1289":[620,621],"1293":[622],"1294":[623],"1296":[624,625],"1298":[626],"1312":[627],"1315":[628],"1319":[629,630],"1330":[631,632],"1331":[633],"1332":[634],"1333":[635],"1335":[636,637],"1337":[638],"1340":[639],"1342":[640],"1343":[641,642],"1344":[643],"1345":[644],"1347":[645],"1348":[646],"1351":[647,648],"1352":[649],"1356":[650],"1362":[651,652],"1363":[653],"1373":[654],"1374":[655,656],"1375":[657],"1379":[658],"1380":[659,660],"1381":[661],"1382":[662],"1388":[663],"1394":[664],"1400":[665],"1403":[666],"1409":[667],"1410":[668],"1411":[669],"1414":[670,671],"1415":[672,673],"1418":[674,675],"1419":[676],"1420":[677],"1421":[678],"1422":[679],"1423":[680],"1426":[681],"1432":[682],"1434":[683],"1435":[684,685],"1450":[686],"1452":[687,688,689,690],"1454":[691],"1455":[692],"1457":[693],"1460":[694,695],"1464":[696],"1466":[697],"1467":[698],"1472":[699],"1473":[700],"1474":[701],"1476":[702,703],"1477":[704],"1485":[705],"1486":[706],"1488":[707],"1490":[708],"1496":[709],"1498":[710],"1499":[711],"1500":[712],"1506":[713],"1508":[714],"1511":[715],"1512":[716],"1515":[717],"1525":[718],"1529":[719],"1533":[720,721],"1540":[722],"1542":[723],"1543":[724],"1559":[725],"1561":[726],"1563":[727],"1564":[728],"1566":[729],"1568":[730],"1569":[731,732],"1570":[733,734],"1588":[735],"1605":[736],"1613":[737,738],"1622":[739],"1626":[740],"1657":[741],"1659":[742],"1661":[743],"1671":[744],"1674":[745],"1679":[746],"1682":[747],"1688":[748],"1692":[749],"1693":[750],"1702":[751],"1706":[752],"1712":[753],"1714":[754],"1723":[755],"1727":[756],"1732":[757],"1734":[758],"1735":[759],"1740":[760],"1744":[761],"1745":[762],"1746":[763],"1753":[764],"1756":[765],"1765":[766],"1766":[767],"1767":[768],"1769":[769,770],"1771":[771],"1772":[772],"1774":[773],"1776":[774,775],"1779":[776],"1782":[777],"1798":[778],"1799":[779],"1800":[780],"1801":[781,782],"1803":[783],"1808":[784],"1809":[785],"1814":[786],"1822":[787],"1824":[788,789,790],"1825":[791],"1832":[792],"1836":[793],"1840":[794,795,796],"1844":[797,798],"1847":[799],"1854":[800],"1856":[801],"1876":[802],"1880":[803],"1884":[804,805],"1920":[806,807],"1956":[808],"1957":[809,810],"1960":[811,812],"1961":[813,814],"1963":[815],"1964":[816],"1967":[817],"1970":[818],"1974":[819],"1978":[820,821,822],"1991":[823],"1996":[824],"2005":[825],"2007":[826],"2011":[827],"2016":[828],"2020":[829],"2039":[830],"2059":[831],"2068":[832],"2075":[833,834],"2077":[835],"2082":[836],"2084":[837,838],"2086":[839],"2090":[840],"2092":[841],"2094":[842],"2095":[843],"2096":[844],"2098":[845],"2101":[846],"2102":[847,848],"2103":[849,850],"2108":[851],"2109":[852],"2120":[853,854],"2121":[855,856],"2123":[857],"2131":[858],"2133":[859,860],"2134":[861],"2137":[862],"2146":[863],"2155":[864],"2162":[865],"2172":[866],"2175":[867],"2177":[868],"2179":[869],"2183":[870],"2184":[871],"2186":[872,873],"2193":[874],"2194":[875],"2197":[876],"2199":[877,878],"2203":[879],"2206":[880],"2209":[881],"2211":[882],"2220":[883],"2222":[884],"2225":[885],"2227":[886],"2229":[887],"2233":[888],"2239":[889],"2245":[890],"2247":[891,892],"2249":[893],"2251":[894],"2253":[895],"2258":[896],"2260":[897],"2262":[898],"2264":[899],"2267":[900],"2268":[901],"2270":[902],"2272":[903],"2274":[904],"2303":[905,906],"2311":[907],"2312":[908],"2316":[909]},"ٟ":[1,2,3,4,5,6,7,8,9,10,11,12,13,14,15,16,17,18,19,20,21,22,23,24,25,26,27,28,29,30,31,32,33,34,35,36,37,38,39,40,41,42,43,44,45,46,47,48,49,50,51,52,53,54,55,56,57,58,59,60,61,62,63,64,65,66,67,68,69,70,71,72,73,74,75,76,77,78,79,80,81,82,83,84,85,86,87,88,89,90,91,92,93,94,95,96,97,98,99,100,101,102,103,104,105,106,107,108,109,110,111,112,113,114,115,116,117,118,119,120,121,122,123,124,125,126,127,128,129,130,131,132,133,134,135,136,137,138,139,140,141,142,143,144,145,146,147,148,149,150,151,152,153,154,155,156,157,158,159,160,161,162,163,164,165,166,167,168,169,170,171,172,173,174,175,176,177,178,179,180,181,182,183,184,185,186,187,188,189,190,191,192,193,194,195,196,197,198,199,200,201,202,203,204,205,206,207,208,209,210,211,212,213,214,215,216,217,218,219,220,221,222,223,2316,2317,2318,2319,2320,2321,2322,2323,2324,2325,2326,2327,2328,2329,2330],"numbers":{"7":304},"number_max":"7","number_pages":{"304":"7"}},"pages":[{"text":"الحمد للّه رب العالمين، وصلاةً وسلامًا على سيد الخلق وحبيب الحق محمد ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1>مقدمة الناشر</span>\nأما بعدُ:\nنحن في عصر الفضاء والذرة، ولا يقف العلم ولا الإنسان على طرف سنان، وإنما هو كالبرق الخلب والريح القلب، وكل يوم ينتقل من طور إلى طور ومن حسن إلى أحسن. ويساير هذا التقدم العلمي التقدم الطباعي أيضًا وقد أخذنا بأسبابه، وركبنا رحابه واجتهدنا في الأخذ بأحدث معداته وأدواته، لنشر التراث الإسلامي المجيد، ونفض الغبار عن مجده التليد. وها نحن اليوم ذا نتقدم لجماهير وعلماء وطلاب العلم في بقاع الأرض قاطبة بنشر هذه المفخرة من مفاخر التراث وهي \"رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب\" وهو كتابٌ عظيم النفع، جليل القدر، قد تلقفته الأيادي في القدم وقد جهد طلاب العلم بحثًا وتنقيبًا عنه، فهنيئًا لهم نشر الكتاب منزهًا عن التحريف والخراب، كامل التصحيح والتحقيق ورتب الصواب فنسأل الله أن يتقبل منا، وأن يعفو عنا، وأن يمدنا بعونه وفضله لنشر غيره.\n\n\"إنه نعم المولى ونعم النصير\"","vol":"1","page":5},{"text":"كتب ابن قاضي الجبل تقريظًا لهذا المصنف (^١): [الطويلُ]\nلِيَهْنَكَ يَا تَاجَ المَعَالِي مُصَنَّفٌ … يُشَوِّفُ أَسْمَاعًا لَنَا وَيُشَنِّفُ\nهُوَ الْبَحْرُ إِلَّا أَنَّهُ فَاقَ جَوْهَرًا … هُوَ الرَّوْضُ إِلَّا أَنَّهُ مِنْهُ أَلْطَفُ\nفَمَا السَّيْفُ فِي أَحْكَامِهِ مِثْلَ حُكْمِهِ … بُحُوثُكَ فَخْرَ الدِّينِ فِيهِ تُزَيِّفُ\nوَلا الْقُطْبُ فِي شَرْحٍ لَهُ مِثْلُ قُطْبِهِ … فَأَضْحَتْ فُهُومُ الْقَوْمِ فِيهِ تُوَظَّفُ\nأُصُولٌ غَدَتْ أَصْلَ الأُصُول لِفَاهِمٍ … وَمَنْقُولُهَا حَقٌّ صَحِيحٌ مُعَرَّفُ\nفَلَوْ أُغْرِقُوا فِي الْبَحْثِ طُولَ حَيَاتِهِمْ … فَذِهْنُكَ أَدْرَى بِالْعُلُومِ وَأَعْرَفُ\nوَرِثْتَ لِشَيْخِ الْعِلْمِ أَوْحَدَ عَصْرِهِ … هنيئًا لَكَ الْعِلْمُ الَّذِي بِكَ يُعْرَفُ\nوَلَوْ عَلِمُوا حَقَّ العُلُومِ لَبَادَرُوا … وَأَضْحَوْا تَلامِيذًا لَدَيْكَ وَأَنْصَفُوا\nلَقَدْ فُقْتَ بِالتَّهْذِيبِ كُلَّ مُهَذَّبٍ … وَأَقْلامُ أَهْلِ الْعَصْرِ بِالْمَدْحِ تَرْعُفُ\nوَسُدْتَ فَظَهْرُ السُّدَّةِ اليَوْمَ مُزْهِرٌ … وَأَسْكَرَنَا مِنْ لَقْطِكَ اليَوْمَ مُرْقِفُ\nوَشَيَّدْتَ أَحْكَامًا وَفُقْتَ بَلاغَةً … كَمَا أَنْتَ بِالطُّلَّابِ أَدْرَى وَأَرْأَفُ\n_________\n(^١) هذا النظم يوجد على اللوحة الأولى من المخطوط المرموز له بالرمز (أ).","vol":"1","page":6},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْشَأَ الكَائِنَاتِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ، وَأَبْدَعَ الخَلْقَ لِحِكَمٍ بَالِغَةٍ فَعَجَزَتِ العُقُولُ عَنْ إِدْرَاكِ كُنْهِهَا، وَأَسْبَغَ عَلَيْهِمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً، وَرَفَعَ بِقُدْرَتِهِ مَنْزِلَةَ الإِنْسَانِ، وَميَّزَهُ بِالْعَقْل عَلَى سَائِرِ المَخْلُوقَاتِ، وَمَنَحَهُ التَّفْكِيرَ وَالتَّمْيِيزَ والتَّدْبِيرَ، وَهُوَ - سُبْحَانَهُ - مَعَ هذِهِ النِّعَمِ العَظِيمَةِ لَمْ يَتْرُكِ البَشَرَ سُدًى وَلا هَمَلًا؛ يَمُوجُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ عَلَى غَيْرِ هُدًى وَبَصِيرَةٍ، وَلَمْ يَتْرُكْهُمْ يَسِيرُونَ فِي دُرُوب الحَيَاةِ خَبْطَ عَشْوَاءَ، بَلْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ الْكِرَامَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ؛ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ، وَخَتَمَ كَوْكَبَةَ رُسُلِهِ بِخَيْرِ الأَنَامِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالسَّلامِ، وَأَوْلاهُ شَرِيعَتَهُ الغَرَّاءَ الَّتِي لا يُعَادِلُهَا نِظَامٌ، وَلَهُ الشُّكْرُ - سُبْحَانَهُ - حَيْثُ جَعَلَنَا مِمَّنْ يَسِيرُ فِي رَكْبِ هذِهِ الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ، وَوَفَّقَنَا لأِنْ نُحَصِّلَ وَنَتَشَرَّبَ مَجْمُوعَ الأُصُولِ والفُرُوعِ، فَسَلَكْنَا سَبِيلَ العُلَمَاءِ الثِّقَاتِ، وَأَعْرَضْنَا صَفْحًا عَنْ طَرْقِ أَبْوَابِ المُبْتَدِعِينَ اللِّئَامِ.\nوَبَعْد، فَإِنَّ أَعْظَمَ مَا تُرِكَ لأِجْلِهِ لَذَائِذُ الطَّعَامِ، وَأُعْرِضَ مِنْ أَجْلِهِ عَن طِيبِ المَنَامِ، هُوَ الاِشْتِغَالُ بِطَلَبِ الْعِلْمِ، وَالسَّعْيُ فِي تَحْصِيلِهِ، وتَجشُّمُ الصِّعَابِ في التَّرَقِّي فِي دَرَجِ الفُهُومِ.\nوَلَقَدْ كَانَ عِلْمُ الأُصُولِ مِن بَيْنِ تِلْكَ العُلُومِ أَسَاسًا لِلشَّرِيعَةِ، وَهُوَ مِن أَجَلِّهَا قَدْرًا، وَأَعْظَمِهَا نَفْعًا وَفَائِدَةً؛ إِذْ هُوَ العِلْمُ الكَفِيلُ بالنَّظَرِ فِي أَحْوَالِ الأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ كِتَابٍ وَسُنَّةٍ وإِجْمَاعٍ وَقِياسٍ مِن حَيْثُ تُؤخَذُ مِنْهَا التَّكَالِيفُ وَتُسْتَنْبَطُ الأَحْكَامُ.\nوَعِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ هُوَ العَاصِمُ لِلذِّهْنِ عَنِ الخَطَإِ عِنْدَ اسْتِنْبَاطِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهُو","vol":"1","page":7},{"text":"المُعْتَمَدُ لأِصْحَاب الخِلافِ فِيمَا يَجْرِي بَيْنَهُمْ مِن مُنَاظَرَاتٍ وَمُسَاجَلاتٍ؛ كَيْ يُصَحِّحَ كُلٌّ مِنْهُمْ مَذْهَبَه، وَيُثَبِّتَ بِنَاءَهُ عَلَى دَعَائِمَ صَحِيحَةٍ، وَأُصُولٍ قَوِيمَةٍ، وَهُوَ المُعْتَمَدُ أَيْضًا لأِصْحَابِ التَّخْرِيجِ الَّذِين عُنُوا بِتَفْرِيعِ الأَحْكَامِ الفِقْهِيَّةِ، وَتَخْرِيجِ الحَوَادِثِ وَالْوَقَائِعِ الوَقْتيَّةِ عَلَى أصُولٍ تَنْبَنِي عَلَيْهَا، وَتُؤْخَذُ مِنْهَا.\nوَبَعْد، فَهذِهِ مُقَدِّمَةٌ لِتَحْقِيقِ كِتَابِنَا \"رَفْعِ الحَاجِبِ عَنْ مُخْتَصَرِ ابْنِ الحَاجِبِ\" للإمام الهمام العلَّامة ابن السبكي ﵀ تَشْتَمِلُ عَلَى المَبَاحِثِ التَّالِية:\n- نَبْذة عن عَصْر ابن الحاجب.\n- ابنُ الحاجب بَيْن يدَيْ أصحاب التَّرَاجِم.\n- نشأة ابن الحاجِب.\n- شُيُوخ ابْنِ الحاجِب.\n- تلاميذ ابنِ الحاجِب.\n- ثناءُ العلماءِ عليه.\n- بَيْن ابْنِ الحاجِبِ والعِزّ بن عبْدِ السَّلام.\n- مصنَّفَاتُهُ.\n- وفاةُ ابْنِ الحاجب.\n- إضاءَةٌ على القَرْن الثَّامِنِ الهجْريّ.\n- الحالةُ السياسيَّة في عَصْر سلاطين المماليك.\n- الحالة الاجتماعيَّة في عَصْر سلاطين المماليك.\n- الحالةُ الاقتصاديَّةُ في عَصْر سلاطين المماليك.\n- الحالة الثقافيَّة في عَصْر سلاطين المماليك.\n- تاجُ الدِّين السُّبْكِيُّ بين يدَيْ أصحاب الطبقات.\n• نسبه.\n• مولده.\n• نشأته.\n• الكلام على آل السُّبْكِيِّ.\n• شيوخه.","vol":"1","page":8},{"text":"• تلاميذه.\n• ثناء العلماء عليه.\n• محنة التاج السبكي.\n• آثاره ومصنفاته.\n• وفاته.\n- تعريف أصول الفقه.\n- موضوع أصول الفقه.\n- نشأة علْم أُصُول الفِقْه.\n- اختلافُ العلماءِ حَوْل واضِعِ عِلْم الأُصُول:\n• الإمام محمد الباقر.\n• الإمام \"أبو جنيفة\".\n• محمَّد بنُ الحَسَن.\n• أبو يُوسُف.\n• الرسالةُ والشَّافعيُّ.\n• خُلاصَة رسالةِ الشَّافعيِّ.\n- مناهجُ العلماءِ في الدراساتِ الأُصوليَّة.\nأوَّلًا: الاتجاه النظريُّ.\nثانيًا: الاتِّجاه المذهبيُّ المتأثِّر بالفروع:\n• الحنفية.\n• المالكية.\n• الحنابلة.\n• الشافعية.\nثالثًا: الاتِّجاهُ الجامعُ بَيْنَ المذهَبَيْن.\nرابعًا: حول قضية التجديد في أُصُول الفقه.\n• النسبة بين أصول الفقه والعُلُوم الأخرى.\n• اسْتِمْدَاده.","vol":"1","page":9},{"text":"• فائِدَتُه.\n• الكِتَابُ.\n• السنَّة.\n• إنْكارُ حُجِّيَّة السُّنَّة موجِبٌ للرِّدَّة.\n• العلاقةُ بيَن الكتابِ والسُّنَّة.\n• الإجماعُ.\n• القياس.\n• النَّسْخ.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>ابْنُ الحَاجِبِ بَيْنَ يَدَيْ أَصْحَابَ التَّرَاجِمِ</span>\n<span data-type='title' id=toc-4>نَسَبُهُ:</span>\nهو: أَبُو عمرٍو عُثْمانُ بْنُ عمرَ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ يُونُسَ الكُرْدِيُّ الدَّوِينِيُّ (^١) الأصْلِ، الإسنائيُّ (^٢) المولدِ المالكيُّ، ويلقب بـ \"جمالِ الدِّينِ\".\nقال أبو العبَّاس ابنُ خَلِّكان المتوفى سنة ٦٨١ هـ: \"أبو عمرو … الدَّوَنِيُّ ثم المصريُّ الفقيهُ المالكيُّ .. \" (^٣).\nوقال الحافظُ الذهبيُّ المتوفَّى سنة ٧٤٨ هـ: \"الشَّيخُ الإمامُ العلَّامة المُقَرئُ الأُصوليُّ الفقيه النحويُّ جمال الأئمة والملَّة والدينِ أَبو عَمْرٍو … صاحبُ التصانيفِ .. \" (^٤).\nوقال ابن فَرْحُون المالكِيُّ المتوفَّى سنة ٧٩٩ هـ، نقلًا عن \"الوفيات\" لابن خَلِّكان: \"عُثمانُ بْنُ عمرَ بْنِ أَبِي بكْرِ. بنِ يُونُسَ الرَّوِينِيُّ، ثمَّ المصريُّ الدمشقيُّ ثم الإسكندريُ يكنى أبا عمرٍو المعروف بـ \"ابن الحاجب\"، الملقَّب بـ \"جمال الدِّين\"، الإمامُ العلَّامة، الفقيهُ\n_________\n(^١) نسبة إلى \"دَوِين\" - بفتح أوله وكسر ثانيه - وياء مثناة من تحت ساكنة، وآخره نون - بلدة في آخر \"أذْرَبيجَان\" من جهة \"أران\"، وبلاد \"الكرك\"، معجم البلدان ٢/ ٥٥٨.\n(^٢) \"إسْنَا\" بالكَسْر، ثم السُّكُون، ونون وألف مقصورةٌ: مدينة بأقصى الصعيد، ليس وراءها إلا أدفو وأسوان، ثم بلاد النوبة، وهي على شاطئ النبيل من الجانب الغربيِّ، وهي طَيِّبة كثيرةُ النخل والبساتين. مراصد الاطلاع ١/ ٧٦، ٧٧، وهي الآن تابعة لمحافظة قنا.\n(^٣) وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٨.\n(^٤) سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٢٦٤ - ٢٦٥.","vol":"1","page":11},{"text":"المالكيُّ … \" (^١). ويظهر الفرْق واضحًا بَيْن ما نقله ابن فَرْحُون، وما هو في \"الوفيات\".\nوقال ابن الجزريِّ المتوفَّى سنة ٨٣٣ هـ: \"عثمانُ بنُ عُمَرَ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ يُونسُ أَبُو عَمْرِو بْن الحَاجِبِ الكرديُّ الأصلِ الدَّونِيُّ الإسنائيُّ المولدِ … \" (^٢).\nوقال السُّيُوطيُّ المتوفَّى سنة ٩١١ هـ: \"ابن الحاجبِ العلَّامةُ جمالُ الدينِ أَبُو عمْرٍو عثمانُ بنُ أَبِي بَكْرٍ الكرديُّ الإسنائيُّ ثم المصريُّ المالكيُّ … \" (^٣).\nوقال حاجي خليفة المتوفَّى سنة ١٠٦٧ هـ: \"عثمانُ بنُ عُمَرَ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ يُونُسَ الكُرديُّ الإسنائيُّ ثمَّ المصريُّ جمالُ الدِّينِ أَبُو عَمْرٍو المالكيُّ النَّحويُّ المعروفُ بـ \"ابنِ الحاجبِ\" .. \" (^٤).\nوقال ابن العماد الحنبليُّ المتوفَّى سنة ١٠٨٩ هـ: \"العلَّامة أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر الكردي الأسنائي - وأسْنَا - بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وفتح النون وبعدها ألف بليدة صغيبرة - من أعمال القُوصيَّة بالصعيد الأعلى من مصر … \" (^٥).\nوقال كَحَالَة: \"عثمانُ بن عمرَ بْن أبي بَكْرِ بْنِ يُونُسَ الكرديّ، الدَّوينِيُّ الأصْلِ، الإسْنائيّ، المالكيّ، المعروف بـ \"ابن الحاجِبِ\" \"أبُو عَمْرو، جَمالُ الدِّين\" … \" (^٦).\nوقال خَيْرُ الدِّينِ الزِّركلِيُّ: \"عثمانُ بنُ عُمر بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ يُونس، أَبُو عمرو جَمَالُ الدِّينِ بْنُ الحَاجِبِ .. \" (^٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-5>مَوْلِدُهُ:</span>\nولد ابن الحاجبِ في أواخر سنة ٥٧٠ هـ أو ٥٧١ على الشَّكِّ منه. كذا ذكره الذهبيُّ وابن الجزريِّ.\n_________\n(^١) الديباج المذهب ٢/ ٨٦، وقد تحرفت فيه كلمة \"الدويني\" إلى \"الرويني\".\n(^٢) غاية النهاية ١/ ٥٠٨.\n(^٣) حسن المحاضرة ١/ ٤٥٦\n(^٤) هدية العارفين ١/ ٦٥٤.\n(^٥) شذرات الذهب ٥/ ٢٣٤، وضبطه لـ\"أسنا\" وتعريفه لها نقله بنصه عن ابن خلكان.\n(^٦) معجم المؤلفين ٦/ ٢٦٥.\n(^٧) الأَعلام ٤/ ٢١١، وقد اشتهر بـ\"ابن الحاجب\" لأن أباه كان حاجبًا للأمير عز الدين موسك الصلاحي، وقد تحرفت في \"الفتح المبين\" \"موسلو \"إلى \"يوسف\"، وتحرفت كلمة \"الصلاحي\" في \"غايه النهاية\" إلى \"السلاحي\".","vol":"1","page":12},{"text":"قال الذهبيُّ: ولد سنة سبعين وخَمْسِمائةٍ، أو سنة إحدى - وهو يشك - بـ \"إسْنا\" من بلادِ الصَّعيد .. \" (^١).\nوقال ابن الجزريِّ: \"وُلدَ سنة سبعين أو إحدى وسبعين وخَمْسِمائة - الشكُّ منه - بـ \"إسْنا\" من صعيد مصر .. \" (^٢).\nوقد تحرَّفْت سنةُ موْلِدهِ عنْد ابن فرْحُون، فقال: \" .... وكان مولده بـ \"إسْنا\" بالصعيد الأعلى سنة تسعين وخمسمائة\" (^٣).\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٢٦٥.\n(^٢) غاية النهاية ١/ ٥٠٨.\n(^٣) الديباج المذهب ٢/ ٨٩.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6>نبذة عن عَصْر ابْنِ الحَاجِبِ </span>(^١)\nمَا أَصْدَقَ قَوْلَةَ ابْنِ خَلْدُونَ فِي مقدِّمته \"أن الإنْسَانَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْع\"، وهذا يَعْنِي أَنَّ الإنْسَان لا يَسْتَطِيع أَنْ يَعِيشَ مُنْعَزِلًا عَن المُجْتَمع، بَلْ لا بُدَّ لَهُ من تأثيرٍ وتأثُّرٍ، وأخذ وإعطاء، فهذه سُنَّةُ اللّه الَّتي فَطر النَّاس عَلَيْهَا.\nولا شكَّ أَنَّ كلَّ بيئةٍ لها تأثيرُهَا الخاصُّ عَلَى تكوين أفْرَادِهَا، فَهِي تصبغه بصبغتها، فيَسْتَوِي عُودُه على ما قَدْ رَشَفَه مِنْ مجتَمَعِه الَّذِي يُحِيط به، إِنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فَشَرٌّ.\nوغايةُ الأَمْرِ أَنَّك، إِذَا أردت أن تستَجْلِي هذا الصَّرْحَ الشَّامِخَ - ابْنَ الحاجِب - فلا بُدَّ من إِلقاء بَصِيصٍ مِنَ الضَّوْء على العَصْر الَّذي عاشَ فيه:\nقَامَتْ دولَةُ بَنِي أَيُّوبَ في مصْرَ بعْد ضعف الخلافةِ العبَّاسيَّة، وانْقِسام الطَّوائِف الطَّامعةِ في الخلافَةِ بأماكنَ تخصُّها، فالعالَمُ الإسلاميُّ يعاني من وَيْلات الانقسامِ والفُرْقَةِ، مِنْ سلاجقةٍ بالعراق، وفاطميِّين في الغَرْب، ثُمَّ مِصْر والشَّام، وبُوَيْهِيِّين بالعراقِ وفارِس قَبْل أنْ يَسْتَولي السَّلاجِقَةُ بَعْد ذلِكَ عَلَى الخِلافَة بـ \"بَغْدَاد\".\nولقَدْ دَخَلَ السَّلاجقةُ فِي حُرُوبٍ وويلانٍ ليوطِّدوا مُلكَهم، وكانَتْ علاقتهم بالعباسييِّن علاقةً طيِّبة لا يُعكَّر صفْوُها إلا إذا تدَخَّل أحدُهم في شؤون الخليفة العباسيِّ.\nوقد استقلَّ عماد الدِّين زنكي عن السَّلاجقة، وأَنْشَأَ الدَّوْلَة الزنكيَّة، الَّتي دخَلَتْ فِي\n_________\n(^١) صاحب المَتْنِ الَّذي قام بشَرْحه العلَّامةُ ابنُ السُّبكيِّ.","vol":"1","page":14},{"text":"حُرُوب مع السَّلاجِقَة، وقدْ ساعد نجْمُ الدِّين أَيُّوبُ والدُ صلاح الدين - عماد الدين، فأحسن استقباله ووفادته، ولذلك توطدت العلاقة بين البيت الزنكي والأيوبي، وتسير الأُمُور حتَّى يسيطر السلاجقةُ بزعامة نُور الدِّين زنْكِي عَلَى مصْر بمساعدة صلاح الدِّين وأسدِ الدِّين شيركوه، حتَّى إذا تُوُفِّيَ نور الدِّين، يخلفه صلاح الدين، فَيَبْسُط سلطان الأيُّوبِيِّين على البلاد الممتدَّة من مصْرّ إلى الفُرات.\nوتزْحَف الحملاتُ الصليبيَّةُ عَلَى العَالَمِ الإسْلاميِّ، فيتصدَّى لها السُّلطان صلاحُ الدِّين الأيُّوبيُّ حتَّى تَنكَسِرَ وتتحطم، فيحمد له التاريخُ ذلك.\nوقال فيه أحد الشعراء قصيدة مطلعها: [الطويل]\nأَرَى النَّصْرَ مَعْقُودًا بِرَايَتِكَ الصَّفْرَا … فَسِرْ وَافْتَحِ الدُّنْيَا فَأَنْتَ بِهَا أَحْرَى\nوَبِتَوَلِّي صلاح الدِّين الأمْرَ في مصْر، كان بدايةُ ظهور الدَّوْلَة الأيُّوبيَّة عَلَى مَسْرح الأحداث، وامتلأَتْ أيَّام حُكْم صلاحِ الدِّين بالحُرُوب والفُتُوحِ، وأعظمها فتْحُ بيت المقدس، وبلادِ الشَّامِ، إلَّا أَنَّ الصليبيين يُعَاوِدُونَ هُجُومَهُم، فيعقد معهم هدْنةً، وفي خلالِ ذلك يُفَجَّع المُسْلِمُونَ بمَوْت صَلاحِ الدِّين في سنة ٥٨٩ هـ.\nويتوالَى سلاطينُ الأيوبيِّين واحدًا بعد الآخَرِ إلى أنْ تضعف دوْلَتُهم، بعد تدخُّل المماليك في شؤون البلاد، حتَّى تسْقُط الدوْلَة بمقتل توران شاه ابن الملك الصَّالِح نَجْم الدِّين أيُّوب، وذلك سنة ٦٤٨ هـ.\nوقد ظهر في خلال تِلْك الفتْرة نهضةٌ علميةٌ، ظهرتْ من خلالِ علماء جهابِذَةٍ وُجدُوا في أقطارِ العالم الإسْلاميِّ آنذاك، فمنهم:\nحجَّة الإسلامِ أبو حامد الغزاليُّ المتوفَّى سنة ٥٠٥ هـ، وعبد اللّه البَطْلَيوسِيُّ الفقيهُ المحدِّث الأصوليُّ المالكيُّ المتوفَّى سنة ٥٢١ هـ، وأبو الحَسَن بنُ الزاغُونِيِّ، الفقيهُ الحنبليُّ المتوفَّى سنة ٥٢٧ هـ، والقاضي أَبُو بَكْر بْنُ العربيِّ الفقيهُ المالكيُّ المشهورُ المتوفَّى سنة ٥٤٣ هـ، والفيلسوفُ ابنُ رشدٍ الحفيدُ المتوفَّى سنة ٥٩٥ هـ، ابن الجوزيِّ الحنبليُّ المتوفَّى سنة ٥٩٧ هـ، وابن قُدامَة الحَنْبَلِيُّ المتوفَّى سنة ٦٢٠ هـ، وسيفُ الدِّينِ الآمديُّ المتوفَّى سنة ٦٣١ هـ، والشيخُ أبو عمرِو بنُ الصَّلاحِ المتوفَّى سنة ٦٤٣ هـ، وغير هؤلاء كثير جدًّا.","vol":"1","page":15},{"text":"كما ظهرت مصنفاتُ هؤلاء الأئمَّة، وانتشرتْ في جميع الأَصْقَاعِ، فتقبَّلها النَّاسُ بالقَبُول التامِّ، واعترفوا لأهْلِها بعُلُوِّ المنزلة. ومن بين هؤلاء الذين شَهِدَ لهم القاصي والداني، بإمامَتهِ وفَضْلِه، وطُول بَاعِه في نَوَاحِي العِلْمِ المختَلِفَة، الشَّيخُ العلَّامةُ الإمام أَبو عَمْرِو بْنُ الحَاجِبِ. وإليك - أيُّها القارئُ الكريمُ - ترجمة هذا الإمام:\n\n<span data-type='title' id=toc-7>نَشْأَتُهُ:</span>\nنشأ ابن الحاجِب في بَيْتِ أبيهِ الَّذِي كان حاجِبًا للأَمير عزِّ الدين موسك الصلاحيِّ، ثم انتقل به والدُه إلى القاهِرة، حَيْثُ اشتغل بالقُرْآن الكريمِ فَحفِظَه، وأخذ بَعْض القراءاتِ عن الشاطبيِّ، وسمع منه \"التيسير\" و\"الشاطبيَّة\"، ثم قرأ بالسَّبْع على أبي الجود، وقرأ بطُرُقِ \"المبهج\" على الشِّهاب الغَزْنَوِيِّ، وتفقَّه على مَذْهَب الإمامِ مالك، وطلب الأُصُول فحصَّلها، وبرع فيها، وفي العربيَّة واشتهر بها، ودخل دمشق فسَمِعَ بها، ولزِمَ الاشتغال حتَّى ضرب به المثل. وما زال يَطْلُب العِلْم حتَّى سَادَ.\nقال الذهبيُّ: \"اشتغل أبو عمرٍو بالقاهِرة، وحفِظ القرْآن، وأخذَ بَعْض القِراءات عن الشاطبيِّ، وسمعَ مِنْه \"التَّيْسِير\"، وقرأ بطُرُق \"المُبْهِج\" على الشهابِ الغَزْنويِّ، وتلا بالسبع على أبي الجود، وسمع من أبي القاسمِ البوصيريِّ، وإسماعيل بْنِ ياسين، وبهاء الدِّين بْنِ عساكِرَ، وفاطمة بِنْتِ سعْدِ الْخَيْرِ، وطائِفة، وتفقَّه على أبي المنصور الأبياريِّ وغيره\" (^١).\nوَيَسْتَتْبِعُ هذَا الحديث عن شيوخ هذا الإمام؛\n\n<span data-type='title' id=toc-8>شيوخهُ:</span>\n<span data-type='title' id=toc-9>١ - الشَّاطبيُّ:</span>\nوهو القاسمُ بْنُ فِيرُّةَ بْن أَبِي القَاسِم بْنِ خَلَف بْنِ أَحْمَدَ، الإمامُ العلَّامةُ الحُفَظَةُ الضَّرير، أبو محمَّد الرُّعَيْنِيُّ، الأندلسيُّ، الشاطبيُّ، المقرئ الشهيرُ صاحبُ القصيدةِ\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: ابن قاضي شُهْبة طبقات الشافعية ٢/ ٣٥، وابن خَلِّكان وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٣، ونفح الطيب ١/ ٣٣٩، ونكت الهميان ٢٢٨، وطبقات الشافعية الكبرى ٥/ ٢٩٧، ومعجم الأدباء ١٦/ ٢٩٣، وابن تغري بردي النجوم الزاهرة ٦/ ١٣٦.","vol":"1","page":16},{"text":"المَوْسُومةِ بِـ \"حرْزِ الأَمَانِي\"، وَلَم يُلْحَقْ فِيها ولا سُبِقَ إلى مثلها. ولد بـ \"شاطبة\" في سنة ٥٣٨ هـ ودخل مصر سنة ٥٧٢ هـ، ذكره النوويُّ في \"طبقاته\" في الأسماء الزائدة على ما ذكره ابنُ الصَّلاح، وقال: لم يكنْ في زمانه بـ \"مصرَ\" نظيرُه في تعدُّد فنونه وكثرة محْفوظه، وقال ابن خَلِّكان: كان عالمًا بكتاب اللّه قراءةً وتفسيرًا، وبحديث رسول الله ﷺ مُبَرِّزًا، وكان يُقْرَأُ عَلَيْه \"الصَّحيحان\" و\"الموطَّأ\" فيصحِّحون النسخ من حفظه، ويُمْلِي النكت على المواضع المحتاج إلَيْها. وكان إمامًا في عِلْم النَّحْوِ واللُّغة، عارفًا بتعبير المناماتِ، حسَنَ المقَاصِد، مُخْلِصًا فيما يقول ويَفْعَل، ولا يَجْلِس للإقراء إلا على طهارة في هَيْئة حسَنَةٍ وتخشُّع واسْتكانة، وكان يقال: إنه يحفظ وِقْرَ بَعِيرٍ من العُلُومِ.\nعالمًا بكتاب اللّه تعالى قراءةً وتفسيرًا، وبحديث الرَّسُول ﷺ، وبالجملة، فمحاسنه كثيرةٌ ﵀، وله من المصنَّفاتِ: اللَّامِيَّة والشَّاطِبيَّة، تُوفي سنة ٥٩٠ هـ (^١).\nوالرعينيُّ منسوبٌ إلى ذي رُعَيْنٍ إحدى قبائل اليمن.\nوفِيرُّة - بفاء مكسورة وياء مثناة من تحت ساكنة وراء مضمومة مشددة - اسم أعجمي معناه بالعربية: حَدِيد.\n\n<span data-type='title' id=toc-10>٢ - الشِّهَابُ الغَزْنَوِيُّ:</span>\nهو شهاب الدين أبو الفضل أحمدُ بن يوسُفَ بْنِ عليِّ بْنِ محمَّدٍ الغزنويُّ البغداديُّ، الفقيهُ الحنفيّ، وتنسب إليه المدرسة الغزنويَّة، حيث كان مدرِّسًا بها، وكان إمامًا فاضلًا، حسَنَ الطريقةِ متينًا، حدَّث بالقاهرة بكتاب \"الجامع\" لعبد الرزَّاق بْنِ هَمَّام، فرواه عنه جماعةٌ، وجمع كتابًا في الشيب والعمر.\nوُلِدَ ببَغْداد سنة ٥٢٢ هـ، وتُوفي بالقاهرة سنة ٥٩٩ هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-11>٣ - القاسِمُ بْنُ عَسَاكِر:</span>\nهو القاسمُ بنُ عَلِيِّ بْنِ الحسن بْن هِبَةِ الله، الحافِظُ المُسْنِد، بهاءُ الدِّين، أبو محمَّد بنُ الحافِظِ الكبيرِ ثقة الدِّين أبي القاسم بْنِ عَسَاكِر، وُلدَ في جُمَادَى الأولَى سنة\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: ابن خلِّكان وفيات الأعيان ٤/ ٧١، والذهبي طبقات القراء ٢/ ٤٥٧، والسبكي طبقات الشافعية الكبرى ٤/ ٢٩٦، وابن الجزري: غاية النهاية ٢/ ٢٠.","vol":"1","page":17},{"text":"٥٢٧ هـ، وكان محدِّثًا حَسَن المعرفَة، شديد الوَرَع، ومع ذلك كان كثير المُزاحِ، صنَّف كتاب \"المستقصى في فضائِلِ المَسْجِدِ الأقْصى\"، وكتاب \"الجهاد\"، وتولَّى مشيخة دار الحديث النورية بعْد والده، فلم يتناولْ من معلومها شيئًا، بل كان يرْصُدُه للواردين من الطَّلَبة حتى قيل: لم يَشْرَبْ من مائِها ولا توضَّأ.\nقال الذهبيُّ: كتب الكثير، وصنَّف وخرَّج وعُنِيَ بالكتابة والمطالعة فبالَغَ إلى الغاية … تُوفِّيَ سنة ٦٠٠ هـ بدمشق\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-12>٤ - أبُو الحَسَنِ الأبْيَارِيُّ:</span>\nوهو عليُّ بنُ إسماعيل بْنِ عليِّ بن عطيَّة الأبياريُّ، شمسُ الدِّينِ، أبو الحَسَن، وأَبْيَار - بفتح الهمزة وسكون الباء - بلدة بالغربية من محافظات مصر، جمع \"بِئْر\". وهو أحد أئمَّة الإسْلام المحقِّقين الفقيهُ المالكيُّ الأصوليُّ المحدِّث، رحل النَّاس إليه، وكان ذا دعوةٍ مجابةٍ، بَرَعَ فِي عُلُومٍ شتَّى: الفقه، والأصُّول، والكَلام، وكان بعض الأئمَّة يفضِّله على الإمامِ فخر الدِّين في الأصُولِ، تفقَّه بأبي الطَّاهِرِ بْنِ عَوْفٍ، والقاضي عبد الرحمن بْن سلامة، ودرس بالإسكندرية، وانتفع به الناس.\nوُلدَ سنة ٥٥٧ هـ، وتُوُفِّي سنة ٦١٨ هـ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-13>٥ - أَبُو الجُودِ:</span>\nوهو الحسنُ بنُ عليِّ بْنِ عبْدِ الله أَبُو الجُودِ الأنطاكيُّ يُعْرفُ بـ \"ابْنِ الزِّف\" مكسورة، وبالفاء، شيخ لأبي عليٍّ الرُّهَاوِيِّ ذُكِرَ أَنَّه قرأَ عليْهِ عن قراءته على أبي بكرٍ محمَّدِ بْنِ هارون التَّمَّارِ صاحبِ رويس، وذكر الحافظُ أبو العلاءِ أنَّه قرأ أيضًا على أبي بكرٍ أحمدَ بْنِ كاملٍ عن التمار، وعلى الحُسَيْنِ بْنِ عليٍّ الملقَبِ بـ \"كرداب\" صاحِبِ الغرائب عن رويس (^٣).\nوقد تتلْمَذ ابنُ الحاجب على شيوخٍ كثيرينَ مثْل أبي الحُسَيْن بْن جيد، وأبي الحَسَنِ\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: ابن قاضي شهبة: طبقات الشافعية ٢/ ٣٤، وطبقات الشافعية للسبكي ٥/ ١٤٨؛ والبداية والنهاية ١٣/ ٣٨، وشذرات الذهب ٤/ ٣٤٧، والأعلام ٦/ ١٢.\n(^٢) ينظر ترجمته في: حسن المحاضرة ١/ ٤٥٤، والديباج المذهب ٢/ ١٢١، وشجرة النور الزكية ٢١٣ \"والفتح المبين\" ٢/ ٥٣.\n(^٣) ينظر ترجمته في: غاية النهاية ١/ ٢٢٤.","vol":"1","page":18},{"text":"الشَّاذليِّ، وأبِي عبْدِ اللَّهِ محمَّدِ بنِ أحمد بْنِ حامِدٍ الأرتاحيّ، وغيرِهِمْ ممَّا لا يتَّسع له المقام، بل سنذكرهم على آخرهم في تحقيقنا على المختصر.\n\n<span data-type='title' id=toc-14>تَلامِذَتُهُ:</span>\n<span data-type='title' id=toc-15>١ - شِهَابُ الدِّينِ القرافِيُّ:</span>\nوهو أحمد بن إدريس بْنِ عَبْدِ الرحمنِ بنِ عبْدِ اللهِ بن بكِّين، الصنهاجيُّ البغشيميّ، البهنسيُّ المصريُّ المالكيُّ شهابُ الدِّين، وكنيته \"أبو العباس\"، أخذ عن الشيخ عزّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ الشَّافعي والفاكهانيِّ والبقوريِّ، وكان وحيدَ دَهْره ومزيدَ عَصْره، حافظًا منوهًا، بارعًا في الأصُول والتفْسِير والحديث والعُلُوم العقْليَّة، وعلم الكلام والنَّحْو. تخرَّج عليه جمْعٌ من الفضلاء، وله مصنَّفات عديدةٌ مشهورةٌ، منها: \"نفائس الأصُول\"، وقد حقَّقْناه بِحمد اللّه، وكتاب \"التَّنْقِيح\" وشرحه، و\"الذَّخيرة\"، وبها اشتُهر، و\"الاسْتِغْناء في الاسْتِثْناء\"، وغير ذلك.\nتُوُفِّيَ بمصر القديمة سنة ٦٨٤ هـ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-16>٢ - ابْنُ المُنير:</span>\nوهو أحمدُ بْنُ محمَّدِ بْنِ مَنْصورِ بْنِ أبِي القَاسِم بْنِ مخْتَارِ بْن أَبِي بَكْر بْنِ عليٍّ، أبُو العبَّاسِ ناصرُ الدِّين، المعروفُ بـ \"ابن المنير\" الجرويُّ الجزاميُّ الإسكندريُّ، الفقيهُ المالكيُّ الأصوليُّ المتكلِمُ النظارُ المفسِّر، المحدِّثُ الراوية، الأديبُ الشَّاعِرُ الخطيب، ولد سنة ٦٢٠ هـ، وسمع من أبيه ومنْ أبي بكرٍ عبدِ الوهَّاب بنِ رواح بن أسْلم الطوسيِّ، وقرأ على ابن الحاجب الفقْه والأصول، ونقل ابن فرحونَ أن العزَّ بنَ عبْد السلام قال: الدِّيارُ المصريَّة تفتَخِر برجُلَيْن في طرفيها: \"ابنُ دَقِيقِ العِيدِ بـ \"قُوص\"، وابْنُ المنير بـ \"الإسْكَنْدَرِيَّة\"، ولأبي عمرو بْنِ الحاجِبِ فيه: [الوافر]\nلَقَدْ سَئِمَتْ حَيَاتِي اليَوْمَ لَوْلا … مَبَاحِثُ سَاكِنِ الإِسْكَنْدَرِيَّهْ\n_________\n(^١) ينظر ترجمته في: مقدمة تحقيقنا لكتاب \"نَفائِس الأُصُول\" للقرافِيِّ، وانظر: حسن المحاضرة ١/ ٣١٦، والديباج ١/ ٢٣٦، والشجرة الزكية ١٨٨ \"والفتح المبين\" ٢/ ٨٩.","vol":"1","page":19},{"text":"كَأَحْمَدَ سِبْطِ أَحْمَدَ حِينَ يَأْتِي … بِكُل غَرِيبَةٍ كَالْعَبْقَرِيَّهْ\nتُذَكِّرُنِي مَبَاحِثُهُ زَمَانًا … وإخْوَانًا لَقِيتُهُمُ سَرِيَّه\nزَمَانًا كَانَ الأَبْيَارِيُّ فِيهِ … مُدَرِّسَنَا وتَغْبِطُنَا الْبَرِيَّهْ\nمَضَوْا فَكَأَنَّهُمْ إِمَّا مَنَامٌ … وإمَّا صُحْبَةٌ أَضْحَتْ عَشِيَّه\nله مصنَّفاتٌ عديدةٌ قيِّمة، منْها: تفسير القرآن سماه \"البَحْرَ الكَبِيرَ في نخب التَّفْسِير\"، ومنها: كتابُ \"الانتصاف من الكَشَّاف\" وغيرهما.\nتُوُفِّيَ ﵀ بالإسكندرية سنة ٦٨٣ هـ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-17>٣ - المُنْذِرِيُّ صاحب \"الترغيب والترهيب\":</span>\nوهو عبدُ العَظِيم بنُ عَبْدِ القويِّ بْن عبدِ الله بْنِ سلامَة بْنِ سعدِ بْنِ سَعِيدٍ، الحافِظُ زكيُّ الدِّينِ أبُو محمَّدٍ، المنذريُّ، الشاميُّ الأصْل، ثم المصريُّ المولد والوفاة. ولد سنة ٥٨١ هـ، وقرأ القراءات، وبَرَع في العربيَّة والفقْه، وسمِعَ الحديث من جماعة بـ \"مَكَّة\" ودمشْق وحَرَّان والرُّها والإسْكَنْدرِية، وتخرَّج في الحديثِ بالحافظِ عليِّ بْن المفضَّلِ، وخَرَّج لنَفْسِه معجمًا مفيدًا في ثمانية عشَرَ جُزءًا حديثيَّة، روى عنه الدِّمْياطيُّ وابنُ دقيقِ العيدِ، والشَّريفُ عزُّ الدِّينِ وأبُو الحَسَنِ اليونينيُّ وخلقٌ، ودرس بالجامع الظافريِّ، ثم ولي مشيخة دار الحديث الكاملية، وانقَطَعَ بها عشرين سنة يصنِّف ويفيد، ويتخرَّج به العلماء في فُنُونٍ من العلْم، وبه تخرَّجِ الدمياطيُّ وابنُ دقيق العيد وطائفةٌ. وقال الشَّريفُ عزُّ الدين: \"كان عديمَ النَّظير في مَعْرِفة عِلْمِ الحَدِيث عَلَى اخْتِلاف فُنُونه، عَالِمًا بِصَحِيحه وسَقيمه، ومَعْلُوله وطرق أسَانِيده، متبحِّرًا في مَعْرِفَةِ أحْكَامِه ومَعَانِيه ومُشْكِلِه، قيِّمًا بِمعْرِفَة غرِيبهِ وإعْرَابه واخْتِلافِ ألْفاظِه، ماهِرًا في مَعْرِفَةِ رواتِه وجرحِهم وتَعْدِيلِهِم ووَفياتِهم، وموالِيدِهِم وأخْبَارِهِم، إمامًا حُجَّةً، ثَبتًا، ورعًا، متحرِّيًا فيما يقولُه، متثبّتًا فيما يَرْوِيهِ\".\nوقال الذهبيُّ: كان صالحًا، زاهدًا، متنسِّكًا، ولم يكنْ في زمانه أحْفَظُ منه.\n_________\n(^١) ينظر ترجمته في: \"الديباج المذهب\" ١/ ٢٤٣، وحسن المحاضرة ١/ ٣١٦، ٣١٧، وشجرة النور الزكية ١/ ١٨٨، وفوات الوفيات ١/ ٧٢.","vol":"1","page":20},{"text":"ومن تصانيفه: \"مختصر مسْلِم\"، و\"مُختصر سنن أبي دَاوُد\"، وكتاب \"الترغيب والترهيب\" وغير ذالك. تُوفِّي سنة ٦٥٦ هـ، ودُفِنَ بسَفح المُقطَم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-18>٤ - الدِّميَاطيُّ:</span>\nهو عبدُ المؤْمِن بْنُ خلَفِ بْنِ أبي الحَسَن بْنِ شرَفِ بْنِ الخَضِرِ بْنِ مُوسَى، الحافِظُ الكبير، شرفُ الدِّين أبو محمَّدٍ، وأبو أحْمَدَ الدِّمْياطِيُّ. وُلدَ بدمياط سنة ٦١٣ هـ، وتفقه بها، وقرأ بالسَّبع على الكمال الضَّرِير، وسَمِع الكثير ورحَل، ولازَمَ المنذريَّ سنين، وتخرَّج به، ودرَّسَ لطائفة المحدِّثين بالمنْصُوريَّة، وهو أول مَنْ دَرَّسَ بِهَا لَهُم، وبالظاهريَّة، ورحل إلَيْه الطُلَّاب، وحدَّث قديمًا، وسَمِع مِنْه أبو الفَتْح الأبْيورْدِيُّ، رَوَى عنه من تلاميذه الحفَّاظُ: المِزِّيُّ، والبرزاليُّ، والذهبيّ، وابنُ سيِّدِ النَّاسِ، والسُّبْكِيُّ وغيرُهُم.\nقال المِزِّيُّ: ما رأيْتُ أحْفَظَ مِنْه. وقال البرزاليُّ: وكان آخِرَ مَنْ بَقِيَ من الحفَّاظ وأهْل الحديث أصحاب الرواية العالية، والدرايةِ الوافِرَةِ. وقال الذهبيُّ في معجمه: العلَّامة، الحافظ، الحجَّة، أحدُ الأئِمَّةِ الأَعلام، وبقيَّة نُقَّاد الحديث، اشتغل بـ \"دِمْيَاط\"، وأتقن الفِقْه، ثم طلب الحديث سنة ٦٣٦ هـ، ورحل وسَمِعَ الكَثيِر، ومعْجمه نحو ألف ومائتين وخمسين شيخًا.\nوله تصانيفُ في الحديثِ والعوالي، والفِقْهِ واللُّغة وغَيْرِ ذلك، ومحاسِنُه جمَّةٌ. وقد أثنى عَلَيْه غَيْرُ واحِدٍ، وله مصنَّفاتٌ نَفِيسَةٌ منها: \"السِّيرة النبويَّة\"، وكتابّ في \"الصلاةِ الوُسْطى\"، وكتابُ \"الخيل\"، وغير ذلك. تُوُفِّيَ فجأةً سنة ٧٠٥ هـ بالقاهرة (^٢).\nولابنِ الحاجبِ تلامذةٌ كثيرونَ، نكْتَفِي بِذِكْرِ مَنْ تقدَّم، ولنبسط ذلك عند تحقيقنا على المختصر.\n_________\n(^١) ينظر ترجمته في: طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ١١١، وطبقات الشافعية للسبكي ٥/ ١٠٨، وطبقات الشافعية للإسنوي ص ٣٣٢، والنجوم الزاهرة ٧/ ٦٣.\n(^٢) ينظر ترجمته في: ابن قاضي شهبة: طبقات الشافعية ٢/ ٢٢٠، وابن شاكر الكتبي: فوات الوفيات ٢/ ١٧، والسبكي: طبقات الشافعية الكبرى ٦/ ١٣٣، وابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٨/ ٢١٨، والسيوطي: حسن المحاضرة ١/ ٢٠٢، وابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب ٦/ ١٢.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type='title' id=toc-19>ثنَاءُ العُلَمَاءِ عَلَيهِ:</span>\nقال ابنُ خَلِّكَانَ: \" … وبرَعَ في عُلُومه وأتْقَنَها غاية … وجَاءَني مرارًا بسبب آراء وشهادات، وسألته عن مواضع في العربيَّة مُشكلةً، فأجاب أبلغ إجابة بسُكُونٍ كثير وتثبُّتٍ تامِّ … (^١).\nقال: ومِنْ جملةِ ما سألته عن مسألة اعتراضِ الشَّرْط علَى الشَّرْط في قولهم: \"إنْ أَكَلْتِ إِنْ شرَبْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ\" ثُمَّ تعيُّن تقديمِ الشُّرْبِ على الأكْلِ يُسَبِّبُ وقوعَ الطَّلاقِ حتَّى لَوْ أكلَتْ ثمَّ شربَتْ لا تُطلَّق؟.\nوسألته عن بيتِ أبي الطيِّب المتنبي، وهو قوله: [البسيط]\n\"لَقَدْ تَصبَّرْتُ حَتى لاتَ مُصْطَبرِ … فَالآنَ أُقحَمُ حَتَّى لاتَ مُقْتَحَمِ\"\nمَا السَّبَبُ الموجِبُ لِخَفْضِ. \"مُصْطَبَرٍ\" و\"مُقْتَحَمِ\"، و\"لاتَ\" لَيْسَتْ من أدوات الجر؟ فأطال الكلام فيهما، وأحسن الجَوابَ عَنْهما، ولولا التطويلُ لذكرت ما قاله .. \" (^٢).\nوقال الذهبيُّ: \"وكان من أذكياء العَالَم، رأْسًا في العربيَّة وعِلْم النظر، درَّس بجامع دمشْق، وبالنورية المالكيَّة، وتخرَّج به الأصحاب، وسارَتْ بمصنَّفاته الركبان، وخالَفَ النُّحاة في مسائِلَ دقيقةٍ، وأوْرَدَ عَلَيْهم إشكالات مفْحِمةً .. \" (^٣).\nوقال الأدفويُّ: \"وكان صحيحَ الذِّهْن، قويَّ الفَهْم، حادَّ القريحة. قال الشيخ الإمامُ أبو الفتح محمَّدُ بْنُ عليّ القُشَيْرِيُّ عنه: هذا الرَّجُلُ تيسَّرَتْ له البلاغة، فتقيأ ظلَّها الظليل، وتفجَّرتْ ينابيعُ الحِكْمَةِ، فكان خاطِرُه ببَطْن المَسِيل، قرب المرمى، فخفف الحمل الثقيل، وقامَ بوظيفةِ الإيجاز، فنَادَاهُ لسانُ الإنْصَاف، ما على المُحْسِنِين مِنْ سبيل، وكان ﵀ مِنَ المُحْسِنِينَ الصَّالِحِينَ المُتَّقِينَ\" (^٤).\nوقال ابنُ فَرْحُونَ: \"قال والدي - عليُّ بْنُ فَرْحُونَ ﵀: قال لي الإمامُ العالِمُ\n_________\n(^١) وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٩، ٢٥٠.\n(^٢) السابق نفسه ٣/ ٢٥٠.\n(^٣) سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٢٦٥.\n(^٤) الطالع السعيد ١٨٨، ونقل هذا الكلام ابن فرحون في ديباجه، وعزاه لابن مهدي في معجمه. ينظر الديباج المذهب ٢/ ٨٧.","vol":"1","page":22},{"text":"الفَاضِلُ العَلَّامَةُ القاضي فخرُ الدِّينِ المصريُّ: كان شيخُنا كمالُ الدِّين الزملكانيُّ يقول: \"لَيْسَ للشَّافعيةِ مثْل مُختَصَرِ ابْنِ الحاجِبِ للمالكيَّة\" وكفى بهذه الشَّهَادة (^١).\nوقال ابن الجَزَرِيِّ. \"الإمامُ العلَّامة الفقيهُ المالكيّ، الأصوليُّ النَّحويُّ المقرئُ … قال أبو الفَتْح عمر بن الحاجِبِ الأمينيُّ هو فقيهٌ فاضلٌ مُفتٍ مناظرّ مُبَرِّزٌ في عدَّة عُلُومٍ متبحِّرٌ مع ثقةٍ ودينٍ وورعٍ وتواضعٍ واحتمال تكلُّفٍ … \" (^٢).\nوقال السُّيُوطِي. \"وكانَ رُكْنًا مِنْ أَرْكانِ الدِّينِ في العِلم والعَمَلِ … \" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-20>بَيْنَ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ:</span>\nتذْكُر المصادِرُ التاريخيَّةُ أنَّ ابن الحاجِبِ كانَ عَلَى علاقَةٍ شديدةٍ بسُلْطان العلماءِ العزِّ بْنِ عبدِ السَّلامِ، فكان يحِبه حبًّا شديدًا، ويتعلَّقُ به، ويدافِعُ عنه.\nقال ابنُ العِمَادِ: \"قال اليافعيُّ: وبَلَغَنِي أنَّه كان محبًّا للشَّيْخِ عزِّ الدِّين بْنِ عَبْدِ السَّلامِ وأن ابنَ عَبْد السلامِ حين حُبِسَ بِسَبَبِ إنْكاره عَلَى السُّلطان دَخَل مَعَهُ الحَبْسَ موافقةً ومراعاةً، ولَعلَّ انتقَالَه إلى مصر كان بسَبَبِ انتقال الشَّيخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلام وفيهما أنَّهما اجتمعا في الإنكار … \" (^٤).\nولكن ابنَ الجَزَرِيِّ يرَى - من قبلُ - أن السُّلْطان أخرجهما معًا من الدِّيَار الشاميَّة، قال: \"ودخَلَ دمشق، فسَمِعَ من القاسم بْنِ عساكِرَ وغيره، ولزم الاشتغال حتَّى ضُرِبَ به المَثَل، وتكرَّر دخولُه دمشْقَ، وآخر ما دخلها سنة سَبع عَشْرَة وستمائة، فَاشْتَغَل ودرَّسَ بالجامعِ الأمويِّ بزاوية المالكيَّة منْه، وهي شماليّ محرابِ الحنابلة الذي يلي صَحْنَ الجامع، فأكب الفضلاءُ عَلَيْه، وانْتَفعُوا بهِ كَثِيرًا، فَلمَّا وَقَعَ بَينَهُ وَبَينَ صَاحِب دِمشْقَ الصَّالِح بْنِ أَبِي الجيش مَا وَقَع مع الشَّيْخِ عَزِّ الدِّينِ أَبِي محمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ؛ حَيْثُ أنْكَرَا عَلَيْهِ سُوءَ سِيرَتِهِ أمَرَهُمَا بأن يخرجا مِنْ بَلَده، فخَرَجَا مِنْهَا سَنَة ثَمان وثلاثين وستمائة، فدخلا القاهِرَة، وجَلَسَ الشَّيْخ أبو عمرٍو بالفاضليَّة موْضع الشاطبيِّ وقصده الطلبة … \" (^٥).\n_________\n(^١) الديباج المذهب ٢/ ٨٧، ٨٨.\n(^٢) غاية النهاية ١/ ٥٠٩.\n(^٣) حسن المحاضرة ١/ ٤٥٦.\n(^٤) شذرات الذهب ٥/ ٢٣٤.\n(^٥) غاية النهاية ١/ ٥٠٨ - ٥٠٩.\nوينظر أيضًا: ابن كثير: البداية والنهاية ١٣/ ١٥٥، والمقريزي ١/ ٣٠٤.","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type='title' id=toc-21>آثَارُهُ:</span>\nوقد تفنَّن ابن الحاجب في تصْنِيفاتهِ فَقَدْ أقَرَّ بفضْلِهِ وعُلُوِّ قَدْرهِ كَثِيرٌ من أهْلِ العِلْم، وامْتَدَحُوا مُصنَّفاته، وأعلوْا ذِكْرَهَا، وقَدْ نَالَتْ - لأَهميتها - عناية كثير من العُلَماءِ الَّذِين جاءُوا مِنْ بَعْدِهِ، فَتَنَاوَلُوهَا بالشُّروح والتَّعالِيقِ.\nقالَ ابنُ خَلِّكَانَ: \"وكلُّ تصانيفه في نهاية الحُسْنِ والإفَادَة .. \" (^١).\nونَقَلَ ابْنُ فَرْحُونَ ثناءَ تقيِّ الدِّين بْنِ دقيقِ العيدِ على أحدِ مصنَّفاتِ ابْنِ الحَاجِب فقالَ: \" … ومِمَّا ذَكَرَهُ في مَدْحِ الكِتابِ أنْ قَالَ: هذَا كِتابٌ أَتَى بِعَجَبِ العُجَاب، ودَعَا قَصِيَّ الإجادَةِ، فَكَانَ المُجَاب، وراضَ عَصِيَّ المرادِ، فَأزَالَ شماسَتَه وانْجابَ، وَأبْدَى مَا حَقَّه أنْ يُبَالَغَ في اسْتِحْسَانه … \" (^٢).\nوقالَ ابْنُ الجَزَرِيِّ: \"قُلْتُ: ومُؤَلَّفاتُهُ تنبِئُ عَنْ فَضْله كمخْتَصَرَي الأُصُولِ والفِقْهِ، ومُقَدِّمَتَي النَّحْوِ والتَّصْرِيفِ وَلا سِيَّما \"أماليه\" الَّتي يَظْهَرُ مِنْهَا ما آتاه اللهُ مِنْ عِظَمِ الذِّهْن، وحسن التَّصوُّرِ، إِلَّا أَنَّه أعضل فيما ذَكَره في مخْتَصَر الأصُولِ حِينَ تَعَرَّض لِلْقِراءَات، وأتى بِما لَم يَتَقَدَّم فِيهِ غيره … \" (^٣).\nوبالجُمْلة فقد قال الحافظُ الذَّهبيُّ: \" … وسارَتْ بمصنَّفاته الرُّكْبان … \" (^٤).\nوَأَمَّا مصنَّفاته فنذكُرُها مرتَّبةً مِن حيْثُ المادَّة العلميَّة:\n\n<span data-type='title' id=toc-22>(أ) مُصنَّفاتُهُ في الأُصُول:</span>\n١ - منتهى السُّولِ والأَمَلِ، فِي عِلْمَي الأُصُولِ والجَدَل.\n٢ - مختصر المنتهى.\n\n<span data-type='title' id=toc-23>(ب) مُصنَّفاتُهُ في الفِقْهِ:</span>\n١ - الجامع بين الأمهات.\n٢ - مختصر ابن الحاجب الفرعي.\n\n<span data-type='title' id=toc-24>(ج) مُصنَّفاتُهُ في التَّارِيخ:</span>\n١ - ذيل على تاريخ دِمَشْق لابْنِ عَسَاكِر.\n_________\n(^١) وفيات الأعيان ٣/ ٢٥٠.\n(^٢) الديباج المذهب ٢/ ٨٧.\n(^٣) غاية النهاية ١/ ٥٠٩.\n(^٤) سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٢٦٥.","vol":"1","page":24},{"text":"٢ - معجم الشيوخ.\n\n<span data-type='title' id=toc-25>(د) مُصَنَّفاتُهُ في النَّحْو:</span>\n١ - إعراب بعض آيات القرآن العظيم.\n٢ - الأمالي النحوية.\n٣ - الإيضاح في شرح المفصَّل.\n٤ - رسالة في العشر.\n٥ - شرحُ الكافية.\n٦ - شرحُ كتاب سيبوَيْه.\n٧ - شرح المقدِّمة الجُزُوليَّةِ.\n٨ - شرح الوافية، نظْم الكَافِيَة.\n٩ - القصيدةُ الموشَّحة بالأسماء المؤنَثَّة السماعيَّة.\n١٠ - الكافية.\n١١ - المسائلُ الدِّمَشْقيَّة.\n١٢ - المكتفي للمبتدي شرح الإيضاح لأبي عليٍّ الفارسي.\n١٣ - الواقية في نَظمَ الكافِيَة.\n\n<span data-type='title' id=toc-26>(هـ) مصنَّفاتُهُ في التَّصرْيف:</span>\n١ - الشافية في التَّصْرِيف.\n٢ - شرح الشَّافِيةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-27>(و) مصنَّفاتُهُ في العَرُوض:</span>\n١ - المَقْصِدُ الجَلِيل، في عِلْم الخَلِيلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-28>(ز) مصنَّفاتُهُ في الأَدَبِ:</span>\n١ - جمالُ العَرَبِ في عِلْمِ الأَدَبِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-29>(ح) مصنَّفاتُهُ فِي العَقِيدَةِ:</span>\n١ - عقيدةُ ابْنِ الحَاجِبِ.","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type='title' id=toc-30>وَفَاتُهُ:</span>\nقال ابن خَلِّكان: \" … ثم انُتْقَلَ إلَى الإسْكَندريَّة لِلإقَامَةِ بِهَا، فَلَمْ تَطُلْ مُدَّته هناك، وتُوُفيَ بِهَا ضاحِي نَهَارِ الخميس السَّادس والعشرين من شوَّال سنة ست وأربعين وستمائة، ودُفِنَ خارج باب البَحْر (^١) بتُرْبة الشَّيْخ الصَّالحِ ابْن أبي شامَةَ .. رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى\" (^١).\n_________\n(^١) وفيات الأعيان ٣/ ٢٥٠.","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type='title' id=toc-31>إِضَاءَةٌ عَلَى: \"القَرْنِ الثَّامِنِ الهِجْرِيِّ\" الذي عاش فيه الشارح (ابنُ السُّبْكِيِّ)</span>\n<span data-type='title' id=toc-32>دِيبَاجَةٌ:</span>\nمِمَّا لا شكَّ فِيه عند جميع النَّاس أن الإنْسَانَ خَلَقَهُ الله سُبْحَانَهُ مَدَنيًّا بِطَبْعه، وحبَّب إِلَيْه الأُلْفَة والجماعَةَ، فَلا يُرى أحَدٌ يَنزَوِي عن جماعة النَّاس إلَّا لِعِلَّة شدِيدَة دَفَعَتْهُ إلَى إتيانِ غَيْر مَا جَبَلَ اللهُ عَلَيْه بَنِي آدَم.\nبَلَ إنَّهُ - سُبْحَانَهُ - جَعَلَ النَّاسَ طبَقَاتٍ متعددةً، وكلُّها لا تَخْلُو عن صفة التأثير والتأثُّر، فهذه سمةُ الحياةِ: \"طبيبٌ، ومريضٌ\"، \"حطَّاب ونجَّار\"، \"بَائِعٌ ومشترٍ\"، إلخ …\nإن كلَّ حيٍّ في الوجود يتأثَّرُ بالجو الذي يستنشقُ مِنْه هواءه، وبالبيئة الَّتى يَنْمُو بين أحْضَانِهَا، فإن البيئة تؤثِّر في النَّفْسِ الإنسانيَّةِ تأثيرًا بالغًا، دونَهُ تأثيرُ أيِّ مؤثِّر آخَر.\nوَعَلَيْه، فإنَّ العَصْر الَّذِي يَحْيَى فِيهِ عَالِمٌ من العلماء لا شَكَّ أن لَهُ تأثيرًا فعَّالًا عَلَيْه، إلَّا أن التأثير يختلفُ من شخْصٍ لآخَر.\n\"وهكَذَا، فَإنَّه لَم يخرجْ عن أحكام البيئاتِ الضالَّة - إلَّا الأنبياءُ والرُّسُل - عليهم الصَّلاة والسلام - وكذلك المصلِحُون والمجدِّدون، الذين ثارُوا على ما توارثه عصْرُهم من عاداتٍ وتقاليد لَيْسَتْ من الحقِّ في شيءٍ (^١).\nثمَّ إنَّ معرفة أخبارِ أهْلِ العِلْمِ، والاطلاع عَلَى أحْوالِ نَشْأتهمْ وظُروفِ بِيئتِهِمْ، اعتبره\n_________\n(^١) د. محمد يوسف موسى في كتابه: \"ابن تيمية\" ص ٧.","vol":"1","page":27},{"text":"كثيرٌ من العلماءِ مِنَ الأُمُورِ المُستَحبَّة؛ لما فيه من المعاني المستخْرَجَة من الأحداثِ الَّتي تمرُّ بهم.\nقال العلَّامة السخَاويُّ في \"الإعْلان بالتَّوْبِيخ\": \"ويُنْتَفَع به - يَعْنِي التَّاريخ - فِي الاطِّلاع على أخبار العلماءِ والزهَّاد والفُضَلاء والخُلَفاء والمُلُوك والأُمَراء والنُّبَلاء، وسيرهم ومآثِرِهم في حَرْبهم وسِلْمهم، وما أبقى الدَّهْرُ من فضائلهم أو رذائِلِهم، بَعْد أن أبادهم الحَدَثانِ، وأبْلى جديدَهم المَلَوانِ\" (^١).\nوَللهِ دَرُّ القَائِلِ: [الطويل]\nإِذَا عَلِمَ الإنْسَانُ أَخْبَارَ مَنْ مَضَى … تَوَهَّمْتَهُ قَدْ عَاشَ مِنْ أَوَّلِ الدَّهْرِ\nوَتَحْسَبُهُ قَدْ عَاشَ آخِرَ عُمْرِهِ … إِذَا كَانَ قَدْ أَبْقَى الجَمِيلَ مِنَ الذِّكْرِ\nفَقَدْ عَاشَ كُلَّ الدَّهْرِ مَنْ كَانَ عَالِمًا … حَلِيمًا كَرِيمًا فَاغْتَنِمْ أَطْوَلَ العُمْرِ\nوحيث إنَّنا نتحدَّث عن الإمام تاج الدِّين السُّبْكيِّ، فَلَنْ نفهم تكْوينَه الفكريَّ، ونستجلي مدَاخِلَ شخصيته، ما لم نتعرَّض - بإطْنَابٍ - لدراسة أحوال عصْره الذي نَشَأ فيه.\nودراسَتُنا هذه تُوجِبُ عَلَيْنَا أن نُلْقِي الضَّوْء عَلَى:\n١ - الحالة السياسيَّة، وما حوته من أحباب جِسَامٍ.\n٢ - الحالةُ الاجتماعيَّة، بمختلف مكوناتها.\n٣ - الحالةُ الاقتصاديّة، من شتى مظاهرها.\n٤ - الحالةُ الثقافيَّة، بكلِّ جَنَبَاتِهَا الفكريَّة والعلميَّة.\nوقبْل الدُّخول في شيءٍ من وصْف الحالات الأَرْبَع، يحْسُن بنا أنْ نحدِّدَ العصر الذي عاش فيه \"تاج الدين السبكيُّ\"، والمعلومُ أن التاج قد عاشَ منْ سنة ٧٢٧ - ٧٧١ هـ.\nويَعْنِي هذا أن شَيْخَنَا قَدْ وُلدَ وَنَشَأَ ثُمَّ مَاتَ فِي عَصْرِ السَّلاطين المَماليكِ، وإنْ شِئْنَا التحديدَ قلْنا: في عصر المماليكِ البَحْريَّة، والذين امتدَّت مدَّةُ حكمهم من سنةِ ٦٤٨ - ٧٨٤ هـ (^٢).\n_________\n(^١) ص ٨٥.\n(^٢) ينظر: خطط المقريزي ٣/ ٩٨، الخطط التوفيقية ١/ ٧٩، ١٠٩ - ١١٠.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type='title' id=toc-33>الحَالَةُ السِّيَاسِيَّةُ فِي عَصْرِ سَلاطِينِ المَمَالِيكِ:</span>\nتَحْكِي كُتُبُ التَّاريخِ أن سلطان المَماليك قَامَ عَلَى أنقاضِ دَوْلَة بَنِي أيُّوبَ فِي مصْرَ المحْرُوسَةِ، وذلك عقِبَ مقتَلِ السُّلطانِ توران شاه ابن أيوبَ بْنِ محمد بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ أيُّوبَ، المَلِكِ المعظَّمِ، سَيْفِ الدِّينِ، أَبِي الفَتْحِ بْنِ الصَّالحِ بْنِ الكَامِلْ بْنِ العَادِلِ.\nوكان السلطانُ توران شاه قدْ تسلْطَن بـ \"دِمَشْق\" في يوم السَّبت، مستهلَّ شوال سنة سَبْع وأربعين وستمائة، وجلَس على تخْتِ المُلْكِ بَعْد قدومِهِ - بـ \"الْمَنْصُورةِ\" قريب ثغر دمياط - لتِسْعٍ بَقينَ مِنْ ذِي القِعْدَةِ من السنة المذكورة.\nوماتَ قتيلًا في يَوْم الجُمُعة سادِسَ محرَّمٍ سنة ثمانٍ وأربعين وستمائة (^١). وبموته انْقَضَتِ الدولةُ الأيُّوبية الكُرْدِيَّةُ.\nوأيًّا ما يكونُ سبَبُ قتْلهِ، فإنَّ المصادر التاريخيَّة تحْكِي أن أمراء المماليك أجْمَعوا على تولية شَجَرةِ الدُّرِّ أرملة نَجْمِ الدِّينِ أيُّوبَ والدِ توران شاه - مقاليد السَّلْطَنة.\nولَمْ تَطُلْ مدَّةُ \"شجرة الدُّرِّ\" في السلْطنة، فإنَّها خلَعَتْ نفْسَها - بعد ظهور كراهية النَّاس، لأنْ تتولَّاهم امرأةٌ -، فكانتْ مدَّتُها ثمانين يومًا.\nثمَّ اعتلى عرش السَّلْطنة بعدها أيبكُ التركمانيّ، الصالحيُّ التركيّ، المَلِكُ المعزُّ: عزُّ الدِّينِ أبُو العزَّ - صاحبُ المعزِّيَّة (^٢) بـ \"مِصْرَ\".\nوكان أيبكُ أوَّل ذَكَرٍ تَسَلْطَنَ بـ \"مِصْرَ\" ممَّن مسَّه الرقّ، وهو مملوكُ الملِكِ الصَّالِحِ نَجْمِ الدِّينِ أيُّوبَ.\nوقد نزلتْ له شجرةُ الدِّرِّ عن المُلْك، وتزوَّج بها، ومات قتيلًا بيَدِها مع جواريها في لَيْلَة الأربعاءِ، رابعَ عشَرَ ربيع الآخر سنة خمس وخمسين وستمائة (^٣)، وكانت مدَّتُه سبْع\n_________\n(^١) المقريزي ١/ ٣٥٩، وابن خلكان: وفيات الأعيان ٥/ ٨٩، وفوات الوفيات ١/ ١٨٧، والصفدي: الوافي بالوفيات ١٠/ ٤٤٦.\n(^٢) المدرسة المعزية: عمرها \"عز الدين أيبك\" - برحبة الحناء بمدينة مصر مما هدمه من قلعة الروضة.\nينظر: المقريزي: الخطط ٢/ ١٨٤.\n(^٣) ابن شاهين الملطي: نزهة الأساطين ص ٦٩.","vol":"1","page":29},{"text":"سنين، وقيل: تنْقصُ ثلاثة وثلاثين يومًا (^١) (^٢).\nثمَّ تولَّى بَعْده ابنُه عليٌّ، المَلِكُ المَنْصُور، أبو الفَتْح، تَسَلْطَن بَعْد موت أبيه بيَومٍ، ثمَّ خُلِعَ بَعْد سنتين وثمانيةِ شُهُور وثلاثة أيَّام (^٣)، وذلك سنة سبع وخمسين وستمائة.\nثم تولَّى أمْرَ السلْطَنَة الملِكُ المُظفَّر، سيْفُ الدِّينِ أبو الفتْحِ، قُطُز، وذلك في ذي القَعْدة من سنة سبع وخمْسِين وستمائة.\nوهو الَّذي قام بنُصْرَة الإسْلام، لَمَّا جاءَ التَّتَارُ إلى مَمْلَكَة المُسْلِمِين، مع هولاكو مَلكهمْ بجَيْشٍ عظيمٍ، وكان له اليَدُ البيضاءُ في دَحْرِهم ورَد كيدِهِمْ.\nوخيْرُ مَنْ صوَّر هذا البلاء العظيمَ العلَّامة ابن الأَثيرِ الجَزَرِيُّ في سِفْره الجليلِ المعروفِ بـ \"الكامل\" حيث قال:\n\"لَقَد بُلِيَ الإسْلامُ والمُسْلِمُون في هذه المدَّة بمصائبَ لَمْ يُبْتَلَ بِهَا أحدٌ من الأمم؛ مِنْها هؤلاء التَّتَرُ، فمنْهم من أقبلوا من الشَّرْق، ففَعَلوا الأفعال التي يستعظمها كلُّ مَنْ سَمِع بها، ومِنْها خروجُ الفرنج - لَعَنَهُم الله - مِن المغْرِبِ إلى الشَّام وقَصْدُهُم ديارَ مصْرَ، وامتلاكُهُم ثغْرَها - أي دمياط - وأشرفَتْ ديار مصر وغَيْرها على أن يَمْلِكُوها - لولا لُطْفُ اللَّهِ - ومِنْها أن السَّيْف بينهم مسلولٌ، والفتنة قائمةٌ\".\nلقد زحَفَ التَّتارُ على كل ما قابلهم من بِلاد الشَّرْق متَّجهِين نحو الغَرْب حَيْث الخلافةُ الإسلاميَّة، وكان ابتداؤهم بتَدمِير بلادِ الدَّوْلة الخُوارَزميَّة، على يد رأْسِهِمُ الأكْبَر جنكيز خان الَّذِي أحل بالبلاد الإسلامية كوارث فادحةً.\nروى المؤرِّخ ابنُ الأثيرِ حادثةً دالَّةً على مبْلَغِ ما نزل بالنَّاس من الرعْب والانْهيارِ أمام\n_________\n(^١) ابن دقماق: الجوهر الثمين ٢/ ٥٦، المقريزي: الخطط ٢/ ٢٣٨.\n(^٢) وأشير هنا إلى أبيك كان قد أشرك معه في الملك الأشرف موسى بن يوسف بن يوسف بن محمد بن أبي بكر بن أيوب قطعًا لألسنة الناس لكونه من البيت الأيوبي، لكن أيبك خلعه، وسجنه حتى مات بعد ذلك. ينظر في ذلك: المقريزي: الخطط ٢/ ٢٣٧، السيوطي: حسن المحاضرة ٢/ ٣٨، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧/ ٥٥.\n(^٣) ينظر: ابن دقماق: الجوهو الثمين ٢/ ٥٨، المقريزي: السلوك ١/ ٤١٧، ابن إياس: بدائع الزهور ١/ ٣٠٢.","vol":"1","page":30},{"text":"الجُيُوش التَّتريَّة، وهي أن المغوليَّ يدخل القرية من القُرى وبها جمع كثير من الناس، فلا يزالُ يقتلُهم واحدًا بعْد واحدٍ، ولا يتجاسرُ أحدٌ أنْ يمدَّ يده إلى ذلك الفَارِسِ (^١)، .. \"وإنَّ إنسانًا مِنْهم أخَذَ رَجُلًا، ولمْ يكُنْ مع التتريِّ ما يقتله به، فقال له: ضعْ رأْسَكَ عَلَى الأَرْضِ ولا تَبْرَحْ، فوضَع رأْسَه على الأرْض، ومضى التتريُّ فأحْضَرَ سَيْفًا وقَتَله به\" (^٢).\nلقد أضْمَرَ هولاكو الدَّمَارَ لِبِلاد الإسْلام، \"فعزَمَ على السَّيْر نحو الشَّام، فزحَفَ شمالًا، وأعمل السَّيْف في سكانِ المَوْصلِ وحَرَّانَ والرُّهَا، ثمَّ أرْسَل هولاكو إلى ملوك الأيُّوبيِّين بالشامِ يتوعَّدهم ويهدِّدهم بالفناء التَّامِّ إذَا هُمْ لم يمهِّدوا لزحْفِهِ بالإسْرع إلى طاعتِهِ، وانتشر الذُّعْرُ بالبلاد الشاميَّة والمصريَّة كذلك. وجاء هولاكو، فاسْتَولى على حلب، ثم دمشق وغيرهما من البلاد الشاميَّة الواقعة بينهما، وبعث إلى السُّلْطان قُطُز سفارةً تحْمِل الوعيد والتَّهْدِيد، وتَطْلُب الطَّاعة المُطْلَقَة، وأجابَ قُطُز الخُوَارِزْمِيُ الأصْلِ، إجابةً غَيْرَ منتظرةٍ؛ إذْ قتَلَ السُّفَرَاءَ المغُولَ انتقامًا يائسًا لما أحْدثَه جنكيز خان بالدَّوْلَة الخُوَارِزْمِيَّةِ .. \" (^٣).\nوتتوالَى الأحداث، فينادي السُّلطانُ قُطُز بالقتالِ، ويَرْفع راية الجِهَاد في سَبِيل اللّه، فيجيبه خلائق، ثمَّ أرْسَل طلائِعَه من القاهرة بقيادة الأمير بيبرس البندقداريِّ الذي يزْحَف - بِدَوْره - إلى قرْب غَزَّة، فيصدُّ طلائع المَغُول، ثم لَحق قُطُز بطلائعه السابِقَة، وتفاوَضَ مع الصليبيين الذين كانوا قد احْتَلُّوا أماكن منَ الشَّام، وذلِكَ لِيَسْمَحُوا له باختراق الأراضي\n_________\n(^١) ما أشبه الليلة بالبارحة؛ فما يحدث الآن في \"البُوسنة والهَرْسَك\" ما هو إلا أثَرٌ جِدُّ شبيهٍ بما كان منَ المَغُول والصليبيِّين، فقد تحالف أعداء الأمْسِ، على هدمِ الإسلامِ؛ فالتاريخُ يعيدُ نَفْسَه، وْ ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾، وقادة الغرب يصيحون: دمِّروا الإسلام، أبيدوا أهله، وقد تحقَّق قوله ﷺ: \"تَداعى عليكم الأُممُ كما تداعى الأكلَةُ على قصْعَتِها … الحديث\" نعم: أصبحنا في ذيل الأمم، فدم المسلم أنجس من دم بُرْغوث، وعرضُهُ أهونُ من عِرْض الحيوان، فكم من مستغيثةٍ ولا معْتصِم:\nوآلمني وآلَمَ كُلَّ حُرٍّ … سُؤالُ الدَّهْرِ أينَ المُسْلِمُونا\nوقد أصبح جليًّا عند كل من له أدنى نظرٍ أن العالم يكيلُ بمكيالين، خاصَّة بعد ظهور ما يسمَّى بـ \"النظام العالميِّ الجديد\"؟! فهل يَعِي المُسْلِمُون الدرْسَ؟! أم نظل نصرُخُ: واإسلاماه!\n(^٢) الكامل: (١٠/ ٣٩٩).\n(^٣) د. إبراهيم أحمد العدوي: تاريخ العالم الإسلامي ص ٢٢٣، ط. جامعة القاهرة ١٩٨٦.","vol":"1","page":31},{"text":"السَاحِليَّة، حتَّى يَبْغَتَ المَغُول، وقد نَجَحَتْ مفاوضاته برغمْ ميْل بَعْض الصليبيين إلى محالَفَة المَغُول.\nوقد وَصَل قُطُز إلى \"بيسان\" (^١) في سُهُولة وسُرْعَة.\nثمَّ كانَتْ \"عَيْنُ جالُوت\" (^٢)، وذلِكَ في يَوْم الجُمُعة الخامس والعشرين من رمضان سنة ثمان وخمسين وستمائة (^٣)، وفيها أعز اللهُ الإسلام، ونَصَرَ المُسْلِمِين بعد أن دارَتْ رحَى الحَرْب، وكان قُطُز يصيح صَيْحَتَه الَّتي كتَبَها لَهُ التَاريخُ: \"واإسْلاماه\"، ويدْعُو ربَّه: \"يأ الله! انصر عَبْدك قُطُز علَى التَّتَار\"، فأنَالَهُ اللهُ النَّصْر، وقَطَعَ دابِرَ القَوْم الَّذِين ظلمُوا، والحمدُ للّه رب العالمِينَ.\nوبذلك انْكَسَرَتْ فلول التَّتَار، واندحَرَتْ هجماتُهم بَعْدَ أن أذاقُوا البِلادَ الإسْلاميَّة الرُّعْبَ والخَوْفَ، فجاءتهم الزلْزَلَة، وهزَمَهم اللهُ بَعْد أن كَانُوا لا يُغْلَبُون.\nوفي نشْوَةِ هذا النَّصْر العَظِيمِ قُتِلَ السُّلطانُ قُطُز، وأقام بيبرس نَفْسَه مكانه، قال ابن شاهين الملطيُّ (^٤): \" .. ومات قتيلًا بَعْد عَوْدِه، اغتيل قَبْل دخُوله القاهِرَة\" وأما بيبرس البندقداريُّ، الملكُ الظَّاهرُ ركنُ الدِّين، أبو الفَتْح فـ \"كان ملكًا شهمًا جليلًا … تَسَلْطَن في يَوْمِ قَتْلِ المظفر قُطُز سنة ثمان وخمسين وستمائة، ومات في يوم الخميس سابعَ عَشَر محرَّم سنة ست وسبعين وستمائة، فكانَتْ مدَّته ثمان عشرة سنةً تزيدُ يَسيرًا\" (^٥).\nولأنَّ الظَّاهر بيبرس كانَ أحَسَّ أن النَّاس حانِقُون عَلَيْه بِسَبَب ما أُشِيع من قَتْلِه المَلِك المظفَّر قُطُز، فقد أراد أن يُزِيلَ عَنْه هذهِ السُّبَّه، فعمد إلى الخلافة العباسية، فأعادَهَا إلى الوُجُود سنة ٦٥٩ هـ، بَعْد أنْ أزاحَها المَغُول بإسْقَاطهم إيَّاها في بَغْداد سنة ٦٥٦ هـ.\nقال ابن إياس: \" … ولو لم يكنْ من أفعاله الحَسَنة سِوَى ردِّ الخِلافة لبَنِي العبَّاس\n_________\n(^١) مدينة بالأردن بالغور الشامي. ينظر: مراصد الاطلاع ١/ ٢٤١.\n(^٢) هي بلدة لطيفة بين نابلس وبيسان من أعمال فلسطين، إليها انتهى عسكر المغول، فلقيهم بها البندقداري فكسرهم، وكان ذلك انتهاء فتوحهم. ينظر: مراصد الاطلاع ٢/ ٩٧٧.\n(^٣) ابن دقماق: الجوهر الثمين ٢/ ٦٠ - ٦٣، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧/ ٧٨ - ٨٠، ابن إياس: بدائع الزهور ١/ ٣٠٦.\n(^٤) نزهة الأساطين ص ٧٣.\n(^٥) المصدر السابق ٧٦.","vol":"1","page":32},{"text":"وإكْرامِهِ لَهُمْ - بَعْدما كادَتْ أن تنقَطِعَ عَنْهُمُ الخِلافَة، لَكَفَى\" (^١).\nوبالرغْم مِمَّا حلَّ بالتَّتارِ مِن هَزِيمةٍ عَلَى يَدِ قُطُز، إلَّا أنَّهُم كَانُوا عَنِيدِينَ، فَقَدْ لَمُّوا شتاتَهُمْ مرَّةً أخرى، وأعادوا غاراتهم على العالم الإسلاميِّ مراتٍ عديدةً، ولكنَّ سلاطينَ المماليكِ كانُوا لَهُم بالمِرْصَاد.\nهذا، وقَدْ تعرَّض العالمُ الإسلاميُّ - إلى جانب الغَزْوِ التَّتريِّ - إلى خطَرٍ لا يقلُّ ضراوةً عن خطر المغول، وهو ما عُرِف بالحملات الصَّليبيَّة، والَّتي راحَ ضحيَّتها كثيرٌ جدًّا مِن الأَرْواح، حيثُ استمَرَّت قرنَيْن كامِلَيْن من الزَّمانِ من ٤٩٠ - ٦٩٠ هـ، وحَيْثُ إِنَّ الفَتْرة الَّتي عاشَها التَّاجُ السبكيُّ من ٧٧١ هـ - ٨٢٧ هـ هي الَّتي تهمنا هنا، فسنقفز بَعْض الأحْداثِ كي لا يَتَسِعَ الأمْرُ عَلَيْنا، ونضيعَ بَين زوايا كُتُب التَّاريخ:\nومِنْ ثَمَّ فإنَّ فتْرَتنا هذه تحتلُّ من التَّاريخِ ما يقابِلُ جزءًا من الفترة الَّتي حَكَم فِيهَا السُّلْطانُ النَّاصر محمَّد بن قلاوُون: ٦٨٤ - ٧٤١ هـ ثم يبنى لدينا ثلاثونَ عامًا أخرى نتحدَّث عن أحداثها السياسية أيضًا.\nأما النَّاصرُ قلاوونُ فهو: محمَّدُ بْنُ قلاوون الملكُ الناصر، ناصِرُ الدِّينِ، أبُو المعالي بنُ المنصورِ، نَعَته ابن شاهين الملطيُّ بقوله: \"صاحبُ العمائِرِ الهائِلَةِ، والآثارِ الطَّائِلَةِ، من ذلِك: القصْرُ الأبلقُ بالقلْعة، والجامعُ بها، والإيوانُ المعظَّم وغير ذلكَ من أبنيةٍ\" (^٢).\nوهو السُّلطانُ التَّاسِعُ من ملوك التُّرْك المماليكِ بالدِّيار المصْرِيَّة. ولأن هذا العصر - الَّذي نتحدَّث عنه - كان يموجُ بالاضطراباتِ وكثرةِ الفِتَن، فقد رأينا صراعًا شديدًا على السُّلْطة بين أمراء المماليك.\nولا أدلَّ على ما نقولُ إلا ما حَدَثَ من سَلْطَنة النَّاصرِ محمَّدِ بْنِ قَلاوُونَ، فَقَدْ تَوَلَّى السَّلْطَنَة ثلاث مرَّاتٍ، كَانَتْ كالآتي:\n\n<span data-type='title' id=toc-34>الأولى: من سنة ٦٩٣ - ٦٩٤ هـ:</span>\nوقد كان الناصرُ وقتها صغيرَ السِّنِّ، فكان في التَّاسعة من عُمُره، وهذه سنٌّ لا يُسْتَطاعُ فِيها أن تتحَمَّل إدارةُ دولةٍ واسعة الأطراف؛ فَضْلًا عن أن يفضَّ النزاعاتِ والاضْطِراباتِ\n_________\n(^١) بدائع الزهور: ١/ ١/ ٣٤١.\n(^٢) نزهة السلاطين ص ٨٤، وينظر: ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٨/ ٤١، بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٧٨.","vol":"1","page":33},{"text":"الثَّائِرة بَيْن مماليكه، لذلك فَقَد خُلِعَ بَعْد سنة من توليته، وأقيم مكانه السُّلْطانُ كتبغا المنصوري التركيّ، الملكُ العَادِلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-35>الثَّانيةُ: من سنة ٦٩٨ - ٧٠٨ هـ:</span>\nفقد خلع العادلُ كتبغا في سنة ستٍّ وتسعين وستمائة ثمَّ تولَّى مكانه المَنْصورُ لاجين، الَّذي نعته ابن شاهين الملطيُّ بِقَوْله: \" … الملكُ المنصور، أبو الفَتْح، حسامُ الدِّين صاحبُ تجديدِ جامعِ ابنِ طولونَ، ومرتَب دثوره، فله هذه المنْقَبَة\" (^١). ثمَّ ما لَبِثَ أن قتل لاجين، وذلِكَ سنة ٦٩٨ هـ بعد أن نفي إلى \"الكرك\" (^٢) مدَّة أربع سنوات أو ما يقرب (^٣).\nومن هنا كانَتْ عودَةُ النَّاصر قلاوونَ للمرَّة الثَّانية، وكانَ أهمُ ما يميز تِلْك الفَتْرة الَّتي تَسَلْطَن فيها النَّاصرُ للمرَّة الثَّانية ما وقَعَ بَيْنَهُ وبَيْن التَّتارِ مِنْ مناوشاتٍ انْتَهَتْ بِحَرْبٍ دَارَتْ في مكانٍ يُسمى بـ \"سَلَمْيَةَ\" (^٤)، وكانَتْ نهايتها مؤلمةً، فقد احتوى التَّتَار على عسْكَره، وكان ذلك سنة ٦٩٩ هـ.\nولكنَّ النَّاصر لم يَسْتَسْلِم لِهَزِيمةِ جَيْشه أمام التَّتار، فلِذلك لَمَّا علِمَ بِزَحْف التَّتار مرَّة أخرى من جهة الشَّام وعلَى رأسهم غازانُ - أعدَّ عُدَّته وزحَف إلى الشام، فاجتمع الجيشانِ المصريُّ والشاميُّ لِقِتالِ التَّتار، ثم وقعَتِ الواقعة، بين الجيشَيْن الإسلاميِّ والتتريِّ في \"مرج راهط\" (^٥)، والَّتي انْتَهَت بِهَزِيمَة التَّتار بعد أن قَتَلَ المُسْلِمونُ نصْفَهم.\nوبعد انْتِصار النَّاصر قلاوُونَ بَدَأ الجوُّ يَصْفُو له، إلَّا أن الأمر بدأ يتكدَّر بدخول سنة\n_________\n(^١) نزهة الأساطين ص ٩١.\n(^٢) وهي قلعة حصينة جدًّا في طرف الشام من نواحي البلقاء في جبالها، بين أيْلة وبحر القُلْزُم وبيت المقدس، وهي على جبل عال. ينظر: مراصد الاطلاع ٣/ ١١٥٩.\n(^٣) ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٨/ ١١٥، وابن إياس: بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٠١.\n(^٤) بفتحتين، وميم ساكنة، وياء مثناة من تحت خفيفة، قيل: هي قرب المؤتفكة، وأن أهل المؤتفكة لما نزل بهم العذاب سلم منهم مائة فأسرحوا إلى سَلَمية فسَكَنُوها، فسميت \"سَلِمَ مِائةٌ\"، ثم خفِّفت، فقيل: سَلَمْيَة، بلدة في ناحية البرِّيَّة، من أعمال حَماة، بينهما مسيرة يومين. ينظر: مراصد الاطلاع ٢/ ٧٣١.\n(^٥) المَرْج - بالفتح ثم السكون - هي الأرض الواسعة فيها نبت كثير، ومرج راهط: ناحية من نواحي دمشق. ينظر: مراصد الاطلاع ٣/ ١٢٥٤.","vol":"1","page":34},{"text":"٧٠٧ هـ، فقد حَدثَتْ فتنةٌ عَظيمَةٌ (^١) بين الناصر قلاوُون وبيبرس الجاشنكير والنَّائبِ سلار، وانتهت بخَلعْ قلاوون في سنة ثمان وسبعمائة، وتولَّى المظفَر بيبرس الجاشنكير الثَّاني، وذلِك بعد لُجُوء النَّاصرِ قلاوونَ إلى \"الكرك\" وتنارلهِ عن السَّلطَنَة.\n\n<span data-type='title' id=toc-36>الثَّالِثَةُ: من سنة ٧٠٩ - ٧٤١ هـ:</span>\nثارَ النَّاسُ على بيبرس الجاشنكير، مُطالِبينَ بالنَّاصر قلاوونَ، فكانَ لَهُم ما أرادُوا، وعادَ النَّاصرُ إلى سَلْطَنَتِه لِلْمَرَّة الثَّالِثة، ثمَّ قُبِضَ على بيبرس، فَحُمِل مُقيدًا إلى المَلِكِ النَّاصِرِ، فَسَجَنَهُ حَتَّى مات.\nوقد اتَّسَمَتْ هذهِ الفَتْرَةُ الثَّالِثَةُ بِتَعلُّق النَّاس بِقَلاوُون، وتَمَسُّكِهِم به بسبب ما عانَوْه من كثرة الاضْطِرَاباتِ، على أن الملكَ النَّاصر أحْكَم قبضَتَه على زمامِ الأُمُور، وأزالَ الظُّلْم الواقِع، وبَلَغَتِ السلْطنةُ المملوكيَّة أوْجَ قوّتها في عَهْدِهِ، فكانَتْ دِرْع العالَمِ الإسْلاميِّ آنذاك.\nولم يَزلِ الملكُ النَّاصر قائِمًا على سرير مُلْكِه إلى أنْ وافته منيَّته، وذلِك سنة إحْدى وأربعين وسبعمائة، وكانَتْ مدَّته الأولى والثَّانية نَحْوًا من ثلاثٍ وأربعين سنة (^٢).\nوبِمَوْت النَّاصِر قلاوُونَ دخَلَتِ الدَّولةُ المملوكيَّة مرحلةً جديدةً على النقيض مما سبق، إذْ إن المدَّة السابقة - ٦٤٨ - ٧٤١ هـ - هي الفترة الذهبية لدولة المماليك، وَأَمَّا فترة أولادِ النَّاصر قلاوُونَ وأحفاده وهي ما بين سنة ٧٤١ - ٧٨٤ هـ فقد كانَتْ مضطرمة بالصراعِ على السُّلْطة، ولذلك فقد تولَّى بعد النَّاصرِ سبعةُ سلاطينَ مِنْ أبنائه، يتولَّى هذا ويُعْزَل هذا، وهكَذَا دَوَالَيْكَ.\nولقد رُزِيءَ العالمُ الإسلاميُّ - على كثرة اضطراباته وأحداثه الجسَام - بحدثٍ جللٍ، زاد من همومه وأشجانه، ألا وهو \"الحملة الصليبيَّة الكبْرَى\" على مدينة \"الإسكندرية\"، وذلك سنة ٧٦٧ هـ - ١٣٦٥ م، حيث قام بها ملكُ قُبْرس بُطْرُس الأوَّلُ لوزجنان بَعْد أن مهَّد لحملته تِلْك برحلة واسعةٍ يستنهِضُ فيها عزائم الأوروبيين، ويشحنهم ضد الإسلام\n_________\n(^١) تنظر تفاصيل هذه الفتنة في: بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٢٠ - ٤٢١، والنجوم الزاهرة ٨/ ١٧٦ وما بعدها، ود. سعيد عبد الفتاح عاشور: العصر المماليكي في مصر والشام ص ١١٧، وما بعدها.\n(^٢) نزهة الأساطين ص ٨٧.","vol":"1","page":35},{"text":"والمسلمين، وقد نَجَحَتْ دعوتُه في اسْتِقْطاب كثيرٍ من المُساعدات والإمْدادات البَشرية والحَرْبيَّة والمادِّيَّة، ثمَّ اجتمع كلُّ هذا الحَشْد في جزيرة \"رُودِسَ\" (^١) تمهيدًا لاختيار أصْلَحَ نقْطَة يُمْكِنُهم من خلالها تَوْجِيهُ ضَرْبةٍ قاصمةٍ لبلادِ الإسْلام، ووقع اخْتيارُهُمْ على ثغر الإسكندرية، ولمَّا كانَت دَوْلَةُ المماليكِ تعانِي خَللًا واضِحًا، فقد لاءَمَتْ هذهِ الظُّروفُ هوى الصليبيِّين، فَتَمكَنوا من إنْزال قوَّاتهم على شاطئ الإسكندرية، فاحتلُّوها في يوم الجمعة العاشِر من أكتوبر من السَّنة ذاتها، وانسابَتْ قوَّاتُهم في شوارع المدينة يُحرِّقون المَساجدَ ويُخَرِّبُون الخاناتِ، ويُدمِّرُون المنازلَ، ويعتدُون على كل من صادفهم من النِّساءِ والأطْفالِ والشُيوخ، ويَنْهَبُون كل ما وصَلَت إليهِ أيْديهِمْ مِن بَضائِعَ وأمْوَالٍ (^٢).\nوهكذا قَضَى الصَّلِيبيُّون في الإسْكَنْدرية نَحْوًا مِن ثَلاثَةِ أيَّامٍ كانَتْ من أسْود الأيَّام في تاريخِ الثَّغْر، ولم يُغادِروها إلى سُفُنِهم إلَّا بَعْد أن أحَسُّوا بِقُرْب جيوشِ المَماليك الَّتي أسْرَعَتْ من القاهِرَة لإنْقَاذ الإسْكندرية، ويقالُ: إن السُّفُن الصَّليبيَّة حَمَلَت مَعَها عِنْدَ رَحِيلها خَمْسَة آلافِ أسِيرٍ \"منهم المُسْلِم والمُسْلِمَةُ واليَهوديُّ واليهوديَّةُ والنصرانيُّ والنصرانيَّةُ … \" (^٣).\nوبَعْد، فَمِن خِلالِ هذِه الجَوْلَة تَبيَّن لنا أن الحالة السِّياسِية لِهذهِ الفَتْرة كانَتْ غَيْر مُسْتَقِرَّة، ولَمْ يَكُن الأمْرُ في الشَّام - التبعية - أحْسَنَ حالًا مِمَّا كانَتْ تمرّ بِهِ مِصْر، فَكان لَهُ نَصِيبٌ مِن تِلْكَ الفَوْضى الَّتي عَمَّت بِلادَ الإسْلام.\nونَكْتَفِي بِهذا القَدْر مِنْ بَيان حالَةِ العَصْر السِّياسيَّة، والَّتِي صوَّرت الأحداث الَّتي أثَّرت في التَّاج السُّبْكيِّ، وتقلَّب فيها.\n_________\n(^١) قال القاضي عياض: هو بضم أوله، وغيره يقول بفتحها، والدال مكسورة باتفاق، وكلهم قالوا بسين مهملة، وفي كتاب أبي داود من طريق الرَّمْليِّ: بالشين المعجمة، وهي جزيرة ببلاد الروم، تقابل الإسكندرية. ينظر: مراصد الاطلاع ٢/ ٦٤٠.\n(^٢) د. سعيد عبد الفتاح عاشور: العصر المماليكي ص ١٣٨.\n(^٣) المصدر السابق نقلًا عن المقريزي: السلوك.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type='title' id=toc-37>الحَالَةُ الاجْتِمَاعِيَّةُ فِي عَصْرِ سَلاطِينِ المَمَالِيكِ</span>\nمِمَّا لا شكَّ فِيهِ أن الحالةَ الاجتماعيَّة لأيِّ عَصْرٍ إنَّما هِيَ انطباعٌ وأثَرٌ للحالة السياسية لذاتِ العَصْر، من اضطِرابٍ واستقرارٍ.\nوإذا أردْنا أن نصِفَ الوَضْع الاجتماعيَّ لعصْرٍ، فلن نجدَ خَيْرًا مِمَّنْ عاصَرَ أحْدَاث العَصْرِ نفْسِهِ، ومرَّتْ به اضطراباتُه وتقلُّباتُه، وهذا يَعْنِي أن وصف المقريزي (^١) أدق من غيره، فهو أخبر بمجْتَمَعِه، وقديمًا قالوا: أهْلُ مكَّة أدْرَى بِشِعَابِهَا.\nوعَلَيْه، فإنَّ المقريزيَّ قسَّم المجتمع - في ذلك العَصْرِ - إلى سَبعْ طبقاتٍ، إذ يقول في \"إغاثة الأُمَّة في كشْفِ الغُمَّةِ\": \"اعْلَمْ - حَرَسَك الله بعَيْنه الَّتي لا تَنَام - أن النَّاسَ بإقليم مصْرَ في الجُمْلَة على سَبْعَة أقْسَام:\nالقسْمُ الأولُ: أهْلُ الدَّوْلَة.\nوالقسْمُ الثاني: أهْلُ اليَسَارِ منَ التُّجَّار، وأُولي النعْمة من ذوي الرفاهية.\nوالقسْمُ الثَّالثُ: الباعة، وهم متوسِّطو الحالِ من التُّجَّار، ويقالُ لهم: أصْحَابُ البَزِّ، ويُلْحَقُ بهم، أصحابُ المعايش وهُم السُّوقَة.\nوالقسْمُ الرَّابعُ: أهْلُ الفلح، وهم أهل الزِّراعات، والحرث وسُكَّان القرى، والرِّيف.\n_________\n(^١) هو أحمد بن علي بن عبد القادر، أبو العباس الحسيني العبيدي، تقى الدين المقريزيُّ: مؤرخ الديار المصرية، أصله من بعلبك، ونسبته إلى حارة المقارزة - من حارات بعلبك في أيامه - ولد ونشأ ومات بالقاهرة، ومولده سنة ٧٦٦ هـ، ومن أشهر كتبه: \"الخطط\" و\"السلوك\" وغيرهما مات سنة ٨٤٥ هـ. ينظر في ترجمته: الشوكاني: البدر الطالع ١/ ٧٩، ومعجم المطبوعات ١٧٧٨، والأعلام ١/ ١٧٧.","vol":"1","page":37},{"text":"والقسْمُ الخامسُ: الفُقَرَاء، وهم جُلُّ الفُقَهَاء، وطُلَّاب العِلْم، والكثيرُ من أجْنَاد الحلْقَة ونحوهم.\nوالقسْمُ السَّادسُ: أرْبابُ الصَّنائع، والأُجراء، وأصْحاب المِهَنِ.\nوالقسْم السَّابعُ: ذَوُو الحاجَةِ والمَسْكَنة والسُّؤال، الَّذِين يتكفَّفُون النَّاس، ويعيشُون منهم\" (^١).\nوهذا يَعْنِي أن المجتمعَ فِي عَصْر المماليكِ كانَ مُجْتَمعًا طبقيًّا، تَخْتَلِفُ كلُّ طبقةٍ منها عن الأخرى في تركيبها ومميِّزاتها، ويمكن تقسيم هذه الطبقاتِ السَّبعْ إلى أربع طبقات فقَطْ، وهي:\n<span data-type='title' id=toc-38>الطبقةُ الأولى: أهلُ الحُكْم </span>من المماليك والأُمَراء، ومِنْهُم السَّلاطين.\nالطبقةُ الثَّانيةُ: أهلُ العِلْم، وهُمْ مَنْ يُطلِقُ عليهمُ المقريزيُّ المُعَمَّمينَ\".\nالطبقةُ الثالثةُ: عامَّة طوائفِ الشَّعْب من: تُجَّار، وفلَّاحين، وأصْحابِ حِرَفٍ، وعَوَامّ.\nالطبقةُ الرَّابعةُ: أهْلُ الذِّمَّة، ويضافُ إليهم الأقليَّاتُ الأجنبيَّة.\n\nالطَّبقةُ الأولى: أهْلُ الحُكْم:\nوهنا قد تثار مسألة هامَّة جدًّا، وهي كيف ساغ لمملوك أن يرتقي منبر الحكم، مع أنه شرط في الخليفة أن يكون حرًّا؟\nونقول: نعم قد اشترط الأئمَّة فيمن يقوم بأمر الخلافة الحرية؛ لأن الرق نقص ومهانة فالعبد مستحقر في أعين الناس لا يهاب ولا يخشى، فلا يمتثل أمره، ولا يطاع قولُه، مشغولٌ بخدمة سيده وقضاء حوائجه لا يفرغ لهذا الأمر.\nولكن:\nنحن إذا تقصينا النصوص الشرعية، وإجماع الأمَّة علمنا أن الشَّريعة الإسلاميَّة اعتبرت الخلافةَ على شكلين متضادين:\nأحدهما: أصلي ومطلوب.\nوالثاني: اضطراري.\n_________\n(^١) \"إغاثة الأمة\" ص ٧٢ - ٧٥.","vol":"1","page":38},{"text":"فالشكل الأصلي المطلوب هو انتخاب الأمة خليفتها بحيث تجتمع آحادها وأهل الحل والعقد والرأي والبصيرة منها، فيتباحثون ويتشاورون ثم ينتخبون الخليفة مراعين فيه شروط الخلافة الشرعية ومقاصدها الأساسية غير ناظرين إلى الوجاهة الذاتية والجنسية النسبية بل يرجحون كفاءته من أي بيت منهم كان؛ إذ الشريعة تعتبر في الانتخاب شورى الأمة لا جنسية الخليفة وعشيرته ونسبه، وقد تأسست الخلافة الراشدة على هذا الأساس الجمهوري، فانتخاب الخلفاء الأربعة كان انتخابًا شرعيًا وجمهوريًا، ولم ترع فيه الجنسية والقبيلة والعهد ألبتة، ولو روي فيه شيء من هذا لبقيت الخلافة في بيت الخليفة الأول، ولم تخرج منه إلى آخر الدهر، ولكن لم يكن شيء من ذلك.\nوأما الشكل الثاني: وهو ما إذا تغلب متغلب بقوته وعصبيته، فهجم على كرسي الخلافة - وهذا عين ما حدث هنا -، ولم يترك مجالًا للانتخاب، فحينئذ ماذا يجب على الأمة إذا كان المتغلب غير أهل لها، مظالمًا وفاقدًا لشروطها؟\nهل يجب عليها أن تخرج عليه وتقاتله؟ أم يجب عليها أن تطيعه وتنقاد له، وتؤدي إليه الزكاة، وتقيم وراءه الجمعة والجماعة؟\nولما كانت هذه المسألة من أهم المسائل الحيوية والأساس الاجتماعي لحياة الأمة لم تكن الشريعة لتغفل عن هذا الشكل من الخلافة، وتترك الأمة فيه بلا هداية ولا بصيرة، ولذا نجدها قد اهتمت بها أشد الاهتمام، وبينتها بيانًا وافيًا بعبارات واضحة، ونصوص صريحة.\nفإذا استولى مسلم بقوته وشوكته وعصبيته على الخلافة، وتمكن فيها وقامت حكومته، وقوي أمره - وجب على الأمة أن تطيعه وتسمع له وتخضع لخلافته مثل لو كان أصابها بحق، ولا يجوز لأحد الخروج عليه، ومن يفعل ذلك يقاتله المسلمون، ويعينوا الخليفة عليه مهما كان الخارج ذا فضل وصلاح وكفاية؛ لأنه مفارق للجماعة، وخارج على السلطان\".\nوهذا الشكل الثاني لتولي الخلافة أو الحكم وهو - \"الغلبة\" - حدث لدولة المماليك، فقد قفزوا على كرسي الحكم، وذلك على أنقاض دولة بني أيوب بعد ضعفها، وخورها، ومع هذا فقد كان للمماليك مآثر يفخرون بها أمام التاريخ، يكفيهم ذبهم عن بلاد الإسلام، ودجرهم خطر المغول والصليبيين - بغض النظر عن كونهم - المماليك - عبيدًا أو أحرارًا.\nنعود إلى الحديث عن وصف طبقات المجتمع المملوكي في ذلك العصر:","vol":"1","page":39},{"text":"ونبدأ بطبقة \"أهل الحكم\":\nكان الحكام أغرابًا عن البلاد وأهلها، فلم تربطهم بأبناء مصر والشام رابطة الأصل أو الدم أو الجنس، مما جعل المماليك لا يشعرون في كثير من الأحيان بروح العطف والتجاوب، لذلك فقد نظروا إلى الرعية على أنهم أقل درجة، وأجدر ألَّا يشاركوا في الحياة العسكرية، أو النيابة الحكومية.\nولما كان السلطان في الأصل مملوكًا، فقد نظر إلى بقية المماليك على أنهم إخوانه، فاهتم بهم، وحرص على تربيتهم تربية خاصة، تقوم على إعدادهم بدنيًا، وفكريًّا، فإذا اشترى السلطان عددًا منهم خصص لهم أماكن يعيشون فيها، ويتردد عليهم فقهاء يعلمونهم الدِّين الإسلامي وعلومه، فإذا شب المملوك عن الطوق، وبلغ سن البلوغ بدأ تعليمه فنون الحرب والفروسية، فإذا ما انتهت مرحلة التعليم خرج إلى مرحلة أخرى، وهي مرحلة الخدمة السلطانية، ثم هكذا رتبة بعد أخرى حتى يصبح أميرًا أو \"سلطانًا مختصرًا\" على قول القلقشندي (^١).\nولما كان المماليك ينظرون إلى غيرهم نظرة دونية، فلم يحدث أن تزوجوا من سكان مصر والشام، واختاروا زوجاتهم وجواريهم من بنات جنسهم اللَّائي جلبن عن طريق التجار، بل حذرت حكومة المماليك من انتقال مملوك من المماليك عن طريق البيع إلى \"كاتب أو عامي\" أي إلى أحد من غير طبقة المماليك، ومن خالف ذلك التحذير تعرض للأذى والعقوبة (^٢).\nومع كل هذه العزلة، فقد رأينا بعض سلاطين المماليك يستعين ببعض المصريين، فجعل منهم أمراء مقدمين، بدلًا من المماليك، وكان ذلك في فترة حكم السلطان الناصر حسن بن محمد، واعتذر عن ذلك بقوله: \"إن هؤلاء مأمونو العاقبة، وهم في طي علمي، وحيث وجهتهم إليه اتجهوا، ومتى أحببت عزلهم أمكنني ذلك بسهولة، وفيهم رفق بالرعية، ومعرفة بالأحكام\" (^٣).\n_________\n(^١) د. سعيد عبد الفتاح عاشور: العصر المماليكي ص ٣٢٢، نقلًا عن القلقشندي: صبح الأعشى ٤/ ٦٠.\n(^٢) ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٩/ ٩٢.\n(^٣) المصدر السابق ١٠/ ٣٠٩ - ٣١٠.","vol":"1","page":40},{"text":"ولكن سرعان ما ثار عليه بقية الأمراء المماليك فقتلوه، ولم يسمحوا لأحد بعد ذلك من المصريين بأن يتولى مناصب في الجيش.\nوخلاصة الأمر أن المماليك قد وجدوا الرعاية والرفاهية من سلاطينهم، بإغداق الأموال والأرزاق، وتخصيص أشهى الأطعمة، وأفخر الملابس. إلا أن أمراء المماليك لم يقفوا موقف المتفرجين، فكانوا يدسون أنوفهم في أمر السلطنة، حتى تخلوا - في نهاية المطاف - عن كثير من صفاتهم الحربية، وانغمسوا في الفتن والمفاسد، وتمادوا في الاعتداء على الناس.\nوبالجملة فقد عاش المماليك - على اختلاف طبقاتهم - عيش الرغد والنعيم، وفي قصور تجمع كل أسباب الترف، يزخرفون سقوفها بالذهب، ويهتمون بنظامها، وحسن إدارتها، على العكس من الطبقات اللاحقة التي عاش معظمها عيش الذل والهوان.\nقال تاج الدِّين السبكيّ: \"ومن قبائحهم ما يذهبونه من الذهب في الأطرزة العريضة والمناطق وغيرها من أنواع الزراكش التي حرمها اللّه ﷿ وزخرفة البيوت سقوفها وحيطانها بالذهب، وقد لعن رسول الله ﷺ من ضيق سكة المسلمين، وأنت إذا اعتبرت ما يذهب من الذهب في هذه الأغراض الفاسدة تجده قناطير مقنطرة لا يحصيها إلا الله تعالى\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-39>الطَّبقةُ الثَّانيةُ: أهْلُ العِلْمِ أوِ \"المُعَمَّمُونَ\":</span>\nكانَ لعلماءِ ذلكَ العَصْر هَيْبَةٌ عظيمةٌ، ومكانةٌ جليلةٌ، عند المماليك، ولِمَ لا، وهم أربابُ العِلْم وحُفَّاظُه، وبِهمْ عَرَفَ المماليكُ دينَ الإسْلام، وفي بَرَكتهم عَاشُوا (^٢)؛ ولذلكَ فقد احترم المماليكُ هذه الطَّبقة مِنَ النَّاس، ومِنْ جهةٍ أخرى، فقد رأينا للعلماء وقَفَاتٍ حاسمة تجاهَ سلاطين المماليكِ، حتَّى وجدنا السلطاد النَّاصرَ محمَّد بْنَ قلاوونَ يقول: \"إنِّي لا أخافُ أحدًا إلا شَمْسَ الدِّينِ الحريريَّ قاضِي قضاة الحنفيَّة\" (^٣).\nعَلَى أنَّ هذِه الطَّبقة - كَانَتْ محبوبةً لدَى عامَّة الشَّعْب، فَكَانُوا يَلْجَئُون إليهم لقَضَاء\n_________\n(^١) ينظر: التاج السبكي: معيد النعم ومبيد النقم ص ٤٩ - ٥٠.\n(^٢) المقريزي: السلوك، نقلًا عن د. سعيد عاشور، العصر المماليكي ص ٣٢٣.\n(^٣) رحلة ابن بطوطة ٢/ ٨٨.","vol":"1","page":41},{"text":"حوائجهِمْ لدى الجهات الحاكِمة، بلْ كانَ النَّاس - لإجْلالِهِمْ لَهُم - يقدِّمُونَهم في زحام الأسْواق على أنْفُسِهم في البَيْع والشِّراء.\nوقد كَانَتْ هذهِ الطَّبقةُ عَلَى طائِفَتَيْن:\nطائِفَةٌ قَوِيَّةٌ لا تميلُ إلى السَّلاطين والحُكَّام، وتجاهِرُ بالحقِّ ولا تخشى في اللّه لومةَ لائِمٍ، وأخرى ترْكنُ إلى حياةِ الدَّعَةِ والمناصِبِ، والجَرْي وراءَ الثَّرَواتِ والأمْوال الطَّائلة. إلَّا أن هذا التبْجِيل والاحْتِرام لأهْل العِلْم أو \"المُعَمَّمِينَ\" لم يكن من كلِّ الطْبقات، بل وجدنا أمراءَ من المماليكِ يَحْقِدُون على العُلَماء، ويتعرَّضون لهم بالنَّقْد والتَّهكُّم، حتَّى بَلَغَ بِهمُ الحالُ إلى استصْدار مرْسُومٍ من السلاطين بالمُناداة في طُرُقات القاهِرَة ألا يركب مُتَعمِّمٌ فَرَسًا!!\nثمَّ مَا لَبِثَ الأمْرُ أنِ أنْجَلَى، واستَرَدَّ العُلماءُ مكانَتَهم، وَرَكِبُوا خُيُولهم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-40>الطَّبَقَةُ الثَّالِثَةُ: عامَّة طوائِفِ الشَّعْب (تُجَّار - فَلَّاحُون - أصْحابُ حِرَف - عوامُّ):</span>\n-<span data-type='title' id=toc-41> التُّجَّارُ:</span>\nوقد كانت هذه الفئة على يسار ورغد من العيش بسبب الثروات الهائلة التي حصلوها، لذلك فقد كان السلاطين المماليك يتقربون إليهم ليمدوهم بالأموال اللازمة في وقت الشدة والحرج.\n\"على أن كثرة الثروة في أيدي التجار جعلتهم دائمًا مطمع سلاطين المماليك، فأكثروا من مصادرتهم بين حين وآخر، فضلًا عن إثقالهم بالرسوم الباهظة، لذلك لم يطمئن التجار في عصر المماليك على أموالهم وتجارتهم بل كانوا يدعون على أنفسهم أحيانًا: أن يغرقهم الله حتى يستريحوا مما هم فيه من الغرامات والخسارات وتحكم الظلمة فيهم\" (^٢).\n\n-<span data-type='title' id=toc-42> الفَلَّاحُونَ:</span>\nوكانت هذه الفئة مستضعفة في الأرض، تعيش عيشة الخسف والذلّ، ويثقل كاهلها المغارم والضرائب، من عرق جبينه، وتعبه المتواصل في زراعة الأرض وفلاحتها، وقد\n_________\n(^١) ينظر: د. سعيد عاشور: المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك ص ٢٨ وما بعدها.\n(^٢) المقريزي: السلوك ٤/ ٤٤٤ نقلًا عن د. سعيد عاشور، العصر المماليكي ص ٣٢٤.","vol":"1","page":42},{"text":"نعى التاج السبكي على السلطة في قسوتها مع الفلاحين، فقال: \"ومن قبائح ديوان الجيش إلزامهم الفلاحين في الإقطاعات بالفلاحة، والفلاح حر لا يد لآدمي عليه، وهو أمير نفسه. وقد جرت عادة الشام بأن من نزح من دون ثلاث سنين يلزم ويعاد إلى القرية قهرًا، ويلزم بشد الفلاحة، والحال في غير الشام أشد منه فيها، وكل ذلك لا يحل اعتماده، والبلاد تعمر بدون ذلك، إنما تخرب بذلك؛ لأنهم يضيقون على الناس فيضيق الله عليهم\".\nولم يقف الأمر عند ذلك، فقد تعرض الفلاحون لأذى العربان (^١) وبطشهم، وفي كل مرة يغير العربان فيها على الفلاحين، تذهب محاصيلهم ومواشيهم وتضيع عليهم.\n\n-<span data-type='title' id=toc-43> أصْحَابُ الحِرَفِ:</span>\nعجَّ المجتمع في ذلك العصر - وخاصة المدن الكبرى - بجمهور عريض من أرباب الحرف والصناعات من الصناع والتجار والعمال والباعة، والسقائين والمكاريين، والمعدمين، أو أشباه المعدمين، وهؤلاء كانوا يعيشون حياة قاسية من العنت وشظف العيش.\n\n-<span data-type='title' id=toc-44> العَوَامُّ:</span>\nوهم سواد الناس الأعظم، وهذه الفئة ليست أحسن حالًا من سابقتها، فقد كانوا يعيشون على النقيض من عيشة المماليك ونعيمهم.\nوقد لاحظ بعض الرحالة الأوروبيين الذين زاروا مصر في عصر المماليك أن القاهرة\n_________\n(^١) وجدت في مصر في العصور الوسطى قبائل عديدة من العربان، وهؤلاء انتشروا في أجزاء مختلفة من البلاد، وبخاصة الشرقية والبحيرة والمنوفية والفيوم والمنيا وأسيوط، وكان هؤلاء العربان دائمًا أبدًا مصدر فتن ومتاعب للحكام والمحكومين سواء، فارتبط تاريخهم في عصر المماليك بالثوراث وحوادث النهب والسلب والاعتداء على الآمنين من أهالي القرى والمدن، حتى إن المراجع المعاصرة لا تشير إليهم دائمًا إلا تحت عنوان \"فساد العربان\" ينظر: د. سعيد عاشور: \"العصر المماليكي ص ٣٢٦\".\nوهناك \"عربان الطاعة\"، وهي طائفة من عربان الممالك الشامية، ولهم عادة بمكاتبة جليلة كآل مهنا، وآل فضل وآل مرة ونحوهم.\nالقلقشندي: صبح الأعشى ٧/ ٢٢٥، ومحمد قنديل البقلي: التعريف بمصطلحات صبح الأعشى ص ٢٤٣.","vol":"1","page":43},{"text":"وحدها بها عدد يتراوح بين خمسين ألف ومائة ألف بلا مأوى سوى الطرقات، وبلا ملابس سوى أسمال بالية، كذلك دهش البعض الآخر من كثرة الشحاذين بالقاهرة في ذلك العصر، وقال: إنهم أحاطوا به من كل جانب طالبين منه الإحسان.\nومع هذا القحط وشظف العيش إلا أن العوام كانوا يجدون بعض العطف من السلاطين المماليك وأمرائهم، ولكن لكثرة عددهم دفعهم الحال إلى احتراف السلب والنهب، وخاصة في أوقات الفتن والاضطرابات (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-45>الطَّبقةُ الرَّابِعَةُ: أهْلُ الذمَّة والأقليات الأجنبية:</span>\nأما أهل الذمة فهم أهل الكتاب ومن في حكمهم - من الأقليات الأجنبية - ممن يعيشون بين ظهراني المسلمين، حيث دخلوا في ذمتهم، وخضعوا لسلطان دولتهم، وقبلوا جريان أحكام الإسلام عليهم، واكتسبوا بذلك التبعية لدار الإسلام، أو ما يشبه الجنسية بلغة عصرنا.\nوقد وجد في المجتمع المملوكي كثير من الجنسيات الأخرى مثل: الجركس، والمغول، والصين، والإسبان، والألمان، وغير ذلك من الجنسيات الأخرى.\nوكان أهل الذمَّة يعيشون في طبقة خاصَّة مستقلة، وقد قدر عددهم في مدينة القاهرة وحدها - وقتذاك - بعشرين ألفًا، نصفهم من الأقباط، والآخر من اليهود (^٢).\nوكانوا على احتفاظ بجميع طقوسهم وطرق حياتهم، إلا أنهم ما كانوا يجدون متنفسًا في ظل دولة المماليك، مما كان يحنقهم، ويجعلهم يقومون بأعمال انتقامية. قال علي مبارك: \"وفيها - سنة ثمان وتسعين وستمائة - أمر اليهود بلبس العمائم الصفر، والنصارى بلبس العمائم الزرق، والسامرية بلبس العمائم الحمر تمييزًا لهم عن المسلمين\" (^٣).\nومما دفع أهل الذمة - تحت السلطة المملوكية - إلى القيام بالثورات والفتن، ومناوءة حكم السلاطين - ما لاقاه الصليبيون في الشام من هزائم وطرد عن ديار المسلمين، فكان\n_________\n(^١) ينظر فيما سبق: د. سعيد عاشور: المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك ص ٣٨.\n(^٢) ينظر: د. سعيد عاشور: المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك ص ٣٧ وما بعدها.\n(^٣) الخطط التوفيقية ١/ ٩١.","vol":"1","page":44},{"text":"ذلك دافعًا للتعاطف مع أبناء دينهم والقيام بنصرتهم.\nعلى أن المماليك لم يقبلوا هذا التحدي السافر من المسيحيين، فقرروا طردهم من كل الوظائف التي يعملون بها، وطهروا تلك الوظائف منهم، وصدر مرسوم بذلك عام ٧٥٥ هـ. وسرعان ما تخمد هذه الفتن وتندحر، ويعود الأمر إلى ما كان عليه (^١).\nوأما الأقليات الأجنبية فقد كانوا جاليات مستقلة حسب جنسياتهم، وكانوا يقيمون في فنادق تغلق مساء كل يوم ووقت صلاة الجمعة، كما ضيق المماليك عليهم في اللباس وركوب الخيل (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-46>المجتمع الشامي في عصر: سلطان المماليك:</span>\nما كان المجتمع الشامي يختلف عن نظيره المصري في ذلك العصر، فقد كانوا مستضعفين يخضعون لنظام طبقي لا يرى أفضلية لغيره في قيادة مقاليد الأمور.\nفقد كان المجتمع الشامي على طبقتين رئيسين هما: الطبقة الحاكمة، المسيطرة صاحبة النفوذ، وهم المماليك. والطبقة المحكومة، الخاضعة للسلطان، المغلوبة على أمرها، وهم أصحاب البلاد الأصليين من أهل الشام.\nوأما أهل الشام الأصليون فقد انقسموا - بدورهم - إلى حضر يقطنون المدن الشامية، وبدو يرتحلون في عشائر تنتشر في بادية الشام، وكان على رأسهم \"آل فضل\" وهم من ربيعة، وقد امتدت منازلهم من حمص (^٣) إلى قلعة جعبر (^٤) إلى الرحبة، ويعني ذلك أنهم كانوا منتشرين على جانبي نهر الفرات بين العراق والشام (^٥).\nوقد حدث بينهم وبين المماليك خصومات بسبب مناصرة زعيمهم عيسى بن مهنا\n_________\n(^١) د. علي إبراهيم حسن: دراسات في تاريخ المماليك البحرية ص ٣٤٢.\n(^٢) يراجع في ذلك المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك ص ٥٤.\n(^٣) حمص: بالكسر، ثم السكون، والصاد المهملة: بلد مشهور كبير، في طرفه القبلي قلعة حصينة على تل عال كبير بين دمشق وحلب. مراصد الاطلاع ١/ ٤٢٥.\n(^٤) قلعة جَعْبَر: على الفرات بين بالس والرَّقة، قرب صفين، مراصد الاطلاع ١/ ٣٣٥.\n(^٥) القلقشندي: صبح الأعشى ٤/ ٢٠٤.","vol":"1","page":45},{"text":"للتتار أحيانًا، وأدى الأمر إلى أن طردهم السلطان الناصر محمد بن قلاوون، ثم عاد فعفا عنهم.\nوقد كان هناك قبائل أكثر ولاءً لسلطان المماليك، منهم آل مرة في حوران، وآل علي في المرج والغوطة حول دمشق.\nوقد حاول سلاطين المماليك استقطاب هذه العشائر البدوية، وضمها إلى النظام الإقطاعي، فأضفوا على زعمائهم ألقاب الإمارة، وأعطوهم إقطاعات في بلادهم، ثم ألزموهم بأمور يقومون بها منها: الولاء للدولة، وحراسة الطرق، والدروب الصحراوية وتقديم الرجال وقت الحرب (^١).\nلقد كان الشام بوتقة كبيرة، ضمت عناصر كثيرة مختلفة، فقد وجد إضافة إلى الشراذم العديدة من: الأكراد والأرمن والتركمان - عصبيات أخرى عديدة، بعضها مذهبي، والآخر ديني، وكان لها دور مؤثر في الأحداث التي شهدتها بلاد الشام.\n\n<span data-type='title' id=toc-47>وأهم هذه العصبيات:</span>\n١ - الكسروانيون وهم من أهل جبال كسروان: وكانوا من النصيرية والعلويين والمتأولّة (^٢)، وقد كان هؤلاء على عداء مع المماليك، ويحكى أن هؤلاء ناصروا الصليبيين بالشام أثناء حصار السلطان المنصور قلاوون لمدينة طرابلس سنة ١٢٧٩ م. مما أغضب قلاوون، فزحف المماليك عليهم فأدبوهم وكسروا شوكتهم. وتوالت النزاعات تباعًا بين هؤلاء الكسروانيين وسلاطين المماليك، حتى أدى ذلك إلى هلاكهم، فقد روى المقريزي أن الناصر قلاوون أقطع \"جبال كسروان بعد فتحها\" لبعض أمراء المماليك، فذهبوا إليها، \"فزرعها لهم الجبلية، ورفعت أيدي الرافضة عنها\" (^٣).\n٢ - التنوخيون: وهم بطون كثيرة قد اعتنقت مذهب \"الدرزية\"، وقد تفرقوا في بهات متفرقة من لبنان، وهم كالكسروانيين تأرجح ولاؤهم بين المسلمين والصليبيين، ومن أشهر عشائرهم جماعة \"البحتريين\" الذين غضب عليهم بيبرس، فحبس بعض زعمائهم زمانًا ثم أطلقهم.\n_________\n(^١) ينظر: د. سعيد عاشور: العصر المماليكي ص ٢١٥.\n(^٢) محمد كرد علي: خطط الشام ٢/ ١٢٦.\n(^٣) المقريزي: السلوك ٢/ ١٦٠.","vol":"1","page":46},{"text":"وما زال بيبرس يتحسس أخبارهم حتى أرسل إليهم حملة قوية اجتاحت بلادهم، ثم ما زال معهم السلطان الناصر قلاوون يعاقبهم ويضطهدهم إلى أن عاد ولاؤهم إلى المماليك.\nوقد كان هناك فريق آخر من التنوخيين، وهم الأرسلانيون، وكانوا بالقرب من بيروت، وكانوا على ولاء لدولة المماليك.\n٣ - بنو معن: وكان ظهورهم في القرن الثاني عشر الميلادي، حين ندبهم أمراء السلاجقة لقتال الصليبيين على الساحل السوري، وقد أعطوا إقليم الشوف، وقد تحالفوا مع الشهابيين والتنوخيين.\n٤ - الشهابيون الدروز: وكانوا يقيمون بوادي \"التيم\"، وشاركوا في قتال الصليبيين والتتار.\n٥ - المتأولة: من غلاة الشيعة، وكانوا يقطنون شمال لبنان، وتنافسوا هم والشهابيون الدروز حول الزعامة على لبنان. أما موقفهم من المماليك، فقد تعرضوا لاضطهاد بسبب شذوذهم المذهبي.\n٦ - النصيرية أو العلويون: وقد عاشوا في شبه عزلة في الشمال من جبل لبنان.\n٧ - الإسماعيلية: وهم الباطنية أيضًا، وكان لهم قلاع عديدة، وقد قاموا بدور مشهور في تاريخ بلاد الشام، وقت عصر الحروب الصليبية، فلم يتورعوا عن اغتيال كثير من الشخصيات الإسلامية والصليبية على حد سواء. وموقفهم من المماليك ظاهر العداء، فلم يرض المماليك عن هذه الفرقة بسبب شذوذهم المذهبي من ناحية. لذلك فرض السلطان الظاهر بيبرس ضرائب باهظة على الهدايا التي اعتاد أن يبعث بها الصليبيون إلى شيخ الباطنية .. ثم بدأ بيبرس في استقطاع قلاع الإسماعيلية قلعة بعد أخرى حتى استولى عليها جميعًا، وعندئذ انتهى أمرهم ببلاد الشام، وأقطعهم السلطان بدلًا من قلاعهم الشامية بعض الجهات في مصر ليعيشوا فيها (^١).\nكان هذا وصفًا للحالة الاجتماعية لعصر السلاطين المماليك، في مصر والشام، واتضح مما تقدم مدى الاضطرابات والمعاناة التي كان المجتمع يقاسيها، في حين رأينا ما كان يعيشه السلاطين في قصورهم وأبراجهم العاجية المذهَّبة.\n_________\n(^١) انظر فيما سبق: د. سعيد عاشور: العصر المماليكي في مصر والشام ص ٢١٣ وما بعدها.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type='title' id=toc-48>الْحَالَةُ الاقْتِصَادِيَّةُ فِي عَصْرِ سَلاطِينِ المَمَالِيكِ</span>\nمِمَّا سَبَقَ يَتَّضِحُ للعَيَانِ أنَّ الحالَة الاقْتِصادِيَّة فِي ذلك العَصْر لن تكون أسْعَد حالًا مِنْ سَابقَتَيْها، بَلْ إنَّ النشاط الاقتصاديَّ ليتأثر تأثرًا واضحًا بما يَحْدُثُ مِنِ اضطراباتٍ سياسيَّةٍ وتقلُّباتٍ داخليَّةٍ.\nلقد كان عامَّة الشعبَيْن المصريِّ والشاميِّ يعيشُون فَقْرًا وشَظَفًا من العَيْش، ولقد تسبَّب في ذلكَ عدَّة عوامِلَ منها:\n\n<span data-type='title' id=toc-49>١ - طبقيَّة المُجْتَمَعِ:</span>\nفقد عَلِمْنا آنِفًا أنَّ المجتمع انْقَسَم إلى شرائحَ عدَّةٍ، فطبقَةُ السَّلاطين والأمراء المماليكِ تَنْعَمُ بالرفاهِيةِ، وبقيَّة الشعْبِ ينال الفُتَاتَ الَّتي لا تَكْفِيه، ولا تسد رمَقَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-50>٢ - انْتِشَارُ المَجَاعَاتِ والأَمْرَاضِ الفَتَّاكَة:</span>\nفقد انتشرتْ مجاعاتٌ وجَدْبٌ شديدانِ، وسَبَبُ ذلك انحباسُ الأمطار عَنْ أرض الشام، وذهابُ مياه نَهْر النيل، ثم ما كان يَحْدُثُ من سَلْبٍ ونَهْبٍ تسَّببَ عن كثرة أعدادِ المُعْدمِين وأشْبَاههم كما قدَّمنا.\nوقد تَتَابَعَتْ نوباتُ القَحْطِ والمجاعاتِ في مصْرَ والشَّام، وأرض الجزيرة، روى المقريزيُّ في أحداث سنة ٦٩٥ هـ أن مجماعةً شديدةً أكَلَ النَّاسُ بسببها المَيْتَة منَ المَوَاشِي والكِلاب، وكَثُرَ مَوْت النَّاس، وصاروا يَدْفِنُون المَوْتَى دُون غُسْلٍ ولا كَفَنٍ، قال: ولم يقتصر الأمْرُ على مصْرَ، بلْ شمِلَ الشَّام أيْضًا؛ إذ دخل الشتاء، ولم يقع المطَر، فأجدبتِ","vol":"1","page":48},{"text":"الأرض، وجفَّ العُشْب، وارتفعت الأثمان، كما شملتْ هذه المجاعةُ بلادَ الحِجَازِ أيضًا (^١).\nبل يحكي ابنُ كَثيرٍ عن مجاعة عام ٧١٨ هـ، أن النَّاسَ باعُوا أولادَهُمْ وأهْلِيهِمْ (^٢). وفي سنة ٧٤٩ هـ حصَل طاعونٌ عامٌّ وفناءٌ عظيمٌ عمَّ ديار مصْر وغَيْرها، وقيل: \"إنه لم يَسْبقْ مثلُه، فخرَّب أكثر البلادِ ومصْر والقاهرة، وتعطَّل الزَّرْع بسَبَب مَوْت الفلَّاحِين، ولم يَكُن المَوْتُ قاصرًا عَلى الآدَميين، بل شمل الطَّاعُونُ أيضًا الجِمَال والخيْلَ والحَمِيرَ والوُحُوشَ والطُّيور، وحصَلَ الغلاءُ … \" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-51>٣ - الزَّلازِلُ:</span>\nقال علي باشا مبارَك: \"ومِنْ أهمِّ ما وقع بها زلْزَلَةٌ هائلةٌ، ابتدأتْ في شهر ذي الحجَّة سنة اثنتين وسبعمائة، وأقامَتْ تعاود النَّاسَ مدَّة عشرين يومًا، فهدمتْ بالإسكندرية المَنارَ، وكثيرًا من الأبْراجِ والأسْوَارِ، وفاضَ ماءُ البَحْرِ حَتَّى غرَّقَ البساتينَ، وهُدِمَتْ بالقاهرةِ عدَّةُ مدارسَ وجوامعَ ومساجِدَ، وتشقَّق الجبل المقطَّم، وسقطتِ الدُّورُ على النَّاسِ، ومات كثيرٌ من أهْلها تَحْت الرَّدْم، وخافَ النَّاس، وخَرَجُوا إلى الصَّحراء، واتَّصلَتْ هذه الزلزلةُ بأغْلَب بلادِ الشَّام\" (^٤).\nوقد أعْقَبَ هذا الزلزالَ ريحٌ سوداءُ تلْفَح الوُجُوه، وظنَّ النَّاسُ أن السَّاعة قد اقتربَتْ، وأنْشَدَ بَعْضُهم: [السريع]\nزُلْزِلَتِ الأَرْض، فَخَافَ الوَرَى … وابْتَهَلُوا إلَى العَزِيزِ الحَكِيمْ\nفَلْيَذْكُرُوا مَعْ خَوْفِهِمْ قَوْلَهُ: … زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمْ (^٥)\nوبَعْد، فقد كانتِ الحالَةُ الاقتصاديَّة مزعزعةً مضطربةً، عانَى النَّاسُ من ويْلاتِ الفَقْر والجوعِ حتَّى قال المقريزيُّ: \"وأدركتُ أنا والنَّاسُ من أهل ثغْر الإسكندرية، وهُمْ يجْعلُون في مقابلة الخضرة والبُقُول، ونحو ذلك كِسَر الخُبْزِ لِشراء ما يُرَاد مِنْه، ولم يَزَلْ ذلك إلى نحو السبعين وسبعمائة .. \" (^٦).\n_________\n(^١) المقريزي: السلوك ١/ ٢/ ٣٠٦.\n(^٢) البداية والنهاية ١٤/ ٧٦.\n(^٣) الخطط التوفيقية ١/ ١٠٢.\n(^٤) السابق ١/ ٩١.\n(^٥) ابن إياس: بدائع الزهور ١/ ١/ ٤١٧.\n(^٦) المقريزي: إغاثة الأمة ص ٤٧، وما بعدها.","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type='title' id=toc-52>الْحَالَةُ الثَّقَافِيَّةُ فِي عَصْرِ سَلاطِين المَمَالِيكِ</span>\n\"أُمُّ العَالَمِ، وإيوانُ الإسْلام، ويُنْبُوع العِلْم\" كلمةٌ تاريخيَّة قالها العلَّامة المغربيُّ عبد الرحمن بنُ عليٍّ بن خَلْدُونَ في مقدمته الشهيرة (^١).\nنعم لقد احتلَّتْ مصر مكانةً علميةً بارزةً جعلَتْها منارة الأُمَّة الإسلاميَّة، ومرْكَزَها الثقافيَّ، وذلك بَعْد ضياعِ بُحُور العِلْم، وقتلهم على يد المَغُول في وقعة بغداد الشهيرة سنة ٦٥٦ هـ.\nويحكي ابن الأَثِير، ومنْ بَعْده السُّيُوطيُّ أن التَّتار قضَوْا علَى فقهاء الإسْلام، عند دعوتهم إلى حُضُور عَقْد زَواجِ ابْنةِ هُولاكو، قال: وصار كذلك تخْرُج طائفة بعد طائفة، فتُضْرَب أعناقُهم حتَّى قتل جميع مَنْ هناك من العلماء والأُمَرَاء والحُجَّاب والكِبَار\" (^٢).\nوقد كان من الأسْبَاب الَّيي عَمِلَتْ عَلَى رفْع الحالَة الثقافيَّة في الدِّيارِ المصريَّة، ما عرف من رحلة العُلماء إلَيْها فارِّين من بطْش المغول وتخْرِيبهِم، فقد غدَتْ مصر: \"محَلَّ سكَنِ العلماء ومَحَطَّ رِحَالِ الفُضَلاء\".\nوما كان لهذا النَّشاط الثقافي أن يزدَهِرَ في العَصْر المملوكيَّ، لولا ما وُجدَ منْ تشجيعٍ وترحيبٍ من بَعْض سلاطينِ المماليكِ للعِلْم والعُلَماء، فقد كان الظاهرُ بيبرس: \"يميل إلى التاريخِ وأهْلِه مَيْلًا زَائِدًا، ويقول: سَمَاعُ التاريخِ أعْظَمُ من التَّجَارِب\" (^٣).\n_________\n(^١) ص ٥٤٥.\n(^٢) السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ٣٧٧.\n(^٣) ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧/ ١٨٢.","vol":"1","page":50},{"text":"وكان لاِنْتِشَارِ العِلْم في هذا العَصْر وإِقبالِ السَّلاطين ومَنْ دُونَهم عَلَيْه وعَلَى أهْله ملامحُ ومعالم، مِنْهَا:\n\n<span data-type='title' id=toc-53>المَدَارِسُ والمَكْتَباتُ:</span>\nإِنَّ أولَ ظُهُورٍ للمدارسِ كانَ في آخِرِ القَرْن الرَّابع الهجريِّ، حيث يتبرع بعض من أوتوا يسارًا وثروة ثم حُبًّا لِلْعِلْم وأهْلِه - ببناء مدْرَسةٍ تدرس فيها أحكامُ الدِّينِ وشرائِعُه، وعُلُوم اللُّغة وغيرها.\nوقد حاز تاريخُ بني أيُّوب عَلَى نصيبٍ وافرٍ من إِنشاء المَدَارِس، واشْتُهِر عن صلاح الدِّين أنَّه أكْثَر من إِقامةِ المدارِسِ بِمصْر والشَّام، ووضع لها نظمًا ثابتةً مقرَّرة، وكان يحْضُر بَعْضَ الدُّروس، بل إِنَّه كان يتَّجه إِلى الاسْتِماع إِلى الحَدِيثِ ما اتَّسَع لَهُ الوَقْتُ فِي ذلكَ.\nوجاءَ بَعْد ذلكَ المماليك، فسارُوا على سنَّة الأيُّوبيِّين وحبَسُوا الأحباسَ عَلَيْها، وأظلُّوها برعايتهم (^١).\nوقد كان لكلِّ عِلْمٍ أحيانًا مدرسةٌ، فمدرسةٌ للحديثِ وأخْرى للفِقْه، وهكذا.\nومِنْ أهم المدارس الَّتِي أُنْشِئَتْ في زَمَنِ المماليك:\n\n<span data-type='title' id=toc-54>١ - المدرسَةُ الظَّاهِرِيَّةُ:</span>\nوتُنْسَب إِلى مَنْ وَضَعَ أساسَها وبنَاها، وهو الظاهرُ بيبرس البندقداريُّ، وقد ابتدأ فيها سنة ٦٦٠ هـ، وتم بناؤُها في سنة ٦٦٢ هـ، وجعَل بيبرسُ لا يَسْتَعْمِل فيها أحدًا بغير أُجْرَة، ولا يَنْقُص من أجرته شيئًا، وضمَّ إِليها خزانةً تشتمل على أمهات الكتب في سائر العُلُوم، وبنى بجانبها مَكْتَبًا لتَعْلِيم أيْتَامِ المُسْلِمِين، وأجْرَى لهم الجراياتِ والكُسْوَةَ (^٢).\nوقد رتَّب فيها لتدريس الشَّافعيَّة: تقيَّ بن رزينٍ الحمويَّ، وهو قاضي القضاة محمد بن الحسين بن رزين، العامريُّ، الحمويُّ، ولد بحماة سنة ٦٠٣ هـ، وكان عالمًا بارعًا في التَّفْسِير والفِقْهِ، مشاركًا في عُلُومِ كثيرةٍ، رحَل إِلى مصْر، فدرَسَ بالظاهرية،\n_________\n(^١) أبو زهرة: \"ابن تيمية\" ص ١٥٨.\n(^٢) خطط المقريزي ٣/ ٣٤٠ - ٣٤٢، الخطط التوفيقية ٦/ ٢٢، النعيمي: الدارس في تاريخ المدارس ١/ ٢٦٣.","vol":"1","page":51},{"text":"وتولَّى القضاءَ، وكان عالم الشَّافعية آنذاك، تُوُفِّيَ بـ \"مصر\" سنة ٦٨٠ هـ ودفن بالقرافة (^١).\nكما رتب لتدريس مذْهَب الأحْنَاف: مجْدَ الدِّينِ عبْد الرحْمنِ بْنَ الكمالِ عمَرَ بْنِ العديمِ الجعليَّ، ولد بالشام سنة ٦١٣ هـ، وعلا كعْبُه في مذهب الأحناف، وكان عارفًا بالأدب، ولي قضاء الشام، وقد انتهت إِلَيْه رئاسةُ الحنفيَّة بـ \"مصر\" والشَّام. وتُوفِّيَ بظاهر دمشق سنة ٦٧٧ هـ (^٢)\nوأقام لتدريس الحَدِيثِ: الحافِظَ شَرَفَ الدِّينِ الدِّمْيَاطِيَّ: وهو الإِمامُ العلَّامة الحافظ المتقن، عَلَمُ الحديث في عَصْرِه: شرَفُ الدِّين أبُو محمَّد عبدُ المُؤْمِنِ بْنُ خلَفِ الشَّافعيّ، ولد سنة ٦١٣ هـ، طلب العِلْم، وتفقَّه، وبَرَع في الحديث، قال المِزِّيُّ: ما رأيت في الحديث أحْفَظَ منه، وكانَ بَارِعًا في الفِقْه. مات فجأة سنة ٧٠٥ هـ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-55>٢ - المَدْرَسَةُ النَّاصِرِيَّة:</span>\nوقد أنشأها المَلكُ العادل، ولما عاد الملكُ النَّاصرُ محمَّد بنُ قلاوُونَ إِلى السَّلْطنة سنة ٦٩٨ هـ أمر بإِتمامها، فعرفت به (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-56>٣ - مدرسةُ السُّلْطانِ النَّاصرِ حَسَنِ بْنِ النَّاصرِ محمَّدِ بْنِ قلاوُونَ:</span>\nوقد شرع في بنائها سنة ٧٥٨ هـ، وقد حكى عَنْها المقريزيُّ أنه: لا يُعْرَفُ ببلادِ الإِسْلامِ مَعْبَدٌ من معابدِ المُسْلِمِين يَحْكِي هذه المدرسة في كِبَرِ قَالبِها وحُسْنِ هنْدامِها، وضخامة شَكْلِها\" (^٥). وقد قامَتِ العمارةُ فيها ثلاثَ سِنِين لا تتوقَّف يومًا. وقد عُرِفَتْ بجامعِ النَّاصِرِ حَسَنٍ، ويقال: إِنَّه أكبر من إِيوانِ كسْرَى بخَمْسَة أذْرُع، وبها أربع مدَارِسَ للمذاهِب الأرْبَعَة (^٦).\n_________\n(^١) السيوطي: حسن المحاضرة ١/ ٤١٧ - ٤١٨، وابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧/ ٣٥٣.\n(^٢) حسن المحاضرة ١/ ٤٦٦، النجوم الزاهرة ٧/ ٢٨١ - ٢٨٢.\n(^٣) حسن المحاضرة ١/ ٣٥٧، النجوم الزاهرة ٨/ ٢١٨ - ٢١٩.\n(^٤) علي باشا مبارك: الخطط التوفيقية ٦/ ٤٢.\n(^٥) المقريزي: الخطط ٣/ ٢٣١، وما بعدها.\n(^٦) حسن المحاضرة ٢/ ٢٦٩، والنجوم الزاهرة ٩/ ١٢٣، وبدائع الزهور ١/ ١/ ٥٦١.","vol":"1","page":52},{"text":"وقد كانَ هناك مدارسُ أخْرى انتشرتْ في أنحاء البلادِ، حتَّى قال القلقشنديُّ: \"ابتنى أكابرُ الأمراءِ وغيرهم من المدارِسِ ما ملأ الأخطاط وشحَنَها\" (^١)، منها المدرسةُ البرقوقيَّة، ومدرسةُ سرياقُوس، والمدرسةُ المحمُودية، وهذه الأخيرةُ قال عنها المقريزيُّ: \"مِنْ أحْسَنِ مدارِس مصْرَ\" (^٢).\nوأختم بالحديثِ عن المدْرَسَة الحجَازيَّة: وقد أنشأتْها الستُّ خوندتتر الحجازية بنْت المَلِك النَّاصرِ محمَّدِ بنِ قلاوُون، وزَوْجَة بكتمر الحجازيِّ، وإِلَيْه نُسِبَتْ. وكان إِنشاؤها سنة إِحدى وستِّين وسبعمائة (^٣).\nوقد ذكر المقريزيُّ: \"أن صاحبتها جعلَتْ بها درسًا للشافعيَّة والمالكيَّة، ومنبرًا لخطبة الجمعة والعيدين، وإِمامًا للصَّلواتِ الخَمْس، وخزانة كتبٍ، وجعلَتْ بها مكتبًا فوق السبِيلِ فيه عدَّة من الأَيْتَام، ورَتَّبَتْ لهم مؤدِّبًا يعلِّمهم القرآن الكَرِيمَ .. \" (^٤). وقد أجرتْ عليهم أرزاقَهُم من كلِّ يوم، وكان لا يلي نَظَر هذه المدرسة إِلا الأُمَرَاء، ثم وليها الخُدَّام وغيرهم … ومع ذلك، فهِيَ من أبْهَج مدارس القاهِرة (^٥). وقد رتَّبَتْ فيها شَيْخَ الإِسْلام البلقينيَّ مدرِّسًا بها للفقه الشافعيِّ: وهو سراج الدِّين أبو حفص عمرُ بنُ رسلانَ بْنِ نصرِ بْنِ صالح الكنانيُّ، العسْقلانيُّ الأصلِ، ثمَّ البُلْقِينيُّ المصريُّ الشافعيُّ: مجتهدٌ حافظٌ للحديثِ، ولدَ في بُلْقِينَة بمحافظة الغَرْبية سنة ٧٢٤ هـ، وطلب العلم حتَّى بَلَغ فِيهِ الغايَة، ثمَّ ولِيَ قضاء الشَّام سنة ٧٦٩ هـ، وقد صنَّف المصنَّفاتِ المُفِيدَة، في الفِقْه كـ\"التَّدريب\" في فِقْه الشَّافعيَّة، و\"محاسِنِ الاصْطِلاح\" في الحديث، وغير ذلك، تُوُفِّيَ سنة ٨٠٥ هـ (^٦).\nوقد جَرَت العادةُ عِنْدَ الفَراغِ مِنْ إِنْشَاء مدرسةٍ من المدارس في عَصْر المماليك أن يُحْتَفَل بافْتِتَاحِها احتفالًا كبيرًا يحضرُه كبارُ رجالِ الدَّوْلة والفُقَهاءُ والأعيانُ والقُضاة، ويكونُ فيه ألوان الأطعمةِ والفَوَاكِه والحَلْوى.\nقال المقريزيُّ في حديثه عن المدرسة الظاهِرِيَّة: \" … وبَعْد تمامِها جلَسَ أهْلُ\n_________\n(^١) صبح الأعشى ٣/ ٣٦٤.\n(^٢) الخطط: ٢/ ٣٩٥.\n(^٣) الخطط التوفيقية ٦/ ١٢.\n(^٤) خطط المقريزي ٣/ ٣٤٧ وما بعدها.\n(^٥) السابق.\n(^٦) حسن المحاضرة ١/ ٣٢٩، خطط المقريزي ٣/ ٣٤٧، والزركلي: الأعلام ٥/ ٤٦.","vol":"1","page":53},{"text":"الدروسِ مِنْ كلِّ طائفة في إِيوان، ثمَّ مُدَّتِ الأسمطَة، فأكَلُوا، وأُنْشِدَتْ بَعْضُ قَصَائِدَ، ثمَّ أفيضت عليهم الخِلَع، وكان يومًا مشْهُودًا\" (^١).\nوقد جرتِ العادةُ على تَعْيين مُعِيدٍ أو أكثر لكلِّ مدرِّس يُدرِّس في تِلْك المَدَارِس؛ وذلك ليعيدِ للطلبة ما ألْقَاهُ عليهم المدرِّس ليفهموه ويُحْسِنُوه، كما يَشْرَح لهم ما يحتاج إِلى الشرح (^٢).\nوقد ينوب المُعيدُون عن المدرِّسين في التدريس إِذا خَلَتِ المدرسةُ من الآخرين، فقد حكَى السُّيوطيُّ - في حديثه عن المدرسة الصَّلاحِيَّة (^٣) -: \"أنها خلتْ مِنْ مدرِّس ثلاثينَ سنةً، واكتُفِيَ فيها بالمُعِيدِينَ\" (^٤).\nوأمَّا الطَّلبة فقد تمتَّعوا بحرية اختيارِ الموادِّ الَّتِي يدرسُونها بحيث لا يمنع فقيهٌ أو مستفيدٌ من الطلبة ما يختاره من أنواع العلوم الشرعيَّة … فإِذا أتمَّ الطالبُ دراستَه وتأهَّل للفُتيا والتَّدْرِيسِ أجاز له شيخُه ذلك، وكَتَب له إِجازةً يُذْكَر فيها اسْمُ الطالبِ وشَيْخهِ ومَذْهَبه، وتاريخ الإِجازة وغير ذلك، ولا شكَّ في أن قيمة هذه الإِجازة كانَت تتوقَّف على سُمْعَة الشَّيْخِ الَّذي صَدَرَتْ عنه ومكانَتِه العِلْمِيَّةِ (^٥).\nومهما يَكُنْ، فقد كان إِنشاءُ المدارسِ سَبَبًا في كثْرة التأْليف، وكَثْرَة التَّحْصيل، واطِّلاع طالب العِلْمِ والشادِي فيه على عدَّةٍ من فُرُوع العِلْم، فقد صار طالبُ العِلْم يجدُ في المدْرَسَة علومَ العَقْل وعلوم النَّقْل، كَعُلُومِ الفِقْه والحَدِيثِ والتَّفْسِيرِ واللُّغَة، فينهل منها جميعًا، ويتثقَّف بها ثقافةَ عامَّةً، ثم يخصِّصه اتجاهُه ونزعتُه في أحَدِهِما فينظر فيه (^٦).\nوأما المكتبات، فَلَمْ تَكُن العنايةُ بها أقلَّ من العناية بالمدَارِس والجَوَامِع في عصر المماليك، فَكَانَتْ مُنْتَشِرَةً تَحوى أمهاتِ الكُتُب، مثل ما حدث من إِنشاء خزانة للكُتُب الجليلة القَدْر، وجعلوها في قَلْعة الجبل. وكذلك حرَصَ السُّلْطانُ المَنْصُور قلاوُون عَلَى أن يُزَوِّد مكتبةَ المَدْرَسَة المنصورية بالكثير من \"كتب التَّفْسير والحَدِيث والفقْه واللُّغَة والطِّبِّ\n_________\n(^١) خطط المقريزي ٣/ ٣٤٠.\n(^٢) د. سعيد عاشور: العصر المماليكي ص ٣٤٤.\n(^٣) انظر أخبارها عند: النعيمي: الدارس في أخبار المدارس ١/ ٢٥٠.\n(^٤) حسن المحاضرة ٢/ ٢٥٧.\n(^٥) العصر المماليكي ص ٣٤٤.\n(^٦) أبو زهرة: ابن تيمية ص ١٥٧.","vol":"1","page":54},{"text":"والأدَبيَّاتِ ودواوين الشعر، وكذلك المدرسة النَّاصِرِيَّة الَّتي أقامَهَا السُّلطانُ النَّاصِر مُحمَّد؛ إِذْ أنشأ بها خزانة كُتُب جليلةٍ\" (^١).\nولَمْ تَكُن المدارِسُ العلميَّة، ومكتباتُها هِيَ المَظْهَر الوحيدَ لازْدِهَار الحَالَة الثَّقافِيَّة فِي عَصْرِ سَلاطِين المماليكِ، فقد وُجِدَ - إِلى جانب ذلك - المكاتبُ الَّتِي يُعلَّم فيها الناشئة وأيتامُ المسِلِمينَ كتابَ الله تعالى، مع الإِنفاقِ عَلَيْهِم ورعايَتِهِمْ.\nويُضَاف إِلى ما سَبق انتشارُ التصوُّف في عَصْر سلاطين المَمَاليك، ويعلِّل الباحثون هذه الظَّاهرة بِكَثْرة مَنْ وفَدَ عَلَى مصْر فِي ذلكَ العَصْر مِن مشَايخِ الصُّوفيَّةِ المَغارِبَةِ والأندلسيِّين، وقد قامَتْ حياةُ الصوفيَّة في الأصْل على أساسِ التقشُّف في المَلْبَس والمأْكَل، حتَّى بالغ بعضهم في ذلِك فَلَبِسُوا المُرَقَّع من الثِّياب، وصَبروا عَلى الجُوع والعَطَش بضْعَة أيَّام.\nوقد استتبع انتشارُ التَّصوُّف وكثرةُ معتنقيه في عصْر المماليك انتشارَ خَلَواتٍ يقيمون بها، أُطْلِقَ عليها خانقاواتٌ وربطٌ وزوايا، وأجرى السلاطينُ عليهم الأرزاقَ الَّتي تسهِّل لهم الحياة، وقد ذكر المقريزيُّ: \"أن النَّاصِر رَكِبَ كَعَادته للصَّيْد، وبينما هُوَ في الطريقِ، إِذ انتابَهُ ألمٌ شديدٌ كاد يقْضِي عليه، فنزَل عن فَرَسِه، ولكنَّ الألم تزايَدَ عَلَيْه، فنَذَر إِن عافاه الله أن يَبْنِي في هذا المَوْضِع مكانًا يتعبَّد فيه النَّاس. ولما عاد إِلى قَلْعَة الجَبَل، وقد شفَاه الله مِنْ مرضه سار بِنَفْسِه إِلى الموضع الَّذي انتابه فيه المَرَض، وصَحِبَهُ جماعةٌ من المهندسين، واختَطَّ هذه الخانقاه في سنة ٨٢٣ هـ، وجعل فيها مائة صوفيٍّ، وبنى بجانبها مسجدًا تقام فيه الجمعة، وبنى بها حَمَّامًا ومَطْبَخًا\" (^٢).\nإِلا أن حياة الصوفيَّة لم تلبثْ أن تغيَّرتْ أواخرَ عَصْر المماليك، فتغيَّر وضعهم من الصَّلاح إِلى الفَسَاد، وتخلَّوْا عن النُّظُم والآدابِ الَّتي عُرِفُوا بها بَيْن النَّاسِ ممَّا أثارَ استنكار المُعَاصِرِين (^٣).\nونتاجًا لكُلِّ ما تقدَّم، فقد ازدهرتِ الحياةُ الثقافيَّة في عَصْر المماليكِ، ورأينا جمعًا\n_________\n(^١) ينظر: العصر المماليكي ص ٣٤٦،\n(^٢) أبو زهرة: ابن تيمية ص ٢٠٧.\n(^٣) ينظر: د. سعيد عبد الفتاح عاشور: العصر المماليكي ص ٣٥٣.","vol":"1","page":55},{"text":"غفيرًا من المجتَهدينَ والفقهاء وأصْحاب اليَد العُلْيا في عُلُوم الشَّرْع الحنيف. أمثال:\nعزُّ الدِّين بْنُ عبْدِ السَّلام، ومحيي الدِّين النوويّ، وابنُ دقيق العيدِ، والشَّرفُ الدِّمْياطِيّ، وابنُ مالكٍ، وأبُو حيَّان، وابنُ عقيلٍ النحويون، وابنُ تيميَّة وابنُ القَيِّمِ، وابنُ الرِّفْعَةِ، وابنُ كثيرٍ، وابنُ سَيِّد النَّاسِ، والذهبِيّ، والمِزِّيّ، والبرزاليُّ، وتقيُّ الدِّين السُّبْكِيُّ وولَدُه، وابن رجَب الحنبليّ، والقموليُّ، والكمالُ ابن قاضي شُهْبَة، وابنُ الزملكانيِّ، والصَّفَدِيُّ، وابن خَلِّكان، والتقيُّ ابنُ الصَّائغ، والتَّاجُ المراكشيّ، وابن الوَرْدِيِّ، وابنُ اللَّبَّان، ومغلطاني، وابنُ جماعة الكنانيّ، والإِسنويُّ، وابنُ نُبَاتَة، والسَّعْدُ التَفْتَازَانِيّ، والبَدْرُ الزركشيّ، والسِّرَاجَانِ: ابنُ الملقَّن والبُلْقِينيّ، والزَّيْنُ العراقيّ، وعن المؤرخين: المقريزيُّ، وابن تَغْرِي بَرْدِي، ومن الحفَّاظ: ابن حجر العَسْقلانيُّ والسَّخاويُّ، وذِكْرُ هؤلاءِ الأئمَّةِ يطول، وتحتاج تراجمهُم إِلى مجلَّدات، فَنُحيل على كُتُب التَّراجم، الَّتي عدَّدتْ مصنَّفاتِهِمْ وآثارَهُمْ في إِثراءَ الحياة الثقافيَّة في ذلك العَصْر.","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type='title' id=toc-57>تاج الدِّين السبكيّ بين يدي أصحاب الطبقات</span>\n<span data-type='title' id=toc-58>نَسَبُهُ:</span>\nهو: عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام بن حامد بن يحيى بن عمر بن عثمان بن علي بن سيار بن سوار بن سليم السبكي.\nهذا ما أثبته المصنّف في ترجمة أبيه من طبقاته (^١).\nقال الحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ: \"عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي أبو نصر تاج الدين … \" (^٢).\nوقال أبو المحاسن ابن تغري بردي المتوفى سنة ٨٧٤ هـ: \"قاضي القضاة: تاج الدين عبد الوهاب بن قاضي القضاة تقي الدين علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام الأنصاري السلمي، السبكي الشَّافعي، قاضي قضاة دمشق … \" (^٣).\nوقال الحافظ السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ: \"قاضي القضاة تاج الدين أبو النصر عبد الوهاب .. \" (^٤).\nوقال ابن هداية الله المتوفى سنة ١٠١٤ هـ: \"هو قاضي القضاة تاج الدين أبو النصر\n_________\n(^١) طبقات الشَّافعية الكبرى ١٠/ ١٣٩.\n(^٢) الدرر الكامنة ٢/ ٤٢٥.\n(^٣) النجوم الزاهرة ١١/ ١٠٨.\n(^٤) حسن المحاضرة ١/ ٣٢٨.","vol":"1","page":57},{"text":"عبد الوهاب بن علي السبكي … \" (^١).\nوقال حاجي خليفة المتوفى سنة ١٠٦٧ هـ: \"عبد الوهاب بن تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي تاج الدين أبو النصر المصري الأديب الشَّافعي … \" (^٢).\nوقال ابن العماد الحنبلي المتوفى سنة ١٠٨٩ هـ: \"قاضي القضاة تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام السبكي الشَّافعي … \" (^٣).\nوقال شمس الدين بن الغزي المتوفى سنة ١١٦٧ هـ. \"عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي شيخ الإِسلام العلامة قاضي القضاة تاج الدِّين أبو نصر القاهري، ثم الدمشقي الشَّافعي … \" (^٤).\nوقال الشوكاني المتوفى سنة ١٢٥٠: \"عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافى بن علي بن تمام السبكي تاج الدين … \" (^٥).\nوقال كحالة في \"معجمه\": \"عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام الأنصاري، الشَّافعي، السبكي \"أبو نصر، تاج الدين\" … \" (^٦).\nوقال الزركلي: عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافى السبكى، أبو نصر: قاضي القضاة … \" (^٧).\nوفي \"طبقات الأصوليين\": عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام السبكي الشَّافعي، الملقب بـ \"قاضي القضاة\" تاج الدين، المكنى بـ \"أبي نصر\" (^٨).\n_________\n(^١) طبقات الشافعية ص ٢٣٤.\n(^٢) كشف الظنون ٥/ ٦٣٩.\n(^٣) شذرات الذهب ٦/ ٢٢١.\n(^٤) ديوان الإِسلام ٣/ ٤٥.\n(^٥) البدر الطالع ١/ ٤١٠.\n(^٦) معجم المؤلفين ٦/ ٢٢٥.\n(^٧) الأعلام ٤/ ١٨٤.\n(^٨) عبد الله مصطفى المراغي: طبقات الأصوليين ٢/ ١٩١.","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type='title' id=toc-59>نسبة التاج السبكي:</span>\nنسب التاج السبكي في بعض مصادر ترجمته إِلى \"الأنصار\"، وكذا إِلى \"سبك\"، فأما النسبة الأولى، فقد تكلم هو عنها في ترجمته لجده عبد الكافي السبكي، فقال ﵀: \"نقلت من خط الجد ﵀ نسبتنا معاشر السبكية إِلى الأنصار ﵃ وقد رأيت الحافظ النسابة شرف الدين الدمياطي (^١) ﵀ يكتب بخطه للشيخ الإِمام الوالد ﵀: \"الأنصاري الخزرجي … \".\nقال: \" … وقد كانت الشعراء يمدحونه - يعني والده -، ولا يخلون قصائده من ذكر نسبته إِلى الأنصار، وهو لا ينكر ذلك عليهم، وكان ﵀ أورع وأتقى من أن يسكت على ما يعرفه باطلًا. وقد قرأ عليه شاعر العصر ابن نباتة (^٢) - غالب قصائده الَّتي امتدحه بها، وفيها نسبه إِلى الأنصار والشيخ الإِمام يُقِرُّهُ\" (^٣).\nإِلا أنه وضح أن أباه ما كان يوقع بعد اسمه بـ \"الأنصاري\"، وما ذلك إِلا شدة ورع منه، ووفور عقل، حيث الجزم بهذه النسبة يتطلب متابعتها عبر القرون، وهو ما لا يتوفر هنا لبُعد الشُّقة، واندراس القرون … قال ﵀: \" … ولم يكتب الشيخ الإِمام ﵀ بخطه لنفسه: \"الأنصاري\" قط وإِن كان شيخنا الدمياطي يكتبها له، وإِنما كان يترك الشيخ الإِمام كتابة ذلك لوفور عقله ومزيد ورعه، فلا يطرق نحوه طعن من المنكرين، ولا أن يكتبها مع احتمال عدم الصحة خشية أن يكون قد دعا نفسه إِلى قوم وليس منهم .. \" (^٤).\nوأما نسبته إِلى \"سبك\" فقد قال السيوطي في \"لب اللباب\": \"بالضم والسكون إِلى سُبْك قرية بـ \"مصر\" … \" (^٥).\n_________\n(^١) هو الإِمام الحافظ الحجة، شيخ الإِسلام شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الشَّافعي، ولد سنة ٦١٣ هـ، وتفقه، وبرع في الحديث، وجمع فأوعى، قال عنه المزي: ما رأيت في الحديث أحفظ منه، وكان بارعًا في الفقه، توفي سنة ٧٠٥ هـ.\n(^٢) هو محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن صالح بن علي بن نباتة المصري. ولد سنة ٦٨٦ هـ، وهو أديب شاعر مشهور. له من التصانيف: \"سرح العيون شرح رسالة ابن زيدون\" و\"شعار اللبيب\"، \"والزهر المنثور\"، وغير ذلك. توفي بالقاهرة سنة ٧٦٨ هـ.\n(^٣) طبقات الشَّافعية الكبرى ١٠/ ٩١ - ٩٣.\n(^٤) المصدر نفسه ١٠/ ٩٣.\n(^٥) والمصدر نفسه ٢/ ٩، وانظر تاج العروس ٧/ ١٤٠، والبيت السبكي ص ٨٥، وما بعدها.","vol":"1","page":59},{"text":"وذكر الأستاذ محمد الصادق حسين في كتابه \"البيت السبكي\" فصلًا في تحقيق هذه النسبة وتحديد سببها، ويتلخص منه أن هذه النسبة إِلى بلدة \"سبك\" وهي من أعمال محافظة المنوفية، وهناك بقعتان تسميان بهذا الاسم:\n\"سبك الضحاك\": وهي الَّتي يطلق عليها الآن: \"سبك التلات\"؛ لأن سوقها الأسبوعية يوم الثلاثاء، أو لأن بها عائلة التلاتية.\nو\"سبك العويضات\": وهي سبك العبيد، أو سبك \"الأحد\"، وتعرف عند العامة بـ \"سبك الحد\".\nوقد ذهب - في الختام - إِلى أن السبكية \"أهل البيت السبكي\" هم من سبك العويضات لا من المعروفة بـ \"سبك الضحاك\"، واستدلّ على ما ذهب إِليه بأمور:\nأولًا: بما ورد في \"أعيان العصر\" لصلاح الدين الصَّفَدي المتوفى سنة ٧٦٤ هـ، فقد ذكر عند ترجمته الشيخ تقي الدين علي بن عبد الكافي - أنه من أهل سبك العبيد؛ لأن الصفدي - وهو خليل بن عز الدين بن أيبك - كان من تلاميذ الشيخ تقي الدين، وكان كذلك على صلة وثيقة بابن الشيخ، وهو تاج الدين، وبعيد الَّا يكون على علم ببلدة شيخه\".\nثانيًا: بما أورده الفيروزآبادي - محمد بن يعقوب بن محمد أبو طاهر مجد الدين - المتوفى سنة ٨١٧ هـ، في كتابه \"القاموس المحيط\"، في مادة \"سبك\" (^١) قال: سبك الضحاك قرية بـ \"مصر\". وسبك العبيد: قرية أخرى بها. منها شيخنا علي بن عبد الكافي\".\nوما قيل في كلام \"الصفدي\" يقال هنا مع الفيروزآبادي.\nثالثًا: بما أورده الزبيدي - ٨٤٣ هـ ذكر في مادة \"سبك\": سبك الضحاك: من أعمال المنوفية ومعروفة بسبك الثلاثاء. ويذكر أنه دخلها، وبات فيها ليلتين.\nوسبك العبيد: قرية أخرى من أعمال المنوفية أيضًا، وقد دخلها أكثر من مرة، وتعرف أيضًا بـ \"سبك الأحد\"، و\"سبك العويضات\"، وأن منها \"السبكية\" أولاد تقي الدين.\nثم جزم الأستاذ محمد الصادق حسين بأن: \"السبكية المشهورون في دولة المماليك من سبك العويضات ما في ذلك شك\" (^٢).\n_________\n(^١) ترتيب القاموس ٢/ ٥١٥.\n(^٢) البيت السبكي ص ٩١.","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type='title' id=toc-60>مولده:</span>\nتكاد تجمع كتب التراجم على أن مولد التاج السبكي كان سنة ٧٢٧ هـ، قال ذلك: ابن حجر، وابن تغري بردي (^١)، وحاجي خليفة، وابن العماد الحنبلي، والشوكاني، وكحالة، والزركلي.\nوأما الذهبي، فقد ترجم له في المعجم الصغير، وذكر أن مولده كان سنة ٧٢٨ هـ وذهب الزبيدي (^٢)، والسيوطي (^٣) من بعده إِلى أنه ولد سنة ٧٢٩ هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-61>نشأته:</span>\nوقبل أن نتحدث عن نشأة ذلك الجهبذ المجتهد يحسن بنا أن نقدم بالحديث عن البيت الذي نشأ فيه، والذي يعرف بـ \"البيت السبكي\":\nعرف البيت السبكي بالورع والعلم، فقد كان من بيوتات الفضل والصلاح، يعرف ذلك كل من قرأ كتب التاريخ والتراجم، وإِن من يرجع إِلى أصول هذا البيت الشريف، يجد أن الجد الأكبر علي بن تمام كان قاضيًا، وقد ترك فرعين له، هما يحيى بن علي بن تمام المتوفى سنة ٧٢٥ هـ، في السلطنة الثَّالثة للناصر محمد بن قلاوون. وأخوه زين الدين أبو محمد عبد الكافي - جد تاج الدين، وقد كانت ولادته في سنة ٦٥٩ هـ على التقريب أي في سلطنة بيبرس البندقداري.\nوقد ذكر القلقشندي (^٤)، وابن حجر (^٥) أن عمر بن عبد الله بن صالح - قد ولي قضاء المالكية بالديار المصرية سنة ٦٦٣ هـ، وذلك بعد أن استقر الحال في الأيام الظاهرية، حيث إِن بيبرس البندقداري جعل القضاة أربعة بدل قاض واحد من الشَّافعية.\nوقد عده الزبيدي في السبكية قال: \"ومن عشيرتهم قاضي القضاة شرف الدين عو بن عبد الله بن صالح السبكي المالكي … \" (^٦).\n_________\n(^١) وقد فهم ذلك من ذكر وفاته سنة ٧٧١ هـ، وقوله بعد ذلك: \" … عن أربع وأربعين سنة\".\n(^٢) تاج العروس: ٧/ ١٤١.\n(^٣) حسن المحاضرة ١/ ٣٢٨.\n(^٤) صبح الأعشى ٤/ ٣٥.\n(^٥) رفع الإِصر عن قضاة مصر.\n(^٦) تاج العروس: ٧/ ١٤١.","vol":"1","page":61},{"text":"ونحن نختصر البيت السبكي لتفرعه، ونكتفي بذكر أسرة السبكي فقط الَّتي انحدرت من الجد الأكبر علي بن تمام، ونتبع ذلك برسم توضيحي:\n١ - صدر الدين أبو زكريا يحيى قاضي المحلة، ثم اشتغل بالتدريس في القاهرة، وتوفي سنة ٧٢٥ هـ.\n٢ - تقي الدين أبو الفتح محمد، ولد عام ٧٠٧ هـ، واشتغل بالتدريس في القاهرة ودمشق، وتوفي سنة ٧٤٤ هـ.\n٣ - بهاء الدين أبو البقاء محمد، ولد سنة ٧٠٨ هـ، واشتغل بالتدريس، وكان قاضيًا وحاكمًا بـ \"دمشق\" والقاهرة، ووكيلًا للسلطان، وخطيب المسجد الأموي بدمشق، وتوفي عام ٧٧٧ هـ.\n٤ - وَلِيُّ الدين أبو نصر عبد الله، ولد عام ٧٣٥ هـ، واشتغل بالتدريس، وكان قاضيًا وخطيبًا وقيمًا على الشؤون المالية بدمشق، وتوفي عام ٧٨٥ هـ.\n٥ - بدر الدين أبو عبد الله محمد، ولد عام ٧٤١ هـ، اشتغل بالتدريس، وولي الإِفتاء والقضاء بالقاهرة ودمشق، وكان خطيبًا بالمسجد الأموي … توفي سنة ٨٠٢ أو ٨٠٣ هـ.\n٦ - شيخ الإِسلام تقي الدين أبو الحسن، ولد عام ٦٨٣ هـ، تلقى العلم بالقاهرة خاصة، واشتغل بالتدريس، وولي الإِفتاء والقضاء بالقاهرة ودمشق، وخطيبًا بالمسجد الأموي، وتوفي عام ٧٥٦ هـ، وله أكثر من مائة وخمسين مصنفًا.\n٧ - بهاء الدين أبو حامد أحمد، ولد سنة ٧١٩ هـ، اشتغل بالتدريس، وولي الإِفتاء والقضاء في القاهرة ودمشق وتوفي \"بـ \"مكة\" عام ٧٧٣ هـ.\n٨ - جمال الدين أبو الطيب الحسين، ولد عام ٧٢٢ هـ، توفي ٧٥٥ هـ، وقام بالتدريس في القاهرة ودمشق، واشتغل في دمشق أيضًا نائبًا للقاضي.\n٩ - تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب، ولد عام ٧٢٧ أو ٢٨، أو ٢٩، وقام بالتدريس، واشتغل أستاذًا وقاضيًا وحاكمًا في دمشق والقاهرة، ثم غدا خطيبًا للمسجد الأموي، وقد حبس ثمانين يومًا تقريبًا … وتوفي بالطاعون سنة ٧٧١ هـ.\n١٠ - محمد، وقد وجه إِليه أبوه رسالة \"قصيدة\" كلها عنف وتعنيف …","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type='title' id=toc-62>آل السبكي</span>\nضياء الدين أبو الحسن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام بن حماد بن يحيى بن عثمان بن علي بن سوار بن سليم الأنصاري الخزرجي.\n <img src='data:image/jpg;base64،/9j/4AAQSkZJRgABAAEAqACoAAD//gAfTEVBRCBUZWNobm9sb2dpZXMgSW5jLiBWMS4wMQD/2wCEAAUFBQgFCAwHBwwMCQkJDA0MDAwMDQ0NDQ0NDQ0NDQ0NDQ0NDQ0NDQ0NDQ0NDQ0NDQ0NDQ0NDQ0NDQ0NDQ0NDQ0BBQgICgcKDAcHDA0MCgwNDQ0NDQ0NDQ0NDQ0NDQ0NDQ0NDQ0NDQ0NDQ0NDQ0NDQ0NDQ0NDQ0NDQ0NDQ0NDQ0NDf/EAaIAAAEFAQEBAQEBAAAAAAAAAAABAgMEBQYHCAkKCwEAAwEBAQEBAQEBAQAAAAAAAAECAwQFBgcICQoLEAACAQMDAgQDBQUEBAAAAX0BAgMABBEFEiExQQYTUWEHInEUMoGRoQgjQrHBFVLR8CQzYnKCCQoWFxgZGiUmJygpKjQ1Njc4OTpDREVGR0hJSlNUVVZXWFlaY2RlZmdoaWpzdHV2d3h5eoOEhYaHiImKkpOUlZaXmJmaoqOkpaanqKmqsrO0tba3uLm6wsPExcbHyMnK0tPU1dbX2Nna4eLj5OXm5+jp6vHy8/T19vf4+foRAAIBAgQEAwQHBQQEAAECdwABAgMRBAUhMQYSQVEHYXETIjKBCBRCkaGxwQkjM1LwFWJy0QoWJDThJfEXGBkaJicoKSo1Njc4OTpDREVGR0hJSlNUVVZXWFlaY2RlZmdoaWpzdHV2d3h5eoKDhIWGh4iJipKTlJWWl5iZmqKjpKWmp6ipqrKztLW2t7i5usLDxMXGx8jJytLT1NXW19jZ2uLj5OXm5+jp6vLz9PX29/j5+v/AABEIBH4ECwMBEQACEQEDEQH/2gAMAwEAAhEDEQA/APsugAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD5x+HXi7VdS+IHiDRru4eaxt/MeGJ+VhMU0UKiL+4pRzuUcMwDnLZJAPo6gAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPk34Wf8lS8Sf7lz/6V29AH1lQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHyn8Ko0PxN8TSFwHUTKseGyytdRFnBxtAQqqkEhiZAVBCsQAfVlABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfJvws/5Kl4k/3Ln/0rt6APrKgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPk34Wf8lS8Sf7lz/6V29AH1lQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHyb8LP+SpeJP8Acuf/AErt6APrKgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPk34Wf8lS8Sf7lz/wCldvQB9ZUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8m/Cz/kqXiT/cuf8A0rt6APrKgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPlL4ZQSW/wAU/EiyqyExTOAwIJV7m2dGAP8ACyMGU9CpBHBoA+raACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+Tvhcxb4peJCST+7uBz6C6twB+A4HtQB9Y0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8m/Cz/kqXiT/cuf8A0rt6APrKgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPmDwFepf/FfxDJGvlhLTySOOWhezhduP77IW9eeec0AfT9ABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfI3xR1zxXqPjy38KeHdRbThc2qNGCxSIOEnmdnKRu5JWPA+VucDgcgAsf8ACtfiv/0MUH/gRc//ACHQAf8ACtfiv/0MUH/gRc//ACHQAf8ACtfiv/0MUH/gRc//ACHQBtWfhL4u2UQhTXNNcLnDSoZXOSTy76ezHrgZJwMAcAUAYzWnxsUkC4tGAPBC6fg+4zCDz7gH2oAT7N8bf+e9p+Wnf/GqALNpp/xpuJVjlvLG3Rs5kdLJlXAJGRFbyOckYG1DyRnAyQAbX/COfF//AKDWk/8Afhf/AJXUAH/COfF//oNaT/34X/5XUAH/AAjnxf8A+g1pP/fhf/ldQAf8I58X/wDoNaT/AN+F/wDldQAf8I58X/8AoNaT/wB+F/8AldQAf8I58X/+g1pP/fhf/ldQAf8ACOfF/wD6DWk/9+F/+V1AB/wjnxf/AOg1pP8A34X/AOV1AB/wjnxf/wCg1pP/AH4X/wCV1AB/wjnxf/6DWk/9+F/+V1AB/wAI58X/APoNaT/34X/5XUAH/COfF/8A6DWk/wDfhf8A5XUAH/COfF//AKDWk/8Afhf/AJXUAH/COfF//oNaT/34X/5XUAH/AAjnxf8A+g1pP/fhf/ldQAf8I58X/wDoNaT/AN+F/wDldQAf8I58X/8AoNaT/wB+F/8AldQAf8I58X/+g1pP/fhf/ldQAf8ACOfF/wD6DWk/9+F/+V1AEMmgfGFHRV1fS3VyQzCGICMBSQWDWAYgkBRsDHJBIC5IAMi5sfjVBI0cd3ZTIpwJEWxCsPUCS3RwP95VPtQBsQaB8YZY1d9Y0uJmUExtDGWQkcqSlgyEjoSrMPQkUAS/8I58X/8AoNaT/wB+F/8AldQAf8I58X/+g1pP/fhf/ldQAf8ACOfF/wD6DWk/9+F/+V1AHIaT8IPiNoerXWv2WqaVHqGoBhcSlXYOHdZGxG1iY1yyKflUYxgcE0Adf/wjnxf/AOg1pP8A34X/AOV1AB/wjnxf/wCg1pP/AH4X/wCV1AB/wjnxf/6DWk/9+F/+V1AB/wAI58X/APoNaT/34X/5XUAH/COfF/8A6DWk/wDfhf8A5XUAH/COfF//AKDWk/8Afhf/AJXUAH/COfF//oNaT/34X/5XUAH/AAjnxf8A+g1pP/fhf/ldQAf8I58X/wDoNaT/AN+F/wDldQAf8I58X/8AoNaT/wB+F/8AldQAf8I58X/+g1pP/fhf/ldQAf8ACOfF/wD6DWk/9+F/+V1AEMugfGGMoE1fS5A7bWKwxARjBO9t1gpK5AXCBmywO3aCQATf8I58X/8AoNaT/wB+F/8AldQAf8I58X/+g1pP/fhf/ldQAf8ACOfF/wD6DWk/9+F/+V1AB/wjnxf/AOg1pP8A34X/AOV1AB/wjnxf/wCg1pP/AH4X/wCV1AB/wjnxf/6DWk/9+F/+V1AB/wAI58X/APoNaT/34X/5XUAH/COfF/8A6DWk/wDfhf8A5XUAH/COfF//AKDWk/8Afhf/AJXUAH/COfF//oNaT/34X/5XUAH/AAjnxf8A+g1pP/fhf/ldQAf8I58X/wDoNaT/AN+F/wDldQAf8I58X/8AoNaT/wB+F/8AldQAf8I58X/+g1pP/fhf/ldQBmDwP8W1WZP7escXByxJkymSTiI/YcwjnpHtGMDoBQBn/wDCtfiv/wBDFB/4EXP/AMh0AH/Ctfiv/wBDFB/4EXP/AMh0AH/Ctfiv/wBDFB/4EXP/AMh0AH/Ctfiv/wBDFB/4EXP/AMh0AcR468FfFHRtPkvb3VZL60tEM8ptLuZWjCZBJXy4JGCqSzbQyqoLNjbwAeufs0eINQ17w9cf2lPJdG1vWiiaVi7qhiik2l2y7De7EbiSAcDgAUAfRlABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8m6/8A8lp0z/r0/wDbS8oA+sqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDjviJ/yK+r/APYMvv8A0mloA8M/ZR/5F++/7CB/9J4KAPqSgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+Tdf/wCS06Z/16f+2l5QB9ZUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHHfET/AJFfV/8AsGX3/pNLQB4l+yrIjeHLtUTYy37h23E7yYISDg8LtBC4XrjJ5NAH09QAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfJuv8A/JadM/69P/bS8oA+sqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDjviJ/yK+r/9gy+/9JpaAPDP2Uf+Rfvv+wgf/SeCgD6koAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPk3X/wDktOmf9en/ALaXlAH1lQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAZ2sRJPY3EUqq8bwSqysAyspjYFWU5BBHBBGCODQB88fssrbr4YuDCzGY38nng/dVhFEEC8Dgx7SeW5J6dKAPpigAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+Tdf8A+S06Z/16f+2l5QB9ZUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAFLU/+PSf/rjJ/wCgGgD56/Zc0/7L4Wlud277XfSttxjZsSKPGcnOdu7oMZxz1oA+kqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD5N1/8A5LTpn/Xp/wC2l5QB9ZUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAFLU/wDj0n/64yf+gGgD54/ZbI/4RabCIv8Ap0uWVwzP+7i5dM5jI+6AQNygN3zQB9KUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHybr/APyWnTP+vT/20vKAPrKgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoApan/x6T/8AXGT/ANANAHzj+yuYP+EauREHEov384sRtLeTDt2Y5ACbQc/xZxxQB9N0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHybr/APyWnTP+vT/20vKAPrKgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoApan/x6T/8AXGT/ANANAHzR+yj/AMi/ff8AYQP/AKTwUAfUlABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8m6/wD8lp0z/r0/9tLygD6yoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAKWp/8ek//AFxk/wDQDQB80fso/wDIv33/AGED/wCk8FAH1JQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfJuv8A/JadM/69P/bS8oA+sqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgClqf/HpP/wBcZP8A0A0AfNH7KP8AyL99/wBhA/8ApPBQB9SUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHybr/APyWnTP+vT/20vKAPrKgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoApan/x6T/8AXGT/ANANAHzR+yj/AMi/ff8AYQP/AKTwUAfUlABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8m6/wD8lp0z/r0/9tLygD6yoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAKWp/8ek//AFxk/wDQDQB80fso/wDIv33/AGED/wCk8FAH1JQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfJuv8A/JadM/69P/bS8oA+sqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgClqf/HpP/wBcZP8A0A0AfNH7KP8AyL99/wBhA/8ApPBQB9SUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHybr/APyWnTP+vT/20vKAPrKgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAguyiwyGYZjCNvA7rtO4du2e4oA+bP2X2hfR9Ta2BWA6pIYwc5EZhh2A5JOQuBySfc0AfTVABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8m6//wAlp0z/AK9P/bS8oA+sqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgClqf/AB6T/wDXGT/0A0AfNH7KP/Iv33/YQP8A6TwUAfUlABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8m6//wAlp0z/AK9P/bS8oA+sqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgClqf/AB6T/wDXGT/0A0AfNH7KP/Iv33/YQP8A6TwUAfUlABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8m6//wAlp0z/AK9P/bS8oA+sqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgClqf/AB6T/wDXGT/0A0AfNH7KP/Iv33/YQP8A6TwUAfUlABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8m6//wAlp0z/AK9P/bS8oA+sqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgClqf/AB6T/wDXGT/0A0AfNH7KP/Iv33/YQP8A6TwUAfUlABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8m6//wAlp0z/AK9P/bS8oA+sqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgClqf/AB6T/wDXGT/0A0AfNH7KP/Iv33/YQP8A6TwUAfUlABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8oa/G/8AwujTGCnH2QnODjAtbwE59MkDPqcUAfV9ABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQByPxAkaHw1q0kZKOmm3rKykgqRbSEEEcgg8gjkGgDwn9lH/kX77/sIH/0ngoA+pKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgCMwxlxKVXzFG0PgbgD1AbqAfTOKAJKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgBksSTI0cih0cFWVgCrKRggg8EEcEHgigDH0Lw1pnhiKSDSLaKyimlaZ0hUIpkbALYHA4ACqMKqgKoAAFAG3QAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBzniTxdpHhCJLjWrqOzjlbZGXyS7YyQqqGY4HUhcDIyRkZAOjByMigAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDyjSvFfiG68Z3eiXOntBo0Vvvhunx8zIQPNRx8rrMXC+VkvHs3NtO9QAWNL8eTX3jO98KTRLbx2VnHPCc7nnLMheTK5WNFWRFWNsOTuY56KAbHjf4haN8P7b7Tq8213BMUCYaebBAOxMjgEjcxIUDPOeCAeHP4r+IvxJlEeg2R8PaRMQpvJ9ouPKZv9Ypk2sX2owCwRnazAGUZWQAHZazr+vaJ480bQbaUzaRdWTCSNwJJGaJZQ88shHmbhiIht+GJYsCTQB2HhDx3/wAJXrWtaXFGI4NDmgtlcgh5JSbhZyfmK7A8IEeApIyW6jAB6NQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfOPx98JHVPsfiC4ujYafocVzJPLFzcl5WtxBHbqSq75XXYHZwEJB2v90gHsXgS0is9BsRAZSstvHOWnlaaVnuFE8jSStguzPIxJwo/uqowAAdZQAUAFABQAUAcr448QyeFNDvdZhjWaSygaVI3JCswwBuI5xk5IGCQMAjOQAYej/EexvdD0vWrjML61LbWsUW1lLXM8gidUDDOxCJJAxJVo0yrNlSQD0agAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA8H8Oa3d/E7xLLqFpNNb+HNAkaCNEk2rf3ynJlfaMPBGhUohY8mOTjeygA9T8ZeIV8J6Le6ywVjZW7yqrttV5AMRxlhkjzJCqDHJLADmgDM+HXjOLx7odvrEe1ZZF2XEa5xHcJgSoASSFz8yZJOxlyT1oA5n4o3Ws+FjB4s0QNcxaerJqVkWwk1l98yqCcLLbkMQ4UsFdicorK4B6L4e1228Tadb6tYktb3kSypnGRuHKNgkB0bKOAThlIzxQBs0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfJHjH4+Xvh7xyNJhMbaLaSxW10pVdzO23zpRI20o0DNtC7hGTGxbIYEAHYWVs9v8XJ522+XeaEJISGB3KJIIyeP9qJ8DuBu6GgDg/GGoTfDTxrdeI/EGmyazpd68H2O8fa7WYRNzRwK2Y0ZGZtiuYi3lh0cEswAPp7wr4u0vxnZLqGjzLcQnAYDh4nKhjHIh5RwCMg8dwSOaAPHfix5eleMPCmrbXd3vJLIgEBQsxijU/dPIacsRn5lXAAPNAE3wlsn03xb4wglKl3v7acbSfuT/AGqdeoByFlUNxgNkAkYJAPoGgDjPiNHcS+GdUSz3eebC58vYdrbvKb7pyMH3yKAOZ+Bt9HfeC9NaMlvLieJiQR88crqw5689+hoA9C1/XLXwzp9xq1+3l21nG0sh4zgdFUEgF3YhEXOWdlUcmgDw3w98W/FOsSR30vhy4TRJSz/aEYmYW5BKTCJ9hkG3a52D94uTFuyuQD6HR1kAZCGU8gg5BHsRQA6gDwL4k3M9h418LSzT+XYSz3EQi3Ng3Jj8tGZQNpLeekaMSSCzD5QSSAe+EhRk8AckntQA2ORJV3RsGU9CpBH5jigDzXxF8YfC/hXURo+pXgjuht3hUeRIt3QSuisEOMMVPIUgkcigDuNJ1zT9dgS6024huoZF3K0Tq4I6HIByCDwwIBVvlYA8UAatAHPnxXpK6p/YJu4f7TMfm/Zt48zb16dN2Pm2Z37Pn27eaAOgoAKACgDxj47r/afgbUxZkT+WYi2xlIXyLuIzZIOAYtj716gqVIyMUAeheC/+QDpv/Xhaf+k8dAHS0Acvc+M9Is9Zi8NzXCx6lcxGaKEgjcuSAA2Nu9trFUzuYKSB0yAdRQA1XVshSDtODg5weuD6HkcUAeb/ABg1q88O+EtR1HTZDb3UMcQjkUAsnmXEUbFcggHY7AHGQeRggGgCPWFbxn4EkklV/N1HRhP5cWWcyvaiZUT5SWJkwuNuWzgcmgD54vdQtf8AhFfA2vMJcadqUFuUG35hHIVmIXOCS9mPKJdflY7gCflAPtWgAJxyaAMTRfEul+IfN/sq6gvPsshimELq5jcFhhgDkAlW2N91wpKFgM0AbdAFW+hkuLeWKB/JlkjdUkAzsdlIV8d9pIbHtQBwfwu8Maz4S0g2PiG9/tK7NxJIsvmSyhImCBYxJMFdsMrPyAFLlRkDJAPRqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA8W+JPxntPh7dR6elncaldMnmSLETGkSH7mXKOGZ+SFUcAZYgkAgFDw3+0X4S1xQLmaTS5scpdIduflztlj3oRliFLbGIUsyKMUAetaZ4q0bWpTb6bf2d5MFLGO3uYZXCjALFY3Y4BIycY5FAC+HvEun+Kbd7zSpluIY5pbdmU5AkhYq4+h4ZD0eNkdcqykgGb8QL2XTfDep3VuA0sNjcsgIJBIibGQCCfwIoA4n4A2sVp4KsPJkEvmedI5GPld5nLIcE8qeDnn1FAHq2q6bBrNnNp92u+C6ieGRfVJFKsO/ODxx1oA+Yv2eIbrwvrGveEZ8tFYTrKhPGTuMQcKMgedEInPOQAo9aAPqe4gS5ieCUZSRWRh0yrAgjjnkHtQB4D+zfd7/AA9dWSrsjsNTuoE5JJUiOUZz6eZt75Az1NAH0HQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAEgDJ4AoAq2N9b6lCt1aSJNBJkpIhDKwBKkqw4IyCMjg9qAPNPih8V7D4Z20bSp9svrg4htFkCOUw2ZXba+yMMAmdpLMcKpw20A+VfsWs/GHVpUXw/b6bJfSR/bNReK5DxQqVwVadzCkpWILvhhWSU7gRtd6APVfjFb6v4M8SaN4x0e2k1COytjZSRiNmAC+bwzR7mUzRTyBW8vajR5+bO2gDjb743eLPiBE+k6RoUT2+pL5EfmRy3CnPyybpX8q2IyGyzoqxj7xyu6gDUuvhn4j+D0Vr4h8INJdsLeFdWsOZFkkVQZHVR8zwl93CYlhGWVyjPtAKWn+OdZ+OPiPRo4bB7DTNJvVvZnRnmQvAVfMkhWGPPCxRqFMiec7fOG20Ae0eAtNH/CbeKtRaMg+bp9vHLzgj7IskqDnaSP3LNxkAryA3IB6vr93c2Gm3d1Yx+fdQW08kEWC3mSpEzRptXDHe4C4Byc4HNAHyXbfHjxJ41t38OabomdUuI/ssk3mv5cUkilZJJITAvlDaJGCyTYTGSX2kEA5Twz8UNf+CkEvgvUNNF1dRzO1qTKVA877uxUib7RE8uZEwyOSzRlgcBADN8T/ABp13V9CufBOvae7arO4jeckxSg/aEnSM2iwcsABEu113LtbDNksAa3g7wL8R/GWmQ6Tc3c+k6HEoiCzgxM0DruIWJFSW4j2kBRM4TJ2gja20A+0/C+hJ4X0q00eNzMljBHCJGAUvsXG4gZAz1xk46ZPWgDzD4v/ABSvvhi9jcQWX26zuTOs7F2jCuqp5SCQRyBGJLNyDuVGAXPzKAeD+PfE3in4lx2XiXRtGuLOz8OyfalmkZGkaXEErMsTBGkijMYIMaSbk+dtuSqgFrxP8ade+JehSab4b0m6jZ0ZdRmiVp1SPAzHCyoMeYpy7MA6qdqg530Acf8ADz4zr8P7ieHT7O5m8PO0cjQSyeZNaStHtfy5Rti2yTA4DqhkVQTh80AW9T1+3+J8l5Y+EvCscl1qUkkst/PIXmWRlEjusrFIrVw/IT7QYnB2+V+8KkA5zxh8HNZ+GOipr1zdhJ5Z47dobQyfu0kSRy0k4KcB4kXaFKsXHzAgAgHZfDj4423g7RxpNpaX+raxcybt00oKSTSFUWNAGlkCIoAUKm6Ruuzd8oBQ8KeFvFEnjCwN9pclrqsV89/eX8m9o5YJHLSF8M1v8gLRxGBl5IQoxHAB+gFAHFfEXxQ/gzw9e6zEhlltov3agZHmSMI42YYPyIzhn4xtBzjrQB8VfDj45t4Nvry41WS+1eHUUSR9+1XjugzFzGhneMRMrkEjax2xgIirigDu/A91cX3ww8SXU/meXPPfSQ+YSfkeOFm2k5/5al92Or7u+aAPpr4b6fNpXhnTLS5JaWOyg3Z3ZBZA20huQVBCkHoRigDtaAOak8HaPLqyeIWtYv7UiUqtyMh8FPL+YAhXIT5VZ1ZkHCkUAeQ6x+0PpPhrXb7Q9Ytbm3WxdUjmQCQzEqrMTEfLMa/MDEweQSIQ/wAuQKAOI+F3js6f/wAJX4o23F5o4uVvI5HASZndm/cqrSMoMcTIuc/dRMkZCgAf42+O2k+N9DuPD/h+3vLnVNUjW3iha3DD94R5mMOxLKgfYVXIfa4xtoAq+Bf2h9G0Hw3baVrKXR1CxgNsVjiVlYRZSEbtyBTsCIcqcYyWY5NAGQ2gXF58MfDmFdZotWikji2EtKLi8uUj28gjcsqupAO4Yx1zQB9sUANdFkUo4DKwIIPIIPBBHoR1oA870rwvoXwn0/Ub/TYGhgbzLydVzI2I0YrFHwWEaDcI0OQhdjnkmgDyTxT8e/DniPwteRWF6+napc2sqRwyQzGRX5Bj8yOKSENKgKo4kAUuGLIQSAD2D4U6jc6t4T0u7vVdZ3tIwxkYs7hMosxZgCfPRVmGc8OOW+8QDmfGnxB1Hwp4t0fS3hVdG1T9y855LXMjFERdoZkMZMRIIw4l6qEY0Aez0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAGXpes22secbNi62txJbO+0hTLFgShCfviNyY2YcCRHXqpoA4T4q/EiH4b6WLpUW4v7pvKs7diw8xxjcx2jcUiDKWAILFlQMCwIAPArv4l/Fm6k8220V7eNgMIthM46ddzsW569eKAMy78TfGPXU2x2VxafZSLkmK2W3ZxEc+X+9YecGJGYEDNKBjay7hQB0UHij4veKnjsbexXRxtjWW6ktxEB8w3Tf6Szgkj70cUbkLnaoPIAHP+zBa2mm3l3d3VxqmrNbXEkCRhYIjdGPdGPmLM5MwILM6K4YZRCM0AeOeBPEfiP4TyTx22gs99L8kstxBemTyztdY9qOsQUEBgQu4k8tjigD6j+AHhPVPDml3l5rEX2ObVbtrhbQLsECYIyEBIj3liBHgFERMk5woB7rcW8d3E8Ew3RyqyOvIyrAqwyMEZBI4IPpQB8+/Cu4k+Huq3Xw91M7Y/MkvNImYBVmt5Gy0IY7d8yE7iqqx3ecM7VUAA+iKAPDbTQbix+KNxqMayG1vNEV5HEZWJZhPHEqM4+VpCsJkGcMAxGMDJAOu+J/jGLwbossoBlvbwG2srdOZJriUFUCqCHZVLBn2ZYDAHJFADPhP4QfwR4cttNuMfaiGnuSCTmaU7mGSASVXahyOqnHGKAPR6ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAOa8aXEtpoGpT27FJorC7eNl6q628jKR7hgCPegDyPwJ8cvB8mkWttNcrpktrbwxPBNGyBWRdhEbIhR1+TcNvRWXcFYlQAeIfGbX/D/AIk1aHWfDGp3l3r0Rt4baC3hZoQA24GKTYjAgs5KDzmeWTbtCbsAH2F4Dg1e20Kzj8QyGbUxFm4YhQ25mZlRtnylo0KozD7zKW70AddQA1UVBtUBQOwGB+QoAdQA1I1jGEAUegAH8qAFChckADPJ9/rQAtADVjVCSoALdSABn6+tAGD4o1aPw7ptzrEkD3X2KFpfLiUNI2znC56AdWbnaoZsHGKAKPgrxHbeNtIttfggMAu1ZgkgUuhjkeJvmHUbkJVuMrg4U8AA66gAoAa8ayDDgMPQgEfrQAuABjt0xQA1I1iGEAUegAH8qAMax8MaVpktxcWlpbwSXxBuGSJF80rnBcAYPUk8csSxyxJIBqWtpBYxrBaxpBFGAqxxqqIqgYAVVAAAAwABgDgUAOuLeK7jaCdFlikBV0dQyMpGCrKwIII4IIII4NAGPYeFdG0qUXFjYWVrMAQJIbaGJwD1AZEVsHuM0Ab1ADJZBCjSMCQiliFBZiAM4CjJJ9AASTwOaAPCb79obwQYpYZpppvldXgazm+fghomWRAnzfdIchecMQM0Acp8NPC+k3sOq+PtZ0y0tdPvlMtpZvbxyLb2tsrGSURumxWnKbsoqhwu9AqOAQD2XwP4m0L4g6L5ulQqNPBa2e0mgjRY9gX900I3xbdhUgKWTaQOCCAAd/0oA8Q+NuvQaNBpEd+zRWE+r2zXcis67YoMy4YR8spYKxHqoOCRQB3Z+I3hgQ/af7W0/wAsJ5n/AB9w7tu3d/q9/mbsfwbd+fl254oA8Ckm8LeM9U1/xpqdpJqmkaTBZ20DRxs4mZQ7XEkUf7tsoWiXczLGsZaRjs+ZQD0P4VeN/D3jGG50PQ9NksdOs4kIjnijEcyT7g4MYaQHLZ3bmfepySPu0AelaN4O0Xw7LJcaXZW1nLOSZHiiVGOcZAIHypwDsXamedtAGPffC/wtqV2dQudMtJLlnDs5jA3ODncyjCMSeWLKd5yWzk0AdReaJZX0cEE0SmKzminhRflVJIDmEhVwMRnBVfuggccUAalAHjOn+K4JPiDqOmXd2bcWdhaQ21rJOFhnkmzczypEcBpkUwoMEuE8w4Kk7QDv/EninR9AsZbnVbi3SARyZjeSPMwCEtEiOw81nGQEGc5weM0AfHumeHfh/wCDNH0bUPFtrdS32qo11lfN2IqvvQSwCVAYyrIihUfzBywCnNAHv+mfHnwZNpy3huTYoqsFtpYWWZRH8oVY4hIhGANojdhggcHIAB5jo2vz/HPxjZ3sFvJB4f8ADxNyjTKd0s+V2bipZBIXVWVFb5Y4mZmJIWgD64oAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAhuWkSJ2gUSSqjFEJ2hnAO1SewJwCe3WgD5H+Gfx10Twppq+H/ABBBPpt3YyTrIywl0dzKWO8J++WYs7Bg0RHyZMmSFoA5z4v+O/B3xKWGPT/7WvtUhikSyS1j2QGaVlCiWKVTIx3AH9xHvcYQv90oAfQ3wW0LXdA8PLF4lnknu55TMiTSNJJbwukYSF2ck7gVZyuSE37OoIoA5b4gXnxMXXHj8KxRLpUcMbIzi2cSMApl3eYPNVtzFBGvJVN68mgD3+DzPLXztvmbRv2527sDdtzztznGecdaAJaAOW8atrSaPcHwysbartQW4l2bATIgdj5hCZWIuy7sqWAyG+6QDkfhvP42mnvD40jtoY8RG1S32fKTvEgDIz5UYU/vHZwT12kUAer0AULvS7S/kimuYY5ZbV/Mhd0BeJ/70bEbkJ6HaRkcHIoAv0AFAGDdeGNOvdTg1u4hWS+s4nigkYkiJXOWKITtDnpvxuCkgHBoA3qACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAIzweQaAPmr4ueDPDPh6OPWE8Nf2xcXdwIZEtZrm22llZhIyWwZCWYbc+WCSRljgCgDrPgppdimj/AGxNETQLtZ5onRgzSsY2KlxJOWuFX5mj2yMCCrbQYypIB7TQAUAFABQAUAFABQAUABGeDQBHDCluixRKsaIAFVQFVQOgAGAAOwAxQBJQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAec6l8JPCer6g2r3umwzXkjB3dmlCOw/ieESCFyerFozuPLZPNAHoaxIqCMKAgG0KANoXGNuOmMcY6Y4oAqabpdpo8AtLCGO1gQsVjiRUQFiWYhVAGSSSfU0AXqAOc8V+E9O8aae+k6tGZbeQhvlJV0deVdGHKuvODyCCVYFSQQDwK1/ZV8PQzLJNeX00anLRkxKGHoWWMMPqOaAPojRfD+n+HbJNL02BLeziUqsSglcN97cWJZy2TuZyzMTliaANWONYVEcYCIgCqqgAKAMAADgADgAcAUAPoAKACgAoA8N+KPwN0/4kXCaitw2n36II2lWMSpKinK74y8fzKCQrq6nBAYMFUAA4zwr+y3pOkXQudYu31RIyrJAIRbxkg5Pm/vZmkU8DaGQYyDuzwAfSF7oWnaksKXdtBOtqd0CyRI6xEKUzGGBC/KdvAHHFAEF/4Y0nVLYWV5Z209smdsTwxsi5YOdqlcLlgGO3GSATQBo2NhbaXAlrZxR28EQ2pHEoRFA7BVAAoAt0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHL6v4I0HXpBPqWn2d3KM/PLBG7c4zliuTnA6ntQBPo3hLRvDpLaVZWtkzckwwxxk8Y6qoPI460AdDQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABkDigAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAEZggLMQABkk8AAdzQBl6Rrun69G82mXEN3HDI0TtC6uqyLjcpKkjIyD6EEEEg5oA1aACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD5J+KMl5Z/E7w8VuJfJna1CxKzKqK10UlXAbBE21S4wAwADZwKAPragAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoApan/AMek/wD1xk/9ANAHzR+yj/yL99/2ED/6TwUAfUlABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8u/Eq5itPif4aeeMTIYxGFIBw8ss8cT88ZikdJQeoKZXDAGgD6ioAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAKmoMEtpWIDAROcHODhTwcEHB6HBB96APmP9lW7SbR9SjVfLYX/mbQrhFWSFAqq7ZBwUYFdzOo2l/vqWAPqegAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+Vvildy2PxN8MyQHazCKInAPyTXEsMgwQR80bsueozkEEAgA+qaACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgCpqBC20xYbgInJXJGRtORkcjPTI5oA+Yv2VLyCXSNSgiwjpfiUxAsdkcsKLH8x6gmKRQSS3yEnqMgH1RQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfJvxd/5KV4Y/wB62/8AS1qAPrKgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAhuYftETw52+YjJnrjcCM44zjNAHy9+y7Y/YLPWIvOEgivxCI9qqy+UhHmkglsTZChT8qmJtpJZ6APqegAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+VvildGz+JvhmQKj5EceJF3ACW4liLAcfOgffG38Miq3OMUAfVNABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfK/7NM6GfxDCI1DpfxuZRnc6u1yFQ9tsZjZl75lbPagD6ooAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPmX4gWUd/8UvDUU2dq27zDBx88BuZ4/w3xrkdxkd6APpqgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPmn9m60iS31y6VcTSatJGzZPKRLuRcZwNrSyHIAJ3ckgDAB9LUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHzh4z/AOSreHP+vO5/9FXtAH0fQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHzj+zh/x46z/wBhq4/9FxUAfR1ABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB84eM/+SreHP8Arzuf/RV7QB9H0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8rfs03cr3HiG1LfuYr6OVFwOHla5V2zjJ3LDGMEkDbwAScgH1TQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfOHjP/kq3hz/AK87n/0Ve0AfR9ABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfJv7M3/H/AOJP+vu3/wDRl9QB9ZUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHzF8RL9NN+KPhqaQFg0LQgLjO64a5t1PJHCtKC3faDgE4FAH07QAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHyb+zN/x/8AiT/r7t//AEZfUAfWVABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8m/F3/kpXhj/etv/S1qAPrKgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPlr9mq0CS+ILrepMuoLEYx99REZ2DsM/dk84qvHJjfk44APqWgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+Tfi7/AMlK8Mf71t/6WtQB9ZUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8m/szf8AH/4k/wCvu3/9GX1AH1lQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfJvxd/wCSleGP962/9LWoA+sqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+Tf2Zv+P/xJ/wBfdv8A+jL6gD6yoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPk34u/8AJSvDH+9bf+lrUAfWVABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfKn7NE2brxFDtQbL2Jt4Hztva7G1jnBVdmUGBgu5JORgA+q6ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD5N+Lv/ACUrwx/vW3/pa1AH1lQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUABOOTwBQA1HWRQ6EMrAFSDkEHkEEcEEcgjrQA6gAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+Tf2Zv+P/AMSf9fdv/wCjL6gD6yoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPk34u/8lK8Mf71t/6WtQB9ZUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAAQCMHkGgCK3t4rSNYIEWKKMBURFCoqjgKqqAFAHQAACgCWgAoAKACgAoAKACgAoAKAPHfjD8T5vhlaWs9tbJeSXszx4d2RVCIGP3QSWJYAdAOeuRQB5f/wALv8df9Cpdf9+L7/4xQAf8Lv8AHX/QqXX/AH4vv/jFAB/wu/x1/wBCpdf9+L7/AOMUAH/C7/HX/QqXX/fi+/8AjFAB/wALv8df9Cpdf9+L7/4xQAf8Lv8AHX/QqXX/AH4vv/jFAB/wu/x1/wBCpdf9+L7/AOMUAH/C7/HX/QqXX/fi+/8AjFAB/wALv8df9Cpdf9+L7/4xQAf8Lv8AHX/QqXX/AH4vv/jFAB/wu/x1/wBCpdf9+L7/AOMUAH/C7/HX/QqXX/fi+/8AjFAB/wALv8df9Cpdf9+L7/4xQAf8Lv8AHX/QqXX/AH4vv/jFAGlF8WfiDNbNeL4VfykzkMZlk+XriFlEze22M7v4c0AS2vxU+Id5gReFmGUWT53ki+ViwH+sCYbKnKH51GCygMpIBc/4WL8SP+hWX/wJH/xdAB/wsX4kf9Csv/gSP/i6AD/hYvxI/wChWX/wJH/xdAHOnxv8YM8aHagdv3ZP/t9QAn/Cb/GH/oCWn/fo/wDydQAf8Jv8Yf8AoCWn/fo//J1AB/wm/wAYf+gJaf8Afo//ACdQAf8ACb/GH/oCWn/fo/8AydQAjeNvjCQQNEtRnuIuR7jN8R+YI9qAPP8AwNpvxO+H8l5LpukLK+pOkk5uFRvmjMpBQR3MQXJlbIwR0xjHIB6D/wAJv8Yf+gJaf9+j/wDJ1AB/wm/xh/6Alp/36P8A8nUAVbzxf8ZLmIxxaTDbMcYkihjLjByQBNdSx89DlDweMHBoAzLjxB8a5n3pamEYUbEt7EqCFAJ/eF2yxBZvmxuJ2hVwoAIP7b+Nv/PCT/wG07/4mgA/tv42/wDPCT/wG07/AOJoA0NPvPjbfsy4WDaM5mi05AfZTsOTQBYmk+NsM6QZhbzc/vFj04xpj++3l/LntwaALn2f42/89rT8tO/+NUAH2f42/wDPa0/LTv8A41QAfZ/jb/z2tPy07/41QAfZ/jb/AM9rT8tO/wDjVAB9n+Nv/Pa0/LTv/jVAB9n+Nv8Az2tPy07/AONUAH2f42/89rT8tO/+NUAH2f42/wDPa0/LTv8A41QBDPYfGycKDPbrtZXGw2CElTkAlYxlT0ZT8rDggigCb7P8bf8Antaflp3/AMaoAPs/xt/57Wn5ad/8aoAPs/xt/wCe1p+Wnf8AxqgA+z/G3/ntaflp3/xqgDKTQPjTHM9wLpS0gYFTPaGNd/XZGV2IR/CVA2/w4oA4uXxf8SvA2v2mhanfBrrUGttiTmK5iKTTmFdzKjMgLKwfyyJNvIOcUAffdABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfJvxd/wCSleGP962/9LWoA+sqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPk79qv8A48tI/wCvub/0COgD6xoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD5I+PMEaeM/C8wVRI9zErOANzKl7blFJ6kKXcqOgLNjqaAPregAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPk34u/8AJSvDH+9bf+lrUAfWVABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHyd+1X/AMeWkf8AX3N/6BHQB9Y0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8m/Hr/kb/AAr/ANfaf+llrQB9ZUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8m/F3/kpXhj/AHrb/wBLWoA+sqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPlz9pd5oxoL2qCaddRJijK7w8g8oohT+MM2F2/xZx3oA+o6ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+Tfj1/yN/hX/AK+0/wDSy1oA+sqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+Tfi7/yUrwx/vW3/pa1AH1lQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB81ftCXMdnd+GridhHFDq6SOx6KiPAzMfYAEmgD6VoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD5N+PX/I3+Ff+vtP/Sy1oA+sqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+Wvi5o+p3Hj3w5f2NpLcxQvAC6qwiDJcvKyvKFZU2xguxI4UbiMUAfUtABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHzB+0lZx6i3h+zmby4rjU/Kd+BsWQxIzZPA2gk88cc8UAfT9ABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfLHx6spP8AhJvCt5x5Qv44evO83Vs/T0wOvrQB9T0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHzN+0TFBPceHI7zb9mfVVWbedqeUWhEm5sjC7SdxyMDJyKAPpmgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPmf49XkQ1rwtaZ/ff2tHLtwfuCe2TOcY+8cYznvjFAH0xQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfMH7SQQt4fEnlbDqfzfaDiDbmLPnEciLH+sPZMmgD6foAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD5e+PUI/4SHwrL5Jz/AGlGvn7+B/pFsfK2ep+/v9sUAfUNABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAFa5vbeyKC4ljhMziKMSOqeZI33Y03EbnbHCrlj2FAFmgAoArC9gNwbMSL9oWNZTFkb/LZmQPt67SysuemRg9RQBZoAKACgAoAhFzEZTbh085UDmPcN4QkqHKZ3BSwIDYwSCM5BoAmoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+Tv2q/+PLSP+vub/wBAjoA+saACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+Tvj0x/4S7wquTj7Whx2z9stecetAH1jQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAEU88drG00zLHHErO7sQFVVBLMxOAAACSTwAMmgD57+HMMnxP1afxvq6tJY2k7waHA4IjiSNsSXQU4DyswAEhB2uHAOY0EYBF8a/ib4i+HOo2M+m26TaW8LmcyRlo5JjIB5ZkXDRMiAFPmAfzWyrlBtAKvwk+NeqfEvW206a3trK3t7WW4k2eZI8mHiiRVZmAjw0u4na+4DbgZzQB3Hxa8NX1xbReJtAl+zazoSyzRnHFxb43TW0gyAysF3KHBG4EApvLAA7LwJ4ri8a6Ja61CNn2mP94nZJkJSVBnOQsisFOTlcE80AddQAUAFAHzjoha0+LupQRM4juNJjlkUszAupttpwxOAu5tqjCjccDk0AfRjusal3IVVBJJOAAOSSTwAO5oAEdZFDoQysAQQcgg8ggjgg9iKAHUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHyd+1X/wAeWkf9fc3/AKBHQB9Y0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8yfHqxj/ALc8LXvPmjVI4evy7TPbP0xnOR1z07UAfTdABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcd8Qre7uvDepQ6ecXL2U4j4yT+7O5QMNksuVAAJJIA5oA4/4C3Ntc+CtO+yKIxEssci7txEyzSeax5O0yMfNCnGFdeACKAPXZoI7hDHMqyIequAynByMggg4Iz9aAPnm71Ky8L/FS3ikRbaLU9FW0hZUCRmc3TygHAAJbygnruZAeooA+hLiWOGJ5JyqxIjM5b7oQAli2eMAZz7UAeCfs1PcP4Ufzs+SNQuvs2QAPJPlk7SAMr55m5OTu3DOAAAD6BoAKACgD5x1idNI+L2n+Vsi/tLSHjuCx++QbkoBk4DE20KjbjIGMEscgHK/GzXk1TxRaeEdZ1FtG0JrdLieSJWLSySPIgjlYZCphcKzqYoyxkkV8DABrfDfxL4f8L6vD4Q8Majfa6t2TxO8X2O1CIZZWilECOz+VGcRx5hLEDcrFyoB9RUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHyp+1T5X9naVu3+b9tfZgjZt8sb9wxu3Z2bcEADdnORgA+q6ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+aPj1dxDWfC1pn99/a0cu3B+4JrZc5xj7xxjOe+MUAfS9ABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHgvhbSdS+HHie40uKBpPDWtzGe0kj5Wzu2RnkidQpZEk8sqpJ8sBYsEMxSgD3qgDyf4lfDKLx3c6XfKY1m0u9ikkEu7bNaeYrzw/KrHedoMfRc7lYjcGUAq/FfxFfGJPCPh5DLrWsxsoOGEdtaHKTXMsgwEA5RD83zZ+UnarAHfeEPDVv4P0m20a1JaO0jCbiFBdiSzu20AZZiT0z6knmgC14j1628L6bc6veELBZxNK2TjOPuoD/ekYqijBJZgACSBQBc0uea6tIJ7lBDPLDG8satuVJGQM6K38QViQG7gZoA+Tvjh8S7641pfBGl3cejRr5Zu76R5YgHeMTRxmSJGkjj2lNzIpLO4ViqK+QCNf2cLrV9ITU31hrvxA5SaC7E8ktmYhgxBJihuG+XDpOpwCRtjIG4gFTT/2YtX1e4+0eKtXExUBQYWmuZSg5A825CbACThQjjkkEHigD6X8IfDrQvA0SppFqkcoQI1w4DXEgHUvKQDlicsFCoeAFAVQADt6ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD5O/ar/48tI/6+5v/QI6APrGgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPmr49Rv8A2v4Wk3/J/a8S+XtGN3nW537vvdONucd+tAH0rQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBH5Sb/ADdq+Zt27sDdtznbu67c84zjPNAElAHAfFLw1deL/DF/o9ht+03MaGIOdqlopo5tpPQFxGVBPAJBJAyaAPm+y+OvjjQwbHU9BM8sEZjBWC6iYSADY77RIjIB95ECFuMSL3AHXnhjxh8angOtaTY6Ha7lMt+Ydt40Y2kLGJZHn+6flBCRt/E/ygUAfXukaZFoljb6bbbvJs4IrePcctsiRY13HjJ2qMnAyaANCgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD5a/aalggTQpLtDNbpqDNNGDgvGBEXQHIwWUFQcjGeooA+paACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+WPj1eyDxN4Vs+PK+3xzdOd4urZOvpg9KAPqegAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDyz4leFfE3icW8Xh3VRpEK+Yl0Arb3VxgOroN25MYCbkB3Ft6lQCAb3w/8NX3hLSU03U76TVrhJJHNxLu3bXbKoC7u5C9csxOSQMKAKAO1oAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPlT9qkRf2dpRYsJRevsAA2FfLG8scghgdm0AEEFskYGQD6roAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD5N+PX/I3+Ff8Ar7T/ANLLWgD6yoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPMPij4Gfxvb6fHCkLtY6na3Mgm6NbKSLiNTtP31KkqcK+zBOcUAen0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBzes+ENI8QXVrf6lbR3Fzpz+ZayNuBifKtkBWAbDKrAOGUMAwGeaAOkoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgCOaVLdGlkIVI1LMx6BVGST7ADNAFXTNTtdYto76wlS4tp1DxyxnKsp7g+xyCDgggggEEUAXqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDC8Ua0fDmk3eqiNrg2dvJMIkGWcopIGB2z949lyecYoA8l+DnxNu/HCvHelrqdlM7SW9m9va2Y+VfsjzSyHzpNx3J5YcldxZiFyAD3egAoAKACgAoAKAK6XcEkr2ySI00IVpIwyl0V92wugO5Q+1tpIAba2M4NAFigAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAq3t/baZC1zeyx20EeN8szrHGu4hRudyFGWIUZPJIA5NAFoEEZHINADZJFiUu5CooLMzEAAAZJJPAAHJJ4AoAg+2wGD7YJI/s3l+b529fK8rbv8zzM7fL2/Nvzt285xzQA+2uYbyJbi2dJoZFDJJGwdHU8hlZSVYHsQSDQBNQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfO3xc+Jd/4P8AEmhabZSPFb3EgkvkWOFvPhknjiVFaRSyMNsuShThx8xI4APomgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA5vxjp/9raFqFju8v7TZXMW/G7b5kLru25GcZzjIz6igD5F/tSbTfhJp66PdvbSXeoC2uJDIYwnmSzl4/MIBiiG2NmZCAF3AsVLAgH24n3R9B/KgB1AHEWvjuyvPE1x4Rjjl+12dot3JKQoi2sYgEU7t5bEyNnbt6jORQB29ABQAUAFAFHVNSg0a0m1C7by7e0ieaVsE7Y41LucAEnCgnAGTQBl+E/EsHi/SrfWrRXjgu1ZkWTAcBXZPmClhyVJ4J4I70AdFQAUAFABQAUAFABQAUAVr2zi1CCS0uF3w3EbxSLkjcjqVdcqQwypIyCCOxBoA8J+FOpzv4n8R6MrFNO0l7W3s7VSRFAi+eh2KScNJsVpX+9I+XYkk0Ae/wBABQAUAFABQBz2leKLDWb690y0cvcaW8cdypUqFaRd4C55YADDEDAPAJoA8T8MW9zH8WdcJaSKGTT7eXZgbJ1EVpErcjkI/mBWUj5gyk43CgDpPgf4v1Pxnpl9eavKJpYdUuIIsIkYjhWOB1jARVyFLthnLOQfmY4oA9poAwvEviSx8JafLqupyeVbQAbjxuYk4VEUkbnY8Ko5PagDbjkWVQ6EMrAMpByCCMggjggjoaAHUAc9deKLCy1a20GRz9vvY5ZoowpIEcQyzO3RQcEL3Yg8cUAdDQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAGF4otb+90q7t9HlFvfyQSLbyk4CSlSFbOGxz0ODg89qAMD4badr+laJFbeKZxd6ijyZcHcRHu/dq8n/LVsfMXIU4YIQSpdgDhP2kLOW58F3EkbbFtp7aWQZI3oZRFt44Pzyo2G4+XPUCgD1zwyIl0myFvI1xCLS3Ecz53Sp5KbJGyAdzrhjkA5PIFAHM/FdGfwjq2x5ImSxmcNGxRsou/G4c7W27XH8SFl70AcD4asJtc+FCWiNKZZdJnCeXkyMyeaUjXqTu2rHtH8J2jtQB5fpesapofwx0aTT5ZQL3UhDcyGT5ooDdzRiKLJ3JG5iRCqdA79FYigD7PoAKAOVvfGWm6frdr4ZlZ/wC0dQikmiRUJURxrIxZ34Vc+VIFAySV5AyCQDqqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD42+PdjJqfjrw/aQlRJMtuiliQuTet1IBIH0BoA+yaACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAEDA5AIyOvtQBWiuLe+V1jeOdEZopArK4VgBujcAkBgCNyNyARkc0AfC4MOo/CzVoWjCDSdb/AHBU4GXuIBnaAAAI7l0C8jo3UDAB93x/cX6D+VACCaMuYQy+YqhmTI3BWLBWK9QGKsASMEqwHQ0AfM1zeQaJ8Y4xFMo/tTTFjuFYqcSbW8uJcDKFhawPg/MdxOdjgUAfRkmr2cN5HpjzRreTxvLHBuHmNGhAdwvXaCQMnAJzjODgA+OPG+sad4y8b3ukeLNUuNH0vSE2WqwMqLI+1PMJcq2JXLhhmKTKIyBkwCQD1X4MeNNJvbmfwtoVxfalZWECzw3V9tDBSyK0Cfu4pCis/wAnmICuGVcoFNAH0GTjk0AYPiGO31LRrtH2zW9xZzg4OUeN4W6Mp5VlPUHkHINAHlH7OmsDVPBtvDlC9jLNbsq5yoDmVd+SfmKyA8YGCOOtAFy8+OGkWXiAaC0UzW4njtH1JdptI7qQZWFnHAwfldiw2kOSuxC1AHTfEfVvEWnaekfhK0F7qF1II1kYp5duuMmVw5VDn7q7iFBO5sgbSAfOFv8AtD+I/BN/Jo/jOxhuJrfG5rdkjlBcb1JKNJbupVl2lAmFGSWY0AeueFf2g9A8Xajb6PY2+ofa7ttqhoYdiEKWdmYXBOxFDMzBCdoJ254oA3vil8Q7nwXDFaaNbf2jrF4srwQYLKsUC75pXVGWRwF4VEILHPIxhgDofhz4vHjrQLXWyiwyXCuJYkbcI5Y3aNx6gNt3qrfMEdc56kA7egDzvxf8UdC8E3ltp2pSObm9dVWOFRI0SuwUSzDcCkZY4GNztyURgDgAl134hWegeINO8NTxyGXV1cpMAfLQrkIpO0h2dhtIVv3YKtJhWUkA85+HNsNL+IHiq0cl3nNndKQjbQsivJtZsbQw89QASC+HZQQrYAPoWgDlvGp1kaPcjw2sTamY2EPmsVAJByyHBBlA/wBUHxGZNu9guaAG+CbvVrnQ7SfxGi2+pvFm5QBVAbewUlQxVWZNjOoIAckALjaADH+Jfj+P4c6bFqUkJufOu4bYIGCACTczuWOcbY43K8EF9qnAJYAHoKOsqh0IZWAKsCCCCMggjggjkEcEUAfOXgKa3s/iZ4ktBKsktzDBMoUHjZs81Cem6MyoDzzkkZAOADbvrb7H8UrOeJ3H23RZhKu7CEQynYMADPPzfMT8wBGKAMv9m+2ks9I1S3nUxyw63do6nqrrFbKyn3BBBoA+iKAPF/2g7IXngm/4QtCbeVC5UbSlxFuKFsYcxl0AU7n3FFyWwQDQsPGkGg+AbbxGI3litdMt2WPhWZ1RIVUnJCqZMZbkhMttJ+WgD0XRdVh1yxt9Sts+TeQRzx5yDslQOuQQDnDDOQKAPnD4pTW+kfEfwxfMpDzf6O7J95t8piiBBIG1XnJPfaScEgCgD6iJA68UAVLvULbTwhu5orcSusUfmuse+RvuxpuI3O2DtUZY44FAGN4d8XaX4qNz/ZU32gWM7W0xCuoWVeSAWVQ4/wBpcqexoA6SgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDlfDPiu38Ty6hHaghNLvpLBmYYLSQxxNKQDyFWR2QH+LZuHBFAHVUAeZ/E3xhceGrW3sdJ8s6zq862tisjKERzjfO+5WBjiBGQRyWUe1AHGfBW88TRXes6V4nuY782E8JFwsolxLNHueNGyu2III2Eflp5blwQGLCgDsPjNBb3XgzVVuSBGLUyKS20eZG6SQgHIyTKqAL/ABkhcHOKAPANO8aeP/FugWsfg6zFhp+n20VrJdySQLJO8EMaM0RnKAKpRsGMP97azbgVAB33w58Y3XxO8DamuuASTQRXVtJIg8vzUNvvViFwAwDbWKgA4BxnJIBv/s/X7ap4ItY2dWaBri3wuMoFkYorAdG2Mrc8lWB6EGgD5seWZfhhqOk/PKdG1sRGQFioQvnKjny08wk9hvkz1bkA+99NObSEn/nlH/6AKALuccUAfNXxJlGh/EfwzqodB9pSayZZOFRCzIX3bh8zC8YLngMi/eyRQB9HTXUNsyJLIkbTNsjVmVTI+0tsQEgs21WbauTtBOMA0AfMHxV8UXmseLbbwZFqp8N2aQC4lvFdomkkKs4jMqyRhFEYOxWdFaTIYsTGAAdF8NPFtlpWqjwgmtzeJ5JlkmjnaPd5DR7zLG9y07mRWC5RQH2n+IIyigD6EoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPmv4yW8a+MfB84UCV79kZ8fMUSezZFJ9FMjkDsWPrQB9KUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfDGp/DbX/ABh4x11PDupmGKC4R7mWSaaHEkylkgCwbzIIV3RoxACqm04PUA3rv9nLxNpqGw0HWwmnPtkaOWS4gJnKbJGKQLIhU87SWztIVgSu5gD0xPg09h4GfwZbzpLNc3EMs1xs8oY+1wSykD5ySkMZVNxJYgA4BwAD3xRtAHoMUAfOnxO+DGreLtaGuaHqf9nPLFFBOhM0Z2R5+ZHhOXPI/duFGRnzBnAAMHVP2ZYJNLQ2d9K3iGOXzjqEzShZTkYRkDSNEEADJIpeQPncWBAQA5hv2aPELxC+bWVOspJhZDJcFFg2kYE+3zxJkngJs2kr3zQBreHf2XA9wL3xVqDXrlw0kMG/EmD0kuJCJWDqADtSNl5Ac8GgD6a8OeE9J8I2/wBk0a1is4uN2wfM+OAZJGJkkI55dmPJOeTQBp6pZf2lZz2e9oftMMkPmJw6eYjJvX/aXO5fcCgD5V8Pfs7a9AWsdW1yT+yCVVrW1efM8K7x5bCQrHAMEcKsykMynoCQB837Omr6JqLt4S1h9N025QJMHeX7QAQQ64iCRzDupZomG4rxjcwByviv9nLXdIRbHwzdyXunXrxfa4ZXSIq6PhZmTKpIiBi3H7xdp4bIoA2Y/gZ47Qpoy6/5ejwY8pkmuFKoGYKq24K4YKd2zzvLGdokOKAPWPB3wB8MeFVSa4h/tO9VV3TXXzoHUhi0cHMaZYAjd5jgfLvwWyAeET/Anxz4b1e5vPDNzDEk7yFJoZ/s7+U7lxGVK5XA27gpK8YDECgDsYf2cL7XbQ33iLVp28QO6us6s00cKqMiM7yjuwYliyPGqtwmeXYA+hfAvg618B6PBotmS6wgs8rABpZXO55GA4GTwo52oqrk4yQDr6APgz45fDzxHZavfa8ssc9lrE1vbqqMqSvu8tYLcw4+YxmJAHBO4KHYhiwAB3fgX4SeMp9esdX8YXm+DSP3luhn+0PuIAESjpGvALtk/dCgc7lAPePD3hWfTPEmt67MR5eq/YUhAIPyW1sEZmHVW8wuMHqoBHWgD0CgDlfDnif/AISK51CGOFoodMuzZrMXVhPIkaPKVVeUCFwvJO7OeDlQAcf8ctJOr+DdRjEjQ/Z4hc/L0f7Owl8txxlW28c/K4R+du0gHz3pHwl+IPiuK1sfEV/KmiyiGSWKW4aR1jUK6IYDgiUYC4Yjy25bO3BAPQPGfww8bHWZLzwnqps9Puvs0Yg+0zx/Z0hgSHJXDhlGwtlDvYucqSMkA53W/wBn7xBpLw614b1SSfXcym8uJZGheVpTjdC/z7AEZldXclhyCPu0Adl8K/hl4l0vWW8S+Mbw3d3HbtbW6ec0zKrsCzM5AULjIVFySzFm27QGAPRPhr4auvDkeqteAo2o63qF6iHbxDLIFiOVZgfMSMSDO0gPtZQQcgFr4oaNrHiDw9caf4fdYr2YxgM0jRHYsis4SReUcgcE8Ebh3oA8F074V+P/ABT5OleMtS/4kkWPNijmV5ZlVg6qWSMF2DqhV52bywPlzjaQDjrn4ZfE3T4JfB1pL9q0Kc7BIzweQIg5df8AW7riDlQzRxcAkDLDNAHp/if4aeMdKt9ETwdfKjaLZm2kVn2BpWKtLN++8wSRylVUQyZWJUCou1iAAcpqXwO8Z+MI5Nb8Q6mh1yBU+wxRlRGvlsWwXiSOOFmIDI0ScOd0hznABiv8Nfin4ui8zVr1rd9OdGto57kKZJIgdksZtwybx/z1mKuxOSTyaAK138IfiP8AEp/tHia5jtzbnbEl1IoXooLRxWiPGuQBliFZiCTk8kA+iPg18Lm+GOnzw3Usdxe3koeZ4lIQKgKxRqzBXYAFnJZVwzsAMDcQD2KgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD488U/DPx14P1281/wRcGaPVLiWeSJGiV1MrO5WWG4/cSqjO4jf5mHB2q3NAFCT4jfF62b7I+kM0ifuzIunSuC2Mb/MjcwHJ53L+7z0AXigCpL8IfiB8Up4Z/GV1HZR2yukZkWB5E3HJ2wWnlxkuwXc7SKdoHJ2qpAK2lfs/eONNaXR4NRhtdKvMC6khmk2SrtAbMG1HcgEqFbardCwU7qAK2o/BP4kSWh0IXi3OlQttiia8KxMiMTGREw+UdGVDnacDsKAINR+C/xL1a0j069uFntLdVWKB77MaKgAQBMbcKFULkcYGKAL2hfBX4kWUH9jR3y6dpk5cTKl2xjAdcSExRjLFwNuBjORkgZIANC7+BnjjwrLNYeEdRY6XcgM3+kG2ZmZdjiSMZBYAY3ofmQqOowAD02x+Dt7pHw/uvCMckMuoX0qySSpkRf8fMLcMyozBIYs4YAl9yg4INAH0Jaw/Z4Uhzny0VM9M7QBnHbOKAPDfi94G8U+ILy01bwle/ZJ7WGSB4xM8DMsjqxZXGUIO0B1YKflUgt0UA8+vv2eNZ1zT5dQ1nVpLvxImw2shkdoESPLLCzuokDMxJEi7VjbBCv8xIBz03wY+I2rqNT1HU86jpzK1ijXLu2WP7xlmGFhIAHUN5nKnaAMgEVv+zp4r8W3hvvFmoxxvwhcs13O6LjaB9xFXBYAlyVI+4wNAH014J+FPh7wAfN0q3zdEFTczN5k5VjkqGICovQYjVMgDduOSQD0agAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+cPjL/wAjb4O/7CMv/o6xoA+j6ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA8B+IFz8TL55NN8O2VpbWrnAvorpDNt3nkCYwmI7cbwsMpGT5chPQA7LwF8Pf+EH0CTSYLhjf3QlluL3G5jdSpt81QxywiO3YGOW25bBY0ATfDHw7r3hnTGs/El//alx5ztG5Z5GSIn5VaaT95IW+/hv9XnYpKgUAejUAFABQAUAeXXvhvxHN4zttZgvtmgRWzRzWXmSDfIUkAPlBfLY72R/MLb1CbRxQB6jQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAeM/FM+OdPKah4MeOeERhJ7NoonkDKzt50RkI37gwR4wdw2IyhgW2gHEeBvAvi3xXrFt4m8fyBY7DEtjYghdk/y7ZWiiISPaVDYYtIzjDqqgAgHo2q6b4xk8YWt1ZXUaeG1iBuISI87lDBkKlTIzyFgyOrBECndgqocA9XoAKAPi3UtT8d/B3V7+30qy/tPS9Ru57yEm2lnTfOysxzbsskcigCNkdtpxuAOQ1AGlYzfED40Y07WLaPRdBZ0+2EQyQvKsb+ZsQTyNOzOVCnYVjUAFjzhwD0jxz8Ldf8T6lNd6drcmnWckNqI7ZUY7JrV90Z3KykAMXl8xcSb2CEFAMAHuVtG8MSRyOZXRFVpCAC7AAFyBwCx5wOBnFAE1ABQAUAFABQB498VPBfiXxa9n/wAI5qj6THCZBcBJJoSwcAq+6AgybSoURtgLuLBs5BAO28E6LqHh/SYbHV7x9TvIgwkuH5LDJ2AEgOQqbQWkLOzbizHNAHV0AFABQAUAFABQB5j8R/ippvwzFsdQjlnN55uxIdu8eUgOSGKjazsiEg/Lu3YOMEAn+HPxP0r4lW0k2nCSGe2Kie3lADx7wdrBlJV0bawDAg5U5UcZAPR6ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA8y+JPg3WfGMdtBo+qyaNHFKTceSJFeVGG0/PHKhOwZ2xEBGLEs3C4ANX4d+FbvwZo0elX14+pSxO5Ez7+IycRxrvZyFRAABkAEkAYGSAdxQAUAFABQAUAFABQB5F4s0XxfdeKNLv9Gulj0SBlW8t9wUkFnMzyRnAmDxhI48FnikIdVA3sAD12gAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD5w+Mv/I2+Dv+wjL/AOjrGgD6PoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPl39ob4Y6741a11DR/9MForx/ZAI42QSFC0iyOymQsQNykgKqgrzu3ACfs7fC/WPBcl5qmtobSS4RbeK28wMdqtvaWRU3RnnasRDll/fAqAwJAPqOgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+cPjL/yNvg7/sIy/wDo6xoA+j6ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPHPir8XoPhi9nC9s15JfMxOJBGscMZUO27a+58uNqYVTzlx3APXoJ0uY1mhYPHIqujDkMrAFWHsQQRQBLQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAeA/GP4t6h8Nb7Treyt7e5ivRI0vneYHAR41xGyOApIc8sj4ODgjIIB79QAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHzh8Zf+Rt8Hf9hGX/ANHWNAH0fQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8a/tWQL9o0ebEm4G4Tdt/dYLQnBfOfMyMhcfdyc0AfZQ4oAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD42/aanS21zQJpMhIzI7YRJDtWe3JxHJ+7c4HCP8jfdb5SaAPsmgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPm740yLF4r8HO5CquoykkkAAedY8kngUAfSNABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHyd+1X/x5aR/19zf+gR0AfWNABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfLH7TM0VkdBu5okuFhv2d42xiVE8lmiYkN8rgbTkEc9D0oA+p6ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+bfjVEk3irwfHIodG1GUFWAII86x4IPBH1oA+kqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPk79qv/AI8tI/6+5v8A0COgD6xoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD5N/aq/wCPTR/+vub/ANAjoA+sqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+XP2gb99L17wpeRgM8F7M4DZwSJbHg4wcfQ0AfUdABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHyd+1X/x5aR/19zf+gR0AfWNABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfJv7VX/Hpo/wD19zf+gR0AfWVABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfJv7Sn/ACFfDP8A19z/APo2woA+sqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPk39qwH7DpJX/n7m57A7ExmgD6ttxII0E5VpQq7ygKqXwNxUEsQpOcAkkDAJPWgCWgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+Tf2qv8Aj00f/r7m/wDQI6APrKgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPk39pT/kK+Gf+vuf/wBG2FAH1lQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8tftT30kWlaZZrjy574yNxzuijITB7DEr59ePSgD6loAKAKD3Fyt2kCwhrZo2Zp/MAKSAgCMxFckMDkOG4IwV70AX6ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+Tf2qv+PTR/+vub/wBAjoA+sqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+Tf2lP8AkK+Gf+vuf/0bYUAfWVABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHzL+1LYRT+HrK5cHzItRjjUg4ws0MxfjoSTGmCemOOpoA+j7C0SwtorWMsyQRJErMQWKooUFiAAWIGSQACewoAt0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHyb+1V/wAemj/9fc3/AKBHQB9ZUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8m/tKf8hXwz/19z/+jbCgD6yoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+bP2pv8AkU4P+wnB/wCk91QB7r4V/wCQNYf9eVt/6JSgDeoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPk39qr/j00f8A6+5v/QI6APrKgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPk39pT/kK+Gf8Ar7n/APRthQB9ZUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfNn7U3/Ipwf9hOD/0nuqAPdfCv/IGsP+vK2/8ARKUAb1ABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8m/tVf8emj/8AX3N/6BHQB9ZUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8m/tKf8hXwz/19z/8Ao2woA+sqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPmz9qb/kU4P+wnB/6T3VAHuvhX/kDWH/AF5W3/olKAN6gAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+Vf2qIkbTtKkLEOl66qu0kENGCxL5wpXauFIJfcSCNpyAfVVABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfJv7Sn/IV8M/9fc//AKNsKAPrKgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD5s/am/5FOD/sJwf+k91QB7r4V/5A1h/wBeVt/6JSgDeoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPmv9qDzf8AhHrLbs8r+1Id4IO/d5M+zac7QuN+/IJJ24IwcgH0pQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHyb+0p/yFfDP/AF9z/wDo2woA+sqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPmz9qb/kU4P8AsJwf+k91QB7r4V/5A1h/15W3/olKAN6gAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+cf2nv8AkWbT/sLW3/oi6oA+jqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+Tf2lP8AkK+Gf+vuf/0bYUAfWVABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHzZ+1N/wAinB/2E4P/AEnuqAPdfCv/ACBrD/rytv8A0SlAG9QAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfNf7UFwieHrKA53yapCy/KxGEhnDZYDap+dcAkFudoO1sAH0pQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHyb+0p/wAhXwz/ANfc/wD6NsKAPrKgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD5s/am/5FOD/sJwf+k91QB7r4V/5A1h/15W3/AKJSgDeoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPmX9qS/ht/D9jbOSJJdSjlUYONkMMwc56DBlTA6nJx0NAH0lZ3Ud9BHcwnMc8aSISMEq6hlJB5HBHB6UAWKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAOat/GehXTyRw6hZs9u5jlX7RECjqSCrAsCGBBBHYigC1/wAJNpP/AD+2n/gRD/8AF0AH/CTaT/z+2n/gRD/8XQAf8JNpP/P7af8AgRD/APF0AH/CTaT/AM/tp/4EQ/8AxdAB/wAJNpP/AD+2n/gRD/8AF0AH/CTaT/z+2n/gRD/8XQAf8JNpP/P7af8AgRD/APF0AH/CTaT/AM/tp/4EQ/8AxdAB/wAJNpP/AD+2n/gRD/8AF0AH/CTaT/z+2n/gRD/8XQAf8JNpP/P7af8AgRD/APF0AH/CTaT/AM/tp/4EQ/8AxdAB/wAJNpP/AD+2n/gRD/8AF0AH/CTaT/z+2n/gRD/8XQAf8JNpP/P7af8AgRD/APF0AH/CTaT/AM/tp/4EQ/8AxdAB/wAJNpP/AD+2n/gRD/8AF0AH/CTaT/z+2n/gRD/8XQAf8JNpP/P7af8AgRD/APF0AH/CTaT/AM/tp/4EQ/8AxdAB/wAJNpP/AD+2n/gRD/8AF0AH/CTaT/z+2n/gRD/8XQAf8JNpP/P7af8AgRD/APF0AH/CTaT/AM/tp/4EQ/8AxdAHyL+014mspbzRJNOuLe6msHuZnSORZNuWtGj37GOA5jbHIJ2tjpQB9aweKdKljR2vbQFlUkfaIuCQCR9/tQAn/CXaKJfs/wBvs/N2b9v2iLOzO3d9/pk4oAm/4SbSf+f20/8AAiH/AOLoAP8AhJtJ/wCf20/8CIf/AIugA/4SbSf+f20/8CIf/i6AD/hJtJ/5/bT/AMCIf/i6AD/hJtJ/5/bT/wACIf8A4ugA/wCEm0n/AJ/bT/wIh/8Ai6AKVn420DUAxttRspRGxRttxF8rDqD83WgC7/wk2k/8/tp/4EQ//F0AH/CTaT/z+2n/AIEQ/wDxdAB/wk2k/wDP7af+BEP/AMXQAf8ACTaT/wA/tp/4EQ//ABdAB/wk2k/8/tp/4EQ//F0AQv4u0SORIWv7MSS7ii/aIstsALY+fsCM/WgCb/hJtJ/5/bT/AMCIf/i6AMxvH/hxHMbanYhhKsBH2mLIlcEqn3vvEA4oA0/+Em0n/n9tP/AiH/4ugCs/jLQopktm1CyE0oZkT7RFlgv3iPn7d6AK2oePfDulbftmpWMPmZ27rmLnbjOMMemR+dAFOf4m+FbUhZdWsELKrgG5i5VwGU/e6FSCKAIf+Fq+Ef8AoMaf/wCBMf8A8VQAf8LV8I/9BjT/APwJj/8AiqAD/havhH/oMaf/AOBMf/xVAB/wtXwj/wBBjT//AAJj/wDiqALFp8S/C99NHa22q2Ms0zrHHGlxGWd3IVVUBslmYgADkk4oA7egAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+bP2pv+RTg/7CcH/pPdUAe6+Ff+QNYf8AXlbf+iUoA3qACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD5L/awheTT9K2g4+1TKTg4BaNNoJ6DODj1wcdDQB9Q6JaPp+n2trLjzILeGJ8HI3JGqtg9xkHBoA06ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAbJ90/Q/yoA/O74BfDnS/iDf351tWmt7OGPbGskkbGWaRsPvjZThVicFTnJcH+GgD6h/4Zy8Ef8+cv/gVc/8AxygA/wCGcvBH/PnL/wCBVz/8coAP+GcvBH/PnL/4FXP/AMcoAP8AhnLwR/z5y/8AgVc//HKAD/hnLwR/z5y/+BVz/wDHKAD/AIZy8Ef8+cv/AIFXP/xygA/4Zy8Ef8+cv/gVc/8AxygA/wCGcvBH/PnL/wCBVz/8coAP+GcvBH/PnL/4FXP/AMcoAP8AhnLwR/z5y/8AgVc//HKAD/hnLwR/z5y/+BVz/wDHKAD/AIZy8Ef8+cv/AIFXP/xygA/4Zy8Ef8+cv/gVc/8AxygA/wCGcvBH/PnL/wCBVz/8coAP+GcvBH/PnL/4FXP/AMcoAa/7OPgllKi0mUkEBhdXGR7jLkZHUZBHqCKAPlfw78K7K7+IkvhC5M82n2sk7M8ZCyeTHEZYhI4QhQS0cUjhU3M3yFGZcAH0TJ+yz4Udiyz6kgJJCrPBhQT0G61ZsDoNzE46knmgBn/DK/hX/n41P/v9b/8AyJQBrWf7NHg21iMUsd3cuSSJZblg4yAAAIVijwOoyhOSckjAABVuf2YPCE6RpGb6Bolwzx3ClpTgfNIJIZEDcE4iWNcsflxtAAIR+y54TERi83UdxcN5vnxbwACCgH2fy9pJDElC+QMOFyCAD/sueE2jSMS6irIWJkE8W592MBgbcoAmDt2IhO47y3y4AIf+GV/Cv/Pxqf8A3+t//kSgDQsv2Y/B9qrrL9tui4AVpbgKY+vKeTHCCTkE+YHHyjAA3AgDLX9mHwhb4Ehvp8OrfvLhRlQGBjPlRR/IxIZiMSZVdrqNwYAt3P7NXgyf/VxXUGFdf3dy5yWACv8AvfM+aPBKAfIST5iuMAAFpf2cfBIABtJjjubq4yfc4kA/IAe1AFY/s1eDDM0ohugjR7BF9pfYrZz5oJ/eb+2GkaPH/LPPNAE0P7N/gqKNUa2nlZVALtdTBnIGCzBGRAW6naqrk8KBxQA9v2cfBJBAtJhkdRdXGR7jMhHHuCPagDNg/Zj8HwqFf7bKQsgLPcAEl8bWPlxouYsHZgBTuPmLJ8u0A8o+MfwO0PwP4a/tTSGuPtFrPGsjzyeYZo5mKbSqqiKyMyFWRFyoYMGYhgARfBT4E6Z4u0ldd8QicrNLILeGOXy45IVGzdJhPMz5ofaUlUHaMjGQQD2m5/Zt8FzxtHHb3EDMMCSO6lLr7qJDImf95GHtQBQT9mLwglwJz9uaMAAwG4Xymwm0kkRCbJP7w7ZQN3AAT5KANb/hnLwR/wA+cv8A4FXP/wAcoAyof2Y/B8QmDfbZPOBCFrgAwZ3cxbI1DEZGPPEw+UZB+bcAXbX9mzwXbxLHJb3E7KOZJLqUO3OcsIjHGPT5UUYHTOSQCx/wzl4I/wCfOX/wKuf/AI5QAf8ADOXgj/nzl/8AAq5/+OUAH/DOXgj/AJ85f/Aq5/8AjlAB/wAM5eCP+fOX/wACrn/45QAf8M5eCP8Anzl/8Crn/wCOUAH/AAzl4I/585f/AAKuf/jlAB/wzl4I/wCfOX/wKuf/AI5QAf8ADOXgj/nzl/8AAq5/+OUAH/DOXgj/AJ85f/Aq5/8AjlAB/wAM5eCP+fOX/wACrn/45QBNH+zz4JiR4xYufMAGWubgsuGDZQmTKk4wSOqkjoaAPA9Q+H+keE/ino+k6bHIlm4gu/LeRn2yobhl2uTv277dHKszZJYZ2kKAD7ooAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAOZ8WeENM8bWX9m6zF59uJFlCh3QiRAQrBkKsOGZTzghiDQB0Fvbx2kSQQqEjiVURR0VVAVVHsAABQBNQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAUNR0qz1eMQ6hBDdxKwdUniSVQ4BAYK6sAwBIDAZAJGeTQBfoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAbJ90/Q/yoA+PP2TUgCau4D/aC9sGOP3flgTFQD037i+4f3StAH2LQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8m+Bv8AksOuf9ekv/oVjQB9ZUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB4T+0f/yJN1/13tf/AEelAHdfC3/kUtH/AOwda/8AolKAO8oAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+WvFMlvF8YtJ+0IZN2nqsWDjbKftu1zyMgc5HPXoaAPqWgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAQjIxQB8y/s2272ia7byFC8WqMjGNBGhZQ6kogwETI+VBwowBwKAPpugAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD5D8G23n/GTVn3unkQTSbUbCyZS1i2SDHzIPM3heP3iRtn5cEA+vKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA8J/aP/5Em6/672v/AKPSgDuvhb/yKWj/APYOtf8A0SlAHeUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfJvjX/ksWi/8AXpH/AO31AH1lQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAUdR1O00iE3N9NHbQggb5WCLk9FBJGWboqjLMeACaAL1ABQBVe+t4rhLN5EW4mR5I4yQHdIygkZR3CGRN2Om4UAWqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA5u78W6ZZarb6DJLnUbxWeOBEd2CICS8pRSsKHBCtIVDEYUk0AdJQAUAZEOv6fcX0ukxzxm+t1V5LctiUIwyHCHBZMdWTcoOASCRQBr0AFABQAUAFABQAUAIwyCB3FAHzB+zNaS2EGt2s7eZLBqXlyPkne6Kys2W+Y7mBOTyc880AfUFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHyx4RspLL4w6x5uB51g8y4Ofkc2O3PoeORQB9T0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB498ejKPBWo+TEs3yxBt2PkTzk3SDJHzJ1GOfQUAdL8Lf+RS0f/sHWv/olKAO8oAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+PPE+ofbPjRp8O3b9jjhgznO/dbTXG7GBtx5+zGT93dnnAAPsOgAoAKACgAoAKACgAoAKAOctPFmnX2r3GgW8vmX1lCk06KDtjWQgKrN034KsV6hWBPXFAHR0AFABQAUAFABQAUAfOmmSH4s+MJ7i4AfQfCkxjtoioxcX5G15JVYHcsRRimQuP3ZUZaSgDC8f8Axm1f4ceMZIL61abRpLWJYYlYJvIO5rmORoyC6lpI3iBAYLGGcFQaAPKbz9orxDJrc+o6bb4tr6D7JZWsodwpWQ+XOoXiS43syuqHY2RGwbYpoA+lfEXgzWPFHhjT53uGg8U6bFHdxXO1FYXZjzNAQixxqkpJiwU2jC7wwDbgDpPhX43/AOE+0CHU5AEukZre6RQVVbiLG7aMn5XVkkGCQA+OCCAAei0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAENzOLWF52BKxIzkDqQoLED344oA4P4ZeN3+IOj/2y0ItQ9xPGkYYsRHG+ELHu5XG7AC56ACgD0KgAoAKACgAoAKAMHxTr0fhbSbvV5lLpZQPKUHBYqPlXODjc2ATg4Bzg4xQB5b8DdBkTSn8U6kwn1XxA5upZTyyQE/uYVYktsCgNtzhcqmP3YJAPL/jL448TfDfxfBrFq2/TJ7VYooHOYJdhJmR1XDLIsjh1k4fBADFAyAA3fgx8Q9e+JfiO61G/TyNNtbAwxxRbhAk8k0DZyxLSSusbknnYoC/Lu+YA67406HPp9tH420PEOraGRJI6naZ7POJoZP4ZEUHftbJCBwnzEKQD1nwzrsXibS7XV4BtS9gjmC5J2llBZMlVJ2Nld20ZxkDBoA3KACgAoAKACgAoARjgE+lAHy7+zTqYvzrrSDybmXUftEkBzujEvmcHIB4cMnIBypyBQB9R0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfNumSpH8Yr5WYKX0dFQEgFmxaNhQep2qzYHO1SegNAH0lQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHjH7QN/JYeCr4xhT5xghbdnhZJkBIwRyO2cj1BoA6v4W/wDIpaP/ANg61/8ARKUAd5QAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8eavCbD4128lxEJFvI4mgJbGB9iMPmgLnlZIZFCtjPXoQSAfYdABQAUAFABQAUAFABQAUAfNSmPQfi/sVto1rTDlI3JzNGhbM6kgKdls2zhuqEAbiQAesfEP4h2Hw408ahfK8zyyCKCCPHmSuQWOM8KqKCWc8D5V+8yggGj4R8aab410xdX0ty8RB8yPGZYpAMtE6DJ3jsBkOMMhYEEgHzJr3xf8AiJ4ZuZtWv9JWDRlkCrFPCyBY2kVUJmWTeJmXCljujDuSIsBVABuaR+1bo04A1Oxu7ZggJMJjnUvxlQGaE7epDHn/AGeaAPedI8c6fq2g/wDCUYltdPEUk2blVR/LjLAttR5AQ207ACWbIAGSBQB5N8NfjHqvjDX/AOy9Ts4bOzvLR7uwaLc7uiuuPMl81o2KrvWQJGrLMpRlUgigD6KcEqQOuDigD5t/ZoAh0vU7a4VhqMOpyi8dm3F32qBl9zbyGWTc3cnOWzmgC3+0t4Yj1jwwdTVA1xpMqSKwUlvJlZYplGOQvKSMT8oEZJ7EAHrng+0tH0TTpIreCBfsdvIkcaAJEXiSQiPO5gAxJyWLE8sxbJIB1lAHzv8AAC4kuT4gliO7T5NbuHtmUDy2Lli5QgDqnkn0A24xk0AfRFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAB0oA5Sy8caBqUD3Nvf2jxRBzKTNGNio/lMzqzBlXf8oZgFbK7SQy5APBf2bvF1lNb6hoklwgmS/mnto2ZF3wSjcfJGQz7WR3cAfKrKc4ztALXiT4+T2urzx+H7e31LRtIWI6lPvIlw8vlu1qBIN8cRKhpBFKpc4O1SjsAekeLdel8S+GmvPCOpWVsLllQ388vlxwxFtkpVsfJOCVRA4BBbja21gAfIEvxO8UfDXVTY2WtReJYANxLtJdRF2O1oyzt5yuhj4Ec2zawZfvsKAPXvCf7Q+ueItVt9AbRo1vZJFinPnSxCLBxNI8TQu8SxjJKu7FcbSxNAHonxg+JY8K28Wk6TdWsGrag/lCWeQbLOLYWaeUAOUY5VYtyFSWLkELhgC18DfGd74w0Jzq0iz39hcyW00igfOFCsjFk/dOxBI3xfKQAcZJJANn4xaDceJPCWoWNnuM/lLKioMs5gkSYoBkZ3hCuBknOACcAgFv4UaymveFNMvE2j/RUiYIrKoeDMDgBueGjIzyD1BIIoA5747eFF8U+FLoIge5sB9rgOMsDFzKB3+eHepGcZ2sc7RQBq/Bq9tdQ8IabPZxxQKYNjpDH5SedGzRTNtwMs0iMXfnexLZOaANj4k3NpZ+GdTl1AZthZzKy5A3F0Kooyy5LOygDIJJAGScUAcv8CNOuNM8F6dFdDDussyg5yI5ppJI8hgCPkZTjp6EjBoA9eoAKACgAoAKACgAoA+Tf2ef+Rk8U/8AX2v/AKU3tAH1lQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8mzf8AJbYv+vQ/+m6SgD6yoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDyf44+aPBep+SE/wBSm/eSPk82PdtwD8390HA9TQBufC3/AJFLR/8AsHWv/olKAO8oAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+XvEmnm/+MWl4bZ9n00T9M7tn2wbeoxnd15xjpQB9Q0AFABQAUAFABQAUAFAHzn8VPBPjjVdbj1Twjem1t2tUt5I1unh2ssjuzlCNhDBlwVy/wAhBAGMgHF6x+z3r1xaLrP9qNd+Ko5lkMzTOsXlxjEaRSNH5glUhSHby05ZcDG5gBG+Bfi/VLYa5qmsO/iKzw1knmM8cYQ7tjTEDa7MWHyKY+m8sCdoBxHh74N/EjTRPqunzjTbyeZlkiW6EUkoJLGX92Gg2bmO0Fg4ydqgGgD1Hw3+z/favN9u+IOoS6ofvLaJPMUVmC7jJKSpz1UpCqDgMJWB2gAd8V/2fYdZtbVvB1vZ2M1p5gli5jNwr+UEPm/MC0Wxj+8xuDsd27hgDnvDvwJ8Va75Np4z1KRNItE8pbOG5aRykap5SqNpgSNSBgtvdfLACDcGAB6z4D+BekfD/Vn1mynuZpNjxxRylNsaPkMCVQFzjGD8uMHg54APbaAPBNb0a9+H3is+K9KgkutK1nbDq8MKmR4HX7l4ka7SUBy0rEuV3SnA3jAB6p400F/FGiXujwusMl7byQq7AlVZhwWA5xnrjkDkA9KAF8GaAfCuiWWjs4layt0iZx0ZgPmK5AO3cTtyAcYyAaAOX+Jvi270K0j0rRI3uNd1ffDYxqpIXbt864kcFRGkCPu3E8MVJG0MQAa/w78HR+BNDt9HRvMkjBknk4+eeQ7pWB2qSoY7ULDd5aqD0oA7egAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAIyMHvQB822n7L/hqC/a7lluprYvvS0LqqKN4YRtIFMjx4BQjKuQc78jNAF/xR+zf4a1+7jurTzNKVAFkhtQgjkAOc4YHy3xlSV4PBK5BJAOe8Y/swaRf20Q8NSHTrmLiQzvLNHOOAWcliY5B97Ma7DyvljIZQCpJ+yjpTXEbpqFytsFHmxbIy7MAn3JOAqkhyQyMRuUA/KSwB7n4P+GmgeBo1XSrVFmVSpuZAHuHySTulIB/iIwoUbflxigDxTxt+zPH4n1e51iz1JrT7bK80kUlv52JJDufYyyxYQkkgEEjONxoA3PDP7NfhzStPmtNX36nc3GM3HzQGHHT7Oqu2w5+Yl2fdwrAplSAezeEfCOneCNOTSdJQx28ZZiXbc7u33ndsDLNx0AAAAUBQAADpetAHjvg7wTqXgLX7tLExy+HNVeS4WEHbJY3OA3AOQ0Mg3INjcHZlV25cA9W1Gxj1O1mspsiO5ikhfacNtkQo2Dg4OCcHB57UAcv8PPCI8C6FbaHv842ok3SDOGaSV5WIBAIBL8Kc7em5sZIBwXxG0PVPiHqlv4WWGW10K3Md3qF4wwlzjJjtIcFWY5BMjBsIcMwBVA4B7Va2sVlDHbW6iOGFFjjReAqIoVVHsqgAewoAnoAKACgAoAKACgAoA+Tf2ef+Rk8U/8AX2v/AKU3tAH1lQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8mzf8AJbYv+vQ/+m6SgD6yoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDy341/8iXqv/XuP/RsdAGt8Lf+RS0f/sHWv/olKAO8oAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+cdS/5LDZf9gVv53dAH0dQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAMMalg5A3KCA2BkA4yAeoBwM464GelAD6ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+Tf2ef8AkZPFP/X2v/pTe0AfWVABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHybN/yW2L/AK9D/wCm6SgD6yoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDy341/8AIl6r/wBe4/8ARsdAGt8Lf+RS0f8A7B1r/wCiUoA7ygAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD5x1L/ksNl/2BW/nd0AfR1ABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfJv7PP8AyMnin/r7X/0pvaAPrKgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD5Nm/5LbF/16H/ANN0lAH1lQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHlvxr/wCRL1X/AK9x/wCjY6ANb4W/8ilo/wD2DrX/ANEpQB3lABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHzjqX/JYbL/sCt/O7oA+jqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+Tf2ef+Rk8U/9fa/+lN7QB9ZUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfMGqJbL8ZrA25/etpzm45JxL9muwvXgfuBCcLxzn7xNAH0/QAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHlvxr/5EvVf+vcf+jY6ANb4W/8AIpaP/wBg61/9EpQB3lABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHzjqX/ACWGy/7Arfzu6APo6gAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPk39nn/kZPFP8A19r/AOlN7QB9ZUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfJs3/JbYv+vQ/+m6SgD6yoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDy341/8iXqv/XuP/RsdAGt8Lf8AkUtH/wCwda/+iUoA7ygAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD5WS7luPjU0cjblt7Hy4hgDahsllK8AE/vJZGycn5sZwAAAfVNABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfJv7PP/ACMnin/r7X/0pvaAPrKgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD5Tu0jT4125R97NZMXXaR5bfYZgFyeGyoV8jgb9vVTQB9WUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB5b8a/wDkS9V/69x/6NjoA1vhb/yKWj/9g61/9EpQB3lABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHypE6N8a3CJsZLIB23E+Y32FGD4PC4RlTavHyburGgD6roAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD5N/Z5/5GTxT/19r/6U3tAH1lQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8pXUEkPxrt3dSqy2TMhIwHUWEyFlPcB0Zcj+JSOooA+raACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA8t+Nf/ACJeq/8AXuP/AEbHQBrfC3/kUtH/AOwda/8AolKAO8oAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+TTLj41kW0WWFoqzFpMA5sVJkUbONqGNPLydxVn3jdtAB9ZUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8m/s8/8AIyeKf+vtf/Sm9oA+sqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPkLVLxrT4125CPLuhjiwuTsElk6lzwcKm4u3bAJyOtAH17QAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHlvxr/AORL1X/r3H/o2OgC18H55bjwdpLzx+S4s40C5zlI8pFJ/wBtY1SXHbfjtQB6RQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8ezagLD42kFS32iOOAYONpfTozuPqBt6UAfYVABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfI/7Payf8JT4nZWAiFwQybcsXN1dbGD5+UKBIGXadxdTldmGAPrigAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD448ZWs1j8Y9MmJ2rdi1dNrcmPy5IGDY6ZaNwR3XHY0AfY9ABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAeV/G11TwXqu4gZt1AycZJljwB7n0oA0PhJdRXng/SJIG3qtjDGTgj54l8qReQPuyIy56HGQSMGgD0SgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD4q1n/kt0P/XS3/8ATatAH2rQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHg3w1+FWpeCPEmq6zc3UUtpqXmeXDH5gJaSdZ1eRSAgaIGSNcFjhywKhitAHvNABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHzP4w8K65q/wATtK1aGzc6bYxQqboMpj2qZ5HLZIKMGkKBOSwCsPvigD6YoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDzj4t+HpvE/hW/0+1h+03LRK8EYIBMkbq425IBYAHaM8ngAkgUAXvhpoL+GPDOnaXMhhmgtk86MsGKzSZlmGQSP9a78AkDoOBQB3NABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHzZdfDHWb34n/APCV7Ei0qERSLK0iFpGSzSAxrGrGQNvJ5dVXapOTlQQD6ToAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAOH8b/ELSvh9Hby6uZQt7N5MflR+YQcZZ35XCICN2NznPyI3OADuKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgCJZ42cxKymRACyAjcoPQlc5APYkc0AS0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAMkkSFS8jBFXksxAAHuTwKAH0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAclpXjjSdb1a60KwlM93p6BrgopMSEsF2eaPlMgJwyg5BDA8qwAB1tABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8nftV/8AHlpH/X3N/wCgR0AfWNABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcuvjDTn10+GEdm1FLU3cihfkjiDRoA75GHfzFZVAPy8sVyu4A6igAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA8L/aH1y/8P8Ahb7RpdxLZzPeQRmSBzHJsIkYqHUhlyUXO0gkDaTtJBAPcICTGpPJKj+VAElABQAUAfNOheZYfFzVoxLK8c2lLMyO5K5H2TaoHTamWCAglQzYPJoA7L4IeK77xpolxq+ouWlm1G4CqTlYowkOyJOAAqA44A3HLkbmJIB7JQBheJPEuneEbF9U1eUW1rEVDOVd+XIVQFRWdiSeiqfXoKANiCZLmNZozlJFV1OCMqwBBwcEZB6HmgCWgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPGP2gYZpvBGoCAMxX7O7beoRbmJnJ/2QoJb2oA5XVfFms+GbbwXpUc4ZtWmtI7ybaC8ka/ZAYwSMKrrOQ5C7ztG1l5yAfSNABQAUAFABQAUAFABQAUAFADFkRmKBgWTG5QRlc5xkdRnBxnrg4oAfQAUAFABQB8deCPBCeH/HA0XUrqW5kuBdarLZRPIlnG6yj7G8mcC6kKM7FSirEQo3SAkAA+xaACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD5O/ar/wCPLSP+vub/ANAjoA+saACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+aPFkkOgfFfRr4Mq/wBpWT20qRtiQufPjjeZSQPLYmIIcnJgbC7kGQD2Dx/46s/h/pjaldq08jMI7e2QgSTyt91Ezk4HV2CsVXJ2scAgEXw/+IWnfEKw+2WOYZ4jsubSQjzreTurDglCQdkmAHweFYMqgHz34z+IvxL8OXlzrH2GO10O3dljinS3ZTHv2o7ssouDKwIOEYKO8fDEgD9H/ays3Crq2mTRnadz2sqSAtn5QI5RFhcdSZSQRwCDwAfQnhTx9Y+KtEbxGsc1hYr5p3XflRkxw/fl+SSRRHkMoLMCSp4xgkA8b8C/GvVvFPii30+4t4ItH1Zbo2LRAvMDbh2xPJ5uFbbEzPH5SuPMiO3YwYgH07QAUAFABQAUAcrL4qiTX4vDcaB5ns5LyV/MQeVGsixxjy+XdpHY/wB0KqlgW5CgHVUAFAHx98QfFF1428H+JY9WgWGbQdXihtxGHCKouY4VDS7tk0qq8okwAAHjfYu5DQB7/beJo9I8Gw67fyM4h0qGeSQfM7yG3Q8dAXeQgDJA3H5iBkgA+P8Awl488Y/DjU2/tOSTVNPMcF5foZftQit7ghFmWUb2hZSwyq/IW2q65KkAH3xY3sOpW8V5bN5kFxGksTgEbo5FDo2DgjKkHBAPrQByEnxH0KLX18KNcf8AEzdciMKSm7aX8tpBlVk2AtsbBxj+8MgHk/i2NdJ+K2hahKAkV7YzWysoG551W5T5wOeBNCoZuwx0WgCx+z7cSOmvQsxMcWtXBRey7yS2PrgZ+lAH0TQB4r+0Jp5v/BV6Q2z7M0E/TO7bMi7eoxndnPPTpQB6B4J1P+1fD+nag+1PPsbaVgDlVLQoWGT2U5Bz0xzQBxnxn8eT+BPD323TyoubyZLWCUgMkRlSRzMRnnZHGxThwX25VlzQB5jp2saj8NTDq/iPxXb6nBKkRl08o0sjxysAZLbD+dmP5mWRoFVtpSQJuyoB9UowdQw6MAR9DzQA6gAoAKACgAoA8it4PGY8cSSSvF/wi/2b5VyvXYdoAxv+0ifl2P7swcZJ2gAHrEVxFMXWJ1cxNskCsCUfarbWAPyttZW2nB2spxgigAhuIp93lOr+WxR9rA7XGMq2DwwyMqeRkZFAENrqFtfRG4tpY5oVZ1Mkbq6Bo2KyKWUkZRlZXGcqwIOCDQA+O8glEbRyIwnXdEVZSJFxu3Jg/MMEHK5GDnpQB8oeJfjf400e/nuotBmj0W1ZxvubS8jZkVmVZnnKqkQYbTtKEDpuJOaAOl0f9qHwvex5vo7uwlAXKtGJkLHO4I8TEkLj7zpGTkYXqAAdvr+t6d8R/A+pXumSObSazu9rshRt1urMRtbnBZMZ9DkUAfPKXx1Ow+HU4QoI79oDznmC7tYc5wMb/KLAdhxk4zQB9w0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAeA/CO+b/hJfFWnSNJM0GoxyiWV97FXEkax9BgRiLC9guFAG3kA95lnjt8ea6x7jhdzBcn0GSMn2FACzTJbxtLKQiRqWZj0VVGST7ADJoA8o0f44+D9avTp1vfLHLuKo8yPDFIQSAElkCr82Pl3FS2QBliAQD1iORZVDxkMp5BUgg/Qjg0AfOY/5LCf+wN/UUAfR9ABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8nftV/8eWkf9fc3/oEdAH1jQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAeAfF74f+KfE2oWup+Fb77C8EDQSKLia3Y7nZywaIEEchSDz+AoA4fUP2cdR1XTZLvUdVlvvEodGguJZZTCkcfSEs4eUk5JEg27G24XAYuAQxfs+eItdtGvPEetXEusW4zYYnlnjgdWLfPLL+8G8hCDDsMZ+Y+YRtoA4vS/gT8QBc3esLeJp+ptO5Ei3TI90ZGJlmEtuDsRtzELIqu2SDGncA9I8M/s9XmoXAv/AB5qMuqt8rfZRNM6l1AAMs7sHYKoKbUVSQfvgDaQDd+JvwEsPEGlwW3he3stMurR858oIZ02FQkk6hpCQcNuk3ljksc8kA4Hw3+z34lvjBZ+KtTb+yLQ4WzguZpQY+pSMOFjiVmADYUnHKjOCAD17wl8BfD/AIM1lNd097oywBvJikkVo4y8bROeEDtlXb77EAnI6CgD2ygAoAKACgAoA+Y/jP8ADDxFrOr2/inwjKwvoIkt2jSZYJVCtIfMjkdo024crIjP8wPAIyCAcHZ+KvjKVWwFlK0hzGJpbSJDk5+YynZCMZ4YgJwM57gGlZ+C/i94mUwatqbaXCpznz4VdjtI/wCXAbmQ5IKvIBnB2nAIAPZtL+EsGkeEbvwpDOZZtRjlM13KgJa4lVQZCowxVWUbNzM6qB85IoA+d7L4T/E6a1bwpPcrBomQGZ7iKSExh0+WIKGuQoxvEJWKMlWzgt8wB2Wofssx2sJOg6tcW9w8bRyidQY5lcBXUmHy2RChkyjCYNkKSACSAfT+haWdE0y10wP5hsrWG3Em3G4wxLHv25OM7d23Jx0yetAH54eJ/h54z8OeIba2C+Ze319Pc6dNBJEDLOvlSySglg8OweWzCYqibWKllDMQD374a/DXxjJ4kh8V+NZwz2scqxwySpNJl0aMBViJggQbzKPLJy2MoGYkAHpXwj8FX3hCHU5dRAjl1LUri5SIFW2RbiIyWRmXMg+faOVBAb5sqoB03xH0TU/EWgXOn6HP9jv5PKaGXzHiwY5o5GXzEyy71UrkDHPPGaAPnvTvhn8Q/HqfYfHOovaaXks0MbWzTSOg/d5FunlmPc24+ZI3Kf6sNscAHN2/ws+JtsjeEILvyvD5Z4xP50Ai8liZCQoJvFVzw0QGNzMpzGWYgGVe/Cr4oeJLaHw9qjI2mWTjyGmuLUxJ5SNHGwMW66YeWzKgdeAQGC44APWfBP7MmjaLsudfkbVLlSSYhlLTqdvy4Ej4GCQ77SeChA5APpsAKMDgDgCgBaACgAoAKAOO8SeKX0O/0vTLeEXM+r3LRYLsgigijMlxcZWOQMYwUCxsU3s4AYAEgA7GgD4bvfhn4xn8Ua3beFtQktbZLpJJnN3LBvN3GLlUKxDLmNZNpJUDGACecAF5vgR480SR7LRNZI0+dg0jC6ubbe0igTM8Cbwx6jJcl1AzgnAAHQ/s/eM9OlOj2OsmPQpJAZCk88eVYKZGNmreWz5GMebhiASw7AGHc/Anx5ZIzWt48x0WULpKJdbGaOQgyS25eVVtMDaXQsjMysBkKrOAd1pfwQ8VeMP33jzWbkRHkWkExkOWRcg5H2aLBwGWOOQMVOG5DUAVvil+zyq2tk/gazQz27Otykkw8ycER+W5Ny4hOwq+9fl3eZ91gMAA5OLwd8XzZHREQWmnyqYWiifS4YljkJD8W5DqpDEv5Y3EE4BJwQD3R/hrPp+meFtFthldG1KC7u5EGVBiiuJ5Wwzg4luWEYIJI8wMEwNtAHu9ABQAUAFABQAUAFABQAUAfK2rfG/xR4e1jUdPk0Ge+t4bt47R0WePEKfIrFlt5VlEuBKpG0qHKkuACADziPWPFnwm1uXxprWlo48RLKHto5mURO0sbqHKify3yF2K+8lXZcrIGVQDnviJ4k1rxDerr3i3Sr+y0p7Z4dPiV3RLe4eLdFOHdEWSQuN7BlQlcYz5YUgHW+Hf2hprTRf7I8ZafcahHcQNEtwrGNrq3dTGwk3hNx2naZo3y+ckBwWYA5AeBLz4qRxTeEfD0OiWKs2byW7mYS43jG6ZvmTKhSIYZCsmN8gU8AHpOh/s++M9FRRZ699gDKgkS3mu0AA5KAptU7STg4xnnHNAHqhskj+JdoIMzPa6Cy3UpwZCTNtiadgBl3AGCeueKAPdqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD5w/afUHwzasQMjVbcA45AMNzkA++Bn1wPSgD6PoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA4r4g+Ml8B6NLrLQS3ZiZFWKNScs7YBdgCI4xzmRuAdoALMqkA2PC+vR+J9KtdXijeBL2FJhG+Nybh90kcHB6HjIwcDOKAN2gAoAKAPnL4jeJviN4PvZJdGtLfV9LuJAYClrLNPACgzDJHbyI21SrMJSjA7wDIDhFAJ/hf4K8QX+qN418buG1BofLsrXAH2WNwCzbF+WJipKbMFxl2kbeaAPoagAoAKACgDg/iVF4gm0GePwoVXUmKbWLKjiMMDJ5RYFPNKjaoYrwWKtvCggG34Tk1OXSLR9cVY9SaBDcquABLj5uFJUHuwU7Q2QMDigDoaACgAoAKACgAoA8I+N2l+Igum+IPCivLe6PLcFoo0EjNFPGgc+WT+9A8raYgrMxcFRuUUAeVR/Gz4h64gtNK0LZdI5gmm+y3TqkwXDAhykcDqx3bZncLwHBHUA9N034W63B4TvbA6gbbxFq85vbi7jZ1AlJVhbmSP5xGApQvGPl3NsQoApAOk+F/w81XwQLiTV9WuNXluQgVJHkaKILkkr5ryMXJJG4FBt6qTjAB63QAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAhUNwRke9AFPUdNtdXt3s7+KO5t5Rh4pVDow6jKsCMg4IPUEAgggGgAs9NtdPgjtLWKOGCBAkcaqAqIowFUdgP/AK55oAuABRgDA9BQAtACbQDnAz696AFoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPnH9p7/kWLX/ALCtt/6JuqAPo6gAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgBrosilHAZWBBBGQQeCCDwQR1FAAiLGoRAFVQAABgADgAAcAAcADpQA6gAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPnH9p7/kWLX/sK23/AKJuqAPo6gAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPnH9p7/AJFi1/7Ctt/6JuqAPo6gAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA5Txt4vtPAukT61egsluAFjUgNLI52pGueMsTyedqhmwduKAMD4Y6bq8Vg2reIZ5JtR1YrcNCzHy7SE7mht4oyq+XsWQ+YMZLk5JIyQCh8Qvijb+AdT0nT51RotTmdbmQsd9vCNiJKEHJBkfJY5wkUgVWYjaAesAhhkcg8gigBaACgD568Q6pcfCXxLFqEss03h3xDMY545C7rYXh5EkIXcAsoyWj25IV9pOwAAH0LQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHi2l+KtQ8eeKHg0aZoPD+hEpdyqi5vb0MR9nVmJYQRgbmdANxBB3JIhAB0vxM+Itn8NtLOoXK+dcSkx2sAODLLjPzHnbGo+Z27DAALMAQDmPgz8WW+Jtvcrdwx2t7ZMu5ImJR4pM7XVWJddpUq+SRnaQeSqgE/xTvNZ8ItD4v0qaWazsMJqOm7v3U9szYMybtwiliJGXRQSuCx2K6sAeoaJrNr4gsYNTsHEttdRiSNx3B6g9CGU5VgQCrAggEUAalABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAeffErxzH4C0k3gQz3lw4t7KBcbpbiQEIMdSqn5mwCTwoGWFAF3wDoeoaFpSprNzJfalcubi6kkfcBLIqgxxfKoSKNUVUQKFGCQMGgDM+JHxGtvh1b2s9xGJmvbpLdVMgiCIeZJmYq/yxLgkbQDkAstAHoysGAZTkEZBHcGgDxfwj4mv/AA94gn8GeI5vtEs5lvNLu2LZuIHZna2IYZ8y3AfHzt8isoICoCAe00AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBz/inxPY+DtOm1fU38u3txzgZZ2PCRovd3b5VHA7sQoJABi+FvEt9d6Q+t+JYYNIiYtNGhkOYbQgGNrp2IVZSCS+NoAIyqtlQAd0DnkUAQrcxNKYFdDKihmjDDeFPRiudwB7EjBoA4H4feOW8WRT2mowiw1nTpDHe2fzZjyx8qVC33o5UGVYMwzkBiNrMAeiUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB81/tQ26N4ds5iDvj1OFVOWAAeGctlQdpzsXBIJXB2kZOQD6UoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPmv4/Sfa9R8M6RK6w2t5qm+WVv4DE1ui8lgm3E7lg3UhcEAHIB9KdKAPAf2ivBqeJPDL6jGpN1o+blCOphOBcKf9kIBKfTyvqCAd/8ACzWZtf8ACumX9z/rpLVFc5yWaImEueBy/l7yAMAsQOBQBwn7Q3iTV/CugW97oksltKL+JZZI1ztj8qZsMcEBGkCKd3DEhepFAHonw41+98U+HLHV9SRYrq7iMjqiMi48x1RlVixAeMK4OSG3bl+UigDjP2grOK68F3plcRGEwSpnHzOsyYQZI5bJ6ZPoKAO98B3Fxd+HdMnvARcSWFq0oZdp3mFC2VwNpz2wKAOsoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA5Tx3qkmieH9R1CHJktrK4kXDFTuWNsEMOVIPII5BFAHCfADTF03wZZMCpe7M1y7KMFmklbG89WdVVULHnCqOgAoA4X4/eEPFOtajpmr+HYjdJpgZlRCheK4Mqv5nlvjerKkYONw+QhlAILAHFfs76hfR+L9Vt9Yt3tr+/tTdSq0XkbWWZCx8kquBIZtw2gL1I4IoA+xtVsU1OznspApS4hkiYOAy4kQqdyngrzyD1FAHhP7NV7cTeGZrKdt66dqFxbRN83KBYpf4iQBvkfaFwAMDGckgH0LQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHzV8SH/ALR+JHhjTJ3WG3gWW7Rj1aXdIwjO5gp3m1ijQAbg0jfeJVQAfStAHxh8UrCb4wanqo02T/RPCFmfLMZWRLm6k/eTIuCpUlYnj3DeoeAZwGGQD3b4L+OR458OQXErA3tni2uh38yNRtkI9Jk2vkfKX3gY2lVAOB/aCtzYXnh3XrYiO6tdTSBTsUllkKSDcx5KoYmwhyv71zxzkA+l6ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+cfiT/xV3jfQ/CL/AD2VuG1O7iHy7vL3+VuZuGT5CpVBu2yPyCVKgHpPxY8M3Xi3wtfaTYELcSojxg5wxhljm8sY7yCMovbLDPGaAPO/gl8QVuvBc0+ou7TeHkmS4Z9xJhiRpYjnBJxEPLx8zZj/ANoCgCx8CtGvr2O88b60c33iFlaNSu0x20ZYIBjA2SDZsGxfkjRhkPkgGT8R2l8I/EDQdftAypq5XTboKVUS5kVF3qBliomRiz7uIowu0qKAPpegAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPnH9p7/kWLX/sK23/om6oA+jqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDyv4weC5vGehMljxqOnypeWZ5wZos5TGGDF0LKoKkb9ucDJoA2vh140h8caRFfr+7uo/3N5A2A8NygxKjJklQWBZN2CUIJAORQB1upWS6jaTWb423EUkR3LuGHUryp4Yc8jv0oA8l+Aen3Ol+E4bW7WRGjuLoIJVZCYxMwVlVuQjYJXHHpQB7BdWkN9E1vcok0Mgw8cihkYehVgQR35HWgBLOzh0+CO1tUWGCBFjjjQbVREAVVUDgKqgAAdAKAPnn4kvJ8T9bt/A2lOTZ2MqXWtTpysQX/VW5zhWdjk7QWw20lf3TigD6LiiSBFijAVEUKqjgBVGAAOwAGBQA+gAoAKACgAoAKACgAoAKACgCpqFjFqdtLZXA3Q3EbxOOOVdSrdQRnB4yDzQB4L8Frt/CM958PNTwl3p0stzZvjAubKV9wkGNyhgzbiu8sA5XH7pmIB9C0AfNPxD0XVNK+IOh+INGTIvQLK6wuEKqx8wzMCSd0EmEJUBWgTDZxtAPQfi54ubw7o72On/vtZ1YG0sLdAHld5fkeQR85WJSTlhs37Q2QSKANn4Z+EP+EF8PWmjuQ00Sl52XO0zSMXfG4nhSQgIwDt3bVzgAHeUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB4p8afC95qNpaeI9HXfqnhyb7XCmC3mRZVpowgDBmPlowGM4UgEE4IBtah40l8ReDZ9e8LI9xdTWreREi+ZNHO2EZDGm/8Aewli2w5GVBIKnkAPhH4HHgvw5DZXK7ry7BuL0sOWmmALI2ck+Wm2M7uWKsSBu2gA8z+GfgHUPAXjzVLeBJU0O4tGmgbcfJJkniMScn5pIR50fOWVRljiRSwBc8TW4+KPjix060ZZtJ8MH7TfOAWia6ZlK2+7mN3HlorKcFFM2G3AgAH0jQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHzv8XrE+GNd0fx9GP3FhMtpqO0HcLaYsolIXDOI98g25PzmP5SCxAB9BW9xHdxJPAweKVVdGHRlYBlYexBBFAHxH498DXlj49GhaXJJBpfi1oZbuNNqq0aTGS6XjJ+Qo0qNhOZfLyRuLAH21aWsVhDHbW6iOGFFjjQdFRAFVR7AACgD50+ISy+MfH+iaBagtFopXU7uRAD5R3q8aOwztLCGP5WCkiVCpO4UAfSdABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfOP7T3/IsWv/YVtv8A0TdUAfR1ABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAZ1ppFlYTzXVrDFBNdlTO8aBDKybtrSbQNzjew3nLEYBJAGADRoAKACgAoAq21hbWbSSW8UcLzuZJWRFUyOQAXcqAXYgAFmycAc8UAWqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAwtS8M6dqt5baldQq95YMWt5xlZI8/eXcCCyN3RsryTjPNAG7QAUAZE+gafdX8WrTW8Ul9bRtHDO6hniRjlhGTkITkgsoDYJXO0kEA16ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDO07SLPSBIthDHbLcStPKsSBFeVlVWkKqANzBF3EAbiNxyxJIBo0ANdQ6lT0IIP40AYfhrwxp3hGyTTdKiEFvGScclnZjlnkc5Z3buzEnGAMAAAA3qACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAztW0m112zl06/jWe1uUMckbDhlP6gg4ZWGCrAMpBANAGX4S8MQ+D9PXSbWSSW1heQwCUhmiidiwhDdWWMkhWb5tuAxJGSAaU+jWVzeQ6nLCjXlosiQzY+dElAEigjqrY6HIB5GCTQBbu1leGRbdhHMyMI3YblVypCMV7hWwSO4GKAOK8CeBYvB0Mss0rX2q3zebfX0v+snk/ur/chjyRHGOAOTz0AO9oAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD5x/ae/wCRYtf+wrbf+ibqgD6OoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD5x/ae/5Fi1/7Ctt/wCibqgD6OoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD5x/ae/wCRYtf+wrbf+ibqgD6OoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD5x/ae/5Fi1/7Ctt/wCibqgD6OoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDyrxt8ZfDvgG6Gn6nJO12VVzDBCzlUcEq5ZikeDgjCuWB6qBzQBxP/AA1B4R/u3/8A4Dx//H6AD/hqDwj/AHb/AP8AAeP/AOP0AH/DUHhH+7f/APgPH/8AH6AD/hqDwj/dv/8AwHj/APj9AFl/2mPByQrMHvGdmIMItj5iAdGYlxFtbttkZv7yigC3p/7SHgq8VmmuZ7MqcBZraYlvdfIWcYHT5ip9BjmgDQ/4aD8C/wDQSP8A4CXv/wAj0AH/AA0H4F/6CR/8BL3/AOR6AD/hoPwL/wBBI/8AgJe//I9AFW8/aL8E2sRkivJblhjEcVrcBzk4yDNHFHx1OXBx0yeKAFf9orwQiowvZGLsoKi1ucxhurPmIKVT+LYzsf4FegDwr46fGTQfGulxaRopnneC9juDM8ZiiZI4pV+TeRISxlH3o1xtPtQB7taftD+CpYI3nvvJlZFaSP7NeNscqCybhb4ba2V3Dg4yKALH/DQfgX/oJH/wEvf/AJHoAwbj9pvwfBI0aG9mVTgSJbgIw9VEkiPg/wC0in1AoAh/4ag8I/3b/wD8B4//AI/QAf8ADUHhH+7f/wDgPH/8foAP+GoPCP8Adv8A/wAB4/8A4/QAf8NQeEf7t/8A+A8f/wAfoAP+GoPCP92//wDAeP8A+P0AH/DUHhH+7f8A/gPH/wDH6AD/AIag8I/3b/8A8B4//j9AB/w1B4R/u3//AIDx/wDx+gCjcftTeGo/M8m3vpNiqY8pEm9iSGU5lOzaMEMc7s4wMUAejfCz4pWvxOtJp4IJLSezZFmjYh1HmGTyykg2lsrGS2UXaTgbhzQB6nQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfIfiiyt9Q+MthbXcUdxC9p80cqLIjYtLthuRgVOGAIyOCAeooA+lf+EJ8P8A/QM0/wD8A7f/AON0AH/CE+H/APoGaf8A+Adv/wDG6AD/AIQnw/8A9AzT/wDwDt//AI3QAf8ACE+H/wDoGaf/AOAdv/8AG6AIZPAPhyV0kbS7DdESVxawgDcpU5AQBuCfvA4PIweaAM2y+FXhPT5RPBpVkrgEZaFXGD1+V9y/px2oA2P+EJ8P/wDQM0//AMA7f/43QAf8IT4f/wCgZp//AIB2/wD8boAP+EJ8P/8AQM0//wAA7f8A+N0AH/CE+H/+gZp//gHb/wDxugA/4Qnw/wD9AzT/APwDt/8A43QAf8IT4f8A+gZp/wD4B2//AMboAP8AhCfD/wD0DNP/APAO3/8AjdAB/wAIT4f/AOgZp/8A4B2//wAboAP+EJ8P/wDQM0//AMA7f/43QAf8IT4f/wCgZp//AIB2/wD8boAP+EJ8P/8AQM0//wAA7f8A+N0AH/CE+H/+gZp//gHb/wDxugA/4Qnw/wD9AzT/APwDt/8A43QAf8IT4f8A+gZp/wD4B2//AMboAP8AhCfD/wD0DNP/APAO3/8AjdAB/wAIT4f/AOgZp/8A4B2//wAboAP+EJ8P/wDQM0//AMA7f/43QBieI/AHhy5064WTTLEbIZHUpbRRsGVGKkMiq3B5649aAPDP2TLyR9M1SzIAiiuYZVbB3F5omRwTnBAEMZAABBZiScjAB9a0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHybrn/JatO/69D/AOkd5QB9ZUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAFTULc3ltLbqQDLE6AnoC6lQT7DNAHzl+y5AbXQNQgYgmLVZkJHQlbe2BI9uKAPpigAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+Tdc/wCS1ad/16H/ANI7ygD6yoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD5w/Zp/5BGqf9hm4/wDRNvQB9H0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHyt4itxF8ZdJlDoxltHJRT80e21vFAcdi33l9RQB9U0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB84fs0/8gjVP+wzcf8Aom3oA+j6ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD5s8XxJH8WfDzqqqz2VxuYAAtiG9A3EcnA4Geg4FAH0nQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHzh+zT/yCNU/7DNx/wCibegD6PoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPnDxj/yVfw7/ANeVz/6KvqAPo+gAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPnD9mn/AJBGqf8AYZuP/RNvQB9H0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHzh4x/5Kv4d/68rn/0VfUAfR9ABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAfOH7NP/II1T/sM3H/om3oA+j6ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgD5s8bzx2/wAVfDjSsqKbSdAWIA3SLeIi5P8AE7sqqOrMQByRQB9J0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8w/syyXJtNZR1AtV1NmifjJlZMTKec4VFgI+UD5zgnkKAfT1ABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB8rfFB4U+J3hk3Cs6bIwAp2kSG4mETZ/upKUdh/Eqle9AH1TQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHy3+zHDGsOtyiXdI+oBWh/uKgkKSdf8AlqXdeg/1PU9gD6koAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPk34t/8lL8MfW2/9LXoA+sqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+dPgdI0eteLLRPlt4dZdo4wAEQvLdKxVRgDKxxjjjCKO1AH0XQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAef+IfhvpviXXNP8R3TTLdaSQYkRlEb7XMieYCpb5HJYbWXdnDZHFAHoFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAYej+GtN0CW6uNOgS3l1GZri6ddxaWViSWYsScZZiFGEUsxVRuOQDcoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAa7rEpZyFVeSScAD3J4FACqwYAqcg8gjoR6igBaACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+ZPGWgfETxZq93pVtItl4ennVGkLxANavEiMFABuDwH3oHVWkbogy1AH0rbW6WkSW8Q2xxIqIMk4VQFUZOScADknJ70ATUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB458SvGN/b3tn4P8OkLq+s7t1x1+w2w+/cleAX2hzGC2RsJALNGGAPT9F01tHsobF55rxoECNPcOXmlbqXkY8kkk/QYA4FAFUeKdIOof2OLy2OoEE/ZhKhm4yT8mc5ABJHUYPFAGd480W/1/RLmx0i4+x3rhGhlIyu6ORJPLcf3JQhifIZdrncjDKkAzfhr42h8b6ULgRi0vLR2try0GR9nnjJUpggYVgNyDnAOwncrAAHoNABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAeT+MfHV5ofifQ/DtqkYi1WSVriRsltkakCNBwFyxDF+TwAAOcgGZ8R/iNqfg3xBommWtqLiy1SVklKkGWRtyxeXEv8BiMscxJB83IjUrhjQB2Fn8QdPv/ABNN4Stg0l1aWpuZpRjy42EiIYDnBMgEiOSAVAbaTuBAAO7oAKACgAoAKACgCveXcOnwSXVy4iggRpZHbhURFLOx9lUEn2FAHmXw78T6p43nu9cfbBoLO8GmReXiS4VHCteSOTuALIyJHtAGXByUDMAdN438bad4C05tT1N8D7sMK/6yeUjKxxr3J/ib7qLlmOKALfhDVr7XNJt9R1S1OnXVyryNbFtxiQyP5QYkAljDsZsqpDMQUQjaADhY/F9/4a8WPomvsp0/WW8zSLgFFWJkRRJZy8K29mw0ZJYszBVJ3YQA9eoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA+evjFM2l+I/C2pPI/2dNRaFoUz8zymIK+CwU7ehzzgnB7EA+gpJFhUySEIiAszMQAoAySSeAAOSTwBQBm6Nrlh4hthe6XPHd27FlEkTBl3KcMPYg9jjjB6EEgHjXjf9oLRPBOrnRZYLi8eHH2mSAx7YiyhgihnHmSDIEikxhM43MwZQAdXoHxl8I+Io98Go29uwGTHduLZx0H/AC2KqeT/AAs3qOOaAO70vXNO1tWfTLq3vVjIDm3mjmCE8gMY2YKSOQDjNAHAy/GHw9D4kXwiZJDfM4hLqgMCzkAiAyBs+YSQvCFFfKOyuCAAepUAfNvgCQap8S/Ed3e5jurSOK3toXBJFuCqNNGWGUVhHE+FwrfaSRkHJAPXviJ4oPgzw/e6ymwy20X7oSZ2NK7BI1O3B5dhwCM9MjrQB8TeKPhY1n4bTx1b6sNQ1B/KurkK6OA8rgSFJQ+5pIpWCspXIIZSBtoA+7vCd7c6lo1heXy7Lq4s7eWZSpXbK8KNINrZZcMTwTkdDzQB4P4AtzofxQ8RaZbkC2uLWO8ZAiqBIxtpBjHQL9qlHGN2dzDIGAD6XoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPK/iP8So/Asun2kSxXFzqN5BC8RkAkjgd8PL5YO7BwURiAgbruxtIBwnxt/wBE8Q+E7yH5Lg6osPmD73lPLbKyfRg7A/U0AR/tDzJpLaBrgPlzWGqriU8rHGwWSQleVPMKHJBI2kDqcgCeF44LT4tavHAi4udLjuDIdxcM32MtsJbAWQuCwweVTbtwQQD6UoAZICVIHXBx9cUAfPH7NV276BeWd0zm8tdSnFwJCSwd1j6sSdzblbdyeevWgD6GmmS3jaWVgkcalnZiAqqoyzMTgAAAkk8AcmgD5ysfjP4i8RXLXHh3w/Pf6Ks2xLov5TyorbZHjDgITkPtAZgpAVyGBAAPoXT75NSt47qMMiyor7JF2yJuAOyRequucMp5BBFAHiH7R+qS2HhT7JASraneQWm4HACtvlbdwSVYQ7SBz82e2CAey6Dpi6Jp1rp0aqi2kEUIVM7R5aKp25wcZBxkA+tAHzF+07oepqNP8T2JVYdJOHfcA8crzRGB1QjDDeB0zgjkY5oA9v8AhVqOu6v4dt77xMFW+uC7gCPyn8ksfKMsYCqrleQFUDyyhI37qAPP/wBpTTvN8LpqkTeXcaVeW88bjIcb28khGUgqd7xybuv7vAwTkAHuOiXj6jp9reSgCS4t4ZXC5ChpI1dtoJJAyTjJJx3NAGnQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAeKfGfxT4n8JQ2F94atjdQpPI18BEZQUCqsUbqv7xY5GdyZEwVeNBvAba4B4Z4jtviH8XbSPUZtPTS4dJU3doqrJFPPOArL5CyOZSxQqUbCpuXCsXytAFu88S/Ef4s6Td6JBpsVikShbqRlkt5JyvW3Q3Dbd0jLlgu1QBtZ1VsMAeb+EfGPiXwVq10PD2lPAlrCE1HTALmeFZI8obhwWaWJycHIfaeQCUIAAPQJdU8efFiJrO00Wz0qK6SXzr2S0Me9D+7dRNcLIQ5yVHljzerArt3AAyvG37NkvhfQTqGnTXGrajFInmRQxKqCEg72WPLysUO3JDHKksUUA4AMH4a+LPFnhW2fQ/DWin7XfOpa4lhuWbeBtDkOywIiDJJICgFmY4AwAdnpHwX8cW2v2JvJrY2trd/2i1+ggdkmZlkmU7kS5kd2XaEOYM4YFaAPtugD52+Ian4c+KLTx5DGzWF4osNXCBvkQ7BFctsB3bQoXDDkxogOXUoAes+L/DVp8QNCm0qSTEF9EjRzJ820grLDKBldwDBW2kgMOCRmgD5s0H9lCK3vPM1jUftFpHICsUERjeZAQcSOzt5WeQyoHODlZAaAPq/UNRsvDli93eSJa2dpHlncnaiKAAO5J6KoGWYkAAkigDxL4KaDc3lxqPjnUkMc+vyk2yOuJI7NXYpnIyolAjICsVZI42HGKAPoGgAoAKACgAoAKACgAoAKACgBr7tp2Y3YO3PTPbOOcZ64oA/PHxb4C8ehNR1zV7NGkjnW8a93xy3QWJ9qLa+VI7xQxhvMKBIwsaAsf3aqAC545+KV/wDFFbO80XT5beXwyp1GeUypKEKvENwBRQyoyo2cF2y+YgkbMQC74/8AjL/wtzT7Lwvp9k9vdXdzB5zM29RL9xVhCZZlLuxJcBgqgBSSSAD3e00Y2fxU86FnXf4eSS4wAUkYTi2VCSpKLiJJBtKsXj67SykA+gKAPkCP9o3X4LiXRZdCafVI5JUVUeWMjMhWLdb+Q74XKKx80B+u5d1AHD6L408R/AS/vIfEGnrcrrLC8CrMI4xMxLSNHKscwbG/y5Ij91lUqdpzIAWb39oTX7K2v9O8Q6aSdWid7QMxtjb21zCY0CqYGM8Y++rsyszFwWwVCAGF8OPDfxJ1WwOkaNLc6RpRcymSYG2XLuEfypPL+0N90s8cbbODuwXG4A+z/ht4J/4V/osejmc3jrJJLJKV2bnlbc2F3McDgZLEk5Y4zgAGd8XvBr+OPDdzp9uN13Fi5temTPDkqqk/daRS0QbK/fwWCkmgCz8LfF0XjDQLe4Hy3VsotbyI53Q3EICOrBsn5sCRcknawyd2QADyX9pK08RywafdaNHJNY2UxnnWJfM2zxlWgeWHDB4l2tjcjIGOGxuAIB1HwN+J2p/Em1u31S3jhNi0KLPCGVJmdXLgqxYK6bVY7WxiRflGMsAZfxvM/i+507wFpbj7Rfzi5vMH/U2kPO+UB1+UkmRUbBd40CEHFAH0Ha20dlDHbQDZFCixouSdqIoVRkkk4AAyST6mgCegAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAYI0Vi4UBm6kAAn6nqaAH0AFABQAUAFAEcsKToYpVV0cYZWAZSD1BByCD6GgCOztIbCCO1tkEUMCLHGi8KiIoVFA9FUAD2FAFigDB8Q+GdP8Uwx2uqxC5ghnjuFjYnYZI923eoIDp8xyjZVu4OKAN0AKMDgDgAdqAFoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAAgEYPINAGVpug6doyuun2ttaLLzIIIY4g+MgbxGqhuCeuepoAbYeH9M0p3ksbS1tXlIaRoYIo2dgSQXKKpYgsxBOSCT6mgDQFpCsxuhGgnZFjaXavmGNSzKhfG4orMzKpOAWYgZJoAnoAZ5aBt+0biMbsDOPTPXFAFe9MUULzzIJFhRnI2hjhRuO0HuQPUZoA88+G/wAQrD4n2k17b2klsbSXyWWdFYHI3KUkA2tx99B80ZI3DDKzAHp1ABQAUAcvpvg7TdH1S51qxRre4v1AuURiIZWBBWVovuiYYYeYuC29y24tkAHUUAMjiSEYjVUB/ugD+VAHL+HvBmneGrm8v7YPJeanO89xcTMJJTvYssKtgbYIs7YoxwqgZLEZoA6ugAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAgtrWGzTy7eNIUyW2xqqLknJOFAGSeSepPWgCegAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAP/Z'>|","vol":"1","page":63},{"text":"هذه أسرة تاج الدين السبكي، كما عرضتها دائرة المعارف الإِسلامية، ويفهم من ذلك أن آل السبكي كانوا على فضل وشرف عظيم، فهم قضاة، وخطباء، ومدرسون للعلم. ثم نضيق دائرة الحديث قليلًا، فنلقي أشعة الضوء على أسرة الشيخ تقي الدين علي بن عبد الكافي، والد التاج، عليهما رحمة الله تعالى:\n\n<span data-type='title' id=toc-63>١ - علي بن عبد الكافي: الشيخ تقي الدين:</span>\nولد في سلطنة المنصور سيف الدين قلاوون، في سنة ٦٨٣ هـ، وقد عاصر سبعة عشر سلطانًا من سلاطين المماليك البحرية، وهو إِمام من أئمة الاجتهاد، نعته الذهبي بالقاضي العلامة الفقيه المحدث، الحافظ فخر العلماء، كان صادقًا ثبتًا خيرًا، دينًا متواضعًا، حسن السمت، من أوعية العلم، يدري الفقه ويقرره، وعلم الحديث ويحرره، والأصول ويقربها، والعربية ويحققها … وقد بقي في زمانه الملحوظ إِليه بالتحقيق والفضل\".\nوقال ابن حجر: \"وقد باشر القضاء بهمة وصرامة وعفة وديانة\" (^١).\nولي التدريس في عديد من المدارس منها: المنصورية بمصر، وجامع الحاكم، وجامع ابن طولون، كما ولي القضاء، قال ابن العماد الحنبلي: \"في سنة ٧٣٩ هـ قدم العلامة شيخ الإِسلام تقي الدين السبكي على قضاء الشَّافعية بالشام وفرح الناس به\" (^٢).\nوقد أعان الشيخ تقي الدين على التبحر في العلم بيئة بيته وعناية أبيه، وهو أول معلم له، فقد \"كان يخرج من البيت لصلاة الصبح، فيشتغل على المشايخ إِلى أن يعود قريب الظهر فيجد أهل البيت قد عملوا له فروجًا، فيأكل ويعود إِلى الاشتغال إِلى المغرب فيأكل شيئًا حلوًا لطيفًا، ثم يشتغل بالليل، وهكذا لا يعرف غير ذلك\" (^٣).\nوبلغ من عناية والده به أنه زوجه بابنة عمه، وشرط ألَّا تسأله شيئًا من أمر الدنيا، قال ولده تاج الدين: \"ثم زوجه والده بابنة عمه، وعمره خمس عشرة سنة، وألزمها ألَّا تحدثه في شيء من أمر نفسها، وكذلك ألزمها والدها، وهو عمه الشيخ صدر الدين، فاستمرت معه، ووالده ووالدها يقومان بأمرهما، وهو لا يراها إِلا وقت النوم، وصحبته مدة، ثم إِن والدها بلغه أنها طالبته بشيء من أمر الدنيا، فطلبه وحلف عليه بالطلاق ليطلقها، فطلقها،\n_________\n(^١) الدرر الكامنة ٣/ ٦٤.\n(^٢) شذرات الذهب ٦/ ١٢٠.\n(^٣) طبقات الشَّافعية الكبرى ١٠/ ١٤٤.","vol":"1","page":64},{"text":"فانظر إِلى اعتناء والده وعمه بأمره، وكان ذلك خوفًا منهما أن يشتغل باله بشيء غير العلم\" (^١).\nوقد صنف المصنفات الكثيرة، قال السيوطي: \"وصنف نحو مائه وخمسين كتابًا مطولًا ومختصرًا، والمختصر منها لا بد وأن يشتمل على ما لا يوجد في غيره، من تحقيق وتحرير لقاعدة، واستنباط وتدقيق\" (^٢). ونراه لم يهدأ في أوأخر أيامه، ولم ينزل عن قضاء الشام بحكم الشيخوخة، حتى ولى ابنه تاج الدين قضاء الشام بعده. وبعد أن اطمأن على تاج الدين في منصب قاضي القضاة بالشام رجع إِلى مصر ضعيفًا، وأقام ببيته على النيل في جزيرة الفيل، ولم يعش بعد ذلك إِلا قليلًا، وتوفي ﵀ في سنة ٧٥٦ هـ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-64>٢ - أحمد بن علي بن عبد الكافي: بهاء الدين أبو حامد:</span>\nولد سنة ٧١٩ هـ، في السلطنة الثَّالثة للناصر محمد بن قلاوون، وقد عاصر اثنا عشر سلطانًا من سلاطين المماليك، وقد تلقى العلم عن أبيه وغيره من مشايخ مصر والشام، وشهد له بالعلم والفضل، قال الذهبي: \"الإِمام العلامة المدرس له فضائل وعلم جيد، وفيه أدب وتقوى، وساد وهو ابن عشرين سنة، وأسرع إِليه الشيب، وكان أديبًا فاضلًا، متعبدًا، كثير الصدقة والحج والمجاورة، سريع الدمعة، وكانت له اليد الطولى في علوم اللسان العربي والمعاني والبيان\" (^٤).\nوقد سعى له أبوه في تدريس الفقه والميعاد بجامع ابن طولون، وغيره، وذلك بعد أن تولى الشيخ تقي الدين قضاء الشام. وكان مولعًا بتولي الوظائف والمناصب، حتى كان يسعى إِليها بماله الذي كان كثيرًا، وتولى منصب \"إِفتاء دار العدل\" سنة ٧٥٢ هـ، ومن مصنفاته: \"عروس الأفراح شرح تلخيص المفتاح\".\n_________\n(^١) المصدر السابق ١٠/ ١٤٥.\n(^٢) بغية الوعاة ٢/ ١٧٧.\n(^٣) ينظر ترجمته مفصلة في: طبقات الشَّافعية الكبرى ١٠/ ١٣٩، وسير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤٨، طبقات الإِسنوي ترجمة رقم (٦٦٦)، الدرر الكامنة ٣/ ٦٣، وبغية الوعاة ترجمة رقم ١٧٣٣، شذرات الذهب ٦/ ١٨٠.\n(^٤) الدرر الكامنة: ١/ ٢١١.","vol":"1","page":65},{"text":"ومن تلامذته: الدميري صاحب \"حياة الحيوان\". وقد توفي بمكة سنة ٧٧٣ هـ. أي بعد أخيه التاج بسنتين (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-65>٣ - الحسين بن علي بن عبد الكافي: جمال الدين أبو الطيب:</span>\nولد سنة ٧٢٢ هـ في السلطنة الثَّالثة للناصر محمد بن قلاوون، وعاصر عشرة من السلاطين المماليك، تلقى العلم عن أبيه ومشايخ عصره، وقد اعتنى عناية خاصة بدراسة العروض، وذهب إِلى الشام لما عين أبوه قاضي قضاتها، وأتم دراستة وطلبه على مشايخها، ثم عاد إِلى مصر، ودرّس بالكهارية، واشتغل معيدًا بدرس القلعة عند القاضي شهاب الدين بن عقيل، ثم عاد إِلى الشام ودرس بالشامية البرانية وغيرها.\nوكان مثل بقية أفراد بيته يمتاز بالذكاء وقوة الحافظة، قال الصفدي: \"كان ذهنه ثاقبًا وفهمه لإِدراك المعاني مراقبًا … وكان يعرف العروض جيدًا، وينظم الشعر بل الدر، ويأتي في معانيه بالزهر، عفيف اليد في أحكامه لم يقبل رشوة من أحد أبدًا، ولم يسمع بذلك في أيامه\" (^٢)، توفي سنة ٧٥٥ هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-66>٤ - سارة بنت علي بن عبد الكافي:</span>\nولدت سنة ٧٣٤ هـ في السلطنة الثَّالثة للناصر محمد بن قلاوون، وعاصرت أربعة عشر سلطانًا من المماليك البحرية، واثنين من السلاطين البرجية.\nوقد سمعت وهي صغيرة على أبيها، وعلى زينب بنت الكمال، والشهاب الجزري، وأجاز لها كثير من شيوخ الشام والقاهرة، وتزوجت بقريبها محمد بن عبد البر بن يحيى بن علي بن تمام، وهو بهاء الدين أبو البقاء من كبار أفراد البيت السبكي.\nوعاشت في مصر والشام، وكانت وفاتها بالقاهرة بعد مرض طويل. ذكرها ابن حجر العسقلاني في معجمه، وقال: قرأت عليها. وقد روى عنها سواه من الشيوخ. وهي في عقود المقريزي (^٣).\n_________\n(^١) ينظر ترجمته: في الدرر الكامنة ١/ ٢١٠، وشذرات الذهب ٦/ ٢٢٦، والبدر الطالع ١/ ٨١.\n(^٢) البيت السبكي ص ٦٤ نقلًا عن الطبقات ٦/ ٨٨.\n(^٣) السخاوي: الضوء اللامع ١٢/ ٥٢.","vol":"1","page":66},{"text":"<span data-type='title' id=toc-67>٥ - محمد بن علي بن عبد الكافي: أبو بكر:</span>\nوهو أكبر أولاد الشيخ علي، لكنه مات قبل أن يكون له شأن، لم ندر من أخباره شيئًا، سوى ما جاء في الطبقات الكبرى عرضًا في ترجمة علي بن عبد الكافى من أن محمدًا هذا كان أكبر أبناء أبيه، وأن أباه خاطبه بقصيدة فيها نصح وإرشاد إِلى ما يجب عليه من العناية بالدراسة العلمية والصوفية (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-68>٦ - محمد بن أحمد بن علي بن عبد الكافي: تقي الدين أبو حاتم:</span>\nولد سنة ٧٤٥ هـ في سلطنة الملك الصالح عماد الدين إِسماعيل، وعاصر ثمانية من سلاطين المماليك البحرية، وكان كما نعته تاج الدين السبكي، حبيب الشيخ الإِمام - يعني جده تقي الدين - وريحانته وأنيسه. ولد بالقاهرة، وسمع الحديث من جده وغيره، وربيَ في حجر جده بـ \"دمشق\"، ولما أحس الشيخ الإِمام بالضعف سفره إِمامه إِلى القاهرة، ولكن قبل أن يسفره أراد الشيخ تقي الدين أن يراه في درس يلقيه بالمدرسة العادلية الكبرى، اجتمع فيه الإِمام فمن دونه، وابتهج به الشيخ.\nواستمر أبو حاتم في القاهرة، وجد في الطلب، ودرس بالسيفية والكهارية وغيرهما، ولكنه أخذ في شبابه بداء الطاعون، وذلك سنة ٧٦٤ هـ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-69>٧ - محمد بن محمد بن أحمد بن علي بن عبد الكافي: تقي الدين أبو حاتم:</span>\nوكانت وفاته في سلطنة عبد العزيز بن برقوق، أو فرج بن برقوق من المماليك البرجية، وذلك سنة ٨٠٨ هـ، ولا يعرف تاريخ ولادته ولا عمره على التَّحقيق، وقد ولي نيابة الحكم من سنة ٧٩٠ هـ إِلى أن مات (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-70>٨ - ستيتة بنت علي بن عبد الكافي:</span>\nولا نعرف من أخبارها إِلا أنها ماتت هي وابنا أخيها أحمد، وابن أخيها عبد الوهاب في سنة واحدة، وكانت وفاتهم بالطاعون (^٤).\n_________\n(^١) البيت السبكي ص ٦٦.\n(^٢) ترجمته في طبقات الشَّافعية الكبرى للتاج السبكي ٩/ ١٢٤.\n(^٣) ترجمته في الضوء اللامع للسخاوي ٩/ ٢٧.\n(^٤) ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب ٦/ ٢٤٢.","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type='title' id=toc-71>٩ - صالحة بنت أحمد بن علي بن عبد الكافي:</span>\nأجاز لها ابن أميلة وطبقته، وأجاز لها جماعة من أصحاب أبي الفضل بن عساكر (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-72>١٠ - صالحة بنت عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي:</span>\nأجاز لها العز بن جماعة، وكذا أجاز لها ابن أميلة، ولقيها الزين رضوان، فاستجازها، وقال: أظن أنني قرأت عليها شيئًا (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-73>١١ - علي بن عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي.</span>\n<span data-type='title' id=toc-74>١٢ - وعبد الله بن أحمد بن علي بن عبد الكافي.</span>\n<span data-type='title' id=toc-75>١٣ - وعبد العزيز بن أحمد بن علي بن عبد الكافي:</span>\nوثلاثتهم ماتوا مع عمتهم ستيتة في سنة واحدة (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-76>١٤ - فاطمة بنت محمد بن محمد بن أحمد بن علي بن عبد الكافي:</span>\nزوج علي نور الدين من فرع عبد الملك بن علي بن تمام الجد الأكبر (^٤).\nوبعد فهذا نسب التاج السبكي، وهذه أسرته، وليس لدينا عن نسبه من جهة الأم سوى إِشارة إِلى أن أمه كانت من بيت علم، وذلك أن جده من قبل أمه هو: الخضر بن الحسن بن علي الوزير قاضي القضاة برهان الدين السنجاري (^٥).\nإِذًا فأسرة التاج السبكي أسرة علم، وعليه فقد نبت برعم التاج، واشتد عوده في طلب العلم، فبدأ بالقرآن فحفظه، وتعلم العربية والخط والحديث والفقه والأصول والتفسير والعروض، ولما بلغ اثنتي عشرة سنة أي في سنة ٧٣٩ ولي أبوه قضاء قضاة الشام، فذهب معه إِلى دمشق، وهناك رشف من رحيق علماء الشام أمثال المزي والذهبي على ما سيأتي في تفصيل \"شيوخه\".\nقال ابن حجر العسقلاني: \"وأمعن في طلب الحديث وكتب الأجزاء والطباق مع\n_________\n(^١) السخاوي: الضوء اللامع ١٢/ ٧٠.\n(^٢) السابق نفسه.\n(^٣) شذرات الذهب ٦/ ٢٤٢.\n(^٤) ينظر فيما سبق: \"البيت السبكي\" ص ٥٠ وما بعدها.\n(^٥) البيت السبكي ص ١٥ نقلًا عن الطبقات الكبرى.","vol":"1","page":68},{"text":"ملازمة الاشتغال بالفقه والأصول والعربية حتى مهر وهو شاب\" (^١).\nوقال السيوطي: \"ولازم الاشتغال بالفنون على أبيه وغيره حتى مهر وهو شاب\" (^٢).\nوقال ابن العماد: \"واشتغل على والده وغيره، وقرأ على الحافظ المزي، ولازم الذهبي، وتخرج به، وطلب بنفسه … \" (^٣).\nومن عناية والده به أنه كان يرسل به ليسمع الحديث من المحدثين وهو حدث صغير، ومثال ذلك ما ذكره عن نفسه في الطبقات قال: \" … وأخبرناه صالح بن مختار بن صالح بن أبي الفوارس الأُشْنَوِيُّ قراءة عليه وأنا أسمع في الخامسة بقبة الشَّافعي ﵁ … \" (^٤).\nوقال في موضع آخر: \" … وأخبرنا أحمد بن علي الجزري بقراءتي عليه مرة، وقراءة عليه وأنا أسمع أخرى، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إِسماعيل بن أحمد خطيب مَرْدا حضورًا في الخامسة … \" (^٥).\nوفي موضع ثالث: \"أخبرنا أبو الحسن علي بن الإِمام أبي الظَّاهر إِسماعيل بن إِبراهيم بن عبد الرحمن بن قريش المخزومي، قراءة عليه وأنا حاضر أسمع في الرابعة … \" (^٦).\nوكما دفع الشيخ تقي الدين ابنه في طلب العلم في هذه السن المبكرة، إِلا أنه - إِضافة إِلى هذا - اختار له مشايخه، ودعاه لملازمتهم والأخذ منهم:\nوفي ترجمة الحافظ المزي قال التاج: \"وكنت أنا كثير الملازمة للذهبي، أمضي إِليه في كل يوم مرتين، بكرة والعصر، وأما المزي فما كنت أمضي إِليه غير مرتين في الأسبوع، وكان سبب ذلك أن الذهبي كان كثير الملاطفة لي والمحبة فيّ، بحيث يعرف من عرف حالي معه أنه لم يكن يحب أحدًا كمحبته في، وكنت أنا شابًا، فيقع ذلك مني موقعًا عظيمًا، وأما المزي فكان رجلًا عبوسًا مهيبًا.\n_________\n(^١) الدرر الكامنة ٢/ ٤٢٥.\n(^٢) حسن المحاضرة ١/ ٣٢٨.\n(^٣) شذرات الذهب ٦/ ٢٢١.\n(^٤) طبقات الشَّافعية الكبرى ١/ ١٠٦.\n(^٥) طبقات الشَّافعية الكبرى ١/ ١٤٨.\n(^٦) المصدر نفسه ١/ ١٥٢.","vol":"1","page":69},{"text":"وكان الوالد يحب لو كان أمري على العكس، أعني يحب أن ألازم المزي أكثر من ملازمة الذهبي، لعظمة المزي عنده، وكنت إِذا جئت غالبًا من عند شيخ، يقول: هات ما استفدت، ما قرأت، ما سمعت، فأحكي له مجلسي معه، فكنت إِذا جئت من عند الذهبي، يقول: جئت من عند شيخك، وإِذا جئت من عند الشيخ نجم الدين القحفازي، يقول: جئت من جامع تِنكز؛ لأن الشيخ نجم الدين كان يشغلنا فيه، وإِذا جئت من عند الشيخ شمس الدين بن النقيب، يقول: جئت من الشامية؛ لأني كنت أقرأ عليه فيها، وإِذا جئت من عند الشيخ أبي العباس الأندرشي يقول: جئت من الجامع، لأني كنت أقرأ عليه فيه، وهكذا، وأما إِذا جئت من عند المزي، فيقول: جئت من عند الشيخ، ويفصح بلفظ الشيخ، ويرفع بها صوته، وأنا جازم بأنه إِنما كان يفعل ذلك ليثبت في قلبي عظمته، ويحثني على ملازمته .... (^١).\nويستمر التاج السبكي في طلب العلم والتنقل بين أساطينه، حتى مهر وبرع، وعلا صيته، وقد أجازه شمس الدين بن النقيب بالإِفتاء والتدريس، ولما مات ابن النقيب كان عمره ثمان عشرة سنة، وأفتى ودرس، وصنف، وأشغل (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-77>شيوخه:</span>\nممَّا علم بالضرورة من أصول التربية - أن التلميذ يستمد ثقافته من شيوخه، فالشيوخ بالنسبة إِليه - هم القدوة العملية، والصورة الحية لما يتعلمه، بهم يكون تأثره، وعلى أيديهم تتكون شخصيته، وتصنع معارفه، ومنهم يأخذ أخلاقه، وعليهم تتربى ملكاته، يقول ابن خلدون: \"إِن البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم، وما ينتحلون به من المذاهب والأخلاق تارة علمًا وتعليمًا وإِلقاءً، وتارة محاكاة وتلقينًا بالمباشرة، إِلا أن حصول الملكات عن المباشرة والتلقين أشد استحكامًا، وأقوى رسوخًا، فعلى قدر كثرة الشيوخ يكون حصول الملكات ورسوخها\" (^٣).\nوقد تتلمذ شيخنا تاج الدين السبكي على مشايخ عصره، وجهابذة العلم في زمانه،\n_________\n(^١) طبقات الشَّافعية الكبرى ١٠/ ٣٩٨ - ٣٩٩.\n(^٢) شذرات الذهب ٦/ ٢٢١.\n(^٣) ابن خلدون: المقدمة ص ٦٣٤.","vol":"1","page":70},{"text":"ومن طالع كتابه \"الطبقات الكبرى\" يرى كثيرًا من مشايخه الذين ترجم لهم، وسمع منهم، قال التاج في ترجمة شيخه حافظ الدنيا أبي الحجاج المزي المتوفى سنة ٧٤٢ هـ: وقد قدمنا في ترجمة الشيخ الإِمام الوالد أني سمعت شيخنا الذهبي يقول: ما رأيت أحفظ منه \"المزي\"، وأنه بلغني عنه أنه قال: ما رأيت أحفظ من أربعة: ابن دقيق العيد، والدمياطي، وابن تيمية، والمزي، وترتيبهم حسبما قدمناه.\nوأنا لم أر من هؤلاء الأربعة غير المزي، ولكن أقول: \"ما رأيت أحفظ من ثلاثة: المزي، والذهبي، والوالد، على التفصيل الذي قدمته في ترجمة الوالد. وعاصرت أربعة لا خامس لهم: هؤلاء الثلاثة، والبرزالي، فإِني لم أر البرزالي … \" (^١).\nقلت: وقوله: وأنا لم أر من هؤلاء …، وذلك أن الشيخ ابن دقيق العيد توفي سنة ٧٠٢ هـ، والشيخ الدمياطي توفي سنة ٧٠٥ هـ، وابن تيمية توفي سنة ميلاد السبكي على قول الذهبي، وهي سنة ٧٢٨ هـ.\nويمكن ترتيب شيوخ التاج كما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-78>١ - تقي الدين علي بن عبد الكافي:</span>\nوهو والد التاج السبكي، وأكثر من تأثر به، وأخذ عنه، وقد كان هذا الوالد - كما سبق التعريف به - إِمامًا من أئمة الفقه في دمشق والقاهرة، وعالمًا من كبار علماء عصره، ولقد وصفه العلماء بأنه شيخ العلم وحامل لواء العلماء، الإِمام المجتهد، العلم المفرد، وكان شيخه أبو محمد الدمياطي شيخه يقول: \"هو إِمام المحدثين\"، ولم يكن عنده أحد بمنزلته.\nوأما الذهبي، فقد نعته بقوله: القاضي الإِمام العلامة الفقيه، المحدث، الحافظ، فخر العلماء … انتهى إِليه الحفظ ومعرفة الأثر بالديار المصرية.\nولما تولى السبكي قضاء دمشق والخطابة في الجامع الأمويِّ، قال الذهبي فيه: [الوافر]\nلِيَهْنَ الْمِنْبَرُ الأُمَويُّ لَمَّا … عَلاهُ الْحَاكِمُ الْبَحْرُ التَّقِيُّ\n_________\n(^١) طبقات الشَّافعية الكبرى ١/ ٣٩٧.","vol":"1","page":71},{"text":"شُيُوخُ الْعَصْرِ أَحْفَظهُمْ جَمِيعًا … وَأَخْطَبُهُمْ وَأَقْضَاهُمْ عَلِيُّ (^١)\nوثناء العلماء عليه أكثر من أن نحصيه هنا، وقد أفاض ابنه في وصفه، ونقل كلام تلامذته، وثناءهم عليه.\nوأما التاج فقد ذكر في عدة مواضع أخذه عن والده، وتأثره به، فعقد فصلًا في \"ذكر شيء من الرواية عنه\"، وقال فيها: أخبرني أبي - تغمده الله برحمته - أخبرنا أقسيان بن محفوظ بقراءتي … \" (^٢).\nوقال: \"أخبرنا شيخ الإِسلام الوالد ﵀ قراءة عليه، وأنا أسمع … \" (^٣).\nوفي مواضع كثيرة يقول: سمعت الوالد (^٤). وفي أخرى يقول: وكنت أقرأ عليه (^٥). وأما تصانيفه فكثيرة سارت بها الركبان، وانتشرت في جميع الأصقاع والأركان.\n\n<span data-type='title' id=toc-79>٢ - ابن سيد الناس:</span>\nوهو فتح \"الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى ابن سيد الناس الإِمام الحافظ، الشَّافعي الأندلسي الإِشبيلي المصري، ولد سنة ٦٧١ بالقاهرة، وسمع الكثير من الجم الغفير،. وتفقه على مذهب الشَّافعي، وأخذ علم الحديث عن والده، وابن دقيق العيد، وتخرج عليه، وقرأ عليه أصول الفقه، وقرأ النحو على ابن النحاس، وولي دار الحديث بجامع الصالح، وخطب بجامع الخندق، وصنف كتبًا نفيسة منها السيرة الكبرى، سماها \"عيون الأثر\"، واختصرها، وشرح قطعة من كتاب الترمذي، وغير ذلك كثير. توفي بـ \"مصر\" سنة ٦٣٤ هـ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-80>٣ - ابن الصَّابوني:</span>\nوهو أمين الدين أبو الفضل عبد المحسن بن أحمد بن محمد بن علي بن الصَّابوني، ولد في سنة ٦٥٧ هـ، وسمع من ابن عزون والمعين الدمشقي والغلاق، وغيرهم بالقاهرة، ومن أبي اليسر وغيره بدمشق. توفي سنة ٧٣٦ هـ (^٧).\n_________\n(^١) طبقات الشَّافعية الكبرى ١٠/ ١٦٩.\n(^٢) السابق ١٠/ ١٧١، ١٧٢، ١٧٣.\n(^٣) السابق ١٠/ ١٧١، ١٧٢، ١٧٣.\n(^٤) السابق ١٠/ ٢٦٦، وما بعدها.\n(^٥) السابق ١٠/ ١٩٩.\n(^٦) ينظر ترجمته في: شذرات الذهب ٦/ ١٠٨.\n(^٧) ابن حجر العسقلاني: الدرر الكامنة ٣/ ٢٥.","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type='title' id=toc-81>٤ - ابن جملة:</span>\nهو قاضي القضاة يوسف بن إِبراهيم بن جملة المحَجِّي جمال الدين، ولد سنة ٦٨٦ هـ، وتفقه على الشيخ صدر الدين بن المرحِّل، ولازمه، وبه عرف، وأخذ عن ابن النقيب، وابن الوكيل وابن الزملكانيّ، وناب في الحكم بدمشق عن قاضي القضاة جلال الدين القزويني، ثم ولي قضاء القضاة بعد وفاة القاضي علم الدين الأخنائي، ودرس بالدولعية. توفي سنة ٧٣٨ هـ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-82>٥ - صالح بن مختار:</span>\nوهو تقي الدين صالح بن مختار بن صالح بن أبي الفوارس العجمي الأصل، العزازي المصري. ولد سنة ٦٤٢ هـ، وسمع من أحمد بن عبد الدائم، والفخري، وابن أبي عمر، وإِسحاق بن أسد العامري، وأجاز له محمد بن عبد الهادي، ومكي بن عبد الرزاق، حدث بـ \"مكة\"، وتوفي سنة ٧٣٨ هـ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-83>٦ - زينب بنت الكمال:</span>\nمسندة الشام أم عبد الله زينب بنت الكمال أحمد بن عبد الرحيم بن عبد الواحد بن أحمد المقدسية، المرأة الصالحة، العذراء، روت عن محمد بن عبد الهادي، وخطيب مردا، وأبي الفهم البلداني، وسبط ابن الجوزي وجماعة. وتفردت وروت كتبًا كبارًا، وقرأ عليها الكثير من الطلبة، وتوفيت سنة ٧٤٠ هـ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-84>٧ - أبو الحجاج المزي:</span>\nهو الإِمام العلم المفرد أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف بن علي، القضاعي الدمشقي، حافظ زمانه، وحامل راية السنة والجماعة، إِمام الحفاظ، واحد عصره بالإِجماع، ولد بظاهر حلب سنة ٦٥٤ هـ، سمع من أحمد بن أبي الخير سلامة، والقاسم بن أبي بكر الإِربلي، وإِبراهيم بن إِسماعيل بن الدرجي، وغيرهم، ورحل إِلى مصر، فسمع بها من العز عبد العزيز الحرَّاني، وسمع منه ابن تيمية والبرزالي، والذهبي،\n_________\n(^١) طبقات الشَّافعية الكبرى ١٠/ ٣٩٢.\n(^٢) ابن حجر: الدرر الكامنة ٢/ ٢٠٣.\n(^٣) ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب ٦/ ١٢٦.","vol":"1","page":73},{"text":"وابن سيد الناس، والتقي السبكي وولده، وخلق لا يحصون. صنف \"تهذيب الكمال\"، و\"تحفة الأشراف\". قال التاج السبكي: وقد قرأت عليه، وسمعت عليه الكثير. وقال عنه ابن السبكي: \"كان شيخنا المزي أعجوبة زمانه … \". توفي سنة ٧٤٢ هـ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-85>٨ - ابن النقيب:</span>\nهو محمد بن أبي بكر بن إِبراهيم بن عبد الرحمن، شمس الدين بن النقيب، علم من أعلام الشَّافعية، مفسر، قاض، ولي الحكم بـ \"حمص\" وطرابلس، ثم بـ \"حلب\"، ولد سنة ٦٦١ هـ، وسمع من الفخر بن البخاري، وابن الصَّابوني، وزينب بنت مكي، ولازم الشيخ النووي، ومن تلامذته: جمال الدين بن جملة، وبرهان الدين البعلي، له \"عمدة السالك وعدة الناسك\" توفي سنة ٧٤٥ هـ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-86>٩ - أبو حيان:</span>\nوهو محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان النقريُّ الأندلسي، شيخ النحاة، العلم المفرد، نعته التاج بقوله: سيبويه الزَّمان، والمبرد إِذا حمى الوطيس بتشاجر الأقران، ولد سنة ٦٥٤ هـ، ونشأ بـ \"غرناطة\"، وقرأ بها القراءات والنحو واللغة، وجال في بلاد المغرب، ثم قدم مصر، وسمع بالمغرب ومصر، ومالقة، ولازم الدمياطي، وأخذ عن ابن خطيب المزة، وأبي الحسن بن علي بن صالح الحسيني، وسمع جمًا غفيرًا، وأخذ عنه كثيرون منهم التقي السبكي، قال التاج السبكي: وأخذ عنه غالب مشايخنا وأقراننا، منهم الشيخ الإِمام الوالد .. وصنف التصانيف السائرة منها: \"البحر المحيط\" في التفسير، و\"ارتشاف الضرب\"، وغير ذلك، وتوفي بمنزله بظاهر القاهرة سنة ٧٤٥ هـ (^٣)، وينظر ترجمته مفصلة من تحقيقنا على كتابه \"البحر المحيط\".\n\n<span data-type='title' id=toc-87>١٠ - الذهبي:</span>\nهو الحافظ الكبير شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز،\n_________\n(^١) طبقات الشَّافعية الكبرى ١٠/ ٣٩٥ وما بعدها.\n(^٢) طبقات الشَّافعية الكبرى ٩/ ٣٠٧ وما بعدها، وابن حجر: الدرر الكامنة ٣/ ٣٩٨، والزركلي: في الأعلام ٦/ ٥٥.\n(^٣) تاج الدين السبكي: طبقات الشَّافعية الكبرى ٩/ ٢٧٦.","vol":"1","page":74},{"text":"شيخ الإِسلام، وعلم الأعلام، ولد سنة ٦٧٣ هـ، وطلب العلم والحديث، وله ثماني عشرة سنة، وأجاز له أبو زكريا بن الصيرفي، وابن أبي الخير، والقطب، وابن عصرون، والقاسم بن الإِربلي، وسمع بـ \"دمشق\"من عمر بن القواس وأحمد بن هبة الله بن عساكر، والغسولي، وبـ \"بعلبك\" من عبد الخالق بن علوان، وزينب بنت عمر بن كندي وغيرهما، وبـ \"مصر\" من الأبرقوهي وابن دقيق العيد، والدمياطي، وأبي العباس بن الظاهري. وفي شيوخه كثرة، فلا نطيل بذكرهم.\nوسمع منه الجمع الكثير. قال تاج الدين السبكي: \"وأما أستاذنا أبو عبد الله فبصر لا نظير له، وكنز هو الملجأ إِذا نزلت المعضلة، إِمام الوجود حفظًا، وذهب العصر معنى ولفظًا، وشيخ الجرح والتعديل، ورجل الرجال في كلّ سبيل، كأنما جمعت الأمة في صعيد واحد، فنظرها ثم أخذ يخبر عنها إِخبار من حضرها … \"، وله من المصنفات الكثير، منها: \"تاريخ الإِسلام\"، و\"ميزان الاعتدال\"، و\"تذكرة الحفاظ\"، \"والعبر\"، وغير ذلك. توفي سنة ٧٤٨ هـ (^١)، وينظر ترجمته مفصلة من تحقيقنا على كتابه القيم \"ميزان الاعتدال\".\n\n<span data-type='title' id=toc-88>١١ - ابن جماعة:</span>\nقاضي القضاة، بدر الدين أبو عبد الله محمد بن إِبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني الحموي، ولد سنة ٦٣٩ هـ بـ \"حياة\"، سمع بديار مصر من أصحاب البوصيري، ومن ابن القسطلاني، وأجازه ابن مسلمة وغيره، وقرأ بـ \"دمشق\" على أصحاب الخشوعي، قال التاج السبكي: شيخنا … وسمعنا الكثير عليه، ونعته بقوله: حاكم الإِقليمين مصرًا وشامًا، وناظم عقد الفخار الذي لا يسامى، متحلّ بالعفاف، متخل إِلا عن مقدار الكفاف، محدث فقيه، ذو عقل لا يقوم أساطين الحكماء بما جمع فيه. وذكر له من المصنفات كتاب \"كشف المعاني\" (^٢)، توفي سنة ٧٦٧ هـ بـ \"مكة\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-89>تلاميذه:</span>\nوقد خلت الكتب أو تكاد تخلو من ذكر تلاميذ له، ولعلَّ السبب في ذلك أن التاج\n_________\n(^١) السابق ٩/ ١٠٥، والدرر الكامنة ٣/ ٤٢٦، وشذرات الذهب ٦/ ١٥٣.\n(^٢) طبقات الشَّافعية الكبرى ٩/ ١٤٢.\n(^٣) ابن كثير: البداية والنهاية ١٤/ ٣١٩.","vol":"1","page":75},{"text":"السبكي كان في كنف والده، فطغت شهرة أبيه عليه، ثم لسبب آخر وهو نظام التعليم في ذلك العصر، والذي كان قائمًا على المدارس، والمساجد، وبيوت المشايخ، ولعلَّ الشيخ التاج لم يسعه وقته حيث كان قاضي القضاة بالشام، ليستقبل تلامذته في داره، ولعلَّ هناك سببًا آخر وهو موته صغيرًا، حيث توفي وله من العمر أربعة وأربعون عامًا، وأيّا ما يكن الأمر، فقد ذكر التاج ما يشير إِلى أن الصلاح الصفدي - خليل بن أيبك المتوفى سنة ٧٦٤ هـ، وهو في الأصل تلميذ أبيه يعني الشيخ تقي الدين السبكي - يشير إِلى أخذه عنه، وسؤاله له، قال في الطبقات عند ترجمته للصلاح الصفدي: \"وكانت بيني وبينه صداقة منذ كنت صغيرًا، فإِنه كان يتردد إِلى والدي، فصحبته ولم يزل مصاحبًا لي إِلى أن قضى نحبه، وكنت قد ساعدته آخر عمره … وكانت له همة عالية في التحصيل، فما صنف كتابًا إِلا وسألني فيه عما يحتاج إِليه من فقه وحديث وأصول ونحو، لا سيما \"أعيان العصر\" فأنا أشرت عليه بعمله، ثم استعان بي في أكثره، ولما أخرجت مختصري في الأصلين المسمى \"جمع الجوامع\" كتبه بخطه، وصار يحضر الحلقة، وهو يقرأ عليّ ويلذ له التقرير، وسمعه كله علي، وربما شارك في فهم بعضه رحمه الله تعالى! \" (^١).\nويمكن عد الصلاح الصفدي من أقران التاج كذلك.\nوقد ذكر الشوكاني في ترجمة \"أبي المحاسن الحموي\" أنه تفقه على التاج السبكي، فقال: يوسف بن الحسن بن محمد الحسن بن مسعود بن علي بن عبد الله الجمال أبو المحاسن الحموي الشَّافعي: المعروف بابن خطيب المنصورية، ولد سنة ٧٣٧ هـ، واشتغل بـ \"حماة\" وغيرها، فأخذ في الأصلين عن البهاء الإِخميمي، والفقه عن التقي الحصني والتاج السبكي وغيرهما، والنحو واللغة والفرائض والحساب والبيان عن ابن هانئ اللخمي المالكي، واشتغل بالحديث، فسمع وحصل وكان عارفًا بعدة علوم، ودرس وأفتى وصنف.\nومن مصنفاته \"الاهتمام في شرح أحاديث الأحكام\" … توفي سنة ٨٠٩ هـ (^٢).\n_________\n(^١) تاج الدين السبكي: طبقات الشَّافعية الكبرى ١٠/ ٥ - ٦.\n(^٢) الشوكاني: البدر الطالع ٢/ ٣٥٢.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type='title' id=toc-90>محنة التاج السبكي:</span>\nإِن وظيفة القضاء في الإِسلام عظيمة الشأن جليلة الغاية، ويكفي لرفعة شأنها، وسمو قدرها أنها من وظائف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وبها يتحقق مقصد عظيم من مقاصد الشارع، وهو إِزالة الضرر عن الخلق بفض ما يحدث بينهم من النزاع، وإِرجاع الحقوق لأربابها، لذلك حث الدين عليه كثيرًا، ورغب فيه ببيان ما يترتَّب على القيام به بالعدل من المثوبة العظيمة، والدرجة الرفيعة عنده ﷾.\nوقد قام به المسلمون خير قيام، وكان له عندهم مكانة سامية، وقد رفعوه، وزادوا من شأنه، فضربوا أحسن الأمثال في القضاء العادل، وأظهروا للناس من سعة النظر ورصانة العقل، ونزاهة النفس، وذكاء الفكر، وقد علوا فيه على الأمم، ويمكننا القول: إِنه لم يوجد في أمم الأرض من أقام العدل، ونصب ميزانه كما فعل المسلمون.\nقال ابن حجر العسقلاني: \"وحصل له بسبب القضاء محنة شديدة مرة بعد مرة، وهو مع ذلك في غاية الثبات، ولما عاد إِلى منصبه صفح عن كلّ من أساء إِليه\" (^١).\nوقد وجهت الخصومة إِلى تاج الدين السبكي، وعقد له مجلس حكم، حكم فيه ابن قاضي الجبل - وهو أبو العباس أحمد بن الحسن الحنبلي قال فيه ابن حجر: ولي القضاء سنة ٧٦٧ هـ فلم يحمد في ولايته توفي سنة ٧٧١ هـ - وقضي بالحبس على تاج الدين ولكن ما سبب هذه المحنة؟!\nوالواقع أننا نجهل تفصيل الأسباب الَّتي أحفظت عليه أولي الأمر، والسبب في ذلك: أن المصنّف لم يترجم لنفسه، ولم نجد من يترجم له ترجمة مفصلة كما ترجم هو لأبيه، ويرى وستنفلد (^٢) أن السبب إِصرار تاج الدين على أحكام أصدرها لم تعجب أولي الأمر وطلبوا منه العدول عنها، ولكن لم نجد شيئًا من هذا القبيل مسطورًا، وغاية ما هناك ما ذكره ابن حجر في \"الدرر\" قال: وكان من أقوى الأسباب في عزله المرة الأخيرة أن السلطان لما رسم بأخذ زكوات التجار سنة ٧٦٩ هـ وجد عند الأوصياء جملة مستكثرة صرفت بعلم القاضي بوصولات ليس فيها تعيين اسم القابض، فأريد من ناظر الأيتام أن يعترف أنها\n_________\n(^١) الدرر الكامنة ٢/ ٤٢٥.\n(^٢)  wilstenfeld  مستشرق ألماني له مؤلفات عدة منها كتابه عن الإِمام الشَّافعي والشافعية.","vol":"1","page":77},{"text":"وصلت للقاضي \"تاج الدين\" فامتنع. فآل الأمر إِلى عزل القاضي\" (^١).\nوقال في موضع آخر: \"لما ولي أمير على نيابة السلطنة بالديار المصرية قرر الشيخ سراج الدين البلقيني في قضاء دمشق وعزل تاج الدين السبكي، وأخرج بهاء الدين (^٢) إِلى دمشق ليدعي عليه بما في جهته أيام مباشرة أبيه وأخيه، فعقد لهم مجلس، فحكم ابن خطيب الجبل باعتقال تاج الدين، فاعتقل بقلعة دمشق وهرب أخوه، فاختفى عند التاج الملكي قبل أن يسلم، وكان يومئذ بـ \"دمشق \" كاتبًا نصرانيًا\" (^٣).\nوهذا سبب ذكره ابن حجر، ولا يعرف باقي أسباب المحنة، إِلا أن ما فهمه ذلك المستشرق ليس بصحيح، فقد عرف عن تاج الدين ترفعه وصلابته وشدته على أولي الأمر، ولا أدل على ذلك ممَّا أودعه كتابه \"معيد النعم ومبيد النقم\".\nويذكر الشعراني المتوفى سنة ٩٧٣ في محنة التاج: أن ذلك لاتهامه بالزندقة، وما يتبعها. قال في \"الأجوبة المرضية عن أئمة الفقهاء والصوفية\": \"إِن أهل زمانه رموه بالكفر واستحلال شرب الخمر والزنى، وأنه كان يلبس الغيار، ويشد الزنار بالليل، ويخلعهما بالنهار، وتحزبوا عليه، وأتوا به مقيدًا مغلولًا إِلى مصر، وجاء معه خلائق من الشام يشهدون عليه، ثُمَّ تداركه اللطف على يد الشيخ جمال الدين الإِسنوي\" (^٤).\nعلى أن التاج قد وقعت له أكثر من محنة، فأولاها كان سنة ٧٦٣ هـ، وفي هذه ولي أخوه البهاء السبكي قضاء القضاة مكانه، وولي هو وظائف أخيه في مصر، ومكث البهاء في هذا المنصب ثمانية أشهر (^٥).\nوليس ما قاسى القاضي تاج الدين في القضاء بمستغرب في دولة السادة الأتراك والشراكسة، فلقد ضج القضاة من تدخل رجال الدولة في عملهم تدخلًا يمنعهم من إِحقاق الحق، ومن هذا القبيل ما لاقاه ابن حجر العسقلاني، وبين ولايتهما سبعون سنة أو ما\n_________\n(^١) الدرر الكامنة ٢/ ص ٤٢٦، وما بعدها.\n(^٢) هو أخو تاج الدين.\n(^٣) الدرر ٤/ ٥١.\n(^٤) مقدمة كتاب \"معيد النعم ومبيد النقم\" نقلًا عن \"جلاء العينين في محاكمة الأحمدية\" ص ١٦، وقارن الأعلام ٤/ ١٨٤.\n(^٥) ابن كثير: البداية والنهاية ١٤/ ٢٩٥، ١٤/ ٣١٥.","vol":"1","page":78},{"text":"يقرب، قال السخاوي: \"تزايد ندمه - يعني ابن حجر - على القبول - قبول القضاء - لعدم فرق أرباب الدولة بين العلماء وغيرهم، ومبالغتهم في اللوم لرد إِشاراتهم وإِن لم تكن على وفق الحق، بل يعادون على ذلك واحتياجه لمداراة كبيرهم وصغيرهم بحيث لا يمكنه مع ذلك القيام بكلّ ما يرومونه على وجه العدل، وصرح بأنه جنى على نفسه بتقلد أمرهم … \" (^١).\nوقد ندم التاج نفسه على قضاء والده، وقال: ليته ما فعل (^٢)!! وما كان يتهم والده ﵀ كيف وقد شهد له الأقاصي والأداني بالنزاهة، والعدل، وبراءة الساحة من ذر الظلم.\nقال الصلاح الصفدي المتوفى سنة ٧٦٤ هـ: \"لم أر أحدًا من نواب الشام ولا من غيرهم تعرض له \"يعني القضاء\" فأفلح، بل يقع له إِما عزل وإِما موت. جربنا هذا، وشاع، وذاع حتى قلت له - يعني الشيخ تقي الدين - يومًا: يا سيدي دع أمر هذه القرية - يعني دمشق -، فإِنك قد أتلفت فيها عددًا، وملك الأمراء وغيرهم في ناحية وأنت وحدك في ناحية، وأخشى أن يترتَّب على ذلك شر كثير، فما كان جوابه إِلا أنشد: [الطويل]\nوَلَيْتَ الَّذِي بَيْني وَبَيْنَكَ عَامِرٌ … وَبَيْني وَبَيْنَ الْعَالَمِينَ خَرَابُ (^٣)\nعلى أن التاج السبكي بعد تعرضه لمحن العزل من القضاء - وهذا من ابتلاء الله لعبده - فقد نصره الله على خصومه، ورفع ذكره، وكيف لا ينصر، وهو \"أبو نصر\" وفي الحديث: \"لأنصرنك ولو بعد حين\"، وقد بارك له صاحبه الصفدي هذه النصرة، فرد على كتابه له سنة ٧٦٣ هـ، وكان يومها بالقاهرة، والصفدي بالشام، فكتب الأخير: \"فالحمد لله على النصرة … وما يغلق باب إِلا ويفتح دونه من الخيرات أبواب، وعلى كلّ حال أبو نصر أبو نصر وعبد الوهاب عبد الوهاب … \".\n\n<span data-type='title' id=toc-91>آثاره:</span>\nلم يعش شيخنا تاج الدين السبكي ﵀ إِلا نحو أربعة وأربعين عامًا، لكن\n_________\n(^١) الضوء اللامع ٢/ ٣٨.\n(^٢) ونص كلام التاج: \"يا لها غلطة أف لها وورطة ليته صمم وما فعلها\".\n(^٣) ابن حجر العسقلاني: الدرر الكامنة ٣/ ٦٤ - ٦٥.","vol":"1","page":79},{"text":"حياته على قصرها كانت ملأى بالإِنتاج العلمي الذي جعله من الأئمة باعتراف معاصريه ومن جاءوا بعده. فابن حجر العساقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ يقول فيه: \"في دمشق ظهرت مؤلفات السبكي وهي كثيرة، وقد انتشرت تصانيفه في حياته، ورزق فيها السعد\" (^١).\nونقل الحافظ عن شهاب الدين بن حجي قوله: \"وقد صنف تصانيف كثيرة جدًّا على صغر سنه قرئت عليه، وانتشرت في حياته وبعد موته\" (^٢).\nوقال السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ: \"وصنف كتبًا نفيسة، وانتشرت في حياته، وألف وهو في حدود العشرين\" (^٣).\nوقال الشوكاني المتوفى سنة ١٢٥٠ هـ: \"ورزق السعادة في تصانيفه، فانتشرت في حياته\" (^٤). على أن التاج قد خاض في علوم كثيرة، فكانت له فيها مصنفات، ولذلك نجد وصفه عند كثير منهم: بـ \"المؤرخ الباحث، والفقيه الأصولي، والأديب\" وغير ذلك.\nبل إِن السيوطي ويورد نصًا عن التاج، ويقره عليه قال: \" … كتب مرة ورقة إِلى نائب الشام يقول فيها: وأنا اليوم مجتهد الدنيا على الإِطلاق، لا يقدر أحد يرد عليّ هذه الكلمة\".\nوعقب السيوطي بقوله: وهو مقبول فيما قال عن نفسه (^٥). وسنتكلم الآن عن العلوم الَّتي برّز فيها التاج ومصنفاته فيها:\n\n<span data-type='title' id=toc-92>١ - تاج الدين السبكي وعلم الحديث:</span>\nقد بدأنا الحديث بالكلام عن السبكي وعلم الحديث نظرًا لشرف هذا العلم، والذي يختص بالمصدر الثَّاني للتشريع الإِسلامي، وهو سنة النبيّ ﷺ، وتاج الدين قد عنى بهذا العلم العظيم، يتضح ذلك من اهتمامه الشديد بالإِسناد، وتتبعه البالغ لمصادر الحديث، ثم إِلمامه بطبقات الحفاظ ومواضع الصحة والضعف في مروياته، ثم عنايته بعلم الجرح والتعديل حتى صنف فيه. وكل هذه المباحث قد أودعها ثنايا كتابه: \"طبقات الشَّافعية\n_________\n(^١) الدرر الكامنة ٢/ ٤٢٦.\n(^٢) المصدر نفسه.\n(^٣) حسن المحاضرة ١/ ٣٢٨.\n(^٤) البدر الطالع ١/ ٤١٠.\n(^٥) حسن المحاضرة ١/ ٣٢٨.","vol":"1","page":80},{"text":"الكبرى\" وغير ذلك من كتبه ومن مصنفاته في الحديث وعلومه:\n١ - أحاديث رفع اليدين.\n٢ - جزء في الطاعون.\n٣ - قاعدة في الجرح والتعديل وقاعدة في المؤرخين، وهي مطبوعة.\nوفيها كلام عن الجرح المقبول، وموقف التاج من كلام الأئمة بعضهم في بعض، وعدم أخذه بطعن الأقران، ونقل كلام ابن عبد البر في ذلك، وطعن فيه على شيخه الذهبي في بعض تراجمه، ثم تحدث عن الأمور الَّتي ينبغي أن تكون عند المؤرخ ليسلم من الغلط.\n\n<span data-type='title' id=toc-93>٢ - التاج السبكي وعلم الكلام:</span>\nولأن علم الكلام يتصل بالعقيدة الإِسلامية، فقد اهتم السبكي به اهتمامًا خاصًّا سيما وقد انتشر في عصره معارك كلامية بين الفرق الإِسلامية خاصة الأشاعرة - وهو أشعري - والحنابلة، اشتدت في بعض الأوقات حتى أودت بمنصبه فعزل، ثم عاد كما وضحنا آنفًا.\nوتراجم السبكي في طبقاته توضح انتصاره للأشاعرة، وذبه عن أبي الحسن الأشعري، ومن مصنفاته في ذلك:\n١ - قواعد الدين وعمدة الموحدين.\n٢ - السيف المشهور في شرح عقيدة أبي منصور.\n\n<span data-type='title' id=toc-94>٣ - التاج وعلم الأصول:</span>\nوهذا العلم بلغ التاج فيه شأوًا عظيمًا، وعلا كعبه في حلّ مسائله، وإِيضاح مكنوناته، فصنف فيه وألف، فكانت مصنفاته مثار الحديث بين أهل العلم، والمعول عليها عند أهل الفن، ولا أدل على ذلك من أنه ذكر في مقدمة كتابه \"جمع الجوامع\" أن كتابه هذا محيط بالأصلين جمعه من زهاء مائة مصنف، ثم تلقف العلماء كتابه هذا بالشرح والتحشية والتعليق. ومن مصنفاته في هذا العلم:\n١ - جمع الجوامع، وهو مطبوع.\n٢ - الإِبهاج في شرح المنهاج، وهو مطبوع.\n٣ - منع الموانع عن جمع الجوامع.","vol":"1","page":81},{"text":"٤ - رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، وهو ما نحن بصدد تحقيقه.\n٥ - همع الهوامع في منع الموانع.\n\n<span data-type='title' id=toc-95>٤ - التاج والقواعد الفقهية:</span>\nوقد اهتم التاج بهذا العلم أيما اهتمام، فصنف فيه، وخرج الفروع على الأصول من فقه الشَّافعية، \"قال السيوطي في أشباهه: وأول من فتح هذا الباب شيخ الإِسلام ابن عبد السَّلام في قواعده الكبرى، فتبعه الزركشي في القواعد، وابن الوكيل في أشباهه، وقد قصد السبكي بكتابه تحرير كتاب ابن الوكيل بإِشارة والده له في ذلك كما ذكره في خطبته، وجمع أقسام الفقه وأنواعه، ولم تجمع في كتاب سواه … \" (^١)، ولينظر مقدمتنا على الأشباه له بتحقيقنا.\nوقد أعجب ابن نجيم الحنفي بكتاب السبكي في الفروع، فصنف على وتيرته، قال في خطبته: \"إِلا أني لم أر كتابًا يحكي كتاب الشيخ تاج الدين السبكي الشَّافعي مشتملًا على فنون في الفقه .. \" (^٢).\nوهذا الكتاب الذي نتحدث عنه للسبكي هو:\n١ - الأشباه والنظائر، وهو مطبوع بتحقيقنا، وقد صنف غيره في الفروع أيضًا.\n٢ - تخريج الفروع على الأصول.\n\n<span data-type='title' id=toc-96>٥ - ابن السبكي والفقه:</span>\nأما علم الأحكام، ودقائق الحلال والحرام، فللتاج فيها اليد العليا، وكيف لا وهو ابن التقي السبكي شيخ الدنيا في عصره، لذا نرى مصنفات التاج وقد حوت آراءه الفقهية وأقواله الاجتهادية، وما ذاك إِلا أن السبكي الابن قد سار على نهج أبيه، وعد الفقه واسطة عقد العلوم الشرعية وامتدح أهله والمشتغلين بأحكامه (^٣). وأما مصنفاته في الفقه فمنها:\n١ - أوضح المسالك في المناسك.\n٢ - تبيين الأحكام في تحليل الحائض.\n_________\n(^١) جلال الدين السيوطي الأشباه والنظائر في النحو ١/ ٧.\n(^٢) زين الدين بن نجيم الحنفي: الأشباه والنظائر ص ١٥.\n(^٣) ينظر كلامه في: الأشباه والنظائر ١/ ٣ طبعة دار الكتب العلمية بتحقيقنا.","vol":"1","page":82},{"text":"٣ - الترشيح في اختيارات والده في الفقه.\n٤ - التصحيح.\n٥ - التوشيح على التنبيه.\n٦ - ترشيح التوشيح.\n٧ - توشيح التصحيح.\n٨ - رفع المشاجرة في بيع العين المستأجرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-97>٦ - تاج الدين المؤرخ:</span>\nنظر شيخنا عبد الوهاب في بطون التاريخ، فعلم أن معرفة أخبار الماضين فيها العبر، وأن الإِلمام بها يورث الإِفادة من تجارب السابقين، فالسعيد من وعظ بغيره، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [سورة يوسف: الآية ١١١]. لذلك رأيناه يعنى به، ويسجل تجاربه، ونظره في تراجم الناس وأحوالهم (^١)، وخير ما صنف في ذلك:\n١ - طبقات الشَّافعية الكبرى، وهو مطبوع.\n٢ - طبقات الشَّافعية الوسطى.\n٣ - طبقات الشَّافعية الصغرى.\n٤ - مناقب الشيخ أبي بكر بن قوام.\n\n<span data-type='title' id=toc-98>٧ - ابن السبكي والأدب:</span>\nولع التاج بالأدب، وشغف به شعرًا ونثرًا، وما ذاك إِلا بسبب صحبته للصلاح خليل بن أيبك الصفدي، وقد حكى في ترجمته له من طبقات الشَّافعية الكبرى صحبته له وتأثره به، فقال: \"كنت أصحبه منذ كنت دون سن البلوغ، وكان يكاتبني وأكاتبه، وبه رغبت في الأدب، فربما وقع لي شعر ركيك من نظم الصبيان فكتبه هو عني إِذ ذاك … \" (^٢).\nومن يستقرئ مصنفات السبكي، وخاصة الطبقات يجد رصانة في أسلوبه، وذوقًا أدبيًا عاليًا في انتقائه العبارة والكلمة وبيت الشعر، بل إِنه كان يقرض الشعر كما عرفنا من\n_________\n(^١) ينظر كلامه في: طبقات الشَّافعية الكبرى ١/ ٢٠٦ - ٢٠٧.\n(^٢) ١٠/ ٦.","vol":"1","page":83},{"text":"كلامه، ومن خلال قطعه الشعرية في طبقاته، وهو يقول عن كتاب: \"الطبقات\": \" … وهذا كتاب حديث، وفقه، وتاريخ، وأدب، ومجموع فوائد تنسل إِليه الرغبات من كل حدب، نذكر فيه ترجمة الرجل مستوفاة، على طريقة المحدثين والأدباء، ونوردُ نكتًا تسحر عقول الألبّا\" (^١). ولا نعرف للتاج مصنفًا مفردًا في الأدب أو فروعه، وإِن لم تخل مصنفاته من لمحة أدبية، وصنعة فنية، ولمسة جمالية، يظهر فيها جليًّا ابن السبكي الأديب.\n\n<span data-type='title' id=toc-99>٨ - ابن السبكي وعلم النحو:</span>\nلا يكون الأصولي أصوليًّا، والفقيه فقيهًا، والمجتهد مجتهدًا حتى يلم بعلم النحو، ولا شك أن ابن السبكي درس النحو وبلغ فيه منزلة عليا، وإِلا لم يسكت الناس عن قوله: \"وأنا اليوم مجتهد الدنيا على الإِطلاق لا يقدر أحد يرد على هذه الكلمة\" وأقره الحافظ السيوطي كما سبق.\nومن يستقرئ كلامه في الطبقات، وخاصة عند الكلام على الزمخشزي، وكتابه \"الكشاف\"، وكذلك ترجمته لشيخه أبي حيان الأندلسي يرى تبحره في علم النحو وتوسعه فيه، كما يتضح إِلمامه به من خلال الاطلاع على كتابه \"الأشباه والنظائر\"، فقد عقد فيه فصلًا كبيرًا جدًّا قالت: \"كلمات نحوية يترتَّب عليها مسائل فقهية\" (^٢) وقد حاز خمسين صفحة من الجزء الثَّاني. ونحن لا نعرف له مصنفًا مفردًا في هذا العلم إِلا ما جاء منثورًا في كتبه كما أوضحنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-100>٩ - ابن السبكي مصلحًا اجتماعيًا:</span>\nعاش السبكي في عصر مليء بالاضطرابات وكثرة الفتن والمجاعات، ممَّا ترتب عليه وجود طبقات متعددة في المجتمع المماليكي - كما سبق توضيحه - وكان الظلم سائدًا على ما دون طبقة السلاطين ومماليكهم، ولكن التاج ما رضي ذلك وما خضع ولا استكان، بل ظل ينافح ويحارب حتى تعرض للمحنة الَّتي جعلها الله بعد ذلك منحة، وما علم أحد اهتم في عصره بالفلّاح وما يعانيه من ذل وخنوع إِلا هو، وقد أودع آراءه وأفكاره، ودعواءه الإِصلاحية في كتابه: \"معيد النعم ومبيد النقم\" وهو مطبوع مشهور.\n_________\n(^١) طبقات الشَّافعية الكبرى ١/ ٢٠٧.\n(^٢) تاج الدين السبكي: \"الأشباه والنظائر\" جـ ٢/ ٢٠٢ - ٢٥٣ ط. دار الكتب العلمية بتحقيقنا.","vol":"1","page":84},{"text":"وبعد فهناك مصنفات متفرقة للتاج السبكي نوردها سردًا، وهي:\n١ - رفع الحوبة في وضع التوبة.\n٢ - جلب حلب. قال ابن العماد: \"جواب عن أسئلة سأل عنها الأذرعي\" (^١).\n٣ - فتاوى والده.\n٤ - ترجيح لصحيح الخلاف.\n٥ - تشحيذ الأذهان على قدر الإِمكان على الرد على البيضاوي.\n٦ - مصنف في علم الألغاز.\n٧ - أجوبة ابن السبكي على أسئلة السيد أحمد الخراساني.\nوإِليك - أيها القارئ الكريم - مصنفات تاج الدين السبكي مرتبة حسب حروف الهجاء:\n١ - الإِبهاج في شرح المنهاج.\n٢ - أجوبة ابن السبكي على أسئلة السيد أحمد الخراساني.\n٣ - أحاديث رفع اليدين.\n٤ - الأشباه والنظائر في الفروع.\n٥ - أوضح المسالك في المناسك.\n٦ - تبيين الأحكام في تحليل الحائض.\n٧ - تخريج الفروع على الأصول.\n٨ - ترجيح لصحيح الخلاف.\n٩ - ترشيح التوشيح.\n١٠ - الترشيح في اختيارات والده في الفقه.\n١١ - تشحيذ الأذهان على قدر الإِمكان على الرد على البيضاوي.\n١٢ - التصحيح.\n١٣ - توشيح التصحيح.\n١٤ - التوشيح على التنبيه.\n_________\n(^١) شذرات الذهب ٦/ ٢٢٢.","vol":"1","page":85},{"text":"١٥ - جزء في الطاعون.\n١٦ - جلب حلب.\n١٧ - جمع الجوامع.\n١٨ - رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، وهو الذي نحن بصدده.\n١٩ - رفع الحوبة في وضع التوبة.\n٢٠ - رفع المشاجرة في بيع العين المستأجرة.\n٢١ - السيف المشهور في شرح عقيدة أبي منصور.\n٢٢ - طبقات الشَّافعية الكبرى.\n٢٣ - طبقات الشَّافعية الوسطى.\n٢٤ - طبقات الشَّافعية الصغرى.\n٢٥ - فتاوى والده.\n٢٦ - قواعد الدين وعمدة الموحدين.\n٢٧ - مصنف في علم الألغاز.\n٢٨ - معيد النعم ومبيد النقم.\n٢٩ - مناقب الشيخ أبي بكر بن قوام.\n٣٠ - منع الموانع عن جمع الجوامع.\n٣١ - همع الهوامع في منع الموانع.\n\n<span data-type='title' id=toc-101>وفاته:</span>\nولم يطل العمر بشيخنا تاج الدين السبكي، إِذ وافته المنية في ريعان شبابه، فقد مات عن أربعة وأربعين عامًا. قال ابن تغري بردي في سنة ٧٧١ هـ وتوفي قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب … السبكي الشَّافعي قاضي قضاة دمشق بها، في عصر يوم الثلاثاء سابع شهر ذي الحجة، ودفن بسفح قاسيون، تغمده الله برحمته عن أربع وأربعين سنة (^١).\nوقال الجلال السيوطي: \" … مات عشية يوم الثلاثاء سابع ذي الحجة سنة إِحدى وسبعين وسبعمائة\" (^٢).\n_________\n(^١) النجوم الزاهرة ١١/ ١٠٨.\n(^٢) حسن المحاضرة ١/ ٣٢٨، ٣٢٩.","vol":"1","page":86},{"text":"هذا، وبعد الإِبراق والإِيماء بأطراف من سيرة الإِمامين الهمامين العلامة أبي عَمْرِو بنِ الحَاجِب وابن السبكي عليهما مُزُنُ الرحمة، كان من الفضل أن يمليه المقام علينا أن ننبذ بطرف ممَّا أسلفنا الكلام عنه من التعريف بأصول الفقه وما يتعلق بهذا التعريف فنذكر تعريف أصول الفقه وموضوعه ونشأته وواضعه والخلاف فيه ومناهج العلماء في الدراسات الأصولية والنسبة بين أصول الفقه والعلوم الأخرى. وغير ذلك ممَّا يتعلق ببحثنا.","vol":"1","page":87},{"text":"تَعْرِيفُ<span data-type='title' id=toc-102> عِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ</span>\nلا شكَّ أن الشُّروع في العِلْم يَتَوقَّف على تصوُّره بوَجْهٍ مَا؛ لأنَّ الطالب إِذَا لَمْ يتصوَّرِ العِلْم بِوَجْهٍ، استعصى طلبه، واستحالَتْ طرقه، ولكي يحيطَ الطالبُ بجميع مسائله وفروعه، لا بُدَّ أن يتصوَّره بتعريفه؛ باعتبارِهِ أمْرًا شاملًا له يُمَيِّزه ويَضْبِطُه عمَّا عداه.\nويُدْرِك الطالبُ أن ما يُورَدُ عَلَيْه من العِلْم المَطْلُوبِ لَه لا مِنْ غيره، فيَأْمَنُ من فوات شيء مما يعنيه، وضياع الوقت فيما لا يعنيه.\nقَالَ الإِمَامُ في \"البُرْهان\" (^١): \"حَقٌّ عَلَى كُلِّ مَنْ يُحَاوِلُ الخَوْضَ في فَنٍّ مِنْ فُنُونِ العُلُوم، أنْ يُحِيط بِالمَقْصُودِ مِنْه، وبِالمَوَادِّ الَّتِي مِنْهَا يَسْتَمِدُّ ذلِكَ الفَنُّ وبِحَقِيقَتِهِ وَفَنِّهِ وَحدِّهِ، إِنْ أَمْكَنَتْ عِبَارَةٌ سَدِيدَةٌ عَلَى صِنَاعَةِ الحَدِّ، وَإِنْ عَسُرَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُحَاوِلَ الدَّرَكَ بِمَسْلَكِ التَّقَاسِيمِ، والغَرَضُ مِنْ ذلِكَ أَنْ يَكُونَ الإِقْدَامُ عَلَى تَعَلُّمِهِ مَعَ حَظٍّ مِنَ العِلْمِ الجُمَلِيِّ بِالْعِلْمِ الَّذِي يُحَاوِلُ الخَوْضَ فِيهِ\".\nوَقَالَ الآمِديُّ في \"الإِحْكَام\" (^٢): \"حَقٌّ عَلَى كُلِّ مَنْ حَاوَلَ تَحْصِيلَ عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ، أَنْ يَتَصَوَّرَ مَعْنَاهُ أوَّلًا بِالحَدِّ أوِ الرَّسمِ؛ لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِيمَا يَطْلُبُه، وأَنْ يَعْرِفَ مَوْضُوعَهُ - وَهُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يَبْحَثُ فِي ذلِكَ العِلْم عَنْ أَحْوَالِهِ العَارِضَةِ لَهُ - تَمْيِيزًا لَهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَمَا هُوَ الغَايَةُ المَقْصُودَةُ مِنْ تَحْصِيلِهِ، حَتَّى لا يَكُونَ سَعْيُهُ عَبَثًا، وَمَا عَنْهُ البَحْثُ فِيهِ مِنَ الأَحْوَالِ الَّتِي هِيَ مَسَائِلُهُ لِتَصَوُّرِ طَلَبِهَا، وَمَا مِنْهُ اسْتِمْدادُهُ لِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ عِنْدَ رَوْمِ تَحْقِيقهِ إِلَيْهِ، وَأَنْ\n_________\n(^١) البرهان ١/ ٨٣ فقرة (أ).\n(^٢) الإِحكام في أصول الأحكام ١/ ٧.","vol":"1","page":88},{"text":"يَتَصوَّرَ مَبَادِئَهُ الَّتي لا بُدَّ مِنْ سَبْقِ مَعْرِفَتِهَا فِيهِ؛ لإِمْكانِ البِنَاءِ عَلَيْهَا\". وقَبْل الخَوْض فِي تَعْرِيفِ عِلْمِ أصُولِ الفِقْه نتكَلَّم عن ظُهُور اسْتِعْمال هذا اللَّفْظ.\nممَّا لا شكَّ فيه أن المعاجمَ العربيَّة كـ \"الصِّحاحِ\" و\"المُحْكم\" و\"المُخصَّصِ\" و\"المُجْمَل\" و\"مقاييس اللُّغة\" و\"لسان العرب\" و\"القاموس\" و\"تاج العروس\" - قد عرَّفت لفظتَي \"أُصُولٍ\"، و\"فِقْهٍ\" واسْتعملَتْها اللُّغةُ العربيَّة كثيرًا جدًّا، بَيْدَ أن لَفْظ \"أصولِ الفِقْهِ\" أي: هذا اللَّفْظُ المركَّب بدأ يظْهَر في غضُون القَرْن الثَّانِي الهجْريِّ تقريبًا.\nويدلُّنا على ذلك أن أبا يوسُفَ (١٨٢ هـ) وهو صَاحِبُ الإِمام أبي حنيفةَ ﵀ قد اسْتَعْمَلَ هذا اللَّفْظ. ولكي يتَّضحَ لَنَا استعمالُ هذا اللَّفْظِ المركَّبِ ننْقُل نصَّه كما جاء في كتاب \"الرَّدِّ على سِيَرِ الأَوْزَاعِيِّ\".\nقال أبو حنيفة ﵁: \"يُضْرَبُ لِلْفَارِسِ بِسَهْمَيْنِ: سَهْمٍ لَه، وَسَهْمٍ لِفَرَسهِ، وَيُضْرَبُ لِلرَّاجِلِ بِسَهْمٍ\".\nوقال الأوزاعيُّ: \"أسهمَ رسُولُ الله ﷺ للفَرَسِ بِسَهْمَيْنِ، ولصاحِبِهِ بسَهْمٍ، وأخذ المُسْلِمُون بعْدَه إِلَى اليَوْم لا يخْتَلِفُون فيه\".\nوقال أبو حنيفة: \"الفرسُ والبِرْذَوْنُ سواءٌ\".\nوقال الأوزاعيُّ: \"كان أئمَّة المُسلمين فيما سَلَف حتَّى هاجت الفتنة من بَعْدِ قتْلِ الوليد بْن يزيدَ لا يُسْهِمُونَ للبَرَاذِين\".\nقال أبُو يُوسُفَ: كان أبو حنيفة ﵁ يكْرَه أن تُفضَّل بهيمةٌ على رجُلٍ مسْلِمٍ، ويُجعل سهْمُها في القَسْم أكْثَرَ مِن سَهْمِه، فأمَّا البراذِين، فما كنْتُ أحْسَبُ أحَدًا يجْهَل هذا، ولا يُميِّز بين الفَرَس والبِرْذَوْن، ومن كلام العرب المعروف الَّذِي لا تختلِفُ فيه العربُ أن تقول: هذهِ الخَيْل، ولعلَّها بَرَاذِينُ كُلُّها أو جلُّها، ويكون فيها المَقَارِيفُ أيضًا.\nوممَّا نَعْرِف نَحْن فِي الحَرْب أن البرَاذِينَ أوْفقُ لكثيرٍ من الفُرْسان من الخيل في لِينِ عَطْفها، وتَوَدُّدِها، وجَوْدَتِها، ممَّا لم يُبْطِل الغاية.\nوأما قول الأوزاعيِّ: \"على هذا، كانَتْ أئمَّة المُسْلِمِين فيما سلَفَ\"، فهذا كما وصَفَ","vol":"1","page":89},{"text":"من أهْل \"الحجاز\"، أو رأى بَعْض مشايخ \"الشَّامِ\" ممن لا يُحْسِن الوضوء، ولا \"أصول الفقه\" …\nهذا نصُّ كلام أبي يُوسُف ﵀ وهو لم يحدِّدْ بوضوحٍ مرادهُ بقوله: \"أُصول الفِقْهِ\".\nوقد يُحتَمَلُ أنَّه أراد به عدَمَ معرفةِ قَوَاعدِ الاسْتِنْباطِ والاجتِهادِ والفتوى؛ ولا ينبغي الاعتمادُ على قولهم. وإِذا صحَّ قولهم، فإِن أبا يُوسُفَ ﵀ قد ألْمَحَ إِلى مفهوم \"أصولِ الفِقْهِ\" كما هو معروفٌ لدى المتأخِّرين (^١).\nومن الواضح أن هذا الاحتمال لا يستند إِلى دليلٍ قَوِيٍّ بل هو مُجرَّدُ ظنٍّ.\nوتبيَّن مِمَّا سُقْناه أنَّ اسْتِعْمالَ لَفْظ \"أُصُول الفِقْهِ\" قد ظَهَر فِعْلًا في القَرْن الثَّاني الهِجْريِّ، ولكن لم يَظْهَر اسْتِعْمال \"أصول الفِقْه\" كما هو معرَّف عند المتأخرين حتَّى بداية القَرْنِ الثَّالِثِ الهجريِّ وانتهائه.\nولكي نتبيَّن، كَيْفَ عرَّفه المتأخِّرُون، فلنرجع إِلى أقوالهم الَّتي تنوَّعت وتعدَّدت، فعرَّفه بعْضُهم بالمَعْنَى المركَّب أوَّلًا، أي: بمعنى أنه مركَّبٌ إِضافيٌّ يدل جزْؤُه على جزْءِ معناه، ولكي يُفْهَم معناه المَقْصُود منه لا بُدَّ من فَهْم كُلِّ جزء من جُزْأَيْه.\nوعرَّفه بعضُهم بالمَعْنَى اللّقَبِيِّ ثانيًا، أيْ: بَعْدَ أنْ صَارَ عَلَمًا على ذلِكَ الفَنِّ المخصوصِ.\nواكْتَفَى بعضُهُم على تعريفهِ بِالمَعْنَى اللَّقَبِيِّ؛ اقتصارًا بذلك على المَعْنى المقصود بالذات، وممَّن نحا هذا المَنْحى القاضي البَيْضَاوِيّ، وتاج الدِّين، وصَدْر الشَّرِيعة. ومنهم مَنْ عرَّفه بالمعنَيَيْنِ، وكان غَرَضُه في ذلِكَ التعرُّضَ لبيان معنى أجْزَائِهِ.\nوممَّن نحا هذا المَنْحى سيْفُ الدِّينِ الآمِدِيُّ، وأبُو عَمْرو بْنُ الحَاجِبِ، والكمالُ بنُ الهمام كما في \"تحْريره\"، والغزاليُّ في \"المُسْتَصْفَى\" ولمعرفة حقيقة ذلك نتناوَلُ تعريف \"علْم أصُول الفقه\" لنخرج بتصوُّر عِلْم أصُول الفقه، كما هو معرَّفٌ لدى علماء الأُصُول.\n_________\n(^١) ينظر: تدوين أصول الفقه ص ٤.","vol":"1","page":90},{"text":"<span data-type='title' id=toc-104>تَعْرِيفُ عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ بِالْمَعْنى الإِضَافِيِّ:</span>\nوتعريف عِلْم \"أُصُول الفِقه\" بهذا الاعتبار يَحْتاج إِلى تعريف المُضاف، وهو \"أُصُول\"، وتعريفِ المُضافِ إِلَيْه، وهو \"الفِقْهِ\"، ثم يحتاج إِلى تعريف الإِضافة أيْضًا؛ لأنَّها بمنزلة الجُزْء إِلى الصَّدْر، إِلَّا أن بَعْض الأصوليِّين لم يتعرَّضوا إِلَيْها؛ للعلْم بأنَّ معنى إِضافة المشتقِّ، وما في مَعْناه اخْتصاصُ المُضَاف بِالمُضَاف إِلَيْه؛ باعْتبَارِ مَفْهُوم المُضَاف.\n\n<span data-type='title' id=toc-105>تَعْرِيفُ المُضَافِ \"أُصُول\":</span>\n\"الأصول\": جمع \"أصْلٍ\"، وهو ما يبتنى عليه غيرُه، سواءٌ أكان الابتناءُ حسِّيًّا؛ كابتناءِ السَّقْف على الجدار، أو عقْلِيًّا؛ كابتناء المدلول على دليله، والمعلولِ على علَّته (^١).\nوقد أشار الإِمامُ جمالُ الدِّين الإِسْنَوِيُّ في \"نِهَايَتِهِ\" إِلى أن هذا هو المعنى المشهورُ عند العلماء (^٢). وله معاني أُخَرُ مثْل:\n١ - المحتاج إِلَيْه.\n٢ - مايَسْتَنِدُ تحقيقُ الشيْءِ إِلَيْه.\n٣ - ما منه الشَّيءُ.\nومن معناها اللغويِّ نقلها العلماءُ إِلى المَعْنَى الاصطلاحيِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-106>تَعْرِيفُ الأَصْلِ اصْطِلاحًا:</span>\nيطلق \"الأَصْلُ\"، في اصْطِلاح العُلَماءِ بإِزاء أرْبَعَة معانٍ:\nالأوَّل: الصورَةُ المَقِيسُ عَلَيْهَا، كقوْلنَا: الخَمْر أصْلُ النَّبِيذ، على معنى أن الخمر مَقِيسٌ عليها النبيذُ في الحُرْمَة.\nوكقولنا: التأفِيفُ للوالدَيْن أصْلٌ لضربهما، بمعنى أن التأفيف أصلٌ يقاس عليه الضَّرْب في الحُرْمَة.\n_________\n(^١) ينظر: تنقيح الفصول ص ١٥.\n(^٢) ينظر: نهاية السول ١/ ١٤.","vol":"1","page":91},{"text":"الثَّاني: القاعدَةُ المُسْتمرَّة:\nكقولنا: إِباحةُ أكْل لحْمِ المَيْتَةِ للمضطرِّ على خلاف الأصْل، أي: على خلاف القاعدة المستمرَّة.\nوكذلك كأنْ تقُولَ: الأصْلُ في المبتدأ الرفْع، أي: قاعدته المستمرَّةُ أن يكون مَرْفُوعًا.\nالثالث: الرُّجْحان: كقولنا: الأصْلُ في الكَلامِ الحقيقة، أي: الراجحُ عند السَّامِعِ الحقيقةُ لا المجازُ عنْد عدم القرينة الصَّارِفَة.\nالرابع: الدليلُ: كقَوْلنا: أصْلُ هذه المسألَةِ منَ الكتابِ والسُّنَّة، أي: دليلها، أي: الأصل مثلًا في وجوب الصلاة قولُهُ تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٣] أي: الدليل على وجوبها، وهذه الأربعة ذكرها القرافِيُّ وقال: وفيها نظرٌ؛ لأنَّ الصورةَ المَقِيسَ عليها ليست معنًى زائدًا؛ لأنَّ أصْل القياس اختُلِفَ فيه، هل هو محلُّ الحُكْم ودليلُه أو حُكْمُه؟.\nوأيَّما كان، فليس معنىً زائدًا؛ لأنه إِنْ كان أصْلُ القياس دليلَه، فهُو المعْنَى السَّابِق، وإِنْ كان محلَّه أو حُكْمَه، فهما يسميان أيْضًا دليلًا مجازًا، فلم يخرُجِ الأصْلُ عنْ معنى الدَّليل (^١) والمعنى الرابعُ هو المرادُ عنْد الإِضافة.\n\n<span data-type='title' id=toc-107>تَعْرِيفُ المضاف إِلَيْه \"الفقه\":</span>\nتنوَّعت آراءُ أهْل اللُّغة والأصوليين في تَعْريف الفقْه لغةً:\nقال ابن فارسٍ في \"المُجْمَل\": هو العِلْم، وبهذا قال أبو المعالي الجُوَيْنِيُّ في كتابه \"التَّلْخِيصِ\" وألكيا الهراسيّ، والماوَرْدِيّ، وأبو نَصْرِ بنُ القُشَيْرِيِّ، إِلا أنهم خصَّصوه بضَرْبٍ من العلوم.\nوقال الجوهريُّ في \"صِحَاحِهِ\": هو الفَهْمُ.\nوقال ابن سِيدَه في \"المُحْكَم\": الفقه: العلم بالشيء والفهم له.\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط ١/ ١٧.","vol":"1","page":92},{"text":"وقال أيضًا: غلَب علَى عِلْمِ الدِّين؛ لسيادته وشرفه، كالنَّجْم على الثُّرَيَّا، والعَوْدِ على المنْدَلِ.\nوقال ابن سراقَة: وقيل: حدُّه في اللُّغَةِ العبارةُ عنْ كلِّ معلومٍ تيقَّنه العالمُ به عن فكْرٍ.\nوحَدَّهُ أبو الحُسَيْن في \"المُعْتَمَدِ\" وجَرى عليه الرازيُّ في \"المَحْصُولِ\" بفَهْم غرض المتكلِّم، فلا تسمَّى لغةُ فَهْمِ الطيْرِ فقْهًا، وهذا منتقضٌ بما ورد بأنه يوصَفُ بالفهْم، حيث لا كلام، وبأنه لو كان كذلك، لم يكنْ في نفي الفقْه عنْهم منقصةٌ ولا تعيير؛ لأنه غير متصوَّرٍ، وقد قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤٤].\nوقال العلَّامة ابنُ دَقِيقِ العِيدِ: وهذا تقييدٌ للمُطلَق بما لا يتقَيَّد به.\nوقال أبو إِسحاق الشِّيرَازِيُّ في \"شَرْحِ اللُّمَعِ\": إِنه فهْم الأشياءَ الدَّقِيقَة، سواءٌ كانَتْ غرضَ المتكلِّم أم لا، ورجَّحه القرافِيُّ وقال: هذا أَوْلَى …\nوالصَّحيحُ الذي صار عليه المحقِّقون من أهل العربية والأُصُول: أنه يطلق على الفَهْم مُطْلَقًا، سواءٌ كان المفهومُ دقيقًا أمْ غَيْرَه، وسواءٌ كان غَرَضًا لمتكلِّم أم غيره، والدَّليلُ على ذلك من الكتاب العزيز قولُ الله تعالى على لسان قوم شُعَيْبٍ: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [سورة هود: الآية ٩١].\nفوجه الدلالةِ من الآية واضحٌ في أن أكْثَر ما يقول شعيبٌ ﵊ كان واضحًا، فأطلق الفقه على الكلامِ الواضحِ والدَّقيقِ.\nوقال تعالى أيْضًا في شأنِ الكفَّار: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [سورة النساء: الآية ٧٨].\nوقولُه أيضًا: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤٤].\nفهذه الآياتُ تفيدُ أن الفقْه هو الفهْم مطلقًا.","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type='title' id=toc-108>الفِقْهُ فِي نَظَرِ أهْلِ العِلْمِ:</span>\nاختلَفَ الأصوليُّون في تعريف الفقه؛ تبعًا لاختلافهم في مسائل الفقْه، هل هي من باب الظَّن، أو القَطْع، أو البعضُ منها قطعيٌّ، والبعضُ الآخَرُ ظنيٌّ؟ وعلى هذا، يمكن حَصْرُ المذاهبِ في ثلاثة:\nالأوَّلُ: وهو قول المتقدِّمين: إِن الفِقْه من باب الظُّنُون؛ لأنه مستفادٌ من الأدلة السمعيَّة، وهِيَ لا تفيدُ إِلا ظنًّا؛ لتوقُّف إِفادتها اليَقِينَ على نَفْيِ الاشْتِرَاكِ والمجازِ، وكلُّ ما هو كذلك، فهو ظَنٌّ (^١).\nالمذهبُ الثَّاني: أن الفقْه منه ما هو قطعيٌّ، ومنه ما هو ظنيٌّ، فالقطعيُّ كالثابتِ بالنصِّ من الكتاب والسنَّة المتواترةِ والإِجْماع، والظنيُّ كالثابِتِ بطريق القياسِ وخَبرِ الآحاد.\nالمذهبُ الثَّالِثُ: وهو مذهبُ صاحبِ \"المِنْهَاجِ\" الإِمامِ البيْضاوِيِّ: أن الفقه من باب القطْعِيَّات؛ لأنه ثابت بدليل قطعيٍّ، لا شبهةَ فيه، والتصديقُ المتعلِّق بالأحكام القطْعيَّة لا يكُون إِلا قَطْعًا (^٢).\nوقد انبنى هذا الخلافُ على خلافِهِمْ في صحَّة تعريف \"الفِقْه\" بلفْظ \"العِلْم\" مرادًا منه الإِدراكُ الجازمُ المطابِقُ للواقعِ عن دليلٍ، وإِليك بعضَ تعريفاتِ \"الفقْه\" من الجهة الاصطلاحيَّة:\nعرَّفه أبو الحُسين البَصْرِيُّ: بأنه في عُرْف الفقهاء: \"جملة من العلومِ بأحكامٍ شرعيةٍ\"، والمرادُ بـ \"أحكامٍ شرعيةٍ\" الأحكام الشَّرعيةُ العمليَّة (^٣).\nوعرَّفه الإِمام البيضاويُّ في \"منهاجه\" بناءً على أن الفقْه من باب \"القَطْعِيَّات\" بأنه العلمُ بالأحكامِ الشرعيَّةِ العمليَّةِ المكتسَبُ من أدلتها التفصيليَّة (^٤).\nوقال إِمام الحرمَيْن في \"البُرْهَانِ\": الفقْه، في اصطلاح علماء الشريعة: \"العلم بأحكام التكليف\".\n_________\n(^١) ينظر: غاية الوصول ٢٨، تيسير التحرير ١/ ١٢.\n(^٢) ينظر: نهاية السول ١/ ٤٣ غاية الوصول ٢٨.\n(^٣) المعتمد ١/ ٢.\n(^٤) المنهاج ص ٢، وينظر: البحر المحيط ١/ ٢١.","vol":"1","page":94},{"text":"وقال القاضي الحُسَيْنُ المَرْوَزيُّ: الفِقْه افتتاحُ عِلْمِ الحوادثِ على الإِنْسان، أو افتتاحُ شعب أحكامِ الحوادثِ على الإِنْسَان (^١).\nوقال الزَّركشِيُّ في \"قواعده\": الفِقْه معرفةُ الحوَادِثِ نَصًّا واستنباطًا (^٢).\nوقال السُّيوطِيُّ في \"الأشْبَاهِ والنَّظَائِرِ\" نَقْلًا عن الشَّيْخ قُطْب الدِّين السُّنْباطِيّ: الفِقْهُ معرفةُ النَّظَائِرِ (^٣).\nوقال حُجَّه الإِسْلامِ الغزاليُّ: الفِقْه عبارةٌ عن العِلْم والفهْم في أصْل الوضْع، ولكنْ صارَ بعُرْف العلماء عبارةً عن العِلْم بالأحْكَام الشَّرْعيَّة الثابتةِ لأفعال المكلَّفين (^٤).\nوعرَّفه أبو إِسحاقَ الشِّيرازيُّ في \"اللُّمَع\" بأنه معرفةُ الأحْكَام الشَّرْعيَّة الَّتي طريقتُها الاجتهاد، والشرعيَّةُ ضربان: ضَرْبٌ يَسُوغُ فيها الاجتهاد، وهي المسائل الَّتي اخْتَلَفَ فيها فقهاءُ الأمصارِ على قَولين أو أكثر، وهي لا تُعْلَمُ إِلا بالنَّظر والاستِدْلالِ، كفروعِ العباداتِ والمعاملاتِ والفُرُوجِ والمناكحاتِ وغير ذلك من الأحكام (^٥).\nوعرَّفه ابن الحاجب في \"المُخْتَصَرِ\" بأنه العِلْم بالأحكامِ الشَّرْعيَّةِ الفرعيَّة من أدلتها التفصيليَّة بِالاسْتِدْلالِ (^٦).\nوعرَّفه صَدْرُ الشَّريعة فقال: \"هو العِلْم بِكُلِّ الأحْكَامِ الشرعيَّة العمليَّة الَّتي قد ظَهَر نزولُ الوَحْي بِهَا، والَّتي انعقَدَ الإِجْمَاعُ عَلَيْهَا من أدِلَّتها مع ملكة الاِستِنباطِ الصَّحِيحِ منها\" (^٧).\nوعرَّفه الإِمامُ الأَعْظَمُ أبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ بأنه: \"مَعْرِفَةُ النَّفْسِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا\" (^٨). قيل: أخَذَه مِن قَوْلِ الله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٦].\nوقد اعْتُرِضَ على هذا التَّعريفِ، فقالوا: إِنه غَيْرُ جَامِعٍ، فزادوا قَيْدًا في التَّعْريف وهو \"عَمَلًا\" لتخرُجَ الأمورُ الاعتقادية، سواءٌ أكان المقصودُ منه مَعْرِفَة صفاتِ الله - تعالى -\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط ١/ ٢٢.\n(^٢) القواعد المسماة بالمنثور ١/ ٦٩.\n(^٣) ينظر: الأشباه والنظائر ص ٦، والمنثور ١/ ٦٦.\n(^٤) ينظر: الإِحياء ١/ ٣٨، والمستصفى ١/ ١١.\n(^٥) ينظر: اللمع ص ٣.\n(^٦) ينظر: مختصر المنتهى ١/ ١٨.\n(^٧) التوضيح على التنقيح ١/ ١٠٣.\n(^٨) التلويح على التوضيح ١/ ٥.","vol":"1","page":95},{"text":"ورُسُلِهِ، أم معرفة الاعتقاداتِ المتعلِّقة بِتِلْك الصِّفات، فإِنْ تعلَّقَ بالوجدانيَّات، فهو عِلْمُ التَّصوُّف، وإِن تعلَّق بالاعتقاديَّاتِ، فهو عِلْمُ الكَلام، وإِن كان عن أحْوَالِهِ الظَّاهِريَّة، فَهُو الفِقْهُ بِالْمَعْنَى المَشْهُور (^١).\nفالإِضَافَةُ مَعْنَاهَا: اختصاصُ المُضَافِ بِالمُضَافِ إِلَيْه، باعتبار مَفْهُوم المُضَاف، فأصْلُ الفِقْهِ ما يخْتَصُّ بِالفِقْهِ مع كَوْنهِ مبنيًّا عليه، ومستندًا إِليه، والمَشْهُورُ أن الأصْلَ موضوعٌ في اللُّغة لما يَنْبَنِي عليه غَيْرُه، وأنه نُقِل إِلى معانيه المتعدِّدة.\nفالمراد بـ \"أصول الفقه\" في هذا التركيب الدَّليل، فـ \"أُصُولُ الفِقْه\" أي: أدلَّته، فيقال: أصول الفِقْه: الكتاب، والسنَّة، والإِجماع، والقياس، أي: أدلَّتُه: الكتابُ … إِلخ.\n\n<span data-type='title' id=toc-109>التَّعْرِيفُ اللَّقَبِيُّ لأُصُولِ الفِقْهِ:</span>\nعَرَفْنا ممَّا تقدَّم في النقْل عن الإِمام أبي يُوسُفَ ﵀ أن استعمال \"أصول الفقه\" قد كان على الأقَلِّ في القرن الثَّاني الهجريِّ، بَيْدَ أنَّه من الصَّعْب الكشْفُ عن أوَّل مَن عَرَّف \"أصول الفقه\" وذلك لأنَّ كتب الأُصُول الَّتي ذُكِرَ فيها تعريفُ عِلْم الأُصُول إِنَّما كانَتْ للأصوليِّين من القرْن الخامسِ الهجريِّ، مع أن القرْنَ الثالث الهجريَّ قد شهد كثيرًا من الأصوليِّين المُبَرِّزين مِثْلُ: النَّظَّامِ (٢٢١ هـ)، وأصْبَغَ المالكيِّ (٢٢٥ هـ)، وداوُدَ الظَّاهريِّ (٢٧٠ هـ)، والبُوَيْطِيِّ الشافعيِّ (٢٣١ هـ)، والمزنِيِّ الشَّافِعِيِّ (٢٦٤ هـ).\nكذلك وصل إِلَيْنا كثيرٌ من كتب الأصول المؤلَّفة في القَرْن الرَّابع الهجريِّ، مثل: أصول الشَّاشِيِّ لأبي إِسحاق الشاشيِّ الحنفيِّ (٣٢٥ هـ)، وكتاب أصول الجَصَّاصِ للإِمام الجصَّاص الحنفيِّ (٣٧٠ هـ)، وكتاب أصول الكَرْخِيِّ لأبي الحَسَن الكَرْخِيِّ الحَنَفِيِّ (٣٤٠).\nولم نجدْ في هذه الكُتُب تعريفَه، ومع ذلك لا نَسْتَطيع القولَ بعَدَم وجوده على سَبِيلِ الإِطْلاق حتَّى في القَرْن الرَّابع الهِجْريّ؛ وذلك لأن احتمال وجوده قائمٌ؛ بدليل وجود كثير من الأصوليِّين المبرّزين الذين ألَّفوا في عِلْم الأصول.\nوحَمَلَتْ إِلينا كتبُ الأُصُولِ المؤلَّفةُ في القَرْن الخامسِ الهجريِّ - تعريفه؛ باعتباره عِلْمًا أو لَقَبًا.\n_________\n(^١) ينظر: حاشية الأزميري ١/ ٤٤، إِرشاد الفحول ص ٣.","vol":"1","page":96},{"text":"بَيْدَ أن بَعْض كتبِ هذا العَصْر قد خلَتْ من تعريفه مثْل كتاب \"الإِحكام في أصول الأحكام\" لابنْ حزمٍ الأَندلسيِّ (٤٥٦ هـ)، ومنها كتاب \"أصولِ السرخسيِّ\" للإِمام السرخسيِّ الحنفيِّ (٤٩٠ هـ). وإِليك بَعْضَ تعريفاتِ الأصوليين:\n١ - قال أبو الحُسَين البصريُّ في \"المُعْتَمَد\": \"يُفِيدُ في عُرْف الفُقَهاء النَّظَرَ في طُرُقِ الفِقْه؛ على طريق الإِجْمَالِ، وكيفيَّةِ الاستدْلال بها، وما يتبع كيفيَّة الاستدلال بها\".\n٢ - قال إِمام الحرمَيْنِ في \"الوَرَقَاتِ\": \"إِنَّه طرقُ الفِقْه خلى سَبِيلِ الإِجْمال، وكيفيَّةِ الاسْتِدلالِ بها\".\n٣ - وعرَّفه الغزاليُّ في \"المستصْفَى\" بأنه: \"عبارةٌ عن أدلَّةِ الأحكامِ، وعن معرفة وجُودِ دلالتها على الأحكام من حيثُ الجملةُ لا من حيثُ التفصيلُ\".\n٤ - وعرَّفه الرَّازيُّ بأنَّه: \"مجموعُ طُرقِ الفِقْهِ على سَبِيلِ الإِجْمَال، وكيفية الاستدلال بها، وكيفية حال المُسْتَدِلِّ بها\".\n٥ - وعرَّفه الآمِدِيُّ بأنَّه: \"أدلَّةُ الفِقْه، ووجهاتُ دلالتها على الأحكام الشرعيَّة، وكيفيَّهُ المستدِلِّ بها، من حيث الجملة، لا من حيثُ التفصيلُ\".\n٦ - وعرَّفه البَيْضَاوِيُّ بأنه: \"معرفةُ دلائلِ الفِقْه إِجْمالًا، وكيفيَّةِ الاستفادةِ مِنْها وحَالِ المُسْتَفِيدِ\".\n٧ - وعرَّفه تاجُ الدِّين السُّبْكيُ: \"بأنه دلائلُ الفِقْهِ الإِجماليَّةُ\".\n٨ - وعرَّفه من المالكيَّة ابن الحاجب بأنه: \"العِلْم بالقَوَاعِدِ الَّتِي يتوصَّل بها إِلى استنباطِ الأحْكام الشرعيَّة الفرعيَّة عن أدلَّتها التفصيليَّة\".\n٩ - وعرفه الأرمويُّ في \"التَّحْصيل\" (^١) بأنه: \"جميعُ طُرُق الفِقْه، مِنْ حيث هي طرقٌ، وكَيْفِيَّةُ الاستدلالِ وحالُ المستدِلِّ بها\".\n١٠ - وعرَّفه الزركشيُّ في \"البحر المحيط\" (^٢) بأنه: \"مجموعُ طُرق الفِقْه؛ من حيثُ إِنَّها على سبيل الإِجْمَال، وكيفية الاستدلال، وحالة المستدِلِّ بها\".\n١١ - وعرفه الشيخ زكريا الأنصاريُّ في \"لب الأصول\" بأنه: \"أدلَّةُ الفِقْهِ الإِجمالية،\n_________\n(^١) ينظر: التحصيل ١/ ١٦٨.\n(^٢) ينظر: البحر ١/ ٢٤.","vol":"1","page":97},{"text":"وطرق استفادة جزئياتها (^١)، وحال مستفيدها، وقيل: معرفتها\".\n١٢ - وعرَّفه من الحنفيَّة صدْرُ الشريعةِ بأنَّه: \"العِلْم بالقواعِدِ الَّتي يتوصَّل بها إِلَيْه على وجْه التَّحْقيق\".\n١٣ - وعرفَه الأنصاريُّ في \"فواتح الرَّحَمُوت\" (^٢) بأنه: \"علمٌ بقواعَد يُتَوصَّل بها إِلى استنباط المَسَائِلِ الفقهيَّة عنْ دلائلها\".\n١٤ - وعرَّفه منلاخسْرو في \"المرآة\" (^٣) بأنه: \"علم يُعْرف بهِ أحْوالُ الأدلَّة والأحْكام الشرعيَّتَيْن من حَيْثُ إِن لهما دخْلًا في إِثبات الثَّانية بالأُولى\".\n١٥ - وعرَّفه من الحنابلة صفي الدِّين الحنبليُّ (^٤) بأنَّه: \"معرفةُ دلائلِ الفقْه إِجمالًا، وكيفية الاستفادةِ منها، وحالِ المستفيد، وهو المجتهد\".\n\n<span data-type='title' id=toc-110>مَوْضُوعُ أُصُولِ الفِقْهِ</span>\nمن المعروف أن موضوع كلِّ علْم: هو ما يبْحَث فيه عن عوارضه الذاتيَّة (^٥)، كما نصَّ على ذلك أربابُ علماء الأُصُول؛ وذلك أن مسائله الكُلِّيَّة يدور البحثُ فيها عن أحواله الذاتيَّة، الَّتي تتعلَّق بشْيءٍ واحدٍ، أو بأشياء متعددةٍ، بشرط أن تكُونَ مناسبةً تناسُبًا يُعتدُّ به، بأن يجمعها أمرٌ مشتركٌ يَدُور البَحْثُ حَوْلَه (^٦). واختلف العلماءُ في موضوعِ \"عِلْم أُصُولِ الفِقْه\" على مذاهب:\n١ - المَذْهَب الأوَّل: وإليه ذهب الآمِدِيُّ؛ حيث يرَى أن موضوعَهُ هو الأدلَّةُ الأربعة، من حيث الإِثبات، وزَعَم أن الأحكام إِنَّما يُحْتاجُ إِلى تصوُّرها؛ ليُتَمَكَّنَ من إِثْبَاتها ونفْيها.\nوعبارةُ الآمديِّ في \"الإِحْكَام\" (^٧): \"ولمَّا كانَتْ مباحثُ الأصوليِّين في عِلْم الأُصُول لا\n_________\n(^١) ينظر: التلويح (١/ ١٣٧).\n(^٢) ينظر: فواتح الرحموت ١/ ١٤.\n(^٣) ينظر: مرآة الأصول ١/ ٢٣.\n(^٤) ينظر: قواعد الأصول ومعاقد الفصول ص ٨.\n(^٥) المراد بالعَرَضِ الذاتيِّ: ما يكون منشَؤُه الذات، بأنَّه يلحق الشيء لذاته، والمراد بالبَحْثِ عن الأعراضِ الذاتيَّةِ حملُها على موضوع العلم.\n(^٦) ينظر: تيسير التحرير ١/ ١٨، وارشاد الفحول ص ٥، والتلويح على التوضيح ١/ ١٣٧.\n(^٧) ينظر: الإِحكام ١/ ٨، ٩.","vol":"1","page":98},{"text":"تَخْرُج عنْ أحوالِ الأدلَّة المُوَصِّلَة إِلى الأحْكام الشرعيَّة المَبْحوثِ عَنْها فيه، وأقْسَامِهَا، واختلافِ مَرَاتِبِها، وكيفيَّة استثمارِ الأحْكَام الشرعيَّة عَنْها على وجْهٍ كُلِّيٍّ، كانَتْ هي موضوعَ علمِ الأُصُول\".\n٢ - المذهبُ الثَّاني: وإِليه ذهَب الغزاليُّ؛ حيثُ يرى أن موضوعه هو الأحْكَام (^١) فقطْ مِنْ حيثُ ثبوتُها بالأدلَّة، ويكونُ موضوع عِلْم الأصولِ حينئذٍ هو البَحْثَ عن العوارِضِ الذاتيَّة الثَّابتةِ للأحْكَام؛ لإِثباتها بالدليل.\n٣ - المذهب الثَّالِث: ويُنْسَب إِلى صَدْر الشَّريعة الحنفيِّ؛ حيث يرى أن مَوْضُوع عِلْم أُصُول الفِقْه هو الأَدِلَّة والأحْكَام جميعًا؛ لأن جميعَ مباحِثِ أصُول الفِقْه راجعةٌ إِلى إِثْبَاتِ أعْرَاضٍ ذاتيَّة للأدلَّة والأحكام، من حَيْثُ إِثباتُ الأدلَّةِ للأحْكَام وثبوتُها بها (^٢).\nقال: \"وإِذَا عُلِمَ أن جميعَ مسائِلِ الأصُولِ راجعةٌ إِلى قوْلنا: كلُّ حُكْم كذا يَدُلُّ على ثبوته دليلُ كَذَا، فهو ثابتٌ، أو كُلَّما وُجِدَ دليلُ كَذا دالًّا على حُكْمِ كَذا، يثْبُتُ ذلك الحُكْم، عُلِمَ أنَّه يُبْحَث في هذا العِلْمِ عن الأدلَّة الشرعيَّة والأحْكَام الكلِّيَّتَيْن مِنْ حَيْث إِنَّ الأُولَى مثبتةٌ للثانية، والثانية ثابتةٌ بالأُولى والمباحِثُ الَّتي ترجع إِلى أن الأُولى مُثْبِتَةٌ للثَّانِيَة، والثانية ثابِتَةٌ بالأُولى بعضُها ناشئةٌ عن الأدلَّة، وبعضُها ناشئةٌ عن الأحْكام، فموضوع هذا العلْمِ الأدلَّةُ الشَّرعيَّةُ والأحْكَامُ؛ إِذْ يُبْحَث فيه عن العَوَارِض الذاتيَّة للأدلَّة الشرعيَّة، وهي إِثباتها الحُكْمَ، وعن العوارض الذاتيَّة للأحْكَام، وهي ثبوتها بتلك الأدلَّة\".\n٤ - المذْهَب الرَّابع: وهو يُنْسَب إِلى ابْنِ قَاسِمِ العَبَّادِيِّ؛ حيث يرى أن موضوعَهُ: الأدلَّةُ والترجيحُ والاجْتهاد، يعني المرجِّحَاتِ وصفاتِ المُجْتَهد؛ وحُجَّته في ذلك: \"أن عِلم أصول الفِقْه يُبْحَث فيه عن الأعْرَاض الذاتيَّة للتَّرْجِيح والاجتهاد أيْضًا، كالأدِلَّة، ولذلِك كانتْ مباحثُهُما في هذا العِلْم بالاتفاق\".\nوعلى هذا المَذْهَب ترجع مباحثُ الأحْكَام إِلى الأدلَّة.\n_________\n(^١) والأحكامُ: هي الوجوب، والنَّدب، والحُرْمَة، والكرَاهَة، والإِباحة، والسَبَبيَّة، والشرطيَّة، والمانِعِيَّة، والصِّحَّة، والفَسَاد.\nينظر: مرآة الأصول شرح مرقاة الوصول ١/ ٦٤، وتيسير التحرير ١/ ١٨.\n(^٢) ينظر: التلويح على التوضيح ١/ ٢١، وتيسير التحرير ١/ ١٨.","vol":"1","page":99},{"text":"ورُدَّ هذا بأنَّ البحْثَ عن التَّرْجيح بحْثٌ عن أعراض الأَدِلَّة عند تعارُضِها؛ باعتبار ترْجيحِ بعْضِها علَى بعْضٍ عنْد وجُود مرجِّح، أو باعتبارِ تساقُطِها عند عَدَمِه، فتدلُّ على الحُكْم في الحالَةِ الأُولَى، ولا تدُلُّ علَيْه في الحالة الثَّانية.\nوإِنَّما يكونُ البَحْث عن الاجتهاد، باعتبار أنَّ الأدلَّة إِنما تُسْتَنْبَط مِنْها أحكامُ المجتهِدِ دُون غيرها.\nويُعْتَبرُ ما ذَهَب إِليه ابنُ قاسِمٍ العباديُّ مخالفًا لما ذهب إِليه الأصولِيُّون في المرجِّحات، وصفاتِ المُجْتهدِ؛ حيث إِنَّ الأصوليِّين لم يبْحثوا عن الأصولِ المتعلِّقة بها. ويعتبر مخالفًا أيْضًا لما علَيْه رؤساءُ هذا الفنِّ من انحصار موْضُوعه في الأدلَّة والأحْكام، وما أوْضَحَه المتكلِّمون والمناطقة من أنه إِذا تعدَّد الموضُوع، فلا بُدَّ له من مفْهُوم كُلِّيٍّ يصْدُق على أفراده المتعدِّدة، ويُعَبِّر عنها، وذلك بَعِيدٌ ههنا.","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type='title' id=toc-111>نَشْأَةُ عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ</span>\nيلاحِظُ الدارسُ لتاريخِ نشْأَة أصول الفقه أنَّه نَشَأَ مع عِلْم الفِقْهِ، وإنْ كان الفِقْهُ قد دُوَّن قبْلَه، كما هو مَعْلُوم؛ لأنه - حَتْمًا - حيث يكون فِقْهٌ، فلا بد من وجُود مِنْهاج للاستنباط جَنْبًا إلى جَنْب. وحيثُ كانَ المِنْهَاج، فلا محالة مِنْ أُصُول الفِقْه. وإذا كان استنباطُ الفِقْه قد ابْتَدَأ بَعْد الرَّسُول ﷺ أي: في عَصْر الصَّحابة، فإن الفقهاء من بَيْنِهِم كابْنِ مَسْعُود، وعليِّ بْنِ أَبِي طالبٍ، وابن الخطَّاب ما كَانُوا يقولون أقوالَهُم، ويعبِّرون عن آرائهم من غَيْر قَيْدٍ ولا ضَابِطٍ، فإذا سمع أحدٌ عليًّا - كرَّم الله وجْهَه - يقُول في عُقُوبة شَارِب الخَمْر: \"إنَّه إذا شَرِبَ هَذَى وإذا هَذَى، افْتَرَى، وحدُّه حَدُّ المُفْتَرِين، فيجبُ حدُّ القذْف\" فإن السامع يجد أن الإمامَ الجليلَ - كرَّم الله وجْهه - ينهج منهاح الحُكْم بالمآل، أو الحُكْمِ بسَدِّ الذرائع. كذلك قال عبد الله بنُ مَسْعُود في عِدَّة المُتوفَّى عنها زوجُها الحَامِلِ: إنَّ عِدَّتها بوضع الحَمْل، واستدلَّ على ما ذهب إلَيْه بقوْلهِ تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ﴿سورة الطلاق: الآية ٤]، ويقول في ذلك: \"أشْهَدُ أن سورة النِّسَاء الصغْرى نزلَتْ بعد سورةِ النِّساء الكُبْرى\" يقصد أن سورة \"الطَّلاق\" نزلت بعد سورة \"البَقَرة\"، وهو يشير إلى قاعدةِ مِنْ قواعدِ عِلْم الأُصُول، وهي: \"أن المتأخِّر ينْسَخ المتقدِّم أو يخصِّصُه\" وهو يلتزم بهذا منهاجًا أصوليًّا. إذنْ نستطيع أن نقرِّر - بلا شك - أن الصَّحابة ﵃ في اجتهادِهِمْ كانُوا يلتزمُون مناهِجَ، وإنْ لم يصرِّحوا في كل الأحْوال بها (^١).\nومما لا شَكَّ فيه أن الصحابة - رضوانُ الله عليهم - لم يُحْدِثُوا هذا الأمْرَ دون\n_________\n(^١) ينظر: أصول الفقه للشيخ أبي زهرة ص ١٠ - ١١.","vol":"1","page":101},{"text":"مقدِّمات، إنَّما هو نتائجُ لتعليم الرَّسُول ﷺ لهم هذهِ القواعِدَ. حيثُ تمَّ في عصْر الرسُول ﷺ تأصيلُ مصادِرِ الشَّرِيعة الرَّئِيسيَّة المَشْهُورة في عَصْره.\nومن ناحية أُخْرَى، فقَدْ أوْضَح الرَّسُول ﷺ بالقرآن، أو بسُنَّته - بأعتبارهما المصْدَرَيْن الأساسيَّيْن لشريعة الله تعالى - كثيرًا من المبادئ العامَّة، والقواعد الرَّئيسيَّة التي يجبُ على المجتهد أنْ يَحْذُو حَذْوَها في اجْتهاده.\nومن أمثلة ذلك فهْمُ النُّصُوص باللِّسان العربيِّ، لأنَّ الله تعالى قد بيَّن في كتابه أنَّه أنزله باللِّسان العربيِّ، وأنَّ الصحابة ﵃ فَهِمُوا مِنْ صيغة الأمْر أنَّها تَكون للطَّلَب، كما فهموا من صيغة النَّهْي أنَّها تكون لعَدَمِ الفِعْل.\n\n<span data-type='title' id=toc-112>مثال صيغة الأمْر:</span>\nما روي من أن رسول الله ﷺ مَرَّ على أُبَيِّ بْن كَعْبٍ، وهو في الصَّلاة، فدعاه، فلَمْ\nيُجِبْه، ثم اعتذَرَ إلَيْه؛ أنه كان في الصلاة، فقال له: ألَمْ تَسْمَعِ الله يَقُول: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ ﴿سورة الأنفال: الآية ٢٤﴾ قال: بلى، يا رسول الله، لا أَعودُ (^١). حيث فهم أبيُّ بنُ كَعْبٍ ﵁ أن صيغة الأمْر للوجوب، إلَّا أنه اسْتَثْنى حالَتَهُ من ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-113>ومثال صيغة النَّهْي:</span>\nروتْ أُمُّ عطيَّةَ ﵂ أنها قالَتْ: نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا\" (^٢).\nوفي هذا يقولُ الحافظُ ابنُ حَجَر: عند تعليقه على هذا الحَدِيثِ: أي: ولم يُؤكِّد عَلَيْنا في المَنْع، كما أُكِّدَ عَلَيْنا في غَيْره من المَنْهِيَّات، فكأنَّها قالَتْ: كُرِه لنا اتِّبَاعُ الجنائِزِ مِنْ غَيْر تَحْرِيمٍ. والقصَّة هنا نَهْيٌ بَعْدَ إباحَةٍ، فكان ظاهرًا في التَّحْريم، فأرادت أن تُبيِّن لهم أنَّه لم يُصَرَّح لهم بالتحريم.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في سننه ٥/ ١٤٣ في كتاب \"فضائل القرآن\" باب ما جاء في فضل فاتحة الكتاب حديث ٢٨٧٥، وأحمد في المسند ٢/ ٣١٢ - ٣١٣، والبغوي في شرح السُّنة ٢/ ٣٣٩.\n(^٢) أخرجه البخاري ٣/ ١٧٣ في كتاب الجنائز باب اتباع النساء الجنائز حديث ١٢٧٨.","vol":"1","page":102},{"text":"وإنَّ المستَقْرئَ للشريعة الإسْلاميَّة قرآنًا وسُنَّة يجد أن تأسيسَ المَنَاهِج الأصوليَّة قد تمَّ في عَصْر الرَّسُولِ ﷺ، وبعد أن ارتحل إلى جِوَارِ رَبِّه طبَّق الصَّحابة - رضي الله تعالى عَنْهُم - ما تَعَلَّمُوا مِنْه مِنْ قَوَاعِدَ أصوليَّةٍ، ثمَّ بَعْدَ ذلك تلاحقَتِ الأزمانُ حتَّى عَصْر الشَّافعيِّ، ولقد تنوَّعتِ الآراء، وتعدَّدتْ حول واضِعِ عِلْم أُصُول الفِفْه، ونحن نذكر خلافَهُم على سَبِيلِ الإجْمَال لا الحَصْر.\n\n<span data-type='title' id=toc-114>اخْتِلافُ الْعُلَمَاءِ حَوْلَ وَاضِعِ عِلْمِ الأُصُولِ:</span>\nيرَى الجُمْهُورُ من أهْل الفِقْه والأُصُول أن الإمام الشافعيَّ هو أولُ من دوَّنَ \"أُصُولَ الفِقْه\".\nونرجئُ الكلام حَوْل الإمام الشَّافعيِّ باعتباره واضِعًا لقواعِدِ الاسْتِنْبَاط التي هي مدارُ عِلْم أُصُول الفِقْه - بعد التعرُّض لاختلاف العلماء حَوْل واضِعِ عِلْم أُصُول الفِقْه.\n\n<span data-type='title' id=toc-115>أوَّلًا: الإمَامُ مُحَمَّدٌ البَاقِرُ:</span>\nهو: محمدُ بنُ عليٍّ زين العابِدِينَ بْن الحُسَيْن الطالبيُّ الهاشميُّ القرشيّ، أبو جَعْفَرٍ الباقرُ: خامس الأئمَّة الاثْنَيْ عَشَرَ عِنْد الإماميَّة. كان ناسكًا عابدًا، له في العِلْم وتفسير القُرْآن آراءٌ وأقوالٌ وُلدَ بالمدينة عام ٥٧ هـ، وتُوُفِّيَ بـ \"الحميمَةِ\" عام ١١٤ هـ، ودُفِنَ بـ \"المدينة\" (^١). وابنه جعفرُ بنُ محمَّد الملقَّبُ بـ \"الصادق\" سادسُ الأئمَّة الاثْنَيْ عَشَرَ عِنْد الإماميَّة، ولُقِّبَ بـ \"الصَّادِق\"؛ لأنَّه لَم يُعْرَف بالكذِبِ قطّ، ولد سنة ٨٠ هـ، وتوفي سنة ١٤٨ هـ بـ \"المدينة\".\nقال آيةُ الله السَّيِّدُ حسَنُ الصَّدْر: أعْلَمْ أن أوَّل مَنْ وضَع أُصُولَ الفِقْهِ وفتَح بَابَه، وأوْضَح مسائِلَهُ الإمامُ أبو جَعْفرٍ محمَّدٌ الباقر، ثم مِنْ بَعْده ابنُهُ الإمَامُ أبو عبْدِ اللَّهِ الصَّادق، وقد أمْلَيا على أصحابِهِما قواعِدَه، وجمَعُوا من ذلك مسائِلَ رتَّبَها المتأخِّرون على ترْتيب المصنِّفين برواياتٍ مسْنَدةٍ إلَيْهما، مُتَّصِلَةِ الإسنادِ، وكُتُبُ مسائلِ الفِقْهِ المرويّهِ عَنْهُما بأيدينا\n_________\n(^١) ينظر: تهذيب التهذيب ٩/ ٣٥٠، وصفة الصفوة ٢/ ٦٠، وحلية الأولياء ٣/ ١٨٠، والأعلام ٦/ ٢٧١.","vol":"1","page":103},{"text":"إلى هذَا الوقْت بحمد الله، مِنْها كتابُ أُصُول آل السَّيِّد الرَّسُول رُتِّب على ترْتيب مباحث أُصُول الفِقْه الدَّائرة بَيْن المتأخِّرين، جمعه السيِّد الشريفُ المُوسَوِيُّ هاشم بْنُ زينِ العَابِدِينَ الخونساريُّ الأصفهانيُّ ﵁ في نحْو عشرين ألْفَ بيْتٍ كتابةً.\nومنها الأُصُولُ الأصليَّة للسَّيِّد عبد الله العلَّامة المحدِّث عبد الله بن محمَّد الرضا الحُسَيْنِيّ، وهذا الكتاب من أحسنِ ما رُوِيَ، فيه أصول تبلغ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ بَيْتٍ.\nومِنْها الفُصُول المُهمَّة في أُصُول الأئمَّة للشَّيْخ المحدِّث محمَّد بن الحسن بن علي العامِلِيّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-116>ثَانِيًا: الإمَامُ أَبُو حَنِيفَة النُّعْمَانُ:</span>\nهُوَ: النُّعْمَانُ بنُ ثَابتٍ، التيميُّ بالولاء، الكوفيّ، أبو حنيفة، إمامُ الحنفيَّة، أحدُ دَعائِمِ الإسْلامِ الأربعةِ عِنْد أَهْل السُّنَّة، وُلدَ سنَةَ ٨٠ هـ، وتُوُفَيَ بـ \"بغداد\" سَنَة ١٥٠ هـ.\nوقد أثنى عليه الأستاذُ أبو الوفا الأفغانيّ، وقال فيه: \"وأمَّا أوَّل من صنَّف في عِلْم الأُصُول - فيما نعْلَم - فهو إمام الأئمة، وسراجُ الأمَّةِ أبو حنيفة النعمانُ ﵁ حَيْثُ بيَّن طرق الاستنباط في كتاب \"الرأْي\" له، وجاءَ بعْدَه صاحباه القاضي الإمامُ أبو يوسُفَ يعقوبُ بنُ إبراهيم الأنصاريّ، والإمامُ الربانيُّ محمَّدُ بنُ الحَسَنِ الشيبانيُّ - رحمهما الله - ثم الإمام محمَّدُ بنُ إدْرِيس الشَّافِعِيُّ ﵀ صنف \"رسالته\".\n\n<span data-type='title' id=toc-117>ثَالِثًا: مُحَمَّدُ بْن الحَسَنِ:</span>\nهو: محمَدُ بنُ الحسنِ بْنِ فرْقَد، من موالي بَنِي شَيْبَانَ، أبو عبد الله، إمام بالفقْه والأصُول، وهو الذي نشَر عِلْم أبي حنيفة. وُلدَ بـ \"وَاسِط\" سنة ١٣١ هـ وتُوُفِّيَ بـ \"الرَّيِّ\" سنة ١٨٩ هـ.\nجاء في \"فِهْرِسْت\" ابن النَّدِيم: أن له من الكتب في الأصول كتاب \"الصَّلاة\"، وكتاب \"الزَكَاة\"، وكتابَ \"المَنَاسِك\"، وكتابَ \"النِّكَاح\"، وكتابَ \"الطَّلاق\" .... وكتابَ \"اجْتِهاد الرَّأْي\"، وكتابَ \"الاسْتِحْسَان\" وكتاب \"أُصُول الفِقْه\" … الخ.\nوقال ابنُ خَلِّكَانَ: صنَّف محمَّدُ بنُ الحَسَنِ الشيبانيُّ الكُتُبَ الكثيرةَ النادِرَةَ مِثْل \"الجامع الكَبير\"، و\"الجامع الصَّغير\" … الخ.\nوجاء في كتاب \"هَدِيَّة العارفين\": أن له كتاب \"الأصْل في الفُرُوع\".","vol":"1","page":104},{"text":"وقال الأستاذ أحمد أمين: نَعَمْ، روى ابنُ النَّدِيم أن محمَّد بْنَ الحَسَنِ ألَّف كتابًا في أُصُول الفِقْه، ولكنْ لم يَصِلْ إلَيْنا هذا الكتاب، حتَّى نستطيع أنْ نقارِنَ بَيْنَهُ وبَيْن \"رسالةِ الشَّافِعِي\"، ونعْلَمَ ماذا استفاد الشافعيُّ من أصول محمَّدٍ، وماذا اخترع من نَفْسِه؟.\n\n<span data-type='title' id=toc-118>رابعًا: أَبُو يُوسُفَ:</span>\nهو: يعقوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ بْن حبيبٍ الأَنْصَارِيُّ الكُوفِيُّ البغداديّ، صاحبُ الإمام أبِي حنيفة وتِلْمِيذُه، وأول من نشر مذهبه، ولد بـ \"الكوفة\" سنة ١١٣ هـ، وهو أوَّل من دُعِيَ قاضي القُضَاة، وأوَّلُ مَنْ وضَعَ الكُتُبَ في \"أصُول الفقه\" توفي سنة ١٨٢ هـ.\nومما لا شَكَّ فيه أن أبا يوسُفَ قد استعْمَل لَفْظ \"أصُولِ الفِقْه\" كما ألمحنا إلى ذلك سابقًا، وسواء أراد به المَعْنَى الإضافيَّ، أو اللَّقَبيَّ الَّذي اشْتهر به عِنْد المتأخِّرين، فإنَّه دلَّ على المنْهج الأصوليِّ. ومما يُذْكَر أنَّه جاء في بَعْض المصادِر مِثْل كتاب \"مناقب الإمام الأعْظَم\" نَقلًا عَن طَلْحةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ؛ أن أبا يُوسُفَ أوَّلُ من ألَّف الكُتُب في أصُول الفِقْه على مَذْهَب أبِي حَنِيفَة.\nورأى الشَّيْخُ مصطفى عبد الرَّازق أن القَوْل بأنَّ أبا يوسُفَ هو أوَّلُ من تكلَّم في أصول الفِقْه على مذْهَب أبِي حنيفَةَ، إذا صَحَّ، لا يُعَارِض القَوْلَ بأن الشافعيَّ هو الذي وضَع أصولَ الفِقْه علمًا ذا قواعِدَ ومبادئَ عامةٍ يَرْجعُ إليها كلُّ مستَنْبِطٍ لحكْمٍ شَرْعِيٍّ.\nوهذه الآراء - الَّتي ألْمَحْنا إليها - وإن كانت تُعْطِينا فكْرة عامَّةً بأنَّ هناك حركات بدأَتْ تنْظُر في تَكْوِين هذا العِلْم إلَّا أن الإمام الشافعيَّ قد أرسَى قواعِدَ هذا الفَنِّ.\nقال البيهقي: \"ومَنْ وَقَفَ على الحكايات الَّتِي وَرَدَتْ عن علماء عَصْرِهِ وفقهاءِ زَمَنِهِ الَّذِين ماتَ بعْضُهم قبْلَه، وبعْضُهم بَعْدَه، عَرَف اعْتِرَافَهم له بالعِلْم والفِقْه، وأنَّه لم يُسْبَقْ إلى التَّصْنِيف في الأُصُول، وأنَّهم عَنْه أَخَذُوا هذا النَّوْعَ من العِلْم، وواضحٌ في كُتُبِ من صنَّف في أصول الفقه أنَّهم اقتبسوا عِلْمَها، وعلى تأْسِيسِهِ وضَعُوها.\nوصَرَّح الرَّازيُّ: بدون تردُّد إلى أن النَّاسَ مُتَّفِقون على ذلك؛ حيث يقول: اتَّفقَ النَّاس على أن أوَّلَ من صنَّفَ في هذا العِلْم - أي: علم - أصولِ الفقهِ - الشافعيّ، وهُو الَّذي نَسَّقَ أبْوَابه، وميَّز بَعْض أقْسَامِه مِنْ بَعْضِ، وفسَّر مراتِبَها في القُوَّة والضَّعْف.\nوقال الجُوينيُّ في \"شَرْح الرِّسَالة\": \"لم يَسبِقِ الشافعيَّ أحدٌ في تصانِيفِ الأُصُول،","vol":"1","page":105},{"text":"ومَعْرِفَتها، وقد حُكِيَ عن ابْنِ عبَّاس تخصيصُ العمومِ، وعنْ بَعْضِهم القولُ بالمَفْهُومِ، ولمنْ بعدِهِم لم يُقَلْ في الأصولِ شيء، ولَمْ يَكُنْ لهم فيه قدمٌ، فإنَّا رأيْنا كُتُب السَّلَف من التابعين، وتابِعِي التَّابِعينَ وغَيْرِهم، وما رأيْنَاهم صنَّفوا فيه\".\nوقال الشَّيْخ محمَّد أبو زهرة: \"وقدِ اختُصَّ الشَّافعيُّ من بين المجتهدينَ الَّذِين سَبَقُوه وعاصَرُوه بأنَّه هو الَّذي حَدَّ أصولَ الاسْتِنْبَاط، وضبَطَها بقواعد عامَّةٍ كلِّيَّةٍ … فكان الشَّافعيُّ بهذا السَّبْق واضِعَ عِلْم أُصُول الفِقْه؛ لأنَّ الفُقَهَاء كانوا قَبْلَه يَجْتَهِدُون من غَيْر أن تكونَ حُدودٌ هناك مرسومةٌ لِلاسْتِنْبَاط.\nوقال المستَشْرِق جولد زيهير: وأظْهَرُ مزايا محمَّدِ بنِ إدْرِيِسَ الشِّافعيِّ أنه وضَع نظام الاسْتِنباط الشَّرْعِيِّ من أصول الفقه، وحَدَّد مجالَ كلِّ أصْلٍ من هذه الأُصول، وقَدِ ابتَدَعَ فِي رِسَالَتِهِ نِظامًا لِلقياس العَقْليِّ الذي ينبغي الرُّجُوع إلَيْه في التَّشْرِيع مِنْ غَيْر إخْلالٍ بما للكتاب والسُّنَّة من الشَّأْن المقدَّم، ورتب الاستنباطَ من هذه الأصول ووضَع القَوَاعِدَ؛ لاستعمالها بَعْدما كان جُزَافًا.\nونَخْتَتِمُ ذلك بكلمةٍ للإمام الإسنويِّ حاكيًا الإجْماعَ عما سلف؛ إذ يقول: وكانَ إمَامُنَا الشَّافعيُّ ﵁ هو المُبْتكِر لهذا العِلْمِ بلا نزاعٍ، وأوَّلَ من صنَّف فيه بالإجْماع، وتصْنيفُه المذكور فيه موجودٌ بحمد الله - تعالى - وهو الكتابُ الجليلُ المشْهُور المَسْمُوع عليه المتصلُ إسْنَادُه الصَّحيحُ إلى زَمانِنَا المَعْرُوفُ بـ \"الرِّسَالَة\"، الذي أرْسَلَ الإمامُ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مهديٍّ من \"خُرَاسَانَ\" إلى الشافعيِّ بـ \"مِصرَ\" فصنَّفَه لَه، وتنافَسَ في تحْصيله علماءُ عَصْره.\n\n<span data-type='title' id=toc-119>الرِّسَالَةُ والشَافِعِيُّ:</span>\nقال العلَّامة أحْمَد شَاكِر: والشافعيُّ لم يُسَمِّ \"الرسالةَ\" بِهذا الاسْم، إنَّما يُسمِّيها \"الكتاب\" أو يقولُ: \"كِتَابِي\"، أو \"كِتَابنا\" (^١).\nويقول في كتابه \"جِمَاعُ العِلْمِ\" مُشِيرًا إلى \"الرِّسَالة\": \"وفيما وصَفْنا - ههنا - وفي \"الكِتَاب\" قبل هذا\" (^٢). ويَظهر أنَّها سُمِّيَتِ \"الرسالة\" في عَصْره، بسبب إرْسَاله إيَّاها\n_________\n(^١) ينظر: الرسالة فقرة: ٩٦، ٤١٨، ٤٢٠، ٥٧٣، ٦٢٥، ٧٠٩، ٩٥٣.\n(^٢) ينظر: الأم ٧/ ٢٥٣.","vol":"1","page":106},{"text":"لعبد الرحمن بْنِ مهديٍّ، كما تقدَّم.\nوكتابُ \"الرِّسالة\" أوَّلُ كتابٍ أُلِّف في \"أُصولِ الفِقْه\"، بل هو أوَّلُ كتابٍ أُلِّفَ في \"أصولِ الحَدِيثِ\" أيْضًا.\nقال الفخرُ الرَّازيّ في \"مناقِب الشَّافِعِي\": \"كانوا قبْلَ الإمامِ الشافعيِّ يتكلَّمون في مسَائِلِ أُصُول الفِقْهِ، ويستدلُون ويَعْتَرِضُون، ولكنْ ما كان لَهُمْ قانونٌ كُلِّيٌّ مرجوعٌ إلَيْه في مَعْرِفَة دَلائلِ الشَّريعةِ، وفي كيفيَّة مُعَارضَاتِهَا وتَرْجِيحَاتِها، فاسْتَنْبط الشَّافعيُّ عِلْمَ أُصُول الفِقْهِ، ووضَع للخلْق قانونًا كلِّيًّا يُوْجَعِ إلَيْه في معرفة مراتِبِ أدلَّة الشَّرْع، فثَبَتَ أن نسبة الشَّافِعِي إلى عِلْمِ الشَّرْعِ كنسبة أرِسْطَاطالِيسَ إلى عِلْم العَقْل\".\nوقال بدرُ الدِّينِ الزركشيُّ في كتاب \"البَحْرِ المُحِيطِ\" في الأصُول: الشَّافعيُّ أولُ من صنَّف في أُصُول الفِقْه، صنَّف فيه كتاب \"الرِّسالة\"، وكتاب \"أَحْكَام القُرْآن\"، وكتاب \"اختلاف الحديث\"، وكتاب \"إبطال الاسْتِحْسَان\"، وكتاب \"جِمَاع العِلْم\" وكتاب \"القياس\".\nوأقولُ: إن أبوابَ الكِتَاب ومسائِلَه، التي عَرَضَ الشَّافعيُّ فيها للكلامِ على حديثِ الواحدِ والحُجَّة فيه، وإلى شُرُوط صحَّة الحديث، وعَدالة الرُّواة، وردِّ الخَبَرِ المُرْسَل والمُنْقَطِع - هذه المسائلُ عِنْدي أدقُّ وأغْلَى ما كتَبَ العُلَمَاءُ فِي أُصُول الحَدِيث، بلْ إنَّ المتفقِّه في علوم الحديث يفْهَم أنَّ ما كُتِبَ بعْده إنَّما هُو فُروعٌ مِنْه، وعالَةٌ عَلَيْه، وأنَّه جَمَعَ ذلك، وصنَّفه على غَيْرِ مِثَالٍ سَبَق، لله أبُوهُ …\nو\"كتاب الرِّسالة\" بل كتبُ الشافعيِّ أجمعُ كتبُ أدبٍ ولغةٍ وثقافةٍ، قبل أن تكون كتُبَ فِقْهٍ وأُصُولٍ، ذلك أن الشافعيَّ لم تَهْجُنْه عُجْمَةٌ، ولم تَدْخُل على لسانِه لُكْنَةٌ ولم تُحْفَظْ عليه لَحْنَةٌ أو سَقْطَةٌ.\nقال عبد الملكِ بنُ هشامٍ النَّحْويُّ صاحبُ \"السِّيرةِ\": \"طَالتْ مُجَالسَتُنا للشافعيِّ، فما سمِعْتُ منه لَحْنةً قط، ولا كلمةً غيْرُها أحْسَنَ مِنْهَا\".\nوقال أيْضًا: \"جالَسْتُ الشافعيَّ زمانًا، فما سمعْتُه تكلَّم إلَّا إذا اعتبرها المعتَبِر، لا يجد كلمةً في العربيةِ أَحْسَن مِنها\".\nوقال أيْضًا: \"الشافعيُّ كلامه لُغَةٌ يُحْتَجُّ بها\".","vol":"1","page":107},{"text":"وقال الزَّعفرانيُّ: \"كان قوْمٌ من أهْلِ العربيَّة يختَلِفُون إلى مَجْلِس الشَّافعيِّ معنا، ويجْلِسُون ناحية، فقلْتُ لرجل من رؤَسَائِهم: إنَّكُمْ لا تتعاطَوْن العِلْم، فلِمَ تخْتَلِفُون مَعَنا؟ قالوا: نَسْمَع لُغَةَ الشَّافعيِّ\".\nوقال الأَصْمَعِي: \"صحَّحْت أشْعَار\"هُذَيْل\" على فَتًى من \"قُرَيْشٍ\"، يقال له: محمَّدُ بنُ إدْرِيِسَ الشَّافِعِيُّ\".\nوقال ثَعْلَبٌ: \"العجَبُ أن بَعْض النَّاسِ يَأْخُذُون اللُّغَة عن الشافعيِّ، وهو مِن بَيْت اللُّغَة! والشافعيُّ يجِبُ أنْ يُؤْخَذَ منه اللُّغة، لا أنْ يُؤْخَذَ عَلَيْه اللُّغَةُ\" يعني: يجب أن يحتجوا بألفاظه نَفْسِها، لا بما نَقَلَه فَقَطْ، وكفَى بشهادة الجاحظ في \"أدَبِه وبَيَانِهِ\" حيث يقول: \"نَظَرْتُ في كُتُبِ هؤلاءِ النَّبَغَةِ الَّذِين نَبَغُوا فِي العِلْم، فَلَمْ أرَ أحْسَنَ تأْليفًا من المُطَّلبِيِّ، كأنَّ لِسَانه يَنْظِمُ الدُّرَّ\" فكُتُبه كلها مُثُلٌ رائعةٌ من الأَدَب العربيِّ النَّقيِّ، في الذروة العُلْيا من البَلاغة، يَكْتُب على سَجيتِهِ، ويُمْلي بِفِطْرَتِه، لا يتكلَّف ولا يَتَصَنَّع، أَفْصَحُ نثرٍ تَقْرَؤُه بَعْد القُرْآن والحَدِيث، لا يُسَامِيه قائلٌ، ولا يُدَانيه كاتبٌ. ونَحْنُ نَرَى أن هذا الكتاب \"كتابَ الرِّسالة\" ينبغي أن يَكُون من الكُتُب المَفْرُوءة في كُلِّيَّات الأَزْهَر، وكلِّيَّات الجَامِعَة، وأنْ تُخْتَار مِنْه فِقْراتٌ لطُلَّابِ الدراسةِ الثَّانويةِ في المعاهدِ والمَدَارِس، لِيُفِيدُوا من ذلك عِلْمًا بِصِحَّة النَّظَر وقوَّة الحُجَّة، وبَيَانًا لا يرَوْنَ مِثْلَه في كُتُب العُلَماء، وآثَارِ الأُدَبَاء، وقد بَيَّن العلَّامة ابن خَلْدُونَ في \"مقدمته\" أهميَّة \"الرسالة\" فقال: أوَّلُ مَنْ كَتَب فِيه: الشافعيُّ ﵁ أَمْلَى فيه رسالَتَه المَشْهُورة، تكلَّم فيها عن الأَوَامِرِ والنَّواهِي، والبيَان، والخَبَر، والنَّسْخ وحُكْم العِلَّة المَنْصُوصَة من القياسِ، ثمَّ كَتَب فقهاءُ الحنفيَّة فيه، وحقَّقوا تلك القواعِدَ، وأوْسَعُوا القَوْلَ فيها، وكتَب المتكلِّمون أيْضًا، إلَّا أن كتابَة الفقهاء فيها أمَسُّ بالفقْهِ، وألْيْقُ بِالفُرُوع.\n\n<span data-type='title' id=toc-120>خُلَاصَةُ رِسَالَةِ الشَّافعيِّ:</span>\nأجْمَلَ ابنُ خَلْدُونَ ما حَوَتْهُ رسالةُ الشَّافعيِّ من المَعْلُوماتِ، وسنلخِّصُ هنا هذه الرسَالَة؛ ليَرَى القارئُ أوَّلَ نهْجٍ نهَجَه الأصوليُّون في تأليفهم: بدأ الشَّافعيُّ - في رِسَالَتِهِ ﵁ فعرَّف البيانَ بأنَّه اسم جامعٌ لمعانٍ مجتمعةِ الأُصُولِ، متَشَعِّبة الفُرُوع، وهي بيانٌ لِمَنْ خُوطِبَ بِهَا مِمَّنْ نزل القرآنُ بِلِسَانِه، وهي مُتَقَارِبةُ الاسْتِوَاءِ عِنْده، وإن كان بَعْضُها أشدَّ تأكيدًا، وهي مختلفةٌ عِنْد من يَجْهَل لسانَ العَرَب، ومِنْ ذلك ما أَبَانَهُ الله لخلْقِه نَصًّا،","vol":"1","page":108},{"text":"كجُمَل الفَرَائِض؛ من صلاةٍ، وزكاة، وحجٍّ، وصَوْمٍ، وتَحْرِيمِ الفَواحِشِ، وبَعْض المَطْعُومَات، ثُمَّ بيَّن عَلَى لِسَانِ نبيِّه عَدَدَ الصَّلَوَات، ونصَابَ الزَّكاة ووقتَيْهِما، ومِنْ ذلك: ما فَرَضَ الله - جلَّ ثناؤُه - على خلْقِه الاجْتهادَ في طَلَبِه، وابْتَلَى طَاعَتَهُم في الاجْتِهَادِ، ومثَّل لذلك بقول الله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [سورة البفرة: الآية ١٤٤] فدلَّهم - جل ثَنَاؤُه - إذا غَابُوا عن المَسْجِد الحرامِ - على صواب الاجْتهاد ممَّا فرض عَلَيْهم بالعُقُولِ، الَّتي رُكِّبت فيهم، المُميِّزة بين الأشياء وأضْدَادها، والعلاماتِ الَّتي نَصَبَهَا لهم، دُون عَيْن المَسْجِد الحَرَام.\n\n<span data-type='title' id=toc-121>جهة العِلْم بالحُكْم:</span>\nقال الشافعيُّ في \"رسالَتِهِ\": إنَّ جهة العِلْم بالحُكْم؛ إمَّا الكتاب، وإما السُّنَّة، وإمَّا الإجْمَاع، وإمَّا القياسُ.\nثم قال: إنَّ جميع كتابِ الله نَزَلَ بِلِسَان العَرَب، والأدلَّةُ على ذلِك بيِّنةٌ في كتاب الله، فإذا كانتِ الألسنةُ مختلفةً بما لا يفْهَمُه بعضُهم عنْ بعْضٍ، فلا بُدَّ أن يَكُون بعضُهم تبَعًا لبَعْضٍ، وأنْ يكُونَ الفَضْلُ في اللِّسان المُتَّبَع على التَّابِع، وأوْلى النَّاسِ بالفَضْل في اللسانِ مَنْ لسانُه لسانُ النبيِّ ﷺ ولا يَجُوز - والله أعْلَم - أن يكون أهلُ لسانِهِ أتْبَاعًا لأهْل لسانٍ غَيْرِ لِسَانِهِ.\nثمَّ قال: فَعَلى كُلِّ مُسْلمٍ أنْ يتعلَّم من لسان العَرَب ما يَبْلُغه جُهْدُه، ثمَّ تكلَّم على أن في كتابِ الله عامًّا ظَاهِرًا، يرادُ به العامُّ الظَّاهِر، وعامًّا ظاهرًا يرادُ به العامُّ ويدخله الخاصّ، وظَاهِرًا يُعْرَف في سياقه أنَّه يرادُ به غَيْرُ ظاهره، ومِنْ هذا يتبيَّن ما لِعُلُومِ اللُّغَةِ في فَهْم أحْكَام الدِّين من صِلَةِ وثيقةِ، وعلاقةٍ أكيدةٍ ثم تكلَّم على السُّنَّةِ، وأنَّ الكتابَ أمَرَ بِاتِّباعها حيث قال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٥٦]، وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [سورة النساء: الآية ٥٩].\nثم ذكر الشَّافعيُّ أن الناسخَ والمَنْسُوخ يَقَعُ في كتاب الله، وسُنَّةِ رسُولهِ وبينهما، فينسخ الكتابُ السُّنة، دونَ العَكْس؛ لأنَّها تابعةٌ للكتاب بِمِثْل ما نَزَلَ به نَصًّا، ومفسِّرةٌ مَعْنَى ما أُنْزِلَ فيه جُمَلًا.\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْر","vol":"1","page":109},{"text":"هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [سورة يونس: الآية ١٥]، ثم تكلَّم على خبر الحُجَّة، ومثَّل له، ثم على الإجْمَاع وحُجِّيَّته ودليله، ثم بَسَط ما أسْلَف من الاجتهاد، وقَفَّى على ذلك بالكَلام على القياسِ والاسْتِحْسَان، وما قيل في الاسْتِحْسَان.\nهذه خُلاصة ما في \"رسالةِ الشَّافِعِيِّ\" من قواعد، وقد أكْثَر فيها من التَّطْبِيق والاِستشهادِ بالآيَاتِ والأَحَادِيث، وهِيَ طريقةٌ أشْبَهُ بِعَهْد السَّلَف الذي عُنِيَ بالتَّطْبِيقِ، لا بِعَهْد الخَلَفِ الَّذِي عُنِيَ بِالقَوَاعد.","vol":"1","page":110},{"text":"<span data-type='title' id=toc-122>مَنَاهِجُ العُلَمَاءِ فِي الدِّرَاسَاتِ الأصُولِيَّةِ</span>\nتعدَّدتْ مناهجُ العُلَمَاء بَعْد الشافعيِّ واختلفتْ كتُبُهم الأصوليَّة تبعًا لاخْتِلافِ مناهِجِهمْ ومشاربهمْ في الدِّراسات الأُصوليَّة. ويمكن إجْمال هذه المَذَاهِبِ فِي ثَلاث شُعَبٍ مختلفةٍ لكلٍّ منها ضوابطُ وقواعدُ خاصَّةٌ بها:\nأوَّلًا: الاتجاه النظريُّ المَحْضُ الَّذي لا يتأثَّر بِفُرُوعِ أيِّ مَذْهَبٍ فِقْهِيٍّ، وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ ومَنْ سَارَ عَلَيْه بَعْده، حيثُ إن الشَّافعيُّ ﵀ قد لاحظ في منهاجه الذي وضَعَه عن عِلْم الأصول أن يَكُونَ عِلْمُ الأُصُول مِيزانًا ضابِطًا وقانُونًا كُلِّيًّا تَجِبُ مراعاته عِنْد استِنْباطِ الأَحْكَام.\nثانيًا: الاتجاهُ المتأثِّر بالفُرُوعِ الفقهيَّةِ، والَّذِي يَخْدمُ تِلك الفُرُوع، ويثْبِتُ سلامة الاجتهاد فيها.\nثالثًا: المَذْهَب الجامعُ بَيْن الاتِّجاهَيْن السابِقَيْن، وظهر هذا المذهَبُ في مرحلةٍ متأخِّرة.\nوالنَّاظِرُ لتاريخِ هذه المناهِجِ يُلاحظ أنَّها ظَهَرَت بَعْد تقرُّر المذاهِبِ الفقهيَّة.\nوفي ذلك يقول العلَّامة أبو زهرة: \"وقد سار الفقهاء بعد تقرُّر المذاهب الفقهية في دراسَةِ أُصُول الفقه في اتِّجاهَيْنِ مختلفَيْنِ:\nأحدهما: اتِّجاهٌ نظريٌّ، وهو لا يتأَثَّر بفروعِ أيِّ مَذْهَبٍ …\nثانيهما: اتِّجاهٌ متأثِّرٌ بالفروعِ وهو يتَّجه لخدْمَتِها، وإثبات سلامة الاجتهاد","vol":"1","page":111},{"text":"فيها (^١) .... وإلَيكَ الكلامَ عَلَيها بالتَّفْصيل:\n\n<span data-type='title' id=toc-123>أوَّلًا: الاتِّجاهُ النَّظَريُّ:</span>\nمن المعلومِ أن الشافعيَّ ﵀ هُوَ واضعُ أساس هذا الاتِّجاهِ النَّظريّ الَّذي لا يتأثَّر بفروع أيِّ مَذْهَب، حَيْث كانَتْ عنايتُه متَّجِهةً إلى تَحْقيقِ القَواعدِ من غَيْر اعتبارٍ مذهبيٍّ، بل كانَ أكبَرُ همِّه هو كيفيَّة إنتاجِ القواعدِ، سواءٌ خدَمَ ذلك مذهَبَه أمْ لا.\nويُعْتَبَر هذا الاتِّجاهُ النظريُّ هو أقْدمَ الاتَجاهاتِ الأُصُوليَّة لدراسة عِلْم الأُصُول.\nويُطْلَق على هذا الاتجاه: \"أصُول الشَّافِعِيَّة\" على أساس أن الإمام الشافعيَّ أوَّلُ من سلكه، ويُطْلَق عَلَيْه أيضًا: \"طريقةُ المتكلِّمين\"؛ لأن كثيرًا من علماء الكلامِ لهُمْ بحوث في الأصول؛ على هذا الاتجاه النظريِّ ولهذا الاتجاه النظريِّ خصائصُ تميَّزه وتوضَح ملامحَه؛ حيثُ لا يَعْتَمِد البحْثُ فيه على تعصُّبٍ مذهبيٍّ، وذلك لأنَّ القواعد الأصوليَّة لا تَخْضع فيه للفُرُوع المذهبيَّة، بل كانَتِ القواعدُ تُدْرس باعتبارِها حاكمةً على الفروع، وباعتبارِهَا دعامة الفِقه، وطريق الاستنباط.\nثمَّة مَيْزةٌ أُخْرى تَكْمُن في أنَّ الخلافاتِ الَّتيْ وقَعَتْ بَيْن الأصوليِّين على هذا الاتِّجاه كانَتْ تَسْتَنِدُ إلى دليلٍ مباشرٍ لا إلى فَرْعٍ من الفروعِ المذهبيَّة. والملاحظُ أن لهذا الاتجاهِ أنْصارًا مَتعدَّدين ومنْتَشِرِين في البلاد الإسلاميَّة، ويمكنُ أن نُجْمِلَهُم فيما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-124>١ - الشَّافعِيَّةُ:</span>\nوللشَّافعيِّ أصحابٌ كثيرونَ قَبِلُوا اتِّجاهَه النظر كما في دراسَةِ القَواعِد الأصوليَّة.\nومن الملاحظِ أن أصحابَهُ البغدادِيِّين كَانُوا أَكْثَرَ اسْتِقلالًا مِنْ غيرهم لدرجةِ أن بَعْضَهم قَدْ وَصَلَ لِدَرَجَة الاجْتِهَادِ وتأْسِيسِ المَذَاهِب الفِقْهِيَّة. حيث نَجِدُ في \"بغدادَ\" الإمامَ أبا ثَوْرٍ الكلبيَّ البغداديَّ، والإمام أحمد بْن حَنْبل أحَدَ دَعَائِمِ الإسْلامِ الأرْبَعَة. ونجد في \"مِصْرَ\" الإمام أبا يَعْقُوبَ البُوَيْطِيَّ المِصْرِيِّ، والإمامَ أبا إبراهيم المُزَنِيَّ. وفي القَرْنِ الخامِسِ الهِجْريِّ ظَهَرَتْ كوكبةٌ من الشافِعِيِّين المُبَرِّزين الَذيق ألَّفوا كثيرًا من كُتُب الأصول على طَرِيقَةِ الشَّافعي، ومن أمثال هؤلاء العلماء الأجلَّاءِ القاضي عَبْد الجبَّار المعتزليُّ (٤١٥ هـ) صاحبُ \"العمد\" الذي شرَحَه أبو الحُسَيْن البَصْرِيُّ المعتزيُّ في كتابه \"المُعْتَمَد\". وأيضًا\n_________\n(^١) ينظر: أصول الفقه ١٧ - ١٨.","vol":"1","page":112},{"text":"الإمامُ أبو إسحاقَ الشِّيرازيُّ الشَّافعيُّ (٤٧٦ هـ) صاحب \"اللُّمَع\" و\"التَّبْصِرة\" وظهر أيضًا إمامُ الحرمَيْنِ (٤٧٨ هـ) صاحبُ \"البُرْهَان\".\nقال ابن خلدون في \"مقدمته\" (^١): \"وكان مِنْ أحْسَن ما كتب فيه المتكلِّمون كتابُ \"البُرْهَان\" لإمامِ الحَرَمَيْنِ، و\"المستَصْفَى\" للغزاليِّ، وهما من الأشعريَّه، وكتابُ \"العمد\" لعَبْد الجَبَّار، وشَرْحُه \"المُعْتَمَد\" لأبي الحُسَيْن البَصْرِيِّ وهو من المعتزلة\".\nكذلك كان القَرْنُ السَّادِسُ الهجريُّ حافِلًا بعلماء الأُصُول الشافعيَّة أصحابِ الاتِّجاه النظريِّ، وحافلًا بإنجازاتهم الأصولية.\nومن أبْرزِ هؤلاءِ العلماء الإمامُ الغزاليُّ حجَّةُ الإسْلام (٥٠٥ هـ) وله كُتُبٌ كثيرةٌ في الأُصُول مثل: \"المستَصْفَى\"، و\"المَنْخُولِ\"، و\"المَكْنُونِ\"، و\"شِفَاءِ العَلِيلِ\" … الخ.\nيقول العلَّامة الخُضَريُّ (^٢) عن كتاب \"المستَصْفى\": وعبارةُ المستَصْفَى راقيةٌ مِنْ حَيْثُ أُسْلُوبُهَا العربيُّ، ولم يَكُنِ الغزاليُّ ممن يَشِحُّ على القرْطَاس؛ فتَرَاه كما قال يُطْلِق فيه العِنَانَ حتَّى يبلغ الغايةَ ممَّا يُرِيد، ولم يَكُنْ قد جَاءَ في زَمَنِهِم دَوْرُ التَّلخيصِ والاخْتِصَار؛ لأنَّ همَّهم الوحيدَ كانَ تأْدِيةَ المَعْنَى إلى فِكْر السَّامِع، طالَ الكلام أو قَصُر\".\nثمَّ جاء الإمامُ فخْرُ الدِّينِ الرَّازيُّ (٥٤٤ - ٦٠٦ هـ) صاحبُ \"المَحْصُول\".\nقال الإسنويُّ: \"و\"المَحْصُول\" استمدادُهُ من كِتابَيْن لا يَكَاد يَخْرُج عَنْهُما غَالِبًا: أحَدُهما: \"المستَصْفَى\" لحجَّة الإسْلام الغَزالِيِّ، والثَّاني: \"المُعْتَمَد\" لأبي الحُسَيْن البَصْرِيِّ\" (^٣).\nثم الآمِدِي سيف الدِّين (٥٥١ - ٦٣١ هـ) صاحبُ \"الإحْكَام فِي أُصُولِ الأَحْكَام\".\nقال العلَّامة ابن خَلْدُونَ: \"ثمَّ لَخَصَ هذه الكتبَ الأرْبَعَة \"البُرْهَانَ\"، و\"المُسْتَصْفَى\"، و\"العُمَدَ\"، و\"المُعْتَمَدَ\" - فَحْلان من المتكلِّمين المتأخِّرين، وهما الإمامُ فخْرُ الدِّينِ بنُ الخَطِيبِ في كتاب \"المَحْصُول\"، وسَيْفُ الدِّين الآمِدِيّ في كتاب \"الإحْكَام\"، واختلفت طرائِقُهما في الفنِّ بين التَّحْقِيق والحِجَاج، فابْنُ الخطيبِ أَمْيَلُ إِلَى الاستكثار من الأدلَّة والاحتجاجِ، والآمِدِيُّ مولَعٌ بتحقيق المَذاهِب وتَفْرِيع المَسَائل، وأما كتابُ \"المَحْصُول\"\n_________\n(^١) ينظر: المقدمة ٥٠٨.\n(^٢) ينظر: أصول الفقه له ص ٧.\n(^٣) ينظر: نهاية السول ١/ ٨.","vol":"1","page":113},{"text":"فاختصَرَهُ تلميذُ الإمامِ سراجُ الدِّينِ الأرمويُّ في كتابِ \"التَّحْصِيلِ\"، وتاجُ الدِّين الأُرْمَويُّ في كتاب \"التَّحْصِيل\"\" (^١).\nأما كتابُ \"الإحْكَامِ\" للآمِدِيِّ فَقَد قام باخْتصاره العلَّامة أبو عَمْرٍو عثمانُ بنُ الحَاجِبِ (٦٤٦ هـ) وجَعَل ذلك في كتاب سَمَّاه: \"مُنْتَهَى السُّولِ والأَمَلِ، فِي عِلْمَي الأُصُولِ والجَدَلِ\"، ثمَّ قام بعد ذلك باختصارِ المختصر في كتابِ آخَرَ سماه: \"مُخْتَصَرَ المُنْتَهَى\" ثم جاء خاتمة المحققين العلَّامة البيضاويُّ فألف كتابًا أخَذَه من \"الحاصل\" لتاج الدِّين الأرمويِّ وسمَّاه: \"مِنْهَاجَ الوُصُولِ إلى عِلْم الأُصُول\".\n\n<span data-type='title' id=toc-125>٢ - المالكيَّة:</span>\nومِن أنْصَارِ الاتِّجاهِ النَّظريِّ من المالكيَّة ابنُ الحاجِبِ المالكيُّ (٦٤٦ هـ) صاحبُ \"منتهى السُّولِ والأَمَلِ في عِلْمَي الأُصُولِ والحدَلِ\"، وهو الكتاب الذي اختصره من كتاب \"الإحْكَامِ في أُصُول الأَحْكَامِ للآمديِّ\"، كما اختصر هذا المختصر - كما ذَكَرْنا - في كتاب سَمَّاه \"مختصر المنتهى\".\n\n<span data-type='title' id=toc-126>خَوْضُ المُتَكَلِّمِينَ فِي الاتِّجَاهِ النَّظَرِيِّ:</span>\nلقد وجد المتكلِّمون فِي هذا الاتِّجاه النظريِّ ما يتَّفقُ مع دراساتهم العَقْلِيَّة، وآرائِهِمُ الكلامِيَّة، ونظرهم إلى الحَقَائِق مجرَّدةً، لذا راحُوا يَبْحَثُون فيه كما يَبْحَثُون فِي عِلْم الكَلام. ولكثرة بُحُوثِ المتكلِّمين في الأصول على هذا الاتِّجاه النظريِّ - سُمَي هذا الاتجاه أيْضًا بـ \"طَرِيقَة المتكلِّمين\".\nوخلاصةُ طريقة المتكلِّمين هي البُعْدُ - ما أمْكَنَ - عن مسائلِ الفُرُوعِ، والاستدلالُ العقليُّ؛ لأن أصْل منهجهم هو البَحْثُ والنَّظَر، ولقد تركت هذه الطريقةُ آثارها واضحةً على القواعد الأصوليَّة.\nوهناك سؤَالٌ يطرح نَفْسَه عَلَيْنا وهُوَ مَتى دخَل المتكلِّمون في دراسة المَنَاهِج الأصوليَّة؟\nويجيبُ الشَّيحُ مصطفى عبد الرَّازِق إلى أن المتكلِّمين وضَعوا أيْدِيَهُم على عِلْمِ أُصُولِ الفِقْه مُنْذُ القَرْن الرَّابِع الهجريّ (^٢). وفي المسألة آراء أُخْرى، ترى أنَّهم خاضُوا في المسائل الأصولية منذ القَرْنِ الثاني الهجريِّ، وليس هذا مَوْضِعَ البَسْط.\n_________\n(^١) ينظر: مقدمة ابن خلدون ٥٠٨.\n(^٢) ينظر: تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية ص ٢٤٩.","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type='title' id=toc-127>ثانيًا: الاتِّجَاهُ المَذهَبِيُّ المتأَثِّرُ بِالفُرُوعِ:</span>\nوأصحابُ هذا الاتِّجَاهِ قَامُوا باستنباطِ القواعدِ الأُصُوليَّة مِنَ الفُرُوع الفقهيَّة؛ لخدمةِ هذه الفُرُوع وإثباتِ سلامَةِ الاجْتِهَادِ فِيها، كما قَرَّرْنا آنفًا.\nيقولُ العلَّامة الخُضَريُّ: \"هذا الاتِّجَاهُ يُراعى فيه تطبيقُ الفُرُوع المذهبيَّةِ على القَواعِد، حتَّى إنَّهم كانُوا يقرِّرون قواعِدَهم على مُقْتَضَى ما نُقِلَ من الفُرُوع عَنْ أئمَّتهم، وإذا كانَتِ القاعدةُ يترتَّب عليها مخالفةُ فَرْعٍ فقهيٍّ، شَكَّلُوها بالشَّكْل الَّذي يتَّفِق مَعه، فكأنَّهم إنَّما دوَّنوا الأُصُول الَّتي ظَنَّوا أن أئمَّةَ المَذْهَب اتَّبَعُوها في تَفْريع المَسَائل وإبْداء الحُكْم فِيها، وَقَدْ يُؤَدِّي بِهِمْ ذلكَ فِي بَعْضِ الأحْيَان إلى تَقْرِيرِ قَوَاعِدَ غَريبةِ الشَّكْل؛ لذلك نرى طريقَتَهُمْ مملوءَةً بالفُرُوع الكثيرة؛ لأنَّها في الحقيقة هي الأصولُ لتلك القَوَاعِد\" (^١).\nوالمتتبع لتاريخِ ظُهورِ هذا الاتِّجاه المذهبيِّ المتأثِّرِ بالفُروع يُدْرِك بوضوحٍ السَّبَبَ الَّذِي دَفَع أصحابَهُ إلى ذلك الاستنباطِ.\nلقد كانَتْ للأئمَّةِ المُجْتهِدِينَ قَبْل الشَّافعي ﵀ مناهجُ يلاحظونها في الاسْتِنْباط، لكنَّهم لم يوَضِّحُوا هذه المَنَاهِجَ، ولم يُدَوِّنُوها.\nفمثلًا: لم تكنْ للحنفيَّةِ أصولٌ فقهيَّةٌ مفصَّلةٌ ومدوَّنةٌ، كذلك كان الإمامُ مالكٌ ﵁ حيْثُ لم يُرْوَ عَنْه تفصيلٌ لمناهجه. وحتَّى الإمامُ أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ ﵁ لم يُرْوَ عَنْه تفاصيلُ مناهِجِه، كما أنَّه ﵁ لم يُحَاوِلْ تدوينَها.\nوبعد أنْ شَرَع الإمامُ الشَّافعيُّ ﵁ في دراسةِ المَنَاهج الأصوليَّة وتدوِينها، وصارَ ذكْرُه مَعْرُوفًا في البِلادِ الإسْلاميَّة شرْقًا وغَرْبًا، أدْرَكَ كثيرٌ من العُلَماء أهميَّة مَعْرِفةِ أصُولِ إمامِهِمْ للدّفاع عن فُرُوعهم، كما أدْرَكُوا مَدى حاجَتِهِمْ إلى هذه الأُصُول؛ ليمكنَهُمْ أنْ يُخرِّجوا على المَذْهَب أحكامَ الفُرُوعِ الَّتِي لم يُعْرَفْ لأئمَّة المَذْهَب أحكامٌ فيها، حتَّى لا يَخْرُجوا عن مقَايِيسِ المَذْهَب. ولهذا المذهبِ خصائصُ ومميِّزاتٌ تميِّزه يُمْكِن أنْ نلخِّصها فيما يلي:\n١ - لَيْسَتْ بحوثُه مجرَّدة، بل هي دراساتٌ مطبقةٌ في فروعٍ، وبحوثٌ كلِّيَّةٌ وقضايا عامَّةٌ، تُطَبَّقُ على فروع.\n_________\n(^١) ينظر: أصول الفقه ص ٧.","vol":"1","page":115},{"text":"٢ - يُعْتَبَر هذا الاتِّجاهُ تفكيرًا فِقْهِيًّا، وقواعد مستقلَّةً يمكن الموازَنَةُ بينها وبَيْنَ غَيْرها مِنَ القَوَاعِد.\n٣ - تُعْتَبَر دراسة فقهيَّةً كلِّيَّةً مقارنة، والموازَنَةُ فيها لا تكونُ بين الفُرُوع، بل بين أصولها.\n٤ - تعتبر دراسةُ هذا الاتِّجاهِ ضَبْطًا لجزئيَّات المَذْهَب، وبهذا الضَّبْط يمكن مَعْرِفَةُ طُرُقِ التَّخْريجِ فيه، وتفريعِ فُرُوعِه، واسْتِخْراجِ أحْكَامٍ لمسائلَ قَدْ تَعْرِضُ لَمْ تقَعْ فِي عَصْر الأئمَّة. وجدير بالذِّكْر أن لهذا الاتِّجاهِ أعْوانًا وأنْصارًا مِنَ الأصوليِّين والعلماء من المَذَاهِبِ الفقهيَّة المختلِفَةِ بَعْد الإمام الشافعيِّ ﵁ منهم:\n\n<span data-type='title' id=toc-128>١ - الْحَنَفِيَّةُ:</span>\nيرى بَعْضُ العلماءِ أن الحنفيَّة أوَّلُ من ارتادُوا هذا الاتِّجَاه، وسَلَكُوا هذه الطريقة.\nوفي هذا يقول الشَّيْخ أبو زهرة: \"إنَّ أقْدَمَ كتابٍ على هذا من كُتُبِ الحنفيَّةِ كتابُ \"أُصُول الجصَّاص\" المُتوفَّى سَنَة ٢٧٠ هـ، ثم \"أصول الكَرْخِيِّ\" المُتوفَّى سنة ٣٤٠ هـ\" (^١).\nوهناك محاولات قديمة بدأَتْ في التأليف في عِلْم الأُصُول تَحْتَ هذا الاتِّجاه مثل كتاب \"إثْباتِ القِياسِ\"، و\"خَبَرِ الوَاحِدِ\"، و\"اجْتِهاد الرأْي\" لعيسَى بنِ أبَانَ (٢٢٠ هـ).\nوكتاب \"أصولِ الشَّاشِيِّ\" لأبي يعقوبَ الشاشيِّ (٣٢٥ هـ) وكتاب \"مَأْخَذ الشَّرَائِع في الأُصُول\" لأبي مَنْصُورِ الماتُرِيدِيِّ (٣٣٣ هـ) و\"رسالة الكَرْخِيِّ\" لأبي الحَسَن الكَرْخِيِّ (٣٤٠ هـ)، ذكر فيها الأصول، وعَلَيْها مدار كتب أصحاب أبي حنيفة.\nو\"أصول الجَصَّاصِ\" لأبي بَكْرٍ الجَصَّاصِ (٣٧٠ هـ)، وجعَلَه مُقَدِّمة لكتَّابه \"أحْكَام القُرْآنِ\".\nقال الشيخُ الخُضَرِيُّ: \"أما طريقةُ الحنَفِيَّة فَقَدْ ألف فيها كَثيرُونَ من فَطَاحِلِهمْ قديمًا وحديثًا، فكَتَبَ فيها من المتقدِّمين أبو بَكْرٍ أحمد بنُ عليٍّ المعروفُ بالجَصَّاص\" (^٢).\nوفي غضون القرن الخامسِ الهجريِّ تواترت المؤلَّفات في عِلْم الأُصُول مثل كتاب \"الأَسْرار\"، و\"تقويم الأَدِلَّة\"، و\"الأَمَد الأَقْصَى\" لأبي زَيْد الدبوسيِّ (٤٣٠ هـ) … الخ.\n_________\n(^١) ينظر: أصول الفقه ص ١٧.\n(^٢) ينظر: أصول الفقه ص ٩.","vol":"1","page":116},{"text":"قال العلَّامة ابنُ خَلْدُونَ في \"مقدِّمته\" (^١): \"وأما طريقةُ الحنفيَّة فكَتَبُوا فيها كثيرًا، وكانَ من أحْسَنِ كتابةٍ فيها للمتقدِّمين تأليفُ أبي زَيْد الدبوسيِّ … \".\nوالمُلاحَظ من نصِّ \"المقدِّمة\" أن ابن خلدون لم يذكر اسم كتاب أبِي زَيْدٍ في الأصول، بينما عيَّنه العلَّامة أبو زهرة في كتابه \"أُصُول الفِقْه\" بأنه \"تأسيسُ النَّظَر\"، وقال: \"فيها إشاراتٌ موجَزَةٌ إلى الأُصُول التي اتَّفق فيها أئمَّة المَذْهَب الحنفي مع غيرهم، أو اختلفوا فيها\" (^٢).\nوجاء بعد هؤُلاء الإمامُ فَخْر الإسْلام البَزْدَوِيُّ (٤٨٢ هـ) صاحب \"أُصُول البَزْدَوِيِّ\".\nقال العلَّامة ابنُ خَلْدُونَ (^٣): \"وأحْسَنُ كتابةِ المتأَخِّرين فيها تأليفُ سَيْف الإسْلام البَزْدَوِيِّ من أئمَّتهم، وهو مستَوْعِبٌ\".\nثم الإمامُ محمَّد بن أحْمَدَ السَّرْخَسِيُّ صاحب \"بُلُوغ السُّول في الأُصُول\"، والمشتهر\nعند أهْل العِلْم أن اسم الكتاب هو \"أُصُول السَّرْخَسِيّ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-129>٢ - المَالِكِيَّةُ:</span>\nقُلْنا فيما سبق: إنَّ الإمام مالِكًا لم يُرْوَ عَنه تفصيلٌ لمناهجه في مصَادِرِ الأحْكَام، وطريقة فَهْم القُرْآن والسُّنَّة.\nثم جاء أتْبَاع الإمامِ مَالِكٍ، فَاسْتَخْرَجُوا المَنَاهِجَ الَّيي انْتَهَجها الإمامُ مالكٌ في اجتهاده، لتكُونَ مقاييس لهم.\nولقد سَلَك أنصارُ الإمام مالِكِ في اسْتِنْبَاطهم مناهجَ الإمَام مالِكٍ ﵁ مِثْل ما سَلَك عَلَيْه الحنفيَّة، فدَرَسُوا فُرُوعَه، واسْتَخْرجوا منها ما يَصِحُّ أن يَكُونَ أصُولًا، قام عليها الاستنباطُ في ذلِكَ المَذْهب. وها نَحْنُ نذكُرُ بَعْضَ الأصوليِّين مِنَ المالكتة مُنْذُ القَرْن الثَّالث الهجريِّ، مِثْلُ: أصْبَغ (٢٢٥ هـ) صاحِبِ كتاب \"الأُصُول\"، وأيضًا إسْمَاعيل بن إسحاقَ القاضي (٢٨٢ هـ). ونجد في القَرْن الرابعِ الهجْرِيِّ الإمام أبا الفَرَجِ المالكيَّ (٣٣١ هـ) صاحب كتاب \"اللُّمَع\".\nوالإمام القُشَيْرِيّ (٣٤٤ هـ) صاحب \"القياس\"، وكتاب \"أصول الفقه\"، كذلك كان\n_________\n(^١) ينظر: المقدمة ٥٠٨ - ٥٠٩.\n(^٢) ينظر: أصول الفقه ص ٢٢.\n(^٣) ينظر: المقدمة ص ٥٠٩.","vol":"1","page":117},{"text":"الإمامُ أبو بَكْرِ الأبهريُّ (٣٧٥ هـ) صاحب كتاب \"الأصُولِ\"، وكتاب \"إجماع أهْلِ المَدِينَةِ\".\nوألَّف ابنُ مُجَاهِدٍ الطائيُّ (٤٠٠ هـ) أيضًا في الأصول على المَذْهب المالكى، بَعْد ذلكَ نَجدُ الإمامَ أبا بكرِ الباقِلانيَّ (٤٠٣ هـ) صاحب \"التَّمْهِيد\" في أصُول الدِّين، و\"المُقْنع\" في أصول الفقه. ونجد أيضًا عبْد الوهَّاب البغداديَّ (٤٢٢ هـ) صاحب \"الإفَادَةِ\"، و\"التَّلْخِيص\"، و\"أوَائِل الأَدِلَّة\".\nوفي القَرْنِ السَّابعِ الهِجْريِّ نجد الإمام القرافيَّ المالكيَّ (٦٨٤ هـ) صاحب كتاب \"نفائِس الأصُولِ\"، و\"تنقِيح الفُصُول في عِلْم الأُصُول\" وفيه سَلَك طريقة الحنفيَّة في كيفيَّة اسْتِخْراج القواعِدِ الأصوليَّة من الفروع المذهبيَّة، حيثُ يبيِّن أصولَ المذهبِ المالكي مطبَّقة على فُرُوعِ هذا المَذْهَب.\n\n<span data-type='title' id=toc-130>٣ - الحنابلة:</span>\nقُلْنا فيما سبق: إن الإمام أحْمَدَ بْنَ حنْبَل لم يَكُنْ حَرِيصًا على تَدْوِين آرَائِه وفتَاوِيه، وتَدْوِين مَناهِجِه الأُصوليَّة.\nوجاء بَعْده تلاميذُه وأنْصَارُه، فَقَامُوا بِجَمْع ما قالَه الإمام، واتبعُوا مَسْلَك الحنفيَّة مِن اسْتِخْراج المناهِجِ مِنَ الفُرُوع.\nويُعْتَبَرُ أقْدَمُ كتابٍ في أصُولِ الفِقْهِ في المَذْهَبْ الحنبلي هو كِتَاب أبِي عَبْدِ اللَّهِ الوَرَّاقِ الحنبلي (٤٠٣ هـ)، ذكره المراغيُّ ﵀ في طَبقاتِ الأصُوليين.\nثم جاء بَعْده أبو يَعْلى (٤٥٨ هـ) صاحب كتاب \"العُدَّة في أصول الفِقْهِ\"، و\"مُخْتَصَر العُدَّة\"، و\"الكفاية\" في أصول الفقه … الخ.\nكذلك الإمام أبو الخَطَّاب (٥١٠ هـ) صاحبُ \"التمهيد\"، ثم ابْنُ عَقِيل البغداديُّ (٥١٣ هـ).\nوكان بعد ذلك الإمامُ ابنُ قُدَامَةَ المَقْدِسِيُّ (٦٢٠ هـ) صاحب \"رَوْضَةِ النَّاظِرِ وجنَّةِ المُنَاظِرِ\".\nوآلُ ابْنِ تَيْمِيَّة ألَّفُوا مُسوَّدةً في عِلْم الأُصُول، وفي القرن الثَّامِن الهجريِّ نجد نجْم الدِّين الطوفيَّ الصَّرْصَرِيَّ (٧١٦ هـ) صاحب \"مختصر روْضَة المُوَفَّق في الأُصُول\"، و\"المَصْلَحة\" ثم ابن قَيِّم الجَوْزيَّة (٧٥١ هـ) صاحبَ \"إعْلام المُوَقِّعين\" … وغيرهم.","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type='title' id=toc-131>٤ - الشَّافِعِيَّةُ:</span>\nألْمَحْنَا فِيمَا سَبقَ إلى أن الشَّافعيَّة اتَّبَعُوا في تَقْرِير قَواعِدِهم الأصوليَّةِ الاتِّجاه النظريَّ، كما أنَّهم سَلَكُوا أيْضًا هذا الاتِّجاه المَذْهَبيَّ المتأثِّر بالفُرُوع في بَعْض مؤَلَّفاتهم. ولقد حَمَل هذا اللواءَ الإمامُ العلَّامة جمالُ الدِّين الإسْنويُّ (٧٧٢ هـ) في كتابه القَيِّم \"التَّمْهِيد في تَخْرِيج الفُرُوع على الأُصُول\".\n\n<span data-type='title' id=toc-132>ثَالِثًا: الاتِّجَاهُ الْجَامِعُ بَيْنَ المَذْهَبَينِ:</span>\nوهو الاتِّجاهُ الَّذِي يَجْمَع بَيْنَ المَذْهَبِ النَّظَريِّ، والمَذْهَب المُتأثِّر بالفُرُوع، وعُرِفَ هذا الاتِّجاه بـ \"اتِّجاه المتأخِّرين\"، أو \"مَسْلَك المتأخِّرين\".\nقال العلَّامة ابنُ خَلْدُونَ (^١): \"وجاء ابْنُ السَّاعَاتيِّ من فقهاءِ الحنفيَّة، فجمع بَيْن كتابِ \"الإحْكَام\" وكتاب البَزْدَوِيِّ في الطريقَتَيْنِ وسَمَّى كتابَهُ بـ \"البَدَائِعِ\"، فجاءَ مِنْ أحْسَنِ الأوضاع وأبْدَعِها، وأئمَّةُ العلماء لهذا العَهْد يتداولُونَه فراءةً وبَحْثًا، وأُولِعَ كثير من عُلَماءِ العَجَمِ بشَرْحِه\".\nيقول ابن السَّاعَاتيِّ في مقدِّمة كتابه: \"لَخَّصْتهُ مِنْ كِتَابِ \"الإحكام\"، ورَصَّعْتُهُ بِالْجَوَاهِرِ النَّقِيَّةِ مِنْ \"أُصُول فَخْر الإِسْلامِ\"، فَإِنَّهُمَا البَحْرَانِ المُحِيطَانِ بِجَمِيعِ الأُصُول الجامِعَانِ لِقَوَّاعِدِ المَعْقُولِ وَالمَنْقُولِ، هذا حَاوٍ لِلْقَواعِدِ الْكُلِّيَّةِ الأُصُوليَّةِ، وذاكَ مَشْمُولٌ بِالشَّواهِدِ الجُزْئيَّةِ الفَرْعِيَّةِ\".\nومن أنصارِ هذا الاتِّجاه الإمامُ صَدْرُ الشَّرِيعةِ (٧٤٧ هـ) صاحبُ \"التّنقِيحِ\"، وله شَرْحٌ عليه يُسمَّى \"التَّوْضِيحَ\"، حَيْثُ لخَّص فيه \"أصول البَزْدَوِيِّ\" على طريقة الحنفيَّةِ، و\"المَحْصُولَ\" للرَّازيِّ على طريقة الشافعيَّة والمتكلِّمين، و\"المُخْتَصَر\" لابْنِ الحَاجِبِ على طريقة الشَّافِعية والمتكلِّمين أيضًا.\nثم جاء التَّفْتَازَانِيُّ (٧٧١ هـ) فَكَتَبَ على \"التَّنْقِيحِ\" قال في مقدِّمة كتابه: \"وَسَيَحْمَدُ الغَائِصُ فِي بِحَارِ التَّحْقِيقِ، الفَائِضُ عَلَيْهِ أنْوَارُ التَّوْفِيقِ، مَا أَوْدَعْتُ هذا الكِتَابَ الَّذِي لا يَسْتكْشِفُ القِنَاعَ عَنْ حَقَائِقِهِ إلَّا المَاهِرُ مِنْ عُلَمَاءِ الفَرِيقَيْنِ - أيْ: الحَنَفِيَّةِ والشَّافِعِيَّةِ - وَلا يَسْتَأْهِلُ للاطِّلاعِ عَلَى دَقَائِقهِ إلَّا البَارعُ فِي أُصُولِ المَذْهَبَينِ، مَعَ بِضَاعَةٍ فِي صِنَاعَةِ التَّوْجِيهِ\n_________\n(^١) ينظر: المقدمة ٥٠٩.","vol":"1","page":119},{"text":"والتَّعْدِيلِ، وإحَاطَةِ بِقَوَانِينِ الاكْتِسَابِ وَالتَّحْصِيل، واللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَليُّ الإعَانَةِ والتَّأْيِيد، وَالمَلِيُّ بإِفَاضَةِ الإصابةِ والتَّسْدِيدِ، وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الوَكِيلُ\" (^١).\nوكتب ابن السبكيِّ (٧٧١ هـ) مصنَّفًا في عِلْم الأُصُول أسماهُ: \"جَمْعَ الجَوَامِعِ\" وقال: إنَّه أخَذَه من زُهَاءِ مِائةٍ مصنَّف.\nوسيأتي الكلامُ عَلَيْه بِشيْءٍ من البَسْط في الحديث على آثار المصنِّف ﵀.\nثم جاءَ الكَمَال بن الهُمَام (٨٦١ هـ) صاحبُ \"التَّحْرِير\"، قال في طليعة كتابه: \"فإنِّي لَما أَنْ صَرَفْتُ طَائِفَةً مِنَ العُمُرِ لِلنَّظَرِ فِي طَرِيقَي الحَنَفِيَّةِ والشافِعِيَّة في الأُصُولِ خَطَر لي أَنْ أكتُبَ كِتابًا مُفْصِحًا عَنِ الاصْطِلاحَيْنِ بِحَيْثُ يَطِيرُ مَنْ أَتْقَنَهُ إلَيْهِمَا بِجَنَاحَيْنِ؛ إذْ كَانَ مَنْ عَلِمْتُهُ أَفاضَ فِي هذَا المَقْصِدِ لَمْ يُوَضحْهُمَا حَقَّ الإيضَاحِ، وَلَمْ يُنَادِ مُرْتَادَهُمَا بَيَانَهُ إلَيْهِمَا بـ \"حَيَّ عَلَى الفَلاح\"، فَشَرَعْتُ فِي هذا الغَرَضِ ضَامًّا إلَيْهِ مَا يَنْقَدِحُ لِي مِنْ بَحْثٍ وَتَحْرِيرٍ، فَظَهَرَ لِي بَعْدَ قَلِيلٍ أنَّهُ سِفْرٌ كَبِيرٌ، وعَرَفْتُ مِنْ أَهْلِ العَصْرِ انْصِرَافَ هِمَمِهِمْ فِي غَيْرِ الفِقْهِ إِلَى المُخْتَصَرَاتِ، وَإِعْرَاضَهُمْ عَنِ الكُتُبِ المُطَوَّلاتِ، فَعَدَلْتُ إلَى مُخْتَصَرٍ … \".\nثمَّ جاء بعد ذلك العلَّامة محبُّ الدِّين عَبْدُ الشَّكُورِ الهِنْدِيُّ (١١١٩ هـ) صاحبُ \"مُسَلَّم الثُّبوت\"، وهو في نَظَرِنا من أدقِّ ما كَتَب المتأخِّرون، حَيْثُ نصَّ في مقدِّمته أنَّه حَاوٍ طريقَتَي الحَنَفيَّة والشَّافِعِيَّة. ولله الحمدُ والمِنَّةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-133>رَابِعًا: حَوْلَ قَضِيَّةِ التَّجْدِيدِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ:</span>\nمِنَ المَبَاحِثِ المهمَّةِ الَّتي تَطْرَح نَفْسَها بِشَكْلٍ حثيثٍ وفَعَّالٍ على ساحة أصولِ الفِقْه - قضية تجديد هذا الفنِّ الراسخ من فنون الشَّريعة الإسْلامية. ولقد خاضَ العلماءُ في هذه القضيَّة كثيرًا، وتَبايَنَتِ اتِّجاهاتهم ورُؤَاهم، وراح كلُّ فريقٍ يدْلِي بدَلْوِه، ويعبِّر عن رأْيِه وفكْرَتِه حَوْلَ قضيَّة تجديد أصول الفِقْهِ.\nونَحْنُ في هذا المَبْحَث سَنَتعرَّض لهذه القَضِيَّة، ونُمِيطُ اللِّثَام عَن كثيرٍ من الاتِّجاهاتِ سواءٌ أكانَتْ على صوابٍ أم خطإٍ، أو سلكَتْ طريق الهُدَى أو الضَّلالِ، ولعل ذلك يكونُ بذْرةً ونواة لأبحاثٍ ودراساتٍ أعْمَقَ وأشْمَلَ؛ لكي نصلَ جميعًا إلَى ما يخدم تراثَنَا\n_________\n(^١) ينظر: التلويح على التوضيح ١/ ٣.","vol":"1","page":120},{"text":"الإسلاميَّ بصفةٍ عامَّة، وأصولِ الفِقْهِ بصفةٍ خاصَّةٍ.\nإن المتَتبِّع لهذه القضيَّة قديمًا وحديثًا يُدْرِك - بلا عَنَاء - أن لهذه القضية أصولًا تَضْرِب بجذورها إلى أوائل هذا القرن الحالي، وكان حَامِلُ لواء هذه الدَّعْوَةِ مدرسة القَضاء الشرعيِّ ودارِ العُلُوم.\nكما أن متتبِّع هذه القضية يُدْرِك أنَّها اتَّخذت صورًا متعدِّدة، فالبَعْض دعا إلى التَّجْدِيد من ناحيةِ الشَّكْل، والبعضُ دعا إلى تجديد المضمون وذلك بإضافةِ أشياء جديدةٍ بتغيير الهَيْكَل … إلى آخر هذه القضايا والأبحاث الَّتي تَدْعو إلى تَعْميق البَحْث، وتَوْسِيع المَجَالِ والاسْتِخدام.\nلَقَدْ ظَهَرت الدَّعْوَةُ إلى تَجْديد العُلُوم بصفة عامَّةٍ منذ زَمَن بعيدٍ على يَدِ رِفَاعة الطَّهطاويِّ الذي دعا إلى التجْدِيد والاجتهاد، ونبذ التَّقْلِيد والاتِّباع، وكان ذلك واضِحًا بصُورةٍ ملحوظةٍ في مقالاته وكتبه، وبخاصَّةً كتابُه: \"القولُ السَّدِيد في التَّجْدِيدِ والتَّقْلِيد\" وقدِ ارتبطتْ لفظة \"التَّجْدِيد\" بكثيرٍ من الملابسات والشُّكوك، لا سيما وقد ارتبطَتْ هذه الدَّعوة بمحاولات بعْضِ المستغربين العَرَب طَمْسِ هُوِيَّتنا الإسلاميَّة، وتغْيِير معالِمِ حضارَتِنا العربية. ولا نعدو الحقيقة، إذا قُلْنا: إنَّ هذا اللَّوْن من التَّجديد مرفوضٌ أو كما يقول د. يوسف القرضاويّ: \"إنه تبْدِيدٌ لا تَجْدِيد\" (^١).\nوسنَعْرِض الآن لِبَعْضِ الاتِّجاهاتِ والرُّؤَى الَّتي أبْرَرتْ دعاواها في قضيَّة \"تجديد الأصول\" وذلك بشَىْء مِنَ الإيجاز.\nأولًا: اتِّجاهٌ يَدْعُو إلى التَّجْديد من ناحِيَةِ الشَّكْل أيْ تجديد الأسْلُوب بطريقةٍ فيها شَيْءٌ من البساطة مع تَجْدِيد طريقةِ العَرْض، ليلْقَى أُصُولُ الفِقه قَبُولًا حَسَنًا لَدَى مُتَلَقِّيه.\nوعلى رأْسِ هذا الاتِّجاه الشَّيخُ محمَّد الخضريُّ حيثُ ألْمَح في آخر كتابِهِ \"تاريخ التَّشْرِيعِ الإسْلاميِّ\" إلى أن التَّدريسَ بطريق المتون والحواشي لا يُجْدِي شيئًا، ويجعل الفَرْق بين التلْمِيذ والمُدرِّس هو كثرة الفُرُوع أو قِلَّتَها\" يقول: \"أما عِنْدَنا فإنَّ المبتدئَ والمنتهى (^٢) لا فرق بينهما إلا كثرةُ المسائِلِ وقلَّتُها\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: كتاب بينات الحل الإسلامي د. يوسف القرضاوي.\n(^٢) أي: في المسائل الفقهية.\n(^٣) ينظر: تاريخ التشريع الإسلامي ص ٢٥٤.","vol":"1","page":121},{"text":"ولقد تكلَّم الدكتور محمَّد عبد اللَّطيف فرفور حَوْل هذا الاتِّجاه بِقَوْله: \"إنَّ التَّجْدِيدَ في الكِتابَةِ المُعاصِرَةِ في هذا الفَنِّ، ألا وهُو أُصُول الفِقْه، ينبغي أن يكونَ في التَّحْقِيق العلميِّ للمَسَائِلِ وعرْضِ القضايا الأصوليَّة عَرْضًا موضوعيًّا مُبَسَّطًا قريبَ المأْخَذ … \" (^١).\nثانيًا: اتِّجاهٌ خاضَ في مسألةِ التَّجْدِيد من زاوية حجيَّة السُّنَّة، والتَّشْكِيك فيها، وعلى رَأْسِه الشَّيخُ عبد الجليل عيسى وبخاصَّة في كتابه \"اجْتِهاد الرَّسُول\"، ود. عبد المنعم النّمر في كتابه \"السُّنَّة والتَّشْرِيع\".\nثالثًا: اتِّجاه خَاضَ في هذه المسأَلة عن طريق التَّشْكِيك في ثبوت السُّنَّة نَفْسِها، وممَّن خاض في هذه المسأَلة محمود أبو ريَّة في كتابه \"أَضْواء على السُّنَّة المُحَمَّدية\".\nرابعًا: اتِّجاة دعا إلى التَّجْدِيد، ولكنْ من زاويةٍ أُخْرى، هي تجديد هَيْكَلِ أصُولِ الفِقْه، أو صياغَةِ هَيْكَلِه من جديد.\nوممَّن حَمَل لِواءَ هذا اللَّوْن من التجديد د. حسن التُّرابي، وجمال الدين عطيَّة وغيرهما.\nوفلسفةُ هذا الاتِّجاه تتلخَّص في أن \"عِلْمَ الأصولِ التقليديَّ\" الذي نلتمس فيه الهداية لَمْ يَعُدْ مناسبًا للوفاء بحاجَتِنا المُعَاصِرة حقَّ الوفاء؛ لأنَّه مطبوعٌ بأثَر الظُّروفِ التَّاريخيَّةِ الَّتِي نَشَأَ فيها، بل بطبيعة القضايا الفِقْهِيَّة الَّتِي كان يتوجَّه إليها البَحْثُ الفقهيُّ … \" (^٢).\nويَنْطَلِقُ هذا الاتِّجاه أيْضًا محاولًا إيجاد تقْسِيماتٍ جديدةٍ وتفريعات لم تُطْرَقْ من ذي قَبْلُ؛ ليتيح ذلك للفقيه التوسُّع التَّفْريع في القضيَّةِ أو المَسْأَلَةِ الَّيي يَبْحَثُها ممَّا يَخْدُم أخيرًا صَرْحَ الفِقْهِ الإسْلاميِّ. كذلك، فإنَّ هذا الاتِّجاه يُحاوِلُ الرَّبْطَ الوثيقَ بَيْن علم أصولِ الفِقْه والعلوم الأخْرى؛ حيث يَدْعُو إلى الاسْتِفَادَةِ مِنْ مناهج العُلُوم الاجتماعيَّة والإنسانيَّةِ والدراساتِ اللُّغَوية الجديدة كعِلْم الدَّلالة (السِّمَانْتِيك) - أي: استخدام كُلِّ هذه المَنَاهِج كأدواتٍ لِتَوْسِيعِ دَائِرَةِ أصُول الفِقْه.\nخامسًا: وهناك اتجاة آخَرُ خاضَ في مسْأَلة التَّجْدِيد، ولكِنْ بمفْهُومٍ مغايرِ ومختلفٍ، ويُمْكِنُ أن نُطْلِق عَلَيْه اسْمَ اتِّجاه التَّبْدِيل والتَّغْيِير، أو اتِّجاهِ التَّبْدِيدِ لا التَّجْدِيد؛ لأنَّ ذلك\n_________\n(^١) الوجيز د. محمد عبد اللطيف ص ٨.\n(^٢) ينظر: تجديد أصول الفقه الإسلامي د. حسن الترابي ص ١٣.","vol":"1","page":122},{"text":"الاتِّجاه يَدْعُو إلى التحرُّر من النُّصُوصِ والانْسِلاخِ مِنَ المَدْلُولاتِ الَّتي تَعَارَفَ عَلَيْهَا النَّاسُ على أساسِ اللُّغة، وذلك في سَبِيل الوُصُول لإخْراج النُّصُوص الإسَلاميَّه عَنْ كلِّ مَعْنىً مألوفٍ، ورَذَ كلِّ مَعْنىً لغويٍّ شائعٍ لا يعرفه أصولُ الفِقْه، ويُمثِّل هذا الاتِّجاه سعيدٌ العشماويُّ، وحُسَيْن أحمد أمين، وحَسَن حَنَفِيّ.\nوهذا الاتجاه مرفوضٌ - بلا شكّ - لمخالفته ما تعارَفَ عليه المُسْلِمُون في دِينهم، ولتَفْرِيقه بَيْن السُّنَّة والشَّرِيعة، ومحاوَلَة الانْسِلاخ من التُّراث الإسلامي. وبعد هذا العَرْض المُوجَز والسَّريع لِبَعْض الاتِّجاهاتِ البَارزة الَّتي دعَتْ لتجديد أصول الفِقْه، وعَرْضِ أفكار كلِّ اتجاهٍ وفَلْسَفَتِه وبَعْض قادته الَّذين انْدَرَجُوا تَحْتَه - نتعرَّض إلى التَّجْديد الحقيقي الَّذي يَنْشُدُه الإسلام ويَدْعُو إلَيْه، بل يرَى الإسْلام أن مثل هذا التَّجديد البَنَّاء واجبٌ ومطلوبٌ؛ لكي يظل صَرْح التُّراثِ الإسلاميِّ شامخًا أبد الدَّهْر، إنَّ الإسلام في كثير من نصوصِهِ يَحْرِص على التَّجْدِيد بَلْ يَدْعُو إليه، رُوِيَ عن أبي هُرَيْرة عن ﷺ أنَّه قال: \"إن الله يَبْعَثُ لِهذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دينَهَا\" (^١). ويَدْعُو إلى تَجْدِيدِ الإيمانِ، رُوِيَ عن عَبْد الله بْنِ عَمْرٍو أن النبيّ ﷺ قال: \"إنَّ الإيمانَ لَيَخْلَقُ فِي جَوْفِ أحَدِكُمْ، كَمَا يَخْلَقُ الثَّوْبُ الخَلِق، فَاسْألوا الله أَنْ يُجَدِّدَ الإِيمانَ في قُلُوبِكُمْ\" (^٢) فما دام الشارعُ الحَكِيمُ قد حَضَّ عَلَى تَجْدِيد الإيمَانِ، وتَجْدِيد الدِّين نَفْسِه، فلا حَرَج عَلَيْنا من تَجْدِيد أُصُول الفِقْه. بِمَا يَرْتَفِع وشَأْنَ هذا العِلْم العَرِيق. ومن ناحيةٍ أخرى فإن علومَ الفِقْه، وعِلْمَ الكَلام، وعِلْمَ التَّصوُّف قابلةٌ للتَّجْدِيد، ومحتاجةٌ إلَيْه، فَلِمَ لا يَدْخُل عِلْمُ أصولِ الفِقْه في إطارِ هذِه الدَّائرة، ويكونُ قابلًا للتَّجديد والتَّطْوِير؟.\nويدْعو د. يوسفُ القرضاويُّ إلى التَجْديد في عِلْم أُصُول الفِقْه، ويَلْفِتُ نَظَرنا إلَى أن أهمَّ جوانبِ التَّجْديدِ المَنْشُودِ في الفِقْه هو إحياءُ \"الاجْتِهَادِ\" (^٣) بَعْدما شَاعَ في وَقْتٍ ما أن باب الاجتهاد أُغلِق، وهذا الاجتهادُ الذي يَدْعُو إليه د. يوسُفُ القَرَضَاوِيُّ هو اجْتِهادٌ قويٌّ\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٢/ ٥١٢) كتاب الملاحم: باب ما يذكر في قرن المائة حديث (٤٢٩١) والحاكم (٤/ ٥٢٢) من حديث أبي هريرة. قال المناوي في \"فيض القدير\" (٢/ ٢٨٢) قال الزين العراقي: وسنده صحيح.\n(^٢) أخرجه الحاكم (١/ ٤) من حديث عبد الله بن عمرو وقال: هذا حديث لم يخرج في الصحيحين ورواته ثقات وذكره الهيثمي في المجمع (١/ ٥٧) وقال: رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن.\n(^٣) ينظر: الفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد د. يوسف القرضاوي.","vol":"1","page":123},{"text":"يعتمد على أصُول الإسْلام، ولا يُغْفِلُ حاجاتِ العَصْر، ومتطلّبات الحياةِ المتجدِّدة مِنْ حَوْلِنا.\nيقول د. يوسُف القرضاويُّ: \" … يتَّضِح أن للاجتهادِ في أصول الفِقْه مجالًا رَحْبًا، هو مجالُ التَّمْحِيص والتَّحْرير والتَّرْجِيح فِيما تَنَازَعَ فيه الأصوليُّون مِنْ قضايا جمَّةٍ … \" (^١).\nخُلاصَةُ القَوْل في هذِه القضيَّة أن الطريقَ الَّذي نَرْتَضِيه لتجْديد أصُولِ الفِقْه يَكْمُن في نَقْل كُتُب الأقْدَمِين وصيَاغَتها بأُسْلُوبٍ مبسَّط يُسهِّلها على المتعلِّمين، واستخدامِ أسلوبِ التَّحْقِيق الدَّقِيق والتَّنقِيح لِتَحْرِيرِ مذاهِبِ العُلَمَاء فِي المَسَائِل الأصوليَّة، وبيانِ الرَّاجِح والمَرْجُوح فيها، مثلما فعل د. أنيس عُبَادة، ود. محمد أبو النُّور زُهَيْر، وعبْدُ الوهابِ فايد، وأحْمَدُ سلامة، وأحمدُ دَرْوِيش، وعبدُ الوهَّاب خلاف، وزكيُّ الدين شعبان، والدكتور الخضراويّ، والدكتور الحسينيُّ يوسف الشيخ، وغيرهم في كتبهم.\nكذلك نرى أن مِنْ جوانِبِ التَّجْدِيد إحياء باب الاجتهاد بضوابطه الشرعيَّة (^٢).\nومحاولة الاستفادةِ من العُلُوم الإنسانيَّة الأخرى كعِلْم الاجتماع، وعِلْم اللُّغة.\n_________\n(^١) ينظر: فتاوى معاصرة الجزء الثاني ص ١٤٦.\n(^٢) اعلم أن الاجتهاد يدور على معرفة الأدلة السمعية ووجوه دلالتها، وطرق الترجيح عند تعارضها؛ ومعرفة الأدلة السمعية تتحقَّق بمعرفة الكتاب والسُّنة والأحكام المشتركة بينهما كالعلم بالناسخ والمنسوخ، والأحكام الخاصة بالكتاب؛ كالعلم بوجوه القراءات، والأحكام الخاصة بالسنة كالعلم بأصول الحديث، وأحوال الرواة، ومعرفة وجوه الدلالات، فتتحقق بالفرق بين المنطوق والمفهوم، والمجمل والمبين والنص والظاهر، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والحقيقة والمجاز، والمحكم والمتشابه، والصريح والكناية، وعلم البيان، فمن شروط الاجتهاد العلم باللغة والنحو والمعاني والبيان … إلخ .. كما هو مدوّن في كتب الأصول.","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type='title' id=toc-134>أصُول الفِقْهِ وَالعُلُومِ الأخْرَى</span>\nالنسبة بين الأصول والعُلُوم الأُخْرى التباين، أما النِّسبة بين الأصول والفقه، فمما لا شكَّ فيه أن النِّسْبَة بينهما وثيقةٌ جدًّا، والصِّلَة بينهما تكادُ تكون متطابقةً، أو كما قيل: عِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ بمجرَّده كالمَيْلَق الذي يُخْتَبَر به جَيِّد الذَّهَب من رَدِيئهِ، والفِقْهُ كالذَّهَب.\nوعلى هذا؛ فالفقيهُ الَّذي لا أُصُولَ عِنْده كَمَنْ يَكْسِب المال، ولا يَدْرِي مِنْ أين اكْتَسَبه؟ ولا يَدْرِي كَيْف يَدَّخِره، أو يُنْفِقُه؟.\nكما أنَّ الأصوليَّ الَّذي لا حَظَّ له من الفِقْه، كَمَنْ يَمْتَلِك مَيْلَقًا ولا ذَهَبَ عِنْدَه، فهو لا يَجِدُ ما يَخْتَبِرُه على مَيْلَقِه.\nخلاصةُ القَوْل: إنَّ الأصولَ والفِقْه صَدِيقَانِ مُقْتَرِنان دائمًا لا يُفَارِق أحدُهُما صاحِبَه طَرْفَةَ عَيْنٍ بَلْ إن اقترانهما أمْرٌ ضروريٌّ لاستنباط الأحْكَام والقَوَاعِد على وَجْهها الصَّحيح.\nفإذن العلاقة بَيْن الأصولِ والفروعِ واضحةٌ جليَّةٌ لا تخفى على ذِي نَظَير ثاقبٍ متمرسٍ على أحكام الشَّريعةِ الإسلاميةِ، فما مِنْ قَاعِدَةٍ من قواعدِ الشَّرِيعةِ الإسْلاميَّة إلَّا وينْدَرجُ تَحْتَها أحكامٌ وفُروعٌ كثيرةٌ.\nومن خلال هذا الإطَارِ سَلَكَ الشَّافعيُّ طريقَهُ في تأْليف \"الرِّسَالة\"، وغيرها من كتبه من عِلْم الأُصُول - لوضع المناهج التي سلكها لاستنباط الفُروع من خلال القَوَاعد.\nقال الشَّافعيُّ: \"ولَيْسَ لأَحَدٍ أنْ يَخْرُج مِنْ معنى كتَابِ اللهِ ﷿ ثم سُنَّة رَسُولِ الله ﷺ، ولا مِنْ وَاحدِ مِنْهُما في أصْلٍ ولا فَرْعٍ، وإنَّما فرَّقْنا بين العَالِمِينَ والجَاهِلِينَ","vol":"1","page":125},{"text":"بأنَّ العالِمِينَ عَلِمُوا الأصول، فكان عَلَيْهم أنْ يُتْبِعُوها الفُرُوع، فإذا زيَّلُوا بَيْن الفُرُوع والأُصُول، فأَخْرَجُوا الفُرُوع مِنْ معاني الأصُول، كانوا كمن قال بلا عِلْمٍ، أو أقل عذرًا مِنْه؛ لأنَّهم تركوا ما يلزمهُم بعد عِلْمٍ به، والله يَغْفِرُ لنَا وَلَكُمْ معًا\" (^١)، ولعلَّ المتتبع للدِّراساتِ والمناهجِ الأُصُوليَّة وتاريخها مُنْذُ ظهورِهَا حتَّى المراحِلِ الَّتِي مرَّتْ بها - يُدْرِك بلا مِرْيَةٍ أن أصُولَ الفِقْه أصبح فَنًّا مستقلًّا قائمًا بذاته، له مبادئه وقواعِدُه الخاصَّةُ به.\nفإن كان الشافعيُّ ﵀ قد وضَع اللَّبنة الأولَى لهذا العِلْم، فإنَّ مَنْ جاءُوا بعْده أكْمَلُوا هذا الصَّرْح الشَّامِخَ بما أضَافُوه إليه وحتَّى أصْبَح على أيْدِيهِم فنًّا مسْتَقِلًّا ذَا عُنْوانٍ خاصٍّ وملامِحَ خاصَّةٍ، ويتَّضِح هذا جَلِيًّا عِنْد الكلامِ على طرق التَّأَلِيف في هذا الفنِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-135>اسْتِمْدَادُهُ:</span>\nقال الآمِديُّ: \"أمَّا ما مِنْه استمدادُهُ فعِلْمُ الكَلامِ، والعَرَبِية، والأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّة.\n\n<span data-type='title' id=toc-136>أولًا: عِلْم الكَلام:</span>\nوهوَ علْمٌ يُقْتَدَر معَه على إثباتِ العقائِدِ الدِّينيَّة؛ بإيراد الحُجَجِ عَلَيْها، ودَفْع الشُّبَه عنها.\nوالمرادُ بالعِلْم؛ إما التَّصدِيقُ مطلقًا، سواءٌ كان مطابِقًا للواقِع أمْ لا، ليتناول إدراكَ المُخْطئ في العَقَائِد ودَلائِلِها، لأنَّه مِنْ عِلْم الكلام على ما صرَّح به عَضُدُ الدِّينِ الإيجي في \"المَوَاقِف\" وإمَّا مَلَكَةُ الاسْتِحْضَار، أي: التَّهَيُّؤُ التَّامُّ الناشئُ عن استحضار المَسَائل المُدَلَّلة، ونبَّه بصيغة \"الاقْتِدَار\" على القدرة التامَّة، وبـ \"المعيَّة\" على المصاحَبَة الدَّائمة، فَيَنْطَبِق التَّعْريف على العِلْم بجميع القَوَاعِد معَ ما يتوقَّف علَيْه إثباتُها من الأدلَّة وردِّ الشُّبَه؛ لأن هذه القُدْرَة على هذا الإثْبات إنَّما تصاحِب دائمًا، هذا انعِلْم دون عِلْم المَنْطِقِ وعِلْمِ الجَدَلِ والنَّحْوِ، واتِّصَالُ عِلْمِ الأصولِ به اتصال اسْتِمْدَادٍ؛ لأن غير الكتاب من الأدلَّة الشرعيَّة مستنِدٌ إليه في الحُجِّيَّة، وحُجِّيَّتُهُ مَوْقُوفةٌ على معرفة الباري، ليَعْلَمَ وجوه امْتِثَالِ ما كُلِّف به بِخِطَابِ مفترض الطَّاعَة، وهي معرفةُ حدوثِ العالَمِ عِنْدنا؛ لأنَّ حُجِّيَّة الكتاب موقوفةٌ على صدْق الرَّسُول المبلِّغ، وهو على دلالةِ المعجزةِ المَقْصُودِ بها إظهارُ صِدْقِ من ادَّعى أنَّه رسولٌ والموقوفة على شيئيْنِ.\n_________\n(^١) ينظر: الأم ٦/ ١٨٨.","vol":"1","page":126},{"text":"أحدهما: امتناع تأثيرِ غَيْر قُدْرةِ الله - تعالى - لتتعذَّر المعارَضَة، وهو موقوفٌ على بَيَانِ أن جميعَ الأَفْعَال مَخْلوقةٌ للهِ ﷿.\n\n<span data-type='title' id=toc-137>ثانيهما: اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ:</span>\nوالعلومُ العربيَّةُ مشتملةٌ على النَّحْوِ والصَّرْفِ والأَدَبِ، فالنَّحْوُ: عِلمٌ بأُصُولٍ تُعْرَفُ بها أحوالُ الكلماتِ العربيَّة إعرابًا وبناءً، وفائدتُهُ: صوْنُ اللِّسَانِ عن الخطإ في الكَلام والاِسْتِعانةُ به على فهْم كلامِ الله وِرَسُولِهِ.\nوالصَّرْفُ: هو العِلْمُ بِأحْكَامِ بنْيَةِ الكلمةِ بِمَا لِحُرُوفها من أصالةٍ وزيادةٍ وصحَّةٍ وإعْلالٍ وغَيْرِ ذلك، ويُطْلَق أيضًا على تَحوِيل الكلمةِ إلى أبْنِيَةٍ مختلِفَةِ الضروب من المَعَاني، كالتَّصْغير، والتَّكثِير، واسْمِ الفَاعِل، واسْمِ المَفْعُول، ويُطْلَق أيضًا على تغْيِيرِ الكَلِمَةِ لِغَيْرِ معنىً طَرَأَ عَلَيْها، ولكنْ لغَرَضٍ آخرَ، ويَنْحَصِرُ في الزِّيادة، والحَذْف، والإبْدال، والنَّقْل، والإدْغام. وعِلْمُ الأَدَب: هو عِلْمُ نَظْمِ الكَلام، ومَعْرِفة مراتبه على مقتضى الحَالِ، واتِّصَالُ عِلْمِ الأصول بِعِلْمِ العربية اتِّصالُ استمدادٍ، ففهم الكتاب والسُّنَّة وهما عربيَّان متوقَفان على مَعْرِفة اللُّغة العَربيَّة، فمعرفةُ الدَّلالات اللَّفظيَّة من الكتابِ والسُّنَّةِ متوقَفَةٌ على مَعْرِفة مَوْضُوعها لغةً؛ من جهة الحقيقة، والمجاز، والعُمُوم والخُصُوص، والإضْمَار والحَذْف، والاِشْتِرَاك، والإِطْلاق، والتفْسِير، والمَنْطُوق، والمَفْهُوم، وغير ذلك من المَبَاحِث الأُصُوليَّة الَّتِي لا يَسْتَطِيع أَنْ يقِفَ على حقيقتها إلَّا مَنْ تَمَرَّسَ في عِلْم اللُّغَة نَحْوًا وَصَرْفًا.\nقال الزركشيُّ في \"البَحْر المحيط\" (^١) بعد حكاية العُلُوم الثَّلاثَة: عِلْمُ النَّحْو والصَّرْف والأَدَب -: وإنَّمَا يكونُ هذا مادَّةً لِبَعْضِ أنواعٍ الأُصُول، وهو الخطابُ دُونَ مَسَائِل الأَخْبَار، والإجْماع، والنَّسْخ، والقِياسِ، وهِيَ معْظم الأُصُول، ثم إن المادَّة فيه ليْسَتْ على نظير المادَّة من الكَلام، فإنَّ العِلْم بها مادَّةٌ لِفَهْم الأدلَّة، فعُلماءُ الأُصُول أخَذُوا القاعدة اللُّغويَّة من علماء اللُّغة، وبَرْهَنُوا على صحَّتها، وعَدُّوها مِنْ جُمْلَة مباحث عِلْم الأُصُول، وأضافُوا عَلَيْها مباحثَ أوْسَع دائرةً من المباحث اللُّغويةِ التي عِنْد أهْل اللُّغَة، فمِنْ أمْثلَةِ ذلك الصِّيَغُ والدَّلالات، فمثلًا \"كُل\"، و\"مَنْ\" و\"أيٌّ\" والجَمْع، إذا كان مُضافًا أو مُحَلًّى بـ \"ألْ\" والجَمْعُ إذا لَمْ يَكُنْ مضافًا، ولم يَدْخُل عَلَيْه \"ألْ\" والنكرةُ في سياق النَّفْي، والشَّرْطِ والإثْبَاتِ - كلُّ\n_________\n(^١) ينظر: ١/ ٢٩.","vol":"1","page":127},{"text":"ذلك يُفِيد العُمُومَ، وهو مستفادٌ من مباحث اللُّغَة، ودلالةُ صيغة \"افْعَلْ\" تفيد الوُجُوب، \"ولا تَفْعَلْ\" على النهي، وغير ذلك من المباحث الَّتي تَعَرَّض لها الأصوليُّون، ولها أساس في عِلْم اللُّغَة.\nثالثًا: الأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ: أي: تصوُّرُها، لأنَّ إثْباتها ونَفْيها للأحكام المقْصُودين فيها نحو: الأمرُ موجِبٌ، والنهْيُ لَيْسَ بِمُوجِبٍ، وللأفعال في الفروع نحو: الْوِترُ (^١) واجبٌ، والنَّفْلُ ليس بواجِبٍ، وكذا إثْبات شيءٍ لها، أو نَفْيُه عنها نحو: وجوب الشيء يقتضي حُرْمَة ضِدِّه، أوْ لا يَقْتَضِها لا يمكن بدون تصوُّرها.\n\n<span data-type='title' id=toc-138>شُبْهةٌ وَرَدٌّ:</span>\nفإنْ قيل: هلْ أُصُول الفِقْه إلَّا نُبَذٌ جُمِعَتْ مِن عُلُومٍ متفرَّقة؛ نبذة من النحو، كالكَلامِ على معاني الحُرُوف الَّتِي يَحْتَاج الفَقِيهُ إلَيْها، والكلامِ في الاستثناء، وعَوْدِ الضَّمير للبَعْض، وعَطْفِ الخَاصِّ على العامِّ ونحوه.\nونبذة من علم الكلام، كالكَلامِ على الحُسْن والقُبْح، وقدم الحُكْم، وإثبات النَّسْخ، وعلى الأفْعَالِ ونَحْوه، ونبذة من اللُّغة، كالكَلام في مَوْضُوع الأَمْرِ والنهْي، وصيغ العُمُوم، والمُجْمَل والمُبيَّن، والمُطْلَق والمُقَيَّد، ونبذة من عِلْمِ الحَدِيث؛ كالكلام في الأخبار، فالعارفُ بهذه العُلُوم لا يَحْتاج إلى أصُول الفِقْه في شَيءٍ منْ ذلك، وغَيْرُ العَارِف بها لا يُغْنِيه أصول الفِقْه في الإِحاطَةِ بها، فلم يَبْقَ من أصول الفِقْه إلا الكَلامُ في الإجْمَاع، والقِيَاسِ، والتعارُضِ، والاجْتِهَادِ، وبَعْضُ الكلام في الإجْماع مِنْ أصولِ الدِّين، وبعْضُ الكلام في القياس والتعارُضِ مما يَسْتَقِل به الفَقِيه، ففائدةُ أُصُول الفقه بالذات حينئذٍ قليلةٌ.\nفالجواب منْعُ ذلك، فإن الأصوليِّين دقَّقُوا النَّظَر في فهْم أشْيَاءَ منْ كلام العَربِ لَمْ يَصِلْ إليها النُّحاة ولا اللغويُّون، فإنَّ كلام العَرَبِ متَّسِعٌ، والنَّظر فيه متشعِّب، فكُتب اللُّغَة تَضْبط الألفاظَ، ومعانِيها الظَّاهِرَة، دون المعاني الدَّقِيقَةِ الَّتِي تحتاج إلى نَظَرِ الأصوليِّ باستقراء زائدٍ على استقراء اللغوي.\nمثاله: دَلالةُ صِيغَةِ \"افْعَلْ\" على الوجوب، و\"لا تَفْعَلْ\" على التحريم، وقد سبَقَ ذلك واضحًا في مبْحَث الاسْتِمْداد الثَّاني، وهو عِلْمُ العربية، ولو فتَّشْت في كتب اللُّغَة، والنَّحْو\n_________\n(^١) وهذا على مذهب الحنفية القائلين بوجوب الوتر.","vol":"1","page":128},{"text":"لا تجدُ الدَّقَائِق الَّتِي تعرَّض لها الأصوليُّون قَبْل الحُكْم أو بعْدَه، والمُطلِع على كُتُب الأُصُول يجدُ العجَبَ العُجَابَ فهي زاخرةٌ بالأمثلةِ التي لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-139>فَائِدَةُ عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ وغَايَتُهُ:</span>\nلم توضع العُلُومُ عَبَثًا، بَلْ لكل علْمٍ غايةٌ، وغايةُ أُصُولِ الفِقْه، كما ذكر علماء الأصول في طَيِّ حجتهم كالآتي:\nقال الآمِدِيُّ: وأمَّا غاية علْم الأصُولِ، فالوصول إلى معِرفة الأحكام الشرعيَّة التي هي مَنَاطُ السعادة الدنيوية والأُخْرَويَّة.\nقال العلَّامة الشيخ محمد حَسَنين مخْلُوف: كان الغرضُ الأصليُّ من معرفة علْم الأُصُولِ هُوَ تَحْصِيلَ ملكة استنباطِ الأَحْكَام الفقهيَّة من أدلتها التفصيلية على وجه مُعْتَدٍّ به شَرْعًا.\nوقال العلَّامة الخضريُّ في \"أصول الفِقْه\": غايَتُه الوصُول إلى اسْتِنْباط الأحْكَام من الأدلَّة.\nوقال الشيخ زكي الدِّين شَعْبان: إنَّ الغاية من هذا العلم الوصولُ إلى أخْذ الأحْكام الشرعيَّة العمليَّة من أدلَّتها التفصيليَّة. فإذا تحقَّق عند مَنْ يدْرُسُ هذا العِلْم أهليَّةُ الاجتهاد؛ بأن تجمَّعَت له وسائِلُهُ وتوافَرَتْ فيه شروطُهُ من العِلْم بالقُرْآن وعُلُومِهِ، والسُّنَّة النبويَّة المطهَّرة رِوَاية ودِرَايةً، ووجُوه القياس، ومعرفة المقاصد العامَّة للشَّريعة، استطاع بواسطته استِنْبَاط الأحكام من النُّصوص الشرعيَّة، وأمكنه مَعْرِفَة الحُكْم الشرعيِّ فيما لا نصَّ فيه بالقياس على ما نص عَلَيْه، أو بإعْطَاء الحادثة الحُكْم المناسِبَ لها، والَّذِي تقتضيه المَصْلَحَةَ الشرعيَّة.\nفمن هنا يُعْلَمُ أن عِلْمَ أصُولِ الفِقْه خادمٌ للاجْتِهاد؛ إذ هو العِلْمُ الكفيلُ بالنظر في الأدلَّة من حَيْثُ تؤخَذُ مِنْها الأحكامُ الشرعيَّة، وبه تُعْرَف كيفيَّة اسْتِثْمار الأحْكَام من أدلَّتها.\nفأما إذا لم يَكُنْ عِنْد مَنْ يَدْرُس هذا العِلْمَ أهليَّة الاجتهاد، فإنَّه يستطيع الحصول على عِدَّة فوائد: منها: فهْمُ الأحْكَام الَّتي استَنْبَطَها المجتهدُون حقَّ فهْمِهَا، فعِلْمُ الأُصُول عُمْدَةٌ","vol":"1","page":129},{"text":"لأصحابِ التخريج (^١) الذين عُنُوا بتفريعِ الأحكام، وتخريج الوَقَائِعِ والحَوَادِثِ على أصُولِ إمامِهِمْ.\nومنها في مَجَالِ المقارنَةِ بين المذاهب الفقهيَّة في الواقعة الواحدة. ترجيحُ أقْوى الآراء دليلًا وأوضَحِها نظرًا؛ لأنَّ المقارنة بيْن المذاهب المختلفة، إنما تكون بالوقوف على الأدلَّة التي استَنَدُوا إلَيْها في تَقْرِير الأحكام الشرعئة المختلفة، ثم الموازنة بَيْن تِلْك الأدلَّة، وترجيح الأقْوى مِنْها، ولا يُتوصَّل إلى ذلِك إلا بمعرفة القواعد الأصوليَّة.\nولقد صوَّر لنا العلَّامة الإسنَوِيُّ في \"تمهيده\" فضْلَه، فقال: فإن أصول الفقه عِلْمٌ عَظُم نَفْعُه وقدْرُه، وعلا شَرَفُه وفَخْرُه؛ إذْ هو مَثَارُ الأحكام الشرعيَّة، ومنار الفتاوى الفرعيَّة التي بها صلاحُ المكلَّفين مَعاشًا ومَعادًا، ثم إنَّه العُمْدة في الاجتهاد، وأهم ما يتوقف عَلَيْه من الموادِّ، كما نصَّ عليه الأئمَّةُ الفُضَلاء (^٢).\nوقال الغزاليُّ في \"المُسْتَصْفَى\": خَيْرُ العِلْم ما ازْدَوَجَ فيه العَقْلُ والسَّمْع، واصطَحَبَ فيه الرأْي والشَّرْع علمُ الفِقْهِ، وأصولُ الفِقْهِ من هذا القَبيل، فانَّه يأخُذُ مِنْ صفْوِ العقْلِ والشَّرْعِ سَوَاءَ السَّبِيل، فلا هُوَ تصرُّفٌ بمَحْضِ العُقُولِ، بحيث لا يتلقَاه الشَّرعُ بالقَبُول، ولا هو مبنيٌّ على التقليد الذي لا يشهَد له العَقْلُ بالتأييد والتَّسْديد، ولأجْل شَرَف عِلْم أُصُول الفِقْه، ورِفْعَتهِ، وفَّر الله دواعي الخَلْقِ على طَلبته، وكان العلماءُ به أرْفَعَ مكانًا وأجَلَّهم شَأنًا، وأكثَرَهُم أَتْباعًا وأعوانًا.\nوقال إمام الحرَمَيْن في \"المَدَارِك\" (^٣): والوجْهُ لكلِّ مُتَصَدٍّ للإقْلال بأعْباء الشريعة أن يجعل الإحاطَة بالأُصُول شَوْقَهُ الآكدَ، ويَنُصَّ مسائل الفقه عليها نصَّ مَنْ يحاول بإيرادها تهْذيبَ الأصولِ، ولا ينْزِفُ جمام الذِّهن في وضع الوقائع مع العِلْم بأنَّها لا تنحَصِر مع الذُّهول عن الأُصُول.\nهذا، وبعد الانكفاف عن ذكر فوائد أصول الفقه وغايته والاستشهاد بقول العلماء لذلك ودحض الشبهة المفتراة عليه نلج من ذلك إلى الحديث عن مباحث دقيقةٍ هي أسس\n_________\n(^١) كالمزني والربيع، وابن القاص من الشافعية، وابن الحكم من المالكية، وأبي يوسف، ومحمد بن الحنفية.\n(^٢) التمهيد ص ٤٣.\n(^٣) ينظر: البحر المحيط ١/ ١٢.","vol":"1","page":130},{"text":"أصول الفقه ولا يتأتى البناء إلا بنشر الأساس فعلى الأساس قواعد البنيان.\nوهذه المباحث هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس فعلى قطبها يدور رحى أصول الفقه لذا انمازت عن باقي المباحث بذكرها وتفصيل القول فيها بما لا غنية عنه لمن يلج بحر أصول الفقه العجاج.\nوقد أفردنا النسخ بذكرٍ لأهميته وكثرة الشَغْبِ حوله ففصلنا القول فيه واصطفينا من أقوال العلماء وزبدهم ما استبان لنا صوابه فهاكه يسرًا لينًا سهلًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-140>الكِتَابُ</span>\nوبه يستفتح لأنه المصدر الأول للتشريع إذْ لا خلاف عليه ألبتة بين أهل المذاهب جميعًا. وقد سطرنا نبذًا عن ماهيته ومعناه اصطلاحًا وحجيته ولم نطل الكلام في هذا المبحث لأنه لم يختلف عليه أحد من أهل الملة ولأنه مشهورٌ منشورٌ بين الناس. فاكتفينا بالتلميح عن التصريح وبالبعض عن الكل ورُبَّ إشارة أبلغ من عبارة.\n\n<span data-type='title' id=toc-141>مَاهِيَّتُهُ:</span>\nوهو في اللُّغَةِ (^١) اسمٌ للمكتوب إلَّا أنَّهُ غلَبَ في عُرْفِ الشَّرْع على كتاب الله - المكتوبِ في المصَاحِفِ، والقرآنُ مصدرٌ مرادفٌ للقراءة، ومنه قولُه تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [سورة القيامة: الآية ١٧ - ١٨] ثم نُقِلَ من هذا المعنى المصدريِّ، وجُعِلَ اسمًا للكلامِ المُعْجِز المنزَّل على النبيِّ ﷺ من باب إطلاق المَصْدَر على مَفْعُوله (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-142>واصْطِلاحًا </span>(^٣):\nيُطْلَق القرآنُ عِنْد علماء الأُصُولِ والفُقَهَاء والعربيَّة على اللَّفْظ المنزَّل على محمد ﷺ\n_________\n(^١) لسان العرب ٥/ ٣٨١٦، ترتيب القاموس ٤/ ١١٠.\n(^٢) لسان العرب ٥/ ٣٥٦٣، ترتيب القاموس ٣/ ٥٧٨، ابن ملك على المنار ٧، مناهل العرفان في علوم القرآن ١/ ٧.\n(^٣) مناهل العرفان ١/ ٨ - ٩، ابن ملك على المنار ص ٨.","vol":"1","page":131},{"text":"المتعبَّد بتلاوته، المُتَحدَّى بأقْصَرِ سُورةٍ مِنْه، المبدوء بسورةِ الفاتِحَةِ، المَخْتُوم بِسُورة النَّاسِ، الَّذِي صَح سَنَدُه، وثَبَتَ تواتُره، ووافَق العربيَّة. وذهب المحقِّقُون من أهْل العِلْمِ إلى أنَّ القرآنَ عَلَمُ شَحصٍ مدْلُولُه وعَلَمِيَّتُه باعتبار وضْعِه لِلَّفْظِ المخْصُوصِ الَّذِي يَخْتَلِفُ باخْتلافِ المتلفظين، وعلى هذا فما ذَكَره أهْل العِلْم مِنْ تَعْرِيف القُرْآن لَيْسَ تَعْرِيفًا حقيقيًّا؛ لأنَّ التعْرِيف الحقيقيَّ لا يكونُ إلا للأمُور الكلَيَّة، وإنَّما أرادُوا بِتَعْرِيفه تمَيُّزه عمَّا عَدَاه مِمَّا لا يُسمَّى باسْمِه كالتوراةِ والإنْجِيلِ، والأحادِيثِ القُدُسِيَّة، وقد أجمعَ المُسْلِمُونَ قَاطِبَةً على أنَّه المَقْرُوءُ في جميعِ الأقطارِ، المسموعُ بآذَانِنا، المحفوظُ في صُدُور الحافِظِينَ له، وأنَّه كلامُ الله - تعالى - وأنَّه لا يَأْتيه الباطلُ مِنْ بَيْن يَدَيْه، ولا مِنْ خَلْفه، تنزيلٌ من حَكِيمٍ حَمِيدٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-143>حُجِّيَّتُهُ:</span>\nلا خلافَ بَيْن عُلَماء المُسْلِمِين قاطبةً أن القرآن الكَرِيم هو المَصْدَر الأوَّل للتَّشْريع الإسلاميِّ، وهو كُلِّيَّةُ الشَّرِيعَةِ وعُمْدَتُها، فمريدُ الوُصُولِ إلى حقيقةِ الدِّين وأصولِ الشريعةِ يَجِبُ عَلَيْه أن يجعل القرآنَ بمَنْزلة القُطْب الذي تدُور عَلَيْه جميعُ الأَدِلَّة.\nوالبُرْهانُ عَلَى أن القُرْآن حجَّة على النَّاس، وأنَّ أحكامه قانونٌ واجبٌ اتِّباعه أنه من عِنْد الله، وأنَّه نُقِل إلَيْهِم عن المَوْلَى ﷿ بطريقٍ قطعيِّ الثبوت، لا ريْبَ فيه، وآيةُ دلك إعْجَازُه النَّاسَ على أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ، وقد استكملَ جميعَ عناصِرِ الإعْجَاز، فقد توافر فيه التحدِّي به، ووُجِدَ المقتضي لمَنْ تُحُدُّوا له أنْ يُعَارِضُوه، وانتفَى المَانِعُ لهم، ومع ذلك لم يَسْتَطِيعُوا.\nأما التحَدِّي فإن رسُولَ الله ﷺ لمَّا قال للنَّاس: إنِّي رسولُ الله إلَيْكُم، وبُرْهَانِي على أنِّي رسولُ الله هذا القُرْآنُ الذي أتْلُوه عَلَيْكُم، أُوحِيَ إليَّ من عند الله، أنْكَرُوا عَلَيْه دَعْوَاه، وبَطَشُوا به، فَقَال لَهُمْ: إنْ كُنْتُم فِي شَكٍّ، وتبادَرَ إلى عُقُولكم أنَّه مِنْ صُنْعِ البشرِ فَأْتُوا بِمِثْلِهِ فَعَجَزُوا وما استطاعوا، ثمَّ تَحَدَّاهُم أنْ يأتوا بعَشْر سُوَر من مثله، فما قدَرُوا قال تعالى ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [سورة هود: الآية ١٣ - ١٤] فما قَدَرُوا وتحدَّاهم أنْ يَأْتُوا بسُورَةٍ مِنْه، وطَلَب المُعَارَضَة، فقال لَهُمْ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [سورة يونس: الآية ٣٨] ثمَّ دعاهُم إلى الاستعانة بغَيْرهم، فما قدَرُوا، فقال جلَّ ذِكْرُه: ﴿قُلْ: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ","vol":"1","page":132},{"text":"كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٨٨].\nوأما وُجُودُ المقتضي للمبارَزَة والمُعَارَضَة عِنْد من تَحَدَّاهم، فهذا أظْهَرُ منْ أن نقيمَ لهُ دليلًا؛ لأن النبيّ ﷺ جاءَهُم بدينٍ يُبْطِلُ دِينَهم، وما وجدوا عليه آباءَهم، وسفَّه عقولَهم، وسَخِرَ من أوثانهم، واحتجَّ عليْهم بأن القُرْآنَ مِنْ عِنْد الله ﷿ فما كان أحْوَجَهم، وأشدَّ حِرْصَهُم على أنْ يأتوا بمثله أو بَعْضِه؛ ليُبْطِلُوا أنَّه من عند الله.\nوأمَّا انْتِفَاءُ ما يَمْنَعُهم من المعارَضَة، فلأنَّ القرآن بلسانٍ عربي، وألفاظه من أحرف العرب الهجائيَّة، وعبارته على أسلُوب العَرَب، وهمْ أهْلُ البيان والفَصَاحة، وفيهم ملوكُ الفَصَاحة وقادَةُ البَلاغة، ومَيْدانُ سِبَاقِهِم مملوءٌ بالشُّعَرَاء والخُطَبَاء، وهذا من الناحية اللفظية.\nأما المَعْنَوِيَّة، فقد نَطَقَت أشْعَارهُمْ وخُطَبُهم وحِكَمُهم ومناظَرَاتُهم بأنَّهم ناضِجُو العُقول ذَوُو بَصِيرةٍ بالأُمُور وخِبْرَةٍ بالتَّجَارب، وقد دعاهم القُرْآن بالاسْتِعانةِ بِما شَاءُوا كما بيَّنا آنِفًا.\nوأمَّا مِنَ النَّاحيَة الزَّمَنِيَّة، فالقُرْآن لَمْ يَنْزِلْ جملةً واحدةً حتَّى لا يَحْتَجُّوا بأنَّ زمنَهُم لا يتَّسعُ للمعارَضَة، بل نزل مُنَجَّمًا في ثلاثٍ وعِشْرِينَ سنةً تقريبًا، وبذلك ثبت إعْجازُه على أبْلَغِ وَجْهٍ، وإذا ثَبَتَ عَجْزُ العَرَب، فغَيْرهم بالعَجْز أولى وأحْرى، وبهذا ثبتت حُجِّيَّتُه، فوجَبَ العَمَلُ به (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-144>السُّنَّةُ</span>\nوقد ثنَّيْنا بالسُّنَّةِ، إذْ هي صِنْوُ كتاب الله، وشَقِيقَتُهُ ومنزلتها بَعْدَهُ.\nوسوف نتكلم عن مَاهيَّتِهَا، وحجِيَّتها ووجوب اتِّباعها والتحذير من مخالفتها. وعن إنْكَار حجيَّة السُّنَّة، والحكمِ بردَّةِ من أنكرها ثم نتكلم عن العلاقة بين الكِتَاب والسُّنَّةِ، مستشهدين لكلٍّ، ومبينين القَوْلَ بِما يَرْفعُ اللَّبْسَ ويكشفه.\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٤٧، شرح العضد ٢/ ١٩، المستصفى ١/ ١٠١، جمع الجوامع بشرح المحلى ١/ ٢٩٤، تيسير التحرير ٣/ ٨، كشف الأسرار ١/ ٢٢، إرشاد الفحول ص (٢٩)، البحر المحيط ١/ ٤٤١، الإبهاج ١/ ١٨٩، نهاية السول ٢/ ٣، أصول السرخس ١/ ٣٧٩، المغني للخبازي ص (١٨٥)، فواتح الرحموت ٢/ ٧، مختصر ابن اللحام ص (٧٠)، روضة الناظر ص (٣٤).","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type='title' id=toc-145>مَاهِيَّتُها:</span>\nفي اللُّغَة (^١): السِّيرَةُ والطَرِيقَة، حَسَنةً كانَتْ أو قبيحةً.\nأنشد خالدُ بنُ زُهَيْرِ فَقَالَ: [الطويل]\nفَلا تَجْزَ عَنْ عَنْ سِيرَةٍ أَنْتَ سِرْتَهَا … فَأَوَّلُ رَاضٍ سُنَّةً مَنْ يَسِيرُهَا\nوسَنَنْتُهَا سَنًّا وَاسْتَنَنْتُها: سِرْتها، وسَنَنْتُ لَكُمْ سُّنَّةً فَاتَّبِعُوها.\nوقال ابن فَارِسِ في \"معْجَمِه\" (^٢): السِّين والنُّون أصْل واحدٌ مطَّرِدٌ، وهو جريانُ الشَّيْء واطِّرادُه في سُهُولٍ.\nوالأصلُ: قولُهم: سَنَنْتُ المَاءَ على وَجْهِي أَسنُّة سَنًّا إذا أَرْسَلْتَه إرْسالًا.\nقال ابن الأَعْرَابِيِّ: السَّنُّ مَصْدَرُ سَنَّ الحَدِيدَ سَنًّا، وسَنَّ لِلقَوْم سُنَّةً وسننًا، وسَن عليه الدِّرْعَ يَسنُّها سَنًّا، إذا صَبَّهَا، وسنَّ الإبِلَ يَسنُّهَا سَنًّا إذَا أحْسَنَ رعيَّتها، وسُنَّة النبيّ ﷺ تَحْمِلُ هذه المعانِيَ لما فيها من جَرَيانِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة، واطِّرَادِهَا.\n\n<span data-type='title' id=toc-146>اصْطِلاحًا:</span>\nتختَلِفُ السُّنَّة عِند أهْلِ العِلْمِ حَسَب اخْتِلافِ الأغْراضِ الَّتي اتَّجَهُوا إلَيْها في أبْحَاثِهِمْ، فَمَثلًا عُلَمَاءُ الأُصُول: عُنُوا بالبحث عن الأدلَّة الشرعيَّة، وعُلَماءُ الحديثِ: عُنُوا بِنَقْلِ ما نُسِبَ إلى النبيّ ﷺ وعلماءُ الفِقْه: عُنُوا بالبَحْثِ عن الأحكامِ الشرعيَّة من فَرْضٍ ومَنْدُوبٍ وحَرَامٍ ومَكْرُوهٍ.\nفالسُّنَّة عند علماء الأصول (^٣): تُطْلَق على ما أثِرَ عن النبي ﷺ من قَوْلٍ أو فِعْل أو تَقْرِيرٍ.\nوالسُّنَّة عِند الفُقَهَاءِ (^٤): تُطلَقُ السُّنَّةُ عِنْد أكْثَرِ عُلَماء الشَّافِعيَّة وجمهورِ الأصوليِّين\n_________\n(^١) الصحاح ٥/ ١٣٩، لسان العرب ٣/ ٢١٢٤، ترتيب القاموس، ٢/ ٦٥٦، المصباح المنير ١/ ٣٩٦ - ٣٩٧.\n(^٢) معجم مقياس اللغة ٧/ ٦٠، لسان العرب ٣/ ٢١٢٣.\n(^٣) نهاية الوصول ٣/ ٣، البدخشي ٢/ ٢، البناني على جمع الجوامع ٢/ ٩٩ تيسير التحرير ٣/ ١٩، الإحكام في أصول الأحكام ١/ ١٥٦.\n(^٤) البيجرمي على المنهج ١/ ٢٤٦ حجية السنة ٥١.","vol":"1","page":134},{"text":"بالنِّسْبَة إلَى مَعْناها الفقهيِّ على ما يرادف المَنْدُوبَ والمُسْتَحَبَّ والتَطَوُّع والنافِلَة والمرغَّب فيه.\nقالوا: هي الفِعْلُ الَّذِي طلَبَه الشَّارع طلبًا غيْرَ جازِمٍ، أو ما يُثَابُ الإنْسَانُ على فِعْلِها، ولا يعاقَبُ على تَرْكها.\nوعِنْد علماءِ الحَدِيث (^١): تُطْلَقُ على أقوالِ النبيِّ ﷺ وأفعالِهِ وتَقْريرَاتِهِ وصفاتِهِ الخَلْقيَّة والخُلُقيَّة وسِيَرِه ومَغَازِيه وأخبارِهِ قَبْل البَعْثة - فالسُّنَّة بهذا المعنَّى تُرادِفُ الحديثَ الشريفَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-147>حُجَّيَّتُهَا وَوُجُوبُ اتِّبَاعِهَا وَالتَّحْذِيرُ مِنْ مُخَالَفَتِهَا:</span>\nلقد أَوْحَى الله ﷾ لنبيِّه القُرْآن ومِثْلَهُ معه، فَأوْحَى له السُّنَّة النبويَّة، وهي أصلٌ من أصُولِ الدِّين، وركْنٌ في بنائه القويم، فيجبُ اتِّباعها، ويحْرُم مخالَفَتُها، وعلى ذلك أجمعَ المُسْلِمُون، وتضافرَتِ الآيَاتُ على وَجْهٍ لا يدَعُ مجالًا للشكِّ، فمن أنكر ذلك، فقد نَابَذَ الأدلَّة القطعيَّة، واتَّبَع غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمنين، وهِيَ بذلك تُعْتَبر المَصْدَرَ الثَّانِي للتَّشْرِيع.\nفمن الآياتِ في ذلك قولُهُ تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ﴾ [سورة الحشر: الآية ٧].\nوقولُه تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [سورة النساء: الآية ٨٠].\nوقولُه تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢١].\nوقولُه تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٣١].\nوقولُه تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة الاء: الآية ٦٥].\nوقولُه تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النور: الآية ٦٣].\nوقولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينً﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٣].\n_________\n(^١) الحديث والمحدثون لأبي زهو ٨ وما بعدها.","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type='title' id=toc-148>إِنْكَارُ حُجِّيَّةِ السُّنَّةِ مُوجِبٌّ لِلرِّدَّةِ:</span>\nوقد لبِستْ طائفةٌ من النَّاسِ ثيابَ الدِّينِ زُورًا وبُهْتانًا بعْدَما راحُوا يشكِّكون في ثبوتِ السُّنَّة؛ ليكونَ ذلك عذْرًا لهم على رَدها، وقد كَذَبُوا، ورَحِم الله أعْيُنَ رجالٍ سَهِروا على حِفْظِ هذا الدِّين.\nقال الحافظُ ابنُ عَبْدِ البَرِّ (^١): أصولُ العِلْمِ الكتابُ والسُّنَّة، والسنَّةُ تنقسم إلى قسمَيْن:\nأحَدُهُما: إجماعٌ تنقُلُه الكافَّةُ عن الكافَّة، فهذا من الحُجَجِ القاطعةِ للأعْذَار، إذا لم يوجَدْ هناك خلافٌ، ومنْ ردَّ إجماعَهُم، فقَدْ رَدَّ نصًّا مِنْ نُصوص اللهِ يجبُ استتابَتُه عليه، وإراقَةُ دمِه، إذَا لَمْ يتبْ؛ لخروجِه عمَّا أجْمَع عَلَيْه المُسْلِمُون، وسُلوكِه غَيْرَ سَبِيلِ جميعه.\nوالضرْبُ الثَّاني من السُّنَّة: خَبَرُ الآحادِ والثِّقاتِ الأثباتِ المُتَّصِل الإسْنادِ، فهذا يوجِبُ العمل عِنْد جماعة علماءِ الأمَّةِ الَّذين هم الحُجَّة والقُدْوة، ومِنْهُم مَنْ يقول: إنه يوجِبُ العِلْمَ والعَمَل.\nوقال ابن حَزْمٍ (^٢) بعدما ساقَ قول اللهِ تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [سورة النساء: الآية ٥١] قال: والبرهانُ على أن المراد بهذا الردِّ إنَّما هو إلى القرآنِ والخَبَرِ عنْ رسولِ الله ﷺ لأن الأمة مُجْمِعَةٌ على أن هذا الخطابَ متوجِّهٌ إلينا، وإلى كل من يخلقه، وتَرْكَبُ روحُه في جَسَده، وساقَ أيْضًا قولَ الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة الشورى: الآية ١٠] فَوَجَدْنا الله - تعالى - يردُّنا إلى كلامِ نبيِّه ﷺ على ما قرَّرناه آنِفًا، فلم يَسَعْ مسلمًا يقِرُّ بالتوحيد أنْ يرجع عند التَّنازُعِ إلى غَيْرِ القرآن، والخبَرِ عن رسول الله ﷺ ولا أن يأْبَى عما وَجَد فيهما، فإن فعل ذلك بعد قيام الحُجَّة عليه، فهو فاسقٌ، وأما مَنْ فعله مستحلًّا للخروج عن أمرهما وموجبًا لطاعة أحد دونهما، فهو كافر لا شكَّ عِنْدنا في ذلك.\nقال: وقد ذكر محمَّدُ بنُ نصرٍ المَرْوَزِيُّ أن إسحاقَ بنَ راهَوَيْه كان يقول: من بلَغَه عَنْ رسولِ الله ﷺ خَبَرٌ يمِرُّ بِصِحَّته، ثمَّ ردَّه بِغَيْر تَقِيَّةٍ، فَهُو كافر.\nوقال: ولم نَحْتَجّ في هذا بإسْحَاق، وإنَّما أوردناه؛ لئلَّا يظن جاهلٌ أثنا متفرِّدون بهذا\n_________\n(^١) جامع بيان العلم وفضله ٢/ ٤١ - ٤٢ حجية السنة ٢٥٢ - ٢٥٣.\n(^٢) الإحكام في أصول الأحكام ١/ ٩٣.","vol":"1","page":136},{"text":"القوْل، وإنَّما احتجَجْنَا في تكْفِيرنا من استَحَلَّ خلافَ ما صحَّ عنده عن رسولِ الله ﷺ بِقَول الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة النساء: الآية ٦٥] هذه الآيةُ كافيةٌ لمَنْ عقل وحَذِر وآمَنَ بالله واليَوْمِ الآخِرِ، وأيقَنَ أن هذا العَهْدَ عَهْدُ ربِّه إليه ووصيَّته ﷿ الواردةُ عليه، فليفتشِ الإنسانُ نفْسَه، فإن وجدَ في نفْسِه ممَّا قضَاه رسولُ الله ﷺ في كلِّ خبير يُصَحَّحه مما قد بلَغَه، أو وجد نَفْسَه غَيْرَ مسلِّمةٍ لما جاءَه عن رسول الله ﷺ ووجد نفْسَه مَائِلَةً إلى قَوْلِ فلانٍ وفلانِ، أو إلى قياسِهِ واستِحْسَانه، أو وجَد نَفْسَه تحْكُم فيما نازَعَتْ فيه أحَدًا دونَ رَسُول الله ﷺ مِنْ صَاحِبٍ فَمَنْ دونه، فليعلَمْ أن الله قد أقْسَم، وقولُه الحقُّ أنه ليس مؤمنًا، وصدَقَ الله - تعالى - وإذا لم يكن مؤمنًا، فهو كافرٌ، ولا سبيل إلى قسْمٍ ثالثٍ، ثم ساق قولَ الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [سورة النساء: الآية ٦١] فليتَّقِ الله الَّذِي إلَيْه المعادُ آمْرُؤٌ على نَفْسِه، ولتوجل نفْسُه عِنْد قِرَاءَةِ هذه الآيَة، وليشتدَّ إشفاقه مِن أن يكُونَ مخْتارًا للدُّخُول تَحْت هذه الصِّفَة المذكُورة المَذْمُومة الموبِقَة الموجبة للنَّارِ، وقال: لَوْ أن امرأً قال: لا نأْخُذ إلَّا ما وَجَدْنا في القُرْآن، لكَانَ كافِرًا بإجْمَاع الأُمَّةِ، ولكانَ لا يَلْزَمُه إلا ركعة ما بين دُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ، وأخرى عِنْد الفَجْر، لأن ذلك هو أقل ما يقَعُ عَلَيْه اسم صلاة، ولا حَدَّ للأكْثَرِ في ذلك.\nوقائل هذا مشْرِكٌ حلالُ الدَّمِ والمَالِ، وقال: لو أن امرأً لا يأخُذُ إلَّا بما اجتمعتْ عليه الأمةُ فَقَطْ، ويترك كل ما اختلفوا فيه ممَّا قد جاءَتْ به النُّصُوص، لكانَ فاسقًا بإجماعِ الأُمَة (^١).\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/ ١٥٥، التمهيد للأسنوي ص ٤٣٧، ونهاية السول للأسنوي ٣/ ٣، زوائد الأصول للأسنوي ص ٣١٩، منهاج العقول للبدخشي ٢/ ٢٦٩، غاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص ٩١، المستصفى للغزالي ١/ ١٢٩، حاشية البناني ٢/ ٩٤، الإبهاج لابن السبكي ٢/ ٢٦٣، الآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/ ١٦٨، حاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ١٢٨، أحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ص ٢٨٧، الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ١/ ٩٣، التحرير لابن الهمام ص ٣٠٣، تيسير التحرير لأمير بادشاه ٣/ ١٩، كشف الأسرار للنسفي ٢/ ٣، حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٢٢، شرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ٢، حاشية نسمات الأسحار لابن عابدين ص ١٧٦، شرح=","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type='title' id=toc-149>العَلاقَةُ بَيْنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ:</span>\nومن المعلُومِ بالضَّرُورةِ أن كلَّ ما جاء عن الله - تعالى - لا يُمْكِنُ أن يوصَفَ أن فيه اختلافًا، والمَعْلُوم أن كلًّا من القرآن والسُّنَّة من عِنْد الله - تعالى - كما قَدَّمْنا.\nولهذا يقول ابن القَيِّم (^١): والذي يشْهَدُ الله ورسولُهُ به أنَّه لم تَأْتَ سُنَّة صحيحة واحدة عن رسول الله ﷺ تناقِض كتابَ الله - تعالى - وتخالِفُه ألبتَّة كَيْف، ورَسُولُ الله هو المبيِّنُ لكتابِ الله، وعلَيْه أُنْزِل، وبه هداه الله، فهو مأمور باتِّباعه، وهو أعْلَم الخَلْقِ بتأْويله ومرادِه، فلا يوجَدُ تَخَالُفٌ، وإنْ حَصَلَ مخالفةٌ في ظاهر اللَّفْظِ، فيكونُ ذلك لِلْخفاءِ على المجتهِدِ، فعلى ضوء ذلك، إذا تتَبَّعْنا السُّنَّة مِنْ حَيْثُ دَلالتها على الأحْكَامِ الَّتِي اشتمل عليها القُرآنُ إجْمالًا وتفْصيلًا وجَدْنَاها تأْتي على أنْحاءٍ منها (^٢):\n\n<span data-type='title' id=toc-150>أَوَّلًا:</span>\nأن تكُونَ موافقةً للقُرْآن. فتكونَ واردةً حينئذٍ مورد التأكيد، فيكون الحُكْم مستَمَدًّا من مصدَرَيْن: القرآن مثبتًا له، والسُّنَّة مؤيدةً.\nومن أمثلة ذلك قوله ﷺ (^٣): \"اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّهُن عَوَانٌ عِنْدَكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُن بِكَلِمَة اللَّهِ\" فإنَّه يوافِقُ قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة النساء: الآية ١٩].\nوقولُهُ ﷺ (^٤): \"إن اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ\" فإنَّه موافق لقولِهِ تعالى:\n_________\n= المنار لابن ملك ص ٧٧، الوجيز للكراماستي ص ٥١، الموافقات للشاطبي ٤/ ٣، ميزان الأصول للسمرقندي ١/ ١٢٦، نشر البنود للشنقيطي ٢/ ٣، إرشاد الفحول للشوكاني ص ٣٣، تقريب الوصول لابن جزى / ١١٦، الكوكب المنير للفتوحي ص ٢١٠، التقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٢/ ٢٢٣.\n(^١) الطرق الحكمية ٧٢ - ٧٣.\n(^٢) قال الشافعي في الرسالة ٩١، فلا أعلم من أهل العلم مخالفًا في أن سنن النبي ﷺ ثلاثة وجوه وسيأتي كلام الشافعي ﵀. ولقد بوب الخطبب البغدادي في الكفاية ١٢، فقال: باب تخصيص السنن لعموم محكم القرآن وذكر الحاجة في المجمل إلى التفسير والبيان.\n(^٣) هو في مسلم من رواية جابر ﵁.\n(^٤) متفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري أخرجه البخاري ٨/ ٢٠٥ في التفسير باب \"وكذلك أخذ ربك\" ٤٦٨٦، ومسلم ٤/ ١٩٩٧، في البر والصلة، باب \"تحريم الظلم\" ٦١/ ٢٥٨٣.","vol":"1","page":138},{"text":" ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [سورة هود: الآية ١٠٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-151>ثانيًا:</span>\nأن تكُونَ بيانًا (^١) للكِتَاب. ومن أمثلة ذلك النّوع:\nأوَّلًا: بيانُ المُجْمَلِ (^٢) كالأحاديثِ الَّتي جاء فيها أحْكَامُ الصَّلاةِ. فقال ﷺ: \"صلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي\" (^٣).\nوورد في الكِتاب وجوبُ الحَجِّ منْ غَيْر بَيَانٍ لمناسِكِه، فبثنت السُّنَّةُ ذلك، فقال ﷺ: \"لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ\" (^٤).\nوورد في الكتابِ وُجُوبُ الزكاةِ مِنْ غَيْر بَيَانٍ لما تَجِبُ فيه، ولا لِمِقْدَارِ الواجِبِ فبيَّنَت السُّنَّةُ كل ذلك.\nثانيًا: تقييد المُطْلَق (^٥)، ومثالُ ذلِكَ الأحاديثُ الَّتي بَيَّنَتِ المُرَادَ من اليَدِ في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [سورة المائدة: الآية ٣٨] فبيَّنت السُّنَّة أنَّها اليُمْنى، وأن القَطْع من الكُوع وقوله تعالى أيْضًا: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [سورة النساء: الآية ١١] وردت الوصية مُطْلقًا، فقيدَتْها السُّنَّة بِعَدَمِ الزِّيادَةِ على الثُّلُث.\n\n<span data-type='title' id=toc-152>ثالثًا:</span>\nتَخْصِيصُ (^٦) العَامِّ (^٧). كالحديثِ الَّذي بيَّنَ أن المرادَ مِنَ الظُّلْم في قوله تعالى:\n_________\n(^١) والسنة خير مبين فقد كان عمر ﵁ يقول سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله. وسأل رجل عمران بن حصين ﵁ فقال الرجل: حدثونا عن كتاب الله ولا تحدثونا عن غيره فقال: إنك امرؤ أحمق أتجد في كتاب الله ﷿ صلاة العصر أربعًا لا يجهر فيها وعد الصلوات ومقادير الزكاة ونحوها ثم قال: أتجد هذا مفسرًا في كتاب الله، كتاب الله قد أحكم ذلك والسنة تفسره. الكفاية في علم الرواية ١٥، وقال علي ﵁ لابن عباس حينما بعثه إلى الخوارج: لا تخاضمهم بالقرآن فإنه حمال ذو وجوه ولكن حاججهم بالسنة.\n(^٢) ما له دلالة غير واضحة.\n(^٣) أخرجه البخاري من حديث مالك بن الحويرث.\n(^٤) أخرجه مسلم من حديث جابر ﵁.\n(^٥) ما دل على الماهية من غير قيد.\n(^٦) قصر العام على بعض أفراده.\n(^٧) لفظ يستغرق جميع ما يصلح له بوضع واحد.","vol":"1","page":139},{"text":" ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٨٢] هو الشِّرْك، فهم بعْضُ الصَّحَابَةِ مِنْهُ العُمُومَ حَتَّى قالوا: أَيُّنا لم يَظْلِمْ، فقال لهم ﷺ: \"لَيْسَ بِذاكَ، إنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ\" (^١).\nومن ذلك أيْضًا أن الله ﷿ أَمَرَ أَنْ يَرِثَ الأَوْلادُ الآباء أو الأمهاتِ، عَلَى نحو ما بيَّن بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْن﴾ [سورة النساء: الآية ١١] فكان هذا الحكمُ عامًّا في كُل أصْلٍ مورِّثٍ، وكل ولدٍ وارثٍ، فقصرت السُّنَّة الأصْل على غير الأنبياء.\nوقَصَرَتِ الوَلَدَ الوَارِثَ على غير القَاتِل بِقَوْله ﷺ: \"القَاتِلُ لا يَرِثُ\" (^٢) وكذلك اختلافُ الدِّينِ فهو مانع من مَوَانِعِ الإرْثِ كما بيَّنَتِ السُّنَّة.\nوقال تعالَى في المَرْأَةِ يُطلِّقها زوْجُها ثلاثًا: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣] وَاحْتَمَل ذلك أن يكون المُرادُ به عَقْد النكاح وحده، واحتمل أن يكون المرادُ الإصَابَة معًا، فبيَّنَت السُّنَّة أن المُرادَ به الإصَابة بعد العَقْد.\n\n<span data-type='title' id=toc-153>رَابِعًا:</span>\nتوضيح المُشْكَلِ كَالْحَدِيثِ الَّذِي بَيْن المُرادَ من الخَيْطَيْنِ في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٧] فَهِمَ منه بعض أصحاب النبي ﷺ العِقَالَ الأبيض والعِقَال الأسود، فقال النبي ﷺ: \"هُمَا بَياضُ النَّهَار\".\nوأغلب ما في السُّنَّةِ من هذا النوع، ولهذه الغَلَبَةِ وصفت بأنها مُبيِّنةٌ للكتاب.\n\n<span data-type='title' id=toc-154>خَامِسًا:</span>\nأن تكون دالَّةً على حُكْمٍ سكت عنه القرآن، ومن أمثلة ذلك النوع:\nقوله ﷺ: \"هو الطهُورُ مَاؤُهُ الحِلّ ميتته\".\nوقوله ﷺ في الجَنِينِ الخارج من بَطْنِ أمه المُذَكَّاةِ: \"ذَكَاةُ الجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ\".\nوالأحاديث الواردة في تَحْرِيمِ ربا الفَضْلِ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري ١/ ١٠٩، في الإيمان، باب ظلم دون ظلم ٣٢.\n(^٢) أخرجه الترمذي وغيره من رواية أبي هريرة.","vol":"1","page":140},{"text":"والأحاديث الواردة في تحريم كل ذي ناب من السِّبَاع، وكل ذي مخلب من الطير، وتحريم لحوم الحُمُرِ الأهلية.\nوالأحاديث التي دَلَّت على تَحْرِيم الرِّضَاعِ.\nوتحريم الجَمْعِ بين المَرْأَة وعَمّتها أو خَالَتِهَا.\nوالأحاديثُ الواردَةُ في تَشْرِيع الشُّفْعَةِ والرَّهن في الحضر، وبيان ميراث الجَدَّةِ، والحكم بِشَاهِدٍ ويَمِينٍ.\nووجوب الرَّجْم للزَّاني المُحْصَنِ.\nووجوب الكَفَّارة على من انتهك حرمة شهر رمضان، وغير ذلك كثير.\nاعلم أن النَّوْع الأَوَّل والثاني من هذا التَّقسيم مُتَّفَقٌ عليهما بين المسلمين، وأن النوع الثالث مختلف فيما بينهم كما صَرَّح بذلك الشافعيُّ في \"رسالته\" فقال: \"فلم أَعْلَمْ من أهل العِلْمِ مخالفًا في أن سُنَنَ النَّبِيِّ ﷺ من ثلاثة وجوه فاجتمعوا على وجهين:\nأحَدُهُما: ما أنْزَلَ اللَّهُ فيه نَصنَ كتاب فبيَّنَهُ رسولُ الله ﷺ مثل ما نَصَّ الكتاب.\nوالآخر ما أنزل الله فيه جُمْلة كتاب، فبين عن الله معنى ما أراد، وهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما.\nوالوَجْهُ الثالِث: ما سنَّ رسول الله ﷺ فيما ليس فيه نص كتاب كما قَدَّمْنَا، فمنهم من قال: جعِل الله له بما افترض من طَاعَته، وسبق من علمه، وتوفيقه لمرضاه أن يسن فيما ليس فيه نصّ كتاب.\nومنهم من قال: لم يسن سُنَّة قطُ إلا ولها أصل في الكتاب كما كانت سُنته تبين عدد الصلاة وعملها، على أصل جملة فرض الصلاة. وكذلك ما سَنَّ من البُيُوع وغيرها من الشرائع؛ لأن الله قال: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٩]. وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٧٥].\nومنهم من قال: بل جاءته به رسالة الله، فأثبتت بفرض الله.\nومنهم من قال: ألقى الله في روعه كل ما سَنّ، وسنته الحِكْمَةُ الذي أَلْقَي في روعه عن الله، فكان ما ألقي في روعه سنة.","vol":"1","page":141},{"text":"وقال العلَّامة الشَّيْخُ عَبْدُ الغَنِي عَبْدُ الخَالق (^١): إن حكاية الشافعي لهذه الأقوال في النوع الثالث يرى أن القول الأول والثالث والرابع على اتفاق في أن السُّنة تستقل بالتشريع، ومختلفة في أن النبي ﷺ يشرع المستقل من عند نفسه مع توفيقه تعالى له بالصَّواب، أو ينزل عليه الوحي به، أو يلهمه الله إياه، وهذه الخلافية لا تعنينا، وأن القول الثَّاني هو المخالف، وقال: والحق في هذه المسألة أنها حجة، وتعبدنا الله بالأخذ بها، والعمل بمقتضاها، ودلَّل على ذلك بأدلَة نورد بعضها لِلْبَيَان حتَّى تسدّ أفواه المتنطِّعين الَّذين لا خلاق لهم في الدنيا والآخرة:\nأولًا: عموم عِصْمَتِهِ ﷺ الثابتة بالمُعْجِزَة عن الخَطَأ في التبليغ لكل ما جاء به عن الله - تعالى - ومن ذلك ما وردت به السُّنة، وسكت عنه الكتاب، فهو إذن حقٌّ مطابق لما عند الله - تعالى - وكل ما كان كذلك فالعَمَل به واجب.\nثانيهما: عموم آيات الكتاب الدَّالة على حُجِّية السُّنة، وقد تقدمت، فهي تدلُّ على حجيَّتها، سواء أكانت مؤكدة، أم مبينة، أم مستقلة، وقد كثرت هذه الآيات كثرة تفيد القطع بعمومها للأنواع الثلاثة، وبعدم احتمالها للتَّخْصيص بإخراج نوع عن الآخر، بل إن قول الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة النساء: الآية ٦٥] فهذه الآية تفيد حجية خصوص المستقلة.\nقال الشافعيُّ ﵁ في تَوْجِيهِهَا: نزلت هذه الآية في رجل خاصم الزبير في أرض، فقضى النبي ﷺ بها للزبير (^٢).\nوقال الشَّافعي: وهذا القضاء سُنَّة من رسول الله ﷺ لا حكم منصوص في القرآن.\nثالثًا: عُمُومُ الأحاديثِ المثبتة لِحُجِّيةٍ السُّنة، مؤكدة كانت أو مُبَيِّنة أو مستقلَّة؛\n_________\n(^١) حجية السنة.\n(^٢) أخرجه البخاري ٥/ ٤٢، في المساقاة، باب سكر الأنهار ٢٣٥٩، وفي ٨/ ١٠٣ في تفسير سورة النساء، باب \"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم\" حديث ٤٥٨٥، ومسلم ٩/ ١٨٢٤ - ١٨٣٠ في الفضائل، \"باب وجوب اتباعه ﷺ\" (١٢٩/ ٢٣٥٧) والشافعي في الرسالة ص ٨٨.","vol":"1","page":142},{"text":"كقوله ﷺ: \"عليكم بِسُنَّتي\" (^١) وهذه الأحاديث كثيرة لا تُحْصَى تفيد القطع بهذا العموم، وقد ورد ما هو خاصّ بالسُّنة المستقلَّة، أو يكون على أقل تقدير دخولها فيه متبادرًا في النظر، وأولى من دُخُول غيرها، فمن ذلك قوله ﷺ: \"لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكُمْ مُتَّكئًا على أرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الأَمْرُ مِن أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْه فَيَقُولُ: لا أَدْرِي مَا وَجَدْنا في كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ\" (^٢).\nوقوله ﷺ: \"ألا إنِّي أُوتيتُ القُرآنَ ومثله مَعَه، ألا يُوشِكُ رجل شَبْعَانُ على أَرِيكَتِهِ يَقولُ: عليكم بهذا القُرْآنِ فما وَجَدْتُمْ فيه من حَلالٍ فأحلُّوهُ وما وجدتُمْ فيه من حَرَامٍ فَحرِّمُوه، وإنَّما حَرَّمَ رسولُ الله ﷺ، كما حَرَّمَ الله، ألا يحل لكم الحِمَار الأَهْلي، ولا كلّ ذي نَابٍ من السِّباع، ولا لُقَطَةُ مُعَاهد، إلا أن يَسْتَغْنِيَ عنها صاحِبُهَا، ومن نزَل بِقَوم فَعَلَيْهِم أَنْ يَقْرُوه، فإن لم يقروه فله أنْ يعقبهم بمثل قِرَاهُ\" (^٣).\nولا يخفى أن تحريم الحُمُرِ الأهليَّةِ المذكورة في الحديث لَيْسَ في القرآن، فهو خاصّ بما نحن فيه، ولا يخفى أن الظاهر من قوله ﷺ: \"ومثله مَعَهُ\" ما كان مستقلًا عنه، وإن سلمنا شموله لغيره أيضًا، فلا ضير علينا؛ حيث إنه أثبت أن الجميع من عند الله، والحديث الأول يفيدنا أن كل ما لا يوجد في كتاب الله مما أمر به الرسول ﷺ أو نهى عنه فتركه مذموم مَنْهِيٌّ عنه، وذلك يستلزم الحُجِّية، والمتبادر من عدم الوجود ألا يكون مذكورًا في الكتاب لا إجمالًا، ولا تفصيلًا.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود من حديث العرباض بن سارية في ٤/ ٢٠١، في كتاب السنة باب في لزوم السنة (٤٦٠٧)، والترمذي ٥/ ٤٤ في العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع (٢٦٧٦)، وقال حسن صحيح وابن ماجه ١/ ١٦ في المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين ٤٣، والحاكم وقال صحيح ليست له علة ١/ ٩٦ في كتاب العلم.\n(^٢) أخرجه أبو داود من حديث أبي رافع ﵁ ٤/ ٢٠٠ في كتاب السنة، باب في لزوم السنة (٤٦٠٥)، والترمذي ٥/ ٣٧، في كتاب العلم، باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث النبي ﷺ ٢٦٦٣ وقال: حسن صحيح وأخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ١/ ١٠٨ - ١٠٩ في كتاب العلم.\n(^٣) أبو داود من حديث المقداد بن معد يكرب ٤/ ٢٠٠ في كتاب السنة، باب في لزوم السنة (٤٦٠٤)، والترمذي ٥/ ٣٨، في العلم، باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث النبي ﷺ (٢٦٦٤) وقال: حسن غريب من هذا الوجه، وابن ماجه ١/ ٦ في المقدمة باب تعظيم حديث رسول الله ﷺ ١٢، والدارمي ١/ ١١٤ في المقدمة باب السنة قاضية على كتاب الله.","vol":"1","page":143},{"text":"ولقد بوَّب الخطيب البَغدادِيّ في \"كفايته\" (^١) بابًا فقال: باب ما جاء في التَّسْوية بين حكم كتاب الله - تعالى - وحكم سنة رسول الله ﷺ في وجوب العَمَلِ، ولزوم التكليف، وَذَكَرَ الحديثين.\nوقال الشافعي (^٢) ﵀: وما سَنَّ رسول الله ﷺ فيما ليس لله فيه نصّ حكم، فبحكم الله سَنَّة، وكذلك أخبرنا الله في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [سورة الشورى: الآية ٥٢] وقد سن رسول الله مع كتاب الله، وسن فيما ليس فيه بعينه نصّ كتاب، وكل ما سن فقد ألزمنا الله باتباعه، وجعل في اتباعه طاعته، وفي العُنُودِ عن اتباعها معصيته التي لم يعذر بها خَلْقًا، ولم يجعل له من اتباع سنن رسول الله ﷺ مخرجًا.\nوبهذا يتضح لنا حُجِّية السُّنة بأقسامها الثلاثة، فطاحت شبهة المعاندين.\n\n<span data-type='title' id=toc-155>الإجْمَاعُ</span>\nثمَّ ثلَّثْنا بالكَلامِ عن الإجْمَاعِ، وتعريفه اللُّغوي، والاصطلاحي، وسوف نتكلم عن مبحثين.\nالمبحث الأول: فيما تتوقف عليه الحجِّيَّة للإجماع.\nوالمبحثُ الثاني: في إثْباتِ أن الإجماع حجة.\nومسالك هذا من: الكتاب، والسُّنَّةِ، والمعقول.\nيُطْلَقُ الإجماع في اللُّغَة على معنَيَيْنِ: أحَدُهُمَا: الْعَزْم، يقال: أجْمَعْتُ المسير والأمر، وأجْمَعْتُ عليه، أيْ: عزمْت، فهو يتعدَّى بنَفْسِه وبالحرف، وقد جاء بهذا المعنى في الكتابِ والسنَّة، قال تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [سورة يونس: الآية ٧١] أي: اعْزِمُوا، وقال ﷺ: \"مَنْ لَمْ يُجْمِع الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلا صِيَامَ لَه، أيْ: لم يَعْزِمْ عَلَيْهِ فَيَنْويَهُ.\nثانيهما: الاتِّفاق، ومِنْه يُقالُ: أجْمَع القَوْمُ على كذا، إذا اتَّفقوا، قال في القاموس: \"الإجْمَاع الاتِّفاق، والعَزْم على الأَمْر\".\nقال الغَزَالِيُّ وَالإِمَام الرَّازِيُّ وَالآمِدِيُّ وَالْعَضُدُ وغيرهم: الإجماعُ لغةً: يقال بالاِشْتراك اللَّفظيِّ على معنَيَيْن، أحدُهُما: الجَزْمُ على الشَّيْء والتَّصْمِيم عَليْه، قال اللَّهُ تعالى:\n_________\n(^١) الكفاية في علم الرواية ص ٨.\n(^٢) الرسالة ٨٨ - ٨٩.","vol":"1","page":144},{"text":" ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾، وَقَالَ: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [سورة طه: الآية ٦٤]، وقال: ﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ [سورة يوسف: الآية ١٥]، وقال ﷺ: \"لا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ\" وعلى هذا يصحُّ إطْلاقُ اسْمِ الإجْماع على عَزْم الواحِدِ.\nوالثَّانِي الاتِّفاق: يقال: أجْمَع القَوْمُ على كذا، أيْ: صاروا ذَوِي جَمْعٍ كما يقال: أَلْبَنَ وأَتْمَرَ، إذا صَار ذا لَبَنٍ وتَمْرٍ، وعلى هذا فاتِّفاق كلِّ طائفةٍ على أمْرٍ من الأمور دِينيًّا كان أو دنيويًا، يسمَّى إجماعًا حتَّى اتفاق اليَهودِ والنَّصَارى، وقال صاحبُ \"المُسَلَّم\" في \"المُسَلَّم\" وحاشيتِهِ، وهو لغةً: العَزْمُ والاتِّفَاق، وكلاهما من الجَمْع، أي: منقولٌ ومأخوذٌ مِنْه؛ لأن العَزْمَ باجتماعِ الخَوَاطِرِ، والاتفاق باجتماع الأعْزامِ، وفيه ردٌّ على شارحِ المُخْتَصَرِ، حيث قال: الإجماعُ لغةً يطلَقُ على معنيين، أحَدُهُما: العَزْم، ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ أي: اعْزِمُوا، ومِنْه: \"لا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ\".\nوثانِيهِما: الاتِّفاق، وحقيقة: أجْمَعَ، صارَ ذَا جَمْعٍ، كأَلْبَنَ وأتْمَرَ. وكلامُه يُفِيدُ أنَّ الإجْماعَ مشْتَرَكٌ مَعْنَوِيٌّ مَوْضُوعٌ لصيْرُورةِ المَرْءِ ذا جَمْع الشَّاملة لصَيْرُورَتِهِ ذا جَمْع لخواطره، وصيرورته ذا جمع لعزمه أو رأْيه مع أعْزَام القَوْم أو آرائِهم، وقال القاضي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ: العَزْمُ يَرْجِع إلى الاتِّفاق؛ لأنَّ من اتَّفَق على شَيْءٍ، فقد عَزَمَ عَلَيْه، وعلى هذا يكونُ العَزْم لازِمًا للاتِّفاق، فالإجْمَاع عِنْده حقيقةٌ من الاتِّفاق مجاز في العَزْم.\nوقال ابنُ أمير حاج صاحبُ \"التقرير\": لِقَائِل أَنْ تقُول: المعنَى الأصليُّ له العَزْم، وأما الاتِّفاقُ فلازمٌ اتفاقيٌّ ضروريٌّ للعَزْمِ من أكْثَرَ منْ واحدٍ؛ لأن اتِّحادَ متعلِّقِ عَزْمِ الجماعةِ يوجِبُ اتِّفاقَهم عَلَيْه، لا أن العزم يَرْجِع إلى الاتفاق؛ لأن من اتفق على شَيْءٍ، فقد عزَم عَلَيْه، كما ذكره القاضي، فإنَّه ليس بمطَّرِدٍ، ولا أنه مشتركٌ لفظيٌّ بينهما كما ذَكَره الغزاليُّ أو لا ملجئ إليه مع أنه خلاف الأصل وقال ابْنُ برهان وابْنُ السمعاني: العزم: أَشْبَهُ باللُّغَةِ، والاتِّفاق: أشبه بالشَّرْع، ويجاب عنه بأن الاتِّفاق، وإن كان أشبه بالشَّرْع فذاك لا ينافي كونَه معنىً لغويًّا، وكون اللَّفْظ مشتركًا بينه وبين العزم قال أبو عليٍّ الفارسي: يقال: أجمع القوم إذَا صَارُوا ذَوِي جَمْعٍ، كما يقال: أَلْبَنَ، وأتمر إذا صَار ذا لبن، وتمر، والَّذي يظهر لي في تحرير المعنى اللُّغوي أَن بين العزم، والاتفاق عمومًا وخصوصًا وجهيًا يجتمعان في اتفاق الجماعة في إرادة شيءٍ وينفردُ العزمُ في إرادة الواحِد، وينفرد الاتِّفاق في اتفاق الجماعة في قول أو فعل بدون إرادة وعزم.","vol":"1","page":145},{"text":"ولا رَيْبَ في أن المعنى الثاني بالاصطلاحي أنسب، فإنَّ الاتفاق مطلق يشمل اتفاق جمع ما، ولو كفارًا على أمر ما ولو معصية، والاصطلاحي اتِّفاق فقيد.\nوقال ابن أمير حاج: كون المعنى الثاني أنْسَب مبنيٌّ على أنه إذا لم يبق من المجتهدين إلا واحد لا يكون قوله حجَّةً كما هو أحد القولين أي: وأما على رأي من يقولُ إنَّه حجَّة يكون المعنى الأول أَنْسَبَ، فمن قال: إنه حجَّةً لا يقول إنه إجَماع؛ لأنه لا يصْدُق عَلَيْه تعريفُ الإجْماع، فلا يكونُ المَعْنى الأوَّل أنْسَبَ، ويكون المعنى الثاني هو الأنْسَبُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-156>الإجْمَاعُ اصْطِلاحًا:</span>\nعرَّفه الرازيُّ في \"المَحْصُول\" بأنه: \"عبارةٌ عن اتِّفاقِ أهْل الحَلِّ والعَقْدِ من أمَّة محمَّد ﷺ على أمْرٍ من الأمورِ\".\nوعرَّفه الآمِدِيُّ بقوله: \"عبارة عن اتِّفاقِ جمْلَةِ أَهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ من أمَّةِ محمَّدٍ ﷺ في عَصْرٍ مِنَ الأَعْصَارِ على واقعةٍ مِنَ الوقائعِ\".\nوعرَّفه النَّظَّامُ من المعتزلة بقولهِ: \"هُو كلُّ قولٍ قامَتْ حُجَّتُهُ حتَّى قول الواحِد\".\nوعرَّفه سراجُ الدِّين الأرمويُّ في \"التحصيل\" بقوله: \"هو اتِّفاقُ المُسْلِمِين المُجْتَهِدِينَ في أحْكَام الشَّرْع على أمْرٍ ما مِن اعتقادٍ، أو قولٍ، أو فعل\".\nويمكن أن يُعَرَّف بأنَّه اتِّفاقُ المجتهدين مِنْ هذه الأمَّة بَعْد وفاة محمَّد ﷺ في عَصْرٍ على أمْرٍ شرعيٍّ.\nفقولُنا: \"اتِّفاق\" جنْسٌ في التعريف يَعُمُّ كلَّ اتفاقٍ، وخرج عنه أمْرَانِ: اختلافُ المجتهدين، وقولُ المجتهدِ الواحِدِ، إذا انفرد في عَصْرٍ، فإنه لا يكونُ إجْماعًا؛ لأنَّ الاتفاق أقلُّ ما يتحقَّق بين اثنين، والمرادُ به الاشتراكُ في الاعتقادِ أو القَوْلِ أو الفِعْلِ أو ما في معناها كالسُّكُوت عِنْد مَنْ يرى أن ذلك كافٍ في الإجماع، ولمَّا كانَتِ العبرةُ في الإجماع بالاعتقاد كما يؤخَذُ من كلامِهِمْ في مواضع، فالمرادُ به الاشتراكُ في الاعتقاد فقَطْ، أو في الاعتقادِ مع القَوْلِ، أو في الاعتقادِ معَ الفِعْل، وهذا معْنَى قَوْلِ مَنْ قال: أو مانعة خلو تجوز الجمع، ومعنى الاشْتِرَاك في الاعتقاد أن يعتقدوا جميعًا الحكم المُجْمَعَ عليه، وفي القول أن يتكلموا بما يَدُلُّ عليه، وفي الفعل أن يأتوا بمتعلَّقه، إذا كان من باب الفعل، وفي السُّكوت أن يقولَ بَعْضُهُم حكمًا في مسألة اجتهاديَّةِ، ويسكت الباقون بعد العلم به، ومضى مدة التأمّل عَادَةً","vol":"1","page":146},{"text":"سُكوتًا مجردًا عن إمارَةِ سخط وتقِيَّةٍ، وكل من الاتفاق القولي، والعمليب يسمَّى عزيمة، والسكوتي يسمَّى رخصة.\nوقولنا: \"المجتهدين فيه\" للاستغراق، فيقضي أنه لا بُدَّ مِنَ الكُلِّ فخرج به أمران اتفاق العوام إذ لا عِبْرَةَ به على التَّحقيق، واتِّفاق بعض المجتهدين مع مخالفة الآخرين.\nوقولنا: \"من هذه الأمة\" خرج به اتفاق مجتهدي الشَّرائِعِ السَّالِفَةِ.\nوقولنا: \"بعد وفاة محمد ﷺ\" مُتَعَلِّقٌ بـ \"اتفاق\"، لا بالمجتهدين؛ لأن المجتهدين قبل وفاته اتفاقهم حجة بعد وفاته، وخرج به اتفاق المجتهدين في حياته؛ لأن قولهم دونه لا يصح، وإن كان معهم فالحجَّة في قوله، وقولنا في عصر أيْ: في زمان قل أو كثر، وهو نكرة فالمراد الاتفاق في أيِّ عصر كان، وقيل: لولاه لم يدخل إلا اتفاق كل المؤمنين إلى يوم القيامة، ولكن الحقَّ أن الأمة تطلق على الموجودين في عصر كما تُطْلَقُ على كل المؤمنين من لَدُنِ الْبَعْثَةِ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، والمتبادر هو الإطلاق الأول، فيصح الاستغناء عنه ولذا قال التفتازاني في \"التَّلويح\": ولا يخفى أن من تركهُ أي قَيْد \"في عصر\" إنَّما تركه لوضوحه لكن التصريح به أَنْسب بالتعريفات أيْ: لاحتمال لفظ الأمَّةِ المعنى الثاني: وهو كل المؤمنين، وقولنا: على أمر شرعيٍّ قيَّدْنَاهُ بالشَّرْعي؛ لأن الكلام في الإجماع الذي هو أحد الأدلة الشرعيَّة، وهذا لا ينافي أنه قد يجمع على أمر لغوي، أو عقلي، أو دنيويٍّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-157>المَبْحَثُ الأَوَّلُ فِيمَا تتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الحجِّيَّةُ:</span>\nإن إثْبَاتَ حُجِّيَّةِ الإجْمَاعِ يرتكز على دعائمَ ثلاثٍ، إمكانه في نفسه، وإمكان العلم به، وإمكان نقله إلى من يحتج به، ولَقَدْ أراد منكرو حجيته أن يأتوا البنيان من قواعده فأنكروها، وقالوا: على وجه الإجْمَالِ يمتنع ثبوت الإجماع، ولو ثبت يمتنعُ العلم به، ولو علم يمتنع نقله إلى المجتهد فقد أسندوا كَلامَهُم إلى ثَلاثِ جهات فلا بد لهذا من ثلاثة مقامات:\n\n<span data-type='title' id=toc-158>المَقَامُ الأَوَّلُ في بيانِ إمْكَان الإجْمَاعِ:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أنَّه ممكن وادَّعى بَعْضُ النَّظَّامِيَّةِ والرَّوافض استحالته، وتحرير محل النزاع أنه لا خلاف لأحدٍ في إمكان الإجماع عقلًا؛ لأن العقل لا يمنع من تصور اتِّفاق المجتهدينَ في عصر على حُكْمٍ من الأحكام؛ ولأن أدلَّتهم إنَّما تنتج استحالته","vol":"1","page":147},{"text":"في حكم العَادَةِ، ولا في جوازه في ضَرُورِيَّاتِ الأحكام، وإنَّما النزاع في إمكانه عادة في الأحكام التي لا تكون معلومة بالضَّرورة، ونسب ابن الحاجب هذا القول إلى النَّظَّام ووافقه الكَمَالُ بن الهمام، وذكر العلامة السُّبْكيُّ أن هذا قول بعض أصحابه، وأمَّا رأي النَّظَّام نَفْسِهِ مع بعض أصحابه، فهو: أنَّه يتصور، ولكن لا حجية فيه هكذا نقله القاضي وأبو إسحاق الشيرازيُّ وابنُ السمعانيِّ وهي طريقة الإمام الرازي وأتباعه في النقل عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-159>شُبَهُ المُخَالِفِينَ في إمْكَانِ الإجْمَاعِ:</span>\nفي هذا الصَّدد لم يلجأ معظم المصنِّفين إلى أدلَّةِ لإثبات دعوى الجمهور، وهي إمْكان الإجماع، بل اكتفوا بإيراد شبه الخصوم ثم هدمها، وفي ذلك إشْعَار بأن دعواهم بلغت من البداهة إلى حدٍّ لا تحتاج فيه إلى دليلٍ، أو تنبيهٍ، ورُبَّ سكوت أفْصَحُ من كلام.\nقالوا: أولًا: لو أمكن اتِّفاقهم لأمكن نقل الحكم إليهم جميعًا؛ لأن اتفاقهم فرع تساويهم في نقل الحكم إليهم فلا يتَّحققُ إلَّا بعد تحققه، ونقل الحكم إليهم جميعًا باطل، لأن انتشارهم في الأقطار يمنع منه عادة فبطل المقدم، وثبت نقيضه، وهو عدم إمْكَانِهِ.\nوالجوابُ: قولكم: \"انتشارهم في الأقْطَارِ يَمْنَعُ من نقل الحكم إليهم\" مَمْنُوعٌ فإنَّهُ لا منع في المتواتر كالكتاب فهو لشهرته لا يخفى على أحد، ولا في أوائل الإسلام، لأن المجتهدين كانوا قليلين فيتيسَّر نقل الحكم إليهم، ولا بُعْدَ في جِدِّهم في الطَّلب والبحث، فإن المطلوب لا يخفى على الطَّالب الجاد، وجدهم في طلب العلم لا ينكره أحد، فمنهم من رَحَل من أصْفَهَانَ ببلاد الفرس إلى معرَّة النُّعمان بالشَّام على بعد ما بين البلدين، ولم يكن من غرض سوى تحقيق بعض مسائل العلم، وأمْثَال هذا من طُلَّابِ العلم من المسلمين كثير تقرأ تاريخ حياتهم فتجدهم تحملوا المشاقَّ، واقتحموا العقبات، وساحوا في أرْجَاء الدُّنيا العربية من \"الفرس\"، و\"العراق\"، و\"الشام\"، و\"مصر\"، و\"الأندلس\" ليدرسوا على مشاهير العلماء، وليطفئوا نيران ظَمَئِهم إلى العلوم بالري من مناهله، وبالجملة لم نجد أمة بذلت في هذا المِضمار مثل ما بذلت هذه الأمة.\nقالوا ثانيًا: لو أمكن اتفاقهم، فإمَّا أن يكون عن قاطع، أو ظنيّ إذْ لا بد للإجماع من مستند، وليس وراءهما مُسْتَنَدٌ يُستند إليه، والتالي بشقيه باطل أمَّا القَاطِعُ فلأن العادة تحيل عدم الاطّلاع عليه لِتَّوَفُّرِ الذَواعي على نقله، ولو اطلع عليه لنقل، لكنه لم ينقل فلم يطلع","vol":"1","page":148},{"text":"عليه، فليس الإجْمَاعُ عن قطعيٍّ، والظنيُّ تحيل العادة الاتفاق عليه لاختلاف القرائح، وتباين الأنْظارِ.\nوالجواب بالمنع فيهما، أمَّا القاطع فلأنه لا يجب نقله عادة إذْ قد يستغنى عن نقله بحصول الإجْماع الذي هو أقوى مِنْهُ لعدم احتماله النسخ، بخلاف القاطع، وأمَّا الظنيُّ فلأنه قد يكون جليًّا فتقبله القرائح فتتفق عليه، واختلاف القرائح والأَنْظَارِ إنَّمَا يمنع الاتِّفاق في الظنِّ الخفيِّ دون الجليِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-160>الْمَقَامُ الثَّانِي فِي بَيَانِ إِمْكَانِ الْعِلْم بإلْإجْمَاعِ:</span>\nزَعَمَ منكرو الإجْمَاعِ أنَّهُ على تقدير إمكانه، فالعلم به مُحَالٌ.\nوقالوا في بيانه: الطريق إلى العلم بإجماعهم إمَّا اللإخبار بأن يخبر أهل الإجماع عن اتفاقهم، وإمَّا الحسُّ بأن نشاهد منهم فعلًا، أو تركًا يدلُّ على ذلك، وكون الطريق إليه واحدًا منهما باطل، فإنَّ سماعَ الأخبار يدلك من كل واحد من أهْلِ الإجماع، أو مشاهدة فعل أو ترك منه يدل عَلَيْهِ يتوقف على معرفة أعْيَانِهِم واحدًا واحدًا، ومعرفة معتقدهم في هذه المسأَلَةِ، ومعرفة اجتماعهم عليه في وقت واحد والوفوف على هذه الثَّلاثة متعذر أمَّا الأوَّل: فلانتشارهم شرقًا وغربًا مع جواز خَفَاءِ واحد منهم بأنْ يكون أسيرًا، أو محبوسًا في مطمورة، أو منقطعًا في جبل، أو خَامِلًا لا يعرف أنَّهُ من المجتهدين، وأمَّا الثاني: فلاحتمال أن بعضهم يكذب، فيفتي على خِلافِ اعتقاده خوفًا من سُلْطَان جائرٍ، أو مجتهد ذي منصب أفتى بخِلافه.\nوأمَّا الثالث: فلاحتمال رجوع أحَدهم قبلَ فتوى الآخر، وتقرير هذه الشُّبْهَةِ هكذا: العلمُ باتِّفاقِ المجتهدين يتوقَّف على معرفة أعيانهم، واعتقادهم، واجتماعِهِم في وقت واحد، وكل ما كان كَذلِكَ، فهو محال عادةً، فالعلم باتفاقهم محال عادة، الصُّغرى ضرورية، والكبرى ودَلِيلُها ما تقدَّمَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-161>المقام الثالث في إمكان نقله إلى من يحتج به:</span>\nهذه هي النقطة الثالثة التي أنكرها بعض النظامية والروافض توصلًا إلى إنكار حجية الإجماع، قالوا: لو أمكن نقل الإجماع، فإما أن يُنقل بطريق الآحاد أو التواتر، والتالي بشقيه باطل.","vol":"1","page":149},{"text":"أمَّا الآحاد: فلأنها لا تفيد، إذ لا يجب العمل به في الإجماع، وأما التواتر: فلأنه يجب فيه استواء الطرفَيْن والواسطة ومن البعيد جدًّا أن يشاهد أهل التواتر جميع المجتهدين شرقًا وغربًا، ويسمعوا منهم، وينقلوا عنهم إلى مثلهم، وهكذا طبقة بعد طبقة إلى أن يصل إلينا.\nوقد أجاب عن شبهة المقامين كثير من المؤلفين بأنه تشكيكٌ في مصادمة الضرورة؛ لأنَّا قاطعون بإجماع كل عصر على تقديم القاطع على المظنون، وقد تواتر إلينا أيضًا إجماع الصحابة على ذلك بحيث لا شبهة فيه، وما ذلك إلا بثبوته عنهم وبنقله إلينا، وقد أورد الشوكاني عليه، وهو ممن يرى عدم إمكان نقله: أنه مصادرةٌ على المطلوب؛ إذ قد أثبتم إمكان نقل الإجماع بنقل الإجماع، وهو إثبات للشيء بنفسه، وهو إيراد ساقطٌ؛ فإنا قد أثبتنا مُدَّعانا بتحقق صورة خاصَّة مفروضة التسليم والثبوت من الطرفين، وهذه الصورة لا يتوقف ثبوتها والقول بها على القول بإمكان نقل الإجماع، وأورد ثانيًا أن تقديم القاطع أمر ضروريٌّ يعرف اتفاقهم عليه من أن مثله لا ينكره أحد؛ إذ من المعلوم أن كل متشرع لا يقدم الحجة الضعيفة على الحجة القوية، وأما من طريق النقل تواترًا فلا، فثبت أن العلم بالإجماع ونقله غير ممكنَيْنِ.\nوجوابه كما يؤخذ من شارح \"المسلم\" أنه في القرون الثلاثة لا سيما القرن الأول كان المجتهدون معلومينَ بأسمائهم، وأعيانهم، وأمكنتهم، ومعرفة أقوالهم ومذاهبهم ميسورة للطالب الجادِّ، وكلهم في ذلك العصر مجدون؛ فإنهم يعلمون أن اتفاق كل المجتهدين حجة قطعيَّة من الأحاديث الواردة في ذلك؛ فهم يجدون في طلبه كما يجدون في طلب الكتاب والسنة، وقد علِمنا علمًا ضروريًا بطريق التجربة والتكرار، أي: تجربة الناس لهم وتكرار استفتائهم واحدًا بعد واحد - عدم رجوعهم عما هم عليه قبل قول الآخر، وقامت القرائن الجلية والخفية على أنهم لم يكذبوا لا عمدًا ولا سهوًا؛ كيف وهم الذين لم نسمع بمثلهم في عدالتهم، ودقتهم، ونزاهتهم، وتقديمُ القاطع على المظنون من هذا القبيل، فإنَّه علم بالمشاهدة أن المجتهدين من الصحابة والتابعين كانوا يقدَّمون القاطع على المظنون، وعلم أن ذلك كان مذهبًا لهم، وأن واحدًا منهم لم يرجع قبل تقديم الآخر، فثبت أن إجماعهم قد وقع من غير ارتيابٍ، فقد ثبت جليًّا أن العلم بالإجماع بطريق النقل أمْرٌ ممكن.","vol":"1","page":150},{"text":"<span data-type='title' id=toc-162>المَبْحَثُ الثَّانِي فِي إِثْبَاتِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ:</span>\nالإجماع حجَّة قطعًا عند الجميع من أَهْلِ القبلة، ويفيد العلمَ الجازمَ، ولا عبرة بمن خالف في حجيَّته كالنَّظَّامِ والشِّيعة، وبعض الخوارج؛ لأنهم قليلون من أهل البدع والأهواء قد حَدَثوا بعد الاتفاق، يشككون في الضَّرُوريات الدِّينيَّة، كالسُّوفسطائيَّةِ في الضَّروريات العقليَّة، وقد احتجَّ أهل الحقِّ بمسالك من الكتاب والسُّنَّةِ والمعقول.\n\n<span data-type='title' id=toc-163>المَسْلَكُ الأَوَّلُ الْكِتَابُ:</span>\nاستدلَّ الشافعيُّ ﵁ على حجيَّةِ الإجماع في \"رسالته\" بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [سورة النساء: ١١٥] ذكر العلامة السُّبْكِيُّ: أَنَّ الشَّافِعِيَّ اسْتَنْبَطَ الاسْتِدْلَالَ بِهذِهِ الآيَةِ بَعْدَ أَنْ تَلَا الْقُرْآنَ ثَلاثَ مرَّاتٍ، وأَنَّهُ لَمْ يسبق إليه، وقد احتجُّوا بآياتٍ أخرى، ولكن هذه الآيَة أشهرها وأقواها دلالة.\nووجه الدِّلالَةِ فيها كما يؤخذ من شرح العضد على المختصر: أن الله ﷾ جمع بين مُشَاقَّةِ الرسول، واتِّباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد؛ فيلزم أن يكون اتّباع غير سبيل المؤمنين حرامًا إذْ لا يضم مباح إلى حرام في الوعيد كالزِّنا وأكل الخبز مثلًا، وإذا حرم اتباع غير سبيلهم وجب اتِّباع سبيلهم، إذْ لا مخرج عنهما وَالإِجْمَاعُ سَبِيلُهُم فيجب اتباعه.\nقَالَ السَّعْدُ: قوله: \"إذ لا مَخْرَجَ عنهما\" إشارة إلى أن حُرْمَةَ اتِّبَاعِ غير سبيلهم، وإنْ كانت أعمَّ من وجوب اتباع سبيلهم بحسب المفهوم - لكن لا مخرج بحسب الوجود من اتِّبَاع غير سبيلهم واتباع سبيلهم؛ لأن ترك اتِّباع سبيلهم اتباع لسبيل غيرهم إذْ معنى السبيل ههنا ما يختاره الإنْسانُ لنفسه من قول أو فِعْلٍ، وقد اعتُرِضَ على هذا الدَّليل بوجوهٍ كثيرةٍ، وانفصلوا عنها، أصْعبها ما نذكره، وهو أن هذه الآية ظاهرة لعدم قطعيَّة لفظ \"سبيل المؤمنين\" في خصوص المُدَّعَى، وهو ما أجمع عليه واحتماله وجوهًا من التَّخْصِيص، لجواز أن يراد سبيلهم في متابعةِ الرسول أو في مناصرته، أوْ في الاقتداء به، أوْ فيما به صاروا مؤمنين، وهو الإيمان، وإذا قام الاحتمال كان غايتها الظُّهُور، والتَّمَسُّك بالظَّاهر إنَّما يثبت بالإجماع، ولولاه لوجب العملُ بالدلائل المانعةِ من اتِّباع الظنِّ نحو قوله تعالى:","vol":"1","page":151},{"text":" ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [سورة الإسراء: ٣٦] فيكون إثباتًا للإجماع بما لا تثبت حجيته إلَّا به فَيَصِيرُ دورًا، وأجَابَ شَارِحُ التَّحْرِير على طَرِيقَةِ أكْثَر الحَنَفِيَّةِ بما حاصله أنَّا لا نُسَلِّمُ أن الآية ليست قطعِيَّةً، بل هي قطعية، واحتمال التَّخْصِيصِ غَيْرُ قَادِح فَإِنَّ حكم العامِّ ثبوت الحكم فيما يتناوله قطعًا فيتم التَّمَسُّكُ بها من غير احتياج إلى الإجْمَاعِ فلا دَوْرَ، ونَاقَشَهُ شَارِحُ \"المُسَلَّمِ\" بأن معنى كون العام قَطْعِيًّا فيما يتناوله أنه لا يحتمل خلافه احتمالًا ناشئًا عن دليل، وإنْ كَانَ فيه مطلق احتمال فهو قَطعِيٌّ بالمعنى الأعم، والإجْماعُ قطعيٌّ بمعنى أنه يقطع الاحتمال مطلقًا فهو قطعي بالمعنى الأخص، فالعامُّ وإنْ قُلْنا بقطعيَّتِهِ لا يَصْلُحُ أصْلًا، ومثبتًا للإجماعِ إذِ المستند إلى الشيء لا يكون أعلى حالًا منه، وأُجِيبُ ثانيًا: سلَّمْنَا أن الآية ليست قطعيَّة بل غايَتُها الظُّهور، لَكِنَّا لا نسلم أنَّ التَّمسك بالظَّاهر، إنَّما يثبُتُ بالإجْمَاعِ، بل لأن الْعُدُولَ إلى خلافه بلا دليل يحتمله غير معقول.\n\n<span data-type='title' id=toc-164>المَسْلَكُ الثَّاني السُّنَّةُ:</span>\n<span data-type='title' id=toc-165>احتجُّوا منها بأحاديث كثيرةٍ:</span>\nمنها: ما أخرجه أبو داود عن أبي مالك الأشعريِّ ﵁ عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال: \"إنَّ الله أجَارَكُم مِنْ ثَلَاثِ خِلَالٍ ألَّا يَدْعُوَ عَلَيْكُم نَبِيُّكُمْ فَتَهْلِكُوا وألَّا يَظْهَرَ أهْلُ الْبَاطِلِ عَلَى أهْلِ الْحَقِّ وألّا تَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلَالةٍ\".\nومنها ما رواه أحْمَدُ والطَّبَرَانِيُّ عن ابن هَانِئٍ الخَوْلَانِيِّ عمَّن أخبره عن أبي بُصْرةَ الغفاريِّ قال: قال رسول الله ﷺ: \"سَأَلْتُ رَبِّي أرْبَعًا فَأَعْطَانِي ثَلَاثًا وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً سألتُ رَبِّي ألَّا تجتمع أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ، فَأَعْطَانِيها … \" الحديث.\nقال في \"التُّقْرِيرِ\": قال شيخنا الحافظُ رجاله رِجَالُ الصَّحِيح إلا التابعي المبهم، وله شاهد مرسل أيضًا أخرجه الطبريُّ في تفسير سورة الأنعام.\nومنها قوله ﷺ: \"إنَّ الله لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي، أوْ قَالَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَى ضَلَالَةٍ ويدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إلى النَّارِ\" رواه الترمذي عن ابن عمر ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ وقال: غريب من هذا الوجه.\nومنها ما رواه ابن مَاجَه بلفظ \"إنَّ أُمَّتِي لا تجتمع على ضلالة فإذا رأيتم الاختلافَ فعليكم بالسَّوادِ الأَعْظَمِ\".","vol":"1","page":152},{"text":"ومنها قوله ﷺ: \"مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ\" أخْرَجَهُ الحاكم في \"مستدركه\" من حديث أبي ذَرٍّ، إلى غير ذلك من الأحاديث الَّتي لا تُحْصَى ووجه الاستدلال بها أنها وإن رُويت آحادًا لكن الْقَدْرَ المشترك بينها - وهو عِصْمَةُ هذه الأُمَّة عن الخطأ، والضَّلَالة - قد تواتر وحصل العلم به لما صَرَّحُوا به من أن كثْرَة الآحاد المتفقة في معنى، ولو التزامًا توجب العلم بالقدر المُشْتَركِ بينها، وهذا العلم ضروريٌّ لا يحتاج إلى دليل، بل يعلم تحققه عند الرجوع إلى الوجدان، وهو المسمَّى في الاصطلاح بالتواتر المعنوي كَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ وجود حَاتِمٍ، وقد اعترض على هذا الدَّليل من وجهين: الأَوَّلُ أنا لا نُسَلِّمُ أن هذه الأحاديث بلغت مبلغ التواتر المعنوي، فإنَّهُ ليس بمستبعد في العرف إقدام عشرين على الكذب في واقعةٍ معيَّنةٍ بعبارات مختلِفَةٍ، والجواب أن ما ذكر تشكيك في الضَّرُورِيِّ فإنَّ كلَّ واحد من هذه الأخبار بانفراده، وإنْ جاز تَطَرُّقُ الكذب إليه إلا أن كلَّ عاقل يجدُ من نفسه بعد الاطِّلَاع على جملة هذه الأخبارِ أن قصد رسول الله ﷺ منها تعظيمُ هذه الأُمَّةِ، وعصمتها عن الخَطَأ كما علم بالضَّرورة سخاءُ حاتمٍ، وشجاعةُ عليٍّ، وإقدام عشرين، أو أكثر من العدول الأَخْيَارِ من أصحاب رسول الله ﷺ على الكذِبِ في واقعة من الوقائع مما لا يَكَادُ يُتَوَهَّمُ خصوصًا وقد تلقَّتِ الأُمَّةُ هذه الأخبار بالقَبُولِ، واحتجت بها في عصر الصحابة والتابعين على أنَّهُ لو تَمَّ ما قلتم لاقْتَضَى إنْكَار التَّوَاتُرِ المَعْنَوِيِّ رَأْسًا إذْ مثله يرد على كلِّ ما ادَّعَى تواتر معناه.\nالوجه الثَّاني على تقدير تَسْلِيمِ تواتر هذه الأخبار، فتواتر المَعْنَى المُرَادِ، وهو الْقَدْرُ المشترك - غير مسلم؛ لأنه إمَّا أنْ يَكُونَ هو أن الإجماع حُجَّةٌ أو معنى آخر، فعلى الأوَّلِ يلزمكم ادِّعاءُ أن حجيَّةَ الإجماع متواترة، وأنَّ مثلها كمثل غزوة بدر، وذلك باطل وإلَّا لما وقع فيها خلاف وعلى الثَّاني فإنْ أردتم به تعظيم الأُمَّةِ مُطْلَقًا فلا يفيد الغرض، وإن أردتم به التَّعْظِيمَ المنافي لإقْدَامِهِم على الخطأ في شَيْءٍ ما، يعني عِصْمَةَ الأُمَّةِ رجع إلى الأوَّلِ وقد أبطلناه، وجوابه إمَّا باختيار الشِّقِّ الأوَّلِ، ونقول إنه مُتَواتِر قطعًا لا ريب فيه، وقولكم لو تواتر لكان كَغَزْوَةِ بدر، قلنا: هو كَغَزْوَة بدر. كيف وقد تواتر من لَدُنْ رسول الله ﷺ إلى الآن تخطئةُ المُخَالِفِ للإجماع؟ وهل هذا إلا تواتر لحجيَّته؟ والتواتر لا يوجب أنْ يَكُونَ الكُلُّ عالمين به؛ ألا ترى أن أكثر العوامِّ لا يَعْلَمُونَ غزوةَ بدر أصلًا؟ بل المتواتِرُ إنَّمَا يكون متواترًا عند من وصل إليه أخبار الجماعة، وذلك بمُطَالَعَةِ الوقائع، والمُخَالِفُونَ لم يطالعوا،","vol":"1","page":153},{"text":"وإمَّا باختيار الشَّقِّ الثَّاني، وهو أن المُرَاد بِالْقَدْرِ المشتركِ عِصْمَةُ الأُمَّةِ، وقولكم: \"يرجع إلى المعنى الأول\" غير صحيح، بل هو معنى آخر يلزمه المعنى الأول.\n\n<span data-type='title' id=toc-166>المَسْلَكُ الثَّالِثُ: المَعْقُولُ:</span>\nولنا فيه دليلان:\nالدليل الأوَّل: أنَّهُم اتَّفقُوا في كل عصرٍ على القطع بِتَخْطِئَةِ المُخَالِفِ للإجماع من حيث هو إجماع، وعدُّوا تَفْرِيقَ عَصَا الجماعة من المسلمين أمرًا عظيمًا، وإثمًا كبيرًا، والعادةُ تحيل اجتماع هذا المبلغ من الأخْيَارِ المحقِّقِينَ من الصَّحَابة، والتَّابعين على قطع في حكم شرعيٍّ، لا سيَّما القطعُ بكون المخالفةِ أمرًا عظيمًا، إلَّا عن نصٍّ قاطع على خطأ المخالف، بحيث لا يكون للارتياب فيه احتمال، فإنَّهُ قد علم بالتَّجْرِبَةِ، والتَّكْرَارِ من أحوالهم، وفتاويهم علمًا ضروريًّا أنَّهم ما كانوا يقطعون بشيءٍ إلَّا ما كان كالشَّمسِ على نصف النَّهَارِ، ولا أدَلّ على تحفُّظهم ودقَّتِهِم من امتناعهم عن جمع القرآن؛ لأنه لم يجمع في عَصْرِ الرَّسُولِ، ولم يأمرهم به، ومن برضاهم بالزَّجِّ في السُّجُونِ، واستعذابهم الجلد، والعذاب دُونَ أن يفوهوا بما يُوهِمُ خلاف الشَّريعة، فبعيد على هؤلاء أن يَقُولوا، بل يقطعوا بحكمٍ، إلا عن نصٍّ قاطعٍ، وإذَا قطعنا بتخطئة المُخَالِفِ للإجماع قطعنا بحقِّيَّتِهِ وتصويبه، ونظم الدَّليل هكذا: لو لم يكن الإجماعُ حجَّةً قطعيَّة لما أجمعوا على القطع بتخطئة المخالف للإجماع، لكن التَّالي باطل، فإنَّ إجماعهم على ذلك أمْرٌ متوارث فيما بينهم، فالشَّكُّ فيه كالشَّكِّ في الضَّروريَّات، وإذا بطل التالي، بطل المقدَّم، وثبت نقيضه، وهو كون الإجماع حجَّة، وهو المطلوب، ودليل اللُّزومِ حكم العادَةِ المتقدِّم، وقد اعْتُرِضَ على هذا الدليل من وجوه:\nالوجه الأول: أن فيه مصادرة على المطلُوبِ؛ لأنَّكم إمَّا أنْ تستندوا في إثبات الحجيَّة إلى إجْماعِهِمْ على القطع بتخطئة المخالف فقد أثْبَتُّمُ الإجماع بالإجماع، أو إلى نصٍّ قاطع في ذلك دَلَّ عليه إجماعهم عادة، فقد أثْبَتُّمُ الإجْمَاعَ بنصٍّ دَلَّ عليه إجماعهم، ولا يخفى ما في ذلك من المصادرة على المطلوب، وخلاصة الجواب عنه، أنَّا نستدلُّ على حجيَّةِ الإجْمَاعِ بوجود نصٍّ قاطع دَلَّنا عليه وجود صورة من الإجماع، وثبوت هذه الصُّورة من الإجماع، لا يتوقف على كون الإجماع حجَّة، فالمتوقِّف غير المتوقَّفِ عَلَيْهِ.\nالوجه الثَّاني: قولكم: \"العادةُ قاضيَةٌ بأن مثل هذا الاتِّقَاق لا يكون إلَّا عن نصٍّ قاطع\"","vol":"1","page":154},{"text":"معارض بأنَّه لو كان عن نصٍّ قاطع لتواتر لتوفُّرِ الدَّواعي على نقله، والتالي باطل، إذ لو تواتر لنقل، ولم وينقل.\nوالجواب عنه أنَّا نمنع الملازمةَ؛ لأن تواتر الملزوم، وهو الإجْمَاعُ على القطع بالتخطئة أغنى عن تواتر اللازم، وهو النَّصُّ القاطع الدالُّ على ذلك.\nالوجه الثَّالث: قولكم: \"العادة قاضيةٌ بأن مثل هذا الاتِّفاق لا يكون إلا عن نصٍّ قاطع\" منقوض أيْضًا بإجْمَاع الفَلَاسِفَةِ على قِدَمِ العالم، واليهود على أن لا نبيَّ بعد مُوسى، والنَّصَارى على أن عِيسى قد قتل، فإنَّ الدَّلِيلَ يجري في هذه الصُّور مع تخلُّفِ حكمه عنها؛ لأنَّ العادة لا تحكم باستنادها إلى قاطِعٍ، والجواب أنَّا لا نسلِّمُ جريانهُ فيها، فإنَّا قد ذكرنا في الدليل أن العادة تحيل اجتماع هذا المبلغ من الأخيار الصالحين المعلوم فضلهم بمشاهدة أحوالهم الشَّريفة، وسماع الأخبار المشرفة عنهم، وهذا غير موجود في إجماع من ذكر، وأيضًا إجماع الفَلَاسِفَة ناشئ عن نظر عَقْلِيّ يزاحمهُ الوهم، واشتباه الصَّحيح بالفَاسِدِ فيه كثير، ومثله لا تَقْضِي العَادةُ باستِنَادِهِ إلى القاطع بخلاف الإجماع في الشَّرعيَّات، فإنَّ الفرق بين قطعِيِّها وظنيِّها بَيِّن لا يشتبه على أهل المعرفة، والتمييز فضلًا عن المحققين المجتهدين، وأمَّا إجماع اليهود والنَّصارى فليس عن تحقيق، بل هو ناشئ عن اتِّباعِهِم لآحاد الأوائل ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٧٩] فلا توجب العادة استناده إلى القاطع، وأمَّا الصَّحابَةُ والتَّابِعُونَ، فَإنَّهُم مُحَقِّقُونَ غير تابعين لأحدٍ.\nالدَّلِيلُ الثَّانِي: من أدِلَّةِ المعقول أنَّهُم أجمعوا على أن الإجْمَاع يقدَّمُ على القاطع من الكتاب والسُّنَّةِ؛ وذلك بناءً على أن النُّصوصَ الْقَطْعِيَّة تحتمل النَّسْخَ في الجملة بخلاف الإجماع فإنَّهُ لا يحتمله ألْبَتَّةَ.\nوأجمعوا أيضًا على أن غير القاطع لا يقدَّمُ على القاطع، بل القاطع هو المُقَدَّم، فلو لم يكن الإجماع حجَّةً قطعيَّة لما أجمعوا على تقديمه على القاطع، لكن التالي باطلٌ، فبطل المُقَدَّم، وثبت نقيضه، وهو أنَّهُ حجة قَطْعِيَّةٌ، وهو المطلوب، وقد اعترض عليه، وعلى الدليل السابق بأنَّ مقتضاها أن الإجْمَاعَ، إنَّما يكون حجَّة قطعيَّة إذا بلغ المجمعون عدد التَّواتر فإن ما لم يبلغ فيه المجمعون عدد التَّواتر لا يقطع بتخطئة مخالفه، ولا يقدَّم على القاطع إجماعًا.","vol":"1","page":155},{"text":"والجواب أنَّا لا نسلم أن مقتضاهما ما ذُكِرَ إذ كل منهما ناهض في إجْمَاعِ المسلمين من غير تقييد ولا شرط، وتخطئة المخالف، وتقديمه على القاطع مطلقًا لم يتعرَّض فيهما لاشتراط عدد التَّواتر.\n\n<span data-type='title' id=toc-167>تَأْوِيل قَوْلِ الْإمَامِ أَحْمَدَ \"مَنِ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ فَهُوَ كَاذِبٌ\":</span>\nعثر الخصومُ على عبارةٍ للإمام أحمدَ بْنِ حنبلٍ ﵁ تؤيِّد في ظاهرها دعواهم فتشبَّثوا بها، وظنُّوا أنَّهم حصلوا على شيء وما حصلوا على شيء، وهذه العبارة هي قوله: \"مَنِ ادَّعى الإجماعَ فهو كَاذِبٌ\"، ولإبْطَالِ تمسُّكهم بها نقول: إنَّ الإمام أحمد أطلقَ القَوْلَ بصحَّةِ الإجْمَاعِ في مواضعَ كثيرةٍ، منها ما رَوَى البَيْهَقِيُّ عنه أنه قال: أجمع النَّاس على أن هذه الآية في الصَّلَاة يعني: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [سورة الأعراف: الآية ٢٠٤] فَلَوْ لَمْ يَرَ ثبوت الإجْماع، وثبوت العِلم به ما أطْلَقَ القول بِصِحَّتِهِ فمن المُحَتَّمِ أن تُؤَوَّل عبارته تأويلًا يَتَّفِقُ وقوله هذا، وقد ذكروا له عدَّة تأويلات:\nمنها: ما قاله شارحُ المُخْتَصَر، وتبعه صاحب \"التَّحْرِيرِ\" و\"المُسَلَّمِ\". أنَّهُ محمول على استبعاد انفراد ناقله به، فَمَعْنَاهُ من ادَّعى الإجماع حيث لم يطَّلِعْ عليه سواه، فهو كاذب، إذْ لو كان صادقًا لاطَّلَعَ عليه غيره.\nومنها: ما نقله صاحب التقرير عن أصحاب الإمام أحمد أنَّهُ قاله على جهة الوَرَعِ لجواز أن يكون هناك خلاف لم يبلغه فمعناه من ادَّعى الإجْماع جازمَا به، مع احتمال وُجُودِ خلاف لم يبلغه فهو كاذب، ويَشْهَدُ لهذا لفظه في رواية ابنه عبد الله وهو \"من ادَّعى الإجماع فقد كذب، لعَلَّ النَّاسَ قد اختلفوا\"، ولكن نَقُولُ: لا نعلم النَّاس اختلفوا إذا لم يبلغه.\nومنها: ما نقله في التَّقْرِيرِ أيضًا عن ابن رجب أنه قاله إنْكارًا على فقهاء المُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يدَّعُون إجْمَاعَ النَّاسِ على ما يقولون، وكانوا من أقلِّ النَّاسِ معرفةً بأقوال الصَّحابَةِ والتَّابِعِين، وأحمد لا يكاد يوجد في كلامه احْتِجاجٌ بإجْمَاع بعد التَّابِعِين، أو بعد القرون الثَّلاثَةِ فمعناه من ادَّعى الإجماع من هؤلاء المعتزلة على رَأْيِهِ الَّذي انفرد به، فهو كاذب.\nومنها: أنَّه محمول على حدوثه الآن، فمعناه: من ادَّعى حدوث الإجْماعِ الآن، فهو","vol":"1","page":156},{"text":"كاذب لعدم إمكانه أو إمكان الاطِّلَاعِ عَلَيْهِ، وبهذا بطل تأييد دعواهم بها ولم يبق لهم مُتَمَسَّك. والله أعلم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-168>القِيَاسُ</span>\nوَرَبَّعْنَا الْقوْلَ بالقياس؛ لأَنَّ مكانته بعد الكتاب والسُّنَّةِ والإِجْمَاعِ.\nوسوف نتكلم عن مكانته من مصادر الشَّرِيعَةِ الإسلاميَّةِ ومدى الحاجة إليه، ونتكلم عنه لُغَةً، واصطلاحًا، وحكاية الأصوليِّين لمعنى القياس لغة، ونتكلم عن حجيَّة القياس، وكيف هو أصل من أصول التَّشْريع، والحجج الدَّالة على أصليَّته وحجيته، ودفع حجج المنكرين بعد مناقشتها وَدَحْضِها.\nوسوف نذكر مبحثًا عن وقوع القياس وعدمه، وأدلَّة الوقوع سَمْعًا وعقلًا.\nوقد فصَّلْنا فيه القول؛ لكثرة الخلاف فيه وردِّ البعض له.\nفنقول:\n_________\n(^١) ينظر: ما يتعلق بالإجماع ومسائله في كشف القناع عن حجية الإجماع لشيخنا محمد أبو ريا ص ١ وما بعدها، والإجماع لشيخنا أحمد عبد الغني ص ٣ وما بعدها، البرهان لإمام الحرمين ١/ ٦٧٠، البحر المحيط للزركشي ٤/ ٤٣٥، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/ ١٧٩، سلاسل الذهب للزركشي ص ٣٣٧، التمهيد للأسنوي ص ٤٥١، نهاية السول له ٣/ ٢٣٧، زوائد الأصول له ص ٣٦٢، منهاج العقول للبدخشي ٢/ ٣٧٧، غاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص ٢٠٩، التحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ٣٧، المنخول للغزالي ص ٣٠٣، المستصفى له ١/ ١٧٣، حاشية البناني ٢/ ١٧٦، الإبهاج لابن السبكي ٢/ ٣٤٩، الآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/ ٢٨٧، حاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٢٠٩، المعتمد لأبي الحسين ٢/ ٣، إحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ص ٤٣٥، التحرير لابن الهمام ص ٣٩٩، تيسير التحرير لأمير بادشاه ٣/ ٢٢٤، التقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٣/ ٨٠، ميزان الأصول للسمرقندي ٢/ ٧٠٩، كشف الأسرار للنسفي ٢/ ١٨٠، حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٣٤، شرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ٤١، حاشية نسمات الأسحار لابن عابدين ص ٢٠٩، شرح المنار لابن ملك ص ٩٩، الوجيز للكراماستي ص ٦١، تقريب الوصول لابن جُزيّ ص ١٢٩، إرشاد الفحول للشوكاني ص ٧١، شرح مختصر المنار للكوراني ص ٩٩، نشر البنود للشنقيطي ٢/ ٧٤، شرح الكوكب المنير للفتوحي ص ٢٢٥.","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type='title' id=toc-169>مَكَانَةُ القِيَاسِ مِنْ مَصَادِرِ الشَّرِيعَةِ الإسْلَامِيَّة، وَمَدَى الحَاجَةِ إِلَيْهِ:</span>\nاستهلالًا: نقول الحمدُ لله الذي أيْقظ العُقُول من رقُودِها، ونبَّه الأفكارَ منْ خُمُودها، فراحَتْ تتلمَّس مناص النقْص في حياتنا العلميَّة، وترْسُمُ طُرُق الإصْلاح لسعادة الدُّنيا والآخِرَة، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى رُسُلِه وأنبيائِه ومَنْ سَار عَلى دربهم من عبادهِ وأوليائه.\nوبعد، فإن كتاب الله تعالَى هو المصْدَرُ الأوَّل من مصادِر الشَّريعة الإسْلَاميَّة تِبْيانًا لكل شيْءٍ عَلى سبيل الإجْمَال تارَةً، والتَّفْصيلِ تارةً أخْرَى. وتُعتبر السُّنَّة النبويَّةُ المطهرةُ هي المصْدَرَ الثَّانِيَ من مصادِر الشَّريعة الإسْلاميَّة، وذلك بِدَعْوة القرآنِ الكرِيمِ إلَى وجوب اتِّباع السُّنَّة النبويَّة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [سورة الحشر: الآية ٦] كما قال سبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ [سورة المائدة: الآية ٩٢].\nويُعْتَبر الإجماعُ هو المصدَر الثالثُ من مصادر الشَّريعة الإسلاميَّة، كما دلَّت على ذلك نصوصُ الكتابِ والسُّنَّةِ عَلى أن الأمَّة الإسلاميَّة لا تجتمع على ضلالةٍ، وعلَيْه فإجْمَاع الأمَّة على حكْمٍ ما منَ الأحكام الإسلاميَّة دليلٌ على أنَّه حقٌّ مطابِقٌ للواقع.\nفالإجْماعُ إذن هو المصدرُ الثَّالِثُ باعتبار دلالةِ المصْدَريْن الأَوَّلَيْن عليه، أي: الكتابِ والسُّنَّةِ - لا باعتبار مَرْتَبَتِه في الدَّلالة، فإنَّه عند القَطْع بثبوته ودلالته يُقدَّم عليهما، فيكونان عنْد معارضته إيَّاهما مؤَوَّلَيْن، أو منْسُوخَيْن، أو مخصَّصَيْن، أو مقيَّدَيْن، لكنَّ النَّسْخ والتَّخْصِيص والتَّقْييد إنَّما هو بالمُسْتَنَد الذي استند الإجْماع علَيْه، وإنْ لم يَصِلْ إلَيْنا، لا بنَفْس الإجْماع؛ لأنه لا دَخْل لآراء الرِّجَال في تحديد أحكام الله تعالَى.\nوأمَّا عنْد ظنِّ ثبوتِ الإجْماع؛ بأنْ نُقِلَ إلَيْنا آحَادًا، أو ظن دلالته بأنْ كان إجْماعًا سكوتِيًّا مثلًا، فإنْ أَثْبَتَ حُكْمًا مسكوتًا عنْه، كان مَقْبولًا، وإنْ عارضَ كتابًا أو سُنَّة، فلا بدَّ من الجمع أو الترجيح علَى القواعدِ المعروفَة عنْد الأصوليِّين.\nومما يملأ النَّفْس إعجابًا بالشَّريعة الإسلاميَّة المطهَّرة، وإكْبارًا لشأْنِها أنَّها ضمَّت إلى أصولها الثَّلاثة السابِقَة - أعْني: القرآنَ والسُّنَّة والإجْمَاع - أصلًا رابعًا؛ ألا وهو القياسُ، وبذلك ضَمِنتِ الشريعةُ الإسلاميَّةُ الغرَّاءُ لنفسها البقاءَ أَبَدَ الدُّهور والأعْصَار، كما ضَمِنَت لِنَفسْها الاتِّسَاع؛ لتشمل مصالِحِ النَّاس، سواءٌ كانوا في صحْرَاءَ قاحلةٍ، أم كانوا في الحضارة الزَّاهِرَة.","vol":"1","page":158},{"text":"فإذا نزلَتْ بالنَّاس حادثةٌ جديدةٌ لا عهْدَ لهُمْ بها، أو عَنَّتْ لهم مسْأَلةٌ لم تكن منْ ذي قَبْل، أُضِيفَ للقانونِ ما يَسُدُّ الحاجةَ ويُكَمِّل النقْص. ولكنَّ الأحكام الإلهيَّة لا مجال للرأْي فيها، فلا يُزَاد أو ينقص فيها بالهَوَى، كما أن نصوصَ التَّشْريع التي بيْن أيدينا - محصورةٌ ومحدودةٌ؛ فلا سبيل إلى أن تَتَّسِع هذه الشريعةُ الغَرَّاء لمصالِحِ النَّاس، وما يَنْزِل بهم من شُؤُون وأحداثٍ، إلَّا بأنْ نَتَّخِذَ من تلْكَ النُّصُوصِ الكثيرةِ أصولًا نَرُدُّ إليها فروعَهَا ونَقِيسُ عَلَيْها أشباهَهَا.\nإِذَن القياسُ هو المصْدَر الرَّابعُ مِنْ مصادر الشَّريعة الإسلاميَّة، باعتبار دَلَالَة المصادِرِ الثَّلاثة - القرآنِ، والسُّنَّة، والإجْمَاع - علَيْه، كما أن منزلة القياسِ منْ هذه المصَادِر الثَّلاثة منزلةُ المُؤَكِّد، أو النَّاسِخِ، أو الشَّارحِ، أو المُكَمِّل ما لم يكن مردُودًا بَاطِلًا.\nوالقياسُ مصْدَرٌ مهمٌّ لا بدَّ منه، ولا غِنَىً للمجتهد عَنْه؛ لأنَّه الهادي إلى عِلَلِ الأحْكام، والكاشِفُ عَنْ أسْرَار التَّكَاليف.\nغير أنه يُلَاحَظ قبْل العَمَل بمقتضَى القياسِ أنَّه لا بدَّ من البَحْث عَن النصُوصِ، وَموَاقِع الإجْماع، حتَّى لا يعمل المجتهدُ بمقتضى قياسٍ بَاطلٍ أو مردُودٍ من حيْثُ لا يَشْعُر؛ لمعارضته لِمَا لَمْ يعلَمْه من القواطِعِ، أو الظَّواهر التي هي أرْجَحُ منه.\nويُعتبر القياسُ منْ أشقِّ مصادر الشريعة الإسلاميَّة على المجتهد وأشدِّها حاجةً إلَى ذكاءِ عقْلِه، وصفَاءَ رُوحِهِ؛ لأنَّ المصادر الثلاثَةَ الأُخْرَى مبْنَاها النَّقْل، أما القياسُ فمبناهُ معرفةِ عِلَلِ الأحْكام، ووجود هذه العِلَلِ في الفُرُوع، وهذان الأمران يحتاجان إلى فِكْرٍ وتأمُّلٍ واعتمادٍ على العَقْلِ والذَّكاء.\nولقد حاول قوْمٌ اطِّراحَ النَّظَر في القياسِ، فأخَذُوا يتلقَّفون الشُّبَه ويتصيَّدون المآخِذَ ليغتالوا من الشريعة الإسلاميَّة أَصْلًا أصيلًا من أصُولها، وركْنًا ركينًا من أرْكَانها.\nوهمْ بِهذَا يحولُون بَيْن الشَّريعة الإسلاميَّة وبَيْن مهمتها في الحياة، وهي أنْ تبْقَى أبَدَ الدهورِ قانونًا للنَّاس، وأن يجد النَّاسُ فيها على اختلافِ زمانِهِمْ ومكانِهِمْ كلَّ ما يطْمَحُون إليه في الدُّنيا والآخِرَة.\nلا سيَّما، والنصوص كما قلنا - محدودةٌ محصورةٌ، والوقُوفُ عنْد ظواهرها تقْصيرٌ وتفريطٌ، ولا يمتنع التَّقْصِيرُ والتَّفْريطُ في شيءٍ ما يمتنعان في اسْتِنْبَاط الشرائع، وتعرُّف الأحكامِ.","vol":"1","page":159},{"text":"<span data-type='title' id=toc-170>القيَاسُ أصْلٌ منْ أُصُولِ الفِقْه:</span>\nالحقُّ الذي لا مِرْيَةَ فيه أن القياس أصْلٌ أصيلٌ من أصول الفِقْه، بل لا نَعْدُو الصَّوابَ إذا قلْنا: إنَّ القياسَ منْ أدق مباحِثِ أصُول الفِقْه وأعْمَقِها أَثَرًا.\nوقد اختلفَ العُلَمَاءُ في كَوْن القياس أصْلًا من أصُول الفِقْه أو ليْسَ بأصْلٍ، ولكلِّ فريقٍ أدلَّتُه وبراهينُهُ:\nحيث ذَهَبَ الأكثرَون من جُمْهور الأصوليِّين والفُقَهاء إلى أن القياس أصْلٌ من أصول الفِقْه، ودليلٌ من أدلَّتِه كالكِتَاب والسُّنَّة والإجْمَاع.\nبينما يرَى إمامُ الحرمَيْن أن القياس لَيْس بأصْلٍ من أُصول الفِقْه، وحجَّتُه علَى ذلك أن الأدلَّة إنَّما تُطْلَق على المقْطُوع به، والقياسُ لا يُفيدُ إلَّا الظنَّ، وهذا مَمْنوعٌ.\nوكلام إمام الحرمين ممنوعٌ؛ لأن القياس قد يكون قطعيًّا.\nوقد وجَّه العلَّامةُ الشِّربينيُّ ما قاله إمامُ الحرمَيْن بقوله: الظَّاهِرُ أن أصُولَ الفقْهِ عنْد إمامِ الحرمَيْنِ لا تُطلَقُ إلَّا على ما يُثْبِتُ الفِقْهَ بالاستقلال؛ بألَّا يحتاج في الدَّلالَةِ على الحُكْم لأَحدِ هذه الثَّلاثة ضرورةَ تَوَقُّفِهِ علَى العلَّة المَنْصُوصة بأحدها، أَوِ المستَنْبَطَة مما نصَّ عليه به، فثبت أن كونه حُجَّةً، لا ينافي أنَّه لَيْس منْ أصُول الفقْه.\nوقد يقول قائلٌ: إنَّ الإجماع يفتقر أَيْضًا إلَى السَّنَد، فيَنْبَغي أَلَّا يكونَ مِن الأصُول عَلى هذا.\nوقد كفَانَا مؤنَة الردِّ صاحبُ \"التَّلْوِيح\"، حيْثُ أجابَ بأنَّ الإجماع إنما يحتاج إلى السَّنَد في تحقُّقه لا في نفْس الدَّلالة علَى الحُكْم، فإن المستدلَّ به لا يحتاج إلى ملَاحَظَة السَّنَد والالتفاتِ إلَيْه بخلاف القياسِ، فإنَّ الاستدلال به لا يُمْكِن بدون اعتبار أحَدِ الأُصُول الثلاثةِ - القُرْآن، السُّنَّة، الإجْمَاع - وحينئذٍ، فحيْثُ احتاج القياسُ في الدَّلالة علَى الحُكْم إلى الغَير لا يصحُّ إطلاق الأصْل عليه؛ لما أن الأصْلَ ما يُبْنى عليه غيْرُه، وهو المحتاجُ إلَيْه، والقياس مبنيٌّ على غيره، ومحتاجٌ إلَى ذلك الغير.\nوإليْكَ كلمةً قصيرةً عنْ هذا الأصْلِ الأصِيلِ فنقُول - وبالله التوفيق -:","vol":"1","page":160},{"text":"<span data-type='title' id=toc-171>الْقِيَاسُ لُغَةً:</span>\n\"في القاموس المحيط\" للفيروز آبادي في مادة \"ق ي س\": \"قَاسَهُ بغيره وعلَيْه يَقيسُهُ قَيْسًا وقياسًا، واقْتَاسَهُ: قدَّره على مثاله، فانْقَاسَ، والمِقدارُ مِقْيَاسٌ ..، وقايَسْتُه: جارَيْتُه في القياس، وبين الأمرين: قدَّرْت، وهو يقتاس بأبيه؛ واويٌّ يائيٌّ\".\nوفي مادَّة \"ق وس\" والقوس الذِّراع؛ لأنه يُقَاسُ به المَذْرُوع، وقاس يقُوسُ قَوْسًا كـ \"يَقيسُ قَيْسًا\" ..؛ ويقتاس: أي يقيس، وفلان بأبيه: يَسْلُك سبيلَه ويقْتَدِي به.\nوفي \"لسان العرب\" لابن مَنْظُورٍ: \"قاس الشَّيْء يَقِيسُه قَيْسًا وقياسًا، واقتاسه، وقَيَّسَه: إذا قدَّره على مثاله\".\nقال الشَّاعِرُ: [السريع].\nفَهُنَّ بِالأَيْدِي مُقَيِّسَاتُهْ … مُقَدِّرَاتٌ وَمُخَيِّطَاتُهْ\nوالمقياس: المقدار، وقاس الشيء يقُوسُه قَوْسًا: لغةٌ في قاسَهُ يَقِيسُه، ويقال: قِسْتُه، وقُسْتُهُ أَقُوسُه قَوْسًا، وقياسًا، ولا يقال: أَقَسْتُهُ بالألف، والمقياسُ: ما قِيسَ به، والقَيْسُ والقَاسُ: القَدْر.\n\n<span data-type='title' id=toc-172>تَحْرِيرُ فِعْلِ الْقِيَاسِ وَتَعْدِيَتِهِ:</span>\nالقياسُ: مصدرُ \"قَايَسَ\" من المفاعلة لا مصْدَرُ \"قاسَ\" من الثلاثيِّ؛ لأن المساواة من الطرفَيْن، ومصْدرُ الثاني: قَيْسٌ، يقال: قاسَ يقِيسُ قَيْسًا؛ فعلى هذا، يكون لكلٍّ من المصدَرَيْن المذكورَيْن فعْلٌ يخُصُّه، فالأولُ فعْلُه رباعيٌّ، وهو \"قَايَسَ\"، والثَّاني ثلاثيٌّ، وهو \"قَاسَ\"، وفي \"القاموس المحيط\" للفيروز آباديِّ \"ولسان العرب\" لابن منظور ما يدُلُّ على أن المصدَرَيْن المذكورَيْن أصَلٌ لفعْلٍ واحدٍ؛ وعلى هذا، يقال لغةً: قاس الشيء بغيره وعليه، يقيسه قَيْسًا وقياسًا، واقتاسَهُ: قدَّره على مثاله، وإلَى ذلك ذهب الإسْنَويُّ؛ حيث قال: القياسُ والقَيْسُ مصدرانِ لـ \"قَاسَ\"، وأكثر الأصوليِّينَ يقولون: إنَّ القياس بحَسَب أصْلِ اللغة؛ يتعدَّى بـ \"الباء\"، وأن المستعمَلَ في عُرْف الشرع يتعدَّى بـ \"على\" لتضمُّنه معنى البناء والحَمْل.\nوالخُلَاصَةُ: أنه يمكن الْقَول بأنه لا حاجة إلى ذلك؛ لأن ما ذكر في كتب اللغة المذكورة يَدُلُّ على أن القياس يتعدَّى بـ \"على\" كما يتعدَّى بـ \"الباء\"؛ وعلَيْه فلا معنى","vol":"1","page":161},{"text":"للتضمين، إلَّا أن يقال: إنَّ المستعمَلَ من القياس في عُرْف الشرع لا يَكَاد يُذْكَر إلَّا مُتعدِّيًا بـ \"على\".\n\n<span data-type='title' id=toc-173>حِكَايَةُ الأُصُوليِّينَ لِمَعْنَى الْقِيَاسِ لُغَةً:</span>\nتنوَّعت آراءُ الأصولِيِّينَ في حكاية مَعْنَى القياس لغَةً فَرَأْيٌ يَرَى أنه هو: التقديرُ والمساواةُ والمجموعُ منْهما؛ وعلَيْه، فيكون لفْظُ \"القياس\" على هذَا مشتركًا لفْظيًّا بيْن هذه المعاني الثلاثة، أي وُضِعَ لكلٍّ منها بوضْع؛ لأن تعريف المشترك اللَّفْظيِّ هو: ما اتَّحَدَ لفْظُه وتعدَّد معناه ووَضْعُه، كما هو مبيَّنٌ في باب الاشتراك، مثال المَعْنى الأوَّل من الثلاثة: قِسْتُ الثَّوْب بالذِّرَاع.\nومثال المعْنَى الثَّاني: فلانٌ لا يُقاس بفلانٍ، أي: لا يساويه. ومثال المعنى الثالث: قِسْتُ النَّعْلَ بالنَّعْلِ، أي: قدَّرته به، فساواه، وهذا ما ذهَب إلَيْه الإمامُ القاضي المحقِّق عَضُد الدِّين؛ أخذًا من إيراده الأمثلة الثلاثَةَ.\nورأْيٌ يَرى أنه حقيقةٌ في التَّقْدير، مجازٌ لغويٌّ في المساواة، وذلك باعتبارِ أن التقدير يَسْتدعي شيئَيْن، يضاف أحدهما إلى الآخَر بالمساواةِ، فيكون تقدير الشيْء مستلزمًا للمساواة واستعمالُ لفْظِ الملزوم في لازِمِه شائعٌ، وهذا ما ذهب إليه سيْفُ الدِّين الآمديُّ في \"الإحْكَامِ\"، وعلاقةُ المجازِ، على هذا، اللازميةُ والمَلْزُوميَّةُ.\nورأْيٌ يرَى أنه حقيقةٌ عرفيَّةٌ؛ وعليه جرى محبُّ الدِّينِ بْنُ عبد الشَّكورِ الهنديُّ صاحبُ \"مُسَلَّم الثُّبُوت\".\nوعلى هذا القول، والقول بالمجاز؛ فالمناسبةُ بين المعنى اللُّغوي، وهو التَّقدير، والمعنى الاصطلاحيُّ: إنَّما هي باعْتبار هذا اللازمِ، وهو المساواة، فإن المعنَى الاصطلاحي؛ إما مساواة خاصَّةٌ، فيكون من أفراد هذا اللازم أو يتضمَّنُها ويُبْنَى عليها. ويَرَى فريقٌ آخَرُ أنه: هو مشتركٌ معنويٌّ؛ وهو ما اتَّحد لفظه ومعناه، كما هو مذكورٌ في \"باب الاشتراك\" من كتب الأصول؛ لأن معنى \"القياس\" على هذا الرأْي: هو التقديرُ فقَطْ، وهو كُلِّيٌّ تحته فردان؛ بحيث يُطْلَق لفظ \"القياس\" عليهما؛ باعتبار شمول معناه - الَّذِي هو التقديرُ - لهما وصِدْقِهِ عليهما:\nالأوَّل: استعلام القَدْر، أي: طلَبُ معرفة مِقْدار الشَّيْء، مثل: قِسْتُ الثَّوْبَ بالذِّراع.","vol":"1","page":162},{"text":"والثَّاني: التَّسْوية في مقْدارٍ مثل: قِسْتُ النَّعْل بالنَّعْل، سواءٌ كانَتِ التسويةُ حسِّيَّةً؛ كالمثالَيْن السابقَيْن، أم معنويةً؛ كما يقال: فلانٌ لا يُقَاسُ بفلان، أي: لا يساويه ومنْه قول الشاعر: [البسيط]\nخِفْ يَا كَرِيمُ عَلَى عِرْضٍ تُدَنِّسُهُ … مَقَالُ كُلِّ سَفِيهٍ لَا يُقَاسُ بِكَا\nووجه نقل القياس على هذا القولِ إلى المعْنى الاصطلاحي ظاهر؛ كما أن نقْلَه إلى المعنى الاصطلاحي؛ على القول بالاشتراك اللفظيِّ: إنما هو من معنى المساواة، كما هو واضح. ويرَى فريقٌ آخَرُ أن معناه الاعتبار، كما نصَّ على ذلك الزركَشِيُّ في \"البحر المحيط\" بعد أن حكى أن المشْهُور في معنى القياس لغةً: هو تقدير شيْءٍ على مثال شيْءٍ آخرَ، وتسويتُه به، وفي هذا يقول: وقيل: القياسُ مصدرُ قِسْتُ الشيْء، إذا اعتبرتَه، ومنه قَيْسُ الرأْي، وامْرُؤُ القَيْسِ؛ لاعتبار الأمور برأْيه، وقُسْتُه، بضم القاف، أَقُوسُه قَوْسًا، ذكر هذه اللُّغةَ الجوهريُّ في \"صِحَاحِهِ\"، فهذه الصيغة من ذوات الياء والواو.\nوفي \"البرهان\": القياس في اللغة: التمثيلُ والتَّشْبيه.\nوقال الماوَرْدِيُّ في \"الحاوي\" والرُّويانيُّ في كتاب \"القَضَاء\": \"القياسُ في اللُّغة، مأخوذٌ من المماثلة؛ يقال: هذا قياسُ هذا، أي: مثله\".\nويرى ابن السَّمْعَانِيِّ في \"القواطع\" أن القياسَ مأخوذٌ من الإصابة؛ يقال: قسْتُ الشيْءَ، إذا أصبته؛ لأن القياس يصاب به الحُكْم.\nقال الشيخُ محمَّد أحمد سلامة في رسالته في القياس: \"وخُلاصةُ ما يُؤْخَذ من كتب الأصول من بيان معْنَى القياس لغةً سبعةُ معانٍ:\nالأوَّلُ: أن معناه التقدير، والمساواةُ من لوازمه.\nالثاني: أن معناه التقديرُ والمساواةُ والمجموعُ منْهما؛ على سبيل الاشتراك اللفظي بين الثلاثة.\nالثالث: أن معناه التقدير فقط، وهو كُلِّيٌ تحْتَه فرْدَان؛ استعلامُ الْقَدر والتسوية، فهو مشترك اشتراكًا مَعْنَوِيًا.\nالرابعُ: أن مَعْناه الاعتبارُ.\nالخامس: أن معناه التمثيلُ والتَّشْبيه.","vol":"1","page":163},{"text":"السادس: أنَّه المُمَاثَلَة.\nالسابع: أنَّه الإصَابَة.\nولا يخفَى وجه نقْلِ القياسِ إلى المَعْنى الاصطلاحي؛ على المعنى الرابع والخامس والسادس، أما على المعنى السابِعِ فوجه نقْله أن القياس يصاب به الحُكْم كما أشرنا إلى ذلك، والمعنى المشهور من كلِّ ذلك هي الثلاثةُ الأُوَل، لذلك اقتصَرَ عليها الكمالُ بْن الهمام ورجح المعْنَى الثالثَ منها، وهو كوْنُه مشتركًا معْنَوِيًا بيْن معنَيَيْن؛ استعلامِ القَدْر، والتسويةِ في مقدار، ونَسَبَ ذلك إلى الأكْثَر بقوله: ولم يزد الأكثر كـ \"فخر الإسلام\"، و\"شمْسِ الأئمة السرخسِيِّ\"، وحافظ الدين النَّسَفِيِّ وغيرِهم على أن معنى القياسِ لغَةً: \"التَّقديرُ واستعلامُ القدْرِ، والتَّسْويةُ في مقدار، فَرَدَّ مفهوم التقدير مَعَ نَفْيِه كوْنَ القياسِ مُشْتَرَكًا لفظيًا فيهما، أو في المَجْمُوع، ونَفْيِه كوْنَه حقيقةً في التقدير، مجازًا في المساواة\".\nوقَوَّاه شارحه؛ بأن القياس باعتبار صدْقِ معناه الذي هو التقْدِيرُ عَلى معنَيَيْه؛ أعْنِي استعلام القدر والتسوية، من قبيل التواطُؤِ، والتَّواطُؤُ مقدَّم على كلٍّ من: الاشتراكِ اللَّفْظيِّ؛ كما هو الرأْيُ الأَوَّل، والمَجَاز، كما هو الرأْي الثاني، إذا أمكن، وقد أمكن وهو الراجح؛ لأن التواطُؤ ليس فيه تعدُّدُ وضْعٍ ولا احتياجٌ إلى قرينة؛ لأنَّه حقيقةٌ في كل أفراده بخلافِ المشتَرَكِ اللَّفْظِيِّ، فإنَّ فيه تعدُّدَ الوضْع والمعنْى والاحتياج إلى قرينة تُعَيِّن المراد من أفراده، وبخلاف المجاز، فإنَّه يحتاج ضرورةً إلى قرينةٍ لفَهمْ المعْنَى المراد مِن اللَّفْظ.\nوَما لا يحتاج إلى شيْءٍ في فهْم معناه أولَى ممَّا يحتاج.\n\n<span data-type='title' id=toc-174>الْقِيَاسُ في اصْطِلَاحِ عُلَمَاءِ الشَّرْعِ:</span>\nتنوَّعت آراء الأصولِيِّينَ القائِلِينَ بالقياس في مسمَّى اسْمِ \"القياس\"، فذهب بعضُ الأصولِيِّين إلى أنَّه \"فعْلُ المجتهدِ\".\nوذهب آخرون إلى أنه \"حجَّةٌ إلهيَّةٌ\"، وضعها الشارعُ لمعرفة حُكْمِه؛ فهو أمر موجودٌ في ذاته وليس فعْلًا لأحد؛ ولذلك يُقال: القياسُ مُظْهِرٌ لا مُثْبِتٌ، وبَرْهَن كلُّ صاحبِ رأْيٍ على ما ذَهَب إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-175>حُجَجُ الرَّأْي الأَوَّلِ:</span>\nاستدلُّوا على أنه \"فعْلٌ من أفعال المجتهد\" بجميع التفريعات والاستعمالات؛ حيث","vol":"1","page":164},{"text":"تنبئ عن أنه فعْل المجتهد؛ وذلك لأنَّ مَنْ تتبَّع استعمالاتِ الصحابةِ والتابِعِينَ - رضوان الله عَليْهِم - قطَع بلا شَكٍّ بأنهم لا يطلقون القياسَ إلا على \"فعْل المجتهد\".\nمن ذلك قول سيِّدنا عُمَرَ بْنِ الخطَّاب لأبي موسى الأشْعريِّ \"اعْرِفِ الأَشْبَاهَ وَالنَّظَائِرَ، وَقِس الأُمُورَ بِرَأْيِكَ\" والذي يفهم من هذا القول: إن القياس \"فعْل المجتهد\" واستدلُّوا أيْضًا بأن \"فعْل المجتهد\" هو الذي يترتَّب عليه اشتغالُ ذمَّةِ المكلَّفِ بالفعْل أو التَّرْك، وجاء منه قولُه تعالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [سورة الحشر: الآية ٢] والاعتبارُ المقصودُ في الآية هو الإلحاقُ الحاصلُ بعد النظر في الأدلَّة؛ وذلك لأن الاعتبار في الآية أَمْرٌ، ولا أمْرَ إلَّا بِفعْلٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-176>حُجَجُ الرَّأْي الآخَرِ:</span>\nاستدلَّ القائلون بهذا الرأي أن القياس دليلٌ من الأدِلَّة الشرعيَّة من الكتاب والسُّنة، وضَعَه الشارعُ الحكيم؛ ليدرك منه المجتهدُ حكْمَ الله عن طريق النَّظَر فيه؛ فعلَى هذا، يكون \"القياسُ\" دليلًا ثابتًا في ذاته، سواء نَظَر فيه المجتهدُ أمْ لا، وتكون دلالَتُه علَى الحُكْمِ ثابتةً - وإن لم يَنْظُر فيه المجتهد، فإن قالَ قائلٌ: لا مانع مِنْ أن يعتبر الشارعُ \"فعْلَ المجتهدِ\" الذي شأنه أن يصدر عنه دليلًا؛ كما اعْتَبَرَ \"الإجْماعَ\" الذي هو \"فعل المجتهدين\" دليلًا. والجوابُ عنه: أن الفعْل في ذاته لَيْسَ دليلًا ولو سلَّمنا أنه هو الدَّليل، فأين الأمارةُ التي اسْتَنَدَ إلَيْها المجتهدُ حتى قاس.\nفقولكم كالإجماع: قياسٌ مع الفارق؛ لأن المجتهدينَ في إجماعِهِمْ على أمْرٍ لا بُدَّ من استنادهم إلى دَلِيلٍ، وإن كان غيْرَ مصرَّحٍ به، وعلَى هذا، فأيْنَ الدليل الذي استند إلَيْه المجتهدُ حتى ألْحقَه؟ كما أن القياس دليلٌ من الأدلة، وهي أمورٌ من شأنها أن العِلْم بها يؤدِّي إلى العلم بشيْءٍ آخر، وليس فعل المجتهد كذلك.\nوأَمَّا الإجماعُ فمستَنَدُه الدليل، لكنْ لما لم يُصرَّحْ به جُعِل هو الدَّليلَ.\nوبعد عَرضْ الرأْيَيْن السابِقَيْن وأدلَّة كل فريق في ما ذهب إليه، نَخْلُص إلى أن الرأْي المقبولَ هُوَ الثاني؛ لما تقدَّم من الحُجَج التي سقْنَاها، ولأن النظر في الأدلة التي نصبها الشارعُ مطلوبٌ لمعرفة الأحكام، والذي يتعلَّق به النظَرُ إنما هو الأمْرُ المشتَرَك، أي: المساواة، ولأن القائلين بأنَّ القياس فعْلُ المجتهد نراهم يعلِّلون فعْلَه بالأمر المشترك بيْن الأصْل والفَرْع.","vol":"1","page":165},{"text":"وفي الحقيقة؛ إن هذا الأمر المشتَرَكِ هو مستَنَدُ فعْلِ المجتهد، وهم يُقرِّون بذلك، ولولا هذا الأَمْر المشْتَرَك، لَمَا أمكْنَ الإلحاق.\nفإن قال قائل: فما وجْه إطلاق كثير من الأصوليِّين \"اسمَ القياس\" على فعْل المجتهد؟\nوالجوابُ على هذا أن فعْل المجتهد لَمَّا كان سبيلًا إلى معْرفة الدَّلِيلِ أيضًا، وهو الذي تكونُ به ذمَّة المكلَّف مشغولَة بالحكم، اعتبر الفعْل كأنَّه الدليلُ.\nفإن قال قائل: فعَلى ما ذكر؛ يكون إطلاق اسم القياس، على فعْل المجتهد غيْرَ حقيقيٍّ.\nوالجوابُ أنه هو كذلك في الأصْل، لكن صار حقيقةً عن هذا الفريق.\n\n<span data-type='title' id=toc-177>أوَّلًا: تَعْرِيفُ الْقِيَاسِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ التَّسْوِيَةُ في الْحُكْمِ.</span>\nأصحاب الرأي الذاهب إلى أن القياس هو التسويةُ في الحكم. عرَّفوه بعباراتٍ مختلفةٍ نَقْتصر منْها على أربعة، وهذا نصها:\n١ - قال البَيْضَاويُّ في \"المنهاج\" القياسُ: إثْبَاتُ مِثْل حُكْمٍ مَعْلُومٍ في مَعْلُومٍ آخَرَ؛ لاِشْتِرَاكِهِمَا فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ عِنْدَ المُثْبِت.\nقال السُّبْكِيُّ في \"الإبهاج\": هذا التعريفُ أيَّده الإمام في \"المعالم\"، ويُؤْخذ من ذلك أنَّه لم يذكُرْه في \"المَحْصُول\"، وإِلا فنِسْبَته إلى \"المَحْصُول\" الذي هو أصل \"المنهاج\" أقْرَبُ.\nوقال العلامة جمال الدين الإسنويُّ: \"هذا التعريفُ هو المختارُ عنْد الإمام وأتْبَاعِه، وفي الحقيقةِ: إن هذا التعريفَ مذكورٌ في \"المحْصُول\" وإن أصلَهُ لأبي الحُسَين البَصْريِّ، وأنَّ الإمام غيَّرَ بَعْض قيوده بما هو أحْسَن منْها.\nونصُّ عبارة \"المَحْصُول\" هو أنه تحصيلُ حُكْمِ الأَصْلِ في الفَرْعِ لاشْتِبَاهِهِمَا فِي عِلَّةِ الحُكْمِ عِنْدَ المُجْتَهِدِ، وهُوَ قَرِيبٌ، وأظهر منْهُ أن يقال: إثباتُ مثْلِ حُكْمِ معْلُومٍ لمعلومٍ آخرَ؛ لاشْتِبَاهِهِمَا فِي عِلَّةِ الحُكْمِ عِنْدَ المُثبِتِ، وهذا التعريفُ هو عيْنُ ما ذكره في \"المنهاج\" غيْر أنه أبْدَلَ \"اشتباهَهُما\" بـ \"اشْتِرَاكِهِمَا\" ومعناهما واحدٌ.\n٢ - وقال ابن السُّبْكِيِّ في \"جَمْع الجَوَامع\": القياسُ حَمْلُ معْلُوم على معلومٍ لمساواته","vol":"1","page":166},{"text":"في علَّة حكْمِه عنْد الحَامِل.\nوأصل هذا التعريفِ للقاضِي أبي بَكْرٍ البَاقِلَّانيِّ وعبارته؛ على ما في \"المحْصُول\" و\"الإحْكَام\" و\"البَحْر المُحيط\" للزركشيِّ و\"البُرْهَانِ\" لإمام الحرمَيْن هي: \"القياسُ حمْلُ معْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ في إثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا أو نَفْيِهِ عَنْهما؛ بأَمْرٍ جَامِعٍ بيْنَهما منْ حُكْمٍ أو صفةٍ أو نَفيهِما عَنْه، هذا، وقد ذَكَرَ أمير بادشاه في \"تَيْسِيرِ التَّحرير\" أن هذا التعْريف ليْسَ هو لفْظَ القَاضِي بل معْناه؛ إذْ لفْظُه في تعريف \"القياس\": \"حَمْلُ أَحدِ المَعْلُومَيْنِ علَى الآخَرِ في إيجَابِ بعْض الأَحْكَامِ لهُمَا أو إسْقَاطِه عنهما بأمْرٍ جامعٍ بينهما فيه أيِّ أمْرٍ كانَ منْ إثباتِ صفةٍ وحكْمٍ لهما أو نفْي ذلك عنهما\"، ونلاحظ على كلا النقلَيْن أنه لا تنافِيَ بين التعريفَيْن المذكورَيْن، فالكلام على أحدهما يُعْتبر كلامًا على الآخَر.\n٣ - وقال صَدْرُ الشَّرِيعَةِ في \"التوضيح\": القياسُ تعديةُ الحُكْمِ منَ الأَصْل إلى الفَرْع لِعِلَّةٍ متَّحدةٍ لا تدرك بمجرَّد فهمْ اللُّغَة.\n٤ - وقال أبو منْصُورٍ الماتُرِيديُّ: القياسُ إبانةُ مثْلِ حُكْمِ أحَدِ المذكورين بمثْلِ علَّتِه في الآخر.\nوقد أعْرَضنا عن شرْح هذه التعاريف؛ مخافةَ التطْويل والمَلَلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-178>ثَانِيًا: تَعْرِيفُ الْقِيَاسِ، بِنَاءً عَلَى أنَّهُ المُسَاوَاةُ في العِلَّةِ:</span>\nالرأْي الذَّاهِبُ إلَى أن القياسَ هو المساواةُ في العلَّة عرَّفوه بعباراتٍ مختلفةٍ نقتصر منْها بأربعةٍ، وهذا نصها:\n١ - قال الآمِدِيُّ في \"الإحكام\": المُخْتار في حَدِّ القياس: أن يقال: إنَّه عبارةٌ عن الاستواء بيْن الفَرْع والأصْل في العلَّة المستنبطة من حُكْم الأَصْل.\n٢ - وقال الكمال في \"التحرير\": وفي الاصطلاح: مساواةُ محلٍّ لآخَرَ في علَّة حكْمٍ له شرعيٍّ لا تُدْرَك من نصِّه بمجرَّد فَهْم اللُّغَة.\n٣ - وقال ابن الحَاجِب في \"المختصر\": \"وفي الاصْطِلَاحِ: مساواةُ فَرْعٍ لأَصْلٍ في علَّةِ حُكْمِهِ\".\nوتحقيقُ ذلك أن القياسَ منْ أدلَّة الأَحْكَامِ، فلا بُدَّ من حُكْمٍ مطلوبٍ به ولَهُ محلُّ ضرورة، والمقصودُ إثباتُه فيه لثبوته في محلٍّ آخَرَ يُقَاس هذا به، فكان الأوَّلُ فرْعًا، والثَّاني","vol":"1","page":167},{"text":"أصْلًا؛ لحاجة الأوَّل إلَيْه، وابتنائه عليْه، ولا يُمْكِن ذلك في كُلِّ شيئَيْن، بلْ إذا كان بَيْنَهما أمْرٌ مشْتَرَكٌ ولا كل مشترك، بل مُشْتَرَك يوجِبُ الاشْتراك في الحُكْم بأنْ يستلزمه، ويُسمَّى علَّةَ الحُكْم، فلا بُدَّ أن يعلم علَّة الحكم في الأصل، ويعلم ثبوت مثْلِها في الفرع، إذْ ثبوت عيْنها في الفَرْع ممَّا لا يُتصوَّر؛ لأنَّ المعْنَى الشخصيِّ لا يقُوم بعَيْنِه بمحليْن، وبذلك يحصل ظنُّ مِثْل الحُكمِ في الفَرْع.\n٤ - وقال محبُّ اللهِ البهاريُّ في \"مُسَلَّمِ الثُّبُوت\": واصطلاحًا مساواةُ المَسْكُوتِ للمَنْصُوصِ في علَّة الحُكْم.\n\n<span data-type='title' id=toc-179>حُجِّيَّةُ الْقِيَاسِ:</span>\nممَّا لا شكَّ فيه أن القياسَ حُجَّة في الأُمُور الدُّنْيوية؛ كالأغْذية؛ بأنْ يقاس الخُبْزُ المخلُوطُ من البُرِّ والذُّرة على الخُبْز من البُرِّ في التغذية؛ بجامع أن كلًّا منهما يَقُومُ به بَدَنُ الإنسَان، وكذلك الأدْوِيةُ؛ حيْثُ يقاسُ أحدُ شيئَيْنِ على آخر فيما عُلِمَ له من إفادَتِهِ دفْعَ المرضِ المخصوصِ؛ لمساواته له في المعنى الذي بسَبَبِه أفاد ذلك الدفْعَ، ووجْه كون القياس في نحو الأدوية والأغذية قياسًا في الأمور الدنيوية؛ أنه ليس المطلوبُ به حكْمًا شرعيًا، بل ثبوتُ نَفْع هذا التقويم بَدَنَ الإنسان، أو لدفع المرض مثلًا، وذلك أمرٌ دنيويٌّ. واتَّفق العلماء على \"القياس الجلي\" كقياس تحريم ضَرْب الوالدَيْن على تحْريمِ التأفيف عنْد من يسمِّي ذلك قياسًا.\nوهو من الدالِّ بدلالة النصِّ عنْد الحنفية، ومِنْ مفهوم الموافقة عند الشافعية.\nوتنوعت آراؤهم في الشرعيَّة؛ حيْثُ ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء والمُتَكلِّمين وغيْرهم من العلماء المقتَفِينَ آثارَ السَّلَف إلى أن القياسَ حجَّةٌ في الأمور الشرعيَّة، وأنه أصْلٌ من أصول الشريعة به يُسْتدل على الأحْكَام، وذهبوا إلى أنه يجوز التعبُّد بالقياس في الشرعيات عَقْلًا، وإلى هذا ذهَبَ أبو حنيفة والشافعيُّ ومالكٌ وأحمدُ - رحمهم الله تعالى - وهو المختار، وحديثُنا هنا في موضعين:\nالموضع الأوَّل: في الجواز العقْليِّ وعدَمِهِ.\nوالموضعُ الثاني: في الوقُوع وعَدَمِه.\nقال جمهورُ العلماءَ، ومنْهم الأئمة الأربعةُ: التعبُّدُ بالقياس جائزٌ عقْلًا.","vol":"1","page":168},{"text":"ويرَى القفَّال، وأبو الحُسَين البَصْرِيُّ: أنه يجب التعبد به.\nويرى الشيعةُ والنَّظَّام وبعْضُ المعتزلة: منْعَ التعبُّد به.\n\n<span data-type='title' id=toc-180>حُجَجُ الجُمْهُورِ:</span>\nاحتج الجمهورُ بالقَطْع بالجواز:\nقال صاحب \"التلْوِيح\": إن الشارعَ لو قال: إذا وجدت مساواة فَرْع لأصْلٍ في علَّة حُكْمِهِ، فأَثْبِتْ فيه مثْلَ حكْمِهِ، وأَعْمِلْ به مَا لَمْ يلزمْ منْه مَحَالٌ لَا لنَفْسِه ولا لغيره.\nوقال محبُّ الدين بن عبد الشَّكُور الهنْديُّ في \"مُسَلَّم الثُّبُوت\" وشرْحهِ ما نصه: لنا: لو كَانَ مُمْتَنِعًا، لَلَزِمَ منْ وقوعه محالٌ، ولا يلزم مِنْ إلزامه محالٌ أصْلًا ضرورةً، كيْف، والاعتبارُ بالأمثال من قضيَّة العقْل، وهو يَحْكم أن المتماثلاتِ حكمُها واحدٌ، وإنكارُ هذا مكابرةٌ.\nمما سبق، يتَّضح لنا أن القياسَ يجوزُ التعبُّد به؛ لأنَّه لا يلزم من وقوعه محالٌ أصْلًا؛ ولأنَّ الاعتبار بالأمثال من قضيَّة العَقْل، فهو يسوِّي بين المتماثلات في الحُكْم؛ وذلك لأنَّ المجتهد إذا رأى الشارع قد أثبت حكْمًا في صورة من الصور، ورأى هناك معنى يصْلُح أن يكون داعيًا لإثبات ذلك الحُكْم، ولم يظْهَرْ له ما يُبْطِلُه بعد البَحْث التامِّ، فإنه يغلب على ظنِّه أن الحُكْم ثبت لأجْله، وإذا وُجِدَ هذا المعنى في صورةٍ أخرى، ولم يظْهَرْ له أيْضًا ما يعارضه، فإنه يغلِبُ على ظنه ثبوتُ الحكْمِ به في حقِّنا، ومن المؤكَّد أن مخالفة حُكْم الله ﷿ يوجبُ العقابَ، فالعقلُ يرجِّح فِعْلَ ما ظُنَّ به جلبُ المصلحة ودفْعُ المفَسْدَة على تَرْكِه، ولا مَعْنَى للجواز العقْلِيِّ سوى ذلك، كما أن التعبُّد بالقياس فيه مصلَحةٌ لا تحْصُل بغيره، وهي ثوابُ المجتهد على اجتهاده، وإعمالُ عَقْلِه في استخراج علَّة الحُكْم المنصوص عَلَيه؛ لتعديته إلى محلٍّ آخر، وما كان سبيلًا إلى مصلحة المكلَّف فالعقل لا يُحيلُه، بل يُجوِّزه.\n\n<span data-type='title' id=toc-181>حُجَجُ المُوجِبيِنَ لِلْقِيَاسِ:</span>\nالموجبون للقياسِ نصُّوا على أن الأحكام لا نهاية لَها، فإنها تتجدَّد بتجدُّد الحوادِثِ، والنصوصُ لا تَفِي بها، فيقضي العَقْلُ بوجوبِ التعبُّد بالقياس؛ لئلا تخلو الوقائعُ من","vol":"1","page":169},{"text":"الأحكام، والجوابُ بعد تسليم أن يكون لكلِّ واقعةٍ تشريعٌ: هو أن الذي لا يتناهى الجزئياتُ لا الأجناس، ويجوزُ التنصيصُ على الأجْناس كلِّها بعموماتٍ تتناولُ جُزْئيَّاتها، حتى تَفِي بالأحكام كلِّها؛ مثل قولنا: كلّ مُسْكِرٍ حرامٌ، وكلُّ مطعومٍ رَبَوِيٌّ، وكلُّ ذِي نابٍ حرامٌ، إلى غير ذلك. ذكر هذا ابنُ الحاجِبِ في \"مختصره\".\nإذن القائلون بالوجوب اشتبه عليهمْ عدَمُ تناهي الجزئيات بتناهي الأجْنَاسِ، وصرَّحوا بأن الأحكام لا نهاية لها، والنصوصُ لا تَفِي بها؛ لذا كان التعبُّد بالقياس واجبًا عقلًا لتَشْمَل الأحكامُ جميعَ الوَقَائِع.\nوتحقيقُ المَسْألةِ أن الذي لا يتناهى الجزئياتُ لا الأجناس، فجزئياتُ الشريعةِ كَثيرةٌ لا تُحْصَى؛ لأنها تتجدَّد بتجدُّد الحوادث فيتعذَّر النصُّ على كل جزئيَّة من جزئيات الشَّريعة.\nأما الأجناس، فيجوز النصُّ عليها بعموماتٍ تكونُ متناولةً لجزئياتها؛ كقولنا: كلُّ مسكرٍ حرامٌ، وقولنا أيْضًا: وكلُّ ذي نابٍ حرامٌ إلى غير ذلك.\nلكنْ يترتَّب على تعميمِ الأحكام لكلِّ الوقائع: أنَّه لا يتأتَّى اختلافُ المجتهدين مع أن اختلافهم رحْمَةٌ، فتفوتُ هذه الرحمةُ الكثيرة، هذا إذا رأيْنا انحصار اختلافهم في القياسِ، وهو لا ينحصر فيه، بل يجوز اختلافُهم في غيْرِه من الظاهر والخفيِّ والمتشابه، فتختلف الآراء في فَهْمِ مدلولاتها، وأخْذِ الحكم الشرعيِّ مِنْها، فلا يترتَّبُ على تعميم الأحْكَام للوقائع عدمُ اختلافِ المجتهدين، وأيْضًا فإنَّ الأحكام الإلهيَّة عِنْد شرْعِها رُوعِيَت فيها مصالحُ العبادِ؛ تفضُّلًا مِنْه ورحمةً، وهي متفاوتة بحَسَب الزَّمان والمكان، فلا يُمْكِن ضبْطُها إلَّا بالتفويض إلى الرأْي، وإلَّا خلَتِ الوقائع والأحداثُ عن الأحكام؛ لعدم كفاية العُمُومات.\nفلما كانَتْ مصالحُ العباد متفاوتةً بحَسَب الزَّمان والمكان، كان للرأْي فيها مدْخلٌ؛ لأن العموماتِ لا تنطبقُ على كل الحوادثِ مَعَ مراعاةِ تَفَاوُتها.\n\n<span data-type='title' id=toc-182>حُجَجُ المُنْكِرِينَ لِلْقِيَاسِ ومُنَاقَشَتها:</span>\nاحتجَّ المنكرون للقياسِ؛ فقالوا:\nأوَّلًا: القياسُ طريقٌ لا يؤْمَنُ فيه الخطأ، والعقْلُ يَمْنَعُ من طريقٍ غير مأمونٍ؛ وعليه فالقياسُ ممنوعٌ عقلًا.","vol":"1","page":170},{"text":"والجوابُ: أنَّا لا نسلِّم أن مَنْع العقلِ مِمَّا لا يُؤْمَن فيه من الخطأ إحالةٌ له وإيجابٌ لنفْيِه، بل مَعْناه أنَّه مرجِّح للترك على العَمَل به، والمُدَعَى هو الإحالة، فهو نصْبُ دليلٍ لا في محلِّ النزاع، ثم إنَّ مثْلَه لا يَمْتنعُ التعبُّد به شَرْعًا.\nولو سلِّم أن مَنْعَ ما لا يُؤْمَن فيه الخطأُ إحالةٌ له في الجُمْلَة، فلا نسلِّم أن مَنْعه ثابتٌ في جميع الصُّوَر، وإنَّما هو مختصٌّ بما لا يَغْلب فيه جانبُ الصواب، وأمَّا إذا ظُنَّ الصواب، وكان الخطأُ مرجوحًا؛ فلا يمتنع العمل به، لأن المظانَّ الأكثرية لا تُتْرَك بالاحتمالات الأقليَّة، ولو تُرِكَتِ المظانُّ الأكثريةُ بالاحتمالاتِ الأقليَّةِ، لتعطَّلَتِ الأسباب الدنيويةُ والأخرويَّة؛ إذ ما مِنْ سبب من الأسباب إلَّا ويَجْري فيه ذلك، ويجوز تخلُّف أثره والتضرُّر به، فالتَّاجر لا يُسَافر، وهو جازمٌ أنَّه يرْبَح، والمتعلِّم لا يَتْعَبُ في تعلُّمه، وهو يقْطَع بأنَّه يَعْلم ويثمر علمه، إلى غير ذلك من الأمثلة، بل العَقْلُ يوجِبُ العَمَل عِنْد ظنِّ الصواب، أما إذا أمْكَنَ الخَطَأ؛ تَحْصِيلًا لِمصالح لا تحْصُل إلا به، على ما لا يخفى في تتبُّع موارد الشَّرْع، ومَنْ طلب الجَزْم في التكاليف، عطَّلَ أكثرها.\nثانيًا: لا يُجَوِّزُ العَقْلُ وُرودَ الشَّرْع بالعَمَل بالظَّنِّ، لما قَدْ عُلِم مِنْه أن الشَّرْع ورَدَ بمخالفة الظنِّ، وكَيْف يتأتَّى الجمعْ بَيْن إيجاب الموافقة وإيجابِ المُخَالَفة.\nويتضح ذلك أوَّلًا: بالحُكْم بالشَّاهدِ الواحدِ، وإنْ أفاد الظنَّ القويَّ، لكونه صديقًا أو للقرائن.\nوثانيًا: شهادةُ العَبِيدِ، وإن كَثروا، وعُلِمَ أنَّهم دَيِّنُون عُدُولٌ في الغاية منَ التَّقْوى، حتى يقوى الظنُّ بشهادتهم.\nوثالثًا: رضيعة في عَشْر أجنبيات، فإنَّ كلَّ واحدةٍ على التعْيين يُظَنُّ كونُها غَيْرَ الرضيعة لتحقُّقه على تسْعِ تقاديرَ، ولا يُتحقَّق خلافُه إلَّا على تقْديرٍ واحدٍ، ومعَ ذلِك فأُمِرْنا بمخالفة الظنِّ، فَحُرمَ التزوُّجُ بها.\nوالجوابُ: أنَّا لا نسلِّم أنَّه عُلِمَ ورودُ الشَّرْع بمخالفة الظنِّ، بل المعلومُ خلافُه، وهو ورودُهُ بمتابعة الظنّ، كما في خَبَر الواحِدِ، وفي ظاهر الكتاب والسُّنَّة، وأخبار النِّسَاء في الحَيْض والطُّهْر في غِشْيانهنَّ، وما ذكرتموه، إنَّما مُنِعَ فيه عن اتباع الظنِّ لمانعٍ خاصٍّ،","vol":"1","page":171},{"text":"وهو ورود التعبُّد من الشارع بامتناع العَمَل به، فكان ذلك من الشَّارع لا لعَدَمِ الجَوَازِ العقْليِّ.\nوثالثًا، وهو يُنْسَب إلى النَّظَام: حيث قال: قد ثبَتَ مِنْ قِبلِ الشارِعِ الفرْقُ بين المتماثِلات والجَمْعُ بين المخْتَلِفَات، وإذا ثبَتَ ذلِكَ اسْتَحالَ التعبُّد بالقياس.\nأما الفرْقُ بين المتماثلات، فمِنْه أن الشارع قدْ فرضَ الغُسْل من المَنِيِّ، كما أبطل الصوْمَ بإنزاله عَمْدًا، وحَرَّم مَسَّ المُصْحَف والمُكْث في المسْجِد والطوافَ دُون البَوْل مع كونهما نجسَيْن خارجَيْن منْ سبيلٍ واحدٍ، أيضًا قطع السارق القَلِيلَ دون غاصِبِ الكثيرِ مع أن جناية الأوَّل أصْغَرُ من جناية الثاني، وحرَّم النظر إلى العَجُوز الشَّوْهاء، وأباحَهُ في حقِّ الأَمَة الحَسْناء. وأما الجَمْع بين المختلفات، فمِنْه التَّسْوِية بَيْن قَتْل الصَّيْد عمدًا وقتله خطأً في الفداء في الإحْرَام مع كوْن العَمْد جنايةً كاملةً دون الخَطَأ، ومِنْه التَّسْويَةُ بَيْن الزنا والرِّدَّة في القَتْل مع كوْنِ الثاني أكْبَرَ كبيرةً من الأوَّل، ومِنْه التَّسْوية بَيْن القاتل خطأً والواطِئ في الصَّوْم، والمظاهِرِ عن امرأتِهِ في إيجاب الكفَّارة عليهم، وإذا ثَبَت كلُّ ذلك، اسْتَحال التعبُّد بالقياس؛ لأن القياس يقْضِي بثبوتِ الجَمْع بَيْن المتماثلاتِ والفَرْقِ بَيْن المُخْتَلِفَات.\nوالجوابُ عن ذلِكَ: أن المتماثلاتِ لَيْسَت متماثلةً مِنْ كل وجهٍ؛ لجوازِ اختلافِهَا في المَنَاط، وإنَّما يجب اشتراكُها في الحُكْم إذا كان ما به الاشْتراكُ يَصْلُح علَّةً للحُكْم، ليصلُح جامعًا، ولا يكونُ له معارضٌ في الأصلِ، هو المقتضى للحُكْم دون هذا، وليس هناك معارضٌ في الفَرْعِ أقوى يقتضي خلافَ ذلك الحُكْمِ، ولا شيء من ذلك موجودٌ فيما ذكر من الصُّوَر المتقدِّمة؛ لجواز عدم صلاحية ما توهَّمه المعترضُ جامعًا، أو وجود المعارِضِ في الأصْل أو في الفَرْع.\nوأما قضيَّة الجَمْع بين المختلفاتِ، فلجواز اشتراكِها في مَعْنىً جامعٍ يصلح أن يكونَ علَّةً للحكم؛ فإن المختلفات لا يمتنع اشتراكُها في صفاتٍ ثبوتيَّةٍ وأحكامٍ، وأيْضًا يجوز اختصاصُ كلٍّ بعلةٍ تقتضي حُكْمَ المخالف الآخَرِ، فإنَّ العِلَلَ المختلِفَة لا يمتنع أن تُوجِبَ في المحال المختلفة حُكْمًا واحدًا.\nورابعًا: القياسُ يُفْضِي إلى الاختلاف، وكلُّ ما يفضي إلى الاختلافِ مردودٌ، أما المقدِّمة الأُولى، فلاختلاف الأنظار والقرائِحِ، كما هو الواقعُ المشاهَدُ.","vol":"1","page":172},{"text":"وأمَّا الثانية؛ فلقوله ﷿: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [سورة النساء: الآية ٨٢] وذلك في مَعْرض المَدْحِ بَعْد الاختلافِ المُوجِب للردِّ، دلَّ هذا على أن ما هو مِنْ عِنْد الله لا يُوجَدُ فيه اختلافٌ، فما يوجد فيه اختلافٌ لا يكونُ مِنْ عِنْد الله، فحُكْم القياس للاختلافِ الكثيرِ الحَاصِل فيه لا يكونُ مِنْ عِنْد الله، وكلُّ حُكْمٍ لا يكونُ من عِنْد الله، فهو مردودٌ إجْماعًا.\nوالجوابُ: أن الاختلافَ المنفيَّ في الآية هُوَ التناقُضُ أو الاضطرابُ المُخِلُّ، والإعجازُ الذي لأجْله وقَع التحدِّي والإلزام بكَوْنه من عِنْد الله لا الاختلافُ في الأحْكَام الشرعيَّة، فإنَّه ثابت وواقعٌ لا يمكن إنْكَاره على أنَّ القياسَ كاشِفٌ ومُظْهِرٌ عمَّا هو من عِنْد الله لكنْ ظَنًّا.\nوخامِسًا: القياسُ يُفْضِي إلى التناقُضِ الباطِلِ، فيكون باطلًا، وتوضيح ذلك أنَّه يجوز أنْ تَتَعارَض علَّتان تقْتَضِي كلٌّ منهما نقيضَ حُكْم الأُخْرى، وحينئذٍ يجبُ اعتبارهما، وإثباتُ حكمهما؛ لأنَّه المَفْرُوض، فيَلْزَم التناقض.\nوالجوابُ: أن هذا الفَرْض إمَّا في قائِسٍ واحدٍ أو في متعدِّدٍ، فإن كان القائِسُ واحدًا، رجَّح بطريقٍ من طُرُقِ الترجيح، فإن لم يَقْدِرْ على التَّرْجِيح، فإما أن يتوقَّفَ فلا يَعْمَل بهما، كأنه لا دليلَ؛ لتعذُّر ثبوتِ الحُكْم الذي شَرْطُه عدَمُ وجود المُعَارِض المقاوم، وبهذا صرَّح كثيرٌ منَ العُلَمَاء.\nوإمَّا أنْ يخيَّر، فيعمل بأيِّهما شاء، وإلَيْه ذهب الشافعيُّ وأحمدُ ﵄ أمَّا إذا تعدَّد القائِسُون، فلا تناقض؛ إذْ يَعْمَل كلٌّ بقياسه.\n\n<span data-type='title' id=toc-183>وُقُوعُ القِيَاسِ وعَدَمُهُ:</span>\nقد تقدَّم فيما سَبَق الخلافُ في جواز التعبُّد بالقياسِ وعَدَمِه، وأوضَحْنا حجَّة كلِّ فريقٍ، وذَهَبْنا إلى أنَّ القَوْل الصحيح هو القولُ بالجَوَاز.\nوالآنَ نعرِضُ آراء العلماءَ في وقُوع التعبُّد بالقياسِ وعَدَمِه، والمَذْهَب الراجِح مِنْهُما، وعلَيْه فنَقُول: إنَّ القائلين بجواز القياسِ، كلَّهم قالُوا بوقوعه إلَّا دَاوُدَ الظَّاهريَّ والقاسانيَّ والنهروانيَّ، فإنهم وإنْ جوَّزوا التعبُّد به عَقْلًا، لكنَّهم منَعُوه سَمْعًا.","vol":"1","page":173},{"text":"ويُرْوى عن داودَ الظاهريِّ إنْكارُ القياسِ في العبادات فقَطْ دونَ غَيْرِها من المُعَامَلَاتِ، ويُرْوى عن القاسانيِّ والنهروانيِّ أنهما قالا بوقوعِ القِياسِ، إذا كانتِ العلَّة منصُوصةً، ولو إيماءً، وأنكرا فيما عدا ذلك، ولَئِنْ ثبَتَ هذا عَنْهُم، يكون أخصَّ من الرواية الأُولى عنهم.\nوالذين ذهَبُوا إلى وُقُوع التعبُّد بالقياسِ اخْتَلَفُوا في دليل ثُبُوته، فالأكْثَر مِنْهم على أنَّه واقعٌ بدليلِ السَّمْع، وفريقٌ من الحنفية والشافعيةِ قالُوا بوقوعه بالعَقْل مع دليل السَّمْع، ثم اختلف القائلُون بوقوعه بدليل السَّمْعِ في أنَّ دليله قطعيٌّ أو ظنيٌّ؛ حيث يرى الأكْثَرُ مِنْهم أنَّه قطعيٌّ خلافًا لأبي الحُسَيْن البصريِّ، فإنه عنده ظنيٌّ، ولا ينافي هذا ما ثَبَت عَنْه فيما تقدَّم من القول بوجُوبِ التعبُّد بالقياس؛ إذ لا مانع مِنْ أن الشيءَ يجبُ أولًا، ثم يقع، فيجوز أن يكون وجوبُه قطعيًّا، ووقُوعُه مظْنُونًا.\nولِقَائِلٍ أن يقول: إنَّ معنى وجوبِ التعبُّد عنده أنَّه يجب على الشارع أو مِنْه نَظَرًا إلى الحِكْمَة الأزليَّة الثَّابتة لَهُ وما يجب على الشَّارعِ أو مِنْه يقع قطعًا، فقطعيَّةَ الوجوب ملزومُ قطعيَّة الوُقُوع، ومنافي اللَّازِم منافٍ للمَلْزُوم فلزِمَ التنافي، والجوابُ عن الإيرادِ المتقدِّم أن القَطْعِ بالوقوع عِنْده بالعَقْل، وأمَّا السَّمْعُ الدالُّ علَيْه فظنيٌّ؛ بمعنى أنه لم يَقُلْ بظنِّيَّة الوقوع، بل بظَنِّيَّة الدليلِ السَّمْعِيِّ الدالِّ علَيْه فقط.\n\n<span data-type='title' id=toc-184>أَدلَّةُ وُقُوعِ القِيَاسِ سَمْعًا وعَقْلًا وَحُجِّيَّتُهُ:</span>\nاحتجَّ القائلون بوقوعِ القياسِ وحُجِّيَّته بالكتابِ والسُّنَّة والإجْماع والدليل العقليِّ: أما أدلَّة الكِتَابِ: فلقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [سورة الحشر: الآية ٢] وجْهُ الدَّلالةِ فيه: أن الاعتبار مَعْنَاه ردُّ الشيءِ إلى نظيره بأنْ يُحْكَم عَلَيْه بحُكْمه، وهذا يَشْمل القياسَ العقليَّ والشرعيَّ والاتِّعاظ، والآيَةُ إنَّما سيقت للاتِّعاظِ فتَكُون دلالتها على القياسِ بطريق الإشَارَة، وعلى الاتِّعاظ بالعِبَارة؛ لأنَّ الاتِّعاظَ يكون ثابتًا بطريق المَنْطُوق مع أن سياق الكلام له، والقياسُ الشرعيُّ يكون أيْضًا ثابتًا بطريق المنطوقِ مِنْ غَيْر أنْ يكونَ سياقُ الكَلَامِ له.\nوقد يقولُ قائلٌ: إنَّ الاعتبار ظاهرٌ في الاتِّعاظ لأمْرَيْن:\nالأمرُ الأوَّلُ: النَّظَر إلى خُصُوص السَّبَب الَّذِي ترتَّب عَلَيْه هذا الحُكْم، فإنَّ السَّبَب في","vol":"1","page":174},{"text":"الأَمْرِ بِالاعْتِبَار هُوَ الاتِّعاظ بما فَعَل الله ببني النَّضِير بسَبَب ما فَعَلُوا من العدوان.\nوالأمرُ الثَّاني: عدمُ مناسَبَة صدْرِ الآية للقياسِ الشرعيِّ؛ لأنَّه يصِيرُ المعْنى حينئذٍ ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الحشر: الآية ٢] فقِيسُوا الذرة على البر مثلًا، وهذا مَعْنىً بعيدٌ ينبُو عَنْه ظاهرُ الآية، فيُصَان كلامُ البَارِي تعالى عنْ مِثْلِ هذا.\nوالجوابُ: أن العِبْرَة بِعُمُوم اللَّفْظ لا بخصوص السَّبَب، وبهذا الجوابِ انْتَفى كَوْنُ الاعتبارِ ظَاهِرًا في الاتِّعاظ وانتفى أيضًا بعد ترْتيب القياسِ الشَّرْعيِّ علَيْه، وهو قياس الذرة على البرّ مثلًا، إذِ المُرَتَّب على هذا السَّبَب المذكورِ الاعتبارُ الأعَمُّ من قياسِ الذرة على البر مثلًا، أي فاعتبروا الشيء بنظيره في مناطه في المثلات وغيرها، وهذه القاعِدَةُ تكون مُسلَّمةً، إذا لم يكن الاعتبارُ مَعْناه الاتِّعاظ.\nوقد يُقَال: إنَّ الاعْتِبَارَ هوَ الاتِّعاظ لوَضْعِه لهُ أو لغلبته فيه، وهو الظاهر، ويكون القياسُ في هذه الحالة - أي في حالة ما إذا قلْنا: إنَّ الاعتبار معناه الاتعاظ - يكون ثابتًا بطريق دلالة النصِّ التي تُسمَّى فَحْوى الخِطَابِ.\nفقدْ قالَ الله تعالى في سورة الحَشْر: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [سورة الحشر: الآية ٢] حَيْثُ ذكر الله هلاكَ قومٍ؛ بناءً على سببٍ هو اغترارُهُمْ بالقوَّة والشَّوْكَة، ثم أمر بالاعتبار؛ ليُكَفَّ عن مثل ذلك السبب لئلَّا يترتَّب عليه مثْلُ ذلك الجَزَاء، كأنَّ الله تعالى يقول: اجْتَنِبُوا عَنْ مِثْل هذا السَّبَب؛ لأنَّكم إنْ أتَيْتُمْ بمثله، يترتَّب على فعلكم مِثْلُ ذلك الجزاء، فدُخُول فاءِ التعليل على قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ جعَلَ القضيَّة المَذْكُورة علَّةً لوجُوبِ الاتِّعاظ؛ بناءً على أن العلم بوجوبِ السَّببِ يوجِبُ الحُكْم بوجود المسبب، وهو مَعْنَى القياسِ الشرعيِّ، وقد فُهِمَ هذا المعنى من لفْظ الفَاءِ التي للتعْلِيل، فيكون مفهومًا بطريق اللُّغة، فيكون دلالة نَصٍّ، ودلالةُ النَّصِّ مقبولةٌ اتفاقًا، فلا يلزم الدَّوْر، وهو إثبات القياسِ بالقياسِ.\nجماعُ القوْلِ: إنه إذا أُرِيدَ بالاعتبارِ ردُّ الشيءِ إلى نظيره، تكون الآيةُ دالَّةً على القياسِ بطريقِ الإشَارَةِ كما تقدَّم بيانه، وإذا أُرِيدَ به الاتِّعاظ يكونُ القياسُ ثابتًا بدلالة النصِّ التي تُسمَّى فَحْوى الخطاب.","vol":"1","page":175},{"text":"والقولُ بأن الأمْر بالاعتبار يَحْتَمِلُ أنْ يكون للنَّدْب، فلا يثبت به وجوبُ العَمَل بالقياس، ويَحْتَمِلُ أن يكون للحاضِرِينَ فقط، فلا يثبت لغيرهم، ويَحْتَمِلُ أن يكون للمَرَّة، فلا يثْبُت به التَّكْرار، وأنْ يكونَ ثَابِتًا في بَعْض الأحْوال والأَزْمِنَة، فلا يكون حجَّةً على الإطْلَاق.\nكلُّ هذه احتمالاتٌ مردودةٌ، فإنَّ \"اعتبروا\" معناه: افْعَلُوا الاعتبار على سَبِيل الوُجُوب، إذِ الأصْلُ في صيغة الأَمْر أنْ تكون للوجوبِ، وهو عامٌّ يشْمَل الحاضِرِينَ وغَيْرَهم. وكونه للمرَّة - على خلافِ أوامِرِ الشَّريعة الغرَّاء، فهي عامَّةٌ في كل زمانٍ ومكانٍ غَيْرُ خاصَّة بِقَوْمٍ دون آخرين فلا عبرة بهذه الاحتمالاتِ؛ لأنَّ التمسُّك بها يؤدِّي إلى إهْدَار كثيرٍ من النصوصِ الشَّرعيَّة، ولا يجوز إهدارُ نَصٍّ بحالٍ من الأحوال. فدلَّت الآيةُ على حجِّيَّة القياس، ثم اختلف القائِلُون بذلك في أن إفادتها قطعيَّةٌ أو ظنِّيَّةٌ، حَيْث صرَّح بعض العلماءِ إلى أنَّها ظنِّيَّة، فهي لا تُفيدُ إلَّا الظنَّ، وأورد عَلَيْه بأنَّه كَيْف يصحُّ القول بظنيتها مع أنَّها من الأُصُول الَّتي ينبغي أن لا يكتفى فيها بالظَّنِّ.\nوَرَدَّ البيضاويُّ على ذلك في \"المِنْهَاج\" بما يفيد الاعْتراف بأنَّها ظنيِّة، حيْثُ قال: \"قلْنا: المَقْصُود العَمَل، فيَكْفِي الظَّنُّ\" وتوضيحُ ذلك أن هذه المسألة، وإنْ كانَتْ منَ الأُصُول إلَّا أن المقصُود مِنْها العَمَل، إذِ المقصُود من حجِّيَّة القياس العملُ بمقتضاه، فهي وسيلةٌ إلى الأحكام العمليَّة، فاكْتُفِي فيها بالظنِّ، كما اكْتُفِي به في المَقْصُود مِنْها، ولَيْسَت منَ الأصول المقصود بها التعبُّد في ذاتها، مثْل عقائد التوحيد، فإنَّ المقصود اعتقادُها اعتقادًا جازِمًا عنْ دليلٍ، فلا تثبت إلا عنْ الدليل القطعيِّ.\nوصرَّح الجمهورُ أنَّها قطعيَّةٌ، فهي لا تحتمل احتمالًا يؤيِّده الدليل، والاحتمالاتُ القائمةُ لا يؤيِّدها بُرْهَانٌ، فلا تنافي القطعيَّة.\nوالظاهِرُ أن الاحتمالاتِ قويَّةٌ، فالحقُّ أنَّها تفيد الظنَّ على أن مَنْ ذهَب إلى قطعيَّة المسْأَلَة، وهِيَ كونُ القياس حجَّةً لا يقولُ: إنَّ كل دليلٍ عَلَيْها قطعيٌّ، بل يقول: إنَّ مجموع الأدلَّة يفيدُ القَطْع بها، وذلكَ كافٍ.\nوخلاصةُ القَوْل: أن هنا أمرين:\nالأوَّلُ: دلالةُ الأدلَّة السمعيَّة على حجِّيَّة القياسِ، هَلْ هي قطعيَّة أو ظنيَّةٌ؟","vol":"1","page":176},{"text":"والثَّاني: كونُ القياسِ حجَّة، هل هو قطعيٌّ أو ظني؟.\nفالجمهور ذهب إلى أن الأدلة السمعية قطعيَّةٌ، وكذا المسألة، وذهب أبو الحسين البصري إلى أن المسألة قطعيةٌ، والأدلة السمعيَّة ظنيةٌ، والقطْع بالوقوع عِنْده بالأدلَّة العقْليَّة، ولذا ضم إلى الأدلَّة السمْعيَّة الأدلَّةَ العَقْليَّة لإثباث القَطْع.\n\n<span data-type='title' id=toc-185>أَدِلَّةُ السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ:</span>\nأمَّا السُّنَّةُ فما رُوِيَ عن معاذِ بْنِ جبلٍ ﵁ \"أن رسول الله ﷺ لمَّا بعثَهُ إلى اليَمَن قال: كَيْف تَقْضِي إذَا عُرِضَ لكَ قَضَاءٌ؟ قال: أَقْضِي بكِتَابِ الله، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ في كِتَاب الله؟ قال: فَبِسُّنَّةِ رَسُولِ الله، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ في سُنَّةِ رسُولِ الله؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي ولا آلُو، قال: فَضَرَبَ رسولُ اللهِ ﷺ على صَدْرِهِ وقال: الْحَمْدُ لله الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رسولِ اللهِ لما يُرضي الله وَرَسُولَهُ\" (^١) فَهذا يدل بوضوح على أن الاجْتِهَادَ بالرأي جائزٌ عند عدم وجودِ نصٍّ من الكتابِ والسنَّةِ، ولأنَّهُ لو لم يكن القِيَاسُ حجَّةً، لأنكر عليه النبي ﷺ ذلك وَلَمَا حَمِدَ الله.\nوبعضهم أورد عليه أن الاجتهادَ بالرأيِّ غَيْرُ منحصرٍ في القياس كتأويلِ الظَّاهِرِ، أوِ الخَفِيِّ، أوِ المُشْكَلِ وغيره.\nوالجوابُ على هذا أن الكلام فيما لم يُوجَدْ فيه نصٌّ من الكتابِ، أو السُّنَّة، أمَّا الظَّاهِرُ والخفيُّ والمُشْكَلُ فَمِنَ الْكِتَابِ.\nأمَّا إذَا سَلَّمْنَا أن الاجتهادَ بالرأْيِّ غير منحصر في القياسِ، بل يشمله وغيره، فَهُوَ إذَنْ فردٌ منه وداخل فيه، فالاجتهادُ بعمومه مُتَنَاوِلٌ لَهُ.\nقد يَقُولُ قائل: إنَّ الحديثَ خَبَرُ آحَادٍ، فلا يفيدُ إلَّا الظَّنَّ ومثله لا يكفي في إثبات الأُصُولِ.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٣٠، وأخرجه الدارمي في السنن ١/ ٦٠، \"المقدمة\" باب \"الفتيا وما فيه من الشدة\"، وأخرجه أبو داود في السنن ٤/ ١٨، \"كتاب الأقضية\" ١٨، باب اجتهاد الرأي ١١، الحديث ٣٥٩٢ واللفظ له، وأخرجه الترمذي في السنن ٣/ ٦١٦، \"كتاب الأحكام\" ١٣، \"باب ما جاء في القاضي\" ٣، الحديث ١٣٢٧.","vol":"1","page":177},{"text":"قال مُحِبُّ الدِّينِ الهنديُّ في \"مُسَلَّمِ الثُّبُوت\": إنَّه خبرٌ مشهورٌ يفيد الطمأنينة، وهو فوق ظَنِّ الآحَادِ؛ لأنَّه يقين بالمعنى الأَعَمِّ المذكور وَبِمِثْلِهِ يصحُّ إثباتُ الأصلِ.\nوقد ورد في السنَّةِ الصَّحِيحَةِ الثَّابِتَةِ أن الصحابة - رضوان اللّهِ عليهم - قدِ اجتهدُوا في كثيرٍ من الأحْكَامِ في زمن النبيِّ ﷺ ولم ينكر عليهم ذلك، فَمِنْ ذلك أنه أمرهم أنْ يُصَلُّوا العصر في بَنِي قُرَيْظَةَ فاجتهد بعضهم، وصلاها في الطريق وقالوا: لَمْ يُرِدْ مِنَّا التَّأْخِيرَ، وإنَّمَا أراد سرعَةَ النُّهوضِ، فنظروا إلى المعنى، وهؤلاء سلفُ أصحاب المَعَاني والقِيَاسِ، واجتهد البعض الثاني، وأخَّرُوها إلى بَنِي قُرَيْظَةَ فصلوها ليلًا فَنَظَرُوا إلى اللَّفْظِ، وهؤلاء سلفُ أهل الظَّاهِرِ، أيْضًا اجتهد الصحابيان اللَّذَانِ خرجا في سفرٍ فحَضَرَتِ الصَّلاةُ وليس معهما ماءٌ فصَلَّيَا، ثم وَجَدَا الماء في الوقت فأعاد أحدهما، ولم يُعِدِ الآخرُ فصوَّبَهُمَا النبي ﷺ، وقال لِلَّذِي لم يُعِدْ: \"أصبتَ السنَّة، وأجزأَتْكَ صلاتُكَ\" وقال للآخر: \"لكَ الأجرُ مرَّتين\".\nولما قاس مُجَزِّز المدْلِجِيُّ وقَافَ، وحكم بِقِيَافَتِهِ على أن أقدام زيدٍ وأُسَامَة ابنه بعضها من بعض، سُرَّ بذلك رَسولُ الله ﷺ حَتَّى بَرِقَتْ أسَارِيرُ وَجْهِهِ من صِحَّةِ هذا القياس، وموافقته للحق، وكان زيدٌ أبيضَ وابنُه أسامة أسْودَ فألحق مُجَزِّزٌ المدْلِجِيُّ الفَرع بأصله ولم يَعْتَبِرْ وَصْفَي السَّوَادِ، والبياضِ: اللَّذَيْنِ لا تأثير لهما في الحُكْمِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-186>أَدِلَّةُ الْإِجْمَاعِ:</span>\nلقد كان أصحابُ رسولِ االله ﷺ يَجْتَهِدُونَ في النوازِلِ، كما كانوا يَقِيسُون بعضَ الأَحْكَامِ على بَعْضٍ فيما لم يجدوا فيه نصًّا من الكتابِ والسُّنَّةِ، وكانوا يعتبرُونَ النظيرَ بِنَظيرِهِ، وقد تواتَرَ ذلك عنهم، وإِنْ كانت تفاصيلُ أعمالهم آحادًا، فإِنَّ الْقَدْرَ المُشْتَرَكَ متواترٌ، والعادةُ قاضِيَةٌ في مثله بوجود القاطع بِحجِيَّتِهِ والعلم به، فَهذا استدلالٌ في الحقيقةِ بالقاطِع الَّذي كان عِنْدَهُمْ وعملهمِ شائعًا ذَائِعًا دليلٌ عليه، وقد شَاعَ بينهم الاحْتِجَاجُ به، والمباحَثَةُ والتَّرْجِيحُ فيه عند المعارَضَةِ بلا نكير من واحد منهم، والعادَةُ تَقْضِي بأن السكوت في مثله من الأصول العامة المُلْزِمَةِ لِلْعَمَلِ بِهَا، وهذا استدلال بنفس إجماعهم على الحُجِيَّةِ، فإنَّهُم عملوا بِهِ، واسْتَدلُّوا به من غير نَكِيرٍ.\nفمن ذلك: عُدُولُ الصَّحابةِ - رضي الله تعالى عنهم - إلى رَأْيِ أبي بكرٍ الصدِّيق","vol":"1","page":178},{"text":"رضي الله تعالى عنه في قِتَالِ بني حَنِيفَةَ على أخذ الزكاة منهم، حيث كان الصَّحابة ﵃ مختلفين، فمنهم من يرى المُسَالَمَة لقُرْبِ موت النبي ﷺ، وانْكِسَارٍ في المسلمين حصل بسببه، ومنهم من يرى القِتَالَ عليها قياسًا على الصَّلَاةِ؛ لئلَّا يُحَسَّ منهم بالضعف والانْكِسَارِ فَيُطْمَع فيهم، وكان مِمَّنْ يرى القتال: أَبُو بَكْرٍ ﵁ فرجَعُوا إليه وسَلَّمُوا قياسَه، وَرُوِيَ عنه أنه قال: \"والله لأُقَاتلنَّ مَنْ فَرَّق بينَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ\" رواهُ الشَّيخان.\nويعتبر هذا إجماعًا منهم على حُجيَّةِ القياسِ كما وَرَّثَ الصدِّيقُ ﵁ أُمّ الأُمِّ دون أُمِّ الأَبِ فقيل له: تركتَ الَّتي لو كانت هي الميتة لَوَرثَ ابْنُ ابنِهَا الْكُلَّ، فشركَها في السُّدسِ على السَّواء، ووَرَّثَ عمرُ ﵁ المطلقة ثلاثًا في مرض زوجها مرض الموت قِيَاسًا على الفارِّ، كما رَجَع ﵁ في مَسْألَةِ قتلِ الجَمَاعَةِ بالواحِدِ إلى رأي علي - كرَّم الله وجهَهُ - حين قال له: أَرَأَيْتَ لو اشترك نفرٌ في السَّرِقَةِ أكنت تَقْطَعهُمْ فقال: نعم، فقال: هكذا هنا ففيه قياس قتل الجماعة بالواحد على قطع الجماعة الذين اشتركوا في السَّرِقَةِ.\nوقال عثمان ﵁ لعمر ﵁: إِنِ اتَّبَعْتَ رأيك فَسَدِيدٌ، وإن تتبع رأي من قبلك فنِعْمَ الرَّأْي، فقد جوز العمل بالرأي، وقاس علي - كرَّم اللَّهُ وجههُ - الشَّارِبَ على القاذِفِ في الحدِّ وأجمعُوا عليه.\nقال الزُّهْرِيُّ: أخبرني حميدُ بنُ عبد الرحمن بنِ عوفٍ عن وبرة الصَّلْتِيِّ قال: بعثني خالدُ بنُ الوليدِ إلى عمَرَ فأتيته، وعنده علي وطلحة، والزُّبير، وعبد الرحمن بن عوف متَّكِئُونَ في المسجِدِ فقلت له: إن خالِدَ بنَ الوليدِ يقرأ عليكَ السَّلامَ ويقول لك: إن النَّاسَ قد انْبَسَطُوا في الخَمْرِ وتَحَاقَرُوا العقوبَةَ فما ترى؟ فقال عُمَرُ: هم هؤلاء عندك قال: فقال علي: أَرَاهُ إذا سَكِرَ هذى وإذا هَذى افْتَرَى وعلى المفتري ثَمَانُونَ فاجْتَمَعُوا على ذلك فقال عُمَرُ: بلِّغ صاحبَكَ ما قالوا، فضرب خالدٌ ثمانين وضرب عمر ثمانين، ومن ذلك قول عَلِيٍّ - كرَّم الله وجهَهُ -: اجتمع رأيي ورأيُ عمرَ ﵁ في أُمَّهاتِ الأولاد ألَّا يبَعْنَ ثمَّ رأيت بيعهن، فقال له قاضيه عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ: يا أميرَ المُؤْمِنِينَ رأيك مع رأي عمر في الجماعة أحب إلينا من رأيك وَحْدَكَ، فقد جوز العمل بالرأي، ومن ذلك أنَّهُمُ اختلفُوا في توريثِ الجَدِّ مع الإخوَةِ بالرَّأْي، حيث روى الإمام أبُو حنيفَة في مسنده عن أمير المؤمنين","vol":"1","page":179},{"text":"عَلِيٍّ - كرَّم اللَّهُ وجهه - قال لعمر ﵁ حين شَاورَ في الجَدِّ مع الإخوة أنه قال: أرأيت يا أميرَ المؤمنين لو أن شجَرَةً نَبَتَتْ فَانْشَعَبَ منها غصن، فانشعب من الغصن غصنان أيهما أقرب من أحد الغصنين أصاحبه الذي خرج منه أم الشجرة؟.\nوقال زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: لو أن جَدْولًا انبعث منه ساقية، ثم انبعث من السَّاقِيَة ساقيتان أَيُّهُما أَقْرَبُ إحدى الساقيتين إلى صاحِبَتِهَا أَمِ الجَدْوَل، ومقصودهما بذلك توريث الأَخِ مع الجَدِّ قِياسًا على توريث العصباتِ الأخيرين بجامع القُرْبِ في القَرَابةِ والشَّجَرَة والجَدْوَل تمثيل لِقُرْبِ القَرَابَةِ.\nوذهب عُمَرُ ﵁ إلى أَنَّ الجَدَّ أولى بالمِيرَاثِ من الإخْوَةِ، ويقول: واللهِ لو أنِّي قضيته الْيَوْمَ لبعضهم لقضيت به لِلْجَدِّ كله، وَلكِنْ لَعَلِّي لا أُخَيِّب منهم أحدًا، ولَعَلَّهُمْ أن يكونوا كُلُّهُم ذوي حق، فَرَجَعَ إلى هذا الْقِيَاسِ وَوَرَّثَهُم مع الجَدِّ، فيكون توريثهم مع الجَدِّ قياسًا.\nيتضح مما تقدم أن الصحابَةَ - رضي الله تعالى عنهم - قَاسُوا الوقائِعَ والأحداث بنظائرها وشَبَّهُوهَا بِأَمْثَالِهَا وَرَدُّوا بعضها إلى بعض في أحكامها، وبذلك فَتَحُوا للعلماءِ باب الاجتهاد، ونَهَجُوا لهم طريقه وبينوا لهم سبيله.\nوهل يَشُكُّ عاقلٌ في أن النبيّ ﷺ لما قال: \"لَا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ\". إنَّما كان ذلك؛ لأن الغضب يُشَوِّشُ عليه فكره، ويمنعه من كمال الفَهْمِ والإدْرَاكِ ويحولُ بينه وبين استيفاءِ النَّظَرِ والتَّحقيق، وَيُعْمِي عَلَيْهِ طريقَ العلمِ وَالْقَصْدِ، فَإِذَا وجد هذا المعنى في فرد آخر يكون داخلًا في النَّهْى بِالقِيَاسِ وذلك كالهم المزعج، والخوف المقلق والجوع والظمأ الشديدين، وشغل القلب المانع من الفهم، فمن قَصَرَ النَّهْيَ على الغضب دون غيره من كل ما يوجد فيه المعنى الذي لأجله النهي، فقد قَلَّ فَهْمُهُ وَفِقْهُه، وفاته أن التَّعْوِيلَ في الأحكام على قصد المتكلم، والألفاظ لم تقصد لنفسها، وإنَّما هي مقصودة للمعاني، والتوصل بها إلى مَرَادِ المُتكَلِّمِ، فالحديث دَلَّ على الغضب، وليس هو المقصود بالذات وحده حتى لا يلحق به غيره، بل كل ما وجد فيه العلة التي نهي عن الغضب لأجلها كان ملحقًا بِهِ.","vol":"1","page":180},{"text":"<span data-type='title' id=toc-187>الدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ:</span>\nوخُلَاصَتُهُ: أَنَّ المُجْتَهِدَ إِذَا غَلَبَ على ظَنِّهِ كَوْنُ الحكم في الأصل مُعَلَّلًا بالعلة الفلانية، ثم وجدَ تِلْكَ العِلَّةَ بغينها في الفرع يحصل له بالضَّرُورَةِ ظَنُّ ثبوتِ ذلِكَ الحكم في الفَرْعِ وحُصُولُ الظَنِّ بالشيءِ مُسْتَلْزِمٌ لحُصُولِ الْوَهْمِ بِنَقِيضِهِ، وحِينَئذٍ فَلَا يمكنُهُ أَنْ يَعْمَلَ بالظَنِّ والوَهْمِ لاِسْتِلْزَامِهِ اجتماع النقِيضَيْن، ولا أن يَتْرُكَ العملَ بِهِمَا لاسْتِلْزَامِهِ ارتفاعِ النقيضَيْنِ، ولا أن يَعْمَلَ بالوهْمِ دونَ الظنِّ، لأنَّ العملَ بالمرجوحِ مع وُجُودِ الراجِحِ ممتنعٌ عَقْلًا وشَرْعًا، فتعيَّنَ العملُ بالظَنِّ، ولا معنى لوجُوبِ العَمَلِ بالظَنِّ إلا إثْبَاتُ القياسِ على سبيلِ المِثَالِ: إذا غلبَ على ظنِّ المُجْتَهِدِ أَنَّ حُكْمَ الخَمْرِ معلَّلٌ بالإسْكَارِ، ثم وجد تلك العِلَّة بِعَينِهَا فِي النَّبِيذِ، فإنَّهُ يحصل له بالضرورة ظن ثبوت ذلك الحكم في النبيذ، وحُصُولُ الظَنِّ بثبوت الحكْم في النبيذِ مُسْتَلْزِمٌ لِحُصُولِ الوَهْم بِنقيضِهِ، وحنيئِذٍ لا يُمْكِنُهُ أنْ يعملَ بِهِمَا، ولا أن يتْركَ العملَ بهما، ولا أن يعمل بالمرجوح دون الراجح لما تَقَدَّم، فتعيَّنَ العمل بالظنِّ وهو القياس، فَثَبَتَ أن القِيَاسَ حُجَّةٌ من الحُجَجِ الشَّرْعِيَّةِ لاستفادَةِ الأَحْكَامِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-188>شبه وردٌّ:</span>\nاسْتَدَلَّ المَانِعُونَ للقياس بأدلَّةٍ نَقْلِيَّةِ وعقليَّةٍ وتمَسَّكُوِا بِظَاهِرِهَا، فنحن نعرِضُهَا مع الرَدِّ على كل دليل من أدِلَّتِهِمْ، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة النحل: الآية ٨٩] أي بيانًا لكل ما شرع لكم مما يَنْفَعُكُم في أمرِ دِينِكُم ودنياكم فكلُّ شيءٍ مشروع في الكتاب، وما ليس مشروعًا فيه، فيبقى على النفي الأَصْلِيِّ، وحينئذٍ يكون إثباتُ القِيَاسِ بما ليس في كِتَابِ اللهِ، فيكونُ مُنَافيًا للشرع، فلا يصحُّ العملُ بِهِ.\nوالجواب على ذلك أن المُرَادَ بِالكِتَابِ اللَّوْح المحْفُوظ، وهو مُشْتَمِلٌ على كل شَيْءٍ، والقياسُ شيء من تلك الأشْيَاءِ التي ذكرت فيه.\nأَوْ يُرَادُ من الكِتَابِ اللَّفظ المنزل على محمد ﷺ المُتَعَبَّدِ بِتِلَاوَتِهِ، وَأَن مَا ثَبَتَ بالقياسِ مضاف إلى الكتاب لأن القِيَاسَ مُنَزَّلٌ في كتاب الله نصًا، أو دِلالَةً ذلك أنه نظير الاعتبار المأمور به في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾، فالعمل بالقياس عمل بالكتاب في الحقيقَةِ، أو لأن الكتاب دَلَّ على وُجُوب قَبُولِ قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا","vol":"1","page":181},{"text":"نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [سورة الحشر: الآية ٧] وقول الرسول دلَّ على حُجِيَّةِ الْقِيَاسِ، فكان كتاب الله دالًّا على حجيَّةِ القِيَاسِ، فالقرآنُ نَزَلَ تِبْيانًا لكل شَيْءٍ لكن إجمالًا لا تفصيلًا؛ لانْعِدَامِ تفصيل الكُلِّ فيه قطعًا فيفصل بالاجتهاد.\nوعليه فالمُرَادُ بما تقدم أن الكتاب بيانٌ لكل شيءٍ، وذلك إمَّا بدلائل ألفاظه من غير واسطة، وإمَّا بواسطة الاستنباط منه، أو دلالته على السُّنَّةِ والإجْمَاعِ الدالين على اعتبار القياس، فالعَمَلُ بالقياسِ عمل بما بَيَّنَهُ الكتاب لا أنه خَارِجٌ عنه، ومنها قوله تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [سورة النساء: الآية ٥٩]. فهو صريحٌ في أن الرَّد لا يكون إلا للكتابِ والسُّنَّةِ لا إلى الرأي، وحينئذٍ يكون القياس باطلًا؛ لأنه تشريعٌ بالرأي فلم يتحقق الردُّ إلى الكتابِ والسُّنَّةِ.\nوالجواب على ذلك أنَّا لا نرده إلى مجرَّدِ الرأي كما زعم المعترض، وإنَّما نرده إلى العِلَلِ المستنبطة من نصوص الكتابِ والسُّنَّةِ والقياس عبارة عن تفهم مَعَانِي النُّصوصِ بتجريدِ مناطِ الحكم وحذف الحَشْوِ الذي لا أثر له في الحكم، فحينئذٍ يَكُونُ الرَدُّ إلى القِيَاسِ ردًّا إلى الكتاب، أو السُّنَّةِ.\nوممَّا استدلَّ به المُنْكِرُونَ للقياسِ من طريقِ العَقْلِ شُبَهٌ كَثِيرَةٌ، منها لا نُسَلِّمُ أن أحدًا من الصَّحَابَةِ استعمل القياسَ لإثبات حكم من الأحكام، وما نَقَلْتُم أخبار آحاد لا تفيد القطع، فيجوزُ عدمُ صِحَّةِ ذلك النقل، ومنها أن ما نقلتم عنهم من الأَخْبَارِ الدَّالَّةِ على استعمالهم القياس لا تَدُلُّ دلالة واضحة على كون فتواهم بالقياس، بل يجوز أن يكون عندهم نصوص جلية، أو خفية لم يذكروها، ولئن سَلَّمْنا فتواهم بالقياس، فإنَّ الأَقْيِسَة التي استعملوها جزئية لا تدل على صحة الاستدلال بجميع الأقيسة.\nوجوابنا عن ذلك أن المنقولات وإن كانت كل واحد منها أخبار آحاد إلَّا أن الْقَدْرَ المُشْتَرَكَ بينهما وهو الفتوى بالقياس وكون عادتهم ذلك متواترًا يحدث العلم به بكثرة مطالعة أقضيتهم وتواريخهم، وعلم أيضًا من تكرَّر عملهم بالأقيسة أنه لم يكن بخصوص نَوْعٍ أو فرد، وعلم أيضًا بقرائن قاطعة للناقلين أنَّهُ لم يكن عندهم نصٌّ، والعادَةُ تقضي بأنه لو كان عندهم نصٌّ استدلوا به في فَتَاوِيهِم لكانوا أظهروه، وحصل لَنا علم به مقدم ظهور نَصٍّ في فتاويهم دَلِيلٌ على أنهم كانوا يستعملون القياس لإثبات الأحكام.\nوعليه يَثْبُتُ أن القياسَ حجةٌ شرعية لإثبات الأحكام. ومن أدِّلَتِهِم أيْضًا أن العمل","vol":"1","page":182},{"text":"بالقياس، وإن ثبت عن بعض الصَّحابة، لكن لا يلزمُ منه الإجْماع، وإنَّما يلزم لو تحقق أن سكوتهم كان عَنْ رضًا لِمَ لا يجوز أنْ يَكُونَ سكوتهم عن خَوْفٍ.\nوفي هذا يقول النَّظَامُ: إنه لم يعمل به إلا عددٌ قليل من الصَّحابة ولما كان مثل أمير المؤمنين عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ وعثمان وعلي ﵄ سلاطين خاف الآخرون من مخالفتهم، لأنَّ العادَةَ جَرَتْ بمعاداة من خالف الأمِيرَ أو السُّلْطَانَ واتَّخَذَ قَوْلَهُ مذهبًا لنفسه.\nوجوابُنَا على ذلك أن تَكَرُّرَ السُّكُوتِ في وقائع كثيرة لا تحصى لا يكون عادةً إلا عن رِضَاء، لا سِيَّمَا فيما هو أصْلٌ من أصولِ الدِّينِ، فهذا السُّكُوتُ سِرًّا وعلانيَّة من كُلِّ أحَدٍ في كل واقعة والتزامهم أحكام الخلفاء الراشدين يفيد علمًا ضروريًّا بالرِّضَاءِ والوِفَاقِ، وتوهم نسبة الخوف إلى من يخالِفُهُم كَذِب وبُهْتَان، فإنَّ مِنْ أخلاقهم الكريمَةِ المُتَوَاتِرَةِ عنهم أنَّهُم كَانُوا لا يخافون في أمر ديني من أحد خُصُوصًا إذا بَقِيَ معمولًا به مُدَّةً طويلة، ونسبة المعاداة إلى الخلفاء الرَّاشِدِينَ لمن خالفهم واتَّخذ قولًا مذهبًا حَمَاقَة عظيمة، وكيف يُعْقَلُ أن الصَّحابة - رضوان الله عليهم - خُصُوصًا الخُلَفاء الرَّاشِدِينَ أنَّهُم يُعَادُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيما اتَّخَذُوه مَذْهَبًا فَإِنَّهُم كانُوا يُنِيبُونَ لِلْحَقِّ وَيَرْجعُونَ إلى الصَّوَابِ، ومن تتبع الآثار والتواريخ أدرك بلا شك أن كثيرًا مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ كانوا يخالفون قَوْلَ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ إذا ظَهَرَ لَهم شَيءٌ خلاف ما يقولون، فلا يُبَالُونَ بقول الحق، ولا يخافون في الله لَوْمَةَ لائم، وإذا لم يكن خوف في المخالفة في وقائع متعددة، فأيُّ خوف لهم في واقعة واحدة. ونختم هذا بقول المُزَنيِّ: \"إنَّ الفقهاءَ من عصر رسول الله ﷺ إلى يَوْمِنَا وهلم جرا استعملوا المقاييس في الفقه في الأحكام، قال: وأجْمَعُوا على أن نظيرَ الحقِّ حق، ونظير الباطل بَاطِلٌ، فلا يجوز لأحد إنْكَارُ القياس؛ لأنه التشبيهُ بالأُمُورِ والتمثيلُ عليها\".\n\n<span data-type='title' id=toc-189>النَّسْخُ</span>\nلا يخفى على كل مُتَأَمِّلٍ أن القوانين الَّتي وضعها البَشَرُ لا تفي بحاجيات الإنسان المُلِحَّةِ والكامِنَةِ فِي نَفْسِهِ، ومن تَفَحَّصَ هذه القوانين، أدْرَكَ - جيدًا - عَدَمَ صلاحيتها لطهارَةِ السَّرائِرِ، والتخلُّقِ بالأخلاقِ الحميدة، والمُثُل الطَّاهِرَةِ؛ كحُبِّ الخَيْرِ، ومساعدةِ","vol":"1","page":183},{"text":"الضعيفِ، والتواضع … إلى غير ذلك من المكارم التي تُؤَدِّي إلى سعادة البَشَر في الدُّنْيَا والآخِرَة، ولا مناصَ للبَشَريَّة الباحِثَةِ عن سِرِّ سعادتها من اتِّبَاعِ طريقٍ آخر مؤدٍّ إلى ما تصبو إليه، وتطمح إلى ارْتِشَافِهِ.\nوالقوانينُ الإلهيَّةُ هي غايةُ السعادَةِ ومنتهى الكمَالِ، فاللهُ - تعالى - لم يترك هذا الإنسانَ في هذه الدُّنيا هملًا يَسِيرُ على غير هُدًى، بل أوضح له طرق الخيرِ وطرق الشرّ، بإرسال الرسل والكتب المُقَدَّسَةِ.\nومن بين هذه الكتب المقدسة القرآنُ الكريم، ومن سنن رسله سُنَّةُ سيدنا محمَّد - عليه أفضل الصَّلاة والتَّسليم -.\nولقد جاء التَّشريعُ الإسلاميُّ خاتِمًا لكلّ الرسالات، والأحكام الإلهية؛ لذا زَوَّدَهُ اللهُ بما يضمن بقاءَه، ويحقق خلوده إلى يوم القيامَةِ. والتشريع الإسلامي قائمٌ على خصائصَ ومميزاتٍ تُحَقِّقُ بناءَهُ الشَّامِخَ، وتقيم صَرْحَهُ أبدَ الأزمَانِ والعُصُورِ.\nومن الأُسُس الجليَّة الَّتي ابتنى عليها بناءُ الأحْكامِ الإسلامِيَّةِ في تشريعِ الأوامر والنواهي - مبدأ التدرُّج؛ حتى تتهيأَ النُّفُوسُ للإذعَانِ للأحكامِ الشرعِيَّة؛ فَتَتَقَبَّلَها عن طِيبِ خَاطِرٍ بدون مشقة، أَوْ ضَرَرٍ واقعِ بها. ومشروعية التَّدَرُّجِ في الأَحْكَامِ الإسلامِيَّة اقْتَضَتْها الظُّرُوفُ والملابساتُ الَّتي تزامَنَتْ وَالدَّعْوةَ الإسلامِيَّةَ، فكان مَبْدَأُ التَّدَرُّج علاجًا لمثل هذه الحالات، ثم تَنْتَهِي هذه الأحكامُ بالنَّسْخِ لزوالِ مُقْتَضَيَاتِهَا، حتَّى إذا تمَّت أحكام اللهِ نزولًا بقيت محكمةً إلى يوم الدين.\nوبعد أَنْ أَتَمَّ اللهُ شَرْعَهُ؛ بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [سورة المائدة: الآية ٣]، دلَّ ذلك على تمام الشريعة وكمالها، فلا يكون هناك تبديل ولا تغيير.\nوإليك كلمةً موجزةً عن النسخ، فنقول وبالله التوفيق:\n\n<span data-type='title' id=toc-190>النَّسْخُ لُغَةً:</span>\nالنَّسْخُ يطلق في اللُّغة كما في الصِّحَاحِ، والقَامُوسِ، واللِّسَانِ بمعنى: الإزالة.","vol":"1","page":184},{"text":"يقال: \"نسختِ الشمسُ الظلَّ\"، أي: أزالته، و\"نسخت الريحُ الآثارَ\"، أي: أزالتها، وَمِنْهُ: تَنَاسُخُ القُرُونِ والأَزْمِنَةِ، والإزالَةُ هِيَ الإعْدَامُ.\nوقد يُطْلَقُ النَّسْخُ بمعنى نَقْلِ الشَّيءِ وتحويله من حالةٍ إلى أخرى، مع بقائه في نفسه.\nيقال: \"نَسَخْتُ الْكِتَابَ\"، أيْ: نقلت ما فيه إلى آخر. ومنه قوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الجاثية: الآية ٢٩]، أي: ننقله في صُحُفِ المَلَائِكَةِ.\nويقال: \"وَنَسَخْتُ النَّحْلَ\"، أي: نقلتها من خليَّةٍ إلى أخرى، ومنه: المُنَاسَخَاتُ في علم المَوَارِيثِ؛ لانتقالِ المَالِ من وارثٍ إلى وارثٍ، ولكن هُنا تنوعت الآراءُ في أيِّ المعنيين يكونُ لفظُ النَّسْخ حقيقةً، وفي أيِّهِما يكون مجازًا؟. وفيه مذاهبُ حكاها العلامةُ أبو عمرِو بْنُ الحاجِبِ من غير ترجيحٍ، لكن ذهب القاضي أبُو بكرٍ البَاقِلَّانِيُّ ومن تابعه إلى أنه حقيقةٌ فيهما، فاسم النَّسْخِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ هذين المعنيين.\nوذهب القَفَّالُ الشَّاشِيُّ إلى أنَّه حَقِيقَةٌ في النَّقْلِ والتَّحْوِيلِ. وذهب الإمَامُ الجُوَيْنِيُّ إلى أنه حقيقة في الإزَالَةِ، مجاز في النقل، وَيُعَلِّلُ ذلك بقوله: \"لأن النقل أخصُّ من الزَّوالِ\"؛ فإن النَّقْلَ إعدام صفة وإحداث أخرى، وأمَّا الزَّوالُ فمطلق الإعدامِ، وكونُ اللَّفظِ حقيقةً في العامِ، مجازًا في الخاصِّ - أَوْلَى من العكسِ؛ لتكثير الفَائِدَةِ.\nوقيل في الرَّدِّ على ما ذهب إليه الإمَامُ من التَّعْلِيلِ: لا نسلِّم أن النقلَ أخصُّ من الزَّوَالِ؛ لأن الإزالة على ما قيل هي الإعْدَام، والإعدامُ يستلزمُ زوال صفة الوجود وتجدد أخرى، وهي صِفَةُ العَدَمِ، وهما صفتان مُتَقَابِلَتَانِ، متى انْتَفَتْ إحداهما تحقَّقت الأخرى، وإذَا تَعَذَّرَ التَّرْجِيح، كان القولُ بالاشتراك أشْبَهَ، ولعَلَّ هذا هو دَلِيلُ من قال بالاشتراكِ، اللهمَّ إلَّا أن يقال: مُرادُ الإمامِ تَبَدُّلُ الصِّفَةِ الوجودِيَّةِ بِصِفَةٍ وجودية أخرى؛ فَيَكُونُ النَّقْلُ أخَصَّ، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-191>النَّسْخُ فِي نَظَرِ عُلَمَاءِ الأُصُولِ:</span>\nلقد عَرَّفَ عُلَمَاءُ الأصولِ النَّسخَ بتعارِيفَ كثيرةٍ، منها ما هُوَ فاسدٌ، ومنها ما هو صَحِيحٌ.","vol":"1","page":185},{"text":"ونقتصر على تعريفاتٍ ثلاثةٍ، وهي لإمام الحرمين، والغَزَالِيِّ، ولابن الحاجب مع بيان المُخْتَارِ منها:\nعَرَّفَهُ إمام الحرمين الجُوَيْنِيُّ بأنه: اللَّفْظُ الدَّالُّ على انْتِفَاءِ شرطِ دوامِ الحكم الأوَّل.\nقال القَاضِي عَضُدُ الدِّينِ: ومعناه أن الحُكْمَ كان دَائِمًا في علم الله دوامًا مشروطًا بِشَرْطٍ لا يَعْلَمُهُ إلا هو، وَأَجَلُ الدوام أنْ يَظْهَرَ انتفاء ذلك الشرط لِلْمُكَلَّفِ؛ فَيَنْقَطِعَ الحكم، ويبطلَ دوامُه، وما ذلِكَ إلَّا بتوفيقه تعالى إيَّاه، فإذا قَالَ قولًا دالًّا عليه، فَذلِكَ هو النَّسْخُ.\nوأَوْرَدَ على هذا التَّعْرِيفِ جملةً من الاعْتِرَاضَاتِ نذكر أهمها:\nمنها: أنه فَسَّرَ النَّسْخَ باللَّفْظِ، وهو دَلِيلُ النَّسْخِ، لا هو؛ يقال: \"نُسِخَ الحكمُ بالآيَةِ والخَبَرِ\".\nومنها: أنه غير مُطَّردٍ؛ لدخول ما ليس بِنَسْخ فيه، وهو قَوْلُ الْعَدْلِ: \"نُسِخَ حكم كذا\"؛ فإنه لَفْظٌ دالٌّ على ظهورِ انتفاءِ شرط الدوام، وليْسَ بِنَسْخٍ ضَرْورَةً.\nويمكن الجوابُ على هذه الإيرادات:\nفَيُجَابُ على الاعْتِرَاضِ الأوَّل: بأنه في التَّعْرِيفِ فسَّر النسخ باللَّفْظِ؛ بأن إطْلَاقَ النَّسْخِ على اللَّفْظِ الدالِّ عليه حقيقةٌ اصطلاحيةٌ؛ فكما أن الحكمَ ليس إلا قولَ الله: \"افعل كذا\"، فكذا النسخُ ليس إلَّا قول الله: \"لا تفعل كذا\".\nوأمَّا عن قولهم: \"إنَّهُ غير مطَّرِدٍ\"، فإن قول العَدْل يدل على ذلك القول، أي: قول الله \"لا تفعلْ\" هو دليل النسخ الدال بالذات لا هو، أي: النَّسْخُ بالذَّات.\nوعرَّفه حجة الإسلام الغَزَالِيُّ بـ \"الخِطَابِ الدَّالِّ على ارتفاع الحكم الثابتِ بالخطابِ المتقدِّم، على وَجْهٍ لولاه، لكان ثابتًا به مع تراخيه عنه\".\nوقال في بيانه: \"وإنَّما آثَرْنَا لَفْظَ \"الخطابِ\" على لَفْظِ \"النص\"؛ ليكون شَاملًا للَّفظ والفَحْوى والمفهوم وكل دليل؛ إذ يجوز النسخ بجميع ذلك\".\nوإنَّما قيدنا الحد بالخطاب المتقدِّم؛ لأن ابتداء إيجابِ العباداتِ في الشَّرع مزيلٌ لحكُمْ العَقْلِ من براءَةِ الذمَّة، ولا يسمَّى نسخًا؛ لأنه لم يُزِلْ حكمَ خطاب.","vol":"1","page":186},{"text":"وإنَّما قيدنا بارتفاع الحكم، ولم نفيد بارتفاع الأمر والنهي؛ ليعلم جميع أنواع الحكم من النَّدْبِ، والكراهة، والإباحة؛ فجميع ذلك قد ينسخ.\nوإنَّما قلنا: \"لولاه لكان الحكم ثَابتًا به\"؛ لأن حقيقة النَّسْخِ الرفع، فلو لم يكن هذا ثَابِتًا، لم يكن هذا رافعًا؛ لأنه إذا ورد أمر بعبادة مؤقتة، وأمر بعبادة أخرى بَعْد تَصَرُّمِ ذلك الوقتِ، لا يكون الثاني نَاسخًا، فإذا قال: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٧]، ثم قال: \"في الليل لا تصوموا\"، لا يكون ذلك نَسْخًا، وإنَّما قُلْنا مع تراخيه؛ لأنه لو اتَّصَلَ به لكان، بيانًا وإتْمامًا لمعنى الكلام، وتقديرًا له بِمُدَّةٍ أو شَرْطٍ، إنَّما يكون رافعًا إذا ورد بعد أن وَرَدَ الحُكْمُ واسْتَقَرَّ؛ بحيث يدوم لولا النَّاسِخُ.\nوتعريفه معتَرَضٌ عليه بأربعة اعتراضات، يُجَابُ عنها بما يُجَابُ على تعريف الإمام، وبرابع يخصه، وهو أن قوله: \"عَلَى وَجْهٍ لَوْلَاهُ لكان ثابتًا به مع تراخيه عنه\" زيادةٌ لا يحتاج إليها، أما \"لولاه لكان ثابتًا به\"؛ فلأن الرفع لا يكون إلَّا إذا كان كذلك.\nوأمَّا \"مع تراخيه عنه\"؛ فلأنه لَوْلَاهُ لم يتقررِ الحُكْمُ الأوَّل؛ فَكَانَ دَفْعًا لا رَفْعًا؛ كالتَّخْصِيصِ.\nويجابُ عنه: بأن قوله: \"لَوْلَاهُ لكان ثابتًا به\": احترازٌ عن قول العَدْلِ: \"إن حكم كذا قد نُسِخَ\"؛ فإنه وإن كان خطابًا دَالًّا على ارتفاع الحكم، لكنه ليس هو بِحَيْثُ لولاه لكان الحكم ثابتًا في نفس الأَمْرِ، وإنِ اعْتَقَدَ المُكَلَّفُ ثبوته، مع أن دلالة الرفع على ما ذكرَ التزامٌ، ولا يَقْدَحُ في التَّعْرِيفِ التَّصريحُ بما علم التزامًا على أنه، لو أُرِيدَ بالدَّالِّ الدَّالُّ بالذات، اندفعت الثلاثةُ.\nوبأن قَوْلَهُ \"مع تراخيه عنه\"؛ احتراز عن الغَايَةِ ونحوها؛ من المُخَصِّصَاتِ المُتَّصِلَةِ.\nوعَرَّفَهُ ابْنُ الحَاجِبِ بأنه: \"رفع الحكم الشرعي بِدَلِيلٍ شَرْعِيّ متأخِّرٍ\".\nفقوله: \"رفع الحكم الشَّرْعي\"؛ لِيُخرجَ المباح بحكم الأصل؛ فإن رفعه بدليل شرعيٍّ ليس بنسخ.\nوقوله: \"بدليلٍ شَرْعي\"؛ ليخرج رفعه بالمَوْتِ، والنَّوْم، والغفلة، والجنون.\nوقوله: \"متأخِّر\"؛ لِيُخْرجَ نحو \"صَلِّ\" عِنْدَ كلِّ زوالٍ إلى آخر الشَّهْرِ، ويُعْتَبَرُ تعريف ابْنِ الحَاجِبِ مِنْ أَدَقِّ التَّعَارِيفِ؛ لأنه لا يرد عليه شيء من الاعتراضات السَّالف ذكرُها.","vol":"1","page":187},{"text":"<span data-type='title' id=toc-192>النَّسْخُ فِي نَظَرِ الْفُقَهَاءِ:</span>\nالنَّسْخُ هو: \"النَّصُّ الدَّالُّ على انتهاء أمَدِ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، مع التأخيرِ عن مورده\".\nومعنى ذلك: أن الحكم له غَايَةٌ ينتهي بانْتِهائِها، لكن لما لم تكن تلك الغاية مُبَيَّنَةً بالنصِّ الدَّالِّ على الحكمِ الأوَّل - جاء النصُّ الثَّاني مُتَأَخِّرًا عن ورود الحكم الأول، وَبَيَّنَ تلك الغايةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-193>الْفَرْقُ بَيْنَ الاِصْطِلَاحَيْنِ:</span>\nإنَّ من تَأَمَّلَ في كلام الفقهاء يجد أن التَّعْرِيفَ عندهم مبنيٌّ على أن الحكم الأول مُؤَقَّتٌ بوقت ظهر فيه الحكم الثاني في علمه تعالى؛ فَلَيْسَ هناك رَفْعٌ، بل إنَّما هو بَيَانُ الأَمَدِ الَّذِي وُقِّتَ به؛ وهذا بخلاف التَّعْرِيفِ عند الأصوليِّين؛ فإنَّهُ مبنيٌّ على أن الحكم الأول غير مُؤَقَّتٍ، بل مُطْلَقٌ ارتفع بالنَّسْخِ؛ فهل بين التعريفين خلاف؟ مذهبان:\nالأَوَّلُ: قال ابْنُ الحَاجِبِ: \"والخِلَافُ لَفْظِيٌّ\"؛ لأن مرادنا بالرفع زوالُ التَّعَلُّق المَظْنُونِ استمرارُه قبل ورود الناسخ، وهو المراد بانْتِهَاء أمد الحكم، وليس الفرارَ إلَيْهِ؛ لأن قِدَمَ الحكم يأبى الرَّفْعَ دون الانتهاء؛ لأن الانتهاء ليس إلَّا عدمَ وجود شيء بعد الأمد؛ وهو الرَّفْع، ويأبى عنه القدم؛ فإذن ليس النسخ إلَّا انتهاء الحكم إلى أمدٍ معين؛ وهُوَ ارتفاع التعلق المَظْنُونِ بقاؤه، فمثله مثل التخصيص، غير أن الأَوَّلَ يكون في الأزمان، والثاني يكون في الأفراد.\nقال صَاحِبُ \"مُسَلَّم الثُّبُوتِ\": \"الحقُّ أن الخلاف معنويٌّ\"؛ وتحقيقه: أن الخطابَ المطْلق النازل في علمه تعالى، هل كان مقيدًا بالدوام؛ فكان النَّسْخُ رفعًا لهذا الحكم المُقَيَّدِ بالدَّوام، ولا يلزم التكاذب؛ لأن الإنْشَاءَ لا يحتمل الكَذِبَ، وإنَّمَا يرفع الثاني الأوَّلَ، أو كان الخطاب في علمه تعالى مخصَّصًا ببعض الأزمنة؛ وهو الزمان الذي ورد فيه النَّسْخ، لكن لم يَنْزِلِ التَّقْيِيدُ عند نزول المَنْسُوخ، فكان النَّسْخُ بَيانًا لهذا الآن المقيَّد به الحكمُ عند اللهِ تعالى، فالمعرِّف بالرفع ذَهَب إلى الأول، وبيان الأَمَد إلى الثَّاني، والأَوَّلُ: كالقتل عند المعتزلة، والثاني: كالْقَتْلِ عند أهل السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ:\nفي أن المقتول:","vol":"1","page":188},{"text":"على الأول: قد ارتفعت حَيَاتُهُ بِالْقَتْلِ؛ فلولاه لبقي حَيًّا.\nوعلى الثاني: القتل عَلامَةُ مَجِيء الأجَلِ، ولولاهُ لمات؛ لمجيء أجلِهِ.\nوالحقُّ كما قرره ابنُ الحاجِبِ: أن الخِلافَ لفظي؛ كما هو مبين في مواضع من كتب الأصوليين.\n\n<span data-type='title' id=toc-194>مَوْضوُعُ النَّسْخِ:</span>\nتنوعت آراءُ الأُصُولِيِّينَ في مَوْضُوعِ النَّسْخِ، فالمذهبُ الذي عليه أئمَّةُ العلماءِ، هو: أن النَّسْخَ إنَّما يكون في المُتَعَبَّدَات؛ لأن لله ﷿ أن يتعبَّد خَلْقَهُ بما شَاءَ إلى أيِّ وقت شاء، ثم يتعبَّدهم بغير ذلك، فيكون النَّسْخُ في الأوامرِ والنَّواهي، وما كان في مَعْنَاهُمَا.\nمثل قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [سورة النور: الآية ٣]. وقوله تعالى في سورة يوسف ﵇: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ [سورة يوسف: الآية ٤٧].\nفالأُولى: مِثَالٌ لِلْخَبَرِ الذي بِمَعْنَى النَّهْيِ؛ لأن المعنى: لا تنكحوا زانيةً، ولا مشركةً.\nوالثانيةُ: مثالٌ للخبر الذي بمعنى الأمر؛ لأنَّ المَعْنى: \"ازْرَعُوا\"، وهذا المَذْهَبُ عُزِيَ إلى الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ.\nوالثاني: أن النَّسْخِ كما يكون في الأوامرِ والنَّواهي، يكون في الأَخْبَارِ، وينسب لِعَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، والسُّدِّيِّ، حيث قالا: \"قد يَدْخُلُ النَّسْخُ على الأمر والنهي، وعلى جَمِيعِ الأخْبَارِ\"، ولم يفصِّلا، وتابعهما على هذا القول جماعة.\nقال أَبُو جَعْفَرٍ: \"وهذا القَوْلُ عظيم جدًّا يَئُول إلى الكُفْرِ؛ لأن قائلًا لو قال: \"قام فلانٌ\"، ثمَّ قال: \"لَمْ يَقُمْ\"، ثم قال: \"نسخته\"، لكان كاذبًا\".\nوالثَّالث: منهم من ذَهَبَ إلى أنَّ أمر النَّاسِخِ وَالمَنْسُوخِ مَوْكُولٌ إلى الإمامِ، فَلَهُ أن ينسخ ما شَاءَ، وهذا الْقَوْلُ أعظمُ؛ لأن النسخ لم يكن إلى النبي ﷺ، إلا بِالْوَحْيِ من الله تعالى: إمَّا بقرآن مثله؛ على قَوْلِ قَوْمٍ، وإمَّا بِوَحْيٍ من غير القرآن، فلما ارْتَفَعَ هذا بموت النبي ﷺ، ارتفع النَّسْخُ.","vol":"1","page":189},{"text":"والرابع: منهم ذَهَبَ إلى أنَّ النَّسْخَ يكون في الأوامر والنَّوَاهي، وأمَّا الأخبار فَيُفَصَّلُ فيها بين ما فيه حكم؛ فيجوزُ النَّسْخُ فيه، وبين ما لا حكم فيه؛ فلا يَجُوز، والله أعلم.\nوالخَامِسُ: مِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلى أن النَّسْخَ يَكُونُ في الأوَامِرِ والنَّواهِي خَاصَّةً.\nوهذا المَذْهَبُ حَكَاهُ هِبَةُ اللهِ بْنُ سَلَامَة عَنْ مُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ.","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type='title' id=toc-195>شراح المختصر</span>\nلقد نال كتاب \"المختصر\" للعلامة ابن الحاجب من عناية العلماء أيما عناية وحق له ذلك فقد ألَّفَهُ العلامة الأصولي أبو عمرو بن الحاجب المالكي قال صاحب \"كشف الظنون\" (^١) عن المختصر: \"هو مختصر غريب في صنعه بديع في فنه، لغاية إيجازه يضاهي الألغاز، وبحسن إيراده يحاكي الإعجاز\".\nمن أجل ذلك اعتنى به العلماء ما بين شارح له شرحًا مطولًا وآخر مختصرًا، كذلك عكف عليه أهل العلم تخريجًا لأحاديثه فكان من ذلك:\n\n<span data-type='title' id=toc-196>١ - سلطان العلماء ابن عبد السلام:</span>\n<span data-type='title' id=toc-197>\"نسبه - شيوخه - مكانته\"</span>\nعبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن حسن بن مهذب السلمي الدمشقي الشافعي، الملقب بعز الدين المعروف بـ \"سلطان العلماء\" شيخ الإسلام والمسلمين، إمام عصره بلا مدافع وفريد زمانه بلا منازع.\nولد سنة ٥٧٧ هـ بـ \"دمشق\" ونشأ بها وتفقه على الشيخ فخر الدين بن عساكر وقرأ الأصول على الشيخ سيف الدين الآمدي وغيره. وسمع الحديث من الحافظ أبي محمد القاسم بن الحافظ الكبير أبي القاسم بن عساكر وشيخ الشيوخ عبد اللطيف بن إسماعيل البغدادي وعمر بن محمد طبرزد وحنبل الرصافي والقاضي عبد الصمد الحرستاني وغيرهم كما تلقى\n_________\n(^١) ينظر: كشف الظنون ٢/ ١٨٥٣.","vol":"1","page":191},{"text":"على أبي البركات بن إبراهيم الخشوعي. كان ابن عبد السلام عَلمًا من الأعلام شجاعًا في الحق آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر فقيهًا أصوليًا محدثًا خطيبًا واعظًا أديبًا شاعرًا رقيق الحاشية حاضر النادرة مهيبًا محترمًا وقورًا تخشى السلاطين والأمراء صولته وسلطانه. كان خطيب الجامع الأموي وحدث أن السلطان الصالح إسماعيل أعطى الفرنج مدينة صيدا، فغضب ابن عبد السلام وأنكر عليه ذلك فوق المنبر، وترك الدعاء له في الخطبة وخشى السلطان العاقبة فاعتقله ثم طلب منه مغادرة الشام، فذهب إلى مصر فتلقاه الملك الصالح أيوب بالترحيب والإجلال، وأكرمه وولاه لخطبة في الجامع العتيق \"جامع عمرو بن العاص\" وولاه رياسة القضاء في القطر المصري ما عدا القاهرة، فسار بما عرف عنه من نزاهة وعدالة وجرأة في الحق لا يخشى فيه لومة لائم. فقد حدث أن فخر الدين عنان أستاذ دار السلطان ابتنى دارًا فوق مسجد واتخذها طبلخانه فلما علم ابن عبد السلام بذلك حكم بهدمها ونفذ الهدم وأسقط الباني من وظيفته وعزل نفسه عن القضاء، ولم يستطع السلطان إلا أن ينزل عند رأيه ولم يضعف هذا العمل من منزلته، ولكنه لم يعده إلى القضاء بل بنى له مدرسة الصالحية بشارع بين القصرين ليدرس فيها فعكف على التدريس فيها للشافعية وقصده الطلبة من كل البلاد وتخرج به الأئمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-198>\"تلامذته\"</span>\nروى عنه شيخ الإسلام ابن دقيق العيد، وهو الذي لقب ابن عبد السلام بسلطان العلماء، كما روى عنه الإمام علاء الدين أبو الحسن الباجي والشيخ تاج الدين بن الفركاح والحافظ أبو محمد الدمياطي والعلامة أحمد أبو العباس الدشناوي والعلامة أبو محمد هبة الله القفطي وغيرهم، ومما يدل على علو مقام ابن عبد السلام أن الحافظ عبد العظيم المنذري امتنع عن الفتيا لما استقر المقام لابن عبد السلام في مصر وقال: كنا نفتي قبل حضور الشيخ عز الدين وأما بعد حضوره فمنصب الفتيا متعين فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-199>\"مصنفاته - وفاته\"</span>\nأما مصنفاته فكثيرة نفيسة مفيدة منها \"الفوائد\" و\"الغاية\" في اختصار النهاية فقه و\"القواعد الكبرى\" و\"القواعد الصغرى\" و\"الفرق بين الإيمان والإسلام\" و\"مقاصد الرعاية\" و\"مختصر صحيح مسلم\". و\"الإمام في أدلة الأحكام\" في أصول الفقه. و\"بيان أحوال الناس يوم القيامة\" و\"بداية السول في تفضيل الرسول\"، و\"الفتاوى المصرية\".","vol":"1","page":192},{"text":"توفي ﵀ في العاشر من جمادى الأولى سنة ٦٦٠ بالقاهرة ودفن بالقرافة الكبرى في سفح جبل المقطم، وقد شهد السلطان الظاهر جنازته (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-200>٢ - القاضي البيضاوي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-201>\"نسبه - مكانته - شدته في الحق\"</span>\nعبد الله بن عمر بن محمد بن علي البيضاوي الشافعي، ويلقب بـ \"ناصر الدِّين\" ويكنى بـ \"أبي الخير\"، ويعرف بـ \"القاضي\".\nولد بالمدينة البيضاء بفارس قرب شيراز وإليها نسب.\nكان ﵀ إمامًا مبرزًا نظارًا خيّرًا صالحًا متعبدًا فقيهًا أصوليًا متكلمًا مفسرًا محدثًا أديبًا نحويًا مفتيًا قاضيًا عادلًا، رحل إلى شيراز وتولى قضاءها مدة ثم صرف عن القضاء لشدته في الحق، فرحل إلى تبريز وأقام بها مدة نشر خلالها العلوم والمعارف وتتلمذ له الكثيرون.\n\n<span data-type='title' id=toc-202>\"مؤلفاته - وفاته\"</span>\nأَلَّف مصنفات عدة تدل على قدم راسخة في التأليف وبراعة فائقة في التصنيف منها: \"منهاج الوصول إلى علم الأصول\" وقد شرحه أيضًا وهو كتاب تناوله العلماء بالشرح والتعليق وانتفع به الطلاب والعلماء. ومنها كتاب في \"شرح مختصر ابن الحاجب\" في الأصول أيضًا وكتاب \"شرح المطالع\" في المنطق و\"الإيضاح في أصول الدِّين\"، و\"طوالع الأنوار\" في أصول الدِّين أيضًا و\"الغاية القصوى في دراية الفتوى\" و\"شرح الكافية لابن الحاجب\" في النحو و\"مختصر الكشاف\" في التفسير و\"شرح المصابيح\" في الحديث و\"أنوار التنزيل وأسرار التأويل\" المعروف بتفسير البيضاوي و\"لب الألباب في علم الإعراب\" و\"نظام التواريخ\" ورسالة في موضوعات العلوم وتعاريفها و\"شرح التنبيه\" في الفقه في أربعة\n_________\n(^١) ينظر: ترجمته في تاريخ علماء بغداد ص (١٠٤)، وفوات الوفيات ١/ ٢٨٧ طبقات الشافعية (٥/ ٨٠)، البداية والنهاية ١٣/ ٢٣٥، النجوم الزاهرة ٧/ ٢٠٨، مرآة الجنان ٤/ ١٥٣، شذرات الذهب ٥/ ٣٠١، ذيل مرآة الزمان ١/ ٥٠٥ و٢/ ١٧٥، مفتاح السعادة ٢/ ٢١٢، ابن قاضي شهبة ٢/ ١٠٩، ذيل الروضتين (٢١٦)، ابن هداية الله (٢٢٢)، طبقات الأصوليين ١/ ٧٥.","vol":"1","page":193},{"text":"مجلدات، و\"شرح المنتخب في الأصول\".\nتوفي ﵀ بـ \"تبريز\" سنة ٦٨٥ على الأرجح (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-203>٣ - ابن دقيق العيد:</span>\n<span data-type='title' id=toc-204>\"نسبه - نشأته - شيوخه\"</span>\nمحمد بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة القشيري المنفلوطي المصري القوصي المنشأ، المالكي ثم الشافعي، المعروف بـ \"ابن دقيق العيد\".\nولد في شعبان سنة ٦٢٥ بـ \"ينبع\". وكان والده قد قصد الأقطار الحجازية للحج. وقد طاف به حول الكعبة داعيًا له. وكان والده عالمًا فاضلًا تقيًا شيخًا للسادة المالكية في وقته. فاستجاب الله دعاءه. وقد نشأ ابن دقيق العيد نشأة صالحة مباركة. فما كاد يبلغ الحلم حتى تفقه على والده ثم سمع كثيرًا من شيوخ الحجاز ودمشق والشام ومصر وغيرها. وأحاط بمذهب المالكية. ثم انتقل إلى مذهب الشافعية فأحاط به كذلك.\nومن شيوخه: أحمد بن عبد الدايم، والزين خالد، وأبو الحسن بن المعير \"بالياء\" وابن رواج الرشيد العطار والزكي المنذري وابن عبد السلام.\n\n<span data-type='title' id=toc-205>\"فضائله - وتقواه - ونبوغه\"</span>\nاشتهر اسمه في حياة مشايخه. وشاع ذكره، واشتهر بالتقوى، حتى لقب بتقي الدين.\nقال قطب الدين الحلي: كان ابن دقيق العيد ممن عرف بالعلم والزهد عارفًا بالمذهبين، إمامًا في الأصلين، حافظًا في الحديث وعلومه، يضرب به المثل في ذلك. وكان آية في الإتقان والتحري، شديد الخوف، دائم الذكر، لا ينام من الليل إلا قليلًا يقطعه مطالعة وذكرًا وتهجدًا. وكانت أوقاته كلها معمورة. وكان شفوقًا على المشتغلين بالعلم، كثير البر بهم.\n_________\n(^١) ينظر: ترجمته في طبقات الشافعية لابن السبكي (٥/ ٥٩)، والبداية والنهاية ١٣/ ٣٠٩، مرآة الجنان ٤/ ٢٢٠، والزمان ٨/ ٧٤٨، نفح الطيب ٢/ ٧٣٧، شذرات الذهب ٥/ ٢١٤، ابن قاضي شهبة ١/ ١٧٢، مفتاح السعادة ١/ ٤٣٦، بغية الوعاة (٢٨٦)، معجم المؤلفين ٦/ ٩٥، طبقات الأصوليين ١/ ١١.","vol":"1","page":194},{"text":"وقال البرزالي: إنه مجمع على غزارة علمه، وجودة ذهنه، وتفننه في العلوم واشتغاله بنفسه، وقلة مخالطته مع الدين المتين، والعقل الرصين.\nوقال ابن الزملكاني: إنه إمام الأئمة في وقته، وعلامة العلماء في عصره بل ولم يكن من قبله منذ سنين مثله علمًا ودينًا وزهدًا وورعًا، وكان متبحرًا في التفسير والحديث محققًا في المذهبين متقنًا للأصلين والنحو واللغة. وإليه النهاية في التحقيق والتدقيق والغوص على المعاني. أقر له الموافق والمخالف، وعظَّمه الملوك، وكان السلطان لاجين ينزل له عن سريره ويقبل يده.\nوقد تخرج عليه كثير من العلماء والأئمة. فقد تولى التدريس بـ \"مصر\" والشام: وكان درسه حافلًا بالأكابر. درس بالمسجد الشافعي وبالكاملية والفاضلية. وكان الطلبة يرحلون إليه، تولى القضاء بالديار المصرية.\n\n<span data-type='title' id=toc-206>\"مصنفاته\"</span>\nصنف تصانيف كثيرة. منها: \"الإمام\" و\"الإلمام في أحاديث الأحكام\"، وشرع في شرحه ولم يكمله. أتى فيهما بالعجائب الدالة على سعة اطلاعه في العلوم خصوصًا علوم الاستنباط. وله مقدمة للمطرزي في أصول الفقه. وشرح بعض مختصر ابن الحاجب في الفقه المالكي وفي الأصول، وشرح كتاب العمدة في الأحكام. وله ديوان خطب، وله أربعون حديثًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-207>\"وفاته\"</span>\nتوفي ﵀ في صفر سنة ٧٠٢ هـ بـ \"القاهرة\" ودفن بالقرافة الصغرى (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-208>٤ - عبد العزيز الطوسي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-209>\"نسبه\"</span>\nعبد العزيز بن محمد بن علي الطوسي. الملقب بـ \"ضياء الدين\" المكنى بأبي محمد\n_________\n(^١) ينظر: طبقات السبكي ٦/ ٢، الإسنوي ٣٣٦، البداية والنهاية ١٤/ ٢٧، تاريخ ابن الوردي ٢/ ٢٥٢، فوات الوفيات ٢/ ٢٤٤، الوافي بالوفيات ٤/ ١٩٣، مرآة الجنان ٤/ ٢٣٦، الدرر الكامنة ٤/ ٩١، البدر الطالع ٢/ ٢٢٩، النجوم الزاهرة ٨/ ٢٠٦، ابن قاضي شهبة ١/ ٢٢٩، تذكرة الحافظ ٤/ ١٤٨١، الطالع السعيد ٣٣٣، شذرات الذهب ٦/ ٥، مفتاح السعادة ٢/ ٢١٩، معجم المؤلفين ١١/ ٧٠، طبقات الأصوليين ٢/ ١٠٦.","vol":"1","page":195},{"text":"الفقيه الشافعي الأصولي. كان إمامًا بارعًا في العلوم الدينية والنظرية. تولى بـ \"دمشق\" التدريس بالنجيبية، وكان معيدًا بالناصرية وبرع عليه كثير من الطلاب الممتازين، وقد كان مهيبًا من الحكام والأمراء والأعيان.\n\n<span data-type='title' id=toc-210>\"مؤلفاته\"</span>\nومن مصنفاته: \"مصباح الحاوي، ومفتاح الفتاوى\" شرح به الحاوي الصغير للقزويني وله شرح مختصر ابن الحاجب في الأصول.\n\n<span data-type='title' id=toc-211>\"وفاته\"</span>\nتوفي ﵀ بـ \"دمشق\" سنة ٧٠٦ هـ ودفن بمقابر الصوفية (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-212>٥ - القطب الشيرازي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-213>\"نسبه - شيوخه - مكانته\"</span>\nمحمود بن مسعود بن مصلح الفارسي الشيرازي، الملقب بقطب الدين الفقيه الشافعي، العلامة الأصولي، النحوي، البلاغي، المحدث الفيلسوف الحكيم المفسر، المنطقي الصوفي.\nولد بـ \"شيراز\" سنة ٦٣٤ هـ وكان أبوه طبيبًا فأخذ عنه الطب، كما قرأ على عمه وعلى الزكي الركشاوي، والشمس الكتبي، ثم سافر إلى النصير الطوسي وأخذ عنه. وبرع في العلوم والفنون. وكان كلما دخل بلدًا أو قطرًا أكرمه أهله ووضعوه في المكان اللائق به، دخل بلاد الروم فأكرمه أميرها وولاه قضاء سيواس وملطية ودخل الشام فأكرمه وليها وولاه التدريس ودخل دمشق فدرس فيها الكشاف والقانون لابن سينا. ودخل مصر فأجلَّه أهلها. ثم سكن تبريز وقرأ بها العلوم العقلية.\n\n<span data-type='title' id=toc-214>\"غناه وكرمه وفضائله وأخلاقه\"</span>\nتتلمذ له الكثيرون. فكان يصلهم برفده. ويغدق عليهم من تراثه؛ إذ كان دخله في\n_________\n(^١) ينظر: طبقات الشافعية لابن السبكي ٦/ ١٢٥، وابن قاضي شهبة ١/ ٢١٧، البداية لابن كثير ١٤/ ٤٣، مرآة الجنان ٤/ ١٦٦، النجوم الزاهرة ٨/ ٢٢٥، شذرات ابن العماد ٦/ ١٤، الدارس ١/ ٤٧١، طبقات الأصوليين ٢/ ١٠٨.","vol":"1","page":196},{"text":"العام ثلاثين ألف درهم، وكان لا يدخر منها شيئًا. وقد قصده مرة صفي الدين المطرب فوصله بألفي درهم، وكان كثير المخالطة للملوك متحرزًا من الدنايا، ظريفًا مزاحًا في غير إسفاف ولا مجون، لا يحمل همًا ولا يُرَى منبرمًا من الحادثات. لم يغير زي الصوفية في عصره.\nوكان يجيد لعب الشطرنج ويديمه حتى في أوقات اعتكافه، وكان يضرب بالرباب، متواضعًا للفقراء، وكان ظريفًا في تدريسه، يقبل عليه التلاميذ بشغف؛ لأنه كان يرفه عنهم ببعض نكاته الأديبة، وكان كثير الشفاعات للناس حسن الاعتقاد، غير متشكك ولا مجادل، لا يحب الإطراء. وكان يقول: أتمنى أن لو كنت في زمن النبي ﷺ ولم يكن لي سمع ولا بصر رجاء أن يلحظني بنظره. وكان يلقّب عند الفضلاء بالشارح العلامة، وكان من أذكياء العالم في عصره، إذا صنف كانت مسودته مبيضة، وكان يصوم عند التصنيف رياضة للنفس وصفاء لها، وكان شديد الحرص على الصلاة في الجماعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-215>\"مؤلفاته\"</span>\nومن مصنفاته: \"شرح مختصر ابن الحاجب\" في الأصول، و\"شرح مفتاح السكاكي\" في البلاغة، و\"شرح الكليات\" لابن سينا في الحكمة و\"شرح الإشراق\" للسهروردي. وصنف كتابًا في الحكمة سماه: \"غرة التاج\". له \"نهاية الإدراك وفتح المنان في تفسير القرآن\" أربعون مجلدًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-216>\"وفاته\"</span>\nتوفي ﵀ سنة ٧١٠ هـ في تبريز ودفن بها (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-217>٦ - ركن الدين الأستراباذي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-218>\"نسبه - شيوخه - كرمه\"</span>\nالحسن بن محمد بن شرف شاه العلوي الحسيني الأستراباذي، الملقب بـ \"ركن\n_________\n(^١) ينظر: ترجمته في طبقات ابن السبكي ٦/ ٢٤٨، والإسنوي ٢٨٣، وابن قاضي شهبة ١/ ٢٣٧، مرآة الجنان ٤/ ٢٤٨، وبغية الوعاة (٣٩٠)، والدرر الكامنة ٤/ ٣٣٩، البدر الطالع ٢/ ٢٩٩، تاريخ ابن الوردي ٦/ ٢٥٩، النجوم الزاهرة ٩/ ٢١٣، مفتاح السعادة ١/ ١٦٥، هدية العارفين ٢/ ٤٠٦، معجم المؤلفين ١٢/ ٦٠، طبقات الأصوليين ٢/ ١١٣.","vol":"1","page":197},{"text":"الدين\" المكنى أبو محمد الفقيه الشافعي، الأصولي، النحوي، المنطقي، المتكلم.\nوالأستراباذي: نسبة إلى أستراباذ - بفتح الهمز وسكون السين وفتح التاء المثناة من فوق والراء ثم ألف وباء موحدة بعد ألف ثم ذال معجمة - بلدة كبيرة من أعمال طبرستان بين سارية وجرجان.\nنشأ بالموصل، وتلقى عن كبار العلماء ومنهم النصير الطوسي. وقد بلغت شهرته الآفاق، وكان مبجلًا عند ولاة الأمور، خصوصًا التتار وكان وجيهًا مهيبًا في تواضع وحلم. تخرج به جماعة من الفضلاء. وكان كريم اليد ينفق مرتبه في وجوه الخير وكان مرتبه كبيرًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-219>\"مؤلفاته\"</span>\nأما مؤلفاته فعظيمة النفع، منها: \"شرح مختصر ابن الحاجب\" في الأصول، وله على \"مقدمة ابن الحاجب في النحو\" ثلاثة شروح: مطول ومختصر ومتوسط، والأخير هو الذي انتفع به الناس كثيرًا، ومن مؤلفاته. شرحه على الحاوي، وشرحه على المطالع، وشرحه على شمسية المنطق، وشرحه على شمسية أصول الدين.\n\n<span data-type='title' id=toc-220>\"وفاته\"</span>\nتوفي ﵀ سنة ٧١٥ هـ بـ \"بالموصل\" ودفن بها (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-221>٧ - ابن المطهر الشيعي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-222>\"نسبه - مؤلفاته - وفاته\"</span>\nحسن بن يوسف بن المطهر الحلي العراقي الشيعي، المكنى بـ \"أبى منصور\" الملقب بـ \"جمال الدين\". وكان شيخ الروافض في تلك النواحي. نسب إلى الحلة بضم الحاء وهي بلدة بـ \"العراق\".\nوكانت له مصنفات كثيرة تقرب من التسعين. منها \"نظم البراهين\" في أصول الدين، و\"إرشاد الأذهان إلى أحكام الإمام\"، و\"منتهى المطلب في تحقيق المذهب\"، و\"تلخيص\n_________\n(^١) ينظر: طبقات السبكي ٦/ ٨٦، ابن قاضي شهبة ١/ ٢١٤، الدرر الكامنة ٢/ ١٦، تاريخ ابن الوردي ٢/ ٢٦٣، النجوم الزاهرة ٩/ ٢٣١، شذرات الذهب ٦/ ٨، هدية العارفين ١/ ٢٨٣، طبقات الأصوليين ٢/ ١١٨.","vol":"1","page":198},{"text":"المرام في معرفة الأحكام\"، و\"تحرير الأحكام الشرعية\" على مذهب الإمامية، و\"استقصاء الاعتبار\" في الحديث، و\"مصباح الأنوار\" حديث، و\"نهج الإيمان\" في تفسير القرآن، و\"مبادي الوصول إلى علم الأصول\"، و\"نهاية المرام في علم الكلام\"، و\"تذكرة الفقهاء\" و\"القواعد والمقاصد\" في المنطق والطبيعيات والإلهيات، و\"المقامات\" في الحكمة ناقش فيه من سبقه من الحكماء و\"إيضاح التلبيس من كلام الرئيس\" ابن سينا، و\"المطالب العلية\" في علم العربية، و\"منهاج الهداية\" في علم الكلام، و\"كشف المقال في أحوال الرجال\"، و\"إيضاح الاشتباه في أسامي الرجال\" ونسبهم، و\"غاية الوصول، وإيضاح السبل في شرح مختصر منتهى السول والأمل\"، وهو شرح على مختصر ابن الحاجب، و\"منهاج الاستقامة في إثبات الإمامة\". وقد رد على هذا الكتاب الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس بن تيمية.\nوتوفي ابن المطهر سنة ٧٣٦ هـ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-223>٨ - إبراهيم الجعبري:</span>\n<span data-type='title' id=toc-224>\"نسبه - شيوخه\"</span>\nإبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن خليل الجعبري الخليلي المكنى بـ \"أبى العباس\" الملقب في \"بغداد\" بـ \"تقي الدين\" وفي غيرها بـ \"برهان الدِّين\" المعروف بابن السراج السَّلفي نسبة إلى طريقة السلف ولد بقلعة جعبر على نهر الفرات سنة ٦٤٠ هـ وتلقى العلم بـ \"بغداد\" ورحل إلى دمشق وأقام ببلد الخليل وتولى مشيخة العلماء فيها، سمع من الفخر بن البخاري وأجاز له الحافظ يوسف بن خليل وتلقى محمد بن سالم التيجي وإبراهيم بن خليل وتلا بالسبع على أبي الحسن الوجوهي وبالعشر على المنتجب التكريتي، وتبحر في علوم كثيرة فكان إمامًا فقيهًا، شافعيًا، أصوليًا، محدثًا، نحويًا، مؤرخًا، قارئًا، مقرئًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-225>\"تلاميذه - مصنفاته\"</span>\nأخذ عنه كثير من العلماء ورحل إلى الناس روى عنه السبكي والذهبي وجماعة كثيرة من الأفاضل. وصنف التصانيف الكثيرة المفيدة منها: \"شرح الشاطبية\" و\"شرح الرائية\".\n_________\n(^١) ينظر: ترجمته في طبقات الأصوليين ٢/ ١٣٢، الأعلام ٢/ ٢٢٧، الدرر الكامنة ٢/ ٧١، روضات الجنان ٢/ ٥، والنجوم الزاهرة ٩/ ٢٦٧، وابن الوردي ٢/ ٢٧٩، وأعيان الشيعة ٢٤/ ٢٧٧ - ٣٣٤.","vol":"1","page":199},{"text":"و\"شرح التعجيز في الفروع\"، و\"شرح مقدمة ابن الحاجب في النحو\" واختصر مختصره في الأصول، وتبلغ تصانيفه نحو المائة. وله مؤلف في الحديث.\n\n<span data-type='title' id=toc-226>\"وفاته\"</span>\nتوفي ﵀ ببلد الخليل بـ \"فلسطين\" في شهر رمضان سنة ٧٣٢ هـ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-227>٩ - بدر الدين التستري:</span>\n<span data-type='title' id=toc-228>\"نسبه - منزلته العلمية\"</span>\nمحمد بن أسعد التستري الملقب بـ \"بدر الدِّين\" الفقيه الشافعي الأصولي المنطقي أصله من تستر مدينة بقرب شيراز، وإليها نُسب، رحل في سبيل العلم والتعليم من بلده إلى قزوين وإلى الديار المصرية وإلى العراق وعنه أخذ الإسنوي وقد كان إمامًا مطلعًا على دقائق العلوم وأسرارها وضع تعاليق تتضمن نكتًا غريبة وقد كان مترفًا يصيف بهمذان للطافة جوّها ويشتي بـ \"بغداد\" لحرراتها وكان يطلق لرأيه الحرية فنسب إليه الخروج عن رأي الجماعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-229>\"مصنفاته\"</span>\nله تصانيف منها \"حل عقد التحصيل\" في الأصول وشرح على ابن الحاجب وشرح على \"منهاج البيضاوي\" في الأصول أيضًا وشرح على \"المطالع والطوالع في المنطق\" و\"شرح\" على كتاب ابن سينا\".\n\n<span data-type='title' id=toc-230>\"وفاته\"</span>\nتوفي ﵀ في سنة ٧٣٢ هـ بـ \"همذان\" (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: طبقات السبكي ٦/ ٨٢، ابن قاضي شهبة ٢/ ٢٤٣، البداية لابن كثير ١٤/ ١٦٥، النجوم الزاهرة ٩/ ٢٩٦، غاية النهاية ١/ ٢١، تاريخ ابن الوردي ٢/ ٢٩٩، بغية الوعاة (١٨٤)، الدرر الكامنة ١/ ٥٠، مرآة الجنان ٤/ ٢٨٥، شذرات الذهب ٦/ ٩٧، معجم المؤلفين ١/ ٦٩، طبقات الأصوليين ٢/ ١٤٣.\n(^٢) ينظر: طبقات الإسنوي (١١٤)، ابن قاضي شهبة ١/ ٢٨٤، الدرر الكامنة ٣/ ٣٨٣، شذرات الذهب ٦/ ٢. وتستر من أعظم مدن خوزستان وهي بالضم ثم السكون وفتح التاء الأخرى ينظر: معجم البلدان ٢/ ٢٩، طبقات الأصوليين ٢/ ١٤٢.","vol":"1","page":200},{"text":"<span data-type='title' id=toc-231>١٠ - عبد الله بن علي الكناني الغرناطي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-232>\"نسبه - شيوخه - مكانته\"</span>\nعبد الله بن علي بن عبد الله بن علي بن سَلْمُون الكناني الغرناطي الفقيه المالكي ولد سنة ٦٦٩ وقرأ على أبي الحسن بن فضيلة وأبي الحسن البلوطي، كما أخذ عن أبي الربيع بن سالم، وأبي طالب المقيلي وابن المرحل وغيرهم، قال الحضرمي: أخذت عنه كثيرًا قراءة وسماعًا وقد كان إمامًا فاضلًا له إحاطة بكثير من العلوم والفنون.\n\n<span data-type='title' id=toc-233>\"مؤلفاته\"</span>\nمن مصنقاته \"الشافي فيما وقع من الخلاف بين التبصرة والكافي\".\n\"وفاته\"\nتوفي ﵀ شهيدًا سنة ٧٤١ هـ (^١).\nقال المراغي في \"طبقات الأوليين\": وأكبر الظن أن كتاب الشافي المذكور آنفًا كتاب من كتب الأصول فقد وجدنا في كشف الظنون أن التبصرة اسم لكتاب في أصول الفقه للشيرازي المتوفى سنة ٤٧٦ هـ وأن كتابه شرح لمختصر ابن الحاجب في الأصول. قلت: بل هو في فروع المالكية وأن له شرحًا على \"المختصر\".\n\n<span data-type='title' id=toc-234>١١ - شمس الدِّين السفاقسي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-235>\"نسبه - شيوخه - تلاميذه\"</span>\nمحمد بن محمد بن إبراهيم السفاقسي الفقيه المالكي المفسر الأصولي النحوي الملقب بـ \"شمس الدِّين\" أخذ عن كثير من علماء المشرق والمغرب منهم الناصر المشذالي وابن برطلة وأبو حيان، وقد برع في فنون كثيرة وخاصة التفسير، والنحو، والأصول، وعنه أخذ جماعة منهم ابن مرزوق.\n\n<span data-type='title' id=toc-236>\"مصنفاته وفاته\"</span>\nصنف شمس الدين مصنفات قيمة منها إعراب القرآن العظيم المشهور اشترك في\n_________\n(^١) شجرة النور الزكية (٢١٤)، نيل الإبتهاج ١/ ١٨٨، كشف الظنون ١/ ١٣٠، طبقات الأصوليين ٢/ ١٥٣، الأعلام ٤/ ١٠٦.","vol":"1","page":201},{"text":"وضعه أخيه برهان الدين السفاقسي وقد جرداه من \"البحر المحيط\" لأبي حيان ومن إعرابي أبي البقاء، والسمين فجاء كتابًا وافيًا شافيًا ولشمس الدين أيضًا شرح مختصر ابن الحاجب الأصلي في الأصول \"وشرح المقصد الجليل في علم الخليل\" نظمه لابن الحاجب في العروض.\nتوفي ﵀ في رمضان سنة ٧٤٤ هـ بمدينة حلب (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-237>١٢ - الخَلْخَالي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-238>\"نسبه\"</span>\nمحمد بن مظفر الخطيبي الخلخالي، شمس الدين: عالم بالأدب.\nمن كتبه \"شرح المصابيح\" وهو شرح لمصابيح السنة للبغوي، سماه \"المفاتيح في حمل المصابيح\" و\"شرح المختصر\" و\"شرح المفتاح\"، \"شرح تلخيص المفتاح\".\nتوفي سنة ٧٤٥ هـ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-239>١٣ - شمس الدين الأصفهاني:</span>\n<span data-type='title' id=toc-240>\"نسبه - شيوخه - مكانته\"</span>\nمحمود بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن أبي بكر بن علي الأصفهاني الملقب بـ \"شمس\" الدين المكنى بأبي الثناء الفقيه الشافعي الأصولي النحوي الأديب المنطقي الكاتب البارع.\nولد بـ \"أصفهان\" سنة ٦٧٤ هـ ونشأ بها واشتغل فيها بالعلم، ومهر وتقدم في كثير من الفنون وقرأ على والده عبد الرحمن، وعلى جمال الدين بن أبي الرجاء وغيرهما، وحج في\n_________\n(^١) ينظر: الدرر الكامنة ٤/ ١٥٨، شجرة النور الزكية (٢٠٩)، طبقات الأصوليين ٢/ ١٥٧.\n(^٢) ينظر: الدرر الكامنة ٤/ ٢٦٠، بغية الوعاة (١٠٦)، ابن قاضي شهبة ٣/ ٦٦، الأعلام ٧/ ١٠٥، الإسنوي (١٨١) شذرات الذهب ٦/ ١٤٤، هدية العارفين ٢/ ١٥٣. معجم المؤلفين ١٢/ ٣٠٨، والخلخالي كما في \"الدرر\" نسبة إلى قرية بنواحي \"السلطانية\"، والسلطانية: مدينة بالعجم. وفي \"التاج \" ٥/ ١٦٠.","vol":"1","page":202},{"text":"سنة ٧٢٤ هـ، واستفاد من علماء الحرمين، وزار بيت المقدس، ثم توجه إلى دمشق وهناك ظهرت فضائله والتقى بتقي الدين بن تيمية، فلما سمعه ابن تيمية بالغ في تعظيمه حتى قال مرة لتلاميذه: اسكتوا حتى نسمع كلام هذا الفاضل الذي ما دخل البلاد مثله، وكان يلازم الجامع الأموي للتدريس والتلاوة، ودرس بالمدرسة الرواحية وفي سنة ٧٣٢ هـ أوفد إليه الأمير قوصون الشيخ مجد الدين الإقرائي ليستقدمه إلى مصر فقدم وبنى له قوصون خانقاه. بالقرافة وعينه شيخًا لها واشتهر أمره في مصر ووصفه الإسنوي فقال: كان الأصفهاني بارعًا في العقليات صحيح الاعتقاد محبًا لأهل الصلاح تاركًا التكلف والادعاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-241>\"مؤلفاته - وفاته\"</span>\nله مصنفات كثيرة منها \"تشييد القواعد في شرح تجريد العقائد\" و\"مطالع الأنظار شرح طوالع الأنوار\" توحيد، و\"شرح كافية ابن الحاجب\" نحو و\"شرح قصيدة الساوي\" في العروضر، و\"ناظر العين\" في المنطق وقد شرحه أيضًا وشرح \"بديع النظام\" لابن الساعاتي في الأصول وشرح \"منهاج البيضاوي\" في الأصول أيضًا وله كتاب في التفسير كبير لم يتم، وشرح على المختصر.\nتوفي ﵀ بـ \"القاهرة\" سنة ٧٤٩ هـ ودفن بها (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-242>١٤ - زين الدين العجمي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-243>\"نسبه - مؤلفاته - وفاته \"</span>\nزين الدين القاضي العجمي الحنفي كان من أئمة الحنفية المبرّزين في الفقه والأصول، تولى القضاء فكان عادلًا ناصرًا للحق لذلك كان يجله أبو سعيد ملك التتار، وقد اشتغل زين الدِّين بالفتيا والتدريس والتصنيف.\nومن مصنفاته \"شرح مختصر ابن الحاجب\" في الأصول.\nتوفي ﵀ سنة ٧٥٣ هـ (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: طبقات ابن السبكي ٦/ ٢٤٧، الدرر الكامنة ٤/ ٣٢٧، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٣/ ٧١، البدر الطالع ٢/ ٢٩٨، بغية الوعاة للسيوطي ص ٣٨٨، شذرات الذهب ٦/ ١٦٥، مفتاح السعادة ٢/ ٤٩، هدية العارفين ٢/ ٤٠٩، معجم المؤلفين ١٢/ ١٧٣، طبقات الأصوليين ٢/ ١٦٤.\n(^٢) ينظر: ترجمته في الفوائد البهية (٧٧)، طبقات الأصوليين ٢/ ١٧٠.","vol":"1","page":203},{"text":"<span data-type='title' id=toc-244>١٥ - زين الدين الموصلي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-245>\"نسبه - شيوخه - رحلاته \"</span>\nعلي بن الحسين بن القاسم بن منصور بن علي الموصلي الملقب بـ \"زين الدِّين\" المكنى بأبي الحسن الفقيه الشافعي الأصولي النحوي المقرئ الأديب الشاعر ولد بـ \"الموصل\" سنة ٦٨١ هـ وقرأ القراءات على الواسطي الضرير وأخذ \"الشاطبية\" عن الشيخ شمس الدِّين بن الوراق، والفقه والأصول عن السيد ركن الدين الأستراباذي، والنحو عن الشمس المعيد، والشمس بن فضل الله الحجْري - بسكون الجيم - التبريزي، ومهذب الدين النحوي، وسمع بعض \"جامع الأصول\" على التاج ابن بلدجي النحوى، وأجاز له وحج بيت الله الحرام وانتفع من علماء الحجاز، وقدم \"دمشق\" وأخذ عن فضلائها وسمع من المزي، وزينب بنت الكمال، والساوي، ودخل بغداد وتلقى عن علمائها.\n\n<span data-type='title' id=toc-246>\"أخلاقه - مصنفاته - وفاته\"</span>\nكان لطيف العبارة، طلق اللسان، سهل المأخذ، يتلقى العامة كلامه بالقبول، لما فيه من تواضع ومروءة ومساعدة للفقراء، وقد عكف على التصنيف فشرح \"مختصر ابن الحاجب\" في الأصول و\"البديع لابن الساعاتي\" في الأصول أيضًا و\"نظم كتاب الحاوي الصغير و\"شرح التسهيل\" لابن مالك و\"شرح المفتاح\" للسكاكي.\nتوفي ﵀ بـ \"الموصل\" سنة ٧٥٥ هـ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-247>١٦ - عضد الدِّين الإيجي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-248>\"نسبه - شيوخه\"</span>\nعبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار بن أحمد الإيجي الملقب بـ \"عضد الدِّين\" العلامة الشافعي، الأصولي، المنطقي، المتكلم، الأديب.\nولد بـ \"إيج\" بكسر الهمزة وسكون الياء ثم جيم. بلدة من أعمال شيراز بـ \"فارس\".\n_________\n(^١) ينظر: طبقات ابن السبكي ٦/ ١٤٥، الدرر الكامنة (٣/ ٤٣)، ابن قاضي شهبة ٣/ ٣٤، النجوم الزاهرة ١٠/ ٢٩٧، البدر الطالع ١/ ٤٤٢، بغية الوعاة ص (٣٣٥)، شذرات الذهب ٦/ ١٧٨، هدية العارفين ١/ ٧٢٠، معجم المؤلفين ٧/ ٧٧، طبقات الأصوليين ٢/ ١٧٢.","vol":"1","page":204},{"text":"نشأ بها وتعلم على علمائها ثم رحل إلى المدينة السلطانية وأكثر الإقامة بها.\nأخذ عن الشيخ تاج الدِّين الهنكي وغيره، ولما ذاعت شهرته أقبلت عليه الدُّنيا فكان كثير المال كبير النفوذ، وكان كثير الإنعام على طلبته جريئًا في الحق قوي الحجة.\n\n<span data-type='title' id=toc-249>\"تلاميذه - مؤلفاته\"</span>\nأخذ عنه جملة من الشيوخ منهم شمس الدِّين الكرماني والتفتازاني والضياء القرمي.\nوقامت بينه وبين أمير كرمان مناقشة أدت إلى غضب الأمير عليه فأمر بحبسه في قلعة \"دِرَيْمبان\" - بكسر ففتح فسكون ثم كسر - ومن أشهر تصانيفه \"رسالة في علم الوضع\" و\"الفوائد الغياثية في المعاني والبيان\" و\"شرح مختصر ابن الحاجب\" في الأصول و\"المواقف في أصول الدِّين و\"مختصر المواقف\" و\"أشرف التاريخ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-250>\"وفاته\"</span>\nتوفي ﵀ سنة ٧٥٦ هـ وهو محبوس في محنة كرمان (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-251>١٧ - محب الدين القونوي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-252>\"نسبه - شيوخه - مكانته\"</span>\nمحمود بن علي بن إسماعيل بن يوسف التبريزي القونوي الملقب بـ \"محب الدِّين\" المكنى بأبي الثناء الفقيه الشافعي الأصولي النحوى ولد بـ \"مصر\" سنة ٧١٩ هـ وتوفي والده وهو صغير فاشتغل بالعلم وأخذ من مشايخ عصره ومنهم الأصبهاني، وأبو حيان، والجلال القزويني وجدَّ واجتهد حتى صار إمامًا فاضلًا وعالمًا بارعًا اعترف له معاصروه بالتفوق والذكاء.\nقال الإسنوي: كان محب الدِّين عالمًا بالفقه وأصوله، فاضلًا في العربية متعبدًا صحيح الذهن قليل الاختلاط بالناس، انتفع به كثيرون وقد أسندت إليه الفتيا والتدريس، وكان يعقد درسه بالشريفية وغيرها وتولى مشيخة الخانقاه الدوادارية.\n_________\n(^١) ينظر: ترجمته في طبقات السبكي ٦/ ١٠٨، الإسنوي (٣٤١)، ابن قاضي شهبة ٣/ ٢٧، الدرر الكامنة ٢/ ٣٢٢، بغية الوعاة ٢٩٦، شذرات الذهب ٦/ ١٧٤، مفتاح السعادة ١/ ١٦٩، معجم المؤلفين ٥/ ١١٩، البدر الطالع ١/ ٣٢٦، طبقات الأصوليين ٢/ ١٧٣.","vol":"1","page":205},{"text":"<span data-type='title' id=toc-256>\" مصنفاته - وفاته \"</span>\nشرع في التصنيف ولكن منيته عاجلته، واشتهر من مصنفاته شرحه على مختصر ابن الحاجب في الأصول، وتصحيحه للحاوي الصغير.\nتوفي ﵀ سنة ٧٥٨ هـ في ربيع الآخر (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-254>١٨ - أبو العباس البجائي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-255>\"نسبه - شيوخه - تلاميذه \"</span>\nأحمد بن إدريس البجائي المكنى بـ \"أبي العباس\" الإمام العلامة الفقيه المالكي الأصولي المفسر، والبجائي نسبة إلى بجاية - بكسر الباء الموحدة - مدينة بـ \"المغرب\".\nأخذ العلم من منبعه المعين على شيوخ المغرب وذاع أمره وعرف بالصلاح والتقوى وأقبل الناس عليه، واشتغل بالتعليم والتصنيف، وعنه أخذ أبو زيد بن عبد الرحمن الوغليسي، ويحيى الرهوني، وابن خلدون، كما نقل عنه ابن عرفة، والقلشاني وابن زاغو، وغيرهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-253>\"مصنفاته - وفاته \"</span>\nمن مؤلفاته شرحه على ابن الحاجب في الأصول.\nتوفي ﵀ سنة ٧٦٠ هـ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-257>١٩ - ابن عسكر البغدادي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-258>\"نسبه - شيوخه - مكانته\"</span>\nمحمد بن عبد الرحمن بن عسكر البغدادي الملقب بشمس الدين، المكني بأبي عبد الله الفقيه المالكي الأصولي النظار المتكلم المنطقي النحوي، ولد سنة ٧٠١ هـ وأخذ عن\n_________\n(^١) ينظر: ترجمته في طبقات السبكي ٦/ ٢٤٧، الإسنوي (٣٩١)، ابن قاضي شهبة ٣/ ٧٢، النجوم الزاهرة ١٠/ ٣٢٧، الدرر الكامنة ٤/ ٣٢٨، شذرات الذهب ٦/ ١٨٦، معجم المؤلفين ٢/ ١٨١، طبقات الأصوليين ٢/ ١٧٨.\n(^٢) ينظر: شجرة النور الزكية (٢٢٣)، معجم البلدان ٢/ ٦٢، طبقات الأصوليين ٢/ ١٨١.","vol":"1","page":206},{"text":"والده ونشأ مجدًا مجتهدًا زاهدًا عابدًا عالمًا فاضلًا كاملًا متفننًا في العلوم جامعًا بين المعقول والمنقول، حاملًا لواء مذهب مالك في المعسكر العراقي الحنفي مدافعًا عن أصوله وفروعه، ولي قضاء بغداد كما ولي الحسبة بها، وكانت له هيبة عظيمة، وهمة فائقة عرف بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم وحسن العبارة والإفادة فأكب الناس على درسه حينما ولي التدريس بالمدرسة المستنصرية.\n\n<span data-type='title' id=toc-259>\"مصنفاته - وفاته\"</span>\nله مصنفات مفيدة منها \"شرح الإرشاد\" لوالده في مذهب مالك، و\"شرح مختصر ابن الحاجب\" في الفقه، و\"شرح مختصر ابن الحاجب\" أيضًا في \"الأصول\"، وله تفسير كبير و\"تعليقه\" في علم الخلاف، وله أجوبة على اعتراضات ابن الحاجب.\nتوفي ﵀ سنة ٧٦٧ هـ (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-260>٢٠ - الإمام ابن السبكي:</span>\nهو عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي المتوفى سنة ٧٧١ هـ، وهو ما نحن بصدده، وقد أفردنا له ترجمة مستقلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-261>٢١ - أبو حامد بهاء الدين السبكي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-262>\"نسبه - شيوخه\"</span>\nأحمد بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي المكنى بـ \"أبي حامد\" الملقب بـ \"بهاء الدِّين\".\nولد سنة ٧١٩ هـ وأخذ العلم عن أبيه شيخ الإسلام تقي الدِّين أبي الحسن كما أخذ عن الأصبهاني، وابن القماح، وأبي حيان، وقرأ على التقي الصائغ، واشتغل بالعلوم، ومهر فيها وبرع وهو شاب، وكانت له اليد الطولى في اللسان العربي والمعاني والبيان والفقه والأصول والأدب.\n\n<span data-type='title' id=toc-263>\"قضاؤه - تدريسه - إفتاؤه - مكانته\"</span>\nسمع من الحفاظ الأئمة، وتولى التدريس بالمنصورية، والجامع الطولوني مكان أبيه\n_________\n(^١) ينظر: الديباج (٣٣٣)، شجرة النور الزكية ٣٣٣، طبقات الأصوليين ٢/ ١٨٧.","vol":"1","page":207},{"text":"حين تولى قضاء \"الشام\" وتولى تدريس مذهب الشافعي بالمشهد الشافعي وبجامع الحاكم والشيخونية، أول ما بنيت كما تولى الفضاء بـ \"الشام\" عوضًا عن أخيه. ثم عهد إليه بقضاء مدينة العسكر، والإفتاء بدار العدل والخطابة بالجامع الطولوني، وكان شديدًا في وعظه فغضب من شدته بعض الأمراء فأمر أن يستنيب عنه من يخطب بحضوره فكان لا يخطب إلا إذا غاب ذلك الأمير، وكان غالب المصريرن يحترمونه ويجلونه، لعلمه وجوده وكثرة عطائه، وكانت له خبرة في السعي لدى ولاة الأمور حتى يبلغ أغراضه، وقد كان في العلم بحرًا زاخرًا معروفًا بالوفاء الجم كثير القراءة والعبادة معروفًا بالتقوى والأدب منذ بلغ العشرين وكان كثير الحج والمجاورة لبيت الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-264>\"مؤلفاته - وفاته\"</span>\nله من التصانيف \"عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح\" وشرح مطوق على مختصر ابن الحاجب في الأصول.\nتوفي ﵀ بـ \"مكة\" سنة ٧٧٣ هـ ودفن بها (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-265>٢٢ - يحيى الرهوني:</span>\n<span data-type='title' id=toc-266>\"نسبه - شيوخه - فضائله\"</span>\nيحيى بن موسى الرهوني الفقيه المالكي الأصولي الأديب المنطقي المتكلم أخذ الفقه عن أبي العباس أحمد بن إدريس البجائي والأصول عن أبي عبد الله الأيلي. كان ﵀ وقورًا مهيبًا متواضعًا جوادًا مع بسطة في الرزق يؤثر الآخرة على الدنيا جمع بين العلم والفضل، وكان بليغًا حافظًا يقظًا متفننًا مجيدًا لفنون كثيرة ذا دين متين وعقل رصين ثاقب الذهن بارع الاستنباط صدرًا في العلماء حاز الرياسة والحظوة عند الخاصة والعامة، قدم القاهرة واستوطنها وتولى التدريس بالمدرسة المنصورية والخانقاه الشيخونية وحج بيت الله مرتين.\n\n<span data-type='title' id=toc-267>\"مؤلفاته - وفاته\"</span>\nله على مختصر ابن الحاجب الأصولي شرح حسن مفيد انفرد فيه بتحقيق مبانيه\n_________\n(^١) ينظر: ترجمته في الدرر الكامنة ١/ ٢١٠، إنباء الغمر ١/ ٢١، حسن المحاضرة ١/ ٢٤٦، البدر الطالع ١/ ٨١، شذرات الذهب ٦/ ٢٢٦، معجم المؤلفين ٢/ ١٢، ١٣/ ٣٦٤، بغية الوعاة (١٤٨)، المنهل الصافي ١/ ٣٨٥، ابن قاضي شهبة ٣/ ٧٨، البيت السبكي (٦٠)، طبقات الأصوليين ٢/ ١٩٦.","vol":"1","page":208},{"text":"ومعانيه وله تقييد على كتاب التهذيب في الفقه تكلم فيه على المذاهب الأربعة ورجح مذهب مالك.\nتوفي ﵀ سنة ٧٧٤ هـ على الأرجح (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-268>٢٣ - شمس الدين الغماري:</span>\n<span data-type='title' id=toc-269>\"نسبه - شيوخه - تلاميذه\"</span>\nمحمد الغماري المالكي الملقب بـ \"شمس الدين\" الفقيه الأصولي أخذ عن شيخه المنوفي وأخذ عنه الشيخ الإسحاقي، وقد كان عالمًا جليلًا مخلصًا في تدريسه وتصنيفه أقبل عليه الطلبة من كل الجهات للانتفاع بعلمه كما اعتنى العلماء بمؤلفاته: حفظًا ودراسة وشرحًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-270>\"مصنفاته\"</span>\nمن أشهر مؤلفات: شرح مختصر ابن الحاجب الفرعي المسمى بالتوضيح وله مختصر في المذهب أيضًا مشهور بمختصر الغماري، وله شرح على مختصر ابن الحاجب في الأصول يدل على فضله وسعة اطلاعه وله تأليف في المناسك، وشرح على المدونة لم يكمل، ومصنف في مناقب شيخه المنوفي.\n\n<span data-type='title' id=toc-271>\"وفاته\"</span>\nتوفي ﵀ سنة ٧٧٦ هـ على الأرجح (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-272>٢٤ - الشيخ خليل:</span>\nخليل بن إسحاق بن موسى، ضياء الدين الجندي: فقيه مالكي من أهل مصر كان يلبس زي الجند.\nتعلم في القاهرة وولى الإفتاء على مذهب مالك. توفي سنة ٧٧٦ هـ.\nمن تصانيفه \"المختصر\" في الفقه يعرف بـ \"مختصر خليل\" وقد شرحه كثيرون وترجم إلى\n_________\n(^١) ينظر: ترجمته في الديباج المذهب ٢/ ٣٦٢، طبقات الأصوليين ٢/ ١٩٧.\n(^٢) ينظر: شجرة النور الزكية (٢٢٣)، طبقات الأصوليين ٢/ ٢٠٠.","vol":"1","page":209},{"text":"الفرنسية \"التوضيح\" شرح به مختصر ابن الحاجب و\"المناسك\"، \"مخدرات الفهوم في ما يتعلق بالتراجم والعلوم\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-273>٢٥ - الحسيني الواسطي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-274>\"نسبه - رحلاته\"</span>\nمحمد بن الحسن بن عبد الله السيد الشريف الحسيني الواسطي الفقيه الشافعي الأصولي المتكلم المحدث ولد سنة ٧١٧ هـ، واشتغل في بلاده بالعلم ثم نزح إلى القاهرة فأخذ الحديث وبرع في الفقه والأصول، وصار عالمًا فاضلًا، واشتغل بالتدريس حينًا وتخرج عليه الكثيرون. ثم نزح إلى الشام فنزل بالشامية الجوانية، وعكف على العلم ودرس بـ \"الصارمية\" أيضًا وأعاد بالشامية البرانية، وكان حسن الحظ بليغ العبارة سلس الأسلوب ينسخ مصنفاته بخطه الحسن.\n\"مؤلفاته\"\nمن تصانيفه \"مختصر الحلية\" في الحديث لأبي نُعيم في مجلدات وقد سماه \"مجمع الأحباب\" وله تفسير كبير، عنى فيه بالكشف عن حقائق القرآن ومراميه وبلاغته وفصاحة مبانيه، وله شرح على مختصر ابن الحاجب في الأصول جمعه من شرح الأصفهاني، وشرح تاج الدين السبكي في أسلوب، سهَّل به مأخذ الأصول وقربه إلى الأذهان والعقول وله كتاب في الرد على الإسنوي.\n\"وفاته\"\nتوفي ﵀ بـ \"دمشق\" سنة ٧٧٦ هـ ودفن عند مسجد القدم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-275>٢٦ - شمس الدين الكرماني:</span>\n<span data-type='title' id=toc-276>\"نسبه - شيوخه - أخلاقه \"</span>\nمحمد بن يوسف بن علي بن سعيد الكرماني البغدادي الملقب بـ \"بشمس الدين\" الفقيه\n_________\n(^١) ينظر: ترجمته في الدرر الكامنة ٢/ ٨٦، حسن المحاضرة ١/ ٢٦٢، الديباج المذهب (١١٥)، آداب اللغة ٣/ ٢٤١١.\n(^٢) ينظر: ترجمته في طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١١٩، والدرر الكامنة ٣/ ٤٢٠، الأعلام ٦/ ٣١٩، هدية العارفين ٢/ ١٦٨، معجم المؤلفين ٩/ ١٩٨، شذرات الذهب ٦/ ٢٤٤، والدارس ١/ ٣٢٨، وإنباء الغمر ١/ ١٢٨، وبروكلمان ٢/ ٣٠، طبقات الأصوليين ٢/ ٢٠٣.","vol":"1","page":210},{"text":"الشافعي المحدث المفسر الأصولي المتكلم الأديب النحوي.\nولد سنة ٧١٧ هـ وقرأ على والده بهاء الدين وأخذ عن العضد وغيره، ورحل إلى دمشق ومصر والحجاز وبغداد لأخذ العلم ثم نشره، وقد تبحر في علوم كثيرة حتى فاق أقرانه وتفوق على أهل زمانه.\nكان ﵀ حسن الخلق والخلق منصرفًا عن الدنيا وأبنائها متواضعًا برًا بأهل العلم وحدث له حادث في الرابعة والثلاثين: إذ قد تردى من مكان مرتفع فكان لا يمشي بعد إلا على عصا ومع ذلك فقد كان نشيطًا في تنقلاته ورحلاته حج غير مرة، وسمع بالحرمين من علمائهما، قال ناصر الدين العراقي: إنه التقى به في الحجاز وكان شريف النفس مقبلًا على شأنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-277>\"مؤلفاته - وفاته\"</span>\nوله مصنفات كثيرة منها شرحه على البخاري وهو مشهور و\"شرح المواقف\" و\"شرح مختصر ابن الحاجب\" في الأصول المسمى بـ \"السبعة السيارة\" و\"شرح الفوائد الغياثية\" في المعاني والبيان و\"شرح الجواهر ونموذج الكشاف\" وحاشية على تفسير البيضاوي وصل فيها إلى سورة يوسف.\nتوفي ﵀ وهو قافل من الحج بـ \"محلة تون\" بروض \"مهنا\" في المحرم سنة ٧٨٦ هـ ونقل إلى بغداد فدفن بها بمقبرة أعدها لنفسه بجوار أبي إسحاق الشيرازي (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-278>٢٧ - البابرتي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-279>\"نسبه - شيوخه - مكانته \"</span>\nمحمد بن محمد بن محمود البابرتي الملقب بـ \"أكمل الدِّين\" الفقيه الحنفي الأصولي الأديب النحوي المتكلم المفسر.\nولد سنة ٧١٤ هـ بـ \"بارتا\" وإليها نسب وهي ناحية من نواحي بغداد، ثم رحل إلى حلب\n_________\n(^١) ينظر: ترجمته في الأعلام ٨/ ٢٨، وبغية الوعاة ١٢٠، والنجوم الزاهرة ١١/ ٣٠٣، والدرر الكامنة ٤/ ٣١٠، وإنباء الغمر ٢/ ١٨٢، طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٨٠، مفتاح السعادة ١/ ١٧٠، ٢/ ١٨، هدية العارفين ٢/ ١٧٢، معجم المؤلفين ١٢/ ١٢٩، طبقات الأصوليين ٢/ ٢١٠، شذرات الذهب ٦/ ٢٩٤.","vol":"1","page":211},{"text":"في سبيل العلم، وأخذ الفقه عن قوام الدِّين محمد بن محمد الكاكي، والنحو عن أبي حيان النحوي، وسمع الحديث من ابن عبد الهادي والدلاصي، وقد اشتهر أمره وذاع صيته حتى إنه لما قدم إلى مصر عرض عليه القضاء فأبى مرارًا، وقد ولاه الأمير شيخون مشيخة الشيخونية وكان يجله وقد عظمت منزلته بعد ذلك عند الظاهر برقوق، وقد كان البابرتي عالمًا فاضلًا وافر العقل متبحرًا في فنون كثيرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-280>\"مصنفاته\"</span>\nمن مصنفاته: \"العناية\" شرح الهداية وشرح تلخيص الجامع الكبير للخلاطي \"خ\" والعقيدة في التوحيد \"خ\" وشرح وصية الإمام أبي حنيفة في التوحيد \"خ\" وشرح تلخيص المعاني في البلاغة، وشرح ألفية ابن معطي في النحو، وحاشية على الكشاف في التفسير، وشرح مختصر ابن الحاجب في الأصول، وشرح على أصول البزدوي في الأصول أيضًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-281>\"وفاته\"</span>\nتوفي ﵀ بـ \"القاهرة\" سنة ٧٨٦ هـ ودفن بها (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-282>٢٨ - سعد الدين التفتازاني:</span>\n<span data-type='title' id=toc-283>\"نسبه - شيوخه - تلاميذه \"</span>\nمسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني الملقب بـ \"سَعْدِ الدِّين\"، العلامة الشافعي، الأصولي المفسر المتكلم المحدث البلاغي الأديب. ولد بـ \"تفتازان\" من بلاد خراسان وإليها نسب، أخذ عن القطب والعضد، ونشأ فحلًا في العلوم متبحرًا فيها فكان من محاسن الزمان علمًا من الأعلام اشتهرت تصانيفه في الآفاق فقد كان الشريف الجرجاني في بدء أمره يغترف من بحار تحريره وبلتقط الدرر من تصانيفه وقد رحل إلى \"سرخس\" وأقام بها حتى أبعده تيمورلنك إلى \"سمرقند\" فأقبل عليه الطلاب والعلماء يستفيدون من علمه وكان رغم لكنة في لسانه فريد عصره ونسيج وحده.\n\n<span data-type='title' id=toc-284>\"مصنفاته\"</span>\nله مصنفات في علوم شتى منها \"التلويح في كشف حقائق التنقيح\" في الأصول،\n_________\n(^١) ينظر: ترجمته في الأعلام ٧/ ٤٢، الدرر الكامنة ٤/ ٢٥٠، بدائع الزهور ١/ ٢٦١، الفوائد البهية ١٩٥، والنجوم الزاهرة ١١/ ٣٠٢، طبقات الأصوليين ٢/ ٢٠٩.","vol":"1","page":212},{"text":"و\"تهذيب المنطق والكلام\" و\"شرح التصريف العزي\" في الصرف و\"شرح الأربعين النووية\" في الحديث، و\"شرح على الرسالة الشمسية\" في المنطق، و\"شرح على العقائد النسفية\" في التوحيد و\"شرح مقاصد الطالبين\" في علم أصول الدين توحيد، و\"ضابطة إنتاج الأشكال\" في المنطق، و\"المطول\" في البلاغة و\"مختصر المطول\"، و\"النعم السوابغ في شرح الكلم النوابغ\" للزمخشري، و\"إرشاد الهادي في النحو\" و\"حاشية على شرح العضد\" على مختصر ابن الحاجب في الأصول.\n\n<span data-type='title' id=toc-285>\"وفاته\"</span>\nتوفي ﵀ بـ \"سمرقند\" سنة ٧٩١ هـ ودفن بها (^١)،\n\n<span data-type='title' id=toc-286>٢٩ - الصرخدي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-287>\"نسبه - شيوخه - رحلاته - مكانته \"</span>\nمحمد بن سلمان بن عبد الله الصرخدي الملقب بـ \"شمس الدِّين\" المكنى بأبي عبد الله الفقيه الشافعي الأصولي المتكلم الأشعري.\nولد بعد سنة ٧٣٠ هـ نشأ بـ \"صرخد\" ورحل إلى \"دمشق\" في سبيل العلم وأخذ الفقه فيها عن شمس الدين ابن قاضي شهبة والعماد الحباني وعلاء الدين حاجي، وأخذ النحو عن العتابي والأصول عن أكابر رجاله، وتبحر في العلوم، وأحاط بالفنون حتى صار أجمع أهل \"دمشق\" للمعارف، وأفتى ودرس بالتقوية والكلاسة، وتصدر بالجامع الأموي، وكان ينصر مذهب الأشعري كثيرًا ويرد على اعتراضات الحنابلة عليه ويتصدى لدحضها وكان قلمه أقوى من لسانه في الحجة وإقامة البرهان، وكان حظه من الدنيا قليلًا ومع ذلك فقد كان عفيفًا زاهدًا رغم فقره وكثرة من يعول.\n\n<span data-type='title' id=toc-288>\"مصنفاته\"</span>\nله تصانيف جليلة منها: \"شرح مختصر ابن الحاجب في الأصول\" في ثلاثة أجزاء، و\"مختصر إعراب السفاقسي\"، و\"مختصر قواعد العلائي\" و\"مختصر تمهيد الإسنوي\" في الأصول مع زيادات وانتقادات وقد احترق معظم مصنفاته قبل تبييضها.\n_________\n(^١) ينظر: ترجمته في الأعلام ٧/ ٢١٩، بغية الوعاة ٣٩١، والدرر الكامنة ٤/ ٣٥٠، مفتاح السعادة ١/ ١٦٥، آداب اللغة ٣/ ٢٣٥، دائرة المعارف الإسلامية ٥/ ٣٣٩، طبقات الأصوليين ٢/ ٢١٤.","vol":"1","page":213},{"text":"<span data-type='title' id=toc-289>\" وفاته\"</span>\nتوفي ﵀ بـ \"دمشق\" سنة ٧٩٢ هـ بمقبرة باب الصغير بالقرب من تربة معاوية (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-290>٣٠ - ابن عطاء الله الزبيري:</span>\n<span data-type='title' id=toc-291>\"نسبه - شيوخه - تلاميذه \"</span>\nأحمد بن محمد بن عطاء اللّه الزبيري الإسكندري المالكي المشهور بـ \"ابن التنسي\" المكنى بأبي العباس ينتهي نسبه إلى الزبير بن العوام ولذلك نسب إليه، ولد سنة ٧٤٥ هـ.\nوالتنسي: نسبة إلى تنس بفتح التاء والنون مدينة حصينة بالمغرب الأقصى قرب \"وهران\".\nوقد نشأ في بيت علم ورياسة، فقد كان أبوه جمال الدين محمد من كبار الأفاضل واقتدى به ابنه أحمد الذي أخذ العلم عن أعلام العلماء وبرع في ذلك حتى أصبح فقيهًا عارفًا بأصول الأحكام وفروعها، وتولى القضاء بـ \"مصر\" مدة كبيرة ثم أسند إليه منصب قاضي القضاة، وعنه أخذ البدر الدماميني وأبو مهدي الوانوغي.\n\n<span data-type='title' id=toc-292>\"مصنفاته - وفاته\"</span>\nمؤلفاته تدل على سعة الاطلاع ودقة التفكير فله شرح على التسهيل في النحو وتعليق على مختصر ابن الحاجب في الفقه، وشرح على الكافية في النحو، وشرح على مختصر ابن الحاجب في الأصول (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-293>٣١ - ابن الملقن:</span>\n<span data-type='title' id=toc-294>\"نسبه - نشأته - شيوخه - تلاميذه \"</span>\nعمر بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد اللّه الملقب بـ \"سراج الدين\" المكنى بابن\n_________\n(^١) ينظر: ترجمته في طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٦٤، والدرر الكامنة ٣/ ٤٤٩، معجم المؤلفين ١٠/ ٥٢، شذرات الذهب ٦/ ٣٢٥، وإنباء الغمر ٣/ ٤٨، وهدية العارفين ٢/ ١٧٤، طبقات الأصوليين ٢/ ٢١٥.\n(^٢) شجرة النور الزكية ٢٢٤، طبقات الأصوليين ٣/ ٥.","vol":"1","page":214},{"text":"الملقن الأنصاري الشافعي، كان فقيهًا أصوليًّا محدثًا مؤرخًا للرحال، أصله من وادي آش بالأندلس، رحل أبوه نور الدين من الأندلس إلى بلاد الترك وأقرأ أهلها القرآن الكريم، ونال منهم مالًا كثيرًا قدم به إلى القاهرة واستوطنها وولد له بها وتوفي والده وله من العمر سنة واحدة فأوصى والده به إلى الشيخ شرف الدين عيسى المغربي الملقن لكتاب الله بالجامع الطولوني، وكان صالحًا فتزوج بوالدة سراج الدين ورباه فعرف سراج الدين بابن الملقن، وتفقه بالتقي السبكي، والجمال الإسنائي، والكمال النشائي، والعز بن جماعة، وتعلم العربية من أبي حيان والجمال بن هشام والشمس محمد بن عبد الرحمن بن الصائغ وأخذ القراءات عن البرهان الرشيدي، وقال البرهان الحلبي: إنه اشتغل في كل فن حتى قرأ في كل مذهب كتابًا وأخذ عنه جمع كثير منهم حافظ دمشق ابن ناصر الدين.\n\n<span data-type='title' id=toc-295>\"مصنفاته - وفاته\"</span>\nأربت تآليفه على الثلاثمائة منها \"إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال\"، و\"التذكرة\" في علوم الحديث، و\"الأعلام بفوائد عمدة الأحكام\"، و\"إيضاح الارتياب في معرفة ما يشتبه ويتصحف من الأسماء والأنساب\" و\"التوضيح بشرح الجامع الصحيح\"، وشرح كبير للبخاري و\"خلاصة البدر المنير في تخريج أحاديث شرح الوجيز\" للرافعي، و\"خلاصة الفتاوى في تسهيل أسرار الحاوي\"، و\"عجالة المحتاج على المنهاج\"، في فقه الشافعي و\"غاية السول في خصائص الرسول\" و\"طبقات المحدثين \" و\"طبقات القراء\" و\"طبقات الشافعية\" وله في الأصول \"شرح منهاج البيضاوي \" و\"شرح ابن الحاجب\" وقد اشتهر اسمه وطار صيته، وكانت كتابته أكثر من استحضاره، وقد كثر كلام علماء الشام ومصر في حقه حتى قال ابن حجي: \"كان لا يستحضر شيئًا ولا يحقق علمًا وغالب تصانيفه كالسرقة من كتب الناس\" وقال ابن حجر في حقه: إنه كان موسعًا عليه في الدنيا مديد القامة حسن الصورة يحب المزاح والمداعبة مع ملازمته الاشتغال والكتابة حسن المحاضرة جميل الأخلاق كثير الإنصاف شديد القيام مع أصحابه، وربما اشتهر بابن النحوي، وربما كتب بخطه ذلك وقد كان يغضب حين ندائه بابن الملقن، ولا يكتب هذا اللقب بخطه ولذلك اشتهر به ببلاد اليمن وتغيرت حاله في أخريات أيامه فحجبه ولده نور الدين إلى أن مات في سادس ربيع الأول سنة ٨٠٤ هـ بالقاهرة ودفن بحوش الصوفية خارج باب النصر (^١).\n_________\n(^١) ينظر: ترجمته في طبقات ابن قاضي شهبة ٤/ ٤٣، الضوء اللامع ٦/ ١٠٠، الأعلام ٥/ ٢١٨، وإنباء =","vol":"1","page":215},{"text":"<span data-type='title' id=toc-296>٣٢ - تاج الدِّين الدميري:</span>\n<span data-type='title' id=toc-297>\"نسبه - شيوخه - تلاميذه\"</span>\nبهرام بن عبد اللّه الدميري الملقب بتاج الدِّين الفقيه المالكي الأصولي النحوي أخذ عن الشيخ خليل والشرف الأهوني، وتبحر في العلوم حتى صار يشار إليه بالبنان، وكان علامة حافظًا محققًا مطلقًا حمل لواء مذهب مالك في مصر وتولى القضاء، وكان محمود السيرة طيب السريرة كما تولى التدريس بالشيخونية وممن أخذ عنه الأقفهسي وعبد الرحمن البكري والشمس البساطي، وكان تدريسه سهل العبارة حسن التعبير والإشارة صحيح النقل حجة ثبتًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-298>\"مصنفاته - وفاته\"</span>\nاشتغل بالتصنيف فأظهر قدرة فائقة وعلمًا غزيرًا، ومن مصنفاته ثلاثة شروح على مختصر شيخه خليل كبير ومتوسط وصغير واشتهر المتوسط والصغير، وله \"شرح ألفية ابن مالك\" وله \"شرح الإرشاد\" في ستة مجلدات \"فقه\" وله \"الدرة الثمينة\" وهي نحو ثلاثة آلاف بيت وشرحها بخطه وله \"شرح مختصر ابن الحاجب\" الأصلي.\nتوفي ﵀ سنة ٨٠٥ هـ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-299>٣٣ - ابن قنفذ:</span>\n<span data-type='title' id=toc-300>\"نسبه - شيوخه - فضائله \"</span>\nأحمد بن حسين القسطيني المكنى بـ \"أبي العباس\" المعروف بـ \"ابن الخطيب\" وبـ \"ابن قنفذ\" قاضي قسطينة وإليها نسب، أخذ عن أبي القاسم الشريف السبتي والشريف التلمساني والعيدوسي والوانفيلي، وابن البنا، وابن مرزوق، وابن عرفة، فنشأ فقيهًا محدثًا أديبًا مؤرخًا عرف\n_________\n= الغمر ٥/ ٤١، ولحظ الألحاظ لابن فهد ص ١٩٧، وذيل تذكرة الحافظ للسيوطي ص ٣٦٩، والبدر الطالع ١/ ٥٠٨، وشذرات الذهب ٧/ ٤٤، وحسن المحاضرة ١/ ٢٤٩، وهدية العارفين ١/ ٧٩١، وبروكلمان ٢/ ٩٢، ومعجم المؤلفين ٧/ ٢٩٧، طبقات الأصوليين ٣/ ٧.\n(^١) ينظر: ترجمته في الأعلام ٢/ ٧٦، والضوء اللامع ٣/ ١٩، وشذرات الذهب ٧/ ٤٩، نيل الابتهاج (١٠١)، حسن المحاضرة ١/ ٢٦٣، كشف الظنون (١٦٢٨)، شجرة النور الزكية (٢٣٩)، رفع الإصر ١/ ١٥٥ - ١٥٧، والزيتونة ٤/ ٣٠٣، ٣١٣، طبقات الأصوليين ٣/ ١٢.","vol":"1","page":216},{"text":"بالصلاح والفضل والتحقيق والتدقيق وهـ حل إلى بلاد المغرب وإفريقية فحصل علومًا جمَّة واستفاد منه الناس.\n\n<span data-type='title' id=toc-301>\"تلاميذه - مؤلفاته - وفاته\"</span>\nتتلمذ له ابن مرزوق الحفيد، وله تآليف مفيدة منها \"شرح الرسالة\" في مجلدات في الفقه، و\"شرح الفية ابن مالك\" في النحو \"وشرح جمل الخوانجي\" و\"شرح مختصر ابن الحاجب\" في الأصول و\"أنوار السعادة في أصول العبادة\" و\"تيسير المطالب في تعديل الكواكب\" و\"وسيلة الإسلام بالنبي ﵇\" وله تاريخ ذيله أبو العباس بن أبي العالية.\nتوفي ﵀ سنة ٨١٠ هـ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-302>٣٤ - السيد الشريف الجرجاني:</span>\n<span data-type='title' id=toc-303>\"نسبه - شيوخه - منزلته العلمية\"</span>\nعلي بن محمد بن علي المعروف بالسيد الشريف الجرجاني، المكنى بأبي الحسن الحنفي عالم العربية في عصره ولد بـ \"جرجان\" سنة ٧٤٠ هـ، وصرف همه في صباه لتحصيل العلوم العربية تلقى على قطب الدين الشيرازي والمولى مبارك شاه وجمال الدين الأقسرائي وشمس الدين محمد الفناري وأكمل الدين البابرتي متنقلًا بين جرجان وهراة وقرمان ومصر ثم توطن شيراز وكان متفردًا في علوم العربية والمنطق عارفًا بالعلوم الشرعية. جرى بينه وبين سعد الدين التفتازاني مباحثات ومحاورات انتصر فيها السيد الجرجاني، وكان الحكم بينهما نعمان الدين الخوارزمي فذاعت شهرته وطار صيته.\n\n<span data-type='title' id=toc-304>\"مصنفاته - وفاته \"</span>\nله مؤلفات كثيرة منها رسالة في النحو بالفارسية مشورة بـ \"نحو مير\"، وأخرى في الصرف بالفارسية تعرف بـ \"صرف مير\" ورسالتان في المنطق بالفارسية صغرى وكبرى وشرح مختصر الأبهري الشهير بـ \"أسياغوجي\" وحاشية. على شرح الشمسية للقطب الرازي وحاشية على شرح المطالع، وتعريفات السيد الجرجاني رتبها على حروف الهجاء وهي مصطلحات\n_________\n(^١) ينظر: ترجمته في الأعلام ١/ ١١٧، آداب اللغة ٣/ ٢٠٩، الخزانة التيمورية ٣/ ٢٤٨، طبقات الأصوليين ٣/ ١٨.","vol":"1","page":217},{"text":"الفقهاء والفرضيين والمحدثين والمتكلمين والنحاة والصرفيين والمفسرين وغيرهم، وحاشية على شرح مختصر المنتهى لابن الحاجب، وحاشية على أول تفسير الكشاف، والرسالة الشريفة في آداب البحث ورسالة في أصول الحديث وحاشية على شرح الأيجي لمختصر ابن الحاجب في الأصول \"والتوضيح\" شرح به التنقيح و\"حاشية على التلويح\" في الأصول.\nتوفي ﵀ بـ \"شيراز\" سنة ٨١٦ هـ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-305>٣٥ - ابن جماعة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-306>\"نسبه - شيوخه - تبحره في العلوم\"</span>\nمحمد بن أبي بكر بن عبد العزيز بن محمد بن برهان الدين إبراهيم بن سعد اللّه ابن جماعة الفقيه الشافعي الأصولي المتكلم الجدلي النظار النحوي اللغوي البياني الخلافي الأصولي، الجامع لأشتات العلوم، ولد بـ \"ينبع \"سنة ٧٥٩ هـ وانتقل إلى القاهرة فسكنها، اششغل بالعلم على كبر وحفظ القرآن في شهر واحد، وسمع من القلانسي، وأخذ عن السراج الهندي والضياء القرمي والمحب ناظر الجيش والركن القرمي والعلاء السيرامي وجار اللّه، والخطابي، وابن خلدون، والتاج السبكي، وأخيه البهاء، والسراج البلقيني، والعلاء بن الطبيب كما سمع الحديث على جده وعلى الشيخ البياني وغيرهما، وأجاز له أهل عصر من علماء مصر والشام، وقد تبحر في العلوم والفنون، وقد حكى أنه قال أعرف ثلاثين علمًا لا يعرف أهل عصري أسماءها، وقد اشتهر في علوم الفقه والتفسير والحديث وأصول الفقه وأصول الدين والجدل والخلاف والنحو والصرف والمعاني والبيان والبديم والمنطق والهيئة والحكمة، والتشريح، والطب، والفروسية، والرمح والنشاب والدبوس والنقاف والرمل وصناعة النفط والكيمياء وفنون أخرى، وقد أخذ عنه جماعة منهم الكمال بن الهمام وابن قزيل والشمس القاياتي والمحب بن الافسرائي وابن حجر، وكان ﵀ يخالط جميع الطبقات، ويحب الدعابة والمفاكهة، ويستحسن النادرة، ولكنه كان لا يسمح لأحد أن يغتاب غيره في مجلسه ولو مزاحًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-307>\"مؤلفاته - وفاته\"</span>\nله مؤلفات عدة منها \"شرح جمع الجوامع\" مع نكت عليه، وثلاث نكت على\n_________\n(^١) ينظر: ترجمته في الأعلام ٧/ ٥، مفتاح السعادة ١/ ١٦٧، الفوائد البهجة ١٢٥، الضوء اللامع ٥/ ٣٢٨، آداب اللغة ٣/ ٢٣٥، طبقات الأصوليين ٣/ ٢٠.","vol":"1","page":218},{"text":"مختصر ابن الحاجب، وحاشية على شرح البيضاوي وكلها في الأصول، وحاشية على ألفية ابن مالك، وحاشية على شرح الشافعية للجاربردي، وحاشية على شرح التوضيح لابن هشام، وحاشية على المغني، وثلاثة شروح على القواعد الصغرى، وثلاثة شروح على القواعد الكبرى في النحو، و\"مختصر التلخيص\"، وحاشية على شرحه للسبكي وثلاث حواش على المطول، وحاشية على المختصر، و\"نكت على المهمات\"، ونكت على الروضة، و\"شرح التبريزي\"، وثلاث شروح على منظومة ابن فرج في الحديث وشرح \"المنهل الروي في علوم الحديث\"، ونكت في اللغة، والأنوار في الطب، والجامع في الطب، ونكت على فصول بقراط، و\"فلق الصبح في أحكام الرمح\"، \"وأوفق الأسباب في الرمي بالنشاب\"، و\"الأمنية في علم الفروسية\".\nتوفي ﵀ في جمادي الآخرة سنة ٨١٩ هـ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-308>٣٦ - الرملي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-309>\"نسبه\"</span>\nأحمد بن حسين بن حسن بن علي بن أرسلان، أبو العباس، شهاب الدين الرملي فقيه شافعي.\nولد سنة ٧٧٣ هـ - ١٣٧١ م بـ \"الرملة\" بـ \"فلسطين\" وانتقل في كبره إلى القدس.\nوكان زاهدًا متهجدًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-310>\"مصنفاته - وفاته\"</span>\nومن تصانيفه: \"الزبد\" منظومة في الفقه، ويقال لها \"صفوة الزبد\"، \"شرح سنن أبي داود\"، منظومة في \"علم القراءات\"، \"شرح البخاري\" وصل فيه إلى باب الحج، \"طبقات الشافعية\" وهي تراجم، \"تصحيح الحاوي\" فقه، \"إعراب الألفية\" نحو.\nتوفي سنة ٨٤٤ هـ (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: ترجمته في معجم المؤلفين ٩/ ١١١، وحسن المحاضرة ١/ ٣١٧، طبقات ابن قاضي شهبة ٤/ ٤٩، وإنباء الغمر ٧/ ٢٤٠، والضوء اللامع ٧/ ١٧١، وبغية الوعاة ص ٢٥، والبدر الطالع ٢/ ١٤٧، وشذرات الذهب ٧/ ١٣٩، الأعلام ٦/ ٢٨٢، طبقات الأصوليين ٣/ ٢٢.\n(^٢) ينظر: ترجمته في الأعلام ١/ ١١٧، الأنس الجليل ٢/ ٥١٥، والبدر الطالع ١/ ٤٩، شذرات الذهب ٧/ ٢٤٨.","vol":"1","page":219},{"text":"<span data-type='title' id=toc-311>٣٧ - ابن زاغو التلمساني:</span>\n<span data-type='title' id=toc-312>\"نشأته - شيوخه - تلاميذه \"</span>\nأحمد بن محمد بن عبد الرحمن المعروف بابن زاغو التلمساني المكنى بأبي العباس الفقيه المالكي المفسر النحوي الفرائضي الأصولي المتصوف المحدث. ولد سنة ٧٨٢ هـ وأخذ عن سعيد العقياني، والشريف التلمساني وغيرهما وجد واجتهد حتى أصبح حجة محققًا عمدة ثبتًا، واشتهر بالصلاح والتقوى حتى كان يدعي بالولي الصالح والشيخ الكامل والمربي الفاضل، وعنه أخذ جماعة منهم يحيى المازوني والحافظ التنسي وابن زكري وأبو الحسن القلصاوي الذي تكلم في رحلته عن شيخه ابن زاغو وأثنى عليه كثيرًا ولقد كان رجلًا مباركًا منتفعًا بدروسه وتصانيفه.\n\n<span data-type='title' id=toc-313>\"مصنفاته - وفاته\"</span>\nمن مولفاته \"مقدمة في التفسير\"، و\"تفسير الفاتحة\"، و\"منتهى التوضيح في الفرائض\"، وشرح لتلخيص والده عبد الرحمن التلمساني، وشرح لحكم ابن عطاء الله السكندري وشرح لمختصر ابن الحاجب الفرعي، وشرح التلمسانية في الفرائض، وشرح لبعض مختصر خليل في الفقه، وشرح لبعض مختصر ابن الحاجب في الأصول.\nتوفي ﵀ سنة ٨٤٥ هـ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-314>٣٨ - بدر الدِّين المالكي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-315>\"نسبه - شيوخه - مصنفاته - وفاته\"</span>\nمحمد بن محمد بن محمد بن يحيى بن محمد الملقب بـ \"بدر الدين\" بن المخلطة المكنى بأبي عبد اللّه، كان فقيهًا بليغًا أصوليًا، تفقه على أبيه وأبي القاسم النويري والبدر التنسي والزين طاهر، ولازم الشمسي في الأصلين والتفسير والمعاني والبيان، وأخذ عن الشمس الشرواني وابن الهمام وسمع عفى ابن حجر، وأذن له في الإفتاء والتدريس وكان يعجب بتحقيقه الشمني وابن الهمام، وحج وجاور وناب في القضاء عن الولي السنباطي ودرس في عدة مدارس، وشرع في شرح مختصر ابن الحاجب فكتب مواضع متعددة،\n_________\n(^١) ينظر: ترجمته في الأعلام ١/ ٢٢٧، طبقات الأصوليين ٣/ ٣٣، الشجرة الزكية (٢٥٤).","vol":"1","page":220},{"text":"وكان إمامًا علامة ذكيًا متقنًا جم الفضائل وافر الفضل ذا سياسة ودربة، وتولى قضاء الإسكندرية.\nتوفي ﵀ سنة ٨٧٠ هـ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-316>٣٩ - كمال الدين إمام الكاملية:</span>\n<span data-type='title' id=toc-317>\"نسبه - شيوخه - مصنفاته - وفاته\"</span>\nمحمد بن محمد بن عبد الرحمن الفقيه الشافعي الأصولي الملقب بـ \"كمال الدين\" المعروف بإمام الكاملية أخذ عن القاياتي وابن الهمام وبرع في العلوم والفنون والتصنيف، ومن عيون مصنفاته شرحان على \"منهاج الوصول إلى علم الأصول\" أحدهما مطول والآخر مختصر، وقد انتفع بهما الناس ومنها شرح على مختصر ابن الحاجب، وشرح على الورقات في الأصول.\nتوفي ﵀ سنة ٨٧٤ هـ (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-318>٤ - التريكي التونسي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-319>\"نسبه - شيوخه - مصنفاته - وفاته\"</span>\nمحمد بن أحمد بن إبراهيم التريكي التونسي المكنى بأبي عبد اللّه الفقيه المالكي الأصولي المنطقي الأديب.\nالتريكي نسبة إلى تريك - بفتح التاء وكسر الراء موضع بـ \"اليمن\" نشأت به أسرته قبل رحيلها إلى المغرب.\nأخذ عن البرزالي وأبي القاسم القسطنطيني وأبي حفص القلشاني وابن عقاب والحافظ ابن حجر وامتدحه الكمال بن الهمام بقوله: إنه معجون فقه.\n_________\n(^١) ينظر: ترجمته في طبقات الأصوليين ٣/ ٤١، نيل الابتهاج (٣٢٠)، الشجرة الزكية ٢٥٦.\n(^٢) ينظر: ترجمته في الأعلام ٧/ ٤٨، البدر الطالع ٢/ ٢٤٤، ونظم العقيان ١٦٣، والضوء اللامع ٩/ ٩٣، طبقات الأصوليين ٣/ ٥٣.","vol":"1","page":221},{"text":"ومن مؤلفاته \"إكمال الأمل على الجمل\" شرح به جمل الخوانجي كما شرح مختصر ابن الحاجب في الأصول، والشمسية في المنطق، وقد حج ثم نزل مصر وأقام بها مدة واشتهر صيته فيها.\nتوفي ﵀ سنة ٨٩٤ هـ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-320>٤١ - أبو العباس الربعي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-321>\"نسبه - شيوخه - تلاميذه\"</span>\nأحمد بن عمر بن هلال الإسكندراني الدمشقي الربعي الملقب بـ \"شهاب الدين\" المكنى بأبي العباس الفقيه المالكي الأصولي النظار الإمام العالم العامل تفقه على فخر الدِّين بن المخلطة، وأخذ عنه الحديث، وأجازه بسنده عن طريق ابن الحاجب إلى الإمام مالك كما أخذ عن سراج الدِّين المراكشي وزين الدين بن رستم الإسكندري، وتلقى علم الأصول على شمس الدين الأصفهاني والعربية عن أبي حيان.\nوقد كان حسن الخط والعبارة ماهرًا في الأصول والفروع، استوطن الإسكندرية ثم رحل إلى دمشق وهناك أخذ عنه محمد بن بُرهان الدِّين بن فرحون وأخوه حسن.\n\n<span data-type='title' id=toc-322>\"مصنفاته\"</span>\nله تآليف: منها: \"شرح ابن الحاجب\" في الفقه في ثمانية أجزاء و\"شرح على مختصره\" في الأصول و\"شرح على الإشكالات الأربعة\" التي في مختصره الأصلي، و\"تفسير آية الكرسي\" ضمنه فوائد جليلة و\"شرح كافية ابن الحاجب\".\n\n<span data-type='title' id=toc-323>\"وفاته\"</span>\nتوفي ﵀ سنة ٧٩٥ هـ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-324>٤٢ - خطيب زاده:</span>\n<span data-type='title' id=toc-325>\"نسبه - شيوخه - مكانته - تلاميذه\"</span>\nمحمد محيي الدين بن تاج الدين إبراهيم بن الخطيب المشهور بـ \"خطيب زاده\" الفقيه\n_________\n(^١) ينظر: ترجمته في طبقات الأصوليين ٣/ ٥٧، الشجرة الزكية (٢٦٠)، نيل الابتهاج (٣٢٣).\n(^٢) ينظر: ترجمته في الأعلام ١/ ١٨٧، والديباج (٨٢)، وشذرات الذهب ٦/ ٣٣٧، والدرر الكامنة ١/ ٢٣٢، وكشف الظنون (١٩٢١)، طبقات الأصوليين ٣/ ٢١٨.","vol":"1","page":222},{"text":"الحنفي الأصولي قرأ على أبيه تاج الدين وعلى علاء الدين الطوسي وخضر بك، كان ﵀ قوي الحجة فصيحًا طلق اللسان جريئًا في الحق مهيبًا معنيًا بدراسة العلوم والتعليم.\nوتتلمذ له أحمد بن سليمان بن كمال باشا، ومحيي الدين جلبي الفناري، وعبد الواسع بن خضر، وقد ارتحل في سبيل نشر العلم إلى بلاد فارس والروم، ولما جلس السلطان سليم خان على عرش السلطنة ولاه مدرسة محمود باشا بـ \"القسطنطينة\" وجعله قاضيًا بعسكر (روم إيلي) ولما تولى السلطان سليمان خان عيّنه قاضيًا للقسطنطينية ولما تقدمت به السن وحيل إلى التقاعد منحه مائة درهم كل يوم ثم ارتحل إلى \"كوتاهية\" وكان في جميع أدوار حياته معنيًا بالتأليف.\n\n<span data-type='title' id=toc-326>\"مؤلفاته - وفاته\"</span>\nمن مؤلفاته \"حواش على أوائل شرح الوقاية لصدر الشريعة\"، \"وحواش على أوائل حاشية السيد على شرح مختصر ابن الحاجب في الأصول\"، ورسالة في بحث الرؤية في التوحيد، وحاشية على أوائل شرح المواقف، ورسالة في فضائل الجهاد.\nتوفي ﵀ سنة ٩٠١ هـ بـ \"كوتاهية\" ودفن بها (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-327>٤٣ - صدر الدين الشيرازي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-328>\"نسبه - شيوخه - تلاميذه\"</span>\nهو محمد الشيرازي بن غياث الدين منصور الملقب بـ \"مير\" صدر الدين الفقيه الحنفي الأصولي المنطقي أخذ عن قوام الدين الكلباري وغيره، ونشأ منشأ الفضل والكمال فقد كان والده غياث الدين من سادات مملكة الفرس ومرجع الأشراف والأعيان وقد عنى مير صدر الدين بالتدريس والتصنيف فبنى مدرسة بـ \"شيراز\" تتلمذ عليه فيها الكثيرون ومنهم ولده غياث الدين منصور الذي سمي باسم جده، وكان مشهورًا في أطراف المملكة العثمانية معروفًا بالتحقيق والتدقيق ماهرًا في علوم الحكمة والرياضة، ومن تلامذته أيضًا عبد الرحمن بن علي المعروف بـ \"مؤيد زاده\".\n\n<span data-type='title' id=toc-329>\"مؤلفاته - وفاته\"</span>\nكما عنى ﵀ بالتدريس عنى بالتصنيف ومن مصنفاته النافعة حواش على شرح\n_________\n(^١) ينظر: ترجمته في طبقات الأصوليين ٣/ ٦١، الفوائد البهية (٢٠٤).","vol":"1","page":223},{"text":"التجريد، وحواش على شرح المطالع، وحواش على شرح الشمسية، وتقرير على حاشية الجرجاني على شرح مختصر ابن الحاجب في الأصول، وكلها تدل على ذكائه وفطنته وعظيم تبحره في العلوم العقلية والنقلية.\nتوفي ﵀ سنة ٩٠٣ هـ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-330>٤٤ - الدواني:</span>\n<span data-type='title' id=toc-331>\"نسبه - شيوخه - تلاميذه\"</span>\nمحمد بن أسعد الدواني الصديقي الشافعي الملقب بـ \"جلال الدين\" المنسوب إلى دوان - بفتح الدال وتشديد الواو مفتوحة قرية من قرى كازرون بإقليم من أقاليم فارس - أخذ عن المحبوبي وحسن بن البقال، وأخذ عنه أهل تلك النواحي، وارتحلوا إليه من الروم وخراسان وما وراء النهر وكان عالمًا عاملًا محققًا ولي القضاء بـ \"فارس\".\n\n<span data-type='title' id=toc-332>\"مصنفاته - وفاته\"</span>\nألف في كثير من العلوم العقلية والنقلية فمن ذلك أنموذج العلوم، و\"تحريف العلم\" - و\"شرح العقائد العضدية\"، وشرح على متن تهذيب المنطق، وله الزوراء في الحكمة، ورسالة في إثبات الواجب، وحاشية على تحرير القواعد المنطقية لقطب الدين الرازي، وحاشية على شرح القوشجي لتجريد الكلام، وحواش على شرح المختصر للعضد في الأصول.\nتوفي ﵀ سنة ٩١٨ هـ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-333>٤٥ - القرافي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-334>\"نسبه - شيوخه - تلاميذه \"</span>\nمحمد بن يحيى بن عمر بن يونس الملقب بـ \"بدر الدين\" القرافي المالكي المصري القاضي رئيس العلماء في عصره وشيخ المالكية صدر من صدور العلم ذو همة عالية وطلاقة\n_________\n(^١) ينظر: ترجمته في طبقات الأصوليين ٣/ ٦٢.\n(^٢) ينظر: ترجمته في طبقات الأصوليين ٣/ ٦٤، الفوائد البهية ٨٩، شذرات الذهب ٨/ ١٦٠، الأعلام ٦/ ٣٢، البدر الطالع ٢/ ١٣٠، النور السافر ١٣٣، كشف الظنون ١٨٤، آداب اللغة ٣/ ١٠٣.","vol":"1","page":224},{"text":"لسان وبشاشة وجه مع خلق مرضي. أخذ عن الشيخ الفقيه عبد الرحمن بن علي الأجهوري والزين الجيزي والجمال يوسف ابن القاضي زكريا والنجم الغيطي وأخذ عنه جماعة منهم النور الأجهوري وغيره، ولما بلغ من العلم الذروة ولي قضاء المالكية.\n\n<span data-type='title' id=toc-335>\"مؤلفاته - وفاته\"</span>\nالَّف كتبًا كثيرة مفيدة منها شرح على المختصر، و\"القول المأنوس بتحرير ما في القاموس\" و\"القول المأنوس لشرح مغلق القاموس\"، ورسالة في بعض أحكام الوقف، ورسائل في الفقه، و\"ذيل الديباج\" لابن فرحون، وشرح الموطأ، وله تعليق في الأصول على ابن الحاجب، وكان أديبًا له شعر حسن أثنى عليه جماعة منهم الشهاب الخفاجي.\nتوفي سنة ١٠٠٨ هـ.\nهذا، وغير ذلك مما يضيق عنه المقام، وكذلك خرج أحاديثه العلامة ابن كثير في \"تحفة الطالب\"، والزركشي في \"المعتبر\" وابن عبد الهادي، والحافظ ابن حجر (^١).\n_________\n(^١) ينظر: ترجمته في طبقات الأصوليين ٣/ ٨٧، الأعلام ٧/ ١٤١، الشجرة الزكية (٢٨٨)، البدر الطالع ٢/ ٣٠٩، خلاصة الأثر ٤/ ٢٥٨.","vol":"1","page":225},{"text":"<span data-type='title' id=toc-336>وصف النسخ</span>\nاعتمدنا في كتاب \"رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب\" للإمام ابن السبكي على ست نسخ:\nالأولى: المحفوظة بمكتبة الأزهر العامرة تحت رقم (١٨٥١) إمبابي (٤٨٢٦٠) أصول فقه تقع في مجلدين الأول (٤٧٥) ورقة، والثاني (٤٢٣) ورقة، ومسطرتها (١٩) سطرًا مكتوبة بخط نسخ واضح بخط الشيخ مصطفى الحكيم ابن الحاج أحمد الحكيم سنة ١٣٠٤ هـ وهي نسخة كاملة، رمزنا لها بالرمز (أ).\nالثانية: المحفوظة بمكتبة الأزهر تحت رقم (٤٥٥) ١٢٨٢٩ أصول فقه تقع في مجلد واحد (٦٠١) ورقة مسطرتها (٢١) سطرًا كتبها سليمان الفيومي بالأزهر الشريف سنة ١٣٢٥ هـ. وهي نسخة كاملة، رمزنا لها بالرمز (ب).\nالثالثة: المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (٢١٩) أصول فقه عمومية (٢٧٣٤٤) تقع في مجلدين الأول (٣٢٠) ورقة والثاني (٣١٩) ورقة ومسطرتها (٢٥) سطرًا وهي نسخة كاملة ورمزنا لها بالرمز (ت).\nالرابعة: المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (٢١٩) أصول فقه (٢٧٣٤٤) عمومية، وهي نفس النسخة السابقة لذلك لم نعتبرها في إثبات فروقها.\nالخامسة: المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (٤٩٢) أصول فقه تقع في مجلدين الأول (٣٣٤) ورقة والثاني (٢٩٢) ورقة مسطرتها (٢١) سطرًا مكتوبة بخط نسخ","vol":"1","page":226},{"text":"واضح جميل، وبها نقص أشرنا إليه في تعليقنا. ورمزنا لها بالرمز (ج).\nالسادسة: المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (٧٩١) أصول فقه تقع في مجلد واحد (٢٥٥) ورقة مسطرتها (٢١) سطرًا، وهي غير كاملة وأشرنا إلى مواضع النقص في تعليقنا ورمزنا لها بالرمز (ح).\n\n<span data-type='title' id=toc-337>عملنا في الكتاب</span>\nالحمد لله الذي وفقنا وأعاننا وبلطفه وعونه أمدنا على إخراج هذا الكتاب من طيات النسيان، وزيغ التحريف والنقصان، فأقمنا حروفه وضبطنا نصه، وأبنَّا مشكله، وأتيناه موطأً مذللًا داني الثمرات لطلبة العلم وذويه، فتقبل الله منا بفضله ونفع به ذوي العلم وأهله وكان عملنا فيه على الوجه التالي:\nأولًا: قمنا بضبط النص على النسخ السالفة الذكر، وكنا ندور مع صواب النص حيث دار فما كان صوابًا أثبتناه في النص وأثبتنا مخالفه في هامش الكتاب.\nثانيًا: تخريج الآيات القرآنية.\nثالثًا: تخريج الأحاديث.\nرابعًا: ترجمة للأعلام الواردة في الكتاب.\nخامسًا: توثيق النصوص والمسائل الأصولية في الكتاب.\nسادسًا: التعليق على بعض المسائل الأصولية.\nسابعًا: التعليق على بعض المسائل الفقهية.\nثامنًا: التعليق على غريب النص.\nتاسعًا: توثيق الأشعار الواردة في الكتاب.\nعاشرًا: كتبنا مقدمة عن أصول الفقه وترجمة لصاحب الكتاب وأصله.\nهذا، وقد قمنا بضبط أصل الكتاب ضبطًا حرفيًا ووضعناه في أعلى الكتاب مفصولًا بينه وبين الشرح بفاصل وقمنا بوضحع المتن أثناء الشرح بين علامتي تنصيص هكذا: \"\" وقد قابلنا هذا المتن على نسخة محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (١٠٤) أصول تيمور، وتركنا ما كان فروقًا بين الأصل الموضوع في الكتاب والأصل الموجود في أثناء الشرح لسهولة الرجوع إلى ذلك، وباللّه التوفيق والحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":227},{"text":"﷽\nالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحمَدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا، وَمَا تَوْفِيقِي إلَّا بِاللّه عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ.\nأَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي لَمَّا رَأَيْتُ قُصُورَ الْهِمَمِ عَنِ الإِكْثَارِ، وَمَيْلَهَا إِلَى الإيجَازِ وَالاخْتِصَارِ، صَنَّفْتُ مُخْتَصَرًا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، ثُمَّ اخْتَصَرْتُهُ عَلَى وَجْهٍ بَدِيعٍ، وَسَبِيل مَنِيعٍ، لا يَصُدُّ اللَّبِيبَ عَنْ تَعَلُّمِهِ صَادٌّ، وَلا يَرُدُّ الأَرِيبَ عَنْ تَفَهُّمِهِ رَادٌّ، وَاللَّهَ تَعَالَى أَسْأَلُ أَنْ يَنْفعَ بِهِ، وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.\n<hr><s0>\n\n﷽\nوَبهِ نَسْتَعِينُ (^١)\nالشرح: قالَ الشَّيْخُ الإمَامُ العلَّامة قاضِي القُضَاةِ تَاجُ الدِّينِ أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الوَهَّابِ السُّبْكِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:\nالحمدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَعَ فِي الْعُلْيَا (^٢) طَرِيقًا مُخْتَصَرًا، وَأَطْلَعَ مِنْ سَمَاء الكِتَاب والسُّنَّةِ شَمْسًا وقَمَرًا، وجَمَعَ للأُمَّةِ بإجماعِهَا وآرَائِهَا دَلِيلًا مُسْتَحْسَنًا، وبرهانًا (^٣) مستصحبًا وسبيلًا مُعْتَبَرًا.\n_________\n(^١) في ب: وبه ثقتي وعليه اعتمادي.\n(^٢) في ب: العلياء.\n(^٣) في ت، ج: مستصحبًا وبرهانًا مستحسنًا.","vol":"1","page":229},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nنَحْمَدُهُ عَلَى كَمَالِهِ حَمْدًا تَفُوهُ الألْسُن وتعْمَلُ لهُ شُكْرًا، تمامًا على الَّذِي أحْسَن، وَنَسْأله الإعانة على اجْتِنَابِ ما حَرَّم أو كَرَّه، وارتكابِ ما أوْجَبَ (^١) أو سَنّ.\nونشهد (^٢) أن لا إله إلَّا الله وَحْده لا شريكَ لَه، وأنَّ محمَّدًا عَبْده المصطفى، وخَيْرُ نَبيٍّ أرسلَهُ وخَصَّه بعمومِ الفَضْل، فأمر (^٣) ونَهَى، وأوْضَحَ مَا شَرَعَه، وبَيَّن ما أجْمَلَه، صلَّى الله عَلَيْه وعَلَى آلِهِ وأصْحَابِهِ المَاحِينَ بِنُورِ الهُدَى ظُلَم الشِّرْك، والقامِعِينَ مَنْ أظهر شقاقَه، ومَنْ أسرَّ نفاقَه، وأصرَّ على الإِفْك، والدافِعِين بِصِدْقِ اليَقِينِ ظَنَّ الجاهلية، ووَهْمَ ذي العَمَايَةِ، ورَيْبَ ذي الشَّكّ.\nوَرَضِيَ الله عن مُطَّلِبِيِّنا، الَّذى اسْتَخْرَجَ أُصُولَ الفِقْه [علْمًا] (^٤) مجموعًا، وفَنًّا على الرُّءُوسِ محمولًا، وعلى العيون موضُوعًا، ومُحْكَمًا دفَع به المُتَشَابِهَات (^٥)، وشَيَّد بنيان (^٦) الأدلَّةِ مظنونًا ومقْطُوعًا.\nأمَّا بَعْدُ: فَإنَّ لنا تعليقًا على مختصر الإِمام أبي عَمْرِو بْنِ الْحَاجِبِ مَبْسُوطًا ومَجْمُوعًا، يصبِحُ قدْرُ الأقْرانِ - وإن تعالى عَنْه - محطوطًا، وكتابًا لم يغادِرْ لِمُتَعنِّتٍ مُطَّلَبًا، وعجبًا عجابًا، وردَّ مناهِلَ الأُصُولِ وصدَر بهذا النَّبَا (^٧)، وفِهْرِسْتًا جمع فَأَوعَى، وفاق كُتُب هذا الفَنِّ [جنْسًا ونوْعًا، جَمَعْنا فِيهِ أكثر ما حَوَتْه كُتُب هذا الفَنّ] (^٨)، وأودَعْنَاه مباحِثَ كنَّا نستعملُ الفِكْر فيها إذا ما اللَّيْلُ جنّ، وذكرنا آراءَنا، وناضلْنا عَلَيْهَا، وأوضحنا اخْتياراتِنا، والعَيْنُ تأمُر السُّهْد في كَرَاهَا وتَنْهَى، وشمَّرْنا فيه عَنْ ساقِ الاِجتهاد بشهادة النُّجُوم، وجَمَعْنا أقسام الكَوَاكب لِكَلِمَةٍ منها معالمُ للهُدى، ومصابيحُ تجلو الدجَى، والأُخْرَيَاتُ رُجُومٌ.\nبَيْدَ أنَّا لم نستوعِبْ فيه ما في \"المُخْتَصَر\"، وإن كنَّا لم ندَع [إلا] (^٩) واضحًا لا يفتقر إلى النَّظَر.\nفبدَأْنا في شرْح غايةٍ في الاختِصَار، آيَةٍ في جَمْع الشوارِدِ والإكْثَار، يأتي على تقْرير ما في الكِتَاب كلِّه، مع مباحثَ مِنْ قِبَلِنَا، ونقول: لا يُجْمَع مثْلها إلَّا لمثْلِه، فلقد نظرْنَا عَلَيْه مع توَخِّينا\n_________\n(^١) في ب، ج: أوجبه.\n(^٢) في ب: وأشهد.\n(^٣) سقط في ت.\n(^٤) في ب، ج: بتبيان.\n(^٥) في ت: وأمر.\n(^٦) في أ، ج: المشابهات.\n(^٧) في ح: البناء.\n(^٨) سقط في أ.\n(^٩) سقط في ت.","vol":"1","page":230},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالاِختصار (^١) فيه كتبًا شتَّى:\nمِنْها: الرِّسالة؛ للإمام الشافعيّ ﵁ وشَرْحُها؛ لأبي بكْرٍ الصَّيْرفيّ (^٢)، والأستاذِ أَبِي الوليدِ النَّيْسَابُورِيّ (^٣)، وأبِي بَكْرٍ القفَّالِ الشَّاشيِّ الكبير (^٤)، وأبي محمَّدٍ الجُوَيْنِيّ (^٥)، و\"التَّقْرِيبُ والإِرْشَاد، في ترتيب طرُق الاجتهادِ\"؛ للقاضي أبِي بكرٍ (^٦)، وهو [من] (^٧) أجلِّ كتب الأصول،\n_________\n(^١) في ح: للاختصار.\n(^٢) أبو بكر محمد بن عبد اللّه الصيرفي، الفقيه الأصولي، تفقه على ابن سريج، قال القفال الشاشي: كان أعلم الناس بالأصول بعد الشافعي. وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: وله مصنفات في أصول الفقه وغيرها، مات سنة ٣٣٠. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١١٦، وتاريخ بغداد ٥/ ٤٤٩، وطبقات الشيرازي ٩١.\n(^٣) أبو الوليد حسان بن محمد بن أحمد بن هارون بن حسان بن عبد اللّه القرشي النيسابوري، أحد أئمة الشافعية، درس على أبي علي الثقفي، ثم على أبي العباس بن سريج، قال الحاكم: كان إمام أهل الحديث بـ \"خراسان\"، وله كتاب على صحيح مسلم، وكتاب على مذهب الشافعي، وذكر أنه شرح الرسالة، مات سنة ٣٤٩. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١٢٦، والأعلام ٢/ ١٩٠، وشذرات الذهب ٢/ ٣٨٠.\n(^٤) أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل، الشاشي، القفال الكبير، أحد أعلام الشافعية وأئمة المسلمين، ولد سنة ٢٩١، سمع من أبي بكر بن خزيمة ومحمد بن جرير وأبي القاسم البغوي وغيرهم، قال الحليمي: كان شيخنا القفال أعلم من لقيته من علماء عصره، وقال الشيرازي: وهو أول من صنف في الجدل الحسن من الفقهاء، ومن تصانيفه: دلائل النبوة وأدب القضاء وغيرها. مات سنة ٣٦٥.\nينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١٤٨، وطبقات الشيرازي ٩١، وطبقات السبكي ٢/ ١٧٦، والأعلام ٧/ ١٥٩، ووفيات الأعيان ٣/ ٣٣٨، والنجوم الزاهرة ٤/ ١١١، وشذرات الذهب ٣/ ٥١.\n(^٥) عبد اللّه بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن حيويه، الشيخ أبو محمد الجويني، وكان يلتهب بـ\"ركن الإسلام\"، قرأ الأدب على والده، والفقه على أبي أيوب الأبيوردي، ولازم القفال، ثم صار إمامًا في التفسير والفقه والأدب، مجتهدًا في العبادة، قال أبو عثمان الصابوني: لو كان الشيخ أبو محمد في بني إسرائيل لنقلت إلينا أوصافه وافتخروا به. صنف التفسير وغيره مات سنة ٤٣٨.\nينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٢٠٩، ووفيات الأعيان ٢/ ٢٥٠.\n(^٦) محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر، أبو بكر، قاضٍ من كبار علماء الكلام، ولد بالبصرة ٣٣٨ هـ انتهت إليه الرياسة في مذهب الأشاعرة، كان جيد الاستنباط، سريع الجواب. من مصنفاته: إعجاز القرآن، الإنصاف، الملل والنحل، دقائق الكلام، مناقب الأئمة توفي ٤٠٣ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ١/ ٤٨١، والديباج المذهب ٢٦٧، وتاريخ بغداد ٥/ ٣٧٩، والأعلام ٦/ ١٧٦.\n(^٧) سقط في ب، ح.","vol":"1","page":231},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nومخْتَصَرُهُ المسمَّى بـ \"التَّلْخِيص\"؛ لإمامِ الحَرَمَيْن (^١)، و\"تعليقة\" الشَّيخ أبي حامِدٍ الإسْفَرايينِيّ (^٢)، وتعليقَةُ الأُسْتَاذ أبي إسْحَاق الإسْفَرايينِيّ (^٣)، و\"آدَابُ (^٤) الجَدَلِ\"؛ لأبِي الحُسَيْن الجَلَّال (^٥)، و\"مِعْيَارُ الجَدَل\"؛ للأستاذ أبي مَنْصُورٍ عبْدِ القاهِرِ بْنِ طاهرٍ البَغْدَادِيّ (^٦)،\n_________\n(^١) عبد الملك بن عبد اللّه بن يوسف بن عبد اللّه بن يوسف بن محمد، العلامة إمام الحرمين، أبو المعالي بن أبي محمد الجويني، ولد سنة ٤١٩، وتفقه على والده، وقعد للتدريس بعده، وحصل أصول الدين وأصول الفقه على أبي القاسم الإسفراييني الإسكاف، وصار إمامًا، حضر درسه الأكابر، وتفقه به جماعة من الأئمة. قال السمعاني: كان إمام الأئمة على الإطلاق، ومن تصانيفه النهاية والغياثي والإرشاد، وغيرها. مات سنة ٤٧٨. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٢٥٥، وطبقات السبكي ٣/ ٢٤٩، ووفيات الأعيان ٢/ ٣٤١، والأنساب ٣/ ٤٣٠، وشذرات الذهب ٣/ ٣٥٨، والنجوم الزاهرة ٥/ ١٢١، ومعجم البلدان ٢/ ١٩٣.\n(^٢) أحمد بن محمد بن أحمد، الشيخ أبو حامد بن أبي طاهر الإسفراييني، شيخ الشافعية بالعراق، ولد سنة ٣٤٤، اشتغل بالعلم، وتفقه على ابن المرزبان والداركي، وروى الحديث عن الدارقطني وأبي بكر الإسماعيلي وأبي أحمد بن عدي وجماعة، وكان يقال له: الشافعي الثاني، وشرح المختصر، وله كتاب في أصول الفقه. مات سنة ٤٠٦. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١٧٢، والأعلام ١/ ٢٠٣، وتاريخ بغداد ٤/ ٣٦٨.\n(^٣) أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران، الإسفراييني، المتكلم الأصولي، الفقيه، شيخ أهل خراسان، يقال: إنه بلغ رتبة الاجتهاد وله المصفات الكثيرة منها: جامع الحلى في أصول الدين والرد على الملحدين، قال الحاكم: الفقيه، الأصولي، اليتكلم، المتقدم في هذه العلوم، انصرف من العراق وقد أقر له العلماء بالقدم. مات سنة ٤١٨. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١٧٠، ووفيات الأعيان ١/ ٨، وتذكرة الحفاظ ٣/ ١٠٨٤، والأعلام ١/ ٥٩، وشذرات الذهب ٣/ ٢٠٩، والنجوم الزاهرة ٤/ ٢٦٧.\n(^٤) في ب: وأدب.\n(^٥) في ب، ت: الجلابي.\n(^٦) عبد القاهر بن طاهر بن محمد، الأستاذ أبو منصور، التميمي، البغدادي، تفقه على الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني وغيره إلى أن برع وأقعده الأستاذ للإملاء، فأملى سنتين واختلف إليه الأئمة، وذكر أن إمام الحرمين أخذ عنه الفرائض، قال أبو عثمان الصابوني: كان الأستاذ أبو منصور من أئمة الأصول، وصدور الإسلام بإجماع أهل الفضل. له: تفسير القرآن، وفضائح المعتزلة، وغيرهما، مات سنة ٤٢٩. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٢١١.","vol":"1","page":232},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nو\"شَرْحُ الكِفَايَة\"؛ للقاضي أبي الطيِّبِ الطَّبَرِيّ (^١)، و\"العمد\"؛ للقاضي عبد الجَبَّار (^٢)، و\"المُعْتَمَد\"؛ لأبي الحُسَيْن (^٣) البَصْرِيّ، و\"التَّقْرِيبُ\"؛ لسليم الرَّازِيِّ (^٤)، وكتابُ الأستاذ أبِي بكْرِ بن فُورَك (^٥)، و\"البُرْهَانُ\"؛ لإمام الحَرَمَيْن، وشرْحُه؛ للإمَام أبي عبْدِ اللَّهِ المازِريِّ المَالِكِيّ (^٦)، والكلامُ علَى مُشْكِلِهِ؛ للمَازِرِيِّ أيضًا، وشرحُهُ أيضًا؛ لأبي الحَسَن\n_________\n(^١) طاهر بن عبد اللّه بن طاهر بن عمر، القاضي العلامة، أبو الطيب الطبري، أحد أئمة الشافعية، ولد سنة ٣٤٨، سمع من أبي أحمد الغطريفي، والدارقطني، وابن عرفة، وأخذ الفقه على أبي علي الزجاجي وأبي القاسم بن كج، وقرأ على أبي سعد الإسماعيلي، والماسرجسي والبافي وغيرهم، قال الشيرازي: ولم أر ممن رأيت أكمل اجتهادًا وأشد تحقيقًا وأجود نظرًا منه، شرح مختصر المزني، وصنف في الخلاف والمذهب والأصول والجدل. مات سنة ٤٥٠. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٢٢٦، والأعلام ٣/ ٣٢١، وطبقات السبكي ١/ ١٧٦، ووفيات الأعيان ٢/ ١٩٥، وشذرات الذهب ٣/ ٣٢٥، ومرآة الجنان ٣/ ٧٠، والبداية والنهاية ١٢/ ٧٩.\n(^٢) عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار بن أحمد بن الخليل، القاضي أبو الحسن الهمداني، قاضي الري وأعمالها، وكان شافعي المذهب، وهو مع ذلك شيخ الاعتزال، وله المصنفات الكثيرة في طريقتهم وفي أصول الفقه، قال ابن كثير: ومن أجل مصنفاته وأعظمها كتاب \"دلائل النبوة\" في مجلدين، أبان فيه عن علم وبصيرة جيدة. مات سنة ٤١٥. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١٨٣، وتاريح بغداد ١١/ ١١٣، وشذرات الذهب ٣/ ٢٠٢، ولسان الميزان ٣/ ٣٨٦، والأعلام ٤/ ٤٧.\n(^٣) في ت: الحسن، وهو تحريف.\n(^٤) سليم بن أيوب بن سليم، أبو الفتح الرازي، الأديب، المفسر، تفقه وهو كبير؛ لأنه كان اشتغل في صدر عمره باللغة والنحو والتفسير، والمعاني، ثم لازم الشيخ أبا حامد الإسفراييني، وعلق عنه التعليق، ولما توفي أبو حامد، جلس مكانه ثم سافر إلى الشام، وأقام بها مرابطًا ينشر العلم، تخرج به جماعة منهم نصر المقدسي، وكان ورعًا زاهدًا، له تصانيف مها: رؤوس المسائل، وتفسير سماه: ضياء القلوب وغيرهما. مات غريقًا سنة ٤٤٧. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٢٢٥، والأعلام ٣/ ١٧٦، وإنباه الرواة ٢/ ٦٩.\n(^٥) محمد بن الحسين بن فُورَك، أبو بكر الأصفهاني، المتكلم، الأصولي، الأديب، النحوي، الواعظ، أخذ طريقة أبي الحسن الأشعري عن أبي الحسين الباهلي وغيره، أحيا الله تعالى به أنواعًا من العلوم، وبلغت مصنفاته الشيء الكثير، وجرت له مناظرات عظيمة. مات سنة ٤٠٦. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١٩٠، وطبقات السبكي ٣/ ٥٢، وتبيين كذب المفتري ص ٢٣٢، والأعلام ٦/ ٣١٣، ومرآة الجنان ٣/ ١٧، والنجوم الزاهرة ٤/ ٢٤٠.\n(^٦) محمد بن علي بن عمر التميمي المازري، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بـ \"الإمام\"، درس أصول الفقه =","vol":"1","page":233},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالأبْيَارِيِّ المالِكِيِّ (^١).\nولقد عجِبْتُ لهذا \"البُرْهَان\"؛ فإنَّه من مفتَخَراتِ الشافِعِيِّين، ولم يَشْرَحْه منْهم أحدٌ، وإنَّما أنْتَدَبَ له هذان المالكيَّان، وتَبِعَهُمَا شخْصٌ ثالثٌ من المالكيَّة أيضًا يُقَال له الشَّريفُ أبُو يَحْيَى زكريا بن يَحْيَى الحُسَيْنِيّ المَغْرِبِيّ، فجمع بَيْن كلامَيْهِما وزاد.\nو\"اللُّمَعُ\"، وشرحه؛ للشيخ أبِي إسْحَاقَ الشِّيرازِيّ (^٢)، و\"المُلَخَّص\"، و\"المَعْرِفَة\"؛ له أيضًا في الجدل، و\"القَوَاطِعُ\"؛ للإمام الجليلِ أَبِي المُظَفَّرِ مَنْصُور بْنِ محمَّدِ بْنِ السَّمْعَانِي (^٣)، وهو أنْفَعُ\n_________\n= والدين، وتقدم في ذلك، وسمع الحديث وطالع معانيه، واطلع على علوم كثيرة، فكان أحد رجال الكمال في العلم في وقته، واليه كانت الفتيا في الفتهه وغيره، ألف في الفقه والأصول، وشرح كتاب مسلم، وشرح \"البرهان\" للجويني وسماه \"إيضاح المحصول من برهان الأصول\" وتوفي سنة ٥٣٦.\nينظر: الديباج ٢/ ٢٥٠ - ٢٥٢، وشجرة النور ١/ ١٢٧ - ١٢٨، وهدية العارفين ٢/ ٨٨.\n(^١) علي بن إسماعيل بن علي بن حسين بن عطية الملقب بـ \"شمس الدين \"وشهرته بأبي الحسن الأبياري. قال الحافظ ابن نقطة: سألته عن مولده فقال: في سنة ٥٥٧. قال الحافظ المظفر: كان الأبياري من العلماء الأعلام، وأئمة الإسلام، بارعًا في علوم شتى: الفقه وأصوله وعلم الكلام. ومن تآليفه: كتاب \"شرح البرهان\" لأبي المعالي الجويني وكتاب \"سفينة النجاة\" على طريقة الإحياء، وتوفي سنة ٦١٦. ينظر: الديباج ٢/ ١٢١ - ١٢٣، وشجرة النور ١/ ١٦٦، وحسن المحاضرة ١/ ٤٥٤ - ٤٥٥.\n(^٢) إبراهيم بن علي بن يوسف بن عبد اللّه، أبو إسحاق الشيرازي، ولد سنة ٣٩٣، أخذ الفقه على أبي عبد اللّه البيضاوي، وابن رامين، وقرأ على الجزري، وقرأ الأصول على أبي حاتم القزويني، وشيوخ كثيرين، كان عالمًا عاملًا ورعًا اشتهر وارتفع ذكره قال أبو بكر الشاشي: الشيخ أبو إسحاق حجة الله تعالى على أئمة العصر. وقال عن نفسه. لم أدخل بلدًا ولا قرية إلا وجدت قاضيها أو خطيبها أو مفتيها من تلاميذي. له تصانيف منها: \"التنبيه \" واللمع وغيرهما. مات سنة ٤٧٦. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٢٣٨، وطبقات السبكي ٣/ ٨٨، ووفيات الأعيان ١/ ٩، والأعلام ١/ ٤٤، ومرآة الجنان ٣/ ١١٠، وكتاب العبر ٣/ ٢٨٣، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ١٧٢.\n(^٣) منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد بن محمد بن جعفر، الإمام أبو المظفر السمعاني التميمي، المروزي، الحنفي، ثم الشافعي، ولد سنة ٤٢٦، تفقه على والده حتى برع في مذهب أبي حنيفة، ثم صار إلى مذهب الشافعي، واستحكم أمره في مذهب الشافعي، واجتمع بالشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وناظر ابن الصباغ في مسألة، قال السمعاني: صنف في التفسير والفقه والحديث، والأصول. وله كتاب القواطع في أصول الفقه. مات سنة ٤٨٩. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٢٧٣، وطبقات السبكي ٤/ ٢١.","vol":"1","page":234},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nكتابٍ للشافعيَّةِ في الأُصُولِ وأجَلُّه، \"والمُسْتَصْفَى\"، و\"المَنْخُولُ\"؛ للإمام حُجَّةِ الإسْلام (^١)، و\"شفاءُ الغَلِيلِ في بيان مَسَالِكِ التَّعْلِيل\"، له أيضًا، و\"عُدَّةُ (^٢) العَالِمَ\"؛ للشَّيْخِ أبِي نَصْرِ بْنِ الصَبَّاغ (^٣)، وتَغْلِيقَةُ أَلْكِيَا أبي الحَسَنِ الْهَرَّاسِ (^٤)، و\"المُلَخَّصُ\"؛ للقاضي عبْدِ الوهاب، و\"أُصُولُ الفِقْه\"؛ للأُستاذ أبي نصْرٍ (^٥) ولدِ الأستاذِ أبي القاسِم القشَيْريِّ (^٦)، و\"الْوَجِيزُ\"؛ لأبِي الفَتْح بْن\n_________\n(^١) محمد بن محمد بن محمد، حجة الإسلام، أبو حامد الغزالي، ولد سنة ٤٥٠، أخذ عن إمام الحرمين ولازمه، حتى صار أنظر أهل زمانه وجلس للإقراء في حياة إمامه وصنف \"الإحياء\" المشهور، و\"البسيط\"، وهو كالمختصر للنهاية، وله \"الوجيز\"، و\"المستصفى\" وغيرها. توفي سنة ٥٠٥. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٢٩٣، ووفيات الأعيان ٣/ ٣٥٣، والأعلام ٧/ ٢٤٧، واللباب ٢/ ١٧٠، وشذرات الذهب ٤/ ١٠، والنجوم الزاهرة ٥/ ٢٠٣، والعبر ٤/ ١٠.\n(^٢) في ح: وعبرة.\n(^٣) عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن محمد بن أحمد بن جعفر، أبو نصر بن الصباغ البغدادي، فقيه العراق، ولد سنة ٤٠٠، أخذ عن القاضي أبي الطيب الطبري، ورجح في المذهب على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وكان نجرًا دينًا، فقيهًا، أصوليًا، محققًا، قال ابن عقيل: كملت له شرائط الاجتهاد المطلق، وقال ابن خلكان: له كتاب الشامل، وهو من أصح كتب أصحابنا مات سنة ٤٧٧. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٢٥١، وطبقات السبكي ٣/ ٢٣٠، والبداية والنهاية ١٢/ ٢٢٦، والنجوم الزاهرة ٥/ ١١٩، وشذرات الذهب ٣/ ٣٥٥، ومفتاح السعادة ٢/ ١٨٥، ووفيات الأعيان ٢/ ٣٨٥.\n(^٤) علي بن محمد بن علي، شمس الإسلام، عماد الدين، أبو الحسن، الطبري، المعروف بالكيا الهراسي، تتلمذ على إمام الحرمين، حتى برع في الفقه والأصول والخلاف، وكان إمامًا نظارًا، قوي البحث، دقيق القكر، ذكيًا، فصيحًا، جهوري الصوت، حسن الوجه جدًّا، قال السبكي: وله \"شفاء المسترشدين\"، و\"نقض مفردات أحمد\". توفي سنة ٥٠٤. ينظر: طبقات ابن قاضى شهبة ١/ ٢٨٨، والأعلام ٥/ ١٤٩، ووفيات الأعيان ٢/ ٤٤٨.\n(^٥) عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري، أبو نصر بن أبي القاسم النيسابوري، تخرج بوالده ثم لزم إمام الحرمين، فأتقن عليه الأصول والفروع والخلاف، وغير ذلك من العلوم، ولزم الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وغيره من الأئمة مجلس وعظه، وجرى له مع الحنابلة في زمن إقامته ببغداد أمور كثيرة وفتن وتعصب، وقتل من الفريقين جماعة. توفي سنة ٥١٤. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٢٨٥، وطبقات السبكي ٤/ ٢٤٩، والبداية والنهاية ١٢/ ١٨٧.\n(^٦) عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة بن محمد، أبو القاسم القشيري، النيسابوري، أخذ عن أبي علي الدقاق، وأبي عبد الرحمن السلمي، ودرس الفقه على أبي بكر الطوسي، وقرأ الكلام =","vol":"1","page":235},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nبَرْهَان (^١)، وكتابُ الإمام محمَّدِ بْنِ يَحْيَى (^٢)، و\"العَقِيدةُ\"؛ لتلميذه شَرف شاه بْنِ مَلْكداد، و\"شَرْحُ اللُّمَع\"؛ لأبي عَمْرِو عُثْمَان بْنِ عِيسَى الكُرْدِيّ (^٣) صاحِب \"الاِسْتِقْصَاء\"، و\"مشْكِلاتُ اللُّمَع\"؛ لمسعُودِ بْن عَلِيٍّ اليَمَانِيّ، و\"المَحْصُولُ\"؛ للإمام (^٤)، وغيْرُه من كتُبِ أَتْباعِهِ؛ كشَرْحِهِ؛\n_________\n= على ابن فورك، وأبي إسحاق الإسفراييني، قال ابن السمعاني: لم ير أبو القاسم مثل نفسه في كماله وبراعته. صنف التفسير الكبير، والرسالة. ولد سنة ٣٧٦، ومات سنة ٤٦٥. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٢٥٤، وطبقات السبكي ٣/ ٢٤٣، وتاريخ بغداد ١١/ ٨٣، والأعلام ٤/ ١٨٠.\n(^١) أحمد بن علي بن محمد بن برهان، أبو الفتح، ولد سنة ٤٧٩، وتفقه على الغزالي والشاشي، والكيا هراسي، وبرع في المذهب وفي الأصول، فكان هو الغالب عليه، وله في التصانيف المشهورة: البسيط، والوسيط، والوجيز وغيرها. قال المبارك بن كامل: كان خارف الذكاء، لا يكاد يسمع شيئًا إلا حفظه. توفي سنة ٥١٨. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٢٧٩، ووفيات الأعيان ١/ ٨٢، وطبقات السبكي ٤/ ٤٢، وشذرات الذهب ٤/ ٦١، والأعلام ١/ ١٦٧، ومرآة الجنان ٣/ ٢٣٥، والبداية والنهاية ١٢/ ١٩٤.\n(^٢) محمد بن يحيى بن سراقة، أبو الحسن العامري، الفقيه، الفرضي، المحدث، صاحب التصانيف في الفقه والفرائض وأسماء الضعفاء والمتروكين، له مصنف حسن في الشهادات، وأخذ كتاب الضعفاء عن أبي الفتح الأزدي ثم نقحه وراجع فيه الدارقطني، وله كتاب التلقين، وكتاب الحيل وغيرهما. مات في حدود سنة ٤١٠. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١٩٦، وطبقات السبكي ٣/ ٨٦، والأعلام ٨/ ٥، وطبقات الشافعية لابن هداية ص ٤٣.\n(^٣) عثمان بن عيسى بن درباس الماراني، ضياء الدين، أبو عمرو، من أعلم الشافعيين بالفقه في عصره، نسبته إلى بني ماران، بالمروج. ولد سنة ٥١٦ هـ، ونشأ بـ \"إربل\"، وانتقل إلى دمشق ثم إلى مصر، فولي القضاء بالغربية، وفوض إليه السلطان صلاح الدين القضاء بالديار المصرية سنة ٥٦٦ هـ. ثم عكف على التدريس إلى أن توفي في القاهرة سنة ٦٠٢ هـ. من كتبه: \"الاستقصاء لمذاهب الفقهاء\"، و\"شرح اللمع\" في أصول الفقه. ينظر: الأعلام ٤/ ٢١٢، وطبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ٦٠، ووفيات الأعيان ١/ ٣١١.\n(^٤) محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي، سلطان المتكلمين في زمانه، فخر الدين، أبو عبد اللّه الرازي، ولد سنة ٥٤٤، واشتغل أولًا علي والده ضياء الدين عمر، ثم على الكمال السمناني وعلى المجد الجيلي وغيرهما، وأتقن علومًا كثيرة، وبرز فيها وتقدم وساد، وصنف في فنون كثيرة، وروي عنه ندمه على الدخول في علم الكلام، وله التفسير الكبير \"مفاتيح الغيب\" وهو مطبوع، وكذلك كتاب \"المحصول\" وغيرهما. مات سنة ٦٠٦. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ٦٥، ولسان الميزان ٤/ ٤٢٦، والأعلام ٧/ ٢٠٣.","vol":"1","page":236},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nللقرافِيِّ (^١)، وشَرْحِهِ؛ للأصْفَهَانِيِّ (^٢)، والمؤاخَذَاتُ (^٣) عَلَيْه؛ للنقشَوَانِيّ، و\"التَّنْقِيحُ\"؛ لِلتَّبْرِيزِي (^٤)، و\"شَرْحُ الْمَعَالِم\" [الذي] (^٥) له؛ لابْنِ التّلْمِسَانِيّ (^٦)، و\"النِّهَايَةُ\"، و\"الفَائِقُ\" (^٧)؛\n_________\n(^١) أحمد بن إدريس القرافي، وهو شهاب الدين، أبو العباس أحمد بن أبي العلاء: إدريس بن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن يلين الصنهاجي، كان إمامًا بارعًا في الفقه والأصول والعلوم العقلية، وكان أحسن من ألقى الدروس، وسارت مصنفاته مسير الشمس، ورزق فيها الحظَّ السامي عن اللمس ومنها: كتاب الذخيرة، والقواعد، والتنقيح … وغيرها كثير. توفي سنة ٦٨٤. ينظر: الديباج ١/ ٢٣٦ - ٢٣٩، وشجرة النور ١/ ١٨٨، والمنهل الصافي ١/ ٢١٥.\n(^٢) محمد بن محمود بن محمد بن عباد العجلي، شمس الدين، أبو عبد اللّه الأصفهاني، شارح المحصول ولد سنة ٦١٦، رحل وتفقه على سراج الدين الهرقلي، والأرموي وغيرهما، وكان مهيبًا، وقورًا في الدرس، أخذ عنه العلم جماعة، وقيل: إن ابن دقيق العيد كان يحضر درسه بـ \"قوص\".\nقال الذهبي: صاحب التصانيف، له القواعد في العلوم الأربعة، وله يد طولى في العربية والشعر، وتخرج به المصريون. وقال الفزاري: \"لم يكن بالقاهرة في زمانه مثله في علم الأصول\"، شرح \"المحصول\"، وله كتاب \"القواعد\". مات سنة ٦٨٨. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ١٩٩، وطبقات السبكي ٥/ ٤١، وفوات الوفيات ٢/ ٢٦٥.\n(^٣) في ت: والواحدات، وهو تحريف.\n(^٤) مظفر بن أبي محمد بن إسماعيل بن على الراراني، أمين الدين أبو الخير التبريزي، ولد سنة ٥٥٨، وتفقه بـ \"بغداد\" على ابن فضلان، وتخرج به جماعة. قال السبكي: كان من أجل مشايخ العلم بـ \"مصر\"، فقيهًا، أصوليًا، عابدًا، زاهدًا ا. هـ، ومن تصانيفه: مختصر في الفقه اختصر فيه الوجيز، وصنف كتابًا آخر سماه: \"سمط الفوائد\"، واختصر \"المحصول\" وسماه: \"التنقيح\". توفي سنة ٦٢١. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ٩١، وطبقات السبكي ٥/ ١٥٦، هدية العارفين ٢/ ٤٦٣.\n(^٥) سقط في ب.\n(^٦) عبد الله بن محمد بن علي، شرف الدين، أبو محمد الفهري المصري، المعروف بـ\"ابن التلمساني\"، كان إمامًا عالمًا بالفقه والأصلين، ذكيًا، فصيحًا، تصدر للإقراء بـ \"مصر\"، وانتفع به الناس، وصنف التصانيف المفيدة، منها: شرحان على المعالمين للإمام، وشرح على التنبيه متوسط مسمى بـ \"المغني\"، ذكره الإسنوي، وقال: \"لا أعلم تاريخ وفاته\"، وصنف في الخلاف كتابًا سماه: \"إرشاد السالك إلى أبين المسالك! \". توفي سنة ٦٥٨. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ١٠٧، وطبقات الإسنوي ص ١١٢، وطبقات الشافعية للسبكي ٥/ ٦٠، ومعجم المؤلفين ٦/ ١٣٣.\n(^٧) في ت: والعلائق.","vol":"1","page":237},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nكلاهما للشَّيْخِ صفيِّ الدِّينِ الهِنْدِيِّ (^١)، وغيرُ ذلك، و\"الإحْكَامُ\"؛ للإمَام سَيْفِ الدِّين الآمِدِيّ (^٢)، و\"المنْتَهَى\"؛ له، وغيْرُ ذلك مِنْ كُتُبِ أصحابنا، وكُتُب المخالِفِين مِنَ الحنَفِيَّة وغَيْرهم، وطائفة من شروح هذا \"المُخْتَصَر\"، مع [ما] (^٣) التَقَطْنَاهُ (^٤) له مِنْ كُتُب الخلافيَّات؛ كـ\"المنهاجِ\"؛ للقاضي أبي الطَّيِّب، و\"النُّكَتِ\"؛ للشَّيْخ أبي إسْحَاق، و\"الأَسَالِيبِ\"؛ لإمام الحَرَمَيْنِ، و\"التَّحْصِينِ\"؛ للغزالِيِّ، و\"شفَاء المُسْتَرْشِدِينَ\"؛ لِـ\"إلْكِيَّا\" الهَرَّاسِي، وتَعْلِيقَةِ الإمام محمَّد بن يحيى، والإمامِ أسعد المِيهني، والقاضي الرَّشِيد، والطَّاوُوسي، والإمَامِ فَخْرِ الدِّينِ، وسَيْفِ الدِّينِ الآمِدِيِّ، وغَيْرِهِم، ومِن الخلافيَّات للحنفيَّة كتابُ \"الأسْرارِ\"؛ للقاضي أبي زَيْدٍ، وتَعْلِيقةُ ابن مارة، وغيرُهما، وغير ذلك كلّه مما لو عَدَدْنَاه لَضَيَّعْنا الأَنْفَاس، وضيَّعْنا (^٥) القِرْطَاس.\nومع ما حَشَوْنَاه فيه من فروع الفقه، وفنُون الفوائد، وما سمَح به الخاطِرُ من المباحِث؛ [ممَّا تضمَّنَتْه تعليقَتُنا وغيْرُها، ومع تبيُّن مذْهب الشافعيِّ، على الخصوصِ، في الأُصُول، وآراءِ أصْحَابه، والكَلامِ مع مخالِفِيه، ومع تَخْرِيج الفُرُوع على الأُصُول، ومعَ الكَلام على أحَادِيثِه\n_________\n(^١) محمد بن عبد الرحيم بن محمد، صفي الدين أبو عبد اللّه الهندي، الأرموي ولد سنة ٦٤٤ ورحل كثيرًا، وانتصب للإفتاء والإقراء في الأصول والمعقول والتصنيف، وانتفع بتلاميذه وتصانيفه، وأخذ عنه ابن المرحل، وابن الفخر المصري، وخلق. قال السبكي: \"كان من أعلم الناس بمذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري، وأدراهم بأسراره متضلعًا بالأصلين\". ومن تصانيفه في علم الكلام: \"الزبدة\" و\"الفائق\"، وفي الأصول: \"النهاية\" وغيرها. مات سنة ٧١٥. بنظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ٢٢٧، والأعلام ٧/ ٧٢.\n(^٢) علي بن أبي علي بن محمد بن سالم الثعلبي، سيف الدين الآمدي، شيخ المتكلمين في زمانه، ومصنف الإحكام، ولد سنة ٥٥٠ أو بعدها بيسير، ورحل إلى بغداد، وقرأ بها القراءات، وصحب أبا القاسم بن فضلان، وتفنن في علم النظر والكلام والحكمة، وصنف في ذلك كتبًا، ويحكى عن ابن عبد السلام أنه قال: \"ما تعلمنا قواعد البحث إلا منه\"، وأنه قال: \"ما سمعت أحدًا يلقي الدرس أحسن منه، كأنه يخطب\". له: الإحكام في أصول الأحكام، وغيره، قال الذهبي: وله نحو من عشرين مصنفًا مات سنة ٦٣١. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ٧٩، ووفيات الأعيان ٢/ ٤٥٥، وميزان الاعتدال ١/ ٤٣٩، والأعلام ٥/ ١٥٣، وطبقات الشافعية للسبكي ٥/ ١٢٩، والنجوم الزاهرة ٦/ ٢٨٥.\n(^٣) سقط في ح.\n(^٤) في ج: استنبطناه.\n(^٥) في ب، ح: وضيقنا.","vol":"1","page":238},{"text":"مَا يَنْحَصرُ فِيهِ المُخْتَصَر، أَوْ فَنُّ الأُصُولِ\nوَيَنْحَصِرُ فِي الْمَبَادِئِ وَالْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ وَالاِجْتِهَادِ وَالتَّرْجِيحِ.\n<hr><s0>\n\nممَّا] (^١) تقتضيه صِنَاعةُ الحَدِيث، والاِعْتِنَاءِ بالتَّمْثيِل، لِمَا تتشوَّف النَّفْس إلى سماع مِثَاله، ممَّا استخرجْنَاه من كُتُب الحَدِيث، والفِقْه، والخِلافيات، وغَيْرِها إلى غَيْر ذلك ممَّا سَتَرَاه، إن شاء اللَّهُ تعالى - وبِهِ التَّوفِيق.\nوَسَمَّيْتُهُ \"رَفْعَ الْحَاجِبِ، عَنْ مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ\".\nالشرح: \"وينحصرُ\" المختصر، أو الأصول \"في: المبادئ، والأدلّة السّمعية، والاجتهاد، والترجيح\" (^٢).\nوالمَبَادئ: ما لا يكون مقصودًا بالذات، بل يتوقف عليه [المقصود] (^٣)، والحصر هنا استقرائي.\nوقيل فيه: ما تضمّنه الكتاب؛ إما [مقصود] (^٤) بالذات، أو لا:\nوالثاني: المبادئ.\nوالأول: إما أن يبحث فيه عن نفس استنباط الأحكام، وهو الاجتهاد، أو عمَّا تستنبط هي منه؛ إما باعتبار ما يعارضها، وهو الترجيح أو لا؛ وهو الأدلّة السّمعية.\n_________\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) ينحصر المختصر أو العلم في أمور أربعة:\nالأول: المبادئ، وهي ما لا يكون مقصودًا بالذات، بل يتوقف عليه ذلك، وعدّه جزءًا في العلم تغليبًا لا يبعد.\nالثاني: الأدلة السمعية؛ لأن المقصود استنباط الأحكام، وإنما يكون منها؛ لأن العقل لا مدخل له في الأحكام عندنا.\nالثالث: الترجيح؛ إذ الأدلة الظنية قد تتعارض، فلا يمكن الاستنباط إلا بالترجيح.\nالرابع: الاجتهاد، وهو الاستنباط الحق، فلا بُدَّ من معرفة أحكامه وشرائطه. ينظر شرح مقدمة المنطق، ص ١ ج.\n(^٣) في ت: المقصى.\n(^٤) في ت: مقصودًا.","vol":"1","page":239},{"text":"فَالْمَبَادِئُ: حَدُّه، وَفَائِدَتُه، وَاسْتِمْدَادُهُ\".\n<hr><s0>\n\nوإنما حصرنا (^١) الثَّاني فيما ذكرناه؛ لأنَّ الغرض (^٢) إنَّما هو استنباط الأحكام.\nالشرح: فالمبادئ ثلاثة (^٣):\n\"حدُّهُ\": أولها؛ لأن كلّ طالب كثرةٍ يضبطها جهةٌ واحدةٌ، من حقه عرفانُها بتلك الجهة؛ إذ\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله: \"وإنما حصرنا الثاني أي: بقوله: والأول إما أن يبحث … إلخ فمراده بالثاني ما ذكره بقوله\" والأول … إلخ.\n(^٢) في حاشية ج: قوله: \"لأن الغرض … \" إلخ فلما كان الغرض هو الاستنباط فالبحث إما عن نفسه أو عما يستنبط منه إما باعتبار معارضه أو باعتبار ذاته.\n(^٣) عد أهل العلم مبادئ كل علم عشرة، ذكر المصنف بعضها والبعض الآخر قد فصلناه في تقدمتنا على هذا الكتاب فليراجع، وقد نظمها بعضهم فقال:\nمَنْ رَامَ عِلْمًا فَلْيُقْدِّمْ أَوَّلا … عِلْمًا بِحَدِّهِ وَمَوْضُوعٍ تَلا\nوَوَاضِعٍ وَنِسْبَةٍ وَمُسْتَمِدّ … مِنْهُ وَفَضْلِهِ، وَحكْمٍ يُعْتَمَدْ\nوَاسْمٍ وَمَا أَفَادَ وَالْمَسَائِلْ … فَتِلْكَ عَشْرٌ لِلْمُنَى وَسَائِلْ\nوَبَعْضُهُمْ مِنْهَا عَلَى البَعْضِ اقْتَصَرْ … وَمَنْ يَكُنْ يَدْرِي جَمِيعَهَا انْتَصَرْ\n\"أما الحد، فلإحاطته بجميع مسائل العلم إجمالًا فقط، وضبطها على كثرتها، فبتصوره يأمن الطالب فوات ما يرجيه من تلك المسائل وضياع الوقت فيما لا يعنيه بطلب ما هو أجنبي عنها.\nوأما الموضوع؛ فلأنه به يقع امتياز العلم المطلوب من غيره؛ لأن العلوم جنس واحد، وإنما تنوعت وتميزت بتغاير الموضوعات حتى إنه لو لم يكن لعلم موضوع مغاير لموضوع علم آخر بالذات كموضوعي النحو والطب، وهما اللفظ العربي بعد التركيب وبدن الإنسان أو بالاعتبار كموضوعي المعاني والبيان، وهما اللفظ العربي المركب، لكن الأول يبحث عنه من حيث المطابقة للحال، والثاني يبحث عنه من حيث تفاوته في وضوح الدلالة لم يصح كونهما علمين وتعريفهما بتعريفين مختلفين، وموضوع كل علم ما يبحث في ذلك العلم عن أعراضه الذاتية، وعنوا بالذاتية ما يلحق الشيء لذاته كإدراك الأمور الغريبة للإنسان أو لأمر يساويه لتعجب للإنسان بواسطة إدراك الأمور الغريبة الذي هو مساوٍ للإنسان، أي: خاص به أو لجزئه الأعم كالتحرك للإنسان؛ لأنه حيوان مثلًا، وموضوع الفقه أفعال المكلفين؛ لأنه يبحث فيه عن أعراضها الذاتية من وجوب، وحرمة، وغيرهما، وموضوع الحساب الأعداد؛ لأنه يبحث فيه عن أعراضه الذاتية من جمع، وطرح، وضرب، وغيرها، وموضوع الفرائض التركات؛ لأنه يبحث فيه عن أعراضها الذاتية من قسمة وغيرها.\nوأما الواضع؛ فلأن معرفته مما له دَخْلٌ في دواعي الإقْبَال، وأما الشبة؛ فلأن بمعرفتها يطلع على أن العلم المطلوب يستمد من علم آخر فيكون الآخر أعلى ويستمد منه آخر فيكون الآخر أسفل، وكل =","vol":"1","page":240},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nلو لم يطلبها قبل ضبطه، لم يأمن فوات ما يَرْجِيهِ، وضياع الوقت فيما لا يعنيه؛ [وبتلك] (^١) الجهة يؤخذ تعريفه بالحد أو الرسم (^٢).\n\"وفائِدَتُهُ\": ثانيها؛ ليخرج عن العَبَثِ.\n_________\n= علم كانت مسائله المطلوبة فيه بالبرهان مبادئ علم آخر تؤخذ فيه مسلمة، فيتوقف الثاني على الأول، سمي الأول أعلى وكليًّا للثاني والثاني أسفل وجزئيًّا للأول، كعلم الحساب مع علم الفرائض وكالمنطق مع الكلام، فلو توقف علم على ثانٍ، وثان على ثالث، كان المتوسط أعلى وكليًا باعتبار ما تحته، وأسفل وجزئيًّا باعتبار ما فوقه.\nوأما الاستمداد؛ فلأنه يُعَرِّفُ مراتب العلوم فيطلع على ما حقه أن يُقدَّمَ في الطلب، وما حقه أن يؤخر، وهو الحامل على معرفة النسبة.\nوأما الفضيلة؛ فلأن معرفتها من دواعي الإقبال، ونشاط الطالب فيسهل عليه الطلب، وفضيلة كل علم بحسب شرف معلومه وفائدته.\nوأما حكم الشارع فلأن الطالب مع جهله ربما يقع في ممنوع أو مكروه، فإذا أعلمه أحجم، أو يعرض عن واجب أو مندوب، فإذا علمه أقْدَمَ.\nوأما الاسم؛ فلأن ما لا يُعْرَفُ اسمه، قالوا: لا يحسن طلبه.\nوأما المسائل، فهي القضايا التي يطلب في ذلك العلم نسبة محمولاتها إلى موضوعاتها بالبرهان، وهي نفس العلم، فلا يصح عدها من المبادئ، وإنما الذي من المبادئ ضبطها بوجه إجمالي، لتقوي البصيرة في طلبها. ينظر النشر الطيب ١/ ٢٣٤ وما بعدها.\n(^١) سقط في أ، ب، ت.\n(^٢) التعريف إما أن يكون بالذاتيات فقط، وهو الحدّ، وإما أن يكون بالذاتيات والعرضيات، أو بالعرضيات فقط، وهو الرسم:\n١ - فالحد التام: هو ما كان بالجنس والفصل القريبين، مثل تعريف الإنسان بأنه حيوان ناطق.\nويستحسن ترتيب الجنس والفصل، بأن يكون الجنس أولًا والفصل ثانيًا، بل لقد أوجب بعض العلماء ذلك.\n٢ - الحد الناقص. هو ما كان بالفصل القريب وحده، أو به مع الجنس البعيد، مثل تعريف: \"الإنسان\" بأنه ناطق أو تعريفه بأنه جسم ناطق أو كائن ناطق.\n٣ - والرسم التام: هو ما كان بالجنس القريب والخاصة مثل تعريف الإنسان بأنه: حيوان ضاحك.\n٤ - والرسم الناقص: هو ما كان بالخاصة فقط، أو بها مع الجنس البعيد مثل تعريف الإنسان بأنه: كاتب أو جسم كاتب. ينظر حاشية الملوي على السلم ص ٨١، والمرشد السليم في المنطق الحديث والقديم ٧٧، ٧٨.","vol":"1","page":241},{"text":"أَمَّا حَدُّهُ لَقَبًا: فَالْعِلْمُ بِالْقَوَاعِدِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى اسْتِنْبَاطِ .............\n<hr><s0>\n\n\"واسْتِمْدَادُهُ\": ثالثها؛ إمَّا إجمالًا؛ ببيان أنه من أي علم يُسْتَمَدُّ؛ ليُرجع إليه عند الاحتياج، أو تفصيلًا بإفادة شيء ممَّا لا بُدّ من تصوّره وتسليمه، أو تحقيقه؛ لبناء الغرض عليه.\nالشرح: \"أمَّا حَدّه لَقَبًا (^١) \" (^٢)، واللقب: عَلَم يتضمن مدحًا أو ذمًّا.\nوأصول الفقه: عَلَم لهذا العِلْم يشعر بابتناء فروع الدّين عليه؛ وهو صفة مدح.\n\"فالعلم بالقواعد (^٣) الَّتي يتوصّل بها إلى استنباط الأحكام الشَّرعية الفرعيَّة عن أدلّتها التفصيلية\".\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله: أما حده لقبًا .. إلخ، أي: حال كونه لقبًا علمًا على هذا الفن، فعرف اللقب بالعلم، وعرف الإضافي بالأدلة جمعًا بين القولين. ذكره الزركشي.\nوفي حاشية أ: قوله: لقبًا إما حال أي: حال كون هذا الاسم لقبًا لهذا العلم، وإما تمييز أي من جهة كونه لقبًا، أو بعضه، وهم صاحب البديع قال: وأما تعريفه علمًا فبدل حد بتعريف ولقبًا تعلمًا ا. هـ.\n(^٢) أقول: اللقب علم يشعِرُ بمدحٍ أو ذمٍّ كما ذكر المصنف هنا، وأصول الفقه علم لهذا العلم مشعر بابتناء الفقه في الدين عليه، وهو صفة مدح، ثم إنه منقول من مركب إضافي، فله بكل اعتبار حدّ، وهذا يكشف عن حقيقة هذا الحدّ أن الأحكامَ قد تؤخذ لا من الشرع كالتماثل والاختلاف، وقد ئؤخذ منه، فتلك إما اعتقادية لا تتعلق بكيفية عمل، وتسمى أصليةً، أو عملية تتعلق بها، وتسمَّى فرعية، وهذه لا تكاد تتناهى، فامتنع حفظها كلها لوقت الحاجة للكل، فنيطت بأدلة كلية في عموماتٍ وعللٍ تفصيلية، أي كل مسألة مسألة بدليل دليل؛ ليُستنبط منها عند الحاجة، وإذ ليس في وسع الكل أيضًا أن ينتهض له لتوقفه على أدوات يستغرق تحصيلُها العمرَ، وكان يفضي إلى تعطّل غيره من المقاصد الدينية والدنيوية، فخُصَّ قوم بالانتهاض له وهم المجتهدون، والباقون يقلدونهم فيه، فدوَّنوا ذلك، وسمّوا العلم الحاصل لهم منها فقهًا، وإنهم احتاجوا في الاستنباط إلى مقدمات كلية، كُلُّ مقدمة منها يبتنى عليها كثير من الأحكام، وربما التبست، ووقع فيها الخلاف، فشعّبوا فيها شعبا، وتحزَّبُوا أحزابًا، ورَتَّبوا فيها مسائل تحريرًا واحتجاجًا وجوابًا، فلم يروا إهمالها نصحًا لمن بعدهم، وإعانة لهم على دَرْك الحق منها بسهولة فدوَّنوها، وسموا العلم بها أصول الفقه، فكأنَّ حَدَّهُ ما ذكرناه، وفوائد القيود قد ظهرت. ينظر شرح مقدمة ابن الحاجب (٣) خ.\n(^٣) القواعد: جمع قاعدة، وتطلق في اللغة على الأساس، فقواعد البيت: أساسه. وقال الزمخشري في كشافه: القواعد: جمع قاعدة، وهي الأساس والأصل لما فوقه، وهي صفة عالية، ومعناها الثابتة.\nوفي اصطلاح الفقهاء: عرفها السبكي بأنها: الأمر الكلي الذي ينطبق عليه جزئيات كثيرة يفهم أحكامها منها. وعرفها أيضًا في جمع الجوامع بأنها: قضية كلية يعرف منها أحكام جزئياتها نحو: الأمر للوجوب حقيقة، والعلم ثابت لله تعالى. وعرفها ابن خطيب الدهشة بأنها: حكم كلي ينطبق =","vol":"1","page":242},{"text":"الْأَحْكَامِ الشَرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيةِ، وَأَمَّا حَدُّهُ مُضَافًا: فَالأُصُولُ: الْأَدِلَّةُ.\n<hr><s0>\n\nوالمراد بالعلم هنا: الاعتقاد الجازم المطابق الثَّابت لموجِب قَطْعي (^١). والقواعد: هي الأمور الكلّية المنطبقة على الجزئيات؛ لتعرف أحكامها منها، واحترز بها عن العلم بالأمور الجزئية، وعن العلم ببعض القواعد؛ فإنها ليست نفس الأصول.\nوقوله: يتوصل بها إلى استنباط الأحكام - احترازٌ عن القواعد التي يستنبط (^٢) منها الصنائع، والعلم بالماهيات (^٣) والصفات.\nوالشرعيَّة - احترازٌ عن الاصطلاحية العقلية، والفرعية - احترازٌ عن الأصولية.\nوقوله: \"عن أدلتها\" لا يحترز به (^٤) عن شيء، لأن المراد من الأحكامِ - الفقهية، وهي لا تكون إلا كذلك.\nوعلى التعريف اعتراضاتٌ أضْرَبْتُ عنها؛ لإمكان دفعها.\n\"وأما حده مضافًا\" (^٥)، أي: من حيث هو مضاف، فيتوقف على معرفة مفرداته (^٦)؛ ضرورةَ توقّف معرفة المركب على معرفة أجزائه (^٧).\n_________\n= على جميع جزئياته؛ لتعرف أحكامها منه. وقيل: هو مجموعة الأحكام المتشابهة التي يجمعها قياس واحد يلم شتاتها، ويضبط مفرداتها؛ لإدخال الجزئيات تحت قانونها. وقيل أيضًا: هي الحكم الكلي المنطبق على الجزئيات المندرجة تحت مفهومها من الفروع الكثيرة المختلفة. وقيل: القاعدة: حكم أغلبي ينطبق على معظم جزئياته. ينظر تقدمتنا على الاعتناء في الفروق والاستثناء بتحقيقنا.\n(^١) في ت: قطع.\n(^٢) في أ، ج: تستنبط.\n(^٣) جمع ماهية والماهية: تطلق غالبًا على الأمر المُتَعَقَّل مع فطع النظر عن الوجود الخارجي. والأمر المُتَعَقَّل من حيث إنه مقول في جواب \"ما هو\" يسمى: ماهية، ومن حيث ثبوته في الخارج يسمى: حقيقة، ومن حيث إنه محل الحوادث: جوهرًا.\nينظر: التعريفات للجرجاني ص ٢٠٥.\n(^٤) في حاشية ج: قوله: لا يحترز به عن شيء … الخ قد يقال: ذكره لأجل قوله: التفصيلية المخرج للعلم بوجوب الشيء لوجود المقتضى أو بعدم وجوده لوجود الثاني؛ فإنه ليس من الفقه كما في التلويح، وفيه أن هذا خارج بالاستنباط.\n(^٥) في ت: حد الأصول الإضافي.\n(^٦) في ب: مفرديه.\n(^٧) أصول الفقه مفرداته: الأصول والفقه من حيث دلالتها على معنييها، فالأصول الأدلة، وذلك لأن \"الأصل\" في اللغة ما يبتنى عليه الشيء، ويقال في الاصطلاح: للراجح، ويقال: الأصل الحقيقة، =","vol":"1","page":243},{"text":"وَالْفِقْهُ: الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ عَنْ أَدِلَّتِهَا التفْصِيلِيَّةِ بِالاسْتِدْلالِ.\n<hr><s0>\n\nوأصول الفقه: مركّب من مضاف، ومضاف إليه، وهما - الأصول، والفقه:\n\"فالأصول\": جمع أصل، وهو ما يحتاج إليه الشيء (^١)، أو ما يبتنى (^٢) عليه الشيء (^٣).\nوفسّرها المصنف (^٤) بأنها: \"الأدلة\"، أي: السمعية.\n\n<span data-type='title' id=toc-341>[تعريف] الفقه</span>\n\"والفقه: العلم بالأحكام الشَّرعية الفرعيَّة عن أدلّتها التفصيلية بالاستدلال\": وخرج بقيد\n_________\n= وللمستصحب يقال: تعارض الأصل والطارئ، وللقاعدة الكلية يقال لها: أصل، وهو أن الأصل مقدّم على الطارئ.\nوللدليل يقال: الأصل في هذه المسألة الكتاب والسنة، وإذا أضيف إلى العلم فالمراد دليله.\nوالفقه: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية المكتسبة عن أدلتها التقصيلية بالاستدلال، وبهذا القيد الأخير احترزنا عما عُرِفَ بالأدلَّة ضرورة كعلم جبريل والرَّسول، ومن لم يجعله عن الأدلة، ورأى ذلك مشعرًا بالاستدلال، فإمَّا للتصريح بما علم التزامًا، وإمَّا لدفع الوهم، وإما للبيان دون الاحتراز، وباقي القيود عُرِفَتْ مما تقدَّم.\nواعلم أن له جزءًا آخر كالصورة، وهو الإضافة، واضافة اسم المعنى تفيد اختصاص المضاف بالمضاف إليه باعتبار ما دلَّ عليه لفظ المضاف، تقول: مكتوب زيد، والمراد اختصاصه به لمكتوبيّته له بخلاف اسم العين؛ فإنها تفيد الاختصاص مطلقًا، فإذن أصول الفقه أدلة العلم من حيث هي أدلّته، ونُقِلَ إلى ما ذكرنا عرفًا، ولو حُمِلَ الأصول على معناه اللُّغوي حتى يكون معناه ما يستند الفقه إليه يشمل للأقسام، فلم يحتج إلى النقل. ينظر شرح مقدمة ابن الحاجب (٥) خ.\n(^١) قاله الإمام في المحصول والمنتخب، وتبعه الأرموي. ينظر نهاية السول ١/ ٧.\n(^٢) في ب، ت: ينبني.\n(^٣) قاله أبو الحسين البصري في شرح \"العمد\".\nوالأصل اصطلاحًا له أربعة معانٍ:\nأحدها: الدليل، كقولهم: أصل هذه المسألة الكتاب والسنة، أي: دليلها، ومنه أيضًا أصول الفقه، أي: أدلته.\nالثاني: الرجحان، كقولهم: الأصل في الكلام الحقيقة، أي: الراجح عند السامع هو الحقيقة لا المجاز.\nالثالث: القاعدة المستمرة، كقولهم: إباحة الميتة للمضطر على خلاف الأصل.\nالرابع: الصورة المقيس عليها على اختلاف مذكور في القياس في تفسير الأصل.\n(^٤) في أ: المص وهي اختصار لكلمة المصنف.","vol":"1","page":244},{"text":"وَأُورِدَ: إِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْبَعْضَ، لَمْ يَطَّرِدْ؛ لِدُخُولِ الْمُقَلِّدِ، وَإِنْ كَانَ الْجَمِيعَ، لَمْ يَنْعَكِسْ؛ لِثُبُوتِ \"لا أَدْرِي\".\n<hr><s0>\n\n\"التفصيلية\": ما عرف بالأدلة الإجمالية (^١).\nوبقوله: \"عن أدلّتها\" المعروفُ؛ لا عن دليل، كالمعلوم ضرورة، أو يقال: المعلوم بالضرورة معلوم بدليل، ولكن غير تفصيلي.\nوبقية القيود معروفة ممَّا تقدَّم.\nالشرح: \"وأُورد\" على التَّعريف: \" [إنْ كان المراد\" بالأحكام: \"البعض\"، أي: لم يكن (^٢) المراد الجميع؛ إذ عدم إرادة الجميع أعمّ من إرادة البعض - \"لم يطّرد\"] (^٣)؛ ضرورة تحققه بدون تحقّق المحدود؛ \"لدخول المقلّد\" في الحدّ، وخروجه من المحدود؛ فإنَّه عالم ببعض الأحكام الَّتي يتلقّاها من [المفتي] (^٤)؛ فيصدق على علمه حد الفاقه، ولا يكون علمه فقهًا؛ لأن المقلّد لا يسمى فقيهًا، \"وإن كان\" - المراد بالأحكام - \"الجميع، لم ينعكس\"؛ ضرورة تحقق المحدود بدون الحَدّ؛ لأن المجتهدين لا يعلمون جميع الأحكام؛ \"لثبوت \"لا أدري\"؛ بالنسبة إليهم، وصدقِهم في إخبارهم بذلك.\nسُئلَ مالكٌ (^٥) عن أربعين مسالةً، فقال في ست وثلاثين: لا أدري.\nفالحد [إذن] (^٦): إما غير مطرد، أو غير منعكس (^٧).\n_________\n(^١) الدلائل الإجمالية أي غير المعينة كمطلق الأمر والنهي وفعل النبي والإجماع والقياس … الخ. ينظر المحلى على جمع الجوامع بهامش الآيات البينات ١/ ٥٣.\n(^٢) في حاشية ج: قوله: أي لم يكن … إلخ لعله لمقابلته لقوله: وإن كان المراد الجميع وإلَّا فالأمر دائر بين إرادة البعض وارادة الكل، وأمَّا عدم إرادة شيء فلا يصح. تأمل.\n(^٣) بدل ما بين المعكوفين في ت: وإن كان الجميع المراد بالأحكام الجميع لم ينعكس لم يطرد.\n(^٤) في ت: المعنى، وهو تحريف.\n(^٥) مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث الأصبحي أبو عبد اللّه المدني، أحد أعلام الإسلام، وإمام دار الهجرة. عن نافع والمَقبُرِي ونُعَيم بن عبد اللّه وابن المنكدر ومحمد بن يحيى بن حبَّان وإسحاق بن عبد اللّه بن أبي طلحة وأيوب وزيد بن أسلم وخلق. قال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر. وتوفي سنة تسع وسبعين ومائة. ودفن بالبقيع. ينظر: الخلاصة ٣/ ٣، وسير أعلام النبلاء ٨/ ٤٨، وطبقات خليفة ٢٧٥، والمعارف لابن قتيبة ٤٩٨ - ٤٩٩، والديباج المذهب ١/ ٥٥ - ١٣٩، وتهذيب التهذيب ١٠/ ٥.\n(^٦) سقط في ت.\n(^٧) أورد على حَدِّ الفقه أنه المراد بالأحكام إن كان هو البعض لم يطّرد؛ لدخرل المقلد إذا عرف بعض =","vol":"1","page":245},{"text":"وَأُجِيبَ بِالْبَعْضِ، وَيَطَّرِدُ؛ لأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَدِلَّةِ الْأَمَارَات، وَبِالْجَمِيعِ، وَيَنْعَكِسُ؛ لأَنَّ الْمُرَادَ تَهَيُّؤهُ لِلْعِلْمِ بِالجَمِيعِ.\n<hr><s0>\n\n\"وأجيب بالبعض، ويطرد؛ لأن المراد بالأدلّة: الأمارات\"؛ وهي الَّتي تفيد الظنّ - يُحتاج في الاستدلال بها إلى معرفة التَّعارُض، وليس ذلك ولا بعضُه في المقلّد.\n\"وبالجميع، وينعكس؛ لأن المراد - تهيؤه\"، أي: تهيؤ المجتهد \"للعلم بالجميع\"، لا نفسُ العلم بالجميع، والعلم \"بهذا المعنى\" لا ينافي ثبوت \"لا أدري\" ولا يخفى أن المراد بالتهيؤ: الاستعداد القريب، لا كاستعداد العامِّي.\nوأشهرُ ما اعترض (^١) به على الحَدّ: أن \"الفقه\" من باب الظُّنون، فكيف قيل فيه: العلم؟.\nوهو مشكِلٌ، أورده شيخ الجماعة، ومقدَّم الأشاعرة \"القاضي أبو بكر\"، والتزم لأجله جماعةٌ العنايةَ بالحَدّ، فقالوا: المراد بالعلم: الإدراك (^٢).\nوقيل: الصواب أن ويقال العلم أو الظَّنّ.\n_________\n= الأحكام كذلك؛ لأنّا لا نريد به العامي، بل من لم يبلغ درجة الاجتهاد، وقد يكون عالمًا يمكنه ذلك مع أنه ليس بفقيه إجماعًا، وإن كان هو الكل لم ينعكس؛ لخروج بعض الفقهاء عنه؛ لثبوت \"لا أدري\" عمّن هو فقيه بالإجماع.\nنُقِلَ أن مالكًا سُئلَ عن أربعين مسألة، فقال في ستة وثلاثين منها: \"لا أدري\" كما حكى المصنف عليه رحمة الله. والجواب: أنَّا نختار أن المراد البعض.\nقولكم: \"لا يطرد لدخول المقلد فيه\" ممنوع؛ إذ المراد بالأدلة الأمارات، ولا يعلم شيئًا من الأحكام كذلك إلَّا مجتهد يجزم بوجوب العمل بموجب ظنّه.\nوأمَّا المقلد فإنما يظنه ظنًّا، ولا يفضي به إلى علم، لعدم وجوب العمل بالظنّ عليه إجماعًا، أو نختار أن المراد الكل.\nقولكم: لا ينعكس؛ لثبوت \"لا أدري\".\nقلنا: ممّ؟ ولا يضر ثبوت \"لا أدري\" إذ المراد بالعلم بالجميع المتهيؤ له، وهو أن يكون عنده ما يكفيه في استعلامه بأن يرجع إليه، فيحكم، وعدم العلم في الحالة الراهنة لا ينافيه؛ لجواز أن يكون ذلك لتعارض الأدلة، أو لعدم التمكن من الاجتهاد في الحال لاستدعائه زمانًا. ينظر شرح مقدمة ابن الحاجب (٦) خ.\n(^١) في ج: ما يعترض، وفي ح: مفترض.\n(^٢) قلت: المراد الإدراك الجازم المطابق الثابت لموجب قطعي. ينظر: الصبان على شرح السلم (٤٢).","vol":"1","page":246},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالجواب (^١) عن السؤال: ما ذكره \"الإمام\" في \"المحصول\"؛ من أن المجتهد، إذا غلب على ظنّه مُشَاركة صورة لصورة، في مَنَاطِ الحكم، قطع بوجوب العمل؛ فالحكم معلوم، والظنّ وقع في طريقه.\nوسنوضِّح ذلك بترتيب خاصّ؛ فإن (^٢) أصحاب الإمام لم يقنعوا (^٣) منه بهذا الجواب، وزعموا السؤال باقيًا، فنقول: إذا ظننا شتاء، لظننا أيام الشتاء نزول المطر، إذا رأينا الغيم المُطْبق الرّطب قد أرخى أهْذَابه، فنزول المطر غالبٌ على عدم نزوله، وهذا ظن، ثم نحن واجدون من أنفسنا؛ أنا عالمون بظننا، وهذا علم وجداني بالظن، والمطرُ يجوز أن ينزل، أو لا ينزل حَالَ ظَنّنا، وأما نحن، فلا يجوز أن نظنّ حال ظننا.\nوكذا إذا قال لزوجته: متى ظننت أني طلقتك طلقة، فأنت طالق ثلاثًا؛ فظنت (^٤) أنه طلقها [طلقة؛ طُلِّقَتْ] (^٥) ثلاثًا قطعًا.\nفهذا (^٦) حكم معلوم قطعًا، والظَّنّ وقع في طريقه.\nوكذلك (^٧) المجتهد؛ إذا ظَنّ حكمًا من الأحكام العملية، وجب عليه العمل بمقتضى ظنه قطعًا؛ عُلم ذلك بالضرورة (^٨) من استقراء [الشَّرع] (^٩)، والظنّ واقع في طريقه كما ذكرنا في المرأة.\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله: والجواب … إلخ هذا الجواب يحتاج لزيادة ذكرها السيد ﵀ في \"حواشي العضد\" ومع هذا ففيه شيء؛ لأن الكلام في العلم بالأحكام عن الأدلة أي أدلة تلك الأحكام، والعلم عنها لا يكون إلَّا ظنًا؛ إذ طريقه الاجتهاد، وأما علم أن ما أدى إليه اجتهاده حكم الله في حقه وحق مقلديه، فليس من أدلة تلك الأحكام بل من الإجماع، فلا محيص عن إرادة الظن القوي من العلم. فليتأمل. إلَّا أن يقال: الحاصل عن أدلتها مع واسطة أخرى.\nقال الزركشي: قال في البرهان: فإن قيل: معظم المسائل الشرعية ظنون، قلنا: ليست الظنون فقهًا، وإنما الفقه العلم بوجوب العمل عند قيام الظنون، ولذلك قال المحققون: أخبار الآحاد والأقيسة لا توجب العمل، وإنما يجب العمل بما يجب.\n(^٢) في ت: وإن.\n(^٣) في ج: يقتنعوا.\n(^٤) في ت: وظنت.\n(^٥) سقط في ت.\n(^٦) في ت: وهذا.\n(^٧) في ت: وكذا.\n(^٨) في حاشية ج: قوله: \"علم ذلك بالضرورة\" معناها أن يبلغ الحكم كوجوب الصلاة بعدما ثبت بدليل شرعي إلى حد الاشتهار بحيث نستغني عن الاستدلال به عليه، ويضر بثبوته في الدين غير المتدين أيضًا، لكن هذا لا يفيد القطع كالضرورة العقلية.\n(^٩) سقط في ت.","vol":"1","page":247},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوعند هذا نقول: إذا ظنّ الشَّافعي حِلّ (^١) لعب الشِّطْرَنج (^٢)، فإن حله في حقّه معلوم قطعًا؛\n_________\n(^١) في أ، ت، ح: شغل.\n(^٢) هو بكسر أوله وفي لغة بالسين، وفيه أربع لغات: كسر الشين وفتحها والإعجام والإهمال والأشهر الإعجام مع الكسر، ويجمع على شطارج وأصله في اللغة الأعجمية: \"شسن رنك\" ومعناه ستة ألوان؛ لأن شسن ستة، ورنك الوان، وهي أعني الستة: الشاة - والغرزان - والفيل - والفرس - والرخ - والبيدق - ثم أول من وضعه كما ذكره ابن خلكان وصاحب الغرر. \"صصَّة بن داهر الهندي\" وضعه لـ\"بلهيت\" ويقال له شِهْرَامْ بكسر الشين المعجمة. وقصد الواضع للشطرنج مضاهاة لأزدشير أول ملوك الفرس الأخيرة واضع النرد، لتمثيل الدنيا وأهلها، وافتخرت الفرس بذلك. ثم لما فارق حكماء ذلك العصر بينهما قضوا بترجيح الشطرنج على النرد - حيث إن الشطرنج وضع على أساس قاعدة أن لا قضاء ولا قدر مؤثرين بذاتهما، وأن الإنسان قادر بسعيه واجتهاده أن يبلغ المراتب العلية والخطط السنية، فكان في ذلك إبطال القاعدة الأساسية التي بني عليها وضع النرد، كما أن الإنسان لو أهمل السعي والاجتهاد هوى به إلى الحضيض وأخرجه من روض العيش الأريض. ومما يدل على ذلك أن البيدق ينال بحركته وسعيه منزلة \"الغرزان\" في الرياسة. ثم جعلها الواضع مصورة تماثيل على صورة الناطق والصامت، وجعلها درجات ومراتب، فجعل \"الشاة\" الرئيس والمدبر، والفرس والفيل مركوبين له \"والغرزان\" وزيره \"والبيادق\" رعاياه، فالواحد من الرعية لو أعطى الاجتهاد حقه في تهذيب نفسه كان ذلك عونًا على أن ينال رتبة \"الغرزان\" أي وزيرًا، وكذلك \"الغرزان\" إذا علت همته وتمكنت قدرته، طمحت نفسه إلى نيل رتبة \"الشاة\" أي الملك ونازعه الملك، ولو أدى إلى مقاتلته، وهكذا الحكم في كل قطعة من القطع التي تليها. وقيل: إن الواضع للشطرنج بعض الحكماء؛ ليبينوا للناس ما خفي عنهم من مكايد الحروب وكيفية ظفر الغالب وخذلان المغلوب، وبينوا فيها التدبير والحزم والاحتياط والمكيدة والاحتراس، والتعبية والنجدة، والقوة والجلد والشجاعة والبأس، فمن عدم شيئًا من ذلك علم موضع تقصيره ومن أين أتى بسوء تدبيره؛ لأن خطأها لا يستقال، والعجز فيها متلف المهج والأموال؛ لأنه معلوم بالبداهة أن في ترك الحزم ذهاب الملك، وضعف الرأي جالب للعطب والهلاك، والتقصير سبب الهزيمة. والتلف وعدم المعرفة بالتعبية داع إلى الانكشاف أمام العدوّ.\nقال النووي: مذهبنا أنه مكروه، وليس بحرام، وهو مروي عن جماعة من التابعين. وقال مالك وأحمد: هو حرام، قال مالك: هو شرٌّ من النرد وألهى. وروى ابن كثير في \"إرشاده\" أن أول ظهور الشطرنج في زمن الصحابة، وضعه رجل هندي يقال له: \"صصة\"، قال: وروى البيهقي من حديث جعفر بن محمد عن أبيه: \"أن عليًّا قال في الشطرنج: هو من الميسر\".\nقال ابن كثير: وهو منقطع جيد، وروي عن ابن عباس وابن عمر وأبي موسى الأشعري، وأبي سعيد وعائشة أنهم كرهوا ذلك. وروي عن ابن عمر أنه شر من النرد كما قال مالك. =","vol":"1","page":248},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nلأنَّه مظنونُ الحِلِّ عنده - وذلك وجداني؛ وكلّ ما ظن حله، فهو حلال في حقّه قطعًا، والظن لم يكن في هذا الدَّليل مقدمة من المقدمتين، وإنَّما وقع في طريق الدَّليل؛ حيث كان معلومًا بالوجدان؛ كما وقع في حَقّ المرأة.\nوالذين رَدُّوا الجواب، ظنُّوا الظَّن أحد المقدمتين، وهو غلط؛ فإن الظَّن لم يكن مقدمة، بل كان متعلَّقَ الوجدان، وظنوا أن مستند المقدمة الثانية الإجماعُ؛ فأوردوا على الإمام أن الإجماع عنده ظني.\nوالإمام لم يذكر أن مستنده الإجماع، وإنما مستنده الاستقراء؛ قاله الشَّيخ صدر الدِّين بن المرحل (^١)؛ وذكر أن شيخ الإسلام سيد المتأخرين \"تقي الدِّين بن دقيق العيد\" (^٢) كان ممن يظنّ\n_________\n= وقد روي في تحريمه أحاديث، أخرجه الديلمي من حديث واثلة مرفوعًا: \"إن للّه في كل يوم ثلاثمائة نظرة، ولا ينظر فيها إلى صاحب الشاه\" وفي لفظ: \"يرحم بها عباده ليس لأهل الشاه فيها نصيب\" يعني الشطرنج. وأخرج من حديث ابن عباس يرفعه: \"ألا إن أصحاب الشاه في النار، الذين يقولون: قتلت واللّه شاهك\"، وأخرج الديلمي أيضًا عن أنس يرفعه: \"ملعون من لعب بالشطرنج\" وأخرج ابن حزم وعبدان: \"ملعون من لعب بالشطرنج، والناظر إليهم كالآكل لحم الخنزير\" من حديث جميع بن مسلم. وأخرج الديلمي عن علي مرفوعًا: \"يأتي على الناس زمان يلعبون بها، ولا يلعب بها إلا كل جبار، والجبار في النار\" وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي كرَّم الله وجهه أنه قال: \"النرد والشطرنج من الميسر\".\nقالأ بن كثير: والأحاديث المروية فيه لا يصح منها شيء، ويؤيد هذا ما تقدم من أن ظهوره كان في أيام الصحابة، وأحسن ما روي فيه ما تقدم عن علي كرم الله وجهه، وإذا كان بحيث لا يخلو أحد اللاعبين من غنم أو غرم فهو من القمار، وعليه يحمل ما قاله علي: \"إنه من الميسر\" والمجوِّزون له قالوا: إن فيه فائدة، وهي معرفة تدبير الحروب ومعرفة المكايد؛ فأشبه السبق والرمي. قالوا: \"وإذا كان على عِوَضٍ فهو كَمالِ الرِّهانِ\". ينظر نيل الأوطار ٨/ ٩٩ - ١٠٠.\n(^١) محمد بن عمر بن مكي بن عبد الصمد بن عطية بن أحمد، أبو عبد الله بن الخطيب زين الدين أبي حفص العثماني، المعروف بـ \"ابن المرحل\" وبـ\"ابن الوكيل\"، ولد سنة ٦٦٥، وسمع الحديث من جماعة، وحفظ كتبًا كثيرة، وتفقه على والده وعلى شرف الدين المقدسي وتاج الدين الفزاري وغيرهم، وشرع في شرح الأحكام لعبد الحق، فكتب منه ثلاث مجلدات دالات على تبحره في الحديث والفقه والأصول، ولما بلغت وفاته ابن تيمية قال: أحسن الله عزاء المسلمين فيك يا صدر الدين. مات ٧١٦. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ٢٣٣، وطبقات السبكي ٦/ ٢٣، والبداية والنهاية ١٤/ ٨٠.\n(^٢) محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة القشيري، تقي الدِّين بن دقيق العيد، ولد سنة =","vol":"1","page":249},{"text":"وَأَمَّا فَائِدَتُه، فَالْعِلْمُ بِأَحْكَامٍ اللَّهِ تَعَالَى\n<hr><s0>\n\nبطلان الجواب، ويقول (^١): متعلَّق الظّن مظنون قطعًا؛ كما أن متعلَّق العلم معلوم قطعًا؛ فيستحيل أن يكون معلومًا مظنونًا (^٢).\nقال: وجوابه: أن نتيجة الأدلة الأصولية هو الظَّن، ففي ذلك الوقت - وهو الوقت الأول -[هو] (^٣) مظنون، ثم إذا صار مظنونًا، وجب العمل به، [ووجوب العمل به] (^٤) معلوم في الوقت الثاني، وهما غيران: الأول منهما مظنون، والثاني معلوم.\nقال: ورأيت \"ابن بَرْهان\" ذكر في \"أصوله\" مسألةً [عقدها] (^٥) بيننا، وبين الحنفيَّة، فقال: الحكم عندنا قطعي؛ خلافًا لأبي حنيفة؛ فإنه عنده ظني.\nقلت: وجواب الإمام الرَّازي مسبوق إليه؛ فإنَّ إمام الحرمين ذكره؛ حيث قال: جواب (^٦) السؤال: ليست الظنون فقهًا (^٧)، إنَّما الفقه (^٨): العلم بوجود (^٩) العمل عند قيام الظنون (^١٠)؛ فأخذه الإمام الرَّازي، وبسطه.\nالشرح: \"وأمَّا فائدته\" (^١١)، أي: فائدة الأصول، \"فالعلم بأحكام الله تعالى\" (^١٢)، \"وأمّا\n_________\n= ٦٢٥، تفقه على والده، ثم على ابن عبد السلام، وسمع الحديث من جماعة، قال ابن عبد السلام: ديار مصر تفتخر برجلين في طرفيها: ابن منير بـ \"الإسكندرية\"، وابن دقيق العيد بـ\"قوص\". قال السبكي: \"ولم ندرك أحدًا من مشايخنا يختلف في أن ابن دقيق العيد هو العالم المبعوث على رأس السبعمائة -، وأنه أستاذ زمانه علمًا ودينًا .. \". صنف الإلمام في الحديث، وله: \"شرح العمدة\" أملاه إملاء، وله الاقتراح في اختصار علوم ابن الصلاح، وهو مطبوع. مات سنة ٧٠٢. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ٢٢٩، وطبقات الإسنوي ص ٣٣٦، وطبقات السبكي ٦/ ٢.\n(^١) في ت: ونقول.\n(^٢) في ت: مظنونًا معلومًا.\n(^٣) سقط في ت.\n(^٤) سقط في ب.\n(^٥) في أ: عدها.\n(^٦) في ب: في جواب.\n(^٧) في أ، ج: فيها.\n(^٨) في حاشية ج: قوله: \"إنما الفقه … \" إلخ فيه أن الكلام ليس في وجوب العمل؛ لأن هذا حكم من الأحكام الفقهية، ولا ننكر أن يكون بعض الأحكام معلومًا، إنما الكلام في نفس أحكام المسائل بناء على أن المصيب واحد، والمسألة مبسوطة في بحر الزركشي الأصولي فراجعه، وقد تقدم الجواب.\n(^٩) في ب، ج: بوجوب.\n(^١٠) ينظر البرهان ١/ ٨٥ (٤، ٥).\n(^١١) في هامش ت: فائدة الأصول.\n(^١٢) أقول: فائدة أصول الفقه معرفة أحكام الله تعالى، وهي سبب الفوز بالسعادة الدينية والدنيوية.","vol":"1","page":250},{"text":"وَأَمَّا اسْتِمْدَادُه، فَمِنَ الْكَلَامِ؛ وَالْعَرَبِيَّةِ، وَالْأَحْكامِ:\nأَمَّا الْكَلَام، فَلِتَوَقُّفِ الْأَدِلّةِ الْكُلِّيَّةِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْبَارِي - تَعَالَى - وَصِدْقِ الْمُبَلِّغِ، وَيَتَوَقَّفُ عَلَى دَلَالَةِ الْمُعْجِزَةِ.\nوَأَمَّا الْعَرَبِيَّة، فَلِأَنَّ الْأَدِلَّةَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَرَبِيَّة.\nوَأَمَّا الْأَحْكَام، فَالْمُرَادُ تَصَوُّرُهَا؛ لِيُمْكِنَ إِثْبَاتها وَنَفْيُهَا، وَإلَّا جَاءَ الدَّوْرُ.\n<hr><s0>\n\nاستمدادُهُ (^١)، فمن الكلام، والعربية، والأحكام: أَمَّا الكلام؛ فلتوقف الأدلة الكلية على معرفة الباري تعالى، وصدق المبلغ\"، وهو - أي صدقه -: \"يتوقف على دلالة المعجزة\" (^٢)، وكلّ ذلك من علم الكلام.\n\"وأما العربية؛ فلأن الأدلّة من الكتاب والسُّنة عربية\"؛ ضرورة أنهما عربيان (^٣).\n\"وأما الأحكام، فالمراد تصورها (^٤)؛ ليمكن (^٥) إثباتها ونفيها\"، ولا نريد العلم بإثباتها أو نفيها؛ \"وإلَّا جاء الدور\"؛ لأن ذلك فائدة العلم، فيتأخر حصوله عنه، فلو توقف عليه العلم، كان دورًا.\n_________\n(^١) في هامش ت: استمداد الأصول.\n(^٢) هذا العلم يستمد من الكلام ومن العربية ومن الأحكام.\nأما الكلام: فلتوقف الأدلة الكلية؛ أي الإجمالية، ككون الكتاب والسنة والإجماع حجة على معرفة الباري؛ ليمكن استناد خطاب التكليف إليه، ويعلم لزومه حينئذٍ، ويتوقف على أدلَّةِ حدوث العالم، وأيضًا إنه يتوقف على صدق المبلّغ، وهو يتوقف على دلالة المعجزة عليه، ودلالتها تتوقف على امتناع تأثير غير القدرة القديمة فيها، وتتوقف على قاعدة خلق الأعمال، وعلى إثبات العلم والإرادة والقدرة، ولا تقليد في ذلك لاختلاف العقائد، فلا يحصل به علم.\n(^٣) وأمَّا العربية؛ فلأن الكتاب والسنة عربيّان، والاستدلال بهما يتوقف على معرفة اللّغة من حقيقة ومجاز، وعموم وخصوص، وإطلاق وتقييد، ومنطوق ومفهوم، وغير ذلك.\n(^٤) وذلك لأن المقصود إثباتها ونفيها في الأصول إذا قلنا: الأمر للوجوب، وفي الفقه إذا قلنا: الوتر واجب مثلًا، ولا يمكن بدون تصورها، ولا يريد بالأحكام العلم بإثباتها أو نفيها؛ لأن ذلك فائدة العلم، فيتأخر حصوله عنه، فلو توقّف عليه العلم كان دورًا. ينظر: شرح مقدمة ابن الحاجب (٦) خ.\n(^٥) في أ، ج: لتمكن.","vol":"1","page":251},{"text":"الدَّلِيلُ لُغَةً: الْمُرْشِد، وَالْمُرْشِدُ: النَّاصِب، وَالذَّاكِرُ؛ وَمَا بِهِ الإِرْشَادُ.\nوَفِي الاصْطِلَاحِ: مَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ؛ إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ، وَقِيلَ:\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"الدَّليلُ لغةً (^١): المرشد\".\n\"والمرشد\": يطلق على \"النَّاصب\" للعلامة، \"والذاكر\" لها، \"وما به الإرشاد\"؛ أي: والدَّليل لغةً يقال أيضًا لما به الإرشاد.\nولو قال: الدليل: المرشد، وما به الإرشاد (^٢)، والمرشد: الناصب والذاكر، كان أوضح.\n\"وفي الاصطلاح\": الدليل: \"ما يمكن التوصّل بصحيح النَّظر (^٣) فيه؛ إلى مطلوب خبري\".\n_________\n(^١) في هامش ت:<span data-type='title' id=toc-343> تعريف الدليل.</span>\n(^٢) الدليل لغة يقال للمرشد، وهو الناصب والذاكر، ولما به الإرشاد، وبهذا صرح به في \"الإحكام\"، ولا يبعد أن يجعل للمرشد، وهو للمعاني الثلاثة، فإنه ما به الإرشاد، يقال له المرشد مجازًا.\nفيقال: الدليل على الصانع هو الصانع أو العالم، واصطلاحًا.\nأما عند الأصوليين فما يمكن التوصّل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبريّ وذكر الإمكان؛ لأن الدليل لا يخرج عن كونه دليلًا لعدم النظر فيه، وقيّد النظر بالصحيح؛ لأن الفاسد لا يتوصل به إليه، وإن كان قد يفضي إليه اتفاقًا، وهذا يتناول الأمارة. أي الظني منه، وربما قيل: إلى العلم بمطلوب خبري فلا يتناولها، وأمّا عد المنطقين فقولان فصاعدًا، وهذا يتناول الأمارة؛ لأنه يجمع القياس البرهاني والظني والشعري والسفسطي، وربما قيل: يدل \"كونه يستلزم لذاته قولًا آخر\" فيخرج الأمارة؛ إذ يختص بالبرهاني منه، فإن غيره لا يستلزم لذاته شيئًا؛ فإنه لا علاقة بين الظن وبين شيء لانتفائه مع بقاء سببه، وفيه بحث مذكور في الكلام. واعلم أن الحاصل من الدليل عندنا على إثبات الصانع هو العالم، وعندهم أن العالم حادث، وكل حادث فله صانع. ينظر شرح مقدمة ابن الحاجب (٧) خ.\n(^٣) وأريد من النظر فيه ما يتناول النظر فيه نفسه، وفي صفاته وأحواله، فيشمل المقدمات التي هي بحيث إذا رتبت أدت إلى المطلوب الخبري، والمفرد الذي من شأنه إذا نظر في أحواله أوصل إليه كالعالم، وحيث أريد بالإمكان المعنى العام الجامع للفعل والوجوب، اندرج في الحدّ المقدمات المرتبة وحدها، وأما إذا أخذت مع الترتيب فيستحيل النظر فيها، وقيد النظر بالصحيح، وهو المشتمل على شرائطه مادةً وصورةً؛ لأن الفاسد لا يمكن أن يتوصل به إلى المطلوب خبري؛ إذ ليس هو في نفسه سببًا للتوصل ولا آلة له، وإن كان قد يفضي إليه فذلك إفضاء اتفاقي ليس من حيث إنه وسيلة له. ينظر حاشية التفتازاني على العضد ١/ ٤١.","vol":"1","page":252},{"text":"إِلَى الْعِلْمِ بِهِ؛ فَتَخْرُجُ الْأَمَارَةُ.\nوَقِيلَ: قَوْلَانِ فَصَاعِدًا يَكُونُ عَنْهُ قَوْلٌ آخَرُ.\n<hr><s0>\n\nوإنَّما قال: \"يمكن\"؛ لأن الدليل لا يخرج عن كونه دليلًا؛ بعدم النظر فيه، وقيَّد النظرَ بالصحيح؛ لأن الفاسد لا يتوصّل به إليه.\nودخل في التَّعريف: الأمارة؛ لأن المطلوب الخبري أعم من أن يكون علميًّا أو ظنيًّا، وعلى هذا عامَّة الفقهاء؛ فيطلقون الدليل على ما أدى إلى علم أو ظن؛ وهو ما ذكره \"الشيخ أبو إسحاق الشيرازي\"، و\"أبو الوليد الباجي (^١) \" (^٢)، وآخرون (^٣).\n\"وقيل\": ما يمكن أن يتوصّل بصحيح النظر فيه؛ \"إلى العلم به\" - وهو قول المتكلمين (^٤)، وبعض الفقهاء -؛ \"فتخرج (^٥) الأمارة\".\n\"وقيل\": إنه \"قولان\"؛ أي: قضيتان \"فصاعدًا يكون عنه قول آخر\":\nوقولنا: \"يكون عنه\" - أعمُّ من أن يكون لازمًا أو غيره؛ ليتناول الأمارة، وخرج عنه قضيتان، لم يحصل منهما شيء آخر.\nوعُرِف من قوله: \"فصاعدًا\"؛ أن النتيجة قد تكون (^٦) عن مقدمتين، وقد تكون (^٧) عن أكثر وهو كذلك -؛ ومنه الحديث الثابت في \"الصحيحين\": \"سَتكُونُ فِتَنٌ؛ القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ من\n_________\n(^١) سليمان القاضي أبو الوليد: خلف بن سعد بن أيوب بن وارث الباجي، أصلهم من \"بطليوس\" ثم انتقلوا إلى \"باجة\"، أخذ بـ\"الأندلس\" عن أبي الأصبغ وغيره. قال القاضي عياض: وحاز الرئاسة بالأندلس، فسمع منه خلق كثير، وتفقه عليه خلق. وقال القاضي أبو علي بن سكرة في أبي الوليد: ما رأيت مثله، ولا رأيت على سمته وهيبته وتوقير مجلسه، وقال: هو أحد أئمة السلمين. وله تأليف حسنة منها: المنتقى في شرح الموطأ. وغيره ولد سنة ٤٠٣ هـ، وتوفي سنة ٤٧٤ هـ. ينظر: الديباج ١/ ٣٧٧ - ٣٨٥، والشجرة ١/ ١٢٠ - ١٢١، المدارك ٤/ ٨٠٢ - ٨٠٨.\n(^٢) في أ، ب، ح: الناجي وهو خطأ.\n(^٣) ينظر: قواطع الأدلة لإمام الحرمين ص ٨، والبحر المحيط ١/ ٣٥، والمواقف للإيجي ٢/ ٤٩، وكشاف اصطلاحات الفنون ٢/ ٢٩٢، وتيسير التحرير ١/ ٣٣، والمحصول ١/ ١/ ١٠٦، والتعريفات للجرجاني ١٠٤، وإحكام الفصول للباجي ص (١٧١ - ٥).\n(^٤) في ت: للمتكلمين.\n(^٥) في أ، ت: فيخرج.\n(^٦) في أ، ج، ح: يكون.\n(^٧) في أ، ج: يكون.","vol":"1","page":253},{"text":"وَقِيلَ: يَسْتَلْزِمُ لِنَفْسِهِ؛ فَتَخْرُجُ الْأَمَارَة، وَلَا بُدَّ مِنْ مُسْتَلْزِمٍ لِلْمَطْلُوبِ، حَاصِلٍ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ؛ فَمِنْ ثَمَّ وَجَبَتْ مُقَدِّمَتَانِ.\n<hr><s0>\n\nالقَائِمِ، وَالقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ المَاشِي، والمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ من السَّاعِي … \" (^١).\nفهذه ثلاث مقالات تنتج (^٢): \"القاعد فيها خير من السَّاعي\".\n\"وقيل\" بدل \"يكون عنه\": \"يستلزم لنفسه\" قولًا آخر، \"فتخرج الأمارة\"؛ فإنها لا تستلزم لنفسها قولًا آخر؛ إذ ليس بينها وبين ما تفيده (^٣) ربطٌ عقليٌّ، يقتضي لزوم القول الآخَر عنهما.\nثم سواء أكان الاستلزام بيِّنًا أم غيره، فيتناول الأشكال الأربعة، والقياس الاستثنائي.\nويخرج عنه بقولنا: \"لنفسه\" - قياس المساواة، مثل: \"أ\" مساوٍ لـ\"ب\"، و\"ب\" مساوٍ لـ\"ج\"؛ فإنَّه يلزمه: \"أ\" مساوٍ لـ\"ج\"، ولكن لا لنفسه؛ بل بواسطة مقدمة أجنبية؛ أي: مقدمة غير لازمة لإحدى مقدمتي القياس، وهو قولنا: كل ما هو مساوٍ لـ\"ب\" مساوٍ لـ\"ج\"؛ وكذا أخرج عنه القول المؤلَّف من قولين، المستلزمُ لمقول آخر؛ بواسطة عكس نقيض إحدى مقدمتيه؛ كقولنا: جزء الجوهر يوجب ارتفاعُه ارتفأعَ الجوهر، وما ليس بجوهر لا يوجب ارتفاعُه ارتفاعَ الجوهر؛ فإنَّه يستلزم قولنا: جزء الجوهر جوهر، ولكن لا لنفسه؛ بل بواسطة عكس نقيض المقدمة الثانية؛ وهو قولنا: وما يوجب ارتفاعه ارتفاع الجوهر، وهو (^٤) جوهر.\n\"ولا بد\" في الدَّليل \"من مستلزِم للمطلوب\" (^٥)؛ وإلَّا لم ينتقلِ الذهن منه إلى (^٦)، حاصلٍ\n_________\n(^١) متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁: أخرجه البخاري في الصحيح ٦/ ٦١٢، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، الحديث ٣٦٠١، وفي ١٣/ ٢٩ - ٣٠، كتاب الفتن، باب تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، الحديث ٧٠٨١ و٧٠٨٢، ومسلم في الصحيح ٤/ ٢٢١٢، كتاب الفتن، باب نزول الفتن كمواقع القطر، الحديث ١٠/ ٢٨٨٦، قوله: \"من تشرف لها؛ أي تطلع لها بأن يتصدى ويتعرض لها ولا يعرض عنها وقوله: \"تستشرفه\" أي تهلكه بأن يشرف منها على الهلاك، الحافظ ابن حجر، فتح الباري ٣/ ٣١.\n(^٢) في أ، ج، ح: ينتج.\n(^٣) في أ، ح: يفيده.\n(^٤) في أ، ج، ح: فهو.\n(^٥) في أ، ت، ح: المطلوب.\n(^٦) لا بُدَّ في الدليل من مستلزم للمطلوب، وإلَّا لم ينتقل الذهن منه إليه، ولا بُدَّ في ثبوته للمحكوم عليه؛ ليكون الحاصل خبريًّا لا تصوريًّا، فلذلك وجبت فيه المقدمتان؛ لينبئ إحداهما عن اللزوم، وأخراهما عن ثبوت الملزوم.\nفإن قلت: الله مختصّ فيما أرى ببعض الدلائل، وإلَّا فما تقريره في نحو: لا شيء في الملح =","vol":"1","page":254},{"text":"وَالنَّظَرُ: الْفِكْرُ الَّذِي يُطْلَبُ بِهِ عِلْمٌ، أَوْ ظَنٌّ.\n<hr><s0>\n\nللمحكوم عليه؛ أي: المطلوبُ الخبريُّ لا بُدَّ أن يكون في الدليل ما يوجب العلمَ؛ أو الظنَّ به، وذلك الأمر يسمى الوسط، وَالوسطُ لا بد أن يكون \"حاصلًا للمحكوم عليه\"؛ فتحصل الصغرى، والمحكوم به حاصلًا أو مسكوتًا عنه، أو الوسط مسكوتًا عَنْـ[ـهُ في] المحكوم به، فتحصل الكبرى؛ \"فمن ثَمَّ وجبت المقدّمتان\".\nالشرح: \"والنَّظر (^١): الفكر (^٢) الذي يطلب به علم، أو ظن\":\nوخرج بقولنا: \"الذي يطلب به علم، أو ظن\" - الفكر لا لذلك؛ كأكثر حديث النفس؛ فلا يسمى نظرًا.\nوهذا قريب من قول القاضي في \"التقريب\": فكرةُ القَلْب وتأمّله المطلوبَ به عِلْم هذه الأمورِ، يعني: عن الحق والباطل، أو غلبةُ الظن ببعضها.\nوعبارة \"مختصر التقريب\"؛ لإمام الحرمين: الفكر الذي يطلب به معرفة الحق والباطل؛ في انتفاء العلوم، وغلبةِ الظنون (^٣).\nوقيل عبارات أُخَر، لا نطيل بذكرها (^٤).\n_________\n= بـ\"قوت\"، وكل ربوي مقتات، وفي نحو: لو كان الملح ربويًا لكان مقتاتًا، وليس فليس؟\nقلنا: مهما جعلنا المطلوب والوسط هما النفي والإثبات يزول هذا الوهم. وتقريره في المثالين أن نفي الاقتيات حاصل له، وششلزم نفي الربوية، وفي الثاني كذلك، وستراه يُرجع الجميعَ إلى أمر واحد، وهو الشكل الأول؛ فيتحقق بذلك أن نظره إلى ما ذكرت. ينظر شرح المقدمة (٧) خ.\n(^١) النظر لغة: الانتظار وتقليب الحدقة نحو: المرئي والرحمة والتأمل، ويتميز بالمعدي من حروف الجر. البحر المحيط ١/ ٤٢.\n(^٢) الفكر: هو انتقال النفس في المعاني انتقالًا بالقصد، وذلك قد يكون لطلب علم أو ظنٍّ، فيسمى نظرًا، وقد لا يكون كذلك كأكثر حديث النفس، فلا يسمى نظرًا، وبهذا صرح إمام الحرمين في \"الشامل\"، وقول الآمدي: مراده أن النظر هو الفكر، ثم يفسره بأنه الذي يطلب علم أو ظنّ بعيد. أفاده في شرح المقدمة (٧) خ.\n(^٣) ينظر: التعريفات للجرجاني (٢٤١)، وإرشاد الفحول للشوكاني ص ٥، والعدة لأبي يعلى ١/ ١٨٣، ونشر البنود ١/ ١٥٩.\n(^٤) قال الرُّوياني في \"البحر\": والفرق بين الجدال والنظر وجهان: أحدهما: أن النظر: طلب الثواب، والجدال: نصرة القول. والثاني: النظر: الفكر بالقلب والعقل، والجدال: الاحتجاج باللسان.\nينظر: البحر المحيط في أصول الفقه ١/ ٤٣.","vol":"1","page":255},{"text":"<span data-type='title' id=toc-346>حَدُّ العِلْمِ </span>(^١)\nوَالْعِلْم، قِيلَ: لَا يُحَدُّ؛ فَقَالَ الإِمَامُ: لِعُسْرِهِ؛ وَقِيلَ: لأَنَّهُ ............\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"والعلم، قيل: لا يُحد\"، ثم اختلف القائلون بأنه لا يُحَدّ (^٢):\n_________\n(^١) العلم من قبيل المشترك اللفظي - والذين عنوا بالبحث فيه من العلماء وتصدوا له ماهية وتقسيمًا - طائفتان:\nالأولى: طائفة الحكماء وأعني بهم الفلاسفة القدماء وكل من نحا نحوهم من فلاسفة المسلمين: كالفارابي، وابن سينا، وهم الذين تناولوا الأشاء بحثًا على قدر الطاقة البشرية، وجعلوا من ضمن ما وصلوا إليه من بحثهم قانونًا كليًا أسموه بـ\"المنطق\" يستعملونه للوصول إلى حقيقة من الحقائق، فهو عمدتهم وإليه مرجعهم، يرجعون إليه، ويقيسون به ما يشاءون أن يحصلوه ويثبتوه، فليس لهم من مرجع غيره ولا معول يعولون عليه سواه.\nوالثانية: طائفة المتكلمين - وهم العلماء الإسلاميون الذين اتخذوا القرآن الكريم وما ورد فيه من العقائد نصب أعينهم - وتصدوا لها تمحيصًا وإثباتًا على طريق البحث المنطقي.\nفالطائفة الأولى: طائفة الحكماء: ترى أن العلم هو الصورة الذهنية، سواء أكانت هذه الصورة صورة شيء من غير حكم عليه بنفي أو إثبات - ويسمون هذا القسم تصورًا ساذجًا، أم كانت هذه الصورة لحكم، سواء أكان راجحًا أم مرجوحًا، طابق الواقع أم لم يطابق، ويسمون هذا القسم تصديقًا.\nفالعلم عندهم: يشمل التصور والتصديق والظن والشك حتَّى الوهم والجهل المركب؛ لأنها كلها يصدق عليها أنها صورة شيء حاصلة في الذهن بعد أن لم تكن حاصلة.\nوأما عند المتكلمين، فغيره عند الحكماء؛ إذ هو مختص عندهم بالتصديق اليقيني دون سائر الأقسام المذكورة.\n(^٢) جَرى الخلافُ بين العلماء في العِلْمِ المُطْلَقِ من حيث تصوره بالكنه، فذهب بعضهم إلى أنه ضروري فلا يُحد، بمعنى أنه لا يكتسب بالحد؛ لأن تصوره بالكنه بديهي؛ فلا يتوقف على نظر. وذهب آخرون إلى أنه نظري؛ وهؤلاء قد افترقوا فرقتين: فرقة منهم ترى أنه يعسر تحديده بعبارة جامعة للجنس والفصل - والفرقة الأخرى ترى أنه لا يعسر تحديده، بل ذكروا له جملة تعاريف، فظهر من هذا الذي ذكرناه أن في تصور ماهية العلم المطلق بالكنه. ثلاثة مذاهب:\nالأول: للإمام الرازي قال: إن تصور ماهية العلم بالكنه ضروري لا يحتاج إلى نظر، بل يحصل بمجرد الالتفات إليه أو سماع لفظه، كصور أي شيء من البديهيات.\nالثاني: إن تصور العلم بالكنه نظري، ولكن يعسر تحديده - أي بيان ماهيته بعبارة محررة جامعة للجنس والفصل، والقائل بذلك إمام الحرمين والغزالي. =","vol":"1","page":256},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الثالث: إنه نظري ولا يعسر تحديده. وقد تكلف له بعض العلماء دليلًا، فقال: أما أنه نظري؛ فلأنه معلوم لا بالضرورة، وكل ما كان كذلك فهو نظري يتج العلم النظري. أما أنه معلوم فهو بديهي. وأما أن معلوميته لا بالضرورة؛ فلما تقدم من بطلان أدلة كونه ضروريًا - وأما الكبرى القائلة - وكل ما كان كذلك - فهي بديهية - لأن كل معلوم فهو إما ضروري أو نظري؛ وحيث كان العلم معلومًا لا بالضرورة، فيجب أن يكون نظريًا.\nولكن هذا الدليل فيه نظر؛ لأنَّهُ لا يلزم من الطعن في أدلة الضرورة أن يثبت كونه نظريًا، بل لا يلزم من بطلان دليلٌ أي دعوى، إثبات نقيضها؛ لجواز ثبوت الدعوى في نفسها، أو ثبوتها بدليل آخر غير مطعون فيه؛ فلم يتم دليلٌ دعوى كون العلم نظريًا.\nولكن بناء على هذا المذهب قد ورد عن القرم تعاريف أنهاها بعضهم إلى العشرين ولكن أكثرها منتقد نورد بعضها:\nالأول: وهو لبعض المعتزلة: \"العلم اعتقاد الشيء على ما هو به\".\nالثاني: وهو للقاضي أبي بكر الباقلاني قال: \"العلم هو معرفة المعلوم على ما هو به\".\nالثالث: وهو للشيخ أبي الحسن الأشعري قال. \"العلم هو ما يوجب لمن قام به كونه عالمًا\" أي هو أمر أو صفة، توجب وتقتضي لمن قامت به كونه عالما؛ أي اتصافه بالعالمية، أو أن يطلق عليه اسم العالم إطلاقًا صحيحًا.\nالرابع لابن فُورك قال: \"العلم ما يصح ممن قام به إتقان الفعل؛ أي صفة يمكن للموصوف بها أن يُحْكَم ما يصدر عنه من الأفعال ويبعده عن وجوه الخلل. وإنما كان ذلك؛ لأن الفاعل لا يمكنه إحكام فعله، إلا إذا وقف على ما فيه من المصالح والمفاسد، وأحاط بذلك تفصيلًا، فالصفة التي بها الإحاطة، والتي بسببها يمكن للفاعل أن يتحرى المصلحة في فعله ويجانب المفسدة \"هي العلم، عند ابن فورك\" ومعلوم أن التقليد والظن فضلًا عن الجهل والشك والوهم - لا يتأتى معه إحكام الفعل وإيجاده على الوجه الأكمل\".\nالخامس: وهو للإمام الرازي - وقد عريه بعد كونه نظريًا قال: \"العلم اعتقاد جازم مطابق لموجب\"، ومحصل المعنى: أن العلم هو الإدراك الجازم المطابق للواقع الذي استند الجزم به ومطابقته للموجب المقتضي لذلك الاعتقاد بصفته هذه، وذلك المقتضي هو الضرورة أو الدليل.\nالسادس: للحكماء قالوا: \"العلم هو الصورة الحاصلة للشيء في الذهن - كليًا كان أو جزئيًا\" وسواء أكان حصول هذه الصورة في العقل، أو في آلاتها، كصور الجزئيات بل الذي ينطبع فيه إنما هو صور الكليات، وأما الجزئيات فإنها تنطبع في الآلة، والآلة هي المشاعر الخمس الباطنة والخمس الظاهرة، فالكل يقال له علم عندهم.\nالسابع: وقالوا: إنه المختار؛ لسلامته مما ورد على غيره من الاعتراضات، وبراءته من الخلل، وتناوله للتصور والتصديق اليقيني، وهو: العلم صفة توجب لمحلها تمييزًا بين المعاني لا يحتمل =","vol":"1","page":257},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"فقال الإمام\" أبو المعالى الجويني (^١) إمام الحرمين، سلطان الأشاعرة، وغضنفر الجماعة: إنما لا يحد \"لعسره\" (^٢).\nومراده؛ بأنه لا يحد؛ أن الرأي ذلك؛ لأن التشاغُل (^٣) بحده يَعْسُر، ولكن يُتوصَّل إلى معرفته بطريق (^٤) القسمة والمثال (^٥)؛ كذا ذكره في \"البرهان\"؛ إذ قال: الرأي السديد .......\n_________\n= النقيض. واعلم أن أحسن ما قيل في الكشف عن ماهية العلم هو \"صفة يتجلى بها المذكور لمن قامت هي به\" والله أعلم.\n(^١) ينظر: البرهان ١/ ١١٥ والمستصفى ١/ ٢٥، والمنخول ص ٤٠، وفتح الرحمن ص ٤١، والبحر المحيط ١/ ٥٣.\n(^٢) قد يستدل بهذا المذهب بأن الفرق بين الذاتي والعرضي والتمييز بينهما متعسر في أكثر المدركات الحسية؛ حتَّى قيل: إنه إذا عرفت ماهية بكنهها، ووجه اعتراض على ذلك الحد بأن ما ورد فيه ليس ذاتيا للمعرف، أو أن العام فيه ليس بجنس، أو الخاصة ليست بفصل، فهو اعتراض مصمم دون دفعه خرط القتاد؛ لأن العرض العام يشترك مع الجنس في شمول الماهية المعرفة وغيرها، وأن الخاصة تشترك مع الفصل في اختصاصها بالمعرف. فالحكم بأن العام جنس، لا عرض عام، وأن الخاص فصل لا خاصة - أشبه بأن يكون حكمًا خلوا عن دليلٌ. وهذا الإشكال لا يخص بل هو جارٍ في غيره من الحقائق الثابتة في نفسها، ولكنه في العلم الزم؛ لأن حقيقته خفية بالنسبة لغيره من الحقائق المدريسة بالحس. وإذا كان الاطلاع على الذاتيات التي هي كنه الشيء في المحسوسات عسيرًا، فليكن تصور كنه العلم والاطلاع على حقيقته وذاته، عسيرًا من باب أولى.\n(^٣) في أ، ب، ح: الشاغل.\n(^٤) في ح: بطريقة.\n(^٥) فعلى الأول كأن يقال: الاعتقاد إما جازم أو غير جازم. والجازم إما مطابق أو غير مطابق والمطابق إما ثابت أو غير ثابت، فها قد خرج عن هذه القسمة:\n\"اعتقاد جازم مطابق ثابت\"؛ أي لا يقبل الزوال في الحال أو المآل، وذلك هو المعنى بالعلم عندهما.\nفالاعتقاد بمثابة الجنس في التعريف يشمل سائر الاعتقادات، ويخرج عنه ما ليس باعتقاد من الصفات النفسية وغيرها. وجازم يخرج الظن. ومطابق يحرج الجهل المركب، وهو إدراك الشيء على خلاف ما هو عليه، وثابت يخرج تقليد المصيب الجازم، فإنه معرض للزوال بالتشكيك، هذا هو مراد أصحاب هذا المذهب بقولهم: وطريق معرفته القسمة.\nوأما المثال: فهو إما أن يشبه العلم بإدراك الباصرة، المقتضى لتصور المدرك على ما هو عليه. كأن يقال: العلم إدراك البصيرة، المشابه لإدراك البصر، وإما بإدراكٍ جزئي من جزئيات العلم، كأن يقال: العلم كاعتقادنا أن الكل أعظم من الجزء، والنقيضان لا يرتفعان ولا يجتمعان. هذا كل ما =","vol":"1","page":258},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nعندنا (^١): أن يتوصل (^٢) إلى درك حقيقة العلم بمباحثها (^٣) وذكرها\"، ثم قال: \"فليحرك الناظر فكره في ذلك، فإن استبان له، فقد أحاط بحقيقة العلم، فإن ساعدت عبارة صحيحة في الحَدّ، حدّ بها، وإن لم تساعد (^٤)، اكتفى بدرك الحقيقة. انتهى.\nوليس مراده؛ أنه لا سبيل إلى حده؛ كما عرفت؛ ولأنه لو أراد ذلك، لم يعتل (^٥) بالعُسْرِ؛ إذ العسر إليه سبيل، لكن بمشقَّةٍ، فاعرف ذلك.\nثم مراده بالحد الذي يتعسّر فيه: الحدُّ الحقيقي؛ دون الرَّسْميّ؛ فإن التعريف بالقسمة (^٦) والمثال لا يُعَاند الرسوم.\n_________\n= أورده أصحاب هذا المذهب في إثبات مذهبهم.\nوقد اعترض عليهم، بأن التقسيم والتعريف إن أفادا تمييزًا لماهية العلم عما عداها، كانا تعريفًا لها وحدًا، فلا يصح القول لعسر تحديده، وإن لم يحصل بهما تمييز للماهية لم يكونا طريقًا لمعرفتها. فلا معنى لقولهم: وطريق معرفته القسمة أو المثال. هذا ما ورد عليهم، وهو اعتراض غير وجيه، وإيراد في غير محله؛ ذلك أن المتعسر هو تحديده بالكنه، وهو لا ينافي أن يتيسر تعريفه بوجه، كالوجه الحاصل من التقسيم أو التمثيل. وليس ملازم إذا انكشف بجهة أن ينكشف بكهنه، وما ذكر يقتضي أن يكون تصور العلم بالكنه على وجه القطع متعسرًا، كغيره من سائر الحقائق الثابتة، وأما تصوره على أي وجه لمرجح يترجح به، فليس بمتعسر.\nبقي اعتراض آخر، وهو أن التقسيم أو المثال لم يوصّلا إلا لعلم هو اليقين، ولم يتناولا التصور، فقولهم: وطريق معرفته القسمة أو المثال - غير جامع. وهذا الاعتراض أيضًا غير موجه؛ لكونه مدفوعًا بأن التعريف مسوق على مذهب المتكلمين، وهم لا يدخلون التصور في العلم، ولكن الاعتراض الذي كان حقه أن يوجه: هو عدم شموله لعلم الله تعالى، لأنَّهُ لا يقال له اعتقاد؛ إذ هو من خواص الأجسام، وكذلك لا يقال: علمه تعالى شبيه بإدراك البصر.\n(^١) ينظر: البرهان ١/ ١١٩ (٤١)، والحدود للباجي ص (٢٤)، والعدة ١/ ٧٦، والمعتمد ١/ ١٠، والمسودة (٥٧٥)، المستصفى ١/ ٢٥، والتعريفات للجرجاني (١٥٥)، ونشر البنود ١/ ٦١، وإرشاد الفحول ص (٤)، والبحر المحيط ١/ ٥٣، وكشف الأسرار ١/ ٧، التمهيد لأبي الخطاب ١/ ٣٦، والمنخول (٣٨)، وميزان الأصول ١/ ١٠٣ - ١٠٧، والصبان على شرح السلم (٤٢)، وفتح الرحمن ص (٤١).\n(^٢) في أ، ح: نتوصل.\n(^٣) في أ، ب، ج، ح: بمباحثه.\n(^٤) في أ، ت، ح: يساعد.\n(^٥) في ت: نقل.\n(^٦) في ح: القسيمة.","vol":"1","page":259},{"text":"ضَرُورِيٌّ مِنْ وَجْهَيْنِ:\n<hr><s0>\n\nفإن قلت: فغاية قوله إذن: يعسر تعريفه؛ لتعسُّر الاطِّلاع على الذاتي، والخارجي فيه، وذلك غير مختصٍّ بالعلم، بل يشمل كل الأشياء؛ إذ التمييز بين الذاتي والخارجي في غاية العُسْرِ.\nقلت: هذا [لو] (^١) لم [يقل: إنه] (^٢) مختص بالعلم، وأي شيء (^٣) يلزم من ذلك.\nفإن قلت: فلم (^٤) خصّ ذلك في العلم؟\nقلت: لأن الحدَّ الحقيقي فيه أعسرُ وأشقُّ منه في غيره؛ على ما لا يخفى، وقد تابعه الغَزَّالِيُّ، وأفْصَحَ بأن المراد بالحد المُتَعَسِّرِ: الحقيقيّ، وأن ذلك لا يختص بالعلم؛ إذ قال: وربما يعسر (^٥) تَحْلِيلُهُ على الوجه الحقيقي بعبارة مُحَرَّرَةٍ جامعة لِلْجِنْسِ وَالفَصْلِ الذاتي؛ فإنا بيَّنا أن ذلك عَسِرٌ في أكثر الأشياء. [انتهى] (^٦).\nوكلام الآمدي صريح (^٧)، في أن الإمام والغزالي قالا: لا سبيل إلى تحديده، وأراد بالتحديد: ما هو أعم من الحَدّ الحقيقي والرسمي (^٨)، وليس بجيد.\n\"وقيل\": إنما لا يحد؛ \"لأنَّهُ ضروري\"، فكان (^٩) غنيًّا عن التعريف.\nوالإمام في \"المحصول\" ذهب إلى أنه ضروريٌّ، لكن لم يقل: إنه لا يحد، بل عرفه بأنه حكم الذهن بأمر على أمر حكمًا جازمًا مطابقًا لموجب (^١٠)\n_________\n(^١) سقط في ج، ح.\n(^٢) سقط في ب.\n(^٣) في ب، ت: وأيش.\n(^٤) في ت. ولم.\n(^٥) في أ، ب، ج، ح: تعسر.\n(^٦) سقط في ب.\n(^٧) ينظر: الإحكام ١/ ١٢ - ١٣.\n(^٨) في أ، ب: والرسم.\n(^٩) في ت: وكان.\n(^١٠) واستدل على دعواه هذه بدليلين:\nالأول: من البديهي أن كل واحد يعرف أنه موجود، وهذا العلم حاصل لكل واحد من غير اكتساب، فيكون ضروريًا، وهذا العلم تصديق خاص، والعلم المطلق الذي نحن بصدده جزء من ذلك العلم الخاص، وغير خفي أن تصور الجزء سابق على تصور الكل، ولما كان تصور العلم الخاص ضروريًا، فليكن السابق عليه وهو العلم المطلق ضروريًا بوجه أولى. ويتلخص كل هذا في أن العلم بنسبة الوجود لكل أحد ضروري، والعلم المطلق جزء منه، فيكون ضروريًا.\nونظم الدليل منطقيًا هكذا: \"العلم المطلق سابق على هذا العلم الضروري، والسابق على الضروري أولى أن يكون ضروريًا\" فالنتيجة. العلم المطلق ضروري، وهو المطلوب، هذا هو الدليل، وهو =","vol":"1","page":260},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  كما ترى قياس من الشكل الأول مستوفى شروط الإنتاج، مركب من مقدمتين صغرى وكبرى: أما الكبرى فظاهرة، وأما الصغرى فينبه عليها بأن العلم المطلق جزء من العلم الضروري؛ لأن المطلق والعام دائمًا يكونان جزءين للمقيد والخاص، وهو مصداق قولهم: كل كليّ جزء لجزئيه، وكل جزئي كل لكليه. والجزء سابق على الكل، أما جزئيته، فلأنه مطلق وذاك مقيد، والمطلق كما ذكرنا جزء المقيد، وأما ضرورية المقيد فحصوله من غير كسب ونظر - إلى هنا قد تم الدليل، بظهور مقدمتيه، وبتسليمهما ينتج أن: تصور العلم المطلق بالكنه ضروري\" وهو المدعي. هذا ما يذهب إليه الإمام الرازي في إثبات مذهبه بيد أنه قد نوقش ذلك الدليل ودفع بأنه لا ينتج المدعي؛ لأنَّهُ إنما أفاد أن الضروري حصول علم جزئي متعلق بوجود ذلك الواحد العالم بوجوده، والحصول غير التصور، وليس بلازم إذا من الحصول ضروريًا أن يتصور مجرد تصور، فضلًا عن أن يكون تصوره بالكنه بديهيًا، فإنه لا يلزم من حصول صفة لشخص وقيامها بها أن يكون متصورًا لهذه الصفة بوجه تمتاز به عما عداها. يرشدك إلى ذلك أن الكريم قامت به ملكة الكرم، ولا يلزم أن يتصورها، والرجل قد يكون شجاعًا، ولا يدري ما كنه الشجاعة، ولا مقوماتها، ويتصف الإنسان بالحلم والشح والأنانية وهو لا يكاد يقف على حقيقة منها، والكافر يتصف بالكفر \"وهو جحد ما جاء به الأنبياء\" وهو لا يتصور حقيقة الكفر - لا بحد ولا برسم - ويتصور الإيمان ولا يتصف به، لوجود ما ينافيه في نفسه من الجحود. فقد ظهر أن الحصول غير التصور، بل تبين الانفكاك من الجانبين؛ فلا تلازم بينهما. وهو الفرق بين الحصول والتصور، يكون ردًا على من زعم أن الحصول في النفس هو عين التصور؛ لأنَّهُ لو كان عينه ما تخلف عنه ضرورة استحالته تخلف الشيء عن نفسه، ولكنه قد تخلف عنه كما ظهر من التمثيل المتقدم، فليس هو هو، ولا مستلزمًا له، هذه هي المناقشة التي وردت على هذا الدليل، وهي وجيهة وحرية بالقبول. وعليها فالتقريب \"وهو سوق الدليل على الوجه الذي ينتج المطلوب\" لم يتم؛ فلم يصلح أن يكون ما ساقه الإمام الرازي على دعواه بداهة العلم. وقد أجيب على هذا الطعن بتحوير في الدليل، فقيل: مراد المستدل \"أن كل واحد يعلم بأنه عالم بأنه موجود بالضرورة\" أي يعلم علمًا بوجوده حتَّى البله والصبيان، وهم لا يقدرون على الاكتساب، يعلمون هذا العلم، وهذا التصديق الضروري مشتمل على العلم إذ هو أحد طرفيه، فيلزم أن يكون تصور العلم ضروريًا، ونظم الدليل هكذا: \"العلم أحد طرفي هذا التصديق البديهي\" في قولنا: كل واحد يعلم بأنه عالم بأنه موجود بالضرورة، وكل ما كان كذلك ضروري، فالعلم المطلق ضروري، وهو المتنازع فيه، وإنما لجأ إلى التحوير؛ لأجل أن يدعي أن الحصول إذا كان غير التصور وغير مستلزم له، فإنه أيضًا يعلم علمه، ولا معنى لعلم العلم، إلا تصوره، ولما كان العلم أحد أركان هذا التصديق وهو ضروري، فليكن ضروريًا، وهو المطلوب.\nوهذا التحوير في أصل الدليل مدفوع بأحد وجهين:\nالأول: أنه لا يلزم من بداهة التصديق، بداهة شيء من أطرافه؛ فإن التصديق البديهي هو ما لا =","vol":"1","page":261},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  يتوقف بعد تصور الطرفين على نظر، وذلك أعم من أن يكون تصور الأطراف بديهيًا أو كسبيًا، ولكن ربما يقول قائل: إن هذا الدفع لا يتوجه على قول الإمام؛ لأن مذهبه تركب التصديق لا بساطته، كما هو مذهب الحكماء، ولا يدفع مذهب بمذهب، فعنده لا يكون التصديق بديهيًا، إلا إذا كانت أطرافه كلها بديهية؛ لأنَّهُ مركب منها.\nفنقول لهذا القائل: إذا سلمنا أن التصديق مركب وأنه لا يتم إلا إذا تُصوِّرت الأطراف، ولكنه لا يلزم من بداهة تصور الأطراف تصورها بالكنه بل اللازم تصورها بوجه ما، فإن الحكم بالشيء على الشيء، فرع تصورهما ولو بوجه، وهو خلاف المدعي، يؤيد ذلك: أننا نحكم على جسم معين شوهد من بعد، بأنه شاغل لحيز معين مع الجهل بحققة ذلك الجسم المحكوم عليه، بل مع الجهل بحقيقة الشغل والحيز المحكوم به، وأيضًا فإنا نقول: الواجب إما نفس - أو - لا، مع أننا لا نعلم كنه الواجب ولكن نتصوره بصفاته ككونه خالقًا للعالم، ومع أننا نجهل حقيقة النفس، ولا نكاد نتصورها إلا بخاصتها ككونها مدبرة للبدن، فكل ما ينتجه الدليل بعد فرض أن بداهة التصديق تستلزم بداهة أطرافه هو \"أن تصور العلم بوجهٍ ما ضروري\" وهو غير محل النزاع، فإذا حصل هذا التصديق الضروري لكل واحد حتَّى لمن لا يتأتى النظر كالبله والصبيان، فإنهم إذا كانوا يصدقون بأنهم موجودون ويعلمون هذا التصديق، فهم ولا شكَّ لا يعقلون معنى التصديق بالوجود، ولا يعقلون معنى العلم المطلق في ضمنه فضلًا عن أنْ يكونوا متصورين له بالكنه، وإذا كان محققو العلماء وأساطين الحكماء قد اختلفوا وتشعبت آراؤهم في مفهوم العلم كما يعلم من التعاريف المختلفة التي ذكرت له، وأيضًا إذا كان الفرق بين الذاتي والعرضي متعسرًا في أكثر المدركات الحسية، أقول: إذا كان كل ذلك حاصلًا، فكيف يدعي أن تصور العلم بالكنه بديهي وحصوله حتَّى لمن لا يتأتى منه النظر كالبله والصبيان؟\nولو أن الإمام الرازي قال: إن تصور العلم بوجه ما بديهي أو أن تصوره بخاصة - بحيث لو تصور العلم بها لامتاز في النفس عن جميع الإدراكات التي ليست بعلم كالشك والظن والوهم وغيرها من الصفات. نعم! لو قال ذلك لكان قولًا وجيهًا ورأيًا مقبولًا؛ فإن كل واحد يمكنه أن يتصور العلم بأنه انكشاف الأشياء، أو صفة بها الانكشاف، أو نوع من الإدراك والإحساس الباطني، أو غير ذلك .. هذا معنى ما وجهوه إلى الإمام الرازي في دعواه، ويمكن أن يجاب عنه: بأن مراده بضرورة تصور العلم بالكنه \"أن معنى العلم أمر مرتكز في النفوس، فلكل واحد يجد من نفسه فرقًا بين علمه بالشيء أو ظنه له، أو شكه فيه، أو عدم علمه به، وإن لم يمكن التعبير بجنس العلم وفصله بل وإن لم يعرف معنى الجنس والفصل، أو معنى الذاتي والعرضي، كما يمكنه أن يتصور معنى الشجر والماء، ويفرق بين الأثير وبين الهواء، وإن لم يمكن التعبير عن كل ذلك بما يفيد تصور الماهية وكنهها، وهذا ولا شكَّ معقول مقبول، ولا يبعد أن مراد الإمام بضرورية العلم، ذلك\" ولا يقولن قائل: لو كان العلم كما تقول: \"معنى مرتكزًا في النفس متصورًا بالضرورة\" للزم تعريفه؟ لأننا نقول: لا يلزم =","vol":"1","page":262},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوكذلك \"الشيخ الإمام الوالد\" ﵀ ذهب إلى أنه ضروريٌّ، وأنه يحد؛ قال: لا لتعريفه، بل للتنبيه عليه، وذكر ما يضبطه.\n_________\n= من ضروريته إمكان تصويره بالكنه؛ فإن أكثر البديهيات لا يمكن تحديدها كالأثير، والسماء، والراديو، والكهرباء، وقد قالوا: كلما اتضحت الأشياء كلما تفسرت تعريفًا، ومن الخفي توضيح غير الخفي، والإمام الرازي نفسه يقول نقلًا عن كتاب المقاصد: تعريفات العلم لا تخلو عن خلل؛ لأن ماهيته قد بلغت في الظهور إلى حيث لا يمكن تعريفه بشيء أجلى منه.\nقال العلامة السعد: \"وإلى هذا ذهب كثير من المحققين حتى قال بعضهم: إن ما وقع فيه من الاختلاف إنما هو لشدة وضوحه لا لخفائه\"، انتهى نقلًا عن المقاصد صفحة ٢٩، وابن الخشاب يقول: فما ذهبت في تفسير مذهب الإمام الرازي بضرورة العلم ها هو قد ذكره الإمام بنفسه وصرح به، ونصره صاحب المقاصد بقوله: وإلى هذا ذهب كثير من المحققين .. الخ.\nالدليل الثاني لهذا المذهب: \"لو كان العلم نظريًا، لكان كاسبه إما نفسه أو غيره\" لكن التالي باطل بشقيه، وكذا المقدم فلا يكون نظريًا فهو ضروري … وهذا دليلٌ شرطي: بيان الملازمة فيه، الترديد بين الشيء والمساوي لنقيضه، وهما لا يرتفعان، وبيان بطلان التالي: أن الشيء لو عرف بنفسه لكان معلومًا قبل أن يعلم، وذلك باطل؛ إذ كونه مطلوبًا أن يكون مجهولًا، وإلا لزم تحصيل الحاصل. ومقتضى كونه معرِّفًا، أن يكون معلومًا؛ لاستحالة الكسب بالمجهول، فمعلوم ومجهول: ضدان. واجتماعهما في محل واحد محال، وهما يستلزمان التناقض، وهو كونه معلومًا، لا معلومًا ولا مجهولًا، وذلك باطل، فبطل كون المعرف للشيء نفسه، وهو الشق الأول من التالي، وأما بطلان الشق الثاني؛ أي كونه يعرف بغيره؛ فلأن غير العلم إنما يعلم بالعلم، فلو علم العلم بغيره لزم الدور، وهو باطل؛ لتوقف الشيء على ما يتوقف عليه من جهة واحدة، فلزم أن يكون سابقًا على نفسه من حيث المعرفة، وهذا باطل بداهة \"وهذا هو الدليل الثاني للإمام الرازي على دعواه: بداهة العلم بالكنه\" وهو كما يُرى في ظاهره ينتج أن العلم ضروري ببطلان شقي التالي. هذا ما ينتجه بحسب الظاهر فقط، ولكن بعد فحص المقدمات: يمنع الدليل برُمَّته بمنع الاستثنائية في الشق الثاني، وذلك ما يعرف عند النظار بـ\"النقض التفصيلي\" أعني أننا سلمنا أن العلم لا يتعرف بنفسه، ولكن لا نسلم أنه لا يتعرف بغيره، وما أقيم على ذلك من الدليل لم يتم؛ لأن تصور العلم موقوف على تصور الغير، وتصور الغير موقوف على حصول العلم بذلك الغير لا على تصور العلم، فالحصول غير التصور، فلم يتوقف تصور العلم على تصور العلم، فلا دور باطل، فصح تعريف العلم بغيره؛ لأنَّهُ لا دور فيه، ولا محذور عليه، فلم ينفع ذلك الدليل في إثبات الدعوى. ولعل منشأ ذلك من الإمام عدم الفرق عنده بين الحصول والتصور، ولكن شتان بينهما.\nينظر: كلام شيخنا الشيخ عبد القوي محرم في العلم المطلق.","vol":"1","page":263},{"text":"أَحَدُهُمَا: أَنَّ غَيْرَ الْعِلْمِ لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِالْعِلْمِ، فَلَوْ عُلِمَ الْعِلْمُ بِغَيْرِهِ، كَانَ دَوْرًا؛ وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَوَقُّفَ تَصَوُّرِ غَيْرِ الْعِلْمِ عَلى حُصُولِ الْعِلْمِ - بِغَيْرِهِ، لَا عَلَى تَصَوُّرِهِ؛ فَلَا دَوْرَ.\nالثَّانِي: أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ وُجُودَهُ ضَرُورَةً، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ أَمْرٍ -\n<hr><s0>\n\nواختار في حده؛ أن يقال: إنه معرفةُ المعلوم.\nقال: [من زَادَ على هذا قولَه: \"على ما هو به\"، فهو تأكيدٌ لأن ما ليس كذلك ليس معرفة.\n[قال:] (^١) ولا يَرِدُ عليه أن المعلوم مُشْتَقٌّ من العلْم، فيلزم الدور؛ كما ورد مثله في قول القاضي: الأمر هو المقتضي طاعة المأمور؛ والفرق بينهما: أن الكلام في الأمر - في أصول الفقه، وهو يعتمد الألفاظ، والكلام في العلم - في أصول الدِّينِ، وهو يعتمد المعاني (^٢)، فجعل المعلوم اسمًا لما يشمل (^٣) الموجود والمعدوم؛ من غير نظر إلى الاشتقاق.\nوحجَّة من ادعاه ضروريًّا \"من وجهين:\nأحدهما: أن غير العلم لا يعلم إِلَّا بالعلم، فلو علم العلم بغيره، كان دورًا\".\nوالجواب: أن (^٤) توقُّف تصور غير العلم (^٥) بغيره؛ أعني علمًا جزئيًا متعلقًا بذلك الغير، لا على تصوُّر حقيقة العلم، والذي يراد حصوله بالغير؛ إنما هو تصور حقيقة العلم، لا حُصُولُ جزئي منه، فلا دور؛ للاختلاف.\nوإليه أشار بقوله: \"وأجيب بأن توقّف تصور غير العلم على حصول العلم بغيره، لا على تصوره، فلا دور\".\nوعبارة \"الشيخ الهندي\" في الجواب: توقف غير العلم على العلم (^٦)؛ من حيث إنه إدراك [له] (^٧)، لا من حيث إنه صفة مميزة له، [وتوقف العلم على غيره؛ من حيث إنه صفة مميزة له] (^٨) عما سواه، وإذا تغايرت الجهتان، فلا دور.\n\"الثاني\"؛ وعليه عَوَّلَ الإمام في \"المحصول\": \"أنّ كل أحد يَعْلَمُ وجودَه ضرورة\"، وهو علم خاص، فإذا كان الخاص ضروريًّا، فالعام الذي هو جزؤه أولى.\n\"وأجيب\" بأن الضروري: حصول العلم له، وهو غير تصور العلم المتنازَع فيه، وقرر \"بأنه\n_________\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) في أ، ح: المكان.\n(^٣) في أ، ج: يشتمل.\n(^٤) في ت: أنه.\n(^٥) في ج: تصور غير العلم على حصول العلم.\n(^٦) في ت: غيره.\n(^٧) سقط في ح.\n(^٨) سقط في ب.","vol":"1","page":264},{"text":"تَصَوُّرُهُ أَوْ تَقَدُّمُ تَصَوُّرِهِ، ثُمَّ نَقُولُ: لَوْ كَانَ ضَرُورِيًّا، لَكَانَ بَسِيطًا؛ إِذْ هُوَ مَعْنَاه، وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَعْنًى عِلْمًا.\n\"وَأَصَحُّ الْحُدُودِ: صِفَةٌ تُوجِبُ تَمْيِيزًا، لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ، ............\n<hr><s0>\n\nلا يلزم (^١) من حصول أمرٍ تصوُّرُه\"؛ حتَّى يتبع تصوُّرُه حُصُولَه، \"ولا تقدُّمُ تصورِه\"؛ حتَّى يكون تصوّره شرطًا لحصوله، وإذا كان كذلك جاز الانْفِكَاك مطلقًا؛ فتغايرا، فلا يلزم من كون أحدهما ضروريًّا كونُ الآخَر كذلك.\n\"ثم نقول\" في الدلالة على أنه غير ضَرُورِيّ (^٢): \"لو كان ضروريًّا لكان بسيطًا (^٣)؛ إذ هو معناه\"؛ أي: معنى (^٤) الضروري كونه بسيطًا؛ لأن الضروري: ما لا يتوقف تصوره على تصور غيره؛ فيكون بسيطًا، [وإلا لكان تصوره موقوفًا على تصور جزئه الذي هو غيره] (^٥)؛ \"ويلزم من\" كونه بسيطًا: \"أن يكون كلّ معنى علمًا\"؛ لأن العلم يصدق عليه المعنى: كل معنى علمًا؛ لكان المعنى أعم من العلم؛ فيلزم تركيب العلم من المعنى المشترك وأمرٍ اختص به، وقد فرض كونه بسيطًا؛ هذا خُلْفٌ.\nوليس كل معنى علمًا، وهذا واضح؛ فإنَّ المعنى قد يكون ظنًا، وجهلا، وتقليدًا، [وغيرها] (^٦).\nالشرح: \"وأَصحُّ الحدود\" للعلم (^٧) أن يقال: \"صفةٌ توجب\" (^٨) لمحلها \"تمييزًا، لا يحتمل\n_________\n(^١) في أ، ب: يعلم.\n(^٢) في هامش ت: إبطال أن العلم ضروري.\n(^٣) واستدلّ على أن العلم ليس ضروريًا بأنه لو كان ضروريًا لكان بسيطًا، ويلزم منه أن يكون كل معنى علمًا، واللازم منتفٍ.\nأما الأولى: فلأنه لا معنى للضروري إلا البسيط عقلًا.\nوأمَّا الثانية: فلأن حصول المعنى ذاتي للعلم؛ إذ لو رُفِعَ عن الذهن لارتفع ماهيته عنه، والمفروض أنه لا ذاتي غيره لبساطته، فيكون ذلك تمام حقيقته، فيلزم في تحقيقه تحققه، فيكون كلُّ معنى علمًا.\nوأما بطلان اللازم؛ فلأن حصول المعنى قد يكون ظنًا وجهلًا وتقليدًا وغيرها.\nينظر: شرح المقدمة (٧) خ.\n(^٤) في ج: يعني.\n(^٥) سقط في ب.\n(^٦) في ت: وغيرهما.\n(^٧) في هامش ت: حد العلم.\n(^٨) الصفة من قبيل المشترك اللفظي تطلق على معنيين: الأول: المشتق الذي يحمل على غيره: =","vol":"1","page":265},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالنقيض\"، والمراد بـ\"الأصح\": الصحيح؛ وإلا فيلزم أن يكون هناك أصح وصحيح؛ فيلزم أن يكون للشيء الواحد حَدَّان، فالصفة - وهي ما لا يقوم بنفسه: جِنْسٌ يشمل العلم وغيره، وقولنا: توجب (^١) لمحلّها تمييزًا: فصل [يحترز] (^٢) به عن الحياة، والقدرة، والإرادة، وغيرها؛ من الصفات المشروطة [بالحياة وغير المشروطة] بها، و\"لا يحتمل النقيض\": احترازًا عن الظن، وهذا يشمل (^٣) التصور؛ إذ لا نقيض له، والتصديق النفسي (^٤)؛ إذ له نقيض، ولا يحتمله.\nقال الوالد ﵀: وهذا القول جامع مانع، لكن العلم أجلى منه (^٥)، \"فيدخل\"؛ أي في\n_________\n= ككاتب، وقارئ، والصفة بهذا المعنى تقابل الاسم الجامد. والثاني: إطلاقها على المعنى القائم بالغير، كصفة الكرم القائمة بالكريم، والشجاعة القائمة بالشجاع، والمراد منهما في التعريف المعنى الأخير، وهو المعنى القائم بالمحل. والقرينة على إرادة هذا دون الأول، ظهور أن العلم ليس لفظ العالم الذي يحمل على غيره، فليس في التعريف أخذ المشترك بدون قرينة ظاهرة في المراد، توجب وتقتضي وتستلزم تلك الصفة اقتضاء عاديًا، بناء على أن ما ذهب إليه الأشعري، من أن لا تلازم عقلًا بين الدليل والمدلول، ولا بين التعريف والمعرف، بل العلم بالنتيجة، وبالماهية المعرفة بمحض خلق الله تعالى وقدرته، جرت عادته بإيجاده عقب العلم بالمقدمات وتصور التعريف، ويجوز تخلفه عقلًا، بأن يحصل العلم بالمقدمات والعلم بالتعريف، ولا يحصل العلم بالنتيجة، ولا العلم بالماهية، أو اقتضاء عقليًا، على ما ذهب إليه إمام الحرمين حيث قال: إن العلم بالنتيجة عقب العلم بالمقدمات، وكذلك تصور الماهية عقب تصور التعريف أمر واجب عقلًا يستحيل أن يتخلّف، إذا لم يكن ثمة مانع منه: كنوم، أو غفلة، وهو مع هذا حاصل بقدرة الله تعالى واختياره؛ لأنَّهُ إن شاء جل شأنه خلق النظر؛ فيوجد العالم بالمنظور فيه، وإن شاء لم يخلق النظر؛ فلا يوجد العلم. هذا إذا كان العلم حادثًا، وأما إذا كان التعريف للعلم المطلق الشامل للحادث والقديم، فالإيجاب أعم من العادي والعقلي؛ أي لا بشرط شيء عند الأشعري، عقليًا بالنسبة للعلم القديم، وعاديًا بالنسبة للعلم الحادث، أو عقليًا مطلقًا على رأي إمام الحرمين، لمحلها أي موصوفها ومعروضها الذي قامت به وعرضت له - تمييزًا - أي إيضاحًا وكشفًا بين المعاني - جمع معنى - وهو ما قابل المحسوس بالحس الظاهر، والمراد بها المعقولات، \"لا يحتمل النقيض\" الاحتمال: هو ترديد الذهن في الحكم وعدم جزمه، والمراد به التجويز العقلي. والنقيض: ما يتمانع مع الشيء لذاته.\n(^١) في أ، ج: يوجب.\n(^٢) في ت: محترز.\n(^٣) في أ، ح: شمل، وفي ج: يشتمل.\n(^٤) في ج: اليقيني.\n(^٥) ويرد على هذا التعريف وجوه:\nأولًا: تأويل التمييز بما به التمييز، مجاز من غير قرينة ظاهرة في المراد، والحدود يجب أن تصان عنه بالاتفاق.","vol":"1","page":266},{"text":"فيَدْخُلُ إِدْرَاكُ الحَوَاسِّ؛ ......................................\n<hr><s0>\n\nالحد \"إدراك الحواس (^١) \" (^٢)؛ وهي خمس ظاهرة: السمع، والبصر، والشم، والذوق،\n_________\n= ثانيًا: يلزم على هذا ألا يكون العلم بالإنسان مثلًا نفس صورته العقلية، ولا يكون العلم بأن زيدًا كاتب، هو إيجاب الكتابة، بل يكون العلم في القسمين صفة توجب ذلك، وهو غير المتعارف المصطلح عليه في تفسير العلم وتقسيمه إلى تصور وتصديق. ومن أجل هذا حمل بعضهم الصفة في التعريف على الصورة أو الإيجاب والسلب كما صنع شارح المقاصد.\nثالثًا: يلزم على هذا التعريف عدم انقسام العلم إلى تصور وتصديق، وذلك لأن الصفة ليست صورة ولا سلبًا ولا إيجابًا.\nرابعًا: القول بالصورة فرع الوجود الذهني، فإن الصورة هي الأمر الحاصل ذهنًا، المطابق للموجود خارجًا.\nوالمتكلمون سيما أصحاب هذا التعريف لا يعترفون بالوجود الذهني، ولا يقولون به.\nخامسًا: الإيجاب والسلب ليسا بنقيضين لارتفاعهما عند الشك، والنقيضان لا يرتفعان فلا معنى إذن لقوله: إن الصفة توجب في التصديق إيجابًا مثلًا، لا يحتمل متعلقه وهو الموضوع والمحمول نقيضه، وهو السلب. وكان ذلك يصح لو كان الإيجاب والسلب نقيضين، وليس كذلك؛ لارتفاعهما في الشك.\nهذه هي الاعتراضات التي وجهت للتعريف المختار.\n(^١) الحواس: جمع حاسة، وهي القوة الحساسة: خمس، وكانت خمسًا لا أكثر؛ لأن العقل حاكم بوجود الخمس بالضرورة، أما الحواس الباطنية التي هي خمس أخرى فلم يحكم العقل بوجودها بالضرورة؛ بدليل الاختلاف في وجودها، فالفلاسفة أثبتوها بأدلة تتنافى مع القواعد الإسلامية، وغيرهم نفوها، أما أدلة الفلاسفة فمبنيَّة على أن النفس لا تدرك الجزئيات المادية بالذات، وعلى أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد أي لا يكون الواحد مبدأ لأثرين، وحاصل المبنى الأول أنهم قالوا: إن النفس لِكونها مجردة لا ترتسم فيها صور الجزئيات، وإلا لم تكن مجردة بل ترتسم في آلاتها التي هي الحواس، فإدراك الجزئيات عندهم هو ارتسام صورها في الحواس، وعلى ذلك لا بد من حس باطني لترتسم فيه تلك الصور، والحق أن النفس ترتسم فيها صور الجزئيات وإن كان الإدراك بواسطة الحس، وحيث إن الجزئيات ترتسم في النفس فلا تحتاج إلى حس باطني، أما المبنى الثاني فقد قالوا فبه: إن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، وعلى هذا لا بد من الحس الباطني، فيكون إدراك المعاني الجزئية ناشئًا عن مصادر مختلفة غير النفس، وتلك المصادر هي الحواس الباطنية، والحق أن الواحد يصدر عند أشياء كثيرة، فالنفس الناطقة يصدر عنها إدراك المادة وإدراك المعاني، واللّه أعلم. ينظر: مذكرات الشيخ صالح موسى شرف.\n(^٢) في هامش ت: الكلام في أن إدراك الحواس علم أو لا.","vol":"1","page":267},{"text":"كَالْأَشْعَرِيِّ، وَإِلَّا زِيدَ فِي الْأُمُورِ الْمَعْنَوِيَّةِ.\nوَاعْتُرِضَ بِالْعُلُومِ الْعَادِيَّةِ؛ فَإِنَّهَا تَسْتَلْزِمُ جَوَازَ النَّقِيضِ عَقْلًا؛ ..............\n<hr><s0>\n\nواللمس، وخمس باطنة مرتبة في تجويفات الدماغ؛ وهي: الحس المشترك، والمصوِّرة، والمتخيِّلة، والوهمية، والحافظة؛ \"كالأشعري\" (^١)؛ أي: كما هو مذهب شيخنا، وقدوتنا إمام أهل السُّنَّةِ والجماعة أبي الحسن الأشعري ﵁ في جعله (^٢) هذه الإدراكات من قبيل العلم؛ وهذا أحد قوليه في المسألة.\nقال الشيخ الإمام: وآخر قوليه أنها ليست من قبيل العلوم، وهو الذي ارتضاه القاضي، وإمام الحرمين.\nوهنا ثلاثة أمور:\nأحدها: إدراك الحس المحسوس.\nوالثاني: العلم بالمحسوس.\nوالثالث: العلم بعلوم أخر، ولا إشكال في أن الثالث علم.\nوأنه، وهل الثاني مخالفٌ للأول، أو هما شيء واحد؟ هذا محلُّ الخلاف.\nفإن قلنا: إنهما شيء واحد - وهو مذهب الشيخ أولًا - دخلت في الحد، \"وإلَّا\" أي: وإن لم نَقُلْ بمذهب الشيخ \"زيد\" في الحد، \"في الأمور المعنوية\"، ويريد بالمعنوية: ما عدا الحسّية، ليخرج إدراك الحواسّ؛ لأن تمييزها في الأمور العينيَّة الخارجية.\nالشرح: \"واعترض\" على الحَدّ \"بالعلوم العادية\" (^٣)؛ كعلمنا بأن الجَبَلَ حَجَرٌ، \"فإنَّها تستلزم جواز النقيض عقلًا\"؛ أي: فإنه علم؛ وهو يحتمل النقيض؛ لجواز انقلاب الجَبَلِ ذَهَبًا بقدرة القادر المختار.\n_________\n(^١) أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد اللّه الأشعري البصري، إمام المتكلمين، ناصر سنة سيد المرسلين، ولد سنة ٢٦١ هـ، أخذ الكلام أولًا عن أبي علي الجبائي، شيخ المعتزلة، ثم فارقه، ورجع عن الاعتزال، ورد عليهم، وقد جمع الحافظ ابن عساكر كتابا في الانتصار له، وهو متداول مطبوع بعنوان: \"تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري\" مات سنة ٣٢٤. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١١٣، وتاريخ بغداد ١١/ ٣٤٦.\n(^٢) في ب، ت: في جعله من العلم.\n(^٣) في حاشية ج: قوله: بالعلوم العادية؛ أي: العلوم التي سببها جريان عادة الله تعالى بخلق متعلقاتها وإبقائها على حالة وكيفية مخصوصة، مع إمكان كونها على خلاف ذلك. =","vol":"1","page":268},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  فإن قيل: كيف يكون جريان العادة مفيدًا للعلم، مع احتمال جواز خرق العادة؟\nقلنا: المنافي للعلم وقوع خلاف العادة لا مجرد الجواز، وهذا كما أن الحس ونظر العقل يفيد العلم مع جواز الغلط فيهما، والسر أن كثيرًا من الأمور الجائزة في أنفسها يعلم انتفاؤها في الخارج بالبداهة. ينظر: عبد الحكيم على المواقف.\nوقال السعد: معنى \"عدم احتماله النقيض\" أن العقل لا يجوز بوجه من الوجوه كون الواقع في نفس الأمر نقيض ذلك الحكم وإن كان من الأمور الممكنة، كما إذا شاهد حركة زيد، وبياض جسم، فإنه لا يجوز ألبتة في ذلك الوقت كون زيد ساكنًا والجسم أسود، بل يقطع بأن الواقع هو هذه النسبة لا غير، والعلوم العادية من هذا القبيل.\nقلت: قد اعترضوا على التعريف، بعدم شموله للعلوم العادية وهي المستندة للعادة، وكان سببها جريان عادة الله تعالى بخلق متعلقاتها، وإبقائها على حالة وكيفية مخصوصة، مع إمكان أن تكون على خلاف ذلك وقتًا ما. فعدم بقائها على ذلك الحال الذي تصورت به، وحدوث حالٍ لها مناقض لذلك الحال، ممكن في نفسه لا يمتنع عقلًا، فهي محتملة للنقيض، فهي خارجة عن هذا التعريف مع كونها مع أفراد العلم، وإنما كانت محتملة للنقيض فهي خارجة عن هذا التعريف مع كونها من أفراد العلم، وإنما كانت محتملة للنقيض؛ لأنها جائزة لا واجبة لذاتها؛ ولأن الجواهر المفردة متساوية في قبول الصفات المتقابلة، كالذهبية والحجرية والطينية، والبقاء والزوال وشمول قدرة المختار، توجب ذلك الاحتمال، فإذا علمنا أن الجبل الذي رأيناه بـ\"مكة\" مثلًا حجرًا ولم ينقلب الآن ذهبًا محتمل للنقيض، وهو جزئيٌّ من جزئيات المعرّف وخارج عن التعريف؛ لأن متعلقه محتمل لنقيض ما به التمييز وهو الصورة الذهنية، بأن يكون ذلك الجبل الآن ذهبًا لا حجرًا، فكون التعريف غير جامع، وإنما كان محتملًا للنقيض؛ لأن كون الجبل حجرًا لا ذهبًا، أمر ممكن في نفسه تتعلق به قدرة الله تعالى، الصالحة للتعلق بجميع الممكنات، فهي صالحة للتعلق بكل من الذهبية والحجرية، فلا مانع إذن من أن يكون المولى قد قلبه وحوله إلى ذهب، فيكون الجبل ذهبًا؛ أي لا حجرًا بعد أن كان حجرًا.\nولا حجر - فنقيض - حجر في قولنا: الجبل حجر، الجبل ليس بحجر، فالصفة التي أوجبت الحكم بالحجرية للجبل، احتمل متعلقها نقيض، فلم يكن التعريف جامعًا، وذلك بناء على أن الأجسام كلّها متماثلة - في الخقيقة - وأنها بأسرها مركبة من الجواهر الفردة، وأن اختلافها إنما هو بالعوارض، لا بالذات، فما يتركب منه الحجر هو بعينه ما يتركب الذهب، وإذن فالجواهر الموصوفة بالصفات الحجرية محتملة لأن تتصف بالصفات الذهبية.\nوهناك مذهب آخر في الأجسام وحقيقتها يغاير المذهب الأول، وهو أن الأجسام مختلفة بالحقيقة، ولذلك كان للإنسان حقيقة غير حقيقة الفرس مثلًا، وبناء على هذا ما يتركب منه الجبل وهي الأجزاء الفردة الحجرية، غير ما يتركب منه الذهب. وإذن فـ: الجبل حجر، لا يناقضه: الجبل ليس بحجر؛ =","vol":"1","page":269},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  ضرورة أن الجبل لا يكون إلا حجرًا، فهو علم على الأحجار المجتمعة، فكأنه قيل: الحجر المجتمع ليس بحجر، وهو لا يفيد معنى بل هو باطل؛ لأنه سلب الشيء عن نفسه. وإذن فالعلم بأن الجبل حجر ومثله من العلوم العادية لا يحتمل النقيض، فلا يتوجه الاعتراض على التعريف. وقد أجاب أصحاب هذا الاعتراض بناء على هذا المذهب، بأن الاعتراض لا زال واردًا، غاية ما في الأمر أن الموضوع لا يؤخذ مخصوصًا بعنوان الجبل، بل يؤخذ بعنوان أعم صالح لبصدق على الجبل وغيره، كالشاغل للمكان الفلاني، من غير ملاحظة خصوصية الجبلية، فلا يكون الحكم واردًا على خصوصية الجبل حتَّى يصح الحكم عليه بجواز كونه لا جبلًا، بناء على هذا المذهب، فيقال في تقرير الاعتراض كعلمنا بأن الشاغل للمكان الفلاني - حجر؛ فإن هذا محتمل للنقيض، بأن يعدم الله ﷾ الحجر ويجعل مكانه ذهبًا، فيصدق أن يقال: الشاغل لصحراء مكة ذهب، أي ليس بحجر، وقد كان بحسب العلم الأول حجرًا. وبهذا تحتمل مثل هذه العلوم النقيض، ويتوجهها الاعتراض على التعريف.\nوالجواب: أن احتمال الشيء للنقيض يرد على وجهين، ويستعمل لمعنيين:\nالأول: تجويز العقل أن يكون نقيضه واقعًا بدلًا منه في الحال، كما في الظن والشك، أو في المال، كما في الجهل المركب، والتقليد، ومنشأ ذلك الاحتمال ضعف التمييز، إما لعدم الجزم وخلوصه من الشوائب، أو لعدم استناده إلى موجب عن ضرورة أو دليل صحيح.\nالثاني: أن الشيء لو فرض نقيضه واقعًا بدله، لم يلزم من وقوع ذلك النقيض محال لذاته؛ لأن ذلك النقيض ممكن؛ كما أن الأصل ممكن، ولا شكَّ أن طرفي الممكن كل منهما جائز، والجائز لا يستلزم وقوعه محالًا، بل تحققه وعدم تحققه سواء، وإلا لكان واجبًا أو مستحيلًا؛ فلا يكون ممكنًا. والفرض أنه ممكن؛ فالمعنى الثاني للاحتمال هو الإمكان الذاتي. هذان المعنيان هما اللذان يستعمل فيهما الاحتمال، والمراد منهما في التعربف المعنى الأول، وهو تجويز العقل حصول نقيضه واقعًا بدلًا منه، وذلك الاحتمال منفيّ في العلم، بل هو: صفة توجب لموصوفها حصول صورة، أو نسبة بهما يكون موصوفًا، مميزًا بين المعاني، بعضها عن بعض، تمييزًا لا يجوز صاحبه في الحال أو المآل أن يكون الواقع سوى هذه الصورة أو النسبة؛ لأن الصورة لا تحتمل غير ما هي له؛ ولأن إدراك النسبة كان جازمًا متندًا إلى موجب صحيح، فما أدركه واقعًا فهو واقع، وما أدركه غير واقع، هو غير واقع، ولا شكَّ أن العلوم العادية لا يحتمل متعلقها نقيض تمييزها بهذا المعنى، فإذا أدرك العالم بصفة العلم أن الجبل الفلاني أو أن الشاغل لمكان كذا - حجر - لا يحتمل متعلق ذلك الإدراك أن يكون غير حجر، ولذلك تراه يحدث وهو متيقن لصحة قوله ومطمئن لحكمه، وما ذاك إلّا لعدم الاحتمال عنده، وملخص القول: إن المراد بعدم احتمال النقيض جزم العقل بأن النقيض غير واقع، أو أن ما أدركه هو الواقع وليس شيئًا سواه.","vol":"1","page":270},{"text":"وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْجَبَلَ إِذَا عُلِمَ بِالْعَادَةِ أَنَّهُ حَجَرٌ، اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ حِينَئِذٍ ذَهَبًا ضَرُورَةً؛ وَهُوَ الْمُرَاد، وَمَعْنَى التَّجْوِيزِ الْعَقْلِيِّ أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ، لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ مُحَالٌ لِنَفْسِهِ، لَا أَنَّهُ مُحْتَمَلٌ.\n<hr><s0>\n\n\"وأجيب؛ بأن الجبل إذا علم بالعادة أنه حَجَرٌ، استحال حينئذٍ\"؛ أي: حِينَ إِذْ (^١) تعلّق العلم به \"أن يكون ذَهَبًا\" في الخارج، وفي العقل (^٢) \"ضرورة\"؛ لاستحالة اجتماع النقيضين (^٣) وهما: كونه حجرًا أو غير حَجَرٍ، \"وهو المراد\"؛ من عدم احتمال النقيض.\n\"ومعنى التجويز العقلي: أنه لو قدر\" مقدِّر نقيضَ متعلَّق العلم، \"لم يلزم منه\"؛ أي: من تقديره \"محال لنفسه\" لا يمكن لذاته، \"لا أنه محتمل\" (^٤)؛ أي: ليس معنى التجويز: أن نقيض متعلَّق العلم يحتمل وقوعه بوجه؛ فحينئذٍ جاز كون النّقيض مركبًا في نفسه، ولا يحتمل وقوعه لغيره؛ فلا (^٥) يلزم من التجويز العقلي الاحتمال؛ فتدخل (^٦) العلوم العادية تحت الحدِّ.\nولقائل أن يقول: إذا تعلق العلم بكونه حجرًا، فالمستحيل إنما هو تعلّق العلم - والحالة هذه - بأنه ذهب، لا كونه ذهبًا في نفس الأمر، فرُبّ معلومٍ بالعادة، وقد خُرقت العادة فيه (^٧)، ولم يعلم العالم به بخرقها، وهو عالم بالعادة، مع وقوع خلافها في نفس الأمر، وهذا كما أن القمر، لما انشق للنبي ﷺ، كان الحاصل عند من لم يَرَهُ في ذلك الوقت، ولم يبلغه انْشِقَاقُهُ - أنه غير منشقٍّ، بل هو على المعتاد، فكان (^٨) العلم العادي (^٩) حاصلًا (^١٠) بأنه غير منشقٍّ في ذلك\n_________\n(^١) في ت: حين.\n(^٢) في حاشية ج: قوله: وفي العقل لو نظر لهذا لم يكن للإيراد بقوله: ولقائل … إلخ وجه. تأمل.\n(^٣) في حاشية ج: قوله: \"لاستحالة اجتماع النقيضين\" أي: في العلم العادي؛ إذ لا يمكن علمه عادة حجرًا، مع علمه عادة ذهبًا.\n(^٤) في حاشية ج: قوله: \"أنه محتمل\" أي: مع وجود نقيضه، وهو علم أنه حجر.\n(^٥) في ت: ولا.\n(^٦) في ت: فيدخل.\n(^٧) في حاشية ج: قوله: معلوم بالعادة وقد … إلخ، ليس الكلام فيه بل في الباقي عليه كما في المقابل.\n(^٨) في ب، ت: وكان.\n(^٩) في حاشية ج: قوله: فكان العلم العادي … إلخ، قد يقال: العلم العادي الحاصل هو العلم بأنه غير منشق مطلقًا، لا بأنه غير منشق معجزة؛ إذ لا دخل للعادة في هذا، فالكلام في العلم العادي ما دامت العادة، وهي ما دامت لم يكن منشقًا. فليتأمل.\nوأجاب الغزي على المواقف بأن المراد عدم احتمال النقيض ما دام ذلك الشيء وهو واقع في العلوم العادية؛ لبقاء موجب التميز، أما إذا تبدل المتعلق، فتبدل التميز هو العلم وبقاؤه جهل، فاحتمال =\n(^١٠) في ح: حاصل.","vol":"1","page":271},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالوقت، وهو منشقٌّ في نفس الأمر؛ على خلاف الأمر العادي، وإذا كانت الاستحالة إنّما هي عند من حصل له العلم العادي، فالعلم لا يكفي في حصوله كونه يستحيل خلافه عند الذاكر (^١)، بل لا بُدّ وأن يستحيل عند الذاكر (^٢) وفي نفس الأمر معًا؛ فلا يحتمل النقيض بوجه على [ما] (^٣) بينه (^٤) في تقسيمه الذكر الحكمي، وأيضًا فمن حصل له (^٥) علم عادي - وهو (^٦) مع ذلك يعتقد جواز كون الواقع في نفس الأمر على خلاف علمه؛ لاحتمال وقوع خرق العادة.\nفإن قلت: المصنِّف إنما تكلم فيما إذا وجد العلم، والعلم لا يكون إِلَّا مطابقًا، والمطابق يستحيل (^٧) أن يكون الواقعُ بخلافه، وإذا كان الواقع خلاف الحاصل، كان الحاصل جهلًا لا علمًا.\nقلت: لو كان كذلك، لم يكن معنى (^٨) لتخصيص الكلام بالعلوم العادية، فإنه متى حصل الذكر النفسي الذي لا يحتمل متعلَّقه النقيض بوجه، لم يحتمل أن يكون الواقع بخلافه، لا فَرْقَ في ذلك بين العلوم العاديّة، [والوجدانية] (^٩)، والحسّية، وغيرها، فإنه قد وجد الجازم والمطابق كله بالفرض.\n\n<span data-type='title' id=toc-348>\"فائدة\"</span> (^١٠)\nإذا عرفت أن العلم ما كان عن موجِب، وما كان مطابقًا؛ بخلاف الظن، فلو قال الآخَر:\n_________\n= ذلك التبدل غير قادح في عدم الاحتمال المراد، كما في الضروريات، فإن العلم بكون الكل أعظم من الجزء علم بديهي، لكن ما دام الكل كلًا، والجزء جزءًا، فاحتمال تبدله بتبدل الكلية والجزئية غير قادح فكذا ما نحن فيه. ينظر: شرح المقدمة (٨) خ.\n(^١) في ب، ت: الذكر.\n(^٢) في ت: الذكر.\n(^٣) سقط في ح.\n(^٤) في ب، ت: بينة.\n(^٥) في حاشية ج: قوله: وأيضًا فمن حصل له … إِلخ، كيف يكون عالما مع تجويزه كون الواقع على خلاف علمه، وإنما هو يعتقد أن الجبل حجر ما دام حجرًا كما هو في العادة. فتأمل!\n(^٦) في أ، ج: فهو.\n(^٧) في ت: مستحيل.\n(^٨) في حاشية ج: قوله: لم يكن معنى … إلخ، قد يقال: وجه التخصيص وجود التجويز العقلي بالمعنى الذي ذكره فيها دون غيرها.\n(^٩) سقط في ح.\n(^١٠) الفائدة: هي ما يترتب على الفعل، وأيضًا الزيادة تحصل للإنسان، وكذا ما استفاده من علم أو مال. ينظر: تعريفات الشيخ زكريا الأنصاري.","vol":"1","page":272},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأنت تعلم أن هذا العبد حُرّ، حكم بِعِتْقِهِ.\nولو قال: تظن، لم يُحكَمْ؛ لأنَّهُ لو لم يكن حرًّا، لم يكن المقول له عالمًا بحريته، وقد اعترف السيد بعلمه؛ وصورة الظن بخلافه؛ نقله الرافعي عن خط الرُّوياني (^١) عن بعض الأئمة.\n[قال] (^٢): ولو قال: ترى أنه حُرّ، احتمل ألَّا يقع، واحتمل أن تحمل (^٣) الرؤية على العلم، ويقع.\nواعلم أنك إذا قلت: زيد قائم، أو ليس بقائم، فقد ذكرت حكمًا (^٤) وسببًا (^٥)؛ إذ لا بُدَّ\n_________\n(^١) عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد بن محمد بن أحمد، أبو المحاسن، الروياني، الطبري صاحب البحر وغيره، قال ابن خلكان: وأخذ الفقه عن ناصر العمري، وعلق عنه، وبرع في المذهب حتَّى كان يقول: لو احترقت كتب الشافعي لأمليتها من حفظي، ولهذا كان يقال له: شافعي زمانه. ولد سنة ٤١٥ هـ، ومن تصانيفه: \"البحر\" وهو بحر كاسمه، و\"الكافي\" وغيرهما، قتله الباطنية سنة ٥٠٢ هـ.\nينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٢٨٧، ووفيات الأعيان ٢/ ٣٦٩، والأعلام ٤/ ٣٢٤، والنجوم الزاهرة ٥/ ١٩٧، وشذرات الذهب ٤/ ٤، ومفتاح السعادة ٢/ ٢١٠ ومعجم البلدان ٣/ ١٠٤.\n(^٢) سقط في ت.\n(^٣) في ت: يحمل.\n(^٤) في حاشية ج: قوله: فقد ذكرت حكمًا قال السعد: هو هذا اللفظ، وإنما سُمِّيَ به لدلالته عليه، أو فقد ذكرت بهذا اللفظ حكمًا، وعلى هذا فتسميته اللفظ بالذكر الحكمي ظاهرة؛ لكونه ذكر منسوبًا إلى الحكم من حيث دلالته عليه.\n(^٥) نزيد ذلك إيضاحًا: إذا قلت: زيد قائم، أو لبس بقائم، فقد ذكرت حكمًا، وهو الذكر الحكمي، وهو ينبئ عن أمر في نفسك في إثبات أو نفي، وهو ما عنه الذكر الحكمي، وربما يسمى الذكر النفسي، وله نقيض، فللإثبات النفي، وللنّفي الإثبات، ولذلك متعلق وهو طرفاه، فنقول عنه: الذكر الحكمي، سواء صَدَرَ عنه الذكر الحكمي أو لا، إمَّا أن يحتمل متعلقه النقيض، أي نقيض ما عنه الذكر الحكمي بوجه من الوجوه أو لا.\nوالثاني: العلم، والأول إما أن يكون بحيث لو قدر الذاكر النقيض لكان محتملًا عنده أو لا.\nوالثاني: هو الاعتقاد وهو إن كان مطابقًا للواقع، فاعتقاد صحيح، وإلَّا فاعتقاد فاسد، والأول إما أن يحتمل النقيض، وهو راجح أو لا، بل مرجوح أو مساوٍ، فالراجح الظن، والمرجوح الوهم، والمساوي الشك.\nوإنما جعل المورد ما عنه الذكر الحكمي دون الاعتقاد، أو الحكم؛ ليتناول الشك والوهم مما لا اعتقاد، ولا حكم للذهن فيه، وأشار بقوله: \"لو قدره\" إلى أن الظن اعتقاد بسيط، وقد لا يخطر نقيضه بالبال، ولكن ينبغي أن يكون بحيث لو خطر نقيضه بالبال لجوّز، ولا يكون تميزه في القوة =","vol":"1","page":273},{"text":"وَأعْلَمْ أَن مَا عَنْهُ الذِّكْرُ الْحُكْمِيُّ إِمَّا أَنْ يَحْتَمِلَ مُتَعَلَّقُهُ النَّقِيضَ بِوَجْهٍ أَوْ لَا:\n<hr><s0>\n\nمن سبب لما وقع في الذهن من قيام زيد، وهي. نسبة تقييدية تنشأ (^١) عنها النسبة الحكمية، وهذه النسبة التقييدية في الذِّهْنِ هي التي عنها الذكر الحُكْمي، وهو (^٢) مورد التقسيم؛ ولذلك (^٣) متعفَق هو طرفاه، وهو قيام زيد في الخَارجِ، ولا نعني (^٤) وجوده، بل حقيقته في نفسه القابلة للوجود والعدم، وهي التي تقسم إلى احتمال النقيض، وعدم احتماله.\nإذا عرفت هذا، وهو الذكر الحكمي، وربما سمي الذكر النَّفسي، وله نقيض، فللإثبات النفي، وللنفي الإثبات، فنقول:\nالشرح: \"اعلم أن ما عنه الذِّكر الحُكمي\" (^٥)، سواء أصدر (^٦) عنه الذكر الحكمي (^٧) أم لا؛ \"إما أن يحتمل متعلقه النقيض\"، \"أي: نقيضَ ما عنه الذكر الحُكمي \"بوجه\" من الوجوه، \"أو لا، والثاني العلم.\n_________\n= بحدّ لو قدّر نقيضه لمنعه، فإن قلت: الاعتقاد لا يحتمل النقيض عند الذاكر ولا في الواقع؛ إذ الواقع أحدهما قطعًا، ولم يعتبر الجواز العقلي كما في العاديات، فما معنى احتماله للنقيض؟\nقلت: ذلك احتمال المتعلق في نفس الأمر بالنسبة إلى الحاكم أن يحكم فيه بالنقيض، وذلك بأن يكون الواقع فيه نقيضه أو هو، ولا يكون ثمَّ موجب من حسٍّ أو ضرورة أو عادة توجب الحكم، فإن الاعتقاد عن تقليد أو شبهة لا يمتنع ألا يحصل فيه الجزم الذي اتفق لا بموجب، بل يحصل اعتقاد نقيضه، ثم ذكر أنه قد علم بهذا التقسيم حدودها؛ أي حدود كلِّ واحد من الظنِّ والعلم.\nوقسيمتهما بأن يقال: العلم ما عنه الذكر الحكمي الذي لا يحتمل متعلقه النقيض بوجه، والظن ما عنه الذكر الحكمي الذي يحتمل متعلقه النقيض عند الذاكر لو قدّره إذا كان راجحًا وعليه فقس.\nينظر: شرح المقدمة (٨) خ.\n(^١) في أ، ج، ح: ينشأ.\n(^٢) في ت: وهي.\n(^٣) في ت: وكذلك.\n(^٤) في ت: معنى.\n(^٥) لما فرع عن حد العلم أراد أن يعرف الظن فذكر تقسيمًا يعرف منه الظن، وغيره؛ ليكون أتم فائدة.\n(^٦) في ت: صدر.\n(^٧) والذكر الحكمي هو الكلام الخبري الدال على معنى الخبر أعم من أن يكون كلامًا تخيليًا أو لفظيًا، وما عنه الذكر الحكمي هو مفهوم الكلام الخبري.","vol":"1","page":274},{"text":"الثَّانِي: الْعِلْم، وَالْأَوَّلُ: إِمَّا أَنْ يَحْتَمِلَ النَّقِيضَ عِنْدَ الذَّاكِرِ، لَوْ قَدَّرَهُ أَوْ لَا، وَالثَّانِي: الاعْتِقَاد، فَإِنْ طَابَقَ، فَصَحِيحٌ، وَإِلَّا فَفَاسِدٌ، وَالأَوَّلُ: إِمَّا أَنْ يَحْتَمِلَ النَّقِيضَ، وَهُوَ رَاجِحٌ أَوْ لَا، فَالرَّاجِحُ: الظَّنُّ، وَالْمَرْجُوحُ: الْوَهْم، وَالْمُسَاوِي: الشَّكّ، وَقَدْ عُلِمَ بِذلِكَ حُدُودُهَا.\n<hr><s0>\n\nوالأول: إما أن يحتمل النقيض عند الذّاكر (^١) لو قدره\"؛ أي: يكون بحيث لو قدر الذَّاكر النقيض، لكان محتملًا عنده، \"أوْ لا.\nوالثاني: الاعتقاد، فإن طابق الواقع، فصحيحٌ، وإلَّا ففاسدٌ.\nوالأول: إما أن يحتمل النقيض، وهو راجح، أوْ لا\"، بل مرجوحٌ، أو مُسَاوٍ.\n\"فالرَّاجح: الظَّن، والمرجوح: الوهم، والمُسَاوي: الشَّك\".\nوإنما جعل مورد التقسيم. ما عنه الذكر الحكمي، دون الاعتقادِ أو الحكمِ؛ لتناول الوَهْم والشك؛ مما لا اعتقاد ولا حكم للذهن فيه.\n\"وقد علم بذلك حدودها\"، بأن يقال: العلم: ما عنه الذكر الحُكْمي الذي لا يحتمل متعلَّقه النقيض بوجه، والظن: الذي يحتمل متعلقه النقيض عند الذاكر، لو قدره، إذا كان راجحًا، وهكذا إلى آخر التقسيم.\nوهذا اصطلاح الأصوليين، وربما أطلق الفقهاء على الظَّن الغالب علمًا، ولذلك لما ذكروا الخلاف في أنّ القاضي، هل يقضي بعلمه؟ مثلوا له؛ بما إذا ادّعَى عليه مالًا، وقد رآه القاضي أقرضه ذلك، أو سمع المدَّعَى عليه أقر بذلك.\nقال الرافعي: ومعلوم أن رؤية الإقراض (^٢)،\n_________\n(^١) في ت: الذكر.\n(^٢) القراض كالمضاربة معنىً، فهما لفظان مترادفان، إِلَّا أن القراض: لغة أهل الحجاز. والمضاربة: لغةُ أهل العراق. واختلف العلماء في مبدأ اشتقاقه. فقال صاحب \"العَيْنِ\": هو من أقْرَضَ، فنقول: أقرضتُ الرجل، إذا أعطيته ليعطيك، فالمقارضُ يعطى الربح كما يعطى المقترض مثل المأخوذ. وقال غيره: هو من المقارضة، وهي المساواة، ومنه: تقارض الشاعران، إذ تساويا في الإنشاد؛ لأنهما يستويان في الانتفاع بالربح. وقيل: من القَرْضِ الذي هو القطع؛ لأن المالك قطع للعامل من ماله قطعة يعمل فيها، والعامل قطع للمالك قطعة من الربح الحاصل بسعيه. فإطلاق لفظ القراض على إعطاء شخص غيره جزءًا من ماله ليتجر فيه على أن يكون له بعض الربح إطلاق لغوي، والدليل على ذلك ما قاله بعض الصحابة لعمر بن الخطاب في قصة عبد الله وعبيد الله: \"لو جعلته قراضًا\" =","vol":"1","page":275},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوسماع الإقرار (^١) لا يفيد اليقين؛ بثبوت المحكوم به وقت القضاء.\nقال: فيدلّ على أن المراد بالعلم ليس اليقينَ، بل الظَّنَّ المؤكَّدَ.\nوربما أطلقوا الشّك في موضع لم يستو الطَّرفان فيه.\nوقولهم في القاعدة المشهورة: اليقين لا يُرفع بالشّك؛ إذا تأملت فروعها، عرفت: أن المراد به استصحاب اليقين، وهو في الحقيقة ظَنّ لا يرفع بالشك، واستثناءُ ما استثنوه (^٢) من\n_________\n= ووجه الدلالة أن الصحابة هم أهل اللسان العربي، وأرباب البيان الضَّادي، فإذا كان يحتج بقول امرئ القيس، والنابغة، فالحجة بقول الصحابة أولى.\nينظر: لسان العرب: ٥/ ٣٥٨٨، والمصباح المنير ٢/ ٤٩٧، والصحاح ١/ ١٦٨، وتحرير التنبيه (٣٢٨).\nواصطلاحًا:\nعرفه الحنفية بأنه: هو المضاربة عندهم، عقد شركة في الربح بمال من جانب وعمل من جانب.\nوعرفه الشافعية بأنه: أن يدفع إليه مالًا؛ ليتجر فيه والربح مشرك.\nوعرفه المالكية بأنه: توكيل على تجرٍ في نقدٍ مضروبٍ مُسلمٍ بجزء من ربحه.\nوعرفه الحنابلة بأنه: دفع مال معلوم أو ما في معناه لمن يتجر فيه بجزء معلوم من ربحه.\nينظر: حاشية الدسوقي ٣/ ٥١٧، وشرح فتح القدير ٨/ ٤٤٥، ومغني المحتاج ٢/ ٣٠٩ - ٣١٠، ومطالب أولي النهي ٣/ ٥١٣ - ٥١٤، ومجمع الأنهر ٢/ ٣٢١، وكشاف القناع ٣/ ٥٠٧، والفواكه الدواني ٢/ ١٧٤ - ١٧٥.\n(^١) الإقرار لغة: مشتق من القرار؛ وهو إثبات ما كان متزلزلًا؛ وهو من قر الشيء إذا ثبت. وقيل: الإقرار خلاف الجحود.\nينظر: الصحاح ٢/ ٧٨ ولسان العرب ٥/ ٣٥٨٢، وأنيس الفقهاء ص (٢٤٣).\nواصطلاحًا:\nعرفه الشافعية بأنه: إخبار بحق على المقر.\nوعرفه المالكية بأنه: خبر يوجب حكم صدقه على قائله فقط بلفظه أو لفظ نائبه.\nوعرفه الحنفية بأنه: إخبار بحق لآخر لا إثبات له عليه.\nوعرفه الحنابلة بأنه: إظهار مكلف مختار ما عليه بلفظ أو كتابة أو إشارة أخرس أو على موكله أو موليه أو مورثه بما يمكن صدقه.\nينظر: حاشية الباجوري ٢/ ٢، والخرشي ٦/ ٨٦ - ٨٧، والدرر ٢/ ٣٥٧، ومنتهى الإرادات ٢/ ٦٨٤.\n(^٢) في ب: استثنوا.","vol":"1","page":276},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nهذه القاعدة، ليس في الحقيقة قضاءً بالمرجوح، مع وجدان الرَّاجح؛ فإن ذلك على خلاف المعقولِ والمشروعِ، بل عملٌ بأرجح الظَّنين.\nقال أبو العَبَّاس بن القاصِّ (^١): لا يُرفع اليقين بالشَّكِّ إلا في إحدى عشرة (^٢) مسألة (^٣) - وزاد\n_________\n(^١) أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الطبري ابن القاص، أخذ الفقه عن ابن سريج، وتفقه على أهل طبرستان، قال الشيرازي: كان من أئمة أصحابنا، وقال ابن باطيش: كان إمام طبرستان في وقته، ومن لا تقع العين على مثله في علمه وزهده، له التلخيص وأدب القضاء، مات سنة ٣٣٥ هـ. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١٠٦، وطبقات السبكي ٢/ ١٠٣، والبداية والنهاية ١١/ ٢١٩، ووفيات الأعيان ١/ ٥١، وشذرات الذهب ٢/ ٣٣٩، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٢٥٢، وطبقات الفقهاء للشيرازي ص ٩١.\n(^٢) في أ، ب، ت، ح: عشر، وهو خطأ.\n(^٣) في حاشية ج: مسائل: إحداها: إذا شكَّ ماسح الخف هل انقضت المدة أم لا؟\nالثانية: شك هل مسح في السفر أم في الحضر، يحكم في المسألتين بانقضاء المدة.\nالثالثة: إذا أحرم المسافر بنية القصر خلف من لا يدري أمسافر هو أو مقيم لم يجز القصر.\nالرابعة: بال حيوان في ماء كثير، ووجده متغيرًا، ولم يدر أتغير بالبول أم بغيره، فهو نجس.\nالخامسة: المستحاضة المتحيرة يلزمها الغسل عند كل صلاة تشكّ في انقطاع الدم قبلها.\nالسادسة: من أصابته نجاسة في بدنه أو ثوبه، وجَهِلَ موضعها يلزمه غسله كله.\nالسابعة: شكَّ مسافر أوصل بلده أم لا، لا يجوز له الترخص.\nالثامنة: المستحاضة وسلس البول إذا توضأ ثم شكَّ هل انقطع حدثه أم لا فصلى بطهارته لم تصح صلاته.\nالتاسعة: تيمم ثم رأى شيئًا لا يدري أسراب هو أم ماء فيبطل تيممه وإن بان سرابًا.\nالعاشرة: رمى صيدًا ثم غاب فوجده ميتًا، وشك هل أصابته رمية أخرى من حجر غيره لم يحل أكله، وكذا لو أرسل عليه كلبًا. انتهى.\nقال القفال في شرحه: قد خالفه أصحابنا في هذه المسائل كلها، فالمسألة الأولى والثانية في مسح الخف.\nقال أصحابنا: لم يترك فيهما اليقين بشك، بل لأن الأصل غسل الرجل، وشرط المسح بقاء المدة، وشككنا فيه، فعملنا بأصل الغسل، هذا قول القفال. وفيه نظر، والظاهر قول أبي العباس.\nقال القفال: وأما المسألة الثالثة فحكمها صحيح لكنه ليس ترك يقين بشك؛ لأن القصر رخصة بشرط، فإذا لم يتحقق، رجع إلى الأصل، وهو الإتمام. =","vol":"1","page":277},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nعليه الأصحاب صورًا أهملها من جنس ما ذكره.\nثم قال محققوهم: إنه لم يُعمل بالشَّك في شيء منها؛ كما حَقّقنا (^١) ذلك في كتابنا \"الأشباه والنظائر\".\nواعلم أن الإمام حجَّة الإسلام أبا حَامِدٍ الغَزَّاليَّ (^٢) - سقى الله عهده - افتتح كتاب\n_________\n= قال: وأما الرابعة: فحكمها صحيح؛ لكن ليس هو ترك يقين بشك؛ لأن الظاهر تغيره بالبول. وهذا فيه نظر، والظاهر قول أبي العباس أنه ترك الأصل لظاهر.\nقال: وأما الخامسة: فحكمها صحيح، لكن ليس ترك أصل بشك؛ بل لأن الأصل وجوب الصلاة عليها، فإذا شكت في انقطاع الدم فصلت بلا غسل لم تتيقن البراءة من الصلاة وفيه نظر. والظاهر قول أبي العباس.\nوأما السادسة: فليس ترك بقين بشك؛ لأن الأصل أنه ممنوع من الصلاة إلا بطهارة عن هذه النجاسة، فما لم يغسل الجميع هو شاك في زوال منعه من الصلاة.\nقال: وأما السابعة؛ ففيها وجهان:\nأحدهما: له القصر؛ لأنَّهُ شاك في زوال سبب الرخصة، والأصل عدمه.\nوالثاني: لا يجوز كما قال أبو العباس، ولكن ليس ذلك ترك يقين بشك، وفيه نظر، والظاهر قول أبي العباس.\nوأما الثامنة فحكمها صحيح، ولكن ليس ترك يقين بشك بل الأصل الإتمام، ولا يقصر حتَّى يتيقن سبب الرخصة، وفيه نظر، والظاهر قول أبي العباس.\nوأما التاسعة فحكمها صحيح، لكن ليس ترك بقين بشك؛ لأن المستحاضة لا يحل لها الصلاة مع الحدث إلا للضرورة، فإذا شكت في انقطاع الدم فقد شكت في السبب المجوّز للصلاة مع الحدث، فرجعت إلى أصل وجوب الصلاة بطهارة كاملة، والظاهر قول أبي العباس.\nوأما العاشرة: فحكمها صحيح، لكن ليس ترك يقين بشك، وإنما بطل التيمم برؤية السراب؛ لأنَّهُ توجه الطلب، وإذا توجه بطل التيمم، والظاهر قول أبي العباس.\nقال: وأما الحادية عشرة: ففي حلّ الصيد قولان:\nفإن قلنا: لا يحل، فليس ترك يقين بشك؛ لأن الأصل التحريم، فقد شككنا في الإباحة، هذا كلام القفال اهـ. والصواب في أكثرها مع أبي العباس كما ذكرناه، وهو ظاهر لمن تأمله. شرح المهذب للإمام النووي ﵀، فلينظر الأشباه والنظائر للمؤلف ﵀ وإيانا، وقد قمنا بتحقيقه وإخراجه مع دار الكتب العلمية بـ\"بيروت\". وينظر كلامنا على التلخيص لابن القاص.\n(^١) في ت: خصصنا.\n(^٢) ينظر: المستصفى ١/ ١٠.","vol":"1","page":278},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"المستصفَى\" بقواعد منطقية، وقال: \"هذه مقدمة العلوم كلها، ومن لا يحيط بها، فلا ثقة (^١) له بمعلومه (^٢) أصلًا.\nواختلف أهل العلم والدِّين بعدهم، فذكر الشيخ أبو عمرو بن الصَّلاح؛ أنه سمع الشيخ العماد بن يونس (^٣) يحكي عن الإمام يوسف الدمشقي؛ أنه كان يُنكِرُ هذا القول (^٤) ويقول: فأبو بكر (^٥)، وعمر (^٦)، وفلان، وفلان؛ يعني: أن أولئك السَّادة عظمت حظوظهم من العلم واليقين،\n_________\n(^١) في ت: فقه.\n(^٢) في ب: بعلومه.\n(^٣) محمد بن يونس بن محمد بن منعة بن مالك، العلامى عماد الدين أبو حامد بن يونس الإربلي الموصلي، ولد سنة ٥٣٥ هـ، وتفقه على والده، ثم دخل بغداد، وتفقه بالنظامية على السديد السلماسى، ويوسف بن بندار الدمشقي، وسمع الحديث من جماعة، كان إمام وقته في المذهب والأصول والخلاف، قال ابن خلكان: وجمع بين \"المهذب\" و\"الوسيط\" وسماه \"المحيط\"، وشرح الوجيز في جزءين، وله الفتاوى جزء، توفي سنة ٦٠٨ هـ.\nينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ٦٧، ووفيات الأعيان ٣/ ٣٨٥، والأعلام ٨/ ٣٤.\n(^٤) وقال الأخضري في \"السلم\" [الرجز]:\nوَالخُلْفُ فِي جَوَازِ الاشْتِغَالِ … بِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالِ\nفَابْنُ الصَّلَاحِ وَالنَّوَاوِي حَرَّمَا … وَقَالَ قَوْمٌ يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَا\nوَالْقَوْلَةُ المَشْهُورَةُ الصَّحِيحَهْ … جَوَازُهُ لِكَامِلِ القَرِيحَهْ\nمُمَارِسِ السُّنَّةِ وَالْكِتَابِ … لِتَهْتَدِي بِهِ إِلَى الصَّوَابِ\n(^٥) عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم التيمي أبو بكر بن أبي قحافة الصديق، أول الرجال إسلامًا، ورفيق سيد المرسلين في هجرته، شهد المشاهد، وكان من أفضل الصحابة، وروى مائة واثنين وأربعين حديثًا، وكان أبيض أشقر لطيفًا مُسْترقّ الوركين قال النَّبِيّ ﷺ، \"سُدُّوا كل خوخة إلا خوخة أبي بكر\" وقال عمر: أبو بكر خيرنا وسيدنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ. توفي سنة ثلاث عشرة، عن ثلاث وستين سنة ودفن في الحجرة النبوية وترجمته في تاريخ الشام في مجلد ونصف. ينظر: تهذيب الكمال ٢/ ٧٠٩، وتهذيب \"التهذيب\" ٥/ ٣١٥ (٥٣٧)، وتقريب \"التهذيب\" ١/ ٤٣٢ (٤٦٦)، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٧٨، والكاشف ٢/ ١٠٨، والجرح والتعديل ٥/ ١١١، وأسد الغابة ٣/ ٣٠٩، والتجريد ١/ ٣٢٣، والإصابة ٤/ ١٦٩، والاستيعاب ٣ - ٤/ ٩٦٣، وديوان الإسلام: ت ٦٦.\n(^٦) عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزَّى العدوي أبو حفص المدني، أحد فقهاء الصحابة، ثاني الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأول من سمي \"أمير المؤمنين\"، شهد بدرًا، =","vol":"1","page":279},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nولم يحيطوا بهذه المقدمة وأشباهها، ثم أفتى ابن الصَّلاح بتحريم الاشتغال بالمَنْطِقِ، وقال: هو مدخل الفلسفة (^١)، ومدخل الشَّرِّ، وليس الاشتغال بتعليمه وتعلُّمه مما أباحه الشَّارع، ولا استباحه أحدٌ من الصحابة والتابعين، والأئمة المجتهدين، والسلف الصالحين، وسائر من يُقتَدَى بهم من أعلام الأمة وسادتها، وأركانِ الله وقادتها، قد برأ الله الجميع من معرفة ذلك وأدْناسه، وطهَّرهم من أوضاره.\nوأما استعمالات الاصطلاحات المشنعة المنطقية في مباحث الأحكام الشرعية، فمن\n_________\n= والمشاهد إلا تبوك. وولي أمر الأمة بعد أبي بكر ﵄، وفتح في أيامه عدة أمصار، أسلم بعد أربعين رجلًا، عن ابن عمر مرفوعًا: \"إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه\"، ولما دفن قال ابن مسعود: ذهب اليوم بتسعة أعشار العلم. استشهد في آخر سنة ثلاث وعشرين، ودفن في أول سنة أربع وعشرين، وهو ابن ثلاث وستين، وصلى عليه صهيب، ودفن في الحجرة النبوية، ومناقبه جمة.\nينظر ترجمته في: تهذيب \"التهذيب\" ٧/ ٤٣٨ (٧٢٤)، وتقريب \"التهذيب\" ٢/ ٥٤، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٢٦٨، والكاشف ٣٠٩، وأسد الغابة ٤/ ١٤٥، والرياض المستطابة ١٤٧، والاستيعاب ٣/ ١١٤٤، وتجريد أسماء الصحابة ١/ ٣٨، ٥٥، وطبقات ابن سعد ٩/ ١٤١، وطبقات الحفاظ ٦٢٨.\n(^١) الفلسفة باليونانية: محبة الحكمة، والفيلسوف هو: فيلا وسوفا، وفيلا: هو المحب، وسوفا: الحكمة؛ أي هو محب الحكمة.\nوالحكمة قولية وفعلية.\nأما الحكمة القولية، وهي العقلية أيضًا؛ فهي كل ما يعقله العاقل بالحد، وما يجري مجراه مثل الرسم، والبرهان، وما يجري مجراه مثل الاستقراء، فيعبر عنه بهما.\nوأما الحكمة الفعلية فكل ما يفعله الحكيم لغاية كمالية.\nومن الفلاسفة: حكماء الهند من البراهمة لا يقولون بالنبوات أصلًا، ومنهم: حكماء العرب، وهم شرذمة قليلون؛ لأن أكثر حكمهم فلتات الطبع، وخطرات الفكر، وربما قالوا بالنبوات.\nومنهم: حكماء الروم، وهم منتسبون إلى القدماء الذين هم أساطين الحكمة، وإلى المتأخرين وهم المشاءون، وأصحاب الرواق، وأصحاب أرسطوطاليس وإلى فلاسفة الإسلام الذين هم حكماء العجم، وإلا فلم ينقل عن العجم قبل الإسلام مقالة في الفلسفة؛ إذ حكمهم كلها كانت متلقاة من النبوات، إما من الملة القديمة، وإما من سائر الملل. غير أن الصابئة كانوا يخلطون الحكمة بالصبوة. وينظر تفصيل ذلك في: الملل والنحل ٣/ ١١٦، ١١٨.","vol":"1","page":280},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالمنكرات، وليس بالأحكام الشرعية - والحمد لله - افتقارٌ إلى المنطق أصلًا، وما يزعمه المَنْطقيُّ لِلْمَنْطِقِ في أمر الحد والبرهان - فقاقيع قد أغنى الله عنها كلّ صحيح الذّهن؛ لا سيما من خدم نظريات العلوم الشرعية، ولقد تمت الشريعة، وخاض في بحر الحقائق والدقائق علماؤها، حيث لا منطق. انتهى، وتابعه غير واحد ممن بعده.\nورأيت في المسائل التي سألها يوسفُ بن محمد بن مقلد الدمشقي، الشيخَ الإمام أبا منصور العطاردي، المعروف بـ\"حضرة\": هل يجوز الاشتغال بالمنطق، أم هو دِهليز الكفر؟.\nأجاب: المنطقُ لا يتعلَّق به كفر ولا إيمان، ثم قال: إن الأولى ألّا يشتغل به؛ لأنَّهُ لا يأمن الخائض فيه؛ أن يجره إلى ما لا ينبغي، انتهى.\nونحن نقول: قول يوسف الدمشقي: \"أبو بكر، وعمر، وفلان، وفلان\"، المتقدم - كلام لا حاصل له؛ فإن أبا بكر، وعمر أحاطا بهذه المقدمة إحاطةً لم يصل (^١) الغزالي وأمثاله إلى عُشْرِ (^٢) معشارها، ومن زعم أنهما لم يحيطا بها (^٣)، فهو المسيء (^٤) عليهما، والذي نقطع (^٥) به أنها كانت ساكنة في طِبَاعِ أولئك السَّادات، وسَجِيَّةً لهم، كما كان النَّحو الذي نَدْأَبُ نحن اليوم في تحصيله.\nوما ذكره الشيخ أبو عمرو بن الصَّلاح ليس بالخالي عن الإفراط والمبالغة؛ فإن أحدًا لم يدع افتقار الشَّريعة إلى المَنْطِقِ، بل قصارى المَنْطِقِ، عصمةُ الأذهان [التي] (^٦) لا يوثق بها؛ عن الغَلَطِ، وهو حاصل عند كلّ ذي ذهن بمقدار ما أوتي من الفَهْمِ.\nوأما ترتيبه على الوَجْهِ الَّذي يذكره المنطقيُّ، فهو (^٧) أمر استحدث؛ ليرجع إليه ذو الذِّهن، إذا استبهمت (^٨) الأمور، وهل المنطق للأذهان إلا كالنحو للسان، وإنما احتيج للنحو، وصار علمًا برأسه عند اختلاط الألسنة، وكذلك المنطق، يدعي الغزاليُّ؛ أن الحاجة اشتدت إليه عند كَلَالِ الأذهان، وَاعْتِوَارِ الشُّبُهَاتِ.\nوقوله: \"لقد تمَّت الشريعة حيث لا مَنْطِقَ\"؛ إن أراد حَيْثُ لا منطق مودعٌ في الكتب على\n_________\n(^١) في ت: يحصل.\n(^٢) في أ: معشر.\n(^٣) في أ، ب، ج، ح: به.\n(^٤) في ت: وهو المسمى، وهو تحريف.\n(^٥) في ت: يقطع.\n(^٦) سقط في ت.\n(^٧) في ت: وهو.\n(^٨) في ح: اشتبهت.","vol":"1","page":281},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nهذه الأساليب، فصحيح، ولا يوجب تحريم هذا، ولا الغض (^١) منه (^٢)، وإن أراد حيث لا مَنْطِقَ حاصلٌ لهم، وإن لم يعبر عنه بهذا الوجه، فممنوع؛ كما ذكرناه.\nفإن قلت: ماذا يعنون (^٣) به في المنطق؟\nقلت: نحن نذهب إلى ما أفتى به شيخ المسلمين، وإمام الأئمة، الذي خضعت له الرِّقَاب؛ وهو أبى - تغمده الله برحمته - حيث قال، وقد سُئِلَ عن ذلك: ينبغي أن يقدم على الاشتغال به - الاشتغالُ بالقرآن، والسُّنة، والفقه؛ حتَّى يَرْسَخَ في الذِّهْنِ تعظيمُ الشَّريعة وعلمائها (^٤)، فإذا تمَّ ذلك، وعلم المرء من نفسه صحَّة الذهن؛ حتَّى (^٥) لا تروج عليه الشبهة (^٦)، ولقي شيخًا ناصحًا حسن العقيدة - جاز له - والحالة هذه - الاشتغالُ بالمنطق، وانتفع به، وأعانه على العلوم الإسلامية، قال: وهو من أحسن العلوم وأنفعها في كل بحث، [قال: وفصل القول فيه؛ إنَّه كالسَّيف يجاهد به شخص] (^٧) في سبيل الله، ويقطع [به] (^٨) آخرُ الطريقَ.\n_________\n(^١) في أ، ح: العض.\n(^٢) في ب، ت: عنه.\n(^٣) في ب يفتون، وفي ت: تفتون.\n(^٤) في أ، ح: علماؤها، وهو خطأ.\n(^٥) في أ، ت: حيث.\n(^٦) الشُّبْهَة: هو ما يشبه الشيء الثابت وليس بثابت في نفس الأمر. قال السيد: هو ما لم يتيقن كونه حرامًا أو حلالًا.\nوشبهة العقد: هو ما وجد فيه العقد صورة لا حقيقة كما إذا تزوج امرأة بلا شهود أو مجوسية أو خمسًا في عقد أو تزوج بمحارمه أو جمع بين الأختين.\nوشبهة الفعل: أي الشبهة في الفعل هو الوطء تشتبه عليه حرمته لا في محله وهي الموطوءة، وتسمى شبهة الاشتباه كوطء أمة أبوبه ومعتدَّة الثلاث وأمة امرأته وأمة سيده، ووطء المرتهن الأمة المرهونة، ومعتدة الطلاق على مال.\nوشبهة المِلك: أي المحل، وتسمى شبهة حكمة، كوطء أمة ولده ومعتدة الكنايات ووطء الباخ الأمة المبيعة، ووطء أحد الشريكين، ووطء أجنببة ظنًا أنها امرأته.\nوشبهة العمد: في القتل بأن يعتمد المضروب بما ليس بسلاح ولا بما أجري مجرى السلاح عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وعندهما إذا ضربه بحجر عظيم أو خشبة عظيمة فهو عمد، وشبه العمد أن يتعمد ضربه بما لا يقتل غالبًا، كالسوط والعصا الصغير والحجر الصغير.\n(^٧) سقط في ح.\n(^٨) سقط في ح.","vol":"1","page":282},{"text":"وَالْعِلْمُ ضَرْبَانِ: عِلْمٌ بِمُفْرَدِ، ويُسَمَّى تَصَوُّرًا وَمَعْرِفَةً، وَعِلْمٌ بِنِسْبَةٍ، وَيُسَمَّى تَصْدِيقًا وَعِلْمًا، وَكِلَاهُمَا ضَرُورِيٌّ وَمَطْلُوبٌ.\n<hr><s0>\n\nوقد اقتدى المصنّف بالغَزَّاليِّ في ذكر القواعد المهمَّة من المَنْطِقِ، فقال: \"والعلم ضربان: (^١) علم بمفرد\" (^٢)؛ مثل علمك بمعنى الإنسان، والكاتب، \"ويسمى تصورًا ومعرفة، وعلم بنسبة\"، لا بمعنى [حصول] (^٣) صورتها في العَقْلِ؛ فإنه من قبيل الأول؛ بل بمعنى إيقاعها أو انتزاعها؛ مثل: حكمك بأن الإنسان كاتب، أو ليس بكاتب، \"ويسمى تصديقًا وعلمًا\" (^٤).\nوإنما يسميه علمًا بعضهم؛ وعلى هذا، فلا يكون الأول عنده علمًا، \"وكلاهما\"؛ أي: كل واحد من التصوّر والتصديق (^٥) \"ضروري\" يحصل بلا طَلَبٍ (^٦)، \"ومطلوبٌ\" لا يحصل إلا\n_________\n(^١) وقوله: \"ضربان\" إشارة إلى أنهما نوعان متمايزان: نوع قد يتعلق بالفرد كما يتعلق بالنسبة، ونوع لا يتعلق إِلَّا بالنسبة؛ فلا يرد تصور النسبة عليه.\n(^٢) في هامش ت: تقسيم العلم إلى تصور وتصديق، وهو مبدأ الشروع في المبادئ المنطقية.\n(^٣) سقط في ت.\n(^٤) إذا تصورنا نسبة أمرٍ إلى أمرٍ إثباتًا أو نفيًا، وشككنا فيه فقد علمنا ذينك الأمرين، والنسبةُ ضرب مَا من العلم؛ لأنّا لا نشك فيما لا نعلمه أصلًا، ثم إذا زال الشك وحكمنا به، فقد علمنا النسبة ضربًا آخر من العلم، وهذا الضرب متميّز عن الأول بحقيقته، وبلازمه المشهور، وهو احتمال الصدق والكذاب، فقد تقرّر أن العلم ضربان:\nضرب يتعلق بالمفرد، ويسميه بعض مهم تصورًا، وبعضهم معرفةً.\nوضرب لا يتعلق إلا بالنسبة أي: بحصولها، ويسميه بعضهم تصديقًا، وبعضهم علمًا، فيخصّ هذا الضرب بالعلم بالاشتراك أو بالغلبة!. ينظر: شرح المقدمة (٩) خ.\n(^٥) في هامش ت: تقسيم كل منهما إلى ضروري وغيره وتعريفهما.\n(^٦) كل واحد في التصور والتصديق ينقسم إلى ضروري يحصل بلا طلب، ومطلوب لا يحصل إِلَّا بالطلب، ووجود الأقسام الأربعة وجداني، والمنكرُ مباهت، فيعرض عنه، أو جاهل بمعناه؛ فيفهم. فالتصوّر الضروري ما لا يتقدمه تصوّر تقدُّمًا طبيعيًا؛ أي: لا يتوقف تحققه عليه، وهو الذي متعلقه مفرد كالوجود والشيء، فلا يطلب بحدّ، إذ لا حدّ له، فإنه يميز أجزاء المفرد، ولا أجزاء له، والمطلوب بخلافه وهو ما كان متعلقه مركبًا، فيطلب مفرداته لتعرف متميزة، وذلك حَدّه، فقد تبيّن أن كل مركب يُكْتَبُ بالحدّ، ولا شيء من البسيط كذلك، وبيانه: أن البسيط هو معنى الضروري، والتصديق البديهي ما لا يتقدمه تصديق يتوقف عليه، وهو دليله، وطلبه النظر، ولا بأس أن يتقدّمه تصور يتوقف عليه ضروريًا كان أو نظريًا، والمطلوب بخلافه أي: يتقدمه تصديق يتوقف عليه، وهو =","vol":"1","page":283},{"text":"فَالتَّصَوُّرُ الضَّرُورِيُّ: مَا لَا يَتَقَدَّمُهُ تَصَوُّرٌ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ؛ لانْتِفَاءِ التَّرْكِيبِ في مُتَعَلَّقِهِ؛ كالْوُّجُودِ وَالشَّيْءِ، وَالْمَطْلُوبُ بِخِلَافِهِ، أَيْ: تُطْلَبُ مُفْرَدَاتُهُ؛ فَيُحَدُّ.\nوَالتَّصْدِيقُ الضَّرُورِيُّ: مَا لَا يَتَقَدَّمُهُ تَصْدِيقٌ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، وَالْمَطْلُوبُ بخِلَافِهِ، أَيْ: يُطْلَبُ بِالدَّلِيلِ.\n<hr><s0>\n\nبالطلب، فصارت الأقسام أربعة: تصور ضروري، ومطلوب، وتصديق ضروري، ومطلوب، ووجود الأربعة وجداني.\nالشرح: \"فالتصور الضّروري: ما لا يتقدمه (^١) - تصوّر يتوقف عليه\" (^٢)؛ أي: لا يتقدمه تصوّر تقدمًا طبيعيًّا، وهو ما لا يتوقف تحققه عليه، وعدمُ توقف التصوّر على تصور يسبقه، إنما هو \"لانتفاء التَّرْكيب في متعلَّقه\"؛ فإنه مفرد؛ فلا يطلب له حَدّ؛ إذ لا حَدَّ له؛ لأن الحدَّ يميز أجزاء المفرد، وهذا مفرد؛ فلا أجزاء له، والمفرد الذي لا يحد، \"كالوجود، والشيء\".\nوالتصور \"المطلوت بخلافه\"، وهو ما كان متعلَّقه مركَّبًا، \"أي: يَطْلُبُ (^٣) مفرداته\"؛ ليعرف متميزه (^٤) بالحَدّ:\n\"والتَّصديق الضَّروري: ما لا يتقدّمه تصديقٌ يتوقف عليه\"، وهو دليله، وطلبه النظر، ولا بأس أن يتقدّمه تصديق يتوقّف عليه، وهو دليله، \"فيطلب بالدَّليل\".\nواعلم أنه لا يلزم من توقُّف التصوُّر على تصور مفرداته - أن يطلب، بل قد يكون (^٥) حاصلًا من غير سَبْقِ طلبٍ وَنَظَرِ.\n_________\n= دليله، فيطلب بالدليل. واعلم أنه لا يلزم في توقف التصوّر على تصوّر مفرداته أن يطلب، بل قد يكون حاصله من غير سبق طلب ونظر. ينظر شرح المقدمة (١٠) خ.\n(^١) في أ، ح: يقدمه.\n(^٢) لما ذكر أن تصور المطلوب بالحد أراد أن يشير إلى معناه وأقسامه وأحكامه وشرائطه، وهو ثلاثة أقسام كما ذكر المصنف ﵀. ينظر: تعريف الحد في شرح الغرة في المنطق (١٤٣)، وشرح تنقيح الفصول ص (١١)، والمستصفى ١١ - ١٥، والفصول ص (١٧٠) (٤)، والبحر المحيط ١/ ٩١ وما بعدها.\n(^٣) في أ، ح: تطلب.\n(^٤) في ت: مميزة.\n(^٥) في أ، ج: تكون.","vol":"1","page":284},{"text":"وَأُورِدَ عَلَى التَّصَوُّرِ: إِنْ كَانَ حَاصِلًا، فَلَا طَلَبَ، وإلَّا فَلَا شُعُورَ بِهِ، فَلَا طَلَبَ؛ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَشْعُرُ بِهَا وَبِغَيْرِهَا، وَالْمَطلُوبُ تَخْصِيصُ بَعْضِهَا بِالتَّعْيِينِ، وَأُورِدَ ذلِكَ\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وأورد على التصور\"؛ أنه لا مطلوب منه؛ لأنَّهُ \"إن كان حاصلًا، فلا طلب\"؛ لئلا يلزم تحصيل الحاصل، \"وإلَّا فلا شعور به، فلا طلب\"؛ لأن الطلب إنما يتوجه نحو المشعور (^١) به (^٢).\nلا يقال: إنه حاصل من وَجْهٍ دون وجه؛ لأنا نقول: يعود الكلام فيما يُطلب من جهته، فالحاصل في طلبه تحصيل الحاصل وغيره - لا شعور به.\nبل الجواب ما أشار إليه (^٣) بقوله: \"وأجيب بأنه\" (^٤) يَشْعُرُ بها\"؛ أي: بمفرداته (^٥) التي ذكر أنها تطلب (^٦) لتعرف (^٧) متميزة، \"وبغيرها\" (^٨) مفضلة، \"والمَطْلُوب تخصيص بعضها بالتعيين\"؛\n_________\n(^١) في ح: الشعور.\n(^٢) ورد على التصور أنه لا مطلوب منه؛ لأنَّهُ إمَّا حاصل، فلا يطلب؛ لكونه تحصيلًا للحاصل، وإمَّا غير حاصل فلا شعور به؛ فلا يطلب.\nلا يقال: إنه حاصل من وجه دون وجه؛ لأنَّهُ يعود الكلام فيما يطلب من وجهيه، بل الجواب أنه يشعر بها؛ أي: بمفرداته التي ذكر أنها تطلب لعرف متميزة، وبغيرها مفضلة، ويطلب تخصيص بعضها بالتعيين كمن يرى أشخاصًا كثيرة فيهم زيد ولا يعرفه بعينه، فيسأل عنه من يعرفه فيضع يده على أحدهم فيقول: زيد هو هذا، أو يعرّفه بعلامة علمها لزيد دون من عداه، والتحقيق أنه ليس كل متصوّر متصوّرًا تفصيلًا؛ أي: تصورًا حاضرًا، بل منه ما هو كالمخزون المعرض عنه يُلتفت إليه بالقصد فيستحضر، فإذا استحضر جملة منه ورتّب حصل مجموع لم يكن، كمن بنى بناء ثمَّ - ربما انتقل الذهن منه إلى غيره مما كان مغفولًا عنه أو متوجهًا إليه يتعقله بوجه آخر كما ينتقل في الحرّ إلى الحارّ ومن الصوت إلى المصوّت، وقد أورد على التصديق مثله، فقيل: لا مطلوب منه؛ لأنَّهُ إمَّا حاصل أو غير مشعور به كما تقدَّمٍ.\nوالجواب: أنه يتصور النسبة نفيًا أو إثباتًا، والمطلوب تعيين أحدهما، وذلك أن العلم بالنسبة من جهة تصوّره غير العلم بحصولها، وإلَّا لزم من تصوّرها العلم بحصولها، فإذا تصورنا النفي والإثبات فشككنا فيهما أو حكمنا بتنافيهما لزم إجتماع النفي والإثبات، وهما نقيضان. ينظر: شرح المقدمة (١١) خ.\n(^٣) في ت: له.\n(^٤) في ح: بأن.\n(^٥) في ت: مفرداته.\n(^٦) في ت: يطلب.\n(^٧) في ب، ج: لتعرف.\n(^٨) في ت: ولغيرها.","vol":"1","page":285},{"text":"عَلَى التَّصْدِيقِ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ تُتَصَوَّرُ النِّسْبَةُ بِنَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتٍ، ثمَّ يُطْلَبُ تَعْيِينُ أَحَدِهِما، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَصَوُّرِ النِّسْبَةِ حُصُولُهَا، وَإِلَّا لَزِمَ النَّقِيضَانِ.\nوَ<span data-type='title' id=toc-351>مَادَّةُ الْمُرَكَّبِ:</span> مُفْرَدَاتُه، وَصُورَتُهُ: هَيْئَتُهُ الْخَاصَّةُ.\n<hr><s0>\n\nكمن يرى أشخاصًا كثيرة فيهم زيد، ولا يعرفه بعينه، فيسأل (^١) عنه من يعرفه، فيضع يده على أحدهم قائلًا: زيد هو هذا، أو يعرِّفه بعلامة علّمها [الزيد] (^٢) دون غيره مِمَّن عَدَاهُ.\n\"وأورد ذلك على التصديق\" [أيضًا] (^٣)؛ فقيل: لا مطلوب منه؛ لأنَّهُ إما حاصل، أو غير مشعور به؛ كما تقدم.\nالشرح: \"وأجيب: بأنه يُتصوّر النِّسْبة (^٤) بنفي أو إثبات، ثم يُطلب تعيين أحدهما\"، وذلك أن العلم بالنِّسبة من جهة تصورها (^٥) غير العلم بحصولها، وإلَّا لزم من تصورها العلمُ بحصولها، فإذا تصوّرنا النَّفي والإثبات، لزم اجتماعهما، فيجتمع النقضيان، وإلى هذا أشار بقوله: \"ولا يلزم من تصوّر النسبة حصولها، وإلا لزم النَّقيضان\".\nالشرح: واعلم: أن أجزاء (^٦) المركب (^٧)، إما أن يكون معه بالقُوَّة، وهو المادَّة؛ كالخشب للسَّرير، أو بالفعل، وهو الصُّورة؛ كهيئة السَّرير، \"ومادة المركب: [مفرداته\" التي يحصل هو من التئامها؛ كالخشب] (^٨)، \"وصورته: هيئته الخاصَّة\" الحاصلة من الْتِئَامِهَا (^٩).\nثم إن ذلك قد يكون زائدًا على مجموع المفردات؛ كالمزاج الحاصل لأجزاء المَعْجُونِ\n_________\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) في ت: بدون.\n(^٣) سقط في ت.\n(^٤) في ت: بالنسبة.\n(^٥) في أ: تصورهما.\n(^٦) في ب، ت: جزء.\n\n(^٧) في هامش ت: مادة المركب.\n(^٨) سقط في.\n(^٩) لكل مركب مادة، وهو كالخشب للسرير، وصورة هي كالهيئة السّريرية له، فمادته مفرداته التي يحصل هو في التئامها، وصورته الهيئة الحاصلة في التئامها، ثم إن ذلك قد يكون زائدًا على مجموع المفردات، كالمزاج الحاصل لأجزاء المعجون الذي به يظهر آثاره، وقد لا يكون كهيئة العشرة لآحادها، فإن العشرة وإن كان غير كُلِّ واحد فليس إِلَّا مجموع الآحاد، ولم يحصل لها بعد الالئتام كيفية زائدة، اللهمَّ إِلَّا بحسب التعقل إن كان. ينظر: شرح المقدمة (١٢) خ.","vol":"1","page":286},{"text":"<span data-type='title' id=toc-352>تَقْسِيمُ الحَدِّ </span>(^١)\nوَالْحَدُّ حَقِيقِيٌّ، وَرَسْمِيٌّ، وَلَفْظِيٌّ:\nفَالْحَقِيقِيُّ: مَا أَنْبَأَ عَنْ ذَاتيَّاتِهِ الْكُلِّيَّةِ الْمُرَكَّبَةِ.\n<hr><s0>\n\nالذي به تظهر آثاره؛ ويشبِّهه (^٢) الفقيه باجتماع (^٣) الجماعة على قَتْلِ الواحد، إذا كان كلّ منهم لو انفرد لم يزهق، وقد لا يكون؛ كَهَيْئَةِ العشرة لآحادها؛ فإن العشرة - وإن كانت غير كلّ واحد - فليست إلا مجموعَ الآحاد، ولم يحصل لها بعد الالتئام كيفية زائدةٌ؛ اللَّهم إِلَّا أن يكون بحسب التعقُّل، وأشبه منهم بالعشرة الثابتة في ذمَّة [زيد] (^٤)، إذا ضمنها عمرو؛ فإنها واحدة، وإن ثبتت في ذمّتين، وليست عشرتين؛ خلافًا لمن زعم ذلك من الفقهاء.\nالشرح: \"والحَدّ\" وهو ما يميز الشيء عن غيره: \"حقيقي، ورسمي، ولفظي:\nفالحقيقي: ما أنبأ عن ذاتِيَّاتِهِ\"؛ أي: ذاتِيَّات المحدود\" [الكلية] (^٥) المركّبة\"؛ وقد خرج بقولنا: ذاتياته - العرضياتُ، وبـ\"الكُلِّيَّة\" - المشخّصات، وبـ\"المُركَّبةِ\" - الذاتِيَّات التي [لم] (^٦) يعتبر تركيبها؛ على وَجْهٍ يحصل لها صورة وجدانية مطابقة للمحدود؛ فإنَّها لا تسمى حدًّا حقيقيًّا.\nومثَّل أكثرهم الحقيقي؛ بقولنا في تعريف الإنسان: الحيوان [النَّاطق] (^٧)، والمراد بالنَّاطق بالقوة، وهو صحيح.\nورأيت الأستاذ أبا منصور في \"معيار الجدل\" عَزَاهُ إلى الفلاسفة؛ ورده فقال: إن أرادوا بالنطق: الكلام الصحيح المسموع، لزمهم ألّا يكون الأخرس إنسانًا، وأن يكون الببغاء إنسانًا؛ إذا تعلّمت النطق، وإن أرادوا التمييز، لزمهم أن يكون كلّ حيوان مميِّز إنسانًا.\nقلت: وقد عرفتَ مرادهم؛ فاندفع إيراده.\nثم قال: وقال أهل الحق: إن الإنسان هو الجسد المخصوص بهذه الصورة المخصوصة، قال: فإذا سئلوا عن هذا القول؛ عن جبريل ﵇ حين جاء في صورة دِحْيَةَ الكَلْبِيّ - أجابوا: أن الظاهر منه كان على صورة ظاهر الإنسان، ولم يكن باطنه جسدًا (^٨) كباطن الإنسان؛ فلم يكن إنسانًا.\n_________\n(^١) في هامش ت: حد الحد وتقسيمه.\n(^٢) في ت: وتشبيهه.\n(^٣) في ب، ت: بإجماع.\n(^٤) سقط في ت.\n(^٥) سقط في ت.\n(^٦) سقط في ح.\n(^٧) سقط في ت.\n(^٨) في ت: حينئذ.","vol":"1","page":287},{"text":"وَالرَّسْمِيُّ: مَا أَنْبَأَ عَنِ الشَّيْءِ بِلَازِمٍ لَهُ؛ مِثْلُ: الْخَمْرُ: مَائِعٌ، يَقْذِفُ بِالزَّبَدِ.\nوَاللَّفْظِيُّ: مَا أَنْبَأَ عَنْهُ بِلَفْظٍ أَظْهَرَ مُرَادِفٍ؛ مِثْلُ: الْعُقَارُ: الْخَمْرُ.\nوَشَرْطُ الْجَمِيعِ الاطِّرَادُ وَالانْعِكَاس، أَيْ: إِذَا وُجِدَ، وُجِدَ، وَإِذَا انْتَفَى انْتَفَى.\n<hr><s0>\n\n\"والرسمي: ما أنبأ عن الشيء بلازم له\" (^١)؛ أي: مختصٍّ به دون غيره؛ \"مثل: الخَمْر مائع، يقذف بالزَّبَدِ\"؛ فإن ذلك لازم عارض بعد تمام حقيقته.\n\"واللَّفظي: ما أنبأ بلفظ أظهر مرادف؛ مثل: العُقَار خَمْرٌ.\nوشرط الجميع: الاطّراد والانعكاس، إي: إذا وجد\" الحَدّ، \"وجد\" المحدود؛ وذلك هو الاطِّرَاد؛ فلا يدخل فيه شيء ليس من أفراد المحدود؛ فيكون (^٢) مانعًا، \"وإذا انتفى\" الحَدّ، \"انتفى\" المحدود؛ وذلك هو الانْعِكَاسُ؛ أي: كلما (^٣) وجد المحدود، وجد الحَدّ؛ ويلزمه كلّما\n_________\n(^١) الحدُّ عند الأصوليين ما يميّز الشيء عن غيره، وينقسم إلى: حقيقي، ورسمي، ولفظي كما ذكر المصنّف ﵀، فالحقيقي ما أنبأ عن ذاتياته الكلية المركبة؛ أي عن ذاتيات المحدود دون عرضياته، وإلَّا فهو رسم الكلية دون المشخصات؛ فإن الأشخاص لا تحدّ، المركبة التي ركب بعضها مع بعض؛ لأنها فرادى لا تفيد الحقيقة لفقد الصورة.\nوالرسمي ما أنبأ عن الشيء بلازمه، كما يقال: الخمر مائع يقذف الزبد، فإن ذلك لازم له عارض بعد تمام حقيقته.\nواللفظي: ما أنبأ عنه بلفظ أظهر، مرادف مثل العقار: الخمر، وشرط الجميع الاطراد والانعكاس، فالاطراد هو أنه كلّما وجد الحدُّ وُجِدَ المحدود، فلا يدخل فيه شيء ليس من أفراد المحدود؛ فيكون مانعًا.\nوالانعكاس: هو أنه كلما وجد المحدود وُجِدَ الحدّ، ويلزمه: كلّما انتفي الحدُّ انتفى المحدود، فلا يخرج منه شيء من أفراد المحدود؛ فيكون جامعًا. ينظر: شرح المقدمة (١٢) خ.\n(^٢) في حاشية ج: قوله: \"فيكون مانعًا؛ أي: فالمنع لازم للأطراد كالجمع لازم للانعكاس.\n(^٣) في حاشية ج: قوله: أي كلما وجد … إلخ يغني أن ما سماه المصنّف انعكاسًا، وهو: كلما انتفى الحد انتفى المحدود عكس نقيض لعكس الاطراد الذي هو قولنا: كلما وجد المحدود وجد الحد، ولازم له، فأقام اللازم مقام ملزومه، وسماه باسمه.\nقال السيد الشريف: شرط الحدّ مطلقًا المساواة ليميز المحدود عن غيره، وهي المآل في اشتراط الاطراد والانعكاس المستلزمين للمنع والجمع، وظاهر الاطراد باستلزام الحدّ للمحدود كليًا، كأن الانعكاس عبارة عن استلزام المحدود للحد كذلك. يعني أن المساواة التي يئول اشتراط الاطراد والانعكاس إليها كما تقتضي أن نفسر الاطراد باستلزام الحدّ للمحدود كليًا كذلك تقتضي أن يفسره =","vol":"1","page":288},{"text":"وَالذَّاتِيُّ: مَا لَا يُتَصَوَّرُ فَهْمُ الذَّاتِ قَبْلَ فَهْمِهِ؛ كَاللَّوْنِيَّةِ لِلسَّوَادِ، وَالْجِسْمِيَّةِ لِلإنْسَانِ؛\n<hr><s0>\n\nانتفى الحَدَّ، انتفى المحدود؛ فلا يخرج عنه شيء من أفراد المحدود؛ فيكون جامعًا؛ فإذن شرط الحد: أن يكون مطردًا منعكسًا، وإن شئت قُلْ: جامعًا مانعًا.\nوكان بعض مشايخ \"خراسان\" يقول: الحد: ما منع الوالج من الخروج، والخارج من الولوج.\nقال القاضي أبو الطيب: وهذا أبرد من الثُّلُوج.\nالشرح: \"والذَّاتي: ما لا يتصوَّر\"؛ أي: يمتنع \"فهم الذات قبل فهمه\"، فلو قدَّر عدمه في العَقْلِ، لارتفعت الذات؛ \"كاللَّوْنِيَّةِ للسَّوَاد\" في ذاتي العرض، \"والجسميةِ للإنسان\" (^١) في ذاتي\n_________\n= الانعكاس باستلزام المحدود للحد كليًا، فإن مرجع مساواتهما إنما هو هاتان الكليتان؛ فإن الكلية الثانية عكس الكلية الأولى عرفًا حيث يقال: كل إنسان ناطق، وبالعكس، وكل إنسان حيوان، ولا عكس، واصطلاحًا وهو: تحويل مفردي القضية على وجه يصدق على تقدير صدق الأصل؛ فإن الصدق هنا لازم لوجود المساواة، وما قاله المناطقة من أن عكس الموجبة الكلية موجبة جزئية فذلك لاعتبارهم كون صدق العكس لازمًا لهيئة القضية بلا اعتبار أمر آخر معها من مساواة أو غيرها. قال صاحب \"التوضيح\": الطرد هو أنه كل ما صدق عليه الحد صدق عليه المحدود، والعكس هو أنه كل ما صدق عليه المحدود صدق عليه الحدّ.\nقال في \"التلويح\": فالطرد صدق المحدود على ما صدق عليه الحد كليًا أي: كل ما صدق عليه الحد صدق عليه المحدود، وهو معنى قولهم: كلما وجد الحد وجد المحدود، وأما العكس فأخذه بعضهم من عكس الطرد بحسب متفاهم العرف، وهو جعل المحمول موضوعًا مع رعاية الكمية بينهما كما يقال: كل إنسان ضاحك وبالعكس، وكل حيوان إنسان ولا عكس، فصار حاصل الطرد حكمًا كليًا بالمحدود على الحد، والعكس حكمًا كليًا بالحد على المحدود. وبعضهم أخذه من أن عكس الإثبات نفي، ففسره بأنه كلما انتفى الحد انتفى المحدود، أي كل ما لم يصدق عليه الحد لم يصدق عليه الحدود، فصار العكس حكمًا كليًا مما ليس بمحدود على ما ليس بحد، والحاصل واحد وهو أن يكون الحد جامعًا ومانعًا.\nفالمطردُ هو الذي كل ما صدق على شيء صدق عليه المحدود والمنعكس هو الذي كل ما صدق المحدود على شيء صدق هو عليه، فالوصف للحد فيهما وصف نسبي بالقياس إلى المحدود، وبه يعلم اندفاع ما أطال به الناصر في حاشية جمع الجوامع، فليتأمل.\n(^١) إذ لو أخرجت عن الذهن لبطل فهمها، فرفعهما رفعٌ لتحققهما بخلاف المتضائفين، ومن أجل أنه لا =","vol":"1","page":289},{"text":"وَمِنْ ثَمَّة لَمْ يَكُنْ لِشَيْءٍ حَدَّانِ ذَاتِيَّانِ.\nوَقَدْ يُعْرَفُ؛ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُعَلَّل، وَبِالتَّرْتيبِ الْعَقْلِيِّ.\nوَتَمَامُ الْمَاهِيَّةِ: هُوَ الْمَقُولُ فِي جَوَابِ: مَا هُوَ، وَجُزْؤهَا ............\n<hr><s0>\n\nالجوهر، \"ومن ثَمَّ\"؛ أي: من أجل أن فهم الذات لا يتصوّر قبل فهم الذاتي، \"لم يكن لشيء\" واحد \"حَدَّان ذاتيان\"؛ وذلك لأن الحد الحقيقي (^١) بتعقُّل جميع الذاتيات؛ وذلك لا يتصور فيه التعدد، اللهم إلَّا من جهة العبارة؛ بأن يذكر بعض الذاتيات بالمطابقة تارةً، وبالتضمن أخرى.\nالشرح: \"وقد يعرف\" الذاتي؛ \"بأنه غير معلَّل\"؛ أي: أنه الذي لا يثبت للذات بعلة.\nفالسواد (^٢) للأسود ليس بعلَّة، وكذا اللونيَّة؛ لتقدمها عليه؛ بخلاف الزوجية للأربعة؛ فإن الزوجية معللة بها.\n\"وبالترتيب العَقْلِيّ\"؛ أي: وقد يعرف الذاتي أيضًا بالترتيب (^٣) العَقْلي؛ أي هو الذي يتقدم على الذات في التعقُّل.\nالشرح: \"وتمام الماهية: هو المَقُول (^٤) في جواب: مَا هُو؟ \"؛ فإن السؤال بـ \"ما هو؟ \" إنما يكون عَنْ تمام الماهية؛ كـ \"الحيوان الناطق\"؛ في جواب السؤال بـ \"ما هو؟ \" (^٥) عن الإنسان (^٦).\n_________\n= يعقل الذات قبل فهم الذاتي، كان الحدُّ الحقيقي بتعقل جميع الذاتيات، وذلك لا يتصور فيه التعدد، فلم يكن للشيء حَدٌّ في ذاتياته إلا في جهة العبادة بأن يذكر بعض الذاتيات بالمطابقة تارة، وبالتضمن أخرى، وأما غيره فيتعدد؛ لجواز تعدد اللوازم والأسماء المشهورة.\nوقد يعرف الذاتي بأنه غير معلل؛ أي: لا يثبت للذات بعلة، فإن السوادية للسواد ليس بعلة أصلًا، وكذا اللونية لتقدمها عليه، بخلاف الزوجية للأربعة؛ فإن الزوجية للأربعة معللة بالأربعة، ويعرف بالترتيب العقلي؛ أي: هو الذي يتقدم على الذات في التعقل، وهذا يختص بجزء الحقيقة، وهما راجعان إلى الأول.\n(^١) في حاشية ج: قوله: \"الحقيقي\" أي: التام بتعقل جميع الذاتيات؛ لأنَّهُ موصل إلى كنه الذات، ولا يحصل إلا بجميعها، ولا يتصور في الجميع تعدد.\n(^٢) في حاشية ج: قوله: فالسواد … إلخ أي: لأن السواد سواد في حدّ ذاته، وليس ثبوته لنفسه معللًا به، وإِلَّا لتقدم عليه بالذات ولا بجعل جاعل، وإلا لم يكن السواد سوادًا إذا قطع النظر عنه، وكلاهما محال، وكذا حال الذاتي بمعنى الجزء؛ فإن ثبوت اللونية للسواد لا يعلل بالسواد.\n(^٣) في أ، ب، ج: بالترتب.\n(^٤) في أ، ح: القول.\n(^٥) في ت: إنما.\n(^٦) أقول: السؤال بـ \"ما هو؟ \" إنما يكون عن تمام الماهية، فتمام الماهية هو المقول في جواب ما هو، =","vol":"1","page":290},{"text":"الْمُشْتَرَكُ: الْجِنْسُ، وَالْمُمَيِّزُ: الْفَصْلُ، وَالْمَجْمُوعُ مِنْهُمَا: النَّوْعُ.\nوَالْجِنْسُ: مَا اشْتَمَلَ عَلَى مُخْتَلِفٍ بِالْحَقِيقَةِ، وَكُلٌّ مِنَ المُخْتَلِفِ: النَّوعُ، وَيُطْلَقُ النَّوْعُ عَلَى ذِي آحَادٍ مُتَّفِقَةِ الْحَقِيقَةِ، فَالْجِنْسُ الْوَسَط، نوْعٌ بِالأَوَّلِ لَا الثانِي، وَالْبَسَائِطُ بِالْعَكْسِ.\n<hr><s0>\n\n\"وجزؤها (^١)، أي: تمام (^٢) جزئها \"المشتركِ: الجنسُ\"، كالحيوان للإنسان؛ فإنه تمام المشترك بين الإنسان وغيره من الحيوانات.\nوتمام الجزء \"المميز\" لها: الفَصْل؛ كالناطق للإنسان.\n\"والمجموع\" المركب \"منهما\"؛ أي: من الجنس والفصل - هو \"النوع\" الإضافي.\n\"والجنس: ما اشتمل\" أي: المقول في جواب ما هو؟ المشتمل \"على مختلف بالحقيقة\"؛ فخرج بـ \"المقول في جواب: ما هو؟ \" - الفَصْل، والخاصَّة، والعَرَضُ العامُّ؛ لأنَّهُ ليس شيء منها مقولًا في جواب: ما هو؟ و\"بالحقيقة\" - النوعُ؛ لأنَّهُ مقول في جواب (^٣) ما هو؟ مشتمل على مختلف بالعَدَدِ، لا بالحقيقة.\n\"وكلٌّ من المختلف\" الذي يقال عليه وعلى غيره: الجنسُ؛ في جواب: ما هو؟ - \"النوع\" [الإضافي. \"ويطلق النوع] (^٤) على ذي آحادٍ متفقة الحقيقة\" - باعتبار كونها آحادًا له، ويسمى [نوعًا] (^٥) حقيقيًّا \"فالجنس الوسط\"؛ كالجِسْمِ النَّامي (^٦) \"نوع بالأول\"؛ أي: بالمعنى الأول؛ [لأن فوقه جنسًا يقال عليه وعلى غيره في جواب: ما هو؟ \"لا\" بالمعنى \"الثاني\"؛ ضرورةَ كونه\n_________\n= وذلك كالإنسان لـ \"زيد\" فإنه تمام ماهية المقول له.\nوأمَّا مشخصاته فلا تدخل في التعقل، فإنما يتناولها إشارة حسية أو وهمية، وأما جزؤها فتمام المشترك الجنس؛ كالحيوان للإنسان، إذ لا ذاتي مشتركًا بينه وبين الفرس مثلًا إِلَّا هو، والجزء المميز هو الفصل كالناطق له، والمجموع المريب منها هو النوع الإضافي، فإذًا تمام ما اشتمل في الذاتي على أمور مختلفة بالحقيقة ولا بُدَّ أن يكون تمام حقيقتها المشتركة جنس لتلك المختلفة، وكل واحد في تلك المختلفة نوع له، إذ لا يختلف حقيقة المشتركات في ذاتي إِلَّا بذاتي مميز، فيكون حقيقته مجموع الجنس والفصل. هذا وقد يطلق النوع على ذي آحاد متفقة الحقيقة؛ أي باعتبار كونها آحادًا له، ويسمّى نوعًا حقيقيًا.\n(^١) في هامش ت: تقسيمه إلى جنس وفصل.\n(^٢) في ب، ت: وتمام.\n(^٣) في ب: جوابه.\n(^٤) سقط في ح.\n(^٥) سقط في ت.\n(^٦) في أ، ج: والناس.","vol":"1","page":291},{"text":"وَالْعَرَضِيُّ بِخِلَافِهِ، وَهُوَ لَازِمٌ، وَعَارِضٌ؛ فَاللَّازِمُ: مَا لَا يُتَصَوَّرُ ................\n<hr><s0>\n\nمقولًا في جواب: ما] (^١) هو؟ على مختلفين بالحقيقة، وهي الأنواع المندرجة تحته.\n\"والبَسَائط\"، أعني: الماهيات (^٢) التي لا جُزْءَ لها؛ كالوحدة، والنقطة، \"بالعكس\" يكون نوعًا؛ بالمعنى الثَّاني؛ ضرورةَ كونها مقولةً في جواب: ما هو؟ على المتفقة بالحقيقة التي هي أفرادها، دون المعنى الأول؛ ضرورة عدم اندراجها تحت جنس، وإلا لم تكن بسائط.\nالشرح: \"والعرضي بخلافه\"؛ أي: بخلاف الذاتي؛ فهو مايتصور فهم الذات قبل فهمه، (^٣) المُعلّل (^٤)، أو ما لا يتقدمه عقلًا (^٥).\n\"وهو \"قسمان: \" [لازم، وعارض] (^٦)؛ فاللَّازم؛ ما لا يتصوّر مفارقته\"؛ أي: لا يمكن،\n_________\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) قوله: \"أعني الماهيات\" … إلخ أراد بهذه العناية دفع ما قيل: إنه ليس كل بسيط نوعًا حقيقيًا؛ لأن من البسيط ما هو جنس عالٍ كالجوهر، وحاصل ما أشار إليه أن المراد الأنواع البسيطة التي لا جزء لها في العقل لا الحقائق البسيطة، وأجيب أيضًا بأن ذلك إذا حمل على الاستغراق، وأما إذا حُمِلَ على مطلق الجنس فلا، ويؤيده ترديده في الأحكام بين البعض والكل، وقوله في \"المنتهى\": وبعض البسائط بالعكس.\n(^٣) في ت: و.\n(^٤) قوله: أو المعلل … إلخ أي: الذي يعلل ثبوته للذات بنفس الذات، كالزوجية للأربعة، أو بغيرها، كالضحك للإنسان.\n(^٥) أقول: العرضي بخلاف الذاتي في التعريفات الثلاثة، فهو ما يتصور فهم الذات قبل فهمه أو المعلل، أو ما لا يتقدم عقلًا، وينقسم إلى: لازم وعارض، فاللازم ما لا يتصور مفارقته؛ أي لا يمكن، وهو قسمان: لازم للماهية بعد فهمها، بخلاف الذاتي فإنه لازم لها قبل فهمها، سواء فرض وجودها أو لا، كالفردية للثلاثة، ولازم للوجود خاصة دون الماهية، كالحدوث للجسم كله وكونه ذا ظل في الشمس لبعضه، وذلك لا يلزم ماهية الجسم، والعارض بخلاف اللازم، فهو ما يتصور مفارقته؛ أي يمكن، ومع الإمكان قد لا يزول كسواد الغراب، والزنجي، وقد يزول كصفرة الذهب.\nتنبيهٌ: اللازم للماهية بعد فهمها قد لا يكون بواسطة بل بيّنًا، وقد يكون بوسط، فلا يتبادر الأول إلى ذهنك في كلام المصنّف، فتخطئه فتخطأ.\n(^٦) في أ، خ: لازم عارض.","vol":"1","page":292},{"text":"مُفَارَقَتُهُ؛ وَهُوَ لَازِمٌ لِلْمَاهِيَّةِ بَعْدَ فَهْمِهَا؛ كَالْفَرْدِيَّةِ لِلثَّلَاثَةِ، وَالزَّوْجِيَّةِ لِلْأَرْبَعَةِ، وَلَازِمٌ لِلْوُجُودِ خَاصَّةً؛ كَالْحُدُوثِ لِلْجِسْمِ، وَالظِّلِّ لَه، وَالْعَارِضُ بِخِلَافِهِ، وَقَدْ لَا يَزُولُ؛ كَسَوَادِ الْغُرَابِ، وَالزِّنْجِيِّ، وَقَدْ يَزُولُ؛ كَصُفْرَةِ الذَّهَبِ.\n\nوَ<span data-type='title' id=toc-359>صُورَةُ الْحَدِّ:</span> الْجِنْسُ الْأَقْرَب، ثُمَّ الْفَصْلُ، وَخَلَلُ ذلِكَ نَقْصٌ.\n<hr><s0>\n\n= \"  وهو\" ضربان: \"لازم للماهية (^١) بعد فهمها\" (^٢)؛ بخلاف الذَّاتي؛ فإنه لازم، لا بعد فهمها، سواء أفرض وجودها (^٣) أم لا؟ \"كالفردية للثلاثة، والزوجية للأربعة، ولازمٌ للوجود خاصة\" (^٤)، دون الماهية؛ \"كالحدوث للجسم\" كله، \"والظل له\"؛ أي: كونِه (^٥) ذا [ظلّ] (^٦) في الشَّمس لبعضه؛ وذلك لا يلزم (^٧) ماهية الجسم.\n\"والعارض بخلافه\"؛ أي: بخلاف اللَّازم، وهو ما يمكن مفارقته، \"وقد لا يزول؛ كَسَوادِ الغُرَاب، والزِّنْجِيّ، وقد يزول؛ كَصُفْرَةِ الذَّهب\".\nالشرح: \"وصورة الحَدِّ\" الحقيقيِّ: \"الجنسُ لأقرب، ثم الفصل، وخَلَلُ ذلك\"؛ أي: الصورةِ - \"نقص\" في الحد؛ كإسقاط الجنس الأقرب، والاقتصار على الأبعد؛ لدلالة الفَصْل\n_________\n(^١) من قوله: قسمان إلى للماهية سقط في ت.\n(^٢) في حاشية ج: قوله: \"بعد فهمها؛ أي: حاصل فهمه بعد فهمها، والمراد أن لزومه لا يكون إلا بعد فهمها، وإلا فالذاتي كما أنه لازم لها قبل فهمها لازم لها بعد فهمها، فقوله: لازم لا بعد فهمها معناه: لا بعد فهمها فقط.\n(^٣) في حاشية ج: قوله: \"سواء فرض … إلخ\" فإن الفردية لازمة للثلاثة في الذهن، فلو تعقلت مجردة عنها لم يكن الحاصل فيه ماهيتها، وأما لازم الوجود فهو الذي يلزم الماهية في الوجود خاصة.\n(^٤) في حاشية ج: قوله: \"خاصة\" قيد به ليقابل لازم الماهية؛ فإن لازمها لازم للوجود ألبتة.\nقوله: وكونه ذا ظل في الشمس لبعضه أشار إلى أن التمثيل بالمثالين تنبيه على أن لازم الوجود قد يلزم كل فرد من الأفراد الموجودة للماهية، وقد يلزم بعضها، وقيد بكونه في الشمس ليصلح مثالًا للعرضى اللازم، واعترض بأنه ما من عرضي إلا وهو لازم في بعض الأحوال، وعلى بعض الشروط، فينحصر في اللازم\"، قلنا: ليس المراد أن كونه ذا ظل لازم بشرط كونه في الشمس، بل إن كونه ذا ظل في الشمس لازم له دائمًا لا يفارقه بخلاف كونه ذا ظل على الإطلاق؛ فإنه عرض يفارقه. سعد.\n(^٥) في: كون.\n(^٦) سقط في.\n(^٧) في ت: يلزمه.","vol":"1","page":293},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nبالالتزام عليه؛ نحو: الإنسان جسم ناطق، [أو إسقاطِ الجنس رأسًا؛ كـ \"الإنسانُ ناطقٌ] (^١)؛ وكتقديم الفصل؛ نحو: العِشْقُ: فَرْطُ المحبة؛ لإخلال ذلك بالصورة (^٢).\n_________\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) قد علمت أن لكل مركب مادة وصورة، وأن مادة الحدّ الذاتي والعرضي بأقسامهما.\nوأمَّا صورته فأن تأتي بالجنس الأقرب، ثم بالفصل الأقرب، وخلل الصورة نقص في الحدّ كإسقاط الجنس الأقرب، والاقتصار على الأبعد لدلالة الفصل بالالتزام عليه نحو: الإنسان جسم ناطق، أو إسقاط الجنس مطلقًا لذلك نحو. الإنسان ناطق، وكتقديم الفصل نحو: العشق المفرط في المحبة لإخلاله بالصورة، وخلل المادة منه ما هو خطأ، ومنه ما هو نقص، فالخطأ له أمثلة منها: جعل الموجود والواحد جنسًا للإنسان مثلًا وهما ليسا ذاتيين له، إذ يفهم حقيقته دونهما، ومنها: جعل العرضي الخاص بنوعٍ ما، فَصْلًا له بحيث لا ينعكس كالضاحك بالفعل بالنسبة إلى الإنسان، ومنها: ترك بعض الفصول، بحيث لا يطرد بألا يأتي بالفصل المساوي له إن اتحد ولا بواحد من فصوله المساوية إن تعددت، ومنها: تعريف الشيء بنفسه، وأكثر ما يكون ذلك إذا ذكر الشيء بلفظ مرادف مثل: الحركة وعرض نقلة، فإن النقلة ترادف الحركة، ومثل: الإنسان حيوان بشر، فإن البشر يرادف الإنسان، ومنها: جعل النوع جنسًا، مثل: الشر ظلم الناس، والظلم نوع من الشر، فإن الشرور كثيرة، ومنها: جعل الجزء المقداري جنسًا مثل: العشرة خمسة وخمسة، فإن الخمسة جزء العشرة لا تحمل عليها لا وحدها، ولا بانضمام خمسة أخرى إليها، بل المحمول مجموع الخمستين. هذا في الحدِّ مطلقًا.\nوالحدُّ الرسمي يختص من بين الحدود بأن يكون باللازم الظاهر له؛ أي من بين اللوازم باللازم الظاهر، فلا يجوز أن يرسم الشيء بخفى مثله، فإن الخفي لا يعرّف الخفي، ولا بما هو أخفى منه بالطريق الأولى، ولا بما يتوقف تعقله؛ على تعقله للزوم الدور، فإن الأول مثل: الزوج عدد يزيد على الفرد بواحد، والفرد عدد يريد على الزوج بواحد، والزوج والفرد سيّان في الجلاء والخفاء، ومنه: ذكر أحد المتضائفين في حد الآخَر كما يقال: الأبُ من له ابن، والابن من له أب.\nوالثاني مثل: النار جسم كالنفس، فإن النفس ومشابهة النار لها أخفى من حقيقة النار.\nوالثالث مثل: الشمس كوكب نهاري، فإن عقلية النهار تتوقف على عقلية الشمس؛ لأن النهار وقت طلوع الشمس، فهذه الثلاثة هي الخلل في الرسم خاصة، وأمَّا النقص في المادة فله أمثلة منها استعمال الألفاظ الغريبة الوحشية؛ لعدم ظهورها في المعنى.\nومنها: استعمال الألفاظ المشتركة؛ أي بلا قرينة؛ لترددها بين المعنى وغيره، فلا يتعيّن المعنى.\nومنها: استعمال الألفاظ المجازية؛ أي بلا قرينة؛ لظهورها في غير المعنى؛ فيقع الجهل. ينظر: شرح المقدمة.","vol":"1","page":294},{"text":"وَخَلَلُ الْمَادَّةِ خَطَأٌ وَنَقْصٌ؛ فَالْخَطَأُ كَجَعْلِ الْمَوْجُودِ وَالْوَاحِدِ جِنْسًا؛ وَكَجَعْلِ الْعَرَضِيِّ الْخَاصِّ بِنَوْعٍ فَصْلًا؛ فَلَا يَنْعَكِسُ؛ وَكَتَرْكِ بَعْضِ الفُصوُلِ؛ فَلَا يَطَّرِدُ؛ وَكَتَعْرِيفِهِ بِنَفْسِهِ؛ مِثْلُ: الْحَرَكَةُ: عَرَضٌ نُقْلَةٌ، وَالإِنْسَانُ: حَيَوَانٌ بَشَرٌ؛ وَكَجَعْلِ النَّوع وَالْجُزْءِ جِنْسًا؛ مِثْلُ: الشَّرُّ ظُلْمُ النَّاسِ، وَالْعَشَرَةُ خَمْسَةٌ وَخَمْسَةٌ، وَيَخْتَصُّ الرَّسْمِيُّ بِاللَّازِمِ الظَّاهِرِ، لَا بِخَفِيٍّ مِثْلِهِ، وَلَا أَخْفَى، وَلَا بِمَا تَتَوَقَّفُ عَقْلِيَّتُهُ عَلَيْهِ؛ مِثْلُ: الزَّوْجُ عَدَدٌ يَزِيدُ عَلى الْفَرْدِ بِوَاحِدٍ، وَبِالْعَكْسِ؛ فَإنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ؛ وَمِثْلُ: النَّارُ جِسْمٌ؛ كَالنَّفْسِ؛ فَإِنَّ\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وخلل المادة\" قسمان: \"خطأ\"؛ وهو ما كان من جهة المعنى، \"ونقص\"؛ وهو من جهة اللَّفظ؛ \"فالخطأ كَجَعْلِ الوجود (^١) والواحد جنسًا\" للإنسان مثلًا، وليسا ذاتيين له؛ إذ تفهم حفيقته دونهما؛ \"وكجعل العرضي الخاص بنوع ما فصلًا له؛ فلا ينعكس\"؛ كالضَّاحك بالفعل؛ للإنسان؛ ومثل: \"ترك بعض الفصول؛ فلا يطرد\"، والحَدّ لا بد فيه من الاطِّرَاد، والانعكاس؛ كما عرفت، \"وكتعريفه بنفسه\" وأكثرُ ما يكون تعريف الشيء بنفسه، إذا ذكر بلفظ مرادف؛ \"مثل: الحركة عرض نقلة، والإنسان حيوان بشر\"؛ فإن النقلة ترادف الحركة، والبشر يرادف الإنسان.\nوالفرق بين المِثَالَيْنِ أن المحدود في الأول عرض، وفي الثَّاني جوهر؛ \"وكَجَعْلِ النَّوع والجزء جنسًا\"؛ فالنوع\" [مثل] الشَّر (^٢) ظلم الناس\" والظلم نوع من الشَّر؛ إذ الشر وغيره ينحصر فيه؛ والجزء مثل: \"العشرة خمسة وخمسة\"؛ فإن الخمسة جزء العشرة، وهي غير محمولةٍ على العشرة، لا وحدها، ولا بانضمام (^٣) خمسة أخرى إليها، بل المحمول مجموع الخمستين، وهذا كلّه في الحد مطلقًا.\n\"ويختص\" الحد \"الرسمي\" من بين الحدود \"بِاللَّازِمِ الظَّاهر\"؛ فإذن \"لا\" يجوز أن يرسم الشيء \"بخفي مثله، ولا أخفى\" منه؛ بطريق أولى، \"ولا بما تتوقَّف (^٤) عقليته عليه\"؛ أي: يتوقف تعقله على تعقله؛ للزوم الدور؛ فتعريف الشيء بما يساويه، \"مثل: الزوج عدد يزيد على الفرد بواحد، وبالعكس\" (^٥)؛ كـ \"الفردُ\" عددٌ يزيد على الزَّوج بواحد \"فإنَّهما\"؛ أي: الزوج والفرد\n_________\n(^١) في أ: الموجود، وفي ت: موجود.\n(^٢) في ت: مثله الشر.\n(^٣) في حاشية ج: قوله: \"ولا بانضمام\" لأن الخمسة المقيدة بانضمام خمسة إليها خمسة.\n(^٤) في أ، ت، ج، ح، يتوقف.\n(^٥) في حاشية ج: قوله: \"وبالعكس كالفرد … \" الخ معنى المثال الأول على أن الواحد عدد والثاني=","vol":"1","page":295},{"text":"النَّفْسَ أَخْفَى؛ وَمِثْلُ: الشَّمْسُ كَوْكَبٌ نَهَارِيٌّ، فَإِنَّ النَّهَارَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الشَّمْسِ - وَالنَّقْصُ كَاسْتِعْمَالِ الْأَلْفَاظِ الْغَرِيبَةِ وَالْمُشْتَرَكَةِ وَالْمَجَازِيَّةِ.\nوَلَا يَحْصُلُ الْحَدُّ بِبُرْهَانٍ؛ لأَنَّهُ وَسَطٌ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ عَلَى ......................\n<hr><s0>\n\n\"متساويان\"؛ في الجلاء والخَفَاء، فكيف يعرَّف أحدهما بالآخر؛ \"و\" تعريفه بالأخفى، \"مثل: النَّار جسم؛ كالنفْس (^١)؛ فإن النفس أخفى\" من النَّارِ؛ عند العَقْلِ؛ فكيف تُعَرَّفُ (^٢) النار بها؟؛ \"و\" تعريفه بما يتوقّف تعقله عليه \"مثل: الشمس كوكب نَهَارِيٌّ؛ فإنَّ\" تعقل \"النهار يتوقف على\" عقلية \"الشَّمس\"؛ لأن النهار وقت طلوع الشَّمس؛ فهذه الثلاثة هي الجليَّة (^٣) في الرَّسم خاصَّة.\n\"والنَّقص\" في المادة: \"كاستعمال الألفاظ الغريبة (^٤) والمشتركة\" بلا قرينة، \" [والمجازية\" بلا (^٥) قرينة] (^٦) أيضًا.\nالشرح: \"ولا يحصل الحَدّ ببرهان\" (^٧)؛ أي: لا يمكن إقامة البرهان على ثبوت الحَدّ للمحدود؛ \"لأنَّهُ؛ أي: البرهان\"وسط يستلزم حكمًا على المحكوم عليه\"؛ أي: البرهان عبارة عن\n_________\n= على أنه ليس بعدد، ولو حملنا العكس على أن الفرد عدد ينقص عن الزوج بواحد لم يحتج إلى ذلك. ينظر: شرح المقدمة.\n(^١) في حاشية ج: قوله: \"كالنفس؛ أي: في اللطافة وعدم الرؤية والحركة دائمًا؛ فإن النار متحركة بالحركة الدورية تبعًا للفلك، والنفس متحركة بالحركة التخيلية، وقيل: في إحداث الخفة؛ فإن النار تحدث الخفة في مجاورها والنفس في الجسم. ينظر: شرح المقدمة.\n(^٢) في ت، ح: يعرف.\n(^٣) في ت: الخللية، وفي ج: الخلل.\n(^٤) في أ، ح: العربية.\n(^٥) بلا: سقط في أ، ح.\n(^٦) سقط في ت.\n(^٧) الحدُّ لا يكتسب بالبرهان لوجهين:\nالأول: أن البرهان عبارة عن وسط يستلزم حصول أمرٍ في المحكوم عليه، فلو قُدِّر في الحدِّ وسط لكان مستلزمًا لعين المحكوم عليه؛ لأن الحدَّ ليس أمرًا غير حقيقة المحدود تفصيلًا، وفيه تحصيل الحاصل.\nوثانيهما: أنه لا بُدَّ في الدليل من تعقل المنفرد؛ لم جوب تعقل ما يستدل عليه من جهة ما يستدل عليه قبل إقامة الدليل، فلو حصل تعقل حقيقته بالدليل لتأخر عنه، فيلزم الدور، فإن قيل: فيجيء مثله في التصديق، قلنا: لاغ؛ فإن الحظر ليس تعقل لنسبة بل إثباتها أو نفيها، والموقوف عليه تعقلها لا هما بخلاف الحد؛ فإن المطلوب تعقله لا ثبوته، ومن جهة أن الحدَّ لا يحصل بالبرهان لم يمنع؛ إذ مرجع المنع طلب البرهان عليه، ولا يمكن، لكنه يعترض عليه إمَّا بالمعارضة وإمَّا ببيان خللٍ فيه=","vol":"1","page":296},{"text":"الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، فَلَوْ قُدِّرَ فِي الْحَدِّ، لَكَانَ مُسْتَلْزِمًا عَيْنَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ؛ وَلأنَّ الدَّلِيلَ يَسْتَلْزِمُ تَعَقُلَ مَا يُسْتَدَكُ عَلَيْهِ، فَلَوْ دَلَّ عَلَيْهِ، لَزِمَ الدَّوْرُ.\nفَإنْ قِيلَ: فَمِثْلُهُ فِي التَّصْدِيقِ؛ قُلْنَا: دَلِيل التَّصْدِيقِ عَلَى حُصُولِ ثُبُوتِ النِّسْبَةِ أَوْ نَفْيِهَا، لَا عَلَى تَعَقُّلِهَا؛ .....................................................\n<hr><s0>\n\nوسط يستلزم حصول أمر في المحكوم عليه؛ فإنا إذا قلنا (^١): العالَمُ حادثٌ؛ لأنَّهُ متغيّر، فالتغير (^٢) وسط استلزم (^٣) حكما (^٤) على العالَم، مغايرًا له، وهو المراد بالبرهان، \"فلو قدِّر في الحد\" وسط، \"لكان مستلزِمًا عين المحكوم عليه\"؛ أي: مستلزمًا لثبوت عين (^٥) المحدود لنفسه؛ فإن الحَدّ هو المحدود.\nولقائل أن يقول: هذا إنما يتمّ لو قيل بترادف الحدّ والمحدود، وسيصحِّح المصنِّف خلافه.\nقال: \"ولأنَّ الدَّليل يستلزم تعقل ما يُستدلّ (^٦) عليه\" قبل إقامة الدَّليل عليه، \"فلو دَلَّ عليه\" الحَدّ، \"لزم الدور\"؛ لأنه بدلالته عليه يكون متأخرًا، وهو متقدّم، ضرورةَ تقدمِ تعقله.\nالشرح: \"فإن قيل: فمثله\" جار \"في التصديق\"؛ فيقال: لا يستدل على التصديق كما لا يستدل على الحد؛ لأن الدليل على التصديق يتوقف على تعقّل التصديق، فلو استفيد التَّصديق من الدليل؛ لزم الدور.\n\"قلنا\": لا نسلّم مجيء الدَّوْر؛ فإن \"دليلٌ التصديق على حصول ثبوت النسبة، أو نفيها\"، أعني: الحُكم الإيجابي والسلبي (^٧)، \"لا على تعقلّها\"؛ أي: تعقُّلِ النِّسبة الإيجابية، أو السلبية؛\n_________\n= مما تقدَّم من عدم طرد أو عكس أو غير ذلك، فإذا قال: العلم تميز لا يحتمل النقيض. يقال له: ألم تقل: إنه صفة توجب التميز، أو التميز لا يصلح جنسًا له.\nواعلم أنه لا تعارض إِلَّا لحدّ يعرَّف هو به، إذ لا تعارض بين التصورات، فإن أحدهما لا يمنع الآخَر، هذا كله إذا قصد إفادة الماهية فقط.\nأما إذا قيل: الإنسان حيوان ناطق، وأريد به أن ذلك مفهوم شرعًا أو لغة يخرج عن كونه حَدًّا وصار حكمًا يمنع ويطلب عليه الدليل، ودليله النقل عن أهله شرعًا أو لغة.\n(^١) في ح: فإذا قلنا.\n(^٢) في ب: فالتغيير.\n(^٣) بياض في ب.\n(^٤) في ب، ت: حكمنا.\n(^٥) في ت: غير.\n(^٦) في ب: استدل.\n(^٧) في ب، ح: الشكي.","vol":"1","page":297},{"text":"وَمِنْ ثَمَّةَ لَمْ يُمْنَعِ الْحَدُّ، وَلكِنْ يُعَارَضُ ...................................\n<hr><s0>\n\nفيكون المتوقِّف على الدليل الحكمَ من نفي أو إثبات، لا تعقُّلَهُ؛ فلا يلزم الدَّوْر.\n\"ومن ثَمَّ\"؛ أي: من جهة امتناع (^١) قيام البُرْهَان على الحَدّ، \"لم يُمنع الحد\".\nوذهب بعض المتأخرين إلى تسويغ منعه؛ تمسُّكًا بأن الحد دعوى؛ فجاز أن تصادم (^٢) بالمنع؛ كغيرها من الدَّعاوَى.\nوليس بشيء؛ فإن مرجع المنع طلب البُرْهَان، وقد بيَّنا أنه لا يمكن، \"ولكن يعارض\".\nقال إسماعيل البغدادي في \"جُنة المُناظِر\": مثل أن تقول: الغَصْب (^٣) إثبات اليد على مال\n_________\n(^١) في ح: اتساع.\n(^٢) في ب، ت: يصادم.\n(^٣) الغصب في اللغة: \"أخذ الشيء ظلمًا\" سؤاء كان الشئ مالكٌ أو غير مال.\nوفي الشريعة:\nعرفه فقهاء الحنفية بأنه: \"أخذ مال متقوم محترم علانية بغير إذن المالك على وجه يزيل يده\".\nوعرفه فقهاء المالكية بأنه: \"أخذ مال قهرًا تعديًا بلا حرابة\".\nوعرفه فقهاء الشافعية والحنابلة بأنه: \"الاستيلاء على مال غيره بغير حق\" ونستطيع أن نستخلص من مجموع هذه التعريفات أن الغصب الذي تترتب عليه أحكامه الخاصّة به في الشريعة لا يتحقق إلا إذا توفرت فيه الأركان الآتية:\nالأول: أن يكون المأخوذ مالًا متقومًا محترمًا.\nالثاني: انتفاء الإذن من المالك.\nالثالث: أن يكون الأخذ على سبيل الجهر.\nالرابع: زوال يد المالك عن المال. ينظر: المصباح المنير ٢/ ٦١ والصحاح ١/ ١٩ والمطلع ٢٧ والمغرب ٣٤٠.\nواصطلاحًا:\nعرفه أبو حنيفة وأبو يوسف بأنه: إزالة يد المالك عن ماله المتقوم على سبيل المجاهرة والمغالبة بفعل في المال. وقال محمد: الفعل في المال ليس بشرط لكونه غصبًا.\nوعرفه الشافعية بأنه: أخذ مال الغير على وجه التعدي.\nوعرفه المالكية بأنه: أخذ مال غير منفعة، ظلمًا قهرًا لا بخوف قتال.\nوعرفه الحنابلة بأنه: الاستيلاء على مال الغير بغير حق. ينظر: بدائع الصنائع ٩/ ٤٤٠٣، وتبيين الحقائق للزيلعي ٥/ ٢٢٢، ومغني المحتاج ٢/ ٢٧٥، ومواهب الجليل ٥/ ٢٧ وحاشية الدسوقي ٣/ ٤٢ والمغني ٥/ ٢٣٨، وشرح منتهى الإرادات ٢/ ٣٩٩.","vol":"1","page":298},{"text":"وَيُبْطَلُ بِخَلَلِهِ.\nأَمَّا إِذَا قِيلَ: الإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ، وَقُصِدَ مَدْلُولُهُ لُغَةً، أَوْ شَرْعًا، فَدَلِيلُهُ النَّقْلُ؛ بِخِلَافِ تَعْرِيفِ الْمَاهِيَّةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-360>مَبْحَثُ التَّصْدِيقَاتِ </span>(^١)\nوَيُسَمَّى كُلُّ تَصْدِيقٍ قَضِيَّةً، وَتُسَمَّى فِي الْبُرْهَانِ مُقَدِّمَاتٍ، .........................\n<hr><s0>\n\nالغير؛ فيعارَضُ بأَنَّه إثبات اليد على مال الغَيْرِ، مع إزالة اليد المحِقَّة.\nومنع بعضهم معارضة الحد؛ إذ المعارضة تشعر بصحَّة المعارِض؛ فيلزم ثبوت حَدّين متباينين لمحدود واحد؛ وهو مُحَالٌ.\n\"ويبطل بخلله\"؛ أي: ويجوز إبطال الحد أيضًا بِوِجْدَانِ الخلل فيه؛ مِنْ عدم الاطِّراد، أو الانعكاس، أو غيرِ ذلك، فإذا قال: العلم تمييز لا يحتمل النقيض، قُلْ: صفة توجب التمييز؛ إذ التمييز لا يصلح جنسًا، ويبين ذلك بوجهه؛ هذا كله، إذا قصد إفادة الماهية فقط.\nالشرح: \"أما إذا قيل: الإنسان حيوان ناطق، وقصد مدلوله\" المحكوم به \"لغةً، أو شرعًا\"؛ لا تعريفه - \"فدليله النقل\" عن أهله؛ لأنَّهُ خرج عن كونه حدًّا، وصار حكمًا يُمنع، ويُطلب عليه الدليل؛ \"بخلاف تعريف الماهية\".\nالشرح: \"ويسمى كلّ تصديق\" (^٢)، أعني: المركَّب المحتمِلَ للتّصديق والتكذيب؛\n_________\n(^١) في هامش ت: القضية وتقسيمها باعتبار المحكوم عليه، وهو شروع في التصديق.\n(^٢) هذا أوان الفراغ من التصورات والشروع في التصديقات، وكل تصديق يسمى قضية، ويسمى القضايا في البرهاني؛ أي إذا جعلت جزء قياس مقدمات له، ولا بُدَّ فيها من حكم بنسبة، فيستدعي محكومًا عليه ومحكومًا به، فالمحكوم عليه فيها إِمَّا جزئي معيّن أو لا.\nوالثاني: إمَّا أن يكون مبينًا جزئية؛ أي كون الحكم على بعض أفراده، أو كلية أي كون الحكم على جميع أفراده، أو لا يكون مبيّنًا جزئية ولا كلية صارت أربعة أقسام:\nالأول: ما موضوعها جزئي معيّن نحو: زيد إنسان، ويُسمَّى شخصية.\nالثاني: ما ليس موضوعها جزئيًا معينًا، وبيّن جزئيته، نحو: بعض الإنسان عالم، ويسمى جزئية محصورة.\nوالثالث: ما ليس موضوعها جزئيًا معيَّنًا؛ وبيَّن كليّته، نحو: كل جوهر متحيّز، ويسمى كلية محصورة. =","vol":"1","page":299},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\n\"قضية\"، وقولًا (^١) جازمًا، وخبرًا؛ \"وتسمى\" (^٢) القضايا (^٣) التي هي [أجزاء] (^٤) البرهان \"في\n_________\n= والرابع: ما ليس موضوعها جزئيًا معيَّنًا، ولم يبيّن لا جزئية ولا كلية، نحو: الإنسان في خسر، وتسمى مهملة، والمتحقق فيها الجزية؛ لأنها متحققة سواء كانت كلية أو جزية، إذ الجزئية لا يعتبر فيها عدم الكلية، بل ألا يتعرض لها فلذلك أهملت، ولا يذكر فيها البعض؛ للاستغناء عنه.\n(^١) في أ: قول.\n(^٢) في ب: ويسمى.\n(^٣) القضية في اللغة - كالقضاء -: الحكم، وفي الاصطلاح: قول يحتمل الصدق والكذب لذاته، وإنما سمي القول المحتمل للصدق الخ قضية لاشتماله على الحكم بمعنى وقوع النسبة أو لا وقوعها أو إيقاع النسبة أو لا؛ لأن الوقوع هو الحصول في الخارج، فإن الحكم بمعنى وقوع النسبة أو لا وقوعها جزء من القضية: فالقول - وهو اللفظ المركب في القضية الملفوظة، أو المفهوم العقلي المركب في القضية المعقولة - جنس يشمل الأقوال التامة والناقصة، وقولنا: \"يحتمل الصدق والكذب لذاته\" بمنزلة الفصل في التمييز، وليس فصلًا حقيقيًا؛ لأنَّهُ يشترط فيه أن يكون مفردًا محمولًا، خرج به المركبات الناقصة تقييدية كانت كغلام زيد، والحيوان الناطق، أو مزجية كـ \"بعلبك\"، أو لا، ولا كمجموع المتعاطفين نحو: زيد وعمرو، وخرج به أيضًا المركبات الإنشائية من الأمر، والنهي، والنداء، والاستفهام، والعرض، والتخصيص، والترجي، والتمني - فإن كلًا من المركبات بنوعيها لا يحتمل صدقًا ولا كذبًا لذاته، وإن احتمل لمدلوله الالتزامي، \"مثلًا: غلام زيد\" يلزمه خبر محتمل للصدق والكذب هو \"زيد له غلام\"، ونحو: \"اسقني\" يدل التزامًا على خبر محتمل للصدق والكذب، وهو \"الماء مطلوب\" أو \"أنا طالب للماء\" فلا يسمى شيء مما ذكر من المركبات بنوعيها قضية، وشمل التعريف جميع أفراد المعرف ولو كان مقطوعًا بصدقه أو بكذبه، فالأول كأخبار الله تعالى، وأخبار رسله، والمعلوم صدقه بداهة كالواحد نصف الاثنين، وجميع الأخبار المطابقة للواقع. والثاني كأخبار مسيلمة الكذاب في دعواه النبوة، والمعلوم كذبه بالبداهة نحو الواحد ربع الاثنين، وجميع الأخبار التي لم تطابق الواقع؛ فإن جميع ما ذكر بالنظر لذاته ومدلوله المطابقي محتمل للصدق والكذب، وعدم احتماله لأحدهما إنما هو لأمر خارج عن ذاته كالمخبر أو العقل أو الواقع؛ لأن معنى احتمال الخبر للصدق والكذب هو أن يجوزهما العقل بالنظر إلى مفهومه ومدلوله المطابقي، وقطع النظر عما عداه، ولا يجزم بشيء منها. ومنشأ ذلك اشتماله على النية التامة التي هي حكاية عن أمر واقع؛ فإن شأن الحكاية أن توصف بالمطابقة وعدمها. بخلاف النسب التقييدية والإنشائية فإنها ليست نسبًا تامة حكاية عن أمر واقع فلا يجري فيها الصدق والكذب … بقيت الخبرية المشكوكة، فبعضهم أخرجها من التعريف بحجة أن القضية محتملة للصدق والكذب باعتبار مما فيها من الحكم، والخبرية المشكوكة لا حكم فيها، فليست محتملة للصدق والكذب فليست بقضية، وعلى ذلك فإطلاق الخبر عليها إما باعتبار الصورة، أو باعتبار اشتمالها على أكثر=\n(^٤) سقط في ح.","vol":"1","page":300},{"text":"وَالمَحْكُومُ عَلَيْهِ فِيهَا: إِمَّا جُزْئيٌّ مُعَيَّنٌ أَوْ لَا؛ وَالثَّانِي: إِمَّا مُبَيَّنٌ جُزْئِيَّتُه، أَوْ كُلِّيَّتُهُ أَوْ لَا؛ صَارَتْ أَرْبَعَةً: شَخْصِيَّةٌ، ........................\n<hr><s0>\n\nالبرهان\"، أي: القياسي (^١): \"مقدمات\"، فالمقدمة: قضية جعلت جزء قياس.\n\"والمحكوم عليه فيها\" كذا بخطّ المصنّف، وفي نسخ الشَّارحين: \"والجزء الأولُ منها\"، أي: من القضية الحملية - \"إمَّا جزء معين\"؛ كذا بخطه؛ وفي النسخ \"جزئي\"، أي: شخصي، ويحترز به عن الكُلّي، والجزئي الإضافي، أو لا.\nوالثَّاني: إما مبيَّن (^٢) جزئيته\"، أي: كون الحكم فيه على بعض أفراده، \"أو كليته\"، أي: كون الحكم على كل أفراده، \"أو لا\"، أي: لا يكون مبيَّنًا (^٣) فيه جزئيته، ولا كليته؛ \"صارت\" الأقسام \"أربعة.\nشخصيا\"؛ وهي ما (^٤) موضوعها جزئي معيَّن؛ مثل: هذا البيع (^٥) صحيح.\n_________\n= أجزاء القضية، والصحيح أن الخبرية المشكوكة محتملة للصدق والكذب، فتكون داخلة في التعريف ومن أفراد القضايا. وقوله: \"إن المشكوكة لا حكم فيها\" إن أراد بالحكم المنفي الحكم بمعنى وقوع النسبة أو لا وقوعها الذي هو جزء القضية، فممنوع، وإن أراد به الحكم بمعنى الإيقاع والانتزاع أي إدراك أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة الذي هو عبارة عن التصديق أو جزء منه، فمسلم، ولا يضر خلوها عنه؛ لأنه ليس منشأ لاحتمال الصدق والكذب، بل المنشأ هو الحكم بمعنى الوقوع واللاوقوع، ولا شك في تحققه في المشكوكة بالنظر إلى الواقع ونفس الأمر، وإن لم يكن متحققا بالنظر إلى نفس الشاك، ثم إن هذه القضية المعرفة بأنها قول يحتمل الصدق والكذب لذاته تنقسم تقسيمًا أوليًا إلى قسمين: حملية وشرطية: أما الحملية فهي ما حكم فيها بثبوت شيء لشيء أو انتفائه عنه، نحو: \"زيد قائم\" و\"عمرو جالس\" و\"عمرو أبوه قائم\" و\"زيد عالم\" يناقضه \"زيد ليس بعالم\". وأما الشرطية فهي ما حكم فيها بصدق قضية أو لا صدقها على تقدير صدق قضية أخرى، أو بالتنافي بين قضيتين في الصدق والكذب معًا، أو في أحدهما فقط، أو بنفيه. وسميت شرطية لاقترانها بحرف الشرط بالفعل أو بالقوة؛ لتدخل المنفصلة نحو: إما أن يكون العدد زوجًا أو فردًا، فإنه في قوة: إن كان العدد زوجًا لم يكن فردًا، وإن كان فردًا لم يكن زوجًا .. وإنما كان تقسيم القضية إلى حملية وشرطية تقسيمًا أوليًا؛ لأنه باعتبار ذاتي من ذاتياتها وجزء من أجزائها بل من أقوى أجزائها وهو الحكم، بخلاف تقسيمها إلى موجبة وسالبة؛ فإنه باعتبار صفة الحكم، وبخلاف تقسيمها إلى كلية وجزئية؛ فإنه باعتبار صفات الموضوع.\n(^١) في ب: القياس.\n(^٢) في ت، ج: تبين.\n(^٣) في ب: متعينا.\n(^٤) في أ: إما.\n(^٥) البيع: مقابلة شيء بشيء على وجه المعاوضة، فيدخل فيه ما لا يصح تملكه كاختصاص وما إذا لم =","vol":"1","page":301},{"text":"وَجُزْئِيَّةٌ محْصُورَةٌ، وَكُلِّيَّةٌ، ........\n<hr><s0>\n\n\"وجزئية محصورة\" وهي ما ليس موضوعها جزئيًّا معيَّنًا ولا مبيَّنًا (^١) جزئيته؛ نحو: بعض الإنسان عالم.\n\"وكلية\" محصورة؛ وهي ما ليس موضوعها جزئيًّا معينًا، وقد ثبت (^٢) كليتها؛ نحو: كلُّ جوهر متحيز.\n_________\n= تكن صيغة. وخرج بوجه المعاوضة رد السلام في مقابلة ابتدائه، فيطلق على مطلق المعاوضة قال\nالشاعر:\nمَا بَعْثُكُمْ مُهْجَتِي إِلَّا بِوَصْلِكُمُ … وَلا أُسْلِمُها إِلَّا يَدًا بِيَدٍ\nفَإِنْ وَفيْتُمْ بِمَا قُلْتُمْ وَفَيْتُ أَنَا … وَإنْ غَدَرْتُمْ فَإِنَّ الرَّهْنَ تَحْتَ يَدِيْ\nولفظ \"البيع\" في الأصل مصدر فلذا أفرد، وإن كان تحته أنواع، ثم صار اسمًا لما فيه مقابلة، ثم هو مصدر باع، قال صاحب المختار: \"\"بَاعَ\" الشيءَ يَبِيعه \"بَيْعًا\" وَ\"مَبِيعًا\" شَرَاه، وهو شاذ، وقياسه مَبَاعًا و\"بَاعَه\"، اشتراه، فهو من الأضداد، وفي الحديث: \"لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ وَلَا يَبِعْ عَلَى بَيْع أَخِيهِ\" أي: لا يشتر على شراء أخيه؛ لأن النهي وقع على المشتري لا على البائع، والشيء \"مَبِيْعٌ\" و\"مَبْيُوعٌ\" مثل مَخِيط ومَخْيوطٌ. ويقال للبائع والمشتري: \"بَيّعان\" بتشديد الياء و\"أباع\" الشيء عرضه للبيع و\"الابتياع\" الاشتراء، ويقال: \"بِيعَ\" الشيء على ما لم يسم فاعله بكسر الباء، ومنهم من يقلب الياء واوًا فيقول: \"بُوعَ\" الشيء\".\nوشرعًا: تارة يلحظ فيه أحد شقي العقد الذي يسمى من يأتي به بائعًا، فيعرف بأنه تمليك بعوض على وجه مخصوص. وتارة يلحظ فيه أحد شقي العقد الذي يسمى من يأتي به مشتريًا، فيعرف بأنه تملك بعوضن على وجه مخصوص. وتارة يلحظ فيه المركب من الشقين، فيعرف بأنه عقد معاوضة مالية تفيد ملك عين أو منفعة على التأبيد لا على وجه القربة، فقولنا: \"عقد\" جنس، وشأنه الإدخال، لكن إذا كان بينه وبين فصله عموم وجه فيخرج بكل منهما ما دخل في عموم الآخر؛ ولذلك قالوا: خرج بالعقد المعاطاة، وبالمعاوضة نحو الهدية، وبالمالية نحو النكاح، وبإفادة ملك العين الإجارة، وبغير وجه القربة القرض، والتقييد بالتأبيد؛ لتخرج الإجارة أيضًا، وإخراج الشيء الواحد بقيدين غير معيب، وهذا أولى من التعريف بأنه: مقابلة مال بمال على وجه مخصوص؛ لأنه من التعريف بالأعم المحال على مجهول، ولو عرف أيضًا بأنه عقد معاوضة محضة تقتضي ملك عين أو منفعة على الدوام لا على وجه القربة لكان وافيًا بالمقصود، فخرج بالمعاوضة الهبة، وبالمحضة النكاح، وبملك العين الإجارة، وبغير وجه القربة القرض، والمراد بالمنفعة المؤبدة بيع حق الممر للماء مثلًا؛ لأنه لا يصل الماء إلى محله إلا بواسطة ملك غيره. ينظر: كشاف القناع ٣/ ١٤٦، وفتح القدير ٦/ ٢٤٦، والاختيار ٣، ونهاية المحتاج ٣/ ٣٧٢، ومغني المحتاج ٢/ ٢، ومواهب الجليل ٤/ ٢٢٢، وشرح الخرشي ٥/ ٤، والمغني ٣/ ٥٦٠.\n(^١) في ت: مثبتًا.\n(^٢) في ج: بين.","vol":"1","page":302},{"text":"وَمُهْمَلَةٌ؛ كُلٌّ مِنْهَا مُوجَبةٌ، وَسَالِبةٌ، وَالْمُتَحَقِّقُ فِي الْمُهْمَلَةِ - الْجُزْئِيَّةُ فَأُهْمِلَتْ.\n<hr><s0>\n\n\"ومهملة\"؛ وهي ما ليس موضوعها جزئيًّا معيَّنًا، ولم يبيَّن فيه كلّيته ولا جزئيته؛ نحو] (^١): الإنسان في خسر.\nثم \"كل منها\" (^٢)، أي: من القضايا الأربعة \"موجبة\"، أي (^٣): حُكِمَ فيها بثبوت أحد الطرفين للآخر، \"وسالبة\"، أي: حكم برفع هذا الثبوت؛ فتصير (^٤) ثماني قضايا.\n\"والمتحقِّق في المهملةِ - الجزئيَّةُ\"؛ [لأنها متحقِّقة، سواء كانت (^٥) جزئية، أم كلّية؛ إذ الجزئية لا يُعْتبر (^٦) فيها عدم الكلّية؛ من عدم التعرّض لها؛ \"فأهملت\" لذلك] (^٧).\nولم يَذكر البعضَ فيها؛ لأن ذكره يقع مُستغنىً عنه؛ وينبغي أن يفهم أن من محاسن المصنّف: قوله: لمتحقِّق (^٨) في المهملةِ - الجزئيةُ؛ فإنه أشار به إلى أنا لا ندعي أن المهملة جزئية؛ بل [إن] (^٩) القدر (^١٠) المتحقِّق (^١١) منها ذلك؛ كما قررناه، ولم يقل أحد من القوم: إنها جزئية (^١٢)، ولو أرادوا ذلك، لخالفوا ما قرره غيرهم؛ من أنها مشتملة على صيغة العموم؛ كقولك: الإنسان حيوان، بل يريدون أنّ صلاحيتها للجزئية، والكلية؛ على حدّ واحد، وقد صرَّح بذلك ابن سينا (^١٣) في \"الإشارات\"، وقرره الإمام فخر الدِّين، وغيره.\n_________\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) في أ: فيهما.\n(^٣) في أ، ب، ج: أن.\n(^٤) في ت: فيصير.\n(^٥) في أ: أكانت.\n(^٦) في أ، ب، ت، ح: يعبر.\n(^٧) سقط في ت.\n(^٨) في أ، ح: المحقق.\n(^٩) سقط في ت.\n(^١٠) في ح: القدرة.\n(^١١) في أ، ح، ج: المحقق.\n(^١٢) في ت: جزئيته.\n(^١٣) الحسين بن عبد الله بن سينا، أبو علي، شرف الملك، الفيلسوف الرئيس، صاحب التصانيف في الطب والمنطق والطبيعيات والإلهيات، ولد بـ\"بخارى\" في ٣٧٠ هـ طاف البلاد، وناظر العلماء، واتسعت شهرته. من كتبه الإشارات، والطير، والإنصاف، ولسان العرب، وغيرها توفي ٤٢٨ هـ.\nينظر: وفيات الأعيان ١/ ١٥٢، وابن العبري ٣٢٥، وآداب اللغة ٢/ ٣٣٦، ولسان الميزان ٢/ ٢٩١، والذريعة ٢/ ٤٨، ٩٦، والأعلام ٢/ ٢٤١.","vol":"1","page":303},{"text":"وَمُقدِّمَاتُ الْبُرْهَانِ قَطْعِيَّةٌ؛ لِتُنْتِجَ قَطْعِيًّا؛ لِأَنَّ لازِمَ الْحَقِّ حَقٌّ، وَتَنْتَهِي إِلَى ضَرُورِيَّةٍ؛ وَإِلَّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"ومقدمات البرهان قطعية\" (^١)؛ وحينئذٍ \"تنتج قطعيًّا (^٢)؛ لأن لازم الحق حق\"، والنتيجة لازم (^٣) المقدمات؛ حقّ؛ ولا بد أن \"تنتهي \"المقدمات\" إلى ضرورية؛ وإلا لزم التسلسل\"، أو الدور؛ لأنه حينئذ تكون تلك المقدّمات مكتسبةً من مقدّمات أخر، وهكذا؛ فيتسلسل (^٤).\nولما كان الدور أيضًا تسلسلًا؛ إلا أنه في الأمور المُتَنَاهية - استغنى المصنِّف بذكر التسلسل (^٥) عن ذكره.\n_________\n(^١) ومقدمات البرهان قطعية، وحينئذٍ ينتج قطعيًّا؛ لأن النتبجة لازمة لمقدمات حقة، ولازمُ الحق حق قطعًا، ولا بُدَّ أن ينتهي إلى المقدمات الضرورية دفعًا للدور والنّسي المانعين عن الاكتساب.\nوأمَّا الأمارات أي ما هي ظنّيةٌ فيستلزم النتيجة استلزامًا ظنيًا أو اعتقاديًا، ولا يستلزم ذلك وجوبًا، ولا دائمًا بل في وقت ما، وذلك إذا لم يمنع مانع، وإنما لم يجب إذ ليس بين الظنّ والاعتقاد وبين أمر ربط عقلي، بحيث يمتنع تخلفه عنه لزوالهما مع بقاء موجبهما كما يكون عند قيام المعارض، وظهور خلاف الظنِّ بحس أو دليل.\n(^٢) في حاشية ج قوله: \"لتنتج قطعيًا\"، أي: أن قطعية المقدمات تستلزم قطعية النتيجة؛ لأنه إذا كان الملزوم حقًّا كان اللازم حقًّا وقد شرح الشارح كذلك وليس المراد أن حقية المقدمات لازم لحقية النتيجة، فإنه باطل؛ لأن الكاذب قد يستلزم الصادق كقولنا: لو كان الإنسان فرسًا كان حيوانًا.\n(^٣) في ب: لازمة، وفي ت: لازمة لمقدمات.\n(^٤) في أ، ب، ج: فتسلسل، وفي ح: تسلسل.\n(^٥) التسلسل هو أن يستند الممكن في وجوده إلى علة، مؤثرة وتستند تلك العلة المؤثرة إلى علة أخرى مؤثرة فيها، وهلم جرا إلى غير النهاية. وقد ذكر علماء الكلام عدة أدلة على بطلان النسلسل بعضها لم يسلم من القدح؛ وبعضها سلم من القدح لهذا نقتصر على الأخير.\nأولها: برهان التطبيق، وحاصله أن نفرض من معلول ما بطريق التصاعد إلى ما لا نهاية له جملة ومما قبله بمتناه إلى ما لا نهاية له جملة، فيحصل جملتان غير متناهيتين، إحداهما زائدة على الأخرى بقدر متناه، مثلًا نفرض جملة من الآن إلى ما لا نهاية له في الأزل، وهذه تسمى \"الآنية\" ثم نفرض من هذه السلسلة نفسها جملة أخرى تبتدئ من الطوفان إلى ما لا نهاية له في الأزل وهذه تسمى \"الطوفانية\" وبعد هذا الفرض نقابل أول فرد من السلسلة الطوفانية بأول فرد من السلسلة الآنية، ونستمر في باقي الأفراد، وهكذا إلى الأزل، فعند ذلك لا يخلو الحال عن واحد من أمرين: إما أن يتساويا، وإما أن يتفاوتا، فإن تساويا لزم مساواة الزائد للناقص وهو محال، فما أدى إليه - وهو =","vol":"1","page":304},{"text":"وَأَمَّا الْأَمَارَات، فَظَنِّيَّةٌ، أَو اعْتِقَادِيَّةٌ؛ إِنْ لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ؛ إِذْ لَيْسَ بَيْنَ الظَّنِّ وَالاعْتِقَادِ، وَبَيْنَ أَمْرٍ - رَبْطٌ عَقْلِيٌّ؛ لِزَوَالِهِمَا مَعَ قِيَامِ مُوجِبِهِمَا.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وأما الأمارات، فظنية\"، أي: نتائجها (^١) ظنية، \"أو اعتقادية\"، لا مطلقًا، بل \"إن لم يمنع مانع\" عن حصول الظّن، أو الاعتقاد؛ \"إذ ليس بين الظَّن، والاعتقاد، وبين أمرٍ - ربطٌ\n_________\n= التسلسل - محال وإن تفاوتا وانتهت الناقصة كان التفاوت بينهما بقدر متناه؛ لأنه من الآن إلى الطوفان والمتفاوت بالمتناهي يستلزم التناهي فلا يتسلسل، وذلك لأن الناقصة لما انقطعت كانت متناهية والزائدة لم تزد عليها إلا بذلك المقدار المبتدأ من المعلول الأخير إلى الطوفان وهو متناه فيلزم التناهي لا محالة، وإلى هنا انتهى ذلك الدليل، وملخصه أنه عند تطبيق إحدى السلسلتين على الأخرى إن فرض التساوي كان محالا، فما أدى إليه - وهو التسلسل - محال وإن فرض التفاوت كانت إحداهما زائدة بقدر متناه والزائد على المتناهي بقدر متناه بالضرورة، ثم هذا الفرض صفة وحالة من حالات السلسلة، فلو كانت جائزة كانت كل صفاتها جائزة، وهذه الحالة أخص صفاتها فلذا ذكرت؛ لأنها في الحقيقة منتزعة منها فلا تسلسل أضلًا؛ لأن كلًا من السلسلتين قد انتهى. وقد أوردوا على هذا الدليل نقضين: الأول على فرض المساواة والثاني على فرض التفاوت وحاصل الأول لا نسلم إمكان المساواة حتى نفرض؛ لأن المتبادر من لفظ المساواة تماثل كل من السلسلتين في الكم؛ بمعنى أن عدد أفراد إحدى السلسلتين يكون مساويًا لعدد أفراد الأخرى وهذا لا يتأتى هنا؟ لأن الموضوع أن السلسلة غير متناهية والحكم بالتماثل في الكم فرع انحصار الأفراد، فلا يصح فرض التساوي. ويجاب عن ذلك بأن التماثل لا يتوقف على الانحصار؛ لأن معناه كون كل من السلسلتين اشتملت على ما اشتملت عليه الأخرى، وهذا المعنى تحقق مع عدم التناهي، وحاصل الثاني: سلمنا أن هناك تفاوتًا بين السلسلتين لكن لا نسلم التناهي؛ بدليل أنا إذا فرضنا جملتين من الأعداد إحداهما تكونت من تضعيف الواحد مرات غير متناهية - والثانية تكونت من تضعيف الاثنين مرات غير متناهية، ثم نطبق إحداهما على الأخرى فنجعل الواحد من الأولى بإزاء الاثنين من الثانية؛ فتكون إحداهما أزيد من الأخرى، ولا يلزم من ذلك التناهي، وكما يقال هذا في الأعداد يقال في مقدورات الله تعالى ومعلوماته؛ فإن المعلومات أكثر عددًا من المقدورات؛ لأن القدرة خاصة بالممكنات، والعلم يشمل الواجبات والجائزات والمستحيلات ومع هذا التفاوت فلا تناهي؛ لأن مقدورات الله ومعلوماته لا تتناهى. ويجاب عن ذلك بأن النقض بالأعداد لا يرد؛ لأن التطبيق المستدل به على بطلان التسلسل إنما اعتبر بين الأمور الموجودة كالأعراض، وأما الأعداد فهي من قبيل الأمور الوهمية المحضة؛ فلا يصح النقض بها. وأما النقض بمعلومات الله ومقدوراته فلا يرد أيضًا؛ لأن معنى عدم تناهي المقدورات عدم وقوفها عند حد، فما من مقدور إلا ويتصور وراءه مقدور آخر، وأما الموجود من المقدورات فهو متناه قطعًا، وكذلك المعلومات الوجودية متناهية، وأما العددية فهي بمعزل عن الدليل.\n(^١) في أ، ح: بنتائجها، وفي ج: فنتائجها.","vol":"1","page":305},{"text":"وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ فِي الْمُقَدِّمَتَيْنِ: أَنَّ الصُّغْرَى خُصُوصٌ، والْكُبْرَى ...........\n<hr><s0>\n\nعقلي\"، أي: علاقة طبيعية تقتضي استلزام الأمارات لنتائجها؛ بحيث يمنع (^١) تخلّفه عنهما (^٢)؛ \"لزوالهما مع قيام موجِبهما\"؛ كما قد يكون عند قيام المعارِض، وظهورِ خلاف الظَّنِّ بطريق من الطرق.\nالشرح: \"ووجه الدلالة (^٣) في المقدّمتين\"؛ وهو (^٤) ما لأجله لزمتهما النتيجة؛ \"أن الصُّغرى\" - باعتبار موضوعها - \"خصوص، والكبرى\" - باعتبار موضوعها - \"عموم (^٥) \" (^٦)؛ وذلك لأن الحكم في الكبرى، على جميع ما صَدَقَ عليه الأوسط، فيتناول الأصغر وغيره، وفي الصغرى مخصوصٌ بالأصغر فقط.\n_________\n(^١) في ج: تمنع.\n(^٢) في ب: عنها.\n(^٣) في حاشية ج: وقوله: \"وجه الدلالة … إلخ\" قال السعد: إذا جعلنا العالم دليلًا على وجود الصانع، فكونه بحيث يلزم من العلم به العلم بوجود الصانع دلالته، وثبوت الصانع مدلوله، والحدوث الذي لأجله يستلزم العالم وجود الصانع هو وجه دلالته، فذكر هنا ما لأجله يستلزم البرهان النتيجة، وهو ظاهر، لكنه مختص بالشكل الأول؛ لأنه مرجع الإشكال، فوجه الدلالة فيه هو وجه الدلالة في الكل.\n(^٤) في ج: وهو.\n(^٥) قلت: واندراج الخصوص في العموم واجب، فيندرج الصغرى في موضوع الكبرى، فيثبت له ما ثبت له، وهو محمول الكبرى نفيًا وإثباتًا، فيلتقي موضوع الصغرى ومحمول الكبرى وهو النتيجة، وذلك نحو: العالم مؤلف، وكل مؤلف حادث، فإن العالم أخصُّ في المؤلف، فلذلك تقول: \"العالم مؤلّف\" حكم خاصّ بالعالم، و\"كل مؤلف حادث\" حكم عامّ للعالم ولغيره، فيلتقي العالم والحادث، واعلم أنهما إذا تساويا فالحكم كذلك، لكن طبيعة المحمول بما هو محمول أعمّ، فلذلك لم يتعرّض له.\n(^٦) في حاشية ج: قوله: والكبرى … إلخ. اعلم أنه قد يكون موضوع الصغرى مساويًا لموضوع الكبرى كما في قولنا: الحيوان ماش وكل ماشٍ منتقل من مكان إلى مكان، أو كل ماشٍ حيوان وكل حيوان منتقل من مكان إلى مكان، فيحمل كلامه على أن مفهومه المحمول أعم من الموضوع في صورة المساواة أيضًا؛ لأن المراد به عام الأفراد، فالحيوان أعم من كل فرد من أفراد الماشي، وبالعكس.\nوقال السيد: إذا تساوى موضوع الصغرى والكبرى، فالحكم كما ذكر من التقاء موضوع الصغرى ومحمول الكبرى، لكن موضوع الكبرى هو محمول الصغرى، وطبيعة المحمول بما هو محمول أعم من الموضوع كما صرح به في المواقف، فبذلك الاعتبار يكون موضوع الكبرى أعم من موضوع الصغرى؛ فيندرج المساوي في العموم.","vol":"1","page":306},{"text":"عُمُومٌ؛ فَيَجِبُ الانْدِرَاجُ؛ فَيَلْتَقِي مَوْضُوعُ الصُّغْرَى وَمَحْمُولُ الْكُبْرَى.\n<hr><s0>\n\nوإذا كانت الصغرى خصوصًا، والكبرى عمومًا، \"فيجب الاندراج\"؛ إذ الخصوص مندرجٌ في العموم؛ \"فيلتقي (^١) موضوع الصُّغرى، ومحمول الكبرى\"، نفيًا وإثباتًا؛ وهو النتيجة؛ نحو: الوضوء (^٢) عبادة، وكل عبادة بِنِيَّةٍ (^٣)؛ فإنّ الوضوء أخصّ من العبادة (^٤)؛ فلذلك نقول:\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله: \"فيلتقي … \" إلخ عبارة العضد: فيلتقي موضوع الصغرى ومحمول الكبرى وهو النتيجة. قال السعد: وانتساب محمول الكبرى، إلى موضوع الصغرى هو معنى التقائهما الذي هو النتيجة.\n(^٢) والوُضوء بضم الواو: الفعل، وبفتحها: الماء المتوضأ به، هذا هو المشهور؛ وحكي الفتح في الفعل، والضم في الماء، وهو في اللغة: عبارة عن النظافة والحسن، وفي الشرع: عبارة عن الأفعال المعروفة. ينظر: لسان العرب ٦/ ٤٨٥٤، ٤٨٥٥، وتهذيب اللغة ١٢/ ٩٩، وترتيب القاموس المحيط ٤/ ٦٢٢.\n\nواصطلاحًا:\nعرفه الحنفية بأنه: الغسل والمسح في أعضاء مخصوصة.\nوعرفه الشافعية بأنه: استعمال الماء في أعضاء مخصوصة مفتتحًا بنيَّةٍ.\nوعرفه المالكية بأنه: إزالة النجس، أو هو رفع مانع الصلاة.\nوعرفه الحنابلة بأنه: استعمال الماء الطهور في الأعضاء المخصوصة على صفة مفتتحة بالنيَّة.\nينظر: الاختيار ١/ ٧، ومغني المحتاج ١/ ٤٧، والخرشي ١/ ٢٠، والمبدع ١/ ١١٣.\n(^٣) لغةً: القصدُ والعزم، وشرعًا: القصدُ إلى الفعل، وفي عين العلم \"هي الإرادة الباعثة للأعمال من المعرفة\" وفي التلويح \"هو قصد الطاعة والتقرب إلى الله في إيجاد الفعل\" قال ابن رجب: \"النية تقع بمعنيين: أحدهما: تمييز العبادات بعضًا عن بعض، كتمييز صلاة الظهر من صلاة العصر والثاني: تمييز المقصود بالعمل هل هو اللهِ وحده\". وفي نور الإيضاح: \"حقيقتها عقد القلب على العمل\". والفرقُ بين الإرادة والنية أن المعتبر في الإرادة هو إصدار المراد، ولا يعتبر فيها غرض المريد؛ فإنها تستعمل بدون ذكر الغرض أيضًا بخلاف النية؛ فإنها يعتبر فيها غرض، ولا يكاد يتركب معها ذكر الغرض؛ ويقال: نويت لكذا، ولهذا لا يقال: \"نوى الله\" ويقال: \"أراد الله سبحانه\" وفي \"الأشباه\": \"إن للنية شروطًا الأول: الإسلامُ؛ لذا لم تصح من كافر، والثاني: التمييزُ؛ فلا تصح عبادة صبي غير مميّز، والثالث: العلمُ بالمنوي، والرابع: ألا يأتي بالمنافي بين النية والمنوي\".\n(^٤) والعبادة وهي في اللغة: الطاعةُ من الخضوع، وفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف، قال المهائمي: العبادة تذلّل لغيرٍ عن اختيار لغاية تعظيمه، فخرج التسخير والسحر والقيام والانحناء لنوع تعظيم.","vol":"1","page":307},{"text":"وَقَدْ تُحْذَفُ إِحْدَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ؛ لِلْعِلْمِ بِهَا.\n<hr><s0>\n\n\"الوضوء عبادة\": حكم مؤلَّف خاصٌّ بالوضوء، و\"كل عبادة بِنِيَّةٍ\": حكم عام للوضوء وغيره؛ فينتفى (^١) الوضوء وغيره.\nالشرح: \"وقد تحذف (^٢) إحدى المقدمتين؛ للعلم بها\" (^٣)؛ فالكبرى مثل: الوضوءُ لا يصح بدون النِّيَّة؛ لأنه عبادة؛ والصغرى مثل: الوضوء يحتاجُ إلى النِّيَّة؛ لأن كلّ عبادة تحتاج (^٤) إليها؛ ومنه قوله ﵊ وقد أذَّن زِيَادُ بْنُ الحَارِثِ الصُّدَائي (^٥) للفجر، وأراد\n_________\n(^١) في ت: فيلتقي.\n(^٢) في ب، ت: يحذف.\n(^٣) وقد تحذف إحدى المقدمتين للبرهان للعلم بها، فالكبرى مثل: هذا يُحدُّ لأنه زانٍ، والصغرى مثل: هذا يحدُّ؛ لأن كل زان يُحَدّ، ومنه قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾.\nولا بُدَّ في انتهاء المقدمات القطعية إلى الضروريات، وهي أنواع:\nالأول: المشاهدات الباطنة، وتسمّى الوجدانيات، وهي ما لا تفتقر إلى عقل، كجوع الإنسان وعطشه، ولذّته وألمه؛ فإن البهائم تدرك.\nالثاني: الأوليات، وهي ما يحصل بمجرد العقل، ولا يشترط فيه إلَّا تصوّر الطرفين، والالتفات إلى النسبة، كعلم الإنسان بأنه موجود، وأن النقيضبن يصدق أحدهما، فلا يصدقان معًا ولا يكذبان.\nالثالث: المحسوسات، وهي ما يحصل بالحس الظاهر، أعني المشاعر الخمس، كالعلم بأن النار حارة والشمس مضيئة.\nالرابع: التجريبات، وهو ما يحصل بالعادة، أعني بتكرر الترتيب من غير علاقة عقلية، وقد يخص كعلم الطبّ بإسهال المسهلات، وقد تعم كعلم العامة بأن الخير مسكر.\nالخامس: المتواترات، وهي ما يحصل بنفس الأخبار تواترًا، كالعلم بوجود مكة وبغداد لمن لا يراهما.\nوأمَّا المقدمات الظنية فأنواع:\nالحدسيات، كما شاهدنا نور القمر يزداد وينقص بقربه وبعده من الشمس، فنظن بأنه مستفادٌ منها، والمشهورات، كحسن الصدق والعدل، وقبح الكذب والظلم، وكالتجريبات الناقصة والمحسوسات الناقصة، والوهميات ما يتخيل بمجرد الفطرة بدون نظر العقل أنه من الأوليات مثل: كل موجود متحيًز، والمسلمات ما يسلمه الناظر من غيره.\n(^٤) في ت: يحتاج.\n(^٥) زياد بن الحارث الصُّدَائي. صحابي له حديث، وعنه زياد بن ربيعة فقط. ينظر: تهذيب التهذيب ٣/ ٣٥٩، والإصابة ٢/ ٥٨٢، والاستيعاب ٢/ ٥٣٠، وأسماء الصحابة الرواة ت ٣٣٩، ٩٥٦، وأسد الغابة ٢/ ٢٦٩، وتقريب التهذبب ١/ ٢٦٦، وتجريد أسماء الصحابة ١/ ١٩٤، والثقات ٣/ ١٤١.","vol":"1","page":308},{"text":"وَالضَّرُورِيَّاتُ:\nمِنْهَا: الْمُشَاهَدَاتُ الْبَاطِنَةُ؛ وَهِيَ مَا لَا يفْتَقِرُ إِلَى عَقْلٍ؛ كَالْجُوعِ وَالأَلَمِ.\nوَمِنْهَا: الْأَوَّليَّاتُ؛ وَهِيَ: مَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْعَقلِ؛ كَعِلْمِكَ بِوُجُودِكَ؛ وَأَنَّ النَّقِيضَيْنِ يَصْدُقُ أَحَدُهُمَا.\nوَمِنْهَا: الْمَحْسُوسَاتُ؛ وَهِيَ: مَا تَحْصُلُ بِالْحِسِّ.\nوَمِنْهَا: التَّجْرِبِيَّاتُ؛ وَهِيَ: مَا تَحْصُلُ بِالْعَادَةِ؛ كَإِسْهَالِ الْمُسْهِلِ، وَلإِسْكَارِ.\n<hr><s0>\n\nبلالٌ (^١) أن يقيم: \"يُقِيمُ أَخُو صُدَاء؛ فَإِنَّ أَذَّنَ، فَهُوَ يُقِيمُ.\nالشرح: \"والضروريات\" (^٢) كثيرة، فنذكر الأشهر منها؛ لأنا قد قلنا: إن المقدمات تنتهي إليها، [فنقول] (^٣): \"منها: المُشَاهدات الباطنة\"؛ وتسمى الوِجْدَانِيَّات؛ \"وهي: ما لا تفتقر (^٤) إلى عَقْلٍ؛ كالجوع والألم\"؛ تدركه (^٥) البهائم.\n\"ومنها: الأوَّلِيَّات؛ وهي: ما يحصل (^٦) بمجرد العَقْلِ\"، ولا يشترط إلَّا حضور الطرفين، والالتفات إلى النسبة؛ \"كعلمك بوجودك؛ وأن النقيضين يصدق أحدهما\"؛ فلا يصدقان معًا، ولا يكذبان.\n\"ومنها: المَحْسُوسَاتُ؛ وهي: ما يحصل بالحِسِّ\" الظاهر، أي: المَشَاعر الخمس؛ كالعلم بأن الشمس مضيئة، والنَّار حارة.\n\"ومنها: التَّجْرِيبِيَّات (^٧)؛ وهي: ما يَحْصُلُ بالعادة\"، أعني تكرر الرتب (^٨) من غير علاقة\n_________\n(^١) بلال بن رباح المؤذن مولى أبي بكر، له كنى، شهد بدرًا والمشاهد كلها، وسكن دمشق. له أربعة وأربعون حديثًا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بحديث. قال أنس: بلال سابق الحبشة. قال عمر: أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا، وكان بلال ممن عذب في الله تعالى. مات سنة عشرين، عن بضع وستين سنة. ينظر: الخلاصة ١/ ١٤٠، وتاريخ خليفة ٩٩، ١٤٩، والعبر ١/ ٢٤، وتهذيب التهذيب ١/ ٥٠٢، وشذرات الذهب ١/ ٣١، وسير أعلام النبلاء ١/ ٣٤٧.\n\n(^٢) في هامش ت: أقسام الضروريات.\n(^٣) سقط في ت.\n(^٤) في ت: يفتقر.\n(^٥) في أ، ج: يدركه، وفي ح: لم يدركه.\n(^٦) في أ، ج، ح: عصل.\n(^٧) في ب: التجريبات، وفي ت: الجزئيات.\n(^٨) في ت: الترتيب، وفي ج: الترتب.","vol":"1","page":309},{"text":"وَمِنها الْمُتَوَاتِرَاتُ؛ وَهِيَ: مَا تَحْصُلُ بِالْإِخْبَارِ تَوَاتُرًا؛ كَـ \"بَغْدَادَ\" و\"مَكَّةَ\".\n\n\"وَصُورَةُ الْبُرْهَانِ اقْتِرَانِيٌّ وَاسْتِثْنَائِيٌّ:\nفَالاقْتِرَانِيُّ: مَا لَا يُذْكَرُ اللَّازِمُ وَلا نَقِيضُهُ؛ فِيهِ بِالْفِعْلِ.\nوَ\"الاسْتِثْنَائِيُّ\" نَقِيضُهُ.\n<hr><s0>\n\n[عقلية] (^١)؛ وهو: إما خاص أو عام؛ \"كإسهال المسهل\"؛ يختص بعلمه الطبيب، \"والإسْكَار\" يعم الناس.\n\"ومنها: المُتَوَاتراتُ؛ وهي: ما يحصل بالإخبار تواترًا؛ كَـ \"بَغْدَادَ\" و\"مكة\"\"؛ لمن لم يرهما.\nالشرح: \"وصورة البرهان (^٢) \" (^٣)؛ وهو: القول المؤلَّف من قضايا متى سلِّمت؛ لزم عنه لذاته - قول آخر - ضربان: أحدهما: \"اقتراني\"، \"و\"الثاني: \"استثنائي\":\n\"فالاقتراني: ما لا يذكر اللَّازم\" عنه، \"ولا نقيضه؛ [فيه بالفعل] (^٤)، والاستثنائي نقيضه؛ فالأول\" قسمان:\nأحدهما: ما كان بشرط وتقسيم، ويسمى الاقترانيات الشرطية؛ وأهمله صاحب الكتاب؛ لقلة جدواه.\n_________\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) في حاشية ج: قوله: وصورة البرهان، أي: ما تقدم مادة البرهان وصورته … إلخ.\n(^٣) وأمَّا صورته فضربان: اقتراني واستثنائي؛ لأنه إمَّا ألَّا يكون اللازم منه ولا نقيضه مذكورًا فيه بالفعل، أو يكون الأول الاقتراني، والثاني الاستثنائي، وسنذكر مثالهما، فالاقتراني بغير شرط، ولا تقسيم، أي يقتصر على هذا القسيم، ويسمى الاقترانيات الحمليات، ولا يتعرض للقسم الآخر، وهو ما فيه تقسيم أو شرط، وتسمى الاقترانيات الشرطية؛ لقلة جدواها وكثرة شعبها وبُعْد أكثرها عن الطبع، ثم المفردات في مقدمتيه يسميها المنطقيون موضوعًا ومحمولًا، والمتكلمون في ذاتًا وصفة، والفقهاء محكومًا عليه وبه، والنحويون مسندًا إليه ومسندًا، وأجزاء المقدمات يسمّى حدودًا، ولا بُدَّ من حَدٍّ متكرر باعتبار نسبته إلى طرفي المطلوب، ويسمى الأوسط، وأمَّا الآخران وهما طرفا المطلوب فيسمى موضوعه الأصغر ومحموله الأكبر، والمقدمة التي فيها الأصغر الصغرى، والتي فيها الأكبر الكبرى. مثاله: كل وضوء عبادة، وكلُّ عبادة قربة، ينتج: كل وضوء قربة، فالعبادة الأوسط، والوضوء الأصغر، و\"كلُّ وضوء عبادة\" الصغرى \"والقربة\" الأكبر و\"كلُّ عبادة قربة\" لما الكبرى.\n(^٤) سقط في أ، ب، ت، ح.","vol":"1","page":310},{"text":"وَالْأَوَلُ بِغَيْرِ شَرْطٍ وَلَا تَقْسِيمٍ، وَيُسَمَّى \"الْمُبْتَدَأُ\" فِيهِ مَوْضُوعًا، وَ\"الْخَبَرُ\" مَحْمُولًا، وَهِيَ الْحُدُود، وَالْوَسَطُ الْحَدُّ الْمُتكَرِّر، وَمَوْضوعُهُ الْأَصْغَر، وَمَحْمُولُهُ الْأَكْبَر، وَذَاتُ الْأَصْغَرِ الضُغْرَى، وَذَاتُ الْأَكْبَرِ الكُبْرَى.\n\nوَلَمَّا كَانَ الدَّلِيلُ قَدْ يَقُومُ عَلَى إِبْطَالِ النَّقِيضِ، وَالْمَطْلُوبُ نَقِيضُه، وَقَدْ يَقُومُ عَلَى الشَّيْءِ، وَالْمَطْلُوبُ عَكْسُهُ - احْتِيجَ إِلَى تَعْرِيفِهِمَا؛ فَالنَّقِيضَانِ كُلُّ. . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالثاني: ما كان \"بغير شرط ولا تقسيم\"؛ وهو الاقتراني الحملي، \"ويسمى المبتدأُ فيه\"، وهو المحكوم عليه \"موضوعًا، والخبر\"، أي: المحكوم به - \"محمولًا\".\nوتسميتهما (^١) بالموضوع والمحمول؛ اصطلاحٌ للمنطقيين، وبالمبتدأ (^٢) والخبر؛ للنُّحَاة، وبالمحكوم عليه وبه؛ للفُقَهَاء، وبالذات والصفة؛ للمتكلِّمِين، وبالمُسْنَدِ والمُسْنَدِ إليه؛ للبَيَانِيِّينَ.\n\"وهي\" أي: أجزاء (^٣) المقدمات تسمى (^٤) \"الحدود، فالوسط: الحد المتكرِّر (^٥)، موضوعه الأصغر، ومحموله الأكبر، وذات الأصغر\"، أي: المقدمة التي فيها الأصغر: \"الصغرى، وذات الأكبر الكبرى\".\nمثاله: العالَم متغيِّر، وكل متغير حادثٌ؛ ينتج: العالَم حادث؛ فالمتغير الأوسط، والعالَم الأصغر، و\"العالَم حادث\" (^٦) الصغرى، و\"حادث\" الأكبر، و\"كل متغير حادث\" الكبرى.\nالشرح: \"ولما كان الدَّليل قد يقوم على إبطال النَّقيض، والمطلوبُ نقيضه\"، ولكنَّ الدليل لم يتأت قيامه على صدق المطلوب ابتداءً، ويلزم من إبطال نقيضه صدقه، \"وقد يقوم على الشَّيء، والمطلوبُ (^٧) عكسه\"؛ فيلزم صدقه - \"احتيج إلى تعريفهما\"، أي: تعريف النقيض،\n_________\n(^١) في أ، ح: ويسميها.\n(^٢) في أ، ب، ج، ح: المبتدأ.\n(^٣) في أ، ح: آخر.\n(^٤) في أ، ح: يسمى.\n(^٥) في حاشية ج: قوله: \"فالوسط الحد المتكرر ولا بد منه؛ لأن النسبة بين محمول وموضوع إذا كانت مجهولة لا بد في تعريفها من أمر ينتسب إلى كل منهما فيتكرر كذلك ا. هـ سيد.\n(^٦) في ج: متغير.\n(^٧) في حاشية ج: قوله: \"وقد يقوم على الشيء والمطلوب عكسه\" أي: يقوم على تحقق أمر هو ملزوم لصدق المطلوب لكونه عكسًا له، فيلزم صدقه قطعًا كما في رد الإشكال إلى الأول بحيث يحتاج إلى عكس النتيجة.","vol":"1","page":311},{"text":"قضِيَّتَيْنِ، إِذَا صَدَقَتْ إِحْدَاهُمَا، كَذَبَتِ الْأُخْرَى، وَبِالْعَكْسِ؛ فَإِنْ كَانَتْ شَخصِيَّةً، فَشَرْطُهَا أَلَّا يَكُونَ بَينَهُمَا اختِلافٌ فِي الْمَعْنَى إِلَّا النَّفْىَ وَالإِثْبَاتَ؛ فَيَتَّحِدُ الجُزْآنِ بالذَّاتِ وَالإضَافَةِ،\n<hr><s0>\n\nوالعكس؛ \"فالنقيضان (^١): كل قضيتين، إذا صدقت إحداهما، كذبت الأخرى، وبالعكس\"؛ إذا كذبت، صدقت (^٢)؛ \"فإن كانت\" القضية \"شخصية، فشرطها ألا يكون بينهما\"، أي: بينها، وبين نقيضها: \" [اختلاف] (^٣) في المعنى\"؛ تغاير، \"إلَّا النفي والإثبات\"، أي: تبديل كل من النفي\n_________\n(^١) أقول: النقيضان كلُّ قضيتين يلزم من صدق أيتهما فرضت كذب الأخرى، ويلزم العكس، وهو أن يلزم من كذب أيّتهما فرضت صدق الأخرى، ولا حاجة إلى تقييد اللزوم بكونه بالذات دفعًا لورود: هذا إنسان هذا ليس بناطق؛ لأن كذب كلٍّ منهما لا يلزم من صدق الآخر، بل من صدقه واستلزامه نقيض الآخر جميعًا، والضابط في التناقض أن الفضية إذا كانت شخصية، فيجب ألّا يكون بينها وبين نقيضها تغاير إلا بتبديل كلٍّ من النفي والإثبات بالآخر، فيلزم أن يتحد الموضوع والمحمول إلَّا باللفظ فقط، بل بالذات وبالاعتبار، ويلزم من ذلك ست وحدات لولاها لم يتحد كذلك؛ لاختلاف الاعتبار الأول اتحاد الإضافة مثل: \"زيد أب\" \"زيد ليس بأب\" ولو أردت في أحدهما لـ \"بكر\" وفي الآخر لـ \"عمرو\" لم يتنافيا.\nالثاني: الاتحاد في الجزء والكل مثل: الزنجي أسود، الزنجي ليس بأسود.\nولو أردت في أحدهما جزءه وفي الآخر كله لم يتنافيا.\nالثالث: في القوة والفعل مثل: الخمر في الدن مسكر، الخمر في الدن ليس بمسكر.\nالرابع: الزمان: الشمس حارة، الشمس ليست بحارة.\nالخامس: المكان: زيد جالس، زيد ليس بجالس.\nالسادس: الشرط: الكاتب متحرك الأصابع، الكاتب ليس بمتحرك الأصابع، هذا إذا كانت القضية شخصية، وإن لم تكن شخصية لزم مع ما ذكرنا اختلاف الموضوع بالكلية والجزئية، وإلَّا لكانتا كليتين أو جزئيتين، والكليتان يجوز كذبهما معًا مْثل: كل إنسان كاتب، كلُّ إنسان ليس بكاتب، وإنما كذبتا؛ لأن الحكم بعرضي خاص بنوع من الموضوع على الموضوع كله فلثبوته لنوع منه لا يصدق سلبه عن كله، ولاختصاصه به ولانتفائه عن نوع آخر منه لا يصدق إثباته لكله؛ والجزئيتان يجوز صدقهما معًا، مثل: بعض الإنسان كاتب، بعض الإنسان ليس بكاتب، وإنما صدقتا لأن الحكم في الجزئي على غير معيّن في جزئيات الموضوع، وأنه يوجد في ضمن كل جزئي، فيصدق الإيجاب في ضمن جزئي، والسلبُ في ضمن آخر، ولو كان القصد إلى بعض معيّن بأن تقول: بعض الإنسان كاتب، وذلك البعض ليس بكاتب، أو تنوي ذلك لم يمكن صدقهما، وإذا ثبت ذلك تعيّن أن نقيض الكلية المثبتة، الجزئية السالبة، ونقيض الجزئية المثبتة، السالبة الكلية، وهو أوضح. ينظر: شرح المقدمة. ا. هـ.\n(^٢) في ت: إذا صدقت كذبت ......\n(^٣) سقط في أ، ت، ج، ح.","vol":"1","page":312},{"text":"وَالْجُزْءِ أَوِ الْكلِّ، وَالْقُوَّةِ أَوِ الْفِعْلِ،. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالإثبات بالآخر، \"فيتحد الجزآن\": الموضوع والمحمول، لا باللفظ فقط، بل \"بالذَّات والإضافة\"؛ مثل: زيد أب (^١)، زيد ليس بأب، ولو زدت في أحدهما: لِبَكْرٍ، وفي الآخر: لِعَمْرِو، لم يتنافيا، \"والجزءِ والكل\"؛ مثل: الزنجي أسود، الزنجي ليس بأسود، ولو زدت (^٢) في أحدهما \"جُزْؤُهُ\"، وفي الآخر: \"كلُّه\"، لم يتنافيا، \"والقوةِ والفعل\"؛ مثل: الخَمْر (^٣) في الدَّنِّ\n_________\n(^١) في ت: زيدان.\n(^٢) في أ، ت، ح، ج: أردت.\n(^٣) الخمر: لفظ الخمر في الأصل مصدر: خمَرَ الشيء يخمرُه، إذا عطاه وستره، سمي الخِمار خمارًا؛ لأنه يغطي رأس المرأة، والخمَر: ما واراك من شجر وغيره من وهدة وأكمة، والخامر: هو الذي يكتم شهادته، ويقال: خَمَرْت رأس الإناء، غطيته، ويقال للضبع: \"خامري أمّ عامر\". أي: استتري، ومنه يقال: \"هُوَ يمشي لك الخمر\". أي: مستخفيًا، كما قال العجَّاج: [الرجز]\nفِي لامِع الْعُقْبَانِ لَا تَأتِي الْخَمَرْ … يُوَجِّهُ الأَرْضَ وَيَسْتَاقُ الشَّجَرْ\nومعنى قوله: \"لا يأتي الخمر\": لا يأتي مستخفيًا، ولا مسارقة، ولكن ظاهرًا برايات وجيوش، والعقبان: جمع عُقاب: وهي الرايات.\nويقال لما خَامَر العقل من داء وسَكَر، فخلطه وغمره: خمرٌ، ومنه قول كُثيِّر عزة: [الطَّويل]\nهَنِيئًا مَرِيئًا غَيْرَ دَاءٍ مُخَامِرِ\nويطلق على الشراب المخصوص لوجوه: قال أبو بكر بن الأنباري: سميت الخمر خمرًا؛ لأنها تخامر العقل. أي: تخالطه، ومنه قولهم: خامره الداء. أي: خالطه، وأنشد لكثير عزة: \"هنيئًا مريئًا غير داءٍ مخامر\" أي: مخالط، وقيل: لأنها تخمر العقل، أي: تستره. ومنه الحديث: \"خَمِّرُوا آنِيَتكُمْ\"، ومنه خمار المرأة؛ لأنه يستر رأسها، وهذا أخصّ من الأول؛ لأنه لا يلزم من المخالطة التغطية.\nوقيل: سميت خمرًا لأنها تعطَّى حتى تغلي، ومنه حديث المختار بن فلفل، قلت لأنس: الخَمْرُ مِنَ العِنب أوْ من غيرها؟ قال: \"ما خمَرْتَ مِنْ ذلك فَهُوَ الخَمْرُ\" أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح.\nوقيل: لأنها تخمر حتى تدرك، كما يقال: خمرت العجين، فتخمر، أي: تركته حتى أدرك، ومنه: خمرت الرأي، أي: تركته حتى ظهر وتحرر …\nوعلى هذه الأقوال كلها تكون الخمر في الأصل مصدرًا، وأريد بها اسم الفاعل، كما في الأولين، أو اسم المفعول، كما في الآخرين، ولا مانع من صحة هذه الأقوال كلها؛ لأن في الخمر هذه الصفات العديدة، وهي المخالطة والتغطية، والترك إلى الإدراك.\nولذا قال ابن عبد البر: الأوجه كلها موجودة في الخمر؛ لأنها خمرت وتركت حتى أدركت وسكنت، فإذا شربت خالطت العقل حتى تغلب عليه وتغطيه.\nواللُّغة الفصحى تذكير لفظ الخمر وتأنيث معناه، يقال: الخمر حَرَّمها الله. وأثبت أبو حاتم =","vol":"1","page":313},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= السجستاني، وابن قتيبة وغيرهما جواز التذكير معنى، فيقال: الخمر حرّمه الله. وقال الأصمعي: الخمر أنثى، وأنكر التذكير، ويجوز دخول الهاء عليها، فيقال لها: الخمرة. أثبته فيها جماعة من أئمة اللغة، منهم الجوهري.\nوقال ابن مالك في \"المثلث\": الخمرة هي الخمر. ويقال للقطعة منها: خمرة، كما يقال: كنّا في لحمة ونبيذة وعسلة، أي: في قطعة من كل شيء منها. ويجمع الخمر على الخمور مثل: تمر وتمور.\nللخمر أسماء كثيرة ذكر منها صاحب التلويح ما يناهز أسماؤها التسعين اسمًا، وذكر ابن المعتز مائة وعشرين اسمًا، وذكر ابن دحية مائة وتسعين اسمًا، ومن أشهرها: العقار، الشموس، الخندريس، الحميّا، الصّهباء، المدام، الشيول، وغير ذلك.\nأجمع أهل اللغة على أن إطلاق اسم الخمر على الشيء المسكر من عصير العنب حقيقي، واختلفوا في إطلاقه على الأنبذة المسكرة، فذهب أكثر علماء اللغة إلى أن إطلاق اسم الخمر على كل شراب مسكر حقيقي، سواء أكان متخذًا من ثمرات النخيل والأعناب، أم من غيرهما، وسواء أكان نيئًا أم مطبوخًا.\nوممَّن صرح بذلك من أئمة اللغة: الجوهري وأبو حنيفة الدينوري وأبو نصر القشيري، والمجد صاحب \"القاموس\". ونص عبارة القاموس: \"الخمرُ: ما أسكَرَ من عصير العِنَبِ، أو عامٌّ كالخمرَةِ، وقد يذكر، والعموم أصحّ؛ لأنها حرمت، وما بالمدينة خمر عنب، وما كان شرابهم إلا البسر والتمر.\nوالفعل كـ\"نصر وضرب\"، وفي \"تاج العروس\" عند قول صاحب \"القاموس\": \"والعموم أصحّ\" على ما هو عند الجمهور؛ لأن الخمر حرمت، وما بالمدينة المشرفة التي نزل التحريم فيها خمر عنب، بل وما كان شرابهم إلّا من البسر والتمر والبلح والرطب، كما في الأحاديث الصَّحيحة التي أخرجها البخاري وغيره، كحديث ابن عمر: \"حُرِّمت الخمر وما بالمدينة منها شيءُ\"، وحديث أنس: \"وما شرابهم يومئذٍ إلَّا الفضيخُ: البسرُ والتَّمرُ\" أي: ونزل تحريم الخمر التي كانت موجودة من هذه الأشياء لا في خمر العنب خاصة.\nوقال أبو البقاء في \"الكلّيات\": كل شراب مُغَطٍّ للعقل، سواء كان عصيرًا أو نقيعًا، مطبوخًا كان أو نيئًا، فهو خمر له. وفي \"نيل الأرب في مثلثات العرب\": [الرجز]\nكُلُّ شَرَابٍ مُسْكِرٍ فَالْخَمْرَهْ … هَيْئَةُ الاخْتِمَارِ تُدْعَى خَمْرَهْ\nومما يفيد العموم من كلام العرب، قول عبيد بن الأبرص في مثل له: [المتقارب]\nهِيَ الخَمْرُ بِالْهَزْلِ تُكْنَى الطِّلاءَ … كَمَا الذِّئْبُ يُكْنَى أَبَا جَعْدَةِ\nوالطلاء: اسم لنوع من عصير العنب اختص بالمطبوخ. وقال الحَكمي: [الوافر]\nلَنا خَمْرٌ وَلَيْسَتْ خَمْرَ كَرْمٍ … وَلكِنْ مِنْ نِتَاجِ الْبَاسِقَاتِ =","vol":"1","page":314},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  كِرَامٌ فِي السَّمَاءِ ذَهَبْنَ طُولًا … وَفَاتَ ثِمَارُهَا أيْدِي الْجُنَاةِ\nومما يفيد العموم أيضًا الاشتقاق، فإن أهل اللغة قالوا: إن أصل معنى لفظ الخمر: الستر والتغطية.\nسمّي الخمار خمارًا لأنه يغطي رأس المرأة، والخامر هو الذي يكتم شهادته، والخمَر: ما واراك من شجر وغيره، قال ابن الأنباري: سميت الخمر خمرًا لأنها تخامر العقل إلى آخر ما تقدم عنه.\nوإذا اشتق من اللفظ بأي معنى من معانيه، فهو موجود في النبيذ، لوجوده في الخمر، فوجب أن يشترك معه في الاسم، ولذلك قالوا لمن بقيت فيه نشوة السكر: مخمور، اشتقاقًا من اسم الخمر، سواء أكان سكره من نبيذ أم من خمر من غير فرق، ولو افترقا في الاسم لافترقا في الصفة، فقيل له في نشوة النبيذ: منبوذ، كما قيل له في نشوة الخمر: مخمور، فهذه الاشتقاقات وحدها من أقوى الأدلة على العموم، وكأنها سميت خمرًا تسمية باسم المصدر؛ للمبالغة، كما سميت سكرًا تسمية باسم المصدر، كالرشْد والرشَد مبالغة؛ لأنها تسكر العقل، أي: تحجز نوره من الوصول إلى الأعضاء. \"والسكَر مصدر سكر من الشَّراب من باب طَربَ، وسكر النهر سدّه من باب نصر\".\nلا يقال: هذا من إثبات اللغة بالقياس، وهو غير جائز؛ لأنا نقول: ليس هذا من إثبات اللغة بالقياس، وإنما هو من تعيين المسمَّى بواسطة الاشتقاق، ولهذا نظير، فقد قال الحنفية: إن مسمى النكاح هو الوطء، وأثبتوه بالاشتقاق.\nوذهب فريق آخر من أصل اللغة إلى أن إطلاق اسم الخمر على الشيء المسكر من عصير العنب حقيقي، وإطلاقه على ما سواه من سائر الأنبذة المسكرة مجازي.\nقال في \"لسان العرب\": \"الخمر ما أسكر من عصير العنب؛ لأنها حامرت العقل، والتخمير التغطية، يقال: خمر وجهه، وخمر إناءك، والمخامرة: المخالطة. وقال الدينوري: قد تكون الخمر من الحبوب، فجعل الخمر من الحبوب. قال ابن سيده: وأظنّه تسمّحًا؛ لأن حقيقة الخمر إنما هي العنب دون سائر الأشياء، وفي المغرب: الخمر: هي النيء من ماء العنب، إذا غلي، واشتد وقذف بالزبد\".\nومما يفيد الخصوص من كلام العرب قول أبي الأسود الدؤلي: [الطويل]\nدَعِ الْخَمْرَ تَشْرَبْهَا الْغُوَاةُ فَإِنَّنى … رَأَيْتُ أَخَاهَا مُغْنِيًا بِمَكَانِهَا\nفَإِنْ لَمْ تَكُنْهُ أَوْ يَكُنْهَا فَإِنَّهُ … أَخُوها غَذَتْهُ أُمُّهُ بِلِبَانِهَا\nأخبر أبو الأسود: أن النبيذ أخٌ للخمر، وأخو الشيء غيره، وهو من فصحاء العرب المحتجّ بقوله في اللغة. ها هي ذي النقول عن أهل اللغة، ويظهر منها: أن الأرجح في مسمّى الخمر العموم لغة، كما صرّح بذلك صاحب القاموس بقوله: \"والعُمومُ أصحّ\"، وقد غلط ابن سيده في اقتصاره على قول صاحب \"العين\": \"الخمر: عصير العنب إذا أسكر\"، ولعل سبب ذلك أن خمر العنب كانت كثيرة في زمن تدوين اللغة، فظن بعضهم أن الإطلاق ينصرف إليها فقط حقيقة؛ لكثرتها وشهرتها وجودتها.\nوقد يستأنس لهذا بنقل الصحيحين والمسانيد والسنن بيان معنى الخمر عن الرسول ﷺ وأصحابه، وهم من أهل اللسان. =","vol":"1","page":315},{"text":"وَالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالشَّرْطِ؛ وإلَّا لَزِمَ اخْتِلَافُ الْمَوْضُوعِ؛ لِأَنَّهُ إنِ اتَّحَدَا، جَازَ أَنْ يَكْذِبَا فِي الْكُلِّيَّةِ؛ مِثْلُ: كُلُّ إِنْسَانٍ كَاتِبٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِعَرَضِيٍّ خَاصٌّ بِنوْعٍ، وَأَنْ يَصْدُقَا فِي الْجُزْئيَّةِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ.\nفنَقِيضُ الْكُلِّيَّةِ الْمُثْبَتَةِ جُزْئِيَّةٌ سَالِبَةٌ، وَنَقِيضُ الْجُزْئِيَّةِ الْمُثْبَتَةِ كُلِّيَّةٌ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nمسكر (^١)، ليس بمسكر.\n\"والزمان\" مثل: الشمس حارّة، والشمس ليست بحارة.\n\"[والمكان] \" زيد جالس، زيد ليس بجالس] (^٢).\n\"والشرط\" الكاتب متحرك الأصابع؛ الكاتب ليس متحرك الأصابع. هذا إذا كانت القضية شخصية.\n\"وإلا\"، أي: وإن لم تكن شخصية، \"لزم\"، [مع ما ذكرنا] (^٣) - \"اختلاف الموضوع\" بالكلية (^٤)، والجزئية؛ مع الاختلاف بالنفي والإثبات.\nوالمراد أنه لو كانت إحداهما كلّية، وجب كون الأخرى جزئية؛ ليتحقّق التَّنَاقُضُ بينهما؛ \"لأنه [إن] (^٥) اتَّحد\" الموضوع فيهما (^٦) بالكَمِّ، \"جاز أن يكذبا في الكلية؛ مثل: كلُّ إنسانٍ كاتبٌ\" بالفعل، ولا شيء من الإنسان بكاتب بالفعل؛ وإنما كذبتا؛ \"لأن الحُكْمَ\" بـ\"الكاتب بالفعل\" على الإنسان - حكمٌ \"بعرضيٍّ خاصٌّ بنوع\" غير شامل لجميع أفراده؛ فلا يصدق ثبوته لكل أفراد الإنسان، ولا سلبُه (^٧) عن كلها؛ فتكذب (^٨) الكليتان حينئذٍ (^٩)، \"و\"جاز\" أن يصدقا في الجزئية\"؛ كما في المثال المذكور؛ \"لأنه\"، أي: الموضوع في الجزئية - \"غير متعيَّن\" فجاز أن يكون البَعْضُ المحكوم عليه بالإثبات - غير البعض المحكوم عليه بالنَّفْي؛ فيصدقا.\nالشرح: وإذا عرفت هذا \"فنقيض الكُلّية المثبتة جزئيةٌ سالبة (^١٠)، ونقيض الجزئية المثبتة\n_________\n= والخمر عند الفقهاء: تبع اختلاف أهل اللغة في حقيقة الخمر اختلاف الفقهاء فيها: فذهب جمهور الفقهاء إلى ما ذهب إليه الأكثر من أهل اللغة من القول بالعموم، وذهب الحنفية إلى ما ذهب إليه الفريق الآخر من أهل اللغة من القول بالخصوص.\n(^١) في ب، ج: مسكر الخمر.\n(^٢) سقط في ح.\n(^٣) شقط في أ، ح.\n(^٤) في ج: في الكم بالكلية.\n(^٥) سقط في أ، ت، ج، ح.\n(^٦) في أ، ج، ح: فيها.\n(^٧) في ب، ت: يسلبه.\n(^٨) في أ، ج، ح: فيكذب.\n(^٩) في ح: الكليات.\n(^١٠) في ت: سلبية.","vol":"1","page":316},{"text":"سَالِبةٌ، وَعَكْسُ كُلِّ قَضِيَّةٍ تَحْوِيلُ مُفْرَدَيْهَا عَلَى وَجْهٍ يَصْدُقُ؛ فَعَكْسُ الْكُلِّيَّةِ الْمُوجَبَةِ جُزْئيَّةٌ مُوجَبَةٌ، وَعَكْسُ الْكُلِّيَّةِ السَّالِبةِ مِثْلُهَا،. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nكلية سالبة\"؛ وهو واضح.\n\"وعكس كل قضية تحويل مفرديها\" (^١)؛ بأن يجعل الموضوع محمولًا (^٢)، والمحمول موضوعًا، والتالي (^٣) مقدَّمًا، والمقدَّم تاليًا؛ \"على وجه يصدق\"، أي: على تقدير صدق الأصل، لا في نفس الأمر؛ إذ قد يكذب هو وأصله؛ مثل: كل إنسان حجر، عكسه: بعض الحجر إنسان، وهما كاذبان، لكن لو صدق الأصل، لصدق.\nوعلى هذا \"فعكس الكلية الموجبة\" (^٤)، سواء كانت (^٥) حمليَّة، أو شرطية متصلة - \"جزئية موجبة\"؛ لأن الموضوع والمحمول قد التقيا في ذاتٍ صدقا عليها، فيصدق الموضوع على بعض ما صدق عليه المحمول؛ لكنَّ المحمول والتالي (^٦) قد يكونان أعم من الموضوع والمقدَّم؛ فيثبتان حيث لا ثبوت للموضوع والمقدَّم (^٧)، فلا يلزم الكُلّية، وهذا مثال: كل (^٨) إنسان حيوان (^٩)، وكلما كان الشيء إنسانًا، فهو حيوان؛ فلا يكون عكسهما كليًّا، بل يكون جزئيًّا؛ لأنه إذا صدق: كل إنسان حيوان، وجب أن يصدق: بعض الحيوان إنسان، وألَّا يصدق: لا شيْءَ من\n_________\n(^١) في ت: مفرداتها.\n(^٢) في ح: محمول.\n(^٣) في ت، ح: والثاني.\n(^٤) عكس كل قضية تحويل مفرداتها بأن يجعل الموضوع محمولًا والمحمول موضوعًا على وجه يصدق، أي على تقدير صدق الأصل لا في نفس الأمر؛ إذ قد يكذبه هو، وأصله نحو: كلُّ إنسان فرس، عكسه. بعض الفرس إنسان، وهما كاذبان، لكن لو صدق الأصل صدق، فهذا حَدُّه، وقد يقال للقضية التي حصلت بعد التبديل: عكس أيضًا، كالخلق والنسج، وعلى هذا فعكس الموجبة الكلية جزئية موجبة؛ لأن الموضوع والمحمول التقيا في ذات صدقا عليها، فبعض ما صدق عليه المحمول صدق عليه الموضوع، لكن ربما يكون المحمول أعم فيثبت حيث لا يثبت الموضوع، فلا يلزم الكلية، فعكس الكلية السالبة كلية سالبة؛ لأن الطرفين لا يلتقيان في شيء من الأفراد، وعكس الموجبة الجزئية موجبة جزئية للالتقاء، والجزئية السالبة لا عكس لها؛ لجواز أن يكون الموضوع أعم، وقد سلب الأخص عن بعضه، فإذا عكس سالبة كان سلب الأعم عن الأخص فلا يصدق. ينظر: شرح المقدمة (١٥).\n(^٥) في أ، ت، ح: أكانت.\n(^٦) في ت: الثاني.\n(^٧) في ت: والمعدوم.\n(^٨) في ت: لكل.\n(^٩) في ت: حيوانًا.","vol":"1","page":317},{"text":"وَعَكْسُ الْجُزْئِيَّةِ الْمُوجَبةِ مِثْلُهَا، وَلَا عَكْسَ لِلْجُزْئِيَّةِ السَّالِبةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-361>عَكْسُ النَّقِيضِ </span>(^١)\nوَإِذَا عُكِسَتِ الْكُلِّيَّةُ المُوجَبَةُ بِنَقِيضِ مُفْرَدَيْهَا،. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالحيوان بإنسان؛ لأنه نقيضه؛ فتجعله كبرى للأصل، وهو: كل إنسان حيوان؛ [فيصير هكذا: كل إنسان حيوان] (^٢)، ولا شيء من الحيوان بإنسان؛ ينتج: لا شيء من الإنسان بإنسان؛ فيلزم سلب الشيء عن نفسه؛ وهو مُحَالٌ؛ وكذا تقول (^٣) في الكلى المتصل.\n\"وعكس الكلية السالبة مثلها\"، لأن الطرفين لا يلتقيان في شيء من الأفراد، فإذا صدق: لا شيء من الحَجَر بِفَرَسٍ، صدق: لا شيء من الفرس بِحَجَرٍ؛ وإلا لصدق نقيضه؛ وهو: بعض الحجر فرس، فتجعله (^٤) صغرى للأصل؛ هكذا: بعض الحجر فرس، ولا شيء من الفرس بحجر؛ ينتج: بعض الحجر ليس بِحَجَرٍ؛ فيلزم سلب الشيء عن نفسه؛ وكذا تقول في السَّلب الكُلّي المتصل.\n\"وعكس الجزئية الموجبة مثلها\"؛ كما عرفت، \"ولا عكس للجزئية السَّالبة\"، سواء كانت حملية أم متصلة؛ لجواز سلب الخاصّ عن بعض أفراد العامِّ، وامتناعِ العَكْس؛ مثل: بعض الحيوان ليس بإنسان مع امتناع عكسه، وهذا تمام القول في العكس المستوِي.\nالشرح: ولهم نوع آخر من العَكْسِ؛ يسمى \"عكْسَ النقيضِ\"؛ وهو: تبديلُ كلّ من الطرفين بنقيض (^٥) الآخر على وجه يصدق؛ وإليه أشار بقوله: \"وإذا عكست الكلية الموجبة (بنقيض مفرديها) \" (^٦) صدقت\"؛ مثل: كل إنسان حيوان، (يعكس بالنقيض) (^٧): كل ما ليس\n_________\n(^١) أقول: هاهنا نوع آخر من العكس يسمى عكس النقيض، وهو تبديل كل من الطرفين بنقيض الآخر على وجه يصدق، والكلية الموجبة تنعكس بهذا العكس، وذلك أن محمولها لازم لموضوعها، وعدم اللازم مستلزم لعدم الملزوم، وهذا بخلاف الجزئية؛ إذ لا استلزام ثمة، ومن أجل أن الكليتين الموجبتين متلازمتان انعكس السالبة كلية أو جزئية بهذا العكس.\nأمَّا الجزئية فلأن الجزئيتين السالبتين نقيضا الموجبخين الكليتين، والتلازم بين الشيئين يستلزم التلازم بين نقيضيهما، وأمَّا الكلية فلأنها مستلزمة للجزئية المستلزمة لعكسها، وهو بعينها عكس الكلية.\nينظر: شرح المقدمة.\n(^٢) سقط في ت.\n(^٣) في أ، ب، ح: نقول.\n(^٤) في ت: فيجعله.\n(^٥) في ت: ببعض.\n(^٦) في ت: ببعض مفرداتها.\n(^٧) في ت، ح: بعكس النقيض.","vol":"1","page":318},{"text":"صَدَقَتْ، وَمِنْ ثَمَّةَ انْعَكَسَتِ السَّالِبَةُ سَالِبَةً جُزْئِيَّةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-362>الأَشْكَالُ</span>\nوَلِلْمُقَدِّمَتَيْنِ بِاعْتِبَارِ الْوَسَطِ أَرْبَعَةُ أَشْكَالٍ، فَالْأَوَّلُ مَحْمُولٌ ............\n<hr><s0>\n\nبحيوان ليس بإنسان؛ فيصدق؛ لأنه إذا صدق: كل إنسان حيوان، صدق: كل ما ليس بحيوان ليس بإنسان؛ وإلا لصدق نقيضه؛ وهو: ليس كلّ ما ليس [بحيوان ليس] (^١) بإنسان؛ ويلزمه: بعض ما ليس بحيوان إنسان؛ فتجعله صغرى؛ فتقول: بعض ما ليس بحيوان إنسان، وكل إنسان حيوان؛ ينتج: بعض ما ليس بحيوان حيوان؛ وهو مُحَال؛ \"ومن ثَمَّ\" (^٢)، أي: ومن أجل أن الموجبة الكلية تنعكس عكس النقيض إلى الموجبة الكلية، \"انعكست السَّالبة\" كلية أو جزئية، بعكس النَّقيض \"سالبة جزئية\"؛ أما الجزئية؛ فلأن الجزئيتين السَّالبتين نقيضا (^٣) الكُلّيتين الموجبتين (^٤)؛ والتلازمُ بين الشَّيئين يستلزم التَّلازم بين نقيضيهما (^٥)؛ وأمَّا الكلّية؛ فلأنها مستلزِمةٌ للجزئية المستلزِمة لِعَكسِهَا، وهي بعينها عكس الكُلّية.\nالشرح: \"وللمقدمتين (^٦) باعتبار\" وضع \"الوسط\" (^٧)؛ وهو التعيين (^٨) مثلًا بين الحَدّين الآخرين، وهما: العالَم، والحادث مثلًا في قولنا: العالَم متغير، وكل متغير حادث - \"أربعة\n_________\n(^١) سقط في أ، ب، ت، خ.\n(^٢) في حاشية ج: قوله: ومن ثم … إلخ أي: من أجل أن الكليتين الموجبتين متلازمتان انعكست السالبة بهذا العكس، أما الجزئية فلأن الجزئيتين السالبتين نقيضا الكليتين الموجبتين، والتلازم بين الشيئين يستلزم التلازم بين نقيضيهما، وأما الكلية فلأنها مستلزمة للجزئية المستلزمة لعكسها، وهو بعينه عكس الكلية. قاله العضد.\n(^٣) في ت: نقيض.\n(^٤) في ح: الموجوبتين.\n(^٥) في ب، ت: نقيضهما.\n(^٦) في ب: وللمقدمات.\n(^٧) وضع الأوسط عند الحدين الآخرين يسمّى شكلًا، والأشكال أربعة؛ لأن الأوسط إن كان محمولًا في الصغرى موضوعًا في الكبرى، فالأول وإن كان محمولًا فيهما فالثاني وإن كان موضوعًا فيهما فالثالث وإن كان عكس الأول، أي موضوعًا في الصغرى ومحمولًا في الكبرى فالرابع، ثم إذا ركبت كل شكل باعتبار مقدمتيه في الإيجاب والسلب، والكلية والجزئية جاءت مقدراته العقلية ستة عشر؛ لأن الصغرى إحدى الأربع، والكبرى إحدى الأربع، ويضربُ الأربع في الأربع فيحصل ستة عشر، لكن منها ما لا يكون بالحقيقة قياسًا؛ لأنه غير منتج، فيسقط بحسب الشروط، ويكون محققاته ما يبقى بعد ذلك.\n(^٨) في ب: التغير.","vol":"1","page":319},{"text":"لِمَوْضُوعِ النَّتِيجَةِ، مَوْضُوعٌ لِمَحْمُولِهَا، وَالثَّانِي: مَحْمُولٌ لَهُمَا، وَالثَّالِثُ: مَوْضُوعٌ لَهُمَا، وَالرَّابِعُ: عَكْسُ الْأَوَّلِ.\nفَإِذَا رُكِّبَ كُلُّ شَكْلٍ؛ بِاعْتِبَارِ الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئيَّةِ وَالْمُوجَبةِ وَالسَّالِبَةِ، كَانَتْ مُقَدَّرَاتُهُ سِتَّةَ عَشَرَ ضَرْبًا.\n\nالشَّكْلُ الْأَوَّلُ أَبْيَنُهَا؛ وَلذلِكَ يَتَوَقَّفُ غَيْرُهُ عَلَى رُجُوعِهِ إِلَيْهِ،. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأشكال (^١)؛ فالأوَّل (^٢): محمول لموضوع النتيجة، موضوع لمحمولها.\nوالثاني: محمول لهما.\nوالثالث: موضوع لهما.\nوالرابع: عكس الأول.\nفإذا ركب كل شكل (^٣)؛ باعتبار\" مقدمتيه في \"الكُلّية والجزئية، والموجبة والسالبة، كانت مُقدَّراته العقليّة ستة عشر ضَرْبًا\"؛ لأنَّ الصُّغْرى إحدى الأربع، والكبرى إحداها، وتُضْرَب (^٤) الأربعُ في الأربع؛ فتكون ستة عشر؛ لكن منها ما لا يكون بالحقيقة قياسًا؛ فيكون غير منتجٍ (^٥)؛ كما ستعرف، إن شاء الله تعالى.\nالشرح: \"الشكل الأول: أبْيَنُها (^٦)؛ ولذلك يتوقف غيره\" من الأشكال في النِّتاجِ (^٧) \"على\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله: \"أربعة أشكال\" الهيئة الحاصلة من نسبة الأوسط إلى الأصغر والأكبر تسمى شكلًا. سعد الدين.\n(^٢) في ج: فالأول.\n(^٣) في ت: شيء.\n(^٤) في أ، ج، ح: ويضرب.\n(^٥) في ب: صحيح.\n(^٦) في أ، ب، ح: أثبتها. وأقول: الشكل الأول هو أبين الأشكال، ولذلك كان غيره موقوفًا على الرجوع إليه، فيكون إنتاجه إنما يعلم برجوعه إليه، لما علمت أن حقيقة البرهان وسط مستلزم للمطلوب حاصل للمحكوم عليه، وأن جهة الدلالة أن موضوع الصغرى بعض موضوع الكبرى، فالحكم عليه حكم عليه، وكلاهما صورة الشكل الأول، والعقل لا يحكم بالإنتاج إلا بملاحظة ذلك، سواء أصرح به أو لا، وليس من شرط ما يلاحظه العقل التمكن من تفسيره وتلخيص العبارة فيه، فلأجل ذلك تراه يحكم بأن ما تحقق فيه الرجوع إلى الشكل الأول تحقق فيه ذلك وهو سبب للإنتاج والفقه فيه فأنتج، وما لم يرجع إليه فهو بخلافه ولا تظنّنه محتَّجًا بعدم الدليل الخاص على عدم المدلول، فتحكم بغلطه وهو بريء من ذلك، وكيف يذهبُ على مثله أن انتفاء الدليل الخاص، بل انتفاء الدليل مطلقًا لا يوجب انتفاء المدلول، وقد كرّر ذلك في مواضع من كتابه وبيَّن ضروبًا بغير هذا الوجه من الخلف=\n(^٧) في ج: الإنتاج.","vol":"1","page":320},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nرجوعه إليه\"؛ لما تقدَّم من أن حقيقة البرهان وسطٌ مستلزِمٌ (^١) المطلوبَ، حاصل للمحكوم عليه، وأن جهة الدلالة؛ أن موضوع الصغرى بعض موضوع الكبرى، فالحكم عليه حكم عليه؛ وهو صورة الشكل الأول، والعقل لا يحكم بالنتاج إلا بملاحظة ذلك؛ سواءٌ صرح (^٢) به أم لا، وليس من شرط (^٣) ما يلاحظه (^٤) العقل التمكُّنُ من تفسيره، والبَوْحُ به بصريح (^٥) العبارة، فما تحقَّقَ\n_________\n= وغيره، بل قصده. إلى ما ذكرناه، ولا يستبعد أن يفطن ذكيٌّ بحكمة هي مناط الأمر، فيؤيدها باستقراء الجزئيات؛ فيتعاضد اللَّمية والأنية.\nواعلم أن هذا الشكل يختص بأنه ينتج المطالب الأربعة، وبأنه ينتج الموجبة الكلية، وباقي الأشكال لا ينتج الموجبة الكلية، فلا ينتج الأربعة، بل إما جزئية أو سالبة، وكل ذلك استعمله عند التفصيل، ثم إن شرط إنتاجه أمران:\nأحدهما: أن تكون الصغرى موجبة أوفى حكمها؛ ليتوافق الأوسط فيحصل أمر مكرر جامع، وذلك أن الحكم في الكبرى على ما هو أوسط إيجابًا، فلو كان المعلوم ثبوته للأصغر هو الأوسط سلبًا تعدد الأوسط فلم يتلاقيا، والمرادُ بـ\"حكم الإيجاب\" ما يستلزم إيجابًا نحو: لا شيء في \"ج ب\" وكل ما هو ليس \"ب أ\" فإنَّ: لا شيء من \"ج ب\" سالبة، لكنه في حكم: كل \"ن\" هو ليس \"ب\" سالبة المحمول.\nوثانيهما: أن يكون الكبرى كلية ليعلم اندراج الأصغر فيه، إذ لو كانت جزئية جاز كون الأوسط أعم من الأصغر، وكون المحكوم عليه في الكبرى بعضًا منه غير الأصغر، فلا يندرج، فلا ينتج، وبحسب هذا الشرط يسقط السالبتان صغرى مع الكليتين والجزئيتين كبرى والموجبتان صغرى مع الجزئيتين كبرى، ويبقى صغرى موجبة، إمَّا كلية أو جزئية مع كبرى كلية إما موجبة أو سالبة، الأول: من موجبة كلية وكلية موجبة ينتج موجبة كلية: كل وضوء عبادة، وكلّ عبادة بنيَّة، ينتج: كل وضوء بنيَّة.\nالثاني: كلية موجبة وكلية سالبة ينتج كلية سالبة، كل وضوء عبادة، وكل عبادة لا تصح بدون النيّة، ينتج: كل وضوء لا يصح بدون النيّة.\nالثالث: جزئية موجبة وكلية موجبة ينتج موجبة جزئية، بعض الوضوء عبادة، وكل عبادة بنيَّة ينتج: بعض الوضوء بنيَّة.\nالرابع: جزئية موجبة وكلية سالبة بنتج جزئية سالبة، بعض الوضوء عبادة، وكلُّ عبادة لا تصح بدون النيَّة، فبعض الوضوء لا يصح بدون النيَّة، فقد ظهر لك أنها تنتج المطالب الأربعة، وأنها بَيِّنة بذواتها لا يحتاج إنتاجها للمطلوب إلى دليل.\n(^١) في ت: يستلزم.\n(^٢) في أ، ج: أصرح.\n(^٣) في ح: شرطه.\n(^٤) في ت: يلاحظ.\n(^٥) في أ، ب، ح: تصريح، وفي ت: تصرح.","vol":"1","page":321},{"text":"وَيُنْتِجُ المَطَالِبَ الأَرْبَعَةَ، وَشَرْطُ نِتَاجِهِ إِيجَابُ الصُّغْرَى، أَوْ حُكْمُهُ؛ لِيتَوَافَقَ الْوَسَط، وَكُلِّيَّةُ الْكُبْرَى؛ لِيَنْدَرجَ؛ فَيُنْتِج، فَتَبْقَى أَرْبَعَةٌ: مُوجَبَةٌ كُلِّيَّةٌ، أَوْ جُزْئِيَّةٌ، وَكُلِّيَّةٌ مُوجَبَةٌ، أَوْ سَالِبَةٌ.\n<hr><s0>\n\nفيه الرجوعُ إلى الشكل الأول ينتج دون غيره.\n\"وينتج المطالبَ الأربعة\" من الموجبتين: الكلية والجزئية، والسالبتين: الكلية والجزئية، وهي المحصوراتُ الأربعة، وغيْرُ الشَّكل الأول لا ينتجها (^١) جميعًا، فإذا (^٢) الأول أشرف، \"وشرطُ نتاجه\"؛ كذا بخط المصنِّف، بدون ألف - وهو الصواب - وفي بعضِ النسخ: إنتاجه، بالألف، وهو لحن؛ بحسب كمية المقدمتين، وكيفيتهما - أمران:\nأحدهما: \"إيجاب الصغرى، أو حُكْمُهُ\" أن يكون في حكم الإيجاب؛ بأن تكون (^٣) سالبة مركبة، وهي التي يجتمع فيها النَّفْي والإثبات؛ كقولنا: لا شيء من الإنسان بضاحكٍ بالفعل لا دائمًا؛ ومعنى قولنا: \"لا دائمًا\" هو: \"كل إنسان ضاحك بالفعل؛ فإنَّ السَّالبة المذكورة في معنى الموجبة؛ لأن [أحد جزءيها] (^٤) موجَبٌ، وتوارد النفي والإثبات فيها على موضوعٍ واحدٍ، فيكون في قوة قولنا: كل إنسان ضاحك بالفعل لا دائمًا.\nوإنما اشترط إيجاب الصغرى، أو كونَهَا في حكم الإيجاب؛ \"ليتوافق الوسط\" مع الأصغر بمعنى أن الأصغر يندرج تحت الأوسط؛ فيتعدَّى الحكم إلى الأصغر؛ فيحصل أمر مكرَّر جامع؛ وذلك أن الحكم في الكبرى على ما هو أوسط إيجابًا، فلو كان المعلوم ثبوتُه في الأصغرِ هو الأوسط سلْبًا، تعدَّد الأوسط؛ فلم يتلاقيا.\n\"وَ\" الثاني: \" [كلية] (^٥) الكبرى؛ ليندرج\" الأوسط فيه؛ \"فينتجُ\"؛ إذ لو كانت جزئيةً (^٦)، جاز كون الأوسط أعم من الأصغر، وكون المحكوم عليه في الكبرى بعضًا منه - غيرُ الأصغر؛ فلا يندرج؛ فلا ينتج.\n\"تبقى\" (^٧) الأضربُ المُتْتِجَةُ من الشَّكل الأول \"أربعة: موجبة كلية، أو جزئية، وكلية؛ موجبة\" كانت \"أو سالبة\"، أي: صغراه في الأضرب الأربعة موجبة، سواءٌ كانت (^٨) كلية أم\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله: \"لا ينتجها جميعًا بل ينتج ما عدا الموجبة الكلية\".\n(^٢) في ب: فإن، وفي ت: ومن.\n(^٣) في ت: يكون.\n(^٤) في ت: أحدهما.\n(^٥) سقط في ت.\n(^٦) في ت: جزئيته.\n(^٧) في أ، ج، ح: يبقى.\n(^٨) في أ: أكانت.","vol":"1","page":322},{"text":"الْأَولُ: كُلُّ وُضُوءٍ عِبَادَةٌ، وكُلُّ عِبَادَةٍ بِنِيَّةٍ.\nالثَّانِي: كُلُّ وُضُوءٍ عِبَادَةٌ، وكُلُّ عِبَادَةٍ لَا تَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ.\nالثَّالِثُ: بَعْضُ الْوُضُوءِ عِبَادَةٌ، وكُلُّ عِبَادَةٍ بِنِيَّةٍ.\nالرَّابِعُ: بَعْضُ الْوُضُوءِ عِبَادَةٌ، وكُلُّ عِبَادَةٍ لَا تَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ.\nالشَّكْلُ الثَّانِي: شَرْطُهُ؛ اختِلَافُ مُقَدِّمَتَيْهِ فِي الإْيجَابِ وَالسَّلْبِ، وَكُلِّيَّةِ كُبْرَاهُ؛ تَبْقَى أَرْبَعَةً وَلَا يُنْتِجُ إِلَّا سَالِبَةً.\n<hr><s0>\n\nجزئية، وكبراه كلية، سواء كانت (^١) موجبةً أم سالبةً، وسقط ثمانية أضرب (^٢).\n\"الأول\": من موجبتين كلّيتين؛ ينتج موجبة كلية: \"كل وضوء عبادة، وكل عبادة بِنِيَّةٍ\"، فكل وضوء بِنِيَّةٍ.\n\"الثَّاني\": من كلّيتين: الصغرى موجبة، والكبرى سالبة؛ ينتج كلية سالبة: \"كل وضوء عبادة، وكل عبادة لا تصح بدون النِّيَّة\"؛ فلا (^٣) وضوء يصح بدون النِّيَّةِ.\n\"الثالث\": من موجبتين، والصغرى جزئية؛ ينتج موجبة جزئية: \"بعض الوضوء عبادة، وكل عبادة بِنِيَّةٍ\"؛ [فبعض الوضوء بِنِيَّةٍ] (^٤).\n\"الرَّابع\": [من موجبة جزئية صغرى، وسالبة كلية كبرى؛ ينتج سالبة جزئية] (^٥): \" [بعض الوضوء عبادة] (^٦)، وكل عبادة لا تصحّ بدون النِّيَّةِ\"؛ فبعض الوضوء لا يصحّ بدون النِّيَّةِ.\nالشرح: \"الشَّكل الثَّاني: (^٧) شرطه؛ اختلاف مقدمتيه في الإيجاب والسَّلب، وكليةِ كبراه؛ تبقى\" أضربه المنتجة (^٨) \"أربعةً، ولا تُنْتِج (^٩) إلَّا سالبةً (^١٠).\n_________\n(^١) في أ، ت، ج: أكانت.\n(^٢) قوله: \"وسقط ثمانية أضرب\" لعلهما سقطا؛ فإنه سقط بالشرط الأول ثمانية والثاني أربعة، وبيانه: أن إيجاب الصغرى يسقط ثمانية، وهي الحاصلة من ضرب السالبتين في المحصور - وأن الأربع، وكلية الكبرى تسقط أربعة أخرى، وهي الكبرى الموجبة الجزئية والسالبة الجزئية مع الموجبتين.\n(^٣) في أ، ت، ح: ولا.\n(^٤) سقط في أ، ج، ح.\n(^٥) سقط في أ، ج، ح.\n(^٦) سقط في أ، ح.\n(^٧) ينظر: حاشية شرح السلم للصبان ص (١٢٧)، والمطلع على ايساغوجي ص (٥٦)، وتحرير القواعد المنطقية لقطب الدين الرازي (١٤١).\n(^٨) أ، ب، ح: النتيجة.\n(^٩) في ب، ج: ينتج.\n(^١٠) أقول: الشكل التالي شرط إنتاجه اختلاف مقدمتيه بالإيجاب والسلب وكلية كبراه، وفي خواصه أنه =","vol":"1","page":323},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  لا ينتج إلا سالبة، أمَّا الشرط الأول - أعني اختلاف مقدمتيه في الكيف - فلمّا علمت أنه لا ينتج إلَّا بردّه إلى الأول، وأن مخالفته للأول إنما هو في الكبرى وجب في ردّه إليه أن يعكس إحدى المقدمتين ويجعل كبرى، فإن كانتا موجبتين فباطل، أي: لا يمكن فيه ذلك؛ لأنه عكس ما يعكس منها جزئية لا يصلح كبرى للأول، وإن كانت سالبتين أمكن فيه ذلك، لكن لا ينتج؛ إذ يصير الصغرى سالبة في الأول، فلم يتلاقيا كما مَرَّ.\nوأمَّا الشرط الثاني: هو كلية الكبرى، فلأنها إن كانت هي التي تنعكس فواضح؛ لأن الجزئية عكسها جزئية، فلا تصلح كبرى للأول، وإن كانت غير التي تنعكس بأن عكست الصغرى وجعلها كبرى، والكبرى صغرى، فلا بُدَّ من عكس النتيجة؛ إذ الحاصل منه سلب موضوع النتيجة عن محمولها، والمطلوب عكس ذلك، لكنها لا تنعكس؛ لأن القياس حينئذٍ في جزئية موجبة وكلية سالبة؛ فينتج سالبة جزئية، وأنها لا تنعكس.\nوأمَّا كونها لا ينتج إلَّا سالبة فلأن كبراه عكس سالبة كلية أبدًا، إذ غيرها لا تنعكس، وتنعكس جزئية لا تصلح كبرى للأوّل، وقد علمت أن نتيجة مثله في الأول سالبة، فإن قلت: كيف توجد ذلك في قولك: بعض ج ليس ب، وكل \"أب\"؟ قلت: كل \"أب\" يستلزم لا شيء في \"أ\" ليس \"ب\" وينعكس إلى لا شيء من ليس ب أ، وينتج المطلوب، وضروب هذا الشكل باعتبار هذا الشرط أربعة؛ إذ قد يسقط الموجبة الكلية مع الموجبتين، والجزئية السالبة والكلية السالبة مع السالبتين، والجزئية الموجبة والموجبة الجزئية مع الموجبتين، والجزئية السالبة والسالبة الجزئية مع السالبتين والموجبة الجزئية.\nتبقى الموجبتان مع السالبة الكلية، والسالبتان مع الموجبة الكلية.\nالأول: كليتان والكبرى سالبة ينتج سالبة كلية: كل غائب مجهول الصفة، وكل ما يصح بيعه ليس بمجهول الصفة، فكل غائب لا يصح بيعه. وبيانه بعكس الكبرى؛ فإن قولنا: كل ما يصح بيعه ليس بمجهول الصفة تنعكس إلى: كلُّ مجهول الصفة لا يصح بيعه، فيصير: كل غائب مجهول الصفة، وكل مجهول الصفة لا يصح بيعه ينتج المطلوب في الأول.\nالثاني: كليتان والكبرى موجبة نتج كلية سالبة كالأول: كلُّ غائب ليس بمعلوم الصفة، وكل ما يصح بيعه معلوم الصفة ينتج كالأول: كل غائب لا يصح بيعه. بيانه بعكس الصغرى وجعلها كبرى ثم عكس النتيجة، فإن قولنا: كل غائب ليس معلوم الصفة عكسه: كل معلوم الصفة ليس بغائب، فيصير هكذا: كل ما يصح بيعه معلوم الصفة، وكل معلوم الصفة ليس بغائب نتج: كل ما يصح بيعه ليس بغائب، وينعكس إلى: كل غائب ليس يصح بيعه، وهو المطلوب.\nالثالث: جزئية موجبة صغرى، وكلية سالبة كبرى ينتج جزئية سالبة، بعض الغائب مجهول، وكل ما يصح بيعه ليس بمجهول ينتج: بعض الغائب لا يصح بيعه، وبيانه بعكس الكبرى كالأول سواء.\nالرابع: جزئية سالبة صغرى وكلية موجبة كبرى ينتج سالبة جزئية، بعض الغائب ليس بمعلوم، وكل =","vol":"1","page":324},{"text":"أَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَلِوُجُوبِ عَكْسِ إِحْدَاهُمَا، وَجَعْلِهَا الْكُبْرَى، فَمُوجَبَتَانِ بَاطِلٌ، وَسَالِبَتَانِ لا تَتَلاقَيَانِ، وَأَمَّا كُلِّيَّةُ الْكُبْرَى، فَلِأَنَّهَا إِنْ كَانَتِ الَّتِي تَنعَكِس، فَوَاضِحٌ، وَإِنْ عُكِسَتِ\n<hr><s0>\n\nأمَّا الأول\"؛ وهو وجوب اختلاف مقدمتيه؛ \"فلوجوب عكس إحداهما\" (^١)؛ إذ هو قد خالف الأول في الكبرى؛ ولا بد من رده إليه؛ كما تقدَّم؛ فيجب عكس إحداهما.\nإما بعكس الكبرى فقط، وجَعْلِها كبرى للشكل الأول، وإما بعكس الصغرى، وجعلها كبرى، والكبرى صغرى؛ فعلى التقديرين يجب عكس إحدى مقدمتيه، \"وجَعْلِها\" أي: المقدمةِ المعكوسةِ إليها \"الكبرى\"، فالمركَّب من موجبتين باطلٌ؛ لأنه إذا عكست إحدى مقدمتيه، يكون (^٢) جزئيًّا؛ لأن الموجبة لا تنعكس (^٣) بالعكس المستوِي إلا جزئيةً (^٤)، فلو جعلت كبرى في الشكل الأول، يلزم أن تكون الكبرى في الأولى (^٥) جزئية، وسالبتان لا يتلاقيان أصلًا؛ إذ يلزم أن تكون (^٦) الصُّغرى في الأول سالبة، وهو يوجب عدم التَّلاقي بين الأوسط والأصغر؛ فلا تحصل النَّتيجة، وإلى هذا أشار بقوله: \"فموجبتان باطل، وسالبتان لا تتلاقيان.\nوأما\" اشتراط \"كلية الكبرى؛ فلأنها إنْ كانت هي التي تنعكس، فواضح\"؛ لأن الجزئية، عكسها جزئية؛ فلا تصلح كبرى للأول، \"وإن\" كانت غيرها، فهو (^٧) حينئذٍ بعكس الصغرى؛ لأن الرَّدَّ إلى الأول: إما بعكس الكبرى، وهو ما عرفْتَ، أو الصغرى، فإذا \"عُكِسَت الصغرى\"،\n_________\n= ما يصح بيعه معلوم، فبعض الغائب لا يصح بيعه، بيانه بعكس الكبرى، وهو قولنا: كل ما يصح بيعه معلوم بعكس النقيض إلى قولنا: كل ما ليس بمعلوم لا يصح بيعه، وهو مع الصغرى نتج المطلوب.\nواعلم أن بين الإنتاج في هذا الضرب بالخلف، وهو أن نأخذ نقيض المطلوب، وهو قولنا: كل غائب يصح بيعه، وتجعده لكونها موجبة صغرى وكبرى القياس لكونها كلية كبرى، هكذا: كل غائب يصح بيعه، وكل ما يصح بيعه معلوم، فاللازم كل غائب معلوم، وهذا يناقض الصغرى، وهي قولنا: بعض الغائب ليس بمعلوم، فلا يجتمعان صدقًا، لكن الصغرى صادقة؛ لأن المفروض ذلك؛ فتعيّن كذب هذا، وهو مستلزم لكذب مجموع المقدمتين المنتجين لهذا، ولصدق الكبرى يكون الكاذبة هي الأخرى، أعني نقيض المطلوب، وإذا كذب نقيض المطلوب كان المطلوب صادقًا، وهو المدعي، وهكذا في الضروب الثلاثة الأخرى.\n(^١) في أ، ب، ت: إحديهما.\n(^٢) في أ، ج، ح: تكون.\n(^٣) في ت: ينعكس.\n(^٤) في ت: جزئيته.\n(^٥) في ج: الأول.\n(^٦) في ج: تكون.\n(^٧) في ب، ت: وهو.","vol":"1","page":325},{"text":"الصُّغْرَى، فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ سَالِبَةً؛ لِتَتَلاقَيَا، وَيَجِبُ عَكْسُ النَّتِيجَةِ؛ وَلَا تَنعَكِسُ؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ جُزْئِيَّةً سَالِبَةً.\nالْأَوَّلُ: كُلِّيَّتَانِ، وَالْكُبْرَى سَالِبَةٌ: الْغَائِبُ مَجْهُولُ الصِّفَةِ، وَمَا يَصِحُّ بَيْعُه، لَيْسَ بِمَجْهُولٍ؛ وَيُتَبَيَّنُ بِعَكْسِ الْكُبْرَى.\nالثَّانِي: كُلِّيَّتَانِ، وَالْكُبْرَى مُوجَبَةٌ: الْغَائِبُ لَيْسَ مَعْلُومَ الصِّفَةِ، وَمَا يَصِحُّ بَيْعُهُ مَعْلُومٌ؛ وَلازِمُهُ كَالْأَوَّلِ؛ وَيُتَبَيَّنُ؛ بِعَكْسِ الصُّغْرَى، وَجَعْلِهَا الْكُبْرَى، وَعَكْسِ النَّتِيَجَةِ.\n<hr><s0>\n\nوجعلت كبرى، والكبرى صغرى، \"فلا بدَّ أن تكون (^١) الصغرى سالبة\" كلية؛ فإنها إن لم تكن كذلك، لزم القياس عن جزئيتين؛ إذ التقدير؛ أن الكبرى جزئية، والصغرى، إذا لم تكن سالبةً كليةً، تصير بالعكس جزئيةً، ولا قياس على جزئيتين (^٢)؛ لعدم وجوب التلاقي بين الأوسط والأصغر حينئذٍ؛ فوضح اشتراط كونها سالبة كلية؛ \"ليتلاقيا، ويجب عكس النتيجة\"، إذا كانت الصغرى سالبة كلية، وعكستها (^٣)، وجعلْتَ الكبرى صغرى، والصغرى كبرى؛ لأنّ المطلوب نتيجة الشَّكل الثَّاني، \"ولا تنعكس (^٤)؛ لأنها تكون جزئية سالبةً\".\nالشرح: الضرب \"الأول: كليتان [، و] الكبرى سالبة\"؛ كقولنا في بيع الغائب: \"الغائب مجهول الصفة، وما يصح بيعه ليس بمجهول\"؛ ينتج: الغائب لا يصح بيعه؛ \"ويتبين\" نِتَاجُ هذا الضرب؛ \"بعكس الكُبْرَى\"؛ ليرجع إلى الشكل الأول، فيعكَسُ قولنا: كل ما يصح بيعه [ليس] (^٥) بمجهول الصِّفَةِ، إلى قولنا: كلّ مجهول الصفة لا يصح بَيْعُه، ويصير (^٦) هكذا (^٧): كلّ غائب مجهول، وكل مجهول الصِّفَةِ لا يصح بيعه؛ يتتج المطلوب.\n\"الثَّاني: كليتان [، و] الكبرى موجبة: الغائب ليس مَعْلُومَ الصفة، وما يصح بيعه معلوم\" (الصفةِ) (^٨) \"؛ يتتج: الغائب لا يصح بيعه؛ \"ولازمه كالأول\"، أي: تكون نتيجة هذا الضَّرب سالبةً كلية؛ كما في الضرب قبله؛ \"ويتبين\" (^٩) نِتَاجُ هذا الضرب؛ \"بعكسِ الصُّغرى، وجعلِهَا\" كبرى، و\"الكبرى\" صغرى، \"وعكْسِ النتيجة\"، أي: ثم عكس النتيجة، فيجعل مثلًا. قولك: \"ما يصح\n_________\n(^١) في ت: يكون.\n(^٢) في ت: جزئية.\n(^٣) في ب: عكسها.\n(^٤) في ت: ينعكس.\n(^٥) سقط في ح.\n(^٦) في أ، ب، ح: ويعتبر.\n(^٧) في ح: هذا.\n(^٨) سقط في أ، ت، ح.\n(^٩) في ح: ويبني.","vol":"1","page":326},{"text":"الثَّالِثُ: جُزْئِيَّةٌ مُوجَبَةٌ، وَكُلِّيَّةٌ سَالِبَةٌ: بَعْضُ الْغَائِبِ مَجْهُولٌ، وَمَا يَصِحُّ بَيْعُهُ لَيْسَ بِمَجْهُولٍ؛ فَلَازِمُهُ بَعْضُ الْغَائِبِ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ؛ وَيُتَبَيَّنُ بِعَكْسِ الْكُبْرَى.\nالرَّابِعُ: جُزْئِيَّةٌ سَالِبَةٌ وَكُلِّيَّةٌ مُوجَبَةٌ: بَعْضُ الْغَائِبِ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ، وَمَا يَصِحُّ بَيْعُهُ مَعْلُومٌ وَيُتَبَيَّنُ بِعَكْسِ الْكُبْرَى؛ بِنَقِيضِ مُفْرَدَيْهَا.\nوَيُتَبَيَّنُ أَيْضًا فِيهِ، وَفِي جَمِيع ضُرُوبِهِ؛ بِالْخُلْفِ؛ فَتَأْخُذُ نَقِيضَ النَّتِيجَةِ، وَهُوَ: كُلُّ غَائِبٍ يَصِحُّ بَيْعُه، وَتَجْعَلُهُ الصُّغْرَى؛ فَيُنْتِجُ نَقِيضَ الصُّغْرَى الصَّادِقَةِ، وَلَا خَلَلَ إِلَّا مِنْ نَقِيضِ الْمَطْلُوبِ؛ فَالْمَطْلُوبُ صَدَقَ.\n<hr><s0>\n\nبيعه معلومٌ\"، هو الصغرى، ويعكس قولك: الغائب ليس مَعْلُومَ الصفة فتقول: كل معلوم الصفة، ليس بغائب، وتجعلها الكبرى؛ فتصير (^١) هكذا: كل ما يصح بيعه معلومُ الصِّفة، وكلّ معلوم الصّفة ليس بغائب؛ ينتج: كل ما يصح بيعه ليس بغائب؛ وينعكس: كلّ غائب لا يصحّ (^٢) بيعه، وهو المقصود، وهذا من جملة ما يقوم الدَّليل فيه على شيء، والمطلوبُ عكسه.\n\"الثالث: جزئية موجبة، وكلية سالبة\"؛ ينتج سالبة جزئية: \"بعض الغائب مجهول، وما يصح بيعه ليس بمجهول؛ فلازمه: بعض الغائب لا يصح بيعه؛ ويتبين\" نتاجه؛ \"بعكس الكُبْرَى\"؛ كالأول سواء.\n\"الرابع: جزئية سالبة؛ صغرى، \"وكلية موجبة\" كبرى؛ ينتج جزئية سالبة: \"بعض الغائب ليس بمعلوم، وما يصحّ بيعه معلوم؛ فبعض الغائب لا يصح بيعه؛ \"ويتبين\" نتاجه؛ \"بعكس الكُبْرَى\"، وهو قولنا: كلّ ما يصح بيعه معلوم؛ \"بنقيض مفرديها\"، أي: بعكس النقيض، إلى قولنا: كل ما ليس بمعلوم لا يصحّ بيعه؛ وهو مع الصغرى ينتي المطلوب.\nالشرح: \"ويتبين\" نتاجه \"أيضًا فيه\"، أي: في هذا الضرب، \"وفي جميع ضروبه\" التي عرفْتَها؛ \"بالخُلْف؛ فتأخذُ نقيضَ النتيجة؛ وهو \"قولنا: \"كل غائبٍ يصح بيعه، وتجعله\"؛ لكونها موجبةً \"الصُّغرى\"؛ وتجعل كبرى القياس؛ لكونها كلية - كبرى، فيصير (^٣) هكذا: كل غائب يصح بيعه، وكلّ ما يصح بيعه معلوم؛ واللازم: كلّ غائب معلوم؛ وهذا يناقض الصغرى، وهي قولنا: بعض الغائب ليس بمعلوم، وإليه أشار بقوله: \"فينتج نقيض الصُّغرى الصَّادقة\"؛ فلا يجتمعان، والغرض أن الصُّغرى صادقة؛ فيتعين كذب هذا، \"ولا خلل إلَّا من نقيض المطلوب\"؛ لأن الكبرى مفروضة الصِّدْق كما قلناه، \"فالمطلوب صدق\".\n_________\n(^١) في ب، ت: فيصير.\n(^٢) في أ، ب، ح: يصح.\n(^٣) في أ، ج، ح: فتصير.","vol":"1","page":327},{"text":"الشَّكْلُ الثَّالِثُ: شَرْطُهُ؛ إِيجَابُ الصُّغْرَى، أَوْ فِي حُكْمِهِ، وَكُلِّيَّةُ إِحْدَاهُمَا؛ تَبْقَى سِتَّةً، وَلَا يُنْتِجُ إِلَّا جُزْئِيَّةً؛ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عَكْسِ إِحْدَاهُمَا، .........\n<hr><s0>\n\nوقد اعترض بعضُهم؛ بأنه، لِمَ قلت: إن المحال إنما لزم من صدق الصغرى التي هي نقيض المطلوب؟ بل من اجتماع الصغرى مع الكبرى؛ فإنه المُحَال، ولا يلزم منه إحالة الصغرى في نفسها؛ كما أن اجتماع كتابة زيد، مع عدم كتابته في الواقع مُحَالٌ، وإحالة هذا الاجتماع لا تقتضي إحالة الكتابة، ولا عدمها في نفسه، وهذا المنع يتوجَّهُ على سائر البراهين الخلقية (^١).\nالشرح: \"الشكل الثالث (^٢): شرطه؛ إيجاب الصغرى، أو في حكمه\"؛ كما ذكرنا في الأول، \"وكليةُ إحداهما\"، أي (^٣): تكون إحدى مقدمتيه كلية؛ \"تبقى\" أضربه \"ستة، ولا ينتج إلا جزئية (^٤)؛ أما\" الشرط \"الأول\"، وهو كون الصغرى موجبة، أو في حكم الإيجاب؛ \"فلأنه لا بد\"\n_________\n(^١) في ح: الخليقية.\n(^٢) ينظر: حاشية شرح السلم للصبان ص (١٢٩)، والمطلع ص (٥٦)، وتحرير القواعد (١٤٣).\n(^٣) في ج: أي أن.\n(^٤) شرط إنتاج الشكل الثالث، أن تكون صغراه موجبة أو في حكمها كما ذكرنا في الأول، وأن يكون إحدى مقدمتيه كلية، وفي خواصّه أن نتيجته لا تكون إلا جزئية، أما الشرط الأول وهو إيجاب الصغرى؛ فلأنه إنما يرتد إلى الأول بعكس إحداهما وجعلها صغرى لموافقته له في الكبرى، والتي تعكس إمَّا الصغرى أو الكبرى، فإن كانت الصغرى، فإذا عكستها كانت الصغرى سالبة في الأول، فلم يتلاق الطرفان، وإن كانت الكبرى فهي إمَّا موجبة أو سالبة، فإن كانت سالبة، فإذا جعلتها صغرى للأول لم يتلاق الطرفان مطلقًا، فلا يلزم حمل الأصغر على الأكبر، ولا حمل الأكبر على الأصغر، وإن كانت موجبة تعكسها جزئية لتجعلها صغرى والصغرى كبرى وهي سالبة، فينعقد قياس في الأول في صور جزئية موجبة، وكبرى كلية سالبة، فينتج جزئية سالبة، ويتلاقيان على أن الأصغر محمول على بعض الأكبر، ثم لا بُدَّ من عكس النتيجة، وإلا لكان غير المطلوب كما علمت، لكن الجزئية السالبة لا تنعكس كما علمت.\nوأما الشرط الثاني وهو كلية إحدى مقدمتيه؛ فلأنه لا بُدَّ في ردّه إلى الأول وكبراه كلية، فالجزئية لا تصلح لذلك لا بنفسها ولا بعد عكسها؛ لأن عكس الجزئي جزئي.\nوأما أنه لا ينتج إلا جزئية؛ فلأن الصغرى لكونها عكس إحدى المقدمتين مع وجوب إيجابها في الأول تكون عكسية موجبة، أو ما في حكمها فتكون الصغرى جزئية، فالجزئية لا تنتج إلا جزئية، فضروب هذا الشكل بحسب الشرط المذكور ستة؛ إذ يسقط السالبتان صغرى مع الأربع، والموجبة الجزئية مع الجزئيتين، وتبقى الموجبة الكلية مع الأربع، والجزئية مع الكليتين، الأول كلية موجبة وكلية موجبة \"كل بُرٍّ مقتات، وكلُّ بُرٍّ ربوي، فبعض المقتات ربوي، بيانه بعكس الصغرى ليصير: =","vol":"1","page":328},{"text":"وَجَعْلِهَا الصُّغْرَى، فَإِنْ قَدَّرْتَ الصُّعْرَى سَالِبَةً، وَعَكَسْتَهَا، لَمْ تَتَلاقَيَا، وَإِنْ كَانَ الْعَكْسُ فِي الْكُبْرَى، وَهِيَ سَالِبَةٌ، لَمْ تَتَلاقَيَا مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَتْ مُوجَبَةً، فَلا بُدَّ مِنْ عَكْسِ النَّتِيجَةِ؛ فَلا\n<hr><s0>\n\nفي رَدّه إلى الأول؛ \"من عكس إحداهما، وجعلِها الصُّغرى\"؛ لموافقته له في الكبرى، \"فإن قدَّرْتَ الصُّغرى سالبة، وعكستها، لم تتلاقيا.\nوإن كان العكس في الكبرى، وهي\": إما \"سالبة\" أو موجبة، فإن كانت سالبةً \"لم تَتَلاقَيَا مطلقًا\"، أي: إذا جعلتها صغرى الأول؛ فلا يلزم حملُ الأصغر على الأكبر، ولا الأكبرِ على الأصغرِ، \"وإن كانت موجبةً\"، فعكسها جزئية؛ بجعلها صغرى، والصغرى كبرى، وهي سالبة؛\n_________\n= بعض المقتات بُرٌّ وكل بُرٍّ ربوي.\nالثاني: جزئية موجبة وكلية موجبة ينتج موجبة جزئية، بعض البر مقتات، وكلُّ بُرٍّ ربوي نتج كالأول، فبعض المقتات ربوي، ويتبين كالأول بعكس الصغرى.\nالثالثة: كلية موجبة وجزئية موجبة ينتج موجبة جزئية، كل بُرٍّ مقتات، وبعض البر ربوي ينتج كالأول، أي: كلازم الأول، أو كما ينتج الضرب الأول وهو: بعض المقتات ربوي، وبيانه لا يمكن بعكس الصغرى؛ لأنه لا يصير في جزئيتين، بل بعكس الكبرى وجعله صغرى يصبر: بعض الربوي بُرٌّ، وكُلُّ بُرٍّ مقتات، ينتج: بعض الربوي مقتات، وتنعكس: بعض المقتات ربوي، وهو المطلوب.\nالرابع: كلية موجبة وكلية سالبة ينتج سالبة جزئية: كلُّ بُرٍّ مقتات، وكل بُرٍّ لا يصح بيعه بجنسه متفاضلًا، فبعض المقتات لا يصح بيعه بجنسه متفاضلًا، وبيانه بعكس الصغرى كالأول.\nالخامس: جزئية موجبة وكلية سالبة ينتج جزئية سالبة، بعض البر مقتات، وكل بُرٍّ لا يصح بيعه بجنسه متفاضلًا، ينتج: بعض المقتات لا يصح بيعه بجنسه متفاضلًا، وبيانه أيضًا بعكس الصغرى.\nالسادس: كلية موجبة وجزئية سالبة نتج جزئية سالبة، كلُّ بُرٍّ مقتات وبعض البر لا يصح بيعه بجنسه متفاضلًا ينتج: بعض المقتات لا يصح بيعه بجنسه متفاضلًا، وبيانه بأن يقتضي على الكبرى بأنها في حكم موجبة، وهو قولنا: بعض البر هو لا يباع على أن السلب جزء المحمول، وقد أثبت السلب للموضوع، ويسمى مثله موجبة سالبة المحمول، وهو لازمة للسالبة، وحينئذٍ تنعكس إلى قولنا: بعض ما لا يباع بجنسه متفاضلًا بُرٌّ، ويجعله صغرى لقولنا: كلُّ بُرٍّ مقتات ينتج ما تنعكس إلى المطلوب، وبهذا الضرب قد تبين بالخلف أيضًا، وهو أن يأخذ نقيض النتيجة كما أخذت في الشكل الثاني إلَّا أنك كنت هناك تجعله صغرى لكبرى القياس، وهنا تجعله كبرى لصغرى القباس، وذلك لأنَّ عكس الصغرى دائمًا موجبة، ونقيض النتيجة دائما كلية، فنقول: لو لم يصدق: بعض المقتات لا يباع لصدق. نقيضه، وهو كل مقتات يباع، فإذا جعلنا كبرى لقولنا: كلُّ بُرٍّ مقتات أنتج: كلُ برٍّ يباع، وكأن الكبرى: بعض البر لا يباع، هذا خلف، وتقريره ما تقدم، وكذلك الضروب الخمسة الباقية، وطريقه ما علمته، ولا يخفى تفصيله. ينظر: شرح المقدمة.","vol":"1","page":329},{"text":"تَنْعَكِس، وَأَمَّا كُلِّيَّةُ إِحْدَاهُمَا، فَلْتكُنْ هِيَ الْكُبْرَى آخِرًا بِنَفْسِهَا أَوْ بِعَكْسِهَا؛ وَأَمَّا نِتَاجُهُ جُزْئِيَّةً فَلِأَنَّ الصُّغْرَى عَكْسُ مُوجَبَةٍ أَبَدًا، أَوْ فِي حُكْمِهَا.\nالْأَوَّلُ: كِلْتَاهُمَا كُلِّيَّةٌ مُوجَبَةٌ: كُلُّ بُرٍّ مُقْتَاتٌ، وَكُلُّ بُرٍّ رِبَوِيٌّ؛ فَيُنْتِجُ: بَعْضُ المُقْتَاتِ رِبَوِيٌّ؛ وَيُتبيَّنُ بِعَكْسِ الصُّغْرَى.\n<hr><s0>\n\nفيصير منعقدًا من صغرى موجبة جزئية، وكبرى سالبة كلية؛ يتتج: جزئية سالبة، ويتلاقيان على أنَّ الأصغر محمولٌ على بعض الأكبر، ثم لا بُدَّ من عكس النتيجة، وإلَّا لكان غَيْرَ المطلوب؛ كما علمت، لكن الجزئية السَّالبة لا تعكس، وإلى هذا أشار بقوله: \"فلا بد من عكس النتيجة؛ ولا تنعكس\" (^١).\n\"وأما\" الثَّاني، وهو اشتراط \"كلية إحداهما (^٢)، فلتكُنْ هي الكبرى آخِرًا\"، أي: بعد الرد إلى الشكل الأول؛ تصير تلك المقدّمة الكليةُ كبرى \" (بنفسها\"؛ من غير عكسها، \"أو \"لتكُنْ المقدمة الكليَّة كبرى) (^٣) في الشَّكل الأولّ؛ \"بعكسها\"، أي: بعكس كبرى هذا الشكل، وجعلِها صغرى؛ وصغرَى هذا الشَّكل كبرى في الشَّكل الأولّ؛ وهذا إذا كانت تلك المقدّمة الكلية صغرى.\nوالحاصل: أن إحدى مقدّمتي هذا الشَّكل يجبُ كونها كليةً؛ فتصير كبرى في الشَّكل الأول، بعد ارتداد هذا الشَّكل إليه.\n\"وأما نتاجه جزئيةً؛ فلأن الصُّغرى عَكْسُ موجبةٍ أبدًا، أو في حكمها\"، أي: ما يجعل من إحدى مقدمتي هذا الشَّكل صغرى في الشكل الأول، يكون أبدًا عكْسَ موجَبَةِ هذا الشكل، أو عَكْسَ ما هو في حكمِ الموجبة؛ لوجوب كون الصغرى موجبةً في الشكل الأول، أو في حكمها، وعكس الموجبة أو ما في حكمها تكون جزئية، وإذا كانت إحدى المقدمتين جزئيةً بعد الارتداد إلى الشكل الأول؛ فلا ينتج (^٤) إلا جزئية (^٥).\nالشرح: الضرب \"الأول\" من أضرب هذا الشكل: مقدمتان: \"كلتاهما (^٦) كلية موجبة\"؛ ينتج جزئية موجبة: \"كل بُرٍّ مُقْتَاتٌ، وكل بُرّ رِبَوِيٌّ؟ فينتج: بعض المقتات ربوي؛ ويتبين بعكس الصغرى\" - نتاجه؛ ليَرْجِعَ إلى الشكل الأول؛ [ويتبيَّن نتاجُهُ] (^٧) أيضًا بعكس الكبرى، وجعلها\n_________\n(^١) في ت: ينعكس.\n(^٢) في ت: أحدهما.\n(^٣) سقط في ج.\n(^٤) في ب: تنتج.\n(^٥) في ت: جزئيته.\n(^٦) في ج، ح: كلاهما.\n(^٧) في ج: ويتبين نتاجه.","vol":"1","page":330},{"text":"الثَّانِي: جُزْئِيَّةٌ مُوجَبةٌ، وَكُلِّيَّةٌ مُوجَبَةٌ: بَعْضُ الْبُرِّ مُقْتَاتٌ، وَكُلُّ بُرٍّ رِبَوِيٌّ؛ فَيُنْتِجُ مِثْلَهُ؛ وَيُتَبَيَّنُ كَالْأَوَّلِ.\nالثَّالِثُ: كُلِّيَّةٌ مُوجَبَةٌ، وَجُزْئِيَّةٌ مُوجَبَةٌ: كُلُّ بُرٍّ مُقْتَاتٌ، وَبَعْضُ الْبُرِّ رِبَوِيٌّ؛ فَيُنْتِجُ مِثْلَهُ؛ وَيُتَبَيَّنُ؛ بِعَكْسِ الْكُبْرَى، وَجَعْلِهَا الصُغْرَى، وَعَكْسِ النَّتِيجَةِ.\nالرَّابِعُ: كُلِّيَّةٌ مُوجَبَةٌ، وَكُلِّيَّةٌ سَالِبَةٌ: كُل بُرٍّ مُقْتَاتٌ، وَكُلُّ بُرٍّ لَا يُبَاعُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا؛ فَيُنْتِجُ: بَعْضُ الْمُقْتَاتِ لَا يُبَاعُ؛ وَيُتَبَيَّنُ بِعَكْسِ الصُّغْرَى.\nالْخَامِسُ: جُزْئِيَّةٌ مُوجَبَةٌ، وَكُلِّيَّةٌ سَالِبَةٌ: بَعْضُ الْبُرِّ مُقْتَاتٌ، وَكُلُّ بُرٍّ لَا يُبَاعُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا فَيُنْتِجُ؛ وَيُتَبَيَّنُ مِثْلُهُ.\nالسَّادِسُ: كُلِّيَّةٌ مُوجَبَةٌ، وَجُزْئِيَّةٌ سَالِبَةٌ: كُلُّ بُرٍّ مُقْتَاتٌ، وَبَعْضُ الْبُرِّ لَا يُبَاعُ بِجِنْسِهِ؛\n<hr><s0>\n\nصغرى، والصغرى كبرى، ثم عكسِ النتيجة.\n\"الثاني: جزئية (^١) موجبة، وكلية موجبة\"؛ يتتج موجبة جزئية: \"بعض البُرّ مُقْتَات، وكل بُرّ ربويٌ؛ فينتج مثْلَهُ\": بعض المُقْتَات رِبَوِيّ؛ \"ويتبين\" نتاجه بعكس الصغرى \"كالأول\".\n\"الثالث: كلية موجبة، وجزئية موجبة: كل بُرّ مُقْتَات، وبعض البُرّ ربوي؛ فينتج مثلَهُ\": بعض المقتات ربوي؛ \"ويتبين\" نتاجه؛ \"بعكس الكبرى، وجعلِها الصغرى، وعكس النتيجة\"، ولا يمكن بيانه بعكس الصغرى؛ وإلا يلزم القياس عن جزئيتين (^٢).\nالرابع: كلية موجبة، وكلية سالبة: كل بُرّ مقتاتٌ، وكل بُرّ لا يباع بجنسه مُتَفَاضِلًا؛ فينتج: (بعضُ المُقْتَات لا يُبَاعُ\" بجنسه متفاضِلًا؛ \"ويتبين) (^٣) \"نتاجه (مثلَهُ) (^٤)، أي: \"بعكس الصُّغرى\" [فقط؛ وهو ظاهر.\n\"الخامس: جزئية موجبة، وكلية سالبة\"؛ يتتج: جزئية سالبة؛ فينتج: \"بعض البُرّ مقتات، وكل مقتات لا يباع بجنسه متفاضِلًا؛ فينتج\": بعضُ المُقْتَات لا يَصِحّ بيعه بجنسه متفاضلًا؛ \"ويتبين\" نتاجه \"مثلَهُ\"، أي: بعكس الصغرى] (^٥)؛ مثل الضَّرْبِ الرَّابع.\n\"السَّادس: كلية موجبة، وجزئية سالبة\"؛ يتتج جزئية سالبة: \"كل بُرّ مقتات، وبعض البُرّ لا\n_________\n(^١) في ت: جزئيته.\n(^٢) في ب، ت: جزئين.\n(^٣) سقط في ح.\n(^٤) سقط في أ، ب، ج، ح.\n(^٥) سقط في ب، ت.","vol":"1","page":331},{"text":"فَيُنْتِجُ مِثْلَهُ؛ وَيُتَبَيَّنُ؛ بِعَكْسِ الْكُبْرَى عَلَى حُكْمِ الْمُوجَبَةِ، وَجَعْلِهَا الصُّغْرَى، وَعَكْسِ النَّتِيجَةِ.\nوَيُتَبَيَّنُ مَعَ جَمِيعِهِ؛ بِالْخُلْفِ أَيْضًا، فتَأْخُذُ نَقِيضَ النَّتِيجَةِ؛ كَمَا تَقَدَّمَ إِلَّا أَنَّكَ تَجْعَلُهُ الْكُبْرَى.\n\nالشَّكْل الرَّابِع، وَلَيْسَ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا لِلأَوَّلِ؛ لأَنَّ هذَا: نَتِيجَتُهُ .........\n<hr><s0>\n\nيباع بِجِنْسِه؛ فينتج مثلَهُ\": بعض المُقْتَات لا يُبَاع؛ \"ويتبين\" نتاجه؛ \"بعكس الكُبْرى على حكم الموجبة، وجعلها الصغرى، وعكس النتيجة\"، أي: بأن يُقضَى (^١) على الكبرى؛ بأنها في حكم موجبةٍ، وهي قولنا: بعض البُرّ لا يُبَاع؛ على أن السَّلْب جزء المَحْمُول، وقد أثبت السَّلبُ للموضوع، ويسمى (^٢) مثله موجبةً سالبة المحمول، وهي لازمة للسَّالبة؛ وحينئذٍ تنعكس (^٣) إلى قولنا: بعض ما لا يُبَاع بجنسه متفاضلًا - بُرٌّ، ونجعله (^٤) صغرى لقولنا: وكل بُرّ مقتات؛ لينتج ما ينعكس إلى المَطْلُوب.\nالشرح: \"ويتبين\" نتاجه أيضًا \"مع جميعه\"، أي: جميع ضروب هذا الشَّكل - \"بالخلف أيضًا، فتأخذ (^٥) نقيضَ (^٦) النتيجة؛ كما تقدَّم؛ إلا أنك تجعله الكُبْرَى\" لكليته، وتجعل (^٧) صغراه؛ لإيجابها - صغرى؛ لينتج من الشكل الأول نقيضَ الكبرى، ولا خلل إلَّا من نقيض المطلوب؛ لما ذكر في الشَّكل الثاني؛ فالمطلوب حقّ، وهو معنى قوله: (كما تقدم)، فلو لم يصدق مثلًا قولنا: بعض المقتات لا يُبَاع، لصدق نقيضه، وهو: كل مُقْتَات يُبَاع؛ فيجعل (^٨) كبرى لصغرى هذا الضَّرب، وهكذا؛ كل بُرّ مقتاتٌ، وكلّ مقتات يُبَاع متفاضلًا؛ ينتج: كل بُرّ يُبَاع متفاضلًا، وقد كان في الكُبْرَى: بعض البُرّ لا يُبَاع مُتَفاضلًا؛ وذلك خُلْفٌ.\nالشرح: \"الشكل الرَّابع\" (^٩)، وقد يُظَنُّ أنه الشّكل الأول، وإنما حصل فيه تقديم وتأخير (^١٠)؛ \"وليس\" كذلك؛ لأنه لو لم يكن شكلًا برأسه، بل كان هو الشكلَ الأولَ، إلَّا أن\n_________\n(^١) في أ: نقضي، وفي ب، ج: تقضي، وفي ح: نقض.\n(^٢) في أ، ج، ح: تسمى.\n(^٣) في أ، ج، ح: ينعكس.\n(^٤) في ت: ويجعله.\n(^٥) في ب، ت: فيأخذ.\n(^٦) في ت: بعض.\n(^٧) في ح: نجعل، وفي ت: يجعل.\n(^٨) في ت، ح: فنجعل.\n(^٩) ينظر: حاشية شرح السلم ص (١٢٩)، والمطلع ص (٥٦)، وتحرير القواعد ص (١٤٥).\n(^١٠) أقول: الشكل الرابع، وقد يظن أنه هو الشكل الأول بعينه: قُدّم فيه الكبرى وأخر فيه الصغرى =","vol":"1","page":332},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  لموافقته له في الصورة، وليس كذلك؛ لأن الأشكال تتعيّن بتعيّن باعتبار موضوع النتيجة ومحمولها كما علمت، ولا يتعين ذلك إلَّا بتعيّن النتيجة، فإذًا إنما يكون شكلًا أو لا لو كان بنتيجته ونتيجته، وليس كذلك، بل نتيجته عكس نتيجة الأول؛ لأن المطلوب في قولك: كلُّ \"ج ب\" وكل \"أ ج\"، \"أ ب\"، بعض \"أ ب\"، لو جلعته في الشكل الأول لأنتج كل \"أ ب\"، والجزئية السالبة ساقطة في هذا الشكل لا تصلح لا صغرى له ولا كبرى؛ لأنه إنما يرتد إلى الأول بإحدى الطريقين، إمَّا عكس المقدمتين؛ مع بقاء الترتيب، وإمَّا بقاؤهما مع عكس الترتيب، ويعبّر عنه بقلب المقدمتين، ولا يتأتى شيء منهما إذا كانت فيه سالبة جزئية، أمَّا عكس المقدمتين فلأن هذه لا تنعكس، وأمَّا عكس الترتيب؛ فلأن السالبة الجزئية حينئذٍ إن كانت كبرى صارت صغرى الأول سالبة تجزئية، فلا يلتقي الطرفان، وإن كانت صغرى صارت كبرى الأول جزئية؛ فلا يعلم الاندراج، وإذا سقط بهذه فالصغرى إحدى الثلاثة الأخرى، فلنتكلم على التقديرات الثلاث.\nالأول: أن تكون موجبة كلية، وحينئذٍ تجيء في الكبرى الثالثة؛ لأنها إن كانت سالبة عكستها أو عكست الصغرى ليرجع إلى الثاني، وإن عكست المقدمتين، وإن كانت موجبة كلية، فإن شئت عكست الكبرى، وإن شئت قلبت المقدمتين، أي عكست الترتيب، وإن كانت موجبة جزئية قلبت المقدمتين.\nالثاني: أن يكون كلية سالبة، وحيتئذٍ يجب أن تكون الكبرى كلية موجبة، وإلا لكانت إمَّا جزئية موجبة، أو كلية سالبة، فإن كانت جزئية موجبة لم يمكن الطريقان، أما قلب المقدمتين؛ فلأن النتيجة لا بُدَّ من عكسها وهي جزئية سالبة لا تنعكس، وأمَّا عكسها؛ فلأنه يصير الكبرى جزئية في الأول، وإن كانت كلية سالبة صار القياس في سالبتين، فلا ينتجان أيّ تصرّف تصرّفت فيه، وإلى أي شكل رددته؛ لما علمت أنه لا قياس في سالبتين في شيء في الثلث.\nالثالث: أن يكون جزئية موجبة، فيجب أن تكون الكبرى كلية سالبة، وإلَّا لكانت موجبة؛ لسقوط السالبة الجزئية، فإن كانت كلية لم يمكن الطريقان، أمَّا الأول فهو عكس المقدمتين؛ فلأن عكس الكلية الموجبة جزئية، ولا يصلح كبرى للأول. وأمَّا الثاني: هو قلب المقدمتين فلأنك إذا قلبت جعلت الجزئية الموجبة كبرى للأول فلم تنتج، وإن كانت جزئية فأبعد؛ إذ الجزئيتان وعكسهما جزئيتان فلا ينتجان بنفسهما ولا بعكسهما بوجه؛ ولأن إنتاج الجزئية يستلزم إنتاج الكلية؛ لأن لازم الأعم لازم الأخص، وقد علمت أن الكلية لا ينتج فقد علمت أن ضروب هذا الشكل خمسة.\nالأول: كلية موجبة وموجبة كلية ينتج جزئية موجبة، كل عبادة مفتقرة إلى النية، وكل وضوء عبادة، ولازمه: بعض المفتقر وضوء، بيانه بالقلب في الصغرى والكبرى، ثم عكس النتيجة بأن تقول: كل وضوء عبادة، وكل عبادة مفتقرة، فبعض المفتقر وضوء، وهو المطلوب.\nالثاني: مثله؛ لأن الثانية - أي الكبرى - جزئية فنقول: مكان: وكل وضوء عبادة: بعض الوضوء عبادة، والنتيجة والبيان كما هو في الأول. =","vol":"1","page":333},{"text":"عَكْسُه، وَالجُزْئِيَّةُ السَالِبَةُ سَاقِطَةٌ؛ لأَنَّهَا لا تَنْعَكِس، وَإنْ بَقِيَتَا وَقُلِبَتَا، فَإِنْ كَانَتِ الثَّانِيَةَ، لَمْ يَتَلاقَيَا، وَإنْ كَانَتِ الْأُولَى، لَمْ تَصْلُحْ لِلْكُبْرَى، وَإذَا كَانَتِ الصُّغْرَى مُوجَبَةً كُلِّيَّةً، فَالْكُبْرَى\n<hr><s0>\n\nبعض مقدّماته قدِّم على بعض - لم يصح؛ لأن مادة الشكل الأولِ؛ إنْ كانت كافيةً في استلزام النتيجة، وجب أن يُنْتِجَ الرَّابعُ نتيجةَ الأول؛ وليس كذلك، وإلى هذا أشار بقوله: ولَيْسَ هو \"تقديمًا، وتأخيرًا للأول؛ لأن هذا \"الشَّكل\": نتيجة عكسه\"، أي: عكسِ الشَّكل الأول، فإن (^١) لم تكن مادته كافية في استلزام النتيجة - وجب ألَّا يُنْتِجَ (^٢) شيئًا أصلًا؛ لكنه ينتج؛ هذا خُلْف، \"والجزئية السَّالبة ساقطة\" في هذا الشكل، لا تستعمل فيه؛ إذ يمتنع رده إلى الشكل الأول حينئذٍ؛ لأن رده إليه: إما بعكس المقدمتين، وإما بقلبهما، وكل واحد منهما ممتنع (^٣).\nأما امتناع العكس، فظاهر؛ \"لأنها\" - أي: السَّالبة الجزئية - \"لا تنعكس\"، وأمَّا القَلْب، وهو المراد بقوله: \"وإنْ بقيتا، وقلبتا، وإن كانت\" السَّالبةُ الجزئيةُ هي \"الثانية\"، أي: الكبرى، فإذا جعلتها (^٤) صغرى، \"لم يتلاقيا\" - أي: الأوسط والأصغر -؛ فلا ينتج، \"وإن كانت\" السَّالبة الجزئية، هي \"الأولى\" - أي: الصغرى - فالنتيجة جزئية سالبة، ولا عكس لها - كذا بخطّ المصنّف - وفي بعض النسخ: \"لم تصلح (^٥) للكبرى؛ لوجوب كون الكُبْرَى في الشكل الأول كليةً.\nويسقط بحسب هذا الشَّرْط - سبعةُ أضرب، وهي الحاصلة من ضرب السَالبة الجزئية [الصغرى، في الكُبْرَيات (^٦) الأربع، ومن ضرب السَالبة الجزئية] (^٧) الكبرى، في الصُّغْرَيات\n_________\n= الثالث: كلية سالبة وكلية موجبة ينتج كلية سالبة، كل عبادة لا تستغني عن النيَّة، وكل وضوء عبادة ينتج كل مستغنى ليس بوضوء، وبيانه بالقلب في المقدمتين ثم عكس النتيجة، وهو ظاهر.\nالرابع كلية موجبة وكلية سالبة ينتج سالبة جزئية، كل مباحٍ مستغنٍ، وكل وضوء ليس بمباح ينتج: بعض المستغنى ليس بوضوء، وبيانه بعكس المقدمتين حتى يصير جزئية موجبة وكلية سالبة؛ فينتج في الأول سالبة جزئية.\nالخامس: جزئية موجبة وكلية سالبة ينتج جزئية سالبة: بعض المباح مستعنٍ، وكل وضوء ليس بمباح، فبعض المستغنى ليس بوضوء، وبهذا مثل الرابع في اللازم، والبيان بعكس المقدمتين.\nينظر: شرح المقدمة.\n(^١) في أ، ح: وإن.\n(^٢) في ب: تنتج.\n(^٣) في أ، ج، ح: يمتنع.\n(^٤) في ت: جعلها.\n(^٥) في أ، ت، ج، ح: يصلح.\n(^٦) في أ، ح: الكبرى.\n(^٧) سقط في ت.","vol":"1","page":334},{"text":"عَلَى الثَّلَاثِ، وَإِنْ كَانَتْ سَالِبَةً كُلِّيَّةً، فَالْكُبْرَى مُوجَبَةٌ كُلِّيَّةٌ؛ لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ جُزْئِيَّةً، وَبَقِيَتْ، وَجَبَ جَعْلُهَا الصُّغْرَى، وَعَكْسُ النَّتِيجَةِ، وَإِنْ عُكِسَتْ، وَبَقِيَتْ، لَمْ تَصْلُحْ لِلْكُبْرَى، وَإِنْ كَانَتْ سَالِبَةً كُلِّيَّةً، لَمْ تَتَلَاقَيَا بِوَجْهٍ، وَإِنْ كَانَتْ مُوجَبَةً جُزْئِيَّةً، فَالْكُبْرَى سَالِبَةٌ كُلِّيَّةٌ؛ لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مُوجَبَةً كُلِّيَّةً، وَفَعَلْتَ الْأَوَّلَ، لَمْ تَصْلُحِ الصُّغْرَى لِلْكُبْرَى، وَإِنْ فَعَلْتَ الثَّانِي، صَارَتِ الْكُبْرَى جُزْئِيَّةً، وَإِنْ كَانَتْ مُوجَبَةً جُزْئِيَّةً فَأَبْعَدُ؛ فَيَنْتُجُ مِنْهُ خَمْسَةٌ.\n<hr><s0>\n\nالثلاث، أعني: ما عدا السَّالبةَ الجزئيةَ السَّاقطةَ من هذا الشكل.\n\"وإذا كانت الصُّغرى موجبةً كليةً، فالكبرى\" تقع \"على الثلاث\" موجبةً كليةً وجزئية، وسالبةً كلية، فهذه الضروب الثلاثة تُنْتِج (^١)، \"وإن كانت\" الصغرى \"سالبة كلية، فالكبرى\" يجب أن تكون \"موجبة كلية؛ لأنها\" - أي الكبرى - \"إن كانت جزئية، وبقيتْ\" بحالها، أي: لم تُعْكَس، \"وجب جعلها الصغرى\"، وعكس النتيجة، ولا تنعكس؛ لأنها سالبة جزئية، \"وإن عُكِسَت\" الكبرى، \"وبقيتْ، لم تصلح للكبرى\"، أي: لكبرى الشكل الأول؛ لأنها جزئية، \" (وإن كانت\" الكبرى \"سالبةً كلية\"، والتقدير أن الصغرى سالبةٌ كليةٌ أيضًا، \"لم يتلاقيا بوجْهٍ\"؛ إذ لا قياس على سالبتين أصلًا؛ فسقط بهذا (^٢) الشَّرطِ ضربان؛ وهما الحاصلان من ضرب الصغرى السَّالبة الكلية، في الكبرى السالبة الكلية، والموجبةُ الجزئية، وضربُها في الكبرى السالبة الجزئية، قد سقطت من الشَّرْط الأول) (^٣)، \"وإن كانت\" الصُّغرى \"موجبة جزئية، فالكبرى سالبةٌ كلية؛ لأنها\" - أي الكبرى - لو لم تكن سالبةً كلية، لكانت: إما موجبةً كليةً، أو موجبةً جزئية؛ إذ السَّالبة الكلية ساقطةٌ من الشَّرط (^٤) الأول؛ وعلى التقديرين، يمتنع الرد إلى الشَّكل الأول؛ أمَّا على التقدير الأول؛ فلأن الكبرى، \"إن كانت موجبة كلية، وفعلْتَ الأول\" - أي: القَلْبَ -؛ بأن بقيت الكبرى بحالها من غير عكسها - \"لم تصلح\" للكبرى - إذ تجعل \"الصغرى\" كبرى، والكبرى صغرى؛ فلا يصلح \"للكبرى\" في الأول؛ لأنها جزئية.\nواعلم: أن في نسخة المصنّف (بدل الكبرى الصغرى) (^٥)؛ ولعلَّه وَهْمٌ أُصْلِح. \"وإن فعلت الثاني\" - أي: عكس المقدمتين -، \"صارت الكبرى جزئية\"؛ لأن الموجبة الكلية تنعكس جزئية، والكبرى الجزئية غير صالحة في الشكل الأول.\n\"وإن كانت\" الكبرى جزئيةً \"موجبةً\"، والتقدير أنّ الصغرى أيضًا موجبة \"جزئية، فأبعدُ\"؛ إذ\n_________\n(^١) في أ، ج، ح: ينتج.\n(^٢) في أ، ت، ج،: من هذا.\n(^٣) سقط في ح.\n(^٤) في ب: بالشرط.\n(^٥) في ب: بدل الصغرى الكبرى.","vol":"1","page":335},{"text":"الْأَوَّلُ: كُلُّ عِبَادَةٍ مُفْتَقِرَةٌ إِلَى النِّيَّةِ، وَكُلُّ وُضُوءٍ عِبَادَةٌ؛ فَيُنْتِجُ: بَعْضُ الْمُفْتَقِرِ وُضُوءٌ؛\nوَيُتَبَيَّنُ؛ بِالْقَلْبِ فِيهِمَا، وَعَكْسِ النَّتِيجَةِ.\nالثَّانِي: مِثْلُه، وَالثَّانِيَةُ جُزْئِيَّةٌ.\nالثَّالِثُ: كُلُّ عِبَادَةٍ لَا تَسْتَغْنِي، وَكُلُّ وُضُوءٍ عِبَادَةٌ؛ فَيُنْتِجُ: كُلُّ مُسْتَغْنٍ لَيْسَ بِوُضُوءٍ؛ وَيُتَبَيَّنُ؛ بِالْقَلْبِ، وَعَكْسِ النَّتِيجَةِ.\nالرَّابِعُ: كُلُّ مُبَاحٍ مُسْتَغْنٍ، وَكُلُّ وُضُوءٍ لَيْسَ بِمُبَاحٍ؛ فَيُنْتِجُ: بَعْضُ الْمُسْتَغْني لَيْسَ\n<hr><s0>\n\nلا قياس عن جزئيتين (^١) أصلًا؛ بخلاف الموجبة الكلية الكبرى، مع الموجبة الجزئية الصغرى؛ فإنه وإن كان لا يُنْتِج في هذا الشكل، لكنه ينتج في غيره.\nوسقط بهذا (^٢) الشرط ضربان أيضًا؛ وهما الحاصلان من ضرب الموجبة الجزئية الصُّغرى (^٣) (في) (^٤) الكبرى؛ موجبةً كليةً وجزئيةً؛ فإذن سقط من الشروط الثلاثة - أحَدَ عَشَرَ ضَرْبًا من الستةَ عَشَرَ؛ \"فَيَنْتُجُ منه خمسةٌ\".\nالشرح: \"الأول\": (كليتان موجبتان) (^٥)؛ تنتج (^٦) جزئية موجبة: \"كل عبادة مفتقِرةٌ إلى النِّيَّةِ، وكل وضوء عبادة؛ فينتج: بعض المفتقر\" إلى النية \"وضوء؛ ويتبين\" نتاجه \"بالقَلْبِ فيهما\". في الصغرى والكبرى - \"وعكسِ النتيجة\" بعد القلب؛ بأن تقول (^٧): كل وضوء عبادة، وكل عبادة مفتقرة إلى النِّيَّةِ؛ فكل (^٨) وضوء مفتقر؛ فبعض المفتقر وضوء، وهو المطلوب.\n\"الثاني: مثله، والثانيةُ\": - أي الكبرى -: \"جزئية\"؛ فتقول: موضع كلّ عبادة مفتقرةٌ، بعضُ العبادة مفتقرةٌ؛ والنتيجة، والبيان؛ كما في الأول.\n\"الثالث\": سالبة، وكلية موجبة؛ ينتج كلية سالبة: \"كل عبادة لا تَسْتَغْنِي\" عن النِّيَّةِ، \"وكل وضوء عبادة؛ فينتج: كل مُسْتَغْنٍ ليس بوضوء؛ ويتبين بالقَلْبِ\" في المقدمتين، \"وعكسِ النتيجة\" بعد القَلْب؛ وهو ظاهر.\n\"الرابع\": كلية موجبة، وكلية سالبة؛ ينتج سالبة جزئية: \"كل مباح مُسْتَغْنٍ، وكل وضوء\n_________\n(^١) في ب: جزئين.\n(^٢) في أ، ج، ح، ت: من هذا.\n(^٣) في أ، ب، ح: صغرى.\n(^٤) سقط في ج.\n(^٥) في ت: كليان موجبان.\n(^٦) في أ، ت، ج، ح: ينتج.\n(^٧) في أ، ج: نقول.\n(^٨) في ب، ت، وكل.","vol":"1","page":336},{"text":"بِوُضُوءٍ؛ وَيُتَبَيَّنُ بِعَكْسِهِمَا.\nالْخَامِسُ: بَعْضُ الْمُبَاحِ مُسْتَغْنٍ، وَكُلُّ وُضُوءٍ لَيْسَ بِمُبَاحٍ؛ وَهُوَ مِثْلُهُ.\n<hr><s0>\n\nليس بِمُبَاحٍ؛ فينتج: بعضُ المستغني ليس بوضوء؛ ويتبين\" نتاجه \"بعكسهما\"، أي: عكسِ المقدمتين؛ حتى تصير (^١): جزئية موجبة، وكلية سالبة (في الأول) (^٢)؛ ينتج جزئية سالبة.\n\"الخامس\": جزئية موجبة، وكلية سالبة (^٣)؛ ينتج جزئية سالبة: \"بعض المُبَاح مستغنٍ، وكل وضوء ليس بمباح\"، فبعض المستغني ليس بوضوء؛ \"وهو مثله\"، أي: مثل الرابع في اللازمِ عنه، والبيانُ بعكس المقدّمتين.\nوقد تمَّ القَوْلُ في القِياسِ الاقْتِرَانِيّ.\n_________\n(^١) سقط في ج.\n(^٢) في ج: سالبة جزئية، كل مباح مستغن في الأول.\n(^٣) القياس الاستثنائي ضربان:\nالضرب الأول: ما يكون بالشرط، ويسمّى الاستثنائي المتصل، وتسمّى المقدمة المشتملة على الشرط شرطية، ويسمى الشرط مقدمًا والجزاء تاليًا، والمقدمة الأخرى استثنائية، وشرطه بعد كون النسبة بين المقدم والتالي كلية دائمة أن يكون في الاستثنائية الاستثناء إمَّا بعين المقدم فلازمه عين التالي، وإمَّا نقيض التالي فلازمه نقيض المقدم؛ إذ لو انتفى أحدهما لجاز وجود الملزوم مع عدم اللازم، وأنه يبطل كونه لازمًا، مثاله: إن كان هذا إنسانًا فهو حيوان، لكنه إنسان فهو حيوان، لكنه ليس بحيوان ليس بإنسان، ولا يلزم من استثناء نقيض المقدم نقيض التالي، ولا من استثناء عين التالي عين المقدم؛ لجواز أن يكون اللازم أعم كما في المثال المذكور، وكأنه قصد بذكر المثال التشبيه على هذا، نعم لو قُدّر التساوي لزم ذلك المقدّم للتالي، ولكن بخصوص المادة لا نفس صورة الدليل، وهو بالحقيقة بملاحظة لزوم المقدم التالي، وهو متصل آخر، ثم أكثر استعمال الأول، أي ما يستثنى فيه عين المقدّم أن يذكر الشرطية بلفظة \"إن\" فإنها وضعت لتعليق الوجود بالوجود وأكثر.\nالثاني: وهو ما استثني فيه نقيض التالي أن يذكر الشرطية بلفظة \"لو\" فإنها لتعليق العدم بالعدم، وهذا الثاني وهو المذكور بـ\"لو\" يسمى قياس الخلف، وهو إثبات المطلوب بإبطال نقيضه كما قلنا: لو ثبت نقيض النتيجة لثبت منضمًا إلى مقدمة في القياس، فيلزم المحمول واللازم محمول؛ فلا يثبت.\nالضرب الثاني: ما يكون هو بغير شرط، ويسمى استثنائيًا منفصلًا، ويلزم تعدد اللازم مع التنافي، أي يلزمه التنافي بين أمرين، وحينئذٍ يلزم من وجود هذا عدم ذلك، ومن وجود ذلك عدم هذا؛ إذ لولا ذلك، والفرض أنه لا لزوم صريحًا لكان أحدهما لا يستلزم الآخر ولا عدمه، فلا لزوم أصلًا فلا استدلال؛ لأنه إنما يكون بالملزوم على اللَّازم كما تقرر، ثم التنافي إن كان إثباتًا ونفيًا كان هناك =","vol":"1","page":337},{"text":"<span data-type='title' id=toc-363>الْقِيَاسُ الاسْتِثْنَائِيُّ </span>(^١)\nوَالاسْتِثْنَائِيُّ ضَرْبَانِ: ضَرْبٌ بِالشَّرْطِ؛ وَيُسَمَّى الْمُتَّصِلَ، وَالشَّرْطُ مُقَدَّمًا، وَالْجَزَاءُ تَالِيًا، وَالْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ اسْتِثْنَائِيَّةً؛ وَشَرْطُ نِتَاجِهِ أَنْ يَكُونَ الاسْتِثْنَاءُ بِعَيْنِ الْمُقَدَّمِ؛ فَلَازِمُهُ عَيْنُ التَّالِي، أَوْ بِنَقِيضِ التَّالِي؛ فَلَازِمُهُ نَقِيضُ الْمُقَدَّمِ، وَهذَا حُكْمُ كُلِّ\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"والاستثنائي (^٢) ضربان:\n\nضرب\" يكون \"بالشَّرْط (^٣)؛ ويسمى\" الاستثنائيَّ \"المُتَّصلَ\"، وتسمى (^٤) المقدمة [المشتملة] (^٥) على الشرط شرطيةً، \"والشرطُ مقدَّمًا، والجزاءُ تاليًا، والمقدِّمةُ الثانيةُ استثنائيةً؛ وشرط نتاجه: أن يكون الاستثناء\": إما \"بِعَيْنِ المقدَّم؛ فلازمه عَيْن التالي\"؛ لأن تحقُّق الملزومِ يوجب تحقُّقَ اللازمِ - \"أو بنقيض التالي؛ فلازمه نقيض المقدَّم\"؛ لأن انتفاء اللازم يوجب انتفاء\n_________\n= تنافيان وفي كل تنافٍ لازمان، ذلك أربع نتائج يلزم باعتبار التنافي إثباتًا أن يكون وجود كل واحد منهما مستلزمًا لعدم الآخر؛ فيلزم في استثناء كل واحد نقيض الآخر، وباعتبار التنافي نفيًا أن يكون عدم كُلِّ واحد منهما مستلزمًا لوجود الآخر، فيلزم من استثناء نقيض كل واحد عين الآخر؛ فيجيء اللوازم الأربعة.\nمثاله: العدد إمَّا زوج وإما فرد، لكنه زوج، فليس بفردٍ، ولكنه فرد، فليس بزوج، لكنه ليس بزوج، فهو فرد، لكنه ليس بفرد فهو زوج، وإن كان التنافي إثباتًا لا نفيًا لزم الأولان، أي من استثناء عين كل نقيض الآخر دون الآخرين، أي لا يلزم من استثناء نقيض كل عين الآخر، وهذا ظاهر مثاله: الجسم إمَّا جماد أو حيوان، لكنه جماد فليس بحيوان، لكنه حيوان فليس بجماد.\nولو قلت: لكنه ليس بجماد فهو حيوان، أو ليس بحيوان فهو جماد لم يكن لازمًا؛ لجواز انتفائهما كما في الشجر، وإن كان التنافي نفيًا لا إثباتًا لزِمَ الآخران: أي من استثناء نقيض كلّ عن الآخر دون الأوليين، أي: لا يلزم من استثناء عين كل نقيض الآخر وهو ظاهر، مثاله: الجسم الخنثى إمَّا لا رجل أو لا امرأة؛ إذ لا ينتفيان وإلَّا لكان رجلًا وامرأة لكن يجتمعان كالشجر، لكنه ليس بلا رجل فهو لا امرأة، أو ليس بلا امرأة فهو لا رجل.\nولو قلت: لكنه لا امرأة فليس لا رجل، أو لا رجل فليس لا امرأة لم يصدق؛ لاجتماعهما في الحجر. ينظر: شرح المقدمة.\n(^١) في أ، ج، ح: يصير.\n(^٢) ينظر: تحرير القواعد ص (١٤٠)، وحاشية شرح السلم ص (١٢٥)، والمطلع ص (٥٥)، الخبيص على التهذيب ص (١٥٥)، شرح الغرة (١٩٦ - ١٩٧).\n(^٣) في أ، ت، ح: بالشروط.\n(^٤) في ت: ويسمى.\n(^٥) سقط في ت.","vol":"1","page":338},{"text":"لَازِمٍ مَعَ مَلْزُومِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَازِمًا؛ مِثْلُ: إِنْ كَانَ هذَا إِنْسَانًا، فَهُوَ حَيَوَانٌ، وَأَكْثَرُ الْأَوَّلِ بِـ (إِنْ)، وَالثَّانِي بِـ (لَوْ) وَيُسَمَّى مَا بِـ (لَوْ) قِيَاسَ الْخُلْفِ؛ وَهُوَ إِثْبَاتُ الْمَطْلُوبِ بِإِبْطَالِ نَقِيضِهِ.\n<hr><s0>\n\nالملزوم، \"وهذا حكم كُلّ لازم، مع ملزومه\"؛ فإنه يلزم من عين المَلزُومِ - عينُ اللازم، ومن نقيض اللَّازم - نقيضُ الملزوم؛ \"وإلا لم يكن لازمًا\"؛ لأن اللزوم هو امتناع تحقق الملزوم إلا عند تحقق اللازم؛ \"مثل: إن كان هذا إنسانًا، فهو حيوان\".\nإن قلت: لكنه إنسان، أنْتَجَ: فهو حيوان، أو: ليس بحيوان، أنتج: ليس بإنسان، ولا يلزم من استثناء نقيضِ المقدَّم - نقيضُ التَّالي، ولا من استثناء عينِ التَّالي - عينُ المقدم؛ لجواز أن يكون اللازم أعم؛ كما في المثال المذكور.\nولعلَّ المصنّف قصد بذكر المِثَالِ التنبيهَ على هذا، نعم لو قُدِّر التَّسَاوي، لزم ذلك؛ وذلك لخصوص المَادَّة، لا لنفس صورة الدَّليل.\nويُشترطُ كونُ المتَّصلة موجبةً لزومية، والاستثناء كليًّا، إن كانت المتصلة جزئيةً، ويُشترط كونُ حالِ الاستثناء حالَ المُتَّصلة، إن كانت شخصيةً، وقد أهمل المصنّف ذلك، \"وأكثر\" استعمال \"الأول\"؛ وهو المتَّصل الذي يكون الاستثناء فيه بعين المقدّم - يكون \"بـ (إن) \"؛ فإنها لفظة موضوعة لتعليق الوجود بالوجود.\n\"و\"أكثر \"الثَّاني\"؛ وهو ما يستثنى فيه نقيض (^١) التَّالي \"بـ (لو) \"؛ فإنها حرف امتناع لامتناع؛ \"ويسمى ما\"، [أي]: الواقع \"بـ (لو) - قياسَ الخُلْف؛ وهو إثبات المطلوب بإبطال نقيضه\".\nقال القاضي عَضُدُ الدِّين (^٢) الشَّارحُ: كما [لو] (^٣) قلنا: لو ثبت نقيض النتيجة، لثبت منضمًّا إلى مقدِّمة من القياس؛ فيلزم المحال، واللازم منتف؛ فلا يثبت (^٤).\n_________\n(^١) في أ، ت، ح: بعض.\n(^٢) عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار، قاضي قضاة الشرق، العلامة عضد الدين الإيجي الشيرازي شارح مختصر ابن الحاجب، قال الإسنوي في طبقاته: كان إمامًا في علوم متعددة، محققًا مدققًا، ذا تصانيف مشهورة، منها: شرح المختصر لابن الحاجب، والمواقف، والجواهر، وغيرها في علم الكلام، وفي المعاني والبيان: الفوائد الغياثية، مولده بـ\"إيج\" بعد سنة ثمانٍ وسبعمائة. توفي سنة ثلاث وخمسين. من تلاميذه: شمس الدين الكرماني والسعد التفتازاني والعفيفي، وغيرهم. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ٢٧، والأعلام ٤/ ٦٦، والإسنوي ص ٣٤١، والدرر الكامنة ٢/ ٣٢٢.\n(^٣) سقط في الأصول، والمثبت من \"العضد\".\n(^٤) ينظر: حاشية العضد ١/ ١٠٩.","vol":"1","page":339},{"text":"وَضَرْبٌ بِغَيْرِ الشَّرْطِ؛ وَيُسَمَّى الْمُنْفَصِلَ؛ وَيَلْزَمُهُ تَعَدُّدُ اللَّازِمِ مَعَ التَّنَافِي، فَإِنْ تَنَافَيَا إِثْبَاتًا وَنَفْيًا، لَزِمَ مِنْ إثْبَاتِ كلٍّ - نَقِيضُه، وَمِنْ نَقِيضِهِ - عَيْنُهُ؛ فَيَجِيءُ أَرْبَعَةً؛ مِثَالُهُ: الْعَدَدُ: إِمَّا زَوْجٌ أَوْ فَرْدُ؛ لكِنَّهُ إِلَى آخِرِهَا، وَإِنْ تَنَافَيَا إِثْبَاتًا لَا نَفْيًا، لَزِمَ\n<hr><s0>\n\n\nالشرح: \"وضرب بغير الشرط؛ ويسمى \"الاستثنائي المنفصل (^١)؛ ويلزمه تعدد اللَّازم مع التنافي \" (^٢) بين أمرين (^٣)؛ وحينئذٍ يلزم من وجود هذا - عدمُ ذاك، ومن عدمِ ذاك - وجودُ هذا؛ إذ لولا ذلك - والفرض (^٤) أنه لم يوجد لزوم صريح - لكان أحدهما لا يستلزم الآخر، ولا عدمَهُ؛ فلا استدلال؛ لأن الاستدلال إنما يكون بالملزوم عن اللَّازم؛ كما عرفت.\nوإذا عرف التنافي؛ \"فإن تنافيا إثباتًا ونفيًا\" [معًا] (^٥). بحيث لا يصدقان، ولا يكذبان - \"لزم من إثبات كلٍّ نقيضُه، ومن نقيضِهِ عَيْنُهُ؛ فيجيء أربعة:\nمثاله: العدد: إمّا زوج أو فرد؛ ولكنه إلى آخرها\"، أي: اللوازم الأربعة.\nفإن قلنا: ولكنه زوجٌ؛ فينتج: ليس بفردٍ - وفردٌ؛ فينتج: ليس بزوج، أو [ليس] (^٦) بزوج؛ فينتج: فهو فرد، أو ليس بفرد؛ فينتج: فهو زوج، فاستثناء عين الزوج ينتج نقيض (^٧) الفرد، وبالعكس، واستثناء نقيض الزوج ينتج عين الفرد، وبالعكس.\n\"وإن تنافيا إثباتًا لا نفيًا، لزم الأولانِ\"، أي: مِنِ استثناء [عين كلّ نقيض] (^٨) - عينُ الآخر دون الآخَرَيْن؛ فلا يلزم [من] (^٩) استثناء نقيض كلٍّ عيْنُ الآخر؛ \"مثاله: الجسم: إمّا جماد أو حيوان\"؛ لكنه جماد؛ فليس بحيوان، لكنه حيوان؛ فليس بِجَمَادٍ.\nولو قلتَ: لكنه ليس بجماد؛ فهو (^١٠) حيوان، أو ليس بحيوان؛ فهو جَمَادٌ - لم يكن لازمًا؛ لجواز انتفائهما؛ كما في النبات؛ فإنه ليس جمادًا ولا حيوانًا.\n\"وَإِنْ تنافيا نفيًا لا إثباتًا\"، أي: كان كل منهما منافيًا لنفي الآخر - \"لزم الأخيران\"، أي: من\n_________\n(^١) في كل النسخ: المتصل، والصواب ما أثبتناه.\n(^٢) في ت: الباقي.\n(^٣) أي وجودًا وعدمًا أو وجودًا فقط أو نفيًا فقط.\n(^٤) في ب: والغرض.\n(^٥) سقط في ج.\n(^٦) سقط في ت.\n(^٧) في ت: بعض.\n(^٨) سقط في ح.\n(^٩) سقط في ت.\n(^١٠) في أ، ت، ح: وهو.","vol":"1","page":340},{"text":"الْأَوَّلانِ؛ مِثَالُهُ: الْجِسْمُ: إِمَّا جَمَادٌ أَوْ حَيَوَانٌ، وَإِنْ تَنَافَيَا نَفْيًا لَا إِثْبَاتًا، لَزِمَ الْأَخِيرَانِ؛ مِثَالُهُ: الْخُنْثَى: إِمَّا لَا رَجُلٌ أَوْ لَا امْرَأَةٌ.\n<hr><s0>\n\nاستثناء نقيض (^١) الآخر، دون الأولَيْن.\n\"مثاله: الخُنْثَى (^٢): إما لا رجل، أو لا امرأة\"؛ فإنه يلزم من انتفاء لا رجلّ (^٣) - ثبوتُ لا امرأة (^٤)، وبالعكس.\nولا يلزم من تحقق أحدهما انتفاءُ الآخر؛ لجواز ألَّا يكون رجلًا ولا امرأة؛ وذلك باعتبار الصدق؛ ظاهرًا؛ إذ يصدق على الخُنْثَى المشْكلِ؛ أنه لا رجل ولا امرأة.\nونقل الغَزَّاليُّ في فرائض (الوسيط) (^٥)؛ عن بعض العلماء: أنه لا يرث؛ لأنه ليس بِذَكَرٍ ولا أُنْثَى، ولو صح هذا، لاستقام تمثيلُ المصنِّف.\nولكن الصَّواب - وهو مذهب الشَّافعي - أنه في نفس الأمر لا يخلو عن أن يكون رجلًا، أو امرأةً؛ فليحمل كلام المصنِّف على ما ذكرناه؛ من أن ذلك لا يطلق عليه ظاهرًا؛ ولذلك لو وقف على البنينَ والبنات، لم يدخل الخُنْثَى المشكِلُ؛ على وجه لبعض أصحابنا؛ لأنه لا يُعَدُّ من هؤلاء، و[لا] (^٦) من هؤلاء، ولكن الصحيح خلافه، نعم لو أفْرَدَ البنينَ عن البنات، أو (^٧) البناتِ عن البنين، لم يدخل.\nوبعضهم مثَّل بقولنا: زيدٌ إما في الماء، أو لا يغرق (^٨).\n_________\n(^١) في ج: نقيض كل عين.\n(^٢) من الخنث، وهو اللين، وفي الشرع، شخص له آلتا الرجال والنساء أو ليس له شيء منهما أصلًا، والمشكل منه: من لا يترجح أمره إلى الرجولية والنسائية. ينظر: قواعد الفقه ص ٢٨٢.\n(^٣) في أ، ج، ح، اللارجل، وفي ب: إلا رجل.\n(^٤) في أ، ج، ح: اللاامرأة، وفي ب: إلا امرأة.\n(^٥) في ت: الوسط.\n(^٦) سقط في أ، ج، ح.\n(^٧) في أ، ج، ح: و.\n(^٨) في ت: يعرف.","vol":"1","page":341},{"text":"وَيُرَدُّ الاسْتِثْنَائِيُّ إِلَى الاقْتِرَانِيِّ؛ بِأَنْ يُجْعَلَ الْمَلْزُومُ وَسَطًا، وَالاقْتِرَانِيُّ إِلَى الْمُنْفَصِلِ بِذِكْرِ مُنَافِيهِ مَعَهُ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وَيُردُّ\" القياس \"الاستثنائيُّ إلى الاقتراني (^١)؛ بأن يجعل الملزوم وسطًا\"؛ وثبوته - وهو (^٢) الاستثنائي - صغرى، واستلزامه - وهو المتّصل - كبرى؛ مثاله من النقيض (^٣): الاثنان (^٤): إما فرد أو زوج؛ لكنه زوج؛ فهو ليس بفرد؛ فإنه يتضمن؛ أنه كلُّ ما كان زوجًا، لم يكن فردًا، فنقول: الاثنان زوج، [وكل زوج] (^٥) ليس بفرد؛ فالاثنان ليس بفرد، وقِسْ على هذا.\nويردُّ \"الاقْتِرَانِيُّ\" (^٦) إلى الاستثنائي أيضًا (^٧)، ثم تارةً يردُّ إلى المتصل - وهو ظاهر - بأن يجعل الوسط ملزومًا للمطلوب، وتارةً \"إلى المنفصل؛ بذكر مُنَافيه معه\"، أي: يأخذ منافي الوسط، ويذكره مع الوسط.\nمثاله: الاثنان زوج، وكل زوج فليس بفرد؛ فمُنَافي (^٨) الزوج الذي هو الوسط إنما هو الفرد، فنقول: الاثنان: إما زوج أو فرد؛ لكنه زوج؛ فليس بفرد.\n_________\n(^١) أقول: القياسات الاقترانية غير الشكل الأول علمت أنها تردّ إليه، فلنبيّن كيف تردّ الاستثنائي إلى الاقتراني: طريقه أن يجعل الملزوم وسطًا وثبوته وهو الاستثنائي صغرى، واستلزامه وهو المتصل كبرى، مثاله في المنفصل: الاثنان إمَّا زوج أو فرد، لكنه زوج فهو ليس بفرد، فإنه يتضمن كل ما كان زوجًا لم يكن فردًا، فنقول: الاثنان زوج، وكلُّ زوج فهو ليس بفرد، فالاثنان ليس بفرد، وعليه فقس. ينظر: شرح المقدمة.\n(^٢) في أ، ب، ت: وسطًا وهو الاستثنائي.\n(^٣) في ج: المنفصل.\n(^٤) في أ: الإثبات، وهو تحريف.\n(^٥) سقط في ح.\n(^٦) ينظر: حاشية شرح السلم ص (١٢١)، والمطلع ص (٥٥)، وتحرير القواعد المنطقية (١٤١).\n\n(^٧) يرد الاقتراني إلى الاستثنائي أيضًا، فإلى المتصل ظاهر بأن يجعل الوسط ملزومًا للمطلوب، وأمَّا إلى المنفصل فبأن نأخذ منافي الوسط، ونذكره مع الوسط، مثاله: الاثنان زوج، وكل زوج فهو ليس بفرد، فمنافي الزوج الذي هو الوسط إنما هو الفرد، فنقول: الاثنان إمَّا زوج أو فرد، لكنه زوج، فهو ليس بفرد.\n(^٨) في أ، ح: فينافي، وفي ب: فننافي.","vol":"1","page":342},{"text":"<span data-type='title' id=toc-364>الْخَطَأُ فِي الْبُرْهَانِ </span>(^١)\nوَالْخَطَأُ فِي الْبُرْهَانِ؛ لِمَادَّتِهِ، وَصُورَتِهِ: فَالْأَوَّلُ: يَكُونُ فِي. . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"والخطأ في البُرْهَان؛ لمادّته، وصورته (^٢):\n_________\n(^١) أقول: الخطأ في البرهان إنما يكون بخطأ مادته وخطأ صورته:\nالقسم الأول: وهو خطأ المادة يكون من جهة اللفظ ومن جهة المعنى.\nأما اللفظ فلالتباس الكاذبة بالصادقة إذا كان اللفظ يحتملهما، وهو قد يكون للاشتراك إمَّا في أحد الجزئين نحو: هذا عين، وهو يصدق باعتبار مفهوم لها، ويريد بـ\"العين\" مفهومًا لها لا يصدق باعتباره، وأمَّا في حروف العطف مثل: الخمسة زوج وفرد، وهو يصدق بأنه مجموع مركب منهما، فيفهم منه أنه زوج وأنه فرد، ومثله بـ\"هذا حلو حامض\"، فإنه يصدق في الجمع دون الأفراد، وعكسه بـ\"هذا طبيب ماهر\" إذا كان في غير الطبّ طيّبًا؛ لأنه يصدق في الأفراد دون الجمع، وقد يكون لاستعمال المتباينة كالمترادفة نحو: السيف والصارم، فيغفل الذهن عما به الافتراق، فيجري اللفظين مجرى واحدًا، فيظن الوسط متحدًا ولا يكون، وأما المعنى فلالتباس الصادقة بالكاذبة أيضًا، وله أصناف:\nالأول: الحكم على الجنس بحكم نوع منه مندرج تحته نحو: هذا لون، واللَّون سواد، فيكون بهذا سواد، وهذا سيّال أصفر وسيَّال أصفر مرة، فهذا مرّة، ويسمى مثله إيهام العكس، كأنه لمَّا رأى أن كلَّ سيَّال أصفر ظنّ أن كل سيّال أصفر مرة، ومنه: الحكم على المطلق بحكم المقيد بحال أو وقت: هذه رقبة، والرقبة مؤمنة، وفي الأعشى: هذا مبصر، والمبصر مبصر بالليل.\nالثاني: جميع ما ذكر في التناقض من القوة والفعل، والجزء والكلّ، والزمان والمكان، والشرط إذا لم يراع التبست الصادقة بالكاذبة.\nالثالث: جعل الاعتقاديات والحدسيات والتجريبات الناقصة والظنيات والوهميات مما ليس بقطع كالقطع وإجرائها مجراه، وذلك كثير.\nالرابع: جعل العرضي كالذاتي نحو: السقمونيات مبرّد، وكل مبرد بارد، فالسقمونيات مبرد، أي لا بالذات، أي لا يوجب ذلك إيجابًا أوليًّا، بل بالعرضي؛ لأنه يسهل الصفراء، وانتفاضه عن البدن يوجب بروده، إنَّما البارد هو المبرّد بالذات، وهذا غير الذاتي والعرضي بالمعنى المتقدم.\nالخامس: جعل النتيجة مقدمة من مقدمتي البرهان بتغيير ما، ويسمى مصادرة على المطلوب، مثل: هذا نقلة، وكل نقلة حركة، ومن هذا القبيل المتضائفة مثل: هذا ابن؛ لأنه ذو أب، وكلُّ ذي أب ابن، وكلُّ قياس دوريّ، وما هو يتوقف ثبوت إحدى مقدمتيه على ثبوت النتيجة بمرتبة أو بمراتب.\nالقسم الثاني: وهو خطأ الصورة هو أن يكون الخارج عن الأشكال بألا يكون على تأليف الأشكال المذكورة لا بالقوة ولا بالفعل أو يكون بفقد شرط من شروط الإنتاج.\n(^٢) ينظر حاشية شرح السلم ص (١٥٩)، والمطلع ص (٦٣)، وتحرير القواعد المنطقية ص (١٦٧ - ١٦٨).","vol":"1","page":343},{"text":"اللَّفْظِ: لِلاشْتِرَاكِ، أَوْ فِي حَرْفِ الْعَطْفِ؛ مِثْلُ: الْخَمْسَةُ زَوْجٌ وَفَرْدٌ؛ وَنَحْوُهُ: حُلْوٌ حَامِضٌ، وَعَكْسُهُ: طَبِيبٌ مَاهِرٌ؛ وَلاسْتِعْمَالِ الْمُتَبَايِنَةِ كَالْمُتَرَادِفَةِ؛ كَالسَّيْفِ وَالصَّارِمِ؛ وَيَكُونُ فِي الْمَعْنَى؛ لالْتِبَاسِهَا بِالصَّادِقَةِ؛ كَالْحُكْمِ عَلَى الْجِنْسِ بِحُكْمِ النَّوْعِ؛ وَجَمِيعِ مَا ذُكِرَ فِي النَّقِيضَيْنِ؛ وَكَجَعْلِ غَيْرِ الْقَطْعِيِّ كَالْقَطْعِيِّ؛ وَكَجَعْلِ الْعَرَضِيِّ كَالذَّاتِيِّ؛ وَكَجَعْلِ النَّتِيجَةِ\n<hr><s0>\n\nفالأول: يكون في اللَّفظ؛ للاشتراك\" (^١)؛ بحسب الذَّات؛ كالعين، أو التَّصْريفِ؛ كـ (المختار) المشترك بين اسم الفاعل والمفعول.\n\"أو في حروف العَطْف؛ نحو: الخمسةُ زوجٌ وفرد\"؛ فإذا أريد بـ (الواو) الجمعُ في الصفات، كان كاذبًا، وفي الذوات (^٢)، كان صادقًا، \"ونحو: حلو حامض\"؛ فإنه صادق مركَّبًا على المُرِّ، وكاذبٌ مفردًا (^٣) عليه.\n\"وعكسه\": إذا قيل: زيد \"طبيب ماهر\"، وكانت مهارته إنما هي في غير الطِّبِّ، فإنه كاذب (^٤)؛ لإيهامه المهارةَ في الطِّبِّ.\nوإذا قيل: (طبيب)؛ بانفراده - و(ماهر)؛ بانفراده، وأريد فيما هو ماهرٌ فيه - كان صادقًا.\nواعلم: أن خطأ الاشتراك واقعٌ في اللَّفْظ المركَّب، وخطأ: الخمسةُ زوجٌ وفردٌ؛ في نفس التركيب، ويسمَّى اشتراكَ التأليف.\nوقولنا: حلوٌ حَامِضٌ؛ في تفصيل المركَّب، و: طبيبٌ ماهرٌ؛ في تركيب المفصَّل، ويسمى اشتراكَ القسمة.\n\"ولاستعمال\" (^٥) الألفاظ \"المتباينة\" الدَّالِّ أحدُها على الذات، والآخرُ على الصفة؛ \"كالمترادفة؛ كـ (السيف)، و(الصَّارم) \"؛ فيغفُلُ الذهنُ عما به الافتراق، فيُجري اللَّفظين مُجْرى واحدًا (^٦)؛ فيظن الوسط متحدًا.\n_________\n(^١) في أ، ب، ت، ح: الاشتراك.\n(^٢) في ت: الذات.\n(^٣) في ب: مفرد.\n(^٤) في ت: حادث.\n(^٥) في أ: ولا استعمال، وفي ب: وكاستعمال، وفي ح: والاستعمال، وفي. ت: وفي استعمال.\n(^٦) في أ، ب، ت: واحدًا.","vol":"1","page":344},{"text":"مُقَدِّمَةً بِتَغْيِيرٍ ما، وَيُسَمَّى الْمُصَادَرَةَ؛ وَمِنْهُ الْمُتَضَايِفَة، وَكُلُّ قِيَاسٍ دَوْرِيٍّ، وَالثَّانِي أَنْ يَخْرُجَ عَنِ الأَشْكَالِ.\n<hr><s0>\n\n\"ويكون\" الخطأ \"في المعنى\"؛ وذلك بألَا تكون (^١) المقدمتان أو إحداهما صادقةً، وإنما تستعمل (^٢) مع كونها كاذبة؛ \"لالتباسها بالصادقة؛ كالحكم على الجنس بحكم النوع\"؛ نحو: هذا لون، واللون سواد؛ فهذا (^٣) سواد، يحكم على اللَّون الذي هو جنس؛ بحكم النَّوع، وهو السواد، ومنه الحكمُ على المُطْلق؛ بحكم المقيَّد بحالٍ، أو وقت؛ مثل: هذه رقبة، والرقبة مؤمنة، وفي الأعشى: هذا مبصرٌ، والمبصر مبصر بالليل.\n\"وجميعِ ما ذْكِرَ في النقيضين\"؛ مِنْ أخذ ما بالقوّة مكانَ ما بالفعل؛ والجزء والكُلِّ، والزمانِ، [والمكان] (^٤) والشرط؛ \"وكجعل غير القطعي\" من المقدّمات \"كالقطعي، وكَجَعْلِ العرضيِّ كالذاتيِّ\"؛ كمن رأى إنسانًا أبيض يكتب، فظن (^٥) كل كاتبٍ أبيضَ؛ لكونه أخذ البياض ذاتيًّا للإنسان؛ \"وكجعل النتيجة مقدِّمة\" من مقدمتي البُرْهَان \"بتغييرٍ ما\" مثل: هذه (^٦) نَقْلَة، وكل نقلة حركة؛ فإن الكبرى عينُ النتيجة، ولكن بتغيير اللَّفظ، \"ويسمَّى\" هذا القسم \"المصادرة\" على المطلوب.\n\"ومنه\" - أي: ومن هذا القسم - \"المتضايفةُ\"، وهو جعل إحدى المقدمتين أحدَ المتضايفين؛ نحو: زيد ابن؛ لأنه ذو أب، وكل ذي أب ابن.\nوإنما كان من هذا القسم؛ لتوقُّف صدق الصُّغرى على صدق النتيجة، \"وكلُّ قياسٍ دوريٍّ\"؛ فإنه من هذا القبيل أيضًا.\nوالدَّوْرِيُّ: ما يتوقف ثبوت إحدى مقدمتيه على ثبوت النتيجة بمرتبةٍ أو مراتبَ؛ ومثاله:\n_________\n(^١) في ب، ت: يكون.\n(^٢) في ت: يستعمل.\n(^٣) في ت: وهذا.\n(^٤) سقط في ت.\n(^٥) في ت: وظن.\n(^٦) في أ، ت، ح: هذا.","vol":"1","page":345},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقولنا: كل إنسان ناطق، وكل ناطق ضاحك؛ ينتج: كلُّ إنسانٍ ضاحكٌ؛ ثم نستدل (^١) على قولنا: كل إنسان ناطقٌ؛ بقولنا: كل إنسانٍ ضَاحِكٌ، وكل ضاحك ناطقٌ.\n\"والثَّاني\"؛ وهو الخطأ الصُّورِيُّ: \"أن يخرج عن الأشكال\" الأربعة؛ وذلك لاختلاف شرط من الشرائط؛ كما علمت.\nوربما وقع في كلام الفُقَهَاءِ ما صورته ظاهرًا خارجةٌ، ويظهر لك عند التأمل عدمُ خروجها؛ فاحتَرِزْ إذا رأيت أمثال (^٢) ذلك من الإقْدام على التخطئة.\nوذلك مثلًا كقول الرَّافِعِيِّ: ذهب القَفَّال إلى أنه يحرُمُ عليها - يعني: المُعْتَدَّةَ عن الوفاة - لُبْسُ الإبْرَيْسَمِ، وإن كان المنسوج منه على لونه الأصلي، وقال: إن لُبْسه تزيين، وهي ممنوعة من التزيين.\nفقد نقول: هذا خارجٌ عن الأول والثَّالث والرَّابع؛ لأن الحد الأوسط (^٣) فيه التَّزيين، وهو محمول فيها، وليس كذلك (^٤) في هذه الأشْكَالِ، وخارجٌ عن الثَّاني؛ لأن شرطه اختلافُ مقدمتيه في الإيجاب والسَّلب، وهاتان موجبتان.\nويظهر لك عند التأمُّل أنه من الضَّرْبِ الأولِ من الشكْلِ الأولِ؛ فإن المعنى: هذا تزيينٌ، وكل تزيين حَرَامٌ، فهو (^٥) حرامٌ، وترك (^٦) فيه ذِكْرَ الكُبْرَى؛ للعِلْم بها؛ كقولك: هذا يطوف باللَّيل؛ فهو سَارِقٌ؛ تقديره: وكل طائف باللَّيل سارق؛ فهذا (^٧) سارق.\n_________\n(^١) في أ، ت، ح: يستدل.\n(^٢) في ت: مثل.\n(^٣) في أ، ج، ح: الوسط.\n(^٤) في أ، ح: ذلك.\n(^٥) في ت: وهو.\n(^٦) في أ، ج، ح: ونزل.\n(^٧) في ت: وهذا.","vol":"1","page":346},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوكقول الرَّافعيِّ أيضًا في الظِّهَار (^١): أصحُّ الوجهين (^٢) أن نفس الرَّجعة (^٣) عَوْد؛ لأنَّ العودَ هو الإمساك، والرجعة إمْسَاك.\n_________\n(^١) الظهار، والتظهر، والتظاهر: عبارة عن قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، مشتق من الظهر، وخصوا الظهر دون غيره، لأنه موضع الركوب، والمرأة مركوبة إذا غشيت، فكأنه إذا قال: أنت عليَّ كظهر أمي، أراد: ركوبك للنكاح حرام عليَّ، كركوب أمي للنكاح، فأقام الظهر مقام الركوب؛ لأنه مركوب، وأقام الركوب مقام النكاح؛ لأن الناكح راكب، وهذا من استعارات العرب في كلامها.\nينظر: تاج العروس ٣/ ٣٧٣، والصحاح ٢/ ٧٣٠، والمصباح المنير ٢/ ٥٩٠، والمغرب ٢٩٩.\nواصطلاحًا:\nعرَّفه الحنفية بأنه: تشبيه المسلم زوجته أو جزءًا شائعًا منها بمحرم عليه تأبيدًا.\nوعرفه الشافعية بأنه: تشبيه الزوجة غير البائن بأنثى لم تكن حِلًّا.\nوعرفه المالكية بأنه: تشبيه المسلم المكلف من تحل أو جزءها بظهر محرم أو جزئه.\nوعرفه الحنابلة بأنه: هو أن يشبه امرأته أو عضوًا منها بظهر من تحرم عليه على التأبيد أو بها أو بعضو منها. ينظر: حاشية ابن عابدين ٢/ ٥٧٤، وشرح فتح القدير ٤/ ٢٤٥، ٢٤٦، ومجمع الأنهر ١/ ٤٤٦، ومغني المحتاج ٣/ ٣٥٢، والمهذب ٢/ ١٤٣، والمحلى على المنهاج ٤/ ١٤، مواهب الجليل ٤/ ١١١، الخرشي ٤/ ١٠١، وحاشية الدسوقي ٢/ ٤٣٩، والإنصاف ٩/ ١٩٣، والمغني ٣/ ٢٥٥.\n(^٢) في أ، ح: لوجهين.\n(^٣) الرجعة: قال في \"المصباح\": بالفتح بمعنى الرجوع؛ وفلان يؤمن بالرجعة أي: بالعود إلى الدنيا.\nوأما الرجعة بعد الطلاق ورجعة الكتاب فبالفتح والكسر، وبعضهم يقتصر في رجعة الطلاق على الفتح، وهو أفصح.\nقال \"ابن فارس\": والرجعة مراجعة الرجل أهله، وقد تكسر، وهو يملك الرجعة على زوجته، وطلاق، رجعي بالوجهين أيضًا. وفيه: رجعت المرأة إلى أهلها؛ بموت زوجها أو طلاق، فهي راجع، ومنهم من يفرق فيقول: المطلَّقة مردودة، والمتوفى عنها راجع.\nقال صاحب \"المختار\": رجع الشّيء بنفسه من باب \"جلس\" ورجعه غيره من باب \"قطع\"، وقوله تعالى: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾. أي: يتلاومون.\nوالرّجعي: الرجوع، وكذا المرجع، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ﴾، وهو شاذ؛ لأن =","vol":"1","page":347},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقد يقال: الحد الأوسط هو الإمْسَاك، وقد جاء محمولًا فيهما، وهما (^١) موجبتان.\nوجوابه كما عرفْتَ؛ أن المعنى. الرجعة إمساك، والإمساكُ عَوْد؛ فالرَّجعةُ عَوْدٌ.\nوكذلك (^٢) قول الرَّافعي أيضًا: لو تصدَّق (^٣) على ابنه، فوجهان:\nأصحُّهما: أن له الرجوعَ أيضًا؛ لأن الخبر يقتضي ثبوت الرُّجوع في الهبة (^٤)، والصدقةُ\n_________\n= المصادر من فعَل إنما تكون بالفتح.\nورَجْعَةٌ بفتح الراء وكسرها، والفتح أوضح، والراجع: المرأة يموت زوجها، فترجع إلى أهلها، وأما المطلّقة: فهي المردودة.\nوالرجع: المطر. قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾. وقيل: معناه النفع. والمراجعة المعادة.\nيقال: راجعه الكلام، وراجع امرأته. فهي لغة: المرَّة من الرجوع.\nواصطلاحًا:\nعرَّفها الحنفية بأنها: استدامة الملك القائم في العدة برد الزوجة إلى زوجها وإعادتها إلى حالتها الأولى.\nوعرَّفها الشافعية بأنها: رد المرأة إلى النكاح من طلاق غير بائن في العدة على وجه مخصوص.\nوعرفها المالكية بأنها: عود الزوجة المطلقة للعصمة من غير تجديد عقد.\nوعرفها الحنابلة بأنها: إعادة المطلقة غير بائن إلى ما كانت عليه بغير عقد. ينظر: القاموس المحيط ٣/ ٢٨، والصحاح ٣/ ١٢١٦، والمصباح ١/ ١٣٧٧، والمطلع ٣٤٢، والاختيار ١٠٠، واللباب ٥٦، والإقناع ٢/ ١٧٥، وحاشية الدسوقي ٢/ ٤١٥، وكشاف القناع ٥/ ٣٤١.\n(^١) في أ، ج، ح: وهو.\n(^٢) في أ، ح: ولذلك.\n(^٣) في أ، ت، ح: يصدق.\n(^٤) الهبة لغة: العطية الخالية عن الأعواض والأغراض، فإذا كثرت سمي صاحبها وهابًا. ينظر: لسان العرب ٦/ ٤٩٢٩.\nواصطلاحًا:\nعرَّفها الأحناف بأنها: تمليك بلا عوض.\nوعرَّفها الشافعية بأنها: التمليك بلا عوض.\nوعرفها المالكية بأنها: تمليك متمول بغير عوض. =","vol":"1","page":348},{"text":"<span data-type='title' id=toc-365>مَبَادِئُ اللُّغَةِ</span>\nوَمِنْ لُطْفِ اللهِ تَعَالَى إِحْدَاثُ الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ، فَلْنَتَكَلَّمْ عَلَى حَدِّهَا، وَأَقْسَامِهَا، وَابْتِدَاءِ وَضْعِهَا، وَطَرِيقِ مَعْرِفَتِهَا.\n\n<span data-type='title' id=toc-366>تَعْرِيفُ الْحَدِّ</span>\nالْحَدُّ: كُلُّ لَفْظٍ وُضِعَ لِمَعْنًى.\n<hr><s0>\n\nضربٌ من الهِبَةِ؛ معناه: الصدقة هبة، وكل هبة يثبت فيها الرجوعُ؛ ينتج: الصدقة يثبت فيها الرجوع، والله الموفِّق.\nالشرح: \"ومن لُطْف الله تعالى إحداثُ الموضوعاتِ اللغوية\" (^١)؛ ليعبِّر كلُّ [أحد] (^٢) عما في ضميره عند الاحتياج إلى ذلك، ولا كافلَ لهذا الغرضِ كالألفاظ؛ لأنها أعم من الإشارة، والحركات والرسوم، [وأخف] (^٣)، وكان من لطف الله إحداثُها، والله تعالى هو المُحْدِثُ لها، سواء أقلنا (^٤): الواضع هو [الله تعالى أم] (^٥) العباد؛ إذ أفعال [العباد (^٦) مَخْلُوقةٌ له ﷾.\n\"فلنتكلم\" فيها \"على حدِّها\"؛ فإن طالب الماهية إنما يتوصَّل إليها بتعريفها، \"وأقسامِها\"؛ إذ الإحاطةُ بالأقسام بعد معرفة الحد مُتَعَيِّنة.\n\"وابتداءِ وضعها\"، هل هو توقيفي أو غيره، \"وطريقِ معرفتها\"، هل هو ضروريٌّ أو نظريٌّ.\nالشرح: أما \"الحَدّ\" فهو: \"كلّ لفظ وضع لمعنى\" (^٧)؛ فـ (اللفظ): جنسٌ يتناول المُهْمَل\n_________\n= وعرفها الحنابلة بأنها: تمليك جائز التصرف مالًا معلومًا أو مجهولًا تعذر علمه. ينظر: فتح القدير ٩/ ١٩، وحاشية ابن عابدين ٤/ ٥٠٨، والإقناع ٢/ ٨٥، ومغني المحتاج ٢/ ٣٩٦، والمحلى على المنهاج ٣/ ١١٠، ومواهب الجليل ٦/ ٤٩، شرح منتهى الإرادات ٢/ ٥١٧، والمغني ٦/ ٢٤٦.\n(^١) قسم المصنف الكلام في الموضوعات اللغوية - أربعة فصول:\nالفصل الأول: في حد الموضوعات اللغوية.\nالفصل الثاني: في أقسامها.\nالفصل الثالث: في ابتداء وضعها.\nالفصل الرابع: في طريق معرفتها.\n(^٢) سقط في ح.\n(^٣) سقط في ت.\n(^٤) في ب، ج: قلنا.\n(^٥) سقط في أ، ت، ح.\n(^٦) سقط في ح.\n(^٧) لم يقيد المصنف المعنى بالمفرد وغيره؛ ليشمل المفرد والمركب كلاميًا كان أو لا؛ إذ اللغة تنطلق على الجميع، ينظر: الشيرازي ٤٠ أ/ خ.","vol":"1","page":349},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالمستعمل، و(الوضع) (^١): فَصْل يخرج المهمل، والدّلالتين العقلية، والطَّبيعية؛ كدلالة الصَّوت على المصوِّت، وأحْ (^٢) على وجع الصدر.\nوقوله: كل (^٣) لفظ (^٤) - علم أن (الكل) لا يذكر في الحد؛ لأن الحد للماهية، ولا يدخل فيها عمومٌ، وصدقه على كل فرد لا بصيغة (^٥) العموم (^٦)؛ فإما أن يكون ذكر ذلك للإشعار؛ بأنه لا يختص بقوم دون قوم (^٧)؛ أو بأنه لا يعنى (^٨) به جميع ما يتكلّم به قومٌ؛ كما يتبادر حين يقال: فلانٌ يعرف لُغَةَ (^٩) العرب، بل يقال لكل لفظة: هذه لغة بني فلانٍ مثلًا.\n_________\n(^١) الوضع في أصل اللغة هو: جعل الشيء في حيز معين.\n(^٢) في أ: أخ.\n(^٣) أما الكل، فالمراد له الكل المجموعي لا الكل بحسب الأفراد، والفرق بينهما مذكور في كتب المنطق، فلتطلب هناك، وإنما أتى به مع أن في تعريف الحقائق يجتنب عن التعرض للأفراد؛ لأنه إنما يعرّف الموضوعات اللغوية، وهي ليست عبارة عن لفظ موضوع، بل عن جميع الألفاظ المتصفة بهذه الصفة، فكأنه قال: هي جميع الألفاظ الموضوعة لمعنى، فلو لم يأت به لما صح الحد. ينظر: الشيرازي ٤٠ أ/ خ.\n(^٤) اللفظ: ما يتلفظ به من الأصوات المقطعة، سواء قلَّت حروفه أو كثرت، إجراءً له مجرى أصله؛ إذ هو في الأصل مصدر، وسواء تلفظ به حقيقة أو حكمًا، وذلك ليدخل فيه الضمائر المستكنة؛ فإنها وإن لم يكن ملفوظًا بها حقيقة فهي ملفوظ بها حكمًا؛ بدليل إسناد الفعل إليها وجواز تأكيدها والعطف عليها وغير ذلك. ينظر: الشيرازي ٤٠ أ/ خ.\n(^٥) في أ، ج، ح: يصفه، وفي ب: بصفة.\n(^٦) وأكثر تعريفات المشايخ المتقدمين من الأدباء والأصوليين على هذا النسق؛ لأن نظرهم إلى تحصيل المقاصد، وتفهيم المعاني لا رعاية الاصطلاحات، فلا يناقشون في إهمال ما لا يضر بذلك، ولعلهم أرادوا التنبيه بملاحظة إحاطة الجزئيات التي هي أقرب إلى أذهان المبتدئين على المعاني الكلية المشتركة بينهما. ينظر: العضد ١/ ٩٢.\n(^٧) يعني لو قال: لفظ وضع لمعنى؛ لربما توهم أن هذا الحد إنما هو للموضوع اللغوي العربي، فلما قال: كل لفظ اندفع؛ أو للإشعار بأن المصنف لا يعني بالمحدود الذي هو الموضوع اللغوي بل اللغة جميع ما يتكلم به قوم كما يتبادر إلى الفهم؛ فإنه إذا قيل: فلان يعرف لغة العرب، يفهم منها الجميع عرفًا، وإنما لا يعني به ذلك؛ لأنه عرف طارئ، وأما بحسب أصل المعنى، فاللغة تطلق على كل لفظة موضوعة، فيقال: هذه اللفظة لغة بني تميم مثلًا. ينظر: العضد ١/ ١١٧.\n(^٨) في ح: نعني.\n(^٩) أما اللغة فاشتقاقها من لغى - بالكسر - يلغي لغىً: إذا لهج بالكلام، وقيل: من لغى يلغي، وأصلها =","vol":"1","page":350},{"text":"<span data-type='title' id=toc-367>أَقْسَامُ اللُّغَةِ</span>\nأقسَامُهَا: مُفْرَدٌ، وَمُرَكَّبٌ: الْمُفْرَدُ: اللَّفْظُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقِيلَ: مَا وُضِعَ لِمَعْنًى وَلَا جُزْءَ لَهُ يَدُلُّ فِيهِ، وَالْمُرَكَّبُ بِخِلَافِهِ فِيهِمَا، فنَحْوُ: (بَعْلَبَكَّ) مُرَكَّبٌ عَلى الْأوَّلِ لا الثَّانِي، وَنَحْوُ: (يَضْرِبُ) بِالْعَكْسِ، وَيَلْزَمُهُمْ أَنَّ نَحْوَ: (ضَارِبٍ)، وَ(مُخْرِجٍ)؛ مِمَّا لا يَنْحَصِرُ - مُرَكَّبٌ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: وأما \"أقسامها\": فهي \"مفرد، ومركب:\nالمفرد: اللفظ\"، أي: الملفوظ \"بكلمة واحدة (^١).\nوقيل: ما وضع لمعنى، ولا جزء له يدل فيه\"، أي: \"في اللفظ، فما وضع لمعنًى - جنسٌ، والباقي فصلٌ؛ يُخْرجُ المركَّبَ.\n\"والمركَّب بخِلافِهِ فيهما\"، أي: بخلاف المفرد في تعريفه؛ فهو على الأول: الملفوظ بأكثر من كلمة؛ وعلى الثاني: ما وضع لمعنًى، وله جزء يدُلُّ فيه، \"فنحو: (بعلبك) مركَّب على\" التعريف \"الأول\"؛ إذ هو أكثر من كلمة - \"لا الثاني\"؛ لأنه لا جزء له يدل فيه، وإن دَلَّ مفردًا، أو في وضع آخر، \"ونحوُ: (يضرب) بالعكس\" من حكم (بعلبك)؛ مفردٌ بالتعريف الأول؛ لأنها كلمة واحدة - دون الثاني؛ لاشتماله على حرفِ المُضَارعة الدال فيه على المُتكلِّم، ونحوه.\n\"ويلزمهم\"، أي: القائلين بالتعريف الثَّاني؛ وهم المنطقيون - \"أن نحو: (ضاربٍ) \"من أسماء الفاعلين، \"ومُخْرجٍ\" وغير ذلك؛ \"مما لا ينحصرُ - مركَبٌ\"؛ لأن الألف من (ضارب) مثلًا جزءٌ منه (^٢)، وتدل (^٣) فيه.\n_________\n= على ما قال الجوهري: لَغْيٌ أو لغو، والهاء عوض، وجمعها لغىٌ مثل برة وبرىً، ولغات أيضًا مثل: ثُبةٍ وثُباتٍ. ينظر: الشيرازي ٤٠ أ/ خ.\n(^١) أما المفرد فقد حده المصنف بحدين:\nالحد الأول: اللفظ بكلمة واحدة، وكأنه قال: المفرد هو اللفظ الموضوع لمعنى بشرط كونه كلمة واحدة، والمراد من كونه كلمة واحدة ألَّا يشتمل على لفظين موضوعين.\nوالحد الثاني: ما وضع لمعنى ولا جزء له يدل فيه، فما وضع لمعنى بمنزلة الجنس؛ لأخذه العرض العام، وهو لفظة \"ما\" مقام اللفظ، ويجب أن يفسر لفظة \"ما\" باللفظ، وإلا بطل طرده؛ لدخول الإشارة وعقد الحساب ونحوهما، \"ولا جزء له\" يعني لذلك اللفظ \"يدل فيه\" أي في ذلك المعنى: أي لا جزء له يدل على جزء المعنى. والمراد من الدلالة فهم المعنى من اللفظ عند إطلاقه أو تخيله بالقياس إلى من هو عدم بالوضع. ينظر الشيرازي ٤٠ ب، ٤١ أ/ خ.\n(^٢) في ت: ومنه.\n(^٣) في أ، ج، ح: وبدل، وفي ت: بدل.","vol":"1","page":351},{"text":"<span data-type='title' id=toc-368>تَقْسِيمُ الْمُفْرَدِ</span>\nوَيَنْقَسِمُ الْمُفْرَدُ إِلَى اسْمِ، وَفِعْلٍ، وَحَرْفٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-369>دَلَالَةُ الْمُفْرَدِ</span>\nوَدَلَالَتُهُ اللَّفْظِيَّةُ فِي كَمَالِ مَعْنَاهَا: دَلَالَةُ مُطَابَقَةٍ، وَفِي جُزْئِهِ دَلَالَةُ\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وينقسم المفرد إلى اسم، وفعل، وحرف\"؛ لأنها إما ألَّا يدلّ (^١) على معنى في نفسه، فالحرف.\nأو يدلَّ؛ فإما أن يقترن بأحد الأزمنة الثلاثة التي هي الماضِي، والحال، والاستقبال - فالفعْل، أوْ لا؛ فالاِسْم.\nالشرح: \"ودِلَالتُهُ\"، أي: المفردِ، \"اللفظيةُ\" (^٢):\nوالدِلَالة (^٣): هي كون اللَّفْظ بحيث إذا أُطْلق، أو تُخُيِّلَ، فَهِمَ منه المعنَى من كان عالمًا بالوضْعِ.\nإن كانت (في) - و(في) هنا بمعنى (على) - \"كمالِ معناها: دلالةُ مطابقةٍ\"؛ كالبيت على مجموع السَّقْفِ، والأُسِّ، والجدران، ولفظة (كمال) هنا مستغنًى عنها؛ وكذلك لفظة (تمام)، في \"منهاج (^٤) البيضاوي\" (^٥)؛ ونظيرها قول النَّووي (^٦) في \"المنهاج\" في \"باب مسح\n_________\n(^١) في ت: تدل.\n(^٢) الدلالة اللفظية هي ما يفهم منها معنى غير خارج عن المسمى. ينظر الشيرازي ٤٣ أ/ خ.\n(^٣) الدلالة مثلثة الدال المثلث ق ٢/ ٤. وينظر: شرح الخبيصى على التهذيب ص (١٠)، وشرح التنقيح ص (٢٤)، وحاشية شرح السلم ص (٥٠)، والمطلع ص (١٢)، وتحرير القواعد (٢٨)، والمستصفى ١/ ٣٠، وروضة الناظر ١/ ٥٠ - ٥١، وشرح الغرة ١٢١ - ١٢٣، والمحصول ١/ ١/ ٣٠٠.\n(^٤) ينظر المنهاج مع شرح الإسنوي ٢/ ٣٠.\n(^٥) عبد الله بن عمر بن محمد بن علي، ناصر الدين، أبو الخير البيضاوي، صاحب المصنفات وعالم أذربيجان، قال السبكي: كان إمامًا مبرزًا، نظارًا، خيرًا، صالحًا، متعبدًا، وقال ابن خبيب: \"عالم نمى زرع فضله ونجم، وحاكم عظمت بوجوده بلاد العجم، برع في الفقه والأصول، وجمع بين المعقول والمنقول، تكلم كل الأئمة بالثناء على مصنفاته وفاه، ولو لم يكن له غير \"المنهاج\" الوجيز لفظه المحرر لكفاه. له: \"الطوالع\"، و\"المنهاج\" و\"مختصر الكشاف\" وغيرها كثير. توفي سنة ٦٩١ هـ.\nينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ١٧٢، وطبقات السبكي ٥/ ٥٩، وطبقات الإسنوي ص ١٠٠، والأعلام ٤/ ٢٤٨، ومفتاح السعادة ١/ ٤٣٦، ونفح الطيب ٢/ ٧٣٧.\n(^٦) يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين بن محمد بن جمعة بن حزام، شيخ الإسلام محيي =","vol":"1","page":352},{"text":"تَضَمُّنٍ، وَغَيْرُ اللَّفْظِيَّةِ: الْتِزَامٌ، وَقِيلَ: إِذَا كَانَ ذِهْنِيًّا.\n<hr><s0>\n\nالخُفّ\" (^١): وشرطه أن يلبس بعد كمالِ طُهْر؛ وكذا في \"التنبيه\" (^٢): طهارةٍ كاملةٍ، وفي الوجيز\" (^٣). و\"المحرَّر\"؛ تامَّةٍ.\nقال الرافعي في \"الشرح\": لا حاجة إلى هذا القيد.\n\"وفي جزئه\"، أي: جزءَ المعنَى \"دلالة تضمُّن\"؛ كالبيت على الجدران وحدها مثلًا.\n\"وغيرُ اللفظية: التزام\"؛ كالبيت على بَانِيهِ، والمراد: أن الدلالة في الالتزام لا مَدْخَلَ لِلَّفظِ فيها إلَّا بانتقالِ الذِّهْنِ منه إلى المعنى.\nفإن قلتَ: فتردُّ الدلالتان: العقلية، والطبيعيةُ؛ إذ لا مدخل لِلَّفْظِ فيها.\nقلت: الدلالتان لا مدخلَ للفظ فيهما (^٤) ألبتة، وأما دلالة الالتزام، فاللَّفظُ فيها طريق إلى تعقل المعنى الخارجيِّ؛ فله (^٥) فيها مدخل على الجملة.\nوالضمير في قول المصنّف (معناها) عائدٌ على الدلالة اللَّفظية، وفيه تعسُّف؛ فإن المعنى يضاف (^٦) إلى اللفظ، لا إلى الدّلالة، وإنما أرأد التنبيه بذلك على أن المعنى لا ينسب إلى اللفظ إلا باعتبارهما.\nولو قال: (بمعناها)، لكان أوضح، ولم يحوج إلى هذا التَّحمُّل (^٧).\n_________\n= الدين، أبو زكريا الحزامي النووي، ولد سنة ٦٣١ هـ، قرأ القرآن ببلده، وختم وقد ناهز الاحتلام، وكان محققًا في علمه وفنونه، مدققًا في علمها وشئونه، حافظًا لحديث رسول الله ﷺ عارفًا بأنواعه من صحيحه وسقيمه وغريب ألفاظه، واستنباط فقهه .. في كثير من المناقب يطول ذكرها. صنف \"المنهاج\" في شرح مسلم، و\"المجموع\" و\"الأذكار\" وغيرها. مات سنة ٦٧٧ هـ. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ١٥٣، وطبقات السبكي ٥/ ١٦٥، والنجوم الزاهرة ٧/ ٢٧٨.\n(^١) ينظر: المنهاج مع شرح تحفة المحتاج ١/ ٢٤٧.\n(^٢) ينظر: التنبيه للشيرازي ص (١٢).\n(^٣) وعبارة الوجيز: \"كاملة\" ولعل ما ذكره المصنف اعتمادًا على نسخة مخطوطة للكتاب. ينظر: الوجيز ١/ ٢٣.\n(^٤) في ح: فيها.\n(^٥) في حاشية ج: قوله: \"فله فيها … \" إلخ أي: والكلام في دلالة اللفظ المفرد.\n(^٦) في ت: مضاف.\n(^٧) في ج: التمحل.","vol":"1","page":353},{"text":"<span data-type='title' id=toc-370>تَقْسِيمُ الْمُرَكَّبِ</span>\nوَالْمُرَكَّبُ جُمْلَةٌ، وَغَيْرُ جُمْلَةٍ: فَالْجُمْلَةُ: مَا وُضِعَ لإِفَادَةِ نِسْبَةٍ، وَلَا يَتَأَتَّى إِلَّا فِي اسْمَيْنِ، أَوْ فِي فِعْلٍ وَاسْمٍ، وَلَا يَرِدُ: (حَيَوَانٌ نَاطِقٌ)، وَ(كَاتِبٌ)؛ فِي: (زَيْدٌ كَاتِبٌ)؛ لأَنَّهَا لَمْ تُوضَعْ لإِفَادَةِ نِسْبَةٍ، وَغَيْرُ الْجُمْلَةِ بِخِلَافِهِ، وَيُسَمَّى مُفْرَدًا أَيْضًا.\n<hr><s0>\n\n\"وقيل\": إنما تحصل الدلالة الالتزامية، \"إذا كان\" المدلول عليه بها لازمًا \"ذهنيًّا\" للمسمى، وإلا فلا فَهْم.\nوهذه العبارة تفهم أن الدلالةَ قد تتحقَّق، وإن لم يكنِ اللُّزومُ ذهنيًّا، وليس كذلك؛ لأن الغرض أن اللَّفظ غير موضوعٍ للمعنى، فلو لم يكن بينه وبين المعنى الخارجى لزومٌ ذِهْنِيٌّ يوجب انتقالَ الذِّهْن إليه، [لم] (^١) يدل اللفظ عليه:\nالشرح: \"والمركَّب\" ضَرْبان: \"جملة، وغير جملة:\nوالجملة: ما وضع لإفادة نسبة\" يصح السُّكوت عليها.\n\"ولا تتأتى إلا في اسمين\"؛ نحو: زيد قائم، \"أو في فعل\" - محكوم به - \"واسمٍ\" - محكوم عليه -؛ نحو: قام زيد؛ لأن الإسناد شرط في الجملة، وهو متوقِّف على المسند والمسند إليه، والحرف لا يصلح لأحدهما.\n\"ولا يَرِدُ\" على الحدِّ - المركَّبُ التقييديُّ (^٢)؛ مثل: \"حيوان ناطق\"؛ من جهة أنه وضع لإفادة نسبة (^٣) النُّطق إلى الحيوان، \"فكاتب في: زيدٌ كاتبٌ\"؛ من جهة وضعه - لإفادة نسبة الكتابة إلى زيد، وإن ظُنَّ صدقُ اسم الجملة على كلَّ واحد منهما؛ وذلك \"لأنها لم توضع لإفادة نسبة\" (^٤)؛ إذ المراد بالنسبة نسبةٌ يصح السُّكوت عليها؛ وما ذكر ليس كذلك.\n\"وغير الجملة بخلافه\" (^٥)؛ وهو: ما لم يوضع لإفادة نسبة؛ \"ويسمى مفردًا أيضًا\"؛ فإذن المفرد يُطْلق على هذا، وعلى ما مضَى، وهو قسم من أقسام المركَّب؛ بهذا الاعتبار، وقسيمٌ له؛ بذلك الاعتبار -\n_________\n(^١) سقط في ح.\n(^٢) في ح: التقيدي.\n(^٣) في أ: لنسبة.\n(^٤) في ب: نسبته.\n(^٥) في ح: بخلافها.","vol":"1","page":354},{"text":"<span data-type='title' id=toc-371>تَقْسِيمُ الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ وَحْدَتِهِ وَمَدْلُولهِ</span>\nوَللْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ وَحْدَتِهِ وَوَحْدَةِ مَدْلُولِهِ وَتَعَدُّدِهِمَا: أَرْبَعَةُ أقسَامٍ: فَالْأَوَّلُ: إِنِ اشتَرَكَ فِي مَفْهُومِهِ كَثِيرُونَ، فَهُوَ الْكُلِّيُّ، فَإِنْ تَفَاوَتَ؛ كَالْوُجودِ لِلْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ، فَمُشَكَّكٌ، وَإِلَّا فَمُتَوَاطِئٌ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِكْ، فَجُزِئيٌّ، وَيُقَالُ لِلنَّوْعِ أَيْضًا:\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وللمفرد باعتبار وحدته ووحدة مدلوله، وتعددهما: أربعة أقسام\"؛ لأن لفظه: إما واحدٌ، أو متعدد؛ وعلى التقديرين، فمعناه: إما واحد، أو متعدد؛ فهذه أربعة أقسام:\n\"فالأول\": وهو متحد اللفظ، والمعنى، \"إن اشترك في مفهومه كثيرون\"؛ لكونه غير مانع من وقوع الشَّرِكَة فيه، \"فهو الكلي\"؛ كالحيوان، ولسنا نشترط فيه الشَّرِكَة بالفعل؛ ألا ترى أن لفظ (الشَّمس) كليّ، وإن لم تقع (^١) فيها شَرِكَة، \"فإن تفاوت\" مفهوم الكُلّي في أفراده؛ بأن كان في أحدهما أولَى من الآخر، أو أقدَمَ؛ \"كالوجود للخالق والمخلوق\" - فإنه للخالق أولى (^٢) وأقْدَمُ منه للمخلوق، أو كان في أحدهما أشدَّ من الآخر؛ كالبيَاضِ للثَّلج وللْعَاجِ؛ إذ هو في الثَّلج أشدُّ \"فَمُشَكَّكٌ.\nوإلَّا\"، أي: وإن لم يتفاوت، \"فمتواطئ\"؛ كالإنْسانِيَّة بالنسبة إلى أفرادها.\nفإن قلت: ما به الاختلافُ فيما جعلتموه مشكَّكًا: إما (^٣) ألّا يكون داخلًا في المسمى؛ وهو\n_________\n(^١) في أ، ج، ح: يقع.\n(^٢) في أ، ت، ح: أول.\n(^٣) في حاشية ج: قوله: \"إما أن يكون … \" إلخ يعني أن ما به التفاوت بين الأفراد إن كان داخلًا في الماهية أي مسمى المشكك فلا اشتراك معنويًا هناك؛ ضرورة أن البياض المأخوذ مع خصوصية الشدة معنى، والمأخوذ مع خصوصية الضعف معنى آخر، والغرض أن تلك الخصوصيات داخلة في مسمى لفظ البياض فيكون مشتركًا لفظيًا لا معنويًا، وإن لم يكن التفاوت مأخوذًا في مسمى المشكك، بل يكون مسماه مثلًا مطلق البياض المشترك بين أفراده، فلا تفاوت في مسمى المشكك؛ لتساويه فيها فيكون متواطئًا؛ فلا تشكيك أصلًا.\nوالجوابُ ما ذكره وأجاب السيد بأن التفاوت مأخوذ من ماهية ما صدق عليه ذلك، أي مسمى المشكك من أفراده دون ما فيه مسماه، فلا يلزم التواطؤ؛ لاعتبار التفاوت في الأفراد، ولا الاشتراك لعدم اعتباره وماهية المسمى، والحاصل أن النفاوت إنما هو في الأفراد لا مطلقًا، بل باعتبار حصوله فيها وصدقه عليها، فالمعنى الواحد إذا كان حاصلًا في أفراد صادقًا عليها، فإما أن تختلف تلك الأفراد في حصوله فيها وصدقه عليها أو لا، فالأول المشكك، والثاني المتواطئ. تدبر شرح المقدمة.","vol":"1","page":355},{"text":"جُزْئِيٌّ، وَالْكُلِّيُّ ذَاتيٌّ وَعَرَضِيٌّ؛ كَمَا تَقَدَّمَ. الثَّانِي؛ مِنَ الْأَرْبَعَةِ: مُقَابِلُهُ؛ مُتبَايِنَةٌ. الثَّالِثُ:\n<hr><s0>\n\nالمتواطئ (^١)، أو داخلًا؛ فهو المشترك، فأين المشكَّك (^٢)؟.\nقلت: لا نسلم أنه إذا لم يكن داخلًا، يكون متواطئًا؛ لأن المتواطئ هو ما لا تختلف (^٣) مَحَالُّه بما هو من جنس مسماه؛ بخلاف المُشَكَّك (^٤)؛ فاشتركا في أن كلًّا منهما موضوعٌ لمعنى واحد بالحقيقة، وافترقا في اختلاف المحالِّ، وفارقا المشتَرَك؛ إذ هو موضوع لكلّ واحد من مختلفي الحقيقة.\n\"وإن لم يشترك\" في مفهومه كثيرون، \"فجزئيٌّ\" حقيقيٌّ؛ وهو ما يكون نفسُ تصوّره مانعًا من وقوع الشركة فيه؛ كالعلم، \"ويقال للنوع أيضًا جزئي\" إضافيٌّ، أي: بالإضافة إلى جنسه؛ فإذن: لفظُ الجزء يطلق على الحقيقي والإضافي (^٥).\n\"والكُلِّي ذاتي\" (^٦)؛ وهو: ما يكون متقدِّمًا في التصوُّر على ما هو ذاتي له، \"وعرضي\" (^٧)؛ وهو: ما لا يكون كذلك؛ \"كما تقدَّم\" في المَنْطِقِ.\n\"الثاني: [من] (^٨) \"الأقسام \"الأربعة مُقابِلهُ\"، أي: مقابلُ الأول، وهو متكثِّر اللَّفظ والمعنى؛ كالإنسان والفرس، ويقال لها \"مُتَبَاينةٌ.\n_________\n(^١) هو الكليّ الذي يكون حصول معناه وصدقه على أفراده الذهنية والخارجية على السويّة، وإن لم يكن على السويّة فهو المشكَّك.\n(^٢) في أ، ج: المشكل.\n(^٣) في أ، ت، ح،: يختلف.\n(^٤) في أ، ب، ح: التشكك.\n(^٥) الجزئي الإضافي وإن كان أعم من الحقيقي فليس جنسًا له؛ لجواز تصور الجزئي الحقيقي مع اندراجه تحت كلي. ينظر: الشيرازي ٤٤ أ/ خ.\n(^٦) الذاتي إما أن يكون تمام حقيقة ما تحته من الجزئيات أو لا، فإن كان فهو النوع، وهو المقول في جواب \"ما هو \"بحسب الشركة والخصوصية، وإن لم يكن تمام حقيقة ما تحته، فإن لم يكن مشتركًا بينها وبين حقيقة ما كان فصلًا، وإن كان تمام المشترك كان جنسًا قريبًا أو بعيدًا، وهو المقول في جواب \"ما هو\" بحسب الشركة المحضة، وإن لم يكن تمام المشترك كان بعضًا منه مساويًا له دفعًا للتسلسل. ينظر: الشيرازي ٤٤ ب/ خ.\n(^٧) العرضي إما أن يختص بالماهية أو لا، فإن اختص فهو الخاصة، وإن لم يختص فهو العرض العام.\nينظر: الشيرازي ٤٤ ب/ خ.\n(^٨) سقط في أ، ت، ح.","vol":"1","page":356},{"text":"إنْ كَانَ حَقِيقَةً لِلْمُتَعَدِّدِ، فَمُشْتَرَكٌ، وَإلَّا فَحَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ. الرَّابِعُ: مُتَرَادِفَةٌ.\nوَكُلُّهَا مُشْقٌّ وَغَيْرُ مُشْتَقٍّ، صِفَةٌ وَغَيْرُ صِفَةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-372>الْخِلَافُ فِي وُقُوعِ الْمُشْتَرَكِ</span>\nمَسْأَلَةٌ:\nالْمُشْتَرَكُ وَاقِعٌ؛ عَلَى الْأَصَحِّ؛\n<hr><s0>\n\nالثالث\": مُتَّحدُ اللفظ، متكثِّر المعنى؛ وحنيئذٍ (^١) \"إن كان حقيقةً للمتعدِّد\"؛ كالعَيْنِ؛ للباصرة (^٢)، والجارية - \"فمشترك، وإلا فحقيقة\" في الموضوعِ له أَوَّلًا، \"ومجازٌ، في الآخر؛ كـ\"الأسد\" الموضوع أوَّلًا؛ للحيوان المفترس، وثانيًا؛ للشجاع.\n\"الرَّابع\": متكثِّر اللَّفظِ، متَّحدُ المعنى، ويقال له (^٣): ألفاظٌ \"مترادفةٌ\"؛ كـ\"الإنسان، والبشر\"؛ فهذه الأقسام، \"وكلها مشتقٌّ وغيرُ مشتقٍّ، صفةٌ وغيرُ صفةٍ\".\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"المشترك واقعٌ؛ على الأصح\"؛ خلافًا لمن أحاله.\nكـ\"ثعلب\"، وأبي زيد [البلخي، والأبهري] (^٤)، وزعموا أن ما يُظَنُّ مشتركًا، فهو إما حقيقةٌ ومجازٌ، أو متواطئٌ.\n_________\n(^١) في أ، ج، ح: فحينئذ.\n(^٢) في أ، ت، ج، ح: الباصرة.\n(^٣) في أ، ج، ح: لها.\n(^٤) ينظر: المحصول ١/ ١/ ٣٥٩، وشرح التنقيح ص (٢٩)، والتبصرة ص (١٨٤)، والإبهاج ١/ ٢٤٨، وروضة الناظر ص (٩٣)، ونهاية السول ٢/ ١١٤، والبرهان ١/ ٣٤٣، (٢٤٦)، وأصول البزدوي على كشف الأسرار ١/ ٣٧، والكوكب المنير ١/ ١٣٩، وشرح المحلى على جمع الجوامع ١/ ٢٩٢، والبحر المحيط ١/ ١٢٢، والمستصفى ٢/ ٢٣ - ٢٤، والمنخول (١٤٧)، (٦)، واللمع ص (٥)، والعضد ١/ ١٢٧، والمعتمد ١/ ٣٠٠، والمزهر ١/ ٣٦٩، وإرشاد الفحول (١٩)، وفواتح الرحموت ١/ ١٩٨.","vol":"1","page":357},{"text":"لَنَا أَنَّ القُرْءَ لِلطُّهْرِ.\n<hr><s0>\n\n\"لنا\" على وقوعه: \"أن القرء (^١) للطُّهر\" بخصوصه،\n_________\n(^١) لا خلاف بين أهل اللغة في أن القرء من الأسماء المشتركة لفظيًا بين الحيض والطهر، وقد أطلق على كل منهما إطلاقًا حقيقيًا. أما إطلاقه على الحيض ففي قوله ﷺ: \"المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها\" أي حيضها. وأما إطلاقه على الطهر ففي قوله ﵊ لابن عمر: \"إن من السنة أن تستقبل الطهر استقبالًا؛ فتطلقها لكل قرء تطليقة\" أي طهر؛ لأن الطهر هو الذي يستن إيقاع الطلاق فيه.\nوإنما الخلاف بينهم فيما هو المراد منه في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.\nهل المراد منه الحيض أم الطهر. ولا يمكن أن يتناولهما جملة؛ لأن اللفظ الواحد عند الحنفية لا يدل على معنيين مختلفين حقيقة أو حقيقة ومجازًا، فلا بد من الحمل على أحدهما. فذهب الحنفية إلى أن المراد به الحيض، وذهب الشافعية إلى أن المراد به الطهر، ولكلٍّ أدلة. فاستدل الشافعية على مدعاهم بالأدلة الآتية:\nأولًا: بحديث ابن عمر، وهو أنه ﵊ أمره أن يراجع زوجته حين طلقها في الحيض ثم يتركها حتى تطهر من حيضها ثم يطلقها إن شاء ثم قال: فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء. فهذا نص على أن العدة هي الطهر. بيانه: أن الله تعالى أمرنا أن نطلقها لعدتها بقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ واللام بمعنى \"في\" والطلاق يوقع في الطهر لا في الحيض فكان هو العدة.\nوثانيًا: أن القرء بمعنى الحيض يجمع على أقراء قال ﵊: \"دعي الصلاة في أيام أقرائك\" وبمعنى الطهر يجمع على قروء قال الأعشى: [الطويل]\nأَفِي كُلِّ عَامٍ أَنْتَ جَاثِمُ غزْوَةٍ … تَشُدُّ لأَقْصَاهَا غَرِيمَ عَزَائِكَا\nمُوَرِّثَةً مَالًا وَفِي الْحَيِّ رِفْعَةً … لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قرُوءِ نِسَائِكَا\nأراد بالقروء: الأطهار؛ لأن الحيض لا يختص ضياعه بزمن النية؛ لأنه ضاع دائمًا؛ فيكون المراد من القروء المذكورة في الآية الأطهار لا الحيض.\nوثالثًا: لأن تأنيث العدد وهو الثلاثة يدل على أن المعدود وهو القروء مذكر؛ فيكون المراد منها الأطهار لا الحيض.\nورابعًا: الأنسب أن يراد من القرء الطهر لا الحيض؛ إذ القرء هو الجمع، والطهر هو الذي يجتمع فيه الدم لا الحيض. واستدل الحنفية على مدعاهم بالكتاب والسنة والمعقود: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ووجه الاستدلال بالآية الكريمة أن الله تعالى قرن اسم الجمع وهو القروء بالعدد وهو الثلاثة، واسم الجمع المقرون بالعدد لا يجوز إطلاقه إلا على ما وضع العدد بإزائه لا أزيد ولا أقل، فلو أردنا من القروء الأطهار لجاز إطلاق اسم الجمع المقرون بالعدد على الأقل، وهو طهران وبعض الثالث؛ لأن ذلك يكفي في انقضاء العدة، وهو لا يجوز فلا =","vol":"1","page":358},{"text":"وَالْحَيْضِ مَعًا عَلَى الْبَدَلِ؛ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ.\n<hr><s0>\n\n\"والحَيْض\" (^١) بخصوصه \"معًا على البدل؛ من غير ترجيح\" لأحدهما على الآخر؛ فكان حقيقةً فيهما؛ فيكون مُشْتَركًا (^٢).\n_________\n= يمكن أن يراد من القروء الأطهار، فإن قيل: قد أطلق اسم الجمع على اثنين وبعض الثالث في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ وهي شوال وذو القعدة وبعض ذي الحجّة قلنا: قياس مع الفارق؛ لأن اسم الجمع في هذه الآية لم يقرن بالعدد بخلاف اسم الجمع في الآية التي معنا؛ فإنه قرن بالعدد.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ ووجه الاستدلال بهذه الآية مع المطلوب أن الله تعالى جعل الأشهر بدلًا عن القروء عند اليأس عن الحيض، والمبدل هو الذي يشترط عدمه؛ لجواز إقامة البدل مقامه؛ فدل على أن المبدل هو الحيض، فكان هو المراد من القروء المذكورة في الآية. نظير ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فإن الله تعالى لما شرط عدم الماء عند ذكر البدل وهو التيمم دل على أن التيمم بدل عن الماء، فكان المراد منه الغسل المذكور في آية الوضوء، وهو الغسل بالماء. وأما السنة فقوله ﷺ: \"طلاق الأمة ثنتان وعدتها حيضتان\" ووجه الاستدلال بالحديث أن النبي ﷺ نص على أن عدة الأمة بالحيض، ومعلوم أن الأمة لا تخالف الحرة في جنس ما تجب العدة بل في المقدار، فتكون عدة الحرة أيضًا بالحيض، وأما المعقول: فهو أن العدة وجبت لتعرف براءة الرحم، وهي إنما تعرف بالحيض لا بالطهر.\n(^١) وأصله: السيلان، قال الجوهري: حاضت المرأة تحيض حَيْضًا ومَحيضًا فهي حائض وحائضة أيضًا، ذكره ابن الأثير وغيره. واستحيضت المرأة: استمر بها الدم بعد أيامها، فهي مستحاضة. وتحيّضت، أي: قعدت أيام حيضها عن الصلاة. وقال أبو القاسم الزمخشري في كتابه \"أساس البلاغة\": ومن المجاز: حاضت السَّمُرَةُ: إذا خرج منها شبه الدم.\nواصطلاحًا:\nعرفه الشافعية بأنه: الدم الخارج في سن الحيض، وهو تسع سنين قمرية فأكثر من فرج المرأة على سبيل الصحة.\nوعرفه المالكية بأنه: دم كصفرة أو كدرة خرج بنفسه من قبل من تحمل عادة.\nوعرفه الحنفية بأنه: دم ينفضه رحم امرأة سالمة عن داء.\nوعرفه الحنابلة بأنه: دم جبلة يخرج من المرأة البالغة في أوقات معلومة. ينظر: لسان العرب ٢/ ١٠٧٠، وترتيب القاموس ١/ ٧٥٠. وحاشية الباجوري ١/ ١١٢، والاختيار ١/ ٢٦، والمبدع ١/ ٢٥٨، وأنيس الفقهاء ص ٦٣، وحاشية الدسوقي ١/ ١٦٧.\n(^٢) قال العضد: وقوله \"معًا\" احتراز عن المنفرد؛ لأنه لواحد بعينه، وإن كان قد يقع فيه شك. وقولنا: =","vol":"1","page":359},{"text":"وَاسْتُدِلَّ: لَوْ لَمْ يَكُنْ، لَخَلَتْ أَكْثَرُ الْمُسَمَّيَاتِ؛ لأَنَّهَا غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ؛ وَأُجِيبَ بِمَنْع ذلِكَ فِي الْمُخْتَلِفَةِ وَالْمُتَضَادَّةِ، وَلَا يُفِيدُ فِي غَيْرِهَا، وَلَوْ سُلِّمَ، فَالْمُتَعَقَّلُ مُتَنَاهٍ، وَإنْ سُلِّمَ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ المُرَكَّبَ مِنَ الْمُتَنَاهِي مُتَنَاهٍ؛ وَأسْتُدِلَّ بِأَسْمَاءِ الْعَدَدِ، وَإِنْ سُلِّمَ، مُنِعَتِ الثَّانِيَة، وَيَكُونُ كَأَنْوَاعِ الرَّوَائِحِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"واستدلّ\" (^١) على الوقوع؛ بدليل، والمصنِّف لا يرتضيه، فلذلك عبر عنه بلفظ: (استدل)، وذلك دَيْدَنُهُ إلا نادرًا.\nوتقريره: \"لو لم يكن\" المشترك واقعًا، \"لخلت أكثر المسمَّيات\" عن أسماء؛ \"لأنها غيرُ متناهيةٍ\"؛ والحاجةُ ماسَّةٌ إلى معرفتها، والتَّعبيرِ عنها، والألفاظُ متناهيةٌ؛ لأنَّها مركَّبة من الحروف المتناهية، والمركّب من المتناهي متناهٍ، فلو لم يوجد وضْعُ لفظ واحد لِمَعَانٍ كثيرة؛ لزم خلوّ ما زاد على عدد الألفاظ من المعاني عن الأسماء.\n\"وأجيب بمنع ذلك\"، أي: بمنع (^٢) عدم التناهي\" [في \"المعاني \"المختلفة والمتضادَّة، ولا يفيد\" عدم التناهي] (^٣) \"في غيرها\"، وهي المتماثلة (^٤) هنا، فجزئيَّات الحيوان لا تنحصرُ (^٥) مع أن لفظه موضوعٌ لها.\n\"[ولو سُلِّم\" عدم تناهي المعاني، فيُمْنعُ كونُها متعقَّلَة؛ إذ الذهن لا يستحضرُ ما لا يتناهي] (^٦)؛ \"فالمتعقَّل\" منها وحده \"متناهٍ\"، والوضع (^٧) إنما يكون للمتعقَّل، \"وإن سُلِّم\" أن التعقّل غير متناهٍ، \"فلا نسلِّم\" تناهي الألفاظ؛ إذ يمنع \"أن المركَّب من المُتَنَاهي مُتَنَاهٍ.\nواستدل (^٨) بأسماء العدد\"؛ فإنها غير متناهية، مع تركيبها من الحروف المُتَنَاهية.\n\"وإن سلم\" أن الألفاظ متناهيةٌ، \"مُنِعَتِ\" المقدّمة \"الثانية\"، وهي الاستثنائية، أي: قولنا:\n_________\n= \"على البدل\" عن المتواطئ؛ لأنه للقدر المشترك، وعن \"الموضوع\" للجميع، وقولنا: \"من غير ترجيح عن الحقيقة والمجاز\". العضد ١/ ١٢٨ - ١٢٩.\n(^١) من عادة المصنف أن يشير إلى الدليل الذي استدل به على مطلوبه مع كونه مدخولًا فيه عنده بقوله: \"واستدل\"، وإلى ما يكون صحيحًا عنده بقوله: \"لنا\"؛ فلذلك قال في الدليل الأول: \"لنا\"، وفي الثاني: \"استدل\"، وقس عليه إلى آخر الكتاب. ينظر: الشيرازي ٤٦ أ/ خ.\n(^٢) في ب: منع، وفي ت، خ: يمنع.\n(^٣) سقط في ح.\n(^٤) في ت: المماثلة.\n(^٥) في ت: لا ينحصر.\n(^٦) سقط في ت.\n(^٧) في أ، ج، ح: فالوضع.\n(^٨) في أ، ت، ج، ح: وأسند.","vol":"1","page":360},{"text":"وَاسْتُدِلَّ: لَوْ لَمْ يَكُنْ، لَكَانَ الْمَوْجُودُ فِي (الْقَدِيمَ) وَ(الْحَادِثِ) مُتَوَاطِئًا؛ لأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ؛ فَلأَنَّ الْمَوْجُودَ إِنْ كَانَ الذَّاتَ، فَلَا اشْتِرَاكَ، وَإنْ كَانَ الصِّفَةَ، فَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي الْقَدِيمِ؛ فَلَا اشْتِرَاكَ؛ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْوُجُوبَ وَالْإِمْكَانَ لَا يَمْنعُ التَّوَاطُؤَ؛ كَالْعَالِمِ وَالْمُتكَلِّمِ؛ قَالُوا: لَوْ وُضِعَتْ، لَاخْتَلَّ الْمَقْصُودُ مِنَ الْوَضْع؛ قُلْنَا: يُعْرَفُ\n<hr><s0>\n\nلَخَلَتْ أكثر المسمَّيات، \"ويكون\" (^١) كأنواع الرَّوائح\"؛ في كونها لم توضع لها أسماء، فلم يُستحلَّ خلوُّ بعض المعاني عن الأسماء.\nالشرح: \"واستدلَّ\" أيضًا على وقوع المشترك؛ بأنه \"لو لم يكن\" واقعًا، \"لكان الموجودُ في القديمِ والحادثِ متواطئًا\"؛ واللازمُ باطلٌ، والملازمة واضحة؛ \"لأنه حقيقة فيهما\"، فلو لم يكن باعتبار وَضْعِهِ لخصوصهما، لكان [بالتَّوَاطئ، أي] (^٢): باعتبار وضعه (^٣) لأمر عامٍّ - مشتركٌ بينهما عند من يجعل صدْقَ التواطؤ في أفراده بالحقيقة، \"وأما الثانية\"، أي (^٤): المقدّمة الاستثنائية؛ \"فلأن\" الذي يُسمَّى \"الموجودَ (^٥)، إن كان الذاتَ\"؛ كما يقول الأَشْعَرِيّ، \"فلا اشتراك\"؛ لِمُخَالفة ذات واجب (^٦) الوجود سائِرَ الذوات، \"وإن كان صفة\" زائدة على الذات، \"فهي وَاجِبَةٌ في القديم\"، ممكنةٌ في الحادث؛ وحينئذٍ؛ \"فلا اشتراك\"، فأين المتواطؤ؟.\n\"وأجيب بأن الوجوب والإمكان لا يمنع\" واحدٌ منهما \"التَّوَاطُؤَ\"؛ لكونه من الصفات العارضة للمعنى المشترك؛ \"كالعَالِمِ والمتكلِّم\"؛ فإنهما في القديم واجبان، وفي الحادث ممكنان، مع اشتراكهما في المعنى.\nفإن قلت: إطلاق العالم والمتكلِّم على القديم والحادث ليس بالتواطؤ، [بل] (^٧) بالتشكيك (^٨)؛ إذ هو من القديم أوْلَى وأحْرَى.\nقلت: كأنه تَوَسَّع هنا، فجعل المُتَواطِئَ أَعَمَّ؛ إذ غرضُهُ هنا دفع الاشتراك اللَّفظي، وهو حاصل بكل من التواطؤ والتشكيك (^٩).\n_________\n(^١) في أ، ج، ح: وتكون.\n(^٢) سقط في ج.\n(^٣) ثبت في ج ت زيادة لخصوصهما لكان باعتبار وضعه.\n(^٤) في حاشية ج: قوله: أي المقدمة الاستثنائية، وهي المعبر عنها بقوله: واللازم باطل؛ لأنه بمعنى، لكن الوجود فيها غير متواطئ.\n(^٥) في ب، ت: الوجود.\n(^٦) في ت: واجبه.\n(^٧) سقط في أ، ح.\n(^٨) في ت: بالشكلى.\n(^٩) حكى العضد في حاشيته على المختصر جوابين: =","vol":"1","page":361},{"text":"بِالْقَرَائِنِ، وَإِنْ سُلِّمَ، فَالتَّعْرِيفُ الْإِجْمَالِيُّ مَقْصُودٌ؛ كَالْأَجْنَاسِ.\n<hr><s0>\n\nوالمَانِعُونَ من وقوع الألفاظ المُشْتَركَة \"قالوا: لو وضعت، لَاختلَّ المقصود من الوضع\"؛ واللازم باطل، وبيان الملازمة: أن الفَهْمَ لا يحصل مع الاشتراكِ من حيثُ هو مشترك.\n\"قلنا: يعرفُ\" مرادُ المتكلِّم \"بالقرائن\".\nفإن قلت: فإذن يحتاج إلى انضمام قرينة، والقرائن [في] (^١) الغالب خفيةٌ، ثم هَبْ أنها واضحة، فما الدَّاعي (^٢) إلى لفظ يحتاج فهْمُ المراد منه إلى قرائن.\nفاعلم أن هذا لا يدفع الوقوعَ.\n\"وإن سُلِّم\"؛ أنه لا يحصل بالمشترك فَهْمُ المراد بالتفصيل - \"فالتعريف الإجمالي مقصود؛ كالأجناس\"؛ فهي تفيد الماهية من غير تفصيل لما تَحْتَهَا.\nولقائل أن يقول: الأجناس تفيد قدرًا مشتَرَكًا بين ما تحتها أجْمَعَ، فامكن الامتثال (^٣) فهي أولى من المشترك، إذ لا يتأتى فيه هذا، ولهذا لم يمنع أحدٌ الوضْعَ للأجناس، فلو حذف المصنِّف الاستشهاد لهذا، لكان أحسن.\nوالتعريف الإجمالي حاصل بالمشترك، وإن لم يكن كالأجناس؛ فإن سامع المشترك يعرف أن المراد به بعض مدلولاته، فيستفيد ذلك، ثم يستعدُّ للامتثال (^٤).\n_________\n= أحدهما: هذا، والثاني: أن المصنف ﵀ لا يرى التشكيك فقال: إما؛ لأنه لا يرى التشكيك فإنه قال في (المنتهى): واعترض أن ذلك إن كان مأخوذًا في الماهية فلا اشتراك وإلّا فلا تفاوت، ولم يجب عنه، والجواب أنه مأخوذ في ماهية ما صدق عليه ذلك دون ماهيته. وقوله: \"واعترض\" أي: على التشكيك بأن ذلك الأمر الزائد به التفاوت إن كان مأخوذًا في مفهوم المشكك فلا اشتراك فيه للأفراد؛ لأنه يوجد في الأشد دون الأضعف، وإن لم يكن مأخوذًا فيه فلا تفاوت بين الأفراد في ذلك المفهوم، مثلًا إن كان مفهوم البياض هو اللون المفرق للبصر مع الخصوصية التي توجد في الثلج، فلا اشتراك للعاج فيه، وإن كان مجرد اللون المفرق فالكل فيه على السواء. والجواب أنه مأخوذ في ماهية الفرد الذي يصدق عليه المشكك، كبياض الثلج لا في نفس مفهوم المشكك كمطلق البياض، فالأفراد متفاوتة الماهبات في ذلك المفهوم، والمفهوم مشترك بين الكل. ينظر: العضد ١/ ١٣٣.\n(^١) سقط في ب.\n(^٢) في حاشية ج: قوله: فما الداعي؟ قد تقدم أنه عدم التناهي. تأمل.\n(^٣) في أ، ت، ح: الإمساك، وفي ب بياض.\n(^٤) في أ: للأمثال، وفي ب بياض.","vol":"1","page":362},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nوَوَقَعَ فِي الْقُرْآنِ؛ عَلَى الْأَصَحِّ؛ كَقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، و﴿عَسْعَسَ﴾ لِـ (أقبَلَ)، وَ(أَدْبَرَ).\nقَالُوا: إِنْ وَقَعَ مُبَيَّنًا، طَالَ بِغَيْرِ فَائِدَةٍ، وَغَيْرَ مُبَيَّنٍ - غَيْرُ مُفِيدٍ، وَأجِيبَ: فَائِدَتُهُ مِثْلُهَا فِي الْأَجْنَاسِ، وَفِي الْأَحْكَامِ الاسْتِعْدَادُ لِلامْتِثَالِ، إِذَا بُيِّنَ.\n<hr><s0>\n\nوهذا عند من لا يحمل المشترك على معانيه، وأما من يحمله، فلا يخفى حصول الفائدة بالمشتَرَكِ عنده.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"ووقع\" المشترك \"في القرآن؛ على الأصح؛ كقوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ \" [سورة البقرة: الآية، ٢٢٨]؛ فإن لفظ القُرْء (^١) بالاشتراك اللفظي للطُّهر والحَيْض، \"و﴿عَسْعَسَ﴾ \"؛ في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾، [سورة التكوير: الآية، ١٧]؛ فإنَّها لفظة موضوعة \"لِـ (أقْبَلَ)، وَ(أَدْبَرَ) (^٢) \"، والقرآن لا يتأتى الاستشهاد به إلّا على الأصح.\nأما على ما ذهب إليه بعضهم - وهو وجه في مذهبنا - من أنه حقيقة في الطُّهر، مَجَاز في الحيض - فلا يتأتى.\nوإنما أتى المصنِّف بهذين المِثَالَيْنِ؛ لأن الأول من الأسماء، والثاني من الأفعال، وأحدهما مفرد، والآخر جمع؛ ليفهم بذلك أن القرآن مَشْحُون بالمشترك على اختلاف (^٣) أنواعه.\nالشرح: \"قالوا: إن وقع\" المشترك \"مبيَّنًا\" فيه مرادُ المتكلّم - \"طال\" الكلام \"بغير فائدة، وغيرَ مبيَّن غيرُ مفيد\" - فيقبح الخطاب به.\n\"وأجيب\": بأنا نختار وقوعه غير مبيَّن.\n[قولكم] (^٤): غير مفيد:\nقلنا: ممنوع؛ و\"فائدته\" إجمالية \"مثلُها في الأجناس\"؛ فإن الفائدة في الأجناس أيضًا إجمالية، \"و\"هذه الفائدة الإجمالية حاصلة في المشترك، سواء أورد \"في الأحكام\" أم غيرها؛\n_________\n(^١) في ت: القرؤ.\n(^٢) ذكره الجوهري في الصحاح ٣/ ٩٤٩ مادة (عسس).\n(^٣) في ح: اختلاف على.\n(^٤) بياض في ب.","vol":"1","page":363},{"text":"<span data-type='title' id=toc-374>الْمُتَرَادِفُ</span>\nمَسْأَلَةٌ:\nالمُتَرَادِفُ وَاقِعٌ؛ عَلَى الْأَصَحِّ؛\n<hr><s0>\n\nعلى خلاف ما فهم الشَّارحون، والإجمالية في الأحكام أفاد به أصل التشريع (^١).\nوفائدته في الأحكام، أي: يخص الأحكامَ فائدةٌ أخرى؛ وهي \"الاستعداد للامتثال (^٢) [إذا بين] (^٣) \" المراد.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"المترادفُ واقعٌ؛ على الأصحِّ\" (^٤).\n_________\n(^١) الشريعة في الأصل اسم للمشرعة، وهي مورد الماء الجاري الذي يقصد للشرب والسقي، ومنه: شرعت الإبل: وردت شريعة الماء أو دخلت فيه، وأشرعها صاحبها وشرَّعها إشراعًا وتشريعًا: أوردها الشريعة أو أدخلها في الماء. وتطلق الشريعة أيضًا على الطريقة المستقيمة، ومنه: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ ثم أطلقت في لسان الفقهاء الإسلاميين على الأحكام التي سنها الله لعباده؛ ليكونوا مؤمنين عاملين على ما يسعدهم في الدنيا والآخرة. وسميت هذه الأحكام شريعة إما لأنها شبيهة بمورد الماء من جهة أنها توصل إلى حياة النفوس كما أن المورد يوصل إلى ما فيه حياة الأبدان. وإما لأنها مستقيمة لا اختلاف فيها ولا اضطراب، كالجادة المستقيمة لا التواء فيها ولا اعوجاج. وعلى هذا يقال: شرع الدين يشرعه شرعًا: سنه وبينه وأظهره، وفي التنزيل: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ وقد يضعّف الفعل فيقال: شرَّع تشريعًا إذا سَنَّ وبين شريعة وأحكامًا، فالتشريع من الأحكام وإنشاء القوانين.\n(^٢) في أ، ب، خ: للأمثال.\n(^٣) سقط في ت.\n(^٤) ينظر: مباحث الترادف في: البحر المحيط للزركشي ٢/ ١٠٥، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/ ٢٤، والتمهيد للإسنوي ص ١٦١، ونهاية السول له ٢/ ١٥٤، ومنهاج العقول للبدخشي ١/ ٢٨٦، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص ٤٥، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ٢٠٩، وحاشية البناني ١/ ٢٩٠، والإبهاج لابن السبكي ١/ ٢٣٨، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٢/ ٩٦، وحاشية العطار على جمع الجوامع ١/ ٣٧٩، والتحرير لابن الهمام ص ٥٦، وتيسير التحرير ١/ ١٧٦، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ١/ ١٣٤، وإرشاد الفحول للشوكاني ص ١٨، ونشر البنود للشنقيطي ١/ ١١٤، والكوكب المنير للفتوحي ص ٤١، والمختصر لابن اللحام ص ٤١.","vol":"1","page":364},{"text":"كَأَسَدٍ وَسَبُعٍ؛ وَجُلُوسٍ وَقُعُودٍ.\n<hr><s0>\n\nخلافًا لأبي العباس ثعلب، وأبي الحسين أحمد بن فارس (^١)؛ حيث أنكرا (^٢) المترادف (^٣)؛ زاعمَيْن أن كلّ ما يظن مترادفًا، فهو من المتباينات بالصفات؛ كما في الإنسان والبشر؛ فإن الأول باعتبار النِّسْيان، أو باعتبار أنه يؤنس؛ والثاني باعتبار أنه بادي البَشَرة.\nوسبيل الرد عليهما صُوَر لا محيص عنها؛ \"كأسدٍ وسبع\"، في الأعيان؛ \"وجلوس وقعود\"؛ في المعاني.\nوأوضحُ من ذلك التمثيلُ بالبُرّ والحِنْطَةِ؛ وإلّا فقد يقولان: موضوع السَّبعُ أعم من الأسد؛ وعليه حديث: \"نُهِيَ عَنْ أَكلِ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ\" (^٤)، والجلوس: الاستقرار عن قيام، والقعود: الاستقرار عن اضطجاع، وقيل: عكسه.\nوذلك الردُّ عليهما أيضًا [بما] (^٥) في \"سنن أبي داود\" (^٦)\n_________\n(^١) أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين: من أئمة اللغة والأدب من تصانيفه: \"مقاييس اللغة\" و\"المجمل\" و\"الصاحبي\" في علم العربية، ألفه لخزانة الصاحب بن عباد، و\"جامع التأويل\" في تفسير القرآن. ينظر: الأعلام ١/ ١٩٣، وابن خلكان ١/ ٣٥، واليتيمة ٣/ ٢١٤.\n(^٢) في ح: أنكر.\n(^٣) المترادفان هما اللفظان المتغايران، الموضوعان لمعنى واحد مستعملان مفردًا، فبالقيد الأول يخرج الاسم الموضوع لمعنى واحد إذا كرر - أعني التأكيد اللفظي - نحو: جاء زيد زيد - وبالثاني التأكيد المعنوي والأسماء المتباينة والاسم والحد؛ لأن الأول موضوع للمجموع من حيث هو مجموع، والثاني للأجزاء، وبالثالث بعض التأكيد المعنوي، والتابع نحو: شيطان ليطان؛ إذ لا يستعمل كل منهما مفردًا.\nينظر: الشيرازي ٤٨ ب/ خ.\n(^٤) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٤٩٦، في كتاب الصيد: باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع (١٣)، والبخاري ٩/ ٥٧٣، في الذبائح والصيد: باب أكل كل ذي ناب من السباع (٥٣٣٠)، ومسلم ٣/ ١٥٣٢، كتاب الصيد والذبائح: باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع (١٤ - ١٩٣٢).\n(^٥) في ت: لما.\n(^٦) أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شدَّاد، الأزدي السِّجستاني، ولد سنة ٢٠٢ هـ، وطوف وسمع بـ: خراسان، والعراق، والجزيرة، والشام، والحجاز، ومصر من خلق كثيرين، وقد روى عنه السُّنَنَ: ابن داسة، واللؤلؤي، وابن الأعرابيٍ، وأبو عيسى الرملي. قال ابن حبان: أبو داود أحد أئمة الدنيا فقهًا، وعلمًا، وحفظًا، ونسكًا، وورعًا، وإتقانًا. توفي سنة ٢٧٥ هـ، بالبصرة. =","vol":"1","page":365},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالترمذي (^١) وابن ماجه (^٢) من حديث العباس بن عبد المطَّلب - رضي الله تعالى عنه - قال: كنا جلوسًا عند رسول الله ﷺ بالبَطْحَاء، فمرت سحابة، فقال ﷺ: \"أَتَدْرُونَ، مَا هذَا؟ \" فقلنا: السحاب، قال: \"وَالمُزْن؟ \"، قلنا: والمزن، قال: \"وَالعَنَان؟ \" … (^٣) الحديث.\n_________\n= ينظر: تهذيب الكمال ١/ ٥٣٠، وتهذيب التهذيب ٤/ ١٦٩، والكاشف ٤/ ١٦٩، والجرح والتعديل ٤/ ٢٥٦.\n(^١) محمد بن عيسى بن سورة [بمهملتين] بن موسى بن الضحاك السلمي أبو عيسى الترمذي الحافظ الضرير، أحد الأئمة الأعلام، وصاحب الجامع والتفسير. عن خلق مذكورين في تراجمهم من هذا المختصر وغيره. وعنه محمد بن إسماعيلِ السمرقندي وحماد بن شاكر وأبو العباس المحبوبي والهيثم بن كليب وخلق من أهل سمرقند ونسف وتلك الديار. وقال ابن حبان: كان ممن جمع وصنف. قال أبو العباس المستغفري: مات سنة تسع وسبعين ومائتين.\nينظر: سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٧٠، ووفيات الأعيان ٤/ ٢٧٨، والخلاصة ٢/ ٤٤٧، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٦٣٣.\n(^٢) محمد بن يزيد الربعي أبو عبد الله بن ماجه، وماجه لقب أبيه يزيد القزويني، الحافظ، أحد الأئمة وصاحب السنن والتفسير، وذو الرحلة الواسعة. روى عنه السنن أبو الحسن القطان. قال أبو يعلى الخليلي: ثقة كبير، متفق عليه محتج به، له معرفة وحفظ، توفي سنة ثلاث وسبعين ومائتين.\nينظر: خلاصة الخزرجي ٢/ ٤٧١.\n(^٣) الحديث عن عباس بن عبد المطلب قال: كنا جلوسًا مع رسول الله بالبطحاء فمرت سحابة، فقال: \"أتدرون ما هذا؟ \" قلنا: السحاب، قال: \"والمزن\"؟ فقلنا: والمزن، قال: \"والعنان\"؟ قال: فسكتنا، فقال: \"أتدرون كم بين السماء والأرض؟ \" قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: \"بينهما مسيرة خمسمائة سنة، وبين كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكشف كل سماء خمسمائة سنة، وفوق السماء السابعة بحر، بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين ركبهن وأظلافهن كما بين السماء والأرض، ثم فوق ذلك العرش بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله ﵎ فوق ذلك، وليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء\".\nهذا حديث لا يصح، قال بعض الحفاظ: تفرد به يحيى بن العلاء، قال أحمد: هو كذاب يضع الحديث. وقال يحيى: ليس بثقة. وقال الفلاس: متروك الحديث: وقال ابن عدي: أحاديثه موضوعات، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به. وقد رواه عباد بن يعقوب، فزاد في إسناده الأحنف بن قيس عن العباس، قال ابن حبان: عباد يروي المنكير عن المشاهير، فاستحق الترك. وقد روي لنا من طريق آخر على ألفاظ أخر.\nأخبرنا ابن الحصين قال: نا أبو طالب بن غيلان، قال: أنا أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي قال: =","vol":"1","page":366},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  أنا موسى بن إبراهيم وعبد الله بن محمد بن ناجية قالا: نا لوين قال: أنا الوليد بن أبي ثور عن سماك عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس قال: كنت جالسًا بالبطحاء في عصابة ورسول الله ﷺ فيها، ومرت عليهم سحابة، فنظر إليها فقال النبي ﷺ: \"هل تدرون ما اسم هذه؟ \"قالوا: نعم، هذه السحاب. فقال رسول الله ﷺ: \"والمزن والعنانة\"، ثم قال: \"أتدرون ما بعد ما بين السماء والأرض؟ \" قالوا: يعني لا. قال: \"إن بعد ما بينهما إما واحد وإما اثنتان وإما ثلاث وسبعون سنة، والسماء فوقها\" حتى عد سبع سموات. ثم قال: \"فوق السماء السابعة بحر ما بين أسفله وأعلاه مثل ما بين السماء إلى السماء، ثم فوق ظهورهن العرش، بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم الله ﷿ فوق ذلك\".\nقال ابن نمير ويحيى بن معين: الوليد ليس بشيء. وقال ابن نمير في رواية: هو كذاب. وقال أحمد والنسائي: ضعيف. ولم ينفرد به الوليد بل تابعه عمرو بن قيس عند أبي داود ص (٣٦٩، ج ٤)، والترمذي ص (٢٠٥، ج ٤)، وابن مندة في كتاب التوحيد كما في العلو للذهبي ص (١٠٩)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وتابعه أيضًا إبراهيم بن طهمان كما أخرجه أبو داود ص (٣٦٩، ج ٤)، والبيهقي في الأسماء والصفات ص (٢٨٧)، وقال الترمذي: روى شريك عن سماك بعض هذا الحديث، ووقفه ولم يرفعه، وأخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص (٨٢)، والحاكم في المستدرك ص (٥٠١، ج ٢)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وقد أسند هذا الحديث إلى رسول الله ﷺ شعيب بن خالد الرازي والوليد بن أبي ثور وعمرو بن ثابت بن المقدم عن سماك بن حرب، ولم يحتج الشيخان بواحد منهم، وقد ذكر حديث شعيب بن خالد إذ هو أقربهم إلى الاحتجاج به، ثم رواه بإسناده عن عبد الرزاق عن يحيى بن العلاء عن شعيب، ووافقه الذهبي على أن الإسناد الأول الموقوف على شرط مسلم، ثم تعقب في تجويده حديث شعيب فقال: يحيى واه، بل حديث الوليد أجود. قلت: موافقته على الإسناد الأول لا يصح؛ لأن عبد الله بن عميرة لم يخرج له مسلم. فالحاصل أن الوليد ليم ينفرد به، لكن فيه علة أخرى أشار إليها ابن مندة حيث قال: تفرد به سماك عن عبد الله، وعبد الله فيه جهالة انتهى كما في العلو للذهبي ص (١٠٩). وقد قال الإمام مسلم في الوحدان ص (١٤): تفرد سماك بالرواية عنه \"أي ابن عميرة\" وذكره الحافظ أيضًا في التهذيب ص (٥٤٤، ج ١٥)، وسماك وإن كان صدوقًا إلا أنه كان ربما لقن، فإذا انفرد بأصل لم يكن حجة كما قال ابن حبان، ومع ذلك فيه عبد الله بن عميرة وفيه جهالة. ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ص (١٢٤، ج ١، ق ٢) ولم يذكر فيه شيئًا فهو مجهول عنده كما صرح في مقدمة الجرح والتعديل ص (٣٨، ج ١، ق ١)، حيث قال: على أنا قد ذكرنا أسامي كثيرة مهملة من الجرح والتعديل كتبناها ليشتمل الكتاب على كل من روي عنه العلم؛ رجاء وجود الجرح والتعديل فيهم، فنحن ملحقوها بهم من بعد إن شاء الله تعالى. على أن الحافظ ابن كثير والحافظ ابن حجر يذكران كثيرًا من الرواة سكت عنهم ابن أبي حاتم فيقولان: إنه مجهول أو مستور، انظر التهذيب ص (٣٩١، ج ١) حيث قال: إياس بن نذير ذكره ابن حبان في الثقات =","vol":"1","page":367},{"text":"قَالُوا: لَوْ وَقَعَ، لَعَرِيَ عَنِ الْفَائِدَةِ؛ قُلْنَا: فَائِدَتُهُ التَّوْسِعَة، وَتَيْسِيرُ النَّظْمِ وَالنَّثْرِ لِلرَّوِيِّ أَوِ الْوَزْنِ، وَتَيْسِيرُ التَّجْنِيسِ وَالْمُطَابَقَةِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: ومنكرو الترادف \"قالوا: لو وقع، لعري\" اللفظ \"عن الفائدة\"؛ لحصولها باللَّفظ الآخر؛ \"قلنا: فائدته: التوسعة\" في العبارة، \"وتيسير النَّظْم والنثر وللرَّوِيِّ\" (^١)، وهو الحرف الذي تبنى (^٢) عليه القصيدة، سواءٌ أكان (^٣) آخر حرف في البيت أم لا، \"أو الوزن\"؛ بسبب موافقة أحد اللفظين رويًّا، أو استقامةٍ للوزن دون [الآخر] (^٤)، \"أو تيسيرُ التجنيسِ والمُطَابقة\"؛ فلا يخفى أن قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [سورة الروم: الآية، ٥٥]- أبلغُ من قولنا: ما لبثوا غير لحظة، وقولَهُ: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [سورة الكهف: الآية، ١٠٤]- أوقعُ من قولنا: وهم يتوهَّمون أنهم يحسنون، وأقسامُ الجناس كثيرةٌ معروفةٌ في البديع، وتيسيرُ المُطَابقة (^٥)؛ وهي الجمع بين المُتَضَادَّين، مع مُرَاعاة التَّقَابل فيه - نحو: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [سورة التوبة: الآية، ٨٢].\n_________\n= وذكره ابن أبي حاتم وبيض فهو مجهول، وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره ص (١٣٨، ج ١) ذكره \"أي موسى بن جبير\" ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل ولم يحك فيه شيئًا من هذا ولا هذا، فهو مستور الحال انتهى. فهذا أيضًا يدل على ما قلنا: بأن ابن عميرة ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه الجرح ولا التعديل فهو مجهول، ويؤيده قول الحربي: لا أعرفه. كما في التهذيب ص (٣٤٤، ج ٥). وقال الحافظ في التقريب: مقبول، أي حيث يتابع، وأما توثيق ابن حبان وحده فلا يعتبر به.\n(^١) في الأصول: والروي، والمثبت من أصل الكتاب.\n(^٢) في أ، ب: يبنى.\n(^٣) في ب: كان.\n(^٤) سقط في ب.\n(^٥) المطابقة، وتسمى التطبيق والطباق والتكافؤ، والتضاد أيضًا: هي الجمع بين معنيين متضادين، أي متقابلين في الجملة، أي يكون بينهما تقابل، وتناف، ولو في بعض الصور، ويكون ذلك الجمع بلفظين، إما من نوع واحد من أنواع الكلمة اسمين نحو: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ ونحو قوله:\nولقد نزلت من الملوك بماجد … فقر الرجال إليه - مفتاح الغنى\nأو فعلين، نحو: \"يحيي ويميت\" ونحو: \"ثم لا يموت فيها ولا يحيى\" وكقوله:\nأما والذي أبكي، وأضحك، والذي … أمات، وأحيى، والذي أمره الأمر\nأو حرفين نحو: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ وكقوله: [الطويل]\nعَلَى أَنَّنِي رَاضٍ بِأَنْ أَحْمِلَ الْهَوَى … وَأَخْلُصَ مِنْهُ لَا عَلى، وَلَا لِيَا","vol":"1","page":368},{"text":"قَالُوا: تَعْرِيفُ الْمُعَرَّفِ؛ قُلنا: عَلَامَةٌ ثَانِيَةٌ.\n<hr><s0>\n\nواضحٌ، فقد تحصل المطابقة بأحد اللفظين دون الآخر؛ وكذلك الوزنُ؛ كقول الشاعر: [الطويل]\nفَلَا الجُودُ يُفْنِي الْمَالَ وَالْجَذُ مُقْبِلٌ … وَلَا الْبُخْلُ يُبْقِي الْمَالَ وَالْجَدُّ مُدْبِرُ (^١)\nوإنما يتصور ذلك، إذا كان أحدهما موضوعًا بالاشتراك لمعنى آخر يحصل باعتباره التقابل (^٢)، دون صاحبه.\nقال القاضي عضُد الدِّين: كما قيل: خَسُّنا (^٣) خير من خَسِّكم، وقيل في مقابلته: خَسُّنا خير من خِيَارِكُم، فوقع (^٤)، التَّقَابلُ بين الخسّ والخيار؛ بوجه، ووقع بينهما المُشَاكلةُ؛ بوجْه آخر، ولو قال: خير من قِثَّائكُم، لم يحصل التَّقَابُل (^٥).\nالشرح: \"قالوا\": التَّرادُف: \"تعريف المعرَّف\"؛ لأن اللَّفظ الثَّاني تعريفٌ لما عرَّفَ الأوَّلُ؛ وذلك محال.\n\"قلنا\": بل \"علامة ثانية\" (^٦)، ويجوز أن يكون للشَّيء علاماتٌ؛ وهذا على تقدير أن يكون الوضع من واحد مرتَّبًا، أما إن كان من واضعين أو واحدِ دفعةً واحدةً، فلا يُتخيل تعريف المعرَّف أصلًا.\n_________\n(^١) البيت في معاهد التنصيص ١/ ٢٠٧، وهو شاهدٌ على حسن المقابلة.\n(^٢) في حاشية ج: التقابل: ذكر معنيين متقابلين.\n(^٣) في حاشية ج: قوله: \"خسنا خبر من خسكم\" هذا قاله مصري لبغدادي، فقال البغدادي في جوابه: خسنا خير من خياركم، فوقع التقابل بين الخس والخيار بوجه، وهو أن يراد بالخس الخسيس، وبالخيار خلاف الأشرار، ووقع بينهما المشاكلة أيضًا بوجه آخر، وهو أن يراد بالخس النبت المعروف، وبالخيار القثاء، والمراد بالمشاكلة هو التناسب، أعني جمع أمر مع ما يناسبه لا بالتضاد لا المصطلح عليها. سيد.\n(^٤) في حاشية ج: قوله: \"فوقع التقابل … \" إلخ والأولى بدل التقابل المطابقة على ما هو المعروف عند علماء البديع. وقوله: \"المشاكلة إطلاقها على الجمع بين المعنيين المتوافقين كالخس بمعنى البقل، والخيار بمعنى القثاء، إنما هو باعتبار اللغة، وإلا فهي: ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته.\n(^٥) ينظر: العضد ١/ ١٣٦.\n(^٦) في أ، ح: ما بينه.","vol":"1","page":369},{"text":"<span data-type='title' id=toc-375>الْحَدُّ وَالْمَحْدُودُ غَيْرُ مُتَرَادِفَيْنِ</span>\nمَسْأَلَةٌ:\nالْحَدُّ وَالْمَحْدُود، وَنَحْوُ: \"عَطْشَانُ نَطْشَانُ\"، غَيرُ مُتَرَادِفَيْنِ؛ على الْأَصَحِّ؛ لأَنَّ الْحَدَّ يَدُلُّ عَلَى الْمُفْرَدَاتِ، وَ\"نَطْشَانُ\" لَا يُفْرَدُ.\n\nمَسْأَلَةٌ:\nيَقَعُ كُلٌّ مِنَ الْمُتَرَادِفَيْنِ مَكَانَ الآخَرِ؛ لأِنَّهُ بِمَعْنَاه، وَلَا حَجْرَ فِي\n<hr><s0>\n\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"الحد والمحدود، ونحو: عطشانُ نطشانُ\"، أي: الاسم وتابعه: كخَرابٍ يَبابٍ - \"غيرُ مترادفين؛ على الأصح\"؛ خلافًا لمن توهّم الترادف؛ لما رأى أن كلًّا من الحَدّ والمحدود يستلزم صدقُه صدقَ الآخر، وأن معنى التابع والمتبوعِ واحدٌ.\nومذهبه في الحد ضعيف؛ \"لأن الحَدّ يدل؛ على المفردات\"، أعني: أجزاء المحدود؛ بالتفصيل، والمحدود يدلّ عليها؛ بالإجمال.\nوأما في التابع، ففي غاية السُّقوط؛ إذ التابع لا يقوم مقام المتبوع؛ بخلاف المترادفين، ولا يستعمل منفردًا عن المتبوع؛ وإليه أشار بقوله: \"ونَطْشانُ لا يفرد\".\nوأطلق البيضاوي في \"منهاجه\" (^١) أن التابع لا يفيد.\nوالآمدي (^٢) قال: قد لا يفيد معنى أصلًا؛ بإثبات (قد).\nوالإمام قال في \"المحصول\": شرط كونه مفيدًا تقدُّم الأول عليه.\nقلت: ويفيد التقوية حينئذٍ؛ هذا هو الحق.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"يقع كل من المترادفين مكان الآخر\" حال التركيب؛ خلافًا للإمام الرَّازي، ومن تبعه؛ \"لأنه بمعناه، ولا حَجْر في التركيب\" في الألْفَاظ.\n_________\n(^١) ينظر: المنهاج مع نهاية السول ٢/ ١٠٥.\n(^٢) ينظر: الإحكام ١/ ٢٦، (٧٢).","vol":"1","page":370},{"text":"التَّرْكِيبِ؛ قَالُوا: لَوْ صَحَّ، لَصَحَّ \"خَداي أَكْبَرُ\"؛ وَأُجِيبَ بِالْتِزَامِهِ؛ وَبِالْفَرْقِ بِاخْتِلَاطِ اللُّغَتَيْنِ.\n<hr><s0>\n\n\"قالوا: لو صَحّ\" وقوعه، \"لصح\" أن يقال: في الصَّلاة: \"خداي أكبر\"؛ إذ لا فرق في كون اللفظ موضوعًا للمعنى (^١)؛ باصطلاح لغة، أو لغتين.\n\"وأجيب بالتزامه\" أولًا، فنقول: يصح (خداي أكبر)؛ \"وبالفرق\" ثانيًا (^٢) بين كون المترادف من لغة، أو لغتين؛ \"باختلاط (^٣) اللُّغتين\"؛ وهو رأي ثالث في المسألة مفصَّل ذهب إليه البَيْضَاوي والهِنْدِيّ.\nوالحَقّ في الجواب: أن عدم صِحَّة (خداي أكبر) (^٤)؛ إنما هو للتعبُّد في الصَّلاة عند أصحابنا بلفظ (الله أكبر)، والخلاف في هذه المسألة؛ إنما هو حيث لا يقع تعبُّد بسبيكة لفظٍ، فإن وقع، فليس من هذا الباب في شيء، وذلك كلفظ التكبير (^٥)، والنِّكَاح، واللِّعَان (^٦)، للقادر على العربية، وأمثالِ ذلك.\n_________\n(^١) في ب، ت، ح: موضوعًا باصطلاح.\n(^٢) في ت: بائنًا.\n(^٣) في أ، ج: باختلاف.\n(^٤) كلمة فارسية بمعنى \"الله أكبر\".\n(^٥) في أ، ح: التكبيرة.\n(^٦) اللعان لغةً: مصدر لاعن لعانًا: إذا فعل ما ذكر، أو لعن كل واحد من الاثنين الآخر. قال الأزهري: وأصل اللعن: الطرد، والإبعاد. يقال: لعنه الله، أي: باعده.\nينظر: لسان العرب ٥/ ٤٠٤٤، والمصباح المنير ٢/ ٧٦١.\nواصطلاحًا:\nعرَّفه الحنفية بأنه: شهادات مؤكدات بالأيمان مقرونة باللعن قائمة مقام حد القذف في حقه، ومقام حد الزنا في حقها.\nوعرَّفه الشافعية بأنه: كلمات معلومة جعلت حجة للمضطر إلى قذف من لطخ فراشه وألحق العار به أو إلى نفي ولد.\nوعرَّفه المالكية بأنه: حلف زوج مسلم مكلف على زنا زوجته أو نفى حملها وحلفها على تكذيبه أربعًا.\nوعرَّفه الحنابلة بأنه: شهادات مؤكدات بأيمان من الجانبين مقرونة باللعن والغضب قائمة مقام حد قذف أو تعذيب أو حد زنا في جانبها. ينظر: تبيين الحقائق ٣/ ١٤، وحاشية ابن عابدين ٢/ ٥٨٥، ومغني المحتاج ٣/ ٣٦٧، والشرح الصغير ٢/ ٢٩٩، والكافي ٢/ ٦٠٩، وكشاف القناع ٥/ ٣٩٠، والإشراف ٢/ ١٦٧.","vol":"1","page":371},{"text":"<span data-type='title' id=toc-376>الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ</span>\nمَسْأَلَةٌ:\nالْحَقِيقَةُ: اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي وَضْع أَوَّلٍ؛ وَهِيَ: لُغَوِيَّةٌ، وَعُرْفِيَّةٌ، وَشَرْعِيَّةٌ؛ كَالْأَسَدِ، وَالدَّابَّةِ، وَالصَّلَاةِ، وَالْمَجَازُ: الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ وَضْع أَوَّلٍ؛ عَلَى وَجْهٍ يَصِحّ، وَلَا بُدَّ مِنَ الْعَلَاقَةِ: وَقَدْ تكونُ بِالشَّكْلِ؛ كَالْإِنْسَانِ لِلصُّورَةِ، أَوْ فِي صِفَةٍ\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"الحقيقة: اللَّفظُ المستعمل في وضعٍ أوَّل\" (^١).\nوالأولية في [كلِّ] (^٢) لغة بالنسبة إليها؛ فهي اللغوية، أو الوضعية (^٣) من أهل اللسان، والشرعيةُ من أهل الشرع، والعرفيةُ من أهل العرف، وخرج بقولنا: أول - المجازُ؛ فإنه فيما وضع ثانيًا.\n\"وهي: لغوية، وعرفية، وشرعية (^٤)؛ كالأسد، والدَّابَّة، والصلاة.\nوالمجازُ\": القول \"المستعمل في غير وضعٍ أولٍ؛ على وجه يصح\".\nوإنما قلنا: على وجه يصح؛ ليعلم اشتراط العلاقة فيه.\n\"ولا بد\" في التجوّز \"من العلاقة\" بين الحقيقة والمجاز (^٥)؛ وإلا لَتُجُوِّزَ (^٦) عن كلّ معنى\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله: \"وفي وضع أول\" أي: بسببه.\n(^٢) سقط في ح.\n(^٣) في ب: الواضعة.\n(^٤) السبب في انقسامها هذا هو أن الحقيقة لا بد لها من وضع، والوضع لا بد له من واضع، فمتى تعين عندك نسبتَ إليه الحقيقة، فقلت: \"لغوية\" إن كان صاحب وضعها واضع اللغة، وقلت: \"شرعية\" إن كان صاحب وضعها الشارع، ومتى لم تتعين قلت: عرفية، سواء كان عرفًا خاصًّا أو عامًا.\nمثال اللغوية: الإنسان المستعمل في الحيوان الناطق.\nومثال الشرعية: الصلاة المستعمل في العبادة المخصوصة.\nومثال الثالث: الدابة لذوات الأربع.\nولا يخفى عليك انقسام المجاز أيضًا إلى نحو هذه الثلاثة؛ فإن الإنسان المستعمل في الناطق مثلًا مجاز لغوي، والصلاة المستعمل في الدعاء مجاز شرعي وإن كان حقيقة لغوية، والدابة في استعمال كل ما يدب مجاز عرفي وإن كان حقيقة لغوية. ينظر: الشيرازي ٥١ ب/ خ.\n(^٥) اعلم أن لفظي الحقيقة والمجاز حقيقتان عرفيتان في المعنيين، ومجازان لغويان؛ إذ الحقيقة فعيلة من الحق وهو الثابت إذ يذكر في مقابلة الباطل الذي هو المعدوم، والفعيل إما أن يكون للفاعل كالعليم =\n(^٦) في أ، ب، ت: إلّا التجوز.","vol":"1","page":372},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  أو للمفعول كالجريح، والتاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية إذا كان المعنى الثاني، ولهذا لا يقال: شاة أكيلة ونطيحة. ينظر: الشيرازي على المختصر ٥١/ ب، والبحر المحيط للزركشي ٢/ ١٥٢، وسلاسل الذهب له ص ١٨٢، والتمهيد للإسنوي ص ١٨٥، ونهاية السول له ٢/ ١٤٥، ومنهاج العقول للبدخشي ١/ ٣٢٧، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص ٤٦، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ٢٢١، والمستصفى للغزالي ١/ ٣٤١، وحاشية البناني ١/ ٣٠٠، والإبهاج لابن السبكي ١/ ٢٧١، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٢/ ١٥٢، وتخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص ٦٨، وحاشية العطار على جمع الجوامع ١/ ٣٩٣، والمعتمد لأبي الحسين ١/ ١٤، ٢/ ٤٠٥، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ٤/ ٤٣٧، والتحرير لابن الهمام ص ١٦٠، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ١/ ٧٢، ٢/ ٢، وكشف الأسرار للنسفي ١/ ٢٢٥، وحاشية التفتازاني والشريف على المنتهى ١/ ١٣٨، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ١/ ٧٢، وحاشية نسمات الأسحار لابن عابدين ص ٩٧، وشرح مختصر المنار للكوراني ص ٥٨، والوجيز للكراماستي ص ٨، وميزان الأصول للسمرقندي ١/ ٥٢٧، وتقريب الوصول لابن جزي ص ٧٣، وإرشاد الفحول للشوكاني ص ٢٥٠، ونشر البنود للشنقيطي ١/ ٢١، والكوكب المنير للفتوحي ص ٣٩، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٢/ ٢.\nوالمجاز مَفْعَل من الجواز إما بمعنى العبور وأنه يحنص بالجسم، فاستعماله في اللفظ مجاز في التشبيه؛ ولأن بناء المفعل للمصدر أو الموضع لا للفاعل، فاستعماله في اللفظ المنتقل مجاز. وإما بمعنى الإمكان، وحيئنذ يكون اللفظ حقيقة؛ لأن الجواز بهذا المعنى كما يمكن حصوله للأجسام يمكن حصوله في الأعراض.\nينظر: الشيرازي على المختصر، والبحر المحيط للزركشي ٢/ ١٥٨، وسلاسل الذهب له ص ١٩٠، والتمهيد للإسنوي ص ١٨٥، ونهاية السول له ٢/ ١٤٥، ومنهاج العقول للبدخشي ١/ ٣٥٤، وغاية الوصول للشبخ زكريا الأنصاري ص ٤٧، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ٢٢١، والمستصفى للغزالي ١/ ٣٤١، وحاشية البناني ١/ ٣٠٤، والإبهاج لابن السبكي ١/ ٢٧٣، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٢/ ١٥٢، وتخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص ٣٨٧، وحاشية العطار على جمع الجوامع ١/ ٣٩٩، والمعتمد لأبي الحسين ١/ ١٤، ٥/ ٤٠٢، والإحكام في أصول الأحكام ٤/ ٤٣٧، والتحرير لابن الهمام ص ١٦٠، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ١/ ٧٣، ٢/ ٣، وكشف الأسرار للنسفي ١/ ٢٢٦، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ١/ ١٣٨، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ١/ ٧٢، وحاشية نسمات الأسحار لابن عابدين ص ٩٨، وشرح مختصر المنار للكوراني ص ٥٩، والوجيز للكراماستي ص ٨، وميزان الأصول للسمرقندي ١/ ٥٢٧، وتقريب الوصول لابن جزي ص ٧٣، وإرشاد الفحول للشوكاني ص ٢٢، ونشر البنود للشنقيطي ١/ ١٢٤، والكوكب المنير للفتوحي ص ٣٩ - ٥٦، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٢/ ٢.","vol":"1","page":373},{"text":"ظَاهِرَةٍ؛ كَالْأَسَدِ عَلَى الشُّجَاعِ، لَا عَلَى الْأَبْخَرِ؛ لِخَفَائِهَا؛ أَوْ لأِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا؛ كَالْعَبْدِ؛ أَوْ\n<hr><s0>\n\nبكل لفظ، ولكان اللّفظ مشتَرَكًا بينهما.\n\"وقد تكون\" (^١) العلاقة \"بالشَّكل؛ كالإنسان\"؛ يقال \"للصورة\" الممثَّلة بالإنسان الحقيقي المنقوشَةِ على الجدار.\n\"أو \"لاشتراكهما \"في صفة ظاهرة\" بينهما؛ \"كالأسد على الشُّجاع\"؛ لاشتراكهما في الشَّجَاعة الظاهرة في الأسد، \"لا\" لإطلاق الأسد \"على\" الرجل \"الأبْخَر\"؛ إذ لا يجوز، وإن كان البَخَرُ من صفات الأسد؛ \"لخفائها\" فيه.\nولقد صرح أبو إسحاق الشِّيرازيُّ في مُنَاظرة جرت بينه، وبين إمام الحَرَمَيْنِ؛ بأنه لا يقال للبليد: بَغْل، وإن فيل له: حمار؛ لمثل ذلك.\n\"أو لأنّه كان عليها؛ كالعبد\" يطلق على المُعْتَقِ؛ باعتبار ما كان عليه؛ ومنه قوله ﵊: \"أَيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ أَوْ أَفْلَسَ (^٢). فَصَاحِبُ المَتَاعِ\" (^٣)، أطلق عليه صاحب المتاع؛ باعتبار ما كان.\n_________\n(^١) في أ، ج، ح: يكون.\n(^٢) التفليس لغةً: الفَلْسُ معروف، والجمع من القِلة أَفْلُس وفلوس في الكثير، وقد فَلَّسَه الحاكم تفليسًا: نادى عليه أنه أفلس. ينظر: لسان العرب ٥/ ٣٤٦٠، وأنيس الفقهاء ص ١٩٥، وتاج العروس ٤/ ٢١٠.\nوالتفليس اصطلاحًا:\nعرَّفه الشافعية بأنه: النداء على المفلس وإشهاره بصفة الإفلاس.\nوعرَّفه المالكية؛ فقسموه إلى قسمين أعم وأخص:\nالتفليس الأعم بأنه؛ قيام غرماء المدين عليه.\nالتفليس الأخص بأنه: حكم الحاكم بخلع المدين من ماله لغرمائه؛ لعجزه عن قضاء دينه.\nوعرفه الحنابلة بأنه: منع الحاكم من عليه دين حالٌّ يعجز عنه ماله الموجود مدة الحجز من التصرف فيه. ينظر: فتح العزيز ١٠/ ١٩٦، وشرح منح الجليل ٣/ ١١٢، ومواهب الجليل ٥/ ٣٢، والإنصاف للمرداوي ٥/ ٢٧٢.\n(^٣) متفق عليه من حديث أبي هريرة، أخرجه البخاري في الصحيح ٥/ ٦٢، كتاب الاستقراض (٤٣)، ياب إذا وجد ماله عند مفلس … (١٤)؛ والحديث (٢٤٠٢)، ومسلم في الصحيح ٣/ ١١٩٤، كتاب المساقاة، (٢٢) باب من أدرك ما باعه عند المشتري (٥)، الحديث (٢٤/ ١١٩٤).","vol":"1","page":374},{"text":"آيِلٌ؛ كَالْخَمْرِ؛ أَوْ لِلْمُجَاوَرَةِ، مِثْلُ: جَرَى الْمِيزَابُ.\nوَلَا يُشْتَرَطُ النَّقْلُ فِي الآحَادِ؛ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لنَا: لَوْ كَانَ نَقْلِيًّا،\n<hr><s0>\n\n\"أو آيلٌ؛ كالخمر\"؛ يطلق على العصير، وإن لم يكن متصفًا به في الحال؛ باعتبار ما سيَئُولُ [إليه] (^١)؛ ومنه قوله ﵊: \"اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس\".\nوقد لا يتحقق أنه آيل، بل يظن، ويسمى مجاز الاستعداد.\nولا يكفي مجرّد التجويز والاحتمال؛ كما صرح به إمام الحرمين وغيره في التأويلات البعيدة في الكلام على قوله ﷺ: \"لَا نِكَاح إِلَّا بِوَليٍّ\" (^٢).\n\"أو للمجاورة؛ مثل: جرى المِيزَابُ\"؛ وإنما الجاري ماؤه، وقد عددنا في \"شرح المنهاج\" ستًّا وثلاثين علاقةً.\nالشرح: \"ولا يشترط\" في إطلاق الاسم على مسمَّاه المجازيِّ - \"النقلُ في الآحاد\" عن أهل اللُّغة؛ \"على الأصح\"؛ بل تكفي العلاقة.\n_________\n(^١) سقط في أ، ت.\n(^٢) من حديث أبي موسى أخرجه: أبو داود ٢/ ٢٢٩، كتاب النكاح، باب في الولي (٢٠٨٥)، والترمذي ٣/ ٤٠٧، كتاب النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا بولي (١١٠١)، وابن ماجه ١/ ٦٠٥، كناب النكاح باب: \"لا نكاح إلّا بولي\" (١٨٨٩) وابن حبان ذكره الهيثمي في موارد الظمآن ص ٣٠٤ كتاب النكاح باب ما جاء في الولي والشهود (١٢٤٣)، والحاكم ٢/ ١٦٩، كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي، والدارمي ٢/ ١٣٧، وأحمد ٣٩٤.\nوإخراج أصحاب السنن له من طريق إسرائبل عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى قال الترمذي في المصدر السابق: تابعه شريك وأبو عوانة وزهير وقيس بن الربيع، ورواه يونس بن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى. ومنهم من أدخل بين يونس وأبي بردة أبا إسحاق قال: ورواه شعبة وسفيان عن أبي إسحاق عن أبي بردة مرسلًا، ورواية من وصله أصح؛ لأن سماعهم من أبي إسحاق في أوقات مختلفة، وسماع شعبة وسفيان له في مجلس واحد، ثم روي عن الطيالسي عن شعبة: سمعت الثوري يسأل أبا إسحاق: أسمعت أبا بردة؟ فذكره مرسلًا. قال الترمذي: وإسرائيل ثبت في أبي إسحاق، وقد روى عن الثوري وشعبة موصولًا. أخرجه الحاكم من طريق النعمان بن عبد السلام، وأخرجه الحاكم من طريق رقبة بن مصقلة وأبي حنيفة ومطرف وزهير بن معاوية وأبي عوانة وزكريا بن أبي زائدة وغيرهم، كلهم عن أبي إسحاق موصولًا. قال: وفي الباب عن علي ومعاذ وابن عباس وابن عمرو وأبي ذر وابن مسعود وجابر وأبي هريرة وعمران بن حصين والمسور وابن عمر وأنس، وأكثرها صحيحة. كذا قال. وقد صحت الرواية فيه عن أمهات المؤمنين: عائشة وأم سلمة وزينب بنت جحش. انتهى. الدراية ٢/ ٥٩.","vol":"1","page":375},{"text":"لَتَوَقَّفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ عَلَيْهِ، وَلَا يَتَوَقَّفُونَ.\n<hr><s0>\n\nواعلم أن جنس العلاقة لا بُدّ منه بالإجماع، وقد تقدم في قولنا: ولا بد من العلاقة؛ والتشخُّصُ لا يشترط بالإجماع، فلا يقول أحد: لا أطلق الأسدَ على هذا الشجاع، إلا إذا أطلقته العرب عليه بنفسه، بل يكفي إطلاقها لفظ الأسد على شجاع ما؛ لشجاعته، ثم نطلقه على كل شجاع، سواء أكان (^١) من جنس ما أطلقته العرب عليه؛ كالأسد تطلقه (^٢) العرب على زيد، فنطلقه نحن على عمرو الشجاعين (^٣)، أم من غير جنسه؛ كإطلاقنا الأسدَ على غير إنسان من الشُّجعان؛ بجامع إطلاق العرب له على الإنسان الشجاع، وإلا لم يكن الآن مجازٌ على وجه الأرض؛ إذ (^٤) ليس الآن شخص تَجوَّزتْ فيه العرب.\nوالنوع محل الخلاف: فهل تكفي العلاقةُ التي نَظَر العرب إليها؛ فإذا رأيناهم أطلقوا السبب على المسبَّب في مَوْضِعٍ، أطلقناه أبدًا، وأطلقنا من العلاقات ما يُسَاوي في المعنى السببَ على المسبَّب، أي نزيد عليه؛ كالمسبَّب على السبب، أو لا نتعدَّى (^٥) علاقة أخرى، وإن ساوتها؛ ما لم تفعل العرب ذلك؟\nاختار المصنِّف الأول؛ فهل يجوز مثلًا إطلاق لفظٍ باعتبارِ ما كان، وإن لم تستعمله العرب؛ لاستعمال (^٦) ما هو نظيره، أو دونه؛ كإطلاقهم اللَّفظ باعتبار ما سيكون.\nوالمختار عند الإمام وأتباعِهِ الثاني، وهو معنى قول البَيْضَاوِيِّ في \"منهاجه\": شرط المجاز العلاقة المعتبرُ نوعُها (^٧).\nفقد تحرَّر أن الخلاف إنما هو في الأنواع، لا في الجنس، ولا في جزئيات النَّوْعَ الواحد.\nواحتجَّ المصنِّف على ما ارتضاه بقوله: \"لنا: لو كان\" الإطلاق في الآحاد \"نقليًّا، لتوقّف\n_________\n(^١) في ب: كان.\n(^٢) في ح: يطلقه.\n(^٣) في ج: الشجاعيين.\n(^٤) في حاشية ج: قوله: \"إذ ليس الآن شخص … \" إلخ هذا مسلم، ولا يمنع إطلاقنا الآن اللفظ عليه مجازًا لإطلاق العرب له كذلك، فإن أراد نفى مجاز مبتدأ فلا مانع منه، أو نفى مجاز نطقت به العرب فلا.\n(^٥) في أ، ب: يتعدى.\n(^٦) في حاشية ج: قوله: \"لاستعمال ما هو نظيره … \" إلخ فيه أنه يلزم إثبات اللغة بالقياس، ولا ينفع الجواب الآتي. تأمل.\n(^٧) ينظر: المنهاج مع النهاية ٢/ ١٦٤، والعضد ١/ ١٤٢.","vol":"1","page":376},{"text":"وَاسْتُدِلَّ: لَوْ كَانَ نَقْلِيًّا، لَمَا افْتقرَ إِلَى النَّظَرِ فِي الْعَلَاقَةِ؛ وَأُجِيبَ بِأَنَّ النَّظَرَ لِلْوَاضِعِ، وَإِنْ سُلِّمَ؛ فَلِلاطِّلَاعِ عَلَى الْحِكْمَةِ.\nقَالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ، لَجَازَ: \"نَخْلَةٌ\"؛ لِطَوِيلٍ غَيْرِ إِنْسَانٍ، وَ\"شَبَكَةٌ\"؛ لِلصَّيْدِ، وَ\"ابْنٌ\"؛ لِلأَبِ؛ وَبِالْعَكْسِ؛ وَأُجِيبَ بِالْمَانِعِ\".\nقَالُوا: لَوْ جَازَ، لَكَانَ قِيَاسًا أَوِ أخْتِرَاعًا، وَأُجِيبَ بِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ\n<hr><s0>\n\nأهل العربية\" في إطلاقهم؛ \"عليه\"، لكنهم يستعملون، \"ولا يتوقَّفون\" على النقل.\nولك أن تقول: إنما لا يتوففون على جزئيات النوع الواحد، وليس محلَّ النزاع، أما الأنواع، فلا نسلِّم أنهم لا يتوقفون.\nالشرح: \"واستُدِلَّ\" على عدم اشتراط النقل؛ بأنه \"لو كان\" الإطلاق \"نقليًّا، لما افتقر إلى النظر في العلاقة\" المصحِّحة، وكان الاستعمال يكفي؛ لكنا نجتهد في استخراج العَلَاقَةِ.\n\"وأجيب بأن النظر\" إنما هو \"للواضع\"، لا لنا، \"وإن (^١) سلم\" أنه لنا؛ \"فللاطلاع (^٢) على الحكمة\" (^٣) في الوضع، لا لأجل جواز الإطلاق.\nالشرح: \"قالوا: لو لم يكن، المجاز متوقِّفًا على النَّقْلِ \"لجاز (^٤): نخلة؛ لطويل غير إنسان\" وبالعكس؛ للاشتراك في الطُّول الذي هو سبب التجوُّز في الإنسان، \"وشبكةٌ؛ للصيد\"؛ للمجاورة، \"وابنٌ؛ للأب، وبالعكس\"؛ للسببية.\n\"وأجيب بالمانع\"، أي: أن هذه الأشياء [إنما] (^٥) لم تَجُزْ؛ لقيام المانع فيها؛ لخصوصها؛ لا لعدم الاكتفاء بالعلاقة.\nولقائل أن يقول: ما المانع؟!\nالشرح: \"قالوا: لو جاز\" الإطلاق بدون نقل، \"لكان\": إما \"قياسًا، أو اختراعًا\"؛ لأنه إثباتٌ غيرُ مصرَّح [به] (^٦)؛ وذلك إن كان لجامع بينه وبين ما صُرِّح به مستلزمٍ للحكم، فهو القِيَاس، وإلا فالاختراع، واللُّغَةُ لا تثبت قياسًا؛ كما سيأتي، إن شاء الله، ولا اختراعًا.\n_________\n(^١) في ب: ولو.\n(^٢) في ت: فلا اطلاع، وهو تحريف.\n(^٣) في أ، ب: الجملة.\n(^٤) في ح: لجواز.\n(^٥) سقط في ت.\n(^٦) سقط في أ، ح.","vol":"1","page":377},{"text":"الْعَلَاقَةَ مُصَحِّحَةٌ؛ كَرَفْع الْفَاعِلِ؛ وَقَالُوا: يُعْرَفُ الْمَجَازُ بِوُجُوهٍ: بِصِحَّةِ النَّفْي؛ كَقَوْلكَ لِلْبَلِيدِ: لَيْسَ بِحِمَارٍ عَكْسَ الْحَقِيقَةِ؛ لإمْتِنَاعِ (لَيْسَ بِإِنْسَانٍ)؛ وَهُوَ دَوْرٌ\".\n<hr><s0>\n\n\"وأجيب\": لا نسلِّم أنه إذا لم يكن لجامع، يلزم الاختراع؛ بل ذلك \"باستقراء أن العلاقة مصحِّحة\" للإطلاق؛ \"كرفعِ الفَاعِلِ\"، ونَصْبِ المفعول؛ وذلك أمر ثالث، وهو الوضع قطعًا، ولا يجب النَّقْل في كل فرد، بل عُلِمَ علمًا كليًّا بالاستقراء.\n\n\"فرع\"\nإذا رأيناهم أطلقوا على الشجاع: الأسد؛ للشجاعة، فَلنَا أن نطلق عليه مرادفَ الأسد؛ كاللَّيْثِ قطعًا، وليس من محلّ الخلاف؛ خلافًا لكثير من الشَّارحين.\n\"وقالوا\"؛ يعني - والله أعلم -[أهلَ] (^١) الفرقة المخالفةِ [له] (^٢) القائلةِ: يشترط النقل في الآحاد؛ وكأن سائلًا قال لهم: إذا اشترطتم النقل؛ وهو (^٣) عزيز، فما الطريق - إذا فُقِدَ - إلى معرفة كون اللَّفظ مجازًا؟، فقالوا: \"يعرف المجاز بوجوه: بصحَّة (^٤) النفي\"، أي: في نفس الأمر، صرَّح به في (المنتهى)، وسكت عنه هنا؛ لوضوحه، فإذا أُطْلِق اللَّفظ على معنى؛ صح (^٥) نفيه عنه - عُلِمِ كونه مجازًا؛ \"كقولك للبليد\" بعد إطلاقنا الحمار عليه: \"ليس بحمار\"، ومورد النفي في الحقيقة غيْرُ مورد الإثبات؛ إذ مورد الإثبات المجاز، ومورد النفي الحقيقة، فقولنا للبليد: حمار، معناه: كالحمار، وليس بحمار، أي: ليس بحقيقة الحمار، ولو أردنا: ليس بحمار مجازًا، كان كاذبًا؛ لِصِدْق (^٦) نقيضه.\nقوله: \"عَكْسَ الحقيقة\"، أي: أن الحقيقةِ لا يصحّ نفيها في نفس الأمر؛ \"لامتناع\" قوله: \"ليس بإنسان\" للبليد؛ لمَّا كان إطلاق (إنسان) عليه حقيقة.\n[و] لا يقال: قد نفيت (^٧) الحقيقة في نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [سورة الأنفال: الآية ١٧]؛ لأن ذلك النفي ليس في نفس (^٨) الأمر؛ بل بالتأويل؛ وهذا ما ذكره من ادَّعَى هذه العلاقة.\n_________\n(^١) سقط في أ، ب، ت.\n(^٢) سقط في ب.\n(^٣) في أ، ت، ح: فهو.\n(^٤) في أ، ب، ح: كصحة.\n(^٥) في ب: مع.\n(^٦) في ح: بالصدق.\n(^٧) في ت: بقيت.\n(^٨) في ت: نفى.","vol":"1","page":378},{"text":"وَبِأَنْ يَتبَادَرَ غَيْرُهُ؛ لَوْلَا الْقَرِينَةُ عَكْسَ الْحَقِيقَةِ؛ وَأُورِدَ الْمُشْتَرَك، فَإِنْ أُجِيبَ بِأَنَّهُ يَتَبَادَرُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُعَيَّنُ مَجَازًا.\n<hr><s0>\n\nقال المصنّف: \"وهو دَوْر\"؛ لأن إطلاق اللَّفظ على المَعْنَى دليلُ صدقه (^١) عليه، وصحة نفيه مَوْقُوفَةٌ على معرفة كون الإطلاق مجازًا، فلو عُرِفَ كون الإطلاق مجازيًّا بصحة النفي، دار.\nواعترض عضُد الدِّين (^٢)؛ بأن الدور إنما يصح إذا أطلق اللَّفظ لمعنى، ولم يدر أحقيقة فيه أم مجاز؟.\nأما إذا (^٣) عُلِم معناه الحقيقي والمجازي، ولم يُعْلَم أيهما المراد، فحينئذٍ يمكن أن يعلم بصحَّة نفي المَعْنَى الحقيقي عن المورد؛ أن المراد هو المعنى المجازيُّ، [أي] (^٤): فيعلم أنه مجاز.\nالشرح: \"وبأن يتبادر\" إلى الفهم \"غيره؛ لولا القرينة عكسَ الحقيقة\"؛ فإنها تعرف بألّا يتبادر غيرُها؛ لولا القرينة.\n\"وأورد المشتركُ\"؛ ويمكن تقرير إيراده على وجهين:\nأحدهما: لو كان علامةُ الحقيقة التبادُرَ، لتبادر الفهم في المشترك.\nوالثاني: لو كان علامة المَجَازِ تبادر الغيرِ، لتبادَرَ؛ إذا استعمل المشترك في معناه المجازي.\n\"فإن أجيب\" عنهما، \"بأن يتبادر\" واحد من الحقيقة \"غيرُ معيَّن - لزم أن يكون المعيَّنُ\" من معانيه \"مجازًا\"؛ لعدم تبَادره.\nولك أن تقول: المدَّعى في الحقيقة ألّا يتبادر غيرها، لا أن يقع التبادُرُ فيها، والمشترك لا يتبادر (^٥) فيه غيرُ الحقيقة، وإنما الذهن يتردد في معانيه، والمدَّعى في المجاز تبادرُ الغَيْرِ، وهو حاصل قولكم: إنما يتبادر المبْهَمُ.\n_________\n(^١) في ب: صدق.\n(^٢) ينظر: العضد ١/ ١٤٧.\n(^٣) في حاشية ج: قوله: \"أما إذا علم معناه الحقيقي والمجازي … \" إلخ أي: علم أن له معنى حقيقيًّا ومعنى مجازيًا ولم يعلم أيهما المراد. قوله: \"عن المورد\" أي: المحل الذي ورد فيه الكلام.\n(^٤) سقط في ج.\n(^٥) في حاشية ج: قوله: لا يتبادر فيه غير الحقيقة، وإن لم يتبادر فيه بعض الحقيقة كالمعين. تأمل.","vol":"1","page":379},{"text":"وَبِعَدَمِ اطِّرَادِهِ، وَلَا عَكْسَ؛ وَأُورِدَ: السَّخِيُّ، وَالْفَاضِلُ؛ لِغَيْرِ اللهِ، وَالْقَارُورَةُ؛ لِلزُّجَاجَةِ؛ فَإِنْ أُجِيبَ بِالْمَانِعِ، فَدَوْرٌ، وَبِجَمْعِهِ عَلَى خِلَافِ جَمْعِ\n<hr><s0>\n\nقلنا: مسلَّم قولكم؛ فيلزم كون المعيَّن (^١) مجازًا - ممنوعًا؛ وهذا لأن المتبادر (^٢) حينئذٍ واحدٌ مشخَّص في نفس الأمر، وهذا كاف، وإن لم تعرف (^٣) عينه.\nالشرح: \"و\" يعرف المجاز \"بعدم اطّراده\"؛ فإنك تقول: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [سورة يوسف: الآية، ٨٢]، ولا تقول: واسأل البساط، وإن وجد فيه المعنى المقثضى للتجوُّز في: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [سورة يوسف: الآية ٨٢]؛ وهذا يشهد لمن يقول: المجاز يحتاج إلى النقل، وإلا فلم (^٤) لا يطرد، والمعنى قائم؛ \"ولا عكس\" لهذه العلامات، فلا يكون الاطِّرَاد دليل الحقيقة؛ إذ قد يوجد مجازٌ مطَّرد؛ كالأسد للشُّجاع.\n\"وأورد\" على هذه العلامة \"السّخي، والفاضل\" موضوعان للجَوَادِ والعالِمِ، ولا يقالان إلا \"لغير اللهِ\" تعالى؛ مع أنه - تعالى - جوادٌ وعالِم.\n\"والقارورةُ\"؛ فإنها موضوعة \"للزجاجة\"؛ لاستقرار الشَّيء فيها، ولا يقال لكلِّ ما يستقر فيه الشيءُ؛ كالكُوزِ - مثلًا - قارورةٌ؛ فهذه (^٥) حقائق غير مطردة.\n\"فإن أجيب\" عن عدم اطِّرادها؛ \"بالمانع\" الشَّرْعيِّ في الأولَيْن؛ إذ أسماء الله تَوْقِيفِيَّة (^٦)،\n_________\n(^١) في أ، ج: المعنى.\n(^٢) في أ، ت، ج، ح: المبادر.\n(^٣) في ت: نعرف.\n(^٤) في حاشية ج: قوله: \"فلم لا يطرد والمعنى قائم؟ \" قد يقال: لما رأيناهم يقولون: واسأل القرية ولا يقولون: واسأل البساط، علمنا أن هناك خصوصية وإن لم نطلع عليها.\n(^٥) في ب، ت،: وهذه.\n(^٦) أي لا يطلق عليه اسم إلا بتوقيف من الشارع بأن يرد به الكتاب أو السنة أو الإجماع، وهذا مذهب الأشعري ومن تبعه، وصححه السبكي. وقالت المعتزلة: يجوز أن تطلق عليه الأسماء اللائق معناها به تعالى وإن لم يرد بها الشرع، ومال إليه الباقلاني فقال: كل لفظ دل على معنى ثابت لله تعالى يجوز إطلاقه عليه بلا توقيف إذا لم يكن موهمًا، فمن ثم لم يجز إطلاق عارف وفقيه ونحوهما، وذهب الإمام الغزالي إلى جواز إطلاق ما علم اتصافه به على طريق التوصيف دون التسمية؛ لأن إجراء الصفة إخبار بثبوت مدلولها؛ فيجوز عند ثبوت المدلول إلا لمانع، بخلاف التسمية فإنها تصرف في المسمى، وهو تعالى منزه عمن يتصرف فيه اهـ. وفي شرح المواقف: ليس الكلام في الأسماء والأعلام الموضوعة في اللغات، بل في الأسماء المأخوذة من الصفات والأفعال اهـ. وقال =","vol":"1","page":380},{"text":"الْحَقِيقَةِ؛ كَأُمُورٍ جَمْعَ أَمْرٍ؛ لِلْفِعْلِ، وَيَمْتَنِعُ \"أَوَامِرُ\"، وَلَا عَكْسَ، وَبِالْتِزَامِ تَقْيِيدِهِ؛ مِثْلُ: ﴿جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ وَنَارِ الْحَرْبِ.\nوَبِتَوَقُّفِهِ عَلَى الْمُسَمَّى الآخَرِ؛ مِثْلُ: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾، وَاللَّفْظُ قَبْلَ الاسْتِعْمَالِ، لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ وَلَا مَجَازٍ، وَفِي اسْتِلْزَامِ الْمَجَازِ الْحَقِيقَةَ خِلَافٌ؛\n<hr><s0>\n\nولم يَرِدْ هذان، واللغويِّ في الثالث؛ فإن اللغة منعت إطلاق القَارُورَةِ على غير الزُّجَاجة - \"فدور\"؛ فإن عدم اطراده لا بُدَّ له من سبب، وهو: إما العلم بكونه مجازًا، أو الشرعِ، أو اللغةِ، والأخيران منتفيان بالفرضِ؛ فتعيَّن الأول.\nووضح أن عدم الاطِّرَاد إنما يكون دليلًا على المجاز، إذا علم أنه مجاز، فلو علم أنه مجاز؛ بعدم الاطّراد - كان دورًا.\nولك أن تقول: السَّخي، لما دار بين كونه لِلْجَوَاد المطلق، أو للجواد ممن شأنه البُخْل، ثم وجدناه لا يطلق على الله - تعالى -، مع أنه ذو الجود الأعظم - علمنا أنّ السخي ليس إلا الجوادَ المقيّد؛ ويوضح هذا أن أحدًا لم يطلق السخيَّ على الله - تعالى -، وإن كان من الذاهبين إلى أن الأسماء توقيفيةٌ؛ وكذا القول في الأخيرين؛ فلم يلزم دَوْرٌ، ولا نَقْضٌ.\n\"و\" يعرف المجاز أيضًا \"بجَمْعِهِ على خلاف\" صيغةِ \"جمعِ الحقيقةِ؛ كأمورٍ جمعَ أمر؛ للفعل\"، \"ويمتنع أوامر\" الذي هو جمع للأمر؛ بمعنى الأمر الذي هو حقيقة فيه؛ باتفاق، فنقول: هو في الفعل مَجَاز؛ لمخالفته في الجمع، \"ولا عكس\"؛ إذ المجاز قد لا يجمع؛ بخلاف جمع الحقيقة؛ كالأسد.\n\"و\" يعرف أيضًا \"بالتزام تقييده\"؛ فلا يستعمل في ذلك المَعْنَى عند الإطلاق؛ \"مثلُ: ﴿جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ [سورة الإسراء: الآية، ٢٤] ونَارِ الحَرْب\"، وإنما قال: بالتزام تقييده، ولم يقل: بتقييده؛ ليحترز من المشترك؛ فإنه قد يقيد؛ كما يقال: العينُ الجارية، لكن لا لزومًا.\nالشرح: \"وبتوقفه على المسمى الآخر؛ مثلُ: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٥٤] \"؛ فإن مكْر الله مَجَاز، وإطلاقه مسبوق بإطلاق المكر منهم.\n\"واللَّفظ قبل الاستعمال، ليس بحقيقة ولا مجاز\"؛ إذ الاستعمال أحد قيود الحقيقة والمجاز؛ كما سلف.\n_________\n= السعد في المقاصد: محل النزاع ما اتصف الباري تعالى بمعناه ولم يرد إذن به وكان مشعرًا بالجلال من غير وهم بالإضلال.","vol":"1","page":381},{"text":"بِخِلَافِ الْعَكْسِ، الْمُلْزِمُ: لَوْ لَمْ يَسْتَلْزِمْ، لَعَرِيَ الْوَضْعُ عَنِ الْفَائِدَةِ، الثَّانِي: لَوِ اسْتَلْزَمَ، لَكَانَ لِنَحْوِ: قَامَتِ الحَرْبُ عَلَى سَاق، وَشَابَتْ لِمَّةُ اللَّيْلِ - حَقِيقَةٌ، وَهُوَ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ؛ لِلُزُومِ الْوَضْعِ.\nوَالْحَقُّ أَنَّ الْمَجَازَ فِي الْمُفْرَدِ، وَلَا مَجَازَ فِي التَّرْكِيبِ، وَقَوْلُ عَبْدِ الْقَاهِرِ فِي نَحْوِ: أَحْيَانِيَ اكْتِحَالِي بِطَلْعَتِكَ: (إِنَّ الْمَجَازَ، فِي الإِسْنَادِ) بَعِيدٌ، لاتِّحَادِ جِهَتِهِ.\n<hr><s0>\n\n\"وفي استلزام المجازِ الحقيقة خلافٌ\"؛ فقيل: إن المجاز يستلزم سبق الحقيقة، وقيل: لا؛ فقد يوجد لفظ مجازي لم تسبقه حقيقة، بل وُضِعَ فقط؛ \"بخلاف العكس\"؛ فإنه لا خلاف فيه، أي: لا خلاف أن الحقيقة لا تستلزم المجاز، فقد يوجد لفظ حقيقي لم يُتَجَوَّزْ عنه ألبتة.\nواحتج \"المُلْزِمُ\"، أعني: القائل أن المجاز يستلزم الحقيقة؛ بأنه: \"لو لم يَسْتَلْزِمْ، لعري الوضع\" الأول \"عن الفائدة\"؛ إذ فائدةُ الوضعِ الاستعمالُ؛ فحيث لا استعمال يكون عبثًا.\nورُدَّ بجواز كون الفائدةِ الاستعمالَ في الوَضْعِ المجازي، أو تسويغِ أصل الاستعمال.\nواحتج \"النَّافي\" للاستلزام؛ بأنه: \"لو استَلْزم، لكان لنحو: قامت الحرب على ساقٍ، وشابت لِمَّةُ الليل - حقيقةٌ\"، أي: استعمالٌ مع موضوعها الأصلي؛ لكونها مجازًا.\n\"وهو\" أي: هذا الاستدلالُ \"مشتَرَكُ الإلزامِ\"؛ إذ للمُلْزِمِ أن يقول: ما ذكرتَهُ ليس بمجاز، وإلا كان موضوعًا لغير هذا المعنى؛ \"للزوم الوضع\" الأول للمجاز؛ وذلك لأن النافي لاشتراط الحقيقة في المجاز يشترطُ أصل الوضع، وسبيلُ الانفصال عنهما واحدٌ.\nالشرح: \"والحق\" فيه \"أن المَجَاز\" في هذين المِثَالَيْن، إنما وقع \"في المفرد\" من القيام والسَّاق، والشَّيب واللِّمَّة، \"ولا مجاز في التركيب\"، والكلامُ فيهما حالةَ التركيب، وإذا لم يكونا مجازين، فلا يطلب لهما حقيقةٌ.\n\"وقول عبد القَاهِرِ في نحو: أحيانِيَ اكْتِحَالِي بِطَلْعَتِكَ: إن المجاز في الإسناد\"؛ لأن إسناد الإحياء إلى الاكتحال غيرُ حقيقي.\nقد يقال: إنه يَرِدُ علينا مساواةُ: أحياني اكتحالي بِطَلْعَتِكَ، للمثالين السَّابقين؛ وقد قلنا: إنه لا مَجَازَ في التَّرْكِيب.\nولكن نقول: ما قاله عبد القَاهِرِ \"بعيدٌ\"؛ لأن المجاز إنما يتحقَّق باختلاف جهتيه؛ وذلك غير متحقِّق في إسناد الإحياء إلى الاكتحال؛ \"لاتحاد جهته\"؛ كذا قال المصنِّف.","vol":"1","page":382},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالحق جوازُ المجازِ في الإسناد، ووقوعُه، واستبعاد المصنِّف لا يوجب رفع ذلك؛ وقُصاراه أن يثبت بعده، ولا يلزم من البُعْدِ عدمُ الوقوع.\nولنذكر ههنا كلمةً نافعةً في هذا المختصر، فنقول: المصنِّف كثير الاستعمال لردِّ رأي خصمه؛ باستبعاده؛ كما فعل هنا؛ وكما قال: (قولهم ما اتفق فيه اللّغتان؛ كالفُرْنِ والتَّنُّورِ - بعيدٌ)؛ مع رده على من يحكم على أمرٍ بِبُعْده؛ بأنه استبعاد؛ فلا يجديه؛ كما ردَّ قول الأستاذ؛ أن المجاز يُخِلُّ بالفَهْمِ؛ بأنه استبعاد؛ ولعلك تحسِب ذلك منه تناقضًا، وليس دعواك بُعْدَ ما يدعيه خصمُك في مسألة ناشئًا من دعوى خصمك بُعْدَ ما تدعيه في أخرى، ولا ردُّك مُدَّعى الخصْمِ ببُعده - أفْحَمَ من رده دعواك بِبُعْده.\nوالجواب: أن الاستقراءَ حُجَّةٌ؛ لا سيما في اللُّغات، فإذا استقرأ اللُّغويُّ أمرًا، قضى به، ثم بنى عليه ما شاء مما يلائمه، وغايةُ ما له من الاستقراء دليلٌ ظني، ثم من ادعى خروج شيء عن استقرائه، كان مُبعَدًا عنده، فإن حقق دعواه بدليل أقوى من الاستقراء، كما إذا أتى بصورة واقعة، لم ينهض الاستقراء حُجَّة عليه، ولم يصح أن يُرَدَّ مُدَّعاه بِمُجَرَّدِ البعد، وإن لم تتحقَّق دعواه بدليلٍ أقوى من الاستقراء، رُدَّت دعواه، وكان استبعادنا له حُجَّةً، وذلك كالمجاز يدعي مُنْكِرُه أنه يُخِلّ بالفهم، وأن ما يخلّ بالفَهْم لا يقع من العرب؛ فنقول: غايةُ ما ينتجُ لك هذا - دليلٌ ظَنّي على أن المجاز لا يقع؛ وهو معارض بأقوى منه؛ من دليل مثبت المجاز؛ فيُصَار إلى استبعاد وقوع أمر على خلاف استقرائك، واستقراؤك قد بطل بوجدان خلافه، فلم يُجْدِ الاستبعاد شيئًا، والحالة هذه.\nوأما إذا لم يتحقّق الخصم دعواه؛ بما يبطل الاستقراءَ، فلا يُسْمع، وينتهض البُعد حجةً عليه؛ لاعتضاده بالاستقراء الذي لا مُعَارِضَ له؛ وذلك كقولهم: (مما اتفق فيه اللّغتان)؛ فإن المصنّف استبعده، وهو استبعاد موافق للدليل الذي أقامه من وجود المِشْكَاةِ، والإسْتَبْرَقِ، ونحوِهما، فمنكرُ المجازِ مستبعدٌ لما قام الدليل عليه؛ فكان استبعاده مردودًا، والمصنِّف مستبعِدٌ لما قام الدَّليل على خلافه، فكان استبعاده مقبولًا، وهذا في قوله: (قولهم مما اتفق فيه اللُّغتان)؛ وما شاكله، فقس عليه نظائره، فهي كثيرة في هذا المختصر.\nوأما دعواه بُعْدَ قول عبد القاهِرِ (^١)، فمثْلُ دعوى الإسنادِ بَعْد المجاز؛ فلا تُسْمع؛ لأنه\n_________\n(^١) عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني، أبو بكر: واضع أصول البلاغة. كان من أئمة اللغة من أهل جرجان، له شعر رقيق. من كتبه \"أسرار البلاغة\"، و\"دلائل الإعجاز\"، و\"إعجاز القرآن\". توفي سنة ٤٧١ هـ. ينظر: فوات الوفيات ١/ ٢٩٧، والأعلام ٤/ ٤٨، وطبقات الشافعية ٣/ ٢٤٢.","vol":"1","page":383},{"text":"وَلَوْ قِيلَ: لَوِ اسْتَلْزَمَ، لَكَانَ لِلَفْظِ \"الرَّحْمنِ\" حَقِيقَةٌ، وَلنَحْوِ: \"عَسَى\" - لَكَانَ قِوِيًّا.\n<hr><s0>\n\nاستبعد شيئًا قام الدَّليل على خلافه.\nفإن قلت: وما الدليل؟\nقلت: مواضعُ لن يقع المجاز فيها إلا في الإسناد فقط؛ مثلُ: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [سورة الأنفال: الآية، ٢]، ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾] سورة إبراهيم: الآية، ٣٦]، ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [سورة الزلزلة: الآية، ٢].\nالشرح: قال: \"ولو قيل: لو استلزم\" المجازُ الحقيقة، \"لكان لِلَفْظِ: \"الرحمن\" حقيقةٌ، ولنحو: عسى\"، ولا حقيقة لهما - \"لكان\" استدلالًا \"قويًّا\".\nوبيانه: أنه لا حقيقة لهما: أما (عسى) ونحوُها؛ من حَبَّذا وغيرها من الأفعال الجوامد، فلم تستعمل لزمان معين، بل في مجرَّد الحدث؛ مع أن الأفعال موضوعة للحدث والزمان، ولم تستعملْ إلا في الإنشاء؛ مع أن أصلها خبرٌ ماضٍ.\nوأما (الرحمن) فـ (فَعْلان)، ووزن (فَعْلَان) للمبالغة التي هي الكثرةُ المقابِلة للقلَّة، وصفات الله - تعالى - لا تقبل ذلك؛ باعتبار عدم قَبُولها للتعدُّد، ثم هو مشتقّ من الرحمة التي هي حقيقة الرِّقَّةِ والانعطافِ المستحيلِ على الباري تعالى.\nولم يستعمل (الرحمن) إلا في الله تعالى؛ وهذا بناء على [أن] أسماءَ الله - تعالى - صفات لا أعْلام، أما إن جعلناها أعلامًا، فالعَلَمُ لا حقيقة له ولا مجاز.\nوما يقال: قد قال بنو حنيفة (^١) (رَحْمان اليَمَامة)، و(ما زلْت رحْمَانًا) في\n_________\n(^١) أخرج الشيخان، عن ابن عباس قال: قدم مسيلمة الكذاب المدينة في بشر كثير من قومه، فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده اتبعته، فأقبل النبي ﷺ ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفي يد النبي ﷺ قطعة جريد حتى وقف على مسيلمة فقال: \"لئن سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإني أراك الذي أريت فيه ما رأيت، وهذا ثابت بن قيس يجيبك عني\" ثم انصرف. قال ابن عباس: فسألت عن قول النبي ﷺ: \"إنك الذي أريت فيه ما رأيت\" فأخبرني أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: \"بينما أنا نائم أريت أن في يدي سوارين من ذهب، فأهمني شأنهما، فأوحي إلي في المنام أن انفخهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان من بعدي، فهذا أحدهما العنسي صاحب صنعاء، والآخر مسيلمة صاحب اليمامة\". =","vol":"1","page":384},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nمسيلمة (^١)؛ فجوابه عندي: أنهم لم يستعملوا (الرحمن) المعرَّف بالألف واللام، وإنما استعملوه معرَّفًا بالإضافة في (رحمان اليمامة)، ومنكَّرًا في (لا زلت رَحْمانًا)؛ ودعوانا إنما هي في المعرَّف بالألف واللام.\nوهذا الجواب أشدُّ من جواب الزمخشري (^٢) في (كَشَّافه)؛ أدق ذلك من تَعَنُّتهم في كفرهم؛ فإنه لا يعدُّ جوابًا؛ إذ التعنُّت لا يدفعُ وقوعَ إطلاقهم.\nوغايته: أنه ذكر السبب الحاملَ لهم على الإطلاق.\nوعند هذا أقول: مذهبي أن المجاز يَستلزمُ استعمالَ اللَّفظ المشتقِّ منه؛ بطريق الحقيقة، سواءٌ استعمل مع ذلك بالحقيقة فيما استعمل بالمجاز أم لا.\nفأقول مثلًا: إنما يستعمل (رحمن)؛ إذا استعملت العرب الرحمة؛ كان لنا أن نتصرف فيما يُشتقُّ منها؛ من فَعْلان، وفَاعِل، ومَفْعُولٍ، وغيرِ ذلك، وإن لم تنطقْ به العرب ألبتة، ولا اشتراط أن تكون العربُ استعملت (رحمان) الذي هو (فَعْلَان)؛ بالحقيقة.\nولقائل أن يقول: على المصنَّف ما ذكرتَهُ أيضًا مشترَكَ الإلزامِ في الوضْع؛ بعين ما ذكرتَهُ آنفًا، ولا مخلَّص له، إنما اخترناهُ مذهبًا.\n_________\n= وأخرج الشيخان، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"بينما أنا نائم إذ أتيت بخزائن الأرض، فوضع في يدي سواران من ذهب، فكبرا عليّ وأهماني، فأوحي إليّ أن انفخهما، فنفختهما، فأولتهما الكذابين اللَّذين أنا بينهما: صاحب صنعاء وصاحب اليمامة\". ينظر: الخصائص للسيوطي ٢/ ٢٥.\n(^١) أبو ثمامه مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفي الوائلي. متنبئ، من المعمرين، ولد ونشأ بـ\"اليمامة\" بوادي حنيفة، في نجد، تلقب في الجاهلية بـ\"الرحمن\"، وعرف بـ\"رحمان اليمامة\"، وقد أكثر مسيلمة من وضع أسجاع يضاهي بها القرآن، وكان مسيلمة ضئيل الجسم، قالوا في وصفه: \"كان رُوَيجلًا، أصيغر، أخينس\"، ويقال: كان اسمه \"مسلمة\"، وصغره المسلمون تحقيرًا له. قتل سنة ١٢ هـ، في معركة قادها خالد بن الوليد - في عهد أبي بكر الصدِّيق - للقضاء على فتنته. ينظر: ابن هشام ٣/ ٧٤، والروض الأنف ٢/ ٣٤٠، والكامل لابن الأثير ٢/ ١٣٧.\n(^٢) محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشري، جار الله، أبو القاسم ولد سنة ٤٦٧ هـ، من أئمة العلم بالدين والتفسير واللغة والآداب، أشهر كتبه \"الكشاف\"، و\"أساس البلاغة\"، و\"المفصل\"، و\"الفائق\"، و\"المستقصى\" وغيرها. توفي سنة ٥٣٨ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٢/ ٨١، ولسان الميزان ٦/ ٤، وظفر الواله ١/ ١٢٥، ونزهة الألبا ٤٦٩، والأعلام ٧/ ١٧٨.","vol":"1","page":385},{"text":"<span data-type='title' id=toc-377>دَوَرَانُ اللَّفْظِ بَيْنَ الاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ</span>\n<span data-type='title' id=toc-379>مَسْأَلَةٌ:\nإِذَا دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالاشْتِرَاكِ،</span> فَالْمَجَازُ أَقْرَبُ؛ لأَنَّ الاشتِرَاكَ يُخِلُّ بِالتَّفَاهُمِ، وَيُؤَدِّي إِلَى مُسْتَبْعَدٍ؛ مِنْ ضِدٍّ، أَوْ نَقِيضٍ، وَيَحْتَاجُ إِلَى قَرِينَتَيْنِ؛ وَلأِنَّ الْمَجَازَ أَغْلَب، وَيَكونُ أَبْلَغَ، وَأَوْجَزَ، وَأَوْفَقَ، وَيُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى السَّجْعِ، وَالْمُقَابَلَةِ، وَالمُطَابَقَةِ، وَالْمُجَانَسَةِ، وَالرَّوِيِّ.\n<hr><s0>\n\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"إذا دار اللفظ بين المجاز والاشتراك، فالمجازُ أقرب\"؛ عند المحقِّقين؛ \"لأن الاشتراك يخلّ بالتفاهم\"؛ عند عدم القرينة؛ بخلاف المجاز (^١).\nولك أن تقول: إنما يخلّ بالتفاهم، إذا قيل بأنه لا يُحْمَلُ على معنييه عند الإطلاق؛ أو يُحْمل، ولكن احتياطًا، أما إن قيل بأنه يحمل عمومًا، فلا إخلال.\n\"ويؤدّي إلى مستبعد؛ من ضد، أو نقيض\"، إلا إذا كان موضوعًا للضدَّيْن، أو النقيضَيْن؛ إن قلنا بجواز الوضع [للضدَّيْن و] للنقيضين - وهو المُخْتار -؛ خلافًا للإمام الرَّازيِّ؛ فقد يفهم السَّامعُ ضدَّ مراد المتكلّم، أو نقيضَه.\nولقائل أن يقول: والمجاز بعلاقة المضادَّة يؤدِّي إلى ذلك أيضًا، وليس له أن يقول: حَمْلُ كلِّ لفظ على خلاف المراد منه يؤدِّي إلى مستبعد؛ لأن خلاف المراد إذا لم يكن ضدَّ المراد، ولا نقيضًا - لا يستبعده العقل؛ بخلاف الضد والنَّقيض؛ فإن العَقْل يستبعدهما، والحالة هذه.\n\"ويَحْتاج إلى قرينتين\"؛ بحسب معنييه؛ بخلاف المَجَاز؛ فإنه يكفي فيه قرينة المجاز؛ \"ولأن المجاز أغلب\" من الاشتراك؛ بالاستقراء، والحملُ على الأغلب أولَى.\n\"ويكون\" أيضًا \"أبلغَ\" من المشترك؛ فقولك: - (زيد أسد) - أبلغ من: (شجاع)، \"وأوجز وأوفق\"؛ إما للطبع؛ بسبب نَقْل الحضقة، أو عذوبةِ الحديث، وإما للمقامِ؛ لزيادة بيان، أو غير ذلك؛ مما يقتضيه الحال؛ ولذلك يجعله علماء البيان الأصْلَ؛ لأن مبنى علمهم على الاستعارة والمبالغة.\n\"ويتوصل به إلى\" أنواع البديع من \"السجع، والمُقَابلة، والمُطَابقة، والمُجَانسة، والرَّويِّ\" وغيرِ ذلك.\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله: \"بخلاف المجاز\" أي: فإنه لا يصح بدونها، أما المشترك فيصح إطلاقه بدونها؛ لأن القرينة فيه ليقين المراد لا لصحة الاستعمال.","vol":"1","page":386},{"text":"وَعُورِضَ؛ بِتَرْجِيحِ الاشْتِرَاكِ؛ بِاطِّرَادِهِ؛ فَلَا يَضْطَرِبُ، وبِالاشْتِقَاقِ، فتَتَّسِعُ؛ وَبِصِحَّةِ الْمَجَازِ فِيهِمَا؛ فَتَكْثُرُ الْفَائِدَةُ؛ وَبِاسْتِغْنَائِهِ عَنِ الْعَلَاقَةِ، وَعَنِ الْحَقِيقَةِ، وَعَنْ مُخَالَفَةِ ظَاهِرٍ، وَعَنِ الْغَلَطِ؛ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وعورض\" ما ذكرناه من أدلة المجاز؛ \"بترجيح الاشتراك؛ باطِّراده؛ فلا يضطربُ\"؛ بخلاف المجاز؛ فإنه لا يطرد.\n\"وبالاشتقاق\" الحاصلِ من معنييه؛ \"فتتسعُ\" الفائدة؛ بخلاف المجاز؛ فإنه لا يُشتقُّ منه؛ وفاقًا للقاضي، والغَزَّاليِّ، وإلْكِيَّا (^١)؛ حيث منعوا الاشتقاق من المجاز؛ واستدلوا على أن (الأمر) حقيقة في (القول)؛ بأنه اشتق منه بهذا المعنى فاعلٌ ومفعولٌ، ولم يشتق ذلك منه، إذا كان بمعنى (الفعل).\nولكن رُدَّ هذا المذهبُ؛ بأنه يئول إلى قصر المَجَازَاتِ كلِّها على المَصَادر؛ لأنك إذا اشتققت من المعنى الحقيقي، لم يصح؛ لانتفاء العَلَاقَةِ.\nمثاله: (ضارب)؛ بمعنى: متسبِّب في الضرب، إذا اشتققت من الضرب الحقيقي؛ فإنه لا علاقة بينهما، والاشتقاق من المجاز متعذِّر؛ على هذا.\nقلت: وأنا أجوِّز أن هؤلاء لا يطلقون منع الاشتقاقِ من المجاز، لكن يقولون: إنما يشتقُّ منه بحسب الحقيقة، فإذا اشتق منها فاعل فقط، لم يشتقَّ من مجازها إلا فاعلٌ فقط، لا مفعولٌ، ولا صفةٌ مُشَبَّهةٌ مثلًا؛ فيتوقف استعمال (ضارب) بمعنى: متسبَّب؛ على استعمال (ضارب) بالحقيقة، ولا يكفي استعمل (مضروب)؛ بالحقيقة، إلا إن تجوزنا باسم المفعول، وهذا قريبٌ، وإنما مَنْعُ الاشتقاقِ من المجاز رأيٌ ساقط؛ فليقرَّر كلام المصنِّف على أنه لا يشتق منه إلا بحَسَب الحقيقة.\n\"وبصحة المجاز فيهما\"، أي: في معنيي المشترك؛ \"فتكثر الفائدة\"؛ بخلاف المَجَازِ؛ \"وباستغنائه عن العَلَاقَةِ\"، \"وعن\" سَبْقِ \"الحقيقةِ، وعن مُخَالَفَةِ ظاهر\"، والمجازُ ارْتِكَابٌ لخلاف الظاهر؛ إذ الظاهرُ الحقيقةُ.\n\"وعن الغلطِ؛ عند عدم القرينة؛ فإن السامع، إن وجد قرينة، عَلِمَ المرادَ، وإلَّا، توقف\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله: \"إلْكيّا\" بكسر الهمزة وسكون اللأَم وتشديد الياء، كذا وجدته مضبوطًا بالقلم بخط الأذرعي.","vol":"1","page":387},{"text":"وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُ أَبْلَغ، فَمُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يُقابِلُ الْأَغْلَبَ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ.\n<hr><s0>\n\nعند عدم القرينة - إلى الحقيقة، مع جواز إرادة المجاز.\nالشرح: \"وما ذكر\" في ترجيح المجاز؛ \"من أنه أبلغ\" وأوجز … إلى آخرها - \"فمشترك بينهما\"؛ إذ يتحقق في المشترك؛ كما هو في المجاز؛ فلا يترجَّح به المجاز.\n\"والحق أنه لا يُقابِلُ الأغلَبَ شيءٌ مما ذُكِرَ\" في تَرْجِيحِ المشترك؛ لأن ذلك كله إنما يعتبر؛ لأنه مَظِنَّةُ الغَلَبَةِ، ولا عِبْرَةَ بالمَظِنَّة، مع تحقُّق أن المجاز أغلبُ؛ فكان المجاز أولى.\nولمُضَايقٍ في العبارة أن يقول: سلَّمنا أنَّهُ لا يعارِضُهُ شيءٌ مما ذُكِرَ، لِمَ قلتم: إن مجموعها لا يعارِضُ؟.\nوقد يجاب؛ بأن المجموع من جملة ما ذُكِرَ كلّ فرد ذكر له، يدخل تحت قوله: (شيءٌ ممَّا ذُكِرَ)؛ والمعنى: لا المجموع، ولا كلُّ فردٍ، ولكن إذا لم يعارض المجموع، لم يعارض بعضُه؛ بطريق أولى، فلو قال: لا يُعارِضُ الأغلبَ ما ذُكِرَ، كان أخصر وأولَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-380>\"فرع\"\nموطوءة الأب بالزِّنا،</span> يحل للابن نكاحُها، لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [سورة النساء: الآية، ٣].\nفإن عورض؛ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [سورة النساء: الآية، ٢٢]، وحقيقةُ النكاح الوطءُ (^١).\n_________\n(^١) النكاح في اللغة: الضم والتداخل، ومنه: نكحت البر في الأرض: إذا حرثتها وبذرته فيها، ونكح المطر الأرض: إذا خالط ثراها. ونكحت الحصى أخفاف الإبل: إذا دخلت فيها. ويكون التداخل حسيا كما ذكر، ومعنويًا كـ: نكح النعاس العين.\nويطلق في اللغة على الوطء حقيقة وعلى العقد مجازًا. قال المطرزي والأزهري: هو الوطء حقيقة؛ ومنه قول الفرزدق: [البسيط]\nإِذَا سَقَى اللهُ قَوْمًا صَوْبَ غَادِيَةٍ … فَلَا سَقَى اللهُ أَرْضَ الْكُوفَةِ المَطَرَا\nالتَّارِكِينَ عَلَى طُهْرٍ نِسَاءَهُمُو … وَالنَّاكِحِينَ بشِطَّيْ دِجْلَةَ البَقَرَا\nوهو مجاز في العقد؛ لأن العقد فيه ضم، والنكاح هو الضم حقيقة؛ قال الشاعر: [الطويل]\nضَمَمْتُ إلَى صَدْرِي مُعَطَّرَ صَدرِهَا … كَمَا نَكحَتْ أمُّ الْغُلامِ صَبِيَّهَا =","vol":"1","page":388},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقلنا: بل حقيقته العَقْد، وإذا كان حقيقةً في العقد، لم يكن حقيقة في الوَطْء، وإلا يلزم الاشتراك؛ والمجاز خير منه.\n_________\n= أي كما ضمت، أو لأنه سببه؛ فجازت الاستعارة لذلك. وقيل: إن حقيقته في العقد، مجاز في الوطء. وقيل: هو مشترك بين العقد والوطء اشتراكًا لفظيًا ويتعين المقصود بالقرائن، فإذا قالوا: نكح فلان بنت فلان أو أخته أرادوا تزوجها وعقد عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته لم يريدوا إلا الوطء؛ لأن بذكر المرأة أو الزوجة يستغنى عن العقد. ومن هنا نشأ الاختلاف بين الفقهاء: هل النكاح حقيقة في الوطء والعقد أو هو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر؟.\nفذهب جماعة إلي القول بأن لفظ النكاح مشترك بين الوطء والعقد، فيكون حقيقة فيهما. ودليلهم\nعلى هذا أنه شاع الاستعمال في الوطء تارة وفي العقد تارة أخرى بدون قرينة، والأصل في كل ما\nاستعمل في شيء أن يكون حقيقة فيه إما بالوضع الأصلي أو بعرف الاستعمال. فالقول بالمجازية\nفيهما أو في أحدهما خلاف الأصل.\nوقد قال بعض الحنابلة: الأشبه بأصلنا أن النكاح حقيقة في الوطء والعقد جميعًا؛ لقولنا بتحريم موطوءة الأب من غير تزويج؛ لدخولها في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾.\nوذهب الشافعية والمالكية وجمهور الفقهاء إلى القول بأن النكاح حقيقة في العقد، مجاز في الوطء.\nوذهب الحنفية إلى العكس.\nوالقول بأن النكاح حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر أولى من الذهاب إلى الاشتراك اللفظي، وذلك لما هو متقرر في كتب الأصول من أنه: إذا دار لفظ بين الاشتراك والمجاز فالمجاز أولى لأنه أبلغ وأغلب، والمشترك يخل بالأفهام عند خفاء القرينة عند من لا يجيز حمله على معانيه، بخلاف المجاز؛ فإنه عند خفاء القرينة يحمل على الحقيقة. فكونه حقيقة في أحدهما مجازًا في الآخر أولى. ثم الظاهر مذهب الجمهور القائل بأن النكاح حقيقة في العقد مجاز في الوطء؛ وذلك أولًا: لكثرة استعمال لفظ النكاح بإزاء العقد في الكتاب والسنة حتى قيل: إنه لم يرد في القرآن إلا للعقد، ولا يرد قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ لأن شرط الوطء في التحليل إنما ثبت بالسنة، وذلك للحديث المتفق عليه في قصة امرأة رفاعة لما بت طلاقها وتزوجها عبد الرحمن بن الزبير، فقال لها رسول الله ﷺ: \"أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك\" فيكون معنى قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾ حتى تتزوج ويعقد عليها. وقد بينت السنة أنه لا بد مع العقد من ذوق العسيلة.\nوثانيًا: أنه يصح نفي النكاح عن الوطء، فيقال: هذا الوطء ليسن نكاحًا، ولو كان النكاح حقيقة في الوطء لما صح نفيه عنه.\nوتظهر ثمرة الخلاف بين الحنفية والجمهور في حرمة موطوءة الأب من الزنا. فلما كان النكاح عند =","vol":"1","page":389},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  الحنفية حقيقة في الوطء الامل للوطء الحلال والحرام قالوا بحرمة موطوءة الأب من الزنا. ولما كان عند الجمهور حقيقة في العقد قالوا: لا تحرم موطوءة الأب من الزنا.\nوعرَّفه الشافعية بقولهم: عقد يتضمن إباحة وطء بلفظ الإنكاح والتزويج وما اشتق منهما - فقولهم: \"عقد\" جنس في التعريف. وقولهم: \"يتضمن إباحة وطء\" خرج به ما لا يتضمن إباحة الوطء، كالإجارة وغيرها. وقولهم: \"بلفظ الإنكاح والتزويج\" خرج به ما لم يكن بهذا اللفظ كالهبة والتمليك.\nوعرَّفه العلامة الدردير ﵀ في \"أقرب المسالك\" حيث قال: هو عقد لحل تمتع بأنثى غير محرم ومجوسية وأمة كتابية بصيغة.\nفالعقد مصدر \"عقد\" أي تمسك وتوثق، والمراد به هنا ارتباط أحد الكلامين بالآخر أي ارتباط كلام الزوج بكلام ولي الزوجة على وجه، ويسمى باعتباره عقدًا شرعيًا يستعقب أحكامه. وقوله. \"عقد\" جنس في التعريف يشمل النكاح وغيره من العقود. وقوله: \"لحل تمتع\" الخ … علة باعثة على العقد، وهو فصل مخرج لكل عقد ليس كذلك، ومنه شراء الأمة للتلذذ بها؛ إذ ليس الأصل فيه حل التمتع بخصوصه بل الانتفاع العام وملك الرقبة. وخرج بقوله: \"غير محرم ومجوسية وأمة كتابية\" المحرم بنسب أو رضاع أو صهر والمجوسيات. والإماء الكتابيات؛ فلا يصح العقد على واحدة منهن، ولا يقال: إن هذا التعريف غير مانع لأنه يدخل فيه الملاعنة والمبتوتة والمعتدة من الغير والمحرِمة بحج أو عمرة؛ لأنه قصد بما ذكره إخراج من قام به مانع أصلي، وأما الملاعنة وما عطف عليها فمانعهن عرضي طارئ بعد الحل بخلاف المحرم والمجوسية والأمة الكتابية؛ فإن مانعهن ذاتي لا عرضي. وقوله: \"بصيغة\" متعلق بعقد وهو من تمام التعريف؛ لأن الصيغة أحد أركان النكاح. وقد عرفه الكمال بن الهمام من الحنفية بقوله: عقد وضع لتملك المتعة بالأنثى قصدًا فقوله: \"عقد\" جنس في التعريف يشمل سائر العقود. وقوله: \"وضع لتملك المتعة بالأنثى\" يخرج به العفد على المنافع كالإجارة، وعلى الذوات كالبيع والهبة. والمراد وضع الشارع لا وضع المتعاقدين. وقوله: \"قصدًا\" يحترز به عن عقد تملك به المتعة ضمنًا كما في البيع والهبة؛ لأن المقصود فيهما ملك الرقبة، ويدخل ملك المتعة فيهما ضمنًا إذا لم يوجد ما يمنعه.\nوعرَّفه الحنفية بأنه: عقد يفيد ملك المتعة قصدًا.\nوعرَّفه الحنابلة بأنه: عقد التزويج، فهو حقيقة في العقد، مجاز في الوطء على الصحيح.\nينظر: الصحاح ١/ ٤١٣، ولسان العرب ٢/ ٦٢٥، والمصباح المنير ٢/ ٩٦٥، والقاموس المحيط ١/ ٢٦٣، ومعجم مقاييس اللغة ٥/ ٤٧٥، والمطلع ٣١٨، وتبيين الحقائق ٢/ ٩٤، وبدائع الصنائع ٣/ ١٣٢٤، ومغني المحتاج ٣/ ١٢٣، ومنح الجليل ٢/ ٣، والفواكه الدواني ٢/ ٢١، والكافي ٢/ ٥١٩، والإنصاف ٨/ ٤، والمغني ٧/ ٣.","vol":"1","page":390},{"text":"<span data-type='title' id=toc-381>الأَلْفَاظُ الشَّرْعِيَّةُ</span>\nمَسْأَلَةٌ:\n\"الشَّرْعِيَّةُ وَاقِعَةٌ؛ خِلَافًا لِلْقَاضِي (^١)، وَأثْبَتَتِ الْمُعْتَزِلَةُ الدِّينِيَّةَ أَيْضًا.\n<hr><s0>\n\n\n\"مسألة\"\nالشرح: الألفاظ \"الشرعية\"؛ وهي المستفادة من جهة الشرع، وضعها للمعنى جائز؛ قال في (المنتهى): ضرورة.\nوقال الإمام فخر الدّين الرَّازي، والآمدي، والهِنْدِي (^٢): إنه لا خلاف في ذلك، وليس بجيد، ونقل على أبو الحسن؛ أن بعضهم منع من إمكانها (^٣).\nوالمصنف هنا أهمل ذكر الجواز\" لكونه توهّمه متَّفَقًا عليه؛ كما عرفته؛ ولشذوذ الخلاف فيه؛ وقال: \"واقعة؛ خلافًا للقاضي\" (^٣)؛ حيث صمَّم على إنكارها، وتابعه أبو نصر القُشَيْرِيّ.\nوالجمهور على الوقوع؛ ومنهم الفُقَهَاء، والمُعتزلة، والخَوَارج؛ ثم اختلفوا في أنها هل هي حقائق مبتكرة، ولم يُقْصَدْ فيها التفرُّعُ عن اللغوية، بل أريد وضع مبتكر أو مأخوذة من الحقائق اللُّغوية؛ إما بمعنى أنها أقرب على مدلولها، وزِيدَ فيها، وإما بأن يكون استعير لفظها للمدلولِ الشَّرعيِّ لعلاقة؟\nفذهبت المُعْتزلة إلى الأول، قالوا: وتارةً يصادف ذلك الوضعَ علاقةٌ بين المعنى اللغوي والشرعي؛ فيكون اتفاقًا غير منظورٍ إليه، وتارة لا يصادف.\nوذهب غيرهم إلى الثاني؛ قالوا: وهي مَجَازَاتٌ لغوية، حقائقُ شرعية؛ فعلى الأول: لا يتكلّف في إثبات المعنى الشَّرْعي إلى علاقة، ولا يستدلّ على أن اللّفظة غير منقولةٍ بعدم العلاقة؛ بخلاف الثاني.\nقوله: \"وأثبتت المعتزلة الدينية أيضًا\".\n_________\n(^١) فإنها عنده حقائق لغوية لم يستعملها الشارع إلَّا بها، وتبعه في ذلك أبو نصر القشيري. ينظر: سلاسل الذهب (١٨٢)، والبحر المحيط ٢/ ١٦١، والبرهان ١/ ١٧٤، (٨٤).\n(^٢) ينظر: المحصول ١/ ١/ ٤٢٧، والبحر المحيط ٢/ ١٥٩.\n(^٣) ينظر: البحر المحيط ٢/ ١٦٠، وسلاسل الذهب (١٨٣).","vol":"1","page":391},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nاعلم أن المثبتين للأشياء الشرعية اختلفوا، هل وقع النقل في الأسماء الشرعية مطلقًا، سواء تعلَّقت بالأصول الشرعية؛ كالإيمان (^١)، أو بفروعها؛ كالصلاة (^٢)، أو وقع في فروعها؛ كالصلاة والزكاة (^٣)؟\n_________\n(^١) الإيمان في اللغة: الأمن من التكذيب والمخالفة. وهو التصديق بأي أمر حقًّا كان أو باطلًا. قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾. وفي الشرع للعلماء فيه مذاهب ثلاثة:\nالمذهب الأول: الإيمان هو التصديق القلبي، وهو لجمهور الأشاعرة والماتريدية.\nالمذهب الثاني: الإيمان هو التصديق والإقرار، وهو لأبي حنيفة ومن تبعه.\nالمذهب الثالث: الإيمان هو التصديق والإقرار بالشهادتين والعمل، وهو رأي الخوارج والمعتزلة والفقهاء مع المحدثين.\n(^٢) الصلاة في اللغة: الدعاء. قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ادع لهم، وقال الأعشى:\nوقابلَها الرِّيحُ في دنِّها … وصلَّى على دنها وارتسم\nأيْ دعا وكبر، وهي مشتقة من الصلوين، قالوا: ولهذا كتبت الصلاة بالواو في المصحف. وقيل: هي من الرحمة. والصلوات، واحدها صلا كعصا، وهي عرقان من جانبي الذنب، وقيل: عظيان ينحنيان في الركوع والسجود. وقال ابن سيده: الصَّلا: وسْط الظهر من الإنسان، ومن كل ذي أربع، وقيل: هو ما انحدر من الوركين، وقيل: الفرجة التي بين الجاعرة والذنب، وقيل: هو ما عن يمين الذنب وشماله، وقيل: في اشتقاق الصلاة غير ذلك. ينظر: لسان العرب ٤/ ٢٤٩٠، ٢٤٩١، وتهذيب اللغة ٢/ ٢٣٦، ٢٣٧، وترتيب القاموس ٢/ ٨٤٧.\nواصطلاحًا:\nعزَفها الحنفية بأنها: أركان مخصوصة وأذكار معلومة بشرائط محصورة في أوقات مقدرة.\nوعند الشافعية: أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.\nوعند الحنابلة: أقوال وأفعال مخصوصة، مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم. ينظر: الاختيار ١/ ٣٧، وفتح الوهاب ١/ ٢٩، وقليوبي على المنهاج ١/ ١١٠، والمبدع ١/ ٢٩٨.\n(^٣) الزكاة لغةً: قال ابن قتيبة، الزكاة من الزكاء، وهو النماء، والزيادة، سميت بذلك؛ لأنها تثمر المال، وتنميه، يقال: زكا الزرع: إذا بورك فيه، وقال الأزهري: سميت زكاة؛ لأنها تزكي الفقراء، أي: تنميهم، قال: وقوله تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، أي: تطهر المخرجين، وتزكي الفقراء.\nينظر: لسان العرب ٣/ ١٨٤٩، وترتيب القاموس ٢/ ٤٦٤، والمصباح المنير ١/ ٣٤٦.\nواصطلاحًا:\nعرَّفها الحنفية بأنها: اسم لفعل أداء حق يجب للمال يعتبر في وجوبه الحول والنصاب.\nوعرَّفها الشافعية بأنها: اسم لما يخرج عن مالٍ أو بدن على وجه مخصوص. =","vol":"1","page":392},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفذهبت المعتزلة؛ إلى الأول؛ غير أنهم أرادوا التفرقة بينهما، فخصوا الألفاظ المتعلّقة بفروع الشريعة؛ باسم الشَّرْعية، والمتعلّقة بالأصول؛ بالدينية.\nوفي كلام الرَّازي وغيره؛ أنهم خصوا أسماء الأفعال؛ كـ (الصلاة)، و(الزَّكاة)؛ بالشرعية، وأسماءَ الفاعلين؛ كالمؤمن والفاسق؛ بالدّينية؛ وهو يقتضي أن جمل ما كان من أسماء الأفعال، يكون داخلًا عندهم في الشَّرعية؛ فيدخل الإيمان والكُفْر والفِسْق مثلًا في الشرعية، ويخرج عن الدينية، ويقتضي أن أسماء الفاعلين كلَّها دينية؛ فيدخل المصلّي والمزكّي تابعين للصَّلاة والزكاة، فهما شرعيّان، والإيمان والكُفْر أصل للمؤمن والكافر؛ وهما من الدِّينية.\nفالحق (^١) [أن] (^٢) المتعلِّق بفروع الدِّين شرعي، وبأصوله ديني؛ وإلَّا لزم تسمية اللَّفظ باسم، وتسمية أصله المشتقِّ منه؛ بغير اسمه.\nوذهب غيرهم؛ إلى أن النقل إنما وقع في فروع الشريعة فقط، وهو رأي أبي إسحاق الشِّيرازي، وأكثرِ أصحابنا، واختاره المصنِّف.\nثم من أصحابنا من اقتضى كلامه أن محلَّ الخلاف، إنما هو الشرعية، وأن الدينية لم يثبتها أحدٌ؛ إلَّا ممن خَرَقَ الإجماع.\nوهو قضية إيراد ابن السَّمْعاني، قال: وصورة الخلاف في الزَّكاة، والصَّلاة، والحج (^٣)،\n_________\n= وعرَّفها المالكية بأنها: إخراج جزء مخصوص من مال مخصوص بلغ نصابًا لمستحقه.\nوعرَّفها الحنابلة بأنها: حق واجب في مال مخصوص لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص .. ينظر: شرح فتح القدير لابن الهمام على الهداية ٢/ ١٥٣، وشرح المهذب ٥/ ٣٢٤، ومغني المحتاج ١/ ٣٦٨، والبجيرمي على الإقناع ٢/ ٢٧٥، ونهاية المحتاج ٣/ ٤٣، وشرح منح الجليل على مختصر خليل ١/ ٣٢٢، ومواهب الجليل ٢/ ٢٥٥، وشرح الخرشي ٢/ ١٤٨، والفواكه الدواني ١/ ٣٧٨، وكشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي ٢/ ١٦٦.\n(^١) في ت: فالجواز.\n(^٢) سقط في ت.\n(^٣) الحج بفتح الحاء وكسرها لغة: القصد؛ يقال: رجل محجوج، أي: مقصود؛ قال المخبل السعدي: [الطويل]\nوأشهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَة … يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ المُزَعْفَرَا\nأي يقصدونه. وقال ابن السكيت: أي يكثرون الاختلاف إليه. هذا هو الأصل، ثم غلب استعماله في القصد إلى مكة حرسها الله تعالى. =","vol":"1","page":393},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالعمرة، وما أشبه ذلك (^١).\nونقل الإمام محمد بن نَصْرِ المَرْوَزِيّ (^٢)، في [كتاب] (^٣) (الصَّلاة)؛ عن أبي عُبَيْدٍ (^٤)؛ أنه استدل على أن الشارع نقل الإيمان؛ فإنه نقل الصلاة والحج ونحوهما إلى مَعَانٍ أخر.\nقال: فما بال الإيمان؟ وهذا يدل على تخصيص الخلاف بالإيمان، وهو صحيح؛ فإن الخلاف بيننا وبين المعتزلة إنما هو في الدينية؛ كالإيمان، وأما الشرعية، فنحن وهم سواء في\n_________\n= وشرعًا: قصد الكعبة بنسك.\nواصطلاحًا:\nعرَّفه الحنفية بأنه: قصد موقع مخصوص - وهو البيت - بصفة مخصوصة، في وقت مخصوص، بشرائط مخصوصة.\nوعرَّفه الشافعية بأنه: قصد الكعبة للنسك.\nوعرَّفه المالكية بأنه: هو وقوف بعرفة ليلة عاشر ذي الحجة، وطواف بالبيت سبعًا، وسعي بين الصفا والمروة كذلك على وجه مخصوص بإحرام.\nوعرَّفه الحنابلة بأنه: قصد مكة للنسك في زمن مخصوص. ينظر: لسان العرب ٢/ ٧٧٩، والمغرب ص ١٠٣، والمصباح المنير ١/ ١٢١، والاختيار ١٧٧، ومغني المحتاج ١/ ٤٦٠، ونهاية المحتاج ٣/ ٢٣٣، والشرح الكبير ٢/ ٢٠٢، والمبدع ٣/ ٢٨٣، وكشاف القناع ٢/ ٣٧٥، وأسهل المدارك ١/ ٤٤١، والفواكه الدواني ١/ ٤٠٦، ومجمع الأنهر ١/ ٢٥٩.\n(^١) ينظر: البحر المحيط ٢/ ١٦٢.\n(^٢) أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي، أحد الأئمة الأعلام، ولد سنة ٢٠٢ هـ، تفقه على أصحاب الشافعي بـ\"مصر\" وعلى إسحاق بن راهوية، قال الخطيب البغدادي: كان من أعلم الناس باختلاف الصحابة ومن بعدهم، وقال أبو بكر الصيرفي: لو لم يصنف المروزي إلا كتاب القسامة لكان من أفقه الناس. مات سنة ٢٩٤ هـ.\nينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٨٤، والأعلام ٧/ ٣٤٦، والبداية والنهاية ١١/ ١٠٢.\n(^٣) سقط في أ، ج.\n(^٤) القاسم بن سلام أبو عبيد البغدادي، أحد أئمة الإسلام فقهًا، ولغةً، وأدبًا، أخذ العلم عن الشافعي، والقراءات عن الكسائي وغيره. قال ابن الأنباري: كان أبو عبيد يقسم الليل أثلاثًا، فيصلي ثلثه، وينام ثلثه، ويصنف ثلثه. وقال عبد الله بن الإمام أحمد: عرضت كتاب \"الغريب\" لأبي عبيد على أبي فاستحسنه، وقال: جزاه الله خيرًا. توفي سنة ٢٢٤ هـ. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٦٧، وطبقات ابن سعد ٧/ ٣٥٥، وإنباه الرواة ٣/ ١٢، وطبقات الشافعية للإسنوي ص ١١، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٣٠، وطبقات الفقهاء للعبادي ص ٢٥.","vol":"1","page":394},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nإثباتها، وخلافنا فيها ليس معهم، بل مع القاضي.\nوحصلنا من هذا، على أن من الناس: من نفى النقلَ مطلقًا؛ كـ (القاضي)، ومن أثبته مطلقًا؛ كـ (المعتزلة)، ومن فرَّق بين الدينية والشرعية فأثبت الشرعية؛ ونفى الدينية، وهو المختار، ولم يقلْ أحد بعكسه.\nوهنا فوائد:\nإحْدَاهَا: أن قوله: (وأثبت المعتزلة الدينية أيضًا)، يفهم أنهم أثبتوا الشرعية؛ لاقتضاء (أيضًا) ذلك.\nوقد غلط بعض الشارحين؛ فزعم أن المعتزلة لا يثبتون الشرعية؛ وسبب وهمه (^١) أن المصنِّف نصب الدليل من جِهَتِهِمْ في الدينية فقط، والمصنّف إنما فعل ذلك؛ لأنه يوافقهم في الشرعية، دون الدينية؛ فإن سكوته عن اختيار هذا القول، مع جزمه بإثبات الشَّرعية قرينةٌ في أنه لا يرى إثبات الدينية، وسيصرِّح به في الاستدلال.\nالثانية: ليس في كلامه نقلٌ عن القاضي في الدِّينية، ومذهبه إنكارها؛ ولعلَّ المصنّف إنما فعل ذلك؛ لأنه إذا أنكر الشرعية، أنكر الدِّينية؛ بطريق أولى؛ لأن كل من أثبت الدِّينية، أثبت الشرعية، من غير عكس.\nالثالثة: قوله: (الشرعية، والدِّينية)، لا شك أنهما صفتان لموصوفٍ محذوفٍ، وليس هو بالحقيقة؛ كما توهمه الشارحون، بل الأسماء والألفاظ؛ كما شرحناه؛ لقوله في (المنتهى): (الأسماء الشرعية)؛ ليشمل كلامه كلًّا من الحقائق الشرعية، والمجازات الشرعية؛ لأنهما سواء وفاقًا وخلافًا.\nالرابعة: الشرعي، يطلق (^٢) في اصطلاح الفقيه والأصولي، على أنواع:\nالأول: ما لم يستفدِ اسمه إلَّا من الشرع؛ وهو المراد هنا.\nالثاني: الواجب والمندوب فقط، وذكر إمام الحرمين في (الأساليب)؛ أنه الذي يعنيه الفقيه بالشرعي؛ ويشهد له قول الأصحاب: الجماعة في النَّفل المطلق غير مشروعة، يعنون: غيرَ مندوبة، وإلا فهي مُبَاحةٌ.\n_________\n(^١) في ب: زعمه.\n(^٢) في ج، ح: ينطلق.","vol":"1","page":395},{"text":"لَنَا: الْقَطْعُ بِالاسْتِقْرَاءِ؛ أَنَّ الصَّلَاةَ لِلرَّكَعَاتِ، وَالزَّكَاة، وَالصَّوْم، وَالْحَجُّ كَذلِكَ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ: الدُّعَاءُ، وَالنَّمَاءُ، وَالْإِمْسَاكُ مُطْلَقًا، وَالْقَصْدُ مُطْلَقًا.\n<hr><s0>\n\nوفي (الروضة) في صلاة الجماعة (^١) - من زيادة النووي - معنى قولهم: لا تشرع: لا تستحب (^٢).\nالثالث: المباح.\nالشرح: \"لنا: القَطْع\" الحاصل \"بالاستقراء؛ أن الصلاة للركعات، والزكاة والصيام (^٣) والحج كذلك\"، أي: الأفعال المخصوصة المفهومة من الشَّرع، \"وهي في اللغة\" لغير ذلك؛ فإن الصلاة، والزكاة، والحج لغة: حقيقة في \"الدُّعاء، والنَّمَاء، والإِمْسَاك مطلقًا\"، سواء كان إمساكَ صومٍ أم غيرِهِ، \"والقصد مطلقًا\"، سواء كان لـ\"مكة\" لحج أم (^٤) غير ذلك.\nوإنما قال: الزكاة والصوم والحج كذلك، ولم يقل لنا القطع بأن الصَّلاة، والزكاة، والصوم، والحج للمعاني الشرعية؛ لأن قطعه (^٥) إنما هو بالنسبة إلى الصلاة فقط.\nوقوله: \"الزكاة … \" إلى آخره - جملة مستأنفة.\nوقوله: \"والزكاة\" مرفوع بالابتداء.\n_________\n(^١) ينظر: الروضة بتحقيقنا ١/ ٤٤٥.\n(^٢) في أ، ج، ح: لا يشرع لا يستحب.\n(^٣) مصدر صام، وهو في اللغة: عبارة عن الإمساك. قال الله تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾. ويقال: صامت الخيل: إذا أمسكت عن السير، وصامت الريح: إذا أمسكت عن الهبوب.\nقال أبو عبيدة: كل ممسك عن طعام، أو كلام، أو سير، فهو صائم.\nواصطلاحًا:\nعرَّفه الحنفية بأنه: عبارة عن إمساك مخصوص، وهو الإمساك عن المفطرات الثلاث بصفة مخصوصة.\nوعرَّفه الشافعية بأنه: إمساك عن المفطر على وجه مخصوص.\nوعرَّفه المالكية بأنه: إمساك عن شهوتي البطن والفرج في جميع النهار بنية.\nوعرَّفه الحنابلة بأنه: إمساك عن أشياء مخصوصة. ينظر: الصحاح ٥/ ١٩٧٠، وترتيب القاموس ٣/ ٨٧١، والمصباح المنير ٢/ ٤٨٢، ولسان العرب ٤/ ٢٥٢٩، والاختيار ١٥٨، والصنائع ٣/ ١٠٥٥، والمبسوط ٣/ ١١٤، ومغني المحتاج ١/ ٤٢٠، والمجموع ٦/ ٢٤٧، والشرح الكبير، بحاشية الدسوقي ١/ ٥٠٩، والكافي ١/ ٣٥٢، وكشاف القناع ٢/ ٢٩٩، والمغني ٦/ ١٨٦.\n(^٤) في ت: أو.\n(^٥) في ت: وضعه.","vol":"1","page":396},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقوله: \"كذلك\" أي: مثل الصلاة في النَّفل، لا في القطْع به، هذا تقرير كلامه.\nويشهد له كلامُه في (المنتهى)؛ إذ قال: لنا: القطع أن الصَّلاة للركعات، والظاهرُ أن الزكاة والصيام والحج كذلك.\nفإن قلت: لم كان القطع موجودًا في الصلاة، دون غيرها؟\nقلت: قد يقال: العرب كانت تعرف حجَّ البيت، وصومَ يومٍ إلى اللَّيل.\nوقال داود الظاهري (^١): لم يكن لفظ الزكاة معروفًا. عندهم ألبتة، ونحن نقطع (^٢) بأنهم لم يكونوا عارفين بهذه الصَّلاة المخصوصة (^٣).\nوقوله: إن الصلاة: الدعاء - جزم منه بذلك.\nوفي (المنتهى) قال: الدعاء أو الاتباع، وقد أشار إليه هنا من بَعْد؛ حيث يقول: ورُدَّ بأنه في الصَّلاة، وهو غير داعٍ ولا مُتَّبعٍ.\nوالمشهور: أن الصلاة في اللّغة: الدعاء الخَاصُّ؛ وهو الدعاء بخير.\nوهل هي مشتركة بين الدعاء، والرحمة، أو حقيقة في الدعاء، مَجَازٌ في الرحمة؟.\nظاهر مذهب الشَّافعي الأول؛ إذ استدل على إعمال المشترك في معنييه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾ [سورة الأحزاب: الآية، ٥٦].\nوذهب الزَّمَخشريُّ إلى أنها مجاز في الدعاء (^٤)؛ ذكره عند الكلام على قوله تعالى في (البقرة) ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [سورة البقرة: الآية، ٣]؛ حيث قال: وقيل للداعي: حصل؛ تشبيهًا في تخشّعه بالراكع والساجد. انتهى، وجعل حقيقة المصلِّي تحرُّك الصَّلَوَيْنِ.\nولقائل أن يقول: قوله: \"الصلاة للركعات\" يقتضي أن كل صلاة ذاتُ ركعات، والركعات صلاة شرعية إجماعًا، وكذلك الركعة الواحدة عندنا.\nولا يقال: فلم تجب (^٥) ركعتان [على] (^٦) من نَذَرَ أن يصلي؛ في أصح القولين؛ لأن\n_________\n(^١) أبو سليمان داود بن علي بن خلف بن سليمان الأصبهاني، ثم البغدادي إمام أهل الظاهر، ولد سنة ٢٠٠ هـ، أخذ العلم عن إسحاق وأبي ثور. قال العبادي: وكان من المعصبين للشافعي، وصنف كتابين في فضائله والثناء عليه. مات سنة ٢٧٠ هـ. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٧٧، وفيات الأعيان ٢/ ٢٦، طبقات الفقهاء ص ٥٨.\n(^٢) في ج، ح: على قطع.\n(^٣) ينظر: شرح المهذب (٥/ ٢٩٥).\n(^٤) ينظر: الكشاف ٣/ ٥٥٧.\n(^٥) في أ، ت، ج، ح: يجب.\n(^٦) سقط في ت.","vol":"1","page":397},{"text":"قَوْلُهُمْ: (بَاقِيَةٌ، وَالزِّيَادَاتُ شُرُوطٌ)؛ رُدَّ بِأنَّهُ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ غَيْرُ دَاعٍ وَلَا مُتَّبَعٍ.\n<hr><s0>\n\nالمأخذ في إيجاب ركعتين ليس أن الركعة ليستْ صلاةً، بل (^١) إيجاب الآدمي على نفسه فرعٌ لإيجاب الله تعالى، وأقلُّ ما أوجب الله - تعالى - ركعتان، ويقتضي أيضًا أن ما لَا رَكعَةَ فيه ليس بصلاة؛ فتَرِدُ عليه صلاة الجنازة؛ وكذلك سجدتا التِّلاوة، والشكر.\nقال الشَّيخ أبو حامد: كل منهما بانفراده صلاة شرعية.\nالشرح: قال: \"قولهم\"، أي: في الاعتراض على هذا الدليل: لا نسلِّم أن هذه الألفاظ خارجةٌ عن موضوعاتها اللّغوية \"باقيةٌ، والزياداتُ\" المزيدة عليها \"شروطٌ\"؛ لصحة وقوع الفعل على الوجه الشرعي - \"ردّ بأنه\" قد يكون \"في الصلاة، وهو غير داعٍ ولا مُتَّبعٍ\"؛ مع أن الصلاة الدعاء؛ كما تقدم، والاتباع.\nومنه المُصَلِّي في السِّبَاق، وقد قرر كونه غير داعٍ بالمصلِّي حال التلبُّسُ بأركانٍ لا دعاء فيها.\nولك أن تقول: لا نسلِّم [أنه] يسمي، والحالة هذه، مصلِّيًا؛ بالحقيقة؛ وبالأخرس، فإنه يسمى مصليًّا، وإن لم [يكن] (^٢) داعيًا.\nولك منع كون الأخرس ليس بداعٍ؛ إذ الدعاءُ هو الطلب القائمُ بالنفس؛ وذلك يوجد من الأخرس؛ وبأن الدعاء ليس ملازمًا للصلاة.\nولك أن تقول: الصلاة على النبي ﷺ عندنا رُكْنٌ في الصَّلاة؛ وذلك دعاء؛ وكذلك (^٣) قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾؛ في (الفاتحة)، وإن كان المُصلِّي إنما يقرؤه على أنه قرآن - فليقرَّر بمن لا يوجب الصلاة في الصلاة، ولا الفاتحة؛ كالحنفي، فإن صلاته (^٤) قد تَخْلُو عن الأمرين؛ فتخلو عن الدعاء، وقرر كونه [قد يكون] (^٥) غير متَّبعٍ (^٦) بالإمام والمنفرد، ولك أن تقول: المراد بالاتباع: اتباعُ الشارعِ، وذلك حاصل لهما.\nفقد لَاحَ لك بهذا؛ أن ما رد به كلامُ القاضي فيه نظرٌ.\n_________\n(^١) في ج: بل إن.\n(^٢) سقط في ح.\n(^٣) في ت: وكذا.\n(^٤) في ح: صلاة.\n(^٥) سقط في ب.\n(^٦) في أ، ب، ج: ممتنع.","vol":"1","page":398},{"text":"قَوْلُهُمْ: مَجَازٌ، إِنْ أُرِيدَ اسْتِعْمَالُ الشَّارعِ لَهَا، فَهُوَ الْمُدَّعَى، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَهْلُ اللُّغَةِ، فَخِلَافُ الظَّاهِرِ؛ لأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوهَا؛ وَلأَنَّهَا تُفْهَمُ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ، الْقَاضِي:\n<hr><s0>\n\nالشرح: وأما \"قولهم\"؛ بأننا سلمنا استعمال الشارع لهما، ولكن ذلك ليس دليلًا على الحقيقة، وإنما هو \"مجاز\"؛ لما بين الشرعي واللغوي من العَلَاقَةِ:\nفجوابه من وجهين:\nأحدهما: أن نقول: \"إن أريد\" بكونها مجازًا \"استعمالُ الشَّارع لها\"، أي: أن الشارع استعملها في هذه المَعَاني على سبيل التجوُّز، \"فهو المدعَى\"؛ إذ الحقيقة الشرعية مَجَازٌ لغويٌّ أشهر.\n\"وإن أريد\" استعمالُ \"أهل اللغة، فخلاف الظاهر؛ لأنهم لم يعرفُوها\"، فكيف يستعملونها، واستعمال اللفظ في المعنَى فرعُ تعقُّله؟.\nوالثاني: المنع فلا نسلم أنها مجاز؛ وإليه أشار بقوله: \"ولأنها\" لو كانت مجازًا، لتوقَّف فَهْمُهَا على القَرِينَةِ، لكنها \"تفهم بغير قَرِينَةٍ\"، وتبادرُ الفهمِ دليلُ الحقيقة.\nولقائل أن يقول على الأول: قولكم: إن أريد استعمالُ الشَّارع، فهو المدعَى - ماذا تريدون (^١) باستعماله؟ إن أردتم مجرد الاستعمال، فليس هو المدعَى، وإن أردتم الاستعمال مع الوَضْع الشرعي، فممنوع (^٢)؛ وأيضًا فالنبي ﷺ سيّد أهل اللغة، واستعماله استعمال أهل اللُّغة، ففيم الترديد؟\nوقولكم: وإن كان أريد أهلُ اللغة، فخلاف الظَّاهر؛ لأنهم لم يعرفوها - فيه نظر؛ لأنكم جزمتم بأن أهل اللُّغَةِ لم يعرفوها؛ واستدللتم بذلك على أن استعمالهم لها خلاف الظَّاهر، وكيف يكون الدَّليل مجزومًا به، والمدلولُ خلافُ الظاهر؛ ولا بد من تَسَاوِي الدَّليل والمَدْلُولِ في القطع والظَّن.\nوعلى الثاني: لم قلتم: إن تبادر الفَهْمِ علامةُ الحقيقة، وقد تبادر المجاز الرَّاجح.\n_________\n(^١) في ت: يريدون.\n(^٢) في حاشية ج: قوله: \"فممنوع\" قد يقال: دليل الوضع الاستعمال.\nوقوله: \"فاستعماله … \" إلخ. قد يقال: إن استعملها فيما لم يعرفه أهل اللغة.\nوقوله: \"وكيف يكون … \" إلخ قد يقال: اكتفى بمخالفة الظاهر؛ لكفايتها في المطلوب.\nقوله: \"لأنه قد يتبادر … \" الخ قد يقال: إن هذا التبادر منشؤه كثرة الاستعمال مع القرينة، بخلاف تبادر الحقيقة.","vol":"1","page":399},{"text":"لَوْ كَانَتْ كَذلِكَ، لَفَهَّمَهَا الْمُكَلَّفَ، وَلَوْ فَهَّمَهَا، لَنُقِلَ؛ لأَنَّا مُكَلَّفُونَ مِثْلَهُمْ، وَالآحَادُ لَا تُفِيدُ، وَلَا تَوَاتُرَ؛ وَالْجَوَابُ: أَنَّهَا فُهِمَتْ بِالتَّفْهِيمِ بِالْقَرَائِنِ، كَالْأَطْفَالِ.\n<hr><s0>\n\nولا يقال: تبادره، إنما يكون بِسَبْقِ حقيقةٍ عرفية، وهي منتفيةٌ، أو شرعيةٍ، وهي المدعَى؛ لأنه قد يتبادر، لا مع واحد من هذين.\nواستدلّ \"القاضي\" على نَفْي الحقيقة الشرعية؛ بأنه \"لو كانت كذلك\"، أي: موضوعة بالشَّرع، \"لفهَّمها\" الشَّارع \"المكلَّفَ\" قبل أن يخاطِبَ بها، وإلا يلزم الخِطَاب بما لا يفهم، وهو تكليف بما لا يُطَاق، \"ولو فهَّمها\" للمكلَّفين، \"لنقل\" إلينا؛ \"لأننا مكلَّفون مثلَهم\"، أي: مثل الموحِّدين في زمن النبي ﷺ.\nوالنقل: إما متواتر أو آحاد، \"والآحاد لا تفيد\" (^١)؛ إذ المسألة علمية.\nقال القاضي في (التقريب): بل لا يقدر أحدٌ أن يروي حرفًا في ذلك عن الرسول ﷺ.\n\"ولا تواتُرَ\" اتفاقًا.\n\"والجواب\": سلمنا أنه لا بُدّ من التفهُّم، [ولكن] (^٢) لِمَ حصرت التَّفَهُّم في النقل؟ فنقول: \"إنها فُهِمت: بالتفهيم بالقرائن؛ كالأطفال\"؛ حيث يعرفون مدلول اللَّفْظ من غَيْر نصٍّ عندهم.\nوهذا الجواب على تقدير تسليم المُلَازمة، وقد منعها أخي الإمام أبو حَامِدٍ - سلّمه الله - في قطعة [وقفت] (^٣) عليها من كلامه على الحقيقة الشرعية؛ موجِّهًا بأنه قد كلَّف بالصلاة من لا يفهمُ موضوعها شرعًا، فيقال له: صَلِّ؛ ولا تجزئ صلاتك إلا إذا فعلت كَيْتَ وكَيْتَ.\nأما دخول تلك الأمور في مسمى الصلاة بالوضعِ الشَّرعي، أو عدمِهِ، فليس من التَّكليف.\nقال: ولا نعلم أحدًا قال: إن من شرط الصلاة أن يعرف المصلِّي الركْنَ من [الشرط] (^٤).\nولقائل أن يقول: أما أن ذلك ليس من شرط الصلاة، فلا ريب فيه، بل ولا [تجب] (^٥) معرفته على مجموع العاملين.\nوأما أصل وجوب معرفته، فهو من علوم [الشريعة] (^٦) التي يجب حملها، ولا وجه لمنع المُلَازمة، مع ثبوت أصل الوجوب.\nوقول المصنِّف \"بالتفهيم\" حشوٌ، ولو قال: فهمت بالقرائن فقط، حصل غرضه، ثم إن\n_________\n(^١) في أ، ب، ج، ح: فلا يفيد.\n(^٢) في ب: ولكنها.\n(^٣) في أ، ح: وقعت.\n(^٤) في ح: الشروط.\n(^٥) في أ، ج، ح: يجب.\n(^٦) في ح: الشرعية.","vol":"1","page":400},{"text":"قَالُوا: لَوْ كَانَتْ، لَكَانَتْ غَيْرَ عَرَبِيَّةٍ؛ لأِنَّهُمْ لَمْ يَضَعُوهَا، وَأَمَّا الصُّغْرَى؛ فَلأِنَّهُ يَلْزَمُ أَلَّا يَكُونَ الْقُرْآنُ عَرَبِيًّا؛ وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا عَرَبِيَّةٌ؛ بِوَضْعِ الشَّارعِ لَهَا مَجَازًا، .............\n<hr><s0>\n\nالقاضي ومتابعيه ذكروا دليلًا آخر؛ وهو في كتاب (التقريب) مقدَّم في الذِّكر على الاحتجاج السَّابق.\nالشرح: \"قالوا: لو كانت\" حقائقَ شرعيةً، \"لكانت غير عَرَبِيَّة؛ لأنهم\"؛ أي: العرب، \"لم يضعوها، والتالي (^١) باطل، فكذا المقدَّم.\nأما الشرطية؛ فلأن العربي هو اللّفظ الموضوع لما خصَّصته به العرب، وليست هذه الألفاظُ كذلك.\n\"وأما الصغرى\"؛ كذا بخط المصنّف، وفي بعض النسخ (الثانيةُ)، والمراد: بطلان التالي - \"فإنه يلزم ألا يكون [القرآن] (^٢) عربيًّا\"؛ لاشتماله عليها؛ لكنه عربي؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [سورة يوسف: الآية، ٢].\nقال القاضي: ولإطباق الأمة على أنا لم نخاطَب إِلَّا باللِّسان العربي.\n\"وأجيب\" بمنع الشَّرْطية؛ فليس من شرط العربي أن يضعه العرب لذلك المعنى؛ بل اللفظُ الذي تضعه العرب لمعنى مناسبٍ للمعنى الموضوع تجوُّزًا (^٣): يسمى عربيًّا؛ وهو معنى قوله: \"بأنها عربية؛ بوضع الشَّارع لها مجازًا\".\nوالضمير في قوله: (لها) - عائدٌ على المَعَاني الشرعية؛ وقَوَّاه بـ (اللام)؛ لأن المصدر يقوى بـ (اللام)؛ لضعف عمله عن عمل الفعل.\nوالحاصل: أن المجاز عربيٌّ، والحقائق الشرعية مَجَازاتٌ.\nفإن قلت: إنما يكون من اللُّغة المَجَازُ الذي تكلَّمت به العرب.\nقلت: تقدم أنه لا يشترط النقل في الآحاد، وأن استعمال العرب لأصل العلاقة كافٍ في نسبة المجاز لها.\nومن هذا يعلم أن قوله: (مجازًا) يتعلق بوضع الشارع، لا بقوله (بأنها عربية)؛ ولك منع الملازمة بِوَجْهٍ آخر؛ وهو أن الشرعية عربيةٌ بوضعِ أفصحِ مَنْ نطق بالضاد ﷺ؛ وهو سيّد العرب العرباء.\n_________\n(^١) في ص: والثاني.\n(^٢) في ب، ح: القرائن، وهو تحريف.\n(^٣) في ت: يجوز أن.","vol":"1","page":401},{"text":"أَوْ ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ ضَمِيرُ السُّورَةِ، وَيَصِحُّ إِطْلَاقُ اسْمِ الْقُرْآنِ عَلَيْهَا؛ كَالْمَاءِ وَالْعَسَلِ، بِخِلَافِ نَحْوِ: الْمِائَةِ، وَالرَّغِيفِ، .......................................................\n<hr><s0>\n\nفإن قلت: فلتكن لغويةً.\nقلت: اللغويُّ لم يلاحِظْ فيه الوضعَ الأصْلي.\n\"أو\" يمنع بطلان التالي، ونقول: \" ﴿أنزلناه﴾ (^١) ضميرٌ للسورة\"؛ أي: الضمير في (أنزلناه) للسورة، لا للقرآن، \"ويصح إطلاق اسم القرآن عليها؛ كالماء، والعَسَل\"؛ إذ يطلق كل منهما على قليله، وكثيره؛ \"بخلاف نحو: المائة، والرغيف\"؛ إذ لا يطلق على البَعْضِ.\nوحاصله: أن القرآن اسمُ جنسٍ صادقٌ على القليل منه، والكثير؛ ولذلك (^٢) [فـ]ــإنَّ الحالف؛ لا يقرأ القرآن - يحنث بقراءة البعض.\nولقائل أن يقول: لا نسلم أن القرآن اسمُ جنسٍ (^٣) -، وإنما هو علمٌ على الكتاب العزيز، وهذا ما ذكره البَيْضَاوي في (مِرْصَاده)؛ بحثًا، ونقله أخي الإمام أبو حامد ﵀ عن أبي علي الفارسي (^٤)، وهو الذي يصح عن الشَّافعي، ﵁.\nوقاله إسماعيل بن قُسْطَنْطِين (^٥) الذي قرأ عليه الشَّافعي.\nوالإمام الرَّازي قال: إنه اسم للمجموع، وقولهم: الحالف لا يقرأ القرآن يحنثُ بالبعض -\n_________\n(^١) في ج: إنا أنزلناه.\n(^٢) في ح: وكذلك.\n(^٣) في ح: للجنس.\n(^٤) الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي الأصل، أبو علي: أحد الأئمة في علم العربية، ولد في \"فسا\" \"من أعمال فارس\" ودخل بغداد سنة ٣٠٧ هـ، وتجوَّل في كثير من البلدان، وقد طلب سنة ٣٤١ هـ، فأقام مدة عند سيف الدولة. وعاد إلى فارس، فصحب عضد الدولة ابن بويه، وتقدَّم عنده، فعلمه النحو، وصنَّف له كتاب \"الإيضاح\" في قواعد العربية، ولد سنة ٢٨٨ هـ، وتوفي سنة ٣٧٧ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ١/ ١٣١ ونزهة الألبا ٣٨٧، والأعلام ٢/ ١٧٩.\n(^٥) أبو إسحاق إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين المخزومي، مولاهم المكي، المعروف بـ \"القسط\" مقرئ مكة. ولد سنة ١٠٠ هـ، وقرأ على ابن كثير وعلى صاحبيه: شبل بن عباد، ومعروف بن مشكان، وأقرأ الناس زمانًا، وكان ثقة ضابطًا، قرأ عليه الإمام محمد بن إدريس الشافعي ومحمد بن سبعون، وعكرمة بن سليمان، وروى عنه القراءة أحمد بن موسى اللؤلؤي، وفي سند البزي عن ابن كثير نفسه، وفي سند قنبل عن شبل ومعروف عن ابن كثير، قال الذهبي: والقولان صحيحان. ثم جمع بينهما. توفي سنة ١٧٠ هـ.\nينظر: غاية النهاية ١/ ١٦٦.","vol":"1","page":402},{"text":"وَلَوْ سُلِّمَ؛ فَيَصِحُّ إِطْلَاقُ الْعَرَبِيِّ عَلَى مَا غَالِبُهُ عَرَبِيٌّ؛ كَشِعْرٍ فِيهِ فَارِسِيَّةٌ وَعَرَبِيَّةٌ.\n<hr><s0>\n\nممنوع؛ فقد نصّ الشَّافعي على أنه لا يحنث، وهو ما ذكره (^١) الشيخ أبو حامد، والمحاملي (^٢) ولا نعرف (^٣) فيه خلافًا، وقضية هذا الحكم أن يكون علمًا أو اسمًا للمجموع.\nومن عجائب الإمام الرازيِّ قوله: إن القرآن اسم للمجموعِ، مع قوله: إنه يحنث بالبعض؛ وذلك لا يلتئم.\nوأعجب منه استدلالُهُ على أنه اسم للمجموع؛ بالإجماع على أن الله لم ينزل [إلا] (^٤) قرآنًا واحدًا.\nقال: ولو كان صادقًا على كل جزء (^٥)، لما كان واحدًا، وهو عجيبٌ؛ لأن المطلق لا يدلّ على وحدةٍ. ولا (^٦) تعدّد.\nوأعجب منه قول آخرين: لو لم يكن اسمًا للمجموع، لما حَرُمَ على الجنب قراءةُ البعض؛ أفخفي عليهم أن ذلك لقوله ﵇: \"لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ\" (^٧).\nقال: \"ولو سلَّم\" أن الضمير في ﴿أنزلناه﴾ للقرآن، فلا يخرج عن كونه عربيًّا بوقوع هذه الألفاظ فيه؛ \"فيصح إطلاق\" اسم \"العربي على ما غالبه عربي؛ كَشِعْرٍ فيه فارسية وعربية\"؛ فإنه\n_________\n(^١) في أ، ب، ت، ج: ذكر.\n(^٢) أحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم بن إسماعيل الضبي، أبو الحسن المحاملي البغدادي، أحد أئمة الشافعية، ولد سنة ٣٦٨ هـ، أخذ الفقه على الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وكان غاية في الذكاء والفهم، وبرع في المذهب، وله مصنفات كثيرة في الخلاف والمذهب، ومن تصانيفه \"المجموع\"، و\"المقنع\"، وكتاب \"رءوس المسائل\" مات سنة ٤١٥ هـ. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١٧٤، وتاريخ بغداد ٤/ ٣٧٢، والنجوم الزاهرة ٤/ ٢٦٢.\n(^٣) في أ، ب، ت، ح: يعرف.\n(^٤) سقط في أ، ب.\n(^٥) في ت: خبر.\n(^٦) في ب: وإن.\n(^٧) أخرجه الترمذي ١/ ٢٣٦، وفي الطهارة، باب ما جاء في الجنب والحائض أنهما لا يقرآن القرآن (١٣١)، وابن ماجة ١/ ١٩٥، في كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في قراءة القرآن على غير طهارة. ١/ ٥٩٥، والبيهقي ١/ ٨٩، وفي إسناده إسماعيل بن عباس روايته عن الحجازيين ضعيفة، وهذه منها؛ إذ أن شيخه وهو موسى بن عقبة ليس من الشاميين. وللحديث طرق أخرى منها: ما أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ١١٧، (٥) من طريق المغيرة بن عبد الرحمن عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر … وقال الشيخ شاكر في تعليقه على سنن الترمذي ١/ ٢٣٨، على هذا الإسناد: إسناده صحيح. وبذلك صح الحديث، والحمد لله.","vol":"1","page":403},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nيصدق على الأول أنه عربي، وعلى الثاني فارسيٌّ مجازًا.\nفإن قلت: المجاز خلافُ الأصل.\nقلت: هذا لا يضر؛ لأن المستدِلَّ، إذا ذكر دليلًا، فلا يسعه الذَّهاب إلى ما فيه مخالفة الأصل؛ من مجاز، أو غيره، إلا مع ذكر المُحْوج لذلك، مع الاستدلال عليه في ذلك المحلِّ، أما إذا ذَكَرَ دليلًا سالمًا عن المعارِضِ، فعورضَ بما هو ظاهر في المُعَارضة، مع احتمال عدمها؛ [كالمعارضة بقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [سورة يوسف: الآية، ٢].\nفقال المستدِلُّ: هذا أريد به خلافُ ظاهره؛ عن مجاز] (^١) أو غيره، فدعواه ممنوعة؛ لأن الدليل المنصوب [أولًا] (^٢) لا يعارضه إلا دليلٌ سالمٌ عن الاحتمال، فكما منعْنا المستدِلَّ (^٣) من الذَّهاب إلى المجاز، منعْنا خصْمَه من الاستدلال بما فيه احتمال المجاز.\nواعلم أن المصنِّف أطلق الصحة في قوله: ويصح إطلاقُ اسم القرآن عليها، وأراد الصحة [الحقيقية، وهنا أراد المجازية؛ كما أطلقَ الرَّافعي] (^٤) الصّحة في كلامه على قول (الوجيز): \"والكثيرُ لا يَنْجُسُ إلا إذا تغيَّر\"، وأراد الصَّحَّة الحقيقية.\nوفي مواضع أخر، وأراد المجازية.\n\n<span data-type='title' id=toc-382>\"فائدة\"</span>\nلعلَّك تقول: الإمام الرَّازي والمصنِّف متوافقان على مذهب واحد في هذه المسألة، وقد تخالفا في هذا الدَّليل؛ إذ استدلّ به الإمامُ على أن القرآن عربي، واختار ذلك، وجعله المصنِّف دليلًا للخصم، واختار اشتماله على ما ليس بعربي تنزيلًا - فنقول: لنا هنا خصمان: المعتزلة، والقاضي؛ فحيث استدل الإمام بكونه عربيًّا، فمراده الرد على المعتزلة في قولهم بالوضْعِ المبتَكَر، ونخص مذهب القاضي بردٍّ آخر، ويكون الاحتجاج بكونه عربيًّا - دليلًا لنا، وللقاضي عليهم.\nوالمصنِّف نصبه شُبْهَةً من القاضي، وذكر جوابين:\nأحدهما: يدفع ما تعلّق به القاضي؛ وهو قوله: (وأجيب بأنها (^٥) عربية)، ورشَّحه بما يمنع\n_________\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) سقط في ب، ج.\n(^٣) في ب: من المستدل.\n(^٤) سقط في ح.\n(^٥) في ت: أنها.","vol":"1","page":404},{"text":"الْمُعْتَزِلَةُ: الإيمَانُ التَّصْدِيق، وَفِي الْشَّرْع الْعِبَادَاتُ؛ لأِنَّهَا الدِّينُ الْمعْتَبَرُ، وَالدِّينُ الإِسْلَامُ؛ وَالإِسْلَامُ الْإِيْمَانُ؛ بدَلِيلِ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ [سورة آل عمران: الآية، ٨٥]؛ فَثَبَتَ أَن الْإِيْمَانَ الْعِبَادَات، وَقَالَ: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ\n<hr><s0>\n\nالمعتزلةَ من التمسُّك فيه، وهو قوله: مجازًا، ولولا هذا التَّرْشيح، لقالت المعتزلت بذلك الَقَوْل.\nوالثاني: يدفع مذهب القاضي، ويمنع استدلالَ الإمام.\nفقد جمع المصنِّف الكلام من الطَّرفين، وتوسَّط بين الطريقين (^١)، والحاصل أن الإمام يجعل الآية دليلًا لمذهبه على المعتزلة، والقاضي يجعلها دليلًا لمذهبه علينا، والمصنِّف يقول: لا تدل (^٢) لواحد من المذهبين؛ نبّه عليه أخي ﵀.\nالشرح: واسْتدلّت \"المعتزلة\" على ما انفردوا به عنا من القول بالأسماء الدينية؛ بأن \"الإيمان\" لغة \"التصديقُ\"، وهذا لا نزاع فيه.\n\"وفي الشرع: العباداتُ\"، فكان حقيقة شرعية فيها؛ \"لأنها\"؛ أي: العبادات \"الدّين المعتبر؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [سورة البية: الآية، ٥] وأشار بذلك إلى ما سبق من العبادات، \"فالدين: الإسلام\"؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [سورة آل عمران: الآية، ١٩].\n\"والإسلامِ: الإيمان\"، وإلا لم يُقْبلْ من فاعله؛ \"بدليل\": قوله تعالى: \" ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [سورة آل عمران: الآية، ٨٥] والإيمان مقبول؛ فكان هو الإسلام؛ \"فثبت أن الإيمان العباداتُ\".\nهذا تقرير شُبْهتهم، فاعتمدْهُ، وهي مبنيةٌ على ما يدَّعوه من أن الإيمان: العبادات، وعندنا: التصديق.\nوهل النطق بالشهادتين شرطٌ في الاعتداد به، أو ركنٌ؟ لأصحابنا فيه تردد.\nولك أن تعترض الشبهة بان ذلك لا يعود إلى جميع ما تقدَّم؛ فإن اسم الإشارة مفرد؛ فلا بد من عوده إلى شيء واحد، وذلك للبعيد، والبعيد هنا هو الإخلاص؛ فإذن الآية لنا عليهم؛ إذ مُدَّعانا أن الإيمان: الإخلاص؛ فاعتمدْ هذا الاعتراضَ بهذا التقرير.\nواعترضَتْ بشيئين آخرين:\nأحدهما: أن القياس فيها من الشكل الأول، وشرطه كليةُ كبراه، وهي فيه مهملة، والمهملةُ\n_________\n(^١) في ت: الطرفين.\n(^٢) في ج، ح: يدل.","vol":"1","page":405},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفي حكم الجزئية؛ والمعنيُّ بالمُهْمَلَةِ هنا - ما هو أعم من الطبيعية؛ كقولنا: الإنسانُ جنسٌ، وغيرِها؛ كـ: الإنسانُ في خُسْر.\nوالثاني: أنه إنما أنْتَجَ أن العبادات الإيمانُ؛ لأن (^١) [الإيمانَ] (^٢) العباداتُ الذي هو المطلوبُ؛ وفرقٌ بينهما؛ لأنَّ قولنا: العباداتُ الإيمان، ينعكس إلى قولنا: بعض الإيمان عباداتٌ؛ فلم يثبت بذلك: الإيمانُ العبادات، بل أنَّ بعضَ الإيمانِ العباداتُ.\nوالجواب: أن المنطقيين لم يريدوا بكون المُهْملة في قُوَّة الجزئية - كونَها جزئيَّة أبدًا؛ كما عرفناك (^٣) عند قول المصنّف: (والمُحَقَّقُ في المهملة [في قوَّة] (^٤) الجزئيَّة).\nولو أرادوا ذلك (^٥)، لخالفوا ما قرره غيرهم من اشتمالها على صِيغَةِ العموم؛ كقولك: الإنسان حيوان\"، والقضايا التي اقتصروا على ذكرها لم يدَّعوا انتفاء الدلالة في غيرها، بل أخذوا المحقَّق المطَّرِد، وأهملوا غيره، وأحالوه في كل مادة على تصرُّف يليق بأهله.\nوالمهملة يتحقَّق (^٦) فيها الجزئية، ثم قد يدلّ قطعيٌّ على إرادة العموم من الألف واللام، فتكون المهملةُ كلية قطعًا، فتكون صالحة لكبرى الأول في البراهين القطعية، وقد يدلّ عليه دليلٌ ظنّي؛ فيصلح لكُبْرَاه في الأدلة الظنية؛ فاعرف ذلك، ينفعك في أماكن كثيرةٍ، ويظهر لك به الجواب عن السؤال الثاني، فقولهم بانعكاس الكلية الموجبة إلى جزئية، ليس معناه أنها لا يمكن أن تنعكس كلية.\nولو أرادوا ذلك، لخالفوا القاعِدَةَ المجمَع عليها في علمي النَّحْو والبيان؛ من أن خبر المبتدأ تارة يكون مساويًا له، وتارة يكون أعمَّ - ولبَطَلَ الإخبار بأحد المترادفين عن الآخَر، وإنما يريدون أن المحقَّق في الانعكاس هو الجزئية؛ لاحتمال كون الخبر أعم؛: الإنسانُ حيوانٌ، فالانعكاس حيئذ قاصرٌ على الجزئية، وقد يكون الخبر مساويًا؛ فيكون الحكم غير قاصر على الجزئية؛ كـ: الإنسانُ ناطقٌ؛ فإنه ينعكس إلى: بعضُ الناطقِ إنسانٌ، والحكم غير قاصر عليها، بل يصدق كلية؛ لصحة: كلُّ الناطق إنسانٌ.\n_________\n(^١) في أ، ب،: لا أن.\n(^٢) في ت: عرفنا.\n(^٣) سقط في ح.\n(^٤) سقط في أ، ب، ج، ح.\n(^٥) في حاشية ج: على معنى قولهم: المهملة في قوة الجزئية، وعلى المراد بقولهم: إن الكلية تنعكس جزئية.\n(^٦) في ح: تتحقق.","vol":"1","page":406},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوهذا مكان (^١) إذا حقَّقته، جمعت بين كلام الأصوليين، والمنطقيين، والنُّحَاة، والبيَانيين، وظهر لك أن الألف واللام ربما كانت سورًا للكلية في بعض الموارد.\nوحاصله: أن هذين القياسين يرجعان إلى قياس المساواة؛ كأنه قال: العبادات مساوية (^٢) للدين المساوي للإسلام المساوي للإيمان؛ فالعبادات مساوية للإيمان.\n\"و\" احتجت المعتزلة أيضًا على أن الإسلام هو الإيمانُ؛ بأنه - تعالى - استثنى المسلمين من المؤمنين: \"قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ … إلى آخرها [سورة الذاريات؛ الآية، ٣٥] \"، أعني: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة الذاريات: الآية، ٣٦] والمستثنَى من جنس المستثنَى منه؛ فالإسلام من جنس الإيمان.\nولك أن تقول: غاية ما تدلّ عليه الآيةُ - أن المسلم مؤمنٌ، ولا يلزم من ذلك كونُ الإسلامِ الإيمانَ (^٣)؛ لصدقِ: الضاحكُ كاتبٌ، وكذبِ: الضحكُ كتابةٌ.\n_________\n(^١) في ح: إمكان.\n(^٢) في ج: مساواة.\n(^٣) مذهب الأشاعرة: أن الإسلام هو الامتثال الظاهري لما جاء به النَّبِيّ ﷺ أي الإذعان للأوامر والنواهي سواء عمل بها أو لم يعمل، ويتحقق هذا الانقياد بالنطق بالشهادتين، أما غيره كالصلاة مثلًا، فاعتراف المكلف بوجوبها عند سؤاله عنها يحقق الامتثال والإسلام.\nأما الماتريدية والمحققون من الأشاعرة فقالوا: إن الإسلام هو التصديق الباطني؛ بدليل قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ وعلى هذا فالنطق دليلٌ عليه، والأعمال كمال له.\nوقد أجاب أصحاب المذهب الأول بأن المعنى الأول: أفمن شرح الله صدره لقبول الإسلام.\nوباعتبار حقيقتها اللغوية: بينهما تغاير في المفهوم، وهو من تغاير العموم والخصوص المطلق يجتمعان في المصدق بقلبه، فهو مسلم لغة مؤمن لغة، وينفرد الأعم وهو الإسلام.\nوباعتبار حقيقتهما الشرعية على رأي الأشاعرة: هما متغايران مفهومًا متلازمان شرعًا باعتبار المحل بعد اتحاد الجهة المعتبرة؛ أي إذا قصد الإيمان المنجى في الدنيا أو في الآخرة فلا يوجد مسلم ليس بمؤمن، ولا مؤمن ليس بمسلم، ومن صدق واخترمته المنية فهو مؤمن مسلم عند الله وليس بمؤمن ولا مسلم عندنا، أما إذا نظرنا إلى مطلق الإيمان ومطلق الإسلام فلا تلازم بل بينهما العموم والخصوص الوجهي، باعتبار محلهما يجتمعان فيمن صدق بقلبه وانقاد ظاهرًا، وينفرد الإيمان في المصدق بقلبه فقط، وينفرد الإسلام في المنافق.\nوأما باعتبار حقيقتهما الثسرعية عند الماتريدية ومن تبعهم فهما مترادفان. والخلاف حقيقي بين الأشاعرة والماتريدية لكن لو راعينا ما قررناه من التلازم عند الأشاعرة ومن الترادف عند الماتريدية يكون الخلاف لفظيًا أي لا ثمرة له باعتبار المآل. واللّه أعلم. والمختار مذهب الأشاعرة.","vol":"1","page":407},{"text":"الْمُؤمِنِينَ …﴾ [سورة الذاريات: الآية، ٣٥] إِلَى آخِرِهَا؛ وَعُورِضَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَمْ تُؤمِنُوا، وَلكِنْ قولُوا أَسْلَمْنَا] [سورة الحجرات: الآية ١٤].\nقَالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ، لَكَانَ قَاطِعُ الطَّرِيقِ مُؤمِنًا، وَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ؛ لأِنَّهُ مُخْزًى؛ بِدَلِيلِ: ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [سورة آل عمران: الآية، ٩٢] وَالْمُؤمِنُ لَا يُخْزَى؛ بِدَلِيلِ: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا [مَعَهُ]﴾ [سورة التحريم: الآية، ٨]؛\n<hr><s0>\n\n\"وعورض\" أصلُ دليلٌ المعتزلة، وقيل: الاستدلال بالآية الأخيرة.\nوقيل: بل بالآيتين؛ \"بقوله\" تعالى: \" (قُلْ: لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُوُلوا: أَسْلَمْنَا﴾ [سورة الحجرات: الآية، ١٧] \"؛ سلب عنهم الإيمان، وأثبت الإسلام؛ وذلك نصٌّ في التغاير؛ وكذلك حديث جبريل ﵇ قوله: \"مَا الإِيمَانُ؛ وَمَا الإِسْلَامُ؟ \" (^١) وفسر فيه النَّبِيّ ﷺ الإيمان؛ بخلاف ما فسّر به الإسلام، ولن يَمْتَريَ بعد ذلك في تغايرهما إلا مُبَاهِتٌ.\nالشرح: ثم استدلَّت المعتزلة أيضًا على أن الإيمان هو العبادات؛ بأن \"قالوا: لو لم يكن\" ذلك، وكان عبارةً عن التَّصْديق فقط - \"لكان قاطع الطريق مؤمنًا\"؛ لأنَّهُ مصدِّق؛ \"وليس بمؤمن؛ لأنَّهُ مُخْزًى\" (^٢) بدخول النار؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة المائدة: الآية، ٣٣]؛ والعذاب العظيم يشتمل على دخول النَّار، وكل من يدخل النار فهو مُخْزًى؛ \"بدليل\" قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [سورة آل عمران: الآية، ١٩٢].\nوالمؤمنُ لا يُخْزَى؛ بدليل\" قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [سورة التحريم: الآية، ٨] \".\nفقاطع الطريق ليس بمؤمن؛ مع تصديقه؛ فإذن: الإيمانُ: العباداتُ.\nويمكن أن يقال أيضًا: لو لم يكن، لكان الزَّاني والسَّارق مؤمنَيْن؛ لكنهما ليسا بمؤمنين؛ لقوله ﵇: \"لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي، وَهُوَ مُؤِمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِق، وَهُوَ مُؤِمِنٌ\" (^٣)، أنهما مصدقان، وهو أخصر؛ وحوالة مشهور.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري ١/ ١٤٠، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام …\n(^٢) في أ، ج، ح: مجزى.\n(^٣) أخرجه البخاري ٥/ ١٤٣، كتاب المظالم، باب النهبى بغير إذن صاحبه (٢٤٧٥)، وفي ١٠/ ٣٣، =","vol":"1","page":408},{"text":"وَأُجِيبَ: بِأنَّهُ لِلصَّحَابَةِ، أَوْ مُسْتَأَنفٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-383>وُقُوعُ الْمَجَازِ</span>\nمَسْأَلَةٌ:\nالْمَجَازُ وَاقِعٌ؛ خِلَافًا لِلْأُسْتَاذِ؛ بِدَلِيلِ الْأَسَدِ لِلشُّجَاعِ، وَالْحِمَارِ لِلْبَلِيدِ، وَشَابَتْ لِمَّةُ اللَّيْلِ،\n<hr><s0>\n\n\"وأجيب\" عن الآية؛ \"بأنه\"؛ أي: قولهُ تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [سورة التحريم: الآية، ٨] ليس عامًّا في كل المؤمنين، لأنَّهُ - تعالى - خصّ المخاطَبين فيه بالمَعِيَّةِ، فكان \"للصَّحابة\" خاصَّة.\n\"أو \"يقال: إنه كلامٌ \"مستأنفٌ\"، ويكون (الذين) مبتدأ خبره: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [سورة التحريم: الآية، ٨] وليس مراده من كونه مستأنفًا؛ أنه غير معطوف؛ بل إنه من عطف الجمل؛ [فإن العَطْفَ موجودٌ على كُلٍّ، سواء أكان مستأنفًا أم لم يكن، ولكن هل هو من عطف الجمل؟] (^١) أو المفردات؟ في هذا النظر.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"المَجَاز واقع؛ خلافًا للأستاذ\" أبي إسحاق الإسْفِرايينيِّ، وأبي علي الفارسي؛ \"بدليل\" إطلاق \"الأسدِ للشجاعِ، والحمارِ للبليدِ، وشابتْ لِمَّة الليل\"؛ فإنها حقائق في غير هذه الأمور؛ فلا تكون حقائق فيها.\nقال بعض الشَّارحين: وإلا يلزم الاشتراك؛ وهو خلاف الأصل.\nوهذا ساقط؛ لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة، ولم يثبت غيرها، فيحال عليها؛ لأن المجاز إلى الآنَ لم يثبت.\n_________\n= كتاب الأشربة، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ (٥٥٧٨)، وفي ١٢/ ٥٩، كتاب الحدود (٦٧٧٢)، وفي ١٢/ ١١٦، باب إثم الزناة (٦٨١٠)، وأخرجه مسلم ١/ ٧٦، كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي (١٠٠/ ٥٧).\n(^١) سقط في ت.","vol":"1","page":409},{"text":"الْمُخَالِفُ: يُخِلُّ بِالتَّفَاهُمِ؛ وَهُوَ اسْتِبْعَادٌ.\n<hr><s0>\n\nقال ابن المطهَّر (^١): وإلَّا يلزم الاشتراك، والمجازُ خيرٌ منه (^٢).\nوهو وَاهٍ أيضًا؛ لأن المجاز إلى الآن لم يثبت؛ فكيف يُفْزَعُ إليه؟\nوقال بعضهم: وإلا يلزم تبَادرهما (^٣) إلى الذِّهْنِ (^٤).\nوهذا لا يتأتى إلا على القَوْلِ بأنَّ عدم التبادُرِ علامة المجاز.\nوقال بعضهم بصحَّة النفْي فيها (^٥).\nوهو أيضًا يتوقف على ثبوت أن صحّة النفي علامةٌ.\nوقد اعترض الشِّيرازي هذا؛ بأنه فرع ثبوتِ المَجَازِ (^٦).\nوليس بجيّد؛ فإنا لم نستدلّ على كونه مجازًا بصحّة النَّفي؛ بل على كونه غيرَ حقيقة، والحقيقة لا تنفي.\nواحتج \"المُخَالف\"؛ بأنه يُخلُّ بالتَّفَاهم\"؛ لتبادر الحَقِيقَةِ عند الإطلاق؛ \"وهو استبعاد\" لوجوده، ولا يلزم منه عَدَمُ وجوده.\n\n\"فائدة\"\nالأستاذُ لا ينكر استعمال الأسدِ للشجاعِ وأمثالِهِ؛ بل يشترطُ في ذلك القرينة، ويسمِّيه حينئذٍ حقيقةً، وانظره كيف (^٧) علل باختلال الفهْمِ، ومع القرينة لا اختلال، وإيّاك والاغترارَ بقول\n_________\n(^١) جمال الدين، الحسن - ويقال: الحسين - بن يوسف بن علي بن المُطَهَّر الحِلِّي، ويعرف بـ \"العلامة\" ولد سنة ٦٤٨ هـ بـ \"الحلة\" من العراق، وكان من أئمة الشيعة، وأحد كبار العلماء. صنف كتبًا كثيرة جدًّا منها: \"تبصرة المتعلمين في أحكام الدين\"، و\"تهذيب طريق الوصول إلى علم الأصول\"، و\"مختلف الشيعة في أحكام الشريعة\"، و\"نهج الإيمان في تفسير القرآن\"، و\"نهاية المرام في علم الكلام\"، و\"إيضاح الاشتباه في أسماء الرواة\".\nينظر: الدرر الكامنة ٢/ ٧١، والنجوم الزاهرة ٩/ ٢٦٧، وأعيان الشيعة ٢٤/ ٢٧٧.\n(^٢) ينظر: حاشية البناني ١/ ٣٠٨ والمزهر للسيوطي ١/ ٣٦٤ والإحكام لابن حزم ٤/ ٥٣٢ وفواتح الرحموت ١/ ٣١١، والمحصول ١/ ١/ ٤٦ والمسودة ص (٥٦٤).\n(^٣) في ت: تبارها.\n(^٤) ينظر: المصادر السابقة.\n(^٥) ينظر: المصادر السابقة.\n(^٦) ينظر: اللمع ص (٥).\n(^٧) في حاشية ج: قوله: \"كيف علل … \" الخ أي: مع قوله بأنه حقيقة ومع القرينة، الخ ففيه اعتراضات على الأستاذ. تدبر.","vol":"1","page":410},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nوَهُوَ فِي الْقُرْآنِ؛ خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّة؛ بِدَلِيلِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية، ١١]،\n<hr><s0>\n\nبعضهم: قد يحصل الاختلال مع القَرِينَةِ أيضًا؛ وذلك عند عدم فهم السَّامع إياها، فهو (^١) ساقط؛ إذ عدم الفَهْمِ حينئذٍ لِخَلَلٍ قائم بالسَّامع؛ وقائلُ هذا يحيل أن الأستاذ ينكر المجازَ مع القرينة؛ وليس كذلك؛ وإنما ينكر تسميته مجازًا؛ كما عرفتَ، والخلاف لفظي؛ كما صرح (^٢) [به] (^٣) إلْكِيَّا الهراسي.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"وهو\"؛ أي: المجازُ - واقع \"في القرآن\"؛ وكذا الحديثُ؛ على ما نقله جماعة.\n\"خلافًا للظاهرية\" فيهما، وليسوا مُطْبِقِينَ (^٤) على ذلك، وإنما قال ذلك منهم أبو بكرِ بنُ داود، وطائفةٌ، وإليه ذهب أبو العبَّاس بنُ القاصِّ، وجماعةٌ من قدماء أصحابنا (^٥).\nوذهب ابن حَزْمٍ (^٦) من الظاهرية؛ إلى أنه لا يجوز استعمال مجاز إلا إن ورد في كتاب أو سُنَّة (^٧).\nوظاهرُ النَّقْل عمن أنكره من الظاهرية؛ أنهم ينكرون مجاز الاستعارة، كما صرح به ابن داود في كتابه (الوصول)؛ قال: \"بدليل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية، ١١] \"؛ وهو مجاز زيادة (^٨).\n_________\n(^١) في ت: وهو.\n(^٢) في حاشية ج: قوله: \"كما صرح به إلكيا الهراسي\" نقله الزركشي في البحر عن إلكيا الطبري، فلعله نقل عنهما.\n(^٣) سقط في أ، ب، ح.\n(^٤) في أ، ب، ح: مطيعين.\n(^٥) ينظر: جمع الجوامع ١/ ٣٠ والإبهاج ١/ ١٩٣.\n(^٦) علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، عالم الأندلس في عصره، أحد أئمة الإسلام، ولد سنة ٣٨٤ هـ، كان في الأندلس خلق كثير ينتسبون إلى مذهبه، كان من صدور الباحثين، فقيهًا حافظًا يستنبط الأحكام من الكتاب والسنة، له مؤلفات منها: \"الملل والنحل\"، و\"المحلى\"، و\"جمهرة الأنساب\"، و\"الناسخ والمنسوخ\" وغيرها توفي سنة ٤٥٦ هـ.\nينظر: نفح الطيب ١/ ٣٦ وآداب اللغة ٣/ ٩٦، وأخبار الحكماء ١٥٦، ولسان الميزان ٤/ ١٩٨، وابن خلكان ١/ ٣٤٠، والأعلام ٤/ ٢٥٤.\n(^٧) ينظر: الإحكام له ٤/ ٥٣٢.\n(^٨) المراد من المجاز بالزيادة هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة مخصوصة بينهما بعد زيادة =","vol":"1","page":411},{"text":"﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [سورة يوسف: الآية، ٨٢]، ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [سورة الكهف: الآية، ٧٧]،\n<hr><s0>\n\nولك أن تقول: سبق أن مجاز الزيادة ليس في محلِّ الخلاف، وقد قررت الزيادة بأن الكاف زائدة، وإلا يكونُ التقدير: مِثْلَ مِثْلِهِ؛ فإنَّها بمعنى (مثل)، فيكون له - تعالى - مِثْلٌ؛ وهو مُحَال، والغرض من الكلام نفيه أيضًا.\nوالحقّ أن الكاف غيرُ زائدة، لا سيّما، وشيخنا أبو الحسن الأشعريُّ ينكر أن يكون في القرآن زيادة، والكلام محمول على حقيقته من نفْي مِثْل الْمِثْل، ويلزم [من] (^١) نَفْي مثل المثل [نَفْيُ المثل؛ ضرورةَ أن مثل (^٢) المثل] (^٣) مثل؛ إذ المماثلة لا تتحقَّق إلا من الجانبين، فمتى كان زيدٌ مِثْلًا لعمرو، كان عمرو مِثْلًا له؛ وقد نُفِيَ المثل.\nفإن قلت: إذا قرَّرتم أن المنفيَّ مثلُ المثل، [فالذَّات من جملة مِثْلِ المثل؛ فيلزم كونها منفية؟!\nقلت: المرتضَى عندنا في جواب هذا: ما كان أبي - رضي الله تعالى عنه - يقرِّره؛ قال: هذا لا يراد بناءُ قائله على ظاهر الكلام؛ أن المنفيَّ مثلُ المثل] (^٤)؛ من غير تأمّل لتمام المعنى، وهو أن المَنْفِيّ مثلُ المثل عن شيء؛ فإن سياق الآية: اسم ليس (مثل) و(كمثله) الخبر، والمدلولُ نفْيُ الخبر عن الاسم، والذَّاتُ [يصح] (^٥) أن ينفي عنها أنها مِثْلُ مثلها؛ لأنَّهُ لا مثل لها، والشيءُ - الذي هو موضوعٌ - قد نفي عنه المِثْلُ - الذي هو مَحْمُول -، وهو منفيٌّ عنه، لا منفيٌّ؛ فيكون ثابتًا؛ فلا يلزم نفيُ الذَّات، وإنما المنفيُّ مثلُ مثلها، ولازمه نفيُ مثلها، وكلاهما (^٦) منفيُّ عنها.\nقال: \" ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيةَ﴾ [سورة يوسف: الآية، ٨٢] \"؛ على رأي من يقول: إنه عبر بالقرية عن أهلها؛ إطلاقًا لاسم المحلِّ على الحالِّ.\nولا ينبغي لك أن تقرِّره على أن التقدير: أهْل القَرية، وإن كان هو المذكور في (المنتهى)؛\n_________\n= عليه تغير الإعراب والمعنى إلى ما يخالفه بالكلية - احتراز عن الزيادة التي لا تغير تغييرًا كذلك.\nينظر: الشيرازي ٦٩ ب/ خ.\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) في حاشية ج: قوله: \"ضرورة أن مثل المثل مثل\" الظاهر أن يقال: ضرورة أن المثل مثل المثل. تأمل.\n(^٣) سقط في ت.\n(^٤) سقط في ت.\n(^٥) سقط في ج، ح.\n(^٦) في ت: فكلاهما.","vol":"1","page":412},{"text":"﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [سورة البقرة: الآية، ١٩٤]، ﴿سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [سورة الشورى: الآية، ٤٠]؛ وَهُوَ كَثيرٌ.\nقَالُوا: الْمَجَازُ كَذِبٌ؛ لأِنَّهُ يَنْتَفِي، فَيَصْدُقُ؛ قُلْنَا: إِنَّمَا يَكْذِب، إِذَا كَانَا مَعًا لِلْحَقِيقَةِ.\n<hr><s0>\n\nإذ يصير مَجَازَ حَذْفٍ، وابنُ داود لا ينكره؛ كما عرفت.\nقال: \" ﴿[جِدَارًا﴾ يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [سورة الكهف: الآية، ٧٧] \"؛ أي: ولا إرادة للجدار.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [سورة البقرة: الآية، ١٩٤] \"؛ في مجاز المُقَابلة.\n﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [سورة الشورى: الآية، ٤٠] \" كذلك؛ \"وهو كثير\".\nوقيل: إن القِصَاصَ يسمى اعتداءً حقيقةً، يقال: عَدَا عليه، إذا أوقع به الفعل المُؤْلِمَ، والسَّيئة ما تَسُوءُ (^١) مَنْ نَزَلَتْ به.\nوعلى هذا لم يَسْلَمْ للمصنِّف من الآيات إلا (يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ)؛ وهو نصّ في مجاز الاستعارة الذي فيه الخلافُ بلا رَيْبٍ؛ وعليها اعتمد المحقِّقون.\nقال ابن القُشَيْرِيِّ: ومن زعم الجدار يريد حقيقة، فقد عَانَدَ (^٢).\nالشرح: \"قالوا: المجاز كَذب؛ لأنَّهُ ينتفي، فيصدقُ\"؛ كقولنا: البليد ليس بحمار، وإذا كان انتفاؤه صدقًا، كان إثباته كذبًا؛ والقرآن منزَّه عن الكذب.\n\"قلنا: إنما يكذب\" المجاز؛ باعتبار الإيجاب، والنفي، \"إذا كانا معًا للحقيقة\"، أو للمجاز.\nأما [إذا] (^٣) نُفِيَ المعنى الحقيقي، وأثبت المَجَازِيّ، [أو بالعكس] (^٤) - فلا؛ لعدم التوارد على مَحَلّ واحد.\n_________\n(^١) في ج، ح: يسوء.\n(^٢) ينظر: الجواليقي ص (٥)، والمزهر ١/ ٢٦٦، ومعترك الأقران ١/ ١٩ والإتقان ٢/ ١٠٥، والعضد ١/ ١٧٠، والإحكام للآمدي ١/ ٧١، وفواتح الرحموت ١/ ٢١٢ وحاشية البناني على جمع الجوامع ١/ ٣٢٦، والتبصرة (١٨٠)، وإرشاد الفحول (٣٢)، والمسودة (١٧٤)، وشرح الكوكب المنير ١/ ١٩ ولأبي حيان - صاحب البحر المحيط في التفسير - كتاب في بيان المعرب نشره عالم الكتب.\n(^٣) سقط في ج، ح.\n(^٤) سقط في ب.","vol":"1","page":413},{"text":"قَالُوا: يَلْزَمُ أَنْ يَكُون الْبَارِي - تَعَالَن - مُتَجَوِّزًا؛ قُلْنَا: مِثْلهُ يَتَوَقفُ عَلَى الْإِذْنِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-385>الْمُعَرَّبُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ</span>\nمَسْأَلَةٌ:\nفِي الْقُرْآنِ مُعَرَّبٌ؛ وَهُوَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَة - رَضِيَ اللهُ ...........................\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"قالوا: يلزم\"من وقوعه في القرآن؛ \"أن يكون الباري - تعالى - متجوِّزًا\"؛ لأن وجود اسم المعنَى يستدعي الاشتقاق.\n\"قلنا: مثله\" - مما يُوهِمُ نقصًا - \"يتوقَّف على الإذْنِ\"؛ ولذلك لا يقال: خالق الخِنْزِيرِ، ولولا ورودُ المانع، والضارِّ، والقابضِ، لَمَا أطلقنا ذلك.\nقال ابن الصَّبَّاغ: متجوِّزٌ يستعمل لمن في كلامه قُبْحٌ، أو يتوقف؛ بناءً على أن أسماء الله تَوْفِيقِيّةٌ، وهو رأي شيخنا أبي الحَسَنِ.\nوالتقرير الأول أحسنُ؛ لأنَّ الظاهرية قد ينازعون في كون الأسماء توقيفيةً.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: قال المصنِّف: \"في القرآنِ المعرَّبُ\"، وهو: اللفظ المستعْمَلُ عند العرب في معنًى وضع له في غير لُغَتِهِمْ، \"وهو عن ابن عباس (^١) وعِكْرِمة (^٢) ﵃.\n_________\n(^١) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي أبو العباس المكي ثم المدني ثم الطائفي. ابن عم النَّبِيّ ﷺ وصاحبه، وحبر الأمة وفقيهها، وترجمان القرآن، روى ألفًا وستمائة وستين حديثًا. اتفقا على خمسة وسبعين. وعنه أبو الشعثاء، وأبو العالية، وسعيد بن جبير، وابن المسيب وعطاء بن يسار وأمم. قال موسى بن عبيدة: كان عمر يستشير ابن عباس، ويقول: غواص، وقال سعد: ما رأيت أحضر فهمًا. ولا ألب لبًا، ولا أكثر علمًا، ولا أوسع حلمًا من ابن عباس، ولقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات، وقال عكرمة: كان ابن عباس إذا مر في الطريق قالت النساء: أمر المسك أو ابن عباس؟ وقال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس، وإذا نطق قلت: أفضح الناس، وإذا حدث قلت: أعلم الناس. مناقبه جمَّة. قال أبو نعيم: مات سنة ثمان وستين. قال ابن بكير: بـ \"الطائف\" وصلى عليه محمد بن الحنفية. ينظر ترجمته في: تهذيب التهذيب ٥/ ٢٧٦ (٤٧٤)، وتقريب التهذيب ١/ ٤٢٥ (٤٠٤)، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٦٩، ١٧ والكاشف ٢/ ١٠٠، والجرح والتعديل ٥/ ١١٦، والثقات ٣/ ٢٠٧، وأسد الغابة ٣/ ٢٩٠، والبداية والنهاية ٨/ ٢٩٥، وتجريد ١/ ٣٢٠، والإصابة ١/ ٣٢٢، ٤/ ١٤١ والاستيعاب ٣/ ١٣٣، وطبقات ابن سعد ٩/ ١١٨ - ١١٩، والوافي بالوفيات ١٧/ ٢٣١.\n(^٢) عكرمة البربري مولى ابن عباس، أبو عبد الله أحد الأئمة الأعلام. عن مولاه وعائشة وأبي هريرة، =","vol":"1","page":414},{"text":"عَنْهُمْ - وَنَفَاهُ الْأَكْثَرُونَ؛ ..............................................................\n<hr><s0>\n\nونفاه الأكثرون\"؛ وزعيمهم إمامنا الشافعيُّ ﵁ (^١).\nقال أبو نصر بن القُشَيريّ (^٢): وليس هذا الخلافُ في الأسماء الشرعية، بل هو في آخَرَ.\n_________\n= وأبي قتادة ومعاوية وخلق، وعنه الشعبي وإبراهيم النخعي وأبو الشعثاء - من أقرانه - وعمرو بن دينار وقتادة وأيوب وخلق. قال الشعبي: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة، رموه بغير نوع من البدعة، قال العجلي: ثقة بريء مما يرميه الناس به، ووثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي، ومن القدماء أيوب السختياني، قال مصعب: مات سنة خمس ومائة، قرنه مسلم بآخر. ينظر ترجمته في: تهذيب التهذيب ٧/ ٢٦٣ (٤٧٥)، وتقريب التهذيب ٢/ ٣٠، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٢٤٠، والكاشف ٢/ ٢٧٦، وتاريخ البخاري الكبير ٧/ ٤٩، وتاريخ البخاري الصغير ١/ ١١٩، ٢٤٣، ٢٥٧، ٢٥٨ والجرح والتعديل ٧/ ٤١، وميزان الاعتدال ٣/ ٩٣، ولسان الميزان ٧/ ٣٠٨، وتاريخ الثقات ٣٣٩، والمغني ٤١٦٩، والحلية ٣/ ٣٢٦، والثقات ٥/ ٢٢٩ - ٢٣٠، وطبقات الحفاظ ٣٧، وتراجم الأحبار ٣/ ٣ والبداية والنهاية ٩/ ٢٤٤.\n(^١) وجه تعلق هذه المسألة بالمسائل المتقدمة اشتراك المعرب والمجاز في أنهما ليسا من الموضوعات الحقيقية للغة العرب، لا في أن القرآن هل هو مشتمل عليهما. ينظر: الشيرازي ٧٠ ب/ خ.\n(^٢) في ت: أبو نصر القشيري. في الأصل: الأبيات هكذا، والمثبت من الإتقان نقلًا عن السُّيوطي:\nالسَّلْسَبِيلُ وَطهَ كُوِّرَتْ بِيَعٌ … إِسْتَبْرَقٌ صَلَوَاتٌ سُنْدُسٌ طُورُ\nوَالزَّنْجَبِيلُ وَمِشْكَاةٌ سُرَادِقُهُ … رُومٌ وَطُوبَى وَسِجِّيلٌ وَكَافُورُ\nكَذَا قَرَاطِيسُ رَبَّانِيُّهُمْ وَغَسَّا … قٌ ثُمَّ دِينَارٌ والقِسْطَاسُ مَشْهُورُ\nكَذاكَ قَسْوَرَةٌ وَاليَمُّ نَاشِئَةٌ … وَيُؤْتَ كِفْلَيْنِ مَذْكُورٌ وَمَنْظُورُ\nلَهُ مَقَالِيدُ فِرْدَوْسٌ فعُدَّ كَذَا … مَا حَكَى ابْنُ دُرَيْدٍ مِنْهُ تَنُّورُ\nوزاد عليها الحافظ ابن حجر؛ فقال:\nوَزِدتُ حِرْمٌ ومُهْلٌ والسِّجِلُّ كذا … السْنسَرِيُّ والأَبُّ ثُمَّ الجِبْتُ مذكورُ\nوقِطَّنَا وإنَاهُ ثُمَّ مُتَّكَأً … دَارَست يصْهَرُ منه فهو مَصْهُورُ\nوهيت والسَّكرُ الأوَّاهُ مع حَصَبٍ … وأوِّبِي مَعْهُ والطَّاغُوتُ مَسْطُورُ\nصرْهنَّ إِصْرِي وغِيضَ المَاءُ معْ وَزَرٍ … ثمَّ الرَّقيمُ مَناصٌ والسَّنَا النُّسورُ\nوذيل عليه السيوطي أيضًا:\nوزدتُّ يس والرَّحْمنَ مع مَلَكُو … تٍ ثُمَّ سينينَ شَطْرُ البيتِ مَشْهُورُ\nثُمَّ الصِّراطُ ودُرِّيِّ يحورُ ومَرْ … جَانٌ ويَمٌّ مع القِنْطَارِ مَذْكُورُ\nوَرَاعِنَا طَفِقَا هُدْنَا ابلَعِي وَوَرَا … ءٌ والأرائكُ والأَكْوَابُ مأْثورُ =","vol":"1","page":415},{"text":"لنَا: (الْمِشْكَاةُ) هِنْدِيَّةٌ، وَ(إِسْتَبْرَقٌ)، و(سِجِّيلٌ) فَارِسِيَّةٌ، و(قِسْطَاسٌ) رُومِيَّةٌ.\nقَوْلُهُمْ: (مِمَّا اتَّفَقَ فِيهِ اللُّغَتَانِ؛ كَالْصَّابُونِ وَالتَّنُّورِ) - بَعِيدٌ، ..........................\n<hr><s0>\n\nقلت: ذاك اختلافٌ في الوَضْعِ، وهذا في الاستعمال، وليس هذا أيضًا المجازَ، بلا عكْسَه؛ إذ المعرَّب فيه استعمال المَعْنَى بغير اللفظ الموضوعِ له في تلك اللّغة، والمجازُ اللفظ لغير المعنَى، واعلم أن الأعلام لا خلافَ في وقوعها.\nقال: \"لنا: (المِشْكَاةُ) هندية، و(إسْتَبْرق)، و(سِجِّيل) فَارسية، و(قِسْطَاس) رومية\"، وألفاظٌ أخر وردتْ في القرآن؛ جملتها سبع وعشرون لفظًا، يجمعها قولنا: [البسيط]\nالسَّلْسَبِيلُ وَطهَ كُوِّرَتْ بِيَعٌ … رُومٌ وَطُوبَى وَسِجِّيلٌ وَكَافُورُ\nوَالزَّنْجَبِيلُ وَمِشْكَاةٌ سُرَادِقُ مَعَ … إِسْتَبْرَقٌ صَلَوَاتٌ سُنْدُسٌ طُورُ\nكَذَا قَرَاطِيسُ رَبَّانِيُّهُمْ وَغَسَّا … قٌ ثُمَّ دِينَارٌ والقِسْطَاسُ مَشْهُورُ\nكَذاكَ قَسْوَرَةٌ وَاليَمُّ نَاشِئَةٌ … وَيُؤْتَ كِفْلَيْنِ مَذْكُورٌ وَمَنْظُورُ\nلَهُ مَقَالِيدُ فِرْدَوْسٌ يُعُدَّ كَذَا … فِيمَا حَكَى ابْنُ دُرَيْدٍ مِنْهُ تَنُّورُ (^١)\nالشرح: \"قولهم\": هذه الألفاظ، فين كانت في غير لُغَةِ العرب، لا ينافي كونَها من لغة العرب؛ لجواز أن يكون \"مما اتفق فيه اللُّغتانِ؛ كالصَّابونِ\"؛ وكذا \"التَّنُّور\" عند غير ابْنِ دُرَيْدٍ - قال المصنِّف: إنه \"بعيدٌ\"، وهي دعوَى منه.\nوهذا الشَّافعيُّ الذي تفقَّأتْ عنه بَيْضَةُ بني مُضَرَ، قد اقتضى كلامه ذلك، وكفى به حجَّةً، ولقد أطنب في كتاب (الرسالة) في التَّغليظ على مَنْ يقول بالمعرَّب (^٢).\n_________\n= هُودٌ وَقِسْطٌ وكَفرّ رَمْزُه سَقَرٌ … هَوْنٌ يصِدُّونَ والمِنْسَاةُ مسطورُ\nشهر مجوس وإقفال يَهُود حَوَا … رِيُّونَ كَنْزٌ وسِجِّينٌ وَتتْبِيرُ\nبَعِيرٌ ازَرُ حُوبٌ وَرْدَةٌ عَرِمٌ … إلٌّ ومِنْ تَحْتِهَا عَبَّدتَّ والصُّورُ\nوَلِينَةٌ فُومُهَا رَهْوٌ وَأَخْلَدَ منْـ … جاةٌ وسيِّدَهَا القَيُّومُ مَوقورُ\nوَقُمَّلٌ ثم أسْفار عَنَى كُتُبًا … وسُجَّدًا ثم رِبيُّون تَكْثِيرُ\nوحِطَّةٌ وطُوًى والرَّسِّ نُونُ كَذَا … عَدْنٌ ومنفطِرُ الأسْباط مَذْكُورُ\nمِسْكٌ أبارِيقُ يَاقُوتٌ رَوَوْا فَهُنَا … مَا فَاتَ مِنْ عَدَدِ الألفاظِ مَحْصُورُ\nوبعضهم عدَّ الأولى مَعْ بطائنِها … والآخِرَهْ لِمَعَانِي الضِّدِّ مَقْصُورُ\n(^١) ينظر: الإتقان ٢/ ١١٩ - ١٢٠.\n(^٢) ينظر: الرسالة ١٣١ - ١٧٨.","vol":"1","page":416},{"text":"وَإجْمَاعُ الْعَرَبِيَّةِ؛ عَلَى أَن نَحْوَ: (إِبْرَاهِيمَ) مُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعُجْمَةِ وَالتَّعْرِيفِ - يُوَضِّحُه، الْمُخَالِفُ: بِمَا ذُكِرَ فِي الشَّرعِيَّةِ؛ وَبِقَوْلِهِ: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [سورة فصلت: الآية، ٤٤]؛ فَنَفَى أَنْ يَكُونَ مُتَنَوِّعًا؛ وَأجِيبَ بأَنَّ الْمَعْنِيَّ مِنَ السِّيَاقِ: أَكَلَامٌ أَعْجَمِيٌّ، وَمُخَاطَبٌ عَرَبِيٌّ، لَا يَفْهَمُهُ؟؛ وَهُمْ يَفْهَمُونَهَا، وَلَوْ سُلِّمَ نَفْيُ التَّنْوِيعِ، فالْمَعْنَى: أَعْجَمِيٌّ لَا يفْهَمُهُ.\n<hr><s0>\n\n\"وإجماع\" [أهل] \"العربية؛ على أن نحو: (إبراهيم) مُنِعَ من الصرف لِلْعُجْمَةِ، والتعريف - يوضِّحه\"؛ أي: يوضح وقوعَ المعرَّب، [وهو] وهم؛ فإن الأعلام لا خلاف فيها؛ كما عرفت.\nواحتج \"المُخَالف؛ بما ذكره في الشرعية\"؛ من أنها لو وقعتْ في القرآن، لاشتمل على غير العربي - وقد مَرَّ -؛ وبأنه لو وقع، لانقسم (^١) القرآن إلى أعجمي وعربي، \"و\" الله قد صانه عن ذلك؛ \"بقوله: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [سورة فصلت: الآية، ٤]؛ أي: أكلامٌ بعضه أعجميٌّ، وبعضُه عربيٌّ؟ \"فنفى (^٢) أن يكون متنوِّعًا\" (^٣).\n\"وأجيب بأن المعنى من السِّياقِ\" الواقعِ في الآية هكذا: \"أكلامٌ أعجميٌّ، ومخاطبٌ عربيٌّ لا يفهمه؟، وهُمْ\" كانوا \"يفهمونها\".\nوالحاصل: أن المصنِّف منع نفي التَّنويعِ (^٤) ثم قال: \"ولو سلِّم نفي التنويع\" (^٥)؛ فليس المراد نفي كلّ تنويع، بل التنويع الواقع بين أعجميٍّ غيرِ مفهومٍ وعربيٍّ، \"فالمعنى: أعجميٌّ لا يفهمه\".\nواعلم أن ابن قتيبة (^٦) وابن جِنِّي (^٧) قالا: الأعجميُّ مَنْ لا يُفصِحُ بالكلام، عَجَميًّا كان، أو\n_________\n(^١) في ت: لا يسلم.\n(^٢) في أ، ح: فبقى.\n(^٣) في أ، ح: متبوعًا.\n(^٤) في أ، ت، ح: التسويغ.\n(^٥) في أ، ت، خ: التسويغ.\n(^٦) عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، أبو محمد، من أئمة الأدب، ولد بـ \"بغداد\" في سنة ٢١٣ هـ من كتبه: \"تأويل مختلف الحديث\"، و\"أدب الكاتب\"، و\"المعارف\"، و\"عيون الأخبار\"، و\"الاشتقاق\"، و\"مشكل القرآن\"، و\"العرب وعلومها\"، و\"تفسير غريب القرآن\"، وغير ذلك كثير. توفي سنة ٢٧٦ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ١/ ٥١ والأنباري ٢٧٢، ولسان الميزان ٣/ ٣٥٧، وآداب اللغة ٢/ ١٧٠، ومجلة المجمع ٢٦/ ٢٣٨، ودائرة المعارف الإسلامية ١/ ٢٠٦، ومجلة الكتاب ٥/ ٨٠٥، والأعلام ٤/ ١٣٧.\n(^٧) عثمان بن جني الموصلي، أبو الفتح، من أئمة الأدب والنحو، وله شعر. ولد بـ \"الموصل\" وتوفي بـ \"بغداد\" عن نحو ٦٥ عامًا، وكان أبوه مملوكًا روميًا لسليمان بن فهد الأزدي الموصلي. من =","vol":"1","page":417},{"text":"<span data-type='title' id=toc-386>الْمُشْتَقُّ</span>\nمَسْأَلَةٌ:\nالْمُشْتَقُّ مَا وَافَقَ أَصْلًا بِحُرُوفِهِ الْأُصُولِ وَمَعْنَاه، وَقَدْ يُزَادُ بِتَغْيِيرٍ ......................\n<hr><s0>\n\nعربيًّا، ولفظه لفظ النسب، فأعجَمُ وأعجمي، كأحْمَرَ وأحمريٍّ، والعجميُّ منسوبٌ إلى لغة العَجَمِ، سواء كان فصيحًا أم لم يكن.\nوقال أبو زيد، وأبو عليٍّ الفارسيُّ: الأعجميُّ العَجَمِيّ، ولهذا قوبل بالعربيِّ، ويشهد له قراءة من قرأ: (ءَاعْجَمِيٌّ).\nوإذا عرفت هذا، علمتَ أنه لا وجه للاستدلال بالآية ألبتة على الأول، ولا على الثاني أيضًا؛ لأن المراد بالعجميِّ هنا: الأعجميُّ؛ بدليل صدر الآية؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [سورة فصلت: الآية، ٤٤].\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"المشتق (^١): ما وافق أصلًا بحروفه الأصول ومعناه\" (^٢)؛ فما لم يوافق أصلًا، أو وافق معنى فقط؛ كالمَنْع الموافق للجنس، أو في حروفه الأصول، لكن لا بمعناه؛ كالضَّربِ\n_________\n= تصانيفه: رسالة في \"من نسب إلى أُمّه من الشعراء\"، و\"شرح ديوان المتنبي\"، و\"الخصائص\"، في اللغة. وكان المتنبي يقول: ابن جني أعرف بشعري مني. توفي سنة ٣٩٢ هـ. ينظر: آداب اللغة ٢/ ٣٠ وشذرات الذهب ٣/ ١٤٠، والأعلام ٤/ ٢٠ ومفتاح السعادة ١/ ١١٤.\n(^١) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٢/ ٧١، وسلاسل الذهب له ص ١٧١، والتمهيد للإسنوي ص ١٥٣، ونهاية السول له ٢/ ٦٧، وزوائد الأصول له ص ١٣ ومنهاج العقول للبدخشي ١/ ٢٦٣، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ٤٤، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ٢٠٤، وحاشية البناني ١/ ٢٨٠، والإبهاج لابن السبكي ١/ ٢٢٢، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٢/ ٧٨ وحاشية العطار على جمع الجوامع ١/ ٣٦٨، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ٨/ ٥٨٨ وتيسير التحرير لأمير بادشاه ١/ ٦٧، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ١/ ١٧١، وإرشاد الفحول للشوكاني ص ١٧، ونشر البنود للشنقيطي ١/ ١٠٧، والكوكب المنير للفتوحي ص ٦٤، والعضد ١/ ١٧٤ والمحصول ١/ ١/ ٣٢٥ والمنتهى لابن الحاجب (١٧)، والخصائص لابن جني ٢/ ١٣٣، والمزهر للسيوطي ١/ ٣٤٦، وأسرار العربية (١٧٣).\n(^٢) في حاشية ج: هذه أولى المسائل المتعلقة بالمشتق، وهي في بيان حده، وهو على ما قاله: ما وافق أصلًا بحروفه الأصول، ومعناه: أن المشتق لفظ وافق اسمًا من أسماء المعاني أي الأحداث …","vol":"1","page":418},{"text":"ما، وَقَدْ يَطَّرِدُ؛ كَاسْمِ الْفَاعِلِ، وَغَيْرِهِ، وَقَدْ يَخْتَصُّ؛ كَالْقَارُورَةِ وَالدَّبَرَانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-387>مَسْأَلَةٌ:\nاشْتِرَاطُ بَقَاءِ الْمَعْنَى فِي كَوْنِ الْمُشْتَقِّ حَقِيقَةً</span>؛ ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ ......................\n<hr><s0>\n\nللإيلام الخاصِّ الموافقِ للضرْبِ بمعنى الذَّهاب في الأرض - فليست بمشتقَّات.\nوقد يمنع مانع من بقاء الحروف الأصولِ؛ كـ (خَفْ) من الخَوْفِ؛ فإن التقاء السَّاكنين أوجَبَ حذف حرفٍ، وإن كان موجودًا في الأصل.\n\"وقد يزاد\" في الحَدِّ قولٌ: \"بتغيير مَّا\"؛ ليعلم أنه لا بُدَّ من تغييرٍ، وأن التغيير الاعتباريَّ كافٍ كذلك؛ مفردًا بزنة قُفْل، وجَمْعًا بزنة أُسْد.\nوالتغيير: إما بزيادة، أو نقصان، أو بهما (^١)؛ إما في الحرف، أو الحركة، أو فيهما.\n\"وقد يطَّرد\" الاشتقاق؛ \"كاسم الفاعل، وغيره\"؛ كاسْمِ المفعول، والصّفة المشبّهة المشتقَّةِ من الفعل.\n\"وقد يختصُّ\" ببعض الأسماء؛ \"كالقَارُورَةِ، والدَّبَرَانِ\" (^٢) المأخوذَيْنِ من الاستقرارِ والدَّبُورِ، مع اختصاص (القَارُورَةِ) بالزُّجَاجة، (والدُّبَرَانِ) بعين الثور.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"اشتراطُ بقاء المعنى\" المشتق منه \"في كون المشتقِّ حقيقةً\" فيه مذاهب (^٣):\nأحدها: الاشتراط؛ وهو رأي الجمهور؛ قال الإمام الرَّازيُّ: وهو الأقرب (^٤).\nوثانيها: عدمه؛ وهو قول أبي عليٍّ، وابنه، وابن سينا.\nو\"ثالثها: إن كان\" البقاءُ \"ممكنًا، اشتُرِط\" وإلَّا فلا.\nوهذا ذكره الإمام الرازيُّ بحثًا، وذكر أنه لم يقل به - أحد من الأُمة، والخلاف إنما هو في صِدْقِ الاسْمِ، أي: أنه هل يقال للضارب أمس: ضاربٌ الآن؛ حقيقةً، لا في أن حقيقة الضرب\n_________\n(^١) في أ، ج، ح: هما.\n(^٢) الدبران في علم الفلك خمسة كواكب من النور يقال: إنها سنامة، وهو من منازل القمر. وقيل: هو نجم بين الثريا والجوزاء. ينظر: المعجم الوسيط ١/ ٢٧٩.\n(^٣) ينظر: الإبهاج ١/ ٢٢٧، والمحصول ١/ ١ / ٣٢٧، ونهاية السول ٢/ ٧ وشرح التنقيح (٤٧)، وإرشاد الفحول ص (١٧)، وحاشية البناني ١/ ٢٨٣ وفواتح الرحموت ١/ ١٩٢.\n(^٤) ينظر: المحصول ١/ ١/ ٣٢٧.","vol":"1","page":419},{"text":"مُمْكِنًا، اشْتُرِطَ؛ الْمُشْتَرِطُ: لَوْ كَانَ حَقِيقَةً، وَقَدِ انْقَضَى، لَمْ يَصِحَّ نَفْيُهُ؛ أُجِيبَ: بِأَنَّ الْمَنْفِيَّ الْأَخَصُّ؛ فَلَا يَسْتَلْزِمُ نَفْي الْأَعَمِّ؛ قَالُوا: لَوْ صَحَّ بَعْدَه، لَصَحَّ قَبْلَهُ؛ أُجِيبَ إِذَا كَانَ\n<hr><s0>\n\nالآن موجودةٌ منه، فذلك لا يقوله عاقلٌ.\nقال أبي ﵀: وليس هو أيضًا في الصِّفاتِ القارَّة المحسوسة؛ كالسَّوَاد، والبياض؛ فإنا على قطع بأن اللغويَّ لا يُطْلِقُ على الأبيض بعد اسْوِدَادِهِ؛ أنه أبيض.\nوقد ادَّعى الآمديُّ الإجماع؛ على أنه لا تجوز (^١) تسميةُ النَّائم قاعدًا، والقاعد نائمًا (^٢)؛ وهذا واضح في اللّغة، وإنما الخلاف في الضرب ونحوه من الأفعال المنقضية؛ فإطلاق المشتق على محلّها من باب الأحكام؛ فلا يبعد إطلاقه حالَ خُلُوِّه عن مفهومه؛ لأنَّهُ أمر حكميٌّ.\nومن هنا؛ يتبين وجه انفصال الماضي عن المُسْتقبل؛ حيث كان إطلاقه باعتبار الماضي أولى؛ لأن من حصل منه الضربُ ماضيًا، قد يستصحبُ حبهمه؛ بخلاف مَنْ لم يحصل منه؛ إذ لم يثبت له حكم، فيُسْتَصْحبَ.\nاحتج \"المشترِطُ\"؛ بأنه \"لو كان\" صدق الضَّارب مثلًا على مَنْ صدر منه الضَّرْبُ؛ \"حقيقةً، وقد انقضَى - لم يصحَّ نفيه\"؛ لكنه (^٣) يصح نفيه في الحال؛ فإنا نعلم ضرورة؛ أنَّ من انقضى عنه الضرب ليس بضارب الآن، وإذا (^٤) صَحَّ نفيه في الحال، صَحَّ مطلقًا؛ إذ صِدْقُ الخاصِّ مستلزم لصدق العامِّ.\n\"وأجيب: بأن المنفيَّ\" هو \"الأخصُّ\"؛ أي: الضربُ (^٥) في الحال؛ \"فلا يستلزم نفي الأعمِّ\"؛ وهو مطلق الضرب؛ فإذن: إن أريد بصحة النفي مطلقًا صِدْق: ليس بضارب في كل وقتٍ - ففاسدٌ، أو صدقَ نفْيِ ضربٍ ما، فحقٌّ؛ ولكن لا يلزم منه النَّفي في الماضي.\n\"قالوا: لو صحَّ\" أن يقال لمن ضَرَبَ \"بعده؛ أي: بعد انقضاء الضَّرْب: إنه ضارب - \"لصحَّ قبله؛ أي: قبل وجود الضرب؛ [بجامع وجود الضَّرْب] (^٦) في غير الحال، واللازم باطل؛ بالاتِّفَاق.\n_________\n(^١) في أ، ج، ح: يجوز.\n(^٢) ينظر: الإحكام ١/ ٥٣.\n(^٣) في أ، ب: إذ.\n(^٤) في ب: وإنما.\n(^٥) في ت: الضرر.\n(^٦) سقط في ت، ج.","vol":"1","page":420},{"text":"الضَّارِبُ مَنْ ثَبَتَ لَهُ الضَّرْب، لَمْ يَلْزَم.\nالنَّافِي: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى صِحَّةِ: (ضَارِبٌ أَمْسِ)؛ وَأَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ؛ أُجِيبَ: مَجَازٌ؛ كَمَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ؛ بِاتِّفَاقٍ، قَالُوا: صَحَّ: (مُؤْمِنٌ وَعَالِمٌ)؛ لِلنَّائِم؛ أُجِيبَ: مَجَازٌ لامْتِنَاعِ (كَافِرٌ) لِكُفْرٍ تَقَدَّمَ.\n<hr><s0>\n\n\"أجيب\" بالفَرْقِ (^١) بأنه \"إذا كان الضَّارب من ثَبَتَ له الضربُ\"، [وهو كذلك - \"لم يلزم\" من صحة إطلاقه باعتبار الماضي - إطلاقُهُ باعتبار المستقبل؛ وللخصم منع أن الضاربَ لغةً مَنْ ثبت له الضَّرب] (^٢)، وادعاءُ أنه مَنْ له الضرب، وهو أعمُّ من المستقبل.\nالشرح: واحتج \"النَّافِي\" للاشتراط؛ بأنه قد \"أجمع أهل العربية على صِحَّة: ضاربٌ أمس؛ فإنه اسم فاعل\"، مع انقضاء الضرب.\n\"أجيب\" بأنه \"مجازٌ، كما في المستقبل؛ [باتفاف] \"، وليس من لازم الصحَّة أن يكون حقيقةً.\n\"قالوا: صح (^٣) عالم، ومؤمن؛ للنائم\"، وليس العلم والإيمان حاصلَيْن حالة النوم.\n\"أجيب: مجاز؛ لامتناع\" إطلاق \"كافر\" على مسلم الآن؛ \"لكفر تقدَّم\" منه.\nلا يقال: الشرع مَنَعَ من هذا الإطلاق؛ فلا دليلَ من الشَّرْع عليه، ثم كلامنا في أمر لغويٍّ،\n_________\n(^١) الفرق لغةً: قال الجوهري: فرقت بين الشيئين أفرق فرقًا وفرقانًا، وفرقت الشيء تفريقًا وتفرقة فانفرق، وافترق وتفرق، وأخذت حقي منه بالتفاريق.\nقال القرافي: سمعت بعض مشايخي الفضلاء يقول: فرقت العرب بين فرق بالتخفيف وفرَّق بالتشديد: الأول في المعاني، والثاني في الأجسام، ووجه المناسبة فيه أن كثرة الحروف عند العرب تقتضي كثرة المعاني أو زيادته أو قوته، والمعاني لطيفة، والأجسام كثيفة فناسبها التشديد، وناسب المعاني التخفيف، مع أنه قد وقع في كتاب الله تعالى خلاف ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ فخفف في البحر، وهو جسم، وقال تعالى: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ وجاء على هذه القاعدة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ وقوله تعالى. ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾.\nوقال: لا تكاد تسمع من الفقهاء إلا قولهم: ما الفارق بين المسألتين؛ ولا يقولون: ما المفرق بينهما بالتشديد؛ وتقتضي هذه القاعدة أن يقول السائل: أفرق لي بين المسألتين، ولا يقول: فرق لي، ولا بأي شيء تفرق؟ مع أن كثيرًا يقولونه في الأفعال دون اسم الفاعل.\n(^٢) سقط في ت.\n(^٣) في ب: لو صح.","vol":"1","page":421},{"text":"\"قَالُوا: يَتَعَذَّرُ فِي مِثْلِ: مُتَكَلِّمٍ، وَمُخْبِرٍ؛ أُجِيبَ: بِأَن اللُّغَةَ لَمْ تُبْنَ عَلَى الْمُشَاحَّةِ فِي مِثْلِهِ؛ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الْحَالِ؛ وَأَيْضًا: فَإنَّهُ يَجبُ أَلَّا يَكُونَ كَذلِكَ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-388>الاشْتِقَاقُ مِنِ اسْمِ الْفَاعِلِ</span>\nمَسْأَلَةٌ:\n\"لَا يُشْتَقُّ اسْمُ الْفَاعِلِ لِشَيْءَ، وَالْفِعْلُ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ؛ خِلَافًا .............................\n<hr><s0>\n\n=  ولقائل أن يقول: الإيمان الطارئُ يُضادُّ الكُفْرَ؛ فلذلك امتنع إطلاق كافر على المؤمن، وكان كإطلاقِ أسودَ على الأبيضِ؛ باعتبار سوادٍ تقدَّم، وليس محلَّ الخلاف.\nالشرح: \"قالوا: يتعذّر\" بقاء المعنى المشتقِّ منه في المشتقِّ، في مثل: متكلِّم، ومخبِرٍ\"، وسائرِ ما لا يوجد من الأفعال في زمانٍ مع إطلاق متكلِّم ومخبرٍ بالحقيقة عليه، فلو كان بقاء المعنَى شرطًا، لم يكن الأمر كذلك.\n\"أجيب: بأن اللغة لم تُبْن على المشاحَّة في مثله\"؛ فإن أمكن وجود الفعل بتمامه، اشتُرِط، وإلا اكتُفِيَ بآخرِ جزءٍ؛ \"بدليل صحة الحال\"، ولو وقعت [مُشَاحَّةٌ] (^١)، لم يتحقق الحال، وكان يتمُّ قول أبي حَفْص الأشعريِّ: لا معنى للحال، إنما هو للماضي والمستقبل.\nسلمنا تعذُّر ذلك في مثل متكلِّم ومخبرٍ؛ لكن لا يلزم من عدم اشتراط البقاء فيما تعذَّر (^٢) - عدمُ الاشتراطِ مطلقًا، وإليه أشار بقوله: \"وأيضًا: فإنه يجب ألَّا يكون كذلك\"؛ أي: لا يكون المشتقُّ الذي فيه الكلامُ ممَّا لا يمكن بقاؤه حتَّى يشُترَطَ فيه البقاء.\nولك أن تقول: هذا رجوعٌ إلى القول الفَصْل (^٣) بِتَخْصِيص الدعوَى.\n\n\"فرعان\"\nفي وقوع طلاق القاضي المعزولِ، إذا قال: امرأة القاضي طالقٌّ - وجهان، حلف لا يدخل مسكن فلانٍ، فدخل مِلْكًا له لم يكن ساكنه، فأوجه:\nثالثها: إن كان سَكَنَهُ في الماضي ساعةً ما، حَنِث، وإلَّا فلا، وفي (شرح المنهاج) فروعٌ أخر.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"لا يشتق اسم الفاعل لشيء، والفعلُ\"؛ وهو: ما منه الاشتقاق - \"قائم بغيره.\n_________\n(^١) سقط في ب.\n(^٢) في أ، ج، ح، تقدم.\n(^٣) في ت، ج: المفصل.","vol":"1","page":422},{"text":"لِلْمُعْتَزِلَةِ، لنَا: الاسْتِقْرَاءُ\".\nقَالُوا: ثَبَتَ قَاتِلٌ وَضَارِبٌ، وَالْقَتْلُ لِلْمَفْعُولِ؛ قُلْنَا: الْقَتْل التَّأثِير، وَهُوَ لِلْفَاعِلِ.\n\"قَالُوا: أُطْلِقَ الْخَالِقُ عَلَى اللهِ؛ بِاعْتِبَارِ الْمَخْلُوقِ، وَهُوَ الْأَثَر، لأِن الْخَلْقَ الْمَخْلُوق، وَإِلَّا، لَزِمَ قِدَمُ الْعَالَمِ، أَوِ التَّسَلْسُل، أُجِيبَ: أَوَّلًا؛ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِفِعْلٍ قَائِمٍ بِغَيْرِهِ؛ .......\n<hr><s0>\n\nخلافًا للمعتزلة\"؛ حيث قالوا: الباري - تعالى - متكلِّم يخلقه، [أي: الكلام] في جسم (^١).\n\"لنا: الاستقراء\" (^٢).\nالشرح: \"قالوا: \"قد\" ثبت قاتل وضارب\" للفاعل، \"والقتل\" والضرب إنما هما \"للمفعول.\nقلنا\": ليس \"القتل\" التأثُّرَ الحاصلَ في ذات المفعول، بل [التأثيرَ] (^٣)؛ \"وهو \"حاصل \"للفاعل\".\nالشرح: \"قالوا: أُطْلِقَ الخالقُ على الله - تعالى -؛ باعتبار المخلوق، وهو الأثر\"، وليس المخلوق صفةً قائمةً بذاته - تعالى -؛ \"لأن الخلق\" هو \"المخلوق\"؛ ومنه قوله تعالى: ﴿هذَا خَلْقُ اللهِ﴾ [سورة لقمان: الآية، ١١]؛ أي: مخلوقه، \"وإلا لزم (^٤) قِدَمُ العالَمِ\"، إن كان الخلق قديمًا، \"أو التسلسلُ\"، إن كان حادثًا.\nو\"أجيب: أولًا؛ بأنه\" غير محل النزاع؛ إذ محلّ النزاع فعلٌ قائمٌ بالغير، وما ذكرتموه من الخالقيّة \"ليس بفعل قائم بغيره\"، بل هو ذات الغير.\n_________\n(^١) ينظر: الإبهاج ١/ ٢٣٥، والعضد ١/ ١٨١، وشرح التنقيح ص (٤٨)، والمحصول ١/ ١/ ٣١ والعقيدة النظامية لإمام الحرمين ص (٢٤)، والإنصاف للقاضي أبي بكر الباقلاني ص (٧٠)، وغاية المرام للآمدي ص (٨٨)، وفواتح الرحموت ١/ ١٩٢، ونشر البنود ١/ ١١٦.\n(^٢) استدل المصنّف على مذهب الأصحاب بالاستقراء؛ إذ استقراء لغة العرب رَدَّ لنا على أن اسم الفاعل لا يطلق على شيء إلا ولكون الفعل - يعني الفعل المشتق - منه قائمًا به. ينظر: الشيرازي ٧٣ ب/ خ.\n(^٣) في ت: التأثر وهو خطأ.\n(^٤) في حاشية ج: قوله: \"وإلا لزم\" أي: إن لم يكن الخلق هو المخلوق، بل كان التأثير لزمان قدم، لزم قدم العالم؛ إذ لا يتصور تأثير ولا أثر، وإن حدث احتاج إلى آخر ويتسلسل.","vol":"1","page":423},{"text":"وَثَانِيًا: أَنَّهُ لِلتَّعَلُّقِ الْحَاصِلِ بَيْنَ الْمَخْلُوقِ وَالْقُدْرَةِ حَالَ الإِيجَادِ، فَلَمَّا نُسِبَ إِلَى الْبَارِي، صَحَّ الاشْتِقَاقُ؛ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-389>دِلالةُ الْمُشْتَقِّ إِذا أُطْلِقَ</span>\nمَسْأَلَةٌ:\nالْأَسْوَدُ وَنَحْوُهُ مِنَ الْمُشْتَق يَدُلُ عَلَى ذَاتِ مُتَّصِفَةٍ بِسَوَادِ، لَا عَلَى ...........\n<hr><s0>\n\n\"وثانيا: أَنَّهُ\"، أي: الخلقَ - إنما يقال \"للتعلُّق الحاصل\"؛ أي الواقع \"بين المخلوق والقدرة؛ حال الإيجاد، فلما نُسِب\" هذا التعلّق \"إلى الباري\" تعالى \"صحَّ الاشتقاق\".\nوالحاصل: أنَّ للقدرة تعلُّقًا حادثًا به الحدوثُ ضرورةً، وهذا التعلُّق، إذا نسب إلى العالَم، فهو صدوره عن الخالق، أو القدرةِ، فهو إيجادها له، أو ذي القدرةِ، فهو خلقه؛ فالخلقُ تعفق قدرة الذات، وهذه النسبة قائمةٌ بالخالق، وباعتبارها اشتق له؛ فيصح ما ذكرنا من الدَّليل على وجوب القيام؛ لأنا لا نعني بها كونها صفة حقيقية، بل سائرُ الإضافاتِ قائمةٌ بمحالِّها، والحملُ على هذا واجبٌ؛ \"جمعًا بين الأدلَّة\"، وهي الاستقراء من جهتنا، وأن الخَلْقَ ليس الصفة الموجودة من جهتكم.\n\n\"فرع\"\nلو حلف؛ لا يبيع، أو لا يحلق رأسه، فأمر غيره، فالأصحُّ أنه لا يحنث؛ إذ ليس ببائعٍ، ولا حالقٍ.\nوقيل: يحنث.\nوقيل: في الحلَّاق فقط، للعادة.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: إذا أطلق \"الأسود ونحوه من المشتق\"، فإنما \"يدل\" بالحقيقة \"على ذات متَّصفةٍ\" بذلك الشيء (^١)، ففي الأسود مثلًا: على ذات متّصفة \"بسواد\"، و\"لا\" يدلّ \"على خصوص\" لتلك\n_________\n(^١) إنما يدل المشتق علي أمر متصف بالمشتق منه لا على حقيقة ما اتصف به من كونه جسمًا وغيره\nكالأسود مثلًا، فإنه يدل على ذات متصفة بسواد، لا على خصوصية تلك الذات من جسمية وغيرها.\nومما يدل على أنه لا يدل على الجسمية صحة قولنا: الأسود جسم؛ إذ لو كان دالًا عليه لكان الأسود جسمًا منزلًا منزلة قولنا: الجسم ذو السواد جسم، وهو تكرار خال عن الفائدة. =","vol":"1","page":424},{"text":"خُصُوصٍ مِنْ جِسْمِ وَغَيْرِهِ؛ بِدَلِيلِ صِحَّةِ: (الْأَسْوَدُ جِسْمٌ).\n\n<span data-type='title' id=toc-390>ثُبُوتُ اللُّغةِ</span>\nمَسْألَةٌ\nلَا تَثْبُتُ اللُّغَةُ قِيَاسًا؛ .........................................................\n<hr><s0>\n\nالذات؛ \"من جسم أو غيره؛ بدليل صحة: الأسودُ جسمٌ\" فلو دلَّ على خصوصه، [كان] (^١) بِمَثَابَةِ قولنا: الجسمُ الأسودُ جسمٌ، وليس كذلك؛ إذ في الأول فائدةٌ دون الثاني.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"لا تثبت اللُّغَةُ قياسًا، عند إمام الحرمَيْن، والغَزَالِيّ، وابن القُشَيْري، والآمدي، وطائفةٍ من أصحابنا، ومن الحنفية، وابن خويز مِنْداد (^٢) من المالكية (^٣).\n_________\n= ولا يلزم منه عدم صحة: الإنسان حيوان بأن يقال: هو بمنزلة قولنا: الحيوان الناطق حيوان؛ فإنه يلزم ذلك لو كان مدلول الإنسان لغة الحيوان الناطق، وهو ممنوع، ولا تعارض بأنه لو دلّ على الذات لما صح أن يقال: الأسود ذات، لكنه يصح؛ لأنا لا نسلم صحته بهذا على خلاف المشهور، وأن قوله: \"ونحوه من المشتقات يدل على ذات متصفة بسواد\" ليس على ما ينبغي؛ لأن الأحمر لا يدل على ذات متصفة بسواد، لكن المراد ظاهر. ينظر الشيرازي ٧٤ أ/ خ.\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) محمد أبو بكر بن خويز منداد. كنيته أبو عبد الله، تفقه على الأبهري، وله كتاب كبير في الخلاف، وكتاب في أصول الفقه، وكتاب في أحكام القرآن. وكان يجانب الكلام، وينافر أهله، حتَّى يؤدي ذلك إلى منافرة المتكلمين من أهل السنة، ويحكم على الكل منهم بأنهم من أهل الأهواء كما قال مالك. ينظر: الديباج ٢/ ٢٢٩، وشجرة النور ١/ ١٠٣.\n(^٣) ينظر العضد ١/ ١٨٣، والمحصول ٢/ ٢/ ٥٧ والمنخول ص (٧٢)، والمستصفى ١/ ٣٢٣، والتبصرة ص (٤٤٤)، واللمع ص (٦)، والإحكام للآمدي ١/ ٥ وفواتح الرحموت ١/ ١٨٥، وشرح الكوكب المنير ١/ ٢٢ والمسودة ص (١٧٣)، وإرشاد الفحول ص (١١٦)، وجمع الجوامع ١/ ٢٧١، وأصول السرخسى ٢/ ٥٦، وتيسير التحرير ١/ ٥٦، والمختصر لابن اللحام ص (٥٠)، وكشف الأسرار ٣/ ٢٢٩، وميزان الأصول ١/ ٥٤٥، وروضة الناظر ص (٨٨)، والمعتمد ١/ ٣٦، والبرهان ١/ ١٧٢ (٨٢)، والخصائص لابن جني ١/ ٩٩، المزهر للسيوطي ١/ ٣٦.","vol":"1","page":425},{"text":"خِلَافًا لِلْقَاضِي، وَابْنِ سُرَيْجٍ، وَلَيْسَ الْخِلَافُ فِي نَحْوِ: (رَجُلٍ)، وَرَفْعِ الْفَاعِلِ، أَيْ: لا لَا يُسَمَّى مَسْكُوتٌ عَنْهُ إِلْحاقًا بِتَسْمِيَةٍ لِمُعَيَّنٍ، لِمَعْنًى يَسْتَلْزِمُهُ وُجُودًا وَعَدَمًا؛ كَالْخَمْرِ\n<hr><s0>\n\n\"خلافًا للقاضي، وابن سريج\" (^١)، وابن أبي هريرة (^٢)، وأبي إسحاق الشِّيرَازي، والإمام، وكثيرٍ من أصحابنا، وابن القصَّار (^٣)، وابن التَّمَّار من المالكية، وأهل العربية؛ كالفارسي، وابن جِنِّي، والمَازِرِيِّ.\nوفي النَّقل عن القاضي نظر؛ نقل عنه المَازِرِيُّ وغيره: المنع، وهو الصَّحيح عنه، وبه صرح في كتاب (التقريب).\n\"وليس الخلاف في \"ما ثبت تعميمه بالنقل؛ \"نحو: رجل\"، أو بالاستقراء؛ كنصب المفعول، \"ورفع الفَاعل\"؛ إنما الخلاف في أن اسم الجنس، إذا كان معناه مقارِنًا لمعنى يستلزمه، صالحًا للغلبة؛ كاسم الخَمْرِ.\nوالمصنِّف من القائين بأنه لا يثبت، \"أي: لا يسمَّى مسكوت عنه [إلحاقًا] (^٤) بتسميةٍ لمعيَّن؛ لمعنًى يستلزمه\"؛ أي: يستلزم ذلك المعنى \"وجودًا وعدمًا؛ كالخَمْرِ للنبيذ؛ للتخمير،\n_________\n(^١) أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج، حامل لواء الشافعية في زمانه، تفقه بأبي القاسم الأنماطي وغيره، وأخذ عنه الفقه خلق من الأئمة. قال العبادي: شيخ الأصحاب، وسالك سبيل الإنصاف، وصاحب الأصول والفروع الحسان، وناقض قوانين المعترضين على الشافعي، مات سنة ٣٠٦ هـ.\nينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٨٩، ووفيات الأعيان ١/ ٤٩، طبقات العبادي ص ٦٢، والأعلام ١/ ١٧ وشذرات الذهب ٢/ ٢٤٧، والنجوم الزاهرة ٣/ ١٩ والمنتظم ٦/ ١٤٩.\n(^٢) أبو علي الحسن بن الحسين، ابن أبي هريرة البغدادي، أحد أئمة الشافعية، تفقه على ابن سريج وأبي إسحاق المروزي، ودرس بـ \"بغداد\"، وروى عنه الدارقطني وغيره، وتخرج من جماعة، وكان معظمًا عند السلاطين، صنف التعليق الكبير على مختصر المزني مات سنة ٣٤٥. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١٢٦، وتاريخ بغداد ٧/ ٢٩٨، والبداية والنهاية ١١/ ٣٠٤، والأعلام ٢/ ٢٠٢، وشذرات الذهب ٢/ ٣٧٠، وطبقات الفقهاء للشيراري ٩٢.\n(^٣) علي بن أحمد البغدادي القاضي أبو الحسن المعروف بـ \"ابن القصار\". تفقه بالأبهري، قاله الشيرازي، وله كتاب في مسائل الخلاف، لا أعرف للمالكيين كتابًا من الخلاف أكبر منه، وكان أصوليًّا نظَّارًا. وقال أبو ذر: \"هو أفقه من رأيت من المالكيين\" وكان ثقة قليل الحديث، وتوفي سنة ٣٩٨. ينظر الديباج: ٢/ ١٠٠، والمدارك ٤/ ٦٠٢، وشجرة النور ١/ ٩٢.\n(^٤) بياض في أ، ب، ح.","vol":"1","page":426},{"text":"لِلنَّبِيذِ؛ لِلتَّخْمِيرِ، وَالسَّارِقِ لِلنَّبَّاشِ، لِلأَخْذِ خُفْيَةً، وَالزَّانِي لِلَّائِطِ؛ لِلإِيلَاجِ الْمُحَرَّمِ؛ إِلَّا بِنَقْلٍ، أَوِ اسْتِقْرَاءِ التَّعَمِيمِ.\nلَنَا: إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِالْمُحْتَمَلِ.\nقَالُوا: دَارَ الاسْمُ مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا؛ قُلْنَا: وَدَارَ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الْعِنَبِ، وَكَوْنِهِ مَالَ الْحَيِّ، وَقُبُلًا.\n<hr><s0>\n\nوالسَّارق للنباش؛ للأخذ خفية، والزَّاني لِلَّائِطِ؛ لِلإِيلَاجِ الْمُحَرَّمِ\"؛ \"إلا\" أن يثبت شيء من هذه الصور \"بنقل، أو استقراء لتعميم\"؛ فيخرج عن محل النزاع، ولا يكون من أمثلة ما نحن فيه، وفائدةُ القياس في اللُّغَةُ؛ أنه يدعَى دخولُ النبيذِ، والنَّباش، واللَّائطِ تحت عمومِ لفظ: الخَمْرِ، والسَّارق، والزَّاني؛ لانسحاب الاسم عليه قياسًا، فافهمه (^١).\nالشرح: \"لنا\": أن القياس في اللُّغَةُ: \"إثباتُ اللُّغَةُ بالمحتمَلِ\"؛ لأنَّهُ يحتمل التصريحَ بمنعه؛ كما يحتمل باعتباره؛ بدليل منعهم طرد الأدْهَمِ، والقَارُورَة، وما لا ينحصر؛ فيبقى عند السكوت على الاحتمال، ومجردُ احتمالِ وضع اللَّفظ للمعنَى لا يصحِّح الحكمَ بالوضعِ؛ للتحكُّم؛ ولئلا يلزم الحكم بالوضع من غير قياس؛ [كقيام الاحتمال.\nولك أن تقول: بل هو إثباتٌ بالظَّاهر؛ فلا تحكُّم، ولا يلزم الوضع من غير قياس] (^٢).\nالشرح: \"قالوا: دَارَ الاسم\" - كالخمر مثلًا - \"معه\"؛ أي: مع المعنى؛ كالتَّخْمير؛ \"وجودًا\" في ماء العنب المسكرِ، \"وعدمًا\" في غيره؛ والدَّوَرَان دليلٌ أنه متى تحقّق المعنى، تحقّق الاسم.\n\"قلنا: [و] دار\" مع ما ذكرتم، ودار أيضًا \"مع كونه من العنب\" في الخَمْرِ، \"وكونهِ مال الحَيِّ\" في السرقة، \"وقُبُلًا\" في الزنا، فإذا كان الدَّوَران علَّةً، وقد دار فيما ذكرتموه، وفيما ذكرناه - كان المعنى الذي ذكرتموه جزء العلة؛ فلا يستلزم.\nولك أن تقول: إنما تعلُّقنا بدوران الوصف المُنَاسب، وما ذكرتموه غيرُ مناسب؛ فكان ما ذكرناه علَّة تامَّة؛ لأن التحقيق أن الدَّوَران، إذا كان مع أمور بعضُها مخيلٌ، دون بعض، فالعلَّية للمخيِّل (^٣) فقط.\n_________\n(^١) في أ، ت: فأوهمه، وهو تحريف.\n(^٢) سقط في: ت.\n(^٣) في ت: للمختل.","vol":"1","page":427},{"text":"قَالُوا: ثَبَتَ شَرْعًا، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ؛ قُلْنَا: لَوْلَا الْإِجْمَاع، لَمَا ثَبَتَ وَقَطْعُ النَّبَّاشِ وَحَدُّ النَّبِيذِ؛ إِمَّا لِثبوتِ التَّعْمِيمِ، أَوْ بِالْقِيَاسِ، لَا لأِنَّهُ سَارِقٌ أَوْ خَمْرٌ؛ بِالْقِيَاسِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"قالوا: ثبت\" القياس \"شرعًا\"؛ أي: الشرعي، \"والمعنى واحد\"، وهو حمل فرعٍ على أصل بجامعٍ.\n\"قلنا: لولا الإجماع\" في الشرعي، \"لما ثبت، وقطع النباش\" (^١)؛ كما هو الصَّحيح من مذهبنا، \"وحدُّ\" شارب \"النبيذ\" ليس لثبوت اللُّغَةُ قياسًا.\n\"إمّا لثبوت التعميم\"؛ أي: تعميم اسم السَّارق والخمر؛ للنَّباش والنَّبِيذ.\nقال الشَّعْبي (^٢): النباش سارق.\nوقال النَّبِيّ ﷺ: \"كُلّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ\" (^٣)؛ فيكون تسميتها بالنَّقل لا بالقياس اللُّغوي، \"وإمَّا\n_________\n(^١) النَّبش: استخراج الشيء المدفون، ومنه: النباش الذي ينبس القبور. ينظر: قواعد الفقه ٥٢١.\n(^٢) عامر بن شراحيل الحميري الشعبي، أبو عمرو الكوفي، الإمام العلم، روى عن كثير من الصحابة، وروى عنه ابن سيرين والأعمش، وكان فقيهًا. قال الشعبي: \"ما كتبت سوداء في بيضاء\". توفي سنة ١٠٣ هـ. ينظر: الخلاصة ٢/ ٢٢ (٣٢٦٣)، وابن سعد ٦/ ١٧١ - ١٧٨ والمعارف ص ٤٤٩ - ٤٥١، والحلية ٤/ ٣١٠ - ٣٣٨.\n(^٣) متفق عليه من حديث ابن عمر، أخرجه البخاري في الصحيح ١٠/ ٣٠ كتاب الأشربة (٧٤) باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ …﴾ [سورة المائدة (٥)، الآية (٩٠)] (١) الحديث (٥٥٧٥)، وأخرجه مسلم ٣/ ١٥٨٧ كتاب الأشربة (٣٦)، باب بيان أن كل مسكر خمر … (٧) الحديث (٦٧/ ٢٠٠١) وأخرجه أبو داود ٣/ ٣٢٧ في الأشربة، باب النهي عن المسكر حديث (٣٦٧٩) والنسائي ٨/ ٢٩٧ في كتاب الأشربة، باب إثبات اسم الخمر لكل مسكر من الأشربة (٥٥٨٥)، والترمذي ٤/ ٢٥٦ في الأشربة، باب ما جاء في شارب الخمر، حديث (١٨٦١) وقال: حسن صحيح، وابن ماجة ٢/ ١١٢٤، في كتاب الأشربة باب كل مسكر حرام حديث (٣٣٩٠) وأحمد في المسند (٢/ ١٦، ٣١، ٩٨، ١٠٥، ١٣٤، ١٣٧) وأخرجه الدارقطني ٤/ ٢٤٩ حديث (١١)، والطحاوي في معاني الآثار ٤/ ٢١٥، والطبراني في الصغير ١/ ٥٤، ٢/ ٥٥ وفي الكبير، وابن الجارود من المنتقى ص ٢١٨ حديث (٨٥٧، ٨٥٩) والبيهقي في السنن الكبرى ٨/ ٢٩٣، ٢٩٦، ٣٠٦، وابن عبد البر في التمهيد ١/ ٢٥٢، ٢٥٣ وابن عساكر كما في تهذيب تاريخ دمشق ١/ ٤٠٩، ٣/ ١٢، ٩/ ٢٧٩، وأبو نعيم في تاريخ أصفهان ١/ ١٧، ٩/ ٩٤، ١٢/ ٢٥١، ١٣/ ٣١٨، وينظر: مجمع الزوائد ٥/ ٥٧ وتلخيص الحبير ٤/ ٧٣.","vol":"1","page":428},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nبالقياس\" الشرعي على السَّارق والخمر في الحُكْم؛ بجامع المفسدة، \"لا لأنَّهُ سارق أو خمر؛ بالقياس\" اللغوي، أو لكلٍّ من الأمرين، أو في أحدهما؛ وهو الخمر؛ بالنَّقْل الذي ذكرناه، وفي الآخَرِ: إما بالقياس الشرعي، وإما [بـ] ما في حديث البَراءِ؛ من قوله ﷺ: \"وَمَنْ نَبَشَ، قَطَعْنَاهُ\" (^١).\nوأنا أختار (^٢) التمسك بهذا؛ فإنَّ قَطْع النَّباش، لو كان بالقياس الشرعي، أو بتسميته سارقًا (^٣)، لقُطِعَ سارقُ ما عدا الكَفَنَ من الغير، والأصحُّ خلافه؛ فكل هذه طرق للأصحاب، ومن قاس منهم في اللُّغَة، لم يستنكفْ من القياس، وإنما المصنّف اعتذر عمن لم يقس، وليست هذه المسألة مسألة التعليل بالاسم؛ فتلك في أنه، هل يُنَاطُ حكمٌ شرعيٌّ باسم؟ وهذه في أنه، هل يسمى اسم بآخر؛ لغةً؛ بجامع، والقياس الشرعي إلحاقُ فرعٍ بأصلٍ في حكمه.\n\n\"فائدة\"\nالخلاف في ثبوت اللُّغة قياسًا، على الحقيقة والمجاز؛ هذا هو الظَّاهر، وأشار القاضي عبد الوهَّاب المالكي (^٤)؛ إلى أنه ممنوع في المَجَازِ؛ بلا خلافٍ؛ وذكر فرقين، ولم يرتضهما المازِريُّ.\n_________\n(^١) رواه البيهقي في \"كتاب المعرفة، فقال: أنبأني أبو عبد الله الحاكم إجازة، ثنا أبو الوليد، ثنا الحسن بن سفيان، قال - يعني ابن سفيان -: وفيما أجاز لي عثمان بن سعيد عن محمد بن أبي بكر المقدمي عن بشر بن حازم عن عمران بن يزيد بن البراء بن عازب عن أبيه عن جده من حديث ذكره أن النبيّ ﷺ قال: \"ومن نبش قطعناه\" انتهى بحروفه. قال في \"التنقيح\": في هذا الإسناد من يجهل حاله، كبشر بن حازم، وغيره، وروي أيضًا: أنبأني أبو عبيد الله إجازة ثنا أبو الوليد محمد بن سليمان ثنا علي بن حجر ثنا سويد بن عبد العزيز عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة، قالت: \"سارق أمواتنا كسارق أحيائنا\".\n(^٢) في أ، ح: أختال، وهو تحريف.\n(^٣) في أ، ب، ت: نباشًا.\n(^٤) عبد الوهاب بن نصر البغدادي المالكي: ولد سنة ٣٦٢ هـ، أحد أئمة المذهب، وكان حسن النظر، والعبارة، نظارًا للمذهب، ثقة حجة نسيجا وحده، فريد عصره، سمع من الأبهري، وحدث عنه وأجازه ومن تآليفه \"النفرة لمذهب إمام دار الهجرة\"، \"والمعونة لمذهب عالم المدينة\"، و\"الأدلة\" في مسائل الخلاف، وتوفى سنة ٤٣٠ هـ. ينظر: الديباج ٢/ ٢٦ - ٢٩، والمدارك ٤/ ٦٩١ - ٦٩٥، وشجرة النور ١/ ١٠٣ - ١٠٤ والعبر ٣/ ١٤٩، وفوات الوفيات ٢/ ٢١، وحسن المحاضرة ١/ ٣١٤.","vol":"1","page":429},{"text":"<span data-type='title' id=toc-391>الْكَلَامُ عَلَى الْحُرُوفِ</span>\nالْحُرُوفُ: مَعْنَى قَوْلهِمُ: الْحَرْفُ: لَا يَسْتَقِلُّ بِالْمَفْهُومِيَّةِ، أَنَّ نَحْوَ (مِنْ) وَ(إِلَى) مَشْرُوطٌ فِي دِلَالَتِهِمَا عَلَى مَعْنَاهُمَا الإِفْرَادِيِّ - ذِكْرُ مُتَعَلَّقِهِمَا، وَنَحْوَ (الابْتِدَاء)، وَ(الانْتِهَاء)، وَ(ابْتَدَأَ)، وَ(انْتَهَى) - غَيْرُ مَشْرُوطٍ فِيهَا ذلِكَ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"الحروف (^١): معنى قولهم: الحرفُ لا يستقل بالمفهومية (^٢)؛ أن نحو (من)، و(إلى) مشروط في دلالتهما (^٣) على معناهما الإفرادي\"؛ وهو الابتداء في (من)، والانتهاء في (إلى) - \"ذكر متعلِّقهما؛ من دارٍ ونحوها؛ نحو: سرتُ من الدار، وإلى الدارِ؛ فإنَّما يفيد أن البداية والنهاية بِضَمِيمَةٍ أخرى.\n\"ونحوَ: الابتداء، والانتهاء، من الأسماء، \"وابتدأ، وانتهى\" من الأَفْعَال - \"غيرُ مشروطٍ فيها\n_________\n(^١) لما فرغ من بيان المسائل المشتركة بين الاسم والفعل والحرف كالمتعلقة بالاشتراك والترادف والحقيقة والمجاز، المختصة بالاسم كباقيتها، ولم يكن في المبادئ اللغوية ما يختص بالفعل، وكان فيها ما يختص بالحرف - أراد بيان ذلك، فأفرد الحرف دون الفعل بالذكر، وقدم بيان معنى قول النحاة في تعريف الحرف: إنه لا يستقل بالمفهومية، وإنما خص هذا القيد بالبيان دون غيره؛ لخفائه وظهور الغير. ينظر الشيرازي ٧٦ ب/ خ.\n(^٢) اعلم أن المراد من قول النحاة: إن الحروف تستعمل بالمقهومية أن نحو \"من وإلى\" شرط الواضع في دلالتها على معناها الإفرادي ذكر متعلقها على معنى أن الواضع نص على أن \"من وإلى\" إذا ذكر متعلقها بما معهما كان معناهما الابتداء والانتهاء، وإذا لم يذكر معهما ما هو متعلقهما لم يكن لهما معنى أصلًا لا ابتداء ولا انتهاء ولا غيرهما، واحترز بقوله: الإفرادي عن الاسم والفعل؛ فإن كلا منهما في دلالته على المعاني التركيبية - أعني المعاني التي تكون لها حالة التركيب مشروطة بذكر متعلقه، فإن كون الاسم فاعلًا إنما هو باعتبار الفعل، وكون الفعل خبرًا إنما هو باعتبار المبتدأ، لكن لم يشترط في دلالتها على معانيها الإفرادية ذكر متعلقهما، وذلك لأن نحو الابتداء والانتهاء وكذا \"ابتدأ وانتهى\" يشترط في دلالتهما على معانيهما الإفرادية ذكر متعلقها. ولهذا يفهم معنى الابتداء والانتهاء وكذا معنى ابتدأ وانتهى بدون ذكر متعلقها بخلاف من وإلى، فإن معناهما لا يفهم من غير أن يذكر متعلقهما، فإن قيل: من إلى يفهم منهما الابتداء والانتهاء بدون ذكر متعلقهما؛ أجيب بأن الابتداء والانتهاء فهما منهما حالة اعتبار متعلقهما وإن لم يصرح به، وإنما مثل من الأسماء بالابتداء والانتهاء، ومن الأفعال بابتدأ وانتهى؛ ليعلم أنه إذا عبر عن الابتداء أو الانتهاء بمجرد لفظ من وإلى ولم يذكر متعلقهما لم يدلا عليهما، وإذا عبر عن الابتداء أو الانتهاء بالاسم والفعل فهما بدون ذكر متعلقهما. ذكره الأصبهاني شارح المختصر.\n(^٣) في أ، ب، ت: دلالتها.","vol":"1","page":430},{"text":"وَأَمَّا نَحْوُ (ذُو)، وَ(فَوْقَ)، وَ(تَحْتَ)، وَ(إِنْ) لَمْ تُذْكَرْ إِلَّا بِمُتَعَلَّقِهَا لأَمْرٍ، فَغَيْرُ مَشْرُوطٍ فِيهَا ذلِكَ؛ لِمَا عُلِمَ مِنْ أَنَّ وَضْعَ \"ذو\" بمَعْنَى صاحِبٍ؛ لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى الْوَصْفِ بِأَسْمَاءَ الْأَجْنَاسِ - اقْتَضَى ذِكْرَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَأَنَّ وَضعَ \"فَوْقَ\" بِمَعْنَى مَكَانٍ؛ لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى عُلُوٍّ خَاصٍّ - اقْتَضَى ذلِكَ، وَكَذلِكَ الْبَوَاقِي.\n\n<span data-type='title' id=toc-392>مَا تُفِيدُهُ الْوَاوُ</span>\nمَسْأَلَةٌ:\n(الْوَاوُ) لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ؛ لَا لِتَرْتيبٍ، وَلَا مَعِيَّةٍ؛ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ؛ ...................\n<hr><s0>\n\nذلك\"؛ أي: وجود الضَّميمة؛ إذ يفهم المعنى بدونها.\nالشرح: \"وأما نحو (ذو)، و(فوق)، و(تحت) \"، وسائر الألفاظ الدَّالَّة على النسبة؛ كـ (قبل)، و(بعد)، و(أمام)، و(قُدَّام)، و(خَلْف)، و(وراء) - فإنها \"وإن لم تذكر إلا بمتعلَّقها (^١) لأمرٍ\" مَا عارضٍ - \"فغير مشروط فيها ذلك\"؛ أي: ذكر متعلِّقها، ولا تنتقض الحروف بها؛ \"لما علم من \"أنها وضعت في الأصل لِمَعَانٍ قائمة في نفسها غيرِ مفتقرةٍ في الدَّلالة على معانيها؛ إلى قرينة.\nوتحريره: \"أن وضع (ذو) \"في الأصل \"بمعنى (صاحب) \"؛ لغرض. التوصُّل؛ أي: \"ليتوصَّل به إلى الوصف بأسماء الأجناس\"؛ في نحو: زيدٌ ذو مالٍ، وذو فرسٍ - \"اقتضى\" ذلك \"ذِكْرَ المضاف إليه\"؛ ليتم بذكره الغرضُ منها، لا أصلُ دلالتها، \"وأنَّ وَضْعَ \"فوق\" مثلًا؛ لمَّا كان في الأصل \"بمعنى مكانٍ\" عالٍ؛ وأتى به \"ليتوصل به إلى علو خاص\" يستفاد من الضميمة - \"اقتضى ذلك\"؛ أي: اقتضى ذِكْرَ متعلَّقهُ؛ تقول: زيد فوق السطح؛ \"وكذلك\" حكم \"البواقي\" من هذه الألفاظ.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"الوَاوُ\" العَاطِفَةُ \"للجمع المُطْلَق\".\nولو قال: مطلق الجمع، لكان أسدَّ؛ لما في الجمع المُطْلق من إيهامٍ؛ بتقييد الجَمْعِ بالإطلاق، والغرضُ نَفْيُ التقييد؛ وفرقٌ واضحٌ بين مطلقِ الحقيقةِ، والحقيقةِ المطلقةِ، والحقيقةِ بلا قيدٍ، والحقيقةِ بقيدٍ.\n\"لا لترتيب ولا مَعِيَّة؛ عند المحققين\".\nوقيل: للترتيب؛ وهو الذي اشتهر عند الشافعية، ونُقِلَ عن الشافعي نفسِهِ؛ وهو من أئمة\n_________\n(^١) في أ، ب، ج: بمتعلقاتها.","vol":"1","page":431},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nاللُّغَة، وفصحاء العرب الذي يحتجُّ بكلامهم، وعن قطرب (^١)، والرَّبَعِيّ، والفراء (^٢)، وثعلب، وأبي عُمَر الزاهد (^٣)، وهشام (^٤).\n_________\n(^١) محمد بن المستنير بن أحمد، الشهير بـ \"قطرب\" نحوي، عالم بالأدب واللغة، من أهل البصرة كان يرى رأي المعتزلة النظامية، وهو أول من وضع المثلث في اللغة، من مصنفاته معاني القرآن، والنوادر، والأضداد، وغريب الحديث وغيرها توفي في ٢٠٦ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ١/ ٤٩٤، تاريخ بغداد ٢/ ٢٩٨، شذرات الذهب ٢/ ١٥، كشف الظنون ١٥٨٦، الأعلام ٧/ ٩٥.\n(^٢) أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور، الأسدي، مولاهم الكوفي، النحوي، ولد سنة ١٤٤ هـ، طلب العلم، وبلغ الغاية، وكان حجة، علامة، صاحب الكسائي، قال ثعلب: لولا الفراء لما كانت عربية، ولسقطت؛ لأنَّهُ خلصها، ولأنها كانت تتنازع، ويدعيها كل أحد.\nقال سلمة: إني لأعجب من الفراء كيف يعظم الكسائي وهو أعلم بالنحو منه. وقد صنَّف كتبًا كثيرة منها: \"البهي\" في حجم \"الفصيح\" لثعلب.\nقال الذهبي: ومقدار تواليف الفراء ثلاثة آلاف ورقة. مات في طريقه إلى الحج سنة ٢٠٧ هـ. ينظر: أخبار النحويين للسيرافي ٥١، وبغية الوعاة ٢/ ٣٣٣، وتذكرة الحفاظ ١/ ٣٧٢:\n(^٣) أبو عمر محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم البغدادي الزاهد المعروف بـ \"غلام ثعلب\" ولد سنة إحدى وستين ومائتين. وسمع من موسى بن سهل الوشاء وأحمد بن عبيد الله النرس، ولازم ثعلبًا في العربية فأكثر عنه إلى الغاية، وهو في عداد الشيوخ في الحديث لا الحفاظ، حدث عنه: أبو الحسن بن رزقويه، وابن منده وأبو عبد الله الحاكم والقاضي أبو القاسم بن المنذر. قال ابن خلكان: استدرك على \"الفصيح\" لثعلب كراسًا سماه \"فائت الفصيح\" وله كتاب \"الياقوتة\" وكتاب \"الموضح\" وكتاب \"الساعات\" وكتاب \"يوم وليلة\" وكتاب \"المستحسن\" وكتاب \"الشورى\" قال الخطيب: سمعت عبد الواحد بن برهان، يقول: لم يتكلم في علم اللغة أحد من الأولين والآخرين أحسن كلامًا من كلام أبي عمر الزاهد، وله كتاب \"غريب الحديث\" ألَّفه على مسند أحمد بن حنبل.\nمات أبو عمر في ذي القعدة سنة خمس وأربعين وثلاثمائة. بنظر: سير أعلام النبلاء ١٥/ ٥٠٨، تذكرة الحفاظ ٣/ ٨٧٣، ٨٧٦، الوافى بالوفيات ٤/ ٧٢، ٧٣ وفيات الأعيان ٤/ ٣٢٩، ٣٣٣.\n(^٤) ينظر: الإحكام للآمدي ١/ ٥٩، والعضد ١/ ٩٠، والبرهان ١/ ١٨١ (٩١)، والتبصرة ص (٢٣١)، وتخريج الفروع للزنجاني ص (٥٣)، والبناني على جمع الجوامع ١/ ٣٦٥، وتيسير التحرير ٣/ ٦٤، والعدة ١/ ١٩٤، وكشف الأسرار ٢/ ١٠٩، وشرح الكوكب المنير ١/ ٢٣٠، والإبهاج ١/ ٣٣٨، والتمهيد للإسنوي ص (٢٠٨)، ونهاية السول له ٢/ ١٨٥، والبحر المحيط ١/ ٢٥٣، وأصول السرخسي ١/ ٢٠٠، والتقرير والتحبير ٢/ ٣٩، وشرح تنقيح الفصول ص (٩٩)، وحاشية العطار ١/ ٤٦١، ومغني اللبيب ١/ ٣٩١ - ٤٠٨.","vol":"1","page":432},{"text":"لا الْنَّقْلُ عَنِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهَا كَذلِكَ.\nوَاسْتُدِلَّ: لَوْ كَانَ لِلتَّرْتِيب، لَتَنَاقَضَ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [سورة البقرة: الآية، ٥٨] مَعَ الْأخْرَى، وَلَمْ يَصِحَّ: (تَقَاتَلَ زَيْدٌ وَعَمْرو)، وَلَكَانَ: (جَاءَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو بَعْدَهُ) تَكْرِيرًا، وَ(قَبْلَهُ) تَنَاقُضًا؛ وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ مَجَازٌ؛ لِمَا سَنَذْكُرُ.\n<hr><s0>\n\nوقيل: للمعية؛ وهو المشهور عن الحنفية (^١).\n\"لنا: النقل عن الأئمة: أئمَّةِ اللُّغَةُ؛ \"أنها كذلك؛ فقد نصَّ عليه سيبويه في سبعةَ عشَرَ موضعًا من كتابه.\nوقال الفارسي: أجمع عليه نحاة (البَصرة)، و(الكوفة) (^٢).\nولكن نازع فيه شيخنا أبو حيَّان (^٣)، و[قد] (^٤) أصاب؛ لما نقلناه آنفًا (^٥).\nالشرح: \"واستدل: لو كانـ\"ت \"للترتيب، لتناقض\" قوله تعالى: \" ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [سورة البقرة: الآية، ٥٨] مع\" الآية \"الأخرى\"؛ وهي: (وَقُولُوا: حِطَةٌ، ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [سورة الأعراف: الآية، ١٦١]؛ والقصة (^٦) واحدة.\n\"ولم يصح: تقاتل زيد وعمرو، ولكان\" قولنا: \" (جاء زيد وعمرو بعده) - تكريرًا؛ للعلم بالبَعْدية من \"الواو\"، و(قبله) تناقضًا؛ لدلالة (الواو) على التأخير، ولكن لا تكرار، ولا نقض؛ فلا ترتيب.\n\"وأجيب: بأنَّه\" فيما ذكرتم \"مَجَاز؛ لما سيذكر\" من الدَّلالة على أنَّها للترتيب.\n_________\n(^١) ينظر المصار السابقة.\n(^٢) ينظر البحر المحيط ٢/ ٢٥٧.\n(^٣) محمد بن يوسف بن علي بن حيان بن يوسف، الشيخ الإمام العلامة، والحافظ المفسر النحوي اللغوي، أثير الدين أبو حيان الأندلسي، الجياني، الغرناطي، ثم المصري. ولد في ٦٥٢ هـ. قرأ العربية على رضي الدين القسنطيني، وبهاء الدين بن النحاس وغيرهم، سمع نحوًا من أربعمائة شيخ، وكان ظاهريًا فانتمى إلى الشافعية، له مصنفات منها: \"البحر المحيط في التفسير\" و\"النهر في البحر\"، و\"شرح التسهيل\" وارتشاف الضرب\". سمع منه الأئمة العلماء، وأضر قبل موته بقليل، توفي بـ \"القاهرة\" في صفر سنة خمس وأربعين وسبعمائة. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ٦٧، والأعلام ٨/ ٢٦، وطبقات السبكي ٦/ ٣١؛ والدرر الكامنة ٤/ ٣٠٢.\n(^٤) سقط في ب.\n(^٥) ينظر: \"البحر المحيط ٢/ ٢٥٧.\n(^٦) في ب، ت: القضية.","vol":"1","page":433},{"text":"قَالُوا: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [سورة الحج: الآية، ٧٧]؛ قُلْنَا: التَّرْييبُ مُسْتَفَادٌ مِنْ غَيْرِهِ؛ قَالُوا: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ [سورة البقرة: الآية، ١٥٨]؛ وَقَالَ ﵇: (ابدَءُوا بمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ)؛ قُلْنَا: لَوْ كَانَ لَه، لَمَا احْتِيجَ إِلَى (ابْدَءُوا).\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"قالوا: قد أفادت (الواو) الترتيب في قوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [سورة الحج؛ الآية، ٧٧]؛ [قلنا: الترتيب بدليل امتناع تقديم السجود على الركوع؛ فليقدَّم في غيره؛ دفعًا للاشتراك والمجاز\" (^١).\nقلنا: الترتيب\" هنا \"مُسْتَفَادٌ من غيره.\nقالواا: لَمَّا نزلَتْ: \" ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ …﴾ \" [سورة البقرة: الآية، ١٥٨] بدأ النبيّ ﷺ بالصَّفَا \"وقال: (ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللهُ بهِ) (^٢)؛ [كذا] (^٣) بخط المصنّف: (ابْدَءُوا)؛ بضمير الجمع للمخاطبين؛ وهو لفظ رواية النَّسَائي (^٤)؛ وفي مسلم (^٥): (ابْدَأْ) بضمير المتكلم.\n_________\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) أخرجه مسلم من حديث طويل عن سيدنا جابر بن عبد الله ﵄ ٢/ ٨٨٦ - ٨٩٢ في كتاب الحج، حجة النَّبِيّ ﷺ حديث (١٤٧/ ١٢١٨)، وأخرجه النسائي مختصرًا ٥/ ٢٣٦ في كتاب المناسك، باب القول بعد ركعتي الطواف، حديث (٢٩٦٢) ولفظه: \"فابدءوا\"، وأبو داود بطوله ٢/ ٤٤٥ في كتاب مناسك الحج، باب صفة حجه ﷺ حديث (١٩٠٥)، والترمذي ٣/ ٢١٦ في أبواب الحج، باب ما جاء أنه يبدأ بالصفا قبل المروة حديث (٨٦٢) ولفظه: \"نبدأ بما بدأ … \" وقال: (حسن صحيح). والعمل على هذا عند أهل العلم أنه يبدأ بالصفا قبل المروة، فإن بدأ بالمروة قبل الصفا لم يجزه، وبدأ بالصفا.\n(^٣) في ب: وكذلك.\n(^٤) أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن شأن بن بحر النسائي، الإمام الجليل الحافظ، ولد سنة ٢١٥ هـ، سمع الكثير، وأخذ عن يونس بن عبد الأعلى، وكان أفقه مشايخ مصر، قال الدارقطني: أبو عبد الرحمن مقدم على من يذكر بهذا العلم من أهل عصره. مات ب \"مكة\" سنة ٣٠٣ هـ. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٨٨، والنجوم الزاهرة ٣/ ١٨٨، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٦٩٨.\n(^٥) مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري، أبو الحسين النيسابوري الحافظ أحد الأئمة الأعلام وصاحب الصحيح والطبقات.\nقال أحمد بن سلمة: رأيت أبا حاتم وأبا زرعة يقدمان مسلمًا في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما. وقال أبو عبد الله بن الأخرم توفي لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين، ومولده سنة أربع ومائتين. ينظر: الخلاصة ٣/ ٢٤ (٦٩٦٢)، وسير أعلا النبلاء ١٢/ ٥٥٧ وتذكرة الحفاظ ٢/ ٥٨٨، وتهذيب التهذيب ١٠/ ٢٢٦، والتقريب ٢/ ٢٤٥.","vol":"1","page":434},{"text":"قَالُوا: رَدَّ [ﷺ] عَلَى قَائِلِ: (وَمَنْ عَصَاهُمَا، فَقَدْ غَوَى)؛ وَقَالَ: (قُلْ: وَمَنْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ)؛ قُلْنَا: لِتَرْكِ إِفْرَادِ اسْمِهِ بِالتَّعْظِيمِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ مَعْصيتَهُمَا لَا تَرْتِيبَ فِيهَا.\n<hr><s0>\n\n\"قلنا: لو كان له\" - أي: الترتيب - \"لما احتيج إلى (ابْدَءُوا) \"؛ لمعرفتهم الترتيب من الواو؛ فإذن الحديث عَلَيْكُمْ، لَا لَكُمْ.\nالشرح: \"قالوا: رد\" النَّبِيّ \"ﷺ على قائلِ\": (من يطع الله ورسوله، فقد رَشَدَ، \"ومن عصاهما\"؛ كذا بخط المصنِّف.\nولفظ الحديث (ومن يعصهما \"فقد غوى)، وقال\": (بِئْسَ الخَطِيبُ أَنْتَ؛ \"قُلْ: وَمَنْ عَصَى) (^١) \"؛ كذا بخطّ المصنّف، واللَّفظُ: (يعصِ \"الله ورسوله) \"؛ رواه مسلم، فلو لم تكن للترتيب، لم يكن فرق بين ما أمره به، وما نهاه عنه.\n\"قلنا\": ليس اللَّوم للترتيب؛ بل \"لترك إفراد اسمه\"؛ أي: اسمِ الله \"بالتَّعظيم؛ بدليل أن معصيتهما لا ترتيبَ فيها\"، وكلٌّ منهما مستلزمةٌ للأخرى.\nفإن قلت: كيف قال المصنّف: (معصيتهما) عَقِبَ سماع اللَّومِ على الجمع بين الله ورسوله ﷺ في ضمير واحد.\nقلت: لَوْمُ الخطيبِ؛ إنَّما كان لأن مَقَامَهُ (^٢) - وهي العظة والخطابة - يقتضي التوسُّع في الكلام؛ فكان المناسبُ فيه الإفراد؛ تعظيمًا، ولا كذلك أماكنُ الاختصار؛ كـ (مختصر ابن الحاجب)؛ وفي القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾ [سورة الأحزاب: الآية، ٥٦].\nوفي الحديث: \"ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا .. \" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم ٢/ ٥٩٤ في كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة (٤٨/ ٨٧٠) وأخرجه أبو داود ١/ ٢٨٨ في الصلاة باب الرجل يخطب على قوس؛ حديث (١٠٩٩) وفي ٤/ ٢٩٥ حديث (٤٩٨١)، وأخرجه النسائي ٦/ ٩٠ كتاب النكاح، باب ما يكره في الخطبة حديث (٣٢٧٩)، وأحمد في المسند ٤/ ٢٥٦ وأخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٢٨٩، والطحاوي في مشكل الآثار ٤/ ٢٩٦ والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٨٦، ٣/ ٢١٦.\n(^٢) قوله: لأن مقامه … إلخ يدل على هذا قوله ﵊: \"بئس الخطيب دون المتكلم\" حيث علق الذم بالخطابة.\n(^٣) أخرجه البخاري (١/ ٩١) كتاب الإيمان: باب حلاوة الإيمان (١٦) وفي باب من كره أن يعود في =","vol":"1","page":435},{"text":"قَالُوا: إِذَا قِيلَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، وَطَالِقٌ، وَطَالِقٌ - وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ؛ بِخِلَافِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا؛ وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ.\nوَقَوْلُ مَالِكٍ [﵀]: وَالأَظْهَرُ أَنَّهَا مِثْلُ (ثُمَّ)؛ إِنَّمَا قَالَهُ فِي .........................\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"قالوا: إذا قيل لغير المدخول بها: أنْتِ طالق، وطالق، وطالق - وقعت واحدة؛ بخلاف أنت طالق ثلاثًا\"؛ فلو اقتضت (الواو) الجمع، لم تفترق الصُّورتان.\n\"وأجيب بالمنع\"؛ فقد قال أحمد بن حنبل (^١)، وبعض المالكية؛ بوقوع الثلاث؛ وهو قول قديم للشافعي؛ أثبته ابن أبي هريرة (^٢).\nقال المصنّف: \"وهو \"- أي: المنعُ - \"الصحيحُ\".\nونقله: ابن أبي هريرة في (النَّوَادر) عن ابن حبيب، وقاله فضل بن أبي سَلَمَة (^٣) في (اختصار الواضحة).\nالشرح: \"و\" أما \"قول مالك: والأظهر أنها مثلًا (ثُمَّ) (^٤) \" - فمحمول على أنه \"إنَّما قاله في\n_________\n= الكفر (٢١) وفي (١٠/ ٤٧٨) كتاب الأدب، باب الحب في الله (٦٠٤١) وفي ١٢/ ٣٣٠ كتاب الإكراه، باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر (٦٩٤١) - وأخرجه مسلم ١/ ٦٦ كتاب الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان (٦٧/ ٤٣).\n(^١) أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، أبو عبد الله المروزي ثم البغدادي، ولد سنة ١٦٤ هـ، أخذ الفقه عن الشافعي، وسلك مسلكه، صنف المسند. قال إبراهيم الحربي: كأن الله جمع له علم الأولين والآخرين.\nتوفي سنة ٢٤١ هـ. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٥٦، وحلية الأولياء ٩/ ١٦١، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٤٣١.\n(^٢) ينظر: حاشية الدسوقي ٢/ ٣٦ نهاية المحتاج ٦/ ٤١٧، المغنى لابن قدامة ٧/ ١٠٤.\n(^٣) فضل بن سلمة بن جرير بن منخل الجهني، كان حافظًا للفقه على مذهب مالك، بعيد الصيت فيه، وكان يرحل إليه للسماع منه، والمفقه عنده، كان بصرًا بالمذهب، حافظًا له، متضننًا. قال أبو محمد بن حزم الظاهري: كان من أعلم الناس بمذهب مالك. وله مخنصر في \"المدونة\"، ومختصر \"الواضحة\" إلى غير ذلك، وتوفي سنة ٣١٩ هـ ينظر: الديباج ٢/ ١٣٧ - ١٣ وشجرة النور ١/ ٨٢، وجذوة المقتبس ٣٠٨.\n(^٤) هذا جواب عن سؤال مقدر، تقديره أن مذهب مالك أن الواو مثل ثم، ولا نزاع في أن ثم في صورة: ثم طالق تقع طلقة واحدة، فيجب أن يقع في صورة الواو أيضًا واحدة، فكيف يصح أن =","vol":"1","page":436},{"text":"الْمَدْخُولِ بِهَا؛ يَعْنِي يَقَعُ الثَّلَاثُ، وَلَا يَنْوِي فِي التَّأكِيدِ.\n<hr><s0>\n\nالمدخول بها؛ يعني (^١): يقع\" عليها \"الثلاث، ولا يَنْوِي\"؛ - أي: ولا تُقْبلُ (^٢) منه نِيَّته \"في\" إرادة \"التأكيد\"؛ كما لا تقبل إرادته التأكيد في (ثم).\nوالمحفوظ عن مالك؛ أن في النَّسَق بالواو إشكالًا.\nقال ابن القاسم (^٣): ورأيت الأغلب على رأيه أنها مثل (ثم)، ولا ينوي.\nوالمصنِّف جرى على مختاره في مَذْهَبِهِ.\nوأما نحن، فالصَّحيح من مذهبنا وقوعُ واحدةٍ فقط؛. لأنها تَبِينُ بالأولَى؛ فلا يقع ما بعدها؛\nقال أصحابنا: وإنما سبق وقوعه؛ لأنَّهُ تكلّم به على وجه الإيقاع؛ من غير أن يربطه برابط، أو يعلِّقه (^٤) بشيءٍ ما.\nوالموجود منه ثلاث إيقاعاتٍ متوالية، لا تعلُّقَ لبعضها ببعض، وحظ (الواو) هنا مطلق العطف، فصارت قضية الكلام الأولِ الوقوعَ من غير إبطاءٍ (^٥) ولا مهلة، وإذا وقع، لم يُصادِف الثاني والثالثُ إلا بائنًا، لا يلحقها طلاق، ويخالف: أنت طالق ثلاثًا؛ لأن ثلاثًا بيانٌ للأول.\n_________\n= يقال: إنه تقع الثلاث في صورة الواو؟ أجيب عنه بأن مالكًا قال: إنه تقع الثلاث بـ \"ثم\" في صورة المدخول بها، ولم يعتبر نيته في التأكيد؛ أي لم يحمل على التأكيد إذا قال الزوج: أردت به التأكيد، كما يقع الثلاث بالواو في صورة المدخول بها، ولم يعتبر نيته في التأكيد، فتكون الواو بمنزلة ثم في صورة المدخول بها في عدم اعتبار نية التأكيد بها لا في صورة غير المدخول بها؛ فلم يلزم عدم وقوع الثلاث بالواو في غير المدخول بها. هذا مذهب مالك.\n(^١) في حاشية ج: قوله: يعني يقع الثلاث … إلخ يعني أن مراد الإمام أنها مثله ثم في الحكم لا في المعنى اللغوي؛ لأن غرض المجتهد في اجتهاده إنما هو الحكم الشرعي لا المعنى اللغوي.\nقوله: \"ولا ينوي … أي: لأن التأكيد خلاف الظاهر، ومثله لا يعتبر فيه النية\".\n(^٢) في ت: يقبل.\n(^٣) عبد الرحمن بن القاسم العُتقي: الإمام المشهور يكنى أبا عبد الله. وهو عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة. ولد سنة ١٣٢ هـ. روي عن مالك، والليث وغيرهما، روى عنه سحنون وغيره كثير، وخرج عنه البخاري في صحيحه: قال الدارقطني: هو من كبار المصريين وفقهائهم، رجل صالح مُقِلٌّ متقن حسن الضبط. قال الحارث بن مسكين: كان في ابن القاسم: العلم والزهد والسخاء والشجاعة والإجابة، وله سماع من مالك: توفي سنة ١٩١. ينظر: الديباج ١/ ٤٦٤ - ٤٦٩، والمدارك ٤٤٣، ٤٤٧، وشجرة النور ١، ٥٨.\n(^٤) في ب، ت: معلقه.\n(^٥) في أ، ب، ج: انتظار.","vol":"1","page":437},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقد لاح بهذا أنه لا حُجَّةَ لمن زعم أن الشافعي يقول: (الواو) للترتيب بهذه المسألة.\nفإن قلت: فالأصح وقوع الثلاث فيما إذا علَّق هذا اللَّفظ، ووجدتِ الصفة.\nقلت: لأن الصفة وقوعٌ لا إيقاعٌ، فوُجِدَتِ التَّطليقاتُ الثلاثُ معًا، وهو في التَّعليق بإزاء: أنتِ طالق ثلاثًا سواء.\nوتعلَّقوا أيضًا بإيجاب الشَّافعى الترتيب في الوضوء (^١) من آية الوضوء، والشَّافعيُّ لم يأخذ ذلك من (الواو)، بل من جهة أن العبادة كلَّها مترتبة؛ كالصَّلاة، والحج، والوضوءُ منها، و(الواو) لا تنفي الترتيب.\nوقال الأستاذ أبو منصور البغداديُّ: معاذ الله أن يصحَّ عن الشَّافعيّ أنها للترتيب، وإنما هي عنده لمطلق الجمع (^٢).\nقلت: ومما يوضِّحه اتفاق الأصحاب على أنَّ: وقفت (^٣) على أولادي، وأولاد (^٤) أولادي - يقتضي التسوية، وإن أتى في بعض الفروع خلافٌ، فمنشؤه من اختيارٍ لقائله أن (الواو) للترتيب؛ كما في: إن دخلتِ الدار، وكلمتِ زيدًا، فأنتِ طالق.\nقال الأصحاب: لا فرق بين تقدَّم الكلام وتأخُّره.\nوفي (التتمة) ما يقتضي إثبات خلافٍ فيه؛ ولا يشكل علينا إلا ما قال صاحب (التهذيب) فيما إذا قال لعبده: إن مت، ودخلت الدار، فأنت حر - أنه لا بد من وقوع الدَّار بعد الموت، وسكت عليه الرَّافعي، فإن لاح له وجهٌ غيرُ اقتضاء (الواو) الترتيب، وإلا فلا أراه المذْهَبَ.\n_________\n(^١) واختلفوا في الترتيب، فذهب بعضُهُم إلى وُجوبه على ما ذكر الله ﷾، حتَّى لو بدأ بغسل اليدين قبل غسل الوجه، أو مسحَ برأسه قبل أن يغسل يديه وصلَّى، تجب الإعادة، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، ويُروى ذلك عن أبي هريرة.\nوذهب الأكثرون إلى أنه سُنَّة، فلو عكس وصلى، لا تجب الإعادة، ويُروى ذلك عن علي وابن مسعود، وبه قال من التَّابعين: سعيدُ بن المُسَيَّب، وعطاء، والنخعي، وإليه ذهب الأوزاعيّ، والثوريّ، وربيعة، وأصحاب الرأي. ينظر: شرح السنة ١/ ٣٢٢.\n(^٢) وتكملة كلامه: وإنما نسب للشافعي من إيجابه الترتيب في الوضوء، ولم يوجبه من الواو بل لدليل آخر؛ وهو قطع النظير عن النظير، وإدخال الممسوح بين المغسولين، والعرب لا تفعل إلا إذا أرادت الترتيب. ينظر: البحر المحيط في أصول الفقه ٢/ ٢٥٦.\n(^٣) في ت: وقعت.\n(^٤) في ت: فأولاد.","vol":"1","page":438},{"text":"الثالِثُ<span data-type='title' id=toc-393> ابْتِدَاءُ الْوَضْعِ </span>لَيْسَ بَيْنَ اللَّفْظِ وَمَدْلُولهِ مُنَاسَبَةٌ طَبِيعِيَّةٌ؛ لَنَا: الْقَطْعُ بِصِحَّةِ وَضْعِ اللَّفْظِ لِلشَّيْءِ وَنَقِيضِهِ وَضِدِّهِ - وَبِوُقوعِهِ؛ كَالْقُرْءِ، وَالْجَوْنِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"ابتداء الوضع ليسر بين اللَّفظ ومدلوله مناسبةٌ طبيعيةٌ\" (^١)؛ خلافًا لـ \"عبَّاد بن سليمان الصَّيْمَرِيّ (^٢) (^٣)؛ إذ أثبت مناسبةً، قيل: حاملةً للواضعِ على (^٤) أن يضع.\nوقيل: بل كافيةً بمجرَّدها في كون الألفاظ دالَّةً على المعاني من غير احتياج إلى الوضع، قال الشيخ الأصبهاني: وهو الصحيح عن عباد.\n\"لنا: القَطْعُ بصحَّة وضع اللَّفظ للشيء ونقيضه\"، وللشيء \"وضده\"؛ \"و\"القطع، \"بوقوعه\" أيضًا؛ \"كالقُرْء\"؛ الموضوعِ للطهر والحيض، \"والجَوْن\" (^٥)؛ للأسود والأبيض.\nولك أن تقول: هذا (^٦) مثال الضدين، فأين مثال النقيضين؟\nوقد قال الإمام الرَّازي: لا يجوز أن يكون اللفظ مشتَرَكًا بين عدم الشيء وثبوته؛ وهو ضعيف.\n_________\n(^١) من المعلوم ضرورة أن دلالة اللفظ على مسمى دون مسمى مع استواء نسبته إليهما يمتنع، فيلزم الاختصاص بأحدهما ضرورة، والاختصاص لكونه أمرًا ممكنًا يستدعي في تحققه مؤثرًا مخصصًا، وذلك المخصص بحكم التقسيم إما الذات أو غيرها، وغيرها إما الله تعالى وتقدس أو غيره. ثم إن في السلف من يحكى عنه اختيار الأول، كأرباب علم التكسير وبعض المعزلة حيث ذهبوا إلى أن دلالة اللفظ على المعنى لمناسبة طبيعية بينهما، وفيهم من اختار الثاني، وفيهم من اختار الثالث، وأطبق المتأخرون على فساد الرأي الأول. ينظر: الشيرازي.\n(^٢) أبو سهل عباد بن سليمان المعزلي من أصحاب هشام الغُوطي. يخالف المعزلة في أشياء اخترعها لنفسه، وقد وصفه أبو علي الجُبَّائي بالحذق في الكلام، ويقول: لولا جنونه. صنف كتاب: \"إنكار أن يخلق الناس أفعالهم\"، و\"تثبيت دلالة الأمراض\" و\"إثبات الجزء الذي لا يتجزأ\". ينظر: طبقات المعزلة ٧٧، وسير أعلام النبلاء ١٠/ ٥٥١، والفهرست ٢١٥.\n(^٣) في ت: سلمى الضمري.\n(^٤) ينظر: الإحكام للآمدي ١/ ٧٠، والعضد ١/ ١٩ وحاشية البناني على جمع الجوامع ١/ ٢٦٥، وشرح الكوكب المنير ١/ ٩٧، والمستصفى ١/ ٣١ والإبهاج ١/ ١٩٤، وإرشاد الفحول ص (١٢)، ونهاية السول ٢/ ١١، والخصائص لابن جني ١/ ٤٠، المزهر للسيوطي ١/ ١٦.\n(^٥) في أ: الحوت.\n(^٦) في حاشية ج: قوله: هذا مثال … إلخ جعل العضد الحيض والطهر نقيضين. فتأمله.","vol":"1","page":439},{"text":"قَالُوا: لَوْ تَسَاوَتْ، لَمْ يَخْتَصَّ؛ قُلْنَا: يَخْتَصُّ بإرَادَةِ الْوَاضِع الْمُخْتَار.\n\n<span data-type='title' id=toc-394>تَوْقِيفِيَّةُ الأَلْفَاظِ </span>(^١)\nمَسْأَلَةٌ:\nقَالَ الْأَشْعَرِيُّ: عَلَّمَهَا اللهُ بِالْوَحْي، أَوْ بِخَلْقِ الْأَصْوَاتِ، أَوْ بِعِلْمٍ ضَرُورِيٍّ، الْبَهْشَمِيَّةُ: وَضَعَهَا الْبَشَرُ؛ وَاحِدٌ، أوْ جَمَاعَةٌ؛ وَحَصَلَ التَّعْرِيفُ بِالإِشَارَةِ وَالْقرَائِنِ كَالْأطْفَالِ، الْأُسْتَاذُ: الْقَدْرُ الْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي التَّعْرِيفِ تَوْقِيفٌ، وَغَيْرُهُ مُحْتَمِلٌ، وَقَالَ\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"قالوا: لو تساوت\" نسبة الألفاظ إلى المعاني \"لم يختص\" لفظ بمعنى، وإلا يلزم الترجيحُ بلا مرجِّح.\n\"قلنا: يختص لإرادة الواضع المختار\"، وذلك كتخصيصه وجودَ العالَمِ بوقت دون وقت.\nفإن قلت: هذا ظاهر على القَوْلِ بأن الواضع هو الله، فبماذا يجيب من يقول بالاصطلاح؟\nقلت: قيل بأن سببه حضور اللَّفظ عند سبق المعنى، والأصحُّ - وإياه ذكر الشيخ الأصفهاني - أن الجواب الأول عامٌّ؛ لأنَّهُ إذا كان الواضعُ العَبْدَ، وأفعالُه مخلوقةٌ لله - تعالى -، رجع الكلُّ إلى إرادته تعالى.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"قال\" الشيخ \"الأشعري\": إنَّ الألفاظ توقيفية (^٢)؛ \"علمها الله ﷺ - تعالى - ووقف عباده عليها؛ إما: \"بالْوَحْي\" لبعض أنبيائه ﵈، \"أو بخلق الأصوات\" في بعض الأجسام، \"أو بعلمٍ ضروريٍّ\" خلَقَه في بعضهم، حصَّل له إفادة اللفظ للمعنى.\nوقالت \"البَهْشَمِيَّةُ\" - وهم أبو هاشم وأتباعه (^٣) -: \"وضعها البشر\"؛ إما: واحد، أو جماعة\" اصطلحوا عليها؛ \"وحصل التعريف\" منهم لغيرهم؛ \"بالإشارة و\"بـ \"القرائن؛ كَالأطفال\" في حصول المعرفة لهم بذلك.\nوقال \"الأستاذ: القدرُ المحتاج إليه في التعريف توقيف، وغيرُهُ محتملٌ\"؛ لأن يكون أيضًا بالتوقيف من الله، ولأن يكون بالمواضعة من البشر.\n_________\n(^١) ينظر: المصادر السابقة في ابتداء الوضع.\n(^٢) ينظر: المحصول ٢/ ٢/ ٤٥٩.\n(^٣) ينظر: الإحكام للآمدي ١/ ٧١.","vol":"1","page":440},{"text":"الْقَاضِي: الْجَمِيعُ مُمْكِنٌ، ثُمَّ الظَّاهِرُ قوْلُ الْأَشْعَرِيِّ.\nقَالَ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا]﴾، [سورة البقرة: الآية، ٣١]؛ قَالُوا: أَلْهَمَه، أَوْ عَلَّمَهُ مَا سَبَقَ؛ قُلْنَا: خِلَافُ الظَّاهِرِ.\n<hr><s0>\n\nوقيل: عكسه.\n\"وقال القاضي\" في كتاب (التقريب): الصحيحُ الوقْفُ؛ إذ \"الجميع ممكنٌ\"؛ وتبعه المحقِّقون.\nواعلم أن المسألة عند أئمتنا قطعية، فالتوقف عن القطعي بواحد من هذه الأقوال؛ كما ذهب إليه القاضي - حق.\n\"ثم الظاهر\" منها \"قولُ الأشعريِّ\"، فلا تظننّ المتوقِّف (^١) توقَّف إِلَّا عن القطْعِ فقط، ثم الظاهرُ من الاحتمالات التي ذكرها الأشعريِّ \"احتمالُ الوحي؛ دون خلق الأصوات، والعلمِ الضروريِّ، وسيذكره المصنِّف؛ حيث يقول: فخلاف المعتاد.\nالشرح: و\"قال\" الأشعري: قوله تعالى: \" ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ [كُلَّهَا]﴾ \" [سورة البقرة: الآية، ٣١] دليلٌ على التَّوقيف، وإذا ثبت في الأسماء، ثبت في الأفعال والحروف؛ لعدم القائل بالفصْل؛ أو لا المراد بالأسماء العلامات، والأفعال والحروف أسماء؛ بهذا الاعتبار.\n\"قالوا\": يحتمل أن يكون المرادُ من (علَّم): \"ألهمه\" الاحتياجَ إلى هذه الألفاظ، ووهبه ما به يتمكَّن من الوضع، \"أو علَّمه ما سبق\" وضعُهُ من اصطلاحِ مَنْ تقدَّمه.\nقال القاضي في (التقريب): ويحتمل أيضًا أن يكون غيرُ آدم تواضَعُوا على مثْلِ ما وقَّفه الله عليه، أو يكون علَّمه لغة من اللُّغات مبتدأةً لم ينطقْ بها أحد قبله، أو أنطقه، أو أقدَرَه، أو غيرُ ذلك.\n\"قلنا\": كلُّ هذا \"خلاف الظاهر\"، فظاهر التعليم أنه أوجد فيه العلم بأن اسم هذا المعنى هذا اللفظُ؛ وإذن: لا يكون التوقّف صوابًا إِلَّا عن القطْعِ، لا عن الظُّهور؛ وهذا ما ذكره ابن دقيقِ العِيدِ.\nوقول الإمام الرَّازي: (ليس التعليم إيجاد العلم، بل فعلٌ صالحٌ لترتُب حصول العلم عليه) ضعيفٌ؛ كما ذكرنا في (شرح المنهاج) (^٢).\n_________\n(^١) في أ، ج، ح: التوقف.\n(^٢) قال: وقال الإمام: وليس لأحد أن يقول التعليم الجاد العلم، بل التعليم فعل صالح لأن يترتب عليه =","vol":"1","page":441},{"text":"قَالُوا: الْحَقَائِق، بدَلِيلِ: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية، ٣١]؛ قُلْنَا: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هؤُلَاءِ﴾ [سورة البقرة: الآية، ٣١] يُبَيِّنُ أَنَّ التَّعْلِيمَ لَهَا، وَالضَّمِيرَ لِلْمُسَمَّيَاتِ.\n<hr><s0>\n\n=  نعم لك أن تقول: هي ظاهرة في أنه علمه، لكن لم قلتم: إن الوضع منه - تعالى - وجاز أن يكون الوضع من السَّابقين، ولسنا ندعي أن قبل آدم الجِنَّ والبِنَّ؛ فذلك لم يثبت عندنا، بل قال القاضي في (التقريب): جاز تواضعُ الملائكةِ المخلوقةِ قبله.\nقال ابن القُشَيري: وقد كانوا قبله يتخاطبون ويفهمون؛ فالإنصافُ أن احتمال الإلهام خلافُ الظَّاهر، واحتمال تعليم ما سبق لا يخالفُ الظَّاهر؛ إذ ليس فيه إثباتُ ما ينفيه اللَّفظ، ولا نفيّ ما يثبته.\nالشرح: \"قالوا\": لعلَّ الَّذي علمه آدمَ \"الحقائقُ\"؛ مثل: حقيقةُ الخيلِ كذا، والبقرِ كذا، وهي تصلحُ لكذا، وأطلق عليها الأسماء؛ \"بدليلِ\" قوله تعالى: \" ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية، ٣١] \"، ولو كان الضمير للأسماءْ، لقال: عرضها، أو عرضهنَّ.\n\"قلنا\": ليس المقصود الحقائقَ، بل الألفاظَ؛ بدليل قوله تعالى: \" ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاء هؤُلَاء﴾ [سورة البقرة: الآية، ٣١] \"؛ فإِنَّه \"يُبيِّن أن التعليم\" كان \"لها\" - أي: الأسماء - \"والضمير\" في عرضهم \"للمسمَّيات\"، ولا مُنَافاة بينهما.\n_________\n= حصول العلم، ولذلك يقال: علمته فلم يتعلم، وهذا أيضًا خلاف الظاهر؛ إذ الظاهر من التعليم الإِيجاد الأول للإلهام.\nقال بعضهم: وأصل التعليل الإِثبات أثر الثلاثي المشتق، يقال: سودته فتسود، وقول الإمام: يقال: علمته فلم يتعلم، ممنوع.\nقلت: وهذا المنع غير منقدح، وقد كان الإمام علاء الدين الباجي يقول: أو لم يصح: علمته فما تعلم لما صح: علمته فتعلم؛ لأنَّهُ إذا كان التعليم يقتضي الجاد العلم وهو علة فيه، فمعلوله وهو التعلم يوجد معه بناء على العلة مع المعلول، والفاء في قولنا: فتعلم تقتضي تعقيب التعلم، وإن قلنا: إن المعلول يتأخر فنقول: لا فائدة في قولنا: فتعلم لأن التعلم قد فهم من قولنا: علمته، فوضح أنه لو لم يصح: علمته فما تعلم لكان؛ أما ألا يصح: علمته فتعلم بناء على أن العلة مع المعلول، أو لا يكون في قولنا: فتعلم فائدة بناء على تأخر المعلول. فإن قلت: أليس أنه يقال: كسرته فما انكسر، فما وجه صحة قولنا مع ذلك: علمته فما تعلم؟\nقلت: فرق والدي - أحسن الله إليه - بينهما بأن العلم في القلب من الله يتوقف على أمور من المعلم ومن المتعلم، وكان \"علمته\" موضوعًا للجزء الذي من المعلم فقط لعدم إمكان فعل من المخلوق يحصل به العلم، ولا بد بخلاف الكسر، فإن أثره لا واسطة بينه وبين الانكسار. وهو جواب دقيق، والإنصاف أن هذه ظاهرة فيما ادعاه الشيخ. ينظر: الإبهاج ١/ ١٩٩.","vol":"1","page":442},{"text":"وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاخْتِلَافِ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ [سورة الروم: الآية، ٢٢]؛ وَالْمُرَادُ اللُّغَاتُ؛ بِاتِّفَاقٍ.\nقلنا: التَّوْقِيفُ وَالْإِقْدَارُ؛ فِي كَوْنِهِ آيَةً - سَوَاءٌ.\nالْبَهْشميَّةُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [سورة إبراهيم: الآية، ٤]؛ دَلَّ عَلَى سَبْقِ اللُّغَاتِ، وإِلَّا، لَزِمَ الدَّوْرُ؛ قُلْنَا: إِذَا كَانَ آدَمُ ﵇ هُوَ الَّذِي عَلَّمَهَا، انْدَفَعَ الدَّوْرُ؛ .............................................................\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"واستدلَّ\" على التوقيف أيضًا؛ \"بقوله\" تعالَى: \" ﴿وَاخْتِلَافِ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ [سورة الروم: الآية، ٢٢] والمرادُ\" بالألسنة \"اللغاتُ؛ باتِّفاقٍ\"؛ إطلاقًا للسبب على المسبَّب، دون الجَارِحَةِ (^١)؛ إذ ليست هي المراد؛ بالاتفاق.\n\"قلنا: التوقيفُ والإقدار\" على وضع اللُّغات؛ \"في كونه (^٢) آيةً - سواءٌ\"؛ وكما يطلق اللسان على اللغات مجازًا، يطلق على القدرة كذلك، فليس الحمل على اللغات بأولى من الحمل على القدرة.\nولقائل أن يقول: مجازُ المستدِلِّ أولى؛ لأنَّهُ أقل إضمارًا.\nنعم لِلْخَصْمِ أن يقول: سلمنا أن المراد اختلاف اللغات؛ ولكن لم قلتم: إن ذلك إنما يكون آية بالتوقيف، بل هو آيةٌ، وإن كان العبد هو الواضع؛ إذ أفعاله مخلوقة لله تعالَى.\nالشرح: واستدلَّ \"البهشميةُ\" على الاصطِلَاحِ؛ بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [سورة إبراهيم: الآية، ٤] \"؛ فإنه \"دلَّ (^٣) على سبق اللّغات\" للرسالة؛ فكانت (^٤)، اصطلاحية، \"وإلا، لزم الدَّوْر\"؛ لكونها توقيفية عند انتفاء الاصطلاح؛ فيلزم تأخرها عن الرِّسالة المتأخِّرة عنها؛ وهو محالٌ؛ لاستلزامه تقدَّم كل منهما على الآخَر (^٥).\n\"قلنا: إذا كان آدم ﵇ هو الذي علَّمها\" غيرَهُ بتعليمِ الله إيَّاه - \"اندفع الدَّور\"؛ لأن لآدم حالتين: حالة النبوة، وهي الأولَى، وفيها الوَحْيُ الذي من جملته تعليمُ اللغات؛ وعلَّمها الخلْقَ [إذ ذاك، ثم بُعِثَ بعد أن عَلِمَها قومُهُ؛ فلم يكن مبعوثًا لهم إلا بعد عِلْمِهِمُ اللغات، فبعث\n_________\n(^١) في ت: الخارجة، وهو تحريف.\n(^٢) قوله: \"في كونه آية\" إشارة لأول الآية \"ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم\".\n(^٣) في ت: يدل.\n(^٤) في ت: وكانت.\n(^٥) في أ، ج: على نفسه.","vol":"1","page":443},{"text":"وَأَمَّا جَوَازُ أَنْ يَكُونَ التَّوْقِيفُ بِخَلْقِ الْأَصْوَاتِ أَوْ بِعِلْمٍ ضَرُورِيٍّ - فَخِلَافُ الْمُعْتَادِ.\nالْأُسْتَاذُ: إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ تَوْقِيفِيًّا، لَزِمَ الدَّوْر، لِتَوَقُّفِهِ عَلَى اصْطِلَاحٍ سَابِقٍ؛ قُلْنَا: يُعْرَفُ بِالتَّرْدِيدِ وَالْقَرَائِنِ؛ كَالْأَطْفَالِ.\n<hr><s0>\n\nبلسانهم] (^١)؛ وحاصلها: أن نُبُوَّته متقدمة على رسالته، والتعلُّم متوسط، وهذا وجهُ اندفاع الدَّوْر.\n\"وأما\" ما قد يقال في دفعه؛ من \"جواز أن يكون التوقيف بخلق الأصوات، أو بعلمٍ ضروريٍّ\"؛ فينا، لا بالتَّفهيم (^٢) بالخِطَابِ - \"فخلافُ المعتاد\"؛ إذ المعتاد التفهُّم بالخطاب.\nالشرح: وقال \"الأستاذ\"؛ محتجًّا لمذهبه: \"إن لم يكن\" القدرُ \"المحتاجُ إليه\" في التعريف وقع \"توقيفيًا - لزم الدور؛ لتوقفه على اصطلاح سابق\" يعرف به؛ أن اللفظ موضوع للمعنى، فلو استفيدتْ تلك الألفاظ التي يراد أن يعرف بها الاصطلاحُ من الواضع - لزم التوقيف.\n\"قلنا\": لا نسلِّم توقفه على اصطلاح سابق، لو لم يكن توقيفيًا؛ لجواز أن \"يعرف\" ما في الضَّمير \"بالترديد والقَرَائن؛ كالأطفال\".\nواعلم أن للمسألة مَقَامَيْنِ:\nأحدهما: الجوازُ؛ فمن قائل: لا يجوز أن تكون اللُّغة إلا توقيفًا.\nومن قائل: لا يجوز أن تكون [إلا] (^٣) اصطلاحًا.\nوالثاني: أن ما الذي وقع؛ على تقدير جواز كل من الأمرين.\nوالقول بتجويز كل من الأمرين هو رأي المحقِّقين، ولم أرَ من صرَّح عن الأشعري بخلافه.\nوالذي أراه أن الشيخ إنما تكلَّم في الوقوع، وأنه يجوِّز صدور اللُّغَةُ اصطلاحًا، ولو منعَ الجواز، لنقله عنه القَاضِي وغيره من محقِّقي كلامه، ولم أرهم نقلوه عنه، بل لم يذكر القاضي، وإمام الحرمَيْن، وابن القُشَيْري الشيخ في مسألة مبدأ اللغات ألبتة.\nوذكر إمام الحرمين الاختلاف في الجواز، ثم قال: إن الوقوع لم يثبت، وتبعه ابن القُشيري وغيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-395>\"فائدة\"</span>\nالصحيح عندي؛ أنه لا فائدة لهذه المسألة، وهو ما صحَّحه ابن الأَنْباري (^٤) وغيره؛ ولذلك\n_________\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) في ب، ت، ج: بالتفهيم.\n(^٣) سقط في ح.\n(^٤) محمد بن القاسم بن محمد بن بشار، أبو بكر الأنباري. ولد سنة ٢٧١ هـ ب \"الأنبار\" - على الفرات، =","vol":"1","page":444},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقيل: ذكرها في الأصولِ فُضولٌ.\nوقيل: فائدتها النَّظَرُ في جواز قَلْبِ اللغة؛ فحُكِيَ عن بعض القائلين بالتوقيفِ منع القَلبِ مطلقًا؛ فلا يجوز تسمية الفرسِ ثوبًا، والثوبِ فرسًا، وعن القائليِن بالاصطلاحَ تجويزُهُ.\nوأما المتوقِّفون، قال المازِرِيُّ: فاختلفتْ إشارة المتأخِّرين؛ فذهب الأزدي إلى التجويز؛ كمذهب قائل الاصطلاح.\nوأشار أبو القاسم عبد الجليل الصَّابونيُّ؛ إلى المنع، وجوَّز كون التوقيف واردًا على أنه وجب ألّا يقع النطق إلا بهذه الألفاظ.\nقلت: وعلى الخلاف بنَى بعضهم مسألة: إذا عَقدَ صَداقًا في السِّرِّ، وصداقًا في العلانية، ويلتحقُ به ما إذا استعمل لفظ شركةِ (^١) المفاوضةِ (^٢)، وأراد شركة العنانِ (^٣)، وقد نص الشَّافعي\n_________\n= كان عن أعلم أهل زمانه بالأدب واللغة، وأكثرهم حفظًا للشعر والأخبار. قيل: كان يحفظ ثلاثما ألف شاهد في القرآن. وكان يعلم أولاد الخليفة \"الراضي\". صنف كتبًا عدة منها: \"الزاهر\"، في اللغة، و\"شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات\"، و\"غريب الحديث\". ينظر: تاريخ بغداد ٣/ ١٨١، ووفيات الأعيان ١/ ٥٠٣، وتذكرة الحفاظ ٣/ ٥٧.\n(^١) الشركة لغة: قال ابن القطاع: يقال: شَرِكْتُكَ في الأمر اشْرَكُكَ شرْكًا وشرْكةً، وحكي: بوزن نعمة وسرقة، وحكي مكي لغة ثالثة: شَرْكَة بوزن تمرة، وحكى ابن سيده: شركته في الأمر وأشركته. وقال الجوهري: وشَرَكْتُ فلانًا: صرت شريكه، واشْتَركْنا، وتَشارَكْنا في كذا؛ أي: صرنا فيه شركاء. والشِّرك بوزن العلم: الإشراك، والنصيب. ينظر: الصحاح ٤/ ١٥٩ ومعجم مقاييس اللغة ٣/ ٢٦٥، المصباح المنير ١/ ٤٧ والنهاية في غريب الحديث ٢/ ٤٦٦.\nاصطلاحًا:\nعرفها الحنفية بأنها: عبارة عن اختلاط النصيبين فصاعدًا بحيث لا يعرف أحد النصيبين من الآخر.\nوعرفها الشافعية بأنها: هي ثبوت الحق في شيء لاثنين فأكثر على جهة الشيوع.\nوعرفها المالكية بأنها: إذن كل واحد من الشريكين لصاحبه في التصرف في ماله أو ببدنه لهما.\nوعرفها الحنابلة بأنها:. نوعان: اجتماع في استحقاق أو في تصرف، والنوع الأول: شركة في المال، والنوع الثاني: شركة عقود. بنظر: تبيين الحقائق ٣/ ٣١٣، وشرح فتح القدير ٦/ ١٥٢، وحاشية ابن عابدين ٣/ ٣٣٢، والمبسوط ١١/ ١٥١، ومغني المحتاج ٢/ ٢١١، ومواهب الجليل ٧/ ١١٥، والكافي ٢/ ٧٨٠، وكشاف القناعِ ٣/ ٤٩٦، والمغني ٥/ ١.\n(^٢) قال ابن قتيبة: سُمِّيت بذلِكَ من قولهم: تَفَاوَضَ الرَّجُلانِ في الحَدِيث: إذا شَرَعَا فيه جَميعًا. وقيل: من قولهم: قومٌ فَوْضَى أي مُسْتَوُون. ينظر: تحرير التنبيه ٢٢٩، ٢٣٠.\n(^٣) بكسر العين، قال الفراء وابن قتيبة وغيرهما: هي مشتقة من قولك: عَنّ الشيء يَعِنّ ويَعُنّ: إذا =","vol":"1","page":445},{"text":"الرَّابعُ: طَرِيقُ مَعْرِفَتِهَا: التَّوَاتُرُ فِيمَا لَا يَقْبَلُ التَّشْكِيكَ؛ كَالْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ؛ وَالآحَادُ فِي غَيْرِهِ.\n<hr><s0>\n\nفيها على الجواز.\nوالحق عندي - وإليه يشير كلام المازري -: أنه لا تعلُّق لهذا بالأصل السابق؛ فإن التوقيف؛ لو تم، ليس فيه حَجْر علينا؛ حتَّى لا ننطق (^١) بِسِوَاه، فإن فُرِض حَجْرٌ، فهو أمر خارجي، والفرعُ حكمه حكم الأشياء قبل ورود الشَّرائع؛ فإنَّا لا نعرف في الشرع ما يدلُّ عليه.\nوما ذكره الصَّابُوني من الاحتمال مدفوعٌ.\nقال المَازِرِيُّ: وقد علم أن الفقهاء المحقِّقين لا يحرِّمون الشَّيء بمجرّد احتمال ورود الشَّرع بتحريمه، وإنما يحرِّمونه عند انتهاض دَليلِ تحريمه.\nقال: وإن استند (^٢) في التحريم إلى الاحتياط، فهو (^٣) نظر في المسألة من جهة أخرى.\nوهذا كله فيما لا يؤدِّي قَلْبُهُ إلى فساد النِّظَام، وتغييرهُ إلى اختلاط الأحكام، فإن أدى إلى ذلك، قال المَازِرِيُّ: فلا يختلف في تحريمِ قَلْبِهِ (^٤)، لا لأجل نفسه؛ بل لأجل ما يؤدي إليه.\nالشرح: \"طريق معرفتها\" - أي. معرفةِ اللُّغَةُ (^٥) - \"التَّوَاتُرُ فيما لا يقبلُ التَّشْكيك؛ كالأرض والسَّماء، والحر والبَرْد\"؛ فتعرف به؛ \"و\"بـ\"الآحاد في غيره\"؛ وهو ما يقبل التَّشْكِيك.\n_________\n= عَرض، كأنه عَنَّ لهما: أي عرض هذا المال فاشتركا فيه.\nقال الأَزهري ١/ ١٠٩. سُمِّيَت بذلك لأَنَّ كلَّ واحدٍ عانَ صاحِبَه، أَي: عارضَه بمالٍ مثلِ ماله، وعملٍ مثل عمله. يقال: عارضتُه أُعارِضُه معارضةً، وعانَيْتُه مُعانةً وعِنانًا: إذا عملتَ مثلَ عمله.\nينظر: تحرير التنبيه ٢٢٩.\n(^١) في أ، ح: ينطق.\n(^٢) في ت: استبد.\n(^٣) في أ، ج، ح: وهو.\n(^٤) في ح: قلته.\n(^٥) اعلم أنه لا مجال العقل في معرفة الموضوعات اللغوية على الاستقلال؛ لأن الأمور الوضعية لا يستقل العقل بإدراكها بل يكون الطريق إلى معرفتها النقل، وهو إما متواتر، وهو في اللغات التي لا تقبل التشكيك كالأرض والسماء، والحر والبرد، ونحوها في عدم قبول التشكيك، وإما آحاد، وهي في اللغات التي تقبل التشكيك، ولغات القرآن والأحاديث أكثرها من القسم الأول.","vol":"1","page":446},{"text":"<span data-type='title' id=toc-396>مَبَاحِثُ الْأَحْكَامِ</span>\nالْأَحْكَامُ: لَا يَحْكُمُ الْعَقْلُ بِأَنَّ الْفِعْلَ حَسَنٌ أَوْ قَبِيحٌ؛ فِي حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُطْلَقُ لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ إِضَافِيَّةٍ: لِمُوَافَقَةِ الْغَرَضِ وَمُخَالَفَتِهِ، وَلمَا أُمِرْنَا بِالثَّنَاء عَلَيْهِ ...........\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"الأحكام\": تستدعى حاكمًا، ومحكومًا به، وعليه؛ فليقع الافتتاحُ بالنَّظر في الحكم:\nقال أئمتنا: \"لا يحكمُ العَقْلُ؛ بأن الفعل حسن أو قبيح؛ في حكم الله تعالى\".\nوقوله: (في حكم الله) قيدٌ يخرجُ به حكمُ العَقْل؛ بأن هذا حسنٌ، أو قبيحٌ؛ بمعنى ملاءمة الطبع ومُنافرته، وجمالِ الصورةِ وقُبْحها، وصفةِ الكمالِ والنقصِ؛ فإن ذلك عقلي؛ بلا خلاف.\nوإضافة الحكم إلى الله قيدٌ يظهر في بادئِ الرَّأي؛ أنه غير محتاج إليه.\nوعندي أن ذكره تبعًا لإمام الحرمين؛ حيثُ قال: لسنا ننكر أن العقول تقضي من أربابها باجتناب المهالك، وابتدار المَنَافع الممكنة؛ على تفاضل (^١) فيها، وجَحْدُ هذا خروجٌ عن المعقول، ولكن الكلام فيه يحسنُ ويقبحُ في حكم الله تعالَى. انتهى.\nوالسّر فيه عندي أن الخَصْمَ لا ينكر أن الله - تعالى - حاكمٌ، ولكنه يقول: العقل يحكم، والشَّرع يَعْضُدُه، ولا يخرجُ عن قضيته؛ فهو حاكم بهذا الاعتبار.\n\"ويطلق\" (^٢) الحسن والقبح (^٣) \"لثلاثة أمورٍ إضافيةٍ: لموافقة الغرض ومُخَالَفَتِهِ\"؛\n_________\n(^١) في ج: تفاصيل.\n(^٢) سقط في ب.\n(^٣) يطلق الحسن والقبح على ملائمة الغرض وعدم ملائمته، فما لازم الغرض فهو حسن وما نافره فقبيح. وهو بهذا المعنى قد يعبر عنه بالمصلحة والمفسدة - فيقال: الحسن ما فيه مصلحة، القبيح ما فيه مفسدة، وقد اتفق الجميع على أنهما بهذا المعنى عقليان ويختلفان بالاعتبار - إذ أن قتل الملك الكبير مثلًا مصلحة لأعدائه وموافق لغرضهم … ومفسدةً لأوليائه ومخالف لغرضهم؛ - فدل هذا الاختلاف على أنه أمر إضافة لا صفة حقيقية وإلا لم تختلف؛ لما لا يتصور كون الجسم الواحد أسود وأبيض بالقياس إلى شخصين. قد يقال: إن المراد بالغرض غرض الفاعل كما هو الظاهر، ولا شكَّ أن القتل إذا صدر عن الأعداء كان ملائمًا لغرضهم دائمًا - وإذا صدر عن الأولياء يكون مخالفًا له كذلك، فلم يختلف بالاعتبار فيكون صفة حقيقية لا أمرًا إضافيًا.\nفنقول: إن القتل إذا صدر عن شخص فقد يلائمه في وقت دون آخر، وذلك كما إذا تحولت عداوته مثلًا إلى محبة فيختلف الفعل ملائمة ومنافرة بالنسبة إليه. ثم إن إطلاق الحسن والقبح بهذا المعنى =","vol":"1","page":447},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\nاصطلاح عامي مشهور، وهم لا يتحاشون عن تقبيح فعل الله إذا خالف غرضهم، ولذلك يسبُّون الدهر والفلك وهم يعلمون أن الفلك مسخر فقط ولذلك قال ﷺ: \"لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر\" وكما يطلق الحسن والقبح على ما تقدم يطلق على ملائمة الطبع ومنافرته، فما لائم الطبع فحسن وما نافره فقبيح، وذلك كحسن الحلو وقبح المر. وإطلاق الحسن والقبح بهذا المعنى كإطلاقه على الصور، ولذلك من يميل طبعه إلى صورة يقضي بحسنها، ومن ينفر طبعه عن صورة يقضي بقبحها. وهو بهذا المعنى عقلي أيضًا بالاتفاق ويختلف بالاعتبار؛ لأن كثيرًا من الأشياء تميل إليها بعض الطباع لملائمتها لها، وتنفر منها أخرى، فتكون حسنة عند الأولى وقبيحة عند الثانية، ثم إنه بهذا المعنى يغاير المعنى الأول؛ إذ أن تناول الأدوية المرة حسن بالمعنى الأول لملائمته للغرض وقبيح بالمعنى الثاني لمنافرته للطبع، وتناول الأشربة اللذيذة الطعم الضارة بالجسم أو العقل قبيح بالمعنى الأول حسن بالمعنى الثاني.\nويطلق أيضًا على صفة الكمال والنقص، فالحسن كون الصفة صفة كمال، والقبح كونها صفة نقص، فينال الكرم حسن أعني صفة كمال لمن قامت به، والبخل قبيح أي صفة نقص لمن كانت به، وهذا المعنى ثابت للصفات في نفسها، ولا نزاع في أنه عقلي أيضًا.\nوعلى استحقاق المدح في العاجل والثواب في الآجل واستحقاق الذم والعقاب فيها كذلك فالفعل الذي تعلق به الأولان يسمى حسنًا، وما تعلق به الأخيران يسمى قبيحًا، وما لا يتعلق به شيء منهما لا يسمى حسنًا ولا قبيحًا. وهذا الأخير هو محل النزاع، فهو عند الأشاعرة شرعي أي بجعل الله تعالى وخطابه فما أمر به فحسن وما نهى عنه فقبيح، ولو انعكس الأمر فأمر بما نهى عنه أو نهى عما أمر به لانعكس أمر الحسن والقبح، وصار الحسن قبيحًا والقبيح حسنًا.\nوإذا جاء النسخ من الحرمة إلى الوجوب ومن الوجوب إلى الحرمة، فليس في ذات الأفعال ولا في صفاتها، ولا في جهاتها ما به يكون استحقاق المدح والذم عاجلًا والثواب والعقاب آجلًا، بل الأفعال كلها سواسية، وكل ذلك بجعل الشارع وخطابه، فالشارع هو الذي جعل الصلاة والصوم مناطًا للثواب، والزنا وشرب الخمر مناطًا للعقاب بدون صلاحية واستحقاق لذلك في ذواتها أو صفاتها أو جهاتها.\nوعند المعتزلة وجميع الحنفية - لا فرق بين ماتريدية وغيرهم - عقلي أي لا يتوقف معرفته وأخذه على الشرع أي الدليل السمعي والخطاب اللفظي بل يمكن إدراكه وأخذه من طريق العقل بإدراك ما في الأفعال من المصالح والمفاسد.\nفاتفق الجميع على أنه عقلي لكنهم اختلفوا في استلزامه للحكم في العقل، فذهبت المعتزلة إلى أن كلًّا من الحسن والقبح يوجب الحكم من الله تعالى، فلو لم يجيء الشرع بأن لم ترسل الرسل ولم تنزل الكتب، وأوجد الله الأفعال لوجبت الأحكام على حسب ما فصل، وجاءت به الشريعة الحقة. ثم إنهم جعلوا هذا الاستلزام عامًا لا خاصًا بفعل دون آخر ما دام الفعل أدرك جهة المصلحة أو =","vol":"1","page":448},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  المفسدة، وعلم الحسن أو القبح، وذهب المتأخرون من الحنفية إلى عدم استلزامهما له في أي فعل بل كل ما هنالك أنهما يجعلان الفعل صالحًا لاستحقاق الحكم من الحكيم الذي لا يأمر بنقيض ما أدرك العقل حسنه أو ينهى عن نقيض ما أدرك العقل قبحه، قالوا: لأن ما أدرك العقل حسنه راجح وكذا ما أدرك العقل قبحه، ونقيضها مرجوح. بمعنى أن صفة الحسن إذا فاتت بفعل بسبب ما فيه من مصلحة رجحت جانب الأمر به على جانب الأمر بنقيضه القبيح، وصفة القبح إذا فاتت بفعل بسبب ما فيه من مفسدة رجحت جانب النهي عنه على جانب النهي عن نقيضه الحسن؛ عملًا في ذلك بمقتضى الحكمة التي هي صفة كمال الله تعالى.\nوالحاصل أنه لا حكم عند هؤلاء المحققين إلا من خطاب الله اللفظي، فما لم يرسل الله رسولًا وينزل عليه كتابًا فليس هنالك أمر ولا نهي ولا حكم مهما أدرك العقل من المصالح أو المفاسد في الأفعال - وخلاصة مذهبهم أنهم يقولون إنه لا بد أن يكون الفعل المأمور به قبل أن يؤمر به صالحًا للأمر به بأن تكون فيه مصلحة تقتضي حسنه وتجعله صالحًا لأن يكون مناطًا للمدح والثواب على الفعل والذم والعقاب على الترك، ولا بد أن يكون الفعل المنهي عنه قبل أن ينهى عنه صالحًا للنهي عنه بأن يكون فيه مفسدة تقتضي قبحه وجعله صالحًا لأن يكون مناطًا للعقاب على الفعل والثواب على الكف عنه. هذا ما ذهب إليه المتاخرون.\nوذهب المتقدمون منهم كالشبخ أبي منصور ومن تبعه - وهم أكثر مشايخ سمرقند - ووافقهم البعض فيما ذهبوا إليه - كالإمام فخر الإسلام وصدر الشريعة - أقول: ذهب هؤلاء إلى موافقة المعتزلة في استلزام إدراك الحسن والقبح الحكم قبل مجيء الشرع. لكن مواققتهم للمعتزلة لا في جميع الأحكام بل في البعض، فقالوا: إن العقل قد يستقل في إدراك بعض أحكامه تعالى، وذلك كوجوب الإيمان وحرمة الكفر.\nلم يلق هؤلاء المتقدمون القول على عواهنه فيما ذهوا إليه بل كان لهم عضد في ذلك من كلام إمامهم؛ إذ استندوا في ذلك إلى ما رواه الحاكم في المنتقى عن الإمام الهمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه قال: \"لا عذر لأحد في الجهل بخالقه لما يرى من خلق السموات والأرض وخلق نفسه\" - ولما روي عنه أيضًا إذ قال: لو لم يبعث الله رسولًا لوجب على الخلق معرفته بعقولهم.\nوقد علق صاحب فواتح الرحموت على الرواية الأولى بقوله: لعل المراد بقول الإمام: لا عذر إلخ الرواية أي بعد مضي مدة التأمل؛ فإن التأمل بمنزلة دعوة الرسول في تنبيه القلب، وقد نبه صاحب المسلّم على أن هذا التوجيه للرؤية قد أشار إليه الإمام فخر الإسلام ناقلًا عباراته في ذلك، فقال حيث قال - أعني الإمام -: ومعنى قولنا: أنه يكلف بالعقل يريد به أنه إذا أَعانه بالتجربة مولاه وأمهله لدرك العواقب لم يكن معذورًا وإن لم تبلغه الدعوة على نحو ما قال أبو حنيفة في السفيه إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة لا يمنع منه ماله؛ لأنَّهُ قد استوفى مدة التجربة، فلا بد أن يزداد رشدًا، ثم قال: وليس على الحد في هذا الباب دليلٌ قاطع. =","vol":"1","page":449},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  وقال في شرح أصوله: لأن لأن إدراك مدة التأمل في حق تنبيه القلب بمنزلة الدعوة. وقال أيضًا في الشرح: لا عذر له بعد الإمهال لا في ابتداء العقل.\nوفرع على هذا التوجيه أن من لم تبلغه الدعوة لو لم يعتقد شيئًا من الكفر والإيمان في ابتداء العقل كان معذورًا، لأنَّهُ لم تمض عليه مدة التأمل - ولو اعتقد الكفر لم يكن معذورًا لأنه اعتقاد جانب يدل دلالة واضحة على أنه ترك الإيمان مع القدرة على تحصيله بالتأمل، وأنه تأمل فاختار الكفر. هذا هو مذهب المتقدمين من الحنفية في تلك المسألة وما استندوا إليه من أقوال إمامهم.\nولنرجع مرة أخرى إلى المتأخرين لتتعرف رأيهم في أقوال إمامهم، وكيف انتحوا ناحية مخالفة لظاهر تصاريحه. فنقول: إن ابن عين الدولة نقل عن المتأخرين رأيهم في رواية (لا عذر) لأبي حنيفة بما حاصله أنها في شأن ما بعد البعثة.\nإذ قال: أئمة بخارى الذين شاهدناهم كانوا على القول بعدم وجوب شيء أو تحريم شيء وحكموا بأن المراد من رواية ألا عذر لأحد في الجهل بخالقه إلخ الرواية بعد البعثة. هذا رأيهم بالنسبة إلى تلك الرواية، ولا شكَّ أن هذا الحمل لا يمكن بالنسبة لرواية: لو لم يبعث الله رسولًا لوجب على الخلق معرفته بعقولهم، بل إن تلك الرواية تكاد تجعل الحما في الرواية الأولى على ما بعد البعثة بعيدًا عما أراده أبو حنيفة منها.\nوقد حاول البعض الإجابة عن تلك بما هو جدير بالاعتبار لولا أن ظاهر اللفظ لا يعطيه؛ إذ قال ذلك المجيب: إن المراد بالوجوب في تلك الرواية الوجوب العرفي بمعنى الذي هو أولى. هذا على أنى لا أرى موجبًا لتحمل أجوبة لا تكاد تنفع تبريرًا لما ذهبوا إليه في تلك المسألة؛ إذ ما المانع من مخالفة رأي إمامهم في تلك المسألة إذا كان ذلك ما ذهب إليه ولكننا نعود فنقول: هذا ما وقع منهم.\nيفهم مما تقدم أن النزاع في مسألة الحسن والقبح وما جرت إليه من استلزام الحكم وعدم استلزامه يتلخص في أن هناك أربعة مذاهب:\nالأول: مذهب الشيخ أبي الحسن ومن تبعه، وحاصله أن الحسن والقبح في الأفعال شرعي، وكذا الحكم.\nالمذهب الثاني: أنهما عقليان، وهما مناطان لتعلق الحكم من الحكيم، فإذا أدركا في فعل أي فعل كان تعلق الحكم من الله تعالى بذمة العبد بالنسبة إلى ذلك الفعل، وهو مذهب المعتزلة.\nالثالث: أنهما عقليان، ومناطان لتعلق الحكم من الله تعالى في ذمة العبد عند إدراكهما في بعض الأفعال دون البعض وهو مذهب أبي منصور ومن نحا نحوه من متقدمي الحنفية إلا أنه لا تجب العقوبة بحسب القبح العقلي كما لا تجب بعد ورود الشرع لاحتمال العفو، بخلاف المعتزلة بناء على وجوب العدل عندهم.\nالرابع: أنهما عقليان، وليسا موجبين للحكم ولا كاشفين عن تعلقه بذمة العبد، وهو مختار =","vol":"1","page":450},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  المتأخرين منهم، وقد اختاره الكثير من المتأخرين من غيرهم. وليس النزاع في تلك المسألة كما يفهم من كلام الإمام الفخر من أن العقل علة موجبة للحكم عند المعتزلة وعند الأشعرية مهدرة لا اعتبار له - وعند الحنفية لا هذا ولا ذاك بل العقل يوجب أهلية الحكم وتعلق الحكم من العليم الخبير؛ لأن جميع المسلمين مجمعون على أنه لا حاكم إلا الله تعالى. وعلم من التحرير السابق للمذاهب أن جماعة المتأخرين من الحنفية يوافقون الأشاعرة في أنه لا حكم قبل البعثة لأحد من الرسل، ويخالفونهم في وجود صفتي حسن وقبح تابعتين لما في الأفعال من مصلحة أو مفسدة.\nويوافقون المعتزلة في وجود تلك الصفتين - ويخالفونهم في استلزامهما حكمًا في الأفعال من وجوب وحرمة قبل البعثة، فلا يلزم عندهم من كون الفعل مصلحة أو مفسدة وحسنًا أو قبيحًا أن يكون لله فيه حكم قبل البعثة لأحد من الرسل بخلاف المتقدمين منهم فإنهم يوافقون المعتزلة في استلزام ذلك الأحكام في بعض الأفعال. هذا وإذا علمنا أن من عدا الأشاعرة من الحنفية عمومًا والمعتزلة قائلون بوجوب صلاحية الفعل المأمور به للأمر به قبله وصلاحية المنهي عنه للنهي عنه كذلك.\nوأن الأشاعرة قائلون بعدم وجوب شيء من ذلك مما تقدم سابقًا - علمنا أن الاختلاف في تلك المسألة مبني على الاختلاف في وجوب مراعاة الحكمة في جميع الأفعال التي تصدر عن الباري جل شأنه. أو بعبارة أخرى: علمنا أنه مبني على أنه هل لا بد في إقدام الفاعل جل شأنه على فعل ما من داع غير القدرة والإرادة يرجح جانب الفعل على جانب الترك أو ليس ذلك بمحتم؟.\nفلما قال بالأول المعتزلة والحنفية بنوا على ذلك مسألة التحسين والتقبيح، وقالوا: إن العقل قد يصل إلى إدراك حسن الفعل أو قبحه بإدراك ما فيه من مصلحة أو مفسدة.\nوقالت المعتزلة: إن الأحكام يجب أن تكون طبقًا لما أدركه العقل، وبنوا على مسألة التحسين والتقبيح وجوب مراعاة الصلاح والأصلح، ووجوب الثواب والعقاب والعوض عن الآلام إلخ ما قالوا، ولما قالت الأشاعرة بالثاني لما قام عدهم من الأدلة نفوا عقلية الحسن والقبح ورد إشكال انبنى على الخلاف في تلك المسألة أو بعبارة أخرى انبنى على موافقة الحنفية للمعتزلة في العقلية.\nوحاصله أنه إذا كان جميع الحنفية والمعتزلة متفقين على التسليم بعقلبة الحسن والقبح صح أن يقال بعدم الفرق بينهما في شيء من تلك المسألة أعني أنه لا يصح أن يقال من قبل الحنفية بعد استلزام ذلك للحكم في الكل أو في البعض. وبيان ذلك أنه إن أريد بالحكم الخطاب - أعني خطاب الله تعالى - فلا خطاب قبل ورود الشرع بالاتفاق، فلا يجيء قول المعتزلة إن الحكم ثابت قبل البعثة تبعًا لما في الأفعال من المصالح والمفاسد، وإن أريد به كون الفعل مناطًا للثواب والعقاب فبعد تسليم الحنفية بعقلية الحسن والقبح لا يتأتى لهم إنكاره مطلقًا بالنسبة لجماعة المتأخرين وفي البعض بالنسبة للماتريدية؛ فلا نزاع بينهما في الحقيقة إلا في اللفظ، فمن قال: يتعلق الحكم بالفعل قبل الشرع - أعني المعتزلة - أراد به المعنى الثاني، ومن نفاه فقد نفاه بالمعنى الأول.\nودفع هذا الإشكال بأن الحكم المختلف فيه بينهما ليس بأحد المعنيين حتى يكون النزاع لفظيًا كما =","vol":"1","page":451},{"text":"وَالذَّمِّ، وَلمَا لا حَرَجَ فِيهِ وَمُقَابلِهِ؛ وَفِعْلُ اللهِ - تَعَالَى - حَسَنٌ بِالاعْتبَارَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ، وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْكَرَّامِيَّةُ وَالْبَرَاهِمَةُ: الْأَفْعَالُ حَسَنَةٌ وَقَبِيحَةٌ لِذَاتِهَا ................\n<hr><s0>\n\nنقول (^١): هذا حسنٌ؛ لموافقته الغرض، وهذا قبيح؛ لمخالفته؛ فليس ذاتيًّا؛ لتبدله بتبدل الأغراض - \"ولمَا أمرنا بالثناء عليه والذَّمِّ\"، فالحُسْن بهذا التفسير يتناول الواجبَ والمندوب، دون المباح، والقبيحُ يتناول الحَرَامَ دون المكروهِ والمُبَاحِ.\n\"ولمَا لا حَرَجَ فيه ومقابِلِهِ\"، فالحسن على هذا أعمُّ من الثاني؛ لتناوُلِ المباحِ أيضًا.\n\"وفعل الله - تعالى - حسنٌ [بالاعْتبَارَيْن] الأخيرين\"؛ إذ أمرنا بالثناء عليه، ولا حَرَجَ فيه، وقضيةُ الثالث - أن المكروه حَسَنٌ، إذ لا حَرَجَ في فعله.\nوالصَّحيح - وبه صرَّح إمام الحرمين في (الشَّامل): أنه خارجٌ عن وصف الحسن والقبح جميعًا.\n\"وقالت المعتزلة والكرَّامية والبراهمة: الأفعال حسنةٌ وقبيحةٌ لذاتها\" (^٢).\n_________\n= زعم المستشكل، بل المراد به اشتغال ذمة العبد أعني اعتبار الشارع أن في ذمة العبد الفعل أو الكشف جبرًا. ولا شك أن هذا المعنى غير الخطاب وغير كون الفعل مناطًا للثواب. ينظر: البحر المحيط للزركشي ١/ ٤٣/ ١٦٨٢، البرهان لإمام الحرمين ١/ ٨٧، سلاسل الذهب للزركشي ٩٧، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/ ٧٦، التمهيد للإسنوي ٦١ - ٦٢، غاية السول له ١/ ٨٨، زوائد الأصول له ١٩٥، منهاج العقول للبدخشي ١/ ٦٧، غاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ٧، التحصيل من المحصول للأرموي ١/ ١٧٥ - ١٨٠، المنخول للغزالي ٨، المستصفى له ١/ ٥٥، حاشية البناني ١/ ٦٤، الإبهاج لابن السبكي ١/ ٦١، ١٣٨، الآيات البينات لابن قاسم العبادي ١/ ٨٧ - ٨٨، تخريج الفروع ٢٤٤، حاشية العطار على جمع الجوامع ١/ ٧٧ - ٨٠، المعتمد لأبي الحسين ٢/ ٣٢٧، شرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ١/ ١٧٣، نسمات الأسحار لابن عابدين ٤٥، شرح المنار لابن ملك ٣٥، ميزان الأصول للسمرقندي ١/ ١٥٠ - ١٥١، الكوكب المنير للفتوحي ٩٥.\n(^١) في ج، ح: يقول.\n(^٢) قسمت المعتزلة الأفعال بحسب ما فيها من الحسن والقبح أو بعبارة أخرى قسموا الحسن والقبح من حيث إدراكهما إلى ما هو ضروري أي لا يحتاج في إدراكه إلى نظر، وذلك كحسن إنقاذ الغرقى والهلكى والصدق النافع وقبح الكذب الضار أو الذي لا غرض فيه والكفر وإيلام البريء.\nاستشكل مستشكل على كون إدراك ما ذكر بضرورة العقل بل على كون الحسن والقبح مما يمكن عقله ولو بالنظر فضلًا عن كونه بالضرورة، وحاصل الإشكال أن الثواب والعقاب في الآجل=","vol":"1","page":452},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nومنها: ما يتضح (^١) حكمه، ووجه المصلحة فيه غاية الإيضاح، فيجعلونه معلومًا بالعلم الضروريِّ العقليِّ؛ كإنقاذ الغرقَى من غير ضَرَرٍ يلحق المنقذَ، أو الظلمِ والكذبِ بغير غرض.\nومنها: ما انحطتْ رتبته عن هذا الإيضاحِ؛ حتى احتيج فيه إلى قياسه على الضروريِّ؛ كظلمٍ مقيَّد، أو كذبٍ مقيَّد.\nومنها: ما لا تبلغ العقول كُنْهَ معرفته، ولو بحثت وفكرت وقاست واستنبطت، كَتَفاصِيلِ الشرعياتِ - المأموراتِ والمنهياتِ -، فَالعَقْلُ في هذا يفتقر إلى الشرائع،. وما جاءت به الرسلُ ﵈.\n_________\n= المأخوذين في مفهومي الحسن والقبح لا يتعقلان إلا بعد تعقل الآخرة، فالحسن والقبح لا يدركان إلا بعد ذلك - وأمر الآخرة سمعي لا يستقل العقل بإدراكه فضلًا عن كون الإدراك ضروريًا فلا يتأتى الحكم بالثواب والعقاب لذلك التوقف، فلا يدرك الحسن والقبح عقلًا فضلًا عن كون الإدراك ضروريًا.\nوأجيب عن ذلك من قبل المعتزلة بأن العدل واجب فالمجازاة واجبة تحقيقًا لذلك، ومن المعلوم أنها لا تتم في الدار الدنيا بالمشاهدة؛ لأنا كثيرًا ما نرى المظلوم يموت قبل أن ينصف من ظالمه والظالم يموت قبل أن يقتص منه، فلا بد من دار سوى هذه الدار؛ ليقع فيها الجزاء تحقيقًا لمعنى العدالة، وذلك كاف لأن يحكم العقل بالثواب والعفاب فيها وإن كان خصوص الميعاد الجسماني سمعيًا. وحاصل الاعتراض أن الحسن والقبح يتوقف تعقله على أمر سمعي، وكل ما كان كذلك لا يستقل العقل بإدراكه فضلًا عن أن يكون ضروريًا.\nوالجواب بمنع صغراه أي لا يتوقف على أمر سمعي بل يتوقف على أمر عقلي، أعني مطلق دار الجزاء، والدليل على أنه عقلي أن الفلاسفة مع إنكارهم للحشر قالوا بوجود دار للجزاء. فذا حاصل رد المعتزلة على هذا الإشكال، وهو بعينه يصلح للرد من جانب الحنفية بعد إغفال مقدمة وجوب العدل.\nولنرجع إلى إتمام التقسيم فنقول: ومنه ما هو نظري، وذلك كحسن الصدق الضار وقبح الكذب النافع؛ فإنهما يعرفان بعد التأمل، قالوا: ومنه الأفعال ما لا يدرك حسنها أو قبحها أصلًا أي لا بالضرورة ولا بالنظر بل بالسمع، وذلك كحسن الصلاة والصوم وسائر العبادات وكقبح صوم أول يوم من شوال؛ فإنه لا سبيل للعقل إلى معرفته لكن الشارع لما حكم على هذا الوجه علمنا أن بالأول حسنًا ذاتيًا وبالأخير قبحًا كذلك؛ لما علم من أن الشارع الحكيم لا يصدر عنه فعل إلا وقد لاحظ فيه ما يدعو إليه من مصلحة.\n(^١) في أ، ب، ح: ينصلح.","vol":"1","page":453},{"text":"فَالْقدَمَاءُ: مِنْ غَيْرِ صِفَةٍ، وقوْمٌ بِصِفَةٍ، ..............................\n<hr><s0>\n\nوتبعهم من الحنفية جَمَاعَةٌ (^١)، ومن أصحابنا الصَّيْرَفي، والقَفَّال الكبير، وأبو بكر الفارسي، والقاضي أبو حامد، وأبو عبد الله الحليمي (^٢) - نقله عنه ابن السَّمْعَاني - وفيه ما سأذكره - إن شاء الله - في مسألة شُكر المُنْعِمِ.\nواعلم أن البراهمة ليسوا مُسْلِمِينَ، ولا كلامَ معهم، وإنما الكلامُ مع القدريَّة، ومن تبعهم؛ من الكَرَّامية والخَوارج.\nوقد اختلفوا \"فالقدماء\" من المعتزلة قالوا: بحصول الحُسْنِ والقُبْحِ \"من غير صفة\" موجبةٍ لهما (^٣).\n_________\n(^١) ينظر مراجع صدر المسألة.\n(^٢) الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم القاضي، أبو عبد الله الحليمي البخاري، ولد سنة ٣٣٨، قال الحاكم: أوحد الشافعيين بما وراء النهر وأنظرهم وآدبهم، وكان مقدمًا فاضلًا كبيرًا، له مصنفات مفيدة ينقل منها الحافظ والبيهقي كثيرًا، ومن تصانيفه: شعب الإيمان، وهو كتاب جليل فيه مسائل فقهية وغيرها تتعلق بأصول الإيمان، وآيات الساعة، وأحوال القيامة. مات في سنة ٤٠٣. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١٧٨، والمنتظم ٧/ ٢٦٤، وتذكرة الحفاظ ٣/ ١٠٣٠.\n(^٣) اختلفوا فيما بينهم في مقتضى الحسن - فذهبت الأوائل منهم إلى أن حسن الأفعال وقبحها لذواتها لا لصفات فيها - تقتضيهما.\nوذهب بعض من المتأخرين إلى إثبات صفات حقيقية توجب ذلك مطلقًا في الص سنن والقبح جميعًا، فقالوا: ليس حسن الفعل أو قبحه لذاته كما ذهب إليه من تقدمنا من أصحابنا، بل لما فيه من صفة موجبة لأحدهما. وذهب أبو الحسين من متأخريهم إلى إثبات صفة في القبيح مقتضية لقبحه دون الحسن؛ إذ لا حاجة به إلى صفة محسنة بل يكفيه لحسنه انتفاء الصفة المقبحة.\nوقال الجبائي: ليس حسن الأفعال وقبحها بصفات حقيقية بل لوجوه ستبارية وأوصاف إضافية تختلف بحسب الاعتبار، كما في لطم اليتيم تأديبًا وظلمًا.\nوأما عند الماتريدية - بل جميع الحنفية - فالحسن والقبح يثبت ليا هو أعم من أن يكون لذاته أو لصفاته أو لوجوه واعتبارات. وعلى ذلك فلا يرد النسخ عليهم؛ لأنه لما جاز أن يحدث الحسن لصفة ووجوه واعتبارات فعند بطلانها يبطل الحسن ويتغير.\nوأما المعتزلة - أعني الأوائل منهم - القائلين بأنهما لذات الفعل، فلا يصح عندهم النسخ، أي لا يتأتى قولهم به، ويرد عليهم لعدم صحة بطلان الحسن، وقد يكون من تتمة الفائدة أن نذكر أن هناك من نازع في أن ما ذكرناه سابقًا على أنه محل النزاع هو محل النزاع.\nفقال: إن المعتزلة لا ينظرون إلى عاجل ولا آجل. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى هم لا يقولون=","vol":"1","page":454},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  بلزوم الثواب والعقاب للحسن والقبح، وإنما يحكمون بلزوم الرفع الذي منه المدح، وكونه معرضًا للثواب والوضع الذي منه الذم وكونه معرضًا للعقاب للطاعة والمعصية، وذلك من حال الفعل وما اشتمل عليه من مصلحة أو مفسدة.\nفالغلط عليهم من جهتين: ذكر الثواب والعقاب وهما من لوازم التكليف لا من لوازم التحسين والتقبيح، والتكليف أخص وذكر العاجل والآجل. ثم إن جميعهم لا يوجبون الثواب والعقاب بعد التكليف بل اختلفوا في ذلك. فالبصرية يوجبون الثواب ويحسنون العقاب ققط، وللباري جل شأنه أن يسقطه عقلًا. والبغدادية يقولون: إن الثواب تفضل أي ليس له جهة وجوب في نفسه وإن وجب لما فيه من الصفات المقتضية لتوفر داعي الحكيم إلى فعله، لأن ما خلف الداعي إليه يتحتم فعله. هذا ما ذهبوا إليه في الثواب، وقد أوجبوا العقاب ولم يجيزوا العفو عقلًا - وقالوا: لأنه لطف للمكلفين وهو واجب عندهم. ثم إن التكليف عند هؤلاء يكفي في حسنه سابقة الإنعام، وأما عند البصرية فالمحسن للتكليف إنما هو لزوم الثواب وحسن العقاب، فمذهب الفريقين في الثواب والعقاب متعاكس، وعلى ذلك فمحل النزاع هو أنه هل للأفعال حقائق فإنفسها هي أهلٌ لأن تراعى وتؤثر على نقائضها وتستتبع الرفع من شأن المتصف بها؟ وحقائق هي في نفسها أهلٌ لأن يعدل عنها وتستتبع الوضع من شأن من اتصف بها أو ليس لها ذلك؟\nفبالأول قالت المعتزلة، وبالثاني قالت الأشاعرة. ثم إن النزاع أيضًا في أنه هل أدرك العقل شيئًا من تلك الأمور الثابتة في نفس الأمر أم لا؟\nفبالأول قالت المعتزلة، وبالثاني قالت الأشاعرة، وعدم إدراكها عندهم لعدم ثبوتها. لم يذكر هذا البعض ذلك القول مرسلًا بل استشهد فيما ذهب إليه من أن ما ذكروه ليس محلًا للنزاع بما ذكرته المعتزلة في عباراتهم لجدية مما نقل عن كتبهم.\nفذكر عبارة أبي الحسين في تحديده، للقبيح، وهو قوله: ما ليس للمتمكن منه ومن العلم بحاله أن يفعله، يعني أن الإقدام عليه لا يلائم عقل العقلاء. فعبارة أبي الحسين لم يتعرض فيها لا للعقاب ولا للعاجل والآجل. وأيضًا فقد ذكروا عبارات في حد القبيح أصرح من ذلك إذ تعرضوا فيها لاستحقاق الذم، ولم يذكروا لا عقابًا ولا عاجلًا وآجلًا. إذ قالوا: إنه فعل يستحق الذم فاعله، وقالوا أيضًا: إنه فعل هو على صفة تؤثر في استحقاق الذم.\nهذا ما ذكره البعض في بيان محل النزاع ومناقشته أن نقول: إنه لم يأت بكلام بعيد عما ذكرناه على أنه محل النزاع؛ إذ لم يعنِ باستحقاق العقاب والثواب على الفعل إلا الصلاحية لا لزوم الثواب والعقاب. هذا بعد تسليمنا بأن المعتزلة يقولون بأن الثواب والعقاب من لوازم التكليف لا من لوازم التحسين والتقبيح، على أننا لو سلمنا لهم ذلك، وسلمنا أيضًا - بأنهم لا يتعرضون لعاجلٍ ولا آجل - فهم بعد قولهم بلزوم التكليف للتحسين والتقبيح، فأدلة الأشاعرة قائمة في وجوههم، سواء أكان ما ذكره هو محل النزاع أو ما ما ذكرناه محل النزاع.","vol":"1","page":455},{"text":"وَقَوْمٌ بِصِفَةٍ فِي الْقَبِيحِ، وَالْجُبَّائيَّةُ بِوُجُوهٍ وَاعْتِبَارَاتٍ.\n<hr><s0>\n\n\"وقومٌ\" منهم قالوا: \"بصفةٍ\" زائدةٍ عليها.\nو\"قومٌ\" ذهبوا إلى أنها مختصَّة \"بصفة في القبيح\"، دون الحَسَن.\n\"والجُبَّائية\" - وهم أبو علي وأتباعه - ذهبوا إلى أن الاختصاص بالحُسْن والقبح؛ إنما هو؛ \"بوجوهٍ واعتباراتٍ\"؛ فَلَطْمَةُ اليتيم حسنةٌ؛ باعتبار التأديب، قبيحةٌ؛ باعتبار الإيلامِ.\nفإن قلت: قولهم: الأفعال حسنة وقبيحة لذاتها، مع قولهم: إن حُسْنَهَا وقُبْحَهَا، باعتبار صِفَاتِهَا - مما يتناقض.\n_________\n= (محاولة التوفيق بين المثبتين والنافين) ولنذكر هنا محاولة لابن تاج الشريعة أراد بها التوفيق بين فريقي النافين والمثبتين؛ إذ قال: إن الأشعري يسلم الحسن والقبح عقلًا بمعنى الكمال.\nوالنقصان، ولا شك أن كل كمال محمود، وكل نقص مذموم، وأن أصحاب الكمال محمودون لكمالاتهم، وأصحاب النقائص مذمومون بنقائصهم - فإنكاره الحسن والقبح بمعنى أنهما صفتان لأجلهما يحمد أو يذم الموصوف بهما في غاية التناقض. وإن أنكرهما بمعنى أنه لا يوجد في الفعل شيء يثاب الفاعل أو يعاقب لأجله، فنقول: إن عني أنه لم يجب على الله الإثابة أو العقاب لأجله فنحن نساعده على هذا، وإن عنى أنه لا يكون في معرض ذلك، فهذا بعيد عن الحق. وذلك لأن الثواب والعقاب آجلًا وإن كان لا يستقل العقل بمعرفة كيفيتهما لكن كل من علم أن الله عالم بالكليات والجزئيات فاعل بالاختيار قادر على كل شيء، وعلم أنه غريق نعمة الله في كل لمحة ولحظة ثم مع ذلك كله ينسب من الصفات والأفعال ما يعتقد أنه في غاية القبح والشناعة إلى الله تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا، ولم ير بعقله أنه يستحق بذلك مذمة وإنه في معرض سخط عظيم وعذاب أليم، فقد سجل على غباوته ولجاجه إلخ ما قال.\nلم ينفرد بالمحاولة وحده فقد حاول مثل ذلك العضد، وهذه محاولة ولا شك نبيلة لولا أنها لم تجد إذ في تلك المحاولة قد ادعوا على الأشاعرة بأنهم يثبتون الوصفين أعنيء الكمال والنقص فما هو من قبيل الأفعال حتى يجيء التناقض ولكن الذي فهمناه من كلام الأشاعرة أنهم يثبتون ذلك فما هو من قبيل الفرائد كالعلم والجهل والصدق والكذب أي كونه شأنه الصدق وكونه شأنه الكذب، لا في مثل صدق وكذب وحصل الصدق وحصل الكذب، وحصل العلم وحصل الجهل. وعلى ذلك فهم سالمون من المناقضة ومقرون على الخلاف، والحاصل أنه قد التبس عليهم ما كان بمعنى الثبوت وما كان بمعنى الحدوث.\nإذا علمنا هذا جميعه فنقول: إن كلًّا من الفريقين لم يدع دعوى مجردة. بل عزز ما ذهب إليه بحجج بعضها تحقيقي وبعضها إلزامي متعرضًا لأدلة خصمه بالإبطال. فاحتجت الأشاعرة بأدلة تنفي ذاتية الحسن والقبح أي لثبوتهما للذات أو لصفة لازمة للذات ولا شك أن مثل تلك الحجج صدقت؛ فإنها لا تنهض إلا على المتقدمين من المعتزلة القائلين بأنهما للذات ومن بعدهم ممن قالوا بأنهما =","vol":"1","page":456},{"text":"لَنَا: لَوْ كَانَ ذَاتِيًّا، لَمَا اخْتَلَفَ، وَقَدْ وَجَبَ الْكَذِب، إِذَا كَانَ فِيهِ عِصْمَةُ نَبِيٍّ، وَالْقَتْلُ وَالضَّرْبُ وَغَيْرُهُمَا.\n\"وَأَيْضًا: لَوْ كَانَ ذَاتيًّا، لاجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ فِي صِدْقِ مَنْ قَال: لأَكْذِبَنَّ غَدًا - وَكَذِبِهِ.\nوَاسْتُدِلَّ: لَوْ كَانَ ذَاتيًّا، لَلَزِمَ قيَامُ الْمَعْنَى بِالْمَعْنَى؛ لأَنَّ حُسْنَ ...........\n<hr><s0>\n\nقلت: اقتضاء الذات للحُسْن والقبح هو قولٌ اشتركوا فيه، ثم اقتضاؤها قد يكون بواسطةٍ هي الصفةُ والاعتبارات، وقد لا يكون بِوَاسِطَةٍ.\nالشرح: \"لنا: لو كان\" الحسن والقبح \"ذاتيًا\" للفعْلِ - \"لما اختلف\" بصيرورة (^١) الحَسَن قبيحًا، وبالعكس؛ لامتناع اختلاف الذَّاتيات، \"وقد\" اختلف؛ إذ \"وجب الكذب\" عند اشتماله على مصلحة رَاجِحَةٍ؛ كما \"إذا كان فيه عِصْمةُ نبِيٍّ، والقَتْلُ واِلضربُ وغيرهما\" - كذا بخطّه -، أي: وجب القتل أو الضرب وغيرهما أيضًا؛ إذا كان فيه عصمة نبيّ؛ فلا يكون ذاتيًّا.\nالشرح: \"وأيضًا: لو كان ذاتيًا، لاجتمع النقيضان\"؛ وهما الحسن والقبح الذَّاتيان \"في صدق من قال: لأكذبنَّ غدًا - وكذبه\"؛ لأنه إن صدق، لزم إيجاد القَبِيحِ، والفعل المستلزمُ للقبيح قبيحٌ، فالصدقُ إذن قبيحٌ، وإن لم يصدقْ، لزم القبيحُ أيضًا، فحصول القبيحِ لازمٌ على التقديرين، ويلزم منه اجْتِمَاع (^٢) الحسن والقبح فيه.\nواعترض الأول: بأن الواجب لازمُ الكذبِ والقَتْل والضربِ، وهو خلاصُ النَّبي، دون ما ذكر؛ كما تقول في الصَّلاة في الدَّار المغصوبة: إنها ذات وجهين.\nوهو ساقط؛ إذ المصلَّي مأثوم بأفعال الصَّلاة من جهة أنها شَغْلُ مِلْكِ الغَيْرِ، ولم يقل أحدٌ من علماء الشَّريعة؛ بأن الكاذب فيما نحن فيه آثم من جهة أنَّهُ كاذب.\nواعترض الثاني: أنه ذو وجهين أيضًا، فيحسُنُ من جهة صدقه، ويقبُحُ من جهة استلزامه الكذب.\nالشرح: \"واستدلَّ: لو كان ذاتيًّا\" لـ\"ــــلزم قيامُ المعنى\"؛ وهو الحسن والقبح - \"بالمعنى\"؛ وهو الفعل.\nوالتَّالي؛ وهو قيام العَرَض بالعَرَض - باطلٌ؛ فكذا المقدِّم.\n_________\n= لصفة لازمة للذات دون من قالوا بأنهما لوجوه واعتبارت أولما هو أعم من الذات، وهم الجبائية والماتريدية.\n(^١) في ب: لصيرورة.\n(^٢) في أ، ج، ح: إجماع.","vol":"1","page":457},{"text":"الْفِعْلِ زَائِدٌ عَلَى مَفْهُومِهِ؛ وإلّا، لَزِمَ مِنْ تَعَقُّلِ الْفِعْلِ تعَقُّلُهُ؛ وَيَلْزَمُ وُجُودُهُ؛ لأِنَّ نَقِيضَهُ: (لا حُسْنَ)، وَهُوَ سَلْبٌ، وإلَّا، اسْتَلْزَمَ حُصُولُهُ مَحَلًّا مَوْجُودًا، وَلَمْ يَكُنْ ذَاتِيًّا، وَقَدْ وُصِفَ الْفِعْلُ بِهِ؛ فَيَلْزَمُ قِيَامُهُ بِهِ، ........................................................\n<hr><s0>\n\nوإنما قلنا: إنه يلزم ذلك؛ \"لأن حسن الفعل زائدٌ على مفهومه؛ وإلا، لزم من تعقل الفعل تعقُّلُه\" - أي: تعقُّلُ حسنِهِ - والتَّالي باطل؛ إذ قد يُعْقل الفعل، ولا يخطر بالبال حسنُهُ ولا قبحُهُ.\n\"ويلزم\" مع ثبوت زيادته على الفعل \"وجودُهُ\" - أي: أن يكون أمرًا وجوديًّا؛ \"لأن نقيضه لا حُسْنَ، وهو سَلْبٌ.\nوإلا\" فلو لم يكن سلبًا، كان ثبوتيًّا، و\"استلزم حصوله محلًّا موجودًا\"؛ لامتناع قيام الصِّفة الثبوتية بالمعدوم؛ وهو صادق على المَعْدوم؛ إذ نصف (^١) كثيرًا من المعدومات بأنها غير حَسَنَةٍ؛ فلا يكون ثبوتيًّا.\nوإذا كان: لا حُسْنَ، أمرًا سلبيًا - لزم كون نقيضه، وهو الحُسْن - أمرًا ثبوتيًّا.\nوأيضًا: إذا لم يصدق عليه أنه ليس بحُسن، صدق أنه حُسْن؛ إذ لا مَخْرَجَ عن النَّفْي والإثبات.\n\"ولم يكن ذاتيًّا\"؛ إذ المعدوم لا يكون له صفةٌ إلا مقدرةً موهومة، وكيف تكون صفةٌ حقيقيةٌ ذاتيةٌ لما لا حقيقة له ولا ذات.\nوإذا ثبت أن نقيضه سلبٌ، كان هو وجودًا؛ فقد ثبت أنه زائدٌ وجوديٌ، \"وقد وُصِفَ الفعل به؛ فيلزم قيامُهُ به\"، أي: قيامُ المعنى بالمعنى، أو قيامُ الحُسْن بالفعل؛ وهو قيام المعنى بالمعنى؛ والدليل على بطلان التالي؛ وهو قيام العرَضِ بالعَرَضِ: أن العرض الذي هو مَحَلُّ العَرَض لا بد، وأن يكون قائمًا بالجَوْهَرِ؛ دفعًا للتَّسَلْسُل، وقيامُ العرض بالجوهر لا معنى له إلا كونُهُ حاصلًا في الحيِّز؛ تبعًا لحصول الجَوْهَرِ فيه، فلو كان العرض قائمًا بالعرض، لزم حصوله في حَيِّزِ العَرَض الذي هو محلُّه؛ تبعًا لحصوله فيه؛ فَهُمَا قائمان بالجوهر؛ وإن كان قيام أحدهما به مشروطًا بقيام الآخر؛ كما في الأعراض المشروطة بالحياة.\nوهذا الدليل اعتمده الآمِدِيُّ، وهو مبنيٌّ على امتناع قيام العَرَضِ بالعرض.\nوالخَصْم يمنعه؛ فإن السرعة والبُطْءَ عَرَضان قائمان بالحركة - وهي عَرَض - وليسا قائمين بالجِسْمِ؛ إذ يقال: جسم بطيء في حركته، ولا يقال: بطيء في جسميّته.\n_________\n(^١) في أ، ت، ح: يصف.","vol":"1","page":458},{"text":"وَاعْتُرِضَ بإجْرَائِهِ فِي الْمُمْكِنِ؛ وَبِأَنَّ الاسْتِدْلالَ بِصُورَةِ النَّفْي عَلَى الْوُجُودِ دَوْرٌ؛ لأِنَّهُ قَدْ يَكُونُ ثُبُوتيًّا أَوْ مُنْقَسِمًا؛ فَلا يُفِيدُ ذلِكَ.\nوَاسْتُدِلَّ: فِعْلُ الْعَبْدِ غَيْرُ مُخْتَارٍ؛ فَلا يَكُونُ حَسَنًا وَلا قَبِيحًا ...........\n<hr><s0>\n\nوأصحابنا يجيبون عن هذا المَنْع - كون البُطْء صفةً للحركة -؛ ويقولون: إنما هو عبارة عن تخلل السَّكتات؛ وكذلك السرعةُ عبارةٌ عن عدم التَّخلل؛ فيرجع حاصله إلى أن الجسم يسكُنُ في بعض الأحيان، ويتحرّك في بعضها؛ فيكون ذلك صفةً للجسم؛ لا للحركة، ويقولون (^١) أيضًا: إن ما ذكره الخصوم لا يتأتى على مذهبهم أيضًا؛ لجواز أن تكون طبقاتُ الحركات أنواعًا مختلفة، وليس ثمَّ إلا الحركةُ المخصوصة، وأما السُرعة والبطء، فمن الأمور النِّسْبية؛ ولذلك تكون بطيئةً سَريعة بالنسبة إلى حركة؛ كالإنْسانِ مثلًا، سريعة بالنسبة إلى أخرى؛ كالفَرَس.\n\"واعتُرِضَ\" الدَّليل أيضًا \"بإجرائِهِ في المُمْكِنِ\"؛ فيقال: إمكانُ الممكنِ زائدٌ على مفهومه، وهو ثبوتي؛ لأنه نقيض: (لا إمكان) العدميِّ، وقد وُصِفَ الفعلُ به؛ فيلزم قيام العَرَض بالعرض.\nولك أن تقول: الإمكان أمر اعتباريٌّ؛ لا وجود له في الخارج.\nوالخصم لا يمكنه الجوابُ بهذا؛ لأن الحسن والقبح عنده من الصفات الوجودية.\n\"وبأن الاستدلال بصورة (^٢) النَّفي\"، وكونه سلبًا \"على الوجود\" - أي: وجود المنفى - \"دورٌ؛ لأنه\" إنما نعلم أن: لا حُسْن، أمر سلبيٌّ؛ إذا علمنا أنه نقيض الحُسْن، وأن الحسن أمرٌ وجوديٌّ؛ فإن نقيض الوجودي سلبي؛ فلو استدللنا على أن الحسن جودي؛ بأن نقيضه سلبي، لزم الدور؛ وهذا لأنه \"قد يكون\" السلب \"ثبوتيًّا\"؛ كاللامعدوم، \"أو منقسمًا\" إلى الوجودي والعدمي، كاللاممكن؛ فإنه ينقسم إلى الواجب - وهو وجوديٌّ -، والممتنعِ - وهو عدميٌّ؛ \"فلا يفيد\" الاستدلالُ بصورة النّفي \"ذلك\" المطلوبَ.\nولك دفع الدور؛ بانَّ عِلْمَنا بأن: لا حُسْنَ سلبي - ليس مستندًا إلى أنه نقيضُ الحسن؛ حتى يلزم الدَّوْرُ؛ وإنما هو مستند إلى أنه لو كان ثبوتيًّا، استلزم محلًّا موجودًا.\nالشرح: \"واستدل\" ثانيًا على أن الحسن والقبح ليسا ذاتيين بما تقريره أن تقول (^٣): \"فعلُ العبد غير مختار\" - وحينئذٍ يكون إما اضطراريًّا أو اتفاقيًّا - \"فلا يكون حسنًا ولا قبيحًا لذاته؛\n_________\n(^١) في ت زيادة: (إنما هو عبارة) ولا موضع لها.\n(^٢) في ت: تصوره.\n(^٣) في أ، ت، ح: يقول.","vol":"1","page":459},{"text":"لِذَاتِهِ؛ إِجْمَاعًا؛ لأِنَّهُ إِنْ كَانَ لازِمًا، فَوَاضِحٌ، فإنْ كَانَ جَائِزًا؛ فإنِ افْتَقَرَ إِلَى مُرَجِّحٍ، عَادَ التَّقْسِيم، وَإلَّا، فَهُوَ اتِّفَاقِيٌّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ فإنَّا نَفْرُقُ بينَ الضَّرُورِية، وَالاخْتيَارِيَّةِ؛ ضرُورَةً؛ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ فِعْلُ الْبَارِي، وَأَلَّا يُوصَفَ بِحُسْنٍ وَلا قُبْحٍ؛ شَرْعًا؛ .............\n<hr><s0>\n\nإجماعًا\"، أما عندنا فظاهرٌ، وأما عند الخَصْمِ فلأنه لا يجوز التكليف بالأفعال التي هي غير اختيارية شرعًا، فضلًا عن أن يعلم ذلك بضرورة العقل أو نظره.\nوإنما قلنا: إن العبد غير مختار في أفعاله؛ \"لأنه إن كان\" صدور الفعل عنه \"لازمًا، فواضح\" لزوم الجَبْرِ، وحصول المطلوب من عدم الاختيار، \"وإن كان جائزًا\"؛ فإما أن يفتقر (^١) في ترجيح أحد طرفيه على الآخر إلى مرجح، أو لا؛ \"فإن افتقر إلى مرجِّح، عاد التقسيم\" المذكور فتقول: - مع ذلك المرجح - إما أن يكون الفعل لازمًا أو جائزًا، ويلزم التسلسل أو الانتهاء إلى مرجح مخلوق لله - تعالى - ولا يتمكن العبد من تركه عند وجوده. فيلزم الاضطرار؛ \"وإلا\" - أي: وإن لم يفتقر إلى مرجِّح، \"فهو اتفاقي\" لا يصدر عن اختيار، وقد اعتمد الإمام الرَّازي على هذا الدليل.\n\"وهو ضعيفٌ\" لوجوه:\nالأول: العلم ببطلان مدلوله ضرورة؛ \"فإنا نفرِّق بين\" الأفعال \"الضرورية\" كحركة المرتعش \"والاختيارية\" كسائر الحركات الإرادية \"ضرورة\".\nوالثاني: أنه \"يلزم عليه فعل الباري\"، فيلزم ألا يكون مختارًا، وذلك كُفْرٌ.\nوالثالث: أنه يلزم منه أيضًا \"ألا يوصف\" الفعل \"بحسن ولا قُبْح شرعًا\" بغير ما ذكر وهو باطل وفاقًا.\nواعلم أن الإلزام الأول أوجه الإلزامات.\nوقد يقال عليه: أما التفرقة بين حركة المرتعش وغيره فضرورية، وهي التي جعلت مذهبنا - معاشر الأشاعرة - واسطة بين الجَبْرِ والقَدَرِ.\nوأما إبطال هذا الدليل بهذا ففيه نظر؛ لأن مورد التقسيم فعل العبد، وحركة المرتعش ليست من فعله، ولا يقال: حرك المرتعش يده إلا مجازًا، لفقدان الاختيار والداعية.\nقولكم: لو كانت أفعالنا اضطرارية لساوت حركاتنا حركات المُرْتَعِشِ.\nقلنا: أي المساواة تريدون المساواةَ من جِهَةِ امتناع التَّكليف بها.\n_________\n(^١) في ت: يقتصر.","vol":"1","page":460},{"text":"وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ يَتَرَجَّحُ بِالاخْتيَارِ.\n<hr><s0>\n\nالأول: مسلَّمٌ، فإنها واجبة الوقوع لتمام عِلَّتها (^١) الصَّادرة من الغير.\nوالثاني ممنوع؛ لأنها وجبت بالغَيْرِ، ووجوب الشَّيء بشرط غيره لا ينافي إمكانه وقدرة الغير عليه، فلم تكن حركاتنا كحركات المرتعش.\nوالحاصل: أنا نلتزم الاضطرار، ولا ينتفي للمدح والذم.\nوما قيل من الإجماع على انتفاء التكليف بالاضطراري إنما هو في الاضطراري الذي لا مدخل للعبد [فيه] (^٢) ألبتة.\nوأما ما يكمل المرجّح فيه بداعية العبد وعزمه فالفعل واجب، ولا ينفي (^٣) هذا الاضطرار الثواب والعقاب.\nوأما الثاني فضعيف، لقيام الفرق، فإن فاعلية الباري - تعالى - تتوقَّف على مرجّح من قبله، وهو إرادته القديمة المتعلّقة بالإيجاد في وقت مخصوص، وما ذكرنا من التقسيم غير آتٍ فيه حتى يلزم التسلسل أو الاضطرار أو الاتفاق، ولا يلزم قدم مخلوقاته.\nوأما الثالث فساقطٌ؛ لأَن الدليل على المقدمة الثانية في البرهان المذكور إنما هو الاتفاق على أن الاضطراري والاتفاقي لا يصحَّان عقلًا، وهو غير حاصل في الحسن والقبح الشرعيين، ولأَنَّ جماهير القائلين بانهما شرعيان - وإمامهم شيخنا أبو الحسن - قالوا بجواز التكليف بما لا يطاق.\n\"والتحقيق\" في الجواب عن فعل العَبْدِ: \"أنه\" يجوز صدوره، ولكن \"يترجَّح\" صدوره \"بالاختيار\" من العبد.\nوالحاصل: أن بين القدر والجبر واسطة، وهي: الكَسْب الذي نقول بإثباته، وتحقيقه محال على الكتب الكلامية من كتب أصحابنا. فلا تظنن هذا المكان يتكفّل لك بتقرير الكسب الذي هو أصعب ما عند الأشاعرة.\nوإن أبيت إلا التعتق بما يكون في ضميرك عقدًا من معرفة الكسب، فاعلم أن أئمتنا قد أكثروا فيه.\nولي أنا فيه طريقة أراها الصواب فأقتصرُ على ذكرها قائلًا: ثبت لنا قاعدتان: إحداهما: أن\n_________\n(^١) في ت: عليها.\n(^٢) سقط في ت.\n(^٣) في أ، ح: يبقى، وفي ت: ينتفي.","vol":"1","page":461},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالعبد غير خالق \"لأفعال نفسه\" (^١).\nوالثانية: أن الله لا يعاقب إلا على ما فعله العبد، والثواب والعقاب واقعان على الجوارح (^٢)، فلزمت الواسطة بين القَدَرِ والجَبْرِ، وساعدنا عليها شاهد في الخارج، وهو التفرقة الضرورية بين حركة المرتعش والمريد، فأثبتنا هذه الواسطة، وسميناها بالكَسْبِ لقوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٦] وغير ذلك من الآي والأخبار، فإنْ سُئِلْنا (^٣) عن التعبير عن هذا الكَسْبِ بتعريفٍ جامعٍ مانعٍ قلنا: لا سبيل لنا إلى ذلك والسلام، فرُبَّ ثابتٍ لا تحيط (^٤) به العِبَارَات، ومحسوسٍ لا تكتنفه الإشاراتُ.\nومن أصحابنا من أخذ يحقق الكَسْب فوقع في مُعْضل أرب لا قِبَلَ له به.\nوالصواب عندنا: أنه أمر لَزِمَ عن حقّ فكان حقًّا، وعضده ما ذكرناه، فعرفناه على الجملة دون التَّفصيلِ.\nوما أحسنَ قول علي بن موسى الرضا (^٥) وقد سُئِل: أيكلّف الله العباد بما لا يطيقون؟ قال: هو أعدل من ذلك.\nقيل: أفيستطيعون أن يفعلوا (^٦) ما يريدون؟ قال: هم أعجز من ذلك.\nوعلى الرضا هو ابن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمَّد الباقر بن زين العابدين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ وهذا الذي قاله عينُ مَذْهبنا فافهمه.\nوهو قبل الأشعري وَفَاة بما ينيف على مائة وعشرين سنة، فإنه مات بـ\"طوس\" سنة ثلاث\n_________\n(^١) في أ، ج، ح: لأفعاله.\n(^٢) في ب: الخوارج.\n(^٣) في ت: سكتنا.\n(^٤) في أ، ج، ح: يحيط.\n(^٥) أبو الحسن علي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق، الملقب بـ\"الرضي\": ثامن الأئمة الإثني عشر عند الإمامية، ومن أجلاء أهل البيت وفضلائهم. ولد بالمدينة سنة ١٥٣ هـ، أحبه المأمون العباسي، فعهد إليه بالخلافة من بعده، وزوجه ابنته، وضرب اسمه على \"الدينار\"، و\"الدرهم\"، وغير من أجله الزي الذي هو السواد، فجعله الأخضر، فاضطرب العراق، وثار أهل بغداد، فخلعُوا المأمون، وهو في \"طوس\" وبايعوا عمه إبراهيم بن المهدي، إلا أن المأمون قضى عليهم، وعفا عن عمه. مات الرضي في حياة المأمون سنة ٢٠٣ هـ. ينظر: الطبري ١٠/ ٢٥١، وابن الأثير ٦/ ١١٩، وابن خلكان ١/ ٣٢١.\n(^٦) في أ، ج، ح: تفعلوا.","vol":"1","page":462},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nومائتين - قبل الشافعي بِسَنَةٍ - والأشعري مات بعد العشرين وثلثمائة.\nفإن قلت: وأي برهان قام على إبطال القَدَرِ والجبْر.\nقلت: هذا الآن من فمن الكلام، وإدخاله في الأصول فضول، ونحن يشير إلى زبدة القول فيه فنقول: قد تقرّر عند كل ذي لُبّ أن الرب - تعالى - مطالبٌ عباده بأعمالهم في حالهم، ومثيبهم ويعاقبهم عليها في مآلهم، وتبين بالنصوص المترقبة عن درجات التَّأويل أنهم من الوفاء بما كلفوه بسبيل.\nوَمَن نظر في كليات الشرائع، وما فيها من الاستحثاث على المكرمات والزواجر عن الموبقات، وما اشتملت عليه من وعد الطائعين بالزُّلْفَى، ووعيد العاصين بسوء المنقلب، وما تضمنه قوله تعالى: تعديتم وعصيتم وأبيتم، وقد أرخيت لكم الطول وفَسَّحت لكم المهل؛ فأرسلت الرسل وأوضحت السُّبل لئلَّا يكون للناس على الله حُجَّةٌ، وأحاط بذلك كله، ثم استراب في أن القول بالجَبْرِ باطل فهو (^١) مُصَابٌ في عقله، أو ملقى من التقليد في وَهْدَةٍ (^١) من جهله.\nفإن أخذ الجبري يقول: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [سورة الأنبياء: ٢٣].\nقيل له: كلمةُ حق أريد بها باطلٌ، نعم يفعل الله ما يشاء، ويحكم ما يريد، ولكن يتقدس عن الخُلْف ونقيض الصدق، وقد فهمنا (^٢) بضرورات العُقُولِ من الشَّرع المنقول أنه عزت قدرته طالبَ عباده بما أخبر أنهم مُتَمَكِّنُونَ من الوفاء به، فلم يكلفهم إلا على مبلغ الطاقة والوُسْعِ، فقد لاحَ إبطالُ القول بالجَبْرِ.\nوأسْفَهُ منه القول بِخَلْقِ الأفعال، فإنَّ فيه مُرُوقًا عما درج عليه الأولون، واقتحام ورطات الضلال، ولزوم حدوث الفعل الواحد بِقَادِرَيْنَ، ومُدَاناة القول بشريك الباري، فلقد أجمع المسلمون قَاطِبةً قبل ظهور البِدَعِ (^٣) والآراء، واجتماع أصحاب الأهواء على أنه لا خالق إلا الله، وفاهوا به كما فاهوا بقولهم: لا إله إلَّا الله، وبمدح الرب ﷾ في آي من الكتاب بقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [سورة النحل: الآية ١٧]. ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [سورة فاطر: الآية ٣]. ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٠١]، فلا يشك لبيبٌ أنْ [من] (^٤) وصف نفسه بكونه خالقًا\n_________\n(^١) في أ، ب، ح: وهو.\n(^٢) في ب: وهمنا.\n(^٣) البدعة: هي الأمر المحدث الذي لم يكن عليه الصحابة والتابعون، ولم يكن اقتضاه الدليل الشرعي.\nقاله السيد ينظر: قواعد الفقه (٢٠٤).\n(^٤) سقط في أ، ج، ح.","vol":"1","page":463},{"text":"وعلى الجُبَّائيّة لَوْ حَسُنَ الْفِعْلُ أَوْ قَبُحَ لِغَيْرِ المطَّلَبِ، لَمْ يَكُنْ تَعَلُّقُ الطَّلَبِ لِنَفْسِهِ؛ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى أَمْرِ زَائِدٍ.\nوَأيْضًا: لَوْ حَسُنَ الْفِعْلُ أَوْ قَبُحَ لِذَاتِهِ أَوْ لِصِفَتِهِ، لَمْ يَكُنِ الْبَارِئُ مُخْتارًا فِي الْحُكْمِ؛ لأِنَّ الْحُكْمَ بِالْمَرْجُوحِ عَلَى خِلافِ الْمَعْقُولِ، فَيَلْزَمُ الآخَر، فَلا اخْتيَارَ.\n<hr><s0>\n\nعلى الحقيقة، فقد أعظم الفِرْيةَ (^١) على ربِّه، فلقد وضح كالشمس أن الجبري مبطلٌ لدعوة الأنبياء ﵈.\nوالقدري مثبتٌ لربه شريكًا، وهذه جملة لا يقنع بها الطَّالب للبسط، وفيها رمز إلى خلاصة ما يقوله علماؤنا ﵃، وقد تم (^٢) الدَّليل على غير الجُبَّائية.\nالشرح: \"وعلى الجُبَّائية\" أن نقول: \"لو حسن الفعل أو قبح بغير الطلب\" من الشَّارع (^٣) وكان حسنه، أو قبحه لما زعمتم من الوجوه والاعتبارات أو لذاته، \"لم يكن تعلّق\" الفعل لنفسه - كذا بخط المصنّف، أي: لم يكن تعلّق \"الطلب\" بالفعل \"لنفس الفعل\"، \"لتوقفه على أمرٍ زائدٍ\" وهي تلك الوجوه والاعتبارات، والتالي باطل فالمقدم مثله.\nأمَّا الشرطية؛ فلأن حسنَ الفعل أو قبحه لو كان مستندًا إلى اعتبار ما لكان متوقفًا في حسنه على حصول ذلك الاعتبار، [والباري - تعالى - إنما يأمر بالفعل لأجل الحُسْن فيكون الطلب متوقفًا على ذلك الاعتبار] (^٤) الذي به يحسن (^٥) [الفعل] (^٦)، وأما بطلان التالي، فلأنا نفرض الكلام في فعل تعلَّقَ الطلبُ به.\nالشرح: \"وأيضًا\" الحجَّة على الجميع \"لو حسن الفعل، أو قبح لذاته، أو لصفته لم يكن الباري\" - تعالى - \"مختارًا في الحكم؛ لأن\" الحسن راجحٌ على القُبْحِ، والحكيم إنما يأمرُ بالرَّاجح، لأن \"الحكم بالمرجوح على خلاف المعقول، فيلزم الآخر\" وهو الحسن الرَّاجح، وإذا كان تعلق الأمر بطرف الحسن واجبًا، وطرف القبح ممتنعًا \"فلا اختيار\" (^٧):\n_________\n(^١) في ح: القربة، وهو تحريف.\n(^٢) في أ، ح: قديم.\n(^٣) في أ، ت، ح: التنازع.\n(^٤) سقط في ت.\n(^٥) في أ، ح: الحسن.\n(^٦) سقط في أ، ح.\n(^٧) فالاختيار.","vol":"1","page":464},{"text":"وَمِنَ السَّمْعِ ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ١٥] لاِسْتِلْزَامِ مَذْهَبِهِمْ خِلافهُ.\nقَالُوا: حُسْنُ الصِّدْقِ النَّافِعِ وَالإيمَانِ، وَقُبْحُ المكَذِبِ الضَّارِّ وَالكفْرَانِ - مَعْلومٌ بِالضَّرُورَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى عُرْفٍ أَوْ شَرْعٍ أَوْ غَيْرِهِمَا. والْجَوَابُ الْمَنْعُ بلْ بِمَا ذُكِرَ.\nقَالُوا: إِذَا اسْتَوَيَا فِي الْمَقْصُودِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كُلِّ مِقْدَارٍ، آثَرَ ........\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"ومن السمع\" مما يهدم قاعدةَ الحسنِ والقبح قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ١٥].\nولم يقل (^١): حتى نركِّب [فيهم] (^٢)، عقولًا، وإنما ورد على الخصوم هذا \"لاستلزام مذاهبهم خلافه\"، وذلك لأنه - تعالى - نفى التعذيب قبل البعْثَةِ.\nوالقولُ بأنَّ العقل يقتضي ويستلزم التعذيب وإن لم توجد البعثة، لوجدانه قبلها، والتعذيب عندهم إذا قضى به العَقْل واجب، فلا يتخلف.\nولنا آي أُخَر، سأذكر بعضها في أثناء مسألة شُكْر المنعم.\nالشرح: \"قالوا\": العلمُ بالحسن والقبح ضروريٌّ، إذ \"حسن الصدق النافع والإيمان، وقبح الكذب الضَّار، والكُفْران معلوم ضرورة من غير نظر إلى عُرْفٍ أو شرع أو غيرهما\"، بدليل أنه حاصل لجميع الأمم، حتى إن منكري الشرائع يعترفون بحسن الصدق النافع، وقبح الكذب الضَّار، ولو كان ذلك مستفادًا من الشرع لما حصل لهم.\n\"والجواب المنع\"، فلا نسلِّم أن ذلك يعلم بضرورة العَقْل، وكيف يستتب (^٣) ادعاء الضرورة، ومن العقلاء من لا يعتقد قُبْحَ ما ذكروه من الأشياء، \"بل\" إنما يحكم بالحسن والقبح \"بما ذكر\" من الشَّرْع.\nالشرح: \"قالوا\" الصِّدقُ والكذبُ \"إذا استويا في المقصود مع قطع النَّظر عن كل\" أمر \"مقدر\" يقضي بترجيح. أحدهما \"آثر العقلُ الصدقَ\" على الكذب، وليس ذلك إلَّا لأنه حسن بالعقل.\n_________\n(^١) في ت: نقل.\n(^٢) سقط في ت.\n(^٣) في أ، ح: يتسبب، وفي ت: تستثبت.","vol":"1","page":465},{"text":"الْعَقْلُ الصِّدْقَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ تَقْدِيرُ مُسْتَحِيلٍ؛ فَلِذلِكَ يُسْتَبْعَدُ مَنْعُ إِيثَارِ الصِّدْقِ، وَلَوْ سُلِّمَ، فَلا يَلْزَمُ فِي الْغَائِبِ؛ لِلْقَطْع بِأَنَّهُ لا تقْبُحُ مِنَ اللهِ تَمْكِينُ الْعَبْدِ مِنَ الْمَعَاصِي، وَيَقْبُحُ مِنَّا.\nقَالُوا: لَوْ كَانَ شَرْعِيًّا، لَزِمَ إِفْحامُ الرُّسُل. فَيَقُولُ: لا أَنْظُرُ فِي مُعْجِزَتِكَ حَتَّى يَجِبَ النَّظَر، وَيُعْكَسَ، أَوْ لا يَجِبُ حَتَّى يَثْبُتَ الشَّرْعُ وَيُعْكَس. وَالْجَوَابُ أَنَّ .......\n<hr><s0>\n\n\"وأجيب [بأنه] تقديرٌ مستحيلٌ\" وقوعه، فإن الصدق والكذب مُتَنَافيان، ويستحيل تساوي المتنافيين في جميع الصفات، \"فلذلك\" الفرض المستحيل \"يستبعد\" في العقل \"منع إيثار (^١) الصدق\"، ولا يلزم من استبعاد العقل ذلك على هذا التقدير بعده في نفس الأمر، وإنما يلزم أن لو وقع في نفس الأمر، وهو ممنوع،\n\"ولو سلم\" إمكان التقدير في حقنا \"فلا يلزم\" مثله \"في الغالب (^٢)، للقطعِ بأنَّه لا يقبح (^٣)، من الله تمكين العَبْدِ من المعاصي، ويقبح\" ذلك \"منا\" فلا يُقاس الغائب بالشاهد.\nالشرح: \"قالوا: لو كان\" الحسن والقبح \"شرعيًا\" لكان وجود النظر شرعيًا، وذلك واضح.\nولو كان كذلك \"لزم إفحام الرسل\" ﵈ أي: انقطاعهم؛ وذلك لأن الرَّسول (^٤) إذا قال للمرء: انظر في معجزتي لتؤمن \"فيقول: لا انظر في معجزتك (^٥) حتى يجب النظَرُ\" فيها \"ويعكس\" (^٦) قائلًا: \"ولا يجب\" عليَّ النظر \"حتى يثبت الشرع\"، ضرورة توقّف الوجوب على الشرع حينئذ، \"ويعكس\" قائلًا: ولا يثبت الشرع حتى أنظر، وأنا لا أنظر، ويكون هذا القول حقًّا، ولا سبيل للرسول إلى دفعه وهو حُجَّة عليه، وهو معنى الإفهام.\n_________\n(^١) في أ: مع إثبات الصدق.\n(^٢) في ج، ح: الغائب.\n(^٣) في أ، ح: يصح.\n(^٤) الرسول في الشرع إنسان بعثه الله تعالى إلى الخلق لتبليغ الأحكام، والنبي أعم منه، وقد ختم بخاتم النبيين ﷺ.\n(^٥) قال السعد: المعجزة أمر خارق للعادة قصد به إظهار صدق من ادعى أنه رسول، وعرفها غبره بأنها أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي مع عدم المعارضة، والأمر الخارق يشمل ما كان فعلًا كنبع الماء أو تركًا كعدم إحراق النار لإبراهيم ﵇، ومعنى كونه خارقًا للعادة أنه لم يعهد ظهور مثله فهو خارج عن المألوف والمعتاد. ينظر: رسالة التوحيد لصالح شرف ص (٦٣).\n(^٦) في ب: تعكس.","vol":"1","page":466},{"text":"وُجُوبَهُ عِنْدَهُمْ نَظَرِيٌّ فَيَقُولُ بِعَيْنهِ، عَلَى أَنَّ النَّظَرَ لا يَتَوَقفُ عَلَى وُجُوبِهِ، وَلَوْ سُلِّمَ، فَالْوُجُوبُ بِالشَّرْعِ، نَظَرَ أَوْ لَمْ يَنْظُرْ، ثَبَتَ أَوْ لَمْ يثْبُتْ.\nقَالُوا: لَوْ كَانَ ذلِكَ، لَجَازَتِ الْمُعْجِزَةُ مِنَ الْكَاذِبِ، وَلامْتَنَعَ الحكْمُ بِقُبْح نِسْبَةِ الْكَذِبِ عَلَى اللهِ قَبْلَ السَّمْعِ، وَالتَّثْلِيثِ وَأَنْوَاعِ الْكُفْرِ مِنَ الْعَالَمِ (^١). وَأُجِيبَ بِأنَّ الأَوَّلَ إِنِ امْتَنَعَ فَلِمَدْرَكٍ آخَرَ، ....................................\n<hr><s0>\n\n\"والجواب: أن وجوبه\" [وإن استند عندهم إلى العقل، فليس بضروري \"عندهم\" بل هو \"نظري فيقول بعينه\": لا أنظر حتى أعرف وجوب النظر، ولا أعرف حتى أنظر، فإذن الشُّبهة (^٢) مشتركة الإلزام، فما كان جوابًا لهم فهو جوابنا.\n\"وعلى\" أنا نقول: \"إن النظر\" في المعجز \"لا يتوقف على وجوبه\"] (^٣)، لإمكان أن ينظر العاقلُ قبل تعلّق الوجوب به.\n\"ولو سلَّم\" توقّفه عليه \"فالوجوبُ\" - وجوبُ النَّظر - إنما هو \"بالشَّرع\" عندنا، \"نظر أولم ينظر، ثبت\" عنده الشرع \"أو لم يثبت\"، فإنه متى ظهرت المُعْجزة فإنفسها وكان صدق النبي فيما ادّعاه [ممكنًا] (^٤)، والمدعو متمكنًا من النظر والمعرفة فقد استقر الشرعُ وثبت، والمدعو مفرط في حق نفسه.\nالشرح: \"قالوا: لو كان ذلك\" - كذا بخطّه - أي: كون الحسن والقبح شرعيين قائمًا في نفس الأمر، ولم يكونا عَقْليين - لحسن من الله كل شيء، ولو حسن منه كل شيء، \"لجازت\" وحسنت \"المعجزة من الكاذب\"، وحينئذٍ يقع التباس النَّبي بالمتنبئ، \"ولامتنع الحكم بقبح نسبة الكذب على الله - تعالى - قبل ورود السمع\" بحرمة الكَذِبِ عليه - كذا بخط المصنف. وفي بعض النُّسخ: نسبة الكذب إلى الله، أي: لا يقبح أن ينسب الكذب إليه قبل السمع ولامتنع الحُكْمُ بقبح عِبَادَةِ الأصنام، \"والتَّثْلِيث، وأنواع الكفر من العالم\" قبل الشرع.\n\"وأجيب: بأن الأولَ\" أي: المعجزة على يد الكاذب - لا نسلم أن امتناعه لذاته، بل \"إن امتنع فلمدرك آخر\" غير القبح الذاتي، وهو العادة، ولا يلزم عليه التباس النبي بالمتنبئ، فإن\n_________\n(^١) ضُبطَ في أصل الخطية بفتح اللام، وسَقَط منها لفظة \"بخِلافِهِ\" التي شَرَح عليها العَضَد، فَإنها بكَسْر اللَّام على أصله، فليتنبه.\n(^٢) في أ، ج: المشبهة.\n(^٣) سقط في ت.\n(^٤) في ب: متمكنًا، سقط في ح.","vol":"1","page":467},{"text":"وَالثَّاني مُلْتَزَمٌ إِنْ أُرِيدَ [بِهِ] التَّحْرِيمُ الشَّرْعِيُّ.\n<hr><s0>\n\nالالتباس إنما يلزمُ بتقدير الوقوع، ولا يلزمُ من حسن الشيء وقوعه، بل قد يمتنع عادةً.\n\"والثاني\" وهو الكذب، والتَّثْليث إلى آخر ما ذكروه \"ملتزم\" عدم التحريم فيه \"إن أريد بالتحريم التحريم الشرعي\"؛ إذ لا تحريم قبل ورود الشرع على أصولنا.\nومنهم من يستثني المعرفة ويقول: لا توجب العقول سواها، فعلى هذا إيراد أنواع الكفر إيراد ما هو من غير محل النزاع.\nوالحقُّ أن العقول لا توجب شيئًا ألبتة، ومن تُرَّهَات القوم قولهم: لو لم تجب (^١) المعرفة بالعَقْلِ لجاز ورود الشَّرع بإسقاطها، وهذا من فن الهَذَيَانِ؛ إذ التكليف بالجهل مستحيلٌ، فإنه فرع معرفتك من كلفك (^٢)، وهو تناقض، ثم قد أخبر الله بأنه لا يأمر بالفَحْشَاء، وتأخيره القائلين بالعقول، وخيبتهم (^٣) فما هم واللهِ بأعقل من قدماء الفلاسفة، ولا أكثر رياضةً منهم، وقد وقعوا في الكُفْرِ بركونهم إلى عقولهم، واعتقد كثير منهم خمسة قدماء، وكثير منهم اثنين.\nفلينظرِ النَّاظرُ إلى أي شيء صار أمرهم، وانتهت حالهم، والسعيدُ من وُعِظَ بغيره.\nقال علماؤنا: عقول عامَّة الناس مَغْمُورة بِالهَوَى، مَكْفُوفَةٌ عن بلوغ الغاية (^٤) بالميل الطبعي، ولهذا وقع أكثر العقلاء في مهاوى الحَيْرَةِ، ولحقتهم من الدَّهش والتردد (^٥) ما لا غاية وراءه.\nقالوا: ودليل هذا أنا لم نجد أحدًا غادره الله وعقله خلي، بل أنزل الكتبَ وأرسل الرسلَ، ولو استقل العقل بشيء لكان بالحري (^٦) إن وجد واحد خلي وعقله من غير أن يدخل تحت رِبْقَةِ أحد من الأنبياء ﵈.\nمعاذَ اللهِ أن يكون ذلك، فليتق المرءُ ربه، وَلْيَقِ نَفْسَهُ [ولا يدْخِلْ في الدِّين ما ليس منه، وليتبع الوحي النبوي، وليلتمس التأييد الإلهي، ولا يغتر بزخارفَ من القول، وأباطيل من البهت، فإنها خدع الشيطان وتسويلات النفسِ، وخُذْلان من الله - تعالى - يلحق العبد، ولا عقوبةَ من الله أعظم من أن يكل العبد إلى نفسه] (^٧)، ويدعه وحَوْلَهُ وَقُوَّتَه، ويخليه ورأيه وعَقْلَهُ.\n_________\n(^١) في ح: توجب.\n(^٢) في ت: كلف.\n(^٣) في ت: حسنتهم.\n(^٤) في ب: العناية.\n(^٥) في ت: الترديد.\n(^٦) في أ، ت: بالحرأى.\n(^٧) سقط في ت.","vol":"1","page":468},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفوحق الحق ليس معتمدي في ردِّ قاعدة الحسن والقبح على ما ذكره المتأخرون من الوجوه العقلية مما قد ذكر المصنّفُ بعضه، فإن ذا الحجاج بسبيل من المضايقة فيه - على ما يكثر تَعْدَاده من آي إلهية، وأحاديث نبوية تَنْشَرحُ لها الصدور، وتفرج بها مضايق الكروب.\nفإن قلت: قد عُلِم مذهب أهل السُّنة في إبطال الحسن والقبح العقليين فما المعنى بالعبارات الواقعة في كلام بعض فقهاء أهل السُنة من تحليل وتحريم بالعقل؟\nقلت: قد قدمنا أنه لا ينكر أحدٌ أن العقل مدرك (^١)، وربما أدرك الحكمَ الشرعي بالقياس، أو أدرك دخول الفرع الخاص تحت القاعدة الكلية، فقيل فيه: عقلي لذلك، لا لأن العقل الحاكم فيه كما تقول (^٢): الوَتْرُ يُصَلَّى على الراحلة (^٣)، [وما يصلى على الراحلة] (^٤) سُنَّة.\nقال: سُنَّة بالعقل، أي: بمعنى إدراك العقل النتيجة، لا جعله الوتر سُنَّةً.\nومن هذا القبيل: أن الشافعي ﵁ أطلق القول في \"المختصر\" بِتَعْصِيةِ (^٥) الناجش (^٦)، وهو: الذي يزيد في .....................................\n_________\n(^١) في أ، ح: يدرك.\n(^٢) في ح: يقول.\n(^٣) أكثر أهل العلم على جوازها على الراحلة، رُوي ذلك عن: علي، وعبد الله بن عبَّاس - وابن عمر، وهو قول عطاء، وبه قال مالك، والشَّافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال أصحاب الرأي: لا يوترُ على الراحلة، وقال النخعي: كانوا يصلُّون الفريضة والوتر بالأرض.\n(^٤) سقط في ت.\n(^٥) في ج، ح: ببغضية.\n(^٦) والنجش في اصطلاح الفقهاء: هو أن يزيد في ثمن السلعة من لا يريد شراءها؛ لينفر من يريد شراءها؛ فيشتريها بأكثر من قيمتها. وهو مأخوذ من: نجش الصيد ينجشه نجشًا إذا استثاره ليصيده ويحكما أن الصائد يحتال على الصيد بعمله هذا ليقتنصه. فالناجش يحتال على المشتري، حتى يشتري السلعة بأكثر مما تستحق. فالفعل يدل لغة وشرعًا على الاحتيال، والمكر، والخداع. ينظر: لسان العرب: ٦/ ٤٣٥٣، المصباح المنير: ٥٩٤.\nوإصطلاحًا:\nعرفه الحنفية بأنه: أن يزبد في الثمن من لا يريد الشراء ليرغب غيره.\nوعرفه الشافعية بأنه: أن يزيد في الثمن للسلعة المعروضة للبيع لا لرغبة في شرائها بل يخدع غيره فيشتريها.\nوعرفه المالكية بأنه: أن يزيد في السلعة وليس في نفسه شراؤها يريد بذلك أن ينفع البائع ويضر المشتري.=","vol":"1","page":469},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nثمن (^١) السِّلعة المعروضة للبيع، وهو غير راغب فيها، ليخدع الناس ويرغبهم فيها، وشرط في تَعْصِيةِ (^٢) من بَاعَ على بَيْعِ أَخيه أن يكون عالمًا بالحديث الوارد فيه.\nقال الشَّارحون: إن السبب فيه أن النَّجَشَ خديعة، وتحريم الخديعة واضح لكل أحد، معلوم من الألفاظ العامة، وإن لم يعلم الخبر فيه بخصوصه، والبيع على بيع الأخ إنما عُرِف تحريمه من الخبر الوارد فيه، فلا يعرفه من لا يعرف الخبرَ.\nوذكر بعضهم: أن تحريمَ الخِدَاعِ يعرف بالعقلِ، وإن لم يرد فيه شرعٌ.\nواعترض الرافعي على هذا بأنه ليس معتقدنا.\nوفيه نظر، فإن هذا القائل لم يقل: إن العقل حرم، ولو أراد ذلك لم يقل: يعرف بالعقل. بل كان يقول: العقل يُحرم الخِدَاع، أو ما يؤدي هذا المعنى، وإنما مراده أن العقل يدرك تحريم الخداع من غير زيادةِ في الفِكْرِ والنظر؛ إذ كل نجَش خديعة. وكل خديعة حرام، وينتج عن هذا أن النجشَ حرامٌ - ومراده بقوله: \"وإن لم يرد شرع\" أي: خبر خاص، لا القول بأنَّ العقل يحسن ويقبح، كما فهمه الرَّافعي.\nفإن قلت: فالبيع على بيع الأخ إضرار، وكما يعرف تحريم النَّجش من الألفاظ العامة في تحريم الخِدَاعِ يعلم تحريمه من الأنماظ العامة في تحريم الإضرار.\nقلت: كذا اعترض [به] (^٣) الرافعي.\nولقائل أن يقول: لا يؤخذ (^٤) البَيْع على البيع من الألفاظ العامة، وإن أخذ النجش.\nوالفرق أن النجش لا يجلب للناجش مصلحة؛ لأنه لا غرض له إلا الزيادة في ثَمَنِ (^٥) السلعة لتجلب نفعًا لصاحبها يلزم (^٦) منه الإضرار بالمشتري، وجلب منفعة لشخص بإضرار آخر حرامٌ، واضح من القواعد المقررة في الشرع.\n_________\n= وعرفه الحنابلة بأنه: أن يزيد في السلعة من لا يريد شرائها ليقتدي به المستلم فيظن أنه لم يزد فيها هذا القدر إلا وهي تساويه فيغتر بذلك. ينظر: الهداية ٣/ ٥٣، مجمع الأنهر: ٢/ ٦٩، مغني المحتاج ٢/ ٣٧، بداية المجتهد: ٢/ ١٦٧، فتح العزيز ٨/ ٢٢٥، المغنى ٤/ ٢٣٤.\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) في ت: بغضية.\n(^٣) سقط في ح.\n(^٤) في ت، ح: لا يوجد.\n(^٥) في ت: أمر.\n(^٦) في ت: يلزمه.","vol":"1","page":470},{"text":"<span data-type='title' id=toc-397>مَسْألتَانِ\nعَلَى التَّنَزُّلِ،</span> الْأُولَى: ...........................................................\n<hr><s0>\n\nوأما البيع على البيع فهو يدعو أخاه إلى فسخ (^١) البيع ليبيعه (^٢) خيرًا منه بأرخص، ففيه جَلْب منفعةٍ له من حيث ترويج سِلْعَةِ للمشتري من جهة شراء الأجود بأرخص، فهاتان مصلحتان لم تعارضهما إلا مفسدة محتملة ليست متيقنة (^٣)، وذلك لجواز أن البائع الأول يبيع سلعته إذا فسخ البيع من مشترٍ آخر بذلك الثمن أو أزيد، فليس يلزم من تحريم جَلْبِ منفعة واحد يلزم عنها وقوع مفسدة، وهو الواقع في سورة النَّجش - تحريم جلب منفعة اثنين لمجرد ظن ترتب مفسدةٍ [عليها] (^٤)، وهو الواقع في سورة البيع على البيع يدرك تحريمه لما ذكرناه بخلاف النَّجش، أو أنه وإن أدركه فليس كالأول؛ إذ هو فيه متوقّف على مزيد (^٥) فكر ونظر.\n\n\"مسألتان\"\nالشرح: جرت عادة أئمتنا بذكرهما بعد إبطال قاعدةِ الحُسْن والقبح \"على\" سبيل \"التنزل\"، وتسليم القاعدة، وأنه لا يلزم من تسليمها صحَّة دعوى الخصوم في هذين الفرعين مع أن الحامل لهم على ارتكاب العظيمة في الدين الذهاب إلى هذه القاعدة إنما هو التوصُّل إلى إثبات ما ادعوه في هذين الفرعين.\nوبهذا يظهر لك أن مسألة - شكر المنعم - فرع من فروع مسألة التحسين والتقبيح، ولذلك يُعبر عنها طوائف بلفظ: الفرع (^٦).\n_________\n(^١) الفسخ: شرعًا: رفع العقد على وصف كان قبله بلا زيادة ونقصان. ينظر قواعد الفقه (٤١٢).\n(^٢) في ت: ليتيعه.\n(^٣) في ت: متعينه.\n(^٤) سقط في ت.\n(^٥) في ج: دريد.\n(^٦) لما بطل الحسن والقبح العقلي - لزم منه امتناع وجوب شكر المنعم عقلًا، وامتناع حكم عقلي، وهما قبل ورود الشرع مبنيان على ذلك غير أن عادة الأصوليين جارية بفرض الكلام في هاتين المسألتين؛ إظهارًا لما يختص بكل واحدة من الأشكال والمناقضة؛ أو إظهارًا لسقوط كلام المعتزلة في هاتين المسألتين بعد تسليم الحسن والقبح العقليين على ما هو مذكور في الكتب المشهورة، فلذلك قال: \"مسألتان على التنزل\" أي على الافتراض أو على التبرك على ما في بعض النسخ اقتضاء للمشايخ.\nواعلم أن الشكر عند الخصوم ليس عبارة عن قول القائل: \"الحمد لله\" أو \"الشكر لله\" وأمثالهما على ما يسبق إلى الأوهام؛ فإن العقل لا يوجب النطق بلفظ دون آخر، ولا على معرفة الله تعالى على ما يُظَنُّ؛ لأن الشكر هو فرع المعرفة، بل هو عبارة عن صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه من السمع=","vol":"1","page":471},{"text":"شُكْرُ الْمُنْعِمِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَقْلًا؛ ................................\n<hr><s0>\n\nوقال إلكيا الهراسي: بل هي نفس مسألة الحسن والقبح؛ إذ المراد بالشكر عندنا - امتثال الأوامر واجتناب النَّواهي (^١).\nوعندهم ارتكاب المستحسنات، واجتناب المستقبحات قال: ولكنا أفردناها بالذّكر على عادة المتقدمين.\nقلت: وحينئذٍ فلا يحسن استعمال لَفْظ: الفرع فيها، ولا لفظ: التنزل (^٢)، وقد عدل المصنّف عن الأول فقال: مسألتان، ولم يقل: فرعان، ووقع في الثاني.\nالمسألة \"الأولى: [شكر] (^٣) المنعم ليس بواجب عقلًا\" خلافًا للمعتزلة، وبعض أصحابنا كالصيرفي، وأبي العباس بن سُرَيجٍ (^٤) والقفال الكبير، وابن أبي هريرة، والقاضي أبي حامد، وغيرهم.\nوقد اعتذر القاضي في \"التقريب\"، والأستاذ أبو إسحاق في \"أصوله\" والشيخ أبو محمد\n_________\n= والبصر وسائر الجوارح، وكذا التمكن والاقتدار على الكسب والمال إلى ما خلق لأجله وأعطاه لأجله؛ كصرفه النظر إلى مصنوعاته، والسمع إلى تلقي الإنذارات، والذهن إلى فهم معانيها، والحال إلى أسباب البقاء مدة العمر، وعلى هذا القياس، فهذا معنى الشكر حيث جاء في كتابه الكريم، ولهذا وصف الشاكرين بالقلة، والمنعم المشكور هو الله المنعم، والواجب ما يذم تاركه.\nومحل الخلاف أن أصحابنا وأهل السنة يذهبون إلى أن وجوب هذا الشكر مأخوذ من الأنبياء بناء على وجوب متابعتهم بعد ثبوت نبوتهم، ولا يقوم عليه برهان عقلي، والمعتزلة يذهبون إلى أن عليه برهانًا عقليًا حتى إن النبي ﷺ لو نبهنا على هذه المسألة وهدانا إلى مقدماتها قبل الاعتراف بنبوته أو تنبهنا لها لحكم العقل بوجوبه بناء على البرهان العقلي. ينظر: البحر المحيط للزركشي ١/ ١٤٩، والبرهان لإمام الحرمين ١/ ٩٤، وسلاسل الذهب للزركشي ٩٩، والإحكام من أصول الأحكام للآمدي ١/ ٨٣، ونهاية السول للإسنوي ١/ ٢٦٣، ومنهاج العقول للبدخشي ١/ ١٥٧، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ٧، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ١٨٤، والمنخول للغزالي ١٤، والمستصفى له ١/ ٦١، وحاشية البناني ١/ ٦٠، والإبهاج لابن السبكي ١/ ١٣٩، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ١/ ٩٧، وحاشية العطار على جمع الجوامع ١/ ٨٥، وتيشر التحرير لأمير بادشاه ٢/ ١٦٥، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ١/ ٢١٦. الكوكب المنير للفتوحي ٩٨.\n(^١) ينظر المصادر السابقة.\n(^٢) في ت، ح: التبرك.\n(^٣) سقط في ح.\n(^٤) في ج، ح: شريح.","vol":"1","page":472},{"text":"لأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ، لَوَجَبَ لِفَائِدَةٍ، وَإلَّا، كَانَ عَبَثًا، وَهُوَ قَبِيحٌ، وَلا فَائِدَةَ لله تِعَالَى؛ لِتَعَالِيهِ عَنْهَا، وَلا لِلْعَبْدِ فِي الدُّنْيَا؛ لأِنَّهُ مَشَقَّةٌ، وَلا حَظَّ لِلنَّفْسِ فِيهِ، وَلا فِي الآخِرَةِ؛ إِذْ لا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِي ذلِكَ.\nقَوْلُهُمْ: الْفَائِدَةُ الْأَمْنُ مِنَ احْتِمَالِ الْعِقَابِ فِي التَّرْكِ، وَذلِكَ لازِمُ الْخُطُورِ - مَرْدُود بِمَنْعِ الْخطُورِ فِي الْأَكْثَرِ، وَلَوْ سُلِّمَ، فَمُعَارَضٌ بِاحْتِمَالِ الْعِقَابِ عَلَى ..........\n<hr><s0>\n\nالجويني في \"شرح الرسالة\" عمن وافق المعتزلة من أصحابنا بأنهم لم يكن لهم قدمٌ راسخٌ في الكلام، وربما طالعوا كتب المعتزلة فاستحسنوا هذه العبارة - وهي أن شكر المنعم واجب \"عقلًا\"، فذهبوا إليها غافلين (^١) عن تشعّبها عن أصول القدرية.\nقال القاضي: مع علمنا بأنهم ما انتحوا مَسَالكهم، وما اتبعوا (^٢) مقاصدهم.\nقلت: وهو كلام حَق بالنسبة إلى من عدا القَفَّال الكبير، أما القفالُ فكان إمامًا في الكَلامِ مقدمًا، والذي عندنا أنه لما ذهب إلى هذه المقالة وما أشبهها من قوله: يجب العمل بخبر الواحد عقلًا، وبالقياس عقلًا، ونحو ذلك - كان على الاعتزال، لا بد أن يكون رجع عن ذلك.\nواستدلّ على عدم الوجوب بالعَقْلِ، فقال: \"لأنه لو وجب لوجب (^٣) لفائدة وإلَّا\" فلو وجب لا لفائدة \"كان\" الوجوب \"عبثًا، وهو قبيح\"، والعقل الذي عليه تفرع (^٤) يدرؤه.\nوالقولُ بالوجوب لفائدة أيضًا باطلٌ؛ لأن الفائدةَ، إما راجعة إلى الله أو إلى العبد، \"ولا فائدة\" في الشكر\" [لله تعالى، لتعاليه عنها، ولا للعبد] (^٥) في الدنيا؛ لأنه مشقّة\"، إذ هو ارتكاب الواجب واجتناب المحرم، وهو تعب ناجز، \"ولا حَظّ للنفس فيه، ولا في الآخرة؛ إذ لا مجالَ للعقل في ذلك\" - كذا بخطه - أي: في ثواب الآخرة أو نفعها.\nوإما التزامهم القسم الثاني - وهو عود الفَائِدَةِ إلى العَبْد في الدنيا.\nالشرح: \"قولهم: الفائدة الأمن من احتمال العكاب في الترك\" لشكر المنعم، \"وذلك\" الاحتمال \"لازم الخطور\" بِبَالِ كُل عاقل يرى نفسه متقلبًا في نعم محسن، ثم لا يشكره؛ فإن مثلَ هذا بالحري أن يخاف عقابَ المنعم على نفسه.\nوهو قول \"مردود لمنع الخطور\" خطور العقاب \"في\"بال \"الأكثر\" من الخلق.\n\"ولو سلم\" خطوره لجميع العقلاء، \"فمعارض باحتمال العِقَابِ على الشكر\"، فإذن احتمال\n_________\n(^١) في ت: عاقلين.\n(^٢) في أ، ج، ح: ابتغوا.\n(^٣) سقط في ت.\n(^٤) في أ: تفرع عليه.\n(^٥) سقط في ح.","vol":"1","page":473},{"text":"الشُّكْرِ؛ لأِنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ غَيْره، أَوْ لأِنَّهُ كَالاسْتِهْزَاءِ، كَمَنْ شَكَرَ مَلِكًا عَلَى لُقْمَةٍ، بَلِ اللُّقْمَةُ بِالنِّسْبةِ إِلَى المَلِكِ أَكْثر.\n<hr><s0>\n\nالعقاب - وإن قام عند عدم الشكر - فهو (^١) قائم عند وجدانه، إما \"لأنه تصرف في ملك غيره\" - كذا بخطه - وفي بعض النسخ الغير، بإدخال الألف واللَّام على \"غير\" - وهو لحنٌ.\nوإنما قلنا: تصرف في ملك غيره؛ لأن ما يتصرف فيه العبد من جوارحه، ملك لباريه، والتصرف في ملك غيره بغير إذنه قبيح.\n\"أو لأنه كالاستهزاء\" بالمنعم، فكان الشَّاكر لربه (^٢) \"كمن شكر ملكًا على لُقْمة\" وقام في المَحَافل (^٣) ينادي بها، فإن العقلاء يعدونه مستهزئًا به، بل اللقمة - وإن حقرت \"بالنسبة إلى الملك أكبر\" من هذه النعم وإن تعاظمت بالنسبة إلى الله. واستغراق العبد أيامه ولياليه بالشُّكر، أحقر في جنب الله من شكره للملك بتحريك إصبعه.\nوعلى مسألة شكر المُنْعِمِ يتخرج (^٤) مسألة من لم تبلغه الدعوة، فعندنا يموت ناجيًا، ولا يقاتل حتى يدعى إلى الإسلام، وهو مضمون بالكَفَّارة (^٥) والدية (^٦) (^٧)، ولا يجب .......\n_________\n(^١) في ب: وهو.\n(^٢) في ح: لزمه.\n(^٣) في أ، ح: الجحافل.\n(^٤) في ج: فيتخرج.\n(^٥) صفة مبالغة كعلامة. ثم غلب استعمالها اسمًا فيما يستر الذنب ويمحوه، وهذه المادة في اللغة تنبئ عن الستر؛ لأنها مأخوذة من الكفر \"بفتح الكاف\" ومعناه الستر ومنه سمي الليل كافرًا؛ لأنه يستر الشيء بظلمته، قال الشاعر:\nفي ليلة كفر النجوم غمامها\nوسمي الزارع كافرًا؛ لأنه يستر البذر بالتراب، وسميت الأشياء المصطلح عليها في الشريعة \"كفارات\" لأنها تستر الذنب وتمحو أثره. وهي في اصطلاح الفقهاء. اسم لأشياء مخصوصة طلبها الشارع عند ارتكاب مخالفات معينة.\nوقد عرفها الرحماني من الشافعية فقال: هي مالك أو صوم وجب بسبب، كحلف أو قتل أو ظهار.\nوعرفها بعضهم بتعريف آخر فقال: هي مالك أو صوم وجب بسبب من حلف أو قتل أو ظهار أو جماع نهار رمضان عمدًا.\n(^٦) الدِيَةُ: مصدر وَدَى القاتل المقتول: إذا أعطى وليّه المال الذي هو بدل النفس، ثم قيل لذلك المال: الدِيّة تسمية بالمصدر. ولذا جمعت، وهي مثل عِدة في حذف الفاء. كذا في المغرب. قيل: والتاء في آخرها عوض عن الواو في أولها. ينظر: المغرب ٢/ ٣٤٧، والصحاح ٦/ ٢٥٢١، والقاموس المحيط ٤/ ٤٠١، والمصباح ٢/ ١٠١٣، وفتح القدير ١٠/ ٢٧٠، ودرر الحكام ٢/ ١٠٢، وحاشية ابن عابدين ٦/ ٥٧٣، والكافي ٢/ ١١٠٨، ومغني المحتاج ٤/ ٥٣.\n(^٧) في حاشية ج: على حكم من لم تبلغه الدعوة، أي دية تجب ثلث دية مسلم؛ لأنه غير مسلم.","vol":"1","page":474},{"text":"الثانِيَةُ: لا حُكْمَ فِيمَا لا تقْضِي الْعَقْلُ فِيهِ بِحُسْنٍ وَلا قُبْح. وَثَالِثها: لَهُمُ الْوَقْفُ عَنِ الْحَظْرِ وَالإبَاحَةِ. وَأَمَّا غَيْرُهَا فَانْقَسَمَ عِنْدَهُمْ إِلَى الْخَمْسَةِ.\n<hr><s0>\n\nالقصاص (^١) على قاتله على الصحيح؛ إذ ليس هو بمسلم.\nقال الشَّافعي ﵁: ولا أعلم أحدًا لم يبلغه هذا، يعني: دعوة محمد ﷺ إلا أن يكون قوم وراء الترك.\nقلت: وهذا إن كان هو في زمن الشَّافعي ﵁، وأما الآن فما أدري أحدًا إلَّا وقد بلغته دعوة محمد ﷺ.\nالشرح: \"الثانية: لاحكمَ للعَقْلِ فيما لا يقضي العَقْلُ فيه بحُسْنٍ ولا قُبْحٍ\" (^٢).\nوللمعتزلة مذاهب:\nأحدها: القول بالإباحة.\nوثانيها: التحريم.\n\"وثالثها: لهم الوقف عن الحَظْر والإباحة.\nوأما غيرها\" فما للعقل فيه قضاء بحسن أو قبح، \"فانقسم عندهم إلى الخمسة\" من واجبٍ، ومَنْدُوبٍ، وحَرَام، ومَكْرُوهٍ، ومُبَاحٍ، بحسب تأدية العقول.\nوذكر القاضي: أنه انقسم عندهم إلى أربعة: واجب، كشكر المنعم والعدل، وندب كالتفضل والإحسان، وحرام كالجَهْلِ بالصَّانع وكفر النعمة، ومباح، ولم يذكر المكروه.\nواعلم أن الكلام في المسألة في موضعين:\nأحدهما: في حكم الأشياء قبل ورود الشراع مطلقًا، سواء ما قضى فيها العقل بشيء عند\n_________\n(^١) القصاص: بالكسر: القود، قال السيد: \"هو أن يفعل بالفاعل الجاني مثل ما فَعَل\" قال النسفي: هو القتل بإزاء القتل، وإتلاف الطرف بإزاء إتلاف الطرف. ينظر: المغرب ٢/ ١٨٢، والصحاح ٣/ ١٠٥٢، والقاموس المحيط ٢/ ٣٢٤، وما بعدها والمصباح المنير ٢/ ٧٧٨، وما بعدها.\n(^٢) ينظر مباحثه في: البحر المحيط للزركشي ١/ ١٥٢، ١٣٨٣،، البرهان لإمام الحرمين ١/ ٩٩، سلاسل الذهب للزركشي ١٠١، الإحكام للآمدي ١/ ٨٦، التمهيد للإسنوي ١٠٩، نهاية السول له ١/ ٢٧٥، منهاج العقول للبدخشي ١/ ١٦٤، التحصيل من المحصول للأرموي ١/ ١٨٦، المنخول للغزالي ١٩، المستصفى له ١/ ٦٣، حاشية البناني ٢/ ٣٥٣، الإبهاج لابن السبكي ١/ ١٤٢، الآيات البينات لابن قاسم العبادي ١/ ١٠١، ٤/ ١٩٢، حاشية العطار على جمع الجوامع ١/ ٩٢، المعتمد لأبي الحسين ٢/ ٣١٥، إحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ٦٨١.","vol":"1","page":475},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالقائلين بقضايا العُقُول، وما لم يقْضِ.\nوالصحيح عند أصحابنا: أن الحكم مرتفع إذ ذاك، سواء كانت الأفعال ضرورية أم اختيارية، ولا عليك إن أشعرت عبارةُ الإمام الرازي بخلاف هذا، على أن لها محملًا صحيحًا ذكرناه في غير هذا المَكَانِ، وهذا لأن الحكم عندنا عبارة عن الخطاب، فحيث لا خطاب لا حُكْمَ، واستدلُّوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [سورة يونس: الآية ٥٩] فمن ادَّعى تحريم شيء، أو تحليله بغير إذنه، فقد افترى عليه.\nواعلم أنه ربما عبَّر أصحابُ هذا القول المُخْتَار عن قولهم: بالوَقْفِ، وهي عبارة أكثر المتقدمين، ونقلت عن شيخنا أبي الحسن، وأبي بكر الصَّيرفي، وأبي بكر الفارسي وأبي علي الطبري (^١).\nولا تحسبن (^٢) أن المراد به التردد في أن الأمر ما هو؟ وإنما مرادهم به أن الحكم موقوف على ورود السمع مجزوم به قبل وروده، وهذا شأن كل موقوف في الوجود على غيره، فافهمه، وبه صرح القاضي في \"التقريب\"، وابن السَّمعاني، وغيرهما (^٣).\nوقالت المعتزلة: هذه الأشياء إما أن يقضي فيها العقل بشيء، فيتبع فيها حكمه. وإما ألَّا يقضي ففيها المذاهب المذكورة في الكتاب، وثالثها: لهم لا لنا الوقف.\nومرادهم به فيما أظن التردد، فلم يريدوا بالوَقْفِ ما نريده (^٤) نحن، وقد تابعهم في كل قول من هذه الأقوال بعض فقهائنا ممن لم يعرف عود كلامهم.\nوالموضع الثاني: تفريعها على الأصل السابق، فيقول: ما لا يقضي العَقْل فيه بشيء فلا يتجه تعريفه على الأصل السَّابق، وهذا واضح لمن تَدَبّرَه؛ فإن الأصل السَّابق إنما هو حيث يقضي العقل، هل يتبع حكمه؟\n_________\n(^١) أبو علي الحسن بن القاسم الطبري، تفقه ببغداد على أبي علي بن أبي هريرة، ودرس بها بعده، وصنف كتابًا له يسمى الإفصاح، وأيضًا في الأصول والجدل والخلاف، وهو أول من صنف في الخلاف المجرد وكتابه فيه يسمى التحرير. مات سنة ٣٥٠. ينظر: طبقال ابن قاضي شهبة ١/ ١٢٧، النجوم الزاهرة ٣/ ٣٢٨، المنتظم ٧/ ٤.\n(^٢) في أ، ج، ح: فلا تحسبن.\n(^٣) ينظر مراجع صدر المسألة.\n(^٤) في ت: يريده.","vol":"1","page":476},{"text":"لأنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَحْظُورَةً، .............................................\n<hr><s0>\n\nوإنما الأصحاب قالوا: هب أن ذاك الأصل صحيح، فلم قضيتم حيث لا قضاء للعقل؟ وليس هذا تفريعًا على ذلك الأصل.\nوأما ما للعقل فيه قضاء فهم ذهبوا إلى انقسامه حسب (^١) تأدية العقلِ، وخالفهم أصحابنا.\nوعند هذا أقول: لم ترد هذه المسألة على قولك: ما للعقل فيه قضاء اتبع المعتزلة فيه عقولهم، ونحن خالفناهم، وذلك هو عَيْن مسألة التحسين والتقبيح، فكيف يقال: إنه فرع عنه؟ ولعمري كذلك [يقال في مسألة شكر المنعم: الشكر هو اجتناب القبح وارتكاب الحسن، وذلك كما قال إلكيا: هو عين مسألة التحسين والتقبيح] (^٢).\nوقد لاح بهذا أنه لا تفريع لهاتين (^٣) المسألتين على قاعدة الحُسْن والقبح، والسر عدي في إفراد (^٤) الأولى بالذكر - أن أبلغ فقاقع المعتزلة بتشنيعهم بأن شكر المنعم عقلًا، وصاروا يَمُوجُونَ في تشنيعهم (^٥) ومناداتهم علينا بهذا القول فراد أصحابنا تبيين سفاهتهم، وتخصيص هذه المسألة بالذكر، وأنها ممنوعةٌ على قضية أصلهم، كما هي ممنوعة على أصلِ غيرهم.\nوالسرُّ في إفراد الثانيةِ أن أصحابنا يقولون: معاشر القدرية فيم هذا الطغيان؟! والقول بإضافة الحكم إلى غير الرحمن، والحال حالان قبل الشرع وبعده.\nفأما بعده، فالشرع قائم، والمرجع إليه.\nوإن (^٦) قيل: فالحسنُ والقبح حقّ؛ إذ هو كاشف لا يخطئ، فلا فائدة في العتو والبغي، وإطلاق القول بأن الحاكم هو العقل، ورب الأرباب ينادي في كتابه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [سورة يوسف: الآية ٤٠]، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ١٥]، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [سورة الزمر: الآية ٧١]، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [سورة تبارك: الآية ٨]، ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ﴾ [سورة النساء: الآية ١٦٥] إلى غير ذلك من الآي.\nوأما قبله فما ليس للعَقْل فيه قضاء على أصولكم لا يتجه القول فيه بالحَظْر؛\nالشرح: \"لأنها\" أي المنافع - والحالة هذه (^٧) - \"لو كانت محظورةً\" عند توهّم عقولكم فيها\n_________\n(^١) في ت: حيث.\n(^٢) سقط في ب.\n(^٣) في أ، ت، ح: لها بين.\n(^٤) في أ: إفرادك.\n(^٥) في ت: تشعبهم.\n(^٦) في أ، ج، ح: فأما.\n(^٧) اعلم أن غرض الأصحاب من التنزل إبطال قول المعتزلة في الأفعال الاختيارية، التي لا يقضى العقل =","vol":"1","page":477},{"text":"وَفَرَضْنَا ضِدَّيْنِ، لَكُلِّفَ بِالْمُحَالِ.\nالْأسْتَاذُ: إِذَا مَلَكَ جَوَادٌ بَحْرًا لا يَنْزِف، ........................................\n<hr><s0>\n\nالحظر، وكان فيها فعلان \"وفرضنا ضدين\" لا ثالثَ لهما كالحَرَكَةِ والسكون \"لكلّف بالمُحَال\" إن حظرتم جميعها (^١)، وإن خصصتم بعضها بالحظر دون بعض، فهو ترجيحٌ من غير مرجّح، فقد سقط القولُ بالحظر.\nواعلم أن المراد بالضِّدين هنا ما يستحيل خلوّ المحل عنهما، كذا ذكره القاضي وإمام الحرمين، وغيرهما.\nلا يقال: مثل هذين الضِّدين من الأفعال الضرورية، والكلام في الاختيارية لأن (^٢) الكلام فيهما جميعًا على حد سواء كما أسلفناه.\nقال إمام الحرمين: وإن خصصوا الحَظْر بما يعتقدون الخلو عنه أصلًا، فمرجعهم إلى أن التصرفَ في مِلْكِ الغير بغير إذنه قبيح، وقد مضى من الكلام ما يدرؤه.\nالشرح: وقال \"الأستاذ\" في الرد على الحاظر (^٣): \"إذا ملك جواد بحرًا لا ينزف\"، وهو\n_________\n= فيها بحسن ولا قبح على تقدير ثبوت قاعدة الحسن والقبح العقليين، لا إبطال قولهم في الأفعال الاضطرارية، والأفعال التي يقضى العقل فيها بحسن وقبح، فإنهم اكتفوا في إبطال قولهم في هذين المقامين على ما قيل في إبطال قاعدة الحسن والقبح، فلذلك لم يتعرض المصنف إلا لإبطال المذاهب الثلاثة في الأفعال التي لم يقض العقل فيها بحسن ولا قبح، فبدأ بإبطال مذهب القائلين بالحظر، وتقريره أن الأفعال التي لم يقض العقل فيها بحسن ولا قبح لو كانت محظورة أي محرمة قبل الشرع وفرضنا ضدين لزم التكليف بالمحال، والتالي باطل فالمقدم مثله. بيان الملازمة أن هذه الأفعال لو كانت محرمة لوجب ترك جميعها، فلو فرض في تلك الأفعال ضدان بحيث يمتنع ترك كل منهما كالحركة والسكون، فإنه يمتنع ترك كل واحد منهما، لزم التكليف بالمحال. قاله الأصفهاني في شرح المختصر.\n(^١) في ح: جميعًا.\n(^٢) في ب: كان.\n(^٣) اعلم أن الأستاذ أبا إسحاق الإسفراييني قنع في رد مذهب هذه الطائفة - أعني القائلين بالحرمة - بمثال في الشاهد وهو لا يفيد إلا مجرد الاستبعاد، توجيهه أن يقال: إن الجواد إذا ملك بحرًا لا ينزف، أي لا يذهب ماؤه، وأحب مملوكه قطرة منه، فكيف يدرك تحريمها عقلًا، أي لا يتصور منع الجواد المملوك عن تلك القطرة، فكذلك الجواد المطلق جل ثناؤه، المالك لجميع النعم، إذا أحب عبد من عباده الاستلذاذ بنعمة من نعمه التي هي أقل بالنسبة إلى نعمه من تلك القطرة إلى بحر الجواد، فكيف يتصور تحريمها. قاله الأصفهاني في شرح المختصر.","vol":"1","page":478},{"text":"وَأَحَبَّ مَمْلُوكُهُ قَطْرَةً، فَكَيْفَ يُدْرِكُ تَحْرِيمَهَا عَقْلًا.\nقَالُوا: تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ. قُلنا: يَنْبَنِي عَلَى السَّمْعِ، وَلَوْ سُلِّمَ، فَفِيمَنْ يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ مَا، وَلَوْ سُلِّمَ، فَمُعَارَضٌ بِالضَّرَر النَّاجِزِ.\n<hr><s0>\n\nمستغنٍ عنه، \"وأحب (^١) مملوكه قطرة\"، وهو عطشان لاهِثٌ، \"فكيف يدرك تحريمها عقلًا\" حتى يقضى به.\nوهذا الكلام من الأستاذ واضح في تسفيه رأي الخصوم، وفي أن الكلام في الضروري والاختياري سواء، إذ مثل بالعطشان اللَّاهث.\nولكن قال الإمام: لا حاجة إليه مع وضوح مسلك البُرْهَانِ.\nالشرح: \"قالوا: تصرّف في ملك الغير\" بغير إذنه، فيكون حرامًا.\n\"قلنا\": لا نسلِّم، بل \"يبنى على السَّمع\"، ولولا ورود السمع لما عرفنا تحريم التصرّف في ملك الغير، وإن كنا قائلين بقاعدة العَقْلِ.\n\"ولو سلم\" أنه مما يدرك تحريمه عقلًا \"ففيمن يلحقه ضرر\" بالتصرّف في ملكه لا على الإطلاق والله - تعالى - منزّه عن لحاقِ الضرر، فلا يقبح عقلًا التصرف في ملكه.\n\"ولو سلم\" أنه لا يجوز التصرُّف في ملك الغير مطلقًا، سواء كان ممن يلحقه ضرر أم لا. \"فمعارض بالضرر النَّاجز\"، فإنه لو لم يتصرف، وانتظر الإذن الشرعي لتضرر في الحال بترك اللَّذة العاجلة، والعقل يقضي بالاحتراز من الضَّرر العاجل، فهذا تمام الرد على القائلين بالحظر (^٢).\n_________\n(^١) في ج: وأخذ.\n(^٢) القائلون بالحظر قالوا: إن مباشرة الأفعال المذكورة تصرف في ملك الغير بغير إذنه فيكون حرامًا كما في الشاهد، أجاب المصنف عنه بأن كون التصرف في ملك الغير حرامًا ينبني على السمع، ولا سمع قبل الشرع، فلا يحكم بكونه حرامًا، ولو سلم أنه علم بالعقل لا بالسمع أن التصرف في ملك الغير حرام ولكن لا نسلم أن التصرف في ملك الغير مطلقًا حرام عقلًا، بل التصرف في ملك من يلحقه ضرر حرام عقلًا أما غيره فلا، كالاستظلال بجدار الغير والاقتباس من نار غيره، ولو سلم أن التصرف في ملك الغير مطلقًا سواء تضرر به أو لم يتضرر حرام عقلًا لأنه يجوز أن يتضرر المتصرف به آجلًا، لكنه معارض بالضرر الناجز أي الحاضر؛ فإن الترك يوجب الضرر في الحال، ودفع الضرر واجب عقلًا، واعتبار الحاضر أولى. قيل في هذه المعارضة نظر؛ لأن صورة الضرر الناجز هي التي يقضي العقل فيها بالقبح، وهي لا تكون محل النزاع، بل النزاع إنما كان في سورة لا يهتدي العقل إلى حسنها وقبحها. أجيب بأن المراد بقوله بالضرر الناجز جواز الضرر الناجز بطريق الاحتمال لا=","vol":"1","page":479},{"text":"وَإنْ أَرَادَ الْمُبِيحُ أَنْ لا حَرَجَ، فَمُسَلَّمٌ وَإنْ أَرَادَ خِطَابَ الشَّارعِ، فَلا شَرْعَ، وَإنْ أَرَادَ حُكْمَ الْعَقْلِ، فَالْفَرْضُ أَنَّهُ لا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِيهِ.\nقَالُوا: خَلَقَهُ وَخَلَقَ الْمُنْتَفِعَ بِهِ، فَالْحِكْمَةُ تَقْتَضِي الإبَاحَةَ. قُلْنَا: مُعَارَضٌ بِأنَهُ مِلْكُ غَيْرِه، وَخَلَقَهُ لِيَصْبِرَ، فَيُثَابُ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وإن أراد المبيح [أن] (^١) لا حرج\" (^٢) في هذه الأفعال \"فمسلم\"؛ إذ الحرج إنما يكون بالشرع \"وإن أراد خطاب الشرع فلا\" نسلِّم؛ إذ لا \"شرع\".\n\"وإن أراد حكم العَقْل\" بالتخيير \"فالفرض أنه لا مجال للعقل فيه\"، أي: فيما ليس للعقل فيه قضاء؛ إذ كلامنا فيما لا يحكم العَقْل فيه بحسن ولا قبح.\nالشرح: \"قالوا: خلقه\"، أي: خلق العبد، \"وخلق\" الشيء \"المنتفع به فالحكمةُ تقضي الإباحة\"، وإلا لكان خلقه عبثًا، وهو قبيح؛ للضرر، ولم يقل به عاقل.\nوإنما قال: المنتفع به، ولم يقل: الرزق؛ لأن الحرام [عندهم] (^٣) ليس برزق، فلو قال: الرزق.\nقيل: إنما يكون رزقًا على أصلك بعد إثبات أنه حلالٌ.\n\"قلنا: معارض بأنه ملك غيره\"، فلا يجوز التصرف فيه، \"وخلقه\" للنفع ولا ينحصر النفع في التناول، بل جاز أن يكون \"ليصبر\" العبد \"فيثاب\"، والثواب نفع، فهذا تمامُ الرد على القائلين بالإباحة (^٤) (^٥).\n_________\n= الجزم بتحقق الضرر الناجز، فحينئذٍ لا يكون خارجًا عن محل النزاع؛ لأن العقل وإن لم يقض فيه بحسن ولا قبح لكن لم يجزم بعدم احتمال الضرر الناجز. قاله الأصفهاني في شرح المختصر.\n(^١) سقط في ج.\n(^٢) لما فرغ من إبطال مذهب الحظر شرع في إبطال مذهب الإباحة، وتقريره أن المبيح إن أراد بكونه مباحًا أن لا حرج في الفعل والترك فمسلم؛ إذ الحرج إنما يحصل من الشرع ولا شرع، وإن أراد بالإباحة خطاب الشارع، وهو الإذن الشرعي في الفعل مع نفي الحرج فلا إباحة قبل الشرع؛ إذ لا شرع، وإن أراد بالإباحة حكم العقل بالتخيير بين الفعل والترك فلا إباحة أيضًا؛ إذ الفرض أنه من الأفعال التي لا مجال للعقل فيها بأن يقضى بكونها حسنة أو قبيحة.\n(^٣) في ب: عنده.\n(^٤) في أ: بإباحة.\n(^٥) القائلون بالإباحة قالوا: إن الله تعالى خلق ما بنتفع به من المطعوم، وخلق المنتفع به مع إمكان ألَّا=","vol":"1","page":480},{"text":"وَإنْ أَرَادِ الْوَاقِفُ أنَّهُ وَقَفَ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ، فَفَاسِدٌ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"إن أراد الواقفُ أنه وقف لتعارض الأدلة\" فلم يدر الحق في أي طرف \"ففاسد\" لِمَا مر من بطلان الإباحة والتحريم، وإن أراد أن الحكم موقوف على ورود السَّمع ولا حكم في الحال فصحيح - وهو مذهبنا - وهذا ذكره الغَزَالِيُّ، وتبعه الآمدي والمصنف.\nوإنما قال ذلك؛ لأن الواقفية منهم أصحابنا، ومنهم المعتزلة، ومراد أصحابنا بالوَقْفِ غير مُرَاد المعتزلة كما عرفت، وهذا كله فيما قبل الشَّرع مما لم يقض العقل فيه بحسن ولا قُبْح، أما ما له فيه قضاء، فقد عرفت أنهم قسموه إلى الخمسة، ولم يتكلم المصنف عليه، وعند هذا يظهر لك أن ما لا يقضي فيه العقل بشيء لا يكون فرعًا لمسالة الحسن والقبح؛ إذ هي مقصورة (^١) على ما للعقل [فيه] (^٢) قضاء، وإنما كان يتجه لو تكلموا فيما للعقل فيه قضاء، فكان في الحقيقة ليس فرعًا، بل هو عين المسألة كما ذكرناه.\nولو قيل: إذا كنتم مَعَاشر القَدَرِيَّةَ تتبعون العقول، وفرض مسألتنا أنه لا عقل فبأي (^٣) وجه حكمتم لكان صوابًا قاضيًا على ما أورده من الشّبه العقلية في طرفي الحظر والإباحة بالفساد والتناقض، إذ فرضوا الكلام فيما لا تقضي (^٤) فيه العقول، ثم قضوا واستندوا إلى العقل، وهذا لعمر الله تناقض لائح، وقد أشرنا [إليه] (^٥) آنفًا.\n_________\n= يخلقهما فالحكمة تقتضي الإباحة، إذ المنع من الانتفاع به لا يناسب الحكيم؛ لأنه إن لم يكن في خلقه فائدة يكون عبثًا، ومستحيل أن نعود الفائدة إلى الخالق لتعاليه عنها، فلا بد وأن تكون للمنتفع به، وليست للإضرار اتفاقًا، فتكون الفائدة الانتفاع وهو إما التلذذ أو الاجتناب مع الميل، أو الاستدلال بالصانع؛ إذ الأصل عدم الغير، ولا يحصل شيء منها إلا بالتناول فيكون التناول مباحًا، أجاب المصنف عنه بمعارضة ومناقضة، أما المعارضة فهي ما استدل به القائلون بالحظر بأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه فيحرم؛ لأن الحكمة تقتضي عدم التصرف في ملك الغير. وأما المناقضة فهي أنا لا نسلم أن الانتفاع لا يحصل بدون التناول؛ لجواز أن يكون خلقه ليصبر المكلف على ترك التناول فيثاب على الصبر، ولقائل أن يقول: المعارضة بدليل القائلين بالحرمة مما ينافي تسليم المصنف الإباحة بمعنى أنه لا حرج فيه.\n(^١) في ب، ت، ج: مقصورة.\n(^٢) سقط في ت.\n(^٣) في ت: فأي.\n(^٤) في ت، ح: يقضي.\n(^٥) سقط في ح.","vol":"1","page":481},{"text":"<span data-type='title' id=toc-400>تَعْرِيفُ الْحُكْم الشَّرْعِيّ </span>(^١)\nالْحُكْم، قِيلَ: خِطَابُ اللهِ تَعَالَى الْمُتَعَلَّقُ بِأفعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، فَوَرَدَ ..............\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"الحكم: قيل\" في تعريفه: \"خطاب الله المتعلّق بأفعال المكلفين\". والخطاب: توجيه الكلام للأفهام، وبإضافته إلى الله - تعالى - خرج من عداه؛ إذ لا حكم إلا لله.\n_________\n(^١) تنوعت آراء الأصوليين في حقيقة الحكم الشرعي، فتعددت عباراتهم حول تعريف هذا الحكم، فمنهم المكثر لقيوده، ومنهم المقل، ويرجع سبب اختلافهم في ذلك إلى اختلاف وجهات نظرهم في بعض الأحكام، كالحكم الوضعي، فمنهم من لا يرى أنه حكم شرعي، إنما هو حكم عقلي، ومنهم من يرى أنه مندرج تحت الحكم التكليفي، ومنهم من يرى - وهو الراجح - أنه حكم شرعي مستقل عن الحكم التكليفي. وعلى ذلك فقد تعددت تعريفات الأصوليين حول الحكم الشرعي، منها تعريف حجة الإسلام الغزالي - قدَّس الله سره - بأنه: خطاب الشرع إذا تعلق بأفعال المكلفين.\nوالثاني: وهو لجمهور علماء الأصول من أهل السنة بأنه خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرًا أو وضعًا، وهذا التعريف ارتضاه جمهور الأصوليين. والتعريف الثالث وهو للقاضي أبي الخير البيضاوي فقد عرفه بأنه: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير، وعلى هذا صار فخر الدين الرازي والعلامة الزركشي في البحر وغيرهما. والحكم الشرعي عند الفقهاء وردت تعريفات متعددة للحكم الشرعي عند الفقهاء منها: هو ما ثبت بالخطاب كالوجوب والحرمة وغيرهما مما هو من صفات فعل المكلف. وقيل: هو ما ثبت بالخطاب اللفظي، وقيل: هو مدلول خطاب الشارع. ولعل أوفى هذه التعريفات وأدقها - وهو المختار عند الحنفية - أن الحكم الشرعي هو: أثر خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين على جهة الاقتضاء أو التخيير أو الوضع.\nوكلمة \"أثر\" لها ثلاثة معان. الأول: بمعنى العلاقة. الارتباط، والثاني: بمعنى النتيجة، وهو الحاصل من الشيء، والثالث: بمعنى الجزء. ينظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/ ٩٠، والتمهيد للإسنوي ٤٨، ونهاية السول للإسنوي ١/ ٤٧، وزوائد الأصول له ١٦٧، ومنهاج العقول للبدخشي ١/ ٤١، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ٦، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ١٧٠، المنخول للغزالي ٧، والمستصفى له ١/ ٨، وحاشية البناني ١/ ٤٦، والإبهاج لابن السبكي ١/ ٤٣، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ١/ ٧١، وتخريج الفروع على الأصول للزنجاني ١٢٧، وحاشية العطار على جمع الجوامع ١/ ٦٥، والتحرير لابن الهمام ٢١٤، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ٢/ ١٨١، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ١/ ٢٢٠، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ١٢٢، والوجيز للكراماستي ٢٩، وميزان الأصول للسمرقندي ١/ ١١٢، وإرشاد الفحول للشوكاني ٦، والكوكب المنير للفتوحي ١٠٤، التقرير والتحبير لابن أمير. الحاج ٢/ ٧٦.","vol":"1","page":482},{"text":"مِثْلُ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الصافات: الآية ٩٦] فَزِيدَ بِالاقْتِضَاء أَوِ التَّخْيِيرِ، فَوَرَدَ كَوْنُ الشَّيْءِ دَلِيلًا وَسَبَبًا وَشَرْطًا، فَزِيدَ: أَوِ الْوَضْعِ، فَاسْتَقَامَ. وَقِيلَ: بَلْ هُوَ رَاجِعٌ إِلَى الاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ. وَقِيلَ: لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَقِيلَ: الحكْمُ خِطَابُ الشَّارعِ بِفَائِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ\n<hr><s0>\n\nوقوله: \"المتعلّق بأفعال المكلّفين\" يخرج ما ليس كذلك، والمراد. جنس الفعل، والمكلّف واحدًا كان أو أكثر.\nفلو قيل: بفعل المكلف، كان أوضح.\nقوله: \"فورد\"، أي: نقضًا على هذا التعريف ما له تعلّق بفعل المكلف، وليس بحكم \"ومثل: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الصافات: الآية ٩٦]. فزيد (^١) بالاقتضاء، أو التخيير\".\nوالاقتضاء: الطلب، فيندرج (^٢) فيه الأربعة، والتخيير: الإباحة.\nوإنما زيد هذا؛ لدفع الإيراد المشار إليه، فورد بسبب زيادته ما لم يكن واردًا من قبل، وهو كون الشيء دليلًا - كـ\"الدلوك\" دليل الصلاة - وسببًا - كـ\"البيع\" سبب صحة التصرفات - وشرطًا - كـ\"الطهارة\" للصلاة - فإن كل واحد منها حكم شرعي، ولا اقتضاء فيه ولا تخيير، فزيد \"أو الوضع\" عند ذكر هذا الإيراد، فاستقام الحد من جهتي الطرد والعكس.\nوهذا عند من يرى السؤال واردًا كالمصنّف.\nوقيل: بل هو، أي: ما أورد لا يرد؛ لأنه داخل في الحَدّ؛ إذ هو راجعٌ إلى الاقتضاء والتخيير؛ لوجوب الشيء عنده، ومعنى (^٣) سببية الدَّلوك (^٤) وجوب الصلاة عنده، وصحة البيع إباحة التصرف، ومانعية الحدث للصَّلاة راجعة إلى تحريمها.\nوهذه طريقة الإمام الرَّازي، وعليها يعتمد.\n\"وقيل: ليس\" واحد من هذه الأشياء \"بحكم\"، بل علامات الحكم.\n\"وقيل: الحكم: خطاب الشارع بفائدة شرعية\" - قاله الآمدي (^٥) - ولم يرد بالفائدة الشرعية متعلّق الحكم الشرعي، وإلا لزم الدور، وإنما أراد (^٦) - كما ذكر في \"الإحكام\" - الاحتراز عما\n_________\n(^١) في ح: تريد.\n(^٢) في ب: فتندرج.\n(^٣) في حاشية ج: قوله: ومعنى .. إلخ لا يخص ما فيه.\n(^٤) في ح: المدلول.\n(^٥) ينظر الإحكام ١/ ٩٠.\n(^٦) في حاشية ج: قوله: وإنما أراد … إلخ يعني أنه ليس المراد بالفائدة الشرعية متعلق الحكم الشرعي، بل ما لا يكون حسية ولا عقلية، فلا دور.","vol":"1","page":483},{"text":"تَخْتَصُّ بِهِ، أَيْ: لا تُفْهَمُ إِلَّا مِنْهُ لأَنَّهُ إِنْشَاءٌ فَلا خَارجَ لَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-401>أَقْسَامُهُ</span>\nفإنْ كَانَ طَلَبًا لِفِعْل غَيْرِ كَفٍّ، يَنْتَهِضُ تَرْكُهُ فِي جَمِيعِ وَقْته سَبَبًا ..............\n<hr><s0>\n\n[لا] (^١) يفيد فائدة شرعية؛ كالإخبار عن المعقولات، والمَحْسُوسَاتِ ونحوها.\nوقد أورد عليه أنه صادق على إخبار الشَّارع عن المغيبات، مثل: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [سورة الروم: الآية ٢]؛ إذ هي فائدة غير عقليَّة ولا حسيَّة، وليست حكمًا.\nوعندي أنه مندفع؛ لأنه نحو العقلية والحسية، وهو قد احترز \"بالشرعية\" (^٢) عنهما وعن نحوهما، لا عنهما فقط.\nوالمصنّف لما رأى هذا الإيراد يستلزم بطلان الحَدّ بإبطال طرده بالأخبار الشرعي قيل: الخطاب يفيد كونه بكون (^٣) يكون معه إنشائيًا؛ لظنّه ورود الإيراد، فقال: \"تختص (^٤) به [أي: لا تفهم] (^٥) أي: لا تعرف إلا منه\"، فخرج الإخبار الشرعي، فإنه وإن كان خطابًا بفائدة شرعية، لكن قد تفهم تلك الفائدة من غير ذلك الخطاب.\nوأما الفائدةُ الشَّرعية التي هي في الحكم، فلا تفهم (^٦) إلَّا من الخطاب؛ \"لأنه\" - أي: الحكم - \"إنشاء فلا خارج له\"، وإذا لم يكن له خارج، لم يتأت فهمه إلَّا من الخطاب.\nولك أن تقول: لا حَاجَةَ مع هذا القَيْدِ الذي زاده المصنّف إلى لفظة \"شرعية\"؛ إذ هو مفصح عن المراد بها فقط كما عرفت - وهو مغن عن ذكرها.\nالشرح: إذا عرفت هذا \"فإن كان\" الحكم \"طلبًا (^٨) لفعل غير كَفّ ينتهض تركه في جميع وقته سببًا للعقاب، فوجوب\".\nوقيدنا \"الفعل\" بغير الكَفّ ليحترز عن النهي؛ إذ مقتضاه عندنا فعل الضد، لا الانتفاء، وقال: في جميع وقته - ليدخل الموسع.\n_________\n(^١) سقط في ح.\n(^٢) في ج: بالسرعة.\n(^٣) في أ: تكونه.\n(^٤) في أ، ت، ح: يختص.\n(^٥) سقط في أ، ت.\n(^٦) في ت، ح: يفهم.\n(^٧) لما فرغ من تحقيق الحكم الشرعي أراد الشروع في تقسيمه إلى أحكام تكليف وأحكام وضع وإخبار.\n(^٨) في ت: ظنًا.","vol":"1","page":484},{"text":"لِلْعِقَابِ، فَوُجُوبٌ، وَإنِ انْتَهَضَ فِعْلُهُ خَاصَّةً لِلثَّوَابِ، فنَدْبٌ، وإنْ كَانَ طَلَبًا لِكَفٍّ عَنْ فِعْل، يَنْتَهِضُ فِعْلُهُ سَببًا لِلْعِقَابِ، فتَحْرِيمٌ. وَمَنْ يُسْقِطُ \"غَيْر كَفٍّ\" فِي الْوُجُوبِ تقُولُ: طَلَبًا لِنَفْى\n<hr><s0>\n\n\"وإن انتهض فعله خاصَّة\" سببًا \"للثواب، فندبٌ\".\nوإنما قال: \"خاصَّة\" ليعرف أنه لا يترتب على تركه شيء.\nوإن أورد الفقيه ردَّ شهادة من اعتاد ترك السُّنن الراتبة، وتسبيحات الركوع [والسجود] (^١)، ونحو ذلك.\nوقيل له: ليس العقاب في شيء من ذلك لمجرد ترك السنن، بل للإشعار من فاعله (^٢) بقلَّة المُبَالاة بالمُهَمَّات (^٣).\n\"وإن كان طلبًا لكف عن فعل ينتهض فعله سببًا للعقاب، فتحريم.\nومن يسقط\" قولنا: \"غير كف في \"تعريف \"الوجوب\" وهو قائل: إن مطلوب النهي [عن] (^٤) الانتفاء - كأبي هاشم - \"يقول: طلبًا لنفي فعل\" ينتهض فِعْلُهُ سببًا للعقاب \"في التحريم\".\nولا نعني بانتهاض فعله سببًا للعقاب، عقاب الدنيا بخصوصه من حَدّ أو تَعْزِيزٍ (^٥)، ونحوهما، بل أعم من عقاب الدُّنيا وإثم الآخرة، فلا يرد حرام لا يعاقب مرتكبه في الدنيا كما قال القاضي أبو حامد المروروذي (^٦): فيمن دخل من أهل القوة الحمى الذي حماه الإمام فرعى ماشيته أنه لا غرم ولا تعزير (^٧) عليه، وكما قيل على وجه آخر: إذا وطئ السَّيد المكاتبةَ فلا يعزّر، وإن\n_________\n(^١) سقط في ح.\n(^٢) في ت: فاعلية.\n(^٣) في ج: بالمنهيات.\n(^٤) سقط في ج، ح.\n(^٥) في ح: تقرير، وهو تحريف.\n(^٦) أحمد بن بِشْر بن عامر، القاضي، أبو حامد المروروذي، أحد أئمة الشافعية، أخذ عن أبي إسحاق المروزي، وشرح مختصر المزني، وصنف الجامع في المذهب، وفي الأصول وغير ذلك، وكان إمامًا لا يشق له غبار، قال العبادي: إنه من أنجب أصحاب أبي علي بن خيران. مات سنة ٣٦٢.\nينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١٣٧، وطبقات العبادي ص ٧٦، والأعلام ١/ ٩٩.\n(^٧) التعزير: تأديب وإصلاح وزجر، على ذنوب لم تشرع فبها حدود ولا كفارات، وذلك لأن الشريعة الإسلامية، وإن عمدت إلى بعض الجرائم والمخالفات، فسنت لها عقوبة معينة محدودة، فإن كثيرًا غيرها، لم تسن لها تلك العقوبة، وتركت أمر تقديرها لولاة الأمور يضعون لكل منها ما يناسبها بعد النظر في حال الجريمة، وحال من وقعت منه ومن وقعت عليه والآثار التي ترتبت عليها، وغير ذلك من الظروف والملابسات التي قد تكون داعية للتخفيف في العقوبة بالنسبة لبعض مرتكبيها، كما قد تكون داعية للتشديد والمبالغة فيها بالشبة لآخرين منهم، وقد يبدو من عجيب الأمر أن يختلف حال =","vol":"1","page":485},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  الجرائم والمخالفات في الشريعة الإسلامية، من حيث وضع العقوبات الرادعة لبعض منها: وترك الكثير منها بدون تحديد لتلك العقوبة. ولكن بقليل تأمل يظهر أن هذا الصنيع من محاسن الشريعة، وأنها عدل كلها، لا تبغي إلا الإصلاح والهداية، والسلوك بالمجموعة البشرية مسلك الرشاد والخير والفلاح. وذلك لأننا لو نظرنا إلى هذه العقوبات المقدرة، لوجدناها في تقديرها، ترجع إلى طبيعة تلك الجرائم ذاتها، فلا تختلف حينئذ باختلاف بيئة عن أخرى، ولا تتفاوت بتفاوت الأفراد.\nأما المحظورات التي لم تشرع فيها عقوبات مقدرة، كمن اعتدى على آخر فسبه أو سب أباه - بما ليس بزنا - أو ضربه أو مطله دينه عن يسار، أو غير ذلك، فالأمر فيها على ذلك، فالناس فيها يتفاوتون، وللظروف والملابسات المحيطة حكمها. لذلك كان العدل والحكمة والرحمة، كل ذلك قاضيًا بتركها لولاة الأمور، يعملون فيها رأيهم، ويعطون لكل جريمة ما يكون كفيلًا بردع مقترفيها وزجرهم. ولنقسم التعزير في ذاته إلى: قولي وفعلي.\nفأما التعزير \"بالقول\"، فما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه، حينما أتى إليه برجل سكران: \"بَكِّتُوه\"، فأقبلوا عليه يقولون: - ما اتقيت الله، ما خشيت الله، ما استحيت من رسول الله ﷺ. فهذا التبكيت، من التعزير بالقول.\nوأما التعزير \"بالفعل\"، فَقَدْ رُوِّينَا فيما تقدم من تعزيراته ﷺ الكثير، فلا نطيل بتكراره. فهذا تقسيم للتعزير في ذاته، وهناك تقسيم آخر له باعتبار موجبه … وذلك لأنه إما أن يكون على ترك الواجب، وإما أن يكون على فعل المحرم. فأما ما يكون منه - على ترك الواجب -، فمنه منع الزكاة وترك قضاء الديون، وأداء الأمانات مثل الوداخ، وأموال الأيتام وغلات الوقوف، والامتناع من رد المغصوب والمظالم، مع القدرة على أداء ذلك كله إلى أربابه، فإن مرتكب هذه المخالفات كلها يعاقب حتى يؤدي ما يجب عليه. وأما ما يكون منه - على فعل المحرم -، فعلى التفصيل الآتي:\nوذلك لأن المحرم أنواع: فمنه ما تجب فيه العقوبة والكفارة والغرم، كقتل العمد إذا عفي عنه، فإنه يجب على القاتل الدية، ويستحب له الكفارة، ويضرب مائة، ويحبس سنة، على ما يراه بعضهم، ومنه ما يجب فيه القصاص والأدب، وهو: الجارح عمدًا، يقتص منه ويؤدب. ومنه ما يجب فيه الغرم، وهو الجنين. ومنه ما فيه التعزير فقط كسرقة ما لا قطع فيه، والخلوة بالأجنبية، واليمين الغموس، والغش في الأسواق، وشهادة الزور، والعمل بالربا. ومنه ما تجب فيه الكفارة والغرم: كقتل الخطإ. ومنه ما فيه العقوبة كحماية الظلمة والذب عنهبم، وكمن دافع عن شخص وجب عليه حق، كمن يحمي قطاع الطريق أو السارق؛ فإن هؤلاء جميعا يعاقبون، حتى يرجعوا عما اقترفوا من الجرائم، وقد رأى بعضهم أن فاعل المكروه يؤدب أيضًا. وقسَّم العلامة ابن القيم المعاصي إلى ثلاثة أقسام:\n- قسم فيه حد ولا كفارة فيه، كالزنى والسرقة وشرب الخمر، والقذف، وهذا يكفي فيه الحد عن الحبس والتعزير.\n- وقسم فيه كفارة ولا حَدَّ فيه، كمضاجعة النساء في الإحرام أو في نهار رمضان، فهذا يكفي فيه=","vol":"1","page":486},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nكان عالمًا بالتحريم، وكما قال الشَّيخ عز الدين بن عبد السلام (^١): إنه لا يجوز تعزير الأولياء على الصَّغائر، بل تقال عثراتهم، وكما قيل - على وجه -: فيما إذا وطئ الأب جارية الابن - وقلنا: - بالصحيح، وهو أنه لا حَدّ عليه - أنه لا تعزير أيضًا، وكما قال ابن داود - شارح \"مختصر المزني\" -: إن قاتل الزَّاني المحصن إذا وجده مع أهله فقتله على تلك الحالة لا يعزّر.\n_________\n= الكفارة عن الحد، وهل يكفي عن التعزير؟. فيه قولان للفقهاء، وهما لأصحاب أحمد وغيرهم.\n- وقسم لا كفارة فيه ولا حَدَّ، كسرقة ما لا قطع فيه واليمين الغموس عند أحمد وأبي حنيفة، ونحو ذلك. فهذا يسوغ فيه التعزير وجوبًا عند الأكثرين، وجوازًا عند الشافعي. وقال القرافي في الفروق:\n- الفرق السادس والأربعين بعد المائتين: إنَّ في التعزير يختلف باختلاف الأعصار والأمصار، فرُبَّ تعزير في بلد، يكون إكرامًا في بلد آخر، كقلع الطيلسان لغير تعزير في الشام؛ فإنه إكرام، وكشف الرأس عند الأندلسيين ليس هوانًا، وبمصر والعراق هوان\".\nوبعد، أفرأيت إلى أي حد راعى فقهاء الإسلام اختلاف البيئات، وتفاوت الأزمنة والعصور في التَّهذيب والتقويم؟ وهل أدركت مقدار ما في صنيعهم هذا من مرونة واستجابة لوحي المصلحة، ومسايرة لأحوال الناس في جميع بيئاتهم ومختلف أزمانهم؟ ذلك، لم يكن بدْعًا إن بقيت، وسيبقى على الزمان شرع الله في الأرض الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلَفه. ثم لننظر الآن فيما ذكره الفقهاء من أنواع التعزيرات مع الالتفات أحيانًا إلى خلافهم في بعض هذه الأنواع. ذكروا من هذه الأنواع:\n١ - الهجر والإعراض.\n٢ - التوبيخ والتبكيت.\n٣ - الحبس.\n٤ - النفي والإبعاد عن الوطن.\n٥ - الضرب.\n٦ - الغرامات المالية.\n٧ - القتل.\n(^١) عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن، وحيد عصره، سلطان العلماء، عز الدين، أبو محمد السلمي، الدمشقي ثم المصري، ولد سنة ٥٧٨، وتفقه على الشيخ فخر الدين بن عساكر، وجمال الدين بن الحرستاني، وقرأ الأصول على الآمدي، وبرع في المذهب، حتى قيل: إنه بلغ رتبة الاجتهاد، وصنف التصانيف المفيدة، وله كرامات ومحن جسيمة، وكان يضرب به المثل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وله القواعد الكبرى والصغرى، ومجاز القرآن وغيرها. توفي سنة ٦٦٠. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ١٠٩، والأعلام ٤/ ١٤٤، وفوات الوفيات ١/ ٢٨٧.","vol":"1","page":487},{"text":"فِعْلٍ فِي التحْرِيمِ، وإنِ انْتَهَضَ الْكَفُّ خَاصَّةً لِلثوَابِ، فَكَرَاهَةٌ، وإنْ كَانَ تَخْيِيرًا، فإبَاحَةٌ، وإلَّا، فوَضْعِيٌّ.\n<hr><s0>\n\nقال: لأن الغيظ والحمية حمله، وهو قد جنى على محل حقه، فجاز أن يعزر - وإن كان حرامًا - للافتيات على الإمام.\nفهذه معاصٍ لا عِقَابَ فيها في الدُّنيا، وهي مستثناة من القاعدة المشهورة في الفقه. إن من أتى معصيةً لا حَدَّ فيها ولا كَفَّارة، عليه التعزير، فاحفظها (^١).\nوكذلك نقول في الواجب: مرادنا \"بانتهاض تركه سببًا للعقاب\" ما هو أعم من عقاب الدَّارين.\n\"وإن انتهض الكَفّ خاصةً سببًا للثواب فكراهة\".\nوقال: خاصَّة في الكراهة أيضًا؛ ليعلم أنه لا يترتب عليها عقاب، وإن أورد الفقيه هنا مواظب لعب الشِّطْرنج، ونحوه، وكالندب.\nوإن انتهض \"الحكم تخييرًا\" بين الفعل والترك، \"فإباحة\".\n\"وإلا\" - أي: وإن لم يكن طلبًا ولا تخييرًا - \"فوضعي\" كالصحة والبطلان، وكون الشيء سببًا ودليلًا وشرطًا ومانعًا، وغير ذلك.\nوالمصنّف جار في الوضعي على مختاره - وقد سبق القول فيه - وتابع في حصر الاقتضاء والتخيير في الأحكام الخمسة لعلمائنا أجمعين.\nوأنا أقول: بقي (^٢) خلاف الأولى الذي تذكره الفقهاء في مسائل عديدة، ويفرقون بينه وبين المكروه، كما في صوم يوم \"عرفة\" للحاج الصحيح خلاف الأَوْلى.\nوقيل: مكروه.\nوالخروج من صوم التطوع أو صلاته بعد الثلثين بغير عذر مكروه.\nوقيل: خلاف الأَوْلى.\nونفض (^٣) اليد في الوضوء مباح.\n_________\n(^١) في ت: فاحفظهما.\n(^٢) في أ، ت، ج: تقي.\n(^٣) في أ، ت، ح: بعض.","vol":"1","page":488},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقيل: مكروه.\nوقيل: خلاف الأَوْلى.\nوالزيادة على الثلاث في الوضوء مكروه.\nوقيل: حرام.\nوقيل: خلاف الأَوْلى.\nوقيل: مكروهة.\nوتفضيل أعضاء العقيقة (^١). خلاف الأولى.\nوأصح الوجهين في \"شرح المهذب\" (^٢): أنه غير مكروه.\nقال النووي: لأنه لم يثبت فيه نهي مقصود.\nوعمارة الدّور وسائر العَقَار، الأَوْلى ترك الزيادة فيها.\nوربما قيل: تكره (^٣) والمعتكف.\nقال في \"البحر\": يكره أن يغسل يده من غير طست.\n_________\n(^١) \"والعقيقة، العقيقة في الأصل: صوف الجذَع، وشعر كل مولود من الناس والبهائم الذي يولد عليه. قاله الجوهري. وقال غيره: العقيقة: الذبيحة التي تذبح على المولود يوم سابعه. وأصل العَقِّ: الشقّ، فقيل: سميت هذه الشاة عقيقة؛ لأنها يشقّ حلقها. وقيل: سميت عقيقة: باسم الشعر الذي على رأس الغلام، وهو أنسب من الأول. وحكى العلامة ابن القيم اشتقاقها في \"تحفة المودود بأحكام المولود\". وقد استشهد من قال بأنها سميت \"عقيقة\" باسم الشعر الذي يكون على رأس الصبي حين يولد، بقول زهير يذكر حمار وحش: [الوافر]\nأَذَلِكَ أَمْ أَقبُّ البَطْنِ جَأْبٌ … عَلَيْهِ مِنْ عَقِيْقَتِهِ عَفَاءُ\nوقالوا: إن هذا الشعر يحلق عند الذبح، فسميت الشاة عقيقة، لعقيقة الشعر، وقد أنكر الإمام أحمد هذا التفسير، وقال: إنما العقيقة: الذبح نفسه؛ لأنه يقال: عق: إذا قطع، واحتجوا له بقول الشاعر: [الطويل]\nبِلادٌ بِهَا عَقَّ الشَّبابُ تَمائمِي … وَأوَّلُ أَرْضِ مَسَّ جِلْدِي تُرَابَهَا\n(^٢) قال النووي في الشرح ٨/ ٤١٠: يستحب أن تفصل أعضاؤها ولا يكسر شيء من عظامها، فإن كسر فهو خلاف الأولى، وهل هو مكروه كراهة تنزيه؟ فيه وجهان: أصحهما: لا؛ لأنه لم يثبت فيه نهي مقصود.\n(^٣) في ب: يكره.","vol":"1","page":489},{"text":"وفي تَسْمِيَةِ الْكَلامِ فِي الْأَزَلِ خِطَابًا خِلافٌ.\n<hr><s0>\n\nوقيل: [لا] (^١) يكره، ولكن الأحسن غيره.\nويكره أن يقال لغير الأنبياء صلوات الله عليهم: فلان صلوات الله عليه.\nوقيل: خلاف الأَوْلى.\nوإذا كان موضع الإمام أعلى من موضع المأمومين، ولم يكن مريدًا تعليمهم أفعال الصلاة، فهو خلاف الأَوْلى.\nوأطلق ابن الصَّباغ والمتولّي فيه لفظ الكراهة.\nومن تأمل وجده خارجًا عن الخمسة، ولعلنا نحقق ذلك في التعليقة، فلنقل: الحكم إما طلب لفعل غير كَفّ، أو لفعل هو كَفّ، أو تخيير.\nوالأول: إما مع الجزم [فالوجوب، أو لا، فالندب.\nوالثاني: إما مع الجزم] (^٢) فالحرمة، أو لا، وفيه نهي مخصوص، فالكراهة، أو لا نَهْيَ فيه مخصوصٌ، فخلاف الأولى.\nوالثالث: الإباحة، والندب، والسُّنة، والمستحبّ، والطَّاعة، والحسن، والنَّفل - مترادفة، خلافًا لبعض فقهائنا.\nالشرح: \"وفي تسمية الكلام في الأزل خطابًا خلاف\" مفزع على تفسير الخطاب (^٣)، فمن قائل: إنه الكلام الذي يقصد به إفهام من هو متهيّئ لِلْفَهْم.\nومن قائل: الذي يعلم منه أنه يقصد به الإفهام، فعلى هذا هو خطاب دون الأول.\n_________\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) سقط في ج.\n(^٣) هذا الخلاف لفظي؛ لأن من قال: الخطاب هو الكلام الذي قصد به الإفهام، ومن قال: الخطاب هو الكلام الذي علم أنه يقصد به الإفهام - قال: إن الكلام من الأزل خطاب؛ لأنه علم أنه يقصد به الإفهام. ينظر الشيرازي ١٠٠ ب/ خ.\n(^٤) ينظر: حاشية البناني على جمع الجوامع ١/ ٤٨، تيسير التحرير ٢/ ١٣١.","vol":"1","page":490},{"text":"<span data-type='title' id=toc-402>الْوُجُوبُ وَالْوَاجِبُ</span>\nالْوُجُوبُ: الثُّبوتُ وَالسُّقُوط، وَفِي الاصْطِلاحِ مَا تَقَدَّمَ. وَالْوَاجِبُ: الْفِعْلُ المتَعَلَّقُ لِلْوُجُوبِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَا يُعَاقَبُ تَارِكُهُ مَرْدُودٌ؛ بِجَوَازِ الْعَفْوِ، وَمَا أُوعِدَ بِالْعِقَابِ تَارِكُهُ مَرْدُودٌ؛ بصِدْقِ إِيعَادِ اللهِ تَعَالَى، وَمَا يُخَافُ مَرْدُودٌ؛ بِمَا يُشَكُّ فِيهِ. الْقَاضِي: مَا يُذَمُّ تَارِكُهُ شَرْعًا بِوَجْهٍ مَا. وَقَالَ: \"بِوَجْهٍ مَا\" لِيَدْخُلَ الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ وَالْكِفَايةُ؛ حَافَظَ عَلَى عَكْسِهِ؛ فَأَخَلَّ بِطَرْدِهِ؛ إِذْ يَرِدُ النَّاسِي وَالنَّائِمُ وَالْمُسَافِرُ فإنْ قَالَ: يَسْقُطُ الْوُجُوب بِذلِكَ. قُلنا: وَيَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ (^١).\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"الوجوب\" في اللُّغة (^٢): \"الثبوت\"، ومنه الحديث: \"اللَّهُمَّ إِني أَسْألُكَ مُوجِبَاتِ\n_________\n(^١) لما فرغ من التقسيم - أراد أن يتكلم على ما يتعلق بكل واحدٍ من الأقسام كالواجب والحرام والمندوب المكروه والمباح، وما يتعلق بها من المسائل وغيرها.\nينظر: الشيرازي ١٠٠ ب/ خ.\n(^٢) ينظر مباحث الواجب في: البحر المحيط للزركشي ١/ ١٧٦، والبرهان لإمام الحرمين ١/ ٣٠٨، وسلاسل الذهب للزركشي ١١٤، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/ ٩١، والتمهيد للإسنوي ٥٨، ونهاية السول له ١/ ٣٧، وزوائد الأصول له ٢٣٢، ومنهاج العقول للبدخشي ١/ ٥٤، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ١٠، التحصيل من المحصول للأرموي ١/ ١٧٢، والمستصفى للغزالي ١/ ٢٧، وحاشية البناني ١/ ٨٨، والإبهاج لابن السبكي ١/ ٥١، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ١/ ١٣٥، حاشية العطار على جمع الجوامع ١/ ١١١ والمعتمد لأبي الحسين ١/ ٤، التحرير لابن الهمام ٢١٧، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ٢/ ١٨٥، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ١/ ٢٢٥، شرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ١٢٣، الموافقات للشاطبي ١/ ١٠٩، ١٣٣، ميزان الأصول للسمرقندي ١/ ١٢٨، الكوكب المنير للفتوحي ١٠٥.","vol":"1","page":491},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nرَحْمَتِكَ\" (^١)، \"والسقوط\"، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [سورة الحج: الآية ٣٦].\nوفي حديث أبي عبيدة (^٢) ومعاذ (^٣) \"إِنَّا نُحَذِّرُكَ يَوْمًا تَجِبُ فِيهِ القُلُوبُ\" فكأنه الشيء الذي سقط على المخاطب فلزم وأثقله، كما يسقط عليه الشيء، فلا يمكنه دفعه عن نفسه.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي ٢/ ٣٤٤ في كتاب أبواب الصلاة، باب ما جاء في صلاة الحاجة (٤٧٩) وقال: هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال؛ فائد بن عبد الرحمن يضعف في الحديث، وفائد هو \"أبو الورقاء\". وأخرجه ابن ماجه ١/ ٤٤١ في إقامة الصلاة، باب ما جاء في صلاة الحاجة (١٣٨٤).\nقلت: وفائد هذا تركوه واتهموه، قال ابن معين: ضعيف ليس بثقة، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو داود: ليس بشيء، وقال الحاكم: حديثه ليس بالقائم، وضعفه الساجي والعقيلي والدارقطني. ينظر تهذيب التهذيب ٨/ ٥٥، والتقريب ٢/ ١٠٧، والتاريخ الكبير للبخاري ٧/ ١٣٢، والصغير ٢/ ٧٦، ١٤٢، والجرح والتعديل ٧/ ٤٧٥، وميزان الذهبي ٣/ ٣٣٩، والمجروحين ٢/ ٢٠٣.\n(^٢) أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال الفهْري، أحد العشرة المبشرين، شهد بدرًا، وولي الشام، وافتتح \"اليرموك\" و\"الجابية\". و\"الرمادة\"، و\"دمشق\" صلحًا، وكتب لهم كتاب الصلح. قال فيه النبيّ ﷺ: \"أبو عبيدة أمين هذه الأمة\". روى عنه: جابر، وأبو أمامة، وعبد الرحمن بن غنم.\nوانفرد له مسلم بحديث. مات في طاعون \"عمواس\" سنة ١٨ هـ. ينظر: الإصابة ٣/ ٥٨٦، وتجريد أسماء الصحابة ١/ ٢٨٥، والاستيعاب ٢/ ٧٩٢، وتهذيب الكمال ٢/ ٦٤٥، وتهذيب التهذيب ٥/ ٧٣، والكاشف ٢/ ٥٦.\n(^٣) معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ - بمعجمة آخره - ابن عدي بن كعب بن عمرو بن آوى بن سعد بن علي بن أسد بن سارذة بن تريد - بمثناة - ابن جشم بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الرحمن المدني، أسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة، وشهد بدرًا والمشاهد، له مائة وسبعة وخمسون حديثًا، وعنه ابن عباس وابن عمر ومن التابعين عمرو بن ميمون وأبو مسلم الخولاني ومسروق وخلق، وكان ممن جمع القرآن. قال النبي ﷺ: \"يأتي معاذ يوم القيامة أمام العلماء\"، وقال ابن مسعود: كنا نشبهه بابراهيم ﵇، وكان أمة قانتًا لله حنيفًا ولم يك من المشركين. توفي في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة، وقبر بـ \"بيسان\"، قال ابن المسيب: عن ثلاث وثلاثين سنة، وبها رفع عيسى ﵇. ينظر ترجمته في: تهذيب التهذيب، ١٠/ ١٨٦ (٣٤٧)، وتقريب التهذيب: ٢/ ٢٥٥، وخلاصة تهذيب الكمال ٣/ ٣٥، وتاريخ البخاري الكبير: ٧/ ٣٥٩، وتاريخ البخاري الصغير: ١/ ٤١، ٤٧، ٤٩، ٥٢، ٥٣، ٥٤، ٥٨، ٦٦، ٧٣، ١٥٧، ١٧٦، والثقات: ٣/ ٣٦٨، وأسد الغابة، ٥/ ١٩٤، وتاريخ الإسلام: ٣/ ١٠٥، وشذرات: ١/ ٣٠، ٦٢، ٦٣، وطبقات الحفاظ: ٦، ٢٤، وتجريد أسماء الصحابة: ٢/ ٨٠، والاستيعاب: ٣/ ١٤٠٢.","vol":"1","page":492},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"وفي الاصطلاح ما تقدم\".\n\"الواجب الفعل المتعلّق للوجوب، كما تقدم\".\nوتعريفه بأنه \"ما يُعَاقب تاركه\". مردود بجواز العفو من الله تَعَالَى.\nوما أوعد (^١) بالعقاب على تركه.\nقال المصنّف: \"مردودٌ بصدق إيعاد الله\".\nولك أن تقول: قد يتجاوز الرّب ويعفو، ثم لا ينتفى الصّدق.\n\"وما يخاف\" العقاب على تركه، ردَّه إمام الحرمين بما يحسبه المرء واجبًا، فإنه يخاف العقاب عليه، وقد لا يكون كذلك.\nوهذا صحيح، فإِنَّ من اعتقد جهلًا صيام رجب، يخاف العقاب على تركه مع انتفاء الوجوب.\nوقد عبَّر المصنّف تبعًا للآمدي (^٢) عن هذا الرد بعبارة غير سَدِيدَةٍ، فقال: \"مردود بما يشك فيه\" أنه واجب، أو لا؛ إذ الخوف موجود مع عدم الوجوب.\nوالظاهر: أن المراد بهذه العبارة ما ذكره الإمام، ولكن فيها قصور. والاعتراض عليها لائح (^٣) ذلك منع وجود الخوف، وإن سلم فالخوف من قبل الوجوب.\nوإن قدر اختلاط الحلال بالحرام كما في امرأة اختلطت بأجنبيَّات محصورات فالحرمة متحققة، إلا أنها في واحدة بالذات، وفي الأخريات بمقدمة الواجب.\nوقال \"القاضي\": الواجب \"ما يُذمُّ تاركه شرعًا بوجهٍ ما\".\nوالمراد بالذمّ شرعًا: أنه واقع من قبل الشارع؛ إذ لا حكم إلَّا من الشرع.\n\"وقال بوجه ما\" كما ذكر في كتاب التقريب، \"ليدخل فيه الواجب الموسّع\".\nقال المصنّف: \"والكفاية\"؛ فإن التارك فيها لا يُذَمُّ مطلقًا، بل بوجه دون وجه ففي الموسّع إذا ترك في جميع الوقت، وفي الكفاية إذا لم يظن قيام غيره به، وكذا المخير إذا قلنا: كل واحد\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله: \"وما أوعد بالعقاب على تركه\" أي عرف بهذا ليندفع ما أورده على الأول من أنه يجوز العفو، فرد الجواب؛ فإن الإيعاد صدق، فالإشكال باق. عضد.\n(^٢) ينظر الإحكام ١/ ٩٢.\n(^٣) في أ، ج، ح: لا يخلو.","vol":"1","page":493},{"text":"وَ<span data-type='title' id=toc-403>الفَرْضُ وَالْوَاجِبُ مُتَرَادِفَانِ </span>والْحَنَفِيَّةُ: الفرْضُ الْمَقْطُوعُ بِهِ، وَالوَاجِبُ الْمَظْنُون.\n<hr><s0>\n\nواجب، فإنه يذم تاركه إذا ترك معه الآخر لا مطلقًا. وأما إذا قلنا: الواجب فيه واحد مبهم - كرأي المصنّف - فيذم تاركه بأي وجه فرض؛ فلذلك لم يذكره كغيره.\nولك أن تقول: كان ينبغي أيضًا ألَّا يذكر في فرض الكفاية إلا أن يحقق أن القاضي يقول: إنه على الجميع.\nوالقاضي لم يذكره في \"التقريب\" فلعلَّه يقول: إنه على البعض.\nواعلم أن القاضي بهذا القيد \"حافظ على عكسه\"، فلم يخرج من الحد (^١) ما هو المحدود، أعني: الموسع والكفاية \"فأخذ بِطَرْدِهِ\"، لدخول ما ليس من المحدود فيه، \"إذ يرد النَّاسي والنائم\"؛ حيث لا تجب عليهما الصلاة، \"والمسافر\"، حيث لا يجب عليه الصَّوم، ويذمون على تركه بوجه ما، وذلك عند انتفاص الأعذار، كما يذتم فرض الكفاية بتقدير ترك الجميع.\n\"فإن قال\" القاضي: لا نسلِّم أن هذه غير واجة، بل هي واجبة، وإنما \"يسقط الوجوب بذلك\" العُذْر - عذر السَّفَرِ، والنوم، والنسيان.\n\"قلنا\": كذلك في الكِفَايةِ \"يسقط\" الذم \"بفعل البَعْضِ\" الآخر.\nواعلم أن القاضي لا يقول ذلك؛ إذ صرَّح في \"التقريب\" بأنه لا وجوب على النائم والنَّاسي، ونحوهما حتى السَّكران، وأن المسافر يجب عليه صوم أحد الشهرين كالواجب المُخَيَّر سواء.\nوللقاضي الجواب بأن النَّائم لا يذم بوجه ما.\nقولكم: عند انتفاء العذر.\nقلنا: ليس هو - والحالة هذه - نائمًا، والكلام في النائم.\nالشرح: \"والفرض والواجب\" لفظان \"مترادفان\" وقالت \"الحنفيةُ: الفرض: المقطوع، والواجب: المظنون\". والخلاف لفظي (^٢).\n_________\n(^١) في ب: أحد.\n(^٢) والفرض في اللغة معناه: التقدير، ومنه قوله ﷾: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ أي قدرتم بالتسمية، ومنه قولهم: فرض القاضي النفقة فرضًا أي: قدرها وحكم بها. والفريضة فعيلة بمعنى مفعولة، والجمع فرائض، قيل: اشتقاقها من الفرض الذي هو التقدير؛ لأن الفرائض مقدرات.=","vol":"1","page":494},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوحكي القاضي في \"التقريب\" عن بعضهم أن الفرض ما ورد في القرآن، والواجب ما ورد في السُّنة، وهو فاسدٌ، ولفظي أيضًا.\n_________\n= وقيل: معناه القطع، ومنه قوله ﷾ على لسان الشيطان: ﴿وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أي مقتطعًا محدودًا معلومًا. وقيل: معناه: التأثير.\nوجاء في \"مختار الصحاح\": الفرض الحزُّ في الشيء، ومنه: فرضت الخشبة فرضًا من باب ضرب أي: حززتها. وقيل: معناه الإلزام. ومنه قوله ﷾: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ أي ألزمنا وأوجبنا العمل بها. ومنه: فرض الله الأحكام فرضًا أي أوجبها سميت بذلك؛ لأن لها معالمًا وحدودًا. فالفرض هو المفروض، وجمعه فروض، وقيل: معناه الإنزال ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ أي أنزل عليك القرآن، وهو ما قاله أكثر المفسرين، وقيل: معناه الحل، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ أي أحل له وأباحه له. ينظر: لسان العرب ٥/ ٣٣٨٧، ومختار الصحاح / ٤٩٨.\nتعريفه شرعًا:\nعرف الشافعية ومن وافقهم الفرض بتعريف الواجب؛ لأن الفرض والواجب عندهم مترادفان.\n\nتعريف الواجب شرعًا عند الحنفية:\nعرف علماء الأحناف الواجب شرعًا بتعريفات متعددة منها: تعريف صدر الشريعة: فقد عرفه صدر الشريعة بقوله: ما كان فعل أولى من تركه مع المنع من الترك بدليل ظني. أما تعريف الواجب عند الإمام النسفي: فقد عرفه الإمام النسفي في كتابه \"المنار في أصول الفقه\" بقوله: \"ما ثبت بدليل فيه\".\nوالواقع أن الخلاف بين الحنفية وغيرهم خلاف لفظي وليس حقيقيًا؛ لأنهم جميعًا متفقون على أن ما ثبت بدليل ظني لا يكون في قوة ما ثبت بدليل قطعي، وأن جاحد الأول لا يكفر بخلاف جاحد الثاني، كما أنهم متفقون على تفاوت مفهومي الفرض والواجب في اللغة. وإنما الخلاف بينهم في التسمية فقط، فنحن نقول: إن الفرض والواجب لفظان مترادفان اصطلاحًا نقلًا عن معناهما اللغوي إلى معنى واحد هو الفعل المطلوب طلبًا جازمًا، سواء ثبت ذلك بدليل قطعي أو ظني، والحنفية يخصون كلا منهما باسم خاص ويجعلونه اسمًا له، وهذا اصطلاحا ولا مشاحة في الاصطلاح. ومقتضى كون الخلاف لفظيًا ألا يكون له أثر في الفروع يترتب على الفرق بين الفرض والواجب، وهو كذلك. وما يظن من أن هذا الخلاف حقيقي؛ لأن له أثرًا ظهر في ترك قراءة الفاتحة في الصلاة حيث قيل بتأثيم التارك وعدم فساد صلاته إن أتى بقراءة غيرها، بخلاف تارك القراءة فيها أصلًا حيث قيل بتأثيمه وفساد صلاته - غير سديد لأن عدم الفساد عندهم ليس ناشئًا من التفرقة بين الفرض والواجب، وإنما هو ناشئ عن الدليل الذي دل المجتهد على الحكم، وهو ظنية الدليل الذي تسبب عنه أمران: التسمية بالواجب، وعدم الفساد، ولا يلزم من سببية شيء لأمرين أن يكون أحدهما سببًا=","vol":"1","page":495},{"text":"<span data-type='title' id=toc-404>الأَدَاءُ وَالْقَضَاءُ وَالإعَادةُ </span>(^١)\nالأَدَاءُ: مَا فُعِلَ فِي وَقْتِهِ المُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا أَوَّلًا، وَالْقَضَاءُ: مَا فُعِلَ ............................\n<hr><s0>\n\nواقتضت عبارة صاحب \"التنبيه\" في كتاب الحج (^٢): أن الفرض أعم من الواجب؛ إذ قال في \"باب فروض الحج والعمرة\": وذكر أركان الحج من واجباته، وهي مؤولة، فاعرف ذلك.\nونقل الرافعي عن زيادات العَبَّادي (^٣) أنه لو قال: الطلاق واجب عَلَيَّ، تطلق، أو فرض عليّ، لم تطلق. وليس افتراقًا بين حقيقتيهما (^٤)، وإنما هو ادعى أن العرف جرى بالواجب دون الفرض.\nالشرح: والعبادة المُؤَقَّتة تنقسم باعتبار فعلها في الوَقْتِ وخارجه إلى أداء، وقضاء، وإعادة.\n_________\n= للآخر، والذي كان في مقابلته الدليل القطعي الدال على فرضية مطلق القراءة الذي عدل عن الفاتحة إليها، فقيل بعدم الفساد عملًا بظنية دليل الفاتحة وقطعية دليل مطلق القراءة. ينظر: الإحكام للآمدي ١/ ٩٣ - ٩٤، والإبهاج ١/ ٥٢، ونهاية السول ١/ ٧٣، والتمهيد للإسنوي ص ٥٨، والمحصول ١/ ١/ ١١٧، والبرهان ١/ ٣٠٨، والمستصفى ١/ ٤٢، والمنتهى لابن الحاجب ص ٢٣، وكشف الأسرار ٢/ ٣٠٠، وأصول السرخسي ١/ ١١٠، والمنخول ص ٧٦، وفواتح الرحموت ١/ ٥٨، والعدة ١/ ١٦٢، ٢/ ٣٧٦، وشرح الكوكب المنير ١/ ٣٥١، وسلاسل الذهب ص ١١٤، والبحر المحيط ١/ ١٨١، وروضة الناظر ص ١٦، والحدود للباجي ص ٥٣، ومختصر ابن اللحام ص ٥٩، وميزان الأصول ١/ ١٢٨ - ١٢٩، وجمع الجوامع ١/ ٨٨ - ٨٦.\n(^١) ينظر مباحثها في: البحر المحيط للزركشي ١/ ٣٣٦، والإحكام للآمدي ١/ ١٠٣، والتمهيد للإسنوي ٦٣، ونهاية السول للإسنوي ١/ ١٠٩، ومنهاج العقول للبدخشي ١/ ٨٦، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ١٦ - ١٧، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ١٧٩، والمستصفى للغزالي ١/ ٩٥، وحاشية البناني ١/ ١٠٨، ١١١، والإبهاج لابن السبكي ١/ ٧٤، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ١/ ١٦٨ وما بعدها، وحاشية العطار على جمع الجوامع ١/ ١٥٠ وما بعدها، والتحرير لابن الهمام ٢٤٥، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ٢/ ١٩٨، وكشف الأسرار للنسفي ١/ ٦٤، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ١/ ٢٣٢، شرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ١/ ١٦٠، وشرح المنار لابن ملك ٣٢ - ٣٣، وميزان الأصول للسمرقندي ١/ ١٦٧، وشرح الكوكب المنير للفتوحي ١١٣، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٢/ ١٢٣.\n(^٢) ينظر: التنبيه ص ٤٨.\n(^٣) محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن عباد، القاضي أبو عاصم العبادي الهروي أحد أعيان الشافعية، تفقه على أبي منصور الأزدي، وأبي عمر البسطامي وأبي إسحاق الإسفراييني، وأبي=\n(^٤) في ت، ح: حقيقتها.","vol":"1","page":496},{"text":"بَعْدَ وَقْتِ الْأَدَاءِ اسْتِدْرَاكًا لِمَا سَبق لَهُ وُجُوبٌ مُطْلَقًا، أَخَّرَهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، تَمَكَّنَ مِن فِعْلِهِ كَالمُسَافِرِ، أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ؛ لِمَانِع مِنَ الْوُجُوبِ شَرْعًا، كَالْحَائِضِ، أَوْ عَقْلًا كَالنَّائِمِ، وَقيلَ: لِمَا سَبَقَ وُجُوبُهُ عَلَى الْمُسْتَدْركِ، فَفِعْلُ الْحَائِضِ وَالنَّائِمِ قَضَاءٌ عَلَى الأَوَّلِ لا الثانِي إِلَّا عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ. وَالإعَادَةُ مَا فُعِلَ فِي وَقْتِ الْأدَاء ثَانِيًا؛ لِخَللٍ. وَقيلَ: لِعُذْرٍ.\n<hr><s0>\n\nفأما \"الأداء\" فهو \"ما فعل في وقته المقدر له شرعًا أولًا\"، فخرج ما لم يقدر له وقت كالنَّوافل المُطْلقة، أو قدر لا بأصل الشرع، كمن يضيق عليه المُوَسّع لعارض ظنه الفوات إن لم يبادر، وما وقع في وقته المُقَدَّر له شرعًا، ولكن غير الوقت الذي قدر له أولًا. كالظهر وقتها الأول ما بين زوال الشَّمْس إلى صيرورة ظِلِّ كلّ شيء مثله، ووقتها الثاني إذا ذكرها بعد النِّسْيَان، لقوله ﷺ: \"مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةٍ أَو نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا\" (^٢) فإنَّ ذلك وقتها.\nوإذا أوقعها في الثاني لم يكن أداءً.\nوليس قوله: أولًا متعلقًا بقوله: فعل فيكون معناه: فعل أولًا لتخرج (^٣) الإعادة؛ لأن الإعادة\n_________\n= طاهر الزيادي، ثم صار إمامًا دقيق النظر، وصنف كتاب المحيط، والهادي، والمياه، والأطعمة.\nأخذ عنه أبو سعد الهروي، وابنه أبو الحسن العبادي وغيرهما. مات سنة ٤٥٨. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٢٣٢، وطبقات الإسنوي ص ٣١٥ وطبقات السبكي ٣/ ٤٢ والأعلام ٦/ ٢٠٦، ووفيات الأعيان ٣/ ٣٥١، وشذرات الذهب ٣/ ٣٠٦، والعبر للذهبي ٣/ ٢٤٣.\n(^٢) متفق عليه من رواية أنس: أخرجه البخاري ٢/ ٧٠ في مواقيت الصلاة، باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها حديث (٣٩٧)، وأخرجه مسلم ١/ ٤٧٧ في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة (٣١٥/ ٦٨٤)، (٣١١/ ٦٨١)، وأيضًا من حديث أبي هريرة ١/ ٤٧١ في المساجد حديث (٣٠٩/ ٦٨٠) من حديث أنس، وأخرجه أبو داود في السنن ١/ ١٢١ في الصلاة، باب من نام عن صلاةٍ، حديث (٤٤٢) و(٤٣٥) والنسائي ١/ ٢٩٣ في الصلاة، باب فيمن نسي صلاة حديث (٦١٣، ٦١٤، ٦١٥) وأخرجه الترمذي ١/ ٣٣٥ في أبواب الصلاة، باب ما جاء في الرجل ينسى الصلاة (١٧٨) وقال: حسن صحيح، وأخرجه الدارمي ١/ ٢٨٠ في كتاب الصلاة، باب من نام عن صلاة أو نسيها، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٦٤، وأخرجه أبو عوانة في مسنده ١/ ٣٨٥، وابن ماجه في السنن ١/ ٢٢٧ في كتاب الصلاة، باب من نام عن الصلاة … حديث (٦٩٥، ٦٩٦، ٦٩٧)، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٤١٧ في الصلاة، باب لا تفريط على من نام عن صلاة أو نسيها.\n(^٣) في أ، ت، ج، ح: ليخرج.","vol":"1","page":497},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقسم من الأداء في مصطلح الأكثرين، وعليه جرى الآمدي.\n\"والقضاء\" اختلف فيه، والمختار أنه \"ما فعل بعد وقت الأداء استدراكًا لما سبق له وجوب مطلقًا\" أي: سواء كان الوجوب على المستدرك أم غيره، وسواء \"أخره عمدًا أم سهوًا\" وسواء \"تمكن\" المستدرك \"من فعله\" في وقته \"كالمسافر\" إذا ترك الصوم، \"أو لم يتمكن لمانع من الوجوب\".\nإما \"شرعًا كالحائض\" في الصوم، إذا لم نقل بوجوب الصَّوم عليها في زمن الحيض، وهو رأي الأصوليين، \"أو عقلًا كالنّائم، في الصلاة.\n\"وقيل\": ما فعل بعد وقت الأداء استدراكًا \"لما سبق وجوبه على المستدرك\".\nوهذا أخص من الأول، ويظهر الفَرْقُ بينهما في الحَائِضِ والنائم، \"ففعل الحائض\" بعد انصرام الحَيْض، \"والنّائم\" بعد الانتباه \"قضاء على الأول\"؛ إذ هو استدراك لما سبق له وجوب مطلقًا، \"لا الثاني إلا في قول ضعيف\"، وهو قول من يقول بوجوب الصوم على الحائض.\nوقد قال الشيخ أبو إسحاق: إن الخلافَ في الوجوب على الحائض لفظي.\nوذكرنا في \"شرح المنهاج\" (^١): أن منهم من بنى عليه وجوب التعرّض للأداء، والقضاء في النِّيَّة، وينبغي أن تبدل لفظة \"الوجوب\" في التعريفين بالمشروعية، فيقال: ما سبقت له مشروعية (^٢)، ليشمل النّوَافل المؤقَّتة، فإنَّ أصح أقوال الشافعي أنها تقضي.\n\"والإعادة: ما فعل في وقت الأداء ثانيًا لِخَلَل في الأول\"، من فقدان رُكْن أو شرط، كذا صرح به القاضي أبو بكر.\n\"وقيل\": في وقت الأداء ثانيًا \"لعذر\"، فعلى الأول صلاة من أدَّى منفردًا، ثم أعاد في جماعة لا يكون إعادة، وعلى الثاني يكون؛ إذ وجد أن الجماعة عُذْر.\nوكذا يتخرّج من صَلَّى ولو في جماعة، ثم رأى من يصلي تلك الصَّلاة الفريضة وحده، فإنه يستحبّ له أن يصليها معه لتحصل (^٣) له فضيلةُ الجَمَاعَةِ (^٤).\nومن صلّى في جماعة ثم أدرك جماعة أخرى، يستحبّ له الإعادة على الصحيح، سواء\n_________\n(^١) ينظر الإبهاج ١/ ٧٧.\n(^٢) في أ: مشروعيته.\n(^٣) في ج، ح: ليحصل.\n(^٤) ينظر شرح السنة ٢/ ٤١٩.","vol":"1","page":498},{"text":"<span data-type='title' id=toc-405>الْوَاجِبُ عَلَى الكِفَايةِ </span>(^١)\n<span data-type='title' id=toc-407>مَسْألةٌ:\nالْوَاجِبُ عَلَى الْكِفَايةِ </span>عَلَى الْجَمِيعِ، وَيَسْقُطُ بِالْبَعْضِ. لنَا إِثْم ...........................\n<hr><s0>\n\nاشتملت الجماعةُ الثانية على زيادة فضيلة من كون الإمام أعلم، أو أورع، أو الجمع أكثر، أو المكان أشرف، أو لا، وسَمَّاها الفقهاء إعادة (^٢).\nوقد يقال: لا عُذْرَ إذا استوت الجَمَاعَتَانِ من كل وجه، ويكون (^٣) على هذا الإعادة ما فعل في وقت الأداء ثانيًا مطلقًا، وهو المُخْتَار، في تعريفها، وقد يقال: وجدان جماعة أخرى عذر.\n\n\"فرعٌ\"\nقال القاضي الحُسَين (^٤): إذا شرع في الصَّلاة ثم أفسدها، ثم صَلّاها في وقتها كانت قضاء، وتبعه غيره على ذلك، ومأخذه: أنها تضيقت عليه بالشروع (^٥).\nوهو ضعيف، لأن التضييق بالشروع بفعله لا بأمر الشرع، والنظر في القضاء والأداء إلى أمر الشرع، لا إلى فعله كما عرفت (^٦).\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"الوَاجِبُ عَلَى الكِفَايةِ\".\n_________\n(^١) ينظر: العضد ١/ ٢٣٤، والمستصفى ٢/ ١٤، وحاشية البناني ١/ ١٨٢، وشرح الكوكب المنير ١/ ٣٧٦، وتيسير التحرير ٢/ ٢١٤، وفواتح الرحموت ١/ ٦٦، والإبهاج ١/ ١٠٠، والإحكام للآمدي ١/ ٩٤، والتمهيد للإسنوي ص ٧٤، ونهاية السول ١/ ٧٦، والبحر المحيط ١/ ٢٤٢.\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) في ب: وتكون.\n(^٤) الحسين بن محمد بن أحمد القاضي، أبو علي المروزي، أخذ عن القفال، وهو والشيخ أبو علي أنجب تلامذة القفال، وأوسعهم في الفقه دائرة، وأشهرهم فيه اسمًا، وأكثرهم له تحقيقًا، وكان فقيه خراسان، وكان عصره تاريخًا به. قال الرافعي: وكان يلقب بـ: حبر الأمة. قال النووي في تهذيبه: وله التعليق الكبير، وما أجزل فوائده. مات سنة ٤٦٢. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٢٤٤، وطبقات السبكي ٣/ ١٥٥، ومرآة الجنان ٣/ ٨٥، والأعلام ٢/ ٢٧٨، ووفيات الأعيان ١/ ٤٠٠، وشذرات الذهب ٣/ ٣١٠.\n(^٥) ينظر التعليقة للقاضي حسين، فهو بتحقيقنا تحت الطبع.\n(^٦) في ت: فرعت، وهو تحريف.","vol":"1","page":499},{"text":"الْجَمِيعِ بِالتَّرْكِ بِاتِّفَاقٍ. قَالُوا: يَسْقُطُ بِالْبَعْضِ. قُلْنَا: اسْتِبعَادٌ.\n<hr><s0>\n\nقال الغَزَّالي: وهو مهم ديني يقصد الشرع حصوله، ولا يقصد به عين مَنْ يَتَوَلَّاهُ (^١).\nواجب \"على الجميع، ويسقط بالبعض\" عند الجمهور، ومنهم المصنّف، وأبي رحمه الله تعالى.\nوقيل: على البعض - وهو المُخْتَار.\nويعبَّر عنه بأنه غير واجبٍ على واحدٍ بعينه إلَّا بشرط ألَّا يقوم به غيره.\n[قال ابنُ السَّمْعَاني: فيكون على الأول فرضًا إلا أن يقوم به] (^٢) الغير [فيسقط، وعلى الثاني ليس بفرض إلَّا ألَّا يقوم به الغير] (^٣) فيجب، ومَدَاره على الظنون، فإن ظن قيام غيره به سقط، أو عدم قيامه لم يسقط (^٤).\n\"لنا: إثم الجميع بالترك باتِّفَاق\"، ولو لم يتعلّق بالكُلّ لما أثموا.\nولك أن تقول: إنما أثموا لوقوع تفويت المقصد الشرعي، ولم يأثم الكل، لكونهم تركوا.\nوعند هذا نقول: الدليل لنا لا لكم؛ إذ نقول: لو وجب على الجميع لأثموا بتركهم إياه، وليس كذلك، وإنما يأثمون بعدم وقوعه في الخارج، لا بعدم (^٥) إيقاعهم إياه.\nفإن قلت: كيف يأثمون على ما ليس من فعلهم؟\nقلت: هم مكلفون بوقوع هذا الفعل في الخارج، سواء كان وقوعه منهم أم من غيرهم، وذلك مقدور لهم بتحصيلهم بأنفسهم أو بغيرهم.\n_________\n(^١) فخرج بالقيد الأخير فرض العين، ومعنى هذا أن المقصود من فرض الكفاية وقوع الفعل من غير نظر إلى فاعله، بخلاف فرض العين؛ فإن المقصود منه الفاعل، وجعله بطريق الأصالة لكن الحق: أن فرض الكفاية لا ينقطع النظر عن فاعله بدليل الثواب والعقاب. نعم ليس الفاعل فيه مقصودًا بالذات بل بالعرض؛ إذ لا بد لكل فعل من فاعل، والقصد بالذات وقوع الفعل. وقوله: \"ديني\" بناه على رأيه أن الحرف والصناعات وما به قوام المعاش ليس من فرض الكفاية كما صرح به في \"الوسيط\" تبعًا لإمامه، لكن الصحيح: خلافه، ولهذا لو تركوه أثموا. وما حرم تركه وجب فعله. ينظر: البحر المحيط ١/ ٢٤٢، والمستصفى ٢/ ١٤.\n(^٢) سقط في ح.\n(^٣) سقط في ت، ج، ح.\n(^٤) ينظر: البحر المحيط ١/ ٢٤٥.\n(^٥) في ت: بعد.","vol":"1","page":500},{"text":"قَالُوا: كَمَا أُمِرَ بِوَاحِدٍ مُبْهَمٍ أَمْرُ بَعْضٍ مُبْهَمٌ. قُلْنَا: إِثْمُ وَاحِدٍ مُبْهَمٍ لا يُعْقَلُ قَالُوا: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٢٢]. قُلْنَا: يَجِبُ تَأْوِيلُهُ عَلَى الْمُسْقِطِ؛ جَمْعًا بَيْنَ الأَدِلَّةِ.\n<hr><s0>\n\nوالقائلون بما اخترناه \"قالوا: سقط بالبعض\"، ولو وجب على الكُلّ لما كان كذلك؛ إِذ يستبعد سقوط الواجب على المكلف بفعل غيره.\n\"قلنا: استبعاد\" لا يقتضي الامْتِنَاع (^١).\nالشرح: \"قالوا: كما أمر بواحد مبهم\" في خصال الكَفَّارة، \"أمر بعض مبهم\".\nقال: \"قلنا: إِثم واحد مبهم لا يعقل\"، بخلاف الإِثم بترك واحد مبهم (^٢).\nولك أن تقول: نحن لا نؤثم [مبهمًا] (^٣)، وإِنما نؤثم الكل، ولا يمتنع كما قَدَّمناه.\n\"قالوا: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٢٢] \". دليل على أن فرض الكفاية غير معيّن؛ إِذ طلب التفقُّه - وهو من فروض الكِفَايةِ من طائفة وهي غير معينة.\nقال: \"قلنا\": الطَّائفة كما يحتمل أن يكونوا الذين أوجب عليهم طلب التفقُّه، يحتمل أن يكونوا هم الذين يسقطون الوجوب بالمُبَاشرة من الجميع، وحينئذٍ \"يجب تأويله على المسقط\" - وإِن كان مرجوحًا - \"جمعًا بين الأدلَّة\".\nولك أن تقول: أي أدلة ذكرت؟ وليس إِسقاطهم عن غيرهم بفعلهم أولى من تأثيم غيرهم بتركهم، ومما يدلّ على ما اخترناه قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٠٤]، وقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة النور: الآية ٢].\n\n\"خاتمة\"\nالأفعال قسمان: ما يتكرر مصلحته بتكرره، فهو على الأعيان وكالظّهر مثلًا، مصلحتها الخضوع، وهو يتكرر بتكررها، وما لا يتكرر وهو فرض الكفاية، كإِنقاذ الغَرِيقِ، وكِسْوَةِ العاري، ونحوه.\n_________\n(^١) في حاشية ج: ولا مانع من سقوط الواجب على الجميع بفعل البعض إِذا حصل الغرض، كما يسقط ما في ذمة زيد بأداء عمرو عنه.\n(^٢) في ج: مبهم.\n(^٣) في ب، ت، ح: منها.","vol":"1","page":501},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفإِن قلت: الجديد فيمن صلى ثم أعاد في جماعة أن الأولى للفرض، والقديم إِحداهما لا بعينها، وفي وجه هما جميعًا يقعان على الفرض، ومقتضى ما فرقت به بين هذين الفرعين أن يكون هذا الوجه هو الأصح؛ لأن مصلحة الخضوع تتكرَّرُ بتكرُّرِ الفعل.\nقلت: المرادُ تعدد الفاعلين لا تَكْرَار أفعالهم، وإلا لوجبت الإِعادةُ على المصلي، ولا يتناهى ذلك، بل إِذا أعاد كان حسنًا، وقد يوصف فعله بالفريضة، ولاشتماله على المصلحة الَّتي من أجلها جعل أصل الفعل فرضًا، وقد لا يوصف، لعدم العقاب على تركه، وقائل هذا الوجه لم يقل: إِنها فرض، بل [قال: يقع] (^١) عن الفرض: (^٢) ولا بعد فيه، لما ذكرنا.\nومن هنا يعلم أنَّ المقصود في فرض العَيْنِ الفاعلون وأفعالهم بطريق الأصالة، وفي فرض الكِفَايَةِ الفرض: وقوع الفِعْلِ من غير نظر إِلى فاعله، وهذا معنى قول الغزالي: إِنه كلّ مهم (^٣) ديني يراد حصوله، ولا يقصد عَيْن من يَتَوَلَّاه، كما قدمناه عنه. وبهذا يترجّح عندك أنه لا يجب على الكلِّ؛ لأن الفاعلين لا نظر إِليهم فيه بالذات.\nبل [لضرورة] (^٤) الواقع؛ إِذ لا يقع الفعل إِلا من فاعل، فما بالُنا نجعله متعلقًا بالكلّ ولا ضرورة تدعو إِلى ذلك، وملاقاة الوجوب للبعض مُمْكنة بالمعنى الذي أسلفناه.\nولو أن غريقًا قذفه الحوت إِلى شاطئ البحر فيحيا، أو جائعًا قدر الله له الشبع بدون أكل، فيحتمل أن يقال: بالتأثيم؛ لعصيان الكُلّ بالجرأة على الله تعالى.\nوالأظهر: أنه لا يأثم أحدٌ لحصول (^٥) المقصود.\nفإِن قلت: كيف يستحبّون صلاة الجَنَازَةِ لمن لم يصلّها مع حصول الفرض بالصلاة أولًا.\nقلت: الفرض بالذات من صلاة الجَنَازَةِ انتفاع المَيّت والدعاء سبب، فما لم يتحقق الانتفاع يستحبّ الصلاة؛ إِذ يحتمل أن الله لم يستجب دعاء الأولين، وإِنما لم [توجب] (^٦) إِعادة الصَّلاة لئلا [يوجب] (^٧) ما لا يتناهى، إِذ لسنا على يَقِينٍ من الاستجابة في واحدة من الصلوات، وأيضًا فالاستجابة ليست في قدرتنا، والتوصُّل إِليها مرة واجب، وبما زاد [مستحب] (^٨).\n_________\n(^١) سقط في أ.\n(^٢) في ب، ح: الغرض.\n(^٣) في ح: منهم، وفي ج: فهم.\n(^٤) في ح: للضرورة.\n(^٥) في أ: بحصول.\n(^٦) في أ، ح: يوجب، وفي ج: نوجب.\n(^٧) في ج: نوجب.\n(^٨) في ج: لا نجب.","vol":"1","page":502},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفإِن قلت: قد قال الأصحابُ: إِنَّ صلاةَ الطَّائفة الثَّانية تقع (^١) فرضًا مع سقوط الحرج والإِثم بالأول، فكيف يكون فرضًا مع جواز تركها؟.\nقلت: فرض الكفاية قسمان:\nما يحصل تمام المقصود منه أولًا، ولا يقبل الزيادة، كإِنقاذ الغريق، فهذا إِذا وقع فعله لا يتصور وقوعه ثانيًا.\nوما تتجدد (^٢) به مصلحة بتكرُّر الفاعلين، كالاشتغال بالعلم وصلاة الجنازة، وهذا كلّ من أوقعه وقع فرضًا.\nفإِن قلت: ردّ السَّلام فرض كفاية، وقد قال الأصحاب: لو سلَّمَ على جماعة فأجاب الجميع كانوا كلهم مؤدِّين للفرض، سواء أجابوا معًا، أم على التعاقب، ومقتضى ما يقولون إِن الفرضَ فيما إِذا أجابوا على التَّعَاقُبِ الأولِ؛ لحصول تمام المقصودية.\nقلت: المقصود الذي من أجله شرع أصل السَّلام إِلقاء المَوَدَّة بين المسلمين على ما قال ﷺ: \"أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْء إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ قَالُوا: نعم. قال (^٣): أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ\" (^٤) والمودةُ لا تحصل إِلا بين المجيب والمبتدي، دون السَّاكت؛ ولذلك يستحبّ للثَّاني الجواب، فإِذا أجاب وقع فرضًا، كما قلناه.\n\n\"فائدة\"\nفرضُ الكفاية منزلةٌ بين منزلتين: فرض العَيْنِ، والسُّنة، [وهو] يضاهي فرض العَيْنِ من جِهَةِ وجوبه، والسُّنة من جهة جواز تركه عند فعل الغَيْر، ولربما وقع خلاف في صورة، ومثاره من\n_________\n(^١) في أ، ج، ح: يقع.\n(^٢) في ج: يتجدد.\n(^٣) في ح: قالوا.\n(^٤) من حديث أبي هريرة. أخرجه مسلم ١/ ٧٤ في كتاب الإِيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إِلا المؤمنون .... (٩٣/ ٥٤). وأخرجه معمر في جامعه ١٠/ ٣٨٥، باب إِفشاء السَّلام (١٩٤٣٨)، وأخرجه من رواية الزبير بن العوام أحمد في المسند ١/ ١٦٧، والترمذي ٤/ ٦٦٤ في كتاب صفة القيامة (٢٥١٠)، ذكره الهيثمي في كشف الأستار ٢/ ٤١٨ في كتاب الأدب: عقب باب فضل السَّلام (٢٠٠٢)، وذكره الهندي في الكنز وعزاه للضياء المقدسي، وأخرجه البزار (٢٠٠٢) من حديث عبد الله بن الزبير.","vol":"1","page":503},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nهذا، كما تقول: لا يؤدّي بالتيمُّم (^١) فريضتان. ويؤدّي نافلتان، وهل يجمع بين فريضةٍ، وصلاة جنازةٍ، أو صلاتي جنازة.\nأصح القولين: الجواز، والخلاف جارٍ في أنَّه هل يصلي على جنازتين صلاةً واحدة بتيممٍ\n_________\n(^١) التيمم في \"لسان العرب\": القصد يقال: تيممت فلانًا، ويممته، وأممته، وتأممته. أي: قصدته - والأولان منها مصدرهما تيمما، ومصدر الثالث تأميما -، ومصدر الرابع تأمما. وأممته بوزن قصدته - وفي المختار: أمَّه من باب ردّ، وأمّمه تأميمًا - وتأمَّمه إِذا قصده اهـ. وهو يفيد أنه بالتشديد، وقال بعضهم: أمَّمْته بتشديد الميم لا بتخفيفها، كما في المختار والمصباح وغيرهما - وأما أمَمْته مخففًا، فمعناه ضربت أُمَّ رأسه. قال في \"المُغرب\": أممته بالعصا أممًا من باب طلب: إِذا ضربت أم رأسه، وهي الجلدة الَّتي تجمع الدماغ. وقال في \"القاموس\": أمه قصده كأتمه وأمّمه. وتأممه. ويممه. وتيممه، والتيمم: أصله التأمم، فمعناه القصد قال الله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، أي اقصدوه، وقال: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾، أي: لا تقصدوه. وقال: امرؤ القيس في رواية: [الطويل]\nتَيَمَّمْتُها مِنْ أَذْرِعاتَ وَأَهْلُها … بِيَثرِبَ أَعْلَى دَارِهَا نَظَرٌ عَالِي\nأي: قصدتها - وقال أيضًا: [الطويل]\nتَيَمَّمَتِ الْعَيْنَ الَّتِي عِنْدَ ضَارجٍ … يَفِيءُ عَلَيْهَا الظِّلُّ عَرْمَضُهَا طَامِي\nأي: قصدت. وقال الشاعر: [الوافر]\nفَلا أَدْرِي إِذَا يَمَّمْتُ أَرْضًا … أُرِيدُ الخَيْرَ أَيُّهُما يَلِينِي\nأي: قصدتها. وقال البوصيري: [البسيط]\nيَا خَيْرَ مَنْ يَمَّمَ العَافُونْ سَاحَتَهُ … سَعْيًا وَفَوْقَ مُتُونِ الأيْنُقِ الرُّسُمِ\nأي: قصد ويقال: تأمَّم. العطف والعدالة من عالم، ولا تأْمَّمها من جاهل، أي: اقصد، ولا تقصد.\nواصطلاحًا:\nعرفه الحنفية بأنه: قصد الصعيد الطاهر واستعماله بصفة مخصوصة لإِقامة القربة.\nوعرفة الشَّافعية بأنه: إيصال تراب إِلى الوجه واليدين بشروط مخصوصة.\nوعرفه المالكية بأنه: طهارة ترابية تشتمل على مسح الوجه واليدين بنيَّة.\nوعرفه الحنابلة بأنه: عبارة عن قصد شيء مخصوص على وجه مخصوص. ينظر لسان العرب: ٦/ ٤٩٦٦، وترتيب القاموس ٤/ ٦٨١، والصحاح ٥/ ٢٠٦٤، والاختيار ١/ ٢٠، وفتح الوهاب: ١/ ٢١، ومغني المحتاج: ١/ ٨٧، وحاشية الدسوقي: ١/ ١٤٧، والمبدع: ١/ ٢٠٥.","vol":"1","page":504},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nواحدٍ؟ وهل يقصد في صلاة الجَنَازة؟ وفرض العَيْن يلزم بالشروع، دون النفل؟ وفي فرض الكفاية خلاف.\nقال الجُمْهُور: يجب إِتمام صلاة الجَنَازَةِ بالشُّروع.\nوقال الغَزَّالِي: [الأصح] (^١) أن العلم وسائر فروض الكفايات تجب (^٢) بالشروع (^٣).\nقلت: ويظهر أن يفرق بين صلاة الجَنَازَةِ والعلم، [وبين] (^٤) ترك فرض عَيْن أجبر، بخلاف النفل.\nوفي فرض الكِفَايَةِ خلاف جار في القاضي (^٥)، وكفالة اللَّقيط، وغيرهما، والصحيح الإجبار (^٦) وفي كتابنا \"الأشباه والنظائر\" صور أخر (^٧).\n\n\"فائدة\"\nقال الشيخ أبو محمد وولده إِمام الحرمين، والأستاذ أبو إِسحاق: فرضُ الكفايةِ أفضلُ من فرضِ العينِ (^٨).\n_________\n(^١) في أ، ب، ح: الأصلح.\n(^٢) في ح: يجب.\n(^٣) ينظر: المستصفى ٢/ ٦، والمحصول ١/ ٢/ ٣١٠، ومنتهى السول ص ٢٤، والإِبهاج ١/ ١٠٠، وتيسير التحرير ٢/ ٢١٣، والموافقات للشاطبي ١/ ١٧٦، وشرح التنقيح ص ١٥٥. ونشر البنود ١/ ١٩٢، والمعتمد ١/ ١٤٩، والبحر المحيط ١/ ٢٥٠، والأشباه والنظائر لابن السبكي ١/ ٩٠.\n(^٤) في أ، ج، ح: من.\n(^٥) في ج: القضاء.\n(^٦) في ب، ج: الإِخبار.\n(^٧) تنظر هذه الصور في الأشباه والنظائر ١/ ٩٠.\n(^٨) قيل: القيام بفرض الكفاية أولى من القيام بفرض العين؛ لأنه يسقط فيها الفرض عن نفسه وعن غيره، وفي فرض العين يسقط الفرض عن نفسه فقط. حكاه الأستاذ أبو إِسحاق الإِسفراييني في \"شرح كتاب الترتيب\" وجزم به الشيخ أبو محمد الجويني في كتابه \"المحيط بمذهب الشَّافعي\" وكذلك ولده إِمام الحرمين في كتابه \"الغياثي\"، وهو ظاهر على القول بوجوب الكفاية على البعض، ووهم بعضهم فحكى عمن ذكر أن فرض الكفاية أفضل من فرض العين، وهو غلط؛ فإِن كلامهم إِنما هو في القيام بهذا الجنس أفضل من ذلك، ثم عبارة الجويني: وللقائم به مزية، ولا يلزم من المزية الأفضلية. على أن الشَّافعي نص ما ينازع في ذلك، ففي \"الأم\": إِن قطع الطواف المفروض =","vol":"1","page":505},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-411>\"فائدة\"\n[نسبةُ] (^١) سُنَّة الكفاية من سُنَّة العَيْن نسبة فرض الكفاية من فرض العَيْن </span>(^٢)، وقد زعم فخر الإِسْلام [الشَّاشِي] (^٣) أنه ليس لنا سُنَّة على الكِفَايةِ إِلا الابتداء بالسَّلام وليس كذلك، فمن سُنَنِ الكفاية تشميت العَاطِسِ، والتسمية على الأكل. والأذان والإِقامة، وما يفعل بالميت، وما ندب إِليه، والشَّاة الواحدة إِذا ضحى بها واحد من أهل البيت، تأدَّى [الشّعَار] (^٤).\n_________\n= لصلاة الجنازة أو الرواتب مكروه، إِذ لا يحسن ترك فرض العين لفرض الكفاية، وجرى عليه الأصحاب، ومنهم الرافعي في بابه.\nوقال الغزالي في \"الإِحياء\" في شروط الاشتغال بعلم الخلاف: ألَّا يشتغل به وهو من فروض الكفايات من لم يتفرغ عن فروض الأعيان. قال: ومن عليه فرض عين فاشتغل بفرض الكفاية وزعم أن مقصوده الحق فهو كذاب، ومثاله: من ترك الصلاة في نفسه وتبحّرَ في تحصيل الثياب ونسجها قصدًا لستر العورات. اهـ. وبتقدير تسليمه فكان بعض مشايخنا يخصصه بمن سبق إِليه أوّلًا. أما من فعله ثانيًا فلا يكون في حقه أفضل من فرض العين؛ لأن السقوط حصل بالأول، وإِن كنا نسمي فعل الآخرين فرضًا على رأي.\nوقال الشيخ كمال الدين الزَّمَلْكَاني. ما ذكر من تفضيل فرض الكفاية على فرض العين محمول على ما إِذا تعارضا في حق شخص واحد، ولا يكون ذلك إِلا عند تعينها وحينئذ هما فرضا عين، وما يسقط الحرج عنه وعن غيره أولى، وأما إِذا لم يتعارضا وكان فرض العين متعلقًا بشخص، وفرض الكفاية له من يقوم به ففرض العين أولى.\n(^١) في أ، ت، ج: شبه.\n(^٢) المشهور وقوع سنة الكفاية، وخالف في ذلك الشاشي وقال في كتابه \"المعتمد\" في صلاة الجمعة ما نصه: لم نر في أصول الشَّرع سنة على الكفاية بحال، والسنن معلومة ويخالف الفرض حيث انقسم إِلى عين وكفاية، فإِن في الكفاية فائدة، وهي السقوط بفعل البعض على الباقين، والسنة لا يظهر لها أثر من كونها على الكفاية؛ لأنها لا إِثم في تركها فتسقط كمن ترك بفعل من فعل، وإِنما هي ثواب يحصل له بالسلام مثلًا، ولا يجوز أن يحصل له ثواب بفعل غيره من غير فعل يوجد من جهة تساويه؛ ألا ترى أنه إِذا دخل المسجد جماعة سن لهم تحية المسجد، ولا تسقط سنة التحية في حق بعضهم بفعل البعض؟ وهذا لأن فرض الكفاية موجه على الجماعة احتياطًا؛ ليحصل ذلك الفرض، فإِذا فعل بعضهم فقد حصل المقصود وسقط عن الباقين، والسنة إِنما أمر بها استحبابًا لحظ المأمور من تحصيل الثواب له، فلا يحصل له ثواب بما لا كسب له فيه. ينظر: البحر المحيط ١/ ٢٩١ - ٢٩٢.\n(^٣) في ب: السادس.\n(^٤) في ج: الشعائر.","vol":"1","page":506},{"text":"<span data-type='title' id=toc-412>الْأَمْرُ بِوَاحِدٍ مُبْهَمٍ \"الْوَاجِبُ الْمُخَيَّرُ\"</span> (^١)\nمَسْأَلةٌ:\nالْأَمْرُ بِوَاحِدٍ مِنْ أَشْيَاءَ كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ مُسْتَقِيمٌ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ: الْجَمِيعُ وَاجِبٌ. وَبَعْضُهُمُ الْوَاجِبُ مَا يُفْعَلُ. وَبَعْضُهُمُ الْوَاجِبُ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ، وَيَسْقُطُ بِهِ وَبِالآخَرِ.\n<hr><s0>\n\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"الأمر بواحد مبهم من \"أشياء\" معيّنة\"، \"كَخِصَالِ الكَفَّارة\"، وما هو على التخيير من كفَّارات الحج \"مستقيم\" عند علمائنا، ويعرف بـ \"الواجب المُخَيّر\" عند جميع الطَّوائف.\n\"وقال بعضُ المعتزلةِ: الجميعُ واجبٌ\"، ويسقط بواحد.\nومأخذ الخلاف بيننا وبينهم الحُسْن والقُبْح.\nقالوا: إِيجاب مبهم (^٢) يمنع حسنه الخاص به، فلو كان واحد من الثلاثة واجبًا، واثنان\n_________\n(^١) ينقسم الواجب باعتبار ذاته، أي باعتبار نفس الفعل الذي تعلق به الوجوب إِلى واجب معين وإِلى واجب مخير، وذلك لأن الوجوب - وهو أحد الأحكام الخمسة الَّتي تقع صفة لفعل المكلف عند الجمهور - لا يتعلق إِلا بفعل معين من كلّ وجه، أو بفعل مبهم من وجه معين من وجه آخر، ولا يجوز باتفاق العلماء أن يتعلق بفعل مبهم من كلّ وجه؛ إِذ لا فائدة في التكليف به، ضرورة أنه لا يصح القصد إِلى المجهول المطلق، فتعلق الوجوب بأمر مبهم من كلّ وجه غير واقع؛ لأنه تكليف بالمحال، وهو باطل، كما أن من شروط التكليف علم المكلف بما كلف به، بخلاف إِيجاب أمر مبهم من أمور معلومة فإِنه صحيح وواقع.\nوالواجب المعين: هو ما ألزمنا الشارع به بذاته، بحيث لا يجوز تركه، ولا يجوز استبداله بغيره، بل لا بُدَّ من الإِتيان به، وفعله بذاته، وينظر مباحثه في: الإِحكام للآمدي ١/ ١٩٤، والبرهان ١/ ٢٦٨، والمحصول ١/ ٢/ ٢٦٦، والإِبهاج ١/ ٨٤، والتمهيد للإِسنوي ص ٧٩، ونهاية السول ١/ ١٣٢، والمختصر لابن اللحام ص ٦١، والتبصرة ص ٧٠ والمستصفى ١/ ٤٣، ومنتهى الوصول ص ٢٤، والمعتمد ١/ ٨٧، والتحصيل ١/ ٣٠٢، والبحر المحيط ١/ ١٨٦، وروضة الناظر ص ١٧، والمسودة ص ٢٧، وشرح التنقيح ص ١٥٢، وتيسير التحرير ٢/ ٢١٢، وفواتح الرحموت ١/ ٦٨، والعدة ١/ ٣٠٢، ومفتاح الوصول للتلمساني ص ٣٠، واللمع ص ٩، وجمع الجوامع ١/ ١٧٥، والقواعد والفوائد ص ٦٥.\n(^٢) في ب: منهم.","vol":"1","page":507},{"text":"لَنَا: الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ؛ وَالنَّصُّ دَلَّ عَلَيْهِ، وَأَيْضًا وُجُوبُ تزوِيجِ أَحَدِ الْخَاطِبَيْنِ، وإِعْتَاقِ وَاحِدٍ مِنَ الْجِنْسِ، فَلَوْ كَانَ التَّخْيِيرُ يُوجِبُ الْجَمِيعَ، لَوَجَبَ تَزْوِيجُ الْجَمِيعِ، وَلَوْ كَانَ مُعَيَّنًا؛ لِخُصُوصِ أَحَدِهِمَا، امْتَنَعَ التَّخْيِيرُ.\n<hr><s0>\n\nغير واجبين، لخلى اثنان عن المقتضى للوجوب، فلا بد وأن يكون كلّ واحد بخصوصه مشتملًا على صفة تقتضي وجوبه، ولكن كلّ منهما يقوم مقام الآخر، فلهذا سُمِّي بالمخيّر.\nوقد وافقهم على إِطلاق القول بوجوب الجَمِيعِ ابن خويز منداد، من المالكية. نقله المَازِرِيُّ.\n\"وبعضهم\" قال: \"الواجب ما يفعل\".\n\"وبعضهم: الواجب واحد منها معيّن، ويسقط\" الفرض \"به وبالآخر\".\nوهذا يُسَمَّى قول التراجم (^١) ينسبه أصحابنا إِلى المعتزلة، والمعتزلة إِلى أصحابنا فاتفق الفريقان على فَسَادِهِ، ولست أرى مسوغًا لنقله عن واحد من الفريقين وقد [تَعَاضَدَا] (^٢) على إِفساده.\nوقال أبي ﵀: وعندي أنه لم يقل به قائل، ولا وَجْهَ [له] (^٣)، لرواية أصحابنا له عن المعتزلة لِمُنَافَاةِ قواعدهم له.\nالشرح: \"لَنَا: القطْعُ بِالجواز\"؛ إِذ لا يلزم مُحَال من قولك: أوجبت عليك واحدًا مبهمًا (^٤) من هذه الأمور، وأيها فعلت برئت ذمّتك، وإِن تركت الجميع عاقبتك، لتركك أحدها من حيث هو أحدها \"والنَّص دَلَّ عليه\"، كما في الكَفَّارة، فوجب حمله عليه.\n\"وأيضًا [وجوب] (^٥) تَزْويج أحد الخاطبين\" الكفؤين (^٦) إِذا دعت المرأة إِليهما،\n_________\n(^١) في أ، ب، ح: التزاحم.\n(^٢) في ت: يقال ضدًا.\n(^٣) سقط في أ، ت، ج.\n(^٤) في أ، ب، ت، ح: منهما.\n(^٥) سقط في ت، ح.\n(^٦) والكفاءة بالفتح: مصدر كافأه في كذا: إِذا ساواه فيه، فهي لغة المماثلة والمساواة، والكفء هو المماثل والنظير، ومنه قوله ﷺ: \"المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم\" أي تتساوى في الديات والقصاص، فدم الشريف منهم كدم الوضيع، ويقال: فلان كفء فلانة، إِذا كان يصلح لها =","vol":"1","page":508},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"وإعتاق (^١) واحد من الجنسِ\" جنسِ الرقبة في الكَفَّارة بالتخيير.\n\"ولو كان التخيير يوجب الجميع لوجب تزويج الجميع\"، وإِعتاق جميع الرِّقَاب.\n\"ولو كان\" التخيير \"معينًا لخصوص أحدهما، امتنع التخيير\"؛ لأن التعيين يوجب ألَّا\n_________\n= بعلًا. والمراد بها شرعًا: مساواة الزوج للزوجة في أمور مخصوصة. اتفق جمهور العلماء على أن الكفاءة معتبرة في النكاح عدا الكرخي من الحنفية؛ فإِن صاحب المبسوط حكى عنه أنه لا يعتبرها في النكاح أصلًا. وذكر في رد المحتار نقلًا عن العلامة نوح في حاشيته على الدر أن الإِمام أبا الحسن الكرخي والإِمام أبا بكر الجصاص - وهما من أئمة العراق - ومن تبعهما من المشايخ لا يعتبرونها في النكاح أصلًا، ولو لم تثبت عندهما هذه الرواية عن أبي حنيفة لما اختاراها. واستدل الجمهور بقوله ﷺ: \"ألا لا يزوج النساء إِلا الأولياء، ولا يزوجن إِلا من الأكفاء\". وقوله ﵇ لعلي - كرَّم الله وجهه -: \"ثلاث لا نؤخرها: الصلاة إِذا أتت، والجنازة إِذا حضرت، والأيم إِذا وجدت كفئًا\". وما روي عن عائشة ﵂ وعن أمير المؤمنين عمر ﵁: \"لأمنعن تزوج ذوات الأحساب إِلا من الأكفاء\". وهذا في حكم المرفوع؛ لأنه أمر لا يعرف من جهة الرأي. واستدل الشَّافعي ﵀ بأن النبيّ ﷺ خير بريرة لما أعتقت وكانت تحت عبد على ما حققه الشوكاني جهة الدلالة: أنها كملت تحت ناقص؛ فانتفت كفاءته لها. وقال الشَّافعي ﵁: أصل الكفاءة في النكاح حديث بريرة.\n(^١) العتق لغة: الحرية، يقال منه: عتق يعتق عِتقا وعَتقا: بكسر العين وفتحها، عن صاحب \"المحكم\" وغيره، وعتيقة وعتاقا وعتاقة فهو عنيق، وعاتق، حكاها الجوهري، وهم عتقاء، وأمة عتيق، وعتيقة، وإِماء عتائق، وحلف بالعَتاق، بفتح العين، أي: بالإِعتاق. قال الأزهري: هو مشتق من قولهم: عتق الفرس: إِذا سبق ونجا، وعتق الفرخ: إِذا طار واستقل؛ لأن العبد يتخلص بالعتق، ويذهب حيث يشاء. قال الأزهري، وغيره: إِنما قيل لمن أعتق نسمة: إِنه أعتق رقبة، وفك رقبة، فخُصّت الرقبة دون سائر الأعضاء، مع أن العتق يتناول الجميع؛ لأن حكم السيد عليه، وملكه له كحبل في رقبته، وكالغل المانع له من الخروج، فإِذا أعتق، فكأن رقبته أطلقت من ذلك.\nواصطلاحًا:\nعرفه الحنفية بأنه: خروج الرقيق عن الملك لله تعالى.\nوعرفه الشَّافعية بأنه: إِزالة الرق عن الآدمي.\nوعرفه المالكية بأنه: خلوص الرقيق من الرق بصيغة.\nوعرفه الحنابلة بأنه: تحرير الرقيق وتخليصه من الرق. ينظر: ترتيب القاموس ٣/ ١٢٩، والبحر الرائق ٤/ ٢٣٨، وتبيين الحقائق ٣/ ٦٦، ومغني المحتاج ٤/ ٤٩١، وبلغة السالك ٢/ ٤٤١، وكشاف القناع ٤/ ٥٠٨، والكافي ٢/ ٩٦١، والإِشراف ٢/ ٣٧١.","vol":"1","page":509},{"text":"الْمُعْتَزِلَةُ: غَيْرُ الْمُعَيَّنِ مَجْهُولٌ، وَيَسْتَحِيلُ وُقُوعُه، فَلا يكَلَّفُ بِهِ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مُعَيَّنٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ وَاجِبٌ، وَهُوَ وَاحِدٌ مِنَ الثَّلاثَةِ، فَيَنْتَفِي الْخُصوُص، فَصَحَّ إِطْلاقُ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ عَلَيْهِ.\nقالوا لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ وَاحِدًا مِنْ حَيْثُ هُوَ أَحَدُهَا لا بِعَيْنِهِ مُبْهَمًا، ........\n<hr><s0>\n\nيجزئ الآخر، والتخيير يوجب الإِجزاء (^١)، وهما متنافيان، فلم يَبْقَ إِلا إِيجاب أحدهما لا بعينه، وهو المطلوب، وفي هذا نظر سيأتي إِنْ شَاءَ الله تعالى.\nالشرح: قالت \"المعتزلةُ: غير المعيّن مجهول\"، والمجهول لا يكلّف به، وأيضًا فالمجهول \"مستحيل وقوعه، فلا يكلف به\".\n\"والجواب: أنه معين من حيث هو واجب، وهو واحد من الثلاثة، فيبقى الخصوص\" أي: تعينه الشخصي؛ لأنه أحد الثلاثة لا بعينه \"فصح إِطلاق غير المعين عليه\" بانتفاء خصوصه الشَّخصي، وإِطلاق المعين عليه باعتبار كونه واجبًا، فصح بهذا الاعتبار كونه معلومًا ووقوع التكليف بهِ.\nالشرح: \"قالوا: لو كان الواجبُ واحدًا من حيث هو أحدها لا بعينه مبهمًا (^٢) لوجب أن يكون المخيرُ فيه واحدًا [لا] (^٣) بعينه من حيث هو أحدها، فإِن تعددا\" - أي: الواجب والمخير فيه - \"لزم التخيير بين واجب وغير واجب\"، مثل: صَلّ، أو: كُل، \"وإِن اتحدا لزم اجتماع التخيير\" وهو جواز التَّرك \"والوجوب\"، وهو عدم جواز التَّرك في شيء واحد، وهما متناقضان.\n\"وأجيب بلزومه في \"أعيان (^٤) واحد من \"الجنس، و[في] (^٥) \"تزويج أحد \"الخاطبين\"، فإِنَّ دليلكم بعينه يأتي فيهما.\n\"والحَقُّ\" في الجواب \"أن الذي وجب\" - وهو المبهمُ - \"لم يخير فيه، والمخير فيه\" - وهو كل واحد من المتعيّنات - \" [لم يجب] (^٦)، لعدم التَّعيين\"، وإِن كان يتأتى به الواجب، لتضمّنه مفهوم أحدها، \"والتعدّد\" فيما صدق عليه أحدها إِذا تعلّق به الوجوب، والتخيير \"يأبى كون\n_________\n(^١) في ب: الآخر.\n(^٢) في أ، ب، ت: منها، وفي ح: منهما.\n(^٣) في ج: إِلا.\n(^٤) في ج: إِعتاق.\n(^٥) سقط في ت، ج.\n(^٦) في أ: ما يجب، وفي ح: بل ما يجب.","vol":"1","page":510},{"text":"لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ المخَيَّرُ فِيهِ وَاحِدًا لا بِعَيْنِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَحَدُهَا. فَإِنْ تَعَدَّدَا، لَزِمَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ\n<hr><s0>\n\nالمتعلّقين\" - متعلّقي الوجوب والتخيير - واحدًا، \"كما لو حرم واحدًا وأوجب واحدًا\" من الأمرين، فإِن معناه: أيهما فعلت حرم الآخر، وأيهما تركت وجب الآخر، والتخيير بين واجب وغيره بهذا المعنى جائزٌ، كما أن الصَّحيح فيمن قال لامرأته: أنت عَلَيَّ حرام كظهر أمي، ونوى الطَّلاق والظّهار معًا بقوله: حرام، أنه يخير في الأخذ بما شاء من الطلاق والظّهار، وأيهما أخذ به حرم الآخر.\nوكذا - على وجه - المُبتدأة الَّتي لا تَمْييز لها إِذا عرفت ابتداء دمها، وقلنا: تحيض سِتًا أو سبعًا - أن ذلك على سبيل التخيير.\nوعلى هذا إِن شاءت السّت، وجب عليها في اليوم السَّابع الصَّلاة والصوم، وإلا حرما، فهي في السَّابع مخيّرة بين أمرين أيهما أخذت به حرم الآخر.\nوإِنما ذكرنا هذين المثالين للتقريب، وإِلَّا فقد يضايق (^١) فيهما؛ لأن تحريم أحدهما وإِن كان منهما فليس بالأصالةِ، كما في: حرمت أحدهما لا بعينه، وأوجبت الآخر، والفرض أن مثل ذلك لا يمتنع، وإِنما الممتنع التخيير بين واجبٍ بعينه، وغير واجبٍ بعينه (^٢)، على ما فيه من النَّظر؛ إِذ لقائلٍ أن يقول: قد خُيِّرَ النبيّ ﷺ ليلة الإِسراء بين الخَمْرِ (^٣) واللَّبَنِ.\nوقيل فيه: إِن ذلك كان في السماء، وليست عالم تكليف، وأنه كان من خمر الجنَّة، وليس بحرام.\nويمكن أن يقال: إِنه على ما به، وخُيِّرَ بين واجب وحرام، لعلم الله - تعالى - أنه لا يقع منه الحرام، ويتجوز (^٤) بهذا أنَّ التخيير بين واجب وحرام، إِنما يمتنع إِذا كان المخاطب ممن لا يبعد إِتيانه لكلّ منهما، أما إِذا امتنع عليه الإِتيان بالحَرَام، وعُصِم عنه فلا.\n_________\n(^١) في ب، ج، ح: تضايق.\n(^٢) سقط في ت.\n(^٣) في أ، ت، ح: الآخر.\n(^٤) في حاشية ج: قوله: ويتجوز بهذا … إِلخ وبه يجاب عن حديث: \"ما خُيِّرَ رسول الله ﷺ بين أمرين إِلا اختار أيسرهما ما لم يكن إِثمًا\" ويمكن أن \"ما\" زمانية، أي مدة عدم كونه إِثمًا، ويكون ذلك فيما نسخ حله، أي يختار الأيسر ما لم ينسخ حله، كاستغفاره للمنافقين.","vol":"1","page":511},{"text":"وَاجِبٍ وَغَيْرِ وَاجِبٍ، وَإِنِ اتَّحَدَا، لَزِمَ اجْتِمَاعُ التَّخْيِيرِ وَالْوُجُوبِ. وَأُجِيبَ بِلُزُومِهِ فِي\n<hr><s0>\n\nفإِن قلت: وأي فائدة فيه حينئذٍ؟\nقلت: رفع درجته بكونه قد تعاطى اختيار الحَلالِ؟\nوفي قصَّة الإِسراء (^١) زيادة لطيفة، وهي أن شرب اللَّبن سبب هداية هذه الأمة، ولو شرب ﵊ الخمر لغوت أمته - كما أخبر به جبريل ﵇ فوقع التخيير بينهما، ليختار اللَّبن فتقع هداية أمته على يديه، ويكون هو السَّببُ فيها.\nوهذا كلّه حائد عن مقصدنا، والغرضُ من جواب المصنّف أن متعلّق الوجوب هو القدر المشترك بين الخِصَالِ، ولا تخيير فيه، ومتعلّق التخيير خصوصيات الخِصَالِ، ولا وجوب فيها.\nوكان أبي ﵀ يسلك في الجواب مسلكًا فائقًا عائدًا على هذا الجواب بمزيد تحرير، فيقول (^٢): القدر المشترك يقال: على المتواطئ، كالرجل، ولا إِيهام فيه، فإِن حقيقته معلومة متميزة عن غيرها من الحقائق.\nوقال: على (^٣) المبهم بين شيئين أو أشياء، كأحد الرجلين.\nوالفرق بينهما: أنَّ الأول لم يقصد فيه إِلا الحقيقة الَّتي هي مسمى الرجولية، والثَّاني: قصد فيه أخص من ذلك، وهو أحد الشَّخصين بعينه، وإِن لم يعين، ولذلك سُمِّيَ مبهمًا؛ لأنه أُبْهِمَ علينا أمره، والأول لم يقل أحد: إِن الوجوب يتعلّق بخصوصياته كالأمر بالإِعتاق (^٤)، فإِنَّ مسمى الإِعتاق، ومسمى الرقبة متواطئ كالرجل، فلا تعلّق للأمر بالخصوصيات لا على التعيين، ولا على التخيير، ولا يقال فيه: واجبٌ مخيَّرٌ، ولا يأتي فيه الخلاف الذي في المخير، وأكثر أوامر الشريعة من ذلك.\nوالثَّاني: متعلّق بالخصوصيات؛ فلذلك وقع الخلاف فيه، وسمي الواجب المخيّر.\nوبهذا تبيّن لك أن وجوب تزويج أحد الخاطبين، وإِعتاق واحد من الجنس اللذين ذكرهما\n_________\n(^١) أخرجه البخاري ٧/ ٢٤١، كتاب مناقب الأنصار: باب المعراج (٣٨٨٧)، ومسلم (١/ ١٤٩) ١٥٠ - ١٥١، كتاب الإِيمان: باب الإِسراء (٢٦٤ - ١٦٤).\n(^٢) في ب: فنقول.\n(^٣) في ح: عليه.\n(^٤) في ج: بالاعتناق.","vol":"1","page":512},{"text":"الْجِنْسِ وَفِي الْخَاطِبَيْنِ. وَالْحَقُّ أَنَّ الَّذِي وَجَبَ لَمْ يُخَيَّرْ فِيهِ، وَالْمُخَيَّرُ فِيهِ لَمْ يَجِبْ؛ لِعَدَمِ\n<hr><s0>\n\nالمصنّف، وكذا نصب أحد المستعدين للإِمامة (^١) - إِذا شغر الوقت عن إِمام - ليس ممَّا نحن فيه؛\n_________\n(^١) عرفها كثير من علماء الشريعة الإِسلامية بتعريفات ترجع إِلى معنى واحد: وهو رياسة الحكومة الإِسلامية الجامعة لمصالح الدين والدنيا. قال السعد في \"شرح المقاصد\": (الفصل الرابع في الإِمامة، وهي رياسة عامة في أمر الدين والدنيا خلافةً عن النبيّ ﷺ) وقال البيضاوي في \"طوالع الأنوار\": (الإِمامة عبارة عن خلافة شخص من الأشخاص للرسول ﵇ في إِقامة القوانين الشرعية، وحفظ حوزة الملة، على وجه يجب اتباعه على كافة الأمة). وقال أبو الحسن الماوردي في الأحكام السلطانية: (الإِمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا). وقد زاد الإِمام الرازي قيدًا آخر في التعريف فقال: (هي رياسة عامة في الدين والدنيا لشخص واحد من الأشخاص). وقال: هو احتراز عن كلّ الأمة إِذا عزلوا الإِمام لفسقه. وترادف الخلافة الإِمامة العظمى وإِمارة المؤمنين، فهي ثلاث كلمات متحدة المعنى في لسان الشرعيين والقائم بهذه الوظيفة يسمى خليفة، وإِمامًا، وأمير المؤمنين.\nأما تسميته خليفة: فلكونه يخلف النبيّ ﷺ في أمته، فيقال: خليفة بإِطلاق، وخليفة رسول الله ﷺ، واختلف العلماء في تسمية خليفة الله، فجوزه بعضهم؛ لقيامه بحقوقه في خلقه، ولقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ ومنع جمهور العلماء من جوازه، ونسبوا قائله إِلى الفجور، وقالوا: يستخلف من يغيب أو يموت، والله لا يغيب ولا يموت، وقد قيل لأبي بكر ﵁: يا خليفة الله، فقال: لست بخليفة الله، ولكني خليفة رسول الله ﷺ.\nوأما تسميته إِماما: فتشبيه بإِمام الصلاة في اتباعه، والاقتداء به، ولهذا يقال: الإِمامة العظمى احترازًا عن إِمامة الصلاة. أما نصب الخليفة فذهب جمهور العلماء إِلى أن نصب الخليفة، وإِقامته على الأمة واجب على المسلمين. وخالفهم الأصم من المعنزلة وبعض الخوارج إِذ قالوا بجواز نصب الخليفة لا وجوبه، والواجب عندهم إِمضاء أحكام الشَّرع، فإِذا اتفقت الأمة على العدل، وتواطأت على تنفيذ أحكام الله تعالى لم تحتج إِلى خليفة، ولا يجب عليها نصبه. والقائلون بوجوب نصب الخليفة اختلفوا في طريقه:\nفذهب أهل السنة، وأكثر المعتزلة إِلى أن نصبه واجب بالسمع، وذهب جماعة منهم الجاحظ والخَيَّاط والكَعْبي وأبو الحسين البصري إِلى أن نصبه واجب بالعقل. استدلّ أهل السنة، ومن وافقهم على الوجوب سمعًا بأمور:\nالأول: تواتر إِجماع المسلمين في الصدر الأول بعد وفاة الرسول ﷺ على امتناع خلو الوقت عن خليفة، حتى قال أبو بكر في خطبته حين وفاة الرسول ﵇: \"ألا إِن محمدًا قد مات، ولا بد لهذا الدين ممن يقوم به\" فبادر الكلّ إِلى قبول قوله، ولم يقل أحد: لا حاجة لنا بذلك، بل اتفقوا عليه، وأخذوا ينظرون فيمن يتولّى أمرهم، وتركوا له أهم الأشياء، وهو دفن النبيّ ﷺ واختلاف =","vol":"1","page":513},{"text":"التَّعْيِينِ. وَالتَّعَدُّدُ يَأْبَى كَوْنَ الْمُتَعَلِّقَيْنِ وَاحِدًا، كَمَا لَوْ حَرَّمَ وَاحِدًا، وَأَوْجَبَ وَاحِدًا.\n<hr><s0>\n\nلأنه ممَّا يتعلّق الوجوب فيه بالقَدْرِ المشترك من غير نظر إِلى الخصوصيات.\n_________\nالصحابة في تعيين الخليفة لا يقدح في ذلك الاتفاق، ولم يزل الناس بعدهم على ذلك في كلّ عصر وزمن.\nالثَّاني: أن الشارع أمر بإِقامة الحدود، وسد الثغور، وتجهيز الجيوش للجهاد، وكثير من الأمور المتعلّقة بحفظ النظام، وحماية البيضة ممَّا لا يتم إِلا بخليفة؛ إِذ لا يمكن لآحاد الناس أن يقوم به، وما لا يتم الواجب المطلق إِلا به، وكان مقدورًا عليه فهو واجب.\nالثالث: أن في نصب الخليفة جَلْبَ منافع كثيرة، ودفع مضارَّ عديدة، وكل ما كان كذلك فهو واجب بالإِجماع؛ وذلك لأنا نعلم علمًا ضروريا أن اجتماع الناس الموصل إِلى صلاحهم في دينهم ودنياهم لا يتم إِلا بسلطان قاهر يدرأ المفاسد، ويحفظ المصالح، ويمنع ما تتسارع إِليه طباعهم، وتتنازع عليه أطماعهم. ولهذا لا ينتظم أمر أدنى اجتماع كرفقة طريق بدون رئيس يقتدون برأيه، وربما يحصل مثل هذا بين الحيوانات كالنحل؛ إِذ لها عظيم يقوم مقام الرئيس ينتظم به أمرها، فإِذا هلك شاع بينها الانقسام والفساد. ونوقش هذا الدليل \"بأن في نصب الخليفة مضارَّ كثيرة، وقد قال النبيّ ﷺ: \"لا ضرَرَ ولا ضرارَ\". فإِن تولية الإِنسان على مثله ليحكم عليه فيما يهتدى إِليه، وفيما لا يهتدى إِليه ضرر لا محالة.\nوقد يستنكف عنه بعض الناس، كما وقع فيما مضى، فيفضي ذلك إِلى الاختلاف والفتنة، وهذا ضرر عظيم. ويزاد على ذلك أن الخليفة لا تجب عصمته، فيتصور منه الكفر والفسوق، وإِن لم يعزل أضر بالأمة، وإِن عُزل أدى ذلك إِلى الفتنة لاحتياج الناس إِلى محاربته. وأجيب عن ذلك: بأن المضار اللازمة من ترك نصب الخليفة أكثر بكثير من المضار الناشئة من نصبه، ودفع الضرر الأعظم عند التعارض واجب.\nقال العلامة السعد في \"شرح المقاصد\" بعد أن ذكر الأدلة الثلاثة: وقد يتمسك بمثل قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وقوله ﷺ: \"مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْ إِمام زمانه مَاتَ ميتة جاهلية\" فإِن وجوب الطاعة والمعرفة يقتضي الحصول.\nواستدل القائلون بوجوب نصب الخليفة عقلًا: بأن طباع العقلاء توجب التسليم لزعيم يمنعهم من التظالم، ويفصل بينهم في التنازع والتخاصم، وأن كلّ أمة لا تستغني عن قوَّة تحمي قوانينها، وتدير شئون أفرادها، وعليه فوجود الحاكم الوازع ضرورة من ضرورات الاجتماع البشري الذي تختلف فيه الأهواء، وتتشتت الآراء، فيكثر النزاع، ويشتد الخصام، وتسود الفوضى لذلك يقول الأفوه، وهو شاعر جاهلي: [البسيط]\nلا يَصْلُح النَّاسُ فَوْضَى لا سراةَ لَهُمْ … ولا سُرَاةً إِذا جُهّالُهُمْ سَادُوا\nورد هذا الدليل: بأنه مبني على قاعدة (ما أدركه العقل حسنًا، فهو عند الله حسن، وما أدركه قبيحًا =","vol":"1","page":514},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوكان أبي ﵀ يمثل بأهل الشُّورى الذين جعل عمر ﵁ الأمر [فيها] بأعيانهم.\n_________\n= فهو عند الله قبيح). وهي قاعدة باطلة؛ إِذ لو كان العقل كافيًا في درك الأحكام الشرعية، وانتظام أمر الناس في دينهم ودنياهم، لما كان هناك حاجة لإِرسال الرسل ﵈ إِلى الخلق. وهذا هو الصواب الذي تركن إِليه النفس، ويطمئن إِليه القلب، ويخضع له الفكر السليم؛ لأن العقول متباينة ومتفاوتة، فرب أمر يكون حسنًا في نظر بعض العقول، وهو قبيح في نظر بعض آخر، فكيف يدرك العقل الأحكام الشرعية؟ وكيف يكون متعلّق المدح والثواب والذم والعقاب؟ لا بد إِذًا في انتظام أمر المجتمع من قانون سماوي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ يكون هو المرجع في تعريف الأحكام الشرعية، وتنظيم شأن المجتمع، حتى يسود العدل، ويستقر في نصابه، وينتظم أمر الدين والدنيا. هذه أدلة القائلين بوجوب نصب الخليفة على اختلافهم في طريق الوجوب. أما القائلون بعدم وجوب نصب الخليفة، فاستدلوا بما يأتي:\nالأول: توفر الناس على مصالحهم الدنيوية، وتعاونهم على واجباتهم الدينية ممَّا يحث عليه طبعهم، وينادى به دينهم، فلا حاجة بهم إِلى قيام حاكم عليهم فيما يستقلون به، ويدل على ذلك انتظام أحوال العرب، وأهل البادية النائين عن السلطان وحكمه.\nالثَّاني: انتفاع الناس بالخليفة لا يكون إِلا بالوصول إِليه، ولا يخفى أن وصول آحاد الرعية إِليه في كلّ ما يطرأ لهم من الأمور الدنيوية متعذر عادة، فلا فائدة إِذًا في نصبه للعامة، فلا يكون واجبًا بل جائزًا.\nالثالث: اشترط العلماء في الخليفة شروطًا قلَّما تتوفر في كلّ عصر، وعلى ذلك فإِن أقام المسلمون فاقدها لم يأتوا بالواجب عليهم، وإِن لم يقيموه فقد تركوا الواجب، فوجوب نصبه يستلزم أحد الأمرين الممتنعين، فيكون ممتنعًا.\nورد دليلهم الأول: بأنه وإِن كان ممكنًا عقلًا، فهو ممتنع؛ عادة لما نشاهده من قيام الفتن، وحدوث الخلاف والشقاق عند موت الولاة، حيث كان العرب من سكان البادية قساة غلاظًا أجلافًا يشنون الغارات لأتفه الأسباب، ويقتلون الأنفس والذَّراري، فهم إِذن بعيدون عن آداب الدين وسياسة الدنيا.\nورد الثَّاني: بمنع ما يدعونه من أن الانتفاع بالإِمام لا يكون إِلا بالوصول إِليه فقط، بل كما يكون بالوصول إِليه يكون بوصول أحكامه وسياسته إِلى الرعية، ونصبه من يرجعون إِليه في مصالحهم.\nورد الثالث: بأن الواجب على المسلمين أن يبايعوا من كان مستجمعًا للشروط الواجبة، فإِذا تعذَّر وجوب بعض الشروط دخلت المسألة في حكم الضرورات، والضرورات تقدر بقدرها، فيكون الواجب حينئذ مبايعة من كان مستجمعًا لأكثر الشروط من أهلها مع الاجتهاد، والسعي لاستكمالها كلها فيه. =","vol":"1","page":515},{"text":"قَالُوا: يَعُمُّ، وَيَسْقُط، وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ كَالْكِفَايةِ. قُلْنَا: الْإِجْمَاعُ ثَمَّةَ عَلَى تَأْثيمِ الْجَمِيعِ، وَهُنَا: بِتَرْكِ وَاحِدٍ لا بِعَيْنِهِ، وَأَيْضًا: فتَأْثِيمُ وَاحِدٍ لا ...........\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"قالوا\": الوجوبُ \"يعمّ\" كلَّ الخصال، \"ويسقط\" بمباشرة أحدها، \"وإِن كان بلفظ التخيير\" وذلك \"كالكفاية\"، فإِن فرضَ الكفاية - كما مَهَّدتم - واجب على الجميع، ويسقط بالبعض بجامع حصول المصلحة بمبهم (^١).\n\"قلنا\": الفرق أن \"الإِجماع ثَمَّ على تأثيم الجميع\"، والإِجماع \"هنا\"، على الذمِّ \"بترك واحد [لا بعينه] \"، كذا ذكر في \"المنتهى\".\nونقل عن بعض المعتزلة التأثيم بالجميع.\nولكن ظاهر إِيراد الأكثرين ما ذكره المصنّفُ من اتفاق الفريقين على أن التَّارك إِنما يأثم بواحد، وقالوا: على هذا، لا خلاف في المَعْنَى.\nوممن صرَّحَ بأنه لا خلاف في المعنى إِمام الحرمين، وابن السَّمعاني، وجماعة من المتأخرين.\n_________\n= قال ابن خلدون بعد أن ذكر مذهب القائلين بجواز نصب الخليفة: (والذي حملهم على هذا المذهب، إِنما هو الفرار عن الملك، ومذاهبه من الاستطالة والتغلُّب، والاستمتاع بالدنيا؛ لما رأوا الشريعة ممتلئة بذم ذلك، والنعي على أهله ومرغبة في رفضه، واعلم أن الشَّرع لم يذم الملك لذاته، ولا حظر القيام به، وإِنما ذم المفاسد الناشئة عنه من القَهْر والظلم، والتمتع باللذات، ولا شك أن في هذه مفاسد محظورة، وهي من توابعه، كما أثنى على العدل والنصفة، وإِقامة مراسيم الدين والذب عنه، وأوجب بإِزائها الثواب، وهي كلها من توابع الملك، فإِذًا وقع الذم للملك على صفة وحال دون حال أخرى، ولم يذم لذاته … إِلخ.\nخلاصة القول: إِن وجوب نَصْب الخليفة الذي ذهب إِليه جمهور العلماء ليس وجوبًا عينيًا، بل هو وجوب كفائي، شأنه شأن سائر الواجبات الكفائية من جهاد وطلب علم ونحو ذلك، فإِذا قام بهذه الوظيفة من يصلح لها سقط وجوبها عن كافة المسلمين، وإِن لم يقم بها أحد أثم من الناس فريقان:\nالأول: أهل الاختيار المعروفون بشروطهم، حتى يختاروا خليفة المسلمين.\nوالثَّاني: أهل الخلافة حتى ينتصب أحدهم، ويتولى أمورها، وليس على غير هذين الفريقين من الأمة حرج ولا مأثم. ينظر: الخلافة أو الإِمامة العظمى للسيد رشيد رضا ص ٣٦، ومقدمة ابن خلدون ١٦٠، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٣.\n(^١) في ب: منهم.","vol":"1","page":516},{"text":"بِعَيْنِهِ غَيْرُ مَعْقُولٍ بِخِلافِ التَّأْثِيمِ عَلَى تَرْكِ وَاحِدٍ مِنْ ثَلاثَةٍ.\nقَالُوا: يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ الآمِرُ الْوَاجِبَ. قُلْنَا: يَعْلَمُهُ حَسْبَمَا أَوْجَبَه، وَإِذَا أَوْجَبَهُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَجَبَ أَنْ يَعْلَمَهُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ.\nقَالُوا: عَلِمَ مَا يُفْعَلُ فَكَانَ الْوَاجِبَ. قُلْنَا: فَكَانَ الْوَاجِبَ؛ لِكَوْنِهِ ...........\n<hr><s0>\n\nوقد حكى المَاوَرْدِيّ (^١) في \"الحاوي\" (^٢) وجهين، فيمن مات وعليه الكَفَّارة المخيرة، ولم يوص بإِخراجها، وعدل الوارث عن أول الأمور إِلى العِتْقِ، هل يجزئ؟.\nقال: ويشبه أن يكونا مخرجين من الخلاف المذكور.\nإِن قلنا: الجميع واجب، وله إِسقاط الوجوب بإِخراج واحد آخر.\nوإِن قلنا: أحدها لا بعينه لم يجزئ؛ لأنه لم يتعيَّن في الوجوب.\n\"وأيضًا فتأثيمُ واحد لا لعينه غير معقول\"؛ لأنه لا يمكن عقاب أحد الشخصين إِلا على التعيين، \"بخلاف التَّأثيم على تَرْك واحد من الثلاثة\"، لجواز أن العقاب على أحد الفعلين لا بعينه. والذين ذهبوا إِلى أن الواجب معين عند الله تعالى.\nالشرح: \"قالوا: يجب أن يعلم الآمرُ الواجبَ\"؛ لأنه طالبه، ويستحيل طلب المَجْهُول، وإِذا علمه كان معينًا، لتميزه عن غيره.\n\"قلنا\": أما وجوب علمه بما أوجبه فصحيح، ولكن إِنما \"يعلمه حسب ما أوجبه، وإِذا أوجب\" واحدًا \"غير معين، وجب أن يعلمه غير معين\"، وإِلَّا لم يكن عالمًا بما أوجبه.\nوالحاصلُ: أن المعيَّن يطلق على المُشَخَّص، ولا يلزم أن يعلم الطَّالب المشخّص، ولا أن يوجه الطَّلب نحوه، وعلى المعلوم المتميّز، فإِنَّ له تعيُّنًا بوجه ما، وهو الموجود هنا، والَّذين قالوا: الواجب هو: ما يفعله العبد.\nالشرح: \"قالوا: علم\" الله \"ما يفعل\" العبد، \"فكان\" المفعول \"الواجب\" في علمه تَعَالى، للاتفاق على إِثباته بالواجب إِذا فعل ما شاء منهما.\n_________\n(^١) علي بن محمد بن حبيب القاضي أبو الحسن الماوردي البصري، أحد أئمة أصحاب الوجوه، تفقه على أبي القاسم الصيمري، وسمع من أبي حامد الإِسفراييني، قال الخطيب: كان ثقة، من وجوه الفقهاء الشافعيين. وقال الشِّيرازي: وله مصنفات كثيرة في الفقه والتفسير وأصول الفقه والأدب، وكان حافظًا للمذهب. ومن تصانيفه: الحاوي. قال الإِسنوي: ولم يصنف مثله، والأحكام السلطانية، والتفسير المعروف بالنكت والعيون وغيرها. مات سنة ٤٥٠. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٢٣٠، وتاريخ بغداد ١٢/ ١٠٢، وطبقات السبكي ٣/ ٣٠٣.\n(^٢) الحاوي؛ حققناه - بعون الله تعالى - في تسعة عَشَرَ مجلدًا، ولله الحمد والمنة.","vol":"1","page":517},{"text":"وَاحِدًا مِنْهَا لا لِخُصُوصِهِ؛ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ الْخَلْقَ فِيهِ سَوَاءٌ.\n<hr><s0>\n\nقلنا: علم الله ما يفعله العَبْدُ فكان ما يفعله العبد هو الواجب، \"لكونه واحدًا منها\" - أي: من الثلاثة - \"لا بخصوصه\" من إِطعامٍ، أو كسوةٍ، أو إِعتاقٍ، \"لِلْقَطْعِ بأن الخلق فيه سواء\" من غير تفاوت، وأن الواجب على زَيْدٍ هو الواجب على عَمْرٍو.\n\n\"فائدة\"\nذكر ابن السَّمعاني أن أصحابنا قالوا: إِذا فعل الخِصَالَ، فالواجبُ أعلاها؛ لأنه مُثَاب على جميعها، وثواب الواجب أكثر من ثواب النَّدب، فانصرف الواجب إِلى أعلاها، ليكثر ثوابه، وإِن ترك الجميع عوقب على أدناها، ليقل وَبَالُهُ وَوِزْرُهُ؛ ولأن الوجوب [سقط] (^١) بفعل الأدنى. انتهى.\nولا أعرف هذا عن الأصحاب، ولكنه قول القاضي أبي بكر، وادَّعى عبد الجليل الصَّابوني مناقضته فيه.\nوليس كما ادَّعَاهُ؛ لما ذكر ابنُ السَّمْعَاني من التَّفْرقة.\nنعم - إِن اتَّجه ما قاله في العِقَابِ فلا يتَّجه في الثواب، بل التَّحقيق فيه أنه يُثَابُ ثواب الواجب على مُسَمَّى أحدها.\nوقوله: الواجب أكثر ثوابًا صحيح، ولكن المتعين ليس بواجب كما عرفت.\nوابن السَّمْعَاني بنى هذا على أصله من أن الواجب يتعيَّن بفعل المكلّف، ويكون مبهمًا قبل الفعل، متعينًا بعده بفعله، فإِنه نصير (^٢) هذا، ونقله عن جمهور الفقهاء.\nوجمهور الفُقَهَاء إِذا حقّق مذهبهم لم يكن إِلَّا ما اخترناه، وهو رأي المتكلمين من أهل السُّنة، ونقل عن حذاق الفقهاء.\nوأما هذا فهو المذهب الذي عَزَاهُ المصنّف إِلى بعض المعتزلة.\nوما أظنّ ابن السَّمعاني ذهب إِلا إِلى المختار، ولكن في عبارته قصور.\n\n\"فرع\"\nقد يقع التخيير بين ضدين كـ\"قُمْ\" أو اقعد، أو خلافين، كما في خصال الكَفَّارة وجزاء الصيد، أو المثلين مثل: صلّ ركعتين غدًا، أو بعد غد.\n_________\n(^١) سقط في ج.\n(^٢) في ج: نسير.","vol":"1","page":518},{"text":"الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ (^١)\n<hr><s0>\n\nومثل له المازري بـ \"صَلّ ركعتين قبل قدوم زيد بساعة، أو بعد قدومه بساعة\" وزيد لا يعلم متى يقدم، ثم قال: وهذا وإِن تصور، لا يرد به الشَّرع إِلا على القول بتكليف ما لا يُطَاق.\nقلت: وهذا صحيح، والاستحالة فيه من قبل المثال، لا من التخيير (^٢) بين المثلين، وقد مثلنا بواضح.\nثم ما وقع التخيير فيه قد لا يمكن الجَمْعُ بين المخير بينهما عقلًا وشرعًا كالضدين، وقد يمكن عقلًا وشرعًا، كما ذكرنا من الخلافين.\nوقد يمكن عقلًا لا شرعًا كالتزويج من الخاطبين (^٣).\n_________\n(^١) الفعل الذي تعلق به الوجوب قد لا يكون له وقت محدد من الشارع بحيث يكون معلوم البداية والنهاية كالزكاة، ويسمى واجبًا غير مؤقت، وقد يكون له وقت محدد أي معلوم البداية والنهاية ويسمى لذلك واجبًا مؤقتًا، أي ذا وقت معين، وهو على ثلاثة أقسام:\nأحدها: أن يكون وقته مساويًا لفعله لا يزيد عليه ولا ينقص عنه كصوم رمضان، ويسمى واجبًا مضيقًا.\nثانيها: أن يكون الوقت ناقصًا عن الفعل بحيث لا يمكن إِيقاعه بتمامه فيه، فإِن أريد الإِتيان بجميع الفعل في ذلك الوقت الذي لا يسعه كان ذلك من باب التكليف بالمحال، يمنعه من لا يجوز التكليف به، وإِن أريد الشروع فيه والتكميل خارجه جاز التكليف به، كوجوب الصلاة على من زال عذره وقد بقي من وقتها ما يسع ركعة، كحائض تطهر، وصبي يبلغ، ومجنون يفيق ولم يبق من الوقت إِلا ما يسع ركعة، والفعل حينئذ يكون أداء في اصطلاح الفقهاء قضاء عند الأصوليين، بخلاف ما لو زال العذر وقد بقي من الوقت ما لا يسع ركعة؛ فإِن الفعل حينئذ يكون قضاء عند الجميع.\nثالثها: أن يكون الوقت زائدًا على الفعل، ويسمى لذلك بالواجب الموسع، وللعلماء فيه خمسة مذاهب. منها مذهبان متفقان على الاعتراف بالواجب الموسع، ووجهتهما في ذلك أن الوجوب متعلق بالقدر المشترك بين أجزاء الوقت وأي جزء من هذه الأجزاء صالح لأن يتعلق به الوجوب، كما أنه متعلق بالقدر المشترك بين الأفراد في الواجب المخير، وكل فرد صالح لأن يتعلق به الوجوب: فأجزاء الزَّمان في الواجب الموسع كالأفراد في الواجب المخير، كلّ منها صالح لأن يتعلق به الوجوب. وبعد أن اتفقا على الاعتراف بالواجب الموسع اختلفا فيما وراء ذلك على رأيين: الأول: وهو للجمهور أن الوجوب يقتضي القاع الفعل في أي جزء من أجزاء الوقت، سواء كان أولًا أو آخرًا من غير شرط لعزم، أو تعيين لبعض الأجزاء.\nالثَّاني: وهو لجماعة من المتكلمين منهم القاضي أبو بكر وموافقوه، أن الوجوب يقتضي إِيقاع الفعل في أي جزء من أجزاء الوقت، لكن لا يجوز تركه في الجزء السابق إِلا بشرط العزم على الفعل في الجزء اللاحق إِلى أن يبقى من الوقت ما يسع الصلاة؛ فيتعين فعلها حينئذ.\nأما الثلاثة الباقية فمتفقة على إِنكار الواجب الموسع، ووجهوا ذلك بأن الوجوب يقتضي المنع من الترك، والتوسعة تقتضي جواز الترك، والجمع بينهما محال. ومع اتفاقهم على ذلك اختلفوا فيما بينهم على ثلاثة آراء:\nالأول: أن الوجوب يختص بأول الوقت فإِن فعله في آخره كان قضاء مع عدم الإِثم، فقد نقل القاضي أبو بكر الإِجماع على نفي الإِثم حيث قالوا: إِنه قضاء سد مسد الأداء، ونقل الشَّافعي هذا القول عن المتكلمين، ونسب خطأ لبعض الشَّافعية؛ لأن هذا القول غير معروف في مذهبهم، وزعم البعض أنه قضاء مع الإِثم.\nالثَّاني: وهو معزو لبعض الحنفية: أن الوجوب يختص بآخر الوقت، فإِن فعل في أوله كان تبجيلًا.\nالثالث: وهو رأي الكرخي من الحنفية، أنه يختص بآخر الوقت فإِن فعل أوله نظر إِن أدرك الفاعل آخر الوقت وهو على صفة التكليف كان ما فعله واجبًا، وإِن لم يكن على صفته بأن جن العاقل، أو حاضت المرأة، أو غير ذلك كان ما فعله نفلًا. وبضم هذه الآراء الثلاثة للمنكرين للواجب الموسع إِلى الرأيين السابقين للمعترفين به يكون مجموع الأقوال فيه خمسة. مذكرة شيخنا الشيخ الحسيني الشيخ. وينظر: المحصول ١/ ٢/ ٢٩٠ - ٢٩١، وشرح تنقيح الفصول ص (١٥٠ - ١٥١)، ومنتهى السول والأمل ص (٣٥ - ٣٦)، وشرح العضد ١/ ٢٤١، وروضة الناظر ١/ ٩٩، والإِبهاج ص (٩٣)، والتحصيل ١/ ٣٠٤ - ٣٠٦، ونهاية السول ١/ ١٦٠، والبحر المحيط ٨/ ٢٠١، والإِحكام ١/ ٩٨، وتيسير التحرير ٢/ ١٨٨، وكشف الأسرار ١/ ٢١٨، وأصول السرخسي ١/ ٣١، وفواتح الرحموت ١/ ٧٢.\n(^٢) في ب: التحسين.\n(^٣) في أ، ت، ح: الحاصلين.","vol":"1","page":519},{"text":"مَسْألَةٌ:\nالْمُوَسَّعُ: الْجُمْهُورُ: إِنَّ جَمِيعَ وَقْتِ الظُّهْرِ وَنَحْوِهِ وَقْتٌ لِأَدَائِهِ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"المُوَسَّع\" (^١) قال \"الجمهورُ: [إِن] جميع وقت الظهر ونحوه\" ممَّا وُقِّتَ بوقتٍ\n_________\n(^١) لما فرغ من الكلام على الواجب المخير شرع في الواجب الموسع، وكان المناسب أن يصدره بالمسألة، ويقول: \"مسألة الموسع\"، وكأنه إِنما لم يفعل بل جعله ردفًا للواجب المخير؛ لرجوع =","vol":"1","page":520},{"text":"الْقَاضِي: الْوَاجِبُ الْفِعْلُ أَوِ الْعَزْمُ وَيَتَعَيَّنُ آخِرًا، وَقِيلَ: وَقْتُهُ أَوَّلُه، فَإِنْ أَخَّرَهُ فَقَضَاءٌ. بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: آخِرُه، فَإِنْ قَدَّمَه، فنَفْلٌ يُسْقِطُ الْفَرْضَ. الْكَرْخِيُّ: إِلَّا أَنْ يَبْقَى بِصِفَةِ التَّكلِيفِ، فَمَا قَدَّمَهُ وَاجِبٌ.\n<hr><s0>\n\nيفضل عنه، كسائر الصلوات الخمس \"وقت لأدائه\" ففي أي جزء أوقعه منه، فقد أوقعه في وقته، مع تعلق الوجوب بأول الوقت وجوبًا موسعًا يطلق فيه التأخير إِلى وقت، يعلم أنه إِن أخر فات، فحينئذ يضيق عليه، وهو قول محمد بن شُجَاع الثَّلْجي (^١)، وغيره من الحنفية وجمهور المتكلمين.\nثم قال \"القاضي\" وجمهور المتكلّمين (^٢): \"الواجب\" في كلّ جزء \"الفعل، أو العزم\" فيه على الفعل في ثاني الحال، \"ويتعين\" الفعل \"آخرًا\".\n\"وقيل: وقته أوله، فإِن أَخَّرَهُ فقضاء\".\nثم زاد بعضهم: يسد مسد الأداء - يعني: ولا يعصي (^٣) بتأخيره، وحمله على ذلك نقل القاضي أبي بكر، ومن تابعه الإِجماع على أنه لا يأثم بتأخيره عن أول الوقت.\nوهو نقل مدفوع؛ فإِن الشَّافعي - رضي الله تعالى عنه - نقل في \"الأم\" في كتاب الحَجّ عن بعضهم التأثيم - وهو أثبت - فينبغي الاقتصار على لفظة القضاء كما في الكتاب.\nوقال \"بعض الحَنَفِيَّة\": وقته \"آخره، فإِن قدّمه فَنَفْلٌ يسقط الفرض\"، كتحصيل الزَّكاة قبل وجوبها (^٤).\n_________\n= الموسع في التَّحقيق إِلى المخير، إِذ المؤداة في كلّ جزء من الوقت شخصها غير المؤداة في غيره، والواجب هو أحد أشخاص الصلاة المتماثلة في النوع، المتحدة في المحل، المتمايزة بالأوقات. ينظر الشِّيرازي ١١٢ أ / خ.\n(^١) ابن الثَّلجي: هو محمد بن شجاع بن الثلجي البغدادي، أبو عبد الله: فقيه العراق في وقته من أصحاب أبي حنيفة. ولد عام ١٨١ هـ وتوفي عام ٢٢٦ هـ، وهو الذي شرح فقهه، واحتج له، وقواه بالحديث. وكان فيه ميل إِلى المعتزلة. له كتاب \"تصحيح الآثار\" فقه، و\"النوادر\" و\"المضاربة\" و\"الرد على الشبهة\" وغير ذلك. وبعض مترجميه يسميه \"ابن الثلاج\" ولرجال الحديث مطاعن فيه. ينظر الأعلام ٦/ ١٥٧، وتذكرة الحفاظ ٢/ ١٨٤، وتهذيب ٩/ ٢٢٠، والجواهر المضية ٢/ ٦٠، وميزان الاعتدال ٣/ ٧١، وتاريخ بغداد ٥/ ٣٥٠، والوافي بالوفيات ٣/ ١٤٨.\n(^٢) ينظر مصادر المسألة.\n(^٣) في أ، ت، ح: يقضى.\n(^٤) ينظر مصادر المسألة.","vol":"1","page":521},{"text":"لَنَا: أَنَّ الْأَمْرَ قُيِّدَ بِجَمِيعِ الْوَقْتِ، فالتَّخْيِيرُ وَالتَّعْيِينُ تَحَكُّمٌ، وَأَيْضًا، لَوْ كَانَ مُعَيَّنًا، لَكَانَ الْمُصَلِّي فِي غَيْرهِ مُقدِّمًا؛ فَلا يَصِحُّ، أَوْ قَاضِيًا؛ فَيَعْصِي، وَهُوَ خِلافُ الْإِجْمَاعِ.\nالْقَاضِي: ثَبَتَ فِي الْفِعْلِ وَالْعَزْمِ حُكْمُ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ. وَأُجُيبَ ..........\n<hr><s0>\n\nوقال \"الكَرْخي\" (^١): آخره \"إِلَّا أن يبقى بصفةِ (^٢) التَّكليف\" (^٣) إِلى آخر الوقت \"فما قدمه واجب\"، وهو عنده موقوف مُراعي.\nالشرح: \"لنا: أن الأمر قيِّد بجميع الوَقْت\"، ولا تعرض فيه للتخيير بين الفعل والعزم كما يقول القاضي، ولا بأول الوقت وآخره كقول الآخرين، \"فالتَّخيير والتعيين [تحكُّم] (^٤).\nوأيضًا: لو كان الوقت معينًا لكان المصلي في غيره مقدمًا فلا يصح، أو \"مؤخرًا \"قاضيًا\"؛ لأنه أخرج العبادة عن وقتها \"فيعصي، وهو خلافُ الإِجماعِ\".\nودعوى الإِجماع في المؤخَّر قد عرفت أنها ليست بصحيحة بنقل الشَّافعي ﵁.\nالشرح: واحتجّ \"القاضي\" بأنه \"ثبت في الفعل والعزم\" قبل آخر الوَقْتِ الذي هو وقت التضييق \"حكم خصال الكَفَّارة\" من حيث هو وجوب أحدها لا بعينه، وذلك لأن الفِعْلَ لمَّا جاز تركه في أوَّل الوقت، فلو لم يجب العزم بدلًا لم يكن الفعل واجبًا مطلقًا، لأنه جاز تركه بلا بدل، فيكون الواجب في أول الوَقْتِ أحدها.\n\"وأجيب: بأن الفاعل\" للصَّلاة في أول الوقت (^٥) \"ممتثلٌ، لكونها صلاةً قطعًا لأحد الأمرين\" ولا كذلك في خصال الكَفَّارة.\nوأما \"وجوب العَزْمِ\" فإِنه لا يدلُّ على التخيير؛ لأنه غير مخصوص بالموسّع، بل هو جارٍ\n_________\n(^١) عبيد الله بن الحسين الكرخي، أبو الحسن. فقية، انتهت إِليه رياسة الحنفية بـ\"العراق\"، ولد ٢٦٠ هـ له رسالة في الأصول الَّتي عليها مدار فروع الحنفية وشرح الجامع الصغير، وشرح الجامع الكبير توفى في بغداد ٣٤٠ هـ. ينظر: الفوائد البهية ١٠٧، والأعلام ٤/ ١٩٣، وتاريخ بغداد ١٠/ ٣٥٣ - ٣٥٥، والفوائد البهية ص ١٠٨ - ١٠٩، وهدية العارفين ١/ ٦٤٦.\n(^٢) في ت: الصفة.\n(^٣) في ج، ح: المكلف.\n(^٤) سقط في ت.\n(^٥) سقط في ت.","vol":"1","page":522},{"text":"بأَنَّ الْفَاعِلَ مُمْتَثِلٌ لِكَوْنِهَا صَلاةً قَطْعًا لا لِأَحَدِ الأَمْرَيْنِ، وَوُجُوبُ الْعَزْمِ فِي كُلِّ وَاجِبٍ مِنْ أَحْكَامِ الْإِيمَانِ.\n<hr><s0>\n\n\"في كلّ واجب من أحكام الإِيمان\" أي: كل أمر ديني يجب العَزْمُ على فعله إِذا كان واجبًا، لقوله ﷺ: \"إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ\" (^١).\nقلت: وهذا ساقطٌ، فإِنَّ القاضي لم يرد بالعَزْمِ النِّيَّةَ على الفعل، أو على تقدير إِرادة النّية، فلا نسلِّم أنها واجبةٌ في كلّ واجب قبل [الشروع] (^٢) فيه، والذي يوجبه القاضي هنا إِنما هو العزم على أن يفعل في ثاني الحال، ويسميه (^٣) بدلًا عن الفعل في أول الحال، وهو غير نِيَّة الفعل المقارنة (^٤) للشروع فيه.\nولقد أطال أصحابنا في الرد على القاضي في إِيجاب البدل.\nوالطريقة المحررة عندنا في الرَّد عليه أن تقول: إِما أن يكون الفعل في الأول واجبًا، أو لا،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الصحيح ١/ ١٥ في كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي، حديث (١) وفي ٥/ ١٩٠ في كتاب العتق، باب الخطإِ والنسيان حديث (٢٥٢٩) وفي ٧/ ٢٦٧ في كتاب مناقب الأنصار حديث (٣٨٩٨) وفي ٩/ ١٧ في كتاب النكاح، باب من هاجر أو عمل خيرًا لتزويج امرأة فله ما نوى حديث (٥٠٧٠) وفي ١١/ ٥٨٠ في الأيمان والنذور، باب النّية في الأيمان حديث (٦٦٨٩) وفي ١٢/ ٣٤٢، ٣٤٣ في كتاب الحيل باب من ترك الحيل حديث (٦٩٥٣)، ومسلم ٣/ ١٥١٥ في كتاب الإِمارة باب بيان قدر ثواب من غزا فغنم ومن لم يغنم حديث (٣/ ١٥١٥)، وأخرجه الترمذي ١/ ١٥٤ في فضائل الجهاد، باب ما جاء فيمن يقاتل رياءًا وللدنيا حديث (١٦٤٧) والنسائي ١/ ٥٨، ٥٩ في كتاب الطهارة، باب النية من الوضوء حديث (٧٥) وفي ٦/ ١٥٨، ٧/ ١٣، وابن ماجه ٢/ ١٤١٣ في الزهد باب النّية حديث (٤٢٢٧)، وأحمد في المسند ١/ ٢٥، والحميدي في مسنده ١/ ١٦، حديث (٢٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٩٦، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ٣٤٢، وفي تاريخ أصفهان ٢/ ١٥، ٢٢٧، وابن خزيمة في الصحيح ١/ ٧٣ في جماع أبواب الوضوء وسننه باب إِيجاب إِحداث النية عند دخول كلّ صلاة … حديث (٤٥٥)، وابن المبارك في الزهد ص (٦٢) حديث (١٨٨)، والطيالسي كما في المنحة ٢/ ٢٧ حديث (١٩٩٧)، والدارقطني في السنن ١/ ٥١ كتاب الطَّهارة باب النّية (١)، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١/ ٤١ في كتاب الطَّهارة باب النّية في الطَّهارة الحكمية، وفي ١/ ٢١٥، ٢٩٨، ٢/ ١٤، ٦/ ٣٣١، ٧/ ٣٤١، والرازي في العلل (٣٦٢).\n(^٢) في أ، ت، ح: الشَّرع.\n(^٣) في أ، ت، ح: نسميه.\n(^٤) في أ: المقاربة.","vol":"1","page":523},{"text":"الْحَنَفِيَّةُ: لَو كَانَ وَاجِبًا أَوَّلًا، عَصَى بِتَأْخِيرِهِ؛ لأَنَّهُ تَرْكٌ. قُلْنَا: التَّأْخِيرُ وَالتَّعْجِيلُ فِيهِ كَخِصَالِ الكَفَّارَةِ.\n\nتَأْخِيرُ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ\nمَسْأَلةٌ:\nمَنْ أَخَّرَ مَعَ ظَنِّ الْمَوْتِ قَبْلَ الفِعْلِ عَصَى اتِّفَاقًا، فَإِنْ لَمْ يَمُتْ ثُمَّ ...........\n<hr><s0>\n\nإِن لم يكن فلا حاجة إِلى البَدَلِ، وإِن كان فإِما أن يكون كُلّ الواجب، أو لا، إِن كان فيتأدى ببدله، وإِلا فيلزم أن يكون واجبان، ولا دليلَ عليه\nوالقاضي في \"التقريب\" ذكر ما حاصله أن قولنا: لا دليلَ على العَزْمِ ممنوع، بل دليله أنه إِذا ثبت جواز التَّرْك مع القَضَاء عليه بالوجوب فلا بُدّ وأن يكون تركه على خلاف ترك النَّفل ليتميز عنه، فليجب العَزْمُ لذلك.\nولقائلٍ أن يقول: يكفي في تمييزه عن النَّفْلِ أن إِخراج (^١) الوقت عنه يؤثم (^٢)، ولا حاجة إِلى ما ذكرت.\nالشرح: واحتجت \"الحنفية\" بأنه \"لو كان واجبًا أولًا عصى بتأخيره؛ لأنه ترك\" الواجبَ وهو الفعل أولًا.\n\"قلنا: التأخير والتَّعجيل فيه كَخِصَالِ الكَفَّارة\"؛ لأنا لم نقل: إِنه واجب أولًا عينًا.\nوحاصل قولنا: إِن الوجوب يلاقي المكلّف في أول الوقت، لا أنه يجب عليه إِيقاع الفعل أول الوقت، فلم يلزم ترك الوَاجب.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"مَنْ أخَّر\" الموسع (^٣) \"مع ظنِّ الموت قبل الفعل عصى اتفاقًا\"؛ لأنه تضيق عليه\n_________\n(^١) في خ: أخرج.\n(^٢) في أ، ت، ح: لؤتم.\n(^٣) اعلم أن القائلين بالواجب الموسع اتفقوا قاطبة على أن المكلف لو أخر الفعل الواجب عن أول الزَّمان الذي ظن أنه لو لم يشتغل به مات قبله عصى لتقصيره، بناءً على تضييق الوقت بحسب ظنه، فإِن لم يمت تم فعله في وقته المقدر. ينظر: الشِّيرازي.","vol":"1","page":524},{"text":"فَعَلَهُ فِي وَقْتِهِ فَالْجُمْهُورُ: أَدَاءٌ. وَقَالَ الْقَاضِي: قَضَاءٌ، فَإِنْ أَرَادَ وُجُوبَ نِيَّةِ الْقَضَاء فَبَعِيدٌ،\n<hr><s0>\n\nبظنه \"فإِن\" تبين خطأ ظنه، \"ولم يمت ثمَّ فعله في وقته، فالجمهور\" قالوا: إِنه \"أداء\"، لا مفعول في وقته المقدر له شرعًا، ولا يرتفع ذلك الإِثم، لجرأته، كمن وطئ امرأته يظنها أجنبية.\nوعن إِمام الحرمين: أن الإِثْم ينتفي.\nونظيره قول بعض الأشياخ: إِن الرَّجْعَةَ ترفع إِثم الطَّلاق في الحَيْضِ.\n\"وقال القاضي: قضاء\"، لأنه تضيق عليه بظنّه، وهو نظير ما قَدَّمناه عن القاضي، والحَقّ مع الجمهور.\nونظير المسألة: الزَّاني، ومن وطئ امرأته وهو يظنّها أجنبية، ولا يشكّ ذو نظر صحيح؛ أن إِثم الزَّاني أبلغ، وأن هذا إِنما يأثم على جرأته.\nومثار التَّردد أنه هل ينظر إِلى ما في نفس الأمر أو الظاهر.\nوهي قاعدة من فروعها: ما لو رأى العسكر سوادًا، وظنوه عدوًا، فصلوا صلاة الخَوْفِ، وبان غير عدو، ففي القضاء قولان:\nأظهرهما: الوجوب.\nولو رأوا عدوًا فخافوا، ثم بَانَ أنه كان بينهم وبينه خندق، فالصحيح وجوب القضاء، ولو استناب، المعضوب الذي لا يرجى برؤه ثم برئ، فالأصحُّ عدم الإِجزاء، نظرًا إِلى ما في نفس الأمر في الكلّ.\n\"فإِن أراد\" القاضي بكونه قضاء حقيقة القضاء المصطلح عليه (^١) بحيث ينبني عليه وجوب نيّة القضاء فبعيدٌ (^٢)، إِذ هو واقع في [الوَقْتِ] (^٣) المحدود له.\nولقائلٍ أن يقول: إِذا كان ينظر إِلى فصل المكلّف إِلى الوَقْتِ المحدود في نفس الأمر فلا بعد (^٤) فيه، وقد علمت موافقة القاضي الحسين له، وهو من أسَاطِين الفقهاء.\nثم لا يلزم من كونه قضاء \"وجوب نِيَّةِ القضاء\"؛ لأنا لا نشترطُ نيةَ القضاء في القضاء، ولا نِيَّةَ الأداء في الأداء، نعم هو في نفسه ضعيف ناءٍ عن صنيع السلف.\n\"ويلزمه\" أن المرء \"لو اعتقد انقضاء الوقت قبل دخول الوقت\"، وقد يتفق ذلك، كمحبوس\n_________\n(^١) سقط في ت، ح.\n(^٢) في أ، ت، ح: فيعيد.\n(^٣) سقط في ت.\n(^٤) في أ، ب، ح: يعد.","vol":"1","page":525},{"text":"وَيَلْزَمُهُ لَو اعْتَقَدَ انْقِضَاءَ الْوَقْتِ قَبْلَ الْوَقْتِ، فَيَعْصِي بالتَّأْخِيرِ. وَمَنْ أَخَّرَ مَعَ ظَنِّ السَّلامَةِ، فَمَاتَ فَجْأَةً فَالتَّحْقِيقُ لا يَعْصِي بِخِلافِ مَا وَقْتُهُ الْعُمْرُ.\n<hr><s0>\n\nلا يعرف أمر الأوقات فعصى بالتأخير أي: لم يفعل عند ظَنّه، ثم تبين خطأ ظنه، وأوقعها في الوقت أن يكون ذلك قضاء.\nهذا تقرير كلام المصنّف، وبه يظهر لك أن جواب \"لو\" محذوف، لدلالة ما قبله - وهو ما يلزمه عليه، ففاعل يلزمه ضمير يعود على، القضاء المتقدم كما قررناه.\nوالمعنى: ويلزمه القضاء في هذه الصورة.\nوقوله: \"فيعصي بالتأخير\" معطوف على اعتقد، أصله: لو اعتقد فعصى.\nوقد توهّم الشِّيرَازي أن لفظ المصنّف فيعصي - فعل مضارع - ثم توهّم ثانيًا أن ذلك جواب \"لو\"، ثم اعتقد ثالثًا أن عدم العصيان في هذه الصورة مفروغ منه، فلمَّا لزم القضاء الزم به، ليتبيّن فساد قوله، فأخذ ينتصر للقاضي بأنه لا يلزم، إِذ لا يلزم من كون الظن موجبًا للعصيان بالتأخير عن الوَقْتِ المظنون في الوقت المَشْرُوع كونه موجبًا بالتأخير عنه قبل الوَقْتِ المشروع.\nوما روي أن المصنّف وكل أحد يقول بالعصيان، وأن المفروغ منه ثبوت العصيان لا انتفاؤه، وأن الذي الزم به القاضي جعل هذه الصورة قضاء فقط، فإِن التزمه فقد باء بعظيم، فإِنَّ أحدًا لا يقول بأن العبادة تقع قبل الوقت أداء وبعده قضاء، وإِلَّا فقد تحكم؛ إِذ في المكانين ظنٌّ بانَ خطؤه وأثم بتأخير العبادة فيه، وكون ذلك الوقت المشروع لا هذا، لأن الوقت عنده ما يظنه المكلف فحسب.\nوهذا على تقدير أن يكون القاضي أراد بكونه قضاء، القضاء المصطلح عليه (^١) الذي دَلَّ عليه المصنّف بما يترتَّب عليه من وجوب نيَّة القضاء.\nوعندي أن القاضي يلتزم كونه قضاء، بل هذا قوله، ولا حاجة إِلى الاستفسار. وأمَّا نِيَّةُ القضاء ففرع عنه، ولا يلزم أيضًا، لما ذكرناه من عدم اشتراطها فلا تصحّ (^٢) إِرادتها بلفظ القضاء، وإِذا كان هذا هو مدعى القاضي فلا يقال: إِنه يلزم.\nولعلَّ المصنّف إِنما عدل عن القضاء إِلى نيّة القضاء؛ لئلَّا يكون قد ألزم بنفس المدعى فأخذ يلزم باثر من آثاره، يستبعد التزامه وهو النّية.\n_________\n(^١) سقط في ج، ح.\n(^٢) في ح: يصح.","vol":"1","page":526},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوسببه: أنه ظنها أثرًا من آثار القضاء [كما هو مذهب من يشترط تعيين نيَّة القضاء] (^١) والأداء، وحينئذٍ فإِن كان الإِلزام بالنّية، وهو (^٢) إِما أن يلتزم ذلك بناء على هذا المذهب أو لا يلتزمه، ولا يلزمه بناء على عدم الاشتراط، وإِن كان بكونه قضاء، فهو (^٣) في نفس الدَّعوى فلم يصح الإِلزام.\nنعم أنا أقول: يلزمه إِذ تضيق (^٤) عليه الوقت بالظَّن قبل دخوله، وأخر لعذر، ثم أن يجوز له التأخير والقضاء على التَّراخي؛ لأن ذلك شأن الصلاة المتروكة بِعُذْرٍ. فإِن عاش التزم ذلك وقال: يحل له التأخير والقضاء إِذا دخل الوَقْت، وتبين أنه كان مخطئًا في ظن دخوله، وتضييقه تأخير قضائه عنه، ولا يعتبر بالوقت، لأن المَدَارَ على الظَّن فاعتقد أن ذلك خرق لإِجماع الأمة، هذا تمام الكلام على هذا الشِّق.\nوإِن أراد القاضي غيره فلا بد من بيانه، وقال في \"المختصر [الكبير] \" (^٥): إِن أراد غيره لم يكن لا خلاف أثرٌ في المعنى، ولم يذكر هنا هذا الشق، إِما لوضوحه، أو لعود الخلاف لفظيًّا.\nوقول الآمدي: إِنما تظهر فائدته في نِيَّة القضاء والأداء بناء منه على ما اعتقده هو والمصنّف من أن كونه قضاء يوجب نيَّة القضاء، ثم يقول بهذا التقدير: إِنما تظهر الفائدة إِذا التزمه، فلا ظهور لهذه الفائدة، نعم لو التزم القاضي ما ألزمناه نحن ظهرت فائدة معنوية للخلاف، وهي حلّ التأخير عن الوَقْتِ، لكنى أجلُّ مقداره عن التزام ذلك، والله أعلم.\n\"ومن أخَّر مع ظَنّ السلامة فمات، فالتحقيق لا يعصي\" فيما له أمد معلوم كالصلوات الخمس \"بخلاف ما وقته العمر\" كالحج، فإِنه يعصي فيه.\nوالفرق: أنه بالموت في أثناء وقت الصَّلاة لم يخرج وقت الصَّلاة، وبالموت في أثناء وقت الحَجّ خرج وقته مع القول بأن من مات في أثنائه لا يُقْضَى (^٦) له إِلا على تأويل - وهو أنها لو أقيمت [لوقعت على مرتبة الواجبات] (^٧).\nوأغلظُ له ابنُ السَّمعاني القَوْلَ في الردِّ عليه وقال: إِن من مات بَغْتَةً غير مفوت للمأمور؛\n_________\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) في ج: فهو.\n(^٣) في ب: وهو.\n(^٤) في أ، ت: يضيق.\n(^٥) سقط في ت.\n(^٦) في ج، ح: يعصى.\n(^٧) سقط في ت.","vol":"1","page":527},{"text":"مُقَدِّمَةُ الوَاجِبِ (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-417>مَسْأَلةٌ:\nمَا لا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ،</span> وَكَانَ مَقْدُورًا شَرْطًا، وَاجِبٌ، ............\n<hr><s0>\n\nلأن التأخير من وقت إِلى مثله لا يُعدّ تفويتًا، إِلا أنه صار فائتًا [بمعنى] (^٢) من قبل الله - تعالى - فلم يجز أن يوصف بالعصيان، وهو كالمضيق إِذا لم تساعده الحياة في وقته هذا حاصل كلامه، وهو معروف ممَّا قلناه قابل لِلتَّشْكيك.\n«مسألة»\nالشرح: \"ما لا يتم الواجب إِلا به\" ممَّا ورد الأمر فيه مطلقًا كالصَّلاة \"وكان مقدورًا\" للمكلف \"شرطًا\" لحصول المأمور به كالطهارة للصلاة - \"واجب\" (^٣).\nوقولنا: \"مطلقًا\" - احتراز (^٤) من الوجوب المقيد بشرط، كالزكاة، وجوبها متوقف على النِّصَاب (^٥)، والجمعة (^٦)، على الأربعين (^٧)، ولا يجب تحصيلها، \"والمقدور\" - احتراز من قدرة\n_________\n(^١) ينظر: البرهان ١/ ٢٥٧، والمحصول ١/ ٢/ ٣٢٢، والمستصفى ١/ ٧١، والعضد ١/ ٢٤٤، الإِحكام للآمدي ١/ ١٠٣، المسودة ص (٦٠)، وفواتح الرحموت ١/ ٩٥، وتيسير التحرير ٢/ ٢١٥، وشرح الكوكب ١/ ٣٥٨، والتقرير والتحبير ٢/ ٢٣٧، ونهاية السول ١/ ١٩٧، والإِبهاج ١/ ١١٣، والبحر المحيط ١/ ٢٢٣.\n(^٢) سقط في ت.\n(^٣) في حاشية ج: قوله: \"واجب\" أي لوجب الواجب إِذ لو لم يجب به لجاز تركه من جهته، ولو جاز تركه لجاز ترك الواجب في هذا الدليل مع أن الإِيجاب هو إِلزام الفعل مع المنع من الترك. فتأمل.\n(^٤) في حاشية ج: قوله: احتراز من الوجوب المقيد … إِلخ وذلك لأنه إِذا أمر به مطلقًا كان مأمورًا به حتى في وقت عدم الشرط، وإِذا كان لا يحصل إِلا به وجب تحصيله بخلاف ما لو أمر به مقيدًا، فإِنه أمر بتحصيله عند وجوب القيد، فلا يجب إِلا عند وجوده هذا، وكأن مسألة تكليف الكفار بالفروع مبنية على هذه. فتأمل.\n(^٥) النصاب من المال: القدر الذي يجب فيه الزكاة إِذا جمعه نحو مائتي درهم وخمس من الإِبل. ينظر: أنيس الفقهاء (١٣٢).\n(^٦) في حاشية ج: قوله: \"والجمعة على الأربعين ولا يجب تحصيلهما، يعني أن وجود النصاب ووجود الأربعين مقدمة وجوب، فلا تجب بوجوب الواجب، وأمَّا حضور العدد فمقدمة وجود، لكنها لا تجب؛ لأنها غير مقدورة، كذا في شرح جمع الجوامع.\n(^٧) الجمعة من الاجتماع، كالفرقة من الافتراق أضيف إِليها اليوم، ثم كثر الاستعمال حتى حذف منها =","vol":"1","page":528},{"text":"والأَكْثَرُ: وَغَيْرَ شَرْطٍ؛ كَتَرْكِ الْأَضْدَادِ فِي الْوَاجِبِ، وَفِعْلِ ضِدٍّ فِي الْمُحَرَّمِ، وَغَسْلِ جُزْءِ الرَّأْسِ. وَقِيلَ: لا، فِيهِمَا.\n<hr><s0>\n\nالعبد على الفعل وداعيته المخلوقين لله تعالى.\nولا تتم الواجبات المطلقة إِلا بها، ولا يجب تحصيلهما، ولا يتوقّف الوجوبُ عليهما.\n_________\n= المضاف، وجمعت، وضم ميمها لغةُ \"الحجاز\"، وبها ورد \"القرآن\"، وهي مصدر بمعنى الاجتماع، وإِسكانها لغة \"عقيل\"، وهي - على هذا - إِما من الاجتماع فتكون مصدرًا، أو بمعنى اسم المفعول … أي المجموع فيه، كقولهم: ضحْكة للمضحوك منه. وفتحها لغةُ \"بني تميم\"، قال \"النووي\": وجهوا الفتح بأنها تجمع الناس، لقولهم: ضحكة، لكثير الضحك، وهمزة لمزة لكثير الهمز واللمز، والجمع لها جمع وجمعات، وميم الجمع تابعة لميم المفرد في حركاتها، وبعضهم جعل الأول الساكن الميم فقط. وتطلق على الأسبوع بأسره مجازًا مرسلًا من باب تسمية الكلّ باسم جزئه؛ لفضله وشهرته. وسميت الصلاة بصلاة الجمعة؛ لاجتماع الناس لها، وسمي اليوم يوم جمعة؛ لما جمع فيه من الخير، وقيل: لاجتماع آدم مع حواء فيه بموضع يقال له: سرنديب. وقيل: لأن خلق آدم ﵇ جمع فيه، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قلت: يا نبي الله لأيِّ شيءٍ سُميَ يَوْمُ الجُمُعَةِ؟ فقال: \"لأِنَّ فيه جُمِعَتْ طِينَةُ أَبيكُمْ آدَمَ ﵇\"، وكان يسمى في الجاهلية يوم العَروبة، ومعناه: البين المعظم، قال بعضهم:\nنفسي الفداء لأقوام هموا خلطوا … يوم العروبة أورادًا بأوراد\nوأول من سماه الجمعة كعب بن لؤي، وهو أول من جمع الناس بـ \"مكة\"، وخطبهم وبشرهم بمبعث النبيّ ﷺ.\nبيانُ مَوْضِع فَرضيَّتَها وأول من أقامها: فرضت بـ \"مكة المشرفة\" ليلة الإِسراء، ولم تقم بها؛ لقلة المسلمين، وخفاء الإِسلام، وأول من أقامها أسعد بن زرارة بـ\"المدينة الشريفة\" قبل الهجرة بـ: نقيع الخضمات على ميل من المدينة في حي بني بياض. ونقل عن الحافظ ابن حجر أنها فرضت بـ \"المدينة\"، ويمكن حمله على استقرار الوجوب، لزوال العذر الذي كان قائمًا بهم. والعذر: هو عدم بلوغ العدد عنده ﷺ .. أو لأن من شعارها الإِظهار، وقد كان ﷺ بـ\"مكة\" مستخفيًا، وهذا أقرب. من شروط الجمعة أن يكون العدد أربعِين: فلا تنعقد بأقل من أربعين عند الشَّافعي وبه قال أحمد واختلف رواية الأصحاب عن مالك، فمنهم من روي عنه مثل مذهبنا، ومنهم من روي عنه أن الاعتبار بعدد .. يعد بهم الموضع قرية. وقال أبو حنيفة: تنعقد بأربعة؛ لأنه عدد يزيد على أقل الجمع المطلق، وعن الأوزاعي وأبي ثور - وهو قول لأحمد - أنها تنعقد بثلاثة؛ لأنه يتناوله اسم الجمع، فانعقدت به الجماعة، كما لأربعين. وقال ربيعة: تنعقد باثني عشر رجلًا، لما روي عن النبيّ ﷺ أنه كتب إِلى مصعب بن عمير في المدينة، فأمره أن يصلي الجمعة عند الزوال ركعتين، وأن يخطب فيهما، فجمع مصعب بن عمير بـ \"المدينة\" في بيت سعد بن خيثمة. باثني عشر رجلًا، =","vol":"1","page":529},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقيل: إِن كان سببًا لتحصيل الواجب كان واجبًا، وإِن كان شرطًا فلا، وربما أوهم إِطلاق\n_________\n= وعن جابر قال: \"كنا مع النبيِّ ﷺ فَقَدِمَتْ سُوَيْقَة، فخرج الناس إِليها، فلم يبقَ إِلا اثنا عشر رجلًا أنا فيهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ إِلخ الآية، رواه مسلم وما يشترط للابتداء يشترط للاستدامة. يدلّ للشافعية ما رواه البيهقي عن ابن مسعود أَنه ﷺ جَمَعَ بـ \"المَدِينَةِ\" وكانوا أَربعين رجلًا\".\nقال في \"المجموع\": قال أصحابنا: وجه الدلالة أن الأُمة أجمعوا على اشتراط العدد، فلا تصح الجمعة إِلا بعدد ثبت فيه توقيف، وقد ثبت جوازها بأربعين، وثبت \"صلُّوا كَمَا رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي\"، ولم تثبت صلاته لها بأقل من ذلك، فلا تجوز بأقل منه. أما قول الثلاثة وقول الأربعة؛ فتحكم بالرأي فيما لا مدخل له فيه؛ فإِن التقديرات بابها التوقيف، فلا مدخل للرأي فيها، ولا معنى لاشتراط كونه جمعًا، ولا للزيادة مع الجمع؛ إِذ لا نص في هذا، ولا معنى نص: ولو كان الجمع كافيًا لاكتفى بالاثنين، فإِن الجمعة تنعقد بهما. فأما من روى أنهم كانوا اثني عشر رجلًا، فلا يصح، فإِن ما رويناه أصح منه. رواه أصحاب السنن.\nوأما الخبر الآخر، وهو خبر الانفضاض، فليس فيه أنه ابتدأها باثني عشر رجلًا، بل يحتمل عودهم أو عود غيرهم مع سماعهم أركان الخطبة، وفي مسلم \"انفضُّحوا في الخُطْبَة\" وفي رواية للبخاري \"انْفَضُّحوا في الصَّلاةِ\" وهي محمولة على الخطبة جمعًا بين الأخبار، فتمت دلالتنا. وعلى ذلك لا تنعقد الجمعة إِلا بأربعين، ولو أُميين في درجة.\nفإِن قيل: لم اختصت الجمعة بأربعين رجلًا من بين سائر الصلوات؟ ولم اختصت الأربعون بذلك من بين سائر الأعداد به؟ قال الأصبحي: إِنما كان كذلك لأن الجمعة إِنما شُرعت لمباهاة أهل الذمة، ولا يحصل ذلك إِلا بعدد، والأولى من الأعداد ما أظهر الله به الإِسلام، وهو الأربعون، فهذا هو المعنى في ذلك. ذكره الشيخ أبو إِسحاق في النكت. قال بعضهم: ويمكن أن يقال: إِنما اختصت بهذا العدد لأن خير الطلائع أربعون. سبق أن قلنا: تنعقد بأربعين ولو أميين في درجة، فلو كان في الأربعين أمي واحد أو أكثر لم تصح الجمعة؛ لارتباط صحّة صلاة بعضهم ببعض، فصار كاقتداء القارئ بالأمي. نقل هذا الأذرعي عن فتاوى البغوي، واستظهر بعضهم أن هذا محله إِذا قصَّر الأمي في التعلم، وإِلا فتصح الجمعة إِن كان الإِمام قارئًا، وفي صفة الأئمة أن الأميين إِذا لم يكونوا في درجة لا يصح اقتداء بعضهم ببعض. ويشترط في الأربعين أن يكونوا ذكورًا مكلفين أحرارًا متوطنين ببلد الجمعة، لا يظعنون شتاء ولا صيفًا إِلا لحاجة كتجارة .. وزيارة، لأنه ﷺ لم يُجَمِّع بحجة الوداع مع عزمه على الإِقامة أيامًا لعدم الاستيطان، وكان يوم عرفة فيها يوم جمعة كما ثبت في الصحيحين، وصلى الظهر والعصر تقديمًا كما ثبت في رواية مسلم، وهذه الصفات المذكورة معتبرة هنا للانعقاد بخلافها فيما تقدم، فاعتبارها للوجوب، فلا تنعقد بالنساء والخناثي وغير المكلفين، ومن فيه رق .. لنقصهم، ولا بغير المتوطنين كمن أقام مصرًا على العود إِلى بلده، ولو بعد مدة =","vol":"1","page":530},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالمصنّف أن السبب لا يجب تحصيله، بخلاف الشرط، وهذا لا يقوله أحد، فإِن السبب أولى بالوجوب.\nوإنما مراده أنه يجب الشرط الشرعي دون ما عداه الشروط العقليّة والعادية، وهو رأي إِمام الحرمين (^١).\nوإِنما أطلق في الكتاب قوله: شرطًا، ولم يقيد بالشرعي؛ لأنه لا يسمى العقلي والعادية شروطًا كما ظهر من كلام إِمام الحرمين.\nومحاولة بعض الشَّارحين أن المصنّف يختار وجوب الشَّرط دون السَّب إِيقاع للمصنّف في خرق الإِجماع الذي سينقله هو من بعد، وإِلزام له بما لا [ينتهض] (^٢) به توجيه.\nوالحق عندنا - وهو اختيار الشيخ الإِمام وعليه الأكثر - وجوبه مطلقًا شرطًا، وغير شرط، ممَّا يلزم فعله عقلًا \"كترك الأضداد في الواجب، وفعل ضد في المحرم\"، وعادة نحو \"غسل جزء من الرأس\" لتحقُّق غسل الوجه كله.\n_________\n= طويلة كالمتفقهة والتجار ولا بالمتوطنين خارج بلد الجمعة، وإِن سمعوا النداء؛ لعدم الإِقامة ببلدها، ومن هنا اشترط تقدم إِحرام من تنعقد بهم الجمعة لتصح لغيرهم تبعًا، قال البغوي: ولا ينافيه صحتها له إِذا كان إِمامًا؛ لأن تقدمه ضروري فاغتفر. وحكى ابن الصباغ أن أبا حنيفة يقول بانعقادها بأربعة من العبيد، وبأربعة من المسافرين، واحتج عليه بأن من لا تلزمه الجمعة لا تنعقد به.\nوهل تنعقد بالمرضى؟ المشهور أنها تنعقد بهم لكمالهم وإِن لم تجب عليهم تخفيفًا، ونقل ابن كج عن أبي الحسين أن الشَّافعي ﵁ قال: لا تنعقد الجمعة بأربعين مريضًا كالمسافرين والعبيد، فعلى هذا صفة الصحة تعتبر مع الصفات الَّتي أسلفناها. ثم عدد الأربعين معتبر مع الإِمام، أو يشترط في الإِمام أن يكون زائدًا على الأربعين؟ فيه وجهان: أصحهما: أنه من جملة الأربعين؛ لخبر كعب بن مالك قال: \"أول من جمع بنا .. أسعد بن زرارة في هزم النبيون من حرة بني بياضة في نقيع يقال له: نقيع الخضمات. قلت له: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون\" رواه أبو داود والأثرم.\nوالثَّاني: أنه زائد على الأربعين، لما روي أنه ﷺ جمع بالمدينة، ولم يجمع بأقل من أربعين. وقد حكى القاضي الروياني الخلاف في المسألة قولين: القديم أنه زائد على الأربعين. ويشترط حضور الأربعين في الخطبة، وأن يسمعوها وإن لم يفهموها، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ قال أكثر المفسرين: إِن المراد منه الخطبة. وقال أبو حنيفة: لا يشترط بل لو خطب منفردًا جاز، واحتج عليه بأن الخطبة ذكرٌ واجب في الجمعة، فيشترط حضور العدد فيه كتكبيرة الإِحرام.\n(^١) ينظر: مصادر المسألة.\n(^٢) في ب: ينهض.","vol":"1","page":531},{"text":"لَنَا: لَوْ لَمْ يَجِبِ الشَّرْط، لَمْ يَكُنْ شَرْطًا.\n<hr><s0>\n\nثم قال أكثرهم: إِن ذلك ليس من صيغة اللَّفظ، بل من دلالته، وهو الصَّحيح.\nواقتضى كلامُ ابن السَّمْعَاني أن منهم من يقول: بأنه من نفس الصيغة يقتضي ذلك وهو ساقطٌ.\n\"وقيل: لا\" وجوب \"فيهما\" أي: في الشرط وغيره.\nوزعم (^١) ابنُ الأَنْبَاري أنه لا خلاف في وجوب الشَّرط الشرعي، وليس كذلك، ولو تَمَّ لاتجه للمصنّف أن يقول بوجوب الشَّرط الشرعي دون السَّبب؛ لأن لنا قائلًا بأن السَّبب لا يجب.\nفإِذا قام الإِجماع مع ذلك على وجوب الشَّرْط كان السبب أولى، بأن يقال بوجوبه، ولكن ذلك مردود نقلًا ومعنى لا [تقوم] (^٢) به الحُجَّة.\nالشرح: \"لنا\" (^٣) على وجوب الشَّرط الشرعي أنه \"لو لم يجب الشَّرطُ لم يكن شرطًا\"، والتالي باطل؛ لأنه خلاف الفرض.\nوبيان الملازمة: أن الشرط إِذا لم يجب جاز تركه، فإِذا تركه، فإِما أن يكون الفعل إِذ ذاك مأمورًا به، أَوْ لا، والتالي (^٤) باطل، فيلزم أن يتقيَّد الوجوب بوقت وجود الشَّرط، وهو خلاف الفَرْض؛ لأن صورة المسألة: إِذا ورد الأمر مطلقًا غير متوقف بحالة حصول المتوقّف عليه.\n_________\n(^١) زعم: قال الإِمام الواحدي المفسر رحمه الله تعالى في قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ قال الزُعم والزَعم لغتان وأكثر ما يستعمل بمعنى القول فيما لا يتحقق قال ابن المظفر: أهل العربية يقولون زعم فلان إِذا شك فيه ولم يدر لعله كذب أو باطل. وعن الأصمعي الزعم الكذب. وقال شريح: زعموا كنية الكذب. وقال ثعلب عن ابن الأعرابي الزعم القول يكون حقًّا ويكون باطلًا وأنشد في الزعم الذي هو حق لأمية بن أبي الصلت: [المتقارب]\nوَإِنِّي أَذِينٌ لَكُمْ أَنَّهُ … سَيُنْجِزكُمْ ربُّكُمْ مَا زَعَمْ\nومثل ذلك قال شمر وأنشد للجعدي رضي الله تعالى عنه في الزعم الذي هو حق يذكر نوحًا ﵊:\nنودي قم واركبن بأهلك … إِن الله موفٍ للناس ما زعما\nوهذا بمعنى التَّحقيق. ينظر: تهذيب الأسماء واللغات ٣/ ١٣٤.\n(^٢) في ت، ح: يقوم.\n(^٣) لما فرغ من تحرير المذاهب أقام الدليل على أن ما لا يتم الواجب إِلا به إِن كان شرطًا فهو واجب، وإِن كان غير شرط فليس بواجب.\n(^٤) في ج: والثاني.","vol":"1","page":532},{"text":"وَفِي غَيْرِهِ، لَوِ اسْتَلْزَمَ الْوَاجِبُ وُجُوبَه، لَزِمَ تَعَقُّلُ الْمُوجِبِ لَه، وَلَمْ يَكُنْ تَعَلُّقُ الْوُجُوبِ لِنَفْسِهِ، وَلامْتَنَعَ التَّصْرِيحُ بِغَيْرِهِ، وَلَعَصَى بِتَرْكِهِ، وَلَصَحَّ قَوْلُ الْكَعْبِيِّ فِي نَفْي الْمُبَاحِ، وَلَوَجَبَتْ نِيَّتُهُ.\n<hr><s0>\n\nوالأول إِما أن يكون الفعل ممكن الحصول عند عدم الشرط أو لا، والتالي باطل، وإِلا يلزم تكليف ما لا يُطَاق، فيتحقق الأول، وهو كونه غير شرط.\nالشرح: \"وفي \"الدلالة على عَدَمِ وجوب \"غيره\".\nقال المصنّف: \"لو استلزم الواجب وجوبه لزم تعقل الموجب له\"، وإِلا أدَّى إِلى الأمر بما لا شعورَ له به، وهو قد يغفل عنه.\nوأيضًا: \"لم يكن تعلّق الوجوب\" الذي هو الطلب الجازم بغير الشرط \"لنفسه\". لكن الطلب الذي هو نسبة بين الطَّالب والمطلوب ما لا يعقل منه غير المطلوب فلا يستلزم إِيجاب شيء غيره.\nوأيضًا: لو كان مستلزمًا وجوبه \"لامتنع التصريح بغيره\"، ولا يمتنع أن يقول: لا يجب غسل شيء زائد على الوجه مثلًا.\nوأيضًا: لو استلزم \"لعصى (^١) بتركه\"، وتارك مقدمة الواجب إِنما يعصي (^٢) بترك الواجب لا بترك المقدمة.\n\"ولصح قول الكعبي (^٣) في نفي المُبَاح\"؛ لأن فعل الواجب - وهو ترك الحرام - لا يتم إِلا به فيجب.\nوفي بعض النسخ - وليس في أصل المصنّف - \"ولوجبت نِيَّته\" (^٤)؛ لأنه عبادة، ولا تجب إِجماعًا.\nولقائل أن يقول: على الأول، لا نسلم الغَفْلة عنه على الجملة.\n_________\n(^١) في ت: لقضى.\n(^٢) في ت: يقضي.\n(^٣) عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي، من بني كعب، البلخي الخراساني، أبو القاسم: أحد أئمة المعتزلة، كان رأس طائفة منهم تسمى \"الكعبية\" وله آراء ومقالات في الكلام انفرد بها، وهو من أهل \"بلخٍ\"، أقام بـ\"بغداد\" مُدَّةً طويلة، له كتب منها: التفسير، وتأييد مقالة أبي الهذيل. صنف في الكلام كتبًا كثيرة، وانتشرت كتبه بـ \"بغداد\". ولد سنة ٢٧٣ هـ، وتوفي سنة ٣١٩ هـ. ينظر: تاريخ بغداد ٩/ ٣٨٤، المقريزي ٢/ ٣٤٨، الأعلام ٤/ ٦٥.\n(^٤) في ج، ح: بنية.","vol":"1","page":533},{"text":"قَالُوا: لَوْ لَمْ يَجِبْ، لَصَحَّ دُونَه، وَلَمَا وَجَبَ التَّوَصُّلُ إِلَى ............\n<hr><s0>\n\nسلمنا، ولكن لِمَ قلتم بامتناع الغفلة عنه: إِنما يمتنع الغفلة عما يجب بالذات؟ أما ما يكون مقدمة للواجب فقد يغفل عنه (^١)، ثم (^٢) يجب تبعًا.\nوعلى الثَّاني: أن ما ذكره جار في الشَّرط الشرعي، فلم أوجبه.\nوالتحقيق: أن إِجابة المقدمة ليس بذاته، بل بالدلالة والاستلزام، كما نقلناه عن أكثر.\nوعلى الثالث: أنه ملتزم إِن أريد وجوب الوسائل (^٣)، وغير لازم إِن أريد وجوب المقاصد.\nوعلى الرابع: أنه ملتزم أيضًا.\nوعلى الخامس: أن قول الكعبي بهذا الطريق، هو المختار على ما حقق في مكانه.\nوعلى السادس: أنه غير لازم، وإِنما تجب نِيَّة (^٤) العبادة المقصودة بنفسها.\nوهذا هو السِّر في قيام الإِجماع على أن الصائم يخص النِّيَّة بالإِمساك الواقع في النهار، ولا يجب عليه أن يبسط النِّيَّة على ما وراءه، وإِن قيل: بوجوب الإِمساك فيه.\nالشرح: وأصحابنا \"قالوا: لو لم يجب\" ما لا يتمّ الواجب إِلا به مطلقًا \"لصح\" الواجب \"دونه\"، لأنه آت - والحالة هذه - بكلّ ما وجب عليه، والفرض أن الواجب ممتنع إِلا به.\nوأيضًا: لو لم يجب \"لما وجب التوصُّل إِلى الواجب، والتوصل\" إِلى الواجب \"واجب بالإِجماع\".\n\"وأجيب (^٥) إِن أريد بلا يصح\" دونه، وبأن التوصّل إِلى الواجب \"واجب\"، أنه \"لا بد منه فمسلم\"، وليس محلّ النّزاع، \"وإِن أريد\" أنه \"مأمور به\" شرعًا، \"فأين دليله\"؟\nوما ذكر من الإِجماع ممنوعٌ قيامه، \"وإِن سلم الإِجماع ففي الأسباب\" دون الشروط العقليّة والعادية، وهي في الأسباب \"بدليل خارجي\"، لا من جهة كونه وسيلة، فلا يدلّ على إِيجاب الوسيلة مطلقًا.\nوهذا يعرفك أن المصنّف يختار وجوب السَّبب، بل يسلّم (^٦) قيام الإِجماع عليه.\n_________\n(^١) قوله: \"فقد يغفل عنه ودلالة الاستلزام يكفي فيها اللزوم وإِن لم تقصد كما قرره بعضهم خلافًا للبعض. في شرح المقاصد.\n(^٢) في ج، ح: لم.\n(^٣) في ح: السائل.\n(^٤) في أ، ح: يجب بنية.\n(^٥) في ت، ج: واجب.\n(^٦) في ب: نسلم.","vol":"1","page":534},{"text":"الْوَاجِبِ، وَالتَّوَصُّلُ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَأُجِيبَ إِنْ أُرِيدَ بِـ \"لا يَصِحُّ وَوَاجِبٌ\": لا بُدَّ مِنْه،\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-418>\"فروع\"</span>\nإِذا ترك واحدة من الخمس، وجهل عينها، وجب الخمس.\nوالأصح: إِيجاب تيمم واحد، لا خمس تيمُّمات؛ لأن الأربع - من حيث إِنها لم ترد لنفسها - منحطةٌ عن مراتب الفرائض.\nوإِذا قال: إِحداكما طالق، حِيلَ بينه وبينهما إِلى أن يعيِّن، خلافًا لأبي علي بن أبي هريرة.\nوفي الزائد على ما ينطلق عليه الاسم من المَسْح، وقدر قيمة الشَّاة من البعير المخرج عن الشَّاة الواجبة في الزَّكاة، ومن البَدَنَة الَّتي يذبحها المتمتع بدلًا عن الشَّاة، وحلق جميع الرأس، وتطويل أركان الصَّلاة زيادة على ما يجوز الاقتصار عليه، والبَدَنة المضحى بها بدلًا عن الشَّاة المقدورة، هل يوصف بالوجوب؟\nخلاف، رجَّح الإِمامُ الرازي أنه لا يوصف.\nوهل يختصّ الخلاف في مَسْحِ الرأس (^١) مثلًا، بما إِذا وقع دفعة واحدة، أم\n_________\n(^١) قبل الحديث عن المسألة أبين أن الفقهاء قاطبة اتفقوا على استحباب مسح جميع الرأس، وعلة ذلك كما صرح بذلك الإِمام النووي: بأنه طريق إِلى استيعاب الرأس ووصول الماء إِلى جميع الشعر. وأصل الاختلاف في هذا الاشتراك الذي في الباء في كلام العرب، وذلك أنها مرة تكون زائدة مثل قوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ على قراءة من قرأ: تنبت بضم التاء وكسر الباء من أنبت، ومرة تدلّ على التبعيض مثل قول القائل: أخذت بثوبه وبعضده، ولا معنى لإِنكار هذا في كلام العرب؛ أعني كون الباء مبعضة، وهو قول الكوفيين من النحويين، فمن رآها زائدة أوجب مسح الرأس كله، ومعنى الزائدة ههنا كونها مؤكدة، ومن رآها مبعضة أوجب مسح بعضه. وإِن سلمنا أن الباء زائدة بقي ههنا أيضًا احتمال آخر وهو. هل الواجب الأخذ بأوائل الأسماء أو بأواخرها؟ وعلى ضوء هذا اختلف أهل العلم في القدر المفروض من المسح، فذهب مالك وأهل العترة والمزني والجبائي وإِحدى الروايتين عن أحمد إِلى أن مسح جميع الرأس فرض. وقال الشَّافعي ﵁ والطبري صاحب التفسير - كما نبه على ذلك ابن سيد الناس في شرح جامع الترمذي -: يجب أن يمسح قدر ما ينطلق عليه اسم المسح وإِن قل. وقال أبو حنيفة ﵀: يجب مسح ربع الرأس، وقال الأوزاعي وسفيان الثوري والليث بن سعد: يجزئ مسح بعض الرأس ويمسح المقدم، وهو قول الإِمام أحمد. والظاهرية تنوعت آراؤهم في هذا، فذهبت بعضهم إِلى وجوب الاستيعاب، وبعضهم قال باكتفاء البعض. =","vol":"1","page":535},{"text":"فَمُسَلَّمٌ، وَإِنْ أُرِيدَ: مَأْمُورٌ بِهِ، فَأَيْنَ دَلِيلُه، وَإِنْ سُلِّمَ الْإِجْمَاع، فَفِي الْأَسْبَابِ بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ.\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  واستدل الإِمام مالك بحديث عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن رجلًا قال لعبد الله بن زيد بن عاصم، وهو جد عمرو بن يحيى: \"هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ قال عبد الله بن زيد: نعم؛ فدعا بوضوء، فأفرغ على يده اليمنى فغسل يده مرتين، ثم مضمض واستنثر ثلاثًا ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين، مرتين إِلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إِلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إِلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه\". أخرجه البخاري ١/ ٣٤٧ (١٩١)، (١٩٢)، (١٩٧)، (١٩٩)، ومسلم ١/ ٢١٠ (١٨/ ٢٣٥) واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ والرأس حقيقة: اسم لجميعه، والبعض مجاز، ورُدَّ بأن الباء للتبعيض، وأجيب بأنه لم يثبت كونها للتبعيض، وقد أنكره سيبويه في خمسة عشر موضعًا من كتابه، ورد أيضًا بأن الباء تدخل في الآلة، والمعلوم أن الآلة لا يراد استيعابها كـ: مسحت رأسي بالمنديل، فلما دخلت الباء في الممسوح كان ذلك الحكم، أعني عدم الاستيعاب في الممسوح، أيضًا قاله التفتازاني قالوا: جعله جار الله مطلقًا، وحكم على المطلق بأنه مجمل. وبينه النبيّ ﷺ بالاستيعاب، وبيان المجمل الواجب واجب. ورد بأن المطلق ليس بمجمل؛ لصدقه على الكلّ والبعض؛ فيكون الواجب مطلق المسح كلًّا أو بعضًا، وأيًّا ما كان وقع بها الامتثال. ولو سلم أنه مجمل لم يتعيّن مسح الكلّ؛ لورود البيان بالبعض عند أبي داود من حديث أنس بلفظ أنه ﷺ أدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة\" وعند مسلم (١/ ٢٣٠) حديث (٨١/ ٢٧٤) وأبي داود والترمذي من حديث المغيرة بلفظ \"أنه ﷺ توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة\" قال ابن القيم في زاد المعاد (١/ ١٩٣): \"إِنه لم يصح عنه ﷺ في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه ألبتة، ولكن كان إِذا مسح بناصيته أكمل على العمامة. قال: وأما حديث أنس فمقصود أنس أن النبيّ ﷺ لم ينقض عمامته حتى يستوعب مس الشعر كله، ولم ينف التكميل على العمامة، وقد أثبته حديث المغيرة، فسكوت أنس عنه لا يدلّ على نفيه. وأيضًا قال الحافظ: إِن حديث أنس في إِسناده نظر. وأجيب بأن النزاع في الوجوب، وأحاديث التعميم - وإِن كانت أصح وفيها زيادة - وهي مقبولة، لكن أين دليل الوجوب وليس إِلا مجرد أفعال؟ ورد بأنها وقعت بيانًا للمجمل؛ فأفادت الوجوب. والإِنصاف أن الآية ليست من قبيل المجمل وإِن زعم ذلك الزمخشري وابن الحاجب في مختصره والزركشي، والحقيقة لا تتوقف على مباشرة آلة الفعل بجميع أجزاء المفعول، كما لا تتوقف في قولك: ضربت عمرًا على مباشرة الضرب لجميع أجزائه، فمسح رأسه يوجد المعنى الحقيقي بوجود مجرد المسح للكل أو البعض، وليس النزاع في مسمى الرأس؛ فيقال: هو حقيقة في جميعه، بل النزاع في إيقاع المسح على الرأس، =","vol":"1","page":536},{"text":"<span data-type='title' id=toc-419>تَحْرِيمُ وَاحِدٍ لا بِعَيْنِهِ </span>(^١)\nمَسْألَةٌ:\nيَجُوزُ أَنْ يُحَرَّمَ وَاحِدٌ لا بِعَيْنِهِ، خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَهِيَ كَالْمُخَيَّرِ.\n<hr><s0>\n\nيجزئ (^٢) وإن وقع مرتبًا؟ فيه وجهان.\nوفائدة الخلاف تظهر في الثَّواب، فإِن ثواب الفريضة أكثر من ثَوَاب النَّافلة، وفيما إِذا عجل البعير عن شَاةٍ، واقتضى الحال الرجوع بجميعه أو بسبعه (^٣). فيه وجهان في \"شرح المهذب\" وغير ذلك.\nومن مقدّمة الواجب مؤنة الكَيْل الذي يفتقر إِليه القبض، وهو على البائع كمؤنة إِحضار المبيع الغائب، ومؤنة وزن الثَّمن على المشتري، وفي أجرة نقد الثمن وجهان.\nوإِذا خفي عليه موضع النَّجَاسة من الثوب أو البدن غسله كله.\nوإذا اكترى دابَّة للرّكوب أطلق الأكثرون أن على المكتري الإِكَاف والبَرْدَعة والحزام وما ناسب ذلك، لأنه لا يتمكّن من الركوب دونها.\n«مسألة»\nالشرح: \"يجوز أن يحرِّم واحدًا لا بعينه\" - أي: مبهم من أشياء - فقد يرد التخيير بين\n_________\n= والمعنى الحقيقي للإِيقاع يوجد بوجود المباشرة، ولو كانت المباشرة الحقيقية لا توجد إِلا بمباشرة الحال لجميع المحل لقل وجود الحقائق في هذا الباب، بل يكاد يلحق بالعدم؛ فإِنه يستلزم أن نحو: ضربت زيدًا وأبصرت عمرًا من المجاز؛ لعدم عموم الضرب والرؤية، وقد زعمه ابن جني منه، وأورده مستدلًا به على كثرة المجاز، والحاصل أن الوقوع لا يتوقف وجود معناه الحقيقي على وجود المعنى الحقيقي لما وقع عليه الفعل، وهذا هو منشأ الاشتباه والاختلاف، فمن نظر إِلى جانب ما وقع عليه الفعل جزم بالمجاز، ومن نظر إِلى جانب الوقوع جزم بالحقيقة، وبعد هذا فلا شك في أولوية استيعاب المسح لجميع الرأس وصحة أحاديثه، ولكن دون الجزم بالوجوب مفاوز وعقبات.\n(^١) ينظر: المحصول ١/ ٢/ ٥٠٩، والعضد ٢/ ٢، وجمع الجوامع ١/ ١٨١، والتمهيد للإِسنوي ص (٨١)، والقواعد الأصولية لابن اللحام ص (٦٩)، والمختصر له ص (٦٣)، وشرح الكوكب المنير ١/ ٣٨٧، وتيسير التحرير ٢/ ٢١٨، وفواتح الرحموت ١/ ١١٠، والأشباه والنظائر لابن السبكي ١/ ٩٠، والفروق للقرافي ٢/ ٤، والمغني لعبد الجبار ١٧/ ١٣٥، والمعتمد ١/ ١٨٣.\n(^٢) في أ: يجري.\n(^٣) في أ، ج: بتسعة.","vol":"1","page":537},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nضدّين لا ثالث لهما (^١).\nوالمعنى ملاءمة المكلف أحد الضِّدين الذي اختار وآثره على نقيضيه (^٢)، مثل: أنهاك عن الحركة، أو السُّكون، أحببت أيهما شئت، ولا تأكل اللَّبن أو السمك، فقد منعتك عن أحدهما مبهمًا، لا عن كليهما جميعًا، ولا عن أحدهما معينًا، \"خلافًا للمعتزلة\"؛ إِذ منعوا ذلك. \"وهي كالمخيّر\" خلافًا وحِجَاجًا.\nوفيها زيادة، وهي دعوى بعض المُخَالفين، كما نقل المَازِرِيُّ أن اللغة لم ترد بذلك قال: ألا ترى أن قوله سبحانه: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [سورة الإنسان: الآية ٢٤] محمول على أنه نهى عن طاعتهما.\nقال المَازِرِيُّ: وهذا ليس بشيء، قال: ولولا الإِجماع على أن المراد في الشَّرْع النَّهي عن طَاعَة الجميع لم تحمل الآية على ذلك.\nفاعلم (^٣) أن القَرَافِيَّ فرّق بين الأمر المخيّر، والنَّهي (^٤) المخيّر، بأن الأمر يتعلّق بمفهوم أحدها، والخصوصيات بتعلّق التخيير، ولا يلزم من إِيجاب المشترك إِيجاب الخصوصيات كما مضى.\nوأما النهي فإِنه إِذا تعلّق بالمشترك لزم منه تحريم الخصوصيات؛ لأنه لو دخل منه فرد إِلى الوجود لدخل في ضمنه المشترك المحرم ووقع المحذور، كما إِذا حرم الخنزير، يلزم تحريم السَّمين منه والهَزِيل والطَّويل والقصير.\nوتحريم الجمع بين الأختين، ونحوه، إِنما لاقى المجموع عينًا لا المشترك بين الأفراد،\n_________\n(^١) لما فرغ من مسائل الواجب شرع في مسائل المحظور، وهي في اللغة تطلق على ما كثرت آفاته، ومنه يقال: \"لبن محظور\" أي كثير الآفة - وعلى الممنوع، ومنه قولهم: \"حظرت عليهم\" أي منعتهم منه، ومنه الحظيرة.\nوفي الاصطلاح: هو ضد ما قيل في الواجب، ومن أسمائه: المحرم والمعصية، وهي فعل ما نهى الله تعالى عنه. ينظر الشِّيرازي.\n(^٢) في ج، ح: نقيضه.\n(^٣) في ب: واعلم.\n(^٤) في حاشية ج: قف على الفرق بين النهي عن واحد لا بعينه والأمر بواحد لا بعينه والنهي عن المجموع، وهو فرق واضح.","vol":"1","page":538},{"text":"<span data-type='title' id=toc-421>مَسْأَلَةٌ:\nيَسْتَحِيلُ كَوْنُ الشَّيْءِ وَاجِبًا حَرَامًا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَّا عِنْدَ بَعْضِ مَنْ يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ الْمُحَالِ.</span> وَأَمَّا الشَّيْءُ الْوَاحِد، لَهُ جِهَتَانِ؛ كَالصَّلاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ،\n<hr><s0>\n\nفالمطلوب فيه ألَّا يدخل ماهية المجموع في الوجود، والماهيةُ تنعدم بانعدام جزء منها، فأي أخت تركها خرج عن عُهْدَةِ المجموع، فليس كالأمر.\n«مسألة»\nالشرح: \"يستحيل كون الشيء واجبًا حرامًا من جهة واحدة\" (^١)، وحينئذ فلا يكلف به \"إِلا عند بعض من يجوِّز تكليف المُحَال\"، أي: التكليف بما لا يُطَاق.\nوعند الآخرين يمتنع، لما فيه من التَّناقض.\n\"وأما الشيء الواحد\" الذي \"له جِهَتَان\" غير [متلازمتين] (^٢)، فإِنه يجوز توارد الأمر والنَّهي، باعتبار جهتيه \"كالصَّلاة في الدَّار المغصوبة\"، مأمور بها من حيث إِنها صلاة، منهي (^٣) عنها من حيث إِنها شغل ملك الغَيْر عدوانًا، فقد اختلفوا فيه.\n\"فالجُمْهُور\" قالوا: \"يصح\".\n\"والقاضي\" قال: \"لا يصح، ويسقط (^٤) الطلب عندها\".\nقال ابن السَّمْعَاني: وهو هذيان. وقال \"أحمد وأكثر المتكلّمين: لا يصح، ولا يسقط\" (^٥).\nوذكر بعض أصحابنا للمسألة أصلًا، وهو أن الأمر المطلق لا [يتناول] (^٦) المكروه عندنا، وإِن لم يكن محرمًا.\nوقال الحنفية: يتناوله (^٧).\nواحتجّ أصحابنا بأنَّ المكروه مطلوب التَّرك، فكيف يندرج تحت الأمر الذي هو طلب الفعل، [والجمع بين طلب الفعل] (^٨) والترك في فعل واحد من وجه واحد يتناقض، ثم إِذا لم\n_________\n(^١) ينظر: العضد ٢/ ٢، والمحصول ١/ ٢/ ٤٨١، والمستصفى ١/ ٧٦، والإِحكام للآمدي ١/ ١٠٦، وجمع الجوامع ١/ ١٨٢، والمسودة ص (٨٤)، وكشف الأسرار ١/ ٢٧٨، وتيسير التحرير ٢/ ٢١٩، وفواتح الرحموت ١/ ١٠٤، وشرح الكوكب المنير ١/ ٣٨٩، أصول السرخسي ١/ ٨١.\n(^٢) في ب: متلازمين.\n(^٣) في أ، ج، ح: نهى.\n(^٤) في حاشية ج: قوله: ويسقط الطلب عندها أي: لا بها.\n(^٥) ينظر مصادر المسألة.\n(^٦) في ح: يناول.\n(^٧) ينظر مصادر المسألة.\n(^٨) سقط في ج.","vol":"1","page":539},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nيدخل المباح تحت قضية الأمر، فكيف يدخل الممنوع، وإِذا تحقَّق ذلك وجب أن يكون المأمور بفعل إِذا فعله على وجه كره الشَّرع إِيقاعه عليه لا يكون ممتثلًا، وينعطف (^١) من كراهيته (^٢) الإِيقاع على هذا الوجه، فيدل (^٣) على الأمر المطلق.\nقال إِمام الحرمين: وهذه المسألة مَثَّلها الإِئمةُ بالترتيب في الوضوء، فمن يراه يقول: المنكس (^٤) مكروه، فلا يدخل تحت مقتضى الأمر (^٥).\nوقال ابنُ السَّمْعَاني: تظهر فائدة (^٦) الخلاف في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [سورة الحج: الآية ٢٩].\nفعندنا: هذا لا يتناول الطَّواف بغير طهارة، ولا المنكّس، وعندهم يتناوله فإِنهم وإِن اعتقدوا كراهته ذهبوا إِلى أنه دخل في الأمر وأجزأ.\nقلت: وفائدة هذا أن من يدعي دخول المكروه تحت الأمر يستدلّ بالأمر عليه، ولا يحتاج إِلى دليل من خارجٍ، بخلاف من ينكره، فالشَّافعي مثلًا، يطالب الحنفي بالدَّليل على إِجزاء المنكّس في الوضوء والطواف.\nفإِن قال: الاسم صادق عليه، فدخل تحت عموم الأمر، منعه، وقال: إِنما يدخل تحت عموم الأمر، ما يكون مطلوبًا، وهذا مكروه بالاتفاق، وسواء كان مجزئًا كما يقولون، أم لا.\nقال ابن السَّمْعاني: وهذا المثال - يعني الطواف - إِنما يتصوّر على أصلهم. وأما عندنا فليس هو بطواف أصلًا.\nقلت: هذا ينبني على أن العبادات الشرعية، هل هي موضوعة للصحيح فقط، أَوْ لِما هو أعم من الصحيح والفاسد؟ وسنتكلم على ذلك في باب النواهي، إِن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) في ج، ح: يتعطف.\n(^٢) في ج: كراهية.\n(^٣) في ج، ح: قيد.\n(^٤) في ج: المتنكس.\n(^٥) ينظر البرهان ١/ ٢٩٦ (٢٠٦).\n(^٦) في حاشية ج: قوله: يظهر فائدة الخلاف … إِلخ الظاهر أن كلّ ما مثلوا به ليس من المسألة؛ لأن الكراهة لعارض غير لازم. تأمل.","vol":"1","page":540},{"text":"فَالْجُمْهُورُ: تَصِحُّ، وَالْقَاضِي: لا تَصِحُّ، وَيَسْقُطُ الطَّلَبُ عِنْدَهَا. وَأَحْمَدُ وَأكْثَرُ\n<hr><s0>\n\nقلت: وتظهر فائدة الخلاف أيضًا في الصَّلاة في الأوقات المكروهة (^١)، إِذا قلنا: إِنها مكروهة كراهة تنزيه - وفي صحتها - تفريعًا على هذا - وجهان.\n_________\n(^١) الأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة في الأوقات:\n١ - حديث عقبة بن عامر الثَّابت في صحيح مسلم وغيره قال: \"ثلاثة أوقات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيها، وأن نقبر فيها موتانا: عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعند زوالها حتى تزول وحين تضيِّف للغروب حتى تغرب\".\n٢ - قوله ﵊: \"إِن الشمس تطلع بين قرني شيطان، فإِذا ارتفعت فارقها، ثم إِذا استوت قارنها، فإِذا زالت فارقها، فإِذا دنت للغروب قارنها، وإِذا غربت فارقها: ونهى عن الصلاة في تلك الساعات\" رواه مالك في الموطأ والشَّافعي عنه والنسائي وابن ماجه من رواية عطاء بن يسار عن عبد الله الصنابحي، وقد اختلف في صحبته، ورواه مسلم من حديث عمرو بن عبسة في حديث طويل.\n٣ - قوله ﵊: \"لا صلاة بين الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس\" متفق عليه من حديث أبي سعيد، واتفقا عليه أيضًا من حديث أبي هريرة بلفظ: \"نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس … الحديث\" يتبين من هذا أن الأوقات الَّتي جاءت الأحاديث بالنهي عن الصلاة فيها خمسة:\nعند طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رمح أو رمحين، ويستولي سلطانها بظهور شعاعها. وعد استوائها حتى تزول .. وعند اصفرارها حتى يتم غروبها \"الرابع\" بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس.\n\"والخامس\" بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس.\nفقال الحنفية: إِن النهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة الأولى قد أفاد فيها كراهة التحريم؛ لأن النهي ظنى الثبوت، ولم يصرفه عن مقتضاه صارف؛ وفرّعوا على ذلك أن قضاء الفرائض والواجبات لا يصح في هذه الأوقات، ولا يصح الصبح إِن طلعت عليه الشمس وهو يصليه، بخلاف عصر اليوم إِن بدأ فيه قبل مغيب الشمس فغابت وهو يصليه؛ إِذ يصح مع الكراهة، وبخلاف النوافل؛ فإِنه يصح الشروع فيها في هذه الأوقات، غير أنه ينبغي أن يقطعها، فإِن قطعها وجب عليه القضاء في وقتت غير مكروه، وإِن أتمها أجزأه مع الكراهة. وقالوا: إِن عدم صحّة الفرائض في هذه الأوقات ليس ناشئًا من كراهة التحريم وحدها، بل لأنها في الصلاة لما كانت لنقصان في الوقت منعت أن يصح فيه ما تسبب عن وقت لا نقص فيه، إِذ لا يتأدى ما وجب كاملًا بالناقص، وذلك أن حديث مالك المتقدم في الموطإِ أفاد كون المنع لما اتصل بالوقت ممَّا يستلزم كون فعل الأركان فيه تشبهًا بعبادة الكفار، وهذا هو المراد بنقصان الوقت، وإِلا فالوقت في ذاته لا نقص فيه، بل هو وقت كسائر الأوقات، وإِنما النقص في الأركان المقومة للحقيقة، فلا يتأدى بها ما وجب كاملًا، ولكون =","vol":"1","page":541},{"text":"المتكَلِّمِينَ\": لا تَصِحُّ، وَلا يَسْقُطُ.\n<hr><s0>\n\nوالقول بعدم صحتها يتخرَّجُ على أن المكروه لا يدخل تحت مطلق الأمر.\n_________\n= الوقت نفسه لا نقص فيه لو أسلم الكافر أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون في الجزء المكروه، فلم يؤد الفرض حتى خرج الوقت، فإِن السبب في حقهم لا يمكن جعله كلّ الوقت حين خرج، إِذ لم يدركوا مع الأهلية إِلا ذلك الجزء، فليس السبب في حقهم إِلا إِياه، ومع هذا لو قضوا في وقت مكروه لا يجوز؛ لأن الثَّابت في ذمتهم كامل لا نقص فيه؛ إِذ لا نقص في نفس الوقت، بل المفعول فيه يقع ناقصًا، غير أن تحمل ذلك النقص لو أدى فيه العصر ضروري؛ لأنه مأمور بالأداء فيه، فإِذا لم يؤد لم يلزم النقص الضروري. وهو في نفسه كامل فيثبت في ذمته كذلك، فلا يخرج عن عهدته إِلا بكامل. وكذلك لا تصح سجدة التلاوة، ولا صلاة الجنازة في الوقت المكروه إِذا حصل سببهما في وقت غير مكروه، أما إِذا وجد السبب في وقت مكروه فإِنها تصح فيه، ويصح قضاؤها في مثله؛ وذلك لأن عند التلاوة مثلًا يخاطب بالأداء موسعًا ومن ضرورته تحمل ما يلزمه من النفص لو أدى عندها. بخلاف ما إِذا تليت في وقت غير منهي عنه، فإِن الخطاب لم يتوجه بأدائها في وقت مكروه، فلا يجوز قضاؤها في مكروه، وكذا لو قضى في الوقت المكروه ما قطعه من النفل المشروع فيه في وقت مكروه، فإِنه يخرجه عن العهدة وإِن كان آثمًا؛ لأن وجوبه ضرورة صيانة المؤدي عن البطلان ليس غير، والصون عن البطلان يحصل مع النقصان، وإِنما قالوا بجواز عصر اليوم عند تغير الشمس واصفرارها لما تقرر في الأصول من أن سبب وجوب الصلاة هو الوقت، لكن لا يمكن أن يجعل كلّ الوقت سببًا للوجوب؛ لأنه لو كان كلٌّ سببًا له لوقع الأداء بعده؛ لوجوب تقدم السبب على المسبب بجميع أجزائه، كما أنه لا دليل على قدر معيّن منه كالربع والخمس مثلًا، فوجب أن يجعل بعض منه سببًا، وأقل ما يصلح لذلك هو الجزء الذي لا يتجزأ، والجزء السّابق لعدم ما يزاحمه أولى، فإِن اتصل به الأداء تعيّن لحصول المقصود من الأداء، وإِن لم يتصل به الأداء ينتقل إِلى الجزء الذي يليه، وهكذا إِلى أن يضيق الوقت، ولم يتقرر على الجزء الماضي؛ لأنه لو تقرر كانت الصلاة في آخر الوقت قضاء، وليس كذلك، فكان الجزء المتصل بالأداء أو الجزء المضيّق أو كلّ الوقت إِن لم يقع الأداء فيه هو السبب؛ لأن الإِنتقال من سببية الكلّ إِلى الجزء كان لضرورة وقوع الأداء خارج الوقت على تقدير سببية الكل، وقد زالت فيعود كلّ الوقت سببًا ثم الجزء الذي يتعيّن سببًا للصلاة تعتبر صفته من الصحة والفساد، فإِن كان صحيحًا بألا يكون موصوفًا بالكراهة ولا منسوبًا إِلى الشيطان كوقت الظُهر وجب المسبب كاملًا، فلا يتأدى ناقصًا، وإِن كان السبب ناقصًا بأن كان منسوبًا إِلى الشيطان كالعصر إِذا استأنفه في وقت الاصفرار وجب الفرض فيه ناقصًا تبعًا لنقصان سببه، فيجوز أن يتأدى ناقصًا؛ لأنه أداه كما وجب، بخلاف غيره من الصلوات الواجبة بأسباب كاملة فإِنها لا تقضي في هذه الأوقات؛ لأن ما وجب كاملًا لا يتأدّى ناقصًا، وبخلاف ما إِذا بدأ في صلاة الصبح قبل طلوع الشمس فطلعت وهو يصلي حيث تطل الصلاة، لأنها وجبت كاملة، فلا تتأدى =","vol":"1","page":542},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n=  بالناقص الواقع عند طلوع الشمس.\nقال السرخسي في الفرق بين صلاة العصر اليوم عند الاصفرار فغابت الشمس وهو يصلي، وصلاة الصبح فطلعت الشمس وهو يصلي حيث صحت الأولى وبطلت الثَّانية: - إِن الطلوع بظهور حاجب الشمس وبه لا تنتفي الكراهة، بل تتحقق فكان مفسدًا للفرض، والغروب بآخره وبه تنتفي الكراهة ولم يكن مفسدًا للعصر.\nأمّا النوافل: فالصلاة النافلة الَّتي يشرع فيها الإِنسان في هذه الأوقات الثلاثة: قال الحنفية: إِنها صحيحة تلزم بالشروع فيها وتضمن بالقطع، حتى لو قطعها وجب عليه القضاء، وينبغي أن يقطعها ويقضيها في وقت تحل فيه الصلاة تخلّصًا من الكراهة، فإِن قضاها في وقت آخر مكروه أجزأه وقد أساء؛ لأنه لو أتمها في ذلك الوقت أجزأه مع الإِساءة، فكذا إِذا قضاها في مثل ذلك الوقت. وقال زفر: إِن قطعه لا يضمن، وهو رواية عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى؛ لأنها منهي عنها فلم تجب صيانتها عن البطلان. ووجه القول الأول - وهو ظاهر الرواية - أن الصلاة تركبت من أجزاء مختلفة غير متجانسة من قيام وركوع وسجود، فلا يكون لبعضها اسم الصلاة، وإِنما ينطلق الاسم عند انضمام هذه الأجزاء بعضها إِلى بعض بأن يقيد الركعة بالسجدة، وصارت الركعات بعد ذلك أجزاء متجانسة فكان لركعة واحدة اسم الصلاة، ولهذا لو حلف ألّا يصلي فشرع في الصلاة لا يحنث ما لم يقيّد الركعة بالسجدة، ومن انتقل من الفرض إِلى النفل قبل تمامه لا يجعل متنفلًا ما لم توجد منه السجدة؛ لأن ما دون الركعة ليس بصلاة، والنهي ورد عن الصلاة في هذه الأوقات، فلم يكن الشروع فيها منهيًا عنه، ولا القيام والقراءة والركوع، وإِنما يتوجه النهي إِلى هذا الفعل عند وجود السجدة، فما مضى قبل ذلك انعقد عيادة محضة غير منهي عنها، فإِبطالها حرام وصيانتها واجبة، ولا تحصل الصيانة دون المضيّ، فكان المضي في حق ما مضى امتناعًا عن إِبطال العمل وهو واجب، وفي حق ما يستقبل تحصيل طاعة وتحصيل معصية، فكان المضيّ طاعة ومعصية وامتناعًا عن معصية: وهي إِبطال العبادة. وترك المضيّ امتناع عن معصية وطاعة وتحصيل معصية وهي إِبطال عبادة محضة، فترجحت جهة المضيّ على جهة القطع، فإِذا قطع الصلاة فقد قطع عبادة وجب عليه المضيّ فيها، فيلزمه القضاء. هذا هو ما ذكره بعض المشايخ توجيهًا لقول الحنفية بصحة النوافل في هذه الأوقات. وقد ناقش الكمال هذا التوجيه فقال ما حاصله:\nإِن محصل هذا التوجيه أن النهي يتعلّق بمسمى الصلاة، ومسمّاها مجموعة الأركان، وبمجرد الشروع لا تتحقق الأركان، فلم يتحقق المنهي عنه؛ فصح الشروع لعدم تعلق النهي به، فيلزم القضاء بالإِفساد وهو مدفوع؛ إِذ كون مسمّى الصلاة لا يتحقق إِلا بالأركان، لا يقتضي وجوب القضاء بالإِفساد، لأن وجوب القضاء بوجوب الإِتمام قبل الإِفساد، والثابت نقيضه، وهو حرمة الإِتمام بالنهي. كما يلزم عليه أيضًا أن تفسد الصلاة بعد ركعة؛ لارتكاب المنهي عنه حينئذ، وهو منتف =","vol":"1","page":543},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  عندهم، فالوجه ألّا يصح الشروع؛ لانتفاء فائدته من الأداء والقضاء، ولا مخلص لهم من هذه المناقشة إِلَّا بجعل كراهة الصلاة النافلة في الأوقات الثلاثة المكروهة تنزيهية، وهي لا تنافي الصحة والمشروعية، غير أنه لم يقل به إِلّا بعض من لا يعَوَّل على قوله.\nأمّا الشَّافعي رحمه الله تعالى فقال: إِن هذه الأوقات المكروهة لا ينهى عن الصلاة فيها على الإِطلاق، بل عن بعض أنواع منها، وما ورد فيها من النهي المطلق حمل على ذلك البعض، فالنهي والكراهة إِنما هما لكل صلاة ليس لها سبب خاصّ متقدم أو مقارن لوقت النهي - وهي النوافل المطلقة.\nأمّا الصلوات الَّتي لها سبب متقدم على وقت النهي أو مقارن له، كقضاء الفرائض والسنن الفائتة وصلاة الجنازة وسجدة التلاوة، وركعتي الطواف، فإِنها جائزة غير منهي عنها، كما أن الصلاة مطلقًا جائزة عنده بحرم مكة فرضها ونفلها، وجوّز أيضًا التنفل يوم الجمعة وقت الزوال، وبه قال أبو يوسف ﵀.\nواستدلّ الشَّافعي ﵁ على إِخراج الفرائض المقضية من النهي والكراهة بقول الرسول ﷺ: \"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إِذا ذكرها فإِن ذلك وقتها\" رواه الدارقطني والبيهقي في الخلافيات عن حديث أبي هريرة بسند ضعيف، وأصله متفق عليه دون قوله: \"فإِن ذلك وقتها\".\nفيرى الشَّافعي أن هذا الحديث خاص في الصلاة الَّتي نام عنها أو نسيها، فيخص به حديث عقبة بن عامر الذي ينهى عن جميع الصلوات، فاستدلّ بهذا الحديث على صحّة الصلاة الَّتي تقدم سببها، وكان قد نسيها أو نام عنها ثم تذكرها بعد مضي وقتها، ويلحق به كلّ قضاء؛ إِذ لا فرق. كما استدلّ به على صحّة الصلاة الَّتي لم يزل وقتها باقيًا وتذكرها؛ إِذ قوله: \"ثم ذكرها\" أعمّ من أن يكون قد مضى وقتها أو ما زال باقيًا. ويلحق بذلك أيضًا الفرض الذي أخره من غير نوم أو نسيان حتى دخل وقت الكراهة؛ إِذ لا فرق. وبما روى مجاهد عن أبي ذر أن الرسول ﷺ قال: \"لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتّى تطلع الشمس إِلا بمكة إِلا بمكة\" رواه الشَّافعي قال: أخبرنا عبد الله بن المؤمل عن حميد مولى عفرة عن قيس بن سعد عن مجاهد \"وفيه قصة\" ورواه أحمد عن يزيد عن عبد الله بن المؤمل، إِلا أنه لم يذكر حميدًا في سنده. ورواه الدارقطني والبيهقي.\nواستدلّ الشَّافعي وأبو يوسف رحمهما الله: على إِباحة النفل يوم الجمعة وقت الزوال بما جاء في مسند الشَّافعي رحمه الله تعالى قال: - أخبرنا إِبراهيم بن محمد عن إِسحاق بن عبد الله عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ \"نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إِلا يوم الجمعة\".\nأمّا الوقتان الآخران وهما ما بعد صلاة العصر إِلى غروب الشمس، وما بعد صلاة الصبح إِلى طلوع =","vol":"1","page":544},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nولإِمام (^١) الحرمين احْتِمَالٌ في إِعادة صلاة الجَنَازة، أنها لا تصح؛ لأن إِعادتها لا تستحب وفي وجه: تكره.\nواعلم أن إِمام الحرمين أنكر كون المكروه لا يقع مجزئًا مع موافقته (^٢) على أن الأمر لا يتناول المكروه وقال: إِن من يتتبع قواعد الشَّريعة ألفى من المكروه المجزئ أمثلة تفوت الحصر.\nوحاصلُ كلامه آيل إِلى ما تقرّر في الصَّلاة في الدَّار المغصوبة، وأن النهي إِذا لم يرجع إِلى عين الفعل المأمور به لم يمتنع الإِجزاء من هذه الجِهَةِ.\nكذا فهمه المازري عنه، واعترضه بأن الأمثلة المُشَار إِليها وإِن تكاثرت إِنما ترد لو عممنا القول، وقلنا: لا نعتد بمكروه أصلًا، [ونحن إِنما نقول: الأصل أن الأمر لا يتناول المكروه] (^٣)، وإِذا لم يتناوله بقيت المُطَالبة بموجب الأمر الأول فلا يرد عليه.\nولم يفهم عنه ابن الأَنْبَارِيّ رد القول في ذلك إِلى نظيره من الصلاة في الدَّار المغصوبة\n_________\n= الشمس، فإِنهما لا يصلى فيهما شيء من النوافل ولا بأس بأن يصلّى في هذين الوقتين الفوائت ويسجد للتلاوة، ويصلى على الجنازة؛ إِذ النهي فيهما إِنما جاء عن التطوعات خاصّة، فمن ذلك حديث ابن عباس ﵄: شهد عندي رجال مرضيّون، وأرضاهم عندي عمر: أن رسول الله ﷺ \"نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب\" متفق عليه.\nهذا - وثبت عن عائشة ﵂ في الصحيحين: \"ركعتان لم يكن رسول الله ﷺ يدعهما سرًا ولا علانية: ركعتان قبل صلاة الصيح، وركعتان بعد العصر\" وفي لفظ: \"ما كان النبيّ ﷺ يأتيني في يوم بعد العصر إِلَّا صلى ركعتين\" وفي لفظ لمسلم عن طاوس عنها قالت: وهم عمر ﵁، إِنما نهى رسول الله ﷺ أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها، قال رسول الله ﷺ: \"لا تحرّوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فتصلوا عند ذلك\" وفي لفظ للبخاري عن أم أيمن عن عائشة ﵂ قالت: والذي ذهب به ما تركهما حتى لقي الله تعالى، وما لقي الله تعالى حتى ثقل عن الصلاة، وكان يصليهما ولا يصليهما في المسجد مخافة أن يثقل على أمته، وكان يحب ما خفف عنهم\" فمن هذا يتبين أن عائشة ﵂ كانت ترى أن الركعتين بعد صلاة العصر جائزتان غير منهي عنهما. قاله شيخنا عبد المجيد محمد فتح الله في أثر لمنهي في العبادات.\n(^١) في ح: وإِمام.\n(^٢) ينظر البرهان ١/ ٢٩٧ (٢٠٧).\n(^٣) سقط في ح.","vol":"1","page":545},{"text":"لَنَا الْقَطْعُ بِطَاعَةِ الْعَبْدِ وَعِصْيَانِهِ، بِأَمْرِهِ بِالْخِيَاطَةِ، وَنَهْيِهِ عَنْ مَكَانٍ ..........\n<hr><s0>\n\nوقال: ليس الأمر على ما قاله، بل يستحيل كون المكروه طاعةً على حال، فكيف يصحُّ اجتماع الحكمين وهما متضادان؟.\nنم: إِن تعددت الوجوه أمكن ذلك كما في الدار المغصوبة.\nقلت: وهو حق إِلا أن الإِمام ردّ المسألة إِلى مآخذ الكلام في الدار المَغْصُوبة، فلذلك فهم عنه المَازِرِيّ ذلك، ولو لم يكن كذلك لم يتَّجه كلامه ألبتة.\nوأنا أقول في رَدّ [هذا] القَوْل إِلى مأخذ الصَّلاة في الدار المَغْصُوبة نظر، وإِن ذكر الإِمام وابن السَّمعاني وغيرهما، وذلك لتحقّق جهتين فيها، بخلاف ما نحن فيه، فإِن الوضوء المنكسَ مثلًا - مكروه، من حيث إِنه تنكيس وضوء، فهو كصوم يوم النَّحْر سواء، ولا كذلك الصلاة، فإِنها ليست حرامًا من حيث إِنها صلاة، بل من حيث إِنها شغل فافهم ذلك.\nوقد أغلظ الإِمامُ القول علي أئمتنا، وقال: الاستدلال على وجوب التَّرتيب في الوضوء، بأن المنكس مكروه، والمكروه لا يتناوله الأمر فتبين أنَّ الأمر بالطهارة لم [يمتثل] (^١) فيطالب (^٢) المكلف به، وذكر أن مَغْزَى هذا إِثبات وجوب الشَّيء من حيث يثبت الخَصْم كراهته، [وهو من فن العبث - أي: ليس في دعوى الخَصْمِ كراهة] (^٣) المنكس، ما ينتهض حُجَّة لنا في وجوب الترتيب.\nوهذا صحيح لو أن أئمتنا يستندون في وجوب الترتيب إِلى هذا، وإِنما [لم] (^٤) يذكر أئمتنا هذا الطريق على وجه الإِلزام والإِفحام، كما يقول المناظر.\nقلت: كذا وكذا، فيلزم عليك كذا وكذا، وهذا اللازم لا يتوجَّه إِلا على أصلي فدلّ على [أنه] (^٥) الصحيح.\nإِذا عرفت هذا فلنعد إِلى الكلام في تعلق الأمر والنهي بالشيء الواحد من جهتين فنقول:\nالشرح: \"لنا: القطع بطاعة العَبْدِ وعصيانه بأمره بالخِيَاطَةِ ونهيه عن مكان مخصوص\"، كما إِذا قال: خِطْ هذا الثوب ولا تدخل الدَّار، فإِنه إِذا خَاطَ الثوب في الدار [كان] (^٦) ممتثلًا من\n_________\n(^١) في ح: يتمثل.\n(^٢) في ت: فيطلب.\n(^٣) سقط في ج.\n(^٤) سقط في ج، ت.\n(^٥) سقط في ح.\n(^٦) سقط في ت.","vol":"1","page":546},{"text":"مَخْصُوصٍ؛ لِلْجِهَتَيْنِ، وَأَيْضًا، لَوْ لَمْ تَصِحَّ، لَكَانَ لاتِّحَادِ الْمُتَعَلَّقَيْنِ؛ إِذْ لا مَانِعَ سِوَاهُ اتِّفَاقًا، وَلا اتِّحَادَ؛ لأِنَّ الْأَمْرَ لِلصَّلاةِ، وَالنَّهْيَ لِلْغَصْبِ. واخْتِيَارُ الْمُكَلَّفِ جَمْعَهُمَا لا يُخْرِجُهُمَا عَنْ حَقِيقَتِهِمَا.\nوَاسْتُدِلَّ: لَوْ لَمْ تَصِحَّ، لَمَا ثَبَتَ صَلاةٌ مَكْرُوهَةٌ، وَلا صِيَامٌ مَكْرُوهٌ؛ لِتَضَادِّ الْأَحْكَامِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إِنِ اتَّحَدَ الْكَوْن، مُنِعَ، وَإِلَّا لَمْ يَفْسُدْ؛ لِرُجُوعِ النَّهْيِ إِلَى وَصْفٍ مُنْفَكٍّ.\n<hr><s0>\n\nالخِيَاطَة عاصيًا من حيث الدخول (^١)، وإِنما حصل التغاير بينهما \"للجهتين.\nوأيضًا لو لم يصح لكان لاتحاد المتعلّقين\"، أي: لأن متعلّق الوجوب والحرمة واحدٌ؛ \"إِذ لا مانع سواه اتفاقًا\"، واللازم باطل، إِذ \"لا اتحاد\" للمتعلّقين؛ \"لأنَّ الأمر للصلاة والنهي للغصب، واختيار المكلّف جمعهما لا [يخرجهما] (^٢) عن حقيقتيهما\" اللَّتين هما متعلّقا (^٣) الأمر والنهي، وإِذا لم يكن متعلق الأمر والنهي واحدًا، صح تعلّقه به، وأيضًا قد وافق المخالفون على صحّة صوم الشَّيخ والمريض اللَّذينَ يستضران بالصَّوم، مع أنه منهي.\nالشرح: \"واستدلّ لو لم يصحّ\" اجتماع الأمر والنَّهي (^٤) باعتبار جهتين \"لما [ثبتت] (^٥) صلاة مكروهة، ولا صيام مكروه، لتضاد الأحكام\" الخَمْسَة، فالوجوبُ كما يضاد التحريم يضاد الكَرَاهة، فلو لم يثبت مع التحريم لما ثبت مع الكَرَاهَةِ، إِذ لا مانع إِلا التضاد، واللازم باطل؛ بدليل كراهية ما لا ينحصر من صلاة وصوم.\n\"وأجيب\" عن هذا الاستدلال \"بأنه إِن اتحد الكون\" أي: الحصول في الحيز واحد في الصلاة، وهو مأمور به، وفي الغَصْبِ منهي؛ لأنه هو الغصب فاتَّحد المتعلّقان، فمنعت الصحة، فإِن كان الصوم والصلاة المكروهين كذلك \"منع\" كونهما صحيحين، \"وإِلا لم يفسد\"؛ إِذ لا يلزم من الصِّحة الواقعة في المنهي \"لرجوع النَّهي إِلى وصف منفك\" لا يتّحد فيه المتعلّق الصحة حيث يرجع إِلى الكون (^٦) الَّذي هو ذاتي متَّحد (^٧) المتعلّق.\nولقائل أن يقول: النَّهي في الصلاة في الدَّار المغصوبة راجع أيضًا إِلى وصف منفك، ولا يظهر فرق بينهما وبين الصَّلاة المكروهة.\n_________\n(^١) في ح: المدخول.\n(^٢) في ب: نخرجهما.\n(^٣) في ب: متعلق.\n(^٤) في ح: نهى.\n(^٥) في أ، ج: تثبت.\n(^٦) في أ: اللون.\n(^٧) في ج: فيتحد.","vol":"1","page":547},{"text":"واسْتُدِلَّ: لَوْ لَمْ تَصِحَّ، لَمَا سَقَطَ التَّكْلِيفُ. قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ سَقَطَ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَأْمُرُوهُمْ بِقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ، وَرُدَّ بِمَنْعِ الْإِجْمَاعِ مَعَ مُخَالَفَةِ أَحْمَدَ، وَهُوَ أَقْعَدُ بِمَعْرِفَةِ الْإِجْمَاعِ.\nقَالَ الْقَاضِي وَالْمُتَكَلِّمُونَ: لَوْ صَحَّتْ، لاتَّحَدَ الْمُتَعَلَّقَانِ؛ لِأَنَّ الْكَوْنَ وَاحِدٌ، وَهُوَ غَصْبٌ. وَأُجِيبَ بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ كَمَا سَبَقَ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"واستدلّ لو لم يصح لما سقط التكليف\" بها.\n\"قال القاضي: وقد سقط بالإِجماع؛ لأنهم\" أي: الماضين \"لم يأمروهم\"، أي: المصلين في الدار المغصوبة \"بقضاء الصلوات\".\nوالقاضي هو المحتج بهذا الدَّليل، ولكن على السقوط لا على الصحة، وأشار به إِلى أن المسألة من القَطْعيَّاتِ، لحصول الإِجماع، وذلك أن تقلبهم في البِلادِ، وتحركهم في الأسفار لا يسلم معه في مستقرّ العادات من الصلاة في مكان مَغْصُوب، ولو كانت تعاد لنقل عن الصحابة ﵃، ولو نقل عنهم لما خفي.\nوقد زاد النَّووي في \"باب الآنية\" من \"شرح المهذب\" فذكر: أن أصحابنا يدعون الإِجماع على الصحة قبل مخالفة أحمد.\nوهذا لو تَمَّ دفع مذهب القاضي؛ إِذ هو موافق على عدم الصِّحَّة.\n\"ورد\" هذا الوجه \"بمنع الإِجماع\"؛ إِذ كيف يصح ادعاؤه \"مع مخالفة أحمد وهو أقعد بمعرفة الإِجماع\"، فلو سبقه إِجماع لكان أجدر من القاضي بمعرفته ثم لم يخرقه.\nوممن منع الإِجماع إِمام الحرمين، وابن السَّمعاني، وغيرهما من الأئمة وهو الحَقّ.\nوما ذكره القاضي من عدم انْفِكَاكِ عصر الماضي عن الصلاة في مكان مغصوب مردود عندنا؛ فإِن الظَّاهر من حال الصَّحابة أن هذا لم يتَّفق في عصرهم، ولو فرض وقوعه من واحد من الأتباع لأمكن أن يخفى عنهم (^١)، وعلى تقدير اطّلاعهم فغايته إِجماع سكوتي، والقاضي لا يراه حُجَّة.\nالشرح: \"قال القاضي\": \"لو صحَّت لاتَّحد المتعلّقان\" متعلقا الأمر والنهي؛ \"لأن الكون\"\n_________\n(^١) في ج: عليهم.","vol":"1","page":548},{"text":"قَالُوا: لَوْ صَحَّتْ، لَصَحَّ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ بِالْجِهَتَيْنِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ صَوْمَ يَوْمِ النَّحْرِ غَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنِ الصَّوْمِ بِوَجْهٍ، فَلا تتَحَقَّقُ جِهَتَانِ، أَوْ بِأَنَّ نَهْيَ التَّحْرِيمِ لا يُعْتَبرُ فِيهِ تَعَدُّدٌ إِلَّا بِدَلِيلٍ خَاصٍّ فِيهِ.\n\nوَأَمَّا<span data-type='title' id=toc-422> مَنْ تَوَسَّطَ أَرْضًا مَغْصُوبَةً،</span> فَحَظُّ الْأصُولِيِّ فِيهِ بَيانُ اسْتِحَالَةِ تَعَلُّقِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ\n<hr><s0>\n\nجزء الحركة والسُّكون، وهما جزءا الصَّلاة، فيكون الكون جزءًا للصلاة، وهو \"واحد\" فيكون مأمورًا به، ثم هو بعينه منهي [عنه]؛ لأنه كون في المغصوب \"وهو غصب.\nوأجيب\" بالمَنْعِ من اتحاد الكون اتحادًا شخصيًا، للقطع \"بإِعتبار الجِهَتَيْنِ\" فيكونان متغايرين \"بما سبق\" تقديره.\nالشرح: \"قالوا: لو صَحَّت لصح يوم النَّحْر بالجهتين\"، كونهْ صومًا وواقعًا يوم النَّحْرِ.\n\"وأجيب\": بمنع اختلاف الجهة، \"بأن صوم يوم النَّحْرِ غير منفك عن الصَّوم بوجه\"، لاستلزام (^١) المقيد المطلق \"ولا يتحقق\" (^٢) فيه \"جهتان\" تنفك إِحداهما عن الأخرى، بخلاف الصَّلاة في الدار المغصوبة.\n\"أو بأن نهي التحريم لا يعتبر فيه تعدد إِلا بدليل خاص فيه\"؛ لأنه ظاهر في البطلان منصرف (^٣) إِلى الذات غالبًا، بخلاف نهي الكراهة فإِنه ينصرف في الوصف غالبًا، وهذا ضعيف والأول هو المعتمد.\nالشرح: \"وأما\" ما لا يمكن الانفكاك فيه مثل: \"من توسّط أرضًا مغصوبة، فحظ الأصولي [فيه] بيان استحالة الأمر والنهي معًا بالخروج\" منها، فإِنه تكليف بالمُحَال فيتعلّق التكليفُ بواحدٍ منها يعينه الفقيه.\nوالفقيهُ يقول: يؤمر بالخروج، كما يؤمر المُولِج في الفرج الحرام بالنزع (^٤)، وإِن كان به مماسًا لِلْفَرْجِ الحرام، ولكن يقال: انزع على قصد التوبة، لا على قصد الالتذاذ، فكذلك (^٥) الخروج من الغَصْب فإِن أهون الضررين يصير واجبًا بالإِضافة إِلى أعظمهما.\n_________\n(^١) في ت: لاستلزم.\n(^٢) في حاشية ج: قوله: ولا يتحقق فيه، أي في صوم يوم النحر لكن والصوم حينئذ ليوم النحر.\n(^٣) في ح: ينصرف.\n(^٤) في أ: بالنزاع، وهو خطأ.\n(^٥) في ج، ح: فلذلك.","vol":"1","page":549},{"text":"مَعًا بِالْخُرُوجِ وَخَطَأِ أَبِي هَاشِمٍ، وَإِذَا تَعَيِّنَ الْخُرُوجُ لِلْأَمْرِ، قُطِعَ بِنَفْيِ الْمَعْصِيَةِ بِهِ\n<hr><s0>\n\nومن حظّ الأصوليين أيضًا بيان \"خطأ أبي هاشم\"، حيث يقول: بأنه منهي عن خروجه؛ لأنه متصرفٌ في ملك الغير بغير إِذنه، وذلك قبيح لعينه، ومأمور به؛ لأنه انفصالٌ عن المُكْثِ. وهذا الشيخ بنى كلامه على أصله الفاسد في الحسن والقبح فأخلّ (^١) بأصله الفاسد من منع التكليفِ بالمحال، إِذ حرم عليه الشَّيء وضده.\n\"وإِذا تعيَّن الخروج للأمر قطع بنفي المعصية به\" إِذا وقع الخروج \"بشرطه\" من السّرعة على مبلغ الجهد، واجتناب التقصير، والتصرف في ملك الغير ليس حرامًا لعينه، بل بنهي الشارع، وهذا مأمور به فلا يكون معصية.\n\"وقول الإِمام باستصحاب حكم المَعْصية مع الخروج ولا نَهْي بعيد\".\nوضَعَّفه تلميذه الغزالي (^٢)؛ لأنه معترف بانتفاء النهي، فالمعصية إِلى ماذا تستند؟.\nوقوله في \"البرهان\": إِن هذا يلتفت على مسألة الصلاة في الدار المغصوبة فإِنها تقع امتثالًا من وجه (^٣)، وغصبًا واعتداء من وجه، فكذلك الذاهب إِلى صوب (^٤) الخروج، ممتثل من وجه، عاصٍ ببقائه من وجه، فيه نظر؛ إِذ الخروج شيء واحد، \"ولا جهتين، لتعذُّر الامتثال\" (^٥)، بخلاف الصَّلاة في الدَّار المَغْصُوبة، فإِن الامتثال يمكن، وإِنما جاء الاتحاد من جهة المُكَلّف.\nواعلم أنه اعترف في \"البرهان\" بأن الإِمكان لا بد منه في المنهيات والمأمورات. وقال: إِن المعصية إِنما هي من أجل نسبته إِلى ما تورّط فيه آخرًا قال: وليس هو عندنا منهيًّا عن الكون في هذه الأرض، ولكنه مرتبك في المعصية مع انقطاع تكليف النَّهْيِ عنه، وهذا ما أشار إِليه المصنّف بقوله: ولا نهي.\nوالحاصلُ أن الصَّلاةَ في الدَّار المغصوبة كان يمكن الامتثال، ولكن الاتحاد جاء من اختيار المكلف، فكلف، والتكليف بالمُحَال لا خيرة للعبد فيه، فلا يكلّف.\nوهذا في المحال الذي لم يكن العبد متسببًا إِلى وقوعه، وأما ما كان متسببًا فيه - كما في هذه المسألة - فإِنه كان في وُسْعِ هذا الإِنسان ألّا يقع في هذا الممتنع المحال بألَّا يدخل الدار فهل يمتنع التكليف؟.\n_________\n(^١) في ج: فأدخل.\n(^٢) في ب: العراقي.\n(^٣) في ب: جهة.\n(^٤) في ت: صواب.\n(^٥) في ب: الإِمساك.","vol":"1","page":550},{"text":"بِشرْطِهِ. وَقَوْلُ الْإمَامِ: بِاستْصْحَابِ حُكمِ المَعْصِيَةِ مَعَ الْخُرُوجِ، وَلَا نَهْيَ، بَعِيدٌ، وَلَا\n<hr><s0>\n\nقال أبو هاشم: يتوجّه عليه التكليف بهما، وهو خطأ لا سيما على أصله، كما قلنا.\nوقالت الجماعة: إذا كان التَّعرِّي من الأمرين محالًا، فلا مُبالَاةَ بمبدئهما وسببهما، فليقع الفعل مأمورًا.\nوحاول الإمام طريقة التوسّط فقال: إنه غير منهي؛ وإن انسحب عليه حكمُ العصيان، وهذا موضع الأناة والاتِّئاد، فإنه في غاية من الإشكال فنقول: المرء منهي عن الغصب، وهو: ما لم يعر عن الاستيلاء على حق الغير غاصب، إذ الغصب الاستيلاء على حق الغير. إلا أنه لما كان آخذًا في الخروج من المعصية، والأمر متوجّه نحوه إذ ذاك بها، لم يكن منهيًّا الآن، وهذا واضحٌ؛ لامتناع اجتماع الأمر والنهي من جهة واحدة، ولكن النهي السَّابق قضى عليه بالإثم ما لم يخرج عن الاستيلاء فبقيت آثاره، وإن لم يطرأ الآن نهي، فلم نَقُل بالمعصية مع انتفاء النهي رأسًا، بل مع انتفاء نهي طرأ الآن، ثم المعصية مستندة إلى النهي السابق الذي إن انقطع لمصادمة الأمر لم [تنقطع] (^١) آثاره، فإن المُضَادَة إنما وقعت بين الأمر [والنهي] (^٢) لا بين آثارهما، فإنا لا نعني بالنهي إلا طلب الكَفّ ولا بالأمر إلا طلب الفعل ليس بكَفّ، واجتماعهما متعذّر، والأمر موجود، فانتفى النهي، وأثر النهي - وهو التأثيم لا وجه لارتفاعه، وهذا كما يقول الفقهاء فيمن ارْتَدَّ، ثم جُنَّ، ثم أَفاق وأسلم: إنه يجب عليه قضاء صلوات أيام الجنون (^٣)، وما ذلك إلا لاستصحاب حكم الرِّدَّة عليه، ولا [تسألن] (^٤) الفقيه هنا فما قولكم فيه: لو مات أيام جُنُونه، هل يلقى الله تعالى كافرًا أو غير مكلف؟.\nلأنا نقول: هذا ليس مما نحن فيه؛ لأن لُقْيَهُ رَبَّهُ راجعٌ إلى ما عرف الربُّ من حاله، والذي يظهر لنا أنه مرتد، والربُّ أعلمُ به.\n_________\n(^١) في أ، ج، ح: ينقطع.\n(^٢) سقط في ب.\n(^٣) الجنون في اللغة: يقال: جنّه يجنه جنا، وجنَّ عليه جنا وجنونا، وأجنه الليل ستره. قال الراغب: وأصل الجن الستر عن الحاسة، قال تعالى ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ وحيثما كانت هذه المادة فهي تنضمن الستر، وإنما سمي المجنون مجنونًا لأن عقله قد ستر.\nالجنون في الاصطلاح: وعرفه الفقهاء: بأنه اختلال العقل بحيث لا نجري أفعاله وأقواله على نهجه قصدًا. وذلك إمّا لنقصان جبل عليه دماغه، فلا يصلح لقبول ما أُعدَّ له كلسان الأخرس وعين الأكمه. وإمّا لخروج مزاج الدماغ عن حد الاعتدال بسبب خلط أو رطوبة أو يبوسة، وإمّا باستيلاء الشيطان وإلقاء الخيالات الفاسدة إليه. ينظر: فتح الغفار ٣/ ٨٦، وابن ملك على المنار ص ٣٤٠.\n(^٤) في ب: يسألن.","vol":"1","page":551},{"text":"جِهَتَينِ؛ لِتَعَذُّرِ الاِمْتِثَالِ.\n<hr><s0>\n\nفإن قال: فهل تقتلون (^١) المرتد إذا طرأ جنونه؟\nقلنا: لو قيل (^٢): لم يوقع الموقع، ولكنا لا نجوز قتله (^٣) لأمر لا يتعلق بما نحن فيه، وقد مثل إمامُ الحرمين بالتَّائب (^٤) فيما اقْتَرَفَ من حقوق الآدميين، فإن الإثم ينسحبُ عليه ما لم يعزم (^٥).\nوإن عزم على العزم، وما ذلك إلا لتَوْرِيطِهِ نفسه.\nقال المَازِرِيّ: ولو يمثل بقيام الحدود (^٦) على السَّكران، ووقوع طلاقه (^٧)، وإن كان غير\n_________\n(^١) في ج، ح: يقتلون.\n(^٢) في ت: قيل.\n(^٣) في أ، ت، ح: قبله.\n(^٤) في أ، ت، ج: بالثابت.\n(^٥) في ج: يقوم.\n(^٦) جمع حدّ، في اللغة: المنع، وفي الشرع: عقوبةٌ مقدرةٌ وجبت حقًّا لله تعالى زجرًا، والحدودُ ستةٌ: حد الزنا، وحد شربه الخمر والسكر، وحد القذف، وحد السرقة، وحد قطع الطريق. ينظر: القواعد الفقهية ٢٦١.\n(^٧) أما من شرب دواء بقصد التداوي أو أكره على شربه أو لم يعلم أنه مسكر وشرب فلا يؤاخذ بذلك، أما المتعدي فعلى ضربين: الضرب الأول: أن يسكر بشراب مطرب عالمًا به مختارًا. وقد نقل عن الشافعي في وقوع طلاقه وسائر تصرفاته طريقان: الطريقة الأولى: حاكية لقولين: الأول - وهو المشهور - ينفذ طلاقه وسائر تصرفاته له وعليه قولًا وفعلًا كالنكاح، والعتق، والبيع، والشراء، والإسلام والردة، والقتل والقطع، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك، وأكثر الفقهاء - وذلك لما روي: أن النبيّ ﷺ لما خطب خديجة بنت خويلد تزوجها من أبيها خويلد وهو سكران ودخل بها، فلما جاء الإسلام قال رسول الله ﷺ: \"لا يزوج نشوان ولا يطلق إلا أجزته\" وهذا نص؛ ولأنه مؤاخذ بسكره فوجب أن يؤاخذ بما يحدث عن سكره؛ ألا ترى أن من جنى جناية فسرت لما كان مؤاخذًا بها كان مؤاخذًا بسرايتها. فإن قيل: فليس السكر من فعله وإنما هو فعل الله تعالى، فيه فكبف صار منسوبًا إليه ومؤاخذًا به؟ قيل: لأن سببه وهو الشرب من فعله، فصار ما حدث عنه - وإن كان من فعل الله تعالى - منسوبًا إليه، كما أن سراية الجناية لما حدثت عن فعله نسبت إليه وكان مؤاخذًا بها، وإن كانت من فعل الله تعالى. ولأن رفع الطلاق تخفيف ورخصة وإيقاع تغليظ وعزيمة، فإذا ما وقع من الصاحي وليس بعاص كان وقوعه من السكران مع المعصية أولى.\nالقول الثاني: لا ينفذ شيء من ذلك، وبه قال عثمان بن عفان ﵁ ومجاهد وربيعة والليث بن سعد وداود، ومن أصحابنا المزني وأبو ثور، ومن أصحاب أبي حنيفة: الطحاوي والكرخي، وقد تفرد بنقل هذا عن القديم المزني في الظهار، ولم يساعده غيره من أصحابه القديم، =","vol":"1","page":552},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nعاقل حين جنايته ما جنى لأجل أن شربه الخَمْر معصية، وهي طريق إلى زوال العقل، فزوالٌ\n_________\n= ولا وجد في شيء من كتبه القديمة، ولذلك اختلف أصحابنا: هل يصح تخريجه قولًا ثانيًا للشافعي في القديم أم لا، فذهبت طائفة إلى صحة تخريجه؛ لأن المزني ثقة فيما يرويه ضابط لما ينقله ويحكيه. وذهب الأكثرون إلى أنه لا يصح تخريجه، وليس في طلاق السكران إلا قول واحد أنه يقع؛ لأن المزني وإن كان ثقة ضابطًا فأصحاب القديم بمذهبه أعرف.\nاستدلوا أولًا على ألا ينفذ شيء من ذلك بخبر ماعز عندما أقر للنبي ﷺ بالزنى، فقال له الرسول: \"أبك جنون؟ فقال: لا، فقال أشربت الخمر؟ فقال: لا، فقام رجل فاستنكهه فلم يجد فيه ريح خمر\" أي أن الإسكار يسقط الإقرار. ويجاب عنه بأنه ليس في الحديث ما يفيد أنه شرب الخمر متعديًا، بل يحتمل أنه ﷺ جوز ذلك لسكر لم يتعد به، فسأله عنه، والدليل متى تطرقه الاحتمال سقط به الاستدلال. واستدلوا ثانيًا. بأنه ليس له فهم وقصد صحيح، ويجاب عنه بأن ما عنده من القصد والفهم يكفي على أن وقوع طلاقه من قبيل ربط الأحكام بالأسباب تغليظًا عليه.\nالطريقة الثانية: تفرق بين تصرف له كالنكاح والشراء فلا ينفذ، وبين ما عليه من التصرفات كالطلاق والإقرار والضمان فينفذ تغليظًا عليه لينزجر. فإذا صح أن طلاق السكران واقع، فقد اختلف أصحابنا في علة وقوعه على ثلاثة أوجه: أحدها: وهو قول أبي العباس بن سريج: العلة في وقوعه أنه متهم فيه لنفسه، ولا يُعلم سكره إلا من جهته. فعلى هذا يلزمه الطلاق وجميع الأحكام المغلظة والمخففة في الظاهر دون الباطن، ويكون مدينًا فيما بينه وبين الله تعالى. ثانيها: أن العلة في وقوع طلاقه أنه بالمعصية مغلظ عليه، فعلى هذا يلزمه كل ما كان مغلظًا من الطلاق والظهار والعتق والردة والحدود .. ولا يصح منه ما كان تخفيفًا كالنكاح والرجعة وقبول الهبات والوصايا. ثالثها: وهو قول الجمهور أن العلة في وقوع طلاقه، إسقاط حكم سكره، وأنه كالصاحي. فعلى هذا يصح منه ما كان تغليظًا وتخفيفًا ظاهرًا وباطنًا. وهذه العلة توافق نص الشافعي على صحة رجعته وإسلامه من الردة.\nالضرب الثاني: أن يسكر بشرب دواء لا بقصد التداوي بل لقصد السكر. ففي وقوع طلاقه وجهان:\nأحدهما: أن يكون في حكم المسكر من الشراب في وقوع طلاقه ومؤاخذته به بأحكامه على ما ذكر.\nلمؤاخذته بسكره. ومعصيته بتناوله كمعصيته بتناول الشراب. ثانيهما: وبه قال أبو حنيفة أنه لا يقع طلاقه ولا يؤاخذ بأحكامه، ويكون في حكم المغشي عليه، وإن كان عاصيًا؛ لأن ذلك ليس مطربًا يدعو النفوس إلى تناوله كالشراب. ولذلك لم يغلظ بالحد، فلم يغلظ بوقوع الطلاق. والصريح والكناية في حقه سواء. خلافًا لابن الرفعة فإنه قال: \"الكناية تحتاج لنية، وهي مستحبلة في حق السكران\". ويرد بما قالوه من أن الصريح يعتبر فيه قصد اللفظ لمعناه، وذلك مستحيل في حقه، فكما أوقعوا عليه الطلاق بالصريح ولم ينظروا لذلك، فكذلك الكناية مع النية سواء أخبر بها عن نفسه حال السكر أو بعده، وكونها يشترط فيها قصدان وفي الصريح قصد لا يؤثر؛ لأن الملحظ=","vol":"1","page":553},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالعقل كالمكتسب (^١) له بسببه، وإن كان لا [صنع] (^٢) له فيه لكان أوضح، لكون الجناية الواقعة الآن ليست كَفِعْلٍ يقضي مثل ما يقضي زمن الغَضبِ، بل هي فعلٌ شرعَ فيه السّكران كما شرع الغاصب في الخروج من الدار.\nثم ذكر إمام الحرمين (^٣) أن غرضه يظهر بمسألة ألقاها أبو هاشم فحارت فيها عقول الفقهاء، وهي أن من توسّط جمعًا من الجَرْحَى، وجثم على صدر واحد منهم، وعلم أنه لو بقي (^٤) على ما هو عليه لَهَلَكَ من تحته، ولو انتقل لهلك آخر، بعني مع تساوي الرجلين في جميع الخِصَالِ.\nقال (^٥): وهذه المسألة لم أتحصل فيها من قول الفقهاء على ثبت، فالوجه المقطوع به سقوط التكليف عن صاحب الواقعة مع استمرار حكم سخط الله عليه وغضبه.\nووجه السقوط استحالةُ التكليف بالمُحَال، واستمرار العصيان بسببه (^٦) إلى ما لا مخلص منه.\nولو فرض إلقاء رجل على صدر آخر بحيث لا يُنْسب الواقع إلى اختيار فلا [تكليف] (^٧) ولا عصيان.\nوقال الغَزَالِيُّ: يحتمل ذلك، ويحتمل أن يقال: يمكن (^٨)، فإن الانتقال فعل مستأنف، ويحتمل التخيير.\n_________\n= المقنضى للوقوع في الصريح إسقاط حكم سكره وجعله كالصاحي، وهذا موجود في الكناية.\nويرجع في حد السكران إلى العرف، فإذا انتهى تغيره إلى حالة يقع عليه اسم السكران عرفًا فهو محل الخلاف في المتعدى، وعدم الوقوع في غير المتعدي. وقبل هذه الحالة تنفذ جميع تصرفاته تعدى أم لا؛ لوجود العقل. وعن الشافعي ﵁: هو الذي اختل كلامه المنظوم، وانكشف سره المكتوم. وقال إمام الحرمين: \"شارب الخمر تعتريه ثلاثة أحوال: إحداها هزة ونشاط إذا دبت الخمرة فيه، ولم تستول عليه؛ فينفذ الطلاق فيها قطعًا لبقاء العقل. ثانيها: نهاية السكر، وهو أن يصير طافحًا يسقط كالمغشي عليه، لا يتكلم ولا يكاد يتحرك، وهذه لا ينفذ الطلاق فيها، إذ لا قصد له قياسًا على المغشي عليه. (وهذا خلاف المعتمد، لأن تعديه بالتسبب إلى هذه الحالة اقتضى نفوذ جميع تصرفاته له وعليه) ثالثها: متوسط بينهما، وهي أن تختلط أحواله فلا تنتظم أقواله وأفعاله وبقى تميز وكلام وفهم، وهذه الحالة محل الخلاف في تصرفاته.\n(^١) في ح: كالمتسبب.\n(^٢) في ب: صنيع.\n(^٣) ينظر: البرهان ١/ ٣٠٢ (٢١٢).\n(^٤) في ح: أبقى.\n(^٥) ينظر: البرهان ١/ ٣٠٢ (٢١٢).\n(^٦) في ج: بتسببه.\n(^٧) سقط في ج، ح.\n(^٨) في ب: يمكث.","vol":"1","page":554},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوسيكون لنا عَوْدَةٌ إلى هذا في أخبار الآحاد.\nوبلغنا أن الغزالي قال للإمام: كيف قلت: لا حكمَ، وأنت ترى أنه لا تخلو واقعةٌ عن حكمٍ؟ فقال: حكم الله ألا حكم، فقال الغزالي: لا أفهم هذا.\nقال ابن الأنباري: وهذا تأدب من الغزالي، وهذا القول غير مفهوم في نفسه وهو متناقض.\nقلت: ويمكن أن يقال: إن الله تعالى حكم بانتفاء الأحكام الخمسة التي هي الاقتضاء والتخيير، وتكون البراءةُ الأصلية حكمًا لله تعالى بهذا الاعتبار، فإن تركه الخلق على قضيتها قضاء منه بها، وليس هو القضاء في الأحكام الخمسة.\nوقد عدّ الغزالي ما قاله الإمام من المحتملات مع قوله أيضًا بألّا تخلو واقعة عن حكم.\nفإن قلت: ما قولكم فيمن كسر رجله، أو ألقى بنفسه من سطح، هل يقضي الصلاة قاعدًا؟.\nقُلْتُ: قال الغزالي: لا، وينبغي مساق كلام الإمام إن كان فعل ذلك ذريعةً للصلاة قاعدًا أن ينسحب عليه حكم العصيان، بل ويجب القضاء.\nقال الإمام (^١): ومما أخرجه على ذلك أن من واقع قريب الفجر قاصدًا إيقاع ذلك الوقاع بحيث إذا طلع الفجر اقترن بِمَطْلَعِهِ الانكفاف والنزع (^٢)، فسد صومه من جهة سببه (^٣) إلى وضع المخالطة في مقارنة الفجر وإن كان مُنْكَفًّا، وإن خالط أهله ظانًّا أنه في مهل من بقية الليل، ثم ابتدره الفَجْر فابتدر النزع فلا يفسد.\nوالفقهاء لا يفصلون هذا التفصيل، ويحكمون بأن النازع لا يفطر، وإن قصد وتعمّد في الصورة التي فرضناها من جهة أنه نازع مع أول الفَجْرِ.\nقلت: وقد حكى الأصحاب فيما إذا قال لزوجته: إن وطئتك فأنت طالق ثلاثًا وجهين:\nأحدهما: أنه بعد مضي مدة الإيلاء (^٤) يطالب بالطَّلاق على\n_________\n(^١) ينظر البرهان ١/ ٣٠٣ (٢١٢).\n(^٢) في ب: والمنزع.\n(^٣) في ب: لسببه.\n(^٤) الإيلاء لغة: بالمد: الحلف، وهو: مصدر. يقال: آلى بمدة بعد الهمزة، يؤلي إيلاءً، وتألَّى وأتلى، والأليَّة، بوزن فعيلة: اليمين، وجمعها ألايا: بوزن خطايا، قال الشاعر: [الطويل]\nقليل الألايا حافظ ليمِينه … وإن سبقت فيه الأليَّة برَّت =","vol":"1","page":555},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالتعيين (^١)، ويمنع من الوطء؛ لأن الطلاق يقع بتغييب الحشفة، فالنزع يقع بعد وقوعه، وهو نوع اسْتِمْتَاع بالمُطَلَّقة فلا يجوز.\nوأيضًا فإنه لا يتأتى وصل النّزع بآخر التَّغييب (^٢)، بل يقع بينهما فصل، وهي في تلك الحالة محرمة عليه.\nوأيضًا فالصَّائم إذا خشي طلوع الفَجْر، ووقوع النزع بعد الطلوع يمنع من الوَطْء فكذا هنا.\nوالأصح المنصوص عليه يطالب بالفَيْئَةِ أو الطلاق، ولا يمنع من الوطء؛ لأن النزع ترك وخروج عن المعصية.\nقال الرَّافعي: والقول بأن يقع بينهما فصل لا حاصلَ له، فإن التكليفَ بما في الوسع والفصل الذي لا [يحسن] (^٣) لا عبرةَ به.\nقلت: وهذا نازع إلى أن المنتسب إلى الضدين لا تكليف عليه بهما (^٤) كما تقدم إلا أن هذا أصل إيلاجه حلال بخلاف الغاصب، فنظيره: مَنْ وقع على جريح بغير اختيار منه.\nقال: ومسألة الصّوم ممنوعة إن تحقّق وقوع الإيلاج في اللَّيل، ولا فرق بين الصورتين.\nقلت: هذا نظير مسألة الإمام، وقد قال بالجواز.\n_________\n= والألوة بسكون اللام، وتثليث الهمزة: اليمين أيضًا. ينظر: الصحاح: ٦/ ٢٢٧، والمغرب: ١/ ٤٤، ولسان العرب: ١/ ١١٧، والمصباح المنير: ١/ ٣٥.\nواصطلاحًا:\nعرفه الحنفية بأنه: عبارة عن اليمين على ترك وطء المنكوحة أربعة أشهر أو أكثر.\nوعرفه الشافعية بأنه: هو حلف زوج يصح طلاقه ليمتنعن من وطئها مطلقًا أو فوق أربعة أشهر.\nوعرفه المالكية بأنه: حلف الزوج المسلم المكلف الممكن وطؤه بما يدل على ترك وطء زوجته أكثر من أربعة أشهر أو شهرين للعبد تصريحًا أو احتمالًا، قيد أو أطلق.\nوعرفه الحنابلة بأنه: حلف الزوج القادر على الوطء - بالله تعالى أو. صفة من صفاته على ترك وطء زوجته في قبلها مدة زائدة على أربعة أشهر. ينظر: تبين الحقائق، وشرح كنز الدقائق ٢/ ٢٦١، ومغني المحتاج ٣/ ٣٤٣، والشرح الصغير ٢/ ٢٧٨، ٢٧٩، والمطلع ٣٤٣، وتحفة المحتاج ٨/ ١٨٨، وشرح المحلى على المنهاج ٢٤.\n(^١) في أ، ح: بالتعيين.\n(^٢) في ح: التغيب.\n(^٣) في ب: يحس.\n(^٤) في أ، ب: بها.","vol":"1","page":556},{"text":"<span data-type='title' id=toc-423>هَلِ الْمَنْدُوبُ مَأْمُورٌ بِهِ</span>\nمَسْأَلَةٌ:\nالْمَنْدُوبُ مَأْمُورٌ بِهِ خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ وَالرَّازِيِّ. لنَا: أَنَّهُ طَاعَةٌ،. . .\n<hr><s0>\n\nوذكر ابن الأَنْبَاري أن ما قاله الإمامُ ضعيف؛ لأن مدار مسألة النزع عليه على أنه وطئ فيفطر به أم لا فلا، سواء كان متعمدًا أم ناسيًا.\nقلت: قد يقول الإمام: هو وطءٌ إن كان متعمّدًا، غير وطي إن كان ناسيًا، وهذا لأن النَّزْع صالح [لأن (^١) يكون] وطئًا؛ لما فيه من نوع الاستمتاع. وألَّا يكون لكونه خروجًا ضروريًا فيميزه القصد فيتجه ما قاله.\nوالإمام قد قال: نظير هذا فيما إذا طلع الفجر وهو يجامع (^٢) وعلم به فمكث، حيث رَدّ على من قال: ينعقد صومه، ثم يفسد بأن النَّزع إنما لا ينافي الصوم إذا قصد الترك.\nأما إذا لم يقصد فينافيه، فانظر كيف فرق بين القصد وعدمه فرقًا يتغير به حكمه.\nومن فروع المسألة: اختلاف أصحابنا فيمن أحرم نازعًا عن الجماع، هل ينعقد صحيحًا أو فاسدًا، أو لا ينعقد أصلًا؟ حكاه ابن الرفعة (^٣)، والشيخ الإمام أبي في \"شرح المنهاج\".\nوكذلك الصَّائم (^٤) - هل انعقد ثم فسد كما قلناه - واختاره أبي ﵀ وأطال البحث فيه - أو لم ينعقد كما نص الإمام.\n«مسألة»\nالشرح: \"المندوب مأمور به\" حقيقة، وهو رأي القاضي، \"خلافًا للكرخي والرَّازي\" من\n_________\n(^١) في ح: لا يكون.\n(^٢) في ت، ج، ح: مجامع.\n(^٣) أحمد بن محمد بن علي بن مرتفع بن حازم بن إبراهيم بن العباس الأنصاري، البخاري، حامل لواء الشافعية في عصره، أبو العباس بن الرفعة، المصري، ولد سنة ٦٤٥، وسمع الحديث من ابن الصواف، وابن الدميري، وتفقه على السديد والظهير التزمنيتين وغيرهما، ولى، وناب، وصنف كنابيه: \"الكفاية\" في شرح التنبيه، و\"المطلب\" في شرح الوسيط، في نحو أربعين مجلدًا، وله تصنيف آخر سماه \"النفائس في هدم الكنائس\" أخذ عنه تقي الدين السبكي وجماعة. قال الإسنوي: كان شافعي زمانه. .\". مات سنة ٧١٠. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ٢١١، وطبقات الإسنوي ص ٢٢٠، والدرر الكامنة ١/ ٢٨٤.\n(^٤) في أ، ج، ح: الصيام.","vol":"1","page":557},{"text":"وَأنَّهُمْ قَسَّمُوا الْأَمَرَ إلَى إِيجَابٍ وَنَدْبٍ.\n<hr><s0>\n\nالحنفية، والشيخ أبي حامد، والقاضى أبي الطيب، وابن الصَّبَّاع، وابن السَّمعاني، والإمام الرَّازي وغيرهم من الشافعية (^١).\nفإن قلت: كيف يكون المندوب عند المصنّف كذلك، وسيقول في باب الأمر: إن صيغةَ: \"افعل\" حقيقة في الوجوب.\nقلت: الكلام هنا في الأمر - أمر - لا في صيغة \"افعل\"، والأمر مقول على الواجب والمندوب بالحقيقة.\nو\"افعل\" مختصة بالوجوب، فالندب (^٢) مأمور به حقيقة، ولا يدخل فيه صيغة \"افعل\"\n_________\n(^١) لما فرغ من مسائل المحظور شرع في مسائل المندوب، وهو في اللغة: \"المدعو لهم\" مأخوذ من \"الندب\" وهو الدعاء لذلك، ومنه قول الشاعر: [البسيط]\nلَا يَسْأَلونَ أَخاهُم حينَ يَنْدُبُهُم … فِي النَّائِباتِ عَلى مَا قَالَ بُرْهَانَا\nوفي الاصطلاح: المطلوب فعله شرعًا من غير ذم على تركه مطلقًا، فـ \"المطلوب فعله شرعًا\" احترز به عن الحرام، والمكروه، والمباح، وغيره من الأحكام الثابتة بخطاب الوضع والإخبار \"ونفى الذم على الترك\" احتراز عن الواجب المضيق، \"ومطلقًا\" احتراز عن المخير والموسع والكفاية.\nوقولهم: \"هو ما فعله خير من تركه\" مردود بالأكل قبل ورود الشرع، فإنه خير من تركه لما فيه من اللذة واستبقاء المهجة، وليس مندوبًا، وما قيل: \"هو ما يمدح على فعله، ولا يذم على تركه\" منقوض بأفعاله تعالى، فإنها كذلك وليست مندوبة، ومن أسمائه: المرغب فيه أي بالطاعة \"والمستحبُّ\" أي من الله، و\"النفل\" أي الطاعةُ الجر واجبة، و\"التطوع\" أي الانقياد في قربة بلا حتم، و\"السنة\" أي الطاعة الجر الواجبة؛ لأنها تذكر في مقابلة الواجب. ينظر: شرح المختصر ١/ ١٢٩ أ، والبحر المحيط للزركشي ١/ ٢٨٤، والبرهان لإمام الحرمين ١/ ٣١٠، وسلاسل الذهب للزركشي ص (١١١)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/ ١١١، ونهاية السول للإسنوي ١/ ٧٧، وزوائد الأصول له ص (١٦٨)، ومنهاج العقول للبدخشي ١/ ٦٢، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص (١٠)، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ١٧٤، والمستصفى للغزالي ١/ ٧٥، وحاشية البناني ١/ ٨٠، والإبهاج لابن السبكي ١/ ٥٦، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ١/ ١٣٥، وحاشية العطار على جمع الجوامع ١/ ١١٢، والمعتمد لأبي الحسين ١/ ٤، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ٢/ ٢٢٢، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ١/ ٢٢٥، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ١٢٣، والموافقات للشاطبي ١/ ١٠٩، ١/ ١٣٢، وميزان الأصول للسمرقندي ١/ ١٣٥، والكوكب المنير للفتوحي ص (١٢٥).\n(^٢) في ح: فالمندوب.","vol":"1","page":558},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nحقيقة، هذا ما تحررّ من كلام المصنّف، وبه يظهر أن كلامه غير مختلف، ولولا ذلك لناقض كلامه هنا ما قاله في باب الأمر، وهذه طريقة الآمدي.\nوطريقة الإمام الرازي: أنه لا فرق بين الأمر وصيغة \"افعل\".\nويعضد (^١) طريقة الآمدي تصريح بعض أصحابنا بأن الأمر حقيقةٌ في الوجوب، مع أن المندوب مأمور به حقيقة كما نقله الشيخ أبو حامد، وابن السَّمعاني وغيرهما، إلا أنهما صرحا بأن مأخذ هذا القائل أن الواجب ما يُثَاب [على] (^٢) فعله، ويعاقب على تركه، والمندوب ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه، فإذا استعمل الأمر في الندب، فقد استعمل في بعض ما اشتمل عليه الواجب فكان حقيقة كحمل العموم على بعض ما يتناوله.\nولذلك قال سليم الرَّازي في \"التقريب\": ونقله عن كثر أصحابنا، ونقل كونه مجازًا عن أهل \"العراق\".\nقلت: وهذا فيه نظر من وجهين:\nأحدهما: أن اللفظ إذا أطلق على بَعْضِ مدلوله الحقيقي كان (^٣) مجازًا، وكذلك (^٤) نقول (^٥): في العام يطلق على الخاص.\nوالثاني: أن المندوب ليس بَعْضَ الواجب، بل هو قسيمه، وإن اشتركا في الثواب على الفعل، فافهم ذلك.\nقال: \"لنا\" وجهان:\nأحدهما: \"أنه طاعة\" إجماعًا، ولذلك يعقد الفقهاء باب صلاة التطوع للنَّوَافل، والطاعة امتثال الأمر، فيكون مأمورًا به.\nوالثاني: \"أنهم قسموا الأمر إلى إيجاب وندب\"، ومورد التقسيم مشترك بين القسمين. وقد يمنع كبرى الأول، ويقال: الطَّاعة فعل المطلوب، وهو أعم من الأمر، والمندوب طاعة؛ لأنه مقتضى ممن له الاقتضاء.\nقال ابن القشيري: وربما كان طاعةً لورود الوعد بالثَّوَاب عليه. وقد يمنع صغرى الثَّاني ويقال: لا نسلّم أنهم قسموا.\n_________\n(^١) في ب: يقصد.\n(^٢) سقط في ب.\n(^٣) في حاشية ج: قوله: \"كان مجازًا\" هذا إن أطلق عليه من جهة خصوصه كما هنا؛ إذ لا يدخل في الواجب من جهة عمومه لأخذ العقاب على الترك في حقيقته. تدبر.\n(^٤) في ت، ح: لذلك.\n(^٥) في ت، ح: يقول.","vol":"1","page":559},{"text":"قَالُوا: لَوْ كَانَ، لَكَانَ تَرْكُهُ مَعْصِيَةً؛ لأِنَّهَا مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ، وَلَمَا صَحَّ \"لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ\". قُلنا: الْمَعْنَى أَمْرُ الإِيجَاب فِيهِمَا.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"قالوا: لو كان\" مأمورًا به لكان \"تركه معصيةً؛ لأنها\" - أي: المعصية - \"مخالفة الأمر ولمَّا صح\" قوله ﵇: \"لَوْلَا أنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ\" (^١) رواه البُخَاري ومسلم؛ لأنه ندبهم إليه.\nوقال الشَّافعي رضي الله تعالى عنه: لو كان واجبًا لأمرهم به، شَقّ أم لم يَشُقّ عليهم.\n\"قلنا\": \"نعني أمر الإيجاب فيهما\" - أي: في قولكم: المعصية مخالفة الأمر، وقوله ﵇: \"لأمرتهم\" - لا مطلق الأمر.\nوهذا وإن كان خلاف الأصل، ولكن يصار إليه بما ذكرناه من الدليل.\nولقائل أن يقول: هذا يقال لك أيضًا في باب الأمر، حيث قلت: تارك المأمور عاصٍ بدليل: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٣].\n_________\n(^١) من حديث أبي هريرة؛ أخرجه البخاري ١/ ٤٣٥ في كتاب الجمعة، باب السواك يوم الجمعة حديث (٨٨٧) وفي ١٣/ ٢٣٧ في كتاب التمني حديث (٧٢٤٠) ومسلم في الصحيح ١/ ٢٢٠ في كتاب الطهارة، باب السواك (٤٢/ ٢٥٢) ومن حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ أخرجه أبو داود ١/ ١٢ في الطهارة، باب السواك حديث (٤٧)، والترمذي في السنن ١/ ٣٥ في أبواب الطهارة باب ما جاء في السواك حديث (٢٢، ٢٣) وقال: (هذا حديث حسن صحيح)، والنسائي في المجتبى ١/ ١٢ في كتاب الطهارة، باب الرخصة في السواك بالعشى للصائم حديث (٧)، وأخرجه ابن ماجه ١/ ١٠٥ في الطهارات، باب السواك حديث (٢٨٧)، ومالك في الموطإ ١/ ٦٦ في كتاب الطهارة باب ما جاء في السواك حديث (١١٤)، وأخرجه أحمد ١/ ٢٢١، ٣٦٦، ٢٤٥، ٢٥٠، ٢٨٧، ٣٩٩، ٤٠٠، ٤١٠، ٤٢٩، ٤٣٣، ٤٦٠، ٥٠٩، ٥١٧، ٤/ ١٦٦، ٥/ ٤١٠، ٦/ ٣٢٥، ٤٢٩، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف حديث (٢١٠٦)، وابن المبارك في الزهد ص (٤٣٧) حديث (١٢٣١)، والطبراني في المعجم الكبير ٥/ ٢٨٠، ١٢/ ٣٧٥، ٤٣٥، وأخرجه ابن حبان ٢/ ٢٠٢ حديث (١٠٦٦) والهيثمي في \"الموارد\" حديث (١٤٢) والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣٣، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ١٦٨، وأبو نعيم في الحلية ٨/ ٣٨٦، وأبو عوانة في مسنده ١/ ١٩١، وأخرجه البزار كما في الكشف ١/ ٢٤١ حديث (٤٩١)، وأخرجه أبو يعلى في مسنده حديث (٦٢٧٠، ٦٣٤٣، ٦٦١٧)، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣٥، ٣٦، ٣٧، وينظر: التلخيص للحافظ ابن حجر ١/ ٦٢، ٦٤.","vol":"1","page":560},{"text":"<span data-type='title' id=toc-425>مَسْأَلَةٌ:\nالْمَنْدُوبُ لَيْسَ بِتكْلِيفٍ،</span> خِلَافًا لِلأُسْتَاذِ؛، وَهِيَ لفظِيَّةٌ.\n<hr><s0>\n\nفنقول (^١): المعنى بما يعصي (^٢) بتركه أمر الإيجاب بما ذكرناه من الدليل.\n«مسألة»\nالشرح: \"المندوب ليس بتكليف، خلافًا للأستاذ\"، والقاضى وهى مسألةٌ \"لفظية\" راجعة إلى تفسير التكليف فيهما (^٣).\nيقولان: الدعاء إلى ما فيه كُلْفَة ومَشَقَّة، والنوافل من ذلك، ونحن نقول: بل إلزام ما فيه كُلْفَة\" (^٤).\n_________\n(^١) في أ، ح: فيقول.\n(^٢) في ت: يقضى.\n(^٣) في ج: منهما.\n(^٤) هذه المسألة في أن المندوب هل هو من أحكام التكاليف أم لا؟ فأثبته الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، ونفاه الأكثرون. حجة الأكثرين أن التكليف إنما يكون بما فيه كلفة ومشقة، والمندوب مساوٍ للمباح في التخيير بين الفعل والترك من غير حرج، والمباح ليس من أحكام التكليف على ما سيأتي؛ فكذا المندوب قالوا: نعم إن قيل: إنه تكليفي باعتبار وجوب اعتقاد كونه مندوبًا، فلا حرج وعليه نزلوا مذهب الأستاذ. ولقائل أن يقول: إن أردتم بأن التكليف إنما يكون بما فيه كلفة أنه إنما يكون بإلزام ما فيه كلفة فهو ممنوع، وإن أردتم به أنه إنما يكون بطلب ما فيه كلفة وإن لم يكن إلزامًا فمسلم، لكن لا نسلم أن المندوب ليس كذلك، بل هو لكونه سببًا للثواب لا يخلو عن كلفة ومشقة؛ فإن المكلف لو فعله رغبة في الثواب شق عليه كفعل الواجب، وكذا إن تركه بما فاته من الثواب الجزيل على فعله، وربما كان ذلك أشق عليه من الفعل، ومنه ذهب الأستاذ إلى أنه تكليف، وأورد عليه بأنه لو كان كون الفعل سببًا للثواب موجبًا للتكليف بما ذكرنا من الاعتبار لكان حكم الشارع على الفعل بكونه سببًا للثواب من أحكام التكليف بعين ما ذكرتم، وهو خلاف الإجماع؛ لكونه من أحكام الوضع والإخبار، ويمكن أن يمنعِ الملازمة، ويسند بأنه لا يلزم من كون الفعل تكليفيًا بما ذكرنا من الاعتبار مع أنه لا يكون مطلوبًا، إذ الطلب معتبر في كون الفعل مكلفًا به، ولا طلب للفعل في قول الشارع: هذا الفعل سبب للثواب أصلًا؛ إذ لا طلب صريحًا بخلاف المندوب، فإنه لازم الإتيان به، ومراد الأستاذ من أنه تكليف أن فيه مشقة بما ذكرنا من الاعتبار، فلم يتوارد النفي والإثبات على مجز واحد، فيكون النزاع لفظيًا. ينظر: الشيرازي (١٣١ أ/ خ)، والبرهان ١/ ١٠١، والمنخول ص (٢١)، والإحكام للآمدي ١/ ١١٣، والمحلى على جمع الجوامع=","vol":"1","page":561},{"text":"<span data-type='title' id=toc-426>مَبَاحِثُ المَكْرُوهِ </span>(^١)\nمَسْأَلَةٌ:\nالْمَكْرُوهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِهِ، كَالْمَنْدُوبِ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْحَرَامِ، وَعَلَى تَرْكِ الأَوْلَى.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"المَكْرُوهُ\" فيه أبْحَاث.\nأحدها: \"منهي عنه\".\n_________\n= ١/ ١٧١، وسلاسل الذهب ص (١١١)، والعضد ٢/ ٥، وتيسير التحرير ٢/ ٢٢٤، وفواتح الرحموت ١/ ١١٢، وشرح الكوكب المنير ١/ ٤٠٥، والوصول إلى الأصول ١/ ٧٥.\n(^١) المكروه لغة: مأخوذ من كره الشيء كرهًا، خلاف أحبَّه، فهو ما تعافه النفس وترغب عنه، والمكروه: الشر، ويقال: كرَّهت إليه الشيء تكريهًا ضد حبَّبته إليه.\nوفي الاصطلاح الشرعي: المكروه لفظ مشترك يطلق في عرف الفقهاء على معان كثيرة:\nأولًا: يطلق ويراد به المحظور وهو الحرام كما في قوله تعالى: \"كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروهًا\": أي محرمًا.\nثانيًا: يطلق ويراد به ترك ما كانت مصلحته راجحة كترك المندوب، وهذا المعنى صادق على خلاف الأولى، فيكون تعريفه تعريفًا له.\nثالثًا: يطلق ويراد به ما نهى عنه نهى تنزيه، كالصلاة في الأمكنة المكروهة كالحمام للتعرض لوسوسة الشياطين والرشاش، وفي مبارك الإبل، فإنه يتعرض لنفارها، وفي قارعة الطريق لمرور الناس، وغير ذلك، وكل من هذه الأمور يشغل القلب عن الصلاة، ويشوش الخشوع.\nرابعًا: قد يطلق ويراد به ما في النفس منه شيء أي فيه ريبة وشبهة في تحريمه وإن كان في أصله حلالًا، كأكل لحم الضب.\nأما في اصطلاح الأصوليين: نظرًا لورود المكروه في الشرع بالمعاني السابقة اختلف في حده، فمن نظر إلى الاعتبار الأول حده بحد الحرام. ومن نظر إلى الاعتبار الثاني: حده بترك الأولى. والأفضل مذهب الخصم كراهيته، وهذا من العبث، وكيف يطمع المحصل في إفضاء هذا الكلام إلى التحقيق، مع اعترافه بأنه المكروه لا يمتنع أنه يقع امتثالًا. وهذا الكلام من إمام الحرمين يفهم منه: أن نهي الكراهة، يدل على الفساد إذا كان منهيًا عنه من الجهة التى أمر به منها فيكون واجبًا من حيث ثبتت كراهيته، ومكروهًا من حيث ثبت وجوبه، وبالتالي في مثل هذه الحالة لا يمكن أن يجتمع المكروه والواجب لوجود التضاد بينهما، أما إذا كانت الكراهية من غير جهة الإيجاب، أو الوجوب من غير جهة الكراهية، ففي هذه الحالة لا يقتضي النهي فيه الفساد، =","vol":"1","page":562},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالثاني: أنه \"غير مكلّف به\" على المُخْتَار فيهما، \"كالمندوب\" مأمور غير مكلف به.\nوالمخالف ثمَّ مخالف هنا.\nوالثالث: أنه \"يطلق أيضًا على الحَرَام\".\nوهو كثير في كلام الشَّافعي وغيره من الأقدمين، وكانوا يتورَّعُونَ عن استعمال لفظة الحرام والحلال في المُجْتهدات، خشية وفرقًا من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦].\n\"وعلى ترك الأَوْلَى\".\n_________\n= وبالتالي فيمكن أن يجتمع الواجب والمكروه في مثل هذه الحالة، ومن تتبع قواعد الشريعة ألفى من ذلك أمثلة تفوق الحصر، ومنها صحة الصلاة في الحمام ومعاطن الإبل والمقبرة وغير ذلك مع القول بكراهيتها.\nوقال الإمام الغزالي في \"المستصفى\": كما يتضاد الحرام والواجب فيتضاد المكروه والواجب، فلا يدخل مكروه تحت الأمر حتى يكون شيء واحد مأمورًا به مكروهًا، إلا أن تنصرف الكراهية عن ذات المأمور به إلى غيره، ككراهية الصلاة في الحمام وأعطان الإبل، وبطن الوادي وأمثاله، فإن المكروه في بطن الوادي التعرض لخطر السيل، وفي الحمام التعرض للرشاش أو لتخبط الشياطين، وفي أعطان الإبل التعرض لنفارها، وكل ذلك مما يشغل القلب في الصلاة، وربما شوش الخشوع، بحيث لا ينقدح صرف الكراهة عن المأمورية إلى ما هو في جوازه وصحته؛ لكونه خارجًا عن ماهيته وشروطه وأركانه، فلا يجتمع الأمر والكراهية. وبذلك رأينا أن الإمام الغزالي ﵀ قرر أن المكروه لا يجامع الواجب؛ إذ كان النهي عائدًا إلى عين المأمور به أو إلى وصفه الملازم، ولا فرق في ذلك بين أن يكون النهي للتحريم أو للتنزيه، أما إذا كان النهي عائدًا إلى معنى خارج عن الأمر كما في الأمثلة التي ذكرها الغزالي - فهذا لا مانع من أن يكون المأمور به منهيًا عنه من هذه الجهة، بمعنى أنه يجوز أن يجتمع الواجب والمكروه في تلك الحالة. ينظر: لسان العرب ٥/ ٣٨٦٥، وترتيب القاموس المحيط ٤/ ٤٤، والمصباح المنير ٢/ ٨٤. وينظر: البحر المحيط للزركشي ١/ ٢٩٦، والبرهان لإمام الحرمين ١/ ٣١٠، وسلاسل الذهب للزركشي ١٠٨، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/ ١١٤، ونهاية السول للإسنوي ١/ ٧٩، وزوائد الأصول له ١٧٠، ومنهاج العقول للبدخشي ١/ ٦٥، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ١٠، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ١٧٥، والمستصفى للغزالي ١/ ٢٨، وحاشية البناني ١/ ٨٠، والإبهاج لابن السبكي ١/ ٥٩، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ١/ ١٣٥، وحاشية العطار على جمع الجوامع ١/ ١١٣، والمعتمد لأبي الحسين ١/ ٥، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ١/ ٢٢٥، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ١٢٣، والموافقات للشاطبي ١/ ١٠٩، وميزان الأصول للسمرقندي ١/ ١٤٧، والكوكب المنير للفتوحي ١٢٨.","vol":"1","page":563},{"text":"تمّ الجزء الأول من كتاب رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب\nويليه الجزء الثاني وأوله مسألة إطلاق الجائز على المباح","vol":"1","page":564},{"text":"<span data-type='title' id=toc-428>الْجَائِزُ</span>\nمَسْأَلَةٌ:\nيُطْلَقُ الْجَائِزُ عَلَى الْمُبَاحِ، وَعَلَى مَا لَا يَمْتَنِعُ شَرْعًا أَوْ عَقْلًا، وَعَلَى مَا اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فِيهِ فِيهِمَا، وَعَلَى الْمَشْكُوكِ فِيهِ فِيهِمَا بِالاعْتِبَارَيْنِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-430>الْإِبَاحَةُ وَالْمُبَاحُ </span>(^١)\nمَسْأَلَةٌ:\nالْإِبَاحَةُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ؛ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ. لنَا: أَنَّهَا خِطَابُ الشَّارعِ، قَالُوا: انْتِفَاءُ الْحَرَجِ، وَهُوَ قَبْلَ الشَّرْعِ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"يُطْلَقُ الجَائِزُ عَلَى المُبَاحِ.\nوعلى ما لا يمتنع شرعًا، أو عقلًا\".\nوالثاني أعم من الأول، وأخصّ من الثالث.\n\"وعلى ما اسْتَوَى الأمران فيه\"، وهما وجوده وعدمه - فيهما - أي: في العَقْلِ والشَّرْع سواء استويا شرعًا كالمباح، أو عقلًا كفعل الرَّضيع.\n\"وعلى المَشْكُوك فيه فيهما بالاعتبارين\"، اعتبار عدم الامتناع شرعًا كان أو عقلًا، واعتبار استواء الطرفين.\n«مسألة»\nالشرح: \"الإباحة حكم شرعي خلافًا لبعض المعتزلة\". \"لنا: أنها خطاب الشَّارع\"، وكانت حكمًا شرعيًّا.\n_________\n(^١) هذه أولى المسائل المتعلقة بالمباح، وهي في أنه هل هو مساوٍ للجائز أو أخص منه أو مباين له؟ واعلم أولًا أن المباح لغة هو المعلن والمأذون، مأخوذ من الإباحة وهي الإظهار والإعلان، ومنه يقال: باح بسره وأباحه: إذا أظهره، ومن الإذن والإطلاق، ومنه يقال: \"أبحته كذا\" أي \"أذنت له، وأطلقته فيه\". واصطلاحًا هو متعلق الإباحة، ويحد بأنه: ما ورد فيه خطاب الشارع بالتخيير بين الفعل والترك من غير ترجيح طلب، ولا يرد على طرده خصال الكفارة ولا الصلاة في أول الوقت=","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type='title' id=toc-432>مَسْأَلَةٌ:\nالْمُبَاحُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ،</span> خِلَافًا لِلْكَعْبِيِّ. لَنَا: أَنَّ الْأَمْرَ طَلَبٌ يَسْتَلْزِمُ التَّرْجِيحَ وَلَا تَرْجِيحَ.\n<hr><s0>\n\n\"قالوا\": بل هي\" [انتفاء] (^١) الحرج، وهو\": ثابت \"قبل الشرع\"، وما يثبت (^٢) قبل الشرع لا يكون شرعيًّا.\nقلنا: كلامنا في التخيير بخطاب الشارع، لا بالبراءة الأصلية، والخلاف لفظي، ناشئ عن تفسير الإباحة (^٣).\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"المُبَاحُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ (^٤).\n_________\n= على ما ظن من أنه ما من خصلة إلا والمكلف مخير بين فعلها وتركها، ومع ذلك هي واجبة، وكذا الصلاة في أول الوقت لكونها واجبة مع كون المكلف مخيرًا فيها. مع أنا لا نسلم كون المكلف مخيرًا في الصلاة في أول الوقت من غير ترجيح، بل الإتيان بها أول الوقت أولى، وقول من قال: هو ما استوى جانباه من عدم الثواب والعقاب فتنقض بأفعاله تعالى، فإنها كذلك وليست مباحة، ومن أسمائه \"الحلال\" و\"الطلق\" وقد يقال: الحلال لما لا ضرر في فعله إن حرم تركه كدم المرتد.\nينظر الشيرازي ١٣٢ أ / خ.\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) في ت: ثبت.\n(^٣) قال الزركشي في البحر المحيط: والخلاف لفظي يلتفت إلى تفسير المباح، إن عرفه بنفي الحرج، وهو اصطلاح الأقدمين، فنفي الحرج ثابت قبل الشرع، فلا يكون من الشرع، ومن فسره بالإعلام بنفي الحرج، فالإعلام به إنما يعلم من الشرع فيكون شرعيًا. كذا قال في البحر. ينظر: البحر المحيط ١/ ٢٧٧ - ٢٧٨، والمستصفى ١/ ٤٨، وشرح التنقيح ص (٧٠)، والمحصول ١/ ٢/ ٣٥٩، وحاشية البناني على جمع الجوامع ١/ ١٧٣، والإحكام للآمدي ١/ ١١٥، والمعتمد ١/ ٨، وشرح الكوكب المنير ١/ ٤٢٨، وسلاسل الذهب ص (١٠٩).\n(^٤) ينظر: الإحكام للآمدي ١/ ١١٥، والبرهان ١/ ٢٩٤، والمحلى على جمع الجواح ١/ ١٧٢، والمستصفى ١/ ٧٤، وشرح العضد ٢/ ٦، وتيسير التحرير ٢/ ٢٢٦، وفواتح الرحموت ١/ ١١٣، والمسودة ص (٣٦).","vol":"2","page":6},{"text":"قَالَ: كُلُّ مُبَاحٍ تُرِكَ حَرَامٌ، وَتَرْكُ الْحَرَامِ وَاجِبٌ، وَمَا لَا يَتِمُّ. . . . .\n<hr><s0>\n\nخلافًا للكَعْبيّ\" (^١) وشيعته حيث قالوا: المباح مأمور به، دون الأمر بالندب فالندب (^٢) دون أمر الإيجاب، كذا نقل (^٣) عنهم القاضي والغَزَالي وغيرهما.\nثم لا يقولون: إنه مأمور به باعتبار ذاته، بل باعتبار أنه يترك به الحرام. وقيل: بل أنكر المُباح في الشَّريعة رأسًا.\nوهذا ما نقله عنه إمامُ الحرمين وابن برهان والآمدي وغيرهم، والأول عندي أثبت، وعليه جرى المصنّف.\n\"لنا: [أن] (^٤) الأمر طلب، والطلبُ يستلزم الترجيح\" ترجيح الفِعْل على الترك \"ولا ترجيح\" في المباح.\nالشرح: \"قالوا: كلّ مباح ترك حرام، وترك الحرام واجبٌ\"، فيكون المباح واجبًا.\nوإن قيل: ليس ترك الحرام فعل المباح، بل به يحصل.\nقلنا: \"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ويؤول (^٥) الإجماع\" في انقسام الأحكام إلى الخمسة \"على ذات الفعل\" مع قطع النَّظر عما يستلزمه، وهي خمسة باعتبار ذاتها \"لا بالنظر إلى ما يستلزم\" من توقّف ترك الحرام عليه \"جمعًا بين الأدلة\" من جهته وجهتنا، ولا يمنع كون الشيء مباحا باعتبارٍ، واجبًا باعتبار آخر، كالواجب الحرام باعتبارين.\n\"[وأجيب بجوابين:\n_________\n(^١) ذهب الكعبي إلى أن لا مباح في الشريعة، وشق عصا المسلمين في ذلك. هذا نقل إمام الحرمين وابن برهان وغيرهما، وبنى مذهبه في ذلك على أصل هو أن الأمر بالشيء نهى عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده إن كان له ضد واحد كالحركة مع السكون، فإن كان له أضداد كان النهي عنه أمرًا بأضداده على سبيل البدل، فالنهي عن القيام أمر بواحد من القعود والاضطجاع والاستلقاء، قال: فما من شيء من هذه الأضداد إلا وهو من حيث الظر إلى نفسه واجب وإن ثبت التخيير بينها؛ لأن ذلك لا يخرجه عن حقيقة الواجب، كالواجب الموسع فهو واجب من هذا الوجه، ومباح مني حيث ثبوت التخيير فيه. ينظر: البرهان ١/ ٢٩٤، والمستصفى ١/ ٤٧، ومنتهى السول للآمدي ١/ ٣١.\n(^٢) في ج: والندب.\n(^٣) في ج: نقله.\n(^٤) سقط في ج.\n(^٥) في ج: تأول.","vol":"2","page":7},{"text":"الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَتَأَوَّلَ الإجْمَاعَ عَلَى ذَاتِ الْفِعْلِ لَا بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يَسْتَلْزمُ جَمْعًا بينَ الْأَدِلَّةِ. وَأُجيبَ بِجَوَابَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ غيْرُ مُتَعَيَّنٍ لِذلِكَ، فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَفِيهِ تَسْلِيمُ أَنَّ الْوَاجِبَ وَاحِدٌ، فَمَا فَعَلَه، فَهُوَ وَاجِبٌ قَطْعًا. الثانِي: إِلْزَامُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ حَرَامٌ، إِذَا تُرِكَ بِهَا وَاجِبٌ، وَهُوَ يَلْتَزِمُهُ بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ.\n\"وَلَا مُخَلِّصَ إِلَّا بِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الموَاجِبُ إِلَّا بِهِ مِنْ عقْلِيٍّ أَوْ عَادِيٍّ، فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ.\n<hr><s0>\n\nأحدهما: أنه\" - أي: المباح - \"غير معين لذلك] \" (^١)، لإمكان الترك بغيره من واجب وندب ومكروه \"فليس بواجب\".\nوهو ضعيف، إذ \"فيه تسليم أن الواجب واحد\"، من الأضداد لا بعينه.\nأما من الواجبات أو المندوبات، أو المكروهات، \"فما فعله فهو (^٢) واجب قطعًا\"، لتعينه بفعله فإذا اختار المكلف فعل المباح كان واجبًا.\n\"الثاني: إلزامه أن الصلاة حرام، إذ [تركها بـ،] (^٣) واجب\" من جهة ترك ذلك الواجب \"وهو يلزمه باعتبار الجهتين\".\nالشرح: فقد لاح سقوط الجوابين، \"ولا مُخَلّص\" عما قاله الكَعْبِي \"إلا بأن ما لا يتم الواجب إِلَّا به [من] (^٤) عَقْلي أو عادي (^٥) فليس بواجب\" وهو اختيار المصنّف، ولعل هذا هو الذي دعاه إلى اختيار ذلك.\nوَالحَقُّ عندنا: أن ما لا يتم الواجب المطلق المقدور إلا به فهو واجب مطلقًا وأن ما قاله [الكَعْبِيُّ حَقّ باعتبار الجِهَتَيْنِ، نعم ينكر عليه تخصيصه] (^٦) المُبَاح بذلك، وما ذكره فيه آتٍ في غيره من الأحكام، فليحكم على كل منهما بالجهتين، وهو الظَّاهر، ونشدّد النكير عليه إن صح عنه إنكار المباح رأسًا فإن دليله لا ينهض به، وألزم على ذلك الخروج عما عليه عصابة المُسْلمين من انقسام الأحكام إلى الخمسة.\n_________\n(^١) سقط في ح.\n(^٢) في ح: وهو.\n(^٣) في ج: تركه بها.\n(^٤) سقط في ت.\n(^٥) في حاشية ج: قوله: \"من عقلي أو عادي. . .\" إلخ أي لجواز الذهول عنه إذا لم يتعلق به الخطاب بخلاف الشرعي. سيد.\n(^٦) سقط في ح.","vol":"2","page":8},{"text":"وَقَوْلُ الْأُسْتَاذِ: \"الْإِبَاحَةُ تَكْلِيفٌ\" بَعِيدٌ.\n<hr><s0>\n\nوأنا أقول: إن أنكر وجدان شيء استوى الطرفان فيه شرعًا باعتبار ذاته فقد خرق حجاب الهيئة (^١) بلا شكٍ، وجحد كثيرًا مما وقع عليه الإجماعُ.\nوإن قال: لا أنكر ذلك ولكن أنكر تسميته بالمُبَاح فهو خارج عن اصطلاح حملة (^٢) الشَّريعة في تسميتهم ما استوى الطرفان فيه بالمباح، ولا أستطيع أن أقول: إنه مرتكب بذلك حرامًا، إذ غايته الخروج عن (^٣) أمر اصطلاحي، وليس فيه مخالفة حكم شرعي ولا جحوده.\nالشرح: \"وقول الأستاذ: الإباحة تكليفٌ بعيدٌ\" (^٤) أبعد مما قاله في المَنْدُوب والمكروه؛ لأن الإباحة لا كُلْفةَ فيها، بخلافهما، ولذلك خالفه هنا من وافقه فيهما، وهو قد قال: إن مراده وجوب اعتقاد الإباحة.\nوهذا فيه رَدّ الكلام إلى الواجب، وهو من التكليف بلا ريب، ثم الخلاف لفظي.\n_________\n(^١) في أ، ت: الهيبة.\n(^٢) في ح: جملة.\n(^٣) في ح: غير.\n(^٤) ينظر: البرهان ١/ ١٠٢، والمنخول ص (٢١)، والمستصفى ١/ ٧٤، والمحصول ١/ ٣٥٧، والإحكام للآمدي ١/ ١١٧، وروضة الناظر ص (٢٣)، والمسودة ص (٣٦)، وتيسير التحرير ٢/ ٢٢٥، وفواتح الرحموت ١/ ١١٢، والوصول إلى الأصول ١/ ٧٧، وشرح العضد ٢/ ٦، والمحلى على جمع الجوامع ١/ ١٧١.\nالمباح لغة: مشتق من الإباحة بمعنى الظهور والإعلان والإبانة، فهو مأخوذ من البوح: ظهور الشيء، والمباح اسم مفعول من الإباحة، وقد يرد المباح بمعنى الإطلاق والإذن، ومنه يقال: أبحتك الشيء، أي أحللته لك وأطلقتك فيه بمعنى أذنته لك. وهذا المعنى الأخير - الإذن\" قريب من المعنى الاصطلاحي الشرعي. ينظر: لسان العرب ١/ ٣٨٤.\n\nذكر علماء الأصول تعريفات كثيرة للمباح منها:\nما عرفه صدر الشريعة بأنه: فعل المكلف الذي يستوي فعله وتركه - أي في نظر الشارع - وبلفظ آخر: الفعل الذي خير الشارع المكلف فيه بين فعله وتركه.\nوعرفه ابن السبكي بأنه: ما دلَّ خطاب الشارع المتعلق بفعل المكلف على التخيير بين فعله وتركه.\nوعرفه البيضاوي بأنه: ما لا يتعلق بفعله وتركه مدح ولا ذم. وعرفه ابن بدران بأنه: ما اقتضى خطاب الشارع التسوية بين فعله وتركه، ومدحه وذمه من غير مدح يترتب على فعله، ولا ذم يترتب على تركه.","vol":"2","page":9},{"text":"<span data-type='title' id=toc-433>الْمُبَاحُ لَيْسَ بِجِنْسٍ لِلْوَاجِبِ</span>\n<span data-type='title' id=toc-434>مَسْأَلَةٌ:\nالْمُبَاحُ لَيْسَ بِجِنْسٍ لِلْوَاجِبِ،</span> بَكْ هُمَا نَوْعَانِ لِلْحُكْمِ. لنَا: لَوْ. . . .\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"المُبَاح ليس بجنسِ للواجبِ\" (^١) - خلافًا لبعضهم - \"بل هما نوعان للحكمِ\" مندرجان تحته مع تباينهما.\n_________\n(^١) المباح ليس جنسًا للواجب، بل هما نوعان للحكم، يعني نوعين في مرتبة، وإلا لا يلزم من كونهما نوعين له ألا يكون أحدهما جنس الآخر، وهي بالحقيقة لفظية؛ لأن من ذهب إلى أن المباح هو ما خير بين فعله وتركه من غير ترجيح قال: إنه ليس جنسه، وإلا لاستلزم النوع وهو الواجب التخيير لاستلزام الخاص العام، وهو ينافي حقيقة الوجوب، ومن ذهب إلى أن المباح هو ما أذن فيه قال: إنه جنس للواجب لاشتراكهما بمرجوحية الترك والمكروه يرجحانه، والمصنف لما توهم أن هذا القائل يدعى أن المباح بالمعنى الأول جنسه لاشتراكهما في المأذونية واختصاص الواجب رد عليه بأنك تركت فصل المباح، وهو جواز أن الترك وهو متوجه عليه إن كان مدعاه ذلك، وكان يتوجه غليه أيضًا الترجيح من غير مرجح، وهو الحكم بكون المباح جنس الواجب دون العكس مع اشتراكهما في المأذونية، واختصاص كل بفصل، لكن ليس مدعاه هذا، بل المدعى أن المباح بالمعنى الثاني هو جنسه، وهو حق لا عرية فيه، وعلى هذا يكون النزاع لفظيًا، ويمكن أن يحمل الفصل في قوله: تركتم فصل المباح على القسم، حتى كأنه قال: تركتم قسم المباح أي بقيتموه عن البين، لامتناع وجود الجنس في الخارج دون الفصل، ويلزم حينئذ انتفاء أحد الأحكام الخمسة، وهو المباح كما لزم من مذهب الكعبي المستلزم لخرق الإجماع، وهذا الاحتمال وإن أمكن لكن المراد من الفصل الفصلُ المصطلح. ينظر: الشيرازي ١٣٥ أ/ خ، والبحر المحيط للزركشى ١/ ٢٧٥، والبرهان لإمام الحرمين ١/ ٣١٣، وسلاسل الذهب للزركشي ١٠٩، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/ ١١٤، والتمهيد للإسنوي ٦١، ونهاية السول له ١/ ٨٠، وزوائد الأصول له ١٩٠، ومنهاج العقول للبدخشي ١/ ٦٥، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ١٠، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ١٧٤، والمستصفى للغزالي ١/ ٧٥، وحاشية البناني ١/ ٨٣، والإبهاج لابن السبكي ١/ ٦٠، الآيات البينات لابن قاسم العبادي ١/ ١٣٨، وحاشية العطار على جمع الجوامع ١/ ١١٣، والمعتمد لأبي الحسين ١/ ٥، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ٢/ ٢٢٥، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ١/ ٢٢٥، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٧/ ١٢٣، والموافقات للشاطبي ١/ ١٠٩، وميزان الأصول للسمرقندي ١/ ١٤٥ - ١٤٩، والكوكب المنير للفتوحي ١٣٠.","vol":"2","page":10},{"text":"كَانَ جِنْسَه، لَاسْتَلْزَمَ النَّوْعُ التَّخْيِيرَ. قَالُوا: مَأْذُونٌ فِيهِمَا، وَاخْتُصَّ الْوَاجِب، قُلنَا: تَرَكْتُمْ فَصْلَ الْمُبَاحِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-435>خِطَابُ الْوَضْعِ</span>\nمَسْأَلَةٌ:\nخِطَابُ الْوَضْعِ، كَالْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ بِالسَّبَبِيَّةِ الْوَقْتِيَّةِ؛. . . .\n<hr><s0>\n\n\"لنا: لو كان المُبَاح جنسه لاستلزم النَّوع\" - وهو الواجب - \"التخيير\"، ضرورة استلزام النوع لجنسه، فيكون الواجب مخيرًا، وهو باطل.\n\"قالوا\": المُبَاح والواجب \"مأذون فيهما، واختص الواجب\" بفصل المنع من الترك استلزام مع الثواب على الفعل.\n\"قلنا: تركتم فصل المُبَاح\" الذي به يتميّز عن الواجب، وهو عدم الذَّمّ على الترك ثُمَّ توهّمتم الجنسيَّة.\n«مسألة»\nالشرح: \"خطابُ الوضعِ\" (^١) سبق أن المصنّف يرى دخوله في جملة الأحكام، وهو ورود بكون (^٢) الشيء سببًا ومانعًا وشرطًا، فعلى هذا لله - تعالى - في كلّ واقعة رتّب الحكم فيها على وصف أو حكمة - إن جوزنا التعليل بهما حكمان:\nأحدهما: نفس الحكم المترتّب (^٣) على الوصف.\nوالثَّاني: سببية ذلك الوَصْفِ.\nوالمغايرةُ بينهما ظاهرة، وصحَّة القياس في الأول متَّفق عليها بين القياسيين (^٤)، وفي الثاني مختلف فيها، ونفس الحكم قد يثبت بدون السَّببية، وبالعكس كما في صورة المانع ثم الوضع \"كالحكم على الوصف (^٥) المعين بالسَّببية\".\n_________\n(^١) وخطاب الوضع هو خطاب الله تعالى المتعلق بجعل الشيء سببًا، أو شرطًا أو مانعًا أو صحيحًا أو فاسدًا. ينظر بحوث وأصول الفقه للدكتور الحسيني الشيخ ص ٥٦.\n(^٢) في أ، ت، ح: ويكون.\n(^٣) في ج، ح: المرتب.\n(^٤) في ب: القياسين.\n(^٥) في ب: الوضع.","vol":"2","page":11},{"text":"كَالزَّوَالِ، وَالْمَعْنَوِيَّةِ؛ كَالإِسْكَارِ وَالْمِلْكِ وَالضَّمَانِ وَالْعقُوبَاتِ، وَبِالْمَانِعِيَّةِ لِلْحُكْمِ؛ لِحِكْمَةٍ\n<hr><s0>\n\nوالسَّببُ شرعًا هو: الوصف الظَّاهر المنضبط الذي دلَّ السَّمع على كونه معرفًا للحكم الشرعي (^١).\nويحتاج الآمدي والمصنّف [إلى] أن يزيدا: وفيه باعث؛ لقولهما: إنَّ العلَّة بالباعث.\nوقسَّم المصنّفُ السَّببَ إلى وقتي ومعنوي، وقال: \"الوقتية كالزَّوال\"، فإنه سبب لوجوب الظهر، \"والمعنوية كالإسكار\"، فإنه أمر معنوي معرف لتحريم النبيذ\" [والملك\"، فإنه جعل سببًا لإباحة الانتفاع] (^٢)، \"والضمان\" (^٣) للمطالبة، \"والعقوبات\" لوجوب القصاص أو الدية، ونحو ذلك.\nوتقسيم المصنّف السبب إلى وقتي (^٤) ومعنوي (^٥) مدخول؛ إذ الوقتي يجوز أن يكون معنويًا، كالنهي عن الصَّلاة حتَّى ترتفع الشمس قَدْرَ رُمْحٍ، ورب مكاني أيضًا - وهو لا وقتي ولا معنوي. أو مكاني معنوي كما تقول (^٦) على أحد القولين: إن دخول \"مكَّة\" موجب\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط للزركشي ١/ ٣٠٥، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/ ١١٨، ونهاية السول للإسنوي ١/ ٨٩، ومنهاج العقول للبدخشي ١/ ٧١، وغاية الوصول للشيخ زكريا ص ١٣، التحصيل من المحصول للأرموي ١/ ١٧٧، والمستصفى للغزالي ١/ ٩٣، والإبهاج لابن السبكي ١/ ٦٤، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ١/ ١٣٨، وتخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص ٣٥١، وحاشية العطار على جمع الجوامع ١/ ١١٧، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ١٤١، نسمات الأسحار لابن عابدين ص ٢٤١، والموافقات للشاطبي ١/ ١٨٧، والكوكب المنير للفتوحي ص ١٣٨.\n(^٢) سقط في ج.\n(^٣) قوله: والملك والضمان والعقوبات يعني: أن البيع سبب الملك، والغصب ونحوه كالإتلاف سبب للضمان، وأن نحو الزنا سبب للعقوبة التي هي الحد، بهذا صرح به في المنتهى سعد الدين، وهل الشرح يفيد خلاف ذلك؟ تأمل.\n(^٤) فالوقتي هو ما لا يستلزم في تعريفه للحكم حكمة باعثة كدلوك الشمس، فإنه يعرف بأنه وقت وجوب الظهر، ولا يكون مستلزمًا لحكمة باعثة.\n(^٥) والمعنوي هو ما يستلزم حكمة باعثة في تعريفه للحكم الشرعي كالإسكار فإنه معنوي، جعل علة للتحريم، والملك فإنه جعل سببًا لإباحة الانتفاع، والضمان، فإنه جعل سببًا لمطالبة الضامن بالدين، والعقوبات؛ فإنه جعل سببًا لوجوب القصاص أو الدية.\n(^٦) في أ، ج، ح: يقول.","vol":"2","page":12},{"text":"تَقْتَضِي نَقِيضَ الْحُكْمِ؛ كَالْأُبُوَّةِ فِي الْقِصَاصِ، وَللسَّبَبِ؛ لِحِكْمَةِ تُخِلُّ بِحِكْمَةِ السَّبَبِ؛\n<hr><s0>\n\nللإحرام (^١) بحجٍّ أو عمرة إذا كان لحاجةٍ لا تتكرر، وكالصلاة في الدَّار المغصوبةِ، وأمثال ذلك يكثر.\nوالآمدي إنما قسَّمه إلى معنوي وغيره، وهو الأسَدُّ.\nومن خطاب الوضع الحكم على وصف بالمانع (^٢) - أي: بكونه مانعًا، وهو ضربان:\n_________\n(^١) والإحرام معناه نية الدخول في الحج وكيفيته أن يقصد الحج، والإحرام به لله تعالى؛ لخبر: \"إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ\"، ويشترط في النية أن تكون في أشهر الحج؛ لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، والمراد به وقت إحرام الحجّ؛ لأن الحج لا يحتاج إلى أشهر، وإنما يحتاج إلى أيام معدودة، فدل على أنه أراد به وقت الإحرام؛ ولأن الإحرام نسك من مناسك الحج، فكان مؤقتًا، كالوقوف والطواف. وتبتدئ أشهر الحج من شوال، وتنتهي بفجر يوم النحر، وهو اليوم العاشر من ذي الحجة؛ لما روي عن ابن مسعود وجابر وابن الزبير ﵃ أنهم قالوا: \"أشْهُرُ الْحَجِّ مَعْلُومَات شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْر لَيَالِ مِنْ ذي الْحَجَّةِ\". فلو نوى الحج في غير أشهره انعقد عمرة، ولا يجوز له الصرف إلى الحج في أوانه؛ لأنها عبادة مؤقتة، فإذا عقدها في غير وقتها انعقد غيرها من جنسها. كصلاة الظهر إذا أحرم بها قبل الزوال ظانًا دخول الوقت، فظهر خلافه، فإنه ينعقد إحرامه بالنفل.\nولا يشترط في النية التعيين، فلو نوى وأطلق بأن نوى الدخول في النسك الصالح للأنواع الثلاثة، كما سيأتي أو اقتصر على قوله: (أحرمت) أجزأه ذلك، وصرفه بالنية إلى ما شاء من الحج والعمرة أو كليهما، ثم اشتغل بالأعمال، ولكن التعيين أفضل من الإطلاق؛ لأنه أقرب إلى الإخلاص.\nولا يشترط اقتران النية بالتلبية، كما لا يشترط في النية التلفظ باللسان، وإنما يسنّ اقتران النية بالتلبية بأن ينوي ويلبّي بلا فاصل، كما يسنّ في النية - التلفظ باللسان؛ ليساعد اللسان القلب، بأن يقول الشخص: نويت الحج، وأحرمت به لله تعالى - إذا كان يحج عن نفسه، أو نويت الحج عن فلان، وأحرمت به لله - تعالى - إذا كان يحج عن غيره، وصيغة التلبية: \"لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْك، لَا شَرِيكَ لَكَ\".\nوقال أبو حنيفة ﵁: لا ينعقد الإحرام، حتى يلبّي، أو يسوق الهدي. واستدل أوّلًا: بقوله\n﵊: \"أَمَرَني جِبْرِيلُ أنْ أَمُرَ أَصْحَابِيِ بِالتَّلْبِيَةِ وَرَفْع الصَّوْتِ\".\nثانيًا: بالقياس على الصلاة - وأجيب عن الأول بأن الأمر أمر استحباب وإلا لزم رفع الصوت، كما أجيب عن الثاني؛ بأنّ المقصود من الصلاة الذكر بخلاف الحجّ.\n(^٢) ينظر: البحر المحيط للزركشي ١/ ٣١٠، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/ ١٢٠، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص ١٣، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ١٧٧، وحاشية=","vol":"2","page":13},{"text":"كَالْدَّيْنِ فِي الزَّكَاةِ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَلْزِمُ عَدَمَه، فَهُوَ شَرْطٌ فِيهِمَا؛ كَالْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ وَالطَّهَارَةِ.\n<hr><s0>\n\nأحدهما: أن يكون مانعًا \"للحكم\" وهو: الوصف الوجودي الظَّاهر المنضبط المستلزم \"لحكمة [تقتضي نقيض الحكم\"، حكم السبب مع بقاء حكمة السبب \"كالأبوة في\" منع \"القصاص\" (^١) مع وجود القتل للولد، مع اشتمالها على حكمة تقتضي عدم القِصَاص، وهي أن\n_________\n= البناني ١/ ٩٨، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ١/ ١٣٨، وحاشية العطار على جمع الجوامع ١/ ١١٧، والمعتمد لأبي الحسين ١/ ١٣٧، والموافقات للشاطبي ١/ ١٨٧، والكوكب المنير للفتوحي ص ١٤٣.\n(^١) وسبب اختلافهم ما رووه عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب أن رجلًا من بني مدلج يقال له: قتادة حذف ابنًا له بالسيف، فأصاب سيفه فسرى جرحه، فمات فقدم سراقة بن جعشم على عمر بن الخطاب فذكر ذلك له، فقال له عمر: اعدد علي ماء قديد عشرين ومائة بعير حتى أقدم عليك، فلما قدم عليه عمر أخذ من تلك الإبل ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلفة ثم قال: \"أين أخو المقتول؟ فقال: ها أنا ذا، قال: خذها فإن رسول الله ﷺ قال: ليس لقاتل شيء\" فإن مالكًا حمل هذا الحديث على أنه لم يكن عمدًا محضًا، وأثبت منه شبه العمد فيما بين الابن والأب. وأما الجمهور فحملوه على ظاهره من أنه عمد؛ لإجماعهم أن من حذف آخر بسيف فقتله، فهو عمد. وأما مالك فرأى لما للأب من التسلط على تأديب ابنه ومن المحبة له أن حمل القتل الذي يكون في أمثال هذه الأحوال على أنه ليس بعمد، ولم يتهمه إذا كان ليس بقتل غيلة، فإنما يحمل فاعله على أنه قصد القتل من جهة غلبة الظن وقوة التهمة إذا كانت النيات لا يطلع عليها إلا الله تعالى، فمالك لم يتهم الأب حيث اتهم الأجنبي؛ لقوة المحبة التي بين الأب والابن. والجمهور إنما عللوا درء الحد عن الأب لمكان حقه على الابن، والذي يجيء على أصول أهل الظاهر أن يقاد. فهذا هو القول في الموجب. ذهب الأئمة الثلاثة أبو حنيفة والشافعي وأحمد إلى عدم القصاص؛ لأن الأبوة مانعة من وجوب القصاص، فلا يقتل الأب بابنه، قال الشافعي: حفظت عن عدد من أهل العلم لقيتهم: ألا يقتل الوالد بالولد، وبذلك أقول: وإلى هذا ذهب الجماهير من الصحابة وغيرهم كالهادوية والحنفية والشافعية وأحمد وإسحاق؛ لأن الأب سب لوجود الولد، فلا يكون الولد سببًا لإعدامه. وذهب الإمام مالك ﵀ إلى أن الأبوة لا تمنع من وجوب القصاص إذا وجد القصد الجنائي، وذهب عثمان البتي إلى أنه يقاد الوالد بالولد مطلقًا.\nواستدل الجمهور بالكناب والسنة؛ فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف. . .﴾ [الإسراء / ٢٣] وجه الدلالة من هذه الآية أمر الله تعالى ابن آدم بخفض الجناح، وهو على عمومه لم يخص حالًا دون آخر، فيكون القود ضد خفض الجناح.=","vol":"2","page":14},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالأب سبب لوجوده فلا يحسن أن يكون هو سببًا لإعدامه (^١) مع بقاء حكمة السَّبب، وهو حياة الإنسان.\nوالثاني: أن يكون مانعًا للسبب - سبب الحكم.\n_________\n= واستدلوا من السنة بحديث ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تقام الحدود في المساجد، ولا يقاد الولد الوالد\". أخرجه الدارمي ٢/ ١٩٠، والترمذي ٢/ ١٩ (١٤٠١)، وابن ماجة ٢/ ٨٨٨ (٢٦٦١).\nوعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن سراقة بن مالك ﵁ أنه قال: \"حضرت رسول الله ﷺ يقيد الأب من ابنه، ولا يقيد الابن من أبيه\" أخرجه الترمذي ٢/ ١٨ (١٣٩٩) وضعفه.\nومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن قتادة بن عبد الله قال له عمر بن الخطاب: \"لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا يقاد والد بولده\" لقتلتك أو لضربت عنقك\" أخرجه الدارقطني ٣/ ١٤٠ (١٧٨).\nوقال عبد الحق: \"هذه الأحاديث كلها معلولة لا يصح فيها شيء، والحديث دليل على أنه لا يقتل الوالد بالولد\". والأحاديث تدل بمنطوقها على أنه لا يقتل الوالد بولده.\nوقال ابن عبد البر: هو. حديث مشهور عند أهل العلم مستفيض عندهم يستغنى بشهرته وقبوله والعمل به عن الإسناد فيه حتى يكون الإسناد في مثله مع شهرته تكلفًا.\nواستدل الإمام مالك بعموم قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾. وجه الدلالة: أن الله ﷿ أوجب القصاص على كل قاتل معتد وإن كان أبا. وبعموم قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾. ورد هذا الاستدلال بأن هذا عموم، والأحاديث التي ورد فيها أن الوالد لا يقاد بولده مخصصة لهذا العموم.\nواستدل بالسنة قوله ﷺ:\"القصاص كتاب الله\" مسلم ٣/ ١٣٠٢ حديث (١٦٧٥)، وقوله ﷺ: \"من قتل عمدًا فهو قاد\" أبو داود حديث (٤٥٣٩)، (٤٥٤٠)، والنسائي ٨/ ٣٩، وابن ماجة ٢/ ٨٨٠ حديث (٢٦٣٥). ورد هذا الاستدلال بما رد به استدلالهم بالكتاب. واستدل عثمان البتي بعموم قول الله ﷿: ﴿النفس بالنفس﴾ ورد بأنه مخصص بالخبر.\n(^١) قال الشوكاني في الإرشاد ص ٧: وفي هذا المثال الذي أطبق عليه جمهور أهل الأصول نظر؛ لأن السبب المقتضى للقصاص هو فعله لا وجود الابن ولا عدمه، ولا يصح أن يكون ذلك حكمة مانعة للقصاص، ولكنه ورد الشرع بعدم ثبوت القصاص لفرع من أصل، والأولى أن يمثل لذلك بوجود النجاسة المجمع عليها في بدن المصلي، أو ثوبه؛ فإنه سبب لعدم صحة الصلاة عند من يجعل الطهارة شرطًا ا. هـ.","vol":"2","page":15},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nومانع السَّبب هو: الوصف الوجودي المقتضي الظَّاهر المنضبط المستلزم \"لحكمة تخل بحكمة السَّبب كالدَّين في الزَّكاة\" (^١) في ملك النّصاب، فإن السَّبب النصاب، والحكمة سد خلة الأصناف، والمانعُ يخلّ بحكمة السبب.\nوقد اتبع المصنّف في هذا المثال الآمدي (^٢) - وهو غير آتٍ على الصحيح من مذهبنا، سواء قصد به الدين المكاني على (^٣) مالك النِّصاب أم الدين الثابت له على غيره؛ إذا حال حوله، فإنَّ وجوب الزكاة لا يمنع بشيء من الصورتين على الصحيح.\nومن خطاب الوضع الحكم على الوصف بأنه شرط، \"فإن\" لم يكن وجود الوصف مستلزمًا للإخلال بل \"كان المستلزم\" لذلك \"عدمه [وهو شرط] \" (^٤) فيهما - أي: في الحكم وسببه - وهو إما شرط في (^٥) الحكم \"كالقدرة على التسليم\"، فإن ثبوت المِلْك حكم، وصحة البيع سببه، وإباحة الانتفاع حكمه صحة البيع، والقدرة على التَّسْليم شرط صحة البيع؛ لأن عدم القدرة على التسليم، يستلزم عدم القُدْرة على الانتفاع الموجب لإخلال إباحة الانتفاع.\nوأما شرط السَّببية نحو \"الطَّهارة\" (^٦) في الصلاة، فإن حصولَ الثواب حكمٌ، والصَّلاةُ سببٌ،\n_________\n(^١) إذا كان له مالٌ تجب فيه الزكاة، وعليه دينٌ، فإن كان له مِن غير مال الزكاة ما يفي بدَينه يجب عليه إخراجُ الزكاة من ماله. وكذلك لو ملك أكثرَ مِن نصاب، ودينُه لا يزيد على الفاضَل عن النصاب يجب عليه الزكاة، وإن لم يكن له مال آخر، ودَيْنه يستغرق ماله، أو ينقُص النِّصاب لو أدَّاه من المال، فاختلف أهل العلم في وجوب الزكاة عليه، فذهب جماعةٌ إلى وجوب الزكاة عليه، وهو ظاهر مذهب الشافعي - وذهب قومٌ إلى أنه لا زكاة عليه، وهو قول عثمان، وإليه ذهب سليمانُ بن يسار، وابنُ سيرين، وبه قال مالك وأصحابُ الرأي وابن المبارك، وقالوا: يمنع وجوبَ زكاة العين، ولا يمنع وجوب عُشر الثمار والزروع، وهو قول أبي عُبيد.\n(^٢) ينظر الإحكام ١/ ١٢١.\n(^٣) في ب: في.\n\n(^٤) في ج: فهو الشرط.\n(^٥) سقط في ج.\n(^٦) \"الطهارة\": هي في اللغة: النزاهة والنظافة عن الأقذار، يقال: طَهُرَت المرأة من الحيض، والرَّجل من الذنوب، بفتح الهاء وضمِّها وكسرها.\nواصطلاحًا:\nعرفها الحنفية بأنها: النظافة المخصوصة المتنوعة إلى وضوء، وغسل، وتيمم، وغسل البدن والثوب ونحوه.\nوعند الشافعية: إزالة حدث أو نجس أو ما في معناهما وعلى صورتهما، وقيل أيضًا: فعل ما يترتب=","vol":"2","page":16},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوحكمتها التوجّه إلى جناب الحق تعالى، والطهارة شرط الصلاة (^١)، فإن عدم الطهارة يستلزم ما يقتضي نقيض الحكم - أعني (^٢): عدم حصول الثواب مع بقاء حكمة الصلاة (^٣).\n_________\n= عليه إباحة الصلاة ولو من بعض الوجوه، أو ما فيه ثواب مجرد.\nوعند المالكية: صفة حكمية توجب لموصوفها جواز استباحة الصلاة به، أو فيه، أوله. ينظر: لسان العرب ٤/ ٢٧١٢، وترتيب القاموس ٣/ ١٠٣، ١٠٤، والمعجم الوسيط: ٢/ ٥٧٤. والدرر ١/ ٦، وفتح الوهاب: ١/ ٣، وشرح المهذب: ١/ ١٢٣، والإقناع بحاشية البجيرمي: ١/ ٥٨ - ٥٩، وحاشية الباجوري ١/ ٢٥، وحاشية الدسوقي: ١/ ٣٠ - ٣١.\n(^١) في ح: للصلاة.\n(^٢) في ب: عن.\n(^٣) ذكر القرافي في \"التنقيح\" خمس فوائد:\nالأولى: الشرط وجزء العلة كلاهما يلزم من عدمهما العدم ولا يلزم من وجودهما وجود ولا عدم، فهما يلتبسان، والفرق بينهما أن جزء العلة منايسب في ذاته، والشرط مناسب في غيره، كجزء النصاب، فإنه مشتمل على بعض الغنى في ذاته، ودوران الحول ليس فيه شيء من الغنى وإنما هو مكمل للغنى الكائن في النصاب.\nالثانية: إذا اجتمعت أجزاء العلة ترتب الحكم، وإذا اجتمعت العلل المستقلة ترتب الحكم، فما الفرق بين الوصف الذي هو جزء علة، وبين الذي هو علة مستقلة؛ الفرق أن الذي هو جزء علة إذا انفرد لا يترتب معه الحكم كأحد أوصاف القتل العمد العدوان، فإن المجموع سبب للقصاص، وإذا انفرد جزء العلة لا يترتب عليه قصاص، والوصف الذي هو علة مستقلة إذا اجتمع مع غيره ترتب الحكم، وإذا انفرد ترتب معه أيضًا، كإيجاب الوضوء على من لامس وبال ونام، وإذا انفرد أحدهما وجب الوضوء.\nالثالثة: الحكم كما يتوقف على وجود سببه يتوقف على وجود شرطه، فبم يعلم كل واحد منهما؟ يعلم بأن السبب مناسب في ذاته، والشرط مناسبته في غيره، كالنصاب فإنه مشتمل على الغنى في ذاته، ودوران الحول ليس فيه شيء من الغنى، وإنما هو مكمل لحكمة الغنى في النصاب بالتمكن من التنمية.\nالرابعة: الموانع الشرعية على ثلاثة أقسام: منها ما يمنع ابتداء الحكم واستمراره، ومنها ما يمنع ابتداءه فقط، ومنها ما اختلف فيه هل يلحق بالأول أو بالثاني، فالأول كالرضاع يمنع ابتداء النكاح واستمراره إذا طرأ عليه، والثاني كالاستبراء يمنع ابتداء النكاح، ولا يبطل استمراره إذا طرأ عليه، والثالث كالإحرام بالنسبة لوضع اليد على الصيد. . .\".\nالخامسة: الشروط اللغوية أسباب؛ لأنها يلزم من وجودها الوجود ومن عدمها العدم، بخلاف=","vol":"2","page":17},{"text":"وَأَمَّا<span data-type='title' id=toc-436> الصِّحَّةُ وَالْبُطْلَانُ </span>أَوِ الْحُكْمُ بِهِمَا، فَأَمْرٌ عَقْلِيٌّ؛ لأِنَّهَا إِمَّا كَوْنُ. . . .\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وأما الصحة (^١) والبطلان، أو الحكم بهما فأمر عقلي؛ لأنها\" - أي: الصحة الكائنة في العبادات، فهي \"إما كون الفعل مسقطًا للقضاء\" كما يقول الفقهاء، \"وإما موافقة أمر الشَّارع\" كما يقول المتكلمون.\nوعلى [خلافهما تنبني] (^٢) صلاةُ من ظَنّ أنه متطهّرٌ.\nوقد يكون في المُعَاملات، وهي ترتب الأَثَرِ.\nوصحَّة العبادات لا تكون من أحكام الوضع كما قلناه؛ لأنه بعدَ ورود الشَّرْع بالفعل يكون الفعل موافقًا للأمر أو مخالفًا، ومسقطًا للقضاء، أو غير مسقط غير محتاج إلى التوقيف من الشرع، بل يعرف بمجرّد العَقْل، فهو كونه مؤديًا للصلاة، أو تاركًا لها، كذا قال، وفيه نظرٌ.\nوالصَّوابُ عندنا أن الصِّحة والبطلان والحكم بهما أمور شرعية، وكون الفعل مسقطًا أو موافقًا للشَّرْع هو من فعل الله - تعالى - وتصييره (^٣) إياه سببًا لذلك، فما الموافقة ولا الإسقاط (^٤) بعقليين؛ لأنَّ للشرع فيهما مدخلًا، ولو لم تكن الصِّحة شرعية لم يقض القاضي بها عند اجتماع شرائطها، لكنه يقضي بالصِّحة إجماعًا فدلَّ أنها شرعية؛ إذ لا مَدْخل للأقضية في العقليات.\nوالعَجَبُ كلُّ العجب ممن يرى أن خطاب الوضع حكم شرعي، لم لا يرى الصحةَ حكمًا شرعيًّا؟ ولو قال هذه المقالة مَنْ لا يرى ذلك لرددناها عليه، فما ظنّك بمن يراها.\n_________\n= الشروط العقلية كالحياة للعلم، والشرعية كالطهارة مع الصلاة والعادية كالغذاء مع الحياة في بعض الحيوانات.\n(^١) ينظر مباحثه في: البحر المحيط للزركشي ١/ ٣١٢، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/ ١٢١، ونهاية السول للإسنوي ١/ ٩٤، وزوائد الأصول للإسنوي ص ٢٤٦، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص ١٣، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ١٧٨، وحاشية البناني ١/ ٩٩، والإبهاج لابن السبكي ١/ ٦٧، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ١/ ١٣٨، وحاشية العطار على جمع الجوامع ١/ ١١٧، والمعتمد لأبي الحسبن ١/ ١٣٨، والتحرير لابن الهمام ص ٢١٦، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ١٢٢، وميزان الأصول للسمرقندي ١/ ١٣٩، الكوكب المنير للفتوحي ص ١٤٦.\n(^٢) في أ، ح: اختلافهما ينبني.\n(^٣) في ب: تصير.\n(^٤) في ب، ج: إسقاط.","vol":"2","page":18},{"text":"الْفِعْلٍ مُسْقِطًا لِلْقَضَاءِ، وَإِمَّا مُوَافَقَةُ أَمْرِ الشَّرْعِ، وَالْبُطْلَانُ وَالْفَسَادُ نَقِيضُهَا. الْحَنَفِيَّةُ: الْفَاسِدُ\n<hr><s0>\n\n\"  والبُطْلان والفساد نقيضها\" - أي: نقيض الصّحة عندنا.\nوقالت \"الحنفية: الفاسد (^١) المشروع بأصله الممنوع\" بوصفه؛ كبيع درهم بدرهمين، فإنَّ العوضين قابلان للبيع، ولكن جاء الخَلَلُ من [قبل] (^٢) الزيادة، والباطل ما لم يشرع بأصله، ولا وصفه، كبيع الميتة بالدَّم، فإنهما غير قَابلين لِلْبَيْعِ.\nثم الفَاسِدُ عندهم إذا اتَّصل بالقبض أفاد ملكًا خبيثًا، والباطلُ لا يفيد شيئًا.\nوالخَطْب في هذه المسألة يسير؛ إذ هو آيل إلى الاصطلاح، فإن ثبت لهم إفادة بعض البياعات (^٣) الفاسدة شيئًا فليسموه بما شاءوا.\nوإنما يعطي الخطب عند متفقّهة (^٤) الشَّافعية إذا مرت بهم فروع، فرَّق فيها الأصحاب بين الباطل والفاسد، حيث يظنون بها مناقضتهم لأصلهم فلنسردها ثم نفصح عن سردها فمنها:\nالخُلعْ (^٥). . . .\n_________\n(^١) ينظر: مباحثه في: البحر المحيط للزركشي ١/ ٣١٤، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/ ١٢٢، ونهاية السول للإسنوي ١/ ٩٦، وزوائد الأصول له ص ٢٤٥، ومنهاج العقول للبدخشي ١/ ٧٦، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص ١٣، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ١٧٨، والمستصفى للغزالي ١/ ٩٤، وحاشية البناني ١/ ١٠٥، والإبهاج لابن السبكي ١/ ٦٧، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ١/ ١٣٨، وحاشية العطار على جمع الجوامع ١/ ١١٧، والمعتمد لأبي الحسين ١/ ١٤٦، والتحرير لابن الهمام ص ٢١٦، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ١٢٢، وميزان الأصول للسمرقندي ١/ ١٤١، والكوكب المنير للفتوحي ص ١٤٦.\n(^٢) في ح: قبيل.\n(^٣) في أ، ح: التنازعات، وهو تحريف.\n(^٤) في أ، ب: مفقهة.\n(^٥) الخلع لغة: النزع، وهو استعارة من: خلع اللباس؛ لأن كل واحد منهما لباس للآخر، فكأن كل واحد نزع لباسه منه، وخالعت المرأة زوجها مخالعة إذا افتدت منه، وطلقها على الفدية. ينظر: لسان العرب ٢/ ١٢٣٢، والمصباح المنير ١/ ٢٤٣، والمطلع ٣٣١.\nواصطلاحًا:\nعرفه الأحناف بأنه: عبارة عن أخذ المال بإزاء ملك النكاح بلفظ الخلع.\nوعرفه الشافعية بأنه: فرقة بين الزوجين بعوض بلفظ طلاق أو خلع.\nوعرفه المالكية بأنه: الطلاق بعوض.","vol":"2","page":19},{"text":"الْمَشْرُوعُ بِأَصْلِهِ، الْمَمْنُوعُ بِوَصْفِهِ.\n<hr><s0>\n\nوالكتابة (^١)، الباطل فيهما ما كان على غير عوضٍ مقصود كالميتة، أو رجعَ إلى خلل كالصِّغر والسَّفَه (^٢)، والفاسد خلافه.\nوحُكْم الباطل أنه (^٣) لا يترتّب عليه شيء، والفاسد يترتب عليه العِتْقُ والطَّلاق، ويرجع الزوج بالمهر، والسيد بالقيمة.\n_________\n= وعرفه الحنابلة بأنه: فراق الزوج امرأته بعوض يأخذه الزوج بألفاظ مخصوصة. ينظر: تبيين الحقائق ٢/ ٢٦٧، وشرح فتح القدير ٤/ ٢١٠، وحاشية ابن عابدين ٣/ ٤٢٢، ومغني المحتاج ٣/ ٢٦٢، والشرح الصغير للدردير ٣/ ٣١٩، وبداية المجتهد ٢/ ٩٨، والكافي ٢/ ٥٩٧، وكشاف القناع ٥/ ٢١٢، والمغني ٧/ ٥٣٦.\n(^١) شرعًا هي: إعتاق المملوك يدًا حالًا ورقبة مآلًا حتى لا يكون للمولى عليه سبيلٌ، فإذا أدى بدل الكتابة يعتق مآلًا، وعند العجز يتول إلى الرقبة. ينظر: قواعد الفقه ٤٤٠.\n(^٢) السَّفَه في اللّغة: خفة الحكم أو نقيضه، وأصله الخفة والحركة أو الجهل، والعرب تطلق السفه على ضعف العقل تارة وعلى ضعف البدن أخرى. فمن الأول قول الشاعر: -[السريع]\nنَخَافُ أَنْ تَسْفُهَ أَحْلَامُنَا … وَيَجْهَلَ الدَّهْرُ مَعَ الْجَاهِلِ\nومن الثاني قول ذي الرمّة: -[الطويل]\nمَشَيْنَ كما اهْتَزَّتْ رِمَاحٌ تَسَّفهَتْ … أَعَالِيَهَا مَرُّ الرِّيَاحِ النَّوَاسِمِ\nوالسفيه: المهلهل الرأي في المال الذي لا يحممن الأخذ لنفسه ولا الإعطاء منها.\nوفي اصطِلاح الفقهاء يراد من السفه السرف والتبذير وعدم حفظ المال. ثم اختلفت كلمتهم فيما يكون صرف المال سرفًا وتبذيرًا:\nفذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن صرف المال في وجوه الخير وأنواع البر والقرب لا يعد سرفًا ولا تبذيرًا. وذلك كصرفه في سبيل الله، وبناء المساجد، وإصلاح الطرق، وبناء القناطر، وإقامة المعاقل والحصون، وبناء المشافي، وما إلى ذلك من كل عمل يعود على الإسلام والمسلمين بالمصلحة.\nوذهب الحنفية إلى أن صرف المال في وجوه البر يعد سرفًا مذمومًا إن زاد عن حد التوسط. فأنت ترى أن الحنفية يرون كل تبذير سفهًا حتى لو كان في القربات. وغيرهم يرى أن التبذير ليس سفهًا في القربات، فإنه لا سرف في الخيرِ، كما لا خير في السرف.\n(^٣) في ح: أن.","vol":"2","page":20},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nومنها: الحج يبطل بالزيادة، ويفسد بالجِمَاعِ (^١)، وحكم الباطل أنه لا يجب قضاؤه، ولا يمضي فيه، بخلاف الفاسد.\nهذا حكم ما يطرأ، وأما الفاسد ابتداء فإذا أحرم بالعمرة، ثم جامع ثم أدخل عليها الحج، فالأصحُّ ينعقدُ فاسدًا.\nوقيل: صحيحًا.\nوقيل: لا ينعقد - قاله في \"الروضة\" في باب الإحرام.\n_________\n(^١) يفسد كل من الحج والعمرة بالوطء من غير الخنثى في الفرج قبلًا كان أو دبرًا من آدمي أو بهيمة بإنزال أو بدون إنزال، بشرط أن يكون الواطئ مميزًا عامدًا عالمًا مختارًا، ولو كان صَبيًّا مميزًا أو رقيقًا. وأما المرأة فإن وطأها مكرهة أو نائمة لم يفسد حجها وعمرتها، وإن كانت طائعةً عالمة فسد حجها وعمرتها. والحجّة في ذلك قوله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ أي فلا ترفثوا في الحج: أي لا تجامعوا، والأصل في النهي اقتضاء الفساد، وقيس بالحج العمرة. يجب على من أفسد نسكه من حج أو عمرة أن يتم النسك الذي أفسده بأن يأتي بجميع ما يعتبر به قبل الوطء لإطلاق قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ قإنه لم يفصل بين الصحيح والفاسد منهما. وأيضًا صح ذلك عن جمع من الصحابة ولم يعرف لهم فيه مخالف. ويلزمه دم وهو بدنة، وسيأتي بيانه، وأما المرأة فلا شيء عليها غير الإثم. ويجتنب في أثناء إتمامه ما كان يجتنبه قبل الوطء فتلزمه الفدية أيضًا إذا فعل محظورًا. ويلزمه إعادة الفاسد فورًا، وإن كان ما أفسده نفلًا؛ لأنه يلزم بالشروع فيه إتمامه وإكماله كالفرض؛ ولأنه وإن كان وقته موسعًا تضيق عليه بالشروع فيه. ويلزمه أن يحرم في الإعادة مما أحرم منه في الأول من الميقات أو قبله، ولا يلزمه أن يحرم في الإعادة في مثل الزمن الذي أحرم فيه في الأوّل، لعسر ضبط الزمان. بعد مضيّه. ثم إعادة العمرة الفاسدة فورًا ظاهر. وأما الحج الفاسد فيمكن أن يتصور إعادته في سنة الفساد - كأن يحصر الحاج بعد الجماع أو قبله، ويتعذّر عليه إتمام نسكه فيتحلّل، ثم يزول الحصر والوقت باق، فإن لم يحصر أعاده في العام القابل. ولو أفسد في الإعادة - لزمه بدنة أيضًا، ولكن لا تلزمه الإعادة عنها بل يعيد الأصل؛ لأن المعاد، واحد فلا يلزمه أكثئر من الواحد. ومحل فساد الحجِ بالوطء إذا حصل الوطء قبل التحلّل الأول؛ لأنه وطء صادف إحرامًا صحيحًا لم يحصل فيه التحللِ الأوّل، أما بعد التحلّل الأول وقبل التحلّلِ الثاني، فلا يفسد به إلا أنه حرام؛ لأنه لا يحل قبل التحلّل الثاني ما يتعلق بالنساء كما تقدّم. ومحلّ فساد العمرة به إذا وقع قبل الفراغ من أعمالها وكانت مفردة، بخلاف ما إذا كانت في قرانٍ، فإنها تابعة للحج صحةً وفسادًا. ويبطل كل من الحج والعمرة بالرّدة - والعياذ بالله - ولا يجوز المضي فيه؛ لأنه يخرج منه بالبطلان، ففرق بين الفاسد والباطل في كلّ من الحجّ والعمرة.=","vol":"2","page":21},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوأمَّا إذا أحرم وهو مجامعٌ، فينعقد فاسدًا أيضًا على الأصح - قاله الرَّافعي في باب المواقيت (^١) قبل الميقات المَكَاني، وصحَّح النَّووي في \"باب محرّمات الإحرام\" عدم الانعقاد.\n_________\n(^١) من واجبات الحج وقوع الإحرام بالحج في الميقات. والمراد الميقات المكاني، فإن للحج ميقاتين:\nالأوّل: ميقات زماني، وهو من ابتداء شوّال إلى فجر يوم النحر، فلا ينعقد الحج إلا إذا نواه الشخص في هذا الوقت، أما إذا نواه في غيره، فإنه ينعقد عمرة، كما تقدم؛ لشدّة تعلّق الإحرام ولزومه، فإذا لم يقبل الوقت ما أحرم به انصرف لما يقبله، وهو العمرة. وهذا الميقات عام لجميع آحاد الناس، لا فرق بين بين هو بـ \"مكة\" ومن هو في غيرها.\nالثاني: ميقات مكاني، ويختلف باختلاف الجهات، فمن كان في مكة، ولو كان من غير أهلها وأراد الإحرام بالحج، فميقاته نفس مكة، فيجب عليه أن يحرم من أي مكان منها، فلو أحرم بعد مفارقة بنيان مكة، ولم يرجع إليها إلا بعد الوقوف لزمه دم؛ لتركه إيقاع الإحرام في الميقات. والأفضل له أن يحرم عند باب داره، بعد أن يصلّي سنّة الإحرام في المسجد تحت الميزاب، ومحل كون مكة ميقاتًا لمن هو فيها إذا كان يحج عن نفسه أو عن شخص آخر بـ \"مكة\"، أما إذا كان يحج عن آفاقي فميقات إحرامه هو ميقات من يحج عنه، أو مثل مسافته، وميقات المتوجه من المدينة ذو الحليفة، وهو موضع ماء لبني جشم، وهو المعروف الآن بـ \"أبيار علي\" بينه وبين المدينة ثلاثة أميال. وميقات المتوجه من الشام ومصر والمغرب الجُحْفَة، وهي قرية بين مكة والمدينة، وهي الآن خربة ويقرب منها القرية المعروفة بـ \"رابغ\"، فيصح الإحرام منها بلا كراهة، وميقات المتوجه من تهامة يلملم، وهو جبل من جبال تهَامَةَ على مرحلتين من مكة، وميقات المتوجه من نجد الحجاز، ومن نجد اليمن قَرْن، وهو جبل مشرف على عرفات، وهو على مرحلتين من مكّة، وميقات المتوجه من المشرق الشامل للعراق، وغيره ذات عِرق، \"وهي قرية على مرحلتين من مكة\"، وسمّيت بذلك؛ لأن بها جبلًا يسمى عِرقًا يشرف على واد يقال له: وادي العقيق، وميقات من مسكنه بين ميقات من هذه المواقيت، وبين مكة نفس مسكنه، وميقات من جاوز ميقاتًا غير مريد نسكًا ثم أراده نفس الموضع الذي أراد النسك وهو فيه.\nوالأصل في المواقيت ما جاء في الصحيحين عن ابن عباس، قال: \"وَقَّتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأِهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُليْفَةِ، وَلأِهْلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ، وَلأِهْلِ نَجْدٍ قرنًا، وَلأِهْلِ الْيمَنِ يلمْلم وَقَال: هُنَّ لهنَّ وَلِمَنْ أتَى عَليْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِن مِمَّنْ أَرَاد الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَينْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ\" وروى الشافعي في الأم عن عائشة \"أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَتَ لأَهْل المَدِينَةِ ذَا الحُليْفَةِ، وَلأِهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالمَغْرِب الْجُحْفَةَ\"، وفي رواية أبي داود: \"أنَّه ﷺ وَقَّت لأَهل العراق ذاتَ عرق\". ولا يشترط عند الإحرام المرور بهذه المواقيت أنفسها، بل يكفي الإحرام من مكان يحاذيها يمنةً أو يسرةً، فمن سلك طريق البحر أو البر، ولم يمر بين الميقات، بل كان بعيدًا عنه لزمه =","vol":"2","page":22},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nومنها: العارية (^١) قال الغزالي في \"الوسيط\" بعد حكاية الخلاف في إعارة الدراهم والدَّنانير: فإن أبطلناها ففي طريقة \"العراق\" (^٢) أنها مضمونة، لأنها إعارةٌ فاسدةٌ، وفي طريقة\n_________\n= أن يحرم من موضع يحاذيه، فلو حاذى ميقاتين أحدهما قريب إليه، والآخر بعيد عنه لزمه أن يحرم من موضع محاذاة أقربهما إليه؛ لأنه لو كان أمامه ميقات؛ لكان هو ميقاته، فكذا الموضع الذي قريب منه، ولو استوى الميقاتان في القرب إليه لزمه أن يحرم من موضع محاذاة أبعدهما من مكة، فإن اشتبه عليه موضع المحاذاة اجتهد، فإن تحيّر قلد غيره كالأعمى. ولو لم يجد مريد الحج في طريقه ميقاتًا، ولا موضعًا يحاذيه، فميقاته على بعد مرحلتين من مكة، إذ لا ميقات أقل مسافة من هذا القدر.\n(^١) العاريَّة لغة مشددة الياء على المشهور، وحكى الخطابي وغيره تخفيفها، وجمعها: عواريّ بالتشديد والتخفيف، قال ابن فارس: ويقال لها: العارة أيضًا، قال الشاعر: [الطويل]\nفأخْلِفْ وأتْلِف إِنَّما المالُ عارةٌ … وكُلْه معَ الدَّهْر الذي هوَ آكِلُه\nقال الأزهري: هي مأخوذة من: عار الشيء يعير: إذا ذهب وجاء، ومنه قيل للغلام الخفيف: عيار، وهي منسوبة إلى العارة، بمعنى: الإعارة، وقال الجوهري: هي منسوبة إلى العار؛ لأن طلبها عار وعيب، وقيل: هي مشتقة من التعاور، من قولهم: اعتوروا الشيء، وتعاوروه، وتعوَّروه: إذا تداولوه بينهم. ينظر: الصحاح ٢/ ٧٦١، ولسان العرب ٤/ ٦٢٢.\nاصطلاحًا:\nعرفها الحنفية بأنها: تمليك المنافع بغير عوض، أو هي إباحة الانتفاع بملك الغير.\nوعرفها الشافعية بأنها: اسم لإباحة منفعة عين مع بقائها بشروط مخصوصة.\nوعرفها المالكية بأنها: تمليك منفعة مؤقتة لا بعوض.\nوعرفها الحنابلة بأنها: العين المعادة من مالكها أو مالك منفعتها أو مأذونها في الانتفاع بها مطلقًا أو زمنًا معلومًا بلا عوض. ينظر: تبيين الحقائق ٥/ ٨٣، والمحلى على المنهاج ٣/ ١٧، ومواهب الجليل ٥/ ٢٦٨، وكشاف القناع ٤/ ٦٢، وأسهل المدارك ٣/ ٢٩، ومجمع الأنهر ٢/ ٣٤٥، ٣٤٦.\n(^٢) قال ابن السبكي في \"الطبقات\" ١/ ٣٢٤: واعلم أن أصحابنا فرق تفرقوا بتفرق البلاد. فمنهم: أصحابنا بالعراق كـ\"بغداد\"، وما والاها. وأولئك بعيد أن تعزُب عنا تراجمهم؛ فإنهم إما من بغداد نفسها، أو من البلاد التي حواليها، والغالب على من يقرب منها أنه يدخلها. وكيف لا وهي محلة العلماء إذْ ذاك، ودار الدنيا، وحاضرة الرُّبع العامر، ومركز الخلافة؟!.\nوبغداد لها كتاب \"التاريخ\" للإمام أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب ﵀، وهو من أجلّ الكتب وأعْوَدها فائدة. وقد ذيَّل عليه الإمام أبو سعد تاج الإسلام ابن السّمعانيّ، فأحسن ما شاء. وذيَّل على ابن السّمعاني الحافظ أبو عبد الله بن الدُّبَيْثيّ. ثم جاء الحافظ محمد بن محمود بن=","vol":"2","page":23},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"المَرَاوزة\" (^١). أنها غير مضمونة؛ لأنها غير قابلة للإعارة، فهي باطلة.\nومنها: الإجارة (^٢) الفاسدة، يجب بها أجرة المِثْلِ.\n_________\n= النجَّار، فذيل على الخطيب نفسه، فجمع فأوعى، على أنه أخل بذكر جماعة كثيرين ذكرهم ابن السّمعانيّ، وما أدري لِمَ فعل ذلك!.\n(^١) طريقة المراوزة عند علمائنا السادة الشافعية يطلقونها على الخراسانيين تارة وعليهم أخرى. وهما عبارتان عندهم عن مُعبَّر واحد، والخُراسانيون نصف المذهب، فكأن مرو في الحقيقة نصف المذهب، وإنما عبروا بـ\"المَرَاوزة\" عن الخراسانيين جِميعًا؛ لأن أكثرهم من \"مرو \"وما والاها. وكفاك بأبي زيد المَرْوَزي وتلميذه القَفَّال الصغير، ومن نَبَغ من شعابهما، وخرج من بابهما. ينظر: طبقات الشافعية لابن السبكي ١/ ٣٢٦.\n(^٢) الإجارة مثلثة الهمزة، وأن لغة الكسر أفصح من لغتي الضم والفتح، وهي مصدر سماعي بوزن فِعَالة من: أجر الدار والعبد بالقصر من بابي نصر وضرب، فيقال: أجر يأجر كنصر ينصر، وأجر يأجر، كضرب يضرب وهذه لغة بني كعب، ومصدرهما القياسي الأجر، والإجارة أيضًا اسم للأجرة، وهي الكراء مأخوذة من الأجر، وهو ما يستحق على عمل الخير، ولهذا يدعى به، فيقال: أجرك الله أجرًا أي: أثابك، وقد يطلق الأجر على الأجرة، ويقال: أيضًا أَجرت زيدًا الدار إيجارًا فأنا مؤجر، أي: أكريته إياها، وأجرت زيدًا مؤاجرة، فأنا مؤاجر، أي: عاقدته على الإجارة، ويقال: استأجرت الدار، أي أكريتها، والعبد أي اتخذته أجيرًا. وأما الإجارة من السوء ونحوه، فهى مأخوذة من أجار إجارة كأنما أعاذه وزنًا ومعنى، فهمزتها زائدة، بخلاف الإجارة بالمعنى السابق؛ فإن همزتها فاء الكلمة. الإجارة والكراء بمعنى واحد في الاصطلاح، كما هما بمعنى واحد في اللغة، غير أن المالكية سموا العقد على منافع الآدمي، وما ينقل سوى السفن والحيوان إجارة، والعقد على منافع ما لا ينقل كالأرضين والدور، وما ينقل من سفينة وحيوان كراء. وهذه التسمية إنما هي في الغالب فيهما.\nواصطلاحًا:\nعرفها الحنفية بأنها: عقد على المنافع بعوض.\nوعرفها الشافعية بأنها: تمليك منفعة بعوض بشروط معلومة.\nوعرفها المالكية بأنها: تمليك منفعة غير معلومة زمنًا معلومًا بعوض معلوم.\nوعرفها الحنابلة بأنها: عقد على منفعة مباحة معلومة تؤخذ شيئًا فشيئًا مدة معلومة من عين معلومة أو موصوفة في الذمة أو عمل معلوم بعوض معلوم. ينظر: الصحاح ٢/ ٥٧٢، والمصباح المنير ١/ ١١، والمغرب (٢٠)، والمبسوط للسرخسي ١٥/ ٧٤، ومجمع الأنهر ٢/ ٣٦٨، ومغنى المحتاج ٢/ ٣٣٢، والإقناع ٢/ ٧٠، ومواهب الجليل ٥/ ٣٨٩، وشرح الخرشي ٧/ ٢، وأسهل المدارك ٢/ ٣٢١، وكشاف القناع ٣/ ٥٤٦، والإنصاف ٦/ ٣.","vol":"2","page":24},{"text":"وَأَمَّا<span data-type='title' id=toc-437> الرُّخْصَة،</span> فَالْمَشْرُوعُ لِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرِّمِ لَوْلَا الْعُذْرُ؛. . . .\n<hr><s0>\n\nوأما إذا استأجر - مثلًا - صبيٌّ رجلًا بالغًا فعمل عملًا لم يستحق شيئًا؛ لأنه الذي فَوَّت على نفسه عمله، وتكون باطلة.\nومنها: لو قال للمديون: اعزل قدر حَقِّي، فعزل، ثم قال: قارضتك عليه لم يصحّ؛ لأنه لا يملكه بالعزل، فإذا تصرف المأمورُ بأن اشترى بالعين فهو ملك له، وإن اشترى في الذمة للقراضِ ولغيره فوجهان:\nأحدهما: الشراء للقراض، ويكون قراضًا فاسدًا، وله الأجرة والربح لبيت المال.\nوالثاني: لا يكون قراضًا (^١) لا فاسدًا ولا صحيحًا، بل هو باطلٌ.\nومنها: لو قال: بعتك، ولم يذكر ثمنًا، وسلَّم، وتلفت العين في يد المشتري، هل عليه قيمتها؟ وجهان:\nأحدهما: نعم؛ لأنه بيعٌ فاسدٌ.\nوالثاني: لا؛ لأنه ليس بيعًا أصلًا، فيكون أمانة، وهذا ما حضرنا منها.\nواعلم أنَّا فرقنا في هذه الفروع - كما عبمت - بيد أنا لم نَرُمْ مَرَامَ الحنفية، ولم [نَنْحُ] (^٢) طريقتهم؛ لأنهم يثبتون بيعًا فاسدًا يترتب عليه مع القبض أحكام شرعية. ونحن لا [نغفل] (^٣) ذلك، وإنما العقود لها صورة لغةً وعرفًا من عاقد ومعقود عليه، وصيغة، ولها شروط شرعية.\nفإن وجدت كلها فهو الصحيح، وإن فقد العاقد أو المعقود عليه، أو الصيغة وما يقوم مقامها فلا عقد ألبتة، وتسميته باطلًا مجاز، وإن وجدت وقارنها (^٤) مفسد من عدم شرط أو نحوه فهو فاسدٌ.\nوعندنا هو باطلٌ أيضًا، ولكن يطلق عليه الفاسد لمشابهته للصَّحيح من جهة ترتُّب أثر (^٥) ما عليه من أُجْرة مِثْلٍ، وغير ذلك، ولم ننف عنه الإبطال، وإنما سَمَّيناه بالفاسد، وسكتنا عن ذكر الباطل تفرقةً بين ما يترتّب عليه أثر ما، وما لا يترتَّب.\nالشرح: واعلم أن الرُّخصةَ من خطاب الاقتضاء لا الوضع، وستعرف انقسامها بحسب ما تؤول (^٦) إليه إلى: واجبٍ، ومندوبٍ، ومباحٍ، ولكنَّ المصنّف أوهم أنها من الوضع، إذ\n_________\n(^١) في أ: قرضًا.\n(^٢) في ت: نتج.\n(^٣) في ت، ح: نفعل.\n(^٤) في أ، ت، ح: قاربها.\n(^٥) في أ، ح: أمر.\n(^٦) في ت، ح: يؤول.","vol":"2","page":25},{"text":"كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، وَالْقَصْرِ وَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ وَاجِبًا وَمَنْدُوبًا وَمُبَاحًا.\n<hr><s0>\n\nوضعها هنا، وهي قسيم العزيمة.\nفأما العزيمةُ (^١) فالحكم الأصلي الذي شرعه الشَّارع، ولم يتغير من ذلك الوَضْع بعارض، كالصلوات الخمس والبيع.\n\"وأما الرُّخصة، فالمشروع لِعُذْرٍ مع قيام المحرم لولا العُذْر\"، والمشروع يتناول الفعلَ والكَفّ، وقيد العذر يخرج المشروع لا لعذر كالصَّلاة.\nوقوله \"مع قيام المحرم\": لولا العذر يفهم أن المحرم ليس قائمًا مع العُذرِ، وكأنه يريد بقيامه انتهاضه مترتبًا عليه الحكم، وإلا فسببه قائم مع العذر.\nويحسن أن يحترز بهذا القَيْدِ عن المشروع لِعُذْر، ولكن لا مع قيام المحرم لولا العذر كالإطعام في كَفَّارة الظِّهار، مشروع لِعُذْرِ عدم القُدْرَةِ على الإعتاق، والمحرم غير قائم؛ لأن الإعْتاق عند فقد الرَّقبة لا يكون واجبًا، فلا يكون محرم ترك الإعتاق قائمًا.\nوأحسن من هذا التَعريف أن يقال: الرُّخصةُ ما تغير من الحكم الشَّرعي لعذر إلى سهولة، ويسر مع قيام السَّبب للحكم الأصلي \"كأكل الميتة للمضطر\" (^٢).\n_________\n(^١) ينظر مباحثها في: البحر المحيط للزركشي ١/ ٣٢٥ - ٣٢٦، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/ ١٢٢، والتمهيد للإسنوي ٧٠، ونهاية السول له ١/ ١٢٠، ومنهاج العقول للبدخشي ١/ ٩٣، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ١٩، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ١٧٩، والمستصفى للغزالي ١/ ٩٨، وحاشية البناني ١/ ١١٩ - ١٢٣، والإبهاج لابن السبكي ١/ ٨١، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ١/ ١٨٥، وحاشية العطار على جمع الجوامع ١/ ١٦٢ - ١٦٥، والتحرير لابن الهمام ٢٥٨، ونيسير التحرير ٢/ ٢٢٩، وكشف الأسرار للنسفي ١/ ٤٤٧، ٤٦٠، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ١٢٨، وشرح المنار لابن ملك ٧٠، والوجيز للكراماستي ٣٠، وميزان الأصول للسمرقندي ١/ ١٥٨ - ١٥٩، والكوكب المنير للفتوحي ١٤٩ - ١٥٠، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٢/ ١٤٦.\n(^٢) وقول بعض أصحاب الرأي: \"الرخصة ما أبيح فعله مع كونه حرامًا\" تناقض ظاهر، وكذا قول من قال: \"ما رخص فيه مع كونه حرامًا\" لأن الرخصة غير خارجة عن الإباحة، فكان في معنى الأول وزيادة، وهي استعمال رخص في حد الرخصة وإن أمكن تأويله اللغوي دون الاصطلاحي، لأن أقله استعمال اللفظ المجمل في الحد، وهو قبيح. وأما الذي فسر من المتأخرين العزيمة بأنها عبارة عن الحكم الثابت على وجه ليس فيه مخالفة دليل شرعي، والرخصة بأنها الحكم الثابت على خلاف=","vol":"2","page":26},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقال إمامُ الحرمين في \"النهاية\" في \"باب صلاة المسافر\": يجوز أن يقال: إنه ليس من الرُّخص لوجوبه، ويجوز أن يُجَاب بالتّيمُّمِ، فإنه واجبٌ على فاقد الماء، وهو معدود من الرُّخص.\nوهذا من الإمام تردُّد في أن الوجوب هل بجامع الرُّخصة؟\nوكلام غيره أيضًا يدلّ على ذلك، وسننبّه على الجَمْع بين هذا، وبين كلام الأصوليين.\n\"والقصرُ\" للمسافر (^١) إذا بلغ سفره ثلاثة أيام، \"والفطر في السَّفر\n_________\n= الدليل لمعارض راجح\" فقد أخطأ فإن النكاح مع مخالفة النافي، وهو دليل شرعي وكذا وجوب الزكاة والقتل قصاصًا لا يسمى رخصة. ينظر الشيرازي ١٣٩ ب/ خ.\n(^١) القصر لغة: التنقيص، وشرعًا ردّ الصلاة الرباعية إلى ركعتين. وسبب القصر السفر فقط، وإن لم توجد فيه مشقة بخلاف الجمع؛ فإنه لا يختصر بالسفر، بل قد يكون بالمطر. وحكم القصر الجواز عند الأمن والخوف، والدليل عليه قوله تعالى. ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ونصوص السنة المصرحة بجوازه عند الأمن أيضًا قال \"ثعلبة بن أمية\": قلت \"لعمر بن الخطابِ\" ﵁: إنما قالما الله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقد أمن الناس. قال عمر: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ فقال: (صدَقَةٌ تصدَّقَ الله بِهَا عَليْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَه). وحكمة مشروعية القصر أن السفر عذاب ومشقة، قال رسول الله ﷺ: \"السَّفَر قِطْعةٌ مِنَ الْعَذَابِ يمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَه وَشَرَابه، فإذا قضى أَحَدُكُمْ نَهِمَتَه مِنْ سَفَرِهِ فَلْيُعَجِّلُ إِلى أَهْلِهِ\"، فلما كان في السفر أنواع المشاق والصعوبة وكثيرًا ما يكون الإنسان نازحًا من الوطن؛ لمشاغل دنيوية تنازعه بالطلب بكرة وعشية، تفضل مولانا الكريم على عباده بالرحمة والإحسان، فشرع قصر الصلاة رحمةً بالأمة وتخفيفًا للعباد ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، وشرع القصر في السنة الرابعة من الهجرة، قاله \"ابن الأثير\".\nوقيل: في ربيع الآخر من السنة الثانية للهجرة، قاله \"الدولابي\" وقيل: بعد الهجرة بأربعين يومًا، وهل القصر رخصة أو عزيمة؟!.\nالرخصة لغةً: السهولة، وشرعًا: الحكم المتغير من صعوبة على المكلف إلى سهولة؛ لعذر مع قيامٍ السبب للحكم الأصلي واجبًا كأكل الميتة، ومندوبًا، كالقصر إذا بلغ السفر ثلاثة أيام، ومباحًا كالسلم، وخلاف الأولى كفطر المسافر الذي لا يجهده الصوم. والحكم الأصلي في المذكورات: الحرمة، والسبب الخبث في الميتة، ودخول وقتي الصلاة والصوم في القصر والفطر، والغرر في السلم، وهو قائم حال الحل، والعذر الإضرار، ومشقة السفر، والحاجة إلى ثمن الغلات قبل=","vol":"2","page":27},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  إدراكها، وسهولة الوجوب في أكل الميتة لموافقته لغرض النفس في بقائها. فإن لم يتغير الحكم كما ذكر فهو العزيمة بأن لم يتغير أصلًا، كوجوب الصلوات الخمس، أو تغير إلى صعوبة، كحرمة الاصطياد بالإحرام بعد إباحته قبله، أو إلى سهولة لا لعذر، كحل ترك الوضوء لصلاة ثانية مثلًا لمن لم يحدث بعد حرمته؛ أو لعذر لا مع قيام السبب للحكم الأصلي كإباحة ترك ثبات الواحد مثلًا من المسلمين للعشرة من الكفار زمن القتال بعد حرمته، وسبب الحرمة قلة المسلمين ولم تبق حال الإباحة لكثرتهم حينئذ، والعذر في الإباحة مشقة الثبات المذكور لما كثروا. واختلف الأئمة في القصر هل هو رخصة أو عزيمة:\nفقال أبو حنيفة: هو عزيمة، فهو عنده من النوع الأول من أنواع العزيمة، وقال مالك والشافعي وأحمد: هو رخصة. والذي يقصر من الصلوات هو الرباعية المكتوبة المؤداة أو فائتة سفر طويل مباح في سفر طويل مباح بالشروط المعروفة، فلا تقصر صبح ومغرب؛ للإجماع على عدم جواز القصر فيهما فالقصر مخصوص بالظهر والعصر والعشاء بالإجماع، وإذا قصرت الصلاة الرباعية ردت إلى ركعتين، سواء أكان هناك خوف أم لا.\nوخالف ابن عباس في الخوف، وقال: الواجب في الخوف ركعة، وحكي هذا عن، الحسن البصري\" والجمهور على الأول، وتأولوا الحديث الثابت في مسلم عن ابن عباس: \"فُرضَتِ الصَّلاةُ فِي الْحَضَرِ أربعًا وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةٌ\" على أن المراد ركعة مع الإمام، وينفرد بأخرى، كما هو المشروع فيها في صلاة الصبح، والمراد بالمكتوبة: المفروضة أصالة، وإن وقعت نفلًا فشملت صلاة فاقد الطهورين وصلاة المتيمم بمحل يغلب فيه وجود الماء، وشملت المعادة وجوبًا لغير إفساد وإن أتم أصلها على المعتمد، وذلك كأن يجد فاقد الطهورين والمتيمم المذكور الماء؛ فإنه يجب إعادة ما صلاه، ويقصر الصلاة المعادة، وإن كانت صلاته الأولى تامة، وشملت صلاة الصبي، والمعادة ندبًا لكن لا يقصرها إلا إذا قصر أصلها، وإلا لم يجز قصرها، وخرج المنذورة والنافلة؛ فإن سنة العصر مثلًا أربع ركعات فلو أراد صلاة ركعتين، ونوى قصر الأربع إليهما لم يكف بل إن أحرم بركعتين سنة العصر من غير تعرض، لقصر صحتا وكانت بعض ما طلب للعصر، وإن أحرم على أنهما قصر للأربع بحيث إنهما يجزآن له عن الأربع، ويسقط عنه طلب ما زاد لم تصح صلاته؛ لأنه نوى ما لا يعتد به شرعًا، وخرج بالمؤداة أو الفائتة في السفر الطويل. (أي بأحدهما) الفائتة في الحضر أو في سفر لا يجوز فيه القصر؛ فإنه لا يصح قضاؤها مقصورة في السفر، أما فائتة السفر الطويل، فتقضي مقصورة في السفر الطويل، سواء السفر الذي فاتت فيه أو سفر آخر، وإن تخللت بينهما إقامة طويلة دون الحضر في أظهر الأقوال للإمام \"الشافعي\" ﵁ أما القصر في السفر، فلقيام العذر، وهو وجود سبب القصر في قضائها كأدائها،=","vol":"2","page":28},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\nواجب\" (^١) - أي في أكل المَيْتَةِ على الصَّحيح.\n_________\n= وبذلك فارق عدم قضاء الجمعة جمعة، وأما عدم القصر في الحضر؛ فلأنه ليس محلًا للقصر، لفقد سبب القصر حال فعلها.\nوالقول الثاني: يجوز القصر في السفر والحضر؛ لأنه يلزمه في القضاء ما كان يلزمه في الأداء، وكان يلزمه في الأداء صلاة، ولو مقصورة، فكذلك القضاء.\nوالقول الثالث: لا يجوز قصر المقضية، لا في السفر ولا في الحضر، لأنها صلاة ردَّت إلى ركعتين، فإن فاتت يؤتى بأربع كالجمعة.\nوالقول الرابع: إن قضى في السفر الذي قامَت فيه قصر، وإلا فلا.\n(^١) يباحُ للمسافر الفطر في رمضان إذا تحققت الشروط الآتية:\nالأول: أن يكون سفره سفر قصر أي: أن يكون سفرًا طويلًا، والسفر الطويل ما كان مرحلتين فأكثر، وهما: سير يومين من غير ليلة على الاعتبار، أو ليلتين بلا يوم كذلك، أو يوم وليلة مع النزول المعتاد ولنحو استراحة، أو أكلٍ أو صلاةٍ، وأن تكون المرحلتان بسير الأثقال أي: الحيوانات المثقلة بالأحمال، والبحر كالبر في اشتراط المسافة المذكورة، فلو قطع الأميال فيه في ساعة مثلًا، لشدة جري السفينة بالهواء ونحوه، فإنه يبيح له الفطر أيضًا؛ لوجود المسافة الصالحة، وَلا يضُرُّ قَطْعُهَا في زَمَنٍ يسيرٍ. فإن قيل: إذا قطع المسافة في لحظة صار مقيمًا، فكيف يتصور ترخيصه فيها؟.\nأجبب بأنه لا يلْزَمُ من وُصُولِ الْمَقْصِدِ انْتِهَاءُ الرُّخْصَةِ.\nالشرطُ الثَّاني: أَن يكون سفره في غير معصية بأَلَّا يكون عاصيًا بالسفرِ، وهو الذي أنشأ سفره معصية، ولا عاصيًا بالسفر في السفر، وهو الذي أنشأ سفره طاعة ثم قلبه معصية. أَمَّا العاصي في السفر وهو من أنشأ سفره طاعة، واستمر كذلك إِلَّا أنه وقعَت منه معصية في أثناء سفره، فيجوز له الفطر، وَلمْ يجَوِّز الشارعُ الفطر لمن كان سفره في معصية؛ لأن ذلك يكون إعانة له على المعصية؛ ولأن جواز الفطر رخصة، والرخصة لا تُنَاطُ بِالْمَعاصِي. وبناءً على هذين الشرطين يمكن أن يُقَلُ: إِنَّ المسافر الذي كان سفره في غير معصية، وكان سفره سفر قصر يباحُ له الفطر بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أَي: فله الفطر وعليهِ عدة من أيام أخر، ولما روت السيدة عائشة ﵂ أنْ حَمْزَةَ بن عمرِ الأسلمي قَال: يا رَسُول اللهِ أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ فَقَال له رَسُولُ اللهِ ﷺ: \"إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِر\".\nثُمَّ إن كان المسافر ممن لا يجهده الصوم - أي: لا يتضرر به، فالأفضل له الصوم؛ لِمَا روِي عن أنس ﵁ أنه قال لِلصَّائِمِ فِي السَّفَرِ: \"إنْ أَفْطَرْتَ فَرخْصَةٌ، وَإِنْ صُمْتَ فَأَفْضَلُ\". وَلأِنَّه لو أفطر عرض الصوم للنسيان، وحوادث الأيَّام؛ ولأن شهر الصوم له أفضلية وَمَزِيَّةٌ عَلى سائر الأيام، وإن كان المسافر ممن يجهده الصَّوم، أي يتضرر به فالأَفْضَلُ له الفِطْر؛ لما روى جابر ﵁=","vol":"2","page":29},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوفي وجه يباح فقط.\nونظيره العاصي بسفره إذا عدم الماء، فأصح الأوجه يلزمه التيمُّم، وإعادة الصلاة.\nوالثَّاني: يلزمه، ولا إعادةَ.\nوالثالث: يحرم التيمم، ويجب القضاء \"مندوبًا\" أي: في القصر، والرُّخصة في الحقيقة ما تضمّنه الواجب والندب من الإحلال، وأما خصوصُ الوجوب والندب فزائد آلت إليه الرخصة بدليل خاصٍّ.\n_________\n= أنَّه قال: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ في سفر برجلٍ تَحْت شَجَرَةٍ يرشُّ عَليْهِ الماءَ فَقَال ﵇: \"ما بالُ هَذَا؟ قَالُوا: صَائِمٌ يا رَسُولَ اللهِ، قَال ﵇: ليْسَ مِنْ البِرِّ الصِّيامُ فِي السَّفَرِ\". فإنْ صَامَ المُسَافِر ثُمَّ أَرَادَ أن يُفْطِرَ فَله أن يُفْطِر؛ لأَنَّ العذر قائِمٌ كما لو صام المريض، وأرادَ أَنْ يُفْطِرَ.\nالشرط الثالث: أَنْ يكُونَ السَّفَر سابقًا على الصوم، بأن يكون الشروع فيه سابقًا على الشروع في الصوم، كأن يقع السفر بعد الغروب، وقبل الفجر. أَمَّا إِذَا كان الشروعُ في السَّفَرِ بعد الشروع في الصوم، فيحرم عليه الفطر، ويجب الصومُ.\nوقال المزني: له أَنْ يُفْطِرَ كما لوِ أَصْبَح الصبحُ صائمًا، ثُمَّ مَرِضَ. والمذهب الأول: وهو وجوبُ الصَّوْمِ وَعَدَمِ جواز الفطر؛ دليلُ ذلِكَ أنَّه عِبادَةٌ اجتمع فيها سَفَرٌ وَحَضَرٌ، وَكُلُّ عِبادةٍ يجْتَمع فيها سَفَرٌ وحَضَرٌ يغْلِبُ جانب الحضر؛ لأنَّه الأَصلُ. وعلى الأول: لو جامع فيه، لزمه الكفارة؛ لأنه يوم من رمضان هوَ صائمٌ فِيه صومًا لا يجوز فِيه الفطر.\nالشرط الرابع: أَنْ يرجو المسافر إقامةً يقضي فيها ما أفطره من أيام سفره، فإن لم يرجُ إقامة يقضي فيها ما أفطره، بأن كان مديم السَّفَرِ، فَلا يُباحُ له الفِطْر؛ لأَنَّ إباحةَ الفطر في هذه الحالة تُؤَدِّي إِلى إِسْقَاطِ الفرض بالكلية، نعم لوْ قَصَدَ القَضاءَ في أيام أخرى من أيام سفره، جاز له الفطر، وَلا فرْقَ في جواز الفطرِ للمسافرِ بين أن يكون بأكل أو نحوه، كجماع، وغير ذلك. ومتى أَفْطَرَ المسافر وَجَب عَليْهِ القضاءُ دُونَ الفديةِ، ثم إِنَّه إِذَا قَدِمَ المُسافِر أو برئ المريض، وهما مفطران استحب لهما إمساكُ بقية النهارِ؛ لِحُرْمَةِ الوقت، ولا يجب عليهما ذلك؛ لأنهما أفطرا بعذر. ويُنْدَبُ لهما إِذا أكلا أَلا يأْكُلا إِلَّا عند من يعرف عذرهما؛ لخوف التهمة. وإذا قدم المسافر وهو صائمٌ أو برئ المريضُ وهو صائمٌ، فقى جواز إفطاره وجهان:\nأحدهما: أنه يجوز لهما الفطر، وبه قال ابن أبي هريرة؛ لأنه أبيح لهما الفطر من أَوَّلِ النهارِ، فجاز لهما الإفطار في بقِيَّة النَّهار، كما لو دَامَ السَّفَر والمرضُ.\nوثانيهما: لا يجوز لهما الإفطار، وهوَ قَوْلُ القاضي أبي الطيِّبِ وجمهور الأصحابِ، لأنه زال سبب الرُّخْصَةِ قبل التَّرَخُّصِ.","vol":"2","page":30},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوبهذا يجمع كلام الإمام في \"النهاية\" وغيره مع كلام الأصوليين.\n\"ومباحًا\" أي: في الفطر، وفيه نظر، فإن مراده بالمُبَاح مستوى الطرفين، فالمسافر إن كان يجهده الصَّوم، فالأفضل الفطر، وإلا فالصَّوم، فلا استواء، فالأولى التمثيل بالسّلم (^١) والعرايا (^٢)، وأن يجعل الإفطار في السفر مثالًا لخلاف الأوْلَى.\n_________\n(^١) السلم لغة: السلم بالتحريك السلف، وأسلم في الشيء وسلم وأسلف بمعنى واحد، والاسم: السلم. ينظر: لسان العرب ٣/ ٢٠٨١، والمصباح المنير ٢/ ٢٨٦، وتحرير التنبيه ٢٠٩.\nواصطلاحًا:\nعرفه الحنفية بأنه: عبارة عن نوع بيع معجل فيه الثمن - هو أخذ عاجل بآجل.\nوعرفه الشافعية بأنه: بيع موصوف في الذمة.\nوعرفه المالكية بأنه: بيع شيء موصوف في الذمة بغير جنسه مؤجلًا.\nوعرفه الحنابلة بأنه: عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض بمجلس عقد. ينظر: مغني المحتاج ٢/ ١٠٢، ومواهب الجليل ٤/ ٥١٤، ومطالب أولي النهى: ٣/ ٢٠٧، وحاشية ابن عابدين ٤/ ٢٠٣، وأسهل المدارك ٢/ ٣١١، وكشاف القناع ٣/ ٢٨٨.\n(^٢) العرايا لغة: واحدتها عرية، وهي النخلة التي يعريها صاحبها رجلًا محتاجًا، والإعراء أن يجعل له ثمرة عامها، فقال بعض العرب: منا من يعري، وهو أن يشتري الرجل النخل ثم يستثني نخلة أو نخلتين.\nقال الأزهري: ويجوز أن تكون العرية مأخوذة من: عرى يعري كأنها عريت من جملة التحريم، وأعرى فلانٌ فلانًا ثمرة نخلة، إذا أعطاه إياها يأكلها رطبًا، وليس في هذا بيع إنما فضل ومعروف، وقيل: هي من: عراه يعروه إذا قصده أو من: عرى يعري إذا خلع ثوبه وأعراه النخلة وهبه. ينظر: الصحاح ٦/ ٢٤٢٤، وتاج العروس ١٠/ ٢٤٠، ولسان العرب ١٩/ ٢٧٨.\nواصطلاحًا:\nهي عند الأحناف: محمولة على الهبة والعطية، واسم البيع وقع عليها مجازًا، عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال: معنى العرية أن يعري الرجل الرجل ثمر نخلة من نخله، فلم يسلم ذلك إليه حتى يظهر له ألَّا يمكنه ذلك، فيعطيه مكانه حرصًا ثمرًا، فيخرج بذلك عن إخلاف الوعد.\nوهي عند المالكية: في النخل وفي جميع الثمار كلها مما يبس ويدخر، مثل العنب، والتين، والجوز، واللوز، وما أشبهه.\nوهي عند الشافعية: التي رخص رسول الله ﷺ في بيعها أن قومًا شكوا إلى رسول الله ﷺ أن الرطب يحضر وليس عندهم ما يشترون به من ذهب ولا ورق، وعندهم فضول ثمر من قوت سنتهم،=","vol":"2","page":31},{"text":"الْمَحْكُومُ فِيهِ والْتَّكلِيفُ بِالْمُحَالِ\nمَسْأَلَةٌ:\nالْمَحْكُومُ فِيهِ الْأَفْعَالُ. شَرْطُ الْمَطْلُوبِ الْإِمْكَانُ وَنُسِبَ خِلَافُهُ. . . . .\n<hr><s0>\n\nواعلم أن الآمدي (^١) شَكَّك في تحقُّق الرخصة بأن العُذْر المرخّص إن كان راجحًا على السبب المحرم كان موجبه عزيمة، وإلا لكان حكمًا ثابتًا براجح مع وجود المعارض المرجوح رخصة، وإن كان مساويًا أو مرجوحًا فبأي شيء يرجّح دليل الرُّخصة، ثم قال: القول بأنه مرجوح هو الأشبه بالرُّخصة، لما فيه من التَّيسير بالعمل بالمَرْجُوح.\nقلت: وهذا ضعيف؛ فإن التيسير يصير المرجوح راجحًا إذا كان فيه تشوّف للشارع كما هو الواقع، وكما أن الله يحب أن تؤتى رُخَصه كما يحب أن تؤتى عزائمه، وهذا كما أنا [لا] (^٢) نحكم بإسلام لقيط وجد في مَدِينَةٍ غالب أهلها كُفَّار، أو بحرية [عبد] لقيط في بقعة غالب من فيها عَبِيدٌ فلسنا هنا عاملين بالمَرْجُوح.\nوجواب سؤال الآمِدِيّ. أنا نلتزم أن العذر المرخّص راجح.\nقوله: يلزم أن يكون كُلّ راجح رخصةً.\nقلنا: الرَّاجح قسمان: راجح شُرعَ لعذر، واستفيد رجحانه من دليل خاصّ فهو رخصة أبدًا، وكل خاصّ عارض العام، وكان خروجه لعذر فهو رخصة، وراجح شُرعَ لا لعذر وتسهيل، فلا يلزم فيه هذا.\n«مسألة»\nالشرح: \"المحكوم فيه الأفعال شرط المَطْلوب الإمكان\" - عند جمهور المعتزلة، وعليه\n_________\n= فرخص لهم رسول الله ﷺ أن يشتروا العرية بخرصها ثمرًا يأكلونها رطبًا ولا يشتري من العرايا إلا أقل من خمسة أوسق.\nوهي عند الحنابلة: أن يوهب للإنسان من النخل ما ليست فيه خمسة أوسق فيبيعها بخرصها من التمر لمن يأكلها رطبًا. ينظر: تبيين الحقائق ٤/ ٤٨، وبدائع الصنائع ٢/ ٥٤٧، والحجة على أهل المدينة ٢/ ٥٤٧، والبحر الرائق ٦/ ٨٢، والمدونة ٤/ ٢٥٨، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣/ ١٧٩، والأم ٣/ ٥٦، والمهذب ١/ ٢٨١، ومغني المحتاج ٢/ ٩٣، ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ٤/ ١٥٧، والمغني ٤/ ٥٦، وكشاف القناع ٣/ ٢٥٨.\n(^١) ينظر: الإحكام ١/ ١٢٢.\n(^٢) سقط في ب، ح.","vol":"2","page":32},{"text":"إِلَى الْأَشْعَرِيِّ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِمَا عَلِمَ اللهُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ لَنَا؛ لَوْ صَحَّ التَّكلِيفُ\n<hr><s0>\n\nشذوذ من أصحابنا منهم المصنّف.\n\"ونسب خلافه إلى الأشعريِّ\" - وهو لم يصرّح به، ولكنه قضيةُ مذهبه، وعليه جماهير أئمّتنا، وهو الحق (^١).\nوالمسألةُ من عَظَائم المشكلات، وقد كثر خوض الخائضين فيها، وتشاجرهم جوازًا ووقوعًا.\nوالحاصل: أنه يجوز التكليف بالمُحَال عند شيخنا، وأكثر أصحابه سواء كان ذلك محالًا لنفسه أو لغيره (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: المحصول ١/ ٢/ ٣٦٣، والمعتمد ١/ ١٧٧، والبرهان ١/ ٢٧٧، والمنخول ص (٢٤)، والعضد ١/ ٨٦، والمسودة ص (٧٩)، والإحكام للآمدي ١/ ١٢٤، وشرح الكوكب المنير ١/ ٤٨٥، وإرشاد الفحول ص (٩)، تيسير التحرير ٢/ ١٣٧، شرح التنقيح ص (١٤٣)، وفواتح الرحموت ١/ ١٢٣، وحاشية البناني على جمع الجوامع ١/ ١٢٣، والإرشاد لإمام الحرمين ص (٢٢٦)، والإبهاج ١/ ١٧١، ونهاية السول ١/ ٣٤٥، والعدة ٢/ ٣٩٥.\n(^٢) وأصل الخلاف يلتفت على أمرين:\nأحدهما: أن الأمر هل يشترط فيه الإرادة أم لا؟ فالمعتزلة يشترطونها، ونحن لا نشترطها، فلما اشترطوا كون الآمر مريدًا لوقوع ما أمر به استحال عندهم تكليف المستحيلِ؛ لأن الله تعالى إذا أمر بإيقاع أمر مستحيل فلا شك أنه سبحانه عالم بأنه لا يقع، ومن أصلهم أن الآمر يريد وقوع ما أمر به، والجمع بين العلم بعدم وقوعه وإرادته بأن يقع متناف، ونحن لم نشترط ذلك فجوزنا، فإن قيل: فإن إمام الحرمين قد وافق المعتزلة على وقوعه مع أنه يقول بالأصل المذكور. قلنا: بنوا مذهبهم على هذا الأصل، وأما الإمام فمدركه غير ذلك، وهو إن الطلب في نفسه لا يتحقق مع علم الطالب أن المطلوب بأمره مستحيل. فحاصل المسألة أن طلب المستحيل من عالم باستحالته هل يتحقق أم لا؟.\nالثاني: أن القدرة مع الفعل، وعندهم قبله، واعلم أن الشيخ لم يصرح بالجواز في هذه المسألة إلا أن له أصلين يقتصيان تجويزه:\nأحدهما: أن القدرة مع الفعل لا قبله، والتكليف يتوجه قطعًا، والتكليف بغير المقدور تكليف بما لا يطاق.\nوالثاني: أن أفعال العباد بقدرة الله تعالى، فالعبد مطلوب بإيقاع فعل غيره، وفعل الغير لا نطيق اختراعه. واعلم أن هذه المسألة تكلم عليها أهل العلمين: علم الكلام، وعلم أصول الفقه، أما=","vol":"2","page":33},{"text":"بِالْمُسْتَحِيلِ، لَكَانَ مُسْتَدْعَى الْحُصُولِ؛ لأَنَّهُ مَعْنَى الطَّلَبِ وَلَا يَصِحُّ؛ لأِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ\n<hr><s0>\n\nوذهب جمهور المعتزلة إلى امتناعه مطلقًا، لا (^١) فيما كان ممتنعًا لتعلّق العلم بعدم وقوعه كما مَرّ من [تكليف] (^٢) من علم أنه لا [يؤمن] (^٣) بالإيمان.\nووافقهم من أصحابنا الشيخ أبو حامد، والغزالي، وابن دقيق العِيدِ (^٤).\nوفصَّل معتزلة \"بغداد\"، فمنعوا المحال لِذَاتِهِ دون المُحَال لغيره، وادَّعى الآمدي ميل الغزالي إليه وارتضاه.\nوقال الأستاذ أبو إسحاق: إن ورد لم يسم تكليفًا، بل علامة نصبت على عذاب المكلف به.\nوقال إمام الحرمين: إن أريد بالتَّكليف بالمحال طلب الفعل، فهو محال من العالم باستحالة وقوع المطلوب، وإن أريد ورود الصيغة، وليس المراد بها طلبًا مثل: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٦٦] فغير ممتنع، وعلى هذا المذهب تنطبق عبارة المصنّف حيث قال: المطلوب، فإنه ليس كلّ ما وردت فيه صيغة الأمر يكون مطلوبًا.\nفإن قُلْتَ: كيف حادَ إمام الحرمين، وكذلك الشيخ أبو حامد [والغزالي ومن معهم عن قول الشيخ] (^٥)، ووافقوا المعتزلة، ومنع التكليف بالمُحَال لا يمشي على قاعدة أهلِ السُّنةِ.\nقلت: هم وإن وافقوهم في الحكم، فالمأخذ مختلف.\nوذلك أن مأخذ القدرية أن الآمر يريد وقوع المأمور به، والجمع بين علمه - تعالى - بأنه لا يقع وإرادته وقوعه تناقض.\nوالإمام بريءٌ من هذا المأخذ، وإنما تصور أن الطلب في نفسه لا يتحقّق مع علم الطالب أن المطلوب بأمره مستحيل.\nوأما أشياخنا فتصوروا أن العلم بامتناع وقوعه لا يمنع وقوع الطَّلب.\nهذا حكم الجواز.\nوأما الوقوع فالممتنع لذاته غير واقع، سواء كان امتناعه مطلقًا لا يختلف (^٦) استحالته\n_________\n= المتكلمون؛ فلتعلقها بأحكام القدر، وخلق الأفعال، وأما الأصوليون؛ فلتعلقها بأحكام التكليف وما يصح الأمر إلا به، وما لا يصح.\n(^١) في أ، ب: إلا.\n(^٢) سقط في ت.\n(^٣) في أ، ت: يؤمر.\n(^٤) ينظر مراجع صدر المسألة.\n(^٥) سقط في ت.\n(^٦) في ب: تختلف.","vol":"2","page":34},{"text":"وُقُوعُه، وَاسْتِدْعَاءُ حُصُولهِ فَرْعُهُ؛ لأِنَّهُ لَوْ تُصُوِّرَ مُثْبَتًا، لَزِمَ تَصَوُّرُ الْأَمْرِ عَلَى خِلَافِ مَاهِيَّتِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ.\n<hr><s0>\n\nبالنِّسْبة (^١) إلى قادرٍ دون قادرٍ كالجمع بين النَّفي والإثبات، أو غير مطلق - وهو قسمان؛ لأنه إما أن يكون واقعًا بالقدرة التي هي (^٢) غير مستحيل بالنِّسبة إليها كخلق الأجسام، وبعض الأعراض والطعوم والرّوائح، فإنه مستحيل بالنسبة إلى القدرة الحادثة، دون القديمة، وهو واقع بها، وعلى هذا رأي من يُثبت القدرةَ.\nوأما من ينفيها - وهو الحق - فلا يتصوّر اختلاف الاستحالة بالنسبة إلى قدرة دون قدرة، أو يكون غير واقع بها أيضًا، كجبل من ذَهَبٍ وبحر من زِئْبَق.\nوأما الممتنع لغيره إما لفقد شرط سواء علم اشتراطه له حسًّا، كالمَشْى من مقطوع الرِّجْل، أو عقلًا، كالقيام في حالة [عدم] (^٣) الداعي إليه، أو لوجود مانع، إما حسي، كالقيام من المقيّد بقيد مانع منه، أو عقلي، كالأمر بتحصيل ما علم الله أنه لا يحصل منه، والأمر بالفعل حال التَّلبس بضده، وليس هو المذكور في صدر كلام المصنّف، فإن منه الواقع.\nولا ينبغي لأشعريٍّ أن يَتَلَعْثَمَ (^٤) في ذلك، بل كلّ التكاليف عندنا هكذا، لأن الاستطاعةَ عندنا لا تتقدم الفعل مع توجه الأمر قبلها، والعَبْدُ ليس بمخترع فعله، وما يشتبه (^٥) من الكسب لا تأثير له بحال كما هو مقرر في الديانات.\nوإن وقع اضطراب في النَّقل عن الشيخ، فلعله في وقوع الممتنع لذاته.\nويدّل له تمثيلهم بتكليف أبي جهل بالجَمْع بين النفي والإثبات، لا في جوازه ولا في وقوع الممتنع لغيره.\nوهذا واضح لمن تدبّر مذهب الشيخ، وقد صرَّحَ الشيخ في كتاب \"الإيجاز\" بأن تكليف العاجز الذي لا يقدر على شيء أصلًا، وتكليف المحال الذي لا يقدر عليه المكلف صحيح ثم قال: وقد وجد تكليف الله العِبَاد بما هو مُحَال يصح وجوده خلافًا لبعض أصحابنا. ثم استدل بقضية أبي لهب، وبإجماع الأمة على أن الكافر مكلَّفٌ بالإيمان.\n\"والإجماع على صحَّة التكليف بما علم الله أنه لا يقع\".\n_________\n(^١) في ت: بالنية.\n(^٢) في أ، ب: هو.\n(^٣) سقط في ح.\n(^٤) في ح: يتعلثم وهو تحريف.\n(^٥) في أ، ب، ح: يثبته.","vol":"2","page":35},{"text":"فَإِنْ قِيلَ: لَوْ لَمْ يُتَصَوَّرْ، لَمْ يُعْلَمْ إِحَالَةُ الْجمْع بَيْنَ الضِّدَّيْنِ؛ لأِنَّ الْعِلْمَ بِصِفَةِ الشَّيْءِ فَرْعُ تَصَوُّرِهِ. قُلْنَا: الْجَمْعُ الْمُتَصَوَّرُ جَمْعُ الْمُخْتَلِفَاتِ، وَهُوَ الْمَحْكُومُ بِنَفْيِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَصَوُّرِهِ مَنْفِيًّا عَنِ الضِّدَّيْنِ تَصَوُّرُهُ مُثْبَتًا.\n<hr><s0>\n\nوهو ضرب من الممتنع لغيره، والجماهير على وقوعه أيضًا، وقد كلف الله الثقلين جميعًا بالإيمان مع قوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣].\nوإن وجدت على (^١) أحد هنا [خلافًا] (^٢) فاعلم أنه من القائلين بأن للعبد قدرةً تؤثر، كالقدرية.\nفإذن أبو جهل - مثلًا - مكلّف (^٣) بالإيمان بإجماع المسلمين مع علم الله تعالى أنه لا يؤمن بإجماع المسلمين، ولم يمنع علم الله بأنه لا يؤمن [من] (^٤) تكليفه.\nأما عندنا فلأنا نكلّف بالممتنع لغيره، وأما عند غيرنا فلأنه قادرٌ فرَّطَ في حقّ نفسه، فيعاقب على كَفّه عن الإيمان مع قدرته عليه، فافهم هذا.\nقال: \"لنا لو صَحّ التكليف بالمستحيل\" لذاته \"لكان مستدعى الحصول، لأنه\" - أي: استدعاء الحصول \"معنى الطلب، ولا يصح\" كونه مستدعى الحصول، \"لأنه لا يتصور وقوعه\".\n\"واستدعاء حصوله فرعه\" - أي: فرع تصوّر الوقوع - لاستحالة (^٥) استدعاء ما لا يتصّور.\nوإنما [لا] يتصوّر وقوعه، \"لأنه لو تصوّر مثبتًا\" (^٦) - أي: لو تصور وقوعه من المكلف \"لزم تصور الأمر على خلاف ماهِيَّته، وهو محال\"، فإن ماهيته تنافي ثبوته، وإلَّا لم يكن ممتنعًا لذاته.\nالشرح: \"فإن قيل: لو لم يتصور\" وقوع المحال \"لم يعلم إحالة الجمع بين الضّدين\" أي: كان يمتنع التَّصديق بذلك؛ \"لأن العلم\" - أي: التصديق - \"بصفة الشيء فرع\" وقوعه.\n\"قلنا: الجمع المتصوّر جمع المختلفات\" - أي: الجمع بين المختلفات التي ليست متضادة \"وهو المحكوم بنفيه\" عن الضِّدين، \"ولا يلزم من تصوره منفيًا عن الضِّدين تصوره مثبتًا\"، فلا يلزم تصور وقوع المحال.\n_________\n(^١) في أ، ب، ح: عن.\n(^٢) سقط في ح.\n(^٣) في أ، ح: تكلف.\n(^٤) سقط في ح.\n(^٥) في ت: لاستحالته.\n(^٦) في أ، ح: ثبتًا.","vol":"2","page":36},{"text":"فَإِنْ قِيلَ: يُتَصَوَّرُ ذِهْنًا، لِلْحُكْمِ عَلَيْهِ لا فِي الْخَارجِ - قُلْنَا: فَيَكُونُ الْخَارجُ مُسْتَحِيلًا، وَالذِّهْنِيُّ بِخِلافِهِ، وَأَيْضًا يَكُونُ الْحُكْمُ بِالاِسْتِحَالَةِ عَلَى مَا لَيْسَ بِمُسْتَحِيلٍ، وَأَيْضًا، الْحُكْمُ عَلَى الْخَارجِ يَسْتَدْعِي تَصَوُّرَهُ فِي الْخَارجِ.\nالْمُخَالِفُ: لَوْ لَمْ يَصِحَّ، لَمْ تقَعْ، لأِنَّ الْعَاصِيَ مَأْمُورٌ، وَقَدْ عَلِمَ ..........\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"فإن قيل: يتصور ذهنًا للحكم عليه لا في الخارج\" حتى يلزم منه تصوّر الشيء على خلاف ما هو عليه.\n\"قلنا: فيكون الخارج مستحيلًا والذهني بخلافه\"، فلا يكون تصور وقوع الجمع بين الضدين تصور وقوع المُحَال، بل الممكن، وإنما النزاع في تصور وقوع المُحَال.\n\"وأيضًا يكون حينئذٍ الحكم بالاستحالة على ما ليس بمستحيل\"، لعدم الاستحالة ذهنًا.\n\"وأيضًا الحكم على الخارج يستدعي تصور الخارج\" [وإلا فلو لم يتصوّر وقوعه في الخارج استحال الحكم باستحالته، ولا يخفى ضعف هذه الأوجه] (^١).\nالشرح: [واحتج \"المخالف] \" (^٢) بأنه \"لو لم يصح لم يقع\"، لكنه وقع \"لأن العاصي مأمور\" بأن يطيع \"وقد علم الله أنه لا يقع \"منه أن يطيع، ضرورة أنه عاص لم يقع منه المأمور به، والله يعلم الأشياء على ما هي عليه.\nوأيضًا \"أخبر أنه لا يؤمن.\nوكذلك من علم بموته\" قبل تمكّنه من الفعل المأمور به، فإنه يمتنع منه الفعل. وكذلك \" [من] (^٣) نسخ عنه قبلِ تمكنه\" من الفعل.\n\"ولأن المكلّف لا قُدْرَةَ له إلا حال الفِعْل\" كما علم من أصل الشيخ أبي الحسن \"وهو حينئذٍ غير مكلف\"؛ لأن التكليف استدعاء الفعل على وجه اللزوم، وذلك إنما يكون في المستقبل \"فقد كلف\" في حال كونه \"غير مستطيع لا، وهي حالة ما قبل الفعل.\n\"ولأن الأفعال\"، - أفعال العباد - \"مخلوقة لله (^٤).\n_________\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) سقط في ت.\n(^٣) سقط في أ، ح\n(^٤) المراد من أفعال العباد: المعنى الحاصل بالمصدر الذي هو متعلق الإيجاد والإيقاع أعني ما نشاهده من الحركات والسكنات مثلًا، لا المعني المصدري الذي هو الإيجاد والإيقاع؛ لأنه من الأمور=","vol":"2","page":37},{"text":"اللَّهُ أنَّهُ لا تقَع، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لا يُؤْمِن، وَكَذلِكَ مَنْ عُلِمَ بِمَوْتِهِ، وَمَنْ نُسِخَ عَنْهُ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ،\n<hr><s0>\n\nومن هذين\" اختصاص القدرة بحال المُبَاشرة، وكون الأفعال مخلوقة لله تعالى \"نسب\n_________\n= اللاموجودة واللامعدومة المسماة بالحال كما ذهبت إليه مشايخ الحنفجة، واختاره القاضي أبو بكر الباقلاني وإمام الحرمين من الأشاعرة؛ أو هو أمر اعتباري عند نفاة الحال، فلا يتعلق به خلق ولا الجاد، وإلا لزم التسلسل، وإطلاق المصدر على المعنى الحاصل بالمصدر، وإن كان مجازًا من قبيل إطلاق اللازم وإرادة الملزوم، إلا أنه كثير الوقوع، فلا يحتاج إلى قرينة. وتنقسم أفعال العباد إلى: اختيارية كحركة البطن، وإلى اضطرارية كحركة الارتعاش، وإلى أفعال مباشرة كما سبق التمثيل به، وإلى أفعال متولدة كحركة المفتاح المتولدة من حركة اليد، ثم إن أفعال العباد منها ما يتعلق بالجوارح، ومنها ما يتعلق بالقلوب، هذا كله بالنسبة للمستيقظ.\nوأما أفعال النائم فقد اختلفوا فيها، فقال بعضهم: إنها مقدورة مكتسبة للنائم، والنوم لا يضاد القدرة، وإن كان يضاد العلم وغيره من الإدراكات، وقال بعضهم: إنها غير مقدورة له، وأن النوم يضاد القدرة كما يضاد العلم، وبعضهم لا يقطع بكونها مكتسبة، ولا بكونها ضرورية بل كل من الأمرين ممكن. وقد استدل القائلون بأن أفعال النائم مقدورة له بما يأتي:\nأولًا: بأن النائم كان قادرًا في يقظته، وقدرته باقية، والنوم لا ينافيها، فوجب استصحاب حكمها.\nثانيًا: بأن النائم إذا انتبه فهو على ما كان عليه في نومه، ولا يتجدد أمر وراء زوال النوم، وهو قادر بعد الانتباه، وزوال النوم غير موجب للاقتدار، ولا وجوده نافيًا للقدرة.\nثالثًا: قد يوجد من النائم ما لو وجد منه في حال اليقظة، لكان واقعًا على حسب الداعي والاختبار؛ والنوم وإن نافى المقصد فلا ينافي القدرة.\nرابعًا: نجد تفرقة ضرورية بين حركة النائم، وحركة المرتعش، وما ذاك إلا أن حركته مقدورة له، وحركة المرتعش غير مقدورة له.\nوقال النافون للقدرة: قولكم: النوم لا ينافي القدرة دعوى كاذبة؛ فإن النائم منفعل محضًا \"متأثر صرفًا\" ولهذا لا يمتنع ممن يؤثر فيه. وقولكم: لم يتجدد له أمر غير زوال النوم؛ غَيْر مسلم به؛ لأن التجدد: زوال المانع من القدرة، فعاد إلى ما كان عليه، كمن أوثق غيره رباطًا، ومنعه من الحركة، فإذا حُلَّ رباطه تجدد زوال المانع. والتحقيق أن حركة النائم ضرورية له غير مكتسبة، وكما في قنا في حق المستيقظ بين حركة ارتعاشه وحركة تصفيقه، كذلك نجد تفرقة ضرورية بين حركة النائم وحركة المستيقظ. وعلى كل حال فالمثبتون للفدرة - وهم المعتزلة وبعض الأشعرية - والنافون لها وهم: أبو إسحاق وغيره، والمتوقفون في ذلك، وهم جمهور الأشعرية، والقاضي أبو بكر، متفقون على أن أفعال النائم غير داخلة تحت التكليف.\nوأما أفعال الساهي فاختيارية؛ لأنه وإن كان يفعل الفعل مع غفلته وذهوله، فهو إنما يفعله بقدرته؛ إذ=","vol":"2","page":38},{"text":"وَلأِنَّ الْمُكَلَّفَ لا قُدْرَةَ لَهُ إِلَّا حَالَ الْفِعْلِ، وَهُوَ حِينَئذٍ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، فَقَدْ كُلِّفَ غَيْرَ مُسْتَطِيعِ\n<hr><s0>\n\nتكليف المحال إلى الأشعري\"، وقد تقدم هنا، وقدمنا أنه صرح في \"الأرجانيين\"، وإن كان ممتنعًا لذاته فلا حَاجَةَ إلى الاستنباط.\n_________\n= لو كان عاجزًا لما تأتي منه الفعل وله إرادة لكنه غافل عنها؛ فالإرادة شيء، والشعور بها شيء آخر، فالعبد قد يكون له إرادة وهو ذاهل عن شعوره بها؛ لاشتغال محل التصور منه بأمر آخر منعه من الشعور بالإرادة، فعملت عملها وهي غير مشعور بها، وإن كان لا بد من الشعور عند كل جزء. ومع كل فالفعل الاختياري يستلزم الشعور بالفعل في الجملة، وأما الشعور به بالتفصيل فلا يستلزمه.\nوأما زائل العقل بجنون أو سكر، فليست أفعاله اضطرارية كأفعال الملجإ، ولا اختيارية بمنزلة أفعال العاقل العالم بما يفعله، بل هو نوع آخر يشبه الاضطرارية، وأفعاله كفعل الحيوان، وفعل الصبي الذي لا تمييز له؛ إذ لكل واحد من هؤلاء داعية إلى الفعل يتصورها، وإرادة يقصد بها، وقدرة ينفذ بها، فهذه أفعال طبيعية، واقعة بالداعي والإرادة والقدرة، وإن كانت الداعية التي فيهم غير داعية العاقل العالم بما يفعله؛ لأنه يتصور ما في الفعل من الغرض، ثم يريده. ويفعله، ولهذا لم يكلفه أحد من هؤلاء بالفعل، فأفعالهم لا تدخل تحت التكليف، وليست كأفعال الملجإ ولا المكره وهي مضافة إليهم مباشرة، وإلى خالق ذواتهم وصفاتهم وأفعالهم خلقًا. فهي مفعولة وأفعال لهم. والله أعلم.\nولا خلاف في أن أفعال العباد الاضطرارية مخلوقة لله تعالى، ولا في أن الكلام اللفظي القائم بالنبي ﷺ على تقدير حدوثه مخلوق له تعالى. أما عند أهل السنة فظاهر، وأما عند المعتزلة فإما بنفي اختياريته أو باستثنائه من الكلية.\nوأما أفعال العباد الاختيارية، فقد اختلفوا في الخالق لها: فقالت الجبرية: الخالق لأفعال العباد الاختيارية هو الله فقط، ولا دخل لقدرة العبد في فعله ألبتة، بل هو مجبور ومقهور، وأن حركته الاختيارية لا اختيار له فيها، وأنها كحركة الأشجار عند هبوب الرياح، وكحركة الأمواج، وأن العبد كالريشة المعلقة في الهواء وقالوا: [البسيط]\nمَا حِيلَةُ الْعَبْدِ، والأَقْدَارُ جَارِيَةٌ … عَلَيْهِ فِي كُلِّ حَالٍ أَيُّهَا الرَّائِي\nأَلْقَاهُ فِي اليَمِّ مَكْتُوفًا وَقَالَ لَهُ … إِيَّاكَ إِياكَ أَنْ تبتَلَّ بِالمَاءِ\nوقال الشيخ أبو الحسن الأشعري: فعل العبد واقع بقدرة الله ومخلوق له، وأن قدرة العبد لها دخل في الفعل الاختياري بالكسب والاختيار، وأن الله قد جرت عادته بأن يخلق فعل العبد الاختياري مقارنًا لقدرته، وهذا هو الكسب عنده.\nوقال القاضي أبو بكر الباقلاني: أصل الفعل واقع بقدرة الله تعالى، وأما وصفه فواقع بقدرة العبد كما في لطم اليتيم تأديبًا وإيذاءً، فإن ذات اللطم واقعة بقدرة الله تعالى، وكونه طاعة على الأول ومعصية=","vol":"2","page":39},{"text":"وَلأِنَ الْأَفْعَالَ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى؛ وَمِنْ هذَيْنِ، نُسِبَ تكلِيفُ الْمُحَالِ إِلَى ألْأَشْعَرِيِّ. وَأُجِيبَ\n<hr><s0>\n\nوأجيب بأن ذلك لا يمنع تصوّر الوقوع، لجوازه منه - أي: لجواز وقوعه من المكلف في\nالجملة.\n_________\n= على الثاني بقدرة العبد. والظاهر أنه لم يرد أن قدرة العبد مستقلة في خلق وصبف الفعل، وإلا لزم\nعليه ما لزم على المعتزلة، بل أراد أن القدرة لها مدخل في ذلك الوصف، فهو بالنسبة إلى العبد\nطاعة ومعصية. كذا ذكره المحقق الديواني، وقد ورد على مذهبه أن هذه الححفات أمور اعتبارية تلزم\nفعل العبد باعتبار موافقتها للشرع أو مخالفتها له، فلا وجه لكون وصف الفعل واقعًا بقدرة العبد،\nوهذا مدفوع بأن كون الفعل طاعة أو معصية إنما هو بالنبة والإرادة الجزئية والعزم، وهي مقدورة\nللعبد، وبسببها يكون الفعل طاعة أو معصية، وهذا بعينه ما ذهب إليه الماتريدية.\nوقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني من أهل السنة، وكذا النجار من المعتزلة: إن أصل الفعل\nووصفه واح بمجموع القدرتين، قدرة الله وقدرة العبد؛ ثم الأستاذ إن أراد أن قدرة العبد غير مستقلة\nبالتأثير، وأنها إذا انضمت إليها قدرة الله تعالى صارت مستقلة بتوسط هذه الإعانة على ما قدره\nالبعض، فقريب من الحق، وإن أراد أن كلا من القدرتين مستقلة بالتأثير كما اشتهر عنه في مذهبه،\nفباطل؛ لامتناع مؤثرين على أثر واحد، وإن جوز اجتماعهما كما اشتهر عنه.\nوقال صاحب المسايرة وهو الكمال بن الهمام: إن جميع ما يتوقف عليه أفعال الجوارح والنفوس من\nالميل والداعية والاختيار لا تأثير لقدرة العبد فيه وإنما محل قدرته العزم المصمم، فإذا أوجد العبد\nذلك العزم المصمم خلق الله له الفعل عقبه، وهذا ينطبق على كلام القاضي أبي بكر الباقلاني، لأن\nكون الفعل طاعة أو معصية إنما هو بالنية، والإرادة الجزئية، والعزم عنده \"أي عند القاضي\".\nوقال بعض المحققين من أهل السنة: الله خالق لفعل العبد الاختياري، والعبد فاعل له حقيقة. وبيان\nذلك أن الله خلق قدرة العبد، وأذن لها أن تتصرف في المقدور حسمب اختيار العبد، فيكون الفعل\nمخلوقًا لله؛ لأنه واقع بالقدرة التي خلقها الله فيه، وقد جعلها تنصرف في المقدور، ويكون الفعل\nالمقدور واقعًا بالقدرة الحادثة، ومضافًا إلى العبد كسبًا وفعاذ حقيقة، \"ومثال ذلك\" أن العبد لا يملك\nالتصرف في مال سيده، ولو استبد بالتصرف في مال سيده لم ينفذ تصرفه؛ فإذا أذن له في بيع ماله\nفباعه نفذ، والبجع في التحقيق معزو إلى السيد من جث إن سبجه إذنه، ولولا إذنه لم ينفذ التصرف،\nولكن العبد يؤمر بالتصرف، وينهى ويوبخ على المخالفة، فالعبد فعلها حقيقة، والله خالقه، وخالق\nما فعل به من القدرة والإرادة، وخالق فاعليته؛ وإلعبد غير مستقل بالإيجاد؛ لأن قدرته وإرادته جزء\nسبب أو شرط.\nوقال الإمام فخر الدين محمد بن عمر الرازي: المختار عندنا أن عند حصول القدرة والداعية\nالمخصوصة يجب الفعل، وعلى هذا التقدير يكون العبد فاعلًا على سبيل الحقيقة، ومع ذلك فتكون\nالأفعال باسرها واقعة بقضاء الله تعالى وقدره، وذلك أنا لما اعترفنا بأن الفعل واجب الحصول عند=","vol":"2","page":40},{"text":"بِأَنَّ ذلِكَ لا يَمْنَعُ تَصَوُّرَ الْوُقُوعِ لِجَوَازِهِ مِنْهُ فَهُوَ غَيْرُ مَحَل النِّزَاعِ، وَبِأَنَّ ذلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنَّ\n<hr><s0>\n\nوإن كان ممتنعًا بالغير من علم أو خبر، فهو غير مَحَل النزاع، إذ النزاعُ في الممتنع بالذات.\n_________\n= مجموع القدرة والداعية، فقد اعترفنا بكون العبد فاعلًا وجاعلًا؛ فلا يلزمنا مخالفة ظاهر القرآن، هاذا قلنا بأن المؤثر في الفعل مجموع القدرة والداعي، مع أن هذا المجموع حصل بخلق الله تعالى، فقد قلنا بأن الكل بقضاء الله تعالى وقدره.\nوقال جمهور المعتزلة: فعل العبد واقع بقدرته وحدها على سبيل الاستقلال بلا الجاب بل باختيار.\nوقالت الحكماء: إن فعل العبد واقع بقدرته استقلالًا بالإيجاب لا بالاختيار، وهذا ما اشتهر عنهم، ولكن تحقيق مذهبهم أنه تعالى فاعل الحوادث كلها، وأن المراتب شروط معدة لإفاضة المبدأ الأول على ما صرح به في \"شرح الإشارات\" حيث قال: إن الكل متفقون على صدور الكل منه ﷻ، وأن الوجود معلول له على الإطلاق، وإن تساهلوا في مقالاتهم، وقال بهزبار في التحصيل: وإن سألت الحق، فلا يصح أن يكون علة لوجود إلا ما هو برئ من كل وجه من معنى ما بالقوة، وهذا هو المبدأ الأول لا غير. وللحكماء رأى آخر يوافق المعتزلة، وهو وقوع الفعل بقدرة العبد اختيارًا. وقال إمام الحرمين: فعل العبد واقع بقدرته وإرادته بالإيجاب استقلالا لا بالاختيار، فيكون موافقًا لمذهب الحكماء، وهذا ما اشتهر عنه بين القوم: ولكن تحقيق مذهبه أن الخالق لفعل العبد الاختياري هو الله تعالى كما صرح به في الإرشاد حيت قال: \"اتفق أئمة السلف قبل ظهور البدع والأهواء على أن الخالق هو الله تعالى، ولا خالق سواه، وأن الحوادث كلها حدثت بقدرة الله تعالى من غير فرق بين ما تتعلق به قدرة العباد وبين ما لا تتعلق به؛ فإن تعلق الصفة بشيء لا يستلزم تأثيرها فيه، كالعلم بالمعلوم والإرادة بفعل الغير، فالقدرة الحادثة لا تؤثر في مقدورها، واتفقت المعتزلة ومن تابعهم من أهل الزيغ على أن العباد موجدون لأفعالهم مخترعون لها بقدرهم\" هذا كلامه، وبالله التوفيق.\nوالفرق بين مذهب المعتزلة والحكماء هو أن وقوع الفعل بقدرة العبد على سبيل الاختيار عند المعتزلة بخلاف الحكماء، فعندهم وقوع الفعل بقدرة العبد على سبيل الوجوب، وهذا الفرق ظاهر بالنسبة إلى نفس القدرة، وأما مع تمام الشرائط من الإرادة وغيرها فيفرق بينهما بأن الله خلق قدرة العبد بالاختيار عند المعتزلة، وأما عند الحكماء فالله خلق قدرة العبد بالإيجاب، وذلك أنه عند تمام الشرائط من الإرادة وغيرها فليس إلا الوجوب عند المعتزلة، فيكون الفعل واجبًا كمذهب الحكماء، اللهم إلا أن يقال: إن مذهب المعتزلة هو صدور الفعل عن المختار، ولو بعد تمام الشرائط على سبيل الصحة دون الوجوب؛ بناء على كفاية الرجحان في الوقوع، وإن كان مردودًا عند المحققين، ولكن يمكن أن يفرق بينهما بعد تمام الشرائط بأن ذات القدرة لا توجب الفعل عند المعتزلة، إنما الإيجاب من التعلق الذي يجوز أن يكون بدله تعلق آخر، وأما عند الحكماء فذات القدرة توجب=","vol":"2","page":41},{"text":"التكالِيفَ كُلَّهَا تكلِيفٌ بِالْمُسْتَحِيلِ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالإِجْمَاعِ.\nقَالُوا: كَلَّفَ أَبَا جَهْلٍ تَصْدِيقَ رَسُولهِ فِي جَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ، وَمِنْهُ ..........\n<hr><s0>\n\nوبأنه (^١) يستلزم أن التَّكاليف كلّها تكليف بالمستحيل، لوجود وجوب الفعل أو عدمه لوجوب تعلّق العلم بأحدهما، فيتعين، وهو باطل بالإجماع.\nوهذا ساقط، لأن (^٢) الشيخ كان يقول: كل التكاليف بالممتنع، ولكن امتناعًا بالغير لا بالذات كما عرفت، والأول (^٣) هو المعتمد.\nالشرح: \"قالوا\": لو لم [يَجُزْ] (^٤) لم يقع، ولكنه واقع، بدليل أنه - تعالى - \"كلف أبا جهل\"\n_________\n= التعلق المخصوص الموجب للفعل، بأن تكون القدرة المؤثرة عندهم مع الفعل، كما أن القدرة الكاسبة عندنا كذلك.\nوالفرق بين المعتزلة وبين المحققين من أهل السنة: أن المعتزلة يعتقدون انفراد العبد بالخلق، وأنه إذا عصى فقد انفرد بخلق فعله، والرب كاره له، فيكون العبد موقعًا ما أراد إيقاعه، شاء الرب أو كره، وأما المحققون من أهل السنة فيعتقدون بأن أفعال العباد واقعة بقضاء الله وقدره ومشيئته وخلقه، وأن العباد فاعلون لها حقيقة، فتضاف أفعال العباد إلى الله خلقًا، وإلى العبد كسبًا وفعلًا حقيقة.\nوالفرق بين الجبرية وبين الأشعرية: أن الجبرية تنفي قدرة العبد، وتجعله مجبورًا مقهورًا في أفعاله ليس لقدرته مدخل فيها، ولا اختيار له؛ وأما الأشعرية فتثبت قدرة للعبد، وتجعله مختارًا في أفعاله، وأن الله يخلق الفعل مقارنًا لقدرة العبد، فليس العبد مجبورًا إلا في نفس تعلق الإرادة؛ لأنه مخلوق عنده، ولا يستلزم الجبر في الأفعال بل الجبر الحاصل في مذهب الأشعري، إنما هو بالنسبة للاختيار فقط؛ لأن الأشعري يقول بخلق الاختيار.\nوالجبري إن كان ينكر التكاليف الشرعية، أو يعترض على الله تعالى فيها، وينسبه إلى الظلم، فهو كافر قطعًا، وإن كان يعترف بالتكاليف، ولا ينكر شيئًا منها علم من الدين بالضرورة، ولا يوجه في ذلك اعتراضًا عليه سبحانه، بل يقول كما قال غيره: \"يفعل ما يشاء ويختار\"لا يسأل عما يفعل\" فليس بكافر قطعًا؛ ولكنه بحسب ظاهر مذهبه مخطئ في هذه العقيدة قطعًا لمخالفته ما قضت به بداهة العقل من الفرق البين بين أفعال العبد الاختيارية وبين أفعاله الاضطرارية، وأنه في الأولى متمكن من الفعل والترك دون الثانية.\nوكل إنسان سليم العقل يشهد وجدانه في نفسه وفي كل بني نوعه بذلك، كما أن المعتزليّ مخطئ في عقيدته قطعًا؛ لمخالفته ما قضت به الأدلة النقلية والعقلية أنه لا خالق سوى الله جل شأنه.\n(^١) في أ: وبأن.\n(^٢) في ت، ح: فإن.\n(^٣) في أ، ح: فالأول.\n(^٤) في ت: يجزم.","vol":"2","page":42},{"text":"أنَّهُ لا يُصَدِّقهُ فَقَدْ كَلَّفَهُ بِأَنْ يُصَدِّقَهُ فِي أَلَّا يُصَدِّقَه، وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ أَلَّا يُصَدِّقَهُ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُمْ\n<hr><s0>\n\nونحوه ممن عام موتهم على الكفر \"تصديق رسوله ﷺ في جميع ما جاء به. ومنه لا يصدقه، فقد كلفه بأن يصدقه في ألّا يصدقه، وهو مستلزم ألا يصدقه\"، فيكون مكلفًا بأن يصدقه وبألَّا يصدقه، وهو تكليف بالجمع بين الضدين، فيكون التكليف بالمحال لذاته واقعًا.\nوهذا وجه اعتمده الشَّيخ، والقاضي ﵄ في كتاب \"شرح الإيجاز\" واتبعهم الأصحاب كلهم.\n\"والجواب أنهم كلّفوا بتصديقه، فيما جاء به، وتصديقه ﵇ فيما جاء به أمر ممكن في نفسه، \"وإخبار رسوله ﷺ \" بأنهم لا [يصدقونه] (^١)، \"كإخبار نوح ﵇ \" في قوله تعالى: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦].\n\"ولا يخرج الممكن\"، وهو إيمان أبي جهل مثلًا \"عن الإمكان بخبر\" الصَّادق بعدم وقوعه، \"أو علم\" منه أن ذلك لا يقع، غاية الأمر أنه يكون ممتنعًا بسبب تعلّق الخبر والعلم (^٢)، وذلك\n_________\n(^١) في أ، ب، ت، ح: يصدقوه.\n(^٢) وقد استدل على أن العلم والخبر لا يؤثر في وجوب الشيء وامتناعه بأدلة سمعية وعقلية، أما السمعية فمن وجوه:\nالأول: أن القرآن مملوء من الآيات الدالة على أن لا مانع لأحد من الإيمان، كقوله عز من قائل: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ لأنه استفهام في معرض الإنكار، وهو لا يصح مع كون العلم والخبر مانعين من الإيمان.\nالثاني: قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، ولو كان العلم والخبر مانعًا لكان ذلك من أقوى الأعذار.\nالثالث: قوله تعالى: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾، وقوله تعالى ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ذمهم الباري على ترك الإيمان، وذلك لا يصح مع مانعية العلم والخبر، لقيام العذر عندهم حينئذ. وأما العقلية فمن وجوه أيضًا:\nالأول: أن العلم والخبر لو أوجبا الأشياء وأحالاها كانت الأشياء إما واجبة أو ممتنعة، والواجب والممتنع غير مقدورين؛ فيلزم عدم قادرية الله تعالى، وهو باطل بالإجماع.\nالثاني: لو كان العلم نفس القدرة والإرادة إذ لا معنى لهما إلا الصفة المؤثرة المخصصة، وهو محال؛ لامتناع قلب الحقائق.\nالثالث: وكان العالم غنيًا عن المؤثر لكونه واجب الوجود في الوقت الذي علم الله وقوعه فيه، وكذا كل حادث، وهو خلاف الإجماع.","vol":"2","page":43},{"text":"كُلِّفُوا بِتَصْدِيقِهِ، وَإِخْبَارُ رَسُولِهِ كَإِخْبَارِ نُوح، ﵇، وَلا يَخْرُجُ الْمُمْكِنُ عَنِ الإِمْكَانِ\n<hr><s0>\n\nامتناع بالغير لا ينافي الإمكان بالذات، فلا يكون تكليفهم به تكليفًا بالممتنع لذاته الذي هو محلّ النزاع.\n\"نعم لو كلفوا\" بتصديقه \"بعد علمهم\" بأنهم لا يصدقونه \"لانتفت فائدة التكليف\" التي هي الابتلاء والاختبار، وهو لا يتصور مع علم المكلّف بعدم صدور الفعل منه، \"ومثله\" أي: مثل التكليف بالفعل مع عدم علم المكلف بعدم وقوعه \"غير واقع\".\nهذا (^١) كلام المصنّف، وهو سَاقِطٌ، ولم يبرح كلّ كافر مأمورًا بالإيمان سواء علم من نفسه أنه يؤمن أم لم يعلم، وهذا مما [لا] (^٢) يَمْتَرِي فيه مُتَشَرّع.\n_________\n= الرابع: وكانت أفعالنا الاختيارية كالحركات القسرية التي للجمادات؛ وهو باطل بالضرورة.\nالخامس: وكان القرآن وسائر الكتب المنزلة على الرسل حجة عليهم لا لهم؛ لأن للكفار أن يجيبوا عن مثل قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ بوجوه:\nمنها: أنه أخبره عن عدم إيماننا على ما ادعيتم، وخلاف الخبر محال.\nومنها: أنه أراد منا الكفر.\nومنها: أنه خلق فينا الكفر والقدرة عليه.\nومنها: أنه أخبر وأراد، أو أخبر وخلق إلى آخر الخمسة، وقس التركيبات عليه؛ فإنه يخرج وجوه كثيرة.\nوالجواب عن الأول من السمعيات منع عدم صحة الإنكار بدون المكنة؛ فإن قال: لكونه تكليف المحال.\nقلنا: ولم قلت: إنه محال؛ فإنه عين النزاع، وبه خرج الجواب عن الثاني والثالث. وعن أول العقليات بمنع لزوم عدم قادرية الله تعالى وإنما يكون كذلك لو كان المؤثر هو العلم، وهو ممنوع؛ إذ لا يلزم من وجوب الشيء عند العلم لموافقته القدرة الموافقة للإرادة كونه أثرًا له، وبه خرج الجواب عن الثاني والثالث.\nوعن الرابع أن الخبر حق، وأفعالنا على ما ادعيت والضرورة معارضة بمثلها.\nوعن الخامس غير خاف بعد الإحاطة بما أجبنا به عن السمعيات. ينظر: الشيرازي ١٤٤ ب، ١٤٥ أ / خ.\n(^١) في ت: هنا.\n(^٢) في ح: لم.","vol":"2","page":44},{"text":"بِخَبَرٍ أَوْ عِلْمٍ، نَعَمْ، لَوْ كُلِّفُوا بَعْدَ عِلْمِهِمْ، لانْتَفَتْ فَائِدَةُ التكلِيفِ، وَمِثْلُهُ غَيْر وَاقِعٍ.\n\nالشَّرْطُ الشَّرْعِيُّ فِي التَّكلِيفِ\nمَسْأَلَةٌ:\nحُصُولُ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ شَرْطًا فِي التكلِيفِ قَطْعًا، خِلافًا .........\n<hr><s0>\n\nوأجاب القَرَافِيّ عن قصة أبي جهل (^١) ونحوه بأن ما تخيل من (^٢) التكليف بالجَمْعِ بين الضدين ليس كذلك، وإنما يكون مكلفًا بالجمع بينهما لو كلف بأن يؤمن وبألّا يؤمن، وليس كذلك، بل الصوابُ حذف \"الواو\" وأنه كلف بأن يؤمن بألَّا يؤمن، وهو مدلول الأمر بالإيمان. وإذا كان مكلفًا بأن يصدق الخبر بأنه لا يؤمن لا يلزم أن يكون مكلفًا بجعل الخبر صادقًا. ألا ترى أن الصادق إذا أخبرك [أن] (^٣) زيدًا سيكفر غدًا يجب عليك تصديقه، ثم يحرم عليك أن تجعل زيدًا كافرًا، وأبو جهل والحالة هذه إنما كلف (^٤) بأن يصدق بأنه لا يؤمن، سواء كان على الجملة أم على التفصيل، لا بأن يجعل الخبر صادقًا، ويسعى في عدم إيمان (^٥) نفسه.\n«مسألة»\nالشرح: \"حصول الشرط الشَّرْعي ليس شرطًا في التكليف\" بالمشروط \"قطعًا، خلافًا لأصحاب الرَّأي\"، حيث قطعوا بكونه شرطًا.\n\"وهي مفروضةٌ في تكليف الكفَّارِ بالفروع\" (^٦)، وقد جروا على أصلهم،\n_________\n(^١) عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي: أشد الناس عداوة للنبي ﷺ، وأحد سادات قريش وأبطالها ودهاتها في الجاهلية، كان يقال له أبو الحكم كان عنيدًا عنيفًا، حتى كانت وقعة بدر الكبرى، فشهدها مع المشركين، فكان من قتلاها سنة ٢ هـ. ينظر: الكامل ٢/ ١٢٧، وفتح الباري ٧/ ٢٩٣ - ٢٩٦، وعيون الأخبار ١/ ٢٣٠، والسيرة الحلبية ٢/ ٣٣، ودائرة المعارف الإسلامية ١/ ٣٢٢، وإمتاع الأسماع ١/ ١٨، والأعلام ٥/ ٨٧.\n(^٢) في ح: عن.\n(^٣) في ج: أن.\n(^٤) في ح: يكلف.\n(^٥) في ح: إيمانه.\n(^٦) البحر المحيط للزركشي ٣/ ٣٦، والتمهيد للإسنوي ص ٣٦٤، ونهاية السول له ١/ ٣٦٩، وزوائد =","vol":"2","page":45},{"text":"لأِصْحَابِ الرَّأْيِ، وَهِيَ مَفْرُوضَةٌ فِي تَكلِيفِ الْكُفَّارِ بِالْفُرُوعِ، وَالظَّاهِرُ الْوُقُوعُ. لَنَا: لَوْ كَانَ\n<hr><s0>\n\nفقالو (^١): إنه غير مكلّف بها؛ لفقدان الشَّرْط.\nوتابعهم من أصحابنا الشَّيخ أبو حامد الإسفراييني.\nثم منهم من منع ذلك عقلًا، ومنهم من منعه سمعًا.\nونحن جرينا على أصلنا في انتفاء القطع بعدم الاشْتِرَاطِ.\n\"والظَّاهر وقوعه\"، وعليه الجمهور.\nوقيل: تتعلَّق بهم النَّوَاهي دون الأوامر، وهي أوجه لأصحابنا.\nومنهم من قال: لا خلاف في تعلُّق النَّوَاهي بهم، إنما الخلافُ في الأوامر.\nوقيل: المرتدّ مكلّف دون غيره.\nوقيل: هم مكلّفون بما عدا الجِهَاد (^٢)، لامتناع قتالهم أنفسهم - والخلافُ جَارٍ في خطاب\n_________\n= الأصول ص ١٧٩، ومنهاج العقول للبدخشي ١/ ٢٠٣، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ٣٢١، والمنخول للغزالي ص ٣١، والإبهاج لابن السبكي ١/ ١٧٧، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ١/ ٢٨٥، وتخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص ٩٨، وكشف الأسرار للنسفي ١/ ١٣٧، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ١/ ٢١٣، ونسمات الأسحار لابن عابدين ص ٦٠، وميزان الأصول للسمرقندي ١/ ٣٠٤.\n(^١) في ح: وقالوا.\n(^٢) الجهاد في اللغة: المبالغة واستفراغ الوسع في الشيء، مشتق من الجهد يقال: جهد الرجل في كذا: أي جدّ فيه وبالغ، ويقال: اجهد جهدك: أي ابلغ غابتك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي بالغوا في اليمين واجتهدوا فيها. وهذا من المعاني الحقيقية لمادة الجهاد، ومن المعاني المجازيّة قول العرب: \"سقاه لبنًا مجهودًا، وهو الذي أخرج زبده أو أكثر ماؤة\" ويقال: أجهد فيه الشيب: إذا كثر. هذا معناه في اللغة، ثم خص عند الفقهاء.\nفالحنفية يرون بأنه: بذل الوسع والطاقة بالقتال في سبيل الله تعالى بالنفس، والمال، واللسان أو غير ذلك أو المبالغة في ذلك.\nوالشافعية بأنه: المتلقى تفسيره في سيرته ﷺ.\nوالمالكية بأنه: قتال مسلم كافرًا غير ذي عهد لإعلاء كلمة الله تعالى، أو حضوره له، أو دخوله أرضه له. =","vol":"2","page":46},{"text":"شَرْطًا، لَمْ تَجِبْ صَلاةٌ عَلَى مُحْدِثٍ وَجُنُبٍ، وَلا قَبْلَ النِّيَّةِ، وَلا \"اللَّهُ أَكْبرُ\" قَبْلَ النِّيَّةِ وَلا اللَّامُ قَبْلَ الْهَمْزَةِ؛ وَذلِكَ بَاطِلٌ قَطْعًا.\nقَالُوا: لَوْ كُلِّفَ بِهَا، لَصَحَّتْ مِنْهُ. قُلْنَا: غَيْرُ مَحَلِّ النزَاعِ.\n<hr><s0>\n\nالتكاليف بأسرها، وفيما يرجع إليها من خطاب الوَضْعِ ككون الطَّلاق سببًا لتحريم الزوجة، فنحن نجعله سببًا، والخصم يخالف فيه.\nولا يجري في إتلافاتهم وجناياتهم، بل هي أسباب للضَّمَان بالإجماع، وكذلك كون وقوع العَقْدِ على الوجه الشرعي سببًا لترتُّب أثره، والإرث، والمِلْك به، وترتب الأموال في [ذممهم] (^١) وصحَّة أنكحتهم.\nوقد قال أبو حنيفة: بصحة أنكحتهم - وهو صدر القائلين بأنهم لا يكلفون بالفروع \"لنا\" - على الجواز - \"لو كان شرطًا لم [تجب] (^٢) صلاة على محدث [ولا] (^٣) جُنُبٍ (^٤) ولا قبل النية ولا الله أكبر قبل النِّية، ولا اللام قبل الهمزة\"؛ لانتفاء الشرط، \"وذلك باطل قطعًا\".\nالشرح: \"قالوا: لو كلّف (^٥) لصحَّت منه\"؛ لأن الصِّحَّة موافقة الأمر، واللَّازمُ منتفٍ.\n\"قلنا\": عين - بالنون كذا ضبطه المصنّف - محلّ النزاع، فإِنَّا نجوز التكليف عقلًا بدون الصِّحة شرعًا.\nوفي بعض النّسخ: \"غير محلّ النزاع\"، ووجه المُغَايرَةِ أنا لا نريد أنه مأمور بفعله حالة كُفْره، نعم يصح منه بأن يؤمن، ويفعل كالمحدث.\n_________\n= والحنابلة بأنه: قتال الكفار خاصة بخلاف، المسلمين من البغاة وقطاع الطريق وغيره. ينظر: لسان العرب ١/ ٧١٠، والمصباح المنير ١١٢، وبدائع الصنائع ٩/ ٢٩٩، وحاشية أبو السعود ٢/ ٤١٧، ومغني المحتاج ٤/ ٢٠٨، ونهاية المحتاج ٨/ ٤٥، والمحلى على المنهاج ٤/ ٢١٣، وشرح الزرقاني ٢٣/ ١٠٦، وكشف القناع عن متن الإقناع ٣/ ٣٢.\n(^١) في ت: ذمتهم.\n(^٢) في ج: يجب.\n(^٣) سقط في ب.\n(^٤) الجنابة: هي النجاسة، والجنب هو الذي أصابته جنابة أي نجاسة، وذلك بالتقاء الختانين أو الإنزال.\nينظر: القواعد الفقهية (٢٥٣).\n(^٥) في ح: قالوا كلفت.","vol":"2","page":47},{"text":"قَالُوا: لَوْ صَحَّ، لأَمْكَنَ الاِمْتِثَال، وَفِي الْكُفْرِ لا يُمْكِنُ وَبَعْدَهُ ...........\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"قالوا: لو صَحَّ\" تكليف الكافر بالصَّلاة مثلًا \"لأمكن الامتثال، وفي الكفر [لا يمكن] (^١) وبعده يسقط\"؛ لأن الإسلام يجُبُّ ما قبله.\n\"قلنا\": ليس الامتثال ممتنعًا، بل \"يسلم ويفعل\".\nوالحاصل: أن المكتسبات منها ما يقع ارتجالًا.\nومنها ما يقع بعد مقدمات. وافتقار بعضها إلى مقدّمات مكتسبات لا يخرج الأواخر (^٢) أن تكون ممكنةً متأتية (^٣).\nومن أمر أن يكتب والقلم في يده، كمن أمر أن يكتب والقلم موضوع بين يديه يمكنه (^٤) أن يتناوله، فالكافر \"كالمحدث\" يمكنه الصَّلاة بأن يتوضأ.\nوقد ارتكب أبو هَاشِمٍ (^٥) هذه المُنَاقضة، وزعم أنه غير مُخَاطب بالصَّلاة، ولو بقي سائر دهره محدثًا، ووافقه ابْنُ خويز مِنْدَاد، وعزاه إلى مالك ﵁.\nوقال إمامُ الحَرَمَيْنِ: التحقيق أنَّ الكافرَ يستحيل أن يخاطب بإنشاء فرع على الصحة، وكذلك كُلّ ما يقع آخرًا من العقائد في حَق من لا يصح عقده في الأوائل، وكذا المحدث يستحيل أن يخاطب بإنشاء الصَّلاة الصحيحة مع بقَاءِ الحدث، ولكن هؤلاء يخاطبون بالتوصّل إلى ما يقع آخرًا، ولا ينجز الأمر عليهم بإيقاع المشروط قبل وقوع الشرط - إذا مضى من الزَّمان ما يسع الشَّرط والمشروط والأوائل والأواخر، فلا يمنع أن يعاقب الممتنع على حكم التَّكليف معاقبة من يخالف أمرًا توجّه عليه ناجزًا، فمن أبى (^٦) ذلك قضى عليه قاطع الفعل (^٧) بالفَسَاد، ومن جَوّز (^٨) تنجيز الخِطَابِ بإيقاع المشروط قبل وقوع الشرط، فقد سوّغ تكليف ما لا يُطَاق، ومن أراد أن\n_________\n(^١) في ب: لأمكن.\n(^٢) في ت: الأوائل.\n(^٣) في ح: متباينة.\n(^٤) في ح: يمكن.\n(^٥) عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي، من أبناء أبان مولى عثمان: عالمٌ بالكلام، من كبار المعتزلة، له أراء انفرد بها، وتبعته فرقة سميت \"البهشمية\" نسبة إلى كتيته \"أبي هاشم\" وله مصنفات \"الشامل\" في الفقه، و\"تذكرة العالم\"، و\"العدة\" في أصول الفقه. ينظر: المقريزي ٢/ ٣٤٨، ووفيات الأعيان ١/ ٢٩٢، والبداية والنهاية ١١/ ١٧٦، والأعلام ٤/ ٧.\n(^٦) في أ، ب: أتى.\n(^٧) في أ، ت: العقل.\n(^٨) سقط في ح.","vol":"2","page":48},{"text":"يَسْقُطُ. قُلْنَا: يُسْلِم، وَيَفْعَلُ كَالْمُحْدِثِ. الْوُقُوعُ ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [سورة النساء: الآية ٣٠]، ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [سورة المدثر: الآية ٤٣].\n<hr><s0>\n\nيفرّق بين الفروع وآخر العقائد، وبين صلاة إلى حدث وهو مبطل قطعًا.\nثم ذكر مقالة أبي هَاشِمٍ ثم قال: إن أراد ما ذكرناه فهو الحقُّ الذي لا خفاءَ فيه، وإن أراد ألَّا يعاقب على ترك الصَّلاة لتركه (^١) التوصُّل إليها فقد خرق إجماعَ الأمةِ.\nوهذا من الإمام تحقيق لمقالة أصحابنا، ومن بحره اغترف ابن برهان فقال: ترجمة المسألة بأن الكُفَّار مخاطبون بفروع الإيمان خطأ؛ لأن الصلاة غير صحيحة من الكافر، وهو منهي عنها، فكيف يخاطب بها؟.\nوقد اشتمل كلام الإمام هذا على دفع شُبْهَةِ الخصوم، إذ قالوا: هو غير مخاطب بالصلاة مثلًا؛ لأنه في الزَّمَان الأول وهو حين بلوغه [لا] (^٢) يمكن أن يكون مخاطبًا بأن الإيمان والصَّلاة معًا؛ إذ الزمان يضيق عنهما، ولا بالصَّلاة فقط، لأنها مشروطة بالإيمان [فيما بقي إلا أن يكون مكلَّفًا بالإيمان] (^٣) فقط.\nوالقول في ثاني الزَّمَان كالقول في أوله، فلا خِطَابَ بالفروع أصلًا، ووجهه أنه مكلف بالإيمان في الزمان الأول، والصلاة في الثاني، فإذا مضى زمانها عوقب على تركهما كالمحدث، يخاطب بالطَّهَارة والصَّلاة، فإذا تركهما عوقب عليهما.\nفإن قلت: لو مضى الزمان الأول لا يعصي عند الإمام إلا بالكُفْر فقط، ويعصي عند الأصحاب به وبالفروع.\nقلت: قال الإمام: لو أثم بالفروع والفرض أنها غير ممكنةٍ كان تكليفًا بما لا يُطَاق، هذا منتهى الكلام في دليل الجواز.\nوأما \"الوقوع\" فدليله قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ \"وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [سورة الفرقان: ٦٨] وأشار بذلك إلى جميع ما تقدم، وإن كان ظاهرها أنها لفظ مفرد لا يعود إلا على مفرد، وإلا يلزم أن يضيق ذكر القتل والزنا.\n_________\n(^١) في أ، ح: كتركه.\n(^٢) سقط في أ، ت.\n(^٣) سقط في ح.","vol":"2","page":49},{"text":"قالُوا: لَوْ وَقَعَ، لَوَجَبَ الْقَضَاءُ، قُلْنَا: الْقَضَاءُ بِأَمْر جَدِيدٍ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وُقُوعِ التكلِيفِ وَلَا صِحَّتِهِ رَبْطٌ عَقْلِيٌّ.\n<hr><s0>\n\nوقوله -تعالى- حكاية عنهم: \" ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [سورة المدثر: الآية ٤٣] \"، عللوا دخول النَّار بترك الصَّلاة فدلَّ على أنهم مخاطبون بها.\nوأوضح (^١) من هاتين الآيتين (^٢) عندي في الدلالة على تكليفهم قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [سورة النحل: ٨٨]؛ إذ لا ريب في أن زيادة هذا العَذَاب إنما هو بالإفساد الذي هو من وراء الكفر.\nالشرح: \"قالوا: لو وقع\" تكليفهم بالفروع \"لوجب\" عليهم \"القضاء\".\nقلنا: القضاء \"بأمر جديد، فليس بينه وبين وقوع التَّكليف ولا صحته ربط عَقْلي\" بحيث يلزم من وجودهما وجوب القضاء.\nوهذه الشُّبهةُ هي الحاملة لأبي حامد الإسفراييني على اختيار تكليف الكُفَّار بالفروع.\nونقول تفريعًا على أن القضاء بالأمر الأول: قال أصحابنا: إن المرتد يقضي صلاة أيام الردة وهو كافر، وأما من عداه فإنما سقط القَضَاء بقوله (^٣) تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٣٨] وقوله ﵇: \"الإِسْلَامُ يَجُا ما قَبْلَهُ\" (^٤).\n\n\"فروع\"\nقال الأستاذ أبو إسحاق: يجب على الحَرْبِيّ ضمان النَّفس والمال، تخريجًا من [أن] (^٥) الكُفَّار مخاطبون بالفروع، وعزاه إلى المُزَني في \"المنثور\"، والصحيح خلافه.\nإذا اغتسلت الذِّمّية لتحل لمن يحل له وطؤها من المسلمين، فهل يجب عليها إعادة الغسل إذا أسلمت؛ فيه وجهان.\nلو اغتسل الكافر عن جنابة أو توضأ أو تيمَّم، ثم أسلم فالصَّحيحُ وجوب الإعادة. في لُبْث الكافر والجنب [في المسجد] (^٦) وجهان.\n_________\n(^١) في ح: واضح، وهو تحريف.\n(^٢) في أ، ح: الاثنين.\n(^٣) في أ، ب: لقوله.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٩٩، ٢٠٤، ٢٠٥ وابن سعد في الطبقات ٧/ ٢/ ١٩١، والبيهقي في الدلائل ٤/ ٣٥١، وابن كثير في التفسير ٣/ ٥٩٦، والزبيدي في الإتحاف ٩/ ٦٠٩، وابن عساكر كما في \"التهذيب\" ٥/ ١٠٠، والعجلوني في \"الكشف\" ١/ ١٤٠، والمتقي الهندي في الكنز ٢٤٣، (٣٧٠٢٤).\n(^٥) سقط في ح.\n(^٦) سقط في ح.","vol":"2","page":50},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالمذهب أنا لا نأخذ في الجِزْيةِ، وفي ثمن الشِّقْصِ المشفوع، فما تَيَقَّنَا أنه من ثمن الخمر.\nوفيه وجه: التصرف في الخمر حرام عليهم عندنا خلافًا لأبي حنيفة (^١).\n_________\n(^١) اتفق الفقهاء على أن الخمر التي من نيء عصير العنب المشتد يحرم على المسلم المكلف العالم بها وبتحريمها التصرف فيها بأي نوع من أنواع التصرف، وأنه لا ضمان على من أتلفها عليه أو غصبها منه، سواء أكانت محترمة أم غير محترمة، ونقل النووي في المجموع أن الشيخ أبا علي السّنجي \"بكسر السين المهملة وبالجيم\" حكى وجهًا في الخمر المحترمة بصحة بيعها؛ بناء على الشاذ في طهارتها، فإن صح عنه فهو محجوج بالإجماع. واختلفوا في التصرف في النبيذ وضمانه:\nفذهب الجمهور إلى حرمة الانتفاع والتصرف في سائر الأنبذة المسكرة وأنه لا ضمان على من أتلفها على المسلم المذكور.\nوذهب أبو حنيفة إلى أن الأنبذة الثلاثة المحرمة عنده مما سوى الخمر يحرم الانتفاع بها، ويجوز التصرف فيها بمعنى أنه يترتب عليه الأثر لا بمعنى الحل بالبيع ونحوه، وعلى من أتلفها على المسلم الضمان بالقيمة لا بالمثل.\nوذهب الصاحبان إلى أن الأنبذة الثلاثة المحرمة يحرم الانتفاع بها والتصرف فيها بالبيع ونحوه، ولا يضمن من أتلفها على المسلم، أما غير تلك الأنبذة الثلاثة فيجوز التصرف فيها، وعلى من أتلفها أو غصبها الضمان. \"الأدِلَّة\" للجمهور: استدل الجمهور بالسنة والأثر والمعقول: أمّا السنة فمنها ما يأتي:\nما رواه مسلم، وأحمد، والنسائي عن ابن عباس ﵄ قال: كان لرسول الله ﷺ صديق من ثقيف أو دوس، فلقيه يوم الفتح براحلة أو راوية من خمر يهديها إليه، فقال: \"يا فلان أما علمت أن الله حرمها؟ \" فأقبل الرجل على غلامه، فقال: اذهب فبعها، فقال الرسول ﷺ: \"إن الذي حرم شربها حرم بيعها\"، فأمر بها فأفرغت في البطحاء.\nوما رواه الحميدي عن أبي هريرة ﵁ أن رجلًا كان يهدي لرسول الله ﷺ راوية خمر، فأهداها إليه عامًا وقد حرمت، فقال النبي ﷺ: \"إنها قد حرمت\" فقال الرجل: أفلا أبيعها؟ فقال النبيّ ﷺ: \"إن الذي حرم شربها حرم بيعها\"، قال: أفلا أكارم بها اليهود؛ قال النبيّ ﷺ: \"إن الذي حرمها حرم أن يكارم بها اليهود\"، قال: فكيف أصنع بها؟ قال: شنها على البطحاء.\nوجه الدلالة: أن النبي ﷺ صرح بحرمة بيع الخمر وإهدائها كما صرح بحرمة شربها، ولم يبح الانتفاع بها بأي وجه، ولو بالإهداء إلى اليهود؛ كيلا تعود بفائدة على المهدي مكافأة له على هديته، ولذلك أمر أصحابه بإراقتها وإتلافها إهانة لها، ولو كانت مالًا متقومًا منتفعًا به شرعًا لما أمر بإراقتها؛ لأن فيه إضاعة للمال، وقد نهى عن إضاعته، وإذا لم تكن الخمر مالًا متقومًا منتفعًا به شرعًا، فلا يجب الضمان على من أتلفها على المسلم أو غصبها منه، وقد سبق أن كل شراب مسكر يسمى خمرًا =","vol":"2","page":51},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقال في \"التتمة\": وهو مبني على هذا الأصل.\n_________\n= من غير فرق بين المتخذ من عصير العنب المشتد وغيره. وإذا حرم شربها وبيعها وإهداؤها فلتحرم سائر التصرفات فيها. وأما الأثر فمنه ما يأتي:\nما ذكره الشافعي في كتاب الأم عن ابن عباس ﵄ قال: بلغ عمر بن الخطاب أن رجلًا باع خمرًا، فقال عمر: قاتل الله فلانًا باع خمرًا، أوَما علم أن رسول الله ﷺ قال: \"قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم، فجملوها وباعوها\"؟.\nوما روى ابن حزم عن طاوس أنه سئل عن الطلاء فقال: أرأيت الذي مثل العسل تأكله بالخبز، وتصب عليه الماء فتشربه، عليك به، ولا تقرب ما دونه، ولا تشتره ولا تبعه، ولا تسقه، ولا تستعن بثمنه.\nوجه الدلالة: أن عمر بن الخطاب ﵁ دعا على من باع الخمر بقوله: قاتل الله فلانًا - وهذه الجملة لا تذكر في العرف غالبًا إلا لمن ارتكب محرما، ورأيت في \"لسان العرب\" أن الذي باع الخمر سمرة ﵁ فقال عمر: قاتل الله سمرة. قال الخطابي: إنما باع عصيرًا ممن يتخذه خمرًا، فسماه باسم الخمر مجازًا باعتبار ما يؤول، إليه كما قال تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ فلهذا نقم عمر عليه. وأما أن يكون سمرة باع خمرًا فلا؛ لأنه لا يجهل تحريمه مع اشتهاره … وكذلك طاوس يجيب سائله بقوله في الطلاء المشتد الذي لم ينعقد ولم يصر كالعسل لا تبعه ولا تشتره ولا تستعن بثمنه إلى آخره؛ فدل ذلك على أن الأنبذة المسكرة المتخذة من غير عصير العنب يحرم التصرف فيها بالبيع ونحوه.\nوأما المعقول فقالوا: الأنبذة المسكرة يحرم التصرف فيها والانتفاع بها، ولا ضمان على من أتلفها على المسلم كالخمر التي من نيء عصير العنب.\nوللإمام السنة والمعقول. أما السنة فما سبق أن استدل به الجمهور، وقال في توجيهها: صرح النبيّ ﷺ في الأحاديث بحرمة بيع الخمر وإهدائها، والخمر هي النيء من عصير العنب المشتد، وما عداها من الأنبذة المسكرة لا تسمى خمرًا، ولا يثبت لها من الأحكام إلا ما أثبته الدليل من حرمة الشرب ووجوب الحد في السكر منها كما سيأتي.\nوأما المعقول فقال: إن البيع مبادلة شيء مرغوب فيه بشيء مرغوب فيه، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ وهذا متحقق في النبيذ؛ لأنه مرغوب فيه، والمال اسم لما هو مرغوب فيه إلا أن الخمر مع كونها مرغوبًا فيها لا يتصرف فيها بالبيع ونحوه؛ للنص الوارد فيها، والنص ورد باسم الخمر، فيقتصر على مورد النص.\nواستدل الصاحبان بالمعقول فقالا: إن محل البيع هو المال، والمال اسم لما يباح الانتفاع به حقيقة وشرعًا، ولم يوجد في الأنبذة المحرمة، فلا تكوّن مالًا، فلا يجوز بيعها كالخمر. =","vol":"2","page":52},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nإذا دخل الكافر الحرم، وقتل صيدًا لزمه الضمان.\n_________\n= المناقشة: ورد على الإمام في السنة أنا لا نسلم أن اسم الخمر خاص بالنيء من عصير العنب المسكر حتى تقصر الأحكام عليه، لما سبق أن كل شراب مسكر يسمى خمرًا من أي مادة اتخذ، لا فرق بين ما كان متخذًا من نيء عصير العنب، المشتد وما كان من غيره، وقد وافق الإمام الجمهور على حرمة الانتفاع بهذه الأنبذة المسكرة، والبيع ونحوه انتفاع بها، وقد روي عن أبي هريرة عند أبي داود، وعن ابن عباس عند ابن حبان، وعن ابن مسعود عند الحاكم، وعن بريدة عند الطبراني في الأوسط: من طريق محمد بن أحمد بن أبي خيثمة بلفظ: \"من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه من يهودي أو نصراني أو من يتخذه خمرًا فقد تقحم النار على بصيرة\" حسنه الحافظ. وإذا كان هذا وعيد من يمسك العنب الحلال ليبيعه ممن يتخذه خمرًا، فما يكون وعيد من يمسك النبيذ الحرام ويبيعه لينتفع بثمنه؟ ورد عليه في المعقول أن محل البيع الشرعي إنما هو المال المتقوم المباح الانتفاع به حقيقة وشرعًا، ولم يتحقق هنا شرط المحل، وهو الانتفاع به شرعًا بالاتفاق؛ فلا يجوز بيعها كالخمر؛ لأن البيع ونحوه انتفاع أيما انتفاع. وكون البيع اللغوي مبادلة شيء مرغوب فيه بآخر مرغوب فيه لا يقتضى حل بيعها شرعًا؛ لأن الشارع اعتبر لحقيقة البيع الشرعي شروطًا لا تتحقق الحقيقة الشرعية بدونها، ككون المبيع مالًا متقومًا منتفعًا به شرعًا، وهذه الأشربة ليست كذلك عند الإمام. على أن هذا نظر، والنظر لا يقاوم الأخبار والآثار الصحيحة الصريحة في النهي عن الانتفاع بها من البيع والإهداء ونحوهما، وعموم النصوص شامل لكل شراب مسكر من غير فرق؛ لما سبق أن الأصح في اسم الخمر العموم لغة لكل شراب مسكر.\nورد على الصاحبين أن قصر الأحكام على بعض الأشربة المسكرة دون بعض تحكم بعدما سبق عن الدليل الدال على عموم اسم الخمر لكل شرب مسكر من أي مادة اتخذ، وكما ألحق الصاحبان هذه الأنبذة الثلاثة بخمر عصير العنب المشتد يلزمهما أن يلحقا بها سائر الأنبذة المسكرة حيث لم يقم دليل على التخصيص، والدي نختاره حرمة التصرف في كل مسكر بأي نوع من أنواع التصرف؛ لورود الأخبار الصحيحة الدالة على حرمة إمساكها ووجوب إتلافها وحرمة بيعها وشربها واهدائها، ولم تفصل الأخبار بين نوع من الشراب المسكر وآخر منه، ولا بين المحترمة وغيرها، ولو كان ما حرمه الله ورسوله مالًا محترمًا لأمر الرسول ﷺ بحفظه ونهى عن إضاعته، وقد علمنا مما تقدم أن اسم الخمر شامل لغة لكل شراب مسكر من أي مادة اتخذ من غير فرق بين المتخذ من نيء عصير العنب والمتخذ من غيره؛ فإن لم يسلم ذلك لغة فالجميع خمر شرعًا يحرم الانتفاع بها بأي وجه من أوجه الانتفاع ومنه البيع والإهداء وما ماثلهما. بقول الرسول ﵊: \"كل مسكر خمر\" وقوله: \"إن الذي حرم شربها حرم بيعها\" وقوله: \"إن الذي حرمها حرم أن يكارم بها اليهود\" كما سبق في الأحاديث. =","vol":"2","page":53},{"text":"لا تَكْلِيفَ إِلَّا بِفِعْلٍ (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-440>مَسْأَلَةٌ:\nلا تَكْلِيفَ إِلَّا بِفِعْلٍ</span>؛ فَالْمُكلَّفُ بِهِ فِي النَّهْي كَفُّ النَّفْسِ عَنِ ...........\n<hr><s0>\n\nوقال صاحب \"المهذب\": يحتمل لا.\n«مسألة»\nالشرح: \"لا تكليفَ إِلَّا بفعلٍ\" - سواء كان في الأمر أم النهي.\n_________\n= هذا، والقول بإباحة التصرف فيها بالبيع ونحوه ينافيه أنه إعانة على المعصية للمشتري أو المهدى إليه، والإعانة على المعصية حرام قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وإذا لم تكن الأشربة المحرمة مالًا متقومًا محترمًا منتفعًا به شرعًا فلا ضمان على من غصبها أو أتلفها على المسلم؛ لأنها واجبة الإتلاف، وقد سبق أن النبيّ ﷺ توعد من أمسك العنب الحلال ليبيعه ممن يتخذه خمرًا بأنه يتقحم النار على بصيرة، فأولى بالتوعد من يمسك المسكر ويتصرف فيه بالبيع وغيره.\nهذا، وقد اختلفوا في تعامل الذميين بها وشربهم لها: فذهب الجمهور إلى الحرمة. وذهب الحنفية إلى عدمها.\nقال النووي في \"المجموع\": \"بيع الخمر وسائر التصرفات فيها حرام على أهل الذمة كما هو حرام على المسلم. وقال أبو حنيفة لا يحرم ذلك عليهم، قال المتولى: المسألة مبنية على أصل معروف في الأصول، وهو أن الكافر عندنا مخاطب بالفروع وعندهم ليس بمخاطب وموضع تحقيق هذا المبحث علم الأصول. فإن قيل: إنك في بحث النجاسة أو الطهارة اخترت القول بالطهارة، فكيف تحرم التصرف في الخمر بالبيع ونحوه؟.\nقلنا: إنه لا تلازم بين الطهارة وصحة البيع الشرعي ونحوه، فكم من أشياء طاهرة ويحرم التصرف فيها شرعًا بالبيع وما شاكله؛ ألا ترى أن الأصنام المصنوعة من الطاهر كالخشب، والحجر، والذهب، والفضة طاهرة إجماعًا وبيعها حرام شرعًا؛ ومثله سائر التصرفات فيها؛ لأنها واجبة الإتلاف ولنهي الشرع عن بيعها. روى جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام\" فقيل: با رسول الله أرأيت شحوم الميتة؛ فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؛ فقال: \"لا، هو حرام\"، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: \"قاتل الله اليهود، إن الله لمّا حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه\". رواه الجماعة: جملوه بفتح الجيم والميم أذابوه يقال: جَمَله إذا أذابه، والجميل الشحم المذاب. ينظر: الهداية ٨/ ١٥٧، ونيل الأوطار ٥/ ١٢٠، ١٣١، ٨/ ١٤٤، والمحلى ٧/ ٤٩٨، والبدائع ٥/ ١١٥، والمجموع ٢/ ٥٧٨.\n(^١) ينظر: شرح العضد ٢/ ١٣، والمستصفى ١/ ٩٠، وشرح الكوكب المنير ١/ ٤٩٠، وحاشية البناني=","vol":"2","page":54},{"text":"الْفِعْلِ، وَعَنْ أَبِي هَاشِمٍ وَكَثيرٍ: نَفْيُ الْفِعْلِ. لَنَا: لَوْ كَانَ، لَكَانَ مُسْتَدْعًى حُصُولُهُ مِنْه، وَلا\n<hr><s0>\n\nفإن قلت: \"فالمكلف\"، \"في النهي\" كيف، يكون فعلًا، وهو طلب ترك الفعل.\nقلت: المطلوب بالنهي \"كَفّ النَّفس عن الفعل\"، والكَفّ فعل.\n\"وعن أبي هاشم وكثير\" أن المكلف به في النهي \"نفي الفعل\".\n\"لنا: لو كان\" الانتفاء هو المَطْلُوب لكان \"يستدعى حصوله منه، ولا يتصور\" ذلك؛ \"لأنه غير مقدور له\"؛ لكونه عدمًا، والعدم لا يكون مقدورًا.\n\"وأجيب بمنع أنه - أي: العدم - \"غير مقدور له\"؛ فإن القادر على الزّنا قادرٌ على تركه، وهذا \"كأحد قولي القاضي\" أبي بكر: إن عدم الفعل مكتسب للعبد.\n\"ورد\" المنع \"بأنه\" - أي: الفعل - \"كان معدومًا، واستمر\"، فكيف يكون مقدورًا \"والقدرة تقتضي أثرًا عقلًا\"، والعدم ثابت قبلها فكيف يَكون أثرًا لها؟\n\"وفيه نظرٌ\"، فقد يقال: لا نسلّم أن استمراره لا يصلحُ أثرًا للقدرةِ؛ إذ هو متمكن من ألَّا يفعل فيستمر، ومن أن يفعل فلا يستمر.\nوأيضًا فأثره أنه لم يشأ فلم يفعل، وهذا كافٍ في كونه أثرًا، وأما وجوب أن يفعل شيئًا فلا.\nوأنا قد وقعت على دليلين يدلّان على أن الكَفّ فعلٌ.\nأحدهما: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [سورة الفرقان: الآية ٣٠] إذ الاتخاذ \"افتعال\"، والمهجور: المتروك.\nوالثاني: ما رواه أبو جُحَيفَةَ السُّوَائيّ ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"أَيُّ الأَعْمَالِ خَيْرٌ؟ \" فسكتوا قال: \"حِفْظُ اللِّسَانِ\".\n\n\"فرع\"\nنقل الرَّافعي عن القَفَّال فيمن قال لزوجته: إن [فعلت] (^١) ما ليس لله فيه رضا فأنت طالق، فتركت صومًا أو صلاةً أنه ينبغي ألَّا تطلق (^٢)؛ لأنه ترك وليس بفعل، فلو سرقت أو زَنتْ طلقت.\n_________\n= ١/ ٢١٣، وتيسير التحرير ٢/ ١٣٥، وفوات الرحموت ١/ ١٣٢، والقواعد والفوائد ص (٦٢)، والإحكام للآمدي ١/ ١٣٦.\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) في أ، ت، ح: يطلق.","vol":"2","page":55},{"text":"يُتَصَوَّرُ؛ لأِنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَهُ. وَأُجِيبَ بِمَنْعِ أَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَه، كَأَحَدِ قَوْلَي الْقَاضِي، وَرُدَّ بِأَنَّهُ كَانَ مَعْدُومًا، وَاسْتَمَرَّ، وَالْقُدْرَةُ تَقْتَضِي أَثَرًا عَقْلًا، وَفِيهِ نَظَرٌ.\n\nهَلْ يَنْقَطِعُ التَّكلِيفُ بِالْفِعْلِ حَالَ حُدُوثِهِ؟\nمَسْأَلةٌ:\nقَالَ الْأَشْعَرِيُّ: لا يَنْقَطِعُ التَّكلِيفُ بِفِعْل حَالَ حُدُوثِهِ، وَمَنَعَه، ...........\n<hr><s0>\n\n\n\"فرع [آخر] \" (^١)\nلو منع مالكُ الطَّعام عن المضطر فمات جوعًا، فلا ضمانَ؛ لأنه لم يحدث منه فعل مهلك.\nوقال صاحب \"الحاوي\": لو قيل (^٢) يضمن الدية كان مذهبًا؛ لأن الضرورة أثبتت له في ماله حقًّا بدليل أنه يجب عليه أن يطعمه فكأنه منع منه طعامه.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"قال\" الشَّيخ \"الأشعري: لا ينقطع التكليف بفعل حال حدوثه\"، بل يبقى تعلُّق التكليف كما كان.\n\"ومنعه الإمامُ والمعتزلةُ (^٣).\nفإن أراد الشيخ أن تعلّقه\" (^٤) بالفعل \"بنفسه، فلا ينقطع\" فحق، لكنه يلزم ألَّا ينقطع التكيف بعد الفعل لنقل هذا التعلق \"بعده أيضًا\"، وهو باطل إجماعًا، والشيخ أجلّ من أن يريد هذا، \"وإن أراد أن تنجيز التكليف به باقٍ\" - وهو مراده بلا شَكّ - \"فتكليف\" بالمحال؛ إذ هو تكليف \"بإيجاد الموجود وهو مُحَال، ولعدم صحَّة الابتلاء، فتنتفي فائدة التكليف\"؛ لأن الابتلاء إنما يتصوّر عند التردّد، وعند تحقق الفعل لا تردد.\n_________\n(^١) سقط في ح.\n(^٢) في ب: قتل.\n(^٣) ينظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٣٧، وشرح العضد ٢/ ١٤، والمحصول ١/ ٢/ ٤٥٦، والمعتمد ١/ - ١٧٩، وشرح الكوكب المنير ١/ ٤٩٥، وإرشاد الفحول ص (١١)، وتيسير التحرير ٢/ ١٤١، وفواتح الرحموت ١/ ١٣٤.\n(^٤) في أ، ت، ح: يعلقه.","vol":"2","page":56},{"text":"الإِمَامُ وَالْمُعْتَزلَة، فَإِنْ أَرَادَ الشَّيْخُ أَنَّ تَعَلُّقَهُ لِنَفْسِهِ، فَلا يَنْقَطِعُ بَعْدَهُ أَيْضًا، وَإِنْ أَرَادَ أَن تنجِيزَ التَّكلِيفِ بَاقٍ، فَتَكْلِيفٌ بإِيجَادِ الْمَوْجُودِ، هُوَ مُحَالٌ، وَلعَدَمِ صِحَّةِ الاِبْتِلاءِ، فتَنْتَفِي فَائِدَةُ التَّكْلِيفِ.\n\"قَالُوا: مَقْدُورٌ حِينَئذٍ بِاتِّفَاقٍ؛ فَيَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِهِ. قُلْنَا: بَلْ يَمْتَنِعُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ.\n<hr><s0>\n\nولقائِلٍ أن يقول: إنما يستحيل لو أريد بكونه مأمورًا أنه مطلوبُ مقتضى، وليس ذلك المراد كما سيأتي.\nسلمنا أنه المراد، ولكن إنما يكون الفعل موجودًا عند تمامه؛ لأن المركب ينتفي بانتفاء جزء منه، فالصلاةُ مثلًا إنما تكون موجودة إذا تحققت في الخارج، وذلك عند انقضائها وهو (^١) ما لم يَنْتَهِ إلى آخرها مأمور بها مطلوبة منه، وليست حاصلة، ضرورة أنها إنما تحصل عند آخر جزء منها، فلا يلزم تحصيل الحاصل.\nالشرح: \"قالوا\" - يعني - ناصري الشيخ -: \"مقدور\" للمكلّف [حينئذٍ] (^٢) باتفاق\" - منا ومن المعتزلة أما عندنا فلأن القدرة حال الفعل.\nوأما عندهم، فهي موجودةٌ قبل، وفي الحال \"فيصحُّ التكليف به\".\n\"قلنا: بل يمتنع\" بقاؤه - أي: بقاء التكليف - \"بما ذكرناه\" من لزوم تحصيل الحاصل، وانتفاء فائدة التكليف.\nواعلم أن المسألة (^٣) من عظائم الكلام، ودقائق أحكام القدر، وهي قليلة الجدوى في الفقه.\nوقد وافق الإمام فيها المعتزلة وأغلظ القَوْل في شيخ الجَمَاعة، وادعى احتياطة مذهبه، وتابعه الآمدي والمصنف.\nونحن نذكر الخِلافَ فنقول: للفعل أحوال: استقبال، وحال، ومضي.\nأما الاستقبال: فالفعل يوصف قبل وجوده بأنه مأمور به، ومقتضى، ومطلوب، ومرغَّب فيه، ومحضوض (^٤) عليه، وطاعة.\n_________\n(^١) في أ، ت، ح: فهو.\n(^٢) سقط في ت.\n(^٣) في ت، ح: مسألة.\n(^٤) في أ، ت، ح: مخصوص.","vol":"2","page":57},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالحال: فلا يصح وصف الفعل فيه بأنه مقتضى، ومرغب فيه، ومحضوض عليه] (^١)؛ لأن الطلب والاقتضاء، وما في معنى ذلك إنما يتصور فيما لم يوجد، والموجود حاصل، والحاصلُ لا ينتفي، ويصح وصفه بأنه طاعة، وهل يوصف بأنه مأمور به حال وقوعه؟.\nقال أصحابنا: نعم، ونفاه المعتزلة.\nوأما الماضي: فلا خلاف أنه لا يوصف بهذه الأوصاف إلا مجازًا إطلاقًا باعتبار ما كان.\nفإذا قلنا: إنه حال الإيقاع وقبله مأمور به على مذاهبنا، فهل يتعلّق الأمر بهاتين الحالتين تعلّقًا مساويًا؛ اختلف أئمتنا فيه.\nفمنهم (^٢) من قال: هما سواء، والأمر متعلّق بالفعل في الحالتين تعلّق إلزام.\nومنهم من قال: أما حال الوقوع فتعلّق إلزام، وأما قبله فتعلّق إعلام، وأكثرنا على القول الأول.\nوالإمامُ الرَّازي وأتباعه على الثاني، وهو مقتضى نقل إمام الحرمين عن الأصحاب، إذا عرفت هذا، فقد صار الإمام وتلميذه الغَزَالي في هذه المسألة إلى رأي المعتزلة، ورأيا أن الفعل حال الإيقاع لا يتعلّق الأمر به، ثم اختلفت الطرق (^٣) بهم.\nفالمعتزلة: بَانُون على أصلهم من تقدّم القدرةِ على الفِعْل، وانقطاع تعلّقها حال وجوده.\nوالإمام كاد يوافقهم؛ لأنه يقول: ما ليس بمقدور لا يؤمر به من يثبت (^٤) قدرته ويقول (^٥): الحال غير مقدور، فلزمه تقديم القُدْرَةِ، فصرح من أجلها بتوجه الأمر قبل الفعل وانقطاعه معه.\nوأما الغزاليُّ، فإنه سلَّم مقارنة القدرة للمقدور، ووافق مع هذا على انتفاء الأمر حال الوقوع، فوافقنا في الأصل، وخالفنا في الفرع، ثم اعتمد هو وإمامه على أن حقيقة الأمر الاقتضاء والطلب، والحاصل لا يطلب (^٦).\nوجوابهما معروف ممَّا قدمناه في نَقْلِ المذاهب، فإنَّا سلَّمنا أنه غير مقتضى حال الإيقاع،\n_________\n(^١) سقط في أ، ت، ح.\n(^٢) في ت: فمنعهم.\n(^٣) سقط في ت.\n(^٤) في أ، ح: ثبتت.\n(^٥) في أ، ت، ح: وتقول.\n(^٦) في ت، ح: يتطلب.","vol":"2","page":58},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nولكنه مع هذا مأمور به بمعنى أنه طاعة - وامتثال (^١)، ولا ينكر أحد كونه طاعة وامتثالًا؛ لأن الطاعة موافقة الإرادة، والإرادة يصح (^٢) عندهم أن تقارن المراد، وإذا ثبت كونه طاعة ومرادًا صح كونه مأمورًا به، ويكون للأمر فائدتان. الاقتضاء، ثم كون الفعل الموقع طاعة، وهذه الإفادة حاصلة حال الإيقاع كما تحصل (^٣) قبله.\nوالإمام والغزالي ومن تبعهما كالمصنّف، قد رأوا أن لا حقيقة له [إلَّا في] (^٤) الاقتضاء فإذا بطلت الحقيقة بطل في نفسه.\nوأما مخالفة إمام الحرمين لنا في تقدُّم القدرة على الفعل، فإنه اعتل بأن القدرة هي التمكن، والتمكن لا يكون حال وجود الفعل، بل قبله.\nوهذا من دقائق ما يذكر في علم الكَلامِ، فلا نطيلُ هنا باستيفاء القول فيه.\nوالشَّيخُ يقول: القُدْرَة المحدثة لا تتقدم المقدور، والأمر يتقدم الفعل، ويقارنه كما عرفت.\nفقال الإمام ملزمًا له على هذا: إن المكلف في حال قعوده مأمور بالقيام باتفاق أهل الإسلام، والقيام غير مقدور له قبل شروعه فيه مع كونه مأمورًا به، فقد صار المأمور به غير مرتبط بكونه مقدورًا عليه، فلا وَجْه لبنائه المسألة على أن المكلف إذا اشترط كون قدرته تفارق المقدور صح كون الفعل مأمورًا به حال وجوده لكونه مقدورًا حينئذ، لأنا أريناه أن المأمور به يكون غير مقدور عليه.\nهذا حاصل كلام الإمام.\nوردّه المَازِرِيُّ بأنه يلزم الشيخ حيث يستدلّ على صحَّة تعلّق الأمر بالحادث لتعلّق القدرة أن يقول: [لا يتعلّق] (^٥) قبل، لعدم تعلق القدرة به، وهو استدلالٌ بالعَكْسِ.\nقال: وهو باطل على سائر المذاهب، ألا ترى أنا نستدل على وجود البَارِي بوجود أفعاله، ولا يلزم من عدمها عدمه.\nقال: فكذلك [لا يقال] (^٦) للأشعري إذا استدللت على حصول الأثر بحصول القدرة،\n_________\n(^١) في أ، ت، ح: إمساك.\n(^٢) في ب، ح: تصح.\n(^٣) في ت، ح: يحصل.\n(^٤) سقط في أ، ب، ت.\n(^٥) في أ، ت، ح: تتعلق.\n(^٦) سقط في ت.","vol":"2","page":59},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفاستدل على انتفاء الأمر بانتفاء القدرة، وإذا استدللت بهذا أريناك نقيضه؛ لأن القاعد مأمور بالقيام، وقدرته معدومة عليه، وهذه القُدْرَةُ انعدمت، ولم ينعدم الأمر.\nقال المَازِرِيُّ: وكلّ من نظر بعينِ الإنصاف علم صحَّةَ ما بَيَّناه، وأن الإمام لم ينصف الرجل في إلزامه كيف وهو يعني الإمام وقد نبَّه على أن الأشعري لم يمنع تقدم القدرة على الفعل بمعنى يعود إلى حقيقة تعلّقها بالأفعال، ولكن من حيث إنها عرض، والعرَضُ لا يبقى زمانين، فلو فرضناها متقدمة، وانعدمت في الثَّاني من حال وجودها قبل إيقاع المقدور بها، فلا فائدة فيها، ولا تأثير لها، وإن فرضناها باقيةً أبطلنا أصلنا في أن الأعراض لا تبقى زمانين (^١).\nقلت: وكلام الإمام يقتضي أن القائل بهذه المَقَالَةِ لا يقول بتوجّه الأمر قبل الفعل، إلا على سبيل الإعلام دون الإلزام، كما قدمته، وعلى هذا لا يكون استدلاله استدلالًا بالعكس، بل نقض على دعوى أن الأمر لا يتوجّه قبل المُبَاشرة بأن القاعد مأمور بالقيام إجماعًا ويصح مقاله (^٢)، وقد ألزم صاحب هذه المقالة أيضًا بأن أحدًا لا يعصي بترك المأمور؛ لأنه إن أتى به، فذاك وإلا فهو غير مكلف.\nوجواب هذا عندنا، أن الأمر بالشَّيء نهي عن ضده على أصل شيخنا. والتارك مباشر للترك، وهو فعل منهي حرام قائم من هذه النَّاحية، لكن مساق هذا أن تارك الصلاة مثلًا غير مكلف بالصلاة، بل بترك ترك الصَّلاة الذي يلزمه الصلاة.\nوالإمام قد ادعى الإجماع على أن القاعد مأمور بالقيام، فإن أمكن ردَّه إلى ترك الترك كما قررناه فلا إشكالَ، وإلَّا فهو معدم على القول بذلك.\nوقد يقال: ترك الترك هو نفس الصلاة (^٣)، وإذا تأملت ما ألقيت إليك علمت اندفاع ترديد المصنّف، وأن الشيخ لم يرد إلا تنجيز التكليف، ولا يلزم عليه ما ذكره، لأنه لم يقل بأن الاقتضاء قائم في إيجاد (^٤) الموجود، بل إنه مأمور به كما عرفت، ولكن [لم] (^٥) قلتم: إن كل مأمور به مقتضى؟ سلمنا أن كل مأمور به مقتض، ولكن لم قلتم: إنه يستلزم تحصيل الحاصل، وتقريره قد عَرفْتَه.\n_________\n(^١) في أ، ب، ت، ج: وقتين.\n(^٢) في ت، ح: كلامه.\n(^٣) في ت: للصلاة.\n(^٤) في ب: اتحاد.\n(^٥) سقط في ح.","vol":"2","page":60},{"text":"الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ الْمُكَلَّفُ\nمَسْأَلةٌ:\nالْفَهْمُ شَرْطُ التَّكْلِيفِ. وَقَالَ بِهِ بَعْضُ مَنْ جَوَّزَ الْمُسْتَحِيلَ؛ لِعَدَمِ الاِبْتِلاءِ. لَنَا: لَوْ صَحَّ، لَكَانَ مُسْتَدْعى حُصُولُهُ مِنْهُ طَاعَةً، كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَصَحَّ تكلِيفُ الْبَهِيمَةِ؛ لأِنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي عَدَمِ الْفَهْمِ.\nقَالُوا: لَوْ لَمْ يَصِحَّ، لَمْ تقَعْ، وَقَدِ اعْتُبِرَ طَلاقُ السَّكْرَانِ وَقَتْلُهُ .............\n<hr><s0>\n\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"الفهم شرطُ صحة التكليف\".\nقال به (^١) من جوز المستحيل\"، وادعى بعضهم الوفاق على ذلك، وهو ما ذَكَرَهُ القاضي في \"التقريب\"؛ \"لعدم الابتلاء\" الذي به تَحْصُل (^٢) فائدة (^٣) التكليف؛ ولأن الأمر بالشيء يتضمن إعلام المأمور بأن الآمر طالب، سواء أمكن حصوله منه أو لم يمكن، وإعلام من لا عَقْلَ له، ولا فَهْمَ متناقض؛ إذ يصير التقدير، بأن من لا فهم له فهم (^٤).\n\"لنا: لو صحَّ\" تكليف الغافل \"لكان\" الفعل \"مستدعى حصوله منه طاعة\" - أي: على وجه الطاعة - \"كما تقدم\" في مسألة التَّكليف بالمستحيل، والثاني باطل؛ لعدم تصوره.\n\"ولصح (^٥) تكليف البَهِيمَة لأنهما سواء في عدم الفهم\".\nولقائل أن يقول: الفارق أن البهيمة لا قابليةَ لها.\nوالذين جوَّزوا تكليف الغافل.\nالشرح: \"قالوا: لو لم يَصِحّ لم يقع، وقد\" وقع بدليل أنه \"اعتبر طلاق السَّكران وقتله وإتلافه\" ورُتِّبت (^٦) عليها الأحكام، وإن كانت صادرة ممن لا يفهم.\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٣٨، وشرح العضد ٢/ ١٥، والمستصفى ١/ ١٨٣، والبرهان ١/ ١٠٦، وشرح الكوكب المنير ١/ ٤٩٨، والقواعد والفوائد ص (١٥)، وأصول السرخسي ٢/ ٣٤٠، وتيسير التحرير ٢/ ٢٤٣، وفواتح الرحموت ١/ ١٤٣، وإرشاد الفحول ص (١١).\n(^٢) في أ، ت، ح: يحصل.\n(^٣) في أ، ح: فإنه.\n(^٤) في أ، ح: افهم.\n(^٥) في ب: يصح، وفي ح: تصح.\n(^٦) في ت: ورتب.","vol":"2","page":61},{"text":"وَإِتْلافُهُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذلِكَ غَيْرُ تَكْلِيفٍ، بَلْ مِنْ قَبِيلِ الْأَسْبَابِ؛ كَقَتْلِ الطِّفْلِ وَإِتْلافِهِ.\n\"قَالُوا: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [سورة النساء: الآية ٤٣] .................\n<hr><s0>\n\n\"وأجيب بأن ذلك\" الأمر المجرى على السَّكران \"غير تكليف، بل من قبيل الأسباب\"، وذلك من باب خطاب الوَضْع، فطلاقه (^١) سبب الفراق، وقتله سبب القِصَاص، وإتلافه سبب الضَّمان \"كقتل الطفل وإتلافه\"، فإنه سببٌ للضمان والغَرَامَةِ.\nولك أن تقول: لو كان كالطِّفْل لما وجب عليه قِصَاصٌ، ولاختلف في أن عمده عمد، أو خطأ.\nبل قال القَفَّال ومن تابعه كالبَغَوِيّ (^٢): إنه لا خلاف في الطفل الذي لا تَمْييز له أن عمده ليس بعمد بل خطأ، وإنما الخلاف في صبي يعقل عقل مثله.\nالشرح: \"قالوا\": قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [سورة النساء: الآية ٤٣] دليل على خطاب الغافل إذا وجه النهي نحوه حالة السكر.\n\"قلنا: يجب تأويله، إما\" بأن يقال: وقع النَّهي عن السّكر عند إرادة الصلاة تشبيهًا \"بمثل\" ما يقال: \"لا تَمُتْ وأنت ظالم\"، وعلى عكسه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٠٢]. \"وأما على أن المراد الثَّمل\"، وهو الذي تَدبُّ فيه أوائل الطَّرب دون الطَّافح الخارج عن قضية التَّمييز، ونهى عن الصَّلاة حينئذٍ مع حضور عقله، لأن مبادئ الطَّرب \"تمنع\" (^٣) الخشوع \"والتثبت كالغضب\" ويؤيده قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [سورة النساء: الآية ٤٣].\nولو قال المصنّف: النّشْوَان بدل الثَّمل كان أولى، فإن الثملَ والطَّافحَ سواءٌ، وهو من أخذ منه الشراب.\n_________\n(^١) في ب: وطلاقه.\n(^٢) الحسين بن مسعود بن محمد، العلامة محيي السنة، أبو محمد البغوي، يعرف بـ\"الفراء\" أحد الأئمة، تفقه على القاضي الحسين، وكان دينًا، عالمًا، عاملًا على طريقه السلف، قال الذهبي: كان إمامًا في التفسير، إمامًا في الحديث، إمامًا في الفقه. بورك له في تصانيفه، ورزق القبول لحسن قصده وصدق نيته. ومن تصانيفه التهذيب، وشرح المختصر، وتفسير معالم التنزيل. وغيرها. مات سنة ٥١٦. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٢٨١، ووفيات الأعيان ١/ ٤٠٢، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٢٥٨، والأعلام ٢/ ٢٨٤، وشذرات الذهب ٤/ ٤٨، والنجوم الزاهرة ٥/ ٢٢٤.\n(^٣) في أ، ت، ح: يمنع.","vol":"2","page":62},{"text":"قُلْنَا: يَجِبُ تَأْوِيلُه، إِمَّا بِمِثْلِ: لا تَمُتْ، وَأنْتَ ظَالِمٌ، وَإِمَّا عَلَى أَن المُرَادَ الثَّمِلُ؛ لِمَنْعِهِ التَّثبُّتَ كَالْغَضَبِ.\n<hr><s0>\n\nوفي الحديث الصحيح. لما دخل النَّبي ﷺ على حمزة، وجعل حمزة يُصَعّد نظره ثم قال: وهل أنتم إلا عبيد لأبي فعرف النبي ﷺ أنه ثَمِلٌ … الحديث أي [أنه] (^١) سَكْران شديد السّكر.\nولقائل أن يقول: هذا صريح في تحريم الصلاة على المنتشي مع حضور عقله بمجرد عدم التثبت، ولا نعلم من قال به.\nوالحقُّ الذي نرتضيه مذهبًا ونرى ارتداد الخلاف إليه - أن من لا يفهم إن كان لا قابلية له كالبَهَائِمِ، فامتناع تكليفه مجمع (^٢) عليه، سواء خطاب التكليف، وخطاب الوضع.\nنعم قد يكلف صاحبها في أبواب خطاب الوضع بما يفعله مع ما يفضله الفقيه.\nوإن كانت له قابلية، فإما أن يكون معذورًا في امتناع فهمه كالطفل والنائم، ومن أكره حتى شرب ما أسكره، فلا يكلف إلا بالوضع.\nوأما أن يكون غير معذور كالعاصي (^٣) بسُكْره فيكلف، تغليظًا عليه، وقد نصَّ الشَّافعي على هذا.\nوقول الغَزالِيِّ: السكران أسوأ حالًا من النَّائم الذي يمكن تنبيهه.\nوكذلك (^٤) دول القاضي في \"التقريب\": السكران الطَّافح لا يكلف كسائر من لا يفهم مما لا [نوافقهما] (^٥) عليه - بل هو مكلف، ولا حاجة إلى الجواب بأنه من خطاب الوضع، فإنه يلزم عليه ألا يأثم ونحن نُؤثّمه؛ إذ هو الذي وَرَّط نفسه بتسببه إلى زوال عقله بالسُّكر. وأيضًا فخطاب الوضع عندنا راجع إلى الاقتضاء خلافًا للمصنف.\nويشهد لتفرقتنا بين من له قَابِلِيَّة، ومن لا قابلية له إيجاب الضمان على الأطفال دون الميت.\nفإن أصحابنا قالوا بنفخ (^٦) مَيّت، وتكسرت قارورة بسبب انتفاخه لم يجب ضمانها.\n_________\n(^١) سقط في ت، ح.\n(^٢) في ت، ح: مجموع.\n(^٣) في ب كالقاضي، وهو تحريف.\n(^٤) في ب: ولذلك.\n(^٥) في ب، ح: يوافقها.\n(^٦) في ح: بنضج.","vol":"2","page":63},{"text":"مَسْألَةٌ كلامِيَّةٌ فِي الحُكْمِ عَلَى الْمَعْدُومِ\nمَسْأَلةٌ:\nقَوْلُهُمُ: الأَمْرُ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْدُومِ، وَلَمْ يُرَدْ تنجِيزُ التَّكْلِيفِ، وَإنَّمَا ..........\n<hr><s0>\n\nالشرح: ولا أقول خطاب المعدوم كما ترجم بعضهم المسألة به؛ إذ في تسمية الكلام في الأزل خطابًا خلاف؛ لأن الخطاب يستدعي مُوَاجهة، وهي لا تمكن من المعدوم كما فعل المصنّف؛ إذ لا يلزم من الحكم على المعدوم تسمية الكلام أمرًا أو نهيًا، فمنا من قال بالحكم على المعدوم وامتنع من تسمية الكلام في الأزل أمرًا، كما ستعرف إن شاء الله تعالى.\nوإذا عرفت هذا فأصحابنا قائلون بالحكم على المعدوم (^١)، والمعتزلة ينكرونه، وإمام الحَرَمَيْنِ منا عنده وقفة في المسألة من أجلها توقف ضَعَفَةُ الأشاعرة عن الجزم وأخذوا في تقرير (^٢) مذهبنا، فقال فيهم (^٣) المصنّف: \"قولهم\" - يعني أصحابه الأشعرية -: \"الأمر يتعلق بالمعدوم، لم يرد تنجيز التكليف\" أي: إتيان المعدوم بالمأمور به حالة عدمه؛ لأن الصبي والمجنون الدَّاخلين في الموجودات غير مأمورين في الباطن بالمعدوم.\n\"وإنما أريد\" بتعلّق الحكم به \"التعلق العقلي\" وهو قيام الطلب بذات الله - تعالى - من المعدوم للفعل إذا وجد واتصف بصفات المكلفين فإنه حينئذ يصير مكلفًا بذلك الطلب القديم من غير تجدد طلب آخر (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: المحصول ١/ ٢/ ٤٣٣، والإحكام للآمدي ١/ ١٤١، والمستصفى ١/ ٨٥، وشرح الكوكب المنير ٣/ ٥١١، وشرح العضد ٥/ ١٢، والمعتمد ١/ ١٧٧، وتيسير التحرير ٢/ ١٣١، السرخسي ٢/ ٣٣٤، وفواتح الرحموت ١/ ١٤٦، وإرشاد الفحول ص (١١)، والمعتمد ٢/ ١٥، ونهاية السول ١/ ٢٩٨، والإبهاج ١/ ١٥١.\n(^٢) في ب: تقريب.\n(^٣) في أ، ب، ت: منهم.\n(^٤) هذه المسألة في بيان معنى قولهم: \"الأمر يتعلق بالمعدوم\"، فنقول: لما اشتهر من مذهب أصحابنا جواز تكليف الصبي والمجنون والغافل والسكران؛ لعدم الفهم للتكليف؛ إذ المعدوم أسوأ حالًا من هؤلاء؛ لوجود أصل الفهم من حقه وعدمه بالكلية في حق المعدوم، حتى أنكر ذلك جميع الطوائف - أراد كشف الغطاء عنه، فقال: ليس المراد من قولهم - يعني قول أصحابا: الأمر يتعلق بالمعدوم تنجيز التكليف، وهو كون المعدوم مكلفًا بالإتيان بالفعل حالة عدمه؛ لاستحالته لما مر آنفًا، بل المراد التعلق العقلي، وهو كون المعدوم مأمورًا ومكلفًا على تقدير وجوده وتهيئته لفهم الخطاب=","vol":"2","page":64},{"text":"أُرِيدَ التَّعَلُّقُ الْعَقْلِيُّ. لَنَا: لَوْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ، لَمْ يَكُنْ أَزَليًّا؛ لأِنَّ مِنْ حَقِيقَتِهِ التَّعَلُّقَ، وَهُوَ أزَلِيٌّ.\n<hr><s0>\n\nواعلم أن شيخنا إنما أراد التنجيز، والتعلّق عنده قديم، ولا يلزم من التنجيز تكليف المعدوم بأن يوجد الفعل في حال عدمه، بل تعلّق التكليف به على صفة، وهي أنه لا يوقعه إلا بعد وجوده، واسْتِجْمَاع الشرائط، وذلك لا يوجب عدم التَّنجيز، بل التنجيز واقع وهذا معناه.\nومن ظن أنه [كان] (^١) يلزم من كونه كل أمورًا في القدم (^٢) أن يوجد في العدم فقد زَلّ، فإن إتيانه في العدم كما يستدعي الإمكان كذلك يستدعي أنْ يؤمر به على هذا الوجه، والأمر لم يقع كذلك، بل على صفة أن الفعل يكون بعد استجماع شرائطه التي منها الوجود، [وأقرب] (^٣) مثال لذلك الوكَالَة، فإن تعليقها باطلٌ على المذهب، ولو نَجّز الوكالة وعلق التصرُّف على شرط صح، وهو الآن وكيل وكالة منجزة، ولكنه لا يتصرف إلَّا على مقتضاها، وهو وجدان الشرط.\nهذا كلام نفيس لأبي ﵀ فيه رسوخ القَدَم (^٤)، فإنه كان يقرره وينادي عليه بأوضح البَرَاهين، وبه يتضح أن التعلق (^٥) قديم، على خلاف ما ذكره جماهير المتأخرين منهم الإمام في أول \"المحصول\" من حدوث التعلّق فَارِّين من أمر لا يحوجهم إلى ذلك. وقد فَاهَ الإمام في مكان آخره من \"المحصول\" بِقِدَمِ التعلُّق كما كان أبي - رحمه الله تعالى - يختاره.\nوعندي [أَنا أنَّ التعلق] (^٦) نسبة بين منتسبين لا يوصف بحدوث ولا قِدَمٍ.\n\"لنا\": على تعلّق الأمر بالمعدوم، \"لو لم يتعلّق به لم يكن أزليًا؛ لأن من\" لوازم \"حقيقة\n_________\n= بالأمر الأزلي، وهو قيام الطلب القديم بذات الله للفعل من المعدوم إذا انخرط في سلك المكلفين.\nولا يعد فيه بعد تحقيق كلام النفس، وأن التكليف بمعنى الطلب، بل هو جائز عقلًا، كما جاز قيام طلب العلم من الولد قبل وجوده بذات الأب، وصيرورة الولد مكلفًا بذلك الطلب على تقدير وجوده وتهيئته لفهم الخطاب، ولهذا فإن الوالد لو أوصى عند موته لمن سيوجد بعده من أولاده بوصيته، فإن الولد بتقدير وجوده وفهمه يصير مكلفًا بتلك الوصية، ولهذا أيضًا نحن موصوفون بكوننا مأمورين بأمور النبي ﵇ الموجودة حالة وجوده، وإن كنا معدومين حينئذ. ينظر: الشيرازي ١٥٤ أ/ خ.\n(^١) سقط في أ، ب، ت.\n(^٢) في أ، ت، ح: العدم.\n(^٣) في أ، ح: أقرر.\n(^٤) في أ، ت: العدم.\n(^٥) في ت، ح: التعليق.\n(^٦) في ت: أما أن التعليق.","vol":"2","page":65},{"text":"قَالُوا: أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَخَبَرٌ مِنْ غَيْرِ مُتَعَلَّقٍ مُحَالٌ. قُلْنَا: مَحَل النِّزَاعِ، ...........\n<hr><s0>\n\nالتعلق\" بالغير وهو المأمور، فلو لم يكن التعلُّق أزليًّا لم يكن الأمر أزليَّا، \"وهو أزلي\" قطعًا، لما ثبت من قِدَمِ كلام الرَّبِّ جلَّ وعلا، وكان تعلقه أزليًّا.\nوأنت إذا وقفت (^١) على هذه الحُجَّة علمت أنها لا تنهض على من ينكر قدم الكلام، وهم الخصوم في المسألة - أعني المعتزلة - وأنه لا ينبغي الاكنفاء به، فإن منع الحكم على المعدوم هو أحد شُبَهِ المعتزلة في القول بِخَلْقِ القرآن.\nالشرح: \"قالوا\": لا يتعلّق الحكم بالمعدوم؛ إذ كيف يوجد \"أمر، ونهي، وخبر من غير متعلّق\" موجود هو المأمور المنهي المخبر، هذا \"مُحَال\".\nونظيره من جلس وحده ينادي: يا زيد افْعَلْ كذا، ويا عمرو اترك كذا، وذلك عين الاختلال والسَّفه، فيستحيل على الباري تَعَالى.\n\"قلنا\": استحالة هذا \"مَحَل النزاع وهو استبعاد\" مجرد، فلا يلزم منه الامتناع، وإنما بَعُدَ عِنْدَكُم [لأنكم قِسْتُمْ] (^٢) الغائب بالشاهد، واللفظي بالنَّفسي. وأنَّى يستويان، فإن من أحب أن يحيط علمًا بوَرَقِ الأشجار (^٣)، وقَطْر البحار من أَسْفه الخلق، بخلاف الرَّب تعالى.\nوالحاصل: أن المعدوم بالنسبة إليه - تعالى - متوقّف وجوده على أمره، وقد قدر وجوده في وقت معلوم لا يتخلّف عنه على صفة مَعْلُومة لا انْفِكَاكَ لها دون أمره، وهو نازل عنده منزلة الموجود يأمره وينهاه بخلاف المخلوق.\n\"ومن ثم\" أي: ومن أجل هذا الاستبعاد - \"قال\" عبد اللّه \"بن سَعِيدِ\" بن كلاب القَطَان (^٤) وهو أحد أئمة أهل السُّنَّة، وبطريقته (^٥) وطريقة الحارث بن\n_________\n(^١) في ت، ح: وفعت.\n(^٢) في ت: لا نسلم قسمة.\n(^٣) في ب: الشجر.\n(^٤) عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب، أبو محمد القطان: متكلم من العلماء. يقال له \"ابن كُلاب\". قال - السبكي: وكلاب بضم الكاف وتشديد اللام، وقيل: لقب بها؛ لأنَّهُ كان يجتذب الناس إلى معتقده إذا ناظر عليه كما يجتذب الكُلاب الشيء. له كتب، منها \"الصفات\" و\"خلق الأفعال\" و\"الرد على المعتزلة\" توفي سنة ٢٤٥ هـ. ينظر: فضل الاعتزال ٢٨٦، والطبقات الصغرى للسبكي، وابن النديم ١٨٠، والأعلام ٤/ ٩٠.\n(^٥) في ب: ولطريقته.","vol":"2","page":66},{"text":"وَهُوَ اسْتِبْعَادٌ؛ وَمِنْ ثَمَّةَ، قَالَ ابْنُ سَعِيدٍ: إِنَّمَا يَتَّصِفُ بِذلِكَ فِيمَا لا يَزَالُ. وَقَالَ: الْقَدِيمُ الْأَمْرُ\n<hr><s0>\n\nأسد (^١) المُحَاسبي (^٢) اقتدى شيخنا أبو الحسن أن كلامه - تعالى - لا يتصف بالأمر والنهي والخبر في الأزل، لحدوثه وقِدَمِ الكلام النَّفسي، \"وإنما يتصف بذلك فيما لا يزال.\nوقال\": الكلام \"القديم\" هو \"الأمر المشترك\" بين الأمر والنهي والخبر وتابعه أبو العباس القَلانسي من قدماء الأشاعرة، وقد [راما] (^٣) بهذا المَرْكب الصَّعب التخلص من إلزام المعتزلة بحدوث الكلام؛ فإن المعتزلة لما أحالوا وجود أمر ولا مأمور قالوا: لم يكن مع الله - سبحانه - في الأزل أحد فيأمره وينهاه.\nوإذا لم يكن معه أحد استحال حُصُول الأمر لانتفاء المأمور، وإذا استحال حصول الأمر استحال حصول الكلام، فتسببت بدعتهم الشَّنعاء في القول بخَلْقِ القرآن (^٤)، وهذه الشُّبهة من\n_________\n(^١) الحارث بن أسد أبو عبد الله المحاسبي، قال ابن الصلاح: ذكره أبو منصور التميمي في الطبقة الأولى من الشافعية فيمن صحب الشافعي. قال ابن قاضي شهبة: أحد مشايخ الصوفية. توفي سنة ٢٤٣ هـ. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٥٩، وطبقات الفقهاء للعبادي ص ٢٧، وميزان الاعتدال ١/ ١٩٩.\n(^٢) في أ، ت، ح: المحاسني، وهو تحريف.\n(^٣) في ب، ح: رأينا.\n(^٤) وقبل الخوض في هذه (الفرية) يجدر بنا أن نقص طرفًا من هذه القضية الغابرة فنقول: ومسألة خلق القرآن لصيقة بالمعتزلة، فكلما أثيرت لها غبرة ذكرنا المعتزلة، وذلك لأنهم الذين أشاعوها بين الناس، وروعوهم بها، وقد تبعهم الخلفاء في ذلك فحملوا العلماء والمحدثين على القول بها رغبة ورهبة. وقد اشتغل بهذا من الخلفاء ثلاثة من بني العباس المأمون والمعتصم، والواثق. وقد رُوِّعَ الناس أشد ترويع وضيق عليهم، وحملوا قسرًا على القول بخلقه، وكأني بقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ قد حق في الأمراء على العلماء.\nوالمتتبع لنشأة الفرق الإسلامية؟ يجد أن الخلاف يرجع إلى اختلافهم في صفات الله تعالى. فالمعتزلة يقولون: إن الله تعالى متنزه عن ثبوت صفات قائمة بذاته كالسمع، والبصر، والحياة، والقدرة، والكلام أدَّاهم إلى ذلك خوف تعدد القدماء. ويقول الجمهور: إن هذه الصفات من السمع والبصر … قديمة قائمة بذاته تعالى ليست عين الذات ولا غيرها. وبهذا علم أن هذه المسألة سابقة في الوجود لعصر الثلاثة الخلفاء العباسيين. فقد تفوه بها قَدِيمًا الجعد بن درهم - قبحه الله - حتى قتله والي الكوفة خالد بن عبد الله القَسرِيُّ، فضحى به بين الأملاء ونادى في الناس \"أيُّها الناس من كان مضحيًا فليضح فإني مضحٍ بالجعد بن درهم، فقد زعم أن الله لم يكلم موسى تكليمًا ولم يتخذ إبراهيم خليلًا … \". =","vol":"2","page":67},{"text":"الْمُشْتَرَك، وَأُورِدَ أَنَّهَا أَنْوَاعُه، فَيَسْتَحِيلُ وُجُودُهُ.\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقد كان المعتزلة يقتادون العقل في كل ملم، فغلبوه ونصبوه حاكمًا حتى على شرع الله، وقد تواترت أقوالهم بهذا تأليدًا وتحبيذًا، وقد ردت النصوص لذلك ما لم يجدوا لها تأويلًا يقبله العقل ويقره، وقد خشوا إظهار قالاتهم جهادًا خوفًا من العامة أن تعصف بهم. حتى تولى المأمون مقاليد الأمور (١٩٨ - ٢١٨ هـ) وقد كان مناصرًا لحرية البحث والمناظرة، وكان ميالًا للعلم به شغوفًا عالمًا بالكتاب والسنة مع ذكاء ونباهة عظيمة، فعقد الحلق والمجالس والمناظرات والمحاورات. فنتج عن ذلك بروز رأيه في بعض المسائل الخلافية، وأنه انحاز في بعضها لرأي المعتزلة، لا في كلها، وكان مما وافقهم فيه القول بخلق القرآن الكريم وقد صرح برأيه في سنة ٢١٢ هـ بزعم أنه إن ظهر رأيه للعلماء. فسيتبع فيه، غير أن الأمر قُلِبَ عليه، فتكلم الناس فيه حتى رمي بالابتداع واشتط بعضهم فسربله الكفر وكذا كل من يقول بخلق القرآن، وحينذاك اشتد وطأة النزاع بين معاشر المتكلمين والفقهاء والمحدثين، حتى حلَّ عام ٢١٨ هـ فضرب المأمون بعصى من حديد على يد من ينازعه القول؛ لِئلا يظهر ضعيفا أو يستخف به أمام الرعية وكذا كان الحال. وفي عام (٢١٨) بينما كان المأمون يغزو بلاد الروم كنب إلى عامله على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي كتابًا يقول فيه: \" … وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية وسفلة العامة ممن لا نظر لهم ولا روية ولا استضاءة بنور العلم وبرهانه أهل الجهالة بالله وعمي عنه وضلالة عن حقيقة دينه وقصور أن يقدروا الله حق قدره، ويحرفوا حق كنه صرفته، ويفرقوا بينه وبين خلقه، وذلك أنهم ساووا بين الحق وخلقه وبين ما أنزل الله من القرآن، فأطبقوا على أنه قديم لم يخلقه الله، ولم يخترعه، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وكل ما جعله الله فقد خلقه، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ وقال: ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ فأخبر أنه قص لأمور أحدثه بعدها وقال: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ والله محكم كتابه ومفصله، فهو خالقه ومبتدعه، ثم انتسبوا إلى السنة وأنهم على أهل الحق والجماعة، وأن من سواهم أهل الباطل والكفر، فاستطالوا بذلك وغروا به الجهال حتى قال قوم من أهل السمت الكاذب في التخشع لغير الله إلى موافقتهم، فنزعوا الحق إلى باطلهم، واتخذوا دين الله وليجة إلى ضلالهم - ثم أخذ يصفهم بأنهم شر الأمة وإخوان إبليس - ثم قال لعامله: فاجمع من بحضرتك من القضاة فاقرأ عليهم كتابنا وامتحنهم فيما يقولون، واكشفهم عما يعتقدون في خلقه وإحداثه، وأعلمهم أني غير مستعين في عملي ولا أوثق من لا يوثق بدينه، فإذا أقروا بذلك ووافقوا، فمرهم بنص من بحضرتهم من الشهود ومسألتهم عن علمهم في القرآن، وترك شهادة من لم يقر أنه مخلوف، واكتب إلينا بما يأتيك عن قضاة أهل عملك في مسألتهم والأمر لهم بمثل ذلك. ثم وردت من المأمون عدة كتب إلى عامله يأمره فيها بامتحان أهل الحديث=","vol":"2","page":68},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nعهدهم (^١) العظيمة عندهم فتخلص عنها هذان الرَّجلان، وقالا: إذا نفينا الأمر في الأزل لم تجد المعتزلة سبيلًا إلى الطعن علينا في قِدَمِ القرآن بهذه الشبهة.\nوقالا: يثبت للرب - تَعَالى - صفة موجودة ويثبت لها مع وجودها وصفًا آخر أخص من وصف الوجود، وهو كونها كلامًا في الأزل، ويصرف الوصف الآخر الذي هو أخص من وصفها بالكلام، وهو الأمر والنهي إلى صفة فعل، هو خلق الله - سبحانه - في قَلْب من تعلّق إدراكه بها عند إدراكه لها العلم بأنه - سبحانه - طلب منا، فعلًا أو زَجَرَهُ عن فعل وتخلّص من إثبات أمر، ولا مأمور.\n\"وأورد\" عليهما \"أنهما\" فَرَّا من مستبعدٍ إلى أبْعَدَ منه، وذلك أنهما - أي: الأمر والنهي والخبر ونحوها \"أنواعه\" أي: أنواع الكلام، \"فيستحيل وجوده\" بدون واحد منها؛ لاستحالة وجود الجنس إلَّا في أحد أنواعه، فما ذكره مؤدٍ إلي نفي الكلام.\nولئن جاز ثبوت صفة وهي الكلام عَارِيَّةٌ من حقائقها النفسية، ولوازمها العقلية جاز إثباتها عاريةً من حقيقة أخرى من حقائقها، وهى كونها كلامًا حتى يقال: هذه الصفة حاصلة لله -\n_________\n= في مسألة خلق القرآن وفي بعضها يقول له:\" فمن لم يجب أنه مخلوق فامنعه من الفتوى والرواية\". وكذلك بعث لعامله بقتل من لم يقل بخلق القرآن، وكذلك أوصى أخاه المعتصم! بأن يسير سيرته، فأُنفذها، وكان المعتصم دون المأمون علمًا، فجعل يمتحن الناس ويقتل منهم عددًا عظيمًا وأمرا المعلمين أن يعلموا الصبيان أن القرآن مخلوق، وأهان عظام علماء أهل الحديث لا سيما أحمد بن حنبل الذي ثبت على قوله وما تزعزع. واستمرت المحنة حتى بعد تولي الواثق ابنه وقد أقام سوق المحنة سنة ٢٣١ هـ إذ أمر أمير البصرة بامتحان الأئمة والمؤذنين، وأظهر الغلظة لمن خالفه بل قتل بعض أهل الحديث. وقد حدث في الأمور أمورٌ؛ إذْ اختلط الحابل بالنابل، وانقلب القول بالحق من الباطل، وقلبت المحنة إلى منحة وفرجة؛ إذ رجع الواثق عن صنيعه الأول، وضاق برأس الفتنة أحمد بن داود وصبَّ عليه سخطه.\nولما ولي المتوكل بعد أخيه الواثق سنة ٢٣٢ هـ أظهر ميلًا عظيمًا إلى السنة المشرفة، فرفع المحنة، وكتب بذلك إلى الآفاق، فعظمت به السنة وأهلها، وانكشفت الفتنة ومحقت \"فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض\".\nينظر: البداية والنهاية لابن كثير ١٠/ ٢٧٢، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ٢٤، وتاريخ الأمم الإسلامية للخضري ٢٧٩.\n(^١) في ت: عهدتهم.","vol":"2","page":69},{"text":"قَالُوا: يَلْزَمُ التَّعَدُّدُ. قُلْنَا: التَّعَدُّدُ بِاعْتِبَارِ الْمُتَعَلِّقَاتِ لا يُوجِبُ تَعَدُّدًا وُجُودِيًّا.\n\nالتَّكلِيفُ بما عَلِمَ الآمِرُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ\nمَسْأَلةٌ:\nيَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِمَا عَلِمَ الآمِرُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ عِنْدَ وَقْتِهِ، .........\n<hr><s0>\n\nسبحانه - في الأزل، وليست كلامًا في الأزل، وإنما تصير كلامًا عند خلق المتكلمين السَّامعين، وهذا لا يقوله أحد.\nالشرح: ولئن \"قالوا\": وجود الأمر والنهي والأخبار في الأزل \"يلزم\" منه \"التعدد\" باعتبار أنواعه وأفراده؛ فإن المتعلق بـ \"زيد\" غير المتعلق بـ \"عمرو\".\n\"قلنا: التعدد\" إنما هو \"باعتبار المتعلِّقات\" التي هي الأمر والنهي والخبر والاستخبار والتعجُّب والتمنِّي والترجِّي والقَسَم والنِّدَاء (^١).\nوالتعدّد بهذا الاعتبار \"لا يوجب تعددًا وجوديًّا\"، فهو (^٢) بمنزلة تعدُّد المعلومات، فإنها متعدّدة باعتبار تعلّق العلم بها، لا أنها موجودة في نفس الأمر متعددة، والمحال هو التعدد الوجودي.\nالشرح: \"يَصِحُّ التَّكليفُ بما علم الآمر انتفاء شرط وقوعه عند وقته\" (^٣) - فيجوز أن يكلف الله زيدًا بصلاة يوم الخميس فإما مع علمه بِعَجْزِهِ عن القيام، إذ ذاك \"فلذلك يعلم\" المأمور \"قبل الوقت\" أنه مأمور مع عدم علمه بأنه هل يتمكن أو لا؟.\n\"وخالف الإمام والمعتزلة\" في ذلك.\n\"ويصحّ من جهل الأمر\" تقدم وقوع الشرط \"اتفاقًا\".\nوقد عَصَت هذه المسألةُ على أفهام قوم من المتكلمين على هذا المختصر.\n_________\n(^١) في ت: والندب.\n(^٢) في ب: وهو.\n(^٣) ينظر: الإحكام ١/ ١٤٣، والبرهان ١/ ٢٨٠، وشرح العضد ٢/ ١٦، والمسودة ص (٥٢)، وشرح الكوكب المنير ١/ ٤٩٦، والمعتمد ١/ ١٧٧، وحاشية البناني على جمع الجوامع ١/ ٢١٨، والقواعد والفوائد ص (١٨٩)، تيسير التحرير ٢/ ٢٤٠، وإرشاد الفحول ص (١٠).","vol":"2","page":70},{"text":"فَلِذلِكَ يُعْلَمُ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَخَالَفَ الإِمَامُ وَالْمُعْتَزِلَة، وَيَصِحُّ مَعَ جَهْلِ الآمِرِ اتِّفَاقًا.\n<hr><s0>\n\nقالوا: لا فارق بينها وبين ما حكي فيها الإجماع من مسألة تكليف ما لا يُطَاق حيث قال: والإجماع على صحَّة التكليف بما علم الله أنه لا يقع.\nوقالوا: قد كرر مسألة وادّعى فيها الإجماع، ثم نقل فيها الخلاف.\nوأنا أقول: ما لوقوعه شرط إن علم الآمر الشرط واقعًا، فلا إشكال في صحَّة التكليف به، وإن جهله، ويفرض في السيد يأمر عبده فكذالك (^١).\nونقل المصنّف عليه الاتفاق، وفيه نظر.\nوإن علم انتفاءه فهو على قسمين:\nأحدهما: ما يتبادر الذِّهن إلى فهمه حين إطلاق التكليف كالحياة والتمييز، فإن السَّامع متى سمع التكليف تبادر ذِهْنُهُ إلى أنه يستدعي حيًّا مميزًا، وهذا هو الذي خالف فيه إمام الحَرَمَيْنِ.\nوالثاني: خلافه، وهو ما كان خارجيًّا (^٢) لا يتبادر إليه الذهن، وهو تعلّق علم الله مثلًا بأن زيدًا لا يؤمن، فإن انتفاء هذا التعلُّق شراط في وجود إيمانه، ولكن السَّامع يقضي بإمكان [إيمان] (^٣) زيد غير ناظر إلى هذا الشرط، وهذا لا يُخَالف فيه الإمام ولا غيره، وهو ما سبق نقل الإجماع عليه.\nوسمعت من يقول: موضع الإجماع أَولًا هو هذه المسألة، ولكنه نسب المخالفين فيها إلى خرق إجماع سابق عليهم، وهذا ليس بشيء، فإنه مع لزومه تكرير مسألة واحدة من غير عرض (^٤)، فيه نسبة إمام الحرمين إلى خرق الإجْمَاع، ولن يجترئ المصنّف ولا أجَلّ منه على ذلك.\nوإنما الصَّوابُ ما ذكرناه، على أن هذه المسألة لا يترجمها أئمتنا بما ترجمها المصنّف، وإنما هي مترجمة عندهم بما جعله المصنّف فائدة لها، وهو أنه هل يعلم المأمور كونه مأمورًا في أول الوقت توجّه (^٥) الخطاب إليه، أو لا يعلم ذلك حتى يمضي عليه زمن الإمكان؛ لأن\n_________\n(^١) في ب: فلذلك.\n(^٢) في ب: خارجًا.\n(^٣) سقط في ب.\n(^٤) في ب: عرض.\n(^٥) في أ، ت، ح: بوجه.","vol":"2","page":71},{"text":"لَنَا: لَوْ لَمْ يَصِحَّ، لَمْ يَعْصِ أَحَدٌ أَبَدًا؛ لأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ شَرْطُ وُقُوعِهِ مِنْ إِرَادَةِ قدِيمَةٍ أَوْ حَادِثَةٍ، وَأَيْضًا، لَوْ لَمْ يَصِحَّ، لَمْ يُعْلَمْ تكلِيفٌ؛ لأَنَّهُ بَعْدَهُ وَمَعَهُ .........\n<hr><s0>\n\nالإمكان شرط التكليف، والجاهل بوقوع الشرط جاهل بالمشروط لا محالة .. قال أصحابنا: بالأول.\nوقال المعتزلة: بالثاني، واختاره إمام الحرمين.\nفهي في الحقيقة اختلاف في زَمَن تحقُّق الوجوب على المكلّف لا في صحة التكليف وعدمه. ولكن عبارة الكتاب قاصرة، فالفعل الممكن بذاته إذا أمر اللهُ - تعالى - به عبده فسمع الأمر في زمن، ثم فهمه في زمن يليه هل يعلم العبد إذ ذاك أنه مأمور مع أن من المحتملات أن يقطعه عن الفعل قاطع عَجْز أو موتٍ أو نحوهما، أو يكون شاكًّا في ذلك؛ لأن التكليف مشروطٌ بالسلامة في العاقبة، وهو لا يتحققها أصحابنا على الأول، فيرون تحققًا مستفادًا من صيغة الأمر، وإنما الشَّك في رافع يرفع المستقر (^١)، والقوم على العَكس.\nوربما أثر هذا الخلاف في النِّيَّة، فيلزم القوم ألا توجد نيَّة جازمة، لحصول الشك فلا يصح لهم عمل.\nالشرح: \"لنا: لو لم يصحّ\" التكليف بما علم الآمر انتفاء شرطه، وصيرورة (^٢) المأمور مكلفًا \"لم يعص أحد أبدًا؛ لأنه لم يحصل\" للفعل \"شرط وقوعه من إرادة قديمة\" عند الأشاعرة؛ لأن الله - تعالى - لم يرده، ضرورة أنه لو أراده لوقع، \"أو حادثة\" للعبد عند المعتزلة؛ لأن العاصي لم يرده عندهم، وقد علم الله الإرَادَتَيْنِ، فيكون عالمًا بعدم الشرط، فلو لم يكن مأمورًا بالطاعة حال عدم الشرط لم يَعْصِ حال عدم الإرادة، وهي حال لا ينفك عنها عاصٍ فلا يوجد عَاصٍ.\n\"وأيضًا لو لم يصح لم يُعْلم التكليف\" أصلًا، \"لأنه \"إذا أمر العبد بصوم هذا اليوم فإما أن يعلم بهذا الأمر بعد اليوم أو قبله أو معه، فإن علم به \"بعده ومعه\" لم يُفِدْ؛ لأنه \"ينقطع\" التكليف حينئذ على ما تقدم.\n\"وقبله لا يعلم\"؛ لأن صومه موقوف على بقائه وهو غير معلوم له قبل اليوم، فيكون شاكًّا في شرط التَّكْليف الذي هو البقاء، فيلزم الشك في المشروط فلا يعلم التكليف بالصوم أصلًا ..\n\"فإن فرضه\" - أي: فرض الخصم زمان التكليف - \"متسعًا\" بحيث إذا مضى أحد جزئيه علم\n_________\n(^١) في ب: المسعر.\n(^٢) في ب: وضرورة.","vol":"2","page":72},{"text":"يَنْقَطِع، وَقَبْلَهُ لا يُعْلَم، وإنْ فَرَضَهُ مُتَّسِعًا، فَرَضْنَاهُ زَمَنًا زَمَنًا، فَلا يُعْلَمُ أَبَدًا. وَذلِكَ بَاطِلٌ، وَأَيْضًا، لَوْ لَمْ يَصِحَّ، لَمْ يَعْلَمْ إِبْرَاهِيمُ وُجُوبَ الذَّبح، وَالمُنْكِرُ مُعَانِدٌ.\nوَقَالَ الْقَاضِي: الإجْمَاعُ عَلَى تَحَقُّقِ الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ قَبْلَ ....................\n<hr><s0>\n\nالمكلف أنه متمكن - بخلاف المضيق فإنه لا يعلم أنه مكلّف إلا بعد الانقضاء - نقلنا الكلام إلى أجزاء ذلك الزمان، ثم \"فرضنا زمنًا زمنًا\"، وتردّد في كل جزء، فإنه مع الفعل فيه أو بعده ينقطع.\nوقيل: الفعل يجوز ألَّا يبقى بصفة التكليف في الجزء الآخر، فلا يأثم بالترك \"فلا يعلم\" تكليف \"أبدًا، وذلك باطلٌ.\nوأيضًا لو لم يصح لم يعلم إبراهيم ﵇ وجوب الذّبح\"، لكونه - تعالى - عالمًا بانتفاء شرطه لوقوع النَّسْخ قبل الفعل، \"والمنكر\" لعلم إبراهيم بوجوب ذَبْحِ ولده مع علمه باشتغاله بمقدماته \"مُعَاندٌ\".\nالشرح: \"وقال القاضي\" مستدلًّا على صحة التكليف بما علم الآمر انْتِفَاء شرط وقوعه \"الإجماع\" قائم قبل ظهور المُعْتزلة \"على تحقُّق الوجوب والتحريم\" على كُلّ بالغ عاقل \"قبل التمكُّن\" من فعل ما خوطب به.\nويقال: هذا مأمورٌ بكذا، ومَنْهِيٌّ عن كذا.\nومن أبَى ذلك، والتزم إطلاق القول بأنه ليس على البَسِيطَةِ مَنْ يعلم كونه مأمورًا فقد بَاهَت الشريعة، ورَاغَمَ أهل الإجماع.\nوقد رَدَّ إمامُ الحرمين هذا الدليل على القاضي، وقال: لا تحصيلَ وراءه، فإن الإطلاقاتِ الشرعية لا تعرض على مأخذ الحقائق، [وأجرى إطلاقهم] (^١): هذا مأمور، وهذا مَنْهِي مجرى إطلاقهم (^٢) الخمر محرمة، والمراد تحريم شربها فالإطلاقاتُ مجازٌ.\nولقائل أن يقول: الأصل في الإطلاق الحقيقة، ولا يلزم من التجوز في قولهم: الخمر محرمة - مع قيام القرينة - التجوز هنا.\nوقد استدلَّ الإمام على أن التكليف يتوجّه قبل المُبَاشرة بالإجماع، على أن القاعد مأمور بالقيام، فما باله يستدلّ بإطلاقاتهم على ما يرتضيه، ويَذَرُهَا عندما يوهنه.\n_________\n(^١) في ب: وأحرى إطلاقاتهم.\n(^٢) في ب: إطلاقاتهم.","vol":"2","page":73},{"text":"التَّمَكُّنِ. الْمُعْتَزِلَةُ: لَوْ صَحَّ، لَمْ يَكُنِ الإمْكَانُ شَرْطًا فِيهِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الإمْكَانَ الْمَشْرُوطَ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَتَأَتَى فِعْلُهُ عَادَةً عِنْدَ وَقْتِهِ وَاسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِهِ، وَالإمْكَانُ الَّذِي هُوَ شَرْطُ الْوُقُوعِ مَحَلُّ النِّزَاعِ، وَبِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَلَّا يَصِحَّ مَعَ جَهْلِ الآمِرِ.\nقَالُوا: لَوْ صَحَّ، لَصَحَّ مَعَ عِلْمِ الْمَأْمُور. وَأُجِيبَ بِانْتِفَاءِ فَائِدَةِ .......\n<hr><s0>\n\nواستدلّ \"المعتزلة\" بأنه \"لو صح لم يكن الإمكان شرطًا فيه\"، أي: في الفعل - لكنه شرط كما تقدم في مسألة التكليف بما لا يُطَاقُ.\n\"وأجيب بأن الإمكان المشروط\" في صحَّة التكليف، هو \"أن يكون\" المكلف به \"مما يتأتى فعله عادة عند\" حُضُور \"وَقْتِهِ، وَاسْتِجْمَاع شرائطه، والإمكان الذي هو شرط الوقوع\" غيره، وهو النزاع، فإن عنيت بقولك: لم يكن الإمكان شرطًا - الأول، منعناه، فإن عدم الشرط لا ينافيه.\nوالثاني التزمناه؛ لأنه \"محل النزاع\".\nوأيضًا \"يلزم ألَّا يصحّ مع جهل الآمر\" تعيّن ما ذكرت، لكنه مجمع عليه كما تقدم.\nالشرح: \"قالوا: لو صَحَّ لصح مع علم المأمور\" بعدم وجود الشَّرط أيضًا، والجامع كونه غير متصور الحصول منه.\n\"وأجيب\" بالفرق \"بانْتِفَاء فائدة التكليف\" هنا، بخلاف الأول، \"وهذا\" يعني الذي لا يعلم عدم (^١) وجود الشَّرْط \"يطيع ويعصي بالعَزْمِ\" على الطَّاعة، \"والبِشْرِ\" بها \"والكراهة\" لها، بخلاف العالم بانتفاء الشرط، وهذا على تقدير تسليم انْتِفَاء اللَّازم.\nولقائل أن يقول: لم قلتم: إنه لا يصحّ مع علم المأمور بانتفاء الشرط، بل نقول: إنه يصح، ولذلك أن مَنْ عَلِمَتْ أنها تحيضُ في أثناء النهار يجب عليها افتتاح اليوم بالصوم.\nويقرب منه - وهو على عكسه - من نَذَرَ الصيام يوم قُدُوم زيد، وتبيّن له أنه يقدم غدًا فَنَوى الصوم من الليل أجزأه عن نَذْرِهِ على الصحيح، ولم يقولوا: إنه يجب عليه، بل اختلفوا في الإجزاء كما رأيت - ونظير عدم الوجوب فيه الوجوب في الحَائِضِ.\nولا يعكّر على هذا أن الصحيح فيمن نَذَرَ الصِّيَام يوم يقدم زيد أنه يلزمه الصَّوم من أول اليوم، ويقال: كما تبين بقُدُومِ زيد في أثناء النَّهار وجوب اليوم من أوله، كذلك بطريان الحَيْضِ\n_________\n(^١) سقط في - أ، ت، ح.","vol":"2","page":74},{"text":"التَّكْلِيفِ وَهذَا يُطِيعُ وَيَعْصِي بِالْعَزْمِ وَالْبِشْرِ وَالمكَرَاهَةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-445>الأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ</span>\nالْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ: الْكِتَاب، وَالسُّنَّة، وَالإِجْمَاع، وَالْقِيَاس، ............\n<hr><s0>\n\nتحريمه من أوله، لأنا نقول: هذا التَّبيين إنما هو بعد ظهور المقتضى في مسألة النذر، والمانع في مسألة الحَيْضِ، وقبل: ظهورهما لا أثر لهما، سواء تحقق أنهما يظهران أم لا، فقد تبيّن تحقُّق التكليف علمًا، وإن أمكن الاحترام قبل ذلك، ثم إذا ورد العَجْز أو الموت أو النَّسْخ لم [يتبين أنه لم] (^١) يكن مأمورًا، بل نقول: انقطع التكليف.\nوعلى هذا تسبب قولنا: من أفسد صومه بجماع (^٢)، ثم أَنْشأَ سفرًا طويلًا في يومه، لا تسقط عنه الكفارة على المَذْهب، وكذا لو مرض على أصح القولين.\nوالصحيح في طَرَيَانِ الجُنُون والموت والحَيْضِ: السقوط؛ لمأخذ فِقْهِيٍّ لا يتعلّق بما نحن فيه.\nالشرح: \"الأدلة الشرعية: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، والقِيَاس، والاسْتِدْلالُ\" (^٣)؛ لأن الدليل: إما وَحْي (^٤) أو غيره، والوَحْي: إما مَتلُو وهو .....................\n_________\n(^١) سقط في ح.\n(^٢) في ح: بجامع.\n(^٣) قد ذكر في صدر الكتاب أن هذا المختصر ينحصر في المبادئ والأدلة السمعية والاجتهاد والترجيح ولما فرغ من المبادئ شرع في الأدلة الشرعية، وقدمها على الاجتهاد والترجيح؛ لأنه ما لم يعرف الأدلة وأقسامها وأحكامها لم يتمكن من معرفة كيفية استثمارها، ولا معرفة ترجيح بعضها على بعض. قاله الأصفهاني في شرح المختصر. وينظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٤٧.\n(^٤) للوحي معنى في اللغة؛ ومعنى في الاصطلاح؛ أما في اللغة .. فإليك ما قاله العلماء في هذا: قال في \"الأساس\": \"أوحى إليه؛ وأومى إليه بمعنى. ووحيت إليه؛ وأوحيت: إذا كلمته بما تخفيه عن غيره. وأوحى الله إلى أنبيائه؛ \"وأوحى ربك إلى النحل\".\nوفي \"القاموس المحيط\": \"الوحي: الإشارة والكتابة؛ والمكتوب \"والرسالة؛ والإلهام\" والكلام الخفي؛ وكل ما ألقيته لغيرك\".\nوقال الراغب: \"أصل الوحي: الإشارة السريعة؛ ولتضمن السرعة قيل: أمر وحي. يعني: سريع.\nوذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعويض؛ وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب؛ وبإشارة بعض الجوارح وبالكتابة؛ وقد حمل على ذلك قوله تعالى عن زكريا ﵇: ﴿فَخَرَجَ عَلَى =","vol":"2","page":75},{"text":"وَالاِسْتِدْلال، وَهِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى الْكَلامِ النَّفْسِيِّ، وَهِيَ نِسْبَةٌ بَيْنَ مُفْرَدَيْنِ، قَائِمَةٌ بِالْمُتَكَلِّمِ،\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ أي أشار إليهم ولم يتكلم. ومنه: الإلهام الغريزي؛ كالوحي إلى النحل قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾؛ وإلهام الخواطر بما يلقيه الله في روع الإنسان السليم الفطرة؛ الطاهر الروح؛ كالوحي إلى \"أم موسى\"؛ ومنه ضده؛ وهو وسوسة الشيطان قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. فالخلاصة في معنى الوحي اللغوي: أنه الإعلام الخفي السريع؛ وهو أعم من أن يكون بإشارة أو كتابة أو رسالة؛ أو إلهام غريزي؛ أو غير غريزي، وهو بهذا المعنى لا يختص بالأنبياء؛ ولا بكونه من عند الله سبحانه.\nوأما في الشرع: فيطلق ويراد به: المعنى المصدري، ويطلق ويراد به: المعنى الحاصل بالمصدر، ويطلق ويراد به: الموحى به.\nويعرف من الجهة الأولى: بأنه \"إعلام الله أنبياءه بما يريد أن يبلغه إليهم من شرع أو كتاب بواسطة أو غير واسطة\" فهو أخص من المعنى اللغوي؛ لخصوص مصدره ومورده. فقد خص المصدر بالله سبحانه؛ وخص المورد بالأنبياء.\nويعرف من الجهة الثانية: بأنه عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من عند الله؛ سواء كان الوحي بواسطة أم بغير واسطة.\nويعرف من الجهة الثالثة: بأنه ما أنزله الله على أنبيائه؛ وعرفهم به من أنباء الغيب والشرائع والحكم، ومنهم من أعطاه كتابًا، ومنهم من لم يعطه. ينقسم الوحي باعتبار معناه المصدري إلى:\n١ - تكليم الله نبيه بما يريد من وراء حجاب؛ إما في اليقظة: وذلك مثل ما حدث لموسى ﵇ قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾؛ ومثل ما حدث لنبينا \"محمد\" - صلوات الله وسلامه عليه - ليلة الإسراء والمعراج. ولأهل السنة قولان في الكلام المسموع، فقيل: هو الكلام النفسي القديم المجرد عن الحروف والأصوات، وقيل: هو كلام لفظي يخلقه الله، بحيث يعلم سامعه: أنه موجه إليه من قبل الله، والقائلون بهذا لا ينكرون صفة \"الكلام\" لله سبحانه، وهذا فرق ما بينهم وبين المعتزلة الذين لا يقولون بصفة الكلام. أما الثاني، فواضح، وأما الأول فلا استحالة فيه؛ لأن الثابت أن النبي قد خص بمزايا وخصائص لم توجد في غيره من أفراد نوعه، وأن نفسه بأصل فطرتها مستعدة لما لم تستعد له نفوس غيره، فلا مانع إذًا أن يسمع الكلام النفسي بطريقة غير مألوفة، ولا معروفة لنا، ويكون ذلك من خوارق النواميس العادية المعروفة لنا. وأما في المنام: كما في حديث \"معاذ\" مرفوعًا: \"أتاني ربي، فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟. \" الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده، والترمذي في سننه وقال: حسن صحيح. =","vol":"2","page":76},{"text":"وَالْعِلْمُ بِالنِّسْبَةِ ضَرُورِيٌّ، وَلَوْ لَمْ تَقُمْ بِهِ، لَكَانَتِ النِّسْبَةَ الْخَارِجِيَّةَ؛ إِذ لا غَيْرَهُمَا،\n<hr><s0>\n\nالقرآن (^١)، أو لا وهو السُّنة، وغيره إن كانْ قَوْلَ كل الأمة: فالإجماع، وإن كان مُشَاركة فَرْع\n_________\n= ٢ - الإلهام أو القذف في القلب: بأن يلقى الله أو الملك الموكل بالوحي في قلب نبيه ما يريد، مع تيقنه: أن ما ألقى إليه من قبل الله تعالى، وذلك مثل ما ورد في حديث: \"إن روح القدس نفث في روعي: لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب\". رواه الحاكم وصححه عن ابن مسعود.\n٣ - الرؤيا في المنام: ورؤيا الأنبياء وحي؛ وذلك مثل: رؤية إبراهيم الخليل ﵊ أن يذبح ابنه، ورؤية نبينا محمد - صلوات الله وسلامه عليه - في منامه. أنهم سيدخلون البلد الحرام، وقد كان. وفي الحديث الصحيح، الذي رواه البخاري: \"أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح .. \".\n٤ - تعليم الله أنبياءه بوساطة ملك، والمختص بذلك من ملائكة الله هو أمين الوحي \"جبريل\" ﵇، وهذا القسم يعرف بـ \"الوحي الجلي\". وقد بين الله - سبحانه - هذه الأقسام بقوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ إذ المراد بالوحي في الآية: الإلهام أو المنام؛ لمقابلته للقسمين الآخرين: التكليم من وراء حجاب أو بواسطة رسول. والوحي الذي بواسطة جبريل له حالات ثلاث:\n(أ) أن يأتي جبريل في صورته التي خلقه الله عليها، وهذه الحالة نادرة، وقليلة، وقد ورد عن السيدة عائشة: \"أن النبي لم ير \"جبريل\" على هذه الحالة إلا مرتين: مرة في الأرض، وهو نازل من غار \"حراء\"، ومرة أخرى في السماء، عند \"سدرة المنتهى\" ليلة المعراج\". رواه أحمد.\n(ب) أن يأتي جبريل في صورة رجل كدحية الكلبي، أو أعرابي مثلًا، ويراه الحاضرون ويسمعون قوله، ولا يعرفون هويته، ولكن النبي يعلم علم اليقين أنه جبريل، وذلك كما في حديث جبريل الطويل في الصحيحين وحديث أم سلمة، ورؤيتها رجلًا على صورة دحية الكلبي، فظنته هو، حتى بين النبي لها أنه جبريل.\n(ج) أن يأتي على صورته الملكية، وفي هذه الحالة لا يرى، ولكن يصحب مجيئه صوت كصلصلة الجرس، أو دويٍّ كدوي النحل، وقد دل على هاتين الحالتين حديث سؤال\" الحارث بن هشام\" النبيّ ﷺ عن كيفية مجيء الوحي إليه؟ وهو في صحيح البخاري كما تقدم. والوحي بجميع أنواعه يصحبه علم يقيني ضروري من الموحى إليه بأن ما ألقى إليه حق من عند الله ليس من خطرات النفس ولا نزعات الشيطان، وهذا العلم اليقيني لا يحتاج إلى مقدمات، وإنما هو من قبيل إدراك الأمور الوجدانية، كالجوع والعطش والحب والبغض. والله أعلم.\n(^١) لفظ \"قرآن\" قد اختلف فيه العلماء من جهة الاشتقاق أو عدمه، ومن جهة كونه مهموزًا أو غير =","vol":"2","page":77},{"text":"وَالْخَارِجِيَّةُ لا يَتَوَقَّفُ حُصُولُهَا عَلَى تَعَقَّلِ الْمُفْرَدَيْنِ وَهذِهِ مُتَوَقِّفَةٌ.\n<hr><s0>\n\nلأصل في عِلَّة الحكم، فالقياس، وإلا فالاستدلالُ.\n_________\n= مهموز، ومن جهة كونه مصدرًا أو وصفًا على أقوال نجملها فيما يأتي: أما القائلون: بأنه \"مهموز\" فقد اختلفوا على رأيين:\nالأول: قال جماعة منهم اللحياني: القرآن: مصدر \"قرأ\" بمعنى: تلا، كالرجحان والغفران، ثم نقل من هذا المعنى المصدري، وجعل اسمًا للكلام المنزل على نبينا محمد ﷺ، من باب \"تسمية المفعول بالمصدر\"، ويشهد لهذا الرأي ورود القرآن مصدرًا بمعنى: القراءة في الكتاب الكريم، قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أي قراءته. وقول حسان، بن ثابت يرثي ذا النورين عثمان ﵁: [البسيط]\nضَحُّوا بِأَشْمَطَ عُنْوَانُ السُّجُودِ بِهِ … يُقطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وَقُرآنًا\nأي قراءة.\nالثاني: قال جماعة منهم الزجاج: إنه وصف على فعلان مشتق من \"القرء\" بمعنى الجمع، يقال في اللغة: \"قرأت الماء في الحوض، أي جمعته، ثم سمي به: الكلام المنزل على النبيّ ﷺ لجمع السور والآيات فيه، أو القصص والأوامر والنواهي، أو لجمعه ثمرات الكتب السابقة. وهو على هذين الرأيين مهموز، فإذا تركت الهمزة، فذلك للتخفيف، ونقل حركتها إلى الساكن قبلها، والألف واللام فيه ليست للتعريف، وإنما للمح الأصل. والقائلون بأنه غير مهموز اختلفوا في أصل اشتقاقه:\n١ - فقال قوم منهم الأشعري: هو مشتق من \"قرنت الشيء بالشيء، إذا ضممت أحدهما إلى الآخر، وسمى به \"القرآن\" لقران السور والآيات والحروف فيه.\n٢ - وقال الفراء: هو مشتق من \"القرائن\" لأن الآيات منه يصدق بعضها بعضًا، ويشابه بعضها بعضًا، وهي قرائن. أي أشباه ونظائر. وعلى هذين القولين: فنونه أصلية، بخلافه على القولين الأولين، فنونه زائدة. رأي خامس مقابل للأقوال السابقة. وهو أنه اسم علم غير منقول، وضع من أول الأمر علمًا على الكلام المنزل على محمد ﷺ وهو غير مهموز. وهذا القول مروي عن الإمام الشافعي، أخرج البيهقي والخطيب وغيرهما عنه. أنه كان يهمز قراءة، ولا يهمز \" القرآن\"، ويقول، \"القران\" اسم وليس بمهموز ولم يؤخذ من قراءة، ولكنه اسم لكتاب الله مثل التوراة والإنجيل. وبالتخفيف فرأ ابن كثير وحده؛ أما بقية السبعة فقرأوا بالهمزة، وأرجح الآراء وأخلقها بالقبول \"الأول\" ويليه الرأي الثاني.\nومما يقوي مذهب القائلين بالهمز. أنهم خرجوا التخفيف تخريجًا علميًا صحيحًا، ولا أدري ماذا يقول القائلون بالرأي الأخير في توجيه قراءة لفظ \"القرآن\" بالهمز، مع أن عليها معظم القراء السبعة، كما ذكرنا آنفًا؟!. ويرى بعضهم أن \"قرآن\" مأخوذ من \"قرأ\" بمعنى \"تلا\" وهذا الفعل أصله في اللغة=","vol":"2","page":78},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"وهي\" - أي: الأدلة غير الكتاب - \"راجعة إلى الكلام النَّفسي\"، وإلا لم يكن حُجَّة.\nقال علماؤنا: وقد اشتمل الكتاب على جميع الأحكام؛ لقوله - تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة النحل: الآية ٨٩]، وقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٣٨].\nوقال الشَّافعي ﵁: \"وليست تنزل بأحد في الدِّين نَازِلَةٌ إلَّا في كتاب الله الدليل على سبيل الهُدَى فيها\".\nفإن قيل: في الأحكام ما ثبت ابتداء بالسُّنَّةِ.\nفلنا: ذلك مأخوذ من كتاب الله - تعالى - في الحقيقة؛ لأن كتاب الله أوجب علينا اتّباع الرسول ﵊، وفرض علينا الأخذ بقوله.\nقال الشَّافعي ﵁: [فمن قبل عن رسول الله ﷺ فعن الله - تعالى - قَبِل] (^١).\n_________\n= الآرامية، ثم دخل العربية قبل الإسلام بزمن طويل، ولو صح هذا، فلا ضير فيه؛ لأن هذه الكلمة وأمثالها - وإن كانت في الأصل أعجمية - فقد صارت بعد التعريب عربية بالاستعمال، وبإخضاعها لأصول العرب في نطقهم ولغتهم، واندمجت فيها حتى صارت جزءًا منها، فنزل القرآن بها، وهي على هذا الحال. والقرآن عند الأصوليين، والفقهاء، وأهل العربية هو كلام الله المنزل على نبيه محمد ﷺ المعجز بلفظه، المتعبد بتلاوته، المنقول بالواتر، المكتوب في المصاحف، من أول سورة \"الفاتحة\" إلى آخر سورة \"الناس\". وذهب المحققون من الأصوليين، والفقهاء، وأهل العربية: إلى أن لفظ القرآن\" علم شخصي\" مدلوله: الكلام المنزل على النبي ﷺ من أول سورة \"الفاتحة\" إلى آخر سورة \"الناس\" وعلميته: باعتبار وضعه للنظم المخصوص، الذي يختلف باختلاف المتلفظين، ولا عبرة بتعدد القارئين والمحال.\nوعلى هذا فما ذكره \"الأصوليون\" وغيرهم من تعاريف للقرآن، ليس تعريفًا حقيقيًا؛ لأن التعريف الحقيقي لا يكون إلا للأمور الكلية، وإنما أرادوا بتعريفه: تمييزه عما عداه مما لا يسمى باسمه، كالتوراة والإنجيل، والأحاديث القدسية، وما نسخت تلاوته.\nويرى بعض العلماء: أن لفظ القرآن موضوع للقدر المشترك بين الكل وأجزائه، فمسماه: كلي. كالمشترك المعنوي. ويرى فريق ثالث أنه مشترك لفظي بين الكل وبين أجزائه، فهو موضوع لكل منهما بوضع. والحق: أنه علم شخصي، مشترك لفظي بين الكل وأجزائه، فيقال لمن قرأ اللفظ المنزل كله: قرأ قرآنًا. ويقال لمن قرأ بعضه: قرأ قرآنًا. وهو ما يفهم من كلام الفقهاء حينما قالوا: \"يحرم على الجنب قراءة القرآن\" فإنهم يقصدون: قراءة كله أو بعضه على السواء.\n(^١) في هامش ح: لعل العبارة فممن نقل عن النبي فعن الله نقل.","vol":"2","page":79},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفإن قيل: هيأت القبوض في [البياعَاتِ] (^١)، وكيفية الإحراز في السرقة، وغالب النقود في المُعَاملات ليس لها أصل في الكتاب ولا في السُّنَّةِ.\nقلنا: قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٩٩].\nوالعرف: ما يعرفه الناس، ويتعارفونه فيما بينهم معاملة، فصار ما ذكرتم معتبرًا بالكتاب.\nوروي أن الشافعي كان بـ \"مكة\" يقول: سلوني عما شئتم أخبركم عنه من كتاب الله، فقيل له: ما تقول في المحرم يقتل الزنبور (^٢)، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم. قال الله - تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [سورة الحشر: الآية ٧].\n[وحدثنا] (^٣) سفيان بن عُيَيْنَة (^٤) عن عبد الملك بن .......................\n_________\n(^١) في أ: التبعات.\n(^٢) الزنبور: الدبر، وهي تؤنث، والزنابير لغة فيها، وربما سميت النحلة زنبورًا، والجمع الزنابير قال ابن خالويه في كتاب ليس: \"ليس أحد سمعته يذكر كنية الزنبور إلا أبا عمر والزاهد، فإنه قال: كنيته أبو عليّ، وهو صنفان جبليّ وسهلي، فالجبلي يأوي الجبال، ويعشش في الشجر ولونه إلى السواد وبدء خلقه دود ثم يصير كذلك ويتخذ بيوتًا من تراب كبيوت النحل، ويجعل لبيته أربعة أبواب لمهاب الرياح الأربع، وله حمة يلسع بها، وغذاؤه من الثمار والأزهار ويتميز ذكورها من إناثها بكبر الجثة، والسهليّ لونه أحمر، ويتخذ عشه تحت الأرض ويخرج منه التراب كما يفعل النمل ويختفي في الشتاء؛ لأنه متى ظهر فيه هلك، فهو ينام من البرد طول الشتاء كالميتة ولا يدّخر القوت للشتاء بخلاف النمل، فإذا جاء الربيع وقد صارت الزنابير من البرد وعدم القوت كالخشب اليابس نفخ الله تعالى في تلك الجثت الحياة فتعيش مثل العام الأول، وذلك دأبها، ومن هذا النوع صنف مختلف اللون مستطيل الجسد في طبعه الحرص والشره يطلب المطابخ ويأكل ما فيها من اللحوم، ويطير منفردًا، ويسكن بطن الأرض والجدران. حياة الحيوان للدميري ٢/ ١٠ - ١١.\n(^٣) في أ، ح: حديث.\n(^٤) سفيان بن عيينة بن أبي عمر بن الهلالي مولاهم أبو محمد الأعور الكوفي، أحد أئمة الإسلام. روى عن عمرو بن دينار والزُّهري، وزيد بن أسلم وغيرهم، كان حديثه نحو سبعة آلاف. قال ابن وهب: ما رأيت أعلم بكتاب الله من ابن عيينة. وقال الشافعي: لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز، ولد سنة ١٠٧ هـ وتوفي سنة ١٩٨ هـ. ينظر: الخلاصة ١/ ٣٩٧ (٢٥٩٠) الحلية ٧/ ٢٧٠ - ٣١٨، والمعارف ص ٥٠٦ - ٥٠٧، والوفيات ٢/ ٣٩١ - ٣٩٣.","vol":"2","page":80},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nعُمَيرة (^١) عن ربعي بن خِرَاش (^٢) عن حذيفة بن اليَمَانِ (^٣) عن النبي ﷺ أنه قال: \"اقْتَدُوا بِالَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي \"أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ\" (^٤).\nوحدثنا سفيان بن عُيَيْنة عن مسعر بن كدام (^٥) عن قيس بن ..............\n_________\n(^١) في ح: عمرة.\n(^٢) رِبعي بن حرَاش العَبْسِيُّ أبو مريم الكوفي عن: عمر وعلي وأبي مسعود عقبة وأبي ذر وأبي موسى.\nوعنه: منصور وعبد الملك بن عمير وأبو مالك الأشجعي ونعيم بن أبي هند.\nقال العجلي: من خيار الناس؛ لم يكذب كذبة قط. قال أبو عبيد: مات سنة مائة، وقال ابن معين: سنة أربع. ينظر: تهذيب الكمال ١/ ٤٠١، وتهذيب التهذيب ٣/ ٢٣٦، خلاصة تهذيب الكمال ١/ ٣١٧، والكاشف ١/ ٣٠٢، والجرح والتعديل ٣/ ٢٣٠٧، والبداية والنهاية ٩/ ٢٢٠.\n(^٣) حذيفة بن اليمان واسمه حُسَيْل مصغر العَبْسي أبو عبد الله الكوفي حليف بني عبد الأشهل، صحابي جليل من السابقين. أعلمه رسول الله ﷺ بما كان وما يكون إلى يوم القيامة من الفتن والحوادث، روى عنه أبو الطفيل والأسود بن يزيد وزيد بن وهب وربعي بن حِرَاش. مات سنة ست وثلاثين.\nوقال عمرو بن علي: بعد قتل عثمان بأربعين ليلة. ينظر: الخلاصة ١/ ٢٠١، وتاريخ خليفة ١٨٢، والتاريخ الكبير ٣/ ٩٥، والجرح والتعديل ٣/ ٢٥٦، وسير أعلام النبلاء ٢/ ٣٦١.\n(^٤) من حديث حذيفة أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٣٩٩، والترمذي في السنن ٥/ ٦١٠ في كتاب المناقب (٥٠) باب في مناقب أبي بكر وعمر (١٦) حديث (٣٦٦٣)، وأخرجه ابن ماجه في السنن ٢/ ٣٧، المقدمة باب حذيفة في فضائل أصحاب رسول الله ﷺ (١١) الحديث (٩٧)، وأخرجه الحاكم في المستدرك ٣/ ٧٥ كتاب معرفة الصحابة؛ باب: أحاديث فضائل الشيخين وصححه ووافقه الذهبي واللفظ له، وأخرجه ابن حبان، ذكره الهيثمي في موارد الظمآن ص (٥٣٨ - ٥٣٩) كتاب المناقب (٣٦) باب: فيما اشترك فيه أبو بكر وعمر .. (٣) الحديث (٢١٩٣)، وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٢/ ٢/ ٩٨، والطبراني في المعجم الكبير ٩/ ٩٨، والخطيب في التاريخ ٤/ ٣٣٧، ٧/ ٤٠٣، ١٢/ ٢٠.\n(^٥) مسعَر بن كِدَام بن ظُهَيْر بن عُبيَدة بن الحارث هلال بن عامر بن صَعْصَعَة الهلالي الرُّوَّاسِي، أبو سلمة الكوفي أحد الأعلام. عن: عطاء وسعيد بن أبي بردة والحكم وخلق. وعنه: سليمان التيمي وابن إسحاق وشعبة والثوري. قال محمد بن بشر: كان عنده ألف حديث. وقال القطان: ما رأيت مثله، كان من أثبت الناس. وقال شعبة: كان يسمى (المُصْحف) لإتقانه.\nقال الفلاس: مات سنة ثلاث وخمسين ومائة. ينظر: تهذيب الكمال ٣/ ١٣٢١، وتهذيب التهذيب =","vol":"2","page":81},{"text":"مَبْحَثُ الْكِتَابِ\nالكِتَابُ: القُرْآن، وَهُوَ الْكَلامُ الْمُنَزَّلُ لِلإعْجَازِ بِسُورَةٍ مِنْه، ............\n<hr><s0>\n\nمسلم (^١) عن طارق بن شهاب (^٢) عن عمر بن الخَطَّاب أنه أمر بقتل المحرم الزُّنبور (^٣).\nوالكلام نفسه صفة لله - تعالى - \"وهي\" أي: صفة الكلام - \"نسبة بين مفردين قائمة بالمتكلّم\".\n\"والعلم بالنسبة\" - أي: تصور الكلام النَّفسي -، والعلم بكونه نسبة \"ضروري\".\nوأما أنها النسبة القائمة بالنَّفس؛ فلأنها \"لو لم تقم به لكانت النسبة الخارجية\"؛ لأنها نسبة، ولا مخرج لها عنهما، فإن الثابت ثابت إما في النفس، أو خارج النفس، فإذا انتفى أحدهما تعيَّن الآخر؛ \"إذ لا غيرهما\"، واللَّازم منتفٍ؛ إذ \"الخارجية لا يتوقف حصولها على تعلق (^٤) المفردين\"؛ لأن نسبة القياس إلى زيد إذا ثبت (^٥) في الخارج، ثبت سواء عقل زيد والقيام أم لا، \"وهذه\" النسبة \"موقوفة\" على تعقُّل المفردين، فلم تكن هي الخارجية.\nالشرح: \"الكتاب: القرآن - وهو: الكلام المُنَزّل؛ للإعجاز بسورة منه\" (^٦)، وقد خرج بِقَيْدِ\n_________\n= ١٠/ ١١٣ (٢٠٩)، والكاشف ٣/ ١٣٧، وتاريخ البخاري الكبير ٨/ ١٣، والجرح والتعديل ٨/ ١٦٨٥، وطبقات ابن سعد ٦/ ٤٠٠.\n(^١) قيس بن مسلم الجدلي أبو عمرو الكوفي. عن طارق بن شهاب والحسن بن محمد بن علي. وعنه: الأعمش ومسعر وشعبة؛ موثق. مات سنة عشرين ومائة. ينظر: تهذيب الكمال ٢/ ١١٣٨، وتهذيب التهذيب ٨/ ٤٠٣ (٧٢١)، وتقريب التهذيب ٢/ ١٣٠، والكاشف ٢/ ٤٠٦، وتاريخ البخاري الكبير ٧/ ١٥٤، والجرح والتعديل ٧/ ٥٨٨، والثقات ٥/ ٣٠٩، وتراجم الأحبار ٣/ ٢٧٤.\n(^٢) طارق بن شهاب الأحمسي؛ كوفي مخضرم، وله رؤية؛ قاله أبو داود. وعن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وأبي موسى. وعنه: قيس بن مسلم وعَلْقَمَة بن مَرْثَد. وثقه ابن معين. قال خليفة: مات سنة اثنتين وثمانين، وقال محمد بن نُمَيْر: سنة أربع. ينظر: تهذيب الكمال ٢/ ٦٢٢، وتهذيب التهذيب ٥/ ٣ (٥)، وتقريب التهذيب ١/ ٣٧٦ (٥)، والكاشف ٢/ ٤٠، والبداية والنهاية ٩/ ٥١، وتجريد أسماء الصحابة ١/ ٢٧٤، وسير الأعلام ٣/ ٤٨٦، وخلاصة التهذيب ٢/ ٨.\n(^٣) وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى من حديث سويد بن غفلة (٥/ ٢١١).\n(^٤) في ت، ح: تعقل.\n(^٥) في ب: ثبتت.\n(^٦) ينظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٤٧، وشرح العضد ٢/ ١٩، والمستصفى ١/ ١٠١، وجمع الجوامع بشرح المحلى ١/ ٢٩٤، وتيسير التحرير ٣/ ٨، وكشف الأسرار ١/ ٢٢، وإرشاد الفحول ص (٢٩)،=","vol":"2","page":82},{"text":"وَقَوْلُهُمْ: مَا نُقِلَ بَيْنَ دَفَّتَي المُصْحَفِ تَوَاتُرًا - حَدٌّ لِلشَّيْء بِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ؛ لأِنَ وُجُودَ الْمُصْحَفِ وَنَقْلَهُ فرْعُ تَصَوُّرِ القُرْآنِ.\n\nمَسْأَلةٌ:\nمَا نُقِلَ آحَادًا فَلَيْسَ بِقُرْآنٍ؛ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ العَادَةَ تَقْضِي بِالتَّوَاتُرِ فِي ............\n<hr><s0>\n\nالإعجاز ما أنزل لا للإعجاز، وقيد (^١) السورة مخرج بعض السورة والآية، فإن التحدي إنما وقع بالسورة؛ وهذا الحدُّ من صنيع المصنّف.\nوالآمدي عرَّفه بأنه القُرآن المُنَزّل.\nوقد أخذ هو والمصنف المنزل قيدًا في التعريف؛ لأن الحد للفظ فأراد إخراج النفساني بذلك.\nولقائل أن يقول: الألفاظ عَرَض، ولا تقبل حقيقة النزول، وإذا انتفت الحقيقة فيصح وصف النَّفْسَاني بالنزول مجازًا أيضًا؛ إذ لا نعني بنزوله إلا التعبير عنه في العالم السفلي \"وقولهم\" - في تعريف القرآن - \"ما نقل بين دَفَّتي المُصحف تواترًا\" لا يستقيم؛ إذ هو حد \"للشيء بما يتوقّف\" معرفته \"عليه؛ لأن وجود المُصْحف، ونقله فرع تصوّر القرآن\"، فلا يعرف القرآن بهما، وإلَّا يلزم الدَّور.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: لا بد من تواتر القرآن جملة وتفصيلًا، فكلّ \"ما نقل آحادًا، فليس بقرآن؛ للقطع بأن العادة تقضي بالتَّوَاتر في تفاصيل مثله\"؛ إذ هذا المعجز العظيم مما تتوفَّر (^٢) الدواعي على نقل جُمَلِهِ وتفاصيله.\n\"وقوة الشُّبهة في ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ منعت من التكفير (^٣) من الجانبين\": جانب الشافعية حيث يجعلونها آية من كُلّ سورة على الأصح عندهم، فيما عدا \"الفاتحة\" و\"براءة\"، فإنها\n_________\n= والبحر المحيط ١/ ٤٤١، والإبهاج ١/ ١٨٩، ونهاية السول ٢/ ٣، وأصول السرخسي ١/ ٢٧٩، والمغني للخبازي ص (١٨٥)، وفواتح الرحموت ٢/ ٧، ومختصر ابن اللحام ص (٧)، وروضة الناظر ص (٣٤).\n(^١) في ب: وصح.\n(^٢) في أ، ح: يتوفر.\n(^٣) في ب: التفكير.","vol":"2","page":83},{"text":"تَفَاصِيلِ مِثْلِهِ. وَقُوَّةُ الشُّبْهَةِ فِي ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَنَعَتْ مِنَ التَّكْفِيرِ مِنَ الجَانِبَيْنِ،\n<hr><s0>\n\nآية من \"الفاتحة\" بلا خلاف، وغير آية من \"براءة\" بلا خلاف، وجانب المالكية والقاضي أبو بكر، حيث زعموا أنها ليست من القرآن.\nوليس الخلاف [فيها] (^١) في قوله - تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة النمل: الآية ٣٠]، بل هي هناك من القرآن بإجماع المسلمين، فلا يكفر أحد من الفريقين ولا يفسّق.\nوهذا ما يتعلّق بالأصول، ثم دخل المصنّف في ما لا يعنيه، وألقى بنفسه في لُجَّة لا تنجيه فأخذ يتعصّب (^٢) لقومه، ويقيم على أن البَسْمَلَةَ ليست من القُرْآن دليلًا بزعمه فورَّط نفسه في عظيم، وفوت (^٣) نحوها سهام [راسفين] (^٤) يبلغون الصميم، فقال: \"والقطع أنها لم تَتَوَاتر في أول السّور قرآنًا فليست بقرآن فيها قطعًا كغيرها\"، - أي: كغير التَّسْمية؛ لما ذكر من أن ما نقل آحادًا، فليس بقرآن، \"وتواترت بعض آية في \"النَّمل\" فلا مخالف فيها\" في \"النمل\".\nولقائل أن يقول: لم قلت يا بن الحاجب: إنها لم تتواتر في أوائل السور، وقد تضمنتها مصاحف الصحابة (^٥) فمن بعدهم، وصحَّ عن أمِّ سَلَمَة (^٦) أن النبي ﷺ قرأ \"البسملة\" في أول \"الفاتحة\" وعدّها آية؟\nوعن ابن عَبَّاس ﵁ في قوله - تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [سورة الحجر: الآية ٨٧] قال: وهي فاتحة الكتاب.\nقال: فأين السَّابعة؛ قال: بسم الله الرحمن الرحيم. أخرجهما ابن خُزَيْمَةَ وغيره.\nوعن ابن عبَّاس قال: كان النبي (٣) ﷺ لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن\n_________\n(^١) سقط في أ، ت، ح.\n(^٢) في ت: لتعصب.\n(^٣) في أ، ب، ت، ح: فوق.\n(^٤) في أ، ح: واسعين، في ب: راسغين، وهو تحريف.\n(^٥) في أ، ح: للصحابة.\n(^٦) هند بنت أبي أميَّة بن المُغِيرة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم القرشية المخزومية: أم سلمة وأم المؤمنين. لها ثلاثمائة وثمانية وسبعون حديثًا. وعنها: نافع وابن المُسَيِّب وأبو عثمان النَّهْدِي وخلق. قال الواقدي: توفيت سنة تسع وخمسين. قال الذهبي: هي آخر أمهات المؤمنين وفاة. ينظر: الثقات ٣/ ٤٣٩، وأسد الغابة ٧/ ٢٨٩، وأعلام النساء ٥/ ٢٢١، والدر المنثورة ٥٣١، والكاشف ٣/ ٤٨٣، وتهذيب الكمال ٣/ ١٦٩٩، والخلاصة ٣/ ٣٩٤.","vol":"2","page":84},{"text":"وَالقَطْعُ أَنَّهَا لَمْ تَتَوَاتَرْ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ قُرْانًا، فَلَيْسَتْ بِقُرْآنٍ فِيهَا قَطعًا كَغَيْرِهَا، وَتَوَاتَرَتْ بَعْضُ آيَةٍ فِي \"النَّمْلِ\" فَلا مُخَالِفَ.\n<hr><s0>\n\nالرحيم (^١). رواه أبو دَاوُدَ والحاكم (^٢)، وصحَّحه وقال: على شرط الشَّيخين.\nوعن علي وأبي هريرة (^٣) وابن عباس وغيرهم: أن الفاتحة هي السبع المثاني (^٤)، وهي\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود ١/ ٢٦٩ في الصلاة، ياب: من جهر بها حديث - (٧٨٨)، والحميدي برقم (٥٢٨)، وأبو نعيم في تاريخ أصفهان ٢/ ٢٥٦، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٤٢، والطحاوي في مشكل الآثار ٢/ ٢٥٣، وذكره السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٦، وعزاه لأبي داود والبزار والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في المعرفة من حديث ابن عباس.\n(^٢) محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم، الضبي، الطهماني، الحافظ أبو عبد الله، الحاكم النيسابوري المعروف بابن البيع، صاحب المستدرك، وغيره من الكتب المشهورة، كان مولده سنة ٣٢١، ورحل في طب الحديث، وسمع الكثير على شيوخ يزيدون على ألفين، وتفقه على أبي علي بن أبي هريرة وأبي الوليد اليسابوري وأبي سهل الصعلوكي وغيرهم، أخذ عنه أبو بكر البيهقي، وصنف المصنفات الكثيرة. مات سنة ٤٠٥. انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١٩٣، ولسان الميزان ٥/ ٢٣٢.\n(^٣) أبو هريرة، اسمه: عبد الرحمن بن صخر الدوسي الحافظ، له خمسة آلاف وثلائمائة وأربعة وسبعون حديثًا؛ اتفقا على ثلاثمائة وخمسة وعشرين. وعنه: إبراهيم بن حنين، وأنس وبُسْر بن سعيد وسالم وابن المسيب وتمام ثمانمائة نفس ثقات. قال ابن سعد: كان يسبح كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة. قال الواقدي: مات سنة تسع وخمسين عن ثمان وسبعين سنة. ينظر: تهذيب الكمال ٢/ ٧٩٥، وتهذيب التهذيب ٦/ ١٩٩، وتهذيب تهذيب الكمال ٢/ ٣٩٧، والكاشف ٢/ ١٦٩، والجرح والتعديل ٥/ ٢٤٦، وطبقات ابن سعد ٤/ ٥٢، وأسد الغابة ٦/ ٣١٨، وديوان الإسلام ت (٢١٤٥)، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٣٩٧.\n(^٤) ذكره السيوطي في الدر ٤/ ١٠٤ وعزاه لابن جرير وابن المنذر والطبراني، وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في \"سننه\" وروى مرفوعًا من حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (٤٤٧٤) و(٥٠٠٦) ومن طريق آخر أخرجه الترمذي ٥/ ١٤٣ في كتاب فضائل القرآن، باب فضل فاتحة الكتاب حديث (٢٨٧٥) ومن حديث أبي سعيد بن المعلى أخرجه النسائي في المجتبي ٢/ ١٣٩ في الافتتاح، باب \"ولقد آتيناك سبعًا من المثاني\" وأحمد في المسند ٢/ ٣٥٧، ١٣٢، ٥/ ١١٤ والحاكم في المستدرك ٢/ ١٩١ وروى موقوفًا من كلام عمر بن الخطاب أخرجه ابن جرير وابن المنذر كما في الدر المنثور ٤/ ١٠٤. ومن كلام علي كما في المصدر السابق أخرجه الفريابي وسعيد بن منصور وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني وابن مردويه والبيهقي في \"شعب =","vol":"2","page":85},{"text":"قَوْلُهُمْ: مَكْتُوبَةٌ بِخَطِّ المُصْحَفِ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: \"سَرَقَ الشَّيْطَانُ مِنَ النَّاسِ آيَةً\" لا يُفِيدُ؛ لأِنَّ القَاطِعَ يُقَابِلُهُ.\n<hr><s0>\n\nسبع آيات و\"البسملة\" السابعة، وفي بعض الروايات عن أبى هريرة رفع ذلك إلى النبي ﷺ. رواه البيهقي (^١).\nوفي الدَّارقطني (^٢) عن أبي هريرة نحوه، والروايات كثيرة فلا نطيل.\nولا يظنّ الظَّانّ أنا ندَّعي تواتر ما ذكرناه الآن، فإنا نحن لم نثبت البسملة، إنما المثبت لها إمامنا الشافعي، فلعلَّها تواتر عنده، وربّ متواتر (^٣) عند قوم دون آخرين، وفي وقت دون آخر.\nوهذه طريقة جَدَلِيَّة ذكرناها في مقابلة دعوى ابن الحاجب القطع، وهي [تنهض] (^٤) بإفساد كلامه فَأَنى ينهض (^٥) القطع مع كونها مَسْطُورَةً في المصاحف ومع ما سطَّرناه من الروايات.\nومن العجب دعواه القَطْع بعد أن اعترف بأن الشُّبْهة موجودة من الجانبين، فإذا كان جانبه ذا شبْهة، فكيف يكون ذا دليل قاطع؟\n_________\n= الإيمان\" من طرق. ومن كلام عبد الله بن مسعود كما في المصدر السابق أخرجه ابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه.\n(^١) أحمد بن الحسين بن علي بن موسى، الإمام الحافظ الكبير، أبو بكر البيهقي، سمع الكثير ورحل وجمع وصنف، مولده سنة ٣٨٤، تفقه على ناصر العمري، وأخذ علم الحديث عن أبي عبد الله الحاكم، وكان كثير التحقيق والإنصاف، قال إمام الحرمين: ما من شافعي إلا وللشافعي عليه منة إلا البيهقي، فإن له على الشافعي منة لتصانيفه في نصرة مذهبه. ومن تصانيفه السنن الكبير، والسنن الصغير، ودلائل النبوة وغيرها. مات سنة ٤٥٨، ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٢٢٠، والأعلام ١/ ١١٣.\n(^٢) أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النعمان، البغدادي الدارقطني، الحافظ الكبير، ولد سنة ٣٠٦، تفقه بأبي سعيد الإصطخري، صنف المصنفات المفيدة، منها السنن والعلل وغيرهما، قال الحاكم: صار أوحد عصره في الحفظ والفهم والورع، وإمامًا في النحو، والقراءة، وأشهد أنه لم يخلق على أديم الأرض مثله. مات سنة ٣٨٥. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١٦١، وتاريخ بغداد ١٢/ ٣٤، ووفيات الأعيان ٢/ ٤٥٩.\n(^٣) في أ، ح: تواتر.\n(^٤) في أ: تنهض.\n(^٥) في أ، ح: تنتهض.","vol":"2","page":86},{"text":"قَوْلُهُمْ: لَا يُشْتَرَط التَّوَاتُرُ فِي المَحَلِّ بَعْدَ ثُبُوتِ مِثْلِهِ - ضعِيفٌ يَسْتَلْزِمُ جَوَازَ سُقُوطِ\n<hr><s0>\n\n[ثم] (^١) قال: \"قولهم: مكتوبة بخط المصحف، وقول ابن عباس: سرق الشَّيْطان من النَّاس آية\" يعني: البسملة (^٢) \"لا يفيد؛ لأن القاطع يقابله\"، ومراده أن هذين الدليلين ظنيَّان، ونحن نمنع (^٣) ذلك كما عرفت.\nونقول: وضعها في المَصَاحف بخطّ المصحف من جميع الأمة مع إيهام أنها من القرآن بذلك دليل قاطع، وبرهان ساطع على أنها من القُرْآن مع ما انضم إلى ذلك مِمَّا رويناه.\nولو سلَّمنا القَطْع بعدم التوَاتر فلم قال: لا يفيد الآحاد فيما نحن فيه وقد أشار لهذا بقوله: \"قولهم\": لا يشترط القطع بتَوَاتُرِهَا في أوائل السور بعد تواترها في \"النمل\"، بل يكتفي به؛ إذ \"لا يشترط التَّوَاتر في المَحَلّ بعد ثبوت مثله\".\nوهذا شيء ذكره الغَزَّالي - وهو الحَقّ عند الإنصاف - فهي من القرآن قطعًا.\nوأما كونها من أوائل السور أوآية مستقلة إلى غير ذلك من التفاصيل، فأمر اجتهادي.\nوذكر المصنّف أنه \"ضعيف\"، قال: لأنه \"يستلزم سقوط كثير من القرآن المكرر\"؛ لأنه يقال: يكتفي بأصله عن تَوَاتره في المحل.\nقال: وكذلك يستلزم \"جواز إثبات ما ليس بقرآن\"، مثل: \" ﴿وَيْلٌ\" يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [سورة المرسلات: الآية ١٥]، \" ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [سورة الرحمن: الآية ١٣]؛ لجواز أن يكون الثابت بالتواتر بعض المكررات، ويكون البعض الآخر ثابتًا بالآحاد بناء على عدم اشتراط التواتر في المحل بعد ثبوت مثله.\n\"لا يقال: يجوز\" سقوط ما ذكرتم بالنَّظَر إلى الأصل، \"ولكنه اتفق تواتر ذلك\" بخلاف التسيمة؛ \"لأنا نقول\": لو فرضنا أنه قطع \"النَّظر عن ذلك الأصل\" - وهو اتفاق تواتر المكرر - \"لم يقطع بانتفاء السقوط\"، ولا بانتفاء الإثبات أيضًا؛ لكون القَطْع بها مستفادًا من تواتر المكرر،\n_________\n(^١) سقط في ح.\n(^٢) أحرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٥٠ وقال الحافظ ابن حجر: رجاله ثقات، لكنه منقطع بن ذر بن عبد الله المرهبي وابن عباس؛ فإن بينهما سعيد بن جبير، ثم قال: أخرجه ابن خزيمة في كتابه في \"البسملة\" هكذا، وأخرجه من وجه أصح منه من طريق أيوب عن عكرمة عن ابن عباس بنحوه، وكذا ابن المنذر في \"الأوسط\" وأخرجه سعيد بن منصور من وجه ثالث عن ابن عباس.\n(^٣) في ب: فمنعه.","vol":"2","page":87},{"text":"كَثِيرٍ مِنَ القُرآنِ المُكَرَّرِ، وَجَوَازَ إِثْبَاتِ مَا لَيْسَ بِقُرْآنٍ مِنْهُ مِثْلُ ﴿وَيْلٌ﴾ [سورة المرسلات:\n<hr><s0>\n\n\"ونحن\" - مع قطع النظر عن ذلك الأَصْلِ - \"نقطع بأنه لا يجوز\" كلّ واحد من السّقوط والإثبات \"والدليل\" على اشْتِرَاطِ التَّواتر في القرآن \"نَاهِض\" على عدم السقوط والإثبات؛ \"ولأنه يلزم\" من قولكم: إن تواتر المكرر وقع اتفاقيًّا، وعدم اشتراط التَّوَاتر فيه \"جواز ذلك\" - أعني: السقوط، والإثبات \"في المستقبل\" - وهو باطك، فيصير التواتر آحادًا بموت المخبرين، أو غير ذلك.\nونقول إذ ذاك: بعض المجتهدين يردّه؛ لأن القرآن لا يثبت بالآحَادِ.\nهذا كلام ابن الحَاجِبِ، وهو في غاية السقوط؛ فإن ما ذكره ليس بلازم لوجوه: أحدها: أن المكرر ليس منه واحد وقع الاتِّفَاق على أنه بعينه من القرآن، فلو جاز السقوط فيه لكان إما معينًا في واحد، وهو ترجيح من غير مرجّح.\nوإمَّا الكُلّ وهو يستلزم سقوط بعض القرآن، وهذا بخلاف التَّسْمية، فإنها في \"النمل\" محققة، فجواز السقوط يتطرَّقُ إليها في غير \"النمل\".\nوالحاصل: أن البَسْمَلَةَ من القرآن قطعًا، ومن كل سورة ظنًّا، وما ذكره قوله - تعالى: ﴿فَوَيْلٌ﴾، ﴿فَبِأَيِّ﴾ لا يجيء فيه ذلك.\nوالثَّاني: أن ما ذكره من المكرر ليس تكريرًا إلَّا في اللَّفظ فقط، وكل واحد متعقّب (^١)؛ لأنه يختص بها، ومراد به معنى ليس هو الأول، بخلاف البَسْمَلَةِ في السورة فإنها للتبرك في الجميع.\nوالثالث: ما ذكره ابنُ الحَاجِبِ من وقوع التَّوَاتر اتفاقًا، وما دفعه به ضعيف.\nقوله: يلزم جواز ذلك في المُسْتقبل.\n[قلنا] (^٢): الجواز العَقْلِي ملتزم، وأما الشرعي، فمن تواتر عنده لا يتصور بغير الحال عنده لحصول العلم [له] (^٣).\nوأما من لم يتَّصل به التواتر، فلم قلتم: إنه لا يجتهد وهو لم يبلغْه إلا بخبر واحد، وقد قلتم: إن خبر الواحد لا يثبت به القرآن، ومع هذا فالأمة آمنة من وقوع ذلك لقوله - تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [سورة الحجر: الآية ٩].\n_________\n(^١) في ح: متعصب.\n(^٢) سقط في أ، ت، ح.\n(^٣) سقط في أ، ت، ح.","vol":"2","page":88},{"text":"الآية ١٩]، وَ﴿فَبِأَيِّ﴾ [سورة الرحمن: الآية ١٦]. لَا يُقَالُ: يَجُوزُ وَلكِنَّهُ اتَّفَقَ تَواتُرُ ذلِكَ؛ لأَنَّا\n<hr><s0>\n\nواعلم: أن ذكر هذه المسألة في الأصول - فضولٌ، وذهاب القاضي أبي بكر إلى أنها قطعية - ضعيف.\nوالإنصاف أنها ظنية، وإن كنا قد قدّمناه، فذلك على سبيل المُعَارضة والمقابلة، ولا يستراب في حكمنا بأنها من القُرْآن دون حكمنا على آية الكرسي ونحوها.\nوأما الاشتغالُ بأن الحق فيها ما هو فمن وظائف الفقيه، والذي ندين به رَبّ العالمين أن الحق في جانب الشَّافعي (^١).\nوقول القاضي أبي بكر: أَسْتخير الله، وأقطع بخطأ الشافعي معترض (^٢) بأنا نبادر إلى القول بتخطئة القاضي من غير تَوَقُّفٍ ولا تَلَعْثُمٍ؛ لأن الإقدام على ذلك خيرٌ مَحْضٌ، وعبادة بَتَّة لا يحتاج قبلها إلى الاستخارة.\nوما بالُ ابن البَاقِلَّاني - وإن كان أستاذ المتكلمين - ينادي بهذا المَقَال الذي لا يسلم لأبي حنيفة ومالك، وعصبة الحَقّ ساكتون.\nوقد وقع في \"شرح القطب الشِّيرازي\" أن القاضي قال: إن الخطأ فيها إن لم يبلغ إلى حَدّ التكفير، فلا أقل من التَّفْسِيقِ، وهذا مختلق على القاضي وإن ذكره الإمام فخر الدِّين في \"تفسيره\".\nمعاذ الله أن يقول ذلك، ولقد بحثت عن كلماته، ووقفت على كتابه \"الانْتِصَار لنقل القرآن\" - وهو من نَفَائس كتبه - فوجدته قد أشبع القول فيه، ولم يتعرض لفسق، وَسُبْحَان الله القاضي أجلُّ من ذلك.\nومن طالع كلامه وجده أشد الخَلْق تعظيمًا للشَّافعي، بل ما أعرفه يعظِّم أحدًا من الأئمة مثل تعظيمه للشَّافعي.\n_________\n(^١) هذا مذهب الشافعي ﵁، ويوافقه على كونها [البسملة] آية برأسها من أوائل السور من القراء: ابن كثير، وعاصم، والكسائي، ووافقهم حمزة على الفاتحة خاصة، والقرآن كله بعد ذلك عنده في حكم السورة الواحدة، ولذلك يصل بين السورتين، ويترك التسمية. ينظر الشيرازي ١٦٢ ب/ خ.\n(^٢) في أ، ت، ح: معارض.","vol":"2","page":89},{"text":"نَقُولُ: لَوْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنْ ذلِكَ الأَصْلِ، لَمْ يُقْطَعْ بِانْتِفَاءِ السُّقوطِ، وَنَحْنُ نَقْطعُ بِأَنَّهُ لَا يَجُوز، وَالدَّلِيلُ نَاهِضٌ؛ وَلأَنَّهُ يَلْزَمُ جَوَازُ ذلِكَ فِي المُسْتَقْبَلِ، وَهُوَ بَاطِلٌ.\n<hr><s0>\n\nوقد قال جَمَاعَةٌ: إنه كان شافعيَّ المذهب مع أن مَنْ ذاق مذاقًا من الشَّريعة يعلم أن التفسيق هُنَا لا وجه له في الجانبين، ولكن هؤلاء الذين شرحوا هذا المختصر بعيدون عن الشريعة عَارُونَ عن ثَبَاتِ (^١) الفقه.\nولقد أعجبُ لهم وكلهم شافعية يمرّون بأمثال هذه المسألة، [ولا] (^٢) يزيد أكثرهم فيها على حلّ لفظ الكتاب، وأقسم بالله يمينًا برَّة لو تذزعوا لباس (^٣) الفقه ما حملت أخفسهم السكوت عن هذه العظائم.\nوأحسن ما يُقال في الاعتراض على القاضي شيئان:\nأحدهما: ما عارضه حُجَّة الإسلام في كتاب: حقيقة القولين وغيره في مقابلة قوله: لو كانت من القرآن لبين ذلك النبي ﷺ إلى اخر ما ذكره مع الاحتياج إلى ذلك، فإن كونها مكتوبة بخطّ القرآن في كلّ سورة منزلة على النبي ﷺ مما يوهم أنها من القرآن، فيلزم بيان ذلك.\nلا يقال: كلّ ما هو من القرآن مُنْحصر يمكن بيانه، بخلاف ما ليس من القرآن فإنه غير منحصر، فلا يمكن بيان أنه ليس من القُرْآن؛ لأنَّا نقول أولًا: لم قلتم: إنه لا يجب بيان ما ليس من القرآن قولكم: غير منحصر.\nقلنا: نبيّنه على سبيل الإجمال بأن يقول: ما كان خارجًا عَن كيت وكيت، فهو غير قرآن.\nسلَّمنا أن ذلك لا يجب على الجملة، ولكن ما الذي لا يجب أن نبيّن أنه ليس بقرآن كل ما عداه، أو ما وقع فيه الشَّك الأول مسلم.\nوالثاني: وهو محل النزاع - ممنوع وهو منحصر قليل ممكن.\nوالثَّاني: أنا ندعو القاضي أبا بكر إلى المُبَاهَلَةِ، هل قطْعُه بأن البسملة ليست من القرآن، كقطعه بأن التعوّذ ليس من القرآن؟!، ونحن نُجلُ مقداره عن أن يدَّعي ذلك.\nوإن هو فاه بالحَقّ - وهو الظَّن به - وقال بالقَطْع فيهما متفاوت.\nنقول: فأنت ممن لا يرى التفاوت بين العلوم.\n_________\n(^١) في أ، ح: ثياب.\n(^٢) سقط في ت.\n(^٣) في أ، ب، ح: تدرعوا إلباس.","vol":"2","page":90},{"text":"<span data-type='title' id=toc-449>الْقِرَاءَاتُ</span>\n<span data-type='title' id=toc-450>مَسْأَلَةٌ:\nالْقِرَاءَاتُ السَّبْعُ مُتَوَاتِرَةٌ </span>فِيمَا لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْأَدَاءِ، كَالْمَدِّ، وَالإِمَالَةِ، وَتَخْفِيفِ الهَمْزِ، وَنَحْوِهَا.\n<hr><s0>\n\nوالتفاوت دليل الظن فما عندك غير ظَنّ غالب وأنت لا تجوِّز [القضاء به] (^١) فلم حكمت به؟\nلا يقال: فنحن ندعوكم أيضًا إلى المباهلة هل قَطَعتم بأنها من القرآن، كقطعكم بأن آية الكرسي من القرآن إلى آخر ما ذكرتموه؟ لأنا نقول: نحن عند الإنصاف لا نَدَّعي القَطْع فيها كما عرفت، ثم لو ادعينا القطع فما ندري ما رأي الشَّافعي ﵁ في العلوم هل تقبل التفاوت أم لا؟.\n«مسألة»\nالشرح: \"القِرَاءَات (^٢) السَّبْعُ مُتَوَاتِرَةٌ\" (^٣).\n_________\n(^١) في أ، ت، ح: العصابة.\n(^٢) القراءات جمع قراءة، وهي في اللغة مصدر سماعي لـ\"قرأ\". وفي الاصطلاح مذهب يذهب إليه إمام من أئمة القراء مخالفًا به غيره في النطق بالقرآن الكريم، مع اتفاق الروايات والطرق عنه، سواء أكانت هذه المخالفة في نطق الحروف أم في نطق هيئاتها، قال السيوطي عند كلامه على تقسيم الإسناد إلى عالٍ ونازل ما نصه: ومما يشبه هذا التقسيم الذي لأهل الحديث، تقسيم القراء أحوال الإسناد إلى قراءة ورواية وعريق ووجه. فالخلاف إن كان لأحد الأئمة السبعة أو العشرة أو نحوهم، واتفقت عليه الروايات والطرق عنه، فهو قراءة. وإن كان للراوي عنه، فرواية. أو لمن بعده فنازلا، فطريق. أو لا على هذه الصفة ما هو راجع إلى تخيير القارئ فيه، فوجه. اهـ.\nوفي \"منجد المقرئين\" لابن الجزري ما نصُّه: \"القراءة علم بكيفيات أداء كلمات القرآن واختلافها بعَزْو النَّاقِلة … والمُقْرئ: العالم بها رواها مشافهة، فلو حفظ التيسير مثلًا ليس له أن يُقرئ بما فيه إن لم يُشافهه من شُوفِهَ به مسلسلًا؛ لأن في القراءات أشياء لا تحكم إلا بالسماع والمشافهة. والقارئ المبتدئ من شرع في الإفراد إلى أن يفرد ثلاثًا من القراءات. والمنتهى مَنْ نقل من القراءات أكثرها وأشهرها.\n(^٣) هذه المسألة في بيان أن القراءات السبع متواترة، والمراد منها القراءات المنسوبة إلى القراء السبعة، وهم نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي بشرط صحة إسنادها =","vol":"2","page":91},{"text":"لَنَا: لَوْ لَمْ تَكُنْ لَكَانَ بَعْضُ الْقُرآنِ غَيْرَ مُتَوَاتِرٍ كـ\"مَلِكٍ\" وَ\"مَالِكٍ\" وَنَحْوِهِمَا،\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  إليهم، واستقامة وجهها في العربية، وموافقة لفظها خط المصحف المنسوب إلى صاحبها كـ\"مالك\" - بالألف - و\"ملك\" - بغير الألف - في مثالنا: المنسوب أولها إلى الكسائي وعاصم بإسناد صحيح مع كونه مكتوبًا بالألف في مصحفهما، واستقامة وجهه في العربية.\nوثانيهما: إلى نافع وابن كثير وأبي عمرو، وابن عامر، وحمزة بإسناد صحيح أيضًا، وكونه مكتوبًا بغير الألف في مصحفهم. واستقامة وجهه في العربية، والمراد مما هي من قبيل الأداء هي القرآن التى صحت روايتها. ووجهها في العربية مع موافقة لفظها خطوط المصاحف أجمع على معنى أن يكون لها صورة واحدة في جميع المصاحف، ومع عدم اختلافها معنى، وإن اختلفت في الحركات الإعرابية والبنائية، والإظهار، والإدغام، والروم، والإشمام، والتفخيم والترقيق، والفتح والإمالة والقصر والمد والهمز وتخفيفه إلى غير ذلك مما هو من قبيل المذكورات: قال صاحب الطيبة: [الرجز]\nوَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ النَّحْو … وَكَانَ لِلرَّسْمِ احْتِمَالًا يَحْوِي\nوَصَحَّ إِسْنَادًا هُوَ الْقُرْآنُ … فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الأَرْكَانُ\nوَحَيْثُمَا يَخْتَلُّ رُكْنٌ أَثْبِتِ … شُذُوذَهُ لَوْ أَنَّهُ فِي السَّبْعَةِ\nوأنت تعرف مما ذكرنا أن القراءات التي هي من قبيل الأداء هي في القراءات السبع؛ لانطباق حدها على ما نقلنا عنهم عليها، وليس كل ما هو في السبعة من قبيل الأداء كـ\"ملك\" و\"مالك\" فإنه من السبعة، وليس من قبيل الأداء، و\"الضحى\" بالفتح والإمالة من قبيل الأداء، وهو من السبعة، وكذا جميع نظائره، وكأنه إنما استثنى ما هو من قبيل الأداء، ولم يحكم عليه بالتواتر؛ لأن الحكم عليه به يتوقف على كونه بعض القرآن، وفيه بعد بخلاف الحكم على الكلمات بكونها بعضه؛ فإنها أبعاض بالضرورة، وهذا الفرق ضعيف، فإذن الأولى ما في النسخ المشهورة، والحكم على أن القراءات السبع مطلقًا كانت من قبيل الأداء أولًا متواترة؛ إذ كما أن الكلمات أبعاض القرآن كذلك الحركات والسكنات، وفيه نظر بعد.\nوالدليل على أن السبعة متواترة هو أنها لو لم تكن متواترة لكان بعض القرآن غير متواتر، والتالي باطل، فالمقدم مثله، أما الملازمة فلأن القراءات السبع أبعاض القرآن، وإلا لزم التخصيص من غير مخصص لو حكم ببعضية البعض دون الباقي، وهو تحكم باطل، وذلك لاستوائهما في صحة الإسناد، واستقامة وجهها في العربية، وموافقة لفظها خط المصحف المنسوب إلى صاحبها لا في كل شيء؛ لجواز أن يكون بعضها أولى فأحسن من البعض كما في مثالنا؛ فإن بعضهم ذهبوا إلى أن مالكًا أولى من \"ملك\"، وذلك لكونه أعم من حيث المعنى، ولذلك تصح إضافته إلى كل شيء =","vol":"2","page":92},{"text":"وَتَخْصِيصُ أَحَدِهِمَا تَحَكُّمٌ بَاطِلٌ؛ لاِسْتِوَائِهِمَا.\n<hr><s0>\n\nقال أبو شامة (^١): ولا يلتزم التَّوَاتر في جميع الألفاظ المختلف فيها بين القراء فَبَيَّنَ المصنف في كتب القراءات اختلافًا كثيرًا.\nوإنما التواتر فيما أجمعت (^٢) الطرق على نقله في السبعة، فذلك متواتر.\n_________\n= كقولهم: فلان مالك الدبنار والدرهم، ولا يقال: ملك الدينار والدرهم، ولتضمنه معنى الفعل وجريانه عليه، ولذلك يعمل عمله، ولوصفه تعالى نفسه به في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾، وبعضهم ذهبوا إلى أن \"ملكًا\" أولى من \"مالك\" لأن كل ملك مالك من غير العكس، ولمعاضة الإجماع على الضم في قوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ يعني يوم الدين إياه؛ لأن الملك إنما يكون للملك لا للمالك، ولأن الرب هو المالك، فإذا قال: رب العالمين، ثم قال: مالك يوم الدين صار كأنه تكرار بخلاف ما لو قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ لمخالفتها معنى، والإتيان بكلمتين مختلفتي المعنى أو بكلمتين لا تستلزم إحداهما الأخرى كالرب للمالك أبلغ في النظم، وأحسن في المدح. ولا يخفى أن التخصيص من غير مخصمى إنما يلزم من الحكم ببعضية \"ملك\" دون \"مالك\" أو بالعكس لو لم يجز ترجيح كون البعض قرآنًا دون البعض بكونه أولى وأحسن بل يتعين الترجيح بإحدى الثلاثة، وهي صحة الإسناد، واستقامة وجهها في العربية، وموافقة لفظها خط المصحف المنسوب إلي صاحبها.\nأما لو جاز الترجيح بغير هذه الثلاثة لم يلزم الترجيح من غير مرجح، وهو واضح غاية الوضوح. وأما بطلان التالي فظاهر؛ لأن كل ما هو قران متواتر على ما سبق. ينظر: الشيرازي ١٧٣ أ، ب/ خ، والبرهان للزركشي ١/ ٣١٨، الإتقان ١/ ٢٥٨، وشرح الكوكب المنير ٢/ ١٢٧، جمع الجوامع ١/ ٢٢٨، وتيسير التحرير ٣/ ١١، وفواتح الرحموت ٢/ ١٥، وشرح لب الأصول ص (٣٤) تقريب النشر ص (٣٤).\n(^١) عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان بن أبي بكر، شهاب الدين أبو القاسم المقدسي ثم الدمشقي، الفقيه، المقرئ، النحوي، المحدث، المعروف بأبي شامة، ولد سنة ٥٩٩، وأتقن فن القراءة على السخاوي، وأخذ عن الشيخين عز الدين بن عبد السلام، وابن الصلاح، وكان يقال: إنه بلغ رتبة الاجتهاد، قال الذهبي: وكتب الكثير من العلوم، وأتقن الفقه، ودرس وأفتى، وبرع في فن العربية .. \" ومن تصانيفه: شرح الشاطبية، وكاب الروضتين وهو مطبوع وغيرهما. مات سنة ٦٦٥.\nينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ١٣٣، والأعلام ٤/ ٧٠، وطبقات السبكي ٥/ ٦١.\n(^٢) في أ، ت، ح: اجتمعت.","vol":"2","page":93},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقال المصنف: \"فيما ليس من قبيل الأداء كالمَدّ (^١)، والإمالة (^٢)، وتخفيف الهمزة، ونحوه (^٣).\nلنا: لو لم تكن\" (^٤) السَّبع متواترة \"لَكَان بعض القرآن غير متواتر، كـ\"مالك\" (^٥)، و\"ملك، ونحوهما. وتخصيص أحدهما\" بالتَّوَاتر دون الآخر \"تحكم مَحْض؛ لاستوائهما\" في النقل، فلم يَبْق إلا القول بتواترهما، وهو المدعي.\n_________\n(^١) المد من اللغة: الزيادة، بقال: مد البحر مدًا: زاد، وفي اصطلاح القراء: إطالة الصوت بحرف مدى من حروف العلة. ينظر: المصباح المنير ٢/ ٥٦٦، النشر ١/ ٣١٣.\n(^٢) الإمالة في اللغة: الانحراف والعدول عن الشيء. وفي الاصطلاح: أن تنحو بالفتحة نحو الكسرة؛ وبالألف نحو الياء. ينظر: المصباح المنير ٢/ ٥٨٨، النشر ٢/ ٣٠، والبرهان للزركشي ١/ ٣٢٠.\n(^٣) ينظر: المختصر لابن اللحام ص (٧٢)، التحرير لابن الهمام ص (٣٠٠)، مسلم الثبوت ٢/ ١٥.\n(^٤) في أ، ت: يكن.\n(^٥) وقرئ: \"مالك\" بالألف قال الأخفش: يقال: ملك بين الملك بضم الميم، ومالك بين الملك بفتح الميم وكسرها، وروي ضمها أيضًا بهذا المعنى. وروي عن العرب: \"لي في هذا الوادي مَلْك ومُلْك ومِلْك\" مثلثة الفاء، ولكن المعروف الفرق بين الألفاظ الثلاثة، فالمفتوح الشد والربط، والمضموم هو القهر والتسلط على من يتأتى منه الطاعة، ويكون باستحقاق وغيره، والمكسور هو التسلط على من يتأتى منه الطاعة ومن لا يتأتى منه، ولا يكون إلا باستحقاق فيكون بين المكسور والمضموم عموم وخصوص من وجه. وقال الراغب: \"والمِلك - أي بالكسر - كالجنس للملك - أي: بالضم - فكل ملك - ملك، وليس كل ملك ملكًا\" فعلى هذا يكون بينهما عموم وخصوص مطلق، وبهذا يعرف الفرق بين ملك ومالك؛ فإن مَلِكًا مأخوذ من الملك - بالضم - ومَالكا مأخوذ من المِلْك - بالكسر -. وقيل: الفرق بينهما أن المَلِك اسم لكل من يملك السياسة: إما في نفسه بالتمكن من زمام قواه وصرفها عن هواها، وإما في نفسه وفي غيره، سواء تولى ذلك أم لم يتول.\nوقد رجح كل فريق إحدى القراءتين على الأخرى ترجيحًا يكاد يسقط القراءة الأخرى، وهذا غير مرضي؛ لأن كلتيهما متواترة، ويدل على ذلك ما روي عن ثعلب أنه قال: \"إذا اختلف الإعراب في القرآن عن السبعة لم أفضل إعرابًا على إعراب في القرآن، فإذا خرجت إلى الكلام كلام الناس فضلت الأقوى\". نقله أبو عمر الزاهد في \"اليواقيت\" وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: \"وقد أكثر المصنفون في القراءات والتفاسير من الترجيح بين هاتين القراءتين، حتى إن بعضهم يبالغ في ذلك إلى حد يكاد يسقط وجه القراءة الأخرى، وليس هذا بمحمود بعد ثبوت القراءتين وصحة اتصاف =","vol":"2","page":94},{"text":"<span data-type='title' id=toc-451>الْعَمَلُ بالشَّاذِّ</span>\n<span data-type='title' id=toc-452>مَسْأَلَةٌ:\nالْعَمَلُ بِالشَّاذِّ </span>غَيْرُ جَائِزٍ مِثلُ: \"فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابعَاتٍ\"، وَاحْتَجَّ بهِ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀.\n<hr><s0>\n\n«مسألة» (^١)\nالشرح: \"العمل بالشَّاذ\" من القراءات، وهو ما نقل آحادًا \"غير جائز، مثل\": ما نقله ابن مسعود في مُصْحفه: \"\"فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ\"\" (^٢)، \"وَالسَّارِقُونَ وَالسَّارِقَاتُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمْ\" (^٣).\n\"واحتج به أبو حنيفة ﵀ \" وأوجب التتابع في صوم كَفَّارة اليمين.\nوما ذكره المصنّف من أنه لا يجوز العمل بها، ولا تجري مجرى خبر الآحاد هو ما ذكره الإمامُ في \"البرهان\": أنه ظاهر مذهب الشَّافعي، وتبعه أبو نصر القشيري.\nولكن ذكر القُضَاة: أبو الطيب، والحسين، والرُّوياني. في \"التَّعليقتين\" و\"البحر\" والرافعي في \"الشرح\": أنها تنزل منزلة أخبار الآحاد.\n_________\n= الرب تعالى بهما، ثم قال: \"حتى إني أصلي بهذه في ركعة، وبهذه في ركعة\" ذكر ذلك عند قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. ينظر: الدر المصون للسمين الحلبي ١/ ٦٩.\nينظر: البرهان للزركشي ١/ ٣١٩، والإتقان للسيوطي ١/ ٢٧٣، وجمع الجوامع ١/ ٢٢٨ وشرح لب الأصول ص (٣٥)، وقد شدد النكير على ابن الحاجب العلامة ابن الجزري، فذكر أن المد بنوعيه الطبيعي والعرضي متواتران. ينظر: تقريب النشر ص (٣٦).\n(^١) ينظر: البرهان لإمام الحرمين ١/ ٦٦٦ (٦١٣)، والمنخول ص (٢٨١)، والمستصفى ١/ ١٠٢، وشرح الكوكب المنير ٢/ ١٤٠، والإحكام للآمدي ١/ ١٤٨، وروضة الناظر ١/ ١٨٠، ومنتهى السول والأمل ص (٤٥ - ٤٦)، أصول السرخسي ١/ ٢٨١، وفواتح الرحموت ٢/ ٧ - ٩، ١٦، وإرشاد الفحول ص (٢٩ - ٣٠).\n(^٢) قرأ بها أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وإبراهيم النخعي. ينظر: الكشاف ١/ ٦٧٣، والمحرر الوجيز ٢/ ٢٣٢، والبحر المحيط ٤/ ١٤.\n(^٣) قرأ عبد الله بن مسعود وابراهم النخعي: \"والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم\". ينظر: الكشاف ١/ ٦٣٢، والمحرر الوجيز ٢/ ١٨٨، والبحر المحيط ٣/ ٤٨٨، والدر المصون ٢/ ٥٢٣.","vol":"2","page":95},{"text":"لَنَا: لَيْسَ بِقُرْآنٍ وَلَا خَبَرٍ يَصِحُّ العَمَلُ بِهِ.\nقَالُوا: يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا فَيَجِبُ.\n<hr><s0>\n\nوبقراءة ابن مسعود احتج الأصحاب على قطع اليَمِينِ.\nوقال المَازِرِيّ (^١): إن أضافها القارئ إلى التنزيل، أو إلى سماع من النبي ﷺ، أجريت مجرى خبر الوَاحِدِ، وإلَّا فهي جارية مجرى التأويل.\nفإن قلت: فكيف لم توجبوا التتابع (^٢) لقراءة ابن مسعود؟\nقلت: لعلَّه لمعارضة ذلك بما قالته عائشة ﵂: نزلت: \"فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَتتَابِعَاتِ\" فسقطت متتابعات. أخرجه الدَّارقطني، وقال: إسناد صحيح (^٣).\nقال: \"لنا\" إن الحُجَّةَ منحصرةٌ في الكتاب والسُّنة والإجماع والقياس وغيرها (^٤) من الأدلَّة المعروفة.\nوهذا قال راويه (^٥): إنه قرآن وهو معترف بأنه ليس سُنَّة ولا إجماعًا ولا شيئًا يغاير القرآن، ثم لم يثبت مَقَالته، فنقول: \"ليس بقرآن\"؛ لأنه خبر واحد، \"ولا خبر يصحّ العمل به\"؛ لأن راويه معترفٌ بذلك.\nالشرح: \"قالوا\": - وهم الحنفية ومن ذكرناه من أصحابنا: إنه متردّدٌ بين أن يكون قرآنًا أو خبرًا، وحينئذ \"يتعيَّن أحدهما، فيجب\" العمل به.\n\"قلنا\": لم (^٦) قلتم بتعيين أحدهما، ولم لا \"يجوز أن يكون مذهبًا\" لناقله.\n\"وإن سلم\" لزوم أحد الأمرين \"بالخبر المقطوع بخطئه\"، فهذا الخبر \"لا يعمل به\"، وإنما قطعنا بخطئه؛ لأن ناقله نقله قرآنًا، \"ونقلَه قرآنًا خطأ\"؛ وإلا لتواتر.\nولقائل أن يقول: المقطوع بخطئه جعله من القُرْآن لا كونه خبرًا، والذي لا يصح العمل به هو ذلك لا لكونه خبرًا.\nوالذي يظهر لي أن الجواب واحد وهو الأول.\n_________\n(^١) في أ، ب، ت، ح: الماوردي.\n(^٢) في أ، ت، ح: السابع.\n(^٣) أخرجه الدارقطني في السنن (٢/ ١٩٢) في كتاب الصيام، باب: القبلة للصائم.\n(^٤) في أ، ت، ح: غيرهما.\n(^٥) في ح: رواية.\n(^٦) في ب: لو.","vol":"2","page":96},{"text":"قُلْنَا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبًا، وَإنْ سُلِّمَ فَالْخَبَرُ المَقْطُوعُ بِخَطَئِهِ لَا يُعْمَلُ بِهِ، وَنَقْلُهُ قُرْآنًا خَطَأٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-454>الْمُحْكَمُ والمُتَشَابِهُ</span>\nالْمُحْكَمُ: المُتَّضِحُ الْمَعْنَى، وَالْمُتَشَابِهُ: مُقَابِلُهُ؛ إِمَّا لاِشْتِرَاكٍ،\n<hr><s0>\n\nوتقريره: أن جعله من القرآن خطأ قطعًا، فلم يَبْقَ إلا كونه خبرًا أو مذهبًا، وإنما يعمل به إذا كان متحقق الخبرية، أما ما تردد الحال فيه بين أن يكون خبرًا أو لا فلا يعمل به، وعلى ذكر هذا اقتصر الغزالي في \"المستصفى\".\n\n\"فرع\"\nتصح الصَّلاة بالقراءات الشاذة إن لم يكن فيها تغيير معنى، ولا زيادة حرف ولا نقصانه، جزم به في \"الروضة\" (^١).\nوقال النَّووي في \"فتاويه\": لا تحلّ القراءة بها في الصَّلاة ولا في غيرها، فإن قرأ بها في الصلاة، وغيَّرت المعنى بطلت الصَّلاة إن كان عامدًا عالمًا.\nالشرح: \"المحكم: المتضح المعنى، والمتشابه مقابله\" (^٢)، وهو ما\n_________\n(^١) قال في شرح المهذب: قال أصحابنا وغيرهم: لا تجوز القراءة في الصلاة ولا في غيرها بالقراءة الشاذة لأنها ليست قرآنًا؛ لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وكل واحدة من السغ متواترة. هذا هو الصواب الذي لا يعدل عنه، ومن قال غيره فغالط أو جاهل. وأما الشاذة فليست متواترة، فلو خالف وقرأ بالشاذة أنكر عليه قراءتها في الصلاة أو غيرها. وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة من قرأ بالشواذ. ونقل الإمام الحافظ ابن عبد البر إجماع المسلمين على أنه لا تجوز القراءة بالشاذ، وأنه لا يصلى خلف من يقرأ بها. قال العلماء: فمن قرأ بالشاذ إن كان جاهلًا به أو بتحريمه عرف ذلك، فإن عاد إليه بعد ذلك أو كان عالمًا به عُزر تعزيرًا فظيعًا إلى أن ينتهى عن ذلك، ويجب على كل مكلف قادر على الإنكار أن ينكر عليه؛ فإن قرأ الفاتحة في الصلاة بالشاذ … وذكر عبارة الروضة. قال: وإذا قرأ بقراءة من السبع استحب أن يتم القراءة بها فلو قرأ بعض الآيات بها وبعضها بغيرها من السبع جاز بشرط ألا يكون ما قرأه بالثانية مرتبطًا بالأول. ينظر: روضة الطالبين ١/ ٣٤٨.\n(^٢) أحكم الشيء: أتقنه، يقال: بناء محكم؛ أي متقن. ولفظ محكم لا احتمال فيه. وأحكمت فلانًا: منعته. وآية محكمة: غير منسوخة. فهو اسم للشيء المتقن، مأخوذ من إحكام البناء. وعند علماء الأصول: المحكم هو اللفظ الذي لا يحتمل النسخ والتبديل كآيات الصفات. ينظر: الصحاح =","vol":"2","page":97},{"text":"أَوْ إِجْمَالٍ، أَوْ ظُهُورِ تَشْبِيهٍ، وَالظَّاهِرُ: الوَقْفُ عَلَى ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [سورة آل عمران:\n<hr><s0>\n\n[لم] (^١) يتَّضح معناه.\nوهذه العبارة ظاهرةٌ في أن الظَّاهر محكم، ويكون على هذا المحكم اسمًا شاملًا للنص وبالظاهر، وكذا ذكره جماعة.\nوقد اختلف المفسّرون في قوله - تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٧] اختلافًا كثيرًا.\nوالمنقول عن ابن عبَّاس ﵁ أن المحكم: الناسخ، والمتشابه: المنسوخ (^٢).\nوعن الشَّافعي - كما حكاه المَاوَرْدِيّ - في \"التفسير\" أن المحكم (^٣): ما لا يحتمل من التأويل إلَّا وجهًا واحدًا.\nوالمتشابه: ما احتمل أوجهًا، وهذا ما جرى عليه الأصوليون.\nوقيل: المحكم: ما لم تتكرر ألفاظه، ومقابله المُتَشَابه.\nوقيل: المُحْكم: الفرائض، والوعد، والوعيد، والمتشابه: القصص، والأمْثَال.\nوقال ابن السَّمْعَاني: أحسن الأقاويل أن المُتَشَابه: ما استأثر الله بعلمه، ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه، وكلفهم الإيمان به.\n_________\n= للجوهري ٥/ ١١٠١، ومعجم مقاييس اللغة ٢/ ٩١، ولسان العرب ٢/ ٩٥٢، وكشاف اصطلاحات الفنون ٢/ ١٤٤، وأصول السرخسي ١/ ١٦٥، والإحكام ١/ ١٥٣، وكشف الأسرار ١/ ٥١، وإرشاد الفحول ص (٣١)، المستصفى ١/ ١٠٦، وحاشية البناني على جمع الجوامع ١/ ٢٦٨، تيسير التحرير ١/ ٢٠٩، وشرح العضد ٢/ ٢١، وميزان الأصول ١/ ٥٠٨، ومختصر ابن اللحام ص (٧٣)، وشرح الكوكب المنير ٢/ ١٤٠، والبحر المحيط ١/ ٤٥٠.\nوالتشابه: التماثل؛ يقال: أشبه الشيء الشيء: ماثله، واشتبه عليه الأمر: أشكل عليه: فهو يحتاج في معرفته إلى إمعان نظر وفكر بنظر. وعند علماء الأصول: ما تعارض فيه الاحتمال كأوائل السور، أو ما حفي بنفس اللفظ ولا يرجى دركه أصلًا. ينظر: الإحكام ١/ ١٥٣، والمستصفى ١/ ١٠٦، والتلويح على التوضيح ١/ ٤١٤، والمسودة ص (١٦١)، وأصول السرخسي ١/ ١٦٩، والعدة ١/ ١٥٢، وأصول البدائع للفناري ص (٨٦)، والإتقان ٣/ ١٤ - ٢١، وميزان الأصول ١/ ٥١٤، ولسان العرب ٣/ ٢١٨٩، ومعجم مقاييس اللغة ٣/ ٢٤٣، وترتيب القاموس ٢/ ٦٧٠.\n(^١) سقط في أ، ت، ح.\n(^٢) ذكره الماوردي في النكت والعيون ١/ ٣٦٩.\n(^٣) ينظر: النكت والعيون (١/ ٣٦٩).","vol":"2","page":98},{"text":"الآية ٧]؛ لأَنَّ الخِطَابَ بِمَا لَا يُفْهَمُ بَعِيدٌ.\n<hr><s0>\n\nوالمحكم: ما أطلعهم عليه.\nقال: هذا هو المُخْتَار على طريقة السُّنة (^١).\nوقال المَاوَرْدِيّ: ويحتمل أن يقال: المحكم: ما كانت معاني أحكامه معقولة. بخلاف المُتَشَابه كأعداد الصلوات، واختصاص الصِّيام بـ\"رمضان\" دون شَعْبَان (^٢).\nوهذا منه ميل إلى أن ما يسميه بالتَّعَدِّي من الأحكام له معنى، ولكنا لم نطلع عليه وهي مقالة تُنَاسب المعتزلة.\nومنهم من لا يشترط ذلك في التعبُّدي، ويقول: يجوز ألّا يكون له في نفس الأمر معنى بالكلية.\nوهذا هو الصواب، فالرَّبُ يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.\nوعدم [اتضاح] (^٣) المعنى؛ \"إما لاشتراك\" مثل: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٨]؛ \"أو إجمال\" مثل: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ [سورة النساء: [الآية ٤٣]- عند من يجعل اللَّمس مترددًا بين الوَطْء واللَّمس باليد؛ \"أو \"لأجل \"ظهور تشبيه\" مثل: ﴿يَدُ اللَّهِ﴾ [سورة الفتح: الآية ١٠]، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [سورة الفجر: الآية ٢٢]، ونحو ذلك.\nولقائلٍ أن يقول: قد قلت: المُتَشَابه: ما لم يتضح.\nثم قلت: سبب عدم الإيضاح إما اشتراك، أو إجمال، أو ظهور تَشْبيه، والإجمال قد عرفته في باب المُجْمَل فقلت: ما لم [تتضح] (^٤) دَلَالَتُه، فكأنك قلت: السَّبب في كونه غير متَّضح المعنى، أنه غير متضح المعنى فجعلت نفس الشيء سببًا فيه، وهو واضحُ الفَسَادِ.\n_________\n(^١) قال الشيخ أبو إسحاق: ليس في القرآن شيء استأثره الله بعلمه، بل وقف العلماء عليه؛ لأن الله - تعالى - أورد هذا مدحًا للعلماء، فلو كانوا لا يعرفون معناه لشاركوا العامة، وبطل مدحهم. وكذلك صححه سليم الرازي في \"التقريب\" واستدل بقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [سورة هود: الآية ١] قال: فأخبر أن الكتاب كله فصلت آياته وبيّنت، وبقوله ﷺ: \"وبينهما متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس\" فدل على أن القليل من الناس يعلمها، وهم الراسخون، وقال ابن الحاجب: والظاهر الوقف على \"والراسخون في العلم\"؛ لأن الخطاب بما لا يفهم بعيد. ينظر: البحر المحيط ١/ ٤٥٣.\n(^٢) ينظر: النكت والعيون (١/ ٣٧٠).\n(^٣) في ج: اتضاح.\n(^٤) في ت، ح: يتضح.","vol":"2","page":99},{"text":"<span data-type='title' id=toc-456>الأَنْبِيَاءُ وَالْمَعْصِيَةُ</span>\nمَسْأَلَةٌ:\nالْأَكْثَرُ: عَلَى أَنَّهُ: لَا يَمْتَنِعُ عَقْلًا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ - صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ\n<hr><s0>\n\n\"والظَّاهر الوَقْف على: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، من قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٧] لا على الله، لئلا يلزم خطابه العِبَاد بما لا يفهمونه وهو غير جائِزٍ إلَّا عند شذوذ؛ \"لأن الخطاب بما لا يُفهم بعيد\" عن العقول.\nوقيل: الوَقْف على \"الله\"، و\"الراسخون\" مُبْتدأ، وهو المنقول عن جماعة من الصَّحابة منهم عائشة، وابن عُمَرَ، وابن عئاس، وابن مسعود، ومالك بن أنس، وابن كثير، ونافع والكسائي، ويعقوب الحَضْرَمِيّ، والأخفش، والفرَّاء، وأبو حاتم السّجستاني، وابن كيسان، وأبو عبيدة.\nوما ذكره المصنف. قال ابن السَّمعاني: لم يذهب إليه إلا شرْذمةٌ قليلة من النَّاس واختاره القتبي.\nأقال: وقد كان يعتقد مذهب السُّنة، ولكنه سها في هذه المسألة] (^١) قال: ولا غَرْوَ فإن لكل جواد كَبْوَةً ولكل عالم هَفْوَة (^٢).\nقال: ونقل عن مجاهد. ولا أعلم تحققه، وقد أطلت الكلام على ذلك في كتاب \"منهاج أهل السُّنة\".\nقلت: هو يعظم الأمر في ذلك؛ لأنه يجر الكلام فيه إلى الآيات والأحاديث الواردة في الصِّفات.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"أكثر على أنه لا يمتنع عقلًا على الأنبياء (^٣) ﵈\" - قبل الرِّسَالة - \"معصية\"، كبيرة (^٤) كانت أو صغيرة.\n_________\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) في ح: صفوة، وهو تحريف.\n(^٣) ينظر: المحصول ١/ ٣/ ٣٤٢، والإحكام للآمدي ١/ ١٥٦، والمنخول ص (٢٣)، وتيسير التحرير ٣/ ٢٠، والعضد ٢/ ٢٢، وحاشية البناني ٢/ ٩٥، والإرشاد لأبي المعالي ص ٣٨٥، وفواتح الرحموت ٢/ ٩٧، وشرح الكوكب المنير ١/ ١٦٩، والمعتمد ٢/ ٥٤٦.\n(^٤) أحسن ما قيل في تعريف الكبيرة أنها ما توعد عليه الشارع بخصوص أو نص على أنه كبيرة. ينظر: التعليقات على شرح الجوهرة ص ١٥٧.","vol":"2","page":100},{"text":"عَلَيْهِمْ - مَعْصِيَةٌ، وَخَالَفَ الرَّوَافِض، وَخَالَفَ الْمُعْتَزِلَةُ إِلَّا فِي الصَّغَائِرِ وَمُعْتَمَدُهُمُ: التَّقْبِيحُ الْعَقْلِيُّ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى عِصْمَتِهِمْ بَعْدَ الرِّسَالَةِ مِنْ تَعَمُّدِ الْكَذِبِ فِي الْأَحْكَامِ؛ لِدِلَالَةِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى الصِّدْقِ، وَجَوَّزَهُ الْقَاضِي غَلَطًا.\n<hr><s0>\n\n\"وخالف الرَّوَافض\" فذهبوا إلى امتناعهما.\n\"وخالف المعتزلة إلا في الصَّغائر\"، وشبهة الفَرِيقَيْنِ \"ومعتمدهم: التقبيحُ العَقْليُّ\". قالوا: فإن صدور المَعْصية منهم ينفّر الطبع عنهم، فكان قبيحًا.\n\"والإجماعُ منعقدٌ، على عصمتهم (^١) بعد الرِّسَالة من تعمّد الكذيب في الأحكام؛ لدلالة المعجزة على الصِّدق\" فيها، وكذلك يمتنع على وجه السهو.\n\"وجوَّزه القاضي غلطًا وقال\": إنما \"دلَّت المعجزة على الصدق الصَّادر اعتقادًا\"، لا على ما يفوهون به؛ لأن الغلط والنسيان غير داخلين تحت التَّصْديق المقصود بالمعجزة.\nهذا في الكذب في الأحكام غلطًا.\n\"وأما غيره من المَعَاصي، فالإجماع\" منعقد \"على عِصْمتهم من الكبائر، وصغائر\" المعاصي الدَّالة على \"الخِسَّة، وَدَنَاءَةِ الهِمَّة، كسرقة لُقْمة، والتَّطفيف بِحَبَّةٍ.\nوالأكثر على جواز غيرها\" أي: غير الكبائر وصغائر الخِسَّة.\nوالمختار عندنا: امتناع الكُلِّ على [كل] (^٢) وجه من العَمْدِ والسهو، وهو رأي الأستاذ أبي إسْحاق والقَاضي عِيَاض، وأبي الفتح الشَّهْرَستاني، وأبي ﵁ وغيرهم من أصحابنا ومن المخالفين.\nفإن قلت: لا يلزم من تجويز الصَّغائر سهوًا نَقْص من رتبتهم ولا حَطّ من مقاديرهم؛ إذ حالة السهو مغفورة لا ذنب فيها، والحِلّ والحُرْمة على أصلكم لَيْسَا من صفات الأعيان، فلا فرق في حالة الغَفْلَةِ بين صدور الطَّاعات والمعاصي.\nقلت: نحن لا ننكر أنه لا ذَنْبَ في تلك الحال، ولكن الفِعْلَ من حيث هو منهي عنه، فربما تخيل (^٣) رائيه النَّقْصَ في فاعله غير متأمل أنه فعله عمدًا أو سهوًا.\n_________\n(^١) والعصمة لغة: المنع، واصطلاحًا: ألَّا يخلق الله في المكلف الذنب مع بقاء قدرته واختياره. ينظر: التعليقات على شرح الجوهرة ص ١١٦.\n(^٢) سقط في ح.\n(^٣) في ب: يختل.","vol":"2","page":101},{"text":"وَقَالَ: دَلَّتْ عَلَى الصِّدْقِ اعْتِقَادًا. وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنَ الْمَعَاصِي، فَالْإِجْمَاعُ عَلَى عِصْمَتِهِمْ مِنَ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ الْخِسَّةِ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى جَوَازِ غَيْرِهِمَا.\n\n<span data-type='title' id=toc-458>فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ </span>-\nمَسْأَلَةٌ:\nفِعْلُهُ ﷺ مَا وَضَحَ فِيهِ أَمْرُ الْجِبِلَّةِ، كَالْقِيَامِ، وَالْقُعُودِ، وَألْأَكْلِ،\n<hr><s0>\n\nوهو أيضًا مكروه للشارع، وإنما لم يؤاخذ عليه لعذر الغَفْلة، ورتبتهم أجَلّ من الإقدام على مكروه الباري ﷾، وهو أيضًا ربما سمي بالحَرَامِ.\nوكذا اختلف أصحابنا في وَطْء الشبهة، هل يوصف بالحلال أو الحرمة أو لا يوصف بواحد منهما؟ وهو أرفع مقادير من فعل ما يوصف، ويسمى بالحَرَامِ.\nفإن قلت: فهل يمنعون النِّسْيَان لأنه نقص؟\nقلت: قد منعه من أصحابنا الأستاذ أبو إسحاق أيضًا، وفي الحديث الصحيح: \"إنِّي لَا أَنْسَى وَلكِنْ مِمَّنْ أَنْسَى\".\nوادَّعى الإمام في \"المحصول\" (^١): الاتفاق على جواز السَّهو والنسيان - وهي دعوى ممنوعة؛ لما حكيناه عن الأستاذ، ثم الفرق بين النِّسْيَان وغيره على تَقْدِير تجويز النِّسْيَان - أن النِّسْيَان طبيعةٌ بشرية لا تستلزم نقصًا في البشر.\nفإن قلت: فالحنفية يجوزون الزلَّة مع منعهم الصَّغيرة، فماذا ترون؟\nقلت: منعهما جميعًا إن صدق تغايرهما، وإلا فنحن لا نعني بالزلَّة إلا الصغيرة وهم يفسرونها بما لا [نوافقهم] (^٢)؛ عليه، لأنهم يجنحون إلى أن الحل والحرمة من صفات الأعيان.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"فعله ﷺ \" (^٣) لا يكون محرمًا - كما عرفت - ولا مكروهًا؛ لِنُدْرَةِ صدور المكروه\n_________\n(^١) ينظر: المحصول ١/ ٣/ ٣٤٣.\n(^٢) في ت، ح: يوافقهم.\n(^٣) ينظر: البرهان لإمام الحرمين ١/ ٣٨٣، والبحر المحيط للزركشي ٤/ ١٦٩، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/ ١٥٨، وسلاسل الذهب للزركشي ص ٣١٦، والتمهيد للأسنوي ص ٤١٩، ونهاية السول له ٣/ ٦٤، وزوائد الأصول له ص ٣١٩، ومنهاج العقول للبدخشي ص ٢٧٠،=","vol":"2","page":102},{"text":"وَالشُّرْبِ، أَوْ تَخْصِيصُهُ: كَالضُّحَى، وَالْوَتْرِ، وَالتَّهَجُّدِ، وَالْمُشَاوَرَةِ، وَالتَّخْيِيرِ، وَالْوِصَالِ،\n<hr><s0>\n\nعن آحَادِ المكلّفين، فكيف بسيد المرسلين ﷺ؟!، فانحصر الأمر فيما عداها فنقول:\n\"ما وضح فيه أمر الجِبِلَّة\" من الأفعال، \"كالقيام، والقعود، والأكل، والشرب أو\" وضح فيه \"تخصيصه، كالضُّحى، والوَتْر (^١)، والتَّهجُّد\" (^٢) كذا قال: والصَّحيح الذي نصَّ عليه الشَّافعي أنه نسخ وجوب التهجُّد عن النبي ﷺ \"والمُشَاورة (^٣)، والتخيير\" (^٤) لنسائه ﵇ في النِّكاح.\n_________\n= والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ٤٣٣، والمنخول للغزالي ص ٥٣، وحاشية البناني ٢/ ٩٤، والإبهاج لابن السبكي ٢/ ٢٦٣، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/ ١٦٨، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ١٢٨، والمعتمد لأبي الحسين ١/ ٣٥٣، وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ص ١٠٩، شرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ١٤، وحاشية نسمات الأسحار لابن عابدين ص ٢٠٥، وتقريب الوصول لابن جُزَيّ ص ١١٦، وشرح مختصر المنار للكوراني ص ٧٧، ونشر البنود للشنقيطي ٢/ ٣، وشرح الكوكب المنير للفتوحي ص ٢١٥.\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" ١/ ٢٣١ والحاكم في المستدرك ١/ ٣٠٠ في كتاب الوتر وسكت عنه، وقال الذهبي: غريب منكر، ويحيى ضعفه النسائي والدارقطني، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٤٦٨. وفي إسناده أبو خباب ضعفه القطان وابن معين والجوزجاني والدارمي وابن سعد والعجلي وقال أحمد: أحاديثه مناكير، وقال أبو حاتم: لا يكتب حديثه، لبس بقوي، وقال النسائي: ليس بثقة، ووثقه أبو نعيم الفضل بن دكين. إلا أنه قال: كان يدلس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" وفي \"المجروحين\". ينظر: الجرح والتعديل ٩/ ٣٨، وتهذيب التهذيب ١١/ ٢٠٢، والثقات ٧/ ٥٩٧، والمجروحين ١١١٣.\n(^٢) فلقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: الآية ٧٩].\n(^٣) فلقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: الآية ١٥٩].\n(^٤) روي أن عائشة زوج النبيِّ ﷺ أخبرتهُ أن رسول الله ﷺ جاءَها حين أمَرَ الله ﷿ أن يُخَيِّرَ أزواجهُ قالت: فبدَأ بي رسول الله ﷺ فقال: \"إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمرًا، فلا عليكِ أنْ تستعجلي حتَّى تستَأْمِري أبَوَيْكِ\" وقد علم أن أَبَوَيَّ لم يكونا يَأْمُرَانِي بفراقِهِ، قالت: ثُمَّ قال: \"إن الله ﷾ قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إلى تَمامِ الآيتين، فقلت له: ففي أي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟! فإنِّي أُرِيدُ إله، ورسوله، والدَّارَ الآخِرة. هذا حديث متفق على صحته. أخرجه البخاري ٨/ ٣٧٩، كتاب التفسير: باب: \"قل لأزواجك\" (٤٧٨٥)، وطرفه في (٤٧٨٦)، ومسلم ٢/ ١١٠٣، كتاب الطلاق: باب بيان أن تخيير … (٢٢ - ١٤٧٥).","vol":"2","page":103},{"text":"وَالزِّيَادَةِ عَلَى أَرْبَع - فَوَاضِحٌ، وَمَا سِوَاهُمَا إِنْ وَضَحَ أَنَّهُ بيَانٌ بِقَوْلٍ، أَوْ قَرِينَةِ مِثْلُ: \"صَلُّوا\"\n<hr><s0>\n\n\"والوِصَال (^١) والزِّيَادة على\n_________\n(^١) الوصال هو: استدامة أوصاف الصائمين يومين فأكثر عمدًا من غير عذر، ولا يتناول في الليل شيئًا، لا مأكولًا، ولا مشروبًا، فإن أكل شيئًا يسيرًا أو شرب، فليس وصالًا، وقد أجمع العلماء على كراهته بلا خلاف. وإنما الخلاف في أنه هل كراهته كراهة تحريم أم تنزيه؟ وجهان:\nالمشهور منهما: أنها للتحريم؛ لما روى عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه قال: \"إيَّاكم والوِصَالَ\"، قالوا: فإنَّك تُوَاصِلُ يا رسول الله. قال: \"إنَّكم لستم في ذلك مثلي، فإنِّي أبيتُ يُطعمني ربِّي ويسقيني فاكلفوا من الأعمال ما تطيقونَ\" وعنه في رواية أخرى أنه قال: (نهى النبيّ ﷺ - عن الوصال في الصوم، فقال رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله. قال عليه السىلام: \"وَأيُّكمْ مثلي إنِّي أبيْتُ يطعمني ربِّي ويسقيني\". فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم، يومًا ثم يومًا ثم رأوا الهلال، فقال ﵇: \"لو تأخَّر لَزِدْتُكُمْ\" كَالتنْكِيل لهم حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا\"، فهذان الحديثان، وما ماثلهما مما ورد في هذا الباب يدلان دلالة صريحة على أن الوصال منهى عنه، وهو من الخصائص التي أبيحت لرسول الله ﷺ وامتنعت على أمته.\nوالثاني: أن الوصال منهى عنه، ومكروه كراهة تنزيه؛ لأنه إنما نهى عنه حتى لا يضعف عن الصوم، وذلك أمر غير محقق، فلم يتعلق به إثم. وقد اتفق الكل من الشافعية على أن الوصال لا يبطل الصوم؛ لأن النهي لا يرجع إلى الصوم، فلا يوجب بطلانه.\nقال إمام الحرمين: إنه قربة في حق الرسول، وقد نبه ﵊ على الفرق بيننا وبينه في ذلك، حيث قال: \"إِنَّكُمْ لَسْتُمْ فِي ذَلِكَ مِثْلِي إِنِّي أَبِيْتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي\". واختلف أصحابنا في تأويل هذا الحديث على وجهين:\nأحدهما - وهو الأصح - أن معناه أنه أعطى قوة الطاعم والشارب، وليس المراد الأكل حقيقة؛ إذ لو أكل حقيقة لم يبق وصالًا، ولقال: ما أنا مواصل، ويؤيد هذا التأويل مما روى عن النبيّ ﷺ أنه قال: \"إنِّي أظلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِيني\" ولا يقال: ظل إلّا في النهار، فدل على أنه لم يأكل.\nالثاني: أنه ﷺ كان يؤتى له بطعام وشراب من الجنة كرامةً له، لا تشاركه فيها الأمة.\nوذكر صاحب العدة والبيان تأويلًا ثالثًا، وهو معناه: أن محبة الله تشغلني عن الطعام والشراب والحب البالغ يشغل عنهما. والحكمة في النهي عن الوصال ظاهرة واضحة؛ لا خفاء فيها؛ لأن الشارع الحكيم أمرنا بالمحافظة التامة على صحتنا، وعدم تعريضها للهلاك، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ولا شك أن الجسم الَّذي يحرم، ويمنع من الطعام والشراب يومين فأكثر تضعف قوته، وتعتل صحته؛ لقلة المواد الغذائية، ولا يخفى ما يترتب على ضعف الجسم من عدم القيام بسائر الواجبات المتنوعة الدينية =","vol":"2","page":104},{"text":"و\"خُذُوا\"، وَكَالْقَطْعِ مِنَ الْكُوعِ وَالْغَسْلِ إِلَى الْمَرَافِقِ - اعْتُبِرَ اتفِّاقًا. وَمَا سِوَاهُ إِنْ عُلِمَتْ\n<hr><s0>\n\nأربع (^١) فَوَاضِحٌ\" أن فعله في هذين القسمين ليس بيانًا لنا، ولسنا متعبدين به.\nولا يشرع الاتباع في الجِبِلِّي؛ لأنه [لو كان] (^٢) كالواقع عن غير قصد، بل إن اتبع فيه فلا بأس وإن ترك فلا بأس (^٣) ما لم يكن الترك رَغْبَةً عما فعل النبيّ ﷺ استنكافًا، فمن رغب عن سُنَّتِهِ وطريقته فليس منه.\nوأنا أقول: مع ذلك يستحب التأسِّي كما سأذكره في آخر المسألة، ولكن ذلك الاستحباب لا يوجب وصف الفعل بأنه مستحبّ، بل إنما ذلك من قبيل التأسِّي والتبرُّك.\nونقل القاضي أبو بكر عن قوم: أنه مندوب بخصوصه، وكذلك حكاه الغَزَّالي في \"المنخول\".\nوحكى بعضهم قولًا: إنه يجب علينا أن نفعل مثل ما فَعَله حكاية على الإطلاق، وهذا زَلَلٌ.\nوأما ما وضح أنه مخصص به، فقد توقف إمام الحرمين في أنه هل يشرع التأسِّي فيه؟ وقال: ليس عندنا نقل لفظي أو معنوي في أن الصَّحَابة ﵃ كانوا يقتدون به ﷺ في هذا النَّوع.\nولم يتحقق عندنا نقيض ذلك، فهذا محلُّ الوَقْفِ.\nوتابعه على ذلك أبو نصر بن القُشَيري، وأبو عبد الله المَازِرِيّ.\nوذهب الشيخ شِهَابُ الدِّين أبو شامة في كتابه المحقق في أفعال الرسول ﷺ: إلى أنه ليس\n_________\n= والدنيوية، وربما وصل الحال بمن يواصل الصيام أن يمل العبادة، وينفر من الطاعة، وهنا الخطر العظيم. فيا له من مشرِّع حكيم وآمر عليم. وفقنا الله وقوانا على دوام الطاعة، وعمل ما فيه رضاه.\n(^١) وأما الزيادة على أربع: ففي كتب السير، والتواريخ أن النبي ﷺ عقد عَقْدَهُ على خمس عشرة امرأة، ودخل بثلاث عشرة، وجمع بين إحدى عشرة، ومات عن تسع بلا خلاف، كذا قال سيف بن عمر، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، وابن عباس. وأجمع المسلمون قاطبة على أن الزيادة على أربع كان من خصائص رسول الله ﷺ. ولا عبرة بمخالفة الشيعة في ذلك. ينظر: تاريخ الطبري في ذكر الخبر عن أزواج رسول الله ﷺ ٣/ ١٦٠ وما بعدها، والبداية والنهاية ٥/ ٢٩١ و٢٩٢، وتهذيب الأسماء واللغات ١/ ٢٧، والخصائص الكبرى للسيوطي ٣/ ٢٩٨.\n(^٢) سقط في ب، ح.\n(^٣) سقط في ب.","vol":"2","page":105},{"text":"صِفَتُهُ فَأُمَّتُهُ مِثْلُه، وَقِيلَ فِي الْعِبَادَاتِ، وَقِيلَ كَمَا لَمْ تُعْلَمْ. وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ فَالْوُجُوب،\n<hr><s0>\n\nلأحد التشبُّه به في المُبَاح في خصائصه، كالزِّيَادة على أربع، ويستحب التشبُّه به في الواجب عليه كالضُّحى، والتنزُّه عن المحرم عليه، كأكل كلّ ما له رائحة كريهة، وطلاق من يكره صحبته، وقال: هذا تفصيل حسن لا نِزَاعَ فيه لمن فهم الفِقْه، وقواعده قال: وقد ذكرت أدلَّة منفصلة، ولعلَّ الإمام ومَنْ وافقه عُنوا بذلك أنه لم ينقل أن الصحابة فعلوا ذلك بمجرد الاقتداء، والتأسِّي؛ بل لأدلة منفصلة (^١).\nقلت: الأمر كذلك فليس كلام الإمام فيما عليه دليل منفصل (^٢).\n\"وما سواه إن وضح أنه بيان بقول أو قرينة، مثل\" ما في \"الصحيحين\" من قوله ﷺ: \"صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي\" (^٣)، فإنه مبين لقوله - تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٨٣]، وقوله ﷺ وهو على رَاحِلَتِهِ يوم النَّحر: \"خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هذِهِ\" (^٤) رواه مُسْلم.\n\"وكالقطع من الكوع\" المبين لآية السرقة.\nروي بإسناد حسن (^٥) أن النبي ﷺ قطع سارقًا من المَفْصِلِ.\n_________\n(^١) في أ، ح: مفصلة.\n(^٢) في أ، ح: مفصل.\n(^٣) أخرجه البخاري ٢/ ١١٠ كتاب الأذان، باب: من قال: ليؤذن في السفر واحد (٦٢٨) ٢/ ١١١ باب: الأذان للمسافر (٦٣٠، ٦٣١) و١/ ٥٣ كتاب الجهاد، باب: سفر الإثنين (٢٨٤٨) ومسلم ١/ ٤٦٦ كتاب المساجد، باب: من أحق بالإمامة (٢٩٣/ ٦٧٤).\n(^٤) أخرجه مسلم كتاب الحج، باب: استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا حديث (٣١٠) وأبو داود (١٩٧٠) والنسائي (٢/ ٥٠) والترمذي (١/ ١٦٨) وابن ماجه (٣٠٢٣) وأحمد (٣/ ٣٠١، ٣١٨، ٣٣٢) والبيهقي (٥/ ١٣٠) من طريق أبي الزبير عن جابر. ولفظ النسائي: خذوا مناسككم. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n(^٥) الحُسْن: في اللغة الجمال، والحَسَن الجميل:\nوفي الاصطلاح: لهم فيه عبارات كثيرة لعدم ضبط الأقدمين له حتى قال البلقيني: الحسن لما توسط بين الصحيح والضعيف عند الناظر كان شيئًا ينقدح في نفس الحافظ، وقد تقصر عبارته عنه كما قيل في الاستحسان، فلهذا صعب تعريفه، لكن استقر الرأي أخيرًا على أنه هو الحديث الذي اتصل سنده بنقل العدل الضابط الذي قصر به حفظه وإتقانه عن درجة رجال الصحيح غير شاذ ولا معل.\nوالحسن لغيره: هو الحديث الذي يكون في أصله غير حسن، ثم يرتقي بالجابر حتى يكون في درجة =","vol":"2","page":106},{"text":"وَالنَّدْب، وَالْإِبَاحَة، وَالْوَقْف، وَالْمُخْتَارُ: إِنْ ظَهَرَ قَصْدُ الْقُرْبَةِ، فنَدْبٌ، وَإلَّا فَمُبَاحٌ.\n<hr><s0>\n\nونقل عن أبي بكر، وعمر ﵄ قالا: إذا سرق السَّارق، فاقطعوا يده من كُوعهِ. أخرجه البيهقي (^١)، \"والغسل إلى المِرْفَقِ المبين\" لآية الغسل في \"صحيح مسلم\": أن أبا\n_________\n= الحسن، وذلك أن الحديث إذا فقد أحد الشروط الخمسة المعتبر في الصحيح لذاته والحسن لذاته ينزل إلى درجة الضعيف، لكن الضعيف منه ما يقبل الجبر، ومنه ما لا يقبل الجبر بحال، فتوقفت معرفة الحسن لغيره على معرفة ما يقبل الجبر من الضعيف، ويسمى عندهم ما يعتبر به، أي حديث يكتب للاعتبار به في المتابعات والشواهد، ومعرفة ما لا يقبل الجبر منه، ويسمى عندهم ما لا يعتبر به. وما يقبل الجبر ويعتبر به هو ما كان ضعفه:\n١ - بسبب الستر، وهو جهل الحال في الراوي، فلا يعرف بعدالة ولا يعرف بتجريح، أو استوى فيه التعديل والتجريح. ويشترط فيه أن يكون غير مغفل كثير الخطإ؛ لئلا يجمع بين النقيصتين الجهل به، والتغفيل، فيقوى الضعف ويتقاعد الجابر عن جبره.\n٢ - أو بسبب ضعف حفظ راويه. ويشترط فيه أن يكون من أهل الصدق والديانة - أي يكون عدلًا - والعلة فيه هي العلة في سابقه. ويشمل هذا ما كان ضعف حفظه بسبب سوء الحفظ، أو بسبب كونه موصوفا بالغلط أو الخطإ أو الاختلاط إذا حدّث بعد اختلاطه.\n٣ - أو بسبب ضعف ناشيء عن عدم الاتصال، وهو ما عبر عنه بالإرسال واشترط فيه ابن الصلاح أن يرسله إمام حافظ، وعبر عنه ابن حجر بما في إسناده انقطاع خفيف، وأن يكون إسناده خاليًا من متهم بالكذب، فلا يظهر منه تعمد الكذب في الحديث، ولا سبب آخر مفسق؛ فإن الضعيف بسبب من هذه الأسباب الثلاثة بشرطها يمكن أن يكون صالحًا للاعتبار به فيجبر غيره، ويجبره غيره الصالح للاعتبار أيضًا بشرط أن يكون خاليًا من الشذوذ والنكارة، فيرتقي إلى الحسن؛ فيكون حسنًا لغيره، ومن هنا نستطيع أن نعرف الحسن لغيره بأنه: الحديث الضعيف بسبب كون راويه مستورًا غير مغفل كثير الخطإ، أو بسبب كون راويه سيئ الحفظ، أو موصوفًا بالغلط أو الخطإ أو الاختلاط مع الصدق والأمانة، أو بسبب كون سنده غير متصل، أو كان فيه مدلس روى بالعنعنة، مع كونه ليس فيه من يتهم بالكذب، وفي كل ذلك لا يكون الحديث شاذًا ويروى من غير وجه مثله أو نحوه.\nقال السخاوي: أن يكون الراوي فوقه أو مثله لا دونه ليترجح أحد الاحتمالين؛ لأن سيئ الحفظ مثلًا حيث يروي يحتمل أن يكون ضبط المروي، ويحتمل ألا يكون ضبطه، فإذا ورد مثل ما رواه أو معناه من وجه آخر غلب على الظن أنه ضبطه، وكلما كثر التابع قوي الظن. اهـ. ذكره شيخنا الشيِخ السماحي في الغيث ص (٣٤)، وينظر: التقييد والإيضاح (٤٤)، وتدريب الراوي ١/ ١٥٣، والتبصرة ١/ ٨٥، وفتح المغيث للسخاوي ١/ ٦٣ وما بعدها، وتنقيح الأنظار ١/ ١٥٥، واختصار علوم الحديث ص (٣٧)، وتوجيه النظر (١٤٥)، ومحاسن الاصطلاح (١٠٣).\n(^١) ذكره ابن كثير في \"تحفة الطالب\" ص ١٣٢ وقال: ولا يمكن الاحتجاج هنا بالإجماع كما ادعاه =","vol":"2","page":107},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nهريرة توضأ فغسل يده اليُمْنَى حتى شرع في العَضُدِ ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ \"اعتبر\" كونه دليلًا في حَقِّنا وبيانًا لنا \"اتفاقًا وما سواه\" وهو ما لم يتضح أنه بيان لنا \"إن علمت صفته\" في حقه ﷺ من وجوب أو ندب أو إباحة \"فأمته مثله.\nوقيل\": مثله إن كان \"في العِبَادَاتِ\" دون غيرها.\n\"وقيل\": هو \"كما لم [تعلم] \" (^١) صفته، وإليه ذهب القَاضي أبو بكر، فإنه إذا علمنا الوجه الذي وقع عليه الفعل لم يكن لنا إيقاعه عليه إلا أن يؤمر.\nفأما أن يكتفى في إيجاب مثل ما وجب عليه علينا، أو ندبنا إلى مثل ما ندب إليه لعلمنا أنه فعله واجبًا أو ندَبًا فبعيدٌ.\nقال أبو شَامَة: هذه المسألة لم يصورها القاضي، ولا الإمام، ولا الغَزَّالي، ولا ابن القشيري، ولا معظم المصنّفين في ذلك فيما علمت، ثم إن الإمام فخر الدين الرَّازي اختار الوقف فيها.\nوأنا أقول: الفعل الذي فعله ﷺ، وعلمنا أنه فعله على طريق الوجوب، إن علمناه واجبًا عليه وعلينا، فلا حَاجَةَ إلى الاستدلال بفعله على أنه واجب علينا، بل مرجعنا إلى الدليل الدال على عدم خصوصيته.\nوإن علمناه مختصًّا به، فقد تقدم الكلام فيما هو من خواصّه.\nوإن شككنا، فلا دليل على الوجوب إلا أدلة القائلين بالوجوب فيما لم يعلم صفته، فلا حَاجَةَ إلى فرض هذه المسألة، وهي أنه معلوم الصفة، أو لا، وإن علمناه أوقعه ندبًا فهو على اختيارنا النَّدْب في مجهول الصِّفة، أو مباحًا، فهو (^٢) الذي لم يظهر فيه قَصْد القُرْبَةِ وسيأتي، انتهى مختصرًا.\nقلت: والمراد ما إذا شككنا بالنِّسْبة إلينا، وعلمناه بالنسبة إليه، وليس كمجهول الصفة؛ إذ لا يلزم من عدم الاقتداء، ثم عدمه هاهنا.\n_________\n= بعضهم؛ لأن المسألة فيها خلاف قديم، قال في الإبانة: وقالت الخوارج: تقطع يد السارق من منكبه، وقال في المستظهري: وحكي عن قوم من السلف. ذكره الحافظ ابن حجر في \"تلخيص الحبير\" (٤/ ٧١) وقال: لم أجده عنهما.\n(^١) في أ، ح: يعلم.\n(^٢) في ب: وهو.","vol":"2","page":108},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\n\"وإن لم تعلم\" صفته \"فالوجوب\" حكمه في حَقّه وحقّنا عند ابن سُرَيْج (^١)، والإصْطَخْرِيّ (^٢)، وابن خَيْرَان، وابن أبي هريرة (^٣)، وبعض الحنفية، وهو الصحيح عن مالك.\n\"والندب\" عند أكثر الحنفية والمعتزلة، [والصَّيْرَفي] (^٤) والقَفَّال الكبير، وإمام الحرمين (^٥).\nونسب إلى الشافعي ﵁ وأطنب الشيخ أبو شَامَةَ في نُصْرَتِهِ (^٦)،\nوالإباحة عند آخرين، ونقل عن مالك ﵁ (^٧)، \"والوقف\" عند ابن كَجّ (^٨)، وأبي بكر الدقاق (^٩)،\n_________\n(^١) في ب: شريح، وهو تحريف.\n(^٢) أبو سعيد الحسن بن أحمد بن يزيد بن عيسى، الإصطخري، ولد سنة ٢٤٤، أخذ عن أبي القاسم الأنماطي، قال القاضي أبو الطيب: حكي عن الداركي أنه قال: ما كان أبو إسحاق المروزي يفتى بحضرة الإصطخرى إلا بإذنه .. وله مصنفات عديدة. مات سنة ٣٢٨. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١٠٩، وتاريع بغداد ٧/ ٢٦٨، والمنتظم ٦/ ٣٠٢ والأعلام ٢/ ١٩٢، والنجوم الزاهرة ٣/ ٢٦٧، والبداية والنهاية ١١/ ١٩٣، والأنساب ١/ ٢٨٦، وشذرات الذهب ٢/ ٣١٢.\n(^٣) ينظر: شرح الكوكب المنير ٢/ ١٨٧، والمعتمد ١/ ٣٧٧، والفصول ص (٣١٠).\n(^٤) في أ، ح: الضرير.\n(^٥) ينظر: البرهان ١/ ٤٩١.\n(^٦) ينظر: البرهان ١/ ٤٨٩، والتبصرة ص (٢٤٢)، وتيسير التحرير ٣/ ١٢٣.\n(^٧) حكى الباجي في الفصول ص (٣١٠): إنها على الندب عن ابن المنتاب وغيره. ينظر: الإحكام ١/ ١٦٠.\n(^٨) يوسف بن أحمد بن كج، القاضي أبو القاسم، الدينوري، أحد الأئمة المشهورين، وحفاظ المذهب المصنفين، وأصحاب الوجوه المتقنين، تفقه بأبي الحسين بن القطان، وحضر مجلس الداركي ومجلس القاضي أبي حامد المروزي، ورحل الناس إليه رغبة في علمه وجوده، وكان يضرب به المثل في حفظ المذهب، مات سنة ٤٠٥. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١٩٨، والبداية والنهاية ١١/ ٣٥٥، وشذرات الذهب ٣/ ١٧٧ والأعلام ٨/ ٢٨٤، ووفيات الأعيان ٦/ ٦٣، والأنساب ٤٧٥/ ب.\n(^٩) محمد بن محمد بن جعفر البغدادي، أبو بكر الدقاق، ولد سنة ٣٠٦، كان فقيهًا، أصوليًا، شرح المختصر، وولي القضاء بكرخ بغداد، قال الخطيب: كان فاضلًا، عالمًا بعلوم كثيرة، وله كتاب في الأصول على مذهب الشافعي. مات سنة ٣٩٢. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١٦٧، والنجوم الزاهرة ٤/ ٢٠٦، والمنتظم ٧/ ٢٢٢.","vol":"2","page":109},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالبندجي (^١)، وأبي بكر الصَّيرفي، والقاضي أبي الطيب، والغزالي، والإمام، وأتباعه (^٢)، في قولٍ خامسٍ أنه يدل على الحظر.\nووقع للآمدي في حكايته شيء غريب (^٣)، فقال: هو قول من جَوَّز على الأنبياء ﵈ المعاصي، كأنه فهم (^٤) عن قائله أنه يحمل الأمر على ارتكاب فاعله ﷺ محرمًا، وهو سوء فهم؛ فإن من جَوَّز المعاصي لا يقول: إنها دَيْدَنُ الأنبياء ﵈ حتى يجعل فعلهم المجرد محمولًا عليها، وإنما مستند القائل بهذه المقالة، أن الأحكام قبل ورود الشَّرْع عنده على الحظر.\nوفعل ﷺ لا يغيّر هذا الأمر في حقنا، فيبقى الحَظْرُ كما كان، كذا صرح به القاضي أبو بكر والغزالي وغيرهما.\nوالحاصل: أن هذا القائل على ضَعْفِ مَقَالَتِهِ يقول بحُرْمَةِ الاتباع، لا أن ما وقع حظر، وهو من قول من يجعل الأحكام على الحَظْرِ قبل الشرع، سواء قالوا بتجويز المَعَاصي أم لا.\n\"والمختار: إن ظهر في فعله قصد القُرْبة\" إلى الله - تعالى - \"فندبٌ، وإلا فمباحٌ\".\nوهذا التَّفصيلُ صريح في جَرَيَانِ قول الإباحة مع ظهور قَصْدِ القُرْبَةِ.\nوقد سبقه إليه الآمدي، وتبعه الشيخ شهاب الدين أبو شامة نقلًا واختيارًا في كتابه: \"المحقق من علم الأصول فيما يتعلَّق بأفعال الرسول ﷺ\"، ولم يَحْكِهِ ابن السَّمعاني، ولا غيره في هذا القِسْمِ.\nوقد يقال عليه: كيف يجامع الترجح استواء الطرفين؟\n_________\n(^١) محمد بن هبة الله بن ثابت، الإمام أبو نصر البندنيجي، نزيل مكة، يعرف بـ\"فقيه الحرم\"، ولد سنة ٤٠٧، سمع الحديث من كبار الأئمة، وحدث به، وكان من كبار أصحاب الشيخ أبي بكر الشيرازي، قال السلفي: سمعت حمد بن أبي الفتح الأصبهاني الشيخ الصالح بمكة يقول: كان الفقيه أبو نصر البندنيجي يقرأ في كل أسبوع ستة آلاف مرة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. صنف المعتمد في الفقه.\nومات سنة ٤٩٥. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٢٧٢، والبداية والنهاية ١٢/ ١٦٢، والأعلام ٧/ ٣٥٥.\n(^٢) ينظر: الفصول ص (٣١٠)، والمستصفى ٢/ ٣١٤.\n(^٣) ينظر الإحكام ١/ ١٦٠.\n(^٤) في ب: وهم.","vol":"2","page":110},{"text":"لَنَا الْقَطْعُ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ أَجْمَعِينَ - كَانُوا يَرْجِعُونَ\n<hr><s0>\n\nويمكن الجواب عنه: بأن النبي ﷺ قد يقدم (^١) على ما هو مستوى الطرفين ليبيّن للأمة جواز الإقدام عليه.\nوبيان (^٢) النبي ﷺ بهذا القَصْدِ - وهو الفعل - وإن كان مستوى الطرفين.\nالشرح: \"قال لنا\" (^٣) - أي: على وجوب التأسِّي في معلوم الصفة - \"القَطْع - بأن الصَّحابة\n_________\n(^١) في ب: تقدم.\n(^٢) في أ، ح: ويثاب.\n(^٣) لما فرغ من تحرير المذاهب شرع في الاحتجاج عليها؛ فبدأ بإثبات المذهب المختار عنده في القسمين، وتمسك بوجهين في إثبات أن ما علم صفته فأمته مثله.\nأحدهما: الإجماع، وببانه أنا نقطع بأن الصحابة ﵃ كانوا يرجعون إلى فعله المعلوم صفته من الوجوب والندب والإباحة عند كل حادثة، ويقتدون بالرسول ﵇ في ذلك الفعل من غير نكير أحد منهم، كرجوعهم إلى تقبيله ﵇ الحجر الأسود وإلى تقبيله ﵇ لنسائه وهو صائم، وذلك دليل لإجماعهم على أن حكم الأمة حكمه ﵇ في الفعل الذي علم صفته، وإلا لم تفد المراجعة لهم.\nالثاني: الآية، وهو قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾. ووجه التمسك بها أن الله ﷾ علل نفي الحرج عن المؤمنين في نكاح أزواج أدعيائهم بتزويج الرسول ﵇ زوجة دعيه زيد، فلو لم يكن حكم الأمة حكمه ﵇ في الفعل المعلوم صفته لم يكن للتعليل في الآية معنى؛ لأنه حينئذٍ لم يلزم من نفي الحرج عنه نفي الحرج عن المؤمنين. ولما فرغ من إثبات المذهب المختار في القسم الأول شرع في المذهب المختار في القسم الثاني، وهو أن ما لا تعلم صفته إن كان عبادة فندب وإلا فمباح؛ لأن الفعل الذي لم تعلم صفته إما أن يظهر منه أنه قصد حال إتيانه بذلك الفعل القربة أو لم يظهر، فإن كان الأول فندب؛ لأنه لما قصد القربة به دل على رجحان فعله على الترك؛ لأنه لو لم يكن الفعل راجحًا لم يقصد به قربة، فلزم الوقف عند الرجحان، وهو القدر المشترك بين الواجب والمندوب، وخصوصية الوجوب، وهو الذم على الترك زيادة لم تثبت؛ لأن الأصل عدم الذم بترك الفعل؛ لأن البراءة الأصلية ثابتة، وإذا كان الفعل راجحًا ولم يكن واجبًا تعين أن يكون مندوبًا؛ لأن المباح لا يكون فعله راجحًا، وإن كان الثاني وهو الذي لم يظهر منه أنه قصد به القربة فمباح؛ لأن الجواز ثابت؛ إذ الأصل عدم الذنب في فعله ﵇ لأن وقوع الذنب في فعله نادر مغلوب، والنادر المغلوب خلاف الأصل، وخصوصية الوجوب والندب زيادة لم تثبت؛ إذ لا وجوب ولا ندب إلا بدليل، ولم يثبت دليل الجواز وانتفى الوجوب والندب تعين الإباحة، وأيضًا لو لم تكن الإباحة راجحة في سورة ثبوت الجواز مع عدم قصد القربة لما فهم الإباحة من قوله تعالى: =","vol":"2","page":111},{"text":"إِلَى فِعْلِهِ ﵊ الْمَعْلُومِ صِفَتُه، وَقَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٧] إِلَى آخِرِ الآيَةِ. وَإِذَا لَمْ تُعْلَمْ، وَظَهَرَ قَصْدُ الْقُرْبَةِ ثَبَتَ الرُّجْحَانُ فَيَلْزَمُ الْوُقُوفُ عِنْدَه، وَالوُجُوبُ زِيَادَةٌ لَمْ تَثْبُتْ، وَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ، فَالْجَوَازُ وَالْوُجُوب، وَالنَّدْبُ زِيَادَةٌ لَمْ تَثْبُتْ، وَأَيْضًا لَمَّا نفى الْحَرَجَ بَعْدَ قَوْلهِ: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٧]، فُهِمَتِ الإِبَاحَةُ مَعَ احْتِمَالِ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ.\nقَالَ الْمُوجِبُ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ﴾ [سورة الحشر: الآية ٧].\n<hr><s0>\n\n-  ﵃ كانوا يرجعون إلى فعله ﷺ المعلوم صِفَتُهُ\"، ويبادرون إلى اتباعه، كما في الغسل من الْتِقَاءِ الخِتَانَيْنِ وقُبْلَة الصَّائم وغيرهما.\nولقائل أن يقول: لا شك في رجوعهم، ولكن لم قلتم: إن حكمهم فيه الوجوب فربما رجعوا، وذلك الرجوع ندبًا في حقّهم أو وجوبًا.\n\"وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ إلى آخرها، وهو: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٧].\nفإنه لولا وجوب التأسي، لم يكن للآية معنى، لإشعارها بأنه ما زوّجها منه إلا ليكون حكم أمته في ذلك كحكمه.\n\"وإذا لم يعلم\" صفته، \"وظهر قَصْد القُرْبَة\"، فالدليل على نُدْبِيَّته أنه \"ثبت\" بقصد القربة \"الرَّجحان، فيلزم الوُقُوف عنده، والوجوب زيادة لم تَثْبُتْ\"؛ لعدم الدليل.\n\"وإذا لم يظهر، فالجواز\" فقط؛ لأنه المتحقّق، \"والوجوب والندب زيادة لم تَثْبُتْ\"؛ لعدم دليلها.\n\"وأيضًا\": دليل الإباحة أنه \"لما نفى الحَرَج بعد قوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ بقوله: ﴿لِكَيْ لَا﴾ \"فهمت\" منه \"الإباحة مع احتمال\" اللفظ لكل من \"الوجوب والندب\".\nالشرح: واحتج \"الموجب\" للتأسِّي مطلقًا بقوله - تعالى: \" ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ \" أي: افعلوه من جملة ما أتى به، فوجب اتباعه؛ لأن الأمر للوجوب.\n_________\n= ﴿زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ لامتناعِ ترجح المرجوح أو المساوي، لكن فهمت الإباحة، فتكون الإباحة راجحة، فتعين أن تكون مباحًا. قاله الأصفهاني في شرح المختصر.","vol":"2","page":112},{"text":"أُجِيبَ بأَنَّ الْمَعْنَى: \"مَا أَمَرَكُمْ\"؛ لِمُقَابَلَةِ \"وَمَا نَهَاكُمْ\".\nقَالُوا: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٥٣].\n<hr><s0>\n\n\"وأجيب بأن المعنى\": بـ ﴿مَا آتَاكُمْ﴾: \"ما أمركم\" به قولًا \"لمقابلة\" ذلك بقوله: \" ﴿وَمَا نَهَاكُمْ﴾ \" فإن مقابل النهي هو الأمر.\nوهذا الجواب مأثور عن الشيخ أبي الحَسَنِ الأشعري ﵀.\nولقائل أن يقول: المراد: امتثلوا ما آتاكم به قولًا وفعلًا، واتركوا النهي (^١)؛ إذ النهي بالفعل لا يتصور.\n\"قالوا\": ثانيًا: قوله تعالى: \" ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾ \" أمر باتباعه عام في الأقوال والأفعال \"أجيب\": بشموله للفعل، ولكن \"في الفعل\" المعلوم الصِّفة، وإيقاعه \"على الوجه الذي فعله\"، وذلك الوَجْه غير معلوم هل هو. للوجوب أو الندب أو الإباحة؟؛ لأن هذا هو الفرض.\nأو يقال: ليس المراد الفعل، بل القول، والمعنى: فاتبعوه في القول.\n\"أو\" يقال بعمومه فيهما أي: \"في القول\" والفعل.\nوذلك أن يقول المستدلّ: لم ندعِ تخصيص قوله: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ بالفعل، فالضرب الأول من الجواب لا وجه له.\nوعلى كلِّ حالٍ تقييدُ الفعل بمعلوم الصفة خلاف الظاهر.\nوقد اعترف الشيخ شهاب الدِّين أبو شَامَة بعد أن ذكر الأجوبة، عن هذه الآية بضعف الأجوبة ثم قال: ينبغي حمل قوله - تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ على الندب، لئلا يلزم التخصيص بأشياء كثيرة (^٢).\nولقائل أن يقول: الخروج عن ظاهر اللَّفظ لا دليل عليه، وكما يلزمنا التخصيص بأشياء لا يجب علينا فعلها - وإن كان هو الذي قد فعلها - كذلك يلزمك بأشياء لا يندب لنا فعلها، وإن كان هو قد فعلها، وليس كلامنا وكلامك إلا فيما تجرّد من الأفعال، فلم خرجت عن ظاهر الأمر؟\n\"قالوا\": ثالثا: قوله - تعالى: \" ﴿لَقَدْ كَانَ …﴾ إلى آخرها\"، أي: ﴿لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ\n_________\n(^١) في أ: المنهى.\n(^٢) المراد \"فاتبعوه\" في الفعل على الوجه الذي فعله، أي اتبعوه على سبيل الوجوب إن كان ما أتى به واجبًا، وعلى طريق الندب أو الإباحة إن كان المأتى به مندوبًا أو مباحًا، أو في القول على الوجه الذي ذكرنا، أو فيهما يعني في الفعل مع القول. ينظر الشيرازي ١٧٩ أ/ خ.","vol":"2","page":113},{"text":"أُجِيبَ: فِي الْفِعْلِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَه، أَوْ فِي الْقَوْلِ أَوْ فِيهِمَا.\nقَالُوا: ﴿لَقَدْ كَانَ …﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢١] إِلَى آخِرِهَا، أَيْ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ فَلَهُ فِيهِ أُسْوَةٌ [حَسَنَةٌ].\nقُلْنَا: مَعْنَى التَّأَسِّي: إِيقَاعُ الْفِعْلِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ.\n<hr><s0>\n\nحَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢١]، \"أي: من كان يؤمن \"فهو يرجو، ومن يرج \"فله فيه أسوة حسنة\"، وهو ينعكس بعكس النقيض إلى قولنا: ومن لم يكن له فيه أسوة لم يكن راجيًا فلا يكون مؤمنًا، وذلك على وجوب الاتباع.\n\"قلنا\": وجوب التأسِّي مسلم، ولكن \"معنى التأسِّي\": تأسِّي المرء بغيره \"إيقاع الفعل على الوجه الذي فعله\"؛ لكونه فعله.\nوقولنا: لكونه فعله، فصل ثان يخرج الموافقة، وأهمه المصنّف؛ إذ حاجته هنا إنما هي للفصل الأول، وإذا كانت على الوجه الذي فعله، فلا بد من عِرْفَانه ليقع التأسي به، والفرض أنه مجهول.\nولقائل أن يقول: لم قلتم: إن هذا معنى التأسِّي، والمفهوم من التأسِّي في اللغة إنما هو الاقتداء المُطْلق فلم شرطتم فيه ما ذكرتم؟\nوقد قال الشيخ أبو شامة: لم أر أحدًا ممن وقفت على مصنفه في اللغة ذكر في معنى الائتساء والاتباع ما ذكروا، وإنما يفسرون الائتساء: بالاقتداء، والاتباع مطلقًا، وذكر كلام أبي عبيدة، وابن فارس، والجوهرى (^١)، والرَّاغب (^٢)، وأطنب في دفع هذا الشرط.\n_________\n(^١) إسماعيل بن حماد الجوهري، أبو نصر: أول من حاول \"الطيران\" ومات في سبيله. لغويّ، من الأئمة، وخطه يذكر مع خط ابن مقلة. أصله من فاراب، ودخل العراق صغيرًا، وسافر إلى الحجاز فطاف بالبادية، وعاد إلى خراسان، ثُمَّ أقام في نيسابور. وصنع جناحين من خشب، وصعد داره، فخانه اختراعه فسقط إلى الأرض قتيلًا، من أشهر كتبه \"الصحاح\"، وله كتاب في \"العروض\" وكتب أخرى. توفي سنة ٣٩٣ هـ. ينظر: معجم الأدباء ٢/ ٢٦٩، والنجوم الزاهرة ٤/ ٢٠٧، ونزهة الألبا ٤١٨، والأعلام ١/ ٣١٣.\n(^٢) الحسين بن محمد بن المفضل، أبو القاسم الأصفهاني (أو الأصبهاني) المعروف بـ\"الراغب\": أديب، من الحكماء العلماء، من أهل \"أصبهان\" سكن بغداد، واشتهر حتى كان يقرن بالشيخ الغزالي. من كتبه: محاضرات الأدباء، والذريعة إلى مكارم الشريعة، وجامع التفاسير، والمفردات من غريب القرآن، وحل متشابهات القرآن، وأفانين البلاغة. توفي سنة ٥٠٢ هـ. ينظر: كشف الظنون ١/ ٣٦، وتاريخ حكماء الإسلام (١١٢)، وآداب اللغة ٣/ ٤٤، والأعلام ٢/ ٢٥٥.","vol":"2","page":114},{"text":"قَالُوا: خَلَعَ نَعْلَه، فَخَلَعُوا، فَأَقَرَّهُمْ عَلَى اسْتِدْلَالِهِمْ وَبَيَّنَ الْعِلَّةَ.\nقُلْنَا: لِقَوْلِهِ ﵊: \"صَلُّوا\" أَوْ لِفَهْمِ الْقُرْبَةِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"قالوا\": رابعًا: خلع النبي ﷺ \" وهو في الصَّلاة \"نَعْلَهُ فخلعوا\" نعالهم، \"فأقرهم على استدلالهم\" بمجرّد خلعه نَعْلَهُ.\n\"وبيّن العلة\" التي تقضي اختصاصه حيث قال لهم لمَّا انصرف: \"لِمَ خَلَعْتُمْ نِعَالَكُمْ؟، قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، فقال: \"إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ بِهِمَا خَبثًا رواه أبو داود بإسناد صحيح (^١)، وابن خزيمة (^٢) في \"صحيحه\"، وابن حِبَّان (^٣)، والحاكم في \"مستدركه\"، وقال: على شرط مسلم.\n\"قلنا\": خلعهم النِّعال لم يكن لمجرّد خلعه؛ بل \"لقوله ﵊: صَلُّوا\" كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي\" (^٤).\nولك أن تقول: ذلك أمر بفعل الصلاة كما فعل.\nفلم قلتم: إن منه خلع النعل فليس خلع النعلين من الصَّلاة في شيء.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣/ ٢٠) وأبو داود (١/ ٤٢٦) كتاب الصلاة، باب: الصلاة في النعل حديث (٦٥٠) وابن خزيمة (٢/ ١٠٧) رقم (١٠١٧) وابن حبان (٣٦٠ - موارد) والحاكم (١/ ٢٦٠) والدارمي (١/ ٣٢٠) كتاب الصلاة، باب: الصلاة في النعلين.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وأخرجه مرسلًا الحارث بن أبي أسامة كما في \"المطالب العالية\" رقم (٣٨٢) عن بكر بن عبد الله المزني.\n(^٢) أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة، النيسابوري، إمام الأئمة، ولد سنة ٢٢٣، أخذ عن المزني والربيع، وقال فيه الربيع: استفدنا منه أكثر مما استفاد منا، وقال ابن سريج: كان ابن خزيمة يستخرج النكت من حديث رسول الله ﷺ بالمنقاش، وقال الحاكم: ومصنفاته تزيد على مائة وأربعين كتابًا\"، وله الصحيح المشهور. مات سنة ٣١١. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٩٩، وطبقات الشافعية للسبكي ٢/ ١٣٤، والأعلام ٦/ ٢٥٣.\n(^٣) أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان، التميمي البستي، أحد الأئمة الحفاظ، رحل الكثير، وسمع من أكثر من ألفي شيخ، أخذ علم الحديث عن ابن خزيمة، وكان من فقهاء الدين، وحفاظ الآثار، له الأنواع والتقاسيم، وصنف في الجرح والتعديل والتاريخ والضعفاء. مات سنة ٣٥٤.\nينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١٣١، والأعلام ٦/ ٣٠٦، ولسان الميزان ٥/ ١١٢.\n(^٤) تقدم.","vol":"2","page":115},{"text":"قَالُوا: لَمَّا أَمَرَهُمْ بِالتَّمَتُّعِ تَمَسَّكُوا بِفِعْلِهِ.\nقُلْنَا: لِقَوْلهِ ﵊ \"خُذُوا\" أَوْ لِفَهْمِ الْقُرْبَةِ.\nقَالُوا: لَمَّا اخْتُلِفَ فِي الْغُسْلِ بِغَيْرِ إِنْزَالٍ سَأَلَ عُمَرُ عَائِشَةَ ﵄ فَقَالَتْ فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فَاغْتَسَلْنَا.\n<hr><s0>\n\nوأيضًا فلم قلتم: إن هذا كان بعد قوله: \"صلوا\".\nقال بعضهم: لو كان الاقتداء واجبًا لما قال: \"لِمَ خَلَعْتُمْ نِعَالَكُمْ؟ \"؛ لعلمه بوجوب المتابعة، ولكن هذا ضعيف؛ لأن مثله يقال في الندب.\nوأما قول المصنّف: \"أو لفهم القرينة\".\nولك أن تقول: أين القرينة؟ وما ذكر دليلًا لها من قوله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٣١] ليس بدليل؛ إذ خلع النَّعْل ليس من الزِّينة.\nولو احتج به آخرًا لاحتجّ به قبل الدخول في الصَّلاة، وأيضًا كان يجب أن يستمر حكمه؛ إذ حكم الآية باقٍ.\n\"قالوا\": خامسًا: \"لمَّا أمرهم بالتمتُّع\"، ولم يتمتع \"تمسَّكوا بفعله\"؛ إذ استعظموا فعله بخلاف ما أمرهم به أولًا.\nففي \"الصحيحين\": أنه ﷺ في حجّة الوداع أمر من لم يكن له هَدْيٌ إذا طَافَ بالبَيْتِ وبالصَّفا والمَرْوة: أن يحل من إحرامه، وأن يجعل حَجَّتَهُ (^١) عُمْرَةً.\nوأن رسول الله ﷺ ثبت على إحرامه، وأن النَّاس استعظموا ذلك، وأن رسول الله ﷺ قال: \"لَوْلَا أَن مَعِيَ الهَدْيَ لْأَحْلَلْتُ\" (^٢)، وهي مسألة فسخ الحَجّ إلى العُمْرَةِ.\n\"قلنا\": الاستعظام \"لقوله ﵊: \"خُذُوا\" عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ\"، \"أو لفهم القرينة\".\nالشرح: \"قالوا\": سادسًا: \"لمَّا اختلفوا في \"وجوب \"الغُسْل بغير إنزال سأل عمر عائشة ﵄. فقالت: فَعَلْتُهُ أنا ورسول الله ﷺ[فاغتسلنا] \" (^٣).\n_________\n(^١) في ح: حجه.\n(^٢) أخرجه البخاري (١/ ٣٩٤) ومسلم (٤/ ٥٩) والبيهقي (٥/ ١٥) وأحمد (٣/ ١٨٥) من حديث سليم بن حيان: سمعت مروان الأصفر عن أنس بن مالك به.\n(^٣) سقط في أ.","vol":"2","page":116},{"text":"قُلْنَا: إِنَّمَا اسْتُفِيدَ مِنْ \"إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ\"، أَوْ لأَنَّهُ بَيَانُ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا﴾ [سورة المائدة: الآية ٦]؛ أَوْ لأَنَّهُ شَرْطُ الصَّلَاةِ أَوْ لِفَهْمِ الْوُجُوبِ.\n<hr><s0>\n\nوجاء في \"صحيح مسلم\": أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن الرجل يجامع امرأته، ثم يكسل، وعائشة جالسةٌ فقال رسول الله ﷺ: \"إِنِّي لأَفْعَلُ ذلِكَ أَنَا وَهذِهِ ثُمَّ نَغْتَسِلُ\" (^١).\n\"قلنا: إنما استفيد الوجوب من \"إِذَا الْتَقَى الخِتَانَانِ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ\"\" (^٢). وذلك فيما روى \"مسلم\" أنهم ذكروا ما يوجب الغُسْل، فقام أبو موسى (^٣) إلى عائشة ﵂ فسلَّم ثم قال: ما يوجب الغُسْل؟ فقالت: على الخَبِيرِ سَقَطْتَ. قال رسول الله ﷺ: \"إِذَا جَلَسَ بَيْنَ\n_________\n(^١) أخرجه مسْلم (١/ ٢٧٢) كتاب الحيض، باب: نسخ الماء من الماء رقم (٨٩) والبيهقي (١/ ١٦٤) من طريق ابن وهب: أخبرني عياض بن عبد الله عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله عن أم كلثوم عن عائشة زوج النبيّ ﷺ قالت: …\n(^٢) أخرجه الشافعي في المسند كما في ترتيب السندي ١/ ٣٧ في كتاب الطهارة حديث (١٠١)، وفي الأم ١/ ٣١، وأحمد في المسند ٦/ ٩٧، ٢٣٩، وأخرجه البخاري في التاريخ ٦/ ١٨٢، وابن ماجه بنحوه ١/ ٢٠٠ حديث (٦١١)، وضعفه البوصيري في الزوائد، والرازي في علل الحديث (٨٦)، والبيهقي من حديث أبي هريرة في السنن الكبرى ١/ ١٦٣ في الطهارة، باب وجوب الغسل بالتقاء الختانين، وينظر: نصب الراية ١/ ٨٤.\nتنبيه: قال النووي في التنقيح: هذا الحديث أصله صحيح، إلا أن فيه تغييرًا وتبع في ذلك ابن الصلاح؛ فإنه قال في مشكل الوسيط: هو ثابت من حديث عائشة بغير هذا اللفظ، وأما بهذا اللفظ فغير مذكور؛ انتهى. وقد عرف من رواية الشافعي ومن تابعه أنه مذكور باللفظ المذكور وأصله في مسلم بلفظ: \"إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل\". والختان: موضع القطع من ذكر الغلام ونواة الجارية، وقيل: سميت المصاهرة مخاتنة لالتقاء الختانين. والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم أن من جامع امرأته فغيب الحشفة وجب الغسل عليهما وإن لم ينزل، وهو قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعائشة وغيرهم.\n(^٣) عبد الله بن قيس بن سليم بن حَضَّار الأشعري: أبو موسى، هاجر إلى الحبشة، وعمل على \"زبيد\" و\"عدن\" وولي \"الكوفة\" لعمر و\"البصرة\" وفتح على يده \"تُسْتُر\" وعدة أمصار. له ثلاثمائة وستون حديثًا. وعنه ابن المسيب وأبو وائل وأبو عثمان النهدي وخلق. قال الهيثم: توفي سنة اثنتين وأربعين، وقيل غير ذلك. ينظر: تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٤، وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٦٢ (٦٢٥)، وتقريب التهذيب ١/ ٤٤١ (٥٥١)، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٨٩، والكاشف ٢/ ١١٩، وتاريخ البخاري الكبير ٥/ ٢٢، والثقات ٣/ ٢٢١، وسير الأعلام ٢/ ٣٨٠.","vol":"2","page":117},{"text":"قَالُوا: أَحْوَط، كَصَلَاةٍ، وَمُطَلَّقَةٍ لَمْ تتعَيَّنَا وَالْحَقُّ أَنَّ الاِحْتِيَاطَ (^١) فِيمَا ثَبَتَ وُجُوبُهُ أَوْ كَانَ الْأَصْلَ كَالثَّلَاثِينَ، فَأَمَّا مَا احْتَمَلَ بَعْضَ ذلِكَ فَلَا.\n<hr><s0>\n\nشُعَبِهَا الأَرْبَعِ وَمَسَّ الخِتَان، الخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ\" (^٢).\nوروى أحمد بن حنبل: أن عمر ﵁ بعث يسألها فقالت: \"إذا جَاوَزَ الخِتَان، الخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ\".\nأو [لأنه] (^٣) يسلم ما رَوَيْتُم من قولها: فعلتُه.\nقال الترمذي: روي بإسناد جَيّد عن عائشة ﵂ أنها قالت: \"إذا جاوز الخِتَانُ الخِتَانَ فقد وجب الغُسْل، فَعَلْتُهُ أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا\".\n[\"و\"نقول] (^٤): إنما استفيد الوجوب؛ \"لأنه بيان\" قوله - تعالى: \" ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [سورة المائدة: الآية ٦] \" والبيان يجب المُتَابعة فيه؛ \"أو لأنه شرط الصَّلاة\"، فإنه نوع من الطَّهَارة ففهم أتباعه بقوله ﵇: \"صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي\".\n\"أو لفهم الوجوب\" من فعله بقرينة.\nوأنا أقول: لعلَّ القرينة اغتسال عائشة ﵂ معه، ويكون الاحتجاج بفعلها هي، فإنها لا خصوصية لها، بل حكمها وحكمنا سواء، بخلافه هو ﷺ.\nالشرح: \"قالوا\": سابعًا: الأخذ بالوجوب \"أحوط\" (^٥)؛ حذرًا من الإثْمِ بالترك على تقدير\n_________\n(^١) في الحاشية: قلنا: الاحتياط في ما لا يحتمل التحريم ورد بوجوب صوم يوم الثلاثين من رمضان إذا غم.\n(^٢) أخرجه مسلم (١/ ٢٧١ - ٢٧٢) كتاب الحيض، باب نسخ (الماء من الماء) ووجوب الغسل بالتقاء الختانين رقم (٨٨) وأحمد (٦/ ٦٧) بنحوه، وعبد الرزاق (٩٣٩، ٩٥٤) من حديث عائشة مرفوعًا.\n(^٣) سقط في أ.\n(^٤) في أ، ح: يقول.\n(^٥) هذا دليل مأخوذ من القياس، توجيهه أن يقال: فعله الذي لم تعلم صفته دار بين كونه للوجوب ولغيره، فالأحوط أن يحمل على الوجوب قياسًا على وجوب قضاء الصلوات الخمس على من ترك واحدة منها ونسيها، فإنه لما لم يتعين الواحد الذي تركها حكم بوجوب قضاء الجميع؛ لأنه أحوط، وعلى وجوب الكف في المطلقة التي لم تتعين؛ فإنه إذا طلق الرجل واحدة من نسائه أو اشتبهت المطلقة بغيرها بأن نسيها فإنه يجب الكف عنهن جميعًا؛ لأنه أحوط أيضًا. أجاب المصنف عنه =","vol":"2","page":118},{"text":"النَّدْبُ: الْوُجُوبُ يَسْتَلْزِمُ التَّبْلِيغَ، وَالْإِبَاحَةُ مُنْتَفِيَةٌ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢١]، وَهُوَ ضَعِيفٌ.\n<hr><s0>\n\nالوُجُوبِ، \"كصلاة ومُطَلَّقة لم يتعيَّنا\"، فَإن تَارِكَ صلاةٍ لا [يعيّنها] (^١) من الخمس يجب عليه الخَمْس، ومطلق إحدى زوجتيه يجب عليه الكَفُّ عنهما.\n\"والحَقُّ أن الاحتياط\" إنَّما يكون \"فيما ثبت وجوبه\"، كالصَّلاة [المَنْسِيَّة] (^٢)، وترك الحرام في المطلقة.\n\"أو كان\" الوجوب فيه \"الأصل كالثلاثين\" إذا غُمَّ الهلال يفطر بناء على أصل شعبان، ومن رمضان بناء على أصل رمضان مع احتمال كون الأول من رمضان، والثاني من شَوَّال.\n\"فأما ما احتمل\" أصل الوجوب وعدمه\" [لغير] (^٣) ذلك\" - أي: بغير أن يكون واجبًا أو يكون الأصل وجوبه -، \"فلا\" يجب فيه الاحتياط.\nبل قد يقال: لا يجوز؛ لاحتمال التحريم في حقنا، وهو هنا كذلك؛ لأن فعله ﷺ ثبت وجوبه، والأصل الوجوب.\nالشرح: واحتج من قال: \"النَّدْب\" هو الثابت، فقال: \"الوجوب يستلزمُ التبليغَ\"؛ لقوله تعالى: ﴿بَلِّغْ﴾ والتقدير أنه لم يبلغ.\n\"والإباحةُ منفيةٌ بقوله - تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢١] \"؛ لأن أقل درجات الحَسَنَةِ الندب، وإذا انتفى الوجوب والإباحة، ثبت النَّدْب.\n\"وهو ضعيف\"؛ لأن الفعل إن لم يكن تبليغًا فنسبة الوجوب والندب إليه سواء، لوجوب التَّبليغ عليه فيهما.\n_________\n= بالفرق بين المقيس والمقيس عليه بتحقق الاحتياط في الأول دون الثاني؛ فإن الاحتياط إنما يتحقق فيما ثبت وجوبه كالصلاة الفائتة والكف عن المطلقة، أو كان الوجوب هو الأصل كيوم ثلاثين من رمضان، فإنه إذا غم ليلة ثلاثين من رمضان يحتمل أن يكون يوم ثلاثين من رمضان؛ فيحكم بوجوب صومه، بناء على أنه الأصل؛ لأن الأصل بقاء الشيء على ما كان عليه، والوجوب لما ثبت في المقيس عليه عملنا فيه بطريق الاحتياط، ولم يثبت في المقيس، ولم يكن الوجوب فيه أصلًا؛ فلم نعمل فيه بطريق الاحتياط. قاله الأصفهاني في شرح المختصر.\n(^١) في ب: بعينها.\n(^٢) في ح: المنشية.\n(^٣) في أ، ح: بغير.","vol":"2","page":119},{"text":"الْإِبَاحَةُ: هُو الْمُتَحَقَّقُ فَوَجَبَ الْوُقُوفُ عِنْدَهُ.\nأُجِيبَ إِذَا لَمْ يَظْهَرْ قَصْدُ الْقُرْبَةِ.\n<hr><s0>\n\nوأيضًا فلم قلتم: إن الإباحة ليست أسوة حسنة، وقد تقدم أن المباح حسن.\nوأيضًا فقد يقال: قوله: لكم في الآية يدلّ على الندب؛ إذ لم يقل: عليكم، فانتفى الوجوب، والمُبَاح منتفٍ؛ لأن اللازم للاختصاص بجهة النفع، والظَّاهر من الشَّرع: اعتبار النَّفع الأخروي.\nوالحَقُّ عندي أن هذه الآية لا تدلُّ لوجوب، ولا ندبٍ، ولا إباحةٍ كما قررته في \"شرح المنهاج\".\nالشرح: واحتجّ من قال: \"للإباحة\" بأن المباح \"هو المتحقق\"، والأصل عدم قيد زائدٍ عليه، فوجب الوقوف عنده (^١).\nأجيب\": إنما يكون هو المتحقق \"إذا لم يظهر قصد القرينة\".\nأما إذا ظهرت، فالمحقق الترجيحُ.\nواعلم: أن الإمام أبا المُظَفّر بن السمعاني نَصَرَ القَوْلَ بالوجوب نصرًا مؤزّرًا وقال: إنه الأشبه بمذهب الشافعي، ولكنه لم يتكلَّم إلا فيما ظهر فيه قصد القرينة؛ ولذلك لم يَحْك قول الإباحة.\nوأن ما تقدم من أن ما وضح فيه أمر الجِبِلَّةِ لا دليل فيه له عندي صور:\nأحدها: ما كان من هواجس النفس والحركات البشرية، كتصرُّف الأعضاء، وحركات الجسد.\nقال ابنُ السَّمعاني: فلا يتعلّق بذلك أمر باتباع ولا نَهْي عن مخالفة.\nقلت: مع القطع بأنه مشروع له ﷺ على ما عُرف في مسألة العصمة من أنه على الصَّواب في الحركات والسَّكنات عليه أفضَل الصَّلاة والسَّلام.\n_________\n(^١) هذه شبهة للقائلين بالإباحة، وتقريرها أن يقال: الأصل في الأفعال كلها - إنما هو الإباحة ورفع الحرج عن الفعل والترك إلا ما دل الدليل على تغييره، والأصل عدم التغيير، فوجب الوقوف عند ما هو المتحقق، وهو مساواة الفعل والترك؛ إذ الأصل أيضًا عدم ترجيح أحدهما على الآخر، ولهذا يخرج المندوب عن هذه الشبهة إلى أنه لا تدل عليه على ما ظن بعض الناظرين. وتوجيه الجواب أن يقال: نحن نقول بالإباحة في كل فعل لم يظهر من النبي ﵇ قصد التقرب به إلى =","vol":"2","page":120},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالصورة الثانية: ما لا يتعلّق بالعبادات وليس مما تقدم، كأحواله في مَأْكَلِهِ ومشربه وملبسه، ونومه ويقظته.\nقال ابنُ السَّمعاني: فيدل ذلك على الإباحة دون الوجوب.\nقلت: وعندي أنه مع ذلك مستحبّ التأسِّي، فقد كان ابن عمر ﵁ لما حج يَجُرُّ خطَامَ ناقته حتى [يبركها] (^١) حيث بَرَكَتْ ناقة النبي ﷺ تبرُّكًا بآثاره [الطَّاهرة] (^٢).\nوفي الصحيح عن عبيد بن جريج (^٣) أنه سأل ابن عمر (^٤): رأيناك تصنع أربعًا وفيها تلبس\n_________\n= الله تعالى، وأما ما ظهر منه فصد التقرب به فيمتنع أن يكون مباحًا بمعنى نفي الحرج عن فعله وتركه مع عدم ترجح الفعل على الترك؛ فإن مثل ذلك لا يتقرب به، وذلك مما يجب حمله على ترجح جانب الفعل على الترك على ما مر، وإنما ترك شبهة القائلين بالوقف، وهي أن فعله يحتمل أن يكون مخصوصًا به، وألا يكون، وحينئذ إما أن يكون واجبًا أو مندوبًا، ولا صيغة للفعل تدل على البعض، وليس البعض أولى؛ فيلزم الوقف إلى أن يقوم الدليل على التعيين.\nوجوابها وهو أنهم إن أرادوا بالوقف عدم الحكم بالإيجاب والندب والإباحة إلى أن يقوم الدليل على تعين ذلك فهو الحق، وهو عين ما قررناه، وإن أرادوا به الإحجام عن الحكم بأحد هذه الأمور الثابت في نفس الأمر؛ لتعارض الأدلة المنقولة عن القائلين بالوجوب والندب والإباحة ففاسد؛ لبطلان تلك الأدلة، وكون المبني على الفاسد فاسدًا. ومما يختص بالرد على الواقفية ههنا أنه لا يلزم سن انتفاء صيغة الفعل انتفاء دلالته، وليس كل ما يدل يدل بالصيغة بل وبغيرها، كدلالة الفعل مع ظهور قصد القربة على الندب، ودونه على الإباحة على ما مر بيانه. وقد يرد على الواقفية بهذا الوجه أيضًا، وهو أنهم إن أرادوا بالوقف أنا لا نحكم بأحد هذه الأمور إلا أن يقوم الدليل عليه فهو حق، وإن أرادوا به أن الثابت في نفس الأمر أحد هذه الثلاثة لكنا لا نعرفه بعينه فهو فاسد؛ لأن ذلك يستدعي دليلًا، ولا دلالة للفعل على شيء سوى ترجيح الفعل على الترك عند ظهور قصد القربة، ونفي الحرج مطلقًا عند عدمه، والأصل عدم دليل سوى الفعل. ينظر: الشيرازي ١٨٢ ب/خ.\n(^١) في أ، ب، ح: يتركها.\n(^٢) في ح: الظاهرة.\n(^٣) عبيد بن جريج التيمي؛ مولاهم المدني. عن ابن عمر فرد حديث عندهم. وعن أبي هريرة. وعنه المقْبُرِي وزيد بن أسلم. وثقه النسائي. ينظر: تهذيب الكمال ٢/ ٨٩٤، وتهذيب التهذيب ٧/ ٦٢، (١٢٥)، وتقريب التهذيب ١/ ٥٤٢، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٢٠١، والكاشف ٢/ ٢٣٦، وتاريخ البخاري الكبير ٥/ ٤٤٤، الجرح والتعديل ٥/ ١٨٦٨، والثقات ٥/ ١٣٣.\n(^٤) عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي أبو عبد الرحمن المكي، هاجر مع أبيه وشهد الخندق وبيعة الرضوان. له ألف وستمائة وثلاثون حديثًا. قال شمس الدين بن الذهبي: كان إمامًا متينًا =","vol":"2","page":121},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالنِّعَال السَّبْتِيَّة، فأجابه بأنه رأى النبي ﷺ يلبسها، وآثار (^١) الصحابة والتابعين ﵃ في ذلك - كثيرة.\nوقذ ذكر البُخَاري (^٢) في \"باب الاقتداء بأفعال النبي ﷺ \" حديث ابن عمر، أن النبي ﷺ اتخذ خاتمًا من ذهب فاتَّخذ النَّاس خواتيمَ من ذَهَبٍ فنبذه وقال: \"إِنِّي لَنْ أَلْبَسَهُ أَبَدًا\" (^٣)، فنبذ النَّاسُ خواتيمهم.\nوقول الغَزَّالي: يحتمل أن يكون استدلالهم بذلك - مع قرائن حسمت بقيةَ الاحتمالاتِ،\n_________\n= واسع العلم غير الاتباع وافر النسك كبير القدر متين الديانة عظيم الحرمة. ذكر للخلافة يوم التحيكم وخوطب في ذلك، فقال: على ألَّا يجري فيها دم. قال أبو نعيم: مات سنة أربع وسبعين. وينظر ترجمته في: تهذيب التهذيب ٥/ ٣٢٨ (٥٦٥)، وتقريب التهذيب ١/ ٤٣٥ (٤٩١)، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٨١، والكاشف ٢/ ١١٢، وناريخ البخاري الكبير ٥/ ٢، ١٤٥، وتاريخ البخاري الصغير ١/ ١٥٤، ١٥٧، والجرح والتعديل ٥/ ١٠٧، وأسد الغابة ٣/ ٣٤٠، وتجريد أسماء الصحابة ١/ ٣٢٥، والإصابة ٤/ ١٨١، والاستيعاب (٣ - ٤) ٩٥٠.\n(^١) آثار جمع أثر، والأثر: محركة - بقية الشيء، وجمعة آثار وأثور والخبر، وأثر فيه تأثيرًا ترك فيه أثرًا، والآثار الأعلام، والأثر نقل الحديث وروايته.\nفي الاصطلاح كالحديث والخبر عند الجمهور، يطلق على المرفوع والموقوف والمقطوع، وقال شيخ الإسلام ابن حجر: ويقال للموقوف والمقطوع: الأثر.\nوقال النووي: وعند المحدثين كل هذا يسمى أثرًا. أما فقهاء خراسان: فإنهم يخصون الأثر بالموقوف. ينظر: غيث المستغيث ٧، ٨.\n(^٢) أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري صاحب الصحيح ولد سنة ١٩٤ أخذ عن أصحاب الشافعي: الحميدي والزعفراني والكرابيسي وأبي ثور حدث عنه الترمذي وصالح جزرة، وابن خزيمة وابن صاعد في كثيرين قال ابن خزيمة: ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من البخاري، مات سنة ٢٥٦. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٨٣، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٥٥٥، وطبقات السبكي ٢/ ٢، ووفيات الأعيان ٣/ ٣٢٩، وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٧، والنجوم الزاهرة ٣/ ٢٥، ومعجم البلدان ١/ ٥٣١، والوافي بالوفيات ٢/ ٢٠٦.\n(^٣) أخرجه البخاري ١٠/ ٣٢٨، في اللباس، باب: خواتيم الذهب (٥٨٦٥)، (٥٨٦٦)، (٥٨٦٧)، (٦٦٥١)، (٧٢٩٨)، وأخرجه مسلم ٣/ ١٦٥٥، في كتاب اللباس والزينة، باب: تحريم خاتم الذهب على الرجال (٥٣/ ٢٠٩١).","vol":"2","page":122},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوكلامنا في الفعل المجرد دون القَرِينَةِ صحيح، ولكنه لا يدفع الظهور، فإن الأصلَ عدم القرائن، فَلْيَسَعْنَا ما وَسَعَ الصَّحابة من الاقتداء والتأسِّي.\nقلت: وأنا أستحسن أن يستدل بما في \"الصحيحين\" عن عائشة ﵂ قالت: \"إن كان رسول الله ﷺ لَيَدَعُ العَمَلَ وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمله الناس فيفرض عليهم\" ففي هذا دليل على أمرين:\nأحدهما: أن الفرض عليهم لم يكن بنفس فعله، بل بفرض من الله - تعالى - إذا اقتدوا بما فيه.\nالثَّاني: أن الناس كانوا يتأسَّوْن وإن لم يفهموا الصّفة.\nوالثالث: ما احتمل أن يخرج عن الجِبِلَّةِ للتشريع بمواظبة على وَجْهٍ خاص ونحوها، وهو دون ما ظهر فيه قَصْد القرينة [القُرْبَةِ]، وفوق ما ظهر [فيه] (^١) الجِبِلِّي، ولم يذكره الأصوليون، وربما ترقَّى القولُ فيه في بعض أفراده إلى الوجوب.\nفقد رأى الشَّافعي ﵁ فساد الصَّلاة بترك الجلوس بين الخُطْبَتَيْنِ؛ لأنه ﷺ كان يجلس بين الخُطْبَتَيْنِ (^٢).\nأو إلى الجَزْمِ بالندب، فقد استحب أصحابنا الاضطجاع على الجانب الأيمن بين ركعتي الفجر وصلاته، سواء اكان للمرء تهجّد أم لا؛ لقول عائشة ﵂: \"كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا\n_________\n(^١) سقط في ح.\n(^٢) الشافعية يرون على سبيل الوجوب الجلوس بينهما، وخالف في هذا أبو حنيفة ومالك وأحمد حيث قالوا: إنه سنة وليس بشرط. يدل للشافعية ما ثبت من مواظبة رسول الله ﷺ ومن بعده عليه، وتجب الطمأنينة فيه كما في الجلوس بين السجدتين، ولو خطب قاعدًا لعجزه عن القيام لم يضطجع بينهما للفصل لكن يفصل بينهما بسكتة خفيفة. وهل يسكت في الجلوس. أو يقرأ، أو يذكر؟ في صحيح ابن حبان \"أنه ﷺ كان يقرأ فيه\" أفاد ذلك الأذرعي.\nوقال ابن حجر: يسن قراءة الإخلاص، فإن قيل: لم عد القيام والقعود هنا من الشروط، ولم يعدا ركنين كما في الصلاة؟ أجاب إمام الحرمين بأنه لا حجر على من يعدهما ركنين، ويمكن الفرق بأن الخطبة ليست إلا الذكر والوعظ، ولا ريب أن القيام والجلوس ليسا بجزءين منها بخلاف الصلاة؛ فإنها جملة أعمال؛ فكانا جزءين فكانا ركنين.","vol":"2","page":123},{"text":"<span data-type='title' id=toc-460>دِلالَةُ سُكُوتِهِ ﷺ </span>-\nمَسْأَلَةٌ:\nإِذَا عَلِمَ بِفِعْلٍ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ قَادِرًا، فَإِنْ كَانَ كَمُضِيِّ كَافِرٍ إِلَى\n<hr><s0>\n\nصَلَّى رَكْعَتَي الفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ\" (^١).\nأو وقعٍ خلاف، كدخوله ﷺ \"مكة\" من ثَنيَّة \"كَدَاء\"، [أو] (^٢) خروجه من ثنية وحجه راكبًا، وطوافه راكبًا، وذهابه إلى العيد في طريق وإيابِهِ في آخر.\nوقد اختلف الأصحاب في كل هذا، هل يحمل على الجِبِلَّةِ فلا يستحب، أو على التشريع [فيستحب] (^٣)؟، والله الموفق.\n\n\"تنبيه\" (^٤)\nإذا أقام النبي ﷺ حدًّا على إنسان أفاد الوجوب، وإن لم يكن هناك قرينة أصلًا بالاتفاق.\nومن قال: إن الفعل المجرّد للندب أو للإباحة.\nنقول: هنا قرينة، وهي أنه لا يجوز إدخال الألم على بَدَنِ الإنسان إلا أن يكون واجبًا عليه، ذكره سليم الرَّازي في \"التقريب\".\n\n\"مسألة\"\nالشرح: في دلالة سكوته ﷺ عمن فعل فعلًا.\n\"إذا علم\" النبي ﷺ \"بفعل ولم ينكره\"، مع كونه ﵇ \"قادرًا\" على الإنكار (^٥).\n\"فإن كان\" الفعل مما تقدَّم منه ﵊ بيان قُبْحِهِ، وتقرير فاعله مع ذلك بوجه شرعي، \"كمضي كافر إلى كَنِيسَةٍ\" (^٦)، فإنه مقر على ذلك بعد بَذْلِ الجزية \"فلا أثر للسكوت\n_________\n(^١) أخرجه البخاري ٣/ ٥٤، كتاب التهجد: باب الحديث بعد ركعتي الفجر (١١٦٢).\n(^٢) في أ، ح: و.\n(^٣) في ح: فتستحب.\n(^٤) التنبيه هو إعلام ما في ضمير المتكلم المخاطب أو إعلام أن الآتي مهم. ينظر: قواعد الفقه (٢٣٨).\n(^٥) ينظر: شرح العضد ٢/ ٢٥، والإحكام للآمدي ١/ ١٧٣، وشرح الكوكب المنير ٢/ ١٩٤، والبرهان ١/ ٤٩٨ (٤٠٧)، وحاشية البناني ٢/ ٩٥، والتلويح على التوضيح ١/ ٤١ تيسير التحرير ٣/ ١٢٨، وفواتح الرحموت ٢/ ١٨٣، وإرشاد الفحول ص ٤١.\n(^٦) الكنيسة: متعبد اليهود أو النصارى أو الكفار أو موضع صلاة اليهود فقط، وتطلق الآن على متعبد النصارى. ينظر: قواعد الفقه ٤٤٩.","vol":"2","page":124},{"text":"كَنِيسَةٍ، فَلا أَثَرَ لِلسُّكُوتِ اتِّفَاقًا، وَإِلَّا دَلَّ عَلَى الْجَوَازِ، وَإِنْ سَبَقَ تَحْرِيمُه، فَنَسْخٌ، وَإلَّا لَزِمَ\n<hr><s0>\n\nولا دلالة [له] (^١) على جواز\" الفعل.\nقلت: وكان ينبغي التمثيل بغير مُضِيِّهِ إلى الكنيسة فإن ذلك بمجرده غير حرام لا على الكافر ولا المسلم، ولعلَّ المراد المُضِيّ على وجه التعبُّد بمعتقد الكافر.\nوإلا - أي: وإن لم يكن قد بين قُبحه، دلَّ سكوته على الجواز - جواز ذلك الفِعْلِ ويستثنى ما إذا كان قد أقدم على ذلك الفِعْلِ ممن علم أنه لا ينفع فيه الإنكار.\nقال الإمام: التقرير دالّ على رفغ الحَرَجِ إلا في موضع \"واحد وهو ألَّا يبعد أن يرى رسول الله ﷺ آتيًا عليه ممتنعًا عن القَبُولِ لا سيَّما وقد أخبره الله - تعالى - أنه لا يؤمن، سواء أنذر أم لا ينذر.\nفإذا رآه يسجد لِصَنَمٍ بعدما أنكر عليه مرارًا، وأمكن حمل سكوته على يأس من القَبُول، فلا يدل على تقدير شرع، نقل هذا الكلام عن الإمام تلميذُه أبو نصر بن القُشَيري.\n[ومَثَّلَ] (^٢) الإمام في \"البرهان\" لما نحن فيه بالمنافق والكافر، ووافقه المَازِرِيّ على التمثيل بالكافر قال: وأما المُنَافق فإنا نقيم عليه الحَدّ؛ لجريان الأحكام على المنافقين ظاهرًا.\nوحكى الغزالي في \"المنخول\" في [تَعْزِيرِ] (^٣) المُنَافقين خلافًا (^٤).\nومال إلكيا الهراسي إلى ما قاله إمامه قال: لأنه ﵇ كان كثيرًا ما يسكت عن المنافقين علمًا فنه أن العِظَةَ لا تنفع فيهم، وأن كلمة العذاب حقَّتْ عليهم.\nقلت: هو مستمدٌّ من قول الإمام فيما حكاه عن المحقّقين في باب التَّعْزِير فيمن علم أن التأديب لا يحصل إلا بالضَّرْب المبرح؛ أنه ليس له - الضرب، لا المبرح، لأنه مهلك ولا غيره؛ لعدم إفادته.\nقلت: والمختار عندنا قول المَاوَرْدِيّ، فإن الحدود والتَّعْزِيرَات لا ينبغي أن تترك لمثل هذا.\nوقد رَدَّ الرافعي ﵀ ما نقله الإمام، وقال: يشبه أن [الضرب] (^٥) يضرب ضربًا غير\n_________\n(^١) سقط في ح.\n(^٢) في ب: وقيل.\n(^٣) في ب، ح: تقرير.\n(^٤) ينظر: المنخول (٢٣٠).\n(^٥) سقط في أ، ح.","vol":"2","page":125},{"text":"ارْتِكَابُ مُحَرَّمٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ، فَإِنِ اسْتَبْشَرَ بِهِ فَأَوْضَح، وَتَمَسُّكَ الشَّافِعِيُّ ﵁\n<hr><s0>\n\nمبرح إقامة لصورة الواجب، وهذا هو الحق.\n\"وإن\" كان قد \"سبق تحريمه فنسخ\" - أي: فسكوته نسخ للتحريم السَّابق - \"وإلا لزم\" أن يقع منه ﷺ \"ارتكاب محرم، وهو باطل\"، فلا يقر على باطل وقد وصفه الله - تعالى - بقوله: ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٥٧] فهو ﵇ ينكر المنكر، ولو عرف أن مرتكبه لا يرجع، كما أنه يجب علينا الإنكار، وإن [علمنا] (^١) أنه لا يفيد.\nفإن عُلِمَ من حال مرتكب المنكر أن الإنكار يزيده إغراء على مثله.\nقال ابن السمعاني: فإن كان العالم غير النبي ﷺ لم يجب الإنكار، وإلا فوجهان:\nأحدهما: لا يجب، وهو قول المعتزلة.\nوالثَّاني: الوجوب، ليزول بالإنكار توهُّم الإباحة، وهو قول الأشعرية وهو أظهر.\nهذا كلام ابن السَّمْعَانيِّ، وهو [منازع] (^٢) فيما أسلفناه عن الإمام.\nواعلم: أن ما ذكره المصنّف من اشتراط كون النبي ﷺ قادرًا على الإنكار عندي غير محتاج إليه، فقد ذكر الفقهاء أن من خصائصه ﷺ عدم سقوط وجوب تغيير المنكر بالخَوْفِ على نفسه بعد إخبار ربه - تعالى - بعصمته في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦٧].\nوما ذكر من دلالة السكوت على أن الفعل غير محرم حقّ.\nوأما الاستدلال به على خصوص الإباحة، فكان أبي ﵀ أولًا يقف فيه ويقول: غاية دلالة السكوت أنه لا حَرَجَ في الفِعْلِ، فمن أين أنشأ الإباحة؟.\nوذكر أنه سأل الشيخ صدر الدين بن المُرَحّل قديمًا هذا السؤال، ولم يحصل جواب، ثم كان آخرًا يقول: جوابه أنهم نقلوا أنه لا يجوز الإقدام على فعل حتى يعرف حكمه، فالفعل الذي أقدم عليه لو لم يكن مباحًا لحرم الإقدام عليه، بلا علم بحكمه. فمن هنا التقرير على الإباحة بخلاف السكوت عند السُّؤال.\nقولهم: لا يجوز الإقدام حتى يعرف حكمه في غاية الإشكال، وإن كان الشافعي ادَّعى الإجماع فيها، وكذا الغزالي في \"المستصفى\"، فإنهم قد صَرَّحُوا بالبراءة الأصليَّة، وأنه لا حرج في الإقدام إذ ذاك؛ إذ لا حكم.\n_________\n(^١) في أ، ب، ح: عرفنا.\n(^٢) في ب، ح: ينازع.","vol":"2","page":126},{"text":"فِي الْقِيَافَةِ بِالاِسْتِبْشَارِ، وَتَرْكِ الْإِنْكَارِ لِقَوْلِ المُدْلِجِيِّ، وَقَدْ بَدَتْ لَهُ أَقْدَامُ زَيْدٍ وَأُسَامَةَ ﵄: \"إِنَّ هذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ\".\n<hr><s0>\n\nوسمعت أبي ﵁ يقول: محلّ الإجماع محمول على ما إذا أقدم بلا سبب ومحل عدم الحرج، ما إذا أقدم مستندًا إلى البراءة الأصليَّة.\nوهذا أيضًا عندي فيه نظر، فإن ما لا حرَجَ في فعله لا يستدعي من فاعله أن يستند فيه إلى سبب، نعم يستدعي ألا يقدم عليه ظانًّا أن فيه حرجًا، كما يحرم إقدام الرجل على وطء زوجته ظانًا أنها أجنبية.\nوالذي يظهر لي في هذه القاعدة: أن المنفي في كلامهم هو الجواز الشرعي وهو [حق] (^١)؛ إذ الفرض أن لا حكم فلا جواز، ولكنه إذا قدم فلا يعاقب؛ إذ لا حكم أيضًا.\nوحينئذ أقول: قول أبي ﵀ فالذي أقدم عليه لو لم يكن مباحًا لكان حرامًا - ممنوع، بل هو لا حرام ولا مُبَاح؛ لأن الحرام والمباح حكمان شرعيَّان مندرجان تحت مطلق الحكم، ولا حكم، فانتفيا بانتفاء الأعم منهما.\nنعم قد يجاب عن السؤال من أصله بأن تقريره على الفعل يوهم الإباحة فلو لم يحكم الشرع فيه بالحل لما جاز السُّكوت؛ لما فيه من [الإيهام] (^٢)، وهذا بخلاف حالة ترك الجواب عند السؤال؛ إذ لا فعل هناك واقع، والسَّائل محقق أنه ينتظر الجواب، فلا محذور في ترك الجواب، بل السكوت محمول على عدم نزول الوحي قطعًا.\nفإن قلت: إذا كان لا يقر على باطل فكيف سكت عن أبي سفيان (^٣) وهو يقول له في بيَت أُم\n_________\n(^١) في ب: جواز.\n(^٢) في أ، ب: الإبهام.\n(^٣) صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس الأموي أبو سفيان من مُسلمة الفتح، وشهد حنينًا، وأعطي من غنائمها مائة بعير وأربعين أوقية، وشهد الطائف واليرموك، وأبلى فيه بلاءً حسنًا، وذهبت عينه في ذلك اليوم، له أحاديث. قال ابن سعد: مات سنة اثنتين وثلاثين. وقال المدائني: سنة أربع وثلاثين.\nينظر ترجمته في: تهذيب الكمال ٢/ ٦٠٢، وتهذيب التهذيب ٤/ ٤١١، وتقريب التهذيب ١/ ٣٦٥، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ٤٦٦، والكاشف ٢/ ٢٦، وتاريخ البخاري الكبير ٤/ ٣١٠، وتاريخ البخاري الصغير ١/ ٤٤، ٦٩، ٧٠، ١١٢، والجرح والتعديل ٤/ ١٨٦٩، والوافي بالوفيات ١٦/ ٢٨٤، وأسد الغابة ٣/ ١٠، وتجريد أسماء الصحابة ١/ ٢٦٣، والإصابة ٣/ ٤١٢، والاستيعاب ٢/ ٧١٤، والثقات ٣/ ١٩٣.","vol":"2","page":127},{"text":"وَأُورِدَ أَنَّ تَرْكَ الإِنْكَارِ لِمُوَافَقَةِ الْحَقِّ، وَالْاِسْتِبْشَارَ مَعًا بِمَا يُلْزِمُ الْخَصْمَ عَلَى أَصْلِهِ؛ لأَنَّ الْمَنَافِقِينَ تَعَرَّضُوا لِذلِكَ.\n<hr><s0>\n\nحبيبة (^١): تركتك فتركتك العرب، ولا ينتطح فيها جَمَّاءُ ولا قَرْنَاءُ. وهو ﷺ يبتسم ويقول: \"أَنْتَ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أَبَا حَنْظَلَةَ؟! \" وكان أبو سفيان مبطلًا فيما قاله، فإن العرب لم تترك النبي ﷺ بل كان معه صناديدُهم.\nقلت: لم يقر ﷺ حيث قال: \"أَنْتَ تَقُولُ يَا أَبَا حَنْظَلَةَ؟! \"، وهي عبارة يفهم منها الرد؛ لأن الحصر مفهوم منه. فكأنه قال: لا يقول أحد غيرك هذا. والصدق لا يختص أنت تقول يا أبا حنظلة\" (^٢) وهذا من جوامع كلمه ﷺ.\nفإن قلت: ولم لا صرح بالإنكار؟\nقلت: لأنه كان في وقت استجلاب خاطر أبي سُفْيَانَ لمصلحة المسلمين، وكان أيضًا حكمه إذ ذاك، كما روى الزبير بن بَكَّار (^٣) - ويكنيه أبا حَنْظَلَة - فما أقر على باطل، ولا نهر بالإنكار ﷺ.\n\"فإن\" كان الفعل مما \"استبشر\" النبي ﷺ \"به، فأوضح\" في الاستدلال على الجواز.\n\"وتمسّك الشافعي ﵁ في \"إثبات \"القِيَافَة\" (^٤)، وإلحاق النسب بها\n_________\n(^١) رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب الأموية، أم حبيبة وأم المؤمنين. لها خمسة وستون حديثًا. اتفقا على حديثين، وانفرد مسلم بمثلها. وعنها ابنتها حبيبة وأخواها معاوية وعنبسة، قال أبو عبيد: توفيت سنة أربع وأربعين. ينظر ترجمتها في: تهذيب ١٢/ ٤١٩ ت ٢٧٩٤، وتقريب ٢/ ٥٩٨، والثقات ٣/ ١٣١، وأسد الغابة ٧/ ١١٥، والاستيعاب ٤/ ١٨٤٣، ١٩٢٩، والإصابة ٧/ ٦٥١، وتجريد أسماء الصحابة ٢/ ٢٦٨، وتهذيب الكمال ٣/ ١٦٨٣، والخلاصة ٣/ ٣٨٢، ٤٠٥.\n(^٢) أخرجه البيهقي في \"دلائل النبوة\" (٥/ ١١) والزبير بن بكار وابن عساكر كما في \"كنز العمال\" (١٨٦٤٥).\n(^٣) الزبير بن بكار بن عبد الله القرشي الأسدي المكي، من أحفاد الزببر بن العوام أبو عبد الله؛ عالم بالأنساب وأخبار العرب، راوية، ولد بالمدينة سنة ١٧٢ هـ، وولي قضاء مكة فتوفي فيها سنة ٢٥٦ هـ، من تصانيفه: أخبار العرب وأيامها، نسب قريش وأخبارها، جمهرة نسب قريش، والأوس والخزرج، ووفود النعمان على كسرى، وله مجموع في الأخبار ونوادر التاريخ سماه \"الموفقيات\".\nينظر: الأعلام ٣/ ٤٢، وتاريخ بغداد ٨/ ٤٦٧، وآداب اللغة ٢/ ١٩٣.\n(^٤) القائف: هو الذي يعرف النسب بفراسته ونظره إلى أعضاء المولود، والقيافة بالكسر تتبع الأثر. ينظر: قواعد الفقه ٤٢٠.","vol":"2","page":128},{"text":"وَأُجِيبَ بأَنَّ مُوَافَقَةَ الْحَقِّ لَا تَمْنَعُ إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ مُنْكَرًا، وَإلْزَامُ الْخَصْمِ حَصَلَ بِالْقِيَافَةِ، فَلَا يَصْلُحُ مَانِعًا.\n<hr><s0>\n\n\"بالاستبشار\" الصَّادر من النبي ﷺ \"وترك الإنكار لقول\" مُجَزِّز (^١) - بضم الميم، وفتح الجيم، ثم الزاي المكسورة ثم زاي أخرى - \"المدّلجِيّ، وقد بدت له أقدام زيد وأسامة: \"إن هذه الأقدام بعضها من بعض\"\".\nففي \"الصحيحين\" (^٢) عن عائشة ﵂ قالت: دَخَلَ عَلَيَّ رسولُ اللهِ ﷺ ذات يوم مسرورًا فقال: \"يَا عَائِشَة، أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا المُدّلجِيّ دخل عَلَيَّ فرَأَى أُسَامَةَ وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا روءسهما وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا\" فقال: \"إن هذه الأقدام بعضها من بعض\"، زاد أبو داود: وكان أسامة أسود شديد السواد وزيد أبيض شديد البياض.\n\"وأورد\" على تمسُّك الشَّافعي، فقيل: لا نسلم \"أن ترك الإنكار\" منه ﷺ كان لجواز إلحاق النَّسَبِ بِالقِيَافَةِ، بل \"لموافقة الحق\" في نفس الأمر، \"والاستبشار\" وإنما كان لحكمها \"بما يلزم الخصم\" - أعني: \"المنافقين\" (^٣) - \"على أصله\" - وهو إثبات النسب - بالقِيَافَةِ؛ \"لأن [المنافقين] (^٤) تعرَّضوا لذلك\" وزعموا لسواد أسامة، وبياض زيد أنه ليس ابنه، فلمَّا كذبهم أصلهم استبشر به.\n\"وأجيب: بأن موافقة الحَقّ لا تمنع\" من الإنكار \"إذا كان الطريق\" المؤدّي إلى الحق\n_________\n(^١) مُجَزِّز المدلجي وهو ابن الأعور بن جعدة بن معاذ بن عتوارة بن عمرو بن مدلج الكناني مذكور في الصحيحين من طريق الزهري عن عروة عن عائشة قالت: دخل على النبيّ ﷺ مسرورًا تبرق أسارير وجهه، فقال: \"ألم تر أن مجززًا المدلجي نظر آنفًا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد، فقال: إن بعض هذه الأقدام من بعض\" وفي رواية ابن قتيبة: مر على زيد وأسامة وقد غطيا رءوسهما، وبدت أقدامهما\". وذكر قاسم بن ثابت في الدلائل عن موسى بن هارون بن مصعب الزبيري أنه لم يكن اسمه مجززًا، وإنما قيل له ذلك، لأنه كان إذا أسر أسيرًا جز ناصيته وأطلقه، وذكره ابن يونس في تاريخ مصر.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤/ ٢١٣) كتاب فضائل أصحابُ النبيّ ﷺ، باب مناقب زيد بن حارثة، ومسلم (٢/ ١٠٨١ - ١٠٨٢) كتاب الرضاع، باب العمل بإلحاق القائف الولد حديث (٣٨، ٣٩، ٤٠).\nوأبو داود (٢/ ٦٩٨ - ٦٩٩) كتاب الطلاق (٢٢٦٧ - ٢٢٦٨) والترمذي، (٤/ ٤٠) في أبواب الولاء والهبة (٢١٢٩) والنسائي (٦/ ١٨٤ - ١٨٥) وابن ماجه (٢/ ٧٨٧) وأحمد (٦/ ٨٢، ٢٢٦) من حديث عائشة.\n(^٣) في أ، ب، ح: المناقضين.\n(^٤) في أ، ح: المناقضين.","vol":"2","page":129},{"text":"<span data-type='title' id=toc-462>حُكْمُ الفِعْلَيْنِ الصَّادِرينِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ وَعَلَاقَةُ القَوْلِ بِالفِعْلِ</span>\n<span data-type='title' id=toc-463>مَسْأَلَةٌ:\nالْفِعْلَانِ لَا يَتَعَارَضَانِ </span>كَـ\"ـــصَوْمٍ\"، وَ\"أَكْلٍ\" لِجَوَازِ [تَحْرِيمِ الْأَكْلِ] فِي وَقْتِ، وَالْإِبَاحَةِ فِي آخَرَ، إِلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ تَكْرِيرِ الْأَوَّلِ لَه، أَوْ لأُمَّتِهِ، فَيَكُونُ الثَّانِي نَاسِخًا.\nفَإِنْ كَانَ مَعَهُ قَوْلٌ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى تَكَرُّرٍ وَلَا تَأَسٍ بِهِ، وَالْقَوْلُ خَاصٌّ بِهِ وَتَأَخَّرَ فَلَا تَعَارُضَ.\n<hr><s0>\n\n\"منكرًا\" وإلا لأوهم ترك الإنكار؛ لأنه حاصل بها سواء ثبت النسبة بها أم لم يثبت.\n\n\"تنبيه\"\nإذا دلَّ التقريرُ على انتفاء الحرجِ، فهل يختص بمن قرر أو يعم سائر المكلفين؟\nوذهب القاضي إلى الأول، والإمام إلى الثَّاني، وهو الأظهر.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"الفعلان\" الصادران عن النبي ﷺ \"لا يتعارضان\" (^١)؛ لأنهما إما متماثلان، كالظهر يصليها في وَقْتَيْن، أو مختلفان غير مُتَضَادّين، \"كصوم\" وصلاة فلا تعارض، أو متضادان كصوم في يوم \"وأكل\" في آخر، فلا تعارض أيضًا؛ \"لجواز\" الأمر بالصوم \"في وقت والإباحة في آخر\"؛ إذ الأفعال لا عموم لها، فلا يرتفع أحد الفعلين [بالآخر] (^٢) \"إلا أن يدلَّ دليل\" من خارج \"على وجوب تكرير\" الفعل \"الأول له، أو لأمته، فيكون\" حينئذٍ الفعل \"الثَّاني ناسخًا\" للأول - وهذا حكم الأفعال المتضادّة.\nالشرح: \"فإن كان معه\" مع الفعل \"قول\" يعارضه، \"ولا دليل على تَكَرُّر\" في حقّه، \"ولا\" على \"تأسٍّ\" لنا \"به\" في الفعل، \"والقول\" قد علم أنه \"خاصّ به\"، \"وتأخّر\" عن الفعل \"فلا تَعَارُضَ\" بينهما؛ لجواز أن يفعل في وقت، ويقول في آخر: لا يجوز.\n_________\n(^١) والتعارض بين الأمرين تقابلهما على وجه يمنع كل واحد منهما مقتضى صاحبه. وينظر: شرح العضد ٢/ ٢٦، والإحكام للآمدي ١/ ١٧٤ - ١٧٥، والمنخول ٢٢٧، والمعتمد ١/ ٢٨٨، وحاشية البناني ٢/ ٩٩، وتيسير التحرير ٣/ ١٣٦، وفواتح الرحموت ٢/ ٢٠٢.\n(^٢) في ح: الآخر.","vol":"2","page":130},{"text":"فَإِنْ تَقَدَّمَ فَالْفِعْلُ نَاسِخٌ قَبْلَ التَّمَكُّنِ عِنْدَنَا فَإِنْ كَانَ خَاصًّا بِنَا فَلَا تَعَارُضَ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ، فَإِنْ كَانَ عَامًّا لَنَا وَلَهُ فتَقَدُّمُ الْفِعْلِ أَوِ الْقَوْلِ لَهُ وَللأُمَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ العَامُّ ظَاهِرًا فِيهِ، فَالْفِعْلُ تَخْصِيصٌ كَمَا سَيَأْتي.\nفَإِنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى تَكَرُّرٍ وَتَأَسٍّ وَالْقَوْلُ خَاصٌّ بِهِ، فَلَا مُعَارَضَةَ فِي الْأُمَّةِ، وَفِي حَقِّهِ المُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ، فَإِنْ جُهِلَ، فَثَالِثُهَا المُخْتَارُ الْوَقْفُ لِلتَّحَكُّمِ، فَإِنْ كَانَ خَاصًّا بِنَا، فَلَا مُعَارَضَةَ فِيهِ وَفِي الأُمَّةِ المُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ، فَإِنْ جُهِلَ، فَثَالِثهَا الْمُخْتَارُ يُعْمَلُ بالْقَوْلِ؛ لأَنَّهُ أَقْوَى لِوَضْعِهِ لِذلِكَ، وَلخُصُوصِ الْفِعْلِ بِالْمَحْسُوسِ؛ وَللْخِلافِ فِيهِ؛ وَلإِبْطَالِ الْقَوْلِ بِهِ جُمْلَةٌ. وَالْجَمْعُ وَلَوْ بِوَجْهٍ أَوْلَى.\n<hr><s0>\n\nولا يكون هذا القول بحكم الماضي [ليصرمه] (^١) وعدم تعرض هذا القول له، ولا للمستقبل؛ لأن الفعل لا عمومَ له.\nفإن \"تقدم\" القول على الفعل مثل: يجب صوم غد، ثم يصبح مفطرًا، فالفعل ناسخ للقول وهو نسخ قبل التمكُّن، وهر جائز عندنا.\nفإن كان القول خاصًّا بنا فلا تعارض، سواء تقدَّم القول \"أو تأخر\"؛ لعدم توارد الفعل والقول على محلٍّ واحد.\n\"فإن كان\" القول \"عامًّا لنا وله، فيقدم الفعل، أو القول له [وللأمة] (^٢) كما تقدم\" فاعتبره \"إلا\" في شيء واحد، وهو \"أن يكون العامُّ ظاهرًا\" دخول النبي ﷺ \"فيه\" وهو متقدم، \"فالفعل تخصيص كما سيأتي\" في باب العموم والخُصُوص - إن شاء الله - تعالى وقد كان في القسم الأول ناسخًا.\nالشرح: \"فإن دلَّ دليل على تَكَرُّرٍ\" للفعل في حقّه \"وتأسٍّ\" لنا به، \"والقول خاص به، فلا معارضةَ في\" حقّ \"الأمة\"؛ لجواز اختصاصه بما دلَّ عليه القول دون الفعل، \"وفي حقه المتأخر ناسخ\" قولًا كان أو فعلًا.\n[للكلام فيه - ولكن خالفه سائر أصحابنا -\nولك أن تضايقه وتقول: قد ظهر فساد دعواك أن تقديم أحدهما تحكُّمٌ؛ لأن القول أطلق فلا يكون تقديمه تحكُّمًا] (^٣).\n_________\n(^١) في ب: لتصرمه.\n(^٢) في ح: ولأمة.\n(^٣) سقط في أ، ب، ح.","vol":"2","page":131},{"text":"قَالُوا: الْفِعْلُ أقوَى؛ لأَنَّهُ يُتَبَيَّنُ بِهِ الْقَوْلُ مِثْلُ \"صَلُّوا\" وَ\"خُذُوا عَنِّي\" وَكَخُطُوطِ الْهَنْدَسَةِ وَغَيْرِهَا.\nقُلْنَا: الْقَوْلُ أَكْثَرُ، وَلَوْ سُلِّمَ التَّسَاوِي يُرَجَّحُ بِمَا ذَكَرْنَاه، وَالْوَقْفُ ضَعِيفٌ؛ لِلتَّعَبُّدِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَ عَامًّا فَالْمُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ، فَإِنْ جُهِلَ فَالثَّلاثَةُ.\n<hr><s0>\n\n\"فإن جهل\" المتأخر، فلا تعارض بينهما بالنسبة إلى أمّته؛ لعدم تناول القول لهم. وأما بالنسبة إليه ﵇، \"فثالثها المختار الوَقْف\" حتى يقوم دليل التَّاريخ دفعًا \"للتحكم\" اللازم من القول بتقديم الفِعْلِ وعكسه؛ إذ هو ترجيح بلا مُرَجّح.\n\"وإن كان\" القول \"خاصًّا بنا، فلا معارضة فيه\" ﷺ وهو ظاهر. \"وفي الأمة المتأخِّر ناسخٌ\" قولًا كان أو فعلًا.\n\"فإن جهل\" المتأخّر، \"فثالثها المختار يعمل بالقول؛ لأنه أقوى\" دلالة من الفِعْلِ؛ \"لوضعه لذلك\"، فهو يدلُّ بغير واسطة؛ \"ولخصوص الفِعْل بالمحسوس\"، وشمول القول فيكون أكثر فائدة، فيكون أولى؛ \"وللخلاف\" الواقع \"فيه\" أي؛ في الفعل هل هو دليل؟؛ ولا خلاف في أن القول دليلٌ؛ \"ولإبطال القول به\"، أي: بالفعل \"جملة\" إذا علمنا به.\nأما في حقه؛ فلعدم شموله.\nوأما في حقنا فظاهر، والعمل بالقول يقتضي إبطال الفعل في حقّنا دونه \"والجمع\" بين الدليلين \"ولو بوجه أولى\" من إلغاء أحدهما، وهذا عندي أوجه الأوجُه.\n\"قالوا: الفعل أقوى؛ لأنهَ يُبيّن به القول، مثل: \"صَلُّوا\"، وَ\"خذُوا عَنِّي\"، وكخطوط الهندسة وغيرها\"، فإن الحكم فيها إنما يظهر بالعمل.\n\"قلنا: القول أكثر\" من الفعل، والأكثرية دليلُ الرُّجحان، \"ولو سلّم التَّساوي\" من حيث هما، \"رجّح\" القول من خارج \"بما ذكرناه\" من الأوجه الأربعة.\n\"و\"لئن سأل سائل، ما بالكم ترجّحون القول هنا، وتقفون في القسم السابق، وهو ما إذا كان [القول] (^١) خاصًّا به، وقلتم ثَمَّ: إن ترجيح أحدهما تحكّم؟!.\nفنقول: \"الوَقْفُ\" هنا \"ضعيف\"، وليس كذلك في الأول؛ \"للتعبُّد\" بالقول هنا؛ إذ نحن متعبّدون بوجوب العمل بأحدهما، ولا يمكن العمل بهما، والقول أرجح بما ذكرناه، ولكن\n_________\n(^١) سقط في ب.","vol":"2","page":132},{"text":"فَإِنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى تَكَرُّرٍ فِي حَقِّهِ لَا تَأَسٍّ وَالْقَوْلُ خَاصٌّ بِهِ أَوْ عَامٌّ، فَلا مُعَارَضَةَ فِي الْأُمَّةِ، وَالْمُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ فِي حَقِّهِ، فَإِنْ جُهِلَ، فَالثَّلَاثَةُ فَإِنْ كَانَ خَاصًّا بِالْأُمَّةِ، فَلَا مُعَارَضَةَ، فَإِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ دُونَ تَكَرُّرهِ فِي حَقِّهِ، وَالْقَوْلُ خَاصٌّ بِهِ، وَتَأَخَّرَ، فَلَا مُعَارَضَةَ، فَإِنْ تَقَدَّمَ، فَالْفِعْلُ نَاسِخٌ فِي حَقِّهِ فَإِنْ جُهِلَ، فَالثَّلَاثَة، فَإِنْ كَانَ خَاصًّا بِالْأُمَّةِ، فَلَا مُعَارَضَةَ فِي حَقِّهِ، وَالمُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ فِي الْأُمَّةِ، فَإِنْ جُهِلَ، فَالثَّلَاثَةُ\n<hr><s0>\n\nراجحيَّتُهُ ليست قطعيةً حتى يقضى بها في كل مَوْضِعٍ، فيقضى بها هنا؛ للضرورة إلى العمل \"بخلاف الأول\"؛ إذ لسنا متعبدين في حقه بشيء، ولا ضرورة إلى الحكم على أفعاله ﵇ فيما لا يتعلّق بنا.\nولقد منع ابن خيران - من - أصحابنا الكلام في \"الخصائص\" قال: لأنه أمر تقضّى، فلا معنى للكلام فيه، ولكن خالفه سائر أصحابنا، ولك أن تضايقه وتقول: قد ظهر فساد دعواك أن تقديم أحدهما تحكم؛ لأن القول أظهر، فلا يكون تقديمه تحكيمًا.\nوكان الصَّواب أن يقول: ولا ضرورة إلى تقديم أحدهما لمجرّد الظّهور.\n\"فإن كان\" القول \"عامًّا\" لنا وله، \"فالمتأخر ناسخ\" إن علم، \"فإن جهل فالثلاثة\" المحكية آنفًا آتية هنا، والمختار منها في حقّه ﵇ الوقف، وفي حقّنا القول.\nالشرح: \"فإن دلَّ دليلٌ على تكرر\" الفعل \"في حقه\"، \"لا\" على \"تأسٍّ\" لنا به، \"والقول خاص [به] (^١) أو عام\" له ولأمته \"فلا معارضة في الأمة\" مطلقًا تقدم الفعل أو تأخر؛ لعدم تعبدهم به \"والمتأخر ناسخ في حقه\" قولًا كان أو فعلًا.\n\"فإن جهل\" المتأخر \"فالثلاثة\" آتية [هنا] (^٢)، والمختار منها الوقف كما مَرّ.\n\"فإن كان خاصًّا بالأمة، فلا مُعَارضة\"؛ لعدم التوارد على محلّ واحد (^٣).\n_________\n(^١) سقط في ب.\n(^٢) سقط في ح.\n(^٣) إن كان القول خاصًا بنا فلا معارضة في حقه ﵇؛ لعدم تناول القول له ﵇، وأما في حق الأمة فالمتأخر ناسخ إن علم، وإن جهل ففيه المذاهب، والمختار ههنا العمل بالقول؛ لوجوه أربعة:\nالأول: أن القول أقوى من الفعل؛ لأن القول يدل بلا واسطة لوضعه لذلك، بخلاف الفعل؛ فإنه إنما يدل على الجواز بواسطة أن النبي ﷺ لا يفعل المحرم، وهو ما يتوقف على الأدلة الغامضة، والحاصل أن القول يستغنى في دلالته عند الفعل بخلاف العكس. =","vol":"2","page":133},{"text":"مَعًا، فَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ عَامًّا، فَكَمَا تَقَدَّمَ.\n<hr><s0>\n\n\"فإن دلَّ الدليلُ على تأسّي الأمة به دون تكرّره في حَقّه، والقول خاص به وتأخر، فلا معارضة.\nفإن تقدّم، فالفعل ناسخ في حقه، فإن جُهِلَ، فالثلاثة، فإن كان القول عامًّا فكما تقدّم\" فاعتبره.\n\n\"فائدة\"\nالتعارض بين القول والفعل يبلغ ستِّين صورة أكثرها لا وجود لمثاله في الشرع؛ فلذلك لم يعيّن بعدها.\nووجهها: أنه إما أن يتقدّم القولُ، أو الفعلُ، أو يجهل.\nفإن تقدّم القول، فإما أن يتعقّبه (^١) الفعل، أو يتراخى عنه بمهلة، وإن تقدم الفعل فكذلك، ثم القول تقدم أو تأخر أو جهل، إما أن يعم، أو يختص بالنبي ﷺ أو بالأمة، والفعل تقدم أو تأخر أو جهل إما يلابسه دليل على وجوب تكرُّره في حقه، وتأسي الأمة به، أو لا يلابسه دليل واحد منهما، أو دليل التَّكْرار دون التأسِّي أو عكسه، فهذه ستون صورة فتأملها. ولم يذكر المصنف تبعًا للآمدي غير ستة وثلاثين؛ لأنهما أهملا التعقب والتراخي.\nوالإمام الرَّازي ذكر التعقيب والتَّرَاخي، ولكن أهمل انقسام الفعل إلى مدلول فيه على التكرار والتَّأسي، أو أحدهما، أو لا على شيء منهما فجاءت الأقسام على ما ذكر خمس عشرة صورة.\nوإذا جمعت بين كلام الإمام والآمدي اجتمعت لك سِتُّون سورة كما عَرَّفناك بيانه أنه إذا جهل التاريخ، فالصور اثنتا عشرة؛ لأن القول إما أن يخصه أو أمته أو يعمهما، فهذه ثلاثة أقسام مضروبة في الأربعة التي ينقسم عليها الفعل صارت الصور اثنتي عشرة وإن تقدم (^٢)، فالفعل إما\n_________\n= الثاني: أن دلالة القول أتم وأكثر من دلالة الفعل؛ لخصوص الفعل بالمحسوس؛ لأنه لا ينبئ إلا عنه، والقول ينبئ عن المحسوس وغيره كالمعقولات الصرفة، واعتبار الأقوى أولى من اعتبار الأضعف.\nالثالث: أن القول متفق على دلالته، والفعل مختلف فيه، فيكون أولى.\nالرابع: إبطاله أي إبطال من عمل بالفعل أو إبطال العمل بالفعل القول به، أي بسبب العمل بالفعل جملة أي بالكلية بخلاف العكس؛ لأن العمل بالقول ههنا يفضي إلى نسخ مقتضى الفعل في حق الأمة دون النبي ﵇، وبالفعل إلى إبطال مقتضى القول بالكلية، والجمع بينهما ولو من وجه أولى من ترك أحدهما بالكلية. ينظر: الشيرازي ١٨٦ ب، ١٨٧ أ/ خ.\n(^١) في ح: يتبعه.\n(^٢) في ب: تقدمنا.","vol":"2","page":134},{"text":"<span data-type='title' id=toc-464>مَبَاحِثُ الْإِجْمَاعِ </span>(^١)\nمَسْأَلَةٌ:\nالْإِجْمَاعُ: الْعَزْمُ وَالاِتِّفَاق، وفِي الاِصْطِلَاحِ: اتِّفَاقُ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ فِي عَصْرٍ عَلَى أَمْرٍ. وَمَنْ يَرَى انْقِرَاضَ الْعَصْرِ يَزِيدُ إِلَى انْقِرَاضِ الْعَصْرِ.\n<hr><s0>\n\nأن يتعقّب، أو يتأخر، فهذان قسمان كل واحد منهما مضروب في ثلاثة، وهي التي ينقسم القول عليها، فهذه ستة أقسام تضرب في أربعة الفعل، فيصير المجموع أربعًا وعشرين، وإن تقدم الفعل، فكذلك أربع وعشرون صورة صار المجموع من تقدم القول، وتقدم الفعل ثمانيًا وأربعين، ولمجهول التاريخ اثنتا عشرة، فهذه ستون.\n\n\"تعريفه\"\nالشرح: \"الإجماع\" - لغةً -: \"العزم والاتِّفاق وفي الاصطلاح\" قال المصنّف:\n_________\n(^١) يطلق الإجماع في اللغة على معنيين: أحدهما: العزم يقال: أجمعت المسير والأمر، وأجمعت عليه أي عزمت، فهو يتعدى بنفسه وبالحرف، وقد جاء بهذا المعنى في الكتاب والسنة قال تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ أي اعزموا، وقال ﷺ: \"من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له\". أي لم يعزم عليه فينويه.\nثانيهما: الاتفاق، ومنه يقال: أجمع القوم على كذا إذا اتفقوا، قال في القاموس: الإجماع الاتفاق والعزم على الأمر، وقال ابن برهان وابن السمعاني: العزم أشبه باللغة، والاتفاق أشبه بالشرع، ويجاب عنه بأن الاتفاق وإن كان أشبه بالشرع فذاك لا ينافي كونه معنى لغويًا، وكون اللفظ مشتركًا بينه وبين العزم، قال أبو علي الفارسي: يقال: أجمع القوم إذا صاروا ذوي جمع، كما يقال: ألبن وأتمر إذا صار ذا لبن وتمر.\nوالظاهر في تحرير المعنى اللغوي أن بين العزم والاتفاق عمومًا وخصوصًا وجهيًا يجتمعان في اتفاق الجماعة في إرادة شيء، وينفرد العزم في إرادة الواجد وينفرد الاتفاق في اتفاق الجماعة في قول أو فعل بدون إرادة وعزم.\n\nولا ريب في أن المعنى الثاني بالاصطلاحي أنسب؛ فإن الاتفاق مطلق يشمل اتفاق جمع ما، ولو كفارًا على أمر ما ولو معصية، والاصطلاحي اتفاق مقيد .. وقال صاحب التقرير: كون المعنى الثاني أنسب مبني على أنه إذا لم يبق من المجتهدين إلا واحد لا يكون قوله حجة كما هو أحد القولين ا. هـ. أي وأما على رأي من يقول أنه حجة يكون المعنى الأول أنسب فمن قال: إنه حجة لا يقول إنه إجماع؛ لأنه لا يصدق عليه<span data-type='title' id=toc-465> تعريف الإجماع</span>؛ فلا يكون المعنى الأول أنسب، ويكون المعنى الثاني هو الأنسب. =","vol":"2","page":135},{"text":"وَمَنْ يَرَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَنْعَقِدُ مَعَ سَبْقِ خِلَافٍ مُسْتَقِرٍّ مِنْ مَيِّتٍ، أَوْ حَيٍّ وَجَوَّزَ وُقوعَهُ - يَزِيدُ لَمْ يَسْبِقْهُ خِلَافُ مُجْتَهِدٍ مُسْتَقِرٌّ.\n<hr><s0>\n\n\"\" اتفاق المجتهدين (^١) من هذه الأمة في عصر على أمر\" من الأمور\".\nوقد خرج بإضافة الاتِّفاق إلى المجتهدين اتفاق العامَّة، وإلى هذه الأمة اتفاق الأمم السَّالفة، فلا حُجَّة فيهما (^٢).\nأراد بقوله: في \"عَصْر\"، أي عصر كان (^٣)، ليعلم أن إجماع كلّ عصر حُجَّة.\n_________\n= ينظر: البرهان لإمام الحرمين ١/ ٦٧٠، والبحر المحيط للزركشي ٤/ ٤٣٥، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/ ١٧٩، وسلاسل الذهب للزركشي ص ٣٣٧، والتمهيد للإسنوي ص ٤٥١، ونهاية السول له ٣/ ٢٣٧، زوائد الأصول له ص ٣٦٢، ومنهاج العقول للبدخشي ٢/ ٣٧٧، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص ٢٠٩، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ٣٧، والمنخول للغزالي ص ٣٠٣، والمستصفى له ١/ ١٧٣، وحاشية البناني ٢/ ١٧٦، والإبهاج لابن السبكي ٢/ ٣٤٩، الآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/ ٢٨٧، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٢٠٩، والمعتمد لأبي الحسين ٢/ ٣، وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ص ٤٣٥، والتحرير لابن الهمام ص ٣٩٩، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ٣/ ٢٢٤، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٣/ ٨٠، وميزان الأصول للسمرقندي ٢/ ٧٠٩، وكشف الأسرار للنسفي ٢/ ١٨٠، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٣٤، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ٤١، وحاشية نسمات الأسحار لابن عابدين ص ٢٠٩، وشرح المنار لابن ملك ص ٩٩، والوجيز للكراماستي ص ٦١، وتقريب الوصول لابن جُزَيّ ص ١٢٩، وإرشاد الفحول للشوكاني ص ٧١، وشرح مختصر المنار للكوراني ص ٩٩، والكوكب المنير للفتوحي ص ٢٢٥.\n(^١) \"أل\" فيه للاستغراق، فيقضي أنه لا بد من الكل، فخرج به أمران: اتفاق العوام؛ إذ لا عبرة به على التحقيق، واتفاق بعض المجتهدين مع مخالفة الآخرين. فمجتهد قيد أول، وهو من له ملكة يقتدر بها على استنتاج الأحكام من أدلتها، ولا يكون كذلك إلا إذا كان صحيح الإيمان عارفًا ما له نعلق بالأحكام من الكتاب والسنة والأسانيد وحال الرواة والناسخ والمنسوخ ومواقع الإجماع والعربية، ذا حظ وافر مما تصدى له علم الأصول من قياس واستصحاب وكيفية نظر وغيرها. والصحيح أن العدالة ليست شرطًا في الاتجهاد، وإنما هي شرط في قبوله الفتوى.\n(^٢) في ح: فيها.\n(^٣) قل أو كثر وهو نكرة، فالمراد الاتفاق في أي عصر كان، وقيل: لولاه لم يدخل إلا اتفاق كل المؤمنين إلى يوم القيامة، ولكن الحق أن الأمة تطلق على الموجودين في عصر كما تطلق على كل =","vol":"2","page":136},{"text":"[قَالَ] الْغُزالِيُّ ﵀: اتِّفَاقُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى أَمْرٍ مِنَ ...........\n<hr><s0>\n\nوقوله: \"على أمر\" يعم القول والفعل والنفي والإيجاب سواء [أكان] (^١) دينيًّا أو عقليًّا أو عرفيًّا.\n\"ومن يرى\" انقراض العصر شرطًا في انعقاده يزيد على الحد المذكور.\nقوله: \"انقراض العصر\" يعني: يستمر الاتِّفَاق إلى الانقراض.\n\"ومن يرى [أن] (^٢) الإجماع لا ينعقد مع سبق خلاف مستقر من حي أو ميت\"، و\"جوز وقوعه\" أي: وقوع الإجماع بعد سَبْقِ الخلاف، \"يزيد لم يسبقه خلاف مجتهد مستقرّ\".\nقال: من جَوّز وقوعه؛ لأن بعضهم لم يجوز وقوع مل هذا الإجماع.\nقلت: ومن يرى أن الإجماع لا يختص بهذه الأمة ينقص قوله: من هذه الأمة.\nومن يرى دخول العَوامّ يبدل قوله: المجتهدين بأهل العصر.\nومن يرى اختصاصه بالدِّينيات يزيد شرعي.\nولقائل أن ياقول: ينبغي أن يزاد في غير زمن النبي ﷺ، فالإجماع لا ينعقد في زمانه ﵇ كما ذكر القاضي أبو بكر والأكثرون منهم الإمام الرَّازي في أثناء الأدلَّة على الإجماع (^٣)؛ لأن قولهم: \"دونه\" لا يصحّ، وإن كان معهم، فالحُجَّة في قوله.\nولم أر أحدًا ذكر هذا القَيْد، ولا بد منه، ويزيد على المصنّف إجماع المدينة فإنه يحتج به، وليس فيه قول جميع المجتهدين، [فهذا] (^٤) التعريف لا يطّردُ ولا ينعكسُ.\nالشرح: و\"قال الغزالي: \"اتِّفاق أمة محمَّد ﷺ على أمرٍ من الأمور الدينية\" (^٥).\n_________\n= المؤمنين من لدن البعثة إلى يوم القيامة، والمتبادر هو الأول؛ فيصح الاستغناء عنه، ولذا قال في التلويح: ولا يخفى أن من تركه - أي قيد في عصر - إنما تركه لوضوحه، لكن التصريح به أنسب بالتعريفات ا. هـ. أي لاحتمال لفظ الأمة المعنى الثاني، وهو كل المؤمنين.\n(^١) في ب: كان.\n(^٢) سقط في ب، ح.\n(^٣) ينظر: المحصول ٢/ ١٦.\n(^٤) في ب: وهذا.\n(^٥) وأوضح هذه الاعتراضات التي اعترض بها على هذا التعريف فأقول:\nالأول: أن ما ذكره يشعر بعدم انعقاد الإجماع إلى يوم القيامة، فإن أمة محمد جملة من اتبعه من =","vol":"2","page":137},{"text":"الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لا يُوجَدُ وَلا يَطَرِدْ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ الْمُجْتَهِدِينَ وَلا يَنْعَكِسُ بِتَقْدِيرِ اتِّفَافِهِمْ عَلَى عَقْلِيٍّ أَوْ عُرْفِيٍّ.\n<hr><s0>\n\nقال المصنّف: \"ويرد عليه أنه لا يوجد\" الإجماع على هذا التقدير؛ لأن أمة محمد ﷺ من\n_________\n= بعثته إلى يوم القيامة، فقبل القيامة لا إجماع وبعدها لا حجيةٍ، وليس ذلك مذهبًا له ولا لمن اعترف بوجود الإجماع فيكون التعريف مباينًا للمعرف، وليس جامعًا لشيء من أفراده.\nالثاني: سلمنا أن الموجود من الأمة يقال له أمة، وأنه يصدق على الموجودين في بعض الأعصار أنهم أمة محمد ﷺ غير أنه يلزم مما ذكره أنه لو خلا عصر من الأعصار من أهل الحل والعَقْد، وكان كل من فيه عاميًا، واتفقوا على أمر ديني أن يكون إجماعًا شرعيًا وليس كذلك، وحينئذ يصدق التعريف على تلك الصورة ولا يصدق عليها المعرف؛ فيكون التعريف غير مانع؛ فيكون باطلًا. وأجيب عنه بأن مادة النقص يجب تحققها، وتحققها هنا ممنوع؛ فإن خلو كل عصر عن المجتهد مما هو خلاف الواسع. يعني أنا لا نسلم أن التعريف صادق على مادة محققة لم يصدق عليها المعرف. فهذا الجواب منع لصغرى دليل النقص القائل هذا التعريف صادق على مادة محققة لم يصدق عليها المعرف، وهي اتفاق الأمة في عصر خال عن المجتهد، وكل تعريف هذا حاله فهو باطل .. وأجيب عن الإيرادين بأنه يسبق إلى فهم المتشرعة إرادة المجتهدين في عصر من اتفاق أمة محمد ﷺ كما يسبق. هذا المراد من قوله ﷺ: \"لا تجتمع أمتي على ضلالة\" وإنما اختار هذا التجوز إحرازًا لحسن الاقتباس.\nوقال الغزالي في المستصفى في بيان أركان الإجماع: الركن الأول المجمعون، وهم أمة محمد ﷺ وظاهر هذا يتناول كل مسلم لكن لكل ظاهر طرفان واضحان في النفي والإثبات وأوساط مشابهة. أما الواضح في الإثبات فهو كل مجتهد مقبول الفتوى فهو أهل الحل والعقد قطعًا ولا بد من موافقته في الإجماع، وأما الواضح في النفي فالأطفال والمجانين والأجنة، فإنهم وإن كانوا من الأمة فنعلم أنه ﵇ ما أراد بقوله: لا تجتمع أمتي على الخطإ: إلا من يتصور منه الوفاق والخلاف في المسألة بعد فهمها، فلا يدخل فيه من لا يفهمها، وبين الدرجتين العوام المكلفون والفقيه الذي ليس بأصولي، والأصولي الذي ليس بفقيه، والمجتهد الفاسق والمبتدع والناشئ من التابعين مثلًا إذا قارب رتبة الاجتهاد في عصر الصحابة ا. هـ كلامه. ومنه يؤخذ أن المتبادر من اتفاق الأمة اتفاق من يتصور منه الوفاق والخلاف في المسألة بعد فهمها.\nالثالث: أنه يلزم من تقييده الاتفاق بكونه على أمر من الأمور الدينية ألا يكون إجماع الأمة على أمر عقلي أو عرفي حجة شرعية وليس كذلك، فيكون التعريف غير جامع لصدق المعرف مع عدم صدق التعريف. والجواب أن الأمر العقلي والعرفي إن تعلق به عمل أو اعتقاد فهو أمر ديني، وإلا فيلتزم خروجه؛ فإن الإجماع عليه ليس من الإجماع المتكلم فيه، وهو ما كان دليلًا من أدلة الشرع موجبًا لاعتبار ما يتعلق به. وحاصله أنا لا نسلم أنه غير جامع؛ لأنه إن أريد ما يتعلق به عمل أو اعتقاد من =","vol":"2","page":138},{"text":"وَخَالَفَ النَّظَّامُ وَبَعْضُ الرَّوَافِضِ فِي ثُبُوتِهِ.\nقَالُوا: انْتِشَارُهُمْ يَمْنَعُ نَقْلَ الْحُكْمِ إِلَيْهِمْ عَادَةً.\nوَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ لِجِدِّهِمْ وَبَحْثِهِمْ.\n<hr><s0>\n\nتبعه إلى يوم القيامة \"ولا يَطّرد\"؛ لاستلزامه أن يكون اتفاق الأمة (^١) \"بتقدير عدم المجتهدين\" إجماعًا، \"ولا ينعكس تقدير اتفاقهم على عقلي أو عرفي \".\nولقائل أن يقول: على الأول: الأمة مختصَّة بالموجودين.\nوعلى الثاني: أنه غير متصوّر، لأن إجماع الخَصْم العظيم على شيء واحد لا أصل له يعود إليه، مستحيل عادة كاتفاقهم على مأكول واحد في وقت واحد، وأنظاره.\nوليس كالاتفاق على أمر شرعيٍّ، فإن عدم استحالته إنما هو؛ لأن له قواعد يستمد منها، فجاز اتفاق القَرَائح والظُّنون بالنسة إليها، وإن لم يجز بالنسبة إلى مأكول واحد.\nواتفاق العَوَامّ على أمر ديني لا يكون إلا كاتفاق أهل العصر على مأكول واحد؛ إذ هم يقولون لا عن دليل [فاصل]، فالعادة قاضية باختلافهم، فإذن اتفاقهم في الديني غير متصوّر، وإنما يتصوّر تبعًا، وضميمة للمجهدين، كما سمعرفه - إن شاء الله - في مسألة دخولهم في الإجماع.\nوعلى الثالث: أنه ساقط بالكليَّة؛ لأنه لا يحتج بالإجماع إلا في الشَّرعيَّات.\nالشرح: \"وخالف النَّظَّام (^٢)، وبعض الرَّوافض في ثبوته\" - أي: في تصوّره - فإن الدليل الآتي - إن شاء الله - تعالى يدلّ لذلك.\nواعلم أن هذا قول لبعض أصحاب النَّظَّام.\nومن أصحابه من قال: يتصوّر، ولكن لا يتصوّر نقله على وجهه.\n_________\n= الأمرين، فالتعريف صادق على الاتفاق عليه، وإن أريد ما لا يتعلق به عمل ولا اعتقاد فلا تتصور حجيته، فالمعرف غير صادق عليه.\n(^١) في ت، ح: العامة.\n(^٢) إبراهيم بن سيار بن هانئ البصري، أبو إسحاق النظام من أئمة المعتزلة وفي لسان الميزان أنه متهم بالزندقة، وكان شاعرًا أديبًا بليغًا، وذكروا أن له كتبًا كثيرة في الفلسفة والاعتزال ولمحمد عبد الهادي أبي ريدة كتاب \"إبراهيم بن سيار النظام\" توفي ٢٣١ هـ. ينظر: تاريخ بغداد ٦/ ٩٧، وأمالي المرتضى ١/ ١٣٢، واللباب ٣/ ٢٣٠، وخطط المقريزي ١/ ٣٤٦، والأعلام ١/ ٤٣.","vol":"2","page":139},{"text":"قَالُوا: إِنْ كَانَ عَنْ قَاطِعٍ، فَالعَادَةُ تُحِيلُ عَدَمَ نَقْلِهِ، وَالظَّنِّيُّ يَمْتَنِعُ الاِتِّفَاقُ فِيهِ عَادَةً؛ لاِخْتِلافِ الْقَرَائِحِ.\nوَأُجِيبَ: بِالْمَنْع فِيهِمَا، فَقَدْ يُسْتَغْنَى عَنْ نَقْلِ الْقَاطِعِ [بِحُصُولِ الإجْمَاعِ]، وَقَدْ يَكُونُ الظَّنِّيُّ جَلِيًّا.\n<hr><s0>\n\nومنهم من قال: يتصوّر، ولكن لا حُجَّةَ فيه، وهذا رأي النَّظَّام (^١) نفسِيما كما نقله القاضي والشيخ أبو إسحاق الشِّيرَازي وابن السَّمْعَاني.\nوهي طريقة الإمام الرَّازي وأتباعه في النَّقْل عنه.\nوالقولان الأولان لبعض أصحابه كما صرَّح به القاضي.\nوأصحاب القوَل الأول \"قالوا\": أولًا، و\"انتشارهم\" في مَشَارق الأرض ومغاربها وقفار الفيافي وسَبَاسبها \"يمنع من نقل الحكم إليها عادة\"، فلا يحصل الاتفاقُ.\n\"وأجيب بالمَنْعِ\" منع أن العادةَ تقضي بذلك بل العادةُ قاضيةٌ بالنَّقْل (لجِدهم) وغاية تفحُّصهم \"وبحثهم\".\nثم \"قالوا\" ثانيًا: \"إن كان \"صادرًا \"عن قاطع، فالعادة تحيل عدم نقله\" أي: نقل القاطع وتقضي بنقل الدَّلائل القطعية، ودليل حكم الإجماع غير مَنْقُول، فدلَّ أنه غير قاطع، فلم يبق إلا أن يكون عن ظَنّ.\n\"والظني يمنع الاتفاق فيه عادة لاختلاف القرائح\" والأذهان ومواد الاستنباط عن (^٢) المستنبطين، وذلك كالاتِّفاق على مكول واحدٍ في وقتٍ واحدٍ.\n\"وأجيب بالمنع فيهما\"، أما الأول، \"فقد يستغنى عن نَقْلِ القاطع بحصول الإجماع\"، فلم قلتم: إنَّ العادة تقضي بنقل القَاطِعِ؟.\n_________\n(^١) وعرف النظام الإجماع بأنه كل قول قامت حجته حتى قول الواحد، وقصد بذلك الجمع بين إنكاره كون إجماع أهل الحل والعقد حجة وبين موافقته لما اشتهر بين العلماء من تحريم مخالفة الإجماع فسير الإجماع على مذهبه، وعرفه بأنه كل قول قامت حجته وإن كان قول واحد، وهو على خلاف اللغة والعرف الأصولي. قال الآمدي: والنزاع معه في إطلاق اسم الإجماع على ما ذكر مع كونه مخالفًا للموضع اللغوي والعرف الأصولي آيل إلى اللفظ ا. هـ.\n(^٢) في ح: على.","vol":"2","page":140},{"text":"قَالُوا: يَسْتَحِيلُ ثُبُوتُهُ عَنْهُمْ عَادَةً، لِخَفَاءٍ بَعْضِهِم، أَوِ انْقِطَاعِهِ، أَوْ ...........\n<hr><s0>\n\nوأما الثَّاني: فإنه \"قد يكون الظَّني جليًّا\"، فلا تختلف فيه القرائح.\nوهذا من المصنّف يقتضي تسليم أنه لا يكون إجماع عن خَفِيّ.\nوالحقُّ أنه قد يكون، واختلاف القرائح فيه، وإن سلمت فإنما هي في الطريق إليه فقط. الشرح: \"قالوا\" ثالثًا: \"يستحيل ثبوته عنهم\" - أي: عن المجتهدين - \"عادة\"؛ إما \"لخفاء بعضهم\" بحيث لا يعرف وجوده، \"أو انقطاعه\" وعُزْلته بحيث يفقد أثره، \"أو أسره\" بحيث يخفى حاله، \"أو خموله\" بحيث [يجهل] (^١) كونه من المجتهدين، \"أو كذبه\" في فتواه لداعٍ دعاه إلى ذلك، \"أو رجوعه\" عن الفُتيا (^٢) \"قبل قول الآخر\"، فلا يحصلُ الاتفاقُ.\n_________\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) قال الراغب: الفتيا والفتوى. الجواب عما يشكل من الأحكام. ويقال: استفتيته فأفتاني بكذا. قال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ وقال: \"فاستفتهم\" و\"أفتوني في رؤياي\" وفي النهاية: يقال: أفتاه في المسألة يفتيه إذا أجابه. والاسم الفتوى. وفي الحديث: أن أربعة تفاتوا إليه ﵇ أي تحاكموا من الفتوى. ومنه الحديث: \"الإثم ما حاك في صدرك وإن أفتاك الناس عنه وأفتوك\" أي وإن جعلوا لك فيه رخصة وجوازًا.\nوفي المصباح: الفتوى. بالواو. بفتح الفاء وبالياء. فتضم اسم من أفتى العالم إذا بين الحكم ويقال: أصله من الفتى، وهو الشاب القوي، والجمع الفتاوي بكسر الواو على الأصل. وقيل: يجوز الفتح للتخفيف. ويفهم منه أن الفتوى بالواو ليس فيها إلا الفتح، لكن خالفه صاحب القاموس، فجوز الفتح والضم فيها، وقد ناقشه شارحه الفاسي، فقال: المصرح به في أمهات اللغة وسائر مصنفات الصرف أن الفتيا بالياء ليس فيها إلا الضم أو الفتوى بالواو ليس فيها إلا الفتح. وفي أساس البلاغة: وفلان من أهل الفتيا والفتوى. وتعالوا ففاتونا، وتفاتوا إليه أي تحاكموا. قال الطرماح: [الوافر]\nهَلُمَّ إلَى قُضَاةِ الغَوْثِ فَاسْأَلْ … بِرَهْطِكَ والبيَانُ لَدَى القُضَاةِ\nأَنِخْ بِفِنَاءِ أشْدَقَ مِنْ عَدِيٍّ … وَمِنْ جرمٍ وَهُمْ أَهْلُ التَّفَاني\nوقال عمر بن ربيعة: [الطويل]\nفَبِتُّ أُفَاتِيَها فَلا هِيَ تَرْعَرِي … بِجُودٍ وَلا تُبْدِي إِباءً فتَبْخلا\nيقع التمييز بين القضاء والإفتاء في الإلزام بالحكم وعدمه. فالقاضي إذا جلس للحكومة وأصدر حكمه كان به ملزمًا ولا مناص من تنفيذه؛ وذلك لأنه مقلد من السلطان ونائب عنه، فهو يستمد الولاية منه. وأما المفتي فإنه لا يلزم بفتواه، وإنما يخبر بها من استفتاه فحسب، فإن شاء قبل قوله وعمل به، وإن شاء تركه؛ لأنه نائب عن الشارع الذي أنار الطريق لمن يريد الهدى، ولم يأخذ الناس=","vol":"2","page":141},{"text":"أَسْرِهِ، أَوْ خُمُولهِ، أَوْ كَذِبهِ، أَوْ رُجُوعِهِ قَبْلَ قَوْلِ الآخَرِ، وَلَوْ سُلِّمَ فنَقْلُهُ مُسْتَحِيلٌ عَادَةً؛ لأنَّ الآحَادَ لا تُفِيد، وَالتَّوَاتُرُ بَعِيدٌ.\n<hr><s0>\n\nوأما أصحاب القول الثَّاني فإنهم قالوا: \"لو سلّم\" تصور الإجماع في نفسه لم يضرنا، فإنا\n_________\n= بأحكامه قسرًا، ولكنه وكلهم إلى الشريعة والعقل - وأما تقلد المفتي من السلطان ونحوه فلا يستلزم الإلزام بالفتوى اللهم إلا إذا التزم المستفتى العمل بها. ويرى الأصوليون أنه لا فرق بين المفتي والفقيه والعالم والمجتهد، وأن هذه الألفاظ مترادفة كل منها يؤدي ما يؤديه الآخر.\nقال الشهاب ابن قاسم العبادي في شرح قول إمام الحرمين: \"وصفة المفتي إلخ\": والمفتي والمجتهد واحد - وقال في شرح قوله: \"وليس للعالم أن يقلد\": أي المجتهد المطلق؛ فإن المراد من العالم كالمفتي حيث أطلق، وقال أيضًا في شرح قول المحلى: \"والمفتي هو المجتهد\" يحتمل إرادة اتحادهما مقهومًا وإرادة اتحادهما في الماصدق. ولعل الثاني أقرب. ا. هـ.\nوقال السبكي في جمع الجوامع: \"والمجتهد الفقيه\". قال المحلى: والفقيه المجتهد؛ لأن كلًا منهما يصدق على ما يصدق عليه الآخر. قال العطار: أي فليس هو من قبيل التعريف بل من قبيل بيان الماصدق، فتساوى الأفراد واختلف المفهوم. وفي فتح القدير لابن الهمام: قد استقر رأى الأصوليين على أن المفتي هو المجتهد، فأما غير المجتهد ممن يحفظ أقوال المجتهد فليس بمفت، والواجب عليه إذا سئل أن يذكر قول المجتهد على وجه الحكاية، وبه عرف أن فتوى أهل زماننا ليست بفتوى، بل هي نقل كلام المفتين. وطريق نقله لذلك عن المجتهد أحد أمرين: إما أن يكون له فيه سند إليه، أو يأخذه عن كتاب معروف تداولته الأيدي، مثل كتب محمد بن الحسن ونحوها؛ لأنه بمنزلة الخبر المتواتر أو المشهور، ولما كان المفتي هو القائم للناس بأمر دينهم، وكان الناس مأمورين بطاعته والعمل بفتواه. وجب أن يكون عالمًا بكتاب الله تعالى وما فيه من عموم وخصوص وناسخ ومنسوخ، ذا ملكة يقتدر بها على استنباط الأحكام، حافظًا للسنن خبيرًا بأسانيدها، بصيرًا بمتونها، فمن بلغ هذه المرتبة سمي مفتيًا وكان حقيقًا بالإفتاء لمن استفتى. ويجب مع هذا أن يكون عدلًا عفيفًا معرضًا عن الترخيص والتساهل، سالكًا بالناس طريقًا وسطًا فيما يليق بهم، فلا يذهب مذهب الشدة ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال. ولا شك أن مقصد الشارع هو حمل المكلف على التوسط حتى لا يكون خارجًا عن طاقته، فيعجز عن أدائه. كما لا يخفى أن خير الأمور أوساطها، وكل فضيلة تتحقق بين طرفي الإفراط والتفريط - ومن استقرأ نصوص الشريعة وقف على أن الحد الوسط هو الذي عرف من صفة رسول الله في قوله وفعله وكذا صحابته من بعده. فقد رد ﵇ التبتل، وقال لمعاذ حين أطال في الصلاة بالناس: \"أفتّان أنت با معاذ\" وقال: \"يأَيُّها الناس إن منكم منفرين .. الحديث\" وقال: \"عليكم بما تطيقون\" وعلى هذا يكون الميل إلى الرخص في الفتيا مخالفًا لقصد الشارع كما أن التشديد مضاد لسلوك التوسط.\nفما بال قوم ينتمون إلى العلم يتعلق الواحد منهم بالخلاف في المسائل العلمية، ويتحرى القول الذي=","vol":"2","page":142},{"text":"وَأُجِيبَ عَنْهُمَا بِالْوُقُوعِ فَإِنَّا قَاطِعُونَ بِتَوَاتُرِ النَّقْلِ بِتَقْدِيمِ النَّصِّ الْقَاطِعِ عَلَى المَظْنُونِ.\n<hr><s0>\n\nلا نمنع ذلك، وإنما نمنع تصوّر نقله، \"فنقله مستحيلٌ عادة؛ لأن الآحاد لا تفيد (^١) \"العلم بوقوعه، \"والتواتر بعيد\".\n\"وأجيب عنهما\" - أي: عن الدليلين الصَّادرين من القائلين: \"الدالُّ أحدهما على استحالة الثبوت، والثاني على اسْتِحَالَةِ النقل\" - \"بالوقوع\" وقوعِ الإجْمَاع - وهو نقض إجمالي - وتقريره: لو كان ما ذكرتم صحيحًا لما وقع؛ لكنه واقع، \"فإنا قاطعون بتواتر النَّقل بتقديم النَّص القاطع على المَظْنُون\" من جميع الأمة؛ فاندفع ما تَخَيَّلتموه.\n_________\n= يوافق هوى المستفتى، ويزجيه إليه زاعمًا أن الفتيا بالقول المخالف لهواه تشديد عليه وحرج في حقه، وأن الخلاف بين الأئمة قديمًا وحديثًا إنما فصد به الرحمة والتيسير لهذه الأمة. ولعتقد أنه لا واسطة بين التشديد والتخفيف، وهذا قلب للمعنى المقصود للشريعة، وإبطال للحقائق التي تنجلي في نصوصها؛ فإن الإعراض عن الهوى في الفتيا ليس من المشقة التي يترخص بسببها، والخلاف إنما جعل رحمة من المشقة التي تخرج عن طوق البشر فينقطع عن العمل بسببها؛ فإن أفضل العمل ما داوم عليه صاحبه وإن قل، ولن يكون ذلك إلا بالتوسط. وجملة القول أن الشارع سلك بنا ما يحقق مقصوده، فلا هو أثقلنا بما يرهقنا؛ لأنه أقرب إلى الانقطاع عن العمل منه إلى المداومة عليه، ولا هو تدلى بنا إلى مطلق التخفيف؛ لأن الثواب على قدر المشقة. ولا ريب أن كل عمل لا يخلو من أصل المشقة، وإلا لزم ارتفاع مطلق التكليف؛ لأن فيه حرجًا ومشقة.\nقال بعض الأصوليين: وينبغي أن يكون عارفًا من اللغة والنحو ما يفهم به مراد الله تعالى ورسوله في خطابهما، ويعرف كذلك أحكام أفعال رسول الله وما تتضمن، وأن يكون عالمًا بإجماع السلف وخلافهم وما يعتد به من ذلك وما لا يعتد به، ويعرف القياس والاجتهاد والأصول التي يجوز تعليلها، وما لا يجوز الأوصاف التي يعلل بها وما لا يعلل بها، وكيفية انتزاع العلل وترتيب الأدلة بتقديم الأولى منها؛ ووجوه الترجيح وغير ذلك. كما يجب أن يكون ثقة مأمونا على الدين.\nقال الإمام النووي: وينبغي أن يكون المفتي ظاهر الورع مشهورًا بالديانة الظاهرة والصيانة الباهرة. ثم قال: وشرطه كذلك أن يكون ثقة مأمونًا منزهًا عن الفسق وخوارم المروءة، فقيه النفس، سليم الذهن رصين الفكر صحيح النظر، والاستنباط متيقظًا، وسواء فيه الحر والعبد والمرأة والأعمى، والأخرس إذا كتب أو فهمت إشارته.\nوقال ابن الصلاح: وينبغي أن يكون كالراوي في أنه لا يؤثر فيه قرابة أو عداوة ولا جر نفع أو دفع ضر، لا كالشاهد؛ لأنه مخبر عن الشرع بما لا اختصاص له بشخص؛ فكان كالراوي لا كالشاهد.\n(^١) في ب، ح: يفيد.","vol":"2","page":143},{"text":"وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ، وَلا يُعْتَدُّ بِالنَّظَّامِ وَبَعْضِ الْخَوَارجِ وَالشِّيعَةِ.\nوَقَوْلُ أَحْمَدَ ﵀: مَنِ ادَّعَى الإجْمَاعَ، فَهُوَ كَاذِبٌ اسْتِبْعَادٌ لِوُجُودِهِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وهو حُجَّةٌ عند الجميع، ولا يعتد بالنَّظَّام\"، حيث أنكر كونه حُجَّة على ما صح عنه. أو حيث أحاله على ما نقله المصنّفُ.\nوكذا \"بعض الخوارج والشيعة\"، وإن وقع من الشِّيعة احتجاج به [فاشتماله على قول الإمام المعصوم على ما يهزؤن به] (^١) كما سيأتي.\nولقائل أن يقول: الحكم بكونه حُجَّة غبر متوقّف على وقوعه، ولا جواز وقوعه، فعلى ما نقل المصنف عن النَّظَّام من الاستحالة لا يتجه أن ينقل عنه ما ذكرناه أنه غير حجة إلا بعد ثبتٍ في ذلك.\nوالصَّحيحُ عنه ما ذكرناه، وأنه يقول: الإجماع حجّة أيضًا، ثم يفسره بكل قول قامث حُجَّته وإن كان قول واحد، وتبقى (^٢) الحُجّية عن الإجماع الذي نفسره نحن بما نفسره.\nوهذا الشَّيخ المسكين لما أضمر في نفسه أن الإجماعَ في اصطلاحنا غير حُجَّة وتواتر عنده تحريم مخالفة الإجماع - خشي سهام الكَلامِ ففسّره بما ذكرناه عنه، كذا قال الغزالي وغيره.\n\"وقول أحمد ﵀: من ادَّعى الإجماع\"، في مسألة \"فهو كاذبٌ\" (^٣)، ليس إنكارًا للإجماع، وإنما هو \"استبعاد لوجوده\"؛ لعسر الاطّلاع عليه.\n_________\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) في ب: ينفي.\n(^٣) من طريق عبد الله عن أبيه. ينظر: الإحكام لابن حزم ٤/ ٥٤٢، والمحلى له ٩/ ٣٦٥، ولإبطال تمسكهم بهذه العبارة نقول: إن الإمام أحمد أطلق القول بصحة الإجماع في مواضع كثيرة، منها ما روى البيهقي عنه أنه قال: أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة يعني: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ فلو لم ير ثبوت الإجماع وثبوت العلم به ما أطلق القول بصحته؛ فمن المحتم أن تؤول عبارته تأويلًا يتفق وقوله هذا، وقد ذكروا له عدة تأويلات. منها ما قاله شارح المختصر، وتبعه صاحب التحرير المسَلّم أنه محمول على استبعاد انفراد ناقله به، فمعناه من ادعى الإجماع حيث لم يطلع عليه سواه فهو كاذب؛ إذ لو كان صادقًا لاطلع عليه غيره. ومنها ما نقله صاحب التقرير عن أصحاب الإمام أحمد أنه قاله على جهة الورع؛ لجواز أن يكون هناك خلاف لم يبلغه،=","vol":"2","page":144},{"text":"<span data-type='title' id=toc-467>أَدِلَّةُ الإجْمَاعِ</span>\nالْأَدِلَّةُ: مِنْهَا: أَجْمَعُوا عَلَى الْقَطْع بِتَخْطِئَةِ الْمُخَالِفِ، وَالْعَادَةُ ...........\n<hr><s0>\n\nالشرح: الأدلة على أن الإجماع حجة كثيرة (^١).\n_________\n= فمعناه من ادعى الإجماع جازمًا به مع احتمال وجود خلاف لم يبلغه فهو كاذب، ويشهد لهذا لفظه في رواية ابنه عبد الله وهو: من ادعى الإجماع فقد كذب؛ لعل الناس قد اختلفوا، ولكن يقول: لا نعلم الناس اختلفوا إذا لم يبلغه. ومنها ما نقله في التقرير أيضًا عن ابن رجب أنه قاله إنكارًا على فقهاء المعتزلة الذين يدعون إجماع الناس على ما يقولون، وكانوا من أقل الناس معرفة بأقوال الصحابة والتابعين، وأحمد لا يكاد يوجد في كلامه احتجاج بإجماع بعد التابعين أو بعد القرون الثلاثة، فمعناه: من ادعى الإجماع من هؤلاء المعتزلة على رأيه الذي انفرد به فهو كاذب. ومنها أنه محمول على حدوثه الآن، فمعناه: من ادعى حدوث إجماع الآن فهو كاذب؛ لعدم إمكانه أو إمكان الاطلاع عليه؛ وبهذا بطل تأييد دعواهم بها، ولم يبق لهم متمسك.\n(^١) ومعنى الحجية أنه دليل من أدلة الشرع مفيد للحكم، وأما وجوب العمل فلازم للحجية لا أنه عينها، ولم يخالف في حجيته إلا النظام وبعض الشيعة، وهم الإمامية منهم كما في إرشاد الفحول للشوكاني وبعض الخوارج؛ فإنه وإن نقل عنهم ما يقتضي الموافقة لكنهم عند التحقيق مخالفون. (أما النظام) فإنه لم يفسر الإجماع باتفاق المجتهدين كما فسر به الجمهور بل قال كما نقله عنه الغزالي والآمدي أنه كل قول قامت حجته وإن كان قول واحد، أي كل قول قام برهانه من الكتاب والسنة، وذلك صادق على الإجماع؛ فإنه قامت حجته ودل عليه الدليل، وهذا يقتضي أنه موافق للجمهور لكنه عند التحقيق مخالف؛ لأن العبرة عنده بالحجة، سواء أكانت كتابًا أم سنة، وأما بعض الشيعة، فإنهم يقولون: إن إجماع المجمعين حجة إذا كان فيهم الإمام المعصوم. وهذا يقتضي أنهم يوافقون الجمهور في حجية الإجماع لكنهم عند التحقيق مخالفون؛ لأنهم لا يقولون بحجيته لكونه إجماعًا؛ بل لاشتماله على قول الإمام المعصوم، وقوله بانفراده عندهم حجة، وأما بعض الخوارج، فقالوا كما نقله القرافي عنهم في الملخص: إن إجماع الصحابة حجة. وهذا يقتضي الموافقة لكنهم عند التحقيق مخالفون؛ لأنهم إنما يقولون بحجيته قبل حدوث الفرقة، وأما بعدها فالحجة عندهم في إجماع طائفتهم لا غير، لأن العبرة بقول المؤمنين، ولا مؤمن عندهم إلا من كان على مذهبهم. فإن قيل: حيث ثبت أن النظام والإمامية من الشيعة وبعض الخوارج مخالفون في حجية الإجماع لا يكون هناك اتفاق على الحجية.\nقلنا: لا عبرة بمخالفتهم؛ لأنهم قليلون من أهل البدع والأهواء قد نشأوا بعد الاتفاق يشككون في ضروريات الدين مثل السوفسطائية في الضروريات العقلية (ولا يؤيدهم قول الإمام أحمد ﵀: من ادعى الإجماع فهو كاذب؛ فقد مر تأويله).","vol":"2","page":145},{"text":"تُحِيلُ إِجْمَاعَ هذَا الْعَدَدِ الْكَثيرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى قَطْعٍ فِي شَرْعِيٍّ مِنْ غَيْرِ قَاطِعٍ فَوَجَبَ تَقْدِيرُ نَصٍّ فِيهِ.\n<hr><s0>\n\nواعلم أن المصنّف انفرد بدليلين رآهما قاطعين، وسلك فيهما غير طريق الآمدي، ونحن لا نرتضيهما.\n_________\n= والصحيح وعليه الجمهور أن حجية الإجماع قطعية، أي أن إفادته للحكم قطعية، وذلك يتوقف على قطعية الأدلة الدالة على حجية الإجماع وعلى قطعية ثبوت الإجماع. وقال الإمام الرازي والآمدي: إن حجية الإجماع ظنية. قال السبكي في جمع الجوامع والجلال المحلى شارحه: والصحيح أنه قطعي فيها حيث اتفق المعتبرون على أنه إجماع كأن صرح كل المجمعين بالحكم الذي أجمعوا عليه من غير أن يشذ منهم أحد؛ لإحالة العادة خطأهم جملة، لا حيث اختلفوا في كونه إجماعًا كالسكوتي المجرد عن القرائن التي تدل على الرضا، وما ندر مخالفه فهو على القول بأنه إجماع محتج به ظني للخلاف فيه. وقال الإمام الرازي والآمدي: إنه ظني مطلقًا؛ لأن المجمعين عن ظن لا يستحيل خطؤهم، والإجماع عن قطع غير متحقق ا. هـ. وعبارة الجلال في الاستدلال لمذهب الرازي والآمدي تفيد أن الظنية مبنية على احتمال أن سند المجتهدين ظني. وتوضيح الاستدلال أنه يحتمل أن كل واحد من المجتهدين بظن الحكم؛ لأن دليله ظني، ويحتمل أن يقطع به؛ لأن دليله قطعي، فإذا علم الإجماع علم إفادة الحكم على ما هو عليه، وهو كونه محتملًا للقطع والظن، وهذا يؤول إلى أنه مظنون … واعترض الشربيني على هذا البناء بما يفيد أن الدليل الدال على حجية الإجماع يدل على أن الحكم حق مطابق للواقع، سواء أكان مظنونًا لكل مجتهد قبل علمه بالإجماع أو مقطوعًا، فالإجماع يصير معلومًا ومجزومًا به. فالحق أن قولهما بالظنية مبني على ظنية الأدلة الدالة على حجية الإجماع، وهذا يفهم من كلام الرازي والآمدي وكثير من المصنفين.\nومما تقدم يعلم أن ما أفاده صاحب التحرير وصاحب المسلم من أن كون حجية الإجماع قطعية لم ينازع فيها أحد من أهل القبلة مخالف لما ذكره السبكي. وجعل بعض الحنفية الإجماع بالنسبة لجاحده (أربع مراتب): إجماع الصحابة نصًا؛ لأنه لا خلاف فيه بين الأمة؛ لأن العترة وأهل المدينة يكونون فيهم، ثم الذي ثبت بنص البعض وسكوت الباقين؛ لأن السكوت في الدلالة على التقرير دون النص .. ثم إجماع من بعدهم على حكم لم يظهر فيه خلاف من سبقهم؛ لأن النبي ﷺ رتب القرون في الخيرية فقال: \"خير القرون قرنى\" الحديث. وحجية الإجماع مبنية على الخيرية؛ فتكون حجية إجماع غير الصحابة بعد حجية إجماع الصحابة .. ثم على ما ظهر فهه خلاف من سبقهم؛ لأن فيه خلافًا بين الفقهاء. وعلى هذا الترتيب درج غير واحد من الحنفية، وحكوه عن محمد بن الحسن رحمه الله تعالى … وجرى بعض الحنفية على جعل الإجماع مراتب ثلاثة: إجماع الصحابة نصًا إذا لم يعتبر فيه خلاف منكره، فصار قطعيًا. والثانية: إجماع من بعدهم؛ إذ فيه خلاف ضعيف؛ فنزل=","vol":"2","page":146},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالرَّأي عندنا: أن نُخِلَّ كلامه ثم نتعقّبه، ثم نشير إلى ما نرتضيه نحن، وربَّما أطلنا النَّفَسَ قليلًا؛ لأن الإجماعَ عمادُ الأمة وعصامها، وملاذ الملة وقوامها، فالذَّبُّ عنه، وكشف الحجب عن براهينه ممَّا يتعيَّين الاحتفال به.\nقال: \"منها أجمعوا على القطع بتخطئة المخالف\" للإجماع، \"والعادة تحيل اجتماع هذا العدد الكثير من العلماء المحققين على قطع في\" حكم \"شرعي من غير\" اطِّلاع على دليل \"قاطع،\n_________\n= من القطعية إلى قربها من الطمأنينة ومثله السكوتي. والثالثة: الإجماع المسبوق بخلاف؛ إذ فيه خلاف قوي؛ فصار ظنيًا، ومثله المنقول آحادًا. وخالف شارح المسلم في الترتيب والتوجيه، فجعل السكوت في المرتبة الأخيرة، ووجه الترتيب بأن إجماع الصحابة مقطوع بثبوته لقلتهم، فصار مقطوعًا بحجيته، وإجماع من بعدهم في ثبوته شبهة بعيدة لكثرتهم؛ فصار مفيدًا للطمأنينة القريبة من اليقين، والإجماع المسبوق بخلاف والسكوتي والمنقول آحادًا حجيتها ظنية؛ لوجود احتمالات فيها .. وما قاله الحنفية لا يخالف قول الجمهور؛ بدليل ما قاله صاحب الفواتح في آخر الإجماع أن ترتيب الحنفية المذكور مبني على قطعية الثبوت وظنيته.\nوقال الشوكاني في إرشاد الفحول: اختلف الفائلون بحجية الإجماع هل هو حجة قطعية أو ظنية؛ فذهب جماعة منهم إلى أنه حجة قطعية، وبه قال الصيرفي وابن برهان، وجزم به من الحنفية الدبوسي وشمس الأئمة. وقال الأصفهاني: إن هذا القول هو المشهور وأنه يقدم الإجماع على الأدلة كلها، ولا يعارضه دليل أصلًا، ونسبه إلى الأكثرين، قال: بحيث يكفر مخالفه أو يضلل ويبدع وقال جماعة منهم الرازي والآمدي: إنه لا يفيد إلا الظن. وقال جماعة بالتفصيل بين ما اتفق عليه المعتبرون؛ فيكون حجة قطعية وبين ما اختلفوا فيه كالسكوتي وما ندر مخالفه؛ فيكون حجة ظنية. وقال البزدوي وجماعة من الحنفية: الإجماع مراتب، فإجماع الصحابة مثل الكتاب والخبر المتواتر، وإجماع من بعدهم بمنزلة المشهور من الأحاديث. والإجماع الذي سبق فيه الخلاف في العصر السابق بمنزلة خبر الواحد، فهذه أربعة مذاهب ا. هـ. قد علم مما مر أن قطعية الإجماع متوقفة على قطعية ثبوته، فالقائلون بالقطعية لا يتصور عقلًا أن يقولوا: إنه قطعي الحجية حتى ولو كان ظني الثبوت؛ إذ يلزم من ظنية الثبوت ظنية الحجية، فكلامهم مقيد بما إذا ثبت قطعًا، وحينئذ يكون هذا القول موافقًا للقول الثالث الذي هو قول الجمهور، وهو القول بالتفصيل بين قطعي الثبوت فيكون قطعيًا، وبين ظني الثبوت فيكون ظنيًا. وعلم أيضًا أن الحنفية الذين قسموا الإجماع إلى مراتب لا يخالفون الجمهور كما تقدم، وحينئذ يرجع هذا الخلاف الرباعي الذي ذكره الشوكاني إلى خلاف ثنائي حاصله أن حجية الإجماع قطعية عند الأكثر، ظنية عند الرازي والآمدي، والقائلون بالقطعية يقيدون ذلك بما إذا كان الثبوت قطعيًا. والله علم.","vol":"2","page":147},{"text":"وَإِجْمَاعُ الْفَلاسِفَةِ، وَإِجْمَاعُ الْيَهُودِ، وَإِجْمَاعُ النَّصَارَى غَيْرُ وَارِدٍ.\n<hr><s0>\n\nفوجب\" في كلّ إجماع \"تقدير نص\" قاطع \"فيه\" دال على القطع بتخطئة المُخَالف (^١).\nولكن لم قلتم: إن ذلك يستدعي قاطعًا يدلّ عليه؟ ولم لا [يكفي] (^٢) أمارة؟\nلا يقال: لو كانت أمارة لما قطعوا؛ لأنها إنما تفيد الظَّن؛ لأنا نقول: الأمارة إذا عضدها إجماع هذا الجمع الكثير من المحققين أفادت القطع؛ لأن المسألةَ الاجتهاديةَ تنقلبُ بالإجماع قطعية.\nوإذا (^٣) كان كذلك، فأين القاطع الدال على تخطئة مخالف الإجماع؟ فإنما دلَّ على القطع بتخطئة المُخَالف إجُماعهم مع الأمارة.\nوالأمارة لا تفيد القَطْع، والإجماع المنضم إليها لا يستدل به، وألَّا يكون إثباتًا للإجماع بالإجماع، وهذا غير سؤاله الذي أورده وأجاب عنه حيث قال: لا يقال: أثبتُّم (^٤) الإجماعَ بالإجماعِ.\nالشرح: \"وإجماع الفلاسفة، وإجماع اليهود، وإجماع النَّصَارَى\" على القطع بأمور باطلة \"غير وارد\" على قولنا: العادة تحيل اجتماع العدد الكثير (^٥) من العلماء على القَطْعِ بلا قاطعٍ.\nولم يبيّن المصنّف [سبب] (^٦) عدم وروده، وقد اختبط الشَّارحون في هذا المكان؛ لأنه ارتكب طريقًا لم يسلكها الآمدي فلم يجدوا له أصلًا يستضيئون بنوره، ولا لكلامه وجهًا يظهر الفكر من تجوزه.\nوقد قيل فيه: إن الفَلاسِفَةَ لم يكونوا في عصر من الأعصار علماء العصر، بل بعضهم والعادة لا تحيل إجماع (^٧) البعض.\n_________\n(^١) المراد من المخطإ المخالف من تقدَّر مخالفته من مجتهد وافق أو مجتهد طرأ بعد تحقق إجماع قبله، فإن قيل: كيف يكون المخالف المحتهد مخطئًا مع أن كل مجتهد مصيب؟. قلنا: الإصابة ممنوعة على تقدير مخالفة الإجماع - كما سيأتي بيانه - وإنما قال: \"في شرعي\" لجواز القطع في العرفي والعقلي من غير نص قاطع. ينظر: الشيرازي ١٩٢ أ / خ.\n(^٢) في ب: تكفي.\n(^٣) في ت: وإنما.\n(^٤) في ت، ح: اسم.\n(^٥) في أ، ت، ح: الكبير.\n(^٦) سقط في ت، ج.\n(^٧) في ت، ح: اجتماع.","vol":"2","page":148},{"text":"لا يقَالُ: أثْبتُّمُ الإِجْمَاعَ بِالإِجْمَاعِ [أَوْ] أثْبتُّمُ الإِجْمَاعَ بِنَصٍّ يَتَوَقفُ عَلَيْهِ؛ لأَنَّ الْمُثْبَتَ كَوْنُهُ حُجَّةً ثُبُوتُ نَصٍّ عَنْ وُجُودِ صُورَةٍ مِنْهُ بِطَرِيقِ عَادِيٍّ لا يَتَوَقَّفُ .........\n<hr><s0>\n\nوأما اليهود والنَّصَارى، فالخطأ نشأ لهم من نَقْل أوائلهم، وكانوا آحادًا. والعادةُ لا تحيل (^١) اجتماع الآحاد على الخطأ، وهذا مع كونه أمثل ما ذكر فيه ضعيف؛ لأن ما ذكر من الفلاسفة يستدعي نقل التاريخ فيه، وأيضًا فالسَّائلُ سُئِلَ عن فلاسفة جميع الأعصار وهم جمع كثير يفوقون (^٢) جمع العَصْرِ الواحد من علماء الأمة [في العدد] (^٣) بآلاف مؤلّفة وقد اتفقوا على ضلالات، وكذا القول في اليهود والنَّصَارى.\nوالحقُّ أن السُّؤَالَ واردٌ، وقد أورده شيخ الجماعة القاضي أبو بكر على من زعم حُجِيَّةَ الإجماع تدرك بالعقل.\nالشرح: نعم \"لا\" يرد عليه ما قد \"يقال\" من أنه يستلزم الدور.\nوبيانه أنكم \"أثبتم\" أن \"الإجماع\" حُجَّة \"بالإجماع\" من العدد الكثير من العلماء، \"أو أثبتم الاجتماع بنص يتوقف\" ثبوته \"عليه\" - أي: على كون الإجماع حُجَّة -؛ لأنكم قلتم: إجماع الكثيرين على تَخْطِئَةِ المخالف لا يقع، إلَّا عن نصٍّ، فيكون ثبوت النص مستفادًا من كون الإجماع الثَّاني حُجَّةً الذي هو دليل على كون مطلق الإجماع حُجَّة؛ لأنا نقول: الدورُ غيرُ لازمٍ؛ \"لأن المثبت كونه\" - أي كون الإجماع \"حجَّة\" - ليس الإجماع ولا نصًّا يتوقف على حُجِيَّته، وإنما هو \"ثبوت نصّ\" دالّ عليه، وثبوت ذلك النَّص مستفاد \"عن وجود صورة\" جزئية \"منه\"، وهي الإجماع الثاني.\nوإنما أفاد هذا الإجماع وجود النَّص \"بطريق عادي\"، وتلك الصورة الجزئية وهي الإجماع الثَّاني\"لا يتوقَّف وجودها، ولا دلالتها على\" النَّص على \"ثبوت كونه حُجَّة فلا دورَ\".\n\"ومنها: أجمعوا على تقديمه على\" الدليل \"القاطع فدلَّ\" ذلك \"على أنه\" في نفسه \"قاطع وإلَّا\" فلو لم يدلّ على ذلك \"تعارض الإجماعان\" - الإجماع على تقديمه علي القاطع [والإجماع على أن غير القاطع] (^٤) لا يقدم عليه؛ - وذلك \"لأن القاطع مقدّم\" بالإجماع، وتعارض الإجماعين باطل؛ لأن العادة تقضي بامتناع وقوع التَّعَارض بين أقوال مثل هذا العدد من العلماء المحققين.\n_________\n(^١) سقط في ت، ح.\n(^٢) في ت، ح: يعرفون.\n(^٣) في ح: بالإجماع.\n(^٤) سقط في ح.","vol":"2","page":149},{"text":"وُجُودُهَا وَلا دِلالتهَا عَلَى ثُبُوتِ كَوْنِهِ حُجَّةً فَلا دَوْرَ. وَمِنْهَا أَجْمَعُوا عَلَى تَقْدِيمِهِ عَلَى الْقَاطِعِ، فَدَلَّ [عَلَى] أَنَّهُ قَاطِعٌ وَإلَّا تَعَارَضَ الإِجْمَاعَانِ؛ لأِنَّ الْقَاطِعَ مُقَدَّمٌ.\nفَإنْ قِيلَ: يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُحْتَجُّ عَلَيْهِ عَدَدَ التَّوَاتُرِ؛ لِتَضَمُّن الدَّلِيلَيْنِ ذلِكَ.\n<hr><s0>\n\nولقائل أن يقول: إجماعُهم على تقديمه على القاطع ممنوع؛ وذلك لأنه فرع تُصُوِّرَ معارضته للقاطع، والقاطعان لا يَتَعَارضان.\nوكان مراده بالقَاطِعِ الذي أجمعوا على تقديم الإجماع عليه ما كان قاطعًا في أصله دون دلالته، أو دوامه، أو غير ذلك، وإلا فهو لا ينكر أن القاطعيْن لا [يتعارضان] (^١).\nوإذا كان هذا مراده فلقائلٍ أن يقول: قولك: أجمعوا على تقديمه على القاطع بهذا المعنى مسلم، ولكن لا يفيد كونه قاطعًا، بل يحتمل أن يكون الظَّن المستفاد منه أقوى من الظَّن المستفاد من القَاطِعِ في صورة الإجماع، فيكون ذلك ترجيحًا لأقوى الظَّنَّين مثاله: إذا رأينا نصًّا قاطعًا دالًّا على أن زيدًا يجب عليه كذا، ثم رأينا أن الأمة مجمعة على أنه غير واجب عليه، فالأوَّلُ قاطع في أصل الوجوب عليه دون دوامه (^٢) فيعمل بالإجماع؛ لأنه يدلّ على النسخ، أو زوال الحكم بزوال علَّة كان معللًا بها، أو نحو ذلك، لا لأنه عارَض قاطعًا، فإن لم يعارضه في مَحَلّ قطعه، بل ذلك لا يمكن كما عرفت.\nونظيره العامُّ والخاصُّ إذا كان العامُّ قرآنًا، والخاصُّ خبر واحد، فإن العامل مقطوع المتن مظنون الدلالة، والخاص بالعكس، فتعادلا ولم يتعارضا في موضع قطع، فكذلك ما نحن فيه لم يترجح إلا أقوى الظَّنين وقت التعارض بينهما، وإن كان أصل أحدهما قطعيًا، فافهم ذلك.\nالشرح: \"فإن قيل\": على الدليلين المذكورين، \"يلزم أن يكون\" الإجماع \"المحتج عليه\" - أي: الذي أقيم الدليلان على كونه حُجَّةً - قد تضمن \"عدد التواتر\" من المجمعين (^٣) ليستحيل عليهم التواطؤ على الكذب؛ \"لتضمن الدليلين ذلك\".\nأما الأول: فلأن العادة إنما تحيل اجتماع العدد الكثير إذا بلغوا عدد التواتر.\n_________\n(^١) في ح: يعارضان.\n(^٢) في ت، ح: دولته.\n(^٣) في ت: المجتمعين.","vol":"2","page":150},{"text":"قُلْنَا: إِنْ سُلِّمَ فَلا يَضُرَّ.\n<hr><s0>\n\nوأما الثاني: فلأنها إنما تقضي بامتناع التعارض بين أقوال مثل هذا العدد إذا انتهوا إلى عدد التواتر.\nوإذا كان كذلك فلا يكون اتفاق من نقص (^١) عددهم عن عدد التَّواتر حُجَّة، ثم لا اختصاص لكونه حجة بكونهم مجتهدين، بل يكون ذلك دائرًا مع اتِّصَافهم بعدد التواتر وجودًا وعدمًا، وهو سؤال قوي.\nواعلم أن سالكي الطرق المعنوية على كون الإجماع حُجَّة وإن تَبَايَنَتْ بهم الأَنْحَاء يلتزمون هذا السؤال.\nكذا قاله الآمديُّ في غير موضع.\nقال: ويلزمهم ألا يكون الإجماع المحتج به خصيصًا بإجماع (^٢) أهل الحَلّ والعقد من المسلمين، بل هو عام في إجماع كل من بلغ عددهم التَّوَاتر، وإن لم يكونوا مسلمين.\nوأما المصنّف، فإنه سلك سبيلهم في الاحتجاج بالمَعْنَى، ثم لم يلتزم هذا السؤال فوقع في معضل أرب فقال: \"قلنا\": لا نسلّم لزوم ذلك؛ إذ العادة تحيلُ اجتماع المحققين بالقَطْعِ في شرعي من غير قاطعٍ، سواء بلغ عددهم عدد التواتر، أم لا.\nوكذا يمنع من التَّعَارض بين أقوال جمع من العلماء، وإن لم يبلغوا عدد التواتر.\nثم \"إن سلم\" لزوم ذلك \"فلا يضر\"؛ لأن اللَّازم حينئذ كون القاطعين بِتَخْطِئَةِ مخالف الإجماع والقاطعين على تقديم الإجماع على النَّص القاطع عددهم [عدد التواتر، لا كون أهل الإجماع عددهم] (^٣) هذا فلا ينتهض نقضًا.\nولقائل أن يقول: دعواكم أن العادة تحيلُ إجماع (^٤) المحققين، وإن لم يبلغوا عدد التواتر قد يمنعها الخَصْم.\nوأما قولكم: إنما عَدَدُ التواتر في القاطعين بتخطئة مخالف الإجماع، وبتقديم الإجماع على النص القاطع، فلقائل أن يقول: أيّ إجماع يقطعون بتخطئة مخالفه، وتقديمه على النص القاطع؟ الإجماع الموجود فيه عدد التواتر، أو غيره؟ الأول: مسلَّمٌ، لكنه لا ينفعكم؛ لأن دعواكم أن كل\n_________\n(^١) في ب: بعض.\n(^٢) في ح: بالإجماع.\n(^٣) سقط في ت.\n(^٤) في ت، ح: اجتماع.","vol":"2","page":151},{"text":"[اسْتَدَلَّ] الشَّافِعِيُّ ﵀: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ..........\n<hr><s0>\n\nإجماع حجَّة، وهذا لا يفيد إلا حجية إجماع خاص فلا ينتهض على المدعي بجملته.\nفإن قلت: هَبْ أنه لا ينتهض على ذلك، أليس ينتهض ردًّا على من يمنع الإجماع بجملته؟ فيقال: قد ثبت بهذا [بعض الإجماعات فلا يصح قولك: الإجماع ليس] (^١) بِحجَّةٍ.\nقلت: لو كنا هنا في مقام المنع، والرد على من نفى حُجية الإجماع صح هذا، ولكنا مستدلون على نفس (^٢) الإجماع، فلا بد أن يشتمل دليلنا على كُلّ المدعي، وإلا لم يكن محيطًا بالدعوى.\nوالثاني: ممنوع فلم يقطعِ الجمْع الذين بلغوا عدد التواتر إلا بتقديم الإجماع المُشْتمل على عدد التواتر دون غيره، وهو منع متجه، ومنكرُ حجية الإجماع لا يتحاشى من مثله.\nثم هب أنه خلاف الظاهر إلا أنه احتمال يمنع القطع، فلا ينتهض ما ذكره المصنّف قاطعًا في الدلالة على حجّية الإجماع، وهو لا يكتفي بالظُّهور كما سبقوه به في غير موضع.\nفإن قلت: إذا بلغ عدد المُجْمعين عدد التَّوَاتر فهل قولهم إذ ذاك حُجَّة لكونهم بالغين عدد التواتر، ولكونهم مجتهدين؟.\nقلت: مجموع الأمرين، وبهذا يندفع قول الآمدي: إن هذا القائل يلزمه ألَّا يختص الإجماع بالمجتهدين المسْلِمين؛ لأنه إنما يلزمه أن لو جعل كونهم بالغين عدد التواتر علَّة مستقلَّة في حُجّية إجماعهم، وليس كذلك، وإنما العلَّةُ عنده مجموع الوصفين.\nفالحاصلُ: أنَّ من سلك طريق المعنى في الدلالة على كون الإجماع حجة، إن أخذ عدد التَّوَاتُر ناظرًا إليه بخصوصه لزمه ألا يتقيَّد بأهل الحلّ والعقد، ولكن هذا المسلك لم نر أحدًا سلكه، فلا يرد ما قاله الآمدي.\nوإن أخذ خصوص كونهم مجتهدين، وادَّعى أن العادة تحيل اجتماع المجتهدين، وإن لم يبلغوا عدد التَّواتر على قاطع إلا عن قاطعٍ وهذا صنيع المصنف فليس من التحقيق (^٣) في شيء، وخَصْمه يمنعه كما قرَّرنا الرد على الجوابين اللَّذين ذكرهما في الكتاب.\nالشرح: و\"استدلّ الشافعي\" ﵁ على حُجِيَّة الإجماع بدليل استنبطه من القرآن\n_________\n(^١) سقط في ح.\n(^٢) في ت: نفى.\n(^٣) في ح: المحققين.","vol":"2","page":152},{"text":"[سورة النساء: الآية ١١٥] وَلَيْسَ بِقَاطِعٍ؛ لاِحْتِمَالٍ فِي مُتَابَعَتِهِ، أَوْ مُنَاصَرَتِهِ، أَوِ الاِقْتِدَاءِ بِهِ، أَوْ\n<hr><s0>\n\nفي غاية الوضوح، ولم يسبق إليه، وحكي أنه تلا القُرْآن ثلاث مرات حتى استخرجه .. روى ذلك البيهقي في \"المدخل\" وساق فيه حكايةً طويلةً غريبةً بسنده، ولم يدع - أعني: الشافعي - القطع فيه فاعرف ذلك، وهو قوله - تعالى -: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [سورة النساء: الآية ١١٥].\nووافقه على الاحتجاج بهذه الآية القاضي ﵁ مع كونه من مُنْكري الصيغ، وقال: إني إنما أنكر اقتضاء الصيغ للوجوب عند تجرُّدها.\nأما إذا احتفت بها القرائن فأقول بها، ومن أوضحها الوعيد والتهديد الشديد، والآية مُنْطوية على ذلك.\nوتقريره: أنه - تعالى - جمع بين مُشَاقّة الرسول ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد في قوله: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾، فيلزم تحريم اتباع غير سبيل المؤمنين؛ لأنه لو لم يكن محرمًا لما جمع بينه وبين المحرم الذي هو مُشَاقَّة الرسول ﷺ؛ إذ الجمع بين حَرَامٍ ونقيضه لا يحسن في وعيد؛ ولأجله يستقبح إن زنيت، وشربت الماء عاقبتك، فدلَّ على حرمة اتباع (^١) غير سبيلهم، وإذا وجب اتباع سبيلهم انتهض كون الإجماع حجة؛ لأن سبيل الشَّخص ما يختار من قول أو فعل أو اعتقاد (^٢).\n_________\n(^١) في أ، ت، ح: امتناع.\n(^٢) واعترض على هذا الدليل بوجوه: الأول: لا نسلم أن \"من\" للعموم حتى يتناول كل من اتبع غير سبيل المؤمنين؛ فإنه يجوز أنه يراد بها بعض المكلفين؛ وحينئذ لا يكون الإجماع حجة يجب العمل به على كل مكلف، بل يكون شأنه شأن اجتهاد الواحد الذي يجب العمل به عليه وعلى من قلده فقط. وسند هذا المنع أنه قد خالف جمع في أن العموم له صيغة تخصه فقال بعضهم: إن الصيغ المفيدة للعموم حقيقة في الخصوص مجاز في العموم. وقال بعضهم: حقيقة فيهما، وقال بعضهم: لا يدري أهي حقيقة في العموم أم مجاز، وقال بعضهم: هي حقيقة في العموم لكن ورودها على السبب الخاص قرينة على إرادة الخصوص بها؛ فبناء على المذاهب الثلاثة الأولى محقق دلالتها على البعض، وتحتاج في تحقق عمومها إلى القرينة، وبناء على المذهب الأخير مراد بها من نزلت فيه، وهو طعمة بن أبيرق حين سرق وزنى وارتد ولحق بالمشركين. والجواب: أنها موضوعة للعموم، وورودها على السبب الخاص لا يصرفها إلى الخصوص كما هو مذكور في مباحث العموم. وعلى فرض أنها ليست موضوعة للعموم فههنا قرينة عليه، وهي تعليق الجزاء على شرطين: أولهما:=","vol":"2","page":153},{"text":"فِي الإِيمَانِ فَيَصِيرُ دَوْرًا؛ لأِنَّ التَّمَسُّكَ بِالظَّاهِرِ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِالإِجْمَاعِ بِخِلافِ التَّمَسُّكِ بِمِثْلِهِ فِي الْقِيَاسِ.\n<hr><s0>\n\nقال: \"وليس\" هذا الاستدلال \"بقاطع؛ لاحتمال\" أن يكون اتباع غير سبيلهم \"في متابعته أو مُنَاصرته أو الاقتداء به أو في الإيمان\"، وهذه الاحتمالات (^١) إما أن تكون مساوية (^٢) لما ذكرتم، أو مرجوحة، ولسنا (^٣) نضطر إلى دعوى رُجْحَانها، وأيًّا ما كان لم يَبْقَ الدليل قطعيًّا \"فيصير\" الاستدلال به \"دورًا\" لأنَّ التمسُّك بالظَّاهر إنما يثبت بالإجماع\"، فلو أثبتنا كون الإجماع حُجَّة به لزم الدور، وهذا \"بخلاف التمسُّك بمثله في \"إثبات \"القياس\" بالظَّواهر [نحو] (^٤): ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [سورة الحشر: الآية ٢] حيث يصح، لأن ثبوت العمل بالظواهر ليس بالقياس حتى يلزم الدور كما لزم في الإجماع.\nولقائل أن يقول: إنما يلزم الدور لو لم يكن غير الإجماع دليلًا على أن الظَّاهر حجة وهو ممنوع، بل الأدلة عليه كثيرة أدناها: العمل بالرَّاجح الذي هو قضيةُ العقل وأحاديث كثيرة كقوله ﵇: \"إِنَّمَا أَقضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ\" (^٥).\nوقد أطلنا في \"التَّعليقة\" [الرد] على المصنّف وألجأناه إلى دعوى القطع في الآية، فلينظره مَنْ أراده (^٦).\n_________\n= مناسب للحكم بالاتفاق وهو المشاقة، وثانيهما: محل النزاع وهو اتباع غير سبيل المؤمنين، فمناسبة الشرط الأول تدل عقلًا على أن \"من\" للعموم والشرط الثاني لا يدفع هذا العموم.\n(^١) في أ، ت، ح: الإجماعات.\n(^٢) في أ، ت، ح: متساوية.\n(^٣) في ت: لنا.\n(^٤) سقط في ت.\n(^٥) أخرجه البخاري (١٢/ ٣٥٥) كتاب الحيل: باب (١٠) حديث (٦٩٦٧) ومسلم (٣/ ١٣٣٧) كتاب الأقضية: باب الحكم بالظاهر رقم (٤) وأبو داود (٣٥٨٣) والترمذي (١٣٣٩) والنسائي (٨/ ٢٣٣) وابن ماجه (٢/ ٧٧٧) رقم (٢٣١٧) من حديث أم سلمة، وقال الترمذي: حديث أم سلمة حسن صحيح.\n(^٦) وما يستدل به على حجية الإجماع من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ والاحتجاج بها من وجهين: الأول: لو لم يكن الإجماع حجة لما كانت الأمة معصومة عن الخطإ قولًا وفعلًا صغيرة وكبيرة، لكنها معصومة عن الخطإ؛ إذ لو لم تكن معصومة=","vol":"2","page":154},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  عن الخطأ لما جعلها العليم الخبير عدلًا، لكنه جعلها عدلًا حيث وصفها بكونها وسطًا، والوسط العدل، ويدل عليه النص واللغة (أما النص) فقوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ أي أعدلهم وقوله ﵇: \"خير الأمور أوساطها\" (وأما اللغة) فقد قال الشاعر:\nهُمُو وسط يرضى الأنام بحكمهم\nأي عدول، وقال الجوهري: الوسط من كل شيء أعدله قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي عدولًا ا. هـ. وإذا ثبت وصفهم بالعدالة وجبت عصمتهم عن الخطإ قولًا وفعلًا، صغيرة وكبيرة؛ لأن الله تعالى يعلم السر والعلانية، فلا يعدلهم مع ارتكابهم بعض المعاصي، بخلاف تعديلنا؛ فإنه قد لا يكون كذلك؛ لعدم اطلاعنا على الباطن، وإذا كانوا معصومين عن الخطإ كان إجماعهم حجة؛ وهو المطلوب.\nالوجه الثاني: لو لم يكن إجماع الأمة حجة لما كانوا صادقين فيما أخبروا لكنهم صادقون إذ لو لم يكونوا صادقين ما حكم العليم الخبير بأنهم صادقون، لكنه حكم بذلك حيث وصفهم بكونهم شهداء، والشاهد اسم لما يخبر بالصدق حقيقة، والكاذب لا يسمى شاهدًا على الحقيقة؛ فدل على أنهم عند الاجتماع صادقون فيما أخبروا؛ فإن الحكيم لا يحكم بكونهم شهداء وهو عالم بأنهم يقدمون على الكذب فيما يشهدون؛ فثبت أنهم لا يقدمون إلا على الحق حيث وصفهم بما؛ وصفهم فيكون إجماعهم حجة؛ وهو المطلوب.\nواستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ ووجه الاحتجاج بها أن يقال: مخالفة الإجماع تفرق، وكل تفرق منهي عنه: فتكون مخالفة الإجماع منهيًا عنها، ولا معنى لكون الإجماع حجة سوى النهي عن مخالفته. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ وقد جعل الإمام الرازي محل الاستدلال قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فقال: اعلم أن قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يدل عندنا على أن إجماع الأمة حجة، والدليل على ذلك أن الله تعالى أمر بطاعة أولى الأمر على سبيل الجزم والقطع في هذه الآية، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لا بد وأن يكون معصومًا عن الخطإ؛ إذ لو لم يكن معصومًا عن الخطإ كان بتقدير إقدامه على الخطإ يكون قد أمر الله بطاعته، فيكون ذلك أمرًا بفعل ذلك الخطإ، والخطأ لكونه خطأ منهي عنه؛ فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، وأنه محال. فثبت أن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم؛ وثبت أن كل من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصومًا عن الخطإ؛ فثبت قطعًا أن أولي الأمر المذكورين في هذه الآية لا بد وأن يكونوا معصومين، ثم نقول: أولئك المعصومون إما مجموع الأمة أو بعض الأمة لا جائز أن يكونوا يعض الأمة؛ لأنا بينا=","vol":"2","page":155},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  أن الله تعالى أوجب طاعة أولى الأمر في هذه الآية قطعًا، وإيجاب طاعتهم قطعًا مشروط بكوننا عارفين بهم قادرين.\nواستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. وقد استدل بها صاحب التوضيح فقال في وجه الاستدلال: الآية تدل على وجوب اتباع كل قوم طائفة المتفقهة، فإن اتفق الطوائف على حكم لم يوجد فيه وحي صريح، وأمروا أقوامهم به يجب قبوله، فاتفاقهم صار بينة على الحكم، فلا يجوز المخالفة بعد ذلك لما ذكرنا ا. هـ. وحاصله أنه لو لم يكن إجماع الطوائف حجة لجازت مخالفته لمن بعدهم لكنها لا تجوز؛ إذ لو جازت لم يكن إجماعهم بينة على الحكم، لكنه بينة على الحكم؛ إذا لو لم يكن بيِّنة لجاز لكل قوم مخالفة طائفته المتفقهة لكن جواز المخالفة باطل للآية.\nوأورد عليه صاحب التلويح إيرادين: الأول: أن هذا الدليل لا ينتج المطلوب؛ إذ المطلوب كونه حجة على المجتهدين حتى لا يسعهم مخالفته؛ والدليل لا يفيد إلا أن ما اتفق عليه طوائف الفقهاء حجة على غير الفقهاء. وأجاب عنه بعض الكاتبين على التلويح بأن كونه حجة علي المجتهدين ثابت بما أشار إليه صاحب التوضيح بقوله: فلا تجوز المخالفة بعد ذلك؛ لما ذكرنا.\nالثاني: سلمنا أنه ينتج الحجية إلكن لا ينتج القطع بها؛ فإنه استدل بوجوب العمل، وهو لا يستلزم القطع. واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وقد استدل بها صاحب التوضيح فقال في وجه الاستدلال: لا شك أن الأحكام التي ثبتت بصريح الوحي بالنسبة إلى الحوادث قليلة غاية القلة، فلو لم يعلم أحكام تلك الحوادث من الوحي الصريح وبقيت أحكامها مهملة لا يكون الدين كاملًا، فلا بد من أن يكون للمجتهدين ولاية استنباط أحكامها من الوحي؛ فإن استنبط المجتهدون في عصر حكمًا واتفقوا عليه يجب على أهل ذلك العصر قبوله، فاتفاقهم صار بيِّنة على ذلك الحكم؛ فلا يجوز بعد ذلك مخالفتهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ ا. هـ.\nقال صاحب التلويح: حاصله أن الله تعالى حكم بإكمال دين الإسلام، فيجب ألا يكون شيء من أحكامه مهملًا، ولا شك أن كثيرًا من الحوادث مما لم يبين بصريح الوحي؛ فيجب أن يكون مندرجًا تحت الوحي بحيث لا يصل إليه كل أحد، وحينئذ إما ألا يمكن للأمة استنباطه وهو باطل؛ إذ لا فائدة في الإدراج أو يمكن لغير المجتهدين منهم خاصة وهو باطل بالضرورة؛ فتعين استنباطه للمجتهدين، وحينئذ إما أن يستنبطه قطعًا ويقينًا كل مجتهد وهو باطل؛ لما بينهم من الاختلاف، أو جميع المجتهدين إلى يوم القيامة وهو أيضًا باطل؛ لعدم الفائدة؛ فتعين استنباط جمع من=","vol":"2","page":156},{"text":"الْغَزَّالِيُّ ﵀ بِقَوْلِهِ: \"لا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي … \" مِنْ وَجْهَيْنِ:\n<hr><s0>\n\nالشرح: واستدل \"الغزاليُّ ﵀ بقوله\" ﷺ: \"\"لا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي … \" من وجهين\":\n\"أحدهما: تواتر المعنى؛ لكثرتها، كشجاعة عَلِيّ (^١)، وَجُودِ خَاتِمٍ\" (^٢)، روى أبو مالك\n_________\n= المجتهدين، ولا دلالة على تعيين عدد معين من الأعصار، فيجب أن يعتبر عصر واحد. وحينئذ لا ترجيح للبعض على البعض؛ فتعين اعتبار جميع المجتهدين في عصر واحد، فيكون اتفاقهم بيانًا للحكم وبيِّنة عليه، فيجب اتباعه للآيات الدالة على وجوب اتباع البينة. هذا غاية تقرير هذا الكلام، ولقائل أن يقول: وجوب الاتباع لا يستلزم القطع، وأيضًا مما ذكر لا يدل على حجة إجماع مجتهدي كل عصر؛ لجواز أن يكون الحكم المندرج في الوحي مما يطلع عليه واحد أو جماعة من المجتهدين في عصر آخر قبله أو بعده، وأيضًا إكمال الدين هو التنصيص على قواعد العقائد، والتوقيف على أصول الشرائع وقوانين الاجتهاد لا إدراج حكم كل حادثة في القرآن ا. هـ.\nوأجاب بعض الكاتبين على التلويح عن الأول بأن صاحب التوضيح لم يدع أن وجوب الاتباع يستلزم القطع، بل ادعى أنه اتفاق جميع المجتهدين في عصر بحيث لا يتصور إجماعهم على الضلالة يستلزم القطع، وعن الثاني بأن اتفاق المجتهدين في عصر على حكم لما كان حجة بينة على الحكم قطعًا كان حجة قطعًا على حجية إجماع مجتهدي كل عصر، وعن الثالث أن المصير إلى التخصيص بلا دليل خلاف الأصل؛ فلا يصار إليه، ثم قال: ويرد على الأول أن كون اتفاقهم مستلزمًا للقطع ليس ببديهي، بل استدل عليه بوجوب الاتباع فورد الاعتراض، وعلى الثاني منع الملازمة المذكورة؛ فإن الدليل الذي ذكره صاحب التوضيح لا يفيدها كما لا يخفى. وعلى الثالث أنه لا يفيد القطعية.\n(^١) علي بن أبي طالب بن عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي، أبو الحسن ابن عم النبي ﷺ وَخَتَنه على بنته، أمير المؤمنين، يكنى أبا تُراب، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وهي أول هاشمية ولدت هاشميًا. له خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثًا. شهد بدرًا والمشاهد كلها. قال أبو جعفر: كان شديد الأُدْمة رَبْعَة إلى القِصَر، وهو أول من أسلم من الصبيان جمعًا بين الأقوال. قال له النبيّ ﷺ: \"أنت مني بمنزلة هارون من موسى\"، وفضائله كثيرة. استشهد ليلة الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت أو خلت من رمضان سنة أربعين، وهو حينئذٍ أفضل من على وجه الأرض. ينظر: الخلاصة ٢/ ٢٥٠، وطبقات ابن سعد ٢/ ٣٣٧، ٣/ ١٩، ٦/ ١٢، وغاية النهاية ٥٤٦، والتقريب ٢/ ٣٩، وشذرات الذهب ١/ ٩، وتهذيب الكمال ٢٠/ ٤٧٢.\n(^٢) حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي القحطاني، أبو عدي، فارس شاعر جواد جاهلي يضرب المثل بجوده، كان من أهل نجد، له ديوان شعر ضاع معظمه توفي ٤٦ ق. هـ بعد مولد النبيّ ﷺ بثمانية أعوام. ينظر: تهذيب ابن عساكر ٣/ ٤٢٠، والشعر والشعراء ٧٠، ونزهة الجليس ١/ ٢٨٤، والشريشي ٢/ ٣٣٢، والأعلام ٢/ ١٥١.","vol":"2","page":157},{"text":"أَحَدُهُمَا: تَوَاتُرُ الْمَعْنَى؛ لِكَثْرَتِهَا كَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ، وَجُودِ حَاتِمٍ، وَهُوَ حَسَنٌ.\n<hr><s0>\n\nالأشعري (^١) قال: قال رسول الله ﷺ: \"إِنَّ اللَّهَ أَجَارَكُمْ مِنْ ثَلاثِ خِصَالٍ … \" (^٢) وفيها: \"وَأَلَّا تَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلالَةٍ\". رواه أبو داود، وفي إسناده محمد بن إسماعيل بن عبَّاس عن أبيه، وهو على ضعفه.\n_________\n(^١) الحارث بن الحارث الأشعري، أبو مالك الشامي، صحابي، له حديث قدسي طويل، جمع أنواعًا من العلم. تفرد عنه أبو سلام الأسود. ينظر: تهذيب الكمال ١/ ٢١٢، وتهذيب التهذيب ٢/ ١٣٧، وتقريب التهذيب ١/ ١٣٩، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ١٨٢، الكاشف ١/ ١٩٣، وتاريخ البخاري الكبير ١/ ٢٦٠، وتجريد أسماء الصحابة ١/ ٩٧، وأسد الغابة ١/ ٣١٩، والإصابة ١/ ٢٧٤، والاستيعاب ١/ ٢٨٤.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤/ ٤٥٢) كتاب الفتن والملاحم، باب: في ذكر الفتن ودلائلها، حديث (٤٢٥٣). وذكره ابن كثير في \"تحفة الطالب\" ص ١٤٦ وقال: وفي إسناد هذا الحديث نظر. وفي إسناده محمد بن إسماعيل بن عياش الحمصي، حدث عن أبيه بغير سماع، وقد رواه هنا عن أبيه، وفيه شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري، ولم يسمع منه. ومحمد بن إسماعيل بن عياش قال أبو حاتم: لم يسمع من أبيه شيئًا، وقال الآجري: سئل أبو داود عنه فقال: لم يكن بذاك.\nوقال الحافظ ابن حجر في \"تهذيب التهذيب\": وقد أخرج أبو داود عن محمد بن عوف عنه عن أبيه عدة أحاديث لكن يروونها بأن محمد بن عوف رآها في أصل محمد بن إسماعيل. ينظر: تهذيب التهذيب (٦/ ٦٠)، والميزان (٣/ ٤٨١)، ولسان الميزان (٧/ ٣٥٢)، والجرح والتعديل (٧/ ١٠٧٨)، والمغني (٥٢٩٧)، والكاشف (٣/ ٢١)، والخلاصة (٣/ ٣٨١) وحديث: \"إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة\".\nأخرجه الترمذي (٤/ ٤٦٦) أبواب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة رقم (٢١٦٧). وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه. وذكره ابن كثير في \"تحفة الطالب\" ص ١٤٦، وقال: وفي إسناده سليمان بن سفيان، وقد ضعفه الأكثرون. ا. هـ.\nقال الدوري عن ابن معين: ليس بثقة، وقال مرة: ليس بشيء. وقال ابن المديني: روى أحاديث منكرة. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث يروي عن الثقات أحاديث مناكير. وقال أبو زرعة: منكر الحديث. وقال الدولابي: ليس بثقة. وقال يعقوب بن شيبة: - له أحاديث مناكير. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الدارقطني: ضعيف. ينظر: تهذيب التهذيب (٤/ ١٩٥)، وتقريب التهذيب (١/ ٣٢٥)، والخلاصة (١/ ٤١٢)، والكاشف (١/ ٣٩٥)، وتعجيل المنفعة (٤١١)، والتاريخ الكبير (٤/ ١٧)، والجرح والتعديل (٤/ ٥٢٣).\nوأخرجه الحاكم في كتاب العلم (١/ ١١٥) من حديث خالد بن يزيد ثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر مرفوعًا، وقال الحاكم: ولو حفظه خالد لحكمنا بصحته.","vol":"2","page":158},{"text":"وَالثَّانِي: تَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهَا بِالْقَبُولِ، وَذلِكَ لا يُخْرِجُهَا عَنِ الْآحَادِ.\n<hr><s0>\n\nقال أبو حاتم (^١): لم يسمع من أبيه (^٢) شيئًا.\nوروي من طريق أخرى منقطعة، وروى الدارقطنيُّ معنى الحديث بسند ضعيف.\nوعن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: \"إِنَّ اللَّهَ لا يجمَعُ أُمَّتِي\"، أو قال: \"أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَى ضَلالَةٍ، وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ\" رواه الترمذي واستغربه. وفي سنده سليمان بن سفيان المدني (^٣) ضعيف.\nورواه الحاكم وفي سنده خالد بن يزيد (^٤)، ثم علَّله.\nوعن مُعَانِ بن رِفَاعَة (^٥) عن أبي خلف الأعمى (^٦) - وهما ضعيفان - عن أنس، سمعت\n_________\n(^١) محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران الحنظلي، أبو حاتم؛ حافظ للحديث، من أقران البخاري ومسلم، ولد في \"الري\" سنة ١٩٥ هـ. وإليها نسبته، وتنقل في الشام والعراق ومصر وبلاد الروم. من مصنفاته: طبقات التابعين، وكتاب \"الزينة\"، وتفسير القرآن العظيم. وتوفي ببغداد سنة ٢٧٧ هـ. ينظر: تهذيب التهذيب ٩/ ٣١، وتاريخ بغداد ٢/ ٧٣، وطبقات السبكي ١/ ٢٩٩، وطبقات ابن أبي يعلى ١/ ٢٨٤، والأعلام ٦/ ٢٧.\n(^٢) في ت، ح: ابنه.\n(^٣) في ب: المزي.\n(^٤) خالد بن يزيد القرني، قال الخطيب في التاريخ: الصواب ابن أبي يزيد، واسمه بهذان بن يزيد بن بهذان، وكان فارسيًا، وهو خالد المزرفي، والقطربلي، القرني - بسكون الراء - قال ابن معين: لم يكن به بأس. ينظر: تاريخ بغداد ٨/ ٣٠٤، وتهذيب الكمال ١/ ٣٦٩.\n(^٥) معان بن رفاعة السلامي أبو محمد الدمشقي، ويقال: الحمصي. روى عن: إبراهيم بن عبد الرحمن العذري، وعبد الوهاب بن بخت، وعطاء الخراساني وغيرهم. روى عنه: إسماعيل بن عياش، وبشر بن إسماعيل الحلبي، والوليد، وبقية، وبشر بن بكر وآخرون.\nقال محمد بن عوف عن أحمد: لم يكن به بأس، وقال علي بن المديني: ثقة، قد روى عنه الناس. وقال عثمان الدارمي عن دحيم: ثقة، وقال أبو حاتم: شيخ حمصي يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال ابن حبان: منكر الحديث يروى مراسيل كثيرة ويحدث عن أقوام مجاهيل. قال ابن حجر: قرأت بخط الذهبي: مات مع الأوزاعي تقريبًا. ينظر: تهذيب الكمال ٣/ ١٣٤٢، وتهذيب التهذيب ١/ ٢٠١ (٣٧٤)، وتقريب التهذيب ٢/ ٢٥٨، والكاشف ٣/ ١٥٥، وتاريخ البخاري الكبير ٨/ ٧٠، وتاريخ الإسلام ٦/ ٣٩١.\n(^٦) أبو خَلف الأعمى البَصْري. روى عن: أنس. وروى عنه: مُعَان بن رفاعة. =","vol":"2","page":159},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nرسول الله ﷺ يقول: \"إِنَّ أُمَّتِي لا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلالَةٍ\". رواه ابنُ مَاجَةَ.\nوروى الحاكم في \"المستدرك\": \"لا يَجْمَعُ اللَّهُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلالَةِ أَبَدًا\".\nوالحافظ الضياء (^١) في \"المختارة\": \"إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَجَارَ أُمَّتِي أَنْ تَجْتَمِعَ عَلَى ضَلالَةٍ\"، وقد ذكرت في \"التعليقة\" أحاديث كثيرة، وتكلمت عليها (^٢).\n_________\n= قال أبو حاتم: منكر الحديث. ينظر: تهذيب التهذيب ١٢/ ٨٧ (٣٨٠)، وتقريب (٧/ ٤١٢، ٤١٨)، والمجمع ١/ ٦٢، والمغني (٧٤٣٥)، (٧٤٣٦)، والميزان ٤/ ٧٣٦.\n(^١) محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور، الشيخ الإمام الحافظ القدوة المحقق المجود الحجة بقية السلف ضياء الدين أبو عبد الله السعدي المقدسي الجماعيلي، ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي صاحب التصانيف والرحلة الواسعة. ولد سنة تسع وستين وخمسمائة بالدير المبارك بـ\"قاسيون\". وأجاز له الحافظ السلفي وشهدة الكاتبة وعبد الحق اليوسفي وخلق كثير.\nمن تصانيفه المشهورة كتاب \"فضائل الأعمال\" مجلد، وكتاب \"الأحكام\" ولم يتم في ثلاث مجلدات، و\"الأحاديث المختارة\" وعمل نصفها في ست مجلدات، و\"الموافقات\" في نحو من ستين جزءًا، و\"مناقب المحدثين\" ثلاثة أجزاء، و\"فضائل الشام\" جزءان. وقال عمر بن الحاجب: شيخنا الضياء شيخ وقته، ونسيج وحده علمًا وحفظًا وثقةً ودينًا، من العلماء الربانيين. توفي يوم الإثنين الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستمائة. بنظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٢٦، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٠٥ - ١٤٠٦، والنجوم الزاهرة ٦/ ٣٥٤، وشذرات الذهب ٥/ ٢٢٤.\n(^٢) ومنها ما رواه الحاكم أيضًا بلفظ: \"إن الله لا يجمع جماعة محمد على ضلالة\" ثم قال: صحيح على شرط مسلم، (ومنها) ما رواه أحمد والطبراني عن أبي هانئ الخولاني عمن أخبره عن أبي نضرة الغفاري قال: قال رسول الله ﷺ: \"سألت ربي أربعًا: فأعطاني ثلاثًا، ومنعني واحدة: سألت ربي: ألا تجتمع أمتي على ضلالة فأعطانيها … الحديث\" قال صاحب التقرير: قال شيخنا الحافظ: ورجاله رجال الصحيح إلا التابعي المبهم، وله شاهد مرسل رجاله رجال الصحيح أيضًا أخرجه الطبراني في تفسير سورة الأنعام. (ومنها) \"لم يكن الله ليجمع أمتي على الخطإ\" (ومنها) ما رواه البخاري ومسلم من حديث المغيرة أنه ﷺ قال: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون\"، (ومنها) \"من فارق الجماعة شبرًا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه\" رواه أحمد وأبو داود والحاكم. (ومنها) \"من سره بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن دعوتهم لتحيط من ورائهم\"، (ومنها) \"لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يظهر أمر الله\" (ومنها) \"لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم خلاف من خالفهم\" (ومنها) \"من خرج عن الجماعة وفارق الجماعة قيد =","vol":"2","page":160},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"وهو\" - يعني هذا الوجه - \"حسن\".\nولقائل أن يقول: لا نسلّم بلوغ القدْر المُشْترك منها إلى التواتر.\nوقد تكلّمت في \"التعليقة\" على الأحاديث بما يسند هذا المنع.\nسلمناه، ولكن لم قلتم: إن القدر المشترك منها هو عِصْمَةُ الأمة عن الخطأ وليس ذلك في كل أحاديثها، وإنما هو تعظيم أمر الأمة فقط، فغاية الأمر أن تكون ظاهرة فيما ذكرتم، فليت شعري من أين حَسُن عند المصنّف الاستدلال بالأحاديث على ضعف أكثرها وعدم دلالة الباقي عند التأمل، وضعفٍ بالآية، وكلاهما تمسّك بالظاهر، وفي الآية تواتر لفظي لا يدفع.\nعلى أن الغزالي نفسَه لم يصل إلى هذا الحد في الدعوى، بل جعل بين الآية والأحاديث عمومًا وخصوصًا، فقال: الحديث أدل من حيث لفظُه، وليس بمتواتر، والكتاب بالعكس.\nولقد سبق القاضي أبو بكر الغَزَّاليَّ إلى هذا التقرير، وعزاه إلى أصحابنا، ثم قال: الأولى أن يتمسّك به، ثم قول الغَزَّالي: \"الحديث أدلّ على المقصود\" - ممَّا قد ينازع فيه.\nويقال: هو وإن كان أدلّ على عِصْمتها عن الخَطَأ إلا أنه ليس فيه ما يدلُّ على تحريم المُخَالفة والتوعُّد عليها كما في الآية، فبينهما في الدّلالة على المقصود أيضًا عموم وخصوصٌ.\n\"والثاني\": من الوجهين اللذين قررهما الغَزَالي في طريق الاستدلال من الحديث أنَّا لا ندعي الاطراد (^١)، بل علم الاستدلال وقرره من وجهين:\nأحدهما: شهرة الأحاديث بين الصحابة والتَّابعين وتمسّكهم بها من غير نكير ولم يظهر أحدٌ خلافًا إلى زمن النَّظَّام، ويستحيل عادةً توافق الأمم في أعصار متكرّرة على التسليم بما لم تقم الحجة لصحّته مع اختلاف الطباع، وتفاوت المذاهب في الرد والقبول.\nقلت: وهذا الوجه ذكره القاضي، وارتضاه.\n_________\n= شبر فقد خلع ربقة - الإسلام من عنقه\" (منها) \"من فارق الجماعة ومات فميتته جاهلية) (ومنها) \"تفترق أمتي نيفًا وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة قيل: يا رسول الله ومات تلك الفرفة؟ قال: \"هي الجماعة\" إلى غير ذلك من الأحاديث التي لا تحصى كثرة.\nوتقرير الاستدلال بها أن يقال: لو لم يكن الإجماع حجة لما كانت الأمة معصومة عن الخطإ لكنها معصومة عن الخطإ، للأحاديث السابقة.\n(^١) في ب: الاضطرار.","vol":"2","page":161},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالثاني: أن المحتجين بهذه الأخبار أثبتوا بها أصلًا مقطوعًا، وهو الإجماع، ويستحيل عادة التسليم بخبر رفع المقطوع إلا إذا استند إلى مقطوع به.\nقلت: وهذا ما ذكره المصنّف بقوله: \"تلقى الأمة لها بالقَبُولِ\".\nواعترض (^١) بأن \"ذلك لا يخرجها عن الآحاد\"، فلا يكون مقطوعًا، فلا يُسْتدل على الإجماع به؛ إما للزوم الذور على ما ادعاه؛ أو لأنه لا بد في الدليل على حُجِيَّة الإجماع من قاطع (^٢).\n_________\n(^١) في ب: واعترضه.\n(^٢) والجواب على هذا من وجهين: الأول: أن كل واحد من هذه الأخبار وإن كان خبر واحد يجوز تطرق الكذب إليه، إلا أن القدر المشترك وهو عصمه الأمة عن الخطإ متواتر، فيفيد العلم الضروري لكل عاقل بأن رسول الله ﷺ قصد تعظيم هذه الأمة وعصمتها عن الخطإ، كما علم ضرورة سخاوة حاتم، وشجاعة علي، وفقه الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل، وخطابة الحجاج، وميل رسول الله ﷺ إلى عائشة دون باقي نسائه من الأخبار المشتركة في أمر متواتر وإن كان كل خبر آحادًا، واعترض الإمام الرازي على هذا الجواب بأنا لا نسلم بلوغ مجموع هذه الآحاد حد التواتر المعنوي؛ فإن الرواة العشرين أو الألف لا تبلغ حد التواتر، ولا تكفي للتواتر المعنوي؛ فإنه ليس بمستبعد في العرف إقدام عشرين على الكذب في واقعة معينة بعبارات مختلفة، ولو سلم فتواتره بالمعنى غير مسلم، فإن القدر المشترك هو أن الإجماع حجة أو ما يلزم هو منه، فإن ادعيتم أن القدر المشترك هو حجية الإجماع فقد ادعيتم أن حجية الإجماع متواترة عن رسول الله ﷺ، ويلزم أن يكون كغزوة بدر، وهو باطل فإنه؛ لو كان كذلك لم يقع الخلاف فيه، وأنكم بعد تصحيح المتن توردون على دلالته على حجية الإجماع الأسئلة والأجوبة، ولو كان متواترًا لأفاد العلم ولغت نلك الأسئلة والأجوبة، وإن ادعيتم أن هذه الأخبار تدل على عصمة الأمة فهي بعينها حجية الإجماع. وأجاب عنه شارح المسلم بأن القدر المشترك من هذه الأخبار قطعًا هو عصمة الأمة عن الخطإ، ولا شك فيه، ودعوى أنها بعينها حجية الإجماع غير صحيحة، بل هي ملزومة للحجية. وبأن اجتماع عشرين من العدول الخيار بل أزيد على الكذب على رسول الله ﷺ مما لا يتوهم. وأما قوله: لو كان لكان كغزوة بدر، قلنا: إنه كغزوة بدر كيف وقد سبق أنه قد تواتر من لدن رسول الله ﷺ إلى هذا الآن تخطئة المخالف للإجماع، وهل هذا إلا تواتر الحجية؟ وأيضًا يجوز أن تكون المتواترات مختلفة بحسب قوم دون قوم، فهذا متواتر عند من طالع كثرة الوقائع والأخبار. وأما قوله: لو كان متواترًا لما وقع الخلاف فيه، قلنا: التواتر لا يوجب أن يكون الكل عالمين به؛ ألا ترى أن أكثر العوام لا يعلمون غزوة بدر أصلًا، بل المتواتر إنما يكون متواترًا عند من وصل إليه أخبار تلك الجماعة، وذلك بمطالعة الوقائع=","vol":"2","page":162},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nولقائل أن يقول: تلقى الأمة للخبر بالقَبُول وإن لم يخرجه عن الآحاد، فلا يلزم أن يكون مظنونًا؛ لأن خبر الواحد قد تعضُده قرينة تصيِّره مقطوعًا، وجاز أن تكون القرينة هي تلقيهم بالقَبُول فيُسْتَدَلُّ به على الإجماع.\n_________\n= والأخبار، والمخالفون لم يطالعوا، وأيضًا الحق أن مخالفتهم كمخالفة السوفسطائية في القضايا الضرورية الأولية، فكما أن مخالفتنهم لا تضر كونها أولية، فكذا مخالفة المخالفين لا تضر التواتر. وأما إيراد الأسئلة والأجوبة فعلى بعض المتون لا على القدر المشترك المستفاد من الأخبار.\nالوجه الثاني: أن هذه الأحاديث لم تزل ظاهرة مشهورة بين الصحابة ومن بعدهم متمسكًا بها فيما بينهم في إثبات الإجماع من غير خلاف فيها ولا نكير إلى زمان وجود المخالفين، والعادة جارية بإحالة اجتماع الخلق الكثير والجم الغفير مع تكرر الأزمان واختلاف هممهم ودواعيهم ومذاهبهم على الاحتجاج بما لا أصل له في إثبات أصل من أصول الشريعة، وهو الإجماع المحكوم به على الكتاب والسنة من غير أن ينبه أحد على فساده وإبطاله وإظهار النكير فيه .. واعترض عليه بأمور:\nالأمر الأول: لا تسلما أن تلك الأحاديث لم يقع خلاف فيها ولا نكير؛ لجواز أن يكون أحد أنكر هذه الأخبار ولم ينقل إلينا، ومع هذا الجواز لا قطع بعدم الاختلاف وعدم النكير. والجواب: أن العادة تجعل عدم نقله؛ إذ الإجماع من أعظم أصول الدين، فلو خالف فيه مخالف اشتهر؛ إذ لم يندرس خلاف الصحابة في دية الجنين وحد الشرب ومسائل الجد والإخوة إلى غير ذلك، فكيف اندرس في أصل عظيم يلزم منه \"التضليل والتبديع لمن أخطأ في نفيه أو إثباته وقد اشتهر خلاف النظام مع سقوط قدره وقلة الاعتبار به فكيف يخفى خلاف الصحابة والتابعين؟\nالأمر الثاني: سلمنا أنها لم تنكر لكن لا نسلم أن الصحابة والتابعين استدلوا بها على الإجماع، ولم لا يجوز أن يكون استدلالهم بغير تلك الأحاديث لا بها؟. والجواب: أن تمسك الصحابة والتابعين ﵃ بها في معرض التهديد لمخالف الجماعة يدل على أن الإثبات إنما كان بها …\nالأمر الثالث: سلمنا استدلالهم بها لكن في الدليل دور؛ لما فيه من الاستدلال بالأحاديث على الإجماع والاستدلال على صحة الأحاديث بالإجماع. والجواب أن الاستدلال على صحة الأحاديث ليس بالإجماع بل بالعادة المحيلة لعدم الإنكار على الاستدلال بما لا صحة له فيما هو من أعظم أصول الدين، والعادة أصل يستفاد منها معارف بها يعرف بطلان دعوى معارضة القرآن وبطلان دعوى نص الإمامة وغير ذلك، والاستدلال بها غير الاستدلال بالإجماع؛ فاندفع الدور.\nالأمر الرابع: سلمنا أن الدليل على صحة الأحاديث هو العادة المحيلة لعدم الإنكار بما لا صحة له فيما هو من أعظم أصول الدين، لكن هذا الدليل معارض بما يدل على عدم صحتها، وهو أنها لو كانت معلومة الصحة مع أن الحاجة داعية إلى معرفتها لبناء هذا الأصل العظيم عليها لعرفت الصحابة =","vol":"2","page":163},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nولم يدَّع الغَزَّالي غير هذا، فتأمّل هذا فقد صرح في الوجهين الأخيرين باستفادة القطع منه،\n_________\n= التابعين طرق صحتها، لإحالة العادة ألا تعرف الصحابة التابعين طريق صحتها دفعًا للشك والارتياب واللازم باطل فكذا الملزوم؛ فثبت أنها غير معلومة الصحة .. والجواب مغ الملازمة؛ لاحتمال أن تكون الصحابة قد علمت صحة الأخبار المذكورة وكونها مفيدة للعلم بعصمة الأمة لا بصريح مقال بل بقرائن أحوال وأمارات دالة على ذلك لا سبيل إلى نقلها؛ لأنها لو نقلت لتطرق إليها التأويل والاحتمال، فاكتفوا بما يعلمه التابعون من أن العادة تحيل الاعتماد على ما لا أصل له فيما هو من أعظم أصول الدين.\nالاعتراض الثاني: سلمنا أنها تفيد اليقين لكن يحتمل أنه أراد بنفي الضلالة عن الأمة عصمة جميعهم عن الكفر، وقوله: على الخطإ لم يتواتر، وعلى فرض أنه متواتر فالخطأ عام يمكن حمله على الكفر، ويحتمل أنه أراد بذلك عصمتهم عن الخطإ فيما يوافق النص المتواتر أو دليل العقل؛ دون ما يكون بالاجتهاد أو عصمتهم عن الخطإ في الشهادة في الآخرة .. والجواب أنه لا يصح أن يراد بنفي الضلالة والخطإ عن الأمة عصمتهم عن الكف أو عصمتهم فيما يوافق النص المتواتر أو دليل العقل لأن هذه الأخبار إنما وردت في معرض الامتنان على الأمة والإنعام عليها، فعلم بالضرورة تعظيم شأنها وتخصيصها بهذه الفضيلة، وفي حملها على ما ذكر إبطال فائدة اختصاصهم بذلك؛ لمشاركة بعض آحاد الناس للأمة في ذلك؛ فلم يصح حملها على العصمة مما ذكر، ووجب حملها على ما لا يعصم عنه الآحاد من سهو وخطإ وكذب، ولا يصح أن يراد بنفي الضلالة والخطإ عن الأمة عصمتهم عن الخطإ في الشهادة في الآخرة لأن هذه الأخبار إنما وردت لإيجاب متابعة الأمة والحث عليها والزجر عن المخالفة، فكان المقصود وجوب العمل، فلم يصح الحمل على الخطأ في الشهادة في الآخرة؛ إذ لا عمل فيها.\nالاعتراض الثالث: سلمنا دلالة هذه الأخبار على عصمتهم عن كل خطإ وضلال، لكن يحتمل أنه أراد بالأمة كل من آمن بالله إلى يوم القيامة، وأهل كل عصر ليسوا كل الأمة؛ فلا يلزم امتناع الخطإ والضلال عليهم .. والجواب ما سبق في الآيات المتقدمة، وهو أنه لما كان المقصود هو الزجر عن مخالفة الأمة والحث على متابعتها لم يتصور حمل الأمة على كل من آمن بالله إلى يوم القيامة؛ إذ لا زجر ولا حث فيها.\nالاعتراض الرابع: سلمنا انتفاء الخطإ والضلال عن الإجماع في كل عصر من الأعصار، ولكن لا نسلم أنه يكون حجة على المجتهدين؛ فإنه على القول بأن كل مجتهد مصيب لا يجب على أحد المصيبين اتباع المصيب الآخر، وحاصله منع الملازمة في الدليل المتقدم، وهي لو لم يكن الإجماع حجة لما كانت الأمة معصومة عن الخطإ. والجواب أنه إذا ثبت انتفاء الخطإ عن أهل الإجماع فيما ذهبوا إليه كان ذلك إجماعًا على وجوب اتباعهم.","vol":"2","page":164},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفحاصل كلامه: دعوى القَطْع من هذه الأخبار بطريقين:\nأحدهما: علم الاضطرار، وهذا التَّوَاتر المعنوي الذي استحسنه المُصَنّف، وهو ضعيف عند القاضي وعندنا كما عرفت.\nوالثاني: علم الاستدلال بالوَجْهَيْنِ اللذين ذكرهما.\nوهما راجعان إلى إحالة العادة استدلال الأمة به، وانتشاره ما بينهم من دون قاطع فاشترك الطريقان في أن يفيد العلم.\nفمن فَهِم عن الغزالي أنه أراد خبر واحد مجرد عما يعضده [وهو] (^١) يصيّره مفيدًا للعلم، فقد فهم ما صرَّح بخلافه.\nثم نقول: هذا الطريق الثاني هو الذي اعتمده صاحب الكتاب، وركَّب منه دليليه (^٢) السَّابقين فافهمه، وبهذا يتضح لك أن ما رده هنا هو ما استدلّ به ثَمَّ، فتأمل هذا.\nوإمام الحرمين في \"البرهان\" قال (^٣): ولا حاصل لمن يقول: هذه الأحاديث متلقاة بالقبول فإن المُعَضِّد من ذلك يؤول إلى أن الحديث مجمع عليه، وقُصَاراه إثبات الإجماع بالإجماع على أنه لا تستب (^٤) هذه الدعوى مع اختلاف النَّاس في الإجماع اهـ.\nودفع دليل تلقي الأمة بالقَبُول بهذا الوَجْهِ، وأوضح من دفعه بأن ذلك لا يخرجه عن الآحاد.\nوقد ذكر القاضي، والإمام في مختصره \"التقريب\" هذا السؤال وقالا: إنه من أهم الأسئلة ثم أجابا عنه بما حاصله أنا لم نثبت الإجماع بالإجماع على تَلَقِّيهِ بالقَبُولِ؛ بل لإحالة العادة.\nوهذا السؤال والجواب هو نفس سؤال المصنف وجوابه السَّابقين في قوله: لا يقال: أثبتم الإجماع بالإجماع إلخ - وهو جواب صحيح -.\nوأما قول الإمام: لا تستتبّ هذه الدعوى مع اختلاف النَّاس في الإجماع.\nفجوابه: أن الاختلاف طارئ لم يسبق النّظَّام إليه أحدٌ، وذلك معروف من قضية العَادَةِ، ووجوب استمرارها لتوفّر الدواعي على نقل خلاف من خالف في هذا الأصل العظيم، فلقد\n_________\n(^١) سقط في أ، ب، ت.\n(^٢) في ب، ح: دليله.\n(^٣) ينظر: البرهان ١/ ٦٧٨.\n(^٤) في ت: لا تسبب.","vol":"2","page":165},{"text":"وَاسْتُدِلَّ إِجْمَاعُهُمْ يَدُلُّ عَلَى قَاطِع فِي الْحُكْمِ؛ لأِن الْعَادَةَ امْتِنَاعُ اجْتِمَاعِ مِثْلِهِمْ عَلَى مَظْنُونٍ.\n<hr><s0>\n\nتوفرت على نقل مسائل جزئية، فما ظنّك بالإجماع، فلو سبق النَّظَّامَ أحدٌ إلى مَقَالَتِهِ لنقل هذا.\nوقد نقل خلاف النَّظَّام إلينا.\nقال القاضي ﵁: مع خموله وقلَّة خطره في النفوس، وكونه معدودًا في أحزاب الفُسَّاق.\nالشرح: \"واسْتُدِلّ\" على حجيَّة الإجماع أيضًا بما تقريره \"إجماعهم\" على الحكم \"يدلّ على\" وجود \"قاطع في الحكم؛ لأن العادة\" مقتضاها: \"امتناع اجتماع مثلهم على\" أَمْرٍ \"مَظْنُون\"؛ لاختلاف الآراء والقرائح في المظنونات.\n\"وأجيب\": عن امتناع اجتماعهم على المَظْنُون \"بمنعه في \"القياس \"الجَلِيّ، وأخبار الآحاد\" فإنه لا مانع من (^١) إجماعهم على الحكم تعويلًا على قياس جَلِيّ، أو خبر واحد \"بعد العلم\" الحاصل لهم \"بوجوب العمل بالظاهر\"، فلا يلزم أن يكون دليل الحكم مقطوعًا به.\nولقائل أن يقول: علمهم بوجوب العمل بالظاهر، إن كان مستنده الإجماع ففاسد للزوم الدَّوْرِ، وإن كان غيره فسد ما اعتُرض به على الشَّافعي ﵁ من لزوم الدور؛ لأنه حينئذ قد سلم أنه ليس مدرك العمل بالظاهر بالإجماع (^٢).\nواعلم أن إمام الحرمين استدلّ على الإجماع بدليل معنوي فقال: الطريق القاطع في ذلك أنا نقول: للإجماع صورتان، وذكر ما تقريره اتفاق الجمع العظيم المختلفين في الدواعي والمهم على الحكم الواحد.\nإما أن يكون لدليل أو أمارة، أو لا دليل ولا أمارة، وهذا الثالث مُسْتحيل عادة.\nفإن كان الأول كان الإجماع كاشفًا عن ذلك الدَّليل، وحينئذ يجب الاتباع له، وإلا لكان ذلك تجويزًا لمخالفة الدَّليل، وهو ممتنع.\nوإن كان الثاني: فمثل هذا الحكم، وإن كان يسوغ (^٣) مخالفته لأمارة أخرى، لكن لمَّا\n_________\n(^١) في ب: عن.\n(^٢) في أ، ب، ت، ح: الإجماع.\n(^٣) في ب: سوغ.","vol":"2","page":166},{"text":"وَأُجِيبَ بِمَنْعِهِ فِي القِيَاسِ الْجَلِيِّ وَأَخْبَارِ الْآحَادِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالظَّاهِرِ.\n<hr><s0>\n\nرأينا التابعين قاطعين بالمنع من مخالقة الإجماع أعلمنا اطلاعهم على دلالة قاطعةٍ مانعةٍ من مخالفة الإجماع، (^١)؛ إذ لو كان المانع منه أيضًا الأمارة لما قطعوا بالمنع منه.\nلا يُقَال: ما ذكرتموه إخراجٌ للإجماع عن كونه حُجَّة، فإنه لا مَطْمَعَ في كون قول النَّاس حجة لعينه، وإنما المطلوب المكتفى به إسناده إلى حُجَّة، وهو حاصل.\nهذا دليل إمام الحرمين، وهو الذي ذكره المصنّف آخرًا.\nوقد اعترضه الإمام بأنا لا نسلّم انحصار التَّقسيم؛ فإنه يجوز أن يكون اتفاقهم على الحكم لشُبْهَةٍ، فكم من المبطلين مع كثرتهم قد اتفقوا على حكم واحد لشُبْهة اعترضت لهم.\nسلّمنا الحصر، لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك لأمارة؟\nولا نسلّم إجماع الصحابة والتَّابعين على المَنْعِ، سلمنا ذلك، لكن لما جوزت حصول الإجماع على الحكم لأمارة، فلم لا يجوز حصول الإجماع على المَنْع من مخالفة الإجماع لأمارة أيضًا؟.\nفإن قلت: لو كان عن أمارة لما تعصَّبوا.\nقلت: إذا سلمت أنه إذا كان عن أمارة لا يتعصَّبون له، فقد بطل قولك: إنهم منعوا من مخالفة هذا الإجماع.\nهذا اعتراضُ الإمام، وزاد الشيخ الهِنْدِيّ اعتراضين آخرين، فقال: هذه الدلالة لو صحت لاقتضت أن يكون إجماع الخَلْق العظيم من كل أمة حجَّة، وألَّا يكون الإجماع حُجَّة إلا إذا كان المجمعون عدد التَّوَاتر.\nفهذه جملة الاعتراضات على إمام الحرمين.\nوأنا أقول: أما الأول: وهو منع الحَصْر بالاتِّفَاق على الشُّبهة - وهو أقواها - فقد يقال فيه: إن كل اتفاق وقع عن شُبْهَةٍ فهناك قاطع يُصَادمه، وإنما تسكن النفس للإجماع إذا لم يكن ثَمَّ قاطع معارض، فحيث وجدنا إجماعًا ولا قَاطِعَ يصادمه، وهو الذي إما أن يكون لدليل، أو أمارة فاتَّجَه الحصرُ في القِسْمَيْنِ، وخرج إجماع المبطلين، فإنه أبدًا مستصحب لقاطع مصادم.\n_________\n(^١) سقط في ت.","vol":"2","page":167},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوأما الثَّاني: فساقطٌ؛ لأن من استقرأ أحوال الصَّحابة والتَّابعين كاد علمه باتِّفاقهم على المَنْعِ من مخالفته يكون ضروريًّا.\nوأما الثالث: فجوابه أنَّ المعلوم من عادتهم أنهم ما كانوا يَقْطَعُونَ بالمَنْعِ من مخالفة الحكم الصَّادر عن الأمارة إذا لم يعضدهم إجماع.\nورأيناهم قاطعين بالمَنْعِ من مخالفة الإجماع سواء أصدر (^١) عن أمارة أو لا، وينسبون مخالفه إلى المُرُوقِ والمُحَادَّة والعُقُوق، ولا يعدون ذلك أمرًا هينًا، بل يرون الاستجراء عليه ضلالًا بيّنًا، فلو لم يَقُمِ القاطع على المَنْعِ من مخالفة الإجماع في الصُّورتين لما قطعوا في صورة الأمارة؛ لأنهم لم يكونوا يقطعون بالمَنْعِ من مخالفة الأمارة لمجردها.\nقال إمامُ الحرمين (^٢): ولا يبعد أن يكون القاطع بعض الأخبار التي ذكرناها (^٣)، وتلقَّاها مَنْ تلقاها من رسول الله ﷺ، وعلم بقرائن الأحوال قصد النبي ﷺ في انْتِصَاب الإجماع حُجَّة، ثم علموا بذلك، واستجروا على القَطْع بموجبه ولم يتَّهموا بنقل سبب قطعهم.\nوأما الرابع والخامس: فساقطان؛ لأن إمام الحَرَمَيْنِ لم يلتزمهما، وصرَّحَ بذلك من بعد.\nوقد بان بهذا حسن طريقة إمام الحرمين في الاستدلال على الإجماع، والذي وضح لي أن أقوى دليل عليه الآية التي أبداها الشَّافعي والسُّنة، وهو حديث: \"لا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي\"، فالمعنى بالطريقة التي ذكرها، لا بما ذكره المصنّف فهو أضعف الطرق.\nفإن قلت: هل يقولون بإفادة كل واحد من هذه الأدلَّة القطع؟\nقلت: أما الآية، فالإنصاف أنها لا تفيد القَطْع، ولكن ظنًّا راجحًا.\nوأما الحديثُ فلا شَكَّ أنه اليوم غير متواتر، بل ولا صحيح، أعني: لم يصح منه طريق على السبيل الذي يرتصُيه جَهَابِذَةُ الحُفَّاظ، ولكني أعتقد صحة القَدرِ المشترك في كل طرقه، والأغلب على الظن أنه عدم اجتماعها على الخطأ، وأقول مع ذلك: جاز أن يكون متواترًا في سالف الأزمان ثم انقلب آحادًا، فالمتواتر لمَّا اندرس بالكليَّة فَضلًا عن انقلابه آحادًا، ويغلب على ظنِّي أن ذلك هو الواقع، فمن نظر كتب الأقدمين وجدها مَشْحُونَةً بِدَعْوَى انتشار الحديث المذكور بين سلف الأمة، وإنكارهم به على مُخَالفي الإجماع كما عرفت.\n_________\n(^١) في ب: صدر.\n(^٢) ينظر: البرهان ١/ ٦٨٢.\n(^٣) في ح: ذكرها.","vol":"2","page":168},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nويعضد هذا أن من أنكر الإجماع لم يطعن في صحة الحديث، بل عدل إلى تأويله.\nوأمور أخر كثيرة تضمّنتها المبسوطاتُ فالنَّاس فيه بين مُعْتمد عليه، ومؤول له، فلولا صحَّته عند الجميع لما افترقوا كذلك.\nولو توهّم النَّظَّام ومُتَابعوه في سَنَدِهِ مقالًا لَمَا عَدَلَوا به.\nوالظَّنُّ أنهم بحثوا عن ذلك أشد البحث، كيف وهو مما يقْصِمُ ظهورهم.\nوأما المعنى فإنه لَعَمْرُ الله شديدٌ بالغ ولكنه مختصّ بما إذا بلغ المجمعون عددًا يمتنع تواطؤهم على الكذب.\nوحيث انتهى في الكلام إلى هذا أقول: الإجماع عندي صورتان:\nإحداهما: أن يقع من جمع يمتنع منهم التَّوَاطؤ على الكذب، وهذا قاطع، والدليل عليه قاطع.\nوالثانية: ألَّا يبلغوا ذلك، فهذا حُجَّة عدنا، ولكنها ظَنِّيةٌ، ولا ينتهض دليله إلى القطع.\nوبلوغ المجتهدين عددًا يمتنع تواطؤهم على الكَذِبِ يختلف اختلافًا شديدًا، فرب جمع قليل، ولكن قرينة افتراقهم في أقاصي الأرض تحيل عادة اجتماعهم، فينتفي محذور احتمال الكذب، فتأمل ذلك.\nوأقول مع ذلك: لو اتفق إجماع (^١) علماء العصر الذين لم يبلغوا عدد التواتر، بأن كانوا قليلين جدًّا على مسألة، ثم انقرضوا، ومضت عُصُرٌ كثيرة على هذا اجتمع فيها على القول بالمسألة من يمتنع تَوَاطؤهم على الكَذِبِ، فهذا حُجَّة قطعية، وهو داخل في الصورة الأولى، ولعلَّك تجد ذلك في مسائل كثيرة من الفروع اجتمع عليها أهل عَصْر بكماله، وهم يبلغون عدد التواتر، ثم جاء بعدهم مثلهم، وبحثوا أشَدّ البحث، وقالوا بمقالة الأولين فلا شَكّ أن النفس يزيد انشراحها بتوافق العَصْرَين على ما هو في مضطرب الظُّنون، وتوافراتها لو لم تستند (^٢) إلى ما يوجب ذلك لما توافقت.\nوكلما ازداد عصر عصرًا ازداد اليقين يقينًا، فيكون إجماع الأولين حُجَّة ظَنِّية، وينقلب بموافقة الآخرين قطعية.\nوالظني قد ينقلب قطعيًّا بانضمام ما يوجبه.\n_________\n(^١) في ح: اجتماع.\n(^٢) في أ، ت، ح: تسند.","vol":"2","page":169},{"text":"الْمُخَالِفُ: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة النحل: الآية ٨٩]، ﴿فَرُدُّوهُ﴾ [سورة النساء: الآية ٥٩]، وَنَحْوُهُ؛ وَغَايَتُهُ الظُّهُور، وَبِحَدِيثِ مُعَاذٍ -؛ ﵁ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرهُ.\n<hr><s0>\n\nوالمدار في كونه قطعيًّا على عدد التواتر، وليس لكونهم في عصر واحد خصوصية.\nفإن قلتَ: فماذا ترضونه دليلًا على الإجماع؟\nقلتُ: مجموع ما ذكر من الأدلة، وقد تعاضدت كلّها على ما فيه عدد التَّواتر. وشمل بعضها كل إجماع.\nوينبغي أن يقرر الدَّليل المعنوي بالضَّمِيمَةِ التي ذكرناها، فيقال: اتفاق الخلق العظيم على الحكم الواحد، إما أن يكون لدليل أو أمارة أو شُبْهَةٍ أوْ لا.\nوالرابع: مستحيل عادة.\nوالثالث: أن يقدم بالاستقراء التام قاطعًا يُصَادمه (^١) معتضدًا اجماع الجَمِّ الغفير فانحصر في الأولين ووجب الرجوع إليه على ما سبق، وفي الباب آيات كثيرة ومباحثُ جليلة ذكرناها في \"التعليقة\".\nالشرح: واحتج \"المُخَالفُ\" بمثل قوله - تعالى -: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ \" [سورة النحل: الآية ٨٩]، فلا مَرْجِعَ في تبْيَانِ الأحكام إلا إليه.\nوقوله - تعالى -: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [سورة النساء: الآية ٥٩] فلا يرد إلى غيرهما، \"ونحوه\" (^٢).\n_________\n(^١) في ب: يصدمه.\n(^٢) استدل المخالف على أن الإجماع ليس حجة بالكتاب والسنة، أما الكتاب فبآيات منها قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ لا ينافي كون غيره تبيانًا لبعض الأشياء أو لكله.\nوثانيها: أنه يلزم ألا تكون السنة دليلًا بعين ما ذكرتم، والخصم لا يقول به.\nوثالثها: أنه حجة عليهم لا لهم؛ لأنه إذا كان تبيانا لكل شيء كان تبيانًا لكون الإجماع حجة؛ لأنه شيء من الأشياء، ولا يقال: المراد كل شيء من الأمور الشرعية، والإجماع ليس منها عند الخصم؛ لأن الأصل في الكلام الحقيقة، ولا يعارض بلزوم كونه تبيانًا لعدم كون الإجماع حجة لانبنائه على أن العدم شيء من الأشياء، وهو ممنوع عند قوم. ومنها قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ=","vol":"2","page":170},{"text":"وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ حُجَّةً.\n<hr><s0>\n\nوالجواب: أن قُصارى مُسْتَمْسككم، \"وغايته الظهور\" في مطلوبكم، فلا يقابل القاطع الذي ذكرناه، والحق أنه لا ظهور له فيما ذكرتم أيضًا.\nواحتج المُخَالفُ أيضًا \"بحديث معاذ ﵁ حيث لم يذكره\"، وإنما ذكر الكتاب والسُّنَّةَ والاجتهادَ، فلو كان الإجماع دليلًا لذكره.\n\"وجوابه: أنه لم يكن إذ ذاك حُجَّة\"، فقد قدمنا أنه لا إجماع في عصر النَّبي ﷺ، ثم هو حديث رواه أبو داود والترمذي، ولكنه لا يصح كما قال البُخَاري، وسيأتي إن شاء الله - تعالى - في \"القياس\".\n_________\n= إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ إذ اقتصاره على الكتاب والسنة يدل على عدم مرجع آخر، ولا يذكره، وهو دليل عليهم؛ لأنا نازعناهم في الإجماع، ورددناه إلى الله والرسول حيث أثبتناه بالكتاب والسنة، ثم من الجائز اختصاص الآية بالصحابة، وإذ ذاك فيكون ترك ذكر الإجماع؛ لأنه لم يكن مرجعًا حينئذ.\nومنها وإليه أشار بقوله: \"ونحوه\" - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ وقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فإنه نهى كل الأمة عن هاتين المعصيتين، وذلك يدل على تصورهما منهم؛ لأن النهي عن الممتنع أي عما لا يتصور عمن نهى عنه ممتنع، ومن يتصور منه المعصية لا يكون فعله ولا قوله موجبًا للقطع.\nوالجواب: أن النهي راجع إلى كل واحد لا إلى المجموع، ولا يلزم من جواز المعصية على كل واحد جوازها على الكل، ثم النهي لا يقتضي إمكان المنهي عنه، وهو كونه متصور الوقوع ممن نهى عنه؛ فإنه تعالى نهى المؤمن عن الكفر مع علمه بأنه لا يكفر، وخلاف علمه محال، وأنت قد عرفت في غير موضع أن مثله محال لغيره، فيكون متصور الوقوع، فالأولى الاقتصار على المنع الأول، وأشار المصنّف إلى هذه الأجوبة بقوله: وغايته الظهور، أي غاية ما تمسكتم به بعد تسليم ما فيه من الممنوع ظهورها في المطلوب، لكنه لا تقابل القاطع على ما أسلفناك من الأدلة العقلية.\nوأما بالسنة فبحديث معاذ ﵁ حيث أقر النبي ﵇ إياه لما سأله عن الأدلة المعمول بها على إهماله ذكر الإجماع، ولو كان الإجماع دليلًا لما سامح ذلك مع دعوى الحجة إليه، واليه أشار بقوله: \"حيث لم يذكره\"، أي حيث لم يذكر معاذ الإجماع. وأجيب بأن الإجماع حينئذ لم يكن حجة، فلذلك لم يذكره، وقصة معاذ مشهورة، فلذلك لم يذكرها. ينظر: الشيرازي ١٩٨ أ/ خ.","vol":"2","page":171},{"text":"<span data-type='title' id=toc-468>حُكْمُ وِفَاقِ مَنْ سَيُوجَدُ وَالمُقَلِّدِ</span>\nمَسْأَلة:\nوِفَاقُ مَنْ سَيُوجدُ لا يُعْتَبَرُ اتِّفَاقًا، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْمُقَلَّدَ كَذلِكَ، ..........\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"وفاق من سيوجد لا يعتبر اتفاقًا\" (^١)، وليكن محل الاتفاق في عصر طرأ بعد انقراض المجمعين، فإن حدث قبل انقراضهم مجتهد لم يكن موجودًا اتَّجه تخريجه على اشتراط انقراض العصر، وكذا إن كان، ولكن كان عاميًّا، ويزداد الخلاف في اعتبار العامي.\n_________\n(^١) هذه المسألة في بيان الخلاف في أهل الإجماع، واختيار ما هو الحق منه، فنقول: قد علمت مما سلف أنه إنما امتنع الخطأ على أمتنا للدلالة السمعية الواردة بلفظ العموم المتناول ظاهرًا لكل مسلم كالمؤمنين والأمة، فعلى هذا لا عبرة بقول الخارج عن الملة؛ إذ لا يتناولهم لفظ المؤمنين والأمة في عرف شرعنا، وكذلك لا تتناولهم الأدلة العقلية لما مر، ولهذا لم يتعرض المصنّف لعدم اعتبارهم، وتعرض لعدم اعتبار كل الأمة، ولا بقول الكل إلى يوم القيامة وإن كان اللفظ ظاهرًا فيه؛ إذ لكل ظاهر مثله طرف ظاهر في النفس كالكل في مثالنا؛ لأن ما دل على الإجماع دل على وجوب التمسك به، ولا يمكن التمسك بقول الكل، أما قبل يوم القيامة فلعدم كمال المجمعين، وأما في يوم القيامة وبعده؛ فلأنه لا تكليف؛ فلا استدلال ولا تمسك، وكالصبي والمجنون والأجنة وإن كانوا من الأمة؛ لعدم تصور الوفاق والخلاف منهم مع علمنا بأن المراد من قوله ﵇: \"لا تجتمع أمتي على الضلالة\" من يتصور منه الوفاق والخلاف بعد الفهم، وطرف ظاهر في الإثبات، وهو كل مجتهد مقبول الفتوى، وأوساط متشابهة كالعوام المكلفين والفقيه الذي ليس بأصولي، وقد عبر عنه بـ\"الفروعي\"، والأصولي الذي ليس بفقيه، وقد عبر عنه بـ\"الأصولي\"، وكالمجتهد الذي لم يشتهر بالفتوى مثل واصل بن عطاء، والمجتهد المبتدع والفاسق، وكالناشيء من التابعين مثلًا إذا قارب رتبة الاجتهاد في عصر الصحابة، وقس عليه المقارب لتلك الرتبة في كل عصر، ويحتمل أن يكون المراد ممن سيوجد باقي الأمة إلى يوم القيامة، وهو الأظهر؛ لأنه المتفق على عدم اعتباره لا عدم اعتبار الناشئ، لأنه غير متفق عليه، إلا عند من لا يرى انقراض العصر شرطًا؛ لأن من يراه شرطًا لا يوافق الغير على عدم اعتباره مطلقًا. ينظر: الشيرازي ١٩٨ ب/ خ. والمستصفى ١/ ١٨٣، والمنخول ٣١٠، والمحصول ٢/ ١/ ٢٨٢، وشرح العضد ٢/ ٣٣، وشرح الكوكب المنير ٢/ ٢٢٥، والتبصرة ٣٧١، والبرهان ١/ ٦٨٥، وكشف الأسرار ٣/ ٢٣٧، وتيسير التحرير ٣/ ٢٢٣، وأصول السرخسي ١/ ٣١١، وفواتح الرحموت ٢/ ٢١٧، وإرشاد الفحول ٨٧، والتقرير والتحبير ٢/ ٨٠، والإحكام للآمدي ١/ ٢٠٤، وحاشية البناني ٢/ ١٧٧.","vol":"2","page":172},{"text":"وَمَيْلُ الْقَاضِي إِلَى اعْتِبَارِهِ وَقِيلَ: يُعْتبَرُ الْأُصُوليُّ وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ الْفُرُوعِيُّ.\n<hr><s0>\n\nفإن نشأ تابعيٌّ مجتهد بعد صدور إجماع الصحابة، فالخلاف فيه مشهور والأصحُّ: اعتبار خلافه \"والمختار: أن المقلد كذلك\" أي: لا يعتبر (^١).\n\"وميل القاضي إلى اعتباره\" (^٢)، واختاره الآمديُّ وذكر أن معناه: افتقار كونه حُجَّة إلى موافقة العَوَامّ (^٣).\n_________\n(^١) وهو قول جماهير علماء الأمة، ينظر: الكوكب المنير ٢/ ٢٢٤.\n(^٢) ينظر: الإحكام ١/ ٢٠٤.\n(^٣) قال العضد حين حكايته هذا الخلاف في المقلد: الأثر على أنه لا يعتبر وإن حصل طرفًا صالحًا من العلوم التي لها مدخل في الاجتهاد، وميل القاضي إلى اعتباره. قال شارحه: أي اعتبار المقلد عاميًا كان أو أصوليًا أو فروعيًا، ولم يتعرض الشارح لهذا المذهب لبعد اعتبار العامي، وأشار إلى أن المقلد المختلف في اعتباره هو الذي حصل طرفًا من العلوم التي لها مدخل في الاجتهاد، وهو لا محالة يكون أصوليًا أو فروعيًا، فينبغي أن يكون ميل القاضي إلى اعتبار الأصولي والفروعي جميعًا ا. هـ. فأنت ترى أن العضد في شرحه على المختصر لابن الحاجب لم يعتبر المقلد العامي، ولم يحمل عليه رأي القاضي، بل حمله على ما إذا حصل طرفًا صالحًا من العلوم التي لها مدخل في الاجتهاد، ولله دره؛ فإن اعتبار هذا خطل كبير؛ وإنَّنا نربأ بالقاضي أبي بكر عن القول بأن الباعة والسوقة وأرباب الحرف لا بد من اعتبارهم في الإجماع خصوصًا أن لو حملناه على أن قيام الحجة مفتقد إلى ذلك كما قال الآمدي، ومما يؤيد فهم الشارح في كلام القاضي قول الآمدي أن قيام الحجة مفتقر إلى اعتبار المقلد؛ فإنه يتعين حمله على المقلد الذي حصل طرفًا من العلوم إلخ وإلا فلا عاقل يقول بتوقف الحجية على قول جميع العوام.\nاحتج الجمهور بدليلين: الأول: أنه لو اعتبر وفاق المقلدين لم يتصور إجماع؛ لأن العادة تمنع اتفاق المقلدين عامة، وكذا اتفاق الأصوليين أو الفروعيين خاصة؛ لكثرتهم وانتشارهم، والتالي باطل بالضرورة. الثاني: أن المقلد تحرم عليه مخالفة إجماع المجتهدين قولًا وفعلًا، فيكون قوله المخالف معصية مهدرة شرعًا؛ فلا تضر الإجماع. واعترض عليه أولًا بأن من قال باعتباره يمنع الحرمة؛ إذ كيف تحرم مخالفة ما ليس بإجماع؟. وجوابه أن هذا مكابرة؛ فإنه من الواضح أن المقلد أفتى لا عن دليل وذلك حرام بالنص. فإن قلت: هذا إنما يتم في مخالفة إجماع الصحابة، وأما إجماع من بعدهم بعد تقرر خلاف سابق من الصحابة لا يكون حرامًا؛ فإن المقلد له أن يقلد قول أي مجتهد شاء. قلت: إن كانت مخالفة هذا المقلد لمجتهدي زمانه بمجرد رأيه فهي حرام قطعًا، وإن كانت تقليدًا لمجتهد سابق على مجتهدي عصره فاعتبار قوله لأن قول مجتهد سابق بالحقيقة فهو اعتبار لقول ذلك المجتهد؛ فقد آل الحال إلى أن الإجماع اللاحق هل هو حجة مع مخالفة المجتهد السابق أولًا.","vol":"2","page":173},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوهذه هي المسألة المَعْرُوفة بأنَّ العاميَّ هل يعتبر؟\nوحكى فيها القاضي عبد الوَهَّاب مذهبًا ثالثًا: أنه يعتبر في الإجماع العام، وهو ما ليس بمقصورٍ (^١) على العُلَمَاء وأهل النظر، كالعلم بوجوب التَّحريم بالطَّلاق، وأن الحَدَث ينقض الطهارة، وأن الحَيْضَ يمنع أداء الصلاة ووجوبها، دون الخاص، كدقائق الفِقهِ.\nولي أنا في المسألة تحقيق طويل ذكرته في \"التعليقة\"، حاصله: أنني أدعي أن الخلاف في أن العوامَّ هل يعتبرون؛ ليس معناه إلا أنَّا هل نطلق القول بأن الأمة أجمعت، وأنه لا خلاف في المشهور.\nإنما نطلقُ هذا القولَ فنقول: مثلًا أجمعت الأمَّة على وجوب الصَّلاة وإنما الخلاف فيما قد يشذّ عن العَوَامّ ففيه مذهبان:\nأحدهما: أنهم مُدْخلون في حكم الإجماع؛ فإنهم وإن لم يعرفوا تفصيل الأحكام فقد عرفوا في الجملة أن ما أجمع عليه علماء الأمة حق، وهذا منهم مساهمة في الإجماع.\nالثاني: أنهم لا يكونون مُسَاهمين في الإجماع؛ لأنهم غير عالمين فكيف ينسب إليهم القول، وقد بنى الأستاذ أبو إسحاق على هذا الخلافِ الاختلافَ في تكفير من أنكر مجمعًا عليه غير معلوم بالضرورة، حكاه عنه أبي - رحمه الله تعالى - في \"شرح المنهاج\".\nوأقول: إن ما أقوله هو قضيَّة كلام القاضي أبي بكر، بل صريحه، وقد حكيت كلامه في \"التعليقة\"، وذكرت أنه صريح في غير موضع بأن خلاف العوام لا يعتبر به.\nونقلنا الإجماع على ذلك، وإنما حُكي الخلاف على الوجه الذي قلته.\nوجميع ما قلناه في العامي الصِرف.\nأما من سند أشياء من العلوم ولم يترقَّ عن مراتب التَّقليد، فالصحيحُ: أنه لا يعتبر أيضًا.\n\"وقيل: يعتبر الأصوليُّ\" المَاهرُ المتصرّفُ في الفِقْهِ، وإن كان من أهل التَّقليد في الفقه، وهذا هو رأي القاضي.\n\"وقيل: الفروعي\".\n_________\n(^١) في أ: بمقصود.","vol":"2","page":174},{"text":"لَنَا: لَوِ اعْتُبِرَ لَمْ يُتَصَوَّرْ، وَأَيْضًا المُخَالَفَةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ فَغَايَتُهُ مُجْتَهِدٌ خَالَفَ وَعُلِمَ عِصْيَانُهُ\".\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"لنا: لو اعتبر\" خلاف الجاهل بشيء فيه \"لم يتصور\"؛ لأن قولهم لا يكون لدليل فلا يعتبر، فإذًا لو اعتبر لم يعتبر هذا خلف [غير] (^١) متصور.\n\"وأيضًا: المخالفة عليهم حرامٌ\"، فإن التقليدَ واجبٌ عليه؛ إذ الفرض أنه إما عامي صرف، وإما أصولي ماهر له تصرف في الفِقْهِ لا يخرجه عن مرتبة التَّقْليد، \"فغايته\" عند المخالفة \"مجتهد خالف\" المجمعين، و\"عُلِمَ عصيانه\"، فلا يُلتفت إليه.\nولقائلٍ أن يقول على الأول: كلامكم في العَامي الصرف مبني على ما تصورتموه من أن القائل باعتباره يجعله بمنزلة آحاد المجتهدين، وليس كذلك، بل إنما [يعتبره] (^٢) ليطلق لفظ الإجماع كما مضى، وفيمن سند شيئًا من الأصول [لا يتضح] (^٣)؛ لأنه قد يسوقه إلى المخالفة أدنى نظر، وإن لم يكن النَّظر التَّام الذي يترفّع (^٤) به عن حضيض التَّقليد.\nوعلى الثَّاني: المجتهد المعلوم عصيانه بالمخالفة، إن طرأ بعد الإجماع، فالفارق بينه وبين العامي أنه لم يكن في زمن المجتهدين، فانتهض الإجماع قبله، فكان عاصيًا؛ لخرقه الإجماع؛ إذ الإجماع عنده غير متحقق (^٥) إلا به فلم يخرق الإجماع.\nوإن كان المجتهد موجودًا في زمن المُجْمعين، وخالف لا لدليل ساقه؛ بل عنادًا ومُكَابرة، وهذا لم قلتم: إنه لا يعتبر، وغاية ما في الباب أنه يفسق، والفسق لا يخرجه عن أهليَّة الاجتهاد.\nوإن قلتم: العدالة رُكْن في الاجتهاد خَرَجتم عما نحن فيه؛ لأن كلامنا في مجتهد خَالفَ، وهو الآن على ما يقولون ليس بمجتهد.\nوقد يقال في جواب هذا: المجتهدُ لا يمكن أن يخالف لا لدليل يعم، فيقول بلسانه إنه مخالف، وهو بقلبه مُوَافق؛ إذ الفرض أن الدليل لم يسبقه، وهو من أهل النَّظر، ولا اعتبار بكذبه في قوله: أنا مخالف (^٦).\n_________\n(^١) سقط في ح.\n(^٢) في ج: تعتبره.\n(^٣) في أ، ت، ح: ينصح.\n(^٤) في ح: يرتفع.\n(^٥) في ح: محقق.\n(^٦) إذا تحققت ذلك علمت أن المذاهب لا تزيد على أربعة: أحدها: عدم اعتبار العامي والأصولي =","vol":"2","page":175},{"text":"<span data-type='title' id=toc-469>حُكْمُ المُبْتَدِعِ</span>\nمَسْأَلَةٌ:\nالْمُبْتَدِعُ بِمَا يَتَضَمَّنُ كُفْرًا كَالْكَافِرِ عِنْدَ الْمُكَفِّرِ، إلَّا فَكَغَيْرِهِ وَبِغَيْرِهِ. ثَالِثها: يُعْتبَرُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَقَط.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"المبتدع بما يتضمن كفرًا (^١) كافر (^٢) عند المكفِّر\" له، فلا يعتبر قوله في الإجماع \"وإلا فكغيره\".\n\"وبغيره\" أي: والمبتدع بغير ما يتضمن كفرًا.\n\"وثالثها: يعتبرُ\" قوله: \"في حق نفسه فقط\".\n_________\n= والفروعي، وهو مذهب الأكثر واختيار المصنّف، وإليه أشار بقوله: والمختار أن المقلد كذلك أي والمختار أن وفاق المقلد، ونعني به الثلاثة المذكورة لا تعتبر.\nوثانيها: اعتبار الثلاثة، وهو مذهب الأقلين والقاضي، وإليه أشار بقوله: وميل القاضي إلى اعتبار المقلد، وهو عبارة عن الثلاثة.\nوثالثها: اعتبار الأصولي دون الفروعي.\nورابعها: عكسه. وإليها أشار بقوله: \"وقيل: يعتبر الأصولي، وقيل: الفروعي، وصريحٍ لفظ المنتهى يدل على ما حملنا كلامه عليه؛ لأنه قال: الأكثر على أن المقلد لا اعتداد به موافقًا ولا مخالفًا، وميل القاضي إلى اعتباره.\nوثالثها: يعتبر منه - يعني من المقلد الأصولي خاصة، ورابعها الفروعي. ينظر: الشيرازي ١٩٩ أ، ب/ خ.\n(^١) كالمجسمة، فإن قلنا بتكفيره فهو كالكافر لا تعتبر موافقته ولا مخالفته، وإن لم نقل بتكفيره فهو كغيره من أصحاب البدع الظاهرة، كالخوارج والروافض، وهؤلاء قد اختلف العلماء فيهم.\n(^٢) وأما ماذا يكفر به، فقد ذكر الغزالي ﵀ أنه ثلاثة أقسام:\nالأول: ما يكون نفس اعتقاده كفرا، كإنكار الصانع ونحوه.\nالثاني: ما يمنعه اعتقاده من الاعتراف بالصانع ونحوه من حيث التناقض.\nالثالث: ما ورد فيه التوقيف بأنه لا يصدر إلا من كافر، كعبادة النيران، وجحده سورة من القرآن.\nوبالجملة إنكار ما عرف أنه من الشرع تواترًا. ينظر: الشيرازي ٢٠٠ أ/ خ، والبرهان ١/ ٦٨٨، واللمع (٥٠)، والإحكام ١/ ٢٠٧، وشرح العضد ٢/ ٣٣، والمستصفى ١/ ١٨٣، والمنخول ٣١٠، =","vol":"2","page":176},{"text":"لَنَا أَنَّ الْأَدِلَّةَ لا تَنْهَضُ دُونَهُ.\nقَالُوا: فَاسِقٌ فَيُرَدُّ قَوْلُهُ: كَالْكَافِرِ وَالصَّبِيِّ.\n<hr><s0>\n\n[لا غيره، فله مخالفة الإجماع المنعقد، وليس ذلك لغيره] (^١).\nالشرح: [\"لنا: أن الأدلَّة\"] (^٢) السَّمعيةَ \"لا تنهض دونه\"، إذ ليس من عداه كل الأمة.\nالشرح: \"قالوا: فاسقٌ\" والفسق مانع كالصّبا والكفر، \"فيرد قوله: كالكافر والصَّبي\".\n\"وأجيب\": بالفَرْق \"بأن الكافر ليس من الأمة\"، والعصمة إنما ثبتت (^٣) للأمة، \"والصبي رَدّ لقصوره\" عن الاستنباط، \"ولو سلم\" أن فِسْقَهُ مانعٌ من قبوله في حَقّ الغير، \"فيقبل على نفسه\"، كما يقبل إقرار الفاسق، وهذا هو المذهب الثالث (^٤).\nوفي الفاسق مذاهب:\nأحدها: عدم اعتباره مطلقًا، وعليه الجمهور (^٥).\nوالثاني: اعتباره مطلقًا، وهو رأي الشيخ أبي إسْحَاقَ الشِّيرَازي.\nوالثالث: يعتبر في حق نفسه دون غيره، وهو رأي إمام الحرمين.\n_________\n= وحاشية البناني ٢/ ١٧٧، وكشف الأسرار ٣/ ٢٣٧، وأصول السرخسي ١/ ٣١١، وتيسير التحرير ٣/ ٢٣٨، فواتح الرحموت ٢/ ٢١٨.\n(^١) سقط في ح.\n(^٢) سقط في ح.\n(^٣) في ت: تثبت.\n(^٤) ولو اعتبر قول الفاسق في الإجماع لزم تكريمه وهو منتف، وقد يقال: نمنع أن الفسق يسقط أهلية التكريم؛ فإن من مات مؤمنًا مصرًا على فسقه لا يخلد في النار، فإذا كان أهلًا للكرامة في الآخرة بدخول الجنة فلأن يكون أهلًا للكرامة في الدنيا باعتبار قوله في الإجماع من باب أولى. وأجيب عنه بأنه لما وجب التوقف في إخباره بقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا﴾ لم يعتبر قوله في الدنيا؛ فلا يكون أهلًا للتكريم باعتبار قوله، وهذا لا ينافي ثبوت التكريم في الآخرة بدخول الجنة بعد إذلاله. واحتج القائلون باعتباره في حق نفسه؛ بأنه قبل إقراره بالمال والجنايات في حق نفسه فيقبل قوله في الإجماع كذلك. وأورد عليه أنه لو قبل قوله كان له لا عليه، وإقراره إنما يقبل فيما عليه لا فيما له. ويجاب عنه بأن كل ما أدى إليه اجتهاده فيما لا قاطع فيه فهو عليه إجماعًا؛ لأنه يجب عليه العمل به أولًا ولو كان له.\n(^٥) ينظر مصادر مسألة المبتدع.","vol":"2","page":177},{"text":"وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ مِنَ الْأُمَّةِ (وَالصَّبِيَّ)؛ لِقُصُورِهِ، وَلَوْ سُلَّمَ فَيُقْبَلُ عَلَى نَفْسِهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-470>هَلْ يَخْتَصُّ الإجْمَاعُ بِالصَّحَابَةِ؟</span>\nمَسْأَلَةٌ:\nلا يَخْتَصُّ الإجْمَاعُ بِالصَّحَابَةِ، وَعَنْ أَحْمَدَ ﵀ قَوْلانِ: لَنَا الْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ.\n<hr><s0>\n\nوالرَّابع: يسأل (^١) عن مأخذه؛ لجواز أن يحمله فسقه على الفُتْيَا من غير دليل، فإن ذكر ما يجوز أن يكون محتملًا اعتُبِر، وإلا فلا، وهو اختيار ابن السَّمْعَاني (^٢).\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"لا يختصّ الإجماع بالصَّحَابة\" (^٣).\n_________\n(^١) في ت، ح: سأل.\n(^٢) إن قلت: ما بال أكثر الشافعية لم يعتبروا المبتدع في الإجماع وقد قبلوا رواية المبتدع الذي يرى الكذب حرامًا فما الفرق؟ قلنا: عدم قبول الرواية كان لريبة الكذب لا غير، وهم يحرمون الكذب، فلا يجترئون عليه؛ لذلك قبلوا روايته. وأما الإجماع فعماده صحة الرأي، وهؤلاء قد أفسدوه لاختيار مكابرة الهوى على العقل؛ لذلك كان الصحيح رأي الجمهور، وهو عدم اعتبارهم في الإجماع. وإن قلت: يرد على بعض الشافعية القائلين باعتبار المبتدع أنه يلزم عدم انعقاد الإجماع على خلافة أبي بكر وعلي لخلاف الروافض في الأول والخوارج في الثاني. قلنا: خلاف الروافض في خلافة أبي بكر حصل بعد الإجماع؛ فإن الإجماع انعقد زمن الصحابة، وهم حدثوا بعدهم بكثير، وخلاف الخوارج ليس في الإجماع؛ لأن معاوية مجتهد، وهو لم يبايع عليًّا فما انعقد الإجماع، وأما ثبوت الخلاف فلكفاية بيعة الأكثر من المعتبرين، وكونه أهلًا لها في نفسه من غير ارتياب أو لدليل آخر لاح لهم.\n(^٣) إذا ذهب واحد من الصحابة إلى حكم في مسألة ثم مات، وأجمع التابعون على خلافه في تلك المسألة، فقد قال بعض الأصوليين: إنه ينعقد إجماعهم بعين ما ذكروه من العلة، وهو محال مخالف لإجماع القائلين بالإجماع، والحق فيه أن يقال: إذا حكم واحد من الصحابة بحكم ثم حكم التابعون بخلافه، فإنه لا يكون إجماعًا؛ لأن حكمهم ليس هو حكم جميع الأمة في تلك المسألة، بخلاف ما لو حكموا بحكم لم يتقدم فيه خلاف بعض الصحابة، فإنه يكون إجماعًا؛ لأن حكمهم حينئذ يكون حكم جميع الأمة في تلك المسألة.=","vol":"2","page":178},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"وعن أحمدَ ﵀ قولان\":\nأصحهما: عند أصحابه موافقة الجمهور.\nوالثاني: - وهو رأي الظاهرية (^١) - الاختصاص.\n_________\n= فإن قيل: إن كان التابعون كل الأمة، فيجب أن يكون خلافهم حرامًا، وإن قال صحابي بخلاف ما أجمعوا عليه وإن لم يكونوا كلهم، فلا يحرم خلافهم، فأما كونهم كل الأمة في شيء دون شيء فمتناقض.\nقلنا: لا تناقض فيه، فإن الكلية إنما تثبت بالإضافة إلى المسألة التي خاضوا فيها، فإذا نزلت واقعة بعد الصحابة فالتابعون فيها كل الأمة إذا أجمعوا عليها، بخلاف ما لو أجمعوا على خلاف فتوى الصحابي إذ فتواه ومذهبه لا تنقطع بموته، فلا يكون قولهم قول كل الأمة، وهذا كما لو أفتى الصحابي بحكم ثم مات، وأجمع باقي الصحابة على خلافه، فإنه لا ينعقد إجماعهم، وإن انعقد إجماعهم إذا مات من غير مخالفة! لأن حكمهم في الأول ليس هو حكم كل الأمة في المسألة التي خاضوا فيها - لصح إجماع بعض مجتهدي العصر على واقعة حادثة إذا لم يكن للباقين فتوى فيها، ولا خبر عنها؛ لأنهم كل الأمة بالنسبة إليها.\nقلنا: نحن ما نذهب إلى أن الكلية بالإضافة تكفى، بل إلى أن الكلية باعتبار كون المجمعين جميع مجتهدي العصر لا يكفي، بل يحتاج مع ذلك إلى أن يكون قول جميع الأمة في تلك المسألة هو ما أجمعوا عليه، وذلك بألا يكون لغيرهم فيها قول مخالف لما أجمعوا عليه، سواء كان انقضاء القول المخالف بانتفاء أصل القول أو بانتفاء المخالفة، فاندفع الشكان. ينظر: الشيرازي ٢٠٢ أ/ خ. والبحر المحيط للزركشي ٤/ ٤٨٢، وسلاسل الذهب له ٣٠٤٨، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٢/ ٢٠٨، ونهاية السول للإسنوي ٣/ ٢٤٧، ومنهاج العقول للبدخشي ٢/ ٣٨٣، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ٧٣، والمستصفى للغزالي ١/ ١٨٥، وحاشية البناني ٢/ ١٧٩، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/ ٢٩١، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٢١٢، وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ٤٩٢، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ٤/ ٥٣٩، والتحرير لابن الهمام ٤٠٥، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ٣/ ٢٤٠، وكشف الأسرار للنسفي ٢/ ١٨٤، وحاشية الفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٣٥، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ٤٦، وإرشاد الفحول للشوكاني ٨١، والكوكب المنير للفتوحي ٢٣٠، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٣/ ٩٧.\n(^١) وعليه ابن العربي وابن حبان، وللإمام أحمد روايتان أصحهما عند أصحابه أنه لا يختص بالصحابة.\nاستدل الجمهور بأن الأدلة الدالة على حجية الإجماع عامة في إجماع الصحابة فمن بعدهم، ولا موجب لتخصيصها بإجماعهم، وهذا ظاهر في الأدلة السمعية نحو: \"ويتبع غير سبيل المؤمنين\". \"لا تجتمع أمتي على الخطأ\". فإن سبيل المؤمنين والأمة يتناولان أهل كل عصر، وليست مختصة=","vol":"2","page":179},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"لنا: الأدلة السَّمعية\" لا تختصّ بالصَّحابة.\nفإن قلت: كيف استدلّ المصنّف بالسمع هنا؟\nوهو إنما يستند في الإجماع إلى المعنى.\nقلت: إستناده (^١) إلى المعنى من أجل كون الإجماع حُجَّة؛ لأن ذلك أصل قاطع، فيتطلب له دليلًا قاطعًا، وإلى السّمع في أنه هل يختص بالصَّحابة؟، وهي مسألةٌ ظنِّية يكفي فيها دليل ظني.\n_________\n= بالحاضرين وقت الخطاب، وإلا لما شملت الصحابي الآتي بعده، وهو باطل اتفاقًا. وأما الأدلة\nالعقلية فقيل: لا تنتهض حجة على الظاهرية لأنهم لا يسلمون الإجماع على القطع بتخطئة المخالف\nمطلقًا، بل في إجماع الصحابة. قال صاحب المسلم: الحق الاتفاق على التخطئة مطلقًا؛ لكن لا\nينتهض ههنا لأن الخصم ينكر إمكان وقوعه، وهو لا ينافي التخطئة على تقدير وقوعه (أي أن\nالخصم ينكر إمكان وقوع إجماع غير الصحابة، وإنكار وقوعه لا ينافي القول بتخطئة المخالف على تقدير وقوعه) فافهم؛ فإنه دقيق - وقال في حاشيته: اعلم أن الدقة هو الفرق بين انتهاض السمعية وعدم انتهاض العقلية مع أن الظاهر أنهما سواء، ووجه الفرق أن مقتضى السمعية أن الحجية لازمة لوقوع الاتفاق مطلقًا، ومقتضى العقلية ليس كذلك، بل مقتضاها أنه إذا وجد الاتفاق، وصار حجة صح تخطئة مخالفه، فلو وقع الاتفاق ولا عبرة به كما قال الخصم لا ينافي ذلك، نعم ينافي السمعية؛ لأنه اجتماع على ما ليس بحق ا. هـ. وفي هذا الفرق نظر؛ فإن صحة التخطئة غير متوقفة من حيث العلم بها على وجود الإجماع واعتباره وإن توقفت في الخارج، فإذا ما علمنا صحة تخطئة المخالف للإجماع في كل عصر علمنا أن حجيته مركوزة في أذهانهم، ولا يكون ذلك إلا عن نص قاطع دال على حجيته في كل عصر، ومن لوازم ذلك كونه حقًّا، فعدم اعتبار الخصم إياه فناف لهذا كما هو مناف للسمعي، فقد نهض العقلي كما نهض السمعي على إثبات حجية إجماع من بعد الصحابة، ولو سلمنا جدلًا أن عدم اعتبار إجماع التابعين فمن بعدهم لا يتنافى مع الدليل العقلي لزم ألا ينهض الدليل العقلي على النظَّام وتابعيه في إثبات حجية إجماع الصحابة؛ إذ لهم أن يقولوا: صحة تخطئة المخالف لإجماع الصحابة إنما هي على تقدير وجوده واعتباره، فعدم اعتبارنا إياه لا يتنافى مع هذا الدليل، فالحق أنه على تسليم الظاهرية الإجماع على تخطئة المخالف مطلقًا لا يبقى فرق بين الأدلة السمعية والعقلية، ولم يبق لهم إلا أن ينكروا تحقق اتفاق التابعين فمن بعدهم. والجواب حينئذ بإثبات وقوع اتفاق التابعين في واقعة، ولم يثبت إنكار الخصم إلا عند استقرار الخلاف وتقرر المذاهب لا عند سكوت الصحابة؛ لعدم وقوع هذه الحادثة في زمنهم، ومحل الخلاف ههنا هو هذا لا ذاك؛ فإنه مسألة أخرى؛ والله أعلم.\n(^١) في ب: إسناده.","vol":"2","page":180},{"text":"قَالُوا: إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ قَبْلَ مَجِيءِ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ عَلَى أَنَّ مَا لا قَطْعَ فِيهِ سَائِغٌ فِيهِ الاِجْتِهَاد، فَلَوِ اعْتُبِرَ غَيْرُهُمْ خُولفَ إِجْمَاعُهُمْ وَتَعَارَضَ الإجْمَاعَانِ.\nوَأُجِيبَ: بِأنَّهُ لازِمٌ فِي الصَّحَابَةِ قَبْلَ تَحَقُّقِ إِجْمَاعِهِمْ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذلِكَ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ الإجْمَاعِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"قالوا: إجماع الصَّحابة قبل مجيء التَّابعين (^١) وغيرهم\" منعقد \"على أن ما لا قَطْعَ فيه سائغ (^٢) فيه الاجتهاد، فلو اعتبر غيرهم\" لكانوا إذا أجمعوا في مسألة اجتهادية على تحريم مخالفتهم (^٣) فيها؛ لأن هذا شأن الإجماع.\nوقد وقع إجماعُ الصحابةِ على جواز الاجتهاد فيها، وإذا اتفق ذلك \"خولف إجماعهم، وتعارض الإجماعان\" من الصَّحَابة ومن بعدهم.\n\"وأجيب: بأنه لازم في الصَّحابة قبل تحقق إجماعهم\" على الحكم، فإنهم مجمعون (^٤) على أن الاجتهاد سائغ، ثم يرتفع ذلك بالإجماع، \"فوجب أن يكون ذلك\" الإجماع الأول على أن ما لا قطع فيه اجتهادي \"مشروطًا بعدم الإجماع\" على الحكم، فمتى حصل زال شرط الإجماع الأول.\n_________\n(^١) وقال الخطيب: التابعي من صحب صحابيًا، ولا يكتفي فيه بمجرد اللقي، بخلاف الصحابي مع النبي ﷺ، فإنه يكتفي فيه بذلك، لشرف النبيّ ﷺ؛ وعلو منزلته فالاجتماع به يؤثر في النور القلبي أضعاف ما يؤثره الاجتماع الطويل بالصحابي وغيره من الأخيار. وقال أكثر المحدثين: هو من لقي صحابيًا وإن لم يصحبه، ولذلك ذكر مسلم وابن حبان \"الأعمش\" في طبقة التابعين؛ لأن له لقيًا وحفظًا، رأى أنس بن مالك وإن لم يصح له سماعٍ المسند عنه. وعد الحافظ عبد الغني فيهم \"يحيى بن أبي كثير\" لكونه لقي أنسًا، وعد فيهم أيضًا \"موسى بن أبي عائشة\" لكونه لقي عمرو بن حريث. واشترط ابن حبان التمييز عند اللقي، فإن كان صغيرًا لم يضبط فلا عبرة برؤيته، كخلف بن خليفة عده من أتباع التابعين وإن رأى عمرو بن حريث؛ لكونه كان صغيرًا لا يميز. قال العراقي: \"وما اختاره ابن حبان له وجه كما اشترط في الصحابي رؤيته للنبي ﷺ وهو مميز\". قال: \"وقد أشار النبيّ ﷺ إلى الصحابة والتابعين بقوله: \"طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن رأى من رآني .. الحديث\". فاكتفى فيهما بمجرد الرؤية\".\n(^٢) في أ، ت، ح: شائع.\n(^٣) في ب: مخالفيهم.\n(^٤) في ح: يجمعون.","vol":"2","page":181},{"text":"قَالُوا: لَوِ اعْتُبِرَ لاعْتُبِرَ مَعَ مُخَالَفَةِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ﵃.\nوَأُجِيبَ: بِفَقْدِ الإجْمَاعِ مَعَ تَقَدُّمِ الْمُخَالَفَةِ عِنْدَ مُعْتَبِرِهَا.\n\n<span data-type='title' id=toc-471>حُكْمُ مُخَالَفَةِ البَعْضِ فِي الإجْمَاع </span>(^١)\nمَسْأَلة:\nلَوْ نَدَرَ الْمُخَالِفُ مَعَ كَثْرَةِ الْمُجْمِعِينَ، كَإِجْمَاعِ غَيْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ..........\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"قالوا: لو اعتبر لاعتبر مع مخالفة بعض الصَّحابة ﵃\"، لأنه إذا جاز اعتباره مع عدم قول الصَّحابة فليجز مع مخالفة بعضهم.\nولكنَّ اللازمَ منتفٍ؛ لاشتراطكم عدم المخالفة.\n\"وأجيب: بعَقْدِ (^٢) الإجماع مع تقدم المخالفة عند معتبرها\"، فإنه يشترط في الإجماع ألَّا يسبقه خلاف مستقرّ.\nوأما من لا يعتبر مُخَالفة بعض الصَّحابة، فيمنع من بطلان اللَّازم.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"لو ندر المخالف\" للإجماع \"مع كثرة المُجْمعين، كإجماع غير ابن عبَّاس ﵄ على العَوْلِ (^٣)، وغير أبي موسى على أن النوم ينقضُ الوضوءَ لم يكن إجماعًا قطعًا\" - كذا بخط المصنّف -، وفي بعض النسخ قطعيًّا؛ \"لأن الأدلة لا تتناوله\"، فإنها مختصَّة بجميع المؤمنين، وليسوا عند مخالفة من ندر كلّ المؤمنين.\n_________\n(^١) اختلف العلماء في انعقاد إجماع الأكثر مع مخالفة الأقل، فالجمهور على أنه لا ينعقد مع وجود مخالف وإن كان نادرًا، وقيل: ينعقد إن كان المخالف نادرًا كواحِد أو اثنين ينظر: البرهان ١/ ٧٢١، والإحكام للآمدي ١/ ٢١٣، والمعتمد ٢/ ٤٨٦، والتبصرة ٣٦١، والمستصفى ١/ ١٨٦، والمنخول ٣١٢، وشرح العضد ٢/ ٣٤، وحاشية البناني ٢/ ١٧٨، وأصول السرخسي ١/ ٣١٦، وكشف الأسرار ٣/ ٢٤٥، وتيسير التحرير ٣/ ٢٣٦، وفواتح الرحموت ٢/ ٢٢٢، والتقرير والتحبير ٣/ ٩٤، وإرشاد الفحول ٨٨.\n(^٢) في أ، ح: يفقد.\n(^٣) في أ، ح: القول.","vol":"2","page":182},{"text":"﵄ عَلَى الْعَوْلِ، وَغَيْرِ أَبِي مُوسَى عَلَى أَن النَّوْمَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لَمْ يَكُنْ\n<hr><s0>\n\n\"والظَّاهر: أنه حجَّة؛ لتعذر أن يكون الراجح متمسك المخالف\".\nولقائل أن يقول: إذا كان الإجماع عند المصنّف مستندًا إلى اطِّراد العادة، فلا ينبغي له اعتبار خلاف النَّادر، بل العادر قاضيةٌ بأن الجمع الكثير لا يجتمعون على باطل. خالفهم نادرٌ أم لم يخالف ثم [إن] (^١) قوله: إنه حُجَّة؛ لتعذر أن يكون الراجح متمسّك المخالف مما قد يمنع، ويقال: الصَّواب أن النظر ليس إلى العدد فقط، بل تارة إليه، وتارة إلى الفِئَتَيْنِ أيهما أمتن (^٢) علمًا، فالأعلم أولى بالاعتبار، وإن عُورِضَ بالكثرة.\nولقد كان أبو بكر ﵁ وحده على قِتَالِ مانعي الزَّكاة وكان على الحق (^٣)، ومن هنا يمكنك منع أن العادَةَ قاضيةٌ بأن الأكثرين على الصَّواب؛ لانخرامها بقصَّة أبي بكر ﵁.\nواعلم: أن في مسألة ندور (^٤) المخالف مذاهب:\nأحدها: - وعليه الجمهور (^٥) - لا ينعقد وهو مذهب ظاهر على رَأْي من يستند إلى السمع\n_________\n(^١) سقط في ب.\n(^٢) في أ، ح: أميز.\n(^٣) قال شارح مسلم الثبوت في هذا التمثيل نظر؛ فإنه لم يثبت أن غير الصديق اتفقوا على عدم جواز قتال مانع الزكاة، وهو خالفهم فقط، بل الذي ثبت أنه لما هم بقتالهم اشتبه ذلك على أمير المؤمنين عمر؛ لحديث: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله\" فكشف شبهته بأن منع الزكاة داخل في الاستثناء، فوافقه وأجمع عليه الصحابة كافة، وقاتلوا معه، فليس هذا من الباب في شيء.\n(^٤) في أ: نذور.\n(^٥) قيل: لا يكون حجة أصلًا، وقيل: يكون حجة ظنية. القائلون بأنه لا يكون إجماعًا ولا حجة قالوا: الأدلة التي أفادت حجية الإجماع إنما أفادت حجية اتفاق كل الأمة لا حجية اتفاق الأكثر. والقائلون بأنه لا ينعقد ويكون حجة ظنية احتجوا بأن اتفاق الأكثر يدل ظاهرًا على وجود راجح أو قاطع؛ لأنه يبعد كل البعد أن يكون متمسك المخالف النادر راجحًا أو مساويًا ولا يطلع عليه الأكثر أو يطلعون عليه ويخالفونه غلطًا أو عمدًا، وما هذا شأنه يكون حجة ظنية، وقد اعترض عليه بأنه ربما كان الحق مع الأقل، وليس ببعيد أن يطلع الأقل على ما لم يطلع عليه الأكثر؛ ألا ترى الفرقة الناجية واحدة من ثلاث وسبعين وقد ارتد أكثر الناس بعد وفاته ﷺ وكان المؤمنون أقلين؟ والجواب أن هذا المنع مكابرة فلا يسمع، ولما كان الاشتباه قد تطرق للمانع من حيث السند وجب أن نبطله فنقول: كثرة الفرق لا توجب كثرة الأشخاص، بل يجوز أن تكون أشخاص الفرقة الواحدة أكثر من أشخاص سائر الفرق، ولو سلم فكثرة الأشخاص لا توجب كثرة العدول والمجتهدين، فرب أناس كثيرين لا يوجد =","vol":"2","page":183},{"text":"إِجْمَاعًا قَطْعًا؛ لأَنَّ الْأَدِلَّةَ لا تَتَنَاوَلُه، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ حُجَّةٌ؛ لِبُعْدِ أَنْ يَكُونَ الرَّاجِحُ مُتَمَسَّكَ الْمُخَالِفِ.\n<hr><s0>\n\nفي تثبت الإجماع، وهي طريقة أكثر الفقهاء، وارتضاها أبي ﵀ وليست [على طريقة] (^١) المصنّف.\nوالثاني: يكون إجماعًا يجب على المخالف الرجوع إليه، ونقل عن أحمد بن حنبل، وعن ابن جرير (^٢) من أصحابنا، وأبي بكر الرَّازي (^٣) من الحنفية، وابن خويز مِنْداد، من المالكية وأبي الحسين الخَيَّاط (^٤) من المعتزلة.\n_________\n= فيهم عدل، ورب أقلين كلهم أو جلهم عدول، والنزاع إنما هو في اتفاق أكثر المجتهدين العدول في عصر، والظاهر إصابتهم الحق.\n(^١) في ب، ح: طريق.\n(^٢) أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري، الإمام العلم صاحب التفسير المشهور، مولده سنة ٢٢٤، أخذ الفقه عن الزعفراني والربيع المرادي، وذكر الفرغاني عند عد مصنفاته كتاب: \"لطيف القول في أحكام شرائع الإسلام\"، وهو مذهبه الذي اختاره، وجوّده، واحتج له، وهو ثلاثة وثمانون كتابًا. مات سنة ٣١٠. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١٠٠، وتاريخ بغداد ٢/ ١٦٢، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٦١٠.\n(^٣) أحمد بن علي، المكنى بأبي بكر الرازي الحنفي، الملقب بـ \"الجصاص\" - بفتح الجيم وتشديد الصاد المهملة، في آخره صاد أخرى - نسبة إلى العمل بالجص. والرازي - نسبة إلى الري - على غير قياس. ولد الجصاص سنة خمس وثلاثمائة، ودخل بغداد في شبيبته. درس الفقه على أبي الحسن الكرخي، وتخرج عليه، وانتفع بعلمه، كما تفقه على أبي سهل الزجاج، وأبي سعيد البردعي وموسى بن نصر الرازي، وأخذ الحديث عن أبي العباس الأصم النيسابوري، وعبد الله بن جعفر بن فارس الأصبهاني، وسليمان بن أحمد الطبراني، وعبد الباقي بن قانع، وأكثر عنه من الرواية في كتابه أحكام القرآن. له من التصانيف: أصول الجصاص، وهو كتاب يشتمل على ما يحتاج إليه المستنبط للأحكام من القرآن الكريم، وقد جعله مقدمة لكتابه: أحكام القرآن، وكتاب أحكام القرآن، وشرح مختصر الكرخي في الفقه، وشرح مختصر الطحاوي، وشرح الجامع الصغير والكبير. توفي في يوم الأحد السابع من ذي الحجة سنة سبعين وثلاثمائة عن خمس وستين سنة، وصلى عليه صاحبه أبو بكر الخوارزمي. ينظر: طبقات الأصوليين ١/ ٢١٤ - ٢١٦.\n(^٤) شيخ المعتزلة البغداديين، له الذكاء المفرط، والتصانيف المهذبة، وكان قد طلب الحديث وكتب عن يوسف بن موسى القطان وطبقته، وهو أبو الحسين عبد الرحيم بن محمد بن عثمان، وكان من بحور العلم، له جلالة عجيبة عند المعتزلة، وهو من نظراء الجُبّائي. صنف كتاب \"الاستدلال\" =","vol":"2","page":184},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالثالث: أنه إن خالف أكثر من اثنين اعتبر، وإلّا فلا، وهو الذي نقله عن ابن جرير أبو إسحاق الشِّيرازي، وإمام الحرمين، والغَزالي في \"المنخول\".\nوالرَّابع: إن خالف أكثر من ثلاثة اعتبر، وإلا فلا، وهو الذي نقله عن ابن جرير سليمٌ الرَّازي في كتابه \"التقريب\" في أصول الفقه، ولا وجه له، بخلاف الذين قبله، فإنه قد يحتج له بقوله ﷺ: \"إِن الشَّيْطَانَ يَهِمُّ بِالوَاحِدِ وَيَهِمُّ بِالاثنَيْنِ فَإِذَا كَانُوا ثَلاثَةً لَمْ يَهِمّ بِهِمْ\" (^١) صحيح مروي في \"مسند ابن وهب\" (^٢) من مرسلات سعيد بن المسيب (^٣).\nوقوله ﵇: \"الوَاحِدُ شَّيْطَانٌ وَالاِثنانِ شَيْطَانَانِ وَالثَّلاثَةُ رَكْبٌ\" (^٤) رواه أبو داود والنسائي على أن هذين لا دليل فيهما على التحقيق، ولكن الأول أبعد.\n_________\n= ونقض كتاب ابن الراوندي في فضائح المعتزلة، وكتاب \"نقض نعت الحكمة\" وكتاب \"الرد على من قال بالأسباب\" وغير ذلك. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٤/ ٢٢٠، وتاريخ بغداد ١١/ ٨٧.\n(^١) أخرجه البيهقي (٥/ ٢٥٧) مرسلًا عن سعيد بن المسيب. وأخرجه البزار (١٦٩٨ - كشف) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد عن ابن حرملة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعًا. قال البزار: حديث ابن حرملة لا نعلم رواه إلا ابن أبي الزناد، ولم نسمعه بهذا الإسناد إلا من ابن أبي الحنين، وقد رواه غير ابن أبي الزناد عن ابن حرملة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٥/ ٣٥٨) وقال: وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد، وهو ضعيف، وقد وثق.\n(^٢) عبد الله بن وهب بن مسلم الفهري بالولاء، المصري، أبو محمد، فقيه من الأئمة، من أصحاب الإمام مالك، جمع بين الفقه والحديث والعبادة، وكان حافظًا ثقة مجتهدًا عرض عليه القضاء فخبأ نفسه ولزم منزله. من كتبه: الجامع (في الحديث)، والموطأ (في الحديث أيضًا). ولد سنة ١٢٥ هـ بـ\"مصر\" وتوفي بها سنة ١٩٧ هـ. ينظر: تذكرة الحفاظ ١/ ٢٧٩، وتهذيب التهذيب ٦/ ٧١، والوفيات ١/ ٢٤٩، والأعلام ٤/ ١٤٤.\n(^٣) سعيد بن المسيِّب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عابد بن مخزوم المخزومي أبو محمد المدني الأعور، رأس علماء التابعين وفردهم وفاضلهم وفقيههم. ولد سنة خمس عشرة. قال ابن عمر: هو والله أحد المقتدين به. قال قتادة: ما رأيت أعلم بالحلال والحرام منه. وقال أحمد: مرسلات سعيد صحاح. قال أبو نعيم: مات سنة ثلاث وتسعين. وقال الواقدي: سنة أربع. ينظر: الخلاصة ١/ ٣٩٠، وطبقات خليفة ت ٢٠٩٦، وتاريخ البخاري ٣/ ٥١٠، وتاريخ الإسلام ٤/ ٤، والعبر ١/ ١١٠، وسير أعلام النبلاء ٤/ ٢١٧.\n(^٤) أخرجه مالك في الموطإ ٢/ ٩٧٨، في كتاب الاستئذان: باب ما جاء في الوحدة في السفر للرجال والنساء (٣٥)، وأخرجه أحمد في المسند ٢/ ١٨٦، وأخرجه أبو داود ٣/ ٨٠، كتاب الجهاد: باب =","vol":"2","page":185},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالخامس: إن بلغ الأقل عدد التواتر لم يُعْتَدَّ بالإجماع، وإلا اعتُدَّ به.\nقال القاضي أبو بكر: وهذا الذي يصح عن ابن جرير.\nوالسادس: إن سوغت الجماعة الاجتهاد في مذهب المُخَالف، فخلافه معتدّ به، كخلاف ابن عباس في \"مسألة العَوْل\"، فإنها محلّ اجتهاد، وإلا فلا، كخلافه في مسألة رِبَا الفَضلِ (^١)، ومسألة المتعة، وخلاف أبي طلحة في قوله: إنَّ آكل البَرَد لا يفطر (^٢)، وهو قول أبي عبد الله الجرجاني ونقل عن أبي بكر الرازي وشمس الأئمة السَّرَخْسِيّ (^٣).\nقال أبي ﵀: وهو ضعيف، لأن قول (^٤) غير المُخَالف: إن لم يكن حجة فلا\n_________\n= في الرجل يسافر وحده (٢٦٠٧)، والترمذي ٤/ ١٩٣، كتاب فضائل الجهاد. باب ما جاء في كراهة أن يسافر الرجل وحده (١٦٧٤)، وذكره المنذري في مختصر سنن أبي داود ٣/ ٤١٣، ٢٤٩٥، وعزاه للنسائي.\n(^١) لا خلاف بين العلماء في أن الربا يكون في البيع أو السلم أو القرض غير أن جمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار يرون أن الربا نوعان: أحدهما: ربا النسيئة، كبيع ذهب بفضة إلى أجل، أو بيع إردب قمح بمثله إلى أجل كذلك.\nوثانيهما: ربا الفضل، وهو ما يسمى ربا النقد، كبيع إردب من البر بإردب ونصف منه يدًا بيد. وخالف في ذلك ابن عباس وأسامة بن زيد من الصحابة، وكذلك ابن عمر حيث قالوا: إنه لا ربا إلا في النسيئة، فيحل عندهم أخذ درهم بدرهمين إذا كان يدًا بيد، وليس التفاضل عندهم بمحرم حينئذ. هكذا كانوا يقولون، ثم صح عنهم أنهم رجعوا عن ذلك إلى قول الجمهور.\n(^٢) خرجه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٢/ ٣٤٧) من طريق علي بن زيد بن جدعان عن أنس .. فذكره. وهذا سند ضعيف، وعلته علي بن زيد ضعيف. قاله الحافظ في \"التقريب\".\n(^٣) محمد بن أحمد بن أبي سهل، المعروف بشمس الأئمة السرخسي، الفقيه، الحنفي الأصولي، وكنيته أبو بكر، والسرخسي نسبة إلى سرخس - بفتح السين، والراء المهملتين، وسكون الخاء المعجمة - بلدة قديمة من بلاد خراسان، سميت باسم رجل سكنها وعمرها. تتلمذ لشمس الأئمة: عبد العزيز الحلواني، حتى تخرج على يديه فذاع صيته واشتهر اسمه.\nوتفقه عليه أبو بكر محمد بن إبراهيم الحصري، وأبو عمر وعثمان بن علي بن محمد البيكندي، وأبو حفص عمر بن حبيب جد صاحب الهداية من جهة أمه. ألف في الفقه والأصول، فقد أملى وهو سجين في الجب كتاب المبسوط في الفقه، وهو ثلاثون جزءًا. ينظر: طبقات الأصوليين ١/ ٢٧٧.\n(^٤) في ت: قوله.","vol":"2","page":186},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأثر للتسويغ وعدمه، وإلا فهو محلّ النزاع، فليس إنكارهم عليه بأولى من إنكارهم عليهم.\nوالسَّابع: أن اتباع الأكثر أولى، وإن جاز خلافه، وهو ساقط.\nوالثَّامن: الفَرْق بين أصول الدين فلا يَضُرّ، والفروع فيضر.\nوالتَّاسع: أن قول الأكثر حُجَّة، لا إجماع.\nقال الغَزَّالي في \"المستصفى\": وهو تحكم لا دليلَ عليه.\nقال أبي ﵀: وذلك ظاهر؛ لأنَّهُ إذا لم يكن إجماعًا فبماذا يكون حُجَّة؟\nإذا عرفت هذا فنقول: قول المصنّف لم يكن إجماعًا قطعًا (^١) - أي: لا نقطع بكونه إجماعًا -، ومن كتب قطعيًّا أراد أنَّا نجزم بكونه (^٢) إجماعًا قطعيًا.\nوهذه النسخة عندي أولى مما كتبه المصنف بيده، ولعلَّها أصلحت؛ لأن فيها فائدةَ التَّنبيه على أن من قال بأنه إجماع فإنما يجعله ظنيًّا لا قطعيًّا، وهذا هو الظَّاهر، وبه يشُعر إيراد الآمدي.\nوأما قطعيًّا، فليس فيها كثير فائدة؛ لأن كلّ ذي نظر يعرف أنه إذا وقع الخلاف في أنه هل هو إجماع لم يقع القطع بأنه إجماع؟\nفإن قلت: فما معنى قول المصنّف: والظَّاهر أنه حجة هل يريد به أنه إجماعٌ ظني، أو أنه ليس بإجماع أصلًا ولكنه حجة؟\nقلت: يحتمل أنه يريد أنه ليس بإجماع أصلًا، ولكن حجة لأمرين:\nأحدهما: أنه عرف الإجماع باتِّفاق المجتهدين، فلو كان اتفاق الأكثر إجماعًا، سواء أكان (^٣) قطعيًّا أم ظنيًّا لورد على الحد؛ لأنَّهُ ليس اتفاق جميع المجتهدين.\nوثانيهما: أنه لو أراد أنه يكون إجماعًا ظنيًّا لكان هو المذهب الصَّائر إلى أن خلاف الأول (^٤) غير معتبر؛ لأنا قد قلنا: إن من قال: لا يعتبر بالأقل لا يجعل الإجماع - والحالة هذه - قطعيًّا.\nأما (^٥) أنه لم يقطع بكونه إجماعًا؛ فلوقوع الاختلاف فيه، ولا قطع مع الخلاف في مثل هذا.\n_________\n(^١) في ب: قطعيًا.\n(^٢) في أ: بنفي كونه.\n(^٣) في ب، ت: كان.\n(^٤) في ب: الأقل.\n(^٥) في حاشية ج: قوله: إما أنه … إلخ يريد البيان على نسختي قطعًا وقطعيًا. تدبر.","vol":"2","page":187},{"text":"<span data-type='title' id=toc-472>مَكَانَةُ التَّابِعِيِّ المُجْتَهِدِ مَعَ الصَّحَابَةِ </span>(^١)\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوإنما قلت: في مثل هذا؛ لأني أجوز القطع مع الخلاف، وذلك شأن [أكثر] (^٢) مسائل الأصول، ولكن هذا المكان دلائله كلها ظنيةٌ.\nوأما أنه لا يقول: هو قَطْعِيّ؛ فلأنه أيضًا في محل الاجتهاد.\nوقد فُهم عنه أنه قال: ليس بإجماع أصلًا أبي ﵀ ونقله كذلك عنه في \"شرح المهذب\"، وناهيك بفهمه.\nويحتمل أن يريد أنه إجماعٌ ظنيٌّ، وإياه فهِم بعض الشَّارحين، ويكون ذهابًا منه إلى أن خلاف الأقل [غير] (^٣) معتبر في انتهاض الإجماع، وإن اعتبر في كونه غير قَطْعي كما قلنا: إن من قال: خلاف الأول غير معتبر لم يجعله إجماعًا قطعًا، وحينئذ لا يتَّجه قول الشيخ الإمام أبي ﵀.\nثم ذا يكون حجة؛ لأنا نقول: هو حجة؛ لكونه إجماعًا، ولكن الشيخ الإمام ﵁ إنما رد عليه؛ لأنَّهُ فهم عنه الاحتمال الأول، وهو أنه ليس بإجماع أصلًا، ولعلَّه أظهر الاحتمالين وهو المذهب المصرّح بحكايته في \"المستصفى\"، و\"الإحكام\"، وغيرهما، والرد حينئذ صحيح؛ لأنَّهُ ليس بكتاب ولا سُنَّة ولا إجماع ولا قِيَاس ولا اسْتِصْحَاب، إلى غير ذلك من الأدلَّة المعروفة بين الأئمة، وليس لأحد أن يحدث في دين الله أمرًا وينصبه دليلًا يحتج به.\n_________\n(^١) اعلم أنهم اختلفوا في صحة انعقاد إجماع الصحابة مع مخالفة التابعين إذا كان من أهل الاجتهاد وفي عصرهم، فذهب أحمد بن حنبل في إحدى روايتيه، وبعض المتكلمين إلى أنه لا عبرة بمخالفته أصلًا، ولم يشر المصنف إلى هذا المذهب، لكنه يعلم من سياق كلامه. ورد الباقون وأحمد في روايته الأخرى وغيره من القائلين باشتراط الانقراض إلى اعتبار مخالفته إن كان من أهل الاجتهاد حالة إجماعهم، وهو الذي اختار المصنف، واستدل عليه، وإليه أشار بقوله: \"التابعي المجتهد معتبر مع الصحابة\" على معنى أنه لا يعتد بإجماعهم مع مخالفته وإن كان مجتهدًا حالة إجماعهم. ينظر شرح المختصر للقطب (٤ - ٢/ ب) وينظر: المحصول ٢/ ١/ ٢٥١، والإحكام للآمدي ١/ ٢١٨، والمستصفى ٢/ ١٨٥، والتبصرة ٣٨٤، وشرح الكوكب ٢/ ٢٣٢، وإرشاد الفحول ٨١، وشرح العضد ٢/ ٣٥، وجمع الجوامع ٢/ ١٧٩، وفواتح الرحموت ٢/ ٢٢١.\n(^٢) سقط في ت.\n(^٣) سقط في ت.","vol":"2","page":188},{"text":"<span data-type='title' id=toc-473>مَسْأَلَةٌ:\nالتَّابِعِيُّ الْمُجْتَهِدُ مُعْتَبَرٌ مَعَ الصَّحَابَةِ،</span> فَإِنْ نَشَأَ بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ فَعَلَى، انْقِرَاضِ الْعَصْرِ.\nلَنَا مَا تَقَدَّمَ.\nوَاسْتُدِلَّ لَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ لَمْ يُسَوِّغُوا اجْتِهَادَهُ مَعَهُمْ، كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَشُرَيْحٍ، وَالحَسَنِ، وَمَسْرُوقٍ، وأَبِي وَائِلٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَابْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْ ...........\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"التابعي المجتهد\" إذا كان في عصر الصَّحابة، فقوله: \"معتبر مع الصَّحابة\" بحيث لا ينعقد إجماعهم دونه:\nوقيل: لا، وهذا إذا كان مجتهدًا حالة الاختلاف.\n\"فإن نشأ (^١) بعد\" انعقاد \"إجماعهم\" على الحكم، \"فعلى\" الخلاف في \"انقراض العَصْرِ\".\nهل يشترط؟.\n\"لنا\" - على عدم الانْعِقَادِ في الصورة الأولى - \"ما تقدم\" من أنهم دونه بعض المؤمنين فلا تثبت (^٢) لهم العِصْمَةُ الثابتة للكلّ.\nالشرح: \"واستدلّ: لو لم يعتبر\" قول التَّابعين المجتهدين مع الصَّحابة \"لم يسوغوا اجتهادهم معهم\"؛ لعدم الفائدة فيه على تَقْدِيرَي المُوَافقة والمُخَالفة، واللَّازم منتفٍ، فقد سوغوه لمجتهديهم جميعًا، كـ\"\"سعيد بن المسيّب\"، و\"شريح\" (^٣)، ....................\n_________\n(^١) في أ، ح: يشأ.\n(^٢) في ت، ح: يثبت.\n(^٣) شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم بن معاوية الكندي أبو أمية الكوفي، مخضرم، ولى لعمر الكوفة، فقضى بها ستين سنة، وكان من جلة العلماء، وأذكى العالم، روى عن علي وابن مسعود. وعنه الشعبي، وأبو وائل، وثقه ابن معين، قال الشعبي: كان أعلم الناس بالقضاء، وقال ابن حصين: اختصم إليه رجلان فحكم على أحدهما، فقال: قد علمت من حيث أتيت، فقال شريح: لعن الله الراشي والمرتشي والكاذب. قال محمد بن نمير: مات سنة ثمانين على الأصح عن مائة وعشر سنين، وقيل: عشرين سنة. وينظر ترجمته في: تهذيب الكمال ٢/ ٥٧٧، وتهذيب \"التهذيب\" =","vol":"2","page":189},{"text":"أَبِي سَلَمَةَ: تَذَاكَرْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي عِدَّةِ الْحَامِلِ لِلْوَفَاةِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَبْعَدُ\n<hr><s0>\n\nو\"مسروق\" (^١)، و\"أبي وائل\" (^٢)، و\"الشعبي\"، و\"ابن جبير\" (^٣) وغيرهم\" فكانوا (^٤) يفتون بآرائهم في زمن الصَّحابة ﵃ من غير نظر إلى أنهم هل أجمعوا؟ وقد ملأ شُرَيح \"الكوفة\" أقضية (^٥) وعليٌّ بها لا ينكر عليه، وملأ ابن المسيّب \"المدينة\" فتاوى، وهي مشحونة\n_________\n= ٤/ ٣٢٦، وتقريب \"التهذيب\" ١/ ٣٤٩، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ٤٤٧، والكاشف ٢/ ٩. وتاريخ البخاري الكبير ٤/ ٢٢٨، ٢٢٩، وتاريخ البخاري الصغير ١/ ١٤٩، ١٥٤، ١٦٧، ١٦٨ والجرح والتعديل ٤/ ص ٣٣٢، وأسد الغابة ٢/ ٥١٧، وتجريد أسماء الصحابة: ١/ ٢٥٦ والاستيعاب ٢/ ٧٠١، والإصابة ٣/ ٣٩٦، والوافي بالوفيات ١٦/ ١٤٠، والبداية والنهاية ٩/ ٢٢.\n(^١) مسروق بن الأجدع الهمداني أبو عائشة الكوفي الإمام القدوة. عن أبي بكر وعمر وعلي ومعاذ وطائفة. وعنه: زوجته قمير وأبو وائل والشعبي وخلق. قال أبو إسحاق: حج مسروق، فما نام إلا ساجدًا على وجهه، وقال ابن المديني: صلى خلف أبي بكر، وقال ابن معين: ثقة، لا يسأل عن مثله. قال ابن سعد: توفي سنة ثلاث وستين. ينظر: طبقات ابن سعد ٤/ ١١٣، وسير الأعلام ٤/ ٦٣، وتاريخ بغداد ١٣/ ٢٣٢، ومعرفة الثقات (١٧٠٩)، وتراجم الأحبار ٣/ ٣٣٠، وتهذيب الكمال ٣/ ١٣٢٠، وتهذيب \"التهذيب\" ١٠/ ١١٠ (٢٠٥)، وخلاصة تهذيب الكمال ٣/ ٢١.\n(^٢) شقيق بن سلمة الأسدي، أبو وائل الكوفي، أحد سادة التابعين، مخضرم روى عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاذ بن جبل وطائفة. وعنه: الثعبي وعمرو بن مُرَّة ومغيرة بن مِقْسَم ومنصور وزبيد، تعلم القرآن في سنتين. قال عاصم بن بَهْدَلة. ما سمعته سب إنسانًا قط. وقال ابن معين: ثقة، لا يسأل عن مثله. قال خليفة: مات بعد الجماجم، وقال الواقدي: في خلافة عمر بن عبد العزيز. ينظر: تاريخ البخاري الكبير ٤/ ٢٤٥، والجرح والتعديل ٤/ ١٦١ والوافي بالوفيات ١٦/ ١٧٢، وطبقات ابن سعد ٦/ ١٠١، والثقات ٤/ ٣٥٤، ونهذيب الكمال ٢/ ٥٨٧.\n(^٣) سعيد بن جبير الوالبي، مولاهم الكوفي الفقيه أحد الأعلام، قال اللالكائي: ثقة إمام حجة. قال عبد الملك بن أبي سليمان: كان يختم كل ليلتين، قال ميمون بن مهران: مات سعيد وما على ظهر الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه. قتل سنة خمس وتسعين كهلًا؛ قتله الحجاج فما أُمهل بعده. قال خلف بن خليفة عن أبيه: شهدت مقتل ابن جبير؛ فلما بان الرأس قال: لا إله إلا الله لا إله إلا الله، فلما قالها الثالثة لم يتمها ﵁. ينظر: تهذيب الكمال ١/ ٤٧٩، وتهذيب \"التهذيب\" ٤/ ١١، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ٣٧٤ والكاشف ١/ ٣٥٦، والثقات ٤/ ٢٧٥، وتاريخ البخاري الكبير ٣/ ٤٦١، والحلية ٤/ ٢٧٢.\n(^٤) في ت،: وكانوا.\n(^٥) جمع قضاء، والقضاء له في اللغة معان كثيرة ترجع كلها إلى انقضاء الشيء وتمامه، فمن تلك =","vol":"2","page":190},{"text":"الْأَجَلَيْنِ، وَقُلْتُ أَنَا بِالْوَضْعِ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي.\n<hr><s0>\n\nبأصحاب رسول الله ﷺ، وكذا عطاء بـ\"مكة\"، والحسن وجابر بن زيد بـ\"البصرة\".\n\"وعن أبي (^١) سلمة\" بن عبد الرحمن (^٢) - كما رواه مُسْلم - \"تذاكرت مع ابن عبَّاس وأبي\n_________\n= المعاني: الأمر، نحو قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. أي أمر بذلك، ولا يصح أن يكون معنى قضى هنا حكم؛ أي قدر وعلم، وإلا لما تخلف أحد عن عبادته؛ لأن ما قدره تعالى وعلمه لا يتخلف. ومنها الأداء، نحو: قضيت الدين أي أديته. ومنها الفراغ نحو: قضى فلان الأمر، أي فرغ منه. ومنها الفعل نحو قوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾. أي افعل ما تريده. ومنها الإرادة نحو: فإذا قضى الله أمرًا. ومنها الموت نحو: قصى نحبه. ومنها العلم نحو: قضيت إليك كذا أي أعلمتك به. ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾. ومن هنا صح تسمية المفتي والقاضي قاضيًا؛ لأنهما معلمان بالحكم. ومنها الفصل نحو: قضى بينهما بالحق. ومنها الخلق نحو: قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾. أي خلقهن. ومنها الحكم نحو: قضيت عليك بكذا؛ أي حكمت عليك به. وهذا المعنى الأخير متلائم مع المعنى الاصطلاحي، فالقضاء في اللغة مشترك لفظي بين تلك المعاني السابقة، ومن يتأمل يدرك أن هذه المعاني متقاربة بعضها آيل إلى الآخَر، ويجمعها كلها انقضاء الشيء وتمامه.\nواصطلاحًا:\nعرفه الشافعية: بأنه فصل الخصومة بين خصمين بحكم الله تعالى.\nوعرفه المالكية: بأنه صفة حكمية توجب لموصوفها نفوذ حكمه الشرعي ولو بتعديل أو تخريج لا في عموم مصالح المسلمين.\nوعرفه الحنفية: بأنه إلزام على الغير بنية أو إقرار.\nوعرفه الحنابلة: بأنه إلزام بالحكم الشرعي وفصل الخصومات. ينظر: تاج العروس ١٠/ ٢٩٦، والمصباح المنير ٢/ ٧٨١، وحاشية الباجوري ٢/ ٣٣٥، والدرر ٢/ ٤٠٤، وحاشية الخرشي ٧/ ١٣٨، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤/ ١٢٩، والفقهاء ص (٢٢٨)، وكشاف القناع ٦/ ٢٨٥.\n(^١) في حاشية ج: قوله: وعن أبي سلمة هو تابعي، وقوله: مع اختلافهم أي كما في هذه المسألة.\n(^٢) أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني أحد الأعلام. قال عمرو بن علي: ليس له اسم. عن أبيه وأسامة بن زيد وأبي أيوب وخلق. وعنه ابنه عمر وعروة والأعرج والشعبي والزهري وخلق. قال ابن سعد: كان ثقة فقيهًا كثير الحديث، ونقل الحاكم أبو عبد الله أنه أحد الفقهاء السبعة عن أكثر أهل الأخبار. مات سنة أربع وتسعين. وقال الفلاس: سنة أربع ومائة. ينظر: الخلاصة ٣/ ٢٢١ (٢٤٠).","vol":"2","page":191},{"text":"وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ إِنَّمَا سَوَّغُوهُ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ.\n<hr><s0>\n\nهريرة في عدَّة الحامل للوفاة (^١)، فقال ابن عباس\": عدتها أبعد الأجلين.\n_________\n(^١) اعلم أن المرأة إذا توفي عنها زوجها المسلم وكانت معه في نكاح صحيح متفق على صحته بل وإن كان مختلفًا فيه، فلا يخلو إما أن تكون حرة أو أمة، فإن كانت حرة وهي غير حامل فعدتها أربعة أشهر وعشرة أيام أو كان الزوج حرًّا أو عبدًا صغيرًا أو كبيرًا، دخل بها أو لا، صغيرة كانت أو كبيرة، مسلمة أو كتابية، مات عنها وهي في عصمته أو كانت مطلقة طلاقًا رجعيًا ومات في أثناء عدتها، فإنها تنتقل لعدة الوفاة لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ وإنما جعلت العدة هذه المدة لتحرك الجنين غالبًا في الأشهر الأربعة؛ وزيدت العشر لأنها قد تتأخر حركة الجنين عنها.\nوتكتفي المتوفى عنها بأربعة أشهر وعشر إن لم يدخل بها من غير تفصيل، أو دخل بها وكانت مأمونة الحمل إما من جهته كما إذا كان صغيرًا أو مجبوبًا ونحو ذلك، ولا تنتظر حيضًا لأنها إنما تنتظر الحيض خشية الحمل ولا حمل هنا، وإمّا من جهتها كما إذا كانت صغيرة أو يائسة. أما إذا كانت مدخولًا بها ولم تكن مأمونة الحمل بأن كبرت وزوجها بالغ غير مجبوب ونحوه فتكتفي بهذه المدة بشرطين: الأول إن تمت الأربعة الأشهر والعشر قبل زمن حيضتها بأن كانت عادتها أن تحيض في كل خمسة أشهر مرة، وتوفى عنها زوجها عقب طهرها، أولم تتم الأربعة الأشهر والعشر قبل مجيئها، وأتاها الحيض فيها أو تأخر لرضاع كما إذا كانت عادتها أن يأتيها الحيض أثناء المدة المذكورة إلا أنه تأخر لرضاع سابق على الموت.\nالثاني: أن تقول النساء إذا رأينها بعد تمام الأربعة الأشهر والعشر قبل زمن حيضتها أنه لا ريبة حمل بها، فإذا تحقق هذان الشرطان فإنها تحق للأزواج في هذه المسائل المذكورة بمضي هذه المدة. ولا تنتظر حيضة إلا أنه في المرضع لا يحتاج لسؤال النساء أنه لا ريبة بها. أما إذانت مدخولًا بها لم يؤمن حملها ولم تتم الأربعة الأشهر والعشر قبل زمن حيضتها بأن كانت عادتها أن تحيض في أثنائها، وتأخر عن عادته بلا سبب أو بسبب كمرض أو استحيضت ولم تميز، وكانت عادتها قبل الاستحاضة أن يأتيها الحيض قبل زمن عدتها، أنا إذا كانت عادتها قبل الاستحاضة إتيانه بعد مضي زمن العدة، فإنها تعتد بأربعة أشهر وعشر كما هو ظاهر كلامهم، وذلك أنهم جعلوا من عادتها تأخر زمن حيضها عن زمن العدة تعتد بأربعة أشهر وعشر، وظاهره سواء كانت مستحاضة مميزة أم لا أو غير مستحاضة أو تمت المدة المذكورة قبل زمن حيضها لكن قال النساء عند رؤيتهن لها: بها ريبة حمل أو ارتابت من نفسها فلا تكتفي بأربعة أشهر وعشرة أيام بل تنتظر الحيضة أو تمام تسعة أشهر؛ لأنها مدة الحمل غالبًا؛ فتحل بالسابق منهما، وذلك أن تأخير الحيضة عن وقتها ولولمرض أو استحاضة مع عدم التمييز وقول النساء: بها ريبة أوجب الشك في حملها؛ فلا تحل إلا بالحيضة أو =","vol":"2","page":192},{"text":"<span data-type='title' id=toc-474>إِجْمَاعُ أَهْلِ المَدِينَةِ</span>\nمَسْألَةٌ:\nإِجْمَاعُ \"الْمَدِينَةِ\" مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ حُجَّةٌ عِنْدَ مَالِكِ.\n<hr><s0>\n\nوقلت: أنا بالوضع. فقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي\"، يعني: أبا سلمة.\nوالآثار في هذا كثيرة.\n\"وأجيب: بأنهم إنما سَوَّغوه مع اختلافهم\"، لا مع اتفاقهم الذي هو مَحَلّ النزاع.\nوفيه نظر: فإن اتفاقهم لو منعهم الاجتهاد لسألوا عنه قبل إقدامهم، وكانوا لا يسألون قطعًا.\nوما روي من أَنَّ أم المؤمنين عائشة ﵂ أنكرت على أبي سلمة دخوله بين الصَّحابة، ومنازعته لابن عباس، وقولها له: أراك كالفَرُّوج تصيح مع الدِّيَكَةِ.\nومن أن عليًّا ﵁ نقض حكم شُرَيح حين قضى بين ابني عم أحدهما أخ لأم أن المال للأخ من الأم، فالأول محمول على أنه لم يبلغ منزلتهم، فأحبت له الاحتياط.\nوهذا أبو هريرة قد [نقلنا عنه ما] (^١) نقلناه.\nوالثَّاني: لم يصح، وإن ثبت فلعلّه كان مسبوقًا بإجماع.\n«مسألة»\nالشرح: \"إجماع \"المدينة\" من الصَّحابة والتابعين حُجَّة عند مالك\" (^٢).\n_________\n= تسعة أشهر. فإن لم تزد الريبة حلت بالسابق منهما، وإن زادت انتظرت رفعها أو أقصى أمد الحمل إن لم ترتفع، فإن جزم بالحمل فلا تحل للأزواج إلا بعد وضعه ثم زمن الانتظار عدة.\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) هذه المسألة في أن إجماع أهل المدينة هل هو حجة أم لا؟ اختلفوا فيه، فذهب الأكثرون إلى أن إجماع أهل المدينة وحدهم لا يكون حجة، ونقل أصحاب المقالات عن مالك أنه كان يرى اتفاق أهل المدينة - يعني علماءها أو الصحابة أو الصحابة والتابعين على ما قال المصنف - حجة، ولما كان الظن بمالك أنه لا يقول بما تصله النقلة عنه؛ لأن أدلة الإجماع لا تنهض بهم وحدهم؛ لكونهم بعض الأمة لا كلهم على ما مر غير مرة، وهذا هو حجة الأكثر على فساد مذهبه، لكن قد علمت مما أسلفناك أن هذا إنما يتم أن لو انحصرت أدلة الإجماع في السعي، ولم يكن عليه دليلٌ عقلي على ما سيقوله المصنف - اعتذر عنه بعض أصحابه بأن هذا النقل ليس محمولًا على ظاهره، بل هو =","vol":"2","page":193},{"text":"وَقِيلَ: مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ رِوَايَتهُمْ مُتَقَدِّمَةٌ.\nوَقِيلَ: عَلَى الْمَنْقُولَاتِ الْمُسْتَمِرَّةِ كَالْأَذَانِ وَالإِقَامَةِ، وَالصَّحِيحُ التَّعْمِيمُ.\n<hr><s0>\n\nوقد أنكره من أصحابه: أبو بكر، وأبو يعقوب الرَّازي، وأبو بكر بن المنتاب (^١)، والطَّيالسيُّ والقاضي أبو الفرج (^٢)، والقاضي أبو بكر، وقالوا: ليس مذهبًا له.\n\"وقيل\": قول مالك حُجَّة \"محمول على أن روايتهم متقدِّمة\" على غيرهم.\nونقل ابنُ السَّمْعَاني وغيره: أن للشَّافعي في القديم ما يدلّ على هذا.\n\"وقيل: على المَنْقُولات المستمرّة، كالأذان والإقامة.\nوالصَّحيح التعميم\" في الصُّورتين المذكورتين وغيرهما مما طريقه الاجتهاد والاستدلال، وهو رأي أكثر المَغَاربة من أصحابه، وتبعهم المصنّف.\n_________\n= محمول على أن روايتهم متقدمة على رواية غيرهم؛ لكونهم أقرب إلى رسول الله ﷺ وأولى بالحفظ، وأخبر من غيرهم بمواقع الأخبار وتواريخها، وفبه بعد لأن اللفظ لا ينبئ عنه، ولذلك قال آخرون من أصحابه: هو محمول على ظاهره، لكن ليس المراد - أن إجماعهم على كل شيء حجة؛ بل على المنقولات المستمرة كالأذان والإقامة والصاع، والمدعى أنهم لو أجمعوا على كون الإقامة فرادى يجب على الكل اتباعهم، بخلاف ما لو أجمعوا على ما لا يتكرر وجوده كثيرًا، فإن إجماعهم في مثله لا يكون حجة. ينظر: الشيرازي ٢٠٦ أ/ خ. وينظر: البحر المحيط للزركشي ٤/ ٤٨٣، والبرهان لإمام الحرمين ١/ ٧٢٠، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/ ٧٢٠، ونهاية السول للإسنوي ٣/ ٢٦٣، ومنهاج العقول للبدخشي ٢/ ٣٩٧، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ٦٨، والمنخول للغزالي ٣١٤، والمستصفى له ١/ ١٨٧، وحاشية البناني ٢/ ١٧٩، والإبهاج لابن السبكي ٢/ ٣٦٤، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/ ٢٩١، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٢١٢ وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ٤٨٠، والتحرير لابن الهمام ٤٠٧، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ٣/ ٢٤٤ وكشف الأسرار للنسفي ٢/ ١٨٥، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٣٥، وإرشاد الفحول للشوكاني ٨٢، والكوكب المنير للفتوحي ٢٣٢، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٣/ ١٠٠.\n(^١) في أ: منتان.\n(^٢) أبو الفرج عمرو بن محمد بن عمرو الليثي القاضي، ويقال: ابن محمد بن عبد الله البغدادي هذا صحيح اسمه، ووهم من سمَّاه محمدًا. نشا ببغداد، وأصله من البصرة، صحب إسماعيل، وتفقه معه، وصحب غيره من المالكيين، وولي قضاء بعض البلاد، كان لغويًا فقيهًا متقدّمًا. وله الكتاب المعروف \"بالحاوي\" في مذهب مالك، روى عنه كثير توفي سنة - ٣٣١ هـ. ينظر: الديباج ٢/ ١٢٧.","vol":"2","page":194},{"text":"وَاسْتُدِلَّ بِنَحْوِ: \"إِنَّ الْمَدِينَةَ طَيِّبَةٌ تَنْفِي خَبَثَهَا، [كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ\"]، وَهُوَ بَعِيدٌ، وَبِتَشْبِيهِ عَمَلِهِمْ بِرِوَايَتِهِمْ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ تَمْثِيلٌ لَا دَلِيلٌ مَعَ أَنَّ الرِّوَايَةَ تُرَجَّحُ بِالكَثْرَةِ بِخِلَافِ الاجْتِهَادِ.\n<hr><s0>\n\nقالوا: وفي رسالة مالك إلى الليث بن سعد (^١) ما يدلّ عليه، قالوا: وليس قطعيّا، بل ظني يقدم (^٢) على خبر الواحد والقياس.\nوذهب القاضي عبد الوَهَّاب إلى أن اجتهادهم ليس بِحُجَّة، ولكن يقدم على اجتهاد غيره، والحق عندنا ما عليه جماهير الأمة من أن البِقَاعَ لا تعصم ساكنيها، وأنه لا فرق بين \"المدينة\"، وغيرها. وبالجملة من ادَّعى أن إجماع المدينة حجة فقد استمر على لجاج ظاهر.\nالشرح: \"واستدل بنحو: إن \"المدينة\" طيبة تنفي خبثها\"، والخطأ خبث فيكون منفيًا عنها، والحديث في \"الصحيحين\" ولفظه: \"إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طِينُهَا\" (^٣)، وأما نحوه فمثل: \"إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا\" رواه مسلم \"وهو بعيد\"، فإنَّ الباطلَ قد يوجد فيها بلا ريب، فلو اطّلع مطلعٌ على ما يجري بين لابَّتَّيْهَا من المخازي قضى\n_________\n(^١) ليث بن سعد بن عبد الرحمن الفَهْمي مولاهم الإمام، عالم مصر، وفقيهها ورئيسها. عن سعيد المقبري وعطاء ونافع وقتادة والزهري وصفوان بن سليم وخلائق. وعنه ابن عَجْلان وابن لهيعة وهشيم وابن المبارك والوليد بن مسلم وابن وَهْب وأمم. قال ابن بكير: هو أفقه من مالك. وقال محمد بن رمح: كان دخل الليث ثمانين الف دينار ما وجبت عليه زكاة قط. وثقه أحمد وابن معين والناس قال ابن بكير: ولد سنة أربع وتسعين، وتوفي سنة خمس وسبعين ومائة. ينظر ترجمته في: تهذيب الكمال ٣/ ١١٥٢، وتهذيب \"التهذيب\" ٨/ ٤٥٩ (٨٣٢)، وتقريب \"التهذيب\" ٢/ ١٣٨، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٣٧١، والكاشف ٢/ ١٣، وتاريخ البخاري الكبير ٧/ ٢٤٦، وتاريخ البحاري الصغير ٢/ ٢٠٩ والجرح والتعديل ٧/ ١٠١٥، وميزان الاعتدال ٣/ ٤٢٣، ولسان الميزان ٧/ ٣٤٧، وسير الأعلام ٨/ ١٣٦، والحلية ٧/ ٣١٨، والثقات ٧/ ٣٦، وتراجم الأحبار ٣/ ٣٠٧، ٣١١، وطبقات ابن سعد ٧/ ٣١٦، ٣٣٨، ٣٤٠، ٣٤٢، ٣٧٩، ٥١٨، وتاريخ بغداد ٣/ ١٣، ومعرفة الثقات ١٥٦٥، ونسيم الرياض ٢/ ١٢٧.\n(^٢) في. ت، ح: تقدم.\n(^٣) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٨٨٦، وكتاب الجامع: باب ما جاء في سكنى المدينة والخروج منها (٤)، والبخاري ١٣/ ٢١٣، كتاب الأحكام: باب من بايع ثم استقال البيعة (٧٢١١)، ومسلم (٢/ ١٠٠٦) كتاب الحج: باب المدينة تنفي شرارها (٤٨٩ - ١٣٨٣).","vol":"2","page":195},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nلَا يَنْعَقِدُ الإجْمَاعُ بِأَهْلِ الْبيَتِ وَحْدَهُمْ خِلَافًا لِلشِّيعَةِ، وَلَا بِالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ خِلَافًا لأِحْمَدَ، وَلَا بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ.\n<hr><s0>\n\nالعجب، فيجب حمله على أنها في نفسها فاضلة مباركة، واستدل أيضًا \"بتشبيه عملهم بروايتهم\" فإنها مقدمة، فليكن العلم كذلك، \"ورد بأنه تمثيل\" وتشبيه شيء بشيء \"لا دليلٌ مع أن\" الفارق أن \"الرواية ترجح بالكثرة بخلاف الاجتهاد\"، وهو أكثر علمًا، وهذا على تقدير أن روايتهم مقدمة، ومن ذا يسلمه، والأكثرية ممنوعة.\n«مسألة»\nالشرح: \"لا ينعقد الإجماع بأهل البيت وحدهم خلافًا للشيعة (^١)، ولا بالأئمة الأربعة عند الأكثرين خلافًا لأحمد، ولا بأبي بكر وعمر، وعند الأكثرين\" خلافًا للقاضي أبي خازم الحنفي بالخاء والزاي المعجمتين (^٢)، \"قالوا\": استدلالًا على إجماع الأربعة. قال النَّبِيّ ﷺ: \"\"عَلَيْكُمْ بِسُنَّتي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي\"\" (^٣)، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي\n_________\n(^١) الجمهور على أنه لا ينعقد الإجماع بأهل البيت وحدهم؛ خلافًا للزيدية وللإمامية من الشيعة وأهل البيت علي وفاطمة والحسنان والخلفاء كذلك ينظر: البحر المحيط للزركشي ٤/ ٤٩٠، وسلاسل الذهب للزركشي ٣٤٩، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٢/ ٢٢٣، ونهاية السول للإسنوي ٣/ ٢٦٥، ومنهاج العقول للبدخشي ٢/ ٤٠١، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ٧٠، وحاشية البناني ٢/ ١٧٩، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/ ٢٩٢، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٢١٣، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ٤/ ٥٨٤، والتحرير لابن الهمام ٤٠٦، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ٣/ ٢٤٢، وكشف الأسرار للنسفي ٢/ ١٨٤، والكوكب المنير للفتوحي ٢٣٢، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٣/ ٩٨.\n(^٢) حتَّى إنه رد على ذوي الأرحام أموالًا بعد القضاء بها لبيت المال متمسكًا بإجماع الخلفاء على توريث ذوي الأرحام عند عدم ذوي الفروض والعصبات، وذلك في خلافة المعتضد بالله.\n(^٣) من حديث العرباض بن سارية أخرجه أبو داود ٤/ ٢٠٠، ٢٠١ في كتاب السنة، باب في لزوم السنة حديث (٤٦٠٧)، وأخرجه الترمذي ٥/ ٤٣ في العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع حديث (٢٦٧٦) وقال: حديث حسن صحيح، وأخرجه ابن ماجة ١/ ١٥ - ١٧ في المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين حديث (٤٢، ٤٣، ٤٤)، وأحمد في المسند ٤/ ١٢٦، ١٢٧، والدارمي =","vol":"2","page":196},{"text":"قَالُوا: \"عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي\" \"اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي\". قُلْنَا: يَدُلُّ عَلَى أَهْلِيَّةِ اتِّبَاعِ المُقَلّدِ، وَمُعَارَضٌ بِمِثْلِ: \"أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ [بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ] \"، وَخُذُوا شَطْرَ دِينِكُمْ عَنْ [هذِهِ] الْحُمَيْرَاءِ.\nلَنَا أَنَّ الْعَادَةَ تَقْضِي بِأَنَّ مِثْلَ هذَا الْجَمْعِ الْمُنْحَصِرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ اللَّاحِقِينَ بِالاِجْتِهَادِ لَا يُجْمِعُونَ إِلَّا عَنْ رَاجِحٍ.\n<hr><s0>\n\nوصححه والحاكم على شرط الشيخين، وليس في لفظه \"مِنْ بَعْدِي\" كما وقع في الكتاب واستدلالًا على إجماع الشيخين (^١).\nقال النَّبِيّ ﷺ: \"\"اقْتَدُوا بِالَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي\" أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ\" (^٢) رواه أحمدُ والترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حسن (^٣).\nالشرح: قال: \"لنا أن العَادَةَ تقضي في مثل هذا الجمع المُنْحصر من العلماء اللاحقين\" من غيرهم \"بالاجتهاد\" بسُكْنَاهم في مهبط الوَحْي، ومشاهدتهم معاهد التنزيل، \"لا يجمعون إلا عن راجح\"، فيكون دليلًا شرعيًّا.\nوقال: مثل هذا الجمع، لينبّه على أن \"المدينة\" لا خصوصيةَ لها، وإنما اتفق فيها ذلك، ولو اتفق مثله في غيرها قِيلَ به.\nوقال: المُنْحَصِرُ؛ لأنهم لو تفرقت بهم النَّواحي، ولم يجتمعوا في مكان واحد لم يطلعوا على الرَّاجح؛ لأنَّهُ لا سَبِيلَ لهم مع التفرُّق إلى الاجتماع والتَّشَاور والاتفاق.\n\"فإن قيل\": هَبْ أنهم لا يجمعون عن رَاجِحٍ، ولكن \"يجوز أن يكون مستمسك غيرهم أرجح، ولم يطلع عليه بعضهم\".\n_________\n= ١/ ٤٤، ٤٥، في المقدمة باب اتباع السنة، والحاكم في المستدرك ١/ ٩٦ في كتاب العلم، وأبو نعيم في الحلية ٥/ ٢٢٠ و١٠/ ١١٥، وقال الحافظ ابن كثير في \"تحفة الطالب\" ص (١٦٣): صححه الحافظ أبو نعيم والدغولي، وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري: هو أجود حديث في أهل الشام وأحسنه.\n(^١) وتقريره: أنه يفيد وجوب اتباع طريقتهم وحرمة مخالفتهم.\n(^٢) تقريره: أنه يفيد وجوب اتباعهم وحرمة مخالفتهم، والجواب عنهما أنهما يدلان على أهلية الأربعة أو الاثنين لقليد المقلد لهم، لا على حجية قولهم على المجتهد.\n(^٣) تقدم.","vol":"2","page":197},{"text":"فَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَمَسَّكُ غَيْرِهِمْ أَرْجَحَ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ.\n<hr><s0>\n\n\"قلنا: العادة تقضي باطِّلاع الأكثر\" - وأهل\"المدينة\" أكثر -، \"والأكثر كافٍ فيما تقدّم\" من كون إجماعهم حُجَّة.\nولقائل أن يقول: كان العلماء في \"الكوفة\" و\"البصرة\" أكثر، وهذا ظاهر، فيلزمكم أن يكون قولهم حجَّة، وأن هذا الجمع المنحصر إذا حصلوا ببلدة أخرى كانت أقاويلهم حجَّة، ودليلك وإن اقتضى التزامه لأنا لا نعرفه صرحًا به عن مالك.\nوقولك أولًا: إنه أحق - ممنوع -، فقد كان فيمن هو ناء عن \"المدينة\" بعد موت عثمان ﵁ من [هو] (^١) أفضل من ساكنيها، كَعَلِيّ، وجماعة كانوا بـ\"مكة\"، و\"البصرة\"، و\"الكوفة\"، وغيرها.\nوقولكم: مهبط الوحي ومُشَاهدة التنزيل هذا إنما الاعتبارية بالمشاهدة، لإمكان المشاهدة، فإن الجدران لا تخبرنا ولا تحدثنا، والمشاهدون لم ينحصروا في \"المدينة\"، بل كان الخارج عنها أكثر بلا ريبٍ، وكذلك (^٢) من أدركهم من التابعين وهلمَّ جَرّا.\nقلنا: إنما يدلُّ ما رويتم على أهلية اتباع المقلد - أي: أهلية الأربعة في الحديث الأول، والشيخين في الثاني -؛ لاتباع المقلّد لهم أو لهما.\nومعارَض أيضًا بمثل ما روى ابن مَنْدَه في \"أماليه\" من قوله ﷺ: \"أصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُم\" (^٣) وفي سنده مجاهيل.\n_________\n(^١) سقط في ح.\n(^٢) في ت، ح: ولذلك.\n(^٣) أخرجه عبد بن حميد في مسنده من طريق حمزة النصيبي عن نافع عن ابن عمر، وحمزة ضعيف جدًّا، ورواه الدارقطني في \"غرائب مالك\" من طريق جميل بن زيد عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر، وجميل لا يعرف، ولا أصل له في حديث مالك ولا من فوقه، وذكره البزار من رواية عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن عمر وعبد الرحيم كذاب، ومن حديث أنس أيضًا وإسناده واهٍ، ورواه القضاعي في مسند الشهاب له من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، وفي إسناده جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، وهو كذاب. ورواه أبو ذر الهروي في كتاب السنة من حديث مندل عن جويبر عن الضحاك بن مزاحم منقطعًا، وهو في غاية الضعف، قال أبو بكر البزار: هذا الكلام لم يصح عن النبيّ ﷺ وقال ابن حزم: هذا خبر مكذوب موضوع باطل، وقال البيهقي في الاعتقاد عقب حديث أبي موسى الأشعري الذي أخرجه مسلم في =","vol":"2","page":198},{"text":"قُلْنَا: الْعَادَةُ تَقْضِي بِاطِّلَاعِ الْأَكْثَرِ، وَالْأَكْثَرُ كَافٍ فِيمَا تَقَدَّمَ.\n<hr><s0>\n\nوروى نُعَيْمٍ بن حَمَّاد الخُزَاعي (^١) عن عبد الرَّحيم (^٢) بن زيد العَمِيّ (^٣) - وهو ضعيف - عن\n_________\n= فضائل الصحابة (٢٠٧) بلفظ: \"النجوم أمنة أهل السماء، فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون\" قال البيهقي: روى في حديث موصول بإسناد غير قوي - يعني حديث عبد الرحيم العمي وفي حديث منقطع - بعني حديث الضحاك بن مزاحم: \"مثل أصحابي كمثل النجوم في السماء، من أخذ بنجم منها اهتدى\" قال: والذي رويناه ههنا من الحديث الصحيح يؤدي بعض معناه، قلت: صدق البيهقي، هو يؤدي صحة الله للصحابة بالنجوم خاصة، أما في الاقتداء فلا يظهر في حديث أبي موسى، نعم يمكن أن يتلمح لك من معنى الاهتداء بالنجوم، وظاهر الحديث إنما هو إشارة إلى الفتن الحادثة بعد انقراض عصر الصحابة، من طمس السنن وظهور البدع، وفشو الفجور في أقطار الأرض، والله المستعان. وقال الحافظ ابن كثير في تحفة الطالب ص ١٦٦: \"وهذا الحديث لم يروه أحد من أهل الكتب الستة، وهو ضعيف\". ينظر: ميزان الذهبي (١٥١١، ٢٢٩٩)، ولسان الميزان للحافظ ابن حجر ٢/ ٤٨٨، والتلخيص له ٤/ ١٩٠.\n(^١) نُعيم بن حماد بن معاوية بن الحارث الخزاعي، أبو عبد الله المَرْوَزي، الحافظ صاحب التصانيف. عن: أبي حمزة السكري وإبراهيم بن طهمان وابن المبارك وخلق. وعنه: البخاري تعليقًا وابن معين والذهلي وطائفة. وثقه أحمد ويحيى والعجلي، وذكره ابن عدي في الكامل، وذكر له أحاديث منكرة ثم قال: وأرجو أن يكون باقي حديثه مستقيمًا. قال ابن سعد: مات في السجن سنة ثمان وعشرين ومائتين. ينظر: تهذيب الكمال ٣/ ١٤١٩، وتهذيب التهذيب ١٠/ ٤٥٨ (٨٣١)، والكاشف ٣/ ٢٠٧، وخلاصة تهذيب الكمال ٣/ ٩٧، وتاريخ البخاري الكبير ٨/ ١٠٠، والجرح والتعديل ٨/ ٢١٢٥، وضعفاء ابن الجوزي ٣/ ١٦٤ وتاريخ بغداد ١٣/ ٣٠٦، والبداية والنهاية ١٠/ ٣٠٢.\n(^٢) عبد الرحيم بن زيد العَمِّي. عن أبيه. وعنه: مَرْحُوم العَطَّار. قال البخاري: تركوه. ينظر: تاريخ البخاري الكبير ٦/ ١٠٤، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ١٦٠، وتقريب \"التهذيب\" ١/ ٥٠٤ (١١٧٤)، والجرح والتعديل ٥/ ١٦٠٣، وسير الأعلام ٨/ ٣٥١.\n(^٣) زيد بن الحَوَارِيِّ العَمِّي، أبو الحواري البصري، قاضي \"هراة\"؛ روى عن: أنس وابن المسيب. وروى عنه: شعبة والثوري ومسعر ضعفه أبو حاتم والنسائي وابن عدي، وقال أحمد والدارقطني: صالح. ينظر: الجرح والتعديل ٣/ ٢٥٣٥، وتهذيب الكمال ١/ ٤٥٢ وتهذيب \"التهذيب\" ٣/ ٤٠٧، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ٣٥١، والكاشف ١/ ٣٣٨ وتاريخ البخاري الكبير ٣/ ٣٩٢ وتقريب التهذيب ١/ ٢٧٤.","vol":"2","page":199},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأبيه - وفيه نظر عن سعيد بن المُسَيَّب عن عمرو (^١) - وهو منقطع، فإن سعيدًا لم يدرك عَمْرًا أن النَّبِيّ ﷺ قال: \"سَأَلْتُ رَبِّي فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابِي مِنْ بَعْدِي فقال: يا محمد، إِنَّ أَصْحَابَكَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ فِي السَّمَاء بَعْضُهَا أَضْوَأُ مِنْ بَعْضٍ\" (^٢) فَمَنْ أخذ بشيء مما هم عليه على اختلافهم عندي على هذا.\nوروى الدَّارمي (^٣) وابن عَدِيّ (^٤) من رواية حمزة الجريري عن .................\n_________\n(^١) عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعيد بن سَهم بن عَمْرو بن هُصَيْص بن كعب بن لُؤَيّ السهمي، أبو محمد الأمير. له تسعة وثلاثون حديثًا، اتفقا على ثلاثة. وعنه: ابنه عبد الله وقيس بن أبي حازم. أسلم عند النجاشي وقدم مهاجرًا في صفر سنة ثمان، فأمره النَّبِيّ ﷺ على جيش ذات السلاسل. عن طلحة عن النَّبِيّ ﷺ: \"عمرو بن العاص من صالحي قريش\". قال جماعة: مات سنة ثلاث وأربعين، ودفن بالمُقَطَّم وخلف أموالًا جزيلة. ينظر: البدابة والنهاية ٨/ ٢٥، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٢٨٨، والجرح والتعديل ٦/ ٢٤٢، وتجريد أسماء الصحابة ١/ ٤١١، وطبقات ابن سعد ٩/ ١٤٠.\n(^٢) هذا الحديث لم يروه أحد من أهل الكتب الستة، وهو ضعيف، قال يحيى بن معين: عبد الرحيم بن زيد العمي كذاب، وقال مرة: ليس بشيء، وقال البخاري: تركوه. وقال أبو حاتم: ترك حديثه، وقال أبو زرعة: واهي الحديث، وقال أبو داود: ضعيف الحديث، وقال النسائي: متروك، وقال ابن عدي: أحاديثه لا يتابعه الثقات عليها، قلت: وأبوه ضعيف أيضًا ومع هذا كله فهو منقطع؛ لأن سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر شيئًا، وقد روى هذا الحديث من غير طريق، من رواية ابن عمر، وابن عباس، وجابر، ولا يصح شيء منها، وقد يفهم من كتاب عثمان بن سعيد الدارمي في أول كتابه الرد على الجمهية تقويته. ذكره الحافظ ابن حجر في الموافقة بإسناده إلى نعيم بن حماد به وقال: رواه البيهقي من طريق نعيم بن حماد أيضًا، وقال الزركشي في المعتبر: ورواه الدارمي في مسنده وابن عدي في كامله، قال الحافظ في الموافقة: وهو حديث غريب، وقد سئل البزار عن هذا الحديث فقال: لا يصح هذا الكلام عن النَّبِيّ ﷺ.\n(^٣) عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام التميمي الدارمي السمرقندي، أبو محمد من حفاظ الحديث، سمع بالحجاز والشام ومصر والعراق وخراسان من خلق كثير، واستقضى على سمرقند، فقضى قضية واحدة، واستعفى فأعفى، كان عاقلًا فاضلًا مفسرًا فقيهًا أظهر علم الحديث والآثار بـ\"سمرقند\". من تصانيفه: المسند الجامع الصحيح، ويسمى \"سنن الدارمي\"، الثلاثيات. ولد سنة ١٨١ هـ، وتوفي سنة ٢٥٥ هـ. ينظر: تذكرة الحفاظ ٢/ ١٠٥، وتهذيب \"التهذيب\" ٥/ ٢٩٤، والأعلام ٤/ ٩٥.\n(^٤) أبو أحمد عبد الله بن عدي بن محمد بن المبارك، الجرجاني، الحافظ، ويعرف بـ \"ابن القطان\"، أحد =","vol":"2","page":200},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nنافع (^١) عن ابن عمر مرفوعًا: \"أَصحَابِي مِثْلُ النُّجُومِ فَأَيُّهُمْ أَخَذْتُمْ بِقَوْلهِ اهْتَدَيْتُمْ\"، وحمزة ضعيف، وقد أشار الدَّارمي إلى تقوية الحديث.\nووجه معارضته: أنه يقتضي على مَسَاق قولهم: أن يكون قول كل واحد منهم حجة، ولما يقولوا به.\nوكذا حديث: \"خُذُوا شَطْرَ دِينِكُمْ عَنِ الحُمَيْرَاءِ\" (^٢) - يعني: عائشة - يقتضي أن يكون قولها حُجَّة بالطريقة التي ذكروها، ولم يقولوا به، وهذا الحديث لا يُعْرَف.\nوكان شيخنا أبو الحَجَّاج المزّي (^٣) ﵀ يقول: كل حديث فيه لفظ \"الحُمَيْراء\" لا أصل له إِلَّا حديثًا واحدًا في \"النَّسَائي\".\n_________\n= الأئمة الأعلام، طوف البلاد في طلب العلم، وسمع الكبار، له كتاب \"الكامل في ضعفاء الرجال\"، وله كتاب \"الانتصار\" على مختصر المزني، قال الذهبي: وأما في العلل والرجال فحافظ لا يجاري. ولد سنة ٢٧٧، ومات سنة ٣٦٥. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١٤٠، وطبقات السبكي ٢/ ٢٢٣، وتذكرة الحفاظ ٣/ ١٤٠.\n(^١) نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، أبو سهيل المدني، عن ابن عمر وأنس وعنه ابن أخيه مالك بن أنس والزهري. وثقه أبو حاتم وغيره. قال الواقدي: هلك في إمارة أبي العباس. ينظر: تاريخ الإسلام ٥/ ٣٠٧، والثقات ٥/ ٤٧١، وتراجم الأحبار ٤/ ١٣٩، وتاريخ أسماء الثقات (١٤٧٣)، وسير الأعلام ٥/ ٢٨٣، وتهذيب الكمال ٣/ ١٤٠٤، وتهذيب \"التهذيب\" ١٠/ ٤٠٩ (٧٣٧)، وخلاصة تهذيب الكمال ٣/ ٨٩، والكاشف ٣/ ١٩٧.\n(^٢) قال ابن كثير في \"تحفة الطالب\": حديث غريب جدًّا بل هو منكر، سألت عنه شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي فلم يعرفه، وقال: لم أقف له على سند إلى الآن، وقال شيخنا أبو عبد الله الذهبي: هو من الأحاديث الواهية التي لا يعرف لها إسناد. \"الحديث ذكره السخاوي في \"المقاصد الحسنة\" ص (١٩٨) وقال: قال شيخنا - أي ابن حجر -: لا أعرف له إسنادًا، ولا رأيته في شيء من كتب الحديث إلا في النهاية لابن الأثير ذكره في مادة ح م ر ولم يذكر من خرجه، ورأيته أيضًا في كتاب الفردوس لكن بغير لفظه، وذكره من حديث أنس بغير إسناد أيضًا، ولفظه: \"خذوا ثلث دينكم من الحميراء\" وبيض له صاحب مسند الفردوس، فلم يخرج له إسنادًا.\n(^٣) يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف، أبو الحجاج، جمال الدين بن الزكي، أبي محمد القضاعي الكلبي المزي. محدث الديار الشامية في عصره، ولد بظاهر حلب سنة ٦٥٤ هـ، ونشأ بـ\"المزة\" (من ضواحي دمشق)، مهر في اللغة ثم في الحديث ومعرفة رجاله. قال ابن ناصر الدين: قال =","vol":"2","page":201},{"text":"<span data-type='title' id=toc-476>الْكَلَامُ فِي عَدَدِ التَّوَاتُرِ</span>\nمَسْأَلَةٌ:\nلَا يُشْتَرَطُ عَدَدُ التَّوَاتُرِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"لا يشترط [عدد] (^١) التَّواتر عند الأكثر\" (^٢).\nوهو قول كل من استدلّ على حجّية الإجماع بالسمع، دون من استدلّ بالعادة، كإمام الحرمين.\nوأما المصنّف فاختاره هنا مع استدلاله بالعَادَةِ، ثم ادَّعى أنها قاضية بذلك، وإن لم يبلغ المجمعون (^٣) عدد التَّوَاتر كما تقدّم منه على ما فيه.\nوقال هنا: \"لنا دليلٌ (^٤) السَّمع\"، وقد كان يكفيه دليلٌ العادة لو تَّم له.\n_________\n= الحافظ الذهبي: أحفظ من رأيت أربعة: ابن دقيق العيد، والدمياطي، وابن تيمية، والمزي. من تصانيفه: \"تهذيب الكمال في أسماء الرجال\"، و\"تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف\" و\"المنتقى من الأحاديث\". وتوفي بدمشق سنة ٧٤٢ هـ. ينظر: الأعلام ٨/ ٢٣٦، وفهرس الفهارس ١/ ١٠٧، والدرر الكامنة ٤/ ٤٥٧، والنجوم الزاهرة ١٠/ ٧٦، ومفتاح السعادة ٢/ ٢٢٤، ومفتاح الكنوز ١/ ٤١.\n(^١) سقط في ح.\n(^٢) اختار الأكثر أنه لا يشترط في حجية الإجماع بلوغ المجمعين عدد التواتر، وليس المراد بعدد التواتر عددًا معينًا محصورًا، بل المراد عدد لو أخبروا في محسوس وقع العلم الضروري. ينظر: البحر المحيط للزركشي ٤/ ٢٣١، والبرهان لإمام الحرمين ١/ ٥٦٦، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٢/ ١٤، ونهاية السول للإسنوي ٣/ ٥٤، ومنهاج العقول للبدخشي ٢/ ٢٩٦، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ٩٥، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ٩٥، والمنخول للغزالي ٢٣١، والمستصفى له ١/ ١٣٢ وحاشية البناني ٢/ ١١٩، والإبهاج لابن السبكي ٢/ ٢٦٣، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/ ٢٠٦، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ١٤٧، والمعتمد لأبي الحسين ٢/ ٨٦، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ١/ ١٠١، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ٣/ ٣٢، وكشف الأسرار للنسفي ٢/ ٤، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ٣، وشرح المنار لابن ملك ٧٨، وميزان الأصول للسمرقندي ٢/ ٦٢٧، وتقريب الوصول لابن جزي ١١٩، وإرشاد الفحول للشوكاني ٤٦.\n(^٣) في ت، ح: المحققون.\n(^٤) في ت، ح: ويل.","vol":"2","page":202},{"text":"لَنَا: دَلِيلُ السَّمْعِ، فَلَوْ لَمْ يَبْقَ إِلّا وَاحِدٌ، فَقِيلَ: حُجَّةٌ؛ لِمَضْمُونِ السَّمْعِيِّ، وَقِيل: لَا؛ لِمَعْنَى الاِجْتِمَاعِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-478>مَسْأَلَةٌ:\nإِذَا أَفْتَى وَاحِدٌ وَعَرَفُوا بِهِ،</span> وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْمَذَاهِبِ، ...........\n<hr><s0>\n\nوأنا أقول: إنه لا يمنع انتهاض السَّمع إلا على القَطْعِ، وهذه مسألة ظنية فأكتفي فيها بدليل السمع، بخلاف أصل كون الإجماع حُجَّة، ونحن لا نشترط عدد التواتر إلا في انتهاض [كون] (^١) الإجماع قطعيًّا دون انتهاضه ظنيًّا، وهذا كله إذا صدق اتفق أهل العصر.\n\"فلو لم يَبْقَ إلا واحد فقيل: حجة؛ لمضمون\" الدليل \"السَّمعي\"، فإنه دلَّ على أن قول الأمة حُجَّة، والأمة كما تطلق على الجَمَاعَةِ تطلق على الواحد قال - تعالى -: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾.\n\"وقيل: لا\" يكون قوله حُجَّة؛ \"لمعنى الاجتماع\" الذي يقتضيه لفظ الإجماع، فإنه لا بد أن يكون من اثنين فصاعدًا، وصدق الأمة على الواحد مجاز، وإلا يلزم الاشتراك لصدقه بالحقيقة على الجماعة.\nالشرح: \"إذا أفتى واحدٌ\" في المَسَائل التكليفية (^٢)، \"وعرفوا به، ولم ينكره أحد\" بل سكتوا\n_________\n(^١) سقط في ت، ح.\n(^٢) هذه المسألة في أنه إذا ذهب واحد من أهل الحل والعقد إلى حكم في مسألة قبل استقرار المذهب على حكم تلك المسألة بنحو إجماع وغيره، وعرف به أهل عصره، ولم ينكر عليه منكر، فهل يكون إجماعًا أم لا؟ اختلفوا فيه. ولقد أطال الإمام ﵀ النفس في تقرير محل النزاع في هذه المسألة، كما ستراه مبسوطًا من خلال كلامه. ينظر: الشيرازي ٢٠٩ خ، والبحر المحيط للزركشي ٤/ ٥٠٣، والبرهان لإمام الحرمين ١/ ٦٩٧، وسلاسل الذهب للزركشي ٣٦٠، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩، ونهاية السول للإسنوي ٣/ ٢٩٧، ومنهاج العقول للبدخشي ٢/ ٤٢٠، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ١٠٨، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ٦٦، والمنخول للغزالي ٣١٨، والمستصفى له ١/ ١٩١، وحاشية البناني ٢/ ١٨٧، والإبهاج لابن السبكي ٢/ ٣٧٩ والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/ ٢٩٧، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٢٢١، وكشف الأسرار للنسفي ٢/ ١٩٤، وميزان الأصول للسمرقندي ٢/ ٧٣٩، وإرشاد الفحول للشوكاني ٨٤، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٣/ ١٠١.","vol":"2","page":203},{"text":"فإجْمَاعٌ أَوْ حُجَّةٌ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ ﵁ لَيْسَ إِجْمَاعًا وَلَا حُجَّةً، وَعَنْهُ خِلَافُهُ.\n<hr><s0>\n\nعنه سكوتًا مجردًا غير مستصحب فعلًا ولا أمارة رضى ولا سخط، ومضى قدر مهلة النظر عادة في تلك الحادثة، ولم يتكرر ذلك مع طول الزَّمان، وكان ذلك القول واقعًا في محل الاجتهاد \"قبل استقرار المَذَاهب فإجماع\" قطعي، \"أو حُجَّة\" ظنية، فيحتج به على التقديرين.\nونحن مترددون في أيِّهما أرجح، وفي تسميته إجماعًا على القول بأنه حُجَّة ظنّية لا إجماع قطعي خلاف لفظي - حكاه الأستاذ أبو إسْحَاق والبندنيجي -، ذهب الصَّيرفّي إلى أنه لا يسمى، وخصَّ اسم الإجماع بما كان قطعيًّا، وخالفه غيره.\n\"وعن الشَّافعي ﵁ ليس إجماعًا ولا حُجَّة\"، وهو رأي القاضي، \"وعنه خلافه\" وهو [أنه] (^١) إجماع، وسنتكلّم على ذلك إن شاء الله تعالى.\n\"وقال الجُبَّائيُّ: إجماع بشرط انقراض العَصْر\" - وهو رأي البندنيجي من أصحابنا - وقال \"ابن أبي هريرة\": يكون إجماعًا \"إن كان فُتْيا (^٢) لا\" [إن كان \"حكمًا\".\nوعبارة الإمام الرازيِّ في الحكاية عنه: لا] (^٣) إن كان من حَاكِمٍ.\nوالفرقُ بين العبارتين واضحٌ؛ إذ لا يلزم من صُدوره عن الحاكم أن يكون قاله على وجه [الحكم] (^٤)، فقد يفتي الحاكم في بعض الأحايين.\nوقال أبو إسْحَاق المَرْوَزِي: عكسه.\nوقيل: إن وقع في شيء يفوت استدراكه من إراقة دم، أو استباحة فَرْجٍ، كان إجماعًا، وإلَّا فلا.\nوقيل: إن كان في عصر الصَّحابة كان إجماعًا، وإلا فلا.\nوقيل: يكون إجماعًا إن كان السَّاكتون أقل.\nوهنا أمور مهمة لا يليق إهمالها وإن كنا بذكرها نخرج عن أسلوب الاختصار، فإن مسألة الإجماع السُّكوتي من قواعد الأمهات، وإلى الشَّافعية مرجعها، وقد ذكرنا فيها في \"التعليقة\" أوراقًا تعسر على أبناء الزَّمان، فليقع تلخيصها هنا:\nالأول في سؤالين يوردان:\n_________\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) في أ، ح: فينا.\n(^٣) سقط في ت.\n(^٤) سقط في ت.","vol":"2","page":204},{"text":"وَقَالَ الجُبَّائِيُّ: إِجْمَاعٌ بِشَرْطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ.\n<hr><s0>\n\nأحدهما: إن جعلكم الحجة في مُقَابلة الإجماع يقتضي أنها قسيمة (^١) له، وألَّا يكون ذلك [ترديدًا بين الشيء ونفسه، وإذا كان كذلك] (^٢) فما هي؟.\nلا يقال: هي قول بعض سكت عنه البَاقون، وسكوتهم دليلٌ رضاهم إلا أن نسبة ارضا إليهم يستدعي قولهم، ولم يحصل تحقُّقه، بل ظنّه، وظننا أن حكم الله ما قاله القائل؛ لأنا نقول: إذا حصل ظَنّ أنهم قالوا: فقد حصل ظن أنهم أجمعوا، ورجع الحال إلى أنكم قابلتم الإجماعَ بالإجماع.\nوثانيهما: أن الأكثرين من الأصوليين نقلوا أن الشَّافعي يقول: إن السكوتي ليس بإجماع.\nوذكر القاضي: أن ذلك آخر أقواله، وإمام الحَرَمَيْنِ: أنه ظاهر مذهبه، وزاد الإمام والآمدي فقالا (^٣): إنَّ الشافعي يقول: ليس بإجماع ولا حُجَّة أيضًا.\nوحكى المصنّف ذلك، وزاد أن عنه خلافه، وخلافه محتمل لأن يكون حُجَّة، وليس بإجماع، ولم أجد ذلك محكيًّا عن الشَّافعي، ولعله مراد المصنف.\nإذا عرَفت هذا فقد قال الرَّافعي في الشرح المشهور عند الأصحاب: إن الإجماع السّكوتي حجة، وهل هو إجماع؟ فيه وجهان.\nوقال الشَّيخ أبو إسحاق في \"اللَّمع\": إنه إجماع على المذهب (^٤).\nفقول الرَّافعي: إنه حجة، وهل هو إجماع؟ يقتضي أن الحُجَّةَ قسيمة للإجماع، وهو صنيع ابن الحاجب، وإياه أراد الرَّافعي قطعًا، وإلا فلو أراد بكونه حجة أنه إجماع لما صح دعواه اشتهار كونه حجَّة، والتردد على وجهين في كونه إجماعًا، ولمعارضه (^٥) نقل إمام الحرمين ظاهر مذهب الشافعي أن ليس بإجماع.\nونقل القاضي وغيره، وقول الشيخ أبي إسحاق: إنه إجماع على المذهب فيعارض نقل إمام الحَرَمَيْنِ عن ظاهر المذهب.\nوالجواب: أنَّا جعلنا الحُجَّة في مُقَابلة الإجماع، وهي قسيمة كما ذكرتم، ومرادنا بالإجماع\n_________\n(^١) في أ، ت، ح: قسمة.\n(^٢) سقط في ت.\n(^٣) في ت، ح: نقلًا.\n(^٤) ينظر: التبصرة (٣٩١).\n(^٥) في أ، ب، ت، ح: ولعارضه.","vol":"2","page":205},{"text":"ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنْ كَانَ فُتْيَا لَا حُكْمًا.\n<hr><s0>\n\nالمنفي: الإجماع القطعي، وبالحجة المُثْبتة: الإجماع الظني، وهما قسمان داخلان تحت مطلق الإجماع، كالرجل والمرأة داخلان تحت مطلق الإنسان.\nوصاحب الكتاب مترددٌ بين كونه إجماعًا قطعيًا، وإليه أشار بقوله: إجماعًا أو ظنيًّا وإليه أشار بقوله: حجة، وعليه دلَّ قول \"المختصر الكبير\": هو حُجَّة، وليس بإجماع قطعي، ونحوه قول الآمدي في آخر المسألة؛ الإجماع السُّكوتي ظنِّيٌّ، والاحتجاج به ظاهر لا قطعي.\nوبهذا يظهر لك أن الإجماع المنفي في كلام القاضي وإمام الحرمين: هو القطعي وهما لا يتكلّمان في غيره.\nفمذهبُ الشَّافعيِّ: أنه ليس بإجماع قطعي، والمثبت في كلام الرافعي هو الظَّني الذي عبر عنه بقوله: حُجَّة، وهو الذي عبر عنه الشيخ أبو إسحاق بأنه: إجماع على المذهب (^١).\nوأما متقدمو الأصوليين فلا يطلقون لفظ الإجماع إِلَّا على القطعي.\nفإن قلتَ: كما تقول: بأن السُّكوتي إجماع هل تقول بأنه قطعي مع وقوع هذا الاختلاف المتجاذب الأطراف؟\nقلتُ: هذا مكانُ التَّحْقيق فنقول: هل السُّكوت غير دالّ على الموافقة أو دالّ؟ وإذا كان دليلًا فهل هو قطعي أو ظني؟ وإذا لم يكن قطعيًّا، وكان ظنيًّا فهل هو حجة؟ وإذا كان حجة، فهل هي قطعية أو ظنية، فهذه احتمالات ذهب إلى كل منها ذاهبٌ.\nوالقاضي أبو بكر وغيره ممن لا يكتفي بالظّنون في مسائل أصول الفقه لا يمنع إثارته الظن، ولكن يقول: الظَّن لا تقوم به الحُجَّة؛ فلذلك ينفي (^٢) عنه لفظ الإجماع.\nوالمشهور عند أصحابنا - كما ذكر الرَّافعيُّ - أنه حُجَّة.\nفإن قلت: فلم لا يصرح بتسميته إجماعًا؟\nقلت: قد سماه أبو إسحاق الشِّيرازي إجماعًا، وعُذْرُ من لم يسمه (^٣) قائمٌ من أوجه:\nأحدها: أنه لا غرض في هذه التَّسمية، إنما الغرض قيام الاحتجاج به.\n_________\n(^١) في ح: المذاهب.\n(^٢) في ح: ينبغي.\n(^٣) في ت: يسمعه.","vol":"2","page":206},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالثَّاني: أن المتقدمين لا يطلقون لفظ الإجماع إلا على القَطْعِيّ، وهو اصطلاح لهم مجرد ناشئ عن عدم اكتفائهم في مَسَائل الأصول بالظنون.\nوالثالث: سِرّ دقيق، وهو المعتمد وهو أن لنا خلافًا لفظيًّا في تسميته بالإجماع، وصرَّح بحكايته الأستاذ أبو إسحاق في \"تعليقته\" والبندنيجيُّ في \"الذخيرة\" - كما قدمناه - وصرَّحا بأنه: خلاف في العبارة فقط.\nوالقائلون بانتهاضه حُجَّة مع كونه مثيرًا للظّن فقط، لهم خلاف في أنه قطعي أو ظني، فقال الأستاذ أبو إسحاق والبندنيجي: إنه مقطوع به.\nوليس مرادهم بكونه مقطوعًا به القطع بأن الإجماع حاصل، إذ لا سبيل إلى ذلك مع أن الشُكوت يحتمل أوجهًا سوى الرضا، بل إن حكم الله قطعًا ما ظنناه، وقد أشار إلى هذا البندنيجي.\nوقال آخرون: بل ظني - واختاره ابنُ السَّمْعَاني في أثناء المسألة -.\nالأمر الثَّاني: في اختيار المصنّف.\nقد قلنا: إنه متردّد بين كونه قطعيًّا، فهو (^١) المراد بقوله: إجماع، أو ظنيًّا، وهو المُرَاد بقوله: حُجَّة، ولم يطلق على الحجة لفظ الإجماع؛ للأعذار التي قَدَّمنا، فكلٌّ من القَطْعي والظَّنِّي يحتج به، وليس المراد من كونه قطعيًّا أنا نقطع بأن الأمة أجمعت (^٢) فإن ذلك لا سبيل إليه مع قيام الاحتمال، بل إنا نقطع بأن حكم الله ما ظنناه، وعليه دَلَّ كلامه في \"المختصر الكبير\" و\"الإحكام\" كما عرفت.\nوقال بعضُ الشَّارحين: إجماع قطعي إن علم أن سكوتهم عن رضا، وإلا فحجَّة، وهو فاسد من وجهين:\nأحدهما: أنه إذا علم أن سكوتهم عق رضا لم يكن من صور الإجماع السكوتي - كما قدمنا -، وبه صرَّح من سيذكر اسمه عند الكلام على هذا القيد إن شاء الله تعالى.\nوالثاني: أن سكوتهم إذا لم يعلم أنه عن رضا فوراءه حالتان:\nإحداهما: أنه يعلم أنه عن سخط، وليس بحُجَّة بلا نظر، وكذا إذا ظَنّ.\n_________\n(^١) في ب: وهو.\n(^٢) في ح: اجتمعت.","vol":"2","page":207},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالثانية: أن يجهل الحال، فيكون حُجَّة بمعنى أنه إجماع، ولا يلزم من كونه - حجة، وأنه إجماع ألَّا يكون قطعيًّا حتَّى يجعل قسمًا مقابلًا للقطعي، بل جاز كونه مظنونًا، ونقطعُ مع ذلك بكونه حجَّة كما سلف.\nالأمر الثَّالث: في القُيُودِ.\nأولها: كونه في مسائل التَّكليف ولا بُدَّ منه، ولا يغني عنه لفظ الفُتْيَا، فإن مثل قول القائل: عَمَّار أفضل من حُذَيفةَ، وبالعكس لا يدلّ السكوتُ فيه على شيء، إذ لا تكليف على الناس فيه.\nوثانيها: أن يعلم أنه بلَغ جميع أهل العصر ولم ينكروا؛ وإلا فلا يكون الإجماعَ السكوتي ووراءه حالتان:\nإحداهما: أن يغلب على الظَّن أنه بلغهم؛ لانتشاره، وشهرته، فهل يكون إجماعًا أيضًا؟\nلم أرَ أحدًا صرَّح بذكر هذا غير الأستاذ أبي إسحاق فذكر: أنه إجماع على مذهب الشافعي، واختاره أيضًا وجعله درجة دون الأول.\nوالثانية: ألَّا يغلب على إلظن، بل يكون في مجاري الاحتمال، وسيذكرها المصنف في دلائل المسألة.\nوثالثها: كون السكوت مجردًا. أما إذا كان معه أمارة رضا فقال الرّوياني من أصحابنا: يكون إجماعًا بلا خلاف.\nوكذا قال القاضي عبد الوَهَّاب المالكي فيما نقله بعضهم: وقضية ذلك أنه إن ظهرت أمارات السّخط، وأما إذا استصحب فعلًا يوافق الفُتْيَا، فالأمة حينئذ منقسمة إلى قائل به وعامل وذلك إجماع بلا نزاع، نصّ عليه القاضي عبد الوَهَّاب في \"الملخص\".\nورابعها: مضى زمان يسع قدر مُهْلة النظر عادة في تلك المسألة، ولا بد منه ليندفع احتمال أن السَّاكتين كانوا في مُهْلَةِ النظر.\nوخامسها: ألَّا يتكرر ذلك مع طول الزمان.\nوأنا أقول: لا بد منه، وذلك أنه إذا تكررت الفُتْيا، وطالت المدة مع عدم المخالفة، فإن ظن مخالفتهم يترجح.","vol":"2","page":208},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nبل أقول: إنه يفضي (^١) إلى القطع، ويختلف ذلك باختلاف طول الزمان وقصره، وقد صرَّح ابنُ التِّلْمَساني في \"شرح المعالم\" بذلك، وأنه ليس من محل الخلاف، وذلك هو مقتضى كلام إمام الحرمين، فإنه جعل صورة المسألة ما لم يطل الزمان مع تكرار الواقعة.\nوأما إذا تكرر مع طول الزمان فلا أنكر جريان خلاف، وقد اقتضاه كلام القاضي أبي بكر، ولكنه ليس الخلاف في السُّكُوتي، بل أضعف منه.\nوسادسها: أن يكون في محلّ الاجتهاد، فلو أفتى واحد بخلاف الثَّابت قطعًا فليس سكوتهم دليلًا على شيء؛ ولعلَّهم إنما سَكَتُوا للعلم بأنه على منكر، وأن الإنكار لا يفيد.\nفإن قلت: إنكار المنكر واجب، وإن علِم المنكر أنه لا يفيد.\nقلت: ليس بواجب على الكُلّ، بل هو فرض كِفَايَةٍ، ثم في غير الشَّافعية من لا يوجبه والحالة هذه.\nوسابعها: أن يكون قبل اسْتِقْرَارِ المذاهب، ليخرج إفتاء مقلّد سكت عنه المخالفون؛ للعلم بمذهبهم ومَذْهبه، كشافعي يُفْتِي بنقض الوضوء بِمَسِّ الذَّكَرِ، فلا يدلّ سكوت الحنفي عنه على موافقته؛ للعلم باستقرار المَذَاهب والخلاف.\nوقد أهمل المصنّف بعض هذه القيود كما رأيت.\nالأمر الرابع: سبب ما وقع من الاضطراب في النَّقْل عن الشافعي ﵁ في هذه المسألة - أن بعضهم رأى منقولًا عنه أنه ليس بإجماع، وفي ذهنه أن الإجماع أعم من القطعي والظني، والنكرة في سياق النَّفي تعمّ، وإذا انتفى الأمران فإذا يكون حجة؟ فنسب إليه أنه نيس بإجماع ولا حُجَّة، وبعضهم رأى منقولًا عنه: أنه حجة في ذكره - أنه إذا كان حُجَّة لزم أن يكون إجماعًا - وأن كل إجماع فهو قطعي؛ فاضطربت النُّقول.\nوالصَّوابُ في النقل ما حررناه، وحاصله: أن أحدًا من أصحابنا لم يقل بأنا نقطع بأنه إجماع قطعي، ولا يتَّجه القول بذلك من ذي لُبّ، وإنما يفهم اختلاف في أنّ ظن الإجماع هل حصل؟ والأصح عندهم؛ حصوله، خلافًا للإمام الرَّازي وأتباعه، ثم بعد حصوله هل ينتهض حجة؟ الأصحُّ: انتهاضه خلافًا لإمام الحرمين، وكلامه محتمل؛ لمنع انْتِهَاضِ الظّن أيضًا.\n_________\n(^١) في أ، ت: يقضي.","vol":"2","page":209},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nلكن الأظهر أنه لا يمتنع ذلك، وقد قال في أثناء المسألة: لا قطعَ مع الاحتمال، وذلك [لو صح] (^١) أنه يتطلب القطع في المسألة، والإجماع الذي نفاه، وعزى نفيه إلى ظاهر مذهب الشَّافعي هو القَطْعي دون الظَّني، وذلك ظاهر من كلامه، وكلام القاضي قبله والغَزَالي بعده، ويخطر لي أن للشافعية أوجهًا:\nأحدها: أنا لا نظن بالسُّكوت انتهاض الإجماع؛ لأن له مَحَامِلَ كثيرةً.\nوالثاني: أنا نظنّه، ونقطع إذ ذاك بكونه حُجَّة، وهو رأي الأستاذ.\nوالثالث: هذا، ولكن بشرط انقراض العَصْرِ، وهو رأي البَنْدَنِيجي.\nوالرَّابع: أنا نظنّه، ونظن أنه حُجَّة من غير قاطع، وهو اختيار الآمدي.\nوإذا ضممنا هذه الأوجه إلى الوجهين في تَسْميته بالإجماع صارت الوجوه خمسة، والحنفية مصرحون: بأن الإجماع السُّكوتي قاطع، فإذا أرادوا أنا نقطع أن الأمة أجمعت (^٢)، فهم مُكَابرون، كيف ولا قَطْعَ مع الاحتمال، وإن كان مرجوحًا إلى غاية - وما أظنهم يقولون هذا - وإن أرادوا حصول ظَنّ غالب مستلزم القَطْع بأنه حُجَّة، فذلك هو أحد آرائنا، وهو أظهرها عندنا.\nالأمر الخامس: في العبارة المَشْهورة عن الشَّافعي، وهي قوله: لا ينسب إلى ساكت قول (^٣).\nقال إمام الحرمين: إنها من عبارات الشَّافعي الشريفة.\nقلت: وقد فهم الحُذَّاق منها أن السُّكوتي ليس بإجماع، منهم القاضي، وإمام الحرمين، وغيرهما.\nوأنا أقول: إنها لا تقتضي ذلك، فإنها لم تفصح إلا بأن السَّاكت لا ينسب إليه قول ولا يلزم من أنا لا ننسب إليه قولًا، أنا لا ننسب إليه موافقة، فالمُوَافقة أمر باطن والقول ظاهر، والفرض أنه ساكت، فلو نسبنا القول إليه لكنا كاذبين؛ إذ لا دليلٌ عليه بخلاف المُوَافقة، فإن السكوت دليلها، ألا ترى أن إذن البِكْرِ صمَاتُها فنقول: إذنها صماتُهَا كما قال المُصْطفى ﷺ تسليمًا.\nولا نقول: قالت البكر: أذِنْتُ؛ لأنها لم تقل ذلك، فلذلك (^٤) قال أصحابنا: لو سكت الوَلِيّ وقد طلب منه التزويج بين يدي الحاكم كان عَضْلًا، ولم يقولوا: كان لافظًا بالامتناع.\n_________\n(^١) في ب: يوضح.\n(^٢) في ح: اتجمعت.\n(^٣) ينظر المنخول ص ٣١٨\n(^٤) في أ، ت: وكذلك، وفي ب، ولذلك.","vol":"2","page":210},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوإذا شرطنا رضا المَضْمون له، فلا نشترط نُطْقَهُ على خلاف فيه.\nومسائل الاعتبار بالسُّكوت كثيرة، وفيها من الأصول مسألة التقرير، ومسألة إخبار (^١) واحد بِحَضْرَةِ جمعٍ لم يكذبوه.\nسلّمنا أن مراده بالقول: الفُتْيَا، واعتقاد ما قاله الناطق، إلا أن نهاية ما ذكره أنه لا ينسب إليه قول بخصوصه، وهو كذلك؛ لأنا لا نقول: قال الساكتون، وإنَّما نقول (^٢): قالت الأمَّة، فلم قلتم: إن الشافعي يمنعه؟\nسلمنا أن مراده: أن الساكت لا ينسب إليه قول أصلًا، لا بمفرده ولا مع انضمامه إلى غيره، ولكن لِمَ قلتم: إن الإجماع لا ينتهض وإن لم نُسَمّ ذلك إجماعًا؛ فالنطق بالشيء غيره، فقد يكون الإجماع (^٣) موجودًا، ولكنا لا نطلق القول بأن الأمة أجمعت.\nوسر ذلك أن الأصل امتناع نِسْبَةِ قولٍ إلى مَنْ لا يتحقق أنه قال: ولكنا خالفناه في السَّاكتين وظننا (^٤) موافقتهم، وعملنا (^٥) بِمُقْتَضَاها؛ للاحتياج إلى ذلك في المسائل التكليفية فأيُّ حاجة بنا إلى تسميته بالإجماع؟\nوهذا هو أحد الوجهين السَّابقين عن حكاية الأستاذ والبَنْدَنِيجي، وهو ظاهر نقل الشَّيخ أبي إسحاق عن أبي بَكْرٍ الصَّيرفي الذي كان يقال: إنه أعلم الناس بالأصول [بعد الشَّافعي، وكان أيضًا أكثر الشَّافعية إلمامًا بكلام الشَّافعي في الأصول] (^٦).\nالأمر السَّادس: إذا تقرر أن السُّكوتي حُجَّةٌ، فلا يخفى عليك إذا تأملت ما سطّرناه أنه مراتب:\nأحدها: أن يعلم أنه بلغ الجميع، وافترقوا ما بين مُفْتٍ وعامل، وهو كالقولي فيما نقله القاضي عبد الوَهَّاب.\n_________\n(^١) في ب: إخطار.\n(^٢) في أ: يقول.\n(^٣) في حاشية ج: قوله: \"فقد يكون الإجماع موجودًا .. إلخ\" الظاهر أنه مراد الشافعي ﵀ في مثل ما نحن فيه أنه لا ينسب إليه قول على التحقيق حتَّى يكون إجماعًا قطعيًا، وهو لا ينافي أنه ينسب إليه ظنًا، فيكون إجماعًا ظنيًا، تأمل.\n(^٤) في أ، ت، ح: قطننا.\n(^٥) في أ، ح: علمنا.\n(^٦) سقط في ب.","vol":"2","page":211},{"text":"لَنَا: سُكُوتُهُمْ ظَاهِرٌ فِي مُوَافَقَتِهِمْ فَكَانَ كَقَوْلهِمْ: \"الظَّاهِرُ مُنْتَهِضٌ\"؛ فَيَنْتَهِضُ دَلِيلُ السَّمْع.\nالْمُخَالِفُ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَجْتَهِدْ، أَوْ وَقَفَ، أَوْ خَالَفَ فتَرَوَّى، أَوْ وَقَّرَ، أَوْ هَابَ؛ فَلَا إِجْمَاعَ وَلَا حُجَّة.\n<hr><s0>\n\nوثانيها: أن يعلم الجميع، ويكون سكوتهم مع طول الزمان، وتذكّر الواقعة.\nوثالثها: أن يبلغ الجميع وتظهر أمارات الرِّضا.\nورابعها: أن ينقرض العَصْر.\nوخامسها: ألَّا ينقرض العَصْر.\nوسادسها: الَّا يعلم أنه بلغ الكُلّ ولكن يظن.\nوسابعها: ألَّا يظن، ولكن يكون محتملًا.\nوثامنها: الأقوال المفرقة بين الصَّحَابة وغيرهم، وبين ما يمكن، استدراكه، وما لا يمكن وبين مما إذا كان القائلون أكثر من السَّاكتين، وبالعكس.\nوتزايدت المراتب، ولا يخفى مواضعها، ولنعَدُ إلى الحل.\nالشرح: \"لنا: سكوتهم (^١) ظاهر في موافقتهم\"؛ إذ يبعد عادة سكوت الكُلّ مع المخالفة \"فكان كقولهم الظَّاهر، منتهضٌ؛ فينتهض (^٢) دليلٌ السَّمع\" الدَّال على حجية الإجماع.\nالشرح: \"المخالف يحتمل أنه لم يجتهد\"، \"أو \"اجتهد و\"وقف\"؛ لأنَّهُ لم يظهر له شيء، \"أو خالف فتروَّى\" عند سماع الخلاف ليكون على بَصِيرَةٍ، \"أو وقَّر\" المُفْتي (^٣) فلم يصرح بمخالفته تعظيمًا، \"أو هاب\"، وقد قال ابن عبَّاس في حَقّ عمر ﵁ في مسألة العَوْلِ: كان مهيبًا فهبته.\n\"قلنا\": قولكم: لم يجتهد، أو اجتهد ووقف، أجاب البندنيجي عنه فقال: من سكت؛ للارتياب لم يَتَعَلَّق به حكم؛ لأن من لا يَعْرف الحكم في تلك الحادثة لا يلتفت إليه، ومتى كان مخالفًا، فسكوته \"خلاف الظَّاهر؛ لأن عادتهم ترك السُّكوت (^٤) \"، ولو كانوا (^٥) كذلك لكانوا\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله: \"سكوتهم ظاهر … إلخ\" الظهور لا يكفي في كونه إجماعًا قطعيًا، بل في كونه حجة ونقول به. عضد.\n(^٢) في أ، ح: فنهض.\n(^٣) في أ: المعنى، وهو تحريف.\n(^٤) في أ: المسكوت.\n(^٥) الظاهر أن هذا من باب الإنكار ينظر فيه لعقيدة القائل.","vol":"2","page":212},{"text":"قُلْنَا: خِلَافُ الظَّاهِرِ، لِأَنَّ عَادَتَهُمْ تَرْكُ السُّكُوتِ.\nالْآخَرُ إِلَّا عَنْ دَلِيلٍ ظَاهِرٍ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.\nالجُبَّائِيُّ: انْقِرَاضُ الْعَصْرِ يُضْعِفُ الاِحْتِمَالَ.\nابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: الْعَادَةُ فِي الْفُتْيَا لَا فِي الْحُكْمِ.\n<hr><s0>\n\nكاتمين لما يعتقدونه حَقًّا مع ظهور ما هو بَاطِلٌ عندهم، والتَّعْليق بالهَيْبَةِ [والتَّقية] (^١) باطل، فقد كانوا يظهرون الحَقّ، ولا يخافون أحدًا، ولهذا ردت امرأة على عمر ﵁ في المقالات في الصَّداق حتَّى قال عمر: امرأة خاصمت رجلًا فخصمته (^٢)، وقال عَبِيدَةُ السّلْمَاني (^٣) لعليّ ﵁: رأيك في الجَمَاعة أحب إلينا من رأيك وَحْدَكَ.\nوأما ما يروى من قصّة ابن عباس في العَوْلِ فكان صغيرًا في زمن عمر، وعلى أنه قد أظهر خلافه من بعد، وكلامنا فيمن سكت ولم يظهر.\nالشرح: واحتج \"الآخر\" القائل بكونه حجَّة لا إجماعيًا، بأن السُّكوت \"دليل ظاهر، لما ذكرناه\" من كونه حُجَّة، ولكن لا يسمى إجماعًا للاحتمالات، وهذا هو القول الأظهر عندنا.\nالشرح: واحتج \"الجُبَّائِيّ\": بأن \"انقراض العصر يضعف الاحتمالَ\" (^٤).\nالشرح: \"وابن أبي هريرة\": بأن \"العَادَةَ\" ترك السُّكوت \"في الفُتْيَا، لا في الحكم\"؛ لأن\n_________\n(^١) في ت، ح: البقية.\n(^٢) أخرجه البيهقي (٧/ ٢٣٣) وأبو يعلى كما في \"مجمع الزوائد\" (٤/ ٢٨٤) وسعيد بن منصور (٥٩٨) من طريق مجالد عن الشعبي قال: خطب عمر بن الخطاب … فذكره. قال الهيثمي: فيه مجالد بن سعيد، وفيه ضعف، وقد وثق. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٣٧) وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر عن أبي عبد الرحمن السلمي. وعزاه أيضًا الزبير بن بكار في \"الموفقيات\" عن عبد الله بن مصعب.\n(^٣) عبيدة السلماني بن عمرو، وقيل: عبيدة بن قيس الكوفي، أحد الأئمة أسلم في حياة النَّبِيّ ﷺ، روى عن علي، وابن مسعود، وعنه إبراهيم وابن سيرين وأبو إسحاق. قال ابن عيينة: كان يوازي شريحًا في العلم والقضاء، مات سنة ٧٢ هـ، وقيل: سنة ٧٣ هـ. ينظر: الكاشف ٢/ ٢٤٢.\n(^٤) قال الجبائي: هذه الاحتمالات التي ذكرها القائلون بكونه ليس إجماعًا ولا حجة، فين كانت قوية لكن شرط انقراض عصر المجتهدين يضعفها، فيكون عند انقراض العصر احتمال الموافقة راجحًا فيتحقق الإجماع، وفيه نظر؛ فإنه يجوز أن يبقى بعض الاحتمالات إلى انقراض العصر.","vol":"2","page":213},{"text":"وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْفَرْضَ قَبْلَ اسْتِقرَارِ الْمَذَاهِبِ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَنْتَشِرْ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِ.\n<hr><s0>\n\nحكم الحاكم يُسقط الاعْتِرَاضَ ورفع الخلاف، بخلاف قول المفتي.\nوهذا منه يقتضي أنه إنما يقول: لا يكون حجة إذا كان الصَّادر من الحاكم حكمًا كما نقل المصنّف.\nوأما إذا صدرت منه فُتْيا، فهو كبقية المجتهدين.\nقال: ولأن؛ في الإنكار على القاضي افْتِيَاتًا.\nقال: ونحن نحضر مجالس [الحاكم] ونراهم (^١) يفتون بخلاف مذهبنا، ولا ننكر.\nوهذا الوجه يقتضي أنه لا يكون حُجَّة، وإن كان الصَّادر من القاضي فُتْيا لا قضاء كما نقله الإمام الرازي.\nالشرح: \"وأجيب بأن الفرض\" أنَّ ترك الإنكار إنما هو \"قبل استقرار المَذَاهب\"، وهناك (^٢) يجب إنكار الحكم كما يجب إنكار الفُتْيَا، وما ذكرت من الافْتيَاتِ وأن الحاكم يهاب، فجوابه: أن من ترك الإنكار مُرَاعاة وتقية (^٣) لا عِبْرَةَ [به] (^٤)؛ لأن من تسامح في الدِّين ولو بمسألة واحدة يخرج عن الأهلية.\nوإن فُرض أن القاضي ظالم يتعيَّن على من أنكر عليه في مسائل الاجتهاد ومواضع الإنكار، فهو غير أهلي فلا يعتبر قوله فضلًا عن أن يَصِيرَ إجماعًا، ولا وجه حينئذٍ لتفصيل ابن أبي هريرة إلا إذا كان فيما أتى به الحاكم حكمًا، كما هو ظاهر نقل المصنف، وكذا ذكره ابن السَّمْعَاني وغيره - وجوابه ما ذكر المصنّف - وقد عكسه أبو إسحاق المَرْوَزِيّ كما عرفت معللًا (^٥) بأن الأغلب بأن الصادر من الحاكم يكون عن تشاور.\nفإن قلت: حكاية هذين المَذْهَبَينِ ترديد في الواقع؛ لأنكم صدَّرتم المسألة بقولكم: إذا أفتى واحدٌ، فالترديدُ يعد في الفُتْيَا والحكم ترديد في الوَاقِعِ.\n_________\n(^١) في ح: ولا نراهم.\n(^٢) في حاشية ج: قوله: \"وهناك يجب … إلخ\" يقيد بهذا قولهم: إنما ينكر المنكر ما خالف عقيدة المنكر عليه.\n(^٣) في أ، ح: وبغية.\n(^٤) سقط في ح.\n(^٥) في ت، ح: معتلًا.","vol":"2","page":214},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقلت: الفُتْيَا أعمُّ من الحكم؛ لأن الحاكم في أمرٍ فَشَا مفتٍ بما حكم به، فالتفصيلُ في الحقيقة واقعٌ بين الفُتْيَا على وجه الحكم والفُتيَا لا على وجُهه.\nوقد انتهت مسألة الإجماع السّكوتي المشروط فيها الانتشار بحيث يبلغ الكلّ.\n\"وأما إذا انتشر\"، ولكن كان بلوغه لأهل العَصْرِ أمرًا محتملًا (^١) \"فليس بحُجَّةٍ عند الأكثر\" وقيل: حجَّة.\nوقال الإمام الرَّازي وأتباعه: إن القول إن كان فيما تَعمّ (^٢) به البَلْوَى كنقض الوضوء بمَسِّ الذَّكَرِ كان كالسُّكوتي، وإلا لم يكن حُجَّة، وهنا كلامان:\nأحدهما: قد يقول القائل: إذا لم يعرف أنه بلغ الجميع فما تَمّ غير قول بعض الأمة فكيف يكون حجة؟\nوجوابه بعد تقديم مقدمة فأقول: إن المتكلمين لمَّا تكلّموا في الإجماع السكوتي صوروا المسألة بعصر الصَّحابة منهم القاضي، وأبو إسحاق الشِّيرَازي، والغزالي والقاضي عبد الوَهَّاب.\nوأما ابن السَّمعاني، فصدّرها بعصر الصحابة، ثم حكى في أثنائها أن بعض أصحابنا خصَّصها بعصر الصَّحابة.\nوأما التابعون ومن بعدهم فلا. قال: ولا يعرف فرق بين الموضعين، والأولى التسوية بين الجَمِيعِ.\nوأما إمامُ الحَرَمَيْنِ، فأطلق الكلام إطلاقًا من غير تخصيص، وتبعه الآمدي والمتأخرون لكن إمام الحَرَمَيْنِ لم يذكر هذا الفَرْع - أعني: إذا لم يعرف أنه بلغ الجميع -.\nوأما الإمام الرَّازي، فأطلق صدر مسألة السّكوتي، ثم لمَّا اتتهى إلى هذا الفرع خصَّهُ بالصَّحابة، وتوهّم بعض أصحابه أن هذا التقييد لا حاجة به إليه، وأن الفرع لا يختص بالصَّحابة كالأصل، وعلى هذا جرى البَيْضَاويُّ في \"منهاجه\".\nوأنا أقول: الصَّوابُ صنيع الإمام، وأن الصُّورة الأولى - وهي ما إذا بلغ الجميع [لا\n_________\n(^١) في ب: مجملًا.\n(^٢) في ت، ح: يعم.","vol":"2","page":215},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nيختص] (^١) ببعض الصَّحابة - ويدلّ عليه نقل ابن السَّمْعَاني صريحًا، والمعنى وهو أن السُّكوتي دليلٌ الرِّضا فانتهض الإجماع.\nوالثانية: وهي هذا الفرع مختصَّة، ويدلّ عليه أيضًا النقل والحجاج، وذلك أن قول البعض ليس حُجَّة علي البعض، فلا وجه لهذا القول إلا إن كان القائل صحابيًّا، فيقع الخلاف ناشئًا عن أن أقوالَ الصَّحابة هل هي حجة؟\nولذلك أن الجماهير منهم القاضي أبو بكر، والشيخ أبو إسحاق، وغيرهما أشاروا إلى أن هذا الفرع هو نفس الكلام في أن قول الصحابي هل هو حجة؟ وأخَّروا الكلام فيه إلى موضعه.\nوقد وضح لك بهذا أنه إن (^٢) عرف بُلُوغه الجَمِيع؛ فمسألة السُّكوتي، وإن ظُنّ فيها خلاف مفرع على مسألة السُّكوتي، كما قدمناه عن الأستاذ.\nوإن كان محتملًا (^٣) وهي هذه المسألة ولا وجه للقول فيها بالحُجّية إلا أن يكون من صَحَابي بِناء على أن قوله حجّة.\nومن عمم القول فيها (^٤)، [لم يصب، وإن لم يكن محتملًا أصلًا، فلا حجة فيه أيضًا] (^٥).\nوقد قدمنا هذا إلا أن يكون صحابيًّا عند من يحتج بقوله.\nوقد توهّم بعض الشَّارحين أن هذه الحالة هي مقصود المصنّف، وليس بجيد.\nالثاني: أن المصنّف يفسّر الانتشار بما إذا بلغ الجميع، وذلك مفهوم من قوله هنا: أما إذا لم ينتشر مع ما سبق منه من أن الإجماع السُّكوتي هو ما بلغ الجميع، فدلّ أن المنتشر هو ما بلغ الجميع.\nوهذا هو صنيعُ الآمدي، وهو قضية كلام القاضي أي بَكْرٍ، وابن السَّمْعاني وغيرهما.\nوظاهر كلام الإمام الرَّازي: أن الانتشار أعَمُّ من أن يعلم أنه بلغ الجميع، أو لا، وبذلك صرَّح الشيخُ الهِنْدِيُّ من أتباعه.\n_________\n(^١) في ب: تختص.\n(^٢) في ح: إذا.\n(^٣) في ب: مجملًا.\n(^٤) في ح: فيه.\n(^٥) سقط في ح.","vol":"2","page":216},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nولقد أطلنا في \"التعليقة\" في مسألة السُّكوتي، وذكرنا: ما لو رحل ذو الهمة لسماعة من بلد إلى بلد يحمد مَسْعَاه، وقد أوردنا هنا طرفًا صالحًا منه.\nفإن قلت: إذا تمهّد من أصولكم أن السُّكوتي دليلٌ يحتج به، فما بالكم تُنكرون مسألتين قام فيهما الإجماع السكوتي؟\nإحداهما: مسألة المبتوتة بالثلاث في المَرَضِ، فإن أصحّ القولين عندكم أنها لا ترث، وقد وَرّث عثمان ﵁ تَمَاضُر بنت الإصبغ من عبد الرَّحمن بن عوف، وقد طلَّقها آخر تطليقاتها الثلاث، وتوفي وهي في العِدَّة.\nوالثانية: إذا وجب القصاص لصغير وكبير، فإنكم تقولون: لا يجوز للكبير أن يستوفي حتَّى يبلغ الصَّغير، ويجتمعا على طلب الاستيفاء.\nوالحسن بن علي ﵁ قتل ابن ملجم قاتل علي - كرّم الله وجهه - ولم ينتظر بلوغ الصِّغار.\nولا عُرِفَ لعثمان مخالف في الأولى، ولا للحسن في الثانية فما صحتكم في المخالفة؟.\nقلت: أما مسألة المَبْتُوتة (^١)، فلم يقع إجماع سُكوتي، ولقد قال ابن الزبير: إذ ذاك لو كان الأمر إليَّ لما ورثتها.\nوكان رأي عبد الرحمن بن عوف: أنها لا ترث.\nفالمسألةُ خلافيةٌ بين الصَّحابة ﵃، فأين السكوتي؟ وعلى تقدير التنزل\n_________\n(^١) اتفق أهل العلم على أنه لو طلق امرأته طلاقًا رجعيًا، ثم مات أحدُهما قبل انقضاء العدَّة يرثُه الآخَر، أما إذا أبانها في مرضه، فإن ماتت المرأة قبله، فلا ميراث له، وإن مات الزوج، فاختلف أهل العلم في توريثها، فذهب جماعة إلى أنه لا ميراث لها؛ لأنَّ الميراث بسبب النكاح، وقد ارتفع كما لو أبانها في حالة الصحة ينقطع الميراث، وهو قول عبد الرحمن بن عوف، وابن الزُّبير، وإليه ذهبَ الشَّافعي في أظهر قوليه. وذهب جماعة إلى أنها ترثه، وهو قول عثمان وعلي، وبه قال الزهري ومالك، وابن أبي ليلى، وأصحاب الرأي، ثم عند مالك ترث، وإن كان بعد انقضاء عدتها، ونكاح زوج آخر، وعند ابن أبي ليلى ترث ما لم تنكح، وعند أصحاب الرأي ترث ما دامت في العدة. وإن مات الزوج بعد انقضاء عدتها، فلا ميراث لها، وقال الشعبي: ترثه، فقال ابن شبرمة: تزوج إذا انقضت عدَّتها؟ قال: نعم، قال: أرأيت إن مات الزَّوج الآخَر، فرجع عن ذلك.","vol":"2","page":217},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوتسليم أن أحدًا لم ينكر فمن أين لنا أنه بلغ الجميع، ونحن نشرطُ في السكوتي بلوغَ الكلِّ؟\nسلمنا: أنه بلغهم، ولكن الصَّادر من عثمان كان حكمًا، والحكم لا إنكار فيه. والمنقول عدم الإنكار في الحكم، ونحن نقول به؛ لأن من حكم في رمضان بالاجتهاد لم يعترض عليه.\nأما إنكار الاجتهاد والقول بأنه غير صواب، فلم قلتم: إنه لم يقع؟ وقد نقلنا عن ابن الزبير ما نقلناه.\nواعلم: أن هذا السُّؤال هو الذي أوجب لابن أبي هريرة أن يفرق بين الفُتْيا والحكم واستحسنه ابن السَّمعاني لذلك، وقد ظهر اندفاعه، فلا حاجةَ إلى التفرقة.\nوأما مسألة استيفاء البالغ القصاص إذا كان مشتركًا بينه وبين الصبي، فجوابه من أوجه:\nأحدها: أن أهل الأرض وإن عرفوا مَقْتل ابن ملجم (^١)، ولكن لا نسلم أنهم عرفوا أن من الورثة صغارًا.\nوالثاني: - وهو المُعْتمد - أن ابن ملجم إنما قتل؛ لكفره، ولا يرتاب المصنّف في ذلك فأقل ما فيه اسْتحلاله قتل علي ﵁، ولو استحلّ قَتْلَ واحد من المسلمين (^٢) لكفر، فضلًا عن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه.\nولا رَيْبَ في أنه كان يستحلّ ذلك، وقد قال شيطانه في هذيانه: إنه ما قتله إلا ليبلغ عند الله رضوانًا - أخزاه الله وقبّحه.\nوالثالث: أن عليًّا - كرم الله وجهه - كان إمام المسلمين.\nولنا وجه في [المذهب (^٣): أن قاتل الإمام الأعظم يقتلُ حدًّا - حكاه المَاوَرْدِيُّ - وابن\n_________\n(^١) عبد الرحمن بن مُلْجَم المرادي التدؤلي الحميري. فاتك ثائر، من أشداء الفرسان أدرك الجاهلية، وهاجر في خلافة عمر، وقرأ على معاذ بن جبل، فكان من القراء وأهل الفقه والعبادة، ثم شهد فتح مصر وسكنها، فكان فيها فارس بني تدؤل، وكان من شيعة علي بن أبي طالب، وشهد معه صفين، ثم خرج عليه فاتفق مع البرك على قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص، فقتل هو عليًّا بضربة أصابت مقدم رأسه توفي على أثرها، فلما مات علي أحضر ابن ملجم إلى الحسين ثم قطعوا يديه ورجليه ولسانه، ثم أجهزوا عليه، وذلك سنة ٤٠ هـ بـ\"الكوفة\". ينظر: طبقات ابن سعد ٣/ ٢٣، ولسان الميزان ٣/ ٤٣٩، والنجوم الزاهرة ١/ ١٢٠ والأعلام ٣/ ٣٣٩.\n(^٢) في أ، ح: المسلم، وهو خطأ.\n(^٣) في ب: المذاهب.","vol":"2","page":218},{"text":"<span data-type='title' id=toc-479>الْكَلَامُ فِي انْقِرَاضِ العَصْرِ </span>(^١)\nمَسْأَلَةٌ:\nانْقِرَاضُ الْعَصْرِ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، وَقَالَ أَحْمَدُ وَابْنُ فُورَكَ: يُشْتَرَط، وَقِيلَ: فِي السُّكُوتِيِّ.\n<hr><s0>\n\nالفضل الفراوي] (^٢) من أصحابنا قال: وعلى الحد لا عَفْو.\nقلت: وعلى عدم العَفْو، لا انتظار؛ إذ لا فائدة فيه.\n«مسألة»\nالشرح: \"انقراضُ العصرِ\" - عصر المجمعين - \"غير مَشْرُوط\" في انعقاد الإجماع \"عند المحققين\"، بل يكون اتِّفاقهم حُجَّةً، وإن لم ينقرضوا (^٣).\n\"وقال أحمد، وابن فورك\"، وسليم الرَّازي: \"يشترط\".\n\"وقيل\": يشترط \"في السُّكوتي\"؛ لضعفه، دون القولي - وهو رأي البَنْدَنيجي، واختاره الآمدي.\n_________\n(^١) هذه المسألة في بيان أن انقراض العصر هل هو شرط في انعقاد. الإجماع أم لا؟ اختلفوا فيه. ينظر: الشيرازي ٢١٤ خ.\n(^٢) محمد بن الفضل بن أحمد بن محمد بن أبي العباس، أبو عبد الله الصاعدي النيسابوري الفراوي، ويعرف بـ\"فقيه الحرم\"، أخذ الأصول والتفسير عن أبي القاسم القشيري، واختلف إلى مجلس إمام الحرمين، وتفقه عليه، وعلق عنه الأصول، وصار من جملة المذكورين من أصحابه، وتفرد بصحيح مسلم وغيره. قال ابن السمعاني: هو إمام مفت، مناظر، واعظ، حسن الأخلاق والمعاشرة … ما رأيت في شيوخنا مثله\". وله تصنيف، قال الذهبي: وقد أملى أكثر عن الف مجلس. مات سنة ٥٣٠. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٣١٢، وطبقات السبكي ٤/ ٩٢، ولب اللباب ١٩٣. وفي ب: الغراوي، وهو تحريف.\n(^٣) البرهان ١/ ٦٩٦، والمحصول ٢/ ١/ ٢٠٦، والإحكام للآمدي ١/ ٢٣١، والمستصفى ١/ ١٩٢، والمنخول ٣١٧، والمعتمد ٢/ ٥٠٢، والتبصرة (٣٧٥)، وشرح العضد ٢/ ٣٨، وشرح الكوكب المنير ٢/ ٢٤٦، والمعتمد ٢/ ٥٠٢، وإرشاد الفحول ٨٥، وفصول البدائع ٢/ ٢٦٩، وكشف الأسرار ٣/ ٢٤٣، وأصول السرخسي ١/ ٣١٥، وتيسير التحرير ٣/ ٢٣٠، وفواتح الرحموت ٢/ ٢٢٤، والتقرير والتحبير ٣/ ٨٦.","vol":"2","page":219},{"text":"وَقَالَ الإِمَامُ: إِنْ كَانَ عَنْ قِيَاسٍ.\n<hr><s0>\n\n\"وقال إمام الحَرَمَين: إن كان\" الإجماعُ صادرًا \"عن قياس\" اشترط، وإلا فلا.\nكذا وقع في الكتاب، وهو وهْم، فإمام الحرمين لا يعتبر الانقراض ألبتة، بل يفرق بين المستند إلى قاطع - وإن كان في مظنّة الظَّن، فلا يشترط فيه تَمَادي زمان، وينتهض حجة على الفور.\nوالظني فيشترط تَمَادي الزمان، حتَّى لو خَرَّ على المجمعين سقفٌ عَقِيبَ الاتفاق، أو عمهم الهلاكُ بوجه من الوجوه.\nقال: فلسنا نرى ذلك إجماعًا.\nثم هو مصرّح بأن ما ذكره في الظَّني متعذّر، أو محال؛ لأن الظنون لا تستقيم على مِنْوَالٍ واحد مع التَّمادي.\nقال: إلا أن يتكلّف [المتكلّفُ] وجهًا فيقول: قد يعمُّهم ظهور وجه من الظن.\nقال: وللفَطِنِ أن يقول: ما انتهى إلى هذا المنتهى، فقد اعتزى إلى القطع.\nوقد حكينا كلام الإمام في \"التعليقة\" - وهو المختار عندنا -، إلا أنا لا نوافقه على تعذّر الاستمرار على الظَّني، ونقول: إن ذلك يمكن.\nوقد رَدّ ابنُ السَّمْعَاني في القواطع على الإمام: بأن التفرقة بين المقطوع والمظنون لا تصح؛ لأنَّهُ لا يعرف إلى أي شيء استناد المجمعين، ولو عرف استنادهم إلى المقطوع لكان هو الحجة، دون الإجماع.\nولقائلٍ أن يقول: نحن إذا حكمنا على الظَّني باشتراط الزَّمن لم يلزمنا أن نعرف عينه.\nوأيضًا فإنا لما تطاول الزَّمن نحكم (^١) بانتهاض الإجماع؛ لأنَّهُ إن كان عن ظن فقط حصل التمادي، وإلا فهو قائم [من قبل] (^٢) وما لم يتطاول لا يحكم بقيامه إلا إذا لاح لنا أنه [عن] (^٣) قاطع.\nوأيضًا: فلم قلتم: إنا لا ندري إلى أي شيء استند الإجماع، وكم من إجماع قائم وسنده معروف.\nوقوله: والمقطوع هو الدَّليل، يقال عليه: لا يلزم من كونه دليلًا ألَّا ينعقد الإجماع، فقد\n_________\n(^١) في أ، ت، ح: يحكم.\n(^٢) سقط في ح.\n(^٣) سقط في ت.","vol":"2","page":220},{"text":"لنَا: دَلِيلُ السَّمْعِ.\nوَاسْتُدِلَّ: بِأَنَّهُ يُؤدِّي إِلَى عَدَمِ الإِجْمَاع لِلتَّلَاحُقِ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ عَصْرُ الْمُجْمِعِينَ الْأَوَّلِينَ، أَوْ لَا مَدْخَلَ لِلَّاحِقِ.\n<hr><s0>\n\nينعقد، ويجتمع دليلان على مدلول واحد، ولولا ذلك لما وقع إجماع عن قاطع، ثم إن الحجة أبدًا هي سند الإجماع، لا نفسه، والإجماع دليلٌ الحُجَّة لا نفسها.\nوفي المَسْألة مذهب خامس حكاه ابن السَّمْعَاني: إنه ينعقد قبل الانقراض فيما لا مُهلةَ فيه، ولا يمكن استدراكه من قَتْل نفس أو استباحة فَرْجٍ، دون غيره، وسبق له نظيره في السَّكوتي.\nوسادس: حكاه القاضي: أنه [إن] (^١) لم يَبْق من المجمعين إلا عدد ينقصون عن أقل عدد التواتر، فلا يكترث ببقائهم، ويحكم بانعقاد الإجماع.\nالشرح: قال: \"لنا دليلٌ السَّمع\" الدَّال على أن الإجماع حجة، فإنه ليس فيه تعرض للانقراض، وهذا وجه احتج به القاضي.\nوللخَصم أن يقول: الإجماع هو اتفاق العَصْرِ مع الانقراض لا مجرد اتفاق العصر، فالاستدلالُ بدليل السَّمع حينئذٍ مصادرةٌ على المطلوب.\nولقد ردّ إمام الحرمين في \"مختصر التقريب\" على القاضي بهذا.\nولو استدلّ المصنّف بالعادة القاضية أن الجمع الكثير لا يجتمعون إلا عن حق كان أولى، وكان جاريًا على أصله أيضًا.\nالشرح: \"واستدل [بأنه] \" لو اشترط لم يوجد إجماع؛ لأنَّهُ \"يؤدي إلى عدم\" تحقق \"الإجماع\"؛ إذ ما من عصر يتَّفق أهله على قول إِلَّا ويوجد قوم آخرون قبل انقراضهم.\nفلو (^٢) جوَّزنا المخالفة لم يحصل إجماع أصلًا \"للتلاحق\" المذكور، وهذا أيضًا ذكره القاضي.\n\"وأجيب: بأن المراد\" بالعَصْرِ المشروط انقراضه \"عصر المجمعين\" عند حدوث الواقعة \"أو \"يقال: إنه \"لا مدخل للاحق\".\nفالأول: بناء على أن للَّاحقين مدخلًا في الإجماع.\nوالثاني: على أنه لا مدخل لهم.\n_________\n(^١) سقط في ت، ح.\n(^٢) في ح: فلم.","vol":"2","page":221},{"text":"قَالُوا: يَسْتَلْزِمُ إِلْغَاءَ الْخَبَرِ الصَّحِيحِ بِتَقْدِيرِ الاِطِّلَاعِ عَلَيْهِ.\nقُلْنَا: بَعِيدٌ، وَبِتَقْدِيرِهِ، فَلَا أثَرَ لَهُ مَعَ القَاطِعِ كَمَا لَوِ انْقَرَضُوا.\nقَالُوا: لَوْ لَمْ يشتَرَطْ لَمُنِعَ الْمُجْتَهِدُ مِنَ الرُّجُوعِ عَنِ اجْتِهَادِهِ.\nقُلْنَا: وَاجِبٌ؛ لِقِيَامِ الإجْمَاعِ.\n<hr><s0>\n\nوالحاصل أن القائلين بالانقراض اختلفوا في إدخال من أدرك المجمعين من التابعين، فمنهم من قال: لا مدخل للتَّابعي، وفائدة اشتراط الانقراض إمكان رجوع المجمعين أو بعضهم عما حكموا به أولًا، لا جواز مجتهد آخر.\nوبتقدير تسليم دخول التابع لهم في إجماعهم، فلا يمتنع أن يكون الشَّرط هو انقراض عصر المجمعين عند حدوث الحَادِثَةِ، واعتبار مُوَافقة من أدرك ذلك العَصْر من المجتهدين لا عَصْر من أدرك عصرهم، وإلى هذا أشار إمامُ الحرمين، إذ قال: وهؤلاء - يعني: المشترطين - يقولون: لو أجمع العلماء في عصر، ثم لحقهم لاحقون، وبلغوا رتبة المجتهدين، فلا يعتبر انقراضهم؛ إذ يلحقهم آخرون.\nوهذا يفضي إلى عسر تصوّر الانقراض، والمرعى إذًا اعتبار الذين أجمعوا أولًا.\nالشرح: ومشترطو الانقراض \"قالوا\": عدم الاشتراط \"يستلزم إلغاء الخبر الصَّحيح بتقدير الاطّلاع عليه\" بعد الإجماع، وذلك يؤدي إلى إبطال النّص بالاجتهاد.\n\"قلنا\": وجوده بعد الإجماع \"بعيد\"، فإنهم إنما يجمعون بعده ففسد البحث، \"وبتقديره فلا أثر له مع القاطع\" الدَّال على خلافه، وهو الإجماع \"كما لو انقرضوا\"، فإنه لا أثر له إجماعًا.\nالشرح: \"قالوا\": ثانيًا \"لو لم يشترط\" الانقراض \"لمنع المجتهد من الرجوع عن اجتهاده\"، واللازم باطل، إذ يجوز له أن يرجع عن اجتهاده بما يطرأ له من الاجتهاد، بل يجب عليه.\nوبيان المُلَازمة: أنه إذا تغير اجهاده بما يطرأ له من الاجتهاد، بل يجب عليه، وبيان الملازمة أنه إذا تغير اجتهاد بعض المجمعين، وقد انعقد الإجماع باجتهاده فيحكم باجتهاده الأول، ولا يمكن من العمل باجتهاده الثاني؛ لمخالفته الإجماع.\n_________\n(^١) في ت، ح: شدة.","vol":"2","page":222},{"text":"قَالُوا: لَوْ لَمْ تُعْتبَرْ مُخَالفتُهُ لَمْ تُعْتَبَرْ مُخَالَفَةُ مَنْ مَاتَ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ كُلُّ الأُمَّةِ.\nقُلْنَا: قَدِ الْتَزَمَهُ بَعْضٌ، وَالْفَرْقُ أَنَّ هذَا قَوْلُ مَنْ وُجِدَ مِنَ الْأُمَّةِ فَلَا إِجْمَاعَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-481>مُسْتَنَدُ الإجْمَاعِ </span>(^١)\nمَسْأَلَةٌ:\nلَا إِجْمَاعَ إِلَّا عَنْ مُسْتَنَدٍ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْخَطَأَ، وَلِأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ عَادَةً.\n<hr><s0>\n\n\"قلنا\": منع المجتهد (^٢) من الرجوع عن اجتهاده \"واجب؛ لقيام الإجماع\"، فإن الرجوعَ عن المجتهدات إنما يكون حيث لا يطرأ إجماع.\nالشرح: \"قالوا\" ثالثًا: المجتهد اللاحق \"لو لم تعتبر (^٣) مُخَالفته لم تعتبر مخالفة من مات\"، فيكون اتفاق الباقين بعد موت المُخَالفين إحماعًا؛ \"لأن الثاني كل الأمة\".\n\"قلنا: قد التزمه بعض\"، وقال: بذهاب الأقوال بموت قائليها (^٤).\n\"والفرق\" (^٥) على تقدير عدم الالتزام\" أَنَّ هذا قول من وجد من الأمة\" حال الإجماع \"فلا إجماع\"، بخلاف ما نحن فيه إذا وجد فيه قول كل الأمة حين لم يوجد قول يخالفه، فإذا انعقد فلا عِبْرَةَ بما يحدث بعده.\n«مسألة»\nالشرح: قال بعضهم: قد يكون الإجماع عن توفيق من الله هو من غير مستندٍ.\n_________\n(^١) هذه المسألة في بيان أن الكل اتفقوا على أن الأمة لا تجمع على الحكم إلا من مأخذ ومستند؛ خلافًا لشرذمة شاذة جوزوا انعقاد الإجماع لا عن دلالة وأمارة، بل هو بتوفيق الله تعالى إياهم في اختيار الصواب. ينظر: الشيرازي ٢١٦ أ/ خ. والمحصول ٢/ ١/ ٢٦٥، والإحكام للآمدي ١/ ٢٣٦، ونهاية السول ٢/ ٣١١، والتحصيل ٢/ ٧٨ والمعتمد ٢/ ٥٢٠ وشرح العضد ٢/ ٣٩، وحاشية البناني ٢/ ٢٠٤ وشرح الكوكب ٢/ ٢٥٩، والمستصفى ١/ ١٩٦، والآيات البينات ٣/ ٣٠٨، وتيسير التحرير ٣/ ٢٥٥، وفواتح الرحموت ٢/ ٢٣٨، والتلويح ٢/ ٥١، والتقرير والتحبير ٣/ ١٠٩، وكشف الأسرار ٣/ ٢٦٣ وميزان الأصول ١/ ٧٧ وإرشاد الفحول (٧٩).\n(^٢) في ت، ح: المجتهدين.\n(^٣) في أ، ح: يعتبر.\n(^٤) في ت: قائلها.\n(^٥) في ت: وتفرق.","vol":"2","page":223},{"text":"قَالُوا: لَوْ كَانَ عَنْ دَلِيلٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَائِدَةٌ.\nقُلْنَا: فَائِدَتُهُ سُقُوطُ الْبَحْثِ، وَحُرْمَةُ الْمُخَالَفَةِ، وَأَيْضًا فَإنَّهُ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ عَنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَلَا قَائِلَ بِهِ.\n<hr><s0>\n\nوالصَّواب: أنه \"لا إجماعَ إِلَّا عن مستندٍ؛ لأنَّهُ\" بدون المستند \"يستلزم الخطأ\" فإن القول في الدين بلا دليلٌ خطأ؛ \"ولأنه مستحيل عادة\".\nولقائل أن يقول على الأول: إنما يكون القول بلا دليلٍ خطأَ إذا لم يكن من جميع الأمة، أما إذا قاله الأمة طرأ، فذلك محل النزاع.\nوعلى الثاني: أن العادة لا تفيد إن كان الكلام في الجواز العَقْلي على ما سنبحث عنه إن شاء الله تعالى.\nالشرح: \"قالوا: لو كان عن دَلِيل لم [يكن] (^١) له فائدة\"، للاستغناء بدليله عنه.\n\"قلنا: فائدته: سقوط البحث وحُرْمة المخالفة\" بعد قيام الإجماع، \"وأيضًا، فإنه\" أي: ما استدللتم به \"يوجب أن يكون عن غير دليلٌ، ولا قائل به\"، إذ لم يقل أحد: إن الإجماع يجب أن يصدر عن غير دَلِيلٍ.\nواعلم: أن الآمدي زعم أن الخلاف إنما هو في الجواز، لا الوقوع.\nوهذا يدرؤه استدلال الخصوم بصور ذكروها، وقالوا: وقع إجماع فيها عن غير مستند، سواء أصحَّت لهم تلك الصور أم لا؟ لأنهم حيث ادعوا الوقوع كان ذلك مذهبًا مقولًا به، صح ما اعتصم به قائله أم فسد.\n_________\n(^١) في ب: تكن.","vol":"2","page":224},{"text":"<span data-type='title' id=toc-482>حُكْمُ الإجْمَاعِ عَنْ قِيَاسٍ </span>(^١)\nمَسْأَلَةٌ:\nيَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ عَنْ قِيَاسٍ، وَمَنَعَتِ الظَّاهِرِيَّةُ الْجَوَازَ، وَبَعْضُهُمْ الْوُقُوعَ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"يجوز أن يُجْمَعَ عن قياس\" جليًّا كان، أو خفيًّا.\n_________\n(^١) إن القائلين بافتقار انعقاد الإجماع إلى مستند اختلفوا في جواز انعقاده عن الرأي والاجتهاد، وجوزه الأكثرون، لكن اختلفوا في وقوعه نفيًا وإثباتًا، والقائلون بوقوعه اختلفوا في جواز مخالفته، فذهب الأكثرون منهم إلى عدم جوازها، والأقلون إلى جوازها؛ بناءً على أن القول بالاجتهاد في ذلك يفتح باب الاجتهاد، ولا يحرمه. فإن قيل: ما ذكرتم من دليلٌ الجواز معارض بما يدل على عدمه، وهو أن الإجماع قطعي، وبفسق مخالفه، فيكون بسند الظني لا بفسق مخالفه. وأيضًا أن الناس مع اختلاف طبائعهم، وتباين دعاويهم مما يستحيل اتفاقهم على رأي واحد، كاتفاقهم على أكل طعام واحد في وقت واحد. وأيضًا الإجماع منعقد على جواز مخالفة المجتهد فيما اجتهد، فلو انعقد الإجماع عن اجتهاد لحرمت المخالفة الجائزة بالاتفاق - وأيضًا الإجماع أصل من أصول الأدلة، ومعصوم عن الخطإ!، فيمتنع إسناده إلى ما هو فرع له، وعرضة للخطإ، وهو القياس. وأيضًا ما من عصر إلا وفيه جماعة من نفاة القياس، وذلك يمنع من انعقاد الإجماع مستندًا إلى القياس. ثم لا نسلم أن انعقاد الإجماع في الصور المذكورة إنما كان عن قياس، بل عن نصوص ظهرت لهم، واكتفوا بإجماعهم عن نقلها، منها ما ظهر لنا كتمسك أبي بكر ﵁ بقوله تعالى: ﴿أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾، وباستثناء النَّبِيّ ﷺ، وهو قوله: \"إلا بحقها\" من قوله: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله\" وباستدلال الصحابة بفعل النبيّ ﷺ حيث قالوا: نطيب نفسًا أن نقدم قدمين قدمهما رسول الله ﷺ. ومنها ما لم يطهر.\nقلنا: الجواب عن الأول: لا نسلم أن القياس المتفق على ثبوت حكمه ظني لا يفسق مخالفه بأن إجماعهم على صحة ذلك القياس يخرجه من كونه ظنيًا، ويجعله قطعيًا بالاتفاق، فإن قيل: لا نسلم أن القياس الذي قدر الله تعالى إجماع الأمة على مقتضاه ظني، ولا أنه عندما يكون ظنيًا، وهو قبل تحقق الإجماع لا يكون مستنده؛ إذ المعدوم لا يفتقر إلى مستنده، وكونه مستنده - وهو بعد تحقق الإجماع لا يبقى ظنيًا - سلمناه، لكنه منقوض بما وافقتمونا عليه من صحة إسناد الإجماع القطعي إلى خبر الواحد مع كونه ظنيًا بالاتفاق، فما هو الجواب في محل الإلزام هر الجواب في محل النزاع.\nوعن الثاني: منع استحالة اتفاقهم على مظنون؛ لجواز كونه جليًا على ما سبق، أو لأنَّهُ وإن استحال الاتفاق في وقت واحد؛ لتفاوت أفهامهم وحدتهم في النظر والاجتهاد، فلا يستحيل في أزمنة =","vol":"2","page":225},{"text":"لَنَا: الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ كَغَيْرِهِ، وَالظَّاهِرُ الْوُقُوعُ كَإِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَتَحْرِيمِ شَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَإِرَاقَةِ نَحْوِ الشَّيْرَجِ.\n<hr><s0>\n\n\"ومنعت الظَّاهرية الجواز\" بناء على أصلهم في منع القياس، ووافقهم الإمام محمد بن جرير [الطَّبري] (^١) من أئمتنا، وهو غريب عنه؛ لأنَّهُ من القائلين بالقياس.\n\"وبعضهم\" منع \"الوقوع\".\n[وقيل] (^٢): واقع، ولكن لا يحرم مُخَالفته.\nوقيل: يجوز عن الجَلِيّ دون الخَفِيّ.\nونقل جماعة: الاتِّفاق على جواز الإجماع عن دلالة.\nورأيت - في كتاب \"الميزان\"من كتب الحنفية (^٣) - أن بعض مشايخهم ذهب إلى: أنه لا يجوز القياس إِلَّا عن أمارة، ولا يجوز عن دلالة؛ للاستغناء بها عنه، وهو غريبٌ.\n\"لنا: القَطْع بالجواز كغيره\" من أنواع الإجماع؛ إذ لا يلزم من وقوعه مُحَال لذاته.\n_________\n= متطاولة، كما لا يستحيل اتفاقهم على العمل بخبر الواحد الموقوف على عدالة الراوي مع كونها مظنونة بما يظهر عليه من الأمارات الدالة عليها؛ إذ لا يلزم من أحكام اطلاعهم على عدالة الراوي إمكان اطلاعهم على القياس الخفي، وهذا يخالف اتفاق الكافة على أكل طعام واحد في وقت واحد فإن اختلاف أمزجتهم لأصناف شهواتهم لا داعي لهم إلى الإجماع عليه، كما وجد الداعي لهم عند ظهور القياس إلى الحكم بمقتضاه.\nوعن الثالث: أن الإجماع لم ينعقد على جواز مخالفة المجتهد مطلقًا، بل إذا لم يوافقه مجتهدو عصره.\nوعن الرابع: جميع كون القياس الذي هو مستند الإجماع فرعًا له لما قيل من أنه فرع، يعني من الكتاب والسنة؛ إذ لا يندفع الدور، ويكون القياس فرع الكتاب والسنة بعد تسليم كونه فرع الإجماع أيضًا، بل لتغاير الإجماعين؛ لأن فردًا من أفراد الإجماع فرع قياس ما، ومطلق القياس فرع إجماع آخر. وأما قولهم: هو عرضة للخطإ، فالجواب عنه ما مر في الجواب الأول.\nوعن الخامس: أن الخلاف في القياس لم يكن في العصر الأول، بل هو حادث، وإذن لا يمنع عن انعقاد الإجماع عن القياس مطلقًا، بل بعد وقوع الخلاف فيه، وهو مسلم، ثم هو منقوض بخبر الواحد خالفوا فيه، وفي أسباب تركيبه، ووافقوا في انعقاد الإجماع بناءً عليه … ينظر: الشيرازي ٢١٦ ب/ ٢١٧ أ/ خ.\n(^١) سقط في ت، ح.\n(^٢) سقط في ب.\n(^٣) ينظر: الميزان ١/ ٧٧٣.","vol":"2","page":226},{"text":"<span data-type='title' id=toc-483>حُكْمُ الإجْمَاعِ عَلَى قَوْلَيْن </span>(^١)\nمَسْأَلَةٌ:\nإِذَا أُجْمِعَ عَلَى قَوْلَيْنِ وَأُحْدِثَ قَوْلٌ ثَالِثٌ مَنَعَهُ الْأَكْثَرُ كَوَطْءِ الْبِكْرِ.\nقِيل: يَمْنَعُ الرَّدَّ، وَقِيلَ: مَعَ الأَرْشِ، فَالرَّدُّ مَجَّانًا ثَالِثٌ، وَكَالجَدِّ مَعَ الْأَخ. قِيلَ:\n<hr><s0>\n\n\"والظاهر: الوقوع كإمامة أبي بَكْرٍ ﵁ \" أجمع عليها بالقياس على الصَّلاة؛ إذ قال عمر ﵁: رضيه رسولُ الله ﷺ لديننا أفلا نرضاه لدنيانا؟ \"وتحريم شَحْمِ الخِنْزِيرِ\" قياسًا على لَحْمِهِ، \"وإراقة نحو الشَّيرَج\" إذا وقعت فيه فأرة قياسًا على السمن.\n«مسألة»\nالشرح: \"إذا أُجمع على قولين\" - بأن افترقت الأمة إلى فرقتين قالت فرقة بالنفي، وأخرى بالإثبات - \"وأُحدث قول ثالث\" فهل يجوز (^٢)؟.\n\"منعه الأكثر كَوَطْء البكر.\nقيل: يمنع\" (^٣) المشتري \"الرد\" إذا علم بعد ذلك بِعَيْبِهَا، \"وقيل\": بجوازه، ولكن \"مع الأَرْشِ (^٤)، فالرد\" قهرًا \"مجانًا\" بغير أَرْشِ البِكَارَةِ قول \"ثالث\".\n_________\n(^١) هذه المسألة في أنه إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين، فهل يجوز أن يقدمهم إحداث قول ثالث أم لا؟ اختلفوا فيه، فذهب الجمهور إلى المنع من ذلك؛ خلافًا لبعض الشيعة، وبعض الحنفية، وبعض أهل الظاهر.\n(^٢) ينظر: البرهان ١/ ٧٠٦، والمحصول ٢/ ١/ ١٨٠، والمعتمد ٢/ ٥٠٥، والمستصفى ١/ ١٩٨، والمنخول (٣٢٠)، والتبصرة ٣٨٧، والآيات البينات ٣/ ٢٩٦، وشرح العضد ٢/ ٣٩، وحاشية البناني ٢/ ١٩٧، والمسودة ٣٢٦، والإحكام للآمدي ١/ ٢٤٢، والتحصيل ٢/ ٥٩، وشرح الكوكب المنير ٢/ ٢٦٤ وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٢٠٠، وكشف الأسرار ٣/ ٢٣٤، وتيسير التحرير ٣/ ٢٥٠، وفواتح الرحموت ٢/ ٢٣٥، والتقرير والتحبير ٣/ ٨٨، وإرشاد الفحول ٨٦.\n(^٣) في أ، ح: تمنع.\n(^٤) الأَرْش: اسم للواجب على ما دون النفس. وفي المغرب: الأَرْش دِيَةُ الجراحات، والجمع أُرُوش وإرَاشٌ بوزن فِرَاسِ اسم موضع. ينظر: الكليات ص (٣٠) والتعريفات ص (٩)، والمغرب ١/ ٣٥، والصحاح ٣/ ٩٩٥، والقاموس المحيط ٢/ ٢٧١، وأنيس الفقهاء (٢٩٥).","vol":"2","page":227},{"text":"الْمَالُ كُلُّه، وَقِيلَ: الْمُقَاسَمَةُ فَالْحِرْمَانُ ثَالِثٌ، وَكَالنِّيَّةِ فِي الطَّهَارَاتِ، قِيلَ: تُعْتَبَر، وَقِيلَ: فِي الْبَعْضِ، فَالتَّعْمِيمُ بِالنَّفْيِ ثَالِثٌ، وَكَالْفَسْخِ بِالْعُيُوبِ الْخَمْسَةِ، قِيلَ: يُفْسَخُ بِهَا، وَقِيلَ: لَا فَالْفَرْقُ ثَالِثٌ، وَكَأُمٍّ مَعَ زَوْجٍ أَوْ زَوْجَةٍ وَأَبٍ، قِيلَ: الثُّلُث، وَقِيلَ: ثُلُثُ مَا بَقِيَ فَالْفَرْقُ\n<hr><s0>\n\nومذهبنا: جواز الرد، وبدل الأرش، والبقاء وأخذ الأرش. فإن تَشَاحّا فالصحيح: يجاب من يدعو إلى الإمساك، والرجوع بأَرْشِ العَيبِ القديم.\nوالآمدي مثَّلَ بوطء الثَّيِّب.\nوفيه نظر، فإن أصحابنا ذهبوا فيها إلى الرد مجانًا، وقالوا لم يثبت تكلم جميع الصَّحابة في المسألة، ونقلوا عن ريد بن ثابت مثل قولنا.\n\"وكالجد مع الأخ (^١).\nقيل: المال كله\" للجد.\n\"وقيل: المقاسمة\" بينهما، \"فالحرمانُ\" حرمان الجد، وهو قول ابن حَزْم \"ثالث\".\n\"وكالنِّيَّة في الطهارات (^٢).\nقيل: تعتبر\" في جميعها، وهو قول ابن سريج.\n\"وقيل\": يعتبر \"في البعض\"، كرفع الحدث دون إزالة الخبث وهو الصحيح، \"فالتعميم بالنفي ثالث\".\n\"وكالفَسْخ بالعيوب الخمسة\" الجُنُون، والجُذَام (^٣)، والبَرَص (^٤)، والجَبّ (^٥)، والعُنَّة (^٦)،\n_________\n(^١) سقط في أ، ب.\n(^٢) في أ، ت، ح: الطهارة.\n(^٣) الجُذَام: داءٌ معروف يأكل اللحم ويتناثر، قال الجوهريّ: وقد جُذِمَ الرّجل بضم الجيم، فهو مَجْذُوم، ولا يُقال: أَجْذَم. ينظر: تحرير التنبيه ٢٨٢.\n(^٤) البَرَصُ بالفتح، بيِاض، داءٌ معروف، وغلامَته أن يعصر اللّحم فلا يحمرّ، وقد بَرِصَ بفتح الباء وكسر الرّاء، فهو أَبْرَصُ. ينظر: تحرير التنبيه ٢٨٢.\n(^٥) المجْبُوب: من جبَّ ذكره، مشتق من الجَبِّ، وهو القطع. ينظر: تحرير التنيه ٢٨٤، وأنيس الفقهاء ١٦٦.\n(^٦) العِنّين بكسرِ العَين والنون المشدّدة، وهو العاجِزُ عن الوَطْء. وربّما اشتهاه، ولا يُمكنه، مشتقٌّ من عَن الشَّيءُ إذا اعْتَرض؛ لأَنّ ذكره يَعِنُّ أي يَعْتَرضُ عن يَمين الفَرْج وشِماله. وِقيل: من عِنانِ الدّابَّة لِلِيْنهِ. قالوا: يقال: عَنّ يعِنُّ ويعُنُّ عَنًّا وعُنونًا. واعتنَّ اعترض، قال ابن الأعرابي: جمع العِنّين =","vol":"2","page":228},{"text":"ثَالِثٌ، وَالصَّحِيحُ التَّفْصِيلُ إِنْ كَانَ الثَّالِثُ يَرْفَعُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ فَمَمْنُوعٌ كَالْبِكْرِ وَكَالْجَدِّ وَالطَّهَارَاتِ، وَإلَّا فَجَائِزٌ، كَفَسْخِ النِّكَاحِ بِبَعْضٍ، وَكَالْأُمِّ فَإِنَّهُ يُوَافِقُ فِي كُلِّ صُورَةٍ مَذْهَبًا.\n<hr><s0>\n\nوالرَّتَق (^١)، والقرن (^٢) \"قيل: يفسخ بها\" وهو مذهبنا.\n\"وقيل: لا\"، وهو مأثور عن علي كرم الله وجهه.\n\"فالفرق ثالث\" وبه قال أبو حنيفة حيث ذهب إلى الفَسْخ ببعضها دون بعض، والحسن البصري حيث ذهب أن للمرأة الفسخ بها دون الزوج؛ لتمكّنه من الفَسْخِ بالطلاق.\n\"وكأم مع زوج\" وأب، \"أو\" مع \"زوجة وأب.\nقيل\": للأم \"ثُلُث\" من الأصل في المسألتين، وهو مذهب ابن عباس.\n\"وقيل: ثلث ما بقي\" بعد نصيب الزَّوج أو الزوجة، \"فالفرق\" أن يقال: لها ثلث الأصل في إحدى المسألتين دون الأخرى \"ثالث\".\n\"والصَّحيحُ\" في هذه المسألة - وعليه الإمام الرَّازي وأتباعه والآمدي وطائفة - \"التفصيل\" بأن يقال: \"إن كان الثالث يرفع\" من مَدْلول القولين \"ما اتَّفَقَا عليه، فممنوع\" إحداثه؛ لخرقه الإجماع -\n_________\n= والمعنون عُنُنٌ. قال: يُقال: عُنَّ الرَّجل، وعُنِّن، وعُنِنَ، واعْتنَّ، فهو عِنِّين، مَعْنونٌ، مُعَنٌّ، مُعَنَّن.\nقال صاحب المحكم: هو عِنِّين بيِّن العَنَانة والعِنِّينة، والعيِّنيَّة. ينظر: تحرير التنبيه ٢٨٣، وأنيس الفقهاء ١٦٥.\n(^١) الرَتَقُ بفتحِ الرّاء والتّاء، وهو التحامُ الفَرج بحيث لا يمكن دُخول الذَّكر، وإن وجد الرّجل بالمرأةِ رتَقًا، أَو قَرَنًا هو بفتح الراء وإسكانها. ينظر: تحرير التنبيه ٢٨٢، وأنيس الفقهاء ١٥١.\n(^٢) قال أهل اللغة: القَرْن بإسكان الراء هو العَفَلة بالعين المهملة والفاء المفتوحتين، وهي لحمةٌ تكونُ في فمِ فرج المرأة. وقيل: عظم، والمَشْهُور لحمة، قالوا: والقَرَنُ بفتح الراء مصدرُ قَرِنَتْ تقرَن قرَنًا كبَرِصَتْ تَبْرَصُ برصًا. فيجوزُ أَن يقرأ كلام المصنّف بالفتح والإِسكان، فالفتحِ غلى إرادة المصدر، والإِسكان على إرادةِ الاسم. ونفس العَفَلة إلا أنّ الفتح أرْجَح؛ لكونه مُوافِقًا لباقي العُيوب؛ فإنها كلها مصادر، وعطفُ مصدرٍ على مَصدر أحسنُ من عَطف اسم على اسم، فثبَت أنَّ الراجحَ الفتحُ مع جوازِ الإسكان، هذا هُو الصَّواب. وأما إنكارُ بعضِهم على الفُقهاء فَتْحَه، وتلحينُهُ إيّاهم فغلطٌ منه فاحشٌ، وهو مردودٌ بما نقلته عن أَعلامِ أئمة اللغة. ولقد أحسنَ الإمام العلَّامة أبو محمد عبد الله بن برّي فقال: قال الفرَّاء: القَرَنُ بالفتح العَيب، وهو من قولك: امرأةٌ قَرْناء بَيِّنَةُ القَرن. والقَرْن بالإِسكان العَفَلة. ينظر: تحرير التنبيه ٢٨٢، أنيس الفقهاء ١٥١.","vol":"2","page":229},{"text":"لَنَا: أَنَّ الأَوَّلَ مُخَالَفَةُ الْإِجْمَاعِ فَمُنِعَ بِخلَافِ الثَّانِي، كَمَا لَوْ قِيلَ: \"لَا يُقْتلُ مُسْلِمٌ بِذِمِّيٍّ\" وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْغَائِبِ، وَقِيلَ: يُقْتَلُ وَيَصِحُّ لَمْ يُمْنَعْ يُقْتَل، وَلَا يَصِحُّ\n<hr><s0>\n\n\"كالبِكْرِ\"؛ لاجتماع القولين على امتناع الرَّد قهرًا مجانًا، والثالث برفعه.\n\"وكالجد\"؛ للاتفاق على أن له حظًّا من المال.\n\"وكالطهارات\"؛ للاتِّفاق على أن [له] (^١) بعض الظهارة [في النِّيَّة] (^٢).\n\"وإلا\" - أي: وإن لم يرفع متفقًا، بل خالف كلا بوجه ووافق بوجه -، \"فجائز كفسخ النكاح ببعض\" (^٣).\n\"وكالأم فإنه يوافق في كل صورة مذهبًا\" (^٤)، فلا يخرق الإجماع.\nالشرح: \"لنا: أن الأول مخالفة الإجماع فمنع، بخلاف الثاني\"، فإنه لا مخالفة فيه \"كما لو قيل: لا يقتل مسلم بذمّي (^٥)، ولا يصح بيع (^٦) الغَائِب\".\n_________\n(^١) سقط في أ، ب، ت، ح.\n(^٢) في أ، ب، ت، ح: بالنية.\n(^٣) في أ، ت، ح: بنقص.\n(^٤) في ب: مذهبنا.\n(^٥) لا يُقتل المسلم بالكافر، سواء كان الكافر ذميًا له عهد مؤبد، أو مُستأمنًا وعهده إلى مدة، وإلى هذا ذهب جماعة من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم، وهو قول عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وبه قال عطاء، وعكرمة، والحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب مالك، وسفيان الثوري، وابن شبرُمة، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وذهب جماعة إلى أن المسلم يُقتل بالذمي، وهو قول الشعبي، والنخعي، وإليه ذهب أصحاب الرأي، وتأولوا قوله: \"لا يقتل مؤمن بكافر\" أي: بكافر حربي؛ بدليل أنه عطف عليه، ولا ذو عهد في عهده، وذو العهد يُقتل بذي العهد، إنما لا يُقتل بالحربي، وقالوا: تقدير الكلام: لا يقتل مؤمن، ولا ذو عهد في عهده بكافر، واحتجوا بحديث منقطع، وهو ما روي عن عبد الرحمن بن البيلماني أن رجلًا من المسلمين قتل رجلًا من أهل الذمة، فرفع ذلك إلى رسول ابنه ﷺ فقال: \"أنا أحق من أوفى بذمته\" ثم أمر به فقتل. فيقال لهم: قوله: \"لا يقتل مؤمن بكافر\" كلام تام مستقل بنفسه، فلا وجه لضمه إلى ما بعده، وإبطال حكم ظاهره؛ وقد روينا عن صحيفة علي: \"لا يقتل مؤمن بكافر\" من غير ذكر ذي العهد، فهو عام في حق جميع الكفار ألا يقتل به مؤمن، كما قال النَّبِيّ ﷺ: \"لا يرث المسلم الكْافر، ولا الكافر المسلم؛ فكان الذمي، والمستأمن، والحربي فيه سواء.\n(^٦) في أ، ت، ح: مع.","vol":"2","page":230},{"text":"وَعَكْسُهُ بِاتِّفَاقٍ. قَالُوا: فَصَّلَ وَلَمْ يُفَصِّلْ أَحَدٌ فَقَدْ خَالَفَ الإِجْمَاعَ قُلْنَا: عَدَمُ الْقَوْلِ بِهِ لَيْسَ قَوْلًا بِنَفْيِهِ، وَإلَّا امْتَنَعَ الْقَوْلُ فِي وَاقِعَةٍ تتَجَدَّدُ وَيَتَحَقَّقُ بِمَسْأَلَتَيِ الذِّمِّيِّ وَالْغَائِبِ.\nقَالُوا: يَسْتَلْزِمُ تَخْطِئَةَ كُلِّ فَرِيقٍ وَهُمْ كُل الْأُمَّةِ.\n<hr><s0>\n\n\"وقيل: يقتل، ويصح لم يمنع، يقتل (^١)، ولا يصح وعكسه باتفاق\"؛ وإنما ذلك لكونه لم يرفع مجمعًا عليه.\nفإن قلت: ما الفارق بين مسألتي \"العيوب\" و\"الأم\"، و\"مسألة قتل المسلم بالذِّمي\" و\"صحة بيع الغائب\"، حيث اتفقوا على جواز العضل (^٢) في هذه، واختلفوا في الأولييْن.\nقلت: اشتراكُ الأوليين في قدر مشترك، فالخمسُ اشتركن في فسخ بعيب، والأم في الصورتين موجودة، ولكن تارة معها زوجها وأب، وطورًا [زوجة وأب] (^٣)، وعدم الاشتراك في الأخيرة، فإنه لا رابط بين قتل المُسْلِمِ بالذّمي، وصحة بيع الغائب.\nوالمانعون للقول الثَّالث مطلقًا زعموه رافعًا للمجمع عليه مطلقًا، فلذلك تبعوه وإلا لم يكن لمنعهم وجهٌ.\n\"قالوا\": أولًا إن القائل به \"فصّل\" ففرّق مثلًا في العيوب الخمسة، \"ولم يفصّلْ أحد\" من السابقين، \"فقد خالف الإجماع\" في عدم الفصْلِ.\n\"قلنا: عدم القول به ليس قولًا بنفيه\" حتَّى يمتنع، ففرق بين القول بعدم الشَّيء، وعدم القول بالشيء؛ إذ لا حكم في الثاني دون الأول، \"وإلا امتنع القول في واقعة تتجدَّد\"، ولم يطلع عليها أهل العَصْرِ الأول بشيء من الأشياء؛ لصدق أنهم لم يقولوا فيها بشيء ولا قائلَ بذلك، وسره ما ذكرناه من عدم الحكم فيه.\n\"ويتحقّق\" جواز الفَصْل \"بمسألتي الذِّمِّي والغائب\".\nالشرح: \"قالوا\": ثانيًا: \"يستلزم تَخْطِئة كلّ فريق\" في مسألة، \"وهم (^٤) كل الأمة\" فيصدق أخطأت الأمة.\n\"قلنا: الممتنع: تخطئة كل الأمة فيما اتفقوا عليه\" - أما ما لم يتفقوا عليه بأن تخطئ فرقة في مسألة وأخرى في أخرى، فلا يمتنع.\n_________\n(^١) في أ، ب، ت، ح: شك.\n(^٢) في أ، ب، ح: الفصل.\n(^٣) في ب: زوج وأم في الحاشية: كذا وقع بخط المصنف، وإنما قال: مع زوجة وأب.\n(^٤) في أ، ت: فهم.","vol":"2","page":231},{"text":"قُلْنَا: الْمُمْتَنِعُ تَخْطِئَةُ كُلِّ الْأُمَّةِ فِيمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ.\n<hr><s0>\n\nوقد نظر البَيْضَاوي هذا الجواب ووجهه: أنه إذا أخطأت الأمة في شيئين كلّ شطر في شيء دخل تحت عموم \"لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى خَطَإٍ\".\nومن خطَّأ كلّ فريق في قول فقد خطأ كلّ الأمة.\nوهذا (^١) النظر له أصل مختلف فيه، وهو أنه هل يجوز انقسام الأمَّة إلى شطرين كل شطر يخطئ (^٢) في مسألة؟ - والأكثر على أنه لا يجوز - واختار الآمدي خلافه، فتبعه المصنّف.\nوله عندي اتجاه ظاهر، فإن المحذور حصول الاجتماع منها، وإذا انفرد كلّ واحد بخطأ غير خطأ صاحبه، فأين الاجتماع؟\nولو صدق الاجتماع لاقتضى اجتماع جمع عظيم أكثر من عدد المجمعين بأضعاف مضاعفة على الخطأ.\nبيانه: أن العصر الماضي لم يَخْلُ عن معاصي صدرت من سفهائه، واللاحق كمثله، ولاحق اللاحق نظيره، وهكذا إذ ليس كل فرد من الأمة (^٣) بمعصوم، والمجاري فيما بينهم طافحة، فإن صدق على مثل هذا أنه إجماع، فقد لاح اجتماع الجَمْعِ العظيم على الخطأ، فالوجه حمل الاجتماع على ما ذكرناه.\nوالإمامُ الرَّازي لم يذكر هذا الجَوَاب المذكور في الكتاب، بل قال: هذا الإشكال غير واردٍ على القول بأن كل مجتهد مصيبٌ، فإنه لا يلزم من حقيقة واحد من الأقسام فساد الباقي.\nسَلَّمنا، ولكن لا يلزم من الذِّهَاب إلى الثالث كونه حقًّا؛ لأن المجتهد يعمل بمقتضى اجتهاده، وإن كان خطأ في نفس الأمر.\nولقائل أن يقول: [على الأول] (^٤) قد اعترفتم أولًا بوروده على المَذْهَبِ الحَقّ الذي يرويه وهو أن المصيب واحد، ثم لم قلتم: إنه لا يلزم من حقيَّة أحد الأقسام فساد الباقي إذا وقع الإجماع على ذلك القسم.\nوعلى الثاني: أن الذَّاهب إلى الثالث إذا كان يعلم انقسام [الأمة] (^٥) إلى شَطْرَيْنِ، والفرض علمه أن الثالث يستلزم التَّخْطئة، فقد علم أن الذهاب [إليه] (^٦) خطأ فيحرم عليه الذهاب إليه.\n_________\n(^١) في أ، ت، ح: فهذا.\n(^٢) في ب، ت: مخطئ.\n(^٣) في أ، ب، ت: الأئمة.\n(^٤) سقط في ب.\n(^٥) سقط في ح.\n(^٦) سقط في ت.","vol":"2","page":232},{"text":"الآخَرُ اخْتِلَافُهُمْ دَلِيلُ أنَّهَا اجْتِهَادِيَّةٌ.\nقُلْنَا: مَا مَنَعْنَاهُ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ، وَلَوْ سُلِّمَ، فَهُوَ دَلِيلٌ قَبْلَ تَقَرُّرِ إِجْمَاعٍ مَانِعٍ مِنْهُ.\nقَالُوا: لَوْ كَانَ لأُنْكِرَ لمَّا وَقَعَ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ فِي مَسْأَلةِ الْأُمِّ ..........\n<hr><s0>\n\nالشرح: واحتج \"الآخر\" وهو مجوّز الذهاب إلى الثالث مطلقًا - فقال: \"اختلافهم\" فيها \"دليلٌ أنها اجتهادية\"، فيكون اختلافهم فيها سائغًا، والثالث حادث عن اجتهاد فلا يُمْنَعُ.\n\"قلنا: ما مَنَعْنَاهُ لم يختلفوا فيه\" حتى يقال: إنه اجتهادي.\n\"ولو سلم\" أن الاختلاف دليلُ تسويغ الاجتهاد، \"فهو دليلٌ قبل تقرر إجماع مانع منه\" لا مطلقًا، والأمة لما اتَّفقت على القولين حصل الإجماع المانع من الثالث.\nالشرح: \"قالوا: لو كان\" إحداث الثَّالث ممنوعًا \"لأنكر لمَّا وقعَ\"، ولكنه لم ينكر بدليل أنه \"قد قال ابن سِيرِين\" (^١)؛ بإحداث ثالث \"في مسألة الأم مع زوج وأب\"؛ لأنَّهُ قال فيها \"يقول ابن عباس\"، وجعل [له] ثلث الأصل، ولم يقل به إذا كان معها زوجة، \"وعكس\" مجتهد \"آخر\" فقال: يقول ابن عباس: إذا كان معها زوجة، لا إذا كان معها زوج، ولم ينكر ذلك أحد.\nهكذا ذكر ذلك الآمدي، وجرى عليه الشارحون والعقل والنقل يدرآنه، لأنَّهُ إذا أعطاها في مسألة الزوج الثلث كاملًا مع أنها تأخذ ضعف الأب، لزمه أن يعطيها (^٢) الثلث كاملًا في زوجة وأبوين بطريق أولى، فإنها إذا أعطيت الثلث كاملًا في زوجة وأبوين لم تأخذ ضعفه ولا مثله، بل أنقص منه بسهم، فإذا جاز أن تأخذ (^٣) ضعف الأب (^٤)؛ رِعَايَةً لظاهر قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] كَامِلًا إذا كان ذلك أنقص مما أخذه الأب أولى وأحرى.\n_________\n(^١) محمد بن سيرين الأنصاري مولاهم، أبو بكر الأنصاري إمام وقته، روى عن مولاه أنس وزيد بن ثابت وعمران بن حصير وأبي هريرة وعائشة وطائفة من كبار التابعين، وعنه الشعبي وثابت وقتادة وأيوب ومالك بن دينار وسليمان التيمي وخالد الحذاء والأوزاعي وخلق كثير، وقال بكر المزني: والله ما أدركنا من هو أورع منه، قال حماد بن زيد: مات سنة عشر ومائة. ينظر: الخلاصة ٢/ ٤١٢، وتقريب \"التهذيب\" ٢/ ١٦٩، وتهذيب الكمال ٣/ ١٢٠٨، والكاشف ٣/ ٥١، والوافي بالوفيات ٣/ ١٤٦، والثقات لابن حبان ٥/ ٣٤٩، وتاريخ بغداد ٥/ ٣٣١.\n(^٢) في أ: يعطى لها.\n(^٣) في أ، ب، ت: يأخذ.\n(^٤) في ب: الإرث.","vol":"2","page":233},{"text":"مَعَ زَوْجٍ وَأَبٍ (٤) بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَكَسَ آخَر، قُلْنَا: لأَنَّهَا كَالْعُيُوبِ الخَمْسَةِ فَلَا مُخَالَفَةَ لإِجْمَاعٍ.\n<hr><s0>\n\nثم ما ذكرناه هو المنقول عن ابن [سِيرِينَ، فاعرف ذلك، والذي عكس مقالته هو القاضي] (^١) شريح من التابعين أيضًا، كما نقله صاحب \"الكافي\" في الفَرَائِضِ.\n\"قلنا\": إنما فعل ابن سِيرِينَ، وشريح ذلك؛ \"لأنها كالعيوب الخمسة، فلا مخالفة لإجماع\" فلم يمنع.\nواعلم: أن مَدارَ الخلاف في هذه المسألة على أن الثَّالث هل يرفع مجمعًا عليه أو لا، أو فيه تفصيل؟\nفمن نَفَاهُ مطلقًا ادَّعاه رافعًا مطلقًا، وعلى عكسه من أثبته، ومن فصّل ادَّعى التفصيل كذلك، فلو وقع اتّفاق على أنه رافع، أو غير رافع، لوقع على أنه جائز؛ أو غير جائز إذ لا مَحْذُورَ غير رفع المجمع عليه.\nوهذا شأن مسائل لا يَتَنَاهَى عَدَدُهَا في الشريعة يقع [على] (^٢) الخلاف فيها بعد الاتِّفَاق على أصولها، مثل النزاع بَيْنَنَا وبين الحَنَفِيَّة في أن الزيادة هل هي نسخ؟ فإنه آيِلٌ إلى أنها ترفع حكمًا شرعيًّا، فيكون نسخًا، أو لا فلا.\nوأَنَا أضرب لذلك أمثلة فقهيَّة، منها:\nالمذهب: صحة الوقف المنقطع الآخَر، وأنه يبقى وقفًا عند انقراض المذكورين، ثم الأصحّ، أنه والحالة هذه يصرف إلى أقرب النَّاس إلى الواقف.\nوقيل: إلى المساكين وقيل: في المَصَالح العامَّة.\nوقيل: إلى مستحقّي الزَّكاة، وكل صاحب وجه من هذه الأربعة يعلّل مقالته بأن ما ذكره أهم الخيرات فاتَّفَقُوا على أن جهة المصرف - والحالة هذه - أهم الخيرات، ثم اختلف الرأي في أن الأهم ماذا؟\nومنها: الماء المطلق متعيّن للطهورية (^٣) عند أصحابنا، إما تعبُّدًا؛ وإما لاختصاصه بنوع من النّظَافَةِ، ولا يشاركه فيه سائر المَائِعَات، وعلى كل من الأمرين المناط الاسم، فإذا وقع\n_________\n(^١) سقط في ح.\n(^٢) سقط في أ، ب، ح.\n(^٣) في ب: للطهور.","vol":"2","page":234},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nخلاف في متغيّر بِتُرَاب طُرحَ قصدًا، أو بأوراق مُتَفَتِّتَة، أو غير ذلك فهو اختلاف في أن الاسم سلب، أو لا.\nومنها: الضرر مجتنب في البَيْعِ للحديث، فإذا اختلف في بيع الغائب المَذْكُور صفته، وأثبت خيار الرُّؤية على الفَوْرِ (^١) لصحّته آل إلى أن مثل هذا هل ينفي الغَرَر؟\nوكذا بيع السَّمك في الماء والطَّيْر في الهواء لا يصح؛ للغَرَرِ (^٢)، فلو كان السمك في بِرْكة\n_________\n(^١) هو من إضافة الشيء إلى شرطه، وأما سببه، فهو عدم الرؤية، وأصله في مبيع معين غير مرئي عند العقد عليه، وأما كونه غير مرئي؛ فلأنه موضوع هذا الخيار؛ لأن سببه كما قَدَّمْنَا هو عدم رؤية المبيع، وأما شرط كونه معينًا؛ فلأن الثابت في الذمة إن جاء على الوصف الذي وصف به، فقد لزم المشتري قبوله، ولا يجوز له رده، وإن جاء على غير ما وصف، فله رَدُّهُ لا لثبوت خيار الرؤية فيه، ولكن لأنه غير المبيع. ويعرف خيار الرؤية: بأنه حق المشتري في فسخ البيع وإمضائه عند رؤيته المبيع المعين الذي لم يره عند العقد. مثاله: أن يقول البائع للمشتري: بعتك محصول أرض بجهة كذا من القمح هذا العام على أن يكون ثمن الإردب كذا، فيقبل المشتري، وهو لم يسبق له أَنْ رأى هذا القمح. وخيار الرؤية يجعل البيع قبل الرؤية غير لازم؛ وذلك لعدم تمام الرضا بالبيع من المشتري، وهو يلزم عدم لزوم البيع، كخيار الشرط، ويكون غير لازم من جهة المشتري، وفي قول عند المالكية من جهتهما معًا، ولكنه ضعيف، فللمشتري أن يفسخ البيع إن أراد بمقتضى عدم اللزوم لا بمقتضى خيار الرؤية؛ فإنه معلق بالرؤية، ولم توجد بعد. ويستمر له هذا الحق ما دامت لم توجد الرؤية، حَتّى ولو أجاز البيع؛ لأن هذه الإجازة غير معتبرة شرعًا؛ لأن الرضى لا يتحقق قبل الرؤية. وقد أورد الكمال في \"فتح القدير\" إشكالًا على ثبوت حق الفسخ للمشتري قبل الرؤية حاصله: أن إثبات قدرة الفسخ والإجازة التي هي عبارة عن الخيار - معلق بالرؤية، ولما كان البيع في الأصل يقتضي اللزوم، فقبل الرؤية يلزم مقتضاه، وهو اللزوم، حتَّى توجد الرؤية، وعندها تثبت قدرة الفسخ والإجازة معًا. وهذا الكلام مقبول لدى العقل، وبالنسبة لقواعد المذهب غير مقبول؛ لأن هذا الخيار يمنع تمام الحكم عتد الحنغمية، فلو لزم البيع قبل الرؤية لاستلزم تمام الحكم؛ لأنه لا معنى للزوم شيء لم يتم حكمه بعد. هذا، وأما حكم البيع قبل الرؤية عند الحنابلة في الغائب الموصوف، فهو اللزوم، فليس للمشتري أن يفسخ قبل الرؤية، بل ولا بعدها ما دام المبيع قد جاء على الوصف؛ لتمام البيع قبل الرؤية وبعدها بالرضا الناشيء عن العلم بالمبيع بواسطة وصفه. وإنما ثبت له الخيار إذا رآه متخلفًا وصفه بالقياس على ما لو ظهر المبيع معيبًا بعيب عند البائع.\n(^٢) والغرر: التردد بين أمرين أحدهما على الفرض والثاني على خلافه، كبيع السلعة بقيمتها التي ستظهر في السّوق أو التي يقولها أهل الخبرة، وإنما نهى عنه للجهل بالعوض وقت العقد، فيفضي إلى =","vol":"2","page":235},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nصغيرة يتأتى أخذه منها من غير عُسْرٍ صح، ولو كانت كبيرة تحتاج إلى تعب ومشقّة فوجهان، منشؤهما أن هذا هل هو غَرَرٌ؟.\nويتّضح لك أيها الشَّافعيُّ أنك لا تقدر تحتج على الحَنَفِيّ في إبطال بيع الغائب بحديث: \"نهى عَنْ بَيْعِ الغَرَرِ\" (^١) إلا بعد أن تقيم الدلالة على أنه غَرَر، وإلا فهو يمنعك حصول الغرر في الحالة التي تصححه فيها.\nومنها: من شروط المأموم إلا يتقدّم على إمَامِهِ في الموقف (^٢) على الجديد، والاعتبار في المساواة والتقدم بالعقب، [فلو تقدم] (^٣) عقب المأموم لم يصح، وإن كانت أصابعه متأخرة أو محاذية.\nوفي \"التتمة\" وجه أنه يصح، نظرًا إلى الأصابع.\nومنشأ الخلاف: أن مثل هذا هل هو تقدم؟\nوفي الفروع كثرة، ويكفي ما أوردنا منها على أمثاله، ونافعًا في أنظار ما نحن فيه بحيث لا يفيد ذكره.\n_________\n= المنازعة؛ لعدم الاتفاق على الثمن، وقد جعل العقد لقطعها، وكذلك إن باع بما يحكم به، أو بما يحكم به المشتري أو الأجنبي من الثمن، أو بما يرضى به، وإنما يفسد العقد في هذه الصورة ونحوها إن عقداه على صفة اللزوم لهما أو لأحدهما، فإن كان على الخيار صح؛ إذ لا يفضي إلى المنازعة في هذا الوقت.\n(^١) أخرجه مسلم ٣/ ١١٥٣، في كتاب اليبوع: باب بطلان بيع الحصاة (٤/ ١٥١٣)، وأخرجه أبو داود ٣/ ٢٥٤، في البيوع: باب في بيع الغرر (٣٣٧٦)، والترمذي ٣/ ٥٣٢، في البيوع: باب ما جاء في كراهية بيع الغرر (١٢٣٠)، وقال: حسن صحيح، والنسائي ٧/ ٢٦٢، في البيوع، باب: بيع الحصاة، وابن ماجة ٢/ ٧٣٩، في التجارات: باب النهي عن بيع الحصاة وبيع الغرر (٢١٩٤)، وأحمد في المسند ٢/ ٢٥١ - ٣٧٦ - ٤٣٦ - ٤٣٩ - ٤٩٦.\n(^٢) في ت، ح: الوقف.\n(^٣) في أ، ت، ح: (فلو لم يقدم) وهو خطأ.","vol":"2","page":236},{"text":"<span data-type='title' id=toc-484>إحْدَاث الدَّلِيلِ وَالتَّأْوِيلِ </span>(^١)\nمَسْألةٌ:\nيَجُوزُ إِحْدَاثُ دَلِيل آخَرَ، أَوْ تَأْوِيل آخَرَ عِنْدَ الْأَكْثَرِ.\nلَنَا: لا مُخَالفةَ لَهُمْ فَجَازَ، وَأَيْضًا لَوْ لَمْ يَجُزْ لأُنْكِرَ، وَلَم يَزَلِ المُتَأَخِّرُونَ يَسْتَخْرِجُونَ الأَدِلَّةَ وَالتَّأْوِيلاتِ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: أهل العصر إذا استدلوا بدليل على حكم، أو استنبطوا منه وجه دلالة قال الإمام الرَّازي وأتباعه والآمدي والمصنف وتأولوا تأويلات، فإنه \"يجوز\" لمن بعدهم \"إحداث دليل آخر أو\" استنباط آخر، قال هؤلاء: أو \"تأويل آخر عند أكثر\".\nوالحَقُّ معهم إلا في التأويل، فإنه صرف اللفظ عن ظاهره إلى مرجوح بدليل، فالتأويل لا بُدَّ وأن يكون مغايرًا له، فيلزم منه إبطال ما أجمعوا عليه، فلا يجوز إحداثه.\nوبذلك صرَّح القاضي عبد الوهَّاب المالكي - وهو واضح - إلا أن تأول (^٢) كلامهم بأنهم أرادوا تأويلًا لا ينافي تأويل الأولين.\nوالحاصل: أن ما يفعله أهل العصر الثاني لا يمنع إلا إذا نافى فعل الأولين.\n\"لنا: لا مُخَالفة لهم فجاز\" إحداثه.\n\"وأيضًا: لو لم يجز لأنكر\"؛ لأن العلماء لا يقرون على باطل كما علم من عَوَائدهم، \"و\"\n_________\n(^١) هذه المسألة في أنه إذا استدل أهل العصر - أعني أهل الإجماع - في مسألة بدليل، أو تأولوا تأويلًا، فهل يجوز لمن بعدهم إحداث دليل أو تأويل آخر؟. اختلفوا فيه لا فيما نصوا على إبطاله؛ فإنه غير جائز اتفاقًا، لما فيه من تخطئه الأمة، ولا فيما نصوا على صحته؛ فإنه جائز اتفاقًا؛ إذ لا تخطئة فيه، بل فيما شكوا فيه عن الأمرين، وعن التعرض لتجويز التأويل والمنع منه أيضًا، فذهب الجمهور إلى جوازه، ومنع منه الأقلون، والمختار مذهب أكثرين إلا إذا لزم منه القدح فيما أجمع عليه أهل العصر، وإنما ترك المصنف هذا القيد لظهوره، ويدل على اعتباره إياه قوله: \"لا مخالفة لهم\" .. ينظر: الشيرازي ٢٢٢ أ/ خ. والمحصول ٢/ ١/ ٢٢٥، والإحكام للآمدي ١/ ٢٤٦، والمعتمد ٢/ ٥١٤، وشرح العضد ٢/ ٤٠، وحاشية البناني ٢/ ١٩٨، والمسودة ٣٢٨، وفواتح الرحموت ٢/ ٢٣٧، وتيسير التحرير ٣/ ٢٥٣، والتقرير والتحبير ٣/ ٧٩، وإرشاد الفحُول ٨٧.\n(^٢) في ت، ح: يؤول.","vol":"2","page":237},{"text":"وقَالُوا: اتَّبعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ.\nقُلنا: مُؤَوَّل فِيمَا اتَّفَقُوا، وَإلَّا لَزِمَ الْمَنْعُ فِي كُلِّ مُتَجَدِّدٍ.\nقَالُوا: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١١٠]. قُلْنَا. مُعَارَضٌ بِقَوْلهِ: ﴿وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة ال عمران: الآية ١١٠]. فَلَوْ كَانَ مُنْكَرًا لنُهُوا عَنْهُ.\n<hr><s0>\n\nلم ينكر ذلك أحد، بل \"لم يزل المتأخرون يستخرجون الأدلة والتأويلات\" المغايرة لدلائل الأوائل، ويعد ذلك تمامًا في النظر وضربًا من المحاسن.\nالشرح: \"قالوا\": المحدث لذلك \"اتبع غير سبيل المؤمنين\"؛ لأنهم [لم] (^١) يفعلوا ذلك.\n\"قلنا\": اتّباع سبيلهم \"مؤول\" باتباعهم \"فيما اتَّفقوا\" عليه، والمعنى: ذم اتباع غير سبيل المؤمنين فيما اتَّفقوا عليه بأن يسلك ما خالفوه، لا ما لم يتعرضوا له، \"وإلا لزم المنع\" عن الحكم \"في كل متجدّد\" من الوَقَائِع (^٢).\n\"قالوا\": قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١١٠] وَالمعروف عام (^٣)، فيأمرون بكل معروف، فلو كان ما أحدث معروفًا، لأمروا به، وإن لم يكن معروفًا فلا يصار إليه.\n\"قلنا: معارض بقوله: ﴿وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ فلو كان منكرًا لنهوا عنه\" بغير ما ذكَرتم.\n\n\"فائدتان\"\nالأولى: إذا اعتلّوا بعلَّة، فالقولُ في إحداث علَّة أخرى، كالقول في إحداث دليل آخر إن جوَّزنا اجتماع علَّتين، ذكره القاضي عبد الوهَّاب المالكي، والشيخ أبو عمر وعثمان بن عيسى المَارَانِيُّ (^٤) صاحب \"الاستقصاء\" في كتابه: \"شرح اللُّمع\"، وهو ظاهر.\nوالثانية: هذا إذا لم يقولوا لا دليل أو لا علة إلّا ما ذكرناه.\n_________\n(^١) سقط في ح.\n(^٢) في أ، ت، ح: الواقع.\n(^٣) في ت: علم.\n(^٤) عثمان بن عيسى بن درباس، ضياء الدين، أبو عمرو الكردي الهذباني، الماراني ثم المصري، تفقه على أبي العباس الخضر بن عقيل وعلى أبي سعد بن أبي عصرون وغيرهما، وساد وتقدم وبرع في المذهب الشافعي، وشرح المهذب في عشرين مجلدًا إلى كتاب الشهادات، وشرح اللمع في مجلدين، قال ابن خلكان: كان من أعلم الفقهاء في وقته بمذهب الشافعي، ماهرًا في أصول الفقه. توفي سنة ٦٠٢. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ٦٠، والأعلام ٤/ ٣٧٥، ووفيات الأعيان ٢/ ٤٠٦.","vol":"2","page":238},{"text":"<span data-type='title' id=toc-485>حُكْمُ اتِّفاقِ العَصْرِ الثانِي </span>(^١)\nمَسْألة:\nاتِّفَاقُ الْعَصْرِ الثَّانِي عَلَى أَحَدِ قَوْلَي الْعَصْرِ الْأَوَّل بَعْدَ أَنِ اسْتَقَرَّ خِلافُهُمْ. قَالَ الْأَشْعَرِيُّ، وأَحْمَد، وَالإِمَامُ وَالغَزَّالِيُّ ﵏: مُمْتَنِعٌ.\n<hr><s0>\n\nفإن قالوا: قال أبو عمرو الماراني: لا يجوز الإحداث قولًا واحدًا.\nوقال القاضي عبد الوهَّاب: إن كان الدليل الثَّاني مما يتعيَّن دلالته، فإجماعهم على منع كونه دليلًا صحيح مثل الخصوص والمجاز والنَّسخ، وإن لم يتعيَّن دلالته فلا يصحّ هذا الإجماع، ذكره في \"الملخص\".\n«مسألة»\nالشرح: \"اتفاق العَصْر الثَّاني\" إن كان على ما سبق الاتفاق \"على\" خلافه، فممتنع عند الأكثرين، وإلا يتصادم الإجماعان.\nوقال أبو عبد الله البَصْرِي (^٢)؛ يجوز.\n_________\n(^١) هذه المسألة في أنه إذا اختلف أهل عصر في مسألة من المسائل على قولين، واستقر خلافهم في ذلك، أي لا يكون خلافهم على طريق البحث عن المأخذ كما مرت به عادة النظار قبل اعتقاد بواحد من الناظرين في المسألة حقيقة شيء من طرفيها، أو يكون بعض أهل العصر في مهلة النظر، أو لم يحضر بعد في المسألة ونظائرها، بل يكون خلافهم على طريق اعتقاد كل واحد من القائلين حقيقة ما ذهب إليه ولم يوجد نكيرهم، فهل يتصور انعقاد إجماع من بعدهم على أحد القولين أم لا؟ اختلفوا فيه. ينظر: الشيرازي ٢٢٣ أ/ خ، والبرهان ١/ ٨١٤، والمعتمد ٢/ ٤٩٨، ٥١٧، والإحكام للآمدي ١/ ٢٤٨، وشرح العضد ٢/ ٤١، والمنخول ٣٢٠، والمستصفى ١/ ٢٤٣، والتبصرة ٣٧١، وحاشية البناني ٢/ ١٨٦، وشرح الكوكب ٢/ ٢٧٢، ومختصر ابن اللحام ٧٩، وكشف الأسرار ٣/ ٣٤٧، وأصول السرخسي ١/ ٣١٩، وفواتح الرحموت ٢/ ٢٢٦، وتيسير التحرير ٣/ ٢٣٢، وإرشاد الفحول ٨٦.\n(^٢) الحسين بن علي بن إبراهيم، أبو عبد الله، الملقب بـ \"الجُعَل\"، ولد بالبصرة سنة ٢٨٨ هـ فقيه، من شيوخ المعتزلة، كان رفيع القدر، انتشرت شهرته في الأصقاع ولا سيما \"خراسان\". قال أبو حيان فيما وصفه به: \"ملتهب الخاطر، واسع أطراف الكلام، يرجع إلى قوة عجيبة في التدريس، وطول نفس في الإملاء مع ضيق صدر عند لقاء الخصم .. \". من تصانيفه: \"الإيمان\" و\"الإقرار\" و\"المعرفة\" =","vol":"2","page":239},{"text":"وَقَالَ بَعْضُ الْمُجَوِّزِينَ: حُجَّةٌ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ بَعِيدٌ إِلَّا فِي الْقَلِيلِ، كَالاِخْتِلافِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ، ثُمَّ زَالَ.\n<hr><s0>\n\nقال الإمام الرَّازي: وهو الأولى.\nقلت: واتفقوا على أنه غير واقعٍ، وما ذكر من قول الإمام الشَّافعي: أجمعوا على شهادة العبد، وما روي عن أنس أجمعوا على قَبُولهم، فالذي نقل عن أنس لم يصح عنه.\nوبالجملة هو اختلاف في نقل الإجماع.\nوإن كان \"أحد قولي العَصْر الأول\"، فإن كان قبل استقرار الخِلافِ، فالجمهور على جوازه.\nوخالف أبو بكر الصَّيْرفي، - كما اقتضاه إطلاق الإمام الرازي وأتباعه - وينبغي التوقف فيه، فقد أجمعوا على دَفْنِ النبي ﷺ في [بيت] (^١) عائشة وأمور أخَّرها رجوعهم إلى أبي بكر ﵁ في قتال مَانِعِي الزَّكاة بعد سبق الخلاف الذي لم يستقر في الكل.\nوإن كان \"بعد أن استقرّ خلافهم\"، ومضوا عليه مدَّة، فله صورتان:\nإحداهما: أن يقع الاتفاق من أهل العَصر بعينهم بعد اختلافهم، وقد أخر في الكتاب، ذكرها، وكان تقديمها على أختها أولى.\nوالثانية: أن ينقرضوا على خلافهم، فهل لمن بعدهم الإجماع على أحد ذَيْنك القولين؟\nأصح الوجهين عند أصحابنا، وذكر الشيخ أبو إسحاق أنه قول عامَّة أصحابنا.\nوقال سليم الرازي: قول أكثر أصحابنا وأكثر الأشعرية هكذا (^٢).\nقال ابنُ السَّمعاني؛ وقال إمام الحَرَمَيْنِ: إليه ميلُ الشافعي.\nوقال ابن برهان: ذهب الشَّافعي إلى: أن حكم الخلاف لا يرتفع.\nونقله القاضي في \"التقريب\" عن جمهور المتكلمين والفقهاء، وبه \"قال الأشعري وأحمد\" ومن أصحابنا: أبو بكر الصَّيرفي، وابن أبي هريرة، وأبو علي الطَّبري، والقاضي أبو حامد \"والإمام والغزالي ﵏: أنه \"ممتنع\".\nوالثَّاني: - وعليه أكثر الحنفية - أنه جائز، وعليه من أصحابنا: الحارث المحاسبي،\n_________\n= و\"الرد على الراوندي\" و\"الرد على الرازي\". وتوفي بـ \"بغداد\" سنة ٣٦٩ هـ. ينظر: شذرات الذهب ٣/ ٦٨، والمنتظم ٧/ ١٠١، والإمتاع والمؤانسة ١/ ١٤٠، والأعلام ٢/ ٢٤٤.\n(^١) سقط في ح.\n(^٢) في ت، ح: وكذا.","vol":"2","page":240},{"text":"وَفي الصَّحيحِ: أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ كَانَ يَنْهَى عَنِ الْمُتْعَةِ. قَالَ الْبَغَوِيُّ: ثُمَّ صَارَ إِجْمَاعًا.\n<hr><s0>\n\nوالإصْطَخْرِيّ، وابن خَيْرَان (^١)، والقَفَّال الكبير، والقاضي أبو الطّيب، وابن الصَّباغ، ومن متأخريهم: الإمام الرَّازي وأتباعه.\n\"وقال بعض المجوّزين\": إنه \"حجَّة\" ويرتفع الخلاف المتقدم، وتصير المسألة إجماعية، وهو رأي أكثرهم.\nوقال شرذمةٌ منهم: لا يكون حُجَّة.\n\"والحق\" - عند صاحب الكتاب، - في مثل هذا الإجماع \"أنه بعيد\" وقوعه؛ لأنه غالبًا لا يكون \"إلا\" عن جَلِيّ، وتبعد غفلة المخالف عنه إلَّا \"في القليل\".\nوهذا استثناء منقطع أي: لكن وقع قليلًا، والوقوع قليلًا لا ينافي البعد، \"كالاختلاف في\" بيع \"أم الولد\"، فإنه وقع بين الصَّحابة \"ثم زَالَ\"، فروى حماد بن زيد عن أنس بن سِيرِينَ عن عَبِيدَةَ السَّلْمَاني قال: كَتَب إِلَيَّ عليٌّ وإلى شريح يقول: إنِّي أبغض الاختلاف فاقضوا كما كنتم تقضون - يعني: في أم الولد - حتى يكون الناس جماعة أو أموت كما مات صاحباي، وروى البخاري مثله من رواية عبيدة عن علي، وليس فيه ذكر \"أم الولد\".\nولقائل أن يقول: لا نسلّم وقوع الاتِّفَاق، فقد ذهب بعض العلماء إلى بيعهنّ. سلمناه، ولكن المجمعين هنا أهل العصر بعينهم، لا أهل العصر الثَّاني بدليل علي ﵁ وهو من الصّدر الأول، فليس ذلك صورة مسألتنا.\n\"والصَّحيحُ\": أن عثمان بن عفان ﵁ كان ينهى عن المُتْعَةِ\" - متعة الحج - وذلك ثابت في صحيح مسلم (^٢).\n\"قال البغوي\" في \"شرح السُّنة\" (^٣): \"ثم صار إجماعًا\" أي: صار إجماعًا أنها جائزة.\n_________\n(^١) أبو علي الحسين بن صالح بن خيران، كان من أئمة مذهب الشافعي. قال الخطيب: كان من أفاضِل الشيوخ وأماثل الفقهاء مع حسن المذهب، وقوة الورع، وأراد السلطان أن يوليه القضاء فامتنع واستتر، وسمر بابه لامتناعه. مات سنة ٣١٠. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٩٢، وتاريخ بغداد ٨/ ٥٣، وشذرات الذهب ٢/ ٢٨٧.\n(^٢) أخرجه البخاري حديث (١٥٦٣)، وطرفه في (١٥٦٩)، ومسلم ٣/ ٨٩٧، كتاب الحج: باب، جواز التمتع (١٥٩/ ١٢٢٣).\n(^٣) وهو بتحقيقنا، وقامت بنشره دار الكتب العلمية.","vol":"2","page":241},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوعبارته في \"شرح السنة\" (^١): هذا اختلاف محكي، وأكثر الصحابة على جَوَازها، واتَّفقت عليه. انتهى.\nوقيل: المُرَاد: فسخ الحَجّ إلى العمرة، وإن نهىَ عثمان عن المُتْعَةِ يحمل على ذلك، ثم تحريمها إجماعًا.\nوفيه نظر؛ لأنه لم يَصِرْ إجماعًا، بدليل أن أحمد وداود قائلان بجواز ذلك.\nوقيل: مُتْعة النِّكَاح، ثم صار تحريمها إجماعًا، فإن ذلك لا يُعرف عن عثمان وإنما هو في \"صحيح مسلم\" عن عمر ﵁ وأنه قال: ولا أقدر على رجل تزوج امرأة إلى أجل إلَّا غَيَّبْتُهُ في الحِجَارَة.\nثم النهي عن مُتْعَةِ النكاح (^٢) كان عليه جماعة الصحابة، فلا يحسُن نسبته إلى واحد فقط،\n_________\n(^١) ينظر: شرح السنة ٤/ ٤١ في كتاب الحج: باب التمتع بالعمرة إلى الحج.\n(^٢) أصل المتعة في اللغة: الانتفاع، يقال: تمنعت بكذا، واستمتعت بمعنى، والاسم المتعة. قال الجوهري: ومنه متعة النكاح، ومتعة الطلاق، ومتعة الحج؛ لأنه انتفاع، والمراد بالمتعة هنا أن يتزوج الرجل المرأة مدة من الزمن، سواء أكانت المدة معلومة، مثل أن يقول: زوجتك ابنتي مثلًا شهرًا، أو مجهولة مثل أن يقول: زوجتك ابنتي إلى قدوم زيد الغائب، فإذا انقضت المدة، فقد بطل حكم النكاح، وإنما سمي النكاح لأجل بذلك لانتفاعها بما يعطيها وانتفاعه بقضاء شهوته، فكان الغرض منها مجرد التمتع دون التوالد وغيره من أغراض النكاح. وقد كانت المتعة منتشرة عند العرب في الجاهلية، فكان الرجل يتزوج المرأة مدة ثم يتركها من غير أن يرى الجرب في ذلك غضاضة، فلما جاء الإسلام أقرهم على ذلك في أول الأمر، ولم نعلم أن النبي ﷺ نهى عن المتعة إلا في غزوة خيبر في السنة السابعة من الهجرة، فقد روي عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ \"نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية\" واستمر الأمر على ذلك حتى فتح مكة حيث ثبت أن النبيّ ﷺ أباحها ثلاثة أيام، وفي بعض الروايات أنه أباحها يوم أوطاس. ولكن الحقيقة أن ذلك كان في يوم الفتح، ومن قال يوم أوطاس فذلك لاتصالها بها، ثم حرمها رسول الله ﷺ بعد ذلك إلى يوم القيامة. فيعلم من هذا أن المتعة كانت مباحة قبل خيبر ثم حرمت في خيبر، ثم أبيحت يوم الفتح، ثم حرمت بعد ذلك إلى يوم القيامة، فتكون المتعة مما تناولها التحريم والإباحة مرتين. وقد نشأ من هذا الاختلاف في المتعة بين الصحابة، فمنهم من يرى أن إباحة المتعة قبل خيبر كانت للصررة وللحاجة ثم لما ارتفعت الحاجة في خيبر نهى عنها رسول الله ﷺ، ثم لما تجددت الحاجة عام الفتح أذن فيها، ولما ارتفعت الحاجة نهى عنها. وعليه فتكون المتعة مباحة عند الحاجة، وبهذا=","vol":"2","page":242},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nثم الذي قال فيه البغوي ما قال إنما هو مُتْعَةُ الحج.\n_________\n= كان يقول ابن عباس: ﵁: - إلا أنه رجع عنه كما سيأتي بيانه. ومنهم من يرى أن نهي النبيّ ﷺ عن المتعة يوم خيبر كان نسخًا لها، ثم رفع النسخ في يوم الفتح ثلاثة أيام، ثم نسخت بعد ذلك إلى يوم القيامة، وإلى هذا ذهب جمهور الصحابة. وقد اختلف الفقهاء بعد ذلك في المتعة هل هي محرمة، فتكون من الأنكحة الفاسدة أو مباحة؛ فتكون من الأنكحة الصحيحة. فذهب الجمهور إلى القول بتحريمها وأنها من الأنكحة الفاسدة التي تفسخ مطلقًا قبل الدخول وبعده، وهو مذهب الأئمة الأربعة. وذهب الإمامية من الشيعة إلى القول بإباحة نكاح المتعة إلى يوم القيامة، بل منهم من تغالى في ذلك وقال: إنها قربة. وعليه فالخلاف في المتعة بين الجمهور والإمامية. ولما لم أجد كتابًا من كتب الإمامية أثق به لأستطيع استيفاء الكلام على مذهبهم في المتعة رأيت أن أكتفي بما قاله شرف الدين الصنعاني وهو من علماء الشيعة، فإنه بعد أن ذكر الحديث عن علي قال ما نصه: والحديث يدل على تحريم نكاح المتعة للنهي عنه، وهو النكاح المؤقت إلى أمد مجهول أو معلوم، وغايته إلى خمسة وأربعين يومًا، ويرتفع النكاح بانقضاء الوقت المذكور في المتقطعة الحيض والحائض بحيضتين والمتوفى عنها بأربعة أشهر وعشر، ولا يثبت لها مهر ولا نفقة ولا توارث ولا عدة إلا الاستبراء بما ذكر، ولا نسب يثبت به إلا أن يشترط، وتحرم المصاهرة بسببه. هكذا ذكره في بعض كتب الإمامية. استدل الإمامية على القول بإباحه المتعة بالكتاب والأثر والمعقول والإجماع.\nأما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فإنهم حملوا الاستمتاع في الآية على المتعة، وقالوا: المراد بقوله تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أجر المتعة. ومما يؤيد أن الآية في المتعة قراءة أبي وابن عباس ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلى أجل﴾ فهي صريحة في المتعة.\nوأما الأثر: - فأولًا ما روي أن ابن عباس كان يفتي بالمتعة - ووجه الدلالة من هذا أنهم قالوا: لو لم تكن المتعة مباحة لما أفتى بها ابن عباس؛ إذ لا يليق بمثله أن يفتي بها مع أنها محرمة.\nوثانيًا: - بما روي عن جابر ﵁ قال: تمتعنا على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر، ثم نهانا عمر - ووجه الدلالة من هذا أن جابرًا ﵁ أخبر أنهم استمتعوا في زمن النبي ﷺ وفي خلافة أبي بكر وفي صدر من خلافة عمر، وهذا يدل على أن المتعة تباح، وإنما نهى عنها عمر من باب السياسة الشرعية.\nوأما المعقول: - فقد قالوا: إنها منفعة خالية من جهات القبح، ولا نعلم فيها ضررا عاجلًا ولا آجلًا، وكل ما هذا شأنه فهو مباح. فالمتعة مباحة.\nوأما الإجماع: - فإنهم قالوا: أجمع أهل البيت على إباحتها. وتناقش هذه الأدلة التي تمسك بها الإمامية بما يأتي: =","vol":"2","page":243},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nثم إن الخصم لا يسلم قيام الإجماع على تحريم متعة النِّكَاح، فقد قال أبو محمد بن حزم:\n_________\n= أما الآية فيقال لهم فيها: إنها بمعزل عن الدلالة لكم؛ إذ هي محمولة على النكاح الدائم وما يجب للمرأة من المهر كاملًا إذا استمتع بها الزوج، ويؤيد هذا أنها وردت في سياق الكلام على النكاح بالعقد المعروف بعد الكلام على أجناس يحرم التزوج بها، وتسمية المهر أجرًا لا يدل على أنه أجر المتعة، فقد سمي المهر أجرًا في غبر هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ أي مهورهن، وكقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي مهورهن. وأما قراءة أبي وابن عباس فهي شاذة، والقراءة الشاذة لا تعارض القطعي، وهي الآية الدالة على التحريم، وهي قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ مع أن الدليلين إن تساويا في القوة وتعارضا في الحل والحرمة قدم دليل الحرمة منهما، ويقال لهم فيما روي عن ابن عباس: إنه ثبت رجوعه عنه. وقد كان يقي بها أولًا لأنه فهم من نهي النبيّ ﷺ عنها يوم خيبر ثم إباحتها يوم الفتح ثم نهى عنها بعد ذلك. أن الإباحة كانت للضرورة والنهي عند ارتفاعها، يؤيد ذلك ما روي عن شعبة عن أبي جمرة قال: سمعت ابن عباس سئل عن متعة النساء فرخص فيها فقال له مولى له: إنما ذلك في الحال الشديد وفي النساء قلة، فقال ابن عباس: نعم؛ فإنه يعلم من هذا أن ابن عباس كان يتأول في إباحة نكاح المتعة المضطر إليه ثم توقف بعد ذلك لما ثبت له النسخ.\nومما يؤيد رجوع ابن عباس ما أخرجه الترمذي أن ابن عباس قال: إنما كانت المتعة في أول الإسلام كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة، فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم، فتحفظ له متاعه، وتصلح له شأنه حتى نزلت: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ فقال ابن عباس: فكل فرج سواهما حرام.\nوقد روى رجوعه أيضًا البيهقي وأبو عوانة في صحيحه. وروي عنه أنه قال عند موته: اللهم إني أتوب إليك من قولي في المتعة والصرف. وعليه فلا يصح الاحتجاج بفتوى ابن عباس وقد رجع عنها. ويقال لهم في أثر جابر: إن قوله: \"تمتعنا ..، إلخ\" يحمل على أن من تمتع لم يبلغه النسخ حتى نهى عنها عمر. أو يكون جابر ﵁ قال ذلك لفعلهم في زمن رسول الله ﷺ ثم لم يبلغه النسخ حتى نهى عنها عمر، فاعتقد أن الناس باقون على ذلك لعدم الناقل عنده. والقول بأن عمر هو الذي نهى عنها وأن ذلك من قبيل السياسة الشرعية غير مسلم؛ فإن عمر إنما قصد الإخبار عن تحريم النبيّ ﷺ ونهيه عنها؛ إذ لا يجوز أن ينهي عما كان النبي ﷺ أباحه وبقي على إباحته، ومما يؤيد أن نهيه عنها ليس من قبيل السياسة الشرعية بل إنه نهى عنها لما علم نهى النبيّ ﷺ ما روي من طريق سالم بن عبد الله عن أبيه عن عمر قال: صعد عمر المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم=","vol":"2","page":244},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  قال: ما بال رجال ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول الله ﷺ عنها إلا أوتي بأحد نكحها إلا رجمته\".\nويقال لهم في المعقول: لا نسلم أنها منفعة خالية من جهات القبح ولا ضرر فيها في الآجل ولا في العاجل، بل الضرر متحقق فيها؛ فإن فيها امتهان المرأة وضياع الأنساب؛ فإنه مما لا شك في أن المرأة التي تنصب نفسها ليستمتع بها كل من يريد تصبح محتقرة في أعين الناس، وأيضًا فهو معقول في مقابلة النص، وهو باطل.\nويقال لهم في الإجماع أولًا: إن إجماع أهل البيت على فرض إجماعهم ليس بحجة، فما بالك والإجماع لم يصح عنهم. فهذا زيد بن علي وهو من أعلمهم يوافق الجمهور، ثم إن الإمام عليًا ﵁ وهو رأس الأئمة عندهم يقول بتحريمها، فقد روي من طريق جويرية عن مالك بن أنس عن الزهري أن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب والحسن بن محمد حدثاه عن أبيهما أنه سمع علي بن أبي طالب يقول لابن عباس: إنك رجل تائه - أي مائل - إن رسول الله ﷺ نهى عن المتعة.\nوأما الجمهور: فقد استدلوا على تحريم نكاح المتعة بالكتاب والسنة والمعقول والإجماع أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة أنها أفادت أن الوطء لا يحل إلا في الزوجة والمملوكة، وامرأة المتعة لا شك أنها ليست مملوكة ولا زوجة. أما أنها ليست مملوكة فواضح. وأما أنها ليست زوجة؛ فلأنها لو كانت زوجة لحصل التوارث بينهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ الآية وبالاتفاق لا توارث بينهما.\nوثانيًا: لثبت النسب لقوله ﷺ: \"الولد للفراش وللعاهر الحجر\" وبالاتفاق لا يثبت النسب.\nوثالثًا: لوجبت العدة عليها؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ الآية.\nوأما السنة فأولًا: ما روى مالك عن ابن شهاب عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي بن أبي طالب ﵁ عن أبيهما عن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ \"نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية\" ووجه الدلالة من الحديث أن النبيّ ﷺ نهى عن المتعة، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، فيكون نكاح المتعة فاسدًا. والحديث يدل على نسخ ما تقدم من إباحتها.\nثانيًا: ما روي عن سبرة الجهني أنه غزا مع النبيّ ﷺ فتح مكة: قال فأقمنا بها خمسة عشر، فأذن لنا رسول الله ﷺ في متعة النساء، وذكر الحديث إلى أن قال: فلم أخرج منها حتى حرمها رسول الله ﷺ. وفي رواية: أنه كان مع النبيّ ﷺ فقال: \"يأيها الناس كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليمنع سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا\" رواه أحمد ومسلم. ووجه الدلالة من الحديث أنه يدل برواياته على =","vol":"2","page":245},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  تحريم نكاح المتعة، وقد جاء في الرواية الثانية التصريح بتحريمها إلى يوم القيامة، فيكون ذلك نسخًا لإباحتها، وإذا ثبت ذلك فهي من الأنكحة الفاسدة.\nوأما المعقول: فقد قالوا: إن النكاح لم يشرع لقضاء الشهوة، بل شرع لأغراض ومقاصد يتوسل به إليها، واقتضاء الشهوة بالمتعة لا يقع وسيلة إلى المقاصد التي من أجلها شرع النكاح، فلا يكون مشروعًا.\nوأما الإجماع: فقد قالوا: إن الأمة امتنعت عن العمل بالمتعة مع ظهور الحاجة إلى ذلك، وما ذلك إلا لعلمهم بنسخها. وقد نوقشت أدلة الجمهور بما يأتي:\nأما حديث علي فقد قيل لهم فيه إنه وقع فيه كلام حتى زعم ابن عبد البر أن ذكر النهي يوم خيبر غلط. وقال السهيلي: ويتصل بهذا الحديث تنبيه على إشكال؛ لأن فيه النهي عن نكاح المتعة يوم خيبر، وهذا شيء لا يعرفه أهل السير ورواة الآثار، والذي يظهر أنه وقع تقديم وتأخير في لفظ الزهري. وقد أشار ابن القيم إلى تقرير هذا التقديم والتأخير فقال: وأما نكاح المتعة فثبت عنه أنه أحلها عام الفتح، وثبت عنه أنه نهى عنها عام الفتح، واختلف هل نهى عنها يوم خيبر على قولين، والصحيح أن النهي إنما كان عام الفتح، وأن النهي يوم خيبر إنما كان عن الحمر الأهلية، وإنما قال عني لابن عباس. إن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن متعة النساء، ونهى عن الحمر الأهلية؛ محتجًا عليه في المسألتين، فظن بعض الرواة أن التقييد بيوم خيبر راجع إلى الفعلين، فرواه بالمعنى، ثم أفرد بعضهم أحد الفعلين وقيده بيوم خيبر.\nوترد هذه المناقشة بأن أصحاب الزهري قد اتفقوا على نهي النبيّ ﷺ عن المتعة يوم خيبر؛ وهم حفاظ ثقات، وزيادة الحافظ الثقة تقبل. ولهذا قال عياض: تحريمها يوم خيبر صحيح ولا شك فيه، والقول بأنه وقع في لفظ الزهري تقديم وتأخير يخالفه ظاهر الحديث؛ فإن ظاهره أن عام خيبر ظرف لتحريم نكاح المتعة.\nومما يؤيد هذا الظاهر حديث ابن عمر الذي أخرجه البيهقي بإسناد قوي أن رجلًا سأل عبد الله بن عمر عن المتعة فقال: حرام، فقال: فإن فلانًا يقول فيها، فقال: والله لقد علم أن رسول الله ﷺ حرمها يوم خيبر، وما كنا مسافحين، والذي يظهر لي أن القائلين بأن النهي يوم خيبر إنما كان عن لحوم الحمر الأهلية يحاولون بذلك استبعاد أن تكون المتعة قد نسخت مرتين؛ لأنه ثبت النهي عنها يوم الفتح، ومعلوم أن يوم الفتح بعد خيبر؛ إذ إن خيبر في السنة السابعة من الهجرة، وغزوة الفتح في السنة الثامنة؛ فيلزم من ذلك نسخها مرتين. ونحن نرى ألا داعي لهذه المحاولة ما دام الحديث ظاهرًا في أن يوم خيبر ظرف لتحريم نكاح المتعة، ولا مانع من نسخها مرتين، ولها نظير في الشريعة الإسلامية، وهو مسألة القبلة فقد نسخت مرتين، وذلك أن النبيّ ﷺ كان يصلي بمكة إلى الكعبة، ثم=","vol":"2","page":246},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nثبت على تحليلها بعد رسول الله ﷺ جماعة من السَّلف، منهم: أسماء بنت أبي بكر (^١) الصدِّيق ﵁، وجابر بن عبد الله، وابن مسعود، وابن عبَّاس، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن حريث (^٢) .......................................\n_________\n= أمر بالصلاة إلى بيت المقدس بعد الهجرة تأليفًا لليهود وامتحانًا للمسلمين الذين اتبعوه بمكة، ثم حول إلى الكعبة ثانيًا.\nوقيل لهم في حديث سبرة الجهني: إن القول بأن النبيّ ﷺ حرمها إلى يوم القيامة معارض بما روي عنه أن النبيّ ﷺ نهى عن المتعة في حجة الوداع كما عند أبي داود.\nوترد هذه المناقشة بأن هذا اختلف فيه عن سبرة، والرواية عنه بأنها في الفتح أصح؛ لأنهم في فتح مكة شكوا للنبي ﷺ العزوبة، فرخص لهم فيها مدة ثم نسخها، وعلى تسليم صحة النهي عنها في حجة الوداع، فنقول: إن النبيّ ﷺ أعاد النهي في حجة الوداع ليسمعه من لم يكن سمعه قبل، فأكد ذلك حتى لا تبقى شبهة لأحد يدعى تحليلها.\nويقال لهم في الإجماع: إنه غير مسلم؛ فقد ثبت الجواز عن ابن عباس كما ثبت عن جماعة من التابعين.\nويجاب عن هذا بأن ابن عباس صح عنه أنه رجع عن القول بحل المتعة كما قدمنا؛ فانعقد الإجماع على تحريمها. وأما خلاف بعض التابعين، فإنه إن صح عنهم لم يضر بعد تقرر التحريم قبل حدوثهم. يتبين لنا من بيان الأدلة ومناقشاتها رجحان مذهب الجمهور من أن المتعة حرام، وهي من الأنكحة الفاسدة لقوة أدلتهم، وأنه لا عبرة بمخالفة الإمامية؛ لما تبين من بطلان ما تمسكوا به من الأدلة، ولقد أطلنا النفس فيها مع أن المقام مقام \"أصول\" لا \"فقه\" حتى نرد كيد المعتدين الآثمين في هذا العصر القائلين بالإباحة.\n(^١) أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄، مهاجرية، جليلة، لها ستة وخمسون حديثًا. اتفقا على أربعة عشر، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بمثلها. روى عنها ابناها عبد الله وعروة ومولاها عبد الله بن كيسان وابن عباس وجماعة، وكانت تسمى ذات النطاقين. قال ابن إسحاق: أسلمت بعد سبعة عشر إنسانًا. قالت فاطمة بنت المندر: كانت أسماء تمرض المرضة، فتعتق كل مملوك لها. قال ابن إسحاق: توفيت بـ \"مكة\" سنة ثلاث وسبعين قال الذهبي: هي آخر المهاجرات وفاة. ينظر ترجمتها في: تهذيب (١٢/ ٣٩٧ رقم ٢٧٢١)، وتقريب: ٢/ ٥٨٩، والثقات ٣/ ٢٣، وأسد الغابة ٧/ ٩، وأعلام النساء ١/ ٣٦، والسمط الثمين ٢٠٢، والدر المنثور ٣٣، والاستيعاب ٤/ ١٧٨١، والإصابة ٢/ ٢٤٤، والكاشف ٣/ ٤٦٤، وتهذيب الكمال ١٦٧٧، وتاريخ البخاري الصغير ١/ ١٥٦، ١٩٢، والخلاصة ٣/ ٣٧٤، ٤٠٧، وحلية الأولياء ٢/ ٥٥.\n(^٢) عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان بن عبيد الله بن عمر بن مخزوم، أبو سعيد الكوفي، صحابي له=","vol":"2","page":247},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوأبو سعيد الخدري (^١)، وسلمة (^٢)، ومغيرة (^٣) ابنا أُمَيَّة بن خلف.\nقال: وقال بإباحتها من التَّابعين: طاوس (^٤)، وعطاء، وسعيد بن جُبَير وفقهاء \"مكَّة\" انتهى.\nفأين الإجماع؟ وحيث انتهينا إلى هذا فليحرّر موضع قول أصحابنا: إنه لا يتصوّر، فإنه\n_________\n= ثمانية عشر حديثًا. وعنه: ابنه جعفر والحسن العُرَني. قال البخاري: توفي سنة خمس وثمانين. ينظر: تاريخ البخاري الكبير ٦/ ٣٠٥، وتاريخ البخاري الصغير ١/ ١٨٩، والجرح والتعديل ٦/ ٢٢٥، والثقات ٣/ ٢٧٢، وتهذيب الكمال ٢/ ١٠٢٩، وتهذيب التهذيب ٨/ ١٧ (٢٦)، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٢٨٢، والكاشف (٣٢٦)، وطبقات ابن سعد ٣/ ٣٩ و٦/ ٢٣، وسير الأعلام ٣/ ٤١٧.\n(^١) سعد بن مالك بن سنان - بنونين - بن عبد بن ثعلبة بن عبيد بن خدرة - بضم المعجمة - الخدري أبو سعيد، بايع تحت الشجرة، وشهد ما بعد أحد، وكان من علماء الصحابة، له ألف ومائة حديث وسبعون حديثًا، اتفقا على ثلاثة وأربعين، وانفرد البخاري بستة وعشرين ومسلم باثنين وخمسين، وعنه طارق بن شهاب وابن المسيب والشعبي ونافع وخلق. قال الواقدي: مات سنة أربع وسبعين. ينظر ترجمته في: تهذيب الكمال ١/ ٤٧٣، ونهذيب التهذيب ٣/ ٤٧٩، وتقريب التهذيب ١/ ٢٨٩، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ٣٧١، والكاشف ١/ ٣٥٣، وتاريخ البخاري الكبير ٤/ ٤٤، وتاريخ البخاري الصغير ١/ ١٠٣، ١٣٥، ١٣٩، ١٦١، ١٦٧، والاستيغاب ٢/ ٦٠٢، والحلية ١/ ٣٦٩.\n(^٢) سلمة بن أمية بن خلف الجمحي، ذكره خليفة بن خياط فيمن سكن مكة من الصحابة، وروى عمر بن شبة في أخبار المدينة من طريق سماك بن حرب عن رجل أن سلمة بن أمية تزوج مولاة له بشهادة أمها وأختها، فرفع ذلك إلى عمر فقال: أبجهل فعلت ذلك، قال: نعم قال: فأشهد ذوي عدل وإلا فرقت بينكما، قال عمر بن شبة: واستمتع سلمة بن أمية من سلمة مولاة حكيم بن أمية بن الأوقص الأسلمي، فولدت له فجحد ولدها، قال ابن حجر: وذكر ذلك ابن الكلبي وزاد: فبلغ ذلك عمر فنهى عن المتعة، وروى أيضًا أن سلمة استمتع بامرأة فبلغ عمر، فتوعده، وقال ابن حزم في المحلى: ثبت على تحليل المتعة بعد النبيّ ﷺ من الصحابة ابن مسعود وابن عباس وجابر وسلمة ومغيرة ابنا أمية بن خلف، وذكر آخرين. ينظر: الإصابة ٣/ ١١٤ ت (٣٣٥٦).\n(^٣) ثبت في الأصل سعد والصواب ما أثبتناه.\n(^٤) طاوس بن كيسان اليماني الجندي - بفتح الجيم والنون - قيل: من الأبناء وقيل: مولى همدان الإمام العلم - قيل: اسمه ذكوان. قاله ابن الجوزي. روى عن: أبي هريرة وعائشة وابن عباس وزيد بن ثابت وزيد بن أرقم، وروى عنه: مجاهد وعمرو بن شعيب وحبيب. قال ابن عباس: إني لأظن طاوسًا من أهل الجنة. مات سنة ١٠٦. ينظر: خلاصة تهذيب الكمال ٢/ ١٥.","vol":"2","page":248},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nمذهب مستشكل جدًّا، وقد حاد عنه طَوَائف من متقدّميهم ومتأخريهم كما عرفت.\nفنقول: اعلم أن أصحابنا قائلون بأنه لا يتصوّر انعقاد الإجماع بعد تقدم خلاف مضى عليه أصحابه مُدَّة غير كافلين عن الحادثة، بل باحثين عنها، وقد مضت مدة تقضي العادة بالاطّلاع في مثلها مع ذلك البَحْث على أنه لو كان ثَمّ دليل يوجب رجوع الجَمِيع إلى أحد ذَيْنك القولين لظهر فلمَّا مضت هذه المُدَّة مع شِدَّة التفحُّص كانت العادة مانعة من إجماع بعد.\nوهذا هو المختار عندي، بيد أني أقول: لا اعتبار عندي في ذلك بانقراض العصر، حتى أجوِّز رجوع إحدى الطَّائفتين إلى الأخرى مطلقًا، وامتنع انعقاد إجماع العصر الثَّاني مطلقًا.\nولا أظن ذلك مذهبنا، بل المختار الذي أعتقده رأيًا، وأظنه مذهب أئمتنا: أن الاعتبار في ذلك بمضي مثل هذه المُدَّة مع تَذْكار الواقعة وتَرْدَاد البَحْث، فمتى حصل امتنع الإجماع بعده عادة سواء [أكان] (^١) المختلفون أولًا، هم أهل عصر مضى عليهم وطرأ عصر آخر - وذلك هو الأغلب في [مثل] (^٢) هذه المدَّة - أم كانوا هم بأعيانهم - وذلك نادر - إذ مثل هذه المدَّة لا تقع إلا وقد انقرض عادة أهل العصر أو غالبهم.\nوهذا - والله أعلم - هو السَّبب في التفرقة بين المسألتين؛ حيث قيل في هذه إنها دون التي بعدها.\nوالذي يظهر: أنه لا فَرْقَ بين العصرين، وإنما النظر في المُدَّة.\nفإذًا مختارنا: أن هذه المدَّة متى حصلت على خلاف استقرّ عليه أصحابه امتنع عادة انعقاد الإجماع على أحد القولين.\nونقول: لو وقع لكان حُجَّة، ولكن الشأن (^٣) في وقوعه فإن القواعد (^٤) تمنعه.\nوأيضًا فالأقوال لا تموت بموت قائلها، فكأن الخلاف باقٍ وإن ذهب أهله، ولو مات القول بموت قائله مات قول المجمعين جميعًا بموتهم، وجاز أن يتعقّب إجماعٌ إجماعًا ويتصادمان، فهذان مأخذنا فيما ذهبنا إليه.\nوهذا الذي قلته هو مقتضى كلام إمام الحرمين، أو صريح قوله حيث قال: الرَّأي الحق\n_________\n(^١) في ب: كان.\n(^٢) سقط في ح.\n(^٣) في ح: النسيان، وهو تحريف.\n(^٤) في ح: العوائد، وهو تحريف.","vol":"2","page":249},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nعندنا، ما نبديه الآن فنقول: إن قرب عَهْد المختلفين، ثم اتفقوا على قول فلا أثر (^١) للاختلاف المتقدّم، وهو نازل مَنْزِلة تردّد ناظر واحد أولًا مع استقراره آخرًا. وإن تمادى الاختلافُ في زمن مُتَطَاول بحيث يقضي العرف، فإنه لو كان ينقدح وجه في سقوط أحد القولين (^٢) مع طول المُبَاحثة لظهر ذلك للباحثين.\nوإذا انتهى الأمر إلى هذا المُنْتَهَى، فلا حكم للوفاق على أحد القولين، ثم قال: وشفاء الغَلِيلِ في ذلك أن رجوع قوم، وهم جَمّ (^٣) غَفِير إلى قول أصحابهم حتى لا يبقى على ذلك المذهب المُتَمَادَى أحد ممن كان ينتحله لا يقع في مستقر العادة، فإن الخلاف إذا رَسَخَ وتناهى الباحثون، ثم لم يتجدَّد بلوغ خبر أو أثر يجب الحكم لمثله، فلا يقع في العُرْف دروس مذهب طال الذَّبُّ عنه.\nفإن فرض فارضٌ ذلك، فالإجماعُ فيه محمول على أنه بلغ الرَّاجعين أمر سوى ما كانوا يخوضون (^٤) فيه من مَجَالِ الظُّنون، ثم غاية الأمر إن انتهى الأمر إلى أنهم قطعوا بذلك، فوفاقهم إجماع حملًا على هذا.\nوعليه ثمّ انبنى أصل الإجماع، فإن فرض فارض عدم القَطْع مع الرجوع عن المَذْهَبِ القديم، فهذا بعيد في التصور وإن تصور ذلك على تكلف فما أرى (^٥) ذلك بالغًا مبلغ الإجماع، فإنه لا ينقدح فيه دعوى سكت من يتعقق بالقول المرجوع (^٦) عنه حيث انقدح ذلك في مواقع القَطْع، ثم قال: أما إذا انقرض عصر مع طول الزَّمان، فإن المعتمد عندنا طول الزَّمَان على الخلاف، ثم اجتمع علماء العصر الثَّاني على أحد المذاهب، فالوجه ألا يجعل ذلك إجماعًا. انتهى.\nوقوله: ثم غاية الأمر … إلخ ممَّا لا تنازعَ فيه، فإن دعوانا أن العادة تحيل، والقول الفصلُ: إنه إن وقع كان إجماعًا.\nوإمام الحرمين يقول: إنه فيما إذا وقع مع عدم القَطْعِ لا يبلغ مَبْلَغ الإجماع.\nوهو صحيح، ومراده بالإجماع المقطوع، وهذا إجماع مظنون، ومراتب الإجماع متقاربة.\n_________\n(^١) في ح: إرث.\n(^٢) في ب: القول.\n(^٣) سقط في ح.\n(^٤) في ت، ح: يخرصون.\n(^٥) في ت، ح: أدري.\n(^٦) في ت، ح: المرجوح.","vol":"2","page":250},{"text":"الْأَشْعَرِيُّ: الْعَادَةُ تَقْضِي بِامْتِنَاعِهِ.\nوَأُجِيبَ بِمَنْعِ الْعَادَة وَبِالْوُقُوع.\nقَالُوا: لَوْ وَقَعَ لَكَانَ حُجَّة فَيتَعَارَضُ الإجْمَاعَانِ؛ لأِنَّ اسْتِقْرَارَ اخْتِلافِهِمْ دَلِيلُ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى تَسْوِيغِ كُلٍّ مِنْهُمَا.\n<hr><s0>\n\nوقد صرَّح الحنفية (^١): بأنه إجماع بأنه من أدنى مراتب الإجماع، ولذلك قال محمد بن الحسن فيمن قال لامرأته: أنت خَلِيَّة ونوى ثلاثًا، ثم جامعها في العِدَّة وقال: علمت أنها حرام، لا يُحَدُّ؛ لأن عمر ﵁ كان يراها واحدةً رجعيةً، وقد أجمعنا بخلافه. ونيَّة الثلاث صحيحة بلا خلاف أهو حجة، أو لا؟ فلا يصير موجبًا علمًا بلا شُبْهَة، هكذا قال أبو زيد الدّبوسي في \"التقويم\" من كتبهم.\nوصورةُ المسألة عند الغَزَّالي - ما إذا لم يصرح المَانعون بتحريم القَوْل الآخر. وإن صرَّحوا بتحريمه فقد تردّد - أعني: الغَزَّالي - هل يمنع ذلك أو لا؟ ولا يجب اتباعهم فيه.\nالشرح: إذا عرفت هذا فقول المصنّف: احتج \"الأشْعَرِيّ\" فقال: \"العادةُ تقضي بامتناعه\" إشارة إلى ما أبديناه.\nولا نعرف هذا من كلام الأشعري نفسه، وإنما هو من كلام إمام الحَرَمَيْنِ سيِّد الأشاعر.\nوقوله في جوابه: \"وأجيب بمنع العادة، وبالوقوع\" ضعيف.\nأما منع العادة، فيظهر ضعفه فيما تقدم عند الإنصاف، ولو أن كل من ادعى عادةً اتَّجه منعه منع المصنّف في دعواه العادة على أصل الإجماع، وأما الوقوع، وهو أشكل ما يورد علينا فإنَّا نمنعه، وكل صورة تورد فلا نسلّم طول الزمان فيها طولًا تقضي العادة بأنه لو كان أمر يوجب سقوط أحد القولين لظهر.\nثم ما ذكره في الكتاب من الصُّورتين لا يحتاج فيه إلى هذه الطريق بعد الإحاطة بما قدمناه فيهما، ومن وافق أصْحَابنا في الحكم فرقة.\nو\"قالوا: لو وقع\" إجماع بعد خلاف مستقرّ \"لكان حجَّة\"؛ إذ كل إجماع حُجّة، \"فيتعارض الإجماعان؛ لأن استقرار خلافهم دليل إجماعهم على تَسْويغِ كل منهما\" - أي: من القولين - والإجماع الثَّاني يصادمه.\n_________\n(^١) ينظر: تيسير التحرير ٣/ ٢٣٢، والتقرير والتحبير ٣/ ٨٨.","vol":"2","page":251},{"text":"وَأجِيبَ بِمَنْعِ إِجْمَاعِ الْأَوَّل، وَلَوْ سُلِّمَ فَمَشْرُوطٌ بِانْتِفَاءِ الْقَاطِعِ كَمَا لَوْ لَمْ يَسْتَقِرَّ خِلافُهُمْ.\nالْمُجَوِّزُ: وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ لَوْ كَانَ حُجَّةً لَتعَارَضَ الإِجْمَاعَانِ وَقَدْ تَقَدَّمَ.\nقَالُوا: لَمْ يَحْصُلِ الاِتِّفَاقُ.\nوَأجِيبَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ إِذَا لَمْ يَسْتَقِرَّ خِلافُهُمْ.\nقَالُوا: لَوْ كَانَ حُجَّةً لَكَانَ مَوْتُ الصَّحَابِيِّ المُخَالِفِ يُوجِبُ ذلِكَ.\nلأِنَّ البَاقِيَ كُلُّ الأُمَّةِ الأَحْيَاءُ.\n<hr><s0>\n\n\"وأجيب بمنع الإجماع الأول\" على التَّسْويغ.\n\"ولو سلِّم فمشروط بانتفاء القاطع\"، وهو انعقاد الإجماع الثَّاني على أحد القولين فإذا وجد زوال الأول لزوال شرطه، فكان \"كما لو لم يستقرّ خلافهم\".\nالشرح: واحتج \"المجوز\" - أي: القائل بأنه جائز، \"وليس بحجة\" أنه \"لو كان حُجَّة لتعارض الإجماعان وقد تقدم\" هو وجوابه.\n\"قالوا\" ثانيًا: \"لم يَحْصُلِ الاتفاق\"؛ لأن فيه قولًا مخالفًا، فإن القولَ لا يموت بموت صاحبه.\n\"وأجيب: بأنه يلزم إذا لم يستقر خلافهم\"، فيقال: لا يحدث إجماع عقيب اختلاف غير مستقر بعين (^١) ما ذكرتم.\nولقائل أن يقول: ما لم يستقر عليه الرَّأي فليس قولًا لأحد.\n\"قالوا\" ثالثًا: \"لو كان حُجَّة لكان موت الصَّحابي المخالف\" - إذا لم يَبْقَ مخالف (^٢) غيره \"يوجب ذلك\" - أي: يوجب كون قول البَاقين (^٣) حُجَّة.\nالشرح: \"لأن الباقي (^٤) كل الأمة الأحياء.\n_________\n(^١) في ب: بغير.\n(^٢) ينظر: شرح العضد ٢/ ٤١، وإرشاد الفحول (٨٦)، والمعتمد ٢/ ٥٠١.\n(^٣) في أ، ت، ح: النافين.\n(^٤) في أ، ت، ح: النافي.","vol":"2","page":252},{"text":"وَأُجِيبَ بِالاِلْتِزَامِ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى خِلافِهِ.\nالآخَرُ لَوْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً لأَدَّى إِلَى أَنْ تَجْتَمِعَ الْأُمَّةُ الْأَحْيَاءُ عَلَى الْخَطَأِ، وَالسَّمْعِيُّ يَأْبَاهُ.\nوَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ، وَالْمَاضِي ظَاهِرُ الدُّخُولِ لِتَحَقُّقِ قَوْلهِ بِخِلافِ مَنْ لَمْ يَأْتِ.\n<hr><s0>\n\nوأجيب بالالتزام\"، وتسليم أن موت الصحابي يصير قول الباقي حجة، \"والأكثر على خلافه\".\nفالجوابُ على آرائهم بالفارق، وهو أن قول الباقين (^١) قول من قَدْ خُولفوا في عصرهم بخلاف صورة النزاع.\nوالمخالف \"الآخر\" - وهم القائلون بأنه حُجَّة - احتج بأنه \"لو لم يكن لأدَّى إلى أن تجتمع الأمة الأحياء على خطأ، والسَّمعيُّ يأباه.\nوأجيب بالمَنْعِ\" مع انتفاء اللازم، فلا نسلِّم أن السمعي يأباه؛ لأنه لم يدل على انتفاء اجتماع الأحياء على الخطأ بل على انتفاء اجتماع الأمة، والأحياء ليسوا كل الأمة.\nوالماضي المثبت (^٢) \"ظاهر الدخول\" في الأمة؛ \"لتحقق قوله\"، ووجدانه في الخارج.\nفإن قلت: فليدخل \"من لم يَأْت\".\nقلت: الماضى متحقق، بخلاف من لم يَأْتِ، فإنه ليس بمتحقق لا هو، ولا قوله؛ فلذلك لم يدخل.\n\n\"فرع\"\nإذا وطئ في نكاح المُتْعَةِ عالمًا بتحريمه انبنى على الخلاف في الاتفاق بعد الاختلاف إن جعلناه إجماعًا وجب الحَدّ، وإلا فوجهان:\nالأصحُّ: لا يجب.\nوحكى ابن السَّمْعَاني في تفسيق الوَاطِئ في نكاح المُتْعة وجهين.\n_________\n(^١) في أ، ت، ح: النافين.\n(^٢) في ب: الميت.","vol":"2","page":253},{"text":"<span data-type='title' id=toc-486>اتِّفاقُ أَهْلِ الْعَصْرِ بِأَعْيَانِهِمْ </span>(^١)\nمَسْأَلةٌ:\nاتِّفَاقُ الْعَصْرِ عَقِيبَ الاِخْتِلافِ إِجْمَاعٌ وَحُجَّةٌ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ، وَأَمَّا بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِ فَقِيلَ مُمْتَنِعٌ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"اتفاقُ أهل العصر\" بأعيانهم \"عَقيب الاختلاف\" - أي: قبل استقراره - \"إجماع وحجة\".\nوإِنَّما جمع بين الإجماع والحُجَّة؛ لأن بعضهم قال: إن بعض هذه الإجماعات إجماع لا حُجَّة نحن أيضا قَدَّمنا عن الدّبوسي عن محمد بن الحَسَنِ قوله: اختلفوا في هذا الإجماع أهو حجَّة فلذلك قال: إجماع وحجة.\n\"وليس\" وقوعه \"ببعيد\"، فإن الزمان لم يَتَمَاد، فالعادةُ لا تبعد اطلاعهم على مُسْتَنَدٍ جَلِيّ بعد الاختلاف يجتمعون عليه.\n\"وأما بعد استقراره، فقيل: ممتنع\" - واختاره الإمام الرَّازي.\nوقيل: جائز - واختاره الآمدي، وإليه ميل المصنّف.\nوقيل: يجوز إلا أن يكون مستندهم قاطعًا.\n\"وقال بعض المُجَوّزين: حجة\".\nوقال بعضهم: ليس بحُجَّة.\n\"وكل من اشترط انْقِرَاض العَصْر\" في انعقاد الإجماع \"قال\": بأنه \"إجماع\".\nوالفرق بين هذه المسألة والتي قبلها: أن المُجْمعين في تلك غير المختلفين، بخلاف هذه، \"وهي كالتي قبلها\" انتحالًا وحجاجًا \"إلا أن كونه حُجَّة\" هنا \"أظهر\" منه، ثم؛ \"لأنه\" قول كل \"الأمة؛ إذ \"لا قول لغيرهم خلافه\"، بخلاف الأول، فإنه إذا اعتبر من خالفهم من المَوْتَى كانوا بعض الأمة لا كلها.\n_________\n(^١) هذه المسألة في أنه إذا اختلفت الصحابة أو أهل أي عصر كان في المسألة على قولين، فهل يجوز اتفاقهم على أحد القولين والمنع من الاختلاف أي المصير إلى الآخر؟ اختلفوا فيه لا قبل استقرار الخلاف؛ فإنه لم يختلف فيه إلا شرذمة قليلة استبعدوا. ينظر الشيرازي ٢٢٦ أ/خ.","vol":"2","page":254},{"text":"وَقَالَ بَعْضُ الْمُجَوِّزِينَ: حُجَّةٌ وَكُلُّ مَنِ اشْتَرَطَ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ قَالَ: إِجْمَاعٌ وَهِيَ كَالَّتِي قَبْلَهَا إِلَّا أَنَّ كَوْنَهُ حُجَّةً أَظْهَرُ؛ لأِنَّهُ لا قَوْلَ لِغَيْرِهِمْ عَلَى خِلافِهِ.\n<hr><s0>\n\nومن هذه الكلمة أخذنا ميل المصنّف إلى التجويز.\nوللخَصْمِ أن يقول: لا فرقَ بين موت القَائِلِ، وتغير اجتهاده؛ وهذا لأن تغير الاجتهاد لا لخرج الأول عن كونه قولًا لبعض المجتهدين، ولو رجع المجتهد عن فَتْوَاهُ في مسألة جاز للعامي تقليده في المرجوع عنه ما لم يتيقّن الخطأ؛ لأنه يتبع أقوال المجتهدين في مواطن الاجتهاد لا قائليها (^١)، وهذه أقوال الشَّافعي في القديم لم تخرج بكونها مرجوعًا عنها عن أن تكون قول مجتهد للعامي انتحاله.\nولذلك لا ينتقض الاجتهاد بالاجتهاد، بل يبقى حكمه ما لم يقطع بالخطأ.\nفإن قلت: فقد قالوا فيما إذا علم المستفتي برجوع المفتي، ولم يكن عمل لم يجز له العمل، وأنه لو نكح بِفَتْوَاهُ أو استمر على نكاح بفتواه، ثم رجع لزمه فراقها لنظيره في القبْلَةِ.\nقلت: هذا مذهبنا، ولكن لا نَدْرِي ماذا يقول الخصم فيه؟ ولعله يقول: لعل ذلك إمَّا أنه لو عمل به؛ لأنه قول مجتهد لم يجمع على خلافه، ولم يقم قاطعّ على فساده فلا أرى (^٢) ذلك ممتنعًا.\nوإما؛ لأنه بتقليده؛ أو لالتزام تقليده، فلا بعد عنه بناء على أن من قلَّدَ مجتهدًا في مسألة وجب عليه الانقياد له في سائر المَسَائل.\nفإن قلت: فقد حكوا وجهين فيما إذا استفتى العَامّي فأجيب، ثم حدثت له تلك الحادثة ثانيًا، وعرف استناد المُفْتي إلى الرأي والقياس، أو شَك وهو هي أصحهما، يلزمه السؤال ثانيًا.\nقلت: قد يقال: لأنه لم يَبْقَ ببقاء المسألة من المجتهدات؛ لاحتمال طَرَيَان (^٣) إجماع على خلاف ما أفتى به المفتي فيها؛ أو لأنه مقلّد للمفتي، ولعلَّه رجع.\nوالحاصلُ: أن من يقول: المَوْتُ لا يذهب قول القائلين قد يقول ذلك في تغيَّر الاجتهاد، فإن قيل له: طرأ إجماع (^٤) قاطع. يقول: إن صلح قاطعًا للاجتهاد السَّابق، فليقطع قول الميت.\nوقد يفرق - وهو الحق - بأن الميت يعطي حكم المصمم (^٥) على مَقَالته؛ لأنه آخر الأمرين منه، بخلاف من أقرَّ على نفسه بالرُّجُوع.\n_________\n(^١) في ت، ح: قائلها.\n(^٢) في ح: أدري.\n(^٣) في ت، ح: جريان.\n(^٤) في ت، ح: اجتماع.\n(^٥) في ت: التصميم.","vol":"2","page":255},{"text":"<span data-type='title' id=toc-487>الاِخْتِلاف فِي جَوَازِ عَدَمِ عِلْمِ الْأُمَّةِ بِخَبَرٍ أَوْ دَلِيلٍ رَاجِحٍ </span>(^١)\nمَسْألةٌ:\nاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ عَدَمِ عِلْمِ الْأُمَّةِ بِخَبَرٍ، أَوْ دَلِيل رَاجِحٍ إِذَا عُمِلَ عَلَى وَفْقِهِ.\nالْمُجَوِّزُ لَيْسَ إِجْمَاعًا كَمَا لَوْ لَمْ يَحْكُمُوا فِي وَاقِعَةٍ.\nالنَّافِي: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"اختلفوا في جواز عدم علم الأمة بخبرٍ، أو دليلٍ راجحٍ\" على حكم \"إذا عمل وَفْقِهِ\" (^٢) مُصيبين في الحكم (^٣).\nأما إذا لم يعملوا (^٤) على وَفْقِهِ؛ لعارض، فلا ريب في امتناعه؛ لأنه إجماعٌ على الخطأ.\nواحتج \"المجوز\" بأنه: \"ليس إجماعًا\" على عدمه حتى يكون خطأ، فإن عدم العلم غير العلم بالعدم، فيكون \"كما لو لم يحكموا في واقعة\" بحكم، فإنه لا يكون قولًا بعدم الحكم فيها قال ولا يلزم الخطأ؛ فإن الخطأ من فعل المكلّف، وعدم العلم ليس من فعله، وهذا هو اختيار (^٥) الآمدي.\nواحتج \"النَّافي\" فقال: لو اشتركوا في عدم العلم به، لكان سبيلًا لهم، فيجب اتباعهم فيه.\nوامتناع تحصيل العلم به مع أنه لا يمتنع إحداث دليل يحدثه اللَّاحقون، ولو أحدثوه كانوا\n_________\n(^١) هذه المسألة في أنهم اختلفوا في إمكان وجود دليل أو خبر بلا معارض، وهو المراد من الراجح مع اشتراك الأمة في عدم العلم به، فمنهم من جوزه مطلقًا، ومنهم من أحاله مطلقًا، ومنهم من فصل، وقال: إن كان عملهم على وفق ذلك الدليل أو الخبر فيجوز اشتراكهم في عدم العلم به؛ لما يأتي من دليل المجوز مطلقًا، وإن عملهم على خلافه فهو محال لا دليل النافي؛ لبطلانه على ما يجيء، بل لما فيه من إجماع الأمة على الخطإ المنفى بالأدلة السمعية. ينظر الشيرازي: ٢٢٦ أ، ب/ خ.\n(^٢) في ب: وقعه.\n(^٣) ينظر: المحصول ٢/ ١/ ٢٩٥، وشرح الكوكب ٢/ ٢٨٥، وحاشية البناني ٢/ ٢٠٠، والإحكام للآمدي ١/ ٢٥٢، وشرح العضد ٢/ ٤٣، وإرشاد الفحول (٨٧)، وتيسير التحرير ٣/ ٢٥٧.\n(^٤) في ب، ح: يعلموا.\n(^٥) في ب: مختار.","vol":"2","page":256},{"text":"<span data-type='title' id=toc-488>حُكْمُ ارْتِدَادِ الأُمَّةِ سَمْعًا</span>\nمَسْأَلةٌ:\nالمُخْتَارُ امْتِنَاعُ ارْتِدَادِ [كُلِّ] الْأُمَّةِ سَمْعًا.\nلَنا: دَلِيلُ السَّمْعِ، وَأعْتُرِضَ بِأَنَّ الاِرْتِدَادَ يُخْرِجُهُمْ. وَرُدَّ بأَنَّهُ يَصْدُقُ أَنَّ الأُمَّةَ ارْتَدَّتْ وَهُوَ أَعْظَمُ الْخَطَأِ.\n<hr><s0>\n\n\"﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ \" - هذا تقرير كلام المصنّف فاعتمده - وعليه ينطبق كلام الآمدي، وأجاب عن الآية بأن: سبيلهم من كان من أفعالهم، وعدم العلم ليس من فعلهم.\n«مسألة»\nالشرح: \"المختار: امتناع ارْتِدَادِ الأمة سمعًا (^١).\nلنا: دليل السَّمع\" - وهو عند المصنّف والآمدي وغيرهما قوله ﵇: \"لا تَجْتَمِعُ أُمَّتي عَلَى خَطَأ\" ونظائره مما تقدَّم.\n\"واعترض بأن الارتداد يخرجهم\" من كونهم أمة، فلا يصدق عليهم اسم الأمة، فلا يتناولهم الحديث، بخلاف غير الارتداد من خطأ لا يخرجهم عن ذلك.\n\"ورد بأنه يصدق\" - إذا ارتدوا - \"أن الأمة ارتدت، وهو أعظمُ الخطأ\".\nفإن قلت: صدق أن الأمة ارتدت لا نسلّمه بطريق الحقيقة، بل هو مجازٌ باعتبار ما كان.\nقلت: ذلك إذا أطلق بعد وقوع الرّدة.\nأما إذا أطلق في حال الرِّدة، فالظاهرُ أنه حقيقةٌ.\nويؤيده: أن العبد لو قال لزوجته: إذا مات سيدي فأنت طالق طلقتين وقال السيد: إذا مت فأنت حر، واحتمله (^٢) الثلث، يُعْتق.\nقلت: ولولا صدق أنه سيده حال العِتْقِ والموت لم توجد الصّفة المعلّق عليها، وهي موت السيد، فلم يُعْتق.\nوالحاصل: أن البائع والمطلِّق والمُعْتق ونحوهم في حال صدور ما ذكرناه منهم مالكون،\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٥٣.\n(^٢) في ت، ح: واحمله.","vol":"2","page":257},{"text":"<span data-type='title' id=toc-489>الأخْذ بِأَقَلِّ مَا قِيلَ </span>(^١)\n<hr><s0>\n\nفما صدر منهم صادق (^٢) عليهم بالحقيقة اسم البائع، والمطلق، والمعتق، والمالك، والزوج، فكذلك الأمة حال الارْتِدَادِ، صادق عليها بالحقيقة أنها الأمة.\nويمكن التفات ذلك إلى أن العلَّة مع المعلول أو سابقة، فإن الارتداد علَّة خروجهم عن كونهم أمة النبيّ ﷺ، فإن كان سابقًا على خروجهم صدق معه لفظ الأمة عليهم، وإلَّا فلا.\nولو أن المصنّف استدلّ على مَطْلُوبه بنحو قوله ﷺ: \"لا تَزالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقّ … \" (^٣) لكان أوضح، فإنه نصٌّ في أن هذه الأمة لا تخلو عن قائم بالحق، ويستحيل معه ردة الكلِّ.\n_________\n(^١) هذه المسألة: بيانها أن بعض الضعفاء ظن أن الأخذ بالأقل إذا كان قولًا لكل الأمة مثل قول الشافعي ﵁: \"إن دية اليهودي الثلث\" أي ثلث دية المسلم - يصح التمسك فيه بالإجماع؛ بناءً على أن غيره قائل بالثلث أيضًا؛ لأن غيره قائل بالكامل، وهو دية المسلم أو النصف أي نصف دية المسلم، وهما مشتملان على الثلث، فيكون الثلث مجمعًا عليه، وليس بمستقيم؛ لأن مذهب الشافعي ﵁ ليس الثلث مطلقًا، بل الثلث فقط، وهو مشتمل على قيدين: وجوب الثلث، وهو متفق عليه، ونفي الزيادة، وفيه الخلاف، فلا يكون مجمعا عليه … ينظر: الشيرازي ٢٢٧ أ، ب/ خ، وشرح العضد ٢/ ٤٣، والإحكام للآمدي ١/ ٢٥٤، والمستصفى ١/ ٢١٦، وتيسير التحرير ٣/ ٢٥٨، وفواتح الرحموت ٢/ ٢٤١، وحاشية البناني ٢/ ١٨٧.\n(^٢) سقط في ت.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٤٢٩، وأخرجه أبو داود في السنن ٣/ ١١ كتاب الجهاد (٩) باب في دوام الجهاد (٤) الحديث (٢٤٨٤)، وأخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٧١ كتاب الجهاد، باب: أي المؤمنين أكمل إيمانًا، واللفظ لهما، وقال: (صحيح على شرط مسلم) ووافقه الذهبي. وأخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵁ في الصحيح ١/ ١٣٧ كتاب الإيمان (١) باب نزول عيسى بن مريم حاكمًا بشريعة نبينا محمد ﷺ (٧١) الحديث (٢٤٧/ ١٥٦)، وهذا الباب خال عن الأحاديث الحسان .. ومن \"حديث المغيرة بن شعبة أخرجه البخاري ١٣/ ٣٠٦ في الاعتصام بالكتاب والسنة، باب (١٠) قول النبي ﷺ:\"لا تزال طائفة من أمتي .. \" (٧٣١١)، ومسلم ٣/ ١٥٢٣ في كتاب الإمارة باب قول النبيّ ﷺ: \"لا تزال طائفة من أمتي .. \" (٧١/ ١٩٢١)، والدارمي ٢/ ٢١٣ في كتاب الجهاد، باب لا تزال طائفة من هذه الأمة يقاتلون على الحق، وأخرجه أحمد في المسند، ٢/ ٢٤٤، ٢٤٨، ومن حديث ثوبان مسلم ٣/ ١٥٢٣ (١٧٠/ ١٩٢٠).","vol":"2","page":258},{"text":"مَسْأَلةٌ:\nمِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵁: \"إِنَّ دِيَةَ الْيَهُودِيِّ الثُّلُثُ\" - لا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِالإِجْمَاعِ فِيهِ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"مثل قول الشافعي: إن دية اليهودي الثلث، لا يصح التمسُّك بالإجماع فيه\"، وإن ظنَّه بعضُ الفقهاءِ.\n\"قالوا: اشتمل الكامل والنصف عليه\"؛ لأن الثلث بعضها، فمن أوجب الكلِّ، أو النصف، فقد أوجبه فكان مجمعًا عليه.\n\"قلنا\": وجوب الثلث فقط اشتمل على حكمين: ثبوته، ونفي الزائد، \"فأين نفي الزيادة\" في القولين؟\n\"فإن أبدي مانع\" عن إثبات الزيادة كالكفر، \"أو انتفاء شرط\"، كما يقال: شرط تمام الدية الإسلام، \"أو اسْتِصْحَاب\" الحال (^١)، كما يقال: الأصل عدم الوجوب، خالفناه في الثلث للإجماع، \"فليس\" ذلك \"من الإجماع في شيء\"، بل هي أمور خارجة عنه.\nواعلم أن هذه المسألة هي المُلَقَّبة بـ \"الأخذ بأقلّ ما قيل\"، وهي مأثورة عن إمامنا الشَّافعي ﵁.\nووافقه عليها القاضي أبو بكر، وخالفه قوم، فيحق لنا أن نرخي عِنَانَ الكلام فيها ليتوضّح لناظريها فنقول:\nقال الإمام أبو المُظَفّر السَّمعاني: أقل ما قيل: هو أن يختلف المختلفون في مقدِّرٍ بالاجتهاد على أقاويل، فيؤخذ بأقلها عند إعْوَاز الحكم، فهذا على ضربين:\nأحدهما: أن يكون فيما أصله براءة الذمة، فإن كان الاختلاف في وجوب الحق، وسقوطه كان سقوطه أولى من وجوبه؛ لموافقة براءة الذِّمَّة ما لم يقم دَلِيلُ الوجوب، فإن كان الاختلاف [في وجوب الحق وسقوطه] (^٢) في قدره بعد الاتفاق على وجوبه كدية الذِّمِّي إذا وجبت على قاتله.\n_________\n(^١) في ت، ح: سقط.\n(^٢) سقط في ت، ب، ح.","vol":"2","page":259},{"text":"قَالُوا: اشْتَمَلَ الْكَامِلُ وَالنِّصْفُ عَلَيْهِ.\n<hr><s0>\n\nقيل: كدية المسلم. وقيل: نصفها. وقيل: ثلثها، وهو مذهب الشَّافعي، وهل يكون الأخذ بالأقل دليلًا؟ اختلف أصحاب الشَّافعي فيه على وجهين.\nوالضربُ الثَّاني: أن يكون فيما هو ثَابِتٌ في الذِّمَّة، كالجمعة الثابت فرضها، اختلف العلماءُ في عدد انعقادها، فلا يكون الأخذ بالأقلّ دليلًا لارْتِهَان الذِّمة بها، فلا تَبرأ الذِّمة بالشَّك، وهل يكون الأخذ بالأكثر دليلًا؟ فيه وجهان:\nأحدهما: يكون دليلًا، ولا ينتقل عنه إلا بدليل؛ لأن الذمة تبرأ بالأكثر إجماعًا، وبالأقل خلافًا، ولذلك جعلها الشَّافعي منعقدةً بأربعين؛ لأن هذا العدد أكثر ما قيل.\nوالثاني: لا يكون دليلًا؛ لأنه لا ينعقدُ من الخلاف دليلٌ في حكم، والشافعي إنما اعتبر الأربعين بدليل آخر.\nوذكر ابنُ السَّمْعَاني: إنَّ هذا كلَّه كلام بعض أصحابنا، وأنه ليس فيه كبير معنى قالوا: والوجوه ضعيفة، لكن تغلب (^١) على ما ذكر. انتهى.\nوأنا أقول: الأخذ بالأقل عبارة عن الأخذ بالمتحقّق، وطرح المشكوك فيما أصله البراءة، والأخذ بما لم يخرج عن العُهْدَة يتعيَّن فيما أصله اشتغال الذّمة، هذا حقيقته فافهمه، ولذلك جعل الأخذ بالأكثر في الضرب الثَّاني - وهو ما أصله شغل الذّمة - بمنزلة الأخذ بالأقل في الأول.\nوقد وهم بعض الضَّعفة فأورد عدد الجمعة سؤالًا على الشَّافعيين، ولم يعلم أن الأخذ فيه بالأكثر بمنزلة الأخذ في دية اليَهُودِي بالأقلِّ.\nفإن قلت: حقق لي هذا الفرق، فإن شغل الذِّمّة بصلاة الجُمُعَةِ متحقق، وشغلها بِدِيَةِ اليهودي متحقّق، وبراءتها بعدد الأربعين متحققة، وبمقدار دِيَةِ المسلم متحقّقة، والخروج عن العُهْدَةِ بالأقل من دية المسلم بمنزلة الخروج بالأقل من عدد الأربعين، وحينئذ يتوجه السّؤال، ولا يتجه الانقسام إلى ضربين.\nقلت: هذا تشكيك معضل، فينبغي التمهُّل في استماع (^٢) جوابه، فنقول: المركّب من أجزاء على قسمين:\n_________\n(^١) في ب: يغلب.\n(^٢) في ت، ح: إسماع.","vol":"2","page":260},{"text":"قُلْنَا: فَأَيْنَ نَفْيُ الزِّيَادَةِ، فَإنْ أُبْدِيَ مَانِعٌ أَوْ نَفْيُ شَرْطٍ أَوِ اسْتِصْحَابٌ - فَلَيْسَ مِنَ الإِجْمَاعِ في شَيْءٍ.\n<hr><s0>\n\nأحدهما: أن يكون بعضها مرتبطًا ببعض، فلا يعتد به إلا مع صاحبه، كصيام شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ في كَفَّارة الظِّهَار مثلًا، فكل يوم منها لا يعتد به إلا مع انضمامه إلى صواحبه على الوجه المعتبر عند الفقهاء.\nوالثَّاني: ألا يرتبط، فمن وجبت عليه لزيد عشرون درهمًا، فهو مأمور بتأدية كل درهم بخصوصه، ولا تعلّق لدرهم منها بصوم مسمى شهرين متتابعين، وشككنا هل جاءا ناقصين أو كاملين؟ لم يخرج عن العُهْدَةِ إلا بستين يومًا، فإن وقع الشَّك بعد صومه اليوم الموفى عدد الستين وجب تدارك شهرين لا يشك فيهما.\nوإذا ارتهنت بإطعام عشرة مساكين، فأطعم وشكّ هل أطعم عشرة أو تسعة؟ وجب إطعام واحد فقط، إذ لا تعلّق لبعض العشرة ببعض، بخلاف الأول.\nونظير هذا دية اليَهُودِيّ فإنَّ أبعاض الدِّيَةِ من حيث هي لا تعلّق لبعضها ببعض، فمن وجب عليه مائة من الإبل وجب كلّ واحد منها من غير تعلّق له بصاحبه، فإذا أخرج ثلثها برئ منه قطعًا وبقي ما وراءه، والأصل عدمه، فلم نوجبه جَرْيًا على الأصل.\nونظير الأول الجمعة، فإن أبعاض عددها متعلّق ببعض، فمن صَلَّاها في ثلاثة لم يخرج عن العُهْدَةِ بيقين، ولم يأت بما أسقط عنه شيئًا، ويظهر أثر هذا إذا تبيّن الحال، فلو صح بالآخرة أن الواجب أربعون لتبين أنه لم يأت بالجمعة، أو أن الواجب دِيَةُ المسلم كاملة في اليهودي لما خرج ما تقدّم عن الاعتبار، بل وقع موقعه، وزِيد عليه الثّلثان، فنحن نأخذ ببراءة الذِّمَةِ في نَفْي الزائد إذا لم نشكّ فيما وقع الإجماع على وجوبه، هل وقع موقعه كدية اليهودي؟\nأما إذا شككنا كالجمعة فإنما نشك فيمن صلَّاها في ثلاثة [هل صلاها] (^١)، أو لا؟ والأصل العدم، فجرينا عليه وأوجبنا أكثر، فأخذنا بالأصل في الموضعين، وهما في الحقيقة شيء واحد.\nولذلك قلنا: الأخذ بأقل ما قيل على ضربين، فموضوع المسألة الأخذ بأقلّ ما قيل، وهو قدر مشترك بين الضَّربين.\n_________\n(^١) سقط في ح.","vol":"2","page":261},{"text":"<span data-type='title' id=toc-490>الْعَمَلُ بِالإجْمَاعِ بِنَقْلِ الْوَاحِدِ</span>\nمَسْأَلةٌ:\nيَجِبُ الْعَمَلُ بِالإِجْمَاعِ الْمَنْقُولِ بِنَقْلِ الْوَاحِدِ وَأَنْكَرَهُ الْغَزَّالِيُّ.\n<hr><s0>\n\nوحاصله: إيجاب الاحتياط فيما أصله الوجوب دون غيره، والورع في الموضعين لا يخفى.\nفإن قلت: فالصلواتُ الخمسُ لا تعلّق لواحدة منها بالأخرى، ولو نسي واحدة مجهولة العين لأوجبتم الخمس.\nقلت: لأنه لا يتيقّن الخروج عن المنسي إلا بالإتيان بالخمس، وهو نظير الجمعة، فافهم هذا، واعرض عليه جميع الفروع، تجدْه موافقًا، وبه تبين لك أن الأخذ بأقل ما قيل مركّب من الإجماع ومن البراءة الأصليَّة، فلا يتَّجه من القائل بهما المخالفة فيه.\nوما ذكره المصنّف من أنه لا يصحّ التمسُّك فيه بالإجماع - يعني: وحده - صحيح، وقد ذكره كذلك القاضي، والغَزَّاليّ، وغيرهما، وبالله التوفيق.\n«مسألة»\nالشرح: \"يجب العمل بالإجماع المنقول بنقل الواحد\" - عند المصنّف، والشيخ الهندي، وجماعة من أصحابنا - \"وأنكره الغزالي\" (^١).\nقال الهِنْدِيُّ: وكل من قال: خبر الواحد يقبل في القطعيات، أو أن أصل الإجماع حجَّة ظنية، أو أنه ينقسم إلى قطعي وظني، وأن الظني منها مقبول حجَّة، فإنه يلزمه أن يقول بحُجية هذا الإجماع.\n_________\n(^١) هذه المسألة في اختلافهم في وجوب العمل بالإجماع المنقول بلسان الآحاد، فذهب إليه الحنابلة ومعظم الشافعية وبعض أصحاب أبي حنيفة، وأنكره جمع من أصحاب أبي حنيفة وبعض أصحابنا كالغزالي مع اتفاق الكل على أن ما يثبت بخبر الواحد لا يكون إلا ظنيًا في سنده وإن كان قطعيًا في متنه. ينظر: الشيرازي ٢٢٧ ب/ خ. والمستصفى ١/ ٢١٥، والمعتمد ٢/ ٥٣١، والمحصول ٢/ ١/ ٢١٤، وكشف الأسرار ٣/ ٢٦٥، وتيسير التحرير ٣/ ٣٦١، وأصول السرخسي ١/ ٣٠٢، والإحكام للآمدي ١/ ٢٥٤، وإرشاد الفحول ٧٣، ٨٩.","vol":"2","page":262},{"text":"لَنا: نَقْلُ الظَّنِّيِّ مُوجِبٌ؛ فَالْقَطعِيُّ أَوْلَى، وَأَيْضًا نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ.\n<hr><s0>\n\nوأما من لم يقل بشيء من ذلك، بل يقول: هو حجَّة قطعية، وليس منه شيء ظني ظنيًّا، فإنه يلزمه أن يرده ولا يقبله. انتهى.\nوسبقه الآمديُّ حيث قال: المسألة دائرةٌ على اشتراط كون دليل الأصل مقطوعًا به إلى آخر كلامه، وسيذكر المصنّف نحوه.\nولقائلٍ أن يقول: يجوز أن يستدل بالإجماع على حادثة إذا ظن وقوعه بخبر الواحد، وإن كان الأصل حجّية الإجماع لا تثبت إلا بالقطع، فخبر الواحد فيما نحن فيه مخبر عن وقوع الإجماع لا عن حُجّيته.\nولم قلتم: إنه لا يعتمد عليه حينئذٍ؟ وبهذا أسقط قولهم من قال: إن دليله قَطْعِيّ لا يقبل فيه خبر الواحد.\nوالحق أن هنا مسألتين:\nإحداهما: أن الأصل الإجماع - أعني: كونه حُجَّة لا يثبت بخبر الواحد - وهذا هو الصحيح وهو ما صرح الغزالي باختياره، وثبت قوله فيه، وحكى المُخَالفة فيه عن بعض الفُقَهاء.\nوالثانية: - وهي مسألة الكتاب - وفيها تكلّم الآمدي، والهندي أن الإجماع إذا نقل بخبر الواحد، هل ينهض دليلًا معمولًا به؟\nقال الجماعة: نعم، وحكوا عن الغَزالي المُخَالفة، وهي حكاية صحيحة، فإن الغزالي قال: إنه الأظهر وإن لم يقطع بمقابله، وذكر دليلًا حسنًا، ذكره الآمدي أيضًا وأهمله المصنّف، وهو أن العمل بخبر الواحد إنما تثبت مشروعيته بإجماع الصَّحابة.\nوإنما أجمعوا عليه فيما روي عن رسول الله ﷺ.\nأما ما روي عن الأمة من اتفاق، وإجماع فلم يثبت فيه [نقل وإجماع، ولو أثبتناه لكان ذلك بالقياس، فلم يثبت لنا] (^١) صحة القياس في إثبات أصول الشرع. انتهى.\nقوله: \"لنا نقل الظَّني\" بخبر الواحد \"موجب\" للعمل به، \"فالقَطعيُّ\" المنقول به \"أولى\" أن يكون معمولًا به.\n_________\n(^١) سقط في ح.","vol":"2","page":263},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالآمدي لم يذكر هذا الدَّليل هكذا، بل قال: خبر الواحد عن الإجماع مفيد للظَّن، فكان حجة كخبره عن نصّ الرَّسول ﷺ.\nوهذا يدرؤه ما ذكره الغزالي: من أنه لا دليل هنا على العمل بخبر الواحد إلا القياس، ولم يثبت أنه يفيد (^١) هنا كما علمت.\nوقد ذكره الآمدي من بعد، والآمدي لم يصرح في المسألة باختيار شيء.\nوالمصنّف اختار العمل، فاحتاج إلى تقوية هذا الدليل، فأورده على الوجه الَّذي علمته ليجعله من باب قياس الأولى.\nفورد عليه ما ورد على هذا الدَّليل من أن القياس لم يثبت العمل به هنا، وزيادة وهي: أن دعوى الأولوية لا وجه لها، وقد يعكسها الخصم، فلو اقتصر على ما فعل الآمدي لكان أولى، وكان أقصى ما يرد عليه ما ذكره الغَزَالِيّ، ويمكن المُنَازعة فيه بأن يقال: العمل بالظَّن في العمليات مطلقًا واجب.\nقوله: \"وأيضًا\" قوله ﷺ: \"نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ\"، واللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ\" (^٢).\n_________\n(^١) في ب: بعيد.\n(^٢) ذكره السخاوي في \"المقاصد الحسنة\" ص ٩١، وقال: اشتهر بين الأصوليين والفقهاء، بل وقع في شرح مسلم للنووي في قوله ﷺ: \"إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم\" ما نصه: معناه إني أمرت أن أحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر كما قال ﷺ اهـ. قال السخاوي: ولا وجود له في كتب الحديث المشهورة ولا الأجزاء المنثورة، وجزم العراقي بأنه لا أصل له، وكذا أنكره المزي وغيره.\nوذكره الحافظ ابن كثير في \"تحفة الطالب\" ص (١٧٤) وقال: وهذا الحديث كثيرًا ما يلهج به أهل الأصول، ولم أقف له على سند، وسألت عنه الحافظ أبا الحجاج المزي فلم يعرفه. لكن له معنى في الصحيح: وهو قوله ﷺ: إنما أقضي بنحو مما أسمع.\nوقال البخاري في كتاب الشهادات: قال عمر: إن ناسًا كانوا يؤخذون بالوحي على عهد رسول الله ﷺ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه، وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال: إن سريرته حسنة.","vol":"2","page":264},{"text":"قَالُوا: إِثْبَاتُ أَصْلٍ بِالظَّاهِرِ.\n<hr><s0>\n\nقال الآمدي: ذكر الظَّاهر بالألف واللام المستغرقة، فدخل فيه الإجماع الثَّابت بخبر الواحد لكونه ظاهرًا ظنيًّا. انتهى.\nفإن قلت: لا يلزم من حكمه هو ﷺ بالظاهر أنا نحن نحكم.\nقلت: إذا حكم ﵇ به كان هو الحق، ضرورة أنه لا يحكم إلا بالحق، ثم الأصل عدم التخصيص.\nولقائل أن يقول: دلالة الحديث على الحُكْمِ لكل مظنون مظنونة، أو غايته (^١): العموم، ودلالته على أفراده ظنية، ثم إنه عام مخصوص قطعًا؛ إذ من الأشياء ما لا يحكم فيه الظاهر إذا كانت مظنونة، فلم قلتم: إنه يعمل بها هنا، فذلك دور، وحديث نحن نحكم بالظَّاهر لا يعرفه المحدثون، لكنَّ معناه ممَّا لا خلاف فيه.\nوفي الصحيح: أن النبيّ ﷺ قال: \"إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ\".\nوروي أن العَبَّاس قال: يا رسول الله كنت مكرهًا (^٢) يوم \"بدر\"، فقال النبيّ ﷺ:\"أَمَّا ظَاهِرُكَ فَكَانَ عَلَيْنَا، وَأَمَّا سَريرَتُكَ فإِلَى الله\".\nالشرح: والمانعون \"قالوا\": هذا \"إثبات أصل\" من أصول الشَّريعة \"بالظاهر\"، فلا يجوز.\n\"قلنا: المتمسّك الأول\" - وهو قياس الأولى - \"قاطع\"، \"والثاني\" - وهو حديث \"نَحْنُ نَحْكمُ بِالظَّاهِرِ\" - \"ينبني على اشتراط القَطْعِ\" في أدلَّة الأصول.\nولك أن ترتب الجواب هكذا: لا نسلّم أن هذا إثبات أصل، إنما الأصل انتهاض الإجماع من حيث هو دليل، لا أنه هل وقع إجماع في المسألة الفلانية، وهذا لم يذكره في الكتاب، وهو أوجه مما بعد.\nسلمنا: أنه أصل ولكن لم قلتم: إن الأصل لا يثبت بالظَّواهر إذا كان يقتضي عملًا.\nوهذا الجواب الثَّاني في الكتاب.\nسلمنا ولكن معنا دليل قَطْعي، وهو قياس الأولى، وهذا الأولى فيه وقد علمت ما فيه.\nثم ذكر الآمدي عبارة ناشئة عن عدم اختياره في المسألة شيئًا فقال: والظُّهور في هذه المسألة للمعترض من الجانبين دون المستدلّ فيها.\n_________\n(^١) في ت، ح: غائبة.\n(^٢) في ح: مكروهًا.","vol":"2","page":265},{"text":"قُلْنَا: الْمُتَمَسَّكُ الْأَوَّلُ قَاطِعٌ، وَالثَّانِي يُبْتَنَى عَلَى اشْتِرَاطِ الْقَطْعِ، وَالْمُعْتَرِض مُسْتَظْهِرٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-491>الْكَلامُ فِي إِنْكَارِ حُكْمِ الإجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ </span>(^١)\nمَسْأَلَةٌ:\nإِنْكَارُ حُكْمِ الإِجمَاعِ الْقَطْعِيِّ، ثَالِثُهَا: الْمُخْتَارُ أَنَّ نَحْوَ الْعِبَادَاتِ ..........\n<hr><s0>\n\nأي: من انتهض مستدلًا فيها لنفي، أو إثبات ظهر عليه المعترض؛ وذلك لتجاذب أطرافها.\nوقد نَبَا القَلَمُ بالمصنّف فتبعه، وقال: \"والمعترض مستظهر من الجانبين\" (^٢) فيمنع دليل المثبت، ويقول: لا أسلم أن كل دليل ظَنِّي يجب العمل به، ودليل النَّافي، ويقول: لا أسلم امتناع إثبات الأصول العملية بالظَّواهر، ونحو ذلك من المسوغ، وهذا لا ينبغي للمصنّف، فإنه اختار أحد القولين، فكيف يعترف باستظهار المعترض؟.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"إنكار حكم الإجماع القَطْعي.\n_________\n(^١) هذه المسألة في حكم إنكار الإجماع، واعلم أنهم اتفقوا على أن إنكار حكم الإجماع الظني كالسكوتي والمنقول بلسان الآحاد غير موجب للتكفير، وأما القطعي يكفّر به بعضهم مطلقًا، وفصله آخرون، وهو المختار، والضابط أن المجمع عليه بالإجماع القطعي إن كان داخلًا في مسمى الإسلام - يعني إن كان ما علم بالضرورة أنه مما جاء به النبيّ ﷺ وإليه أشار بقوله: \"نحو العبادات الخمس\" كفر منكره بمزايلة الإسلام عنه، وإن لم يكن كذلك كمسائل الإجارة ونحوها، فلا يكفر منكرها. ينظر: الشيرازي ٢٢٨ ب/ خ. والإحكام ١/ ٢٥٥، والمحصول ٢/ ١/ ٢٩٧، والمعتمد ٢/ ٥٢٨، والبُرهان ١/ ٧٢٤، والمنخول ٣٠٩، وأصول السرخسي ١/ ٣١٨، وشرح التنقيح ص ٣٣٧، والمسودة ص ٣٤٤، وكشف الأسرار ٣/ ٢٦١، وحاشية البناني ٢/ ١٩٧، وتيسير التحرير ٣/ ٢٥٨، وفواتح الرحموت ٢/ ٢٤٣، وإرشاد الفحول (٧٨)، والمنتهى لابن الحاجب ص ٤٦، وغاية الوصول ص ١١٠، ونشر البنود ٢/ ١٠٢، والمدخل (١٣٢).\n(^٢) هذا الاستظهار لا اختصاص له بهذه المسألة؛ فإنه عام في أكثر المسائل على ما لا يخفى، اللهم إلا أن يقال: المراد أن المعترض مستظهر في الاعتراض على الدليل الثَّاني من الجانبين، أي سواء شرط القطع في أدلة الأصول أم لا؛ لأنه إن شرط منع اعتباره فيه، وإن لم يشرط مع دلالته يمنع العموم، وعلى هذا يختص الاستظهار بالمسألة. ينظر: الشيرازي ١/ ٢٢٨ أ/ خ.","vol":"2","page":266},{"text":"الْخَمْسِ يُكَفَّرُ.\n<hr><s0>\n\nثالثها: المختار أن نحو العبادات الخمس يكفر\".\nوأنا أقول: الكلام في التَّكفير معضل عظيم، وعبارة المصنّف هنا قلقة عاصية، وأنا أبدي ما عندي ثم أتكلم عليها وأعرضها على الحَقّ فإن وافقته، وإلا طرحتها، فالحَق: عرض الأقوال على الحَقّ، لا عرض الحق على الأقوال، والتَّمَحُّل لها بغاية التعسُّف، ونهاية الفساد (^١)، فأقول: إنكار الإجماع يفرض على وجهين:\nأحدهما: أن [ينكر المرء أن الإجماع] (^٢) حجة - ولم يتكلم المصّنف في هذا - ولا ريب في أنا لا نكفر من أنكر الإجماع السكوتي، والإجماع الذي لم ينقرض أهل عصره، ونحو ذلك من الإجماعات التي اختلف العلماء المعتبرون في انتهاضها حُجَّة، إنما الكلام فيمن أنكر أصل الإجماع، وهدم قاعدته، وزعم أن الله لم يشرع الاحتجاج به لخلقه، ولا شَكّ في بدعة هذا، والقول في تكفيره كالقول في تكفير أهل البِدَعِ والأهواء.\nالوجه الثَّاني: أن ننكر حكم الإجماع، وفيه تكلّم المصنّف - فيقول مثلًا: ليس لبنت الابن السّدس مع بنت الصُّلب، أو ليست الصَّلاة واجبةً، وهذا على أقسام:\nأحدها: منكر بَلَغَهُ الإجماع وَلَجَّ في عِنَادِهِ، واستمر على إنكاره، فالوجه عندي هنا أن يقال: إن كان ذلك المجمع عليه خفيًّا كمسألة بنت الابن، فتكفيره في موضع التردُّد، وإن كان ظاهرًا يشترك في معرفته الخَاصَّة والعامَّة، كالصَّلاة فيكفر بلا نَظَرٍ.\nالقسم الثَّاني: أن ينكر وقوع الإجماع بعد أن يبلغه، فيقول: لم يقع، ولو وقع لقلت به، فإن كان المخبر عن وقوعه الخَاصَّة دون العَامَّة، كمسألة بنت الابن، وهنا خلاف الأظهر عدم التكفير، وإن كان المخبر الخَاصَّة والعامَّة جميعًا كالصَّلاة، كفر ولم يُعذر.\nوالثالث: ألَّا يبلغه، فيعذر في الخَفِيّ دون الجَلِيّ إن لم يكن قريب عهد بالإسلام، وهذا في حكم الظاهر.\nأما في نفس الأمر، فلا كُفْرَ، حيث لا يبلغه، وهو عند الله - تعالى - معذور (^٣).\nإذا عرف هذا فلنذكر كلام أئمَّتنا، ثم ننعطف على كلام صاحب الكتاب.\n_________\n(^١) في أ، ح: الخيار.\n(^٢) في أ، ح: ننكر المرار الإجماع.\n(^٣) في أ، ت: مقدور.","vol":"2","page":267},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقال الأستاذ أبو منصور البَغْدَادِي في كتاب \"معيار الجدل\" بعد أن ذكر الفرق بين المسائل الأصولية والفروعية من وجوه عَدّها: وكل ما ذكرناه من الفروق بين مسائل طفروع والأصول، فإنما اعتبرناه من فروع لا نَصّ ولا إجماعَ فيها.\nفأما ما أجمعت الأمة [عليه] (^١)، أو ورد فيه خبر يوجب العلم، فإنه يكون بعد استقرار الشَّريعة أصلًا بنفسه يأثم المخالف فيه، وينقضي عليه حكمه، ولا يعتبر في مثله خلاف أهل الأهواء، وربما أورثهم خلافهم الكُفْر كخلاف المَيْمُونِيَّة من الخوارج في تحريم بَنَاتِ البنات وبنات أولاد الإخوة والأخوات.\nوخلاف الخوارج في سقوط الرّجم، وخلاف من أسقط منهم حَدّ الخمر، ونحو ذلك.\nقال البَغَوِيّ في أوائل \"التهذيب\": الإجماع نوعان:\nأحدهما: خاص.\nوالثاني: عام.\nفالعام: إجماع الأمة على ما يعرفه الخاصُّ والعامّ، كإجماعهم على أعداد الصلوات والركعات، ووجوب الزكاة والصَّوم والحج، يكفر جَاحِدُه، وإن كان أمرًا لا يعرفه إلا الخَواصّ كإجماعهم على بطلان نكاح المُتْعة، وأن لبنت الابن السُّدس مع البنت الواحدة من الصّلب، فلا يكفر جاحده، ويُبَيَّن له الحقُّ.\nومن الإجماع الخاص: أن يجمع العلماء من أهل عصر على حكم حادثة. إما قولًا، وإما فعلًا، فهو حجة لكن لا يكفر جاحده، بل يخطأ ويدعي إلى الحق ولا مساغ فيه لاجتهاد. انتهى.\nوما ذكره آخرًا ظاهر؛ لأن هذا الإجماع، وانتهاضه حُجَّة إذا قيل به ظني، فلا يكفر قطعًا.\nوالمسألة مصوّرة بمنكر حكم الإجماع القطعي، ولكن حكى الإمام الأستاذ أبو إسحاق فيه خلافًا قَدَّمناه فيمن جحد مجمعًا عليه غير معلوم بالضرورة، هل يكفر؟\nفقال: فيه وجهان مبنيان (^٢) على أن ما أجمع عليه الخاصَّةُ والعامة، هل العامة مقصودة فيه أو تابعة؟ فيه وجهان.\n_________\n(^١) سقط في أ، ح.\n(^٢) في أ، ح: مثبتان.","vol":"2","page":268},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفعلى الأول: لا يكفر؛ لأنه لم يخالف جميع المقصودين في الإجماع، وعلى الثَّاني يكفر، وهو اختيار الأستاذ أبى إسْحاق.\nقلت: وفيه نظر، والظاهر أن مراده ما أجمع عليه الخاصَّة، وهو مشهور، ولكن لم ينته إلى درجة المَعْلُوم بالضرورة، وهذا بخلاف الذي سنذكر عن النَّووي حكايته، أما غير المشهور فلا وجه إلا عدم التكفير جزمًا.\nقال الرَّافعيُّ فيمن ترك الصَّلاة جاحدًا لوجوبها: إنه مرتد إلَّا أن يكون قَرِيبَ عهد بالإسلام يجوز أن يخفى عليه ذلك، قال: وهذا لا يختصّ بالصَّلاة، بل يجري في جحود كل حكم مجمع عليه.\nقال النَّوَوي: وليس على إطلاقه، بل من جحد مجمعًا عليه فيه نصُّ وهو من أمور الإسلام الظاهرة التي يشترك في معرفتها الخَاصّ والعام، كالصلاة، والزكاة، والحج، والزِّنا (^١) والخَمْر فهو كافرٌ، ومن جحد مجمعًا عليه لا يعرفه إلا الخواصّ فليس بكافر، ومن جحد مجمعًا عليه ظاهرًا لا نصّ فيه ففي الحكم بتكفيره خلاف، وصحَّح في باب الرِّدَّة من الخلاف القول بالتكفير.\nوقال ابن السَّمْعَاني: الإجماع على ضربين:\nأحدهما: يكفر مخالفه متعمدًا، وهو الإجماع على الشَّيء الذي يشترك الخَاصَّةُ والعَامَّةُ في معرفته، كأعداد الصَّلوات وركعاتها، والحج والصّيام وزمانهما، وتحريم الخَمْرِ والزِّنا (^٢) والسرقة،\n_________\n(^١) في أ، ح: الربا.\n(^٢) الزنا يُمَدُّ ويقصر: مصدر زَنَى الرَّجُلْ يَزني زِنًا وزِنَاءً: فَجَر، وزنت المرأةُ تزني زنًا وزِنَاءً: فَجَرَتْ. وزاني مُزَانَاةً وَزِنَاءً، والمرأةُ تُزانِي مُزَانَاةً وَزِنَاءً أَي: تُبَاغِي وهو بالقصر لغة أهلِ الحجاز. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ بالقصر، ولِوُقُوع الألف ثالثة قُلِبَتْ يَاءً، والنسبة إليه زِنوِيٌّ. وبالمدّ لغة أهل نجد، وبني تميم، وأنشد: [البسيط]\nأَمَّا الزِّنَاءُ فَإِنِّي لَسْتُ قَارِبهُ … وَالمَالُ بَيْنِي وَبَيْنَ الْخَمْرِ نِصْفَانِ\nوقال الفَرَزْدَقُ: [الطويل]\nأَبَا حَاضِرٍ مَنْ يَزْنِ يُعْرَفْ زِنَاؤُهُ … وَمَنْ يشرَبِ الْخُرْطُوْمَ يُصْبِحُ مُسْكِرًا\nوالنسبة إليه زِنَائِيٌّ، وزنَّاه: نسبه إلى الزنا. وهو ابنُ زِنية بالفتح، والكسر أي ابْنُ زِنَا. ومعناه في كل ما تقدم الفجور. وأما زَنَى الموضع زُنُوًّا فمعناه ضاق. ووعاء زَنِيٌّ أي ضيق. والاسم منه الزَّناءُ بفتح=","vol":"2","page":269},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفإن اعتقد في شيء من ذلك خلاف ما انعقد عليه الإجماع فهو كافر؛ لأنه صار بخلافه جاحدًا لما قطع به دين الرسول ﷺ وصار كالجاحد لصدق الرسول ﷺ.\nوالضرب الثَّاني: ما يضلّ مخالفه إذا تعمّد، ولا يصير كافرًا، وهو إجماع الخاصَّة، وذلك ما ينفرد بمعرفته العلماء، كتحريم المرأة على عَمّتها وخالتها (^١)، وإفساد الحَجّ بالوَطْء قبل الوقوف\n_________\n= الزاي وفي لسان الشرع: هو إيلاج حشفة أو قدرها في فرج محرم لعينه مشتهى طبعًا بلا شبهة.\nينظر: الجمل على المنهج ٥/ ١٢٨، ومغني المحتاج ٤/ ١٤٣.\n(^١) وقد اختلف العلماء في الجمع بين المرأة وعمتها، أو خالتها. فذهب الأئمة الأربعة وجمهور العلماء إلى القول بحرمة الجمع بينهما، وعلى ذلك فمن كان تحته امرأة وعقد على عمتها أو خالتها كان النكاح فاسدًا يجب فسخه مطلقًا. وذهبت الرافضة، والخوارج، وبعض الشيعة، وعثمان البتِّي إلى القول بجواز الجمع بين المرأة، وعمتها، أو خالتها، وعليه فمن كان عنده امرأة، ثم عقد على عمتها، أو خالتها كان النكاح صحيحًا.\nاستدل الخوارج والروافض بقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ووجه الدلالة من الآية الكريمة، أنهم قالوا: إن الله ﷾ لم يذكر في التحريم بالجمع إلا الجمع بين الأختين، ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ فدخلت المرأة وعمتها أو خالتها فيما أحل الله، وإذا حلت المرأة على عمتها، أو خالتها، فيكون نكاحها عليها صحيحًا. يقال لهم في هذا الدليل: إن قولكم بأن قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ عام يشمل المرأة على عمتها، أو خالتها غير صحيح؛ لأن العموم في الآية مخصص بالأحاديث الصحيحة المشهورة التي تلقتها الأمة بالقبول. وأما الجمهور فقد استدلوا بالسنة والمعقول.\nأما السنة: فأولًا: ما روى عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلا بَيْن الْمَرْأةِ وَخَالَتِهَا\" ووجه الدلالة من هذا الحديث أن الرسول ﷺ نهى عن الجمع بين المرأة، وعمتها، وبين المرأة، وخالتها بقوله: \"لا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا\" الحديث، وهو خبر لفظًا نهيٌ معنى، فيكون الجمع بينهما حرامًا، حيث حرم الجمع، فلو نكحهما معًا بَطَلَ نكاحهما، وإن نكحهما مرتبًا بطل نكاح الثانية؛ لأن الجمع حصل بها.\nثانيًا: ما روي أن النبيّ ﷺ قال: \"لا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلا عَلَى خَالَتِهَا وَلا عَلَى بنتِ أَخِيهَا وَلا عَلَى بنتِ أُخْتِهَا\" وفي بعض الروايات: \"لا الصُّغرَى عَلَى الكُبْرَى وَلا الكُبرَى عَلَىَ الصُّغرَى\" فهذه الأحاديث بلغت حد الشهرة، وتلقتها الأمة بالقبول، وهي من الأخبار الموجبة للعلم والعمل؛ فوجب استعمال حكمها مع الآية، فيكون قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ مستعملًا فيما عدا الأختين، وعدا من بيَّن النبيّ ﷺ تحريم الجمع بينهن، ولما كانت الأحاديث لا يعلم تاريخ =","vol":"2","page":270},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nبـ \"عرفة\"، وتوريث الجدَّة السدس، وحجب بني الأم بالجد، ومنع توريث القاتل (^١)، ومنع\n_________\n= ورودها، وجب أن تحمل على المقارنة؛ فتكون مخصصة لعموم الآية، ويكون الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها حرامًا.\nوأما المعقول، فقد قالوا: إن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها يفضى إلى القطيعة والقرابة المحرمة للنكاح، وإنما كانت محرمة لإفضائها إلى القطيعة فيكون حرامًا؛ لأن المفضى إلى الحرام حرام.\nوحيث بَطَلَ دليل المخالفين، وثبتت أدلة الجمهور ترجح لنا مذهبهم، وهو حرمة نكاح المرأة على عمتها أو خالتها، وأنه إذا وقع، فالنكاح فاسد واجب الفسخ.\n(^١) واختلف في القتل المانع من الإرث، فعندنا معاشر الشافعية: لا يرث من له مدخل في القتل ولو كان بحق، كمقتص، وإمام، وقاض، وجلاد بأمرهما أو أحدهما، سواء أكان مباشرًا أم متسببًا، بالاختيار أم بالإكراه، لكنهم رجحوا في صورة: من حفر بئرًا في ملكه فقتل فيه مورثه، وكذا من وضع حجرًا أو نصب ميزابًا في ملكه أو بنى حائطًا في ملكه، فمات المورث بسببها - رجحوا في هذه الصورة الإرث؛ لأنه لم يتعد فيها. أما إذا تعدى بأن حفر بئرًا في الطريق فإنه لا يرث إذا مات بها مورثه - هذا إذا كان التسبب قريبًا، بخلاف ما إذا كان بعيدًا كان أحبل الزوج زوجته فماتت بالولادة فإنه يرث. وإن كان له تسبب في موتها بالإحبال - لكنه بعيد - ولأن الوطء من باب الاستمتاع، ومن شأنه ألا يتسبب إليه قتل. هذا والقتل يشمل المقصود كما تقدم وغير المقصود كقتل النائم والمجنون والصبي وغيرهم؛ فلا يرث واحد منهم من قتله. وأما حديث \"رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق\" فلا يرد علينا؛ لأن المرفوع هنا إنما هو قلم التكليف، ولا تعلق له بالإرث. وخالف في ذلك أبو حنيفة فقال بإرث القاتل إذا كان صبيًا أو مجنونًا؛ لارتفاع القلم عنهما. وعندنا: لا إرث لمن له دخل في القتل، سواء أقصد به مصلحة كضرب الأب ابنه للتأديب فيموت بسببه وربطه الجرح للمعالجة أم لا.\nقال ﷺ: \"ليس للقاتل من الميراث شيء\" أي ليس لمن له مدخل في القتل شيء من الإرث. وأما السادة الحنفية فيقولون: إن القتل المانع من الإرث هو ما يتعلق به وجوب القصاص أو الكفارة، فالذي يوجب القصاص هو العمد. وما يوجب الكفارة إما شبه العمد وإما الخطأ - وموجبهما الكفارة والدية على العاقلة، ولا إثم فيه، ويحرم القاتل الميراث في هذه الصور كلها. هذا إذا كان القتل بغير حق - أما لو قتل مورثه قصاصًا أو حدًا أو دفعًا عن نفسه فلا يحرم الميراث، وكذا إذا تسبب في القتل ولم يباشره مطلقًا، سواء أكان في تسببه متعديًا أم لا. واعترض على الحنفية في قصر المانع على القتل الموجب للقصاص أو الكفارة بما إذا قتل الأب ابنه عمدًا، فإنه لم يثبت به قصاص ولا كفارة مع أنه محروم اتفاقًا. =","vol":"2","page":271},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالوصية للوارث، فإذا اعتقد المعتقد في شيء من هذا خلاف ما عليه إجماع العلماء لم يكفَّر، لكن يحكم بضلاله (^١) وخطئه. انتهى ملخصًا.\nفحصلنا من نقلهم على أن المشهور، وفيه نص كالصَّلوات، يكفر منكره، وكذا ما لا نَصّ فيه على الأصح، بخلاف الخَفِيّ فليس التكفير أبدًا لخصوص الإجماع، بل لانضمام الشُّهرة إلى الإجماع.\nوفي وجه: يشترط مع الشُّهرة نص.\nوالسِّر في التكفير أن الجاحد والحالة هذه آيِلٌ إلى تكذيب الصَّادق، وقد حكى المصنِّف ثلاثة آراء:\nأحدها: التكفير مطلقًا.\nوالثاني: عكسه.\nوالثالث: أنه إن كان نحو العبادات الخمس يكفر، وإلا فلا.\nوقيل: أراد بالعبادات الخمس: الصلوات.\nوقيل: كلمة الإسلام، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج.\nواستشكل كلامه من جهة اقتضائه أن لنا قائلًا يقول: بالتكفير في الأمر الخَفِيّ، ولا يعرف هذا، وآخر يقول: بعدم التكفير مطلقًا ليدخل فيه منكر العبادات الخمس، ولا يعرف فيه إلا التكفير.\nوقد يتعصّب لكلامه، فيقال: أراد منكر حكم الإجماع هل يكفر بجهة الإجماع؟ فقائل يقول بالتكفير مطلقًا وإن كان خفيًّا إذا قيل له: قد أجمعت الأمة وخالف، ولا يستبعد هذا وآخر يقول بعدم التّكفير، ولا ترد العبادات الخمس؛ لأن النَّصَّ قائمٌ فيها، فمنكرها منكر للنص المعتضد بالإجماع والشُّهرة.\n_________\n= وأجيب بأنه موجب للقصاص بحسب أصله، إلا أنه سقط بقوله ﵊: \"لا يقتل الوالد بولده ولا السيد بعبده\".\nوعند السادة الحنابلة: كل قتل مضمون بدية أو قصاص أو كفارة مانع، وما لا فلا، أما القتل بحق فلا يمنع الميراث.\nوعند السادة المالكية: يرث القاتل خطأ من المال دون الدية، ولا يرث القاتل عمدًا وعدوانًا.\n(^١) في أ: بضلالته.","vol":"2","page":272},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوكلامنا إنما هو في تكفير المجمع عليه.\nوالثالث: الفصل.\nوالحاصل: أن المنصوصات المشهورة لا كلام فيها إنَّما الكلام فيما لا يعرف له سند إلا الإجماع، فالقائل الثَّاني لا يكفر منكره، وإن اشتهر حتى صارت شُهرته كالعِبَادَات الخمس.\nوإنما شبه بالعِبَادَاتِ الخمس في الشُّهرة لا في غيرها، وإلا فهي منصوصات.\nوهذا في الحقيقة أحد الوجهين اللَّذين حكاهما النَّوَوِيُّ كما تقدم، ويعرف من هذا أن الصَّلوات (^١) الخمس لا تدخل فيما نحن فيه، وإنما يدخل نحوها، فلو اشتهر شيء شهرتها، ولا سَنَدَ له تعرفه الأمة غير الإجماع لقال هذا القائل: بأن منكره لا يكفر، وهو واضح؛ لأن منكر أصل الإجماع على أصولنا في المُبْتدعة لا يكفر، فكيف يكفر هذا؟\nوبهذا يتَّضح لك أن التكفير ليس إلا (^٢) للشُّهرة، فإن المنكر إذ ذاك كأنه مكذب، أو للشهرة مع النَّص، فلا يقال: كيف لا يكفرون من أنكر أن الإجماع حُجَّة، ويكفرون من أنكر المشهور؟؛ لأنا نقول: إنما كفرناه والحالة هذه؛ لأنه مكذب فهو خارج عن أهل القِبْلَةِ.\nوأما من نازع في حجية الإجماع فلم يكذب الشَّارع فلم يخرج عن أهل القِبْلَةِ، ونحن لا نكفر أحدا من أهل القِبْلَةِ.\nوبهذا تبيّن لك صحَّة قول الإمام في \"المحصول\" (^٣): جاحد الحكم المجمع عليه لا يكفر خلافًا لبعض الفقهاء، واستدلّ بأن أدلَّة أصل الإجماع لا تفيد العِلْمَ، فما تفرع عنه أولى، ومنكر المظنون لا يكفر بالإجماع.\nفعلم من هذا الدليل أن مراده: ما استفيد من الإجماع دون غيره، وإلا فالمشهورُ مستفادٌ معلوم من الدين، فليس من هذا القبيل.\nوقوله: منكر المظنون لا يكفر بالإجماع، يعني: إذا لم يعتضد بإجماع.\nأما إذا اعتضد به ففيه خلاف، ثم قال: وأيضًا فتقدير أن الإجماع قَطْعي، فليس العلم به داخلًا في ماهية الإسلام فلا يكون العلم بتفاريعه داخلًا فيه.\n_________\n(^١) في ت، ح:. العبادات.\n(^٢) في ح: لا.\n(^٣) ينظر: المحصول ٢/ ١/ ٢٩٧.","vol":"2","page":273},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوهذا الدَّليلُ فيه نظر لا غرض لنا هنا في ذكره.\nومن هنا أخذ الآمدي التَّفصيل الذي اختاره، فقال (^١): اختلفوا في تكفير جاحد الحكم المجمع عليه، فأثبته الفقهاء، وأنكره الباقون مع اتفاقهم على أن إنكار حكم الإجماع الطني غير موجب كفرًا.\nوالمختار: إنما هو التفصيل، وهو أن اعتقاد الإجماع.\nإما أن يكون داخلًا في مفهوم اسم الإسلام كالعبادات الخمس ووجوب اعتقاد التوحيد والرسالة، أو لا يكون كذلك كالحكم بحِلّ البَيْعِ وصحَّة الإجارة ونحوه، فإن كان الأول فجاحده كافر؛ لمزايلة حقيقة الإسلام له، وإن كان الثَّاني فلا. انتهى.\nوهذا التفصيل ليس قولًا ثالثًا كما فهمه بعض شارحي \"المختصر\"، وإلا كأن تخرج من كلامه أن لنا قائلًا يقول: وجوب اعتقاد التَّوحيد والرِّسَالة لا يكفر منكره، وإنما الأمر على ما قررناه من أن المجمع عليه، إن اشتهر وعضد نصّ فليس من المسألة التي نحن فيها في شيء، ويكفر منكره بإجماع المسلمين، كمنكر العِبَادَاتِ الخمس، ونحوها.\nوإن لم يعضده نصّ، بل كان مشتهرًا، فقط ففيه خلاف، الأصح: التَّكفير.\nويخرج من كلام الآمدي: أنه يختار هنا عدم التَّكفير، بل هو صريح كلامه، والحق خلافه، بل أقول: قضيَّة كلامه أنه يختار أن منكر المجمع عليه، وإن اشتهر واعتضد بنص لا يكفي ما لم يكن داخلًا في حقيقة الإسلام كحِل البيع فإنه مشتهر بنصّ.\nوقد فَاهَ بعدم التَّكفير فيه، وهذا لا يعرف لأحد، فالاعتراض على الآمدي أزيد من الاعتراض على ابن الحَاجِبِ، وإن اختص ابن الحاجب بتصريحه بثلاثة مَذَاهب، والآمدي لم يصرِّح بها، ولم يَفُهْ بأن مكان اختياره من مواقع الخلاف.\nولو أن ابن الحاجب قال: منكر حكم [ما] (^٢) علم من الإجماع القَطْعي.\nثالثها: إنْ وصل في الشُّهرة إلى ما اشتهر، وهو ذو نَصّ كالعبادات الخَمْس كفر منكره، وإن لم يكن فيه نصّ، وإلا فلا، وصح كلامه.\nوحاصله: أن العبادات الخمس مشبه بها، وليست داخلةً في أماكن الخلاف، والمشبه دون\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام ١/ ٢٥٥.\n(^٢) سقط في ح.","vol":"2","page":274},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالمشبّه به، فالمشبّه مشتهر لا نَصّ فيه، والمشبه به مشتهر ذو نَصّ، والتكفير فيه قائم بلا نظر، وليس الإجماع فيه العلَّة [في التَّكفير] (^١)، بل الشُّهرة مع النَّص فهما اللَّذان صَيَّرا منكره كالمكذب للصادق فيما جاء به، فالمراتب ثلاث:\nمنكر إجماع ذي شهرة، وفيه نص ولا ريب في كفره؛ لتكذيبه الصادق.\nومنكر إجماع ذي شُهْرة لا نَصّ فيه.\nقيل: لا يكفر؛ لأنه لم يصرح بتكذيبه الصادق؛ إذ الغرض أن لا نَصّ، وإنما كذب المجمعين.\nوالأصح: يكفر؛ لأنَّ تكذيبهم يتضمَّن تكذيب الصَّادق.\nومنكر إجماع ليس بذي شُهْرة.\nوالأصح: لا يكفر.\nوقال بعض الفقهاء: يكفر؛ لتكذيبه الأمة.\nوجوابه: أنه لم يكذب الأمة صريحًا؛ إذ الفرض أنه ليس مشهورًا، فهو مما يخفى على مثله.\nوأنت أيها الفَهِمُ إذا نظرت شروح هذا المختصر في هذا المكان، وجدتها مشتملةً على تخبيط عظيمٍ منشؤه من أمرين لا ثالث لهما:\nأحدهما: الجمود على كلام المختصر.\nوالثاني: الجهل بالشريعة.\nفصريحُ كلام بعضهم: أن في جملة الأقوال قولًا بأن إنكار التَّوحيد والعِبَادات الخمس لا يكفر، وكفى بتخيّل ذلك سُبَّة (^٢).\nوعلى الجملة كلام الآمدي، والمصنّف في هذه المسألة قلقٌ مدخول، والمعصوم من عصمه الله.\nما أحسن افتتاح الشَّيخ الهندي المسألة في \"النهاية\" وهذه عبارته: جاحد الحكم المجمع عليه من حيث إنه مجمع عليه بإجماع قطعي، لا يكفر عند الجماهير، خلافًا لبعض الفقهاء، وإنما قَيَّدنا بقولنا: من حيث إنه مجمع عليه؛ لأنَّ من أنكر وجوب الصَّلوات (^٣) الخمس، وما يجري\n_________\n(^١) سقط في ح.\n(^٢) في أ، ت، ح: شبه.\n(^٣) في أ، ح: الصلاة.","vol":"2","page":275},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nمجراها يكفر، وهو مجمع عليه؛ لكن لا لأنه مجمع عليه؛ بل لأنه معلوم بالضرورة أنه من دين محمد ﷺ، وإنما قيدنا بالإجماع القطعي؛ لأنَّ جاحد حكم الإجماع الظني، لا يكفر وفاقًا. انتهى.\nوهي عبارة سديدةٌ مُنْبِئَةٌ عن الغرض (^١)، ولم يحك إلا مذهبين كما هو المعروف.\nوعندي أن أمْتَنَ كلام في المسألة، وأقربه إلى ما مهدناه - كلام إمام الحرمين في \"البرهان\"، حيث قال: من اعترف بالإجماع، وأقر بصدق المجمعين في النقل، ثم أنكر ما أجمعوا عليه كان هذا التكذيب آيلًا إلى تكذيب الشَّارع.\nومن كذب الشَّارع كَفَرَ، والقول الضَّابط فبه: أن من أنكر طريقًا في ثبوت الشَّرع لم يكفر، ومن اعترف بكون الشَّيء من الشرع، ثم جحده كان منكرًا للشرع، وإنكار بعضه، كإنكار كله. انتهى.\nوهو جامع لما اخترناه، ونختم المسألة لإشكال واحد، فنقول: قد عرف أن منكر المجمع عليه لا يكفر.\nمن حيث إنه مجمع عليه، وأن بعضهم قال: يكفر إذا عرف أنه مجمع عليه، وكان معترفًا بأن المجمعين لا يجمعون على باطلٍ؛ لأنه آيِلٌ إلى تكذيب الشَّارع.\nولقائل أن يقول: إذا أقرّ بصدق المجمعين في النَّقل، وكان ذلك عقده ومضمره، فكيف يتصوّر منه إنكار ما أجمعوا عليه، وأنى يجتمعان؟ فإن أريد لإنكاره بعد ذلك إنكار أصل أن الإجماع حجة، فذلك لا يقتضي التَّكفير كما سلف، ولعله كان يذهب إلى أنه حجة، ثم تغير رأيه، وطريان البِدْعَةِ، والضلالة لا يوجب كفرًا.\nوإن أريد أن قوله: ليس هذا من الشرع مع اعتقاده أنه من الشرع إساءة على الشرع توجب تكفيره، وإن لم يكن معها اعتقاد، كمن يلقي المصحف في القَاذُورَاتِ فذلك بعيد؛ إذ [لا] (^٢) إساءة (^٣) في هذا، بخلاف ملقي المصحف.\n_________\n(^١) في ح: المفروض.\n(^٢) سقط في أ، ح.\n(^٣) في حاشية ج: قوله \"إذ لا إساءة … إلخ\" قد يقال: إن تصديقه مع الإنكار لا يعتد به، كمن اعترف بوجود الإله وأنكره عنادًا، كمن قال الله فيهم: (يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) لأن الحاصل عنده حينئذٍ ليس بتصديق، بل هو نوع من التصور يقال له: المعرفة كما بينه عبد الحكيم في حواشي القطب. تأمل!.","vol":"2","page":276},{"text":"<span data-type='title' id=toc-492>حُكْمُ الإجْمَاعِ فِيمَا لا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الإجْمَاعِ </span>(^١)\nمَسْأَلةٌ:\nالتَّمَسُّكُ بِالإِجْمَاعِ فِيمَا لا تتوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَيْهِ صَحِيحٌ، كَرُؤْيَةِ الْبَارِي - تَعَالَى -، وَنَفْيِ الشَّرِيكِ، وَلعَبْدِ الْجَبَّارِ فِي الدُّنْيَوِيَّةِ قَوْلانِ.\nلَنا: دَلِيلُ السَّمْعِ.\n<hr><s0>\n\nوإنما هذا كاذب على نفسه؛ إذ الفرض أن عقيدته حُجّية الإجماع، وأنهم أجمعوا، ومتى حَصَلت له هاتان المُقَدِّمتان، لم يرتب ضميره في أن هذا من الشرع، فإن هو كذب على نفسه، فليس كذبه على نفسه موجبًا كفرًا، والله المستعان.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: فيما يتمسَّك فيه بالإجماع، وما لا يتمسك. \"التمسك بالإجماع فيما لا يتوقّف\" \"عليه\" صحة الإجماع من العقليات والشَّرعيات، والدّنيويات \"صحيح، كرؤية البَارِي، ونفي الشَّريك\" وحِلّ البيع، وتدبير الجُيُوش ونحوه، بخلاف ما يتوقف عليه صحَّة الإجماع، كإثبات الصَّانع، للزوم الدور.\n\"ولعبد الجبار في \"الأمور \"الدّنيوية قولان\":\nأحدهما: كالمختار.\nوالثاني: أنه ليس بحجة.\n\"لنا: دليل السّمع\"، فإنه قام على التمسّك بالإجماع مطلقًا من غير تقييد.\nوهذا منتهى الكلام فيما يختصّ بكل واحد من الكتاب، ومن السُّنَّة، ومن الإجماع، فلنأخذ فيما اشتركت فيه.\n_________\n(^١) هذه المسألة في بيان ما يكون الإجماع منه حجة وما لا يكون، فنقول: لا يصح التمسك بالإجماع على ما يتوقف صحة الإجماع عليه، كوجود البارئ تعالى، وصحة الرسالة؛ لاستلزامه الدور؛ لتوقف صحة الإجماع على وجوب الرب، وصحة النبوة، فلو توقفنا عليه لزم الدور، وأما ما لا يتوقف صحة الإجماع عليه، فلا يخلو إما أن يكون دينيًا أو دنيويًا، فإن كان الأول صح اتفاقًا … ينظر: الشيرازي ٢٢٨ ب/ خ، والإحكام ١/ ٢٦٦، والمعتمد ٢/ ٤٩٤، والمستصفى ١/ ١٧٣، والمحصول ٢/ ١/ ٢٩٢، وتيسير التحرير ٣/ ٣٦٣، وشرح العضد ٢/ ٤٤، وشرح التنقيح ٣٤٤، وفواتح الرحموت ٢/ ٢٤٦، وكشف الأسرار ٣/ ٢٥١، وحاشية البناني ٢/ ١٩٤.","vol":"2","page":277},{"text":"<span data-type='title' id=toc-493>مَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الأَدِلَّةُ الثَّلاثَةُ - الْكِتَابُ - السُّنَّةُ - الإِجْمَاعُ </span>(^١)\nوَيَشْتَرِكُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِجْمَاعُ فِي السَّنَدِ وَالْمَتْنِ.\nفالسَّنَدُ الإِخْبَارُ عَنْ طَرِيقِ الْمَتْنِ.\nوَالْخَبر قَوْلٌ مَخْصُوصٌ لِلصِّيغَةِ وَالْمَعْنَى.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"ويشترك الكتاب، والسُّنة، والإجماع في السّنَدِ والمَتْنِ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-494>\"السَّند\"</span>\n\"فالسَّند: الإخبار عن طريق المَتْنِ\"، بأن يبيّن بماذا أثبت كل واحد من الثلاثة، أتواترًا، أو آحادًا (^٢)؟.\nوعندي: لو قال: السّند طرِيق المَتْن كان أولى.\nالشرح: \"والخبر (^٣): قول مخصوص، موضوع \"للصيغة\"، نحو: زيد قائم، \"والمعنى\" القائم بالنَّفس الذي مدلول هذا اللَّفظ مثلًا بالاشتراك اللفظي بينهما على أحد قولي الأشعري.\n_________\n(^١) لما فرغ من الأبحاث المخصوصة بكل واحد من الأدلة الثلاثة شرع في الأبحاث المشتركة بين الثلاثة، فقال: ويشترك الكتاب والسنة والإجماع في السند والمتن، فالسند إخبار عن طريق المتن، أي السند المعنى به هنا الإخبار عن طريق المتن، والمراد بالإخبار عن طريق المتن أن نبين أن متن كل واحد ثبت تواترًا أو آحادًا - أعني بيان أن كل واحد من الثلاثة طريق ثبوته إما التواتر أو الآحاد.\n(^٢) ينبغي الإتقان والضبط فيما يكتب مطلقًا لا سيما هذا الفن؛ لأنه بين إسناد ومتن، والمتن لفظ رسول الله ﷺ وتغييره يؤدي إلى أن يقال عنه ما لم يقل أو يثبت حكم من الأحكام الشرعية بغير طريقه، وأما الإسناد ففيه أسماء الرواة الذي لا يدخله القياس، ولا يستدل عليه بسياق الكلام، ولا بالمعنى الذي يدل عليه باللفظ. ينظر: الاقتراح ص ٢٨٥.\n(^٣) هذا الباب في الكلام في حقيقة الخبر وأقسامه. أما حقيقة الخبر، فاعلم أولًا أن الخبر قد يطلق مجازًا من حيث اللغة على الإشارات الحالية، والدلائل المعنوية، كما تقول: أخبرتني عيناك: وبذاك خبرنا الغراب الأسود، ومنه قول المتنبي: [الطويل]\nوكم لظلام الليل عندك من يد … تخبر أن المانوية تكذب\nويطلق حقيقة على قول مخصوص من بين الأقوال؛ وإنما كان حقيقة في هذا دون الأول لتبادر الفهم من إطلاق لفظ الخبر دون ما تقدم من الإشارات. ينظر: الشيرازي ٢٢٩ أ/ خ.","vol":"2","page":278},{"text":"فَقِيلَ: لا يُحَدُّ؛ لِعُسْرِهِ.\n<hr><s0>\n\nوالقول الآخر: أنه حقيقة في النَّفْسَاني، مجازٌ في اللِّساني، وعكسه المخالفون، وهي الأقوال في أن الكلام حقيقة في ماذا؟\nوأظهر قولي شيخنا - وهو المختار عندي - الثاني، وأنه إن أطلق على العبارة فمجاز، وقد قال الله - تعالى -: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة المجادلة: الآية ٨] فأطلق القول على ما في النفس، والأصل في الإطلاق الحقيقة، وقال - تعالى -: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ [سورة تبارك: الآية ١٣] فدل على أن السّر والجَهْر صفتان للقول الكامن في النَّفس، ولسنا نقول.\nوكان الشَّيخ الإمام ﵀ يَتْلُو هنا قوله - تعالى - حكاية عن يوسف ﵇: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ [سورة يوسف: الآية ٧٧]، وهو لطيف.\nوقال عمر ﵁ يوم \"السَّقيفة\" (^١): كنت زوَّرتُ في نفسي كلامًا.\n_________\n(^١) اجتمع المسلمون قبل دَفْنِ الرسول ﷺ في \"سقيفة بني ساعدة\". وهي ظلَّة كانت بالقرب من دار سعد بن عبادة، وتشاوروا في أمر الخلافة وفيمن يقوم بها. وتعتبر \"سقيفة بني ساعدة\" حدثًا تاريخيًا من أبرز المعالم على طريق التاريخ المبكر للإسلام، ويرى جم غفير من أهل الفكر أنها نقطة تحول خطير، ومنعطف شديد الالتواء، لا في التاريخ الإسلامي وحده، بل في التاريخ الإنساني كله من لحظة أن حولتْ أولهما - عن مجراه، وخرجت على خلاف المنتظر أو المظنون بتراث رسول الله من حَوْزَةِ الأعزة الكرام من آل بيته الأطهار، إلى حوزة رفيق الغار! ..\nوما من أحد يعلم ما كان سيبلغه الإسلام من سعة الانتشار، وقوة الرسوخ، ولا ما كانت ستبلغه الدولة الإسلامية من شَأْوِ العظمة، وسطوة السلطان لو سارت الأمور على خلاف ما سارت عليه نتيجة لذلك التحول الكبير. وهذا بعض ما حدث في \"سقيفة بني ساعدة\":\nقال ابن إسحاق في السيرة: لما توفي رسول الله ﷺ قام عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إن رجالًا من المنافقين يزعمون أن رسول الله ﷺ قد توفي، وأن رسول الله ﷺ والله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران - فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل: قد مات، والله ليرجعنَّ رسول الله ﷺ كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجالٍ وأرجلهم زعموا أن رسول الله ﷺ مات. وروى محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ في \"صحيحه\" عن أبي سلمة: أن عائشة - زوج النبيّ ﷺ أخبرته قالت: أقبل أبو بكر على فرسه من مسكنه بالسُّنح حتى نزل، فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمم النبي ﷺ وهو مُسجى ببرد حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكَبَّ عليه فقبله وبكى، ثم قال، بأبي أنت يا نبي الله، لا يجمع الله عليك موتتين أبدًا، أما الموتةُ التي كتبت عليك فقد مُتَّها. =","vol":"2","page":279},{"text":"وَقِيلَ: لأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ مِنْ وَجْهَيْنِ\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  قال أبو سلمة: فأخبرني ابن عباس: أن أبا بكر خرج - وعمر يكلم الناس - فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فتشهد أبو بكر، فمال إليه الناس، وتركوا عمر، فقال: أما بعد من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حَيٌّ لا يموت، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾.\nقال: والله لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزلها حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس، فما يُسْمع بشر إلا وهو يتلوها.\nقال ابن إسحاق: ولَمَّا قُبِضَ رسول الله ﷺ انحاز هذا الحيُّ من الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، واعتزل علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله في بيت فاطمة، وانحاز بقية المهاجرين إلى أبي بكر، وانحاز معهم أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل، فأتى آتٍ أبا بكر وعمر فقال: إن هذا الحَيَّ من الأنصار مع سعد بن عبادة في \"سقيفة بني ساعدة\" قد انحازوا إليه، فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا الناس قبل أن يتفاقم أمرهم ورسول الله ﷺ في بيته لم يُفْرَغْ من أمره، قد أغلق دونه الباب أهله - قال عمر: فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار حتى ننظر ما هم عليه، فانطلقنا نَؤمُّهُمْ، حتى لَقِيَنا منهم رجلان صالحان، فذكرا لنا ما تمالأ عليه القوم، وقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ أفضوا أمركم، قال: فقلت: والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في \"سقيفة بني ساعدة\"، فإذا بين ظهرانيهم رجل مُزَمَّل فقلت: من هذا؟ فقالوا: سعد بن عبادة، فقلت: ما له؟ فقالوا: وجع، فلما جلسنا تشهَّد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد نحن أنصار الله وكتيبة الإسلام؛ وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا، وقد دَفَّت دَافَّةٌ من قومكم قال: وإذا هم يريدون أن يجتازونا من أصلنا ويغصبونا الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلم وقد زورتُ مقالة في نفسي قد أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنت أُداري منه بعض الحد.\nفقال أبو بكر: على رسْلك يا عُمر، فكرهت أن أغضبه، فتكلم - وهو كان أعلم مني وأوقر - فوالله ما ترك من كلمة أعجبتني من تزويري إلا قالها في بديهة أو مثلها أفضل منها حتى سكت، قال: أَمَّا ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن تعرف العرب هذا الأمر إِلَّا لهذا الحي من قريش، أوسط العرب نسبا ودارًا، قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا، ولم أكره شيئًا مما قال غيرها، كان والله أن أُقَدَّم فتضرب عنقي لا يقرِبني ذلك من إثم أحبَّ إليَّ من أن أتأمَّرَ على قوم فيهم أبو بكر، قال: فقال قائل من الأنصار: أنا جُذَيلُهَا المُحَكَّك، وعُذيقُها الْمُرَجَّب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، قال: فكثر اللَّغَط،=","vol":"2","page":280},{"text":"أَحَدُهُمَا: أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أنَّهُ مَوْجُودٌ ضَرُورَةً، فَالْمُطْلَقُ أَوْلَى، وَالاِسْتِدْلالُ عَلَى أَنَّ المعِلْمَ ضَرُورِيٌّ لا يُنَافِي كَوْنَهُ ضَرُورِيًّا بِخِلافِ الاِسْتِدْلالِ عَلَى حُصُولِهِ ضَرُورَةً.\n<hr><s0>\n\nوقال الأخطل (^١): [الكامل]\nإِنَّ الكَلامَ لفِي الفُؤَادِ وَإنَّمَا … جُعِلَ الكَلامُ عَلَى اللِّسَانِ دَلِيلًا (^٢)\nوما أجهل من قال: كيف يستدلّون بقول الأَخْطَل - وهو نَصْراني - على أصلكم الممهّد في\n_________\n= وارتفعت الأصوات حتى تخوفت الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده، فبايعته وبايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار، ونزَوْنا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة، قال: فقلت: قتل الله سعد بن عبادة.\nومما ينبغي أن نقوله هاهنا إن التهديد الذي حكته كتب التاريخ والسير من تهديد عمر وأبي بكر لم يقع على وجه التحقيق. فما كان الخِبُّ الذي يُمَوِّهُ على الناس بهذا الأسلوب الفج المكشوف، أو الذي يتظاهر بالبيعة لابن الجرَّاح ليغطى ميله لأبي بكر، وميله كتاب مفتوح، واضح العبارة منقوط الأحرف لا يمكن أن يخفيه عن نظرة معاصريه مخادعة ولا تمويه. ولم يقع أيضًا أبي بكر ما يُحْملُ كبرهان على وقوع هذا التهديد، سواء أتم لحظة اجتماع السقيفة أم قبله في نفس النهار، ولا عبرة هنا بالاحتجاج بما أورده رواة الأخبار من خروجه إلى الناس من حجرة الرسول وردعه عمر عن وعيده المقول.\nوالحق أن ما نسب إلى أبي بكر من قول في ذلك المقام لا يمكن بحال من الأحوال اعتباره برهانًا على وقوفه في وَجْه التهديد، ورفضه انتفاء الوفاة، إنما هو أدنى إلى أن يفسر لنا تأثُّرَه الشديد بما كانت جزيرة العرب قد أخذت تموج به من انتفاضات الرِّدَّة، وحركات الامتناع عن أداء الزكاة، إذ انتهزت القبائل عندئذ مرض سيدنا محمد ﷺ ثم خُلُوَّ الميدان السياسي من شخصيته الآسرة لتتحرر من سلطان \"المدينة\"، أو الحكومة المركزية، ولتتحلل من حياة التوحُّد عَوْدةً إلى حياة الانقسام، والفوضى والانفلات التي كانت تعيشها قبل الإسلام. فكان ما أراد الله ﷿ بتولي الصديق رفيق النبيّ ﷺ.\n(^١) غياث بن غوث بن الصلت بن طارقة بن عمرو، صديق تغلب، أبو مالك: شاعر، مصقول الألفاظ، حسن الديباجة، في شعره إبداع. اشتهر في عصر بني أمية بالشام، وأكثر من مدح ملوكهم، وهو أحد الثلاثة المتفق على أنهم أشعر أهل عصرهم (جرير والفرزدق والأخطل). نشأ على المسيحية، في أطراف الحيرة \"العراق\"، وتهاجى مع جرير والفرزدق. كان معجبًا بأدبه، تيَّاهًا، كثير العناية بشعره. ولد سنة ١٩ هـ وتوفي سنة ٩٠ هـ. ينظر: الشعر والشعراء ١٨٩، وشرح شواهد المغني ٤٦، والأعلام ٥/ ١٢٣.\n(^٢) البيت ليس في ديوانه، ينظر: ابن يعيش ١/ ٢٢، والشذور ٢٨.","vol":"2","page":281},{"text":"وَرُدَّ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ ضَرُورَةً وَلا نَتَصَوَّرُه، أَوْ تَقَدَّمَ تَصَوُّرُه، وَالْمَعْلوُمُ ضَرُورَةً\n<hr><s0>\n\nإثبات كلام النَّفس، وأبعده عن فَهْمِ الحقائق، وإنما هنا مسألتان.\nالأولى: حقيقية، وهي إثبات كلام النفس للرب تعالى، وعليها البَرَاهين المقررة في علم الكلام.\nوالثانية: أن كلام النَّفس هل يُطلق عليه أنه كلام لغة، وهي مسألة لُغوية مُنْبِئة عن مدلولات الألفاظ استدللنا عليها بالآي التي تَلَوْنَاهَا، وقول عمر ﵁، وقول الأخطل، والأخطلُ أعْرَابي، منطقه طَبْعُه، ويصح التمسُّك بمنظومه ومنثوره، ويقول: كل أعرابي وإن كان جِلْفًا بوَّالًا على عَقِبَيْهِ.\nثم اختلف في الخَبَرِ \"فقيل: لا يحد لعسره.\nوقيل\": بل \"لأنه ضروري\" - وهو قول الإمام الرازي - وبيانه \"من وجهين\":\n\"أحدهما: أن كل أحد يعلم\" بالضَّرورة مَعْنَى قول القائل: \"إنه موجود ضرورة\"، وهذا خبر خاص، والمطلق جزء من الخاص، وإذا كان الخاص، ضروريًا، \"فالمطلق أولى\".\n\"و\" لا يقال: إذا كان ضروريًّا فلم يستدلون عليه؛ لأنا نقول: \"الاستدلال على أن العلم\" بالخبر \"ضروري لا يُنَافي كونه\" - أي: كون الخبر - \"ضروريًا\"؛ لجواز أن يكون تصور الخبر ضروريًّا؛ ويكون العلم بكونه ضروريًّا نظريًّا، لاختلاف متعلّقهما.\nفإن قلنا: الكلُّ أعظم من الجزء، وضروري مع أن العلم بكونه ضروريًّا نظري؛ لاستدلالنا عليه بأن تصوّر الطَّرفين كافٍ في الجَزْمِ بالنسبة بينهما، وهذا \"بخلاف الاستدلال على حصوله\" - أي: حصول العلم بالخَبَرِ - \"ضرورة\"، [فإنه ينافي] (^١) كون الخبر ضروريًّا؛ لاتحاد متعلّقهما.\nفالحاصلُ: أنه يجوز كون الشَّيء ضروريًّا، وضروريّته نظرية، والاستدلالُ على الثَّاني لا ينافي دعوى ضروريته (^٢).\n\"ورُدَّ\" هذا الوجه \"بأنه يجوز أن يحصل\" العلم بوجود الخَبَرِ \"ضرورة، ولا يتصّور\" العلم به، \"أو\" يجوز أن يكون قد \"تقدّم تصوّره\" على حصوله.\nوالحاصلُ: أنَّا لا نسلّم أن العلم بحصول الخبر الخاصّ يستلزم تصوّره معه، أو قبله،\n_________\n(^١) في أ، ت، ح: فإنه ما في.\n(^٢) في ب: ضرورته.","vol":"2","page":282},{"text":"ثُبُوثُها أَوْ نَفْيُهَا، وَثُبُوتُهَا غَيْرُ تَصَوُّرِهَا. الثَّانِي: التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ضَرُورَة، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ.\n<hr><s0>\n\n\"والمعلوم\" من القضيَّة الخاصَّة \"ضرورة\": إنما [هو] (^١) \"ثبوتها (^٢) أو نفيها\" لا تصوّرها، \"وثبوتها غير تصوّرها\"، وغير مستلزم له.\nوأوضح من هذا الرَّد لفظًا مع تأدية معناه، وزيادة أن نقول: لا نسلّم بَدَاهَةً من حيث نصوص الخبريَّة، بل من حيث الحصول والانتفاء لا غير، بدليل أنه يمكننا تعقُّله مع الذهول عن خصوص ماهيَّة الخبرية، ويؤكد هذا اختلاف العُقَلاء في الوجود، هل هو عين الماهيَّة، أو أزيد؟، فلو كان تعقُّل تلك القضيَّة بديهيًّا من حيث الخَبَرِيَّة بوجب أن يعلم بالبديهة كونه غير المَاهِيَّة ضرورة أن تعقّل الخبرية يتوقّف على تعقُّل المخبر عنه، والمخبر به، والنِّسبة.\nسلمنا، لكن لا يلزم من بداهته من حيث خصوصيته خبريته بَدَاهَةً مطلق الخبرية؛ لأن أجزاء القضية البَدِيهِيَّة لا يجب أن تكون بديهيَّة؛ لاحتمال أن تكون بَدَاهَة تلك القضية بعد تعقل أجزاء ذلك الخبر، ولو بالكَسْبِ وهو غير قَادِحٍ في بَدَاهَتِهَا.\n\"الثَّاني\" من الوجهَيْنِ لو لم يكن ضروري التصوّر لم تحصل \"التفرقة بينه وبين غيره\"، كالأمر والنهي ونحوهما \"ضرورة\"، لكن التفرقة حاصلة، \"وقد تقدم مثله\" تقريرًا وجوابًا.\nقال القطب الشيرازي وغيره: وهذا سهو من المصنف، فإنه لم يتقدم مثله إلا في المنتهى الذي هذا المختصر مختصر منه.\nقلت: ويحتمل أن يشير به إلى ما تقدّم في العلم؛ إذ قيل: إنه ضروريّ من وجهين، وهو مثل هذا من هذا الوَجْهِ، وهو أنه ضروريّ لوجهين.\nثم قيل في جوابه: إن التَّفرقةَ بين شيئين غير مسبوقةٍ بتصوّرهما بطريق الحقيقة، ثم التمييز بين الأمر والخبر مثلًا، إنما هو بعد معرفتها لا مطلقًا، فلا يدلّ ذلك على أن معرفته بديهيةٌ، وإلا لزم أن يكون معرفة الأمر أيضًا بديهية، ولم يقل به أحد، وقد ساعدنا الإمام ﵀ على أن الأمر يحدّ.\n_________\n(^١) سقط في ح.\n(^٢) في حاشية ح: قوله: ثبوتها … إلخ فالمعلوم ضرورة نسبة الوجود إليه إثباتًا، وهو غير تصور النية التي هي ماهية الخبر، فلا يلزم أن تكون ماهية الخبر ضرورية.","vol":"2","page":283},{"text":"قَالَ الْقَاضِي وَالْمُعْتَزِلَةُ: الْخَبَرُ الْكَلامُ الَّذِي يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ، وَاعْتُرِضَ بِأنهُ يَسْتَلْزِمُ إِجْمَاعَهُمَا وَهُوَ مُحَالٌ لا سِيَّمَا فِي خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى - أَجَابَ الْقَاضِي بِصِحَّةِ دُخُولِهِ لُغَةً فَوَرَدَ أَنَّ الصِّدْقَ الْمُوَافِقُ لِلْخَبَرِ، وَالْكَذِبَ نَقيضُه، فتَعْرِيفُهُ بِهِ دَوْرٌ وَلا جَوَابَ عَنْهُ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: و\"قال القاضي\" عبد الجَبَّار، \"والمعتزلة، إلا شرذمةً منهم: \"الخبر: الكلام الذي يدخله الصدقُ والكذبُ\" (^١).\n\"واعترض بأنه يستلزم اجتماعهما\" في كل خبر؛ لأن \"الواو\" تقتضي الجمع، \"وهو\" - أي: اجتماعهما - \"محال\"؛ لأنهما متقابلان، ويمتنع اجتماع المتقابلين، \"لا سيَّما\" خصوص هذين المُتَقَابلين \"في خبر الله\"، فإنه صدق قطعًا أبدًا فأنَّى يجامعه الكذبُ؟\nوفي مثل قول القائل: الثلاثة زوج، والاثنان فرد، فإنه كذب قطعًا، فأنى يجامع الصدق؟\nوهذا الاعتراض ذكره القاضي أبو بكر ﵁ لكنه لم يقل: يستلزم، بل قال: يوهم، أي: فالتحريف وُضِع لإزالة [الإيهَام] (^٢)، وبلوغ النِّهاية في الإيضاح، فينبغي أن يُصَان عما يوقع في التَّشكيك، واعترف مع ذلك بصحّته، لكن الأحسن أن يقال: ما يتَّصف بكونه صدقًا أو كذبًا.\nوكذا فهم عنه إمامُ الحرمين في \"البرهان\"، والغزاليُّ في \"المستصفى\" ولم يقل أحدٌ منهم: يستلزم.\nوعلى تقدير الاستلزام - كما ذكر المصنّف - \"أجاب القاضي\" عبد الجَبَّار \"بصحة دخوله لغة\"، أي: أن الخبر الصَّادق يصحّ دخول الكذب عليه من حيث مفهومه لغة من غير اعتبار خصوص المادة، وعلى عكسه الكاذب.\n\"فورد\" على عبد الجَبَّار أنَّ حاصل جوابه، \"أنَّ\" الخبر هو الذي يحتمل الصِّدق والكذب،\n_________\n(^١) وينظر: تهذيب اللغة ٧/ ٣٦٤، ولسان العرب ٢/ ١٠٩٠، وينظر المعتمد ٢/ ٥٤٤، والإحكام للآمدي ٢/ ٣ - ٧، والمسودة ٢٣٢، وشرح العضد ٢/ ٥٠، وفواتح الرحموت ٢/ ١٠٧، وشرح الكوكب ٢/ ٣٠٩، وتيسير التحرير ٣/ ٢٨، وحاشية البناني ٢/ ١١٠، وإرشاد الفحول ٤٤، وشرح تنقيح الفصول ٣٤٧، والبرهان ١/ ٥٦٤ (٤٨٨)، والمحصول ٢/ ١/ ٣٠٧، وتقريب الوصول (١١٩).\n(^٢) في ت، ح: الإبهام.","vol":"2","page":284},{"text":"وَقِيلَ: التَّصْدِيقُ أَوِ التَّكْذِيبُ فَيَرِدُ الدَّوْرُ وَأَنَّ الْحَدَّ يَأْبَى \"أَوْ\".\n<hr><s0>\n\nوهما لا يعرفان إلا بالخبر؛ لأنَّهما نوعان، فإن \"الصِّدق المُوَافق للخبر، والكذب نقيضه، فتعريفه به دَوْر\"، وهو مثل قولك في حَدّ الحيوان، المنقسم إلى إنسان وفرس، وهو مُنْقدح، \"ولا جواب عنه\" يصح، ولقد ذكرت أجوبة لا تُرْتضى.\nالشرح: \"وقيل: التصديق، أو التكذيب، فيرد الدّور\" أيضًا، وزيادة شيئين:\nأحدهما (^١): أن التصديق، أو التكذيب عبارة عن الإخبار بكون الخبر صدقًا أو كذبًا، فقولنا: الخبر ما يحتمل التَّصديق والتكذيب، يجري مجرى قولنا: الخبر: هو الذي يخبر عنه بأنه صدق أو كذب.\nوالثَّاني: \"أن الحَدّ يأبى\" لفظ، \"أو\"؛ لأنه للتَّرديد المنافي للتَّحْدِيد.\n\"وأجيب\" عن هذا الثَّاني \"بأن المراد قَبُوله\" الحَدّ دخول \"أحدهما\" لا بعينه.\nوالقاضي أبو بكر ﵁ صرَّح بأنه إنما أتى بـ \"أو\" لذلك.\nولكنا (^٢) نقول: لا حاجة إليها، وهي أكثر إيهامًا من \"الواو\" التي ردها، وقد تقرر اندفاع أن \"الواو\" تستلزم الجمع بالجواب السَّابق الذي ذكره عبد الجَبَّار، وإليه أشار إمام الحرمين، وابن السَّمعاني وغيرهما.\nوالحاصلُ من كلام الجماعة: الاعتراف بتوافُقِ الحَدّين، ولكن ادعوا أن لفظ \"أو\" أوضح، وقد يقال: عكسه، لما عرفت من إيهام التَّرديد، والإيهام لا تدفعه الإرادة.\nوأيضًا فـ \"أو\" وإن كانت للتقسيم، فمقتضاها: ألَّا يدخل الصِّدق والكذب في حالة واحدة، والمرادُ بالدخول: صلاحية الخبر للأمرين.\nوقوله: لهما، وهو في حالة واحدةٍ يقبل الصِّدق والكذب، وإن لم يجتمع نفس الصِّدق والكذب، فالتَّنَافي بين الصِّدْق والكذب لا بَين قَبُولهما.\nوبهذا يخرج الجَوَاب عن دَعْوَاهم أن \"الواو\" تُوهِمُ الاجتماع، فنقول: إنّما يتوهم اجتماع القبولين، ونحن به قائلون، وإياه مدعون، كقَبُولِ زيد للحركة والسّكون والقيام (^٣) والقعود في\n_________\n(^١) في حاشية ح: قوله: أحدهما .... إلخ يلزم هذا أنه عرفه بنفسه وهو غير الدور.\n(^٢) في ت: ولكننا.\n(^٣) في أ، ح: فالقيام.","vol":"2","page":285},{"text":"وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ قَبُولُ أَحَدِهِمَا.\n<hr><s0>\n\nحالة واحدة؛ لاجتماع المَقْبُولين اللَّذين هما نفس الصّدق والكذب، فتعين الإتيان بـ \"الواو\" دون \"أو\"، وإلا يلزم أن يكون قابلًا لأحدهما فقط، وليس كذلك؛ لأن القَبُول بالنسبة إليهما على وَتيرةٍ واحدة.\nفمن قال: الجسم قابلٌ للحركة، أو السّكون على قَصْدِ التنويع، فالتقسيمُ أوهم أنه منقسم إلى ما يقبل الحركة دون السكون وعكسه، كما تقول: الحكم إما اقتضاء، أو تخيير، فإنه يقتضي انقسامه إلى أمرين كلّ منهما يُنَافي صاحبه، وليس ما نحن فيه، كذلك إذ هو في حال الحَرَكَةِ قابل للسُّكون وعكسه.\nوإنما الذي لا يقبل الحَرَكَة السُّكون بخصوصه لا الجسم، كما أن الواجب الحُرْمة بخصوصه، وإن قبله أصل الحكم.\nوالقرَافيُّ قد أطْنَبَ في هذا وظنّ أنه اشتبه على إمام الحرمين تنافي القَبُولَيْنِ بتنافي المقبولين - وليس كذلك، وهذا لم يشتبه على الإمام، ولا القاضي من قبله؛ لأنهما - كما عرفت - لم يقولا: إن الحد يستلزم اجتماع الصِّدق والكذب المقبولين، وإنما قالا: يوهم ذلك، وهما لم يتحدثا إلا في المَقْبُولين، ولا حديث لهما في القَبُولين، [ولذلك] (^١) قال إمام الحرمين: ورأى القاضي ذكر الصدق والكذب على التَّنويع بلفظ \"أو\" - أمثل من الإتيان بهما بـ \"الواو\".\nفإن من قال: ما يدخله الصّدق والكذب أوهم إمكان اتصالهما بخبر واحد، فإذا ردد ونوع وقال: ما يدخله الصِّدق والكذب فقد تحرّز. انتهى.\nوالصّدقُ والكذبُ الذي يوهم اتِّصالهما هما المَقْبُولان، لا القَبُولان، نعم إنما اشتبه تنافي القَبُولين بتنافي المَقْبولين على مَنْ قال: \"لفظ الاستلزام\" كالمصنّف فاعرف ذلك.\nوالحاصل: أن قولنا: الخَبَر محتمل الصِّدق والكذب كلام صحيح، فإن احتماله لهما موجود في حالةٍ واحدة.\nوبهذا يظهر لك ضعف قول بعضهم في الرَّد: المُتَقَابلان يمتنع اجتماعهما في زمان واحد، أما في زمانين فلا.\n_________\n(^١) سقط في أ.","vol":"2","page":286},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"والواو\" لا تقتضي اجتماع المعطوف والمعطوف عليه في زمان واحد، بل يقتضي اجتماعهما مطلقًا.\nوبيان ضعفه أنه فهم أن المراد اجتماع المتقابلين، وقد بيَّنَّا أنه ليس المراد إلا اجتماع القبولين، وذلك هو الذي يستلزمه قولنا: الخبر ما يحتمل الصِّدق والكذب.\nأما المقبولان، فلا يستلزمهما كما وضح، ثم قوله: يمتنع اجتماعهما في زمان واحد، أما في زمانين فلا.\nقلنا: قد يقال: إذا وجد هذا في زمان، وذلك (^١) في زمان غيره، فلا اجتماع أصلًا، وإنما تقرير الكلام وتحسينه وإجراؤه على أسلوب الحق الذي تقبله الفِطْرة (^٢) السليمة وتَنْبُو عنه الأذهان السَّقيمة فـ \"الواو\" ما أحرره قائلًا:\nإذا قلت: قام زيد وعمرو فـ \"الواو \"تقتضي مطلق الجَمْعِ، لا ترتيب في ذلك ولا مَعِيَّة، ونسبة الترتيب والمعية إليها على حد سواء كما سبق في موضعه، ثم الجمع ضم شيء إلى شيء، ولا يعقل ذلك إلا حالة التركيب، وإلا فلا انضمام، ولكن الانضمام في قولك: قام زيد وعمرو يصدق إما بحصول قيامهما في الوجود من غير نظر إلى صفته ووقته كما تقول: وجد الشافعي والغزالي، فإنك تشرك بينهما في أصل الوجود مع تَبَايُنِ زمانهما.\nوإما بحصول قيامهما على وَجْهٍ خاص من مَعِيَّة أو غيرها؛ وأمر \"الواو\" أعم من ذلك كله، فقد لاح بهذا حُصُول معنى الجمع مع عدم الدّلالة على الجَمْعِ الخاصّ الذي هو المَعِيَّة بخصوصه، وبه يخرج الجواب عن قولنا: لا يصدق الجَمْع إلا في زمان واحدٍ، فإنه يقال: أي جمع؟ أصل الجمع أو الجمع الخَاصّ الذي هو المَعِيَّة؟\nإن أريد الأول فمسلّم وقد حصل اجتماع الصِّدق والكذب في الحكم بقَبُولِ الخبر إياهما وأصل وجدانهما في الخارج، كما حصل اجتماع قيام زيد وعمرو في حكمك بقيامهما، وأصل وقوع قيامهما في الخارج، وحصل وجود الشَّافِعِيّ والغزالي في حكمك به وأصل وقوعه.\nوإن أريد الثَّاني فممنوع؛ إذ \"الواو\" لا تقتضي ترتيبًا ولا مَعِيَّة.\n_________\n(^١) في ب: وذاك.\n(^٢) في ب: النظر.","vol":"2","page":287},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوأنت أيها النَّاظر إذا انتهى بك التَّفهُّم فيما ألقيته إليك إلى هنا علمت أن الأكثرين حَدُّوا الخبر بما يحتمل الصِّدق والكذب، أو ما يدخله الصِّدق والكذب، ومرادهم: قبوله لهما معًا والقَبُول في حالة واحدة، وهو ملازم لكونه خبرًا، فحيث وجد احتمال الصدق والكذب من حيث هو خبر.\nوقد تعرض له ما يعيّن أحد محتمليه من وقوعه في كلام الصادق، أو غير ذلك، وعلمت أن القاضي قال: هذا صحيح، ولكن ربما أوهمت لفظة \"الواو\" اجتماع نفس الصدق والكذب، لا قَبُولهما، وذلك مجرد إيهام، ولا يصل إلى حد اللزوم.\nوإنما الحدود مراد بها الإيضاح، فينبغي إزالة هذا الإيهام، والإتيان بلفظ \"أو\".\nوأن إمام الحرمين قال: الأمر في هذا قريب، فإن إرادة القَبُول دون المقبول فيه ظاهرة، وكذلك ابن السَّمعاني.\nوأنَّا قُلْنا: بل الإتيان بلفظ \"أو\" قد يقال: إنها تفسد الحدّ بما أسلفناه. وأن المتأخرين فهموا أن الذي اعترض على هذا التعريف بهذا الاعتراض - وهو القاضي - ذكر أنه يستلزم اجتماع الصدق والكذب - ومنهم (^١) المصنّف وليس كذلك، وإنما قُصَارى ما ذكره أنه يوهم ولا شكّ فيه، وإنما عارض إيهامه إيهام \"أو\" أيضًا فاستويا، وتترجّح \"الواو\" بما سبق.\nويعلم بهذا أن جواب عبد الجَبَّار، وقوله: يصح دخولهما لُغَةً، غير محتاج إليه؛ لأن المراد قبول دخولهما إلا نفس دخولهما.\nونحن في \"شرح المنهاج\" جرينا على كلام القَرَافِيّ وقلنا: اشتبه على إمام الحرمين تنافي القَبُولين بتنافي المَقْبُولين، وليس كذلك، والصَّوابُ ما ذكرناه هنا.\nومن إمام الحرمين أخذنا أن تنافي القَبُولين غير تنافي المَقْبُولين - كما رأيت ذلك في كلامه - وبالله العصمة.\nواعلم أن قولنا: \"المقبولين\": عبارة تبعنا فيها القرافي، والصواب في التعبير أن يقال: قبول الشَّيئين، فالقبول واحد متعلّق بشيئين، والمقبول شيئان.\n_________\n(^١) في أ، ح: وفيهم.","vol":"2","page":288},{"text":"وَأَقْرَبُهَا قَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ: كَلَامٌ يُفِيدُ بِنَفْسِهِ نِسْبَةً.\nقَالَ: \"بِنَفْسِهِ\" لَيَخْرُجَ نَحْوُ: \"قَائِمٌ\"؛ لأَنَّ الْكَلِمَةَ عِنْدَهُ: كَلَامٌ وَهِيَ تُفِيدُ نِسْبَةً مَعَ الْمَوْضُوعِ. وَيَرِدُ عَلَيْهِ بَابُ \"قُمْ\" وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ كَلَامٌ يُفِيدُ بِنَفْسِهِ نِسْبَةً؛ إِمَّا لِأَنَّ الْقِيَامَ مَنْسُوبٌ؛ وَإِمَّا لِأَنَّ الطَّلَبَ مَنْسُوبٌ.\nوَالْأَوْلَى الْكَلَامُ الْمَحْكُومُ فِيهِ بِنِسْبَةٍ خَارِجِيَّةٍ، وَنَعْنِي: الْخَارِجَ ............\n<hr><s0>\n\n\n\"فائدة\"\nإطلاق المصنّف هنا لفظ القاضي على عبد الجَبَّار أراه وقع سهوًا، فإن أصحابنا الأصوليين لا يطلقون هذه اللفظة إلا على ابن البَاقِلَّاني، وإنما يطلقها على عبد الجَبَّار المعتزلة، وقد عطف عليه المعتزلة، فأوهم أنه ابن البَاقِلَّاني من وجهين. عادة الأشاعرة، واقتضاء العطف المغايرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-496>\"فائدة أخرى\"</span>\nالشرح: قد عرفت أنه لا يردّ على تعريف عبد الجَبَّار إلا الدور، \"و\" ذكرت تعاريف أخر للخبر \"أقربها\" إلى الصَّواب عند المصنّف \"قول أبي الحسين: كلام يفيد بنفسه نسبة\".\n\"قال بنفسه، ليخرج نحو قائم\"، فإنه كلام عنده؛ \"لأنَّ الكلمة عنده كلام\"، فإنه عرف الكلام بالمنتظم من الحروف المتميّزة المتواضع عليها، وذلك يشمل الكلمة وغيرها.\n\"ويرد عليه باب \"قم\" ونحوه\" من أقسام الطلب، \"فإنه كلام\" بلا خلاف، و\"يفيد بنفسه\" من غير ضَمِيمَةٍ؛ لكونه جملة \"نسبة\" ما بأحد اعتبارين:\n\"إما لأن القيام منسوب\" إلى المخاطب؛ لأنه المطلوب منه، فيكون هو المنسوب إليه، لا مطلق القيام.\n\"وإما لأن الطَّلب منسوب\" إلى القائل؛ لأنه يدلّ على طلب مَنْسوب إليه دون مُطْلق الطَّلب، ولأبي الحسين أن يقول: أردت نسبة علم وقوعها منه، وبنفسه - أي: يكون هو مدلوله الذي وضع له، لا أن يكون لازمًا عقلًا - وقد صرَّح بالثَّاني في \"المعتمد\"، فخرج نحو \"قم\" إما باعتبار نسبة القيام إلى زيد؛ فلأنه لم يعلم وقوعها منه.\nوإما باعتبار نسبة الطلب إلى القائل؛ فلأنه عقلي ومراده الطلب.\nالشرح: \"والأولى\" - عند المصنّف - في تحديده أن يقال: \"الكلام المحكوم فيه بنسبة خارجية\" مطابقة للواقع، أو غير مطابقة، ليشمل الصَّادق والكاذب.","vol":"2","page":289},{"text":"عَنْ كَلَامِ النَّفْسِ، فَنَحْوُ طَلَبْتُ الْقِيَامَ حُكْمٌ بِنِسْبَةٍ لَهَا خَارِجِيٌّ بِخِلَافِ \"قُمْ\".\nوَيُسَمَّى غَيْرُ الْخَبَرِ إِنْشَاءً وَتَنْبِيهًا. وَمِنْهُ: الْأَمْر، وَالنَّهْي، وَالْاِسْتِفْهَام، وَالتَّمَنِّي، وَالتَّرَجِّي، وَالْقَسَم، وَالنِّدَاءُ.\nوَالصَّحِيحُ أَنَّ نَحْوَ \"بِعْتُ\"، \"وَاشْتَرَيْتُ\"، وَ\"طَلَّقْتُ\" الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الْوُقُوعُ - إِنْشَاءٌ، لِأَنَّهَا لَا خَارِجَ لَهَا، وَلِأَنَّهَا لَا تَقْبَلُ صِدْقًا وَلَا كَذِبًا، وَلَوْ كَانَ خَبَرًا لَكَانَ\n<hr><s0>\n\n\"ويعني\" بالخارج: ما هو \"خارج عن كلام النَّفس\" المدلول عليه بذلك اللَّفظ، فيخرج باب الأمر، وأنه كلام محكوم فيه بِنِسْبَةٍ، ولكن ليست خارجيةً؛ إذ لا وجود له خارج نفس المتكلّم، [بل الشيء] (^١) القائم بالنفس.\nوهذا بخلاف \"طلبت القِيَامَ\"؛ لأنه يدل على \"الحُكْمِ بنسبة\" الطَّلب إلى القائل، و\"له\" مطابق \"خارجي\" هو قيام الطلب بِذَاتِهِ.\n\"ويسمى غير الخبر\" - وهو ما لا يشعر بأن لمدلوله متعلّقًا خارجيًّا من الكلام \"إنشاء\" \"أو [تنبيهًا] \" (^٢).\n\"ومنه: الأمر\" نحو: \"قم\"، \"والنهي\": لا تَقُم، \"والاستفهام\": هل قمت؟ \"والتَّمنِّي\": [الوافر].\nلَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ ........ … ................\n\"والترجي\": ليت لي مالًا، \"والقَسَم\": والله لأفعلن، \"والنداء\": يا زيد، والعرض: ألا تنزل عندنا، فتصيب خيرًا، والتَّحضيض وصيغة هَلَّا. وألَّا ولو ولولا ولوما، فكل هذه ليست إخبارات - وهذه طريقة المصنّف، ولغيره طريقة أخرى الأمر فيها سهل (^٣).\nالشرح: \"والصَّحيح: أن نحو: بعت، واشتريت، وطلّقت (^٤) التي يقصد بها الوقوع\" واستحداث حكم \"إنشاء\"، لا إخبار - خلافًا للحنفيَّة - \"لأنها لا خارج لها\"، إذ لا يوجد البيع خارجًا عن قول القائل: بعت، فذهب عنها خاصيَّة الخبر، \"ولو كان\" معناها \"خبرًا لكان ماضيًا\" لاستحالة كونه مستقبلًا، \"ولم يقبل التعليق\" - لو كان ماضيًا، لاستحالة التعليقات فيه، لكنه يقبله\n_________\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) سقط في ت.\n(^٣) في ب: يسهل.\n(^٤) في ح: طلعت.","vol":"2","page":290},{"text":"مَاضِيًا، وَلَمْ يَقْبَلِ التَّعْلِيقَ، وَلِأَنَّا نَقْطَعُ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَلِذلِكَ لَوْ قَالَ لِلرَّجْعِيَّة: \"طَلَّقْتُكِ\" - سُئِلَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-497>أَقْسَامُ الْخَبَرِ</span>\nالْخَبَرُ صِدْقٌ وَكَذِبٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إِمَّا مُطَابِقٌ لِلْخَارِجِيِّ، أَوْ لَا.\n<hr><s0>\n\nفي العِتْقِ والطلاق، وبثبوت التَّعليق فيه ينتفي أيضًا كونه حالًا؛ إذ لا تعليق فيه،\" [ولأنا نقطع] \" (^١) في الإنشاء والخبر \"بالفَرْقِ بينهما\".\n\"وكذلك لو قال للرَّجعية: طلقتك، سئل\" هل أردت الإخبار، أو الإنشاء؟\nواحترزنا بالرَّجعية عن البَائِنِ إذا أوقع عليها - وإن أراد الإنشاء - لأنها ليست [محلًا له] (^٢).\nواعلم أن الذي قال: بأنه إخبار قال: إخبار عما في الذهن، ومعنى قولك: بعت، الإخبار عن اشتمال ضميرك على التَّرَاخي الذي وضعت \"بعت\" للدلالة عليه، فيقدر للضرورة وجودها قبل اللَّفظ.\nقالوا: وغاية ذلك أن يكون مجازًا، وهو أولى من النقل.\nولا يخفى عليك أن كلامنا في \"بعت\" و\"اشتريت\" المستعملة لإحداث أحكام لم يكن قبلها، وإلا فهي إخبارات بلا نَظَرٍ، وإن وضعها اللّغوي مع ذلك الخبر، ولكن الكلام في النَّقْل الشرعي.\nومن الإنشاءات الشَّرعية \"الظّهار\".\nودعوى القرافي: أنه إخبار مسبوق إليها، فإن الرَّافعي نقله عن بعض أصحابنا في الفصل الثَّاني في التعليق بالمَشِيئَةِ من \"كتاب الطلاق\".\nولكنه شيء ضعيف، وقد تكلمنا عليه في \"شرح المنهاج\" (^٣).\nالشرح: \"الخبر\" (^٤): قسمان: \"صدق وكذب، لأن الحكم إما مطابقٌ للخارج، أو لا\".\n_________\n(^١) في ب: ولا بالقطع.\n(^٢) في ح: مجاله.\n(^٣) ينظر: الإبهاج ١/ ٢١٩، باب تقسيم الألفاظ، والمحصول ١/ ٢/ ٤٤٠، وشرح الكوكب ٢/ ٣٠١، وحاشية البناني ٢/ ١٦٣، وتيسير التحرير ٣/ ٢٦، وفواتح الرحموت ٢/ ١٠٣، والتقرير والتحبير ٢/ ٢٨٨.\n(^٤) لما فرغ من تعريف الخبر شرع في تقسيمه فقال: … ينظر: الإحكام للآمدي (٢/ ١٠)، والمعتمد =","vol":"2","page":291},{"text":"الْجَاحِظُ: إمَّا مُطَابِقٌ مَعَ الاِعْتِقَادِ وَنفيِهِ، أَوْ لَا مُطَابِقَ مَعَ الاِعْتِقَادِ وَنَفْيهِ: فَالثانِي فِيهِمَا لَيْسَ بِصِدْقٍ وَلَا كَذِبٍ، لِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: ٨]، وَالْمُرَادُ الْحَصْر، فَلَا يَكُونُ صِدْقًا؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَهُ.\n<hr><s0>\n\nالأول: الصدق.\nوالثَّاني: الكذب.\nوادَّعى \"الجاحظ\" (^١): أنه ثلاثة أقسام: صدق، وكذب، وما ليس بصدق ولا كذب فقال: \"إما مطابق مع الاعتقاد\"، [لكونه مطابقًا، \"ونفيه\" - أي: نفي الاعتقاد، لكونه مطابقًا، \"أو لا مُطَابق مع الاعتقاد] \" (^٢) لعدم المُطَابقة \"ونفيه، فالثاني فيهما\" - هو ما لا اعتقاد معه سواء أكان (^٣) مطابقًا (^٤)، أم لا، \"ليس بصدق ولا كذب\"، محتجًّا مستندًا \"لقوله تعالى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: ٨].\n\"والمراد: الحَصْر\" في الافتراء والجنون، ضرورة عدم اعترافهم بصدقه، فعلى تقدير كونه كلام مجنون \"لا يكون صدقًا؛ لأنهم لا يعتقدون\" صدقه ولا كذبه؛ لأنه قسيم الكذب على ما زعموا، فثبتت الوَاسِطَةُ بين الصّدق والكذب.\n\"وأجيب: بأن المعنى: افترى\" على الله كذبًا، \"أم لم يفتر فيكون مجنونًا؛ لأن المجنون لا\n_________\n= ٢/ ٥٤٤، وشرح العضد ٢/ ٥٠، وشرح الكوكب ٢/ ٣٠٩، والمحصول ٢/ ١/ ٣١٨، وشرح التنقيح ٣٤٧، وحاشية البناني ٢/ ١١٠، والمسودة (٢٣٢)، وإرشاد الفحول (٤٤)، وتيسير التحرير ٣/ ٢٨، وفواتح الرحموت ٢/ ٧.\n(^١) عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ، ولد بـ \"البصرة\" سنة ١٦٣ هـ، كبير أئمة الأدب، ورئيس الفرفة الجاحظية من المعتزلة فلج في آخر عمره، وكان مشوّه الخلقة، له تصانيف كثيرة منها: \"الحيوان\" و\"البيان والتبيين\" و\"ذم القواد\" وغيرها. مات سنة ٢٥٥ هـ بـ \"البصرة\" والكتاب على صدره، قتلته مجلدات من الكتب وقعت عليه. ينظر: إرشاد الأريب ٦/ ٥٦ - ٨٠، والوفيات ١/ ٣٨٨، وأمراء البيان ٣١١ - ٤٨٧، وآداب اللغة ٢/ ١٦٧، ولسان الميزان ٤/ ٣٥٥، وتاريخ بغداد ١٢/ ٢١٢، والأعلام ٥/ ٧٤.\n(^٢) سقط في ت.\n(^٣) في ب، ت: كان.\n(^٤) في حاشية ج: قوله: سواء كان مطابقًا أو لا، سواء كان مع اعتقاد اللامطابقة أو لا، فهي أربعة أقسام مع الاثنين الأوليين، فأقسامه ستة.","vol":"2","page":292},{"text":"وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمَعْنَى افْتَرَى أَوْ لَمْ يَفْتَرِ، فَيَكُونُ مَجْنُونًا؛ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَا افْتِرَاءَ لَه، سَوَاءٌ أَقصَدَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ لِلْجُنُونِ.\nقَالُوا: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: \"مَا كَذَبَ وَلكِنَّهُ وَهِمَ\".\nوَأُجِيبَ بِتَأْوِيلِ: \"مَا كَذَبَ عَمْدًا.\nوَقِيلَ: إِنْ كَانَ مُعْتَقِدًا فَصِدْقٌ، وَإِلَّا فَكَذِبٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١].\n<hr><s0>\n\nافتراءَ له\"، فلا يكون ما ذكره إخبارًا - وإن اتَّصف بصفة الإخبار كما في كلام السَّاهي والنائم، أو يكون المعنى \"أقصد\" الإخبار، \"أو لم يقصد، للجنون\" فلا يكون ما أتى به خبرًا، لعدم القَصْد الذي هو شرط الإخبار.\nوالحاصل: أن الافتراء أخصّ من الكذب، ومُقَابله قد يكون كذبًا، وإن سلم فقد لا يكون خبرًا.\n\"قالوا\": في \"الصَّحيحين\": \"قالت عائشة: \"ما كذب\" - يعني عبد الله بن عمر - إذ روى أن الميّت ليعذّب ببكاء أهْلِهِ \"ولكنه وهم\"\" إنما قال رسول الله ﷺ: \"إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\" (^١).\nفالموهوم واسطة بين الصادق والكاذب.\n\"وأجيب: بتأويل\" قولها: ما كذب على أنه \"ما كذب عمدًا. فلا يكون الموهم مقابلًا للكذب المطلق، بل الكذب المقيّد بالعمدية.\nالشرح: \"وقيل\": لَا وَاسِطَةَ بين الصِّدق والكذب (^٢)، لكن [لا] (^٣) نعني المذهب الأول، بل \"إن كان\" المخبر بالوَاقِعِ \"معتقدًا\" لصدق ما أخبر به، وقد طابق \"فصدق، وإلا فكذب\"، سواء كان غير مطابق مع اعْتِقَادِ المطابقة، أو اعتقاد عدمها، أو لا اعتقاد رأسًا، أو مطابقًا ولا اعتقاد لشكّ أو غيره - هذا هو معنى هذا القول على ما فهم الشُرَّاحُ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري ٣/ ١٨٠ في الجنائز: باب قول النبي ﷺ \"يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه\" (١٢٨٦)، وأخرجه مسلم ٢/ ٦٤٠ في الجنائز: باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه (٢٢/ ٩٢٨).\n(^٢) وإلى هذا ذهب النظام، ينظر: \"إرشاد الفحول\" ٤٤ - ٤٥.\n(^٣) سقط في ح.","vol":"2","page":293},{"text":"وَأُجِيبَ: \"لَكَاذِبُونَ فِي شَهَادَتِهِمْ\"؛ وَهِيَ لَفْظِيَّةٌ.\n\"وَيَنْقَسِمُ إِلَى مَا يُعْلَمُ صِدْقُه، [وَإلَى مَا يُعْلَمُ كَذِبُهُ]، وَإِلَى مَا لَا يُعْلَمُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا:\n<hr><s0>\n\nوقيل: - وهو (^١) الأظهر - معناه: الصدق، مطابقة الخبر لاعتقاد المخبر، وإن كان غير مُطَابق لما في الخارج، وكذبه عدمها، وإن طابق الواقع؛ \"لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] \". سَمَّاهم كاذبين في قولهم: \"إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ\" مع المطابقة للواقع؛ لأنهم لم يكونوا معتقدين.\n\"وأجيب\": بأن المعنى: أن المنافقين \"لكاذبون في شهادتهم\"، لا في إخبارهم.\nولك أن تقول: الشهادة: إنشاء فكيف يكذبون فيها؟ فليكن المعنى: لكاذبون في إخبارهم عن أنفسهم أنهم يشهدون، فإنهم لا يَشْهَدون؛ إذ الشهادة لا بد معها من الاعتقاد، وهم لا يعتقدون.\nوفيه بحث طويل ذكرناه في مكان آخر.\n\"وهي\" - أي: المنازعة فيما نحن فيه - \"لفظية\"، ولا مُشَاحَّة في الاصطلاح.\nوذهب الرَّاغب إلى أن الصدق: المُطَابقة مع الاعتقاد، فإن فقدا لم يتمخض صدقًا بل إما ألَّا يكون صدقًا، أو يوصف بالصدق والكذب بنظرين مختلفين إذا كان مطابقًا للخارج غير مطابق للاعتقاد؛ كقول المُنَافقين: \"نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ\".\nاعلم أن المصنّف لما ذكر أن الخلاف لَفْظِيّ هوَّن المسألة، فلذلك لم يذكر دليله على المذهب المُخْتَار.\nومن الأدلة فيه قوله ﷺ: \"مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا\" لدلالته على انقسام الكذب إلى العَمْدِ وغيره، وقول ابن عباس: كذب نوف - حين قال نوف البكالي - ليس صاحب الخضر موسى بني إسرائيل.\nوذكر أخي الإمام أبو حامد - تَغَمَّدَه الله برحمته - في \"شرح التلخيص\": قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا [أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ]﴾ [سورة النحل: الآية ٣٩]، وهو حسن مذكر.\nالشرح: \"وينقسم\" الخبر بالنَّظر إلى علم الصّدق، وكذبه أقسامًا ثلاثة: \"إلى ما يعلم\n_________\n(^١) في ت، ح: فهو.","vol":"2","page":294},{"text":"فَالأَوَّلُ: ضَرُورِيٌّ بِنَفْسِهِ؛ كَالْمُتَوَاتِرِ، وَبِغَيْرِهِ؛ كَالْمُوَافِقِ لِلضَّرُورِيِّ، وَنَظَرِيٌّ؛ كَخَبَرِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَرَسُولِهِ ﷺ والْإِجْمَاعِ وَالْمُوَافِقِ للنَّظَرِ.\nوَالثَّانِي: الْمُخَالِفُ لِمَا عُلِمَ صِدْقُهُ.\nوَالثَّالِثُ: قَدْ يُظَنُّ صِدْقُهُ؛ كَخَبَرِ الْعَدْلِ، وَقَدْ يُظَنُّ كَذِبُه، كَخَبَر الْكَذَّابِ، وَقَدْ يُشَكُّ؛ كَالْمَجْهُولِ، وَمَنْ قَالَ: \"كُلُّ خَبَرٍ لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُهُ فَكَذِبٌ قَطْعًا؛ لأَنَّهُ لَوْ كَانَ صَادِقًا\n<hr><s0>\n\nصدقه، وإلى ما يعلم كذبه، وإلى ما لا يعلم واحدٌ منهما\" (^١).\n\"فالأول\" قِسْمَانِ: \"ضروري\"، ونظري.\nوالضروري؛ إما ضروري \"بنفسه\" - أي: بنفس الخبر، فيفيد العلم الضروري بمضمونه من [غير التفات إلى شيء آخر \"كالمتواتر\"، \"أو \"ضروري \"بغيره\" - أي: استفيد العلم بمضمونه] من أمر وراء الخبر - وهو الموافق للعلم الضَّروري \"كالموافق\" من الأخبار \"للضروري\" - أي: للعلم الضروري مثل: الكُلّ أعظم من الجزء.\n\"ونظريٌّ: كخبر الله - تعالى - ورسوله ﷺ\"، \"و\"خبر أهل \"الإجماع\"، \"و\" الخبر \"الموافق للنَّظر\" الصَّحيح في القَطْعِيَّات، كخبر مَنْ وافق خبره خبر الصَّادق.\n\"والثاني\": وهو ما علم كذبه، هو الخبر \"المُخَالف لما علم صدقه\" من الأقسام المذكورة.\n\"والثالث\": وهو ما لم يعلم صدقه ولا كذبه، ثلاثة أقسام؛ لأنه \"قد يظن صدقه؛ كخبر العدل، وقد يظن كذبه؛ كخبر الكَذَّاب، وقد يشكّ؛ كالمجهول\".\n\"و\" اعلم أن \"من قال: كلّ خبر لم يعلم صدقه [فكذب] (^٢) قطعًا؛ لأنه لو كان صدقًا لنصب عليه دليل\" - يدلنا على صدقه - \"كخبر مدعي الرِّسالة\" - إذا كان كاذبًا في دعواه -، فإنه إذا لم يعلم صدقه يكون كاذبًا [قطعًا] (^٣)، فقوله \"فاسد\"؛ لأنه معارض \"بمثله في النقيض\" - بأن يقول: كلّ خبر لم يعلم كذبه، فصادق قطعًا، وإلا لنصب على كذبه دليل قياسًا على دعوى المُتَنَبِّي، أو لجريان مثله في نقيض ما أخبر به إذا أخبر به آخر، فيلزم اجتماع النقيضين، ويعلم بالضرورة وقوع الخبر بهما.\n\"و\" فاسد أيضًا من جهة \"لزوم كذب كلّ شاهد\" - أي: يلزم منه العلم بكذب كلّ شاهد لم\n_________\n(^١) في ح: منها.\n(^٢) سقط في ب.\n(^٣) سقط في ت، ح.","vol":"2","page":295},{"text":"لَنُصِبَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ؛ كَخَبَرِ مُدَّعِي الرِّسَالَةِ\" - فَاسِدٌ بِمِثْلِهِ فِي النَّقِيضِ، وَلُزُومِ كَذِبِ كُلِّ شَاهِدٍ، وَكُفْرِ كُلِّ مُسْلِمٍ؛ وَإنَّمَا كُذِّبَ الْمُدَّعِي لِلْعَادَةِ.\nوَيَنْقَسِمُ إَلَى مُتَوَاتِرٍ وَآحَادٍ.\nفَالْمُتَوَاتِرُ: خَبَرُ جَمَاعَةٍ مُفِيدٌ بِنَفْسِهِ الْعِلْمَ بِصِدْقِهِ، وَقِيلَ: بِنَفْسِهِ ..........\n<hr><s0>\n\nيعلم صدقه؛ لعدم الدَّليل عليه، \"و\" لزوم \"كُفْر كلّ مسلم\" في دعوى إسلامه؛ إذ لا دليل على ما في بَاطِنِهِ.\n\"و\" أمَّا القياس على مُدَّعي خبر الرسالة فلا يصحُّ؛ لأنه \"إنما كذب مدعي\" الرِّسالة، إذا لم تظهر (^١) المُعْجِزَةُ على يديه \"لِلْعَادَةِ\" - أي: لم يكذب لعدم العلم بصدقه، بل للعلم بكذبه؛ لأنه بخلاف العادة؛ إذ العادة فيما خالفها أن يصدق بالمعجزة، ويكذب بفقدها.\nالشرح: \"وينقسم\" الخبرُ باعتبار آخر \"إلى مُتَوَاتر، وآحاد\".\nوذكر كثير من أئمتنا؛ كالمَاوَرْدِيّ - في \"الحاوي\" - والأستاذ أبي إسحاق، وغيرهما \"المستفيض\"، والمتأخرون على خلافه.\nالشرح: \"فالمتواتر (^٢): خبر جماعة يفيد بنفسه العِلْمَ بصدقه.\n_________\n(^١) في ت، ح: يظهر.\n(^٢) هذا الباب في المتواتر، وهو مشتمل على مقدمة في حده وأنه هل يفيد العلم به أو لا؟ بأن العلم الحاصل منه ضروري أم لا، وفي شروطه، وعلى مسألة أما المتواتر في اللغة عبارة عن تتابع أمور واحد بعد واحد من الوتر، وفيه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ أي واحدًا بعد واحد، وأصله وترى، وألفه للإلحاق فيمن نون، وللتأنيث في الآخر.\nوفي الاصطلاح عبارة عن خبر جماعة مفيد بنفسه العلم بصدقه، وقيل بنفسه؛ ليخرج الخبر الذي علم صدق القائلين به بالقرائن الزائدة على ما لا ينفك المتواتر عنه عادة وغير عادة .. ينظر: لسان العرب (٦/ ٤٧٥٨)، والشيرازي ٢٣٦ ب، ٢٣٧ أ/ خ، والكليات ٢/ ٩٦، والبحر المحيط للزركشي ٤/ ٢٣١، والبرهان لإمام الحرمين ١/ ٥٦٦، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٢/ ١٤، ونهاية السول للإسنوي ٣/ ٥٤، ومنهاج العقول للبدخشي ٢/ ٢٩٦، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ٩٥، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ٩٥، والمنخول للغزالي ٢٣١، والمستصفى له ١/ ١٣٢، وحاشية البناني ٢/ ١١٩، والإبهاج لابن السبكي ٢/ ٢٦٣، والآيات البينات لابن قاسم =","vol":"2","page":296},{"text":"لِيَخْرُجَ مَا عُلِمَ صِدْقُهُمْ فِيهِ بِالْقَرَائِنِ الزَّائِدَةِ عَلَى مَا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ عَادَةً - وَغَيْرِهَا.\nوَخَالَفَتِ السُّمَنِيَّةُ فِي إِفَادَةِ الْمُتَوَاتِرِ، وَهُوَ بَهْتٌ؛ فَإِنَّا نَجِدُ الْعِلْمَ ضَرُورَةً بِالْبِلَادِ النَّائِيَةِ، وَالْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْخُلَفَاءِ، بِمُجَرَّدِ الْإِخْبَارِ، وَمَا يُورِدُونَهُ ........\n<hr><s0>\n\nوقيل: بنفسه؛ ليخرج ما علم - أي: الخبر الذي علم - \"صدقهم فيه بالقَرَائِنِ الزَّائدة على ما لا ينفكُّ عنه عادة\".\nوقيد القَرَائِن بالزَّائدة؛ لأن من القرائن ما يلزم الخبر من أحوال الخَبَرِ، والمخبر عنه، والمخبر، والمخبر به، ولذلك يتفاوت عدد المتواتر.\nومنها ما يزيد على ذلك من الأمور المنفصلة وهو المقصود.\n\"وغيرها\" أي: أو علم صدقهم فيه بغيرها كالعلم بمخبره ضرورة أو نظرًا.\nوالحاصلُ: أنه قد يقع العلم لا بنفس الخَبَرِ، بل إما بقرائن زائدة، أو غيرهما، والمتواتر ليس ذاك.\n\nالشرح: \"وخالف السُّمَنِيَّةُ في<span data-type='title' id=toc-501> إفادة المُتَوَاتر\" العلم،</span> \"وهو بهت، فإنا نجد العلم ضرورة بالبلاد النَّائية (^١)، والأمم الخَالِية، والأنبياء\" صلوات الله عليهم \"والخلفاء بمجرد الأخبار\" المتواترة (^٢)؛ كما نجد العلم بالمَحْسُوسَات، لا فرق فيما يعود إلى الجَزْمِ (^٣)، فلو لم يفد المتواتر [العلم] (^٤)، لم نجد هذه الأشياء، والمنكر للوجدان مُبَاهِتٌ.\n\"وما يوردونه\" - أي: السُّمَنِيَّة من شُبَهِهِمْ على المتواتر \"من أنه\" لم يُفِدْ؛ لأن اجتماع الخلق العظيم على الإخبار بشيء معيّن \"كأكل طَعَام واحد\" في وقت واحد.\n\"و\" من \"أن الجملة مركبة من الواحد\" بعد الواحد، وكلّ واحد من المخبرين يجوز عليه\n_________\n= العبادي ٣/ ٢٠٦، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ١٤٧، والمعتمد لأبي الحسين ٢/ ٨٦، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ١/ ١٠١، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ٣/ ٣٢، وكشف الأسرار للنسفي ٢/ ٤، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ٣، وشرح المنار لابن ملك ٧٨، وميزان الأصول للسمرقندي ٢/ ٦٢٧، وتقريب الوصول لابن جزي ١١٩، وإرشاد الفحول للشوكاني ٤٦.\n(^١) في ت، ح: الثابتة.\n(^٢) في ت: المتواتر.\n(^٣) في ت: الحرام، وفي ح: الجرم.\n(^٤) سقط في ت، ح.","vol":"2","page":297},{"text":"مِنْ \"أَنَّهُ كَأَكْلِ طَعَامٍ وَاحِدٍ؛ وَأَنَّ الْجُمْلَةَ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْوَاحِدِ، وَيُؤَدِّي إِلَى تَنَاقُضِ الْمَعْلُومَيْنِ، وَإِلَى تَصْدِيقِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ فِي \"لَا نَبِيَّ بَعْدِي\"، وَبِأَنَّا نَفْرُقُ بَيْنَ الضَّرُورِيِّ وَبَيْنَهُ ضَرُورَةً، وَبِأَنَّ الضَّرُورِيَّ يَسْتَلْزِمُ الْوِفَاقَ\" - مَرْدُودٌ.\nوَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ ضَرُورِيٌّ.\nوَالْكَعْبِيُّ وَالْبَصْرِيُّ: نَظَرِيٌّ.\n<hr><s0>\n\nالكَذِبُ حالة الانفراد فليستمرّ حالة الاجتماع، وإلا انقلب الجائز ممتنعًا، ومن أنه \"يؤدي\" - لو أفاد العِلْم - \"إلى تناقض المعلومين\" بتقدير أن يجتمع من يمنع تواطؤهم على الكذب على الإخبار بحياة زيد، ومثلهم على الإخبار بموته، ومن أنه يؤدي إلى \"تصديق اليهود والنَّصارى في\" نقلهما عن موسى وعيسى أن كلًّا منهما قال: \"لا نبيّ بعدي، وبأنا نفرق بين الضَّروري\" كاعتقادنا أن الواحد نصف الاثنين - \"وبينه\" - كاعتقادنا البلاد النائية (^١) \"ضرورة\" - ونجد هذا دون ذلك، والتفاوت في الضروريات باطلٌ فلم يكن ضروريًّا، \"وبأن الضروري يستلزم الوفاق\"، واشتراك العقلاء فيه، وهذا نحن فيه مخالفون - \"مردود\"، أي: جميع ما أوردوه من هذه الاعتراضات مردود.\nولما كان وجه ردّه واضحًا، لم نطل (^٢) بذكره.\nثم اختلف القائلون بإفادة المُتَواتر العلم، هل هو ضروري، أو نظري؟\nالشرح: \"والجمهور على أنه ضروري\" (^٣).\n\"والكعبي والبَصْري\" على أنه \"نظري\" (^٤)، واختاره إمام الحرمين، إلا أنه نزله على مجمل (^٥) لا يصير في المسألة نزاعًا فقال: الذي أراه تنزيل مذهبه عند كثرة المخبرين، على النظر في ثبوت إحالة جامعة (^٦)، وانتفائها، فلم يغن الرجل نظرًا عقليًّا، وفكرًا سَبْريًّا على مقدمات ونتائج.\n_________\n(^١) في ت، ح: الثابتة.\n(^٢) في ب: بطل.\n(^٣) ينظر: اللمع ٣٩، وكشف الأسرار ٢/ ٣٦١، وأصول السرخسي ١/ ٢٨٣.\n(^٤) ينظر: المعتمد ٢/ ٥٢٢، والمحصول ٢/ ١/ ٣٢٨، والمستصفى ١/ ٨٥، التبصرة ٣٩٣، وشرح العضد ٢/ ٥٣، والعدة ٢/ ٧٢٦، والبرهان ١/ ٥٧٩، وتيسير التحرير ٣/ ٣٢.\n(^٥) في ح: محل.\n(^٦) في ت، ح: إنالة.","vol":"2","page":298},{"text":"وَقِيلَ: بِالْوَقْفِ.\nلَنا: لَوْ كَانَ نَظَرِيًّا - لَافْتَقَرَ إِلَى تَوَسُّطِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ، وَلَسَاغَ الْخِلَافُ فِيهِ عَقْلًا.\nوَأَبُو الْحُسَيْنِ: لَوْ كَانَ ضَرُورِيًّا - لَمَا افْتَقَرَ، وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بَعْدَ عِلْمِ أَنَّهُ مِنَ الْمَحْسُوسَاتِ، وَأَنَّهُمْ عَدَدٌ لَا حَامِلَ لَهُمْ، وَأَنَّ مَا كَانَ كَذلِكَ لَيْسَ بِكَذِبٍ: فَيَلْزَمُ النَّقِيضُ.\n<hr><s0>\n\nوقال الغزالي: إنه ضروري بمعنى أنه لا يحتاج في حصوله إلى الشعور (^١) بتوسُّط واسطة مُفْضِية إليه، مع أن الواسطة حاضرةٌ في الذهن، وليس ضروريًّا، بمعنى أنه حاصل من غير واسطة (^٢).\nوهذا هو الذي اختاره الإمام الرَّازي وأتباعه - وأراه رأى إمام الحرمين والجمهور، فلا خلاف.\n\"وقيل بالوَقْفِ\" - واختاره المرتضى والآمدي (^٣).\n\"لنا: لو كان نظريًّا لافتقر إلى توسُّط المقدّمتين\"، وليس مفتقرًا؛ لأنا نعلم قطعًا علمًا بما ذكرنا من المُتَوَاتر مع انتفاء ذلك.\nولك أن تقول: إن أردت بتوسطها حضورها في الذِّهْنِ فهما حاضرتان، وإن أردت توقُّف الذِّهن على العلم حتى يرتبها (^٤) فلا يلزم، وهذا هو ما قدمناه عن الغَزَاليّ.\n\"و\" أيضًا: لو كان نظريًّا \"لساغ (^٥) الخِلَافُ فيه عقلًا\"، ولم يعد الخلاف مباهتًا مكابرًا.\nالشرح: \"و\" استدلّ [\"أبو الحسين\" (^٦) على أنه نظري فقال] (^٧): \"لو كان ضروريًّا لما افتقر\" إلى توسط المقدمتين، \"و\" لكنه مفتقر؛ إذ \"لا يحصل إلا بعد علم أنه من المحسوسات، وأنهم عدد لا حامل لهم، وأن ما كان كذلك، فليس بكذب فلزم النقيض\" - وهو أنه صدق.\n\"وأجيب: بالمنع\" منع (^٨) احتياجه إلى سبق العلم بذلك - \"بل إذا حصل\" العلم بمدلول\n_________\n(^١) في ح: الشور.\n(^٢) نظر: المستصفى ١/ ٨٥.\n(^٣) ينظر: الإحكام ٢/ ١٨.\n(^٤) في ت، ح: يرتبهما.\n(^٥) في ت، ح: لشاع.\n(^٦) ينظر: المعتمد ٢/ ٥٢٢، والمنخول (٢٣٧)، والإحكام للآمدي ١/ ١٨.\n(^٧) سقط في ت.\n(^٨) في ح: مع.","vol":"2","page":299},{"text":"وَأُجِيبَ: بِالْمَنْع؛ بَلْ إِذَا حَصَلَ عُلِمَ أَنَّهُمْ لَا حَامِلَ لَهُمْ، لَا أَنَّهُ مُفْتَقِرٌ إِلَى سَبْقِ عِلْمِ ذلِكَ، فَالْعِلْمُ بِالصِّدْقِ ضَرُورِيٌّ، وَصُورةُ التَّرْتِيبِ مُمْكِنَةٌ فِي كُلِّ ضَرُورِيٍّ.\nقَالُوا: لَوْ كَانَ ضَرُورِيًّا، لَعُلِمَ أَنَّهُ ضَرُورِيٌّ ضَرُورَةً.\nقُلْنَا: مُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الشُّعُورِ بِالْعِلْمِ ضَرُورَةً الشُّعُورُ بِصِفَتِهِ.\n<hr><s0>\n\nالخبر \"علم\" من حال المُخْبرين؛ \"أنهم لا حامل لهم\" على الكَذِب؛ \"لأنه مفتقرٌ إلى سبق علم ذلك، فالعلم بالصدق\" في المُتَواتر \"ضروري\"، لا نظري.\nوأما صورة التَّرْتيب في المقدّمتين، فإنها ممكنةٌ في كل ضروري، ولا يلزم من ذلك كونه نظريًّا.\nوذلك كقولنا: الاثنان نصف الأربعة؛ لانقسام الأربعة إليهما وإلى ما يساويهما، وكل عدد انقسم إلى عدد آخر وإلى ما يساويه، وكل واحد من ذينك القسمين نصف ذلك العدد، وقس عليه فلا تتخيلن أن وجدان صورة الترتيب يستلزم النَّظر؛ لأنا أريناكها حيث يتضح الضروري.\nوالحاصل: أن العلم بالصدق ضروري يحصل بالعادة لا بالمقدمتين، فاستغنى عن الترتيب، وإلا تنافيه صورة الترتيب.\nوالحقُّ: أن المقدمتين لا بُدَّ منهما بالمعنى الذي ذكره الغَزَالي، فإن أراد أبو الحسين بالافتقار ما ذكره فحق، وإلا فواضح البطلان.\n\"قالوا: لو كان ضروريًّا لعلم أنه ضروري ضرورة\"؛ لأن حصول العلم الضروري للعالم (^١) مع عدم شعوره به محال.\n\"قلنا\": الجواب بالمعارضة وبالحل فنقول: \"معارض بمثله\"، وبأن يقال: لو كان نظريًّا لعلم أنه نظري ضرورة؛ لأن حصول العِلم النَّظري مع انتفاء الشعور به محال.\n\"و\" الحل: أنه \"لا يلزم منه الشُّعور بالعلم\" بالشَّيء \"ضرورة\" العلم \"بصفته\" - أي: بصفة العلم به، وكون العلم ضروريًّا صفة له كما أن كونه نظريًّا صفة له، فلا يلزم من العلم بالمتواتر العلم بكونه ضروريًّا؛ إذ لا يلزم من العلم بالشيء العلم بصفته.\n_________\n(^١) في ب: للعام.","vol":"2","page":300},{"text":"<span data-type='title' id=toc-503>شَرْطُ الْمُتَوَاتِرِ</span>\nوَشَرْطُ الْمُتَوَاتِرِ: تَعَدُّدُ الْمُخْبِرِينَ، تَعَدُّدًا يَمْنَعُ الاِتِّفَاقَ وَالتَّوَاطُؤَ، مُسْتَنِدِينَ إِلَى الْحِسِّ، مُسْتَوِينَ فِي الطَّرَفَيْنِ وَالْوَاسِطَةِ، \"وَعَالِمِينَ\": غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ الْجَمِيعُ فَبَاطِلٌ، وَإِنْ أُرِيدَ بَعْضٌ فَلَازِمٌ مِمَّا قُيِّدَ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وشرطُ المتواتر\" أمور:\nالأول: \"تعدُّد المخبرين تعددًا يمنع الاتفاق\" على الكذب، \"والتواطؤ\" فيه (^١).\nوالثَّاني: أن يكون المخبرون (^٢) \"مستندين\" في إخبارهم \"إلى الحس\"، لا إلى دليل عقلي، وهذا قد ذكره جماعة معتلّين بقولهم، [إن العقلي قد يثبته على الجمع الكثير كحدوث العالم على الفلاسفة]، ولم يشترط القاضي، وإمام الحرمين، وابن السّمعاني، والإمام، والمَازِرِيّ - الحس، بل اكتفوا بالعلم الضروري.\nووجَّهَهُ إمام الحرمين بأنهم قد يخبرون عما علموه بالقَرَائِنِ كإخبارهم عن الخَجَلِ الذي علموه من قرائن الحال، فهذا العلم وإن استند إلى الحس على وجه ما، فمجرد المحسوس لا يكفي في وقوع العلم؛ لأن الحمرة إنما يدرك بالحس ذاتها، وحمرة الخجل كحمرة الغضب، وإنما يفرق بينهما بأمر تدقُّ عن ضبطه العبارة.\nولك أن تقول: القَرَائِنُ تستند إلى المحسوس؛ ضرورة أنها لا تخرج عن كونها حالية أو مقالية، وهما محسوسان وإن كان فيها أمور دقيقة يعسر التعبير عنها.\nقال أبو الحسن بن الأنباري: والإنسان يحس الفرق بين حُمْرة الخَجَلِ والغضب، وإن تعذّر عليه التعبير.\nفإن قلت: لم يشترطون الحسّ أو العلم الضروري، ولم لا يقولون (^٣) بالإفادة إذا وقع عن علم نظري؟.\nقلت: المسلمون والنَّصارى واليهود يبلغون من الكَثْرَةِ ما يفوت الإحصاء، ويخبرون عن حدوث (^٤) العالم، ولا يقع العلم الضروري بخبرهم.\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام ١/ ٢٥، والمستصفى ١/ ١٣٨، والبرهان ١/ ٥٨٠، والتبصرة ٢٩٥، وتيسير التحرير ٣/ ٣٤، وفواتح الرحموت ٢/ ١٨.\n(^٢) في ب: المخبرين.\n(^٣) في ب: تقولون.\n(^٤) في ب: حدث.","vol":"2","page":301},{"text":"وَضَابِطُ الْعِلْمِ بِحُصُولِهَا حُصُولُ الْعِلْمِ لَا أَنَّ ضَابِطَ حُصُولِ الْعِلْمِ، سَبْقُ الْعِلْمِ بِهَا.\nوَقَطَعَ الْقَاضِي بِنَقْصِ الْأَرْبَعَةِ وَتَرَدَّدَ فِي الْخَمْسَةِ. وَقِيلَ: اثْنَا ..........\n<hr><s0>\n\nوالسّر فيه: أنهم أسندوا ذلك إلى دليل، فكيف يكونون هم لا يعلمون ما يخبرون عنه بالضرورة، وهم أصل في هذا الخبر، ثم يعلمه ضرورة من سمعه منهم وهو كالفرع عنه، فيصير الفرع أقوى من أصله.\nوالثالث: أن يكونوا \"مستوين في الطرفين والواسطة\" تعددًا يمنع التواطؤ على الكذب، واستنادًا إلى الحس، \"و\" كونهم \"عالمين\" بما أخبروه لا ظانين أو مُجَازفين - صرح باشتراطه القاضي في \"مختصر التقريب\" وغيره.\nقال المصنّف: إنه \"غير محتاجٍ إليه؛ لأنه إن أريد\" علم \"الجميع فباطل\"؛ لجواز أن يكون بعضهم ظانًّا، ومع ذلك يحصل العلم.\nوعندي هنا وَقْفَة، فقد يقال: إن العلم لا يحصل إلا إذا علم الكُلّ.\n\"وإن أريد علم بعض فلازم مما (^١) قيل\" في الشرط الثاني؛ لأنَّ الاستناد إلى الحس يوجب أن يكون المحسون عالمين به.\n\"وضابط العلم بحصولها\" - أي: حصول هذه الأمور المشترطة - \"حصول العلم\" بصدق الخبر المتواتر، وإذا حصل العلم بصدقه علم اجتماع الشَّرائط، \"ألا إن ضابط حصول العلم\" بصدق المتواتر، \"سبق العلم بها\"، فقد يحصل العلم بصدق المتواتر وإن لم يتقدمه حصول العلم بهذه الأمور.\nالشرح: \"وقطع القاضي بنقص الأربعة\" عن حد التواتر - ونصّ على ذلك في \"مختصر التقريب\" - وهو رأي أكثر أصحابنا؛ كما نقله ابن السَّمعاني، \"وتردد في الخمسة\"، هل تصلح لإفادة العلم؟\nوأكثر أصحابنا لم يترددوا، بل قالوا: إنها صالحة، ثم لا يقول أصحابنا: كل خمسة تفيد، بل يقولون: باختلاف الوقائع والأحوال.\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله: \"مما قيل\" قال العضد: أي بما ذكرنا من القيود الثلاثة عادة؛ لأنها لا تجتمع إلا والبعض عالم قطعًا.","vol":"2","page":302},{"text":"عَشَرَ. وَقِيلَ: عِشْرُونَ. وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ. وَقِيلَ: سَبْعُونَ. وَالصَّحِيحُ يَخْتَلِفُ. وَضَابِطُهُ مَا حَصَلَ الْعِلْمُ عِنْدَهُ لِأَنَّا نَقْطَعُ بِالْعِلْمِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ لَا مُتَقَدِّمًا وَلَا مُتَأَخِّرًا\n<hr><s0>\n\nوهنا يفارق رأيهم رأي القاضي؛ إذ من أصله أن الكثرة الذين يقع بهم العلم - لا يصح تبدُّل حالهم حتى يقع بهم مرة دون أخرى.\nوقد تكلّمنا معه في \"التعليقة\" بما لا نطيل بإعادته.\nوما نقلناه عن أكثر أصحابنا من القَطْعِ بأن الأربعة لا تفيد، وأن الخمسة فصاعدًا صالحة، نقله ابن السَّمْعاني، ودليله: العادة، فإنها اطَّردت في عدم إفادة الأربعة، واختلف فيما فوقها حسب اختلاف الوقائع والأحوال.\nوالذي صرح به القاضي في \"مختصر التقريب\": أن أقل عدد التواتر مما لا ينضبط.\nومقتضى كلامه: أن الخمسة كالعشرة، وأنَّ الضبط بها متعذّر، فلا يصح نقل من نقل عنه أن السِّتة صالحة، بل السِّتة والخمسة عنده سواء، وتوقّفه في الخمسة كتوقفه في السِّتَّة.\nوقال الإصْطَخْرِي من أصحابنا: لا يجوز أن يتواتر بأقلّ من عشرة؛ لأن ما دون العشرة جمع الآحاد، فاختص بأخبار الآحاد، والعشرة فما زاد جمع الكثرة.\n\"وقيل: اثنا عشر\"؛ لأنهم عدد النقباء لبني إسرائيل.\n\"وقيل: عشرون\"، لذكر الله سبحانه هذا العدد في عدد الصابرين في القتال، قال تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٦٥].\n\"وقيل: أربعون\"؛ لأنهم عدد نصاب الجمعة.\n\"وقيل: سبعون\"؛ لقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٥٥].\nوذكرت (^١) أقاويل أخر مثل هذه الأقاويل في السَّخَافة والنُّكر.\n\"والصحيح\": أن العدد \"يختلف\" بحسب المخبرين، والوقائع، وغير ذلك.\n\"وضابطه: ما حصل العلم عنده\"، وكل خبر حصل عنده العلم - كان هو العدد المتواتر بالنِّسْبة إلى ذلك الخبر.\n_________\n(^١) في ت، ح: وذكر.","vol":"2","page":303},{"text":"وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ قَرَائِنِ التَّعْرِيفِ وَأَحْوَالِ الْمُخْبِرِينَ وَالاِطِّلَاعِ عَلَيْهِمَا وَإِدْرَاكِ الْمُسْتَمِعِينَ وَالْوَقَائِعِ.\nوَشَرَطَ قَوْمٌ الْإِسْلَامَ وَالْعَدَالَةَ؛ لإِخْبَارِ النَّصَارَى بِقَتْلِ الْمَسِيحِ.\n<hr><s0>\n\nثم أكثر الشَّافعية - كما قدمنا - يقولون: لا يتصوّر حصول العلم بالأربعة، والمتأخرون سكتوا عن هذا.\nوقضيةُ إطلاقهم وردّهم على القاضي تجويز حصول العلم بالأربعة - والأمر هنا سهل، فإن المدار فيه على حصول العلم، وإنما جعل المتأخرون ضابطه حصول العلم من غير نظر إلى عدد مخصوص؛ \"لأنّا نقطع بالعلم من غير علم بعدد مخصوص\"؛ كالعلم بوجود البلاد النَّائية (^١)، والأشخاص الماضية؛ إذ لا نعلم فيه عددًا مخصوصًا \"لا متقدمًا\" على العلم بصدق الخبر المتواتر، \"ولا متأخرًا\" عنه.\nفلو أوجب وجب عدد مخصوص العلم لم يحصل إلَّا بعد تحقق وجود ذلك العدد - وهذا واضح في الرد على من يدعي حصول العلم بعدد مخصوص، ونحن معاشر الشَّافعية لا نقول بذلك، وإنما ننفي حصول العلم بقول الأربعة، وكلما نذكر مما (^٢) حصل العلم فيه، فإن الخمسةَ فيما زاد عليها موجود فيها، ولن يجد أحد سبيلًا إلى إيراد خبر كان المخبرون فيه أربعة فأقل، وحصل العلم به بمجرد ذلك.\n\"ويختلف\" عدد التَّوَاتر \"باختلاف قَرَائِنِ التعريف\" - أي: القرائن المقترنة بالخبر المفيدة للعلم بالمخبر عنه، \"وأحوال المخبرين\" صلاحًا، وصدق قول، وغير ذلك.\n\"و\" يختلف أيضًا باختلاف \"الاطِّلاع عليهما\" - أي: القرائن وأحوال المخبرين.\n\"و\" باختلاف \"إدراك المستمعين\"؛ لاختلافهم في الأفهام والقرائح.\nوباختلاف \"الوقائع\" - من عظم الواقعة وحَقَارتها؛ فإن حصول العلم مختلف باختلاف ما ذكرناه، فلو كان ضابط حصول العلم هو العدد المخصوص؛ لما اختلف عند حصوله.\nالشرح: \"وشرط قوم الإسلام\" (^٣)، \"و\" آخرون \"العدالة؛ لإخبار النَّصَارى بقتل المسيح\"،\n_________\n(^١) في أ، ت، ح: الثابتة.\n(^٢) في ت: ما.\n(^٣) هذه هي الشرائط التي اعتبرها قوم دون قوم، شرط قوم الإسلام والعدالة في المخبرين؛ لأن الكفر والفسق عرضة للكذب والتحريف، والإسلام والعدالة يمنعانه، ولهذا لم يحصل العلم بإخبار =","vol":"2","page":304},{"text":"وَجَوَابُهُ اخْتِلَالٌ فِي الْأَصْلِ وَالْوَسَطِ.\nوَشَرَطَ قَوْمٌ أَلَّا يَحْوِيَهُمْ بَلَدٌ. وَقَوْمٌ: اخْتِلَافَ النَّسَبِ وَالدِّينِ وَالْوَطَنِ. وَالشِّيعَةُ: الْمَعْصُومَ دَفْعًا لِلْكَذِبِ. وَالْيَهُودُ: أَهْلَ الذِّلَّةِ فِيهِمْ دَفْعًا لِلتَّوَاطُؤِ لِخَوْفِهِمْ وَهُوَ فَاسِدٌ.\n<hr><s0>\n\nفإنه (^١) لم يحصل العلم، وما ذاك إلا لكفرهم؛ فإن الكفر عُرْضَةُ الكَذِبِ والتَّحريف.\nوكذلك إخبار الإمامية عن نصِّ علي ﵁، وما ذلك إلا لِفِسْقِهِمْ، والفسق عُرْضَة الكذب أيضًا.\n\"وجوابه\": أنه ليس لما ذكر، بل حصل \"اختلال (^٢) في الأصل والوسط\"، لأن الطبقة الأولى فيه لم يبلغوا عدد التواتر - وكذلك بعض طبقات الوسط.\nوقضية \"بُخْتَنَصَّر\" وقتله النَّصَارى بحيث لم يَبْقَ منهم قدر عدد التَّوَاتر - معروفة.\nوعبارة الآمدي ربما أوهمت أن مشترط الإسلام هو مشترط العَدَالة - وعليها جرى شارحو هذا المختصر.\nوليس كذلك، فلنا قائلان:\nأحدهما: مشترط الإسلام بمفرده.\nوالآخر: مشترط العدالة التي هي أخص منه؛ ولذلك ذكر المصنّف لفظي الإسلام والعدالة، وإلا فلو كان المشترط واحدًا وشرطهما جميعًا، لأغنى ذكر العدالة عن ذكر الإسلام؛ لأنها أخَصّ [منه] (^٣).\n\"وشرط قوم ألا يحويهم بلد\"؛ لاحتمال اتِّفَاق أهل بلد، وهو باطل، فإن أهل الجامع لو أخبروا عن سقوط الخَطِيبِ، لأفاد خبرهم العلم فضلًا عن أهل بلد.\n\"وقوم: اختلاف النسب والدِّين والوطن\".\n\"والشِّيعة: المعصوم، دفعًا للكذب\".\nوفسادهما واضح، وتزداد الشِّيعة أن العِصْمَةَ إذا حصلت، فأي حاجة إلى شيء آخر معها؟\n_________\n= النصارى بقتل المسيح ﵇ وهذا الشرط غير معتبر عند جماهير العلماء. وينظر: المستصفى ١/ ١٤٠، والإحكام للآمدي ٢/ ٢٧، والتبصرة ٢٩٧، تيسير التحرير ٢/ ٣٥، وكشف الأسرار ٢/ ٣٦١، وفواتح الرحموت ٢/ ١١٨، وإرشاد الفحول ٤٨.\n(^١) في ت: فإن.\n(^٢) في ت، ح: اختلاف.\n(^٣) سقط في ب.","vol":"2","page":305},{"text":"وَقَوْلُ الْقَاضِي وَأَبِي الْحُسَيْنِ: كُلُّ عَدَدٍ أَفَادَ خَبَرُهُمْ عِلْمًا بِوَاقِعَةٍ لِشَخْصٍ فَمِثْلُهُ يُفِيدُ بِغَيْرِهَا لِشَخْصٍ - صَحِيحٌ بشَرْطِ أَنْ يَتَسَاوَيَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَذلِكَ بَعِيدٌ عَادَةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-505>اخْتِلَافُ التَّوَاتُرِ فِي الْوَقَائِعِ </span>(^١)\nمَسْأَلَةٌ:\nإِذَا اخْتَلَفَ المُتَوَاتِرُ فِي الْوَقَائِعِ، فَالْمَعْلُومُ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ بِتَضَمُّنٍ أَوِ الْتِزَامٍ؛ كَوَقَائِعِ حَاتِمٍ، وَعَلِيٍّ ﵁.\n<hr><s0>\n\n\"واليهود أهل الذِّلَّة فيهم، دفعًا للتواطؤ؛ لخوفهم\".\n\"وهو فاسد\"؛ لأنا نريهم أن ذوي الشَّرف والعِصْمَة ينقلون ما يعلم صدقهم فيه ضرورة، وربما كان الشَّرفُ مانعًا من الكذب، ونقول لهم: لم تكونوا في أول أمر فِي ذِلَّة وصَغَار، فيجب ألَّا يقع لكم العلم بنقل أسلافكم الذين لم يكونوا في ذِلَّة وصَغَار.\nالشرح: \"وقول القاضي وأبي الحسين (^٢): كل عدد أفاد خبرهم علمًا بواقعة لشخص فمثله\" من العدد \"يفيد\" خبرهم في \"غير\" تلك الواقعة علمًا لذلك الشَّخص، أو \"لشخص\" آخر - \"صحيح\"، \"إن تساويا\" - أعني العددين - \"من كل وجه وذلك بعيد\" (^٣) أن يقع (^٤).\n«مسألة»\nالشرح: \"إذا اختلف المتواترُ في الوقائع، فالمعلوم\" منه \"ما اتفقوا عليه بتضمن أو التزام؛ كوقائع حاتم وعليٍّ ﵁ \" في السَّخَاء والشجاعة، وهذا هو التواتر المعنوي.\n_________\n(^١) هذه المسألة في بيان التواتر بحسب المعنى وإفادته العلم، فنقول: اعلم أن المخبرين إذا بلغ عددهم إلى حد التواتر لكن اختلف إخبارهم بالوقائع التي أخبروها مع اشتراك جميع أخبارهم في معنى كل مشترك بين مخبراتهم، فالكل مخبرون عن ذلك المعنى المشترك ضرورة إخبارهم عن جزئياته إما بجهة التضمن، وذلك إذا كان ما اتفقوا عليه من الأمر المشترك داخلًا في الوقائع، وإما بجهة الإلزام، وذلك إذا كان المشترك خارجًا جازمًا .. ينظر: الشيرازي (٢٤١ ب، ٢٤٢ أ/ خ).\n(^٢) ينظر: المستصفى ١/ ١٣٥.\n(^٣) في حاشية ج: قوله: وذلك بعيد أي: التساوي من كل وجه.\n(^٤) ينظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٢٦، تيسير التحرير ٣/ ٣٥، وفواتح الرحموت ٢/ ١١٧.","vol":"2","page":306},{"text":"<span data-type='title' id=toc-507>خَبَرُ الْوَاحِدِ</span>\nخَبَرُ الْوَاحِدِ مَا لَمْ يَنْتَهِ إِلَى التَّوَاتُرِ. وَقِيلَ: مَا أَفَادَ الظَّنَّ وَيَبْطُلُ ...........\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"خبر الواحد [ما] (^١) لم يَنْتَهِ إلى التواتر\"؛ إما بانْحِطَاطِ مخبريه عن عدد التواتر؛ أو حصول العلم فيه من انضمام قرينة، لا من العدد، أو غير ذلك (^٢).\nويدخل فيه خبر يعلم صدقه غير متواتر، كالمُحْتَفّ (^٣) بالقَرَائن، وكذبه، ويظن صدقه وكذبه، ويستوي فيه الأمران، ويدخل فيه المستفيض أيضًا.\nولا يقال: معرفة هذا التعريف تتوقّف على معرفة التواتر؛ لأنَّ تعريف التواتر فلذلك لم يضر المصنّف أخذه قيدًا هنا.\n\"وقيل\" في تعريفه: \"ما أفاد الظّن، ويبطل عكسه بخبر لا يفيد الظَّن\"، فإنه خبر، وقد يقتصر (^٤) صاحب هذا التَّعْرِيف لنفسه، ويقول: ليس ذلك خبر واحد في اصطلاحي.\nوأبطل الآمدي طَرْدَهُ بالقياس، وغيره من أمارات الشَّيء المفيدة للظَّن.\nوجوابه: أنها ليست بخبر، والمراد خبر يفيد الظَّن.\n_________\n(^١) سقط في ح.\n(^٢) ينظر مباحث خبر الواحد في: البحر المحيط للزركشي ٤/ ٢٥٧، والبرهان لإمام الحرمين ١/ ٥٩٩، وسلاسل الذهب للزركشي ٣١٨، والأحكام في أصول الإحكام للآمدي ٢/ ٣٠، ونهاية السول للإسنوي ٣/ ٩٧، وزوائد الأصول له ٣٣٦، ومنهاج العقول للبدخشي ٢/ ٣١٧، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ٩٧، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ١٣٠، والمنخول للغزالي ٢٤٥، والمستصفى له ١/ ١٤٥، وحاشية البناني ٢/ ١٣١، والإبهاج لابن السبكي ٢/ ٢٩٩، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/ ٢١٥، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ١٥٧، والمعتمد لأبي الحسين ٢/ ٩٢، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ١/ ١١٢، والتحرير لابن الهمام ٣٣١، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ٣/ ٣٧، وكشف الأسرار للنسفي ٢/ ١٩، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٥٥، ٥٨، وشرح المنار لابن ملك ٧٨، ميزان الأصول للسمرقندي ٢/ ٦٢٩، وتقريب الوصول للشنقيطي ١٢١، وإرشاد الفحول للشوكاني ٤٦، والكوكب المنير للفتوحي ٢٦٣، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٢/ ٢٧١.\n(^٣) في ت، ح: المختلف.\n(^٤) في ت: يفتقر.","vol":"2","page":307},{"text":"عَكْسُهُ بِخَبَرٍ لَا يُفِيدُ الظَّنَّ. وَالْمُسْتَفِيضُ مَا زَادَ نَقَلَتُهُ عَلَى ثَلَاثَةٍ.\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-508>\"المُسْتَفِيضُ\"</span> (^١)\n\"والمُسْتفيض (^٢): ما زاد نَقَلَتُهُ على ثلاثة\" - أي: ولم يَنْتَهِ إلى التواتر (^٣).\nوعبارة الآمدي: جماعة تزيد على الثَّلاثة والأربعة.\nوعبارة شرف شاه بن ملكداد في \"الغُنْيَة\" (^٤): تزيد على الاثنين والثلاثة والأربع.\nوعبارة صاحب \"التنبيه\": وأقلّ ما تثبت (^٥) به الاستفاضة اثنان.\nوالمختار عندنا: أن المستفيض ما يعده الناس شائعًا، وقد صدر عن أصل، ليخرج ما شاع - لا عن أصل - وربما حصلت الاستفاضة باثنين.\nوإطلاق (^٦) صاحب الكتاب يقتضي أن المستفيض قد يفيد العلم إلا أن يقال: إن عدد المستفيض لا ينتهي إلى التواتر، فلا يفيد العلم بمجرده أبدًا - وإن انضمت قرينة - والعلم إذًا ليس منه بمجرده، ثم المستفيض داخلٌ في خبر الواحد؛ فلذلك لم يذكر المصنّف حكمه.\nوجعله الأستاذ واسطةً بين التواتر والآحاد، وزعم أنه يقتضي العلم نظرًا، والتواتر يقتضيه ضرورةً، ومثّل له بما يتَّفق (^٧) عليه أئمة الحديث.\nوردَّه إمام الحرمين؛ بأن العُرْفَ لا يقتضي القَطْعَ بالصدق فيه، وإنما قصاراه ظن غالب.\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٤/ ٢٤٩، ونهاية السول للأسنوي ٣/ ١٠٣، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ٩٧، وحاشية البناني ٢/ ١٢٩، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/ ٢١٥.\n(^٢) في ت: المستفيد، وهو تحريف.\n(^٣) قف على الفرق بين المستفيض والمتواتر.\n(^٤) في أ، ت، ح: الفنية.\n(^٥) في أ: ثبتت.\n(^٦) سقط في ت.\n(^٧) في ح: اتفق.","vol":"2","page":308},{"text":"<span data-type='title' id=toc-509>الْعِلْمُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ </span>(^١)\nمَسْأَلَةٌ:\nقدْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ بِالْقَرَائِنِ لِغَيْرِ التَّعْرِيفِ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"قد يحصل العلم بخبر الواحد العدل\"، وذلك \"بالقرائن لغير التعريف\"؛ كبُكَاءِ رجل عظيم الشَّأن معروف بالمُحَافظة (^٢) على رعاية المُرُوءات، وشقّه (^٣) جَيْبَه، وَمُنَاداته بالوَيْل والثُّبُور، وارتكابه من ذلك كله ما يأنف مثله منه عند استقامة حاله مع تقدم العلم بمرض ولده وإخباره إذ ذاك بموته.\nوذلك مطّرد في خبر كلّ واحد عدل اجتمعت فيه القَرَائن، وسيصرح المصنّف به من بعد حيث يقول: مطّرد في مثله، ولا يتَّجه غيره، وإلا يلزم التَّرْجيح من غير مرجّح، ولفظة \"قد\" في كلام المصنّف لا تنافي ذلك؛ فإن موضوع المسألة خبر العدل الواحد، وقد يحصله العلم بخبره، وذلك عند القَرَائن، وقد لا يحصل، وذلك عند انتفائها.\nوأما ما يكون للتَّعريف، فهو أن يكون مضمون الخَبَرِ معلومًا بالبديهة، أو موافقًا للدَّليل العَقْلي، أو قول الصَّادق؛ فإن هذا الخبر لا أثر له في إفادة العلم بنفسه، إنَّما المفيد البديهة، أو دليل العَقْل، أو قول الصَّادق.\nوكلام المصنّف صريح في أن شرط إفادة الخبر المحفوف بالقَرَائن العلم - أن يكون المخبرُ فيه عدلًا؛ حيث قال: الواحد العَدْلُ - ولم أرَ من صرح بذلك، فإطلاق الأكثرين ينفيه وهو الأوجه، فإن الاعتماد فيه على القَرِينَةِ، وهي تفيد صدق المخبر في ذلك وإن كان غير عدل؛ كما يفيد العلم.\n_________\n(^١) هذه المسألة في بيان أن خبر الواحد العدل هل يفيد العلم أم لا؟ اختلفوا، فذهبت طائفة إلى أنه يفيد العلم بمعنى اليقين، ثم اختلف فيما بينهم، فقال بعضهم: إنما يفيد اليقين إذا احتف بالقرائن كائنة لغير التعريف، وهي الأمارات الدالة على صدق الخبر كالبكاء وانتهاك الحريم … ينظر: الشيرازي (٢٤٢ ب/ خ).\n(^٢) في ح: بالمحاصة.\n(^٣) في ب: سعة.","vol":"2","page":309},{"text":"وَقِيلَ: وَبِغَيْرِ قَرِينَةٍ.\nوَقَالَ أَحْمَدُ: وَيَطَّرِدُ وَالْأَكْثَرُ: لَا بِقَرِينَةٍ وَلَا بِغَيْرِهَا.\n<hr><s0>\n\n\"وقيل: وبغير قرينة\" - أي: قد يحصل العلم بخبر العدل، وإن لم يكن ثمَّ قرينة، ولكن هذا لا يطرد، بل يكون في وقت ما.\nونقله الآمدي عن بعض أصحاب الحديث (^١).\nوهو ساقط؛ فإن ذلك الوقت الذي يحصل فيه العلم؛ إما أن يكون (^٢) فيه زيادة على الوقت الذي [لم] (^٣) تحصل فيه، فالزيادة قرينة فلا وجه لقوله: بغير قرينة، أو لا يكون فيه زيادة، فيكون ترجيحًا من غير مرجّح، وأنه محالٌ.\nلا يقال: إذا كان العلم الحاصل عند الخبر، من الله فلا تَرْجِيحَ من غير مرجّح؛ لأنه فاعل مختار.\nلأنَّا نقول: عادة الله ﷿ في خَلْقِهِ الاطّراد فيما يَحْصُل عند خبر الواحد، ولم تختلف عادته في ذلك حتى أفاد شخصًا العلم، وآخر الظن مع استوائهما.\n\"وقال أحمد (^٤): ويطرد\"، فيحصل العلم في كل وقت بخبر (^٥) كل عدل، وإن لم تكن ثمَّ قرينة، وهو رأي ابن خويز منداد، وعزاه إلى مالك، لكنه يرى الأخبار متفاوتةً.\nولعلَّه يرى تفاوت العلوم، وهو الظن، فكل من ذهب إلى إفادة خبر الواحد العلم أو لا يظن بذي لُبّ أن يساويه بالمتواتر.\nوهذا المذهب على سقوطه أوجه من المذاهب قبله؛ إذ لا ترجيح فيه بدون مرجّح.\nقال: \"والأكثر لا بقرينة ولا بغيرها\"، وهو الحَقّ.\nوالمصنّف تبع في اختياره إفَادَة الخبر المَحْفُوف بالقَرَائن العلم، إمام الحرمين والغزالي والإمام والآمدي (^٦).\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام ٢/ ٣٢.\n(^٢) في ب: تكون.\n(^٣) سقط في ت.\n(^٤) ينظر الإحكام ٢/ ٣٢.\n(^٥) في ت: بمخبر.\n(^٦) ينظر: الإحكام ٢/ ٣٢.","vol":"2","page":310},{"text":"لَنَا: لَوْ حَصَلَ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ لَكَانَ عَادِيًّا فَيَطَّرِد، وَلأَدَّى إِلَى تَنَاقُضِ الْمَعْلُومَيْنِ، وَلَوَجَبَ تَخْطِئَةُ الْمُخَالِفِ وَأَمَّا حُصُولُهُ بِقَرِينَةٍ فَلَوْ أَخْبَرَ مَلِكٌ بِمَوْتِ وَلَدٍ مُشرِفٍ مَعَ صُرَاخٍ وَجَنَازَةٍ وَانْتِهَاكِ حَرِيمٍ وَنَحْوِهِ - لَقَطَعْنَا بِصِحَّتِهِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: وهو رأي مأثور عن النَّظَّام، واحتج له فقال: \"لنا لو حصل لكان عاديًّا، فيطّرد\"، ويحصل العلم بخبر كل عدل.\nوفيه نظر؛ إذ لِلْخصم أن يلتزم اطّراده.\nقال: \"ولأدَّى إلى تناقض المعلومين\"؛ إذ لو أخبر عدل عن ثبوت شيء، وآخر عن نَقِيضِهِ - يلزم العلم بكلّ واحد من النقيضين.\nوفيه نظر، فإن القائل بأن خبر العدل يفيد العِلْم، إنما يقوله إذا لم تكن قرينةُ الكذب موجودةً؛ لأنه يحكم على خبر العدل مجردًا عن القرائن، وقد يقال: انضمام خبر عَدْلٍ آخر إليه منافٍ له قرينة كذب أحدهما، فلا يفيد والحالة هذه خبر واحد منهما علمًا.\nقال: \"ولوجب تَخْطئة المخالف\" فيه؛ لوجوب تَخْطِئَةِ مخالف اليقين. وفيه نظر؛ إذ قد يلتزم، والمُخْتار في الدليل أنا نجد من أنفسنا احتمال النقيض عند خبر الواحد، ولا نجده عند التَّوَاتُرِ، والمُعَاند في ذلك مكابر.\nقال: \"وأمَّا حصوله بقرينة، فلو أخبر ملك بموت ولده مشرف (^١) مع صُراخٍ وجنازة وانتهاك حريم ونحوه - لقطعنا بصحّته\".\nوأنا أجيب عن هذا بأنه رُبّ غرض في ذلك، وإن كان احتمالًا ضعيفًا، فهو يمنع القطع.\nقال القاضي أبو الطيب: وقد وقع مثل هذا بـ \"خوارزم\" مع القاضي الكعبي، قال: ووقع بـ \"البصرة\" أيضًا.\nقال: \"واعترض بأنه حصل به القرائن\" - أي: ولم يحصل بخبر الملك.\n\"وردّ بأنه لولا الخبر لجوّزنا موت آخر\".\nولك أن تقول: القرينة أفادت القَطْع بأصل الموت، لا بتعيين الميت، والخبر أفاد بعينه ظنًّا لا قطعًا.\n_________\n(^١) في ت: مسرف.","vol":"2","page":311},{"text":"وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ حَصَلَ بِالْقَرَائِنِ. وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَوْلَا الْخَبَرُ لَجَوَّزْنَا مَوْتَ آخَرَ.\n<hr><s0>\n\nونحن لا ننكر ذلك، وهذا كما تقول في المودع - إذا ادَّعى تلف الوَدِيعَةِ (^١) بسبب ظاهر جهل - أنه يطالب بالبَيِّنة على أصل السبب، ثم يحلف على التلف به؛ لأن البيّنة (^٢) أفادت أصل السبب، والحلف تعين التلف به.\n_________\n(^١) الوديعة لغة: فعيلة بمعنى مفعولة، من الودع، وهو: الترك، قال ابن القطاع: ودعت الشيء ودعًا: تركته. وابن السكيت، وجماعة غيره ينكرون المصدر والماضي من \"يدع\" وقد ثبت في \"صحيح مسلم\": \"لينتهين أقوام عن ودعهم الجماعات\" وفي \"سنن النسائي\" من كلام رسول الله ﷺ: \"اتركوا الترك ما تركوكم، ودعوا الحبشة ما ودعوكم\" فكأنها سميت وديعة، أي: متروكة عند المودع، وأودعتك الشيء: جعلته عندك وديعة، وقبلته منك وديعة، فهو من الأضداد.\nواصطلاحًا:\nعرفها الحنفية بأنها: توكيل لحفظ مال غيره تبرعًا بغير تصرف.\nوعرفها الشافعية بأنها: العقد المقتضى للاستحفاظ أو العين المستحقة به حقيقة فيها، وبتعريف آخر: توكيل في حفظ مملوك أو محترم مختص على وجه مخصوص.\nوعرفها المالكية بأنها: مال وكل على مجرد حفظه.\nوعرفها الحنابلة بأنها: اسم للمال المودع المدفوع إلى من يحفظه بلا عوض. ينظر: الصحاح ٣/ ١٢٩٦، والمغرب ٤٧٩، والمطلع ٢٧٩، والإنصاف ٦/ ٣١٦، والشرقاوي على التحرير ٢/ ٩٦، ومغني المحتاج ٣/ ٧٩، وحاشية الدسوقي ٣/ ٤١٩، وكشاف القناع ٤/ ١٦٦، مجمع الأنهر ٢/ ٣٣٧، والفواكه الدواني ٢/ ٢٣٧.\n(^٢) البينة: الحجة فَيْعِلَة من البينونة، وهي الانقطاع والانفصال أو من البيان: هي اسم لكل ما يُبَيِّنُ الحق ويظهره، سواء أكان أمارات، أم قرائن، أم شهودا. ونحن إذا استقرينا الشرع وجدناه قد اعتبر الأمارات والقرائن، وأَقامَهَا مقام الشهود. يدل على ذلك: ما رواه ابن ماجه وغيره عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. قال: أَرَدْتُ السفر إلَى خيبر فَأَتَيْتُ النبي ﷺ، فقلت له: إِنِّي أُرِيدُ الخروج إلى خيبر، فقال: إذَا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وَسَقًا، فإذا طلب منك آية فَضَعْ يدك على تَرْقُوتِهِ. فهذا اعتماد في الدفع إلى الطالب على مجرد العلامة وَإِقَامَةٌ لها مقام الشاهد. وجعل ﷺ معرفة الْعِفَاصِ وَالوِكَاءِ قائمة مقام البينة.\nوورد في الصحيح: قوله ﷺ في غزوة حُنَيْنٍ: \"مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَة فَلَهُ سَلَبُهُ\" قال أَبُو قتَادَة.\nفقمت فقلت: مَنْ يشهد لي بذلك؟ ثم جلست، ثم قال رسول الله ﷺ: \"مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بيِّنة فَلَهُ سَلَبُهُ\". فقمت، فقلت: من يشهد لي ثم جلست. ثم قال ذلك الثالثة، فقمت. فقال ﷺ: \"مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ؟ \"، فَاقْتَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ. فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله وسلب ذلك =","vol":"2","page":312},{"text":"قَالُوا: أَدِلَّتُكُمْ تَأْبَاهُ.\nقُلْنَا: انْتَفَى الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ مُطَّرِدٌ فِي مِثْلِهِ، وَانْتَفَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ حُصُولُ مِثْلِهِ فِي النَّقِيضِ، وَانْتَفَى الثَّالِثُ؛ لِأَنَّا نُخَطِّئُ الْمُخَالِفَ لَوْ وَقَعَ.\nقَالُوا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٣٦] ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [سورة النجم: الآية ٢٣] فَنَهَى وَذَمَّ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَمْنُوعٌ فَلَوْ لَمْ يُفِدِ الْعِلْمَ لَمْ يُجْمِعُوا عَلَى الْعَمَلِ بِهِ لاِمْتِنَاعِ الْإِجْمَاعِ عَلَى مَا ذَمَّ الشَّارعُ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: قال: \"قالوا: أدلّتكم تأباه\" - يعني التي ذكرناها - على أنه لا تفيد مع عدم القرينة علمًا؛ فإن الأدلَّة بعينها قائمةٌ مع القرينة.\nقال: \"قلنا: انتفى الأول؛ لأنه مطرد في مثله\"، فإنا نقول: خبر كلّ عدل مع القرينة يوجب (^١) العلم، بخلاف ما إذا لم تكن قرينة؛ إذ لا اطّراد، \"وانتفى الثَّاني؛ لأنه يستحيل (^٢) حصول مثله في النَّقِيض\" - ولا يتصوّر تعارض خبرين مَحْفُوفين بالقرائن، بخلاف غير المحفوفين \"وانتفى الثالث؛ لأنَّا نخطئ المُخَالف لو وقع\"، و[لا] (^٣) كذلك ثمّ.\nالشرح: قالوا في الاحْتِجَاج على أن خبر الواحد مطلقًا مفيدٌ للعلم: \" ﴿وَلَا تَقْفُ\" مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٣٦]، \" ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [سورة النجم: الآية ٢٣] \"نهى\" في الآية الأولى عن اتباع ما لا يعلم، ومن جملته الظن، \"وذَمّ\" على اتباع الظَّن في الثانية، \"فدلَّ على أنه ممنوع\"، والإجماع منعقد على العمل بخبر الواحد؛ فدلَّ على أنه مفيد للعلم.\nوالمُرَاد بالإجماع هنا الاتفاق بين الخَصْمَيْنِ القائل بأنه يفيد العلم، وأنه يفيد الظن، وإلا ففي الأمّة من يمنع العمل بخبر الواحد، ويقال: إن خلاف ذلك لا يعتدّ به.\n_________\n= القتيل عندي فارضه منه يا رسول الله. فقال أَبُو بَكْر: لاهَا الله إِذًا. لا يعمد إلى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه، فقال رسول الله ﷺ: \"صدق فأعطه إِيَّاهُ\"، فأعطانيه، فبعت الدرع فاشتريت به مخرفًا في بني سَلَمَة، فَإِنَّه لأَوَّلُ مال تَأَثَّلْتُه في الإسْلامِ.\nيُسْتَدَلُّ بهذا على أنه تقبل شهادة الشاهد الواحد متى ظهر صدقه، وغير ذلك من الأمثلة كثير، مَنْ نَظَرَ فيها علم أَنَّ الشريعة لا تعول إِلَّا على ظهور الحق، فمتى استبان وأسفرت طريق العدل، فَثَمَّ شَرْعُ اللَّهِ وَدِينُهُ. ينظر: المغرب ١/ ٩٨.\n(^١) في ب: أوجب.\n(^٢) في ب: مستحيل.\n(^٣) سقط في ح.","vol":"2","page":313},{"text":"وَأُجِيبَ بِأَنَّ المُتَّبَعَ الْإِجْمَاع، وَبِأَنَّهُ مُؤَوَّلٌ فِيمَا الْمَطْلُوبُ فِيهِ الْعِلْمُ مِنَ الدِّينِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-511>إِخْبَارُ الْوَاحِدِ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ </span>-\nمَسْأَلَةٌ:\nإِذَا أَخْبَرَ وَاحِدٌ بِحَضْرَتِهِ ﷺ وَلَمْ يُنْكِرْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى صِدْقِهِ قَطْعًا.\n<hr><s0>\n\n\"وأجيب بأن الممتنع الإجماع\" القائم على جواز العَمَلِ بخبر الواحد، والإجماع قاطعٌ فأين اتباع الظن؟ \"وبأنه مؤول فيما المطلوب فيه العلم من الدين\"، إذ قد ثبت جواز العمل بالظَّن في الفروع.\nوقد اختلف حملةُ الشريعة في أنه هل الأصل العمل بالظَّن إلا ما قام الدَّليل على إهماله وإهمال الظَّن، إلا ما قام الدَّليل على إعماله؟\n«مسألة»\nالشرح: \"إذا أخبر واحدٌ بحضرته ﷺ ولم ينكر\" - مع سماعه كلامه، وفهمه إياه - هو صورة المسألة - \"لم يدلّ على صدقه قطعًا\" (^١).\nوقال قوم: يدلّ - وهو المختار عندي (^٢).\n_________\n(^١) هذه المسألة في بيان أنه إذا أخبر واحد بحضرة النبي ﷺ بخبر ولم ينكر النبيّ ﷺ هل يعلم كونه صادقًا أم لا؟ منهم من قال: إنه يدل قطعًا على صدقه فيما أخبر به محتجًا عليه بأنه لو كان كاذبًا لأنكر النبيّ ﷺ وإلا لكان مقرًا له على الكذب مع كونه محرمًا في حق النبي ﵇. هذا خلف.\nومنهم من قال: إنه لا يدل قطعًا على صدقه، لاحتمال أن النبيّ ﷺ ما سمع كلامه أو سمع ولم يفهمه، أو فهم وبينه مرة، وأنكر عليه، وعلم أن إنكاره ثانيًا لا يفيد أو لم يبينه، ولم ينكر عليه، لكنه رأى المصلحة في تأخر الإنكار. هذا إن كان ما أخبر به أمرًا دينيًا، وإن كان دنيويًا فيحتمل مع ذلك أنه علمه، وإليه أشار بقوله: \"أو ما علمه\" أو ما علم النبيّ ﷺ كذب المخبر فيما أخبر به لكونه دنيويًا، فلهذا لم ينكر، أو لاحتمال أن يكون كذبة صغيرة، فيكون ترك الإنكار من النبيّ ﷺ صغيرة، لكن انتفاء الصغيرة عن النبي ﷺ مقطوع به، على ما تكفل ببيانه صاحب علم الكلام. ينظر: الشيرازي ٢٤٤ ب/ خ.\n(^٢) ينظر: المستصفى ١/ ١٤١، وشرح العضد ٢/ ٥٧، وحاشية البناني ٢/ ١٢٧، وتيسير التحرير ٣/ ٧١، وفواتح الرحموت ٢/ ١٢٥.","vol":"2","page":314},{"text":"لَنَا: أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَا سَمِعَهُ أَوْ مَا فَهِمَهُ أَوْ كَانَ بَيَّنَهُ أَوْ رَأَى تَأْخِيرَه، أَوْ مَا عَلِمَهُ أَوْ صَغِيرَةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-513>إِخْبَارُ الْوَاحِدِ بِحَضْرَةِ الْجَمْعِ</span>\n<span data-type='title' id=toc-514>مَسْأَلةٌ:\nإِذَا أَخْبَرَ وَاحِدٌ بِحَضْرَةِ خَلْقٍ كَثِيرٍ وَلَمْ يُكَذِّبُوهُ </span>وَعُلِمَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذِبًا لَعَلِمُوهُ وَلَا حَامِلَ عَلَى السُّكُوتِ فَهُوَ صَادِقٌ قَطْعًا لِلْعَادَةِ.\n<hr><s0>\n\nوقال آخرون بالفَرْقِ بين أن يكون أخبر عن أمر ديني فيدلّ فيه، أو دنيوي فلا.\nوصوَّر ابن السَّمعاني المسألة، بما إذا ادَّعَى المخبر علم النبي ﷺ بما أخبر به، واختار أنه يقطع بصدقه إذ ذاك.\nواحتجَّ المصنّفُ لما اختاره من عدم الدّلالة مطلقًا، فقال: \"لنا يحتمل أنه ما سمعه، أو ما فهمه\"، وليس هذا صورة المسألة كما عرفت.\nقال: \"أو كان بَيَّنَه\".\nولك أن تقول: سبق البيان لا يتبع (^١) السّكوت عند وقوع المنكر، \"أو رأى تأخيره\".\nوأنا أقول: المعصية لا بُدّ من إنكارها في وقتها، وإلَّا يلزم التقرير على الباطل، ولو تم ذلك لقيل مثله في مسألة التقرير.\nقال: \"أو ما علمه\" كذبًا.\nقال: \"أو صغيرةً\" (^٢)، وهذا ضعيف؛ لأن الصَّغائر تنكر كالكَبَائر.\n«مسألة»\nالشرح: \"إذا أخبر واحد بحضرة جمع [كبير] (^٣)، ولم يكذبوه، وعلم\" بطريق ما من الطُّرق؛ إما كثرة الجمع، أو غيرها؛ \"أنه لو كان كذبًا لعلموه، ولا حامل\" لهم \"على السكوت\"\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله: لا يبيع. . . إلخ وإن علم أنه لا يفيد كما مَرَّ.\n(^٢) في حاشية ج: قوله: أو صغيرة\" أي: أو علمه كذبًا ولم ينكره لكونه صغيرة.\n(^٣) سقط في ت.","vol":"2","page":315},{"text":"<span data-type='title' id=toc-515>انْفِرَادُ الْوَاحِدِ</span>\nمَسْأَلَةٌ:\nإِذَا انْفَرَدَ وَاحِدٌ فِيمَا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ وَقَدْ شَارَكَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ كَمَا لَوِ انْفَرَدَ وَاحِدٌ بِقَتْلِ خَطِيبٍ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي مَدِينَةٍ فَهُوَ كَاذِبٌ قَطْعًا؛ خِلَافًا لِلشِّيعَةِ.\nلَنَا الْعِلْمُ عَادَةً وَلِذلِكَ نَقْطَعُ بِكَذِبِ مَنِ ادَّعَى أَنَّ الْقُرْآنَ عُورِضَ.\n<hr><s0>\n\nمن رَغْبَة، أو رَهْبَة أو غيرهما، \"فهو صادق قطعًا؛ للعادة\" (^١).\nوخالف قوم - والمُخْتَار ما ذهب إليه ابن السَّمْعَاني من اشتراط تَمَادي الزَّمن الطويل في ذلك.\n«مسألة»\nالشرح: \"إذا انفرد واحد\" - والمراد بالواحد ما لم ينته إلى التواتر (^٢)، فلو قال: إذا انفرد الواحد بالألف واللَّام كان أوضح - \"فيما تتوفَّر الدَّوَاعي على نقله\"؛ إما لتعلق الدين به كقواعد الشَّرْع، أو لقَرَابَتِهِ (^٣)، \"وقد شَارَكَهُ خلقٌ كثير\" في مُشَاهدة ذلك الشيء؛ \"كما لو انفرد واحدٌ بقَتْلِ الخطيب على المِنْبَرِ في مدينة\"، أو للأمرين جميعًا - القرابة (^٤) وتعلّق الدين به - كالمعجزة \"فهو كاذب قطعًا - خلافًا للشِّيعة\".\n\"لنا: العلم\" يكذب ذلك المخبر \"عادة\"؛ فإن العَادَةَ تمنع السُّكوت عن نقل ذلك لو وقع، ولا يمتري ذو لُبّ أن الطَّبَائع مع اختلافها، والرِّجَال مع تَبَايُنِ أهوائها لا يسكتون عن مثل ذلك؛ \"ولذلك يقطع بكذب من ادَّعى أن القرآن عورض\".\nفوضح بهذا: أن العادة إذا اقتضت في شيء؛ أنه إذا وقع ينقل تواترًا، ورأيناه غير مُتَوَاتر - علمنا أنه لم يكن.\n_________\n(^١) ينظر: اللمع ص (٤٠)، والإحكام ٢/ ٣٩، وشرح الكوكب المنير ٢/ ٣٥٤، وشرح العضد ٢/ ٥٧، والمستصفى ١/ ١٤١، وحاشية البناني ٢/ ١٢٧، وتيسير التحرير ٣/ ٨٠، وفواتح الرحموت ٢/ ٢٥، وإرشاد الفحول ص ٥٠.\n(^٢) ينظر: المعتمد ٢/ ٥٤٧، واللمع ٤٦، وشرح العضد ٢/ ٥٧، والمستصفى ١/ ١٤٢، وشرح التنقيح (٣٥٥)، وشرح الكوكب المنير ٢/ ٣٥٦، وتيسير التحرير ٣/ ١١٥، وفواتح الرحموت ٢/ ١٢٦، والمسودة ٢٦٨.\n(^٣) في أ، ب: لغرابته.\n(^٤) في ب: الغرابة، وهو تحريف.","vol":"2","page":316},{"text":"قَالُوا: الْحَوَامِلُ المُقَدَّرَةُ كَثِيرَةٌ، وَلِذلِكَ لَمْ يَنْقُلِ النَّصَارَى كَلَامَ المَسِيحِ فِي الْمَهْدِ.\nوَنُقِلَ انْشِقَاقُ الْقَمَرِ، وَتَسْبِيحُ الْحَصَى، وَحَنِينُ الْجِذْعِ وَتَسْلِيمُ الْغَزَالَةِ، ........\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"قالوا: الحوامل المقدّرة\" التي سببها قد لا يقع نقل مثل ذلك \"كثيرة\"، فَرُبّ غرض (^١) يحمل على كِتْمَان ما جرى؛ \"ولذلك لم ينقل النَّصَارى كلام المَسِيح في المَهْدِ\" مع غَرَابَتِهِ، وتوفر الدواعي على نقل مثله، \"ونقل انْشِقَاقِ (^٢) القمر (^٣)، وتسبيح ..........\n_________\n(^١) في ب: عرض.\n(^٢) في ب: اشتقاق، وهو تحريف.\n(^٣) قال الله ﷾: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [سورة القمر: الآية ١] أي وقَع انشقاقُه، ويؤيده قول الله ﷾ بعد ذلك بآية: ﴿يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [سورة القمر: الآية ٢]؛ فإنَّ ذلك ظاهر في أن المراد وقوعُ انشقاقه؛ لأنَّ الكفار لا يقُولون ذلك يَوْم القيامة، وإذا تبيَّن أَنَّ قَوْلَهُمْ ذلك إِنَّما هو في الدُّنْيا يتبيَّن وقوع الانشقاق، وأنه المراد بالآية التي زعموا أَنَّها سِحْرٌ.\nوفي صحيح البخَاريِّ عَنْ عَبْد الله بن مَسْعُود، وكان يقول: خمْسٌ قد مضين: الروم، واللزوم، والبطشة، والدُّخَان، والقَمر، وقد وَرَدتْ قِصَّةُ انشقاق القمر من حديث ابن مسعود، رواه الإمام أحمد والشيخان والبيهقي وأبو نُعيم من طرق عن ابن عُمَر، ورواه الشيخان والبيهقي عن جُبَيْر بن مُطْعم، ورواه الإمام أحمد والترمذي وابن جرير والحاكم والبيهقي عن حذيفة بن اليمان، ورواه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم ببعض هذه القصة عن ابن عباس، ورواه الإمام أحمد والشيخان وابن جرير وأبو نعيم من طرق عن أنس بن مالك، ورواه الإمام أحمد والشيخان وأبو نعيم من طرق متقاربة المعنى أدخلت بعضها في بعض عن أهل مكة قال ابن عباس ﵄ كما عنْد أبي نُعيم: اجتمع المشركون على عهد رسول الله ﷺ منهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاصي بن وائل والأَسْود بن عبد يغوث والأسود بن عبد المطلب والنضر بن الحرث ونظراؤهم، فسألوا رسول الله ﷺ أن يُرِيَهُمْ آيَةً، وقَالُوا: إِنْ كُنْت صَادِقًا فَشُقَّ لَنَا القَمر فرْقَتَين نِصْفًا على أبي قُبَيْس ونصْفًا على قعيقعان وفي لفظ: حتى رَاوَحوا من بينهما قَدْرَ ما بين العَصْر إلى اللَّيْل، فقال رسول الله ﷺ: \"اشْهَدُوا\"، فنظر الكفَّارُ ثم مالوا بأبْصارهم فمحوها، ثم أَعَادوا النَّظر فنظروا ثم مَسَحوا أعْيُنهم ثم نَظَروا فقالوا: سَحَر محمدٌ أعيننا، فقال بعضُهم لبَعْضٍ: لَئن كان سَحَرَنا، فإنه لا يستطيع أَنْ يَسْحَرَ النَّاس كُلَّهم، فانظروا إلىٍ السُفَّار، فإنْ أخبروكم أَنَّهم رأَوْا مِثل ما رأيتم، فقد صَدَق، فكانوا يَلْتَقُون الرَّكْب فيخبرونهم أَنَّهم رَأَوْا مثْل ما رأَوْا فيكذبونهم، فَأَنْزَلَ الله ﷿ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾.\nتنبيهان: الأول: لم ينشقَّ القمر لأَحَدٍ غير نبيِّنا ﷺ.\nالثاني: وقع في بعض الروايات عن أنس: فأراهم انشقاق القمر بـ \"مكة\" مَرَّتَيْن. رواه الإمام أحمد ومسلم. =","vol":"2","page":317},{"text":"وَإِفْرَادُ الْإِقَامَةِ، وَإِفْرَادُ الْحَجِّ، وَتَرْكُ الْبَسْمَلَةِ آحَادًا.\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  قال الحافظ ابن كثير: في ذلك نَظَرٌ، والظَّاهرُ أَنَّه أراد فرقتين. وتكلم ابن القيم على هذه الرواية فقال: المرات يراد بها الأفعال تارةً والأَعْيَان أُخْرى، والأَوَّل أَكْثر، ومن الثَّاني \"انْشَقَّ القَمَرُ مَرَّتَيْنِ\" أي شقَّتين وفِرْقَتَيْن، وقد خَفِيَ على بعْض النَّاس فادَّعَى أَنَّ انشِقاق القمر وقع مَرَّتَيْن، وهذا مما يَعْلَمُ أهْلُ الحديث والسِّير أنه غَلَطٌ؛ لأنه لم يقعْ إلَّا مَرَّةً واحدةً، وقال البيهقي: قدْ حفظ ثلاثة مِنْ أصْحاب قتادة، وهم سعيد بن أبي عَرُوبَة ومعمر بن راشد، وشعبة لكن اختلف عن كُلٍّ مِنْهُم في هذه اللَّفْظَةِ، ولم يختلف على شعبة، وهو أحفظهم، ولم يقعْ في شيء منْ طُرُق حديث ابن مسعود بلفظ مرتين، إنَّما فيه \"فِرْقتين أو فَلْقتَيْن\" بالراء أو اللام، وكذا في حديث ابن عمر \"فَلْقتَيْن\" وفي حديث جُبَيْر بن مُطْعم \"فِرْقَتَيْن\" وفي لفظ عَنْهُ \"فانشقَّ باثْنَتَيْن\" وفي رواية عن ابن عبَّاس عن أبي نُعَيْم في \"الدَّلَائل\" \"فَصَارَ قَمَرَيْن\" وفي لفظ: \"شقَّتَيْن\" وعنْد الطبراني من حديثه \"حتَّى رَأَوْا شقَّيْن\" قال: ووقع في النَّظْم لشيخنا الحافظ أبي الفضل: وانْشَقَّ مَرَّتَيْن بالإِجْمَاع، ولا أعرف من جزم من علماء الحديث بتعدد الانشقاق في زمنه ﷺ ولم يتعرض لذلك أحد من شُرّاح الصحيحين. ثم ذكر كلام ابن القيم وابن كثير قال: وهذا لا يتجه غيره جمعًا بين الروايات، قال: ثم راجعت نظم شيخنا فوجدته يحتمل التأويل المذكور ولفظه:\nفَصَارَ فرقتين فرقة علت … وفرقة للطود منهُ نزلت\nوذاك مرتين بالإجماع … والنص والتواتر السَّماع\nفجمع بين قوله: \"فرقتين\" وبين قوله: \"مرتين\" فيمكن أن يتعلق قوله: بالإجماع بأصل الانشقاق، لا بالتعدد، ووقع في بعض الروايات عن ابن مسعود \"وانشَقَّ القَمَر ونحن مع رسول الله ﷺ بمنى جزءين\" وهذا لا يعارض قول أنس أنَّه كان بمكة؛ لأنَّه لم يصرح بأن النبيّ ﷺ كان ليلته بمكة، وعلى تقدير تصريحه فـ \"منى\" من جملة مكة، فلا تعارض وقد وقع عند الطبراني من طريق زر بن حبيش عن ابن مسعود ﵁ قال: \"فرأيته فرقتين\".\nقال الحافظ: وإنما قال: انشق القمر بـ \"مكة\" يعني أن الانشقاق كان وهم بـ \"مكة\" قبل أن يهاجروا إلى المدينة، وقول ابن مسعود: \"انشق القمر نصفين نصفًا على جبل أبي قبيس ونصفًا على قعيقعان\".\nقال الحافظ: وهو محمول على ما ذكرت، وكذا ما وقع في غير هذه الرواية، ومثله روايته عن عبد الله بن مسعود وقد وقع عنْد ابن مردويه بَيَان المراد، فأخرجَ من وجه آخر عن ابن مسعود وقال: \"انشقَّ القمر على عَهْد رسول الله ﷺ ونحن بـ \"مكة\" قبل أن نصير إلى المدينة، فوضح أنّ مُرَاده بذكر مكة الإشارة إلى أن ذلك وقع قبل الهجرة، ونحرر أن ذلك وقع وهم ليلتئذ بـ \"منى\". =","vol":"2","page":318},{"text":"وَأُجِيبَ بِأَنَّ كَلَامَ عِيسَى ﵇ إِنْ كَانَ بِحَضْرَةِ خَلْقٍ فَقَدْ نُقِلَ قَطْعًا، وَكَذلِكَ\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  وقال في موضع آخر في الكلام على الجمع بين روايتي ابن مسعود والجمع بين قول ابن مسعود: تارة بـ \"منى\" وتارة بـ \"مكة\" إمَّا باعتبار التعدد إن ثبت، وإمّا بالحمل على أنه كان بمنى ومن قال: كان بمكة لا ينافيه؛ لأن من كان بمنى كان بمكة من غير عكس، ويؤيده أن الرواية التي فيها بمنى قال فيها: \"ونحن بـ \"منى\"، والرواية التي فيها \"مكة\" لم يقل فيها: ونحن، وإنما قال: \"انشق بمكة\" يعني أن الانشقاق كان وهم بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة، وقول ابن مسعود ﵁: انشق القمر نصفين نصفًا على أبي قبيس ونصفًا على قعيقعان وأن لفظ السويد قال الحافظ: كان ليلتئذ بمكة، وعلى تقدير تصريحه فمنى من جملة مكة فلا تعارض، وقد وقع عند الطبراني من طريق زر بن حبيش عن ابن مسعود قال: \"انشق القمر بـ \"مكة\" فرأيته فرقتين\"، وفي لفظ \"السويداء\" قال الحافظ: يحتمل أن يكون رآه كذلك وهو بـ \"منى\" كأن يكون على جبل مرتفع بحيث رأى طرف جبل أبي قبيس، قال: ويحتمل أن يكون القمر استمر منشقًا حتى رجع ابن مسعود من منى إلى مكة فرآه كذلك، وفيه بُعْد، والذي يقتضيه غالب الروايات أن الانشقاق كان قرب غروبه، يؤيد ذلك إسنادهم الرواية إلى جهة الجبل. ثم قال الحافظ: ويحتمل أن يكون الانشقاق وقع أول طلوعه؛ فإن في بعض الروايات أن ذلك كان ليلة البدر، أو التعبير بأبي قبيس من تغيير الرواة؛ لأن الفرض ثبوت رؤيته منشقًا إحدى الشقتين على جبل، والأخرى على جبل آخر، ولا يغير ذلك قول الراوي الآخر: \"رأيْتُ الجبل بينهما\" أي بين الفرقتين؛ لأنه إذا ذهبت فرقة عن يمين الجبل وفرقة عن يساره مثلًا صدق أن بينهما أي جبل آخر كان من جهة يمينه أو يساره صدق أنَّها عليه أيضًا.\nقال: وقد أنكر جمهور الفلاسفة انشقاق القمر متمسكين أن الآيات العلوية لا يتهيأ فيها الانخراق والالتئام، وكذا قالوا في فتح أبواب السّماء ليلة الإسراء إلى غير ذلك من إنكارهم ما يكون يوم القيامة من تكوير الشمس وغير ذلك، وجواب هؤلاء إنْ كانوا كفارًا أن يناظروا أولًا على ثبوت دين الإسلام ثم يشركوا مع غيرهم ممن أنكر ذلك من المسلمين، ومتى سلم المسلم بعض ذلك دون بعض ألزم التناقض، ولا سبيل إلى إنكار ما ثبت في القرآن من الانخراق والالتئام في القيامة، فيستلزم جواز وقوع ذلك معجزة للنبي ﷺ، فقد أجاب القدماء عن ذلك فقال أبو إسحاق الزجاج في المعاني: أنكر بعض المبتدعة الموافقين لمخالفي الملة انشقاق القمر، ولا إنكار للعقل فيه؛ لأن القمر مخلوق لله يفعل فيه ما يشاء كما يكوره يوم البعث ويفنيه. وأما قول بعضهم: لو وقع لجاء متواترًا واشترك أهل الأرض في معرفته ولما اختص بها أهل مكة، فصوابه أن ذلك وقع ليلًا وأكثر الناس نيام، وقل من يراصد السماء إلا النادر، وقد يقع بالمشاهدة في العادة أن ينكشف القمر وتبدو الكواكب العظام وغير ذلك في الليل، ولا يشاهدها إلا الآحاد؛ فكذلك الانشقاق كان آية وقعت في الليل لقوم سألوا واقترحوا، فلم يتأهب غيرهم لها. قال: ذهب بعض أهل العلم من القدماء إلى أن =","vol":"2","page":319},{"text":"غَيْرُهُ مِمَّا ذُكِرَ وَاسْتُغْنِيَ عَنِ الاِسْتِمْرَارِ بِالْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ أَشْهَرُهَا. وَأَمَّا الْفُرُوعُ فَلَيْسَ مِنْ ذلِكَ\n<hr><s0>\n\nالحَصَى (^١)، وَحَنِين .....................................\n_________\n= المراد بقوله تعالى: \"وانشق القمر\" أي سينشق. كما قال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ أي سيأتي، والنكتة في ذلك إرادة المبالغة في تحقق وقوع ذلك، فنزل منزلة الواقع، والذي ذهب إليه الجمهور أصح، كما جزم به ابن مسعود وحذيفة وغيرهما، ويؤيده قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [سورة القمر: الآية: ٢] كما تقدم تقريره، في أول الباب وذكر الإمام الحليمي أن القمر انْشَقَّ في عَصْرِه، وأنَّه شاهد الهلال في الليلة الثالثة منشقًا نصفين عرض كل واحد كعرض القمر ليلة أربع أو خمس ثم اتَّصَل فصار في شكل أُترجة إلى أن غاب. ينظر: سبل الهدى والرشاد بتحقيقنا ٩/ ٤٣٠.\n(^١) أخرج البزار والطبراني في (الأوسط)، وأبو نعيم والبيهقي، عن أبي ذر قال: كان النبيّ ﷺ جالسًا وحده فجئت حتى جلست إليه، فجاء أبو بكر فسلم ثم جلس، ثم جاء عمر، ثم عثمان، وبين يدي رسول الله ﷺ سبع حصيات، فأخذهن فوضعهن في كفه فسبحن حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسن، ثم أخذهن فوضعهن في يد أبي بكر فسبحن حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسن، ثم تناولهن فوضعهن في يد عمر فسبحن حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسن، ثم تناولهن فوضعهن في يد عثمان فسبحن حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسن، فقال رسول الله ﷺ: \"هذه خلافة نبوة\" ولكن هذا حديث ليس إسناده بذاك. وقال الحافظ ابن كثير في تحفة الطالب ١٨٣: لكن له طرق أخرى.\nوأخرج ابن عساكر، عن أنس أن النبيّ ﷺ أخذ حصيات في يده فسبحن حتى سمعنا التسبيح، ثم صيرهن في يد أبي بكر فسبحن حتى سمعنا التسبيح، ثم صيرهن في يد عمر فسبحن حتى سمعنا التسبيح، ثم صيرهن في يد عثمان فسبحن حتى سمعنا التسبيح، ثم صيرهن في أيدينا رجلًا رجلًا فما سبحت حصاة منهن.\nوأخرج أبو نعيم من طريق السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس قال: قدم ملوك حضرموت على رسول الله ﷺ فيهم الأشعث بن قيس، فقالوا: إنا قد خبأنا لك خبأ، فما هو؟ فقال: سبحان الله إنما يفعل ذلك بالكاهن، وإن الكاهن والكهانة في النار، فقالوا: كيف نعلم أنك رسول الله؟ فأخذ رسول الله ﷺ كفًا من حصى، فقال: \"هذا يشهد أني رسول الله، فسبح الحصى في يده\" قالوا: نشهد أنك رسول الله.\nوأخرج أبو الشيخ في (كتاب العظمة)، عن أنس بن مالك قال: أتي رسول الله ﷺ بطعام ثريد، فقال: \"إن هذا الطعام يسبح\" قالوا: يا رسول الله: وتفقه تسبيحه\" قال: نعم، ثم قال رسول الله ﷺ لرجل: أن هذه القصعة من هذا الرجل فأدناها، فقال: نعم يا رسول الله هذا الطعام يسبح، ثم أدناها من آخر ثم آخر فقالا مثل ذلك، ثم ردها فقال رجل: يا رسول الله لو أمرت على القوم جميعًا =","vol":"2","page":320},{"text":"[وَإِنْ سُلِّمَ فَإِنَّمَا يُنْقَلُ مِثْلُهُ لِيَعْلَمَ مَنْ لَا يَعْلَم، وَذلِكَ فِيمَا لَا يَكُونُ مُسْتَمِرًّا مُسْتَغْنًى عَنْ نَقْلِهِ]\n<hr><s0>\n\nالجِذْع (^١) وتسليم الغَزَالة (^٢)، وإفراد الإقَامة، وإفراد الحج، وترك البَسْمَلَة آحادًا\"، مع أنها من الوقائع التي تتوفَّر الدَّواعي على نقلها.\n_________\n= فقال رسول الله ﷺ: إنها لو سكتت عند رجل لقالوا من ذنب، ردها فردها.\nوأخرج أبو الشيخ عن خيثمة قال: كان أبو الدرداء يطبخ قدرًا فوقعت على وجهها، فجعلت تسبح. ينظر: الخصائص ٢/ ١٢٤ - ١٢٥.\n(^١) أخرج البخاري عن جابر بن عبد الله قال: كان جذع يقوم إليه النبيّ ﷺ، فلما وضع له المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار حتى نزل النبيّ ﷺ فوضع يده عليه فسكت.\nوأخرج البخاري عن جابر أن النبيّ ﷺ كان يقوم إلى نخلة فجعلوا له منبرًا، فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي، فنزل فضمها إليه فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكن. قال: \"كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها\".\nوأخرج الدارمي من طريق عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: كان النبيّ ﷺ يخطب إلى جذع، فاتخذ له منبر، فلما فارق الجذع، وعمد إلى المنبر الذي صنع له جزع الجذع، فحن كما تحن الناقة، فرجع النبيّ ﷺ فوضع يده عليه وقال: \"اختر أن أغرسك في المكان الذي كنت فيه فتكون كما كنت، وإن شئت أن أغرسك في الجنة فتشرب من أنهارها وعيونها فيحسن نبتك وتثمر فيأكل أولياء الله من ثمرتك، فسمع النبيّ ﷺ وهو يقول له: نعم قد فعلت مرتين، فسئل النبيّ ﷺ، فقال: اختار أن أغرسه في الجنة\" وأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" وأبو نعيم مثله من طريق عبد الله بن بريدة، عن عائشة به.\nوأخرج البغوي وأبو نعيم وابن عساكر عن أبي بن كعب قال: كان النبيّ ﷺ يخطب إلى جذع فصنع له منبر، فلما قام عليه حن الجذع، فقال له: \"اسكن إن تشأ أغرسك في الجنة فيأكل منك الصالحون وإن تشأ أن أعيدك رطبًا كما كنت\" فاختار الآخرة على الدنيا.\nوأخرج ابن أبي شيبة والدارمي وأبو نعيم، عن أبي سعيد الخدري قال: \"كان رسول الله ﷺ يخطب إلى جذع فصنع له منبر، فلما قام عليه حن الجذع حنين الناقة إلى ولدها، فنزل إليه رسول الله ﷺ فضمه إليه فسكن\". الخصائص ٢/ ١٢٦، ١٢٧.\n(^٢) قال الحافظ ابن كثير في تحفة الطالب (١٨٦): هو حديث مشهور عند الناس، وليس هو في شيء من الكتب الستة. وقد رواه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني من حديث عمرو بن علي الفلاس، ثنا يعلى بن إبراهيم الغزال، ثنا الهيثم بن جَمَّاز، عن أبي كثير، عن زيد بن أرقم، قال: كنت مع النبيّ ﷺ في بعض سكك المدينة فمررنا بخباء أعرابي فإذا ظبية مشدودة إلى الخباء فقالت: يا رسول الله إن هذا الأعرابي صادني، ولي خشفان في البرية وقد تعقد هذا اللبن في أخلافي، فلا هو يذبحني فأستريح، ولا =","vol":"2","page":321},{"text":"وَإِنْ سُلِّمَ فَاسْتَغْنَى لِكَوْنِهِ مُسْتَمِرًّا أَوْ كَانَ الْأَمْرَانِ سَائِغَيْنِ.\n<hr><s0>\n\nأما المعجزات فلغرابتها، وأما الإقامة والحَجّ [والبَسْمَلَةُ؛ فلأنه تشريع في أمر عظيم، وقد كانت الإقامة] (^١) والبَسْمَلَةُ تتكرّر في اليوم واللَّيلة خمس مرات.\n\"وأجيب بأن كلام عيسى ﵇، إن كان بحَضْرَة خلق\" كثير، \"فقد نقل (^٢) قطعًا\"، وإن لم يكن فلا [يرد نقضًا] (^٣)، \"وكذلك غيره مما ذكر\" من المُعْجزات، \"واستغنى عن الاستمرار\" في نقله تواترًا \"بالقرآن الذي هو أشهرها\".\nفلما كان القُرْآن كافيًا في الإعجاز، لم تتوفّر الدواعي بعده على نقل غيره.\n\"وأما الفروع\" الَّتي هي إفراد الإقامة، وإفراد الحج، وترك البَسْمَلة \"فليس من ذلك\"؛ إذ الدواعي إنما تتوفّر فيما يستغرق، أو يكون قاعدة كلّية لا مسألة فروعية.\n\"وإن سلم\" توفّر الدَّوَاعي على نقلها أيضًا، \"فاستغنى\" عن نقلها بالتواتر؛ \"لكونه مستمرًّا\" في الأيام والأعوام، \"أو كان الأمران [سائغين] \" (^٤) فلم يتواتر لذلك، وهذا أوجه، وإلا فاستمرارها في الأيام والأعوام لعلَّة السَّبب في طلب نقلها متواترًا.\nوالصَّحيح عندي في الجواب: الالتزام أن الانشقاق والحَنِين متواتر.\nوأما الانشقاق فمنصوص في القرآن مرويّ في \"الصحيحين\"، وغيرهما من طرق من حديث\n_________\n= يدعني فأرجع إلى خشفي في البرية، فقال لها رسول الله ﷺ: \"إن تركتك ترجعين؟ \" قالت: نعم. وإلا عذبني الله عذاب العَشَّار. فأطلقها رسول الله ﷺ. فلم تلبث أن جاءت تلمظ، فشدّها رسول الله ﷺ إلى الخباء وأقبل الأعرابي ومعه قربة، فقال رسول الله ﷺ: أتبيعها مني؟ فقال: هي لك يا رسول الله قال: فأطلقها رسول الله ﷺ. قال زيد بن أرقم: وأنا والله رأيتها تسيح في البر وهي تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله. هذا الحديث متنه فيه نكارة، وسنده ضعيف؛ فإن شيخ الفلاس يعلى بن إبراهيم الغزال لا يعرف، وشيخه الهيثم بن جماز قال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال مرة: ضعيف.\nوقال أحمد بن حنبل والنسائي: متروك الحديث.\nوقد روى حديث الغزالة من حديث عطية عن أبي سعيد، ومن حديث رجل من الأنصار. وذكره عياض في الشفاء ١/ ٤٤١ عن أم سلمة بلا إسناد.\n(^١) سقط في ح.\n(^٢) في حاشية ج: قوله: فقد نقل قطعًا. أي فقد وجب أن ينقلوه.\n(^٣) في ب: يراد نقصًا.\n(^٤) في ب: شائعين، وفي ح: سابقين.","vol":"2","page":322},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nشعبة (^١) عن سليمان (^٢) عن إبراهيم (^٣) عن أبي معمر (^٤) عن أبي مسعود.\nومن رواية [عراك] (^٥) بن مالك (^٦) عن ..................\n_________\n(^١) شعبة بن الحجَّاج بن الورد العَتَكِي، مولاهم، أبو بسْطام الحافظ، أحد أئمة الإسلام نزيل البصرة، ولد سنة ثمانين. روى عن معاوية بن قرة وأنس بن سيرين وثابت البناني وغيرهم، وعنه: أيوب وابن إسحاق من شيوخه والثوري وابن المبارك وأبو الوليد وخلائق. قال ابن المديني: له نحو ألفي حديث. وقال أحمد: شعبة أمة وحده. وقال ابن معين: إمام المتقين. وقال الحاكم: شعبة إمام الأئمة. ومات سنة ستين ومائة. ينظر: البداية والنهاية ١٠/ ١٣٢، وسير الأعلام ٧/ ٢٠٢، وتهذيب الكمال ٢/ ٥٨١، وتهذيب التهذيب ٤/ ٣٣٨، والكاشف ٢/ ١١، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ٤٤٩، والوافي بالوفيات ١٦/ ١٥٥، وديوان الإسلام (١٢٣٣)، والثقات ٦/ ٤٤٦.\n(^٢) سليمان بن مهران الكاهلي، مولاهم، أبو محمد الكوفي الأعمش، أحد الأعلام الحفاظ والقراء. قال ابن المديني: له نحو ألف وثلاثمائة حديث. وقال ابن عيينة: كان أقرأهم وأحفظهم وأعلمهم. وقال عمرو بن علي: كان يسمى المُصْحَف لصدقه. وقال العجلي: ثقة ثبت، يقال: ظهر له أربعة آلاف حديث ولم يكن له كتاب، وكان فصيحًا، وقال النسائي: ثقة ثبت، وعدّه من المدلِّسين. قال أبو نُعَيم: مات سنة ثمان وأربعين ومائة، عن أربع وثمانين سنة. ينظر: الثقات ٤/ ٣٠٢، وتهذيب التهذيب ٤/ ٢٢٢، وتقريب التهذيب ١/ ٣٣١، وتاريخ البخاري الكبير ٤/ ٣٧، والجرح والتعديل ٤/ ٦٣٠، وسير الأعلام ٦/ ٢٢٦.\n(^٣) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو إسحاق المدني، نزيل بغداد وقاضيها، وأحد الأعلام. روى عن أبيه والزهري وصالح بن كيسان وابن إسحاق وخلق. وعنه: ابنه يعقوب وعبد الصمد بن عبد الوارث وخلق. وثقه أحمد ويحيى بن معين وأبو حاتم والعجلي. مات سنة ثلاث وثمانين ومائة. ينظر: تهذيب الكمال ١/ ٥٤، وتهذيب التهذيب ١/ ١٢١، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ٤٥، والكاشف ١/ ٨٠، وتاريخ البخاري الكبير ١/ ٢٨٨، وتذكرة الحفاظ ١/ ٢٥٢، وطبقات الحفاظ (١٠٧)، وتاريخ بغداد ٦/ ٨١.\n(^٤) إسماعيل بن إبراهيم بن مَعْمَر الهُذَلي، أبو مَعْمر الهَرَوِي، ثم البَغْدادي القَطيعي. روى عن: إبراهيم بن سعد وابن المبارك وهشيم. وعنه: البخاري ومسلم ومحمد بن يحيى. قال ابن سعد: ثقة ثبت صاحب سنة وفضل وخير. قال ابن معين: ثقة مأمون: قال عبد الخالق بن منصور عنه: مات سنة ست وثلاثين ومائتين ينظر الخلاصة ١/ ٨٢ تهذيب التهذيب ١/ ٢٧٣.\n(^٥) في أ، ح: غزال.\n(^٦) عراك بن مالك الغفاري المدني. فقيه أهل دهلك (جزيرة قريبة من أرض الحبشة من ناحية اليمن)، عن أبي هريرة وحفصة وعائشة وابن عمر. وعنه: مكحول والحكم بن عتيبة وجعفر بن ربيعة ويحيى بن سعيد الأنصاري، قال أبو الغُصْن، كان يصوم الدهر، قال الواقدي: توفى بالمدينة في زمن يزيد بن معاوية. وقال أبو حاتم وغيره: ثقة. =","vol":"2","page":323},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nعبيد الله (^١) بن عبد الله عن ابن عَبَّاس.\nومن رواية (^٢) شعبة، سفيان، عن قتادة (^٣) عن أنس.\nورواه مسلم من رواية شعبة؛ عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر.\nورواه أحمد بن حَنْبَلٍ، والترمذي، والطّبراني (^٤)، وأبو حاتم بن [حبان] (^٥) من حديث جُبير بن مُطْعم (^٦).\n_________\n= ينظر: سير الأعلام ٥/ ٦٣، الثقات ٥/ ٢٨١، المغني (٤٠٨٨)، لسان الميزان ٧/ ٣٠٤، ميزان الاعتدال ٣/ ٦٣، الجرح والتعديل ٧/ ٢٠٤، تاريخ البخاري الكبير ٧/ ٨٨، الكاشف ٢/ ٢٦٠، خلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٢٢٥، تهذيب الكمال ٢/ ٩٢٥.\n(^١) عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله المدني الأعمى الفقيه أحد السبعة. روى عن: عمرو وابن مسعود مرسلًا، وعن أبيه وعائشة. وعنه: أخوه عون وعراك بن مالك والزهري وأبو الزناد وخلق. قال أبو زرعة: ثقة مأمون إمام، وقال العجلي: كان جامعًا للعلم. قال البخاري: مات سنة أربع وتسعين. ينظر: تهذيب الكمال ٢/ ٨٨٠، وتهذيب التهذيب ٧/ ٢٣، (٥٠)، وتقريب التهذيب ١/ ٥٣٥، وتاريخ البخاري الكبير ٥/ ٣٨٥، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ١٩٤، والجرح والتعديل ٥/ ١٥١٧، والحلية ٢/ ١٨٨، وطبقات ابن سعد ٢/ ٣٨٢، والبداية والنهاية ٩/ ١٧٧.\n(^٢) سقط في ت.\n(^٣) قَتادة بن دعامة السّدُوسِي، أبو الخَطَّاب البصري الأكْمَه، أحد الأئمة الأعلام، حافظ مدلس. قال ابن المسيِّب: ما أتاني عراقي أحفظ من قتادة. وقال ابن سيرين: قتادة أحفظ الناس. وقال ابن مَهْدِي: قتادة أحفظ من خمسين مثل حميد. وقال حماد بن زيد: توفي سنة سبع عشرة ومائة، وقد احتج به أرباب الصحاح. ينظر: طبقات ابن سعد ٩/ ١٥٦، ومعرفة الثقات ١٥١٣، وسير الأعلام ٥/ ٢٦٩، والثقات ٥/ ٣٢٢، وتراجم الأحبار ٣/ ٢٦٤، والحلية ٢/ ٣٣٣، ولسان الميزان ٧/ ٣٤١، وميزان الاعتدال ٣/ ٣٨٥، وتهذيب الكمال ٢/ ١١٢، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٣٥٠.\n(^٤) سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم، ولد بـ \"عكا\" سنة ٢٦٠ هـ. من كبار المحدثين، أصله من طبرية الشام، وإليها نسبته، رحل إلى الحجاز واليمن ومصر والعراق وفارس والجزيرة، وتوفي سنة ٣٦٠ هـ. بـ \"أصبهان\". له ثلاثة معاجم في الحديث منها: \"المعجم الصغير\" وله كتب في \"التفسير\" و\"الأوائل\" و\"دلائل النبوة\" وغير ذلك. ينظر: وفيات الأعيان ١/ ٢١٥، والنجوم الزاهرة ٤/ ٥٩، وتهذيب ابن عساكر ٦/ ٢٤٠، والأعلام ٣/ ١٢١.\n(^٥) في ت: حيان.\n(^٦) جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف النوفلي، أبو محمد أو أبو عدي المدني، أسلم =","vol":"2","page":324},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nورواه أبو بكر بن مَرْدويه من حديث مردويه، وله طرق أخر شتّى لا يمترى في تَوَاتُرِهِ مُحْدث.\nوأما \"الحَنِينُ\" ففي البُخَاري من طرق.\nمنها: من رواية عبد الواحد بن أيمن (^١) عن أبيه (^٢). عن جابر (^٣).\n_________\n= قبل حنين أو يوم الفتح، له ستون حديثًا، اتفقا على ستة، وانفرد البخاري بحديث ومسلم بآخر، روى عنه ابناه محمد ونافع وسليمان بن صرد وابن المسيب وطائفة. وكان حليمًا وقورًا عارفًا بالنسب، وذكر ابن إسحاق أن النبيّ ﷺ أعطاه مائة من الإبل. توفي سنة تسع أو ثمان وخمسين بـ \"المدينة\". ينظر ترجمته في: تهذيب الكمال ١/ ١٨٥، وتهذيب التهذيب ٢/ ٦٣، تقريب التهذيب ١/ ١٢٦، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ١٦١، والكاشف ١/ ١٨٠، وتاريخ البخاري الكبير ٢/ ٢٢٣، وتاريخ البخاري الصغير ١/ ٦، ١٠، ١٠٥، والجرح والتعديل ٢/ ٢١١٢، وتجريد أسماء الصحابة ١/ ٧٨، وأسد الغابة ١/ ٣٢٢، والإصابة ١/ ٤٦٢، والاستيعاب ١/ ٤٣٢، وشذرات الذهب ١/ ٥٩، ٦٤.\n(^١) عبد الواحد بن أيمن المخزومي، مولاهم، أبو القاسم المكي. عن ابن أبي مليكة. وعنه: حفص بن غياث ووكيع. وثقه ابن معين. ينظر: الثقات ٧/ ١٢٤، والجرح والتعديل ٦/ ١٠٤، وتاريخ البخاري الكبير ٥/ ٥٩، والكاشف ٢/ ٢١٧، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ١٨٣، وتهذيب الكمال ٢/ ٨٦٥، وتهذيب التهذيب ٦/ ٤٣٣.\n(^٢) أيمن الحبشي المخزومي، مولاهم المكي. عن جابر وعائشة، وعنه ابنه عبد الواحد، موثق. ينظر: تهذيب الكمال ١/ ١٣٣، وتهذيب التهذيب ١/ ٣٩٤، وتقريب التهذيب ١/ ٨٨، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ١٠٩، والثقات ٤/ ٤٧، والجرح والتعديل ٢/ ٣١٨، وميزان الاعتدال ١/ ٢٨٤، ولسان الميزان ٧/ ١٨١.\n(^٣) جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بفتح، المهملة الأنصاري؛ السلمي بفتحتين، أبو عبد الرحمن، وأبو عبد الله، أو أبو محمد المدني، صحابي مشهور له ألف وخمسمائة حديث وأربعون حديثًا، اتفقا على ثمانية وخمسين، وانفرد البخاري بستة وعشرين، ومسلم بمائة وستة وعشرين، وشهد العقبة، وغزا تسع عشرة غزوة وعنه بنوه وطاوس والشعبي وعطاء وخلق، قال جابر: استغفر لي رسول الله ﷺ ليلة البعير خمسًا وعشرين مرة، قال الفلاس: مات سنة ثمان وسبعين بالمدينة عن أربع وسبعين سنة. ينظر ترجمته في: تهذيب الكمال ١/ ١٧٩، وتهذيب التهذيب ٢/ ٤٢، وتقريب التهذيب ١/ ١٢٢، وخلاصة تهذيب الكمال =","vol":"2","page":325},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nمن رواية حفص بِن عُبَيْد الله بن مَالِك بِن أنس (^١) عن جابر.\nورواه أحمد من رواية أبي الزبير عن جابر.\nورواه البُخَاري والتِّرْمذي من رواية نافع عن ابن عمر.\nورواه أحمد من رواية أبي حبّاب عن أبيه عن ابن عمر ورواه أحمد وابن منيع (^٢)، وابن مَاجَه، وأبو يَعْلَى المَوصلي (^٣) وغيرهم من رواية حَمَّاد بن سلمة (^٤) ..............\n_________\n= ١/ ١٥٦، وتاريخ البخاري الكبير ٢/ ٢٠٧، وتاريخ البخاري الصغير ١/ ٢١، ١١٥، ١٦١، ١٩٠، والجرح والتعديل ٢/ ٢٠١٩، وأسد الغابة ١٣/ ٣٠٥، وتجريد أسماء الصحابة ١/ ٧٣، والاستيعاب ١/ ٢١٩، وطبقات ابن سعد ٣/ ٥٦١، وشذرات الذهب ١/ ٨٤.\n(^١) حفص بن عبيد الله بن أنس الأنصاري البصري، عن جده وجابر في البخاري وأبي هريرة.\nوعنه: يحيى بن أبي كثير وابن إسحاق، قال ابن المديني: لا يثبت له السماع من جابر.\nينظر: تهذيب الكمال ١/ ٣٠٣، وتهذيب التهذيب ٢/ ٤٠٥، وتقريب التهذيب ١/ ١٨٦، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ٢٣٨، والكاشف ١/ ٢٤١، وتاريخ البخاري الكبير ٢/ ٣٦٠، والجرح والتعديل ٣/ ٧٥٤، والثقات ٤/ ١٥١.\n(^٢) أحمد بن منيع بن عبد الرحمن البغوي، نزيل بغداد، أبو جعفر: حافظ ثقة، ولد سنة ١٦٠ هـ له \"مسند\" في الحديث كان بعد من أقران أحمد بن حنبل في العلم. مات فقيرًا، فبيع جميع ما يملك سوى كتبه بأربعة وعشرين درهمًا سنة ٢٤٤ هـ. ينظر: الأعلام ١/ ٢٦٠، وتهذيب التهذيب ١/ ٨٤، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٦٠.\n(^٣) أحمد بن علي بن المثنى التميمي الموصلي، أبو يعلى، حافظ، من علماء الحديث، ثقة مشهور، نعته الذهبي بـ \"محدث الموصل\"، عمر طويلًا حتى ناهز المائة، وتفرد ورحل الناس إليه، وتوفي سنة ٣٠٧ هـ بـ \"الموصل\". له كتب منها: \"المعجم\" في الحديث و\"مسندان\" كبير وصغير. ينظر: دول الإسلام ١/ ١٤٦، والأعلام ١/ ١٧١، وتذكرة النوادر (٣٩).\n(^٤) حماد بن سلمة بن دينار الربعي أو التيمي أو القرشي مولاهم، أبو سلمة البصري، أحد الأعلام، عن ثابت وسماك وسلمة بن كهيل وابن أبي مليكة وقتادة وحميد وخلق، وعنه ابن جريج وابن إسحاق شيخاه وشعبة ومالك وحبان بن هلال والقعنبي وأمم، توفي سنة سبع وستين ومائة. ينظر ترجمته في: تهذيب الكمال ١/ ٣٢٥، وتهذيب التهذيب ٣/ ١١، وتقريب التهذيب ١/ ١٩٧، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ٢٥٢، والكاشف ١/ ٥١، وتاريخ البخاري =","vol":"2","page":326},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nعن ثابت (^١) عن أنس، وإسناده على شرط مسلم.\nورواه التِّرمذي وصححه، وأبو يَعْلَى، وابن خزيمة، والطبراني في السُّنَّة وصححه، وقال: على شرط مسلم يلزمه إخراجه من رواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة (^٢) عن أنس.\nورواه الطبراني، من رواية الحسن عن أنس.\nورواه أحمد، وابن منيع، والطبراني، وغيرهم من رواية حماد بن سلمة عن عَمَّار بن أبي عَمَّار (^٣) عن ابن عباس.\n_________\n= الكبير ٣/ ٢٢، والجرح والتعديل ٣/ ٦٢٣، وميزان الاعتدال ١/ ٥٩٠، ولسان الميزان ٧/ ٢٠٣، والثقات ٦/ ٢١٦، وطبقات ابن سعد ٩/ ٥٣، ومقدمة الفتح ٣٩٩، والبداية والنهاية ١٠/ ١٥٠، والحلية ٦/ ٢٤٩، والثقات ٦/ ٢١٦، والوافي بالوفيات ١٣/ ١٤٥، ت ١٥٣.\n(^١) ثابت بن أسلم البُنَانِي، مولاهم، أبو محمد البصري، أحد الأعلام.\nقال ابن المديني: له نحو مائتين وخمسين حديثًا. وقال حماد بن زيد: ما رأيت أعبد من ثابت. وقال شعبة: كان يختم في كل يوم وليلة، ويصوم الدهر. وثقه النسائي وأحمد والعجلي. قال ابن عُلَيَّة: مات سنة سبع وعشرين ومائة عن ست وثمانين سنة. ينظر: طبقات ابن سعد ١/ ٤٧٨، ٧/ ٢٣١، والوافي بالوفيات ١٠/ ٤٦١، والحلية ٢/ ٣١٨، وسير الأعلام ٥/ ٢٢٠، وتذكرة الحفاظ (١١٢٥)، ولسان الميزان ٧/ ١٨٧، وميزان الاعتدال ١/ ٣٦٢، وتهذيب الكمال ١/ ١٧٠، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ١٤٧.\n(^٢) إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري، أبو يحيى المدني. عن أبيه وأنس والطُّفَيْل بن أُبَيِّ بن كَعْب. وعنه: حماد بن سلمة وابن عُيَيْنة ومالك، قال ابن معين: ثقة حجة. قال ابن سعد: توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة. ينظر: تهذيب الكمال ١/ ٨٥، وتهذيب التهذيب ١/ ٢٣٩، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ٧٤، والكاشف ١/ ١١١، وتاريخ البخاري الكبير ١/ ٣٩٣، والجرح والتعديل ٢/ ٢٢٦، والثقات ٤/ ٢٣، والوافي بالوفيات ٨/ ٤١٦، وشذرات الذهب ١/ ١٨٩، وسير النبلاء ٦/ ٣٣، ومشكاة المصابيح ٣/ ٦٠٨.\n(^٣) عمار بن أبي عمار، مولى بني هاشم، أبو عمرو المكي. عن أبي قتادة وأبي هريرة وابن عباس. وعنه: عطاء ونافع وشعبة ومعمر وخلق. وثقه أبو حاتم. مات في ولاية خالد القسري على العراق. ينظر: تهذيب الكمال ٢/ ٩٩٦، وتهذيب التهذيب ٧/ ٤٠٤ (٦٥٦)، وتاريخ =","vol":"2","page":327},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nورواه أحمد والدَّارمي وأبو يعلى وابن مَاجَة، وغيرهم من رواية الطّفيل بن أبي كعب (^١) [عن أَبيه] (^٢).\nورواه الإمام عبد الله بن عبد الرحمن الدَّارمي من رواية أبي حازم (^٣) عن سهل بن سَعْد (^٤).\n_________\n= الإسلام ٥/ ١١٢، والثقات ٥/ ٢٦٧، وتراجم الأحبار ٣/ ٧١، وتاريخ البخاري الكبير ٧/ ٢٦، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٢٦١، والكاشف ٢/ ٣٠٠.\n(^١) الطفيل بن أبي بن كعب الأنصاري، أبو بطن المدني، كانت بطنه عظيمة. عن أبيه، وعنه أبو فاختة وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وثقه ابن سعد. ينظر: الثقات ٤/ ٣٩٧، والجرح والتعديل ٤/ ٢١٥١، وتاريخ البخاري الكبير ٤/ ٣٦٤، والكاشف ٢/ ٤٢، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ١٠، وتهذيب الكمال ٢/ ١٢٦، وتهذيب التهذيب ٥/ ١٤ (٢٤)، وتقريب التهذيب ١/ ٣٧٨ (٢٤).\n(^٢) سقط في ت.\n(^٣) سلمة بن دينار، مولى الأسود بن سفيان، أبو حازم الأعرج التَّمَّار المدني القاص الزاهد، أحد الأعلام. قال محمد بن إسحاق بن خزيمة: ثقة لم يكن في زمانه مثله. وقال أبو حازم: لا تكون عالمًا حتى تكون فيك ثلاث خصال: لا تبغي على من فوقك، ولا تحقر من دونك، ولا تأخذ على علمك دنيا. قال خليفة: مات سنة خمس وثلاثين ومائة. ينظر: طبقات ابن سعد ٥/ ٤٢٤، والوافي بالوفيات ١٥/ ٣١٩، وسير الأعلام ٦/ ٩٦، والحلية ٣/ ٢٢٩، والجرح والتعديل ٤/ ٧٠١، وتاريخ البخاري الكبير ٤/ ٧٨، وتهذيب الكمال ١/ ٥٢٣، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ٤٠٢ (٢٦٢٧).\n(^٤) سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة الأنصاري، أبو العباس المدني له مائة حديث وثمانية وثمانون حديثًا. اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر. وعنه الزهري، وأبو حاتم. وأبو سهل الأصبحي. قال أبو نعيم: مات سنة إحدى وتسعين عن مائة سنة. قال ابن سعد: وهو آخر من مات بالمدينة. ينظر ترجمته في: تهذيب الكمال ١/ ٥٥٥، وتهذيب التهذيب ٤/ ٢٥٢، وتقريب التهذيب ١/ ٣٣٦، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ٤٢٦، والكاشف ١/ ٤٠٧، وتاريخ البخاري الكبير ٤/ ٩٧، وتاريخ البخاري الصغير ١/ ٢٠٩، ٢٥٣، والجرح والتعديل ٤/ ٨٥٣، وأسماء الصحابة الرواة ت ١٩، وأسد الغابة ٢/ ٤٧٢، وتجريد أسماء الصحابة ١/ ٢٤٤، والاستيعاب ٢/ ٦٦٤، =","vol":"2","page":328},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nورواه أبو محمد الجَوْهَرِي من رواية عبد العزيز بن أبي رَوّاد (^١) عن نافع عن تميم الدَّاري (^٢).\nولست أدعى أن التواتر حاصلٌ مما عددت من الطرق، بل من طرق أخرى كثيرة يجدها المحدث ضِمْن المسانيد والأجزاء وغيرها، وإنما ذكرت ما في المَشَاهير منها، أو بعضه، وربّ مُتَوَاتر عند قوم غير متواتر عند آخرين.\nسلمنا أنه الآن ليس بمتواترٍ، ولكن لم قلتم: إنه لم يكن متواترًا وقت وقوعه؟ وهذا لأن الدواعي إنما تتوفّر على نَقْل الغريب، والغريب إنما يتعجّب منه عند وقوعه. فإذا وقع [وشاع] (^٣) لم [يضرّ] ذكره عجبًا، فلا تتوفّر الدَّواعي على نقله للعلم بوقوعه، وقد كان متواترًا وقت وقوعه، وإن لم يكن اليوم متواترًا، فالمتواتر قد ينقلب آحادًا، والسبب فيه ما ذكرناه.\nوتسبيح الحَصَا.\n_________\n= والإصابة ٣/ ٢٠٠، وطبقات ابن سعد ٣/ ٦٢٥، ٥/ ٤٣، ونفعة الصديان ت ٢٢٥، والاستبصار ١٠٥ و١٠٦، والثقات ٣/ ١٦٨.\n(^١) عبد العزيز بن أبي رَوَّاد العتكي، مولى المهَلّب بن أبي صَفرَة. عن عكرمة وسالم. وعنه ابنه عبد المجيد ويحيى القطَّان، وقال: ثقة لا يترك الرأي أخطأ فيه. وقال يحيى بن سُليم الطائفي: كان يرى الإرجاء. وقال ابن المبارك: كان يتكلم ودموعه تسيل. وثقه ابن معين وأبو حاتم. وقال ابن عدي: في بعض أحاديثه ما لا يتابع عليه. قال ابن قانع: مات سنة تسع وخمسين ومائة. ينظر: البداية والنهاية ١٠/ ١٣١، وطبقات ابن سعد ٤/ ١٦٨، والحلية ٨/ ١٩١، ولسان الميزان ٧/ ٢٨٨، والجرح والتعديل ٥/ ١٨٣٠، والكاشف ٢/ ١٩٨، وتاريخ البخاري الكبير ٦/ ٢٢، وتهذيب الكمال ٢/ ٨٣٧، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ١٦٦.\n(^٢) تميم بن أوس بن خارجة الداري، أبو رقية، أسلم سنة تسع، وسكن بيت المقدس، له ثمانية عشر حديثًا. روى عنه سيد البشر ﷺ خبر الجساسة، وذلك في البخاري ومسلم، وناهيك بهذه المنقبة الشريفة، قال ابن سيرين: جمع القرآن، وكان يختم في ركعة. قال أبو نعيم: أول من سرج في المساجد تميم، توفي سنة أربعين. ينظر: الثقات ٣/ ٣٩، وتجريد أسماء الصحابة ١/ ٥٨، وصفة الصفوة ١/ ٧٣٧، والوافي بالوفيات ١٠/ ٤٩٠٨، وتهذيب الكمال ١/ ١٦٨، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ١٤٥.\n(^٣) في ب: وساغ.","vol":"2","page":329},{"text":"<span data-type='title' id=toc-517>التَّعَبُّدُ بِخَبَرِ الوَاحِدِ</span>\nمَسْأَلَةٌ:\nالتَّعَبُّدُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ جَائِزٌ عَقْلًا؛ خِلَافًا لِلْجُبَّائِيِّ.\n<hr><s0>\n\nرواه الطَّبراني، وابن أبي عَاصِمٍ (^١) من حديث أبي ذَرّ. وتسليم الغَزَالة.\nرواه الحافظ أبو نُعَيْم الأَصْفهاني، والبَيْهَقِيّ في \"دلائل النبوة\".\nونحن نقول فيهما: إنهما وإن لم يكونا اليوم متواترين، فلعلّهما تواترا إذ ذاك، فإن ذلك بهت عظيم؛ إذ كان أمر الإمامة أهم ما وقع للصَّحابة ﵃ بعد النبي ﷺ، واجتمعوا يوم \"السقيفة\"، ولم يذكر أحد منهم ذلك، ولا بحديث امرأة على مغزلها به، وكان الأمر إذ ذاك محتاجًا إلى التلويح من النبي ﷺ فضلًا عن التصريح، ولم ينقله من رواة الحديث [محدّث] (^٢) واحد.\nوأما الإقامة والحَجّ [فهوَّن] (^٣) الصَّحابة أمرهما؛ لجواز الأمرين فيهما.\nوأما أصل البَسْمَلَةِ فلا سبيل إلى تركها عند أصحابنا، ولكن جوابنا أنها أمر خفى [فلعلّه] (^٤) أسر بها، فإن الجَهْرَ بها غير واجب عندنا؛ فلذلك نقل آحادًا.\n«مسألة»\nالشرح: \"التعبُّد بخبر الواحد العدل جائز\" عندنا \"عقلًا\" (^٥).\n_________\n(^١) أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني، أبو بكر بن أبي عاصم، ويقال له: ابن النبيل، ولد سنة ٢٠٦ هـ. عالم بالحديث، زاهد رحالة، من أهل البصرة، ولي قضاء أصبهان سنة ٢٦٩ - ٢٨٢ هـ له نحو ٣٠٠ مصنف منها: \"المسند الكبير\" و\"الآحاد والمثاني\" و\"الديات\" و\"الأوائل\". توفي سنة ٢٨٧ هـ. ينظر: تاريخ بغداد ٤/ ٣٣٤، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٢٠٤، وشذرات الذهب ٢/ ٢٠٩، وميزان الاعتدال ١/ ٥٩، والأعلام ١/ ١٨٩.\n(^٢) في ح: محد.\n(^٣) في أ: فهو.\n(^٤) في ح: فله.\n(^٥) هذه المسألة في أنه هل يجوز عقلًا التعبد بخبر الواحد العدل إذا غلب على الظن صدقه، على معنى أنه هل يجوز عقلًا أن يقول الرسول ﷺ: \"من أخبركم عني بحديث، وظننتم صدقه، فاعملوا بقوله، اختلفوا فيه. ينظر: الشيرازي ٢٤٦ خ. والبرهان ١/ ٦٠٧، والمستصفى ١/ ١٤٦، والمنخول ١/ ١٤٦، والإحكام ٢/ ٤٤، (٦)، وشرح العضد ٢/ ٥٨،","vol":"2","page":330},{"text":"لَنَا: الْقَطْعُ بِذَلِكَ.\nقَالُوا: يُؤَدِّي إِلَى تَحْلِيلِ الْحَرَامِ وَعَكْسِهِ.\nقُلْنَا إِنْ كَانَ المُصِيبُ وَاحِدًا فَالْمُخَالِفُ سَاقِطٌ كَالتَّعَبُّدِ بِالْمُفْتِي وَالشَّهَادَةِ وَإِلَّا فَلَا يَرِدُ وَإِنْ تَسَاوَيَا فَالْوَقْفُ أَوِ التَّخْيِيرُ يَدْفَعُهُ.\n<hr><s0>\n\nومنعه جمهور القَدَرِيّة، ومن تابعهم من أهل الظَّاهر [كالقَاشانِي] (^١) وغيره.\nونقله المصنّف تبعًا للآمدي، عن أبي على الجُبّائي أحد رءوس القَدَرِيّة؛ حيث قال: \"خلافًا للجُبّائي\".\nوالصّحيح في النقل عنه: تفصيل في المسألة، نقله عنه القاضي في \"مختصر التقريب\" وغيره، وسيحكيه عنه على الوجه الذي فصّله.\n\"لنا: القَطْع بذلك\"، وذلك أنه لا يلزم من فرض وقوعه محال عقلًا، ولا معنى للجائز العقلى إلا ذلك، فكان جوازه عقلًا مقطوعًا به.\nولا يقال: دَعْوَى القطع مُعَارضة بمثلها؛ لأن البُرْهان قائمٌ فيها، وهو أنه لا يلزم من فرض وقوعه مُحَال.\nالشرح: \"قالوا: يؤدي إلى تحليل الحرام وعكسه\"؛ لأنه إذا روى خبر يدلّ على التحريم، وآخر على الحلِّ، وجاز التعبّد بخبر الواحد - جاز التعبُّد بها، فيلزم تحليل الحرام، وتحريم الحلال.\nوهذا إذا كان أحدهما راجحًا، فإن تساويا، فالعمل بهما يؤدي إلى اجتماع النقيضين، وبأحدهما [ترجيح] (^٢) من غير مرجّح.\n\"قلنا\": لا نسلّم التأدية إلى تحريم الحلال وعكسه؛ لأنه \"إن كان المُصِيب\" من المجتهدين \"واحدًا، فالمخالف\" له \"ساقط\".\nوالحق [مع] (^٣) من وقع على ما في نفس الأمر، ومخالفه على خطأ.\n_________\n= والتبصرة ٣٠١، وشرح الكوكب ٢/ ٣٥٩، وحاشية البناني ٢/ ١٣٢، والمسودة ٢٣٧، وتيسير التحرير ٣/ ٨١، وكشف الأسرار ٢/ ٣٧٠، وفواتح الرحموت ٢/ ١٣٢، وإرشاد الفحول (٤٩).\n(^١) في ب: القاساني، وكلاهما صواب.\n(^٢) سقط في ح.\n(^٣) سقط في ح.","vol":"2","page":331},{"text":"قَالُوا: لَوْ جَازَ لَجَازَ التَّعَبُّدُ بهِ فِي الإِخْبَارِ عَنِ الْبَارِي.\nقُلْنَا: لِلْعِلْمِ بِالْعَادَةِ أَنَّهُ كَاذِبٌ.\n<hr><s0>\n\nغايةُ ما في الباب أنه يجب عليه العَمَلُ بما عنده؛ لأنه الغالب على ظنّه، وذلك \"كالتعبُّد [بالمفتى] (^١) والشَّهَادة\"، فإن العمل بهما واجبٌ مع احتمال خطئهما، ولا يلزم من العَمَلِ بهما تحليل حرام، وبالعكس؛ لأنّ حكمهما ليس هو حكم الله - تعالى - على تقدير كونه خطأ، \"وإلا فلا يرد\"؛ لأنه إذا كان كل مجتهد مصيبًا، فكلّ واحد من الحَكَمَيْن ثابت في علم الله، فأين تحريم الحلال وعكسه؟.\n\"وإن تساويَا، فالوَقْف\" إلى أن يتبيّن الرّجحان عند طائفة، \"أو التخيير\" بينهما على رأى آخرين، وكلاهما \"يدفعه\" - أي: يدفع لزوم اجتماع الحكمين المتنافيين.\nالشرح: \"قالوا: لو جاز\" التعبُّد بخبر الواحد من حيث هو \"لَجَازَ التعبّد به في الإخبار عن الباري\" سبحانه بالرِّسَالة، واللازم منتفٍ بالإجماع، وبيان المُلَازمة أن الموجب للتعبُّد به ظنّ الصدق، وهو موجود في الصُّورتين.\n\"قلنا: العلم بالعادة\" القَاضِيَةِ فيمن أخبر عن الله بالرِّسَالة؛ \"أنه كاذب\" إذا لم يأت بمعجزة تصدقه.\nفقد لاح الفَرْقُ بين الإخبار عن الرسالة وغيرها.\nوإن كان المخبرُ عن الرِّسالة هو مدعيها، فهو مع قضاء العادات يكذبه، إذا لم يأت بِبُرْهَان مدّع لنفسه مرتبة عظيمة، وتلك تُهْمةٌ طاعنةٌ في خبره.\nقال ابن السَّمْعَاني: والحرف المُشْكل لهم أنّ الشرعيات مصالح، والواحد يجوز كذبه، فلا يؤمن أن يكون ما تضمّنه خبره مفسدة، فإذا لم [يؤمن] (^٢) الكذب لم [تؤمن] (^٣) المفسدة، والعقل يمنع من العمل بما يجوز أن يكون مفسدة احتياطًا.\nوجوابه: أنه لما قام القَاطِعُ عليه علمنا أنه مصلحة، وأيضًا فالعمل به عمل بالراجح، وأيضًا ينتقض عليهم [بالمُفْتى] (^٤) والشَّاهدين، وغير ذلك من المواضع التي اجتمعت الأمّة على الاعتماد فيها على قَوْلِ الواحد، ثم ما ذكروه مبنّى على قاعدة التَّحْسِين والتقبيح.\n_________\n(^١) في ب: بالمعنى.\n(^٢) في ب: يأمن.\n(^٣) في ح: يأمن.\n(^٤) في ب: بالمعنى.","vol":"2","page":332},{"text":"<span data-type='title' id=toc-518>العَمَلُ بخبر الوَاحِدِ</span>\nمَسْأَلَةٌ:\n\"يَجِبُ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ [الْعَدْلِ خِلَافًا لِلْقَاسَانِيِّ وَابْنِ دَاوُدَ وَالرَّافِضَةِ. وَالْجُمْهورُ بِالسَّمْعِ.\nوَقَالَ أَحْمَدُ وَالْقَفَّالُ وَابْنُ سُرَيْجٍ وَالْبَصْرِيُّ بِالْعَقْلِ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"يجب العمل بخبر الوَاحِدِ [العدل] (^١)، خلافًا للقَاساني وابن دَاوُد والرَّافضة\".\nوقد سبق عن القَاسَانِي (^٢)؛ أنه [يمنعه] (^٣) عقلًا، فلا وجه لذكره هنا؛ إذ الكلام هنا مع القائلين بجواز التعبُّد به.\n\"والجمهور\" من القائلين بوجوب العَمَلِ به. قالوا: إن ذلك \"بالسمع\".\n\"وقال أحمد، والقَفَّال، وابن [سُرَيْج] (^٤) والبَصْرى: بالعَقْل\" أيضًا (^٥)، والبصرى معتزلى، فلا يتعجّب منه في ذلك، إنما العجب من أحمد، والقَفّال، وابن سُرَيْج - إن صحَّ النقل عنهم، وهم أئمّة الشَّريعة - وهم من أئمّة السُّنة.\nوقد قيل: إن القَفَّال كان أول أمره معتزليًّا فلعلّ هذه المَقَالة قالها وقت اعتزاله، وابن [سُرَيج] (^٦) كان يناظر ابن دَاوُدَ، فلعله بالغ في الرَّد عليه، فتوّهمت فيه هذه المقالة.\nومنهم من اشْترط ثَلَاثة عن ثلاثة إلى أن ينتهي الإِسناد.\nمنهم من اشترط أربعة عن أربعة.\n_________\n(^١) سقط في أ، ب، ت، ح.\n(^٢) في حاشية ج: قوله: \"القاساني\" قاسان بالسين المهملة من بلاد الترك. سعد الدين.\n(^٣) في أ، ت، ح: منعه.\n(^٤) في ب: شريح.\n(^٥) ينظر: المحصول ٢/ ١/ ٥٠٧، والمعتمد ٢/ ٥٨٣، والعضد ٢/ ٥٩، والإحكام للآمدي ٢/ ٤٨.\n(^٦) في ب: شريح.","vol":"2","page":333},{"text":"لَنَا: تَكَرَّرَ الْعَمَلُ بِهِ كَثِيرًا فِي الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ شَائِعًا ذَائِعًا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَذَلِكَ يَقْضِي بِالاِتِّفَاقِ عَادَةً كَالْقَوْلِ قَطْعًا.\n<hr><s0>\n\nوقال قوم: خمسة عن خمسة.\nوقال قوم: سبعة عن سبعة، حكى ذلك الأستاذ أبو منصور البَغْدَادي.\nالشرح: \"لنا: تكرَّر العمل به كثيرًا في الصَّحابة، والتَّابعين شائعًا ذائعًا من غير نَكِيرٍ، وذلك يقضى بالاتِّفَاق\" منهم على وجوب العَمَلِ به \"عادة كالقَوْل\" الصَّريح \"قطعًا\".\nولا ندعى التَّواتُر في خبر بعينه، وإنما وقع التَّواتُر من أخبار كثيرة في القدر المشترك منها، وهو رجوع الصَّحابة إليه، وعلمهم به.\n\"قولهم: لعلّ العمل بغيرها\" بهت عظيم.\nوأجاب عنه المصنّف بقوله: \" [قلنا] (^١): علم قطعًا من سياقها أن العمل بها\"، وهذا ما لا يمترى فيه ذو حاصل.\n\"قولهم: فقد أنكر أبو بكر ﵁ خبر المغيرة في مِيرَاث الجدّة\" (^٢) وقال\n_________\n(^١) سقط في ت، ح.\n(^٢) أخرجه أبو داود ٣/ ٣١٦، ٣١٧، كتاب الفرائض: باب في الجدة (٢٨٩٤)، وأخرجه الترمذي ٤/ ٤١٩، ٤٢٠، كتاب الفرائض: باب ما جاء في ميراث الجدة (٢١٠٠)، وأخرجه ابن ماجه ٢/ ٩٠٩، ٩١٠، كتاب الفرائض: باب ميراث الجدة (٢٧٢٤)، وأخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٥١٣، كتاب الفرائض: باب ميراث الجدة (٤)، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف ١٠/ ٢٧٤، ٢٧٥، كتاب الفرائض: باب فرض الجدات (١٩٠٨٣)، وأخرجه سعيد بن منصور في السنن ١/ ٥٤، ٥٥، باب الجدات (٨٠)، وأخرجه ابن الجارود في المنتقى ص ٣٢٠، باب ما جاء في المواريث (٩٥٩)، وأخرجه ابن حبان، وذكره الهيثمي في موارد الظمآن ص ٣٠٠، كتاب الفرائض: باب في الجدة (١٢٢٤).\nوأخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٣٣٨، ٣٣٩، كتاب الفرائض: باب قضاء أبي بكر في الجدة وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٦/ ٢٣٤، كتاب الفرائض: باب فرض الجدة والجدتين، وأخرجه الدارمي من رواية الزهري قال: (جاءت الجدة إلى أبي بكر …) ولم يذكر قبيصة ٢/ ٣٥٩، كتاب الفرائض: باب قول أبي بكر في الجدات.","vol":"2","page":334},{"text":"قَوْلُهُمْ: لَعَلَّ الْعَمَلَ بِغَيْرِهَا.\nقُلْنَا: عُلِمَ قَطْعًا مِنْ سِيَاقِهَا أَنَّ الْعَمَلَ بِهَا.\nقَوْلُهُمْ: فَقَدْ أَنْكرَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ خَبَرَ الْمُغِيرَةِ [فِي مِيرَاثِ الْجَدَّةِ] حَتَّى رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَأنْكَرَ عُمَرُ ﵁ خَبَرَ أَبِي مُوسَى فِي الاِسْتِئْذَانِ حَتَّى\n<hr><s0>\n\nله: هل معك غيرك \"حتى رواه محمد بن مَسْلمة\" (^١) كما رواه أبو داود، والترمذي وقال: حسن صحيح.\nوأنكر عمر ﵁ خبر أبى مُوسَى في الاسْتِئْذَان\" (^٢)؛ حيث قال: إنَّا كنا نؤمر بهذا، فقال: [لتقيمنّ] (^٣) على هذا بيّنة، أو لأفعلنّ \"حتى رواه أبو سعيدٍ\" رواه الشَّيخان في صحيحهما، \"وأنكر\" عمر ﵁ \"خبر فاطمة بنت قيس\" (^٤)؛ أن رسول الله ﷺ\n_________\n(^١) محمد بن مسلمة الأنصاري الأوسي الحارثي، أبو عبد الله، من أكابر الصحابة، شهد بدرًا والمشاهد كلها. له ستة عشر حديثًا، انفرد له البخاري بحديث، كذا ذكره الحميدي. وعنه المغيرة بن شعبة، وسهل بن أبي حثمة وجابر، استوطن المدينة واعتزل الفتنة. قال المدائني: مات سنة سبع وسبعين. ينظر ترجمته في: تهذيب الكمال ٣/ ١٢٧٢، وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٥٤، وتقريب التهذيب ٢/ ٢٠٨، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٤٥٧، وتاريخ البخاري الكبير ١/ ١١، وتاريخ البخاري الصغير ١/ ٨٠، والثقات ٣/ ٣٦٢، وأسد الغابة ٥/ ١١٢، والإصابة ٦/ ٣٣، والاستيعاب ٣/ ١٣٧٧، وطبقات ابن سعد ٩/ ١٧٧، وشذرات ١/ ٤٥، ٥٣، وتجريد أسماء الصحابة ٢/ ٦١، وسير الأعلام ٢/ ٣٦٩، وأسماء الصحابة الرواة ت ١٤٠.\n(^٢) أخرجه البخاري (٨/ ١٥٧) كتاب الاعتصام: باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ (٣/ ٦)، كتاب البيوع: باب الخروج في التجارة، ومسلم في كتاب الاستئذان (٣/ ١٦٩٤ - ١٦٩٦) حديث (٣٣ - ٣٧)، وأبو داود في كتاب الأدب: باب كم مرة يسلم الرجل في الاستئذان حديث (٥١٨٠ - ٥١٨٤) وأحمد (٤/ ٤٠٠) من حديث أبي موسى الأشعري.\n(^٣) في أ، ت: ليقيمن.\n(^٤) أخرجه مسلم (٢/ ١١١٨) كتاب الطلاق: باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، وأبو داود (٢/ ٧١٥)، كتاب الطلاق: باب في نفقة المبتوتة حديث (١٨/ ٢٢)، والترمذي (٣/ ٤٧٥)، في أبواب الطلاق واللعان: باب ما جاء في المطلقة ثلاثًا لا سكنى لها ولا نفقة (١١٨٠)، والنسائي (٦/ ٢٠٩)، كتاب الطلاق: باب الرخصة في خروج المبتوتة وابن ماجه (١/ ٥٦٥)، كتاب الطلاق: باب المطلقة ثلاثًا هل لها سكنى أو نفقة (٢٠٣٦)، وأحمد (٦/ ٤١٥).","vol":"2","page":335},{"text":"رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ [الْخُدْرِيُّ] وَأَنْكَرَ خَبَرَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ. وَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ ﵂ خَبَرَ ابْنِ عُمَرَ.\n<hr><s0>\n\nلم يجعل لها سُكنى ولا نَفَقَة، وقال: \"لا نترك كتابَ ربّنا وسُنّة نَبِيّنا لقول امرأة، لا ندري حفظت أو نسيت\" رواه مسلم.\n\"وأنكرت عائشة ﵂ خبر ابن عمر\": \"إِن المَيِّت ليعذّب ببكاء أهله\"؛ كما رواه الشَّيْخَان.\n\"وأجيب: إنما أنكروا عند الارتياب\".\nوأنا أقول: الحديثان الأولان من أقوى أدلّتنا؛ إذ انضمام محمد بن مسلمة إلى المغيرة، وأبى سعيد إلى أبي موسى، لا يخرج الخبر عن كونه خبر آحَادٍ، ولقد قبل عمر ﵁ خبر عبد الرحمن بن عَوْف، عن النبي ﷺ في أخذ الجزية من المَجُوس (^١)، ولم يرْوِه غيره.\nقال الخطيب (^٢) في كتاب \"شرف أصحاب الحديث\": ولم يتهم عمر أبا موسى؛ إنما كان يشدّد في الحديث حفظًا للرواية عن النبي ﷺ، ولو فقد من يروى مع أبي موسى لاقتصر عليه وعمل بخبره.\nوخبر فاطمة قد صرح (^٣) فيه ﵁ بالشَّك، وقضي بأن الكتاب والسُّنة في مقابله، وخبر ابن عمر ظنت عائشة الوهم فيه؛ إذ قَالَت: ما كذب ولكنه وَهِم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري ٦/ ٢٥٧ في كتاب الجزية والموادعة: باب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب (٣١٥٦، ٣١٥٧)، وبجالة تابعي مشهور، وهو ابن عبدة، وما له في البخاري سوى هذا الموضع، وأخرجه ابن الجارود (١١٠٥)، وأحمد ١/ ١٩٠، ١٩٤، والدارمي ٢/ ٢٣٤، والبيهقي ٩/ ١٨٩.\n(^٢) أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، أحد حفاظ الحديث وضابطيه المتقنين. ولد سنة ٣٩٢، وتفقه على القاضي أبي الطيب الطبري، وأبي إسحاق الشيرازي وأبي نصر بن الصباغ، وشهرته في الحديث تغني عن الإطناب. قال ابن ماكولا: ولم يكن للبغدادين بعد الدارقطني مثله. وقال الشيرازي: كان أبو بكر يشبه بالدارقطني ونظرائه في معرفة الحديث وحفظه. مات ٤٦٣. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٢٤٠، وطبقات السبكي ٣/ ١٢، ووفيات الأعيان ١/ ٧٦.\n(^٣) في حاشية ج: قوله: قد صرح. . . . إلخ يفيد أن وجوب العمل به ما لم يقع فيه شك.","vol":"2","page":336},{"text":"وَأَجِيبَ: إِنَّمَا أَنكَرُوا عِنْدَ الاِرْتِيَابِ.\nقَالُوا: لَعَلَّهَا أَخْبَارٌ مَخْصُوصَةٌ.\n<hr><s0>\n\n\"قالوا: لعلَّها\" أي: الأخبار التي عملوا بها \"أخبار مخصوصة\"، ولا يلزم من قَبُولها قَبُول خبر الواحد مطلقًا.\n\"قلنا: نقطع بأنهم عملوا لظهورها، لا لخصوصها\".\nونرى ذلك أوضح من النهار، فقد انتهض الإجماع قاطعًا على خبر الواحد، فلن يمتري [فيه] (^١)، [ثم] (^٢) إنه انقرض عصر الصحابة ﵃ الَّذِين هم عصابة الحَق على العمل بخبر الواحد، وأنهم كانوا ما بين عامل به، وراضٍ بالعمل مسلم له، وأنت متى حَدّقت النظر في كتب المُحَدّثين والفقهاء - حصلت من ذلك على يقين عظيم، وانشرح صدرك لذلك.\nوكما انقرض عَصْرهم عليه، ولم يشبه خلاف انقرض عليه أيضًا عصر السَّلف الصَّالح التَّابعين، ومن لحق بهم.\nقال الشَّافعي ﵁: وجدنا علي بن الحُسَين يعوّل على أخبار الآحاد (^٣).\nوكذلك محمد بن علي، ونافع بن جُبَير، وحارثة بن زيد، وأبا سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يَسار.\nولذلك كان حال طاوس، ومجاهد، وابن المسيب، وفقهاء الأَمْصَار في جميع الأَعْصَار إلى زمان ظهور خارق الإِجماع (^٤) لمخالفته، ومبدى العقوق [بمُشَاققته] (^٥).\n\"وأيضًا\": السُّنة، فقد قام \"التَّواتُر؛ أنه ﷺ كان ينفذ الآحاد إلى النواحي لتبليغ الأحكام\"، فلو لم يقبل خبرهم لم يكن لإرسالهم معنى.\n_________\n(^١) بياض في ب، ت، وفي هامش أ: لعله أحد.\n(^٢) سقط في ح.\n(^٣) ينظر: الرسالة ص ٤٥٥، وما بعدها.\n(^٤) في حاشية ج: قوله: خارق الإجماع … إلخ يفيد الإجماع على العمل به كما أنه متواتر تواترًا معنويًا كما تقدم.\n(^٥) في ح ت مشافقته، وهو تحريف.","vol":"2","page":337},{"text":"قُلْنَا: نَقْطَعُ بأَنَّهُمْ عَمِلُوا لِظُهُورِهَا لا لِخُصُوصِهَا، وَأَيْضًا التَّوَاتُرُ أَنّهُ ﵊ كَانَ يُنْفِذُ الآحَادَ إِلَى النَّوَاحِي، لِتبلِيغِ الأَحْكَامِ.\nواسْتُدِلَّ بِظَوَاهِرِ مِثْلِ: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُمْ …\n<hr><s0>\n\nوهذا الدليل نبَّه عليه الشافعيُّ ﵁.\nواعترض الآمدي بأنا [لا] (^١) نسلّم أنه ﵇ كان ينفذ الآحاد، ولكن لم قلتم: إن ذلك لتبليغ الأخبار التي هي مَدَارك الأحكام؛ وإنما كان من ذلك لأخذ [الزّكوات] (^٢)، والفُتْيا ونحوهما.\nسَلّمنا: أنه لما ذكرتم، ولكن جاز أنه يكون ثَمَّ قرينة تصيّر الخبر قطعًا، فليس العمل إذ ذاك بمجرد خبر الواحد.\nوهذا تشكيك مدفوع، فلا يشك ناقل أن الرسل كانت تذهب لتبليغ الأحكام وغيرها، وأنّ سامع أخبارهم كان يتلقَّاها بالقَبُول غير ملتفتٍ إلى ما يعضد الخبر من قرينة، أو غيرها، ولقد أجاد المصنف في اعتماده على السُّنة والإجماع، فهي طريقة الحُذَّاق: الشَّافعي، والقاضي، وإمام الحرمين، والغزالي، وغيرهم ﵃، ونحن نراها مسلكًا قاطعًا وبرهانًا [نيرًا] (^٣).\nواعتمد ابن السَّمعاني على مسلك ادّعى فيه القطع؛ وهو قوله تعالى: ﴿(٦٦) يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧].\nوكان ﵇ رسولًا إلى جميع الخلائق، ويجب عليه تبليغهم بما تنتهي إليه القدرة، ولو لم يقبل خبر الوَاحِد لتعذَّر إبلاغ الشريعة إلى كل الخَلْقِ، ضرورة خطاب جميع أهل الأرض شفاهًا، وإرسالك عدد التَّوَاتر إليهم.\nوللآمدي على هذا أيضًا اعتراض فيه نظر.\nوالمسلك حسن، ولكنه عندى غير بالغ مبلغ القَوَاطع.\nالشرح: \"واستدلّ بظواهر مثل: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ﴾ [التوبة: ١٢٢]، لقوله:\n_________\n(^١) سقط في ب، ت.\n(^٢) في ب: الزكاة.\n(^٣) في أ، ت: تبرأ، وهو تحريف.","vol":"2","page":338},{"text":"﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ﴿التوبة: ١٢٢]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]، ﴿إِنَّ\n<hr><s0>\n\n﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٢٢]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٧٤]، ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ﴾ [سورة الحجرات: الآية ٦] \".\n\"وفيه\" أي: في الاستدلال بهذه الآيات \"بعد\"؛ أن قصاراها إفادة الظَّن، وهو لا يفيد في هذه المسألة.\nولك أن تقول: أما أن كُلّ آية على حدتها لا تنتهي إلى أكثر من الظَّن فمسلّم، ولكن لم قلتم: إنه لا يحصل القَطْع من المجموع، والآيات المذكورة في هذا كثيرة؟ اقتصر المصنّف منها على ما أورده، فنقول: أما بقوله تعالى:\n﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٢٢]- فوجه الحُجّة منه أنه أوجب الحَذَرَ بإنذار طائفة من كلّ فرقة، وأقلّ الفرقة ثلاثة على أعلى القولين، فهي إما واحد أو اثنان.\nوالإنذار: الخبر المخوف، فحيث [أخبرت] (^١) طائفة بخبرٍ مخوف، وجب به الحَذَرُ.\nوإنما قُلْنا: إن أوجب الحذر لقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٢٢]؛ فإن لفظ \"لعل\" للترجى، وهو مستحيل في حق الله - تعالى - فحصل (^٢) على الطَّلب الذي هو لازم التَّرجى.\nفإن قلت: هذا مبنى على أن المتفقّهين هم الطائفة النَّافرة حتى يكون الضَّمير في قوله: \" ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾ \"، \" ﴿وَلِيُنْذِرُوا﴾ \" - راجعًا إليها، وهو قول بعض المفسّرين.\nوأظهر القولين في التّفسير: أنَّ المتفقّهين هم المُقِيمون لينذروا [النَّافرين] (^٣) إذا عادوا إليهم؛ لأن النبي ﷺ بعد ما نزل الوعيد الشَّديد في حَقّ المتخلفين عن غزوة \"تَبُوك\" - كان إذا بعث جيشًا أسرع المؤمنون إلى النَّفِيرِ، فأمرهم الله - تعالى - أن ينفر من كلّ فرقة طائفة، ويتخلّف بعضها عند رسول الله ﷺ لسماع الشرع منه ونقله إلى إخوانهم إذا رجعوا من سفرهم إليهم، وتقدير الآية حينئذ - والله أعلم - ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [سورة\n_________\n(^١) في أ: أخرت.\n(^٢) في حاشية ج: قوله: فحمل على الطلب … إلخ وهو لطف من الله تعالى حيث طلب بما أصله الترجي. تدبر.\n(^٣) سقط في ت.","vol":"2","page":339},{"text":"جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [سورة الحجرات: الآية ٦] وَفِيهِ بُعْدٌ.\n<hr><s0>\n\nالتوبة: الآية ١٢٢]، خشية ألّا يبقى عند النبي ﷺ أحد؛ فيفوت المقصود من نقل الشَّرع عنه، فهلا نفرت من كل فرقة منهم ليحصل [المقصدان] (^١): غزو النّافرين، وتَفَقُّه الحاضرين.\nوإذا كان هذا معنى الآية فلا دليلَ فيها؛ إذ المعنى: ليتفقه الحاضرون، وهم عدد كثير يحصل العلم بخبرهم.\nقلت: كذا أوردناه في \"شرح المِنْهَاج\" (^٢) ولكنّى أقول هنا: قضيّة قولك: لينذر الحاضرون المسافرين أن كلّ حاضر يُنْذر كلّ مسافر؛ لأنّ هذا معنى العموم الذي مَدْلوله كُلّية، لا كُلّ، على ما تقرّر في مكانه.\nوإذًا يجب الحَذَرُ بإنذار كلّ حاضر، وإن لم يصاحبه غيره.\nفإن قلت: غاية الأمر أنه - تعالى - أمر كل واحد بالإخبار، وهذا لا يتضمّن وجوب قبول المنذرين خبره والعمل به، وكم في الشَّريعة من حكم يختلف في مثل هذا، والشَّاهد إذا تعيَّنت عليه شَهَادة يجب أداؤها، ولم يجز للحاكم قبولها منه حتى ينضم إليه آخر، والمحارب إذا طلب المال، وخاف المطلوب من القَتْلِ - وجب بَذْلُ المال عليه، ويحرم على المحارب قبوله منه.\nوالرشوة إذا كانت للوصول إلى الحق حَرَام على المُرْتشِي دون الرَّاشي (^٣).\n_________\n(^١) في ب: القصدان.\n(^٢) ينظر: الإبهاج ٢/ ٣٠١ - ٣٠٢.\n(^٣) وأما مذهب السادة الحنفية قال في فتاوى قاضيخان: وإذا ارتشى ولد القاضي أو كاتبه أو بعض أعوانه ليعين الراشي عند القاضي ففعل إن لم يعلم القاضي بذلك نفذ قضاؤه، وكان على المرتشي رد ما قبض، وإن علم بذلك القاضي كان قضاؤه مردودًا. وإذا تقلد القضاء بالرشوة لا يصير قاضيًا، وتكون الرشوة حرامًا على الراشي وعلى الآخذ. ثم الرشوة على وجوه أربع منها: ما هو حرام من الجانبين أحدها هذه.\nوالثاني: إذا دفع الرشوة إلى القاضي ليقضي له، وهذه الرشوة حرام من الجانبين سواء كان القضاء بحق أو بغير حق.\nومنها: إذا دفع الرشوة لخوف على نفسه أو ماله فهذه الرشوة حرام على الآخذ وغير حرام على الدافع، وكذا إذا طمع في ماله فرشاه ببعض ماله.\nومنها: إذا دفع الرشوة ليسوي أمره عند السلطان، فأحل له الدفع، ولا يحل للآخذ أن يأخذها، فإن أراد أن يحل للآخذ يستأجر الآخذ يومًا إلى الليل بما يريد أن يدفع؛ فإنه تجوز =","vol":"2","page":340},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  هذه الإجارة، ثم المستأجر إن شاء استعمله في هذا العمل وإن شاء استعمله في عمل غيره. هذا إذا أعطي الرشوة أوّلا ليسوي أمره عند السلطان، وإن طلب منه أن يسوي أمره ولم يذكر الرشوة، ثم أعطاه بعدما سوى اختلفوا فيه، قال بعضهم: لا يحل له أن يأخذ. وقال بعضهم: يحل. وهو الصحيح؛ لأنه يراه مجازاة الإحسان فيحل له كما لو جمعوا للإمام والمؤذن شيئًا وأعطوه من غير شرط كان حسنًا.\nوقال في الفتاوى البزازية: القاضي لا يقبل هدية الأجنبي والقريب إلا من كان يهدي قبله، وإن زاد يرد الزيادة، إلا أن تكون خصومة فلا يقبل منه أيضًا، فإن قبل وأمكنه الرد رد، وإلا وضع في بيت المال، وكذا في كل موضع ليس له القبول، وإن كان يتأذى به المعطى أخذه ورد عليه قيمته، فإن قضي ثم ارتشى أو عكس لا ينفذ، وإن تاب ورد المأخوذ فهو على قضائه؛ لأنه بالفسق لا ينعزل.\nوالهدايا ثلاث: حلال من الجانبين للتودد وحرام منهما، وهو الإهداء للإعانة على الظلم، وحرام من جانب، وهو الإهداء لكشف الظلم عنه، فهو حرام على الآخذ حلال للمعطي.\nوأما مذهب السادة الشافعية، فقال ابن الرفعة في كفاية النبيه شرح التنبيه عند قوله: ولا يجوز للقاضي أن يرتشي؛ لما روى أبو بكر بن المنذر عن أبي هريرة ﵁ قال: (لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي)، أخرجه ابن ماجة، وروى ثوبان عن النبيّ ﷺ قال: (لعن اللّه الراشي والرائش الذي يمشى بينهما) وروى أنس نحوه. ولأنه إن أخذ ليحكم بغير الحق حرام، والأخذ عليه حرام.\nوإن أخذ على إيقاف الحكم فهو يلزمه الحكم لمن وجب له، فتركه حرام، وإن أخذ على أن يحكم بالحق فليس له أن يأخذ الرزق على ذلك من الإمام، فليس له أن يأخذ عليه عوضًا آخر.\nأما دفع الرشا فهل يجوز؟ قال الأصحاب كما حكاه أبو الطيب الماوردي وابن الصباغ: إن كان يطلب بها دفع الحكم بغير الحق أو إيقاف الحكم بالحق حرم عليه، وإن كان يطلب بها وصولًا إلى حقه لم يحرم عليه وإن كان حرامًا على غيره، كما لا يحرم أن يفك الأسير بماله قال في المرشد: ويحمل لعنة الراشي والمرتشي على ما إذا قصد بها إيقاف الحكم بالباطل؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ والمتوسط بينهما هو تابع لموكله منهما، فإن توكل عنهما كان فعله حرامًا. وهذا الكلام من الأصحاب يدل على أن الرشوة تكون لطلب حق ولطلب باطل، وقد حكى عن ابن كج أنه قال: الرشوة عطية بشرط أن يحكم له بغير حق، والهدية عطية مطلقة، وكلام الماوردي يخالفه؛ فإنه قال: الرشوة ما تقدمت الحاجة، والهدية ما تأخرت، والذي حكاه الغزالي رحمه الله تعالى في الإحياء منطبق =","vol":"2","page":341},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  على الأول؛ فإنه قال: المال إن بذل لغرض آجل فهو قربة وصدقة، وإن بذل لغرض عاجل، فإن كان لغرض مال في مقابلته فهو هبة بثواب مشروط أو متوقع، وإن كان لغرض عمل محرم أو واجب متعين فهو رشوة، وإن كان مباحًا فإجارة أو جعالة، وإن كان للتقرب والتودد للمبذول له، فإن كان لمجرد نفسه فهدية، وإن كان ليتوسل بجاهه إلى أغراض ومقاصد، فإن كان جاهه بعلم أو صلاح أو نسب فهدية، وإن كان بالقضاء والعمل بولاية فرشوة.\nقال القاضي أبو الطيب رحمه الله تعالى في تعليقه، وكذا الشيخ أبو حامد: إن تحريم أخذ الرشوة على الحاكم إذا كان له رزق من بيت المال، فأما إذا لم يكن له رزق - أي وكان ممن يجوز أن يفرض فقال للمتحاكمين: لست أقضي بينكما حتى تجعلا لي رزقًا عليه، فإنه حينئذ يحل له ذلك، وعلى ذلك جرى الجرجاني ﵀ في التحرير. قال ابن الصباغ: ويجوز مثل ذلك؛ لأنه لم يذكر أنه طلبه من أحدهما.\nوأما مذهب السادة المالكية فقال في مختصر خليل وشرحه لتلميذه بهرام: (وحرم) يعني طلب القضاء لجاهل وقاصد دنيا؛ لأن الجاهل ربما أداه جهله إلى مخالفة ما هو متفق عليه، والوقوع في الأمور المعضلة، وطالب الدنيا ربما أداه ذلك إلى الحيف لتحصيل غرضه الفاسد.\nقال: ولا يحضر يعني القاضي من الولائم إلا وليمة النكاح خاصة ثم إن شاء أكل أو ترك من غير كراهة، وإن كانت الوليمة لغير النكاح فأجيز له الحضور، وكره إلا ما كان من جهة ولده أو والده ونحو ذلك.\nوفي النوادر عن أشهب: لا بأس أن يجيب الدعوة العامة وليمة أو صنيعًا عامًا لفرح، فأما أن يدعى مع عامة لغير فرح فلا يجيب وكأنه دعي خاصة؛ إذ لعله إنما صنع ذلك لأجل القاضي، وكذا ليس له قبول هدية ولو كافأ عليها أضعافها، وحمل الأشياخ قول ابن حبيب: \"لم يختلف العلماء في كراهة قبول الهدية وهو مذهب مالك وأهل السنة\" على المنع، وسواء كان المهدي ممن له عند القاضي خصومة أو لا. وقاله مطرف وابن الماجشون، وقال ابن عبد الحكم: له أن يقبل ممن لا خصومة له عنده، وقال أشهب: لا يقبلها من غير من يخاصم عنده إلا أن يكافأه عليها من قريب كولده ووالده وأخيه وابن أخيه وعمه وابن عمه وخاله وخالته وعمته وبنتها، ومن لا يدخل عليه به ظنه الشدة الداخلة والمنافية بينهما وكذلك ذكر محمد بن سحنون عن أبيه، ونحوه في الموازنة، وفي هدية من اعتادها قبل الولاية قولان: يريد جواز قبول القاضي الهدية ممن كانت عادته ذلك قبل الولاية وعدم جوازه، والجواز لابن عبد الحكم، وقال مطرف وعبد الملك: لا ينبغي ذلك، وهو محتمل للمنع والكراهة.\nوقال العلامة جلال الدين عبد الله بن شاش في كتابه عقد الجواهر الثمينة في آداب القاضي: ولا يقبل الهدية ممن له خصومة ولا ممن ليس له خصومة، ولو كان ممن يقبلها منه قبل =","vol":"2","page":342},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقلت: هذا [يدفعه] (^١) قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٢٢]؛ فإنه يدلّ على طلب الحذرية، ولو كان كما ذكر لم يجب الإصغاء إلى قوله وتصديقه حتى يحذروا.\nوفي الآية مباحث أُخر يطول ذكرها.\nوأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾؛ فلأنه - تعالى - تواعد على كِتْمَان ما أنزل من البَيِّنات والهدى، وما يسمعه الوَاحِدُ من النبي ﷺ من جملة البَيّنات والهدى، فيجب العمل به، وإلا لم يكن لإخباره فائدة.\n_________\n= الحكم أو كافأ عليها أضعافها إلا من ولده أو والده ومن أشبههم من خاصة القرابة؛ فإن قبلها فهو سحت. انتهى.\nوأما مذهب السادة الحنابلة فقال في شرح الإقناع العلامة الشيخ منصور البهوتي رحمه الله تعالى: ويحرم على القاضي قبول رشوة - بتثليث الراء - لحديث ابن عمر - رضي الله تعالى - عنهما: لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي. قال الترمذي: حسن صحيح. ورواه أبو بكر في زاد المسافر، وزاد: الرائش: وهو السفير بينهما، وهي أي الرشوة ما يعطي بعد طلبه لها، ويحرم بذلها من الراشي ليحكم له بباطل، أو يدفع عنه حقه. وإن رشاه ليدفع عنه ظلمه ويجريه على واجبه فلا بأس به في حقه، قال عطاء وجابر بن زيد والحسن: لا بأس أن يصانع عن نفسه؛ ولأنه يستفيد ماله كما يستفيد الرجل أسيره، ويحرم قبوله أي القاضي هدية؛ لما روى أبو سعيد قال: بعث النبيّ ﷺ رجلًا من الأزد يقال له: ابن اللتبية على الصدقة، فقال: هذا لكم، وهذا أهدي لي، فقام النبيّ ﷺ، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي إلي؟ ألا جلس في بيت أبيه فينظر أهدي إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده لا نبعث أحدًا منكم فيأخذ شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رأيت عفرة إبطيه فقال: اللهم بلغت .. ثلاثًا. وقال كعب الأحبار: قرأت فيما أنزل الله تعالى على أنبيائه: الهدية تفقأ عين الحكم. بخلاف مفت فلا يحرم عليه قبول الهدية، وهي - أي الهدية - الدفع إليه ابتداء من غير طلب، وظاهره أنه يحرم على القاضي قبول الهدية ولو كان القاضي في غير عمله؛ لعموم الخبر، إلا ممن كان يهدى إليه قبل ولايته، إن لم يكن له أي المهدى حكومة لأن التهمة منتقية لأن المنع إنما كان من أجل الاستمالة أو من أجل الحكومة، وكلاهما منتف أو كانت الهدية من ذي رحم محرم منه أي من الحاكم؛ لأنه لا يصح أن يحكم له. هذا واضح في عمودي نسبه، دون من عداهم من أقاربه، مع أنه يحتمل أن يهدى لئلا يحكم عليه.\n(^١) في ح: لا يدفعه.","vol":"2","page":343},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nولك أن تقول: فائدة وجوب الإخبار أنه [ينضمّ] (^١) خبر الآحاد بعضها إلى بعض، فيحصل جمع عظيم يوجب خبرهم العلم الموجب للعمل، لا أنه يعمل بخبر كلّ واحد بمفرده، ونحن إنما دفعنا هذا السّؤال في الآية؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٢٢].\nوأما هنا فإنه متجه.\nوأما قوله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [سورة الحجرات: الآية ٦]، فدلالتها واضحة من مفهومي [الصّفة] (^٢) والشرط، وعليها اعتمد شيخنا أبو الحسن الأشعري ﵁ كما ذكر القاضي.\nولعلّ الشيخ ضَمَّها إلى غيرها ليحصل القطع له، وإلّا فهي بمجرّدها لا تقيد القطع لا سِيَّما، وهو من منكرى المفاهيم.\nومن الآيات: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٤٣]، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٧]، ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [سورة النساء: الآية ١٣٥]، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١١٠].\nوممن ذكر هذه الآيات كلّها، وافتتح بقوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ﴾ أبو بكر الصَّيرفيّ، في كتاب \"خبر الواحد\".\nوحكى المَازِرِيّ استدلال بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ٦١] والأُذُن: هو الذي يَسْمَعُ كل ما يقال له، وقد جعل الله ذلك خيرًا لنا.\nوالأحاديث كثيرة، ومن أوضحها قوله ﷺ لأم سَلَمَةَ: \"أَلا أَخْبَرْتِيهِ أَنِّي أُقَبِّلُ وَأَنَا صَائِمُ؟ \" (^٣)، وكان الرجل بعث زوجته إلى أم سلمة لتسألها، فلولا أن قبوله لخبر زوجته،\n_________\n(^١) في ب: يتضمن.\n(^٢) في ب: الصيغة.\n(^٣) أخرجه مسلم (٣/ ١٣٧)، والبيهقي (٤/ ٢٣٤) من حديث عمر بن أبي سلمة أنه سأل رسول الله ﷺ: أيقبل الصائم؟ فقال له رسول الله ﷺ: سل هذه - لأم سلمة - فأخبرته أن رسول اللّه ﷺ يصنع ذلك. =","vol":"2","page":344},{"text":"قَالوا: ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٣٦] ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [سورة النجم: الآية ٢٣] وَقَدْ تَقَدَّمَ وَيَلْزَمُهُمْ أَلَّا يَمْنَعُوهُ إِلَّا بِقَاطِعٍ.\n<hr><s0>\n\nوتعويله على خبر الوَاحِدِ كان مشهورًا عندهم - لما بعث زوجته، ولما قال ﵇: \"أَلا أَخْبَرْتِيهِ؟ \".\nوكذلك حديث علي في المَذْي (^١)، وإرساله المِقْدَاد (^٢) ليسأل له النبي ﷺ، وغير ذلك من أحاديث يفيد مجموعها [القَطْع] (^٣).\nومنها: أحاديث كثيرة في \"الصحيحين\"، وَكُلُّ ما في \"الصحيحين\" مقطوع عندنا بصحّته، فما ظنك به إذا تعددت طُرُقه؟.\nالشرح: \"قالوا: ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٣٦]، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [سورة النجم: الآية ٢٣] \".\n_________\n= وأخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٤٥) وأحمد (٦/ ٢٩١، ٣٢٠)، عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ يقبلني وهو صائم. وللحديث شاهد عن عائشة بلفظ: كان رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم.\nأخرجه البخاري (١/ ٤٨٠)، ومسلم (٣/ ١٣٥)، وأبو داود (٢٣٨٢)، والترمذي (١/ ١٤١)، وابن ماجه (١٦٨٧)، والطحاوي (١/ ٣٤٦)، والشافعي في مسنده (١/ ٢٦١)، وابن خزيمة (١٩٩٨)، والبيهقي (٤/ ٢٣٠)، وأحمد (٦/ ٤٢، ٢١٦، ٢٣٠).\n(^١) أخرجه البخاري ١/ ٢٧٧، كتاب العلم: باب من استحيا فأمر غيره بالسؤال (١٣٢)، وباب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين (١٧٨)، وفي (١/ ٤٥٠)، كتاب الغسل: باب غسل المذي (٢٦٩)، ومسلم المصدر السابق (١٧/ ٣٠٣).\n(^٢) المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن ثمامة بن مطرود، البهراني الكندي، أبو الأسود الزهري، المعروف بالمقداد بن الأسود، أسلم قديمًا، وشهد بدرًا والمشاهد، روى عن النبيّ ﷺ، وعنه: علي وأنس وسليمان بن يسار وغيرهم. ويقال: إن رسول الله ﷺ آخى بينه وبين عبد الله بن رواحة. وعن عبد اللّه بن مسعود: أول من أظهر إسلامه سبعة، فذكره فيهم. قال خليفة بن خياط وغير واحد: مات سنة ثلاث وثلاثين وهو ابن سبعين سنة بـ \"الجرف\".\nينظر: طبقات ابن سعد ٩/ ١٨٨، والعبر ١/ ٣٤، وسير الأعلام ١/ ٣٨٥، وشذرات الذهب ١/ ٣٩، وتجريد أسماء الصحابة ٢/ ٩٢، وتهذيب الكمال ٣/ ١٣٦٨، والثقات ٣/ ٣٧١.\n(^٣) سقط في ت.","vol":"2","page":345},{"text":"قَالُوا: تَوَقَّفَ ﵊ فِي خَبَرِ ذِي الْيَدَيْنِ حَتَّى أَخْبَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄.\n<hr><s0>\n\n\"وقد تقدم\" الجواب عنه في المسألة المتقدّمة، \"ويلزمهم\" من التمسُّك بالآيتين \"ألّا يمنعوه إلا لقاطع\"؛ لأن الآيتين دلّتا على نَفْى التمسُّك بما لا يفيد العلم، فلا يمنع العلم بخبر الواحد بهما؛ إذ هما لا يفيدان القطع، كذا ذكره المصنّف.\nوالحقّ: أنه لا يلزمهم؛ لأن الأصل أنه لا يثبت حكم إلا بحجّة، والحُجّة لا تثبت إلا من ناحية العلم فهم متمسّكون بالأصل، ما لم ينقل عنه دليل يصحّ به الحُجّة، وهذا ذكره ابنُ السَّمعاني في \"باب المَرَاسيل\" جوابًا فنقلته أنا إلى هنا.\n\"قالوا: توقّف\" رسول الله ﷺ في خبر ذي اليَدَيْنِ\" (^١)؛ حيث قال: \"أَقُصِرَتِ الصَّلاةُ أَمْ نَسِيتَ؟، وقال: أَكَمَا يَقُولُ ذُو اليَدَيْنِ؟ \"؛ \"حتى أخبره أبو بكر وعمر ﵄\" - وهذا متفق على صحته.\n\"قلنا: غير ما نحن فيه\"، كذا بخط المصنّف.\nووجه المُغَايرة: أنه ليس كلامنا فيما إذا أخبر واحد عن نَجَاسَةِ ثوبه، أو عدد الركعات التي صَلَّاها، ونحو ذلك، فإن هذا لا أثر لخبر الواحد فيه.\nوعندنا: لو أخبر المصلّى بأنه لم يصلّ أربعًا، وأن ثوبه متنجّس، ونحو ذلك - لم يلتفت إلى خبر المخبر ما لم يتذكر.\nقال أصحابنا: ولو وصل عدد المخبرين إلى عدد التواتر.\nوما ذكرته في توجيه المغايرة شئ أنا أرْتضيه، ولم أجده لغيري، فاعتمد عليه.\n\"وإن سلّم\" أنه مما نحن فيه، \"فإنما توقّف\" - عليه - \"السَّلام - في خبر ذي اليَدَيْنِ \"للريبة بالانفراد، فإنه ظاهر في الغَلَطِ\"، فإن انفراد ذي اليَدَيْنِ بمعرفة [ذلك] (^٢) دون الحاضرين بعيد، ولم يخبر به ابتداء غيره، وكان في القوم الشَّيخان وغيرهما، وذلك يوهم\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٩٤، كتاب المساجد: باب ما يفعل من سلم من ركعتين ساهيًا، وأخرجه البخاري ٣/ ١٦٦، كتاب السهو: باب إذا سلم في ركعتين (١٢٢٧)، ومسلم ١/ ٤٠٣ - ٤٠٤، كتاب المساجد: باب السهو في الصلاة والسجود له (٩٩/ ٥٧٣).\n(^٢) سقط في ت.","vol":"2","page":346},{"text":"قُلْنَا: غَيْرُ مَا نَحْنُ فِيهِ وَإنْ سُلِّمَ فَإنَّمَا تَوَقَّفَ لِلرِّيبةِ بِالاِنْفِرَادِ فَمِالَّهُ ظَاهِر فِي الْغَلَطِ، وَيَجبُ التَّوَقُّفُ في مِثْلِه.\n[قَالَ] أبُو الْحُسَيْنِ: الْعَمَلُ بِالظَّنِّ فِي تَفَاصِيلِ الْمَعْلُومِ ....\n<hr><s0>\n\nأنه غالط، وخبر الواحد إذا ظهرت فيه أمارات الوَهْمِ - لم يعمل به، \"ويجب التوقف في مثله\".\nكيف وعمله ﵇ بخبر أبي بكر، وعمر ﵄ مع ذي اليدين عمل - بخبر لم ينته إلى التواتر، وهو محل النزاع، وفي تسليمه تسليم المَطْلُوب.\nومنهاج أصحابنا لا يقتضي تَسْلِيمَ، أنه ﵇ عمل في هذه القضيّة بالخبر ألبتة، وإنما يحملون القضية على أنه ﵇ تذكَّر.\nنعم ابن الحاجب مالكى، ومن أصله رجوع المصلّى [إلى المخبرين، فلا يتعجب منه في دعواه الرجوع] (^١) - إلى الخبر؛ إنما العَجَبُ من غيره من شافعية الأصوليين.\nالشرح: واحتج \"أبو الحسين\" على وجوب العمل بخبر الواحد عقلًا، فقال: \"العمل بالظَّن في تفاصيل [المعلوم] (^٢) الأصل واجب عقلًا\" أي إذا علم أصل كلّي؛ كدفع المَضَارّ، وَجَلْبِ المَنَافع - وجب عقلًا العمل بالظَّن في تفاصيل ذلك الأصل المعلوم؛ \"كالعدل\" بخبر \"في مضرّة شيء\" مخصوص، \"وضعف حائطِ\"، ويجب عقلًا الاحتراز عن ذلك، \"وخبر الواحد كذلك؛ لأن الرّسول\" ﷺ \"بعث للمصالح\" يبينها، \"فخبر الواحد تفصيل لها\" كذا بخطّه تفصيل فيجب العمل به عقلًا، \"وهو مبنيٌّ على التحسين\".\n\"سلّمنا\": قاعدة التَّحْسِين والتقبيح تنزيلًا، \"لكنه لم يجب في العَمْلِيّات، بل أولى\"؛ لأننا إذ ظننا صِدْقَ المخبر فيما ذكر كان العمل بخبره أولى؛ كالثِّقَةِ بخبر المسافر بأن أحد الطريقين مخوف، فالعدول عن المخوف أولى، أما أنه واجب فلا.\n\"سلّمنا\" وجوبه في العقليات، \"ولا نسلِّمه في الشرعيات\"؛ وذلك لجواز أن يكون خصوصية إحدى الصورتين معتبرة في العلّة، أو مانعة.\n_________\n(^١) سقط في ح.\n(^٢) في ح: العلوم.","vol":"2","page":347},{"text":"الأَصْلُ وَاجِبٌ عَقلًا كَالْعَدْلِ فِي مَضَرَّةِ شَيْءٍ وَضعْفِ حَائِطٍ. وَخَبَرُ الْوَاحِدِ كَذَلِكَ لأِنَّ الرَّسُولَ بُعِثَ لِلْمَصَالِحِ فَخَبَرُ الْوَاحِدِ تَفْصِيلٌ لَهَا وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّحسِينِ.\nسَلَّمْنَا لَكِنَّهُ لَمْ يَجِبْ فِي الْعَقلِيَّاتِ بَلْ أَوْلَى.\nسَلَّمْنَا وَلا نُسَلِّمُهُ فِي الشَّرْعِيَّاتِ.\nسَلَّمْنَا وَغَايَتُهُ قِيَاسٌ ظَنِّيٌّ فِي الْأُصُولِ.\n<hr><s0>\n\nويوضح ذلك أن الفاسق والصَّبي قد يظن (^١) صدقهما، ومع ذلك لا يعمل بخبر هما في الشَّرعيات مع وجدان الوصف الجامع فيه.\n\"سلمنا: وغايته قياس ظَنِّي في\" إثبات أصل من \"الأصول\" - وهو وجوب العمل بخبر الواحد عقلًا في الشرعيات، والظَّني لا يثبت به الأصول.\nوهذه الأجوبة ذكرها الآمدي بحثًا، وهي تتّجه بعد تسليم التَّحسين.\nأما الأول: فإنه متى سلّم وجب سلوك الطريق الآمن عقلًا.\nوقد قال أبو الحسين: العقلاء يذمّون من استمر جالسًا تحت حائط أخبر باستهدامه، ولا ذَمَّ إلَّا على واجبٍ.\nوأما الثاني: فالأصلُ عدم النَّظر إلى الخصوصية - وإن احتملت - ولذلك لا ينظر إليها في الشَّرعيات مع قيام الاحتمال، فإنه إذا قيل: الخمر محرّمة؛ [لإسكارها احتمل أن يكون العلَّة] (^٢) إسكارها الخاصّ، ولا نظر إليه.\nوأما الفاسقُ والصَّبي إذا ظن صدقهما، فقد يلتزمهما المعتزلي، ويوجب العمل بخبرهما، إذا صحبه الظَّنُّ بطريق من الطرق، أو يفرق بأن الفِسْقَ والصّبا مانعان.\nوأما الثالث: فهو وإن كان قياسًا ظنّيًّا إلا أنه الرَّاجح، والعمل بالراجح واجبٌ بالتقرير المعروف.\nوالأوجه عندي في الجواب - بعد تسليم التَّحسين - أنَّ خبر [الواحد] (^٣) إنما يعمل به فيما ذكر من الجُلُوس تحت حائطٍ مستهدم ونحوه؛ لأن الجلوس مع ظَنّ صدق المخبر\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله: قد يظن … إلخ. تأمله؛ فإن في الفروع ما يخالفه.\n(^٢) سقط في ح.\n(^٣) في ح: الواجب.","vol":"2","page":348},{"text":"قَالُوا: صِدْقُهُ مُمْكِنٌ فَيَجِبُ احْتِيَاطًا.\n<hr><s0>\n\nيحتمل المفسدة احتمالًا مظنونًا، وعدم الجلوس خالٍ عن ذلك يفينًا؛ فكان سلوكه متعينًا.\nأما خبر الواحد من الشَّرعيات فإن العملَ به قد لا يخلو عن المَفْسدة؛ لاحتمال كذبه، ومع كذبه فالعمل بمضمون خبره مفسدة؛ وذلك لأن الشَّرع عندهم يبين المصالح [والمفاسد] (^١)، فالمخبر به إنما يكون مصلحةً على تقدير صدق المخبر، وقد عارض صدقه احتمال كذبه، وإن كان مرجوحًا، وهو يمنع عمله خوفًا من الوقوع في المَفْسَدَةِ، ولا يلزم ذلك في الجلوس تحت الحائط، وسلوك الطَّريق المخوف ونحوهما؛ إذ ليس في الخلوّ عنهما شيء من احتمال المفاسد.\nالشرح: \"قالوا\" - أي: المعتزلة أيضًا في الاستدلال على خبر الواحد - \"صدقه ممكن، فيجب\" العملُ به \"احتياطًا\".\nقلنا: لا نسلّم أن الاحتياط العمل به؛ وهذا لأن [احتمال] (^٢) الكذب قائم، والعمل به مع ذلك خطر.\n[وتقريره] (^٣): ولو تَمّ لكم الاحتياط، لوجب العمل بخبر الفاسق والكافر.\nوهذا جواب جيد نصّ عليه القاضي في كتاب \"التقريب\"، وقال: لا جواب عنه.\nولم يذكره الآمدي ولا المصنّف [وسلَّمَا] (^٤) الاحتياط، وقالا ما [تقريره] (^٥): إن الاحتياط وإنْ كان مناسبًا، ولكن لا بد له من شَاهِدٍ بالاعتبار يكون أصلًا له، ولا شاهد له سوى خبر التواتر، وقول الواحد في الفتوى والشَّهَادة.\n\"[قلنا]: إن كان أصله المتواتر فضعيف\"؛ لأن المتواتر يفيد العلم، فلا يلزم من إفادته لوجوب العمل إفادة الخبر الظَّني له.\nوقد اعترض أبو الحُسَين في \"المعتمد\" بكلام ضعيف فقال: نفسده بإقامة القاطع على وجوب العمل بخبر الواحد.\n_________\n(^١) في أ، ت: المقاصد.\n(^٢) في ت: الاحتمال.\n(^٣) في ب: وتقدير.\n(^٤) في ح: وسلمنا.\n(^٥) في أ، ت، ح: تقديره، وهو تحريف.","vol":"2","page":349},{"text":"قُلْنَا: إِنْ كَانَ أَصْلُهُ الْمُتَوَاتِرَ، فَضَعِيفٌ، وَإنْ كَان الْمُفْتِيَ، فَالْمُفْتِي خاصٌّ، وَهَذَا عَامٌّ. سَلَّمْنَا لَكِنَّهُ قِيَاسٌ شَرْعِيٌّ.\n<hr><s0>\n\nولك أن تقول: فإذن أنت يا أبا الحسين مسلّم أن هذا لا ينتهض دليلًا على مطلوبك، وهو مفتقر إلى قاطع، والقاطع إذا انتهض، كنا في [غُنْيَةٍ] (^١) عن هذا.\n\"وإن كان\" أصله \"المفتي\" أو الشَّاهد، \"فالمفتي\" أو الشَّاهد \"خاصّ وهذا عام؛ لأن العمل بهما في المستفتي والمشهود عليه فقط، ولا يتعدّى إلى كلّ واحد، بخلاف الرواية؛ فإنها تشمل جميع الخلق.\nلا يقال: فأصل شرعية الفتوى والشَّهادة أيضًا يقتضي شرعًا عامًا؛ لأنا نقول: الرِّواية تشملُ جميع المكلّفين، والفتوى ليست حجة على المجتهدين، فكان عمومها أقلّ من الرواية، وقد قاس كثيرون خبر الواحد على الفَتْوَى والشَّهادة.\nوهو قياسٌ مع إيضاح الفرق، وسأبدي في دلائل المسألة فرقًا لائحًا غير هذا.\nوقال القاضي في \"التقريب\": لا أختار لك التمسُّك به، إذ الفتوى والشَّهادة ثبتا بقاطع - أي: وقياس الرواية عليهما قصاراه - إن صح وبطل الفارق - أمارة الظن فلا يصح.\nأما أولًا: فلأنه لا يكتفي بالظَّن في مسائل الأصول.\nوأما ثانيًا: فلأن الفَرْعَ حينئذ غير مساوٍ للأصل؛ إذ هو مظنون، والأصل مقطوع، فلا ينهض القياس.\nهذا ما خطر لي في تقرير كلام القَاضِي - وإلى الأول أشار بقوله:\n\"سلّمنا\"، ولكنه قياس ظَنِّي - أي: والظَّن لا ينفع هنا\nوعلى ذلك قرره بعض الشَّارحين، وهو الذي ذكره الآمِدِيّ.\nوفي نسخة المصنّف \"قياس شرعي\"، وعليها اعتماد أكثر الشارحين.\nوذكروا في تقريره: أن المقيس عليه، وهو المتواتر [والمُفتى] (^٢) - حكم شرعي ثبت بدليل شرعي، ومطلوب المستدلّ إثبات حجية خبر الوَاحِدِ بالعقل، فلا يتأتى له القياسُ.\n_________\n(^١) في أ: غيبة، وهو تحريف.\n(^٢) في ب: المعنى.","vol":"2","page":350},{"text":"قَالُوا: لَوْ لَمْ يَجِبْ لَخَلَتْ وَقَائِعُ.\n<hr><s0>\n\nوفيه نظر؛ لأن القائل بالعَقْلِ يوجب الاعتماد على المفتى بالعقل أيضًا، فلم يقس إلا عقليًّا على عقلي في معتقده.\nالشرح: \"قالوا\": في الاستدلال على وجوب العمل بخبر الواحد أيضًا (^١): \"لو لم يجب لخلت وقائع\" عن حكم الله تعالى؛ لأنَّ القطعيات غير وَافِيَةٍ بضبط الحادثات، وخلوّ واقعة عن حكم الله - تعالى - لا سبيل إلى القول به.\n\"ورد بمنع الثَّانية\"، وتجويز خلوّ بعض الوقائع عن حكم.\nقال الآمدي: وذلك عند فقد الدَّليل بعد تطلُّبه.\nوقد يستشهد لخلوّ بعض الوقائع بما ذهب إليه إمام الحرمين، من أنه لا حكم على من توسّط جمعًا من الجَرْحَى، وعلم أنه لو بقي على صَدْرِ واحد منهم لهلك، ولو انتقل عنه لم يجد موضع قدم إلا بدن رجل.\nونظائرُ هذا كثيرة، نجدها في كل مفسدتين تَسَاوَيَا من كل وجه - وربما ذكر الأصحاب فيها لفظ التَّخيير، وهو ما ذكره الغَزَالي في الولى لا يجد من اللَّبَن إلا [ما] (^٢) يسدّ رمق أحد رضيعيه، ولو قسم عليهما ماتا، وإن أطعم أحدهما مات الآخر.\nوالمرادُ بالتَّخيير: أنه لا حكم أيضًا؛ إذ لا تكليف؛ لأن الله شرع التخيير بخصوصه.\nواعلم أن هذا المَنعْ لا ينقدح، والصَّواب عندي أن لله ﷾ في كلّ واقعة حكمًا معينًا، وكل ما يورد من الصّور، فنحن نقول لله - تعالى - فيه حكم، ونحن لم نطّلع عليه، ومن توسَّط جمعًا من الجَرْحَى لم يطّلع على الراجح منهم من المرجوح، وإن كان اللّه - تعالى - حكم في نفس الأمر بذلك.\n_________\n(^١) وليس لقائل أن يقول: غاية ما ذكرتموه إنما يدل على جواز العمل بخبر الواحد لا الوجوب الذي هو محل النزاع؛ لأنه وإن سلم أنه لا يدل إلا على الجواز فيلزم المطلوب أيضًا؛ لعدم القائل بالفصل؛ إذ كل من قال بالجواز قال بالوجوب سمعًا، وإن اختلفوا في وجوبه عقلًا كما تقدم، أو لأن كل من قال بالجواز العقلي قال إما بوجوب العمل به، وإما بحرمته، وإذا انتفت الحرمة للجواز تعين الوجوب. ينظر: الشيرازي ٢٥٠ أ/ خ.\n(^٢) سقط في أ، ت.","vol":"2","page":351},{"text":"وَرُدَّ بِمَنْع الثَّانِيَةِ، سَلَّمْنَا لَكِنَّ الْحُكْمَ الْنَّفْيُ وَهُوَ مَدْرَكٌ شَرْعِيٌّ بَعْدَ الشَّرْعِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-519>شُرُوطُ العَمَلِ بِخَبَرِ الوَاحِدِ</span>\nالشَّرَائِطُ: مِنْهَا: الْبُلُوغُ لاِحْتِمَالِ كَذِبِهِ؛ لِعِلْمِهِ بِعَدْمِ .............\n<hr><s0>\n\nولو قال قائل: إن حكم الله - تعالى - في المتوسّط التخيير، أو أنه يستمرّ على من وقع عليه، ولا يتعدّاه - لكان في محلّ الاجتهاد.\nولولا أنّ الآمدي قرر الدَّليل على الوجه الذي أبديناه من لزوم خلوّ الواقعة عن حكم الله - تعالى - فاحتجنا أن ننزل كلام المصنّف عليه - لقررته أنا على أنه يلزم خلو الواقعة عن أن يفتى فيها بشيء.\nوإن كانت محكومًا فيها في نفس الأمر لعدم الاطلاع على ما هو المحكوم به، فربّ محكوم فيه لم يطلع النَّاظر بعد شدة الفَحْصِ عليه.\nنعم لو اجتمعت الأمة على تطلُّب حكم الباري - سبحانه - في مسألة، فالذي نراه أنه لا يخفى عليهم؛ إذ على كل مسألة أمارة، والأمّة لا تجتمع في الخطأ في إصابتها.\nوإذا قرر الدَّليل على هذا الوجه، يجاب فيه بالمَنْع، فرب مسألة لا يفتى فيها بشيء لازدحام الآراء.\n\"سلّمنا\" أنه لا يجوز خلوّ واقعة عن حكم، \"لكن الحكم\" - والحالة هذه - \"النفي\".\nوقوله: \"وهو مدرك شرعي بعد الشَّرع\" - جواب عن سؤال تقديره: أن يقال: عدم الحكم ليس حكمًا شرعيًا؛ لاستناده إلى عدم الدَّليل، فأجاب بأنه بعد ورود الشَّرع صار شرعيًّا؛ إذ حكم الشَّرع في مثله عدم الحكم.\nوعندي في هذا الجواب وَقْفَةٌ. (^١)\nالشرح: \"الشَّرَائطُ\" لوجوب العمل بخبر الوَاحِدِ - \"منها\".\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله: \"وقفة\" لعلها بقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وقوله: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مع ضميمة ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ …﴾ الآية.","vol":"2","page":352},{"text":"التَّكلِيفِ، وَإجْمَاعُ الْمَدِينَةِ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الدِّمَاءِ قَبْلَ\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-520>\"البلوغ\"</span> - اشترطه الأكثرون - \"لاحتمال كذبه (^١)، لعلمه بعدم التكليف\"، فإنه إذا عرف أنه غير مؤاخذ بالكذب، لم يَزَعْهُ عن ارتكابه وَازعٌ؛ ولأن الصَّحابة - رضي الله تعالى عنهم - لم يقبلوا إلا خبر بالغ؛ والنبي ﷺ لم يجهز من رسله إلّا بالغًا.\nوقد قلنا: إنّ المعتمد في ثبت خبر الواحد على هذين المسلكين، والذاهب إلى قَبُول خبر الصّبي [متجرّئ] (^٢) على الإجماع قبله.\nوذهب القاضي إلى أن المسألة ظنية - وخالفه إمام الحرمين إلى أنها قطعية.\nوقول المصنّف: لعلمه بعدم التكليف يؤخذ منه اشْتِرَاط التَّكليف، فيخرج المجنون، ومن يَفِيقُ يومًا ويجنُّ يومًا، لا يقبل أن أثر الجنون في زمان إفاقته.\nوأما \"إجماعُ \"المدينة\" على قَبُول شَهَادَة الصِّبيان بعضهم على بعض في الدّماء قبل تفرقهم\" فإنه عند ابن الحاجب \"مستثنى لكثرة الجِنَايَةِ بينهم منفردين\"، فمسّت الحاجة إلى ذلك، وابن الحاجب مالكي، فجرى في هذا على أصله، واحتاج إلى دعوى الاستثناء.\nوأما نحن فلا موقع عندنا لهذا السؤال؛ لأنا لا نقبل شَهَادَةَ الصِّبيان أبدًا.\nوما يقال: من إجماع أهل \"المدين\" لا أصل له.\nونظرت بعض كتب المالكية، فلم أجد فيها ادعاء إجماع \"المدينة\".\nوغاية ما نقلوه عن عليّ ومُعَاوية، وعروة بن الزبير (^٣)، وشريح، وعمر بن\n_________\n(^١) ينظر: البرهان ١/ ٦١٢، والمستصفى ١/ ١٥٦، والمعتمد ٢/ ٣٧٩، والإحكام ٢/ ٦٤، وأصول السرخسي ١/ ٣٤٦، وتيسير التحرير ٣/ ٤١، وفواتح الرحموت ٢/ ٣٩، والتمهيد للإسنوي (٣)، وحاشية البناني ٣/ ١٤٦، ونشر البنود ٢/ ٤٦، ومنتهى السول ٧٦، وشرح التنقيح (٣٥٨)، وشرح الكوكب ٢/ ٣٧٩، وإرشاد الفحول ٢/ ٣٧٩ والمختصر لابن اللحام (٨٤)، والإبهاج ٢/ ٣١١، وإحكام الفصول ٣٦٢.\n(^٢) في ح: مجترئ.\n(^٣) عروة بن الزبير بن العوام الأسدي، أبو عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة وأحد علماء التابعين، وقال الزهري: عروة بحر لا تدركه الدلاء، مات سنة اثنتين وتسعين، وقيل غير ذلك. ينظر ترجمته في: تهذيب الكمال ٢/ ٩٢٧، وتهذيب التهذيب ٧/ ١٨٠، (٣٥٧)، وتقريب التقريب ٢/ ١٩، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٢٢٦، والكاشف ٢/ ٢٦٢، وتاريخ=","vol":"2","page":353},{"text":"تَفَرُّقِهِمْ مُسْتَثْنى؛ لِكَثْرَةِ الْجِنَايَةِ بَيْنَهُمْ مُنْفَرِدِينَ، وَالرِّوَايَةُ بَعْدَهُ وَالسَّمَاعُ قَبْلَهُ مَقْبُولَةٌ\n<hr><s0>\n\nعبد العزيز (^١)، وهَيْهَات أن يثبت ذلك.\nوقد قال ابن حَزْمٍ: ما نعلم أحدًا قبل مالك قال بمقالته، ولو سلم إجماع \"المدينة\"، فهو عندنا غير حُجّة.\nواختلف أصحابنا في قبول الصَّبي في هلال \"رمضان\"، وإخباره بنجاسة أحد الإناءين، وصحّة [بيع] (^٢) الاختيار (^٣)، ووصيّته، ................................\n_________\n= البخاري الكبير ٧/ ٣١، وتاريخ البخاري الصغير ١/ ٢/ ٤٣٤، والجرح والتعديل ٦/ ٢٢٠٧، والبداية والنهاية ٩/ ١٠١، وطبقات ابن سعد ٩/ ١٣٢ والحلية ٢/ ١٧٦.\n(^١) عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي، أبو حفص، الحافظ أمير المؤمنين، روى عن أنس وعبد الله بن جعفر وابن المسيب، وعنه أيوب وحميد والزهري وخلق. قال ميمون بن مهران: ما كانت العلماء عند عمر إلا تلامذة ولي في سنة تسع وتسعين. ومات سنة إحدى ومائة. قال هشام بن حسان: لما جاء نعي عمر قال الحسن البصري: مات خير الناس. فضائله كثيرة ﵁. ينظر ترجمته في: تهذيب التهذيب ٧/ ٤٧٥، (٧٩٠)، وتقريب التهذيب ٢/ ٥٩، ٦٠، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٢٧٤، والجرح والتعديل ١/ ٦٦٣، وثقات ٥/ ١٥١، وطبقات الحفاظ ٤٦، الحلية ٥/ ٢٥٤، وتراجم الأحبار ٢/ ٥٣٦، والبداية ٩/ ١٩٢، وطبقات ابن سعد ٥/ ٣٣٠، ٩/ ١٤٢.\n(^٢) سقط في ب.\n(^٣) في حاشية ج: أي اختيار وليه له هل يحسن البيع أو لا. قلت: العاقد يشمل البائع والمشتري، ويعتبر فيهما لصحة البيع التكليف، فلا ينعقد بعبارة الصبي والمجنون لا لنفسهما، ولا لغيرهما، سواء كان الصبي مميزًا أو غير مميز، وسواء باشر العقد بإذن الولي أو بدون إذن الولي، ولا فرق بين بيع الاختبار وغيره على ظاهر المذهب وبيع الاختبار هو الذي يمتحنه به الولي ليستبين رشده عند مناهزة الحلم، وعن بعض الأصحاب تصحيح بيع الاختبار.\nوقال أبو حنيفة: إن كان مميزًا وباع واشترى بغير إذن الولي انعقد موقوفًا على إجازته، وإن باع بإذنه نفذ. ووافقه أحمد على أنه ينعقد إذا كان بإذنه.\nلنا: \"رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ عن الصَّبي حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَن النَّائِمَ حَتَّى يَسْتَيْقِظ وَعِن المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ\". وجه الدلالة من هذا الحديث أنه لو صح البيع منه لزم منه وجوب التسليم على الصبي، والمجنون، وقد صرح الحديث أنه لا يجب عليهما شيء، وقيل: وجه الدلالة إسقاط أقوالهما وأفعالهما.","vol":"2","page":354},{"text":"كَالشَّهَادَةِ، وَلقَبُولِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهما فِي مِثْلِهِ، وَلإِسْمَاعِ الصِّبْيَانِ.\n<hr><s0>\n\nوتَدْبِيره (^١)، وأمانه، وإسلامه، ووجوب رَدّ السَّلام عليه إذا أسلم، وإذنه في دخول الدار، وسقوط حق الشَّفيع إذا أخبره بالبيع (^٢)، فسكت عن الطَّلب، وشهادة الصبيان بأن فلانًا قتل فلانًا.\n_________\n(^١) لغة: الإعتاق عن دبر، وهو ما بعد الموت، وشرعًا: تعليق العتق بالموت، والمطلق منه ما علقه بمطلق موته، والمقيد أن يعلق بصفة على خطر الوجود، وأيضًا التدبير: استعمال الرأي بفعل شاقّ، وقيل: النظر في العواقب بمعرفة الخير. ينظر: المغرب ١/ ٣٨١، والمطلع (٣١٥)، ومغني المحتاج ٤/ ٥٠٩.\n(^٢) الشفعة بمعني طلبها على الفور، بعد علم الشفيع بالبيع، ولو بإخبار ثقةٍ حرٍ، أو عبدٍ، أو امرأةٍ؛ لأن خبر الثقة مقبول وإن تأخر التملك؛ لأنها حق ثبت لدفع الضرر، فكان فوريًّا كالرد بالعيب، ولقوله ﷺ: \"الشُّفْعَةُ كَحَلِّ الْعِقَالِ\" أي تفوت بترك المبادرة، كما يفوت البعير الشرود عند حلّ العقال، إذا لم يبادر إليه صاحبه.\nوقيل: تمتد ثلاثة أيام، فإنها قد تحتاج إلى نظر وتأمل، فتقدر بثلاث، كخيار الشرط؛ لأن التأبيد يضر بالمشتري، والمبادرة تضر بالشفيع؛ لعدم تمكنه من النظر في الأحظ، فينظر بالثلاثة. وقيل: تمتد مدة تسع التأمل في مثل ذلك الشقص .. وقيل: على التأبيد ما لم يصرّح بإسقاطها، أو يعرض به، كـ\"بعه\" لمن شئت، فيبادر وجوبًا بعد علمه بالبيع، من غير فاصل على العادة بالطلب أو بالرفع إلى الحاكم، ولا يكلّف المبادرة على خلافها بعدد ونحوه، بل يرجع فيه إلى العرف، فما عدّه توانيًا وتقصيرًا كان مسقطًا، وما لا فلا. فإن لم يعلم كان على شفعته وإن مضى سنون، فإن أخر طلب الشفعة بلا عذر بطلت شفعته لتقصيره، فإن كان مريضًا أو محبوسًا ولو بحق، وعجز عن الطلب بنفسه، أو غائبًا عن بلد المشتري، بحيث تعدّ غيبته حائلًا بينه وبين مباشرة الطلب، أو خائفًا من عدو، أو إفراط برد أو حرّ، وجب عليه التوكيل في الطلب إن قدر عليه؛ لأنه الممكن، وإن عجز عنه وجب عليه أْن يشهد على الطلب رجلين أو رجلًا وامرأتين، أو واحدًا ليحلف معه، قياسًا. على الرد بالعيب. فإن عجز عن الإشهاد لم يجب التلفظ بالتملك، كما في الردّ بالعيب، فلو قال: \"أشهدت فلانًا وفلانًا، فأنكرا لم يسقط حقُّه، فإن ترك ما قدر عليه من التوكيل والإشهاد، بطل حقُّه؛ لتقصيره المشعر بالرضا، فإن حضر الشفيع، وغاب المشتري غيبة تحول بين الشفيع وبين مباشرة الطلب، جاز للشفيع أن يرفع أمره إلى القاضي، ويأخذ بالشفعة، وله ذلك مع حضوره، كنظيره في الردّ بالعيب. فإن فقد القاضي من بلده خرج لطلبها هو أو وكيله عند بلوغه الخبر، إلا إن كان الطريق مخوفًا، ولم يجد رفقة تعتمد، أو كان الوقت وقت حرّ أو برد مفرطين، فلا يلزمه =","vol":"2","page":355},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقول الإصْطَخْرِيّ: فيمن يعرف نسب امرأة، ولا يعرف عينها، فدخل دارها، واستخبر عنها ابنها الصّغير، فقال: هي هذه - تقبل.\n_________\n= الخروج، ويجب عليه الإشهاد، ويجوز للقادر التوكيل كما في الردّ بالعيب؛ لأن وكيل الإنسان قائم مقامه.\nوقال بعضهم: لا يجوز التوكيل للقادر؛ لأن الشفعة على الفور، والتوكيل مع القدرة يعدُّ تقصيرًا. ولو سار عقب العلم بنفسه، أو وكّل، لم يتعين عليه الإشهاد على الطلب حينئذ، بخلاف الردّ بالعيب، والفرق أن نسلط الشفيع على الأخذ بالشفعة أقوى من تسلط المشتري على الردّ بالعيب؛ بدليل أن الشفيع له نقض تصرف المشتري في الشقص وأخذه، بخلاف الردّ بالعيب؛ ولأن الإشهاد في الردّ بالعيب على المقصود، وهو الفسخ، وهنا على الطلب، وهو وسيلة، فيغتفر فيها ما لا يغتفر في المقصود. فإذا علم بالبيع وكان في صلاة، أو حمّام، أو طعام، أو قضاء حاجة فله الإتمام على المعادة، ولا يكلّف الاقتصار على أقل مجزئ، ولو دخل وقت هذه الأمور قبل شروعه فيها فله الشروع، ولو نوى نقلًا مطلقًا فله الزيادة على ركعتين مطلقًا، نوى قدرًا أم لا، ما لم يزد على العادة في ذلك، فلو لم يكن عادة اقتصر على ركعتين، فإن زاد عليهما بطل حقُّه، وله التأخير ليلًا حتى يصبح، ما لم يتمكن من الذّهاب إليه ليلًا من غير ضرر، كأن جمعتهما محلة، أو مسجد بعد الغروب، أو في صلاة العشاء، أو كان البائع، أو الحاكم، أو الشهود جيرانه، وسهل عليه الاجتماع بأحدهم كما في النهار. ولو أخَّر ثم اعتذر بمرض، أو حبس، أو غيبة، وأنكر المشتري، فإن علم به العارض الذي يدّعيه صدق الشفيع، وإلا فالمشتري، ولو لقي الشفيع المشتري في غير بلد الشقص، فأخّر الأخذ إلى حضوره إليه، بطلت شفعته؛ لاستغناء الأخذ عن الحضور عند الشقص، ما لم يلزم على ذلك الرفع إلى حاكم يأخذ منه دراهم وإن قلت، أو مشقة لا تحتمل عادة في مثل ذلك. وقد لا يحب الفور في الطلب كالبيع بمؤجل، أو البيع وأحد الشريكين غائب، وكأن أخبر بنحو زيادة فترك، ثم بأن خلافه، وكالتأخير لانتظار إدراك زرع وحصاده، وإذا كان في الشقص شجر عليه ثمرة لا تستحق بالشفعة، ففي جواز التأخير إلى جذاذ الثمرة وجهان:\nالأرجح منهما المنع، والفرق إمكان الانتفاع مع بناء الثمرة، وكالتأخير ليعلم قدر الثمن، أو ليخلص نصيبه المغصوب، ومحلّه إذا لم يقدر على نزعه إلا بمشقة، أو لجهله بأن له الشفعة، أو بأنها على الفور، وهو ممن يخفى عليه ذلك، أو لخلاص الشقص المبيع، إذا كان مغصوبًا، وكتأخير الولي أو عفوه والمصلحة في الأخذ، فللولي الأخذ بعد تأخيره، وللمولى الأخذ إذا كمل قبل أخذ الولي، ولا يمنع تأخير الولي، وإن لم يعذر في التأخير؛ لأن الحقَّ=","vol":"2","page":356},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقول الرافعي يتخرج توكيله في الإذن في دخول الدَّار، وحمله الهدية، على الخلاف في أن الوكيل هل يوكل إذ هو وكيل؟\n_________\n= لغيره، فلا يسقط بتأخيره وتقصيره. أما إذا كانت المصلحة في الترك، امتنع على المولى الأخذ بعد كماله، ومثل الشفعة للمولى الشفعة المتعلقة بالمسجد وبيت المال؛ فلو ترك متولى المسجد أو بيت المال الأخذ، أو عفا عنه، لم يكن مسقطًا لثبوت الشفعة، فله الأخذ بعد ذلك، وإن سبق العفو منه؛ إذ لا حقَّ له فيه، ولو لم يأخذ، ثم عزل وتولى غيره، كان لغيره الأخذ. ولو كانت المصلحة في الترك فعفا، امتنع عليه وعلى غيره الأخذ بعد ذلك؛ لإسقاطها بانتفاء المصلحة وقت البيع. ولو لقي الشفيع المشتري، فسلم عليه أولًا، وكان ممن يشرع ﵇، لم يكن مقصرًا، فلا تبطل الشفعة؛ لأن السلام قبل الكلام سنة. وإن كان ممن لا يندب ﵇، كفاسق، بطل حقُّه إن علم بماله، ولو وجد المشتري بحالة لا يطلب معها السلام عليه، كأن كان يقضي حاجته، أو يجامع زوجته، فله تأخير الطلب إلى فراغه، ولو سلم عليه بطل حقُّه؛ لأن السلام لا يندب عليه حينئذ، وكذا لو سأله ابتداء عن الثمن، كأن قال له: بكم اشتريت؛ لأنه إن جهله فلا بد من البحث عنه، وإن علمه فقد يريد تحصيل إقرار المشتري؛ لئلا ينازعه فيه، أو قال له: بارك اللّه لك في صفقتك؛ لأنه قد يدعو بالبركة ليأخذ صفقته مباركة، وكذا لو جمع بين السلام والدعاء. وفي الدعاء له وجه أنه يبطل به حق الشفعة؛ لإشعاره بتقرير الشقص في يده، ومحل هذا الوجه إن كان فيه خطاب، وإلا كبارك الله فيه، لم يضر قطعًا.\nولو قال له: هنأك الله بهذه الصفقة سقط حقُّه، ويوجه بأنه يشعر بالرضا ببقاء المبيع.\nولو قال له: اشتريت رخيصًا ونحوه، كقوله: بعه، أو هبه مني، أو من فلان - بطلت شفعته؛ لأنه في الأولى فضول لا غرض فيه، وفيما عداها رضي بتقرير الشقص في يد المشتري. ولو طلب الشفعة وأعوزه الثمن لم تبطل شفعته على الأصح، لكن للحاكم إبطالها عند الإعواز، وإن توكل في شرائه لم تبطل، وكذا إن توكل في البيع وعفو الشفيع عن الشفعة قبل البيع، كأن قال لشريكه: بع نصيبك، وقد عفوت عن الشفعة، أو لغيره: اشتر فلا أطلبك بالشفعة، لا يسقط الشفعة؛ إذ لم يصدر منه ما يقتضي سقوطها؛ ولأن العفو قبل ثبوت الحق لغو، وكذا شرط الخيار للشفيع، وضمانه العهدة للمشتري، بأن يقول المشتري للبائع: بعنا هذا بكذا، بشرط أن يضمن لي فلان العهدة، وهو حاضر، فيقول: بعتك، ويقول الشفيع: ضمنتها وأخذت المبيع بالشفعة؛ لأن تمام العقد بمحصول الإيجاب والقبول والضمان؛ لأنه شرط فيه. ولو اتفق الشفيع والمشتري على الطلب، لكن قال المشتري: إنه لم يبادر فسقط حقه، =","vol":"2","page":357},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  وقال الشفيع: بل بادرت، فينبغي تصديق الشفيع؛ لأن الظاهر صحة الأخذ، فلو أقاما بينتين فالوجه تقديم بينة الشفيع؛ لأنها مثبتة، ومعها زيادة علم بالفور.\nقال مالك: \"وقت وجوبها متسع\"، وروى عنه في ذلك روايتان: إحداهما: أنه لا حدّ لذلك الوقت.\nوالثانية: أن له حدًّا. وجه الرواية الأولى: \"الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ\" فإنه عام في الأوقات والأحوال، ومن جهة المعنى أن هذا حقّ متعلق بالمال، وكان المشتري عالمًا به، وقادرًا على إزالته عن نفسه بتوقيفه الشفيع أمام القاضي، فإذا لم ينقطع حق المشتري، وهو التوقيف بمضي المدة، لم ينقطع حقُّ الشَّفيع أيضًا بمضيها.\nووجه الرواية الثانية: أن في ترك الشفيع على شفعته إضرارًا بالمشتري، ومنعًا له من التصرف في ملكه بالعمارة والزراعة، فكان له حدّ ينتهى إلبه. والقول بالتحديد هو الأصح. ثم اختلف في حدّها فقيل: سنتان، وقيل: سنة، وهو قول الأكثر، وما قارب السنة داخل في حكمها، وهو مذهب المدونة، وهو المعول عليه. والحنفية طلبات الشفعة عندهم على ثلاث:\nالأول: طلب مواثبة.\nالثاني: طلب إشهاد وتقرير.\nالثالث: طلب أخذ وتملك.\nوشرط طلب المواثبة أن يطلب في مجلس علمه بالبيع، بسماعه من رجلين، أو رجل وامرأتين، أو واحد عدل، وإن امتد المجلس، فلو قال بعد ما بلغه البيع: \"الحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله\" لا تبطل شفعته؛ لأن الأول حمدٌ لله على الخلاص من جوار البائع، والأمن من ضرر الدخيل، والثاني تعجب منه بقصد إضراره. وسمي طلب مواثبة؛ لأنه يدل على غاية التعجيل، كأن الشفيع يثب ويطلب الشفعة.\nوطلب الإشهاد هو أن يذهب إلى الدار المبيعة مثلًا؛ لأن الحق متعلق بها، أو البائع إذا كان المبيع في يده، أو المشتري مطلقًا، وإن لم يكن زايد؛ لأنه مالك، ومعه رجلان، أو رجل وامرأتان، ويقول: \"اشترى فلان هذه الدار، وأنا شفيعها، وكنت طلبت الشفعة، وأطلبها الآن، فاشهدوا عليه. وهذا الطلب واجب، حتى إذا تمكن من الإشهاد ولم يشهد بطلت شفعته، وإذا أشهد في طلب المواثبة عند أحد هذه الأمور، كفى عن الإشهاد في الثاني؛ لقيامه مقام الطلبين ..\nوطلب التملك؛ ويسمى طلب الخصومة، هو الذي يخاصم به الشفيع المشتري، طالبًا تسليم العقار المشفوع إليه، وبتأخيره عن الثاني شهرًا أو أكثر لا تبطل شفعته عند أبي حنيفة. =","vol":"2","page":358},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  وقال محمد: إذا تركه شهرًا بلا عذر بعد الإشهاد بطلت؛ لأنها لو لم تسقط به تضرر المشتري، إذ لا يمكن التصرف، خوفًا من نقضه من جهة الشفيع.\nلو أخر الطلب ثم قال: تم أصدق المخبر\" وقد أخبره رجلان عدلان، أو رجل وامرأتان بصفة العدالة، أو واحد مقبول الرواية ولو عبدًا، أو امرأة، أو جمع كثير لا يمكن تواطؤهم على الكذب عادة ولو كفَّارًا، بطلت شفعته؛ لأن شهادة الشاهدين مقبولة، وخبر مقبول الرواية مقبول في الأخبار، وخبر الجمع المذكور مفيد للعلم، فكان من حقه أن يعتمدهم.\nوقبل: يعذر في عدم قبول خبر الواحد؛ لأن البيع لا يثبت بواحد ولو عدلًا، إلا منضمًا إلى اليمين، فلو قال في الأولين: جهلت ثبوت العدالة، وكان مثله يجوز أن يخفى عليه لم يبعد قبول قوله؛ لأن رواية المجهول لا تسمع. قاله ابن الرفعة.\nولو قال: \"أخبرني رجلان، وليسا عدلين عندي، وهما عدلان، لم تبطل شفعته؛ لأن قوله محتمل، ولو كانا عدلين عنده دون الحاكم، بأن علم أنهما غير عدلين عنده، ولم يقع في قلبه صدقهما، عذر في عدم تعويله على إخبارهما. قاله السبكي؛ لأنه ربما احتاج إلى إثبات الشراء عند الحاكم، وذلك لا يحصل بغير العدلبن عنده، واعترض بأنه بعد كونهما عدلين عنده كيف لا يقع في قلبه صدقهما؟. والجواب: أن مجرد العدالة لا يمنع من جواز الإخبار بخلاف الواقع، فذلك مجرد كذب، والكذبة الواحدة لا توجب فسقًا. قاله الرملي، فلا تنافي العدالة. وخرج بمقبول الرواية غيره، كصبي ومجنون وفاسق، إلا أن يصدقه، فتسقط شفعته؛ لأن ما يتعلق بالمعاملات يستوي فيه خبر الفاسق وغيره، إذا وقع في النفس صدقه، وهذا كله في الظاهر، أما في الباطن فالعبرة بما يقع في نفسه، من صدق وضده، ولو من فاسق وغيره. قاله الماوردي. ولو تردد في ظاهر العدالة فترك، لم يسقط حقُّه، ولو أخبر مستوران ولم يصدقهما عذر، ولو كذب عليه المخبر في جنس الثمن، كان قال له: \"إنه دراهم\" فبان دنانير، أو في نوعه، كأن قال له: \"إنه مصري\" فبان إنكليزيًا، أو في قدره كان قال له: \"إنه ألف\" فبان خمسمائة، أو في حلوله كأن قال: إنه حال، فبان مؤجلًا، أو في قدر المبيع كأن قال: \"باع كلَّ حصَّته\" فبان أنه باع بعضها، أو عكسه، أو في أن المشتري زيد، فبان عمرًا، أو قال المشتري: \"اشتريته لنفسي\" فبان وكيلًا؛ أو في أن المشتري اثنان، فبان واحدًا، أو عكسه بأن قال: إن المشتري واحد، فبان اثنين، أو في قدر الأجل كان قال: باع بمؤجل إلى شهر فبان إلى شهرين، فعفا أو توانى قبل بيان ما ذكر، لم تبطل شفعته؛ لأنه تركه لغرض بان خلافه، ولم يتركه رغبة عنه.\nولو أخبره أنه بألف، فترك، فبان بأكثر بطل حقّه؛ لأنه إذا لم يرغب فيه بالأقل فبالأكثر أولى، وكذا لو أخبره بمؤجل فعفا عنه، فبان حالًا؛ لأن عفوه يدل على عدم رغبته؛ لما مر أن له التأخير إلى الحلول. والحاصل أنه إذا أخبره بما هو الأنفع له فترك الأخذ بطل حقُّه، وإلا فلا.","vol":"2","page":359},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقول الزهري (^١): يجوز توكيل الصَّبي في طَلاقِ زوجته، والخلافُ فيما إذا أعتق في مرض موته منجزًا.\n\"والرواية بعده\" - أي: بعد الصّبا - \"والسماع قبله - مقبولة\"، كذا بخطّه - مقبولة عند الجمهور \"كالشهادة\"؛ إذ يقبل من تحمل قبل البلوغ، وأدّى بعده.\n\"ولقبول\" الصَّحابة، ما رواه \"ابن عَبَّاس وابن الزبير وغيرهما\" - كالنعمان بن بشير (^٢) والحسن بن علي (^٣) \"في مثله\" - أي: فيما تحمّلوه في الصِّغَرِ؛ فإنهم أجمعوا على قَبُولِ\n_________\n(^١) محمد بن مسلم بن عبيد اللّه بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة، القرشي الزهري، أبو بكر المدني، أحد الأئمة الأعلام، وعالم الحجاز والشام: عن ابن عمر وسهل بن سعد، وأنس ومحمود بن الربيع وابن المسيِّب وخلق. وعنه أبان بن صالح وأيوب وإبراهيم بن أبي عيلة وجعفر بن برقان وابن عيينة وابن جريج والليث ومالك وأمم. قال ابن المديني: له نحو ألفي حديث. قال ابن شهاب: ما استودعت قلبي شيئًا فنسيته. وقال الليث: ما رأيت عالمًا قط أجمع من ابن شهاب وقال أيوب: ما رأيت أعلم من الزهري. وقال مالك: كان ابن شهاب من أذكى الناس وتقيًّا، ما له في الناس نظير. قال إبراهيم بن سعد: مات سنة أربع وعشرين ومائة. ينظر ترجمته في: تهذيب الكمال ٣/ ١٢٦٩، وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٤٥، وتقريب التهذيب ٢/ ٢٠٧، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٤٥٧، والكاشف ٣/ ٩٦، وتاريخ البخاري الكبير ١/ ٢٢٠، وتاريخ البخاري الصغير ١/ ٥٦. ٣٢٠ والجرح التعديل ٨/ ٣١٨ وميزان الاعتدال ٤/ ٤٠ وتاريخ الثقات ٤١٢، وتراجم الأحبار ٤/ ١٣، والحلية ٣/ ٣٦٠، وطبقات ابن سعد ٤/ ١٢٦، وسير الأعلام ٥/ ٣٢٦.\n(^٢) النعمان بن بشير الأنصاري الخزرجي، أول مولود أنصاري في الهجرة. له مائة وأربعة وعشرون حديثًا، اتفقا على خمسة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بأربعة، وعنه ابنه محمد ومولاه حبيب بن سالم والشعبي وطائفة. وكان فصيحًا. ولي الكوفة ودمشق، وقتل بالشام سنة أربع وستين. ينظر ترجمته في: تهذيب الكمال ٣/ ١٤١٤، وتهذيب التهذيب ١٠/ ٤٤٧، (٨١٦) وتقريب التهذيب ٢/ ٨٠٣ وخلاصة تهذيب الكمال ٣/ ٩٥ والكاشف ٣/ ٢٠٥، وتاريخ البخاري الكبير ٨/ ٧٥، وتاريخ البخاري الصغير ١/ ١٠٨، ١١٤، ٦٤١، والجرح والتعديل ٨/ ٤٤٤، والثقات ٣/ ٤٠٩، وأسد الغابة ٥/ ٣٢٦، والاستيعاب ١٤٩٦، وتجريد أسماء الصحابة ٢/ ١٠٧، والإصابة ٦/ ٤٤٠، والاستبصار ١١٢، ١١٤، ١٢٢، ١٢٣، والتاريخ لابن معين ٢/ ١٥١، ٢٣٠، وطبقات ابن سعد ٢/ ٣٧٦، وأسماء الصحابة الرواة ت: ٣٦.\n(^٣) الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو محمد المدني، سبط رسول الله ﷺ وريحانته=","vol":"2","page":360},{"text":"وَمِنْهَا:<span data-type='title' id=toc-521> الإسْلامُ </span>لِلإجْمَاعِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ وَإنْ …\n<hr><s0>\n\nروايتهم فيما حدثوا به عن النبي ﷺ، ولما توفّي النبي ﷺ لم يكن أحد منهم بلغ إلا ابن عباس على قول؛ \"ولا سماع\" في \"الصبيان\" الحديث.\nوالخلاف في الراوي يتحمل صغيرًا، ويروى كبيرًا، يحكى في \"التقريب\"، \"وشرح اللمع\". وغيرهما، وهو جَارٍ في الكافر إذا تحمل في كفره وأسلم، فأدى - ذكره القاضي في \"التقريب\".\nالشرح: \"ومنها: الإسلام، للإجماع\" (^١).\n\"وأبو حنيفة ﵀ وإن قبل شهادة بعضهم على بعض لم يقبل روايتهم\"، فلا يقدح في الإجماع.\n\"ولقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ [الحجرات: ٦]، وهو \"- أي الكافر - \"فاسق بالعرف المتقدم\" في الزمان السابق.\nوأما تخصيص الفاسق بالمسلم ذي المعاصي الزَّائلة للعدالة - فعرف متجدّد، وللنزاع هنا مجال.\n\"واستدلّ بأنه لا يوثق به كالفاسق\".\n\"وضعف بأنه قد يوثق ببعضهم؛ لتدينه في ذلك\".\nو\"المُبْتَدِع بنا يتضمّن التكفير\" - كذا بخطّه، وفي بعض النسخ الكفر، وهو أحسن \"كالكافر عند المكفر\".\n\"وأما غير الكفر فكالبِدَعِ الواضحة\".\n_________\n= - عن جدِّه ﷺ له ثلاثة عشر حديثًا، قال أنس: كان أشبههم برسول الله ﷺ، وقال النبي ﷺ: \"الحسن والحسين سيِّدَا شباب أهل الجنة\" توفي ﵁ مسمومًا سنة تسع وأربعين أو سنة خمسين أو بعدها. ينظر: الخلاصة ١/ ٢١٦ (١٣٦١)، والإصابة ٢/ ٦٨ - ٧٤، والاستيعاب ١/ ٣٨٣ - ٣٩٢، والحلية ٢/ ٣٥ - ٣٩.\n(^١) ينظر: الإحكام ٢/ ٦٥، والإبهاج ٢/ ٣١٣، وأصول السرخسي ١/ ٣٤٦، وتيسير التحرير ٣/ ٤١، وكشف الأسرار ٢/ ٣٩٣، وفواتح الرحموت ٢/ ١٣٩، وشرح التنقيح ٣٥٩ - ٣٦١، والمختصر لابن اللحام ٨٤ - ٨٥، وروضة الناظر ٢/ ٣٠٠، والمستصفى ١/ ٥٦.","vol":"2","page":361},{"text":"قَبِلَ شَهَادَةَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ لَمْ يَقْبَلْ رِوَايَتَهُمْ، وَلقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦] وَهُوَ فَاسِق بِالْعُرْفِ المُتقَدِّمِ.\n<hr><s0>\n\n\"وما لا يتضمّن التكفير، إن كان واضحًا كَفِسْقِ الخوارج ونحوه، فردّه قوم، وقبله قوم\".\nوهذا ترتيب لا أعرفه لغير المصنّف، والمعروف أنّ المبتدع إذا كَفَّرْنَاه، وكان يعتقد حُرْمَةَ الكذب، ففيه مذهبان:\nقال الأكثرون - منهم القاضي، والغَزَالي، والآمدي، وغيرهم -: لا يقبل (^١).\nوقال أبو الحسين البَصْري، والإمام الرازي، وأتباعه: تقبل.\nوإن لم يعتقد حرمة الكَذب، فادعى مُدَّعون الاتفاق على رده.\n_________\n(^١) قال ابن حجر: إما أن تكون البدعة بمكفر أو بمفسق.\nفالأول: لا يقبل صاحبها الجمهور، وقيل: يقبل مطلقًا، وقبل: إن كان لا يعتقد حل الكذب لنصرة مقالته قبل. والتحقيق أنه لا يُرَدُّ كلُّ مكفَّر ببدعته؛ لأن كل طائفة تدعى أن مخالفيها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفر مخالفيها؛ فلو أخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف. فالمعتمد أن الذي ترد روايته هو من أنكر أمرًا متواترًا من الشرع معلومًا من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه. فأما من لم يكن بهذه الصفة، وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه، فلا مانع من قبوله.\nوالثاني: وهو من لا تقتضي بدعته التكفير أصلًا، قد اختلف أيضًا في قبوله ورده. وقيل: يرد مطلقًا - وهو بعيد - وأكثر ما علل به أن في الرواية عنه ترويجًا لأمره وتنويهًا بذكره. وعلى هذا ينبغي ألا يروى عن مبتدع شيء من الحديث حتى يشاركه فيه خبر مبتدع. وقيل: يقبل مطلقًا إلا إن اعتقد حل الكذب كالكرامية. وقيل: يقبل من لم يكن داعية إلى بدعته؛ لأن تزيين بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه.\nقال ابن الصلاح: وهذا أعدل المذاهب وأولاها، وهو قول الأكثرين من العلماء.\nوقال ابن حجر: الأكثر على قبول غير الداعية إلا أن يروى ما يقوى بدعته فيرد على المذهب المختار: ينظر: غيث المستغيث ٨٣، ٨٤، والمحصول ٢/ ١/ ٥٦٧، والمستصفى ١/ ١٥٧، وشرح التنقيح ٣٥٩ والمعتمد ٢/ ٦١٨، والإحكام ٢/ ٦٦، وحاشية البناني ٢/ ١٤٧، وتيسير التحرير ٣/ ٤١، وكشف الأسرار ٣/ ٢٥، وفواتح الرحموت ٢/ ١٤٠، وأصول السرخسي ١/ ٣٧٣، والمختصر لابن اللحام (٨٥)، وشرح الكوكب ٢/ ٤٠٢، وإرشاد الفحول (٥٠).","vol":"2","page":362},{"text":"وَاسْتُدِلَّ بِأَنَّهُ لا يُوثَقُ بِهِ كَالْفَاسِقِ، وَضُعِّفَ بِأَنَّهُ قَدْ يُوثَقُ بِبَعْضِهِمْ لِتَدَيُّنِهِ فِي ذَلِكَ.\n<hr><s0>\n\nوأرى أن موضع الاتفاق فيمن اعتقد حلّه مطلقًا، وتلك رَذِيلَةٌ لا نعلم أحدًا ذهب إليها.\nأمّا من اعتقد حلّه في أمر خاصّ - كالكذب في نُصْرَةِ عقيدة، ونحو ذلك - فيختصّ موضع الاتفاق بموضع اعتقاده، الخلاف في الخَوَارج هل يكفرون؟ هو نفس الخلاف في تكفير المُبْتدعة، وكلام المصنّف مصرّح بخلاف هذا، وجميع هذا في مبتدع لا يدعو إلى بِدْعَتِهِ.\nأما الدَّاعية، فقال أبو حاتم بن حبان البستي: لا يجوز الاحتجاج به عند أئمّتنا قاطبة، لا أعلم بينهم فيه خلاف.\n\"و\" احتج \"الرَّاد\" لخبرهم بقوله تعالى: \" ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦] وهو فاسق\".\nوجعل المبتدع فاسقًا إذا لم يكفر هو الظاهر، ولكن الأصح عند أصحابنا قَبُول روايته إذا لم يكفر، ولا رَيْبَ عندهم أن الفِسْقَ مانع من القبول، فليتطلّب جمع بين الكلامين.\nواحتجّ \"القائل\" بقوله ﵇: \"نَحْنُ نَحْكُمُ بالظَّاهر\"، فإن الظاهر من حال هذا الصدق؛ لأنه يعتقد حُرْمَةَ الكذب، ولا يعتقد فِسْقَ نفسه، فله وَازِعُ يمنعه عنه، بخلاف من يعتقد [حُرْمَةَ الكذب، ولا يعتقد] (^٢) فسق نفسه.\n\"والآية أولى لتواترها\"، بخلاف هذا الحديث، فإنه غير مُتَواترٍ، [بل] (^٣) ولا معروف كما سبق في \"كتاب الإجماع\"، \"وخصوصها بالفاسق وعدم تخصيصها، وهذا\" الحديث \"مخصوص بالكافر والفَاسِق المظنون صدقهما\"، فإن روايتهما غير مَقْبُولة \"باتفاق\".\n\"قالوا: أجمعوا على قَبُول قَتَلَةِ عثمان (^٤) ﵁ \".\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله: \"فليطلب جمع … إلخ الظاهر أن المبتدع لا يفسق ببدعته؛ لاشتراطهم في قبوله أن يكون محتاطًا في دينه، والبدعة صغيرة، والإصرار على الصغيرة لا يبطل العدالة إن غلبت طاعاته على معاصيه.\n(^٢) سقط في ت.\n(^٣) سقط في ت.\n(^٤) عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي، أبو عمرو المدني ذو النورين،=","vol":"2","page":363},{"text":"وَالْمُبْتَدِعُ بِمَا يَتَضَمَّنُ التَّكفِيرَ كَالْكَافِرِ عِنْدَ الْمُكَفِّرِ، وَأَمَّا [عِنْدَ] غَيْرِ الْمُكَفِّرِ فكَالْبِدَعِ الْوَاضِحَةِ.\nوَمَا لا يَتَضَمَّنُ الْتَّكفِيرَ إِنْ كَانَ وَاضِحًا كَفِسْقِ الْخَوَارجِ وَنَحْوِهِ فَرَدَّهُ قَوْمٌ وَقَبِلَهُ قَوْمٌ.\nوَالرَّادُّ ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ [بِنَبَإٍ]﴾ [الحجرات: ٦] وَهُوَ فَاسِقٌ.\n<hr><s0>\n\n\"وردّ بالمنع\" - أي: لا نسلم قيام الإجماع على قبول روايتهم، بل الإجماع قائم على رَدِّ روايتهم.\nوهذا الوجه في غاية الوضوح، فإن قَتَلَةَ عثمان ﵁، إن كانوا مستحلّين لقتله، فلا ريبَ في كفرهم، والكافر مردود بالإجماع، وإن كانوا غير مستحلّين فلا رَيْبَ في فسقهم بفسق ظاهر، [فترد] (^١) روايتهم.\nوبهذا يعرف أن [ذكر] (^٢) قَتَلَة عثمان ﵁ هنا لا معنى له، فإن كلامنا في الفسق بأمرٍ خفي، وقتلة عثمان إن لم يكفروا، ففسقهم بأمرٍ ظاهر أظهر من [الزّنا] (^٣) والخمر، \"أو بأنه مذهب بعض\" - أي: وإن سلم قَبُولهم خبر قَتَلَة عثمان، فلعل من قَتَلَهُ كان يرى أن هذه بِدْعة خفية غير واضحة، فقبل خبر مرتكبها.\n\"وأما نحو خلاف البَسْمَلَة وبعض الأصول\" - وهو ما لا يعود بالإبطال على أصل ممهد في الدّين؛ كالمَسَائل التي اختلف فيها الأشاعرة والحَنَفِيّة، فإنه لا بدعةَ فيها من الجَانِبَيْنِ، ولنا قصيدة نظمنا فيها تلك المسائل.\n_________\n= وأمير المؤمنين، ومجهز جيش العسرة أحد العشرة وأحد الستة، هاجر الهجرتين. له مائة وستة وأربعون حديثًا، وعنه أبناؤه أبان وسعيد وعمرو، وأنس ومروان بن الحكم وخلق، وقال ابن سيرين: كان يحيي الليل كله، قتل في سابع ذي الحجة يوم الجمعة سنة خمس وثلاثين - قال عبد الله بن سلام: لقد فتح الناس على أنفسهم بقتل عثمان باب فتنة لا يغلق إلى يوم القيامة. ﵁. ينظر ترجمته في: تهذيب الكمال: ٧/ ١٣٩ (٢٨٩)، وتقريب التهذيب ٢/ ١٢، وتاريخ البخاري الكبير ٦/ ٢٠٨، والجرح والتعديل ٦/ ١٦٠، وتاريخ الثقات ١١٠٩، وشذرات الذهب ١/ ١٠، ٢٥، ٣٠، ٣٣، ٤٣، ٤٥، ونسب قريش (١١٠)، وجمهرة أنساب العرب ٨٣، وأنساب الأشراف ٤٤، ٤٥، وأسماء الصحابة الرواة ت ٢٨.\n(^١) في ب: فنرد.\n(^٢) سقط في ب.\n(^٣) في أ، ت، ح: الربا.","vol":"2","page":364},{"text":"الْقَابِلُ: نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ، وَالآيَةُ أَوْلَى؛ لِتَوَاتُرِهَا، وَخُصُوصِهَا بِالْفَاسِقِ، وَعَدَمِ تَخْصِيصِهَا؛ وَهَذَا مُخَصَّصٌ بِالْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ الْمَظْنُونِ صِدْقُهُمَا بِاتِّفَاقٍ.\nقَالُوا: أَجْمَعُوا عَلَى قَبُول قَتَلَةِ عُثْمَانَ ﵁.\nوَرُدَّ بِالْمَنع، أَوْ بِأَنَّهُ مَذْهَبُ بَعْضِ.\nوَأَمَّا نَحْوُ خِلافِ الْبَسْمَلَةِ وَبَعْضِ الأُصُول وَإنِ ادُّعِيَ الْقَطْعُ فَلَيْسَ مِنْ ذَلكَ لِقُوَّةِ\n<hr><s0>\n\n\"وإن ادَّعى\" كل واحد من الخَصْمَيْن فيها \"القطع، فليس من ذلك\"، بل تقبل فيه الرواية؛ لأنه لا تبديع فيها، و\"لقوّة الشُّبْهَة من الجانبين\" كما تقدم.\n\"وأما من يشرب النَّبِيذ، ويلعب الشِّطْرَنج\" - إذا قلنا بتحريم الشِّطْرنج - وهو وجه في مذهبنا - \"ونحوه\" - من المسائل الاجتهادية، سواء صدر \"من مجتهد أو مقلّد، فالقطعُ أنه ليس بفاسق.\nوإن قُلْنَا: المصيب واحد؛ لأنه يؤدي إلى تفسيق بواجب\" - وذلك فيما يكون واجبًا [عند] (^١) مجتهد حرامًا عند غير؛ كالقراءة خلف الإمام واجبة عندنا، حرام عند أبي حنيفة (^٢).\n_________\n(^١) سقط في ح.\n(^٢) قد اختلف أهلُ العلمِ منَ الصحابةِ والتابعين، فَمَنْ بعدَهم في القراءةِ خلفَ الإمام، فذهب جماعةٌ إلى إيجابها سواءٌ جَهَرَ الإمامُ أو أسَرَّ، يُروى ذلك عن عمَر، وعثمانَ، وعلي، وابنِ عباسٍ، ومُعاذٍ، وأبيِّ بن كعْبٍ، وبه قال مكحول، وهو قول الأوزاعي والشافعي، وأبي ثورٍ، فإن أمكنه أن يقرأ في سكتة الإمام، وإلا قرأ معه. وذهب قومٌ إلى أنه يقرأ فيما أسَرَّ الإمامُ فيه القراءة، ولا يقرأ فيما جَهَرَ، يُقالُ: هو قول عبد الله بن عمرَ، ويُروى ذلك عن عروة بنِ الزبير، والقاسم بن محمد، ونافعِ بنِ جُبير، وبه قال الزُّهري، ومالكٌ، وابنُ المبارك، وأحمد، وإسحاق، وهو قولٌ للشافعي. وذهب قوم إلى أنه لا يقرأ أحدٌ خلفَ الإمام سواء أسَرَّ الإمامُ أو جَهَرَ، يُروى ذلك عن زيد بن ثابتٍ وجابر. ويُروى عن ابن عمر: إذا صَلَّى أحدُكم خلفَ الإمامِ فحَسْبُهُ قرَاءةُ الإمام، وبه قال سفيان الثوريُّ، وأصحاب الرأي، واحتجوا بحديث أبي هريرة \"ما لي أُنازَعُ القرآن\"، قلت: وذلك محمولٌ عند الأكثرين على أن يجهرَ على الإمام بحيثُ ينازِعه القراءة، والدليل عليه ما رُويَ عن عمران بن حُصين أن نبي اللّه ﷺ صلى بهم الظهرَ، فلما انفتَلَ قال: أيُّكُمْ قرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؟ فقال رجل: أنا، فقال: \"عَلِمْت=","vol":"2","page":365},{"text":"الشُّبْهَةِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ وَأَمَّا مَنْ يَشْرَبُ النَّبِيذَ وَيَلْعَبُ بِالشَّطْرَنْجِ وَنَحْوِهِ مِنْ مُجْتَهِدٍ وَمُقَلِّدٍ فَالْقَطْعُ أَنَّهُ لَيْسَ بِفَاسِقٍ وَإنْ قُلْنَا: الْمُصِيبُ وَاحِدٌ لأِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى تَفْسِيقٍ بِوَاجِبٍ.\nوَإيجَابُ الشَّافِعِيِّ ﵀ الْحَدَّ لِظُهُورِ أَمْرِ التَّحْرِيمِ عِنْدَهُ.\n<hr><s0>\n\nولك أن تقول: إنما يؤدّي إلى تفسيق بواجب في ظَن فاعله.\nأمّا من يفسقه فقد يقوي الظَّن عنده.\nنعم التفسيق في المَظْنُونات لا وجه له.\nولنا وجه: أن الشهادة ترد به، [ولا بُدّ من جريانه في الرِّوَاية، ووجه آخر: أنه لا يرد به] (^١) شهادة معتقد تحريمه لشُبهَةِ الخلاف.\n\"و\" أما \"إيجابُ الشَّافعي ﵁ الحَدّ\" على شارب النَّبِيذِ حيث قال: أَحُدُّ الحنفيَّ إذا شرب النَّبِيذ؛ وأقبل شَهَادته - فإنه \"لظهور أمر التحريم عنده\"، فنهض عنده الدَّليل موجبًا للحَدّ متقاعدًا عن الفِسْقِ.\nوالأصحابُ وَجّهوه بأن الحد للزَّجر، وشرب النبيذ يحتاج إلى الزجر، وردّ الشهادة؛ لسقوط الثِّقَةِ بقول الشاهد، وإذا لم يعتقد التحريم لم تسقط الثِّقة، وأيضًا فالحَدّ إلى الإمام، فيعتبر فيه اعتقاده، وردّ الشَّهادة يعتمد عقيدة الشاهد.\nواستدلّ ابن الصَّلاح لوجوب الحد بإقامة عمر ﵁ الحَدّ على قُدَامة بن مَظْعُون (^٢) في شربه الخَمْرَ مع استحلاله لها؛ قبل انعقاد إجماع الخاصّة والعامة على تحريمها، والخمر إذ ذاك كالنَّبِيذِ الآن في ذلك، وانتشر ذلك بين الصَّحابة من غير نكير، فكان إجماعًا.\n_________\n= إنَّ بعضَكُم خالجنيها\". والمخالجة: المَجاذَبةُ وهي قريبٌ من قوله: نازَعَنيها، وأصلُ الخلج: الجَذبُ والنَّزْع، كأنه يَنزِعُ من لسانه.\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) قدامة بن مظعون بن حبيب الجمحي القرشي، صحابي وال، من مهاجرة الحبشة، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ، واستعمله عمر على البحرين ثم عزله لشربه الخمر، وأقام عليه الحد في المدينة. توفي سنة ٣٦ هـ. ينظر: الأعلام ٥/ ١٩١، والنووي ٢/ ٦٠، والإصابة ت (٧٠٩٠).","vol":"2","page":366},{"text":"وَمِنْهَا: رُجْحَانُ ضَبْطِهِ عَلَى سَهْوِهِ لِعَدَمِ حُصُولِ الظَّنِّ.\n\nوَمِنْهَا<span data-type='title' id=toc-522> الْعَدَالَةُ </span>وَهِيَ مُحَافَظَةٌ دِينيةٌ تَحْمِلُ عَلَى مُلازَمَةِ التَّقْوَى …\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"ومنها: رجحان ضبطه على سَهْو؛ لعدم حُصُول الظَّن\" بصدقه، إذا لم يترجّح جانب ضبطه (^١).\nالشرح: \"ومنها: العَدَالَة (^٢)، وهي محافظة دينيّة تحمل على مُلازمة التقوى،\n_________\n(^١) هذا أحد الشروط المعتبرة، وهو أن يكون ضبط الراوي لما سمعه أرجح من سهوه؛ لعدم حصول الظن بصدقه على تقدير رجحان السهو على الضبط بكون التصديق مرجوحًا حينئذ، وكذلك على تقدير تعادلهما ضرورة التساوي، فأن جهل حال الراوي في ذلك كان الاعتماد على الأغلب من حال الراوي، وإن لم يعلم الأغلب فلا بد من الامتحان والاعتبار.\nلا يقال: الظاهر من العاقل العدل أنه لا يروى إلا ما يذكره، وإن غلب السهو على الضبط أو لا، ولذلك فإن الصحابة ﵃ مع إنكارهم على أبي هريرة كثرة روايته لعدم الضبط واختلاله حتى قالت عائشة ﵃ في حديث المهراس: رحم الله أبا هريرة كان رجلًا مهذارًا - قبلوا أخباره لما كان الظاهر منه أنه لا يروى إلا ما يذكره؛ ولأن الخبر دليل، والأصل فيه الصحة، فلا يترك للاحتمال كشك الحدث بعد الطهارة.\nلأنا نقول عن الأول: لا نسلم أن الظاهر من حاله ما ذكرتم لكن لغلبته يظن أن ما يذكره هو من النبي ﷺ، ولا يكون كذلك، فلا يحصل الظن بصحة روايته.\nوعن الثاني: أن إنكار الصحابة على أبي هريرة ما كان لاختلال ضبطه، بل لأن الإكثار مما لا يؤمن معه اختلال الضبط الذي لا يعرض لمن قلت روايته.\nوعن الثالث: أن الخبر إنما يكون دليلًا لو كان متغلبًا على الظن، ومع عدم ترجيح ذكر الراوي على نسيانه لا يكون مغلبًا، ولا دليلًا.\nوهذا بخلاف شك الطهارة، فإن سبق الطهارة يرجحها، حتى لو انفرد الشك عن سبق الطهارة لم يحكم بها. ينظر الشيرازي.\n(^٢) المراد بالعدالة هنا عدل الرواية، والراوي العدل. هو المسلم البالغ العاقل السليم من ارتكاب كبيرة. أو إصرار على صغيرة، وبما يخل بالمروءة كالأكل في السوق والمشي حافيًا، أو عاري الرأس والتبول في الطريق العام، واللعب مع الصبيان. وهذا الشرط لا بد منه عند الأداء للحديث أما عند التحمل فلا يشترط. وخرج بهذا الشرط الفاسق والمجهول عينًا أو حالًا؛ لانتفاء العدالة في هؤلاء. وتثبت العدالة بالاستفاضة وشهرة صاحبها بالصلاح والخير والثناء الجميل بحيث يعرف بالتوثيق، والاحتجاج به لدى أهل العلم الذين يعرفونه بالثقة والأمانة،=","vol":"2","page":367},{"text":"وَالْمروءَةِ لَيْسَ مَعَهَا بِدْعَةٌ وَتَتَحَقَّق بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ وَتَركِ الإِصْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ وَبَعْضِ الصَّغَائِرِ وَبَعْضِ الْمبَاحِ.\n<hr><s0>\n\nوالمروءة ليس معها بدعة\" (^١).\n_________\n= فيستغني بهذا عن بينة تشهد بعدالته. قال ابن الصلاح: وهذا هو الصحيح في مذهب الشافعي، وعليه الاعتماد في فن الأصول. وممن ذكر ذلك من أهل الحديث أبو بكر الخطيب الحافظ، ومثل ذلك بمالك وشعبة والسفيانين والأوزاعي والليث وابن مبارك ووكيع وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر؛ فلا يسأل عن عدالة هؤلاء وأمثالهم، وإنما يسأل عن عدالة من خفي أمره على الطالبين.\nوتوسع ابن عبد البر الحافظ في هذا فقال: كل حامل علم معروف العناية به فهو عدل محمول في أمره أبدًا على العدالة حتى يتبين جرحه؛ لقوله ﷺ: \"يجعل هذا العلم من كل خلف عدوله .. \" وفيما قاله اتساع غير مرضى اهـ.\nوالحقيقة أن من استفاضت شهرته بالعدالة والتوثيق، والصلاح والأمانة ثبتت عدالته دون أن يسأل عنه. وقد سئل ابن حنبل عن إسحاق بن راهويه فقال: مثل إسحاق يسأل عنه؟ وسئل ابن معين عن أبي عبيد، فقال: مثلي يسأل عن أبي عبيد؟ أبو عبيد يسأل عن الناس. أما من ليس له هذه الشهرة بالعدالة والرضا، فيحتاج في ثبوت عدالته إلى تعديل أئمة الحديث له، أو اثنين منهم، أو واحد على الصحيح.\nقال القاضي أبو بكر الباقلاني: الشاهد والمخبر إنما يحتاجان إلى التزكية إذا لم يكونا مشهورين بالعدالة والرضا، وكان أمرهما مشكلًا ملتبسًا ومجوزًا فيهما العدالة وغيرها. وإلا فلا … والدليل على ذلك أن العلم بظهور سيرهما وإشتهار عدالتهما أقوى في النفوس من تعديل واحد واثنين يجوز عليهما الكذب والمحاباة. ينظر: البحر المحيط للزركشي ٤/ ٢٧٣، والبرهان لإمام الحرمين ١/ ٦١١، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٢/ ٦٨، والتمهيد للإسنوي ٤٤٦، ونهاية السول له ٣/ ١٢٩، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ٩٩، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ١٣٢، والمستصفى للغزالي ١/ ١٥٧، وحاشية البناني ٢/ ١٤٨، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ١٧٤، والمعتمد لأبي الحسين ٢/ ١٣٣، وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ٣٦٢، والتحرير لابن الهمام ٣١٧، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ٣/ ٤٩، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٢/ ٢٤٧.\n(^١) هذا الشرط دليل اشتراطه الإجماع، لا أنه التثبت على ما قيل؛ لأن انتفاء الفسق لا يستلزم العدالة بالتفسير المذكور، اللهم إلا إذا فسر الفسق بمقابلات ما فسر به العدالة. وأما معناه فهو في اللغة عبارة عن التوسط في الأمور من غير إفراط إلى طرفي الزيادة والنقصان، ومنه قوله عز=","vol":"2","page":368},{"text":"وَقَدِ اضْطُرِبَ فِي الْكَبَائِرِ؛ فَرَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵁: \"الشِّرْكُ بِاللهِ، وَقَتلُ\n<hr><s0>\n\nوقوله: \" [ليس] (^١) معها بِدْعة\" - قيد يذكره من يردُّ رواية المبتدع - وقد عرفت ما فيه، وأراد بالتقوى: ألَّا يرتكب كبيرةً.\n\"وتتحقّق\" العدالة \"باجتناب الكَبَائر، وترك الإصرار على الصَّغائر\"، ولعمري إنه لداخل في الكبائر (^٢)، والإصرار (^٣) كبيرة.\nوحكى الدبيلي (^٤) من أصحابنا في \"أدب القضاء\" (^٥) وجهًا: أنه ليس بكبيرة - وهو غريب -\n_________\n= من قائل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي عدولًا، وعن ضد الجور، وهو اتصاف الغير بفعل ما يجب له وتركه ما يجب له تركه، وعن الأفعال الحسنة المتعدية من الفاعل إلى غيره، ومنه يقال للملك المحسن إلى رعيته: \"عادل\".\nوفي اصطلاح المتشوعة: عبارة عن أهلية قبول الشهادة أو الرواية عن النبيّ ﷺ. وقال الغزالي ﵀ في معناها: إنها عبارة عن استقامة السيرة والدين، ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعًا، حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه. والمصنف اختار ما ذكره الغزالي إلا أنه أبدل هيئة النفس بالمحافظة الدينية، وزاد عليه: \"ما ليس معها بدعة\" وفي هذه الزيادة نظر؛ لأن ملازمة التقوى تغني عنه، اللهم إلا إذا قيل: البدعة لا تنافي ملازمة التقوى، وهذا التقدير إنما يزيده من لا يقبل رواية المبتدع أصلًا. ينظر: الشيرازي.\n(^١) سقط في ح.\n(^٢) ينظر الكلام على حد الكبيرة في: البحر المحيط للزركشي ٤/ ٢٧٩، ومنهاج العقول للبدخشي ٢/ ٣٤٤، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ١٠٠، وحاشية البناني ٢/ ١٥٢، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/ ٢٤٩، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ١٧٥، وأعلام الموقعين لابن القيم ٤/ ٣٠٥؛ وتيسير التحرير لأمير بادشاه ٣/ ٤٥.\n(^٣) في حاشية ج: قوله: \"والإصرار كبيرة\" المعروف أن الإصرار يجعلها في حكم الكبيرة.\n(^٤) علي بن أحمد بن محمد، أبو الحسن الدبيلي، صاحب \"أدب القضاء\"، أكثر ابن الرفعة عنه النقل، ويعبر عنه بالزَّبيلي، وهكذا أقره السبكي قال: إنه الذي اشتهر على الألسنة، وقاله الإسنوي: إن الذين أدركناهم من المصريين هكذا ينطقون به. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٢٦٨، وطبقات السبكي ٣/ ٢٩٠، وطبقات الإسنوي ١٨٧، وهدية العارفين ١/ ٦٨٠.\n(^٥) والأدبُ أَدَبُ النفس والدرس، وقد أَدُبَ فهو أَدِيب، وَأَدَّبَهُ غيره، فَتَأَدَّبَ وَاسْتأدَبَ. وتركيبه يدل على الجمع والدعاء، ومنه الأدبُ بسكون الدال، وهو أن تجمع الناس إلى طعامك=","vol":"2","page":369},{"text":"النَّفس، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ، وَالزِّنَا، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَالسِّحْرُ وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيم\n<hr><s0>\n\n\"و\" اجتناب \"بعض الصَّغائر وبعض المباح\"؛ لإخلالها بالمروءة، \"وقد اضطرب في\n_________\n= وتدعوهم، ومنه الأَدَبُ بالتحريك؛ لأنه يَأْدِبُ الناس إلى المحامد أي يدعوهم إليها.\nوعن أبي زيد: الأدَبُ اسم يقع على كل رياضة محمودة يتخرّج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل. كذا في المغرب.\nوفي النهاية: والمراد من أدب القاضي هنا هو الخصال الحميدة المندوبة والمدعو إليها، فالأدب للقاضي ما يذكر له من شرائط الشهادة.\nوأما الآداب التي تطلب من القاضي فهي كثيرة جمة، وقد بسط علماء الإسلام القول فيها. ونحن نكتفي بذكر المهم منها، ومن أراد استيفاءها فليرجع إلى الكتب التي أشبعت القول في ذلك كتبصرة ابن فرحون وغيرها. وهذه الآداب منها ما هو مندوب، ومنها ما هو واجب، وسنذكر حكم كل منها، فأقول:\nمن تلك الآداب أنه يندب له ترك البطانة التي يظن فيها السوء؛ لأن ذلك يؤدي إلى سوء الظن به. وأما إن كانت محققة السوء فتركها واجب، ويندب له منع الراكبين معه والمصاحبين له في المشي وغيره؛ لأن كثرة الناس حوله والتفافهم به يدعو إلى الاغترار والعجب، واتهام الناس له بأنه لا يجري الأحكام على أصحابه طبق الحق، ويندب تخفيف الأعوان بقدر الإمكان؛ لأنهم لكثرة اتصالهم يه يموهون على الناس، ويأكلون أموالهم بالباطل، ويعلمونهم طرق الغش والخداع في التخاصم إلى القاضي.\nكذلك يندب اتخاذ من يخبره من أهل الأمانة والصلاح بما يقال فيه من مدح وذم؛ ليتسنى له إدراك عيوبه فيتحاشاها، وبما يقال في شهوده وأعوانه؛ ليبنى منهم من كان صالحًا ويعزل غيره. ويندب له ترك البيع والشراء ونحوه في مجلس قضائه، سواء كان بنفسه أو وكيله خوف المحاباة، أو شغل باله. ويندب ترك حضور الولائم إلا وليمة النكاح؛ فتجب عليه الإجابة لها إذا توفرت شروطها، وقيل: تجوز الإجابة لا تجب، ورجحه بعضهم، ويندب أيضًا إحضار العلماء في مجلس الحكلم ومشاورتهم ولو كان مجتهدا؛ لأن ذلك يعينه على الوصول إلى الحق، ويجب عليه ألّا يقبل الهدايا، ولو كافأ عليها بأكثر منها؛ لميل النفوس لصاحب الهدية في الغالب إلا إذا كانت من قريب لا يجوز أن يحكم له كأبيه وعمه، فيجوز قبولها. واختلفوا في جواز قبول هدية ممن اعتاد الإهداء إليه قبل توليه، فقيل: تكره، وقيل: تجوز، كما اختلفوا في حكمه وهو ماش أو متكئ؛ فقيل: يكره لأنه مظنة الاستخفاف بالحكم الشرعي، وقيل يجوز، وفي حديثه بمجلس الحكم لضجر ونحوه، فقيل: يكره؛ لأنه يصان عن الابتذال بالكلام، وقيل: يجوز لأنه يروح القلب، ويعيد النشاط والفهم. ونظام الاستراحة الموجود =","vol":"2","page":370},{"text":"وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ وَالإِلْحَادُ فِي الْحَرَمِ\". وَزَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ \"أكْلَ الرِّبَا\".\n<hr><s0>\n\nالكَبَائر\"، \"فروى ابن عمر ﵁: \"الشِّرْكُ بِاللهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَقَذْفُ\n_________\n= الآن يخلص من هذا الخلاف. ويجب عليه ألا يحكم مع وجود ما يدهش العقل، ويمنعه من\nالتفكير الصحيح، كالغضب والجوع الشديد، والخوف، وضيق الصدر؛ لأن ذلك يمنع من\nالوصول إلى الحق غالبًا، والأصل في هذا قوله ﷺ: \"لا يقضي حكم بين اثنين وهو غضبان\".\nكما في البخاري، وكذا يجب عليه التسوية بين الخصوم في الكلام والاستماع، والنظر إليهما ونحو ذلك، ولو كان أحدهما مسلمًا والآخر كافرًا. واتخاذ كاتب عالم بطرق الكتابة عدل؛ ليؤتمن على كتابة الحق، وقيل: لا يشترط كونه عدلًا، واتخاذ مترجم عدل يترجم له ما لا يعرفه من لغات المتخاصمين، وإحضار شهود ليحفظوا الإقرارات التي تقع من الخصوم خشية جحدها، وليشهدوا على ما يحكم به؛ لأن حكمه لا يتم بلا شهود. ويجوز له اتخاذ حاجب وساع، وقد بندب هذا إذا كان في وجوده مصلحة؛ أو يجب. ويكره له الإفتاء فيما شأنه التخاصم فيه كالبيوع والجنايات؛ لأنه يؤدي إلى سوء الظن به والتكلم في شأنه؛ لأنه إن حكم بما أفتى به ربما قيل: حكم بذلك لتأييد فتواه، وإن حكم بخلاف ذلك لتجدد نظر، قيل: حكم بما لم يفت به. ويستحب له أن يأمر ذوي الفضل من أهل العلم والصلاح، والأقارب بالصلح فيما يتأتى فيه الصلح، لا في طلاق ونحوه؛ لأن الفصل في القضايا قد يتولد عنه حقد في النفوس، والأقارب. وذوو الفضل ينبغي إزالة الحقد من بينهم أكثر من غيرهم لشدة اتصالهم، وتأدية الحقد بينهم إلى مضار شديدة، كما يستحب له أن يفرد يومًا أو وقتًا للنساء، وأن يجعل مواعيد جلوسه للحكم معلومة؛ ليسهل الأمر علي الناس. وقد ذكر الفقهاء آدابًا تطلب منه في بدء ولايته، ومعظمها الآن لا يطالب به القاضي، وذلك كقولهم: يندب له أن يبدأ بعد توليه بالنظر في الشهود، ويثنى بالنظر في المحبوسين في الدعاوى للتحقيق، ويثبت بالنظر في الأوصياء، وبعده يكلف مناديًا ينادي بعدم معاملة المحجور عليهم. ثم بعد هذا ينظر في الضوال واللقطة، وبعد التفرغ منها ينظر في الخصومات العامة. فمن ينظر في هذه الأمور يجد أنها لا تتحقق إلا في قضاة العصور التي كان القاضي فيها ينظر في كل الشؤون، أما في هذه العصور التي وزعت فيها الأعمال على موطفين متعددين، فإن طلب هذه الآداب موجه إلى غير القضاة، فالنظر في الشهود المقامين لحفظ الإقرارات من اختصاص وزارة الحقانية. والنظر في المحبوسين للتحقيق من اختصاص النيابة وقضاة التحقيق والإحالة. والنظر في الأوصياء من اختصاص المجالس الحسبية، وتكليف المنادين أو النشر في الجرائد من عمل الوزارة، والنظر في اللقطة والضوال من أعمال الإدارة.\nوبالجملة فإنهم ذكروها من آداب القاضي؛ لأن عصرهم كان القاضي فيه ينظر في كل هذه=","vol":"2","page":371},{"text":"وزَادَ عَلِيٌّ ﵁ \"السَّرقَةَ، وَشُرْبَ الْخَمْرِ\".\n<hr><s0>\n\n=  الشؤون. أما في عصرنا فإن المطالب بها من هي داخلة في عمله، وقد رسموا للقاضي الخطة التي ينبغي أن يسير عليها في سماع دعاوى المتخاصمين، فقالوا: يجب عليه تقديم المسافر على الحاضر، إلا لضرورة. وتقديم ما يخشى فواته لو قدم غيره عليه. ثم يقدم السابق، وإن لم يعرف أقرع بينهم إن لم يرضوا بما يراه. وعند سماع الدعاوى يجب عليه أن يأمر المدعي بالكلام، وهو من تجرد قوله عن أصل أو معهود عرفًا يصدقه حين دعواه كطالب دين على آخر، فإن الأصل والمعهود عدم ما ذكر. فإن لم يعلم المدعي، فالجالب لصاحبه إلى القاضي هو الذي يؤمر بالكلام، فإن لم يكن جالب أقرع بينهما، فإن ادعى معلومًا محققًا من مال أو غيره، وبين في دعوى المال السبب سمع دعواه. أما إذا لم يدع معلومًا محققًا، كان ادعى بمجهول أو بمعلوم غير محقق، أو لم يبين السبب في دعوى المال لم يسمع دعواه، ثم بعد أن يسمع دعوى المدعي يأمر المدعى عليه، وهو من ترجح قوله بمعهود شرعي كالأمانة بالنسبة للوديع، أو أصل كالمدين، فإن الأصل عدم الدين بالجواب إما بالإقرار أو الإنكار، فإن أقر شهدوا عليه وثبت الحق، وإن أنكر قال للمدعي: ألك بينة؟ فإن نفاها كان له أن يحلفه، سواء ثبتت بينهما خلطة أو لا. فإن حلف برئ، ولا يقبل للمدعي بعد ذلك بينة إلا لعذر كنسيان لها عند تحليف المدعى عليه. ويحلف إن أراد القيام بها أنه نسيها. وإن أقام البينة ولم ينفها أعذر القاضي إلى المدعى عليه بأن يقول له بعد سماع بينة المدعي: أبقيت لك حجة وعذر في هذه البينة؟ فإن قال: نعم لي مطعن فيها أنظره القاضي بالاجتهاد للإتيان بذلك المطعن، فإن لم يأت به في مدة الإنظار حكم عليه بمقتضى الدعوى، كما إذا نفى أن له مطعنًا فيها، وبعد الحكم عليه يعجزه ويسجل ذلك التعجيز، فلا يقبل منه مطعن في البينة بعد ذلك. وكذا إذا طلب المدعى من القاضي أن ينظره لإحضار البينة، ولم يأت بها في مدة الإنظار؛ فإن القاضي يعجزه ويسجل ذلك. فلا تقبل منه بينة بعد ذلك إلا في دعوى القتل، والعتق، والطلاق، والوقف، والنسب؛ فإن هذه الأمور الخمسة لا تعجيز فيها؛ بل يكون باقيًا على حجته متى أقامها حكم له بمقتضى دعواه؛ لعظم أمر هذه الأشياء وإن سكت المدعى عليه ولم يجب لا بإقرار ولا إنكار حبسه وضربه ليجيب، ثم حكم عليه بلا يمين من المدعي، لأن اليمين فرع الجواب، وهو لم يجب.\nهذه هي الطريقة التي تسلك في معظم الدعاوى. وهنالك طرق خاصة تسلك في بعض الوقائع لم نذكرها لضيق الوقت؛ فمن أحب الوقوف عليها. فليطلبها في مظانها.\nوأما مكان جلوسه للحكم فقد اختلفوا فيه، فقيل: يندب أن يكون برحاب المسجد؛ ليسهل وصول جميع المتخاصمين إليه، ولبعده عن التكلف والإسراف ومظاهر الترف، وقيل يكره=","vol":"2","page":372},{"text":"وَقِيلَ: مَا تَوَعَّدَ الشَّارعُ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ.\n<hr><s0>\n\n[المُحْصَنَاتِ] (^١)، وَالزِّنَا، والفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ (^٢)، …\n_________\n= الجلوس بالمسجد؛ لأنه يؤدي إلى امتهانه بكثرة لغط الخصوم، وقيل: يكره الجلوس بمنزله؛ فقد أنكره عمر على أبي موسى الأشعرى وأمر بإضرام داره عليه نارًا، وقيل: لا بأس بالجلوس فيها متى جعلها مباحة، ونقلوا عن مالك أنه قال: \"لا بأس أن يقضي القاضي بمنزله، وحيث أحب\" ولكل من هذه الأقوال أدلة مذكورة في محالها. ومن يتأمل في كلامهم يجد أنهم متفقون على أن المطلوب هو الجلوس للحكم بمكان لا يترنب عليه محرم، ولا يمنع من الوصول إلى الحق وإقامة العدل، وعلى هذا فاتخاذ دور مخصوصة لإقامة الأحكام فيها كدور المحاكم الحاضرة، لا مانع منه على كل الأقوال. وقالوا: يكره له الجلوس للحكم في المواسم كالعيد وقدوم الحاج، وفي الأوقات التي يشق على الناس الحضور فيها كوقت نزول المطر والعواصف الشديدة. ويندب له تأديب من أساء عليه في مجلسه، وإن لزم منه الحكم لنفسه خشية انتهاك حرمته، إلا في مثل: اتق الله في أمري فيرفق به، ولا يجوز له تأديبه؛ لأن هذا ليس فيه إهانة، وكذا من أساء على خصمه أو شهوده بحضرته كأن قال له: يا فاجر أو يا ظالم. لا إن قال: شهدت بباطل أو ظلمتني؛ فإن هذا ليس فيه إساءة، وأما بغير حضرته فلا يؤدبه إلا إذا ثبت ذلك ببينة أو إقرار.\nوذكروا كيفية جلبه للخصوم فقالوا: يجلب الخصوم إما برسول، أو خاتم، أو أمارة أو ورقة إن كان على مسافة القصر فأقل بمجرد الدعوى، وإن كان على أكثر منها فلا يجلبه إلا إذا شهد شاهد بالحق خشية أن يكون الغرض التشفي من المدعى عليه، وإنما يجلبه إذا كان بمحل ولايته. وقالوا: إن سماع الدعوى يكون حيث يوجد المدعى عليه على الأرجح.\nهذا بعض ما ذكروه من آداب القاضي وكيفية سيره في الدعاوى. ومن ينظر فيه وفي غيره مما ذكروه في ذلك يتبين له أن الدين الإسلامي قد أرشد إلى أنظمة الحكم أحسن إرشاد، ورسم للقاضي أحسن الخطط التي لو سار عليها ما عرف الجور إلى حكمه سبيلًا. وأن ما أرشد إليه ورسمه يفوق المذكور في لوائح المحاكم الحديثة في شرف الغاية ومساعدته على إقامة العدل على خير الوجوه. ولا ينقصه إلا الترتيب والتنظيم، وهو أمر يسير لا يتوقف الوصول إلى المقصود عليه.\n(^١) في ت، ح: المحصنة.\n(^٢) قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾، في هذه الآية ينهى الله المؤمنين عن الفرار من الكفار إذا التقوا بهم في القتال،=","vol":"2","page":373},{"text":"وَأَمَّا بَعْضُ الصَّغَائِرِ فَمَا يَدُلُّ عَلَى الْخِسَّةِ كَسَرِقَةِ لُقْمَةٍ وَالتَّطْفِيفِ بِحَبَّةٍ.\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  وحكمة ذلك أن الفرار كبير المفسدة وخيم العاقبة؛ لأن الفارّ يكون كالحجر يسقط من البناء فيتداعى ويختل نظامه؛ لهذا عدّ الشارع الحكيم الفرار من الزحف من أكبر الجنايات، وقد توعد الله المقاتلين الذي يولون العدوّ ظهورهم فقال: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ الآية.\nوفي الفرار من العدو عار يجعل الحياة بغيضة عند النفوس الأبيّة قال يزيد بن المهلّب: \"واللّه إني لأكره الحياة بعد الهزيمة\".\nقال بعض العلماء: إن هذا النهي خاصّ بوقعة بدر، وبه قال نافع، والحسن، وقتادة، ويزيد بن أبي حبيب، والضحاك، ونسب إلى أبي حنيفة كما حكاه القرطبي.\nوقال الجمهور - وهو المروى عن ابن عبّاس -: إن تحريم الفرار من الصف عند الزحف باقٍ إلى يوم القيامة في كل قتال يلتقى فيه المسلمون والكفار.\nاستدل الأوّلون بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ فقالوا: إن الإشارة في قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ إلى يوم بدر، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾.\nوقد ردّ الجمهور عليه بأن الإشارة فيه إلى يوم الزحف الذي تضمنه قوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ أي كل مرة تلقون فيها الكفار يحرم عليكم الفرار منهم، وحكم الآية باقٍ بشرط الضِّعف الذي بينه الله تعالى في قوله: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ الآية - والذي يؤيد أن الإشارة عامة في كل زحف أن الآية نزلت بعد انقضاءِ الحرب وذهاب اليوم بما فيه.\nواستدل الجمهور بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وقالوا: إن الآيات عامّة في كل زحف، وليست خاصّة بغزوة بدر دل على ذلك ما صَحَّ في مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: \"اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ\" وَعَدَّ منها الفرار يوم الزحف؛ فدلّ على حرمته في كل زحف وزمان، غير أن هذه الحرمة مقيدة بأمرين:\nأحدهما: ما دل عليه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ فإنه متى قصد أحد هذين الأمرين من الفرار لم يكن محرمًا، بل قد يكون واجبًا إذا اقتضته المصلحة كضمّ قوة المسلمين بعضها إلى بعض - ثانيهما - عدم زيادة الكفار على ضعف عدد المسلمين، أما إذا زادوا على الضعف فاختلف الفقهاء في حكمه:\nفذهب الشافعية والحنابلة إلى جواز الفرار مطلقًا. =","vol":"2","page":374},{"text":"وَبَعْضُ الْمُبَاحِ كَاللَّعِبِ بِالْحَمَامِ وَالاِجْتِمَاعِ مَعَ الأَرْذَالِ وَالْحِرَفِ الدَّنِيَّةِ مِمَّنْ لا تَلِيقُ بِهِ وَلا ضَرُورَةَ.\n<hr><s0>\n\nوالسِّحْرُ (^١)، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيْمِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ المُسْلِمَيْنِ، والإِلْحَادُ فِي الحَرَمِ\".\n_________\n= وذهب المالكية إلى جوازه ما لم يبلغ جيش المسلمين اثني عشر ألفًا غير مختلفين على أنفسهم، فإن بلغ هذا العدد مع الاتحاد حرم الفرار، ونسبه الجصاص إلى الحنفية، ورأى صاحب البدائع منهم أن العبرة بالقوة والاستعداد دون العدد فقال: والغزاة إذا جاءهم جمع من المشركين ما لا طاقة لهم به وخافوهم أن يقتلوهم، فلا بأس لهم أن ينحازوا إلى بعض أمصار المسلمين أو إلى بعض جيوشهم، والحكم في هذا الباب لغالب الرأي، وأكبر الظن دون العدد، فإن غلب على ظن الغزاة أنهم يقاومونهم يلزمهم الثبات، وإن كانوا أقل عددًا منهم، وإن كان غالب ظنهم أنهم يغلبون فلا بأس أن ينحازوا إلى المسلمين؛ ليستعينوا بهم وإن كانوا أكثر عددًا من الكفرة\" وذهب ابن حزم إلى تحريم الفرار مهما بلغ العدد.\n\n\"الأدِلَّة\":\nاستدل الشافعية والحنابلة بقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ الآية - وجه الاستدلال: أنها دلت على وجوب ثبات المائة للمائتين بعد أن كان الواجب أن تثبت المائة للألف، وذلك تخفيف من الله ورحمة. وعلى ذلك فإذا زاد الكفار على هذه النسبة جاز للمسلمين الفرار.\nواستدل المالكية بما رواه الزهريّ عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ من حديث فيه طول: \"وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ\" وجه الدلالة: أن النبي ﷺ يقول ما معناه: إِذَا بَلَغَ جَيْشُكُمْ هَذَا الْعَدَدَ فَلا تأتِيهِ الْهَزِيمَةُ مِنْ جِهَةِ عَدَدِهِ، وإنَّمَا تَأتِيهِ مِنْ وُقُوعِ الْخُلْفِ بَيْنكم، وإذَا كَانَتْ الْهَزِيْمَةُ لا تَأتِي مِنَ الْعَدَدِ فَلا يَجُوزُ الفِرَارُ.\nوتمسّك ابن حزم بظاهر قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ فإنها تدل بظاهرها على وجوب الثبات مهما بلغ عدد العدوّ.\nيرد على الحديث الذي استدل به المالكية أنه غير صحيح، فقد قال العلّامة القرطبي: رواه بشر وأبو سلمة العاملي، وهو الحكم بن عبد الله بن خطاف، وهو متروك. وعلى فرض صحته فالمراد منه أن الغالب على هذا العدد النصر والظفر، ولا تعرض فيه لحرمة الفرار أو عدمها، وبهذا يرد على المالكية والحنفية فيما نسبه الجصّاص إليهم. ويرد على ابن حزم أن الأمر بعدم الفرار في الآية مخصص بالّا يزيد العدد على ضعف عدد المسلمين.\n(^١) السحر أصله التمويه والتخاييل، وهو أن يفعل الساحر أشياء ومعاني، فيخيَّل للمسحور أنها بخلاف ما هي به؛ كالذي يرى السراب من بعيد فيُخيّل إليه أنه ماء، وكراكب السفينة السائرة=","vol":"2","page":375},{"text":"وَأَمَّا الْحُرِّيَةُ وَالذُّكُورَةُ وَعَدَمُ الْقَرَابَةِ وَالْعَدَاوَةِ فَمُخْتَصٌّ بِالشَّهَادَةِ.\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  سيرًا حثيثًا يُخيل إليه أن ما يرى من الأشجار والجبال سائرة معه. وقيل: هو مشتقّ من سَحرتُ الصبيَّ إذا خدعته، وكذلك إذا علَّلته، والتسحير مثله؛ قال لَبيد:\nفإنْ تسألينا فِيم نحن فإنَّنا … عصافيرُ من هذا الأنام المُسَحَّرِ\nوقال آخر: [الوافر]\nأرانا مُوضِعِين لأمرِ غَيْبٍ … ونُسْحَرُ بالطعام وبالشَّرابِ\nعصافيرٌ وذِبّانٌ ودُودٌ … وأَجْرأ مِن مُجَلِّحَة الذئاب\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] يقال: المسحر الذي خلق ذا سحر؛ ويقال من المعلَّلين؛ أي ممن يأكل الطعام ويشرب الشراب. وقيل: أصله الخفاء، فإن الساحر يفعله في خفية. وقيل أصله الصرف؛ يقال: ما سحرك عن كذا، أي ما صرفك عنه؛ فالسحر مصروف عن جهته. وقيل؛ أصله الاستمالة؛ وكل من استمالك فقد سحرك. وقيل في قوله تعالى: ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٥] أي سحرنا فأزلنا بالتخييل عن معرفتنا. وقال الجوهري: السحر الأخذة؛ وكل ما لطف مأخذه ودق فهو سحر؛ وقد سحره يسحره سحرًا. والساحر: العالم، وسحره أيضًا بمعنى خدعه؛ وقد ذكرناه. وقال ابن مسعود: كنا نسمي السحر في الجاهلية العضه. والعضه عند العرب: شدة البهت وتمويه الكذب؛ قال الشاعر:\nأعوذ بربِّي من النّافثا … تِ في عِضهِ العاضه المعضه\n[واختلف هل له حقيقة أم لا؛ فذكر الغَزْنَوِيّ الحنفي في عيون المعاني له: أن السحر عند المعتزلة خدع لا أصل له، وعند الشافعي وسوسة وأمراض. قال: وعندنا أصله طِلسْم يُبنى على تأثير خصائص الكواكب؛ كتأثير الشمس في زئبق عِصِيّ فرعون، أو تعظيم الشياطين ليسهّلوا له ما عَسُر.\nقلت: وعندنا أنه حق وله حقيقة يخلق الله عنده ما شاء. ثم من السحر ما يكون بخفة اليد كالشَّعْوَذة. والشَّعْوَذّي: البريد لخفَّة سيره. قال ابن فارس في المُجْمَل: الشعوذة ليست من كلام أهل البادية، وهي خفة في اليدين وأُخْذَةٌ كالسحر؛ ومنه ما يكون كلاهمًا يُحفظ، ورُقى من أسماء الله تعالى. وقد يكون من عهود الشياطين، ويكون أدوية وأدخنة وغير ذلك.\nومن السِّحر ما يكون كُفْرًا من فاعله؛ مثل ما يدّعون من تغيير صُوَر الناس، وإخراجهم في هيئة بهيمة، وقطع مسافة شهر في ليلة، والطيران في الهواء؛ فكل مَن فعل هذا ليُوهِم الناس أنه محق فذلك كفر منه؛ قاله أبو نصر عبد الرحيم القُشَيري. قال أبو عمرو: من زعم أن الساحر=","vol":"2","page":376},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  يقلب الحيوان من صورة إلى صورة، فيجعل الإِنسان حمارًا أو نحوه، ويقدر على نقل الأجساد وهلاكها وتبديلها؛ فهذا يرى قتل الساحر؛ لأنه كافر بالأنبياء، يدّعي مثل آياتهم ومعجزاتهم، ولا يتهيأ مع هذا علم صحة النبوّة؛ إذ قد يحصل مثلها بالحيلة. وأما من زعم أن السحر خُدَع ومخاريق وتمويهات وتخييلات فلم يجب على أصله قتل الساحر، إلا أن يقتل بفعله أحدًا فيُقتل به.\nذهب أهل السُّنة إلى أن السحر ثابت وله حقيقة. وذهب عامّة المعتزلة وأبو إسحاق الاستراباذي - من أصحاب الشافعي - إلى أن السحر لا حقيقة له، وإنما هو تمويه وتخييل وإيهام لكون الشيء على غير ما هو به، وأنه ضرْب من الخفّة والشعْوذة؛ كما قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦] ولم يقل تسعى على الحقيقة، ولكن قال: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ﴾. وقال أيضًا: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦]. وهذا لا حجة فيه؛ لأنا لا ننكر أن يكون التخييل وغيره من جملة السحر، ولكن ثبت وراء ذلك أمور جوّزها العقل ووَرَد بها السمع؛ فمن ذلك ما جاء في هذه الآية من ذكر السحر وتعليمه، ولو لم يكن له حقيقة لم يمكن تعليمه، ولا أخبر تعالى أنهم يعلّمونه الناس، فدلّ على أن له حقيقة. وقوله تعالى في قصة سَحَرة فرعون: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ وسورة \"الفلق\"؛ مع اتفاق المفسرين على أن سبب نزولها ما كان من سحر لبيد بن الأعْصَم، وهو مما خرّجه البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة ﵂ قالت: سَحر رسولَ الله ﷺ يهوديٌّ من يهود بني زُرَيق يقال له: لَبيد بن الأعصم؛ الحديث. وفيه: أن النبيّ ﷺ قال لما حُلّ السّحر: \"إن اللّه شفاني\". والشفاء إنما يكون برفع العِلّة وزوال المرض؛ فدل على أن له حقًّا وحقيقة، فهو مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله على وجوده ووقوعه. وعلى هذا أهل الحلّ والعقد الذين ينعقد بهم الإجماع، ولا عبرة مع اتفاقهم بحُثَالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق. ولقد شاع السِّحر وذاع في سابق الزمان وتكلم الناس فيه، ولم يَبْدُ من الصحابة ولا من التابعين إنكار لأصله. وروى سفيان عن أبي الأعور عن عكرمة عن ابن عباس قال: عُلِّم السحر في قرية من قرى مصر يقال لها: \"الفَرَما\" فمن كذّب به فهو كافر، مكذب لله ورسوله، منكرٌ لما عُلم مشاهدةً وعِيانًا.\nواختلف الفقهاء في حكم الساحر المسلم والذِّميّ، فذهب مالك إلى أن المسلم إذا سحر بنفسه بكلام يكون كفرًا يُقتل ولا يُسْتَتاب، ولا تُقبل توبته؛ لأنه أَمْرٌ يستَسِر به كالزنديق والزاني، ولأن الله تعالى سَمَّى السحر كفرًا بقوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ وهو قول أحمد بن حنبل وأبي ثور وإسحاق والشافعي وأبي حنيفة. وروى قتل الساحر عن عمر وعثمان وابن عمر وحفصة وأبي موسى وقيس بن سعد وعن سبعة من التابعين. ورُوي عن النبيّ ﷺ: (حَدُّ الساحر ضَرْبُه بالسيف) خرّجه الترمذي، وليس بالقوِيّ؛ انفرد به=","vol":"2","page":377},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوحديث ابن عمر روى موقوفًا (^١) ومرفوعًا (^٢). ولفظ الكتاب لم أره مجموعًا في رواية.\nوإنما الذي رواه الحافظ أبو بكر البرزنجي عن ابن عمر \"الكَبَائِرُ سَبْعٌ: الشِّرْكُ باللَّهِ وعُقُوقُ الوَالِدَيْن، [وَالزِّنَا] (^٣)، وَالسِّحْر، وَالفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَأَكلُ الرِّبَا، وَأكْلُ مَالِ\n_________\n= إسماعيل بن مسلم، وهو ضعيف عندهم، رواه ابن المنذر. وقد رَوَينا عن عائشة أنها باعت ساحرة كانت سحرتها، وجعلت ثمنها في الرِّقاب. قال ابن المنذر: وإذا أقرّ الرجل أنه سحر بكلام يكون كفرًا وجب قتله إن لم يَتُب، وكذلك لو ثبتت به عليه بيّنة، ووصفت البينة كلامًا يكون كفرًا. وإن كان الكلام الذي ذكر أنه سَحَر به ليس بكفر لم يجز قتله، فإن كان أحدث في المسحور جناية توجب القصاص اقتُصّ منه إن كان محمد ذلك؛ وإن كان مما لا قصاص فيه ففيه دِيَة ذلك. قال ابن المنذر: وإذا اختلف أصحاب رسول الله ﷺ في المسألة وجب اتباع أشبههم بالكتاب والسُّنة؛ وقد يجوز أن يكون السِّحر الذي أمرَ من أمر منهم بقتل الساحر سحرًا يكون كفرًا، فيكون ذلك موافقًا لسُنّة رسول الله ﷺ، ويحتمل أن تكون عائشة ﵂ أمرت ببيع ساحرة لم يكن سحرها كفرًا. فإن احتجّ محتجّ بحديث جُنْدَب عن النبيّ ﷺ: (حدُّ الساحر ضربه بالسيف) فلو صحّ لاحتمل أن يكون أمر بقتل الساحر الذي يكون سحره كفرًا، فيكون ذلك موافقًا للأخبار التي جاءت عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يحل دمُ امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث) …\nقلت: وهذا صحيح، ودماء المسلمين محظورة لا تُستباح إلا بيقين، ولا يقين مع الاختلاف. والله تعالى أعلم.\n(^١) الموقوف: ما يروى عن الصحابة ﵃ من أقوالهم وأفعالهم ونحوها، فيوقف عليهم، ولا يتجاوز به إلى رسول الله ﷺ.\nوهو أيضًا يعم المتصل وغيره، غير أن الحاكم شرط فيه عدم الانقطاع، وشذ في ذلك.\nوقد يستعمل مقيدًا في غير الصحابي، فيقال: حديثُ كذا وقفه فلان على عطاء، وحديث كذا وقفه فلان على طاوس، وحديث كذا وقفه فلان على الزهري ونحو ذلك من التابعين.\nوقد يستعمل مقيدًا أيضًا فيمن بعدهم، فيقال: موقوف على مالك، موقوف على الثوري، موقوف على الأوزاعي، موقوف على الشافعي، ونحو ذلك. ينظر: غيث المستغيث ص ١٠.\n(^٢) المرفوع: ما أضيف إلى رسول الله ﷺ خاصة، لا يقع مطلقه على غير ذلك من نحو الموقوف على الصحابة وغيرهم، وهو أعم من المتصل وغيره في رأي الجمهور، ولكن إذا ذكر المرفوع في مقابلة المرسل فإنهم يعنون به المتصل مثل أن يقال في حديث: رفعه فلان، وأرسله فلان.\nينظر: غيث المستغيث ص ١٠.\n(^٣) في أ، ح: الربا.","vol":"2","page":378},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nاليَتِيمِ\" ورواه أبو القاسم البَغَوِي، ولم يذكر الزّنا، وزاد \"وقَذْفُ المُحْصَنَةِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ المُؤمِنَةِ، وَالإِلْحَادُ بِالبَيْتِ الحَرَامِ قِبْلَتِكُمْ أَحياءً وَأَمْوَاتًا\"، وقال: \"وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ المُسْلِمَيْنِ\".\nومَدَارُ الحديث على أيوب بن عتبة (^١) قاضي \"اليمامة، وقد تكلّم فيه غير واحد من الأئمة منهم أحمد، وابن معين (^٢)، وابن المَدِينِي (^٣)، والبخاري، ومسلم، والنَّسَائي، والدَّارَقُطْني، وابن، عدي.\n\"وزاد أبو هريرة ﵁: أكل الربا\".\nوحديث أبي هريرة في الكَبَائر متّفق عليه، ولفظه \"اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْر، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ الغَافِلاتِ\n_________\n(^١) أيوب بن عتبة اليمامي قاضيها أبو يحيى. عن عطاء ويحيى بن أبي كثير. وعنه آدم ومحمود بن محمد، ضعفه أحمد في حديث يحيى بن أبي كثير، قال خليفة: توفي سنة ستين ومائة، ينظر: تهذيب الكمال ١/ ١٣٥، وتهذيب التهذيب ١/ ٤٠٨، وتقريب التهذيب ١/ ٩٠، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ١١٢، والكاشف ١/ ١٤٧، وتاريخ البخاري الكبير ١/ ٤٢٠، والجرح والتعديل ٢/ ٢٥٣، وميزان الاعتدال ١/ ٢٩٠، ولسان الميزان ٧/ ١٨٢.\n(^٢) يحيى بن معين بن عون الغطفاني، أبو زكريا البغدادي: الحافظ الإمام العلم عن ابن عيينة وإسماعيل بن عياش وعباد بن عباد ويحيى القطان، وعنه أحمد وداود بن رشيد وعباس بن محمد بن يحيى وصالح البغوي. قال أحمد: كل حديث لا يعرفه يحيى فليس بحديث. قال ابن أبي خيثمة: مات بالمدينة سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وحمل على أعواد النبيّ ﷺ، ونودي بين يديه: هذا الذي يذب الكذب عن رسول اللّه ﷺ. ينظر: خلاصة الخزرجي ٣/ ١٦١ (٨٠٥٤).\n(^٣) علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح التميمي السعدي: مولاهم أبو الحسن البصري الحافظ، إمام أهل الحديث. عن أبيه وحماد بن زيد ومعاوية بن عبد الكريم وابن عيينة والقطان وخلائق، وعنه: البخاري وأبو داود ومحمد بن عبد الرحيم ومحمد بن يحيى، وكان ابن عيينة يسميه: حية الوادي. وقال القطان: كنا نستفيد منه أكثر مما يستفيد منا. قال البخاري: مات سنة أربع وثلاثين ومائتين. ينظر: خلاصة الخزرجي ٢/ ٢٥١ ت (٥٠٠٨).","vol":"2","page":379},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالمُؤْمِنَاتِ\" (^١)، وأنت ترى لفظ الحديث ليس فيه أنها الكبائر، بل إنها السبع الموبقات، والمُوبقات أخصُّ من الكبائر.\n\"وزاد عليٌّ \"السَّرِقَة، وَشُرْبُ الخَمْرِ\"\" - والسّرقة لا يُعْرَف لها إسناد عنه - كرَّم الله وجهه - والخمر، روى عنه أن مُدمِنَهُ كَعَابِدِ وَثَنٍ (^٢).\n\"وقيل: ما توعد عليه بخصوصه\".\nقال الرَّافعي: وهو أكثر ما يوجد للأصحاب.\nوقيل: ما يوجب الحَدّ - قال الرَّافعي: وهم إلى ترجيحه أميل.\nوقال القاضي أبو سعيد الهروي: الكبيرة كل فعل نَصَّ الكتابُ على تحريمه، وكل معصية توجب إلى جنسها حدًّا، وترك كل فريضة مأمور بها على الفَوْرِ، والكذب في الشَّهادة، والرواية، [واليمين] (^٣).\nوالأصحُّ عندي - وبه قال إمام الحرمين - كُلّ جريمة تؤذن بقلّة اكتراث مرتكبها بالدين، ورقّة الدِّيَانة؛ كالقَتْلِ، والزِّنَا، واللِّوَاط، وَشُرْب الخَمْر - قليله وكثيره - والسَّرقة،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥/ ٤٦٢) كتاب الوصايا: باب قول الله تعالى: \"إن الذين يأكلون ...... \" (٢٧٦٦) وفي (١٠/ ٢٤٣) كتاب الطب: باب الشرك والسحر من الموبقات (٥٧٦٤) وفي (١٢/ ١٨٨) كتاب الحدود: باب رمي المحصنات (٦٨٥٧).\nومسلم (١/ ٩٢) كتاب الإيمان: باب بيان الكبائر حديث (١٤٥/ ٨٩).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٣٣٧٥) وابن أبي شيبة (٨/ ٦) وابن عدي (٦/ ٢٢٣٤) وابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (٢/ ١٨٢).\nقال الحافظ البوصيري في زوائد ابن ماجة. (٣/ ١٠٢): وهذا إسناد فيه مقال، محمد بن سليمان ضعفه النسائي وابن عدي، وقواه ابن حبان، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به، وباقي رجال الإسناد ثقات. وله شاهد من حديث ابن عباس بلفظ: \"من لقي الله مدمن خمر لقيه كعابد وثن\" أخرجه ابن حبان (١٣٧٩ - موارد) وابن عدي في \"الكامل\" (٤/ ١٥٢٥)، والبزار (٣/ ٣٥٦) رقم (٢٩٣٤) وأبو نعيم في \"الحلية\" (٩/ ٢٥٣) من طريق حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا.\n(^٣) في ت: واليمنى، وهو خطأ.","vol":"2","page":380},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالغصب، والقَذْف، وشَهَادة الزُّور، وشرب المُسْكر وإن لم يكن خمرًا، واليمين الفَاجِرة، وقطيعة الرّحم، والعُقُوق، والفِرَار من الزَّحْفِ، وأكل مال اليتيم، والخِيَانة في الكَيْل والوَزْن، وتقديم الصَّلاة على وَقْتها، وتأخيرها عن وقتها، وضرب المسلم بغير حقّ، والكذب على النبي ﷺ، وكان الشيخ أبو محمد يكفر فيه - وسبّ الصحابة (^١) وكِتْمَان الشَّهادة بلا عُذْرٍ، وأخذ الرّشوة، والدِّيَاثة، والقِيَادة، والسّعَايَة عند السُّلطان، ومنع الزَّكاة، واليأس من رحمة الله - تعالى - والأمن من مَكْرِهِ، والظّهار، وأكل [لحم] (^٢) الخِنْزِير، والميتة من غير ضرورة.\nقلت: وكذلك إفطار رَمَضَان، والغُلُول (^٣)، والمُحَاربة، والسِّحْر، والزِّنَا.\n_________\n(^١) قال أبو زرعة الرازي: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى ذلك كله إلينا الصحابة. وهؤلاء الزنادقة يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، فالجرح بهم أولى. قال ابن الصلاح: \"ثم إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة ومن لابس الفتن منهم، فكذلك بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع؛ إحسانًا للظن بهم ونظرًا إلى ما تمهد إليهم من المآثر، وكأن الله ﷾ أتاح الإجماع على ذلك؛ لكونهم نقلة الشريعة.\n(^٢) سقط في ت.\n(^٣) والغل الخيانة يُقَالُ: غَلَّ في المَغْنَمِ، يَغُلُّ غُلُولًا إِذَا سَرَقَ مِنَ الغَنِيمَةِ، وَمَنْ قَرَأ \"يُغُلَّ\" بِضَمَ اليَاءِ وفتح الغَيْنِ، أَي: يُخَانَ وَنَهَى أصْحَابَهُ أَنْ يَخُونُوه، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنْ يُخَوَّنَ - أيْ: يُنسَبَ إلَى الخِيَانَةِ، وَسُمِّيَتِ الخِيَانَةُ غُلُولًا؛ لأَنَّ الأيْدِي مَغْلُولَةٌ مِنْهَا، أَيْ مَمنُوعَةٌ مِنْهَا.\nوقد رُوي في عقوبة الغال عن عمَر بن الخطاب ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: \"إذا وجدتم الرجل قد غَلَّ، فأحرقوا متاعه، واضربوه\" وهذا حديث غريب.\nوذهب بعض أهل العلم إلى ظاهر هذا الحديث، منهم الحسن البصري، قال: يُحرق ماله إلا أن يكون حيوانًا، أو مصحفًا، وكذلك قال أحمد وإسحاق. قالوا: \"ولا يُحرق ما غلَّ؛ لأنه حقُّ الغانمين يُردُّ عليهم، فإن استهلكه، غَرِمَ قيمته، وقال الأوزاعي: يحرق متاعه الذي غزا به، وسرجه وإكافه، ولا تُحرق دابته، ولا نفقته، ولا سلاحه، ولا ثيابه التي عليه.\nوذهب آخرون إلى أنه لا يُحرق رحلُه، لكنه يُعزَّرُ على سوء صنيعه، وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، وحملوا الحديث على الزجر والوعيد دون الإيجاب، قال محمد بن إسماعيل: قد رُوي في غير حديث عن النبيّ ﷺ في الغالِّ، ولم يَأمر بحرق متاعه.","vol":"2","page":381},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"وأما بعض الصَّغَائر مما يدلّ على الخسّة كسرقة لُقْمَةٍ، والتطفيف بحبّة\".\nوكان الأستاذ أبو إسحاق يقول: لا صَغِيرَةَ في الذنوب، بل والكل كبائر.\n\"وبعض المباح كاللّعب بالحَمَام\"، كذا قال، ومراده ما لا إِثْمَ فيه، وإلا فهو مكروه وليس مستوى الطَّرفين، ثم إنه لا يُرَدُّ به الشَّهَادة بمجرّده.\nنعم، إن انضم إليه قِمَار وما في معناه، رُدّت.\n\"والاجتماع مع الأراذل والحِرَف الدَّنِيَّة ممن لا يَلِيقُ به ولا ضرورة\"، على ما هو مفصّل في الفروع.\nوتقييد المصنّف بمن لا يليق به حسن، فإن أصحابنا مختلفون في قَبُول شهَادَةِ ذي الحرف الدَّنيّة، على وجهين:\nأصحهما: القَبُول.\nقال الغَزَالِيّ: وموضع الوجهين ممن تليق به هذه الحِرَف، وكان ذلك من صِنْعَةِ آبائه، أما غيره فتسقط مروءته بها لا مَحَالَةَ.\nوعَدَّ المصنّف الحرف الدَّنيئة التي لا تليق من المُبَاح هو المجزوم به في \"النهاية\" و\"البسيط\".\nوكان القاضي ابن رزين ينقل أوجهًا في تعاطي المُبَاح الذي تُرَدُّ به الشَّهادة؛ لإخلاله بالمروءة.\nثالثها: إن [تعلّق (^١) بمرتكبه شهادة حرم عليه، وإلّا فلا.\nوكلام المصنّف صريح في أن المروءة أحد قيدي العَدَالَةِ، وهو صنيع بعض أصحابنا.\nوالأشهر عندهم عدّ المُروءة [صفة] (^٢) برأسها مشترطة في قبول الشهادة - وهو الأحسن.\n\"وأما الحُريّة، والذكورة، وعدم القَرَابة، والعداوة فمختصّ بالشهادة\".\nوكذلك جرّ الإنسان إلى نفسه نفعًا لا يمنع قَبُول الرواية، بخلاف الشهادة؛ لاشتراك النّاس في الرواية، صرَّح به ابن السَّمعاني.\n_________\n(^١) في ح: تعلقت.\n(^٢) سقط في ت.","vol":"2","page":382},{"text":"<span data-type='title' id=toc-523>حُكْمُ خَبَرِ مَجْهُولِ الحَالِ</span>\nمَسْأَلَةٌ:\nمَجْهُولُ الْحَالِ لا يُقْبَلُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قَبُولُهُ.\nلَنَا الأَدِلَّةُ تَمْنَعُ مِنَ الظَّنِّ فَخُولفَ فِي الْعَدْلِ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ وَأَيْضًا الْفِسْقُ مَانِعٌ فَوَجَبَ تَحَقُقُ ظَنِّ عَدَمِهِ كَالصِّبَا وَالكُفْرِ.\n<hr><s0>\n\nونقل القَرَافِي في \"الفرق\" عن بعض شيوخه: أنه رأى منقولًا فيما إذا روى العبد حديثًا يتضمن عتقه أن تقبل روايته؛ لأن العموم موجب لعدم التهمة في الخصوص مع وازع العدالة.\nقلت: ويتجه ألا تقبل إذا تضمّنت عتقه [هو] (^١) وحده، وسيأتي في هذا كلام يعضُده عند ذكرنا الفرق بين الرِّوَاية والشهادة.\n«مسألة»\nالشرح: \"مجهول الحال لا يقبل\" (^٢).\nوعن أبي حنيفة ﵀: قبوله\".\nقيّده بعض أصحابه بالمجهول في صدر الإسلام.\nأما في هذه الأعصر المشحونة بالفساد، فلا يقبل.\nثم المجهول؛ إما مجهول العين، أو معروف العين، ولكنه مجهول العدالة ظاهرًا،\n_________\n(^١) سقط في ح.\n(^٢) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٤/ ٢٨٠، والبرهان لإمام الحرمين ١/ ٦١٤، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ١٠٠، والمنخول للغزالي ٢٥٨، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/ ٢٤٦، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ١٧٥، ١٧٨، وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ٣٨٧، والتحرير لابن الهمام ٣١٦، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ٣/ ٤٨، وكشف الأسرار للنسفي ٢/ ٢٨، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٦٤، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٢/ ٢٤٧.","vol":"2","page":383},{"text":"قَالُوا: الْفِسْقُ سَبَبُ التَّثبُّتِ فَإِذَا انْتَفَى انْتَفَى.\n<hr><s0>\n\nوباطنًا -[وهذان] (^١) لم يقل أحد من أصحابنا بقبول روايتها - أو مجهول العدالة باطنًا، ولكن ظاهره لا ينافي العَدَالة، وهو مستور [فهذا] (^٢) فيه خلاف بين أئمتنا.\nقال الأستاذ أبو بكر بن فورك، وسليم بن أيّوب [الرازي] (^٣): يحتج بروايته - وعزاه بعضهم إلى الشافعي [نفسه] (^٤)، وهو زَلَل عليه، والمذهب خلافه.\n\"لنا: الأدّلة تمنع من الظَّن فخولف في العدل\"، وعمل فيه بالظَّن للدليل القائم عليه، فبقى ما عداه\".\nوإن شئت قل: لولا السُّنة وإجماع الصحابة لما علمنا بخبر الواحد، ولسنا على يقين من إجماعهم إلا حيث كان الواحد عدلًا، والنبي ﷺ لم يجهّز في رسله إلا عدلًا، فلو قبلنا المستور لقبلناه بلا دليل، وهذا دليل معتمد.\n\"وأيضًا: الفسق مانعٌ، فوجب تحقّقُ ظنّ عدمه كالصّبا والكفر\".\nولك أن تقول: إذا كان مانعًا فالأصل في المانع إذا شك [فيه] (^٥) عدمه.\nالشرح: \"قالوا: الفِسْق سبب للتثبُّت، فإذا انتفى انتفى\".\n\"قلنا: لا ينتفي إلا بالخبرة، أو التزكية\".\n\"قالوا: نحن نَحكم بالظَّاهر\".\n\"وردّ بمنع الظَّاهر\"، فإنا لا نسلّم أن ظاهر المستور العدالة، بل الأمران فيه مستويان، \"ويتحقق ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ [الإسراء: ٣٦] \".\n\"قالوا: ظاهر الصدق كإخباره بالزكاة، وطهارة الماء، ونَجَاسته ورقّ جاريته\".\nورُدَّ بأن ذلك\" ليس مما نحن فيه في شيء؛ فإنه ليس محل الخلاف، كما [قدمنا] (^٦)، بل هو \"مَقْبول مع\" تحقّق \"الفسق\"، \"والرواية أعلى رتبة\".\n_________\n(^١) في ت: وهذا إن.\n(^٢) سقط في ت.\n(^٣) في أ، ح: الراوي، وهو خطأ.\n(^٤) سقط في ت.\n(^٥) سقط في ب.\n(^٦) في ح: قدمناه.","vol":"2","page":384},{"text":"قُلْنَا: لا يَنْتَفي إِلَّا بِالْخِبْرَةِ أَوِ التَّزْكِيَةِ.\n<hr><s0>\n\nومن آثار الخلاف في المسألة قَبُول المخالفين رواية أبي سَهْل عن مسة الأزدية - وهما مجهولان - عن أم سلمة ﵂ أنها قالت: كانت النُّفَسَاءُ تقعد على عهد رسول الله ﷺ أربعين يومًا.\nفإن قلت: كيف قال الشافعي بانعقاد النكاح بحضور مستورين.\nقلت: هذا هو الذي به وقع الزَّلل لمن نقل عن الشَّافعي العمل بخبر المَسْتُور، واعلم أن لأصحابنا أوجهًا في ذلك:\nأحدها: لا ينعقد إلَّا بعدلين.\nقال إمام الحرمين في \"الأساليب\": وهو الوجه.\nوالثاني: ينعقد بهما، وهو ظاهر النص والصحيح (^١) أيضًا.\nوالثالث: إن كانا غريبين لم ينعقد النكاح بشهادتهما أصلًا، وإن كان الظّاهر العدالة، وقد عرفناهما وظننا بهما العدالة، ولم نبحث عن البَاطِنِ، فينعقد النِّكاح حينئذ.\nفعلى عدم الانعقاد لا سؤال، وعلى الانعقاد نقول: قبول الرواية.\nوإنما يتنزّل منزلة القضاء بالنِّكَاح، لا منزلة انعقاد النِّكَاح، والنكاح لا يقضى فيه التَّجاحد إلَّا بِعَدْلَيْنِ، فكذا الرواية.\nوأما انعقاده فلأن من أحضر المستورين لم يترك الاحتياط والحزم؛ لأنه يعدلهما عند الاحتياج إليهما، إذا آل الأمر إلى الترافع، بخلاف المنتصر على فاسقيْن، ولو بَانَ الشَّاهدان فاسقين حال العقد، فالنكاح باطل على المذهب.\nوقد ذهب إمام الحَرَمين في المستور إلى مقالة: أنا أحكيها، ثم أذكر ما عندي فيها.\nقال: رواية العدل مقبولة، ورواية الفاسق مردودةٌ، ورواية المستور موقوفة إلى اسْتِبَانة حالته، فلو كُنا على اعتقاد في حل شيء، فروى لنا مستور تحريمه، فالذي أراه وجوب\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله: والصحيح أيضًا، أي: هو الصحيح أيضًا؛ لأن مقابل الأصح صحيح؛ فليس شديد الضعف.","vol":"2","page":385},{"text":"قَالُوا: نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ.\n<hr><s0>\n\nالانكفَاف عما كنا نستحلّه إلى تمام البحث عن حال الرّاوي، قال: وليس ذلك حكمًا بالحظر [المترتب] (^١) على الرواية، وإنما هو توقّف في الأمر، والتوقّف في الإباحة يتضمّن الإعجاز وهو في معنى الحَظْر، فهو إذن حظر مأخوذ من قاعدة في الشَّريعة ممهّدة، وهي التوقُّف عند بدوّ ظواهر الأمور إلى استبانتها، فإذا ثبتت العَدَالة، فالحكم بالرواية إذ ذاك، انتهى.\nفأما قوله بالوقف في رواية المستور، فليس في الحقيقة إلّا نفس مذهبنا؛ فإنا لا نضرب صَفْحًا إذا روى لنا المستور خبرًا، ونتركه بالوراء نبحث عنه، والوقفة قائمة إلى استتمام البَحْثِ.\nوأمّا قوله: \"لو كُنَّا على اعتقاد في حلّ شيء\" إلخ.\nفقال ابن الأنباري في \"شرح البرهان\": هذا مجمع عليه.\nوأنا أقول: هذا في غاية من الإشكال، والوجه عندي. أنا إن كنا باقين على البراءة الأصلية وروى المستور التحريم، فلما قال الإمام: اتجاه ظاهر - وإن كان للمتعنّت أن يُنَازع فيه - وإن كان الحلّ مستندًا إلى دليل شرعي، فلا وجه للإحجام، كيف واليقين لا يرفع بالشّك؟\nويشهد لهذه التَّفرقة أنَّ أصحّ الوجهين أن من قال لامرأته: إن كنت حاملًا فأنت طالق؛ [أنه] (^٢) لا يحرم عليه وطؤها إلى أن يظهر الحمل؛ لأن الأصل عدمه، ولو قال: إن كنت حائلًا فالأصح: التحريم؛ لأن الأصل الحيال.\nوما ادّعاه ابن الأنباري من الإجماع لا أعرفه.\nوقد يستشهد لما نحن فيه بأن الصحيح فيمن ادّعى عينًا على رجل، وشهد له بها اثنان، وطلب الحَيْلُولة بينها، وبين المدّعى عليه إلى أن يزكى الشَّاهدان أنه يجاب، وإن ادعى دينًا حبس على أحد الوجهين، وصححه البغوي.\nولو شهد اثنان لعبد بأن سيده أعتقه، وطلب العبد الحَيْلُولةَ قبل التزكية، أجابه القاضي، وكذا إن لم يطلب، ورآها الحاكم على الأصح.\n_________\n(^١) في ح: المرتب.\n(^٢) في ح: لأنه.","vol":"2","page":386},{"text":"وَرُدَّ بِمَنع الظَّاهِرِ، وَبِنَحْوِ ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٣٦].\nقَالُوا: ظَاهِرُ الصِّدْقِ كَإِخْبَارِهِ بِالذَّكَاةِ وَطَهَارَةِ الْمَاءِ وَنَجَاسَتِهِ وَرِقِّ جَارِيَتِهِ.\nوَرُدَّ بِأنَّ ذَلِكَ مَقْبُولٌ مَعَ الْفِسْقِ، وَالرِّوَايَةُ أَعْلَى رُتْبَةً مِنْ ذَلِكَ.\n<hr><s0>\n\nوفي الأَمَةِ يتحتم الحَيْلُولة للبضغ، وكذا لو ادّعت المرأة الطَّلاق، يفرق الحاكم قبل التَّزكية.\n[وقال المَازِرِيّ (^١): فيما ذكره الإمام] (^٢): الأظهرُ عندي أن يناط الحكم فيه باجتهاد سامع الخبر، وما يتوسم من حال المخبر، وينقدح في نفسه من صدقه أو كذبه، وحال الفعل ومشقّة الكف عنه، أو سهولته وقوّة التحريم الذي رواه أو ضعفه، وما لاحظه من أصول الشَّرْع بخبره من قوّة أو ضعف إلى غير ذلك مما يعلمه المجتهدون.\nقلت: وهذا كلام مبني على قواعد المالكية، لا على أصولنا، ولا اتجاه له أيضًا على قواعدهم، وقدمنا معناه في \"التعليقة\".\nثم قال الإمام: لو فرض [فارض] (^٣) اليأس من حال الرَّاوي واليأس من البحث عنها، بأن يروي مجهول لم ينغمس في غِمَارِ النَّاس، ويعسر [العثور] (^٤) عليه، فهذه مسألة اجتهادية عندي، قال: والظاهر أنه لا تنقلب الإباحة تحت الانكفاف وتنقلب الإباحة كراهة.\nوقد وافقه المَازِرِيّ على ذلك.\nولك أن تقول: الحكم بالكَرَاهَةِ من دون دليل لا سبيل إليه، ثم إن المصير إليها مخالف لمقتضى الرواية؛ إذ مقتضاها، التحريم [و] (^٥) للدَّليل السَّابق؛ إذ قضيته استواء الطرفين، فإلى أي شيء يسند الكراهة؟\n_________\n(^١) في ب: الماوردي.\n(^٢) سقط في ت.\n(^٣) سقط في ح.\n(^٤) في ت: العبور.\n(^٥) سقط في أ، ب، ح.","vol":"2","page":387},{"text":"<span data-type='title' id=toc-525>\" الجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ\"</span>\nمَسْأَلَةٌ:\nالْأَكْثَرُ: أَنَّ الْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ يَثْبُتُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ فِي الرِّوَايَةِ دُونَ الشَّهَادَةِ وَقِيلَ: لَا فِيهِمَا. وَقِيلَ: نَعَمْ فِيهِمَا الأَوَّلُ شَرْطٌ فَلَا يَزِيدُ عَلَى مَشْرُوطِهِ كَغَيْرِهِ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"الأكثرون أن الجرح والتعديل يثبت بالواحد في الرواية دون الشَّهَادة\".\n\"وقيل: لا فيهما\"، وهو رأي القاضي (^١).\n\"وقيل: نعم فيهما\".\nاحتج \"الأوّل\" بأن كلا من وجود التعديل، وانتفاء الجرح \"شرط، فلا يزيد على [مشروطه] (^٢) لغيره\".\n\"قالوا\": الجَرْحُ والتعديل \"شهادة، فيتعدّد\" الجارح والمعدل كما في سائر الشهادات.\n\"وأجيب بأنه خبر\"، ولا يشترط التعدُّد في الأخبار.\n_________\n(^١) هذه المسألة في بيان أن الجرح والتعديل هل يثبت بواحد أم لا؟ اختلفوا فيه، فالأكثرون على أنهما يثبتان بواحد في الرواية دون الشهادة، وقال قوم: لا يثبت بواحد فيهما، بل لا بد من اعتبار العدد، وقال قوم: يثبت بواحد فيهما، وهو اختيار القاضي أبي بكر، والأشبه مذهب الأكثر؛ إذ لا نص ولا إجماع في هذه المسألة يدل على يقين أحد المذاهب، فلم يبق غير التشبيه والقياس، ولما كانت العدالة شرطًا في قبول الشهادة والرواية، فلا تزيد في إثباتها على مشروطها؛ إذ الشرط لا يزيد على مشروطه كما في غير محل النزاع، بل ينقض؛ فإن الإحصان يثبت بشاهدين دون الرجم، وإذا لم يزد كان إلحاقها بالمشروط في طريق إثباتها أولى من إلحاقها بغيره، وقد اعتبر العدد في قبول الشهادة دون الرواية، فكان الحكم في شرط كل واحد منهما ما هو الحكم في مشروطه. ينظر: الشيرازي ٢٦٣ ب/ خ، والرازي ٢/ ١/ ٥٨٥، والمستصفى ١/ ١٦٢، والبرهان ١/ ٥٦٢، والإحكام للآمدي ٢/ ٧٧، وشرح العضد ٢/ ٦٤، وتيسير التحرير ٣/ ٥٨، وفواتح الرحموت ٢/ ١٥٠، وحاشية البناني ٢/ ١٦٣، وإرشاد الفحول ٦٦، والمسودة ٢٧١.\n(^٢) في ح: مشرطه.","vol":"2","page":388},{"text":"قَالُوا: شَهَادَةٌ فَيَتَعَدَّدُ.\nوَأُجِيبَ بِأَنَّهُ خَبَرٌ.\nقَالُوا: أَحْوَطُ.\nأُجِيبَ بِأَنَّ الآخَرَ أَحْوَطُ وَالثَّالِثُ ظَاهِرٌ.\n<hr><s0>\n\nوقد [يؤخذ] (^١) من هذا أن الشهادة عنده ليست خبرًا، بل إنشاء - وفيه كلام لسنا له الآن.\nوالحق عندنا: أن الشهادة ذات شَائبتين من الخبر والإنشاء.\n\"قالوا\": اعتبار العَدَد فيهما \"أحوط\".\nو\"أجيب: بأن الآخر\" - أي: اعتبار عدم العدد - \"أحوط\"؛ لاحتمال تضييع الأمر والنهي عند عدم اعتبار قَوْلِ الواحد، وذلك حيث لا يكون في القضية غير راوٍ واحد.\n\"و\" المذهب \"الثَّالث\" دليله \"ظاهر\" من المذهبين.\nوهنا نذكر لك حَقِيْقَةَ الفرق بين الشَّهادة والرواية، فإنه مهم.\nوقد نقل القَرَافِي في \"الفروق\" أن المَازِرِيّ قال في \"شرح البرهان\": هما خبران غير أن المخبر عنه إن كان [عامًّا] (^٢) لا يختص بمعين، ولا ترافع فيه إلى الحكام فهو الرواية.\nوإن كان خاصًّا بمعين، والترافع فيه ممكن فهو الشهادة - ورأيت أنا كلام المَازِرِي - وبهذا فرق، غير أنه لم يذكر أنّ الشهادة خبر.\nوإذا وضح لك وجه الفَرْق بين الشَّهادة والرواية - لاح مناسبة اعتبار العدد في الشهادة استظهارًا، دون الرواية، [وثبتت] (^٣) على الأصلين التَّزكية فيهما.\nويحقق المُنَاسبة وجوه ذكرها شيخ الإسلام أبو محمد بن عبد السَّلام.\nأحدها: أن الغالب من المسلمين مهابة الكَذِبِ على وسول الله ﷺ بخلاف شهادة الزُّور، فاحتيج إلى الاستظهار فيها.\n_________\n(^١) في أ، ح: يوجد.\n(^٢) في ت، ح: عالمًا.\n(^٣) في ح: وثبت.","vol":"2","page":389},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nقَالَ الْقَاضِي: يَكْفِي الْإِطْلَاقُ فِيهِمَا.\nوَقِيلَ: لَا فِيْهِمَا.\n<hr><s0>\n\nوالثاني: أنه قد ينفرد بالحديث النبوي شاهد واحد، فلو لم يقبل لفات على أهل الإسلام تلك المَصْلحة العامة، بخلاف فوات حق واحد على شخص واحد في المُحَاكمات.\nوبهذا يظهر لك أن العمل بِتَزْكية الواحد في الرواية أحوط كما تقدم.\nوالثالث: أن بين كثير من المسلمين إحَنًا وَعَداوَات قد تحملهم على شهادة الزور، بخلاف الأخبار النبوية.\nوربما اضطرب النَّظر في فروع؛ لتردّدها بين الشهادة والرواية، فنشأ عنه خلاف في اشتراط العدد؛ كهلال رَمَضَان [والقَائِف] (^١)، والقَاسِم، وتُرْجُمَان القاضي، ونحو ذلك.\nومن فروع الفرق ما ذكره البَغَوِيّ، أنه لو أشكلت الحادثة على القاضي رجلًا، ثم رجع الراوي وقال: تعضدت الكذب ينبغي أن يجب القصاص؛ كالشّاهد إذا رجع، والذي ذكره القَفَّال في \"الفتاوى\"، والإمام: أنه لا قِصَاص، بخلاف الشَّهادة، فإنها تتعلّق بالحادثة، والخبر لا يختصّ بها.\n«مسألة»\nالشرح: هل يكفي الإطلاق في الجرح والتعديل، أم لا بد من ذكر سببهما؟\n\"قال القاضي: يكفي الإطلاق فيهما\" - كذا نصّ عليه في \"التقريب\" و\"مختصره\".\n\"وقيل: لا فيهما\".\n\"وقال الشَّافعي ﵁\": يكفي الإطلاق \"في التَّعديل\" دون الجَرْحِ.\n\"وقيل: بالعكس\" - ونقله الإمام في \"البرهان\" عن القاضي، وقال: إنه أوقع في مأخذ الأصول - ولا أعرف مستنده في عَزْوِه إلى القاضي.\n\"وقال الإمام: إن كان عالمًا\" بأسباب الجَرْح والتعديل، \"كفى\" الإطلاق \"فيهما، وإلا لم يكف\" - وتبعه الغَزَالي، والإمام الرازي وغيره.\n_________\n(^١) في ب: والعايف وهو تحريف.","vol":"2","page":390},{"text":"وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: فِي التَّعْدِيلِ.\nوَقِيلَ: بِالْعَكْسِ.\nوَقَالَ الْإِمَامُ: إِنْ كَانَ عَالِمًا كَفَى فِيهِمَا وَإلَّا لَمْ يَكْفِ.\nالْقَاضِي: وَإنْ شَهِدَ مِنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا وَفِي مَحَلِّ الْخِلَافِ مُدَلِّسٌ.\n<hr><s0>\n\nوعندي: أن هذا ليس مذهبًا خامسًا، فإنه لا يذهب محصل إلى قَبُول ذلك مطلقًا من رجل [غمر] (^١) جاهل لا يعرف ما يجرح به، ولا ما يعدل به - وقد أشار إلى هذا القاضي، وإنما موضع الخلاف إذا وقع ذلك من عالم.\nوإذا عرفت موضع الخلاف، فالمختار عندي في الشَّهادة، الفرق الذي ذهب إليه الشّافعي ﵁، وفي الرواية الاكتفاء بالإِطلاق في الجرح والتَّعديل جميعًا، إذا عرف هذا الجارح فيما يجرح به.\nالشرح: \"القاضي إن شهد من غير بَصِيرةٍ لم يكن عدلًا\"، وإن شهد بالعَدَالة \"و\" الفِسق \"في محل الخلاف\" - أي: في الموضع المختلف في أنه هل هو سبب الجرح، فهو \"مدلّس\" فلا يكون عدلًا؟\n\"وأجيب: بأنه قد يبنى على اعتقاده، ولا يرف الحال\"، فلا يكون مُدَلِّسًا.\nفإن قلت: سيقول: إن التَّدليس (^٢) لا يوجب الجرح على الأصح؛ وقضية كلامه هنا موافقة القاضي على أن التدليس جارح.\n_________\n(^١) في ت: عمر.\n(^٢) التدليس لغة: كتم العيب في المبيع ونحوه، أصله من الدلس بالفتح، وهو الظلمة أو اختلاط الظلام.\nوفي الاصطلاح: ينقسم إلى قسمين: تدليس الإسناد، وتدليس وصف الرجال: الأول: تدليس الإسناد، وفيه آراء:\nالأول: هو ما يرويه الراوي عمن عاصره مع إثبات اللقي أو إثبات اللقي والسماع مما لم يسمعه منه بصيغة \"عن\" وما شابهها.\nوهو المعتمد. =","vol":"2","page":391},{"text":"وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدْ يَبْنِي عَلَى اعْتقَادِهِ أَوْ لَا يَعْرِفُ الْخِلَافَ.\n<hr><s0>\n\nقلت: المراد بالتَّدْليس ثَمَّ غير المراد به هنا، فإن التَّدليس هنا وقع في موضع الحاجة لإيضاح، وهو الأماكن المختلف فيها، ولا كذلك ثَمَّ.\n_________\n= فقوله: (مع إثبات اللقي أو إثبات اللقي والسماع) خرج به المرسل الخفي.\nالثاني: هو أن يروى عمن سمع منه ما لم يسمع منه من غير أن يذكر أنه سمعه منه.\nوإليه ذهب الحافظ أبو بكر البزار وأبو الحسن القطان، فاشترطا مع ثبوت اللقاء ثبوت السماع.\nالثالث: هو ما يرويه الراوي عمن عاصره سواء لقيه أم لا، سمع منه أم لا، بصيغة (عن) وما شابهها.\nفيكون هو والمرسل الخفي سواء على الرأي الأول الذي ذكرناه للمرسل الخفي، فيشمل كل منهما الصور الثلاث.\nأما على الرأي الثاني للمرسل الخفي، فيكون هو الأعم، والمرسل الخفي هو الأخص.\nقال العراقي:\nتَدْلِيسُ الإسْنَادِ كَمَنْ يَسْقُطُ مِنْ … حَدِيثِهِ وَيَرْتَقِي بعَنْ وَأَنْ\nوَقَالَ يُوهِمُ اتِّصَالًا ....\nوالمعتمد أنهما متباينان، فالمرسل الخفي فيما إذا لم يثبت سماع ولا لقي، والتدليس فيما إذا ثبت اللقي أو اللقي أو السماع.\nوتدليس الإسناد أنواع:\nما يعرف بتدليس الإسناد فقط - وهو ما علمت.\nما يعرف بتدليس القطع، وهو كالأول غير أنه لا يذكر أداة بل يسمى الشيخ فقط فيقول: فلان.\nما يعرف بتدليس التَّسْوِية أو التجويد، وهو أن يذكر شيخه ويعمد لشيخ شيخه أو أعلى منه فيسقطه؛ لكونه ضعيفًا أو صغيرًا، ويرويه عن شيخ المحذوف الثقة بلفظ محتمل تحسينًا للحديث.\nما يعرف بتدليس العطف، وهو أن يعطف ما لم يسمع منه على شيخ سمع منه الحديث.\nما يعرف بتدليس السكوت، يقول: حدثنا، وسمعت، ويسكت ثم يقول: فلان.\nتدليس التورية كأن يقول: سمعته، يريد حديثًا آخر.\nتدليس الاستدراك كأن يقول: ليس فلان ذكره لكن فلان.\nالثاني: تدليس وصف الرجال، وهو ما يعرف بتدليس الشيوخ، وهو أن يروى عن شيخ حديثًا سمعه منه، فيسميه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف به كيلا يعرف.\nقال العراقي: [الرجز] =","vol":"2","page":392},{"text":"الثَّانِي: لَوِ اكَتَفَى لأُثْبِتَ مَعَ الشَّكِّ لِلالْتِبَاسِ فِيهِمَا.\nأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا شَكَّ مَعَ إِخْبَارِ الْعَدْلِ.\nالشَّافِعِيَّةُ: لَوِ اكْتَفَى فِي الْجَرْحِ لأَدَّى إِلى التَّقْلِيدِ لِلاخْتِلَافِ فِيهِ.\nالْعَكْسُ: الْعَدَالَةُ مُلْتَبِسَةٌ لِكَثْرَةِ التَّصَنُّعِ بِخِلَافِ الْجَرْحِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"الثاني: لو اكتفى لا يثبت مع الشَّك؛ للالتباس فيهما\".\nو\"أجيب: بأنه مع إخبار العدالة.\nوبهذا يعرف أن الكلام في العدل [العارف] (^١)، وإلا فالشَّك قائم عند الجهل.\nالشرح: الشَّافعية: لو اكتفى بالجرح لأدى إلى التقليد؛ للاختلاف فيه\"، فكم من صفةِ جارحة عند قوم غير جارحة عند آخرين.\nوبهذا فرقت [أنا] (^٢) بين مَنْ يَعْلم ماذا [يجرح] (^٣) به؟ ممن لا يعلم، وأرى أنه رأى الشَّافعي، فإنه إذا عرف رأي الجارح في الجرح لم يعد إلى التقليد.\nالشرح: \"العكس العدالة مُلْتَبِسَة لكثرة التصنع، بخلاف الجرح\" (^٤).\n_________\n= أَنْ يَصِفَ الشَّيْخَ بمَا لَا يُعْرَفُ … وَذَا بِمَقْصِدٍ يَخْتَلِفُ\nفَشَرُّهُ لِلضَّعْفِ وَاسْتِصْغَارَا … وَكالْخَطِيبِ يُوهِمُ اسْتِكْثَارا\nينظر: محاسن الاصطلاح ١٦٧، والتقييد والإيضاح (٩٥)، وفتح المغيث للسخاوي ١/ ١٦٩، والباعث الحثيث (٥٣)، وتدريب الراوي ١/ ٢٢٣، وفتح الباقي ١/ ١٧٩، والقارئ على النخبة (١١٥) وتوضيح الأفكار ١/ ٣٤٦، ونزهة النظر ص (٤٥).\n(^١) في ب: الغارق، وهو تحريف.\n(^٢) في ت، ح: أما.\n(^٣) في أ: يخرج.\n(^٤) هذه حجة عكس مذهب الشافعي، وهو أنه يكتفي بالإطلاق في الجرح دون التعديل، تقريرها أن العدالة ملتبسة يتعسر الاطلاع عليها لكثرة التصنع، فرب رجل أظهر صلاحية بالتصنع بخلاف الجرح؛ فإنه لا يمكن التصنع فيه، فلا بد في العدالة من ذكر سببها لرفع الالتباس، =","vol":"2","page":393},{"text":"الْإِمَامُ: غَيْرُ الْعَالِمِ يُوجِبُ الشَّكَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-528>مَسْأَلَةٌ:\nالْجَرْحُ مُقَدَّمٌ. وَقِيلَ: التَّرْجِيحُ.</span>\n<hr><s0>\n\nوجوابه: أن العدالة تحتاج إلى أمور يتعذر ضبطها وذكرها، أو يتعسّر، بخلاف الجرح، فاعتمد على العدل، ومَنْ يلتبس عليه، ولا يختبر فَلَيْسَ بصالح للتزكية، ولا كلام فيه.\nالشرح: \"الإمام: غير العالم يوجب الشَّك\"، وهو صحيح، لكنه ليس في مَحَلّ الخلاف كما عرفت (^١).\n«مسألة»\nالشرح: \"الجرح مقدَّمٌ\" - عند التعارض على التّعديل (^٢).\n_________\n= ولا يجب ذكره في الجرح؛ لعدم الالتباس، واحتج الإمام بأن المعدل والجارح إن كان غير عالم ولم يذكر السبب فيهما يكون قوله موجبًا للشك؛ لأنه إذا كان غير عالم احتمل أن يجعل ما هو موجب للجرح موجبًا للعدالة وبالعكس؛ فلم يحصل الجزم بتعديله ولا بجرحه. قاله الأصفهاني في شرحه على المختصر.\n(^١) الأمر يختلف بالمعدل والجارح، فإن كان إمامًا مرموقًا بالصناعة لا يليق به إطلاق القول بالتعديل إلا عند الثقة الظاهرة، فمطلق ذلك كاف منه؛ فإنا نعلم أنه لا يطلقه إلا عن بحث واستفراغ وسعة في النظر، فأما من لم يكن من أهل هذا الشأن وإن كان عدلًا، فلا بد من البحث في الأسباب، وإبداء المباحثات التامة، والجرح أيضًا يختلف باختلاف أحوال من يجرح، فالعامى الخالي عن التحصيل إذا جرح ولم يفصل، فلا يكترث بقوله، فأما من تبين أن جرحه المطلق يخرم الثقة، فمطلق جرحه كاف في اقتضاء التوقف. هذا لفظه، والغرض من إيراده أن المصنف عبر عن هذا المذهب - أعني عن دليله - بأن إطلاق غير العالم يوجب الشك، فعليك تنزيله عليه. ينظر الشيرازي ٢٦٥ أ/ خ. وينظر: المحصول (٢/ ٨٧/١)، والبرهان ١/ ٦٢١، والمستصفى ١/ ١٦٣، وتيسير التحرير ٣/ ٦١، والمسودة ٢٦٩، وفواتح الرحموت ٢/ ١٥١، وأصول السرخسي ٢/ ٩.\n(^٢) قال صاحب التحرير. إذا تعارض الجرح والتعديل فالمعروف مذهبان: تقديم الجرح مطلقًا، سواء أكان المعدلون أقل من الجارحين أم مثلهم أم أكثر منهم. نقله الخطيب عن جمهور العلماء، وصححه الرازي والآمدي وابن الصلاح وغيرهم، وهو المختار. والتفصيل بين =","vol":"2","page":394},{"text":"لَنَا أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَوَجَبَ، أَمَّا عَنْدَ إِثْبَاتِ مُعَيَّنٍ وَنَفْيهِ بِالْيَقِينِ فَالتَّرْجِيحُ.\n<hr><s0>\n\n\"وقيل\": يطلب \"الترجيح\".\n_________\n= تساوي المعدلين والجارحين، فكذلك يقدم الجرح والتفاوت بين الجارحين والمعدلين في المقدار، فيترجح الأكثر من الفريقين على الأقل منهما، فأما وجوب الترجيح لأحدهما على الآخر بمرجح مطلقًا أي سواء تساويا أو كان أحدهما أكثر كنقل ابن الحاجب فقد أنكر بناء على حكاية القاضي أبي بكر الباقلاني الإجماع على تقديم الجرح عند التساوي لولا تعقب المازري الإجماع بنقله عن عالم مالكي يشهر بـ \"ابن شعبان\" أنه يطلب الترجيح في سورة التساوي، ولا يقدم الجرح فيها مطلقًا. لولا هذا التعقيب لحكمنا ببطلان ما نقله ابن الحاجب قطعًا، لكن ابن شعبان غير مشهور، ولا يعرف له تابع فضلًا عن الاتباع؛ فلا ينفى قول ابن شعبان الإجماع.\nوأما قول شارح ابن الحاجب، وهو القاضي عضد الدين أن التعديل مقدم، فغير مسلم؛ إذ لا يعرف قائل بتقديم العديل مطلقًا.\nومحل الخلاف عند إطلاق الجرح والتعديل بلا تعيين سبب أو عند تعيين الجارح سببًا لم ينفه المعدل، أو نفاه بطريق غير يقيني. أما إذا عين الجارح سبب الجرح بأن قال: قتل فلانًا يوم كذا مثلًا، ونفاه المعدل يقينًا بأن قال: رأيته حيًا بعد ذلك اليوم، فالتعديل مقدم على الجرح اتفاقًا. وكذا يقدم التعديل على الجرح لو قال المعدل: علمت ما جرح به الشاعر أو الراوي وإن المجروح تاب عنه. اهـ.\nوفي الفقه: إذا جرح الشهود واحد من المزكين وعدلهم اثنان منهم قدم التعديل على الجرح؛ لقيام نصاب الشهادة فيه، وإن عدلهم أكثر من اثنين وجرحهم اثنان قدم الجرح لبلوغ كل نصاب الشهادة، ولا عبرة بالزائد. والجرح مقدم لإثباته خلاف الأصل، وإن جرحهم واحد وعدلهم واحد فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف: الجرح أولى؛ لاعتماده خلاف الظاهر. وقال محمد بالتوقف حتى يعدلهم أو يجرحهم آخر، فيترجح أحد الجانبين. هذا كله على مذهب أبي حنيفة وأصحابه.\nوعند المالكية: لو عدل شاهدان رجلا وجرحه آخران ففي ذلك قولان؛ قيل: يقضي بأعدلهما: لاستحالة الجمع ينهما. وقيل: يقضي بشهود الجرح؛ لأنهم زادوا على شهود التعديل؛ إذ الجرح مما يبطن فلا يطلع عليه كل الناس. ينظر: المحصول ٢/ ٥٨٩/١، وإرشاد الفحول ١٦٨، والإحكام للآمدي ٢/ ٧٩، والمستصفى ١/ ١٦٣، وشرح العضد ٢/ ٦٥، والمسودة ٢٧٢، وشرح الكوكب ٢/ ٤٣٠، وحاشية البناني ٢/ ١٦٤، وفواتح الرحموت ٢/ ٥٤.","vol":"2","page":395},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nوحُكْمُ الْحَاكِمِ الْمُشْتَرِطِ العَدَالَةَ [في الشَّهَادَةِ] بالشَّهَادَةِ: تعْدِيلٌ بِاتِّفَاقٍ، وَعَمَلُ الْعَالِمِ مِثْلُهُ.\n<hr><s0>\n\nوهذا الخلاف جار فيما إذا كثر عدد المعدّلين، [وقل] (^١) عدد الجارحين بلا ريب، وجار أيضًا عند تساويهما؛ كما حكاه المَازِرِيّ عن ابن شعبان من المالكية.\nولكن القاضي نقل في \"التقريب\" الإجماع على تقديم الجرح هنا، وتعقبه المَازِرِيّ بما حكاه عن ابن شعبان.\nولا جريان للخلاف فيما: إذا كان عدد الجارحين أكثر، بل يقدم الجرح بلا رَيْبٍ \"لنا أنه\".\nأي: العمل بالجرح - \"جمع بينهما، فوجب\" المصير إليه.\nوالدليل على \"أنه جمع بينهم\"؛ أنه إذا لم يعيّن الجارح سبب الجرح.\nوقلنا: يقبل الجرح مطلقًا أو عينه ولم ينفه المعدل أو نفي بطريق غير يقيني، فالأخذ بالجرح لا ينفي سبق العَدَالة، فكان العمل به جمعًا بينهما فوجب، وأما إن نفاه المعدل بطريق يقيني، فالعَمَل بالجرح لا جمع فيه، وإذا لم يكن الجمع فيه فلا بد من الترجيح، وإليه أشار بقوله: \"إما عند إثبات\"، \"معيّن ونفيه باليَقِينِ فالتَّرْجيح\" وكان عنده أن هذه الصورة ليست من محل الخلاف، وإلَّا فكان يجعل ما اختاره مذهبًا ثالثًا، والأظهر أنها من مواقع الخلاف.\n«مسألة»\nالشرح: \"حكم الحاكم المشترط العدالة في الشهادة بالشهادة. تعديل باتفاق وعمل العالم\". المشترط العدالة في الرواية بالرّواية \"مثله\" (^٢).\n_________\n(^١) في ح: وقد.\n(^٢) هذه المسألة في بيان أن الطرق الظنية للجرح والتعديل، وإنما ترك الطرق الصريحة لظهورها.\nوينظر: البرهان ١/ ٦٢٤، والمحصول ٢/ ١/ ٥٩٠، وشرح العضد ٢/ ٦٦، والمستصفى ١/ ١٦٣، والمنخول ٢٦٤، والإحكام ٢/ ٧٩، والمسودة ٢٧٢، وتيسير التحرير ٣/ ٥٠، وفواتح الرحموت ٢/ ١٤٩، وإرشاد الفحول (٦٧)، وحاشية البناني ٢/ ١٦٤.","vol":"2","page":396},{"text":"وَرِوَايَةُ الْعَدْلِ: ثَالِثُهَا الْمُخْتَارُ تَعْدِيلٌ إِنْ كَانَتْ عَادَتُهُ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إِلَّا عَنْ عَدْلٍ\n<hr><s0>\n\n\"ورواية العدالة\" - عن شخص، هل يكون تعديلًا لذلك الشخص؛ فيه مذاهب:\n\"ثالثها المختار: تعديل إن كان عادته أنه لا يروي إلا عن عدل\"؛ كالبُخَاري ومسلم، وابن خزيمة، والحاكم في المستدرك، \"وليس من الجرح ترك العمل في شهادة ولا رواية، لجواز معارض\" - من أجله ترك التارك العمل بالشهادة، أو الرواية [لا] (^١) لأن الشَّاهد أو الراويِ مجروح.\nفإن فرض ارتفاع المَوانع بأسرها، وكان مضمون الخبر وجوبًا، فتركه يكون حينئذ جرحًا قاله القاضي في \"التقريب\"، وهو واضح.\n\"ولا\" يعد من الجرح \"الحد\" - أي: حدّ الشاهد - \"في شهادة الزِّنا (^٢)، لعدم\n_________\n(^١) سقط من ب.\n(^٢) يثبت الزنا بأحد أمور: الأول: الإقرار.\nإذا أقر الزاني على نفسه بالزنا، ولو مرة أقيم الحدُّ عليه، والدليل على ذلك ما في حديث أبي هريرة، وزيد بن خالد ﵄ من قوله ﷺ: \"واغْدُ يَا أَنِيسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْترَفَتْ فَارْجُمْهَا قَالَ: فَغَدَا عَلَيهَا فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرُجِمَتْ\" رواه الجَماعة.\nوبما أخرجه \"مسلم\"، و\"الترمذي\"، و\"أبو داود\"، و\"النسائي\"، و\"ابن ماجة\" من حديث عبادة بن الصامت ﵁ أنه ﷺ رَجَمَ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ وَلَمْ تُقِرّ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً. وبحديث الغامِدِيَّةِ حيث قالت للنبي ﷺ: أَتُرِيدُ أنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزًا. وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهَا.\nفلو كان تربيع الإقرار شرطًا كما يقوله الحنفية لقال لها: إنما رددته لكون لم يقر أربعًا، وهذه الواقعة ثبتت بعد واقعة ماعز.\nوالحنفية، والحنابلة يشترطون أن يكون الإقرار أربع مرات، وأن تكون في مجالس متفرقة.\nثانيًا: البينة:\nوكما يثبتُ الزِّنا بإقرار الزاني، واعترافه كذلك يثبت بالبينة، ولها شروط:\n١ - أن تكون بشهادة أربعة، بخلاف سائر الحقوق؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ فإن شهد ثلاثة بالزنا، وقال الرابع: رأيته بين فخذيها حد الثلاثة حد القذف، وأدب الرابع.\n٢ - وأن تكون شهادتهم بصريح اللفظ. =","vol":"2","page":397},{"text":"وَلَيْسَ مِنَ الْجَرْحِ تَرْكُ الْعَمَلِ فِي شَهَادَةٍ وَلَا رِوَايَةٍ لِجَوَازِ مُعَارِضٍ وَلَا الْحَدُّ فِي شَهَادَةِ الزِّنَا لِعَدَمِ النِّصَابِ وَلَا بِمَسَائِلِ الاِجْتِهَادِ وَنَحْوِهَا مِمَّا تَقَدَّمَ وَلَا بِالتَّدْلِيسِ عَلَى الْأَصَحِّ كَقَوْلِ مَنْ لَحِقَ الزُّهْرِيُّ قَالَ الزُّهْرِيُّ مُوهِمًا أَنَّهُ سَمِعَهُ. وَمِثْلُ وَرَاء النَّهْرِ يَعْنِي غَيْرَ \"جَيْحَان\".\n<hr><s0>\n\nالنِّصَاب\"، فَرُبَّ عدل يحد إذا شهد بالزنا، وذلك إذا لم يكمل النصاب، ولا يخرجه الحد عن العدالة.\n\"ولا بمسائل الاجتهاد ونحوها مما تقدّم\"؛ كالحنفي بشرب النَّبِيذِ.\n\"ولا\" يرد \"بالتدليس على الأصح، كقول من لحق الزّهري قال الزهري موهمًا أنه سمعه\".\n\"ومثل وراء النهر يعني جيحان\".\nولا يشترط في الآخر اللقي، بل يكفي المُعَاصرة؛ لأن احتمال السماع قائم معها، ثم ما رواه بلفظ محتمل لم يبين فيه السَّماع، والإيصال حكمه حكم المرسل، وما بينه يقبل منه؛ لأن التدليس غير قادح.\n_________\n=٣ - أن يكونوا رجالًا.\n٤ - وأن يكونوا عدولًا.\n٥ - أن يرونه كالمرود في المكحلة، وكالرشاء في البئر.\n٦ - ألا يختلف مكان، ولا زمان الرؤية.\nخلافًا \"لأبي حنيفة\" حيث قال: يكفي أن يشهد كل من الأربعة أنه رآها في زاوية من البيت.\nثالثًا: بظهور الحمل في المرأة التي لا يعرف لها زوج يلحق به الولد، بأن لم يكن لها زوج أصلًا، أو كان لها زوج لكن لا يلحق به الولد كما لو كان صبيًا أو مجنونًا، وفي الأمة التي لا سيد لها يقر بوطئها بأن أنكر وطأها.\nوإذا ثبت الزنا بظهور الحمل وجب إقامة الحد على هذه المرأة أو هذه الأمة. وإذا عقد الرجل على امرأة أو على أمة ثم أتت بولد لستة أشهر فلا حد عليها؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ وقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ فالحمل يكون ستة أشهر، وهو أقله.\nفإذا أتت به لدون ستة أشهر وجب عليها الحد. والله أعلم.","vol":"2","page":398},{"text":"<span data-type='title' id=toc-530>\" عَدَالَةُ الصَّحَابَةِ\"</span>\nمَسْأَلَةٌ:\nالأَكْثَرُ: عَلَى عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ.\n<hr><s0>\n\nومن التدليس نوع أخف من هذا، وهو أن يروى عن شيخ حديثًا سمعه منه، فيسميه أو يكتبه أو يصفه بما لا يعرف كي لا يعرف، وهذا إن كان بحيث لو سُئِل عنه بينه، فلا خلاف في أنه لا يقدح، وإلا فذكر ابن السمعاني: أنه يقدح.\nوكل هذا في مدلس الإسناد.\nأما من يدلس في المُتُون، فذاك مَطْرُوح مجروح بلا خلاف، وهو ممن يحرف الكلم عن مواضعه.\n«مسألة»\nالشرح: \"الأكثر على عدالة الصَّحابة.\nوقيل: كغيرهم.\nوقيل: إلى حين الفِتَنِ\"، \"فلا يُقبل الداخلون؛ لأن الفاسق غير معين\" (^١)\n_________\n(^١) هذه المسألة في بيان عدالة الصحابة، وقد اختلفوا فيها، فالذي عليه أكثر أئمة السلف وجماهير الخلف أنهم عدول، وقال قوم: حكمهم في العدالة حكم غيرهم في لزوم البحث عن عدالتهم عند الرواية منهم، وقال قوم آخرون: إنهم لم يزالوا عدولًا إلى حين ما وقع الاختلاف والفتن فيما ينهم، وهو آخر عهد عثمان ﵁، فلا يقبل قول الداخلين.\nفالصحابة بأسرهم خصيصة، وهي أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم، وذلك أمر مسلم به عند العلماء؛ لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأمة. قال الله ﵎: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾.\nوفي نصوص السنة الشاهدة بذلك كثرة، منها حديث أبي سعيد المتفق على صحته أن =","vol":"2","page":399},{"text":"وَقِيلَ: كَغَيْرِهِمْ.\nوَقِيلَ: إِلَى حِينِ الْفِتَنِ، فَلَا يُقْبَلُ الدَّاخِلُونَ؛ لأَنَّ الْفَاسِقَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ.\nوَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: عُدُولٌ إِلَّا مَنْ قَاتَلَ عَلِيًا ﵁.\n<hr><s0>\n\n\"قالت المعتزلة عدول إلا من [قاتل] (^١) عليًا ﵁\".\n\"لنا: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [سورة الفتح: الآية ٢٩].\nمنحهم الله تعالى على فضلهم.\nوما روى من قوله ﷺ: \"أَصْحَابِي كالنُّجُومِ\" بأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ\"، وقد سبق كلامنا على هذا الحديث، \"وما تحقق التواتر عنهم في الجِدّ من الامتثال\" للمأمورات والمنهيات.\n\"وأما الفتن، فتعمل على اجتهادهم\".\n\"ولا إشكال بعد ذلك\" كل واحد من \"قول المُصَوّبة وغيرهم\".\nأما على قول التَّصويب؛ فلأن كلًا مصيب، وأما على أن المصيب واحد؛ فلأن الآخر مأجور غير مأثوم.\nوالقول الفصل، أمّا نقطع بعدالتهم من غير الْتِفَاتٍ إلى هذيان الهاذين، وزيغ المبطلين، وقد سلف اكتفاؤنا في العدالة بتزكية الوَاحِدِ منا، فكيف بمن زَكّاهم علام الغيوب\n_________\n= رسول الله ﷺ قال: (لا تسبوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) ومنها حديث عبد الله بن مغفل عند الترمذي وابن حبان في صحيحه قال: قال رسول الله ﷺ: (الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه). ينظر: الشيرازي ٢٦٧ ب/ خ، والبحر المحيط للزركشي ٤/ ٢٩٣، والبرهان لإمام الحرمين ١/ ٦٢٦، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٢/ ٨١، ونهاية السول للأسنوي ٣/ ١٧٦، وزوائد الأصول له ٣٣١، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ١٠٤، والمنخول للغزالي ٢٦٦، والتحرير لابن الهمام ٣٢٥، وتيسير التحرير لأمبر بادشاه ٣/ ٦٤.\n(^١) في أ: قابل، وهو تحريف.","vol":"2","page":400},{"text":"لَنَا ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٦٤] \"أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ\". وَمَا تحَقَّقَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْهُمْ مِنَ الْجِدِّ فِي الاِمْتِثَالِ. وَأَمَّا الْفِتَنُ فَتُحْمَلُ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ وَلَا إِشْكَالَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَي الْمُصَوِّبَةِ وَغَيْرِهِمْ.\n<hr><s0>\n\nالذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في الأرض، ولا في السماء في غير آية، وأَفضل خلق الله الذي عصمه الله عن الخطأ في الحركات والسكنات - محمد ﷺ في غير حديث، ونحن نسلم أمرهم، فيما جرى بينهم إلى ربهم جَل وعلا، ونبرأ إلى الملك - سبحانه - ممن يطعن فيهم ونعتقد الطاعن علي ضَلَالٍ مهين، وخسران مبين، مع اعتقادنا أن الإمام الحَقّ كان عثمان ﵁، وأنه قتل مظلومًا، وحمى الله الصَّحابة من مُبَاشرة قتله، فالمتولي قتله كان شيطانًا مريدًا، ثم لا يحفظ عن أحد منهم الرِّضا بقتله، إنما المحفوظ الثابت عن [كل] (^١) منهم إنكار ذلك.\nمسألة الأخذ بالثأر اجتهادية، رأى علي - كرم الله وجهه - التأخير مصلحة، ورأت عائشة ﵂ البدار مصلحة، وكل جرى على وفق اجتهاده، وهو مأجور - إن شاء الله تعالى.\nثم كان الإمام الحق بعد ذي النورين عثمان ﵁ علي كرم الله وجهه، وكان معاوية ﵁ متأولًا هو وجماعة.\n[وفيهم] (^٢) من قعد عن الفريقين، وأحجم عن الطائفتين لما أشكل الأمر، وكل عمل بما أداه إليه اجتهاده، والكُلّ عدول ﵃ وهم نقلة هذا الدين، وحملته الذين بأسيافهم ظهر وبألسنتهم انتشر، ولو تلونا الآسى وقصصنا الأحاديث في تفضيلهم - لطال الخِطَابُ.\nهذه كلمات، من اعتقد خلافها كان على زَلَلٍ وبدعة، فَلْيُضْمر ذو الدين هذه الكلمات، عقدًا، ثم ليكف عما جرى بينهم، فتلك دماء طهّر الله منها أيدينا، فلا نلوّث بها ألسنتنا.\n_________\n(^١) في ت: كثيرًا.\n(^٢) في أ، ت: فهم، وهو تحريف.","vol":"2","page":401},{"text":"<span data-type='title' id=toc-531>\" التَّعْرِيفُ بِالصَّحَابِيِّ وَحُكْمُ مَرْوِيَّاتِهِ\"</span>\nمَسْأَلَةٌ:\nالصَّحَابِيُّ: مَنْ رَأَى النَّبِيِّ ﵊ وَإِنْ لَمْ يَرْوِ وَلَمْ تَطَلْ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"الصّحابي (^١): من رآه ﵇ وإن لم يَرْو عنه، ولم تَطُلْ\" صحبته.\n_________\n(^١) هذه المسألة في بيان معنى \"الصحابي\"، مذهب أكثر أصحابنا وأحمد بن حنبل إلى أن الصحابي من رأى النبي ﷺ أي: من صحبه لحظة، وإن لم يختص به اختصاص المصحوب، وطالت مدة صحبته، وإن لم يرو عنه. وذهب عمر بن يحيى إلى أن الصحابي من اجتمع فيه مع الصحبة الطويلة المفيدة اختصاص الرواية عنه.\nوالمحققون من أهل الحديث، كالبخاري وأحمد بن حنبل على أن الصحابي من لقي النبيّ ﷺ وهو مميز مؤمنًا به، ومات على الإسلام، طالت مجالسته له أو قصرت، روى عنه أو لم يرو، غزا معه أو لم يغز. قال البخاري في صحيحه: من صحب النبيّ ﷺ أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه اهـ. وقال أبو المظفر السمعاني: أصحاب الحديث يطلقون اسم الصحابي على كل من روى عنه ﷺ حديثًا أو كلمة، ويتوسعون حتى يعدون من رآه رؤية من الصحابة. وهذا لشرف منزلة النبيّ ﷺ أعطوا كل من رآه حكم الصحبة. وذكر أن اسم الصحابي من حيث اللغة والظاهر يقع على من طالت صحبته للنبي ﷺ وكثرت مجالسته له على طريق التبع له والأخذ عنه قال: وهذا طريق الأصوليين اهـ.\nوقال ابن الصلاح في مقدمته: روينا عن شعبة عن موسى السيلاني - وأثنى عليه خيرًا - قال: أتيت أنس بن مالك فقلت: هل بقي من أصحاب رسول الله ﷺ أحد غيرك، قال: بقي ناس من الأعراب قد رأوه، فأما من صحبه فلا. إسناده جيد حدث به مسلم بحضرة أبي زرعة اهـ. وهذا القول قريب من قول الأصوليين.\nويعرف كون الراوي صحابيًا: أولًا بالتواتر كما في الخلفاء الأربعة، أو بالاستفاضة والشهرة القاصرة عن التواتر، كما في ضمام بن ثعلبة وعكاشة بن محصن.\nأو بأن يروى عن آحاد الصحابة أنه صحابي، كما في حممة بن أبي حممة الدوسي الذي مات بـ\"أصبهان\" مبطونًا؛ فإن أبا موسى الأشعري شهد له أنه سمع النبيّ ﷺ.\nأو بقوله وإخباره عن نفسه بأنه صحابي بعد ثبوت عدالته ومعاصرته للنبي ﷺ.\nوكذلك تعرف الصحبة بإخبار أحد التابعين أن فلانًا من الصحابة؛ بناء على قبول التزكية من =","vol":"2","page":402},{"text":"وَقِيلَ: إِنْ طَالَتْ.\nوَقِيلَ: إِنِ اجْتَمَعَا.\nوَهِيَ لَفْظيَّةٌ وَإِنِ انْبَنى عَلَيْهَا مَا تَقَدَّمَ.\n<hr><s0>\n\nوالضمير في \"رآه\"، يحتمل أن يكون عائدًا إلى النبي ﷺ وهذه العبارة محتملة؛ لأن يريد [بها] (^١) أن الصحابي من رأى النبي ﷺ، ويلزم على هذا أن من كان أعمى لا يصحّ له صحبة، ولا رَيْبَ في صحّة صحبة ابن أم مكتوم (^٢) وغيره من الأضراء، وليس المراد بالرُّؤية إلا رؤية البَصَرِ، فيحتاج حينئذ إلى اعتذار عن ذَوِي العَمَى؛ لأن يكون النبي ﷺ فاعل رأى، أي: من رآه محمد ﷺ مسلمًا فهو صحابي.\nويلزم على هذا أن مسلمًا لو وقع بَصَرُهُ على طَلْعَةِ المصطفى ﷺ من غير أن ينظره النبي ﷺ لا يكون صحابيًّا، وكلامهم يقتضي خلافه.\nوما ذهب إليه من أن الصَّحابي من رأى وإن لم يَرْو ولم تَطُل، هو رأى ذوي الحق من الشافعية وغيرهم.\n\"وقيل: إن طالت\".\n\"وقيل: إن اجتمعا\" - أي: اجتمع الطول [والرؤية] (^٣)، أو اجتمع الرجل بالنبي ﷺ\n_________\n= الواحد العدل، وهو الراجح. ينظر: الشيرازي ٢٩٨ أ/ خ، والإحكام للآمدي ٢/ ٨٢، والمستصفى ٢/ ٦٥، والمسودة ٢٩٢، وشرح الكوكب المنير ٢/ ٤٦٥، وحاشية البناني ٢/ ١٦٥، وجمع الجوامع ٢/ ١٦٥، ونهاية السول ٣/ ١٧٨، وتيسير التحرير ٣/ ٦٦، وكشف الأسرار ٢/ ٣٨٤، وفواتح الرحموت ٢/ ١٥٨، وشرح العضد ٢/ ٦٧، والمعتمد ٢/ ٦٦٦، وإرشاد الفحول ٧٠، وينظر: مقدمتنا على الإصابة، والاستيعاب وأسد الغابة.\n(^١) سقط في ح.\n(^٢) عمرو بن أم مكتوم، زائدة بن جُنْدُب بن هَرِم بن رَوَاحة بن حُجْر بن عبد بن مُعَيْص بن عامر بن لُؤَي العامري، الأعمش المؤذن. هاجر إلى المدينة، واستخلف على المدينة ثلاث عشرة نوبة. وعنه أنس وَزِرّ بن حُبَيْش. استشهد يوم القادسية وكان اللواء بيده. ينظر: تجريد أسماء الصحابة ١/ ٤٠٦، وتاريخ البخاري الصغير ١/ ٢٦، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٢٨٥، وتقريب التهذيب ٢/ ٧٩، وتهذيب التهذيب ٨/ ١٠٦ (١٧٢)، وتهذيب الكمال ٢/ ١٠٣٣.\n(^٣) في ح: الرواية.","vol":"2","page":403},{"text":"لَنَا: يَقْبَلُ التَّقْيِيدَ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثيرِ فكَانَ لِلْمُشْتَرَكِ كَالزِّيَادَةِ وَالْحَدِيثِ، وَلَوْ حَلَفَ أَلَّا يَصْحَبَهُ حَنِثَ بِلَحْظَةٍ.\nقَالُوا: \"أَصْحَابُ الْجَنَّةِ\"، [و] \"أَصْحَابُ الْحَدِيثِ\" لِلْمُلَازِمِ.\n<hr><s0>\n\nوهذا عندي أوجهُ وأصحُّ.\nفلو قيل: الصحابي من اجتمع بالنبي ﷺ لكان تعريفًا حسنًا، والاجتماع أعمّ من الرِّوَاية والمُجَالسة والمحادثة، ولا يرد على هذا الأعمى؛ لحصول الاجتماع له.\n\"وهي\" مسألة \"لفظية، وإن ابتنى عليها ما تقدّم\" في عدالة الصَّحَابة، وفي كونها لفظيّة مع ابتناء ما مضى عليها نظر ظاهر.\n\"لنا: الصُّحبة \"تقبل التقييد بالقليل والكثير، فكَانَ\" وضعها \"للمشترك\" بينهما كالزيادة والحديث\".\nتقول: زُرْته وحدثته، وإن لم تزره إلا مرة [واحدة] (^١)، ولم تحدثه إلا كلمة.\nولقائل أن يقول: سلّمنا انقسام الصُّحبة إلى القليل والكثير، ولكن لم قلتم: إن [الرؤيا صحبة؟.\nوأيضًا \"لو حلف لا يصحبه حَنِث بلحظة\" - كذا قال المصنف، وما أظن] (^٢) أصحابنا يسمحون بذلك.\nوقضية مذهبهم رَدّ الأمر في اليمين إلى العرف، وذلك شيء غير ما نحن فيه، ثم إن هذا لا يُجْديه نفعًا؛ لأن من حلف ألا يصحبه بحيث يلحظه؛ لتحقّق الصحبة، لا لحصول (^٣) الرواية.\nفأول ما ينبغي له أن يثبت أن الرؤية صحبة، ثم لا يحتاج إلى شيء، وذلك لم يثبت بعد.\nالشرح: \"قالوا\": يقال: \"أَصْحَاب الجَنَّة\"، \"و\" يقال: \"أصحاب الحديث للملازم\" الجنّة، والحديث دون غيره، وحينئذ فالصُّحبة لخصوص المُلَازمة.\n_________\n(^١) سقط في ب.\n(^٢) سقط في ت، ح.\n(^٣) في ب، ت: بحصول.","vol":"2","page":404},{"text":"قُلْنَا: عُرْفٌ فِي ذَلِكَ.\nقَالُوا: يَصِحُّ نَفْيُهُ عَنِ الْوَافِدِ وَالرَّائِي.\nقُلْنَا: نَفْيُ الْأَخَصِّ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الأَعَمِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-533>مَسْأَلَةٌ:\nلَوْ قَالَ الْمُعَاصِرُ الْعَدْلُ: أَنا صَحَابِيٌّ </span>- احْتَمَلَ الْخِلَافَ.\nمَسْأَلَةٌ:\nالْعَدَدُ لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ خِلَافًا لِلْجُبَّائِيِّ؛ فَإِنَّهُ اشْتَرَطَ خَبَرًا آخَرَ أَوْ\n<hr><s0>\n\nوحينئذ \"قلنا: عرفٌ في ذلك\" - وإلا فالحقيقة لأعمَّ من ذلك.\n\"قالوا: يصحّ نفيه عن الوَافِدِ والرَّائي\" لحظة، فيقال لمن وفد، أو رأى ليس بصاحب.\n\"قلنا: نفي الأخصّ\" - وهو الصحبة الطويلة - \"لا تستلزم نفي الأعمِّ\" - وهو مطلق [الصحبة] (^١).\nوفي هذا إشارة إلى أنه إنما يصح نفي الصُّحبة الخاصة، لا مطلق الصُّحبة، فلو منع، وقال: قلنا: ممنوع لكان أوجه وأَخْصَرَ؛ لأن الكلام إنما هو في مُطْلق الصُّحبة.\n«مسألة»\nالشرح: \"لو قال المعاصر العدل: \"أنا صحابي\"، احتمل الخلاف\" فيتجه قبول قوله؛ لأن وازع العدالة يمنعه من الكذب - وهو ما ذكره القاضي في \"التقريب\" وغيره، ويحتمل رده؛ لأنه يَدَّعي لنفسه رتبة عُظْمى، وهي الصحبة فيتهم (^٢).\n«مسألة»\nالشرح: \"العدد ليس بشرط\" في الرواية \"خلافًا للجُبّائي، فإنه اشترط خبرًا آخر أو\n_________\n(^١) في ح: الصحابة.\n(^٢) ينظر: نهاية السول ٣/ ١٧٩، وشرح الكوكب ٢/ ٤٧٩، والمستصفى ١/ ١٦٥، وروضة الناظر ص (٦٠)، والمعتمد ٢/ ٦٦٧، والمسودة ٢٩٣، وفواتح الرحموت ٢/ ٦٠، ونزهة النظر ص ٥٨، وتوضيح الأفكار ٢/ ٤٢٨، وإرشاد الفحول ص ٧١.","vol":"2","page":405},{"text":"ظَاهِرًا أَوِ انْتِشَارَهُ فِي الصَّحَابَةِ أَوْ عَمَلَ بَعْضِهِمْ وَفِي خَبَرِ الزِّنَا أَرْبَعَةً.\nوَالدَّلِيلُ وَالْجَوَابُ مَا تَقَدَّمَ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ.\nوَلَا الذُّكُورَة، وَلَا الْبَصَرُ، وَلَا عَدَمُ الْقَرَابَةِ، وَلَا عَدَمُ الْعَدَاوَةِ، وَلَا الْإِكْثَار، وَلَا مَعْرِفَة نَسَبِهِ، وَلَا الْعِلْمُ بِفِقْهٍ أَوْ عَرَبِيَّةٍ أَوْ مَعْنَى الْحَدِيثِ؛ لِقَوْلِهِ. ﵊: \"نَضَّرَ اللهُ امْرَأً\"، وَلَا مُوَافَقَةُ الْقِيَاسِ؛ خِلَافًا لأِبِي حَنِيفَةَ ﵀.\n<hr><s0>\n\nظاهرًا، أو انتشاره في الصحابة، أو عمل بعضهم، وفي خبر الزنا أربعة\" (^١).\nوقد اختلف عن الجُبَّائي في كيفية تفصيل مذهبه مع اتفاق الكُلّ قاطبة، على أنه يشترط اثنين فيما عدا الزنا، ويشترط الأربعة في الزِّنا - ثم نقل قوم ما نقله المصنف.\nوقال المَارِزِيّ: رأى الجُبّائي أنه على نسق الشَّهَادة فلا يقبل إلا عبر عَدليْن، أو رجل وامرأتين، أو أربع نسوة، وإن كان الخبر في الرنا، فلا يقبل [إلا خبر أربعة رجال، واشْترط في النَّقل تَضَاعيف العدد، فلا يقبل] (^٢) من التابعين إلَّا أربعة عن اثنين من الصَّحابة، ومن تابعي التَّابعين إلا ثمانية، وهكذا.\nوغباوة هذا المَذْهَب عندي مُغْنِيَةٌ عن الرَّدِّ عليه.\nوالمصنف قال: \"والدليل والجواب ما تقدم في خبر الوَاحِدِ\".\nوهنا يعلم أن الجُبّائي لا ينكر خبر الواحد، على خلاف ما نقله عنه المصنّف، وقد نَبَّهْنَاك عليه ثَمَّ.\nولا يشترط \"الذُّكُورة ولا البصر ولا عدم القَرَابة المشترطة في الشَّهادة، ولا عدم العَدَاوة، ولا الإكثار\" من سماع الحديث (^٣)، بل يقبل المُقِلّ ولو لم يَرْوِ إلا خبرًا واحدًا. \"ولا معرفة نَسَبِه، ولا العلم بِفِقْهٍ، أو عربية، أو معنى الحديث؛ لقوله ﵇:\n_________\n(^١) ينظر: المستصفى ١/ ١٦٥، والمعتمد ٢/ ٦٦٧، والمسودة ٢٩٣، وتيسير التحرير ٣/ ٦٧، وفواتح الرحموت ٢/ ١٦١، وحاشية البناني ٢/ ١٦٧، وإرشاد الفحول ٧١، وشرح العضد ٢/ ٦٧.\n(^٢) سقط في ت.\n(^٣) ينظر: كشف الأسرار ٢/ ٣٧٧، والإحكام للآمدي (٢/ ٨٤ - ٨٥)، وأصول السرخسي ١/ ٣٣٩، وتيسير التحرير ٣/ ٥٢.","vol":"2","page":406},{"text":"<span data-type='title' id=toc-535>مَسْأَلَةٌ:\nإِذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ: \"قَالَ ﷺ\"</span> - حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ.\nوَقَالَ الْقَاضِي: مُتَرَدِّدٌ فَيُبْنَى عَلَى عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ.\n<hr><s0>\n\n\"نَضَّرَ اللهُ امْرَأً\" سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، وَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَها؛ فَإِنَّهُ رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ\" رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وحَسّنه، والنسائي والطبراني، وابن حبّان في \"صحيحه\" (^١) \"ولا موافقة القياس خلافًا لأبي حنيفة ﵀\" حيث اشترط فِقْه الرَّاوي إذا خالف القِيَاس.\n«مسألة»\nالشرح: \"إذا قال الصحابي: قال رسول الله ﷺ: حُمِلَ على أنه سمعه (^٢) منه\".\n\"قال القاضي: متردد بين أن يكون سمعه من النبي ﷺ، أو سمعه من غيره عنه ﷺ، \"فيبنى على عَدَالة الصّحابة\".\nفإن قلنا: الكل عدول كان مقبولًا، وإلا كان حكمه حكم مرسل التَّابعي.\nولك أن تقول: إنما يظهر وجه البناء، أن لو تعيّن على الاحتمال الثاني أن يكون ذلك الغير صحابيًّا، وليس كذلك، فيحتمل أن يكون سمعه من تابعي عن صحابي، والتابعي يبحث عن عدالته بلا شَكّ.\n_________\n(^١) أخرجه الشافعي في ترتيب المسند ١/ ١٦ كتاب العلم، والترمذي في السنن ٥/ ٣٥٣٤، كتاب العلم: باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع (٢٦٥٨) عن زيد بن ثابت ﵁، وأحمد في المسند ٥/ ١٨٣، في مسند زيد بن ثابت ﵁، والدارقطني في السنن، ١/ ١٧٥، المقدمة باب: الاقتداء بالعلماء، وأبو داود في السنن ٤/ ٦٨ - ٦٩، كتاب العلم: باب فضل نشر العلم (٣٦٦٠)، والترمذي في السنن ٥/ ٣٣ - ٣٤ كتاب العلم: باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع (٢٦٥٦)، وقال: حديث حسن، وابن ماجة في السنن ١/ ٨٤ المقدمة باب من بلغ علمًا (٤٣٠).\n(^٢) وينظر: المستصفى ١/ ١٢٩، والمحصول (٢/ ١/ ٦٣٨)، والإحكام للآمدي ٢/ ٨٦، وشرح العضد ٢/ ٦٨، وتيسير التحرير ٣/ ٦٨، وفواتح الرحموت ٢/ ١٦١، وإرشاد الفحول ٦٠، شرح الكوكب ٢/ ٤٨١.","vol":"2","page":407},{"text":"<span data-type='title' id=toc-536>مَسْأَلَةٌ:\nإِذَا قَالَ: سَمِعْتُهُ أَمَرَ أَوْ نَهَى،</span> فَالأَكْثَرُ حُجُّةٌ؛ لِظُهُورِهِ فِي تَحَقُّقِهِ لِذَلِكَ.\nقَالُوا: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ اعْتَقَدَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَ غَيْرِهِ.\nقُلْنَا: بَعِيدٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-537>مَسْأَلَةٌ:\nإِذَا قَالَ: أُمِرْنَا، أَوْ نُهِينَا، أَوْ أُوجِبَ، أَوْ حُرِّمَ،</span> فَالأَكْثَر: حُجَّةٌ؛ لِظُهُورِهِ فِي أَنَّهُ الآمِرُ.\n<hr><s0>\n\nولعلهم رأوا أن سماع الصَّحابي من التابعي أمر نادر، فلا يحمل عليه.\nواعلم أن هذا الذي نقله المصنّف عن القاضي تبع فيه الآمدي، ولا نعرفه.\nوالذي نَصّ عليه القاضي في \"التقريب\" حمل \"قال\" [على] (^١) السَّماع، ولم يَحْكِ فيها خلافا، بل ولا أحفظ عن أحد فيها خلافًا.\n«مسألة»\nالشرح: \"إذا قال سمعته أمَرَ، أو نَهَى، فالأكثر حُجّة\" (^٢)، وبه قال القاضي كما نَصّ عليه في \"التقريب\"؛ \"لظهوره في تحقّقه في ذلك\".\n\"قالوا: يحتمل\" على \"أنه اعتقد\" شيئًا من الصّيغ أمرًا أو نهيًا \"وليس كذلك عند غيره\".\n\"قلنا: بعيد\"؛ لمعرفته بأوضاع اللُّغَةِ، ولعدالته المقتضية لتحرُّزه في مَوَاقِعِ الاحتمال.\n«مسألة»\nالشرح: \"إذا قال: أُمِرْنا، أو نُهِينَا، أو أُوجبَ، أو حُرِّمَ\" - ببناء الصّيغة للمفعول في الكُلّ - \"فالأكثر حجّة؛ لظهوره في أنه\" ﷺ \"الآمر (^٣).\n_________\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) ينظر: الإحكام ٢/ ٨٧.\n(^٣) هذه المسألة في أنه إذا قال الصحابي: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، أو أوجب علينا كذا، أو =","vol":"2","page":408},{"text":"قَالُوا: يَحْتَمِلُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ أَمْرُ الْكِتَابِ أَوْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ، أَوْ عَنِ اسْتِنْبَاطٍ.\n<hr><s0>\n\nوخالف الصَّيرفي، والإمام أبو بكر الإسماعيلي منا، والكرخي من الحنفية، وغيرهم.\n_________\n= حرم علينا كذا، فهل يجب إضافة ذلك إلى أمر النبي ﷺ ونهيه أم لا، فذهب الشافعي ﵁ وأكثر الأئمة إلى أنه يجب إضافة ذلك إلى النبي ﷺ فيكون حجة حينئذ، وذهب جماعة من الأصوليين، وأبو الحسن الكرخي من أصحاب أبي حنيفة إلى المنع من ذلك. هذا هو موضع الخلاف قال الشيرازي في شرحه على المختصر: قلت: قول الصحابي أمرنا أو نهينا أو من السنة:\nالصحابة هم الذين تلقوا السنة عن رسول الله ﷺ، مباشرة فإذا أخبر أحدهم بأنهم أُمروا أو نُهوا أو من السنة كذا، فإما أن يصرح بالآمر والناهي وصاحب السنة، وحينئذ فلا إشكال ولا خفاء.\nمثاله في الأمر: ما أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: لما بلغ النبيّ ﷺ عام الفتح مر الظهران، فآذننا بلقاء العدو، فأمرنا بالفطر، فأفطرنا أجمعون .... \" قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.\nومثاله في النهي: ما أخرجه الترمذي عن علي بن أبي طالب قال: نهاني النبيّ ﷺ عن التختم بالذهب، وعن لباس القَسيِّي، وعن القراءة في الركوع والسجود، وعن لبس المعصفر .... قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.\nومثاله في السنة: قول ابن عباس في متعة الحج: سنة أبي القاسم، وقول عمرو بن العاص في عدة أم الولد: لا تلبسوا علينا سنة نبينا … رواه أبو داود، وقول عمر في المسح: أصبت السنة … صحجه الدارقطني في سننه.\nوهذه مراتب متفاوتة في قربها من الرفع - بعضها من بعض - فأقربها: سنة أبي القاسم، ويليها: سنة نبينا، ويليها: أصبت السنة.\nغاية الأمر أنه اختلف في الأمر والنهي - إذا صرح بأنه أمر الرسول ونهيه - هل يكون حجة أو لا؟ فقال الجمهور: نعم، وحكي عن داود وبعض المتكلمين أنه لا يكون حجة حتى ينقل لفظه.\nوحجة الجمهور: أنّ الصحابي عدل عارف باللسان، فلا يطلِق الأمرَ والنّهيَ إلا بعد التحقق منه.\nوقال المانعون: إنه يتطرق إليه احتمالات ثلاثة:\nالأول: في سماعه كما في قوله (قال): والرد عليه أن مرسل الصحابي حجة كسماعه.\nالثاني: في الأمر والنهي؛ إذ ربما يرى ما ليس بأمر أمْرًا، وما لبس بنهي نهيًا. والجواب أنه لا يظن بالصحابي إطلاق ذلك إلا إذا علم تحقيقًا أنه أمر بذلك أو نهى عنه، وينضم إليه من القرائن ما يعرف كونه أمرًا أو نهيًا، ويدرك ضرورة قصده إلى الأمر والنهي. =","vol":"2","page":409},{"text":"قُلْنَا: بَعِيدٌ.\n<hr><s0>\n\n\"قالوا: يحتمل ذلك\"، ويحتمل \"أنه أمر الكتاب، أو بعض الأئمة\"، \"أو\" أنه قاله \"عن استنباط\"؛ كما يقول المجتهد: الشَّرْع كذا، ويكون اجتهاده هو الذي أدّاه إلى ذلك.\n_________\n= أما احتمال بنائه على الغلط والوهم فلا يصح أن يتطرق إلى الصحابة بغير ضرورة، بل يحمل قولهم وفعلهم على السلامة ما أمكن.\nالثالث: في المأمور والمنهى: هل هو فرد بعينه أو طائفة بعينها أو سائر الأمة؟ والجواب أن ذلك لا يخفى على الصحابي، وذكره في مقام الاحتجاج يرفع الاحتمال، أما إذا لم يصرح الصحابي بالآمر والناهي ولا بصاحب السنة فهناك يأتي الاحتمال الرابع وهو: هل الآمر والناهي أو صاحب السنة هو رسول الله ﷺ فيكون مرفوعًا، أو غيره فلا يكون مرفوعًا؟.\nفقال الجمهور: هو مرفوع، وقال فريق - منهم أبو بكر الإسماعيلي -: ليس بمرفوع، وقيل، محل الخلاف إذا لم يكن القائل هو الخليفة الأول (أبو بكر ﵁.\nحجة الجمهور: مطلق ذلك ينصرف بظاهره إلى من إليه الأمر والنهي ومن يقتدى به في الحلال والحرام، وهو رسول الله ﷺ.\nوقالوا: الآمر والناهي إما أن يكون القرآن، أو الإجماع، أو بعض الخلفاء، أو الاستنباط، أو الرسول ﷺ.\nولا يصح أن يريد الصحابي أمر القرآن؛ لكونه معروفًا يعرفه الناس، ولا الإجماع؛ لأن المتكلم به من أهل الإجماع، ويستحيل أمره بنفسه، ولا يريد الاستنباط بالقياس؛ إذ لا أمر فيه، ولا أمر الخلفاء؛ إذ لا حجة في قول أحد دون رسول الله ﷺ، فتعين أنه أمر الرسول أو نهيه أو سنته.\nووجه من خص الخلاف بغير الخليفة الأول: أنه لم يكن إمام فوفه حتى يأمره.\nحجة المخالفين:\nأولًا: احتمال أن يكون الآمر أو الناهي أو صاحب السنة غيره ﷺ، ومتى احتمل لا يكون حجة؛ فلا يصح الحكم عليه بالرفع.\nوقد ظاهر هذا الاحتمال ما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف عن حنظلة السدوسي قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كان يؤمر بالسوط فتقطع ثمرته، ثم يدق بين حجرين، ثم يضرب به، فقلت لأنس: في زمان من كان هذا؟ قال في زمان عمر بن الخطاب.\nفهذا أنس بن مالك، وهو خادم رسول الله ﷺ أطلق الأمر، وأراد به أمرًا غير أمر رسول الله ﷺ، وهذا حنظلة السدوسي لم يفهم عن أنس أن الآمر كان هو الرسول ﷺ، فكيف =","vol":"2","page":410},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"قلنا: بعيد\".\n_________\n= نقول إنه أمر رسول الله ﷺ، إذا أطلقه الصحابي؟.\nثانيًا: إن كان مرفوعًا، فلم لا يقولون فيه: قال رسول الله ﷺ؟.\nوالجواب عن الأول: أننا لم نمنع الاحتمال، ولكن نقول: إنه الظاهر؛ فينصرف إليه ما لم تقم قرينة على غيره، أو يكون هناك بيان، وإذا قاله الصحابي في معرض الاحتجاج تعين الظاهر، وارتفع الاحتمال؛ إذ لا حجة في غير أمر الرسول ﷺ ونفيه وسنته، وأنس لم يقل ما قاله في مقام الاحتجاج، وحنظلة أراد رفع الاحتمال.\nويؤيده ما رواه البخاري في صحيحه في حديث ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه في قصته مع الحجاج حين قال له: إن كنت تريد السنة فهجِّر بالصلاة: قال ابن شهاب: فقلت لسالم: أفعله رسول الله ﷺ؟ فقال: وهل يعنون بذلك إلا سنته.\nفهذا عبد الله بن عمر يحتج على الحجاج بقوله: إن كنت تريد السنة فهجِّر بالصلاة. فقد قاله في مقام الاحتجاج، فلما سأل ابن شهاب سالمًا: أفعله رسول الله ﷺ؟ فكان الجواب: وهل يعنون بذلك إلا سنته؟ وسكت ابن شهاب ولم يقل إن الاحتمال قائم.\nوالجواب عن الثاني: أنهم تركوا الجزم بذلك تورعًا واحتياطًا.\nويؤيد ذلك ما أخرجه الصحيحان عن أبي قلابة عن أنس: (من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعًا) قال أبو قلابة: لو شئت لقلت: إن أنسًا رفعه إلى النبيّ ﷺ. يريد لو قلت لم أكذب؛ لأن قوله: من السنة - معناه الرفع، لكن إيراده بالصيغة التي ذكرها الصحابي أولى.\nوقال الحنفية: إن قول الصحابة: من السنة كذا تعم سنة الخلفاء الراشدين. وحجتهم أن السنة لغة الطريقة، وعرفًا الطريقة الحسنة، ثم طريان النقل بتخصيصها بسنة الرسول لم يثبت، بل هو خلاف الأصل، فيبقى إطلاقهم على العرف العام.\nوأيدوه بقول أمير المؤمنين علي ﵁: (جلد النبي ﷺ أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة) رواه مسلم.\nوالحل أن سنة الخلفاء لما لم تكن حجة عند غير الحنفية لم يحملوا لفظ السنة في معرض الحجة على سنة الخلفاء الراشدين، ولما كانت حجة عند الحنفية عمموا لفظ السنة حتى شملت سنة الخلفاء الراشدين.\nوهذا إذا لم تكن قرينة أو بيان كما علمت من قبل. ينظر: غيث المستغيث ١١ - ١٤. وينظر شرح القطب، المختصر (٢٧١/ أ). ينظر: إحكام الفصول (٣٨٦)، والمستصفى ١/ ١٢٩، والمحصول ٢/ ١/ ٦٣٧، وروضة الناظر ١/ ٢٣٧، وتيسير التحرير ٣/ ٦٩، وفواتح الرحموت ٢/ ١٦١، وإرشاد الفحول ٦٠.","vol":"2","page":411},{"text":"<span data-type='title' id=toc-538>مَسْأَلَةٌ:\nإِذَا قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ كَذَا،</span> فَالْأَكْثَرُ: حُجَّةٌ؛ لِظُهُورِهِ فِي تَحَقُّقِهَا عَنْهُ؛ خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"إذا قال: من السّنة كذا، فالأكثر حجّة؛ لظهوره في تحقّقها عنه، خلافًا للكَرْخي\" والصَّيرفي، والمحققين؛ كما قال إمام الحرمين (^١).\nوذكر المَازِرِيّ: أنه القول الجديد للشَّافعي؛ حيث قال: اختلف قول الشَّافعي فيه، فقال في القديم: الظّاهر من هذا أن المراد به سُنّة النبي ﷺ.\nوقال في الجديد: هو مجمل ولم يره مسندًا.\nقلت: والمعروف عندنا خلافه، وقد قال الشَّافعي في القديم: المرأة تُعَاقل الرجل إلى ثلث الدية - أي: تساويه في العقل - فإن زاد الواجب على الثلث سارت على النِّصف، وذكر أن هذا القول القديم مرجوع عنه، وأن الشافعي قال: كان مالك يذكر أنه السُّنة، وكنت أتابعه عليه، وفي نفسي منه شيء، حتى علمت أنه يريد سُنة أهل \"المدينة\"، فرجعت عنه، وقال: وقد روى عن سفيان عن أبي الزِّنَاد قال: سألت سعيد بن المسيّب عن الرجل لا يجد ما يُنْفِقُ على امرأته قال: يفرق بينهما (^٢).\nقال أبو الزناد: قلت: سُنّة؟ فقال سعيد: سُنّة.\nقال الشَّافعي: والذي يشبه قول سعيد أن يكون سُنّة رسول الله ﷺ.\nوهذان من الشافعي يدلَّان على أن قول ربيعة ومالك من السُّنة ظاهر في أنَّ المراد به سُنّة رسول الله ﷺ، ما لم يقم دليل على أن المراد به سُنّة البلد، أو غير ذلك، ويدلّ أيضًا على أنه لا يختصّ بالصَّحابي، بل يعم كل متكلم على لسان الشرع؛ كسعيد، ومالك، وغيرهما.\n_________\n(^١) البرهان ١/ ٦٤٩ (٥٩٤).\n(^٢) وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن معمر قال: سألت الزهري عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته يفرق بينهما؟ قال: يستأني له، ولا يفرق بينهما، وتلا: \"لا يكلف الله نفسًا إلّا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرًا\" [الطلاق: ٧] قال معمر: وبلغني أن عمر بن عبد العزيز قال مثل قول الزهري.","vol":"2","page":412},{"text":"<span data-type='title' id=toc-539>مَسْأَلَةٌ:\nإِذَا قَالَ: كُنَّا نَفْعَلُ أَوْ كَانُوا،</span> فَالْأَكْثَرُ: حُجَّةٌ، لِظُهُورِهِ فِي عَمَلِ الْجَمَاعَةِ.\nقَالُوا: لَوْ كَانَ، لَمَا سَاغَتِ الْمُخَالَفَةُ.\nقُلْنَا: لأَنَّ الطَّريقَ ظَنِّيٌّ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ النَّصِّ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"إذا قال: كنا نفعل، أو كانوا\" يفعلون، \"فالأكثر حجّة\" - سواء قيد ذلك بمهده ﷺ أم أطلق؛ \"لظهوره في عمل الجَمَاعَةِ\".\nوأنا أقول: لهذه الصيغة ألفاظ، أعلاها أن يقول: كنا مَعَاشِرَ الناس، أو كان الناس يفعلون في عَهْدِهِ عسفه، وهذا ما لا يتّجه في كونه حجة خلاف.\nوالثانية: أن يقول: كُنَّا نفعل في عهده ﷺ وهي دون ما قبلها، لاحتمال عودة الضَّمير في \"كُنَّا\" على طائفة مخصوصة، لا جميع النَّاس.\nوالثالثة: أن يقول: كان النَّاس يفعلون، ولا يصرح بعهد النَّبي ﷺ، وهذه دون الثانية من جهة عدم التَّصْريح بعهده ﷺ، وفوقها من جهة تصريحه بجميع النَّاس.\nوالأظهر: رُجْحَان تلك؛ لأن التَّقييد بعهده ﷺ ظاهر في تقريره عليه.\nوتقريره: تشريع سواء كان لواحد أم لجماعة، وغاية تلك أنها ظاهرة في نَقْلِ الإجماع، وفي نقل الإجماع بخبر الوَاحد خلاف، وبتقدير ثبوته هو إجماع في زمن النَّبي ﷺ فلا يعتبر.\nوالرَّابعة: أن يقول: كنا نفعل أو كانوا يفعلون؛ مثل قول عائشة - رضي الله تعالى عنها -: \"كانوا لا يَقْطَعُونَ فِي الشَّيء التَّافِهِ\"، وهي دون الكل؛ ولذلك - والله أعلم - اقتصر المصنف على ذكرها هنا؛ لأنه إذا ثبت أنها حجّة، فما فوقها يثبت بطريق أوْلَى.\nومقتضى كلام القاضي في \"التقريب\": أنه لا يحتجّ بهذا اللَّفظ إلا إذا ظهرت إضافته إلى زمن النبي ﷺ وإلى الإجماع.\n\"قالوا: لو كان\" ظاهرًا في عمل الجماعة \"لما شاعت المُخَالفة\" فيه؛ لأَنَّ مخالفة الإجماع لا تجوز.","vol":"2","page":413},{"text":"<span data-type='title' id=toc-540>مُسْتَنَدُ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ</span>\nمَسْأَلَةٌ:\nوَمُسْتَنَدُ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ قِرَاءَةُ الشَّيْخِ، أَوْ قِرَاءَتُهُ عَلَيْهِ، أَوْ قِرَاءَةُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، أَوْ إِجَازَتُهُ أَوْ مُنَاوَلَتُهُ أَوْ كِتَابَتُهُ بِمَا يَرْوِيهِ، فَالْأَوَّلُ أَعْلَاهَا عَلَى الْأَصَحِّ ..........\n<hr><s0>\n\n\"قلنا: لأن الطريق ظَنّي كخبر الوَاحِدِ النّص\"، فإن مَتْنَهُ يكون قطعيًّا، ومع ذلك قد يخالفه مخالف.\nثُمّ هذه الألفاظ التي ذكرها المصنّف متفاعلةٌ مع الاشتراك في الظُّهور، فقال: أظهر من أمر، وأمر أظهر من بناء الصيغة للمفعول كَأُمِرْنَا، وبناء الصيغة للمفعول في أُمِرْنَا أظهر من بنائها مع عدم عود الضَّمير على القائل؛ نحو: أوجب، أو حرم. وبنائها مع ذلك أظهر من قوله: من السُّنة.\nوقوله: من السُّنة أظهر من: كنا نفعل، أو كانوا يفعلون.\n«مسألة»\nالشرح: \"مستند غير الصّحابي\" في الرواية \"قراءة الشَّيخ، أو عليه، أو قراءة غيره، أو إجازته، أو مُنَاوَلته، أو كتابته بما يرويه\"، أو إعلامه، أو وصيته أو الوِجَادة (^١).\n\"فالأول: أعلاها على الأصح\" - سواء كان بإملاء من الشَّيخ، أو بحديث من غير إملاء، وسواء كان من حفظه أم من كتابته \"إلا إذا لم يقصد إسماعه قال\" في التحديث عنه \"قال: وحدّث وأخبر وسمعته\"، ولا يقول: حَدّثني وأخبرني، وإلا لكان كاذبًا (^٢).\n\"و\" الثاني: \"قراءته عليه من غير نَكِيرٍ\" من الشيخ، \"وما لا يوجب سكوتًا من إكراه،\n_________\n(^١) ينظر: المحصول ٢/ ١/ ٦٤٣، والمستصفى ١/ ١٦٥، والمعتمد ٢/ ٦٦٣، وشرح العضد ٢/ ٦٩، وإرشاد الفحول ٦١، شرح الكوكب ٢/ ٩٠، كشف الأسرار ٣/ ٣٩، وشرح التنقيح ٣٦٧، وتيسير التحرير ٣/ ٩١، وأصول السرخسي ١/ ٣٧٥.\n(^٢) ينظر: والإبهاج ٢/ ٣٦٨، ونهاية السول ٣/ ١٩٣، والمحصول ٢/ ١/ ٦٤٤، وشرح الكوكب ٢/ ٤٩١ - ٤٩٢، وإرشاد الفحول ٦٢، وشرح العضد ٢/ ٦٩، والإحكام للآمدي ٢/ ٩٠، والتحرير ٣٣٩، وكشف الأسرار ٣/ ٣٩.","vol":"2","page":414},{"text":"إِلَّا أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْصِدْ إِسْمَاعَهُ قَالَ: \"قَالَ\"، \"وَحَدَّثَ\"، \"وَأَخْبَرَ\"، \"وَسَمِعْتُهُ\". وَقِرَاءَتُهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَلَا مَا يُوجِبُ سُكُوتًا مِنْ إِكْرَاهٍ أَوْ غَفْلَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مَعْمُولٌ بِهِ خِلَافًا\n<hr><s0>\n\nأو غفلة، أو غيرها\"، وذلك \"معمول به خلافًا لبعض الظَّاهرية\"؛ حيث اشترطوا إقرار الشيخ نطقًا (^١).\nوالصحيح: قولنا: \"لأن العرف\" يقضي بأنَّ السكوت \"تقريره؛ ولأن فيه إيهام الصحة\"، فلو لم يكن كذلك لم يَجُزْ \"فيقول: حدثنا، أو أخبرنا مقيّدًا\" بقوله: بقراءتي عليه، \"ومطلقًا\" بدون هذا القيد \"على الأصح\".\n\"ونقله الحاكم\" أبو عبد الله بن البَيّع الحافظ النَّيْسَابوري \"عن الأئمة الأربعة\" (^٢).\nوذهب ابن المُبَارك (^٣)، ويحيى بن يحيى (^٤)، وأحمد بن حنجل، والنَّيْسَابوري إلى المَنع من إطلاقها جميعًا (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: المعتمد ٢/ ٦٦٤، والمحصول ٢/ ١/ ٦٤٥، وكشف الأسرار ٣/ ٤٢، واللمع ص ٤٥، وتوضيح الأفكار ٢/ ٣٠٦ - ٣٠٧.\n(^٢) ينظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٦٥، وتوضيح الأفكار ٢/ ٣٠٧.\n(^٣) عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي، مولاهم أبو عبد الرحمن المروزي، أحد الأئمة الأعلام وشيوخ الإسلام. قال ابن المبارك: كتبت عن أربعة آلاف شيخ، فرويت عن ألف. عن حُميد وإسماعيل بن أبي خالد وحسين المعلم وخلق. وعنه السفيانان من شيوخه ومعتمر وبقية وسعيد بن منصور وخلائق. قال ابن معين: ثقة، صحيح الحديث. وقال ابن مهدي: كان نسيج وحده. ولد ابن المبارك سنة ثمان عشرة ومائة، وتوفي سنة إحدى وثمانين ومائة. وينظر: البداية والنهاية ١٠/ ١٧٧، وتهذيب الكمال ٢/ ٧٣٠، وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٨٢ (٦٥٧)، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٩٣، والحلية ٨/ ١٦٢، والثقات ٧/ ٨.\n(^٤) يحيى بن يحيى بن بكو بن عبد الرحمن بن يحيى الحنظلي التيمي، مولاهم. عن حماد بن سلمة ومالك والليث وسليمان بن بلال وخلق. وعنه البخاري ومسلم وأحمد بن الأزهر وسلمة بن شبيب وخلق. قال إسحاق: ما رأيت مثله، ولا رأي مثل نفسه، وهو أثبت من ابن مهدي، ومات يوم مات وهو إمام الدنيا. وقال النسائي: مات الثقة المأمون يحيى بن يحيى ستة ست وعشرين ومائتين - وينظر: ديوان الإسلام ت (٢٢٠٠)، ورجال الصحيحين (٢١٩٦)، والعبر ١/ ٢٧٤، وتهذيب الكمال ٣/ ١٥٢٤، وتهذيب التهذيب ١١/ ٢٩٦ (٥٧٨)، وخلاصة تهذيب الكمال ٣/ ١٦٣.\n(^٥) ينظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٦٥.","vol":"2","page":415},{"text":"لِبَعْضِ الظَّاهِرِيَّةِ؛ لأَنَّ الْعُرْفَ تَقْرِيرُه، وَلأِنَّ فِيهِ إِيهَامَ الصِّحَّةِ فَيَقُولُ: \"حَدَّثنا\"، أَوْ \"أَخْبَرَنَا\" مُقَيَّدًا أَوْ مُطْلَقًا عَلَى الأَصَحِّ. وَنَقَلَهُ الْحَاكِمُ عَنِ الأَئمَّةِ الْأَربَعَةِ. وَقِرَاءَةُ غَيْرِهِ كَقِرَاءَتِهِ.\nوَأَمَّا الْإِجَازَةُ لِلْمَوْجُودِ المُعَيَّنِ، فَالأَكْثَرُ عَلَى تَجْوِيزِهَا\n<hr><s0>\n\nوالمختار عندنا منع إطلاق \"حَدَّثنا\"، وتجويز \"أخبرنا\"، وهو قول الشَّافعي، ومسلم بن الحَجّاج، وجماهير أهل المَشْرِق، وعليه العَمَل (^١).\nوذهب سليم الرَّازي، وأبو إسحاق الشِّيرَازي، وابن الصَّباغ، وابن السَّمْعَانيِّ إلى أنه لا يقول شيئًا من ذلك ما لم يقرأ الشيخ نطقًا، وإنما يقول: قرأت عليه، أو قرئ عليه وهو يسمع؛ كما إذا قرأ على إنسان كتابًا فيه حكاية أنه أقر بِدَيْنٍ، أو بيع، أو نحوه فلم يقرّ به - لا يجوز له أن يشهد عليه.\n\"وقراءة غيره\" - أي: الراوي - \"كقراءته\".\nالشرح: \"وأما الإجازة\"، فذهب الجماهير إلى وجوب العمل بها، وكذا الرواية بها على الجملة، ومنع من الرواية بها أبو إبراهيم بن إسْحَاق [الحربي] (^٢)، وأبو الشَّيخ الأصبهاني، وهو رواية عن الشَّافعي.\nواختاره القاضي حسين، والمَاوَرْديّ من أصحابنا، وقالا: لو جازت الإجازة لبطلت الرحلة (^٣).\nومن أقسام الإجازة: الإجازة \"للموجود المعيّن\" في الشَّيء المعين، \"فالأكثر على تجويزها\".\n_________\n(^١) ينظر: المستصفى ١/ ١٦٥، وروضة الناظر ص ٦١، وكشف الأسرار ٣/ ٤٢، وتيسير التحرير ٣/ ٩٣، وفواتح الرحموت ٣/ ١٦٥، والكفاية ص ٤٢٧ - ٤٢٨، ومقدمة ابن الصلاح ص ١٢٣، والإلماع ص ١٢٤ - ١٢٥، والمسودة ص ٢٨٣، وتوضيح الأفكار ٢/ ٣٠٥، وإرشاد الفحول للشوكاني (٦٢).\n(^٢) في أ: الحرثي.\n(^٣) ينظر: البرهان ١/ ٦٤٥، والمعتمد ٢/ ٦٦٥، والمحصول ٢/ ١/ ٦٤٩، وكشف الأسرار ٣/ ٤٤، والتحرير ٣٤١، والمسودة ص ٢٨٨، والكفاية ص ٤٤٦٠، ومقدمة ابن الصلاح ص ١٣٤، والإلماع ص ١٢٧.","vol":"2","page":416},{"text":"وَالأَكثَرُ عَلَى مَنْعِ حَدَّثَنِي وَأَخْبَرَنِي مُطْلقًا. وَبَعْضُهُمْ: وَمُقَيَّدًا، وَأَنْبَأَنِي اتِّفَاقٌ لِلْعُرْفِ،\n<hr><s0>\n\nوزعم بعضهم. أنه لا خلاف في هذا القسم، والصوابُ أنّ الخلاف يطرقه.\n\"والأكثر على منع\" أن يقال فيها: \"\"حَدَّثني وأخبرني مطلقًا\" غير منبّه فيه على أن الطريق الإجازة.\n\"وبعضهم ومقيدًا\".\n\"وأنبأني اتفاق\" - أي: منقول على جواز قوله فيها، \"للعرف\".\n\"و\" ممن \"منعها\" - أي: الإجازة - \"أبو حنيفة (^١)، وأبو يوسف (^٢) - رحمهما الله\" (^٣).\n_________\n(^١) النعمان بن ثابت، التيمي بالولاء، الكوفي، أبو حنيفة: إمام الحنفية، الفقيه المجتهد، المحقق، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة. قيل: أصله من أبناء فارس. ولد ونشأ بـ\"الكوفة\" سنة ٨٠ هـ. وكان يبيع الخز، ويطلب العلم في صباه، ثم انقطع للتدريس والإفتاء. وأراده عمر بن هبيرة (أمير العراقين) على القضاء، فامتنع ورعا. وإراده المنصور العباسي بعد ذلك على قضاء \"بغداد\" فأبى، فحلف عليه ليفعلن، فحلف أبو حنيفة أنه لا يفعل، فحبسه إلى أن مات. وكان قوي الحجة، من أحسن الناس منطقًا، قال الإمام مالك، يصفه: رأيت رجلًا لو كلمته في هذه السارية أن يجعلها ذهبًا لقام بحجته. وكان كريمًا في أخلاقه، جوادًا، حسن المنطق والصورة، جهوري الصوت، إذا حدّث انطلق في القول وكان لكلامه دويّ، وعن الإمام الشَّافعي: الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة. له مسند في الحديث جمعه تلاميذه، والمخارج في الفقه، صغير. توفي بـ\"بغداد\" سنة ١٥٠ هـ. وينظر: الأعلام ٨/ ٣٦، وتاريخ بغداد ١٣/ ٣٢٣ - ٤٢٣، وابن خلكان ٢/ ١٦٣، والنجوم الزاهرة ٢/ ١٢، والبداية والنهاية ١٠/ ١٠٧، والجواهر المضية ١/ ٢٦.\n(^٢) يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي البغدادي، أبو يوسف، صاحب الإمام أبي حنيفة، ولد ١١٣ هـ كان فقيهًا علامة، من حفاظ الحديث، ولد بـ\"الكوفة\" لزم أبا حنيفة ونشر مذهبه، ولى القضاء بـ\"بغداد\" أيام المهدي والهادي والرشيد، أول من دعى قاضي القضاة، له كتب عديدة منها الآثار، الفرائض، الوصايا غيرها توفي ١٨٢ هـ. وينظر: مفتاح السعادة ٢/ ١٠٠ - ١٠٧، وابن النديم (٢٠٣)، والبداية والنهاية ١٠/ ١٨٠، وتاريخ بغداد ١٤/ ٢٤٢، والأعلام ٨/ ١٩٣.\n(^٣) ينظر: كشف الأسرار ٣/ ٤٤، والكفاية ص ٤٧٢.","vol":"2","page":417},{"text":"وَمَنَعَها أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمِهُمَا اللهُ - وَلجَمِيع الأُمَّةِ الْمَوْجُودِينَ الظَّاهِرُ\n<hr><s0>\n\n\"و\" منها: الإجازة \"لجميع الأُمّة الموجودين، الظاهر قَبُولها؛ لأنها مثلها\"، وبه قال الخطيب، وخالف فيه قوم (^١).\nومنها: ما أشار إليه بقوله: \"وفي نَسْل فلان، أو من يوجد من بني فلان ونحوه خلاف واضح\"، وهو صورتان.\nإحداهما: الإجازة للمعدوم عطفًا على الموجود، مثل: أجزت لك ولولدك وعَقِبِك ما تَنَاسَلُوا، أو أجزت لنسلك - وفيهم موجود وفيه خلاف وهو أعلى من الصورة بعده.\nوالصورة الثانية: الإجازة للمعدوم ابتداء؛ مثل: أَجَزْتُ لمن يوجد لفلان.\nوقد أجازها الخَطِيبُ من أصحابنا (^٢)، وابن عُمْرُوس (^٣) من المالكية، وأبو يعلى (^٤) من الحَنَابلة والصحيح - وهو الذي استقرّ عليه رأي القاضي أبي الطيب - أنها لا تصح، وللإجازة أنواع أخر، ذكرتها في \"شرح المنهاج\" (^٥).\nوأما المُنَاوَلَةُ (^٦) فنقول: إذا أشار الشيخ إلى كتاب فقال: سمعت ما في هذا الكتاب\n_________\n(^١) الكفاية ص (٤٧٢).\n(^٢) الكفاية ص (٤٧٣).\n(^٣) محمد بن عبيد الله بن أحمد بن محمد بن عمروس، البغدادي المالكي، مولده سنة ٣٧٢ هـ، الإمام العلامة، شيخ المالكية، أبو الفضل. روى عنه أبو بكر الخطيب وقال: انتهت إليه الفتوى ببغداد، قال أبو إسحاق: كان فقيهًا، أصوليًا صالحًا. وقال أبو الغنائم التَّرسي: كان رجلًا صالحًا ممن انتهى إليه معرفة مذهب مالك بـ\"بغداد\". وذكر ابن عساكر أنه توفي أول سنة ٤٥٢ هـ. ينظر: تاريخ بغداد ٢/ ٣٣٩، وطبقات الشيرازي (١٦٩)، والأنساب ٩/ ٥٤، والعبر ٣/ ٢٢٨، وشذرات الذهب ٣/ ٢٩٠، وتاج العروس ٤/ ١٩٦، والمنتظم ٨/ ٢١٨، والكامل لابن الأثير ١٠/ ١٣، وسير أعلام النبلاء ١٨/ ٧٣، والبداية والنهاية ١٢/ ٨٦.\n(^٤) محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن الفراء، أبو يعلى، عالم عصره، ولد في ٣٨٠ هـ ارتفعت مكانته عند القادر والقائم العباسيين، له تصانيف كثيرة منها مخطوط (الإيمان)، والأحكام السلطانية مطبوع، وأحكام القرآن، وعيون المسائل، والعدة مقدمة في الأدب، وكتاب الطب، وكتاب اللباس، المجرد، وكان شيخ الحنابلة. توفي سنة ٤٥٨ هـ. ينظر: تاريخ بغداد ٢/ ٢٥٦، والبداية النهاية، (١٢/ ٩٤ - ٩٥) والأعلام ٦/ ٩٩.\n(^٥) ينظر: الإبهاج (٢/ ٣٣٦ - ٣٣٧).\n(^٦) وهي في اللغة مفاعلة من النوال، وهو العطاء. =","vol":"2","page":418},{"text":"قَبُولُهَا لأَنَّهَا مِثْلُهَا وَفِي نَسْلِ فُلَانٍ أَوْ مَنْ يُوجَدُ مِنْ بَنِي فُلَانٍ وَنَحْوِهِ خِلَافٌ وَاضِحٌ.\n<hr><s0>\n\nمن فلان، فلسامعه أن يعمل بقوله، وله أن يرويه عنه إن قرن المُنَاولة بالإجازة بأن قال: وأجزت لك أن ترويه عنى، أو فاروه عني، ويكون حينئذ أعلى من الإجازة بمجردها.\nوذهب مجاهد، وأبو الزبير، والزهري، وربيعة الرأي، ويحيى بن سعيد، ومالك،\n_________\n= وفي الإصطلاح: أن يدفع الشيخ سماعه أو فرعًا مقابلًا به للطالب.\nوهي قسمان:\nالأول: المناولة المقرونة بالإجازة، وهي أعلى أنواع الإجازة على الإطلاق، ونقل القاضي عياض الاتفاق على صحتها؟ وصورها أربع:\nأولًا: أن يدفع الشيخ للطالب أصل سماعه أو فرعًا مقابلًا به، ويقول: هذا سماعي، أو روايتي عن فلان، فاروه عني، أو أجزت لك روايته عني، ثم يملكه إياه، ونحو هذا.\nالثاني: أن يجيء الطالب إلى الشيخ بكتاب أو جزء من حديثه فيعرضه عليه، فيتأمله الشيخ وهو عارف متيقظ، ثم يعيده إليه، ويقول له: وقفت على ما فيه، وهو حديثي عن فلان، أو روايتي عن شيوخي فيه، فاروه عني، أو أجزت لك روايته عني.\nوهذا العرض يقال له: عرض المناولة، أما ما سبق في القراءة على الشيخ فهو عرض القراءة.\nوهاتان الصورتان حالتان محل السماع عند مالك وجماعة من أئمة أصحاب الحديث.\nالثالث: أن يناول الشيخ الطالب كتابه، ويجيز له روايته عنه، ثم يمسكه الشيخ عنده، ولا يمكّنه منه.\nوحكم هذه حكم الإجازة للشيء المعين، غير أن بعضهم يرى لها مزية معتبرة.\nأن يأتي الطالب الشيخ بكتاب أو جزء فيقول: هذا روايتك فناولنيه، وأجز لى روايته، فيجيبه إلى ذلك من غير أن ينظر فيه، ويتحقق روايته بجميعه.\nوهذه الصورة لا تجوز، ولا تصح إلا إذا كان الطالب موثوقًا بخبره ومعرفته.\nالقسم الثاني: المناولة المجردة عن الإجازة بأن يناوله الكتاب سماعه أو فرعًا مقابلًا على سماعه ويقتصر على قوله: هذا حديثي، أو هذه سماعاتي يقول: اروه عنى أو: أجزت لك روايته عني، ونحو ذلك.\nواختلف في صحتها: فأجازها قوم، ومنعها آخرون.\nقال ابن الصلاح: وعابها غير واحد من الفقهاء والأصوليين على المحدثين الذين أجازوها وسوغوا الرواية بها.\nوقال العراقي: قال جماعة من أهل الأصول منهم الرازي: إنه لا يشترط الإذن بل ولا =","vol":"2","page":419},{"text":"لَنَا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْعَدْلَ لا يَرْوِي إِلَّا بَعْدَ عِلْمٍ أَوْ ظَنٍّ.\n<hr><s0>\n\nوسفيان بن عيينة، وقتادة، وأبو العَالِيَةِ (^١) وابن وَهْب، وغيرهم إلى أن ذلك حال محل السماع، والصحيح أنه منحطّ عنه، ونقله الحَاكِم عن فقهاء الإسلام، منهم: سفيان الثوري، وأبو حنيفة، والشّافعي، والأوزاعي، والبويطي، والمزني، وابن المُبَارك. وأحمد، ويحيى بن يحيى، وإسحاق بن راهويه.\nوإن لم يقرن المُنَاولة بالإجازة، فليس له الرواية بها على الصَّحيح، خلافًا لِشِرْذِمَةٍ من المحدثين؛ ولذلك لم يعد المصنّف ذكرها، وجعلها داخلة في غِمَار الإجازة؛ لأن المعتبر عنده من المُنَاولة، ما اقترنت به الإجازة.\nوأما الكتابةُ فنقول: إذا كتب الشيخ إلى شخص، سمعت كذا من فلان، عمل به إذا علم خطّ الشيخ، أو ظنه، وله أن يروى به إذا اقترنت الكتابة بالإجازة، وإن لم تقترن، فقال قوم: لا يروى بها (^٢).\n_________\n= المناولة، بل إذا أشار إلى الكتاب وقال: هذا سماعي من فلان، جاز لمن سمعه أن يرويه عنه، سمواء ناوله أم لا، وسواء قال له:\n(اروه عني) أم لا:\nقال العراقي:\nوإن خلت من إذن المناولة … قيل: تصح، والأصح باطلة\n(^١) رفيع بن مهران، أبو العالية الرياحي البصري، أحد الأعلام، الإمام المقرئ الحافظ المفسر. أدرك زمان النبي ﷺ وهو شاب، وأسلم من خلافة أبي بكر الصديق، ودخل عليه، وحفظ القرآن، وقرأه على أبي بن كعب، وتصدر لإفادة العلم. قال أبو بكر بن أبي داود: ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقرآن من أبي العالية. وقد وثق أبا العالية الحافظان أبو زرعة وأبو حاتم.\nقال البخاري وغيره: مات سنة ثلاث وتسعين.\nينظر: طبقات ابن سعد ٧/ ١١٢، وطبقات خليفة ت (١٦٣٤)، وتاريخ البخاري ٣/ ٣٢٦، والحلية ٢/ ٢١٧، وتاريخ أصبهان ١/ ٣١٤، والعبر ١/ ١٠٨، وسير أعلام النبلاء ٤/ ٢٠٧.\n(^٢) وهي أن يكتب الشيخ مسموعه، أو شيئًا من حديثه لحاضر عنده، أو غائب عنه، سواء كتب بخطه، أو كتب عنه بأمره.\nوهي ضربان:\nالضرب الأول: أن تتجرد المكاتبة عن الإجازة.\nوأجاز الرواية بها كثير من المتقدمين والمتأخرين. =","vol":"2","page":420},{"text":"وَقَدْ أُذِنَ لَه، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ ﷺ كَانَ يُرْسِلُ كُتبهُ مَعَ الآحَادِ وَإنْ لَمْ يَعْلَمُوا مَا فِيهَا.\n<hr><s0>\n\nوقال أيوب السَّختياني (^١)، ومنصور، والليث: يروى بها، ووافقهم جَمْعٌ من أصحابنا منهم: أبو المُظَفّر بن السمعاني، كما نص عليه في \"القَوَاطع\" وبالغ، فقال: [إنها] (^٢) أقوى من الإجازة.\nوأما الإعلام: فأنْ يعلم الشيخ الرَّاوي بأن هذا سماعي، مقتصرًا على ذلك.\nوقد جوَّز الرواية به قوم، منهم ابن الصَّبّاغ من أصحابنا، وهو محكي عن ابن جُرَيج.\nوأما الوصيّة: فإن يوصي الشَّيخ الرَّاوي بكتاب يرويه عند موته، أو سفره.\nوجوّز الرواية بها بعض السَّلف، والصحيح أنه لا يجوز.\nوأما الوجَادَةُ: فأن يَجِدَ خَطَّ شيخ، أو خَطّ من لقيه عنه، فلك أن تقول: وجدت كذا من غير زيادة.\n[وحكى] (^٣) عن الشَّافعي وطائفة من أَصحَابنا: جواز العَمَل بها إذا حصلت الثقة.\n\"لنا: أن الظاهر أن العدل لا يروى إلا بعد علم أو ظَنّ\" بصحة ما أجاز به، \"وقد أذن له\" أن يروى فليصح.\n_________\n= الضرب الثاني: أن تقترن بالإجازة بأن يكتب إليه ويقول: أجزت لك ما كتبته لك، أو ما كتبت به إليك، أو نحو ذلك من عبارات الإجازة، وهي في الصحة والقوة شبيهة بالمناولة المقرونة بالإجازة. ينظر المستصفى: ١/ ١٦٦، والبرهان ١/ ٦٤٨، والمسودة ٢٧٩، وشرح الكوكب المنير ٢/ ٥١٧، وكشف الأسرار ٣/ ٤٢، وفواتح الرحموت ٢/ ١٦٤، روضة الناظر ٦١، والمحصول ٢/ ١/ ٥٩٦، والمعتمد ٢/ ٦٢٨، والتحرير ٣٤١، توضيح الأفكار ٢/ ٣٤٨، والإلماع ٥٤٤، وعلوم الحديث (١٦٠)، والمحدث الفاضل (٥٠٥).\n(^١) أيوب بن أبي تميمة كيسان السَّخْتياني البصري، أبو بكر ولد سنة ٦٦ هـ، سيد فقهاء عصره، تابعي، من النساك الزهاد، من حفاظ الحديث، كان ثبتًا ثقة؛ رُوي عنه نحو ٨٠٠ حديث.\nتوفي سنة ١٣١ هـ، ينظر: تهذيب التهذيب ١/ ٢٩٧، وحلية الأولياء ٣/ ٣، واللباب ١/ ٥٣٦، والأعلام ٢/ ٣٨.\n(^٢) سقط من ب.\n(^٣) في ب: ويحكى.","vol":"2","page":421},{"text":"قَالُوا: كَذِبٌ لأَنَّهُ لَمْ يُحَدِّثْهُ.\nقُلْنَا: حَدَّثَهُ ضِمْنًا كَمَا لَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ.\nقَالُوا: ظَنٌّ فَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهِ كَالشَّهَادَةِ.\nقُلْنَا: الشَّهَادَةُ آكَدُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-541>\"حُكْمُ نَقْلِ الحَدِيثِ بِالْمَعْنَى\"</span>\nمَسْأَلَةٌ:\nالأَكْثَرُ: عَلَى جَوَازِ نَقْلِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى لِلْعَارِفِ.\n<hr><s0>\n\n\"وأيضًا: فإنه ﵇ كان يرسل كتبه مع الآحاد، وإن لم يعلموا [ما] (^١) فيها\"، فدلّ على الاعتماد على الكتابة، والإجازة أقوى من الكتابة، فدلّ على الأقوى بطريق أولى.\n\"قالوا\": إذا قال: حَدّثني \"كذب؛ لأنه لم يحدثه\".\n\"قلنا: هو وإن لم يحدثه صريحًا، فقد \"حدثه ضمنًا كما لو قرأ عليه\"، فإنه [يحدث] (^٢) عنه وإن كان ساكتًا كما عرفت.\nثم إن المجاز لا يطلق حَدّثني في الإجازة حتى يقال: كذب.\n\"قالوا: ظنّ فلا يجوز الحكم به كالشّهادة\" بجامع أن كلًّا حكم شرعي.\n\"قلنا: الشهادة آكد\".\nولم يذكر المصنّف المُنَاولة، والكتابة ثانيًا؛ لأن ألإجازة شرط فيها كما عرفت على المختار، فإذا جازت الإجازة مجردة، جازت مع أحدهما بطريق أولى.\n«مسألة»\nالشرح: \"الأكثر على جواز نقل الحديث بالمَعْنَى للعارف\" (^٣).\n_________\n(^١) سقط في ت، ح.\n(^٢) في ب: يحدثه.\n(^٣) الأصل أن يتحمل المتحمل ما تحمله عن رسول الله ﷺ ثم يؤديه على وفق ما تحمل في اللفظ =","vol":"2","page":422},{"text":"وَقِيلَ: بِلَفْظٍ مُرَادِفٍ.\n<hr><s0>\n\n\"وقيل: بلفظ مُرَادف\".\n_________\n= والأسلوب، لا يغير ولا يبدل؛ ثم يؤديه من تحمله عنه هكذا إلى أن يصل إلينا من غير تغيير ولا تبديل.\nوجاء تأييدًا لهذا الأصل قول الرسول ﷺ: (نضر الله امرأ سمع مقالتي فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع).\nوجاءت رواية القرآن على ذلك، فكُتب كما تحمّل، وأذى كما سُمع، وكتب وتَواتَر حتى لم يبق فيه ريبة ولا شك.\nأما رواية الحديث فدخلها الأداء بالمعنى، ووقع فيها التقديم والتأخير، والزيادة والنقص، فهل هو جائز أو غير جائز؟.\nقالوا: غير جائز في أمور:\n(١) فيما إذا لم يكن الراوي عالمًا عارفًا بالألفاظ ومقاصدها، ولم يكن خبيرًا بما يحيل معانيها، ولا بصيرًا بمقادير التفاوت بينها.\n(٢) فيما تضمنته بطون الكتب المصنفة والجامعة وغيرها.\n(٣) صرح الزركشي: إن كان مما تعبد بلفظه، فإنه تجب الرواية باللفظ، كقوله في الحديث: (ونبيك الذي أرسلت).\n(٤) قال السيوطي: وعندي إذا كان من جوامع الكلم، فإنه يجب روايته بلفظه أما ما عدا ذلك فإنهم اختلفوا فيه على مذاهب:\n(١) قالت طائفة من أصحاب الحديث والفقه والأصول: لا يجوز إلا بلفظه.\n(٢) قيل: يمنع في حديث رسول الله ﷺ، ويجوز في غيره.\n(٣) قيل: إن نسي اللفظ جاز، وإلا منع.\n(٤) جوازه لمن يحفظ اللفظ، ومنعه لمن نسيه.\n(٥) قيل: يجوز ذلك للصحابة دون غيرهم، وبهذا جزم ابن العربي في (أحكام القرآن).\n(٦) قيل: يجوز بإزاء مرادف.\n(٧) قيل: إن كان موجبه علمًا جاز، وإن كان موجبه عملًا لم يجز.\n(٨) قول جمهور السلف والخلف من الطوائف - منهم الأئمة الأربعة - وهو الجواز في جميعه إذا قطع بأداء المعنى.\nقال ابن الصلاح: والأصح جواز ذلك في الجميع إذا كان عالمًا بما وصفناه، قاطعًا بأنه أدى معنى اللفظ الذي بلغه؛ لأن ذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسلف الأولين، وكثيرًا =","vol":"2","page":423},{"text":"وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ: مَنْعُهُ.\n<hr><s0>\n\n\"وعن ابن سيرين منعه\"، وهو المَرْوِيّ عن عبد الله بن عُمَرَ ﵁، وجماعة من التابعين، واختاره أحمد بن يَحْيَى ثعلب، وأبو بكر الرَّازي، ونقله إمام الحرمين عن معظم المُحْدثين وشِرْذِمَةٍ من الأصوليين.\n\"وعن مالك: أنه كان يشدّد في الباء والتاء\" - مثل بالله وتالله فقيل: كان ذهابًا منه إلى منع نقل الحديث بالمعنى، وأنه كان يقول: لا ينقل حديث رسول الله ﷺ بالمعنى، بخلاف حديث النَّاس.\nوقيل: بل كان يجوّزه [وحمل] (^١) هذا التَّشديد \"على المُبَالغة في الأَوْلَى\"، فإن الأولى نقل اللّفظ بصورته بلا نزاع.\n_________\n= ما كانوا ينقلون معنى واحدًا في أمر واحد بألفاظ مختلفة، وما ذلك إلا لأن معمولهم كان على المعنى دون اللفظ اهـ.\nقال في (مسلم الثبوت) وشرحه: ولم ينكر عليه من أحد، بل قبله الكل في كل عصر .. اهـ.\nماذا يقول المؤدى بالمعنى؟\nينبغي لمن أدى بالمعنى أن يقول عقيبه: أو كما قال، أو نحوه، أو شبهه أو ما أشبه ذلك من الألفاظ.\nقال السيوطي: وقد كان قوم من الصحابة يفعلون ذلك، وهم أعلم الناس بمعاني الكلام؛ خوفًا من الزلل؛ لمعرفتهم بما في الرواية بالمعنى من الخطر.\nينظر: البحر المحيط للزركشي ٤/ ٣٦١، والبرهان لإمام الحرمين ١/ ٦٥٥، وسلاسل الذهب للزركشي ٣٣٢، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٢/ ٩٣، ونهاية السول للأسنوى ٣/ ٢١١، ومنهاج العقول للبدخشي ٢/ ٣٧٣، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ١٠٥، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ١٥٠، والمنخول للغزالي ٢٧٩، والمستصفى له ١/ ١٦٨، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/ ٢٧٩، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٢٠٤، والمعتمد لأبي الحسين ٢/ ١٤١، وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ٣٨٤، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٧٠. وينظر الرسالة ص ٣٧٠، والتبصرة ص ٣٤٦، والعضد ٢/ ٧٠، والمسودة ص ٢٨١، وروضة الناظر ص ٦٣، وتنقيح الفصول ص ٣٨٠، والمنتهى لابن الحاجب ص ٦٠، والتبصرة (٤٦)، والعدة ٣/ ٩٦٨، وحاشية البناني ٢/ ١٧١، كشف الأسرار ٣/ ٥٥.\n(^١) في ب: ويحمل.","vol":"2","page":424},{"text":"وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يُشَدِّدُ فِي \"البَاءِ\"وَ\"التَّاءِ\"، وَحُمِلَ عَلَى المُبَالَغَةِ فِي [الأَوْلَى].\n<hr><s0>\n\nوقال بعض أصحابنا: إن كان موجب الخبر علمًا جاز النَّقل بالمعنى، وإن كان موجبه عملًا ففيه ما لا يجوز الإخلال باللَّفظ فيه؛ كقوله ﵇: \"تَحْرِيمُهَا التَّكبِيْرُ وَتَحْلِيْلُهَا التَّسْلِيمُ\" (^١)، وكقوله ﵇: \"خَمْسٌ يقْتَلْنَ فِي الحِلِّ وَالحَرَمِ\" (^٢)، وما أشبه ذلك، وفيه ما يجوز بالمعنى، نقله ابن السَّمعاني.\n_________\n(^١) أخرجه الشافعي (١/ ٧٠) رقم (٢٠٦) وابن أبي شيبة (١/ ٢٢٩)، وأحمد (١/ ١٢٩)، والدارمي (١/ ١٧٥)، وأبو داود (٦١٨)، والترمذي (١/ ٨ - ٩) رقم (٣)، وابن ماجه (١/ ١٠١) رقم (٢٧٥)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٧٣)، والدارقطني (١/ ٣٧٩)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ٣٧٢)، والبيهقي (٢/ ١٧٣) من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن الحنفية عن علي مرفوعًا قال الترمذي: إنه أصح شيء في هذا الباب وأحسن.\nوللحديث شواهد عن أبي سعيد وابن عباس وعبد الله بن زيد.\nحديث أبي سعيد:\nأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٢٩)، والترمذي (١/ ٨ - ٩) وابن ماجة (١/ ١٠١) رقم (٢٧٦) والدارقطني (١/ ٣٥٩)، والحاكم (١/ ١٣٢).\nوقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.\nحديث ابن عباس:\nأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١١/ ١٦٣) رقم (١١٣٦٩).\nوأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٢٩) موقوفًا عليه.\nحديث عبد الله بن زيد:\nأخرجه الدارقطني (١/ ٣٦١).\n(^٢) متفق عليه، أخرجه البخاري في الصحيح ٦/ ٣٥٥، كتاب بدء الخلق (٥٩)، باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه … (١٦)، الحديث (٣٣١٤)، ومسلم في (الصحيح ٢/ ٨٥٦)، كتاب الحج (١٥)، وباب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم (٩)، الحديث (٦٧/ ١١٩٨)، وأخرجه مالك في الموطأ ١/ ٣٥٦ - ٣٥٧، باب: ما يقتل المحرم من الدواب، وأخرجه النسائي ٥/ ٢٠٨، في باب: ما يقتل في الحرم من الدواب (٢٨٨١)، وفي قتل الحية في الحرم (٢٨٨٢)، أخرجه ابن ماجه ٢/ ١٠٣١ في المناسك. باب ما يقتل المحرم (٣٠٨٧)، وأحمد في المسند ٦/ ٩٧، ١٢٢، والبيهقي في السنن الكبرى =","vol":"2","page":425},{"text":"لَنَا: الْقَطْعُ بِأَنَّهُمْ نَقَلُوا عَنْهُ أَحَادِيثَ فِي وَقَائِعَ مُتَّحِدَةٍ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ شَائِعَةٍ ذَائِعَةٍ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"لنا: القَطْع بأنهم نقلوا عنه أحاديث في وَقَائع متّحدة\"، ولفظه ﵇ فيها واحد قطعًا \"بألفاظ مختلفة شائعة ذائعة، ولم ينكره أحد\"، وكان إجماعًا.\nومن الأحاديث \"نَهَىَ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ\" (^١)، \"وَعَنِ المُحَاقَلَةِ (^٢) ................\n_________\n= ٥/ ٢٠٩، ٩/ ٣١٦، والطحاوي في معاني الآثار ٢/ ١٦٦، وانظر: تلخيص الحبير ٢/ ٢٧٤، ونصب الراية ٣/ ١٣٦.\n(^١) أخرجه الترمذي ٣/ ٥٣٣، في البيوع: باب ما جاء في النهي عن بيعتين في بيعة (١٢٣١)، وقال: حسن صحيح، والنسائي ٧/ ٢٩٥ - ٢٩٦، في البيوع: باب بيعتين في بيعة، وأبو داود في السنن ٣/ ٢٧٤، بلفظ: من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا في كتاب البيوع، باب: فيمن باع بيعتين في بيعة (٣٤٦١)، وابن حبان، كما في موارد الظمآن ص ٢٧٢، في كتاب البيوع: باب ما نهى عنه في البيع من الشروط وغيرها (١١١٩)، وبلفظ أبي داود (١١١٠)، وأخرجه أحمد في المسند ٢/ ٤٣٢، ٤٧٥ - ٥٠٣، وابن الجارود في المنتقى (٦٠٠)، والبيهقي في السنن الكبرى ٥/ ٣٤٣، ومالك في الموطأ بلاغًا ٢/ ٦٦٣، في البيوع، باب النهي عن بيعتين في بيعة.\n(^٢) المحاقلة لغة: بيع الطعام في سنبله، وقيل: اشتراء الزرع بالحنطة. وقيل: بيع الزرع قبل صلاحه من الحقل، وهو الزرع، وقيل: المزارعة بالثلث والربع وغيرهما، وقيل: كراء الأرض بالحنطة: كذا في المغرب.\nانظر: المصباح المنير ١/ ٢٢٥، والقاموس المحيط ٣/ ٣٦٩، والمطلع (٢٤٠)، والمغرب ١/ ٢١٧.\nواصطلاحًا:\nعرفها الأحناف بأنها: بيع الحنطة في سنبلها مثل كيلها خرصًا، وزاد الكاساني: لا يدري أيهما أكثر.\nوعرفها، الشافعية بأنها: اشتراء الزرع بالحنطة، واستكراء الأرض بالحنطة، وفسرها الإمام الشافعي في الأم \"أن يبيع الرجل الزرع بمائة فرق حنطة\".\nوعرفها المالكية بأنها: شراء الزرع بالحنطة، وتطلق أيضًا على استكراء الأرض بالحنطة.\nوعرفها الحنابلة بأنها: بيع الحب في سنبله بجنسه.\nانظر: الهداية ٣/ ٤٤، والبحر ٦/ ٨٢، وبدائع الصنائع ٥/ ١٩٤، وفتح القدير ٥/ ١٩٥، =","vol":"2","page":426},{"text":"وَأَيْضًا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعودٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: \"كَذا\"، أَوْ نَحْوَه، وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ.\n<hr><s0>\n\nوالمُزَابَنَةِ (^١) \" (^٢)، \"وَقَضَى بِاليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ (^٣)\n_________\n= والمجموع ٩/ ٣٣٩، والأم ٣/ ٦٢، ومغنى المحتاج ٢/ ٩٣، ونهاية المحتاج ٤/ ١٥٦، والموطأ ٤/ ٤٤٦، وأوضح المسالك ١١٢، ١٤١ والمنتقى ٤/ ٢٤٥، والمغنى ٤/ ١٥٢، وغاية المنتهى ٣/ ١٦٤.\n(^١) المزابنة لغة: أي الدفع، والحرب تزبن الناس: أي تدفعهم، والمزابنة: بيع الرطب على رءوس النخل بالتمر كيلًا، وكذلك على كل مثمر على شجره بثمر كيلا. انظر: تاج العروس ٩/ ٣٣٤، ولسان العرب ١٧/ ٥٤.\nواصطلاحًا:\nعرفها الأحناف بأنها: بيع التمر على النخل بتمر مجذوذ مثل كيله خرصًا، وزاد الكاساني: \"لا يدري أيهما أكثر والزبيب بالعنب لا يدرى أيهما أكثر.\nوعرفها الشافعية بأنها: أن تنظر كل ما عقدت بيعه مما الفضل بعضه على بعض يدًا بيد ربا لا يجوز فيه شيء يعرف كيله بشيء منه جزاف لا يعرف كيله، ولا جزاف منه بجزاف.\nوعرفها المالكية بأنها: كل شيء من الجزاف الذي لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده ابتيع بشيء مسمى من الكيل أو الوزن أو العدد، وهي غير مقصورة على النخل.\nوعرفها الحنابلة بأنها: بيع الرطب في رءوس النخل بالتمر.\nانظر: الهداية ٣/ ٤٤، والحجة على أهل المدينة ٢/ ٥٥٢، وحاشية ابن عابدين ٥/ ٦٥، والبحر الرائق ٦/ ٨٢، وبدائع الصنائع ٥/ ١٩٤، ونهاية المحتاج ٤/ ١٥٦، والأم ٣/ ٦٣، والموطأ ٤/ ٤٤٦، وأوضح المسالك ١١/ ١٤١، والمبدع في شرح المقنع ٤/ ١٣٩، وكشاف القناع ٣/ ٢٥٨، ومغنى المحتاج ٢/ ٩٣.\n(^٢) أخرجه مسلم ٣/ ١١٧٤ - ١١٧٥، في البيوع: باب النهي عن المحاقلة والمزابنة (٨١ - ٨٤/ ١٥٣٦)، والشافعي في المسند ٢/ ١٥٢، في البيوع: باب فيما نهى عنه من البيوع (٥٢٥ ترتيب).\n(^٣) اختلف الفقهاء في الحكم بشاهد واحد مع يمين المدعى: فذهب الشافعي، ومالك، وأحمد وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وشريح، والفقهاء السبعة إلى جواز الحكم بشاهد ويمين في الأموال خاصة. وروى هذا عن أبي بكر، وعثمان، وعلي ﵃.\nوذهب أبو حنيفة، وأصحابه، والأوزاعي، والشَّعْبِي، والنخعي، وزيد بن علي، وابن شبرمة، والإمامُ يحيى إلى عدم جواز الحكم بشاهد ويمين. وقال محمد بن الحسن: من قضى بشاهد ويمين نقضت حكمه. وقال الحكم: القضاء بشاهد ويمين بدعة، وأول من حكم به معاوية.\nالأدلة: استدل المجوزون بما يأتي: =","vol":"2","page":427},{"text":"وَأَيْضًا: أُجْمِعَ عَلَى تَفْسِيرِهِ بِالْعَجَمِيَّةِ؛ فَالْعَرَبِيَّةُ أَوْلَى.\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ١ - عن سيف بن سليمان عن قيس بن سعدٍ عن عمرو بن دينار عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد. رواه أحْمَد، وأبو داود، وابن ماجة. وفي رواية لأحمد: إِنَّما كان ذلك في الأموال.\n٢ - عن جعفر بن محمد عن أبيه عن أمير المؤمنين علي ﵁؛ أَنَّ النبيّ ﷺ قضى بشهادة شاهد واحد ويمين صاحب الحق، وقضى به أمير المؤمنين علي بالعراق. رواه أحمد والدارقطني. وذكره الترمذي.\n٣ - عن ربيعة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، قال: قضى رسول الله ﷺ باليمين مع الشاهد الواحد. رواه ابن حاجه والترمذي، وأبو داود. قال عبد العزيز الدَّرَاوَرْدِيُّ: فذكرت ذلك لسهيل. فقال: أخبرني ربيعة - وهو عندي ثقة - أني حدثته إِيَّاه، ولا أحفظه. قال عبد العزيز: كان أصاب سهيلًا علة أذهبت بعض عقله، ونسي بعض حديثه. فكان سهيل بعد يحدث عن ربيعة عنه عن أبيه.\nواحتج المانعون بما يأتي:\n١ - بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ الآية قد انتظمت شيئين من أمر الشهود: أحدهما العدد، والآخر الصفة، وهي العدالة المأخوذة من قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾.\nوحيث إنْ لم يجز إِسْقَاط العدالة، والاقتصار على ما دونها، لم يجزْ إِسقاط العدد؛ لأن الآية مقتضية استيفاء الأمرين في تنفيذ الحكم بها؛ فغَيْرُ جائزٍ إِسقاطُ واحدٍ منهما.\nوأيضًا فلما أراد الله الاحتياط في إجازة شهادة النساء، أوجب شهادة المرأتين، وقال: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ فلو أجيز الحكم بشاهد ويمين، لما كان هناك حاجة لأن تذكر إحدى المرأتين الأخرى إذا ما ضلت؛ لأن الشاهد وحده مع اليمين كاف، ثم قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ ينفى قبول الشاهد واليمين؛ لما فيه من الحكم بغير ما أمر الله من الاحتياط، والاستظهار، \"ونفي الريبة والشك، وفي قبول يمين الطالب أعظم الريب والشك وأكبر التهمة؛ وذلك خلاف مقتضى الآية.\nوأيضًا، لو قبلت شهادة شاهد واحد مع يمين الطالب، لكان زيادةً على ما جاء به القرآن، والزيادة نسخ، وأخبار الآحادِ لا تنسخ المتواتر.\n٢ - بما روى عن ابن عباس أن النبيَّ ﷺ قضى باليمين على المُدَّعَى عليه، وأخرجه =","vol":"2","page":428},{"text":"وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْمَقْصُودَ الْمَعْنَى قَطْعًا وَهُو حَاصِلٌ.\n<hr><s0>\n\n........... \". (^١)\nونحو ذلك مما يعلم قطعًا أن الراوي لم يقصد فيه اللفظ.\n\"وأيضًا: ما روى ابن مسعود، وغيره أنه قال ﷺ: كذا\"، ثم يقولون: \"أو نحوه\"، وذلك تصريح بعدم ذكر اللّفظ بعينه، \"ولم ينكره أحد\"، فكان إجماعًا.\n_________\n= الطبراني من رواية سفيان عن نافع عن ابن عمر بلفظ: \"البينةُ علَى المُدَّعي، واليَمِينُ علَى مَنْ أَنْكَرَ\" وأخرجه البيهقيُّ من طريق عبد الله بن إدريس عن ابن جريج وعثمان بن الأسود عن أبي مُلَيْكة قال: كنتُ قاضيًا لابن الزبير على الطائف، فذكر قصة المرأتين اللتين ادعت إحداهما على الأخرى أنها جرحتها، فكتبت إلى ابن عباس، فكتب إليَّ أن رسول الله ﷺ قال: \"لَوْ يُعطَى النَّاسُ بدَعْوَاهُمْ لادَّعى رِجالٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِن البَيِّنةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى، وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنكَرَ\" يدل قول النبي ﷺ \"البينة على من ادَّعى، واليمينُ على من أنكر\" على التفريق بين البينه اليمين، وغير جائز أن تكون اليمين بينة؛ إذ لو حاز، لكان لمنزلة قول القائل: \"البينة على المدعى، والبينة على المدعى عليه وحيث إنَّ اليمين خلافُ البينة. وقد قسم النبي ﷺ بين الخصمين، فجعَلَ عَلَى المُدَّعي البينة، وعلى المنكر اليمين؛ فلا يجوز الحكم بشاهد ويمين؛ لأن القسمة تنافي الشركة.\nوأيضًا جعل النبي ﷺ جنس البينة على المدعى، وجنس الأيمان على المنكر، وحينئذ تكون جميع أفراد البينة على المدعين، وجميع أفراد اليمين على المنكرين، فلو حلف المدعى مع الشاهد كان مخالفًا للنص.\nوقول الرسول ﵊: \"لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ بِدعوَاهُمْ إلخ\". يدل على بطلان القول بالشاهد واليمين؛ إذ إِنَّ اليمين هي دعواه؛ لأن مخبرها ومخبر دعواه واحد، فلو استحق بيمينه كان مستحقًا بدعواه، وقد منع النبيّ ﷺ ذلك.\n٣ - بما روى عن علقمة بن حجر عن أبيه في الحضرمي الذي خاصم الكندي في أرض ادَّعَاهَا في يده وجحد الكندي، فقال النبي ﵊ للحصرمي: \"شَاهِدَاكَ أوْ يَمِين، لَيْسَ لَكَ إِلَّا ذَلِكَ\". نفى النبي ﷺ أَنْ يستحق شيئًا بغير شاهدين، وأخبر أنه لا شيء له غير ذلك.\n(^١) أخرجه من طريق وائل الحضرمي مسلم في الصحيح ٣/ ١٤٧٤ - ١٤٧٥، كتاب الإمارة (٣٣)، باب في طاعة الأمراء .. (١٢)، الحديث (٤٩/ ١٨٥٦).","vol":"2","page":429},{"text":"قَالَوا: قَالَ ﵊: \"نَضَّرَ اللهُ امْرَأً\".\nقُلْنَا: دَعَا لَهُ لأَنَّهُ الْأَوْلَى، وَلَمْ يَمْنَعْهُ.\nقَالُوا: يُؤَدِّى إِلَى الإِخْلَالِ؛ لاِخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي الْمَعَانِي وَتَفَاوُتِهِمْ، فإِذَا قُدِّرَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، اخْتَلَّ بِالْكُلِّيَّةِ، وَأُجِيبَ بأَنَّ الْكَلامَ فِيمَنْ نَقَلَ بالْمَعْنَى سواءٌ.\n<hr><s0>\n\nوقد سمع عمرو بن ميمون (^١١) يومًا عبد الله بن مسعود يحدث عن النّبي ﷺ وقد علاه كَرْبٌ وجعل العَرَقُ يَنْحَدرُ عن جَبِينِهِ وهو يقول: إما فوق ذلك، وإما دون ذلك، وإما قريب من ذلك.\n\"وأيضًا: أجمع على تفسيره بالعَجَمِيّة، والعربية أولى\".\n\"وأيضًا: فإن المقصود المعنى قطعًا، وهو حاصل\" عند نقله بلفظ آخر.\nالشرح: \"قالوا: قال ﷺ: \"نَضَّرَ اللهُ امْرَأً\" سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا\".\n\"قلنا\": أولًا النَّاقل بالمعنى مؤدّ كما سمع.\nسلّمنا: ولكن \"دعا له؛ لأنه الأولى\"؛ إذ لا ريب في أنّ الأولى نقل اللَّفظ على صورته، \"ولم يمنعه\" أن ينقل بالمعنى.\n\"قالوا: يؤدّي إلى الإخلال؛ لاختلاف العلماء في المعاني وتفاوتهم، فإذا قدر ذلك\" النقل مع الاختلاف \"مرتين أو ثلاثًا - اختلّ\" المعنى \"بالكلية\".\nوزاد ثَعْلبٌ فقال: عامّة الألفاظ التي لها نظائر في اللُّغة إذا تَحَقَّقْتَهَا وجدت كلّ لفظة منها مختصّة بشيء لا يُشَاركها صاحبها فيه، فمن رأى شيئًا يقوم مقام شيء لم يسلم من\n_________\n(^١١) عمرو بن ميمون الأودي، أبو يحيى الكوفي، عن عمر ومعاذ، وله إدراك، وعنه: الشعبي وسعيد بن جبير وأبو إسحاق، وقال: حج ستين ما بين حجة وعمرة، وروى إسرائيل عن أبي إسحاق: حج مائة حجة وعمرة، وثقه ابن معين، قال أبو نعيم: مات سنة أربع وسبعين.\nينظر: تهذيب الكمال ٢/ ١٠٥٢، وتهذيب التهذيب ٨/ ١٠٩ (١٨٠)، وتقريب التهذيب ٢/ ٨٠، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٢٩٧، وسير الأعلام ٤/ ١٥٨، والثقات ٥/ ١٦٦، والكاشف ٢/ ٣٤٤، وتاريخ البخاري الكبير ٦/ ٣٦٧، والحلية ٤/ ١٤٨.","vol":"2","page":430},{"text":"<span data-type='title' id=toc-543>\" تَكْذِيبُ الأَصْلِ الفَرْعَ\"</span>\nمَسْأَلَةٌ:\nإِذَا كَذَّبَ الأَصْلُ الْفَرْعَ سَقَطَ؛ لِكَذِبِ وَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَلَا يَقْدَحُ\n<hr><s0>\n\nالزَّيغ، كيف والنبي ﷺ أوتى جوامع الكلم، فمن [ذا] (^١) يقدر على الإتيان بلفظ يوازي لفظه مع الوَفَاء بالمعنى الذي أراده.\n\"وأجيب بأنَّ الكلام فيمن نقل بالمعنى سواء\"، وكلام ثعلب يحيل صورة المسألة.\n«مسألة»\nالشرح: \"إذا كذب الأصلُ الفرعَ، سقط\" المروي عن درجة الاعتبار والقبول (^٢)؛ \"لكذب واحد غير معيّن\" منهما، \"ولا يقدح في عَدَالتهما\"؛ لأن عدالة كلّ واحد منهما على التعيين منتفية، وكذبه مشكوك، واليقين لا يرفع بالشَّك، [فهما] (^٣) كالبيِّنَتَيْنِ، يتكاذبان يتعارضان، ولا يقدح في عدالتهما، وكرجل قال لامرأته: إن كان هذا الطائر غُرَابًا فأنت طالق، وعكس آخر، ولم يعرف الطائر لا يمنع واحد منهما من غِشْيَانِ امرأته مع أن إحدى المرأتين طالق.\nهذا ما قاله الأصحاب.\nورأى ابن السَّمْعَاني: أن الحديث لا يسقط.\nقال: لأن الرَّاوي قاله بحسب ظنه، ولعل شيخه نسى، ومع احتمال نسيانه كيف يسقط، وما رواه هو الذي يختاره. [ويلزم] (^٤) قول الأصحاب، لو اجتمع الفَرْع والأصل في شهادة ترد؛ لأَنَّ أحدهما غير عدل، فلم يتم النِّصاب، وما أراهم يقولون بهذا.\nوقد حكوا قَوْلَيْن فيما إذا ادّعى رجلٌ على رجلين أنهما رهناه عبدهما، فزعم كُلّ\n_________\n(^١) سقط في ح.\n(^٢) ينظر: كشف الأسرار ٣/ ٥٩، والمستصفى ١/ ١٦٧، والتبصرة ٢٤١، وفواتح الرحموت ٢/ ٧٠، وشرح الكوكب ٢/ ٥٣٧، والمسودة ٢٧٨، والإحكام للآمدي ١/ ٩٦، وتيسير التحرير ٣/ ١٠٧، وشرح العضد ٢/ ٧١، وشرح التنقيح (٣٦٩)، وأصول السرخسي ٢/ ٣، والمختصر لابن اللحام (٩٣).\n(^٣) في ح: فيهما.\n(^٤) في ب: وملزم.","vol":"2","page":431},{"text":"فِي عَدَالَتِهِمَا. فَإِنْ قَالَ: لَا أَدْرِي فَالأَكْثَرُ يُعْمَلُ بِهِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ.\nوَلأَحْمَدَ رِوَايتَانِ.\nلنَا: عَدْلٌ غَيْرُ مُكَذَّبٍ كَالْمَوْتِ وَالْجُنُونِ.\n<hr><s0>\n\nواحد منهما أنه ما رهن نصيبه، وأن شريكه رهن، وشهد عليه أحدهما، لا يقبل الطَّعن كل واحد منهما في صاحبه، وأصحهما يقبل، وبه قال الأكثرون؛ لأنهما ربما نسيًا.\nوهذا الصَّحيح شاهد لما رواه ابن السَّمعاني، واخترناه.\n\"فإن\" لم يجزم الأصل بتكذيب الفَرْعِ، ولكن \"قال: لا أدري\" صحّة ما عزاه إليّ، \"فالأكثر يعمل به خلافًا لبعض الحنفية، ولأحمد روايتان\" (^١).\nالشرح: \"لنا\": الرَّاوي \"عدلٌ غير مكذب\"، فإن شيخه لم يفصح بتكذيبه، فوجب العمل بروايته، \"كالموت والجنون\" يعرضان للأصل، فلا يرد خبر الفَرْعِ.\n\"واستدلّ أن سهيل بن أبي صَالح\" (^٢) - هذا هو الصواب ووقع في [بعض] (^٣) خطِّ المصنّف - سهيل بن صَالح وهو وهم - \"روى عن أبيه عن أبي هريرة؛ أنه ﷺ قضى باليَمِيْنِ مع الشاهد، ثم قال\" سهيل \"لربيعة\" - وهو الرَّاوي عنه: \"لا أدري، وكان يقول حَدّثني ربيعة عني\" أني حدثته، رواه هكذا أبو داود، ورواه الترمذي، وابن ماجه، ولم يذكر قول سهيل لربيعة: لا أدرى.\nووجه الحجّة: أن سهيلًا قال: لا أدري، ثم حدث عن ربيعة عن نفسه، واشتهر\n_________\n(^١) ينظر: الرسالة ص ٣٧٠، والتبصرة ص ٣٤٦، والمنخول ص ٢٧٩ - ٢٨٠، وغيرها من المصادر …\n(^٢) سهيل بن أبي صالح ذكوان السمان، أبو يزيد المدني. وثقه ابن عيينة والعجلي. وقال النسائي: هو خير من فليح وحسين المعلم، وعدّ جماعة يعترض على البخاري في احتجاجه بهم وعدم احتجاجه بسهيل، قال الذهبي: مرض سهيل فتغير حفظه. مات في خلافة المنصور سنة ١٣٨ هـ.\nينظر: طبقات ابن سعد ١/ ٣٣٩، وتهذيب الكمال ١/ ٥٥٨، وتهذيب التهذيب ٤/ ٢٦٣، وتقريب التهذيب ١/ ٣٣٨، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ٤٢٩، والكاشف ١/ ٤٠٩، وتاريخ البخاري الكبير ٤/ ١٠٤، والجرح والتعديل ٤/ ١٠٦٣، وميزان الاعتدال ٢/ ٢٤٣.\n(^٣) سقط في ح.","vol":"2","page":432},{"text":"وَاسْتُدِلَّ! بِأَنَّ سُهَيْلَ بْنَ أَبِي صَالِحٍ رَوَى عَن أَبِيهِ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ﷺ قَضَي بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، ثُمَّ قَالَ لِرَبِيعَةَ: لَا أَدْرِي، فكَانَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ عَنِّي.\nقُلْنَا: صَحِيحٌ، فَأَيْنَ وُجُوبُ الْعَمَل؟!.\n<hr><s0>\n\nذلك، ولم ينكره أحد، وصارت هذه سبيلًا للمحدثين.\nومن [طريف] (^١) ما اتَّفق فيها أن أبا القَاسِمِ بن عَسَاكر - وهو أستاذ زمانه حفظًا وإتقانًا وورعًا - حدَّث قال: سمعت سعيد بن مُبَارك [الدّهان] (^٢) بـ\"بغداد\" يقول: رأيت في النوم شخصًا أعرفه وهو ينشد صاحبًا له: [مجزوء الرمل]\nأَيُّهَا الْمَاطِلُ دَيْنِي … أَمَلِيٌّ وَتُمَاطِلْ؟!\nعَلِّلِ الْقَلْبَ فَإِنِّي … قَانِعٌ مِنْكَ بِبَاطِلْ\nوحدَّث ابن عساكر بهذا صاحبه الحافظ [أبا سعيد بن (^٣) المُبَارك] (^٤) [قال: ابن السَّمعاني، فرأيت سعيد بن المُبَارك] (^٥) وعرضت عليه هذه الحكاية فقال: ما أعرفها.\nقال ابن السمعاني، وابن عساكر من أوثق من رأيت، جُمِعَ له الحفظ والمعرفة والإتقان، ولعلّ ابن الدّهان نسى.\nقلت: كذا هو، وقد كان ابن الدَّهَّان بعد ذلك يروي هذه الحِكَاية عن [أبي سعيد] (^٦) عن أبي القاسم عن نفسه.\n_________\n(^١) في ت، ح: ظريف.\n(^٢) سقط في ت.\n(^٣) سعيد بن المبارك بن الدهان البغدادي النحوي، العلامة، أبو محمد صاحب التصانيف، ولد سنة ٤٩٤ هـ، قال العماد الكاتب: هو سيبويه عصره، ووحيد دهره، لقيته، وكان حينئذ يقال: نُحاة بغداد أربعة: ابن الجواليقي، وابن الشجري، وابن الخشّاب، وابن الدهان، وقد غرقت كتبه بـ\"بغداد\" في غيبته، ثم نقلت إليه إلى الموصل، فشرع في تبخيرها باللَّاذن ليقطع ريحها الرديء، فطلع ذلك إلى رأسه، وأحدث له العمي. من كتبه: \"سرقات المتنبي\" و\"التذكرة\" وغيرها. توفي سنة ٥٦٩ هـ.\nينظر: معجم الأدباء ١١/ ٢١٩ - ٢٢٣، وإنباه الرواة ٢/ ٤٧، ووفيات الأعيان ٢/ ٣٨٢، والعبر ٤/ ٢٠٧، ومرآة الجنان ٣/ ٣٩٠، وشذرات الذهب ٤/ ٢٣٣، وسير الأعلام ٢٠/ ٥٨١.\n(^٤) في أ، ح: أبا سعيد بن السمعاني، وفي ب: أبا سعد.\n(^٥) سقط في ت.\n(^٦) في ت، ح: أبي سعد.","vol":"2","page":433},{"text":"قَالُوا: لَوْ جَازَ لَجَازَ فِي الشَّهَادَةِ.\nقُلْنَا: الشَّهَادَاتُ أَضْيَقُ.\nقَالُوا: لَوْ عُمِلَ بِهِ لَعَمِلَ الْحَاكِمُ بِحُكْمِهِ ذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ وَنَسِيَ.\nقُلْنَا: يَجِبُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ، وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللهُ - وَإنَّمَا يَلْزَمُ الشَّافِعِيَّةَ.\n<hr><s0>\n\n\"قلنا\": وقوع قصة سهيل على هذا الوَجْهِ \"صحيح\"، ولكن ليس فيه ما يدل على وجوب العمل به، \"فأين وجوب العمل\"؟ ..\nولك أن تقول: قد عمل به سهيل، وصار يحدث عن ربيعة عن نفسه، ولو لم يكن العمل به جائزًا لما عمل به، وإذا جاز وجب؛ لعدم القائل بالفَصْل.\nالشرح: \"قالوا: لو جاز\" العَمَل برواية الفَرْعِ مع نسيان الرواية \"لجاز في الشَّهَادة\".\n\"قلنا: الشهادة أضيق\" من الرواية.\n\"قالوا: لو عمل به لعمل الحاكم بحكمه إذا شهد [الشاهدان] (^١) ونسى\".\n\"قلنا: يجب ذلك عند مالك، وأحمد، وأبي يوسف\".\n\"وإنما يلزم الشَّافعية\"، كذا قال، وابن القاص خَرّج قولًا للشَّافعي كمذهب القوم، فعلى هذا لا كلام، وعلى المذهب لَيْتَ شِعْرِي كيف يصح له إلزام الشَّافعية بالإلحاق بعد دعواه وِجْدَان الفارق؛ حيث يقول: الشَّهادة أضيق.\nوبهذا فرق الأصحاب، ولهم التفرقة أيضًا بأن الَّذيْن يشهدان عند الحاكم على حكمه بخبر أنه عن فعل نفسه.\nوسيأتي أن المراد لا يعمل بخبر الوَاحِدِ عن فعل نفسه؛ لأنه أدرى بها.\nفإن قلت: فكيف يعمل الشيخ برواية الراوي عنه عند الشك وهو مخبر له عن فعل نفسه؟\n_________\n(^١) في ت: الشاهد.","vol":"2","page":434},{"text":"<span data-type='title' id=toc-544>\" انْفِرَادُ العَدْلِ بِالزِّيَادَةِ\"</span>\nمَسْأَلَةٌ:\nإِذَا انْفَرَدَ الْعَدْلُ بِزِيَادَةٍ، وَالْمَجْلِسُ وَاحِدٌ: فَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ لَا يَغْفُلُ مِثْلُهُمْ عَنْ مِثْلِهَا عَادَةً، لَمْ يُقْبَلْ، وَإلَّا فَالْجُمْهورُ: تُقْبَلُ.\nوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ.\nلنَا: عَدْلٌ جَازِمٌ فَوَجَبَ قَبُولُهُ.\nقَالُوا: ظَاهِرُ الْوَهْمِ فَوَجَبَ رَدُّهُ.\nقُلْنَا سَهْوُ الْإِنْسَانِ بِأَنَّهُ سَمِعَ وَلَمْ يَسْمَعْ بَعِيدٌ بِخِلَافِ سَهْوِهِ عَمَّا سَمعَ فَإِنَّهُ كَثِيرٌ، فَإِنْ تَعَدَّدَ الْمَجْلِسُ قُبِلَ بِاتِّفَاقٍ، فَإِنْ جُهِلَ فَأَوْلَى بِالْقَبُولِ.\nوَلَوْ رَوَاهَا مَرَّةً وَتَرَكَهَا مَرَّةً فكَرِوَايَتَيْنِ، وَإذْا أَسْنَدَ وَأَرْسَلُوه، أَوْ رَفَعَهُ وَوَقَفُوه، أَوْ وَصَلَهُ وَقَطَعُوهُ فَكَالزِّيَادَةِ\".\n<hr><s0>\n\nقلت: حكى ابن كَجّ وجهًا: أنه هو لا يعمل، وعلى هذا لا كلام.\nوأما على المذهب فإن موضع الفائدة من الرواية نسبة القول إلى النبي ﷺ، وللشيخ [وراويه] (^١) ومن بعدهما كلهم وسائط، والقول في الحقيقة ليس لهم، وإنما هو للنبي ﷺ فلم يخبره في الحقيقة إلا عن قول النبي ﷺ.\nغاية ما في الباب أنه كان واسطة فيه.\n«مسألة»\nالشرح: \"إذا انفرد العَدْل\" من بين جماعة عدول رووا حديثًا \"بزيادة\" على ذلك الحديث \"والمجلس واحد، فإن كان غيره [لا يغفل] (^٢) مثلهم عن مثلها عادةً، لم يقبل\" منه الزيادة (^٣).\n_________\n(^١) في أ، ت: ورواية.\n(^٢) في ب: لا يفعل.\n(^٣) ينظر: المسودة ٢٩٩، والمنخول ٢٨٣، وشرح التنقيح ٣٨١، وفواتح الرحموت ٢/ ١٧٢، والتبصرة ٣٢١، واللمع ص ٤٦، وتوضيح الأفكار ٢/ ١٧، وحاشية البناني ٢/ ١٤٠، وفتح المغيث للعراقي ١/ ١٩٩، وروضة الناظر ص ٦٣، والمنتهى ص ٦١، والإحكام لابن حزم =","vol":"2","page":435},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقال ابن السَّمْعَاني: يُقبل إلا أن يقولوا: إنهم لم يسمعوا؛ لجواز روايتهم بعض الحديث.\nوهذا هو المختار إلا أن تكون تلك الزيادة مما تتوفّر الدواعي على نقلها.\n\"وإلا\" أي كان غيره ممن يجوز أن يغفل عن مثلها عادة، \"فالجمهور تقبل\".\n\"وعن أحمد روايتان\".\n\"لنا: عدل جازم\" بما رواه لا مُعَارض له؛ لأن التارك لرواية الزِّيادة لم ينفها لفظًا ولا معنى.\nأما لفظًا فواضح، وأما معنى، فلأنه ليس إلا أنه لم يروها، وذلك لا يجب أن يكون لنفيه إياها، فلعلّه كان ساهيًا، حين تكلّم بها النبي ﷺ أو مشغولًا، \"فوجب قبوله\"؛ كما لو برواية الحديث، ولم يروه غيره معه.\n\"قالوا: ظاهر الوَهْم\"؛ [لوحدته] (^١) وتعدّدهم، \"فوجب ردّه\".\n\"قلنا: [سهو الإنسان] (^٢) بأنه سمع ولم يسمع بعيد، بخلاف سهوه عما سمع فإنه كثير\".\nوإذًا حمل الذين لم يرووا الزيادة على السهو أقرب من حَمْلِ راويها - \"فإن تعدّد المجلس قبل باتفاق\"، وهو واضح، \"فإن جهل (^٣) فأولى بالقَبُولِ، من المعلوم اتحاده؛ لاحتمال التعدُّد.\n\"ولو\" أن راوي الزيادة \"رواها مَرّة، وتركها أخرى فكروايتين\"، كذا بخطّ المصنّف، أي: حكمه حكم الروايتين، وفي بعض النسخ فكذا.\nقال الإمام: إن روى الزيادة مرة، ولم يروها أخرى، فالاعتبار بكثرة المرات، وإن تساويا قُبِلَتْ.\n_________\n= ١/ ٢٦٤، وغاية الوصول ص ٩٨، والبحر المحيط للزركشي ٤/ ٣٢٩، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٧١.\n(^١) في أ، لوجدته.\n(^٢) في ب: سهو لا نسيان، وهو تحريف.\n(^٣) في ح: فإن تعدد المجلس جهل.","vol":"2","page":436},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"وإذا أسند وأرسلوه، أو وقفه ورفعوه، أو وصله وقطعوه، فكالزيادة\".\nمثال زيادة الرَّاوي حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله: \"قَسَّمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدي، فَإِذَا قَالَ العَبْدُ: الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ. يَقُولُ اللهُ حَمِدَنِي عَبْدِي\" (^١) وهو خبر صحيح.\nثم روى عُبَيْدُ الله بن زياد بن سمعان، عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة الخبر، وذكر فيه \"فَإِذَا قَالَ العَبْدُ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ذَكَرَنِي عَبْدِي\" تفرّد بالزيادة [عبيد الله] (^٢) بن زياد (^٣)، وفيه مقال.\nوذكرنا في \"شرح المنهاج\": أمثلة أخرى كزيادة الراوي.\nمثال زيادة الراوي مرة وتركه مرارًا، أن سفيان بن عيينة روى عن طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله (^٤)، إليه بسنده، عن عائشة قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ فقلت: إنا خبّأنا لك حَيْسًا، فقال: \"أَما إِنِّي كُنْتُ أُرِيدُ [الصَّوْمَ] (^٥)، وَلَكِنْ قَرِّبِيهِ\" (^٦)، أسنده الشَّافعي هكذا.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم ١/ ٢٩٦ في كتاب الصلاة: باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، حديث (٣٨/ ٣٩٥)، ومالك في الموطأ ١/ ٨٤ في كتاب الصلاة: باب القراءة، خلف الإمام فيما لا يجهر فيه بالقراءة حديث (٣٩).\n(^٢) في أ، ب، ت، ح: عبد الله.\n(^٣) عبيد الله بن أبي زياد المكي، أبو الحصين القَدَّاح. عن أبي الطُّفيل وسعيد بن جبير. وعنه: الثوري ويحيى القطان. وقال: كان وسطًا. وقال أبو حاتم والحاكم: أبو أحمد ليس بالقوي. وقال ابن عدي: لم أر له حديثًا منكرًا.\nينظر: خلاصة تهذيب الكمال ٢/ ١٩١، وتهذيب الكمال ٢/ ٨٧٧، وتهذيب التهذيب ٧/ ١٤ (٢٧)، وتقريب التهذيب ١/ ٥٣٣، والكاشف ٢/ ٢٦٦، وتاريخ البخاري الكبير ٥/ ٣٨٢، والجرح والتعديل ٥/ ١٥٠٠، وميزان الاعتدال ٣/ ٨.\n(^٤) طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي الكوفي. عن أبيه وأعمامه ومجاهد. وعنه السفيانان وأبو الأحوص سلام ووكيع. وثقه العجلي وابن معين. وقال أبو زرعة والنسائي: صالح. وقال البخاري: منكر الحديث. قال الواقدي: مات سنة ثمان وأربعين ومائة.\nينظر: الثقات ٦/ ٤٨٧، وميزان الاعتدال ٢/ ٣٤٣، والجرح والتعديل ٤/ ٤٧٧، تقريب التهذيب ١/ ٣٨٠ (٤٣)، وتهذيب التهذيب ٥/ ٢٧ (٤٥)، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ١٣.\n(^٥) سقط في ت.\n(^٦) في أ، ح: قرنته.","vol":"2","page":437},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nورواه عن سفيان شيخ باهلي، وزاد فيه \"وَأَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ\". قال الشَّافعي: سمعت سفيان عامة مَجَالسه لا يذكر فيه \"وَأَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ\"، ثم عرضه عليه قبل موته بِسَنَةٍ فذكر هذه الزيادة.\nمثال من أسند وأرسلوه إسناد إسرائيل بن يونس (^١)، عن جَدّه أبي إسحاق السّبيعي، عن أبي بردة، عن أبيه [إلى] (^٢) أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ حديث \"لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ\".\nورواته: سفيان الثوري، وشعبة بن أبي إسحاق، عن أبي بُرْدَة، عن النبي ﷺ مرسلًا.\nوحكم البُخَاري لمن وصله، وقال: زيادة الثِّقة مَقْبُولة، مع أن المرسل له شعبة وسفيان، وهما من هما حفظًا وإتقانًا.\nمثال من وقف ورفعوه.\nروى مالك في \"الموطأ\" عن أبي [النضرِ] (^٣)، عن بُسْرِ بن سَعِيدٍ (^٤)، عن زَيْدِ بن\n_________\n(^١) إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني، من أهل الكوفة، ولد سنة مائة، يروى عن: أبي إسحاق وسماك. يروى عنه أهل العراق. كنيته أبو يوسف. قال عيسى بن يونس: قال إسرائيل: كنت أحفظ حديث يونس بن أبي إسحاق كما أحفظ السورة من القرآن. ومات سنة ستين ومائة.\nينظر: طبقات ابن سعد ٦/ ٢٦٠، ونسيم الرياض ٣/ ٦٥، وسير الأعلام ٧/ ٣٥٥، والوافي بالوفيات ٨/ ١١، ولسان الميزان ٧/ ١٧٦، وميزان الاعتدال ١/ ٢٠٨، والجرح والتعديل ٢/ ٣٣٠، وتهذيب الكمال ١/ ٩٢، والخلاصة ١/ ٨٠، والثقات ٦/ ٧٩.\n(^٢) سقط في أ، ب، ت، ح.\n(^٣) سالم بن أبي أمية التيمي، مولاهم، أبو النضر المدني، عن أنس وسليمان بن يسار وبُسر بن سعيد وطائفة. وعنه: موسى بن عقبة وابن إسحاق وعمرو بن الحارث والليث. قال ابن المديني: له نحو خمسين حديثًا. وثقه يحيى بن معين والنسائي.\nينظر: الثقات ٦/ ٤٠٧، والجرح والتعديل ٤/ ٧٧٩، وتاريخ البخاري الكبير ٤/ ١١١، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ٣٥٩، والكاشف ١/ ٣٤٣، وتقريب التهذيب ١/ ٢٧٩، وتهذيب التهذيب ٣/ ٤٣١، وتهذيب الكمال ١/ ٤٥٩.\n(^٤) بُسر بن سعيد، مولى ابن الحضرمي، المدني العابد. عن سعد بن مالك وزيد بن ثابت وأبي =","vol":"2","page":438},{"text":"<span data-type='title' id=toc-545>\" حُكْمُ حَذْفِ بَعْضِ الخَبَرِ\"</span>\n<span data-type='title' id=toc-546>مَسْأَلَةٌ:\nحَذْفُ بَعْضِ الْخَبَرِ جَائِزٌ </span>عِنْدَ الْأَكْثَرِ إِلَّا فِي الْغَايَةِ وَالاسْتِثْنَاءِ وَنَحْوِهِ مِثْلُ: \"حَتَّى تُزْهِيَ\" وَ\"إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ\" فَإِنَّهُ مُمْتَنِعٌ.\n<hr><s0>\n\nثابتٍ ﵁ موقوفًا عليه: \"أَفْضَلُ صَلَاةِ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا المَكْتُوبَةَ\" (^١). وخالفه موسى بن عُقْبة، وعبد الله بن سعد بن أبي هند وغيرهما، فرووه عن أبي النصْر مرفوعًا.\nومثل هذا كثير في حديث مالك ﵁، فمتى اتفق اثنان فأكثر على رفع ما وقفه، أو إسناد ما أرسله لم يعلل [بصنيعه] (^٢) مع جلالته علمًا ودينًا.\nوذكروا أنّ من عادة مالك - لشدّة ورعه واحتياطه في الرواية - التقصير في كثير من الحديث بالإرسال، أو الوَقْف، أو الانقطاع، لِيَسْتَتِرَ من الشّك يعرض له.\nقالوا: وهذا معنى قول الشَّافعي ﵁: الناس إذا شكّوا في الحديث ارتفعوا، ومالك إذا شَكَّ فيه انخفض، يعني. أنه إذا حصل عنده أدنى شَكّ في الرفع، أو الإسناد، أو الوَصْل - وقف، وأرسل وقطع؛ أخذًا بالتَّحري والاحتياط، وإن كان يظن خلافه، بخلاف غيره من الرواة.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"حذف بَعْض الخَبَرِ جائز عند الأكثر (^٣) إلّا في الغاية، والاسْتِثْنَاء ونحوه\"،\n_________\n= هريرة وأبي سعيد. وعنه عثمان وأبو سلمة وزيد بن أسلم ومحمد بن إبراهيم التَّيْمي. قال ابن معين: ثقة. قال ابن سعد: كان من العباد المنقطعين وأهل الزهد في الدنيا والورع. قال الواقدي: مات سنة مائة. ينظر: سير الأعلام ٤/ ٥٩٤، والثقات ٧٩، والجرح والتعديل ٢/ ١٦٨٠، وتاريخ البخاري الكبير ٢/ ١٢٣، والكاشف ١/ ١٥٣، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ١٢٢، وتهذيب التهذيب ١/ ٤٣٧، وتهذيب الكمال ١/ ١٤٢.\n(^١) أخرجه الترمذي ٢/ ٣٢، كتاب الصلاة: باب ما جاء في فضل صلاة التطوع في البيت (٤٥٠)، وذكره المتقي الهندي في الكنز (٢١٣٥١).\n(^٢) في ب: بصيغة، وهو خطأ.\n(^٣) ينظر: الإحكام للآمدي ٢/ ١٠١، والمستصفى ١/ ١٦٨، ونهاية السول ٣/ ٢٣٠، وجمع الجوامع ٢/ ١٤٤، وشرح الكوكب المنير ٢/ ٥٥٥، والمعتمد ٢/ ٦٢٦، والمسودة ص ٣٠٤، وغاية الوصول ص ٩٨، والتحرير ص ٣٣٠، وتيسير التحرير ٣/ ٧٥، وفواتح الرحموت =","vol":"2","page":439},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n\n<hr><s0>\n\nمما يخل بالحُكْم الذي تضمّنه الباقي، فإن ذلك لا يجوز بالإجماع؛ \"مثل\": أن يحذف \"حتى تزهي\" من حديث \"نُهِيَ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتّى تُزْهِي\" (^١) متفق عليه، \"و\"إلا\" سَوَاء بِسَوَاءٍ\" من حديث \"لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ، وَلَا الوَرِقَ بِالوَرِقِ، إِلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ\" (^٢) رواه مسلم؛ \"فإنه\" - أي: الحذف - \"ممتنع\"، يمتنع، لأنه يعم ما تقدم لمورد المُغَيّا والمستثنى وهو إخلال.\nوأما ما لا يخلّ فلا وجه لمنعه.\nوقد جاء الحديث الطّويل في صفة حج رسول الله ﷺ ساقه جابر (^٣) ابن عبد الله ﵁، وذكره على سِيَاقِهِ مسلم وأبو داود، [وجزأه] شيخ الصِّنَاعَةِ محمد بن إسماعيل على الأبواب - كذا ذكره أبو الحَسَنِ الأبياري في شرح \"البرهان\".\nواعلم أن البخاري لم يفرق حديث جابر بكماله، بل فيه ما لم يذكره في الجامع بالكُلّية، فإن مسلمًا تفرد عن البخاري فيه بأن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، وأنه أذن في النَّاس، وأنه ﵇ حَجّ في العاشرة، وبقصة أسماء بنت عُمَيْس، وبقراءة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [سورة الكافرون: الآية ١]، وباستقبال القِبْلَةِ، وبالذكر على الصَّفا والمروة، كذلك، وبذكر فاطمة، وخطبة النبي ﷺ بـ\"عرفة\" إلى قوله: \"اللَّهُمَّ اشْهَدْ\"، وبموضع الوقوف بـ\"عرفة\" ومدته، وبالوقوف بالمَشْعَر الحَرَام، والذِّكر فيه، وبنحر النَّبِي ﷺ ثلاثًا وستين بَدَنَة بيده.\n_________\n= ٢/ ١٦٩، وشرح العضد ٢/ ٧٢، وحاشية البناني ٢/ ١٤٤، وإرشاد الفحول (٥٨).\n(^١) البخاري ٤/ ٤٦٥، في البيوع: باب إذا باع الثمار قبل أن يبدو صلاحها (٢١٩٨)، ومسلم (٣/ ١١٩٠)، في المساقاة: باب وضع الجوائح (١٥/ ١٥٥٥).\n(^٢) أخرجه مسلم ٣/ ١٢١٠، في كتاب المساقاة: باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا (٨٠/ ١٥٨٧)، وأبو داود في السنن ٣/ ٢٤٨، في البيوع: باب في الصرف (٣٣٤٩)، والترمذي ٣/ ٥٤١، وفي البيوع: باب ما جاء أن الحنطة بالحنطة مثلًا بمثل (١٢٤٠)، قال: وفي الباب عن أبي سعيد وأبي هريرة وبلال وأنس، وقال: حديث عبادة حديث حسن صحيح، والنسائي ٧/ ٢٧٤ - ٢٧٥، في البيوع: باب بيع البر بالبر، وابن ماجة ٢/ ٧٥٧ في التجارات: باب الصرف (٢٢٥٤).\n(^٣) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٣٧٢، كتاب الحج: باب البدء بالضعاف في السعي (١٢٦ - ١٢٧)، ومسلم (٢/ ٨٨٦) في حديث طويل، كتاب الحج (١٤٧ - ١٢١٨)، وأبو داود =","vol":"2","page":440},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوذكر البخاري: من حديث أنس، أنه ﷺ نَحَرَ سبعة بُدْن بيده.\nوتفرد مسلم أيضًا بأكل النبي ﷺ من لحوم البُدْن وشربه من مَرَقِهَا، وبذكر السِّقَاية، وسائره ذكره البُخَاري في مواضع متفرّقة من كتابه من حديث جابر، وابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود وغيرهم، وكذلك مسلم أيضًا.\nوالسِّرُّ عندنا في ذلك: أنه على السِّيَاق المَرْوِي في مسلم، وأبي داود من رواية جعفر بن محمد [بن] (^١) علي، وهو جعفر الصَّادق الإِمام الجليل، والبُخَاري لم يَرْوِ له.\nوللكلام في هذا موضع غير هذا العلم، وإن كنا نصغي إلى كلام من تكلّم في حفظ جَعْفر. والذي نقطع به أنه من سادات المسلمين علمًا ودينًا وإتقانًا.\nوغرضنا هنا أن البُخَاري لم [يفرق] (^٢) الحديث، وإنما ذكر منه ما روى له مفردًا.\nولو استشهد ابن الأنباري بغير حديث الحَجّ، لوجد أحاديث كثيرة فرقها المحدثون، لعدم ارتباط أحد [المفرقين] (^٣) فيها بالآخر، وجابر نفسه فرق، إذ رواه مجموعًا، كما في مسلم.\nومفرقًا كما في غيره - ومنهم من منع منه -، وقربه إمام الحرمين والغزالي من مذهب مانع الرواية بالمعنى.\nقال ابن الأَنْبَاري: وهو أبعد؛ إذ قد يتخيّل أن النَّاقل بالمعنى، لم يرو كما سمع.\nأما ناقل بعض الأحكام باللفظ، فقد أتى بالمَسْمُوع من كل وجه.\nقلت: ومن أحاديث الباب، قال الشَّافعي ﵁: نقل بعض النقلة عن ابن مسعود؛ أنه أتى رسول الله ﷺ بحَجَرَيْن ورَوْثَة يستنجي بهما، فرمى رسول الله ﷺ بالرَّوثة، وقال: \"ابْغِ لِي ثَالِثًا\"، فالسكوت عن الثالث ليس يخلّ بنقل الرمي بالرَّوْثَة، وبيان أنها رجس، ولكن قد يُوهِمُ النَّقل على هذا الوجه - جواز الاكتفاء بحَجَرَيْن، فلا يجوز مع هذا الإيهام الاقتصارُ على بعض الحَدِيْثِ.\n_________\n= ٢/ ١٨٢ كتاب الحج: باب صفة حجة النبي (١٩٠٥)، وابن ماجه ٢/ ١٠٢٢ كتاب المناسك، باب حجة رسول الله ﷺ (٣٠٧٤)، والبيهقي في السنن ٥/ ٩٠٧.\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) في ت، ح: يعرف، وهو تحريف.\n(^٣) في ت: الفرقيين.","vol":"2","page":441},{"text":"<span data-type='title' id=toc-547>مَسْأَلَةٌ:\nخَبَرُ الْوَاحِدِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى </span>(^١)، كَابْنِ مَسْعُودٍ فِي مَسِّ الذَّكَرِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ، وَرَفْعِ الْيَدَيْنِ - مَقْبُولٌ عِنْدُ الْأَكْثَرِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ.\nلَنَا: قَبُولُ الأُمَّةِ لَهُ فِي تَفَاصِيلِ الصَّلَاةِ، وَفِي نَحْوِ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ وَقَبُولِ الْقِيَاسِ وَهُوَ أَضْعَفُ.\nقَالُوا: الْعَادَةُ تَقْضِي بِنَقْلِهِ مُتَوَاتِرًا.\n[وَ] رُدَّ بِالْمَنْعِ، وَتَوَاتُرُ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ - اتِّفَاقٌ، أَوْ كَانَ مُكَلَّفًا بِإِشَاعَتِهِ.\n<hr><s0>\n\nواختار إمام الحَرَمَيْن في ذلك التفصيل بين أنْ يكون مقصد الرَّاوي منع استعمال الرَّوَث فيجوز، أو لا، فلا يجوز.\nقلت: والحق مع الشَّافعي؛ فإن [الإيهام] (^٢) حاصل، وإن قصد الرَّاوي منع الروث.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: قدمنا أَنَّ خبر الواحد حجّة كالشهادات، وشرطها العدالة، وغيرها مما عرف في الفروع والمُعَاملات، ولا يشترط فيها العَدَالة؛ فإِذا قال: هذه هَدِيّة فلان إليك، أو هذه الجَارِيَة التي أمرت فلانًا بشرائها لك قد اشْتَرَاها - جاز للمخبر [قبول] (^٣)، خبره إذا وقع في نفسه صدق، ويحل الاستمتاع بالجَارِيَة، والتصرُّف في الهدية.\nقاله ابن السمعاني وغيره، ولم يَحْكِ أحدٌ فيه الخلاف المحكي في خبر الواحد (^٤).\nونظيره: إذا طلق امرأته ثلاثًا، وغاب عنها، فادَّعت أنها تزوّجت بزوج أحلها له،\n_________\n(^١) والمراد بعموم البلوى إحساس الحاجة إليه في عموم الأحوال.\n(^٢) في ب: الإبهام.\n(^٣) في ت: قول.\n(^٤) ينظر: البرهان ١/ ٦٦٥، واللمع ص (٤٠)، والتبصرة ص ٣١٤، والمستصفى ١/ ١٧١، والمنخول ٢٨٤، والمحصول ٢/ ١/ ٦٣٣، والإحكام للآمدي ٢/ ١٠١، والوصول إلى الأصول ٢/ ١٩٢، وشرح التنقيح ص ٣٧٢، والمعتمد ٢/ ٦٥٩، وأصول السرخسي ١/ ٣٦٨، =","vol":"2","page":442},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nووقع في قلبه صِدْقُهَا، فله التعويل على قولها من غير كراهة.\nقال الأصحاب: وإن لم يقع في قلبه صدقها، كره مع الحلّ.\nقال إِمام الحَرَمَيْنِ: وهي في مقام بائع لَحْم يجوز أن يكون من مُذَكَّى ومن مَيْتَة.\nواستحبّ أبو إسحاق المَرْوَزِي البحث عن الحال.\nوقال الرُّويَانيّ: يجب في هذا الزمان، [والمجلى] من فقهائنا، احتمال فيما إذا [أمكنت] (^١) إقامة البَيّنة على النِّكَاح، والحالة هذه أنه لا بد من إقامتها البَيّنة، وشبهه بالمودع يدعي تلف الوديعة بسبب ظَاهِرٍ يكلف البيّنة على السَّبب، ولكن المذهب خلافه، والفرق أن إثبات النِّكَاح من غير خصومة، تقام متعذر والخصومةُ في الوديعة قائمةٌ، فأمكن معها إقامة البينة.\nومنها: ما لا يحتجّ فيه كالإخبار في القَطْعِيّات، وغيرها مما تقدم ذكر بعضه.\nومن ذلك: أنْ يخبر الإنسان عن عمل نفسه، فلا يعتمده، وإنما يرجع إلى ذكره؛ لأنه أعرف بنفسه، ولهذا لا يرجع إلى قول القائل: إنما صلّيت ثلاثًا، ونحو ذلك.\nولا يَرْجِعُ الحاكم إلى من شهدا عليه؛ أنك حكمت بكذا ما لم يتذكّر، كما قدمناه، ولا الشاهد إلى من شهد عنده؛ أنك تحمّلت الشهادة في واقعة كذا.\nوفي الرافعي عن [أبي] (^٢) العَبّاس الروياني فيمن حلف بالطَّلاق لا يفعل كذا، فشهد عنده شاهدان أنه فعله، وتيقّن صدقهما، أو غلب على ظنه، لزمه أن يأخذ بالطَّلاق.\nوفيه في صورة الظّن نظر.\nوأما صورة التيقن، فقد ينظر أيضًا لقول الأصحاب لا يرجع لمن قال له: لم [تصل] (^٣) إلَّا ثلاثًا، ولو بلغوا حَدّ التواتر.\n_________\n= وكشف الأسرار ٣/ ١٦، والتحرير ٣٥٠، وتيسير التحرير ٣/ ١١٢، وفواتح الرحموت ١/ ١٢٨، وإرشاد الفحول ص ٥٦، وشرح الكوكب ٢/ ٣٦٧، ونهاية السول ٣/ ١٧٠، وجمع الجوامع ٢/ ١٣٥، وحاشية البناني ٢/ ١٣٥، والمسودة ٢٣٨، وروضة الناظر (٦٥).\n(^١) في ح: مكنت.\n(^٢) في ح: ابن.\n(^٣) سقط في ح.","vol":"2","page":443},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nولكني أقول: ذلك مُشْكل إن أجرى على ظاهره، فإنه لا يتّجه عند حصول اليقين، والعلم الضَّروري كالمُتَوَاتر إلا العمل بمضمونه.\nوأنا أحمل كلام الأصحاب في ذلك؛ إما على المبالغة أو على أن المرجع عند حصول اليقين ليس إلى خبر المخبرين، بل إلى العلم الذي حصل لهم، وإن كانوا هم أصلًا فيه.\nوكلّ ما ذكرناه في المَرْء ويخبر عن غيره.\nأما من أخبر عن نفسه، فإنه بقبل فيما عليه أبدًا عند إمكان صدقه، ويقبل قوله أبدًا فيما لا يعلم إلا من جهته.\nوأنا أقول: فيما لا يعلم إلا من جهة الشخص إخبار المجتهد، عما أداه إليه اجتهاده في الواقعة الحادثة؛ فلذلك تقبل فتوى المفتي إجماعًا، وإن تضمّنت الإخبار عن حكم الله تعالى.\nوبهذا يتّضح لك فَسَاد قياس خبر الواحد المتنازع في أنه هل هو حُجّة على [اليقين] (^١)، كما أسلفناه في مكانه.\nوكلّ هذه الأماكن ليست في خبر الواحد الذي فيه نِزَاع الأصوليين في شيء.\nفإن قلت ففيم يتكلم الأصوليون؟.\nقلت: في خبر الواحد في [السير] (^٢) والديانات التي يُكْتَفَى في مثلها بالظنون، وحينئذ نقول: إذا ثبت حجّيته، فهو حجة فيها [إجماعًا] (^٣)، سواء أكان في عبادة مبتدأة، أو ركن من أركانها، وفي ابتداء نصاب أو تقدير نِصَاب.\nوخالف قوم في مواضع:\nمنها: قال بعض الحنفيّة: لا يقبل في ابتداء النّصب، ويقبل في ثوانيها؛ ولذلك قبلوا خبر الوَاحِدِ في النّصَاب الزائد على خمس أَوَاقٍ؛ لأنه فرع، ولم يقبلوا في ابتداء نصاب [الفِصْلَان] (^٤) والعَجَاجِيل؛ لأنه أصل، ذكره ابن السَّمْعَاني. قال: والأكثر من الحنفية على ما ذهبنا إليه، وروى أيضًا عن أبي يوسف.\n_________\n(^١) في أ، ت، ح: الفتيا.\n(^٢) في ب: السنن.\n(^٣) في ب: جميعًا.\n(^٤) في أ، ت: العضلات.","vol":"2","page":444},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nومنها: أنه مَقْبُول وإن خالف أصُول سائر الأحكام - خلافًا لأصحاب أبي حَنِيفَةَ.\nومنها: \"خبر الوَاحِدِ فيما تعمُّ به البَلْوَى؛ كابن مَسْعُودٍ في مَسّ الذَّكَرِ\".\nكذا قال المصنّف، ولا يحفظ لابن مَسْعُودٍ رواية في مسّ الذَّكر عن النبي ﷺ؛ إنما روى البيهقي موقوفًا: \"لا يَتَوَضَّأُ مِنْهُ\" (^١).\nوحديث الوضوء من مَسّ الذكر، روى عن جمع من الصَّحابة مرفوعًا أشهره بسرة بنت صفوان.\n\"و\"خبره \"أبي هريرة\" المتّفق على صحّته \"في غسل اليدين\" عند القيام من النوم.\n\"و\"خبره الذي رواه أحمد، وأبو داود، والنَّسَائي في \"رفع اليدين\" عند الركوع، والرفع منه. واعلم أن رفع اليدين مَرْوِيّ عن خلق من الصَّحابة رفعوه، وهو صحيح ادّعى قوم فيه التواتر، فلا معنى لذكره هنا.\nوما كان من هذا القَبِيل \"مقبول عند الأكثر، خلافًا لبعض الحنفية\".\n\"لنا: قَبُول الأمّة له\" - أي: لخبر الواحد الواقع فيما نحن فيه - \"في تفاصيل الصلاة، وفي نحو الفَصْدِ وَالحِجَامَةِ\".\n_________\n(^١) قال الحافظ ابن كثير في \"التحفة\" ص ٢١٩: لا يعرف لابن مسعود رواية في مس الذكر، بل نقل عنه \"أن مسه لا ينقض\".\nقال أبو عيسى الترمذي عقب حديث بسرة بنت صفوان: وفي الباب عن أم حبيبة، وأبي أيوب، وأبي هريرة، وأروى بنة أنيس، وعائشة، وجابر، وزيد بن خالد، وعبد الله بن عمرو. قلت: وليس فيهم ابن مسعود.\nوقال القاضي أبو الطيب: روى مس الذكر عن رسول الله ﷺ بضعة عشر صحابيًا.\nوقال الحافظ ابن حجر: ولم يأت عن ابن مسعود في النقض ولا عدمه شيء مرفوع.\nقلت: أخرج عبد الرزاق في \"مصنفه\" ١/ ١١٨ عن زيد بن أرقم قال: \"حككت جسدي وأنا في الصلاة، وأفضيت إلى ذكرى، فقلت لعبد الله بن مسعود، فضحك، وقال: اقطعه، أين تعزله؟! إنما هو بضعة منك\" وذكره الهيثمي في المجمع ١/ ٢٤٤.\nوقال: رجاله موثقون.","vol":"2","page":445},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nولقد قبل الخصوم أخبار الفَصْد والحِجّامة على ضعفها مع كونها فيما تعم به بَلْوَى البَرِيّة.\n\"و\"أيضًا\" اتفقنا على \"قَبُول القياس\" فيما تعمّ به البَلْوَى، \"وهو أضعف\" من خبر الواحد.\n\"قالوا: العادةُ تقضى بِنَقْلِهِ متواترًا\"؛ فإن ما تعمّ به البَلْوَى يكثر السُّؤال عنه، وما يكثر السُّؤال عنه يكثر بيانه، وما يكثر بيانه يكثر نقله، فحين قلّ النقلُ فيه دلّ أنه لم يثبت في الأصل؛ كما قيل في الخَبَرِ الذي تتوفّر الدواعي على نقله.\n\"وردّ بالمنع\"، فإنه ليس ممّا تتوفّر الدَّوَاعي على نقله، وقد قبلت الصحابة خبر الواحد في الغُسْل من الْتِقَاءِ الخِتَانَيْنِ، وهو مما تعمّ به البلوى، فإذن دعوى العادة ممنوعة.\n\"و\"أما \"تواتر البَيْع، والنكاح، والطلاق، والعِتْق\"، فإنه \"اتفاق\" - أي: وقع على سبيل الاتفاق دون الفَصْد لإيقاع تَوَاتره.\n\"أو \"قد يقال: \"كان\" النبي ﷺ \"مكلفًا بإشاعته\"، بخلاف ما نحن فيه، فليس كلّ ما تعمّ به البلوى يُشَاع.\nقال الغَزَالِيّ (^١): وقد استقرينا الأفعال الوَاقِعَة منه - عليه أفضل الصلاة والسلام - فوجدناها أربعة أقسام:\nأولها: القرآن.\nوثانيها: مباني الإسلام، الشَّهادتان، والصَّلاة، والصَّوم، والزكاة، والحج، وقد علمنا اعتناءه ﵊ بإشَاعَةِ هذين.\nوثالثها: أصول المُعَاملات؛ كالبَيْع، والطَّلاق، والعِتَاق ونحوها، وقد وقع تواترها إما اتفاقًا، لحاجة النَّاس إليها، أو لوقوع أمر الله - تعالى -[بعد] (^١) نبيّه ﵊ بإشَاعتها.\nورابعها: تفاصيل هذه الأصول ممّا [يفسد] (^٢) الصَّلاة، والعبادات من القَيْءِ، والمَسّ، واللَّمْس، ونحو ذلك، وهذا الجنس لم يشع، ومنه ما تعمّ به البَلْوَى وما لا تعمّ؛ وحكمه إنما يتعلّق بمن بلغه.\n_________\n(^١) سقط في أ، ت، ح.\n(^٢) في ح: يفد، وهو خطأ.","vol":"2","page":446},{"text":"<span data-type='title' id=toc-548>مَسْأَلَةٌ:\nخَبَرُ الْوَاحِدِ فِي الْحَدِّ مَقْبُولٌ </span>خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ وَالْبَصْرِيِّ.\nلَنَا: مَا تَقَدَّمَ.\nقَالُوا: ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ\"؛ وَالاحْتِمَالُ شُبْهَةٌ.\nقُلْنَا: لَا شُبْهَةَ كَالشَّهَادَةِ وَظَاهِرِ الْكِتَابِ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: ومنها: مسألة \"خبر الواحد في الحَدّ مقبول، خلافا للكَرْخِي والبَصْري\" (^١).\n\"لنا: ما تقدم\" من أنه عَدْل جازم في حكم ظَنّي، فوجب قبوله.\n\"قالوا\": روى أبو محمد البُخَاري في \"مسند أبي حَنِيفة\": أن النبي ﷺ قال: \"ادْرَءُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ\" (^٢)، وذكره البيهقي في \"الخِلَافِيّات\".\n_________\n(^١) ينظر: المستصفى ١/ ١٥٥، والمعتمد ١/ ٥٧٠، و٦٢٢، والإحكام للآمدي ٢/ ١٠٦، والكوكب المنير ٢/ ٣٦٤، وحاشية البناني ٢/ ١٣٣، وكشف الأسرار ٣/ ٢٨، والتحرير (٣٣٧)، وتيسير التحرير ٣/ ٨٨، وفواتح الرحموت ٢/ ١٣٦، والمسودة ص ٢٣٩، وأصول السرخسي ١/ ٣٣٣، وروضة الناظر ٦٦، وشرح العضد ٢/ ٧٢، وإرشاد الفحول ٥٦.\n(^٢) قال الحافظ ابن كثير في \"تحفة الطالب\" ص ٢٢٦: لم أر هذا الحديث بهذا اللفظ، وقال الحافظ ابن حجر في \"الموافقة\": هذا الحديث مشهور بين الفقهاء وأهل أصول الفقه، ولم يقع لي مرفوعًا بهذا اللفظ. قلت: هو بهذا اللفظ عند الإمام النعمان أبي حنيفة في مسنده برواية الحصكفي ص ١١٤، وهو أيضًا في جامع المسانيد ٢/ ٨٣، وأخرجه الدارقطني ٣/ ٨٤ في كتاب \"الحدود والديات\" حديث (٩) بلفظ: \"ادرءوا الحدود\"، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٨/ ٢٣٨، في كتاب الحدود، باب ما جاء في درء الحد بالشبهات ٨/ ٢٣٨.\nويغنى عنه: عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ: \"ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله؛ فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة\". أخرجه الترمذي في السنن ٤/ ٣٣، وكتاب الحدود (١٥)، باب ما جاء في درء الحدود (٢) الحديث (١٤٢٤) واللفظ له، وقال: (ورواه وكيع عن يزيد بن زياد نحوه، ولم يرفعه؛ ورواية وكيع أصح)، وأخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٣٨٤ كتاب الحدود، باب: إن وجدتم لمسلم مخرجًا …، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٨/ ٢٣٨، =","vol":"2","page":447},{"text":"<span data-type='title' id=toc-549>\" حُكْمُ حَمْلِ الصَّحَابِيِّ مَرْوِيَّهُ عَلَى أَحَدِ مَحْمَلَيْهِ\"</span>\n<span data-type='title' id=toc-550>مَسْأَلَةٌ:\nإِذَا حَمَلَ الصَّحَابِيُّ مَا رَوَاهُ عَلَى أَحَدِ مَحْمَلَيْهِ </span>فَالظَّاهِرُ حَمْلُهُ. . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوروى الترمذي \"ادْرَءُوا الحُدُودَ عَنِ المُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ\".\n\"الاحتمال\" - أي: احتمال كذب الراوي \"شبهة\"، [فيسقط] (^١) الحد:\n\"قلنا: لا شبهة\" - فإن مجرد احتمال الكذب لا ينتهض شُبْهة دَارِئة، وهذا \"كالشَّهَادة\"، فإن احتمال الكذب موجود فيها، \"وظاهر الكتاب\"؛ فإن احتمال إرادة غير الظَّاهر موجود فيه، ومع هذا لا ينتهض الاحتمال المذكور شُبْهَة.\nفإن قلت: الشَّهادة، وظاهر الكتاب [بَيَّنَتْ] (^٢) كونهما حجّة بالقطع.\nقلت: وكذلك خبر الواحد؛ لانتهاض الإجماع عليه كما تَقَدّم.\nقال ابن السَّمْعَاني: ولا نَدْري أنّ أحدًا ممن ذهب إلى وجوب العمل بخبر الواحد - ذكر أن دليله ظَنّي، بل عامّة الأصوليين على أنه دليل قطعي.\nومما يرد به عليهم القِصَاص، وهو مما يُدْرَأُ بالشُّبهات، ومع هذا استدلوا عليه بخبر الواحد؛ كما استدلّوا بخبر مُرْسَل في قتل المسلم بالذِّمي، واستدلوا بأثر عمر في قتل الجماعة بالواحد، واستدلُّوا في القِصَاصِ بالأَقْيسَة، وهي أضعف من خبر الواحد.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"إذا حمل الصَّحابي ما رواه على أحد محمليه\" - كالقُرْء يحمله على الطَّهْرِ أو الحَيْض - \"فالظَّاهر حمله عليه\"؛ لأن الظَّاهر أنه إنما حمله عليه \"بقرينة\" (^٣).\n_________\n= كتاب الحدود؛ باب ما جاء في درء الحدود بالشبهات.\nفيه يزيد بن زياد منكر الحديث، وقال النسائي: متروك، ينظر: التاريخ الصغير للبخاري ٢/ ٨٩، والجرح والتعديل ٩/ ٢١٣، وانظر: نصب الراية ٣/ ٣٠٩، ٣١٠، وتلخيص الحبير ٤/ ٥٦.\n(^١) في أ، ت: فلنسقط.\n(^٢) في ب: يثبت.\n(^٣) ينظر: الإحكام للآمدي ٢/ ١٠٤، وشرح الكوكب المنير ٢/ ٥٥٧، وشرح العضد ٢/ ٧٢، =","vol":"2","page":448},{"text":"عَلَيْهِ بِقَرِينَةٍ، فَإِنْ حَمَلَهُ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ فَالأَكْثَرُ عَلَي الظُّهُورِ، وَفِيهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: كَيْفَ أَتْرُكُ الْحَدِيثَ بِقَولِ مَنْ لَوْ عَاصَرْتُهُ لَحَجَجْتُهُ فَلَوْ كَانَ نَصًّا فَيَتَعَيَّنُ نَسْخُهُ عِنْدَه، وَفِي الْعَمَلِ نَظَرٌ وَإِنْ عَمِلَ بِخِلَافِ خَبَرِ أَكْثَرِ الأُمَّةِ فَالْعَمَلُ بِالْخَبَرِ إِلَّا إِجْمَاعَ الْمَدِينَةِ.\n<hr><s0>\n\nقال الشيخ أبو إِسْحَاق الشِّيرَازي: وعندي فيه نظر.\nقلت: ثم هذا إذا كان المحملان مُتَنَافيين، أما إذا لم يتنافيا فالظَّاهر، أنّ من يحمل المشترك على مَعْنييه يحمل عليهما جميعًا.\n\"فإن حمله على غير ظاهره، فالأكثر\" أنه يبقى \"على الظُّهور\"، ولا يلتفت إلى صنيع [الرَّاوي] (^١).\n\"وفيه قال الشَّافعي: كيف أَتْرك الحديث لمن لو عاصرته لَحَجَجَتُهُ\" - أي: قطعته وظهرت عليه بإقامتي الحجة عليه.\nوعبارة الآمِدِيّ هنا: ولهذا قال الشَّافعي: كيف أترك الخبر لأقوال أقوام لو عاصرتهم لَحَجَجْتُهُمْ.\nوهي أحسن، فإن الشافعي لم يقل ذلك في المسألة التي نحن فيها، وإنما قاله في قول الصَّحابي المخالف للحديث، سواء كان هو [راويه] (^٢) أم غيره.\nنعم هذا الكلام من الشافعي ينزل على المَسْألة التي نحن فيها؛ كما ينزل على غيرها، ولكنَّ تنزله عليها لا يوجب أن تكون هي التي لاقاها كلامه.\n\"فلو كان\" الخبر \"نصًّا\" في المدلول، وقد خالفه الرَّاوي \"فيتعين\" حمل المُخَالفة على أنه وجد \"نسخة عنده\" - يعني: أنه اعتقد ذلك، وإلا لقدح فيه.\n\"وفي العمل نظر\" - فيمكن أن يُقَال: يعمل بالخبر؛ إذ ربّما ظنّ شيئًا ناسخًا، ولم يكن، وهذا هو الأرجح.\n_________\n= وحاشية البناني ٢/ ١٤٥، والمعتمد ٢/ ٦٧٠، وكشف الأسرار ٣/ ٦٥، وتيسير التحرير ٣/ ٧١، وفواتح الرحموت ٢/ ١٦١، وإرشاد الفحول ٥٩ أصول السرخسي ٢/ ٣١٠.\n(^١) في ب: الرازي، وهو تحريف.\n(^٢) في ح: رواية، وهو تحريف.","vol":"2","page":449},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوعليه أيضًا يتنزل ما روى من قول الشَّافعي ﵁: كيف يتنزّل كلام المعصوم إلى مَنْ ليس بمعصوم.\nوأن يقال: يعمل بفعل الرَّاوي؛ لأن خطأه في الناسخ بعيد، وذهب أكثر الحنفية إلى أن الاعتماد على عمل الراوي مطلقًا، دون الخبر.\nوفي المسألة تفاصيل أخر لأقوام، ليس في حكايتها كثير فائدة؛ فلذلك تركها. وقد جعل المصنّف - تبعًا للآمدي - موضوع المسألة في الصَّحابي يعمل بخلاف ما رواه، لا في راوي الخبر مطلقًا، وهذا ما نصره القَرَافي.\nوأما الإمام الرازي وغيره، فذكروا أن الخلاف في المسألة واقع على الرَّاوي يعمل بخلاف خبره، سواء كان صحابيًّا، أم لا إذا كان من الأئمة، وهو الصحيح، وبه صرح إمام الحرمين.\n\"وإن عمل بخلاف خبر أكثر الأُمّة، فالعمل بالخبر\" على الصَّحيح؛ لأن أكثر الأُمّة ليسوا كل الأمة، فلا تقوم الحُجّة باتفاقهم.\nقال: \"إلا إجماع\" أهل المَدِينة - وهذا منه بناء على أصل المالكية في أن إجماع المدينة حُجّة.\nفي حرف الاستثناء من كلامه مُبَاحثة، وهي: أنه كان استثناء من العمل بخبر المخالف للأكثر، والمعنى: يعمل بالخبر وإن خالفه الأكثر إلا أن يكونوا أهل \"المدينة\"، فمقتضاه أنّ العمل بإجماع \"المدينة\"، والحالة هذه مشروطة بكونهم أكثر الأمة، ولا قائل بذلك، فإن القائل [قائلان] (^١):\n[قائل] (^٢) بأن إجماع \"المدينة\" حُجّة، وهذا لا يشترط فيهم كونهم الأكثر، بل يحتج بهم وإن كانوا الأقل.\nوقائل: إنه غير حُجّة، وهذا لا يقدم عملهم على الخبر، وإنما يرجّح بهم معارض الخبر. على خلاف في ذلك أيضًا يأتي - إن شاء الله تعالى - ذكره في باب التَّرَاجِيح، مع أن المصنّف لم يَبْنِ على هذا، بل على أن إجماعهم حُجّة.\n_________\n(^١) سقط في أ، ت، ح.\n(^٢) سقط في ت.","vol":"2","page":450},{"text":"<span data-type='title' id=toc-551>\" حُكْمُ مُخَالَفَةِ الخَبَرِ لِلْقِيَاسِ\"</span>\nمَسْأَلَةٌ:\nالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ الْمُخَالِفَ لِلْقِيَاسِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مُقَدَّمٌ.\nوَقِيلَ بِالْعَكْسِ.\nأَبُو الْحُسَيْنِ: إِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ بِقَطْعِيٍّ فَالْقِيَاسُ. وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ مَقْطُوعًا بِهِ، فالاجْتِهَادُ.\nوَالْمُخْتَارُ: إِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ بِنَصٍّ رَاجِح عَلَى الْخَبَرِ، وَوُجُودُهَا فِي الْفَرْعِ قَطْعِيٌّ فَالْقِيَاس، وَإِنْ [كَانَ] وُجُودُهَا ظَنِّيًّا فَالْوَقْف، وَإِلَّا فَالْخَبَرُ.\n<hr><s0>\n\nأما القول بأنه لا يقدم على الخبر إلا إذا كان المجمعون فيه أكثر الأمة.\nفنقول: لم يقل به أحد، وإن كان استثناء من مطلق العَمَلِ، بخلاف الخبر؛ حيث يقدم الخبر عند المصنف، سواء كان العامل الرَّاوي أم غيره، وسواء كان الخبر نصًّا، أم لا، فيكون مع بعده مقتضاه أن إجماع \"المدينة\" يقدم على الخبر بشرط كون المجمعين رواته؛ لأنّ المسألة معقودة لعمل الرَّاوي، بخلاف مرويه، فلا ينبغي أن يستثني فيها إلا ما هو من الجنس، والكلام فيها كالأول، فإن من يحتجّ بإجماعهم لا يشترط كونهم رواة الخبر، ولا غير رواته، بل يجعله حجّة منتهضة في نفسه كإجماع الأمة، وإن كان من أكثر الأمة.\nوالمعنى وإن عمل الأكثر إلا أهل \"المدينة\"، بخلاف الخبر، فالعمل بالخبر، [فيلزم] (^١) منه ما لزم مما قبله من اشتراط الأكثرية في أهل \"المدينة\"، وكونهم الرواة وإن كان المعنى هنا كذا يعمل بالخبر المُخَالف للأكثر، لا المخالف لإجماع \"المدينة\"، فهو استثناء منقطع.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"الأكثر على أنّ الخبر المخالف للقياس من كل وجه مقدم\" وهو قول الشَّافعي وأصحابه، واختاره الإمام في \"المحصول\" (^٢).\n_________\n(^١) في ح: فلزم.\n(^٢) ينظر: المحصول ٢/ ١/ ٦٢١، والإحكام للآمدي ٢/ ١٠٧، والرسالة (٥٩٩)، وشرح الكوكب ٢/ ٥٦٤، واللمع ص ١٠، وأعلام الموقعين ١/ ٣١، والإبهاج ٣/ ٣٢٤، وشرح العضد =","vol":"2","page":451},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"وقيل بالعكس\" - وعُزِيَ إلى مالك.\nقال ابنُ السَّمْعَاني: وهذا القول بإطلاقه سَمِجٌ مستقبح عظيم، وأنا أُجِلّ منزلة مالك عنه.\nقلت: ويؤيده نقل القاضي عبد الوَهّاب المالكي في \"الملخّص\" أن متقدّميهم على ما رأيناه من تقديم الخبر، فإنه يقدح في صحّة المنقول عن مالك.\nوقال أبو زيد الدّبوسي: إن كان راوي الخبر فقيهًا، فخبره مقدّم على القياس، وإلا فلا.\nوهو قول عِيسَى بن أَبَان.\nوتوقف قوم هذه المذاهب في المسألة.\nوفَصَّلَ قوم، فقال: \"أبو الحسين: \"إن كانت العلّة\" منصوصةً \"بقطعي، فالقياس\" مقدّم.\n\"وإن\" لم تكن منصوصة بنصّ قطعى، فإن \"كان الأصل مقطوعًا به\" - أي بثبوت الحكم فيه.\nويمكن أن يقال: المُرَاد بالأصل هنا حكم الحكم المشبه به إلا نفس ذلك المحل وهو رأي قوم حيث ذهبوا إلى أن الأصل هو حكم المحلّ المقيس عليه،، لا نفسه، وحينئذ فالضمير في \"به\" عائد على الأصل، وهو حكم المَحَلّ.\nوالحاصل: أن حكم المحلّ إن كان مقطوعًا به، \"فالاجتهاد\" هو المعتمد، فيقدم أحدهما على الآخر بالاجتهاد، والترجيح.\nكذا نقله المصنّف، وقد اختصر مذهب أبي الحسين، فإن الذي قاله في \"المعتمد\" إن العلة إن كانت منصوصةً بقَطْعِيّ فالقياس، أو بظني ولم يكن حكمها في الأصل ثابتًا بقطعي فالخبر.\n_________\n= ٢/ ٧٣، والمسودة ٢٣٩، وأصول السرخسي ١/ ٣٣٩، تيسير التحرير ٣/ ١١٦، وفواتح الرحموت ٢/ ١٧٧، وكشف الأسرار ٣/ ٣٨٠، وإرشاد الفحول (٥٥)، والمعتمد ٢/ ٦٥٥، وروضة الناظر (٦٦).","vol":"2","page":452},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوإن كان ثابتًا بقطعي وهو موضع اجتهاد.\nوإن كانت مستنبطةً، وكان حكم الأصل ثابتًا بخبر واحد، فالخبر أولى.\nوإن كان ثابتًا بمقطوع، [فينتفي] (^١) أن يكون الناس اختلفوا في هذا الموضع.\nوإن كان الأصوليون ذكروا الخلاف فيه مطلقًا، ثم قال: والأولى أن ترجّح أحدهما على الآخر بالاجتهاد عند قوة الظن، وقد نقله عنه الآمدي، ونقل عنه ابن السّمعاني قريبًا منه.\nوأنت تراه كيف لم يجعل اختياره مذهبًا مستقلًّا برأسه، بل أشار إلى موضع الخلاف، [وينحو] اختياره إلى اتباع أقوى الظنين، وهذا أيضًا لا ينازعه فيه أحد، وإنما النزاع في أن أقوى الظنين ما هو؟\nفمن رجّح الخبر قال: إن الظن المُسْتَفَاد منه أقوى، وبالعكس، ثم تخصيص أبي الحُسَين الخلاف بالمحل الذي ذكره.\nقال ابن السَّمْعَاني: لا يعرف له فيه متقدم.\nقلت: وإن فرض أبو الحسين صورة يكون القطع موجودًا فيها، فهذا ما لا تنازع فيه؛ إذ القاطع مرجّح على الظن، وكذا أرجح الظَّنين، فليس في تفصيله عند التَّحقيق [كبير] (^٢) أمر.\nوقد سلك قريبًا من طريقه الآمدي، ونَحَا المصنّف نحوه.\n\"والمختار: إن كانت الصلّة\" ثابتةً \"بنصّ راجح على الخبر\" في الدّلالة، \"ووجودها في الفرع قطعي فالقياس\".\nوأبو الحسين لا يرى هذا ممّا ينبغي أن يدخل في محلّ النزاع كما عرفت.\nولقائل أن يقول: لا يلزم من ثبوت العلّية براجح، والقطع بوجودها أن يكون ظنّ الحكم المُسْتفاد منها في الفرع أقوى من الظَّن المستفاد من الخبر؛ وهذا لأن العلّة عندكم لا يلزمها الإطراد، بل ربما تخلَّف الحكم عنها لمانعٍ، فلم قلتم: إنه لم يتخلَّف في هذا الفرع لمانع الخبر لا سيّما، إذا كانت العلّة عامّة تشمل فروعًا كثيرة، والخبر يختص بهذا الفرع\n_________\n(^١) في ت، ح: فينبغي.\n(^٢) في ت، ح: كثير.","vol":"2","page":453},{"text":"لَنَا: أَنَّ عُمَرَ ﵁ تَرَكَ الْقِيَاسَ فِي الْجَنِينِ؛ لِلْخَبَرِ، وَقَالَ: \"لَوْلَا هَذَا لَقَضَيْنَا فِيهِ بِرَأْينَا\"، وَفِي دِيَةِ الأَصَابِع بِاعْتِبَارِ مَنَافِعِهَا بِقَوْلِهِ: \"فِي كُلِّ إصْبَع عَشْرٌ\"، وَفِي مِيرَاثِ الزَّوْجَةِ مِنَ الدِّيَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَشَاعَ وَذَاعَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ.\n<hr><s0>\n\nالمتنازع فيه؟ وهذا ما لا يعتقد أنّ الظن المستفاد من الخبر فيه أضعف من القياس أبدًا.\nقال: \"وإن كان وجودها ظنيًّا فالوقف\".\nولقائل أن يقول: إنما يكون عن تساوي الأقدام، فينبغي أن يقال: إن كان وجودها ظنيًّا [والظَّنان] (^١) متساويان، ونحن نمنع ذلك، فإنَّا نعتقد أن ظن الخبر أرجح.\nقال: \"وإلا\" - أي وإن لم يكن ذلك - \"فالخبر\" هو المقدم.\nالشرح: \"لنا: أن عمر ﵁ ترك القِيَاس في الجَنِينِ للخبر، وقال: لولا هذا لقضينا فيه برأينا\"، فروي الشَّيْخَان في \"الصحيحين\" من حديث المُغِيرَة بن شُعْبة، عن عمر بن الخَطّاب ﵁ أنه اسْتَشَارهم في إِمْلَاصِ المرأة، فقال المغيرة: قضى النبي ﷺ فيه بالغُرَّة، عبدًا أو أمةً، فشهد [محمد بن مَسْلَمَةَ] (^٢)، أنه شهد النبي ﷺ قضي به (^٣).\nوعند أبي داود أن عمر ﵁ قال: الله أكبر، لو لم أسمع هذا لقضينا فيه بغير هذا، وما كان يقضي فيه لو لم يسمع هذا إلا بالرأي، فدلّ على أن الرَّأي يترك بخبر الواحد.\n_________\n(^١) سقط في أ، ح.\n(^٢) في ت: محمد بن سلمة.\n(^٣) إملاص المرأة: هي التي تضرب على بطنها فتلقى جنينها، وأملصت المرأة بولدها: أي أسقطت. ينظر: الصحاح للجوهري ٣/ ١٠٥٧، ولسان العرب (ملص)، والحديث أخرجه البخاري ١٢/ ٢٥٧ في كتاب الديات، باب جنين المرأة حديث (٦٩٠٥)،/ ٦٩٠٦، ٦٩٠٧، ٦٩٠٨، ٧٣١٧، وأخرجه مسلم ٣/ ١٣١١ في كتاب القسامة: باب دية الجنين ووجوب الدية في قتل الخطأ … حديث (٣٩).\nوأخرجه أبو داود في الديات، ٤/ ٦٩٧ حديث (٤٥٧٠، ٤٥٧١).","vol":"2","page":454},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"و\"ترك عمر ﵁ القضاء \"في دِيَةِ الأصابع باعتبار مَنَافعها\"، وقد كان يراه، وإنما تركه؛ \"لقوله ﵇: \"فِي كُلّ إصْبَعٍ عَشْرٌ\" (^١).\nكذا ذكر المصنّف، والمحفوظ في ذلك كتاب عمرو بن حَزْمٍ، وهو حديث يشتمل على أحكام كثيرة رواه أحمد وأبو داود في \"المَرَاسيل\"، والنسائي، والطبراني، وصحّحه جماعة من الأئمة، وفيه أن رسول الله قال: \"وفِي كُلِّ إِصْبَعٍ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ\".\nقال يعقوب بن سُفْيَان: ولا أعلم في جميع الكتب كتابًا أصحّ من كتاب عمرو بن حَزْمٍ (^٢). كان أصحاب النبي ﷺ والتابعون يرجعون إليه، ويدعون آراءهم. وأما أن عمر ﵁ كان يرى أن دِيَةَ الأصابع باعتبار مَنَافعها - فصحيح، رواه الشّافعي ﵁ (^٣).\nوأما رجوعه لكتاب عمرو بن حزم، فحكاه الخَطَّابي، ولم يثبت؛ لأنه لم يثبت عندنا أن كتاب عمرو بن حزم بلغ عمر، وقد قال الشَّافعي: لو بلغه لصار إليه، وفي هذا القول دلالة على أنه لم يبلغه.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (١/ ٢٦١)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (٧٨٠) من طريق الفضل بن موسى: أنا الحسين بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ: دية أصابع اليدين والرجلين عشرة من الإبل لكل أصبع.\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوله شاهد من حديث أبي موسى بلفظ: الأصابع سواء عشرًا. أخرجه أبو داود (٤٥٥٧) والنسائي (٢/ ٢٥١ - ٢٥٢)، والدارمي (٢/ ١٩٤) وابن حبان (١٥٢٧ - موارد) والبيهقي (٨/ ٩٢) والطيالسي (٥١١) وأحمد (٤/ ٣٩٧، ٤٩٨).\nوشاهد آخر عن عبد الله بن عمرو:\nأخرجه أبو داود (٤٥٦٢)، والنسائي (٢/ ٢٥٢)، وابن ماجه (٢٦٥٣) وله شاهد عن عمرو بن حزم بلفظ: وفي كل أصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل. أخرجه النسائي (٢/ ٢٥٢) والدارمي (٢/ ١٩٤).\n(^٢) عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان الأنصاري، أبو الضحاك وال، من الصحابة، شهد الخندق وما بعدها، واستعمله النبي ﷺ على \"نجران\" وكتب له عهدًا مطوَّلًا فيه توجيه وتشريع. توفي سنة ٥٣ هـ.\nينظر: الإصابة ت (٥٨١٢)، والكامل لابن الأثير ٣/ ١٩٦، والأعلام ٥/ ٧٦.\n(^٣) أخرجه الشافعي في المسند [ترتيب] (٢/ ١١٠/ ٣٧٣).","vol":"2","page":455},{"text":"وَأَمَّا مُخَالَفَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ \"تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ فَاسْتِبْعَادٌ لِظُهُورِهِ وَكَذَلِكَ هُوَ، وَعَائِشَةً فِي \"إِذَا اسْتَيْقَظَ\"؛ وَلِذَلِكَ قَالَ: فَكيْفَ نَصْنَعُ بِالْمِهْرَاسِ.\n<hr><s0>\n\n\"و\" ترك عمر أيضًا رأيه \"في ميراث الزَّوْجة من الدِّيَةِ\"، فإنه كان يقول: الدية للعَاقِلَةِ، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئًا، حتى كتب إليه الضَّحَّاك بن سفيان الكلابي (^١)، أن رسول الله ﷺ وَرَّث امرأَةَ [أَشْيَم] (^٢) الضِّبَابِي من دية زوجها (^٣)، رواه الأربعة، وقال الترمذي: حسن صحيح.\n\"وغير ذلك\" كنَقْضِ أبي بكر ﵁ حكمًا حكمه برأيه سمعه من بلال، وترك ابن عمر رأيه في المُزَارَعَةِ؛ لحديث رواه رافع بن خَدِيجٍ (^٤)، وأمثال ذلك يكثر، \"وشَاعَ وذاع، ولم ينكره أحد\" فكان إجماعًا.\n_________\n(^١) الضحاك بن سفيان الكلابي، أبو سعد، والي نجْدٍ، صحابي له أربعة أحاديث، وعندهم حديثه في توريث امرأة أشيم الضِّبَابي. وعنه ابن المسيِّب والحسن البصري.\nينظر: الوافي بالوفيات ١٦/ ٣٥٢، والثقات ٣/ ١٩٨، والاستيعاب ٢/ ٧٤٢، والإصابة ٣/ ٤٧٦، وتجريد أسماء الصحابة ١/ ٢٧٠، والجرح والتعديل ٤/ ٢٠١٨، وتاريخ البخاري الكبير ٤/ ٣٣١، والكاشف ٢/ ٣٥، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٣، وتهذيب الكمال ٢/ ٦١٥.\n(^٢) في أ، ت، ح: أتيم.\n(^٣) أخرجه أبو داود ٣/ ١٢٩، في الفرائض: باب في المرأة ترث من دية زوجها (٢٩٢٧)، والترمذي ٤/ ٤٢٥، في الفرائض، باب ما جاء في ميراث المرأة من دية زوجها (٢١١٠)، وهذا حديث حسن صحيح، وعزاه المزي في التحفة للنسائي ٤/ ٢٠٢ (٤٩٧٣)، وابن ماجة ٢/ ٨٨٣، في الديات: باب الميراث من الدية (٢٦٤٢)، ومالك في الموطأ ٢/ ٨٦٦ - ٨٦٧، في العقول: باب ما جاء في ميراث العقل (٩)، والشافعي في المسند ٢/ ١٠٦، في الديات (٣٦٠)، وأحمد في المسند ضمن مسند الضحاك بن سفيان ٣/ ٤٥٢، (٣٢)، والدارقطني في السنن ٤/ ٧٧.\n(^٤) رافع بن خديج بن رافع بن عدي بن يزيد بن جشم بن حارثة الأوسي، صحابي شهد أحدًا وما بعدها، له ثمانية وسبعون حديثًا، اتفق على خمسة، وانفرد مسلم بثلاثة. وعنه ابنه رفاعة، وبشير بن يسار وسليمان بن يسار وطاوس. قال خليفة: مات سنة أربع وسبعين. ينظر ترجمته في تهذيب: التهذيب ٣/ ٢٢٩، وتقريب التهذيب ١/ ٢٤١، وخلاصة تهذيب الكمال =","vol":"2","page":456},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وأما مخالفة ابن عَبّاس خبر أبي هريرة ﵁: \"تَوَضّأ مِمّا مَسَّتِ النَّارُ\" (^١) أي: أن أبا هريرة روى توضَّأ مما مَسّت النار، رواه مسلم في صحيحه.\nوعن عطاء عن ابن عباس [\"لا وُضُوءَ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ\" رواه البَيْهَقِي (^٢) - هذا ما يحفظ - وفي كتب الأصوليين أن ابن عَبَّاس] (^٣) ردّ خبر أبي هريرة بالقِيَاس؛ وقال: أَلَسْنَا نتوضَّأ بالحميم؟ فكيف نتوضأ بما منه يتوضأ، وهذا لا يحفظه.\nنعم في التِّرْمذي أن ابن عَبَّاس قال لأبي هريرة: أنتوضَّأ من الدّهن؟ أنتوضّأ من الحميم؟ فقال أبو هريرة: يا بن أخي، إذا سمعت حديثًا عن النبي ﷺ فلا تضرب له مثلًا (^٤)، وليس في هذا تَصْريح من أن ابن عَبَّاس يرد خبر أبي هريرة، وإذن لا يستحق الإيراد جوابًا.\n_________\n= ١/ ٣١٤، والكاشف ١/ ٣٠٠، وتاريخ البخاري الكبير ٣/ ٢٩٩، وتاريخ البخاري الصغير ١/ ١٠٥، ١٠٦، والجرح والتعديل ٣/ ٢١٧٢، وأسد الغابة ٢/ ١٩٠، وتجريد أسماء الصحابة ١/ ١٧٣، والإصابة ٢/ ٤٣٦، والبداية والنهاية ٩/ ٣، والجمع بين رجال الصحيحين ٥٤٥، والاستيعاب ٢/ ٤٧٩، وشذرات ١/ ٨٢، وطبقات ابن سعد ٩/ ٦٥.\nوالحديث أخرجه البخاري ٥/ ١٩، في المزارعة: باب ما يكره من الشروط في المزارعة (٢٣٣٢)، ومسلم ٣/ ١١٨٣، في البيوع: مات كراء الأرض بالذهب والورق (١١٧/ ١٥٤٧).\n(^١) أخرجه مسلم ١/ ٢٧٢، كتاب الحيض: باب الوضوء مما مست النار (٩٠/ ٣٥٢) من طريق عمر بن عبد العزيز أن عبد الله أخبره أنه وجد أبا هريرة يتوضأ على المسجد فقال: إنما أتوضأ من أثوار أقط أكلتها؛ لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: توضؤوا مما مست النار وأخرجه الترمذي ١/ ١١٤، وأبواب الطهارة (٧٩).\n(^٢) أخرجه البيهقي (١/ ١٥٨) كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء مما مست النار.\n(^٣) سقط في أ، ح.\n(^٤) أخرجه مسلم (١/ ١١٤ - ١١٥) كتاب الحيض، باب الوضوء مما مست النار والترمذي (١/ ١١٤) رقم (٧٩) وأبو داود (١/ ١٣٤) رقم (١٩٤) والنسائي كتاب الطهارة، باب الوضوء مما غيرت النار (١/ ١٠٥) وابن ماجة (١/ ١٦٣) كتاب الطهارة، باب الوضوء مما غيرت النار رقم (٤٨٥) وأحمد (٢/ ٢٦٥، ٢٧١، ٤٧٠، ٥٠٣، ٥٢٩) من حديث أبي هريرة.\nوعند الترمذي: قال ابن عباس لأبي هريرة: أنتوضأ من الدهن … إلخ.","vol":"2","page":457},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوعلى تقدير ثبوته فقد دفع المصنّف السؤال بقوله: \"فاستبعاد لظهوره\" - أي: لا نسلّم أن إنكار ابن عَبَّاس لترجيح القِيَاس على الخبر، بل استبعد الحديث المذكور؛ لظهور الأمر على خلافه.\nوالآمدي أجاب بأن ابن عَبّاس ترك، ولكن لا بالقياس، بل بما روى أنه ﵇ أكل كَتِفَ شاةٍ مَصْلية، وصلّى ولم يتوضّأ، فقدم الخبر الموافق للقياس.\n\"وكذلك هو\" - أي: ابن عباس - \"وعائشة\" ردَّا خبر أبي هريرة \"في\"إِذَا اسْتَيْقَظ\" أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ ..... \" (^١) الحديث؛ \"لذلك قالا: كيف نصنع بالْمِهْرَاسِ\" - كذا ذكر المصنّف. والمِهْرَاسُ: حجر عظيم يصبّ فيه الماء لأجل الوضوء، فيصعب صَبّ الماء منه على اليَدِ.\nوهذا لا نحفظه ولا يثبت، أعني: رد ابن عباس وعائشة لهذا الخبر، وقولهما: فكيف تصنع بالمهراس؟\nوإنما روى البيهقي من حديث الأَعْمَشِ عن إبراهيم؛ أن أصحاب عبد الله قالوا: كيف يصنع أبو هريرة بالمِهْرَاس؟ ولا يصح ذلك عنهم أيضًا.\nوعلى تقدير الصحة، فقد أجاب المصنّف بأن ذلك استبعاد، للأخذ به كما عرفت.\n_________\n(^١) متفق عليه، أخرجه البخاري في الصحيح ١/ ٢٦٣ كتاب الوضوء (٤) باب: الاستجمار وترًا (٢٦) الحديث (١٦٢)، ومسلم في الصحيح ١/ ٢٣٣ كتاب الطهارة (٢) باب: كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها في الإناء قبل غسلها ثلاثًا (٢٦)، الحديث (٨٧/ ٢٧٨) واللفظ له، وأخرجه الترمذي ١/ ٣٦ في أبواب الطهارة، حديث (١١٤) باب في الرجل يدخل بده في الإناء حديث (٢٤)، وأخرجه أبو داود ١/ ٢٥، ٢٦ في الطهارة باب في الرجل يدخل يده في الإناء، حديث (١٠٥) والنسائي في المجتبي من السنن ١/ ٧ في كتاب الطهارة حديث (١) وابن ماجة ١/ ١٣٩ في الطهارة، باب: الرجل يستيقظ من منامه. . (٣٩٤) وأخرجه أحمد ٢/ ٢٤١ و٤٥٥ و٤٧١ و٥٠٧، وأخرجه ابن خزيمة في الصحيح ١/ ٧٤ باب: الأمر بغسل اليدين ثلاثًا عند الاستيقاظ من النوم قبل إدخالهما الإناء حديث (١٤٥، ١٤٦)، والطيالسي كما في المنحة ١/ ٥١ باب: التسمية عند إرادة الوضوء .. حديث (١٧٠)، وأخرجه الدارقطني في السنن ١/ ٤٩، ٥٠ في كتاب الطهارة باب: غسل اليدين لمن استيقظ من نومه (١، ٢، ٣، ٤)، وأخرجه الحميدي في مسنده ٢/ ٤٢٢ (٩٥١)، وذكره الهيثمي في =","vol":"2","page":458},{"text":"وَأَيْضًا: أَخَّرَ مُعَاذٌ الْعَمَلَ بِالْقِيَاسِ، وَأَقَرَّهُ ﷺ.\nوَأَيْضًا لَوْ قُدِّمَ لَقُدِّمَ الْأَضْعَفُ.\nوَالثَّانِيَةُ: إِجْمَاعٌ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ يُجْتَهَدُ فِيهِ فِي الْعَدَالَةِ وَالدَّلَالَةِ، [وَالْقِيَاسُ] فِي سِتَّهٍ: حُكْمِ الأَصْلِ، وَتَعْلِيلِهِ، وَوَصْفِ التَّعْلِيلِ، وَوُجُودِهِ فِي الْفَرْعِ، وَنَفْيِ الْمُعَارَضِ فِيهِمَا، وَإِلَى الْأَمْرَيْنِ أَيْضًا [إِنْ] كَانَ الْأَصْلُ خَبَرًا.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"و\"لنا \"أيضًا في الاحتجاج على تقديم الخبر ما تقريره\" [أخَّر مُعَاذ العمل بالقِيَاس] (^١)، وأقرَّه النبي ﷺ على ذلك\"؛ كما تقدم في \"باب الإجماع\"، فدلّ أنه مقدم.\nولك أن تقول: إن تمّ الاستدلال بهذا اقتضى تقديم الخبر على القِيَاسِ مطلقًا، فلا يصحّ للمصنّف التَّفصيل الذي ذهب إليه.\nالشرح: \"وأيضًا لو قدم لقدم الأضعف، والثانية\" - تقديم الأضعف - \"إجماع\" - أي: ممتنعة بالإجماع.\nوإنما قلنا: إن القياس أضعف؛ \"لأنّ الخبر يجتهد فيه في العَدَالة والدّلالة\" على المطلوب فقط، \"والقياس\" يجتهد فيه \"في ستَّةٍ حكم الأصل، وتعليله\"، لإجماع ثبوته غير معلل، \"ووصف التَّعليل\" (^٢)؛ لاحتمال أنّ العلّة غيره، \"ووجوده في الفَرْعِ، ونفي [المعارض] (^٣) فيهما\" أعني: الأصل والفرع.\n_________\n= المجمع ١/ ٢٢٠، وانظر نصب الراية ١/ ٢ وتلخيص الحبير ١/ ٧٣ و٣٤٤. والظاهر أن المقصود من الحديث إذا شك أحدكم في يديه مطلقًا، سواء كان لأجل الاستيقاظ من النوم أو لأمر آخر، إلا أنه فرض الكلام في جزئي واقع بينهم على كثرة، ليكون بيان الحكم فيه بيانًا في الكلى بدلالة العقل، ففيه إحالة للإحكام إلى الاستنباط ونوطه بالعلل؛ فقالوا في بيان سبب الحديث: إن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالحجارة وبلادهم حارة، فإذا نام أحدهم عرق فلا يأمن حالة النوم أن تطوف يده على ذلك الموضع النجس، فنهاهم عن إدخال يده في الماء.\n(^١) سقط في أ.\n(^٢) في حاشية ج: قوله: ووصف التعليل أي تعيينه.\n(^٣) في أ: العارض.","vol":"2","page":459},{"text":"قَالُوا: الْخَبَرُ مُحْتَمِلٌ لِلْكَذِبِ وَالْكُفْرِ وَالْفِسْقِ وَالْخَطَأِ والتَّجّوُّزِ وَالنَّسْخِ.\nوَأُجِيبَ بِأَنَّهُ بَعِيدٌ، وَأَيْضًا فَمُتَطَرِّقٌ إِذَا كَانَ الْأَصْلُ خَبَرًا.\nوَأَمَّا تَقْدِيمُ مَا تَقَدَّمَ؛ فلأَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى تَعَارُضِ خَبَرَيْنِ عُمِلَ بِالرَّاجِحِ مِنْهُمَا.\n<hr><s0>\n\nوالمُرَاد [بالمعارض] (^١) هنا: المنافي، فلا يناقض قوله في كتاب \"القياس\": ولا يشترط نفي [المعارض] (^٢) في الأصل والفرع؛ إذ مراده [بالمُعَارض] (^٣) ثَمّ وصف صالح للعلّية لا ينافي الوَصْف المدعي علّته؛ كما سأحرره عند الانتهاء إليه - إن شاء الله تعالى.\n\"وإلى الأمرين أيضًا\" - العدالة والدّلالة - \"إن كان\" دليل \"الأصل خبرًا\".\nولا ريب في أنّ ما يجتهد فيه في أمور كثيرة يكون احتمال الخَطَأ فيه أكثر، والظَّن الحاصل منه أضعف.\nالشرح: \"قالوا: الخبر\" أيضًا \"محتمل\" باعتبار العَدَالة، \"للكذب والكفر والفِسْقِ\"، \"و\" يقرب منها احتمال \"الخطأ\"، \"و\"باعتبار الدّلالة \"التجوّز\"، \"و\"باعتبار حكمه \"النسخ\"، والقياس لا يحتمل شيئًا من ذلك.\n\"وأجيب: بأنه بعيد\" - أي: احتمالات بعيدة، فلا يمنع الظَّهور.\n\"وأيضًا فمتطرّق\" - أي: تأتي مثلها في القِيَاسِ \"إذا كان الأصل خبرًا\".\nهذا من تمام القَوْل فيما تقدّم فيه الخبر عند المصنّف.\nالشرح: \"وأما تقديم ما تقدم\" من القياس على الخبر، وهو القياس إذا كانت العلّة ثابتة فيه بنصّ راجح، وكان وجودها في الفَرْعِ قطعًا؛ \"فلأنه يرجع إلى تعارض خبرين عمل بالرَّاجح منهما\".\n_________\n(^١) في أ، ح: بالعارض.\n(^٢) في أ، ح: العارض.\n(^٣) في أ، ح: العارض.","vol":"2","page":460},{"text":"وَالْوَقْفُ لِتَعَارُضِ التَّرْجِيحَيْنِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَعَمَّ، خُصَّ بِالآخَرِ، وَسَيَأْتِي.\n<hr><s0>\n\nهذا كلام المصنّف، وللمعترض أن يقول: لو ثبتت راجِحِيّته لم يقع فيه تَرَاخٍ كما عرفت. ولقد أشار إليه المصنّف بقوله: والثانية إجماع - أي: أن تقديم الأضعف يمتنع بالإجماع.\nوذكر ابنُ السَّمعاني في رَدّ طريقة أبي الحسين المتقدمة: أن الخبر الواحدي في العمل بمنزلة الخَبَرِ المتواتر، فليقدم أيضًا على القياس، وهذا منه ادّعاء [الراجحيّة] (^١) الخبر، والحالة هذه، وفيه نظر.\nالشرح: \"و\" أما \"الوقف\" أي: فيما توقّفنا فيه، وهي ما إذا كانت العلّة بنصّ راجح ووجودها في الفرع ظنيًّا فإنما ذهبنا إليه، \"لتعارض التَّرجيحين\" - ترجيح خبر القياس بما ذكرنا من كونه راجحًا، وترجيح الخبر الآخر، لعلّة المقدّمات؛ لعدم انضمام القياس إليه.\nوجميع ما سلف في الخبر المُعَارض للقياس من كلّ وجه، ويقلّ وجود نظير له في الأَحْكَام الفرعية، وليس منه حديث بَرْوَع بنت وَاشِقٍ (^٢)، حيث نكحت بلا مَهْرٍ، فمات عنها زوجها قبل الفرض والمسيس، فقضى لها رسول الله ﷺ بِمَهْرِ نسائها؛ لأن من أوجب المَهْرَ يقول: الموت مقرّر كالدّخول، فلا ينافي القياس، ولا حديث \"مَنْ مَسّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ\".\n_________\n(^١) في أ، ب: لراجحيته.\n(^٢) بروع بنت واشق. الرواسية الكلابية أو الأشجعية، زوج هلال بن مرة. لها ذكر في حديث معقل الأشجعي وغيره، وأخرج حديثها ابن أبي عاصم من روايتها، فساق من طريق المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب عن بروع بنت واشق أنها نكحت رجلًا، وفوضت إليه، فتوفى قبل أن يجامعها، ففض لها رسول الله ﷺ بصداق نسائها. وحديث معقل مخرج في السنن، وأكثر النسائي من تخريج طرقه وبيان الاختلاف من رواته في قصة عبد الله بن مسعود، وعند أحمد من طريق زائدة عن منصور عن إبراهيم عن علقمة والأسود الحديث، وفيه: فقام رجل من أشجع أراه سلمة بن يزيد، فقال: تزوج رجل منا امرأة من بني رواس يقال لها: بروع الحديث. ينظر الإصابة ٨/ ٢٩.\nوالحديث أخرجه أبو داود ٢/ ٢٣٧، كتاب النكاح: باب فيمن تزوج ولم يسم (٢١١٤ - ٢١١٦)، والترمذي ٣/ ٤٥٠، كتاب النكاح: باب ما جاء في الرجل يتزوج المرأة فيموت (١١٤٥)، والنسائي ٦/ ١٢٢ - ١٢٣، وكتاب النكاح: باب إباحة التزوج بغير صداق =","vol":"2","page":461},{"text":"<span data-type='title' id=toc-552>\" المُرْسَلُ وَالمُنْقَطِعُ\"</span>\nمَسْأَلَةٌ:\nالْمُرْسَلُ قَوْلُ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ: قَالَ ﷺ.\nثَالِثُهَا: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: إِنْ أَسْنَدَهُ غَيْرُهُ أَوْ أَرْسَلَهُ وَشُيُوخُهُما مُخْتَلِفَةُ أَوْ عَضَدَهُ.\n<hr><s0>\n\nوإذ لا مدخل للقياس في باب نواقض الوضوء، ولو دخل لعدم [حديث] (^١) \"إِنَّمَا هُوَ بُضْعَةٌ مِنْكَ\" (^٢)، لموافقته، ولم يكن مما نحن فيه؛ لأنه حديث موافق مع حديث مُخَالف، فيقدم الموافق، والذي فيه كلامنا حديث مخالف لقياس لا يعضده حديث.\n\"فإن كان أحدهما أعمّ خصّ بالآخر، وسيأتي\" في \"التَّخْصيص\" إن شاء الله تعالى.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"المرسل (^٣) قول غير الصَّحابي: قال ﵊\" في اصطلاح الأصوليين والشافعي ﵁ يطلق عليه المُنْقطع أيضًا.\n_________\n= (٣٣٥٦ - ٣٣٥٨)، وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد ص ٣٠٨، كتاب النكاح باب فيمن تزوج، ولم يعين الصداق (١٢٦٣)، والحاكم في المستدرك ٢/ ١٨٠ وصححه، وأقره الذهبي.\n(^١) سقط في أ، ح.\n(^٢) أخرجه مسلم ٤/ ٢٢ - ٢٣، وأبو داود (١/ ٤٦)، كتابط الطهارة: باب الرخصة في ذلك (١٨٢)، والترمذي ١/ ١٣١ أبواب الطهارة: باب ما جاء في ترك الوضوء (٨٥) وابن ماجة ١/ ١٦٣، كتاب الطهارة: باب الرخصة في عدم الوضوء من مس الذكر (٤٨٣).\n(^٣) هو في اللغة من الإرسال، وهو يقابل الإمساك، وتقول: أرسلت. الطائر من يدي إذا أطلقته.\nوفي الاصطلاح: فيه آراء.\nالمشهور عند المحدثين: ما أضافه التابعي الذي لم يلق النبيّ ﷺ صغيرًا كان أو كبيرًا للنبي ﷺ ولم يذكر الواسطة.\n[وقال بعض المحدثين: ما أضافه التابعي الكبير إلى النبيّ ﷺ من قول أو فعل أو تقرير مع حذف الواسطة.]. =","vol":"2","page":462},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوفي اصطلاح متأخّري المحدثين هو قول التَّابعي، فإن كان من تابعي التَّابعين، فمنقطعٌ، وإن كان ممن بعدهم فمُعْضَل.\nوفي المُرْسَل مذاهب:\nأحدها: قَبُوله وهو رأى مالك، وأبي حنيفة، وأشهر الرِّوَايتين عن أحمد، وعليه جمهور المعتزلة، واختاره الآمدي، ثم غَلَا بعض هؤلاء فزعم أنه أقوى من المسند.\nوالثاني: ردّه، وبه قال الشَّافعي والقاضي، وهو الذي استقر عليه آراء جَهَابِذَة الحُفّاظ، ونقله مسلم بن الحَجّاج في صدر الصَّحيح عن قول أهل العلم بالأخبار.\nوقال الخَطِيب: هو قول أكثر الأئمّة من حفّاظ الحديث، ونقّاد الأثر.\n\"وثالثها: قال الشَّافعي ﵁: إن أسنده غيره، أو أرسله، وشيوخهما مختلفة، أو عضّده\".\n_________\n= وقال بعض الأصوليين: هو الحديث الذي لم يتصل سنده، سواء سقط منه واحد أو أكثر في أحد طرفيه أو وسطه.\nقال العراقي: [الرجز]\nمَرْفُوع تَابِع عَلَى الْمَشْهُورِ … مُرسَلٌ أَوْ قَيِّدْهُ بِالْكَبِيرِ\nأَوْ سَقْطَ رَاوٍ مِنْهُ ذُو أَقْوَالِ … وَالأَوَّلُ الأَكْثَرُ فِي الاسْتعمال\nينظر: البحر المحيط للزركشي ٤/ ٤٠٢، والبرهان لإمام الحرمين ١/ ٦٣٢، وسلاسل الذهب للزركشي ٣٣٠، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٢/ ١١٢، ونهاية السول للأسنوي ٣/ ١٩٧، وزوائد الأصول له ٣٤٠، ومنهاج العقول للبدخشي ٢/ ٣٦١، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ١٠٥، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ١٤٧، والمنخول للغزالي ٢٧٢، والمستصفى له ١/ ١٦٩، وحاشية البناني ٢/ ١٦٨، الإبهاج لابن السبكي ٢/ ٣٣٩، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/ ٢٧٥، وحاشية الحطار على جمع الجوامع ٢/ ٢٠٢، والمعتمد لأبي الحسين ٢/ ١٤٣، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ١/ ١٤٣، وأعلام الموقعين لابن القيم ١/ ٢٥، والتحرير لابن الهمام ٣٤٣، وتيسير التحرير لأميربادشاه ٣/ ١٠٢، وكشف الأسرار للنسفي ٢/ ٤٢، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٧٤، وشرح المنار لابن ملك ٧٨، والكوكب المنير للفتوحي ٣١٦، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج ١/ ٢٨٨. وينظر: حاشية الفنرى (٢/ ٢٥٧)، الترياق النافع ٢/ ١١ - ١٤، والرسالة =","vol":"2","page":463},{"text":"قَوْلُ صَحَابِيٍّ أَوْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَوْ عُرِفَ أَنَّهُ لَا يُرْسِلُ إِلَّا عَنْ عَدْلٍ قُبِلَ.\nوَرَابِعُهَا: إِنْ كَانَ مِنَ أَئِمَّةِ النَّقْلِ قُبِلَ وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ الْمُخْتَارُ.\nلَنَا: أَنَّ إِرْسَالَ الْأَئِمَّةِ مِنَ التَّابِعِينَ كَانَ مَشْهُورًا مَقْبُولًا وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ كَابْنِ المُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ وَغَيْرِهِمْ.\nفَإِنْ قِيلَ: يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ المُخَالِفُ خَارِقًا للإِجْمَاعِ.\nقُلْنَا: خَرْقُ الإِجْمَاعِ الْاسْتِدْلَالِيِّ أَوِ الظَّنِّيِّ لَا يَقْدَحُ.\nوَأَيْضًا: لَوْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا عِنْدَهُ لَكَانَ مُدَلِّسًا فِي الْحَدِيثِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"قول صحابي، أو أكثر العلماء، أو عرف أنه لا يرسل إلَّا عن عدل قبل\"، كذا حكاه المصنّف عن الشَّافعي تبعًا للآمدي.\n\"ورابعها: إن كان من أئمّة النقل قُبِل، وإلا فلا، وهو المختار\" عند المصنّف سواء كان من التَّابعين، أو من غيرهم على خلاف ما فَهِمَ بعض الشَّارحين، وأراه مذهب عيسى بن أبان؛ حيث قبل مراسيل الصَّحابة والتابعين، وتابعي التابعين، ومن هو من أئمّة النقل مطلقًا، فاختصره المصنّف، وإلا فيلزم أن يكون اختار مذهبًا لم يسبق إليه.\nوكأن عيسى اعتقد أن التابعين وتابعيهم كلّهم من أئمة النقل، وإلا فيلزمه أن يقبل التابعين وتابعيهم مطلقًا، وردّ من عداهم إن لم يكن من أئمة النقل، وليس الأمر كما أعتقد، وسنذكر ذلك أيضًا.\nوالصَّحيحُ عندنا: مذهب قُدْوتنا الذي هو سيّد المنكرين للمراسيل وهو أي: الإمام وأتباعه.\nوهنا نحن نَسْلك مع المصنّف مسلك الشَّارحين مع المُنَاضلة عن الحق المبين.\nوأول ما نُفَاتحه به أن نقول: لا حاصل لتفصيلك؛ إذ ليس الكلام إلا فيمن هو من أئمّة\n_________\n= ٤٦٥، وشرح تنقيح الفصول ٣٧٩، والمسودة ٢٥٠، والمدخل ص ٤٣، والحدود للباجي ٦٣، وفواتح الرحموت ٢/ ١٧٤، والكافية في الجدل (٥٦)، وتدريب الراوي ١/ ١٩٥، والسخاوي في فتح المغيب ١/ ١٢٨، وتوضيح الأفكار ١/ ٢٨٣، ومحاسن الاصطلاح ١٣٠، وفتح الباقي ١/ ١٤٤.","vol":"2","page":464},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالنَّقْل، والمراد بأئمّة النقل من لهم أهليّة الجَرْح والتعديل.\nوأما من ليس منهم فما نظنُّ بذي مُسْكَةٍ قبول مراسيله.\nوما نقله عن الشَّافعي ستعرف أنه ليس على وجهه، ولا نعرف أحدًا كذلك حكاه، بل المشهور عنه الرد رأسًا.\nولإمام الحرمين نقل ستعرف ما فيه، وليس هو ما نقله المصنّف.\nوللشافعي نصوص سَنَحْكيها ليست دالّةً على ذلك.\nقال المصنّف: \"لنا: إرسال الأمة من التابعين كان مشهورًا مقبولًا، ولم ينكره أحد؛ كابن المسيّب، والنَّخعي، والشَّعبي، وغيرهم\".\n\"فإن قيل: يلزم أن يكون المخالف خارقًا للإجماع\".\n\"قلنا: خَرْق الإجماع الاستدلالي (^١)، والظني لا يقدح\"، والإجماع الذي ادّعيناه من ذلك، فلا يقدح خَرْقه في خارقه.\nهذا كلام المصنّف، وخرق الإجماع حرام مطلقًا، ولكنا لا نسلّم وقوع الإجماع على قَبُول المراسيل، وهيهات ومن سَمّاهم كانوا يرسلون، ولكن لم قال: إن إرسالهم كان حجة؟ وإن أتى بصورة، فتلك قد عرف أنها مسندةٌ من وجه، وإذًا الحُجّة عليه لا له؛ لأنهم احتجوا بالمسند.\nفإن قلت: قال الإمام محمد بن جرير: إنكار المرسل بدعة حدثت بعد المائتين.\nإنما قلت: إن ثبت هذا عنه، فَمُرَاده حدث القَوْل به لما احتيج إليه؛ لأنّ أحدًا قبل ذلك لم يكن يعمل بالمَرَاسيل، فلما تطاول إلى العمل به احْتِيج إلى إنكاره، فكانت بدعة واجبةً، وهذا [ككثير] (^٢) من الكلام في الصِّفات وأصول الديات.\n_________\n(^١) في حاشية ج: أي الثابت بالاستدلال دون الضرورة.\n(^٢) في أ، ت: كثير.","vol":"2","page":465},{"text":"قَالُوا: لَوْ قُبِلَ لَقُبِلَ مَعَ الشَّكِّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سُئِلَ، لَجَازَ أَلَّا يَعْدِلَ.\nقُلْنَا: فِي غَيْرِ الأَئِمَّةِ.\n<hr><s0>\n\nإنما احتاج الأئمّة إلى إنكاره وقت وقوع قوم فيه، وذلك بعد صدر الإسلام، ويوضح هذا أن ابن جرير مع إمامته في الفِقْهِ والحديث كان من أجلاء الشافغية، فيبعد عليه نسبة إمامه الذي هو أدرى بمواقع الإجماع، والاختلاف من أمثاله إلى خرق الإجماع.\nوإن أراد ابن جرير ما فهم عنه فهو كلام رديء، محجوج بكلام مسلم بن الحَجَّاج الذي قدمناه، والخطيب، وغيرهما.\nوالذي نعرف ذكره قديمًا للقائلين بالمراسيل، دعواهم الإجماع على قبول مرسل الصحابي.\nأما مرسل التابعي، فلا نعرفه عن إمام من أئمّة النقل ممن يقبل المرسل دعوى الإجماع فيه.\nونحن نقول بمرسل الصَّحابي، ولا نسمّيه مرسلًا أيضًا، خلافًا للقاضي أبي بكر؛ حيث ردّه كما عرفت.\nقال: \"وأيضًا مما يدلّ على قبول المرسل أن الأصل الذي سكت مرسل الحديث عن ذكره، \"لو لم يكن عدلًا عنده لكان\" الرَّاوي بسكوته عنه \"مدلّسًا في الحديث\"، وهو قادح، وهذا أضعف من الأول، فإن التدليس إنّما يحصل لو أوهم عَدَالته، ولم يجر منه غير ترك ذكره، وترك ذكره سكوت عنه لا يَدُلّ على شيء.\nوإن دلّ على عدالته عنده، فلم يلزم من عدالته عنده أن يكون عدلًا.\nالشرح: ولذلك إن علماءنا \"قالوا: لو قُبل لقبل مع الشّك\" في عدالة الرَّاوي؛ \"لأنه لو سُئِلَ جاز ألا يعدل\"، وقد جرى هذا لطوائف من الأئمة، منهم الزهري أرسل حديثًا ثم سُئِلَ من حَدَّثك به قال: رجل على باب عبد الملك بن مروان.\nولو عدل فلم قلت: إن من هو عدل في نظره عدل عندنا؟","vol":"2","page":466},{"text":"قالوا لَوْ قُبِلَ لَقُبِلَ فِي عَصْرِنَا.\nقُلْنَا: لِغَلَبَةِ الْخِلَافِ فِيهِ، أَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ وَلَا رِيبَةَ تَمْنَع، قُبِلَ.\n<hr><s0>\n\nوالمصنّف أجاب عما ذكره علماؤنا بقوله: \"قلنا في غير الأئمة\"؛ لأن الأئمة لا يروون إلا عن عَدْلٍ، ولا يسكتون إلا عنه.\nوهذا جوابٌ سَاقِطٌ، فإن الإمام قد يروي، ويسكت عن غير العدل، وقد ذكرنا ابن شهاب وهو من هو.\nولقد روى شعبة، وسفيان عن جَابِرٍ الجعفي (^١) مع ظهور أمره في الكذب، وسكوتهم في بعض الروايات عن جرحه.\nثم أكثر المراسيل عن الحَسَن، والنّخعي، وعطاء، ومكحول (^٢)، وابن المسيّب، والشعبي، والزهري، ولقد أكثروا الرواية عن المَجَاهيل، ثم غاية الأمر أن يسلم لهم أن الأئمة لا يروون إلا عن عدل.\nونقول: رُبّ عدل في اجتهاد الرَّاوي مُتّهم، غير عَدْل في اجتهادنا كما عرفناك، وهذا لأن أسباب الجرح والتَّعْديل مختلف فيها، فليبح باسمه ليعلم أهو عدل عندنا أم لا؟\nالشرح: ثم إن علماءنا \"قالوا\" ثانيًا: \"لو قُبِلَ لَقُبِلَ في عصرنا\" لكان التَّالي منتفيًا\n_________\n(^١) جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي الكوفي: أحد كبار علماء الشيعة. عن عامر بن وائلة والشعبي. وعنه: شعبة والسفيانان وغيرهم. وثقه الثوري وغيره، وقال النسائي: متروك. مات سنة ثمان وعشرين ومائة. وينظر: خلاصة الخزرجي ١/ ١٥٧ ت (٩٨١) ميزان الاعتدال ١/ ٣٧٩، ولسان الميزان ٧/ ١٨٨، والكاشف ١/ ١٧٧، والتقريب ١/ ١٢٣، والتاريخ الصغير للبخاري ٢/ ٩، ١٠ والكبير ٢/ ٢١٠.\n(^٢) مكحول الدمشقي. عن كثير من الصحابة مرسلًا. قال النسائي: لم يسمع من عنبسة بن أبي سفيان. روى عن وائلة وأنس وخلق. وعنه: أيوب بن موسى وزيد بن واقد والأوزاعي وخلق. قال أبو حاتم: ما أعلم بالشام أفقه منه. وقال سليمان بن عبد الرحمن: مات سنة ثلاث عشرة ومائة. وينظر: ضعفاء ابن الجوزي ٣/ ١٣٨، والأنساب ٨/ ٣٧، ومعجم المؤلفين ١٢/ ٣١٩، سير الأعلام ٥/ ١٥٥، وتراجم الأحبار ٣/ ٣٦٧، والحلية ٥/ ١٧٧، والجرح والتعديل ٨/ ١٨٦٧، وتهذيب الكمال ٣/ ١٣٦٩، وخلاصة تهذيب الكمال ٣/ ٥٤، والبداية والنهاية ٩/ ٣٠٥.","vol":"2","page":467},{"text":"قَالُوا: لَا يَكُونُ لِلإِسْنَادِ مَعْنًى.\nقُلْنَا: فَائِدَتُهُ فِي أَئِمَّةِ النَّقْلِ تَفَاوُتُهُمْ وَرَفْعُ الْخِلَافِ.\n<hr><s0>\n\nلموافقة هذا الخصم فالمقدم مثله، والمُلَازمة واضحة؛ لأن علّة قبول المرسل [مع] (^١) ظهور عدالة المُرْسل، وأنه على ما زعمتم لا يروى إلا عن عَدْل، وذلك معنى لا يختص بغير عَصْرنا.\nودفع المصنّف هذا بقوله: \"قلنا: لعلّ الخلاف فيه\" - أي: الفرق أن غلبة الخلاف في عصرنا تمنع قَبُوله، وهذا الفرق ضعيف؛ لأن غلبة الخِلَاف لا تُصَيّر المقبول مردودًا.\nثم قال: \"أما إن كان من أئمة النّقل، ولا رِيبةَ تمنع قُبِلَ\".\nولك أن تقول: قد يوجد في عَصْرنا مَنْ هو من أئمة النقل، ثم انتفاء الرّيبة إن حصل لكونه من أئمّة النقل، فقولكم: ولا رِيبَة تمنع حَشْوه، وإلا فيعود على مذهبكم بالتَّخصيص؛ لأنكم: قلتم: مرسل أئمة النقل، ولم تشترطوا انتفاء الرِّيبَة.\nالشرح: ثم إن علماءنا \"قالوا\" ثالثًا: \"لا يكون للإسناد معنى\" لو قبل المُرْسل، بل يكون الإسناد تطويلًا بلا فائدة.\nوهذا من معتمدات أصحابنا وهو حسن؛ فإن هذه الأمة خَصّها الله - تعالى - بالأسانيد وهو من محاسنها.\nوما زال سلف الأمة يَتَطَلَّبونه، ويركبون القِفَارَ في تحصيله، ويسمون الأحاديث العارية عن الإسناد بَتْرًا.\nولقد جعل إسحاق بن أبي فَرْوَةَ يومًا يرسل ويقول: قال رسول الله ﷺ وعنده الزهري، فقال: قاتلك الله يا بن أبي فَرْوَةَ ما أَجْرَأَكَ على الله، ألا تُسْند حديثك؟!\nقال حملة الشَّريعة: وترك الإسناد يذهب رُوَاء الحديث، وطَلَاوته وحَلَاوته.\nوقال عبد اللَّهِ بن المُبَارك، وغيره من العلماء: الإسناد يزيّن الحديث.\nوقال غيره الإسناد من الدِّين، لولا الإسناد لقال مَنْ شَاءَ ما شَاءَ.\n_________\n(^١) سقط في ب، ت.","vol":"2","page":468},{"text":"الْقَائِلُ مُطْلَقًا: تَمَسَّكُوا بِمَرَاسِيلِ التَّابِعِينَ وَلَا يُفِيدُهُمْ تَعْمِيمًا.\nقَالُوا: إِرْسَالُ الْعَدْلِ يَدُلُّ عَلَى تَعْدِيلِهِ.\nقُلْنَا: نَقْطَعُ بأَنَّ الْجَاهِلَ يُرْسِلُ وَلَا يَدْرِي مَنْ رَوَاهُ.\n<hr><s0>\n\nوالمصنف دفع هذا الدليل بقوله: \"قلنا: فائدته في أئمة النقل تفاوتهم\" … أي: إنما يذكرون ليعرف تفاوت دَرَجاتهم، \"ورفع الخلاف\" الواقع في المرسل.\nولك أن تقول: كان التابعون يُسْندون قبل الخلاف في المُرْسل بالاتّفاق منا ومنك. أما منك فلدعواك أن القَبُول كان مجمعًا عليه.\nوأما منّا فلدعوانا أن الرد كان مجمعًا عليه.\nوهذا جواب جَدَلِيّ، والإنصاف، أنا على قطع بأنهم كانوا يسندون لَا لِوَاحِدٍ من هذين الأمرين، بل لمجرّد تصريح المرء بذكر شَيْخِهِ الذي حَدّثه.\nالشرح: واحتجّ \"القائل\" بالمَرَاسيل \"مطلقًا\" بأنّ العلماء \"تمسّكوا بمراسيل التَّابعين\"، فإنها قبلت كما مَرّ تقريره.\nقال المصنّف: \"ولا يفيدهم تعميمًا\"؛ فإنه يجوز اختصاص التَّابعين بمعنى يوجب قَبُول مراسيلهم، وهو كونهم من أئمّة الحديث.\nوهذا ضعيف؛ فإنه ليس كلّ تابعي من أئمّة النقل، بل فيهم الجاهل وغيره، والمصنف إنما أجاب بهذا؛ ليتمشّى له تفصيله الذي ذهب إليه، ونحن جوابنا عن هذا قدمناه، وهو المَنْع.\nومن جواب المصنّف هذا أخذ بعض الشَّارحين أنَّ مراده بأئمّة النقل التابعون وهو عجيب، فإن في أئمة النقل من ليس بتابعي، وفي التَّابعين من ليس من أئمّة النقل.\nوأي معنى يوجب اخْتِصَاص التابعي، وإن كان عاميًّا، فالمأخذ إن كان كونه من أئمّة النقل لا اختصاص له بالتَّابعي، وإن كان كونه تابعيًّا لا وجه له، ثم لا نعرف أن أحدًا قال به، وإنما المصنف ظن أن جميع التابعين من أئمة النَّقْل، فقال: من احتج بهم لم يستفد تعميمًا، أي: في أئمة النقل وغيرهم؛ لأنّ غيرهم ليس في مَعْنَاهم.\nوهذا حينئذ واضح، وقد عرفت ما فيه.","vol":"2","page":469},{"text":"وَقَدْ أُخِذَ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀، فَقِيْلَ: إِنْ أُسْنِدَ، فَالْعَمَلُ بِالْمُسْنَدِ؛ وَهُوَ وَارِدٌ، وَإِنْ لَمْ يُسْنَدْ، فَقَدِ انْضَمَّ غَيْرُ مَقْبُولٍ إِلَى مِثْلِهِ، وَلَا يَرِدُ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ قَدْ يَحْصُلُ أَوْ يَقْوَى بِالانْضِمَامِ.\n<hr><s0>\n\nثم إن [الرَّاوين] (^١) \"قالوا: إرسال العَدْل يدلّ على تعديله\".\n\"قلنا: نقطع بأن الجَاهِلَ يرسل، ولا يدري من رواه\"؛ فضلًا عن معرفته بعَدَالته.\nكذا أجاب المصنّف، ولك أن تقول: إذا كان المرسل بهذه المَثَابة، فما نرى أحدًا من الأئمة يقبل إرساله.\nوأما العالم، فمن أين لكم أن إرساله دالّ على تعديله؟\nوهل جرى منه إلا السكوت؟ وللعدالة شرائط لا تحصل بمجرّد الرواية.\nوقد ذكرنا أن طوائف من الأمّة كانوا يروون عن المَجَاهيل، ولا أحفظ عن أحد ممن له بَصِيرَة بالحديث احتجر على العالم، وقال: لا يروى إلا عن العَدْل، ولو سلّم ذلك فالعَدْل عنده لا يلزم أن يكون عدلًا عندنا كما عرفت.\nالشرح: \"وقد أخذ على الشَّافعي ﵀ \" في قوله: إن أرسل ما أسنده غيره قُبل، \"فقيل: إن أسنده\"، \"فالعمل بالمسند وهو وارد.\nوإن (^٢) [لم] (^٣) يُسْند فقد انضمّ غير مقبول إلى [مثله] (^٤) ولا يرد، فإن الظَّن قد يحصل، أو يقوى بالانضمام\".\nوالآخذ على الشَّافعي هو القاضي أبو بَكْر، فأما اعتراضه فيما إذا أرسله راوٍ آخر، فقد أجاب عنه المصنّف.\nوأما فيما إذا أسنده آخر، وقول المصنف: إنه وارد فغير مقبول، وما الشَّافعي ممن ينال كلامه بالهُوَيني.\nولقد وقف سلطان الكلام أبو المَعَالي وَقْفَة حائر، إذ استعظم اقتحام الأهوال، بمخالفة [الشَّافعي] (^٥)، وتوقى منه بأن ذلك الخبر لا يرد إلا رأيًا مرذولًا فقال: مخالفة\n_________\n(^١) في أ، ت: الرادّين.\n(^٢) في حاشية ج: قوله: وإن لم يسند) أي ووجد أحد الأربعة الباقية من قول الشافعي فيما مَرَّ.\n(^٣) سقط في أ، ت.\n(^٤) في ت: مثل.\n(^٥) سقط في أ، ت.","vol":"2","page":470},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالشَّافعي في الأصول شديدة، وهو ابن بَجْدَتها، وملازم أَرُومتها، ثم قال: الذي لاح لي أن الشَّافعي لا يرد المراسيل، ولكن يبقى فيها مزيد تأكيد يغلب الظن.\nقال: وقد عثرت من كلامه على أنه إذا لم يجد إلا المرسل مع الاقتران بالتَّعديل على الإجمال عمل به.\nقال: [فكان] (^١) إضرابه عن المَرَاسيل في حكم تقديم المَسَانيد عليها.\nقلت: وهذا لا نعرفه عن الشَّافعي، والثابت عنه ردّ المراسيل رأسًا، وإنما هذا شيء ضعيف ذكره المَاوَردِيّ، وسنتكلّم عليه.\nولقد تباهى ابنُ السَّمْعاني في التَّغليظ على إمام الحرمين، وقال: أجمع كل من نقل عن الشَّافعي من العراقيين والخراسانيين؛ أنّ أصله ردّ المراسيل، وأنها لا تقبل بنفسها بحال.\nوذكر الشَّيخ الإمام الوالد ﵀ في \"باب الرّبا\"، من \"شرح المهذب\" بعد أن حكى هذه الأماكن التي ادّعى قوم أن المُرْسل يقبل فيها في الرد عليها ما هو بليغ، ولكنه [لم] (^٢) يَنُحُ نحو المصنف، فإنه يدعي أن الشَّافعي لا يقبله رأسًا، فإذا رد على هذه الأماكن لم يكن رادًّا على الشافعي في زعمه.\nوأنا سأحكي كلام الشَّيخ الإمام في الموضع المُنَاسب له، وذلك بعد مجادلة القاضي، فأقول: قبول المرسل إذا اعتضد بِمُسْند لا يعترض بما ذكر القَاضِي، فإنه غير وارد؛ لأن الاحتجاج إنما يكون بالمُسْند لو نهض بنفسه حُجّة.\nولعلّ الشافعي أراد بالمُسْند المنضمّ إلى المرسل مسندًا لا ينهض بنفسه حُجّة، وإذا ضمّ إلى المرسل قام المرسل حجة، وهذا ليس عملًا بالمسند، بل بالمرسل إذا زالت التُّهمة عنه؛ وهذا لأنه لم يرد المراسيل بالتَّشَهِّي، بل للتُّهمة.\nفإذا زالت وجب قبوله، ولا يكون ذلك منه قبولًا لشيء من المراسيل؛ لأن المرسل بقيد انضمامه غير المُرْسل من حيث هو، والذي ردّه المرسل من حيث هو.\nوقد اتّفق العلماء قاطبةً على أنَّ الحجيج لو وقفوا يوم العَاشِرِ غلطًا أجزأهم، واستندوا\n_________\n(^١) في ب: وكان.\n(^٢) سقط في ب.","vol":"2","page":471},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nإلى ما روى مرسلًا أن النبي ﷺ قال: \"عَرَفَةُ الذي يعرف الناس فيه\"؛ (^١)؛ لأنه روى مسندًا \"عَرَفَةُ يَوْمَ يُعْرَفُ الإمَامُ\" (^٢) وفي سنده محمد بن إسماعيل قاضي \"فارس\" تفرد به عن سفيان.\nولئن سلمنا أنه أراد المسند المنضمّ مسندًا يحتج به، فلم قلتم: إن الاحتجاج؛ إذ ذاك إنما هو بالمسند، بل الإسناد يعرفنا أن الإرسال وقع عن عدل يحتج به؛ ويوجب لنا الاحتجاج [بكل منهما، ويصير هذا المرسل الذي عرف بالإسناد عدالة المتروك ذكره فيه دليلًا] (^٣)؛ كالمسند المناظر الاحتجاج بما شاء منهما.\nوهذا قبول للمرسل أيضًا [بشريطة] (^٤)، وليس هو من مذاهب القوم في شيء، ولأن العمل أيضًا بالمراسيل.\nويحتمل أن يقال: إن الشافعي لم يرد بالمسند: أن يقع للحديث إسناد من وَجْه آخر.\nوإنما أراد أن عدلًا يخبرنا باسم الذي أهمل المُرْسل ذكره، فيصير كالمسند لمعرفتنا (^٥) بالمتروك اسمه.\nولذلك قال - كما نقله عنه القاضي -: المرسل إذا أسنده حافظ مأمونٌ - أي: أن الحافظ المأمون سمى لنا الرجل المتروك - فإذًا الإسناد واحد، ولنا: تسميته مرسلًا باعتبار رواية المرسل، ومسندًا باعتبار إسناد المسند، فإذا قبلناه.\nقلنا: المسند الذي هو مرسل، هذا غير ما تقدّم فافهمه، وهو مثل مرسل سعيد، وأبي\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب الحج (١٤٩)، وأبو داود في المناسك، باب (١٦٥)، والترمذي برقم (٨٨٥).\n(^٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٥/ ١٧٥، في كتاب الحج، باب خطأ الناس يوم عرفة.\n(^٣) سقط في أ، ت.\n(^٤) في ب: لشريطة.\n(^٥) في ب: لمعرفاتنا.","vol":"2","page":472},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nسلمة؛ أن النبي ﷺ قال: \"الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقَسَّمْ؛ فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ\" (^١) رواه الشَّافعي عن مالك عن سعيد، وأبي سلمة، واحتج به؛ لأنه روى بهذا الإسناد مسندًا، فروى أبو عاصم الضَّحاك (^٢) بن [مخلد] الشَّيْبَاني، وابن أبي فتيلة، وعبد الملك بن المَاجِشُون (^٣) عن مالك عن الزّهري عن سعيد، وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: وما هذا شأنه مرسل، مسند باعتبارين، وليس كما في مراسيل أبي داود بسند جَيّد إلى سعيد بن المسيّب قال: قال رسول الله ﷺ: \"دِيَةُ كُلِّ ذِي عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ أَلْفُ دِينَارٍ\" (^٤)، فإنه لم يعتضد بأن صرح لنا باسم المَتْروك، بل عارضه أن سعيدًا نفسه قال فيما رواه الدَّارَقُطني: كان\n_________\n(^١) أخرجه البخاري ٤/ ٤٠٧، في البيوع: باب بيع الشريك من شريكه (٢٢١٣)، وفي ٤/ ٤٠٨، باب بيع الأرض والدور، وفي ٤/ ٤٣٦، في الشفعة فيما لم يقسم (٢٢٥٧)، ومسلم ٣/ ١٢٢٩، في المساقاة: باب الشفعة (١٣٤).\n(^٢) الضحاك بن مخلد بن الضحاك الشيباني، أبو عاصم النبيل البصري الحافظ. قال ابن شيبة: والله ما رأيت مثله، قال أبو عاصم: من طلب الحديث، فقد طلب أعلى الأمور، فيجب أن يكون خير الناس. ولد سنة ١٢٢ هـ. قال ابن سعد: مات سنة أربع عشرة ومائتين. قال الخطيب: روى عنه جرير بن حازم، ومحمد بن حبان، وبين وفاتيهما مائة وإحدى وثلاثون سنة. ينظر: سير الأعلام ٩/ ٤٨٠، وميزان الاعتدال ٢/ ٣٢٥، والجرح والتعديل ٤/ ٢٠٤٢، والكاشف ٢/ ٣٦، وتهذيب الكمال ٢/ ٦١٧، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٤.\n(^٣) عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله التيمي بالولاء، أبو مروان، ابن الماجشون، فقيه مالكي فصيح، دارت كليه الفتيا في زمانه، وعلى أبيه قبله. أضر في آخر عمره، وكان مولعًا بسماع الغناء في إقامته وارتحاله. ينظر: ميزان الاعتدال ٢/ ١٥٠، وابن خلكان ١/ ٢٨٧، والأعلام ٤/ ١٦٠.\n(^٤) أخرجه أبو داود ص (٢١٥) برقم (٢٦٤) من مراسيله.\nقال ابن التركماني في \"الجوهر النقي\" ٨/ ١٠٣: وقد تأيد هذا المرسل بمرسلين صحيحين، وبعدة أحاديث مسندة، وإن كان فيها كلام، وبمذاهب جماعة كثيرة من الصحابة ومن بعدهم، فوجب أن يعمل به الشافعي! كما عرف من مذهبه. وفي \"التمهيد\" روى ابنُ إسحاق عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس في قضية بني قريظة والنضير أنه ﵇ جعل ديتهم سواء دية كاملة، وعمر وعثمان قد اختلف عنهما، وقد تقدم عن عثمان على موافقة هذه الأحاديث من وجوه عديدة بعضها في غاية الصحة، كما قدمنا عن ابن حزم، وهو الذي دلّ عليه ظاهر كتاب الله تعالى؛ لأنه قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ =","vol":"2","page":473},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nعمر ﵁ يجعل دِيَة اليَهُودي، والنصراني أربعة آلاف درهم، والمجوسي ثَمَانمائة درهم (^١).\nوهذا وإن كان عند قوم منقطعًا؛ لأنّ ابن المسيّب لم يسمع من عمر، لكنه ينتهض معارضًا لمرسله؛ لأن المرسل في نفسه ليس بحجّة، فإذا لم ينضم إليه ما يقويه، ولكن بما يضعّفه كان أضعف.\nفإن قلت: ألستم تقبلون مراسيل سعيد بن المسيّب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن؟.\nقلت: ستعرف ما عندنا في ذلك، والحاصل أنا لا نقبلها إلّا عند اعتقاد أنها مُسْندة، وليس ما أوردنا منها.\n_________\n= مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ ثم قال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾، والظاهر أن هذه الدية هي الدية الأولى، وكذا فهم جماعة من السلف. قال ابن أبي شيبة: حدّثنا عبد الرحيم - هو ابن سليمان - عن أشعث - هو ابن سوار - عن الشعبي، وعن الحكم، وحماد، عن إبراهيم قالا: دية اليهودي والنصراني والحربي المعاهد مثل دية المسلم، ونساؤهم عن النصف من دية الرجال، وكان عامر الشعبي يتلو هذه الآية: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾. وأشعث: وإن تكلموا فيه يسيرًا، فقد روى له مسلم متابعة، وأخرج له ابن خزيمة في \"صحيحه\"، والحاكم في \"المستدرك\". وقال ابن أبي شيبة أيضًا: حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن الزهري سمعته يقول: دية المعاهد دية المسلم، وتلا الآية السابقة. وهذا السند في غاية الصحة. وينظر سنن البيهقي ٨/ ١٠٣، نصب الراية ٤/ ٣٦٦.\n(^١) أخرجه الدارقطني ٣/ ١٤٦ (١٩٥)، وقال:\nوالحديث رواه الشافعي في مسنده: أخبرنا فضيل بن عياض، عن منصور عن ثابت عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب أنه قضى في اليهودي الحديث، ومن طريق الشافعي رواه البيهقي في المعرفة. كذا في الزيلعي، وأخرج ابن حزم في الإيصال من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: دية المجوسي ثمانمائة درهم. وأخرجه أيضًا الطحاوي وابن عدي والبيهقي وإسناده ضعيف من أجل ابن لهيعة، وروى البيهقي، عن ابن مسعود وعلى أنهما كانا يقولان: في دية المجوسي ثمانمائة درهم، وفي إسناده ابن لهيعة أيضًا، وأخرج البيهقي أيضًا عن عقبة بن عامر، وفيه أيضًا ابن لهيعة، وروى نحو ذلك ابن عدي والبيهقي والطحاوي عن عثمان، وفيه أيضًا ابن لهيعة.","vol":"2","page":474},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوَلْنَحْكِ نَصّ الشَّافعي ﵁ على صُورته، قال ﵁ في \"الرسالة (^١): المنقطع مختلف، فمن شاهد أصحاب رسول الله ﷺ من التّابعين، فحدّث حديثًا عن رسول الله ﷺ اعتبر عليه بأمور.\nمنها: أن ينظر إلى ما أرسل من الحديث، فإن شركه فيه الحُفَّاظ المأمونون، فأسندوه إلى رسول الله ﷺ بمثل معنى ما أرادوا - كانت هذه دلالة على صحة من قُبِلَ عنه وحفظه، انتهى.\nومشاركتهم له فيه ظاهرها، أن يكون أسند السّند لا يمتاز عنه بالتصريح باسم المتروك.\nوقد وقع للقاضي في \"التقريب\" أنه نقل عن الشَّافعي؛ أنه قال في المواضع التي يقبلها من المراسيل: استحبّ قبولنا، ولا أستطيع أن أقول: إن الحجة [تثبت] (^٢) بها ثبوتها بالمتصل، انتهى.\nقلت: وهذا النص مَسْطُور في \"الرسالة\".\nقال القاضي: فقد نصّ بذلك على أن القَبُول عند تلك الشروط مستحبّ لا واجب.\nقلت: وهذا كلامٌ ضعيف، فلم يُرِد الشَّافعي بالاستحباب قسيم الوجوب، ولا في الأدلّة ما يكون الأخذ به مستحبًّا؛ لأنه لا تخيير في إثبات الأحكام، بل إما أن يظهر موجبها فيجب، أو لا فيحرم.\nفإن كان المرسل عند الاقتران بشيء من ذلك حُجّة - وجب الأخذ به، وإلا حرم، ولا تعلّق للاستحباب بما نحن فيه.\nوإنما مراده: أن الحجة فيها ضعيفة ليست كحجة المتصل. وإذا انتهضت الحُجّة وجب الأخذ لا مَحَالة، لكن الحُجَج متفاوتة، وينفعك ذلك [عند] (^٣) التَّعَارض، فإذا عارضه مُتَّصل كان المتصل مقدمًا عليه.\nوقال الشيخ الإمام ﵀: يحتمل أن يكون مراد الشَّافعي. أنه لا يجب العمل به بمجرّد اقترانه بمرسل آخر، وقول صحابي أو فُتْيا الأكثر، ولا يرد معها، ويطلب دليل آخر\n_________\n(^١) ينظر الرسالة (٤٦٥).\n(^٢) في ب، ثبتت.\n(^٣) سقط في ب.","vol":"2","page":475},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nمجرد كما لو يرد أصلًا، بل يجب النَّظر في ذلك وفيما يعارضه، أو يوافقه من بقيّة الأدّلة كالقياس وشبهه، فالعمل بما يترجّح من الظن. والله أعلم.\nوأما قبول الشافعي المرسل إذا عضده صحابي، فلو صح عنه لم يوجب قولًا بالمرسل كما عرفت.\nوأما إذا عضَده أكثر العلماء، فقد اعترضه القاضي بأنه إن أراد بالأكثر الأمة فهو الإجماع، والحجّة حينئذ فيه لا في المرسل، وإن أراد بعض الأمة، فقولها ليس بحُجّة، والكلام فيه كالكلام في اعتراضه الأوّل من التزام كلّ من الأمرين، ولا يرد ما ذكره.\nوعبارة الشَّافعي في \"الرسالة\"، ولذلك (^١) إن وُجد عَوَامّ من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما رووا عن رسول الله ﷺ.\nوأما إذا عرف أنه لا يروى إلا عن عَدْلٍ، فلا يتجه إلا قبوله.\nوقد نصّ عليه في \"الرسالة\"، ومرسلاته حينئذ مَسَانيد، فلا وَجْه لردّها، وهو كمن قال: إذا قلت لكم: قام زيدٌ فاعلموا أن عمرًا أخبرني، ثم قال: قام زيد، فهو ثانيًا مسند عن عمر، ومعنى بما مَهّده أولًا مسند لفظًا.\nولكنّا نقول: ينبغي أن يكون هذا فيمن عرف منه أن الذي يطوى ذكره ممن لا رَيْبَ في عدالته كالصّحابي، أو أنه رجل معروف في نفسه حيث طوى ذكره، فلا يقال علينا: جاز أن يكون عدلًا عنده غير عَدْل عندنا.\nومن هذا القَبِيل: سعيد بن المسيّب على ما ذكره طائفة من أئمّتنا، ذكروا أنه لا يرسل عن غير أبي هريرة، وأبو هريرة صَحَابي عَدْل رضا، فتكون مرسلات سعيد مَسَانيد وهذا في الغالب من حالة فإنَّ الخطيبَ الحافظَ أبا بكر وغيره من النقّادِ ذكروا أن له مَرَاسيل لم توجد مسندةً بحال من وجه يصح. ونحن قد قدمنا مرسله في دية الذمي، ورددناه بمثل هذا.\nومن هنا نتنبه لدقيقة، وهي أن الشَّافعي على القول بقَبُول مرسلات سعيد، لم يقبلها لكونه اعتبرها فوجدها مسانيد - كما يظنّه بعض الضعفاء، فإن ذلك يوهم أن الإسناد حاصل عنده في المُرْسل بعينه، ويكون حينئذ الاحتجاج به احتجاجًا بالمسند كما تقدم، بل لما كان\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله: وكذلك أي يتقوى مرسله بما ذكر، كما تقوى بما ذكره قبل في الرسالة. فانظره.","vol":"2","page":476},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nحال صاحبها أنه لا يروى إلا مسندًا عن ثِقَةٍ حمل هذا المرسل على ما عرف من عادته، فيحتج به لذلك، نبّه على هذا الشيخ الإمام ﵀.\nقلت: ولذلك ما ظهر فيه أنه على خلاف العادة كَمُرْسَله في دِيَةِ الذِّمِّي لا يقبله.\nويؤيد هذا: أنا نقبل مَرَاسيل الصَّحابي، وإن احتمل روايته عن تابعي؛ لأن الغالب أنه لا يروى إلا عن النَّبي ﷺ لا سيما حالة الإطلاق فحمل حالة الإطلاق على الغالب المألوف من عادته.\nويحتمل أن يقال: إن ثبت عن الشَّافعي؛ أنه قال: اعتبرت مراسيل سعيد، فوجدتها مسانيد، فأنا أحتج بها.\nفمراده المَرَاسيل التي سَاقَهَا في مذهبه، واحتج بها كمرسله في بيع اللَّحم بالحيوان (^١)، ونحوه على أن ذلك لم يثبت عن الشَّافعي في الجديد.\nقال المَاوَرْدِيّ: حكى عن الشَّافعي؛ أنه أخذ بمراسيل سعيد في القديم، وجعلها بانفرادها حُجّة؛ لأنه لم يرسل حديثًا إلا وجد مسندًا، ولا يروي أخبار الآحاد فلا [يحدث] إلا بما سمعه من جَمَاعة، أو عضَده قول الصحابة، أو رآه منتشرًا عند الكافة، أو وافق فعل أهل العَصْر.\n_________\n(^١) مالك في الموطأ ٢/ ٦٥٥، في البيوع: باب بيع الحيوان باللحم (٦٤، ٦٥)، قال ابن عبد البر: لا أعلمه يتصل من وجه ثابت.\nوأخرج الدارقطني في سننه عن يزيد بن مروان ثنا مالك بن أنس عن الزهري عن سهل بن سعد، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع اللحم بالحيوان، انتهى. قال الدارقطني: تفرد به يزيد بن مروان عن مالك، والصواب فيه عن ابن المسيب مرسلًا، انتهى. قال ابن الجوزي في التحقيق: قال ابن معين يزيد بن مروان كذاب، وقال ابن حبان: يروى الموضوعات عن الأثبات، لا يحل الاحتجاج به بحال، انتهى.\nوقال ابن خزيمة: حدثنا أحمد بن حفص السلمي حدثني أبي حدثني إبراهيم بن طهمان عن الحجاج بن الحجاج عن قتادة عن الحسن عن سمرة نحوه - قال البيهقي: إسناده صحيح، ومن أثبت سماع الحسن من سمرة عده موصولًا، ومن لم يثبته فهو مرسل جيد، وأخرجه البزار في \"مسنده\" عن ثابت بن زهير عن نافع عن ابن عمر نحوه، وأبو داود في \"المراسيل\" عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب نحوه، وفي لفظ: نهى عن بيع الحي بالميت\".","vol":"2","page":477},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوكونه إنما أخذ عن أَكَابر الصحابة، ومراسيله سبرت، وكانت مأخوذة عن أبي هريرة، ومذهب الشَّافعي في الجديد أنّ مرسل سعيد، وغيره ليس بحجّة.\nقال الشيخ الإمام ﵀: وهذه الأمور التي ذكرها المَاوَرْدِي في حقّ سعيد أمور ضعيفةٌ، لم يثبت شيء منها ولا يعرف، بل قد روى سعيد في \"الصّحيحين\" عن أبيه المسيّب، فالصَّحيح ما قاله الخطيب، وهو الذي نسبه المَاوَرْدِي إلى الجديد.\nقلت: والذي قاله الخطيب بعد أن ذكر قول الشَّافعي في \"المختصر\" في مسألة بيع اللَّحم بالحيوان: وإرسال ابن المسيّب عندنا حسن، اختلف أصحابنا في [قوله] (^١) هذا بيع.\nفمنهم من قال: أراد أن مرسله حجّة، لا أن مراسيله تتبعت فوجدت مسانيد عن الصحابة من جهة غيره.\nومنهم من قال: لا فرق بين مرسل سعيد وغيره من التابعين، وإنما رجّح الشافعي، والترجيح بالمرسل صحيح وإن لم يكن حجّة بمفرده، وهذا هو الصّحيح؛ لأن في مراسيل سعيد ما لم يوجد مسندًا بحال من وجه يصح. ا. هـ كلام الخطيب ذكره في \"الكفاية\".\nقال الشيخ الإمام: وإنما يفعل الشَّافعي ذلك في كبار التابعين، وأما غيرهم فلا يقبل مرسله، لا منفردًا ولا مضمومًا.\nقلت: وأما في \"الرسالة\": وكل حديث كَتبْتُهُ منقطعًا، فقد سمعته متصلًا أو مشهورًا عمن روى عنه بنقل عامّة من أهل العلم يعرفونه عن عامّة، ولكن كرهت وضع حديث لا أتقنه حفظًا خفت طول [الكتاب] (^٢)، وغاب عني بعض كتبي. انتهى.\nفَرَضِيَ الله عنه قد نبّه على أن كل ما يورده من المنقطعات فهو متّصل، سواء ابن المسيّب وغيره، فإذًا ما في كتبه من المَرَاسيل كلّها مسانيد، وقد انكشف عنَّا بهذه الفائدة الجليلة غمة، وهي: أنه ربّما رأينا في كتبه الاحتجاج بمرسل، فيحسبه من لم يحفظ هذه الفائدة مدخولًا؛ لأنه لا يحتجّ بالمراسيل، وقد أبانت هذه الفائدة عن أن ذلك الذي شاهدناه مرسلًا عنده متصل؛ فلذلك احتج به.\n_________\n(^١) في ب: قول.\n(^٢) في حاشية ج: قوله: \"وغاب عني بعض كتبي\" تمامه: وتحققت بما يعرفه أهل العلم مما =","vol":"2","page":478},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nثم ساق الشَّيخ الإمام كلام \"الرسالة\" الذي قدمنا بعضه، وهو قول الشافعي: المنقطع مختلف، فمن شاهد أصحاب رسول الله ﷺ من التابعين، فحدّث حديثًا منقطعًا عن النبي ﷺ اعتبر عليه بأمور.\nأن يسنده غيره من الحُفّاظ المأمونين بمثل معنى ما روى، أو مُوَافقة مرسل غيره، وهي أضعف من الأول، أو موافقة قول صَحَابي، أو عوامّ من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روى. فإذا وجدت الدلالة لصحة حديث بما وصفت، أحببت أن يقبل مرسله، ولا نستطيع أن نَزعم أن الحجة [تثبت] (^١) به ثبوتها بالمتّصل.\nوأما من بعد كبار التابعين الذين كثرت مشاهدتهم لأصحاب رسول الله ﷺ - فلا أعلم منهم واحدًا يقبل مرسله. انتهى.\nثم قال الشيخ الإمام علي قول المَاوَرْدِي: إن المرجّحات للمرسل التي إذا اعتضد به واحد منها صار معها حُجّة على الجديد أحد سبعة أشياء: قياس، أو قول صحابي، أو الأكثر، أو الانتشار بلا رافع، أو عمل أهل العصر، أو ألا يوجد دليل سواه.\nقلت: وهذا السَّابع الذي قدّمناه عن إمام الحرمين.\nقال الشيخ الإمام: وفي كلام الشَّافعي المنقول عن \"الرسالة\" اعتضاده بمرسل أو مسند آخر، وليس في كلام المَاوَرْدِي، فإذا جمعت بين الكلامين كانت المرجحات [تِسْعة] (^٢)، ثم في بعضها أو أكثرها مشاحَّة.\nمنها: قول المَاوَرْدِي: ألا يوجد دليل سواه، فإن المرسل إذا لم يكن في نفسه دليلًا، ولم يوجد دليل سواه كانت المسألة لا دليل فيها أصلًا، ولا يجوز إثبات حكم بشيء لا نعتقده دليلًا؛ لأنا لم نجد غيره.\nوإن قيل: إنه [في] (^٣) هذه الحالة دليل دون غيرها، فنقول: في غير هذه الحالة إذا كان هناك دليل موافق الحكم ثابت بلا إشكال، ولا غرض في إسناده، أو مخالف راجح - قدم على المرسل مع القول بأنه حُجّة، وإن كان مرجوحًا لم يقدم عليه.\n_________\n= حفظت، فاختصرته خوف طول الكتاب، فأتيت ببعض ما فيه الكفاية دون تقصي العلم في كل أمره. في الرسالة.\n(^١) في ب: ثبتت.\n(^٢) في أ، ت: سبعة.\n(^٣) سقط في ت.","vol":"2","page":479},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوحينئذ ينبغي لمن يعمل به عند فَقْد الدليل مطلقًا أن يعمل به هنا لِرُجْحَانه، وهو مصير إلى أن المرسل حجّة، والتفريع على خلافه، ولا ينفع التعليل بأنه حُجّة ضعيفة، فجاز أن يدفع بأَدْنَى معارض، وإن كان مرجوحًا؛ لأن ذلك بحث جَدَلِيّ لا طَائِل تَحْته. انتهى.\nقلت: قد يقال: إذا لم يوجد دليل سواه فيكون فائدته ألا يرد، ولا يكون الحال كحال لا دليل فيها أصلًا، بل ينظر كما قدمناه عن الشيخ الإمام في مراسيل من علم أن مراسيله غالبًا مسانيد.\nوتظهر فائدة ذلك فيما إذا روى شيئًا على خلاف البراءة الأصلية.\nفقد يقال: يجب الانْكِفَاف إلى اسْتِتْمَام البحث، ولا يحدث إثبات حكم، ولكن الوقف هناك من باب الاحتياط، وهذا كما قال إمام الحرمين في المجهول إذا روى خبرًا: إنه يجب الانْكِفَاف ويبحث عن حاله.\nوبهذا يندفع قول الشيخ الإمام: لا يجوز إثبات حكم بما لا نعتقده دليلًا.\nفنقول: نحن لا نثبت حكمًا، وإنما نكفّ عما كُنّا عاملين به إلى اسْتِتْمَام البحث، فإن أراد الماوردي، وإمام الحرمين بالعَمَلِ بالمرسلِ، إذا لم يوجد دليل غيره هذا، فلا بأس به، وإلا فالحق ما قاله الشيخ الإمام.\nوقوله: في غير هذه الحالة إن الحكم ثابت [بلا إشكال] (^١)، ولا غرض في إسناده.\nصحيح، ولكن اجتماع دليلين حَسَن.\nوقوله: في المخالف المرجوح ينبغي العمل بالمرسل حينئذ، والتفريع على خلافه.\nقد يقال عليه: ليس التفريع على خلافه؛ لأن المَاوَرْدِي يدعي أن الشافعي يستثنى هذا الموضع من رد المراسيل.\nوأما كونه حجّة ضعيفة على القول به، فلا بد من ذلك، فإن الحجج مُتَفَاوتة. ثم قال الشيخ الإمام: وأما اعْتِضَاده بمسند، فإذا كان المسند صحيحًا، كان العمل به لا بالمرسل.\nوأما بمرسل آخر، فإذا لم يكن المرسل حجّة، لم يفد اقترانه بما ليس بحجّة، وكذلك قول الصَّحابي وفعله، وقول الأكثرين والانتشار.\n_________\n(^١) سقط في ب، ت.","vol":"2","page":480},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوأما القياس فإن كان قياسًا صحيحًا فهو حُجّة في نَفْسِهِ غير مفتقر إلى المرسل، ولا يصير المرسل حجّة.\nكما لو اقترن بالقياس الصَّحيح قياس فاسد، وإن كان القياس لا يجوز التمسُّك به لو انفرد، فقد انضم ما ليس بحُجّة إلى ما ليس بحُجّة.\nوغاية ما يتخيل أنَّ الشافعي لم يلاحظ في ذلك إلا قوّة الظَّن، فإن المرسل يثير ظنًّا ضعيفًا، وليس كالقياس الفاسد. وما لا يثير ظنًّا أَصلًا، فإذا اقترن المرسل المثير للظَّن - بأمر مقوّ للظَّن جاز أن ينتهي إلى حد يتمسّك به.\nثم ذلك الحدّ ليس مما يضبط بعبارة شاملةٍ، بل هو موكول إلى نظر المجتهد.\nوها هنا تتفاوت رتب العُلَماء، ويفارق المجتهدون من سواهم من الجامدين على أمور كلّية يطردونها في كل وِرْد وصَدْر.\nوإنما [جمد] على ذلك أكثر المتأخّرين؛ لبعدهم عن التكيُّف بِفَهْمِ نفس الشَّريعة، أو التمييز بين مَراتب الظُّنون، وما يقتضي نفس الشَّارع في اعتباره وإلغائه.\nوهذه رُتْبة عزيزة سبق إليها المتقدمون، ولو حاول محاول ضبط ما يحصل من اجتماع تلك الأمور بالموازنة بينه وبين الظّن المستفاد من قياس صَحِيح من أوّل درجات القياس، أو خبر واحد فما سَاوَاه كذلك اعتبر، وما نقص ألغى لم يكن مبعدًا، لكنه ليس كمال المَعْنَى المشار إليه، بل هو غاية ما تحيط به العِبَارة لمن يَبْغى ضبط ذلك بقواعد كلية، ويؤتى الله - تعالى - وراء ذاك لبعض عباده ما يقصر عنه الوَهْم.\nومن جَدّ وجد، ومن ذَاقَ اعتقد، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [سورة النور: ٤٠]. انتهى كلام الشيخ الإمام ﵀.\nولقد كان ﵁ كما وصف وأزيد، وقد تضمّن كلامه ما أشرت إليه من تأييد العمل بالمُرْسل في هذا الموضع؛ لانضمام ظنّ إلى ظنّ حصل بهما ظن متهيأ مثله في العمل بأوائل الأقيسة الصَّحيحة وخبر الواحد، وإياه أراد الشَّافعي إن شاء الله.\nوما قدمناه عن المَاوَرْدِي والخطيب من [قول] (^١) الشَّافعي في الجديد في \"كتاب\n_________\n(^١) سقط في ب، ت.","vol":"2","page":481},{"text":"<span data-type='title' id=toc-553>\" الحَدِيثُ المُنْقَطِعُ وَالمَوْقُوفُ\"</span>\nوَالْمُنْقَطِعُ: أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا رَجُلٌ؛ وَفِيهِ نَظَرٌ.\nوَالْمَوْقُوفُ أَنْ يَكُونَ قَوْلَ صَحَابِيٍّ أَوْ مَنْ دُونَهُ.\n<hr><s0>\n\nالرهن\" الصَّغير: إنه حجة، ويؤيد ذلك عبارة \"المختصر\": إنه حسن.\nقال الشيخ الإمام: ونظرت كتاب الرهن الصَّغير من \"الأم\"، فوجدت فيه ما يدلّ على ذلك دلالة قويّة، ثمّ ساق لفظ الشَّافعي. وفيه في حديث ابن المسيّب لا يغلق الرهن من صاحب الدين له غنمه وعليه غُرْمه، كيف قبلتم عن ابن المسيّب منقطعا، ولم تقبلوه عن غيره؟\nقال الشَّافعي: لا نحفظ أن ابن المسيّب روى منقطعًا إلا وجدنا ما يدلّ على مسنده، فمن كان بمثل حاله قبل منقطعه، ثم قال مشيرًا إلى التابعين: ففرقنا بينهم لافتراق أحاديثهم ولم [نحابي] (^١) أحدًا، ولكنا قلنا في ذلك بالدلالة البينة على ما وصفناه.\nقال الشيخ الإمام: وأشار شيخنا ابن الرِّفْعَة إلى أن الرّهن الصغير من القديم، وإن كان من كتب [الأم] (^٢) قال: ولذلك نسب المَاوَرْدِي قبول رواية ابن المسيّب إلى القديم.\nقلت: فإن ثبت هذا لم يكن كلام الروياني مخالفًا لكلام المَاوَرْدِي، ولكنه لم يثبت، ولا يثبت أيضًا ما ادّعاه إمام الحرمين في كتاب الخُلْع من أن \"الأم\" كلها من القديم.\nولقد أتى الشَّافعي ﵁ في دفع المَرَاسيل بلطيفة، وهي اعتبار الرّواية بالشَّهادة، فإنا أجمعنا على رَدّ الشَّهادة المرسلة، وهي إذا لم يذكر شهد على شهادة، ووجهه: أنّ الشَّاهدين إذا كانا عَدْلين، لم يجز أن يشهدا على شَهَادة شاهدين يخفيان ذكرهما، وهما غير عدلين مثل الرِّواية سواء، ومع ذلك لا يصير تركهما لذكرهما دليلًا على تعديلهما، بل لا بُدّ من ذكرهما مع الشَّهَادة على الشهادة، فكذا في الرواية لا بد من ذكر المَرْوِي عنه، ولا فرق بين الشَّهَادة والرواية فيما يرجع إلى العدالة، والخلاف في قبول المرسل وردّه راجع إلى العدالة.\nهذا تَمَام الكلام على المرسل، وبسطناه لاحتياج الشَّافعية إليه.\nالشرح: \"والمنقطع: أن يكون بينهما\" - أي: بين الروايتين - \"رجل\" لم يذكر، ولم\n_________\n(^١) في أ، ت: نجاري.\n(^٢) في ت: الإمام.","vol":"2","page":482},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nيعرف (^١). \"وفيه\" - أي: في قبوله - \"نَظَر\" يعرف من الكلام في المُرْسل.\n\"والموقوف: أن يكون قول صحابي، أو مَنْ دونه\".\nولا حُجّة فيه إذا لم يكن قول صحابي، وكذا إن كان [عند] (^٢) علمائنا.\n\n\"فائدة\"\nحديث عُرْوَة البَارِقِي (^٣) الذي أعطاه النبي ﷺ دينارًا ليشتري به شاةً، فاشترى شَاتَيْنِ،\n_________\n(^١) المنقطع:\nهو في اللغة مأخوذ من القطع، وهو فصل الشيء مدركًا بالبصر كالأجسام، أو مدركًا بالبصيرة كالأشياء المعقولة، وهو مطاوع للقطع تقول: قطعته فانقطع.\nوفي الاصطلاح فيه مذاهب:\nالأول: ما سقط من رواته راو واحد قبل الصحابي في الموضع الواحد، وهذا هو المشهور، الثاني: ما لم يتصل إسناده، وهو الأقرب إلى معناه اللغوي.\nقال صاحب البيقونية:\nوكل ما لم يتصل بحال … إسناده منقطع الأوصال\nوقال العراقي:\nوسم بالمنقطع الذي سقط … قبل الصحابي به راو فقط\nوقيل ما لم يتصل وقالا … بأنه الأقرب لا استعمالًا\nوأراد بقوله: (وقالا) ابن الصلاح والنووي.\nالثالث: قال التبريزي: ما سقط مما ليس في أول الإسناد من رواته: راو واحد قبل الصحابي في الموضع الواحد، فخرج بقوله: مما ليس في أول الإسناد - المعلق. ينظر: غيث المستغيث ص ٧٢ - ٧٣.\nوالمقدمة لابن الصلاح (١٤٤)، والكفاية (٥٨)، وفتح الباقي ١/ ١٥٨، ومعرفة علوم الحديث ص (٢٧)، وتوضيح الأفكار ١/ ٣٢٣، وفتح المغيث للسخاوي ١/ ١٤٩.\n(^٢) سقط في أ، ت.\n(^٣) عرْوَة بن أبي الجَعْد الأسَدِي، البارقي، صحابي نزل الكوفة، له ثلاثة عشر حديثًا. عنه: قيس بن أبي حازم والشَّعبي وسِمَاك بن حرب. ولى قضاء الكوفة لعمر. قال الشعبي: وهو أول من قضى بها. ينظر: أسماء الصحابة الرواة ت (١٥٩)، والثقات ٣/ ٣١٤، وتاريخ البخاري الكبير ٧/ ٣٣، والأنساب ٢/ ٢٩، وتقريب التهذيب ٢/ ١٨، وتهذيب التهذيب ٧/ ١٧٨ (٣٤٨)، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٢٢٦.","vol":"2","page":483},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفباع إحديهما بدينار، فجاء بدينار وشاة، فدعا له بالبَرَكَةِ في بيعه، في البخاري [من] (^١) حديث سُفْيَان عن [شبيب بن غرقدة] (^٢) قال: سمعت الحي يتحدثون عن عروة، ولكنه كما تراه بجَهَالَةِ الحَيِّ.\nفإن قلت: فلم احتجّ به الشَّافعي على أن [من] (^٣) وُكِّل في شراء شَاةٍ بدينارين له أن يشتري شَاتَيْن بدينار، ولم يحتج به في جواز بيع الفضولي؟\nقلت: لأنه في تلك موافق للقياس، وهو يحتج بالمرسل إذا وافق القِيَاس، وهو في بيع الفُضُولي مخالف للقياس، فلم يحتج به.\nونظير احتجاجه به هنا لمُوَافقته القياس احتجاجه على المُسَافر لا يجب عليه قضاء صلاة صلّاها بالتيمُّم لِفَقْدِ الماء؛ لحديث عطاء بن يسار مرسلًا \"خَرَجَ رَجُلَانِ في سفر فحضرت الصلاة، وليس معهما ماء فتيمَّما صعيدًا طيِّبًا وصلَّيا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له فقال للذي لم يعد: \"أَصَبْتَ السُّنَّةَ، وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ\"، وقال للذي توضّأ وأعاد: \"لَكَ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ\" (^٤) رواه أبو داود - فإنما احتجّ الشَّافعي بهذا المرسل لاعتضاده بالقياس على المَرِيضِ، وبإجماع الفقهاء السَّبعة والجمهور.\n_________\n(^١) سقط في ب.\n(^٢) شبيب بن غرقدة السلمي. عن عروة البارقي. وعنه: شعبة والسفيانان وأبو الأحوص. وثقه أحمد بن حنبل، له حديث في الجامع. وينظر: الثقات ٤/ ٣٥٩، والجرح والتعديل ٤/ ١٥٦٣، وتاريخ البخاري الكبير ٤/ ٢٣١، والكاشف ٢/ ٤، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ٤٤٢، وتقريب التهذيب ١/ ٣٤٦، وتهذيب التهذيب ٤/ ٣٠٩، وتهذيب الكمال ٢/ ٥٧٢.\n(^٣) سقط في ت.\n(^٤) أخرجه أبو داود (١/ ١٤٦)، وكتاب الطهارة: باب في المتيمم بجد الماء بعدما يصلى في الوقت، حديث (٣٣٨)، والنسائي (١/ ٢١٣)، والدارمي (١/ ١٩٠)، والحاكم (١/ ١٧٨)، والبيهقي (١/ ٢٣١) من حديث أبي سعيد الخدري.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.","vol":"2","page":484},{"text":"<span data-type='title' id=toc-555>\" الكَلَامُ فِي الأَمْرِ\"</span> (^١)\nالْأَمْرُ (أَ - مَ - رَ): حَقِيقَةٌ فِي القَوْلِ الْمَخْصُوصِ اتِّفَاقًا، وَفِي الْفِعْلِ: مَجَازٌ.\nوَقِيلَ: مُشْتَرَكٌ.\nوَقِيلَ: مُتَوَاطِئٌ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"الأمر\" (^٢) - ولا نعني به مُسَمّاه؛ كما هو المتعارفُ في الألفاظ يلفظ بها، والمراد مسمياتها بل لفظة الأمر، وهو \"أ\" \"م\" \"ر\" حقيقة في القول المخصوص\" - وهو صيغة افعل - \"اتفاقًا\".\n_________\n(^١) لما فرغ من الكلام على النوع الأول، وهو النظر فيما يتعلق بالسند شرع في الكلام على النوع الثاني، وهو فيما يتعلق بالنظر في المتن. ينظر الشيرازي ٢٨٩ خ.\n(^٢) ينظر مباحث الأمر في: البرهان لإمام الحرمين ١/ ٢٠٣، والبحر المحيط للزركشي ٢/ ٣٤٢، ص ١٢٠، ٢٠١، والتمهيد للأسنوي وسلاسل الذهب له ص ٢٦٤، ونهاية السول له ٢/ ٢٢٦، وزوائد الأصول له ص ٢٣٨، ومنهاج العقول للبدخشي ٢/ ٣، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص ٦٣، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ٢٦١، والمنخول للغزالي ص ٩٨، والمستصفى له ١/ ٨١، وحاشية البناني ١/ ٣٦٦، والإبهاج لابن السبكي ٢/ ٣، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٢/ ٢٠٣، وحاشية العطار على جمع الجوامع ١/ ٤٦٤، والمعتمد لأبي الحسين ١/ ٣٧، وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ص ١٩٠، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ٣/ ٢٦٩، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ١/ ٣٣٤، وميزان الأصول للسمرقندي ١/ ١٩٣ - ١٩٨، وكشف الأسرار للنسفي ١/ ٤٤، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٧٧، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ١/ ١٥٠، وحاشية نسمات الأسحار لابن عابدين ص ٢٤، وشرح المنار لابن ملك ص ٢٧، والموافقات للشاطبي ٣/ ١١٩، وتقريب الوصول لابن جزيّ ص ٩٣، وإرشاد الفحول للشوكاني ص ٩١، وشرح مختصر المنار للكوراني ص ٢٧، ونشر البنود للشنقيطي ١/ ٤١، وشرح الكوكب المنير للفتوحي ص ٣٢٧، وروضة الناظر ص ٩٨، ومفتاح الوصول ص ٢١، المدخل ٢٢٣، والحدود للباجي ٥٢، واللمع ص ٧، والتبصرة ص ١٧، ومنتهى السول للآمدي ٢/ ٣، والمنتهى لابن الحاجب ٦٥، والعدة لابن يعلى ١/ ٢١٤، وفواتح الرحموت ١/ ٣٦٧.","vol":"2","page":485},{"text":"لَنَا: سَبْقُهُ إِلَى الْفَهْمِ، وَلَوْ كَانَ مُتَوَاطِئًا، لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ الأَخَصٌّ كَـ\"حَيَوَانٍ\" فِي \"إِنْسَانٍ\".\n<hr><s0>\n\n\"وفي الفعل مجاز\" - ومنه قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٥٩] أي: الفعل الذي يعزم عليه.\n\"وقيل: مشترك\" بين القَوْل والفعل، وهو رأي طوائف.\n\"وقيل: متواطئ\" - أي: موضوع للقَدْرِ المشترك بين القول والفعل - وهو رأي الآمدي (^١).\nفإن قلت: كيف ادّعى الاتفاق على أنه حقيقةٌ في القول المخصوص، ثم حكى القول بالتواطؤ، وهو يقتضي ألا يكون حقيقةً في القول المخصوص؛ وذلك لأن الوضع في التواطؤ للأعم، والقول المخصوص أخص منه، واستعمال الأعم في الأخص مجاز.\nقلت: لعلّه رأى قول التواطؤ حادثًا لا يَدْرأ الاتفاق؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\nوقيل: مشتركٌ بين القول المخصوص والفعل والشَّأن؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] أي: شأننا وطريقنا.\nوالصفة: مثل: لأمر ما يسود من يسود، أي: بصفة، والشيء مثل: لأمر ما جَدَع قصيرٌ أَنْفَه - أي: لشيء.\nوقال أبو الحسين في \"المعتمد\" (^٢): مشترك بين الشيء والصِّفة، وبين جملة الشأن والطريق، وبين القول المخصوص.\nهذا كلامه وإذن لا يطلق عنده على الفِعْلِ إلا من حَيْث دخوله في الشَّأن؛ لا لأنه موضوع له بخصوصه على خلاف ما نقل عنه.\nالشرح: \"لنا: سبقه\" - أي سبق: القول - \"إلى الفهم، ولو كان متواطئًا لم يفهم منه الأخص\"؛ لأن القول حينئذ أخص من مَدْلوله \"كحيوان في \"عدم فهم \"إنسان\" منه، وهذا الدليل يذفع التواطؤ بما ذكرناه.\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام ٢/ ١٢٠.\n(^٢) ينظر: المعتمد ١/ ٤٥.","vol":"2","page":486},{"text":"وَاسْتُدِلَّ: لَوْ كَانَ حَقِيقَةً، لَزِمَ الاشتِرَاك، فَيُخِلُّ بِالتَّفَاهُمِ، فَعُورِضَ بِأنَّ الْمَجَازَ خِلافُ الْأصْلِ، فَيُخِلُّ بِالتَّفَاهُمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثلُهُ.\nوَالتَّوَاطُؤُ: مُشْتَرِكَانِ فِي عَامٍّ، فَيُجْعَلُ اللَّفْظُ لَه، دَفْعًا لِلمَحْذُورَيْنِ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى رَفْعِهِمَا أبَدًا؛ فَإنَّ مِثْلَهُ لَا يَتَعَذَّرُ وَإلَى صِحَّةِ دَلَالَةِ الأَعَمِّ لِلْأخَصِّ. وَأَيْضًا: فَإنَّهُ قَوْلٌ حَادِثٌ هُنَا.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"واستدلّ لو كان حقيقة\" في الفعل \"لزم الاشتراك\"، ضرورة كونه حقيقة في القول أيضًا، \"فيخلّ بالتفاهم\".\n\"فعورض بأن المجاز خلاف الأصل فيخلّ بالتفاهم، وقد تقدّم مثله\" في مسألة تعارض الاشتراك والمجاز.\nوتقدم أن المجاز التواطؤ خبر، فإذًا المعارضة ضعيفة.\nالشرح: \"و\"احتج قائل\" [التواطؤ] \" بأن القول والفعل \"مشتركان في \"أمر، \"عام\"، وهو الشَّيء والشَّأن، \"فيجعل الَّلفظ له، دفعًا للمحذورين\": الاشتراك والمجاز اللَّذين هما على خلاف الأصل.\nوقد كثر مثل هذا الدَّليل في أصول الفِقْه، واعترضه النَّقشواني وغيره من أئمّة المتأخَرين بأنه فرار من مجاز، ووقوع في مَجَازين، وذلك أن الوضع إذا كان للأعم فمتى استعمل في الأخصّ - كان استعمالًا للفظ في غير موضوعه، وهو مجاز.\nثم إنه استعمل في الأخصّين، فيكون مجازًا بالنسبة إليهما.\nوأيضًا فالألفاظ موضوعة بإزاء المعاني الذِّهنية على رأي الإمام وأتباعه، فإذا استعمل فيما تشخّص منها في الخارج كان مجازًا، والبحث منقدح.\nفإن قلت هذا إنما هو إذا استعمل في الأخصّ باعتبار خصوصه.\nأما إذا استعمل فيه باعتبار ما فيه من القَدْر الأعم [وهو] حقيقة، وحينئذ يستعمل في الأخصّين بالحقيقة، ولا يلزم اشتراك ولا مجاز.","vol":"2","page":487},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقلت: استعماله في الأخصِّ باعتبار ما فيه من القَدْر الأعم لا يخرج (^١) عن استعمال العام في الخاص.\nوقوله: باعتبار سبب في الاستعمال، وهو كاستعمال الأَسَدِ في الشّجَاع باعتبار الشجاعة، وإن أراد بقوله: باعتبار [الشَّجاعة] (^٢)؛ أنه لم يستعمل إلا في الأعمّ، فذلك إحالة لصورة المسألة؛ فإن صورتها أنه استعمل في (^٣) الأخص.\nوالمصنف قال في دفع التواطؤ: \"وأجيب بأنه يؤدي إلى رفعهما أبدًا، فإن مثله لا يتعذّر\"؛ إذ ما من شيئين إلا وبينهما قَدْر مشترك، فيجعل الوضع له دفعًا للاشتراك والمجاز، فلا يكون في اللغة مشترك ولا مجاز.\nقلت: إنما يلزم رفعهما عند نَقْد نصّ أهل اللغة، أما عند النص فلا.\nقلت: كلامنا حيث لا نَصّ من أهل اللغة.\nفإن قلت: فلا نسلّم حينئذ استحالة رفعهما.\nقلت: هذا المنع غير مسموعٍ بعد تقدّم الاتفاق على أنه حقيقة في القَوْل المخصوص، فلو سمع هذا المعنى، لأدّى إلى رفعهما أبدًا في مثله، وذلك حيث تعارضا في موضع وقع الاتفاق فيه على أحدهما والاختلاف في الآخر، ورفعهما في مثل هذه الحالة مستحيل؛ لأن رفعهما مع الاتِّفَاق على ثبوت أحدهما ممّا لا يجتمعان [عليه] (^٤).\nوعبارته في \"المختصر الكبير\"، إنَّما يستقيم أن لو لم يدل دليل على خلافه، وإلا لزم رفع الاشتراك والمجاز أصلًا، فإنه لا يتعذر في كل موضع مثله.\n\"و\"أجيب بأنه يؤدي أيضًا\" [إلى] (^٥) صحّة دلالة الأعم للأخص\" - أي: على الأخصّ، و\"اللام\" تستعمل بمعنى \"على\" كما في قوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ [سورة الإسراء: الآية ١٠٩].\nوإنما قلنا: يؤدي إلى ذلك، لسَبْق القول المخصوص إلى الفهم.\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله لا يخرج … إلخ تأمله.\n(^٢) سقط في ب، ت.\n(^٣) في حاشية ج: قد يقال: استعمل فيه بأن أريد منه لا من جهة خصوصه، بل من جهة صدق الأعم عليه.\n(^٤) سقط في ب، ت.\n(^٥) في ب: لا.","vol":"2","page":488},{"text":"حَدُّ الأمْرِ: اقْتِضَاءُ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ؛ عَلَى جِهَةِ الاِسْتِعْلاءِ [فَقَطْ].\nوَ: قَالَ الْقَاضِي وَالإمَامُ: الْقَوْلُ الْمُقْتَضِي طَاعَةَ الْمَأْمُورِ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ.\nوَرُدَّ: أَنَّ الْمَأْمُورَ مُشَتَقٌّ مِنْه، وَأَنَّ الطَّاعَةَ: مُوَافَقَةُ الأمْرِ، فَيَجِيءُ الدَّوْرُ فِيهِمَا.\nوَقِيلَ: خَبَرٌ عَنِ الثَّوَابِ عَلَى الْفِعْلِ.\nوَقيلَ: عَنِ اسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ.\nوَرُدَّ: بِأنَّ الْخَبَرَ يَسْتَلْزِمُ الصِّدْقَ أَوِ الْكَذِبَ، وَالأمْرُ يَأبَاهُمَا.\n<hr><s0>\n\n\"وأيضًا: فإنه قول حادث هنا\"، مسبوق بالإجماع على الأقوال التي قدمناها، فيكون باطلًا.\nفإن قلت: قد قال الآمدي (^١): إن القَدْر المشترك بين القول والفعل هو الشّأن والضفة. وقال أبو الحسين: إن الأمر حقيقة فيهما، فليس قول الآمدي حادثًا.\nوقلت: لم يقل أبو الحسين: إنه حقيقة فيهما دون غيرهما؛ كما قال الآمدي، نعم قد يقال: إنه لا يلزم من قول الآمدي رفع مجمع عليه.\nالشرح: \"حدّ الأمر: اقتضاء فعل غير كَف على جهة الاسْتِعْلَاءِ\".\nفـ \"الْاقْتِضَاء\" جنس، \"وغير كَف\" مخرج للنهي؛ لاقتضائه الكَفّ، والكفُّ فعل.\nوقوله: \"على سبيل الاستعلاء\": يخرج ما على سبيل التسفُّل والتساوي.\nوقد وافق في اعتبار الاستعلاء أبا الحُسَين والآمدي، وهو رأي الإمام في \"المحصول\" - وشرط جمهور المعتزلة العلو.\nوتابعهم من أصحابنا أبو إسحاق الشِّيرَازي، وأبو نصر بن الصَّبَّاغ، وأبو المظفّر بن السَّمعاني.\nوالعلو من صفاتِ النَّاطق، فيكون في نفس الأمر عاليًا، وقد لا يتعالى، والاسْتعلاء\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام ٢/ ١٢٠ - ١٢١.","vol":"2","page":489},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nمن صفات فعله، فيجعل نفسه عاليًا بكبرياء، أو غيره.\nولم يعتبر أكثر أصحابنا علوًّا ولا استعلاء، وقالوا: مجرد الطّلب أمر، وهو المختار.\nواعلم أن التعريف للأمر النَّفساني، لا للساني، يدلّ عليه قوله: اقتضاء، والاقتضاء هو الطلب، والطلب أمر قائم بالنفس، وهو أعنى الطلب قدر مشترك بين الجازم وغيره، فيدخل فيه الواجب والمندوب، وقد قدَّم هذا؛ حيث قال: المندوب مأمور به خلافًا للكَرْخي والرَّازي.\nوالكلام عند أصحابنا يطلق على اللساني والنَّفْسَاني، [ثم هو حقيقة فيهما عند الجمهور.\nوقيل في النَّفساني] (^١) فقط، وهو أحد قولي الشَّيخ وإياه يختار.\nوقيل: في اللساني فقط.\nوقول الإمام في \"المحصول\" (^٢): هنا إنه حقيقة في الّلسانى فقط، [لا يُغاير] (^٣) المختار ولا رأي الجمهور؛ لأن كلامه هنا على ما ذكر في أول اللغات، إنما هو في اللساني.\nوقال: فقط، لينبِّه على أنه ليس حقيقة في الشيء والشأن على خلاف قول أبى الحسين، وأورد على قول المصنف: اقتضاء فعل غير كفّ.\nقولنا: كُفَّ نفسك؛ فإنه أمر وهو يكف وهو مُنْقدح (^٤).\nوعلى طرده - قولنا: أنا طالب منك كذا، أو أَوْجبت عليك كذا، ولا يرد؛ لأن هذا خبر عن الإنشاء القائم بالنّفس لا نفس الإنشاء.\nو\"قال القَاضي والإمام: القول المقتضى\" بنفسه \"طاعة المأمور بفعل المأمور به\".\nوحذف المصنف لفظ \"بنفسه\"، وقد ذكراها، ليتبيّن أن المحدود الأمر النفسي.\n_________\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) ينظر: المحصول ١/ ٢/ ٨.\n(^٣) في أ، ت: يغار.\n(^٤) في حاشية ج: قوله: \"وهو منقدح\" قد أجبنا عنه فيما كتبناه على شرح جمع الجوامع، فانظره.","vol":"2","page":490},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقال الإمام في \"البرهان\": فإن العبارة لا تقتضي بنفسها، وإنما تشعر بمعناها.\n\"ورد\" هذا التعريف بـ \"أن المأمور مشتقّ منه\" - أي: من الأمر، فيتوقف معرفته على معرفته؛ لأن معنى المشتقّ منه موجود في المشتقّ مع زيادة.\n\"وأن الطاعة موافقة الأمر\" - والمضاف من حيث هو مضاف لا يعرف إلا بمعرفة المضاف إليه، \"فيجيء الدور فيهما\" - بحسب لفظ المَأمور والطَّاعة.\nوأجاب النَّقْشَوَاني. بأن المراد بالمأمور، والمأمور به المخاطب والمخاطب به، وبالطاعة الموافقة.\nوأما كون ذلك موافقة الأمر الوارد، فذاك أخص من هذا.\nقال: على أن الدور مندفع، لأن ماهية الأمر وإن كانت مجهولة، واحتاجت إلى تعريف حَدّي مشتمل على الجنس والفصل - لكنها معلومة لهم من حيث يمكن أن [يشتق] (^١) منه المأمور، والمأمور به، فإن الأمر معروف لكل أحد علمًا ضروريًا بوجه ما.\nوهذا القدر كافٍ في معرفة المأمور والمأمور به. فتعرف بهما الماهية رسميًّا ولا دور.\nواعترضه الشيخ الأصبهاني في \"شرح المحصول\" فقال: قوله: المأمور المخاطب. قلنا: إن عني بلفظه ما ذكرت، فالإشكال وارد على أنَّه، والعناية لا تدفع الورود وإن لم يعنه، بل عني به ظاهر ما يشعر به لفظه، فورود الإشكال أظهر.\nوأيضًا فاستعمال المأمور وإرادة المخاطب مجاز؛ لأن المخاطب أعم.\nوقوله: المراد بالطَّاعة الموافقة التي هي أعم من موافقة الأمر.\nقلنا: صاحب الحد قد فسّر الطاعة بموافقة الأمر، فالإشكال يتوجّه عليه.\nقوله: الأمر معلوم علمًا ضروريًا بوجه ما.\nقلنا: ذلك الوجه هو تميزه عن النهي، وسائر أقسام الكلام، وهو مجهول التفصيل لا محالة للجهل بجنسه وفصله إن كان مركبًا منهما.\n_________\n(^١) في أ: يسبق.","vol":"2","page":491},{"text":"الْمُعْتَزِلَةُ: لَمَّا أَنْكَرُوا كَلَامَ النَّفْسِ قَالُوا: قَوْلُ الْقَائِلِ لِمَنْ دُونَهُ: \"افْعَلْ\" وَنَحْوَهُ.\nوَيَرِدُ التَّهْدِيدُ وَغَيْرُهُ وَالمُبَلِّغُ وَالْحَاكِي وَالْأدْنَي.\nوَقَالَ قَوْمٌ: صِيغَةُ \"افْعَلْ\" بِتَجَرُّدِهَا عَنِ الْقَرَائِنِ الصَّارِفَةِ عَنِ الأَمْرِ، وَفِيهِ تَعْرِيفُ الْأَمْرِ بِالْأَمْرِ، وَإنْ أَسْقَطَهُ بَقِيَتْ صِيغَةُ \"أفْعَلْ\" مُجَرَّدَةً. وَقَالَ قَوْمٌ: صِيغَةُ \"افْعَلْ\" بِإِرَادَاتٍ ثَلَاثٍ: وَجُودِ اللَّفْظِ، وَدَلَالَتِهِ عَلَى الْأَمْرِ، وَالاِمْتِثَالِ: فَالْأَوَّلُ: عَنِ النَّائِمِ، وَالثَّانِي: عَنِ التَّهْدِيدِ وَنَحْوِهِ، وَالثَّالِثُ: عَنِ المُبَلِّغِ، وَفِيهِ تَهَافُتٌ؛ لأِنَّ المُرَادَ: إِنْ كَانَ اللَّفْظَ - فَسَدَ؛ لِقَوْلِهِ: \"وَإرَادَةِ دَلَالَتِهَا عَلَى الْأمْرِ\"، وَإنْ كَانَ الْمَعْنَى فَسَدَ؛ لِقَوْلِهِ: \"الْأمْرُ صِيغَةُ \"أفْعَلْ\".\nوَقَالَ قَوْمٌ: الأَمْرُ إِرَادَةُ الْفِعْلِ.\nوَرُدَّ: بِأَنَّ السُّلْطَانَ لَوْ أَنْكَرَ - مُتَوَعِّدًا بِالإهْلَاكِ - ضَرْبَ سَيِّدٍ لِعَبْدِهِ، فَادَّعَى مُخَالفَتَه، فَطَلَبَ تَمْهِيدَ عُذْرِهِ بِمُشَاهَدَتِهِ - فَإنَّهُ يَأْمُرُ وَلَا يُرِيدُ؛ لأِنَّ الْعَاقِلَ لَا يُرِيدُ هَلَاكَ\n<hr><s0>\n\nأو بماهيّته البسيطة إن لم يكن كذلك. والمأمور والمأمور به أيضًا متميّزان إجمالًا، [ومجهولان] (^١) تفصيلًا؛ ضرورة أن معرفتهما تابعة لمعرفة الأمر إجمالًا، وتفصيلًا، فتعريف الأمر بالمأمور والمأمور به حينئذ؛ إِمَّا أن يكون إجماليًّا، أو تفصيليًّا.\nفإن كان الأول كان ذلك تعريفًا للمعرّف؛ ضرورة أنه تعريف للأمر من الوجه الضَّروري معرفته منه.\nوإن كان الثاني: فالمأمور والمأمور به لا يفيدان ذلك التفصيل؛ لتقدم العلم بالأمر تفصيلًا على العلم بالمأمور والمأمور به كذلك، ضرورة كونهما مركبين منه ومن غيره، وتوقف الحلم بالمركّب تفصيلًا على العلم بأجزائه تفصيلًا فيجيء الدور حينئذٍ.\n\"وقيل\": في حد الأمر: \"خبر عن الثَّوَاب على الفعل\".\n\"وقيل\": بل \"عن استحقاق الثواب\"؛ لأنه قد يقع العَفْو، فيلزم الخُلْف.\n\"وردّا\" جميعًا \"بأن الخبر يستلزم الصدق أو الكذب، والأمر يأباهما\".\n_________\n(^١) سقط في ب.","vol":"2","page":492},{"text":"نَفْسِهِ، وَأُورِدَ مِثْلُهُ عَلَى الطَّلَبِ؛ لأِنَّ الْعَاقِلَ لَا يَطْلُبُ هَلَاكَ نَفْسِهِ، وَهُوَ لَازِمٌ. والأَوْلَى لَوْ كَانَ إِرَادَة، لَوَقَعَتِ الْمَأمُورَاتُ كُلُّهَا؛ لأَنَّ مَعْنَى الإرَادَةِ تَخْصِيصُهُ بِحَالِ حُدُوثِهِ، فَإذَا لَمْ يُوجَدْ، لَمْ يَتَخَصَّصْ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: وأما \"المعتزلة\" فإنهم \"لما أنكروا كلام النَّفس\"، وكان الطَّلب نوعًا منه لم يمكنهم أن يحدّوه به، فتارةً حدوه باعتبار اللفظ، وتارةً باقتران صفة الإرادة، وتارة جعلوه صفة الإرادة.\nأما باعتبار اللفظ فإنهم \"قالوا\": الأمر \"قول القائل لمن دونه: افعل ونحوه\"، فقولهم: افعل لتبيّنوا أن المحدود عندهم اللساني.\nوقولهم: ونحوه، ليتناول حَدَّ الأمر كسائر اللُّغَات.\n\"ويرد التّهديد وغيره\" - كالتعجيز، والتسخير، وغيرهما - \"المبلغ، والحاكي\" - أمر غيره - \"والأدنى\" للأعلى؛ إذ لا يصدق عليه قول القائل لمن دونه.\nوالاعتراض الأول مُنْقدحٌ.\nوقول من دفعه: المراد: افعل مرادًا به ما يتبادر منه عند الإطلاق [اعتبار] (^١) لا يدفع الإيراد.\nوأيضًا: فالخَصْمُ يمنع تبَادر الوجوب والندب وغيرهما على الاختلاف في أنه حقيقة في ماذا؟\nوقد تَجَوَّز عنه الزَّمخشري في \"الكشاف\" (^٢)؛ حيث قال في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٧]: إنه طلب الفعل ممّن هو دونه وبعثه عليه.\nفإن قوله: وبعثه عليه يخرج التهديد، ويدل على اعتباره إرادة الامتثال، فلقد وَفَّى بقواعد أشياخه.\nوأما المبلغ فقد يمنع وروده؛ إذ هو ﵇ أمر؛ كما قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٥٧].\n_________\n(^١) في ب: اعتناء.\n(^٢) ينظر: الكشاف (١/ ١٢٧).","vol":"2","page":493},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوأما الحاكي فلا يرد [به] (^١)؛ إذ لا يصدق عليه قول القائل لمن دونه؛ لأنه ليس القائل، إنما القائل المحكي عنه.\nوأما إيراد الأدنى، فليس بشيء؛ إذ أمر الأدنى للأعلى ليس بأمر عندهم؛ فإنهم يعتبرون العلو؛ كما قدمناه عنهم.\n\"وقال قوم: صيغة \"افعل\" بتجرّدها عن القَرَائن الصَّارفة عن الأمر\".\n\"وفيه تعريف الأمر بالأمر، فإن أسقطه\" - أي: أسقط قَيْد القرائن الصَّارفة من التعريف \"بقي صيغة \"افعل\" مجردة\".\nكذا قال، ويمكن تقريره (^٢) على وجهين:\nأحدهما: أن صيغة \"افعل\" تكون مجردة عما بعدها، أي: خالية عن قَيْد التجرُّد؛ فكأنه قال الأمر صيغة \"افعل\" ويرد التهديد، ونحوه مما فيه صيغة \"افعل\"، وليس بأمر.\nوالثاني: أنه يبقي صيغة \"افعل\" مجردة، أي: بقيد التجرُّد؛ فكأنه قال: الأمر صيغة \"افعل\" بتجردها عن القرائن، فيلزم التجرّد مطلقًا حتى عما يؤكّده فيه كونه أمرًا.\nوأما تعريفهم الأمر باعتبار ما يقترن بالصِّيغة من الإرادة - فإليه الإشارة بقوله: وقال \"قوم: صيغة \"افعل\" بإرادات ثلاثة\".\nإرادة \"وجود اللَّفظ\"، وإرادة \"دلالته على الأمر\"، \"و\"إرادة \"الامتثال\".\nالأول: احتراز \"عن النَّائم.\nوالثاني: عن التهديد ونحوه.\nوالثالث: عن المبلِّغ\".\n\"وفيه تهافت؛ لأن المراد\" بالأمر في قوله: دلالتها على الأمر، \"إن كان اللفظ فسد لقوله\"، \"وإرادة دلالتها على الأمر\"، واللفظ غير مَدْلول عليه فكأنه اشترط دلالة الشيء على نفسه، \"وقال هكذا: الأمر صيغة \"افعل\" بشرط دلالتها على صيغة \"افعل\".\n_________\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) في حاشية ج: قوله: تقريره. أي: تقرير قوله: بقي صيغة افعل مجردة.","vol":"2","page":494},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"وإن كان المعنى\" - أي: معنى الصيغة - \"فسد\" لقوله: الأمر صيغة \"افعل\".\nوهم يقولون: الأمر الصيغة، والأمر على تقدير إرادة المعنى يكون غير صيغة \"افعل\".\nولقائل أن يقول: المراد بالأمر أولًا: اللفظ؛ لأنهم يحدُّون اللساني، وبالثاني المعنى؛ وهذا لأن صيغة \"افعل\" لا بد لها من مدلول لكنهم يقولون: مدلولها: إرادة وقوع ذلك الشرح، وتلك الإرادة أمر؛ لأن الأمر عندهم الإرادة.\nونحن نقول: مدلولها: طلب الفعل، وكأنه قيل: إرادة دلالة الصيغة على إرادة وقوع الفعل.\nوأما باعتبار نفس الإرادة، وإليه أشار بقوله: \"وقال قوم\": الأمر \"إرادة الفِعْلِ\".\n\"ورد بأن السلطان لو أنكر متوعدًا بالإهلاك ضرب سيّد لعبده\" - أي: كان السيد يضرب عبده، فتوعّد السلطان السيد بالإهلاك بضربه العبد - \"فادّعى\" السيّد \"مُخَالفته\" فيما يأمره، \"فطلب تمهيد عُذْره لمشاهدته، فإنه يأمر\" عبده بأمر \"ولا يريد؛ لأن العاقل لا يريد هَلاك نفسه\"، فانفكَّ الأمر عن الإرادة.\nولك أن تقول: الموجود هنا صيغة الأمبر، لا نفس الأمر فأين انفكاك حقيقة الأمر عن الإرادة؟\nوالتجربة حاصلة بما يوهم الأمر، ولا يفتقر إلى وجدان نفس الأمر.\n\"وأورد مثل\" ذلك - أي: مثل الدليل المذكور - \"على الطلب؛ لأن العاقل\" كما لا يريد كذلك \"لا يطلب هلاك نفسه\"، وهذا أورده الآمدي.\nقال المصنف: \"وهو لازم\".\nولك أن تقول: لا نسلّم وجود الطلب، وإنما الموجود الصِّيغة كما ذكرناه، سلمنا ولكن قولكم: العاقل لا يطلب هلاك نفسه - إن عنيتم به طلبًا مقرونًا بإرادة فمسلَّم، ولا نسلّم أنه موجود هنا.\nوإن عنيتم طلبًا عاريًا عن الإرادة فممنوع، وهو الموجود هنا والحاصل: أن طلب","vol":"2","page":495},{"text":"<span data-type='title' id=toc-556>الْقَائِلُونَ بِالنَّفْسِيِّ: اخْتَلَفُوا فِي كَوْنِ الأَمْرِ لَهُ صِيغَةٌ تَخُصُّهُ.</span>\nوَالْخِلَافُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ فِي صِيغَةِ \"افْعَلْ\".\n<hr><s0>\n\nالمضرّة لا ينافي [الفَرْض] (^١) إذا عُرّى عن الإرادة، بخلاف الإرادة فإنها توجب وقع المضرّة؛ ضرورة أن الإرادة صفة تقتضي وقوع المُرَاد، ذكر [هذا] (^٢) الشيخ الهندي.\n\"الأولى\" في الرد عليهم في دعوى أن الأمر الإرادة - وجه ذكره الآمدي فقال: \"لو كان إرادة [لوقعت] (^٣) المأمورات كلها؛ لأن [معنى] (^٤) الإرادة تخصيصه\" - أي: تخصيص الفعل \"بحال حدوثه فإذا لم يوجد\" الفعل \"لم يتخصّص\".\nولك أن تقول: لو أنهم يفسرون الإرادة بما ذكر [وضح] (^٥) هذا، ولكنهم لا يفسرونها بذلك، بل قال البَلْخي منهم: معنى كونه مريدًا لأفعال نفسه كونه موجدًا لها ولأفعال غيره - كونه آمرًا بها.\nوقال أبو الحسين: معنى كونه مريدًا لأفعال نفسه؛ أنه دعاه الداعي إلى إيجادها، ولأفعال غيره ودعا به الداعي إلى الحث عليها.\nومعنى الداعي: أن المرء إذا علم أو اعتقد أو ظن أن له في الفعل مصلحة راجحة فعند حصول إحدى هذه الثلاث يحصل في قلبه مَيْل جَازِم إلى الفعل، فإن كانت أعضاؤه سليمة صدر عنه الفعل إذ ذاك.\nالشرح: \"القائلون بالنفس اختلفوا في كون الأمر له صيغة تخصّه\".\nفالمنقول عن شيخنا أبي الحسن ﵁؛ أنه لا صيغة له تخصّه.\nوأن قول القائل: افعل متردّد بين الأمر والنَّهي، وجميع المحتملات.\nثم اختلف أصحابه في تنزيل مذهبه.\nفقيل: اللَّفْظُ صالح لجميع المحامل صلاحية المشترك لمعانيه.\n_________\n(^١) في ب: الغرض.\n(^٢) في ب: ذلك.\n(^٣) في أ، ت: لوقفت.\n(^٤) سقط في أ، ت.\n(^٥) في أ، ت: وصح.","vol":"2","page":496},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقيل: إنه واقف بمعنى أنه لا يدري موضوع قول القائل: افعل.\nثم نقل ناقلون استمراره على القول بالوَقفِ مع القرائن.\nقال إمام الحرمين: هو زَلَل وْإن ترقّى النَّاقل إلى القرائن الحالية فهي مُكَابرة.\nثم قال: والذي أراه قاطعًا به أن أبا الحَسَن لا ينكر صيغة مُشْعرة بالوجوب نحو: أَوْجَبْت وألزمت، وإنما الذي يتردّد فيه مجرّد صيغة \"افعل\" من حيث [أَلْفَاه] (^١) في وضع اللسان مترددًا.\nثم قال: وهذا هو التَّنبيه على سرّ مذهب أبي الحسن والقاضي وطبقة الوَاقِفِيّة.\nوإلى هذا أشار المصنّف بقوله: \"والخلاف عند المحقّقين في صيغة \"افعل\"\".\nواعلم أنها ترد لِمَعَانٍ:\nالأول: الوجوب: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٣].\nالثاني: مطلق الندب: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [سورة النور: الآية ٣٣].\nالثالث: التّأديب؛ كقوله ﷺ لعمر بن أبي سلمة (^٢): \"كُلْ مِمّا يَلِيكَ\" (^٣) وهذا المثال صحيح، وإن كان الشَّافعي نصّ على أن الآكل ممّا لا يليه مع علمه بالنهي عاص؛ وهذا لأن النَّص إنما هو في المكلّفين، والنبي ﷺ إنما خاطب بهذا غلامًا دون البُلوغ، وهو تأديب مَحْضٌ.\nالرَّابع: الإرشاد: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢].\n_________\n(^١) في ب: ألقاه.\n(^٢) عمر بن أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال المخزومي، صحابي له اثنا عشر حديثًا، اتفقا على حديثين. وعنه: ابنه محمد وعُرْوة. ولد بـ\"الحبشة\"، ومات سنة ثلاث وثمانين.\nينظر: تهذيب التهذيب ٧/ ٤٥٥ (٧٥٨)، والكاشف ٣١٢، تاريخ البخاري الكبير ١٣٩، والجرح والتعديل ٦/ ٦٣٢، وأسد الغابة ٤/ ١٨٣، وتجريد أسماء الصحابة ١/ ٣٩٨، وسير الأعلام ٣/ ٤٠٦، وطبقات ابن سعد ٣/ ٢٩٧، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٢٧١.\n(^٣) أخرجه البخاري ٩/ ٥٢١، وكتاب الأطعمة: باب التسمية على الطعام والأكل باليمين (٥٣٧٦)، ومسلم (٣/ ١٥٩٩)، وكتاب الأشربة: باب آداب الطعام والشراب (١٠٨/ ٢٠٢٢).","vol":"2","page":497},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالخامس: الإباحة: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [سورة المؤمنون. الآية ٥١].\nالسَّادس: التهديد: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [سورة فصلت: الآية ٤٠].\nالسَّابع: الإنذار: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [سورة إبراهيم: الآية ٣٠].\nالثامن: الامتنان: ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٨٨].\nالتاسع: الإكرام: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ [سورة الحجر: الآية ٤٦].\nالعاشر: \"التسخير - وسماه الشيخ أبو إسحاق، وإمام الحرمين بالتكوين. ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٦٦].\nالحادي عشر: التكوين - وسمّاه الغزالي والآمدي - كمال القُدْرة: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة يس: الآية ٨٢].\nالثَّاني عشر: التَّعْجيز: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣].\nالثالث عشر: الإهانة: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [سورة الدخان: الآية ٤٩].\nالرابع عشر: التّسوية: ﴿اصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [سورة الطور: الآية ١٦].\nالخامس عشر: الدُّعَاءِ: ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ الأعراف: [سورة الأعراف: الآية ٨٩].\nالسادس عشر: التمني: [الطويل]\nأَلَا أَيُهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا أنْجَلِ … .......................\nالسّابع عشر: الاحتقار: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ الشعراء: [سورة الشعراء: الآية ٤٣].\nالثامن عشر: الخبر؛ مثل قوله ﵇: \"إِذَا لَمْ تَسْتَحي فَاصنَعْ مَا شِئْتَ\" (^١) أي: صنعت.\nالتاسع عشر: الإنعام: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [سورة القرة: الآية ١٧٢]- ذكره إمام الحرمين - ولعله قسيم الامتنان.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري ١٠/ ٥٢٣، كتاب الأدب: باب إذا لم تستح فاصنع ما تشاء (٦١٢٠)، وأبو داود ٤/ ٢٥٢، كتاب الأدب: باب في الحياء (٤٧٩٧)، وابن. ماجه ٢/ ١٤٠٠، كتاب الزهد: باب الحياء (٤١٨٣).","vol":"2","page":498},{"text":"والْجُمْهُورُ: حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ.\nأَبُو هَاشِمٍ: فِي النَّدْبِ.\nوَقِيلَ: لِلطَّلَبِ المُشْتَرَكِ.\nوَقِيلَ: مُشْتَرَكٌ.\nالأَشْعَرِيُّ وَالْقاضِي: بِالْوَقْفِ فِيهِمَا.\nوَقِيلَ: مُشْتَرَكٌ فِيهِمَا، وَفِي الإبَاحَةِ.\nوَقِيلَ: لِلإذْنِ الْمُشْتَرَكِ فِي الثَّلاثَةِ.\nالشِّيعَةُ: مُشْتَرَكٌ فِي الثَّلاثَةِ وَالتَّهْدِيدِ.\n<hr><s0>\n\nالعشرون: التفويض: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [سورة طه: الآية ٧٢]، ذكره إمام الحرمين أيضًا.\nالحادي والعشرون: التعجب: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤٨].\nالثاني والعشرون: التكذيب: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٣].\nالثالث والعشرون: المَشُورة: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [سورة الصافات: الآية ١٠٢].\nالرابع والعشرون: الاعتبار: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٩٩].\nوالتعجّب والتكذيب والمشورة والاعتبار، ذكرها أبو عاصم العَبّادي في \"طبقاته\".\nوأنت إذا تأمّلت الأقسام تَأَمُّل مُحَقّق، نقصت وتداخل أكثرها.\nالشرح: و\"الجمهور\" على أنها \"حقيقة في الوجوب\". (^١)\nوهو المحكي عن الشَّافعى، وحكى عنه الندب، والوَقْف، وغيرهما ولكن الوجوب هو الأظهر عنه.\n_________\n(^١) يلزم أن يكون هناك قاعدة ننطلق منها في فهم الأوامر الواردة في كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﵊ لو فرض أن الأوامر فيهما وردت خالية عن القرائن التي تبين المراد منها؛ =","vol":"2","page":499},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوذكر أبو إسحاق الشِّيرَازي؛ أنه الذي أملاه شيخنا أبو الحَسَن على أصحاب أبي إسحاق - يعني [المَرْوَزِي] (^١) بـ \"بغداد\".\nثم اختلف القائلون بالوجوب في أن اقتضاء الصِّيغة [لذلك] (^٢)، هل هو بالوضع أم بالشرع، أم بالعَقْل؟ على مذاهب حكاها القاضي في \"التقريب\".\nوقال \"أبو هاشم: في النَّدْب\".\nوالقول بالنَّدب مذهب محقّق.\nوأما عَزْوه إلى أبي هَاشِمٍ ففيه نظر؛ فإن الذي تحققناه عن أبي هاشم أنه لا يقول بأنها موضوعة للنَّدب بخصوصه، ولكن يقول: إنها تقتضي الإرادة.\nوإذا كان القائل حكيمًا وجب كون الفعل على صفة زائدةٍ على حُسْنه يستحق لأجلها المَدْح.\nوإذا كان المَقُول له في دار التَّكليف احتملت الصِّيغة الوجوب والندب، ثمّ خصوص الوجوب لا دليل عليه، فيثبت المحقق، وهو الندب.\n\"وقيل: للطَّلب المشترك\" بين الوجوب والندب.\n_________\n= لأن من يتتبع الأدلة يدرك أن وضع الأمر في اللغة إنما هو لطلب الإتيان بالمأمور به على وجه الحتم واللزوم، فإذا كان الطالب أعلى منزلة وسيادة على من توجه إليه الأمر وأتى بالمأمور به كان مستحقًا للجزاء الحسن، وإن لم يأت بما أمر به كان مستحقًا للذم والعقاب. وهذا هو معنى الوجوب في اصطلاح العلماء. ينظر: البرهان ١/ ٢١٢، والمحصول ١/ ٢/ ٦٢، والإحكام للآمدي ١/ ١٢٢، والمستصفى ١/ ٤٢٠، والتمهيد للإسنوي ٢٦٩، والمنخول ١٠٥، وشرح العضد ٢/ ٧٩، وشرح الكوكب ٢/ ٤١، والمعتمد ١/ ٥٧، والتبصرة ٢٧، وكشف الأسرار ٧/ ١٠١، وحاشية البناني ١/ ٣١٦، وفواتح الرحموت ١/ ٣٧٣، وتيسير التحرير ١/ ٣٥١، وأصول السرخسي ١/ ١٥، والوصول إلى الأصول ١/ ١٣٣، وتقريب الوصول (٩٣)، وميزان الأصول ١/ ٢١٧.\n(^١) في أ، ت: المروى، وهو تحريف.\n(^٢) في ب: كذلك.","vol":"2","page":500},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوهو رأي أبي منصور المَاترِيدي، ولَيْسَ هو عند التَّحقيق المذهب الذي حَققناه عن أبي هاشم، فليعد مذهبًا رابعًا.\n\"وقيل: مشترك\" بين الوجوب والندب بالاشتراك اللفظي - وحكى عن الشَّافعي -.\nوقال \"الأشعري والقاضي: بالوقف فيهما\" بمعنى أن الصِّيغة متردّدة بين أن تكون حقيقة في الوجوب فقط أو الندب، أو فيهما بالاشتراك اللَّفظي، لكنّنا لا ندري ما هو؟ وهذا [هو] (^١) اختيار الغزالي والآمدي، وكلام القَاضِي في \"التقريب\" يدل له.\nولعلّك تقول: قد سبق عن الشَّيخ والوَاقِفِيّة ما يقتضي خلاف هذا.\nوالذي تحرّر لي أن الواقفيّة لا يقطعون بأن العرب وضعت صيغة خاصّة، وعلى تقدير الوضع لا يقطعون هل هو الوجوب أو الندب أو بالاشتراك [بينهما] (^٢)؟\nوقول الشيخ الذي قدمناه عن بعض أصحابه أن اللفظ صالح للمحامل يجب أن يحمل على مَحْمَلي الوجوب والندب.\n\"وقيل: مشترك فيهما، وفي الإباحة\".\n\"وقيل: للإذن\" - وهو القدر \"المشترك بين الثلاثة - ولا نعرفه منقولًا في غير هذا المختصر.\nوقالت \"الشِّيعة: مشترك في الثلاثة والتهديد\" (^٣).\nوقيل: حقيقةٌ في الإباحة فقط.\nوقال القاضي عبد الجَبَّار (^٤): مقتضى الصِّيغة إرادة [لامتثال] (^٥)، والإرادة تتضمّن طاعة الممتثل، ولا إشعار لها بشيء زائد.\nوقال أبو بكر الأبهري (^٦) من المالكية في أحد قوليه: أمر الله - تعالى - للوجوب، وأمر نبيه ﷺ للندب إلا أن يكون بيانًا لمُجْمل، أو ما في معناه.\n_________\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) في ب: فيهما.\n(^٣) ينظر المصادر السابقة للمسألة.\n(^٤) ينظر المصادر السابقة.\n(^٥) في ب: الإمساك.\n(^٦) محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح، أبو بكر التميمي الأبهري: شيخ المالكية في العراق.\nسكن بغداد وسئل أن يلي القضاء فامتنع. له تصانيف في شرح مذهب مالك والردّ على =","vol":"2","page":501},{"text":"لَنَا: ثبوتُ الاِسْتِدْلَالِ بِمُطْلَقِهَا عَلَى الْوُجُوبِ شَائِعًا مُتَكَرِّرًا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ كَالعَمَلِ بِالأَخْبَارِ.\nوَأعْتُرِضَ: بِأَنَّهُ ظَنٌّ.\n<hr><s0>\n\nوقيل: مشترك بين الوجوب، والندب، والإباحة، والإرشاد، والتهديد.\n[وقيل: بين الوجوب والتهديد] (^١).\nوقيل: بين الوجوب، والنَّدب، والإباحة، والكراهة، والتحريم.\nوقال الشيخ أبو حامد الإِسْفِرَايِيني، وإمام الحرمين: إن موضوعها الطَّلب الجازم وحصر المأمور على الفعل.\nوأما ثبوت الوجوب فيقع بِوَاسِطَةِ صُدور هذا الطلب من الشارع فيستفاد، الوجوب بهذا التَّرْكيب بين اللغة والشرع.\nوهذا ما نختاره، ولا يبعد أن يكون هو رأي الشَّافعي ﵁.\nوليس هذا هو مذهب القَائلين بأن الصِّيغة للوجوب بالشّرع، بل غيره؛ لأن ذلك يجعل جزم الطلب شرعًا.\nونحن نقول: جزم الطَّلب لغوي، ثم هو إن ورد على لسان من له الإيجاب، وهو الشارع - أفاد الوجوب بهذه الضَّمِيمَةِ.\nولا مذهب من قال: إنه بوضع اللغة أو العقل، وذلك ظاهر.\nالشرح: \"لنا: ثبوت الاستدلال بمطلقها على الوجوب شائعًا متكررًا من غير نكير\"، وذلك في أخبار لا تنحصر؛ مثل: إيجابهم غسل الإناء من وُلُوغ الكَلْب سبعًا؛ لقوله ﵇: \"إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ\" (^٢)، والغُسْل بالْتِقَاءِ الخِتَانَيْن من \"إِذَا الْتَقَى\n_________\n= مخالفيه منها: \"الرد على المزني\". ومن كتبه: \"الأصول\" و\"إجماع أهل المدنية\" وغيرها في كتب الحديث العوالي والأمالي. ولد سنة ٢٨٩ هـ، وتوفي سنة ٣٧٥ هـ.\nانظر: الوافي بالوفيات ٣/ ٣٠٨، واللباب ١/ ٣٠، والأعلام ٦/ ٢٢٥.\n(^١) سقط في أ، ب.\n(^٢) أخرجه مسلم ١/ ٢٣٤، في الموضع السابق (٢٧٩/ ٩١)، والشافعي في مسنده ١/ ٢٣ - ٢٤، =","vol":"2","page":502},{"text":"وَأُجِيبَ: بِالْمَنْعِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَيَكْفِي الظُّهُورُ فِي مَدْلُولِ اللَّفْظِ، وَإلَّا تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِأَكْثَرِ الظَّوَاهِرِ.\nوَأَيْضًا: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [سورة الأعراف الآية ١٢]، وَالْمُرَادُ قَوْلُهُ: \"اسْجُدُوا\".\nوَأَيْضًا: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ [سورة المرسلات: الآية ٤٨] ذَمٌّ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ.\nوَأَيْضًا: تَارِكُ المَأْمُورِ به عَاصٍ؛ بِدَلِيلِ ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [سورة طه. الآية ٩٣].\nوَأَيْضًا: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [سورة النور. الآية ١٦٣] وَالتَّهْدِيدُ دَلِيلُ الْوُجُوبِ.\nوَاعْتُرِضَ بِأنَّ المُخَالَفَةَ حَمْلُهُ عَلَى مُخَالَقَةٍ مِنْ إِيجَابٍ، وَنَدْبٍ: وَهُوَ بَعِيدٌ.\nقَوْلُهُمْ: مُطْلَقٌ.\nقُلْنَا: بَلْ عَامٌّ.\nوَأَيْضًا: نَقْطَعُ بِأَنَّ السَّيِّدَ إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: خِطْ هَذَا الثَّوْبَ وَلَوْ بِكِتَابَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ فَلَمْ يَفْعَلْ - عُدَّ عَاصِيًا.\n<hr><s0>\n\n=  الخِتَانَانِ\"، فكان \"كالعمل بالأخبار\" - أي: أخبار الآحاد، فقد ثبت العمل بها بهذه الطريقة.\n\"واشترط بأنه ظن\".\n\"وأجيب بالمنع\"، فإنا لا نسلّم أنه لا بفيد إلا الظَّن، بل هو مفيد للقَطْعِ.\n\"ولو سلَّم\" أنه إنما يفيد الظَّن، \"فيكفي الظَّهور في مدلول الّلفظ، وإلا تعذّر العمل بأكثر الظواهر\"؛ إذ المَقْدُور فيهما إنما هو تَحْصيل الطَّن.\nوقيل: بل عدم وِجْدَان قاطع فيها.\nوأعلم أن هذه المسألة مختلف في أنها قطعية أو ظنية، وهذا الجواب بناء على أنها\n_________\n= كتاب الطهارة: باب في الأنجاس وتطهيرها (٤٥)، وأبو داود ١/ ١٩، كتاب الطهارة: باب الوضوء بسؤر الكلب (٧٢، ٧٣)، والترمذي ١/ ١٥١، في أبواب الطهارة: باب ما جاء في سؤر الكلب (٩١).","vol":"2","page":503},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nظنية، والأول بناء على القطع، ولكنه ضعيف، فإن قُصَارى الإجماع السُّكوتي إفادة الظن … على أن الغَزَالي منع انعقاد الإجماع - ولا دفاع لهذا المَنَعِ.\nولباحث أن يُعَارض الدَّليل من أصله قائلًا: قد وجدت أوامر غير مستعملة في الوجوب، فلو اقتضى مجرّد الأمر الإيجاب لزم؛ [إما] (^١) التعارض بين الموجب، والمانع في بعض الصور؛ وإما الترك بالموجب السَّالم عن المانع؛ وإما ثبوت الوجوب في صور عدم الوجوب. وبيان المُلَازمة: أن اقتضاء الإبجاب؛ إما أن يترتب في تلك الصور المقول فيها بعدم الوجوب، فيلزم ثبوت الوجوب في صور عدم الوجوب، أو لا، فإن لم يكن لمانع لزم الترك بالموجب السَّالم عن المانع.\nفإن كان لمانع لزم التعارض بين الموجب والمانع، واللوازم منتفية.\nالأول بالإجماع.\nوالثاني والثالث؛ لأن الأصل عدم كل واحد منهما.\nولا جواب لهذا الاعتراض إلا بيان التَّعارض بين المقتضى والمانع، فيحتاج المستدلّ حينئذ إلى إثبات اقتضاء الصِّيغة للوجوب بدليل آخر غير الدَّليل الذي عورض، وإلى إبداء المانع من ترتّب الإيجاب في الصّور التي [يختلف] (^٢) فيها، وهو متعذّرٌ.\nلا يقال: نحن نُعَارض هذه المُعَارضة، فنقول: الدَّليل دلّ على أن الصِّيغة للإيجاب، فإما أن يترتّب عليها الإيجاب فظاهرٌ، أو لا، فإما أن يكون لمانع، فيتعارض المقتضى والمانع، أو لا، فيلزم التَّرك بالمقتضى السَّالم.\nلأنا نقول: ماذا تعني بالدليل الدّال على أن الصيغة للإيجاب دليلًا غير هذا الذي عارضناه أو هو نفسه؟\nفإن عَنَيت الأول، فلا يجديك نفعًا، وحاصله التمسك بدليل آخر ليقرّر به هذا الدَّليل المُعَارض، ولا يخفى فَسَاده؛ لأن التمسُّك بدليل تام في نفسه ليقرر به دليل آخر لا تعلّق له به - جليّ البطلان، ثم حاصله معارضة المعارض بدليل آخر، ونحن لا ننازع في هذا.\nوإن عنيت الثاني، فإما أن تعني بالدَّليل ما هو سَالِم عن المُعَارض، وما ذكرتموه ليس كذلك؛ لما ذكرناه من المُعَارضة، فلا يكون ذلك الدَّليل دليلًا لاعتراض المعارضة له، وإن\n_________\n(^١) في ب: إن.\n(^٢) في أ: تخلف.","vol":"2","page":504},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nعنيت به دليلًا يفيد النَّظر في مُقَدّماته [غَلَبَة الظن] (^١) بالمدلول، فحينئذ يقول: هذا القدر معارض بالمثل، وسبيله أن تقول: الدليل دلّ على أن الصِّيغة ليست للإيجاب، فإما أن يترتب عليها حينئذ ذلك وهو ظاهر، أو لا، فإما أن يكون المانع، أو لا، وأيًّا ما كان لزم أحد الأمرين كما مَرّ.\n\"وأيضًا: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٢]، والمراد\" بقوله: إذ أمرتك ما خاطب به الملائكة، وهو \"قوله: ﴿اسْجُدُوا﴾ \" - قدم إبليس على ترك المأمور به؛ إذ ليس المراد من قوله: ما مَنَعَك؟ الاستفهام، فيكون للذَّم، وإنما يقع الذَّم على ترك الواجب فدلّ أن اسجدوا للوجوب.\n\"وأيضًا: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا\" لَا يَرْكَعُونَ﴾ [سورة المريلات: الآية ٤٨]، \"ذم على مُخَالفة أمره\" بصيغة \"افعل\" وهي ﴿ارْكَعُوا﴾.\n\"وأيضًا: تارك المأمور به عاص؛ بدليل ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ \". والعاصي يستحق النَّار؛ بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾ [سورة الجن: الآية ٢٣].\nولك أن تقول: لو تم هذا لكان مخالف كل أمر عاصيًا، ويدخل فيه مخالفة المَنْدُوب؛ إذ هو مأمور به عند المصنّف والجمهور.\n\"وأيضًا: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ\" أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [سورة النور: الآية ٦٣]، هدّد على مخالفة الأمر \"والتهديد دليل الوجوب\".\nوفيه [النظر] (^٢) المُشَار إليه من لزوم أن الأمر للوجوب، وهو أعم من الوُجُوب والندب \"واعترض\" أيضًا: \"بأن المخالفة\" ليست ترك المأمور به، بل \"حمله\" - أي: حمل المأمور به - \"على مخالفته من إيجاب وندب\" - أي: حمل مخالفة الأمر على خلاف ما هو عليه فإن كان للوجوب، فيحمل على النَّدب، وبالعكس \"وهو بعيد\"، فإن [الظَّاهر] (^٣) المتبادر إلى الفهم من قولنا: خالف فلان أمر فلان - أنه ترك المأمور به.\nواعترض أيضًا بأن قوله: عن أمره مطلق فلا يعم، وإليه أشار بقوله: \"قولهم مطلق.\nقلنا: بل عام\"، فإنه مفرد مضاف فيعم، وآيته صحَّة الاستثناء.\n_________\n(^١) في ب: علته الظن.\n(^٢) في أ، ت: نظر.\n(^٣) في أ، ت: الظن.","vol":"2","page":505},{"text":"وَاسْتُدِلَّ بِأَنَّ الاِشْتِرَاكَ خِلَافُ الأَصْلِ، فَثَبَتَ ظُهُورُهُ فِي أَحَدِ الأرْبَعَةِ، وَالتَّهْدِيدُ وَالإبَاحَةُ بَعِيدٌ، وَالْقَطْعُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ: \"نَدَبْتُكَ إِلَى أَنْ تَسْقِيَني\"، وَبَيْنَ: \"اسْقِنِي\"، وَلَا فَرْقَ إِلَّا اللَّوْم، وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لأِنَّهمْ إِن سَلَّمُوا الْفَرْقَ؛ فَلِأَنَّ \"نَدَبْتُكَ\" نَصٌّ وَ\"اسْقِنِي\": مُحْتَمِلٌ.\n<hr><s0>\n\n\"و\" لنا \"أيضًا أنا \"نقطع بأن السَّيد إذا قال لعبده: خِطْ هذا الثوب ولو بِكِتَابة، أو إشارة فلم يفعل عُدّ عاصيًا\"، فدل على أن الأمر بصيغة \"افعل\" للوجوب.\n\"ولو\" هذه التي في كلام المصنف هي الدَّالة على أن ما قبلها جاء على سبيل الاستقصاء، وما بعدها جاء تنصيصًا على الحالة التي نظن أنها لا تندرج فيما قبلها؛ كقوله ﷺ: \"رُدُّوا السَّائِلَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحَرَّقٍ\" (^١).\nواعلم أن كلًّا من هذه الأدلة التي أوردها المصنّف قُصَارى إفادته على حدثه الظَّن لغة؛ فلذلك لم يشتغل بذكر الشّبه عليه؛ لأن الظّن مع الاحتمالات المَرْجُوحة قائم، وقد اكتفى المصنّف في المسألة بالطن، وما أتى به فيه مَقْنع وبَلَاغ.\nالشرح: \"واستدلّ بأن الاشتراك خلاف الأصل فثبت ظهوره\" - أي: كونه حقيقة - \"في أحد الأربعة\" التي هي الوجوب، والندب، والإباحة، والتهديد، \"والتهديد، والإباحة بعيد\" إذ يقتضي الأمر ترجيح الفعل قطعًا.\n\"والقطع بالفرق بين \"نَدَبْتُك إلى أن تسقني\"، وبين \"اسقني\"، ولا فرق إلا اللَّوم\" في \"اسقني\"، وعدمه في نَدَبتك، \"وهو ضعيف\".\nأما أولًا: فلأن من يجعلها حقيقةً في الندب لا يسلّم الفرق، كذا قال وفيه نظر، فقد قدّم هو أنا نقطع بأن السَّيد إذا قال لعبده: \"خِطْ\" ولم يفعل عُدّ عاصيًا، فليس استدلاله بقطعه ثَم أولى منه هنا.\nوأما ثانيًا: وإليه أشار بقوله: \"لأنهم إن سلموا الفرق فلأن نَدَبتُك نصّ\" في النَّدْبِ، \"واسقني محتمل\" للندب والوجوب.\n_________\n(^١) أخرجها مالك في الموطأ ٢/ ٩٢٣، كتاب صفة النبي ﷺ (٤٩)، باب ما جاء في المسكين، وأخرجه أحمد في - المسند ٦/ ٤٣٥، ضمن مسند حواء جدة عمرو بن معاذ ﵄، والنسائي (٥/ ٨١)، كتاب الزكاة: باب رد السائل (٢٥٦٥)، وأبو داود ٢/ ١٢٦، كتاب =","vol":"2","page":506},{"text":"النَّدْبُ: \"إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ، فأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطعْتُمْ\"، فَرَدَّهُ إِلَى مَشِيئَتِنَا.\nوَرُدَّ: بِأَنَّهُ إِنَّمَا رَدَّهُ إِلَى اسْتِطَاعَتِنَا، وَهُوَ مَعْنَى الْوُجُوبِ.\nمُطْلَقُ الطَّلَبِ يُثْبِتُ الرُّجْحَانَ، وَلا دَلِيلَ مُقَيِّدٌ؛ فَوَجَبَ جَعْلُهُ لِلْمُشْتَرَكِ؛ دَفْعًا لِلاشْتِرَاكِ.\nقُلْنَا: بَلْ يُثْبِتُ التَّقْيِيدَ، ثُمَّ فِيهِ إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِلَوَازِمِ المَاهِيَّاتِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: واحتج قائل \"الندب\" بقوله ﵇: \"إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ رواه البُخَاري ومسلم ولفظهما.\n\"وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ\" (^١) \"فردّه إلى مشيئتنا\".\n\"ورد بأنه إنما [رده] (^٢) إلى استطاعتنا، وهو معنى الوجوب\"، وقد نصّ القاضي في \"التقريب\" على هذا الجواب.\nالشرح: واحتج من قال: حقيقةٌ في \"مطلق الطَّلب\"، بأنه \"يثبت الرُجْحَان، ولا دليل مقيّد\" بخصوص وجوب أو ندب، \"فوجب جعله للمشترك\" بينهما، \"دفعًا للاشتراك\".\n\"قلنا: بل يثبت التقييد\" بخصوص الوجوب والتحكُّم، فإنه إن جعل حقيقة فيهما، كان مشتركًا، أو في أحدهما مع أنه لا دليل مقيّد لزم التحكّم، فاعتمد على هذا التقرير، ولا تَظُنّن المصنّف أهمل المجاز، [كما ظنه الشَّارحون، فإن المصنّف لا حاجة به إلى ذكره، لأنه لم يجعل الّلازم الثاني لزوم المجاز] (^٣) وإلا كان قوله: ولا دليل مقيّد ضائعًا؛ لأن المجاز كما يلزم التَّقييد بمعنى عدم الدليل، كذلك يلزم عند وجوده، ولهذا حيث يجعل اللَّازم الثَّاني لزوم المجاز لا يذكر، بقي دليل التقييد؛ كما قال في أول الأمر يشتركان في عام، فيجعل اللفظ لهما دفعًا للمحذورين.\nقلنا: بل يثبت التقييد بخصوص الوجوب بما قدمناه من الأدلّة.\n_________\n= الزكاة، باب حق السائل (١٦٦٧)، والحاكم ١/ ٤١٧، وأخرجه ابن حبان ذكره الهيثمي في موارد الظمآن ص ٢١١، كتاب الزكاة: باب إعطاء السائل ولو ظلفًا محرقًا ٨٢٥.\n(^١) أخرجه البخاري (١٣/ ٢٦٤)، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة (٧٢٨٨)، ومسلم (٤/ ١٨٣١)، كتاب الفضائل: باب توقيره ﷺ حديث (١٣١/ ١٣٣٧) من حديث أبي هريرة.\n(^٢) في أ، ب: ردّ.\n(^٣) سقط في أ، ت.","vol":"2","page":507},{"text":"الاِشْتِرَاكُ: ثَبَتَ الإطْلَاق، وَالأصْلُ الْحَقِيقَةُ.\nالْقَاضِي: لَوْ ثَبَتَ لَثَبَتَ بِدَلِيلٍ إِلَى آخِرِهِ.\nقُلْنَا: بِالاِسْتِقْرَاءَاتِ المُتقَدِّمَةِ.\nالإِذْنُ: المُشْتَرَكُ؛ كَمُطْلَقِ الطَّلَبِ.\n<hr><s0>\n\n\"ثم فيه إثبات اللغة بلوازم الماهيات\" - أي: غاية ما أثبتم التواطؤ بما يلزم على غيره من التحكم، أو الاشتراك، واللغة لا تثبث بلوازم المَاهِيّات، وإنما تثبت بالنقل عن أهلها، فاعتمد [على] (^١) هذا التقرير.\nومنهم من قال: إنما يمتنع إثبات اللُّغة بلوازم المَاهِيّات؛ لأنه يوجب (^٢) دفع المشترك؛ إذ ما من مشترك إلا ويشترك مفهوماته في لازم، فيجعل اللَّفظ لهما، دفعًا للاشتراك.\nوفيه نظر؛ إذ إنما يلزم دَفع الاشتراك (^٣) حيث لا يوجد نَصّ من الواضع عليه، وكل مكان لا يوجد فيه نَص نقول بهذا الَّلازم فيه.\nومنهم من قال: بل لأنه طريق عقل، ولا مجال له في إثبات اللغة.\nوفيه نظر، فقد يكون في الاستدلال بلوازم المَاهِيَّات مقدمة نقلية، ولا يكون عقليًّا صرفًا، وتثبت اللغة بالمركب من العقل والنقل.\nالشرح: واحتج قائل \"الاشتراك\" اللّفظي؛ بأنه \"ثبت الإطلاق، والأصل الحقيقة\".\nولم يذكر المصنف جوابه لوضوحه؛ فإن المجاز أولى من الاشتراك.\nولقد ذكرنا لصيغة \"افعل\" مَحَامل لم يقل أحد بأنها حقيقة فيها، فلو نظر إلى أصل الإطلاق، لجعلت حقيقة في كلّ منها.\nالشرح: واحتجّ \"القاضي\" على الوَقْف، بأنه \"لو ثبت\" كون الأمر لواحد من المعاني المذكورة - \"لثبت بدليل إلى آخره\" - أي: والدليل، إما العقل، ولا مدخل له، والنقل وهو إما مُتَوَاتر ولا وجود له هنا، أو آحاد أو هي لا تفيد العلم.\n_________\n(^١) سقط في ب، ت.\n(^٢) في ح: لا يوجب.\n(^٣) في أ، ت: المشترك.","vol":"2","page":508},{"text":"مَسْألَةٌ:\nصِيغَةُ الأَمْرِ بِمُجَرَّدِهَا لَا تَدُلُّ عَلَى تَكرَارٍ وَلَا عَلَى مَرَّةٍ؛ وَهُو مختار الإمام.\nالأُسْتَاذُ: لِلتّكْرَارِ مُدَّةَ الْعُمْرِ مَعَ الإمْكَانِ.\nوَقَالَ كَثِيرٌ: لِلْمَرَّةِ، وَلَا يُحْتَمَلُ التَّكرَارُ.\nوَقِيلَ: بِالْوَقْفِ.\n<hr><s0>\n\n\"قلنا\": ثَمَّ قسم آخر، وهو الثبوت بالاستقراءات المتقدمة\"، ومرجعها تتبع مَظَانّ [استعمال] (^١) اللفظ.\nوالقاضى يقول هنا: هذا الاسْتِقْراء لا يفيد إلّا الظَّن، وهو لا يكتفى به، والمصنّف يقنع به كما عرفت.\nوأما قائل \"الإذن\" الذي هو القدر \"المُشْترك\" فحجتة \"كمطلق الطلب\"، والجواب كالجواب.\n«مسألة»\n\nالشرح:<span data-type='title' id=toc-557> صيغة الأمر لا \"تدل على تكرار ولا مرة </span>(^٢) \".\n_________\n(^١) في ب: استعماله.\n(^٢) هذه المسألة في بيان أن مقتضى الأمر العريّ عن القرائن المشعرة بالمرة، أو التكرار باعتبار التكرار والمرة، فنقول: اختلف الأصوليون في ذلك، فذهب طائفة إلى أن الأمر المجرد لا يدل على شيء منهما، وهو اختيار إمام الحرمين، وذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني وجماعة من الفقهاء إلى أن الأمر المجرد للتكرار مدة العمر مع الإمكان.\nومنهم من قال: إنه للمرة الواحدة، ولا يحتمل التكرار، وهو اختيار أبي الحسين البصري وكثير من الأصوليين، ومنهم من توقف في الكل إما لدعوى الاشتراك، أو لعدم العلم بالواقع. ينظر الشيرازي ٢٩٧ ب/ خ، والمحصول ١/ ٢/ ١٦٣، والإحكام للآمدي ٢/ ١٤٣، والبرهان ١/ ٢٢٤، والمنخول ١٠٨، والمستصفى ٢/ ٢، وشرح الكوكب ٣/ ٤٣، والمعتمد ١/ ١٠٨، وشرح العضد ٢/ ٨١، والمسودة ٢٠ - ٢١، ونهاية السول ٢/ ٢٧٤، وأصول السرخسي ١/ ٢٠، وتيسير التحرير ١/ ٣٥٠، وفواتح الرحموت ١/ ٣٨٠، والوصول لابن برهان ١/ ١٤١، ومفتاح الوصول ٢٧، ومنتهى السول والأمل ٩٢، وروضة الناظر ٢/ ٧٨، والمدخل ص ١٠٢، وفتح الغفار ١/ ٣٦، والميزان ١/ ٢٣٠.","vol":"2","page":509},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوإنما تفيد طلب الماهيّة من غير إِشْعَار بالوحدة والكثرة، ثم لا يمكن إدخال الماهيّة في الوجود بأقلّ من مرّة، فوقعت المرة ضرورية، وأراه رأي أكثر أصحابنا.\nوإن صرح أحد منهم باقتضائه المَرّة، فهذا مراده، ويظهر لك بتأمّل كلامه.\nواختاره الإمام وأتباعه، والآمدي.\nقال المصنّف: وهو مختار الإمام.\nوأنا أقول: اختلف القائلون بأنه لا يفيد التَّكْرَار.\nفمنهم من قال: إنه لا يحتمله أصلًا.\nومنهم من قال: يحتمله، قال [قال] (^١) ابن السَّمعاني: وهو الأولى.\nوقال الإمام في \"البرهان\": إنه في الزائد على المَرّة متوقف لا ينفيه ولا يثبته.\nوظاهر هذا أنه يحتمله؛ كما اختاره ابن السَّمْعَاني.\nوقد يقال: إنه لا وجه له؛ لأن الطلب لماهية من غير إِشْعَار بوحدة أو كثرة، والمرة وقعت ضرورية، واللفظ ليس محتملًا لها فضلًا عن احتماله للتكرار.\nوالذي أراه: أن معنى توقفه في الزَّائد أن اللَّفظ من حيث دلالته على مُطْلق الماهيّة لا ينافيه شيء من قُيُودها، وإذا كان كذلك فلو بان بالآخرة التقييد بالتَّكْرار، أو عدمه، فاللَّفظ لا يَنْبُو عنه.\nوليس مراده بالتوقف أن اللفظ محتمل؛ لأن يكون موضوعًا لخصوص التكرار، أو لا وإذًا فما ذكره فهو المذهب المختار.\nولعل المصنف لمح هذا، وأراد التنبيه عليه بقوله: وهو مختار الإمام، وإلا لم يكن لتخصيص الإمام من بين أكثر أصحابنا بالذّكر معنى.\nوقال الأستاذ، والشيخ أبو حامد القَزَوِيني وغيرهما من أئمتنا: للتكرار مدّة العمر مع الإمكان.\nولا بد من قَيْدِ الإمكان لنخرج أزمنة ضروريات بالإنسان، وقد ذكره أبو إسحاق\n_________\n(^١) سقط في أ، ت.","vol":"2","page":510},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالشِّيرازي، وإمام الحرمين، وابن الصَّباغ، والآمدي، وغيرهم.\n[وأغرب] (^١) ابن السَّمعاني حيث زاد عليهم فقال: يلزم أن يقتضى الأمر الفعل على الدوام إلا القدر الذي يتعذّر عليه، ويمنعه من قضاء حاجته، وهذا لا يقوله أحد. انتهى.\nوهو صريح في أنه يستثنى شيء وراء الإمكان بالاتفاق.\nوقال كثير: للمرة نصًّا، ولا تحتمل التَّكرار.\nوقيل: تحتمله.\nوالقول بأنه للمرة، ما ذكره الشيخ أبو حامد الإِسْفِرَاييني في كتابه في \"أصول الفقه\"؛ أنه الذي يدل عليه كلام الشَّافعي في الفروع، وعليه أكثر الأصحاب، وهو الصَّحيح الأشبه بمذاهب العلماء، وكذا نقله الشَّيخ أبو إسحاق عن أكثر أصحابنا.\nوأنا أقول: إن النَّقَلَة لهذا عن أصحابنا لا يفرقون بينه وبين الرَّأي المختار.\nوليس غرضهم إلا نفي التَّكْرَار والخروج عن العُهْدَة بالمَرّة؛ ولذلك لم يحك أحد منهم المذهب المختار مع حكاية هذا، وإنما اقتصروا على هذا؛ لأنه عندهم هو نفس ذلك المذهب.\nوقيل: بالوقف.\nوهو رأي القاضي أبي بكر وجماعة الواقفية بمعنى أنه محتمل للمَرّة، ومحتمل لعدد محصور زائد على المرة والمرتين، ومحتمل للتَّكرار في جميع الأوقات، كذا صرّح به في \"التقريب\"، ثم ادّعى قيام الإجماع على انتفاء ما عدا التكرار والمَرَّة، فانحصر الوَقْف حينئذ في التكرار والمرة، ثم ادّعى الاتفاق على أن فعل المرة متفق عليه، وهو واضح، ثم قال تفريعًا على القوم بعدم الوَقْف: إن المفهوم فعل مرّة واحدة.\nوقد حققنا لك مذهب القاضي من كلامه، فاطرح ما عداه من المحكى عنه.\nولقد قال المصنّف في \"المختصر الكبير\": مختار القاضي بناء على القَوْل بالصِّيغة الوَقْف بالزِّيَادة على المَرّة، ومفهوم هذا أنه إذا جرى على أسلوبه في الوَقْف كان متوقفًا في\n_________\n(^١) في ب: وأعرب.","vol":"2","page":511},{"text":"لَنَا: أَنَّ الْمَدْلُولَ طَلَبُ حَقِيقَةِ الْفِعْلِ، وَالْمَرَّةُ وَالتَّكْرَارُ خَارِجِيٌّ؛ وَلِذَلِكَ يَبْرَأُ بِالْمَرَّةِ.\nوَأَيْضًا: فَإِنَّا قَاطِعُونَ بِأَنَّ المَرَّةَ وَالتَّكرَارَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ، كَالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرٍ، وَلا دَلالَةَ لِلْمَوْصُوفِ عَلَى الصِّفَةِ.\n<hr><s0>\n\nالمرة أيضًا، وهو صحيح بمعنى أنه لا يدري أنه هل هو موضوع للمرة، أو للتكرار، أو بمعنى أنه مشترك بين المرة والتكرار؟\nفهذا ما ذكره الإمام في \"المحصول\"، وهو مع ذلك يقول: فعل المرة متفق عليه؛ إذ هي ثابتة سواء كان الوضع لها بمفردها، أم للتكرار التي هي بعضه.\nولذلك قال المَازِرِيّ: ذهب القاضي في جماعة الوَاقِفِيّة إلى الوَقْف فيما زاد على المَرّة الواحدة؛ لأن المرة الواحدة متفق على ثبوتها، ويستحيل ثبوت الأمر دونها. انتهى.\nوالغرض أنه لم يقل أحد: إن المَرّة لا تعقل لا من الوَاقِفِيّة، ولا [من] (^١) غيرهم.\nالشرح: \"لنا: أن المدلول طلب حقيقة الفعل\" - وهي المَصْدر - \"فالمَرّة والتَّكْرَار\" بالنسبة إليه \"خارجي\"، فيجب أن يحصل الامتثال بوجدان الحقيقة في [أيتهما] (^٢) وجد، ولا يتقيد بأحدهما دون الآخر؛ \"ولذلك\" - أي: ولأجل أن التكرار خارج عن مدلول الصِّيغة \"تبرأ بالمَرّة\".\nوهذا عزاه ابنُ السَّمْعَاني إلى الأصحاب، وقال: ذكروا أن الطَّاعة والمعصية في الأوامر على مثال البِرِّ والحِنْث في الأيمان، ثم البِرّ والحِنْث في الأيمان يحصل بالفعل مرة، فكذا الطاعة والمعصية.\nوقد اعترضه الشيخ الأصبهاني شارح \"المحصول\"؛ بأنه لا يلزم من عدم دلالة المصدر على ذلك عدم دلالة فعل الأمر عليه؛ وهذا لأن الأفعال تتميّز بخصوصها؛ كما أن الفعل الماضي دلّ على المصدر مع خصوص المعنى، وكذا المضارع، فلم قلتم: إن فعل الأمر لا يدلّ بخصوصه على زيادة على المصدر وهي التَّكرار؟.\nوفيه نظر؛ لأن المرة والتَّكْرَار من صفات المصدر، وصيغة \"افعل\" لا تدلُّ على المصدر وإنما الذي يدلّ عليه حروفها، وهي الضَّاد والراء والباء في اضرب مثلًا.\n_________\n(^١) سقط في أ، ب.\n(^٢) في أ، ب: أيهما.","vol":"2","page":512},{"text":"الأُسْتَاذُ: تَكْرَارُ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ.\n[وَ] رُدَّ بِأَنَّ التَّكْرَارَ مِنْ غَيْرِهِ.\nوَعُورِضَ بِالْحَجِّ، قَالُوا: ثَبَتَ فِي \"لَا تَصُمْ\"؛ فَوَجَبَ فِي \"صُمْ\"؛ لأِنَّهُمَا طَلَبٌ.\nرُدَّ: بِأنَّهُ قِيَاسٌ، وَبِالْفَرْقِ بِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي النَّفْيَ، وَبِأَنَّ التَّكْرَارَ فِي الأَمْرِ مَانِعٌ مِنْ غَيْرِهِ بِخِلَافِ النَّهْي.\nقَالُوا: الأَمْرُ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَالنَّهْيُ يَعُمُّ؛ فَيَلْزَمُ التَّكْرَارُ.\nوَرُدَّ: بِالمَنْعِ، وَبِأَنَّ اقْتِضَاءَ النَّهْيِ لِلْأَضْدَادِ دَائِمًا فَرْعٌ عَلَى تَكْرَارِ الأمْرِ.\n<hr><s0>\n\nولهذا قالت النحاة: الفِعْلُ يدل على المصدر بنفسه، وعلى الزمان بصيغته، وإذا لم تدلّ الصيغة على المصدر لم تدل على صفته؛ لاستحالة الدّلالة على صفة الشَّيء دون الشيء.\n\"وأيضًا: فإنا قاطعون بأن المرّة والتَّكْرَار من صفات الفعل كالقليل والكثير، ولا دلالة للموصوف على\" خصوص \"الصِّفة\"، فلا دلالة لقولنا: اضرب مثلًا على صفة للضرب من تَكْرار ومرة.\nوهذا الدليل كالأول سواء.\nالشرح: ودليل \"الأستاذ\" ومتابعيه أنه \"تكرار الصَّوم والصَّلاة\"، ولو أن الأمر للتَّكْرَار لما كان ذلك.\n\"ورد\" أولًا \"بأن التَّكرار من غيره\" لا منه.\n\"وعورض ثانيًا بالحَجّ\"؛ إذ لم يتكرر مع وجدان الأمر فيه.\n\"قالوا: ثبت في\" النَّهي.\nكقولنا: \"لا تصم، فوجب\" مثله \"في صُم؛ لأنهما [طلب] (^١) \".\n\"ردّ بأنه قياس\" والقياس في اللُّغة باطل.\n\"وبالفرق\" إما \"بأن النَّهي يقتضي النَّفي\"؛ فإن الحقيقة إنما تنتفي بانتفائها في جميع\n_________\n(^١) سقط في أ.","vol":"2","page":513},{"text":"المَرَّةُ القَطْعُ بِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: \"ادْخُلْ\"، فَدَخَلَ مَرَّةً - امْتَثَلَ.\nقُلْنَا: امْتَثَلَ؛ لِفِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ؛ لأِنَّهَا مِنْ ضَرُورَاتِهِ، لَا أَنَّ الأمْرَ ظَاهِرٌ فِيهَا وَلَا فِي التكْرَارِ. الْوَقْفُ. لَوْ ثَبَتَ … إِلَى آخِرِهِ.\n<hr><s0>\n\nالأوقات، والأمر يقتضى إثباتها، وهو يحصل بمرّة عند التَّحقيق، لا فرق بين اللأمر والنهي؛ لأن كلًا منهما يوجه نحو شيء هو في الأمر يتم بمرّة، وفي النَّهي لا يتم إلا بالدَّوَام.\nوتخرج لك من هذا أنا لا نسلّم ثبوت التكْرَار في: \"لا تصم\"، وإنما التكرار جاء [في النهي] (^١) من ضَرُورة تحقُق الامتثال في الانكفاف عن الحقيقة المأمور باجتنابها، وهذا هو الجواب المعتمد.\n\"و\" أما \"بأن التكرار في الأمر مانع من \"فعل \"غيره\" من المأمورات، \"بخلاف\" التكرَار في \"النهي\"؛ إذ التروك تجتمع وتجامع كلّ فعل، بخلاف الأفعال.\nقالوا: الأمر بالشيء نهي عن ضدّه، والنهي يعم، فيلزم التَّكْرَار في المأمور به.\nرد أولًا: بالمنع.\nوثانيًا: بأن اقتضاء النهي للأضداد، [وإنما] (^٢) فرع على تكرر الأمر؛ وذلك لأن النهي بحسب الأمر، فإذا كان أمرًا بالفعل دائمًا كان نهيًا عن أضداده دائمًا.\nوإن كان أمرًا به في وقت كان نهيًا عن الأضداد في ذلك الوقت.\nفإذن كون النهي الذي تضمنه الأمر للتكرار فرع كون الأمر للتكرار فإثباته به دور.\nالشرح: ودليل قائل \"المرّة القطع بأنه إذا قال: ادخل، فدخل مرّة امتثل.\nقلنا: امتثل [لفعل] (^٣) ما أمر به؛ لأنها من ضروراته، لا أن الأمر\" [داخل] (^٤) فيها، ولا في التكرار\".\nوقوله: ولا في التكرار يظهر في بَادِئ الرَّأي أنه مستغنى عنه، ويمكن أن يكون تنبيهًا على أنه لو أتى بالفِعْل وعدُّوه ممتثلًا، فليس لخصوص التكرار، بل لاشتماله على المأمور به كما في المرة.\n_________\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) في أ، ب: دائمًا.\n(^٣) في أ، ب: الفعل.\n(^٤) في ج: ظاهر.","vol":"2","page":514},{"text":"<span data-type='title' id=toc-558>\" تَعْلِيقُ الأَمْرِ\"</span>\n<span data-type='title' id=toc-559>مَسْأَلَةٌ:\nالأَمْرُ: إِذَا عُلِّقَ عَلَى عِلَّةٍ ثَابِتَةٍ،</span> وَجَبَ تَكَرُّرُهُ بَتَكَرُّرِهَا اتِّفَاقًا؛ لِلإجْمَاعِ عَلَى اتِّبَاعِ الْعِلَّةِ لَا لِلْأَمْرِ، فَإنْ عُلِّقَ عَلَى غَيْرِ عِلَّةٍ، فَالْمُخْتَارُ: لَا يَقْتَضِي.\nلَنَا: الْقَطْعُ بِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: إِنْ دَخَلْتَ السُّوقَ فَاشْتَرِ كَذَا - عُدَّ مُمْتَثِلًا بِالْمَرَّةِ مُقْتَصِرًا.\n<hr><s0>\n\nثم هذا الجواب يتأتى للقائلين بالمختار.\nوأما القائلون بالتكرار فما أراهم يسلِّمون حصول امتثال الأمر بجملته وهو واضح على أصلهم، ولكنا لا نعرف خلافًا في مذهبنا فيمن قال: تزوج وأعتق، واشتر وطلق وبع، أنه يحصل الامتثال بمرة، بل لا تجوز الزيادة عليها، حتَّى لو ردّ البيع في الوِكَالَةِ بعَيْبٍ، أو أمره بشرط الخِيَار، فشرط ففسخ البيع لم يكن له البيع ثانيًا، جزم به الرافعي في الوكَالَةِ، ثم حكى فيه خلافًا فقيل: حكم المبيع قبل القَبْضِ وبعده.\nوفي الرهن أيضًا قال: أشار الإمام إلى أن الوكيل لو باع، ثم فسخ البيع هل يتمكن من البيع مرة أخرى؟ فيه خلاف.\nولنا: خلاف مشهور فيما إذا قال لعبده: انكح، فنكح نكاحًا فاسدًا، هل له أن ينكح ثانيًا؟\nودليل قائل \"الوَقْف\": أنه \"لو ثبت إلى آخره\" - أي: لثبت بدليل، وهو إما عقلي، أو نقلي؛ كما تقدّم في المسألة قبلها وجوابه، ثم فرع إجابة المؤذن، هك تختص بالمؤذن الأول حتى لو سمع ثانيا، فلا يستحب إجابته؟\nقد يقال: يتخرّج ذلك على أن الأمر يقتضي التكّرار، ومسألة تَكْرار الإجابة للأذان مختلف (^١) فيها بين العلماء، ولا نقل فيها في المذهب.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"الأمر إذا علق عل علّة ثابتة\" (^٢) - أي: ثبت كون الحكم معللًا، بها - وإنما\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله: مختلف فيها صرح، قال علي الجلال بأنه لا يسن إلا إجابة مؤذن واحد.\n(^٢) هذه المسألة فرع على عدم اقتضاء الأمر للتكرار، ينظر: البرهان ١/ ٢٦٠، واللمع (٨)، =","vol":"2","page":515},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقال: ثابتة؛ ليشير إلى أنه رب وصف لا يثبت كونه علّة، فإن الوصف في هذه المسألة يطلقه الأصوليون، ولا يريدون به العلَّة، بل أعم منها.\nوقال أبو الحسين في \"المعتمد\" (^١): الصِّفة في هذا الموضع، ما علق بها الحكم من غير أن يتناوله لفظ تَعْلِيل، ولا لفظ شرط؛ مثل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [سورة النساء: الآية ٩٢]. انتهى.\nفإذا كانت علّته تامّة \"وجب تكرّره بتكررّها اتفاقًا\".\nوأنا أقول: المراد بالتكرار ها هنا؛ [أنه متى وجد الوصف وجد أصل الأمر ثم لا يتكرّر، فليس التكرر هنا] (^٢) هو التكرُّر المذكور في المسألة السابقة.\nومثاله: اجلد الزَّاني، فحيث زنى وجب جَلْده مرة، ولا يجوز مرة أخرى إلا بزنا آخر.\nومن هذا أقول: الأمر لا يقتضي التكرار، ولو علّق بعلّة ثابتة؛ لأني أريد بالتكرار هنا التكرار المراد في المسألة السابقة.\nوما ادّعاه المصنّف من الاتفاق، سبقه إليه القاضي في \"التقريب\"، وابنُ السَّمعاني، [والجماعة] (^٣).\nوالإمام في \"المحصول\" أطلق حكاية الخلاف فيه (^٤).\nولعلّه نصب الخلاف مع من ينكر اقْتِضَاء تَرْتيب الحكم على الوصف للعلّية؛ إذ لا تتأتى المخالفة هنا إلّا منه.\nواستند القائلون بالتَّكْرار \"للإجماع\" من القياسيين \"على اتباع العفة لا للأمر.\nفإن علق على غير علة\" - والكلام فيه مع من يقول: إن مطلق الأمر لا يقتضي التَّكرار، \"فالمختار لا يقتضي\" أيضًا.\n_________\n= وشرح الكوكب المنير ٢/ ١٤٦، والإحكام للآمدي ٢/ ١٤٩، والمعتمد ١/ ١١٥، والتبصرة ص ٤٧، والمحصول ١/ ٢/ ١٧٨، والإبهاج ٢/ ٥٤، وأصول السرخسي ١/ ٢١، وشرح التنقيح ص ١٣١، والمستصفى ٢/ ٤، والعدة ١/ ٢٧٥.\n(^١) ينظر المصادر السابقة.\n(^٢) سقط في ب.\n(^٣) في أ، ب، ج: وللجماعة.\n(^٤) ينظر مصادر المسألة السابقة.","vol":"2","page":516},{"text":"قَالُوا: ثَبت ذَلِكَ فِي أَوَامِرِ الشَّرْعِ: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦]، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [سورة النور: الآية ١٢] ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا﴾ [سورة المائدة: الآية ٦].\nقُلْنَا: فِي غَيْرِ الْعِلَّةِ؛ بِدَلِيل خَاصٍّ.\nقَالُوا: تَكَرَّرَ؛ لِلْعِلَّةِ، فَالشَرْطُ أَوْلَى؛ لاِنْتِفَاءِ المَشْرُوطِ بِانْتِفَائِهِ.\nقُلْنَا: الْعِلَّةُ مُقْتَضِيَةٌ مَعْلُولَهَا.\n<hr><s0>\n\nوصحّحه الشيخ أبو حامد، وأبو إسحاق الشِّيرَازي (^١)، وغيرهما من أصحابنا.\nوشرطه كما قال القاضي عبد الوَهّاب المالكي ألّا يكون معلّقًا بلفظ يقتضي التَّكْرار، وإلا فلا شبهة في أنه يتكرر.\nوذلك مثل: كلما دخل زيد فاضربه فيتكرر، وذلك التَّكْرَار أيضًا ليس من لفظ الأمر كما عرفت.\nوقيل: يقتضيه مطلقًا.\n\"لنا: القَطْع بأنه إذا قال\" السيِّدُ لعبده: \"إن دخلتَ السُّوق فاشْترِ كذا، عُدّ ممتثلًا بالمَرّة\" في حال كونه \"مقتصرًا\" عليها.\nالشرح: \"قالوا: ثبت ذلك\" أي: تكرر الفعل بتكرُّر المعلّق به \"في أوامر الشرع\"، ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [سورة المائدة: الآية ٦]، ﴿\"الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي\" فَاجْلِدُوا﴾ [سورة النور: الآية ٢]، ﴿\"وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا\" فَاطَّهَّرُوا﴾ [سورة المائدة: الآية ٦] فكذا في اللغة.\n\"قلنا\": أما فيما تثبت علّيته كالزنا في الجنابة، فليس محلّ النزاع.\nوأما \"في غير العلّة\" فإنه \"بدليل خاص\"، لا مجرد الأمر؛ ولذلك لم يتكرّر الحَجّ وإن علّق بالاستطاعة.\nفإن قلت: عدم تكرّر الحَجّ [وإن علّق بالاستطاعة] (^٢)؛ إنما هو من قوله ﷺ للرجل الذي سأله أكلَّ عامٍ يا رسول الله؟: \"لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ\" (^٣).\n_________\n(^١) ينظر المصادر السابقة.\n(^٢) سقط في أ، ب، ج.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢/ ٩٧٥)، كتاب الحج: باب فرض الحج مرة في العمر (٤١٢/ ١٣٣٧)، والنسائي (٥/ ١١٠)، كتاب المناسك: باب وجوب الحج، وأحمد (٢/ ٥٠٨)، من حديث أبي هريرة.","vol":"2","page":517},{"text":"<span data-type='title' id=toc-560>\" عَلاقَةُ التَّعْلِيقِ بِالفَوْرِ\"</span>\n<span data-type='title' id=toc-561>مَسْأَلَةٌ:\nالْقَائِلُونَ بِالتَّكرَارِ قَائِلُونَ بِالْفَوْرِ،</span> وَمَنْ قَالَ: المَرَّةُ تُبْرِيءُ:\nقَالَ بَعْضُهُمْ: لِلْفَوْرِ.\nوَقَالَ الْقَاضِي: إِمَّا الْفَوْرُ أَوِ الْعَزْمُ.\nوَقَالَ الإمَامُ: بِالْوَقْفِ لُغَةً، فَإنْ بَادَرَ امْتَثَلَ.\nوَقِيلَ: بِالْوَقْفِ، وَإنْ بَادَرَ.\nوَعَنِ الشَّافِعِي ﵁: - مَا اخْتِيرَ فِي التَّكْرَارِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.\nلَنَا: مَا تَقَدَّمَ.\n<hr><s0>\n\nقلت: بل هذا الحديث دليلٌ على ما يدَّعيه؛ لأنه أضاف إيجاب التَّكرار في جواب السَّائل إلى قوله، فدلّ على أنه ليس من مجرّد الآية، ويوضحه أنَّ السَّائل عربي، فلو اقتضى المعلّق بشرط التَّكّرار بوضعه لما سأل.\n\"قالوا: تكرّر للعلّة، فالشرط أولى\"، أن يتكرّر فيه؛ لأنه يلزم من انتفائه \"انتفاء المشروط\"، بخلاف العلّة، لجواز أن تخلفها علّة أخرى؛ كما سيجيء - إن شاء الله تعالى - في جواز التعليل بعلّتين.\n\"قلنا\": إنما جاز التَّكرار في \"العلّة،؛ لأنها \"مقتضيةٌ معلولها\"، بخلاف الشرط.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"القَائلون بالتَّكرار قائلون بَالْفَوْرِ\" (^١)؛ إذ هو من ضرورياته.\n\"ومن قال: المرة تبريء\"؛ إما لأن اللفظ اقتضاها؛ وإما لأنها ضرورية لتحقّق الماهية المأمور بها.\n_________\n(^١) والفور المبادرة إلى الامتثال، وهذه المسألة في أن الأمر المطلق هل يقتضي الفور أي وجوب تعجيل الفعل المأمور به أو التراخي أي جواز التأخر؛ لأنه يقتضي وجوب البدار لا وجوب التأخر على ما هو السابق إلى الفهم من العبارة التي ترجم بها المسألة، حتى لو فرض الامتثال =","vol":"2","page":518},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"قال بعضهم\": مطلق الأمر \"للفور\" - وهو رأي الحنفيّة، وجمهور المالكية.\nوقال أبو الخَطاب الحنبلي (^١) في \"التمهيد\": إنه الذي يقتضيه ظاهر مذهبهم.\nواختاره من أصحابنا: أبو بكر الصَّيرفي، والقاضي أبو حامد المَرْوَزِي، وصاحب \"التَّتمة\" في كتاب \"الزكاة\".\n\"وقال القاضي: إما للفَوْر، وإما العَزْم\".\nوهذا على أصله في الموسّع، ونص في \"التقريب\" على بطلان القول بالوَقْفِ في هذا الموضع.\nقال إمام الحرمين في \"مختصره\": وهو الأصح؛ إذ المصير إلى الوقف هنا يعود إلى خرق الإجماع، أو يلزم ضربًا من التناقض.\n\"وقال الإمام بالوَقْف لغة، فإن بَادَر امتثل، وإن لم يبادر فلا يقطع بخروجه عن العُهْدَةِ\".\n_________\n= على البدار لم يعتد به؛ لأنه ليس مذهبًا لأحد. ينظر: القطب الشيرازي على المختصر ٣٠٠ ب/ خ وأبو إسحاق في اللمع ص ٨، والبرهان ١/ ٢٣١ - ٢٤١، والمحصول ١/ ١٨٩/٢، والمستصفى ٢/ ٩، والتبصرة ص ٥٢، والمسودة ص ٢٤، وإرشاد الفحول ص ٥٩، وأصول السرخسي ١/ ٢٦، والمعتمد ١/ ١٢٠، وجمع الجوامع ١/ ٣٨١، والمنخول ص ١١١، والمنتهى لابن الحاجب ص ٦٨، الإبهاج ٢/ ٥٧، وروضة الناظر (١٠٥)، وتيسير التحرير ١/ ٣٥٦، وفواتح الرحموت ١/ ٣٨٧، والتمهيد للإسنوي ص ٨٠، والإحكام للآمدي ٢/ ١٥٣، ونهاية السول ٢/ ٢٨٧، وشرح التنقيح ص ١٢٨، والعدة لأبي يعلى ١/ ٢٨١، والقواعد والفوائد الأصولية ص ١٨٩، والتلويح على التوضيح ٢/ ١٨٨ - ١٨٩، وشرح العضد ٢/ ٨٣، والمدخل ص ١٠٢ - ١٠٣، ومختصر البعلى ص (١٠١).\n(^١) محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني، وأبو الخطاب: إمام الحنبلية في عصره، أصله من \"كلواذي\" (من ضواحي بغداد) ومولده ووفاته بـ \"بغداد\" من كتبه \"التمهيد\" في أصول الفقه، و\"الانتصار في المسائل الكبار\"، و\"الهداية\"، فقه، وغيرها من الكتب. ولد سنة ٤٣٢ هـ، وتوفي سنة ٥١٠ هـ.\nانظر: اللباب ٢/ ٤٩، والنجوم الزاهرة ٥/ ٢١٢، وطبقات الحنابلة ٤٠٩، ومرآة الزمان ٨/ ٦٦، والأعلام ٥/ ٢٩١.","vol":"2","page":519},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوربما أفهم إطلاق المصنّف أنه إن لم يبادر لم يمتثل، وإيَّاه نقل الآمدي.\nوليس كذلك، بل لا نقطع بالامتثال إذ ذاك، وإلَّا يلزم أن يكون هو [قول] (^١) الفَوْر، وبما ذكرناه صرح في \"البرهان\".\n\"وقيل: بالوَقْف وإن بادر\".\nوصرح ابن الصَّباغ بأن قائل هذا لا يجوز فعله على الفور، وهو خلاف إجماع الأمة قبله؛ كما نقله غَيْرُ واحد.\n\"وعن الشافعي ﵁ ما اختير في التَّكرار\"، من أنه لا يقتضيه، ولا يدفعه، \"وهو الصحيح\".\nوالأصوليون يعثرون عنه بأنه يقتضي التراخي بمعنى أن التأخير جائز، وأن مدلول \"افعل\" - طلب الفعل فقط من غير تعرّض للوقت، لا بمعنى أن البدار لا يجوز على ما يقتضيه ظاهر عبارة التَّرَاخي، فإن هذا لم يذهب إليه أحد منهم.\nولذلك قال الشيخ أبو حامد: العبارة الفصيحة أن يقال: لا يقتضى الفور والتعجيل.\nوقال إمام الحرمين (^٢): إن قول التراخي هو الَّلائق بتعريفات الشَّافعي في الفقه، وإن لم يصرح به.\nوقال ابن بَرْهَان: لم ينقل عن الشَّافعي، وأبي حنيفة نصٌّ، وإنما فروعهما تدل على ما نقل عنهما.\nقلت: وصرّح باختيار التَّرَاخي من أصحابنا ابن أبي هريرة، وأبو بكر القَفّال، وابن خَيْرَان، وأبو علي الطبري صاحب \"الإفصاح\" (^٣) والشيخ أبو حامد الإسفراييني، والشيخ أبو إسحاق، وابن السمعاني، والمغزالي، والإمام، وأتباعه، والآمدي، وإياه [نصر] (^٤) القاضي في \"التقريب\" على خلاف ما تقدَّم النقل عنه.\nوهذه عبارته: والوجه عندي في ذلك القول بأنه على التَّرَاخي دون الْفَوْرِ، [والوقف] (^٥) انتهى.\n_________\n(^١) سقط في أ، ج.\n(^٢) ينظر: البرهان ١/ ٢٣٢.\n(^٣) في أ: إفصاح.\n(^٤) في ج: نص.\n(^٥) في أ: الوقت.","vol":"2","page":520},{"text":"الْفَوْرُ: لَوْ قَالَ: \"أسْقِنِي\"، وَأَخَّرَ، عُدَّ عَاصِيًا.\nقُلْنَا: لِلْقَرِينَةِ.\nقَالُوا: كُلُّ مُخْبِرٍ أَوْ مُنْشِيءٍ، فَقَصْدُهُ الْحَاضِر، مِثْلُ: \"زَيْدٌ قَائِمٌ\"، \"وَأَنْتِ طَالِقٌ\".\nرُدَّ: بِأَنَّهُ قِيَاسٌ، وَبِالْفَرْقِ بِأَنَّ فِي هَذَا اسْتِقْبَالًا قَطعًا.\nقَالُوا: طَلَبٌ كَالنَّهْيِ، وَالآمْرُ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَا.\nقَالُوا: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٢]؛ فَذُمَّ عَلَى تَرْكِ الْبِدَارِ.\nقُلْنَا: لِقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ [سورة الحجر: الآية ٢٩].\nقَالُوا: لَوْ كَانَ التَّأْخِيرُ مَشْرُوعًا، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ إِلَى وَقْتٍ مُعَيَّنٍ.\n<hr><s0>\n\nثم أخذ يدل على فساد الوَقْف، والفور، [فأطنب] (^١) في نُصْرة التراخي.\nواتفق القائلون بالتَّرَاخي على نفي الإثم ما لم يغلب على الظَّن الفوات.\nواختلفوا إذا مات والتَّأخير له سائغ اختلافًا ذكروه في كتاب الحَجّ وغيره، يعرف في موضعه، ولا يعترض ما ذكروه هنا؛ لأن التَّأثيم فيما إذا مات ولم يحجّ؛ لأنه أخرج المأمور عن جملة وقته، وهو العمر، فلم يفعل لا على الفور ولا التَّرَاخي، ولم يتبيّن لنا ذلك إلا بموته فعرفنا إثمه إذ ذاك.\nثم اضطرب رأي الفقهاء في وقت تأثيمه على ما هو معروف في الفِقْهِ.\nواعلم أن الخلاف في مسألة الفور جار في الأمر المطلق، وإن كان أمر ندب نظرًا إلى أن الأمر هل يقتضي كون ذلك مندوبًا إليه عقيب الأمر فقط، أو يقتضي ذلك من غير تخصيص بوقت.\n\"لنا: ما تقدم\" - في التَّكرار من أن المدلول طلب حقيقة الفعل، والفَوْر والتَّرَاخي خارجي، وأن الفور والتَّراخي من صفات الفعل، فلا دلالة له عليها.\n_________\n(^١) في أ، ب، ج: وأطنب.","vol":"2","page":521},{"text":"وَرُدَّ: بِأنَّهُ يَلْزَمُ لَوْ صُرِّحَ بِالْجَوَازِ، وَبِأنَّهُ إِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ التَّأْخِيرُ مُعَيَّنًا.\nوَأَمَّا فِي الجَوَازِ، فَلَا؛ لأِنَّهُ. مُتَمَكِّنٌ مِنَ الاِمْتِثَالِ.\nقَالُوا: قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٣٣]، ﴿فَاسْتَبِقُوا﴾ [سورة البقرة: الآية ١٤٨]، قُلْنَا: مَحْمُولٌ عَلَى الأفْضَلِيَّةِ؛ وإلَّا لَمْ يَكُنْ مُسَارِعًا.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"الفور: لو قال: اسْقني فأخَّر\" - من غير عُذْر - \"عُذ عاصيًا، - ولو لم يكن للفور لما عُدّ.\n\"قلنا\": إنما ذلك \"للقرينة\"؛ فإن العادة للاستيفاء عند الحاجة، والكلام في الأمر المجرّد.\n\"قالوا: كلّ مخبر\" بخبر مقتضاه الزَّمان الحاضر \"أو منشئ\" فقصده الزمان \"الحاضر؛ مثل زيد قائم\" في الخبر، \"وأنت طالق\" في إنشاء، وقائل: \"افعل\" منشئ، فليكن قصده الزمان الحاضر؛ إلحاقًا للمفرد بالأعم. الأغلب، وقياسا على الخبر المقصود به الزَّمان الحاضر؛ \"مثل: \"زيد قائم\".\nواعلم: أن المصنّف هنا ألحق المفرد بالأعم الأغلب في الإنشاء تبعًا للآمدي، وزاد عليه، فقاس على الخبر الخَاصّ، لا على مطلق الخبر؛ ولذلك مثل بـ \"زيد قائم\".\nوالشَّارحون [فهموا] (^١) أنه قاس على مطلق الخبر، وليس كذلك، وأنى يتأتى له هذا، والخبر قد يكون عن ماض ولا يُشَابه ما نحن فيه ألبتة، وقد يكون عن مستقبل.\nفإن قلت: فلم أطلق لفظ مخبر؟\nقلت: لأن كلامه في الأمر المطلق المجرّد عن القرائن، [فلا] (^٢) يتأتى قياسًا إلَّا على الخبر المُطْلق دون المقيّد، والخبر المطلق هو الَّذي لا تعرض له للزمان، وما ذلك إلا [الجملة] (^٣) الاسمية في قولك: زيد قائم.\nأما الفعلية نحو: قام زيد، فليست بمطلقة؛ لأن الفعل دالّ بنفسه على الزمان، فلم يكن الخبر مجردًا فيه عن القرائن.\n_________\n(^١) في أ، ج: وهموا.\n(^٢) في أ، ب، ج: ولا.\n(^٣) في ج: لجملة.","vol":"2","page":522},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوكذلك قولنا: يقوم زيد، فيه دلالة على المستقبل عند من يجعل الفعل المُضَارع مجردًا للاستقبال.\nوهذا [أوجه] (^١) أقوال النُّحَاة فيه.\n[فالحاصل] (^٢): أنه لا يتأتى له القياس على الفعل، لأنه متعرض للزمان بذاته، فهو ذو قَرِينَةٍ، ولا كلام في ذي القَرَائن، إنما الكلام في المُجَرّد، وهو اسم الفاعل فلم يقس إلا على اسم الفاعل.\nأما الفعل فإنه إما ماض، أو مضارع، وفيهما قرينة المضي والاستقبال، أو فعل أمر، وهو المقيس.\nوفيه النزاع فشبهه باسم الفاعل الذي لا تعلق له بالزمان، بل هو مجرد - وذلك من محاسن المصنّف - وإنما أداه إلى ذلك تضلعه بعلم [العربية] (^٣).\nفإن قلت: اسم الفاعل حقيقة في الحال، فهو إذًا قرينة تقتضي الحال.\nقلت: هو بذاته لا يتعرض للزمان، وإنما هو موضوع للدلالة على قيام الصّفة بالفاعل، ثم إن إطلاق الصِّفة على مَنْ لم يقم به مجاز، فكان اسم الفاعل حقيقة في الحال لذلك، فاسم الفاعل لا يدلّ على الزمان بذاته، بل بالعرض من حيث اشتماله على الفِعْلِ، عكس الفعل فإنه يراد منه وُقُوع الفعل المعيّن في الحال والاستقبال؛ ولذلك اختلف هل هو حقيقة في الحال أو الاستقبال، أو مشترك؟\nأعني: المضارع الذي يشابه ما نحن فيه. وأما كونه وصفًا للفاعل، فلم يوضع له الفعل حقيقة، وإنما ذلك بالعَرْضِ. هذا الدليل، فاعتمده [دون غيره] (^٤).\nوقد \"ردّ بأنه قياس\"، واللغة لا تثبت بالقياس.\n\"وبالفرق بأن في هذا\" - أي: في الأمر - \"استقبالًا قطعًا\"؛ لأن الفعل لا يصدر من المأمور مقارنًا لقول الآمر: \"افعل\"، بل هو متراخٍ عنه جزمًا؛ ولهذا أجمع النُّحاة على أن صيغة افعل حقيقة في الاستقبال.\n_________\n(^١) في أ، ب، ج: وجه.\n(^٢) في ج: والحاصل.\n(^٣) في أ، ج: القرينة.\n(^٤) سقط في أ، ب، ج.","vol":"2","page":523},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوأما الإخبارات وسائر الإنشاءات التي يقصد بها الحاضر فلا استقبال فيهما قطعًا.\nأما الإنشاء: مثل: أنت طالق؛ فلأنه لا يدل على الاستقبال، فتعيّن إرادة الحال منه، وأما الخبر: فهو إن دل على الاستقبال فدلالة مرجوحة؛ لما عرف من أن إطلاق اسم الفاعل على المستقبل مجاز؛ فلهذا حمل على حقيقته، وهو الحال، وحينئذ لا يُقَاس ما لا دلالة له على الاسْتقبال بوجه ما، وهو الإنشاء، أو ما لا دلالة مرجوحة وهو الخبر، بما وضع دالًّا على الاستقبال قطعًا، وهو الأمر.\nولقائل أن يقول: ليس المراد بالفَوْر إلَّا ما يتعقب الأمر، وإن كان [مستقلًا] (^١) عنه وافعل وإن كان وضعها الاستقبال، والاستقبال حاصل وإن بادر المأمور عقب الأمر.\n\"قالوا: طلب كالنَّهي، والأمر نهي عن ضده، وقد تقدّما\".\nوالجواب عنهما أيضا في مسألة التَّكرار.\nقالوا: قال تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٢]، \"قدم على ترك البدار\" إلى الفعل، فدل على وجوبه.\n\"قلنا: لقوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ\" وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [سورة الحجر: الآية ٢٩].\nوتقرير فهم الفَوْر من هذه الآية أن العامل في \"إذا\" هو قوله: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾، فيصير تقدير الآية حينئذ: فقعوا له ساجدين بتسويتي إياه، فوقتُ السجود حينئذ مضيق، فامتناع تأخيره عن خَبَرِ التسوية يستفاد من امتناع تأخير المظروف عن ظرفه الزماني لا من مجرد الأمر، فاعتمد على هذا التقرير، ولا تفهم الفَوْرِيّة من تَرْتيب السُّجود على ما ذكر من الأوصاف بالفاء، فإن ذلك إنما يتم لو كانت الفاء فيه للتَّعقيب.\nوقد نصَّ النحويون على أن الفاء إذا وقعت جوابًا للشرط لا تقتضي تعقيبًا.\n\"قالوا: لو كان التأخير مشروعًا لوجب أن يكون إلى وقت معين\" واللازمُ منتفٍ؛ إذ لا إشعار في الأمر به، ولا دليل من خارج.\nوبيان المُلازمة: أنه لو لم يكن إلى وقت معين لكان إما إلى وقت أصلا وهو خلاف\n_________\n(^١) في أ، ب، ج: مستقبلًا.\n(^٢) في ج: لا.","vol":"2","page":524},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالإجماع ويلزم منه ألا يكون الواجب واجبًا لأن التأخير لا إلى وقت يستلزم جواز ترك المأمور به، فلا يكون واجبًا، أو إلى وقت غير معيّن للمكلف، فلزم التكليف بالمحال؛ لأنه يكون مكلّفًا بالفعل.\n\"ورّد بأنه يلزم لو صرح بالجواز\"، بأن يقول: افعل ولك التأخير؛ فإن هذا جائز إجماعًا، وما ذكر من الدَّليل جار فيه.\n\"وبأنه إنما يلزم لو كان التأخير متعينًا\"، يعني: أن المكلف لا يجوز له الفعل في أوّل أزمنة الإمكان، فيجب تعريف وقته الذي يؤخر إليه، ويفعله فيه.\n\"أما في الجواز\" - أي: إذا كان التأخير جائزا \"فلا؛ لأنه متمكن من الامتثال\" في سائر الأزمنة، فلا يلزم التكليف بالمحال.\nقال أصحابنا: وقد أوجب الله - سبحانه - الوصيّةَ في ابتداء الإِسلام عند حضور الموت، ولا يعرف حضوره إلَّا بغَلَبَةِ الظّن، وقد [بنى] (^١) الشَّرع إيجاب الوصيّة، كذا هنا.\n\"قالوا: قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا\" إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [سورة ال عمران: الآية ٣٤]، أوجب المسارعة إلى المغفرة التي هي فعل الله تعالى، [ويستحيل] (^٢) المسارعة إلى فعل الغير، فوجب الحمل على المُسَارعة إلى أسباب المغفرة.\nوامتثال الأوامر من أسباب المغفرة، فيجب المسارعة إليها، ومن جملتها فعل المأمور به، فيجب المُسَارعة إليه.\nوقال: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [سورة المائدة: الآية ٤٨]، وفعل المأمور من الخيرات، فيجب الاستباق إليه، وإنما تتحقق المسارعة والاسْتِبَاقُ بالفَوْرِ.\n\"قلنا\": ذلك \"محمول على الأفضليّة\"، لا على الوجوب، \"وإلا\" وجب الفَوْر، وإذا وجب \"لم يكن مسارعًا\" ومُسْتبقًا؛ لأنهما إنما يتصوّران في الموسّع دون المضيق.\nولا يقال له: [لمن] (^٣) قيل له: \"صُمْ غدًا\" - أنه سارع إليه واستبق إذا صامه.\nوأيضًا: لو وجبت المسارعة والاستباق من الاثنين لم يكن من مجرد الأمر، وليس [ذلك] (^٤) مدعى الخصوم.\n_________\n(^١) في ج: بين.\n(^٢) في أ، ج: مستحيل.\n(^٣) في ت: فمن.\n(^٤) في ج: كذلك.","vol":"2","page":525},{"text":"الْقَاضِي: مَا تَقَدَّمَ فِي المُوَسَّعِ.\nالإمَامُ: الطَّلبُ مُتَحَقِّقٌ، وَالتَّأْخِيرُ مَشْكُوكٌ؛ فَوَجَبَ البِدَارُ.\nوَأَجِيبَ: بِأنَّهُ غَيْرُ مَشْكُوكٍ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: وحجّة القاضي وجوابها ما تقدّم في \"الواجب الموسّع\".\nالشرح: وحجّة \"الإمام\" أن \"الطَّلب متحقّقٌ، والتَّأخير مشكوك فوجب البِدَار\".\nوأنا أقرر هذه العِبَارة على أن التأخير مشكوكٌ بالخروج فيه عن العهدة، فوجب كون البِدَارِ محققًا للخروج عنها، لا على أنه يجب البِدَار إلى الفِعْلِ؛ لأنا قدمنا عنه أنه لا يوجب البِدَار.\n[ولو] (^١) تركنا وظاهر كلام المصنف من إيجاب المُبَادرة، لم يطابق رأي الإمام.\n\"وأجيب بأنه غير مَشْكوك\"؛ لأنّا [بَيّنا] (^٢) أن الصِّيغة موضوعة للقَدْر المشترك، فالأخصُّ منها هو البِدَار، وضدّه من مدلولها فمن أين الشك؟\nولك أن تقول: البِدَار وقع الاتفاق على أنه من مدلولها، بخلاف التأخير، وهذا المراد بالشَّكّ.\nنعم الجواب أن هذا الشَّكّ يقتضي أن الاحتياط المبادرة، ونحن نقول بها، أما الوجوب فلا.\n\n<span data-type='title' id=toc-562>\"فرع\"\nفي اشتراط التعجيل في قَبُول الوِكالة،</span> خلاف ملتفت [على] (^٣) أن الأمر، هل يقتضي الفور؟ وذلك فيما إذا كانت الصِّيغة في \"بع\"، \"واشتر\"، ونحو ذلك لا في وكلتك مثلًا؛ إذ ليس فيه صيغة \"افعل\".\n_________\n(^١) في ت: فلو.\n(^٢) في ب: تبينا.\n(^٣) في ج: إلى.","vol":"2","page":526},{"text":"<span data-type='title' id=toc-563>\" هَلِ الأَمْرُ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ (^١)؟ \"عَظِيمَةُ الإشْكَالِ مُتَشَعِّبَةُ الأَقْوَالِ\"</span>\nمَسْأَلَةٌ:\nاخْتِيَارُ الإمَامِ وَالْغَزَّالِيِّ رَحِمَهُمَا اللهُ: أَنَّ الأَمْرَ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ لَيْسَ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ، وَلَا يَقْتَضِيهِ عَقْلًا.\nوَقَالَ الْقَاضِي وَمُتَابِعُوهُ: نَهْيٌ عَنْ ضِدِّه، ثُمَّ قَالَ: يتَضَمَّنه، ثُمَّ اقْتَصَرَ قَوْمٌ.\nوَقَالَ الْقَاضِي: وَالنَّهْيُ كَذَلِكَ فِيهِمَا، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ خَصَّ الْوُجُوبَ دُونَ النَّدْبِ.\n<hr><s0>\n\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"اختار الإمام والغَزَالي\" \"أن الأمر بشيء معيّن ليس نهيًا عن ضده\" الوجودي، \"ولا يقتضيه عقلًا\".\n\"وقال\" شيخنا أبو الحسن، و\"القاضي، ومتابعوه: نهي عن ضدّه\".\nوأطنب القاضي في نُصْرته في \"التقريب\"، ونقله عن جميع أهل الحق النَّافين لخلق القرآن، \"ثم قال\" (^٢) القاضي: \"يتضمّنه\".\n_________\n(^١) هذه المسألة في أن الأمر بالشيء هل هو نهى عن ضده أي عما يمنع عن فعل المأمور به أم لا؟ اختلفوا فيه. ينظر: الشيرازي ٣٠٦ خ، والمحصول ١/ ٢/ ٣٣٤، والبرهان ١/ ٢٥٠ - ٢٥٢، واللمع (١١)، والتبصرة ١٨٩، والمنخول ١١٤، والمستصفى ١/ ٨١، والإحكام للآمدي ٢/ ١٥٩، وشرح الكوكب المنير ٣/ ٥١، والمسودة ص (٤٩)، وأصول السرخسي ١/ ٩٤، وشرح تنقيح الفصول ص ٣٥، والمعتمد ١/ ١٠٦، وجمع الجوامع ١/ ٣٨٦، وتيسير التحرير ١/ ٣٦٣، وفواتح الرحموت ١/ ٩٧، والقواعد والفوائد الأصولية ص ١٨٣، والتمهيد للإسنوي ٩٤ - ٩٥، وشرح العضد ٣/ ٨٥، وكشف الأسرار ٢/ ٣٢٨، والتلويح على التوضيح ٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩، وإرشاد الفحول (١٠١)، وروضة الناظر ص ٢٥، والمدخل ص (١٠٢).\n(^٢) في حاشية ج: قوله: ثم قال القاضي: يتضمنه أي قال ذلك بعد قول الأول أي أنه عينه.","vol":"2","page":527},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nكذا نقله المصنف تبعًا للآمدي، وهو مأخوذ من إمام الحرمين؛ فإنه ذكر أن القاضي مال إليه في آخر مصنفاته.\n\"ثم اقتصر قوم\" على هذا في جانب الأمر، ولم يفعلوا في النهي مثله.\n\"وقال القاضي: والنهي كذلك فيهما\" - أي: في الوجهين، فقال أولًا: النهي عن الشَّيء نفس الأمر بضدّه، وثانيًا بل يتضمّنه.\n\"ثُمّ منهم من خَصّ الوجوب\" فجعله نهيًا عن الضّد، \"دون النَّدب\".\nومنهم: من عَمَّم القول في أمر الوجوب والندب، وجعلهما نهيًا عن الضِّد تحريمًا وتنزيهًا، وهو رأي، القاضي، نص عليه في \"التقريب\".\nونقل التخصيص عن بعض أهل الحَقّ، والقاضي عبد الوَهَّاب نقله عن الشيخ.\nوقوله في الكتابِ: \"بشيء معين\"، لفظة لا بد منها، والمراد: الاحتراز بها عن الواجب الموسّع والمخير، فإن الأمر بهما ليس نهيًا عن الضّد؛ فالمسألة إذًا مقصورة على الواجب على [التعيين] (^١).\nوبذلك صرّح الشّيخ أبو حامد الإِسفراييني، والقاضي في \"التقريب\"، وغيرهما.\nولنا فيه (^٢) بحث ذكرناه في \"شرح المنهاج\".\nواعلم: أن الناس بين مُثْبت للكلام النفسي ونافٍ له.\nوالشيخ - سَقَي الله عهده صُبُوبَ الرحمة والرّضوان - مقدّم المثبتين، ومعه أهل السُّنة أجمعين.\nوبين جاعل للأمر صيغة تخصّه ونافٍ لذلك.\nوالشيخ والقاضي سيِّدا النَّافين.\nوتحقيق هذه المسألة أن الكلام فيها يَقَعُ على وجهين:\n_________\n(^١) في ب: اليقين.\n(^٢) في حاشية ج: قوله: ولنا فيه بحث … إلخ لعلة أن الموسع والمخير لهما ضدان، وهما عدم الفعل رأسًا من الوقت في الأول وعدم فعل واحد في المخير فيه في الثاني، فلم لا يكون الأمر بهما نفيًا عن الضد؟ تأمل.","vol":"2","page":528},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأحدهما: النَّفْسَاني، فاختلف المثبتون له في أن الأمر بالشيء هل هو نفس النهي عن ضدّه، أو يتضمّنه، أو ليس هو ولا يتضمّنه؟\nوثانيهما: اللِّسَاني، وفيه مذهبان فقط.\nأحدهما: أن الأمر يتضمّن النهي عن الضّد.\nوالثَّاني: أنه لا يتضمّنه.\nولا يتمكن أحد هنا من أن يقول: إنه هو، فإن صيغة \"تَحَرَّك\" غير \"لا تَسْكن\" قطعًا. والشيخ والقاضي لم يتكلّما إلا في النَّفسي، وذكرا اتِّصاف الشَّيء بكونه أمرًا ونهيًا بمثابة اتِّصاف الكون الواحد بكونه قريبًا من شيء، بعيدًا عن غيره والإمام في \"المحصول\" اختار أن الأمر بالشيء يتضمن النهى عن ضدّه.\nوأظنّه لم يتكلّم إلَّا في اللِّساني، أو عبر بالصيغة.\nوهو رأي جماهير الفقهاء.\nوالقاضي عبد الجَبَّار، وأبو الحُسَين، وغيرهما من المعتزلة اختاروه، وهم لا يتكلّمون إلا في اللِّسَاني؛ إذ الأمر عند المعتزلة العبارة فقط.\nوهنا موقف أنا ذاكره فأقول: قد يقال: إن كان الكلام في النَّفْسَاني بالنسبة إلى الله - تعالى - والله - تعالى - عليم بكل شيء وكلامه واحد، وهو أمر ونهي وخبر واحد بالذات متعدّد بالمتعلقات، وحينئذ فَأَمْر الله - تعالى -[غير] (^١) نَهْيه، فكيف يتجه؟ فيه خلاف.\nوقد أشار الغزالي إلى هذا فقال: طلب القيام، هل هو بعينه طلب ترك القعود؟ وهذا لا يمكن فرضه في حق الله تَعَالى؟؛ فإن كلامه واحد، وهو أمر ونهي، ووعد ووعيد، فلا تتطرّق الغيرية إليه، فليفرض في المخلوق، وهو أن طلبه للحركة هل هو بعينه كراهة [للسكون] (^٢) وطلب لتركه؟ انتهى.\nوكذلك الأستاذ أبو نصر القُشَيْري، وقال: أما الأمر المخلوق؛ ففيه الخلافُ، وإن كان بالنسبة إلى المخلوق كما ذكر الغَزَالي وابن القُشَيري، فكيف يقال: إنه هو أو يتضمّنه مع احتمال ذهوله عن الضِّد مطلقًا؟\n_________\n(^١) في ب: عين.\n(^٢) في أ: للسكوت.","vol":"2","page":529},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوأنا أقول: ما ذكره الغَزَالي وابن القُشَيري غير معروف، ولنفصح [بسر] (^١) القائلين بالنَّفسي، ثم نجيب عن هذا، فنقول: هو معنى عندهم ثابت في النفس، محسوس كالعلوم والقَدر، وقد علم أن العلم له تعلّق بمعلوم؛ كما أن القدرة لها تعلّق بمقدور، وكذلك الأمر الذي في النفس له تعلّق بمأمور به، [ويكون] (^٢) العلم له متعلّقان متلازمان لا يصح أن يعلم أحد المعلومين دون الآخر، فكذلك الأمر النفسي يمكن أيضًا أن يكون للأمر به متعلّقان متلازمان: أحدهما: اقتضى الإيقاع، والثاني: النهي عن الكَفِّ.\nفمن قال: الأمر بالشّيء فهي، أجراه مجرى العلم المتعلّق بمتعلّقين متلازمين؛ كـ \"يمين\" وشمال، وفوق وتحت، فإنه يستحيل عنده أن يعلم الفوق ويجهل التحت، كذلك يستحيل أن يتعلق الأمر النفسي باقتضاء فعل، ولا يتعلق بالنهي عن تركه، ومن قال: [لا] (^٣) النهي، كما مال إليه القاضي آخرًا فهذا في تصور مذهبه إشكال.\nوذكر إمام الحَرَمين (^٤): أن هؤلاء لا يعنون بهذا الاقتضاء ما يعنونه المعتزلة، فإن الاقتضاء الَّذي ذهب إليه بعض المعتزلة راجع إلى فهم معنى من لفظ مُشْعِر.\nوهذا لا يتأتى في كلام النفس، وإنما هؤلاء يعتقدون أن الأمر النفسي [يقارنه] (^٥) نَهْي نفسي أيضًا، فيكون وجود هذا القول النَّفسي الذي هو اقتضاء القيام، ويعبر عنه بـ \"قم\" - يتضمّن وجود قول آخر في النفس يعبر عنه بقولك: لا تقعد، ويكون هذا القول الذي يعبر عنه بـ \"قم\" - يتضمن القول الثاني، ويقارنه حتى لا يوجد أبدًا منفردًا عنه.\nويجري ذلك مجرى الحياة والعلم، فإن العلم إذا وجد اقتضى وجود الحياة.\nوقد اعترض ابن الأنباري بأن ذلك إنما يجري مجرى الجوهر والعرض؛ إذ لا يمكن انفصالهما لا مجرى الحياة والعلم؛ لجواز وجود أحدهما دون الآخر، وهذ ما لا يصير إليه القاضي بحال؛ لأن أحد قوليه: اتّحاد الطلب.\nوثانيهما: التعدد مع التلازم عقلًا، فلا يصح الانفصال بوجه، فهذا يشبه افتقار الجَوْهر إلى العرض وبالعكس.\n_________\n(^١) في أ، ج: سر.\n(^٢) في ج: وكما أن.\n(^٣) سقط في أ، ب، ج.\n(^٤) ينظر: البرهان ١/ ٢٥١.\n(^٥) في أ، ب: مقارنة.","vol":"2","page":530},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقلت: والإمام إنما أراد مُلازمة الحياة للعلم، وعبارته؛ كما تقتضي قيام العلم بالذوات قيام الحياة بها، والحياة لازمة للعلم، فلم يرد أن كلًّا منهما لازم للآخر.\nفإن قلت: والتمسُّك بالجوهر والعرض أوضح؛ لتلازمهما معًا، بخلاف الحياة والعلم.\nقلت: إنما يستقيم التمسُّك بالجوهر والعرض.\nلو قلنا: النهي عن الشيء أمر بضدّه.\nوكلامنا هنا في الأمر بالشيء، هل هو نهي عن ضده؟\nفإذا استقر بنينا عليه عكسه.\nوقد عرفت ما فيه من الخلاف، فالتمسُّك بلزوم الحياة للعلم أوضح، وإذا تقرر هذا علمت أن من أَثْبَتَ القول النَّفسي اتفقوا على إثبات متعلقين، واختلفوا في المتعلّق فمنهم من وحَّده، وهو قائل: إن الأمر نفس النهي عن الضّد.\nومنهم من ثناه، وجعل لكل متعلّق من هذين متعلقًا يتعلق به.\nوانفرد الإمام والغَزَالي من بين أصحابنا، فنفيا التعدُّد في المتعلّق، والمتعلق به، وهما يوحِّدان المتعلّق والمتعلق به.\nوالقاضي آخرًا يثنيهما (^١) جميعًا.\nومنهم من يثني المتعلّق به ويوحِّد المتعلّق، وهم جماهير أئمّتنا.\nإذا عرفت هذا فنقول: قولكم: كلامه - تعالى - واحد فلا تتطرّق الغيرية إليه، فينبغي أن يكون نفس الأمر بالشَّيء نهيًا عن ضدّه بلا نَظَرٍ.\nقلنا: ليس هو في ذاته واحد بلا شَكّ، ولكنه متعدّد بالمتعلّقات، وكلامنا في الغيرية بهذا المعنى، وإلَّا فكل أمر من قِبَل الله - تعالى - قد [عرف] (^٢) من قواعد أئمّتنا أنه بذاته عين النهي، والخبر، والاسْتِخْبار، وغير ذلك، فلم يكن لقولنا: الأمر بالشَّيء نَهْي عن ضدّه مَزِيَّة على قولنا: الأمر بالصّلاة خبر عن قصّة فرعون، ونهي عن الزنا إلى غير ذلك.\n_________\n(^١) في أ، ح: يثبتهما.\n(^٢) في ب: عرفت.","vol":"2","page":531},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالخلاف في هذه المسألة إنما هو في أن المستفاد من الأمر ما هو؟ هل هو شيء واحد، أو متعدد؟\nفشيخنا يقول: طلب الحركة هو نفس طلب انتفاء السّكون، فمن قام (^١) بنفسه طلب الحركة، فالقيام بنفسه طلب انتفاء السكون، وهذا الشيء القائم في النفس متعلّقه في الخارج واحد؛ فإن انتفاء السُّكون هو نفس الحركة؛ إذ لا واسطة بينهما.\nوقاضينا [آخذًا يقول] (^٢) طلب الحركة يتضمّن طلب انتفاء السُّكون، وليس هو هو.\nوإمامنا يقول: ليس هو ولا يتضمنه.\nوقال: من قال: الأمر هو النَّهي بعينه، فقوله عري عن التحصيل، فإن القول القائم.\nبالنفس الذي يعبر عنه بـ \"افعل\" مغاير للذي يعبر عنه بـ \"لا تفعل\".\nقال: ومن جحد هذا سقطت مُكَالمته، وعُدَّ مباهتًا.\nوهذا حَيْدٌ عن الإنصاف، والقول بهذا يتوارثه فُحُول النُّظَّار خلفًا عن سَلَفٍ، أَفَتَرَاهم يستمرُّون على جَحْدِ الضروريات (^٣) والقوم لا يقولون هذا؟\nوإنما يقولون: القول القائم بالنفس الذي هو \"تحرك\" [هو] (^٤) القول الذي هو \"لا تسكن\"، لا أنه القول الذي هو \"لا تتحرّك\".\nوأمّا قولكم: وإن كان الكلام في المَخْلُوق، فكيف يقال: إنه هو أو يتضمّنه مع احتمال الذُّهول؛ فهي عُمْدة إمام الحرمين، ونحن نمنعها، ولا يجوز الذُّهول، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\nوأنا إن خرجت في هذا المكان عن طريق الاختصار، فيقال: يقل له أن يكتب سواد الليل على بياض النهار.\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله: فمن قام بنفسه … إلخ كيف هذا والحقيقتان متباينتان، فإن طلب الحركة طلب متعلق بالحركة، والنهي عن السكون طلب كف عن السكون، نعم القول بالتضمن قريب. تدبر.\n(^٢) في ب أخيرًا يقول.\n(^٣) في أ، ب، ج: الضرورات.\n(^٤) سقط في أ، ب، ج.","vol":"2","page":532},{"text":"لَنَا: لَوْ كَانَ الآمْرُ نَهْيًا عَنِ الضِّدِّ، أَوْ يَتَضَمَّنُهُ - لَمْ يَحْصُلْ بِدُونِ تَعَقُّلِ الضِّدِّ وَالْكَفِّ عَنْهُ؛ لأَنَّهُ مَطْلُوبُ النَّهْيِ، وَنَحْنُ نَقْطَعُ بِالطَّلَبِ مَعَ الذُّهُولِ عَنْهُمَا.\nوَاعْتُرِضَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ الضِّدُّ الْعَامّ، وَتَعَقُّلُهُ حَاصِلٌ؛ لأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ (١) لَمْ يَطْلُبْهُ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّ طَلَبَهُ فِي المُسْتقْبَلِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالْكَفُّ وَاضِحٌ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"لنا: لو كان الأمر نهيًا عن الضِّدّ، أو يتضمّنه لم يحصل بدون تعقُّل الضد والكَفّ عنه\" - أي: الكَفّ عن الضد - \"مطلوب النهي\"، ويمتنع أن يطلب المرء ما لا يشعر به، \"ونحن نقطع بالطلب مع الذهول عنهما\".\n\"واعترض بأن المراد: الضد العام، وتعقله حاصل\".\nوهذا اعتراض صحيح، ذكره طوائف وهو بالغ، فإنا نمنع الطلب مع الذهول عن الضِّد العام، وهو ما يمنع من ترك الفعل المأمور به، لا الضِّد من جهة التفصيل، فهنا ثلاثة أشياء:\nأحدها: نفس الترَّك، وهو واقع ولا خلاف فيه.\nوالثاني: النَّهي عن ضدّ ما وجودي، وهو محل الخلاف.\nونحن نقول: إن الأمر يستحضره من هذه الحَيْثِيّة.\nوالثالث: استحضار ضدّ معين، ولا قائل به.\nوزاد المصنّف فذكر لهذا المنع مستندًا لم يذكره الآمدي، فقال دالًّا على أن تعقُّله حامل؛ \"لأنه\" - أي: الشخص المأمور - \"لو كان عليه\" - أي: على الفعل متلبسًا به - \"لم يطلبه الآمر منه؛ لأنه طلب الحاصل، فإذن إنما يطلبه إذا علم أنه متلبّس بضدّه، لا به وذلك يستلزم تعقل ضده.\n\"وأجيب بأنّ طلبه\" للفعل من المأمور \"في المستقبل\"، فلا يمنع الالتباس به في الحال؛ فطلب منه أن يوجده في ثاني الحال؛ كما يوجده في الحال.\n\"ولو سلم فالكَفّ واضح\" أن الآمر لا يتعقّله حالة الأمر؛ لأن تعقّله للضّد حينئذ إنما","vol":"2","page":533},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nهو من حيث أن ترك الضِّد شرط في امتثال ما أمر به، [إلا من حيث صحة] (^١) [قصد] (^٢) الكَفّ عنه حتى يستلزم ذلك تعقل الكَفّ.\nومحلّ النزاع إنما هو الثاني، لا الأول، فإن النزاع في أن الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده الوجودي؟ لا في أنه هل هو نهي عن تركه؟ فإن ذلك واقع بلا شك.\nواعترض على الأول بأنه جواب عن المستند وهو غير مُرْضٍ عند أهل النظر، وقد جرى هذا للمصنّف غير مرّة، وفيه هذا النظر (^٣).\nوبأن طلب الفعل من المأمور؛ إمَّا أن يكون حالة تلبُّسه به، أو في المستقبل.\nوأيًّا ما كان يلزم ألّا يكون متلبسًا به، وإلا يلزم تحصيل الحاصل؛ وهذا لأن المراد من قولنا: إن الأمر حالة الآمر بعلم أو بظن أن المأمور ليس متلبسًا بذلك الأمر، أي: في الوقت الذي طلب إيقاعه منه فيه، حالًا كان أو مستقبلًا؛ وهذا لأنه لو علم أو ظن أنه يدوم على ذلك الفِعْلِ في المستقبل، ثم طلب إيقاعه منه فيه - لزم تحصيل الحاصل أيضًا، وحينئذ فإذا طلب منه في المستقبل الفعل الذي هو متلبّس به في الحال وجب أن يعلم أو يظن أنه يكون في المستقبل متلبسًا بما يضادّ ذلك الفعل، وإلا لزم تحصيل الحاصل كما مَرّ.\nوعلى الثاني بأنه مُقَابلة المَنعْ بالمنع، وهو غير مقبول عند الجَدَليين، وبأنا لا نسلّم أن تعقّل الآمر الكَفّ عن الضدّ شرط في كون أمره نهيًا عن الضِّدِّ أو مستلزمًا له، وإنما يلزم ذلك لو كان النَّهي عن الضِّد مقصودًا بالذات، وليس كذلك وإنما هو مقصود [بالعرض] (^٤)؛ وهذا لأن النهي عن الضِّد حينئذ ليس لأمر يرجع إلى الضِّد، وإنما ذلك لكون الإتيان بالضِّد وسيلةً إلى ترك الواجب، فلم قلتم: إن النهي عن الشيء بالعرض يستلزم تعقُّل الكَفّ عنه كما يستلزمه في النهي عنه؛ بالذات؟\nوعند هذا نقول: الآن حَصْحَصَ الحق، والمختار عندنا في المسألة أن المأمور بشيء منهي عن جميع أضداده، وأنَّ الآمر (^٥) به ناهٍ عن الأضداد.\nوقد نقل القاضي الإجماع على ذلك.\n_________\n(^١) سقط في أ، ب.\n(^٢) في ب: قصد.\n(^٣) في ج: نظر.\n(^٤) في ج: القرض.\n(^٥) في حاشية ج: قف على أن الآمر بالشيء ناه عن ضده، وليس الأمر بالشيء نهيًا عن ضده.","vol":"2","page":534},{"text":"الْقَاضِي: لَوْ لَمْ يَكُنْ إِيَّاه، لَكَانَ ضِدًّا أَوْ مِثْلًا أَوْ خِلَافًّا؛ لأَنَّهُمَا إِمَّا أَن يَتَسَاوَيَا فِي صِفَاتِ النَّفْسِ أَوْ لَا:\n<hr><s0>\n\nوقال أبو نصر القُشَيري: أَنَا لا أَشُك أن هذا ممنوع، ثم ذكر أن القاضي قال: إن منع ذلك مانع قِيل له هذا خَرْقُ ما عليه الكَافّة، مع أنا نُلْجِئُه إلى ما لا قِبل له به، فنقول: إذا ورد الأمر على الجَزْم بشيء، وهو مقيد بالفَوْرِ، وانتفى عنه سِمَةُ التخيير، فتحريم ضدّ الامتثال لا شَكّ فيه؛ إذ لو لم يجزم فما معنى وجوب الامتثال؟. انهى.\nوأما أن الأمر بالشيء هل هو نهي؟ فلا سبيل إلى القول به مع تجويز عدم خُطُوره بالبال، وعلى تقدير الخطور، فليس الضِّدّ مقصودًا بذاته، وإنما هو ضروري دعا إليه تحقيق المأمور به، فليس كل ما كان ضروريًا للشيء يقال: إنه مدلول الشيء، ولا أن الشَّيء يتضمّنه، فمن أمر غيره بالقيام، كان التخلِّي عن أضداد القيام ممّا يقع ضرورة ليتحقق القيام، وليس ما يقع ضرورةً مندرجًا تحت الاقتضاء الَّذِي هو الأمر، ومن ضرورة الأمر بالشيء، العلم به والقدرة عليه والحياة.\nثم لا يُقَال: الأمر يتضمّن هذه الأشياء، بل لا بد [منها] (^١)، فإن كان من يطلق أن الأمر يتضمن النَّهي يريد هذا المعنى، فهو مسلّم وقد توافقنا.\nوإن كان يقول: من أمر غيره بالقيام فقد الْتَمَسَ منه التخلِّي عن الأضداد؛ كما استدعى منه القيام، وإلا لم يخطر الضِّدُّ بباله - فذلك محال.\n[فهذا] (^٢) ما نرتضيه في المسألة.\nوإياه ذكر الأستاذ أبو نَصْرٍ القشيري، وقال: هذا التَّحْقيق يجري في أن الآمر بالشيء ليس ناهيًا عن أضداده؛ لأن الآمر [بالقيام] (^٣) طالب له، وقد لا يخطر له ضدّه، فكيف يطلبه؟\nقلت: وعلى تقدير الخُطُور، فليس هو المقصود بالذات كما عرفت.\nالشرح: واحتج \"القاضي\" في كتاب \"التقريب\" على أن الأمر بالشيء نفس النهي عن ضدّه بأنه \"لو لم يكن إياه لكان\" غيرًا، وهذا واضح.\n_________\n(^١) في أ، ج: منهما.\n(^٢) فذلك.\n(^٣) في أ، ب، ت: للقيام.","vol":"2","page":535},{"text":"الثَّانِي: إِمَّا أَنْ يَتَنَافَيَا بِأَنْفُسِهِمْ أَوْ لَا:\nفَلَوْ كَانَا مِثْلَيْنِ أَوْ ضِدَّيْنِ، لَمْ يَجْتَمِعَا.\nوَلَوْ كَانَا خِلافَيْنِ، لَجَازَ أَحَدُهُمَا مَعَ ضِدِّ الآخَرِ وَخِلافِهِ؛ لأِنَّهُ حُكْمُ الْخِلافَيْنِ، وَيَسْتَحِيلُ الآمْرُ مَعَ ضِدِّ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ، وَهُوَ الآمْرُ بِضِدِّهِ؛ لأِنَّهُمْ نَقِيضَانِ أَوْ تَكْلِيفٌ بِغَيْرِ الْمُمْكِنِ.\nوَأُجِيبَ: إِنْ أَرَادَ بِطَلَبِ تَرْكِ ضِدِّهِ طَلَبَ الْكَفِّ مُنِعَ لَازِمُهُمَا عِنْدَه، فَقَدْ يَتَلَازَمُ الْخِلافَانِ؛ فَيَسْتَحِيلُ ذَلِكَ، وَقَدْ، يَكُونُ كُلٌ مِنْهُمَا ضِدَّ ضِدِّ الآخَرِ؛ كَالظَّنِّ وَالشَّكِّ فَإنَّهُمَا مَعًا ضِدُّ الْعِلْمِ.\nوَإنْ أَرَادَ بِتَرْكِ ضِدِّهِ عَيْنَ الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ - رَجَعَ النِّزَاعُ لَفْظِيًّا فِي تَسْمِيَتِهِ تَرْكًا، ثُمَّ فِي تَسْمِيَةِ طَلَبِهِ نَهْيًا.\nالْقَاضِي: أَيْضًا السُّكُونُ عَيْنُ تَرْكِ الْحَرَكَةِ، فَطَلَبُ الشُكُونِ طَلَبُ تَرْكِ الْحَرَكَةِ.\nوَأُجِيبَ: بِمَا تَقَدَّمَ.\n<hr><s0>\n\nولو كان غيرًا لكان \"ضدًّا\" له، \"أو مثلًا، أو خلافًا\". واللازم باطل.\nوإلى بيان الملازمة أشار بقوله: \"لأنهما\" - أي: كل متغايرين - \"إما أن يَتَسَاوَيَا في صفات النفس\" - أي: في الذَّتيات - وهو تمام المَاهِيّه، والمعنى بصفات النفس ما \"لا\" يحتاج الوَصْف به إلى تعقل أمر زائد؛ كالإنسانية للإنسان، والحقيقة والوجود والنسبية له، بخلاف الحدوث والتحيُّز، فإن تساويا فيها [فمثلان] (^١) كَسَوَادَيْن أو بَيَاضين.\n\"الثّاني\": وهو ألّا يَتَسَاويا في صفات النفس، \"إما أن يتنافيا بأنفسهما\" - أي: يمتنع اجتماعهما في محل واحد بالنظر إلى ذاتهما فضدان كالسواد والبياض - \"أو لا\" فخلافان كالسَّوَاد والحَلاوة، وإلى انتفاء اللازم أشار بقوله: \"فلو كانا مِثْلين أو ضدّين لم يجتمعا\" في محل واحد؛ لاستحالة اجتماع المِثْلين والضِّدين، وهما يجتمعان؛ إذ جواز الأمر بالشَّيء والنهي عن ضدِّه معًا، ووقوعه ضروري.\nوالقاضي في \"التقريب لم [يُعَرّج] (^٢) على استحالة اجتماع المِثْلين، بل علل بأنه كان\n_________\n(^١) في أ، ج: فمثالان، وفي ب: فمتلازمان.\n(^٢) في ب: يشرح.","vol":"2","page":536},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nيستغني عن الأمر به؛ لأنه ساد مَسَدّه.\nولعل هذا أوجه؛ لأن المعتزلة ينازعون في اسْتِحَالة اجتماع المثلين.\n\"ولو كانا خِلافَيْن لجاز أحدهما مع ضد الآخر، وخلافه\" - أي: يجوز اجتماع كل منهما مع ضد الآخر ومع خلافه؛ \"لأنه\" - أي: لأن هذا - \"حكم الخلافين\" [أن] (^١) كما يجتمع السواد، وهو خلاف الحلاوة مع الحموضة ومع الرائحة، فكان يجوز أن يجتمع الأمر بالشيء مع ضدّ النهي عن ضدّه، وهو الأمر بضده.\nوإليه أشار بقوله: \"ويستحيل الأمر مع ضد النهي عن ضده وهو الأمر بضده\"، إما \"لأنهما نقيضان\"؛ إذ [يُعَدُّ] الأمر بفعل شيء، وبفعل ضده أمرًا متناقضًا؛ كما يعد خبر فعله، وفعل ضده. خبرًا متناقضًا، \"أو \"لأنه \"تكليف بغير الممكن\".\nواعلم أن القاضي [أطلق] (^٢) الضّدين، وأراد بهما ما يَتَنَافيان لذاتيهما كما عرفته، وذلك أعم من الضِّدَّين بالمعنى المصطلح والنقيضين والعدم والملكة.\nوبيان ذلك: أن المُتَنَافيين لذاتيهما؛ إما أن يكونا وُجُوديين بينهما غاية الخلاف، فهما الضَدَّان بالمعنى المُصْطلح كالسَّوَاد والبياض، أم لا يكونا وجوديين.\nفإن كان (^٣) أحدهما وجوديًّا والآخر عدميًّا، فإن نظر إليهما بشرط وجود موضوع مستعد لذلك الأمر الوجودي، فهما العدم والملكة كالبَصَر والعَمَى، وإن نظر إليهما [لا] (^٤) بشرط وجود الموضوع المستعدّ للإيجاب فهما السَّلب والإِيجاب، وهو المعنى بالنَّقيضين كالإِنسانية واللإنسانية.\n\"وأجيب: بأن أراد\" القاضي \"بطلب ترك ضدّه\" - حيث يقول: الأمر بالشيء \"طلب\" لترك الضد - طلب \"الكَفّ\" عن ضدّه \"منع لازمهما عنده\" - أي: يختار حينئذ أنهما خلافان، ويمنع لازم الخلافين عند القاضي، أو عند هذا التفسير، وهو اجتماع كل ضدّ مع ضد الآخر وخلافه.\n_________\n(^١) سقط في أ، ب، ج.\n(^٢) في أ: طلق.\n(^٣) في حاشية ج: قف على الفرق بين الضدين والنقيضين والعدم والملكة.\n(^٤) في ب: إلا.","vol":"2","page":537},{"text":"التَّضَمُّنُ: أَمْرُ الإيجَابِ: طَلَبُ فِعْلٍ يُذَمُّ عَلَى تَرْكِهِ اتّفَاقًا، ............\n<hr><s0>\n\n\"فقد يتلازم الخلافان\" كالعلّة مع معلولها المُسَاوي، \"فيستحيل\" فيهما \"ذلك\" - أي: جواز اجتماع أحدهما مع ضد الآخر؛ لأن اجتماع أَحَدِ المتلازمين مع الشيء لا يوجب اجتماع الآخر معه، فيلزم اجتماع كل مع ضدّه، وهو مُحَال.\n\"و\"أيضًا: \"قد يكون كل منهما\" - أي: الخلافين - \"ضدّ ضدّ الآخر كالظن والشَّك، فإنهما\" خلافان، وهما \"معًا ضدّ العلم\"، فيكون كل منهما ضّد ضدّ الآخر، وإذا جاز ذلك، فلا يجب اجتماعه مع ضد الآخر.\n\"وإن أراد بترك ضدّه عين الفعل المأمور به\" أي: فعل ضد ضدّه، أي: عين الفعل المأمور به؛ كما يشعر به استدلاله الثاني، \"رجع النِّزاع لفظيًّا في تسميته\" - أي: تسمية المأمور به \"تركًا\" لضدّه، \"ثم في تسمية طلبه نهيًا\".\nقال في \"المختصر الكبير\" بعد هذا: ويكون حاصله أن له عبارة أخرى كالأُحْجِيَةِ؛ مثل: أخوك ابن أخت خالتك، وذلك شبه اللَّعِبِ.\nوالآمدي اقتصر على اختيار قِسْم الخلافين، ومنع لزوم عدم التَّلازم بينهما، كأنه جزم بإرادة القاضي الأوّل (^١).\nواحتجّ \"القاضي أيضًا\" بأن \"السكون عين ترك الحركة\"؛ إذ البقاء في [الحيز] (^٢) الأول هو بعينه عدم الانتقال إلى الحيز الثاني، وإنما يختلف التعبير، \"فطلب السكون (^٣). طلب ترك الحركة\".\n\"وأجيب بما تقدّم\" من رجوع الخلاف لفظيًّا.\nالشرح: \"التّضمّن: أمر الإيجاب طلب فعل يذمّ على تركه اتفاقًا، ولا يُذَم\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام للآمدي ٢/ ١٦٠.\n(^٢) في ب: الخبر.\n(^٣) في حاشية ج: قوله: - فطلب السكون … إلخ هذا إنما يتم في مثل الحركة والسكون مما يكون أحدهما عدمًا للآخر، بخلاف الأضاد الوجودية. سعد الدين. وفي كون السكون عدم الحركة نظر يعلم من حقيقة كل منهما. تدبر.","vol":"2","page":538},{"text":"وَلا يُذَمُّ إِلَّا عَلَى فِعْلٍ وَهُوَ الْكَفُّ أَوِ الضِّدُّ فَيَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ.\nوَأُجِيبَ: بأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنّهُ مِنْ مَعْقُوله لا بِدَلِيل خَارِجِيّ.\nوَإنْ سُلِّمَ فَالذَّمُّ عَلَى أَنهُ. \"لَمْ يَفْعَلْ\"، لا عَلَى \"فَعَلَ\".\nوَإنْ سُلِّمَ فَالنَّهْيُ: طَلَبُ كَفّ عَنْ فِعْلٍ لا عَنْ كَفٍّ، وَإلَّا أَدَّى إِلَى وُجُوبِ تَصَوُّرِ الْكَفِّ عَنِ الْكَفِّ لِكُل آمِرٍ؛ وَهُو بَاطِلٌ قَطْعًا.\nقَالُوا: لا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِتَرْكِ ضِدِّهِ وَهُوَ الْكَفُّ عَنْ ضِدِّهِ، أَوْ نَفْيُهُ؛ فَيَكُونُ مَطْلُوبًا، وَهُوَ مَعْنَي النَّهْي، وَقَدْ تَقَدَّمَ.\n<hr><s0>\n\n[المكلّف] (^١) إلا على فعل\"؛ لأنه المقدور، \"و\" ما \"هو \"هنا إلا \"الكَف\" عن \"الضِّدّ\" وفعل الضد - أي: ضدّ المأمور به. وكلاهما ضدّ الفعل، والذم يحصل بأيهما كأن [يستلزم] (^٢) كل منهما [المنهي] (^٣) عنه.\n\"وأجيب بأنه مَبْنِي على أنه\" - أي: الذم بالترك -[\"من] (^٤) معقوله\" - أي: معقول الإيجاب فلا ينفك عنه تعقلًا، \"لا بدليل خارجي\".\nوأما من يجوز الإيجاب، وهو الاقتضاء الجازم من غير حَظْرِ الذَّم بالترك على الثاني، وإن كان الذَّم لازمًا له في الواقع، فلا يلزم ذلك.\n\"وإن سلم\" أنه من معقوله، \"فالذَّم على أنه لم يفعل\" المأمور به \"لا على فعل\".\n\"وإن سلم فالنهي طلب كَفّ عن فعل، لا عن كَفّ\"؛ كما أنّ الأمر طلب فعل غير كَفّ، \"وإلا\" فلو بطلت هذه المُنُوع، وانتهض دليلكم \"لأدّى إلى وجوب تصوّر الكَفّ عن الكف لكل أمر\" بشيء؛ \"وهو باطل قطعًا\"؛ فإن الآمر بالشيء قد لا يخطر الكَفّ عن الكَفّ بباله.\nولقائل أن يقول على الأول: الذّم من معقوله بحكم أهل اللغة بعصيان تارك الأمر.\nولهذا التفات على أنّ اقتضاء صيغة \"افعل\" للوجوب، هل هو بالوضع أو الشَّرع أو العقل؟، وفيه خلاف قدمته.\n_________\n(^١) سقط في ج.\n(^٢) في ج: فيستلزم.\n(^٣) في أ، ب، ج: النهي.\n(^٤) في أ: سر.","vol":"2","page":539},{"text":"الطَّارِدُونَ: مُتَمَسَّكَا الْقَاضِي الْمُتَقَدِّمَانِ.\nوَأَيْضًا: النَّهْيُ: طَلَبُ تَرْكِ فِعْل، وَالترْكُ: فِعْلُ الضدِّ؛ فَيَكُونُ أَمْرًا بِالضدِّ.\nقُلْنَا: فَيَكُونُ الزِّنَا وَاجِبًا مِنْ حَيْثُ هُوَ تَرْكُ - لِوَاطٍ، [وَ] بِالْعَكْسِ؛ وَهُوَ بَاطِلٌ قطعًا، وَبِأَنْ لا مُبَاحَ، وَبِأَنَّ النَّهْيَ طَلَبُ الْكَفِّ لا الضِّدِّ الْمُرَادِ.\nفَإنْ قُلْتُمْ: فَالْكَفُّ فِعْل، فَيَكُونُ أمْرًا بِالضدِّ - رَجَعَ النِّزَاعُ لَفْظِيًّا؛ وَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ النهي نَوْعًا مِنَ الآمْرِ؛ وَمِنْ ثَمَّةَ قِيلَ: الآمْرُ طَلَبُ فِعْل لا كَفٍّ.\n<hr><s0>\n\nوعلى الثَّاني: أن المكلّف به في النهي إنما هو فعل، لا انتفاء فعل، خلافًا لأبي هَاشِمٍ على ما عرف.\nوعلى الثالث: أن الكَفّ فعل، فلا يحسن قولكم: كفّ عن فعل لا عن كفّ؛ لأن الفعل أعم من الكف.\nقولكم: يلزم تصوّر الكف عن الكف لكل أمر.\nقلنا: إنما يلزم لو كان النَّهي عن الضّد مقصودًا بالذّات، لا بالعرض.\n\"قالوا: لا يتم الواجب إلا بترك ضدّه، وهو \"إما \"الكَف عن ضده أو نفيه\" - أي: انتفاء ضده على اختلاف الرَّأيين في أن المكلف به في النهي ما هو؟ \"فيكون\" الكفّ عن الضد انتفاؤه \"مطلوبًا، وهو معنى النهي، وقد تقدم\" منع أن ما لا يتم الواجب إلا به من عقلي، أو عرفي - واجبٌ.\nنعم هو لا بُدّ منه في الإتيان بالواجب، ولا يلزم من كونه لا بُدّ منه وقوعًا أن يرد عليه الوجوب.\nالشرح: \"الطَّاردون\" (^١) حكم الأمر في النَّهي؛ حيث قالوا: النَّهي أمر بالضد: لهم \"ممسَّكا القاضِي المتقدمان\"، وقد عرفا تقريرًا وجوابًا.\n\"وأيضًا: النهي: طلب ترك فعل، والترك فعل الضدِّ\"، إما أنه فعل؛ فلأن الفعل هو المقدور، وإما أنه فعل الضِّدّ؛ فلأن غير الضِّدّ لا يكون تركًا له، وهو فعل أحد الأضداد، \"فيكون\" النَّهي، أمرًا بالضد\".\n_________\n(^١) أي: القائلين بأن النهي عن الشيء هو بعينه أمر بضده، كما أن الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده ....","vol":"2","page":540},{"text":"الطَّارِدُونَ فِي التَّضَمُّنِ: لا يَتِمُّ الْمَطْلُوبُ بِالنَّهْى إلَّا بِأَحَدِ أَضْدَادَهِ كَالأمْرِ.\nوَأُجِيبَ بِالإلْزَامِ الْفَظيعِ وَبِأَنْ لا مُبَاحَ.\n<hr><s0>\n\n\"قلنا\": أولًا، \"فيكون\" - أي: لو كان النَّهي أمرًا بالضِّد لكان \"الزنا واجبًا من حيث هو ترك لِوَاط\"؛ لأنه ضده، \"وبالعكس وهو باطل قطعًا\".\nولك أن تقول: لازم؛ لأن معنى قولنا: النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده، أي: مما ليس [نهيًا] (^١).\nسلمنا: أن أيَّ ضدّ حصل يقع مأمورًا به، ولكن هذه الحَيْثِيةَ فقط، وأي عظيم في هذا، وهو لازم للقائل بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وأولى باللزوم له؛ لأنه يجعله نهيًا عن جميع الأضداد.\n\"و\"ثانيًا: \"بأن لا مباح\" - أي: يستلزم انتفاء المباح بالنظر إلى ذاته، بل غايته أن كل مباح، فيلزمه ترك حرام، وينتفي بهذه الحَيْثِيَّة.\n\"و\" نحن نلتزم ذلك، ونختاره على ما عرف في مسألة الكَعْبِى.\nوثالثًا: \"بأن النهي طلب الكف\" - أي: الكَفّ هو المطلوب بالنهي - \"لا الضِّد المراد\"، أي: لا يلزم وجود ضدّ من الأضداد الجُزْئية الَّذي هو المراد، وفيه البحث.\n\"فإن قلتم: فالكَفّ فعلًا، محقق \"فيكون\" ضدًّا، فيحقق \"أمرًا بالضّد رَجَعَ النزاع لفظيًا\" حينئذ في تسمية الكَفّ فعلًا، ثم في تسمية طلبه أمرًا كما تقدّم.\n\"ولزم أن يكون النهي نوعًا من الأمر\"، ولا قائل بذلك، فإنه قسيمه فكيف يكون نوعًا منه.\n\"ومن ثَمّ قيل الأمر: طلب فعل لا كَفّ\"، ولو كان النَّهي نوعًا منه لما قيل: لا كَفّ.\nفاعتمد هذا التقرير.\nالشرح: \"الطاردون في التضمّن\" - أي: القائلون بأن النهي عن الشيء يتضمن الأمر بضده، كما قالوا: الأمر يتضمّن النَّهي احتجوا بأنه \"لا يتمّ المطلوب بالنهي إلّا بأحد أضداده\".\n_________\n(^١) في ب، ج: منهيًّا.","vol":"2","page":541},{"text":"وَالْفَارُّ مِنَ الطَّرْدِ إِمَّا لأَنَّ النَّهْيَ طَلَبُ نَفْي، وَإمَّا للإلْزَامِ الْفَظِيعِ، وَإمَّا لأَنَّ أَمْرَ الإيجَابِ يَسْتَلْزِمُ الذَّمَّ عَلَى التَّرْكِ، وَهُوَ فِعْلٌ، فَاسْتلزمَ؛ كَمَا تَقَدَّمَ.\nوَالنَّهْيُ: طَلَبُ كَفَّ عَنْ فِعْلٍ؛ فَلَمْ يَسْتَلْزِمِ الآمْرَ؛ لأَنَّهُ طَلَبُ فِعْل لا كَفٍّ، وَإمَّا لإِبْطَالِ الْمُبَاحِ.\n<hr><s0>\n\nوتقريره: لو لم يتضمّن النهي الأمر لما وجب ما لا يتم الواجب إلا به؛ لأن المطلوب من النهي التلبُّس بالضدّ الذي هو الكَفّ، أو ضدّ أخصّ من الكف؛ لما مَرّ من أن المكلف به في النهي فعل، والكف والأخص منه ضدّان للنهي عنه جزمًا.\nوإذا كان المكلف به أحدهما فهو المطلوب، فيكون النهي عن الشيء أمرًا بأحدهما، فلا يتمّ المطلوب من النهي إلا بأحدهما.\nوقوله: \"كالأمر\" - يوهم أن هذا الدليل هنا [متقرّر] (^١)؛ كما تقرر به في الأمر.\nوليس كذلك؛ لأنه جعل الضدِّ في الأمر، إما الكَفّ، أو انتفاء الفعل، ولا يستقيم جعل الضد هنا انتفاء الفعل، فإنه لا تصحّ الملازمة حينئذ، إذ يكون النهي عن الشيء حينئذ أمرًا بضدّه؛ ولهذا جعل هذا من أَعْذَار الفَارّ من الطرد كما سيقول؛ وإما لأن النهي نفي.\n\"وأجيب بالإلزام الفظيع \" - وهو وجوب الزِّنا؛ لكونه ترك اللِّواط مثلًا.\n\"وبألَّا مباح\"، وقد عرفت ما فيهما.\nالشرح: \"الفَارّ من الطَّرْدِ إما\" أن يكون فَرّ من ذلك، \"لأن النهي طلب نفي \"عنده - كما هو رأي أبي هاشم - فَلا يكون أمرًا بالضِّد؛ لتصوّر الإتيان به دونه، ولا كذلك الأمر؛ لأنه طلب فعل فلا يتصوّر إلا بالكَفّ عن ضدّه، أو بنفيه.\nولك أن تمنع أن النفي المحض لا يفتقر الإتيان به إلى فعل الضِّدّ؛ وهذا لأن المنهى عنه إن لم يكن له ضدّ فلا يكلّف به إلا على القول بتكليف المحال، وإن كان فلا نسلّم أن الإتيان بالنفي لا يفتقر إليه؛ وهذا لأن حالة عدم ذلك الفعل المَنْهِي عنه لا بد أن يكون متلبسًا فيها بضدّ من أضداده.\n_________\n(^١) في أ، ب، ج: تقرر.","vol":"2","page":542},{"text":"وَالْمُخَصِّصُ الْوُجُوبُ لِلْأَمْرَيْنِ الآخَرَيْنِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-565>مَسْألَة:\nالإجْزَاءُ:</span> الْامْتِثَال، فَالإتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ يُحَقِّقُهُ اتِّفَاقًا.\n<hr><s0>\n\n\"وإما\" [لأن] (^١) يكون فَرّ \"للإلزام [الفظيع] (^٢) \"في أمر الزِّنا واللِّوَاط.\n\"وإما لأن أمر الإيجاب يستلزم الدم على الترك، وهو فعل [فاستلزم] (^٣) النَّهْي عن فعل ينافي المأمور به، وهو معنى الضد \"كما تقدم\".\n\"و\"أما \"النهي\"، فهو \"طلب كَفّ عن فعل\"، فلم \"يستلزم الأمر؛ لأنه طلب فعل لا كَفّ وإما لإبطال المباح\" كما تقدم.\nالشرح: \"المخصّص الوجوب\" - أي: الذين خصّصوا الحكم بأمر الوجوب دون الندب - استندوا \"للأمرين الآخرين\" أن أمر الإيجاب طلب فعل يذمّ على تركه، وإبطال المباح.\n\n<span data-type='title' id=toc-566>\"فرع\"</span>\nإذا قال: إن خالفت نهيي فأنتِ طالق، ثم قال: قومي فقعدت، ففي وقوع الطلاق خلاف، يستند إلى هذا الأصل، وإذا طلّق امرأته وهي حائض، استحب له مراجعتها على ما قال ﷺ: \"مُرْ عَبْدَ اللهِ فَلْيُرَاجِعْهَا\" (^٤).\nقال الإمام: ولا نقول: ترك المُرَاجعة مكروه، ونازعه النوَوِيّ.\nقلت: الإمام ماشٍ على أصله من أنّ المكروه ما ورد به نهي مخصوص، وأنّ الأمر بالشيء [ليس] (^٥) نهيًا عن ضده، ولا مستلزمًا.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"الإجزاء: الامتثال (^٦)، فالإتيان بالمأمور به على وجهه يحققه\" - أي: يحقق\n_________\n(^١) في أ، ج: إلّا.\n(^٢) في أ: الفضيع.\n(^٣) في أ، ب، ج: ما يستلزم.\n(^٤) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٥٧٦، كتاب الطلاق: باب ما جاء في الإقرار (٥٣)، والبخاري ٩/ ٢٥٨، كتاب الطلاق: باب قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ (٥٢٥١)، ومسلم ٢/ ١٠٩٣، الموضع السابق (١/ ١٤٧١).\n(^٥) سقط في ب.\n(^٦) الإجزاء قد يفسر بالامتثال، وبإسقاط القضاء، فإن فسّر بالأول فلا خلاف في أن الإتيان =","vol":"2","page":543},{"text":"وَقِيلَ: الإِجْزَاءُ: إِسْقَاطُ الْقَضَاءِ فَيَسْتَلْزِمُهُ.\nوَقَال عَبْدُ الْجَبَّارِ: لا يَسْتَلْزِمُهُ.\n<hr><s0>\n\nالإجزاء - \"اتفاقًا\" من غير خلاف على هذا التفسير.\n\"قيل: الإجزاء: إسقاط القضاء، فيستلزمه\".\n\"وقال\" القاضي \"عبد الجبّار: لا يستلزمه\" (^١).\nأي: اختلفوا على هذا التفسير في أن الإتيان بالمأمور به على الوجه الذي أمر به، هل يستلزم سقوط القضاء؟\nفقال المعظم: يستلزمه.\nوذهب أبو هاشم، والقاضي عبد الجَبّار إلى أنه لا يستلزمه، بمعنى أنه لا يمتنع أن يقول الحكيم: افعل كذا، فإذا فعلت [كذا] (^٢) أديت الواجب، ويلزمك مع ذلك القضاء قال القاضي عبد الجَبّار في \"العمد\": وهذا هو معنى قولنا: إنه غير مُجْزئ، ولا نعني به أنه لم يمتثل، ولا أنه يجب القضاء فيه، ولا يكون وقع موقع الصحيح الذي لا يقضي، فقد أشار القاضي عبد الجَبّار إلى أنه لم يخالف في الإجزاء، بالتفسير الأول؛ كما ذكره المصنّف من الاتفاق، وإنما خالف فيه بالتفسير الثاني.\n_________\n= بالمأمور به غلى وجهه - أي على الوجه الذي أمر به - يحققه أي يحققه الإجزاء بهذا التفسير على معنى أنه يدل على أن الآتي قد امتثل الأمر، وإن فسر بالتالي فالأكثر على أن الإتيان بالمأمور به على وجهه يستلزمه أي يستلزم إسقاط القضاء، لا بمعنى أنه يمنع ورود أمر مجدد بعد خروج الوقت يفعل ما أمر به أولًا، فإن جوازه متفق عليه أيضًا، بل بمعنى أنه يمتنع ورود أمر مجدد بالإتيان بالفعل بعد الفراغ عنه على الوجه الَّذي أمر به متصفًا بصفة القضاء …\nينظر: الشيرازي ٣١٠ أ/ خ، المحصول ١/ ٢/ ٤١٤، والمعتمد ١/ ٩٩، والمستصفى ٢/ ٢١٢، والمنخول ١١٧، والبرهان ١/ ٢٥٦، والإحكام للآمدي ٢/ ١٦٢، وشرح الكوكب ١/ ٤٦٨، وسلم الوصول ١/ ١٠١، وشرح العضد ٢/ ٩١، وجمع الجوامع ١/ ١٠٣، وتيسير التحرير ٢/ ٣٨، وفواتح الرحموت ١/ ٣٩٤، وميزان الأصول ١/ ٢٥٢، واللمع (١١)، والنفحات على شرح الورقات للحاوي (٦١)، والمدخل ص (١٠٣)، وإرشاد الفحول ص ١٠٥، والعدة ٣٠٠٨، وشرح تنقيح الفصول ١٣٣.\n(^١) ينظر المصادر السابقة.\n(^٢) سقط في ب.","vol":"2","page":544},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوليس على الإطلاق كما يفهم من كلام المصنّف، بل بمعنى أن فعل المأمور به لا.\nيمنع من الأمر بالقضاء على ما صرّح به في \"العمد\".\nفحاصل ما يقوله: أنه لا يدل على الإجزاء، وإنما الإجزاء مستفاد من عدم دليل يدلّ على وجوب الإعادة، ولا خلاف بين عبد الجَبّار، وغيره في بَرَاءة الذِّمة عند الإتيان بالمأمور به.\nوشَبَّه القَرَافي هذا الخلاف بالخلاف في مفهوم الشَّرْط؛ كقوله: إن دخلت الدار فأنتَ حرّ، فمن نفاه قال: عدم عتقه ما لم يأت بالمَشْروط المستفاد من المِلْك السابق، ومن أثبته قال: هو مُسْتَفاد من ذلك من مفهوم الشرط أيضًا.\nوإذا عرفت هذا وضح لك أن الخلاف فيما نحن فيه لفظي؛ إذ الغرض أنه أتى بالمأمور به على وجهه، وإذا كان كذلك فلا خلاف في أنه يمكن أن يراد أمر ثانٍ بعبارة يوقعها المأمور على حسب ما أوقع الأولى؛ لأن هذا كاستئناف شرع وتعبد ثانٍ؛ إذ الأمر الأول لا تعلّق له بهذا الثاني؛ لأن محل النزاع إنما هو في أمر واحد [بعبارة] (^١) واحدة غير متكرّرة.\nوأما النزاع في تَسْمِيَةِ هذا الأمر الثاني قضاء للأول.\nفالجمهور لا يسمّونه قضاء؛ كما عرفت أول الكتاب أن القضاء ما فعل بعد وقت الأداء استدراكًا لما سبق وجوبه، وهذا ليس كذلك؛ لما مَرّ أنه ممتثل بفعله الأول لما وجب عليه اتفاقًا.\nوأبو هاشم وعبد الجَبّار يسميانه قضاء، فلا يعرفان القضاء حينئذ بهذا التعريف؛ الأنَّ القضاء حينئذ عندهما أعم منه، بل يجعلان ذلك أحد قسمي القضاء.\nفقد تبيّن لك أن الخلاف في هذه المسألة لَفْظي.\nوبه يندفع بناء من بنى عليه صلاة فاقد الطّهورين إذا تمكن من أحدهما، هل يعيدها قائلًا نفي الإعادة مستمد من أن المصلي - أوقع هذه الصلاة على الوجه المأمور به، [فليجز] (^٢) وإثباتها مستمد من أن الامتثال لا يقتضي الإجزاء، ووجه اندفاعه لائح مما قدمته.\n_________\n(^١) في ب: بعبادة.\n(^٢) في أ: فلتجز.","vol":"2","page":545},{"text":"لنَا: لَوْ لَمْ يَسْتَلْزِمْه، لَمْ يُعْلَمِ امْتِثَالٌ.\nوَأَيْضًا فَإِنَّ الْقَضَاءَ اسْتِدْرَاكٌ لِمَا فَاتَ مِنَ الأَدَاءِ، فَيَكُونُ تَحْصِيلًا لَلْحَاصِلِ.\n<hr><s0>\n\nوقد قال المصنف في \"المختصر الكبير\": إن أراد - يعني عبد الجَبّار - أنه لا يمتنع أن يراد أمر بعده بمثله فمسلَّم، ويرجع النزاع في تسميته قضاء، وإن أراد أنه لا يدلّ على سقوطه فساقط.\nقلت: ومع سقوطه لفظي أيضًا؛ لأن القضاء الموصوف بالاستدراك، لا خلاف أن الإتيان بالمأمور به على وجهه يدل على سقوطه؛ كما عرفت من كلام عبد الجَبَّار، وإنما الخلاف في القَضَاء، بمعنى أن فعل المأمور به على وجهه لا يمنع من الأمر بالقضاء، أي: من ورود أمر ثانٍ بمثل العبارة الأولى، ولا شَك أن هذا أمر ثانٍ [على ما عرفته، ولا خلاف في أن الإِتيان بالفعل الأول على نحو ما أمر به لا يدل على سقوط أمر ثانٍ] (^١) بمثله، فيرجع النِّزَاع حينئذ إلى تسميته قضاء على ما عرفت.\nالشرح: \"لنا: لو لم يستلزمه لم يعلم امتثال\" أبدًا، واللازم منتفٍ قطعًا واتفاقًا.\nوبيان المُلازمة: أنه حينئذ يجوز أَنْ يأتى بالمأمور به، ولا يسقط عنه، بل يجب عليه فعله مرة أخرى قضاء، وكذلك القضاء إذا فعله لم يسقط كذلك.\nولقائل أن يقول: أليس يعنون بالقضاء الذي لو لم يكن الإتيان بالمأمور به على وجهه مستلزمًا لإسقاطه لزم عدم الامتثال إن عنيتم به القضاء الذي يجب استدراكًا لما فَاتَ.\nفنقول: بموجب الدَّليل، ولا يتناول مَحَلّ النزاع؛ لما عرفت في صَدْرِ المسألة.\nوإن عنيتم به القضاء بمعنى أن الإتيان بالمأمور به على وجهه لا يمنع من ورود أمر ثانٍ متّصف بِصِفَةِ القضاء، فلا نسلّم الملازمة؛ لما مَرّ أنه حينئذٍ يكون ممتثلًا للأمر الأول - وقد صرح به عبد الجَبّار - كما نقلناه عنه.\nأو نقول: ماذا نعني بالامتثال الذي ليس بمعلوم؟\nإن عنيت امتثال الأمر الأول فالملازمةُ ممنوعة؛ لما مَرّ من تصريح عبد الجَبَّار بامتثاله، وليس محل النزاع.\n_________\n(^١) سقط في أ، ب.","vol":"2","page":546},{"text":"قَالُوا: لَوْ كَانَ لَكَانَ الْمُصَلِّي بِظَنِّ الطَّهَارَةِ آثِمًا، أَوْ سَاقِطًا عَنْهُ الْقَضَاءُ إِذَا تَبيَّنَ الحَدَثُ.\nوَأُجِيبَ: بِالسُّقُوطِ لِلْخِلافِ، وَبِأَنَّ الْوَاجِبَ مِثْلُهُ بِأَمْرٍ آخَرَ عِنْدَ التَّبَيُّنِ، وَإتْمَامُ الْحَجِّ الْفَاسِدِ وَاضِحٌ.\n<hr><s0>\n\nوإن عنيت امتثال أمر ثانٍ بمثل الفعل الأول فالملازمة صدق، لكن نفي الَّلازم ممنوع، بل لا نزاعَ فيه، وإنما النزاع في تسميته قضاء.\n[\"و\" قال] (^١) \"أيضًا فإن القضاء استدراك لما فات من الأداء\"، والفرض أنه جاء بالمأمور به على وجهه، ولم يثبت شيء حصل المطلوب بتمامه، \"فيكون\" الإتيان [به] استدراكًا، \"تحصيلًا للحاصل\".\nولـ \"عبد الجَبَّار\" أن يقول: ليس القضاء عبارة عن استدراك الفائت، بل ذلك أحد\nقسمي القضاء؛ كما عرفت من مذهبه، وحينئذ فلا نسلّم أنّ ورود أمر ثانٍ بمثل الفعل الأول تحصيل للحاصل، والمنع واضح؛ لأن مثل الشيء مغاير لذلك الشيء، وقد مَرَّ الاتِّفَاق على جواز ذلك، وإنما النزاع في تسميته قضاء.\nالشرح: \"قالوا: لو كان\" مسقطًا للقضاء لكان \"المصلي يظن الطَّهارة\" إمَّا \"آثمًا أو ساقطًا عنه القضاء إذا تبيّن الحدث\"، واللازمُ منتفٍ بالاتفاق.\nوبيان المُلازمة: أنه إن كان مأمورًا بصلاة بيقين الطهَارة، فيكون لم يأت بما أمر به فيأثم، وإن أمر بصلاة بظن الطهارة، فقد أتى بها على وجهها، والمفروض أنه يسقط القضاء، فكان ساقطًا عنه.\n\"وأجيب بالسّقوط للخلاف\" - أي: بمنع انتفاء اللازم، ونقول بأحد شِقّيه، وهو سقوط القضاء عنه، فلا يصلّى مثلها؛ لأن المسألة مختلف فيها.\nوعبارة الآمدي: لا نسلّم وجوب القضاء على قولنا.\nوأنا لا أحفظ هذا القول عن أحد، ولعلّ الوَهْم سري إليه من اختلاف قول الشَّافعي في الذي يتيقّن الخطأ في القِبْلَةِ بعد ما صلّى بالاجتهاد، هل يلزمه الإعادة؟\n_________\n(^١) في أ: ولنا.","vol":"2","page":547},{"text":"<span data-type='title' id=toc-568>\" مَدْلُولُ صِيغَةِ الأَمْرِ بَعْدَ الحَظْرِ\"</span> (^١)\nمَسْالَةٌ:\nصِيغَةُ الأَمْرِ بَعْدَ الْحَظْرِ للإِبَاحَةِ؛ عَلَى الأَكْثَر.\n<hr><s0>\n\nقال: \"وبأن الواجب\" إذا تبيّن الحدث ليس عين الأول، بل \"مثله بأمر آخر\" غير الأمر الأول عرف \"عند التبيّن\"، وهذا الجواب ذكره الغَزَالي وغيره.\nوأنت بعد إحاطتك بما قَدَّمنا تعرف أن هذا الدليل مع جوابه منصوبان لا في محلّ النزاع، ثم أشار المصنّف إلى جوابه عن سؤال مقدّر، فقال: \"وإتمام الحج الفاسد واضح\".\nوتقريره: لو كان الإتيان بالمأمور به على وجهه مسقطًا [للقضاء] (^٢) - لما وجب القضاء على من أفسد حجّه، واللازم منتفٍ، ووجه المُلازمة أن من أفسد حجّه مأمور بالتمادي عليه، فإذا تَمَادى فقد امتثل بما أمر به على وجهه، فليستلزم ذلك إسقاط القضاء.\nوجوابه: واضح كما ذكر؛ لأن الأمر بإتمام الفاسد، أمر ثانٍ غير الأول، ولم يؤمر حينئذ بقضاء هذا التَّمادي المأمور به ثانيًا، وإنما أمر بقضاء ما أمر به أولًا؛ لأنه لم يوقعه على الوجْهِ الذي أمر به.\nوقد مَرّ في صدر المَسْالة أنّ هذا ليس في محل النزاع، فجوابه في غاية الإيضاح.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"صيغة\" \"الأمر\"، أسلفنا أنها للوجوب، وذلك عند التجرّد عن القرائن، فإذا\n_________\n(^١) هذه المسألة في حكم الأمر بعد الحظر، وقد اختلف القائلون بأن صيغة الأمر قبل الحظر للوجوب فيما إذا وردت بعد الحظر، فمنهم من أجراها على الوجوب، ولم يجعل لسبق الحظر تأثيرًا كالمعتزلة، ومنهم من قال: إنها للإباحة، ورفع الحجر لا غير، وهم الأكثرون من الفقهاء، ومنهم من توقف كإمام الحرمين. ينظر: الشيرازي ٣١٢ أ/ خ، البرهان ١/ ٢٦٣، والمعتمد ١/ ٨٢، والمحصول ١/ ٢/ ١٥٩، والتبصرة (٣٨)، والعدة ١/ ٢٥٦، والمستصفى ١/ ٦٨، والمنخول (١٣١)، والإحكام للآمدي ٢/ ١٦٥، واللمع (٨)، وشرح الكوكب المنير ٣/ ٥٦، وجمع الجوامع ١/ ٣٧٨، وشرح العضد ٢/ ٩١، وروضة الناظر (١٠٢)، والمنتهى لابن الحاجب (٧١)، والمسودة (١٦)، والإبهاج ٢/ ٤٢، وكشف الأسرار ١/ ١٢٠، وتيسير التحرير ٢/ ٣٤٥، وفواتح الرحموت ١/ ٣٧٩، وأصول السرخسي ١/ ١٩، والقواعد والفوائد ص ١٦٥، والتقرير والتحبير ١/ ٣٠٨، وميزان الأصول ١/ ٢٢٨.\n(^٢) في أ: قضاء.","vol":"2","page":548},{"text":"لنَا: غَلَبَتُهَا شَرْعًا، ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠].\nقَالُوا: لَوْ كَانَ مَانِعًا لَمُنِعَ مِنَ التَّصْرِيحِ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّ التَّصْرِيحَ قَدْ يَكُونُ بِخِلافِ الظَّاهِرِ.\n<hr><s0>\n\nوردت \"بعد الحَظْرِ\" فهي للإباحة\" \"عند الأكثر\"، وتقدم الحَظْر قرينة اقتضت ذلك، وهو المنقول عن الشَّافعي ﵁.\nونقله [الجلابي] (^١) عن أصحابنا جميعًا.\nوقيل: باقية على اقتضائها الوجووب - وهو رأي القاضي أبي الطيب الطبري، وأبي إِسْحَاق الشيرازي، وأبي المُظَفَّر بن السَّمْعَاني، والإمام، وغيرهم من أصحابنا. وبه قال تفريعًا على القول بالصيغ، وتوقف إمام الحرمين.\n\"لنا [غلبتها] \" (^٢) - أي: [غلبة] (^٣) استعمال الصيغة بعد الحظر \"شرعًا\" - في الإباحة شرعًا دليل أنها العرف الشرعي فيقدم على الوجوب الذي هو مدلولها لغة؛ لأن الشرعي يقدم على اللغوي.\nودليل [غلبتها] (^٤) شرعًا آياتٌ وآثارٌ كثيرة؛ مثل: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠].\nومثل: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ﴾ [البقرة: ٢٢٢].\nوقوله ﵇: \"كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ ادِّخَارِ الأَضَاحِي فكُلُوا وَادَّخِرُوا\" (^٥)، [وأمثلة] (^٦) تكثر.\n_________\n(^١) في أ، ج: الخلاني.\n(^٢) في أ: عليتها.\n(^٣) في أ: علية.\n(^٤) في أ: عليتها.\n(^٥) أخرجه مسلم ٣/ ١٥٦٢ في كتاب الضحايا: باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث (٢٩/ ١٩٧٢)، وأخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٤٨٤ في الضحايا: باب ادخار لحوم الأضاحي (٦).\n(^٦) في ب: وأمثلته.","vol":"2","page":549},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nولقائل أن يقول: تقدم الحَظْر لا يصلح معارضًا لحمل الصيغة على موضوعها؛ ولهذا يصح حمل الصيغة بعده على الوجوب.\nوأيضًا لو كان معارضًا للزم التَّعَارض بين المقتضي والمانع والأصل عدمه.\nقولكم: عرف الشرع.\nقلنا: لا نسلّم، بل العرف مختلفٌ فيه شرعًا.\nقال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥].\nوقال ﵇: \"فَإِذَا أَدْبَرَتِ الحَيْضَةُ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي\" (^١)، وأمثلته أيضًا تكثر.\nوإذا اختلفت العادة وجب الرُّجوع إلى نفس اللفظ.\nقال ابن السَّمعاني: ألا ترى أن لفظ الإيجاب كذلك، وهو قول القائل: \"أوجبت\"، أو \"ألزمت\"، لا فرق بين وروده ابتداء أو بعد حظر، كذلك لفظ الأمر.\n\"قالوا: لو كان\" تقدّم الحَظْر \"مانعًا\" من ظهور الصِّيغة في الوجوب - \"المنع من التصريح\" بكونها للوجوب، واللازم منتف.\nأما الملازمة فقياسًا للصريح على الظاهر.\nوأمّا انتفاء اللَّازم فللإجماع على جَوَاز التَّصْريح بالوجوب بعد الحَظْر بأن يقول الشارع: كذا أفعل واجبًا، أويقول: افعل وأنا مزيدٌ بهذه الصِّيغة الوجوب.\nوقرَّر الشارحون: جواز التَّصْريح بقول الشَارع مثلًا: أوجبت عليك، وقد قَدَّمنا نحوه عن ابن السَّمعاني.\nوفيه نظر؛ لأن النزاع إنما هو في صيغة \"افعل\" التي مِنْ مواردها الإباحة مجازًا على المختار، وحقيقة عند قوم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١/ ٣٣١ - ٣٣٢) كتاب الوضوء: باب غسل الدم رقم (٢٢٨)، ومسلم - (١/ ٢٦٢) كتاب الحيض: باب المستحاضة وغسلها وصلاتها (٦٢/ ٣٣٣) وأبو داود (١/ ٧٤) رقم (٢٨٢، ٢٨٣)، والترمذي (١/ ٢١٧ - ٢١٨) رقم (١٢٥).","vol":"2","page":550},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوأما نحو: \"أوجبت عليك\" فهو للوجوب تقدّمه حظر، أم لم يتقدمه؛ لأن مثله لا يستعمل في الإباحة بوجه، وهذا لا خلاف فيه، وقد قدّمته عن ابن السَّمْعاني، وأشار إليه الغزالي.\n[قال] (^١): \"وأجيب بأن التصريح قد يكون بخلاف الظاهر\" - أي: يمنع الملازمة، فإن قيام الدَّليل الظاهر على معنى، لا يمنع التَّصْريح بخلافه، ويكون التَّصريح حينئذ دليلًا على أن الظاهر من الصِّيغة غير مراد.\nومن فروع الأمر بعد الحَظْر الكتابة، ورد الأمر بها بعد الحَظْر، فإن السيد يمتنع أن يعامل عبده، وهي مستحبّة.\nوحكى صاحب \"التقريب\" قولًا: أنها واجبةٌ إذا طلب العبد.\nوالنظر إلى المخطوبة بعد العَزْمِ على نكاحها مستحب.\nوفي وجه. مباح مجرّد.\nولم يقل أحد من أصحابنا بالوجوب مع ورود الأمر به في قوله ﵇ للمغيرة: \"انْظُرْ إِلَيْهَا؛ فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤدَمَ بَيْنَكُمَا\" (^٢) وهو وارد بعد الحظر في تحريم النَّظر إلى الأَجْنَبِيَّة.\nوقالت الظاهرية بالوجوب.\nوإذا قال لعبده: اتَّجر صار مأذونًا، ويجب عليه امتثال أمر سيّده، وهو أمر وارد بعد حَظْر، وهو الحجر على العَبْدِ في التَّصرف في مال سَيّده.\n_________\n(^١) في ب: فقال.\n(^٢) أخرجه الترمذي ٣/ ٣٩٧، كتاب النكاح: باب ما جاء في النظر إلى المخطوبة (١٠٨٧)، والنسائي ٦/ ٦٩، ٧٠، كتاب النكاح: باب إباحة النظر قبل التزويج، وابن ماجة ١/ ٥٩٩، كتاب النكاح: باب النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها (١٨٦٥)، وأحمد في المسند ٤/ ٢٤٦، والدارمي ٢/ ١٣٤، كتاب النكاح: باب الرخص في النظر للمرأة عند الخطبة، وابن حبان، ذكره الهيثمي في موارد الظمآن ص ٣٠٣، كتاب النكاح: باب النظر إلى من يريد أن يتزوجها (١٢٣٦)، والحاكم ٢/ ١٦٥، ووافقه الذهبي، وعبد الرزاق في المصنف ٦/ ١٥٦، وابن أبي شيبة ٤/ ٣٥٥، وابن الجارود في المنتفى (٦٧٥)، والدارقطني ٢/ ٢٥٢، والطحاوي في شرح الآثار ٣/ ١٤، والبيهقي ٧/ ٨٤.","vol":"2","page":551},{"text":"<span data-type='title' id=toc-571>هَلِ القَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ؟</span>\n<span data-type='title' id=toc-570>مَسْأَلَةٌ:\nالْقَضَاءُ؛ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ،</span> وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِالْأَوَّلِ.\nلنَا: لَوْ وَجَبَ بِهِ لاقْتَضَاهُ وَصُمْ يَوْمَ الْخَمِيسِ. لا يَقْتَضِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ.\nوَأَيْضًا: لَوِ اقْتَضَاهُ لَكانَ أَدَاءً، وَلَكَانَا سَوَاءً؛ حَتَّى لا يَأثَمَ بِالاقْتِصَارِ عَلَى الثاني.\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-569>\"فائدة\"</span>\nصَرَّحَ الإمام الرازي بأن حكم الأمر الوارد بعد الاستئذان حكمه بعد التحريم حتى يجري فيه الخلاف، فاستفده، وسنذكر فيه قولًا بليغًا - إن شاء الله تعالى.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"القضاء\" - أي: قضاء العبادة المؤقتة إذا فاتت ولم تفعل في وقتها - \"بأمر جديد\" عند جماعة من المحققين من أصحابنا (^١)، ومن الحنفية، والمالكية ومنهم المصنف.\n\"و\" عند \"بعض الفقهاء بالأول\"، وعليه أبو بكر الرَّازي من الحَنَفِيّة، وأبو إسحاق الشِّيرَازي وغيره من الشِّافعية، والحَنَابلة، والقَاضي عبد الجَبَّار؛ وأبو الحسين البَصْري (^٢).\n_________\n(^١) هذه المسألة في أن القضاء هل هو بأمر مجدد أم لا؛ والمراد أن الأمر إذا ورد بعبادة في وقت مقدر فلم يفعل فيه لعذر أو لغير عذر أو يغلب على نوع من الخلل، فوجوب قضائها بعد ذلك الوقت، هل هو بالأمر الأول أو بأمر آخر مجدد. ينظر: الشيرازي ٣١٢ أ/ خ المحصول ١/ ٢/ ٤٢٠، والمعتمد ١/ ١٤٤، والبرهان ١/ ٢٦٥، وشرح العضد ٢/ ٩٢، والمستصفى ٢/ ١١، والمنخول (١٢٠)، وجمع الجوامع ١/ ٣٨٢، واللمع (٩)، والإحكام للآمدي ٢/ ١٦٦، وكشف الأسرار ١/ ١٣٨، وتيسير التحرير ٢/ ٢٠٠، وفواتح الرحموت ١/ ٨٨، وأصول السرخسي ١/ ٤٦، وميزان الأصول ١/ ٣٤٠، ومفتاح الوصول (٣٢)، والمغنى للقاضي عبد الجبار ١٧/ ١٢١ التمهيد للإسنوي (٦٨)، والوصول لابن برهان ١/ ١٥٥.\n(^٢) هذا مخالف لما صرح به القاضي عبد الجبار في المغنى ١٧/ ١٢١ وأبو الحسين البصري في المعتمد ١/ ١٤٤، وقال الشيرازي في اللمع (٩)، والتبصرة (٦٤): \"فإن فات الوقت الذي علق عليه العبادة فلم يفعل فهل يجب القضاء أم لا؟ فيه وجهان لأصحابنا: منهم من قال=","vol":"2","page":552},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nومعنى هذا الخلاف: أنه هل يستفاد من الأمر ضمنا الأمر بالقضاء؟ أي: يستلزم ذلك كما يستفاد منه جميع الفَوَائد الضِّمنية أو لا يستفاد؟\nوهؤلاء يقولون: يستفاد والخطاب الأول - اقتضى إيجاب الأداء، واقتضى تضمنًا القضاء إذا أخذ المكلّف بالعبادة إما بأصلها أو بشرطها؛ ولذلك نجد الفرق بين استفادة القضاء وما أمر به ابتداء، بخلاف أمرين مبتدأين، ولا يزعمون أن الأول دل عليه مطابقة بل تضمنًا.\nوأولئك يقولون: لا يستفاد منه ذلك بوجه.\nوقد زعم الأصفهاني شارح \"المحصول\" أن الذَّاهبين إلى أن القَضَاء بالأمر الأول يقولون: إنه يدل عليه مطابقة، وإن هذا هو محلّ الخلاف.\nوهو وهم، والصَّواب ما ذكرناه.\nوهو ما ذكره المَازرِيّ.\nوهذا في العبادة المؤقتة كما ذكرناه.\nوأما المطلقة إذا لم تفعل في أوّل أزمنة الإمكان - على رأي من يجعل الأمر للفور - فإن فعله بعده ليس قضاء عند الجُمْهور.\nخلافًا للقاضي أبي بكر؛ كما عرف في موضعه.\nوذكر المصنّف لما اختاره دلائل فقال: \"لنا لو وجب\" القضاء \"به\" - أي: بالأمر الأول، - \"لاقتضاه\" الأمر الأول، والملازمة ظاهرة؛ إذ يستحيل أن يجب بالشَّيء ما لا يقتضي واللازم منتفٍ؛ لأن صوم يوم الخميس [لا يقتضى] (^١) الأمر بصوم \"يوم الجمعة\"، فإن هذه الصيغة إنما وضعت لطلب الفعل يوم الخميس، وذلك لا يدلّ على طلبه يوم الجمعة.\nولقائل أن يقول: لا نسلّم أن صم يوم الخميس لا يقتضي يوم الجمعة عند تفويت يوم الخميس.\n_________\n= يجب، ومنهم من قال لا يجب إلا بأمر ثانٍ، وهو الأصح.\n(^١) سقط في أ، ب.","vol":"2","page":553},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقولكم: لأنه إنما وضع لطلب الفِعْلِ يوم الخميس.\n\"قلنا: ذلك [في] (^١) وضعه بالمُطَابقة، ولكنه مع ذلك يدلّ بالالتزام على طلب عوض اليوم عند فواته.\nواعلم أن المصنّف نقص من دليل الجماعة ما يزيده إيضاحًا، فإنهم حَقَّقُوا دعواهم بأن قالوا: ينبغي أن يفهم متعلّق الخطاب قبل الشُّروع في العمل، فإذا تعلّق الطَّلب بفعل مخصوص لم يكن له تعلّق بغيره، فلو تعذر فعل المطلوب لم يصحّ للمكلف أن يفعل غير ذلك الفعل الَّذي لا يتعلّق به الطلب لأجل فوات المَطْلُوب، وهو بمثابة مفوت الصلاة المطلوبة، لا يصحّ [له] (^٢) أن يأتي بالصّوم بدلًا عنها اقتصارًا على الخطاب الأول؛ ولذلك إذا طلبت الصلاة على وجه مخصوص فتعذر لا يتمكن المكلّف بهذا الخطاب خاصّة من أن يصلّى على غير ذلك الوجه.\nقالوا: [فكذلك] (^٣) إذا قال: صُمْ يوم الخميس؛ إذ ليس له تعلّق بالجمعة، وإذا تقاعد الخطاب عنهما جميعًا تقاعدًا واحدًا، فإذا لم يرتبط الطَّلب بالفعل مطلقًا، ولم يرد خطاب جديد يتضمن القضاء امتنع إيقاعه امثثالًا.\nوإلى - هذا الجزء أشار الأستاذ أبو إسحاق، فإنه قال: إنّما يملك من منافع الدَّار وغيرها بالإجارة ما كان بينه وبين العَقْد نسبة، وإذا استأجر الدَّار شهرًا بعينه فإنما [يملك] (^٤) من المَنَافع ما يكون الشَّهر المعين ظرفًا ووعاءً، وليس بين العَقْد ومنافع تضاف إلى شهر آخر نسبة بحال، فإذا فات الشَّهر فليس إلا الحكم بفوات متعلّق العقد، فيجب فسخه.\nقال: \"وأيضًا لو اقتضاه\" - أي: لو اقتضى الأمر الأول إيقاع الفعل ثانيًا - بعد خروج الوقت [المقيّد] (^٥) به \"لكان أداء\"؛ لأن الفرض أن الأمر يقتضيه فيكون مساويًا لإيقاعه في الوقت، واللازم منتفٍ؛ للاتفاق على تسميته قضاء.\nولقائل أن يقول: إنما تصدق المُلازمة، لو قلنا: إنه يقتضيه بالمطابقة، ونحن إنما نقول: إنه يستلزمه، وحينئذ لا يلزم من تسمية ما اقتضاه الأمر مطابقة، إذ تسمية ما اقتضاه استلزامًا كذلك سلمناه، لكنا نقول: إنما يسمى قضاء؛ لأنه استدراك لما فات؛ إذ هذا هو\n_________\n(^١) سقط في أ، ب.\n(^٢) سقط في أ.\n(^٣) في ب: فلذلك.\n(^٤) في أ، ب: ملك.\n(^٥) في ب: المعتد.","vol":"2","page":554},{"text":"قالُوا: الزَّمَانُ ظَرْفٌ؛ فَاخْتِلالُهُ لا يُؤَثِّرُ فِي السُّقُوطِ.\n[وَ] رُدَّ بِأَنَّ الْكَلامَ فِي مُقَيَّدٍ لَوْ قُدِّمَ، لَمْ يَصِحَّ.\nقَالُوا: كَأجَلِ الدَّيْنِ.\nرُدَّ: بِالمَنْعِ، وَبِمَا تَقَدَّمَ.\nقَالُوا: فَيَكُونُ أَدَاءً.\nقُلْنَا: سُمِّيَ قَضَاءً، لأَنَّهُ يَجِب اسْتِدْرَاكًا لِمَا فَاتَ.\n<hr><s0>\n\nالمميز للقضاء على ما مَرّ في تعريفه في أوّل الكتاب، وهذا ليس موجودًا في إيقاعه في الوقت، بل الموجود فيه [فعل] (^١) الأداء، وهو إيقاعه في الوَقْتِ المقدّر له أولًا شرعًا؛ فلهذا سمي هذا أداء.\nوالعجب من المصنف يجيب بهذا الجواب عن دليل خَصْمه بعد هذا، لما استدل عليه بنحو هذا الدَّليل، وهو قوله: قالوا: فيكون أداء، ويغفل عن وروده عليه هنا.\nقال: \"ولكانا سواء\" - أي: ولو كان الأمر الأول مقتضيًا للقضاء، لكان هو والأداء سواء؛ لأن [الفرض] (^٢) أن الأمر الأول يقتضيه الأداء، فيكون التكليف حينئذ بالفعل، إما أداء وإما قضاء، فيكونان حينئذ سواء؛ لاقتضاء الأمر لهما اقتضاء واحدًا، واللَّازم منتفٍ لاستلزام القضاء الإثم، دون الأداء.\nولقائل أن يقول: لا نسلّم أن اقتضاء الأمر لهما اقتضاء واحدًا؛ لما عرفت من أنه يقتضي الأداء بالوَضْعِ والقضاء بالضمن، وحينئذ فلا يلزم تساويهما في الحكم؛ لافتراقهما في اقتضاء الأمر لهما.\nالشرح: \"قالوا: الزَّمان ظرف\" للفعل المأمور به، ولا شَيء مما هو ظرف للفعل المأمور به يكون مطلوبًا من الأمر بذلك الفعل، ينتج الزمان ليس مطلوبًا من الأمر بالفعل.\nثم نقول: ليس مطلوبًا من الأمر بالفعل، ولا شيء ممّا لا يكون مطلوبًا من الأمر بالفعل يؤثر \"اختلاله\" في سقوط ذلك الفعل ينتج، فاختلاله أي: الزمان - \"لا يؤثر في السُّقوط\" - أي: سقوط ذلك الفعل.\n_________\n(^١) في ب: فصل.\n(^٢) في أ: الغرض.","vol":"2","page":555},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأما صغري القياس الأول فظاهرة.\nوأما كبراه، فلأن الظرف غير مقدور للمكلّف؛ فلا يكون مطلوبًا منه.\nوأما مقدمتا القياس الثاني فظاهرتان.\n\"ورد بأنّ الكلام في معيّن لو قدم لم يصحّ\".\nوحاصله: منع كُبْرَى القياس الأول.\nوتقريره: أَنّا لا نسلّم أن ما هو ظرف للفعل المأمور به لا يكون مطلوبًا بالأمر إذا كان الأمر، مقيدًا بذلك الظَّرف المعين، بحيث لو قدم عليه لم يصحّ، والمعنى يطلبه حينئذ من الأمر طلب إيقاع الفعل فيه؛ لأن المكلّف مأمور بتحصيل الظرف.\nوحينئذ اتضح أن الزمان مقصود واتجه منع قياسكم الثاني حيث قلتم: الزَّمان ليس مطلوبًا من الأمر.\nوسند المنع ما عرفت من أن المعنى به تطلبه طلب إيقاع الفعل فيه، لا طلب إيجاده، وحينئذ فاختلاله [لا] (^١) يؤثر في السُّقوط، وإلا لم يكن لتقييد الأمر به فائدة.\n\"قالوا\": تَوْقيت الفِعْل بوقت تأجيل له، فيجب قضاء الفعل بعد التأجيل بالأمر الأول \"كأجل الدَّين\" - أي: قياسًا على وجوب قضاء الدّيون المؤجلة به بعد التأجيل، أو نقول: الفعل المؤقت دين لله - تعالى - مؤجّل على [الكَفّ] (^٢)، فوجب قضاؤه بعد ذلك بالأمر الأول؛ كديون الآدميين المؤجّلة.\n\"رُدَّ بالمنع\" - أي: لا نسلم أن الزمان المقدر للمأمور به كأجل الدين؛ وذلك لأن مخرج المأمور به عن وقته يَأْثَم، ومخرج الدين عن الأجل لا يأثم.\n\"ومما تقدم\" - أي: الكلام إنما هو في مقيد لو [قدم] (^٣) لم يصح، ولا كذلك الدَّين المؤجّل فإنه يجوز تأديته قبل الأجل، وعطف الجواب الثَّاني على الأول يعطي تغايرهما.\nوفي \"المختصر الكبير\" جعل الثاني سندًا للأول.\n\"قالوا: فيكون أداء\" - أي: لو كان القضاء بأمر جديد لكان الإتيان به أداء؛ لأن الفعل\n_________\n(^١) سقط في أ، ج.\n(^٢) في ج: المكلف.\n(^٣) في أ: قدر.","vol":"2","page":556},{"text":"<span data-type='title' id=toc-572>\" الأَمْرُ بِالأَمْرِ بِالشَّيْءِ\"</span>\nمَسْأَلَةٌ:\nالأَمْر بِالأَمْر بِالشَّيْء لَيْسَ أَمْرًا بِالشَّيْءِ.\nلنَا: لَوْ كَانَ لَكَانَ \"مُرْ عَبْدَكَ بِكَذَا\" - تَعَدِّيًا، وَلَكَانَ يُنَاقِضُ قَوْلَكَ لِلْعَبْدِ: \"لا تَفْعَلْ\".\nقَالُوا: فُهِمَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى رَسُولَهُ بِأَمْرِنَا، وَمِنْ قَوْلِ الْمَلكٍ لِوَزِيرِهِ: \"قُلْ لِفُلانٍ: افْعَلْ\".\nقُلْنَا: لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ مُبَلِّغٌ.\n<hr><s0>\n\nحينئذ إنما وجب بالأمر الثاني، فإذا فعله لم يكن فعله بعد وقته، فلا يكون قضاء، وهذا الدَّليل نوع من دليل المصنف الثاني كما نبَّهناك عليه.\nثم \"قلنا: سمي قضاء؛ لأنه يجب استدراكًا لما فات\"، وقد عرفناك أن هذا جواب صحيح، وأنه جواب عن دليل المصنف الثاني.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"الأمر بالأمر بالشَّيء ليس أمرًا\" بذلك \"الشَّيء\" على المُخْتَار.\nومحلّ النزاع قول القائل: مُرْ فلانًا بكذا (^١).\nأما لو قال: قل لفلان \"افعل كذا\"، فالأول آمر، والثاني مبلّغ [بلا] (^٢) نزاع، وصرَّحَ به المصنّف في \"المنتهى\".\n_________\n(^١) هذه المسألة في أن الأمر المتعلق بأمر المكلف لغيره بفعل من الأفعال هل يكون أمرًا لذلك الغير بذلك الفعل أم لا؟!. ينظر: المحصول ١/ ٢/ ٤٢٦، والإحكام للآمدي ٢/ ١٦٩، روضة الناظر ص (١٠٨)، وشرح تنقيح الفصول (١٤٨)، وحاشية البناني ١/ ٣٨٤، والتمهيد للإسنوي (٢٧٤)، ونهاية السول ٢/ ٢٩٢، وشرح الكوكب المنير ٣/ ٦٦، والمستصفى ٢/ ١٣، والقواعد والفوائد ص ١٩٠، وإرشاد الفحول (١٠٧)، ومختصر ابن اللحام ص ١٠٢، التحرير ص ١٤٨، تيسير التحرير ١/ ٣٦١، فوائد الرحموت ١/ ٣٩٠، وشرح العضد ٢/ ٩٣.\n(^٢) في أ، ب: فلا.","vol":"2","page":557},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nومن أمثلة المسألة: قوله ﵇ في الصِّبيان: \"مُرُوهُمْ بِالصَّلاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سنين\" (^١).\nوقوله ﵇ لعمر ﵁ وقد طلق ابنه عبد الله امرأته: \"مُرْ عَبْدَ اللهِ فَلْيُرَاجِعْهَا\".\n\"لنا: لو كان\" آمرًا بذلك الشيء \"لكان\" قول القائل: \"مُرْ عبدك بكذا تعدَّيًا\"؛ لأنه يكون حينئذ أمرًا لعبد الغير، وليس ذلك عدوانًا بالاتفاق.\n\"ولكان\" أيضًا \"يناقض قولك للعبد: لا تفعل\" هذا الفعل؛ لأنه حينئذٍ يكون آمرًا للعبد بذلك الفعل، وبعدمه، وهو تناقض.\nقال المصنّف في \"المنتهى\": ونحن نقطعُ أنه لا تناقض في ذلك.\nولقائل أن يقول على الأول: إنما يكون متعديًا لو كان أمره لعبد الغير ليس لازمًا لأمر السَّيد لعبده بذلك، ولكنه هنا لازم له؛ وهذا لأن قول القائل: مُرْ عبدك بكذا يدلّ على أمرين:\nأحدهما: أمر القائل للسَّيد يأمر عبده بذلك.\nوالثاني: أمره هو العَبْد بذلك.\nوهذا الثَّاني لازم للأول، بمعنى أن آمر القائل للعبد بذلك يتوقف على أمر السَّيد إياه به لازم له، وحينئذ لا يكون أمره للعَبْدِ تعديًّا؛ لأنه موافق لأمر السَّيد له بذلك، وهو أمر للعبد بما أمره به سيّده.\nسلّمنا أنه متعدّ، لكن لا نسلّم أن التعدي لأجل أن الصِّيغة لم تقتضه، بل لوجوب المانع من ذلك وهو التصرّف في ملك الغير من غير سُلْطان عليه؛ ولهذا يمتنع أمر من لا سلطان للآمر عليه، كما قرّرتم به، وهذا المانع ليس بموجود في أوامر الشَّرع؛ لوجود سُلْطان التكليف له علينا، فلا تعدّي حينئذ.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود ١/ ١٣٣٣، كتاب الصلاة: باب متى يؤمر الغلام بالصلاة (٤٩٥، ٤٩٦)، وأحمد ٢/ ١٨٧، والدارقطني ١/ ٢٣٥، باب الأمر بتعليم الصلوات، والضرب عليها، وحد العورة التي يجب سترها (٢، ٣)، والحاكم ١/ ١٩٧. وانظر كلام الحافظ الزيلعي على ذلك الحديث في نصب الراية ١/ ٢٩٦، والحديث الثاني.","vol":"2","page":558},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nولقائل أن يقول أيضًا على الثَّاني: إنما يلزم التَّناقض لو كان الأمر مستلزمًا للإرادة، وجاز أن يكون أحد الأمرين غير مراد فلا تناقض.\nفإن قلت: [نفرض] (^١) إرادته لكل منهما.\nقلت: يمتنع حينئذ صدور ذَيْنك الأمرين من عاقل فضلًا عن الشَّارع، إلا عند مجوّز تكليف المُحَال، وحينئذ نقول: جاز التَّكليفُ بالنقيضين.\n\"قالوا\" دليلين صرح بهما في \"المختصر الكبير\":\nأحدهما: أنه \"فهم ذلك من أمر الله - تعالى - رسوله ﷺ بأمرنا\"؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢].\nفإنا نفهم من هذا أمر الله - تعالى - لأهل بيته ﷺ بالصلاة، وفهم ذلك أيضًا من أمر رسوله ﷺ غيره بأمرنا كما فهمنا أمره ﵊ الصَّبي بالصَّلاة، وهو ابن سبع في الحديث السَّابق.\n\"و\" الدَّليل الثاني: أنا نفهم ذلك \"من قول الملك لوزيره: قُلْ لفلان: افعل\"، وإليه الإشارة بقوله: ومن قول اليلك لوزيره: قل لفلان: افعل.\nوقوله: قل لفلان: افعل معمول لقوله: قول الملك لوزيره خاصّة.\n\"قلنا\" جوابًا عن الدَّليلين جميعًا: إنما فهم ذلك من أمر الله - تعالى - رسوله ﷺ، ومن قول الملك لوزيره، \"للعلم بأنه\" - أي: بأن المأمور في الجميع \"مبلّغ\" ما أمر الله - تَعَالى - نبيه ﷺ فلقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧].\nوأما أمر النبي ﷺ غيره بأمرنا بشيء فظاهر؛ لأن غيره لا أمر له علينا إلَّا بأمره ﷺ وهو مبلّغ عنه.\nوأما قول الملك لوزيره: قل لفلان: افعل، فغير محلّ النزاع علي ما عرفت (^٢).\n_________\n(^١) في أ: تعرض.\n(^٢) في حاشية ج: من أن محل النزاع: مر فلانًا بكذا، لا قل له: افعل كذا.","vol":"2","page":559},{"text":"<span data-type='title' id=toc-573>\" المَطْلُوبُ بِأَمْرِ فِعْلٍ مُطْلَقٍ (^١)، مَا هُوَ؟</span> \"\nمَسْأَلَةٌ:\nإِذَا أُمِرَ بِفِعْلِ مُطْلَقٍ فَالْمَطْلُوبُ الْفِعْلُ الْمُمْكِن، الْمُطَابِقُ لِلْمَاهِيّةِ، لا الْمَاهِيّةُ.\nلنَا: أَنَّ الْمَاهِيّةَ يَسْتَحِيلُ وُجُودُهَا فِي الأَعْيَانِ؛ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ تَعَدُّدِهَا، فَيَكُونَ كُلَيًّا جُزْئِيًّا، وَهُوَ مُحَالٌ.\nقَالُوا: الْمَطْلُوبُ مُطْلَقٌ، وَالْجُزْئِيُّ مُقَيدٌ، فَالْمُشْتَرَكُ هُوَ الْمَطْلُوبُ.\nقُلْنَا: يَسْتَحِيلُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ.\n<hr><s0>\n\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"إذا أمر بفعل مطلق فالمطلوب\" - عند الآمدي والمصنف - \"الفعل الممكن المطابق للماهيّة، لا الماهيّة\". (^٢).\nوعند الإمام الرَّازي: أن الأمر بالماهية الكلية ليس أمرًا بِشَيْءٍ من جزئياتها (^٣).\nوهو الحَق، وذلك كالمأمور بالبيع مأذون أن يصدر عنه بيع أعم من كونه بثمن المِثْل، أو بِغَبْنٍ فاحش، أو غير ذلك؛ لأن البيع قدر مشترك بين هذه الأمور، وما به الاشتراك هو\n_________\n(^١) هذه المسألة في أن المطلوب فيما إذا أمر بفعل من الأفعال مطلقًا غير مقيد في اللفظ بقيد خاص، كقول القائل لوكيله: \"بع\" هل ماهية ذلك الفعل أو أحد جزئياتها اختلفوا فيه. ينظر الشيرازي ٣١٤ خ.\n(^٢) الماهية: تطلق في الغالب على الأمر المتعقل مع قطع النظر عن الوجود الخارجي والأمر المتعقل من حيث إنه مقول في جواب \"ما هو \"يسمى \"ماهية\" ومن حيث ثبوته في الخارج يسمى حقيقة، ومن حيث إنه مجلى الحرادث جوهرًا. وتنظر المسألة في: شرح الموكب المنبر ٣/ ٧٠، والمحصول (١/ ٢/ ٤٢٧)، والإحكام للآمدي ٢/ ١٧١، وشرح العضد (٢/ ٩٣)، والمسودة (٩٨)، ونهاية السول ٢/ ٢٩٢، وشرح تنقيح الفصول ص ١٤٥، وفواتح الرحموت ١/ ٣٩٢، وإرشاد الفحول (١٠٨).\n(^٣) ينظر المصادر السابقة.","vol":"2","page":560},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالذي وقع مأذونًا به، وهو غير ما به الامتياز، وتعيّن البيع بثمن المثل إنما هو لأمر فقهي، وهو الحجر على الوكيل في التَّصرّف على موكله بما يضرُّ به مما لا يقع مأذونًا.\nونحن نقدم مقدمة يتحرّر بها موضع النِّزَاع بين الإِمام والآمدي، ويلوح وجه الصواب فنقول: الكلي؛ إما طبيعي، أو منطقي، أو عقلي، وهذا لأنك إذا قلت: هذا كلي مشيرًا إلى البيع (^١) مثلًا، فهناك أمور ثلاثة:\nأحدها: الطبيعة من حيث هي؛ كماهية البيع مثلًا، وهو الطبيعي.\nوالثاني: قيد كونه كليًّا، أي: يشترك في مفهومه كثيرون، وهو المَنْطقي.\nوالثالث: تلك الماهية بقيد كونها كليًّا، وهو العقلي، وهذا مما لا خفاء به، فإنك تارةً توجّه النظر إلى الطبيعة، وتارة إلى قيد كونها يشترك في مفهومها كثيرون، وتارة إلى مجموع الأمرين.\nوالطبيعي موجود في الأعيان بلا شَك، فالبيع بثمن المِثْل موجود في الأعيان ضرورة، وجزؤه البيع من حيث هو بيع، وجزء الموجود موجود.\nوأما المَنْطقي والعَقْلي، ففي وجودهما في الخارج خلاف مبني على أن الأمور [النسبية] (^٢) هل لها وجود في الخارج؟\nومحلّ النزاع في مسألتنا، إنما هو الكُلِّي الطبيعي، وستعرف إن شاء الله - تعالى - ضعف دليل المصنّف بعرفانك محل النّزاع.\nقال: \"لنا: أن الماهية يستحيل وجودها في الأعيان؛ لما يلزم من تعددها فيكون كليًّا جزئيًّا وهو محال\".\nوتقرير هذا أن يقال: لو كان الأمر بالماهيّة الكُلّية أمرًا بها لا بشيء من جزئياتها لزم أن يكون كليًّا جزئيًّا معًا، وهو مُحَال.\nوبيان المُلازمة: أن الماهية من حيث هي هي معنى كلي، لو وجدت في الأعيان لكانت إنما توجد في جزئياتها، فتكون حينئذ متعدّدة لتعدّد جزئياتها التي وجدت فيها،\n_________\n(^١) في حاشية ج: قف مع حميد الكلبي وتقسيمه إلى أقسامه الثلاثة.\n(^٢) في أ، ج: الشيئية.","vol":"2","page":561},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفتكون حينئذ جزئية، وهي كلية من حيث إن الأمر بها لا بشيء من جزئياتها، فتكون كلية جزئية.\nولقائل أن يقول: لا نسلّم الملازمة، وهذا لما مَرّ أن الماهية من حيث هي هي كلي طبيعي، ولا يستحيل وجود الطبيعي في الأعيان.\nوقوله: لا يوجد إلا في جزئياته.\nقلنا: مسلّم، قوله: فتكون الماهية حينئذ متعددة لتعدُّد جزئياتها.\nقلنا: ممنوع؛ وهذا لأن الماهيّة الموجودة في جزئي هي [بعينها] (^١) الموجودة في الآخر (^٢)، وإنما المتعدد الجزئيات؛ لتغاير فصولها المميّزة لها.\nأما أن الماهيّة حينئذ من حيث هي هي متعدّدة فلا تعم الماهية التي يستحيل وجودها في الأعيان هي الماهية بقيد كونها كلية على خلاف في ذلك، لكن هذا ليس محلّ النزاع؛ لأنه كلي عقلي، والكلام إنما هو في الطَّبيعي.\nوالإمام وأتباعه \"قالوا: المطلوب مطلق، والجُزئي مقيّد، فالمشترك هو المطلوب\"، ولا دلالة له على شيء من الخُصوصيّات.\nوأجاب عنه في الكتاب بقوله: \"قلنا: يستحيل\" وجوده في الخَارجِ \"مِمَّا ذكرناه\".\nوهذا ضعيف، فقد عرفناك أنه ليس بمستحيل، بل هو الواقع.\nوالحاصل: أنه أُجيب أن كلامنا في غَيْرِ الطبيعي، وليس كذلك.\n_________\n(^١) في ب: نفسها.\n(^٢) في حاشية ج: قوله: هي بعينها الموجدة في الآخر، فيه نظر؛ إذ يلزم أن يكون الشيء الواحد في مكانين، بل يجتمع له كل متنافيين، نعم هم يقولون: الموجود في كل واحد حصة منها.\nوالحق أنها أمر انتزاعي اعتباري ولا وجود إلَّا للأشخاص، وعبارة السعد: قد تؤخذ الماهية لا بشرط كونها مقارنة للعوارض أو مجردة، بل مع تجويز أن تقارنها العوارض وألا تقارنها وتكون مقولًا على المجموع حال المقارنة، وهي الكلي الطبيعي والماهية لا بشرط شيء، والحق وجودها في الأعيان، لكن لا من حيث إنها جزئي في الجزئيات المتحققة على ما هو رأي الأكثر، بل من حيث إنه يوجد شيء تصدق هي عليه، وتكون عينه بحسب الخارج وإن تغايرا مفهومًا. وفي عبد الحكيم على القطب ما يرده، فانظره.","vol":"2","page":562},{"text":"<span data-type='title' id=toc-574>\" الأَمْرَانِ المُتَعَاقِبَانِ\"</span>\nمَسْأَلَةٌ:\nالأَمْرَانِ الْمُتَعَاقِبَانِ بِمُتَمَاثِلَيْنِ، وَلا مَانِعَ عَادَةً مِنَ التكْرَارِ مِنْ تَعرِيفِ أَوْ غَيْرِهِ، وَالثَّانِي غَيْرُ مَعْطُوفٍ مِثْلُ: صَل رَكْعَتَيْنِ صَل رَكْعَتَيْنِ.\nقِيلَ: مَعْمُولٌ بِهِمَا.\nوَقِيلَ: تَأكِيدٌ.\nوَقِيلَ: بِالْوَقْفِ.\nالأولُ: فَائِدَةُ التأْسِيسِ أظْهَرُ؛ فكَانَ أَوْلَى.\nالثانِي: كَثُرَ فِي التأكيدِ، وَيَلْزَمُ مِنَ الْعَمَلِ مُخَالَفَةُ بَرَاءَةِ الذمَّةِ، وَفِي الْمَعْطُوفِ: الْعَمَلُ أَرْجَح، فَإنْ رُجِّحَ التأْكِيدُ بِعَادِيَّ، قُدِّمَ الأرْجَح، وَإلَّا فَالْوَقْفُ.\n<hr><s0>\n\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"الأمران\" من أمر؛ إما أن يكونا متعاقبين، أو غير مُتَعَاقبين بأن يصدر أحدهما بعد سَكْتة طويلة، أو بعد وقوع الآخر من المأمور: (^١).\n_________\n(^١) هذه المسألة في حكم الأمرين المتعاقبين متماثلين، والخلاف فيه. فنقول: لا يخلو الأمران المتعاقبان من أن يكونا بمختلفين أو بمتماثلين، فإن كان الأول فلا خلاف في اقتضاء المأمورين على اختلاف المذاهب في الوجوب والندب والوقف، وسواء أمكن الجمع بينهما كالصلاة والصوم أو امتنع كالصلاة في مكانين أو الصلاة مع أداء الزكاة، وإن كان الثاني فلا يخلو إما ألا يكون لمانع التكرار عادة أو كان، فإن كان فإما أن يكون المانع من التكرار هو التعريف كقولك: أعط زيدًا درهمًا أعط زيدًا الدرهم، أو غيره ككونه غير قابل للتكرار بحسب الذات نحو: صم يوم الجمعة صم يوم الجمعة، أو بحسب العادة كقول السيد لعبده: اسقنى ماء اسقنى ماء، ولا خلاف أيضًا في هذه الصورة أن الثاني تأكيد محض، وإن لم يكن مانع كما ذكرنا فلا يخلو إما أن يكون الثاني معطوفًا على أولًا، فإن لم يكن معطوفًا كقوله: صل ركعتين. صل ركعتين، فهو موضوع الخلاف، ولذلك قيد المصنف الأمرين بالقيود المذكورة.\nينظر: الشيرازي ٣١٦ أ/ خ، والمحصول ١/ ٢/ ٢٥٥ - ٢٥٦، وشرح العضد ٢/ ٩٤، وجمع الجوامع ١/ ٣٨٩، والإحكام للآمدي ٢/ ١٧٢، ونهاية السول ٢/ ٢٩٢، والقواعد والفوائد =","vol":"2","page":563},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفإن كان الثاني [فَهُوَ] هو أمر مُسْتَأنف، ولا يحمل على التكرار بلا شَك.\nوإن كان الأول، وإليه أشار بقوله: \"المُتَعَاقبان\".\nفإن كانا بغير متماثلين، فالثاني مستأنف بلا شك، مثل: اضرب زيدًا، أعط زيدًا درهمًا.\nوإن كانا \"بمتماثلين\".\nفإما أن ثَمّ ما يمنع من التَّكْرار عادة، أو لا، فإن كان ثَمّ ما يمنع حمل على التَّأكيد، والمانع من التّكْرَار؛ إما تعريف الثاني مثل: صَل ركعتين، صَل الركعتين.\nأو عادة التّخَاطب للقرينة؛ مثل: اسقني ماء، اسقني ماء، فِإنَّ دفع الحاجة بمرة واحدة غالبًا يمنع تكرار السقي.\nأو الاستحالة العادية؛ مثل: \"اقتل زيدًا، اقتل زيدًا.\nأو الاستحالة الشَّرعية؛ مثل: أعتق زيدًا، أعتق زيدًا.\nوكون الأمر الأول مستغرقًا للجنس مستوعبًا له؛ إذ لا يمكن زيادة على استغراق الجنس! كقولك: اجلد الزُّنَاة، اجلد الزُّنَاة.\nقال القاضي في \"التقريب\": وكذلك إذا عهد الأمر إلى المأمور، فقال له: إذا كررت أمرك بضرب زيد وبالصلاة، فاعلم أني أريد بالمتكرّر منه فعلًا واحدًا.\nوإلى هذه الموانع أشار بقوله: \"ولا مانع عادة من التكرار من تعريف أو غيره\"، [أي] (^١): غير التعريف.\nوإن لم يكن ثَمّ مانع من التكّرار.\n_________\n= ١٧٣، ومختصر ابن اللحام ص (١٠٣)، واللمع ص (٨)، وشرح تنقيح الفصول (١٣١)، والمسودة (٢٣)، والتحرير (١٤٩) وتيسير التحرير ١/ ٣٦٢، وشرح الكوكب المنير ٣/ ٧٤، والتبصرة ص ٥١، والعدة ١/ ٢٨٠، والمعتمد ١/ ١٧٤، والوصول إلى الأصول ١/ ١٦٢، وإرشاد الفحول ١٠٩، والتقرير والتحبير ١/ ٣١٩، وفواتح الرحموت ١/ ٣٩١.\n(^١) في ب: أو.","vol":"2","page":564},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفإما أن يكونا متعاطفين، أو لا، فإن تعاطفا فهو القسم الثاني، وإلا فالأول.\nوإليه الإشارة بقوله: \"والثاني غير معطوف، مثل: صل ركعتين، صل ركعتين.\nقيل: معمول بهما، وهو قول الأكثرين منا ومن غيرنا.\n\"وقيل: تأكيد\"، وهو رأي بعض أصحابنا، والجُبّائي، والقاضي عبد الجَبَّار من المعتزلة.\n\"وقيل بالوقف\" - وهو رأي أبي بكر الصَّيرفي، وأبي الحسين البَصْري.\nومن فروع المسألة: قول أصحابنا فيما إذا قال للمدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، إن سكت بينهما سَكْتة فوق سَكْتة التَّنفس ونحوه وقع طلقتان.\nوإن قال: أردت التأكيد، لم يقبل ظاهرًا ويدَيَّن، وإن لم يَسْكت وقصد التأكيد، قبل ولم يقع إلا طلقة، وإن قصد الاستئناف، وقع طلقتان، وكذا إن أطلق على الصَّحيح.\nوكل هذا فيما إذا كرّرت صيغة الأمر؛ مثل: صلّ ركعتين، صل ركعتين.\nفإن كرر المأمور به دون صيغة الأمر: مثلْ صل ركعتين، صل ركعتين - فلم أره مصرّحًا به في الأصول، والظَّاهر أنه لا فرق عند الأكثرين، خلافًا للقاضي الحسين؛ لأن أصحابنا اختلفوا في قوله: أنت طالق طالق.\nفقال الجُمْهُور: لا فرق بينه وبين إعادة الضَّمير.\nوقال القاضي حسين: يقع طلقة قطعًا.\nاحتج \"الأول\" - يعني: القائل بالمُغَايرة في صلّ ركعتين، صلّ ركعتين - \"فائدة التأسيس أظهر فكان أولى\".\n\"الثَّاني: كثر\" ورود الأمر الثَّاني من الأمرين على الصيغة المذكورة \"في التأكيد\" فيلحمل عليه؛ لأن الأكثرية راجحة.\n\"و\"أيضًا: \"يلزم من العمل\" بالثَّاني، وصيرورته للاستئناف \"مخالفة براءة الذمَّة\" فإنها الأصل، والتكرار غير متحقّق.\nوهذا قد اعترضه الآمدي؛ بأنه لو حمل على التأكيد لزم مخالفة ظاهر الأمر.","vol":"2","page":565},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقال: فإنه إما أن يكون ظاهرًا في الوجوب أو الندب، أو هو متردّد بينهما على وجه لا خروج له عنهما على اختلاف المذاهب، وحمله على التأكيد خلاف ما هو الظَّاهر من الأمر.\nواعتمد المصنّف في \"المختصر الكبير\" هذا الجواب تبعًا للآمدي، واختار وجوب العمل بهما، ولم يذكر هذه المعارضة في \"المختصر الكبير\"؛ كأنه وضح له ضعفها.\nووجه ضعفها: أنه إنما يلزم مُخَالفة ظاهر الأمر لو حمل على غير مدلول الأمر، وحمله للتَّأكيد ليس حملًا له على غير مَدْلوله؛ وذلك لأن الأمر الثاني إذا حمل على التأكيد فالأول: إن كان للوجوب فالثاني كذلك، وإن كان للنَّدْب فالثَّاني كذلك، وهو حينئذ تابع للأول، فأين مخالفة الظاهر؟\nفإن قلت: بل مخالفة الظَّاهر لازمة للتوكيد من جهة أن الأمر الثاني لمَّا لم يفد شيئًا مستأنفًا - صار كأنه خولف به مدلوله.\nقلت: إن كان هذا المعنى بخلاف الطاهر، فهو بعينه الترجيح الأول، وهو ظهور فائدة التأسيس، فليس حينئذ ترجيحًا غير الترجيح الأول.\nوالقسم الثاني: أن يتعاطفا، وإليه أشار بقوله: \"وفي المعطوف العمل أرجح\"؛ لأن الترجيح بظهور التأسيس (١) ينضم إليه ترجيح آخر، وهو اقتضاء العَطف التغاير.\nوهذا الذي اختاره المصنف أحد القولين في المسألة.\nوذكر القاضي عبد الوَهَّاب المالكي: أنه الذي يجيء على أصول أصحابهم.\nوالثاني: الحمل على التأكيد، حكاه عبد الوَهَّاب.\nولم يفرق القاضي أبو بكر في \"التقريب\" بين حالة العطف وعدمها.\nوهذا كله إذا لم يترجّح التأكيد.\n\"فإن رجح التأكيد بعادي\" كما تقدّم - \"قدم الأرجح، وإلا فالوقف\"، للتكافؤ من [الجانبين] (٢). والله أعلم.\n(١) التأسيس: عبارة عن إفادة معنى آخر لم يكن حاصلًا قبله، فالتأسيس خير من التأكيد؛ لأن حمل الكلام على الإفادة خير من حمله على الإعادة. ينظر تعريفات الجرجاني.\n(٢) في أ: الحالتين.","vol":"2","page":566},{"text":"تمّ الجزء الثاني من كتاب رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب ويليه الجزء الثالث وأوله مسألة تعريف النهي","vol":"2","page":567},{"text":"رَفعُ الحَاجِبِ عَن مُختَصَر ابْن الحَاجِب\nتأليف\nتَاج الدّين أبي نَصر\nعَبْد الوهَّاب بن عَلي بن عَبْد الكافي السُّبْكي\n(٧٢٧ - ٧٧١ هـ)\nتحَقيق وَتعِليق وَدِرَاسَة\nالشيخ عَلي محمَّد معَوض\nالشيخ عَادِل أحمد عَبد المَوجُود\nالجزءُ الثالث\nعالم الكتب","vol":"3","page":1},{"text":"﷽","vol":"3","page":2},{"text":"رَفعُ الحَاجِبِ عَن مُختَصَر ابْن الحَاجِب","vol":"3","page":3},{"text":"عالم الكتب\nللطباعة والنشر والتوزيع\nبيروت - لبنان\n\nص. ب: ٨٧٢٣ - ١١، برقيًا: نابعلبكي\nهاتف: ٨١٩٦٨٤ - ٣١٥١٤٢ - ٦٠٣٢٠٣ (٠١)\nخليوي: ٣٨١٨٣١ (٠٣)\nفاكس: ٦٠٣٢٠٣ - ١ (٩٦١)\nجميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للدار\nالطبعة الأولى\n١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ مـ\nيمنع طبع هنا الكتاب، أو أي جزء منه، أو اختزال مادته بطريقة الاسترجاع، كما يمنع الاقتباس منه أو التمثيل أو الترجمة لأية لغه أخرى، أو نقله على أي نحو، وبأية طريقة، سواء كانت إلكترونية أو ميكانيكية أو بالتصوير أو بالتسجيل أو خلاف ذلك، إلا بموافقة خطية مسبقة من الناشر.","vol":"3","page":4},{"text":"<span data-type='title' id=toc-575>\" النَّهْيُ\"</span> (^١)\nمَسْأَلَةٌ:\nالنَّهْيُ: اقْتِضَاءُ كَفٍّ عَنْ فِعْل، عَلَى جِهَةِ الاِسْتِعْلاء، وَمَا قِيلَ فِي حَدِّ الأَمْرِ مِنْ مُزَيَّفٍ وَغَيْرِهِ، فَقَدْ قِيلَ مُقَابِلُهُ فِي حَدِّ النَّهْي.\nوَالْكَلامُ فِي صِيغَتِهِ، وَالْخِلافُ فِي ظُهُورِ الْحَظْرِ لا الْكَرَاهِيَةِ وَبِالْعَكْسِ أَوْ مُشْتَرَكَةٌ، أَوْ مَوْقُوفَة؛ كَمَا تَقَدَّمَ.\nوَحُكْمُهَا: التّكْرَارُ وَالْفَوْر، وَفِي تَقَدُّمِ الْوُجُوبِ قَرِينَةٌ.\nنَقَلَ الأُسْتَاذُ الإجْمَاعَ، وَتَوَقَّفَ الإمَام، وَلَهُ مَسَائِلُ مُخْتَّصَةٌ.\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١)  النهي خلاف الأمر. نهاه ينهاه نهيًا: كفه، فانتهى وتناهى، كفٌّ، وهو واوي يائي، يقال في الواوي: نهوته عن الشيء، وفي اليائي: نهيته، ونفس نهاة: منتهية عن الشيء، وتناهوا عن الأمر وعن المنكر: نهى بعضهم بعضًا، وفي التنزيل العزيز \"كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه\". والنُّهية والنهاية آخر كل شيء، وذلك لأن آخره ينهاه عن التمادي فيرتدع والنَّهْي والنِّهْي: الموضع الذي له حاجز، كأنه ينهى الماء أن يفيض منه. ونُهْية الوَتِد: الفرضة التي في رأسه تنهى الحبل أن ينسلخ.\nوالنُّهَى: العقل، يكون واحدًا وجمعًا، واحده نُهية، سمي بذلك لأنه ينهى عن القبيح وناهيك بفلان كافيك له ويؤخذ من ذلك أن جميع اشتقاق كلمة \"نهى\" تفيد المنع والحظر.\nوالنهي في اصطلاح الفقهاء والأصوليين:\nيعتبر النهي قسمًا من أقسام الكلام؛ حيث إن الكلام ينقسم إلى أمر، ونهي، وخبر، وإنشاء، ووعد ووعيد، وغيرها. فالنهي أحد هذه الأقسام.\nواختلف العلماء بإزاء إثبات كلام النفس إلى طائفتين: طائفة أثبتت كلام النفس، وهم الأشاعرة ومن لف لفهم والطائفة الثانية نفت تحقّق الكلام النفسي وهم المعتزلة ومن وافقهم ونحا كل فريق طريقًا خاصًّا إلى تحديد النهي بما يلائم وجهة نظره في إثبات كلام النفس أو نفيه.\nفالأشاعرة المثبتون لكلام النفس عرفوه تارة باعتبار حقيقته الكلامية، وعرفوه تارة أخرى باللفظ الدال على تلك الحقيقة.\nمذهب الأشاعرة في تعريف النهي باعتبار حقيقته الكلامية؛ =","vol":"3","page":5},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  كما جرى عليه ابن الحاجب هنا أنه \"اقتضاء كف عن فعل على جهة الاستعلاء، والمعتزلة في تعريف النهي نحوا منحى خاصًا فيه.\nبسبب أن المعتزلة أنكرت الكلام النفسي لم يعرفوا النهي باعتبار المعنى القائم بالنفس، وأنه اقتضاء الكف \"أو طلب الكف\"؛ لأن هذا نوع من الكلام النفسي، فعرّفوه تارة باعتبار أنه لفظ، وتارة أخرى باعتبار الإرادة المقترنة وعرفوه بالصيغة، ومرة ثالثة عرفوه باعتبار أنه نفس الإرادة.\nوقد عرفه جمهورهم باعتبار أنه لفظ قالوا: \"هو قول القائل لمن دونه: لا تفعل\" أي قول القائل لفظًا موضوعًا لطلب ترك الفعل من الفاعل.\nوتعريفه عندهم باعتبار أنه لفظ دال على المعنى النفسي.\nوهو المناسب لغرض الأصوليين؛ لأن بحثهم إنما هو عن الأدلة اللفظية السّمعية من حيث يوصل العلم بأحوالها العارضة لها من عموم وخصوص وإطلاق وتقييد ونحوه إلى القدرة على إثبات الأحكام الشرعية لأفعال المكلفين، وإن كان مرجع الأدلة السمعية إلى الكلام النفسي.\nوذهب القاضي أبو بكر، وإمام الحرمين والإمام والغزالي بأنه \"القول المقتضى طاعة المنهى بترك المنهى عنه\" وهذا ما اختاره الجمهور من الشافعية.\nوذهب الكمال بن الهمام في تعريف النهي اللفظي. فقال ما محصله \"وهو المختار\": مبني تعريف النهي اللفظي الذي هو غرض الأصولي، أن لطلب الكف عن الفعل صيغة، تخصه بمعنى أنها لا تستعمل في غيره على سبيل الحقيقة، وقد وقع في هذا خلاف، والصحيح أن له لفظًا يخصه.\nوحاصل تعريف النهي اللفظي: ذكر ما يميز صيغته عن غيرها من الصيغ فسميت هذه المميزات حدًّا. وينظر: البرهان لإمام المحرمين ١/ ٢٨٣، والبحر المحيط للزركشى ٢/ ٤٢٦، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٢/ ١٧٤، وسلاسل الذهب للزركشى ص ١٠٢، والتمهيد للأسنوي ص ٢٩٠، ونهاية السول له ٢/ ٢٩٣، وزوائد الأصول له ص ٢٣٨، ومنهاج العقول للبدخشي ٢/ ٦٧، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ٢٦١، والمنخول للغزالي ص ١٢٦، والمستصفي له ٢/ ٢٤، وحاشية البناني ١/ ٣٩٠، والإبهاج لابن السبكي ٢/ ٦٦، وحاشية العطار على جمع الجوامع ١/ ٤٩٦، والمعتمد لأبي الحسين ١/ ١٦٨، وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ص ٢٢٨، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ٣/ ٢٦٩، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ١/ ٣٧٤، وكشف الأسرار للنسفي ١/ ١٤٠، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٩٥، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ١/ ١٤٩، وحاشية نسمات الأسحار لابن عابدين ص ٦١، وشرح =","vol":"3","page":6},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"النهي: اقتضاء (^١) كَفّ عَنْ فعل (^٢) على جهة الاستعلاء\".\nولا يخفى عليك الاحتراز بقيود هذا التعريف بعد معرفتك ذلك في تعريف الأمر.\n\"وما قيل في حَدّ الأمر من مزيف وغيره، فقد قيل مقابله في حَدّ النهي (^٣) \".\nوالكلام في صيغته (^٤)، والخلاف في ظهور الحظر لا [الكراهية] (^٥) \"وبالعكس، أو مشتركة، أو مَوْقُوفة كما تقدم\".\nوالظَّاهرُ أن بقية المذاهب المَنْقُولة في الأمر لم يَقُلْ بها هنا؛ فلأجل ذلك نَصَّ المصنّف على هذه المذاهب.\n\"وحكمها: التكرار والفور\"، أي: ينسحب حكمها على جميع الأزمان.\nكذا قاله في \"المختصر الكبير\"، وما أحسن قوله: \"وحكمها\"، ولم يقل: \"ومدلولها\"؛ وذلك لأن التكرار والفور إنما تجيء صيغة النهي في ضرورة الواقع، لا من\n_________\n= المنار لابن ملك ص ٤٤، والموافقات للشاطبي ٣/ ١٤٤، وتقريب الوصول لابن جزى ص ٩٥، وإرشاد الفحول للشوكاني ص ١٠٩، والكوكب المنير للفتوحي ص ٣٣٧، والمدخل ص ٢٣٢، والمنتهى لابن الحاجب (٧٣).\n(^١) فالاقتضاء الطالب القائم بالنفس - وهو جنس في التعريف - يشمل الأمر والنهي والالتماس والدعاء ويخرج عنه الألفاظ وإن دلت على الطلب؛ فإنها ليست بطلب.\n(^٢) وخرج بذلك الأمر؛ إذ هو اقتضاء فعل غير كفء.\n(^٣) معناه على جهة غير الطالب نفسه منها عاليًا على المطلوب منه وخرج به الالتماس؛ فإنه على سبيل التساوي؛ والدعاء؛ فإنه على سبيل التسفل.\n(^٤) اتفق العلماء على أن صيغة النهي \"لا تفعل\" ترد لعدة معان منها: التحريم كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾. ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾. ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ كراهة التحريم كقوله ﵇: \"لا يبعْ بعضكم على بَيْع بعض\" كراهة التنزيه كقوله ﵇: (لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول) التحقير كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ بيان العاقبة كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ التيئيس كقوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾.\nالإرشاد كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾.\n(^٥) في أ، ب، ج: الكراهة.","vol":"3","page":7},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\nالتسوية كقوله تعالى: ﴿اصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾.\nالتهديد كقول السيد لعبده: \"لا تمتثل أمري\".\nالالتماس كقول الصديق لصديقه: \"لا تبرح مكانك\".\nواتفقوا أيضًا على أن الصيغة إذا استعملت في غير الحرمة والكراهة من المحامل لا تكون حقيقة، فهي إذًا مجاز فيما عدا طلب الترك واقتضاءه.\nوإنما وقع الخلاف بينهم في تحديد ما وضعت له هذه الصيغة على سبيل الحقيقة أهو الحرمة أم الكراهة أم كلاهما؟ فتكون مشتركة بينهما اشتراكًا لفظيًا. أم القدر المشترك بينهما وهو طلب الترك مع الجزم أو عدمه؟ فتكون مشتركة بينهما اشتراكًا معنويًا. أم متوقف فيه لا يدري أي المعنيين هو؟ وإليك هذه الأقوال وتفصيلها:\nالأول: وهو ما يذهب إليه الإمام البيضاوي وصححه ابن الحاجب، وهو إذا وردت صيغة النهي وجودها ولو مرة ارتكاب المَنْهِيّ، فإذًا النهى حكمه التّكرَار بهذه الطريق، ولا حاجة مع ذكر الجمهور، وقال الرازي جازما بهذا المذهب: إنه الحق، وهو مذهب الشافعي ﵁، نصّ عليه في \"الرسالة\" فقال في باب العلل في الأحاديث ما نصّه: \"وما نهى عنه رسول الله ﷺ فهو على التحريم حتى تأتي دلالة عنه على أنه أراد به غير التحريم\" ونص عليه أيضًا في \"الأم\"، فقال: أصل النهى من رسول الله ﷺ أن كل ما نهى عنه فهو مُحَرَّم، حتى تأتي عنه دلالة تدل على أنه إنما نهى عنه لمعنى غير التحريم، إما أراد به نهيًا عن بعض الأمور دون بعض، وإما أراد به النهي للتنزيه عن المنهى والأدب والاختيار، ولا يفرق بين نهي النبيّ ﷺ إلا بدلالة عن رسول الله ﷺ، أو أمر لم يختلف فيه المسلمون: فنعلم أن المسلمين كلهم لا يجهلون سنة، وقد يمكن أن يجهلها بعضهم. فمما نهى عنه رسول الله ﷺ، فكان على التحريم لم يختلف أكثر العلماء فيه: أنه نهى عن الذهب بالورق إلا هاءَ وهاءَ، وعن الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل، يدًا بيد، ونهى عن بيعتين في بيعة\".\nالثاني: وإليه ذهب أبو هاشم، وعامة المعتزلة وجماعة من الفقهاء، وهو أن صيغة النهي حقيقة في الكراهة فقط.\n\"الثالث\": أنها مشترك لفظي بين الحرمة والكراهة.\n\"الرابع\" وهو منقول عن ابن منصور والماتريدي ومشايخ \"سمرقند\" أن صيغة الأمر موضوعة للقدر المشترك بينهما، وهو طلب ترك الفعل استعلاء؛ فهي من قبيل المتواطئ.\n\"الخامس\": وهو مذهب الأشعري ومن تابعه من أصحابه كالقاضي والغزالي إلى التوقف في مدلول صيغة النهي، بمعنى لا يدري أهي موضوعة للحرمة أم الكراهة أم لكل منهما، أم للقدر المشترك بينها؟.","vol":"3","page":8},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالصِّيغة، فإنك إذا قلت: لا تزن، فمعناه: النهي عن إيجاد (^١) ماهية الزِّنَا، ويلزم من وجودها ولو مرة ارتكاب المَنْهِيّ، فإذًا النهي حكمه التكْرَار بهذه الطريق، ولا حاجة مع ذكر التّكرار إلى ذكر الفَوْرِ.\nونقل ابنُ بَرْهَان الإجماع على أن النهي للتكرار.\nوفي ثبوته نظر، فإن جماعة نقلوا الخلاف فيه، منهم الآمدي.\n\"وفي\" كون \"تقدم الوجوب\" على النَّهي \"قرينة\"؛ لكون النهي الوارد بعده للحظر.\nنقل الأستاذ أبو إسحاق الإجماع على ذلك، وأن كل من حمل مطلق النهي على التحريم فقد حمله عند تقدم الأمر أيضًا، ولم يجعله قرينةً تنتهض صارفة النهي عن ظاهره.\nوهذه أعنى دعوى الوفاق هنا طريقة القاضي، وابن السَّمْعَاني، وغيرهما.\nوتوقف الإمام فقال في \"البرهان\": ذكر الأستاذ أبو إسحاق: أن صيغة النهي بعد تقدم الوجوب محمولة على الحظْر والوجوب السَّابق لا ينتهض قرينةً في حمل النهي على رفع الوجوب، وداعى الوفاق في ذلك، ولست أرى ذلك مسلمًا.\nأما أنا فأحسب ذيل الوقف عليه؛ كما قدمته في صيغة الأمر بعد الحَظْر، وما أرى المخالفين يسلمون ذلك. انتهى.\nوالذي يجوز أن القائلين أن الأمر بعد التحريم للإباحة، اختلفوا في النهي بعد الوجوب قرينة للحظر - عبارة قَلِقَة تحتمل معنيين:\nأحدهما: وهو ظاهره أن تقدم الوجوب على النهي قرينة تدل على أن النهي للحظر.\n\"ونقل الأستاذ الإجماع\" على ذلك.\nوهذا لا يستقيم؛ لأن أحدًا لم يقل: إن تقدم الوجوب قرينةٌ تدل على أن النهي للحظر، بل [القول] (^٢): إنها قرينه، مضعفة لذلك؛ \"و\" لهذا \"توقّف الإمام\"؛ كما أن تقدّم الأمر على الحَظْر مضعّف له أيضًا.\nوالثاني: أن تقدّم الوجوب قرينةٌ تدل على أن النهي ليس للحظر، وأن الأستاذ نقل الإجماع على ذلك، وهو ظاهر الفَسَاد؛ لأن الأستاذ نقل الإجماع على خلاف ذلك، فكان\n_________\n(^١) في أ: اتحاد.\n(^٢) في ب: المقول.","vol":"3","page":9},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالأولى أن نقول: وفي كون تقدم الوجوب ليس قرينةً ناقلة للحظر حتى يطابق كلامه ما صرَّح به الأستاذ.\n\n\"فائدة\"\nعرفت فيما سبق حكم الأمر بعد الحظر، وبعد الاستئذان، والآن حكم النهي بعد الوجوب.\nوأما الأمر والنهي إذا وَرَدَا جوابًا عن سؤال؛ كما في حديث كَيْفِيّة الصّلاة على النبي ﷺ كَيْفَ نصلّي عليك؟ فقال: \"قُولُوا … \" الحديث (^١).\nوقول المِقْدَادِ ﵁: يا رسول الله، أرأيت إن لقيت رجلًا من الكُفّار فقاتلني فضرب إِحدى يدي فقطعها، ثم لاذَ مني بشجرة فقال: أسلمت لله، أفأقتله يا رسول الله؟ بعد أن قالها؟ قال: \"لا\".\nومن هذا قولهم: أينحني بعضنا لبعض إذا التقينا؟ قال: \"لا\" قال أَيُصَافح بعضنا بعضًا؟ قال: \"نَعَمْ\".\nوقول سعد ﵁: أفأتصدق بمالي كله؟ قال: \"لا\".\nوقوله ﷺ وقد سئل عن بيع الرُّطَبُ بالتمر: \"أَيَنْقُصُ الرّطَبُ إِذَا جَفَّ؟ \" قيل: نعم قال: \"لا\".\nوقولهم: أَنصلّي في مَبَارك الإبل؟ قال: \"لا\".\nقالوا: أنصلّي في مَرَابِضِ الغَنَم؟ قال: \"نَعَم\".\nوكل هذه أوامر ونواهٍ بعد استئذان، وقد اختلفت الأحكام فيها.\nفقوله في الصلاة: \"قُولُوا كَذَا\"، وفي المُصَافحة \"نَعَمْ\" محمول على الاستحباب، بخلاف قوله في مرابض الغنم؛ فإنه للإباحة، وقوله في بيع الرطب بالتمر: \"لا\" فإنه محمول على التحريم، وفي الانحناء والصّلاة في مَبَارك الإبل على الكراهة، والوصيّة بما زاد على الثلث، صرح القاضي الحسين بأنها حَرَام.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري ١١/ ١٧٣ كتاب الدعوات، باب هل يصلى على غير النبي ﷺ (٦٣٦٠) ومسلم ١/ ٣٠٦، كتاب الصلاة على النبي بعد التشهد (٦٩/ ٤٠٧).","vol":"3","page":10},{"text":"مَسْأَلة: النَّهْيُ عَنِ الشَّيْء لِعَيْنهِ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ شَرْعًا لا لغَةً وَقِيلَ: لُغَةً.\nوثَالثُهَا: فِي الإجْزَاءِ لا الْسَبَبِيَّةِ.\n<hr><s0>\n\nوعبارة الرَّافعي: لا ينبغي أن يوصى بأكثر من الثلث.\nوتحقيق القَوْل في هذا أن ينظر في كل مكان بحسب ما يرشد فيه السِّياق إليه، فتأمّله.\nواعلم أنّ الوارد من مسائل الأمر والنهي ما عددناه من المَسَائِل.\n\"وله\" - أي: وللنهي - \"مسائل مختصّة\" به ثلاث وهي هذه الآتية.\nالشرح: مسألة \"النَّهي عن الشيء إما أن يكون لغيره وهو ضَرْبان (^١):\nأحدهما ما نهي عنه [لمعنى] (^٢) جاوره جمعًا؛ كوطء الرَّجُل زوجته وهي حَائِض (^٣)،\n_________\n(^١) ينظر: المستصفى ٢/ ٢٤، والمنخول ١٢٦، والتبصرة ١٠٠، والإحكام للآمدي ٢/ ١٧٤ - ١٧٥، وشرح الكوكب ٣/ ٨٣، وجمع الجوامع ٢/ ٣٩٣، وشرح العضد ٢/ ٨٥، وكشف الأسرار ١/ ٢٥٨، وتيسير التحرير ١/ ٣٧٦، والقواعد والفوائد لابن اللحام (١١٠)، والعدة لأبي يعلى ٢/ ٤٣٢ - ٤٤٧، واللمع ص ١٤، روضة الناظر ١١٣، والمسودة (٨٢)، وشرح تنقيح الفصول ١٧٣.\n(^٢) في أ، ب: لمعين.\n(^٣) اتفق أهل العلم على تحريم غِشيان الحائض، ومَن فَعَلَهُ عالمًا عصى، ومن استَحَلَّه كفَرَ، وهو محَرَّم بنَصِّ القرآنِ، ولا يَرتفِعُ التَّحريمُ حتى ينقطِعَ الدمُ وتغتسِلَ عند أكثر أهل العلم، وهو قول سالِم بن عبد الله، وسُليمان بن يَسار، ومجَاهِدِ، والحسن، وإبراهيم، وإليه ذهب عامة العلماء؛ لقوله ﷾: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: اغتسلن.\nوذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز غِشيانُهَا بعد ما انقطعَ دَمُهَا لأكثر الحيضِ قبل الغُسْلِ.\nواختلف أهل العلم في وجوب الكَفارَة بوطءِ الحائض، فذهب أكثرهم إلى أنه يستغفر الله ولا كفَّارةَ عليه، وهو قول سعيد بن المُسَيب، وسعيد بن جُبَيْر، وإبراهيم النخَعِي، والقاسم، وعطاء، والشَّعْبي، وابن سيرين، وبه قال ابن المبارَك، والشَّافعِيّ، وأصحاب الرأي.\nوذهب جماعة إلى إيجاب الكَفَّارَةِ بإتيان الحائض، ومنهم قَتادَة، والأوزاعي، وأحمد،=","vol":"3","page":11},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوكالبيع وقت النداء (^١)، وكالصَّلاة في الدار المَغْصُوبة (^٢)، ..............\n_________\n= وإسحاق، وقاله الشافعي في القديم.\n(^١) قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾.\nالبيع عند الآذان للجمعة، والمعنى الذي من أجله توجه النهي ما قد يشتمل البيع عليه من الإخلال بالسعي إلى الجمعة الواجب، بأن يقفا في الطريق أو يقعدا فيه للبيع، وهذا الباعث مقارن منفك؛ إذ ربّما لا يحتمل السّعي بالبيع بعد الآذان بأن يتبايعا وهما يمشيان إلى الصلاة. ولا يفوتني أن أنبه هنا على مسألة هامة هي أن أكثر الكاتبين يرى أن النهي في هذه البيوع مختص بالحالة التي يتحقق فيها مثار النهي، وضربوا لذلك مثلًا: البيع وقت النداء، فقالوا: إن تبايعا واقفين أو قاعدين في الطريق وقت الأذان للجمعة توجه النهي وكره البيع؛ لتحقق الإخلال بالسعي الواجب، وإن تبايعا ذاهبين إلى الصلاة، أو قاعدين في المسجد فلا نهى ولا كراهة تحريم.\nوحقق بعضهم أن النهي في هذه البيوع عام يشمل الأحوال التي يتحقق فيها مثار النهي، والأحوال التي لا يتحقق فيها؛ لأن النصوص عامة ولا مخصص لها، فالنهي عن البيع عند النداء للجمعة عام يفيد حظر جميع البيوع التي تقع عنده، وإن كان سبب النهي الأمر المنفك، وهو الإخلال بالسّعي، فلا يجوز أن يقال: إنه إن حصل إخلال بالسعي: بأن تبايعا جالسين توجه النهي، وإلا فلا نهي، إذ يكون تخصيصًا بالرأي؛ وهو لا يجوز، فالإخلال بالسّعي المعتبر حكمة حقيقية للنهي لا يلزم حصوله في كل صور النهي؛ أو بالأحرى هو غير منضبط ولا ظاهر، فأقيم الوقت من أول النداء إلى الصلاة مقامه، فيكره كل بيع يقع مع النداء، كالسفر الذي جعل سببًا لرخصة الفطر والقصر في الصلاة، حصلت الحكمة الحقيقية وهي المشقة أو لم تحصل.\n(^٢) اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:\nالأول: لا تجوز هذه الصلاة، ولا يسقط الطلب، بل هي محرمة. ذهب إلى هذا القول الجبّائي وابنه، وأحمد بن حنبل، وأهل الظاهر والزيدية، وقيل: إنه رواية عن مالك ﵃، وقالوا: إن هذه الصلاة غير صحيحة، ولا يسقط الطلب بها، ولا عندها.\nالثاني: للقاضي أبي بكر، وهو يوافق القول الأول في عدم صحتها، وعدم سقوط الطلب بها، ويخالفه بأن الطلب يسقط عندها، وإن لم تكن صحيحة.\nالثالث: لجمهور العلماء من الحنفية والشافعية والمالكية وغيرهم، وهو صحة هذه الصلاة، وسقوط الطلب بها، وصحة توجه الأمر والنهي معًا إليها باعتبار الجهتين، فهذا الفعل الذي قد =","vol":"3","page":12},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  أتى به المصلى في أرض الغير بغير إذنه مأمور به باعتبار كونه صلاة يتقرب بها إلى اللّه تعالى، ونهى عنه من جهة كونه غصبًا ومكثا في أرض الغير بغير إذنه.\nواستدل الجمهور على صحة مثل الصلاة في الدار المغصوبة بأربعة أدلة:\nالأول: لو لم لصح الصلاة في الأرض المغصوبة، لكان ذلك، لأن متعلق الأمر والنهي واحد ذاتًا وجهة، والتالي باطل فبطل ملزومه من عدم صحة هذه الصلاة، فثبت نقيضه، وهو صحتها: أي أن الوضع الشرعي باق فيها، فيجتمع الأمر والنهي فيها باعتبار الجهتين المنفكتين.\n\"بيان الملازمة\": أنه لا مانع يتخيل من جواز الجمع وصحة هذه الصلاة سوى اتحاد المتعلق ذاتًا وجهة، فاتحاد متعلق الأمر والنهي فيها هو الذي يبطلها؛ إذ لا مانع سواه.\n\"وأما بطلان التالي\": فلأنه المتعلق وإن كان واحدًا ذاتًا فهو متعدد جهة، فإن متعلق الأمر في هذه الصلاة، هو الأكوان المخصوصة من جهة كونها صلاة ومتعلق النهي فيها هو هذه الأكوان من جهة كونها غصبًا، وكل من الجهتين يتعقل انفكاكها عن الأخرى وقد جمع المكلف بينهما باختياره، وذلك لا يخرجهما عن حقيقتيهما اللتين لأجلهما توجه الأمر والنهي، فالفعل المحكوم عليه بالوجوب والحرمة متعدد بتعدد جهتيه، وذلك كالحكم على شخص بكونه مذمومًا لفسقه، ومشكورًا لكرمه، وذلك مما لا يتحقق معه التقابل بين الحكمين والمنع منهما.\n\"الثاني\": لو قال السيد لعبده: أوجبت عليك خياطة هذا الثوب، وحرمت عليك السكنى في هذه الدار، فإن فعلت ذاك أثبتك، وإن فعلت هذا عاقبتك، فإنه إذا سكن الدار وخاط الثوب فيها يصح أن يقال: فعل الواجب والمحرم، ويحسن من السيد إثابته له على الطاعة، وعقابه له على المعصية قطعًا. فهذه المسألة نظير مسألتنا؛ فلا مانع من أن يجتمع فيها الأمر والنهي باعتبار الجهتين، فشغل حيز الدار بالسكنى فيها منهى عنه محرم، وهو داخل في مفهوم الحركات والسكنات المخصوصة الداخلة في مفهوم الخياطة، فهو واجب مأمور به من هذه الناحية، فالكون في حيز الدار واحد بالشخص مأمور به ومنهى عنه لجهتي الخياطة والسكنى، وهذا جائز قطعًا.\nولو رمى شخص سهمًا إلى مسلم بحيث يمرُق إلى كافر، أو إلى كافر بحيث يمرق إلى مسلم، فإنه يثاب بقتله الكافر، ويملك سلبه، ويعاتب بقتله المسلم، ويقتل فيه قصاصًا، وإن كان فعله واحدًا إلا أنه تضمن أمرين مختلفين، فكذا ما نحن فيه.\n\"الدليل الثالث\": لو لم تصح الصلاة في الأرض المغصوبة ويصح الجمع بين الوجوب =","vol":"3","page":13},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  والحرمة في الشيء الواحد باعتبار الجهتين، لما ثبت صحة صوم مكروه، وصلاة مكروهة، والتالي باطل إجماعًا؛ لثبوت كراهة كثير من الصلوات والصوم، وإذا بطل التالي بطل المقدم، وهو عدم صحة الصلاة في الأرض المغصوبة، وعدم صحة الجمع بين الوجوب والحرمة في الواحد الشخصي ذي الجهتين؛ فثبت المطلوب من صحة الصلاة والجمع.\n\"بيان الملازمة\": أن المانع المتصور من صحة الصلاة في المغصوبة هو التضاد بين الوجوب والحرمة، وكما يضاد الوجوب الحرمة يضاد الكراهة؛ إذ الأحكام كلها متضادة، فيلزم من عدم صحة الصلاة في المغصوبة للتضاد بين الوجوب والحرمة، عدم صحة صلاة مكروهة وصوم مكروه؛ للتضاد أيضًا بين الوجوب والكراهة.\nوهذا الدليل قد ارتضاه صاحبا التحرير والمسلّم، ولم يرتضه العلامة ابن الحاجب، فساقه بصيغه التضعيف، ثم ناقشه \"بأنه إن اتحد الكون منع وإلا لم يفد لرجوع النهي إلى وصف منفك\" وحاصل هذه المناقشة منع وارد على الدليل السابق، مردد بين منع الملازمة، وبطلان التالي، وذلك للترديد في الصلاة المكروهة والصوم المكروه بين أن يكون متعلق الأمر والنهي واحدًا أو متعددًا.\nفإن كان الكون فيهما واحدًا، وهو مأمور به لأنه جزء الصلاة أو الصوم المأمور بهما، ومكروه لأنه نهى عنه بنهي الكراهة، اتحد في كل منهما المتعلق للأمر والنهي، فالملازمة مسلمة، وبطلان التالي ممنوع؛ فإن الصلاة والصوم المكروهين حينئذ يكونان باطلين، كالصلاة في الأرض المغصوبة؛ إذ الكون في الحيز فيها واحد هو المأمور به؛ لأنه جزء الصلاة والمنهى عنه؛ لأنه الغصب.\nوإن كان الكون فيهما متعددًا، فبطلان التالي مسلّم، والملازمة ممنوعة أي لا يلزم من عدم صحة الصلاة في الأرض المغصوبة مع اتحاد المتعلق عدم الصحة للصلاة المكروهة أو الصوم المكروه مع تعدد المتعلق.\nوأجاب صاحب المسلّم بما إيضاحه:\nأنه لا فرق بين الصلاة والصوم المكروهين، والصلاة في الأرض المغصوبة المحرمة؛ إذ الكون الصلوي في المكروهة واحد هو المأمور به، والمتصف بالكراهة المنهى عنه، فإن جوز نظرًا لتعدد الجهة وصرف نهى التنزيه فيه إلى الوصف المجاور المنفك، فليجوز الجمع بين الأمر ونهي التحريم في الصلاة. في المغصوبة بصرف النهي إلى الغصب وهو المجاور المنفك. وإن لم يجوز كانت الصلوات المكروهة كلها باطلة، وهو خلاف الإجماع.\nوحاصل هذا الجواب: بيان أن المكروهات من الصلاة والصوم كلها من قبيل ما اتحد فيه الكون المأمور به والمنهى عنه. والاستدلال على بطلان التالي بالإجماع على صحة بعضها،=","vol":"3","page":14},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  فلا وجه للمنع على هذا التقرير.\nوقال الكمال: بل ليس في الصلاة في مكان الغصب والصلاة المكروهة والصوم المكروه نهى مقطوع به، وإلا لما كان للاجتهاد فيه مساغ بصرف النهي عن ذات الصلاة والصوم، فمن حيث إنه امتثال الأمر والنهي باعتبار بعض جهاته بظن أنه ليس بمنهى مطلقًا، ومن حيث إنه فعل واحد متضمن لأمر منهى يظن كونها منهيًا مطلقًا، فلم يقطع بمنعه؛ فلا ينافي صحته. فالمانع من الصحة في الواحد الشخصي، ومن جواز الجمع بين الأمر والنهي فيه خصوص تضاد بين الأمر والنهي، بألا يكون فيه اختلاف جهة أصلًا، أو له جهاته ولكن قطع بالمنع عنه.\nوحاصل هذا: - بيان أن هذه المكروهات مما اتحد فيه متعلق الأمر والنهي، والاستدلال على بطلان التالي - أي على صحة هذه المكروهات بأنه لم يوجد ما ينافيها من اتحاد الجهة، أو القطع بالمنع من الفعل.\nلو لم تصح الصلاة في الأرض المغصوبة، لما سقط بها التكليف، والتالي باطل، فقد نقل القاضي الإجماع على سقوط التكليف؛ وبمنع بطلان التالي؛ بناء على منع صحة نقل الإجماع؛ قال إمام الحرمين: لو كان إجماع لعرفه أحمد بن حنبل؛ لأنه أعرف به من القاضي؛ إذ هو أقرب زمانًا من السلف، ولو عرفه ما خالفه، فاندفع قول الغزالي وغيره: الإجماع حجة على أحمد؛ إذ لم يصح عنده.\nواستدل القائلون ببطلان مثل الصلاة في الدار المغصوبة، وعدم سقوط التكليف بها ولا عندها، بثلاثة أدلة: -\n\"الأول\": لو صحت الصلاة في الأرض المغصوبة لاتحد متعلق الأمر والنهي، واتحاد المتعلق للأمر والنهي باطل، فبطل ملزومه، وهو صحة هذه الصلاة، فثبت بطلانها، وهو المطلوب.\n\"وبيان الملازمة\": أن الحركات والسكنات جزء الصلاة، وهي نفسها شغل ملك الغير، فهي غصب، لتكون منهيًا عنها، فلو كانت الصلاة صحيحة كانت مأمورًا بها أيضًا فيتحد المتعلق. وأما بطلان التالي فظاهر، ونوقش بأن بطلان التالي إنما يسلم أن لو كان المتعلق واحدًا ذاتًا وجهة، أما إذا كان له جهتان فنمنع بطلانه، وما معنا، وإن كان المأمور به والنهي عنه فيه فعلًا واحدًا، فهو بجهتين، فيؤمر به من جهة كونه صلاة، وينهى عنه من جهة كونه غصبًا.\n\"الثاني\": لو صحت هذه الصلاة لصح نية التقرب بالمعصية، ونية التقرب بالمعصية باطلة، فبطل الملزوم وهو صحة هذه الصلاة، وثبت المطلوب من بطلانها.\n\"دليل الملازمة\": أنه يشترط لصحة الصلاة نية التقرب بها إلى الله تعالى، وهذا الفعل معصية؛ إذ هو غصب وتعد، فلو صحت الصلاة لكانت نية التقرب بالمعصية جائزة، وأما بطلان التالي فمتفق عليه. =","vol":"3","page":15},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= \"  ونوقش\" بمنع الملازمة من وجهين:\n\"أحدهما\": أن نية التقرب ليست شرطًا لصحة الصلاة، وإنما الشرط نية الفعل، المأمور به وإن لم يخطر بباله التقرب.\n\"ثانيهما\": سلّمنا أن نية التقرب شرطٌ، ولكن المكلف إنما ينوي التقرب بهذا الفعل من جهة كونه صلاة، ويعصى به من جهة كونه منهيًا عنه؛ لأنه غصب. وقد بان مما سبق انفصال الجهتين إحداهما عن الأخرى، فإن المصلى يجد من نفسه نية التقرب بالصلاة، وإن كان في أرض مغصوبة، ويعصى بهذا الفعل المخصوص؛ إذ لو سكن ولم يعمل شيئًا يكون غاصبًا، فهو يتقرب بفعل ليس هذا الفعل شرطًا لكونه غاصبًا.\nوبكل من هذين الوجهين يتبين أن صحة الصلاة لا تستلزم صحة نية التقرب بالمعصية، فالملازمة ممنوعة.\n\"الثالث\": لو صحت الصلاة المذكورة بناء على تعدد الجهة لصح صوم يوم العيد لتعدد الجهة أيضًا، فيكون مأمورًا به من حيث إنه صوم، ومنهيًا عنه من حيث وقوعه في يوم العيد، والتالي باطل بالاتفاق بيننا وبينكم.\nوقد انقسم الجمهور في مناقشة هذا الدليل إلى فريقين: -\nفغير الحنفية ناقشوه بمنع الملازمة، وذلك بإبداء الفرق بين الصوم والصلاة المذكورين من ثلاثة أوجه: -\nالوجه الأول: أن الصلاة في الأرض المغصوبة فيها جهتان بينهما عموم وخصوص وجهي تجتمعان باختيار المكلف جمعهما، بأن يصلي في هذا المكان، وتنفرد جهة الصلاة بأن يصلي في مكان مملوك، وتنفرد جهة الغصب بأن يمكث في هذا المكان بلا صلاة، فهما حقيقتان منفصلتان، فيؤمر بإحداهما، وينهي عن الأخرى، ولا يلزم من صحة هذه الصلاة وحالتها هذه صحة الصوم في العيد؛ إذ الجهتان فيه بينهما عموم مطلق، وجهة الأمر هي العامة، فتجتمعان في الصوم في العيد، وتنفرد جهة الصوم في صوم يوم آخر، ولا تنفرد جهة الوقوع في يوم العيد عن الصوم في يوم عيد، وجهة الوقوع فيه هي الجهة التي لأجلها توجه النهي عن الصوم عند الشافعية، ففي صوم يوم العيد لا يمكن التلبس بالمعصية بدون الصوم، فيكون الصوم نفسه معصية فيحرم لعينه، فيبطل، بخلاف الصلاة في الأرض المغصوبة، فإن التلبس بمعصية الغصب فيها يمكن بدون هذه الصلاة، بأن يمكث في المكان بلا صلاة، فلم تتعين الصلاة للمعصية، فلا تكون منهيًا عنها لعينها، بل لغيرها المقارن؛ فتصح.\n\"الثاني\": أن نهي التحريم ينصرف إلى الذات غالبًا، فيدل على البطلان للتدافع بين الحرمة=","vol":"3","page":16},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  والوجوب، إلا إن قام دليل يدل على أن النهي للمقارن المنفك، وقد وجدت إطلاقات مفيدة للصحة في حق الصلاة فتشمل صحة الصلاة، في الأرض المغصوبة، فأوجبت أن يكون النهي عنها لخارج، ولذا قال الجمهور بصحتها، بخلاف الصوم في العيد؛ حيث لم يقم دليل صارف عن ظاهر البطلان. ويجاب عن هذا الوجه من المناقشة: بأن في الصوم أيضًا إطلاقات تفيد صحته، فكان اللازم أن تشمل صوم يوم العيد، وتصرف النهي إلى وصفه، وقد قلتم ببطلانه، وما ذلك إلا لتقييدكم هذه الإطلاقات بما عدا صورة النهي، فلتكن إطلاقات الصلاة كذلك.\n\"الثالث\": أن منشأ المصلحة والمفسدة في الصلاة في المغصوبة متعدد، فإن منشأ المصلحة كون هذه الحركات والسكنات التي أداها عبادة وصلاة بها يطيع ربه ويظهر خضوعه وانقياده، ومنشأ المفسدة كونها غصبًا بها يعصي ربّه، فالكون عبادة، وهو منشأ المصلحة، والكون غصبًا، وهو منشأ المفسدة: أمران متعددان منفكَّان.\nبخلاف الصوم في العيد؛ فإن منشأ المصلحة والمفسدة واحد، وهو صوم اليوم المخصوص؛ إذ جهة الطاعة هي الصوم الخاص، وهذا الصوم الخاص بعينه منهى عنه؛ لأنه به يعصي.\n\"وأجيب\" عن هذا الوجه: بأنه لا فرق بين الصوم والصلاة، فإن منشأ المصلحة والمفسدة في الصلاة في مكان الغصب واحد، كما هو في الصوم في العيد؛ إذ الشغل للخير الذي هو الحركات والسكنات هو بعينه منشأ المصلحة؛ لأنه به يطيع، ومنشأ المفسدة؛ لأنه عين الغصب، فهو عاصٍ به.\n\"وقد يدفع هذا الجواب\" بأن هذه الحركات والسكنات ليست منشأ مصلحة ولا مفسدة من حيث ذاتها، بل منشأ المصلحة كونها صلاة يتقرب بها إليه تعالى، ومنشأ المفسدة كونها شغلًا لملك الغير بغير إذنه، بخلاف الصوم في يوم العيد، فإن منشأ المفسدة هو نفس الصوم في العيد؛ إذ لا يمكن مخالفة النهي بارتكاب المنهى عنه إلّا به، فتعين للمعصية.\nهذه المناقشات لدليل الخصم إنما هي من قبل غير الحنفية القائلين ببطلان صوم يوم العيد، فلا بد لهم من إبداء الفرق بينهما على نحو ما سلف تقريره، ومعهم الكمال بن الهمام من الحنفية؛ إذ يرى أن النهي عن العبادة يبطلها؛ لأنه ينفي ثمرتها.\n\"أما الحنفية\" فإنهم يقولون بصحة صوم يوم العيد، وما شابهه من كل ما كان النهي فيه متوجهًا للوصف اللازم، فلا فرق عندهم بين الصلاة في الأرض المغصوبة والصوم في العيد من حيث صحة كل منهما، فهما سيّان من حيث القاعدة الأصولية، وهي جواز اجتماع الأمر والنهي في الواحد الشخصي ذي الجهتين، وإن كانت الجهتان في الصلاة بينهما العموم والخصوص الوجهي، وفي الصوم بينهما العموم المطلق، على أن هذا الفرق من إمكان الانفكاك في الصلاة في الدار المغصوبة من الجانبين وعدمه في صوم يوم العيد أدّى عندهم إلى اختلاف في أحكام =","vol":"3","page":17},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  الفروع الفقهية سنشير إليه فيما بعد - إن شاء الله تعالى - فمن هذا كانت مناقشة الحنفية لدليل الخصم على نحو آخر غير ما سلكه من عداهم من الأصوليين.\nفهم يسلمون الملازمة، ويمنعون بطلان التالي لصحة صوم يوم العيد عندهم، والخروج به عن عهدة النذر لو نذره، وقد أقاموا على ذلك الأدلة التي مر ذكرها.\nواستدل القاضي أبو بكر على بطلان مثل الصلاة في الأرض المغصوبة، وسقوط التكليف عندها لا بها: -\nبأن المصلى في حال غفلاته ليس قائمًا بحقيقة العبادة، وما يجري من أركان الصلاة في استمرار الغفلة معتدّ به وإن كان المأمور به عبادة؛ \"وإيضاحه\": أن صورة العبادة التي يؤديها المكلف مع الغفلة ليست عبادة، فلا يمكن القول بصحتها وسقوط التكليف بها، لكن أجمعت الأمة على عدم مطالبة صاحبها بالإعادة أو القضاء، وما ذلك إلا لسقوط التكليف عندها، والصلاة في الأرض المغصوبة قامت الأدلة على بطلانها، فلا يسقط التكليف بها، وقد أجمعت الأمة على عدم مطالبة صاحبها بالقضاء أو الإعادة، فيكون التكليف ساقطًا عندها، وإن لم يسقط بها، كصلاة من عنده غفلة.\nقال إمام الحرمين في البرهان: - هذا وإن كان له وقع مما ذكره غيره فلست أراه لازمًا أصلًا. فإن الأمة مجمعة على أنَّهُ لا يجب إيقاع أركان الصلاة على حقائق العبادات، وإنما تكفي النية المقترنة بالعقد، وينسحب حكمها. لهذا سلك القاضي مسلكًا آخر قال: أسلّم أن الصلاة في الأرض المغصوبة لا تقع مأمورًا بها، ولكن يسقط التكليف بالصلاة عندها، كما يسقط التكليف بأعذار تطرأ كالجنون وغيره - قال إمام الحرمين: وهذا غير لائق بمنصب هذا الرجل الخطير؛ فإن الأعذار التي ينقطع بها الخطاب محصورة، فالصبر إلى سقوط الأمر غير متمكن من الامتثال ابتداء ودوامًا بسبب معصية لابسها، لا أصل له في الشريعة، ثم غاية القاضي في مسلكه هذا ادعاء الإجماع على سقوط الأمر عمن يقيم الصلاة في الأرض المغصوبة، وهو غير مسلّم مع ظهور خلاف السلف. اهـ وفضلًا عن هذا فقد ذهب القاضي بذلك إلى ما لا يعقل؛ إذ كيف يعقل أن مطلوبا يسقط طلبه إذا فعل لا على وجهه المشروع؟.\nواستبعده أيضًا الإمام الرازي قائلًا: إن سقوط الطلب يكون بالامتثال أو النسخ، وكلاهما منتف.\n\"المختار\":\nمما سبق يظهر قوة أدلة الجمهور على جواز اجتماع الأمر والنهي في الواحد الشخصي ذي الجهتين المنفكتين، وصحة مثل الصلاة في الدار المغصوبة من كل ما نهى عنه لأمر مقارن منفك؛ وقد ردت المناقشات الواردة على أدلتهم، وبالعكس، ومن هذا ظهر ضعف أدلة =","vol":"3","page":18},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفكلّ ذلك منهي [للمعنى] (^١) المجاور؛ فوطء الحائض لمجاورة الأذى، والبيع وقت النِّداء؛ للاشتغال عن السَّعي إلي الجمعة بعد ما لزم وهو [معنى] (^٢) يجاور البيع ولا يتصل به وصفًا، والصلاة في المَغْصُوبة منهية؛ لأنها تشغل ملك الغير المجاور للصَّلاة جمعًا غير متّصل به [وصفا] (^٣).\nوالأكثرون في هذا الضرب على أنه لا يدل على الفساد، وقد مضى الكلام عليه في مَسْالة الصَّلاة في الدار المَغْصُوبة\".\nالضَّرب الثاني: ما نهى عنه لمعنى اتّصل به وصفًا كما ذكرنا؛ كأن (^٤) وطئ غير مملوك فكان قبيحًا شرعًا؛ لأن الشَّارع قصد ابتغاء النَّسْل بالوَطْءِ على محلّ مملوك، وكالرِّبَا فإنه قبيح لمعنى اتّصل به وصفًا وهو انعدام المُسَاواة التي هي شَرْط جواز البيع في هذه [الأحوال] (^٥) شرعًا، وكصوم يوم النَّحر، وأيّام التَّشْرِيق، فإنه لمعنى اتّصل بالوَقْت الذي هو محلّ الأداء وصفًا، وهو أنه يوم عيد ضِيَافة.\nوسيأتي الكلام على هذا الضَّرب - إن شاء الله تعالى - في المسألة الثانية لهذه.\nوأما أن يكون [لعينه] (^٦) كفعل اللُّوطي، فإن مقصود الشَّارع بالوطء النسل، وهذا المحملُ ليس محلًّا له أصلًا فكان قبيحًا شرعًا (^٧).\nوكبيع المَلاقِيحِ والمَضَامِين؛ فإن البيع مقابلة مال بمال، والماء في الصّلب والرحم لا مالية له فكان قبيحًا شرعًا؛ لأنه ليس محلًّا للبيع، وكالصَّلاة بغير طَهَارة مع القدرة؛ لأن الشارع قصر الأَهْلِية في هذه الحالة عليها، فتنعدم الأهلية بانعدامها، فقبحت شرعًا.\n_________\n= الخصم بمناقشتها، فلم تنهض حجة على مدعاهم. فالمختار من هذه الأقوال هو ما ذهب إليه الجمهور. قاله شيخنا عبد المجيد محمد فتح الله في أثر النهي في العبادات. وينظر: تيسير التحرير ج ٢ ص ٢١٩، والتقرير والتحبير في ٢ ج ص ١٣٩، ومسلم الثبوت ج ١ ص ١٠٤، والآمدي ج ١ ص ١٦٢ وما بعدها. والمستصفى ج ١ ص ٧٦ وما بعدها، والموافقات ج ٣ ص ١٦٣، ص ١٩١، ص ٢٠٧، ص ٢٥٧.\n(^١) في ب: لمعين.\n(^٢) في ب: معين.\n(^٣) في أ: وضعا.\n(^٤) في أ، ب: فإن.\n(^٥) في أ، ب، ج: الأموال.\n(^٦) في أ، ب: لعيب.\n(^٧) أوضح ذلك فأقول: لقد وجد الأصوليون أنه قد جاء عن الشارع بعض النواهي والتصرفات=","vol":"3","page":19},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  المنهى عنها فيها باطلة، كالنهي عن نكاح المشركات ونكاح المحارم، والنهي عن الصلاة بدون طهارة، والنهي عن بيع المضامين والملاقيح، والنكاح بغير شهود ونحو هذا. كما أنه قد جاء عنه بعض آخر، والتصرفات فيه مشروعة صحيحة مستعقبة لثمراتها المطلوبة منها شرعًا، كالنهي عن الصلاة في الدار المغصوبة، والبيع عند النداء، وطلاق الحائض ونحو هذا.\nفاقتضاهم هذا النظرَ فيما تفيده صيغة النهي من جهة اللغة والشرع:\nففي اللغة: وجد أنه للمنع من الفعل والحظر عنه، ولا دلالة فيه على صحة التصرف أو بطلانه، كما هو اختيار جمهورهم.\nوفي الشرع: وجد أن فيه أصلين متعارضين لا يمكن اجتماعهما في ذات التصرف.\n\"الأصل الأول\": أن النهي يفيد في المنهى عنه صفة القبح ضرورة حكمة الناهي تعالى؛ إذ لا ينهى إلا عما هو قبيح، كما لا يأمر إلّا بما هو حسن \"يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر\".\n\"الأصل الثاني\": أنه يوجب تصور المنهى عنه؛ لأن النهي ابتلاء من الله تعالى لعباده، والابتلاء يعتمد الاختيار والكسب، وهو لا يكون إلا إذا كان المنهى عنه متصور الوجود بحيث لو أقدم عليه يوجد، فيبقى العبد مبتلًى بين أن يقدم على الفعل فيعاقب أو يكف عنه باختياره فيثاب، فيكون عدم الفعل، مضافًا إلى كسب العبد، هذا هو موجب حقيقة النهي.\nفإن أمكن الجمع بين هذين الأصلين: أي اقتضاء القبح وتصور الوجود عمل به العلماء، ففي الأفعال الحسية أمكن الجمع، لأنه لا يمتنع وجود الحسى بسبب القبح، فكانت التصرفات الحسية المنهى عنها من نحو الزنى والقتل وشرب الخمر قبيحة لذاتها محرمة غير مشروعة أصلًا باتفاقهم.\nوفي التصرفات الشرعية لم يمكن الجمع بين هذين الأصلين؛ لأن أدنى درجات المشروعات أن تكون مرضية للحكيم العليم، والقبيح لا يكون مرضيًا له تعالى، فلم يمكن الجمع بين المشروعية والقبح في التصرف الشرعي، فصار العلماء إلى الترجيح.\nفذهب الشافعي إلى ترجيح جانب القبح وإبطال المشروعية التي هي الاعتبار الشرعي في التصرف، ذاهبًا إلى أنه يكفي لكون النهي ابتلاء تصور الوجود الحسى من غير اعتبار من الشارع، والحقيقة الشرعية لا يشترط لتحققها اعتبار الشارع.\nفالنهي عند الشافعية يفيد البطلان في التصرفات الشرعية لمضادة القبح والتحريم للاعتبار الشرعي، كما في كثير من التصرفات المنهى عنه، وما وجد من التصرفات المنهي عنها ولم يفد النهي بطلانه فإنما كان ذلك لدليل وقرينة. وأقاموا الأدلة على ذلك.\nوذهب الحنفية إلى ترجيح جانب المشروعية في أصل التصرف، وصرف النهي إلى الوصف =","vol":"3","page":20},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nهذا معنى النَّهي عن الشَّيء \"لعينه\"، وليس معناه أن ينهي عنه غير مقيد بقيد؛ كما وَهِمَ الشِّيرازي نحو: لا تَصُمْ ولا تَبِعْ.\nوهذه مسألة الكتاب وفيها مذاهب (^١):\n_________\n= كما هو الحاصل في كثير من التصرفات المنهى عنها ذاهبين إلى أن الابتلاء ووقوع الحقيقة الشرعية لا يتحققان إلّا به. وما جاء منها وقد أفاد النهي بطلانه فإنما كان ذلك لدليل دل عليه، وأقاموا على ذلك أدلتهم.\nوذهب فريق ثالث من العلماء إلى التفرقة بين العبادات والمعاملات، فقال بدلالة النهي على بطلان العبادات، أما المعاملات فلا دلالة للنهي فيها على صحة أو فساد، بل يلتمس لصحتها أو فسادها أدلة أخرى غير النهي عنها، ومن الذاهبين إلى هذا الرأي الغزالي، والرازي، والكمال بن الهمام.\n\"ثمرة هذا الخلاف\" تتلخص الثمرة لهذا الخلاف بين الأصوليين في أن هذه التصرفات الشرعية من عبادات ومعاملات، والتي وضعها الشارع تعالى لثمرات مقصودة من شرعيتها مترتبة عليها إذا ما نهى عنها في بعض المواضع هل يبقى فيها هذا الوضع الشرعي، فتترتب عليها تلك الثمرات المطلوبة منها كالصلاة للثواب وتفريغ الذمة، والبيع للملك فتكون مشروعة مع النهي عنها، أو ارتفع عنها هذا الوضع الشرعي فأضحت لا تفيد ثمرتها فهي باطلة؟ ويستطيع الباحث إدراك القيمة العملية لهذه الثمرة بسهولة إذا ما تتبع أبواب الفقه المختلفة؛ إذ لا يكاد يجد بابًا منها خاليًا عن هذه المنهيات المتفق على تحريمها أو كراهتها، المختلف في بطلانها وصحتها. ما قاله شيخنا عبد المجيد محمد فتح الله:\n(^١) تنوعت أراء العلماء فيما يفيده النهي في الشرعيات من أثر إلى ما يأتي:\nأولًا: ذهب جماهير الأصوليين من أصحاب الشافعي ومالك والحنابلة وجميع أهل الظَّاهر، وجماعة من المتكلمين، وهو ظاهر مذهب الشافعي إلى أن النهي المطلق عن الشرعيات يفيد قبحها لذاتها، وفسادها أي: عدم الاعتداد بها شرعًا، وعدم ترتب ثمراتها المقصودة منها عليها، وهو البطلان.\nوانقسموا إلى طائفتين: طائفة ترى أن دلالة النهي على البطلان من جهة اللغة، وطائفة ترى أن تلك الدلالة مستفادة من الشرع، وإليه ذهب الآمدي وابن الحاجب، سواء أكانت الشرعيات عبادات أم معاملات.\nثانيًا: الطريق الثاني وهم جمهور الحنفية حيث ذهبوا إلى أن النهي المطلق عن الشرعيات عبادات ومعاملات لا يدل على بطلانها، بل يدل على صحتها ومشروعيتها بالأصل دون الوصف، فيصرفون النهي لغير ما أضيف إليه، وهو وصفه، ويطلقون على المنهى عنه اسم =","vol":"3","page":21},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\nالفاسد.\nثالثًا: والفريق الثالث من العلماء ذهب إلى التفريق بين بعض الشرعيات وبعضها الآخر، فيرى أن النهي عن العبادات يدل على بطلانها؛ وأن النهي عن المعاملات لا يدل على بطلان فيها ولا صحة وهو اختار المحققين من الشافعية كالقفال والغزالي، كما اختاره الإمام الرازي في المحصول.\nوكذا أتباعه، ومنهم صاحب الحاصل، وبه قال كثير من المعتزلة كأبي عبد الله البصري والقاضي عبد الجبار، واختاره الكمال بن الهمام من الحنفية.\nتفصيل الكلام في الرأي الأول حيث يرى الإمام الشافعي ﵁ أن النهي المطلق عن التصرفات الشرعية، الأصل فيه أن يقتضي القبح والتحريم لذات التصرف المنهى عنه، فيكون باطلًا غير مشروع بأصله ووصفه، كما أنه إن دلّ الدليل على أن النهي متوجه إلى الوصف اللازم أفاد بطلان التصرف أيضًا، فلا فرق عنده بين المنهيّات الحسّية والشرعية، ولا بين الشرعيات من عبادات ومعاملات، أن النهي إن كان مطلقًا، أو دلّ الدليل على أنه للوصف اللازم أفاد في ذلك كله القبح والتحريم، فيفيد البطلان. نقل هذا المذهب ابن برهان في الوجيز عن الإمام الشافعي ﵁، ونص الشافعي في الرسالة قبيل أصل العلم ما يفيد أن النهي عن التصرفات الشرعية يدل على بطلانها فبعد أن عرض أنواعًا من الأنكحة المنهي عنها بقوله: \"فأما إذا عقد بهذه الأشياء كان النكاح مفسوخًا بنهي الله في كتابه وعلى لسان نبيه عن النكاح بحالات نهي عنها، فذلك مفسوخ، وذلك أن ينكح الرجل أخت امرأته وقد نهى الله الجمع بينهما، وأن ينكح الخامسة وقد انتهى الله به إلى أربع، فبين النبي أن انتهاء الله به إلى أربع خطر عليه أن يجمع بين أكثر منهن، أو ينكح المرأة على عمتها أو خالتها وقد نهى النبي عن ذلك، وأن ينكح المرأة في عدتها، فكل نكاح كان من هذا لم يصح، وذلك أنه قد نهى عن عقده، وهذا ما لا خلاف فيه بين أحد من أهل العلم.\nومثله - والله أعلم - أن النبي نهى عن الشغار، وأن النبي نهى عن نكاح المتعة وأن النبي نهى المحرم أن ينكح أو ينكح، فنحن نفسخ هذا كله من النكاح في هذه الحالات التي نهى عنها بمثل ما فسخنا به ما نهى عنه مما ذكر قبله، وقد يخالفنا في هذا غيرنا، وهو مكتوب في غير هذا الموضع. ومثله أن ينكح المرأة بغير إذنها فتجيز بعد، فلا يجوز؛ لأن العقد وقع منهيًا عنه؛ قال بعد هذا -: ومثل هذا ما نهى عنه رسول الله بيع الغرر، وبيع الرطب بالتمر إلا في العرايا، أو غير ذلك مما نهى عنه، وذلك أن أصل مال كل امرئ محرم على غيره إلا بما أحل به. وما أحل به من البيوع ما لم ينه عنه رسول الله ولا يكون ما نهى عنه رسول الله من البيوع محلًّا ما كان أصله محرمًا من مال الرجل لأخيه، ولا تكون المعصية بالبيع المنهى عنه تحل =","vol":"3","page":22},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأولها: وبه قال الجمهور من المذاهب الأربعة: أنه \"يدلّ على الفساد\".\n_________\n= محرمًا، ولا تحلّ إلّا بما لا يكون معصية، وهذا يدخل في عامة العلم.\nوصرح في الأم بقوله: مما نهى عنه رسول الله ﷺ فكان على التحريم لم يختلف أكثر العامة فيه: أنه نهى عن الذهب بالورق إلّا هاء وهاء، وعن الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثلا يدًا بيد، ونهى عن بيعتين في بيعه، فقلنا والعامة معنا: إذا تبايع المتبايعان ذهبا بورق أو ذهبا بذهب فلم يتقابضا قبل أن يتفرقا فالبيع مفسوخ. وكانت حجتنا أن النبي ﷺ لمّا نهى عنه صار محرمًا. وإذا تبايع الرجلان بيعتين في بيعة فالبيعتان جميعًا مفسوختان ما انعقدت، وهو أن يقول أبيعك على أن تبيعني، لأنه إنما انعقدت العقدة على أن ملك كل واحد منهما عن صاحبه شيئًا ليس في ملكه. ونهى النبي ﷺ عن بيع الغرر، ومنه أن أقول سلعتى هذه لك بعشرة نقدًا أو بخمسة عشر إلى أجل، فقد وجب عليه بأحد الثمنين، لأن البيع لم ينعقد بشيء معلوم، وبيع الغرر فيه أشياء كثيرة نكتفي بهذا منها ونهى النبي ﷺ عن الشغار والمتعة.\nفأجرينا النهي مجرى واحدًا إذا لم يكن عنه دلالة تفرق بينه، ففسخنا هذه الأشياء والمتعة والشغار، كما فسخنا البيعتين\" اهـ.\nأما تحصيل القول الثاني عند الحنفية فالأصل عندهم في النهي عن الشرعيات أن يقتضي القبح لغير المنهى عنه فيقتضي أن يكون المنهى عنه الشرعي صحيحًا ومشروعًا بأصله فاسدًا ومحرمًا بوصفه هذا إن كان مطلقًا أو مقيدًا بما يفيد أنه للوصف اللازم، فاسدًا ومحرمًا بوصفه هذا إن كان مطلقًا أو مقيدًا بما يفيد أنه للوصف اللازم.\nوعلى هذا فالخلاف بين الحنفية والشافعي في مسألتين:\n\"المسألة الأولى\" أن النهي عن الشرعيات عبادات ومعاملات بلا قرينة يقتضي القبح والتحريم لذات التصرف عن الشافعية فيكون غير مشروع لا بأصله ولا بوصفه، ويسميه الشافعية فاسدًا وباطلًا.\nوما عند الحنفية فإنه يقتضي القبح والتحريم لغيرة وصفًا لازمًا، فيكون التصرف صحيحًا ومشروعًا بأصله، فاسدًا وغير مشروع بوصفه، وتترتب عليه الأحكام الشرعية المقصودة من شرعية التصرفات، ما لم يكن حكم النهي منافيًا لحكم التصرف الشرعي، فإن كان منافيًا له أبطله. إذا يفقد التصرف فائدته حينئذٍ.\n\"المسألة الثانية\" إذا بينت القرينة على أن النهي أفاد قبحًا في غير المنهى عنه وكان ذلك الغير وصفًا لازمًا، فحكمه حكم القبيح لنفسه عند الشافعية، فيكون التصرف باطلًا بأصله ووصفه أيضًا: إذ النهى عن الوصف يضاد مشروعية الأصل عندهم. وعند أبي =","vol":"3","page":23},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nثم اختلفوا فقال جمهورهم: يدل \"شرعًا (^١) لا لغةً\"، واختاره المصنف.\n\"وقيل: لغة\".\n_________\n= حنيفة: لا يكون حكمه حكم القبيح لذاته، بل يكون القبيح للوصف فقط. فيكون مشروعًا وصحيحًا بالأصل دون الوصف، وهو الفاسد، كالقسم الأول.\n(^١) استدل الجمهور على مدعاهم بأدلة خمسة: -\n\"الأول\" - \"الإجماع\": وبيانه أن العلماء في الأمصار والأعصار المختلفة لم يزالوا يستدلون على بطلان العبادات والمعاملات بالنهي عنها، وهذا إجماع منهم على أنه يدل على البطلان، وليست هذه الدلالة لغوية؛ إذ ليس مدلول النهي اللغوي سوى طلب ترك الفعل، وليس فيه إشعار بسلب الأحكام والثمرات وهو البطلان؛ فثبت أن الدلالة شرعية.\n\"الثاني\": أن النهي لطلب ترك الفعل، وهو إما أن يكون المقصود دعا الشارع إلى طلب الترك أو لا لمقصود، لا جائز أن يقال: إنه لا لمقصود. أما على أصول المعتزلة القائلين بوجوب الصلاح والأصلح عليه تعالى؛ فلأنه عبث، والعبث قبيح، والقبيح لا يصدر عن الشارع تعالى. وأما على أصول أهل السنة فإنهم وإن جوزوا خلو بعض أفعال الله تعالى عن الحكم والمقاصد، فهم يعتقدون أن الأحكام المشروعة لا تخلو عن حكمة ومصلحة راجعة إلى العبد، لكن بطريق الوقوع لا بحكم الوجوب؛ فالإجماع إذًا منعقد على امتناع خلو الأحكام الشرعية عن الحكم، سواء أظهرت لنا أم لم تظهر، وإذا بطل أن يكون نهي الشارع لا لمقصود، تعين أن يكون لمقصود دعاه للنهي عن الفعل.\nوإذا كان لمقصود، فلو صح التصرف وكان مستعقبًا لحكمه المقصود منه، فإمّا أن يكون مقصود النهي راجحًا على مقصود الصحة، أو مساويًا، أو مرجوحًا: لا جائز أن يكون مرجوحًا، إذ المرجوح لا يكون مقصودًا مطلوبًا في نظر العقلاء بله الشارع تعالى، وما لا يكون مقصودًا لا يرد طلب الترك لأجله، وإلّا كان الطلب خليًّا عن الحكمة، وهو ممتنع لما سبق.\nولا جائز أن يكون مساويًا لمقصود الصحة؛ إذ لو كانت الحكمتان متساويتين لتعارضتا وتساقطتا، وكان فعله كتركه، فيمتنع النهي عنه لخلوه عن الحكمة حينئذ، فلم يبق إلّا أن يكون راجحًا على مقصود الصحة، ويلزم من ذلك امتناع الصحة، وامتناع انعقاد التصرف لإفادة أحكامه واستعقاب ثمراته، وإلا كان الحكم بالصحة خاليًا عن حكمة ومقصود ضرورة كونه مقصودها مرجوحًا على ما تقدم بيانه، وإثبات الحكم خليًا عن الحكمة في نفس الأمر ممتنع؛ لما فيه من مخالفة الإجماع. فثبت أن التصرف المنهى عنه لم يفد ثمراته ولم ينعقد، فكان باطلًا للنهي عنه، وهو المطلوب.\n\"الثالث\": قوله عليه الصلاة السلام: \"كل عمل ليس عليه أمرنا فهو ردّ\" وجهة الدلالة ظاهرة. =","vol":"3","page":24},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقال ابن السمعاني: ويمكن أن يقال: يقتضي الفساد من حيث المعنى، لا من حيث اللَّفظ قال: وقد ذهب إلى هذا المذهب جماعة من أصحاب أبي حنيفة.\nوثانيها: لا يدلّ عليه أصلًا.\nوهو قول الشَّيخ أبي الحسن الأشعري، والقاضيين أبي بكر، وعبد الجَبَّار.\nواختاره من أصحابنا القَفّال الكبير، وأبو جعفر السَّمعاني، وحجّة الإسلام الغزالي، قالوا: وإنما الاعتماد في فساده على اعتماد الشَّرع على فوات شرط، ويعرف الشرط بدليل يدلّ عليه، وعلى ارتباط الصِّحة به، نص الغَزَالي على ذلك، وأنه يخالف في المَنْهي عنه لعينه؛ كما يخالف في المَنْهي عنه لوصفه.\nولا تحسبن المصنّف أهمل حكاية هذا المذهب، بل قد أشار إليه إذ قال: ثالثها والثالث ظاهره أنه قول في المسألة، ويدلّ له أيضًا قوله بعد ذلك: [الثَّاني] (^١).\n\"وثالثها في الإجزاء\" أي: العبادات - عبّر عنها بذلك؛ لأن معنى الصِّحة في العبادات كونها [مجزئة] (^٢)، \"لا السَّببية\" - أي: المُعَاملات. وعبّر عنها بذلك؛ لأن معنى الصِّحّة في المُعَاملات كونها سببًا لترتيب الآثار.\nوهذا رأي أبي الحُسَين، والإمام الرازي (^٣).\nوأبو الحُسَين أطلق اختياره في \"المعتمد\" (^٤)، ولم يقيد كلامه بالمنهي عنه لعينه ولوصفه.\nوهنا مهم، وهو أن قول المصنّف بعد ذلك القَائل يدلّ على الصحّة يقتضي أن القائلين بأن النهى عن الشَّيء لعينه لا يدلُّ على الفساد.\n_________\n= \"الرابع\": أن النهي المطلق عن التصرفات الشرعية يدل على قبح المنهى عنه لذاته، كالنهي عن الأفعال الحسية، إذ يفيد فيها قبحًا ذاتيًا بالاتفاق، وكل ما كان منهيًا عنه لعينه وذاته كان باطلًا، فالتصرفات المنهى عنها نهيًا مطلقًا باطلة وغير مشروعة.\n\"الخامس\": أن من حكم النهي وجوب الانتهاء وصيرورة الفعل على خلاف موجبه معصية ومحرمًا، وكل ما هو كذلك لا يكون مشروعًا. قاله شيخنا عبد المجيد محمد فتح الله.\n(^١) في أ، ب، ج: النافي.\n(^٢) في أ: مجرية.\n(^٣) المحصول ١/ ٢/ ٤٨٦.\n(^٤) المعتمد ١/ ١٨٤.","vol":"3","page":25},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nاختلفوا في أنّه هل يدلّ على الصحة؟ وإن هذا دليل [قائلهم] (^١) بالصِّحة - وعلى ذلك حمله الشَّارحون، ونقلوا ذلك عن أبي حَنِيفَةَ، ومحمد بن الحسن.\nوفيه نظر، فإن القول بدلالة النَّهي عن الصِّحة لا يُعْرَف في قسم المَنْهِي لعينه، بل في المنهى لوصفه.\nوقد صرَّح شمس الأئمة وغيره من الحنفية؛ بأنَّ المنهي لعينه غير مشروع أصلًا (^٢)، وأن النهي فيه إخبار عن عدمه بدون محلّه، أو بدون شرطه، أو بدون سببه، ونحو ذلك، فيكون في الحقيقة نفيًا عبر بالمَنْهِيّ عنه مجازًا؛ بمنزلة قولك: لا رجل في الدَّار.\nوكذلك نقل عنهم ابن السَّمعاني نقلًا [مجردًا] (^٣)؛ لأنه كان من أئمة الحنفية قبل انتقاله إلى مذهبنا فقال: قال المعبرون عن طريقة أبي زيد: النَّهي المطلق نوعان: نهي عن الأفعال الحسّية (^٤)؛ مثل الزنا، والقتل، والشرب، فيدلّ على قُبحها في نفسها لا في أعيانها، إلا أن يقوم دليلٌ على خلاف ذلك (^٥).\nونهى عن التصرُّفات الشرعية؛ مثل: الصوم، والصلاة، والبيع فيقتضي قبحًا لمعنى في غير المنهي عنه، لكن متصلًا بالمنهي عنه فينتفي صفة المَشْرُوعية عن المنهي عنه من وجه مع تصوُّره في نفسه.\n_________\n(^١) في أ، ب، ج: قائليهم.\n(^٢) ينظر: كشف الأسرار ١/ ٢٥٨.\n(^٣) في أ، ب، ج: محررًا.\n(^٤) وهي ما لها تحقق حسي وليس لها تحقق شرعي، فالشارع لم يعتبره لأحكام مقصودة منه مرتبة عليه هي نعم وإن رتب عليه أحكامًا هي عقوبات وزواجر كالقتل، وشرب الخمر، والزنا، فإن الزنا مثلًا له تحقق حسِّي، وهو سفْح الماء في محل مُشتهى غير مملوك وليس له تحقق شرعي، لأن الشارع لم يعتبر له شرائط زائدة، ولم يرتِّب عليه أحكامًا شرعية هي نعم.\n(^٥) الأصل في النهي عن الفعل الحسِّي أن يقتضي قبحه وتحريمه لذاته باتفاق العلماء؛ إذ لم يقم دليل يدل على أن القبح والتحريم للغير المنفك، ذلك لأنه يقصد بالنهي عن الحسِّي المنع من إيجاده حسًا، وما ذلك إلا لقبح في ذاته الحسيَّة، إمَّا لقبح جميع الأجزاء، أو بعضها، وإذا كان الأصل في النهي المطلق عن الحسيَّات أن يقتضي ما ذكر، فلا يصرف عنه إلا لضرورة بأن يوجد معه دليل يدل على أن النهي عنه لغيره، فحينئذ يكون قبيحًا لغيره، فإن كان ذلك الغير وصفًا لازمًا فحكمه حكم القبيح لعينه، فهو ملحق به، إلَّا أن القبيح لعينه حرام لعينه، وهذا حرام لغيره، ولا يريدون بقولهم: إنه قبيح لعينه أن ذلك الفعل قبيح من حيث ذاته؛ لما عرف من مسألة الحسن والقبح أن حسن الشيء وقبحه إنما يكون لجهات يقع عليها، فالمراد منه أن =","vol":"3","page":26},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالحاصلُ: أن المنهي عنه لعينه لا يختلف [الحنفية] (^١) في فَسَاده، فاحفظ ذلك. وما سيذكره المصنّف من أدلّة القائلين بأنه يدلّ على الصِّحة، يدل على أن خلافهم إنما هو في المَنْهِيّ عنه لوصف، وسنبيّنه إن شاء الله تعالى.\n_________\n= ذات الفعل الذي أضيف إليه النهي قبيحة وإن كان ذلك لمعنى زائد على ذاته كالكفر والظلم والعبث؛ فإن أعيانها قبيحة باعتبار ما في الكفر من كفران النعمة، وما في الظلم من وضع الشيء في غير موضعه، وما في العبث من الخلو عن الفائدة، إلا أنه لما كان هذا المعنى القبيح لم ينفك من حيث هو قبيح عن الفعل أعطى حكم الذات، فقيل للقبح الناشئ عنه: قبح ذاتي، والمراد ما لا ينفك عنه جميع أجزاء الفعل؛ أو عن بعضه، والقبيح لعينه باطل بالاتفاق.\nفتكون هذه التصرفات الحسيَّة المنهى عنها بالنهي المطلق، والتي أفاد النهي فيها قبحًا وتحريمًا ذاتيًا لقبح جميع الأجزاء، أو البعض أو لجهة لم يرجح عليها غيرها، كالزنا القبيح لما فيه من تضييع النسل واختلاط الأنساب. أو أفاد قبحها لوصفها اللازم غير مشروعة أصلًا لا بأصلها ولا بوصفها، فلا يترتب عليها حكم شرعي مطلوب للشارع، ولا تقبل حرمتها النسخ، بل هي جرائم دينية حرّم الشارع اقترافها والتلبس بها، ورتّب على ارتكابها أحكامًا هي عقوبات وزواجر رادعة لتمنع من التَّلبس بها، كالقصاص في القتل، والرجم والجلد في الزنا، والجلد في شرب الخمر.\nوإن دلَّ الدليل على أن النهي في الحسِّي لأمر خارج هو مُقارن منفك فلا يفيد النهي في هذه الحالة قبح الذات، بل يفيد القبح والتحريم لهذا المقارن المنفك، فيستتبع هذا التصرف حكمه الشرعي الذي رتَّبه عليه الشارع، كوطء الحائض نهى عنه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾. ودلَّ الدليل الذي قبله، وهو قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ على أن النهي عن قربان الزوجة وهي حائض، إنما هو للمقارن المنفك، وهو الأذى، فإن وطئها في زمن الحيض ووجد الحبل يثبت النسب اتفاقًا، ولا يعدّ الوطء زنا وإن كان حرامًا.\nفتلخص أن النهي عن الحسيَّات متفق عليه بين جميع العلماء من حيث إفادته ما تدل عليه القرينة إن كان مقيدًا، وإفادته القبح الذاتي والبطلان إن كان مطلقًا. قاله شيخنا عبد المجيد محمد فتح الله.\n(^١) سقط في أ، ج.","vol":"3","page":27},{"text":"لَنَا: أَنَّ فَسَادَهُ سَلْبُ أَحْكَامِهِ، وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لُغَةً قَطْعًا.\nوَأَمَّا كَوْنُهُ يَدُلُّ شَرْعًا؛ فلِأَنَّ الْعُلَمَاءَ لَمْ تَزَلْ تَسْتَدِلُّ عَلَى الْفَسَادِ بِالنَّهْيِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ وَالأَنْكِحَةِ وَغَيْرِهَا.\nوَأَيْضًا: لَوْ لَمْ يَفْسَدْ، لَزِمَ مِنْ نَفْيِهِ حِكْمَةٌ لِلنَّهْيِ، وَمِنْ ثُبُوتِهِ حِكْمَةٌ، لِلصِّحَّةِ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهَا فِي التَّسَاوِي وَمَرْجُوحِيَّةِ النَّهْيِ، وَيَمْتَنِعُ الْنَّهْيُ لِخُلُوِّهِ عَنِ الْحِكْمَةِ، وَفِي رُجْحَانِ الْنَّهْيِ تَمْتَنِعُ الصِّحَّةُ لِذَلِكَ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"لنا\": على أن النهي لا يقتضي الفَسَاد لغةً، ويقتضيه شرعًا \"أن فساده\" (^١) معناه: \"سلب أَحْكامه\"، \"وليس في اللَّفظ\" - لفظ النهي - \"ما يدلُّ عليه لغة قطعًا\" - لا بالمُطَابقة، لأن الصيغة إنما وضعت للزَّجْرِ، لا لسلب الأحكام، ولا بالتضمن؛ لأن سلب\n_________\n(^١) استدلوا بالسنة والإجماع والمعقول: -\n\"أَمَّا السُّنة\" فقوله ﷺ: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدّ\". وفي رواية: \"من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو ردّ\" ففيه دلالة على أن الفعل المنهى عنه مردود، ولا شك أن المردود من أفعال العباد ليس بصحيح ولا مقبول، فالفعل المنهى عنه إذًا ليس بصحيح فهو باطل، \"دليل الصغرى\" أن الفعل المنهى عنه ليس بمأمور به ولا هو من الدين، فيكون مردودًا بنص الحديث. والكبرى واضحة.\n\"ونوقش\" هذا الدليل بثلاثة أوجه: -\nأحدها: وهو من قبل الحنفية: لا نسلم أن الفعل المنهى عنه المأتى به من حيث كونه سببًا لترتب أحكامه عليه، ليس من الدين فلا يكون مردودًا؛ فنمنع صغرى الدليل.\nوثانيها: وهو من قبل الحنفية أيضًا - أنا لو سلمنا الصغرى نقول: إنه لا يلزم من كون الفعل المنهى عنه المأتى به مردودًا ألّا يكون سببًا لتترتب أحكامه عليه، بل هو محل النزاع، فالمراد من كونه مردودًا أنه غير مقبول طاعة، أي غير مثاب عليه، ونحن نقول به، ولا يلزم منه سلب الأحكام والثمرات، فكلية الكبرى ممنوعة.\nثالثها: وهو من قبل الجمهور: نسلم أن الحديث يفيد أن النهي يدل على بطلان المنهى عنه، ولكن نمنع أن تكون هذه الدلالة بمقتضى النهي لغة، بل هي مأخوذة من قوله ﵊: \"فهو ردّ\" فالدلالة شرعية لا لغوية.\n\"وأمَّا الإجماع\" فبيانه: أن الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - استدلوا على بطلان العقود وجميع التصرفات الشرعية الباطلة بالنهي عنها، فمن ذلك احتجاج ابن عمر ﵁","vol":"3","page":28},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\nعلى بطلان نكاح المشركات بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ ولم ينكر عليه أحد؛ كما استدل الصحابة على بطلان عقود الربا بمثل قوله ﵇: \"لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق. إلخ\" وقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ ولم يسندوا ذلك إلى توقيف من الشارع؛ فكان إجماعًا منهم على دلالته على البطلان من جهة اللغة.\n\"ونوقش\" من قبل الجمهور بأنا لا نسلم صحة احتجاجهم على البطلان بدلالة النهي لغة، بل إنما كان ذلك بتوقيف من الشارع، وستأتي الأدلة الدالة على ذلك.\nوأما الحنفية فيمنعون استدلال الصحابة على البطلان في هذه التصرفات بنفس النهي؛ فإنهم إنما يستدلون به على مجرد التحريم، أما البطلان حيث وجد مع النهي فهو لدليل آخر.\n\"وأمَّا المعقول\" فوجهان: -\n\"الأول\": أجمع العلماء على حمل بعض التصرفات المنهى عنها على البطلان كبيع المضامين والملاقيح، ولو لم يكن ذلك مقتضى النهي لكان الأمر خارجًا، والأصل عدمه، فيلزم من ذلك البطلان حيث وجد النهي، وإلا كان فيه نفي المدلول مع تحقق دليله، وهو ممتنع.\n\"ونوقش\" من قبل الجمهور - بان البطلان في محل الإجماع إنما كان للتوقيف من الشارع، لا لأنه مدلول النهي لغة.\nومن قبل الحنفية - بأنه إنما كان لدليل مستقل أفاد الشرطية أو الركنية، فيبطل التصرف بفقدهما.\n\"الثاني\": كل من الأمر والنهي للطلب والاقتضاء، والأمر لطلب الفعل، والنهي بخلافه، فهو لطلب الترك، فهما متقابلان، والأمر يفيد الصحة، فليكن النهي دليل البطلان المقابل للصحة، ضرورة أن النهي مقابل للأمر.\n\"ونوقش\" بأوجه ثلاثة: -\nالأول: وهو للجمهور - سلمنا أن النهي مقابل للأمر، وأنه يجب أن يكون حكمه مقابلًا لحكم الأمر، لكن الأمر إنما يفيد الصحة شرعًا لا لغة؛ إذ هو في اللغة ليس إلّا لطلب إيقاع الفعل من غير إشعار بترتب الثمرات، فيكون النهي مفيدًا للمقابل، وهو البطلان شرعًا لا لغة، وهو غير مدعاكم.\nالثاني: وهو من قبل الحنفية - سلمنا أن الأمر يفيد الصحة، لكن نمنع أن المتقابلات يجب أن تقابل كل أحكامها، فلا نسلم أن مقتضى النقض نقض المقتضى؛ لجواز الاشتراك في لازم واحد.\nالثالث: وهو من قبل الحنفية أيضًا - سلمنا أن المتقابلات يجب أن تتقابل أحكامها، لكن","vol":"3","page":29},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالأحكام [ليس] (^١) جزءًا من الموضوع، ولا بالالتزام؛ لأن الذهن لا ينتقلُ عند سَمَاعِ النَّهي إلى فهم سلب الأحكام، فانتفت الثلاث، فانتفت الدلالة اللغوية.\n\"وأما كونه يدل شرعًا، فلأن العلماء لم تزل تستدلّ على الفساد بالنهي في الرِّبويات والأنكحة وغيرها\" شائعًا ذائعًا من غير نَكِيرٍ، فكان إجماعًا منهم على الدّلالة الشرعية.\n\"وأيضًا\": فإنه \"لو لم يفسد\" للنَّهي عنه شرعًا \"لزم من نفيه حكمة للنَّهْيِ\"؛ لكونه مطلوب الكَفّ، \"ومن ثبوته حكمة للصِّحة، واللازم باطلٌ\" فالملزوم مثله.\nبيان المُلَازمة: أن النهي طلبُ التَّرك، فلو لم يكن لحكمة كان عبثًا، وهو قبيح عند المعتزلة، وعندنا غير واقع؛ لأنا وإن جوزنا خلوّ الأحكام عن الحكم فلا نقول: وقع شيء إلا على وفق الحِكْمَةِ، ولو سلّم خلوّ بعضها فهو نادر، والحكم للغالب، وأما انتفاء اللازم فلأن حكمتي النهي والصحة؛ إما أن يكونا متساويين، أو يترجّح حكمة الصّحة أو بالعكس، والأقسام باطلةٌ؛ \"لأنها\" \"في\" قسمي \"التَّسَاوي\" \"ومرجوحية النهي\"، \"ويمتنع النّهي لخلوّه عن الحِكْمَةِ\" الراجحة حينئذ.\n\"وفي رجحان النهي\"، ومرجوحيّة الصِّحة \"تمتنع الصِّحة لذلك\" - أي: لخلوها عن الحكمة الرَّاجحة والمساوية.\n_________\n= نقيض اقتضاء الأمر للصحة ألّا يقتضي النهي الصحة، فإذا كان الأمر دالًّا على الصحة، وسلمنا التقابل بين أحكام المتقابلين؛ فإنه يلزم منه أن يكون النهي غير دال على الصحة، وهو أعم من دلالته على البطلان، والأعم لا يستلزم الأخص.\nويمكن أن يقال على هذا الوجه الثالث من المناقشة: إنه مع تسليم أن المتقابلات يجب تقابل مقتضياتها يجب التسليم بأن مقتضى النهي عدم الصحة، وهو البطلان، فالقول بأن نقيض اقتضاء الأمر الصحة، عدم اقتضاء النهي الصحة لا يتفق مع هذا التسليم، بل هو رجوع إلى منع أن المتقابلات يجب تقابل مقتضياتها؛ لأنه عليه يكون الأمر مقتضيًا للصحة، والنهي ليس مقتضيًا لها، فلا يكون مقتضاهما متقابلًا، فيرجع إلى الوجه الثاني.\nمن مناقشة الأدلة السابقة، وبيان بطلانها يتبين بطلان الرأي المستند إليها، والقائل بدلالة النهي على بطلان التصرفات الشرعية من جهة اللغة. قاله شيخنا عبد المجيد محمد فتح الله.\n(^١) في أ، ج: ليست.","vol":"3","page":30},{"text":"اللُّغَةُ: لَمْ تَزَلِ الْعُلَمَاءُ.\nوَأُجِيبَ: لِفَهْمِهِمْ شَرْعًا. بِمَا تَقَدَّمَ.\nقَالُوا: الأَمْرُ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ، وَالنَّهْيُ نَقِيضُهُ؛ فَيَقْتَضِي نَقِيضَهَا.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِيهَا لُغَةً، وَلَوْ سُلِّمَ فَلا يَلْزَمُ اخْتِلَافُ أَحْكَامِ الْمُتَقَابِلَاتِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَإِنَّمَا يَلْزَمُ أَلَّا يَكُونَ لِلصِّحَّةِ لَا أَنْ يَقْتَضِيَ الْفَسَادَا.\nالنَّافِي لَوْ دَلَّ، لَنَاقَضَ تَصْرِيحَ الصِّحَّةِ، وَ\"نَهَيْتُكَ عَنِ الرِّبَا لِعَيْنِهِ\"، وَ\"تَمَلَّكْ بِه\" - يَصِحُّ.\nوَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ بِمَا سَبَقَ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: واحتجّ من ذهب إلى أن الفَسَاد تقتضيه \"اللُّغة\" بوجهين:\nأحدهما: أنه \"لم تزل العلماء\" تستدلّ بالنهي على الفساد، فدلّ أنهم فهموه منه.\n\"وأجيب\": إنما ذلك \"لفهمهم\" الفَسَاد \"شرعًا\" لا لغةً، \"لما تقدّم\" من أنه لا يدلّ على الفساد لغة.\nوالثاني: \"قالوا: الأمر يقتضي الصحة\" صحة المأمور به، \"والنهي يقتضيه فيقتضى نقيضها\"، وهو الفساد؛ لأن مقتضى النقيضين نقيضان.\n\"وأجيب\" \"بأنه لا يقتضيهما لغةً\" بل ولا شرعًا، وإنما الصِّحة أمر عَقْلي على أصل المصنّف، وإنما يقتضيهما شرعًا، ونحن قائلون به في النَّهي.\n\"ولو سلّم\" أنه يقتضيها لغةً \"فلا يلزم اختلاف أحكام المُتَقَابلات\"، حتى تثبت للنهي الذي هو مقابل الأمر ضد ما ثبت للأمر، بل جاز اشتراك المُتَقَابلات في بعض اللوازم.\n\"ولو سلّم\" لزوم اختلاف أحكامها؛ \"فإنما يلزم ألّا يكون للصحة، لا أن\" يكون للفساد؛ لأن مقابل اقتضاء الصّحة، عدم اقتضاء الصّحة، وذلك أعم من \"اقتضاء\" \"الفساد\"، ولا إشعار للأعم بالأخصّ.\nالشرح: واحتجّ \"النَّافي \"لدلالة النَّهي على الفَسَاد مطلقًا؛ بأنه \"لو دلّ لناقض تصريح الصحة\" \"و\"الملازمة ظاهرة، واللازم منتفٍ، فإنه لو قال: \"نهيتك عن الرِّبَا لعينه\"، فإن وقع صحّ \"وتملك به\" المبيع، \"يصح\" هذا القول، ولا مُنَاقَضة فيه عرفًا ولا شرعًا ولا لغةً.","vol":"3","page":31},{"text":"الْقَائِلُ يَدُلُّ عَلَى الصِّحَّةِ: لَوْ لَمْ يَدُلَّ، لَكَانَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ غَيْرَ الشَّرْعِيِّ، وَالشَّرْعِيُّ الصَّحِيحُ؛ كَصَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَالصَّلَاةِ فِي الأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّ الشَّرْعِيَّ لَيْسَ مَعْنَاهُ الْمُعْتَبَرَ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: \"دَعي الصَّلَاةَ\"، وَلِلُزُومِ دُخُولِ الْوُضُوءِ وَغَيْرِهِ فِي مُسَمَّى الصَّلَاةِ.\nقَالُوا: لَوْ كَانَ مُمْتَنِعًا، لَمْ يُمْنَعْ.\n[وَ] أُجِيبَ: بِأَنَّ الْمَنْعَ لِلنَّهْيِ، وَبِالنَّقْضِ بِمِثْلِ: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢١]، وَ\"دَعِي الصَّلَاةَ\".\nقَوْلُهُمْ: نَحْمِلُهُ عَلَى اللُّغَوِيِّ - يُوقِعُهُمْ فِي مُخَالَفَةِ أَنَّ الْمُمْتَنِعَ لَا يُمْنَع، ثُمَّ هُوَ مُتَعَذِّرٌ فِي الْحَائِضِ\n<hr><s0>\n\n\"وأجيب بالمنع\" - منع الملازمة - \"لما سبق\" مرارًا كما في مسألة التكرار؛ أنه لا تناقض بين الصريح والظاهر.\nولقائل أن يقول: أمّا الدليل فليس في محلّ النزاع؛ لأن النَّهي في الرِّبا لوصفه لا لعينه، ومعنى النهي عن الشيء لعينه ما أسلفناه من انعدام محله، وهذا ليس موجودًا هنا.\nوقولهم هنا: \"لعينه\" المراد به عين الربا الذي هو الزيادة، وهو وصف قائم بذلك البيع، ويحترز به عن النهي [المجاور] (^١) \"النَّهي عن البيع وقت النداء\"؛ فإن ذلك لا يقتضي الفساد عند الأكثرين.\nوأما منع المُلَازمة: فقضيّتها أن يكون النّهي ظاهرًا في الفساد، لا صريحًا فيه، وقد صرّح في \"المختصر الكبير\" في المسألة التي بعده بأن الفَسَاد في المَنْهى لعينه يقتضي الفَسَاد بالصَّراحة، بخلاف المنهي لوصفه.\nالشرح: واحتجّ \"القائل\" بأنه \"يدلّ على الصِّحة\"، بأنه \"لو لم يدلّ\" عليها \"لكان المنهى عنه غير الشرعي\"، \"و\"الملازمة بيّنة؛ إذ \"الشرعي\" هو \"الصحيح\" - أي: الذي يوجد صورته في الخارج على الوجه الشَّرعي المعتبر؛ لأن النهي عما لا يكون لغوًا؛ إذ لا\n_________\n(^١) في ج: للمجاور.","vol":"3","page":32},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nيستقيم أن يقال للأعمى: لا تبصر، واللازم منتفٍ؛ لأن المنهي \"كصوم يوم النَّحْرِ، والصلاة في الأوقات المكروهة\" ليس الّلغوي، لجوازه، هذا تقريره فاعتمده.\nوعليه يدلّ كلام أبي زيد الدبوسي؛ إذ يقول ما حاصله: النَّهي لا يصح عن غير المتكون؛ لأن النَّهي يرد، والمراد به انعدام الفِعْل مضافًا إلى اختيار العباد وكسبهم؛ فلا بد من تكون المَنْهِيّ عنه ليكون العبد دائرًا بين أن يكفّ عنه باختياره فيثاب، أو يفعله فيعاقب؛ ولهذا لا يصحّ أن يقال للأعمى: لا تبصر، وللآدمي: لا تَطِرْ، وربما قالوا: النَّهي يطلب الامتناع من المنهى عنه.\nولا بد من تصوّر المنهى عنه حتّى يتحقّق فعل النهي عنه، فعلى هذا المنهى عنه هو الصوم في يومي العيد، وأيام التَّشريق، وكذا الصَّلاة عند غروب الشَّمس، والصَّوم اسم لفعل مخصوص، وكذا الصّلاة، فوجب تصوّرهما بعد النهي؛ ليتحقق النهي عنهما شرعًا.\nقال: ولا يجوز أن يقال: يتصور بصورة الامتثال، وصورة أفعال الصّلاة؛ لأن الصوم إنما صار صومًا بصورته ومعناه، وكذلك الصَّلاة، وإذا لم يوجد المعنى لم يوجد النَّهي، [والحذق أن] الذي تخيلتموه موجودًا ليس بصلاة ولا صوم.\nوأما ما قرره الشَّارحون في بيان المُلازمة من أن المنهى عنه إذا لم يكن صحيحًا لم يكن [شرعيًّا] (^١) معتبرًا؛ لأن الشرعي المعتبر، هو الصحيح، فما لا يكون صحيحًا معتبرًا لا يكون شرعيًّا؛ كصوم يوم النَّحْر (^٢) ................................\n_________\n(^١) في ج: شرعًا.\n(^٢) ما جاء في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: \"نهى رسول الله ﷺ عن صيام يوم الأضحى وصيام يوم الفطر\".\nوروى الطبراني بسنده عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ أرسل أيام منى صائحًا يصيح: ألا لا تصوموا في هذه الأيام: فإنها أيام أكل وشرب وبعال أي وقاع. ورواه الدارقطني من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ بعث هزيل بن ورقاء الخزاعي على جمل أورق ليصيح في فجاج منى: ألَا إنّ الذكاة في الحلْق واللَّبَّة، ولا تُعْجِلُوا الأنفس أن تزهق، وأيام منى أيام أكل وشرب وبعال\". وفي سنده سعيد بن سلام، كذبه أحمد. وأخرج أيضًا عن عبد الله بن حذافة السهمي قال: \"بعثني رسول الله ﷺ على راحلة أيام منى أنادي: أيها الناس إنها أيام أكل وشرب وبعال\" وضعِّف بالواقدي.\nوأخرج ابن أبي شيبة في الحج، وإسحاق بن راهويه في مسنده قالا: حدثنا وكيع عن موسى بن =","vol":"3","page":33},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالصَّلاة في الأوقات المكروهة (^١)، فإنهما لمَّا لم يكونا صحيحين معتبرين في نظر الشَّرع لم يكونا شَرْعيين، فإنه لا يتأتى على أصول الحَنَفِيّة؛ لأن من أصلهم أن الصَّوْم مشروع، وإن كونه محظورًا لا ينافي مَشروعيته.\n_________\n= عبيدة عن منذر بن جهم، عن عمر بن خلدة عن أمه قالت: بعث رسول الله ﷺ عليًّا بنادي: أيام منى أيام كل وشرب وبعال\".\nوفي صحيح مسلم عنه ﵊ قال: \"أيام التشريق أيام أكل وشرب وبعال\" زاد في طريق آخر \"وذكر لله تعالى\".\nفهذه الأيام الخمسة: يوم الفطر ويوم الأضحى، وأيام التشريق الثلاثة، وهي اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة أكثر الفقهاء على أنه لا يصح فيها صيام شيء من الواجبات كقضاء رمضان والكفارة والنذر المطلق، ولا يصح التطوع أيضًا؛ للنواهي المتقدمة التي أفادت تحريم الصوم فيها لما يلزمها من الإعراض عن ضيافة الله تعالى.\nفهذا النهي قد أبطل الصوم عند غير الحنفية، وجعله ناقصًا عند الحنفية فلا يتأدى به الكامل.\nواختلفوا فيما لو نذر صيام يوم من هذه الأيام هل يصح هذا النذر ويلزمه الوفاء به، أو لا يصح؟\nفعند علماء الحنفية الثلاثة يصح هذا النذر، ويلزمه الوفاء به. وقال الشافعي وزفر: إنه بعد صحة النذر يفتى بأن يفطر في هذه الأيام، ويقضى في أيام أخر لا نهي فيها؛ لتحصل له العبادة على الخلوص، ويتخلص من المعصية، ولو صام في هذه الأيام خرج عن العهدة؛ لأنه أداه كما التزمه. قاله شيخنا عبد المجيد محمد فتح الله.\n(^١) الأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة في الأوقات:\nحديث عقبة بن عامر الثابت في صحيح مسلم وغيره قال: \"ثلاثة أوقات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيها، وأن نقبر فيها موتانا: عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعند زوالها حتى تزول، وحين تضيِّف للغروب حتى تغرب\".\nقوله ﵊: \"إن الشمس تطلع بين قرني شيطان، فإذا ارتفعت فارقها، ثم إذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها، وإذا غرب فارقها\" ونهى عن الصلاة في تلك الساعات. رواه مالك في الموطأ والشافعي عنه والنسائي، وابن ماجه من رواية عطاء بن يسار عن عبد الله الصنابحي، وفد اختلف في صحبته، ورواه مسلم من حديث عمرو بن عبسة في حديث طويل.\nقوله ﵊: \"لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس\" متفق عليه من حديث أبي سعيد، واتفقا عليه أيضًا من حديث أبي هريرة =","vol":"3","page":34},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nبلفظ \"نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس … الحديث\" يتبين من هذا أن الأوقات التي جاءت الأحاديث بالنهي عن الصلاة فيها خمسة:\nعند طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رمح أو رمحين، ويستدلى سلطانها بظهور شعاعها، وعند استوائها حتى تزول، وعند اصفرارها حتى يتم غروبها \"الرابع\" بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس. \"والخامس\" بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس.\nفقال الحنفية: إن النهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة الأولى قد أفاد فيها كراهة التحريم؛ لأن النهي ظني الثبوت ولم يصرفه عن مقتضاه صارف؛ وفرّعوا على ذلك أن قضاء الفرائض والواجبات لا يصح في هذه الأوقات، ولا يصح الصبح إن طلعت عليه الشمس وهو يصليه؛ بخلاف عصر اليوم إن بدأ فيه قبل مغيب الشمس فغابت وهو يصليه إذ يصح مع الكراهة، بخلاف النوافل فإنه يصح الشروع فيها في هذه الأوقات، غير أنه ينبغي أن يقطعها، فإن قطعها وجب عليه القضاء في وقت غير مكروه، وإن أتمها أجزأه مع الكراهة. وقالوا إن عدم صحة الفرائض في هذه الأوقات ليس ناشئًا من كراهة التحريم وحدها، بل لأنها في الصلاة لما كانت لنقصان في الوقت منعت أن يصح فيه ما تسبب عن وقت لا نقص فيه؛ إذ لا يتأدى ما وجب كاملًا بالناقص، وذلك أن حديث مالك المتقدم في الموطأ أفاد كون المنع لما اتصل بالوقت مما يستلزم كون فعل الأركان فيه تشبهًا بعبادة الكفار، وهذا هو المراد بنقصان الوقت، وإلا فالوقت في ذاته لا نقص فيه، بل هو وقت كسائر الأوقات، وإنما النقص في الأركان المقومة للحقيقة، فلا يتأدى بها ما وجب كاملًا، ولكون الوقت نفسه لا نقص فيه لو أسلم الكافر، أو بلغ الصبي، أو أفاق المجنون في الجزء المكروه فلم يؤد الفرض حتى خرج الوقت، فإن السبب في حقهم لا يمكن جعله كل الوقت حين خرج؛ إذ لم يدركوا مع الأهلية إلا ذلك الجزء، فليس السبب في حقهم إلا إياه، ومع هذا لو قضوا في وقت مكروه لا يجوز؛ لأن الثابت في ذمتهم كامل لا نقص فيه؛ إذ لا نقص في نفس الوقت، بل المفعول فيه يقع ناقصًا، غير أن تحمل ذلك النقص لو أدى فيه العصر ضروري، وهو في نفسه كامل، فيثبت في ذمته كذلك، فلا يخرج عن عهدته إلا بكامل. وكذلك لا تصح سجدة التلاوة، ولا صلاة الجنازة في الوقت المكروه إذا حصل سببهما في وقت غير مكروه، أما إذا وجد السبب في وقت مكروه فإنها تصح فيه ويصح قضاؤها في مثله، وذلك لأنه عند التلاوة مثلًا يخاطب بالأداء موسعًا، ومن ضرورته تحمل ما يلزمه من النقص لو أدى عندها، بخلاف ما إذا تليت في وقت غير منهى عنه فإن الخطاب لم يتوجه بأدائها في وقت مكروه، فلا يجوز قضاؤها في مكروه، وكذا لو قضى في الوقت المكروه ما قطعه من النفل المشروع فيه في وقت مكروه، فإنه يخرجه عن العهدة وإن كان آثمًا؛ لأن وجوبه ضرورة صيانة المؤدي عن البطلان ليس غير، والصون عن =","vol":"3","page":35},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  البطلان يحصل مع النقصان، وإنما قالوا بجواز عصر اليوم عند تغير الشمس واصفرارها لما تقرر في الأصول من أن سبب وجوب الصلاة هو الوقت، لكن لا يمكن أن يجعل كل الوقت سببًا للوجوب؛ لأنه لو كان كله سببًا له لوقع الأداء بعده؛ لوجوب تقدم السبب على المسبب بجميع أجزائه، كما أنه لا دليل على قدر معيّن منه كالربع والخمس مثلًا، فوجب أن يجعل بعض منه سببًا، وأقل ما يصلح لذلك هو الجزء الذي لا يتجزأ، والجزء السّابق لعدم ما يزاحمه أولى، فإن اتصل به الأداء تعيّن لحصول المقصود من الأداء، وإن لم يتصل به الأداء ينتقل إلى الجزء الذي يليه وهكذا إلى أن يضيق الوقت، ولم يتقرر على الجزء الماضي؛ لأنه لو تقرر كانت الصلاة في آخر الوقت قضاء، وليس كذلك، فكان الجزء المتصل بالأداء أو الجزء المضيق أو كل الوقت إن لم يقع الأداء فيه هو السبب؛ لأن الانتقال من سببية الكل إلى الجزء كان لضرورة وقوع الأداء خارج الوقت على تقدير سببية الكل، وقد زالت فيعود كل الوقت سببًا، ثم الجزء الذي يتعين سببًا للصلاة تعتبر صفته من الصحة والفساد، فإن كان صحيحًا بألّا يكون موصوفًا بالكراهة ولا منسوبًا إلى الشيطان كوقت الظهر وجب المسبب كاملًا، فلا يتأدى ناقصًا، وإن كان السبب ناقصًا بأن كان منسوبًا إلى الشيطان كالعصر إذا استأنفه في وقت الاصفرار وجب الفرض فيه ناقصًا تبعًا لنقصان سببه، فيجوز أن يتأدى ناقصًا؛ لأنه أداه كما وجب، بخلاف غيره من الصلوات الواجبة بأسباب كاملة، فإنها لا تقضي في هذه الأوقات؛ لأن ما وجب كاملًا لا يتأدّى ناقصًا، وبخلاف ما إذا بدأ في صلاة الصبح قبل طلوع الشمس فطلعت. وهو يصلي حيث تبطل الصلاة؛ لأنها وجبت كاملة، فلا تتأدى بالناقص الواقع عند طلوع الشمس.\nقال السرخسي في الفرق بين صلاة عصر اليوم عند الاصفرار فغابت الشمس وهو يصلي، وصلاة الصبح فطلعت الشمس وهو يصلي حيث صحت الأولى وبطلت الثانية: - إن الطلوع بظهور حاجب الشمس وبه لا تنتفي الكراهة، بل تتحقق فكان مفسدًا للفرض، والغروب بآخره، وبه تنتفي الكراهة؛ فلم يكن مفسدًا للعصر.\n\"أمّا النوافل\" فالصلاة النافلة التي يشرع فيها الإنسان في هذه الأوقات الثلاثة: قال الحنفية: إنها صحيحة تلزم بالشروع فيها وتضمن بالقطع، حتى لو قطعها وجب عليه القضاء، وينبغي أن يقطعها ويقضيها في وقت تحل فيه الصلاة تخلّصًا من الكراهة، فإن قضاها في وقت آخر مكروه أجزأه وقد أساء؛ لأنه لو أتمها في ذلك الوقت أجزأه مع الإساءة، فكذا إذا قضاها في مثل ذلك الوقت. وقال زفر: إن قطعه لا يضمن، وهو رواية عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى؛ لأنها منهى عنها؛ فلم تجب صيانتها عن البطلان. \"ووجه القول الأول\" - وهو ظاهر الرواية - أن الصلاة تركبت من أجزاء مختلفة غير متجانسة من قيام وركوع وسجود، فلا =","vol":"3","page":36},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  يكون لبعضها اسم الصلاة، وإنما ينطلق الاسم عند انضمام هذه الأجزاء بعضها إلى بعض بأن يقيد الركعة بالسجدة، وصارت الركعات بعد ذلك أجزاء متجانسة، فكان لركعة واحدة اسم الصلاة، ولهذا لو حلف ألّا يصلي فشرع في الصلاة لا يحنث ما لم يقيّد الركعة بالسجدة، ومن انتقل من الفرض إلى النفل قبل تمامه لا يجعل متنفلًا ما لم توجد منه السجدة لأن ما دون الركعة ليس بصلاة، والنهي ورد عن الصلاة في هذه الأوقات فلم يكن الشروع فيها منهيًا عنه، ولا القيام والقراءة والركوع، وإنما يتوجه النهي إلى هذا الفعل عند وجود السجدة فما مضى قبل ذلك انعقد عبادة محضة غير منهى عنها، فإبطالها حرام، وصيانتها واجبة، ولا تحصل الصيانة دون المضيّ، فكان المضي في حق ما مضى امتناعًا عن إبطال العمل وهو واجب، وفي حق ما يستقبل تحصيل طاعة وتحصيل معصية، فكان المضيّ طاعة ومعصية وامتناعًا عن معصية، وهي إبطال العبادة، وترك المضيّ امتناع عن معصية وطاعة وتحصيل معصية، وهي إبطال عبادة محضة، فترجحت جهة المضيّ على جهة القطع، فإذا قطع الصلاة فقد قطع عبادة وجب عليه المضيّ فيها؛ فيلزمه القضاء.\nهذا هو ما ذكره بعض المشايخ توجيهًا لقول الحنفية بصحة النوافل في هذه الأوقات.\nوقد ناقش الكمال هذا التوجيه فقال ما حاصله: -\nإن محصل هذا التوجيه أن النهي يتعلق بمسمى الصلاة، ومسمّاها مجموع الأركان، وبمجرد الشروع لا تتحقق الأركان، فلم يتحقق المنهى عنه، فصح الشروع لعدم تعلق النهي به، فيلزم القضاء بالإفساد وهو مدفوع؛ إذ كون مسمّى الصلاة لا يتحقق إلا بالأركان، ولا يقتضي وجوب القضاء بالإفساد؛ لأن وجوب القضاء بوجوب الإتمام قبل الإفساد، والثابت نقيضه، وهو حرمة الإتمام بالنهي.\nكما يلزم عليه أيضًا أن تفسد الصلاة بعد ركعة؛ لارتكاب المنهى عنه حينئذ، وهو منتفٍ عندهم، فالوجه ألّا يصح الشروع؛ لانتفاء فائدته من الأداء والقضاء، ولا مخلص لهم من هذه المناقشة إلّا بجعل كراهة الصلاة النافلة في الأوقات الثلاثة المكروهة تنزيهية، وهي لا تنافي الصحة والمشروعية، غير أنه لم يقل به إلّا بعض من لا يعول على قوله.\nوأمّا \"الشافعي\" رحمه الله تعالى فقال: إنّ هذه الأوقات المكروهة لا ينهى عن الصلاة فيها على الإطلاق، بل عن بعض أنواع منها، وما ورد فيها من النهي المطلق حمل على ذلك البعض، فالنهي والكراهة إنما هما لكل صلاة ليس لها سبب خاصّ متقدم أو مقارن لوقت النهي، وهي النوافل المطلقة. =","vol":"3","page":37},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  أمّا الصلوات التي لها سبب متقدم على وقت النهي أو مقارن له كقضاء الفرائض والسنن الفائتة وصلاة الجنازة وسجدة التلاوة، وركعتي الطواف - فإنها جائزة غير منهى عنها، كما أن الصلاة مطلقًا جائزة عنده بحرم مكة فرضها ونفلها، وجوّز أيضًا التنفل يوم الجمعة وقت الزوال، وبه قال أبو يوسف ﵀.\nاستدل \"الشافعي\" ﵁ على إخراج الفرائض المقضية من النهي والكراهة بقول الرسول ﷺ: \"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها\" رواه الدارقطني والبيهقي في الخلافيات من حديث أبي هريرة بسند ضعيف، وأصله متفق عليه دون قوله: \"فإن ذلك وقتها\".\nفيرى الشافعيّ أن هذا الحديث خاصّ في الصلاة التي نام عنها أو نسيها، فيخص به حديث عقبة بن عامر الذي ينهى عن جميع الصلوات، فاستدل بهذا الحديث على صحة الصلاة التي تقدم سببها، وكان قد نسيها أو نام عنها ثم تذكرها بعد مضي وقتها، ويلحق به كل قضاء إذ لا فرق. كما استدلّ به على صحة الصلاة التي لم يزل وقتها باقيًا وتذكرها؛ إذ قوله: \"ثم ذكرها\" أعمّ من أن يكون قد مضى وقتها أو ما زال باقيًا. ويلحق بذلك أيضًا الفرض الذي أخره من غير نوم أو نسيان حتى دخل وقت الكراهة؛ إذ لا فرق.\n\"وثانيًا\": بما روى مجاهد عن أبي ذر أن الرسول ﷺ قال: \"لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، إلا بمكة إلا بمكة\" رواه الشافعي قال: أخبرنا عبد الله بن المؤمل عن حميد مولى عفرة عن قيس بن سعد عن مجاهد \"وفيه قصة\" ورواه أحمد عن يزيد عن عبد الله بن المؤمل، إلا أنه لم يذكر حميدًا في سنده. ورواه الدارقطني والبيهقي.\nواستدل الشافعيّ وأبو يوسف رحمهما الله على إباحة النفل يوم الجمعة وقت الزوال بما جاء في مسند الشافعي رحمه الله تعالى قال: أخبرنا إبراهيم بن محمّد عن إسحاق بن عبد الله عن سعيد المقرئ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ \"نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة\".\n\"ونوقش\" بأن إسحاق وإبراهيم ضعيفان، ورواه الأثرم من طريق فيه الواقدي وهو متروك الحديث، كما روى من طرق أخرى لم تخل عن ضعف، فلا ينهض للاحتجاج به في مقابلة حديث النهي العام الشامل ليوم الجمعة وغيره، وبعد التنزل فيه أيضًا استثناء يوم الجمعة، والاستثناء عندنا تكلم بالباقي بعد الثنيا، فيكون حاصله نهيًا مقيدًا بكونه في غير يوم الجمعة، فيقدم عليه حديث عقبة المعارض له فيه؛ لأنه محرم.\nويقول \"الكمال\": إن هذا الحديث لا يعارض حديث عقبة إلا بمفهوم الصفة، فعند من يقول =","vol":"3","page":38},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"وأجيب بأنَّ الشرعي ليس هو المعتبر\" - أي: الصَّحيح؛ \"لقوله ﷺ: \"دَعِي الصَّلَاةَ\"، قاله لفاطمة بنت حُبَيْش (^١)، وقد قالت: إني امرأةٌ أستحاض، فلا أطهر أفأدع الصَّلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي\" رواه الشيخان في \"الصحيحين\" (^٢).\n_________\n= به كالشافعي يحتاج إلى الترجيح، فيلزم تقديم المحرم على المبيح، أمّا أبو يوسف الذي يقول به فلا يحتاج إلى ترجيح إذ لا تعارض، وإنما كل ما فيه أنه إفراد فرد من العامّ بحكمه، وهو لا يعارضه ولا يخصص على ما هو معروف في الأصول، فيلزمه ألّا يقول بالإباحة.\n\"أمّا الوقتان الآخران\": وهما ما بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، وما بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس، فإنهما لا يصلى فيهما شيء من النوافل، ولا بأس بأن يصلّى في هذين الوقتين الفوائت ويسجد للتلاوة، ويصلى على الجنازة؛ إذ النهي فيهما إنما جاء عن التطوعات خاصّة، فمن ذلك حديث ابن عباس ﵄: شهد عندي رجال مرضيّون، وأرضاهم عندي عمر: أن رسول الله ﷺ \"نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب\" متفق عليه.\nهذا، وثبت عن عائشة ﵂ في الصحيحين: \"ركعتان لم يكن رسول الله ﷺ يدعهما سرًا ولا علانية: ركعتان قبل صلاة الصبح، وركعتان بعد العصر\" وفي لفظ: \"ما كان النبيّ ﷺ يأتيني في يوم بعد العصر إلّا صلى ركعتين\" وفي لفظ لمسلم عن طاوس عنها قالت: وهم عمر ﵁، إنما نهى رسول الله ﷺ أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها، قال رسول الله ﷺ: \"لا تحرّوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فتصلوا عند ذلك\" وفي لفظ للبخاري عن أم أيمن عن عائشة ﵂ قالت: والذي ذهب به ما تركهما حتى لقي الله تعالى، وما لقي الله تعالى حتى نقل عن الصلاة وكان يصليهما ولا يصليهما في المسجد مخافة أن يثقل على أمته، وكان يحب ما خفف عنهم\" فمن هذا يتبين أن عائشة ﵂ كانت ترى أن الركعتين بعد صلاة العصر جائزتان غير منهى عنهما. قاله شيخنا عبد المجيد محمد فتح الله.\n(^١) فاطمة بنت أبي حُبَيْش، واسمه قيس بن المطلب بن أسد، الأسدية، مهاجرة جليلة، وهي التي استحيضت. روى حديثها عروة بن الزبير. ينظر: أسماء الصحابة الرواة ت (٤٢٧)، وأزمنة التاريخ الإسلامي ٩٩٧، وأسد الغابة ٧/ ٢١٨، والإصابة ٨/ ٦١، والخلاصة ٣/ ٣٨٩، والكاشف ٣/ ٣٧٧، والثقات ٣/ ٣٣٥، وتهذيب ١٢/ ٤٤٢، وتقريب ٢/ ٦٠٩.\n(^٢) أخرجه البخاري (١/ ٤٠٩) كتاب الحيض: باب الاستحاضة (٣٠٦)، ومسلم (١/ ٢٦٢)، كتاب الحيض باب المستحاضة وغسلها وصلاتها حديث (٦٢/ ٣٣٣) من حديث عائشة.","vol":"3","page":39},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nووجه الاستدلال به أن تقول: لو كان الشَّرعي هو الصَّحيح لصحّت صلاة الحائض بوجه ما؛ وهذا لأنها منهيَّةٌ عن الصَّلاة، والصلاة المنهية عنها ليست هي اللُّغوية، فتعين أن تكون هي الشرعية، والدَّليل على أنها منهية هذا الحديث.\nوأيضًا: لا يصحّ أن يكون الشَّرْعي هو الصَّحيح، للزوم دخول الوضوء وغيره من الشروط في مُسَمَّى الصَّلاة لتوقف الصِّحة عليه.\nولك أن تقول: لا يلزم من التوقُّف الجزئية.\nقالوا: لو كان المنهى عنه ممتنعًا لم يمنع؛ لأن المنع عن الممتنع لا فائدة فيه فلا بد من تصوّره.\nولأن النهي يوجب إعدام المنهي عنه بفعل مُضَاف إلى كَسْبِ العَبْدِ واختياره لأنه ابتلاء كالأمر، وإنما يتحقق الابتلاء إذا بقي للعبد فيه اختيار، حتى إذا انتهى معظمًا حرمة النَّاهي، أثيب، وإذا أقدم عوقب، ولا يتحقق ذلك إلا فيما هو مشروع.\nوأجيب بأن المَنْع - أي: امتناع المنهي عنه - للنهي الوارد عليه، فلولاه لم يكن ممتنعًا.\nوهذا معنى قول أصحابنا في جوابهم: هو متصوّر لولا النَّهي؛ ولذلك ورد عليه النهي؛ ثم النهي يعمل عمله في إفساده.\nقال ابن السَّمْعَاني: ويمكن أن يعبر عن هذا فيقال: النَّهي لانعدام الشَّيء شرعًا لا لانعدامه حسًّا، فلما تصوّر حسًّا صحّ النهي عنه.\nوقولهم فيما قدمناه آنفًا: المنهي هو الصَّوم المعلوم في الشرع.\nوأما مجرّد الإمساك فليس بصوم، ولئن كان صومًا فهو من حيث اللُّغَة دون الشَّرع، فوجب الحكم بتصوُّر الصوم حقيقة.\nفأجاب الأصحاب عنه: بأنا قلنا: إنه متصوّر لولا النَّهي.\nقال ابنُ السَّمْعَاني: وهذا لا يدفع الإشكال، ولا يقنع به الخَصْم.\nقال: ويمكن أن يُجَاب فيقال: الصَّوم الذي هو فعل العبد ليس إلا النية مع الإمساك، وهذا متصوّر منه، فصحَّ النهي لتصوره منه.","vol":"3","page":40},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفأما خروجه عن كونه صومًا شرعيًّا، فليس لمعنى من قبله، لكن لعدم إطلاق الشرع ذلك، أو لعدم قبول الشَّرع إياه؛ لنهيه عنه.\nفالصَّومُ لا يكون صومًا إلَّا بفعل العبد، فوجب النظر إلى فعل العبد، وصحَّ النهي لذلك، ولم يكن صومًا من حيث النَّظر إلى إطلاق الشَّرع أوامره، وليس غرض الخَصْم من كلامه إلا تحقق المنهى. فإذا تحقق المنهى بما قلناه حتى إذا ارتكبه صار عاصيًا، فهو حاصل بما يفعله العبد على وُسْعَةِ طاقته من النِّية والإمساك.\nوأما كونه صحيحًا وفاسدًا فهو أمر متلقّى من الشرع، ليس إلى العبد.\nإنما الذي للعبد إيقاع الفعل باختياره، فإن أوقعه على وفق أمر الشّرع صحَّ، وإلا فسد؛ ولذلك أبطلنا صوم اللَّيل مع تحقُّق الإمساك الجسمي، وإمساك المرأة عن المُفْطرات في زمن الحيض، فكل ما يوافق أمر الشرع لا تَثْبُت له الحقيقة الشرعية.\nقال: ونقول أيضًا: ذكر الصوم والبيع وغير ذلك في النَّهي ليس لتحقيق هذه العقود، لكن التعريف ما يعمل فيه النَّهي من الإبطال الشرعي، فهو كالنَّهْي عن بيع الملاقيح والمضامين (^١)\n_________\n(^١) الباطل من البيوع ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه، والضابط فيه: أن كل ما أورث خللًا في ركنه أو حقيقته فهو مبطل له، وكذلك إن نافي حكم النهي حكمه أبطله، فعقد البيع على الميتة التي ماتت حتف أنفها، والدم والحر باطل، سواء أجعلت هذه الأشياء مبيعة بأن قوبلت بالدراهم والدنانير في البيع المطلق، أم جعلت مبيعة من وجه وثمنًا من وجه كما في بيع المقايضة؛ لأن مثار النهي عنها هو انتفاء حقيقة البيع من المبادلة المالية؛ إذ هذه الأشياء لا تعدّ مالًا.\nوبيع ما في الأرحام من الأجنة، وبيع ما في الأصلاب من الماء، والبيع إلى نتاج النتاج باطل، وكانت بيوعًا يتعامل بها العرب الجاهليون، فنهى عنها النبيّ ﷺ:\nفي الموطأ: عن سعيد بن المسيب أنه قال: \"لا ربا في الحيوان، وإنما نهى عن الحيوان عن ثلاثة: عن المضامين، والملاقيح، وحبل الحبلة\".\nوفي الصحيحين والسّنن عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ \"نهى عن بيع حبل الحبلة\" وفسّر ببيع الجزور وتأخير ثمنه إلى أن تُنتَج النّاقة، ثم ينْتج الذي في بطنها.\nوإنما كانت هذه البيوع باطلة؛ لأن مثار النهي فيها عدم المعقود عليه، فلم تتحقق حقيقة البيع من المبادلة الماليّة. =","vol":"3","page":41},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  وبيع السّمك في البحر أو النّهر، والطير في الهواء باطل، إن كان قبل الأخذ؛ لأنه غير مملوك لأحد، فُقِدَ فيه المعقود عليه.\nويبطل بيع اللبن في الضرع؛ لأنه يتنازع في كيفية الحلْب في الاستقصاء وعدمه، وهو نزاع في التسليم والتسلّم، وما وضعت الأسباب إلّا لقطعه؛ ولأن اللّبن يزداد لحظة فلحظة، والبيع لم يتناول الزيادة لعدمها عنده فيختلط المبيع بغيره، واختلاط المبيع بما ليس بمبيع من ملك البائع على وجه يتعذر تمييزه مبطل للبيع؛ لاستحالة التسليم بغير ضرر، وقد صح نهى النبيّ ﷺ عنه، وذلك أنّ الطبراني روى بإسناده عن ابن عبّاس ﵄ قال: \"نهى ﷺ أن تباع ثمرة حتى تطعم، ولا يباع صوف على ظهر، ولا لبن في ضرع\" فعرف بذلك أن كل ما بيع في غلافه لا يجوز، كاللبن في الضرع واللحم في الشاة الحيّة أو شحمها أو أَلْيَتها أو أكارعها أو جلودها، أو دقيق في هذه الحنطة، أو سمن في هذا اللبن، ونحو ذلك من الأشياء التي هي في غلفها ولا يمكن أخذها وتسليمها إلّا بإفساد الخلقة، وما صح بخلافه فهو مستثنى لدليله.\nوبيع المدبر وأم الولد والمكاتب باطل؛ للمنافاة بين استحقاق العتق وثبوت الملك بالبيع؛ إذ استحقاقه جهة حرية لا يدخل عليها الإبطال، وثبوت الملك يبطلها، واستحاق العتق ثابت لأم الولد بقوله ﵊: \"أعتقها ولدها\" فينتفي الآخر. وكذلك المنافاة حاصلة بين انعقاد سبب الحرية في حق المدبّر المطلق وبين ثبوت الملك بالبيع؛ لتنافي اللوازم؛ لأن الملك مع الحرية لا يجتمعان، فكذلك سبب الحرية والبيع، وأحد المتنافيين وهو سبب الحرية ثابت في الحال؛ فيمتنع البيع.\nوكذلك بين استحقاق المكاتب يدًا على نفسه لازمة في حق المولى، وثبوت الملك منافاة، واستحقاق اليد اللازمة في حق المولى ثابت؛ لأنه لا يملك فسخ الكتابة دون رضا المكاتب؛ فيبطل البيع.\nوالبيع بإلقاء الحجر والملامسة والمنابذة باطل؛ في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أنّ النبيّ ﷺ \"نهى عن الملامسة: والمنابذة\" والملامسة أن يلمس كل منهما ثوب الآخر بغير تأمل، فيلزم اللّامس البيعُ من غير خيار له عند الرؤية، كأن يكون في ظلمة، أو يكون مطويًا مرئيًا، ويتفقا على أنه إذا لمسه فقد باعه، والمنابذة: أن يَنْبِذَ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر، ولم ينظر كل واحد منهما إلى ثوب صاحبه متفقين على جعل النبذ بيعًا.\nويلحق بهما إلقاء الحجر، وهو أن يلقى حصاة وثمة أثواب، فأي ثوب وقع عليه كان المبيع بلا تأمل ولا روية ولا خيار.\nوالمعنى الذي من أجله توجه النهي عن هذه البيوع فأفاد بطلانها ما في كل منها من فقد الركن وهو الإيجاب والقبول؛ فإنه في معنى إذا وقع حجري على ثوب فقد ابتعته منك أو بعتنيه =","vol":"3","page":42},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوبيع الخَمْر (^١) (^٢).\n_________\n= بكذا، أو إذا لمسته أو نبذته.\nوهذه البيوع الباطلة لا تفيد حكمًا ما من أحكام البيع الصحيح، فلا تستعقب انتقال ملك، ولا جواز تصرف ولا انتفاع، فيجب على كل من العاقدين أن يردّ لصاحبه ما أخذه بموجب هذا العقد من عوض، فإن تصرف فيه فقد تصرف في غير ما يملك، وهذا باتفاق من الفقهاء. قاله شيخنا عبد المجيد محمد فتح الله.\n(^١) في أ، ج: الحر، وفي ب: الحر.\n(^٢) رَوَى جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الفَتْحِ وَهُوَ بـ \"مَكَّة\": \"إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ وَالمَيْتَةِ والخنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ، فَإِنَّهُ يُطْلَى بِها السُّفُن، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلود، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: \"لَا، هُوَ حَرَامٌ\" ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: \"قَاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَها، جَملُوه، ثُمَّ بَاعُوه، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ\".\nهذا حديث صحيحٌ، وهذا الحديث دليل على تحريم بيعها.\nوكما لا يجوز بيعها يحرم سائر التصرفات فيها كبيعها على أهل الذمة فهو حرام كما هو حرام على المسلم. وقال أبو حنيفة: لا يحرم ذلك عليهم. قال المتولي: المسألة مبنية على أصل معروف في الأصول، وهو أن الكافر عندنا مخاطب بفروع الشريعة، وعندهم ليس مخاطبًا بها، وبيع الخمر بيع مقايضة: أي بيع عَرْض بعرض كأن يبيع ثوبًا بخمر، فالبيع فاسد للنهي عنه؛ إذ أحد البدلين - وهو الخمر - واجب الاجتناب، فلا يجوز تسليمه وتسلمه لكنها في ذاتها مال؛ إذ المال ما يميل إليه الطبع ويمكن ادخاره لوقت الحاجة، وهي بهذه المثابة، إلّا أنها غير متقوِّمة؛ لأن المتقوم ما كان واجب الإبقاء إمّا بعينه وإمّا بمثله أو قيمته، فصلحت ثمنًا من حيث إنها مال، ولم تصلح مبيعة من حيث إنها ليست بمتقومة، فلا يمتنع أصل الانعقاد؛ لأن ما هو ركن العقد وهو الإيجاب والقبول الصادر من الأهل صادف محله وهو المبيع من غير خلل في الركن ولا في المحل، وإنما الخلل فيما هو جارٍ مجرى الوصف وهو الثمن؛ لأن الأصل في البيع هو المبيع دون الثمن؛ إذ المقصود من شرعية البيع الوصول إلى ما يحتاج إليه من الانتفاع بالأعيان لا بالأثمان: إذ ليس في ذوات الأثمان نفع إلّا من حيث إنها وسيلة إلى الأعيان، فكان المبيع هو المقصود الأصليّ والثمن تابع بمنزلة الوصف، فكان مشروعًا بأصله دون وصفه فكان فاسدًا، وإنما اعتبر الخمر ثمنًا ومقابله مبيعًا - دون العكس وإن كان ممكنًا - لما فيه من الاحتياط للقرب من تصحيح تصرف العقلاء المكلفين.\nأمّا إذا بيعت الخمر بالنقد كالدراهم والدنانير فالبيع باطل؛ لتعين النقد للثمنية وكون الخمر =","vol":"3","page":43},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقلت: وهذا كلام متين، ولا يخفى عليك بعد تأمّل ما قدمناه في صدر المسألة من أن القائل منهم بالصّحة إنما قالها حيث عاد النَّهي لوصف في المنهى، لا فيما إذا نهى عن الشيء لِعَيْنِهِ؛ لأن ما ذكر هنا من الصَّوم والصلاة في الأوقات المكروهة، ليس من قسم المنهى لعينه، بل لوصفه على ما يدعي الحنفية.\nثم أصحابنا يلزمونهم أنه لا فرق بينه وبين المَنْهِيّ لعينه، فينبغي فساد كل من [الموضعين] (^١)، وانعدام صورته الشرعية، وإن وجدت الصورة الحسّية\".\nثم نقض المصنّف دليل الخُصُوم بعد منعه فقال: وبالنقض الإجمالي بمثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [سورة النساء: ٢٢]، وما تقدّم من قوله ﵇: \"دَعِي الصَّلَاةَ\"، إذ الإجماع قائم على عدم صحّة نكاح ما نكح الآباء، وصلاة الحائض.\nفإن قلت: هذان النقيضان في غير مَحَلّ النزاع؛ إذ النكاح والصلاة المذكوران منهى عنهما لعينهما؛ إذ الأهلية هنا بحل الوطء، ولإقامة الصَّلاة منتفية، والخصوم إنما ينازعون في المَنْهى لوصفه كما عرفناك.\n_________\n= مبيعًا، فتتملك بالعقد مقصودة، وفيه إعزاز لها حيث اعتبرت المقصودة من تصرف العقلاء، وإنما تعيّنت الخمر مبيعة؛ لأن الدراهم لا تصلح له؛ إذ المبيع لا يثبت في الذمة إلّا عقد خاصّ وهو عقد السّلم.\nهذا، والنهي عن الخمر بقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.\nوقول الرسول ﷺ في كتب الصحيح: \"لعن الله الخمر - إلى أن قال: وبائعها\" وحديث: \"إن الله إذا حرّم شيئًا حرّم ثمنه\".\nوالإجماع منعقد على التحريم أيضًا.\nفرع: أما بيع الثمرة، والزبيب، والعنب لمن يعصر الخمر فحرام؛ لما فيه من الإعانة على معصية وإن كان البيع صحيحًا لأمرين.\nأحدهما: أن المعصية ليست في الحال، وإنما هي مظنونة في ثاني الحال؛ فلم يمتنع صحة البيع في الحال.\nالثاني: أنه يجوز ألا يعصى بها، فيجعل العصير خلًّا.\n(^١) في ب: الوصفين.","vol":"3","page":44},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقلت: قد عرفناك قريبًا أنَّا لا نصحّح لهم فرقًا بين الأمرين، ويلزمهم باستوائهما، ثم ينقض عليهم، فالنقض بعد الإلزام وهو حقٌّ.\nوأما \"قولهم\" في جواب هذا [النقض] (^١): \"نحمله على\" المعنى \"اللغوي\"، والممتنع إنما هو الشرعي، فلا يفيدهم؛ لأن حملهم النّكاح على الوَطْءِ الذي هو معناه بالحقيقة الّلغوية عندهم \"يوقعهم في مُخَالفة\" مذهبهم، وهو \"أنّ الممتنع لا يمنع\"؛ لكون الوطء منهيًّا عنه، وأيضًا وهو ممتنع شرعًا.\n\"ثم هو\" أي: حمل الصَّلاة على المعنى اللغوي، وهو الدعاء \"متعذّر في الحائض\"؛ لأنها غير ممنوعة منه شرعًا.\n\nفائدتان\nالأولى: إذا اختصرت ما أسلفناه في المسألتين، قلت: المنهي عنه إما [تمام] (^٢) الماهية، أو جزؤها، أو لازم لها، أو خارج مفارق.\nوالأولان يفيدان الفَسَادَ عندنا، وعند أبي حنيفة؛ لتمكُّن المفسدة من جوهر الماهية.\nثم اعلم أن الشَّافعي ومالكًا يقولان: إطلاق النهي يقتضي الفَسَاد بظاهره فيما أضيف إليه، ولا يتصرّف عنه إلا المنفصل يصرف النهي إلى خارج مفارق.\nوأبو حَنِيفَةَ يقول: يحمل على المُفَارق. ولا ينصرف إلى ما أُضيف إليه.\nوإن اختصرت قلت: عندنا الأصل انسحاب الفَسَاد على المَنْهِيّات ما لم يصرف صارف وعنده بالعكس، وهو متعدّ؛ لأنه قدر غير المنطوق به ظاهرًا؛ والمنطوق غير ظاهر كأنه اعتقد أن الشارع غير الألفاظ، فإذا أضاف النهي إلى بيع أو صوم فالمراد [الماهية] (^٣) الشرعية وهي تستلزم الصِّحة، فإضافة النهي إليها تناقض مشروعيتها، فصُرف النهي إلى غيرها. ونحن نقول: الماهيات الشرعية من حيث هي قدر مشترك بين الصحة والفساد يعتورانها أو نقول باعتبار الجعل، فيوجد من المَنْهِيّ عنه إضافة قَيْد في المَشْرُوع لدفع التناقض.\n_________\n(^١) في ب: النقيض.\n(^٢) في ج: إتمام.\n(^٣) في أ، ب: الماهيات.","vol":"3","page":45},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالثَّالث: اللازم كالنَّهي عن الصَّلاة في الأوقات المكروهة، وعن بيع وشرط (^١)،\n_________\n(^١) ذهب الحنفية إلى أن الشروط أقسام ثلاثة: -\n\"الأول\" الشرط الصحيح، وهو أنواع أربعة: -\n- أ - الشرط الذي يقتضيه العقد بأن يدل عليه وإن لم يذكر فيه، كاشتراط المشترى على البائع تسليم المبيع.\n- ب - الشرط الملائم للعقد، وهو المؤكد لموجبه كاشتراط البائع على المشتري إعطاء رهن، أو تقديم كفيل بالثمن.\n- جـ - الشرط الذي ورد به الشرع، كاشتراط الخيار، أو تأجيل الثمن.\n- د - الشرط الذي جرى به العرف، كاشتراط المشترى إصلاح البائع للثياب المشتراة حتى تكون على هيئة خاصّة.\nفعقد البيع في هذه الصور صحيح؛ والشرط صحيح، لخلو العقد عن الربا وشبهته، ولأن الثابت بالعرف كالثابت بالنص؛ إذ في النزوع عن العادة الظاهرة حرج بيّن، والحرج مدفوع بالنص، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.\n\"الثاني\" الشرط الفاسد، وهو الذي لا يقتضيه العقد، ولا يلائمه، ولم يرد به الشرع، ولم يجر به العرف، وكان فيه منفعة لأحد العاقدين، أو لغيرهما، وهو من أهل الاستحقاق، كأن يشترط البائع أن يسكن الدار المبيعة شهرًا، أو يشترط المشترى على البائع أن يخيط له الثوب المبيع جُبَّة أو قفطانًا.\nوهذا الشرط منهي عنه بالأحاديث الواردة في النهي عن بيع وشرط، فيكون فاسدًا ومفسدًا للبيع؛ لأنه أمر وراء حقيقة البيع وماهيته، لكنه أورث فيه أمرًا لازمًا له قبيحًا هو مثار النهي، وهو ما يؤدي إليه اشتراط المنفعة لأحد المتعاقدين أو غيرهما ممن هو من أهل الاستحقاق من الربا أو شبهته؛ لأن المبيع قوبل بالثمن، فبقيت المنفعة زيادة عارية عن العوض، والبيع المشتمل على الربا أو شبهته فاسد.\n\"الثالث\": الشرط الباطل، وهو الذي لا يقتضيه العقد ولا يلائمه ولم يرد به النص، ولم يجر به العرف، ولم يكن فيه منفعة لأحد ممن ذكر، كأن يبيع له ثوبًا بشرط ألّا يبيعه أو ألّا يلبسه. والبيع في هذه الحالة صحيح والشرط باطل؛ لأن هذا الشرط خلا عن الربا وشبهته، ولم يؤد إلى المنازعة؛ لعدم المطالب به، فلا يكون منهيًا عنه، إذ النهي في الحديث معلّل بما ذكر، ولأنه في الحقيقة ليس شرطًا؛ إذ الشرط ما كان ملزِمًا للوفاء به لما يشتمل عليه من منفعة صاحبه، وهذا ليس فيه منفعة لأحد فيلغو؛ إذ لا فائدة فيه، ويبقى العقد صحيحًا.\nهذا، ولا يخالف الشافعي الحنفية في جملة ما تقدم من تقسيم الشروط، وإن خالفهم في بعض الجزئيات، وهو يرى أن الشروط الفاسدة المنهى عنها، والتي أفادت فساد العقد عند","vol":"3","page":46},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  الحنفية قد أبطلت العقد؛ لأنها أمر لازم لعقد البيع، والنهي عن الأمر اللازم مبطل لأصل التصرف، كما يرى أن العقد لا ينقلب صحيحًا إن أسقط الشارط الشرط المفسد؛ لأنه ما رضي بالعقد حين صدوره.\nإلّا بالشرط الذي اشترطه، فبدون الشرط لا يكون راضيًا، فتبقى معاملة بلا تراض، فلا تحل؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ وقوله ﵇: \"لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب من نفسه\" والباطل معدوم شرعًا فلا بقاء له حتى ينقلب بعد ذلك صحيحًا، وأحاديث النهي الواردة في هذه الشروط هي: -\n- ١ - ما روى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده \"أن النبيّ ﷺ نهى عن بيع وشرط\" فهذا نهي عام عن البيع والشرط؛ فيفسد كل بيع فيه شرط مؤد إلى المنازعة أو شبهة الربا؛ إذ النهي في الحديث معلل به، إلا ما جاءت به نصوص تجيزه، واعتبرت أقوى من هذا النص.\n- ٢ - ما رواه أحمد في مسنده عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ \"نهى عن صفقتين في صفقة\" والبيع مع الشرط الذي فيه منفعة لا يخرج عن صفقتين في صفقة؛ لأن شرط المنفعة إن قابله جزء من الثمن فهو إجارة في بيع، وإن لم يقابله شيء من الثمن كان في معنى إعارة في بيع، فكان البيع فاسدًا.\nوبناء على هذه القاعدة الفقهية في الشروط، والقاعدة الأصولية من أنّ النهي إن رجع لأمر خارج عن حقيقة المعاملات وماهيتها بأن كان مثاره فيها هو الوصف اللازم لها، أو ما هو في حكم الوصف، لم يناف مشروعيتها بحسب الأصل، وإن أورث فيها فسادًا للوصف، فتكون المعاملة صحيحة بحسب الأصل، فاسدة للوصف، فتترتب عليها الآثار مع الحرمة وطلب الفسخ.\nبناء على هاتين القاعدتين تتخرج الفروع الفقهية في البيوع المنهى عنها، لما اشتملت عليه من الشروط.\nفالشروط الصحيحة اعتبرت غير منهى عنها، فلا تورث في العقد خللًا، فتصح مع العقد.\nوالباطلة اعتبرت معدومة كأن لم تكن فتلغو، ويبقى العقد صحيحًا.\nوالشروط الفاسدة لم يمكن إلغاؤها وتصحيح العقد، ولم يمكن اعتبارها وإبطال مقتضى العقد، فهي شروط لا يقتضيها العقد وفيها منفعة لمستحق لها، ففيها إلزام، وقضية العقد التخيير والإطلاق في التصرف، فالمنافاة بينهما ظاهرة، وليس أحدهما أولى بالعمل من الآخر، فعملنا بهما، وقلنا: إنه فاسد، فمن حيث وجود الأركان وماهية البيع كان مشروعًا، وبالنظر إلى عروض الشرط المنهى عنه كان غير مشروع، فكان فاسدًا. قاله شيخنا عبد المجيد محمد فتح الله.","vol":"3","page":47},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوعن التَّفرقة بين وَالِدَةٍ وولدها بالبَيْعِ (^١).\nفعندنا يدل على الفساد، خلافًا له، حتى إنه قال فيمن نذر صومًا فصام يوم العيد، يجزئه وينعقد مع وصف الفَسَاد، وكذا بيع دِرْهَمٍ بدرهمين منعقد بأصله دون وصفه، حتى لو اتَّفقا على إسقاط الزائد لصح.\n_________\n(^١) قال الشيخ عبد المجيد: قد اعتبر الشارع في المعقود عليه كونه مملوكًا للعاقد لأجل صحة العقد، فإن لم يكن مملوكًا بأن كان أم ولد فلتحرير المقام في ذلك يقال:\nإن بيع أم الولد لا يجوز. قال الشافعي: كما لا يجوز هبتها ولا رهنها ولا الوصية بها. هكذا قطع به الأصحاب، وتظاهرت عليه نصوص الشافعي. ونقل الخراسانيون فقال جمهورهم: ليس للشافعي فيه اختلاف. وقال كثيرون من الخراسانيين: للشافعي قول قديم أنه يجوز بيع أم الولد. فعلى هذا القديم هل تعتق بموت السيد؟ فيه وجهان:\nأحدهما: لا: وبه قال صاحب التقريب وأبو علي السنجي.\nالثاني: نعم وهو أصحهما قاله الشيخ أبو محمد والصيدلاني وغيرهما كالمدبر، قال إمام الحرمين: وعلى هذا قد يحتمل أن تعتق من رأس المال، ويحتمل أن تعتق من الثلث. وإن قلنا بالمذهب ألا يجوز بيعها فقضى قاض بجوازه فطريقان:\nأحدهما: وهو الذي نقل أبو علي السنجي في التلخيص وإمام الحرمين وصاحب البيان وغيرهم أن في نقض قضائه وجهين:\nوالطريق الثاني: أن ينقض وجه واحد. وهو الذي نقله الروياني عن الأصحاب، ولم يحك غيره. قالوا: لأنه مجمع عليه الآن، وما كان من خلاف في القرن الأول فقد ارتفع، وصار الآن مجمع على بطلان بيعها.\nوقد حلى الأصحاب عن داود جواز بيعها مع قولهم: إنه على بطلانه الآن فكأنهم لم يعتدوا بخلاف داود على ما هو الأصح من أنه لا يعتد بخلافه ولا خلاف غيره من أهل الظاهر؛ لأنهم نفوا القياس، وشرط المجتهد أن يكون عارفًا بالقياس.\nوقالت الشيعة أيضًا بجواز بيعها، ولكن الشيعة لا يعتد بخلافهم، والمعتمد في تحريم أم الولد ما رواه مالك والبيهقي عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ \"نَهَى عَنْ بَيْعِ الأُمَّهاتِ\" وإجماع التابعين ومن بعدهم على تحريم بيعها.\nوأما حديث جابر قال: \"بِعْنَا أُمَّهَاتِ الأَوْلَادِ عَلى عَهْدِ النَّبي ﷺ وأبي بكر، فلما كان عمر نَهَانَا فَانْتَهَيْنَا\" وفي رواية قال: \"كنا نَبِيع سرارينا أمهات الأولاد والنبيّ ﷺ لا يرى بذلك بأسًا\". فقد قال الخطابي وغيره: يحتمل أن بيعها كان مباحًا في أول الإسلام ثم نهى عنه النبي آخر حياته =","vol":"3","page":48},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالرَّابع: الخارج المُفَارق فلا يمنع الصحة عند الأكثرين.\nالثانية: لا يخفى عليك ما قَدّمناه من أن الشَّرعي ليس معناه المعتبر، وأن الصّحة والفساد يَعْتَوِرَان الماهيات الشرعية، وأنّ الأسماء الشَّرعية موضوعةٌ للقدر الأعم من الصحيح والفاسد، وإلا فلو اختصت بالصحيح كان النَّهي عنه هو الصحيح؛ لأن اللفظ محمول على الشرعي، فيتّجه قول من يقول: مقتضى النَّهي الصّحة.\nوهذا فصل لم أَرَ أَحدًا خصّه بالذّكر، وإنما وقع مذكورًا في إدراج كلام أئمتنا. قال الإمام في \"النهاية\" في كتاب \"الخُلْع\" في فصل: لو قال: إن أعطيتني ألفًا - بعد أن حكى وجهين فيما لو قال: إن أعطيتني هذا العَبْد المغصوب فأنت طالق، وبناهما على ما إذا لم يذكر المغصوب، وأنه إن قلنا: لا يقع الطَّلاق هناك -: فهنا وجهان:\nأحدهما: لا يقع، فإن الإعطاء في المَغْصوب غير مُمْكن، فكان تعليقًا على مستحيل؛ كما لو قال لامرأته: إن بعت الخَمْر فأنت طالق، أو إن صلّيت محدثةً، فإذا أتت بصورتها لم يقع الطَّلاق على مذهب الشافعي.\n_________\n= ولم يشتهر ذلك النهي إلى زمان عمر، فلما بلغ عمر النهي نهاهم.\nوقال شيخنا: البيع المتضمن التفريق بين مملوكين صغيرين: أحدهما ذو رحم محرم من الآخر، وكذلك إذا كان أحدهما كبيرًا، إذ قد توعد النبيّ ﷺ من يفرِّق بين الأم وولدها بأن يفرِّق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة، كما قد أمر ﵇ في الحديث الآخر بالإدراك والارتجاع وعدم التفريق ومثار النهي فيه ما في بيع أحدهما من قطع الاستئناس والمنع من التعاهد، وفيه ترك المرحمة على الصغار، وهو قد ينفك؛ لجواز أن يحصل الجمع بالهبة أو بيع الآخر مثلًا، وعن أبي يوسف في البيع المتضمن للتفريق بين الأخوين أنه يحرم في قرابة الولاء لقوتها وضعف غيرها، وعنه أنه يحرم في جميع ذلك؛ لما روى من قوله ﵇ لعليّ: أدرك أدرك، ولزيد بن حارثة: أردد، أردد؛ فإن الأمر بالإدراك والرّد لا يكون إلا في البيع الفاسد.\nولأبي حنيفة ومحمّد: أن ركن البيع صدر من أهله مضافًا إلى محله، والنهي إنما هو لمعنى مجاور وهو الوحشة الحاصلة بالتفريق، فكان كالبيع عند النداء، والجواب عن الحديث: أنه محمول على طلب الإقالة، أو بيع الآخر ممّن باع منه أحدهما.\nويرى \"الكمال\" أن هذه البيوع فاسدة؛ إذ يقول: \"إن هذه الكراهات كلها تحريمية؛ إذ لا نعلم خلافًا في الإثم\". قاله شيخنا عبد المجيد محمد فتح الله.","vol":"3","page":49},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالمُزَني يخالف في هذا؛ قال: ونحن لا نجد بُدًّا من رَمْزٍ إلى المذاهب في ذلك، فإذا عقد الرجل يَمِينَهُ على البَيْع المطلق، لم يحنث بالبيع الفاسد. هذا ظاهر المذهب.\nوللشافعي نصّ في النكاح دالّ على أنّ الفساد يدخل تحت مطلق الاسم الواقع على الجنس، فإنه قال: لو أذن لِعَبْدِهِ في النِّكَاح، فنكح نكاحًا فاسدًا، وحكى القول في نكاح العبد، ثم قال: وهذا وإن لم يكن منه بُدٌّ فهو ضعيفٌ.\nوقال الرَّافعي قبيل \"الفَصْل الخامس في تزويج العَبْدِ\": لفظ النِّكاح والبيع وسائر العقود، يختصّ بالصَّحيح منها على الظَّاهر؛ كما سيأتي في باب الأيمان. انتهى.\nولم نَرَهُ ذكر ذلك في باب الأيمان.\nوقال بعد ذلك فيما إذا أذن السَّيد لعبده في النِّكاح فنكح نكاحًا فاسدًا ودخل بها قال: فبم يتعلّق المهر؟، [يبنى] (^١) ذلك على أنّ الإذن في النِّكاح يتناول الصَّحيح والفاسد، أم يختص بالصَّحيح، وقد نقلوا فيه قولين:\nأحدهما: أنه يتناولهما؛ لوقوع الاسم على الفاسد.\nثم قال: وأصحهما: أنه لا يختصّ بالنكاح الصحيح؛ لأن مطلق الاسم ينصرف إليه؛ ولذلك لو حلف لا ينكح فنكح فاسدًا لا يحنث. انتهى.\nفقد تحصَّلنا من هذا على خلاف في أنّ الموضوع الأعم من الصَّحيح والفاسد، أو الصحيح فقط، وهذا في العقود.\nأما العبادات: فمقتضى كلام ابن السَّمْعَاني في مسألة الأمر هل يتناول المكروه أو موضوعها عند أصحابنا؟\nالصَّحيح فقط ذكره في الطَّواف بغير طَهَارَةٍ ونحوه.\nوقال الرَّافعي في باب الأَيمان: وسيأتي خلاف في أن لفظ العبادات، هل يحمل على الصحيح منهما والفاسد، أو هو موضوع للصحيح فقط؟\nوهذا أيضًا لم نره حكاه بعد.\n_________\n(^١) في ج: ينبني.","vol":"3","page":50},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالناظر فيما نقلناه - وإن جزم بوقوع الخلاف في العقود والعبادات - فلذلك يظهر عنده أن المرجّح عند أصحابنا أنها موضوعة للصحيح فقط، وربما اعتضد بأن الحالف لا يبيع ونحوه، لا يحنث إلا بالصحيح، وأن الوكيل بالبيع لو باع فاسدًا كان له أن يبيع بعد ذلك، وأن النكاح الذي يتوقف عليه حلّ المطلقة ثلاثًا هو الصحيح في أصحّ القولين.\nوأنا أقول: هنا شيئان.\nأحدهما: أن موضوع اللَّفظ الشَّرعي ماذا؟\nوهذا لم يتكلّم فيه الفقهاء، وهو موضوع كلام الأصوليين.\nوعندي: أنه الأعمُّ من الصَّحيح والفاسد، ويدلّ له أمور:\nمنها: أن اللَّفظ محمولٌ على الشَّرعي مع أن النهي لا يقتضي الصِّحة كما عرفت.\nومنها: قولهم في نحو: \"لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطُهُورٍ\": تعذّر نفي الحقيقة، فيكون نفيًا للصحة، لأنه أقرب الأشياء إليها، فلو لم يجزموا بِوِجْدَانِ الحقيقة، لما قالوا: تعذّر نفيها.\nومنها: قولهم: هذه صلاةٌ فاسدةٌ، وهذه صلاةٌ صحيحةٌ، فدلّ على أنّ الصِّحة والفساد وَصْفَان يَعْتَورانها مع بَقَاءِ حقيقتهما.\nومنها: تسميتهم العِبَادات الَّتي تقدمها أداء مختل إعادة، فلو لم يوجد الاسم في الأول، لما صحّت تسميتها إعادة.\nولكن الفقهاء لم يقولوا هذا، وإنّما قاله الأصوليون؛ كما عَرّفناك في موضعه.\nوالثَّاني: أن اللَّفظ إذا أطلق على أي الأمرين يجمل الأعم أو الأخصّ.\nهذا لم يتكلّم (^١) فيه الأصوليون، وهو موضع كلام الفُقَهاء.\nوعندي: أنهم اختلفوا فيه على الوَجْهِ الذي رأيته.\nفمن قائل بالمَشْيِ على موضوعه.\nومن قائل بالحَمْلِ على الصَّحيح، وهو الأصحّ عندهم؛ لأن الذهن إنما ينصرف عند\n_________\n(^١) في ب: هذا إذا لم يتكلم.","vol":"3","page":51},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالإطلاق إلى الصّحيح، فكان إطلاق اللفظ في الحقيقة، كالتَّقييد له بالصَّحيح؛ كما إذا أطلقت لفظ الماء، فإنك تفهم منه المطلق وتحمله عليه، وإن كان موضوعه أعم من المُطْلق والمقيد.\nويدلّ لهذا قول الرَّافعي: الإذن في النكاح، هل يتناول الصَّحيح والفاسد، أو الصحيح فقط؟ ولم يقل: هل هو موضوع، والتَّناول في باب غير باب الوضع، فإن اللفظ قد لا يتناول بعض موضوعاته للعرف المُقَيّد له بما وراء ذلك البعض ونحوه، وكذا قوله بعد ذلك.\nوأصحهما: يختص بالصَّحيح؛ لأن مطلق الاسم ينصرف إليه ولم يدلّ؛ لأنه موضوعه. فافهم ذلك.\nولا يرد على هذا قول الرَّافعي: لفظ سائر العُقُود، ويختصّ بالصَّحيح على الظاهر، فإن مراده بالاختصاص [التناول] (^١)، دون الوضع؛ إذ لا غرض للفقيه في الكلام في الوَضْعِ.\nوأمّا قول الإمام الشَّافعي: نصّ ذاك على أن الفاسد داخل تحت مطلق الاسم فظاهره علينا؛ لأن الدخول تحت مطلق الاسم يدلّ على أنه من موضوعه.\nوكلامه صريح في أن خلاف هذا هو المذهب، فيكون المذهب أنه لا يدخل؛ لأنه ليس من موضوعه، ولكن يجب حمله على أنّ المراد الحَمْل؛ إذ هو موضع نظر الفقهاء، ولما ذكرناه.\nوممّا يدلّك على أنّ الفقهاء إنما كلامهم فيما يُحْمل عليه اللَّفظ عند الإطلاق، لا فيما هو موضوعه: تعريفهم الصَّلاة بأقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مُخْتتمة بالتسليم بشرائط مخصوصة، وأن الأصوليين على العكس، تعريفهم الصَّلاة بأنها ذات الرُّكوع والسجود، وبالله التوفيق.\nومباحث الشافعي ﵁ والأصحاب في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٧٥] دالة على أن البيع الفاسد عندهم بيع.\n_________\n(^١) في ب: التساؤل.","vol":"3","page":52},{"text":"<span data-type='title' id=toc-579>مَسْأَلَةٌ:\nالنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لِوَصْفِهِ </span>- كَذَلِكَ، خِلَافًا لِلأَكْثَرِ.\nوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يُضَادُّ وُجُوبَ أَصْلِهِ، يَعْنِي: ظَاهِرًا، وَإِلَّا وَرَدَ نَهْيُ الْكَرَاهَةِ.\n<hr><s0>\n\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"النهي عن الشيء لوصفه\" (^١)؛ مثل تحريم الرِّبَا (^٢) لاشتماله على الزيادة - \"كذلك\" أي: كالنهي عن الشَّيء لعينه في دلالته على الفَسَاد، \"خلافًا للأكثر\".\n\"وقال الشافعي ﵀\": النهي عن الشَّيء لوصفه \"يضادّ وجوب أصله\"، لا بين كون الشَّيء مَشْرُوعًا، وكون وصفه الذي لا ينفكّ عنه تضاد.\n_________\n(^١) ينظر: شرح الكوكب ٣/ ٩٢، وشرح العضد ٢/ ٩٨، والعدة ٢/ ٤٤١، وكشف الأسرار ١/ ٢٦٠، وأصول السرخسي ١/ ٨٠، والمنخول ٢٠٥، وجمع الجوامع ١/ ٣٩٤.\n(^٢) الربا حرام كله قليله وكثيره وهو من الكبائر بل من أكبرها حتى قيل: إنه لم يحل في شريعة قط، وربما استؤنس لهذا بقول الله تعالى في حق اليهود ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾.\nالدليل عليه: والدليل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾.\nومعنى قوله تعالى: ﴿يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ أي يتعاملون به، فالمراد بالأكل الأخذ؛ وإنما عبر به لأن الأكل أظهر مقاصده، فيكون المعنى الذين يُربون، \"والتخبط\" الضرب على غير استواء \"والمس\" الجنون \"والمحق\" الاستئصال والهلاك، وقيل: المراد به ذهاب البركة. ووجه الدلالة واضح مما يأتي.","vol":"3","page":53},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\nأولا: صريح قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فَإِنَّهُ إخبار منه تعالى بأن الربا محرم عنده، فإذا كان هذا الخبر مرادًا به النهي عنه كان أبلغ في الدلالة على التحريم من صريح النهي.\nثانيًا: ما اقترن به هذا من الوعيد الشديد، فقد ذكرت الآيات عقوبات خمسة لآكل الربا هي:\n١ - التخبط عند قيامهم في الدنيا أو في الآخرة كالذي يتخبطه الشيطان من المس. أما في الدنيا فيظهر ذلك في سيرهم المختل، فيسلكون سبيل المجانين بسبب ما عندهم من الشره بجمع المال، فلا يكاد يشك من يراهم في أنّ عندهم خبلًا. فبهذا قال بعض المفسرين. وأما في الآخرة فقد قيل: تنتفخ بطنه يوم القيامة بحيث لا تحمله قدماه وكلما رام النهوض سقط فيكون بمنزلة الذي أصابه مس من الشيطان، فيصير كالمصروع.\n٢ - الخلود في النار، وذلك لا يكون إلا عن كبيرة من الكبائر تقرب من الكفر حتى كأنها الكفر بذاته، وفي ذلك من التهويل ما لا يخفى.\n٣ - المحق، قال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ والمراد به الهلاك والاستئصال أو ذهاب البركة والاستمتاع كما تقدم حتى لا ينتفع به هو وولده من بعده، بحيث لو فرض أنه أنفقه في أوجه الخير كان مردودًا عليه فلا يعود عليه بثواب ولا لذة على الجملة فالربا وإن كثر فإلى قُلّ يصير.\n٤ - الكفر، يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ فَإِن فيهما إشارة إلى أن المصر عليه عرضة لأن يطبع على قلبه حتى يسلب الإيمان رأس النعم ومصدر الخير.\n٥ - الحرب. قال تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وفي هذا إعلام بأن جريمة الربا من أعظم الجرائم التي تستوجب محاربة الله ورسوله. وقالت ثقيف:\nلا قبل لنا بحرب الله ﷿ وتركوا الربا؛ هذا فضلًا عما أشار إليه قوله تعالى: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ من تسجيل الظلم على من تقاضى أكثر مما أعطى. وأما السنة فما روى في البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ قال: \"اجْتَنبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هِي؟ قال: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، والسِّحر، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ\" وما رويا أيضًا عن النبيّ ﷺ أنه لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه، فعده من الموبقات المحبطات للعمل التي أمر باجتنابها بجعله من الكبائر، كما أنه لعن فاعله والمعاون عليه بكتابة أو شهادة، وفيه من تفظيع جريمته ما هو كفيل بعدم قربانه.\nوأما الإجماع، فقد أجمعت الأمة سلفًا وخلفًا على أن الربا محرم، ولم يوجد مخالف لهذا الإجماع.","vol":"3","page":54},{"text":"وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْوَصْفِ لَا الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.\nلَنَا: اسْتِدْلَالُ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِ صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ بِنَحْوِهِ، وَبِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْمَعْنَى.\nقَالُوا: لَوْ دَلَّ لَنَاقَضَ تَصْرِيحَ الصِّحَّةِ، وَطَلَاقُ الْحَائِضِ وَذَبْحُ مِلْكِ الْغَيْرِ مُعْتَبَرٌ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِيهِ، وَمَا خُولِفَ فَبِدَلِيلِ صَرْفِ النَّهْيِ عَنْهُ.\n<hr><s0>\n\nقيل: وهذا التَّضَادُ إنما وقع \"ظاهرًا\" لا قَطْعًا، فإن العَقْلَ لا يتخيّل وجوب الشَّيء مع النهي عن وصفة الذي لا ينفكّ، \"وإلَّا\"، أي: لو كانت المضادة قطعية \"ورد نهي الكَرَاهة\"؛ لأن نسبة الكَرَاهة والتحريم إلى الوُجُوب في التَّضاد سواء، فلو لم يجامع الآخر، وذلك يوجب ألا [يتأدى] (^١) الواجب بالصلاة والصوم المكروهين، وألا تصح الصلاة في الأوقات المكروهة.\nولقائل أن يقول: ظاهر أصولنا؛ أنه لا يتأدّى الواجب بالصلاة والصوم المكروهين؛ وقد قدمنا أن المكروه لا يدخل تحت الأمر في مسألة الصلاة في الدَّار المَغْصُوبة.\nوأما الصلاة في الأوقات المكروهة، فالنهي عنها نهي تحريم لا تَنْزِيه على الصحيح عند النَّووي وغيره.\nومتى تحرم بها لم تنعقد على الصحيح.\nوإن قلنا: النهي فيها نَهْي تَنْزيه فلا إيراد.\nالشرح: وقال أبو حنيفة ﵀\" (^٢) النهي المذكور يدلّ على فساد الوصف؛ لأنه متعلق النهي، لا \"على فساد\" المنهي عنه وهو الأصل؛ لكونه مشروعًا بدون \"الوَصْفِ\"، وبني على هذا قوله: لو باع درهمًا بدرهمين ثم طرحا الزيادة، صح العَقْد.\n\"لنا: استدلال العلماء على تحريم صوم العيد بنحوه\" - أي: بالنهي عنه، وليس النهي عنه لكونه صَوْمًا، بل لوصفه، وهو وقوعه في يوم العيد.\n\"قالوا: لو دلّ\" على الفساد لناقض تصريح الصِّحة\"، ولا تناقض كما مَرّ.\n_________\n(^١) في أ: ينادي.\n(^٢) ينظر: كشف الأسرار ١/ ٢٦٠، وأصول السرخسي ١/ ٨٠، والمصادر السابقة.","vol":"3","page":55},{"text":"<span data-type='title' id=toc-580>مَسْأَلَةٌ:\nالنَّهْيُ يَقْتَضِي الدَّوَامَ ظَاهِرًا.</span>\n<hr><s0>\n\n\"و\"أيضًا: \"طلاق الحائض، وذبح ملك الغير معتبر\"؛ إذ يقع عليها الطلاق مع كونه محرمًا، ويحل أكل الذبيحة، وإن كان الذبح صادرًا بغير إذن المالك، وكلّ منهما منهى عنه بوصف.\n\"وأجيب: بأنه\" - أي: النهي - \"ظاهر فيه\" - أي: في الفَسَاد - لا قطعي فجازت مخالفته لدليل، \"وما خُولِفَ\" فيه من الصُّور، \"فبدليل صرف النهي عنه\" - أي: عن الأصل.\nواعلم أن معتمدنا في دلالة النَّهْي على الفساد، ما صَحّ، وثبت من قوله ﷺ: \"مَنْ أَدْخَلَ فِي دِينِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدّ\" (^١)، والمنهي عنه ليس بداخل في الدين، فيكون مردودًا باطلًا، وأن النهي للتحريم، والتحريم ينافي كون الشيء مشروعًا، فهذه إشارة إلى معتمدنا، وتقرير ذلك في المبسوطات.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"النهي يقتضي الدوام ظاهرًا\"، فيحمل عليه ما لم يصرفه عنه دليل.\nومنهم من يعبر عن هذا بأن النهي يقتضي التَّكْرار (^٢).\nوقد زعم ابن بَرْهَان. انعقاد الإجماع على هذا.\nوجزم به الشيخ أبو إسحاق.\nوخالف الإمام الرازي فقال: إنه كالأمر في التَّكْرار، فلا يقتضيه ظاهرًا.\nمع أن كلامه في مسألة أن الأمر هل هو للفور - يوهم الاتفاق على أنه للتَّكْرَار؟.\nوأنا أوافق القائلين بالتكرار في المَعْنى دون العبارة، فأقول: إذا قلت مثلًا: لا تضرب، فلا ريب في أنك مانع من إدخال هذه الماهية في الوجود، وإنما يحصل ذلك بالامتناع عن إدخال كل الأفراد، ولا يتحقق الامْتِثَالُ إِلا بالامتناع عن الكل، فالتكرار من لوازم الامتثال، لا من اللفظ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري ١٣/ ٢٦٣ كتاب الاعتصام: باب الاقتداء بسنة رسول الله ﷺ (٧٢٧٧).\n(^٢) ينظر: الإحكام ٢/ ١٨٠، والمحصول (١/ ٢/ ٤٧٠)، وشرح العضد ٢/ ٩٩.","vol":"3","page":56},{"text":"لَنَا: اسْتِدْلَالُ الْعُلَمَاءِ مَعَ اخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ.\nقَالُوا: نُهِيَتِ الْحَائِضُ عَنِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ.\nقُلْنَا: لِأَنَّهُ مُقَيَّدٌ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"لنا: استدلال العلماء مع اختلاف الأوقات\" بالمناهي، لا يخصِّصُون ذلك.\n\"قالوا\": قولكم: إنه يقتضي الدَّوَام - منقوض؛ إذ \"نهيت الحائض عن الصَّلاة والصّوم\"، ولم يقتض ذلك الدوام اتفاقًا.\n\"قلنا: لأنه\" ليس بالنهي الذي فيه كلامنا، وهو النهي المُطْلق، بل هو نهي \"مقيد\" بزمان الحَيْض، أو نقول: وهو أمتن - لم قلتم: إنه لا يقتضي الدوام؟ ألا تراه دائمًا في جميع أوقات الحائض، وأما ما وراء أَوْقَات الحيض، فليس مما شمله اللفظ. وبالله التوفيق.","vol":"3","page":57},{"text":"<span data-type='title' id=toc-581>\" العامُّ وَالخَاصُّ\"</span> (^١)\nمَسْأَلَةٌ:\n\n\"الْعَامُّ وَالْخَاصُّ\":\nأَبُو الْحُسَيْنِ: الْعَامُّ اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ وَلَيْسَ بِمَانِعٍ؛ لِأَنَّ نَحْوَ \"عَشَرَةٍ\"، وَنَحْوَ: \"ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا\" يَدْخُلُ فِيهِ.\nالْغَزَالِيُّ: اللَّفْظُ الْوَاحِدُ الدَّالُّ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا، وَلَيْسَ بِجَامِعٍ؛ لِخُرُوجِ الْمَعْدُومِ وَالْمُسْتَحِيلِ؛ لأَنَّ مَدْلُولَهُمَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَالمَوْصُولَاتِ؛ لأَنَّهَا لَيْسَتْ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، وَلَا بِمَانِعٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ مُثَنَّى يَدْخُلُ فِيهِ؛ وَلأَنَّ كُلَّ مَعْهُودٍ وَنَكِرَةٍ يَدْخُلُ فِيهِ، وَقَدْ يَلْتَزِمُ هَذَيْنِ.\n<hr><s0>\n\n\n\"مسألة\"\nالشرح: قال \"أبو الحسين\" وابن السمعاني وغيرهما: \"العام: اللفظ المستغرق لما يصلح له.\n_________\n(^١) العام لغة: الشامل. عم الشيء عمومًا: شمل الجماعة، يقال: \"عمهم بالعطية\". كذا في الصّحاح، وفي لسان العرب: عمهم الأمر يعمهم عمومًا: شملهم، وفي القاموس: عم الشيء عمومًا: شمل الجماعة، يقال: عمهم بالعطية وفيه أيضًا: شملهم الأمر كفرح ونصر، شملًا وشمولًا: عمهم ..\nأما في الاصطلاح:\nقال الجصاص: العام ما ينتظم جمعًا من الأسماء أو المعاني\".\nوقال فخر الإسلام البزدوي: العام كل لفظ ينتظم جرمًا من الأسماء لفظًا أو معنى.\nوقال النسفي: ما يتناول أفرادًا متفقة الحدود على سبيل الشمول، وقال صدر الشريعة لتوضيح العام لفظ وضع وضعًا واحدًا لكثير غير محصور، مستغرق جميع ما يصلح له الثلاثة المتقدم وذكرهم وعلى هذا جرى الكمال بن الهمام، فقد عرفه في تحريره بما دل على استغراق أفراد مفهوم، وعرفه، والى هذا اتجه المعاصر للكمال صاحب المرقاة.\nوقال في المرقاة: بأنه \"لفظ يستغرق مسميات غير محصورة\".\nوعرفه أبو الحسين البصري المعتزلي، وهو اللفظ المستغرق لما يصلح له.\nوزاد عليه الإمام الرازي قيدًا في محصوله \"بوضع واحد\". =","vol":"3","page":58},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوليس\" التعريف \"بمانع؛ لأن\" الأعداد \"نحو: عشرة، ونحو: ضرب زيد عمرًا - يدخل\" كل منهما \"فيه\" (^١)؛ إذ كل منهما لفظ مستغرقٌ لما يصلح له، وليس بعامّ.\n_________\n= واختار الإمام البيضاوي هذا التعريف مع هذه الزيادة.\nوعرفه إمام الحرمين أبو المعالي الجويني في ورقاته: العام ما عم المنهاج شيئين فصاعدًا، ومال إليه حجة الإسلام الغزالي إلى أن العام هو اللفظ الواحد الدال من جهة واحدة على شيئين فصاعدًا.\nوعرفه الآمدي بـ \"اللفظ الواحد الدال على مسمين فصاعدًا مطلقًا معًا .. \".\nوعرفه القرافي \"بأنه الموضوع لمعنى كلي بقيد تتبعه في محاله\" وفي \"جمع الجوامع\": \"هو لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر\". وينظر: البرهان لإمام الحرمين ١/ ٣١٨، والبحر المحيط للزركشي ٣/ ٥، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٢/ ١٨٥، وسلاسل الذهب للزركشي ص ٢١٩، والتمهيد للإسنوي ص ٢٩٧، ونهاية السول له ٢/ ٣١٢، وزوائد الأصول له ص ٢٤٨، ومنهاج العقول للبدخشي ٢/ ٧٥، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص ٦٩، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ٣٤٣، والمنخول للغزالي ص ١٣٨، والمستصفى له ٢/ ٣٢، وحاشية البناني ١/ ٣٩٢، والإبهاج لابن السبكي ٢/ ٨٢، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٢/ ٢٥٤، وتخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص ٣٢٦، وحاشية العطار على جمع الجوامع ١/ ٥٠٥، والمعتمد لأبي الحسين ١/ ١٨٩، وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ص ٢٣٠، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ٣/ ٣٧٩، والتحرير لابن الهمام ص ٦٤، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ١/ ١٩١، وميزان الأصول للسمرقندي ١/ ٣٨٥، وكشف الأسرار للنسفي ١/ ١٥٩، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ١٠١، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ١/ ٣٨، وحاشية نسمات الأسحار لابن عابدين ص ٦٨، وشرح المنار لابن ملك ص ٤٥، والوجيز للكراماسي ص ١١، والموافقات للشاطبي ٣/ ٢٦٠، وتقريب الوصول لابن جُزَيّ ص ٧٥، وإرشاد الفحول للشوكاني ص ١١٢، وشرح مختصر المنار للكوراني ص ٤٥، ونشر البنود للشنقيطي ١/ ٢٢٢، وفواتح الرحموت لابن نظام الدين الأنصاري ١/ ٢٥٥، وشرح الكوكب المنير للفتوحي ص ٣٤٣، والعدة ١/ ١٤٠، والحدود (٤٤)، والوصول إلى الأصول لابن برهان ١/ ٢٢، والروضة (١١٥)، والمسودة (٥٧٤)، والمغنى للخبازي (٩٩)، وشرح تنقيح الفصول (٣٨)، والمدخل (٢٣٧).\n(^١) في حاشية ج: قوله: يدخل كل منهما فيه، فيه أن ما يصلح له عشرة جميع العشرات لا ما يتضمنه من الآحاد، وعشرة لا يستغرقها، إنما يتناولها تناول صلوحيته على البدل، والجملة لا تصلح لمعاني أجزائها. عضد، وانظر السعد عليه.","vol":"3","page":59},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقال \"الغزَالي: اللَّفظ (^١) الواحد الدَّال من جهةٍ واحدةٍ على شيئين فصاعدًا\"، وقيوده ظاهرة، \"وليس\" هذا الحد \"بجامع؛ لخروج المعدوم والمستحيل\" عنه بقوله: شيء؛ \"لأن مدلولهما ليس بشيء\" عند أئمتنا، ومع ذلك فقد يوجد العموم فيهما، \"و\" لخروج \"الموصولات\" وصلاتها؛ \"لأنها\" عامة، و\"ليست بلفظ واحد ولا [بـ] مانع؛ لأن كل مثنى\" نحو: رجلين \"يدخل فيه\"، أي: مع أنه ليس بعام، \"ولأن كل معهود\"؛ كـ ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [سورة آل عمران: ١٧٣]، \"ونكرةٍ\"؛ نحو: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [سورة البقرة: ٦٧] \"يدخل فيه\"، وليس شيء منهما بعام.\n\"وقد يلتزم\" الغزالي \"هذين\"، ويرى أن جمع المعهود والنكرة عام، فلا يرد.\nوقد يجيب عن الأول بأن المعدوم شيء لغة (^٢).\nوعن الثاني بأن الموصولات هي التي يثبت لها العموم؛ لأنها مبهمة، والصلات. تبين حالها:\n_________\n(^١) خصّ اللفظ بالذكر ليفيد أن العموم من عوارض الألفاظ خاصة، كما هو مختاره، واحترز \"بالواحد\" عن مثل \"ضرب محمد عليًا\"، و\"زيد قائم\"، وسائر المركبات الدالة على معاني مفرداتها. و\"من جهة واحدة\" عن المشترك كالعين مثلًا؛ فإنه يدل على الباصرة من جهة وضعه لها، واستعماله فيها، وعلى الجارية من جهة الوضع لها، والاستعمال فيها، كذا قالها السعد في حاشيته على العضد، وقد رفض شارح \"المسلم\" صحة هذا الإخراج، بناء على أن الغزالي ﵀ لا يجوز مثل هذا الاستعمال، ورأى أن هذا القيد لإخراج الفرد المنكر، فإنه دال على المتعدد من جهات وفي إطلاقات، ولعل هذا هو الأول بالاعتبار؛ لأن فهم القيد على هذا الوجه مما لا يناسب رأي المعرف خصوصًا، وأنه صالح لحمله على معنى يراه صاحب التعريف.\nو\"على شيئين\" للاحتراز عن مثل \"زيد\" و\"محمد\" مما مدلوله شيء واحد.\n\"فصاعدًا\" ليدخل فيه مثل العام المستغرق كالرجال والمسلمين؛ إذ المتبادر إلى الفهم من قولنا: شيئين أن مدلوله لا يكون فوق الاثنين ..\n(^٢) أوضح ذلك فأقول:\nالجَوابُ: قال قائل في الوجه الأول مما ورد على الجمع: لا نسلم أن المعدوم ليس بشيء، بل هو شيء لغة؛ فإنهم يطلقون الشيء عليه، ومنع أهل الكلام إطلاق الشيء عليه لا يضرنا ما دامت اللغة تجيز ذلك، .. وتعقبه في مسلم الثبوت بما جاء في المواقف من أن اللغة شاهدة =","vol":"3","page":60},{"text":"وَالأَوْلَى؛ مَا دَلَّ عَلَى مُسَمَّيَاتٍ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ اشْتَرَكَتْ فِيهِ مُطْلَقًا ضَرْبَةً:\nفَقَوْلُهُ: \"اشْتَرَكَتْ فِيهِ\"؛ لِيَخْرُجَ نَحْوُ: \"عَشَرَةٍ\". وَ\"مُطْلَقًا\"؛ لِيَخْرُجَ الْمَعْهُودُونَ، وَ\"ضَرْبَةً\"؛ لِيَخْرُجَ نَحْوُ: \"رَجُلٍ\".\nوَالْخَاصُّ بِخِلَافِهِ.\n<hr><s0>\n\nوعن الثالث: بأن المثنى تناوله لكل اثنين تناول احتمال (^١) لا تناول دلالة، فهو من عموم البدل لا الشمول.\nالشرح: \"والأولى\" عند المصنّف أن يقال في تعريفه: \"ما دل (^٢) على مسميات\n_________\n= لهم في أن لا يسمى المعدوم في اللغة شيئًا، ثم قال شارحه: \"والأولى أن يقال: إنه وإن لم يكن شيئًا حقيقة ووضعًا، لكنه شيء مجازًا، وهذا المجاز شائع مفهم، فلا يمتنع استعماله في التعريفات.\nوقال في الثاني: \"لا نسلم أن العام هو الموصول مع الصلة، بل العام هو الموصول وحده كالمعرف باللام، فإن العام هو المعرف حال اقترانه باللام، غايته أن الصلة مبينة لعمومه كاللام، والموصول وحده لفظ واحد، فالعام ليس مركبًا، سلّمنا أن العام هو الموصول مع الصلة، لا الموصول وحده لكنا نقول: المراد بوحدة اللفظ ألا يتعدد بتعدد المعاني، فالعام ما دل على متعدد، ولم يتعدد اللفظ حسب تعدد المعاني، والموصول مع صلة يدل على الكثير دفعة، لا أن واحدًا منها يدل على واحد، والآخر على آخر ..\nوقالوا في الأول مما ورد على المنع: المثنى لا يدل على معنيين فصاعدًا معًا؛ لأن المراد بالدلالة على معنيين فصاعدًا الدلالة عليهما وعلى ما فوقهما، فلا يدخل في الحد.\nقال شيخنا الشيخ فائد: ونظر في هذا الجواب: بأنه لو صح هذا، لكان البائع بدرهمين غير ممتثل فيما إذا قيل له: \"بع هذا بدرهمين وبما فوقهما\"؛ إذ الإذن على هذا لم يتناول البيع بدرهمين، مع أن الحق خلاف هذا؛ لأنه ممتثل بالبيع بدرهمين قطعًا، حتى ينفذ البيع، ولا يكون للمالك حق الفسخ ..\nوقد أفسح شارح \"المسلم\" صدره، فأورد طائفة من المناقشات والمدافعات، أنهى الكلام فيها إلى أن قيد الشيئين في التعريف ضار على كل حال؛ لأنه إن صح أنه لا يشمل المثنى، بناءً على أن المتبادر من أمثال هذه العبارة أحدهما عرفًا، فالمقصود من التوكيل التخيير بين البيعين بثمنين.\n(^١) في حاشية ج: قوله: تناول احتمال: أي صلاحية، وأما الآحاد فلا يصلح تناولها لفظ المثنى.\n(^٢) يرى العلامة أبو عمرو أن العموم يتصف به المعنى كما يتصف به اللفظ، فيكون المراد بقوله: =","vol":"3","page":61},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nباعتبار أمر اشتركت فيه مطلقًا ضربةً\" واحدة.\nولم يقل: لفظ؛ ليتناول العموم المعنوي.\nوقال: \"على مسميات\" ولم يقل: أشياء؛ ليدخل المعدوم، ويخرج المفرد والمثنى (^١). واحترز بقوله: \"باعتبار أمر اشتركت فيه\" عن أسماء العدد (^٢) كـ \"عشرة\"؛ فإن دلالتها على الإفراد ليس لاشتراكها في أمر، بل باعتبار وضع اسم العدد.\n\"و\" قال: \"\"مطلقًا\"؛ ليخرج [المعهود] (^٣)؛ فإن دلالته بقرينة العَهْدِ لا بالإطلاق.\n\"وضربة\": ليخرج نحو: رجل، فإنه وإن دلّ على مسميات كثيرة، فعلى سبيل البَدَل لا دفعة واحدة (^٤).\n_________\n= \"ما دل\" شيء دل أو أمر دل أعم من أن يكون لفظًا أو معنى، وهذا كالجنس يشمل العام.\n(^١) المسميات تعم الموجود والمعدوم، والمراد منها التي يصدق على كل منها ذلك الأمر المشترك.\n(^٢) لأن الألف والعشرة وإن دلّا على آحادهما، غير أن تلك الآحاد لم تكن مشتركة في أمر؛ إذ إن آحاد العشرة والألف أجزاء لا جزئيات، وحيث كانت كذلك كانت مختلفة، فلم يوجد ما يجمعها، ويدخل المشترك باعتبار استغراقه لأفراد أحد مفهوميه، دون أفراد المفهومين، وكذا المجاز باعتبار أفراد نوع ما من العلاقات، وهو متعلق بدل.\n(^٣) في ب: المعهودون.\n(^٤) وهو قيد ثالث ليخرج النكرة كرجل، فإنه يدل على مسميات مطلقًا لكن على سبيل البدلية لا دفعة واحدة، وأورد على هذا التعريف ما أورد على غيره من التعريفات:\nأولًا: أنه غير جامع؛ لأنه لا يشمل المفهومات الكلية المضافة إلى ما يخصصها، مثل علماء البلد، وعظماء العالم؛ فإنها دلت على مسميات باعتبار أمر اشتركت فيه، ولكنها مقيدة بقيد الإضافة إلى ما يخصصها، مع أن تلك المفهومات مستغرقة، وقصد بها العموم، ولكن هذا التعريف لا يشملها …\nثانيًا: أنه غير مانع؛ لأنه يشمل الجمع المنكر مثل رجال؛ فإنه يدل على مسميات وهي زيد، وعمرو، وعلي؛ باعتبار أمر اشتركت فيه تلك المسميات، وهو مفهوم، فيصدق على الجمع المنكر أنه عام، وليس بعام عند صاحب التعريف ..\nوقد دفع الاعتراض الأول ما يأتي:\nأولًا: أن ما ذكر من المفهومات الكلية المضافة إلى ما يخصصها، كعلماء البلد لم يتقيد بقيد، بل هو دال على مسميات باعتبار أمر اشتركت فيه مطلقًا؛ لأن الدال \"عالم البلد المطلق\"، لا =","vol":"3","page":62},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  العالم الذي هو المقيد، وذلك بخلاف الرجال المعهودين؛ فإن المشترك فيه هو الرجل الذي قيد بالمعهودية، بعدما كان مطلقًا، بمقتضى أصل وضعه، واعتبار الأفراد في العام لا يقدح في هذا الجواب؛ لأن العام هنا هو المضاف من حيث هو مضاف، والمضاف إليه خارج ..\nوقد تعرض العلامة الكمال في التحرير لخدش هذا الجواب فقال: \"والحق أن لا فرق بين المعهود باللّام والمعهود بالإضافة من حيث الإطلاق والتقييد؛ لأن عالم البلد معهود؛ لأن المراد منه ما كان موجودًا حال التكلم، لا كل ما يصدق عليه هذا المركب الإضافي، ولا شك أنهم حصة معينة منه وإن كثر عددهم، وقد اشتهر تلقيبها بـ \"الإضافة العهدية\" ..\nوتعقب ابن الهمام صاحب مسلم الثبوت وشارحه بأن المضاف بالإضافة العهدية يلزم خروجه، والمضاف بالإضافة الاستغراقية لا عهد فيه، بل اعتبر تقييد الجنس أولًا، ثم اعتبر عمومه واستغراقه لجميع الأفراد المقيدة.\nثانيًا: قالوا: المراد من المعهود الذي احترزنا \"بـ \"مطلقًا\" عنه معهود مخصوص، وهو ما كان معهودًا باللّام، لا مطلق معهود حتى يشمل المعهود بالإضافة، فترد المفهومات الكلية المضافة إلى ما يخصصها كعلماء البلد، ودفع هذا الجواب: بأن إرادة معهود مخصوص من اللفظ أعني مطلقًا لا يفيده اللفظ؛ لأنه ظاهر في الإطلاق، وعلى فرض إرادة ذلك من اللفظ، فليس هناك قرينة تدل على هذا المراد، فيكون مجازًا بغير قرينة، والحدود تصان عن المجاز؛ لأن الغرض الإيضاح والبيان، والمجاز شأنه الخفاء، وقالوا في دفع الاعتراض الثاني: إن المراد من المسميات المذكورة في التعريف مسميات اللفظ الدال على العموم، ولا شك أن الجمع المنكر إذا دلّ على الآحاد كمحمد، وعلي، وبكر، بسبب اشتراك تلك المسميات في أمر، وهو مفهوم رجل، لا يكون دالًا على مسميات؛ لأن مسميات الجمع المنكر إنما هي الجماعات لا الآحاد، فلا يكون الجمع المنكر عامًا؛ فيكون التعريف مانعًا. وفي هذا الدفع نظر من ثلاثة أوجه:\nأولًا: أن إرادة مسميات اللفظ الدال على العموم من المسميات المذكورة في التعريف إرادة بعيدة؛ إذ لا قرينة على ذلك، فيكون في التعريف خفاء، والخفاء ينافي البيان الذي هو من حق التعريفات.\nوتعقب أمير بادشاه هذا النظر، بأن \"المسميات\" وإن أطلق فالمتبادر منها أن تكون مسميات بالنسبة إلى اللفظ الذي تناولها، فعدم إشعار اللفظ بها محل نظر ..\nثانيًا: يلزم على هذا الدفع أن يكون \"باعتبار أمر اشتركت فيه\" لغوا لا فائدة فيه؛ لأنه ما ذكر في التعريف إلا لإخراج العدد، وبعد أن يزيد من المسميات مسميات اللفظ الدال لا نكون بحاجة إليه، لأن العدد قد خرج بقولنا: مسميات، وذلك لأن الآحاد ليست بمسميات اللفظ =","vol":"3","page":63},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nواعترض الشيخُ الأَصْفَهَاني: بأن غالب التعاريف كهذا التعريف، وغيره مأخوذ فيها لفظ \"ما\" الموصولة، وهي في جملة المعرَّف، وأخذ المعرَّف قيدًا في المعرف باطل.\nوادَّعى أن جوابه متعذّر (^١)، وهذا تعريف العام. \"والخاص بخلافه\"، فاعتبره مع التعاريف كلها.\n_________\n= الدال، بل هي أجزاء لا جزئيات …\nوقد يجاب عن هذا النظر، بأنه لا مانع من أن يكون القيد مذكورًا للإيضاح والبيان، وليس بلازم أن يكون للاحتراز ..\nثالثًا: إذا أردنا من المسميات مسميات اللفظ الدال، يلزمنا أن نقول: إن الجمع المعرف ليس عامًا بالنسبة إلى الوجدان؛ لأنها ليست مسميات له، بل مسمياته هي الجماعات، وبالتالي يلزمنا أن نقول: إن حكم الجمع المحلى باللام لا يتعدى إلى الوجدان، بل يكون عامًا في أفراده، وهي الجماعات، وهذا باطل بالإجماع، فقد ثبت عن أئمة التفسير والأصول واللغة أنهم جعلوا حكم الجمع المحلى ثابتًا للوجدان …\nويجاب عن هذا النظر بأن اللّام عند دخولها على الجمع أبطلت معنى الجمعية، وسلبتها إلى الجنسية، ومعناه بطلانها من جهة الحكم فقط، وأما من جهة الأحكام اللفظية فهي باقية، بدليل أنهم لم يجوزوا الإخبار عنه بالمفرد، ولا وصفه به، ولا إرجاع الضمير عليه مفردًا، إلى غير ذلك من الأحكام اللفظية، والأمر الذي دعا إلى القول بإبطال حكم الجمعية عند دخول اللام على الجمع، أن حكم الجمع قد ثبت للواحد، مع أن الواحد ليس من أفراد الجمع، بل أفراده الجماعات، ما ذاك إلا لأن الجمعية قد سلبت، وبقيت الجنسية، ففي قولنا: \"لا أشتري العبيد\" ليس معناه أنك لا تشتري جماعة العبيد، ولا بأس من شراء الواحد، بل معناه أنك لا تشتري أي عبد، وما ذاك إلا لأن الجمعية قد بطلت وبقيت الجنسية، ولذلك من حلف لا يشتري العبيد يحنث بشراء الواحد.\nقال شيخنا الشيخ فائد وجملة القول: إن هذا التعريف في جملته لا يخلو من الإبهام، والغموض، من حيث إنه لم يصرح بالاستغراق كغيره، فأوردوا عليه من أجل ذلك ما أوردوا، وقد وضعنا أمام القارئ صورة مما دار بينهم في هذا المقام؛ ليتبين للقارئ مقدار التأويل والتعسف الذي يلجأ إليه الشارح حينما يواجه بألفاظ مرسلة؛ لا تفصح عما أراده صاحب المقال، وكان الأولى له أن يصرح بما أراد، خصوصًا في مقام الحدود التي شأنها الإيضاح والبيان، لا الغموض والإبهام، فضلًا عما يحتويه التعريف من الطول، وكثرة القيود، مما ينبغي أن تصان عنه تعريفات المحققين. ينظر العام للشيخ فائد.\n(^١) في حاشية ج: قوله: وادعى أن جوابه متعذر\" فيه إشارة إلى رده، لأنه لم يؤخذ من جهة العموم، بل من جهة أنه شيء. تدبر.","vol":"3","page":64},{"text":"<span data-type='title' id=toc-583>مَسْأَلَةٌ:\nالْعُمُومُ مِنْ عَوَارِضِ الأَلْفَاظِ حَقِيقَةٌ،</span> وَأَمَّا فِي الْمَعَانِي فَثَالِثُهَا الصَّحِيحُ كَذَلِكَ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"العموم من عوارض الألفاظ حقيقة\" (^١).\nفإذا قلت: \"هذا لفظ عام\" صدق بالحقيقة.\n\"وأما\" العموم \"في المعاني فثالثها\" أي: ثالث الأقوال فيه، وهو \"الصحيح\" عند المصنّف، \"كذلك\" أي حقيقة أيضًا، فتكون موضوعة للقدر المشترك بين اللفظ والمعنى، وهو صادق بالتواطؤ، هذا مذهب المصنّف والاشتراك عنده معنوي لا لفظي.\nوالقولان الآخران: أحدهما: أنه لا يعترضها حقيقة ولا مجازًا.\nوالثاني، وبه قال الأكثرون: يعرضها مجازًا لا حقيقة.\n_________\n(^١) الحق فيه: أنه من عوارض الألفاظ خاصة، وأنه بحسب إطلاقات وتفسيرات أخرى تغاير ما عليه الاصطلاح هنا إما مختص بالمعنى.\nأو يعرض له، وللفظ بالسواء، فليتميز ويتضح تمام الاتضاح ما هو المقصود لنا، وهو العام الاصطلاحي، نتعرض هنا لما به يحصل الافتراق، والاختلاف بين العموم المعنوي، والعموم اللفظي الاصطلاحي، فنقول: إنهما يفترقان في أحكام النفي والإثبات، حيث إن اللفظي على عكس المعنوي، وذلك من وجوه:\nالأول: أن العموم المعنوي كالحيوان مع خصوصه، كالإنسان لكل منهما وجود وعدم، فالضروب أربعة لا ينتج منها إلا اثنان.\nبيانه: أنه حينما ننظر إلى جانب العموم مع وجوده بالنسبة إلى الخصوص يظهر أنه لا يلزم من وجود الحيوان في الدار وجود الإنسان، لجواز تحققه في آخر ولا عدمه؛ لاحتمال تحققه في الإنسان، وبالنظر إليه مع عدمه بالنسبة إلى الخصوص يثبت أنه يلزم من عدم الحيوان في الدار عدم الإنسان، فوجود العموم مع الخصوص غير منتج، وعدمه معه بخلافه، وبالنظر في جانب الخصوص مع العموم يتحقق أنه يلزم من وجود الإنسان في الدار وجود مطلق الحيوان فيها؛ ولا يلزم من عدمها منها عدم مطلق الحيوان في الدار، لاحتمال تحقق وجوده في الفرس، ولا وجود مطلق الحيوان في الدار، لاحتمال عدم كل حيوان مع عدم الإنسان، فينبغي مطلق الحيوان، فالوجود ههنا منتج، والعدم عقيم، فيثبت أنه كلما كان الوجود فيه منتجًا كان العدم =","vol":"3","page":65},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقيل: حقيقة في المعاني الذهنية دون الخارجية؛ لأن المعاني الكلية شاملة الآحاد الجزئية [لمطابقتها] (^١) لها.\n_________\n= عقيمًا، والعكس بالعكس. إذا تقرر هذا في العموم المعنوي مع خاصه نجد أن العموم اللفظي مع خاصه على العكس منه، ذلك أن العموم، والخصوص اللفظيين، كالمشركين والذميين في حال نظر أحدهما مع الآخر يثبت أنه كلما وجد العام وجد الخاص حيث يلزم من الأمر بقتل جميع المشركين بدون أن يثبت فيه تخصيص الأمر بقتل الذميين الذي هو الخاص، ويلزم من انتقاء الخصوص، وهو الأمر بالقتل في بعض المشركين انتفاء العموم؛ إذ يظهر حينئذ أن ليس العموم على عموم، بل مخصوصًا، فاستلزم وجود العام وجود الخاص، وعدم الخاص عدم العام، وهذان عقيمان في المعنوي، ولا يلزم من ثبوت الخاص اللفظي ثبوت العام، ولا من انتفاء العام انتفاء الخاص، وهذان منتجان في المعنوي، والمغايرة المعلومة مما سبق سببها أن العموم اللفظي مع خصوصه من باب الكلية والجزئية. أما المعنوي: فإنه من باب الكلي والجزئي.\nالثاني: أن العموم المعنوي يصدق في الوجود بفرد، ويثبت حكمه، ويخرج المكلف عن العهدة بذلك، فإذا ما قيل: اقتل حيوانًا، وقتل فرسًا، فقد ثبت أن المكلف أتى بما أمر به، فامتثل، فيخرج عن العهدة، بخلاف اللفظي حيث لا يصدق في الوجود بفرد، ولا يمكن للمكلف الخروج عن العهدة منه إلا بتحقيق جميع الأفراد؛ لأنه من باب الكلية، وهذا شأنها، فإذا قيل: اقتل المشركين، فلا يتأتى الامتثال الذي به الخروج عن العهدة إلا بقتل الجميع.\nالثالث: أن العموم المعنوي لا يناقضه مطلق السلب، بل السلب الكلي بحيث لا يكون الحكم ثابتًا في فرد ألبتة، بخلاف اللفظي؛ فإن مطلق السلب يناقضه.\nالرابع: أن العموم المعنوي جزء مدلول اللفظي؛ وذلك لأن مدلوله كلية وأفرادها لا بد من اشتراكها في معنى كلي، وهو العموم المعنوي، فيكون جزءًا من مدلول اللفظي. وينظر: الإحكام للآمدي (٢/ ١٨٤) (١)، وشرح العضد ٢/ ١٠١، ونهاية السول ٢/ ٣١٢، وأصول السرخسي ١/ ١٢٥، والمعتمد ١/ ٢٠٣، والوصول إلى الأصول ١/ ٢٠٣، وجمع الجوامع ١/ ٤٠٣، والإبهاج ٢/ ١٨٠، والتحرير ٦٤، والمسودة ص (٩٠، ٩٧)، وشرح الكوكب المنير ٣/ ١٠٦، وإرشاد الفحول ص ١١٣، وفواتح الرحموت ١/ ٢٥٨، وروضة الناظر (١١٥)، ومختصر ابن اللحام ص (١٠٦)، والعدة ٢/ ٥١٣.\n(^١) في ب: لمطابقها.","vol":"3","page":66},{"text":"لَنَا: أَنَّ الْعُمُومَ حَقِيقَةٌ فِي شُمُولِ أَمْرٍ لِمُتَعَدِّدٍ، وَهُوَ فِي الْمَعَانِي كَعُمُومِ الْمَطَرِ وَالْخِصْبِ؛ وَلِذَلِكَ قِيلَ: عَمَّ الْمَطَرُ وَالْخِصْبُ وَنَحْوُهُ.\nوَكَذَلِكَ الْمَعْنَى الْكُلِّيُّ؛ لِشُمُولِهِ الْجُزْئِيَّاتِ؛ وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ: الْعَامُّ مَا لَا يَمْنَعُ تَصَوُّرُهُ مِنَ الشَّرِكَةِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"لنا: أن العموم\" لغة (^١): \"حقيقة في شمول أمر لمتعدد، وهو\"، أي: هذا المعنى حاصل \"في المعاني\"، فكما صح في الألفاظ باعتبار شموله لمعانٍ متعددة بحسب الوضع، صح في المعاني باعتبار شمول معنى واحد لمعان متعددة بالحقيقة؛ \"كعموم المطر والخِصْب.\nولذلك قيل: عم المطر والخِصْب\" النَّاسَ، وعمهم العَدْل والعطاء \"ونحوُه\".\n\"وكذلك المعنى الكُلّي\"، وهو: ما لا يمنع تصوره من وقوع الشّركة فيه؛ كالحيوان - عامٌّ؛ \"لشموله الجزئيات\" المتعددة؛ \"ومن ثمّ\"؛ أي: ومن أجل تحقق معنى العموم في الكلي قيل: العام ما لا يمنع تصوره من الشركة.\n_________\n(^١) العموم يطلق تارةً، ويراد به استغراق اللفظ لمسميانه، أي تناوله وإفادته إياها، وهذا بالطبع أمر سببه الوضع للفظ، إما شخصيًا أو نوعيًا، وظاهر أنه بهذا الإطلاق من عوارض الألفاظ خاصة، فالذي يوصف به على الحقيقة هو اللفظ، وإطلاقه على المعنى مجاز من إطلاق ما للدال على المدلول، وهذا هو مصطلح الأصوليين؛ لأن العام من الأدلة القولية، وقسم الخاص والمطلق عندهم. ويطلق تارة، ويراد به شمول أمر لمتعدد، فيوصف به إذًا كل من اللفظ والمعنى حقيقة. ويطلق تارةً ويراد به شمول مفهوم لمتعدد، حينئذ يختص بالمعنى، وهو مصطلح أهل الميزان، فإذا تقرر هذا يعلم أن الأشبه أن يكون الخلاف المشهور في كون العموم من عوارض الألفاظ خاصة، أو من عوارض الألفاظ والمعاني خلافًا لفظيًا، كما نقله التفتازاني عن بعض شراح \"المختصر\" بمعنى: أنه لو نظر كل من الطرفين إلى ما اعتقد الآخر، فقال بما قال به ذلك؛ لأن العموم بالمعنى الأول يقرر الطرف الأول من هذا الخلاف، وبالمعنى الثاني بالعكس، وإنكار ذلك مكابرة؛ ولتوضيح هذا نستعرض هنا صورة مجملة من كلام المثبت والنافي في هذا النزاع، فنقول: إن العلماء بعد اتفاقهم على اتصاف الألفاظ بالعموم حقيقة اختلفوا في اتصاف المعنى به أيضًا، فقيل بالاتصاف؛ وعليه يكون إطلاقه عليهما حقيقةً، وقيل: بعدمه، وعليه يكون إطلاقه على المعنى مجازًا، وقد أبعد جدًّا من قال: بعدم اتصاف المعنى به مطلقًا، فإنه كما لا يخفى لا حجر في المجاز. =","vol":"3","page":67},{"text":"فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ: أَمْرٌ وَاحِدٌ شَامِلٌ، وَعُمُومُ الْمَطَرِ وَنَحْوُهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.\nقُلْنَا: لَيْسَ الْعُمُومُ بِهَذَا الشَّرْطِ لُغَةً.\nوَأَيْضًا: فَإِنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ فِي عُمُومِ الصَّوْتِ وَالْأَمْرِ، وَالنَّهْيِ، وَالْمَعْنَى الْكُلِّيِّ\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"فإن قيل: المراد\" بالعام \"أمر واحد شامل\" لمتعدد، \"وعموم المطر\" والخصب \"ونحوه ليس كذلك\"؛ إذ الموجود في كلّ مكان غير الموجود في مكان آخر،\n_________\n= وقد استدل المثبت بوجوه:\nمنها: أن العموم: هو شمول أمر لمتعدد، والأمر شامل للمعاني شموله للألفاظ؛ إذ يطلق عليهما بالسواء، فحيث كان الإطلاق في الثاني حقيقيًا، فليكن في الأول كذلك، فإن زعم النافي أنه يعتبر في العموم بمعنى الشمول أن يكون الشامل أمرًا واحدًا، ولا كذلك المعنى، كالمطر، والخصب مثلًا، فإنهما في هذا المحل غيرهما في المحل الآخر - يجاب بأن ما ذكر لا يعتبر لغة في الشمول، وأنه على تسليم اعتباره، فهو حاصل في المعنى أيضًا، كعموم الإنسان للرجل والمرأة، واللون للبياض والسواد مثلًا، ولهذا فرَّق بعضهم بين المعنى الذهني، كالإنسان، فقال فيه: بالاتصاف؛ لوجود أمر واحد، وهو الكلي الصادق على المتعدد؛ وبين الخارجي، كالمطر، والخصب فقال فيه: بعدم الاتصاف؛ لعدم وجود الأمر الواحد الشامل المتعدد؛ إذ المتحقق هناك أمور شخصية.\nومنها: أنه لو لم يتصف المعنى بالعموم حقيقةً، لما صحّ إطلاقه عليه شائعًا، والتالي باطل، فالمقدم مثله، فيثبت نقيضه، وهو المطلوب، أما الملازمة؛ فلأن الأصل في الإطلاق الحقيقة، وأما بطلان التالي؛ فلأن كثيرًا ما يطلق العموم على المعنى، فيقال: عم الملك الرعية بالإنعام، وعم المطر، والخصب. . . إلخ، فإن زعم النافي أن من لوازم الحقيقة الاضطراد، وما ذكر لا يضطرد، فلا يكون حقيقيًا.\nيجاب بأن هذا مشترك الإلزام بين محل الاتفاق، ومحل الاختلاف؛ وذلك؛ لأن الألفاظ قد لا يتصور عروض العموم لها، فلا يطلق عليها لا حقيقة، ولا مجازًا، فكما لم يدع في هذا الجانب اتصاف كل لفظ بالعموم، فكذلك في جانب المعنى، فقد يتبين من هذا أنه إذا فسر العموم بشمول أمر لمتعدد يكون الحق في هذا الخلاف القول بالاتصاف، إلا أن الموافق للمقام، والجاري على الاصطلاح الأصولي هو اعتبار العموم بالمعنى الأول؛ ولهذا صحح جمع من المحققين أنه هنا من عوارض الألفاظ دون المعاني، فيكون هو الأولى بالمراعاة.","vol":"3","page":68},{"text":"<span data-type='title' id=toc-584>مَسْأَلَةٌ:\nالشَّافِعِيُّ وَالْمُحَقِّقُونَ:</span> لِلْعُمُومِ صِيغَةٌ، وَالْخِلَافُ فِي عُمُومِهَا وَخُصُوصِهَا؛ كَمَا فِي الْأَمْرِ.\nوَقِيلَ: مُشْتَرِكَةٌ بِالْوَقْفِ فِي الأَمْرِ وَالْنَّهِي، وَالْوَقْفُ إِمَّا عَلَى مَعْنَى: \"مَا نَدْرِي\" وَإِمَّا: \"نَعْلَمُ أَنَّهُ وُضِعَ وَلَا نَدْرِي أَحَقِيقَةٌ أَمْ مَجَازٌ؟.\n<hr><s0>\n\nفليس بين المَطرِ الواقع في ذاك المكان (^١) الغطاء المتصل بـ \"زيد\" نسبة من الواقع بهذا المكان، والغطاء المتصل بـ \"بعمرو\".\n\"قلنا: ليس العموم بهذا الشرط\"، وهو الوحدة \"لغة\" أي: اللغة لا تعتبر هذا القَيْد في العموم، بل يكفي الشمول، سواء أكان هناك أمر واحد أم لا.\n\"وأيضًا: فإن ذلك\" أي: العموم بمعنى المعنى \"ثابت في عموم الصَّوت\"، فإن الصوت؛ يسمعه خلق، وهو أمر واحد يعمهم، \"و\" كذلك \"الأمر والنهي\" اللَّذَان هما الطَّلب النفساني يعمّان خلقًا كثيرًا \"و\" كذا المعنى الكلي كالحيوان يتصور عمومه لما تحته من الآحاد.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: قال \"الشّافعي والمحققون: [للعموم] (^٢) صيغة\" (^٣) تنبيء عنه، وتختصّ به\n_________\n(^١) في حاشية (ج) تحرر هذه العبارة.\n(^٢) في ب: العموم.\n(^٣) أوضح ما أجمله المصنف فأقول:\nوبيانًا لموضع الخلاف نذكر الصيغ مجملة، هي بالتتبع أنواع خمسة:\nالأول: ألفاظ الجموع المعرفة بأل، أو الإضافة كالرجال، والمشركين، وعلماء مصر، إذا لم يقصد بها تعريف المعهود، كقولهم: أقبل الرجال أي: المعهودون المنتظرون، والمنكرة كقولهم: رجال ومشركون ..\nالثاني: أسماء الشرط، والاستفهام، والموصولات، كما في قوله ﵇: \"مَنْ أحيا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ\"، .. عَلَى الْيَدِ مَا أخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَه، وما في معناها كمتى وأين للمكان والزمان \"مَتَى جِئتني أَكْرَمْتُكَ\"، \"وَأَيْنَمَا كُنْتَ أَتَيْتُكَ\".\nالثالث: النكرة الواقعة في سياق النفي، سواء كان النفي صريحًا نحو: \"لا رجل\"، أو ضمنيًّا بأن وقعت في الشرط المثبت يمينًا، أي الذي وقع في اليمين؛ لأن مضمون الشرط حينئذ =","vol":"3","page":69},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\nموضوعة له (^١).\n\"والخلاف\" في تلك الصيغة \"في عمومها وخصوصها\" بحسب اللغة \"كما\" هو الخلاف \"في الأمر\" على ما تقدم.\n_________\n= الحمل على المنع والنهي، وهما بمنزلة النفي، فمثلًا إذا قال: \"إن دخلت دارًا فأنت طالق\" فالمحلوف عليه هو نفي دخول الدار؛ لأنه المطلوب من الحلف، وبهذا الاعتبار كانت \"دار\" نكرة في سياق النفي، فالمقصود من هذا الشرط حمل المرأة على عدم دخول أي دار، يعني أنه قصد بالشرط منعها، فكان ذلك نفيًا.\nالرابع: الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام لا للتعريف، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ وأمّا الاسم المفرد النكرة، كمشرك وسارق، فلا يتناول إلا واحدًا.\nالخامس: الألفاظ المؤكِّدة ككل، وجميع، وأجمعون، وأكتعون.\nتلك هي الصيغ التي كانت محل الخلاف بينهم.\n(^١) أما النص فهو آيتان من كتاب الله:\nالأولى منهما: قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾.\nوالثانية: قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ تمسكًا منه بقوله تعالى: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾.\nوالحجة في الآية الثانية أن الأهل أضيف إلى نوح ﵇ وفهم نوح من هذه الإضافة العموم، وأقره الله على ذلك، وأجاب بما دل على أنه ليس من أهله، ولو كانت الإضافة لا تقتضي العموم وضعًا لما كان ذلك؛ إذ ليس في الكلام ما يدل على العموم سواها.\nوفي الأولى فهم إبراهيم ﵇ من أهل هذه القرية العموم، حيث ذكر لوطًا، وأقرّه الملائكة على ذلك، وأجابوه بتخصيص لوط وأهله بالاستثناء، واستثناء امرأته من الناجين، وكل ذلك يدلّ على فهم العموم من هذه الإضافة.\nوأما الإجماع فهو مأخوذ من فهم الصحابة العموم من هذه الصيغ، والاحتجاج بها من غير نكير عليهم، وقد ورد في هذا الباب وقائع كثيرة، منها ما يفيد فهم العموم منها، وقيام الحجّة بهذا الفهم من غير نكير، وهذا النوع يؤخذ منه الإجماع على إفادة هذه الصيغ العموم، ومنها ما يفيد فهم العموم منها، ولم يحصل لهم نكير إلا من جهة أن ما فهموا من العموم ليس مرادًا، وإنما أريد منه الخصوص، وهذا النوع صحيح في الاستدلال، من جهة عدم النكير عليهم في فهم العموم من الصيغة، وإنما جاء النكير من جهة أخرى.","vol":"3","page":70},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"وقيل: مشتركة\" (^١) بين العموم والخصوص.\n\"وقيل: بالوقف\" (^٢) في الأخبار لا \"في الأمر والنهي، والوقف\" على معنيين \"إما على معنى\" أنَّا \"ما ندري\" هل هو موضوع أو لا؟\nوعلى تقدير الوضع لا ندري وإذا؟\n\"وإما\" على معنى أنا \"نعلم أنه وضع\" له صيغة، \"ولا ندري أحقيقة أو مجاز؟ \".\nوقيل: بالعموم حالة التأكيد بضروب من التأكيد فقط.\nوقيل: بعموم لفظ \"الكافرين\" و\"المؤمنين\". فقط.\nوذكرت مذاهب من هذا النوع في السقوط، والحق الأبلج إثبات الصيغ.\n_________\n(^١) اشتراك لفظي.\n(^٢) وقد اختلف الواقفية في محل الموقف على تسعة أقوال، حكاها صاحب \"إرشاد الفحول\"، وهي:\n- ١ - القول بالوقف مطلقًا من غير تفصيل، وهو المشهور عن أئمة الأشاعرة وعامة المرجئة.\n- ٢ - الوقف في الوعد والوعيد، دون الأمر والنهي، حكاه الرازي عن الكرخي.\n- ٣ - القول بالعموم في الوعد والوعيد، والتوقف فيما عدا ذلك، وهو قول جمهور المرجئة.\n- ٤ - الوقف في الوعيد بالنسبة إلى عصاة هذه الأمة دون غيرها.\n- ٥ - الوقف في الوعيد دون الوعد فقال القاضي: وفرقوا بينهما بما يليق بالشطح والترهات دون الحقائق.\n- ٦ - التفصيل بين أن يتقيد بضرب من التأكيد، فيكون للعموم، دون ما إذا لم يتقيد ..\n- ٧ - الوقف في حق من لم يسمع خطاب الشرع عنه ﵇، وأما من سمع وعرف تصرفاته فلا وقف، حكاه المازريُّ ..\n- ٨ - أن لفظة المؤمن والكافر حينما وقعت في الشرع أفادت العموم دون غيره، حكاه المازري عن بعض المتأخرين ..\n٩ - الفرق بين ألا يسمع قبل اتصالها به شيئًا من أدلة السمع، وكانت وعدًا ووعيدًا، فيعلم أن المراد بها العموم، وإن كان قد سمع قبل اتصالها به أدلة الشرع، وعلم انقسامها إلى العموم والخصوص، فلا يعلم حينئذ العموم في الأخبار التي اتصلت به، حكاه القاضي في \"مختصر التقريب\".","vol":"3","page":71},{"text":"وِهِيَ أَسْمَاءُ الشُّرُوطِ وَالاِسْتِفْهَامِ وَالْمَوْصُولَات، وَالْجُمُوعُ الْمُعَرَّفَةُ تَعْرِيفَ جِنْسٍ، وَالْمُضَافَة، وَاسْمُ الجِنْسِ كَذَلِكَ، وَالنَّكِرَةُ فِي النَّفْيِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وهي أسماء الشروط والاستفهام والمَوْصُولات، والجموع المعرفة تعريف جنس\" لا تعريف عَهْد؛ فإن تلك بحسب معهودها \"والمضافة\".\nثم أفراد الجموع ثلاثة ثلاثة بخلاف غيرها.\nفإذا قلت: قام الرجال، فأفراده ثلاثة ثلاثة، وقام الرجل أفراده كلّ واحد، ويظهر لك أثر هذا في النفي إذا قلت: \"لم يقم الرجال\" يصدق وإن قام رجلان أو رجل، أو \"لم يقم رجل\" لا يصدق إذا قام واحد.\n\"واسم الجنس كذلك\" أي: في العموم إذا عُرِّف تعريف جنس أو أضيف.\n\"والنكرة (^١) في \"سياق \"النفي \"بـ\"ما\" أو \"لم\" أو \"ليس\" أو \"لن\"، سواء باشرها النفي نحو:\nما أحد قائم، أو باشرها عاملها نحو: ما قام أحد.\nواعلم أن النكرة إن كانت صادقةً على القليل والكثير كـ\"شيء\"، أو واقعة بعد \"لا\" العاملة عمل \"إنَّ\" أعني التي لنفي الجنس نحو: لا رَجُلَ في الدار - ببناء رجل على الفتح، أو داخلًا عليها \"مِنْ\" مثل: ما جاءني مِنْ أحد، فإن كونها للعموم من الواضحات.\nلكن هل استفيد العموم في قولك: \"ما جاءني من رجل\" من لفظ \"مِنْ\"؟!، أو كان مستفادًا من النفي قبل دخولها، ودخلت هي لتأكيده؟\nالحقّ: الثاني، وهو ما كان أبي ﵁ يقرره، وهو مقتضي كلام ابن مالك، وقد فَهِم عنه شيخنا أبو حيان خلاف ذلك، وليس بجيد كما قررناه في \"شرح المنهاج\" وقد وَهِم القرافي، فاشترط في تعميم النكرة في سياق النفي أن يصحبها \"مِنْ\" متمسكًا بقول الزمخشري في قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٥٩] إنما استفيد العموم من لفظ \"مِنْ\"، ولو قال: \"ما لكم إله غيره\" - لم يعم مع كونه نكرة في سياق النفي.\nوالحق أن \"مِنْ\" إنما جاءت لتنصيص العموم، وبهذا صرح ابن مالك (^٢)، فالعموم\n_________\n(^١) في حاشية ج: قف على وقوع النكرة في سياق النفي، وهو جزء مهم.\n(^٢) محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك، جمال الدين، أبو عبد الله الطائي الجياني، ولد سنة =","vol":"3","page":72},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقبلها ظاهر، ومعها نصّ، والذي يخيل لنا أنها أربع مراتب:\nأعلاها: ما جاءني من دَيَّار للإتيان بلفظ \"مِنْ\"؛ ولأن دَيّارًا لا يستعمل إلَّا في النفي.\nوأدناها: ما جاءني رجل، لفقدان الأمرين.\nوالمرتبة المتوسّطة: ما جاءني من رجل، وما جاءني \"أحد\"، فترجّح أحد بأنه لا يدخل إلّا في النفي، إلّا إذا كانت همزته مبدلة من \"واو\" لا كلام فيه، [ويترجح] (^١) \"رجل\" بأن معه لفظة \"مِنْ\" المنصصة على العموم، وأنَّ: \"لا رَجُلَ\" المبنية على الفتح نص، وإلى ذلك أشار إمام الحرمين في أول الكلام على قوله ﵇: \"لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ\" (^٢) في التأويلات البعيدة.\nو\"لا رجلٌ\" المنونة ظاهر، ولذلك قال سيبويه (^٣) (^٤): تقول لا رَجُلَ في [الدار] (^٥) أي\n_________\n= ٥٩٨، وقيل غير ذلك. سمع من جماعة، وأخذ العربية عن غير واحد، وتخرج به جماعة كثيرة، قال الذهبي: وصرت همته إلى إتقان لسان العرب حتى بلغ فيه الغاية، وحاز قصب السبق، وأربى على المتقدمين، وكان إمامًا في القراءات وعللها … \" وأطال الذهبي في ترجمته والثناء عليه. وأشهر تصانيفه على الإطلاق ألفيته في النحو الموسومة بـ\"ألفية ابن مالك\"، وبها اشتهر، وله غيرها كثير. مات سنة. ٦٧٢. انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ١٤٩، والأعلام ٧/ ١١١، وطبقات. السبكي ٥/ ٢٨.\n(^١) في أ: يترحج.\n(^٢) أخرجه أحمد (٦/ ٢٨٧)، والدارمي (٢/ ٦)، وأبو داود (٢٤٥٤)، والترمذي (٧٢٦)، والنسائي (٤/ ٦٩٦ - ١٩٧)، وابن ماجه (١/ ٥٤٢)، رقم (١٧٠٠)، والدارقطني (٢/ ١٧٢)، والبيهقي (٤/ ٢٠٢)، والبخاري في \"التاريخ الصغير\" (١/ ١٣٢) من حديث حفصة. وقال الترمذي: حديث حفصة لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وقد روى عن نافع عن ابن عمر قوله، وهو أصح.\n(^٣) عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء، أبو بشر، الملقب بـ\"سيبويه\": إمام النحاة، وأول من بسط علم النحو، ولد في إحدى قرى شيراز، وقدم البصرة، فلزم الخليل بن أحمد ففاقه، وصنف كتابه المسمى \"كتاب سيبويه\" في النحو لم يصنع قبله ولا بعده مثله، ناظر الكسائي وأجازه الرشيد بعشرة آلاف درهم، كان أنيقًا جميلًا، توفي شابًا، ولد سنة ١٤٨ هـ وتوفي سنة ١٨٠ هـ.\nانظر: ابن خلكان ١/ ٣٨٥، والبداية والنهاية ١٠/ ١٧٦، والأعلام ٥/ ٨١.\n(^٤) ينظر: الكتاب لسيبويه ٢/ ٢٧٤.\n(^٥) في أ: الديار.","vol":"3","page":73},{"text":"لَنَا: الْقَطْعُ فِي: \"لَا تَضْرِبْ أَحَدًا\"، وَأَيْضًا: لَمْ تَزَلِ الْعُلَمَاءُ تَسْتَدِلَّ بمِثْلِ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٣٨]، ﴿وَالزَّانِيَةُ﴾ [سورة النور: الآية ٢]، ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ١١]؛ كَاحْتِجَاجِ عُمَرَ ﵁ فِي قِتَالِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ مَانِعي الزَّكَاةِ: \"أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، [فَإِذَا قَالُوهَا حَقَنُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ\"]، وَكَذَلِكَ \"الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ\"، وَ\"نَحْنُ - مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ - لَا نُورَثُ\"، وَشَاعَ وَذَاعَ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ.\n<hr><s0>\n\nبالفتح ولا تقول: بل رجلان، وتقول: لا رجلٌ في الدار أي بالرفع، وتقول: بل رجلان.\nهذا ما كان أبي - رحمه الله تعالى - يحرّره.\nوقد وَهِمَ مَنْ زعم أن النكرة في سياق النفي لا تعم إلا إذا كانت مبنية على الفتح، بل الحق وجدان العموم في الحالتين، وإنما هي في أحدهما نص، فلذلك لا تقول: بل رَجُلان، وفي الأخرى ظاهر، فلذلك تقوله؛ إذ لا يمتنع التصريح، بخلاف الظاهر، فاحفظ ذلك؛ فهو من النفائس.\nوأهمل المصنف النكرة في سياق الإثبات، فإنها لا تعم عند الأصوليين عموم الشمول.\nوأما تعميم مثل قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [سورة التكوير: الآية ١٤] وقوله ﷺ: \"صَلاةٌ فِي مَسْجِدي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ\" (^١)، فمن غير ما نحن فيه؛ لأن الحكم فبه على الماهية من حيث هي، فجاء العموم فيه بالعَرَض، وليس ثَمَّ عموم حقيقي، إذْ لا أفراد تحت مطلق الماهية حتى يعمها، فافهمه.\nللشرح: \"لنا:\" على إثبات الصِّيَغِ \"القطع\" بفهم العموم \"في: لا تضرب أحدًا\" حتى لو ضَرب واحدًا عُدّ مخالفًا، والتبادر دليلُ الحقيقة؛ فالنكرة في النفي للعموم حقيقة، فثبت أن للعموم صيغة.\n\"وأيضًا: لم تزل العلماء\" قبل زمن المُخَالفين وبعدهم \"تستدلّ بمثل ﴿وَالسَّارِقُ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري ٣/ ٦٣، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (١١٩٠)، ومسلم (٢/ ١٠١٢)، كتاب الحج، فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة (٥٠٥/ ١٣٩٤)، ومالك في الموطأ ١/ ١٩٦ في كتاب القبلة: باب ما جاء في مسجد النبي ﷺ.","vol":"3","page":74},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوَالسَّارِقَةُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٣٨] و﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [سورة النور: الآية ٢] ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ١١] على قطع السارق، وجلد الزاني، وتوريث الأولاد كما في الآية.\nو\"كاحتجاج عمر في قتال أبي بَكْرٍ ﵄ مَانِعِي الزكاة: \"أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ\"\" (^١) روى الأئمة الخمسة: البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: لما توفي رسول الله ﷺ وكفر من كَفَرَ من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر ﵁: كيف تقاتل الناس وقد قال رسولُ الله ﷺ: \"أمِرْتُ أَنْ أقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، فمن قال: لا إله إلا اللهُ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى الله؟ فقال أبو بكر: \"والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة؛ حق المال ..... \" الحديث.\nفقد فهم عمر العموم، واحتج به، وقرره أبو بكر ﵁ وعدل إلى الاحتجاج بقوله ﵊: \"إِلّا بِحَقِّهِ\"، والزكاة من حقه.\n\"وكذلك\" قوله ﷺ: \"الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ\" (^٢) رواه أحمد والنسائي من رواية بكير بن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري ٣/ ٣٠٨، كتاب الزكاة: باب وجوب الزكاة (١٣٩٩) وفى ١٢/ ٢٨٨، كتاب استتابة المرتدين (٦٩٢٤) وفي ١٣/ ٢٦٤ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة (٧٢٨٤) ومسلم ١/ ٥٢ كتاب الإيمان: باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله (٢٣/ ٢١).\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ١٢٩، والطبراني في الكبير ١/ ٢٢٤، وفي الصغير ١/ ١٥٢، وابن أبي عاصم ٢/ ٥٣١، ٥٣٣، وانظر: المجمع ٥/ ١٩٢، ١٩٤، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٢/ ١٧٠، والطيالسي كما في المنحة ٢/ ١٦٣ في كتاب الخلافة والإمارة، باب ما جاء في أطوار النبوة والخلافة والملك حديث ٢٥٩٦ ومن حديث أبي برزة (٢٥٩٧)، والرازي في العلل (٢٧٩٩)، وأبو نعيم في الحلية ٥/ ٨، ٧/ ٢٤٢ من حديث علي ٨/ ١٣٣، والدولابي في الكنى ١/ ١٠٦، والبيهقي في السنن الكبرى ٣/ ١٢١ في كتاب الصلاة، باب من قال: يؤمهم ذو نسب إذا استووا في القراءة والفقه، وفي ٨/ ١٤٣، ١٤٤، وينظر: تلخيص الحبير ٤/ ٤٢.","vol":"3","page":75},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوهب الجزري (^١) عن أنس (^٢)، وبكير مجهول؛ فإنه لم يَرْوِ عنه غير أبي الأسود عليّ (^٣).\nوقال فيه الأزدي (^٤): غير قوي، ولكن روى له النَّسائي، وأهل المعرفة بالحديث يرون مجرد رواية النسائي له أرجح من تضعيف الأزدي إياه.\n_________\n(^١) بكير بن وهب الجزري. عن أنس حديث: \"الأئمة من قريش\" قاله شعبة عن علي أبي الأسد عنه. وقال الأعمش ومسعر عن سهل أبي الأسد عنه وقال فضيل بن عياض: عن الأعمش عن أبى صالح الحنفي عنه. قال ابن حجر: قال الأزدي: ليس بالقوي. وذكره ابن حبان في الثقات. وينظر: تهذيب التهذيب ١/ ٤٩٦، وتقريب التهذيب ١/ ١٠٨، تهذيب الكمال ١/ ١٦٠، خلاصة تهذيب الكمال ١/ ١٣٩، والكاشف ١/ ١٦٤، والثقات ٤/ ٧٧، ولسان الميزان ٧/ ١٨٦، وتاريخ البخاري الكبير ٢/ ١١٢، والجرح والتعديل ٢/ ١٥٨٣.\n(^٢) أنس بن مالك بن النَّضر بن ضمضم بن زيد بن حرام الأنصاري البخاري، خدم النبيّ ﷺ عشر سنين. وذكر ابن سعد أنه شهد بدرًا، له ألف ومائتا حديث وستة وثمانون حديثًا، وروى عن طائفة من الصحابة، وعنه بنوه موسى والنضر وأبو بكر والحسن البصري وثابت البناني وسليمان التيمي وخلق لا يحصون، مات سنة تسعين أو بعدها وقد جاوز المائة، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة ﵃. وينظر: ترجمته في: تهذيب الكمال ١/ ١٢٢، وتهذيب التهذيب ١/ ٣٧٦، وتقريب التهذيب ١/ ٨٤، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ١٠٥، أسماء الصحابة الرواة ٣، تاريخ البخاري الكبير ٢/ ٢٧، وتاريخ البخاري الصغير ٢٤٥، والجرح والتعديل ٢/ ١٠٣٦، والثقات ٣/ ٤، وتجريد أسماء الصحابة ١/ ٣١، وأسد الغابة ١/ ١٥٧، والإصابة ١/ ١٢٦، ٨٤، وشذرات الذهب ١/ ١٠٠، ومعجم طبقات الحفاظ ٦٦، والوافي بالوفيات ٩/ ٤١١، والاستيعاب ١/ ١٠٩.\n(^٣) علي أبو الأسود الحنفي الكوفي. روى عن بكير بن وهب وأبي صالح الحنفي على خلاف فيه. وعنه شعبة، وروى عنه الأعمش. قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: صدوق، روى له النسائي حديثه عن بكير عن أنس: \"الأئمة من قريش\" وروى عنه أيضًا البخاري وغيره. وينظر: تهذيب الكمال ٢/ ٩٩٥، وتهذيب التهذيب ٧/ ٣٩٧ (٦٤٢)، وتقريب التهذيب ٢/ ٤٦، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٢٥٩، والكاشف ٢/ ٢٩٩.\n(^٤) يزيد بن محمد بن إياس؛ أبو زكريا الأزدي. مؤرخ من حفاظ الحديث. من أهل الموصل، ولي قضاءها، من تصانيفه: \"طبقات محدثي الموصل\" و\"تاريخ الموصل\". توفي سنة ٣٣٤ هـ. وينظر: علم التاريخ عند المسلمين ٢١٠، وياقوت ٣/ ١١٤، و٤/ ٦٨٥، والأعلام ٨/ ١٨٧.","vol":"3","page":76},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nورواه الهيثم بن كليب الشَّاشي (^١)، والطبراني من رواية أبي صادق عن ربيعة بن ناجِذٍ (^٢) - بالنون والجيم والذال المعجمة - عن علي بن أبي طالب ﵁ مرفوعًا، وتكلّم عليه الدَّارقطني في \"العلل\"، وذكر أنه روي مرفوعًا.\nقال: والموقوف أشبهُ بالصواب.\nقلت: وربيعة بن نَاجِذِ مجهول؛ لأنه لم يَرْوِ عنه غير أبي صادق، وقد روى له ابن ماجه.\nوقد قال النووي في \"شرح المهذب\": إن الحديث المذكور في \"الصحيحين\"، ولعله أراد معنى الحديث؛ فإن في \"الصحيحين\" من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"لَا يَزَالُ هَذا الأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ فِي النَّاسِ اثْنَانِ\" (^٣).\nوأما \"الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ\" فليس في \"الصحيحين\".\nوالحاصل: أنه فهم منه العموم، واحتج به على من قام بذهنه أن يجعل من [غير] (^٤)\n_________\n(^١) الهيثم بن كليب بن شريح بن معقل الشاشي، أبو سعيد، صاحب المسند، ومحدث ما وراء النهر. روى عن: عيسى بن أحمد البلخي وأبي عيسى الترمذي والدوري وآخرين. وعنه علي بن أحمد الخزاعي ومنصور بن نصر الكاغدي وآخرون، وهو ثقة. أصله من مرو، وإقامته في بخارى، له \"المسند الكبير\". وينظر: تذكرة الحفاظ ٣/ ٦٣، وشذرات الذهب ٢/ ٣٤٢، والأعلام ٨/ ١٠٥.\n(^٢) ربيعة بن ناجذ الأزدي - ويقال أيضًا: الأسدي، الكوفي. روى عن علي وابن مسعود وعبادة بن الصامت. وعنه: أبو صادق الأزدي. ذكره ابن حبان في الثقات، له في ابن ماجه حديث واحد. قال العجلي: كوفي تابعي ثقة. قال الذهبي: لا يكاد يعرف. وينظر: الثقات ٤/ ٢٢٩، ولسان الميزان ٧/ ٢١٦، وميزان الاعتدال ٢/ ٤٥، والجرح والتعديل ٣/ ٢١٢٠، وتاريخ البخاري ٣/ ٢٨١، والكاشف ١/ ٣٠٨، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ٣٢٣، وتهذيب الكمال ١/ ٤١٠، وتهذيب التهذيب ٣/ ٢٦٣.\n(^٣) أخرجه البخاري ٦/ ٦١٦ كتاب المناقب: باب مناقب قريش (٣٥٠١)، ومسلم في المصدر السابق (٤ - ١٨٢٠).\n(^٤) سقط في ج.","vol":"3","page":77},{"text":"قَوْلُهُمْ: \"فُهِمَ بِالْقَرَائِنِ\" - يُؤَدِّي إِلَى أَلَّا يَثْبُتَ لِلَّفْظِ مَدْلُولٌ ظَاهِرٌ أَبَدًا.\n<hr><s0>\n\nقريش إمامًا، و\"نَحْنُ مَعَاشِرَ الأَنْبَيَاءِ لَا نُورَثَ\" (^١) وهو حديث قال شيخنا الذهبي: (^٢) ليس في شيء من الكتب السِّتَّة، والأمر كما قال، بل ولا رأيته في شيء [من] (^٣) كتب الحديث، ثم رواه الهيثم بن كليب الشَّاشي من حديث أبي بكر الصديق ﵁ ولفظه: \"إنَّا مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاء لَا نُورّثُ\" وضع \"إنَّا\" موضع \"نحن\"، ولذلك خرَّجه النسائي في \"سننه الكبير\"، وهو غير معدود عند المحدثين من الكتب السِّتّة، إنما يعدون السنن المشهورة التي له، وعليها يخرجون الأسماء والأطراف.\nوبالجملة: هو بلفظ \"نحن\" غير موجود، وبلفظ \"إنَّا\" موجود، ولكن في غير الستة (^٤)، وروى البخاري ومسلم: \"لَا نُورّثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ\" قد وقع الاحتجاج به على من ظن أنهم يورثون ﵈، \"وشاع\" هذا الاحتجاج وأمثاله، \"وذاع ولم ينكره أحد\"، فكان إجماعًا على أن الصيغ للعموم.\nالشرح: وأما \"قولهم:\" لا نسلم \"فهم، العموم من ظاهر هذه الصيغ، وإنما \"فهم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري ٦/ ٢٢٧ - ٢٢٨ في كتاب فرض الخمس (٣٠٩٤)، وأخرجه مسلم ٢/ ١٣٧٧ في الجهاد: باب حكم الفيء (٤٩/ ٧٥٧).\n(^٢) محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، شمس الدين، أبو عبد الله. ولد سنة ٦٧٣ هـ في دمشق. حافظ، مؤرخ، علامة، محقق، تركماني الأصل، من أهل ميافارقين. رحل إلى القاهرة وطاف كثيرًا من البلدان، وكشف بصره سنة ٧٤١ هـ تصانيفه كبيرة كثيرة تقارب المائة، منها: \"دول الإسلام\" و\"المشتبه من الأسماء والأنساب\" و\"الكنى والألقاب\" و\"تاريخ الإسلام الكبير\" و\"سير النبلاء\" و\"طبقات القراء\" و\"الكبائر\" و\"تذكرة الحفاظ\" و\"تهذيب تهذيب الكمال\" و\"تجريد أسماء الصحابة\" و\"ميزان الاعتدال في نقد الرجال\". وتوفي سنة ٧٤٨ بـ\"دمشق\".\nينظر: طبقات السبكي ٥/ ٢١٦، والشذرات ٦/ ١٥٣، والنجوم الزاهرة ١٠/ ١٨٢، والدرر الكامنة ٣/ ٣٣٦، والأعلام ٥/ ٣٢٦.\n(^٣) في أ: في.\n(^٤) أي في غير البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.","vol":"3","page":78},{"text":"وَالاِتِّفَاقُ فِي \"مَنْ دَخَلَ دَارِي، فَهُوَ حُرٌّ\" أَوْ: \"طَالِقٌ\" - أَنَّهُ يَعُمُّ.\nوَأَيْضًا كَثَرَةُ الْوَقَائِعِ.\nوَاسْتُدِلَّ بِأَنَّهُ مَعْنىً ظَاهِرٌ مُحْتَاجٌ إِلَى التَّعْبِيرِ عَنْهُ كَغَيْرِهِ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ قَدْ يُسْتَغْنَى بِالْمَجَازِ وَبِالْمُشْتَرَكِ.\nالْخُصُوصُ مُتيَقَّنٌ؛ فَجَعْلُهُ لَهُ حَقِيقَةً، أَوْلَى.\nرُدَّ بِأَنَّهُ إِثْبَاتُ لُغَةٍ بِالتَّرْجِيحِ، وَبِأَنَّ الْعُمُومَ أَحْوَطُ؛ فكَانَ أَوْلَى.\nقَالُوا: لَا عَامَّ إِلَّا مُخَصَّصٌ؛ فَيَظْهَرُ أَنَّهَا لِلْأَغْلَبِ.\nرُدَّ بِأَنَّ احْتِيَاجَ تَخْصِيصِهَا إلَى دَلِيلٍ يُشْعِرُ بِأَنَّهَا لِلْعُمُومِ.\nوَأَيْضًا: فَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ.\nالاِشْتِرَاكُ: أُطْلِقَتْ لَهُمَا، وَالأَصْلُ الْحَقِيقَةُ.\n[وَ] أُجِيبَ: بِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ.\n<hr><s0>\n\nبالقرائن\" المنضمة إلى اللَّفظ، فمن [الشطح] (^١) وتُرَّهَات الباطل؛ لأنه \"يؤدي إلى ألَّا يثبت للفظ ظاهر أبدًا\"؛ إذ يمكن سلوك هذا السبيل فيه.\nفإن قبل منهم هذا القول، انسدّ باب الاستدلال بالألفاظ، \"والاتفاق في \"قول القائل: \"من دخل داري فهو حرّ، أو \"فهي \"طالق، أنه يعم\" من اتصف بالدخول، ولولا العموم لما كان ذلك. وفي بعض النسخ هنا، \"وأيضًا كثرة الوقائع\"، وليست في أصل المصنف، ولا حاجة إليها.\nالشرح: \"واستدلّ\" على إثبات الصبغ \"بأنه\" أي: العموم \"معنى ظاهر يحتاج إلى التعبير عنه كغيره\"، فوجب أن يوضع له لفظ مختص به.\n\"وأجيب: قد يستغنى بالمجاز وبالمشترك\"، ولا يتعين لفظ منفرد بالحقيقة.\nواحتج من قال: الصيغة حقيقة في الخصوص، فقال: \"الخصوص متيقّن، فجعله له حقيقة أولى\" من العموم؛ لكونه مشكوكًا.\n_________\n(^١) في أ: السطح.","vol":"3","page":79},{"text":"الْفَارِقُ: الْإِجْمَاعُ عَلَى: التَّكْلِيفُ لِلْعَامِّ، وَذَلِكَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى الأَخْبَارِ لِلْعَامِّ.\n<hr><s0>\n\n\"رد: بأنه إثبات لغة بالترجيح\" والجداد، والّلغة طريقها النَّقْل فقط، \"وبأن العموم أحوط\"؛ لأن الخاصّ يندرج تحته عند الحمل به، ولا عكس؛ \"فكان أولى\" من الخصوص، أو يتعارضان، ويتساقطان.\n\"قالوا: لا عام إلا مخصص\" إلّا أماكن يسيرة مُسْتَثْنَاة، كما ذكر إمام الحرمين وغيره.\n\"فيظهر أنها للأغلب\" الذي هو الخاص.\n\"رُدَّ: بأن احتياج خصيصها لدليل يشعر أنها للعموم\"، فالتخصيص. حينئذ دليل على كونها في أصل الوضع للعموم.\n\"وأيضًا: فإنما يكون ذلك\"، أي: ظهور كونها حقيقة في الخصوص \"عند عدم الدليل\" على موضوعها، وقد أقمنا الدَّليل على أنها موضوعة للعموم، فلا يجديكم ما ذكرتم من ظهور الحَمْل على الأغلب.\nواحتجّ مَنْ مذهبه في الصّيغة \"الاشتراك\" اللفظي بين العموم والخصوص، بأنها قد \"أطلقت لهما، والأصل، في الإطلاق \"الحقيقة\".\n\"وأجيب: بأنه على خلاف الأصل، وقد تقدّم مثله\" في دَوَرَان اللفظ بين المجاز والاشتراك.\nالشرح: واحتج \"الفارق\" بين الأخبار، والأمر والنهي، فقال: \"الإجماع\" منعقدٌ \"على\" وجود \"التكليف للعامِّ\"، كذا بخط المصنّف، أي عامة الخلق، \"وذلك\" ليس إلا \"بالأمر والنهي\"؛ فوجب كونها للعموم، وإلَّا لم يشمل العموم، ولا كذلك الخبر، فلم يجب أن يكون له صيغة.\n\"وأجيب\" بالمعارضة \"بأن الإجماع\" أيضًا منعقد \"على: الأخبار للعامِّ\"، أي: العامة كذا بخط المصنف أيضًا.\n\n\"فوائد\"\nالأولى: خالف بعض الأئمة في تعميم \"اسم الجنس\" المعرَّف للمضاف، والصحيح","vol":"3","page":80},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nخلافه، وفَصَّل قوم بين أن يصدق على القليل والكثير كالماء والعسل، فيعم أولا فلا يعم.\nواختاره ابن دقيق العيد، وعلى التعميم يقول:\nلو قال: إن كان حملها غلامًا فأعطوه كذا، وإن كان جارية فأعطوها كذا، فكان غلامًا وجارية، فلا شيء لواحد منهما؛ لأنه شَرَطَ صفة الذكورة، أو الأنوثة في جملة الحمل، وقِس بهذا نظائره.\nفإن قلت: لم لا قلتم بوقوع الثَّلاث على من حلف بالطلاق المعرَّف، وحنث؟\nقلت: قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: للعرف.\nوقال أبي ﵀: لأن الطلاق حقيقةٌ واحدة لا أفراد له، ولكن له مراتب مشتركة في قطع عصمة النكاح، منها:\nما يحصل به التَّشعيث فقط، وهو الرَّجْعِي.\nوما يحصل به البَيْنُونَةُ مع إمكان الرد بلا محلل.\nوما يتوقف على محلل.\nوإذا ذكر لفظ الثلاث [استوعب] (^١) المراتب، وإذا لم يذكره حمل على أدنى المراتب؛ إذ لا أفراد هنا حتى يشملها لفظ عام.\n\n\"الثانية\"\nحيث قلنا بتعميم المعرَّف والمضاف في الجمع والإفراد، فعموم الإضافة أقوى، ولذلك لو حلف لا يشرب الماء، حنث بشرب القليل، لعدم تناهي أفراده، فلمّا استحالت إرادة الجميع اننقل لأحد محامل \"اللام\"، وهو الجنس.\nولو حلف لا يشرب ماء البَحْرِ، لم يحنث إلا بكلّه، وهو وإن شارك الماء في الاستحالة إلَّا أن عمومه عموم إضافة، وهو أقوى من عموم الأداة، فلم يخرج عن قضيته، وكأنه قال: ماء البحر كله.\nولو كتب الزوج بطلاق زوجته عند بلوغ الكتاب، فبلغها وقد انمحى منه موضع\n_________\n(^١) في ب: تمت.","vol":"3","page":81},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالطَّلاق أو سقط، فالأصح لا يقع؛ لأنه لم يبلغها جميع الكتاب.\nوقيل: إن قال: إذا جاءك كتابي، يقع؛ لأنه قد جاءها كتابه.\nوإن قال: إذا جاءك الكتاب، لم يقع؛ لأنه لم يجئها جميعه.\nوكذا إذا قال: إذا جاءك كتابي هذا لتأكد المفرد المضاف باسم الإشَارة، فقد جعل على هذا الوجه عموم الإضافة أقوى كما عرفت.\n\n<span data-type='title' id=toc-587>\"الثالثة\"\nمدلول العموم كلّية، لا كلّ، ولا كلي</span>؛ وذلك لأن الكل: هو المجموع الذي لا [ينفى عنه] (^١) فرد، والحكم فيه على المجموع من حَيْثُ هو مجموع لا على الأفراد، كاسماء العدد كقولنا: كلّ رجل يحمل الصَّخرة العظيمة، فهذا صادق باعتبار المجموع، ويقابله الجزء، وهو ما تركب منه ومن غيره كلّ، كالخمسة مع العشرة.\nوالكلي: ما يشترك في مفهومه كثيرون، كالحيوان في أنواعه، ويقابله الجزئي كـ\"زيد\".\nوالكلية: التي يحكم فيها على كل فَرْد بحيث لا يبقى فرد مثل قولك: كل رجل يشبعه رغيفان غالبًا، وهو صادف باعتبار الكلية، لا باعتبار الكل الذي هو المجموع؛ إذ لا يشبعه رغيفان ولا قَنَاطير.\nويقابلها: الجزئية: وهي الحكم على أفراد حقيقة من غير تعيين، كقولك: بعض الحيوان إنسان.\nوهذه حقائق يتصوّرها الذهن، فلا ينبغي لأحد إنكارها، ولا أن يقول: إني لا أعرف الكلية؛ فإنه إن جهل هذا الاسم، فلم يجهل أن المرء تارة يحكم على كل فرد بخصوصه، وهو الكلية، وتارة يحكم عليه مع غيره، وهو الكل.\nوقد ذكر هذه القواعد إمامان في المنطق والأصول: الشيخ [الأصفهاني] (^٢) شارح \"المحصول\"، ومن كان أستاذ زمانه في المَنْطق والعقليات بأسرها، ورفيقه أبو العباس القَرَافي.\n_________\n(^١) في أ، ج: يبقى تحته.\n(^٢) في أ، ب، ج: الأصبهاني، وكلاهما صحيح.","vol":"3","page":82},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nإذا عرفت هذا فمسمّى العموم كلية لا كُلّ، وإلا لتعذّر الاستدلال به في النفي والنهي على ثبوت حكمه لفرد من أفراده، فإنك إذا ئلت: لم يقم الرِّجَال، وجعلت مدلوله كلًّا، كان حاصله أن مجموع الرجال لم يقوموا، ولا يلزم من ذلك عدم قيام من جانب النفي كجانب الإثبات، ولولا ذلك لما صحّ الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٥١] على أن كل من قتَلَ نفسًا قُتِلَ بها، بل كان لقائل أن يقول: إنما نهى عن المجموع، وهو مُنَابذة لكلام الرب تعالى ومقصده.\nإذا تقرر هذا فبعده سؤال شغف به القرافي، وهو أن دلالة العموم على الفرد الواحد كالمشركين مثلًا على زيد، لا يمكن أن يكون بالمطابقة؛ لأنه ليس تمام مسمّى المشركين، ولا بالالتزام؛ لأنه ليس خارجًا، ولا بالتضمّن؛ لأنه ليس جزء المسمى؛ إذ الجزء يقابل الكُلّ، والعموم كلية لا كل، كما عرفت.\nفإذن لا يدلّ على زيد لفظ \"المشركين\"؛ لانتفاء الدّلالات اللفظية من المطابقة، والتضمن، والالتزام. وأجاب عنه الأصفهاني بما حاصله أنه دالّ بالمطابقة، فقال: نحن حيث قلنا: اللفظ إما أن يدل بالمطابقة، أو الثضمن، أو الالتزام، فذلك في لفظ مفرد دال على معنى ليس ذلك المعنى نسبة بين مفردين، وذلك لا يتأتى ها هنا، فلا ينبغي أن يطلب.\nوإذا عرف هذا، فاعلم أن قوله: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٥] في قوة جملة من القضايا؛ وذلك لأن مدلوله: اقتل هذا المشرك، وهذا إلى آخر الأفراد، وهذه الصيغ إذا اعتبرت بجملتها، فهي لا تدلّ على زيد المشرك، ولكنها تتضمّن ما يدلّ على قتله، لا بخصوص كونه زيدًا، بل بعموم كونه فردًا ضرورة تضمنه: اقتل زيدًا المشرك؛ فإنه من جملة هذه القضايا، وهي جزء من مجموع تلك القضايا، [فتكون] (^١) دلالة هذه الصِّيغَة على وجهين: قتل زيد المشرك؛ لتضمنها ما يدل على ذلك الوجوب، والذي هو في ضمن ذلك المَجْمُوع هو دالّ على ذلك مطابقة، قال: فافهم ذلك؛ فإنه من دقيق الكلام.\n\n<span data-type='title' id=toc-588>\"الرابعة\"\nقال القَرَافيُّ وغيره من المتأخرين: العامّ في الأشخاص مُطْلق </span>باعتبار الأزمان والبقاع والأحوال والمتعلّقات، فإذا قال: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٥] عَمَّ كل مشرك، ولا يعم\n_________\n(^١) في أ: فيكون.","vol":"3","page":83},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nكل حال حتى [تدخل] (^١) حال الهدنة والذمة (^٢).\nوقد شغف القَرَافي بهذه القاعدة، فظنّ أنه يلزم عليها عدم العمل بجميع العمومات في هذا الزمان؛ لأنه قد عمل بها في زمنٍ ما، والمطلق يخرج عن عُهْدته بالعمل في صورة.\nفأما القاعدة، فحق لا سبيل إلى جحدها، ولكن ما ظته لازمًا غير لازم، كما ذكر الإمامان الجليلان: أبو الحسن [الباجي] (^٣)، وأبو الفتح بن دقيق العيد قالا:\nلأن المقصود أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال والأزمنة والبقاع، بمعنى أنه إذا عمل به في الأشخاص في حالة ما في مكان ما، لا يعمل به في تلك الأشخاص مرة أخرى، أما في أشخاص أخر فيعمل به، وإلَّا يلزم التخصيص في الأشخاص، فالتوفية بالإطلاق ألّا يتكرر ذلك الحكم، فكل زانٍ يُحَدّ، وإذا جلدناه لا نجلده ثانيًا إلا لزنًا آخر؛ لأن تكرر جلده لا دليل عليه، والفعل مطلق.\nوقد أشار الإمام في \"المحصول\" إلى هذا حيث قال في دليل القياس: لما كان أمرًا بجميع الأقيسة، كان متناولًا لا مَحَالة لجميع الأوقات، وإلّا قدح في كونه متناولًا لجميع الأقيسة، وكذلك اقتضاه كلام ابن السَّمْعَاني في مسألة الاستصحاب.\nواعترض أبي - رحمه الله تَعَالى - في كتاب \"أحكام كلّ\" هذا الجواب بأن عدم تَكْرَار الجَلْد مثلًا معلومٌ من كون الأمر لا يقتضى التكرار، وبأن المطلق هو الحكم، والعام فيه هو المحكوم عليه؛ وهما غيران، فلا يصح أن يكون ذلك تأويلًا لقولهم: العام مطلق. ثم قال: ينبغي أن يهذب هذا الجواب، ويجعل العموم والإطلاق في لفظ واحد بأن يقال: المحكوم عليه، وهو الزاني مثلًا أو المشرك - فيه أمران:\nأحدهما: الشخص.\nوالثاني: الصفة، كالزنا، وأداة العموم لمَّا دخلت عليه أفادت عموم الشخص لا عموم الصفة، والصفة باقية على إطلاقها، وهذا معنى قولهم: العام في الأشخاص مطلق في الأحوال والأزمنة والبقاع، أي كل شخص حصل منه مطلق زنا حُدَّ، وكل شخص حصل منه [مطلق] (^٤) شرك قُتِلَ بشرطه، ورجع العموم والإطلاق إلى لفظة واحدة باعتبار مدلوليها من\n_________\n(^١) في أ، ح: يدخل.\n(^٢) ينظر نفائس الأصول بتحقيقنا.\n(^٣) في أ، ج: الناجي.\n(^٤) سقط في ب.","vol":"3","page":84},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\nالصّفة والشخص المتّصف بها، فافهم ذلك.\nثم إنه مع هذا لا يقول: كون الصّفة مطلقة [تحمل] (^١) على بعض مسماها؛ لأنه يلزم منه إخراج بعض الأشخاص.\nنعم لو حصل استغراق الأشْخَاص لم يحافظ مع ذلك على عموم الصِّفَةِ؛ لإطلاقها.\n\n\"الخامسة\"\nاتفقت النُّحاة على أن أربع صيغ من جموع التكسير للقلّة، وأن جموع السَّلامة للقلة، وهي العشرة فما دونها، وهي التي يجمعها قول الشاعر: [البسيط]\nبِأَفْعُلٍ ثمَّ أَفْعَالٍ وَأَفْعِلَةٍ … وفِعْلَةٍ تَعْرِفُ الأَدْنَى مِنَ العَدَدِ\nوَسَالِمُ الجَمْعِ أَيْضًا دَاخِلٌ مَعَهَا … فَهَذِهِ الخَمْسُ فَاحْفَظْهَا وَلَا تَزِدِ (^٢)\nواتفق الأصوليون القائلون بالعموم وهم أكثر حملة الشريعة - على أن صيغة \"المشركين\"، وما شابهها للعموم، وكذلك الأَحْمَال، والأَرْغفة، والصّبية، والمسلمين، والمسلمات، فقد يقال: أين العموم الذي لا تتناهى أفراده من العشرة فما دونها؟ وهاتان فرقتان عظيمتان كلّ منهما ينقل عن العرب، وقد اختلفتا فما الجمع بين الكلامين؟.\nوأجاب إمام الحرمين: بأن قول النحاة مخصوص بحال التنكير، وقول الأصوليين بحال التعريف.\n\n<span data-type='title' id=toc-590>\"السّادسة\"\nاتفق الفقهاء على أن من أقر بدراهم قُبِلَ منه تفسيره بثلاثة،</span> وهي جمع كثرة، وأقله باتفاق النحاة أحد عشر، فقد يقال: ما الجمع بين الكلامين؟.\nوقد يجاب بشيوع العُرْفِ في إطلاق الدراهم على ثلاثة، وأنه ليس للدرهم جمع قلّة في كلام العرب، فناب عنه صيغة جمع الكثرة.\n_________\n(^١) في أ، ج: يحمل.\n(^٢) البيتان ذكرهما المصنف في \"إبهاجه\" ٢/ ٨٨.","vol":"3","page":85},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-591>\"السّابعة\"\nصيغ العموم </span>(^١): \"مَنْ\"، و\"ما\"، و\"أي\"، و\"الذي\"، و\"التي\"، وتثنيتهما وجمعهما، \"وكلّ\"، \"وجميع\"، \"وأين\"، \"وحيث\"، \"ومتى\"، ولام التعريف من الإفراد والتثنية والجمع، والنكرة في سياق النفى، والفعل في سياق النفى، واسم الجنس وتثنيته وجمعه إذا أضيفت هذه الثلاثة، وترك الاستفصال في حكاية الحال، فإنه ينزل منزلة العموم في المقال، و\"سائر\" إن كان بمعنى الجميع، وقد عدَّها القاضي ﵁ (^٢).\n_________\n(^١) الأسباب المفيدة له: اللغة أو العرف، وذلك لأن المفيد إما أن يكون دلالته على معناه باصطلاح عام، وهو الأول، أو باصطلاح خاص وهو الثاني، وقد يفاد العموم بواسطة العقل.\nقد يستفاد العموم بواسطة العقل لا بالصيغة، وهذا كأن يعلل الشارع الحكم بعلة سواء بطريق النص، أو الإيماء، فيعم الحكم ما توجد فيه تلك العلة، وذلك بطريق القياس، والإلحاق لا بالصيغة، ومن هذا الباب مفهوم الموافقة ودلالة النص، فإن الحكم قد يثبت في المسكوت بواسطة علة تدرك بمجرد اللغة، فالعموم فيه ليس بمحض الصيغة، ولهذا لا يقبل التخصيص.\n(^٢) هكذا نقل عن القاضي عبد الوهاب في كتاب \"الإفادة\".\nوالخلاف يلتفت على أنها بمعنى الباقي، أو بمعنى الجميع. والمشهور وعليه نص أكثر اللغويين أنها بمعنى الباقي.\nونقل الأزهري في التهذيب: عليه اتفاق اللغويين.\nونص الجوهري في الصحاح (٢/ ٦٩٢). على أنها بمعنى الجميع، ووافقه أبو منصور الجواليقي وأبو محمد بن بري وغيرهما. وقيل: مشتركة.\nفإن قلنا: إنها بمعنى الجميع، فهي من صيغ العموم.\nوإن قلنا: بمعنى الباقي فليست للعموم؛ لأن بقية الشيء يصدق على أقل أجزائه. كذا قال القرافي في شرح التنقيح وغيره، والتحقيق أنها للعموم.\nوإن قلنا: إنها بمعنى الباقي لأنها عامة بالنسبة إلى؛ ما أضيفت إليه لاستغراقها جميع ما يصلح من مواردها.\nوقد نقل عن الفارسي أنها لا تطلق إلا على الأكثر لا إذا كان الباقي أقل.\nومنهم من جعل الخلاف يلتفت على أنه من سور المدينة المحيط بها الشامل لها، فهي بمعنى الجميع أو من السؤر، وهي البقية فهي بمعنى الباقي. ينظر: سلاسل الذهب ص ٢٢٩، ٢٣١، وشرح التنقيح (١٩٠)، وكشف الأسرار ١/ ١١٠، ونهاية السول ٢/ ٦٥، وشرح الكوكب ٣/ ١٥٨، وإرشاد الفحول ص ١١٩، ونشر البنود ١/ ٢٢٩.","vol":"3","page":86},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفأما \"مَنْ\" (^١) فشرطها أن [تكون] (^٢) استفهامية، أو شرطية، وهي عامة في أولى العلم، وقد تستعمل في غير أولى العلم للتغليب.\nوأما \"ما\" فهي الاسمية، وهي تفيد العموم إذا كانت معرفة فيما عدا العالمين من الزمان، والمكان، والجماد، والنبات.\nوقيل: [تتناول] (^٣) أولى العلم أيضًا.\nوأما \"أي\": فهي الاستفهامية أو الشرطية، فإن كانت موصولة، أو صفة، أو حالًا، أو مناداة لم تعم مثل: مررت بأيهم قام، أي: بالذي، ومررت برجل أي رجل؛ بمعنى كامل، ومررت بزيد أي رجل - بالفتح بمعنى كامل أيضًا، ويأيها الرجل، ثم هي لا تختص بأولى العلم، وكذلك \"كلّ\" \"وجميع\" \"والذي\" والتي\" \"وسائر\" \"وأين\" \"وحيث\" في المكان، \"ومتى\" في الزمان.\n_________\n(^١) \"مَنْ\" وهي موضوعة في الأصل لمن يعقل، ولا إفادة لها للعموم إلا إذا كانت استفهامية، نحو قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾ أو شرطية أو موصولة على رأيْ. ومثلها: \"مَنَّان ومنون\" وقد تأتي لما لا يعقل، وذلك في موضعين:\nالأول: عند معاملته معاملة من يعقل نحو قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ إذ أُرِيدَ بمن لا يخلق هنا: الأصنام، وقد عبَّر عنها بـ\"من\" التي لا تستعمل إلا فيمن يعقل للمعاملة المذكورة.\nالثاني: عند الاختلاط مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ … الآية﴾ فقد عبر فيها عن الذي يمشي على بطنه نحو الحيّات، وعلى الأربع نحو الإبل بـ\"من\" للاختلاط مع من يعقل في صدر الآية … إذ الدابة تشمل العقلاء وغيرهم، فغلب على الجميع حكم من يعقل؛ لذلك جاء التفصيل كله بـ\"من\" دليل العموم فيها أنها لو لم تكن للعموم لما حسن من الوكيل إكرام كل من دخل دار موكله حين قوله له: أكرم كل من دخل داري، والثاني باطل، أما الملازمة؛ فلأنها لو لم تكن كذلك، لكانت للخصوص، فيكون إكرام الوكيل للكل إفسادًا لمال موكله، وليس فيه منفعة تعود عليه، وذلك موجب للذم، فلا حسن، وأما بطلان الثاني؛ فلأنه يحسن منه صدور الإكرام للجميع، ومنه (الذين)؛ لأن الياء فيه مشبهة بالياء في جمع السلامة الخاص بمن يعقل.\n(^٢) في أ: يكون.\n(^٣) في أ: يتناول.","vol":"3","page":87},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\n\"الثامنة\"\nقال الأصوليون: مدلول هذه الضيغ كلّ فرد، وقد أطلقوا هذا الكلام إطلاقًا، ونحن نتكلم على كل صيغة بخصوصها.\nفأما \"كل\" (^١) فلا تدخل إلّا على ذي جزئيات أو أجزاء، ومدلولها الإحاطة في الموضعين بكلّ فرد، وقد تضاف لفظًا. إلى نكرة مثل: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [سورة الطور: الآية ٢١].\nومعنى العموم حينئذ كل فرد لا المجموع، سواء أكان المجموع مع ذلك لازمًا له، كقولك: كل مشرك مقتول، أو لا، كقولك: كلّ رجل يشبعه رغيف.\nوإلى معرفة [نحو] (^٢): ﴿كُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [سورة مريم: الآية ٩٥] فكلام أكثرهم يقتضى أنها في هذه الحالة مثلها حالة الإضافة إلى نكرة في الدلالة على كل فرد،\n_________\n(^١) وهي أقوى صيغ العموم، ومن خصائصها أنها للمذكر، وأن الإخبار عنها يكون مفردًا وجمعًا، إلا أن الأول أفصح، وهو بالنظر إلى اللفظ نحو: كل رجل قائم.\nوالثاني: بالنظر إلى المعنى مثل قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ وإذا دخلت هذه اللفظة للتأكيد كان ذلك فيما يتبعض، باعتبار الفعل المسند إليه، نحو: اشتريت الفرس كلها، وقد لا يتبعض باعتبار فعل آخر، فلا يقال حزت الفرس كلها، ومن خصائصها أيضًا: اختلاف حكمها في حالة النفي تقديمًا وتأخيرًا؛ ذلك لأنها في الأولى لا يبقى الكلام معها مفيدًا للعموم، بل لسلبه؛ إذ القضية والحالة هذه جزئية، يقال: ما جاءنى كل إخوتك، فالنفي فيه منصب على الإيحاب الكلي، ورفعه يصدق بالسلب الكلي، والإيجاب الجزئي، فلا إفادة للعموم حينئذ، بل لسلبه الأعم من السلب الكلي، والإيجاب الجزئي.\nوأما في الحالة الثانية: فتفيد العموم نصًا فيما إذا رفعت نحو: كل الدراهم لم أقبضها؛ إذ الكلام يكون حينئذ إيجابًا عدوليًا، فموجبه ثبوت عدم القبض لكل واحد من الدراهم، أما إذا نصبت، فلا تكون للعموم في شيء، سواء اشتغل الفعل بالضمير أم لا؛ لأنها حينئذ في حكم التأخير والوقوع في حيز النفي، وقد عرفنا شأنه في الحالة الأولى، وأشد الألفاظ بها شبهًا أسماء الأعداد؛ لأنها موضوعة للكل من حيث هو كل، وهو لا يقتضي شمول النفي لجميع آحاد ذلك العدد، بل المجموع من حيث هو مجموع، فيصدق بالبعض.\n(^٢) سقط في ج.","vol":"3","page":88},{"text":"<span data-type='title' id=toc-593>مَسْأَلَةٌ:\nالْجَمْعُ الْمُنكرُ لَيْسَ بِعَامٍّ.</span>\nلَنَا: الْقَطْعُ بِأَنَّ \"رِجَالًا\" في الْجُمُوعِ، كَـ\"رَجُلٍ\" فِي [الْوُحْدَانِ]، وَلَوْ قَالَ: \"لَهُ عِنْدِي عَبِيدٌ\" - صَحَّ تَفْسِيرُهُ بِأَقَلِّ الْجَمْعِ.\nقَالُوا: صَحَّ إطْلَاقُهُ عَلَى كُلِّ جَمْعٍ؛ فَحَمْلُهُ عَلَى الْجَمِيعِ حَمْلٌ عَلَى جَمِيعِ حَقَائِقِهِ.\nوَرُدَّ بِنَحْوِ \"رَجُلٌ\"، وَأَنَّهُ إنَّمَا صَحَّ عَلَى الْبَدَلِ.\n<hr><s0>\n\nوقضية كلام بعضهم أن مدلولها في هذه الحالة المجموع، وإليه يشير كلام ابن مالك من النحاة.\nقال أبي ﵀: والذي يظهر أنها إذا أضيفت إلى معرفة، فإن كان مفردًا كان لاستغراق أجزائه، ويلزم منه المجموع، ولذلك يصدق: قولنا: كل رُمّان مأكول؛ ولا يصدق كلّ الرمان مأكول، لدخول قِشْره، وبعبارة أخرى نقول: يصدق كلّ رجل مضروب، إذا ضربت كلّ واحد ضربًا ما، ولا يصدق: كلّ الرجل مضروب.\nوأمّا ما عداها من الصيغ فيسهل أمره، وقد بسطنا القول فيه في \"التّعليقة\"، ولأبي ﵀ كتاب في \"أحكام كل\" من أنفس مصنّفاته، تكلم فيه على صيغ العموم، بما يترّفع عن هِمَمِ الزمان، ورأيت أخي الشيخ الإمام بهاء الدين أبا حامد (^١) قد لخّص منه في كتابه \"شرح التلخيص\"، فوفى بالمهمّ وزاد، أمتع الله به.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"الجمع المنكر\" كرجال \"ليس بعام\" خلافًا لأبي على الجُبَّائي حيث قضى\n_________\n(^١) أحمد بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام، الإمام العلامة قاضي القضاة بهاء الدين أبو حامد بن الشيخ الإمام شيخ الإسلام تقي الدين أبي الحسن السبكي، المصري. ولد في جمادى الآخرة سنة ٧١٩ سمع بمصر والشام من جماعة، وقرأ الأصول على الأصفهاني. ذكره الذهبي في المعجم المختص، وقال: له فضائل وعلم جيد، وفيه أدب وتقوى. ساد وهو ابن عشرين سنة. توفي بـ\"مكة\" مجاورًا في شهر رجب سنة ٧٧٣ هـ انظر: ابن قاضي شهبة ٣/ ٧٨، وشذرات الذهب ٦/ ٢٢٦، والنجوم الزاهرة =","vol":"3","page":89},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nبعمومه، سواء أكان جمع قلّة أم جمع كثرة (^١).\n\"لنا: القطع بأن رجالًا في الجموع كرجل في [الوُحْدَان] (^٢)، فكما لم يدلّ \"رجل\" على العموم كذلك لا يدلّ رجال، ولو قال: له عندي عبيد صحّ تفسيره بأقلّ الجمع\" اتفاقًا، ولو كان موضوعه العموم لما قُبِلَ منه.\nلا يقال: إنما قُبِلَ منه للصدق مجازًا؛ لأنا نقول: المجاز ما لم يشتهر لا يعتمد عليه في الأقارير، وهذا واضحٌ.\n_________\n(^١) وللخلاف التفات على الخلاف النحوي في جواز الاستثناء من النكرات، وفيه مذهبان:\nأحدهما: يجوز؛ لأن النكرة تتردد بين محال غير متناهية؛ لأنها عامة على البدل بين شخص ما وبين شخص معين لا يصدق عليه أنه رجل، فحسن الاستثناء من أجل عموم المحال، وعلى هذا فتقول: جاءني رجال إلا زيدًا.\nوالثاني: - وهو الصحيح - المنع؛ لأن النكرة لا تتناول أكثر من فرد بلفظها، فيكون الإخراج منها محالًا، ولهذا كانت \"إلا\" في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ﴾ للوصف لا للاستثناء، ويقوى الأول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. فإنهم نصوا على أن الجنسية في المعنى كالنكرة؛ لعدم التعيين، فإما أن يستثنى هذا من محل الخلاف، وإما أن يفرق بينهما.\nإذا علمت ذلك فمن قال: إنه عام، جوز الاستثناء لأن الاستثناء معيار العموم، ومن منعه قال: ليس بعام. وهم الجمهور.\nوقال ابن السراج في الأصول: لا يجوز أن تستثنى النكرة من النكرة في الموجب نحو: جاءني قوم إلا رجلًا؛ لعدم الفائدة في الاستثناء، فإن وصفته أو خصصته جاز.\nوللخلاف في مسألة الاستثناء التفات على أن الاستثناء ما لولاه لوجب دخوله أو لجاز دخوله.\nوالصحيح الأول. ينظر: سلاسل الذهب ص ٢٢٣ - ٢٢٥.\nالبرهان ١/ ٣٤٢، والمستصفى ٢/ ١٣، والتبصرة ص ١١٨، والمعتمد ١/ ٣٤٦، والعدة ٢/ ٥٢٣، والمنتهى لابن الحاجب (٧٧)، والتمهيد للإسنوي (٣١٦)، وجمع الجوامع ١/ ٤١٨، والمسودة ص ١٠٦، والإبهاج ٢/ ١١٥، وتيسير التحرير ١/ ٢٠٥، وأصول السرخسي ١/ ١٥١، وفواتح الرحموت ١/ ٢٦٨، ونشر البنود ١/ ٢٢٨، وإرشاد الفحول ١٢٣.\n(^٢) في أ، ج: الوجدان.","vol":"3","page":90},{"text":"قَالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْعُمُومِ، لَكَانَ مُخْتَصًّا بِالْبَعْضِ.\nرُدَّ: بـ\"رَجُلٍ\"، وَأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْجَمْعِ الْمُشتَرَكِ.\n<hr><s0>\n\nوقد اتفقوا على أن من قال: له عَليَّ أَفْلُس، ونحو ذلك لا يقبل منه تفسيره بالواحد، وإن صحّ إطلاقه عليه مجازًا.\nنعم، قد يقول الجُبَّائي: لما تعذر في: \"له عندي عبيد\" الحَمْل على العموم؛ إذ المقرّ له لا يستوعب ملك العبيد، حمل على أقلّ الجمع.\nونظيره: لو حلف لا يتزوّج النساء، أو لا يشتري العبيد، [يحنث] (^١) بتزوّج ثلاث نسوة، وشراء ثلاثة أعبد - ذكره الرافعي في فروع الطلاق.\n\"قالوا: صح إطلاقه على كلّ جمع\" بالحقيقة، \"فحمله على الجميع حمل على جميع حقائقه\"، فكان أولى.\n\"ورُدَّ\" بوجهين:\nأحدهما: \"بنحو رجل\"؛ فإنه يصحّ لكلّ واحد، ولم يحمل على الكل.\nوالثاني: \"أنه لما صحّ\" إطلاق رجال المنكر على كلّ جمع \"على\" سبيل \"البدل\"، فلهذا لم يحمل على جميع الجموع.\nولقائل أن يقول: لا يلزم من هذا عدم حَمْله على العموم، بل هو أحد محامله، وأرجحها لاشتماله على سائر الحقائق.\nالشرح: \"قالوا: لو لم يكن للعموم لكان مختصًّا بالبعض\"، وليس مختصًّا.\n\"رُدَّ\" بالمعارضة \"برجل\" ونحوه مما ليس للعموم، ولا مختصًا، بل لشائع، \"وأنه موضوع للجمع المشترك\" بين العموم والخصوص، ولا يلزم من عدم اعتبار قَيْدٍ فيه - وهو العموم - اعتبار عدمه حتى ينبني عليه اعتبار القَيدِ الآخر، وهو الخصوص، فلا يلزم من انتفاء العموم اختصاصه بالبعض.\n_________\n(^١) في أ، ج: بحيث.","vol":"3","page":91},{"text":"<span data-type='title' id=toc-594>مَسْأَلَةٌ:\nلا أَبْنِيَةُ الْجَمْعِ لاِثْنَيْنِ،</span> تَصِحُّ، وَثَالِثُهَا، [مَجَازٌ].\nالْإِمَامُ: وَلوَاحِدٍ الزَّائِدُ\".\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: في أقل الجمع (^١).\nقال أبو عمر (^٢): \"أبنية الجمع لاثنين تصح، وثالثها: مجاز.\nالإمام: ولواحد\"، وظاهر هذه العبارة أنها تصدق على اثنين بالحقيقة.\nوالثاني: لا تصدق أصلًا.\nوالثالث: تصدق بالمجاز دون الحقيقة، وأما الواحد، فلا يصح.\nوقال الإمام: يصح، وظاهره أن المراد الصِّحة من حيث الحقيقة؛ إذ أرادها أولًا في قوله: لاثنين يصح. هذا ما تعطيه عبارة الكتاب، وفيه نظر من أوجه:\n_________\n(^١) ينظر المسألة في: البرهان ١/ ٣٤٨، والمحصول ١/ ٢/ ٦٠٦، واللمع ص ١٥، والتبصرة ١٢٧، والإبهاج ٢/ ١٢٩، والمعتمد ١/ ٢٤٨، والعدة ٢/ ٦٤٩، والمنخول ١٤٨، والمستصفى ٢/ ٢٦، وشرح التنقيح ٢٣٣، والإحكام للآمدي ٢/ ٤٠، وروضة الناظر (١٢١)، وجمع الجوامع ١/ ٤١٩، وشرح الكوكب المنير ٣/ ١٤٤، والمنتهى لابن الحاجب (٧٧)، وأصول السرخسي ١/ ١٥١، وكشف الأسرار ٢/ ٢٨، وتيسير التحرير ١/ ٢٠٧، وفواتح الرحموت ١/ ٢٦٩، والمسودة ١٤٩، ونشر البنود ١/ ٢٣٤، وشرح اللمع ١/ ٣٣٠، والوصول لابن برهان ١/ ٣٠٠، ومفتاح الوصول ٧٣، وتقريب الوصول (٧٨).\n(^٢) محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم، أبو عمر الزاهد المطرز الباوردي، المعروف بـ\"غلام ثعلب\" ولد سنة ٢٦١ هـ. أحد أئمة اللغة المكثرين من التصنيف، كانت صناعته تطريز الثياب. صحب ثعلبًا النحوي زمانًا حتى لقب \"غلام ثعلب\" أملي من حفظة في اللغة نحو ثلاثين ألف ورقة. من كتبه: \"غريب الحديث\" و\"فضائل معاوية\" و\"تفسير أسماء الشعراء\" و\"المداخل\" و\"أخبار العرب\" و\"القبائل\". وتوفي بـ\"بغداد\" سنة ٣٤٥ هـ.\nينظر: وفيات الأعيان ١/ ٥٠٠، وتاريخ بغداد ٢/ ٣٥٦، ولسان الميزان ٥/ ٢٦٨، وتذكرة الحفاظ ٣/ ٨٦، وإرشاد الأريب ٧/ ٢٦، والأعلام ٦/ ٢٥٤.","vol":"3","page":92},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأحدها: أن مختاره - كما سيظهر من استدلاله - صحّة الاثنين مجازًا، وظاهر هذا أنه لا يصحّ أصلًا فبينهما تَنَافٍ، ولا يمكن حمل قوله هنا: \"يصح على أنه أراد الصحة المجازية، وإلا لضاع قوله: وثالثها مجاز.\nالثاني: أنه صريح في حكاية مذهب أن بعضهم قال: لا يصح على الاثنين أصلًا، لا بالمجاز ولا بالحقيقة، ولا نعرفه عن أحد.\nالثالث: أنه صريح في أن الإمام يصححه لواحد، ثم ظاهره أن المراد بالصحة الحقيقة، ولا يعرف ذلك عن أحد، وإن أراد الصّحة المجازية فقد يقال: كيف يخالف الإمام في هذا مع أن من أنواع المجاز إطلاق الكُلّ وإرادة البعض؟.\nواعلم أن النقل عن الإمام فيه نظر، وأنا أحقق ما فيه بعد تعريفك كيفيّة الخلاف في المسألة وسرّها، وإظهار ثمرتها فأقول: اختلف في أقل الجمع، وليس محلّ الخلاف فيما هو المفهوم من لفظ الجمع لغة، وهو ضم شيء إلى شيء؛ فإن ذلك في الاثنين وما زاد بلا خلاف، وإنما هو في اللفظ المُسَمَّى في اللغة بـ\"الجمع\" مثل: مسلمين وغيره، وليكن محلّ الخلاف أيضًا في جموع القلّة.\nأما جموع الكثرة فأقلّها أحد عشر بإجماع النحاة.\nوالذي ذهب إليه داود، والقاضي، والأستاذ، والغزالي أن أقلّ الجمع اثنان، وعزى إلى مالك، والخليل (^١)، وسيبويه، وروى عن عمر، وزيد بن ثابت (^٢).\n_________\n(^١) الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي، الأزدي اليحمدي، أبو عبد الرحمن، ولد ١٠٠ هـ من أئمة اللغة والأدب، واضع علم العروض، هو أستاذ سيبويه النحوي، له مؤلفات منها \"العين\"، ومعاني الحروف، والعروض، والنغم. توفي ١٧٠ هـ. ينظر:\nالأعلام ٢/ ٣١٤، إنباه الرواة ١/ ٣٤١، ووفيات الأعيان ١/ ١٧٢.\n(^٢) زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان - بمعْجمة - ابن عمرو النجّاري المدني، كاتب الوحي، وأحد نجباء الأنصار، شهد بيعة الرضوان، وقرأ على النبيّ ﷺ وجمع القرآن في عهد الصديق، وولي قسم غنائم اليرموك، له اثنان وتسعون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على خمسة، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بواحد. روى عنه ابن عمر وأنس وسليمان بن يسار وابنه خارجة بن زيد وخلق. قال يحيى بن سعيد: لما مات قال أبو هريرة: مات خير الأمة. توفي سنة خمس وأربعين. وقيل: سنة ثمان. وقيل: سنة إحدى وخمسين. ينظر: ترجمته في =","vol":"3","page":93},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوذهب الأكثرون (^١): منهم الشافعي، وأبو حنيفة إلى أن أقلّه ثلاثة، وربما روى عن مالك أيضًا، وهو المروى عن ابن مَسْعُودٍ (^٢)، وابن عباس.\nوالصحابة لم يخصوا مسألة أقل الجمع بالنظر، وإنما اختلفوا في مسألة حَجْبِ الأم عن الثلث إلى السدس بأخوين، فأُخِذ من اختلافهم فيه اختلافهم في هذه المسألة.\nوللمسألة فائدة أصولية، وفوائد فروعية:\nأما الأصولية: فهي النظر في نهاية ما يخصّص إليه العموم حتى إذا ورد خبر واحد مخصصًا لعموم ما ذكر (^٣) الله في القرآن، وأخرج منه مسمّياته إلا ثلاثة، فإن ذلك مقبول\n_________\n= تهذيب التهذيب ٢/ ٣٩٩، وتقريب التهذيب ١/ ٢٧٢، خلاصة تهذيب الكمال: ١/ ٣٥٠، وتاريخ البخاري الكبير ٣/ ٣٨٠، وتاريخ البخاري الصغير ١/ ٣٤، ٤٢، ٤٦، ٨١، ١٠١، ١٢٠، ١٧٣، ١٧٤، وأسد الغابة: ٢/ ٣٧٨، وتجريد أسماء الصحابة ١/ ١٩٧، والإصابة: ٢/ ٥٩٢، والاستيعاب: ٢/ ٥٣٧، والوافي بالوفيات ١٥/ ٢٤، وشذرات: ١/ ٥٤، ٦٢، وسير الأعلام: ٢/ ٤٢٦، والبداية والنهاية ٨/ ٢٩، وطبقات ابن سعد ١/ ٣٧.\n(^١) ينظر المصادر السابقة.\n(^٢) عبد الله بن مسعود بن غافل - بمعجمة ثم فاء مكسورة بعد الألف - ابن حبيب بن شمخ - بفتح المعجمة الأولى وسكون الميم - ابن مخذوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل الهذلي، أبو عبد الرحمن الكوفي: أحد السابقين الأولين وصاحب النعلين، شهد بدرًا والمشاهد، وروى ثمانمائة حديث وثمانية وأربعين حديثًا، اتفقا على أربعة وستين، وانفرد البخاري بأحد وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين. وعنه خلق من الصحابة. ومن التابعين علقمة ومسروق والأسود وقيس بن أبي حازم والكبار تلقى من النبيّ ﷺ سبعين سورة. قال علقمة: كان يشبه النبيّ ﷺ في هديه ودله وسمته. قال أبو نعيم: مات بـ\"المدينة\" سنة اثنتين وثلاثين عن بضع وستين سنة. ينظر ترجمته في: تهذيب تهذيب الكمال: ٢/ ٧٤٠، وتهذيب التهذيب: ٦/ ٢٧ (٤٢)، وتقريب التهذيب: ١/ ٤٥٠ (٦٣٠)، وخلاصة تهذيب الكمال: ٢/ ٩٩، والكاشف: ٢/ ١٣٠، وتاريخ البخاري الكبير: ٥/ ٢، وأسد الغابة: ٣/ ٣٨٤. وتجريد أسماء الصحابة: ١/ ٣٣٤، والإصابة: ٢/ ٣٦، ٤/ ٢٣٣، والاستيعاب (٣ - ٤) ٩٨٧، والوافي بالوفيات ١٧/ ٤٠٦، والحلية: ١/ ٣٧٥، وطبقات ابن سعد: ٩/ ١٢٢.\n(^٣) في أ: ذكره.","vol":"3","page":94},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nعند من يخصّص العموم بأخبار الآحاد، وهل يجوز التَّخصيص إلى اثنين؟.\n[ينبني] (^١) على مسألة أقلّ الجمع، فمن قال: إنه اثنان سلك مسلك من خصّص حتى بلغ إلى الثلاث.\nومن أنكره، وقال: لا [تعبر] (^٢) العرب عن التثنية بلفظ الجَمْعِ لم يقبل تخصيص الآحاد؛ لأن قبوله يؤدّي إلى إبطال معنى الكلام، ويصير كالرَّافع لجملته، وذلك هو النسخ لا التخصيص، والنسخ لا يكون بخبر الواحد.\nوقد قال الأستاذ أبو إسحاق (^٣): إنَّ هذه الفائدة مزيفة؛ لاتِّفَاق أئمتنا على جواز تخصيص الجمع والعموم إلى أن يبقى تحته واحد.\nوفيما قاله نظر؛ فخلاف أئمّتنا في ذلك مشهور، والمختار أنه لا بد من بقاء جمع.\nوقيل: لا بد من جمع [يقرب] (^٤) من مدلول اللفظ.\nوأما الفوائد الفروعية:\nفمنها: لو قال: لَهُ عَلَيّ دراهم، لزمه ثلاثة.\nوقيل: درهمان.\nومنها: قيل: يكتفي في الصلاة على الميت (^٥) باثنين؛ بِناءً على أن أقل الجمع اثنان، وفروع أخر ذكرتها في \"شرح المنهاج\".\nإذا عرفت هذا، فاعلم أن إمام الحرمين (^٦) قال بعد أن حكى المذهبين في أقل الجمع: وحقّ الناظر في هذه المسألة أن ييأس من [العثور] (^٧) على مَغْزَاها ما لم يستكملها، ثم ذكر مستند القائلين بالاثنين ودفعه.\nثم قال: فإن قيل: وما المرتضى الآن؟.\n_________\n(^١) في أ، ج: يبتني.\n(^٢) في أ، ب: يعبر.\n(^٣) ينظر: التبصرة (١٢٧).\n(^٤) في أ: يعرف.\n(^٥) في حاشية ج: قوله: \"في الصلاة على الميت\" أي يكتفي بهما لدخوله في عداد من صلى عليه جمع.\n(^٦) ينظر: البرهان ١/ ٣٤٨.\n(^٧) في أ، ج: العبور.","vol":"3","page":95},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقلنا: هذه المسألة موضوعة على رأي المعمّمين، فمطلق اللفظ معناه في مختارنا ما سبق، يعني من الحمل على العموم.\nقال: وإن روجعنا في نجواز اللفظ عند قيام المخصّصات إلى اثنين وإلى ثلاثة، فعند ذلك [ننادى] (^١)، ونقول: إن صار صائرون إلى أنه لا يمنع ردّ معنى اللّفظ بالتّخصيص إلى اثنين، فنحن لا نمنع من هذا، فقد يبدو للرجل رجلان فيقول: أقبل الرجال، ونحن لا نسوي مع ذلك بين الثلاثة والاثنين، فالرد إلى الثلاث أهون من الرد إلى اثنين. واندفع في تقرير هذا.\nوحاصل كلامه: أنه لم يتكلّم في مدلول أقلّ الجمع، بل فيما يجوز انتهاء التخصيص إليه، فقال: ما خصص إلى الثلاث قيل: على الإطلاق، فإن تناول إلى اثنين احتاج مزيد قوة، ودليل يدل على ذلك، فإن تناول إلى واحدٍ احتاج زيادة أخرى مع جواز الكل.\nهذا حاصل كلامه، وأنا أفهم منه أن اختياره في \"مسألة الجمع\" أن أقلّه ثلاثة، كما هو مذهب الشافعي، ولذلك لم يرد عليه، وإنما ردّ على القائل بالاثنين، وأنه مع ذلك يجوز انتهاء التخصيص إلى واحد، فكأنه نظر إلى فائدة المسألة، ؤلم يجعل انتهاء التخصيص مَبْنيًّا على حقيقة الجمع، بل جوّزه وإن خرج عن حقيقته إلى المثنى والواحد.\nويمثل الإمام لاختياره بأن المرأة إذا برزت للرجل حسن من بَعْلها أن يقول في توبيخها: أتتبرجين للرجال يا لَكْعَاء؟ وإن لم نتبرّج إلا لواحد.\nقال المَازِرِيّ: وفيما يمثل به نظر، والمعلوم من القائلين بمثل هذا الكلام أنهم ما أشاروا به إلى ذلك الواحد الذي شاهدوا إفساده للحريم، وإنما يخطر بالبال حينئذ أن هذه الإشارة من هذا لم يكن إلا وقد تقدمتها إشارات لغيره، فيطلقون اسم الرجال على من شوهد، ومن استدلّ عليه بمن شوهد.\nقلت: إن كان المَارِزِيّ يمنع هذا القول أن يقال لمن لم يتقدم لها تبرج لأحد، وقال: إنما يقال: أتَتبَرَّجِينَ للرجال؟ لمن ظنَّها زوجها قد تبرّجت من قبل لغير من تبرّجت له عند مُشَاهدته إياها، فقد عاند أهل اللِّسَان؛ فإنّهم يطلقون هذا اللفظ، وأن [يحققوا] (^٢) أن المرأة لم تتبرّج من قبل لأحد.\n_________\n(^١) في أ، ب، ج: تبيد.\n(^٢) في ج: تحققوا.","vol":"3","page":96},{"text":"لَنَا: أنَّهُ يَسْبِقُ الزَّائِدُ؛ وَهُوَ دَلِيلُ الْحَقِيقَةِ وَالصِّحَّةِ.\n﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [سورة النساء: الآية ١١] وَالْمُرَادُ أَخَوَانِ.\nوَاسْتِدْلَالُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ بِهَا، وَلَمْ يُنكرْ عَلَيْهِ؛ وَعُدِلَ إِلَى\n<hr><s0>\n\nوإن قال: نعم يطلقونه، ولكن باعتبار أن هذا بخصوصه غير مقصود، وإنما المقصود النكير عليها بالتبرج لماهية الرجل، [فهذا] (^١) حينئذ نظر في وجه العلاقة، وتسليم لإطلاق الجمع على الواحد.\nوالإمام قد ذكر هذا بعينه، وقال: إذا تبَيَّنَ في مقصود المتكلم استواء الواحد والجمع، فلا يبعد تصور إطلاق الجمع عند ظُهُور الواحد من الجنس من جهة أنّ الأَنَفة والحَميَّة إنما [يُنْشِئها] (^٢) التبرّج الحاصل آحادًا وجمعًا، والذي يَنْقم منها في الواحد يَنْقم [منها] (^٣) في الجنس.\nوإذا تفهّمت ما ألفيته قلت عند إرادة اختصاره: لا نعرف خلافًا في إطلاق اسم الجمع على الاثنين، ولكن هل ذلك بالمجاز أو بالحقيقة؟.\nقال قوم: بالحقيقة، ورأوا الاثنين أقل مسمى الجمع، والصحيح أنه بالمجاز، وأن أقل الجمع ثلاثة، ثم اختلف في الغاية التي ينتهي إليها التَّخصيص في الجمع الذي دخلت عليه أداة العموم، فقيل: لا، ابتناءَ له على هذه المسألة، وقيل: إنه مبنى عليها، فمن قال: أقل الجمع ثلاثة قال: إلى الثلاثة ينتهي التخصيص، ومن قال: أقله اثنان قال: إلى اثنين.\nوقال الإمام: نحن وإن قلنا: أقله بالحقيقة ثلاثة، فلا يبعد انتهاء التخصيص إلى دونها؛ لصحّة الإطلاق مجازًا، والاثنان أولى من الواحد مع جوازهما، فيصح التخصيص لاثنين ولواحد.\nالشرح: \"لنا أنه يسبق\" إلى الفهم عند الإطلاق اسم الجمع \"الزائد\" على الاثنين، وهو أي: سبق الفهم \"دليل الحقيقة\"؛ فدلّ على أنه حقيقة في الثلاثة.\nولم يرد أكثر الشارحين على هذا التقرير، ولا شك أنه وهم؛ فإن أحدًا [لم] (^٤) ينازع في أنه حقيقة، ولا هو المدّعى حتى يستدلّ عليه، إنما المدعى [نفى] (^٥) كونه حقيقة في\n_________\n(^١) في ب: وهذا.\n(^٢) في ج: يشبها.\n(^٣) في ج: منا.\n(^٤) في ج: لا.\n(^٥) في ب: بقى.","vol":"3","page":97},{"text":"التَّأْوِيلِ.\nقَالُوا: \"فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ\" وَالْمُرَادُ أَخَوَانِ؛ وَالأَصْلُ الْحَقِيقَةُ.\n[وَ] رُدَّ بِفَضِيَّةِ ابْنِ عَبَّاسٍ.\nقَالُوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [سورة الشعراء: الآية ١٥].\nوَرُدَّ: بِأَنَّ فِرْعَوْنَ مُرَادٌ.\nقَالُوا: \"الاِثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ\".\nوَأُجِيبَ: فِي الْفَضِيلَةِ؛ لأَنَّهُ [﵊] مُعَرَّفُ الشَّرْع لَا اللُّغَةِ.\n<hr><s0>\n\nالاثنين، استشعر بعضهم هذا فزاد: وإذا كان حقيقة في الثلاثة لم يكن حقيقة في الاثنين لا يجعله مشتركًا، بل هو عنده وعند غيره لِلْقَدْرِ المشترك، وقد اتفقت الفرق على أنّ الكلام من مسمى الجمع، وهو قدر مشترك، ولكن ذلك القدر المشترك ما هو؟.\nقيل: الاثنان.\nوقيل: الثلاثة، ولذلك لا يقول أحد: إنه مشترك بين الثلاثة والأربعة فصاعدًا، بل هو للقَدْرِ المشترك بين الكلّ.\n[وقارب] (^١) القاضي عضد الدين الصواب فقال: ليس حقيقة في الاثنين؛ لسبق الفهم إلى الزائد، فدل أنه حقيقة في الزائد دونه؛ لما علمت أن من علامة المجاز أن يتبادر غيره.\nوهذا حسن إن سلم أن ذلك من أمارات المجاز، وقد تقدم، ويصير دليلًا على كل من انتفاء الحقيقة عن الاثنين وثبوت المجاز.\n\"و\" أما \"الصّحة\" صحّة إطلاق اسم الجمع على الاثنين مجازًا، قلنا عليها قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [سورة النساء: الآية ١١].\nوالمراد بـ\"الإخوة\" أخوان، وإلا لكان ردّ الأم إلى السدس بهما مخالفًا للنص.\nلنا: على الأمرين جميعًا، أعني انتفاء الحقيقة عن الاثنين وثبوت الصحة استدلال ابن\n_________\n(^١) في أ: وفارق.","vol":"3","page":98},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nعباس بها، ولم يُنكر عليه، وعدل إلى التأويل، وجه ذلك: أن ابن خزيمة، والبيهقي، وابن عبد البر (^١) رووا من حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب (^٢) عن شعبة (^٣) مولى ابن عباس، وهو شيخ متكلّم فيه، عن عبد الله بن عَبَّاس \"أنه دخل على عثمان بن عَفَّان، فقال له: الأخوان لا يردان الأم إلى السُّدس، إنما قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [سورة النساء: الآية ١١] والأخوان في لسان قومك ليسوا بإخوة، فقال عثمان: لا أستطيع أن أنقض أمرًا كان قبلى، وتوارثه النَّاس، ومضى في الأمصار\" فقد قال ابن عَبّاس: إن الأخوين ليسا بإخوة، ولم ينكر عليه عثمان، بل عدل إلى التأويل بما ذكره؛ فدلّ على توافقهما على ذلك، ودلّ تأويله وحمله الكلام على خلاف ظاهره بتوارث الناس على الصحة، وإلا تعارض عمل النَّاس مع الآية.\n_________\n(^١) يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر، النمري، القرطبي، المالكي. أبو عمر: من كبار حفاظ الحديث، مؤرخ أديب، بحّاثة، يقال له: حافظ المغرب؛ ولد بـ \"قرطبة\" سنة ٣٦٨ هـ وتوفي بـ\"شاطبة\" سنة ٤٦٣ هـ. من تصانيفه: \"الدرر في اختصار المغازي والسير\"، و\"الاستيعاب\"، و\"جامع بيان العلم وفضله\"، و\"المدخل\" في القراءات، و\"بهجة المجالس وأنس المجالس\"، و\"الاستذكار في شرح مذاهب علماء الأمصار\"، و\"الإنباه على قبائل الرواة\"، و\"الإنصاف فيما بين العلماء من الاختلاف\".\nينظر: الأعلام ٨/ ٣٤٠، ووفيات الأعيان ٢/ ٣٤٨، وبغية الملتمس: ٤٧٤.\nوينظر ترجمتنا له مفصلة في تحقيقنا على \"الاستيعاب\".\n(^٢) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب هشام بن شعبة بن عبد الملك، أبو الحارث المدني، أحد الأئمة الأعلام. روى عن نافع وشرحبيل بن سعد والزهري. وعنه: الثوري ويحيى القطان وخلق. قال أبو نعيم: مات سنة ١٥٩. ينظر: تاريخ بغداد ٢/ ٢٩٦، وتهذيب التهذيب ٩/ ٣٠٣، والتاريخ الكبير للبخاري ١/ ١٦٠، والصغير ٢/ ٧٣. انظر: خلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٤٣١، والثقات ٧/ ٣٩، والكاشف ٣/ ٦٩.\n(^٣) شعبة بن دينار، مولى ابن عباس، أبو عبد الله المدني. عن مولاه، وعنه: داود بن الحصين.\nقال أحمد: ما أرى به بأسًا. وقال ابن معين: لا بأس به. وقال النسائي: ليس بالقوي. قال الواقدي: مات في خلافة هشام.\nينظر: تهذيب الكمال ٢/ ٥٨٣، وتهذيب التهذيب ٤/ ٣٤٦، وتقريب التهذيب ١/ ٣٥١، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ٤٤٩، والكاشف ٢/ ١١، والجرح والتعديل ٤/ ١٦٠٤، ولسان الميزان ٧/ ٢٤٢.","vol":"3","page":99},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالذاهبون إلى أن اسم الجمع حقيقة في الاثنين \"قالوا\":\nدليلنا: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ والمراد: أخوان، والأصل\" في الإطلاق \"الحقيقة\".\n\"ردّ بقضية ابن عباس\" كما تقدم.\n\"قالوا\": قال تعالى: \" ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ \" [سورة الشعراء: الآية ١٥]، والمراد: موسى وهارون ﵉، وقد قال لهما: \"مَعَكُمْ\" ولم يقل: معكما.\n\"ورد بأن فرعون مراد\" معهما.\n\"قالوا: الاثنان فما فوقهما جماعة\"، وهو حديث أخرجه ابن ماجه من رواية الربيع بن زيد بن عمرو (^١)، المعروف بـ[عُلَيلة] (^٢)، وعُلَيْلة بضم العين تصغير علّة، لقب علية، عن أبيه عن جدّه عن أبي موسى الأشعري (^٣) قال: قال رسول الله ﷺ: \"الاثنان فما فوقهما جَمَاعة\" (^٤) والربيع هذا متروك باتفاق أهل الجرح. والتعديل.\n_________\n(^١) الربيع بن زياد، ويقال ابن زيد، ويقال: ربيعة بن زياد الخزاعي، ويقال الحارثي، مختلف في صحبته، له عن النبي ﷺ حديث واحد. روى عنه: وبرة أبو كرز الحارثي. قال. البغوي: لا أدري له صحبه أم لا. وقال ابن حبان في الثقات: ربيعة بن زياد يروي المراسيل.\nينظر: تهذيب التهذيب ٣/ ٢٤٤، وتقريب التهذيب ١/ ٢٤٤، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ٣١٩، والكاشف ١/ ٣٠٤، وأسد الغابة ٢/ ٢٠٧، وتجريد أسماء الصحابة ١/ ١٧٧، والإصابة ٢/ ٤٥٨، والوافي بالوفيات ١٣/ ١١٤.\n(^٢) في أ: تعليله.\n(^٣) عبد الله بن قَيْس بن سُلَيمان بن حَضَّار الأشعري، أبو مُوسى، هاجر إلى الحبشة، وعمل على زُبَيْد وعدن، وولى الكوفة لعمر والبصرة، وفتح على يده تُسْتُر وعدة أمصار، له ثلثمائة وستون حديثًا. وعنه ابن المسيب وأبو وائل وأبو عثمان النهدي وخلق. قال الهيثم: توفي سنة اثنتين وأربعين. وقيل غير ذلك.\nينظر: الوافي بالوفيات ١٧/ ٤٠٧، والإصابة ٤/ ٢١١، والثقات ٣/ ٢٢١، والتجريد ١/ ٣٣٠، والجرح والتعديل ٥/ ١٣٨، والتاريخ الكبير ٥/ ٢٢، والكاشف ٢/ ١١٩، وتهذيب الكمال ٢/ ٧٢٤، وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٦٢، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٨٩.\n(^٤) تقدم.","vol":"3","page":100},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوأخرجه الدَّارقطني من حديث عثمان بن عبد الرحمن الوَقّاصي (^١) عن عمرو بن شعيب (^٢) عن [أبيه] (^٣) عن جَدّه أن النبي ﷺ قاله، والوقاصي متروك أيضًا.\n\"وأجيب\" على تقدير صحّة الحديث بأن ذلك \"في\" درك \"الفضيلة\" فضيلة الجماعة؛ \"لأنه ﵇ غالبًا \"معرِّف للشرع لا لِلُّغَةِ\"؛ إذ هو ﷺ مبعوث لبيان الشَّرْعيات، ثم هو ليس في محلّ النزاع؛ إذ ليس محلّ النزاع في لفظ الجيم والميم والعين كما تقدم، إنما النزاع في صيغ الجموع.\n_________\n(^١) عثمان بن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن أبي وقاص الزهري الوقاصي، أبو عمرو المدني. قال ابن معين: لا يكتب حديثه؛ كان يكذب. وقال مرة: ضعيف. وقال ابن المديني: ضعيف جدًّا. قال الجوزجاني: ساقط. وقال البخاري: تركوه. وقال أبو حاتم: متروك الحديث ذاهب. وقال أبو داود: ليس بشيء. وقال الترمذي: ليس بالقوي. وقال النسائي: متروك. قال ابن عدي: عامة حديثه مناكير إما إسنادًا وإما متنًا.\nينظر: تاريخ البخاري الكبير ٦/ ٢٣٨، والجرح والتعديل ٦/ ٨٦٥، وميزان الاعتدال ٣/ ٤٣، ولسان الميزان ٧/ ٣٠٢، والمجمع ١/ ١٧٩، وسير الأعلام ٩/ ٤٢٨، والكاشف ٢/ ٢٥٢، وتهذيب الكمال ٢/ ٩١٣، وتهذيب التهذيب ٧/ ١٣٣، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٢١٧.\n(^٢) عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي، أبو إبراهيم المدني، نزيل الطائف. عن أبيه عن جده وطاوس، وعن الربيع بنت معوذ وطائفة، وعنه عمرو بن دينار وقتادة والزهري وأيوب وخلق. قال القطان: إذا روي عن الثقات فهو ثقة يحتج به، وفي رواية عن ابن معين: إذا حدث عن غير أبيه فهو ثقة، وقال أبو داود: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ليس بحجة. وقال أبو إسحاق: هو كأيوب عن نافع عن ابن عمر. ووثقه النسائي. وقال الحافظ أبو بكر بن زياد: صح سماع عمرو عن أبيه، وصح سماع شعيب عن جده عبد الله بن عمرو، وقال البخاري: سمع شعيب من جده عبد الله بن عمرو.\nقال خليفة: مات سنة ثماني عشرة ومائة. وينظر: ترجمته في: تهذيب الكمال: ٢/ ١٠٣٦، وتهذيب التهذيب: ٨/ ٤٨ (٨٠)، وتقريب التهذيب: ٢/ ٧٢، وخلاصة تهذيب الكمال: ٢/ ٢٨٧، والكاشف: ٢/ ٣٣١ تاريخ البخاري الكبير ٦/ ٣٤٢ والجرح والتعديل ٦/ ١٣٢٣، وميزان الاعتدال ٣/ ٢٦٣، ولسان الميزان: ٧/ ٣٢٥، والمجروحين ٤/ ٧١، وتراجم الأحبار: ٢/ ٥٦٦، المعين ٥١٧، والبداية والنهاية ٩/ ٣٢١.\n(^٣) في أ: ابنه.","vol":"3","page":101},{"text":"النَّافُونَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: \"لَيْسَ الأَخَوَانِ إخْوَةً\".\nوَعُورِضَ بِقَوْلِ زَيْدٍ: \"الأَخَوَانِ إِخْوَةٌ\".\nوَالتَّحْقِيقُ: أَرَادَ أَحَدَهُمَا حَقِيقَةً وَالآخَرَ مَجَازًا.\nقَالُوا: لَا يُقَالُ: \"جَاءَنِي رَجُلَانِ عَاقِلُونَ\"، وَلَا \"رِجَالٌ عَاقِلَانِ\".\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّهُمْ يُرَاعُونَ صُورَةَ اللَّفْظِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-596>مَسْأَلَةٌ:\nإذَا خُصَّ الْعَام، كَانَ مَجَازًا فِي الْبَاقِي.</span>\nالْحَنَابِلَةُ: حَقِيقَةٌ.\nالرَّازِيُّ: إِنْ كَانَ غَيْرَ مُنْحَصِرٍ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: احتج \"النافون\" لصحّة إطلاق اسم الجمع على الاثنين بكلٍّ من الحقيقة والمجاز، وهو كما عرفتك مذهب لا أحفظه عن أحد بما \"قال ابن عباس: ليس الأخوان إخوة\"، فنفى اسم الجمع عنهما، وعورض بقول زيد: الأخوان إخوة؛ فإنه أثبته لهما، وهذا لا يحفظ عن زيد، نعم هو من القائلين بردّ الأم إلى السدس في الأخوين.\n\"والتحقيق\": على تقدير ثبوت ذلك عنهما \"أراد أحدهما حقيقة، والآخر مجازًا\" جمعًا بين الكلامين، وهو ما ذهبنا إليه.\n\"قالوا\": لا يصح وصف الاثنين بالجمع ولا بالعكس؛ إذ \"لا يقال: جاءني رجلان عاقلون، ولا: رجال عاقلان\".\n\"وأجيب: بأنهم يراعون سورة اللفظ\"، فالمنع إنما ثبت لذلك لا لما ذكرتم.\n_________\n(^١) ينظر: البرهان ١/ ٤١٠، والمستصفى ٢/ ٥٤، والمحصول ١/ ٣/ ١٨، والإحكام للآمدي ٢/ ٢٠٩، وشرح الكوكب ٣/ ١٦٠، والتبصرة ١٢٢، والعدة ٢/ ٥٣٢، وشرح العضد ٢/ ١٠٦، وجمع الجوامع ٢/ ٥، وكشف الأسرار ١/ ٣٠٧، وأصول السرخسي ١/ ١٤٤، =","vol":"3","page":102},{"text":"أَبُو الْحُسَيْنِ: إِنْ خُصَّ بِمَا لَا يَسْتقِلُّ: مِنْ شَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ أَوِ اسْتِثْنَاءٍ.\nالْقَاضِي: إِنْ خُصَّ بِشَرْطٍ أَوِ اسْتِثْنَاءٍ.\nعَبْدُ الْجَبَّارِ: إِنْ خُصَّ بِشَرْطٍ أَو صِفَةٍ.\nوَقِيلَ: إِنْ خُصَّ بِدَلِيلٍ لَفْظِيٍّ.\nالْإمَامُ: حَقِيقَةٌ فِي تَنَاوُلهِ: مَجَازٌ فِي الاِقْتِصَارِ عَلَيْهِ.\n<hr><s0>\n\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"إذا خصّ العامُّ كان مجازًا في الباقي\".\nولو قال: العام المخصوص مجاز كان أخصر، وهذا رأى جمهور الأَشَاعرة، ومشاهير المعتزلة، واختاره الشيخ الهندي، والقاضي البيضاوي.\nوقالت \"الحنابلة\" وكثير من الحنفية، وأكثر الشَّافعية - كما ذكر الشَّيخ أبو حامد وغيره -: \"حقيقة\"، واختاره ابن السَّمْعَاني (^١)، وأبي ﵀.\nوقال أبو بكر \"الرازي\" (^٢): حقيقة \"إِنْ كان\" [الباقي] (^٣) \"غير منحصر\" أي: له كثرة يعسر العلم بقدرها على آحاد النَّاس. كذا فسّره إمام الحَرَمَيْنِ في كتاب \"النكاح\".\nوقال الغزالي: كل عدد لو اجتمعوا في صعيد واحد لعسر على الناظم عدّهم، النظر، كالأَلْف، وهو غير محصور.\n_________\n= وتيسير التحرير ١/ ٣٠٨، وفواتح الرحموت ١/ ٣١١، وميزان الأصول (٤٢٠)، وروضة الناظر (١٢٤)، ونهاية السول ٢/ ٨٧، والمعتمد ١/ ٢٨٣، وإرشاد الفحول (١٣٥)، والإبهاج ٢/ ١٣٠.\n(^١) في حاشية ج: قوله: \"واختاره ابن السمعاني … إلخ لأنه باقٍ على إطلاقه الأول، والتخصيص لا يحدث إطلاقًا آخر.\n(^٢) أحمد بن علي الرازي: أبو بكر الجصاص، ولد في ٣٠٥ هـ.\nفاضل من أهل الري، سكن بغداد، انتهت إليه رئاسة الحنفية، وخوطب في أن يلي القضاء فامتنع.\nوألف كتاب \"أحكام القرآن\" مطبوع، وكتابًا في \"أصول الفقه\" مصور في معهد المخطوطات بـ\"القاهرة\" توفي في ٣٧٠ هـ. ينظر: ابن النديم ٣١١، ٣٥٨، وتاريخ بغداد ٤/ ٣١٤ - ٣١٥، والجواهر المضيَّة ١/ ٨٤ - ٨٥، وسركيس ٢٨١، وتذكرة النوادر ١٨٤، والأعلام ١/ ١٧١.\n(^٣) في أ: النافي.","vol":"3","page":103},{"text":"لَنَا: لَوْ كَانَ حَقِيقَةً، لَكَانَ مُشْتَرَكًا؛ لأَنَّ الفَرْضَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الاِسْتِغْرَاقِ.\nوَأَيْضًا: الْخُصُوصُ بِقَرِينَةٍ؛ كَسَائِرِ الْمَجَازِ.\nالْحَنَابِلَةُ: التَّنَاوُلُ بَاقٍ؛ فكَانَ حَقِيقَةً.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ كَانَ مَعَ غَيْرِهِ.\nقَالُوا: يَسْبِقُ؛ وَهُوَ دَلِيلُ الْحَقِيقَةِ.\nقُلْنَا: بِقَرِينَةٍ؛ وَهُوَ دَلِيلُ الْمَجَازِ.\n<hr><s0>\n\nوإن سهل، كالعشرة والعشرين فمحصور، وبين الطرفين أوساط يلحق بأحدهما بالظن، وما وقع فيه الشَّك استفتى فيه القلب.\nوقال \"أبو الحسين\" البصري (^١): حقيقة \"إن خصّ بما لا يستقل من شرط، أو صفة، أو استثناء\" أو غاية، وإن خصّ بمستقل من عقل، أو سمع، فمجاز، وعليه الإمام فخر الدين الرّازي وغيره، وهو الذي رأيته [متصورًا] في كلام القاضي، ونقله عنه أيضًا المَازِرِيّ، وذكر أنه آخر قوليه، وأن أولهما كونه مجازًا مطلقًا.\nوقال المتأخرون منهم المصنف \"القاضي\" يقول: إنه حقيقة \"إن خصّ بشرط، أو استثناء\" لا صفة.\nوقال عبد الجَبَّار: إن خص بشرط\" صفة لا استثناء، أو صفة.\nوقيل: حقيقة \"إن خصّ بدليل لفظي\" متصلًا كان أو منفصلًا (^٢).\nوقال \"الإمام\" في \"البرهان\" (^٣): \"حقيقة في تناوله، مجاز في الاقتصار عليه\" وحقيقة مذهبه: أن اللفظ حقيقة ومجاز باعتبارين، فتصوَّر فيه المجاز من حيث خرج عن بعض مسمّياته، والحقيقة من حيث البقاء على بعض المسميات، فرأى أن القدر المراد وقع به التجوز في اللفظ، والمنفى باقٍ على الحقيقة.\nالشرح: \"لنا\": على كونه مجازًا مطلقًا: \"لو كان حقيقة لكان مشتركًا؛ لأنَّ الغرض\n_________\n(^١) ينظر: المعتمد ١/ ٢٨٣.\n(^٢) في ج: منصوصًا.\n(^٣) ينظر مصادر المسألة.","vol":"3","page":104},{"text":"الرَّازِيُّ: إِذَا بَقِيَ غَيْرَ مُنْحَصِرٍ، فَهُوَ مَعْنَى الْعُمُومِ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ كَانَ لِلْجَمِيعِ.\n<hr><s0>\n\nأنه حقيقة في الاستغراق\"، فيكون حقيقة في معنيين مختلفين، وذلك هو المشترك، والمجاز خير منه.\n\"وأيضًا\": لو لم يكن مجازًا لفُهِم \"الخصوص\" بغير قرينة، لكنه إنما يفهم \"بقرينة\"؛ فكان مجازًا \"كسائر\" أنواع \"المجاز\".\nوقالت \"الحنابلة (^١): التناول باقٍ، فكان حقيقة\" فلا يزول؛ لأنه لم يطرأ إلا عدم تناول الغير، ولا يصلح دافعًا.\nوفي بعض النّسخ \"فكان\" بِالفَاءِ، والأحسن ما هو موجود بخطّ المصنّف من \"الواو\".\n\"وأجيب: بأنه كان\" يتناوله \"مع غيره\" وبعد التخصيص يتناوله وحده، وهما متغايران، والوضع الأول دون الثاني، فلا يكون حقيقة.\n\"فالوا\" ثانيًا: \"يسبق\" [الباقي] (^٢) بعد التخصيص إلى الفهم، \"وهو دليل الحقيقة\".\n\"قلنا\": إنما يسبق إلى الفهم \"بقرينة؛ وهو دليل المَجَاز\".\nولقائل أن يقول: [الباقي] (^٣) لا يحتاج إليه إلى قرينة على إرادته، إنما المُخْرِج محتاج إلى قرينة عدم إرادته.\nالشرح: وقال \"الرَّازي: إذا بقي غير منحصر فهو معنى العموم\"؛ واللفظ موضوع للعموم، فيكون حقيقة حينئذ.\n\"[وأجيب] (^٤): بأنه كان للجميع\" ولم يبق بعد التخصيص كذلك.\nوقولكم: \"إنه لغير المنحصر، سواء أكان الجميع أم لا\" ممنوع، ويرجع النزاع إلى أنّ موضع اللفظ العام ماذا؟ والحقّ: أنه الجميع؛ فاندفع ما ذكره الرازي.\n_________\n(^١) ينظر: البرهان ١/ ٤١٢.\n(^٢) في أ، ب: النافي.\n(^٣) في أ، ب: النافي.\n(^٤) في أ: أجبت.","vol":"3","page":105},{"text":"أَبُو الْحُسَيْن: لَوْ كَانَ مَا لَا يَسْتَقِلُّ يُوجِبُ تَجوُّزًا فِي نَحْو: الرِّجَالُ الْمُسْلِمُونَ\"، وَ\"أَكرِمْ بَنِي تَمِيمٍ، إِنْ دَخَلُوا، لَكَانَ نَحْوُ \"مُسْلِمُونَ\" لِلْجَمَاعَةِ، مَجَازًا، وَلَكَانَ نَحْوُ \"الْمُسْلِمُ\" لِلْجِنْسِ أَوْ لِلعَهْدِ - مَجَازًا، وَنَحْوُ ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [سورة العنكبوت: الآية ١٤] مجازًا.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْوَاوَ فِي \"مُسْلِمُونَ\" كَأَلِفِ \"ضَارِبٍ\" وَوَاوِ \"مَضْرُوبٍ\"، وَالأَلِفُ وَاللَّامُ فِي \"الْمُسْلِمِ\"، وَإنْ كَانَ كِلمةً حَرْفًا أَوِ اسْمًا - فَالْمَجمُوع، الدَّالُّ، وَالاسْتِثْنَاءُ سَيَأْتِي.\n<hr><s0>\n\nالشرح: وقال: \"أبو الحسين: لو كان بما لا يستقل يوجب تجوّزًا في نحو: الرِّجَال المسلمون، وأكرم بني تميم إن دخلوا، لكان نحو: \"مسلمون\"\" وسائر ما يجمع بالواو والنون \"للجماعة مجازًا، ولكان نحو المسلم للجنس أو للعهد مجازًا، ونحو ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [سورة العكبوت: الآية ١٤]- مجازًا\"، واللوازم الثلاثة باطلة.\nوبيان الملازمة: أن كل واحدة مما ذكرنا مقيدًا بقيد كالجزء له، وقد صار به لمعنى غير ما وضع له أولًا، فـ\"مسلمون\" بقيد الواو والنون لِلمنقول إليه، وبدونها للمنقول، وكذا \"المسلم\" بقيد الألف واللام، وبدونها، وكذا \"الأَلْف\" بقيد استثناء الخمسين، وبدونه، فإن كان القيد يوجب التجوّز كان هذا مجازًا، وإلّا لزم التحكم؛ إذ لا فرق.\n\"وأجيب: بأن\" ما ذكرتم ليس فيه شيء عامًا مقيدًا حتى يساوي ما نحن فيه؛ فإن \"الواو \"في\"مسلمون\" جزء الكلمة \"كألف \"ضارب\" وواو \"مضروب\"\"، والمجموع لفظ واحد، \"والأَلِف واللام في المسلم، وإن كان كلمة\" سواء كان \"حرفًا\"، وهو ما لم يكن بمعنى الذي، \"أو اسمًا\"، وهو ما كان بمعناها؛ خلافًا للمازنى (^١)، ومن وافقه في حرفيتها \"فالمجموع\" وهو الجنس، والقيد هو \"الدّال\"؛ لأنّ \"مسلم\" للجنس والألف واللام للقيد،\n_________\n(^١) بكر بن محمد بن حبيب بن بقية، أبو عثمان المازني، من مازن شيبان. أحد الأئمة في النحو، من أهل البصرة، من تصانيفه: \"ما تلحن فيه العامة\"، و\"الألف واللام\"، و\"التصريف\"، و\"العروض\"، و\"الديباج\". وتوفي بـ\"البصرة\" سنة ٢٤٩ هـ.\nينظر وفيات الأعيان ١/ ٩٢، ومعجم الأدباء ٢/ ٢٨٠، وانباه الرواة ١/ ٢٤٦، والأعلام ٢/ ٦٩.","vol":"3","page":106},{"text":"وَالْقَاضِي: مِثْلُهُ؛ إِلَّا أَنَّ الصِّفَةَ عِنَدَهُ كَأَنَّهَا مُسْتَقِلَّةٌ.\nوَعَبْدُ الْجَبَّارِ: كَذَلِكَ؛ إلَّا أَنَّ الاِسْتِثْنَاءَ عِنْدَهُ لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ.\nالْمُخَصِّصُ بِاللَّفْظِيَّةِ: لَوْ كَانَتِ الْقَرَائِنُ اللَّفْظِيَّةُ تُوجِبُ تَجَوُّزًا … إِلَى آخِرهِ، وَهُوَ أَضْعَفُ\" ا. هـ.\n\"الْإِمَامُ: الْعَامُّ كَتَكْرَارِ الآحَادِ؛ وَإِنَّمَا انْحَصَرَ، فإِذَا خَرَجَ بَعْضُهَا، بَقِيَ الْبَاقِي حَقِيقَةً.\nوَأُجِيبَ: بِالْمَنْعِ؛ فَإِنَّ العَامَّ ظَاهِرٌ فِي الْجَمِيعِ، فَإِذَا خُصَّ خَرَجَ قَطْعًا، وَالْمُتَكَرِّرُ نَصٌّ.\n<hr><s0>\n\n\"والاستثناء سيأتي\" إن شاء الله تعالى، أنه [إخراج] (^١) بعد إرادة العموم من اللفظ، فلم يتحقّق شيء مما ذكرناه في العامّ المخصوص، فلم يلزم من كون ذلك مَجَازًا كون هذه مجازات.\nالشرح: \"القاضي\" احتجاجه \"مثله\" من إلزام كون \"مسلمون والمسلم\"، \"وأَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا\" مجازات، فَجوابه جوابه \"إلا أن\" القاضي خالف في الصفة؛ لأن \"الصفة عنده كلها مستقلة\"، فلا يتناولها الدليل، وتحقّق شبهها بالاستقلال أنه قد يحصل منها الفائدة بدون الموصوف، وربما [شملت] (^٢) أفراد الموصوف نحو: الجسم الحادث.\n\"وعبد الجَبَّار كذلك، إلا أن الاستثناء عنده ليس بتخصيص\":\nوقال: \"المخصص باللفظية لو كانت القرائن اللفظية توجب تجوزًا\" لكان مسلمون والمسلم مجازًا \"إلى آخره، وهو أضعف\"؛ فإن الاتصال ربّما يحيل فيه الجامع بين المقيس والمقيس عليه من جهة أن المتصل كالجزء من الكلام؛ فإنه سورة الإلزام.\nوأما تعميم القول في الانفصال، فلا وجه له.\nالشرح: وقال \"الإمام: العام كتكرار الآحاد\"، فمعنى المشركين: زيد وعمرو إلى آخرهم، \"وإنما انحصر، فإذا خرج بعضها بقي الباقي حقيقة\"، كما أنك عند تكرير الآحاد إذا حذفت البعض لم يكن [الباقي] (^٣) مجازًا.\n_________\n(^١) في ب: إخرج.\n(^٢) في أ، ج: اشتملت.\n(^٣) في أ: النافي.","vol":"3","page":107},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"وأجيب بالمنع\" من كونه [كتكرار] (^١) الآحاد، \"فإنّ العام ظاهر في الجميع، فإذا خص خرج\" الخاص \"قطعًا\" بالتخصيص،\" [والمتكرر] (^٢) نص\"، فإذا خرج بعضٌ بقي الباقي نصًّا، كما كان فيما بقي لم يتغير عن وضعه أَصلًا.\nواعلم أَن رأى إمام الحرمين هو المختار عندي، وأنا أبسطه ليتضح، ويندفع عنه هذا الجواب، فأقول:\nاختار الإمام أنه مشترك بين الحقيقة والمجاز، فالمجازُ متصوّر من حيث تقاصر اللفظ عن بعض مسمّياته، والحقيقة متصورة من حيث البقاء على بعض مسمياته، وسبب الاختلاف في أن العام المخصوص مجاز: أولًا أن الحقيقة باتفاقٍ اللفظ المستعمل في موضوعه الأول، والمجاز هو المنقول عن أصل وضعه، والعامّ المخصوص [صح] (^٣) كونه مجازًا من جهة أن ما بقي ليس موضوعه الأصلى، وكونه حقيقة من جهة أنه بَاقٍ على أصل وضعه، [ولم] (^٤) ينقل نقلًا كلّيًّا فإنّ دلالة المشركين بعد إخراج بعضهم على مَنْ بقي منهم بأصل الوضع، وليست بوضعٍ ثَانٍ.\nفإذا علم أن المراد بـ\"المشركين\" بعضهم، فقد تكلّم بها على غير ما وضعت له في الأصل في اللغة، وكانت مَجَازًا من هذا الجانب، وإذا نظر إلى بقاء بعض المسميات، وقد علم أن تناولها لما بقي حقيقة قبل ورود التَّخصيص، فليكن كذلك بعده؛ لأن تناول اللفظ إياها لم يتغير، وإنما وقع التغير في القدر المخصص.\nوجعل المازري الخلاف ملتفتًا إلى أن دلالة العموم ظاهرة أو نص، ولأجل الالتفات إلى هذين الجانبين رأى الإمام كونه حقيقةً من جانب، ومجازًا من جانب، فرأى أن القدر المُزَال وقع به التجوّز، والقدر المبقي باقٍ على حقيقته.\nقال المَازِرِيّ: وقد رُدَّ عليه بأن اللفظة الواحدة ليس لها جهتا حقيقة ومجاز، وأن الحقيقة والمجاز إنما يتصور في الكلم، والنطق دون العدم وما لم ينطق به.\nقلت: وهذا ليس بشيء؛ فإن اللفظة الواحدة قد [تكون] (^٥) حقيقة ومجازًا باعتبارين، فلفظ \"العام المخصوص\" حقيقة باعتبار، مجاز بآخر، وبه يندفع قوله: الحقيقة والمجاز إنما\n_________\n(^١) في ج: كتكرار.\n(^٢) في ج: والتكرار.\n(^٣) في ب، ج: اتضح.\n(^٤) في أ، ج: فلم.\n(^٥) في ب: بكون.","vol":"3","page":108},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nيكونان من الكلم؛ فإنا لم نقل الحقيقة في غير الكلم حتى يقال هذا، بل الحقيقة والمجاز واقعان في لفظة واحدة، وهي لفظة العام المخصوص باعتبارين، والقدر المزال وقع به التجوّز في اللفط لا في الزائل حتى يتخيل أنا ادعينا مجازًا فيما ليس بمنطوق.\n[وأما] (^١) ردّ المصنف بأن دلالة العام ظاهرة، فالإمام يمنع ذلك، ويدعها نصًّا، وقد نقل ذلك عن الشَّافعي أيضًا.\nولا ينبغي أن يفهم من قول الإمام أنها كتكرار الآحاد مساواتها [لتكرر] (^٢) الآحاد من كل وحه، بل من جِهَةِ النصوصية، ثُمّ النصوضية مختلفة، فقد وضح كلام الإمام، وأنه أيضًا ليس مذهب القائلين: إن العام المخصوص مجاز مطلقًا، كما توّهمه بعض الشارحين.\n\n\"فوائد\"\nالأولى: إذا كان اللَّفظ العام صيغة من صيغ الجموع، فقد صرّح الغزالي - واعترض - بدعْوى الاتِّفَاق على أنه مجاز إذا لم يبق بعد التَّخْصيص جمع.\nوفيه نظر: فقد صرّح بحكاية الخلاف فيه الشيخ أبو حامد الإسفراييني، والقاضي أبو بكر وغيرهما من الأقدمين، وقالوا: يبقى في تناوله للواحد على الحقيقة، وهو اختيار الشيخ أبي حامد.\n\n\"الثانية\"\nإذا قال الله سبحانه ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٥] فقال النبي ﷺ في الحال: إلّا زيدًا، فهل هو تخصيص بمتصل أو [منفصل] (^٣)؟.\nقال الإمام الرازي: فيه احتمال.\nوصرح القاضي بالخلاف فيه، وقال: الذي [نرتضيه] (^٤) أنه ﷺ إن ابتدأ من تلقاء نفسه كلَامًا، ولم يضفه إلى كلام الله تعالى، فيلحق ذلك بالمنفصل، سواء قدر متصلًا أو منفصلًا.\n_________\n(^١) في أ، ج: وإنما.\n(^٢) في أ: كتكرار، وفي ب، ج: لتكرار.\n(^٣) في ج: بمنفصل.\n(^٤) في أ، ج: يرتضيه.","vol":"3","page":109},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nالْعَامُّ بَعْدَ الْتَّخْصِيصِ بِمُبَيِّنٍ - حُجَّةٌ.\nوَقَالَ الْبَلْخِيُّ: إِنْ خُصَّ بِمُتَّصِلٍ.\nوَقَالَ الْبَصْرِيُّ: إِنْ كَانَ الْعُمُومُ مُنْبِئًا عَنْهُ؛ كـ ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٥] وَإِلَّا فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ؛ كـ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٣٨] فَإِنَّهُ لَا يُنْبِئُ عَنِ النِّصَابِ وَالْحِرْزِ.\n<hr><s0>\n\n\n\"الثالثة\"\nلم يذكر الأصوليون التفرقة بين العام المَخْصُوص، والمراد به الخصوص، وقد اقتضى كلامُ الشَّافعي ﵁ الفرق بينهما في آية البيع وغيرها (^١).\nوللشيخ الإمام الوالد - رحمه الله تعالى - في الفرق بينهما كلام نفيس حكيته في \"شرح المنهاج\" حاصله:\nأن المراد به الخصوص هو العام إذا أطلق، وأريد به بعض ما يتناوله، وهو لفظ مستعمل في بعض مدلوله، قال: والذي يظهر أنه مجاز قطعًا، والمَخْصُوص العام إذا أريد به معناه مخرجًا منه بعض أفراده، فالإرادة فيه إرادة الإخراج، وفي الأولى إرادة الاستعمال.\nقال: ولا يشترط مقارنة هذه الإرادة لأول اللَّفظ، بخلاف تلك، والمخصوص هو محلّ الخلاف، وبالله التوفيق.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: فرع عما تقدم جملة القول فيها: إن العام المخصوص إن قلنا: إنه حقيقة، احتج به في الباقي جزمًا، وإلَّا ففيه خلاف، والمحقّقون على الاحتجاج به أيضًا، ويجمع\n_________\n(^١) العام الذي لحقه التخصيص يقال له: العام المخصص، والعام المخصوص، والفرق بينه وبين العام الذي أريد به الخصوص أن العام المخصوص هو الذي لا تقوم قرينته عند تكلم المتكلم به. على أنه أراد بعض أفراده، فيبقى متناولًا لأفراده عمومًا، ثم يعقبه المتكلم بما يدل على إخراج البعض منها ولهذا حصل التردد في كونه حقيقة أو مجازًا في الباقي، وأما العام الذي أريد به الخصوص فهو العام إذا أُطلِقَ، وأريد به بعض ما يتناوله، ويلخص الفرق بينهما في وجوه: =","vol":"3","page":110},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالخلاف قوله: العام بعد التخصيص بمبين حجّة (^١).\n_________\n= الأول: أن الإرادة في الأول، لإخراج بعض المدلول الذي يتناوله اللفظ، وفي الثاني لاستعمال اللفظ في شيء آخر غير موضوع له اللفظ.\nالثاني: أن الإرادة في الأول لا يشترط مقارنتها لأول اللفظ، ولا يجوز تأخيرها عنه كما تقدم، بل الشرط فيها أنها إذا لم توجد في أوله لا بد وأن تكون في أثنائه، نظير ما قاله الققهاء في مشيئة الطلاق من اقتران النية ببعض اللفظ قبل فراغه، وإنما كان الشرط كذلك؛ لأنها تشبه الاستثناء من جهة أن كُلًّا منهما به الإخراج، والمخصص في الحقيقة إنما هو تلك الإرادة، والمخصصات متصلة ومنفصلة دالة على تلك الإرادة، لكن لا تشبه الاستثناء من جهة أن النية فيه شرط لاعتبار الاستثناء بعده، وليست مؤثرة، بخلاف الإرادة في التخصيص؛ فإنها مؤثرة في الإخراج وحدها، وتدل عليها تارة بمخصص متصل، وأخرى بمنفصل، أما الإرادة في الثاني، فيشترط مقارنتها لأول اللفظ، ولا يكفي طريانها في أئنائه حيث إن المقصود بها نقل اللفظ من معناه إلى غيره، واستعماله فيما لم يوضع له، ونظير ذلك ما قاله الفقهاء في تكبيرة الإحرام، وفي كنايات الطلاق، والنية فيه مؤثرة في نقل اللفظ من معناه إلى غيره.\nالثالث: أن العام المخصوص لا يصلح الحكم عليه في الظاهر ابتداء بأنه مجاز على القطع، بل التردد في ذلك حاصل، ومنشؤه أن إرادة إخراج بعض المدلول توجب تغير الاستعمال، وتصير اللفظ مستعملًا في الغير أولًا.\nالحق هو مما يقوى أنه حقيقة لكن الأكثر على أنه مجاز، وحجتهم أن اللفظ موضوع ليستعمل في معناه بتمامه غير مخرج منه شيء، فمتى استعمل مخرجا منه شيء كان مجازًا؛ لحصول الاستعمال على غير الوجه الذي وضعه الواضع، إلا أن هذا مدفوع بأن ما وراء المخصوص يتناوله الكلام على أنه كلٌّ لا بعض؛ لأن صيغة العموم تتناول الثلاثة مثلًا، كما تتناول المائة والألف، والأكثر من ذلك، أما العام الذي أريد به الخصوص، فإنه يصح الحكم عليه في الظاهر ابتداء بأنه مجاز قطعًا، حيث إنه لفظ مستعمل في بعض مدلوله، وبعض الشيء غيره.\n(^١) ينظر: المحصول ١/ ٣/ ٢٢، والمستصفى ٢/ ٥٧، والمنخول (١٥٣)، والمعتمد ١/ ٢٨٦، وشرح الكوكب المنير ٣/ ١٦٢، والتبصرة (١٨٧)، واللمع (٢٧). والإحكام للآمدي ٢/ ٢١٣، والمنتهى (٨٧)، والعدة ٢/ ٥٣٩، والمسودة (١١٦)، وشرح العضد ١/ ١٠٨، وجمع الجوامع ٢/ ٧، وكشف الأسرار ٢/ ٣٠٧، وأصول السرخسي ١/ ١٤٤، وتيسير التحرير ١/ ٣١٣، وفواتح الرحموت ١/ ٣٠٨، ونشر البنود ١/ ٢٤٠، وإرشاد الفحول ص ١٣٧، ومنتهى السول ٢/ ٢٧، وشرح التنقيح (٢٢٧)، وفتح الغفار ١/ ٩٠، والإبهاج ٢/ ١٤٣، والتمهيد لأبي الخطاب ٢/ ١٤٢، وتقريب الوصول (٧٩).","vol":"3","page":111},{"text":"عَبْدُ الْجَبَّارِ: إِنْ كَانَ غَيْرَ مُفْتقِرٍ إِلَى بيَانٍ، كَـ ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٥]؛ بِخِلَافِ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٣] فَإِنَّهُ مُفْتقِرٌ قَبْلَ إِخْرَاجِ الحَائِضِ.\nوَقِيلَ: حُجَّةٌ فِي أقَلِّ الْجَمْعِ.\nوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَيْسَ بِحُجَّةٍ.\n<hr><s0>\n\n\"وقال البَلْخِيّ\": حجة (^١) \"إن خصّ بمتصل\"، لا إن خصّ بمنفصل.\n\"وقال\" أبو عبد الله \"البصري (^٢): \"إن كان\" لفظ \"العموم مُنْبِئًا عنه\" قبل التخصيص \"كـ ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٥] \"، فإنه ينبئ عن الحربي كما ينبئ عن الذمى سواء؛ فهو حجة، \"وإلا فليس بحجة كـ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٣٨]؛ فإنه لا ينبئ عن النصاب والحِرْز\" إذا بطل العمل به عند انتفاء قدر النِّصَاب، وكونه مسروقًا من حِرْزٍ لم يعمل به عند وجودهما.\nالشرح: وقال \"عبد الجَبَّار: إن كان\" قبل التخصيص \"غير مفتقر إِلى بيان [كالمُشْركين] (^٣) \"، فإنه بيِّن في الذّمى قبل إخراجه فهو حجّة، \"بخلاف ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٣] فإنه مفتقر\" إلى البيان \"قبل إخراج الخاصّ\" من عموم اللفظ، ولذلك بيّنه النبي ﷺ وقال: \"صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي\".\n\"وقيل: حجة في أقل الجمع\" من اثنين أو ثلاثة على الخلاف، لا فيما زاد.\n\"وقال أبو ثور (^٤): ليس بحجّة\" مطلقًا (^٥).\nوهذا الخلاف في المخصّص بمعين كما قيد المصنّف.\n_________\n(^١) ينظر مصادر المسألة.\n(^٢) ينظر مصادر المسألة.\n(^٣) في أ: كالمشرك.\n(^٤) إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي، أبو ثور. الفقيه صاحب الإمام الشافعي. قال ابن حبان: كان أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وفضلًا، صنف الكتب وفرع على السنن، وذب عنها. قال ابن عبد البر: له مصنفات كثيرة منها كتاب ذكر فيه اختلاف مالك والشافعي، وذكر مذهبه في ذلك وهو أكثر ميلًا إلى الشافعي في هذا الكتاب وفي كتبه كلها. مات بـ\"بغداد\" شيخًا، وذلك سنة ٢٤٠ هـ. ينظر: تذكرة الحفاظ ٢/ ٨٧، وميزان الاعتدال ١/ ١٥، وتاريخ بغداد ٦/ ٦٥ والأعلام ١/ ٣٧.\n(^٥) ينظر مصادر المسألة.","vol":"3","page":112},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأما المخصّص بمبهم، فنقل جماعة الاتفاق على أنه لا يحتج به؛ لأن إخراج المجهول من المعلوم يصيِّر المعلوم مجهولًا، وهذا كما لو قال: بِعْتُكَ هذه الصُّبْرَة إلَّا صاعًا منها، لا يصحّ لذلك، وعلى هذا جرى ابن السَّمعَاني، وغيره من أئمتنا.\nوقضية طريقة الإمام الرازي جريان الخِلَاف مع الإبهام، وبه صرح ابن بَرْهَان (^١) من أئمتنا، وصحح العمل به والحالة هذه.\nواعتلّ بأنا إذا نظرنا إلى فرد شككنا فيه هل هو من المخرج، والأصل عدمه، فيبقى على الأصل ويعمل به إلى أن لا يبقى فرد؟ وهذا منه تصريح بالإضراب عن التخصيص بالمُبْهم، والانسحاب على العمل بصورة العام كلها، المخصص وغيره، وهو نَاءٍ عن قواعد الشَّرْع، وترك لدليل المخصّص بلا موجب.\nويلزم عليه: أن من طلق إحدى امرأتيه يطؤهما جميعًا، أو اشتبه عليه إناء طاهر ونجس يستعملهما، ولا [يعلم] (^٢) أحدًا من الأصحاب قال به.\nولو قيل: يحتج به إلى أن يبقى فرد، فلا يحتجّ به فيه، كان على ضعفه أوجه.\nونظير المسألة:\nإذا اشتبه إناءان طاهر ونجس، فثلاثة أوجه:\nالصّحيح: أنه لا يجوز استعمال أحدهما إلا بالاجتهاد، وظهور علامة يغلب على الظَّن طهارته، ونجاسة المتروك.\n_________\n(^١) أحمد بن علي بن محمد بن برهان، أبو الفتح. ولد بـ\"بغداد\" في شوال سنة ٤٧٩ هـ، وتفقه على الغزالي والشاشي وإلكيا الهراسي، وبرع في المذهب والأصول، وكان هو الغالب عليه. قال المبارك بن كامل: كان خارق الذكاء لا يكاد يسمع شيئًا إلا حفظه، ولم يزل يبالغ في الطلب والتحقيق وحل المشكلات حتى صار يضرب به المثل من تجرد في الأصول والفروع، وصار علمًا من أعلام الدين. من تصانيفه: \"البسيط\"، و\"الوسيط\"، و\"الوجيز\" وغيرها. توفي سنة ٥١٨ هـ. ينظر: الأعلام ١/ ١٦٧، ووفيات الأعيان ١/ ٨٢، والبداية والنهاية ١٢/ ١٩٤، وشذرات الذهب ٤/ ٦١، ومرآة الجنان ٣/ ٢٣٥، وطبقات السبكي ٤/ ٤٢، وابن قاضى شهبة ١/ ٢٧٩.\n(^٢) في أ: يعلم.","vol":"3","page":113},{"text":"لنَا: مَا سَبَقَ مِنِ اسْتِدْلَالِ الصَّحَابَةِ مَعَ التَّخْصِيصِ.\nوَأَيْضًا: الْقَطْعُ بِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: \"أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ، وَلَا تُكْرِمْ فُلَانًا\"، فَتَركَ - عُدَّ عَاصِيًا.\nوَأَيْضًا: فَإِنَّ الأَصْلَ بَقَاؤُهُ.\nوَاسْتُدِلَّ لَوْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً، لَكَانَتْ دَلَالَتُهُ مَوْقُوفَةً عَلَى دَلَالَتِهِ عَلَى الآخَرِ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ؛ لأَنَّهُ إِنْ عُكِسَ - دَوْرٌ، وَإِلَّا فتَحَكُّمٌ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّ الدَّوْرَ إِنَّمَا يَلْزَمُ بِتَوَقُّفِ التَّقَدُّمِ، وَأَمَّا بِتَوَقُّفِ الْمَعِيَّةِ، فَلَا.\n<hr><s0>\n\nوالثاني: يكفي ظنّ الطَّهارة بلا علامة.\nوالثالث: يستعمل أحدهما بلا اجتهاد ولا ظن.\nولو حلف لا يأكل هذه الثمرة، فاختلطت بثمر كثير، فأكله إلا ثمرة لم يحنث.\nوإذا وطئ رجلان امرأة فأتت بولد، وأرضعت طفلًا بلبنه، ولم يثبت نَسَبُه، وأراد أن يتزوج بنت أحدهما، لم [يحلّ] (^١) على الأصح.\nوقيل: يحل أن يتزوج بنت من شاء منهما؛ لأن الأصل في كلّ واحدة الحلّ، فإذا حرمت الأخرى.\nوقيل: تحلّ كل واحدة على الانفراد، ولا يجمع.\nوقيل: يجوز الجمع.\nقال المَاوَرْدِيّ. وهو الظاهر من كلام الشَّافعي.\nقلت: وتجويز الجمع يشبه ما قال ابن برهان.\nولو وَكّل رجلين، ثم عزل أحدهما لا بعينه لم ينفذ تصرف واحد منهما على الأصح.\nوقيل: ينفذ؛ لأن الأصل بقاء تصرفه.\nالشرح: \"لنا\": على كونه حجّة إذا خصّ بمعين \"ما سبق\" في المسألة الثانية من باب\n_________\n(^١) في ب، ج: تحل.","vol":"3","page":114},{"text":"قَالُوا: صَارَ مُجْمَلًا؛ لِتَعَدُّدِ مَجَازِهِ فِيمَا بَقِيَ وَفِي كُلٍّ مِنْهُ.\nقُلْنَا: لِمَا بَقِي بِمَا تَقَدَّمَ.\nأَقَلُّ الْجَمْعِ: هُوَ الْمُحَقَّق، وَمَا بَقِيَ مَشْكُوكٌ.\nقُلْنَا: لَا شَكَّ مَعَ مَا تَقَدَّمَ.\n<hr><s0>\n\nالعموم \"من استدلال الصَّحابة\" ﵃ بالعمومات \"مع\" دخول \"التخصيص\" عليها، وَتكَّرَّر ذلك، وشَاع بحيث لا ينكره إلا مباهت.\n\"وأيضًا: القطع فيما إذا قال\" القائل: \"أكرم بني تميم، ولا تكرم فلانًا، فترك\" إكرام الكلّ \"عُدَّ عاصيًا\"، فدلّ على ظهوره في الباقي.\n\"وأيضًا: فإن\" العام كان قبل التَّخصيص حجّة في الباقي، فيبقى بعد التخصيص كذلك؛ لأن \"الأصل\" فيما كان \"بقاؤه\" على ما كان.\n\"واستدل: لو لم يكن حجّة لكانت دلالته\" على الباقي \"موقوفة على دلالته على الآخر، واللازم باطل؛ لأنه إن عكس\" اللازم بأن كانت دلالته على الآخر موقوفةً على دلالته على الباقي، فهو \"دورٌ، وإلا فتحكم\" أي: إن لم يعكس؛ لأنه ترجيح من غير مرجح.\n\"وأجيب: بأن الدّور إنما يلزم بتوقف التقدم\" والبعدية كما في تقدم العلة على المعلول، والشرط على المشروط.\n\"وأما بتوقف المعية\" كتوقف أحد المتضايفين على الآخر، \"فلا\" يلزم، أو يكون دَوْرًا ولكن غير [مستحيل] (^١)؛ فإن المحال إنما هو الدور، السبقى كما إذا قال زيد: لا أدخل الدار حتى يدخل عمرو قبلى، وعكس عمرو.\nأما إذا قال كل منهما: لا أدخل حتى يدخل الآخر، فهو الدور المَعِيّ، ولا استحالة فيه؛ لجواز دخولهما معًا، وهذا هو الموجود في دلالة العام.\nالشرح: والمانعون \"قالوا\": حقيقته العموم وهي منفية، وسائر ما تحت العموم، من المراتب مجازاته، وإذا لم [ترد] (^٢) الحقيقة، وتعدّدت المجازات \"صار مجملًا؛ لتعدّد مجازه فيما بقي\" منه جميعه، \"وفي كل منه\" فلا يكون حجّة في شيء مما بقي.\n_________\n(^١) في ب: لمستحيل.\n(^٢) في ب: يرد.","vol":"3","page":115},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nجَوَابُ السَّائِلِ: غَيْرُ الْمُسْتَقِلِّ، دُونَه، تَابِعٌ لِلسُّؤَالِ فِي عُمُومِهِ اتِّفَاقًا، وَالْعَامُّ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ: بِسُؤَالِ مِثْلُ قَوْلِهِ ﵊ لَمَّا سُئِلَ عَنْ بِئْرِ بُضاعَةَ: \"خَلَقَ اللهُ الْمَاءَ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَه، أَوْ طَعْمَه، أَوْ رِيحَهُ\" - أَوْ بِغَيْرِ سُؤَالٍ؛ كمَا [لَوْ] رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ مرَّ بِشَاةِ مَيْمُونَةَ، فَقَالَ \"أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ\".\nمُعْتَبَرٌ عُمُومُهُ عِنْدَ الأَكْثَرِ.\nوَنُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ خِلَافُهُ.\n<hr><s0>\n\n\"قلنا\": إنما يكون مجملًا بتعدّد المجازات المتساوية.\nأما إذا ترجّح بعضها [فيحمل] (^١) عليه، والباقي كله مترجّح، فاللفظ إذن متعيّن؛ \"لما بقي بما تقدّم\" من إجماع الصَّحابة على أنه للباقي. واحتج مَنْ مذهبه \"أقلّ [الجمع] (^٢) \"بأن ذلك \"هو المتحقق\" بعد التَّخصيص، \"وما عداه مشكوك\"، فيكون حجّة في المتيقّن.\n\"قلنا: لا شكّ مع ما تقدم\" من الأدلّة الدَّالة على وجوب الحَمْلِ على الباقي كله، ثم إنا نسلم أن أقل الجمع متيقّن إن لم يجوز التخصيص إلى ما تحته، ومنهم من جوزه إلى الواحد مطلقًا.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"جواب السَّائل\" عن سؤاله على قسمين: (^٣)\nالجواب \"غير المستقل دونه\"، وهو \"تابع للسؤال في عمومه\" وخصوصه \"اتفاقًا\" مثل: أينحنى بعضنا لبعض؟ قال: [لا] (^٤) قال: أيصافح بعضنا بعضًا؟ قال: \"نَعَمْ\".\n_________\n(^١) في ب: فتحمل.\n(^٢) في ب: بالجمع.\n(^٣) ينظر: البرهان ١/ ٣٧٢، والإحكام للآمدي ٢/ ٢١٨، والمعتمد (١/ ٣٠٢)، والتمهيد لأبي الخطاب ٢/ ١٦١، وشرح الكوكب المنير ٣/ ١٦٨، وجمع الجوامع ٢/ ١٣٧، والتبصرة ١٤٤، والمنخول (١٥١)، والمستصفى ٢/ ٢١، وشرح تنقيح الفصول (٢١٦)، والعضد ٢/ ١٠٩، والعدة ٢/ ٥٩٦، وتيسير التحرير ١/ ٢٦٣، وفواتح الرحموت ١/ ٢٨٩، والتلويح على التوضيح ١/ ٢٧٢، وإرشاد الفحول (١١٢).\n(^٤) سقط في ب.","vol":"3","page":116},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالجواب المستقلّ الوارد على سبب أضرب:\nلأنه إما أن يكون أخصّ أو مساويًا أو أعم، فالأخص مثل: ما لو سئل عن قتل النساء الكَوَافر، فقيل: اقتلوا المُرْتَدّات، فيجب قتل المرتَدّات باللفظ دون غيرهن؛ لمفهوم دليل الخِطَاب؛ ولأنه لما عدل عن العامّ إلى الخاصّ دلّ على قصد المخالفة.\nقال القاضي أبو الطَّيب: وهذا كما قال أصحابنا في قوله ﵇: \"جُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا\" (^١) علق على اسم الأرض كونها مسجدًا، وعلى نوع منها كونه طهورًا، فَدلَّ على أنه قصد المخالفة [بين المسجد والطهور، خلاف قول أبي حنيفة: إن كل أرضٍ مسجدٌ وطهورٌ.\nومن ذلك احتجاج أصحابنا بقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق: الآية ٦]. فأوجب السُّكنى مطلقًا والنفقة بشرط الحمل (^٢)؛ فدلّ على أنه قصد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري ١/ ٤٣٥ - ٤٣٦، كتاب التيمم: باب (١)، (٣٣٥)، ومسلم ١/ ٣٧٠، كتاب المساجد: (٣/ ٥٢١) من رواية جابر بن عبد الله ﵄.\n(^٢) اختلف الموجبون لنفقة البائن الحامل في أن النفقة حق لها أو للحمل على قولين.\n- أحدهما -: أن النفقة للحامل؛ وإليه ذهب الحنفية، والشافعي في الجديد وأحمد في رواية.\n- وثانيهما -: أنها للحمل، واليه ذهب المالكية وأحمد في أظهر الروايتين، والشافعي في القديم.\n(وجه القول بأنها للحمل) أنها تجب بوجوده، وتسقط بانفصاله، وتجب بوجوده وتسقط بعدمه عند غير الحنفية.\n(ولك أن تقول): - أولًا - إن السقوط بانفصاله ليس لأن النفقة له، وإنما هو لانقضاء العدة، والسقوط بعدمه غير متفق عليه؛ إذ ينازع فيه الحنفية إلا أن يستدل على السقوط بعدمه بآية: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ فإن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ فيه تعليق الحكم، وهو النفقة بشرط، وهو الحمل، فيفيد عدم النفقة عند عدم الحمل، ما لم يعارض ذلك بدليل مساوٍ أو أقوى.\n- ثانيًا - إن هذا الدوران إنما يفيد أن كونهن حاملات علة في النفقة، ولا يلزم أن يكون الحمل هو المقصود بها، فيجوز أن تكون النفقة حقًّا للحامل لأجل الحمل.\nووجه القول بأنها للحامل أنها لو كانت للحمل لوجبت في ماله إن كان له مال ورثه أو أوصى له به مع أنها لا تجب فيه، ولوجبت على السيد لا المطلق إن كانت الحامل أمة، أو كان =","vol":"3","page":117},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالمخالفة] (^١) بينهما، وأن المبتُوتة الحائل لا نفقة لها.\nقال الإمام الرَّازي وغيره: والجواب الأخصّ جائز بشرط أن يكون فيما خرج عن\n_________\n= المطلق عبدًا، مع أنها تجب على المطلق، ولسقطت بالإعسار، وبمضي الزمان، مع أنها لا نسقط عند من لا يسقط نفقة الزوجة بهما، وهذه خمسة أوجه.\nوتدفع هذه الأوجه بالتزام أنها تجب في مال الحمل إن كان له مال، وأنها تجب على السيد، وأنها تسقط بالإعسار وبمضي الزمان بلا امشدانة بإذن القاضي، وقد صرح الحنابلة بذلك في كتبهم.\nووجه سادس، وهو أنها لو كانت للحمل لتعددت بتعدده (ويمكن دفعه) بأن العبرة بالحاجة، وحاجة الحمل المتعدد لا تزيد عن حاجة الحمل والواحد، إذ الأم هي التي تتناول النفقة.\nووجه سابع، وهو أنها لو كانت له لتضاعفت نفقة الزوجة الحامل، بأن تعطى نفقة لنفسها، وثانية للحمل.\nويمكن دفعه بأن نفقة القريب تسقط بالاستغناء، والحمل هنا مستغن بنفقة أمه.\nوثامنٌ، وهو أنها لو كانت له لتقدرت بكفايته، لكنها تتقدر بكفايتها عند غير الشافعية، وبالإمداد عند الشافعية.\n(ويمكن دفعه) بأنها إنما قدرت بكفايتها؛ لأنه لا وسيلة لكفايته إلا ذلك؛ إذ كل الأضرار التي تحصل لها تعود عليه، وتقديرها عند الشافعية حكم مذهبي مبني على كونها للحامل، وماذا يضر لو قالوا في هذه الحالة بكفايتها بناء على أنها للحمل.\nقد يجاب بأنه كان ممكنًا أن تقدر بكفايته، وهي الفرق بين كفاية الحامل والحائل إن كان هناك فرق؛ لأن الحامل إما أن تحتاج إلى غذاء أكثر من الحائل أولًا، فإن لم تحتج كان إذًا مستغنيًا، ولا نفقة للولد مع الاستغناء، وإن احتاجت لم يجب الزائد، أما الأصل، فهو واجب على من يجب عليه النفقة عليها.\nوالذي يظهر للمتأمل، أنها للحامل، لكن لأجل الحمل، لا لأجل العدة؛ إذ لو كانت للحمل لما وجب على المطلق سوى الفرق بين نفقتي الحامل والحائل، ولو كانت للحامل لأجل العدة لما علق الإنفاق بالحمل في القرآن الكريم؛ إذ التعليق يفيد التعليل، فتعين أنها للحامل؛ لأجل الحمل وبوجوبها لها لأجله سقطت نفقته لاستغنائه. هذا هو الذي يقتضيه النظر الصحيح. ينظر: المهذب ٢/ ١٧٦، ومغني المحتاج ٣/ ٤٤٠، ومغنى الحنابلة ١/ ٢٩٢، والشرح الكبير للدسوقي ٢/ ٥٨٣، والخرشي والعدوي ٤/ ١٩٤، وكشاف القناع ٣/ ٣٠٢.\n(^١) سقط في أ، ج.","vol":"3","page":118},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالسؤال [ببينة] (^١) على ما لم يخرج منه، وأن بكون السَّائل مجتهدًا أي فَهِمًا حاذقًا، وإلا لم تفد البينة، وألّا تفوت المصلحة [باشتغال] (^٢) السَّائل بالسؤال، والمساوي لا إشكال فيه.\n\"والعام\" الوارد \"على سبب خاصّ\"، وهو أيضًا ضربان:\nلأنه إما \"بسؤال\"، وهو أيضًا ضربان:\nلأنه إما أن يكون عامًّا فيما سئل عنه \"مثل قوله ﷺ لما سئل عن بئر بُضَاعة: \"خَلَقَ اللهُ المَاءَ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ إِلَّا مَا غَيَّرَ طَعْمَه، أَوْ لَوْنَه، أَوْ رِيحَهُ\".\nكذا وقع في الكتاب، وقد خلط حديثًا في حديث؛ فإن حديث بئر \"بُضَاعَة\" هو ما روى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: قيل: يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يُلْقَى فيها الحيض والنَّتن ولحوم الكلاب؟ فقال: \"إنَّ المَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ\" (^٣). رواه أحمد، وأبو داود، الترمذي، النسائي.\nوقال أحمد: صحيح، والترمذي: حسن، وهو كَافٍ في غرض المصنّف؛ فإنه عام على سبب بسؤال، وجديث: \"إلَّا مَا غَيّر\" هو ما رواه الدارقطني من قوله ﷺ: \"إِنَّ المَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ إلَّا مَا غَيًرَ رِيحَهُ أَوْ طَعْمَهُ\" (^٤).\nوروى ابن ماجه أن النبي ﷺ قال: \"إِنَّ المَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ، وَطَعْمِهِ، وَلَوْنِهِ\" ولا يعرف للون ذكر في غير ابن ماجه.\nوقال الشافعي: هذا الحديث لا يُثبِتُ أهل الحديث مثله.\nوقال أبو حاتم الرازي: الصحيح أنه مرسل.\nوإما أن يكون عامًا في غير ما سئل عنه، كقوله ﵊ عن التوضّوء بماء البحر: \"هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ\" وهو حديث صحيح، أخرجه أبو داود،\n_________\n(^١) في أ، ج: بنيته.\n(^٢) في ب: بإشغال.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٦٧)، والشافعي رقم (٣٥)، وأحمد (٣/ ٣١)، والترمذي (٦٦)، والنسائي (١/ ١٧٤)، وابن الجارود (٤٧)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١١)، والدارقطني (١/ ٢٩ - ٣٠)، والبيهقي (١/ ٢٥٧) من حديث أبي سعيد. قال الترمذي: هذا حديث حسن.\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (١/ ١٧٤) رقم (٥٢١)، والدارقطني (١/ ٢٨) من طريق رشدين بن سعد عن =","vol":"3","page":119},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وصحّحه الترمذي، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه، ورجّح ابن منده (^١) أيضًا صحته.\n\"و(^٢) بغير سؤال\"، وهو قسمان:\nأحدهما: أن تكون ثَمَّ قرينة دالّة على التعميم، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ في رجل سرق رداء صفوان (^٣)؛ فإِن الإِتيان بالسَّارقة معه قرينة تدلّ على عدم الاقتصار على المعهود، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [سورة النساء: الآية ٥٨] نزلت في عثمان بن طلحة (^٤) أخذ مفتاح الكَعْبَة، وتغيب، وَأَبَى أن يدفعه إِلى النبي ﷺ،\n_________\n= معاوية بن صالح عن راشد بن سعد عن أبي أمامة مرفوعًا، ورشدين بن سعد ضعيف.\n(^١) محمد بن إِسحاق بن محمد بن يحيى، ابن منده، أبو عبد الله العبدي. نسبه إِلى عبد يا ليل الأصبهاني. ولد سنة ٣١٠، وهر من كبار حفاظ الحديث الراحلين في طلبه، المكثرين من التصنيف فيه من كتبه \"فتح الباب في الكنى والألقاب\"، و\"الرد على الجهمية\"، و\"معرفة الصحابة\" وغير ذلك وتوفي سنة ٣٩٥ هـ. ينظر: الأعلام ٦/ ٢٩، وميزان الاعتدال ٣/ ٢٦، وتذكرة الحفاظ ٣/ ٣٣٨.\nوالحديث أخرجه أبو داود (٨٣)، والترمذي (٦٩)، والنسائي (١/ ١٧٦)، وابن ماجه (٣٨٦)، وأحمد (٢/ ٣٦١).\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وينظر: تخريجنا على بداية المجتهد؛ فقد خرجناه تخريجًا تفصيليًا، وأوردنا شواهد له.\n(^٢) في ج: أو.\n(^٣) صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة الجمحي القرشي، أبو وهب وكان من المؤلفة قلوبهم، انفرد له مسلم بحديث. روى عنه ابنه أمية وطاوس وعطاء، وأعار النبيّ ﷺ يوم حنين سلاحًا كثيرًا.\nقال الهيثم: مات سنة إِحدى وأربعين. وينظر: ترجمته في: تهذيب الكمال ٢/ ٦٠٨، وتهذيب التهذيب ٤/ ٤٢٤، وتقريب التهذيب ١/ ٣٦٧، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ٤٦٩، والكاشف ٢/ ٢٩، والثقات ٣/ ١٩١، وتاريخ البخاري الكبير ٤/ ٣٠٤، والجرح والتعديل ٤/ ١٨٤٦، وأسد الغابة ٣/ ٢٣، وتجريد أسماء الصحابة ١/ ٢٦٦، والإِصابة ٣/ ٤٣، ٤٦٨، والاستيعاب ٢/ ٧١٨، نفعة الصديان: ت ٣٠٠، وأسماء الصحابة الرواة: ت ١٦٠.\n(^٤) عثمان بن طلحة بن أبي طلحة عبد الله القرشي العبدري. من بني عبد الدار. صحابي، كان =","vol":"3","page":120},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأو في عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَه - أخذه من عثمان بن طلحة، وَأَبَى أن يدفعه إِليه على الخلاف في ذلك، فإِن العدول عن لفظ الإِفراد إِلى الجمع بقوله:\"الأمَانات\" قرينة تشعر بالتعميم.\nوالثَّاني: إلّا يكون ثَمَّ قرينة، كما لو روى أنه ﵇ مَرّ بشاة ميمونة، فقال: \"أَيُّمَا إِهَابٍ دُبغَ فَقَدْ طَهُرَ\" (^١)، فإِنه على تقدير وقوعه لفظ عامٌ ورد على سبب خاصّ بغير سؤال.\nوإِنما قلنا: على تقدير وقوعه، وكذا أثبت المصنّف لفظة [لو] (^٢) بخطه؛ لأن ذلك لم يقع، والواقع إِنما هو مروره ﷺ بشاة ميمونة، فقال: \"ألا اسْتَمْتَعْتُمْ بإِهَابِهَا\"؟ - قالوا: يا رسول الله إِنها ميتة، قال حينئذ: \"إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا\". متفق على صحته من حديث ابن عباس.\nوعنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ\" لفظ مسلم، ولفظ أحمد والترمذي، وغيرهما: \"أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ\" كما ذكر المصنّف، والتمسّك به على التقدير الذي ذكرناه، وفي بعض نسخ \"المختصر\" حذف لفظة \"لو\" وليس بجيد؛ فإِثباتها حق كما عرفت، وإِياه فعل المصنّف.\nإِذا عرفت هذا، فاللَّفظ العام \"معتبر عمومه عند الأكثر، ونقل عن الشَّافعي\" ومالك، وأبي ثور \"خلافه\" وممن نقله عن الشَّافعي إِمام الحرمين، والغزالي في \"المنخول\".\nوقال بعض أصحابنا: إِنَّ الشَّافعي أشار إليه في خبر بئر \"بضاعة\"، وقال: قوله ﵇: \"المَاءُ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ\" مقصور على سببه.\nوقال في قوله ﵇: \"لا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ ولا كثر\" (^٣): إِنه خرج على عادة أهل \"المدينة\" في ثمارهم، وإِنها لم تكن في مواضع محطوطة.\n_________\n= حاجب البيت الحرام، أسلم مع خالد بن الوليد في هدنة الحديبية، وشهد فتح مكة، فدفع رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة إِليه وإِلى ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة. ثم سكن المدينة ومات بها سنة ٤٢ هـ، وقيل بـ \"مكة\". وينظر: الإِصابة ت (٥٤٤٢)، وإِمتاع الأسماع ١/ ٣٨٥، والأعلام ٤/ ٢٠٧.\n(^١) أخرجه مسلم ١/ ٧٧، كتاب الحيض: باب طهارة جلود الميتة بالدباغ (١٠٥/ ٣٦٦)، ومالك في الموطأ ٢/ ٤٩٨، (١٧)، والشَّافعي في مسنده ١/ ٢٦ (٥٨).\n(^٢) سقط في أ.\n(^٣) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٨٣٩، في الحدود: باب ما لا قطع فيه (٣٢)، والشَّافعي ٢/ ٨٣، =","vol":"3","page":121},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوسائر الأصحاب قالوا: إِنما قال الشَّافعي هذا لأدلة دلّت عليها.\nفأما إِذا لم يكن هناك دليل على التَّخصيص، فمذهبه إِجراء اللَّفْظ على التعميم، وهذا هو الأظهر في النَّقْل عنه، وقد حَرّره كذلك الإِمام الرازي في \"المَنَاقب\" وغيره، ولذلك قال في قوله ﵇ وقد سئل عمن ابْتَاعَ عبدًا، فاستعمله ثُمَّ وجد به عَيْبًا: \"الخراج بالضمان\" (^١) أَنَّ قوله: \"الخراج بالضمان\" عام في هذا الموضع وغيره.\nنعم، ذهب المزني، والقَفَّال، وأبو بكر الدَّقَّاق (^٢) من أصحابنا إِلى أن اللفظ مقصور\n_________\n= في حد السرقة (٢٧٥)، وأحمد ٣/ ٤٦٣ - ٤٦٤، ٤/ ١٤٠، ١٤٢ - وأبو داود ٣/ ١٣٧، كتاب الحدود: باب ما لا قطع فيه (٤٣٨٨)، والنسائي ٨/ ٨٧، كتاب قطع السارق: باب ما لا قطع فيه (٤٩٦٧)، والبيهقي ٨/ ٢٦٣،٢٦٢، والترمذي ٤/ ٤٢، كتاب الحدود: باب ما جاء لا قطع في ثمر ولا كثر (١٤٤٩)، وابن ماجة ٢/ ٨٦٥، كتاب الحدود: باب لا يقطع في ثمر ولا كثر (٢٥٩٣)، وابن حبان، ذكره الهيثمي في موارد الظمآن (٣٦١)، كتاب الحدود باب: فيمن لا قطع عليه (١٥٠٥)، والنسائي ٨/ ٨٨، في المصدر السابق (٤٩٦٨)، والبيهقي ٨/ ٢٦٣، كتاب السرقة عن سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان، عن رافع بن خديج.\n(^١) أخرجه أبو داود ٣/ ٢٨٤، في البيوع: باب فيمن اشترى عبدًا فاستعمله ثم وجد به عيبًا (٣٥٠٨ - ٣٥١٠)، والترمذي ٣/ ٥٨١ - ٥٨٢، في البيوع: باب ما جاء فيمن يشتري العبد، ويستغله ثم يجد به عيبًا (١٢٨٥ - ١٢٨٦)، وقال: حسن صحيح، والنسائي ٧/ ٢٥٤ - ٢٥٥، في البيوع: باب الخراج بالضمان، وابن ماجه ٢/ ٧٥٤، في التجارات: باب الخراج بالضمان (٢٢٤٣)، وأخرجه الشَّافعي في المسند ٦/ ٤٩ - ٨١ - ١١٦ - ١٦١ - ٢٠٨ - ٢٣٧، وصححه ابن حبان، أورده الهيثمي في موارد الظمآن ص ٢٧٥، في البيوع: باب الخراج بالضمان (١١٢٦)، والحاكم في المستدرك ٢/ ١٥، في البيوع: باب الخراج بالضمان، وصححه، وأقره الذهبي.\n(^٢) محمد بن محمد بن جعفر البغدادي، أبو بكر الدقاق. ولد في جمادى الآخرة سنة ٣٠٦ هـ. قال الشيخ أبو إِسحاق: كان فقيهًا، أصوليًا شرح المختصر، وولى القضاء بـ \"كرخ\" بغداد، قال الخطيب: كان فاضلًا، عالمًا بعلوم كثيرة، وله كتاب في الأصول على مذهب الشَّافعي، وكانت فيه دعابة. توفي في رمضان سنة ٣٩٢ هـ.\nينظر: تاريخ بغداد ٣/ ٢٢٩، وطبقات الفقهاء للشيرازي ص (٩٧)، والمنتظم ٧/ ٢٢، والنجوم الزاهرة ٤/ ٢٠٦، وابن قاضي شهبة ١/ ١٦٧.","vol":"3","page":122},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nعلى سببه، فلذلك نجد الخلاف في صورة فقهيّة مَثَارُهَا الاختلاف في هذا الأصل، والأصحُّ فيها الجَرَيَان على التعميم، مثل الاختلاف في العَرَايَا، هل يختص بالفقراء؟ أو يشترك فيها الأغنياء والفقراء، والصَّحيح التعميم مع ورودها على سبب خاصّ، وهو الحاجة.\nوقال الأصحاب فيمن دخل عليه صديقه فقال: تَغَدَّ معي، فامتنع، فقال: إِن لم تتغد معي فامرأتي طالق، فلم يفعل، لا يقع الطَّلاق، ولو تغدّى بعد ذلك يومًا من الدهر انحلت اليمين، فإِنْ نَوَى الحال، فلم يفعل وقع.\nورأى: البَغَوي (^١): حمل المطلق على الحال؛ للعادة.\nوأفتى القاضي الحُسَين (^٢): في امرأة صعدت بالمفتاح إِلى السطح، فقال زوجها: إِن لم تُلْقِي المفتاح، فأنت طالق، فلم تُلْقه ونزلت، أنه لا يقع.\nويحمل قوله: \"إِن لم تلقه\" على التأبيد، وأخذ ذلك ممَّا قاله الأصحاب في المسألة المذكورة.\nوفي الرَّافعي عن كتاب \"المبتدأ\" للقاضي الرّوياني (^٣) أنه لو قيل له: كَلِّمْ زيدًا، فقال: \"والله لا كلمته\" انعقدت اليمين على الأبد إِلّا أن ينوي اليوم، فإِن كان ذلك في طلاق، وقال: \"أردت اليوم\" لم يقبل في الحكم، وهذه الصّور كلها تشهد لأن العبرة بعموم اللفظ، وإِن اقتضت العادة من ذلك عدم استقلال الجَوَاب، فاعرف ذلك.\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله: \"ورأى البغوي … إِلخ هذا هو القول ببساط اليمين كما هو مذهب الإِمام مالك.\n(^٢) الحسين بن محمد بن أحمد القاضي، أبو علي المروزي. صاحب التعليقة المشهورة في المذهب، أخذ عن القفال. قال عبد الغافر: كان فقيه خراسان، وكان عصره تاريخًا به. قال الرافعي: إِنه كان كبيرًا، غواصًا في الدقائق، من الأصحاب الغر الميامين، وكان يلقب بـ \"حبر الأمة\". وممن أخذ عنه أبو سعد المتولي والبغوي. وله الفتاوي المشهورة وكتاب \"أسرار الفقه\". توفي في المحرم سنة ٤٦٢ هـ. وينظر: الأعلام ٢/ ٢٧٨، وطبقات الشَّافعية للسبكي ٣/ ١٥٥، ووفيات الأعيان ١/ ٤٠٠، وشذرات الذهب ٣/ ٣١٠، وطبقات الشَّافعية لابن قاضي شهبة ١/ ٢٤٤، والعبر ٣/ ٢٤٩.\n(^٣) عبد الواحد بن إِسماعيل بن أحمد بن محمد بن أحمد، أبو المحاسن، الروياني الطبري، صاحب البحر وغيره، قال ابن خلكان: وأخذ الفقه عن ناصر العمري وعلق عنه، وبرع في المذهب حتى كان يقول: لو احترقت كتب الشَّافعي لأمليتها من حفظي، ولهذا كان يقال له: =","vol":"3","page":123},{"text":"لَنَا: اسْتِدْلالُ الصَّحَابَةِ ﵃ بِمِثْلِهِ؛ كَآيَةِ السَّرِقَةِ وَهِيَ فِي سَرِقَةِ المِجَنِّ أَوْ رِدَاءَ صَفْوانَ، وَآيَةِ الظِّهَارِ فِي سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ، وَآيَةِ اللِّعَانِ فِي هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ أَوْ غَيْرِهِ.\nوَأَيْضًا: فَإِنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ، وَالتَّمَسُّك، بِهِ.\nقَالُوا: لَوْ كَانَ عَامًّا، لَجَازَ تَخْصِيصُ السَّبَبِ بِالاِجْتِهَادِ.\n<hr><s0>\n\nقال [المازري] (^١): ولو خرجت - يعني مسألة أنه هل العِبْرَةُ بعموم اللَّفظ، أو بخصوص السَّبب - على الاختلاف في الألف واللام، هل تقتضي الصيغ الَّتي دخلت عليها العموم، ويكون المراد الإِشارة إِلى الجنس، أو تكون محمولة على العَهْدِ - لكان لائقًا، فمن يقصر اللَّفظ على سببه يجعلها للعهد، ومن يعممه لا يفعل ذلك؟.\nقلت: وقد ينازع المعمّمون في أنّ السَّبب هل يصلح أن يكون عهدًا؟ ويقولون: المعهود هو ما لم يختصّ بسائل أو بواقعة، مثل: الطعام في قوله ﵇: \"الطَّعَامُ بِالطَّعَام\"؛ فإِنهم كانوا يعهدونه على طعام خاصّ، فهل يحمل الألف واللام عليه أو يجرى على عمومها؟ هذا موضع الخلاف.\nويتجه فيه القول بالحمل على المعهود اتجاهًا لا يتهيأ مثله هنا في قصر اللفظ على سببه؛ لأنه لما كان هو المعهود، صار اللَّفظ كأنه موضوع له، وإليه ينصرف الذِّهْن دون غيره عند سماع اللفظ.\nالشرح: - \"لنا\": على أن العِبْرَةَ بعموم اللَّفظ لا بخصوص السبب \"استدلال الصَّحابة بمثله\" في العمومات الواردة على أسباب خاصّة \"السرقة وهي\" واردة \"في سرقة المِجَنّ، أو\"\n_________\n= شافعي زمانه، ولد سنة ٤١٥، ومن تصانيفه \"البحر\" وهو بحر كاسمه، و\"الكافي\" وغيرهما، قتله الباطنية سنة ٥٠٢.\nانظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٢٨٧، ووفيات الأعيان ٢/ ٣٦٩، والأعلام ٤/ ٣٢٤، والنجوم الزاهرة ٥/ ١٩٧، وشذرات الذهب ٤/ ٤، ومفتاح السعادة ٢/ ٢١٠، ومعجم البلدان ٣/ ١٠٤.\n(^١) في ب: الماوردي.","vol":"3","page":124},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفي \"رِدَاء صفوان\" كذا ذكر المصنّف، والمحفوظ أنه ﷺ \"قطع في مِجَنّ قيمته ثلاثة دَرَاهم\" (^١) متّفق على صحّته، رواه الجماعة السّتة من حديث ابن عمر.\nوفي حديث صفوان بن أمية قال: كنت نائمًا في المسجد على خميصة لي فسرقت، فأخذنا السارق فرفعناه إِلى رسول الله ﷺ، فأمر بقطعه، فقلت: يا رسول الله أفي خميصة ثمن ثلاثين درهمًا؟ أنا أهبها له، أو أبيعها له، قال: \"فَهَلَّا كَانَ قَبْلَ أَنْ تأْتِيَنِي بِهِ؟ \" رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي.\nوفي رواية أحمد والنسائي: فقطعه رسول الله ﷺ، وليس في الحديثين أن سبب نزول الآية كان ذلك، و\"آية [الظّهار] (^٢) في سلمة بن صخر\" (^٣) كذا ذكر المصنّف، وحديث سلمة بن صخر [فإِنه] (^٤) ظاهر من امرأته. رواه أبو داود والترمذي وحَسّنه، وابن ماجه، ولكن ليس هو سبب نزول الآية، إِنما سبب نزولها أوس بن الصَّامت (^٥) ومُظَاهرته من زوجته\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٨٣١، في الحدود: باب ما يجب فيه القطع، والبخارى ١٢/ ٩٩ في الحدود: باب قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ (٦٧٩٥)، وأطرافه في (٦٧٩٦ - ٦٧٩٧ - ٦٧٩٨)، ومسلم ٣/ ١٣١٣، في الحدود: باب حد السرقة (٦ - ١٦٨٦).\n(^٢) في أ، ج: الطَّهارة.\n(^٣) سلمة بن صَخْر بن سليمان بن الصِّمَّة، الأنصاري، الخَزْرَجِي، البَيَاضِي، الذي ظاهر من امرأته. روى عنه: ابن المسيِّب وسليمان بن يسار. قال البخاري: لم يسمع منه. ينظر: تهذيب الكمال ١/ ٥٢٤، وتهذيب التهذيب ٤/ ١٤٧، والكاشف ١/ ٣٨٤، وتاريخ البخاري الكبير ٤/ ٧٢، والجرح والتعديل ٤/ ت (٧٢٣)، وأسد الغابة ٢/ ٤٣١، وتجريد أسماء الصحابة ١/ ٢٣٢، وطبقات ابن سعد ٢/ ١٦٥، خلاصة تهذيب الكمال ١/ ٤٠٣.\n(^٤) في ب: وأنه، وفي ج: فإِنه كان.\n(^٥) أوس بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف بن الخزرج الأنصاري. ذكروه فيمن شهد بدرًا والمشاهد. قيل: إِنه أول من ظاهر من امرأته في الإِسلام، وهي خولة بنت ثعلبة، وكانت بنت عم له؛ كما قاله ابن منده. وقال ابن حبان: مات في أيام عثمان وله خمس وثمانون سنة.\nينظر: الإِصابة ١/ ١٥٦، وطبقات ابن سعد ٣/ ٤٨، وأسد الغابة ١/ ١٧٧، وتجريد أسماء الصحابة ١/ ٣٦، والاستيعاب ١/ ١١٨، والثقات ٣/ ١٠، وتهذيب الكمال ١/ ١٢٦، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ١٠٦، وتهذيب التهذيب ١/ ٣٨٣. =","vol":"3","page":125},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nخولة بنت مالك بن ثعلبة (^١)، ومجيئها إِلى رسول الله ﷺ تشتكي إِليه، ووقوع، المُجَادلة فنزل ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ [سورة المجادلة: الآية ١] الآية. رواه أحمد، وأبو داود (^٢)، ورواه البخاري تعليقًا.\n\"وآية اللِّعان في هلال بن أمية (^٣) أو غيره\" فقد روى البُخَاري، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث ابن عباس أن \"هلال بن أمية\" قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سَحْمَاءَ (^٤). فقال النبي ﷺ: \"البَيِّنَةُ أَوْ حَدٌ فِي .........................\n_________\n(^١) خولة بنت مالك بن ثعلبة بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن عوف بن عمرو بن عوف، ويقال خولة بنت حكيم، ويقال: خويلة - بالتصغير - بنت خويلد. امرأة أوس بن الصامت - أخي عبادة - الَّتي سمع الله قولها من فوق سبع سموات. قالت: فيَّ والله وفي أوس بن الصامت أنزل الله ﷿ صدر سورة المجادلة. وروى خليد بن دعلج عن قتادة أنها قالت لعمر بن الخطاب وهو يمر عليها ذات مرة: \"اتق الله في الرعية، واعلم أنه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد، ومن خاف الموت خشي الفوت\". وينظر: الثبات ٣/ ١١٦، وأسد الغابة ٧/ ٩١، وتقريب التهذيب ٢/ ٥٩٦، وأعلام النساء ١/ ٣٢٦، والإِصابة ٧/ ٦١٨، وتهذيب الكمال ٣/ ١٦٨٢، وخلاصة ٣/ ٣٨٠.\n(^٢) أخرجه البيهقي في السنن ٧/ ٣٨٩، كتاب الظهار: باب من له الكفارة بالإِطعام، وأحمد في المسند ٦/ ٤١١، وابن حبان، ذكره الهيثمي في موارد الظمآن ص ٣٢٤، كتاب الطلاق: باب الظهار (١٣٣٤)، والطبراني في الكبير ١/ ١٩٦، والدر المنثور ٦/ ١٧٩.\nوهذا جزء من حديث طويل أخرجه أبو داود ٢/ ٢٦٥، كتاب الطلاق: باب في الظهار (٢٢١٤)، وابن ماجه ١/ ٦٦٥، كتاب الطلاق: باب الظهار (٢٠٦٢)، والبيهقي في السنن ٧/ ٣٨٥، والحاكم في المستدرك ٢/ ٢٠٣، وصححه، وأقره الذهبي.\n(^٣) هلال بن أمية بن عامر بن قيس بن عبد الأعلى بن عامر بن كعب بن واقف، الأنصاري الواقفي. شهد بدرًا وما بعدها، وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم. وله ذكر في الصحيحين من رواية سعيد بن جبير عن ابن عمر. ينظر: الإِصابة ٦/ ٢٨٩.\n(^٤) شريك بن سَحْماء (وهي أمه) واسم أبيه: عبدة بن معتب بن الجد بن العجلان البلوي، حليف الأنصار. له ذكر في حديث ابن عباس في الصحيحين أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء. وروى ابن سعد عن الواقدي أن شريك بن سحماء بعثه أبو بكر الصديق رسولًا إِلى خالد بن الوليد وهو بـ \"اليمامة\"، ويقال: إِنه شهد مع أبيه أحدًا. وكان شريك أحد الأمراء بالشام في خلافة أبي بكر. وبعثه عمر رسولًا إِلى عمرو بن العاص حين أذن له أن يتوجه إِلى =","vol":"3","page":126},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nظَهْرِكَ\" (^١) فقال: يا رسول الله: إِذا رأى أحدنا على امرأته رَجُلًا ينطلق يلتمس البَيِّنَة؟! فجعل رسول الله ﷺ يقول: \"البَيِّنَةُ وإِلَّا حَدٌّ في ظَهْرِكَ\" فقال هلال: والذي بعثك بالحق إِني لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحَدّ، فنزل جبريل ﵇ وأنزل عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [سورة النور: الآية ٦] الحديث رواه مسلم، والنسائي [من] (^٢) حديث أنس، وفيه: \"فكان أول رجل لاعن في الإِسلام\".\nوعن سهل بن سعد أن عويمرًا العِجْلاني (^٣) أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رَجُلًا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله ﷺ: \"قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ وَفِي صَاحبَتِكَ، فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا\" قال سهل: فَتَلاعَنَا وأنا مع الناس عند رسول الله ﷺ الحديث رواه البخاري ومسلم (^٤).\nوأحاديث كثيرة استدلّت الصحابة ﵃ بعمومها مع قطع النظر عن أسبابها.\n_________\n= فتح مصر؛ ذكره ابن عساكر. ينظر: الإِصابة ٣/ ٢٠٦ (٢٨٩٣).\n(^١) أخرجه البخاري ٨/ ٣٠٣، كتاب التفسير: باب ويدرأ عنها العذاب (٤٧٤٧)، وأبو داود ٢/ ٢٧٦، كتاب الطلاق: باب في اللعان (٢٢٥٤)، وابن ماجه ١/ ٦٦٨، كتاب الطلاق: باب اللعان (٢٠٦٧)، والبيهقي في السنن (٧/ ٣٩٣)، والدر المنثور ٥/ ٢٢، والدارقطني ٣/ ٢٧٧، والحاكم في المستدرك ٤/ ٣٧١.\n(^٢) في ج: عن.\n(^٣) عويمر هو ابن أبي أبيض العجلاني وقال الطبراني: هو عويمر بن الحرث بن زيد بن جابر بن الجد بن العجلان، وأبيض لقب لأحد آبائه. ويؤيد ذلك ما في الموطأ، أخرج الشيخان وغيرهما من حديث سهل بن سعد قال: جاء العجلاني إِلى عاصم بن عدي فقال له: يا عاصم، أرأيت لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ الحديث في نزول آية اللعان، ووقع في الموطأ رواية القمي إِنه عويمر بن أشقر العجلاني، وقيل: إِنه خطأ، وإِن عويمر بن أشقر آخر ما زنى وهو المذكور بعد، ولعل أحد آباء عويمر العجلاني كان يلقب أبيض فأطلق عليه الراوي أشقر. ينظر الإِصابة ٥/ ٤٥ ت (٦١٠٩).\n(^٤) أخرجه مالك (٢/ ٥٥٦ - ٥٥٧) كتاب الطلاق: باب ما جاء في اللعان (٣٤)، والبخاري =","vol":"3","page":127},{"text":"وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ اخْتُصَّ بِالْمَنع؛ لِلْقَطْعِ بِدُخُولهِ؛ عَلَى أَن أَبَا \"حَنِيفَةَ ﵀ أَخْرَجَ الأَمَةَ المُسْتَفْرَشَةَ مِنْ عُمُومِ \"الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ\"؛ فَلَمْ يُلْحِقْ وَلَدَهَا مَعَ وُرُودِهِ فِي وَلَدِ زَمْعَةَ.\nوَقَدْ قَال عَبْدُ اللهِ بْنُ زَمْعَةَ: هُوَ أَخِي وَابْنُ وَليدَةِ أَبِي؛ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ.\nقَالُوا: لَوْ عَمَّ لَمْ يَكُنْ فِي نَقْلِ السَّبَبِ فَائِدَةٌ.\n<hr><s0>\n\n\"وأيضًا\"، فإِن اللفظ عام والتمسّك به\" لا بغيره، فلا اعتبار بخصوص السبب؛ لعدم صلاحيته معارضًا.\nوالذاهبون إِلى القصر \"قالوا: لو كان عامًا\" لتساوى السَّبب مع بقية الأفراد، ولو كان ذلك \"لجاز تخصيص السَّبب بالاجتهاد\" كغيره من الصُّور، وهو لا يجوز كما نقل القاضي وغيرهُ الإِجماع فيه.\nالشرح: \"وأجيب بأنه\" لا يلزم من دخولهما تحت اللَّفْظ الواحد تساويهما، بل قد يكون دخول أحدهما قَطْعيًّا، والآخر ظنّيًّا، وهو الواقع، ولذلك \"اختص\" السَّبب \"بالمنع؛ للقطع بدخوله، على أن\" ما نقل من الإِجماع لا يثبت، بدليل أن \"أبا حنيفة\" جوَّز إِخراجه؛ لأنه \"أخرج (^١) الأَمة المُسْتَفْرشة من عموم\" قوله ﷺ: \"الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ\" (^٢)، فلم يلحق ولدها\n_________\n= (٩/ ٢٧٤)، كتاب الطلاق: باب من أجاز طلاق الثَّلاث (٥٢٥٩)، ومسلم (٢/ ١١٢٩)، كتاب اللعان (١/ ١٤٩٢).\n(^١) في حاشية ج: قوله: \"أخرج الأمة المستفرشة\" لا يتصور إِخراج السبب الخاص الذي ورد فيه الحكم وهو ولد زمعة، ولم يجوز أبو حنيفة ذلك، وإنما جوز إِخراج نوع ذلك السبب، أي أخرج ولد المستفرشة على عموم \"الولد للفراش\" مع وروده في الأمة المستفرشة، فقصر الفراش على الزوجة واحد؛ لأنه الفراش الحقيقي الذي يقصد غالبًا، وأما صورة السبب فيبتنى فيها الفراش المجازي؛ لأن مقابله - وهو الزنا - ليس فراشًا أصلًا.\n(^٢) أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٧٣٩)، كتاب الأقضية: باب القضاء بإِلحاق الولد بأبيه (٢٠)، والبخاري ٤/ ٣٤٢، كتاب البيوع: باب تفسير المشبهات (٢٠٥٣) وأطرافه في (٢٢١٨ - ٢٤٢١ - ٢٥٢٣ - ٢٧٤٥ - ٤٣٠٣ - ٦٧٤٩ - ٦٧٦٥ - ٦٨١٧ - ٧١٨٢)، ومسلم ٢/ ١٠٨٠، كتاب الرضاع: باب الولد للفراش (٣٦ - ١٤٥٧).","vol":"3","page":128},{"text":"قُلْنَا: فَائِدَتُهُ: مَنْعُ تَخْصِيصِهِ، وَمَعْرِفَةُ الأَسْبَابِ.\nقَالُوا: لَوْ قَالَ: \"تَغَدَّ عِنْدِي\"، فَقَالَ: \"وَاللهِ، لا تَغَدَّيْتُ\" - لَمْ يَعُمَّ.\nقُلْنَا: لِعُرْفٍ خَاصٍّ.\nقَالُوا: لَوْ عَمَّ لَمْ يَكُنْ مطَابِقًا.\nقُلْنَا: طَابَقَ، وَزَادَ.\nقَالُوا: لَوْ عَمَّ، لَكَانَ حُكْمًا بِأَحَدِ المَجَازَاتِ بِالتَّحَكُّمِ؛ لِفَواتِ الظُّهُورِ بِالنُّصُوصِيَّةِ.\n<hr><s0>\n\nمع وروده في ولد زَمْعَةَ\"، وهو ولد أمَةِ مستفرشة، \"وقد قال عبد بن زمعة (^١): \"هو أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه\".\nووقع بخط المصنّف: \"عبد الله\"، وإِنما هو \"عَبْد\" غير مضاف.\nروى البخاري، ومسلم، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، من حديث عائشة ﵂ قالت: اختصم سعد بن أبي وَقَّاص (^٢)، وعبد بن زمعة إِلى رسول الله ﷺ في غلامٍ فقال سعد: يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وَقَّاص، عهد إِليّ أنه ابنه أُنظر إِلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله، ولد على فِرَاشِ أبي، فنظر رسول الله ﷺ إِلى شبهه، فرأى شبهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ فقال: \"هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَللْعَاهِرِ الحَجَرُ\" الحديث.\n\"قالوا: لو عَمَّ لم يكن في نقل السَّبب فائدة\"، وقد بالغ الحُفَّاظ في تدوينه وحفظه.\nالشرح: \"قلنا: فائدته منع .............................\n_________\n(^١) عبد بن زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حنبل بن عامر بن لؤي، القرشي العامري، أخو سودة أم المؤمنين. ثبت خبره في الصحيحين في مخاصمة سعد بن أبي وقاص في ابن وليدة زمعة، وكان زمعة مات قبل فتح مكة: وأسلم ابنه عبد هذا يوم الفتح، ونازعه سعد بن أبي وقاص في ابن وليدة زمعة، فقضى به النبيّ ﷺ لعبد بن زمعة. وقال: احتجبي منه يا سودة.\nقال ابن عبد البر: كان من سادات الصحابة. وأخوه لأمه قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن مناف، أمهما عاتكة بنت الأخيف - بخاء معجمة بعدها مثناة تحتانية - من بني هصهيص بن عامر بن لؤي ينظر الإِصابة ٤/ ١٩٣ ت ٦٢٦٥.\n(^٢) سعد بن أبي وقاص واسمه مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهري المدني، شهد بدرًا =","vol":"3","page":129},{"text":"قُلْنَا: النَّصُّ خَارِجِيٌّ بِقَرِينَةٍ.\n<hr><s0>\n\nتخصيصه\" (^١) بالاجتهاد عند من يمنعه، وهم جمهور الأُمَّة، \"ومعرفة الأسباب\".\n\"قالوا: لو قال تَغَدَّ عندي، فقال: والله لا تغديت، لم يعم\"، وكان مقصورًا على سببه حتى لو تغدَّى لا معه، لم يحنث بالاتفاق.\n\"قلنا\" أولًا: قال ابنُ السَّمْعَاني: لا نعرف أن المسألة على مذهب الشَّافعي على ما قالوه.\nوثانيًا: أن الأَيمان تحمل على العادة لا حقيقة اللفظ، فإِنما لم يعم \"لعرفٍ خاصّ\"، والتخلف لمانع لا يقدح.\n\"قالوا: لو عَمَّ لم يكن مطابقًا\" للسؤال.\n\"قلنا\": إِنْ أردتم بالمطابقة أن يستوعب السؤال، ولا يغادر منه شيئًا، فمسلم، والأعمُّ يحصل فيه ذلك، فقد \"طابق وزاد\"، وإِن أردتم اختصاص الجواب بالسؤال، فلا نسلّم اشتراط المُطَابقة بهذا المعنى؛ فقد يريد المجيب ما لم يسأل عنه السائل؛ ألا ترى أن الله تعالى سأل موسى ﵇ عما في يمينه، فقال: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ\n_________\n= والمشاهد، وهو أحد العشرة وآخرهم موتًا، وأول من رمى في سبيل الله، وفارس الإِسلام، وأحد ستة الشورى، ومقدم جيوش الإِسلام في فتح العراق، وجمع له النبيّ ﷺ أبويه وحرس النبيّ ﷺ وكوّف الكوفة وطرد الأعاجم، وافتتح مدائن فارس وهاجر قبل النبيّ ﷺ. له مائتا حديث وخمسة عشر حديثًا، اتفقا عليها وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بثمانية عشر، وعنه بنوه إِبراهيم وعامر وعمر ومحمد ومصعب وخلق، وكان سابع سبعة في الإِسلام، مات في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة وحُمل إِلى البقيع في سنة خمس وخمسين، وقيل: سنة ست، وقيل: سنة سبع. ينظر ترجمته في: تهذيب الكمال ١/ ٣٧١، وتهذيب التهذيب ٣/ ٤٨٣، وتقريب التهذيب ١/ ٢٩٠، والكاشف ١/ ٣٥٤، وتاريخ البخاري الكبير: ٤/ ٧٣، والجرح والتعديل: ٤/ ٩٣، وأسماء الصحابة الرواة: ت ١٦، وأسد الغابة ٢/ ٣٦٦، وتجريد أسماء الصحابة: ١/ ٢١٨، والاستيعاب ٢/ ٦٠٦، والإِصابة ٣/ ٧٣، وطبقات ابن سعد: ٩/ ٨٠، وسير الأعلام ١/ ٩٢، وديوان الإِسلام: ت: ١١١٥ سبق ذكره في سعد بن مالك.\n(^١) في حاشية ج: قوله: \"منع تخصيصه\" أي تخصيص نظيره، أما عين السبب فلم يقل أحد بتخصيصه كما عرفت.","vol":"3","page":130},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nعَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [سورة طه: الآية ١٧، ١٨].\nفأجاب عما سأل وزاد، ولذلك قال النبيّ ﷺ حين سئل عَن التوضؤ بماء البحر: \"هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ\".\nوكذلك قوله ﷺ وقد سألته امرأة عن طفل على يدها: ألهذا حجّ (^١)؟ قال: \"نَعَمْ، وَلَكِ أجْرٌ\".\n\"قالوا: لو عَمَّ\" الوارد على سبب \"لكان\" العموم مستلزمًا \"حكمًا بأحد المجازات بالتحكّم\".\nوبيان الملازمة: أنا تجزم حينئذ بأن صورة السَّبب مرادة، ولكن أحد مجازات العام؛ لأن كلّ بعض منه مجاز، فيلزم الحكم بأحد المَجَازات بالتحكُّم؛ لأن نسبة العموم إِلى جميع الصُّور المندرجة تحته متساوية، وهو ظاهر بالنِّسْبة إِليها، فالقطع في بعضها تحكّم ومخرج لقضية العموم \"لفوات الظهور بالنصوصية\".\n\"قلنا: النص خارجي\" عن مدلول العام \"بقرينة\"، وهي ورود الخطاب ثانيًا لذلك البعض؛ فتثبت الأولوية من خارج، ولا بدع في هذا.\n\n<span data-type='title' id=toc-601>\"فوائد\"\nالأولى: استدل إِمام الحرمين </span>على أن الشَّافعي يقول بخصوص السبب بأنه لم يجعل قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٤٥] الآية حاصرًا للمحرمات في هذه الأشياء قال:\nلورود الآية في الكُفَّار الذين يحلون الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أُهِلَّ لغير الله به، ويتحرّجون عن كثير من مباحات الشرع، فكانت سَجِيّتهم تخالف وضع الشَّرع وتضادّه، فكان الغرض منه إِبانة كونهم على مُضَادّة الحق، فكأنه تعالى قال: \"لا حرام إِلا ما أحللتموه\".\n_________\n(^١) أخرجه الشَّافعي ١/ ٢٨٢، كذا في ترتيب المسند (٧٤١)، ومسلم ١/ ٩٧٤، كتاب الحج: باب صحة حج الصبي (٤٠٩ - ١٣٣٦).","vol":"3","page":131},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالقصد الرد عليهم فقط، قال:\nولولا سبق الشَّافعي إِلى ذلك لما كنا نستجيز مخالفة مالك في مصيره إِلى حصر المحرّمات فيما ذكر الله تعالى في هذه الآيات، ثم ذكر ما ينقل عن أبي حنيفة من تجويزه إِخراج صورة السَّبب بالاجتهاد، ثم أغلظ القول عليه في ذلك، وعلى مالك في تحليله ما وراء المذكور في الآيات ممَّا لا نطيل به.\nورد عليه المَازِريّ ثم ابن الأنباري (^١) بما لا يرضاه لنفسه محقّق، وهما شيخان قد أفرطا في مُخَاطبة الإِمام، ولو تتبع المتتبع كلماتها لألفاها منقوضة العرى منبوذة بالقرى.\nومما يدلّ على تعصبهما ما ذكراه في مسألة علم الله سبحانه بالجُزْئيات، وما نسباه إِلى إِمام الحرمين ممَّا هو برئ منه من غير تأمّل كلامه.\n\n\"الثانية\"\nقال أبي ﵀: إِنما يكون دخول صورة السَّبب قطعيا إِذا ذكر الدليل على دخولها وضعًا تحت اللَّفظ العام، وإِلا فقد ينازع فيه الخَصْم، ويدعى أنه قد يقصد المتكلّم بـ \"العام\" إِخراج السبب، فالمقطوع به إِنما هو بيان حكم السبب، وهو حاصل مع كونه خارجًا، كما يحصل بدخوله مخروجه، ولا دليل على تعيين واحد من الأمرين.\nفللحنفية أن يقولوا في حديث عبد بن زَمْعَةَ أن قوله ﷺ: \"الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ\" وإِن كان واردًا في أَمةٍ فهو واردٌ لبيان حكم ذلك الولد، وبيان حكمه إِما بالثبوت أو بالانتفاء.\nفإِذا ثبت أن الفراش هي الزوجة؛ لأنها الذي يتّخذ لها الفراش غالبًا، وقال: الولد للفراش كان فيه حصر أن الولد للحرّة، وبمقتضى ذلك لا يكون للأَمَةِ، فكان فيه بيان\n_________\n(^١) محمد بن القاسم بن محمد بن بشار، أبو بكر الأنباري. ولد سنة ٢٧١ هـ بـ\"الأنبار\" من أعلم أهل زمانه بالأدب واللغة، ومن أكثر الناس حفظًا للأشعار، قيل: كان يحفظ ثلاثمائة ألف شاهد في القرآن، وكان يتردد إِلى أولاد الخليفة الراضي بالله يعلمهم. من كتبه: \"شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات\" و\"إِيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله ﷿\" و\"عجائب علوم القرآن\" وغيرها. توفي بـ \"بغداد\" سنة ٣٢٨ هـ. وينظر: وفيات الأعيان ١/ ٥٠٣، وتذكرة الحفاظ ٣/ ٥٧، وغاية النهاية ٢/ ٢٣٠، وطبقات الحنابلة ٢/ ٦٩، وتاريخ بغداد ٣/ ١٨١، والأعلام ٦/ ٣٣٤.","vol":"3","page":132},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالحكمين جميعًا: نفى النّسب عن السبب، وإِثباته لغيره، ولا تليق دعوى القَطْع هنا، وذلك من جهة اللَّفظ.\nوهذا في الحقيقة نزاع في أن اسم الفراش هل هو موضوع للحرة والأمة الموطوءة أو للحرة فقط؟.\nفالحنفية يدعون الثَّاني، فلا عموم عندهم له في الأَمة، فتخرج المسألة من باب أن العبرة بعموم اللفظ، أو بخصوص السّبب.\nنعم: قوله ﷺ في حديث عبد: \"هُوَ لَكَ يَا عَبْد، وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ\" بهذا التركيب يقتضى أنه ألحقه به على حكم السبب، فيلزم أن يكون مرادًا من قوله: \"الفِرَاش\". (^١)\nقال: ولا يقال: إِنَّ الكلام إِنما هو حيث يتحقّق دخوله في اللَّفظ العام وضعًا؛ لأنا نقول: قد يتوّهم أن كون اللَّفظ جوابًا لسؤال يقتضي دخوله، فأردنا أن ننبه على أن الأمْر ليس كذلك، والمقطوع به أنه لا بد من بيان حكم السّبب.\nوأما خصوص دخوله أو خروجه فلا.\n\n\"الثَّالثة\"\nجميع ما تقدم في السّبب، وبقية الأفراد الَّتي دلّ اللفظ العام بالوضع عليها، وبين ذينك السَّببين من رُتْبة متوسّطة، فنقول: قد تنزل الآيات على الأسباب الخاصّة، وتوضع كلّ واحدة منها مع ما يناسبها من الآي؛ رِعَايَةً لنظم القرآن وحسن اتِّسَاقه، فذلك الذي وضعت معه الآيةُ النازلة على سبب خاصّ للمناسبة، إِذا كان مسوقًا لما نزل في معنى يدخل تحت ذلك اللفظ العام، أو كان من جملة الأفراد الداخلة وضعًا تحت اللفظ العام، فدلالة اللفظ عليه قوية.\nويحتمل أن يقال: قطعية، ويجعل كالسَّبب، فلا يخرج بالاجتهاد.\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله: يقتصي أنه ألحقه … إِلخ قد يقال: - إِن معناه أنه لك ملكًا؛ لأنه ابن وليدة زمعة، وكل أمة تلد من غير سيدها فولدها عبد، ولم يقربه زمعة ولا شهد عليه، فلم يبق إِلا أنه عبد تبعًا لأمه، كما قاله ابن جرير.\nوقوله: \"الولد للفراش\" أي الولد الذي ينسب لأبيه هو الذي يكون للفراش، أي: الزوجة الحرة.","vol":"3","page":133},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nويحتمل أن يقال: إِنه لا ينتهي في القوة إِلى ذلك؛ لأنه قد يراد غيره، وتكون المناسبة لشبهه به.\nوالحق أنه رتبة متوسطة دون السَّبب وفوق العموم المجرد.\nومثاله قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [سورة النساء: الآية ٥٨]؛ فإِن مناسبتها للآية الَّتي قبلها وهي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [سورة النساء: الآية ٥١] أن ذلك إِشارة إِلى كعب بن الأشرف (^١)، كان قدم \"مكة\" وشاهد قتلى \"بدر\" وحرَّض الكُفَّار على الأخذ بثأرهم، وغزو النبيّ ﷺ، فسألوه: من أهدى سبيلًا النبيّ ﷺ أو هم؟ فقال: أنتم؛ كَذِبًا منه وضلالة، فتلك الآية في حقه وحق من يشاركه في تلك المَقَالَةِ، وهم أهل كتاب يجدون في كتابهم نعت النبيّ ﷺ وصفته، وقد أُخِذَتْ عليهم المواثيق ألَّا يكتموا ذلك، وأن ينصروه، وكانت أمانةً لازمةً لهم، فلم يؤدّوها، وخانوا فيها، وذلك مناسب لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [سورة النساء: الآية ٥٨].\n\n<span data-type='title' id=toc-604>\"الرابعة\"\nسأل - أبي ﵁ عن قولهم: \"إِنّ السبب داخل قَطْعًا\"، أنه قبل نزول الآية،</span> والحكم إِنما يثبت من حين نزول الآية، فكيف يَنْعَطِفُ على ما مضى؟.\nوقد أجمعت الأمة على أنّ أوس بن الصَّامت شمله الظهار، وأمثاله من الأسباب، وهذا إِشكال يجري في كلّ وارد على سبب.\n_________\n(^١) كعب بن الأشرف الطائي، من بني نبهان، شاعر جاهلي. كانت أمه من \"بني النضير\" فدان باليهودية. وكان سيدًا من أخواله. أدرك الإِسلام ولم يسلم، وأكثر من هجوم النبيّ ﷺ وأصحابه، وتحريض القبائل عليهم وايذائهم، والتشبيب بنسائهم، وخرج إِلى مكة بعد وقعة \"بدر\" فندب قتلى قريش فيها، وحض على الأخذ بثأرهم، وعاد إِلى المدينة. وأمر النبيّ ﷺ بقتله، فانطلق إِليه خمسة من الأنصار فقتلوه في ظاهر حصنه سنة ٣ هـ. وحملوا رأسه في مخلاة إِلى المدينة، ينظر: الروض الأنف ٢/ ١٢٣، وإِمتاع الأسماع ١/ ١٠٧، وابن الأثير ٢/ ٥٣، والطبري ٣/ ٢، والأعلام ٥/ ٢٢٥.","vol":"3","page":134},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nالْمُشْتَرَكُ يَصِحُّ إِطْلاقُهُ عَلَى مَعْنَيَيْهِ مَجَازًا لا حَقِيقَةً وَكَذَلِكَ مَدْلُولا الْحَقِيقَةِ؛ وَالْمَجازِ.\nوَعنِ الْقَاضِي وَالْمُعْتَزِلَةِ: يَصِحُّ حَقِيقَةً؛ إِنْ صَحَّ الْجَمْعُ.\n<hr><s0>\n\nويخص آية الظهار واللعان إِشكال آخر، وهو أن \"الذين\" في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [سورة المجادلة: الآية ٣] مبتدأ، وخبره \"فتحرير\" أي [أو] (^١): فكفارتهم تحرير، وجاز حذف ذلك لدلالة الكلام عليه، وجاز دخول الفاء في الخبر؛ لتضمّن المبتدأ معنى الشرط، وتضمّن الخبر معنى الجزاء، فإِذا أريد التَّنصيص على أن الخبر مستحقّ بالصلة، دخلت الفاء حتمًا للدلالة على ذلك، وإِذا لم تدخل احتمل أن يكون مستحقًّا به، أو بغيره، كما لو قيل: الذين يظاهرون عليهم تحرير رقبة، وإِن كنا نقول: إِنَّ ترتيب الحكم على الوصف مشعرٌ بالعلّية، ولكن ليس بنصّ، ودخول الفاء نص.\nوإِذا عرفت هذا، فالآية لا تشمل إِلَّا من وُجِد منه الظِّهَار بعد نزولها؛ لأن معنى الشرط مستقبل، فلا يدخل فيه الماضي، وقد أوجب النبيّ ﷺ الكَفَّارة على أوس بن الصَّامت، وذلك لا شَكّ فيه من جهة أنه السَّبب، إِلا أن هذا الإِشكال يَعْتَوره.\nثم أجاب عنه فقال: أما إِثبات أحكام هذه الآيات لمن وجد منه السَّبب قبل نزولها، فنقول: إِن السرقة والزنا ونحوهما من الأفعال الَّتي كانت معلومة التحريم عندهم، ووجوب الحَدّ فيها لا يتوّقف على العلم، والفاعل لها قبل نزول الآية إِذا كان هو السَّبب في نزولها في حكم المُقَارن لها؛ لأنها نزلت مثبتة لحكمه، فلذلك ثبتت حكمها فيه دون غيره ممن تقدمه.\nوأما دخول \"الفاء\" في الخبر فيستدعى العُمُوم في كلّ من يتظهر من امرأته مثلًا، وذلك يشمل الحاضر والمستقبل، وسبب النُّزول حاضر، أو في حكم الحاضر، وأما دلالة الفاء على الاختصاص بالمستقبل، فقد يمنع.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: معروفة بالشَّافعية: \"المشترك يصح إِطلاقه على\" كُلّ واحد من \"معنييه\" بمفرده، وذلك حقيقة بلا نظر؛ لأنه لفظ مستعمل فيما وضع له أولًا.\n_________\n(^١) سقط في ج.","vol":"3","page":135},{"text":"وَعَنِ الشَّافِعِيِّ -: ﵀ ظَاهِرٌ فِيهِمَا؛ عِنْدَ تَجَرُّدِ الْقَرَائِنِ كَالْعَامِّ.\n<hr><s0>\n\nوأما إِطلاقه على معنييه معًا فصحيح، لكن \"مجازًا لا حقيقة\"، وبه قال إِمام الحرمين \"وكذلك مدلولا الحقيقة والمجاز\" كآية المُلامَسَةِ، ومنعه القاضي (^١).\nوكذا المجازان معًا.\n\"وعن القاضي والمعتزلة: يصح\" إِطْلاق المشترك على معنييه \"حقيقة إِن صحّ الجمع\" بينهما، سواء أكان جمعًا في أصل الفعل، وإِن لم يصحّ اجتماعهما بأنفسهما، كما لو قال: اعتدى بالقُرْء، وأراد مجموع الطُّهر والحَيْض، أو جمعًا فيه مع صحة الاجتماع كما لو قال: انظر العين، وأراد الشمس والذهب، لا إِن لم يصح، كاستعمال صيغة \"افعل\" مرادًا بها الأمر والتهديد.\nولقائل أن يقول: لا حاجة إِلى قوله: إِن صَحّ الجمع فإِنّ الكلام إِنما هو حيث صَحّ.\nالشرح: \"وعن الشَّافعي: ظاهر فيهما عند تجرُّد القرائن\"، فيحمل عليها، ثُمَّ اختلف عليه، فطريقة الإِمام أنه إِنما حمله عليهما احتياطًا.\nوطريقة إِمام الحرمين، والغزالي، والآمدي، والمصنّف أنه عنده \"كالعام\" أي: حكمًا، وإِلا فليس هو نفس العام؛ فإِنَّ العام غير مختلف الحقيقة، وهذا مختلف الحقيقة، والعامّ يحمل على جميع الأفراد، بخلاف هذا، وإِنما شابه العَامّ من حيث شموله متعدّدًا، وأنه يحمل على النَّوعين، كما إِذا قال: ائتنى بعين، يحمل على البَاصِرَةِ والجارية إِذا لم تقم قرينة تدلّ على التعيين، ولا تعم أفراد النوعين، فافهم ذلك.\nفإِن قلت: ثم يتفصّل مذهب الشَّافعي رأى القاضي.\nقلت: القاضي يقول: إِنه يصحّ إِطلاقه على كلّ منهما على حدته حقيقة، وعلى مجموعهما كذلك، ويقول: إِن الوضع لكلّ منهما يفيد ذلك، والشَّافعي يقول ذلك، ثم يزيد فيقول: وإذا تجرّد عن القرائن كان في المجموع أظهر، فحينئذ المشترك بلا قرينةٍ عند القاضي مجمل، عند الشَّافعي ظاهر في الجميع على ما نقل المصنّف؛ ولذلك ذكره في باب العموم، وعلى ما نقل غيره عندهما مجمل، ولكن يزيد الشَّافعي بأن يحمل على معنييه\n_________\n(^١) تقدم الكلام على المشترك.","vol":"3","page":136},{"text":"أَبُو الْحُسَيْنِ وَالْغَزَّالِيُّ: يَصِحُّ أَنْ يُرَادَا، لا أَنّهُ لُغَةٌ.\nوَقِيلَ: لا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَا.\nوَقِيلَ: يَجُوزُ فِي النَّفْي لا الإِثْبَاتِ، وَالأَكْثَرُ: أَنَّ جَمْعَهُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَيَيْهِ - مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ.\nلَنَا فِي الْمُشْتَركِ: أَنَّهُ يَسْبِقُ أَحَدُهُمَا، فَإِذَا أُطْلِقَ عَلَيْهِمَا، كَانَ مَجَازًا.\n<hr><s0>\n\nاحتياطًا، ونقل عن القاضي أيضًا.\nقلت: وتظهر فائدة التردّد في كونه مجملًا، أو عامًا فيما إِذا وقف على مواليه، وليس له موالٍ إِلَّا من أعلى أو من أسفل.\nقال الرافعي: فالوقف عليه.\nقال الشيخ الإِمام الوالد ﵀: هذا إِن جعلناه مجملًا؛ فإِن انحصار الأمر في إِحدى الجهتين يكون قرينةً.\nوأما إِن قلنا: إِنه عام أو كالعام، فإِذا حدث له يعد ذلك موالٍ من الجهة الأخرى يدخلون في الوَقْفِ، كما لو وقف على أولاده، وله أولاد، ثم حدث آخر يشاركهم.\nالشرح: وقال \"أبو الحسين، والغزالي\"، والإِمام: \"يصح أن يراد\" من اللَّفظ المشترك، وذي الحقيقة والمجاز - المعنيان \"لا أنه لغة\"؛ فإِن اللّغة مانعة منه.\nوالحاصل: أنهما يقولان: العَقلُ لا يمنعه، وإِنما اللُّغة تمنعه.\nوقيل: بل \"لا يصح (^١) أن يرادا\".\n\"وقيل: يجوز في النَّفي لا الإِثبات، والأكثر: أن جمعه باعتبار معنييه\"، مثل:\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله: لا يصح أن يراد؛ لأنه لو صح لهما معًا لكان حقيقة، وإِلا كان مستعملًا في غير ما وضع له، وهو خلاف المفروض، ولو كان حقيقة لهما لكان مريدًا أحدهما خاصة غير مريد له خاصة، وأنه محال. بيان الملازمة أن له حينئذٍ ثلاثة معاني: هذا وحده، وهذا وحده، وهما معًا، والمفروض استعماله في جميع معانيه؛ فيكون مريدًا لهذا وحده ولهذا وحده ولهما معًا، وكونه مريدًا لهما معًا معناه ألا يريد هذا وحده وهذا وحده، فيلزم من حيث إِرادتهما بدلًا الاكتفاء بكلّ واحد منهما، ومن حيث إِرادة المجموع عدم الاكتفاء بأحدهما وإِرادتهما مجتمعين. عضد، وسيبينه الشرح مع دفعه.","vol":"3","page":137},{"text":"النَّافِي لِلصِّحَّةِ: لَوْ كَانَ الْمَجْمُوعُ حَقِيقَةً لَكَانَ مُريدًا أَحَدَهُمَاخَاصَّةً غَيْرَ مُرِيدٍ؛ وَهُوَ مُحَالٌ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ الْمَدْلُولانِ مَعًا لا بَقَاؤُهُ لِكُلٍّ مُفْرَدًا.\nوَأَمَّا الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ فَاسْتِعْمَالُهُ لَهُمَا اسْتِعْمَالٌ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا، وَهُوَ مَعْنَى الْمَجَازِ لِكُلٍّ مُفْرَدًا.\n<hr><s0>\n\n\"عيون\" إِذا أراد بها \"الباصرة\"، والشمس والذهب والجارية، \"مبنى عليه\"، أي: على الخلاف في المفرد، فإِن جاز سَاغَ، وإِلا فلا.\nوقيل: بل يجوز وإِن لم يجز المفرد.\n\"لنا: في \"صحة إِطلاق \"المشترك\" مجازًا: \"أنه يسبق\" إِلى الفهم عند الإِطلاق \"أحدهما\" على البَدَلِ دون الجمع، وهو علامة الحقيقة، \"فإِذا أطلق عليهما كان مجازًا\".\nولقائل أن يقول: ليس عدم سَبْق الفهم عَلامَةَ المجاز حتى يلزم كونه مجازًا، وأيضًا: لا نسلم أن الفهم لا يسبق إِليهما جميعًا.\nسلّمنا ولكن هذا إِن ثبت كونه مجازًا، فلا يبقى وجوب الحَمْلِ عليهما بالاحتياط.\nوأيضًا: يلزم كون العَيْن مجازًا، وقد فرَّ المصنّف منه في أوائل الكتاب.\nالشرح: قوله: \"النَّافي للصّحة: لو كان المجموع حقيقة لكان مريدًا أحدهما خاصة غير مريد؛ وهو محال\".\nظاهره يشعر بأنه دليل لمن ذهب مذهب المصنّف من نفي الحقيقة بقوله: لو كان المجموع حقيقةً، ولكن ليس مراده سيدفعه، ونحن نقرره تقريرًا يأتي بالمراد، ولا ينافي اللفظ فنقول:\nاحتجَّ من نفي الصِّحة لمعنييه مطلقًا، وقال: كما لا يجوز أن يراد بـ \"المؤمنين\" المؤمنون والمشركون، لا يصح إِرادة المعنيين باللفظ المشترك بأن إِرادة كلّ واحدة منهما، مستلزمة لعدم إِرادة الآخر، فيلزم كونهما مرادين غير مرادين؛ وهو محال.\nوبيان ذلك: أنه لو صَحّ إِطلاقه لهما لكان بالحقيقة؛ لأن الأصل في الإِطلاق الحقيقة، ولأنه لا مانع إِلَّا التناقض المحال، ونسبته إِلى الحقيقة والمجاز واحدة، فإِذا لم يمنع كون اللفظ مجازًا لم يمنع كونه حقيقة، ولو كان حقيقة لكان مريدًا أحدهما خاصّة غير","vol":"3","page":138},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nمريد له خاصّة؛ لأنه يكون والحالة هذه موضوعًا للمعنيين معًا، ولكل منهما بمفرده، وإِذا كان موضوعًا لكل منهما بِقَيْدِ الوحدة. لزم ذلك؛ لأن من استعمله بالمجموع فقد أراد كلًّا منهما، وإِرادة كلّ منهما بحسب الوضع، والوضع للوحدة، وإِرادة الوحدة وأن لا وحدة متناقض.\nوهذا تطويل من المصنّف، ولا حاجة به إِلى توسّط الحقيقة، فلو قال: \"لو صحّ الإِطلاق، سواء أكان بالحقيقة أو المجاز، لزم كونه مريدًا أحدهما غير مريد\" حصل على المراد.\n\"وأجيب: بأن المراد المدلولان معًا\"؛ إِذ اللَّفْظ ليس موضوعًا للمفردين على البدل، بحيث إِذا أريد أحدهما لم تصح إِرادة الآخر، \"لا\" أن المراد \"بقاؤه\" أي: بقاء اللَّفظ المشترك \"لكل\" من المعنيين في حال كونه \"مفردًا\" خاصًّا به، وكذا وقع: \"مفردًا\" بخط المصنّف.\nوالحاصل: أن من أحال إِرادة المعنيين باللَّفظ الواحد زعمه موضوعًا لكل منهما على البدل، فلزم عنده من كونهما مرادين كونهما غير مرادين.\nومن جوَّزه قال: هو موضوع لكلّ منهما لا بِقَيْد، والإِفراد وعدمه قَيْدٌ للاستعمال لا للمستعمل فيه، فيتواردان على الاستعمال، والمعنى المستعمل فيه بحاله، فالعين مثلًا موضوعة للباصرة مع قطع (^١) النظر عن الجارية، وللجارية مع قطع النَّظر عن الباصرة، ولفظها تارة يستعمل في هذا من غير استعمال في الآخر، وتارة مع استعماله فيه، والواضع وضع اللَّفظ للمعنى المستعمل فيه في الحالين؛ فظهر صحّته، وأنه حقيقة كما هو رأي ذي اللُّغة [الفصحى] (^٢) محمد بن إِدريس ﵁.\n\"وأما الحقيقة والمجاز فاستعماله\" أي اللَّفظ المشترك \"لهما استعمال\" له \"في غير ما وضع له أولًا، وهو معنى المجاز\"؛ إِذ هو لم يوضع أولًا إِلا للحقيقة فقط، فدلّ على أن استعماله لهما مجاز، وأنه [سائغ] (^٣).\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله: مع قطع النظر … إِلخ إِذ قد يكون الواضع لأحد المعنيين غير الآخر ولا يعلمه.\n(^٢) في أ، ج: الفصحاء.\n(^٣) في أ، ج: شائع.","vol":"3","page":139},{"text":"النَّافِي لِلصِّحَّةِ: لَوْ صحَّ لَهُمَا لَكَانَ مُرِيدًا مَا وُضِعَتْ لَهُ أَوَّلًا غَيْرَ مُرِيدٍ؛ وَهُوَ مُحَالٌ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ مُرِيدٌ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا وَثَانِيًا بِوَضْعٍ مَجَازِيٍّ.\nالشَّافِعِيُّ ﵀: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ ...........\n<hr><s0>\n\nوأنا لا أحفظ أحدًا قال: إِن استعماله لهما حقيقة، بل النَّاس بين مانع لذلك، ومجوِّز له على سبيل المجاز.\nوقد يقال: إِذا استعملت اللَّفظة في حقيقتها ومجازها، فهي حقيقة (^١) ومجاز بالاعتبارين، وهذا ما يظهر عند التَّحقيق، ويجري على أسلوب الشَّافعي ﵁ وهو قضية كلام ابن السَّمْعَاني وغيره من المُحَقِّقين.\nوفي بعض النسخ: \"وأما الحقيقة والمجاز فلنا\" أي على صحته مجازًا \"قوله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة النمل: الآية ٦٥] \". وهذا ليس في نسخة المصنّف.\nالشرح: واحتج \"النَّافي للصحّة\" صحّة إِطلاق اللَّفظ وإِرادة حقيقته ومجازه بأنه \"لو صح لهما لكان\" المستعمل \"مريدًا\" بالصيغة \"ما وضعت له أولًا\" من حيث إِرادة الحقيقة \"غير مريدٍ\" له من حيث إِرادة المجاز؛ \"وهو محال\".\n\"وأجيب: بأنه مريد ما وضع له أولًا وثانيًا بوضعٍ مجازي\"؛ إِذ هو قد أراد المجموع والموضوع أولًا بعضه، فلم يلزم كونه غير مريد.\nوأشار بقوله: \"بوضع مجازي\" إِلى مذهبه في أنّ الملفظ المراد به مجموع الحقيقة والمجاز مجاز، والمختار عندنا ماعرفت من أنه حقيقة ومجاز باعتبارين.\nالشرح: واحتجّ \"الشَّافعي\"، ﵁ على ظهور المشترك في معنييه بآيتين:\nإِحداهما: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله: فهي حقيقة ومجاز باعتبارين، إِذ كلّ واحد منهما مراد منها على حدته؛ وهي موضوعة لواجب دون الآخر، فلا وجه لكونها مجازًا فيهما إِذ لم يرد المجموع.","vol":"3","page":140},{"text":"السَّمَاوَاتِ﴾ [سورة الحج: الآية ١٨]، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ [عَلَى النَّبِيِّ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٥٦]، وَهِيَ مِنَ اللَّهِ رَحْمَةٌ، وَمِنَ الْمَلائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّ السُّجُودَ: الْخُضُوع، وَالصَّلاةَ: الاِعْتِنَاءُ بِإِظْهَارِ الشَّرَفِ، أَوْ بِتَقْدِيرِ خَبَرٍ أَوْ فِعْلٍ حُذِفَ لِدَلالَةِ مَا يُقَارِنُه، أَوْ بِأَنَّهُ مَجَازٌ بِمَا تَقَدَّمَ.\n<hr><s0>\n\nوَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة الحج: الآية ١٨].\nأسند السجود إِلى من ذكره، وهو مشترك بين وضع الجَبْهة والخضوع، وأراد بسجود النَّاس وضع الجَبْهَة، وبسجود غيرهم الخضوع.\nوالثانية: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٥٦]، \"وهي من الله رحمة، ومن الملائكة استغفار\"، وهما - أعني الرحمة والاستغفار - مفهومان متغايران، وقد أطلق عليهما اللَّفظ الواحد دفعة واحدة.\nوقد وقع في هذا المختصر كما ترى: أن الصلاة من الله تعالى الرحمة، وكذلك وقع في غيره.\nوالصحيح أنه منه - تعالى - مغفرة، وهي في اللُّغة: الدعاء، وهو مُحَال في حقّه - تعالى - فحملت على المغفرة، ولا يمكن حملها على الرحمة؛ لأن الله - تعالى - قال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٧].\nوعَطْفُ الرحمةِ على الصلاة صريح في تغايرهما؛ ولأن الرحمة رقّة القلب، وهي مستحيلة في حقه - تعالى - أيضًا، فمن فسَّر الصلاة بـ \"الرحمة\" فرارًا من تفسيرها بالدعاء كان كمن فَسَّر قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه: الآية ٥]، بـ \"جلس\"، فإِنه فَسَّر ما ظاهره محال بالمحال.\n\"وأجيب: بأن السُّجود: الخضوع\"، وهو مشترك بين الجميع، \"والصَّلاة: الاعتناء بإِظهار الشرف\" شرف النَّبيّ ﷺ، فكان متواطئًا لا مشتركًا، فهذا جواب.\n\"أو بتقدير خبر\" في الآية الثَّانية تقديره: إِن الله يصلي وملائكته يصلون، \"أو \"تقدير \"فعل\" في الآية الأولى تقديره: ويسجد له من في الأرض، ويسجد له الجبال، وهكذا، وعلى هذا فاللَّفظ مكرر، وقد أريد به في كلّ مرة معنى، فاين اللَّفظ الواحد المستعمل في معنيين؟","vol":"3","page":141},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفإِن قلت: كيف حُذِفَ الخبر والفعل؟\nقلت: \"حُذِفَ لدلالة ما يقارنه\" عليه، وهو قوله: \"يسجد له من في السماوات\" في الأولى، و\"ملائكته يصلون\" في الثَّانية.\n\"أو\" نجيب \"بأنه\" أي: إِطلاق السجود على هذه الأشياء، والصلاة على الصلاة الرب - تعالى - وملائكته.\nوإِن ثبت استعماله، فلا يتعيّن كونه حقيقة، بل هو \"مجاز\" وإِن كان خلاف الأصل \"بما ذكرناه\" من الدليل، فهذه ثلاثة أجوبة.\nولقائل أن يقول على الأول: السجود بمعنى الخضوع لا يختصّ بكثير من الناس، بل يشملهم؛ إِذ الكُلّ خاضعون بلسان الحال.\nوأيضًا: فالمتبادر إِلى الفَهْمِ من سجود الناس وضع الجَبْهَةِ.\nوأيضًا: لو كان بمعنى الخضوع، لزم التكرار في قوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة الحج: الآية ١٨] لدخولهم في ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ وأيضًا: فهو تعالى قال: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ [سورة الحج: الآية ١٨]، والمرئي حقيقة إِنما هو وَضْع الجبهة.\nلا يقال: فما تصنعون في الذين لا يصحّ منهم وضع الجَبْهة؟؛ لأنا نقول: رؤية أولئك قلبية معنوية، لعدم تأتيِّ ذلك منهم، ولا كذلك كثير من النَّاس.\nالثَّاني: وضع الجَبْهَةِ منهم.\nفإِن حملنا المجاز لذلك في الرؤية بالنسبة إِلى أولئك، فما الدَّاعي إِليه في كثير من النَّاس إِذا تَمَّ لنا هذا؟\nقلنا: قد أراد بالرؤية في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الرؤيتين جميعًا، وهو استعمال اللَّفظ في محمليه، فهو دليل آخر، وقولكم: \"الصلاة: الاعتناء بإِظهار الشرف\" حمل اللَّفظ على خلاف ما يتبادر إِلى الذِّهْن منه، وخلاف موضوعه.\nوعلى الثَّاني: أن تقدير الخبر والفعل لا يُصِّيرُهُ موجودًا، والموجود لفظ واحد؛ وهو المطلوب.\nوعلى الثالث: أنه لا داعي إِلى حمله على المَجَازِ، وما زعمتموه دليلًا لا دليل فيه.","vol":"3","page":142},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفإِن قلت: الصَّلاة حقيقة: الدعاء، وإِطلاقها على المغفرة أو الرحمة مجاز، وعلى الاستغفار حقيقة، فالموجود في الآية استعمال اللَّفظ في حقيقته ومجازه لا في حقيقته.\nقلت: إِذا صَحّ استعماله في حقيقته ومجازه صَحّ في حقيقته بطريقٍ أولى؛ فإِنّ كلّ ومن جوّز الأول جوّز الثَّاني، ولا عكس.\n\n<span data-type='title' id=toc-606>\"فوائد\"\nالأولى: الخلاف في استعمال اللَّفظ في مجازيه </span>مثل أن يقول: والله لا أشتري، ويريد السّوم وشراء الوكيل، كالخلاف في استعماله في حقيقته ومجازه، وفي حقيقته.\nوالقاضي أبو بكر يجوز استعمال اللَّفظ في حقيقته دون حقيقة ومجاز، كما أسلفناه، ولا يصح له فرق.\nوالشَّافعي ﵀ جرى على مِنْوَالٍ واحد، فجوّز الكلّ، وحمله عند الإِطلاق على الكلّ.\nقال إِمام الحرمين: وهذا يعني حمل اللَّفظ على حقيقته ومجازه، كحمله على حقيقته، وظاهر في اختيار الشَّافعي، فإِنه قال في معارضة له جرت في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [سورة النساء: الآية ٤٣]. وقيل له: قد يراد بالمُلامسة المُوَاقعة، قال: فهي محمولة على الجسّ باليد حقيقة، وعلى الوقاع مجازًا.\nقلت: وقد نصّ في \"الأم\" عند الكلام فيما إِذا عقد لرجلين على امرأة، ولم يعلم السَّابق منهما على حمل اللَّفظ على حقيقته ومجازه، كما نقل ابن الرِّفْعَةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-607>\"الثَّانية\"\nالخلاف في الحمل على الحقيقة والمجاز </span>إِنما هو فيما إِذا ظهر قَصْد المَجَاز بقرينة مع السكوت عن الحقيقة، أو قصدهما معًا.\nأما إِذا قصد الحقيقة فقط، فالحمل عليها فقط بلا نزاع، أو المجاز فقط اختص به بلا نزاع.\nكذا كان أبي ﵀ يقول، وكنت أسمعه يقول: إِذا لم يظهر قَصْد، فلا مدخل للحمل على المَجَازِ؛ فإِنَّ اللَّفظ إِنما يحمل على مجازه بقرينة، ويؤيد هذا أمران:","vol":"3","page":143},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأحدهما: قول الأَصْحاب فيما إِذا قال: \"وقفت على أولادي\" ونظائره، أنه لا يدخل أولاد الأولاد على الصحيح.\nونظيره: لو أوصى لإِخوة فلان، وكانوا ذكورًا وإِناثًا إِخوة وأخوات.\nقال الإِمام في \"باب الوصية\" من \"النهاية\": فمذهب أبي حنيفة، وظاهر مذهب الشَّافعي أنه يختصّ بالوصية للإِخوة دون الأخوات.\nوقال أبو يوسف ومحمد (^١): للجميع.\nوالثَّاني: قول ابن السَّمعاني في \"القَوَاطع\": اللَّفظ للواحد يجوز أن يحمل على الحقيقة والمجاز إِذا تساويا في الاستعمال، لكن إِذا عرى عن عرف الاستعمال لم يجز أن يحمل على المجاز إِلَّا أن يقوم الدَّليل على أنه يراد به، وقيام الدلالة على إِرادة المجاز لا ينفى عن اللَّفْظ إِرادة الحقيقة. انتهى.\nوقد أفاد حالة أخرى، وهي ما إِذا تساويا في الاستعمال، بأن يكثر المجاز كثرة توازي الحقيقة، فيتساويان فَهْمًا عند الإِطلاق.\nوأنا أقول: قد يقول من يجعل الحمل من باب الاحتياط فيما إِذا لم يظهر قصد أنه يحمل عليهما، ولكنه بعيد، وقضيته أنه حيث ورد لفظ ولا قرينة فيه دافعة للمجاز أنه يحمل عليه كما يحمل على الحقيقة.\nوالحق: أن المجاز مدفوع ما لم تَقُمْ عليه؛ قرينة، أو يكون مشتهرًا شهرة يساوي بها الحقيقة، فهناك يحمل عليه إِما لاحتياط أو لغير ذلك، فإِذن الصور أربع:\n_________\n(^١) محمد بن الحسن بن فرقد، من موالي بني شيبان، أبو عبد الله. ولد بـ \"واسط\" سنة ١٣١ هـ. إِمام بالفقه والأصول، وهو الذي نشر علم أبي حنيفة، وغلب عليه مذهبه وعُرف به، وانتقل إِلى \"بغداد\" فولاه الرشيد بالقضاء بـ \"الرقة\" ثم عزله. قال الشَّافعي: \"لو أشأ أن أقول: نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن لقلت؛ لفصاحته\". ونعته الخطيب البغدادي بإِمام أهل الرأي. من كتبه: \"المبسوط\" و\"الجامع الكبير\" و\"الجامع الصغير\" و\"الآثار\" و\"السير\" و\"الزيادات\". توفي في \"الري\" سنة ١٨٩ هـ. ينظر: البداية والنهاية ١٠/ ٢٠٢، والوفيات ١/ ٤٥٣، ولسان الميزان ٥/ ١٢١، والنجوم الزاهرة ٢/ ١٣٠، وتاريخ بغداد ٢/ ١٧٢، والأعلام ٦/ ٨٠.","vol":"3","page":144},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nإِحداها: أن تدلّ القرينة على إِرادة المجاز مع السكوت عن الحقيقة، وهي من محل الخلاف.\nوالثَّانية: أن تدلّ على إِرادتهما جميعًا، وهي أيضًا من محلّ الخلاف، والمانع هنا طائفتان: طائفة تقول: ذلك مجاز، وأخرى تقول: يصح، لكنه ليس بلغة كما عرفت.\nالثَّالثة: ألَّا تكون قرينة، ولكن للمجاز شهرة وازي بها الحقيقة، وهي من محلّ الخلاف أيضًا، ومذهبنا في الكُلّ الحمل على الحقيقة والمجاز.\nوالرابعة: حالة الإِطلاق مع عدم شهرة المجاز (^١)، ولا خلاف أنه لا يحمل فيها على المجاز؛ لما ذكرناه من أن المجاز مدفوع ما لم يدلّ عليه دليل، وإِن [أوهم] (^٢) كلام بعضهم أنه من محلّ الخلاف؛ فلا نعتبره، وهذا فصل نفيس فاحفظه.\n\n\"الفائدة<span data-type='title' id=toc-608> الثَّالثة\"\nقد علمت نقل النَّقلة عن الشَّافعي أن اللَّفظ يستعمل في معنييه،</span> ويحمل عند الإِطلاق عليهما إِذا كان اللَّفْظ مشتركًا، وإِن كان حقيقة مجازًا حمل في الحالات الثَّلاث الَّتي عرفناكها، فتنفصل الحقيقة والمجاز عن المشترك عند الشَّافعي حالة الإِطلاق فإِنَّ المشترك محمولٌ علي معنييه، والحقيقة والمجاز لا يحمل اللَّفظ عليهما إِلَّا إِذا ساوى المَجَاز الحقيقة لشهرة أو نحوها كما تقدم، وهذا ما تحصل من كلام النقلة.\nوقال الرَّافعي في \"باب [التَّدبير] \" (^٣): الأشبه أن اللَّفظ المشترك لا يراد به جميع معانيه، ولا يحمل عند الإِطلاق على جميعها.\nقال في \"باب الوصية\" في \"مسألة الوصاية بالعود\" في المسألة - يعني مسألة حمل المشترك -: نظر الأصوليين، فلم يرجّح الرَّافعي حمل المشترك على معنييه، بل قال: الأشبه خلافه كما رأيت، وحكى المَاوَرْدِيّ الخلاف فيه أوجهًا لأصحابنا:\n_________\n(^١) في حاشية ج: قف على أن اللَّفظ يراد منه المعنى المجازي بدون قرينة للشهرة، لكن مع المعنى الحقيقي أمَّا إِرادته وحده لذلك فلم يذكروه.\n(^٢) في أ، ج: أفهم.\n(^٣) في ب: التدبر.","vol":"3","page":145},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nثالثها: التفرقة بين الجَمْع والسَّلْبِ. ذكره في \"الأشربة\".\nوالصحيح: أن الرَّاجح من مذهب الشَّافعي الحمل على المعنيين، كما ذكر النقلة، فلا يعتبر بكلام الرافعي.\n\n<span data-type='title' id=toc-609>\"الرابعة\"\nنظير الخلاف في المسألة فيما إِذا وقف على مواليه،</span> وله موالٍ من أعلى، وموالٍ من أسفل، والصحيح فيه أنه يقسَّم بينهم.\nوإِذا قال لعبده: إِن رأيت عينًا فأنت حر، ولم يَنْوِ شيئًا.\nقال الإِمام في \"النهاية\"، ونقله عنه الرافعي: فهل يعتق إِذا رأى شيئًا منها؟ فيه تردد.\nقال: والعود مشتركٌ بين الخشب، والذي يضرب به، والذي يتبخّر به، فهل يحمل على الجميع؟ بناه الرافعي على الخلاف الأصولي.\n\n<span data-type='title' id=toc-610>\"الخامسة\"\nالقُرْءُ على الصَّحيح مشترك بين الطّهر والحيض،</span> ولو قال: أنت طالق في كلّ قُرْء طلقة، طلّقت في كلّ طهر طلقة.\nوقد قال: لم لا طلقت في الطهر واحدة، وفي الحيض أخرى حملًا للمشترك على معنييه؟\nوجوابه عندي: أن الظَّاهر من المطلِّق إِيقاع ما يحلّ لا ما يحرم، والطَّلاق في الحيض حرامٌ، فحمل كلامه على الطُّهر؛ لأنه الذي يجوز إِيقاع الطلاق فيه، وكان ظهور الحال قرينة في تعيين أحد المحملين.\nوأيضًا: فقد غلب استعمال الطهر.\n\n<span data-type='title' id=toc-611>\"السادسة\"\nنقض ابن السَّمْعَاني على الحنفية </span>أصلهم في منع حمل الَّلفْظ على حقيقته ومجازه بقولهم: لو حلف لا يضع قدمه في الدَّار، فدخل راكبًا، أو ماشيًا حَنِثَ، فقال:\nفقد تناول اللَّفْظ الحقيقة والمجاز.","vol":"3","page":146},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقال: وكذا قالوا: لو قال: اليوم الذي يدخل فلان الدار فعبده حر، فدخل ليلًا أو نهارًا حَنِثَ.\nوقالوا في \"السّير الكبير (^١) \": لو أخذ الأمان لِبَنِيهِ، دخل بنوه وبنو بنيه.\nقلت: والذي يظهر من مذهبنا في المسألة الأولى أنه لا يَحْنَثُ لا لأنا لا نجمع بين الحقيقة والمجاز؛ بل لأنه لا قرينة على إِرادة، ولا شُهْرَة، فكان خارجًا عن محلّ الخلاف، كما عرفت، وإِن فرضت شُهْرة حنث من أجلها.\nوفي الثَّانية: موافقتهم؛ لأنه نقل الرَّافعي عن \"التتمة\" لو قال: أنت طالق اليوم، طلقت في الحال، وإِن كان بالَّليل، ويلغو اليوم؛ لأنه لم يعلق، وإِنما سمى الوقت بغير اسمه.\nوفي الثالثة: عدم الدّخول كما في الوقف على الأولاد.\nوقد يقال: هم في الزمان أولى بالدخول منهم في الوَقْفِ؛ لقوة الاستتباع في الأمان، ولذلك لو قال: أَمَّنتك، تعدَّى إِلى ما معه من أهل ومال على وجهٍ، مع أن لفظه لا يصدق عليهما لا بالحقيقة ولا بالمَجَازِ.\nقال الرَّافعيُّ: وفي \"البحر\" تفصيل حسن حكاه، أو بعضه عن \"الحاوي\"، وهو أنه إِن أطلق الأَمان، دخل فيه ما لبسه من ثياب، ولا يستعمل في حرفته من الأب، وما ينقصه في مدة الأمان؛ للعرف الجاري بذلك، ومركوبه إِن كان لا يستغنى عنه، ولا يدخل غير ذلك.\nقلت: ولا يدخل شيء من ذلك في نظيره من الوَقْفِ والبيع.\nوصحح النووي أنه لا يدخل ثياب العبد في بيعه.\n\n<span data-type='title' id=toc-612>\"مسألة\"\nمعروفة بالحنفية، حاصلها: أنهم ادعوا تعميمًا لبعض الأشياء،</span> وهو المساواة من غير لفظ عموم؛ لأنهم قالوا به في جانب الإِثبات مع انتفاء صيغ الاستغراق، كما ادّعت الشَّافعية تعميم لفظ الاشتراك من غير لفظ عموم كما نقل المصنّف، وهذا هو السِّر في وضعه\n_________\n(^١) ينظر: السير (١/ ٣١٣).","vol":"3","page":147},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nنَفْيُ الْمُسَاوَاةِ مِثْلُ: ﴿لَا يَسْتَوِي﴾ [سورة الحشر: الآية ٢٠]- يَقْتَضِي الْعُمُومَ كَغَيْرِهَا.\nأَبُو حنِيفَةَ ﵀: لا يَقْتَضيه.\nلَنَا: نَفْيٌ عَلَى نَكِرَةٍ؛ كَغَيْرِهَا.\nقَالُوا: الْمُسَاوَاةُ مُطْلقًا أَعَمُّ مِنَ الْمُسَاوَاةِ بِوَجْهٍ خَاصٍّ؛ وَالْأَعَمُّ لا يُشْعِرُ بِالْأَخَصِّ.\n<hr><s0>\n\nالمسألتين في باب العموم، وفي جعل إِحداهما تلو الأخرى؛ لاشتراك الطَّائفتين عنده في دعوى العُمُومِ في جانب الإِثيات من مادّة الكلام لا من صيغه.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: إِذا عرفت هذا جئنا إِلى تقرير المسألة فنقول (^١): \"نفي المُسَاواة\" بين شيئين \"مثل\" قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [سورة الحشر: الآية ٢٠]. \"يقتضي العموم\" فينفي به جميع وجوه المساواة \"كغيرها\" من الأفعال؛ فإِن نفيه يقتضي العموم.\nوقال \"أبو حنيفة: لا يقتضيها\".\nووافقه الإِمام الرازي وغيره من متأخّرينا.\nومن فروع المسألة:\nقَتْل المسلم بالذمي.\nفقال أصحابنا: لا يقتل به؛ لانتفاء المساواة الَّتي عليها بني القصاص.\nوقال أبو حنيفة: يقتل به؛ إِذ نفي المُسَاواة لا يقتضي العموم.\nوالخلاف دائر على حرف واحد، وهو أن لفظ \"ساوى\" \"واستوى\"، \"وماثل\" زيد عمرًا\n_________\n(^١) ينظر: الإِحكام للآمدي ٢/ ٢٢٧ (٨)، والمحصول ١/ ٢/ ٦١٧، والمعتمد ١/ ٢٤٩، وشرح الكوكب المنير ٣/ ٢٠٧، وشرح تنقيح الفصول (١٨٦)، وشرح العضد ٢/ ١١٤، وجمع الجوامع ١/ ٤٢٢، والمسودة ١٠٦، وتيسير التحرير ١/ ٢٥٠، وفواتح الرحموت ١/ ٢٨٩.","vol":"3","page":148},{"text":"وَأُجِيبَ: بِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْإِثْبَاتِ؛ وَإِلَّا لَمْ يَعُمَّ نَفْيٌ أَبَدًا.\nقَالُوا: لَوْ عَمَّ، لَمْ يَصْدُقْ؛ إِذْ لا بُدَّ مِنْ مُسَاوَاةٍ، وَلَوْ فِي نَفْيِ [مَا] سِوَاهُمَا عَنْهُمَا.\nقُلْنَا: إِنَّمَا تُنْفَى مَسَاوَاةٌ يَصِحُّ انْتِفَاؤُهَا.\nقَالُوا: الْمُسَاوَاةُ فِي الْإِثْبَاتِ وَالْعُمُومِ، وَإِلَّا لَمْ يَسْتقِمْ إِخْبَارٌ بِمُسَاوَاةٍ؛ لِعَدَمِ الاِخْتِصَاصِ وَنَقِيضُ الْكُلِّيِّ الْمُوجَبِ جُزْئِيٌّ سَالِبٌ.\n<hr><s0>\n\nوزيد مثل عمرو، والمتماثلات [كلها] (^١) والاستواءات هل مدلولها في اللغة المشاركة في جميع الوجوه حتى يكون مدلولها كلّها شاملًا أو مجموعًا محيطًا؟ أو مدلولها المُسَاواة في شيء هو أخصّ الأوصاف حتى يصدق بوجدانه وإِن انتفى ما عداه؟\nذهب أبو حنيفة إِلى الأوّل، وعلماؤنا إِلى الثَّاني؛ فلذلك اختلفوا حالة النفي، فمن عمّم جانب الإِثبات خصّص في جانب النفي، وبالعكس.\n\"لنا\": على العموم في النفي أن ذلك \"نفي \"دخل \"على نكرة\"، فعمّ \"كغيرها\" من النكرات في سياق النفي ..\n\"قالوا: المساواة مطلقًا أعمّ من المساواة بوجه خاصّ\"، أو من كلّ وجه ضَرُورَةَ أن المطلق جزء من المقيد، وأنّ الكلّ يستلزم الجزء من غير عكس.\n\"والأعم لا يشعر بالأخصّ\"، فلم يلزم من نفي الأعمّ، وهو مطلق المساواة نفي الأخصّ، وهو المساواة الخاصة.\nالشرح: \"وأُجيب بأن ذلك\" أي: عدم إِشعار الأَعَمّ بالأخص إِنما هو \"في\"جانب \"الإِثبات\" لا في جانب النفي؛ لأن نفي العامّ [مستلزم] (^٢) نفي الخاصّ، وإِلا لم يعم نفي أبدًا\"؛ إِذ يقال في: \"لا رجل\" أعم من الرجل (^٣) بصيغة العموم، فلا يشعر به.\nولقائل أن يقول: الاستواء شيء واحد مدلوله واحد، وهو الاستواء من كلّ وجه، وما يحصل بين زيد وعمرو مثلًا من الاشتراك في بعض الوجوه ليس المُسَاواة الحقيقية، وإِذا كان كذلك، فلا فرق فيه بين جانب الإِثبات والنفي.\n_________\n(^١) سقط في ج.\n(^٢) في ج: يستلزم.\n(^٣) في حاشية ج: أي الرجل المطلق.","vol":"3","page":149},{"text":"قُلْنَا: الْمُسَاوَاةُ فِي الْإِثْبَاتِ لِلْخُصُوصِ، وَإِلَّا لَمْ تَصْدُقْ أَبَدًا؛ إِذْ مَا مِنْ شَيئَيْنِ إِلَّا وَبَيْنَهُمَا نَفْيُ مُسَاوَاةٍ وَلَوْ في تَعَيُّنِهِمَا، وَنَقِيضُ الْجُزْئِيِّ الْمُوجَبِ كُلِّيٌّ سَالِبٌ.\nوَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْعُمُومَ مِنَ النَّفْيِ.\n<hr><s0>\n\n\"قالوا: لو عَمَّ\" نفي المُسَاواة \"لم يصدق؛ إِذ لا بد\" بين كلّ شيئين \"من مساواة، ولو في نفي سواهما عنهما\".\n\"قلنا: إِنما ننفي مساواة يصحّ انتفاؤها\" لا كلّ مساواة، واللّفظ وإِن كان ظاهرًا في العموم، إِلَّا أنه من قبيل ما يخصّ بالعقل.\n\"قالوا: المساواة في الإِثبات\" مثل قولك: زيد مساوٍ لعمرو \"للعموم: وإِلا لم يستقم إِخبار بمساواة\" بين شيئين؛ العدم الاختصاص\" اختصاص المُسَاواة بوجه ما بهما، بل كلّ شيئين كذلك؛ لما مَرّ، لكن الإِخبار بالمساواة مستقيم، فكانت المُسَاواة للعموم، والعموم كالكُلّي الموجب، ونفي المُسَاواة نقيضه، \"ونقيض الكُلّي الموجب جزئي سالب\"، فنفي المساواة يقتضي نفيها في بعض الأشياء لا كلها؛ وهو المدعي.\nونحن قد قدّمنا لك هذا، وقلنا: إِنه الحرف الذي تدور عليه المسألة.\nالشرح: \"قلنا\": ليست \"المساواة في الإِثبات\" للعموم، وإِنما هي \"للخصوص، وإِلا لم تصدق\" مساواة بين شيئين \"أبدًا؛ إِذ ما من شيئين إِلا وبينهما نفي مساواة\" لعدم المساواة بين كلّ شيئين من جميع الوجوه، \"ولو في تعينهما\" وتشخصهما، وإِلَّا لكانا واحدًا، وهو خُلْفٌ، لكن الحكم بالمساواة حقّ، فالمساواة في جانب الإِثبات للخصوص كالجزئي الموجب، \"ونقيض الجزئي الموجب كلي سالب\"، فيكون الحكم بنفي السَّلب للعموم، وهذا جواب بالمعارضة.\n\"والتحقيق\": أن - المساواة لا دلالة لها على العموم، و\"أن العموم\" إِنما استفيد \"من النفي\"، والنفي قرينة أفادته، ولولاها لم يحصل الغرض.\nقلت: ومن يجعل مدلول المُسَاواة شيئًا واحدًا - كما مَرّ - لا يستحسن ذكر لفظ العموم والخصوص في المسألة ألبتة ..","vol":"3","page":150},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nونقول: لا تحقيق في هذا المسمى بالتحقيق، والعموم والخصوص سواء، والله المستعان.\n\n<span data-type='title' id=toc-614>\"فائدتان\"\nإِحداهما: قد يقال: قوله: \"نفي المُسَاواة\" يقتضي أن المنفي الاسم، وهو المساواة،</span> وتمثيله بـ \"لا يستوي\"، لا يستقيم حينئذ؛ لأن المنفي فيه الفعل.\nوجوابه: أن نفي الفعل يتضمّن نفي الاسم؛ لأنه يتضمّن المصدر.\nفإِن قلت: مصدر \"لا يستوي\" الاستواء، لا المساواة.\nقلت: الخلاف فيهما واحد، والمراد نفي المُسَاواة وما هو من موادها.\n\n<span data-type='title' id=toc-615>\"الثَّانية\"\nما ينكره الأصوليون على الحنفية هنا، وعلى الشَّافعية بتقدير تعميمهم المشترك،</span> من أن الفعل في حَيّز الإِثبات كـ \"شاء\"، و\"أريد عمرًا\"، و\"رأيت عينًا\" لا يدلّ على الاستغراق؛ إِذ لا صيغة ولا قرينة.\nقد يقال: إِنه يختص بغير الأفعال الواقعة صلة لموصولٍ حرفي؛ فإِن تلك للعموم؛ لتأولها باسم مضاف، والإِضافة دليل العموم.\nوجوابه: أن الموصول الحرفي اسم في المعنى، فجرى عليه حكم اسم الجنس المضاف، فلم يكن هنا تعميم لفعل؛ لأن المؤول بالاسم \"أن والفعل\" لا مجرد الفعل؛ ولأن المؤول بشيء حكمه حكم ذلك الشيء، كما أن المقدر حكمه حكم الملفوظ.\nفإِذا قال: أعجبني أن قام زيد، كان معناه: قيام زيد، وذلك اسم مضاف، فعمّ بالإِضافة، على أن عندي وَقْفة في تعميمه من جهة أني أدعي أنه ليس المعنى قيام زيد المعرَّف بالإِضافة، بل قيام مُنكَّر؛ إِذ به يحصل الغرض من انحلال \"أن والفعل\" إِلى المصدر، والزائد على ذلك من تعريف ذلك المصدر لا دليل عليه، والنُّحَاة لا يحررون هذا، فلذلك يأتون في عباراتهم بالمصدر معَرَّفًا بالإِضافة، وليس لهم قصد في التعريف، فليتأمّل هذا، يظهر أَنْ لا إِضافة، فلا عموم.","vol":"3","page":151},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nالْمُقْتَضِى، وَهُوَ: مَا احْتَمَلَ أَحَدَ تَقْدِيرَاتٍ لاِسْتِقَامَةِ الْكَلامِ - لا عُمُومَ لَهُ فِي الْجَمِيعِ.\nأَمَّا إِذَا تَعَيَّنَ أَحَدُهَا [بدَلِيل]- كَانَ كَظُهُورِهِ؛ وَيُمَثلُ بِقَوْلِهِ ﵊: \"رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطأُ وَالنِّسْيَانُ.\n<hr><s0>\n\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"المقتضِى\" بكسر الضاد (^١)، وقد رأيتها هكذا مضبوطة بخط المصنّف، \"وهو ما احتمل أحد تقديرات\" يكفي إِضمار كلّ واحد منها \"لاستقامة الكلام\"، ويغني عن غيره، هل له عموم؟\nولنعرف أن المقتضي بصيغة الفاعل كما ذكرناه، وقد عرفت أنه ما لا يستقيم (^٢) كلام إِلا [بتقديره] (^٣)، وذلك التقدير هو المُقْتَضَى بفتح الضاد اسم مفعول، والأمور الصالحة للإِضمار هي التقديرات الَّتي يحتملها المُقتَضَى بفتح الضاد أيضًا، ودلالة العقل والشرع على أن هذا الكلام لا يصحّ إِلا بإِضمار شيء هو المسمى بـ \"دلالة الاقتضاء\" الذي سيبحث\n_________\n(^١) المقتضى - بفتح الضاد - اسم مفعول من: اقتضى يقتضي اقتضاء لمعنى طلب، وهو ما تتوقف استقامة الكلام أو صحته العقليّة أو الشرعية على تقديره أو معنى يفهم التزامًا لأجل صحّة الكلام أو صدقه. ينظر شرح العضد ٢/ ١١٥ - ١٧١، وفواتح الرحموت ١/ ٢٩٤، وأما بكسر الضاد فقد اعترض عليه الإِسنوي في الزوائد، وقال: وأما تعبيره في المختصر بأن المقتضى - بكسر الضاد - هو ما احتمل أحد تقديرات فغير مستقيم، واعترض أيضًا على فهرسة المسألة بقوله: \"إِذا لم يمكن إِجراء الكلام على ظاهر إِلّا بإِضمار شيء فيه كقوله ﷺ: \"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان\"، وكان هناك أمور كثيرة يستقيم الكلام بإِضمار واحد منها لم يجز إِضمارها جميعًا، وهو معنى قولهم: المقتضى - بفتح الضاد - لا عموم له. لنا: لو أضمرنا الجميع لأضمرنا شيئًا مع الاستغناء عنه، واعلم أن هذا التعبير هو الصواب الموافق لتعبير الآمدي وغيره.\n(^٢) في حاشية ج: قوله: \"ما لا يستقيم\" حاصله أن المقتضى - بالكسر - عدم استقامة، الكلام إِلا بالتقدير وبالفتح هو التقدير.\n(^٣) في ب: بتقدير.","vol":"3","page":152},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالمصنّف عنه بعد ذلك (^١).\n[فهذه] (^٢) المسألة من فروع دلالة الاقتضاء، وقدَّم الفرع على الأصل في الذكر لمناسبته لباب العموم.\nوعبَّر قوم عن هذه المسألة بأن المُقْتَضَى - وهو ما أضمر ضرورة صدق المتكلم - لا عموم له، وذلك بفتح الضَّاد.\nويمكن أن يقال: إِنها أولى؛ لأن القائلين بأنه لا عموم له - وهم أكثر أصحابنا - اعتلوا بأن العموم من صفات النُّطْق، فلا يجوز دعواه في المعاني، ذكره ابن السمعاني وغيره، فدلّ على أن الذي هو موضع تنازعهم في عمومه هو المضمر، لا المضمر له، فإِن المضمر له منطوق.\nوبهذا يعلم فساد قول الشِّيرازي شارح \"المختصر\": إِن الحامل على الإِضمار، وهو صيانة الكلام عن الكذب، ونحوه هو المُقْتَضِى بالكسر، وإِضمار شيء هو المُقْتَضَى بالفتح.\nفهذا المقتضِى والمقتضَى ليس هما اللَّذين تعرض لهما المصنّف والعلماء، وهم أجل من أن يصفوا الحامل على الإِضمار، أو عنه بـ \"العموم\".\nويمكن أن يعكس ويقال: بل هو بالكسر أولى؛ فإِنه لا يرد والحالة هذه أن العموم مختصّ بالألفاظ، فإِن المدعي تعميمه ملفوظ، والمصنّف غني عن ذلك؛ لأنه يرى العموم من عوارض الألفاظ؛ والمعاني جميعًا.\nوإِذا عرفت أن المراد بالتَّرْجمة أنه إِذا لم يكن إِجراء الكلام على ظاهره إِلا بإِضمار شيء فيه، وهناك أمور كثيرة يستقيم الكلام بإِضمار واحد منها، وهل يعم؟\nقال جماهير أصحابنا (^٣): \"لا عموم له في الجميع\"، أي: لا يجوز إِضمار الكلّ، بل يقدر واحد يتعيّن بدليل يدلّ عليه من كونه أقرب إِلي الحقيقة، أو نحو ذلك من الأدلّة، فإِن\n_________\n(^١) ينظر: المحصول ١/ ٢/ ٦٢٤، والإِحكام للآمدي ٢/ ٢٢٩، والمستصفى ٢/ ٦١، واللمع (١٦)، وجمع الجوامع ١/ ٤٢٤، ومفتاح الوصول (٥٥)، وأصول السرخسي ١/ ٢٤٨، والتحرير (٨٤)، وتيسير التحرير ١/ ٢٤٢، وفواتح الرحموت ١/ ٢٩٤، وكشف الأسرار ٢/ ٢٤٧، والعدة ٢/ ٥١٣، ونهاية السول ٢/ ٣٦٤، وإِرشاد الفحول ١٣١، والمسودة (٩٠).\n(^٢) في ب: وهذه.\n(^٣) ينظر مصادر المسألة.","vol":"3","page":153},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nلم يظهر دليلٌ على التعيين كان مجملًا بينهما.\nواعلم أن التقديرات الصَّالح أحدها للإِضمار قد يعمّها لفظ، وقد لا يعمّ متعددًا منها لفظٌ، بل تكون أمورًا متباينة، وهو الغالب، وإِليه الإِشارة بقوله \"أحد تقديرات\"، وحينئذ فقد يكون بينها جميعًا أو بينها وبين بعضها تنافٍ، وقد لا يكون، فهذه أقسام كثيرة لن يقدم المتأمل لكلامنا في هذه المسألة [أمثلها] (^١).\nويجب عندي انتفاء الخلاف عن قسمين منها:\nأحدهما: ما إِذا كان اللَّفظ عامًا لجميع تلك الأمور، فإِن الواجب تقدير ذلك العام؛ لأنه أقرب إِلى الحقيقة، ولا يعيّن واحد من أفراده إِلا إِن دلّ عليه دليل بخصوصه يثبته، وينفي ما عداه، وفي ذلك إِحالة لصورة المسألة، وفي قول المصنّف: \"أحد تقديرات\" ما يرشد إِلى هذا؛ فإِن أفراد العام في حكم تقدير واحد. وأما إِن كان هناك لفظ عام تحته أفراد وتقدير آخر خاصّ ليس هو من جملة أفراد ذلك العام، [فهل] (^٢) يترجّح عليه العام؟\nفيه نظر واحتمال، والأقرب عدم ترجّحه؛ لأنا لا نرجّح بكثرة الأفراد.\nونظيره: مسألة اللَّفظ المستعمل لمعنى تارة، ولمعنيين أخرى، الآتية في المجمل.\nوالثَّاني: أن يتنافيا، فالواجب عدم تقديرهما كما سنحكيه عن إِمام الحرمين، فنخصّ محلّ الخلاف بما وراء هذين القِسْمين.\nوإِذا عرفت محلّه فنقول:\nرأي جمهور أصحابنا ما عرفت، وخالفهم طائفة من الفُقَهَاء، فقالوا بالتعميم أي بتقدير الكُلّ. هذا معنى التعميم في هذا المقام، ولا نعني به أنهم يقدّرون اللَّفظ العامّ؛ لأنه قد لا يكون في المحتملات لفظ عام ألبتة، وبتقدير كونه، فالأولون لا ينكرونه، بل يذهبون إِليه إِذا كان أقرب إِلى الحقيقة.\nوقد يقال: كلّ تقدير عام بالعموم المصطلح كما في قوله: \"رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ\" فإِن المقدر على كلّ تقدير مضاف إِلى الخطأ، فيعم بالإِضافة، وإِنما المعنى بالعموم هنا تقدير تلك المحتملات بأسرها، وكلام الشَّافعي ﵁ في \"الأم\" في كتاب \"الحج\" يدلّ\n_________\n(^١) في أ، ج: أمثلتها.\n(^٢) في ب: وهل.","vol":"3","page":154},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nلمذهب هذه الطَّائفة؛ فإِنه لما ذكر الدّماء الواجبة للترفُّه، وهو دم التقليم، وتَرْجِيل، الشّعر، والطِّيب، واللِّباس، والتغطية، جعل جميع ذلك مقدورًا في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٩٦].\nقال المَاوَرْدِيّ (^١): التقدير عند الشَّافعي: فمن كان منكم مريضًا فتطيب أو لبس، أو أخذ من ظُفْره إِلى آخره، قال: وقال في \"الإِملاء\": إِن اللَّفظ لا يتضمنه.\nقلت: فيكون للشَّافعي قولان في المسألة.\nولا يخفى أن الكلام إِنما هو حيث لم يتعين واحد من تلك المحتملات.\n\"أما إِذا تعين أحدها بدليل\" يدلّ عليه \"كان [كظهوره] (^٢) \"، فإِن كان عامًّا، فهو عامّ وإِلا فلا، فالصور إِذن ثلاث:\nإِحداها: أن تتساوى الاحتمالات، ولا يظهر في واحد منها أنه أرجح من الآخر، فعندنا أنه مجمل؛ لأنا لا نقدر إِلا بقدر الضَّرورة، وهي تندفع بواحد، ولم يقم عليه أمارة، فيكون مجملًا وعند الخَصْمِ هو عام.\nالثَّانية: أن يترجّح بعضها لا بدليل من خارج، بل لكونه أقرب إِلى الحقيقة مثلًا، مثل: \"لا صِيَامَ لمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ\".\nفصحابنا يقدرون واحدًا، ثم يرتجحون تقدير ما كان أقرب إِلى نفي الحقيقة، وهو الجواز هنا مثلًا، والخَصْم يقدر الكل.\nثم إِمام الحرمين يقول هنا ما حاصله أنه لا ينبغي للخصم على بعد مذهبه أن يقدّر الكلّ إِلا إِذا لم يُنَافِ بعضها بعضًا، فإِن نافل وارتكب تقدير الكُلّ والحالة هذه، فقد أساء وأسرف وركب شَطَطًا، وهذا مثل \"لا صِيَامَ\"؛ فإِنّ تقدير الكمال ينافي تقدير الصّحة؛ إِذ نفي الكمال يفهم إِثبات الصحة، فلا يصحّ تقديره مع تقدير نفي الصِّحّة معه.\nوقد وافق إِمام الحَرَمَيْنِ على هذا ابن السَّمْعَاني فقال:\n_________\n(^١) ينظر النكت والعيون ١/ ٢٥٤.\n(^٢) في ب: لظهوره.","vol":"3","page":155},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nلا يجوز انتفاء الفضيلة مع انتفاء الجواز؛ لأنه لا بد من وجوب الجواز حتى يثبت انتفاء الفضيلة.\nولك منازعة الإِمام، وابن السمعاني في [أنّ] (^١) نفي الكمال يقتضي إِثبات الجواز؛ فإِن نفي الأخصّ لا يستدعي ثبوت الأعم، بل هو صادق وإِن لم يثبت الأعم أيضًا كما في قوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [سورة الرعد: الآية ٢] أي: لا عمد لها فترونها.\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٧٣].\nوقولهم في صفة محاسن النبيّ ﷺ: \"لا تثنى فلتاته\" أي: لا فلتات له فتثنى، وقول الشّاعر: [الطويل]\nعَلَى لاحِبٍ (^٢) لا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ … إِذَا سنافَهُ الْعُودُ النَّبَاطِيُّ جَرْجَرَا (^٣)\nأي: لا منار له فيهتدى به.\nوقول الآخر، وهو زهير: [البسيط]\nإِنَّ ابْنَ وَرْقَاءَ لا تُخْشَى بَوَادِرُهُ … لَكِنْ وَقَائِعُهُ فِي الحَرْبِ تُنْتَظَرُ (^٤)\n_________\n(^١) سقط في ب.\n(^٢) في حاشية ج: قوله: \"على لا حب … إِلخ اللاحب: الطريق الواسع وسافه: بسين مهملة، وفاء مشمة، والعود بعين مفتوحة ودال مهملة: الجمل المسن.\nوالديافي - بدال مهملة وتحتية وفاء -: الضخم نسبة إِلى دياف موضع بالجزيرة، والجرجرة: صوت يردده البعير في حنجرته. معاهد.\n(^٣) البيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص ٦٦، واللسان ٣/ ٢١٥٣ قوله: \"لا يهتدي بماره\" أي ليس فيه علم، ولا منار فيهتدي به يصف أنه طريق غير مسلوك، فلم يجعل فيه علم، وقوله: \"إِذا سافه العود\" أي إِذا شمه المسنُّ من الإِبل صوَّت ورغا لبعده وما يلقى من مشقته، والنَّبَاطيُّ: الطريق البين الذي طرقته الحوافر أي أثرت فيه فصارت فيه طرائق وآثار بينة، هذا أصله، ثم يستعمل لكل طريق بين وخفيّ، وبناؤه على فاعل، وكان حقه أن يبنى على مفعول لكنه على النسب كما قال: \"عيشة راضية\" بمعنى مرضية، ومعنى \"جر جَر\": صوّت.\n(^٤) البيت لزهير بن أبي سلمى كما قال المصنّف وهو في ديوانه ص ٥٣، يريد أن ابن ورقاء ليس ممن يغدر أو يغتال، لكنه يجاهر بالحرب ويدعو إِليها. =","vol":"3","page":156},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأي: لا بوادر له فيخشى؛ وهو كقول الفرزدق (^١): [البسيط]\nسَهْلُ الْخَلِيقَةِ لا تُخْشَى بَوَادِرُهُ … يَزِينُهُ اثْنَانِ حُسْنُ الْخُلْقِ وَالْكَرَمُ (^٢)\nوأمثلته تكثر، لكني أقول:\nنفي الأخص وإِن لم يقتض من حيث إِنه نفي أخصّ إِثبات الأعمّ، إِلَّا أنه في بعض المحال قد لا تظهر فائدة لتخصيصه بإِيراد النَّفْي عليه إِلا ذلك، فيفهم منه ذلك والحالة هذه، وهذا كما لو قلت: لا رجل في الدار، فإِنه صادق بانتفاء كون الرجل في الدار مع وِجْدَان الدار وبنفيهما معًا، ولو كانت الدَّار منفيةً لم يظهر لنفي كون الرجل فيها فائدة، ولا بُدّ من فائدة، فيفهم بهذا إِثبات الدَّار، ومن مَارَسَ لغة العرب [وتضلّع] (^٣) موارد الشريعة لم يرتب فيما أقوله، وإِنما يمتري في ذلك الجامدون على المَنْطِقِ، بل ذكر شيخنا أبو حيان في تفسيره عند الكلام على قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٩] أن الأكثر في كلام العرب فيما إِذا نفي المقيد بقيد، نفي القيد فقط، وإِثبات المقيد، وأن نفيهما معًا خلاف الأكثر في كلامهم.\nوكذلك ذكر غيره من النُّحَاة، وإِنما يحمل كلام النبيّ ﷺ على غالب كلام العرب، فوضح ما قاله الإِمام وابن السمعاني.\nوالثَّالثة: أن يظهر واحد معين بدليل مستفادٍ من خارج، وهو المشار إِليه بقوله: \"أما إِذا تعيّن\" ولا ينبغي لأحد أن يخالف هنا، بل يقدر ما ظهر، سواء أكان عامًّا أو خاصًّا؛ لأن الدليل قَادَهُ.\n_________\n= ويروى الْعَجُزُ \"بالشيم\"، بدلًا من \"الكرمُ\" وكلتاهما بمعنى واحد.\n(^١) همّام بن غالب بن صعصعة التميمي الدارمي، أبو فراس، الشهير بالفرزدق: شاعر من النبلاء من أهل البصرة عظيم الأثر في اللغة، كما يقال: لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب، ولو شعره لذهب نصف أخبار الناس، يُشبّه بزهير بن أبي سلمى وكلاهما من شعراء الطبقة الأولى، زهير في الجاهليين، والفرزدق في الإِسلاميين، لُقِّب بالفرزدق لجهامة وجهه وغلظه. توفى سنة ١١٠ هـ.\nينظر: البيان والتبيين، ابن خلكان ٢: ١٩٦، الأعلام ٨/ ٩٣.\n(^٢) البيت للفرزدق ص ٥١٢ من قصيدة له يمدح فيها زين العابدين علي بن الحسين.\n(^٣) في ج: وتضلع من.","vol":"3","page":157},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nونظيرُ التعميم فيه قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [سورة يوسف: الآية ٨٢]؛ فإِنه يظهر إِضمار الأهل، وقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٩٧]؛ فإِنه يظهر إِضمار الوقت.\nونظير التَّخصيص قوله ﵇: \"لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ\" (^١)؛ فإِنه يظهر إِضمار الوجوب فيه؛ إِذ لا تحرم الهجرة بعد الفتح إِجماعًا.\nوكذا قوله ﵇: \"لا صَلاةَ لِمَنْ لَيْسَ عَلَى يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الخُلُوفِ\" المراد نفي الكمال بخصوصه.\n\"ويمثل\" لما يظهر فيه واحد معيّن بدليل خارجي \"بقوله ﷺ: \"رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسْيَان، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (^٢) \"رواه الحافظ أبو القاسم التيمي (^٣) المعروف بـ \"أخي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري ٦/ ٤٥ في الجهاد: باب وجوب النفير (٢٨٢٥)، ومسلم ٢/ ٩٨٦ كتاب الحج: باب تحريم مكة (٤٤٥ - ١٣٥٣).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه ١/ ٦٥٩ في كتاب الطلاق باب طلاق: المكره والناسى حديث (٢٠٤٥)، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٣٥٦ - ٣٥٧ في كتاب الخلع والطلاق، باب ما جاء في طلاق المكره، وأخرجه الطبراني في المعجم الصغير ١/ ٢٧٠ وفي الكبير ١١/ ١٣٣، والدارقطني في النذور ٤/ ١٧٠، ١٧١ حديث (٣٣)، والحاكم في المستدرك، ٢/ ١٩٨ في كتاب الطلاق، وقال ابن كثير في تحفة الطالب ص (٢٧١): إِسناده جيد، ومن حديث ابن عمر أخرجه أبو نعيم في الحلية ٦/ ٣٥٢، ومن حديث عقبة بن عامر أخرجه البيهقي في الكبرى ٧/ ٣٥٧، وقال ابن أبي حاتم: هذه أحاديث منكرة كأنها موضوعة؛ العلل ١/ ٤٣١، ومن حديث أبي هريرة عند ابن ماجة ١/ ٦٥٩ (٢٠٤٥) وله شاهد عند البخاري في كتاب الطلاق: باب الطلاق في الإِغلاق والمكره والسكران والمجنون … حديث (٥٢٦٩). ومن حديث أبي ذر الغفاري ١/ ٦٥٩ حديث (٢٠٤٣) وضعفه البوصيري في الزوائد لأجل أبي بكر الهذلي؛ فإِنه متروك الحديث.\n(^٣) إِسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي القرشي، الطليحي، التيمي، الأصبهاني، أبو القاسم، الملقب بـ\"قوام السنة\". ولد سنة ٤٥٧ هـ. وهو من أعلام الحفاظ. كان إِمامًا في التفسير والحديث واللغة، وهو من شيوخ السمعاني في الحديث. من كتبه: \"الجامع\" في التفسير، =","vol":"3","page":158},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nعاصم\" في \"مسنده\" من رواية محمد بن مصفى (^١) عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس، والبيهقي في \"الخلافيات\" من رواية محمد بن مصفى عن الوليد بن مسلم أيضًا عن مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا، ورواه ابن ماجه عن ابن مصفى، ولفظه: \"إِنَّ الله وَضَعَ\" الحديث.\nورواه الحافظ الضياء في \"المختارة\" من حديث ابن مصفى، ولفظه كلفظ ابن ماجه، وقد أنكره أحمد بن حنبل.\nوقال الإِمام محمد بن نصر المَرْوَزِيّ في كتاب \"اختلاف العلماء\" في \"الطلاق\": ليس له إِسناد يحتج بمثله.\nولكن قال البيهقي: قال لنا أبو عبد الله الحاكم: تفرَّد به الوليد بن مسلم عن مالك، وهو صحيح غريب.\nووجه التمثيل: أن ظاهر الحديث يقتضي رفع ذاتي الخطأ والنسيان، وهما واقعان، فاحتيج إِلى إِضمار، والمضمر يحتمل أمورًا كثيرة، كالإِثْمِ، والضمان، ونحو ذلك، فيقدر واحد منها.\nونظيره: \"لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ\" (^٢).\n_________\n= و\"دلائل النبوة\" و\"التذكرة\" و\"الترغيب والترهيب\" و\"شرح الصحيحين\" وغيرها. توفي سنة ٥٣٥ هـ. وينظر: شذرات الذهب ٤/ ١٠٥، والأعلام ١/ ٣٢٣.\n(^١) محمد بن مُصَفى بن بُهْلُول القُرَشِي، أبو عبد الله الحِمْصي الحافظ. عن: ابن عيينة ومحمد بن حِمْير وخلق. وعنه: أبو داود والنسائي وابن ماجه وأبو حاتم، وقال: صدوق، مات بـ \"منى\" سنة ست وأربعين ومائتين. وينظر: الوافي بالوفيات ٥/ ٣٣، وتراجم الأحبار ٤/ ٨٤، والثقات ٩/ ١٠٠، والضعفاء الكبير ٤/ ١٤٥، والأنساب ٤/ ٢٤٩، ولسان الميزان ٧/ ٣٧٦، وميزان الاعتدال ٤/ ٤٣، وتاريخ البخاري الكبير ١/ ٢٤٦، تهذيب الكمال ٣/ ١٢٧٣، وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٦٠، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٤٥٨، والبداية والنهاية ١٠/ ٣٤٧.\n(^٢) أخرجه البخاري ١٠/ ٢٢٦، في كتاب الطب: باب الهامة (٥٧٥٧)، ومسلم ٤/ ١٧٤٣، في كتاب السَّلام: باب لا عدوى ولا طيرة (١٠٤/ ٢٢٢١)، واللفظ له.","vol":"3","page":159},{"text":"لَنَا: لَوْ أُضْمِرَ الْجَمِيع، لأُضْمِرَ مَعَ الاِسْتِغْنَاء.\n<hr><s0>\n\n\"لا صَلاةَ لِجَارِ المَسْجِدِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ\" (^١).\n\"إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَلا صَلاةَ إِلَّا المَكْتُوبَةُ\" (^٢).\n\"لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَه، وَلا عَهْدَ لِمَنْ لا دِينَ لَهُ\" (^٣).\n\"لا نِكَاحَ إِلَّا بِوَليٍّ\".\n\"لا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِجُنُبٍ وَلا حَائِضٍ\" (^٤).\nالشرح: \"لنا\" على أنه لا يجب إِضمار الجميع أنه \"لو أضمر الجميع لأضمر\" ما وراء الواحد \"مع الاستغناء\" عنه، وما أسقط.\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني (١/ ٤٢٠)، والحاكم (١/ ٢٤٦)، والبيهقي (٣/ ٥٧)، من طريق داود بن سليمان اليمامي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا.\nوسكت عنه الحاكم، وقال البيهقي: وهو ضعيف.\nوأخرجه الدارقطني (١/ ٤٢٠) من طريق محمد بن سكين وعبد الله بن بكير الغنوي عن محمد بن سوقة عن محمد بن المنكدر عن جابر مرفوعًا.\nقال في \"التعليق المغنى\" (١/ ٤٢٠): فيه محمد بن سكين قال الذهبي، لا يعرف، وخبره منكر، وقال البخاري: في إِسناد حديثه نظر.\n(^٢) أخرجه مسلم (١/ ٤٩٣) كتاب صلاة المسافرين: باب كراهة الشروع في النافلة بعد شروع المؤذن (٦٣ - ٦٤) وأبو داود (٢/ ٥٠) رقم (١٢٦٦)، والترمذي (٢/ ٢٨٢) أبواب الصلاة: باب ما جاء إِذا أقيمت الصلاة رقم (٤٢١).\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ١٥٤ في مسند أنس بن مالك ﵁، والبيهقي في السنن الكبرى ٦/ ٢٨٨ كتاب الوديعة: باب ما جاء في الترغيب في أداء الأمانات.\n(^٤) أخرجه أبو داود (١/ ١٥٧) كتاب الطَّهارة: باب في الجنب يدخل المسجد حديث (٢٣٢) والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ٢/ ٦٧ - ٦٨) من طريق عبد الواحد بن زياد ثنا أفلت بن خليفة حدثتني جسرة بنت دجاجة قالت: سمعت عائشة … فذكرته.\nوقال البخاري: جسرة عندها عجائب. =","vol":"3","page":160},{"text":"قَالُوا: أَقْرَبُ مَجَازٍ إِلَيْهِمَا - بِاعْتِبَارِ رَفْعِ الْمَنْسُوبِ إِلَيهِمَا عُمُومُ أَحْكَامِهِمَا.\nأُجِيبَ: بأَنَّ بَابَ غَيْرِ الْإِضْمَارِ فِي الْمَجَازِ أَكْثَرُ؛ فكَانَ أَوْلَى؛ فَيَتَعَارَضَانِ؛ فَيَسْلَمُ الدَّلِيلُ.\nقَالَوا: الْعُرْفُ فِي مِثْلِ: \"لَيْسَ لِلْبَلَدِ سُلْطَانٌ\" - نَفْيُ الصِّفَاتِ.\n<hr><s0>\n\nمنع الشِّيرازي هنا الاستغناء محتجًا بالخروج عن العُهْدَةِ بيقين، مع أنه لا عُهْدة أي: الآن وإِن ثبتت فقد يكون ارتكاب الكلّ محذورًا وإِحداثًا لأحكام شرعية بمجرد الاحتمال.\nوالمعممون \"قالوا\" أولًا: \"أقرب مجاز إِليهما\" أي: إِلى الخطأ والنسيان \"باعتبار رفع المنسوب إِليهما\" المقتضى بظاهره ارتفاع ذاتيهما، إِنما هو \"عموم أحكامهما\"؛ فإِن نفي جميع الأحكام يصيرهما كالعَدَمِ، فكان الذات قد ارتفعت، بخلاف البَعْضِ، فوجب الحمل عليه؛ لقربه من الحقيقة، وذلك معنى إِضمار الجميع.\nو\"أجيب بأن غير الإِضمار في المجاز أكثر\" من باب الإِضمار، \"فكان\" غير الإِضمار \"أولى\".\nومقتضى ذلك: ألّا يضمر شيء من المقدّرات، \"فيتعارضان\" دليلكم المثبت لتقدير الجميع، ودليلنا النَّافي للجميع، وهو كون المجاز أكثر؛ \"فيسلم الدَّليل\" الأول الذي أبديناه، وهو المثبت لتقدير البعض عن المعارض.\nفإِن قلت: قوله: \"أقرب مجاز\" يشعر بأن المراد بـ \"العموم\" في هذا المَقَامِ العموم المصطلح، وهو تقدير لفظ عام، وهو خلاف ما قدمتوه.\nقلت: لا اعتبار بهذا الإِشعار، ولفظ \"أحد تقديرات\" في أول كلامه صارفٌ له.\nالشرح: \"قالوا\" ثانيًا: \"العُرْف\" يقضى \"في مثل\" قولنا: \"ليس للبلد سلطان\" ولا\n_________\n= وأخرجه ابن ماجة (١/ ٢١٢) كتاب الطَّهارة: باب ما جاء في اجتناب الحائض المسجد (٦٤٥) من طريق أبي الخطاب الهجري عن محدوج الذهلي عن جسرة قالت: أخبرتني أم سلمة … بمثله.","vol":"3","page":161},{"text":"قُلْنَا: قِيَاسٌ فِي الْعُرْفِ.\n\"قَالُوا: يَتَعَيَّنُ الْجَمِيعُ؛ لِبُطْلانِ التَّحَكُّمِ إِنْ عُيِّنَ، وَلُزُومِ الإِجْمَالِ إِنْ أُبْهِمَ.\n<hr><s0>\n\nقَاضٍ بالتعميم أي: بأن المراد منه \"نفي الصفات\" المطلوبة منه جميعها، فكذلك فيما نحن فيه يقضى بأنّ المراد منه نفي جميع الأحكام؛ لأن الأصل عدم النقل.\n\"قلنا\": هذا \"قياس في العُرْف\"؛ فلا يحتج به، أو قد يحصل في عبارة دون عبارة ولا جامع، ولك أن تمنع كون هذا قياسًا، وتقول: بل هو مثال ما نحن فيه.\nنعم: لو منع المصنّف العموم في نحو: \"ليس للبلد سُلْطَان\" لكان متّجهًا.\nقلت: وهذان الوَجْهَان ظاهران في أن النزاع جار، وإِن كان بعض الاحتمالات أقرب إِلى نَفْيِ الحقيقة، ولم ينكره المصنّف.\nوعندي: أنه متى كان أقرب إِلى نفي الحقيقة تعيّن، سواء أكان أعم من غيره أم لا، إِذا لم يصرف عنه صارف؛ ألا ترى أنا نقدر الصّحة في قوله ﵇: \"لا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبيِّتِ الصِّيَامَ\" وقوله ﵇: \"لا صلاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ (^١) \"، وننكر على الخصم العدول عنه، وإِنما ننازع فيما إِذا تساوت الاحتمالات، فهل يقدر الكل؟\nونحن نقول: لا نقدّر الكلّ، وليس في الوجهين ما يدفعه.\nالشرح: \"قالوا\" ثالثًا: \"يتعيّن\" أن نقدّر \"الجميع؛ لبطلان التحكُّم إِن عين\" المقدر؛\n_________\n(^١) أخرجه البخاري ٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧ كتاب الأذان: باب وجوب القراءة (٧٥٦) ومسلم ١/ ٢٩٥ كتاب الصلاة: باب وجوب قراءة الفاتحة في كلّ ركعة (٣٤/ ٣٩٤) وأبو داود ١/ ٢١٧ كتاب الصلاة: باب من ترك القراءة في صلاته (٨٢٢) والترمذي ٢/ ٢٥ - ٢٦ كتاب الصلاة: باب ما جاء أنه لا صلاة إِلَّا بفاتحة الكتاب (٢٤٧)، النسائي ٢/ ١٣٧، وابن ماجة في سننه ١/ ٢٧٣ كتاب إِقامة الصلاة: باب القراءة خلف الإِمام (٨٣٧).","vol":"3","page":162},{"text":"قُلْنَا: وَيَلْزَمُ مِنَ التَّعْمِيمِ: زِيَادَةُ الإِضْمَارِ، وَتَكْثيرُ مُخَالَفَةِ الدَّلِيلِ؛ فكَانَ الإِجْمَالُ أَقْرَبَ.\n<hr><s0>\n\nإِذ لا ترجيح من غير مرجّح، \"ولزوم [الإِجمال] (^١) إِن أبهم\"، وهو خلاف الأصل.\n\"قلنا: ويلزم من التَّعميم زيادة الإِضمار، وتكثير مخالفة الدَّليل\"، وهو أيضًا خلاف الأصل، \"فكان [الإِجمال] (^٢) أقرب\".\nقلت: وإِنما يكون لم أقرب إِذا يترجّح التعيين من تعميم، أو غيره؛ لكونه أقرب إِلى الحقيقة على خلاف ما يظهر من سياق الكتاب.\nفإِن قلت: كلام المصنّف قاضٍ بأن [الإِجْمَال] (^٣) خير من كثرة الإِضمار، وقد صرّح الآمدي في مسألة الإِجمال في نحو: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٣] بخلافه، وهو الحق.\nقلت: إِنما جُعِلَ خيرًا من تكثير الإِضمار مع مُخَالفة الدَّليل لا مطلقًا، فتأمله.\n\n<span data-type='title' id=toc-617>\"تنبيه\"\nما تقدم من تعذّر حمل: \"لا نِكَاحَ\" وَ\"لا صِيَامَ\"</span> وأمثالهما على نَفْيِ الحقيقة جارٍ على قولنا: إِن اللَّفظ الشرعي موضوع لأعمّ من الصحيح والفاسد.\nأما إِذا قلنا: إِنه مختصّ بالصَّحيح، فلم تتعذّر الحقيقة، بل هي منفية، وقد سبق هذا في باب المناهي.\n\n\"تنبيه آخر\"\nوضح لك أنا نقدر بقدر الضَّرورة، ولا نمنع تقدير العام، بل نجوزه ونصير إِليه إِذا كان أقرب إِلى الحقيقة كما عرفت في مثل \"لا صِيَامَ\"، والخصوم يمنعون تقدير العام مطلقًا، وبنوا على الخلاف مسائل:\n_________\n(^١) في أ: الاحتمال.\n(^٢) في أ: الاحتمال.\n(^٣) في أ: الاحتمال.","vol":"3","page":163},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nمِثْلُ: \"لا آكُلُ\"، وَ\"إِنْ أَكلْتُ\" - عَامٌّ فِي مَفْعُولاتِهِ؛ فَيَقْبَلُ تَخْصِيصَهُ.\nوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: لا يَقْبَلُ تَخْصِيصًا.\nلَنَا: أَنَّ \"لا آكُلُ\" لِنَفْيِ حَقِيقَةِ الْأَكْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ مَأْكُولٍ، وَهُوَ مَعْنَى الْعُمُومِ؛ فَيَجِبُ قَبُولُهُ لِلتَّخْصِيصِ.\n<hr><s0>\n\nإِذا قال: أنت طالق، ونوى الثَّلاث يصحّ عندنا؛ خلافًا لأبي حنيفة.\nولو قال: أنت طالق طلاقًا، صحّت نية الثَّلاث بالاتفاق، وإِنما لم يوافق الحنفية في الأول؛ لأنهم لا يقولون بعموم المقتضى، ولا بأنه يجوز تقدير عمومه، وكذا إِذا حلف لا يشرب، ونوى مياه [جميع] (^١) العالم (^٢).\n\n\"مسألة\"\nالشرح: تقدم في أول العموم أن النكرة في سياق النفي تعم، وقد اختلف في أنها هل عمت بذاتها؟ أي: بالوضع، أو بنفي المشترك منها الذي يلزمه انتفاء جميع الأفراد؟ والثَّاني: قول الحنفية.\n[والأول] (^٣): قول أصحابنا، وهي على الخلاف \"مثل\" قول القائل: والله \"لا آكُل، وإِن أكلت\" من غير ذكر المفعول به، ولا المصدر، فامرأتي طالق.\nفقال أصحابنا: \"عامّ في مفعولاته؛ فيقبل تخصيصَه\" بالنية، ويصدّق من قال: أردت مأكولًا معينًا.\n\"وقال أبو حنيفة (^٤): لا يقبل تخصيصه\"؛ لأنه لا عموم فيه، بل نفي للقدر المُشْتَرك،\n_________\n(^١) سقط في ب.\n(^٢) ينظر: شرح الكوكب ٢/ ٢٠٢، والمحصول ١/ ٢/ ٦٢٧، وجمع الجوامع ١/ ٤٢٣، والمستصفى ٢/ ٦٢، والإِحكام للآمدي ٢/ ٢٣١، وشرح تنقيح الفصول ص (١٨٤)، ونهاية السول ٢/ ٣٥٣، ومفتاح الوصول ٧١، وشرح العضد ٢/ ١١٦، ومختصر ابن اللحام ص (١١١)، والتحرير ٨٦، وتيسير التحرير (١/ ٢٤٦)، وفواتح الرحموت (١/ ٢٨٦)، وإِرشاد الفحول (١٢٢).\n(^٣) في ب: فالأول.\n(^٤) ينظر: المصادر السابقة في المسألة.","vol":"3","page":164},{"text":"قَالُوا: لَوْ كَانَ عَامًّا، لَعَمَّ فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ.\nوَأُجِيبَ: بِالْتِزَامِهِ، وَبِالْفَرْقِ بِأَنَّ \"أَكَلْتُ\" لا يُعْقَلُ إِلَّا بِمَأْكُولٍ؛ بِخَلافِ مَا ذُكِرَ.\nقَالُوا: إِنَّ \"أَكَلْتُ\"، وَ\"لا آكُلُ\" - مُطْلَقٌ؛ فَلا يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِمُخَصِّصٍ؛ لِأَنَّهُ غيْرُهُ.\nقُلْنَا: الْمُرَادُ: الْمُقَيَّدُ الْمُطَابِقُ لِلْمُطْلَقِ، لاِسْتِحَالَةِ وُجُودِ الْكُلِّيِّ فِي الْخَارجِ؛ وَإِلَّا لَمْ يَحْنَثْ بِالْمُقَيَّدِ.\n<hr><s0>\n\nوالتخصيص يمنع قوله للتخصيص باللَّفظ والنية، ولا يفرق بين ذكر المصدر والمفعول به، وعدم ذكرهما لكان مذهبًا قويًا.\nولكنه يقول: إِنه يقبل التخصيص باللَّفظ دون النّية.\nقال: لأن النّية [ضعيفة، فلا تؤثر إِلَّا في ملفوظ، ولو عكس لكان أقرب؛ فإِن الملفوظ أقوى] (^١) من المسكوت، ولكنه ناقض؛ إِذ جعله عامًّا حيث قال: إِنه يقبل التخصيص باللَّفظ غير عام، إِذ قال: إِنه لا يقبله بالنّية، ولا عهد بمثل هذا في اللسان.\nوقال: إِنه عند ذكر المفعول به، أو المصدر يعم، ويقبل التخصيص زاعمًا أن الفعل إِذا تجرّد فالمصدر غير مذكور، وهذا خارج أيضًا عن اللسان؛ فإِن الفعل يدلّ على الحدث بالتضمن.\nوإِذا عرفت مذهب أبي حنيفة، وأنه لا يمنع التخصيص مطلقًا، وإِنما يمنعه بالنّية، وضح لك أن ردّ القرافي عليه بمثل قوله تعالى: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [سورة يوسف: الآية ٦٦] غير سديد، وإِنما ذكر المصنّف مثالين: \"لا أكلت\" و\"إِن أكلت\"؛ ليبين أنه لا فرق بين النكرة في سياق النفي والشرط.\nوقد قال إِمام الحرمين (^٢): إِنها عامّة في سياق الشرط كالنفي، وفيه بحث يطول.\n\"لنا\" على العموم \"أن\" \"لا آكل\"، لنفي حقيقة الأكل بالنسبة إِلى كلّ مَأكول\"، ولذلك يحنث عند الإِطلاق بأي مأكول أكله، \"وهو [معنى] (^٣) العموم، فيجب قبوله للتخصيص\".\nولقائل أن يقول: لا نسلّم أنه نفي لحقيقة الأكل بالنسبة إِلى كلّ مأكول.\nالشرح: والخصوم \"قالوا: لو كان\" الفعل \"عامًّا\" بالنسبة إِلى مفعولاته \"لعمَّ في\"\n_________\n(^١) سقط في ب.\n(^٢) ينظر: البرهان (١/ ٣٣٧).\n(^٣) في ب: يعني.","vol":"3","page":165},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nظرفي \"الزَّمان والمكان\"، بجانب المفعولية المثشركة بينهما، وكان يقبل التخصيص فيهما.\n\"وأجيب بالتزامه؛ فإِنه لو قال: والله لا آكل، ونوى زمانًا معينًا، أو مكانًا صحت نيّته، هذا مذهبنا، ودعوى الإِمام الرازي الإِجماع على خلافه ممنوعة.\n\"وبالفرق\" بين المفعول به، والمفعول فيه \"بأن\" الأكل الذي هو مصدر \"أكلت\" لا يعقل إِلا بمأكول، بخلاف ما ذكره\" من [الظرفين] (^١)؛ فإِن الفعل قد يعقل مع الذُّهول عنهما، واستلزامه لهما إِنما هو بحسب الواقع، وقد لا يستلزم؛ بدليل فعل الله تعالى.\nوالحاصلُ: أن المفعول به من مقوِّمَات الفعل، فكان كالمذكور، وإِذن جاز أن يراد به البَعْض، ولا كذلك الظرف.\n\"قالوا: إِن \"أكلت\" و\"لا آكل مطلق\"، ولا دلالة للمطلق على العموم والخصوص، \"فلا يصح تفسيره بمخصص؛ لأنه غيره\".\n\"قلنا\": ليس \"المراد\" بالأكل في قوله لا آكل المطلق؛ بل المراد \"المقيّد المطابق للمطلق لاستحالة وجود الكلّي في الخارج، وإِلا\" فلو كان المراد الكلي المطلق \"لم يحنث بالمقيد\"؛ لأنه غير ما عقد عليه اليمين، وقد سبق للمصنّف نظير هذا، وعرفت (^٢) ما فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-619>\"فرع\"\nأقر (^٣) في صكّ أنه لا دعوى له على زيد </span>ولا طلبه بوجه من الوجوه، ثم قال: إِنما أردت في عِمَامَتِهِ وقميصه، لا في دَارِهِ [وبُسْتَانه] (^٤).\nقال القاضي أبو سعد بن أبي يوسف: هذا موضع تردّد، والقياس قوله؛ لأن غايته تخصيص عموم، وهو محتمل.\nوقال النووي: الصَّواب: لا يقبل في ظاهر الحُكْم، لكن له تحليفه أنه لا يعلم قصده لذلك.\n_________\n(^١) في أ، ج: الظرف.\n(^٢) في حاشية ج: قوله: وعرفت ما فيه لعلة أنه لا تنافي؛ لأنه بين المطلق والمقيد العموم والخصوص، وكان المصنّف فهم من المطلق المأخوذ بشرط الإِطلاق، وهو المبهم الذي لا يتصور تحققه في الخارج، أما لو كان المطلق هو الماهية لا بشرط شيء لم تتأثر المنافاة. تأمل.\n(^٣) في ج: أقرت.\n(^٤) في أ، ج: ونسائه.","vol":"3","page":166},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nالْفِعْلُ الْمُثْبَتُ لا يَكُونُ عَامًّا فِي أَقْسَامِهِ؛ مِثْلُ: \"صَلَّى دَاخِلَ الْكَعْبَةِ\"؛ فَلا يَعُمُّ الْفَرْضَ والنَّفْلَ، وَمِثْلُ: \"صَلَّى بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ\"، فَلا يَعُمُّ الشَّفَقَيْنِ إِلَّا عَلَى رَأْيٍ.\nوَ\"كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فِي السَّفَرِ\" - لا يَعُمُّ وَقْتَيْهِمَا.\nوَأَمَّا تَكَرُّرُ الْفِعْلِ، فَمُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي: \"كَانَ يَجْمَعُ\"؛ كَقَوْلهِمْ: \"كَانَ حَاتِمٌ يُكْرِمُ الضَّيْفَ.\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-620>\"فائدة\"\nالكلام في المُطْلق إِذا نوى به مقيدًا،</span> كالكلام في العامّ إِذا نوى به الخاص.\nفإِن قلت: إِذا كنتم تقبلون نيّة التخصيص والتقييد، فلم لا قبلتم قول القائل: أنت طالق ثلاثًا، وقال: أردت تفريقها على الأجزاء، وإِذا جاء رأس الشهر، أو قال: كلّ امرأة لي طالق، أو: نسائي طَوَالق، وعزل بَعْضَهن بالنّية على الصَّحيح في الكُلّ؟\nقلت: إِنما لا يقبل ذلك في الظاهر؛ لأنه ادّعى خلاف الظَّاهر، وفي نفس الأمر يديَّن على الصحيح، إِلا أن يأتي بِقَيْدٍ يرفع اللَّفظ جملة، مثل أن يقول: أردت إِن شاء الله. ما ذكره كبراء المذهب.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"الفعل المثبت\" إِذا كان له أقسام وجهات \"لا يكون عامًّا في أقسامه\"؛ لأنه قد لا يمكن وقوعه على جميع تلك الأقسام؛ لكونها مُتَضَادّة، أو يمكن ولكن لا يتحقق الوقوع، ومع [الاحتمال] (^١) لا سبيل إِلى التعميم (^٢).\nفالأول \"مثل\" رواية بلال ﵁ الثابتة في \"الصَّحيحين\" الشَّاهدة بأن\n_________\n(^١) في ب: الإِجمال.\n(^٢) ينظر: المحصول ١/ ٢/ ٦٥٢، والمستصفى ٢/ ٦٣، والإِحكام للآمدي (٢/ ٢٣٣) (١١)، واللمع ص (١٦)، وجمع الجوامع ١/ ٤٢٤، والمختصر لابن اللحام ص (١١١)، وشرح الكوكب ٣/ ٢١٣، والتحرير (٨٧)، وتيسير التحرير ٢/ ٢٤٧، وفواتح الرحموت ١/ ٢٩٢، وإِرشاد الفحول (١٢٥)، وشرح العضد ٢/ ١١٨.","vol":"3","page":167},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالنبيّ ﷺ \"صلى داخل الكَعْبَةِ، فلا يعم الفرض والنفل\" (^١)؛ لأن الصلاة الواحدة يستحيل أن تقع فرضًا ونَفْلًا معًا.\nفإِن قلت: قد قلتم: إِن تحيّة المسجد تحصل بصلاة الفرض، سواء أنواها مع الفرض أم سكت.\nقلت: لا معنى لحصولها أنّ تلك الصَّلاة فرض ونفل معًا، وكيف وذلك مستحيل؛ لأن اجتماع الفرض والنفل مُحَال.\nوإِنما نعني بذلك: إِما سقوط الأمر بالتَّحية؛ لحصول المقصود منها، وهو ألَّا ينتهك المسجد بالجلوس فيه من غير صَلاةٍ، كما يسقط الأمر في فرض الكفاية عمن لم يفعل.\nوإِما حصول الثواب، وهذا فيما إِذا نواهما.\nأما إِذا سكت عن التحية، فنازع فيه الشيخ الإِمام الوالد، وقال: كيف يثاب على ما لم يَنْوِ؟ ولا يشهد لفظ صلّى داخل الكعبة بإِثبات أكثر من صلاة.\n- والثَّاني: \"مثل\" ما روي أنه ﷺ \"صلّى\" العشاء \"بعد غيبوبة الشَّفق\"، وهو لفظ لا أحفظه، فيحتمل أن يكون بعد غَيْبُوبَةِ الشفق الأحمر، أو الشفقين الأحمر والأبيض، \"فلا يعم\" صلاتين واقعتين بعد كلّ من \"الشفقين\"، ولا يلزم منه وقوعهما بعد البَيَاضِ \"إِلا على رأيٍ\" يذهب إِليه من يوجب حمل المشترك على معنييه، والعموم حينئذ وإِن ثبت له، فليس من حيث إِنه فعل، بل من دلالة اللَّفظ، ونحن إِنَّما ادّعينا عدم عموم الفِعْل من حيث إِنه فعل.\nفإِن قلت: أنتم مَعَاشر الشَّافعية ترون حمل المشترك على معنييه، فلزمكم الحمل على الصَّلاة بعد غيبوبة الأبيض، وإِن لم يصحّ بعد غيبوبة الأحمر، وهو خلاف مذهبكم.\nقلت: عُمْدَتنا الحديث المصرّح فيه بما يدلّ على الأحمر، وهو حديث عبد الله بن\n_________\n(^١) أخرجه مالك (١/ ٣٩٨) رقم (١٩٣)، والبخاري كتاب الصلاة: باب الصلاة بين السواري في غير جماعة، ومسلم كتاب الحج: باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره والصلاة بها (٣٨٨)، وأبو داود (٢٠٢٣)، والدارمي (٢/ ٥٣)، والنسائي (١/ ٢٢) من حديث ابن عمر، وأخرجه أحمد (٢/ ٥٠) مختصرًا بلفظ: صلى في البيت ركعتين.","vol":"3","page":168},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nعمر: \"ووقت المغرب ما لم يسقط نور الشَّفق\" رواه مسلم، ونور الشفق: حُمْرته.\nهذا وقد قلنا: إِن صلى بعد غيبوبة الشَّفق غير محفوظ.\nوأما قول الصَّحابي: كان يفعل (^١)، مثل ما رواه البُخَاري في \"صحيحه\" من حديث أنس أن النبيّ ﷺ \"كان يجمع بين الصلاتين في السَّفَرِ\" (^٢)، فإِنه من حيث لفظه لا يقتضي تَكْرَار الفعل، إِذا كان لا يقتضي التكرار، فمقتضاه وقوع الجمع مرة، وهو إِما في وقت الأولى منهما، أو في وقت الثَّانية، ويستحيل أن يكون الجمع مرة واحدة يقع فيهما، فإِذن \"لا يعم وقتيهما\" من حيث لفظه، كما قلنا في: \"صلّى داخل الكعبة\".\nنعم يتميز عن مثل: \"صلى داخل الكعبة\" بأن العرف فيه يقتضي [التكرار] (^٣)، وإِليه الإِشارة بقوله: \"وأما تكرر الفعل المستفاد من قول الراوي: كان يجمع\"؛ فإِن العادة جارية بأن ذلك لا يقال إِلَّا لمن تكرر منه الفعل، \"كقولهم: كان حاتم يكرم الضيفَ\".\nوقوله تعالى في قصّة إِسماعيل ﵇: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [سورة مريم: الآية ٥٥] والمراد به التكرار.\nولقائل أن يقول: روى أبو داود في \"سننه\" بسند صحيح عن عروة عن عائشة ﵄ قالت وهي تذكر شأن \"خيبر\": كان النبيّ ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة إِلى يهود \"خيبر\" فيَخْرص النَّخل (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: شرح العضد ٢/ ١١٨، وإرشاد الفحول ١٢٥، والمحصول (١/ ٢/ ٦٤٨ - ٦٥٠)، والقواعد والفوائد ص (٢٣٧)، والمسودة (١١٥)، والأحكام للآمدي ٢/ ٢٣٣، والمختصر لابن اللحام (١١٢)، وجمع الجوامع ١/ ٤٢٥، وفواتح الرحموت ١/ ٢٩٣، ونهاية السول ٢/ ٣٦١، وتنقيح الفصول (١٨٩)، والتمهيد ٣٣٥ - ٣٣٦ (١٣).\n(^٢) أخرجه البخاري ٣/ ٦٦٦، في تقصير الصلاة: باب يصلي المغرب ثلاثًا في السفر (١٠٩١) (١٠٩٢)، (١١٠٦)، (١١٠٩)، (٦٦٦٨) (١٦٧٣)، (١٨٠٥)، (٣٠٠٠)، ومسلم ٢/ ٤٨٨، في كتاب صلاة المسافرين: باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر (٤٢/ ٧٠٣)، وأخرجه مالك في الموطأ ١/ ١٤٤، في قصر الصلاة: باب الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر.\n(^٣) في أ، ج: التكرر.\n(^٤) أخرجه أبو داود (١٦٠٦) وأحمد (٦/ ١٦٣)، والبيهقي (٤/ ١٢٣) من حديث عائشة: وله شاهد من حديث جابر. =","vol":"3","page":169},{"text":"وَأَمَّا دُخُولُ أُمَّتِهِ، فَبِدَلِيل خَارِجِيٍّ؛ مِنْ قَوْلٍ، مِثْلُ: \"صَلُّوا كَمَا رَأَيتُمُونِي أصَلِّي\"، وَ: \"خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ \" - أَوْ قَرِينَةٍ؛ كَوُقُوعِهِ بَعْدَ إجْمَالٍ، أَوْ إِطْلاقٍ، أَوْ عُمُومٍ، أَوْ بِقَوْلهِ: \"لَقَدْ كَانَ لَكُمْ\" [سورة الأحزاب: الآية ٢١]- أَوْ بِالقِيَاسِ.\n<hr><s0>\n\nفقد استعملت عائشة ﵂ \"كان يفعل \" من غير تكرار؛ لأن \"خيبر\" كانت سنة سبع، وعبد الله بن رَوَاحَةَ قتل سنة ثمان، وعدم دلالتها على التَّكرار وضعًا وعرفًا هو ظاهر إيراد الإمام الرَّازي، ولعلّ المصنّف لا يدعي أن دلالتها عليه بالوَضْعِ، بل بالعرف، ولا شك أن الفهم يتبادر إليه حيث ورد مثل هذا اللَّفظ لا يكاد يختلج فيه، بل قد يتبادر منه، وإن تعقّبه لفظ الشرط والجزاء الذي لو جُرِّد عن \"كان\" لم يشهد بأصل الوقوع البتة، كما في قول عائشة ﵂: \"كان رسول الله ﷺ إذا اعْتَكفَ يدني إليَّ رأسه فأُرَجِّلُهُ\" (^١).\nوقول حذيفة: كان النبي ﷺ إذا قام يَشُوصُ فَاهُ بُالسواك (^٢).\nواعلم أن هذه المسألة، وهي دلالة \"كان\" على التكّرار غير مسألة دلالتها على الانقطاع الذي ادّعاه شيخنا أبو حَيّان، وأنكره ابن مالك؛ فإنه لا يلزم من التكرار عدم الانقطاع، فقد يتكرر الشيء ثم ينقطع.\nنعم، يلزم من عدم الانقطاع التَّكرار، ولكن لا قائل بدلالتها على عدم الانقطاع، بل القائل قائلان:\nقائل بأنها كسائر الأفعال لا دلالة لها على الانقطاع بإثبات ولا نفي، وهو اختيار ابن مالك.\nوقائل: إنها تدلّ على الانقطاع، وهو رأي شيخنا.\nالشرح: \"وأما دخول أمته\" ﷺ تحت هذه الأحكام، \"فبدليل خارجي\" دالّ على\n_________\n= أخرجه البيهقي (٦/ ١٦٣)، وأحمد (٣/ ٣٦٧)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣١٧) من طريق أبى الزبير عنه.\n(^١) أخرجه البخاري (٤/ ٣٢٠، ٣٢١)، كتاب الاعتكاف: باب الحائض ترجل رأس المعتكف رقم (٢٠٢٨)، وباب لا يدخل البيت إلا لحاجة رقم (٢٠٢٩)، وأطرافه في (٢٠٣٣، ٢٠٣٤، ٢٠٤١، ٢٠٤٥)، ومسلم (١/ ٢٤٤)، كتاب الحيض: باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله، وطهارة سؤرها والارتكاء في حجرها والقراءة فيه رقم (٦/ ٢٩٧) واللفظ له.\n(^٢) أخرجه البخاري ١/ ٤٢٤، كتاب الوضوء: باب السواك (٢٤٥)، وفي ٢/ ٤٣٥ كتاب الجمعة: =","vol":"3","page":170},{"text":"قَالُوا: قَدْ عُمِّمَ نَحْوُ: \"سَهَا، فَسَجَدَ\"، وَ\"أَمَّا أَنَا فَأُفِيضُ الْمَاءَ\" وَغَيْرِهِ.\n<hr><s0>\n\nتأسيهم، مأخوذ إما \"من قوله مثل: صَلُّوا كَما رَأَيْتُمُوني أُصَلِّي\" و: \"خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ\"\"، وقد تقدم الكلام على الحديثين في مسألة أفعال النبي ﷺ.\n\"أو\" من \"قرينةٍ، كوقوعه بعد إجمال\" مثل القَطْع من الكُوع بعد آية السرقة، \"أو إطلاقٍ، أو عمومٍ، أو بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ\" فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢١] \"أو بالقياس\" هذا كلام المصنف تبعًا للآمدي.\nولقائل أن يقول: دخول الأمّة وعدم دخولهم لا تعلّق له بهذه المسألة التي هي معقودة بخصوص الفعل أو عمومه، بل هي مسألة أخرى تقدمتْ في مسألة النَّاسي، واختار فيها أنه إذا تجرد وعلمت صفته، فأُمّته مثله، والا يعلم، فإن ظهر قصد القُرْبة فندبٌ، وإلا فمباح.\nوعذر الآمدي والمصنّف أنهما استشعرا سؤالًا، وهو أن يقال: فكيف دخلت الأمة في ذلك؟.\nفأجابا عنه، وكان من حقّهما لو أورد هذا السؤال أن يقال: ذلك مأخوذ من دليلٍ خاصّ، أو معروف من مسألة النَّاسِي، وليس مِمَّا نحن فيه في شيء، وأما ما فعله فمدخول؛ لمخالفته لما قدمه.\n\n<span data-type='title' id=toc-622>\"فائدة\"</span>\nقوله: \"أو قرينة\" معطوف على المجرور من قوله \"بدليل\".\nفإن قلت: يلزم عطف الأَخَصّ على الأعم؛ لأن القرينة وما بعدها أيضًا دليل.\nقلت: المعطوف عليه الَّذي هو المجرور ليس هو مطلق الدَّليل، بل الدليل القولي المُغَاير للإطلاق والعموم؛ أَلا تراه خصصه بقوله: من قول: مثل: \"صَلُّوا\"؟ \" أي: بدليل قوله مثل: \"صلوا\"، أو دليل ولكن غير قوله مثل القرينة والقياس، أو قول ولكن لا مثل \"صلوا\"، بل إطلاق أو عموم، ولذلك أقول: لو لم يفصل بين لفظ القرينة والقياس كان أحسن؛ فإن الدليل إما لفظ خاص مثل: \"صلوا\"، أو مطلق أو عام، أو غير لفظ، وذلك قرينة أو قياس.\nالشرح: \"قالوا: قد عمم\" حكم الفعل للأُمّة، فدل على أن التعميم مأخوذ من\n_________\n= باب السواك يوم الجمعة (٨٨٩) وفي ٣/ ٢٤ كتاب التهجد: باب طول القيام في صلاة الليل (١١٣٦)، ومسلم ١/ ٢٢٠، كتاب الطهارة: باب السواك (٤٦/ ٢٥٥).","vol":"3","page":171},{"text":"قُلْنَا: بِمَا ذَكَرْنَاهُ لا بِالصِّيغَةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-623>مَسْأَلَةٌ:\nنَحْوُ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ: \"نَهَى [﵊] عَنِ بَيْعِ الغَرَرِ\"،</span> وَ\"قَضَى بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ\" - يَعُمُّ الْغَرَرَ وَالْجَارَ.\n<hr><s0>\n\nالفعل، وذلك \"نحو \"قول عمران بن حُصَين ﵁: \"إن النبي ﷺ \"سها فسجد\"\". رواه أبو داود، والترمذي، والحاكم، وقال: على شرط الشيخين، ولكن تكلم فيه البيهقي، وكذلك قوله ﷺ وقد ذكر عنده الغُسْل من الجنابة: \"\"أَمّا أَنَا فَأُفِيضُ المَاءَ\" عَلَى رَأْسِي ثَلاثَةَ أَكُفٍّ\" (^١) رواه البخاري ومسلم.\nولفظ البخاري: \"أَمَّا أَنَا فَأُفِيضُ عَلَى رَأسِي ثَلاثًا\"، \"وغيره\".\n\"قلنا\": إنما استفيد بالتعميم \"بما ذكرناه\" من قيلٍ أو قرينةٍ \"لا بالصيغة\" صيغة الفعل.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"نحو قول الصحابي: نهى رسول الله \" ﷺ عن بيع الغَرَرِ\" رواه مسلم من حديث أبي هريرة، و\"قضى بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ\" (^٢)، وهو لفظ لا يُعْرَف، ويقرب منه ما رواه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري كتاب الغسل: باب من أفاض على رأسه ثلاثًا (٢٥٤) وأبو داود (١/ ١١٢) كتاب الطهارة باب الغسل من الجنابة، وأحمد (٤/ ٨٤) وابن ماجه (٥٧٥) والبيهقي (١/ ١٧٦)، وعبد الرزاق (٩٩٥) والطيالسي (٢٢٣) من حديث جبير بن مطعم.\n(^٢) قال ابن كثير في \"تحفة الطالب\" ص ٢٧٨: فلم أر هذا اللفظ في شيء من الكتب الستة.\nلكن له لفظ آخر وهو: قضى النبيّ ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة.\nأخرجه البخاري (٣/ ٤٧) كتاب الشفعة باب الشفعة. فيما لم يقسم، ومسلم (٣/ ١٢٢٩) كتاب المساقاة: باب الشفعة، حديث (١٣٤) وأبو داود (٣٥١٤)، والترمذي (٣/ ٦٤٥) أبواب الأحكام: باب ما جاء إذا حدّت الحدود (١٣٧٠) وابن ماجه (٢/ ٨٣٥) رقم (٢٤٩٩) والدارمي (٢/ ٢٧٤) وأحمد (٣/ ٢٩٦، ٢٩٩) من حديث جابر، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nوأخرجه النسائي (٧/ ٣٢١) من طريق حسين بن واقد عن جابر قال: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة والجوار.","vol":"3","page":172},{"text":"لنَا: عَدْلٌ عَارِفٌ، فَالظَّاهِرُ الصِّدْقُ؛ فَوَجَبَ الاِتِّبَاعُ.\nقَالُوا: يَحْتَمِلُ: أَنَّهُ كَانَ خَاصًّا، أَوْ سَمِعَ صِيغَةً خَاصَّةً؛ فَتَوَهَّمَ، وَالاِحْتِجَاجُ لِلْمَحْكِيِّ.\nقُلْنَا: خِلافُ الظَّاهِرِ.\n<hr><s0>\n\nالنسائي عن الحسن قال: قضى النبي ﷺ بالجِوَارِ، وهو مرسل.\nقال أصحابنا: لا يجوز دعوى العموم فيه (^١).\nوقيل: إن قال: كان يقضي عمر كما سبق.\nوقال المصنّف: \"يعم الغَرَر والجَار\" مطلقًا، وهو شيء ذكره ابن الأَنْبَاري شيخ المصنّف في \"شرح البرهان\" سؤالًا ودفعه.\nوذكره الآمدي بحثًا، فارتضاه المصنّف، وأقامه مذهبًا لنفسه، واحتج له بالبحث الذي أبداه الآمدي فقال:\nالشرح: \"لنا\" الصحابي \"عَدْل عارف\" باللغة، وقد أتى بلام الجنس في الغَرَرِ والجار، \"فالظاهر الصدق\"؛ إذ لو لم يعلم العموم لم يأت بصيغته؛ \"فوجب الاتباع\".\nولقائل أن يقول: الصِّيغة المذكورة تقتضي تقدم غَرَرٍ خاصّ، وجارٍ خاص وفع القضاء فيهما قطعًا، فهما مَعْهُودان، والعهد مقدم على العموم، فأين صيغة العموم؟ أو وقع الشك بين العهد والعموم، فلم قلتم بالعموم؟.\nوأصحابنا \"قالوا: يحتمل أنه كان خاصًّا\" بواقعة، فنقله عامًّا؛ لظنّه العموم، \"أو سمع صيغة خاصة، فتوهّم\" العموم \"والاحتجاج\" به \"للمحكي\" لا للحكاية.\nقال: \"قلنا\": هذا \"خلاف الظاهر\"؛ لما بَيَنا من عِرْفَان الراوي باللسان.\n_________\n(^١) ينظر: شرح الكوكب ٣/ ٢٣٠، والمحصول ١/ ٢/ ٦٤٢، واللمع ص (١٦)، والبرهان (١/ ٣٤٨)، وشرح العضد ٢/ ١١٩، وجمع الجوامع ٢/ ٣٥، ونهاية السول ٢/ ٣٦٦، والتمهيد (٣٣٥)، والمسودة (١٠٢)، وروضة الناظر (١٢٣)، والمختصر لابن اللحام (١١٢)، والتحرير (٨٨)، وتيسير ١/ ٢٤٩، وفواتح الرحموت ١/ ٢٩٣، وإرشاد الفحول (١٢٥)، والوصول إلى الأصول ١/ ٣٢٧، والمدخل (٢٤)، والإحكام للآمدي ٢/ ٢٣٥.","vol":"3","page":173},{"text":"مَسْألَةٌ:\nإِذَا عَلَّقَ حُكْمًا عَلَى عِلَّةٍ - عَمَّ بِالْقِيَاسِ شَرْعًا لا بِالصِّيغَةِ.\n<hr><s0>\n\nولو قيل له: فما بالك لا تسمع قوله: هذا منسوخ؛ لقال: القضاء بالنَّسْخ أمر اجتهادي، وهو يختلف باختلاف المجتهدين، فجاز أن يطلبه هو ولا يراه، بخلاف الرواية؛ فإنها لا تتوقف إلا على فهم اللسان، ولا اختلاف فيه.\nوأنا أقول: ما أبديته من البحث يدفع هذا؛ فإنّ المصنف لم يثبت صيغة تعميم حتى يناضل عنها، ويجريها على مقتضاها.\nثم أقول: سلمنا أنه أتى بلام الجنس غير قاصد العَهْد، أو أنه لا عهد، ولكن الخلاف معروف في لام الجنس، فلعلّه ممن لا يرى العموم، والمسألة اجتهادية، فهي كقوله: هذا منسوخ، وممن نصّ من أصحابنا على أن مثل: \"قضى بالشُّفْعَةِ للجار\" لا يعم - الشيخ أبو حامد الإسفراييني، وابن السمعاني، والغزالي، والإمام.\n\n<span data-type='title' id=toc-624>\"مسألة\"\nالنص على العلّة لا يكفي </span>في التعدي، بل لا بد من تقدم ورود التعبُّد بالقِيَاس؛ خلافًا للقاسَاني والنَّظَّام وغيرهما، وهذا سيأتي إن شاء الله تعالى في كتاب \"القياس\".\nوإذا ورد التعبُّد بالقياس فهي مسألتنا هنا؛ فنقول:\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"إذا عَلَّق\" ﷺ \"حُكمًا\" في واقعة معيّنة \"على علّة\" بأن قضى فيها بقضاء ذاكرًا علّته، فإما أن يقطع باستقلالها أو لا (^١).\nأما الأول: فقد قطع القياسيون بالتعدِّي قياسًا، وشذّ من قال فيه: يتعدى لفظًا، ولم يقل أحد هنا: إنه لا يتعدّى أصلًا إلّا بغض من أنكر أصل القياس، ولا كلام هنا معه؛ لأن الكلام هنا فع مثبتي القياس.\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٢٣٦، وفواتح الرحموت ١/ ٢٨٥، والتقرير والتحبير ١/ ٢٣١.","vol":"3","page":174},{"text":"وَقَالَ الْقَاضِي: لا يَعُمُّ.\nوَقِيلَ: بِالصِّيغَةِ؛ كَمَا لَوْ قَالَ: \"حَرَّمْتُ الْمُسْكِرَ؛ لِكَوْنِهِ حُلْوًا.\nلَنَا: ظَاهِرٌ فِي اسْتِقْلالِ الْعِلِّيَّةِ؛ فَوَجَبَ الاِتِّبَاع، وَلَوْ كَانَ ...........\n<hr><s0>\n\n\nوأما الثاني: وهو ألا يقطع باستقلال العلّة، ولكن يكون استقلالها هو الظاهر، كما في المُحْرم الذي وَقَصَتْهُ نَاقَتُه، وقوله ﵇: \"لا تُخَمِّرُوا رَأْسَه، وَلا تُقْرِبُوهُ طِيبًا؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا\" (^١).\nفإنّ الظاهر أن ذلك لا يختصّ بذلك المحرم، وهي مسألة الكتاب، فقال الشافعي: \"عمَّ بالقياس شرعًا لا بالصيغة\"، وهو الحق.\n\"وقال القاضي: لا يعم\"، ومال إليه الغزالي.\n\"وقيل\": يعم \"بالصيغة\"، وعُزِيَ إلى الشافعي، والصحيح عنه الأول \"كما لو قال: حرمت المسكر؛ لكونه حلوًا\"، فإن الطاهر أن مطلق الحلاوة علّة لا خصوص حلاوة المسكر، فيتعدّى إلى كلّ حلو، وكما ذكرناه في المحرم.\nالشرح: \"لنا\": على ثبوته بالقياس \"ظاهر في استقلال العلّية\" بإثبات ذلك الحكم؛ \"فوجب الاتباع\" في كلّ ما اشتمل على العلّة، \"ولو كان\" ثبوت العموم \"بالصيغة لكان قول القائل: \"أعتقت غانمًا؛ لِسَوَاده\" يقتضي عتق سُودَان عبيده\" بأَسْرِهم؛ إذ لا فرق بينه وبين: أعتقت سُودَان عبيدي إذا قيل: إنه بالصيغة، \"ولا قائل به\".\nقلت: وقد مَرّ بي في بعض ما لا يحضرني اسمه من الكتب أن الصَّيرفي من أصحابنا ارتكب هذا الشَّطط، وقال به.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢/ ١٦٦) كتاب الجنائز: باب يكفن المحرم، ومسلم (٢/ ٨٦٥) كتاب الحج: باب ما يفعل بالمحرم إذا مات (٩٣: ١٠٣/ ١٢٠٦) وأبو داود (٣/ ٥٦٠) كتاب الجنائز: باب المحرم يموت رقم (٣٢٣٨) والترمذي (٣/ ٢٨٦) كتاب الحج: باب ما جاء في المحرم يموت (٩٥١) وابن ماجة (٢/ ١٠٣٠) كتاب المناسك: باب المحرم يموت (٣٠٨٤) والدارمي (٢/ ٤٩ - ٥٥) والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١/ ٩٩) والطيالسي (٢٦٢٢) من طرق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: بينما رجل واقف بعرفة مع رسول الله ﷺ إذ وقع عن راحلته فوقصته، فذكر ذلك للنبيّ ﷺ … فذكره.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"3","page":175},{"text":"بِالصِّيغَةِ، لَكَانَ قَوْلُ الْقَائِلِ: \"أَعْتَقْتُ غَانِمًا؛ لِسَوَادِهِ\" - يَقْتَضِي عِتْقَ سُودَانِ عَبِيدِهِ؛ وَلا قَائِلَ بِهِ.\nالْقَاضِي: يَحْتَمِلُ الجُزْئِيَّةَ.\nقُلْنَا: لا يُتْرَكُ الظَّاهِرُ لِلاحْتِمَالِ.\nالآخَرُ: \"حَرَّمْتُ الْخَمْرَ؛ لإسْكَارِهِ\" - مِثْلُ: \"حَرَّمْتُ الْمُسْكِرَ لإسْكَارِهِ\".\nوَأُجِيبَ: بِالْمَنْعِ.\n\nمَسْأَلَةُ:\nالْخِلافُ فِي أَنَّ الْمَفْهُومَ: \"لَهُ عُمُوم؟ \" - لا يَتَحَقَّقُ؛ لِأَنَّ ...........\n<hr><s0>\n\nالشرح: واحتج \"القاضي\" بأنه \"يحتمل الجزئية\" أي: كون الإسْكَار جزءًا من العلّة، فلا يكون كونه حُلوًا هو العلة بتمامها.\nوكذا قال في المُحْرم: يحتمل أن النبي ﷺ عَلِمَهُ يموت مسلمًا مخلصًا في عبادته مَحْشورًا ملبّيًا وقصت به ناقته، لا بمجرد إحرامه.\nالشرح: \"قلنا\": ما ذكره احتمال، ولكن \"لا يترك الظاهر للاحتمال\"، وهنا يعود الخلاف بيننا وبينه مخرجًا على أَصْل بيننا لا ينبغي لك إغفاله، وهو أنا نكتفي بالظواهر في العمليات، وهو أبدًا يتطلّب القطع؛ فلذلك خالف هنا، فلا تحسبه ينكر الظُّهَور، بل يعترف به، ولا يكتفي به فاحفظ هذا، فهو كثير المرور بك.\nواحتج \"الآخر\" القائل بأنه يعمّ بالصيغة بأن \"حرمت الخمر لإسكاره مثل: حرمت المسكر\"، فليعم بالصيغة مثله.\n\"وأجيب بالمَنْعِ\" من المساواة، وهو حق.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"الخلاف في أن المفهوم \" هل \"له عموم (^١) لا أو لا - \"لا يتحقق؛ لأن مفهومي\n_________\n(^١) ينظر: المحصول (١/ ٢/ ٦٥٤ - ٦٥٥)، والمستصفى ٢/ ٧٠، والإحكلام للآمدي ٢/ ٢٣٧،=","vol":"3","page":176},{"text":"مَفْهُومَيِ الْمُوَافَقَةِ وَالْمُخَالفةِ عَامٌّ فِيمَا سِوَى الْمَنْطُوقِ بِهِ، وَلا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ.\nوَمَنْ نَفَى الْعُمُومَ؛ كَالْغَزَالِيِّ: أَرَادَ أن الْعُمُومَ لَمْ يَثْبُتْ بِالْمَنطُوقِ بِهِ، وَلا يَختَلِفُونَ فِيهِ أَيْضًا.\n<hr><s0>\n\nالموافقة\"، وهو ما كان الحكم في المسكوت عنه موافقًا للمنطوق \"والمخالفة\"، وهو ما كان مخالفًا \"عام فيما سوى المنطوق به\"، أي\": ثابت في كل الصور، \"و\" ذلك مما \"لا يختلفون فيه\".\nالشرح: \"ومن نفى العُمُوم كالغَزَالي\" لم يرد أن الحكم غير ثابت في صور [المسكوت] (^١)؛ إذ هو خلاف الاتفاق، وإنما \"أراد أن العموم لم يثبت بالمنطوق \" فقط، بل بواسطته، \"ولا يختلفون فيه أيضًا\"، فإذن لا يتحقّق الخلاف، وهو في الحقيقة مبني على أَنَّ العموم هل هو من عوارض، الألفاظ فقط؟ أو من عوارض الألفاظ والمعاني؟\nوالثاني: قول المصنف، والأول قول الغَزَالي وجمهور أصحابنا؛ فلذلك يسمون المفهوم عامًا.\nوالقول بأنه لا يسمى عامًا هو قضية إيراد الأكثرين من أئمّتنا، كالشيخ أبي حامد ومن بعده، وقد صَرّح الغزالي وغيره أن الخلاف مبني على ذلك، وهو لفظي.\nوحكى الشَّيخ أبو حامد، وأبو إسحاق الشِّيرَازي، والإمام الرازي وغيرهم من أئمتنا خلافًا في أن مفهوم المُخَالفة هل يدل على نفي الحكم عَمَّا عدا المَنْطُوق مما هو من جنسه؟ أو مطلقًا حتى يدل قوله ﵇: \"فِي الغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ\" (^٢) على أنّ غير السائمة لا\n_________\n= وشرح الكوكب المنير ٣/ ٣٢١، وشرح التنقيح (١٩١)، وتيسير التحرير ١/ ٢٦٠، وشرح العضد ٢/ ١٢٠.\n(^١) في أ، ج: السكوت.\n(^٢) أخرجه البخاري ٣/ ٣٦٥ - ٣٦٦ كتاب الزكاة: باب الفرض في الزكاة (١٤٤٨) وأطرافه في (١٤٥٠ - ١٤٥١ - ١٤٥٣ - ١٤٥٤ - ١٤٥٥ - ٢٤٨٧ - ٣١٠٦ - ٥٨٧٨ - ٦٩٥٥). وأبو داود ٢/ ٩٦ - ٩٨ كتاب الزكاة: باب في زكاة السائمة برقم (١٥٦٧).","vol":"3","page":177},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: مِثْلُ قَوْلهِ ﷺ: \"لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِر وَلا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ\": مَعْنَاهُ: \"بِكَافِرٍ\"؛ فَيَقْتَضِي الْعُمُومَ إِلَّا بِدَلِيل؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ.\n<hr><s0>\n\nزكاة فيها وإن كانت من غير الغنم؟.\nوظنّ بعضهم أن هذا الخلاف يبنى على أن المفهوم هل له عموم؟.\nوهو وهم؛ فإن هذا الخلاف إنَّمَا هو في تحقيق مقتضى المفهوم، وهل هو نفي الزكاة عن كلّ معلوفة؟ أو عن معلوفة الغنم خاصّة؟ وأيًا ما كان فهو شامل لما هو مقتضاه.\nوذكر شيخ الإسلام تقي الدين بن دقيق العيد أن اختلاف أصحابنا في الماء النجس، إذا كُوثِرَ بماء ولم يبلغ قلّتين هل يطهر؟ -\nينبني على ذلك.\nفإن قلنا: له عموم، لم يطهر، وهو الصحيح والأظهر، ووجه البناء أن قوله ﵇: \"إذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجُسْ\" (^١) دالّ بمفهومه على أنّ ما دون القُلَّتين ينجس بملاقاة النجاسة سواء أتغير أم لم يتغير، كوثر ولم يبلغهما أم لم يكاثر.\nوإن قلنا: لا عموم للمفهوم لم يقتض الحديث النَّجَاسة في هذه الصورة، ولذلك الماء القليل الجاري إذا وقعت فيه نجاسة ولم يتغير، فإنه على قولين:\nالجديدة ينجس، والقديم: لا ينجس، ينبني على ما ذكر.\nقلت: ولا يخفى أن هذا البناء إنما يصحّ لو كان القائل بأنه لا عموم له لا يثبت حكمه في جميع الصور، وليس كذلك كما عرفت.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"قالت الحنفية: مثل\" ما روى الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي من\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود ١/ ١٧، في الطهارة: باب ما ينجس الماء (٦٣)، والترمذي في الطهارة ١/ ٩٧: باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء (٦٧)، وابن ماجه ١/ ١٧٢، في الطهارة: باب مقدار الماء الذي لا ينجس (٥١٧)، والنسائي ١/ ٤٦ في الطهارة: باب التوقيت في الماء.","vol":"3","page":178},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"قوله ﷺ: \"لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَلا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ\" (^١).\n\"معناه\" ولا ذو عهد في عهده \"بكافر؛ فيقتضي العموم إِلَّا بدليل، وهو الصحيح\".\nأقول: اعلم أن المسألة مُتْرجمة بـ \"أن العطف على العامِّ هل يقتضي العموم في المعطوف؟ \" (^٢).\nوهذه ترجمة تتجاوز المَقْصُودَ؛ لانطباقها على صور لا خلاف فيها، كما لو قال ﵇: \"لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَلا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِحَرْبِيٍّ\"، وهذا ما لا يسع أحدًا أن يقول فيه بـ \"اقتضاءُ العطف على العام العموم؛ حتى لا يقتل المُعَاهد بكافر حربيًا كان أو ذميًا\".\nوالمقصود بالمسالة إنما هو أن إحدى الجُمْلتين إذا عطفت على الأخرى، وكانت الثانية تقتضي إضمارًا [لتستقيم] (^٣) كقوله: \"وَلا دو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ\" على ما يدّعيه الحنفيون، فإنها لا تستقيم عندهم بدون إضمار، فهل يضمر ما تقدّم ذكره إن كان عامًّا اقتضى العَطْف عليه تقدير العام، وكان العَطْف على العامّ يقتضي العموم لذلك؟ أو يضمر مقدار ما يستقيم به الكلام فقط؛ لأن ما وراءه تقدير لا حاجة إليه؟.\nقالت الحنفية بالأول.\nوقال أصحابنا بالثاني.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري ١/ ٢٤٦، كتاب العلم: باب كتابة العلم (١١١)، وأطرافه في (١٨٧٠ - ٣٠٤٧ - ٣١٧٢ - ٣١٧٩ - ٦٧٥٥ - ٦٩٠٣ - ٦٩١٥ - ٧٣٥٠)، وأخرجه أبو داود ٤/ ٦٦٦ - ٦٦٨، كتاب الديات: باب المسلم بالكافر (٤٥٣٠)، والنسائي ٨/ ١٩، كتاب القسامة: باب القود بين الأحرار، والحاكم في المستدرك ٢/ ١٤١، كتاب قسم الفيء، وقال: على شرط الشيخين: ووافقه الذهبي، وأحمد في المسند ١/ ١١٩.\n(^٢) ينظر: المعتمد ١/ ٣٠٨، والمحصول ١/ ٢/ ٦٢٣، ١/ ٣/ ٣٠٥، والتمهيد لأبي الخطاب ٢/ ١٧٢، والمسودة ١٤٠، والمستصفى ٢/ ٧٠، وجمع الجوامع ٢/ ٣٢، والإحكام للآمدي ٢/ ٢٣٨، شرح العضد ٢/ ١٢٠، تيسير التحرير ١/ ٢٦١، وفواتح الرحموت ١/ ٢٩٨، وإرشاد الفحول ١٣٩.\n(^٣) في أ: المستقيم، ح: التنقيم.","vol":"3","page":179},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقد أجاد ابن السَّمعاني إذ افتتح المسألة بقوله: المعطوف لا يجب أن يضمر فيه جميع ما يمكن إضماره مما في المعطوف عليه، بل يضمر قدر ما يفيد ويستقل به، وعند أصحاب أبي حنيفة يضمر فيه جميع ما سبق مما يمكن إضماره. انتهى.\nوالمصنف لما رأى ترجمة المسألة عند المتأخّرين مختلفة، وهي قولهم: العَطْف على العام هل يقتضي العموم؟.\nعدل عنها وقال: مثل قوله ﵇ كما عرفت.\nواعلم أن من المشهور أنّ مَذْهب الحنفية قتل المسلم بالذمي، ومن مذهب الفريقين أن النكرة في سياق النَّفْي للعموم، وقائل ذلك لا يستنكف أن يقضي بالعموم على مثل: \"لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ\"؛ إذ هو أحد أفراد النكرة في سياق النفي.\nثم هو إن كان شافعيًّا انْسَحَبَ على أصله، واستمرت الصيغة عنده على عمومها، وإن كان حنفيًّا قال: لست أنكر أن قضيتها العُمُوم، ولكن عندي دليل خاصّ على قتل المسلم بالذمي.\nوإذا كان قوله: \"وَلا ذُو عَهْدِ فِي عَهْدِهِ\" معناه: بكافر، صح أن يقال: إن قضيته العموم، وإن كان مذهب القائل: إن المعاهد يقتل بالذمي؛ لأن قتله إياه على ما يدعيه لدليل مخصّص لهذا العموم، وإذًا وضح لك ما ذكرناه، وأن الحنفية يجعلون المضمر في الثانية هو المذكور في الأولى.\nواعلم أن جماعة من أصحابنا ساعدوهم حتى قال ابن السمعاني: - وهو شَدِيدٌ عليهم - كلامهم ظاهر جدًّا.\nوأفصح المصنف بتصحيحه، وأن قوله: وَلا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ\" يقتضى العموم، لأن المضمر فيه هو المذكور في قوله: \"لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بكافرٍ\" وأشار إلى هذا كله بقوله عن الحنفية \"ولا ذو عهد في عهده\" معناه: بكافر، أي المعنى: ولا ذو عهد في عهده بكافر، لأن المضمر في الثانية المذكور في الأولى. ومذهب غيرهم أن المذكور في الأولى ليس هو المقدر في الثانية، واختار هو مذهب الحنفية.\nفإذن محلّ النزاع في أنه هَلْ يجب تقدير ما ذكره في الأولى، أو ما يستقل به الكلام","vol":"3","page":180},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفقط لا في أن مطلق العطف على العام هل يقتضي العموم كما فهمه الشِّيرازي وغيره من الشارحين؟.\nوإذا كان المذكور في الأولى هو المقدر في الثانية، فقوله ﵇: \"وَلا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ\" معناه: بكافر، وإذا كان كذلك فيقتضى العموم، كما أن قوله: \"لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ\" يقتضي العموم إلا بدليل؛ لأنه حنيئذ كالملفوظ به، فهو كما لو قال ﵇: \"لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَلا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِكَافِرٍ\"، وهو لو قال كذلك قضى عليه بالعموم كلّ من قال بتعميم النكرة في سياق النفى.\nثم إن قام دليل مخصوص عند أحدٍ قال به، وفيما نحن فيه مثلًا قام دليلٌ مخصوص عند الحنفيّة للجملتين المعطوفة، والمعطوف عليها، كقولهم: \"يقتل المسلم بالذمى، ويقتل المعاهد بالمعاهد\".\nوقام عند المصنف دليل مخصص للمعطوف فقط؛ لأنه يقول بأن المسلم لا يقتل بالذمى كما يقول الشافعيون.\nوبهذا أيضًا يتضح لك أن العموم لم يحصل من مجرد العطف، ولا اقتضى التعميم، وإن صرَّح اللَّفظ بالخصوص كما قلناه فيما لو قال: \"ولا ذو عهد في عهده بحربي\" وإنما حصل من تقدير المذكور أولًا، ويتضح لك أيضًا أن المصنف فَرَّ من التعبير بأن العطف على العامّ هل يقتضى العموم لما يلزمه من الخلل وأن من نزل كلامه من شارحي الكتاب على هذا المعنى أوقعه فيما فَرَّ منه، ولم يفهم مراده.\nوهنا مهمّ ننبه عليه قبل الحِجَاجِ فنقول:\nإذا حفظت أنَّا معاشر الشافعية لا نقدر إلا ما يستقلّ به الكلامُ فقط، وأن الحنفية يقدرون المذكور أولًا، وهو رأى المصنّف، فلا يخفي عليك أن للجملتين اللتين عطفت إحداهما على الأُخرى أحوالًا:\nإحداها: أن يتضح كون الثَّانية مستقيمة، وهذا ما لا حاجة فيه إلى تقديرٍ، وليس من كلام القوم في شيء، ومنه فَرَّ من التعبير بأن العطف على العام هل يقتضي العموم","vol":"3","page":181},{"text":"لنَا لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ شَيْءٌ لامْتَنَعَ قَتْلُهُ مُطْلَقًا، وَهُوَ بَاطِلٌ؛ فَيَجِبُ الأَوَّلُ لِلْقَرِينَةِ.\n<hr><s0>\n\nكالمصنف، وعذر مَنْ تسامح، وأطلق عبارة مشتملة أنه مما يتضح خروجه عن محل النزاع، ولا يلتبس على محصل، وهو كما قدمنا مثل: \"لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده بحربي\".\nالثانية: أن يتضح عدم استقامتها إلا بتقدير وإضمار، ولا يخفي أنه موضع الخلاف، وأن الحنفية يقدرون الأول، ثم له حالتان:\nلأن الأولى إما أن تكون عامًّا أو خاصًّا، فإن كان عامًّا قالوا بالعموم في المعطوف، ويقع العموم فيه أمرًا اتفاقيًا دعا إليه إضمار ما تقدم ذكره، وإن كان خاصًّا كما لو قيل: لا يقتل مسلم بحربي، ولا ذو عهد في عهده، لم يقولوا بالعموم في المعطوف.\nثم لا يَقْدَحُ عندهم في هذه القاعدة مخالفتهم مقتضاها في الحديث المذكور حيث قتلوا المعاهد بالذمى؛ لأن المخالفة كانت لدليلٍ آخر لا لكون المضمر خاصًّا، حتى إن عندهم أنه لو لم يوجد دليل غير هذا الحديث يدلّ على وجوب قتل لمعاهد بالذمى، لامتنعوا من قَتْلِهِ بمقتضى هذا الحديث.\nوالثالثة: ألَّا يتضح الحال، فيذهب قوم إلى أنها محتاجة، فهي عندهم من مواقع الخلاف، ويذهب آخرون إلى أنها غير محتاجة، وأنها خارجة عن محلّ النزاع، وهذا مثل قوله ﵇: \"وَلا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ، عند المحققين من أصحابنا، فإنهم يقولون: هذا تام لا يحتاج إلى تقدير، وليس ما نحن فيه كما ستعرفه إن شاء الله تعالى.\nالشرح: قوله: \"لنا: لو لم يقدر شيء لامتنع قتله\" أي قتل ذي العهد \"مطلقًا، وهو باطل\"؛ لأنه يقتل بالمسلم؛ \"فيجب\" تقدير شيء لاستقامة الكلام، وقد تقدَّم في [مسألة] (^١) المقتضى أنه إذا تعيّن ما يضمر وجب كونه المضمر، وهنا \"الأول\" متعيّن \"للقرينة\" وهي العطف، فيجب تقديره، وبهذا يظهر لك أن مراد المصنف أن الجملة الثانية إذا اقتضت\n_________\n(^١) في أ، ج: المسألة.","vol":"3","page":182},{"text":"قَالُوا: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ، لَكَانَ: \"بِكَافِرٍ\" الأوَّلُ - لِلْحَرْبِي فَقَطْ؛ فَيَفْسَدُ الْمَعْنَى؛ وَلَكَانَ ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٨]- لِلرَّجْعِيَّةِ وَالْبَائِنِ؛ لِأَنَّهُ ضَمِيرُ \"الْمُطَلَّقَاتِ.\n<hr><s0>\n\nإضمارًا أضمر ما كان مذكورًا في الأولى، ثم إن كان عامًا حصل العموم في المعطوف بالتبع لذلك، لا أن العَطْف على العامّ يقتضي العموم؛ لوجوب الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في المتعلقات؛ إذ لم يتعرض لذلك، وقد استدلّ على اقتضاء الجملة الثانية فيما نحن فيه الإضمار بقوله: \"لو لم يقدر شيء\" أي: وكان كلامًا مستقلًا غير مفتقر إلى إضمار لامتنع قَتْل المُعَاهد مطلقًا، وهذه ملازمة ظاهرة؛ إذ يصير المعنى: ولا يقتل المعاهد، وذلك يقتضي امتناع قتله، وبطلان التالي صرح به المصنف فقال: \"وهو باطل\" أي وامتناع قتله باطل؛ لإمكانه شرعًا، وهذا دليل ردّ به المصنّف على من يقول: إن قوله: \"وَلا ذُو عَهْدٍ\" غنى عن الإضمار، فلا يكون لكون الجملة الثانية تقتضي إضمارًا مدخل في القاعدة المذكورة.\nواستدلّ - أعني المصنف - على كون المضمر هو المذكور في الأولى بقرينة العطف. قالت الحنفية: ولذلك لو قال: لا يقتل اليهود بالحَدِيدِ ولا النصارى، كان معناه: ولا يقتل النصارى بالحديد، ولا يقتصر فيه على إضمار القتل فقط، وإنْ كان الكلام يستقل به.\nولا يخفي على ذي الفَهْمِ أن للمصنّف أغراضًا اشتمل دليله بزعمه على إثباتها:\nأحدها: وجوب تقدير الأول، حيث وردت جملتان متعاطفتان تحتاج الثانية منهما إلى إضمار.\nوالثاني: أن هذا الحديث من هذا القبيل.\nوالئالث: أنه إذا قُدِّر بكافرٍ كان عامًا.\nأما الأولان فقد صرح بهما في الدليل.\nوأما الثالث، وهو العموم الذي استنتجه من وجوب تقدير بكافر؛ فلأنه [لازم] (^١) لما\n_________\n(^١) في ج: لأنهم.","vol":"3","page":183},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأثبته من إيجاب تقدير شيء في المعطوف، وأن المقدر هو الأول، فإنه إذا ثبتت هاتان المقدّمتان صار المعنى: ولا ذو عهد في عهده بكافر، فيقتضي العموم عند القائلين بأن النكرة في سياق النفى تعم وهو واضح، ولا إنكار فيه إذا أثبتت المقدمتان، فلذلك لم يصرح به، ولكن تعرض له، ولهذا قلنا فيما أسلفناه: إنه ليس سبب العموم في الثانية العطف، وإنما العطف قرينة تعين المضمر كالمظهر:\nفإن كان عامًا فهو عام، كالحديث المذكور على زعمه.\nوإن كان خاصًا فهو خاص، كما لو قيل: لا يقتل مسلم بحربي، ولا ذو عهد في عهده. هذا آخر الكلام على دليل صاحب الكتاب، وهو كما لا يخفي عنك تبين وَهْمُ مَنْ حمل كلامه في صدر المسألة على أن مراده: أنها في بيان أن العطف على العام يقتضي العموم حيث لم يستنتج به الأولون.\nالثانية: تقتضي الإضمار، وكون المضمر الأول، وقد قدمنا لك السِّرَّ في عدوله عن التعبير بأن العطف على العام هل يقتضي العموم؟.\nوإذا تقرر لديك دليله فاعلم: أنا لا نحفل به، ونقول: إنما [يبحث]، (^١) عن وجوب تقدير الأول عند الاحتياج إلى أصل التقدير، ونحن لا نسلّم احتياج قوله: \"وَلا ذُو عَهْدٍ\" إلى تقدير، بل هو كلام تام مستقل.\nقولك: يلزم أَلَّا يقتل ذو العَهْدِ مطلقًا.\nقلنا: يلزم من هذا الحديث، وقتله حيث [نقتله] (^٢) من دليل آخر، وهو كما لزمك الّا يقتل بالمعاهد إذا قدرت بكافر، وهو يشمل المعاهد الذي تقتله أنت أيها الحَنفي وسائر الأمة [به] (^٣)، فكما قدرت عمومًا، وأخرجت بعض - أفراده بدليلٍ نُجْرِي نحن الكلام على ظاهره، ونُخْرج بعض أفراده بدليل، فاشتركنا معك في إخراج بعض الأفراد، وافترقنا في أنك تقدر، ونحن لا نقدر، ولا ريب في أن عدم التقدير أولى.\nسلمنا أن قوله: \"ولا ذُو عَهْدٍ\" غير مستقل، ولكن ذلك لو اقتصر على قوله: ولا ذو عهد.\nأما مع قوله: \"في عهده\" فلا؛ وذلك لأن هذه الزيادة تفيد فائدة جديدة، وليست إلا\n_________\n(^١) في ب: نبحث.\n(^٢) في أ: بقتله.\n(^٣) سقط في أ، ج.","vol":"3","page":184},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالمنع من [قتله] (^١) ابتداء؛ لعهده.\nقال ابن السمعاني: ونظير هذا لو قال: \"لا تقتلوا اليهود بالحديد، ولا النصارى في الأشهر الحرم\" كان معناه لا تقتلوا اليهود بالحديد، ولا النصارى في الأشهر الحرم أصلًا، وليس معناه: ولا تقتل النصارى في الأشهر الحرم بالحديد؛ بِبَيِّنَةِ أنه لو قال بدل قوله: ولا ذو عهد في عهده: ولا رجل في عهده لاقتضى ألَّا يقتل رجل في عهده، بحال؛ ليكون قوله: في عهده يفيد فائدة جديدة، فكذلك قوله: ولا ذو عهد في عهده.\nسلّمنا وجوب التقدير مع قوله: في عهده، ولكن لِمَ قلتم: إن المذكور أولًا متعيّن؟ قولكم: القرينة تعينه.\nقلنا: القرينة توجب ألَّا يهدر، والضرورة إلى التقدير توجب ألَّا يتقدر بقدر الضرورة، فليقدر بعض ما اشتمل عليه الأول جمعًا بين الدليلين، وهو في المثال الذي أوردته: الحربي الذي هو أخصّ من الكافر، فالتقدير: ولا ذو عهد في عهده بحربي.\nسلمنا وجوب تقدير المذكور أولًا بجملته، وأن المعنى بكافر، ولكن لِمَ قلتم: إنه يقتصر على ذلك؟ وهذا يقدر بكافر ومسلم معًا؛ بِناءً على أن المضمر ينبغي أن يقدر فيه جميع ما يمكن إضماره، وهو رأى لكم سبق ذكره في مسألة المقتضى.\nفإن قلتم: منَعَنَا عنه أنّ المعاهد يقتل بالمسلم.\nفنقول: فليمنعكم عن تقدير \"بكافر\" أن المعاهد يقتل بالمُعَاهد، فلأي معنى فَرَرْتُمْ مما هو أعم من المسلم والكافر إلى تقدير الكافر وهو أخص؛ لأجل ما ذكرتم، ولم [تَفِرُّوا] (^٢) من تقدير الكافر، وهو أعم من المعاهد والحربي إلى تقدير الحَرْبِيّ وهو أخصّ؛ لأجل أن المعاهد يقتل بالمعاهد؟\nفإن قلت: ما وجه الارتباط بين هاتين الجُمْلتين على ما يزعمون حينئذ؛ إذ لا تظهر مناسبة لقولنا: ولا ذو عهد في عهده مطلقًا، مع قولنا: لا يقتل مسلم بكافر.\nقلت: قال فقيه الشافعية أبو إسحاق المَروَزِيّ في \"التعليقة\": كانت عداوة الصحابة للكفار في مبدأ الإسلام شديدة جدًّا، فلما قال ﵊: \"لا يقتل مسلم بكافر\" خشي أن يتجرَّد هذا الكلام، فتحملهم العَدَاوة الشديدة بينهم على قتل كافر من معاهد\n_________\n(^١) في ب: قيله.\n(^٢) في أ: ج: تقدوا.","vol":"3","page":185},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوغيره، فعقَّبه بقوله ما معناه: ولا يقتل ذو عهد في زمن عهده.\nفإن قلت: القصاص وإن انتفى بين المسلم والكافر، فالحرمة باقية؛ إذ لا يحل الإقدام على قتل المعاهد والذمى، والحرمة كافية في إِحْجَامِ الصحابة عن قتل المعاهد.\nقلت: قد كان ذلك في صدر الإِسْلامِ، ومن أين لهم عِرْفان الحرمة إذ ذاك؟ بل من أين لك وقوع الحرمة إذ ذاك؟ فلعله ﵇ حكم أولًا بانتفاء القصاص، ولا يلزم منه ثبوت الحرمة.\nثم ثانيًا بحرمة القتل، وهذا منتهى الرَّدِّ على دليل المصنف، فلنذكر كلام أئمتنا، وقد ذكر في الكتاب أنهم \"قالوا: لو كان ذلك\" أي: لو ثبت وجوب تقدير الأول \"لكان \"بكافر\" الأول\" في المثال المذكور للحربي فقط؛ لأن الثاني أعنى المقدر \"للحربي فقط\" بالاتفاق، وأنت تقدر الأول بزعمك، فيكون الأول للحربي فقط، \"فيفسد المعنى\"؛ لدلالته حينئذ بالمفهوم على أن المسلم يقتل بالذمى، وأنت يابن الحَاجِبِ مالكي لا تقول به، فلا يكون الأول للحَرْبِيّ فقط، فلا يكون المقدر هو الأول، وهذا دليلٌ لم أر أحدًا ذكره إلا المصنّف، والسّر في ذلك أن أصحابنا إنما تكلموا في المسألة مع الحنفية، وهو [لا ينهض] (^١) عليهم؛ لأنهم يقتلون المسلم بالكافر، فلا يفسد عندهم المعنى، بل ينتهض الحديث شاهدًا لهم.\nقال أصحابنا أيضًا: \"و\" لو وجب تقدير الأول \"لكان: \" ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ\" أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٨] \"اللرجعية والبائن؛ لأنه ضمير المطلقات\" بزعمك، والمطلقات للرجعية والبائن بالاتفاق، فيكون ضميرهن كذلك، ولا قائل به.\nوحاصل هذا: أنه لو وجب تقدير الأول، للزم من تخصيص الثَّاني بالاتفاق، كما في المثال المذكور تخصيص الأول لأنه هو، وللزم من عموم الأول؛ بالاتفاق كما في الآية المذكورة عموم الثاني؛ لأنه هو واللازمان باطلان.\nأما الأولا فعندك.\nوأما الثاني فبالاتفاق.\nإذا عرفت هذا، فاعلم أن المصنف لم يذكر أولًا في مختصره عن أصحابنا إلا الملازمة الثانية فقط، فقال: قالوا: لو كان ذلك لكان قوله: \"وبعولتهن … \" إلى آخره، ثم\n_________\n(^١) في ج: ينتهض.","vol":"3","page":186},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأجاب فقال: قلنا: خص بالدليل، ثم إنه الحق الملازمة الأولى، فكتبها في حاشية كتابه، وصارت هكذا: قالوا: لو كان ذلك بكافر لكان الأول للحربي فقط فيفسد المعنى، ولكان \"وبعولتهن … \" إلى آخره.\nوالحَقَ في الجواب لفظة \"الثاني\"، فخرجها في الخامسة وصار هكذا: قلنا: خص الثاني بالدليل، والملازمة الثَّانية هي المشهورة في الكتب، والأُولى ذكرها هو على لسان أصحابنا، وأقصى ما يقال في تقريرها ما ذكرناه.\nوقررها بعض الشَّارحين هكذا: لو كان ذلك أي: قوله: \"وَلا ذُو عَهْدٍ\" عامًّا لكان [بكافر] (^١) الأول للحربي فقط؛ لأنه هو الذي لا يقتل به المسلم عندكم، فيلزم فساد المعنى؛ إذ يصير معناه: لا يقتل مسلم بكافر حربي، ويقتل بالذمى، ولا يقتل ذو عهد في عهده بكافر لا حربي ولا ذمى، وفساده ظاهر؛ لأن ذلك لا يصلح مقصودًا للشارع؛ لما فيه من حطّ مرتبة المسلم عن الذّمى؛ فوجب تخصيص الثاني، وحمل الكلام عليه؛ دَفْعًا لهذا الفساد.\nوهذا التقرير فيه نظر من وجوه:\nأحدها: أنه جعل \"كان\" ناقصة، مع أن \"عامًّا\" الذي هو [خبرها] (^٢) محذوف، ونحن جعلناها تامة، فلم يلزمنا حذف خبر كان.\nوالثاني: أن المصنف كما قررناه لم يناضل عن عموم: \"ولا ذو عهد\"؛ لأنه يلزم إذا ثبت له مقدمتاه أعني إيجاب التقدير، وأن الأولى هو المقدر من غير تكلّف، وإنما ناضل عن إيجاب تقدير الأول الذي فيه التنازع والتشاجر.\nوالثالث: أن بطلان التالي فيه غير بيِّن، فإنه لا يلزم من كون الثاني عامًّا أن يكون الأول خاصًّا، وإنما ينبغي أن يكون الأمْر بالعكس.\nوقوله في بيانه: \"إنه هو الذي لا يقتل به المسلم\" ساقط.\nأما أولًا: فلأن ابن الحاجب لا يقتل المسلم بالذمى، وهو إنما أورد السؤال على نفسه، وهو وإن وافق الحنفية في تقدير الأول، فلا يوافقهم في قتل المسلم بالكافر، فلو\n_________\n(^١) في أ: ككافر.\n(^٢) في ب: خبرك.","vol":"3","page":187},{"text":"قُلْنَا: خُصَّ الثَّانِي بِالدَّلِيلِ.\n<hr><s0>\n\nقررها هكذا لبادر إلى منع بطلان التالي.\nوسبب وهم مَنْ بَيَّنَ بطلانه هكذا أنه توهم أن ابن الحاجب جرى مع الحنفية جريًا تامًا حتى في قَتْلِ المسلم بالكافر، وليس كذلك، وقوله: إلا بدليل عند قوله: \"فيقتضي العموم\" [قيد] (^١) جاء به لذلك.\nوأما ثانيًا: فلأنَّا نقول: هب أنه يتكلّم هنا على لسان الحنفيّة، و[نحن] (^٢) نقول ذلك، ولكن لِمَ قلتم: إنه يجب أن يكون الأول للحربي فقط؟ ولم لا يكون الأوّل عامًّا؟ ولو خليناه وعمومه لما قتلنا المسلم بالكافر، لكن عارضنا دليل خاصّ كما أشرنا إليه في صدر المسألة.\nالشرح: إذا فهمت هذا قال المصنف في الجواب:\n\"قلنا: خص الثاني بالدليل\"، ويمكن تقديره بوجهين:\nأحدهما: وبه يصير جوابًا عن الدليلين، سبيله أن يمنع الملازمة فيه، فيقال: لا نسلم أنه لو ثبت وجوب تقدير الأول لكان \"بكافر\" الأول للحربي فقط.\nقولكم: لأن الثاني هو \"بحربي\".\nفلنا: لا نسلم، بل هو \"بكافر\"، وهو عام ثَم خصّ بالدليل، ولا يلزم من تخصيصه بالدليل تخصيص الأول، وهذا جارٍ على معتقد المصنف من أن المسلم لا يقتل بالكافر، ولو كان حنفيًّا لم يحتج إلى هذا، كما عرفت، وكان يقول كل منهما: معناه بحربي، وذلك مما ينفعنا نقضًا طائلًا.\nوجاز أيضًا على معتقده من أنه لا يلزم من تخصيص المعطوف تخصيص المعطوف عليه كما سنذكره إن شاء الله تعالى في مسائل الخُصُوص، وبهذا يفارق الحنفية؛ لأن الغالب على الظَّن أنهم يجعلون تخصيص المعطوف مقتضيًا لتخصيص المعطوف عليه. وسبيله في التالي أن نسلم الملازمة فيه، ونمنع انتفاء التالي، فيقال: لا نسلم أن قوله تعالى:\n_________\n(^١) في أ، ج: قيل.\n(^٢) سقط في أ، ب.","vol":"3","page":188},{"text":"قَالُوا: لَوْ كَانَ، لَكَانَ نَحْوُ: \"ضَرَبْتُ زَيْدًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَعَمْرًا\" - أَيْ: يَوْمَ الْجُمُعَةِ.\nوَأُجِيبَ: بِالْتِزَامِهِ، وَبِالْفَرْقِ [بِأَنَ ضَرْبَ عَمْرٍو] فِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ - لا يَمْتَنِعُ.\n<hr><s0>\n\n﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ ليس للرجعية والبائن، بل هو لهما، وخص بالدليل.\nوالوجه الثاني: أن يكون اقتصر على الجواب عن الآية، وأشار بالثَّاني إليها، وهي ثاني الوجهين اللذين أبداهما فقال:\nخص الثاني بالدَّليل، وسكوته عن الأوَّل إما نسيانًا، وهو الذي يغلب على ظني؛ فإنه ملحق بخطه كما عرفتك.\nوإِما لوضوح منع فساد المعنى فيه، أما على طريقة المصنف بالوجه الذي قررته أنا، فلأن غاية الأمر أن يصير دليلًا بمفهومه على أن المسلم لا يقتل بالذِّمى، وذلك لا ينهض فاسدًا للمعنى.\nوأما على طريقة الحنفية فواضحٌ؛ إذ هو مقصودهم.\nنعم: إنما يشكل على طريقة المصنف بالوجه الذي قرره الشارح؛ فإنه أدل على فساد المعنى مما ذكرناه نحن، وليس لك أن تقول: فلم لا تسلكه أنت؟ لأني أقول: الوجه الذي أبداه الشارح فاسد كما عرفتك بالأوجه التي ذكرتها، فلم يكن بد من التقرير على هذا الوجه.\nوغاية الأمْر عندي: أن يكون ادعاؤه فَسَاد المعنى غير صحيح، وحبّذا هو؛ فإنا لا نوافقه على ما يقول في هذه المسألة، أو يقال: لا فساد، وقد خصّ الثاني فيه بالدليل كما عرفت.\nالشرح: ثم ذكر المصنَّف أن أصحابنا \"قالوا: لو كان\" ولفظة \"كان\" هنا تامة أيضًا، وفيها ضمير يعود إلى ما أثبته المصنف من وجوب تقدير الأول أي: لو ثبت تقدير الأول \"لكان نحو: ضربت زيدًا يوم الجمعة وعمرًا: أي يوم الجمعة، يعني: ضربت عمرًا يوم الجمعة لكان التالي باطلًا، فكذا المقدم.\n\"وأجيب بالتزامه\" فقال: لا نسلم انتفاء التالي، بل المعنى هذا، وقد قدمنا هذا عن","vol":"3","page":189},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\nالحنفيّة حيث قالوا: إذا قال: لا تقتل اليهود بالحديد ولا النصارى، أفاد ذلك.\n\"و\" أجيب أيضًا: على تقدير التسليم، وعدم الالتزام \"بالفرق\" بين هذه الصورة، ومحلّ النزاع \"بأن ضَرْبَ عمرو في غير يوم الجمعة لا يمتنع\"، وإذا لم يمتنع لم تقتض الجملة الثانية إضمارًا؛ لاستقامة الكلام بدونه، بخلاف قوله ﵇: \"وَلا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ؛ فإن صحّته تتوقف على إضمار بما قلناه، هذا تقرير ما ذكره.\nولقائل أن يقول: وكذلك \"ولا ذو عهد في عهده\" صحّته لا تتوقف على إضمار بما بيناه، وإن سلم توقف \"ولا ذو عهد\"، إذا تجرد؛ فلا نسلم توقفه إذا انضم إليه \"في عهده\" كما أسلفناه، فنحن لا نقيس ما نحن فيه بقولك: ضربت زيدًا يوم الجمعة وعمرًا، بل نقول: ضربت زيدًا يوم الجمعة، وعمرًا يوم السبت، أو عمرًا وهو واقف.\nوالحاصل: أنك تأتي في المعطوف بقيد يفيد فائدة جديدة كما قلناه في: لا تقتل اليهود بالحديد، ولا النصارى في الأشهر، وإذا قيس هذا بما ذكرناه فلا منع، ولا فرق إن شاء الله.\nواعلم أن الشِّيرَازي وغيره من شارحي الكتاب كان حقهم أن يقرروا هذا الدليل هكذا: لو أوجب العطف اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الخصوص، لكان نحو: ضربت إلى آخره، وذلك لأنهم فهموا أن مراد المصنّف في المسألة، ودعواه اشتراك المعطوف والمعطوف عليه كما قدمناه، ولكنهم لما رأوا الفرق الذي ذكره المصنف في الجواب لا يتمشَّى على تقدير تقرير الشُّبهة على هذا الوجه كادوا يتنبهون للصواب، فقرروا الدليل على وجه قريب من مراد المصنف.\nثم اعتذر - أعني الشِّيرَازي - عن تقريره القريب من الصواب، بأن قال: وهذا الجواب - يعني جواب المصنف - هو الذي حملنا على حملنا كلامه على النقض الإجمالي، لا بأنه شبهة أخرى واردة على الخصوص بأن يقال: لو كان العطف يقتضي الاشتراك في الخصوص، لكان معنى هذا الكلام ما ذكرناه وليس كذلك؛ إذ لا أثر له في منع هذه الملازمة. فانظره كيف اعتذر عن ارتكابه سبيل الصواب، والله الموفق.\n\n\"تنبيه\"\nإذا ثبت العموم كما يدّعيه المصنف في قوله: \"ولا ذو عهد في عهده\" وفي قوله:","vol":"3","page":190},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٨] فهل يلزم من تخصيصه تخصيص المعطوف عليه؟.\nفيه خلاف ذكره المصنف في الخصوص، واختار أنه لا يلزم، ومن أجل ذلك قال هنا: إنَّ الثاني خصّ بالدليل أي: ولا يلزم منه تخصيص الأول؛ لقيام الدليل عليه، ومجرد تخصيص الثَّاني لا دليل فيه؛ لصيرورة الأول مخصّصًا، وسيأتي في الخصوص إن شاء الله تعالى.\n\n\"فائدة\"\nلا يخفى عليك بعد تأمّل ما سطرناه أن لنا - مَعَاشر الشَّافعية - في قوله ﷺ: \"ولا ذو عَهْدٍ في عهده\" طريقتين:\nإحداهما: أن هذا الكلام لا يحتاج إلى تقييد، وليس من قبيل ما فيه النزاع، وهذه الطريقة هي المعهودة.\nوالثانية - وهي اختيار صاحب الكتاب -: أنه محتاج إلى التقييد، وعلى هذا فهو والحنفية يقدرون الأول لقربه، وأئمتنا يقدرون بقدر الضَّرورة، فإن زالت الضرورة بالأوّل صير إليه بالإجماع؛ لاجتماع القرب والقلة.\nومن فروع المسألة:\nإذا قال: حفصة طالق ثلاثًا وعَمْرَةُ.\nقال القاضي الحسين في \"التعليقة\" قبيل \"باب طلاق المريض\": يحتمل أن يقع على عمرة واحدة؛ لأن المعطوف يجوز أن يكون بخلاف المعطوف عليه.\nوفي الرَّافعي فيمن طلق إحدى امرأتيه ثلاثًا، ثم قال للأخرى: أشركتك معها: عن إسماعيل البُوشنجي: أن المسألة جرت بين يدي فخر الإسلام الشَّاشي بـ \"مدينة السلام\"، فأجاب بأنها تطلق واحدة، وتوقّف [البُوشنجي] (^١) فيه وقال: قد أوقع على الأولى ثلاثًا، والعطف يقتضي التشريك.\nقال الرافعي: والتردّد قريب من الخلاف فيما إذا قال مَنْ تحته أربع لثلاثٍ منهن: أوقعت عليكنّ أو بينكن طلقةً، ثم قال للرابعة: أشركتك معهن.\n_________\n(^١) في أ، ج: النوسجني، وهو تحريف.","vol":"3","page":191},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوفيه وجهان:\nأظهرهما: تطلق واحدة.\nوالثاني عن القَفَّال: تطلق ثنتين.\nقلت: والأرجح فيما ذكرناه من الفروع أنه يقع واحدة، بخلاف المعطوف عليه؛ جَرْيًا على أصلنا في تعليل المقدر.\nورأينا الأصحاب في بعض الفروع يقدرون الأول، فلعلّ ذلك للقرينة الدَّالة عليه في تلك المواضع لخصوصها، فيكون قد تعين، وقد قدمنا في مسألة المقتضى أنه إذا تعيّن تقدير شيء صير إليه بلا نزاع، سواء أكان عامًّا أم خاصًّا.\nويحتمل أن يقال: إن ذلك منهم ترجيح لتقدير الأول مطلقًا، ولكنه مخالف لما ذكروه في الأصُول، وهذا مثل ما قال ابن الحداد في \"فروعه\" في رجل أوصى لزيد بعشرة من ثلثه، ولعبد الله بعشرة ولخالد [بخمسة] (^١)، وقال: قدموا خالدًا على عبد الله، وكان الثلث عشرين، كان لزيد ثمانية، ولخالد خمسة؛ لتقدمه، ونعبد الله سبعة؛ لأن الوصية بخمس وعشرين، والثلث عشرون، فزادت الوصيّة على الثلث بخمس الوصية، فوجب أن ينقص كل واحد من الموصى له خُمُس ما أوصى به له، فيدفع إلى زيد ثمانية، وينقص درهمين، وهما خمس العشرة، ويدفع إلى خالد الخمسة، ولا ينقص شيئًا، ويدفع إلى عبد الله سبعة، والدَّراهم التي كانت يجب أن تنقص من وصية خالد تنقص من وصية عبد الله؛ لأنه قال: قدموا خالدًا على عبد الله، وذلك يقتضي توفير حصّة خالد ولا ينقص منها، وجعل النّقصان الذي كان يجب أن يلحقه في حصَّة عبد الله؛ لأنه لا فائدة في قوله: قدموا خالدًا على عبد الله إلَّا توفير حصّته.\nوقد وافق الأصحاب ابن الحَدَّاد على هذا، وأنت تعلم أن قوله: \"وقدموا خالدًا\" لا يحتاج إلى تقدير ما يقدم به خالد، وقد قدّروا الخمسة المذكورة أولًا وجعلوه هكذا: وقدموا خالدًا على عبد الله بالخَمْسَةِ، وكان يمكن أن يقدر شيء، وكأنه قال: وقدموا خالدًا على عبد الله بشيء، ولو قدر كذلك لكان لخالد أربعة وشيء، ولعبد الله ثمانية إلا شيئًا، وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) في أ: بعشرة.","vol":"3","page":192},{"text":"مَسْألَةٌ:\nمِثْلُ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [سورة المزمل: الآية ١]، ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾ [سورة الزمر: الآية ٦٥]- لَيْسَ بِعَامٍّ لِلأُمَّةِ إِلَّا بِدَلِيلٍ مِنْ قِيَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ.\nوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ -: عَامٌّ إِلَّا بِدَلِيلٍ.\n<hr><s0>\n\n\n\"مسألة\"\nالشرح: إذا وردت صيغة مختصّة في وضع اللسان برسول الله ﷺ \"مثل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ﴾ [سورة المزمل: الآية ١، ٢].\nوقوله تعالى: \" ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ\" لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [سورة الزمر: الآية ٦٥]- فقد اختلف فيه:\nفقال أئمتنا: \"ليس بعام للأمة إلا بدليل\" يوجب التشريك إما مطلقًا، أو في ذلك الحكم خاصّة \"من قياس أو غيره\" (^١).\nالشرح: \"وقال أبو حنيفة وأحمد (^٢): عام إلا بدليل\" يوجب التخصيص، وعليه بعض أصحابنا كابن السَّمعاني، وغيره.\nوالخلاف حيث لا يظهر اختصاص النبي ﷺ، فإن ظهر اختص بالإجماع.\nوالمختار عندي أنه إن ظهر أنه غير مقصود بالحكم، ولكن المقصود بالحكم غيره، وأتى بلفظ يليق بجَلالتِه، ووقوع المُشَافهة معه، فهذا يعبر عن القوم به، وهو المجاز كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، فإنهم - فيما يظهر - المقصودون، ولكن وقع الخطاب معه بهذا لا مدخل له في حكم هذا الخطاب البتة، وهو في هذه الآية مجاز تركيب، وهل يعم الأمّة؟.\n_________\n(^١) ينظر: البرهان ١/ ٣٦٧، والمحصول ١/ ٦٢٠، والمستصفى ٢/ ٦٤، وشرح الكوكب ٣/ ٢١٩، والإحكام للآمدي ٢/ ٢٣٩، ونهاية السول ٢/ ٣٥٨، وروضة الناظر ص ١٠٩، والمسودة (٣١)، والمختصر لابن اللحام ص (١١٤)، وإرشاد الفحول ١٢٩، والتبصرة ٢٤٠، وجمع الجوامع ١/ ٤٢٦، والعدة ١/ ٣١٨، والتحرير (٨٩)، وتيسير التحرير ١/ ٢٥١، وفواتح الرحموت ١/ ٢٨١، وشرح العضد ٢/ ١٢١.\n(^٢) ينظر مصادر المسألة.","vol":"3","page":193},{"text":"لَنَا: الْقَطْعُ بِأَنَّ خِطَابَ الْمُفْرَدِ لا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ لُغَةً.\nوَأَيْضًا: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُ غَيْرِهِ تَخْصِيصًا.\nقَالُوا: إِذَا قِيلَ لِمَنْ لَهُ مَنْصِبُ الاِقْتِدَاءِ. \"اكَبْ لِمُنَاجَزَةِ الْعَدُوِّ\"، وَنَحْوُهُ - فُهِمَ لُغَةً: أَنَّهُ أَمْرٌ لأِتْبَاعِهِ مَعَهُ.\nوَكَذَلِكَ يُقَالُ: \"فَتَحَ وَكَسَرَ\" وَالْمُرَادُ: مَعَ أَتْبَاعِهِ.\n<hr><s0>\n\nيتخرج فيه خلاف مبنى على أن المجاز هل يتعلق به العموم، أو إنما يتعلق العموم بالحقائق، وفيه وجهان لأصحابنا حكاهما ابن السّمعاني وغيره.\nوالأظهر منهما أنه يتعلّق كما يتعلّق بالحقائق، فيكون الأَظْهر العموم، وإن لم يظهر أنه غير مقصود، فإما أن يظهر أن الأمّة مقصودة بقرينة لفظية أولا.\nإن كان الأول فهو عام، وتكون القرينة اللفظية مثبتة أنه عبَّر بلفظة عنه وعن غيره مجازًا، وهذا كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [سورة الطلاق: الآية ١] الآية، فإن ضمير الجمع في \"طلقتم\"، و\"فطلقوهن\" قرينة لفظية تدلّ على أن الأمّة مقصودة معه بالحكم، وأن الرب تعالى خصّه بالنداء، وعم بالخطاب، لأن النبي ﷺ سيّد أمته، وإمامهم وقُدْوتهم، كما يقال لرئيس القوم: افعلوا كيت وكيت إظهارًا لعظمته، وتقدمه واعتبار الرئاسة، وأنه ندرة قومه ولسانهم، والذي يصدرون عن آرائه، فكان هو وحده في حكم جميعهم وسادًّا مسدَّ جميعهم.\nوقد ابتدأ الشافعي ﵁ كتاب \"الطلاق\" بهذه الآية، ولولا فهمه عمومها للأمّة لما كان استفتح بها. وإنْ كان الثَّاني فالحق أنه غير عام إلَّا بدليل من قياس أو غيره.\nالشرح: \"لنا: القطع بأن خطاب المفرد لا يتناول غيره لغة، وأيضًا يجب\" لو كان خطابه ﵇ متناولًا لغيره \"أن يكون خروج غيره تخصيصًا\".\nولقائل أن يقول: أما الأول فضعيف؛ لأن مدعى الخصم الدخول عُرْفًا لا لغة، وأما الثاني فقد يلتزم؛ لأن التخصيص يقع في العام عرفًا.\nأو يقال: ما لم يظهر مغايرة حكم غيره له، فالظاهرُ دخوله؛ فيعمل به.\nوأما إذا ظهرت المُغَايرة [فتبين] (^١) أنه لم يدخل، وأن الأمْر كان على خلاف الظَّاهر، فلا يلزم التخصيص.\n_________\n(^١) في أ، ج: فيتبيّن.","vol":"3","page":194},{"text":"قُلْنَا: مَمْنُوعٌ، أَوْ فُهِمَ؛ لأَنَّ الْمَقْصُودَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْمُشَارَكَةِ؛ بِخِلافِ هَذَا.\nقَالُوا: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣١] يَدُلُّ عَلَيْهِ.\nقُلْنَا: ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَوَّلا لِلتَّشْرِيفِ، ثُمَّ خُوطِبَ الْجَمِيعُ.\n<hr><s0>\n\nوالمخالفون \" قالوا\": أولًا: \"إذا قيل لمن له مَنْصب الاقتداء: اركب لِمُنَاجزة العَدُوّ ونحوه، فهم لغة أنه أمر لأتباعه معه، وكذلك يقال: فتح\" الأمير البلد \"وكسر\" الجند، \"والمراد مع أتباعه\" لا أنه فعله منفردًا، وكذا ما نحن فيه.\nالشرح: \"قلنا\": فهم الاتباع منه \"ممنوع أو\" يسلم أنه \"فهم\"، ولكن لا من اللغة، بل \"لأن المقصود متوقف على المشاركة، بخلاف هذا\"؛ فإنّ أمر الرسول ﷺ بشيء لا يتوقّف المقصود به على مشاركة الأمّة له ﷺ.\nواعلم أن الخصوم لا يقولون بالفهم لُغَة، ولن يرتكب هذا القول محصل، وإنما يقولون فُهِمَ عرفًا، فلو حذف المصنّف قوله: \"لغة\" في دليلهم، وأبدل مكانها \"عرفًا\" لاستدل في محل النزاع، ثم كان الجواب:\nأن الفهم هنا؛ لأن المقصود متوقّف على المُشَاركة، بخلاف هذا، ولا سبيل للمنع فيه.\n\"قالوا\": ثانيًا: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ \"إِذَا طَلَّقْتُمُ\" النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [سورة الطلاق: الآية ١].\n\"يدل عليه\" فإنه صدَّر الخطاب به ﵇، ثم قال: \"طلقتم\" \"فطلقوهن\".\nنعم \"قلنا\": لما أريد العموم الذي يدخل فيه النبي ﷺ \"ذُكر النبي ﷺ أولًا للتشريف، ثم خوطب [الجميع] (^١)، فالنداء له، والخطاب للكل.\nوقيل: هو خروج من خطاب الأفراد إلى خطاب الجماعة، وهو موجود في الكلام.\nوقيل: هو خطابان قصد بأولهما خطاب النبي ﷺ بسماع القول وتلقى الأمْر.\nثم قيل: \"إذا طلّقتم\" خطابًا له ولأمّته، فيكون \"إذا طلقتم\" ابتداء كلام كما لو ابتدأ السورة به، ويكون السِّرُّ في ذكر النبي ﷺ سببان: التشريف والتصريح بأن حكمه حكمهم، وإلَّا فلو لم يصرح به كان دخوله ظاهرا لا نصًّا، بل قال بعض الأصُوليين: إنه لا يدخل.\n_________\n(^١) في ج: بجميع.","vol":"3","page":195},{"text":"قَالُوا: ﴿فَلَمَّا قَضَى [زَيْدٌ]﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٧] وَلَوْ كَانَا خَاصًّا، لَمْ يَتَعَدَّ.\nقُلْنَا: نَقْطَعُ بِأَنَّ الإلْحَاقَ لِلْقِيَاسِ.\nقَالُوا: فَمِثْلُ: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٥٠]، وَ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٧٩]- لا يُفِيدُ.\nقُلْنَا: يُفِيدُ قَطْعَ الإِلْحَاقِ.\n<hr><s0>\n\nوقيل المعنى: قل لأمتك.\nالشرح: \"قالوا\": ثالثا: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ\" مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْلا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ [إِذَا قَضَوْا] (^١)﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٧] يدل لأنه أخبر بأنه إنما زوجه ليرتفع الحرج عن المؤمنين في أزواج الدّعى الأدعياء، ويحلّ للمرء أن يتزوج زوجة دَعِيّه، \"ولو كان\" تزويجه إياه \"خاصًّا\" به \"لم يتعدّ\" إلى المؤمنين.\n\"قلنا: يقطع بأن الإلحاق\" إلحاق الأمّة به في تزويجه زينب إنما هو \"للقياس\" عليه، وليس ثبوت الحكم في حقهم من مدلولات \"زَوَّجناكها\".\nولقائل أن يقول: لا نسلم أن الإلحاق بالقياس، وقطعك ليس دليلًا علينا.\nوالصواب عندي أن يقال: كلامنا في خطاب النبي ﷺ تحكم، وهذا خبر لا إنشاء، فالله تعالى أخبر بأنه زوج نبيه ﷺ، ولذلك كانت زينب - رضي - الله عنها - تفاخر أمهات المؤمنين فتقول: زوّجكن آباؤكن، وزوّجنى الله منَ فوق سبع سماوات، وإذا كان كذلك فليس محل النزاع.\nفإن قلت: قد فهمنا من ذلك أن حكمهم حكمه.\nقلت: هو تعالى جعل العلّة [الغائية] (^٢) من ذلك الَّا يكون على المؤمنين حَرَجٌ في أزواج أدعيائهم، فالفهم ليس من قوله: \"زوجناكها\" بل من هذا، وهو في الحقيقة إيماء وتعريض بانتفاء الحرج في حفهم، وهو عندي فوق درجات القياس، ولا أقول: إنه منصوص.\n_________\n(^١) سقط في أ، ب.\n(^٢) في أ، ب، ج: العامة.","vol":"3","page":196},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nخِطَاُبهُ لِوَاحِدٍ لا يَعُمُّ؛ خِلافًا لِلْحَنَابِلَةِ.\n<hr><s0>\n\n\"قالوا\": رابعًا: إذا اختصّ الخطاب الوارد باسمه ﷺ به \"فمثل: \"خَالِصَةً لَكَ\"، و\"نَافِلَةً لَكَ\"\" في قوله تعالى: ﴿امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٥٠]، وفي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٧٩] \"لا يفيد\"؛ لأن الاختصاص قد عرف من دون \"خالصة لك\" و\"نافلة\".\n\"قلنا\": لا نسلّم عدم الفائدة؛ فإنّ الخطاب أولًا لا يدلّ على العموم، ولا على عدمه، وإذا لم يدل على عدمه كان محتملًا له، فالقيد \"يفيد قطع الإلحاق\"، وتلك فائدة.\n\n\"فرع\"\nخرجت الحنفيّة على أصلهم: انعقاد النِّكاح بلفظ الهِبَةِ (^١)؛ لقوله تعالى: ﴿وامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾، الآية.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: إذا خاطب الشّارع واحدًا بلفظ \"يختصّ به كقول الرب ﷾ لنبيه ﷺ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٦٥]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦٧]، وقول النبي ﷺ لواحد من أمته: افعل كذا، فهل يعمّ خطابه الباقين؟.\n_________\n(^١) اختلف الفقهاء في انعقاد النكاح بلفظ الهبة:\nفذهب الشافعية والحنابلة والظاهرية إلى القول بأنه لا ينعقد النكاح بلفظ الهبة، وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، والزهري وربيعة.\nوذهب الحنفية والمالكية إلى القول بانعقاد النكاح بلفظ الهبة، إلا أن المالكية قالوا: ينعقد بها النكاح بشرط ذكر المهر، ويظهر أنهم إنما اشترطوا في انعقاد النكاح بلفظ الهبة ذكر المهر لأن إسقاط المهر عندهم يؤثر في النكاح، ولما كان النكاح بلفظ الهبة يشعر بإسقاط المهر نظرًا إلى أن لفظ الهبة من ألفاظ التبرعات، لذلك قالوا: ينعقد بها النكاح مع ذكر المهر.\nوقد استدل الشافعية ومن وافقهم على عدم انعقاد النكاح بلفظ الهبة بالكتاب والسنة والمعقول: =","vol":"3","page":197},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقال أصحابنا: \"خطابه لواحد ليس بعام، خلافًا للحنابلة\" (^١).\n_________\n= أما الكتاب فقول الله ﵎ في قصة المرأةِ التي وهبت نفسها للنبيّ ﷺ: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة أن الله تعالى قال: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ فدل ذلك على أن الانعقاد بلفظ الهبة من خصوصياته ﷺ. وأما السنة فما روى أن النبي ﵊ قال: \"واتَّقُوا الله في النساءِ؛ فَإِنَّكم أَخَذتُمُوهُنَّ بأمانَة اللَّهِ؛ واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُن بِكَلِمَةِ اللَّهِ\".\nووجه الدلالة من الحديث أَنهم قالوا: إن الكلمة التي أحل الله بها الفروج في كتابه إنما هي الإنكاح والتزويج فقط، أخذًا من الكتاب والسنة بالاستقراء دون الهبة.\nوأما المعقول فقد قالوا فيه: إن الهبة من ألفاظ الطلاق حتى أنه ليقع الطلاق بقوله لزوجته: وهبتك لأهلك، فلا يكون موجبًا لضده.\nوقد نوقشت هذه الأدلة بما يأتي:\nأما الآية فقد قيل لهم فيها: إن قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ليس معناه أن انعقاد النكاح بلفظ الهبة مختص به ﷺ، بل المراد أن الاختصاص والخلوص في سقوط المهر خاص به ﷺ، ويؤيد هذا المراد أمور:\nالامر الأول: - أنها مقابلة بمن آتى مهرها في قوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾، إلى قوله: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾.\nالأمر الثاني: أن الله تعالى قال: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾، ومن المعلوم أنه لا حرج يلحقه في نفس العبارة، وإنما الحرج بلزوم المهر دون لفظ التزويج.\nالأمر الثالث: - أن الله ﷾ امتن على نبيه بقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ والمنة إنما تظهر بنفى المهر لا بإقامة لفظ مقام لفظ.\nويقال لهم في الحديث: إن قولكم إن الكلمة التي أحل الله بها الفروج في كتابه هي لفظ الإنكاح والتزويج فقط - غير مسلم، بل جاء لفظ الهبة أيضًا في الكتاب العزيز قال تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾، الآية، وقد بينا أن الخلوص في الآية راجع إلى إسقاط المهر.\nويقال لهم في المعقول: إن قولكم: إن الهبة من الفاظ الطلاق، فلا يكون موجبًا لضده - منتقض بقول الرجل لزوجته: تزوجي؛ فإن الفرقة تقع به إن نوى به الطلاق.\nواستدل المالكية والحنفية على انعقاد النكاح بلفظ الهبة بنفس الآية التي استدل بها الشافعية ووجه الدلالة منها أنهم قالوا: إن هذا اللفظ انعقد به نكاح النبيّ ﷺ، فوجب أن ينعقد به نكاح أمته، كلفظ الإنكاح والتزويج.\n(^١) ينظر: البرهان ١/ ٣٧٠، والمستصفى ٢/ ٦٥، ٨٤، وشرح العضد ٢/ ١٢٣، والإحكام للآمدي=","vol":"3","page":198},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوَصوَّر إمام الحرمين، وابن السمعاني وغيرهما المسألة بخطابه ﷺ، وعلى هذا يكون الضمير في قول المصنّف: \"خطابه\" عائدًا على النبّي ﷺ.\nوالصواب: عود الضمير على الشَّارع كما شرحناه؛ لأن المسألة في أعم من أن يكون المخاطِب الله تعالى، أو نبيه ﷺ، كما ذكر الشيخ أبو حامد وقد مثَّل بالآيتين اللتين ذكرناهما.\nواعلم أنه لا ينبغي أن يعتقد أن التعميم من جهة وضع الصيغة لغة، ولا أن الشرع لم يحكم بالتعميم حيث لم يظهر التَّخصيص، بل الحق أن التعميم منتفٍ لغةً ثابت شرعًا من حيث إن الحكم على الواحد حكمٌ على الجماعة، ولا أعتقد أحدًا يخالف في هذا، وينبغي أن يُرَدَّ الخلاف إلى أن العادة هل تقضي بالاشتراك بحيث يتبادر فهم أهل العرف إليها أَوْلا؟.\nفأصحابنا يقولون: لا قضاء للعادة في ذلك، كما لا قضاء للغة، وإنما [الخطاب] (^١) في الشرع شرع، وهم يقولون: العادة تقضي بذلك.\nوقد ذكر ابن السَّمْعَاني: أن المخالفين استدلّوا بأن عادة أهل اللِّسان يخاطِبون الواحد، ويريدون الجماعة، وهو يرشد إلى ما ذكرناه.\nأو يُرَدُّ إلى أنه هل صار عرف الشرع أن الواحد إذا خوطب، فالمراد الجماعة، فكأنه حقيقة شرعية أَوْلا؟.\nفهم يقولون بالأوّل؛ لأنه لما استقرّ من الشّرع استواء الناس في شرعه، كان خطاب الواحد خطابًا مع الكلّ، وكأنه إذا قال: يا زيد قائل: يا أيها الناس ويكون للدلالة على معنى أن للنَّاس لفظين:\nأحدهما: الناس، وذلك بوضع اللغة، والثاني: زيد إذا تقدم من اللَّافظ أنه إذا نطق به فقد أراد النَّاس كلهم، وإذا كان الشَّارع هو الذي تقدم منه القول كما في مسألتنا، صار\n_________\n= ٢/ ٢٤٢، وجمع الجوامع ١/ ٣٢٩، والمختصر لابن اللحام (١١٤)، والعدة ١/ ٣١٨، ٣٣١، وشرح الكوكب ٣/ ٢٢٣، والروضة (١٠٩)، والتحرير (٩٠)، وتيسير التحرير ١/ ٢٥٢، وفواتح الرحموت ١/ ٢٨٠، وإرشاد الفحول (١٣٠)، والمدخل ٢٣٠.\n(^١) في أ، ب، ج: الخلف.","vol":"3","page":199},{"text":"لَنَا: مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْقَطْعِ وَلُزُومِ التَّخْصِيص، وَمِنْ عَدَمِ فَائِدَةِ: \"حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ … \".\nقَالُوا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾. [سورة سبأ: الآية ٢٨]، \"بُعِثْتُ إِلَى الأَسْوَدِ وَالأَحْمَرِ\" - يَدُلُّ عَلَيْهِ.\n<hr><s0>\n\nحقيقة شرعية، فمعنى النَّاس يدل عليه لفظه لغة وشرعًا، ولفظ: يا زيد شرعًا، ونحن نقول: \"يا زيد\" باقية على دلالتها الأصلية، سواء أسبق قبلها مِنْ قائلها أن حكم غيره حكمه أم لا، وهو الحق؛ لأنَّ القائل لم يضع \"يا زيد\" للناس، وإنما جعله سواء في الحكم، ولا يلزم من ذلك صيرورتهم من مدلول اللفظ.\nونظير هذا: ما حكاه الرَّافعي عن أبي العبَّاس الروياني أن الرجل إذا قال: متى قلت لامرأتي: أنت على حرام، فإني أريد به الطَّلاق، ثم قال لها بعد مدة: أنت على حرام يحتمل وجهين:\nأحدهما: الحمل على الطلاق؛ لكلامه السابق.\nوالثاني: أنه كما لو ابتدأ به؛ لاحتمال أن نيته تغيرت.\nوانظر تعليل الاحتمال الثاني بأن نيّته يحتمل أن تكون تغيرت، وأنه يقتضي أنها لو لم تتغتر يحمل على الطلاق جَزْمًا، فكذا إذا قال الشارع: \"يا زيد\" فإنما سبق من أن حكمه على الواحد حكم على الجماعة لم يتغيّر من سقطات الساقطين لا ترجيح له، فإنَّ الصواب عندنا مذهب أصحابنا.\nالشرح: \"لنا: ما تقدّم من القطع\" بأن - خطاب المفرد لا يتناول غيره \"ولزوم التخصيص\" أن تُعدَّ لو أخرج واحد، \"و\" ما يلزم على ذلك \"من عدم فائدة\" ما روى - من قول النبي ﷺ: \"حُكْمِى عَلَى الوَاحِدِ\" حُكْمِي عَلَى الجَمَاعَةِ، وهو حديث لا يُعْرَف له أصل، سألت عنه شيخنا الذهبي فقال: لا أعرفه.\nوالمخالفون \"قالوا\": قوله تعالى: \" ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ \" [سورة سبأ: الآية ٢٨].\nوقوله ﷺ: \"\"بُعِثتُ إِلَى الأسْوَدِ وَالأَحْمرِ\" (^١) \"أي: ما روى الشيخان في \"صحيحهما\" من قوله ﷺ:\"وَبُعِثْتُ إلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ\" \"يدل عليه\" أي: على أن حكمه لا يختص\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥/ ١٦١ - ١٦٢) وأبو داود (٤٨٩)، وابن حبان (٢٠٠ - موارد) من حديث أبي ذر، =","vol":"3","page":200},{"text":"وَأْجِيبَ: بِأَنَّ الْمَعْنَى تَعْرِيفُ كُلِّ مَا يَخْتَصُّ بِهِ، وَلا يَلْزَمُ اشتِرَاكُ الْجَمِيعِ.\nقَالُوا: \"حُكْمِي عَلَى الوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ\" يَأْبَى ذَلِكَ.\nقُلْنَا: إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ: \"عَلَى الْجَمَاعَةِ بِالْقِيَاسِ، أَوْ بِهَذَا الَّدلِيلِ\"؛ لا أَنَّ خِطَابَ الْوَاحِدِ للجَمِيعِ.\nقَالُوا: نَقطَعُ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ حَكَمَتْ عَلَى الأُمَّةِ بِذَلِكَ؛ كَحُكْمِهِمْ بِحُكْمِ مَاعِزٍ فِي الزِّنَا وَغَيْرِهِ.\nقُلْنَا: إنْ كَانُوا حَكَمُوا؛ لِلتَّسَاوِي فِي الْمَعنَى، فَهُوَ الْقِيَاسُ؛ وَإِلَّا فَخِلافُ الإجْمَاع.\n<hr><s0>\n\nبواحد.\nالشرح: \"وأجيب: بأن المعنى\" من تعميم البعثة \" تعريف كلّ\" من الخلق \"ما يختص به\" من الأحكام، وربما اختلفوا فيها كالحَائِضِ والطَّاهر، والمسافر والمقيم، ونحو ذلك، \"ولا يلزم اشتراك الجميع\" في كل حكم.\n\"قالوا: \"حُكْمي على الواحد حكمي على الجماعة\" يأبى ذلك\" أي يأبى تخصيص واحد عن واحد.\n\"قلنا: محمول على أنه\" حكم \"على الجماعة بالقياس، أو بهذا الدليل، لا أن خطاب الواحد\" بعينه خطاب \"للجميع\".\nولقائل أن يقول: وأن خطاب الواحد خطاب للجميع بما مهَّده المخاطب أولًا من قوله: إذا حكمت على واحد، فذاك على الكلّ كما قدمناه بَحْثًا.\nالشرح: \"قالوا: نقطع بأن الصحابة حكمت على الأمة بذلك كحكمهم بحكم مَاعِزٍ في الزنا، و\" بحكم \"غيره\" في سائر الأحكام.\n\"قلنا: إن كانوا حكموا للتساوي في المعنى، فهو القياس\"؛ لاشتماله على الأصل\n_________\n= وله شاهد من حديث أبي سعيد:\nأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" كما في \"المجمع\" (٦/ ٨٥).\nوقال الهيثمي: وفيه عطية العوفي، وهو ضعيف.","vol":"3","page":201},{"text":"قَالُوا: لَوْ كَانَ خاصًّا، لَكَانَ: \"تُجْزِئُكَ، وَلا تُجْزِئُ أَحَدًا بَعْدَكَ\"، وَتَخْصِيصُهُ ﵊ خُزَيْمَةَ بِقَبُولِ شَهَادَتِهِ وَحْدَهُ - زِيَادَةٌ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ.\nقُلْنَا: فَائِدَتُهُ: قَطْعُ الإِلْحَاقِ؛ كَمَا تَقَدَّمَ.\n<hr><s0>\n\nوالفرع والعلّة الجامعة، \"وإلا\" فإن حكموا مع عدم التساوي، \"فخلاف الإجماع\".\nولقائلٍ أن يقول: ثَمَّ قسم ثالث، وهو أن يحكموا بالمساواة في الحكم لا للعلّة الجامعة، بل لأن الحكم على الواحد حكمٌ على الجماعة، كما اعترفت به هنا، وأشرت إليه في كتاب \"القياس\" حيث قلت: واستدل [أبي] (^١) على أن القياس حجّة بإلحاق كلّ زانٍ بماعز، ورُدَّ بأن ذلك لقوله ﵇: \"حُكْمِي عَلَى الوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الجَمَاعَةِ\". انتهى.\nوليس قياسًا، ولا خلاف الإجماع؛ أو لأنّ الحكم على الواحد كالحكم على الخلق لفظًا بالبحث الذي قدمناه.\nواعلم أن قضية مَاعِزٍ ثابتة في \"الصحيحين\" وغيرهما.\nوأما أن الصحابة حكموا في نظيرها فلا يحفظ ذلك، ولا يحفظ إلا واقعة المغيرة بن شعبة (^٢)، ولم تتم.\nنعم: لا يمترى أحد في أن حكمهم في كل زانٍ محصن الرَّجْمُ.\nالشرح: \"قالوا: لو كان\" حكمه على الواحد \"خاصًّا\" به \"لكان\" قوله ﷺ لأبي\n_________\n(^١) في أ، ب: أي.\n(^٢) المغيرة بن شعبة بن أبي عامر الثقفي، أبو محمد. شهد الحديبية، وأسلم زمن الخندق، له مائة وستة وثلاثون حديثًا، اتفقا على تسعة، وعنه ابناه حمزة وعروة والشعبي وخلق. شهد اليمامة واليرموك والقادسية، وكان عاقلًا أديبًا فطنًا لبيبًا داهيًا، قيل: أحصن الف امرأة. قال الهيثم: توفي سنة خمسين.\nينظر ترجمته في: تهذيب تهذيب الكمال: ٣/ ١٣٦٠، وتهذيب التهذيب ١٠/ ٢٦٢ (٤٧١)، وتقريب التهذيب: ٢/ ٢٦٩، وخلاصة تهذيب الكمال: ٣/ ٥٠، والكاشف ٣/ ١٦٨، وتاريخ البخاري الكبير ٧/ ٣١٦، والجرح والتعديل ٨/ ٢٢٤، والثقات ٣/ ٣٨٢، وأسد الغابة ٥/ ٢٤٧، وتجريد أسماء الصحابة: ٢/ ٩١، والاستيعاب: ٤/ ١٤٤٥.","vol":"3","page":202},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nبردة بن نيار ما معناه: \"تُجْزِئُكَ وَلا تُجْزِيءُ أَحَدًا بَعْدَكَ (^١)، وتخصيصه \"خزيمة (^٢) بقبول شهادته وحده زيادة من غير فائدة\"؛ لأنه يعلم تخصيصه من الخطاب.\nوحديث \"تجزئك\" وهو المروى في \"الصحيحين\" من حديث البراء بن عازب (^٣) قال:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الجامع الصحيح ٢/ ٤٥٦ في باب التبكير إلى العيد، حديث (٩٦٨) ومسلم في الصحيح ٣/ ١٥٥ في كتاب الأضاحي: باب وقتها (٧/ ١٩٦١).\nقوله: \"لا تجزى عن أحد بعدك\" أي: لا تقضي بلا همز، يقال: جزى عني هذا الأمر، ويجزيك من هذا الأمر الأقل، أي: يقضى وينوب، قال الله ﷾: ﴿لا تجزى نفس عن نفس شيئًا﴾ أي: لا تقضى عنها، ولا تنوب، والمتجازي للدين: هو المتقاضي، ومعنى قولهم: جزاه الله خيرًا، أي: قضاه الله ما أسلف، فإذا كان بمعنى الكفاية، قلت: جزا عني وأجزأ بالهمز.\nوالجذع من المعز غير جائز في الأضحية، ويجوز من الضان عند أكثرهم قيل: لأنه ينزو، فيلقح، ومن المعز لا يلقح حتى يصير ثنَيًّا.\nأما الجذع من الضأن فاختلفوا فيه، فذهب أكثر أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ فمن بعدهم إلى جوازه، غير أن بعضهم يشترط أن يكون عظيمًا. وقال الزهري: لا يجوز من الضأن إلا الثني فصاعدًا كالإبل والبقر.\n(^٢) خزيمة بن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة بن ساعدة بن عمار الأنصاري الخطمي، ذو الشهادتين، شهد بدرًا وأحدًا، له ثمانية وثلاثون حديثًا. روى عنه: ابنه عمارة وإبراهيم بن سعد بن أبي وقاص. قتل مع علي بـ \"صفين\".\nينظر: البداية والنهاية ٧/ ٣١١، وسير الأعلام ٢/ ٤٨٥، وطبقات ابن سعد ٨/ ٤٥٣، وشذرات الذهب ١/ ٤٥، والإصابة ٢/ ٢٧٨، وأسد الغابة ٢/ ١٣٣، والاستيعاب ٢/ ٤٤٨، وتهذيب الكمال ١/ ٣٧١، وتهذيب التهذيب ٣/ ١٤٠، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ٢٨٩.\n(^٣) البراء بن عازب بن الحارث بن عدي بن جشم بن مجدعة الأوسي الأنصاري، أبو عمارة، نزل الكوفة. له ثلاثمائة حديث وخمسة أحاديث، اتفقا على اثنين وعشرين، وانفرد البخاري بخمسة عشر، ومسلم بستة.\nوعنه عبد الرحمن بن أبي ليلى وعدي بن ثابت وسعد بن عبيدة وأبو إسحاق وخلق، شهد أحدًا والحديبية.\nتوفي سنة إحدى أو اثنتين وسبعين. ينظر ترجمته في: تهذيب الكمال: ١/ ١٣٩، وتهذيب التهذيب ١/ ٤٢٥، وتقريب التهذيب: ١/ ٩٤، وخلاصة تهذيب الكمال: ١/ ١٢٠، والكاشف: ١/ ١٥١، وأسماء الصحابة الرواة ١٤٢.","vol":"3","page":203},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nخطب النبي ﷺ يوم النَّحْرِ فقال: \"إن أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ عَجَّلَةُ لأِهْلِهِ، فقام خَالِي أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول الله إني ذبحت قبل أن أصلي، وعندي جَزَعة خير من مُسِنّة، فقال: \"اجْعَلْهَا مَكَانَهَا، وَلَنْ تُجْزِئَ جَذَعَةٌ، عَنْ أَحَدِ بَعْدَكَ\".\nوحديث خزيمة هو المَرْوِيّ في \"مسند أحمد\"، و\"سنن أبي داود\" والنسائي بإسناد صحيح عن عمارة بن خُزَيْمَةَ (^١) أن عمه حدّثه - وهو من أصحاب النبي ﷺ - أن النبي ﷺ ابتاع فرسًا من أعرابي، فاستتبعه النبي ﷺ ليقضيه ثمن فَرَسِهِ، فأسرع النبي ﷺ المشى فأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي، فيساومونه الفَرَسَ، ولا يشعرون أن النبي ﷺ ابتاعه، فنادى الأَعْرابي النبي ﷺ فقال: إن كنت مبتاعًا هذا الفرس وإلا بعته، فعلم النبي ﷺ حين سمع نداء الأعرابي فقال: \"أَلَيْسَ قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ\"؟، فقال الأعرابي: والله ما بعتك، فقال النبي ﷺ: \"قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ\"، وطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدًا، فقال خزيمة: أنا أشهد أنك قد بعته، فأقبل النبي ﷺ فقال: \"بمَ تَشْهَدُ\"؟ فقال: بتصديقك يا رسول الله، فجعل النبي ﷺ شهادة خزيمة شهادة رَجُلَيْنِ (^٢).\nقال الخَطَّابي: (^٣) هذا حديث وضعه كثير من الناس غير موضعه، وقد تذرّع قوم من\n_________\n(^١) عُمارة بن خزيمة بن ثابت الأوْسي المدني. عن أبيه وعثمان بن حُنَيف.\nوعنه: الزهري وأبو جعفر الخُطْمِي وابن أبي يحيى. وثقه ابن سعد. قال ابن أبي عاصم: مات سنة خمس ومائة. ينظر: الوافي بالوفيات ٢٢/ ٤٠٨، وشذرات ١/ ١٣١، وطبقات ابن سعد ٥/ ٧١، والجرح والتعديل ٦/ ٢٠١١، وتاريخ البخاري الكبير ٦/ ٤٩٨، والكاشف ٢/ ٣٠٢، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٢٦٣، وتهذيب الكمال ٢/ ١٠٠٠، وتهذيب التهذيب ٧/ ٤١٦.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤/ ٣١ - ٣٢) كتاب الأقضية: باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد … حديث (٣٦٠٧)، والنسائي (٧/ ٣٠١)، كتاب البيوع: باب التسهيل في ترك الإشهاد على البيع، وأحمد (٥/ ٢١٥، ٢١٦)، والحاكم (٢/ ١٧ - ١٨)، والبيهقي (١٠/ ١٤٥) عن خزيمة بن ثابت الأنصاري.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ورجاله باتفاق الشيخين ثقات، ولم يخرجاه.\nووافقه الذهبي.\nوقال ابن كثير في \"تحفة الطالب\" ص (٢٩٠): إسناده صحيح حجة.\n(^٣) حمد - وقيل: اسمه أحمد - بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب، أبو سليمان البستي المعروف بـ =","vol":"3","page":204},{"text":"مَسْأَلةَ: جَمْعُ الْمُذَكَّرِ السَّالِمُ (^١) كَـ \"الْمُسْلِمينَ\" [سورة الأحزاب: الآية ٣٥] وَنَحْوَ: \"فَعَلُوا\" [سورة النساء: ٦٦]- مِمَّا يُغَلَّبُ فِيهِ الْمُذَكَّر، لا يَدْخُلُ فِيهِ النِّسَاءُ ظَاهِرًا؛ خِلافًا للْحَنَابِلَةِ.\n<hr><s0>\n\nأهل البدع إلى استحلال الشهادة لمن عرف عندهم بالصِّدْقِ على كل شيء ادّعاه، إنما وَجْهُ الحديث ومعناه: أن النبي ﷺ حكم على الأعرابي بعلمه إذ كان النبي ﷺ صادقًا بارًّا في قوله، وجرت شهادة خُزَيْمَةَ في ذلك مَجْرَى التوكيد والاستظهار بها على خَصْمِهِ، فصار التقدير: شهادته له، وتصديقه إياه على قوله كشهادة رَجُلَينِ في سائر القضايا.\nقلت: وسواء أثبت تخصيص خزيمة أم لا، قد خصّص أبو بردة بن نيار، وخصص بعضهم بِلُبْسِ الحرير (^٢).\n\"قلنا: فائدته قطع الإلحاق\" إلحاق غير ذلك الواحد به \"كما تقدم\" في المسألة قبلها.\nالشرح: جمع المذكّر المكسّر لا يدخل تحته المؤنّث، وجمع المؤنّث يدخل تحته المذكّر، والجمع الذي لم يظهر فيه علامة التذكير ولا التأنيث كـ \"الناس\" يتناول القسمين اتفاقًا (^٣).\n_________\n= \"الخطابي\" ولد سنة ٣١٩ هـ. كان رأسًا في علم العربية والفقه والأدب وغير ذلك. أخذ الفقه عن أبي علي بن أبي هريرة وأبي بكر القفال وغيرهما، وأخذ اللغة عن أبي عمر الزاهد، وله شعر حسن. من تصانيفه: \"معالم السنن\" و\"أعلام البخاري\" و\"غريب الحديث\" وشرح أسماء الله الحسنى\" وغيرها. وتوفي بـ \"بست\" سنة ٣٨٨ هـ في ربيع الآخر. وينظر: الأعلام ٢/ ٢٠٤، والأنساب ٢/ ٢٢٦، ووفيات الأعيان ١/ ٤٥٥، وتذكرة الحفاظ ٣/ ١٠١٨، وإنباه الرواة ١/ ١٢٥، وشذرات الذهب ٣/ ١٢٧، وابن قاضي شهبة ١/ ١٥٦، والبداية والنهاية ١١/ ٣٢٤.\n(^١) والجمع المذكر اسم دل على أكثر من اثنين بزيادة واو ونون رفعًا، وياء ونون نصبًا وجرًا على آخره صالح للتجريد عن هذه الزيادة.\n(^٢) أخرجه البخاري ١٠/ ٢٩٥، في اللباس: باب ما يرخص للرجال من الحرير للحكة (٥٨٣٩)، ومسلم ٣/ ١٦٤٦، في كتاب اللباس: باب إباحة لبس الحرير (٢٥/ ٢٠٧٦).\n(^٣) ينظر: البرهان ١/ ٣٥٨، والمحصول (١/ ٢/ ٦٢٣)، واللمع (١٢)، والتبصرة (٧٧)، والمعتمد ١/ ٢٥٠، والوصول إلى الأصول ١/ ٢١٢ - ٢١٣، والمستصفى ٢/ ٧٩، والمنخول (١٤٣)، والإحكام للآمدي ٢/ ٢٤٤، وشرح الكوكب ٣/ ٢٣٥، وجمع الجوامع ١/ ٤٢٨، والتمهيد للإسنوي (٣٥٦)، ونهاية السول ٢/ ٣٥٩، والروضة ١٢٣، والعدة ٢/ ٣٥١، =","vol":"3","page":205},{"text":"لَنَا: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٥]، وَلَوْ كَانَ دَاخِلًا، لَمَا حَسُنَ.\nفَإِنْ قُدِّرَ مَجِيئُهُ للنُّصُوصِيَّةِ، فَفَائِدَةُ التَّأْسِيسِ أَوْلَى.\nوَأَيْضًا: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂: \"يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ النَّسَاءَ قُلْنَ: \"مَا نَرَى اللَّهَ ذَكَرَ إِلَّا الرَّجَالَ\"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٥]، وَلَوْ كُنَّ دَاخِلاتٍ، لَمْ يَصِحَّ تَقْرِيرُهُ للِنَّفْيِ.\nوَأَيْضًا: فَإِجْمَاعُ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ المُذَكَّرِ.\n<hr><s0>\n\nوأما \"جمع المذكّر السَّالم كـ \"المسلمين\"، ونحو \"فعلوا\" [سورة النساء: الآية ٦٦]- مما يغلب فيه المذكر لا يدخل فيه النساء ظاهرًا؛ خلافًا للحنابلة\"، وابن خويز مَنْدَاد من المالكية، وابن داود.\nوادعى ابن الأنباري الإجماع على عدم الدُّخُول لغة حقيقة، وأن النزاع إنما هو في ظهوره؛ [لاشتهاره] (^١) عُرْفًا، ثم هل تقول: اجتمع في اللفظ موجب الحقيقة والمجاز، أو يكون مجازًا صرفًا؟.\nفيه ما سبق في [مسألة] (^٢) استعمال المشترك في معنييه.\nالشرح: \"لنا:\" قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٥]، ولو كان\" المؤنث \"داخلًا\" تحت لفظ المسلمين \"لما حسن\" العطف، لما فيه من التَّكْرار بلا فائدة، \"فإن قدر\" في المعطوف، وهو المسلمات \"مجيئه للنصوصية\" كما في قوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٩٨] \"ففائدة التَّأسيس أولى\" بالاعتبار من فائدة التأكيد.\n\"وأيضًا: قالت أم سلمة: يا رسول الله إنَّ النساء قُلْنَ: ما نرى الله ذكر إلا الرجال\"\n_________\n= والمختصر لابن اللحام (١١٤)، وأصول السرخسي ١/ ٢٣٤، والتحرير (٧٩)، وتيسير التحرير ١/ ٢٣٤، وفواتح الرحموت ١/ ٢٧٦، والمختصر لابن اللحام (١١٤)، وارشاد الفحول (١٢٧)، والمدخل (٢٤١)، وسلم الوصول ٢/ ٣٦٠، وشرح العضد ٢/ ١٢٤، وكشف الأسرار ٢/ ٥، والتلويح ١/ ٢٢٦.\n(^١) في أ: لا شهادة.\n(^٢) سقط في أ، ج.","vol":"3","page":206},{"text":"قَالُوا: الْمَعْرُوفُ تَغْلِيبُ الذُّكُورِ.\nقُلْنَا: صَحِيحٌ، إِذَا قُصِدَ الْجَمِيعُ؛ وَيَكُونُ مَجَازًا.\nفَإِنْ قِيلَ: الأصْلُ الْحَقِيقَةُ.\nقُلْنَا: يَلْزَمُ الاِشْتِرَاك، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ.\n<hr><s0>\n\nفأنزل الله ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٥]، ولو كن داخلات\"\" لم يحسن السؤال، و\"لم يصح تقريره\" ﷺ \"للنفي\".\nولفظ أم سلمة في النسائي: قلت: يا رسول الله ما لنا لا نُذْكر في القُرْآن كما تُذْكر الرجال؟ فأنزل الله ﷾: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٥]، وله طرق إلى الصِّحة إلّا أنه لا دليل فيه؛ فإن أم سلمة إنما سألت عن ذكرهن، والظاهرُ أن مرادها التَّنصيص عليهن بما يخصّهن شرفًا لهن.\nوالأَوْلى عندي أن يستدل بقول عائشة ﵂: يا رسول الله على النساء جهاد؟ قال ﷺ: \"نَعَمْ عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لا قِتَالَ فِيهِ: الحَجُ والْعُمْرَةُ\"، أخرجه ابن ماجه بإسناد جيد (^١)، فلو كن يدخلن في لفظ المؤمنين لعَرَفَتْ ذلك، ولم تسأل.\n\"وأيضًا: فإجماع\" أهل \"الغربية على أنه جمع المذكر\".\nولا يخفى على من شذا طرفًا منها أن قول القائل: \"مسلمات\" مبنى على قوله في الواحد: إن \"مسلم\" و\"مسلمون\" مبني على \"مسلم\" و\"مسلمين\".\nالشرح: \"قالوا: المعروف تغليب الذكور\"، ومنه قوله تعالى لآدم وحواء وإبليس: ﴿اهْبِطُوا﴾.\n\"قلنا: صحيح إذا قصد الجميع، ويكون مجازًا\" محتاجًا إلى القرينة، فإما أن يقال: إن وضع اللِّسَان على المسلمين مسترسل على النساء والرجال استرساله على آحادِ الرجال.\n\"فإن قيل\": قد سلمتم صحة الإطلاق، و\"الأصل الحقيقة\".\nقلنا: هو حقيقة في المذكر بخصوصه إجماعًا، فإن كان مع ذلك حقيقة في المذكر والمؤنث \"للزم الاشتراك\"، والمجاز أولى في الاشتراك، \"وقد تقدم مثله\".\nوهذا السؤال إنما يورده من يظنّ الخصوم يدعون دخول النساء وضعًا حقيقيًا، وذلك\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦/ ١٦٥)، وابن ماجه (٢٩٠١)، والدارقطني (٢/ ٢٨٤)، من حديث عائشة ﵂.","vol":"3","page":207},{"text":"قَالُوا: لَوْ لَمْ يَدْخُلْنَ، لَمَا شَارَكْنَ الْمُذَكَّرِينَ فِي الأَحْكَامِ.\nقُلْنَا: بِدَلِيل مِنْ خَارجٍ؛ وَلذلِكَ لَمْ يَدخُلْنَ فِي الْجِهَادِ وَالْجُمُعَةِ وَغَيْرِهِمَا\" ا. هـ.\n\"قَالُوا: لَوْ أَوْصَى لِرِجَالٍ وَنِسَاءٍ بِشَيْءٍ، ثُمَّ قَالَ: أَوْصَيْتُ لَهُمْ بكَذَا - دَخَلَ النِّسَاءُ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ، وَهُوَ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ.\nقُلْنَا: بَلْ بِقَرِينَةِ الإِيصَاء الأَوَّلِ.\n<hr><s0>\n\nلا ينبغي لأحد أن يقول: وإنما ادعوا دخولهن؛ لأنه لما كثر في الشرع مساواة الذكور للإناث، وسار غالبًا، كان تقرير هذا أن العادة الغالبة تبين أن الشرع لا يقصد قصر الأحكام على الذكور، ونحن نقول: هذا غير مطّرد؛ إذ قد ثبت أحكام الذكور دون الإناث.\nالشرح: \"قالوا: لو لم يدخل لما شاركن المذكورين في الأحكام\" نحو: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٣].\n\"قلنا\": إنما شاركهم \"بدليلٍ من خارج\" لا من نفس اللَّفْظ، \"ولذلك لم يدخلن في\" خطاب \"الجهاد والجمعة وغيرها\".\nالشرح: \"قالوا: لو أوصى لرجال ونساء بشيء، ثم قال: أوصيت لهم بكذا، دخل النساء بغير قرينة، وهو معنى الحقيقة\".\n\"قلنا\": لم يدخلن بغير قرينة، \"بل بقرينة الإيصاء الأوّل\" للرجال والنساء، على أني لا أحفظ نقلًا عن مذهبنا في هذه المسألة، ولكن الظاهر الدخول كما ذكر.\n\n<span data-type='title' id=toc-631>\"فائدة\"</span>\nمن يدخلهن يحتاج إلى إخراجهن من الجهاد والجمعة، ونحوهما إلى دليل مخرج، ومن لا يدخلهنّ يحتاج في الصلاة والزكاة ونحوهما إلى دليلٍ يخصّهن، والقول بعدم دخولهن هو الذي نقله الشيخ أبو حامد في أصوله عن الشافعي، واستنبطه من قوله من قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٦٥]. المرادُ بذلك الرجال لا النِّساء.\n\n<span data-type='title' id=toc-632>\"فرع\"\nقال واعظ لحاضريه: طلقتكم ثلاثًا وامرأته فيهم </span>وهو لا يدري، أفتى الإمام بوقوع الطلاق.\nقال الغزالي: وفي القَلْبِ منه شيء.","vol":"3","page":208},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nمَنِ\" الشَّرْطِيَّةُ: تَشْمَلُ الْمُؤَنَّثَ؛ عِنْدَ الأَكْثَرِ.\nلَنَا: أَنَّهُ لَوْ قَالَ: \"مَنْ دَخَلَ دَارِي، فَهُوَ حُرٌّ، عَتقْنَ بِالدُّخُولِ.\n<hr><s0>\n\nوقال الرافعي، والنووي: ينبغي ألَّا يقع، ثم اختلفت بهما السبيل، فمأخذ النووي أن النساء لا يدخلن في هذا اللَّفظ كما تقرر في الأصول، ومأخذ الرافعي غيره.\nقلت: ولو سلم دخولها، فينبغي أن يخرَّج على طلاق الجاهل، والأصحّ فيه عدم الوقوع، كما إذا حلف لا يسقم على زيد فسلّم على قوم هو فيهم، ولم يعلم به، فإن في حِنْثِهِ كما قال الرافعي قولي الناسي والجاهل، والأصحُّ منهما عدم الوقوع.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"مَنْ\" الاستفهامية لا تعم (^١)، وكذا النكرة الموصوفة؛ مثل قول الشاعر: [الرمل]\nرُبَّ مَنْ أَنْضَجْتُ غَيْظًا قَلْبَهُ … قَدْ تَمَنَّى لِيَ مَوْتًا لَمْ يُطَعْ (^٢)\nوقال حسان (^٣) ﵁: [الكامل].\n_________\n(^١) ينظر: البرهان ١/ ٣٦٠، والمعتمد ١/ ٢٥٠، والمحصول ١/ ٢/ ٦٢٢، والعدة ٢/ ٣٥١، والروضة (١٢٣)، والوصول إلى الأصول ١/ ٢١٦، والإحكام للآمدي ٢/ ٢٤٨، وجمع الجوامع ١/ ٤٢٨، وشرح الكوكب المنير ٣/ ٢٤٠، والمسودة (١٠٤)، وشرح العضد ٢/ ١٢٥، وإرشاد الفحول ١٢٧، والمختصر لابن اللحام (١١٥)، وكشف الأسرار ٢/ ٥.\n(^٢) البيت من الرَّمَل وهو لسويد بن أبي كاهل في الأغاني ١٣/ ٩٨، وخزانة الأدب ٦/ ١٢٣ - ١٢٥، والدرر ١/ ٣٠٢، وشرح اختيارات المفضل ص ٩٠١، وشرح شواهد المغنى ٢/ ٧٤٠، والشعر والشعراء ١/ ٤٢٨، وبلا نسبة في شرح الأشموني ٢/ ٧٠، وشرح شذور الذهب ص ١٧٠، وشرح المفصل ٤/ ١١، ومغنى اللبيب ١/ ٣٢٨، والشاهد فيه قوله: \"رب من\"، و\"رب\" لا تدخل إلا على نكرة فدل على أنا \"من\" هنا نكرة موصولة بجملة \"أنضجت\".\n(^٣) حسان بن ثابت بن المنذر الأنصاري النَّجَّاري، شاعر رسول الله ﷺ أبو عبد الرحمن أو أبو الوليد. وعنه: ابنه عبد الرحمن وابن المسيب. قال النبيّ ﷺ: \"إن رُوحَ القُدسِ مع حسان ما دام ينافح عن رسول الله ﷺ \". قال أبو عبيد: توفي سنة أربع وخمسين. قال ابن إسحاق: عاش مائة وعشرين سنة.\nينظر: أسماء الصحابة الرواة ت (٨١٩)، والثقات ٣/ ٧١، وسير الأعلام ١/ ٥١٢، وشذرات =","vol":"3","page":209},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\nفكَفَى بِنَا فَضْلًا عَلَى مَنْ غَيْرِنَا … حُبُّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ [إِيَانَا (^١)] (^٢)\nوكذا إذا كانت زائدة إن قيل بورودها لذلك، وهو رأي الكسائي (^٣)، أو نكرة تامَّة، وهو رأي أبي علي.\nوأما الموصولة والشرطية فيعفان.\nأما الموصولة فتشمل المذكر والمؤنث مثل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٨].\nوأما \"الشرطية\" مثل: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [سورة الفرقان: الآية ٦٨]، فلذلك \"تشمل المؤنث عند الأكثر\".\nوقيل: تختص بالمذكر.\n\"لنا: أنه لو قال: مَنْ دخل داري فهو حُرّ، عَتقْنَ بالدخول\" اتفاقًا، ولولا شمول اللفظ ما كان ذلك.\n\n\"فرع\"\nلو نظرت الأجنبية في بيت الأجنبي جاز رَمْيُهَا على أصح الوجهين، ويمكن أن يبنى الخلاف على شمول \"مَنْ\" المؤنث، والأصل فيه ما في صحيح مسلم من قوله ﷺ: \"مَن\n_________\n= الذهب ١/ ٤١، والإصابة ٢/ ٦٢، والاستيعاب ١/ ٣٤١، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ٢٠٦، وتهذيب الكمال ١/ ٢٤٨، وتهذيب التهذيب ٢/ ٢٤٧، والبداية والنهاية ٨/ ٤٧.\n(^١) في ج: من أتانا.\n(^٢) وهو لكعب بن مالك في ديوانه ص ٢٨٩، والدرر ٣/ ٧، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٥٣٥، وخزانة الأدب ٦/ ١٢٠، ١٢٣، ١٢٨، والدرر ٣/ ٧، ولبشر بن عبد الرحمن في لسان العرب (منن)، ولحسان بن ثابت في الأزهية ص ١٠١، والمقاصد النحوية ١/ ٤٨٦، والدرر ١/ ٣٠٢، وشرح شواهد المغني ١/ ٣٣٧، وللأنصاري في الكتاب ٢/ ١٠٥، ولسان العرب (كفى)، والجني الداني ٥٢، همع الهوامع ١/ ٩٢، والمقرب ١/ ٢٠٣، وشرح شواهد المغنى ١/ ١٠٩، ٣٢٨، وشرح المفصل ٤/ ١٢، ومجالس ثعلب ١/ ٣٣٠، وسر صناعة الإعراب ١/ ١٣٥، ورصف المباني ١٤٩.\n(^٣) علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي بالولاء، الكوفي، أبو الحسن الكسائي: إمام في اللغة والنحو والقراءة. من تصانيفها \"معاني القرآن\" والمصادر\" و\"الحروف\" و\"القراءات \" و\"النوادر\" و\"المتشابه في القرآن، و\"ما يلحن فيه العوام\". توفي بـ \"الري\" - في العراق - سنة ١٨٩.=","vol":"3","page":210},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nالْخِطَابُ بِـ \"النَّاسِ\"، وَ\"الْمُؤمِنِينَ\"، وَنَحْوِهِمَا: يَشْمَلُ الْعَبِيدَ؛ عِنْدَ الأكْثَرِ.\nوَقَالَ الرَّازِيُّ: إِنْ كَانَ لِحَقِّ اللهِ.\nلَنَا: أَنَّ الْعَبْدَ مِنَ النَّاسِ وَالْمُؤمِنِينَ قَطْعًا؛ فَوَجَبَ دُخُولُهُ.\n<hr><s0>\n\nاطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ\" (^١).\nوتستحق المرأة سلب المقتول على المذهب؛ لقوله ﷺ:\"مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُه\" (^٢).\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"الخطاب بـ \"النَّاسِ\" و\"المؤمنين\" ونحوهما يشمل العبيد عند الأكثر\" وقيل: لا (^٣).\n\"وقال الرازي\": من الحنفية (^٤): \"إن كان\" الخطاب \"لحقّ الله\" دخل العبيد، وإنْ كان لحقّ العباد فلا.\n\"لنا: أن العَبْدَ من الناس والمؤمنين قطعًا؛ فوجب دخوله\".\n_________\n= انظر: ابن خلكان ١/ ٣٣٠، وتاريخ بغداد ١١/ ٤٠٣، والأعلام ٤/ ٢٨٣.\n(^١) البخاري ١٢/ ٢٥٣، ٢٥٤، كتاب الديات: باب من اطلع في بيت قوم ففقؤا عينه فلا دية له (٦٩٠٢)، ومسلم ٣/ ١٦٩٩، كتاب الآداب: باب تحريم النظر في بيت غيره (٤٣ - ٢١٥٨).\n(^٢) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٤٥٤ - ٤٥٥، في كتاب الجهاد: باب ما جاء في السلب (١٨) وأخرجه البخاري ٨/ ٣٤ - ٣٥، في المغازي: باب قول الله تعالى: ﴿ويوم حنين﴾ (٤٣٢١)، ومسلم ٣/ ١٣٧٠، في الجهاد: باب استحقاق القاتل سلب القتيل (٤١/ ١٧٥١).\n(^٣) ينظر: المحصول ١/ ٣/ ٢٠١، والمعتمد ١/ ٣٠٠، والإحكام للآمدي ٢/ ٢٤٨، واللمع (١١)، والتبصرة (٧٥)، والعدة ٢/ ٣٤٨، والمستصفى ٢/ ٧٧، والمنخول (١٤٣)، وشرح الكوكب ٣/ ٢٤٢، وجمع/ الجوامع ١/ ٤٢٧، والقواعد والفوائد (٢٠٩)، وإشاد الفحول (١٢٨)، والمسودة (٣٤)، والتمهيد للإسنوي (٣٥٥)، وشرح العضد ٢/ ١٢٥، وشرح التنقيح (١٩٦)، التحرير (٩١)، وتيسير التحرير ١/ ٢٥٤، وفواتح الرحموت ١/ ٢٧٦.\n(^٤) ينظر المصادر السابقة.","vol":"3","page":211},{"text":"قَالُوا: ثَبَتَ صَرْفُ مَنَافِعِهِ إِلَى سَيِّدِهِ؛ فَلَوْ خُوطِبَ بِصَرْفِهَا إَلَى غَيْرِهَ لَتَنَاقَضَ.\nرُدَّ: بِأَنَّهُ فِي غَيْرِ تَضَايُقِ الْعِبَادَاتِ؛ فَلا تَنَاقُضَ.\nقَالُوا: ثَبَتَ خُرُوجُهُ مِنْ خِطَابِ الْجِهَادِ وَالْحَجِّ وَالْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا.\nقُلْنَا: بِدَلِيلٍ؛ كَخُرُوجِ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"قَالُوا: ثبت صرف منافعه إلى سَيّده\" في جميع الأوقات بالشرع، \"فلو خوطب بصرفها إلى غيره\" أيضًا \"لتناقض\".\n\"ردّ: بأنه\" إنما يخاطب بصرف مَنَافعه إلى سَيّده \"في غير\" أوقات\" [تضايق] (^١) العبادات\"، ولذلك لا يجوز للسَّيِّد استخدامه في وقت الصَّلاةِ المفروضة، بل له أوقات يجب على السَّيد أن يغادره فيها لأداء وظيفة العبادة [وآخَر] (^٢) لراحته في نفسه.\n\"قالوا: ثبت خروجه من خطاب الجهاد والحَجّ والجمعة وغيرها\"، مع ورود الألفاظ العامة في ذلك مثل: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٧]، و﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٦٥]، فلو كان داخلًا احتيج إلى دليل في إخراجه.\n\"قلنا\": هو داخل، وإنما خرج \"بدليل\" … كما روي أنه ﷺ كان إذا أتاه إنسان لا يعرفه ليبايعه سأله: أحُرّ هو أو عبد؟ فإن قال: أنا حرّ بايعه على الإسلام والجهاد، وإن قال: أنا عبد بايعه على الإسلام، ولم يبايعه على الجهاد.\nوأنه ﷺ قال: \"أَيُمَا عَبْدٍ حَجَّ ثُمَّ عَتَقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخرَى\" (^٣).\nوأنه ﷺ قَال: \"الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُل مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، وَأمْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أو مَرِيضٌ\" (^٤).\n_________\n(^١) في أ، ج: تطابق.\n(^٢) في ج: وأخرى.\n(^٣) أخرجه الشافعي في \"مسنده\" (١/ ٢٩٠)، والطحاوي (١/ ٤٣٥)، والبيهقي (٥/ ١٥٦) من طريق أبي السفر عن ابن عباس موقوفًا، وله طريق آخر مرفوع عن ابن عباس:\nوأخرجه الحاكم (١/ ٤٨١)، والبيهقي (٤/ ٣٢٥)، والخطيب (٨/ ٢٠٩) من حديث محمد بن المنهال الضرير ثنا يزيد بن زريع ثنا شعبة عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس مرفوعًا، وفيه: وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى.\nوصححه ابن حزم، وصحح ابن خزيمة وقفه كما في \"التلخيص\" (٢/ ٢٢٠).\n(^٤) أخرجه البخاري ٢/ ٣٥٧، كتاب الجمعة: باب فضل الغسل يوم الجمعة (٨٧٩)، ومسلم =","vol":"3","page":212},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\nوخروج العبد \"كخروج المريض والمسافر\" عن العمومات التي خرجا منها كالصوم والصلاة، وذلك لا يدل على عدم تناولهما اتفاقًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-636>\"فرع\"\nأمان العبد صحيح عندنا\"</span> لإطلاق قوله ﷺ: \"المُسْلِمُونَ تَتكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ\" (^١).\nوقال أبو حنيفة: لا يصح إلَّا أن يكون مَأْذُونًا له في القتال، [أو تخريج] (^٢) الخلاف على هذا الأصل ظاهر.\n\n\"فائدة\"\nاستدل الشافعي لتفاوت الحر والعبد في مقدار ما يملك من الطَّلاق بأن قوله تعالى: ﴿مَرَّتَانِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٠] يحتمل أن يكون للأحرار والعبيد والإماء، وأن يكون لبعضهم.\nوقد جاء القرآن بأحكام مطلقة كهذه اختلف فيها الحرّ والعبد والحرة والأَمة، وأحكام اتفقوا فيها للضَّرورة خاصَّة.\nقال الله تعالى في حق الزَّانين الأحرار: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [سورة النور: الآية ٢]، وفي الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٥] الآية.\nوقال في الشهادات: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [سورة الطلاق: الآية ٢].\nقال الشافعي: فلم يختلف من لقيت أنها على الأحرار دون العبيد، ولم يختلف أحد لقيت أنْ لا رجم على عبد ثَيّب، وفرض الله تعالى العدَّة ثلاثة أشهر وثلاثة قروء، وفي الموت أربعة أشهر وعشرًا.\n_________\n= (٢/ ٥٨٠)، كتاب الجمعة: باب وجوب غسل الجمعة على كل بالغ من الرجال (٥/ ٨٤٦٧)، ومالك في الموطأ ١/ ١٠٢، في الجمعة: باب العمل في غسل يوم الجمعة (٤)، وابن ماجه ١/ ٣٤٦ كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها: باب ما جاء في الغسل يوم الجمعة (١٠٨٩).\n(^١) أخرجه أبو داود ٤/ ٦٦٦ - ٦٦٨، كتاب الديات باب إيقاد المسلم بالكافر (٤٥٣٠)، والنسائي ٨/ ١٩، كتاب القسامة: باب القودين بين الأحرار، والحاكم في المستدرك ٢/ ١٤١، كتاب قسم الفيء، وقال: على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وأحمد في المسند ١/ ١١٩.\n(^٢) في ب: أو تخريج علي.","vol":"3","page":213},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\nولم أعلم مخالفًا ممّن حفظت عنه من أهل العلم في أن عدّة الأَمةِ نصف عدّة الحُرَّة مما له نصف معلوم، وما لا كالحيض عدّتها فيه أقرب الأَشياء من النصف، وهو تمام حَيْضَتَيْنِ. هذا مختصر كلام الشَّافعي في باب عدّة الأمةِ في كتاب \"الأم\".\nوقد يؤخذ منه أنه في غير أماكن الضَّرورة لا يدخل العَبْدُ في إطلاق لفظ \"الناس\" و\"المؤمنين\" ونحوهما.\nوأن مذهبه التفصيل بين أماكن الضرورة وغيرها، [فلا] (^١) يقال: هذا في الألفاظ المطلقة دون العامة كقوله ﵁:\"قد جاء القرآن بأحكام مطلقة؛ لأن مراده بـ \"المطلقة\" العامة، [والآيات] (^٢) التي أوردها كلها عامة.\nوالذي عندي في هذا أن الشافعي ﵁ لا ينكر دخول العبيد لغةً في لفظ \"الناس\" و\"المؤمنين\"، وكيف ذلك وهو من مَشْيخة قريش وفُرْسان البلاغة، ولكنه يدعي أنه استقرأ الآيات الواردة عامة، فوجد الأمة فيما عدا أماكن الضرورة يخصّ بها العبيد، ولذلك قال في كل موضع أورده: \"فلم يختلف أحد لقيت\"، كما رأيت فتبين أن مراده الاستقراء [به] (^٣) عن [صيغ] (^٤) الأمة لا مدلول اللفظ لغة، وهذه فائدة وراء ما تكلم فيه أهل الأصول، فإنهم إنما تكلّموا في مدلول اللفظ لغة، والشافعي ﵁ يوافقهم، ولكنه يقول: إنَّ الاستقراء دلَّ على أن العبيد غير مراد باللَّفظ فيما عدا الضرورات.\nفإن قلت: وما الضرورات؟\nقلت: كأنه يشير إلى ما لا يفترق فيه الحرّ والعبد، كالإيمان، والصلاة، والصوم؛ فإن هذه أمور ليس يعقل في العبيد معنى يخرجهم عنها، فيدخلون في: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢١] ونحوها؛ إذ الرق لا يقتضي الخروج من هذا الخلاف: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٣]؛ فإنها تختص بذوي الأموال. ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٧] إلى غير ذلك من الآي.\n_________\n(^١) في أ: ولا.\n(^٢) في ب: والإناث.\n(^٣) سقط في أ، ب، ج.\n(^٤) في أ، ج: صنيع.","vol":"3","page":214},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nمِثْلُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢١]، ﴿يَا عِبَادِيَ﴾ [سورة العنكبوت: الآية ٥٦]- يَشْمَلُ الرَّسُولَ ﷺ؛ عِنْدَ الْأَكْثَرِ.\nوَقَالَ الْحَلِيمِيُّ: إِلَّا أَن يَكُونَ مَعَهُ ﴿قُلْ﴾.\nلنَا: مَا تَقَدَّمَ.\nوَأَيْضًا: فَهِمُوهُ؛ لأِنَّهُ إِذَا كَانَ لَمْ يَفْعَلْ ﷺ، سَأَلُوهُ؛ فَيَذْكُرُ مُوجِبَ التَّخْصِيصِ.\nقَالُوا: لا يَكُونُ آمِرًا مَأْمُورًا، وَمُبَلِّغًا مُبَلِّغًا بِخِطَابٍ وَاحِدٍ، وَلأِنَّ الأَمْرَ - لِلأَعْلَى مِمَّنْ دُونَهُ.\nقُلْنَا: الآمِرُ اللَّهُ سُبْحَانَه، وَالْمُبَلِّغُ جِبْرِيلُ ﵇.\n<hr><s0>\n\n\n\"مسألة\"\nالشرح: الخطاب - المتناول لغة - للرسول ﷺ وللأمة: \"مثل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢١]، ﴿يَا عِبَادِيَ﴾ [سورة الزمر: الآية ٥٣] يشمل الرسول عند الأكثر\".\nوقيل: لا (^١).\n\"وقال\" أبو بكر الصَّيرفي، وأبو عبد اللّه \"الحليمي\" (^٢): يشمله \"إلا أن يكون معه ﴿قُلْ﴾ \" أو نحوها مما يقتضي بصراحته الأمر بالتبليغ مثل: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [سورة النور: الآية ٣٠].\n_________\n(^١) ويشبه بناء الخلاف على الخلاف الآخر في أن الأمر بالأمر بالشيء هل هو أمر بذلك الشيء أم لا؟ لكن المرحج أنه ليس أمرًا بذلك الشيء وها هنا المرجح خلافه. انظر سلاسل الذهب ص ٢٣٤.\nوالبرهان ١/ ٣٦٥، والمحصول ١/ ٣/ ٢٠٠، والمستصفى ٢/ ٨١، والمنتهى (٨٥)، ونهاية السول ٢/ ٣٧١، والوصول إلى الأصول ١/ ٢٢٤، والإحكام للآمدي ٢/ ٢٥١، وشرح التنقيح (١٩٧)، وجمع الجوامع ١/ ٤٢٧، والقواعد والفوائد (٢٠٧)، والمختصر لابن اللحام (١١٥)، والمسودة (٣٣)، وشرح الكوكب ٣/ ٢٤٧، وإرشاد الفحول ١٢٩، والتحرير (٩١)، وتيسير التحرير ١/ ٢٥٤، وفواتح الرحموت ١/ ٧٧٧، ونشر البنود ١/ ٢٢٣.\n(^٢) الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم القاضي، أبو عبد الله الحليمي البخاري. قال الحاكم: أوحد الشافعيين بما وراء النهر وأنظرهم وآدبهم بعد أستاذيه أبي بكر القفال والأودني. وقال في =","vol":"3","page":215},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"لنا: ما تقدّم\" من أن الخطاب عام؛ فلا يخرج فرد من أفراده عنه إلا بدليل.\n\"وأيضًا\" فالعمومُ الصَّحابةُ قد \"فهموه؛ لأنه ﷺ إذا كان لم يفعل سألوه\" عن السبب، \"فيذكر موجب التخصيص\"، فلولا دخوله تحت الخِطَابِ لم يحسن السؤال، ولم يُجِبْ بالتخصيص، بل بأن: لم أدخل.\n[ولمن] (^١) فصل أن يقول: لا نسلِّمُ عموم الخطاب، ولا فهمهم العُمُوم في حالة النزاع، وهي ما إذا كان في اللفظ \"قل\"، والمنقول من ذلك أنه ﵇ أمرهم بفسخ الحَجّ إلى العمرة، ولم يفسخ.\nقالوا: أتأمرنا بالفسخ ولم تفسخ؟! فاعتذر بأنه قلّد الهدي، ولا دليل فيه؛ فإن ذلك قد يكون [لغة] (^٢) التسوية، أو أنه خطاب مُشَافهة، والأمر غير داخل فيه، وتعليلهم بقول: \"أتأمرنا\" مع عدم تعرضهم لعموم الأمر يشعر بذلك إشعارًا ظاهرًا.\n\"قالوا\" أولًا: لا يدخل تحت الخطاب، \"وإلَّا، يلزم أن \"يكون آمرًا مأمورًا مبلِّغًا مبلَّغًا بخطاب واحد\"، وهو محال؛ لأن الآمر طالب، والمأمور مطلوب منه، والمبلِّغ مؤدّ، والمبلَّغ مؤدى إليه، وقد وقع الاتفاق على أن أمر الإنسان لنفسه على الخصوص ممتنع، فكذلك على العموم، \"ولأن الأمر للأعلى ممن دونه\" كذا بخطّ المصنف، ثم أصلحت: لمن دونه.\nإن الأمر يشترط فيه علو المرتبة، فيكون الأمر من العالي لمن دونه، فلا بد من مغايرة الآمر والمأمور، وإلَّا يلزم اجتماع كونه أعلى وأدنى، وهو محال.\n\"قلنا: الآمر الله، والمبلِّغ جبريل\"، فلا يلزم أن يكون ﵇ آمرًا مأمورًا حتى يمتنع؛ لامتناع أمر الإنسان نفسه، ولاستحالة اجتماع العلو وضده، ولا أن يكون مبلِّغًا ومبلَّغًا.\n_________\n= النهاية: كان الحليمي رجلًا عظيم القدر، لا يحيط بكنه علمه إلا غواص. ولد سنة ٣٣٨ هـ ومن تصانيفه: \"شعب الإيمان\" و\"آيات الساعة\" و\"أصول القيامة\" وغيرها. وتوفي سنة ٤٠٣ هـ. وينظر: شذرات الذهب ٣/ ١٦٧، وفيات الأعيان ١/ ٤٠٣، والمنتظم ٧/ ٢٦٤، وتذكرة الحفاظ ٣/ ١٠٣٠، والأعلام ٢/ ٢٥٣، ابن قاضي شهبة ١/ ١٧٨، والبداية والنهاية ١١/ ٣٤٩.\n(^١) في ب: ولمَّ.\n(^٢) في أ، ج: كفة.","vol":"3","page":216},{"text":"قَالُوا: خُصَّ بِأَحْكَام؛ كَوُجُوبِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَالضُّحَى، وَالأَضْحَى، وَتَحْرِيمِ الزَّكَاةِ، وَإبَاحَةِ النَكاحِ بِغَيْرِ وَليٍّ وَلا شُهُودٍ، وَلا مَهْرٍ، وَغَيْرِهَا.\nقلنا: كَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَغَيْرِهِمَا، وَلَمْ يَخْرُجُوا بِذلِكَ مِنَ الْعُمُومَاتِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"قالوا\" ثانيًا: \"خصّ\" النبي ﷺ \"بأحكام، كوجوب رَكْعَتَيِ الفجر، والضحى، [والأضحى] (^١)، وتحريم الزكاة، وإباحة النكاح بغير وَلِيّ ولا شهود، ولا مَهْر وغيرها\" من الخصائص التي يكثر عدها، وذلك يدلّ على مَزِيّته؛ وانفراده عن الأمة في الأحكام التكليفية؛ فلا يكون داخلًا تحت الخطاب المتناول لهم.\n\"قلنا\": الخصوص في غير محلّ الخطاب الذي يتكلّم عليه لا يقتضي تعدِّيه إلى ما سواه \"كالمريض والمسافر وغيرهما\"؛ فإنهم خرجوا من بعض العمومات بدليل خاصّ، \"ولم يخرجوا بذلك من العمومات\" التي لم ينهض الدليل الخاصّ على تخصيصها بالنسبة إليهم.\nواعلم أن المصنف اتبع الآمدي في التمسُّك بركعتي الفجر، ولا نعلم أحدًا عدَّها من الخصائص، [وروي] (^٢) من حديث وَضَّاح بن يحيى (^٣) عن مندل بن علي - وهما ضعيفان - عن يحيى بن سعيد (^٤) عن عكرمة (^٥) عن ابن عباس أنه ﷺ قال: \"ثَلاثٌ هُنَ عَلَيَّ فَرَائِض،\n_________\n(^١) سقط في ج.\n(^٢) في ج: ويروى.\n(^٣) الوضَّاح بن يحيى النَّهْشَلي الأنْبَارِي، أبو يحيى، سكن الكوفة، يروى عن العراقيين. روى عنه أهل بغداد. منكر الحديث، يروى عن الثقات الأشياء المقلوبات التي كأنها معمولة، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد لسوء حِفظه. وإني اعتبر مُعْتبر بما وافق الثقات من حديثه فلا خير.\nينظر: تاريخ البخاري الكبير ٨/ ١٨٠، والجرح والتعديل ٩/ ٤١، والمجروحين ٣/ ٨٥.\n(^٤) يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص، الأموي الحافظ الكوفي. عن: أبيه وهشام بن عروة وابن جريج وطائفة. وعنه: ابنه سعيد وأحمد وإسحاق وابن معين. ووثقه. قال ابنه سعيد: مات سنة أربع وتسعين ومائة.\nينظر: تاريخ بغداد ١٤/ ١٣٢، الثقات ٧/ ٥٩٩، وميزان الاعتدال ٤/ ٣٨٠، والجرح والتعديل ٩/ ٦٢٥، وتاريخ البخاري الكبير ٨/ ٢٧٧، والكاشف ٣/ ٢٥٦، وخلاصة تهذيب الكمال ٣/ ١٤٨، وتهذيب الكمال ٣/ ١٤٩٧، وتهذيب التهذيب ١١/ ٢١٣ (٣٥٥).\n(^٥) عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي. أسلم بعد الفتح وحسن إسلامه، وكان من أشراف قريش. قال الشافعي: كان محمود البلاء في الإسلام. وعنه: مصعب بن =","vol":"3","page":217},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nمِثْلُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢١]- لَيْسَ خِطَابًا لِمَنْ بَعْدَهُمْ؛ وَإنَّمَا ثَبَتَ الْحُكْمُ بِدَلِيلٍ آخَرَ مِنْ إِجْمَاعٍ، أَوْ نَصٍّ، أَوْ قِيَاسٍ؛ خِلافًا لِلْحَنَابِلَةِ.\n<hr><s0>\n\nوَهُنَّ لَكُمْ تَطَوُّعٌ، الوِتْرُ وَرَكْعَتَا الفَجْرِ وَصَلاةُ الضُّحَى\" (^١) وقد روي: \"النحر\" بدل \"الفجر\".\nوالأحسن ألَّا يوسع الكلام في خروج النبي ﷺ من الخطاب العام، أو دخول أمته في الخطاب المختص به؛ لأنه قلَّما تمس الحاجة إليه.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: لا يمكن دعوى العموم في الخطاب الشفاهي بالنسبة إلى من لم يشافه به، وإنما يعم من شُوفِه به، فإذا قال للحاضرات من نسائه: طلّقتكن، فإنما يقع الطلاق على من أقبل بوجهه عليهن، ووجه مُشَافهته نحوهن لا الغائبة منهن، ولربّ حاضرات بين يديه لم يشافه إلا بعضهن، ويعرف ذلك بالقرائن (^٢).\nإذا عرفت هذا، فاعتبر به كلّ خطاب، فنقول: كل حكم نزل بصيغة المُخَاطبة \"مثلُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢١] \" فهو خطاب مع الموجودين في عصر النبي ﷺ؛ لأنهم المواجهون به، و\"ليس خطابًا لمن بعدهم، وإنما يثبت الحكم\" فيمن بعدهم \"بدليل آخر من\n_________\n= سعيد. قال ابن إسحاق: قتل يوم اليرموك سنة ثلاث عشة. ينظر: أسماء الصحابة الرواة ت (٧٨٤)، وطبقات ابن سعد ٩/ ١٣٥، والإصابة ٤/ ٥٣٨، وأسد الغابة ٢/ ٧٠، والثقات ٣/ ٣١٠، والجرح والتعديل ٧/ ٦، وتاريخ البخاري الكبير ٧/ ٤٨، وتهذيب الكمال ٢/ ٩٤٨، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٢٣٩.\n(^١) أخرجه أحمد (١/ ٢٣١)، والحاكم (١/ ٣٠٠)، والدارقطني (٢/ ٢١) وفيه: \"ركعتا الفجر\" بدلًا من صلاة الضحى، والبيهقي (٢/ ٤٦٨) عن ابن عباس قال الذهبي في \"تلخيص المستدرك: قلت: ما تكلم الحاكم عليه، وهو غريب منكر، ويحيى ضعفه النسائي والدارقطني.\n(^٢) ينظر: البرهان ١/ ٢٧٠، والمحصول ١/ ٢/ ٦٣٤، والمنخول (١٢٤)، والمستصفى ٢/ ٨٣، وشرح التنقيح (١٨٨)، والإحكام للآمدي ٢/ ٢٥٣، وشرح العضد ٢/ ١٢٧، واللمع (١٢)، وجمع الجوامع ١/ ٤٢٧، والتمهيد للإسنوي ٣٦٣، ونهاية السول له ٢/ ٣٦٤، وشرح الكوكب ٣/ ٢٤٩، والعدة ٢/ ٣٨٦ - ٣٨٧، والمسودة (١١٠)، والروضة (١١٠)، والتحرير (٩٢)، وتيسير التحرير ١/ ٢٠٥، وفواتح الرحموت ١/ ٢٧٨، وإرشاد الفحول (١٢٨).","vol":"3","page":218},{"text":"لَنَا: الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لا يُقَالُ لِلْمَعْدُومِينَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾.\nوَأَيْضًا: إِذَا امْتَنَعَ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنونِ، فَالْمَعْدُومُ أَجْدَرُ.\nقَالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ مُخَاطِبًا لَه، لَمْ يكُنْ مُرْسَلًا إِلَيْهِ، وَالثَّانِيَةُ اتِّفَاقٌ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ الْخِطَابُ الشِّفَاهِيُّ، بَلْ لِبَعْضٍ شِفَاهًا، وَلبَعْضٍ بِنَصْبِ الْأَدِلَّةِ بِأَنَّ حُكْمَهُمْ كَحُكْمِ مَنْ شَافَهَهُمْ.\nقَالُوا: الاِحْتِجَاجُ: بهِ دَلِيلُ التَّعْمِيمِ.\nقُلْنَا: لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ حُكْمَهُ ثَابِتٌ عَلَيْهِمْ بِدَلِيلٍ آخَرَ؛ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.\n<hr><s0>\n\nإجماع، أو نص، أو قياس\" يلحقهم به؛ \"خلافًا للحنابلة\".\nالشرح: \"لنا: القطع أنه لا يقال للمعدومين: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ \"؛ لأنه وقت كونه معدومًا ليس من الناس، فلا يتناوله اللفظ، \"وأيضًا إذا امتنع في الصَّبي والمجنون\" مع وجودهما \"فالمعدوم أجدر\".\nلا يقال: كيف جوزتم خطاب المعدوم؟ لأنا نقول ذلك في أصل الجواز والتعلّق غير التَّنْجيزي، وهذا في التعلّق التنجيزي.\n\"قالوا\" أولًا: \"لو لم يكن\" النبي ﷺ \"مخاطبًا\" له أي: للمعدوم \"لم يكن مرسلًا إليه\"؛ إذ لا معنى لإرساله إلا تبليغه الأحكام، ولا سبيل بذلك إلا بهذه العُمُومات، وهي لا تتناوله.\n\"والثانية\" وهي المقدمة الاستثنائية \"اتفاق\".\nومن محاسن المصنّف استدلاله بالاتِّفاق على انتفاء اللَّازم، ولم يستدل بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سورة سبأ: الآية ٢٨]، وإن كان غيره قد استدلّ به، وكذا: بعث إلى الأحمر والأسود؛ لأن لفظ الناس، والأحمر، والأسود، والجماعة يختص أيضًا بالموجودين وَقْت النّزول، ولا فرق بينه وبين ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾.\nالشرح: \"وأجيب بأنه لا يتعين الخطاب الشفاهي\" في الإرسال، \"بل\" مطلق الخطاب كافٍ، ويكون \"لبعضٍ شِفَاهًا\" وهم الموجودون \"ولبعض\" وهم من بعده ﷺ \"بنصب الأدلَّة\" والنقل عنه ﷺ بأن حكمهم \"كحكم من شافههم\".\nوالحق أن ذلك معلوم من الدِّين بالضرورة، ومن كونه خاتم النبيين، ودائم الشرعة","vol":"3","page":219},{"text":"<span data-type='title' id=toc-640>مَسْأَلَةٌ:\nالْمُخَاطِبُ: دَاخِلٌ فِي عُمُومِ مُتَعَلَّقِ خِطَابِهِ </span>عِنْدَ الْأَكْثَرِ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا أَوْ خَبَرًا؛ مِثْلُ: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٠١]، \"مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْكَ فَأَكرِمْهُ\"، أَوْ \"فَلا تُهِنْهُ\".\nقَالُوا: يَلْزَمُ: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الزمر: الآية ٦٢].\nفُلْنَا: خُصَّ بِالْعَقْل.\n<hr><s0>\n\nإلى يوم القيامة [من] (^١) مثل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾؛ لما عرفت.\n\"قالوا\" ثانيًا: لم تزل العلماء تستدلّ بمثل هذا الخطاب على من حدث بعده، و\"الاحتجاج به دليل التعميم\".\n\"قلنا\": ليس لتناول اللفظ لهم، بل \"لأنهم علموا أن حكمه ثابت عليهم بدليل آخر جمعًا بين الأدلَّة\" من الطرفين.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"المُخَاطِب\" بكسر الطاء اسم فاعل \"داخل في عموم متعلّق خطابه\" إذا كان صالحًا له، ولم تخرجه القرينة \"عند الأكثر\"، سواء أكان الخطاب \"أمرًا أو نهيًا أو خبرًا\" (^٢).\nفالخبر \"مثل: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة الحديد: الآية ٣]، وهو ﷾ عليم بذاته وصفاته، والأمر والنهي مثل: \"مَنْ أَحسن إليك فأكرمه أو لا تهنه\".\nوقيل: لا يدخل؛ لقرينة كونه مُخَاطِبًا، وهو الأصحّ عند أصحابنا كما ذكر النووي في \"الروضة\"، إلَّا أن أصحابنا لم يذكروا الخبر بل الأمر، والفرق بينهما واضح.\nوقال الإمام الرازي: يشبه أن يكون كونه أمرًا قرينة مخصصة مع جزمه في الخبر بالدخول.\n_________\n(^١) سقط في ج.\n(^٢) ينظر: البرهان ١/ ٣٦٢، والمحصول ١/ ٣/ ١٩٩، والمستصفى ٢/ ٨٨، والمنخول ١٤٣، والقواعد والفوائد (٢٠٥)، وشرح العضد ٢/ ١٢٧، وشرح الكوكب ٣/ ٢٥٢، وجمع الجوامع ١/ ٣٨٤، ونهاية السول ٢/ ٣٧٢، والتمهيد للإسنوي ٣٤٦، والإحكام للآمدي ٢/ ٢٥٥، وإرشاد الفحول (١٣٠)، والمسودة (٣٢، ٣٤)، وشرح تنقيح الفصول (١٩٨)، والتحرير ص ٩٢، وتيسير التحرير ١/ ٢٥٦، وفواتح الرحموت ١/ ٢٨٠، والمدخل (٢٤٣).","vol":"3","page":220},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوفصَّلَ إمام الحرمين فقال: اللَّفظ يتناوله صيغة، ولكنه خارج عنه عادة، وهذا في الأمر والنهي حيث لا يستلزم كون الأمر أمرًا لنفسه، وإن استلزم مثل: ليقم الناس، فالصحيح لا يدخل، ولا يلزم كونه آمرًا مأمورًا، واجتماع العلو وضدّه؛ بناء على اشتراط العلو في الآمر وضده في المأمور.\nوالمانعون من دخول المتكلّم في عموم كلامه \"قالوا\": لو دخل كان \"يلزم\" كون الرّب خالقًا نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الزمر: الآية ٦٢].\n\"قلنا\": هذا ظاهره، ولكن \"خصص بالعقل\".\nومن أصحابنا من أجاب بأن الخلق لا يتصور في ذات الباري - تعالى - ولا يتوهم فيها، فلا [يشمل] (^١) العموم عليه، وهذا مَهْيَعٌ يُسْلك في كل مخصوص بالعقل، فيقال: إنه لم يدخل؛ لأن اللفظ إنهما يشتمل على الممكن، فلا يقال: خص.\n\n<span data-type='title' id=toc-641>\"فائدة\"\nما أحسن حذف المصنّف اللَّازم وذِكْر دليله </span>حيث قال: يلزم \"الله خالق كل شيء\" ومراده يلزم كون الرب خالق نفسه من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ فإنه حذفه تأدّبًا واسْتِهْجانًا لذكر هذه اللَّفظة كما وقع في الحديث: \"يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ \" إلى أن يقول: \"هذا اللَّهُ خَلَقَ الخلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ؟ وذكر كلمة\" (^٢).\nفانظر قوله: وذكر كلمة، ووقع في بعض الروايات التصريح بها، وهي: فمن خلق الله؟، وحَذْفُهَا محمولٌ على التأدّب، وذِكرُها محمول على الإيضاح.\n\n<span data-type='title' id=toc-642>\"فرع\"\nاختلف الأصحاب فيمن قال: نساء العالمين طَوَالق، هل تطلق امرأته؟</span>\nقال الرافعي: وبنى الخلاف على أن المُخاطِب هل يدخل، وصحح النووي أنها لا تطلق، قال: لأن الأصح لا يدخل.\n_________\n(^١) في ج: يشتمل.\n(^٢) أخرجه البخاري ٦/ ٣٨٧ كتاب بدء الخلق: باب صفة إبليس وجنوده (٣٢٧٦) من طريق يحيى بن بكير، وأخرجه مسلم ١/ ١٢٠ كتاب الإيمان: باب بيان الوسوسة في الإيمان (٢١٤/ ١٣٤).","vol":"3","page":221},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nمِثْلُ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [سورة التوبة: الآية ١٠٣]- لا يَقْتَضِي أَخْذَ الصَّدَقَةِ مِنْ كُلِّ نَوعٍ مِنَ الْمَالِ؛ خِلافًا لِلْأكْثَرِ.\nلنَا: أَنَّهُ بِصَدَقَةٍ وَاحِدَةٍ يَصْدُقُ أنَّهُ أَخَذَ مِنْهَا صَدَقَةً؛ فَيَلْزَمُ الاِمْتِثَالُ.\nوَأَيْضًا: \"فَإنَّ كُلَّ دِينَارٍ مَالٌ؛ وَلا يَجِبُ ذلِكَ [بِالإجْمَاعِ].\nقَالُوا: الْمَعْنَى: \"مِنْ كُلِّ مَالٍ\"؛ فَيَجِبُ الْعُمُومُ.\nقُلْنَا: \"كُلٌّ\": لِلتَّفْصِيلِ\"؛ وَلذلِكَ فُرِّق بَيْنَ: \"لِلرِّجَالِ عِنْدِي دِرْهَمٌ\"، وَبَيْنَ \"لِكُلِّ رَجُلٍ عِنْدِي دِرْهَمٌ\"؛ بِاتِّفَاقٍ.\n<hr><s0>\n\nونقل الرافعي: أن بعضهم أفتى فيمن قال لزوجته: نساء العالمين طوالق، وأنت يا فاِطمة، بأنه لا يقع؛ لأنه عطف طلاقها على طلاق نسوة لا يقع طلاقهن.\nومقتضى هذا التَّعليل أنها لم تدخل في نساء العالمين، أو لعل العطف بَيَّن أنها لم تُرَد بالأول، وإلا فلا فائدة له.\nولو وقف على الفقراء، ثم صار فقيرًا، جاز له الأخذ منه على الأصحّ.\nوقيل: لا؛ لأن مطلق الوقف ينصرف إلى غير الواقف.\nوفي الرافعي: أن شُرَيحًا الروياني حكى عن جَدّه أبي العباس عن بعض الأصحاب فيمن قال: كلّ من في السّكة طالق، وامرأته في السكة أنه لا يقع، والصحيح: يقع؛ لشمول اللَّفظ لها، وهذا لا يتعلّق بمسألة المخاطِب هل يدخل في كلامه؟ وإنما ذكرته لأنه وقع في بعض النسخ: امرأة كل من في السّكة، وهو غلط؛ لأن النُسَخ على عود الضمير على مؤنّث؛ فإن في جميع النسخ: وهي في السّكة، ولا يتجه الوقوع عليها أصلًا إذا كانت هي في السكة؛ لأن المعلّق به كونه هو في السكة - لا هي، ولو فرض عود ضمير المذكر أي كان هو في السكة اتجه البناء على دخول المُخاطِب في الخطاب.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"مثل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [سورة التوبة: الآية ١٠٣] لا يقتضي أخذ الصَّدقة من كلّ نوع من المال؛ خلافًا للأكثر (^١).\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٢٥٦، والتمهيد للإسنوي ٣٤٣،. ونهاية السول ٢/ ٣٧٣، وجمع الجوامع ١/ ٤٢٩، والوصول لابن برهان ١/ ٣٠٤، والمختصر لابن اللحام (١١٦)، وشرح =","vol":"3","page":222},{"text":"<span data-type='title' id=toc-644>مَسْأَلَةٌ:\nالْعَامُّ بِمَعْنَى الْمَدْحِ وَالذمِّ</span>؛ مِثْلُ: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ … وَإِنَّ الْفُجَّارَ﴾ [سورة الانفطار: الآية ١٣] ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٣٤]- عَامٌّ.\nوَعَنِ الشَّافِعِيِّ خِلافُهُ.\n<hr><s0>\n\nلنا: أنه بصدقة واحدة\" من نوع واحد من الأموال \"يصدق أنه أخذ منها صدقة؛ [فيلزم] (^١) الامتثال.\nوأيضًا: فإنَّ كلّ دينار مال، ولا يجب ذلك\" فيه \"بإجماع\"، ولو كان عامًّا لوجب أخذ الصّدقة منه.\nولقائل أن يقول: على الأول: لا نسلّم الصدق.\nوعلى الثاني: ذلك [لتفصيل] (^٢).\nوأيضًا: فالمراد بالمال النَّصَاب، وهو يأخذ من كل نصاب.\n\"قالوا: المعنى من كلّ مال، فيجب العموم\"، إذ الألف واللَّام وكل في العموم سواء.\n\"قلنا: \"كلّ\" للتفصيل\" بخلاف الجمع المضاف، \"ولذلك فرق بين: لرجال عندي درهم، وبين: لكلّ رجل عندي درهم باتفاق\"، فيجب في الأوّل درهم للجميع، وفي الثاني لكل واحد درهم.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"العام بمعنى المدح والذم\" أي: الذي سيق للمدح والذم \"مثل: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾ \" لَفِي نَعِيمِ، \" ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ\" لَفِي جَحِيمٍ﴾ [سورة الانفطار: الآية ١٣ - ١٤]. ﴿\"وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ\" وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة: الآية ٣٤] \"عام، وعن الشافعي خلافه\"، وهو وجه ضعيف في المذهب، نقله الجلابي (^٣)، عن القَفَّال، والثابت\n_________\n= العضد ٢/ ١٢٨، وشرح الكوكب ٣/ ٢٥٦، وإرشاد الفحول (١٢٦)، وتيسير التحربر ١/ ٢٥٧، وأصول السرخسي ١/ ٢٧٦، وفواتح الرحموت ١/ ٢٨٢.\n(^١) في ب: فلزم.\n(^٢) في أ: المتفصل.\n(^٣) الحسن بن أحمد بن محمد الطبري الجلّابي. قال أبو إسحاق: \"تفقه في بلده، وحضر مجلس الداركي ثم درس في حياته، ومات قبل الداركي بسبعة عشر يومًا، وكان فقيهًا فاضلًا، عارفًا =","vol":"3","page":223},{"text":"لنَا: عَامٌّ، وَلا مُنَافِيَ؛ فَعَمَّ كَغَيْرِهِ.\nقَالُوا: سِيقَ لِقَصْدِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْحَثِّ أَوِ الزَّجْرِ؛ فَلا يَلْزَمُ التَّعْمِيمُ.\nقُلْنَا: التَّعْمِيمُ أَبْلَغُ.\nوَأَيْضًا: لا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا.\n<hr><s0>\n\nعن الشَّافعي الصحيح من مذهب العموم (^١).\nنعم، إذا عارضه عام آخر لم يسق للمدح أو الذم.\nقال الشيخ أبو حامد الإسفراييني، وسليم الرازي، وابن السمعاني وغيرهم من أئمتنا: لا خلاف على المذهب أنه يترجّح الذي لم يسق لذلك، فيجري على عمومه، وبعضه ما سيق للمدح أو الذم عليهما.\nقلت: وحكى أبو عبد اللّه السهيلي، وهو من أصحابنا وجهًا أنه يوقف هذان العامان إلى أن يتبين الحال كالمتعارضين.\nالشرح: \"لنا\": على التعميم إذا لم يعارضه عام آخر أنه \"عام، ولا منافي \"لإرادة العموم؛ أو ليس هناك إلَّا المدح أو الذم، وهما لا ينافيان العموم، \"فيعم كغيره\" من ألفاظ العموم.\nوأيضًا: حَمَلَه الصحابة على العموم، فإنه روى عن عُثْمَان أنه قال في الجمع بين الأختين بملك اليمين: [أحلّتهما] (^٢) آية، [وحرّمتهما] (^٣) آية، والتحريم مقدم.\n_________\n= بالحديث\". قال العبادي: كان فقيهًا جدلًا ورعًا. من كتبه: \"المدخل\". وتوفي في رمضان سنة ٣٧٥ هـ. ينظر: طبقات الشيرازي ص (١٠٢)، وطبقات العبادي ص (٨٤)، وطبقات الأسنوي ١/ ١٧٣.\n(^١) ينظر: اللمع (١٥)، والتبصرة (١٩٣)، والمحصول ١/ ٣/ ٢٠٣، والمعتمد ١/ ٣٠٢، والإحكام للآمدي ٢/ ٢٥٧ (٢٥)، وشرح العضد ٢/ ١٢٨، والمسودة (١٣٣)، وشرح تنقيح الفصول (٢٢١)، ونهاية السول ٢/ ٣٧٢، والتمهيد له (٣٣٨)، والوصول لابن برهان ١/ ٣٠٨، وشرح الكوكب ٣/ ٢٥٤، والمختصر لابن اللحام (١١٦)، وإرشاد الفحول (١٣٣)، والتحرير (٩٣)، وتيسير التحرير ١/ ٢٥٧، وفواتح الرحموت ١/ ٢٨٣، والمدخل ٢٤٥، وفتح الغفار ٢/ ٦٠.\n(^٢) في أ: أحلتها.\n(^٣) في أ، ب: وحرمتها.","vol":"3","page":224},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوأراد بآية الحل: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ٦]، وآية التحريم: ﴿تَجْمَعُوا﴾ [سورة النساء: الآية ٢٣]، فحكم بالعموم على آية الحل مع أنها مسوقة للمدح.\n\"قالوا: سيق لقصد المُبَالغة في الحث أو الزجر\"، وعادة العرب فيما هذا شأنه الإتيان بلفظ العموم مبالغة؛ \"فلا [يلزم] (^١) التعميم\".\n\"قلنا: التعميم أبلغ\"، فيكون قصد المَدْح والذم دالًّا له، \"وأيضًا لا تنافي بينهما\" حتى يدلّ ثبوت أحدهما، وهو قصد المبالغة على نفي الآخر.\n\n\"فائدة\"\nمثل أبو عبد الله السهيلي للعامَّين اللَّذين سيق أحدهما للمدح دون الآخر بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ٥، ٦].\nفإنه سيق للمدح، وهو يعم ملك اليمين، سواء الأخت وغيرها، فترجّح عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٣]، وهو عام في الجمع بملك اليمين والنكاح.\nولقائل أن يقول: هذان لَفْظَان كلّ منهما عام من وجه، خاصّ من وجه.\nومثَّل الشيخ أبو حامد، وابن السمعاني وغيرهما من أئمتنا بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٣].\nفإنها آية سيقت لبيان الأعيان المحرمات دون العدد مع قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [سورة النساء: الآية ٣]، فإنه سيق للعدد، وهو يعم الأخت وغيرها، فيقضي بتلك؛ لأنها مسوقة لبيان المحرم، وكذلك يقضي بها على قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ٦] وقوله تعالى: ﴿يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٣٤] لو استدلّ به مستدل على إيجاب الزكاة في الحُلِيّ المباح لانفصلتا عنه، فإنها مسوقة للذم مع معارضة أصل عدم الوجوب لها، فترجح.\n_________\n(^١) في ج: يلزمهم.","vol":"3","page":225},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-646>\"فائدة أخرى\"</span>\nليست المسألة مقصورةً على ما سيق للمدح أو الذم، بل هي عامة في كل ما سيق لغرض فنقول على هذا: قوله ﷺ: \"فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ أَوْ كَانَ عَثْرِيًّا العُشْر، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ\" (^١) مسوق لبيان مقدار الواجب، معارض بأن الأصل عدم الوجوب، ومما رواه الحاكم: \"فأما القِثَّاء والرُّمَّان والبِطِّيخ والقَصَب فعفو، عفا عنها رسول الله ﷺ، وحينئذٍ فلا عموم في قوله ﷺ: \"فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ\"؛ لكونه مسوقًا لبيان المقدار معارضًا لا بمجرد كونه مسوقًا، كما عرفت. والله المستعان.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري ٣/ ٤٠٧ كتاب الزكاة: باب العشر فيما يسقى من ماء السماء بالماء الجاري (١٤٨٣) وقد رواه مسلم ٢/ ٧٥ كتاب الزكاة: باب ما فيه العشر أو نصف العشر من حديث جابر بن عبد الله (٩٨٢).","vol":"3","page":226},{"text":"التَّخصِيصُ\nقَصْرُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ.\nأبُو الْحُسَيْنِ: إِخْرَاجُ بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْخِطَابُ عَنْه، وَأَرَادَ: مَا يَتَنَاوَلُهُ بِتقْدِيرِ عَدَمِ المخَصِّصِ؛ كَقَوْلهِمْ: \"خُصِّص الْعَامُّ\".\nوَقِيل: تَعْرِيفُ أَنَّ الْعُمُومَ لِلْخُصُوصِ.\nوَأُورِدَ الدَّوْرُ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَ المُرَادَ فِي الْحَدِّ: التَّخْصِيصُ اللُغَوِيُّ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"قصر العامّ على بعض مسمياته\" (^١)، ولو قال: \"أفراده\" بدل مسمياته كان أصح؛ فإن مسمى العام واحد، وهو كل الأفراد.\nوقال \"أبو الحسين: \"إخراج بعض ما تناوله الخِطَاب عنه\"، أي: عن الخطاب.\nلا يقال: ما أخرج؛ فالخطاب لم يتناوله؛ لأن أبا الحسين إنما \"أراد ما يتناوله بتقدير عدم المخصّص، كقولهم: خصّص العام\"، وهذا عام مخصوص.\nولقائل أن يقول: لا حَاجَةَ إلى هذا؛ فإن تناول الخطاب بالوضع للمخصّص باقٍ بعد التخصيص، وإنما الزائل بالتخصيص انسحاب حكمه عليه.\n\"وقيل\": التخصيص \"تعريف أن العموم للخصوص\"، أي: بيان أنه أريد منه بعض أفراده.\n\"وأورد\" عليه أنه أخذ في تعريف التخصيص الخصوص؛ فلزم \"الدور\".\n\"وأجيب بأن المراد\" بالتخصيص المذكور \"في الحَدِّ: التخصيص اللغوي\" وفي المحدود الاصطلاحي؛ فلا دور.\n_________\n(^١) ويتناول ما أريد به جميع المسميات أولا، ثم أخرج بعض كما في الاستثناء وما لم يرد به إلا بعض مسمياته ابتداء كما في غيره، ومثل لذلك التفتازاني في حاشيته بقوله: \"اقتلوا الكافرين ولا تقتلوا أهل الذمة، أو إلا أهل الذمةا فإن المراد بالكافرين في الثاني جميع الكفار؛ ليصح إخراج أهل الذمة فيتعلق الحكم، فيكون القصر على البعض باعتبار الحكم فقط، وفي الأول يتبين أن المراد بالكافرين غير أهل الذمة خاصة، فيكون القصر على البعض باعتبار الدلالة =","vol":"3","page":227},{"text":"وَيُطْلَقُ التَّخْصِيصُ عَلَى قَصْرِ اللَّفْظِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَامًّا، كَمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ: \"عَامٌّ\"؛ لِتَعَدُّدِهِ؛ كَـ \"عَشَرَةٍ\"، و\"المُسْلِمِينَ\" لمَعْهُودِينَ، وَضَمَائِرِ الجَمْعِ.\nوَلا يَسْتَقِيمُ تَخْصِيصٌ إِلَّا فِيمَا يَسْتَقِيمُ تَوْكِيدْهُ بـ \"كُلَّ\".\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"ويطلق التخصيص على قصر اللَّفظ\" على بعض أجزاء مسماه، \"وإن لم يكن\" اللَّفظ \"عامًا\" بالاصطلاح، \"كما يطلق عليه\" أي: على اللَّفظ \"عام؛ لتعدّده، كعشرة\"، فإنه يقال لها: عام باعتبار آحادها، فإذا قصرت على بعضها بالاستثناء يقال: خصصت، \"والمسلمين [المعهودين] (^١) \"نحو: جاءني مسلمون، [فأكرمت] (^٢) المسلمين إلا زيدًا منهم، فإنهم يسمون المسلمين عامًا، والاستثناء منه تخصيصًا، \"وضمائر الجمع\"؛ لأنها ليست من صيغ العموم؛ إذ المراد بصيغ العموم ما يدل بنفسه، وفيه نظر.\n_________\n= والحكم جميعًا ويكون معنى القصر في الأول أن اللفظ الذي يتناول جميع المسميات قد اقتصر الحكم فيه على بعضها، وفي الثاني أن اللفظ الذي كان يتناول الجميع في نفسه قد اقتصرت دلالته على البعض خاصة، وحينئذ يندفع ما يتوهم من أن اللفظ إن كان على عمومه فلا قصر، وإن وجدت قرينة صارفة عنه فلا عموم ولا قصر. ينظر: البحر المحيط للزركشي ٣/ ٢٤٠، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٢/ ٢٥٨، وسلاسل الذهب للزركشي ص ٢١٩، والتمهيد للأسنوي ص ٣٦٨، ونهاية السول له ٢/ ٣٧٤، وزوائد الأصول له ص ٢٤٨، منهاج العقول للبدخشي ٢/ ١٠٤، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ٣٦٦، والمستصفى للغزالي ٢/ ٣٢، وحاشية البناني ٢/ ٢، والإبهاج لابن السبكي ٢/ ١١٩، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/ ٢، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٣١، والمعتمد لأبي الحسين ١/ ١٨٩، وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ص ٢٦١، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ٣/ ٣٧٩، والتحرير لابن الهمام ص ١٠١، وميزان الأصول للسمرقندي ١/ ٤٣٥، وكشف الأسرار للنسفي ١/ ٢٦، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ١٢٩، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ١/ ٣٤، وحاشية نسمات الأسحار لابن عابدين ص ١٦، والوجيز للكراماستي ص ١٠، والموافقات للشاطبي ٣/ ٢٦٠، وتقريب الوصول لابن جزي ص ٧٦، وإرشاد الفحول للشوكاني ص ١٤١، ونشر البنود للشنقيطي ١/ ٢٢٦، وفواتح الرحموت لابن نظام الدين الأنصاري ٢/ ٣٠٠، وشرح الكوكب المنير للفتوحي ص ٣٨٧، والحدود للباجي (٤٤)، والمغنى (٩٣)، والمدخل (٢٤٧).\n_________\n(^١) في أ، ب، ج: لمعهودين.\n(^٢) في أ: فأكرت.","vol":"3","page":228},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\n\n<span data-type='title' id=toc-647>التَّخْصِيصُ </span>جَائِزٌ إلَّا عِنْدَ شُذُوذٍ.\n<hr><s0>\n\nفإنّ ضمير الجمع تابع لمظهره، فإذا كان عاما فهو عام، ولعلّ مراده أنهم يسمون الضمائر أنفسها عامة، والعموم إنما هو واقع بواسطتها، واعتبار عودها على جمع، \"ولا يستقيم تخصيص\" اصطلاحيًّا كان أو غيره \"إلا فيما\" له شمول، وهو ما \"يستقيم توكيده بـ \"كل\" وهو ذو متعدّدات يمكن افتراقها حقيقة مثل: الإنسان كُلُّه، أو حكمًا مثل الجارية كلها؛ إذ يمكن افتراق أجزائها حكمًا، وذلك ليكون له بعضٌ يمكن القصر عليه.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"التخصيص جائز\" في العام سواء كان أمرًا، أم نهيًا، أم خبرًا \"إلَّا عند شذوذ\" منعوه مطلقًا، كما يقتضيه إطلاق المصنّف، والإمام الرازي، وأتباعه وغيرهم (^١).\nومقتضى إيراد الشيخ أبي حامد الإِسفراييني، وسليم الرازي، وأبي إسحاق الشيرازي، وابن الصَّباغ، وابن السَّمْعَاني، وأبي الحسين الآمدي: أن الخلاف مختصّ بتخصيص الخبر، وأن تخصيص الأمْر جائز بلا خلاف.\nلنا: مثل: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الزمر: الآية ٦٢] ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [سورة الأحقاف: الآية ٢٥] ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة القصص: الآية ٥٧] ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة النمل: الآية ١٦] ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٨٤]. وفي الأمر: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٥]، وفي النهي: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [سورة - البقرة: الآية ٢٢٢] والقربان أعم من قربان الجماع والمُفَاخذة والقُبْلَة، وبعضه غير منهى عنه قطعًا.\n_________\n(^١) ينظر: المستصفى ٢/ ٩٨، والإحكام للآمدي ٢/ ٢٥٩، والتبصرة (١٤٣)، وشرح الكوكب المنير ٣/ ٢٦٩، والعضد ٢/ ١٣٠، والمحصول (١/ ٣/ ١٤)، والمسودة (١٣٠)، والعدة ٢/ ٥٩٥، شرح العضد ٢/ ١٣٠، وتيسير التحرير ١/ ٢٧٥، وفواتح الرحموت ١/ ٣٠١، وكشف الأسرار ١/ ٣٠٧.","vol":"3","page":229},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nالْأَكْثَرُ: أَنَّهُ لابُدَّ فِي التَّخصيصِ مِنْ بقاءِ جَمْعٍ يَقْرُبُ مِنْ مَدْلُولهِ.\nوَقيلَ: يَكْفِي ثَلاثَةٌ.\nوَقِيلَ: اثْنَانِ.\nوَقِيلَ: وَاحِدٌ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: اختلفوا في الغاية التي يجوز أن ينتهي إليها التخصيص، ثم لا يجوز أن يجاوزها، فقيل: لابد من بقاء جمع كثير، وهو رأي أبي الحُسَين، وصحّحه الإمام الرازي وجمع كثير من أصْحابنا، ثم اختلف في تفسير هذا الكثير (^١).\nفقال \"الأكثر: لابد في التَّخصيص من بقاء جمع يقرب من مدلوله\"، أي: من مدلول العام.\n\"وقيل: يكفي \"أن يبقى \"ثلاثة\"، ولا يجوز النُّقْصَان عنها.\n\"وقيل: اثنان\".\n\"وقيل: واحد\"، ونقله ابن السَّمْعَاني عن سائر أصحابنا.\nوالذي يتحصّل من مذهبنا أن جمهورهم على جوازه إلى الواحد إذا لم تكن الصيغة جمعًا، بل صالحة للجمع والمفرد مثل: \"مَنْ\" والألف واللام الداخلة على اسم الجنس المفرد، وادعى الشيخ أبو حامد أنه لا خلاف في هذا.\nوإن كان جمعًا فاختلفوا فيه:\nفذهب بعضهم إلى جوازه أيضًا إلى الواحد، وهو رأى الشيخ أبي إسحاق، وغيره.\nوذهب القَفَّال وغيره إلى أنه لا ينقص عن أقلّ الجمع، وهو إما ثلاثة أو اثنان؛ على الخلاف فيه.\n_________\n(^١) ينظر: شرح الكوكب ٣/ ٢٧٠، والمعتمد ١/ ٢٥٣، والمحصول ١/ ٣/ ١٦، والتبصرة (١٢٥)، وشرح العضد ٢/ ١٣١، وجمع الجوامع ٢/ ٣، والعدة ٢/ ٥٤٤، والمسودة ١١٧، وإرشاد الفحول ١٤٤، وفواتح الرحموت ١/ ٣٠٦.","vol":"3","page":230},{"text":"وَالْمُخْتَارُ: أَنَّهُ بِالاِسْتِثْنَاءِ وَالْبَدَلِ، يَجُوزُ إَلَى وَاحِدٍ، وَبِالْمُتَّصِلِ؛ كَالصَّفَةِ، يَجُوزُ إِلَى اثْنَيْنِ، وَبِالْمُنْفَصِلِ فِي الْمَحْصُورِ الْقَلِيلِ، يَجُوزُ إِلَى اثْنَيْنِ مِثْلُ \"قَتَلْتُ كُلَّ زِنْدِيقٍ\"، وَقَدْ قَتَلَ اثْنَيْنِ، وَهُمْ ثَلاثَةٌ، وَبِالْمُنْفَصِلِ فِي غَيْرِ الْمَحْصُورِ، أَوِ الْعَدَدِ الْكَثيرِ.\nالمُخْتَارُ: الْمَذْهَبُ الأوَّلُ.\nلَنَا: أنَّهُ لَوْ قَالَ: \"قَتَلْتُ كُلَّ مَنْ فِي الْمَدِينَة\" وَقَدْ قَتَلَ ثَلاثَةً - عُدَّ لاغِيًا، وَخُطِّئَ، وَكَذَلِكَ: \"أَكَلْتُ كُلَّ رُمَّانَةٍ\"، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: \"مَنْ دَخَلَ\"، أَوْ \"أَكَلَ\"، وَفَسَّرَهِ بـ \"ثَلاثَةٍ\".\nالْقَائِلُ بِاثْنَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ: مَا قِيلَ فِي الْجَمْعِ.\nوَرُدَّ: بِأَنَّ الْجَمْعَ لَيْسَ بِعَامٍّ.\nالْقَائِلُ بِالْوَاحِدِ: \"أكْرِمِ النَّاسَ إِلَّا الْجُهَّالَ\".\nوَأُجِيبَ: بِأنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالاِسْتِثْنَاءِ وَنَحْوِهِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"والمختار\" عند المصنّف تفصيل اخترعه، وهو:\n\"أنه\" إذا كان التَّخصيص \"بالاستثناء والبدل يجوز إلى واحد\".\n\"وبالمتّصل\" غيرهما، \"كالصفة يجوز إلى اثنين\".\n\"وبالمنفصل في \"العام \"المحصور القليل يجوز إلى اثنين\" أيضًا، وذلك \"مثل: قتلت كل زِنْدِيق، وقد قتل اثنين، وهم\" أي: الزنادقة \"ثلاثة\".\n\"وبالمنفصل غير المحصور، أو العدد الكثير، المختار المذهب الأوّل\" أعني بقاء عدد يقرب من مدلول العام.\nالشرح: لنا: أنه لو قال: قتلت كلّ من في المدينة، وقد قتل ثلاثة، عُدَّ لاغيًا\"، وهذا مثال لغير المحصور، \"وكذلك: أكلت كل رُمّانة\" في البيت، وفي البيت ألف، وهذا مثال العدد الكثير.\n\"وكذلك لو قال: من دخل\" داري فهو حُرّ، \"أو أكل\" فأكرمه، \"وفسَّره بثلاثة\"، فقال: أردت زيدًا، وعمرًا، وبكرًا، عدّ لاغيًا، فدلّ على أنه لا يجوز انتهاء التَّخصيص إلى","vol":"3","page":231},{"text":"قَالُوا: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [سورة الحجر: الآية ٩]؛ وَلَيْسَ مَحَلَّ النَّزَاعِ.\nقَالُوا: لَوِ امْتَنَعَ ذَلِكَ، لَكَانَ لِتَخْصِيصِهِ؛ وَذَلِكَ يَمْنَعُ الْجَمِيعَ.\nوَأُجِيبَ: بِانَّ ألْمَنْعَ تَخْصِيصٌ خَاصٌّ بِمَا تَقَدَّمَ.\nقَالُوا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٧٣]، وَأُرِيدَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَلَمْ يُعَدَّ مُسْتَهْجَنًا؛ لِلْقَرِينَةِ.\n<hr><s0>\n\nهذا القدر، وما يناسبه من الأعداد التي لا يقرب استعمال العام منها.\nوأما \"القائل باثنين وثلاثة\"، فحجّته \"ما قيل في \"أقل \"الجمع\".\n\"ورد بأن الجمع\" المنكر \"ليس بعام\" والكلام في أقلّ مرتبة ينتهي إليها التخصيص لأقل مرتبة يطلق عليها الجمع؛ فإنّ الجمع ليس بعام، ولم يقم دليل على تلازم حكمهما؛ فلا تعلّق لأحدهما بالآخر.\nولقائل أن يقول: الجمع نصّ في أقله، فالخروج عنه كالرفع لقضيته، فهو كالنسخ.\nوأيضًا فلفظ الجمع لا يصلح للواحد بحال، بخلاف لفظ العموم؛ لكثرة استعماله في البعض.\nوأما \"القائل بالواحد\"، فقال أولًا: لو قال: \"أكرم الناس إلا الجهّال\" لوجب إكرام من عدا الجاهل، وإن كان واحدًا.\n\"وأجيب بأنه مخصوص بالاستثناء ونحوه\" كالبدل \"ونحن\" [نُجَوِّزُ] (^١) انتهاء التخصيص فيه إلى الواحد.\nالشرح: \"قالوا\" ثانيًا: قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ \" [سورة الحجر: الآية ٩] يدلّ على جوازه إلى الواحد؛ فإنّ المراد هو الله - تعالى - وحده، فأطلق الجمع، وأراد الواحد، فإذا جاز ذلك في الجمع، فليكن في العام كذلك، \"وليس\" هذا \"محلّ النزاع\"؛ فإنّ الضمير ليس بعام، وإنما استعمل ضمير الجمع، وأراد نفسه تعظيمًا، وصيغة الجمع تجيء كذلك، وليس هو من التعميم والتخصيص في شيء.\n_________\n(^١) في أ: نجز.","vol":"3","page":232},{"text":"قُلْنَا: \"النَّاسُ\": لِلْمَعْهُودِ؛ فَلا عُمُومَ.\nقَالُوا: صَحَّ: \"أَكَلْتُ الْخُبْزَ\"، وَ\"شَرِبْتُ الْمَاءَ\"؛ لأَقَلَّ.\nقُلْنَا: ذَلِكَ لِلْبَعْضِ الْمُطَابِقِ لِلْمَعْهُودِ الذِّهْنِيِّ مِثْلُهُ فِي الْمَعْهُودِ الْوُجُودِيِّ، فَلَيْسَ مِنَ الْعُمُومِ والْخُصُوصِ فِي شَيْءٍ.\n<hr><s0>\n\nولقائل أن يقولا: إذا كان الجمع هو الحقيقة، واستعير للتعظيم، فكذلك العام حقيقة، وإن كان بصيغة الجمع الجميع، ثم يجوز حتى لا يبقى إلَّا واحدًا، ونحن لا ندعي أنه إذا انتهى إلى واحد يكون حقيقة، وإنما ندعي الجواز، وهو كافٍ، وإن كان بطريق المجاز.\n\"قالوا\" ثالثًا: \"لو امتنع ذلك\" أي: تخصيص العام إلى أن يبقى واحدًا \"لكان\" المنع \"لتخصيصه\"، وإخراج اللفظ عن موضوعه إلى غيره؛ إذ لا علّة للمنع سواه، \"وذلك يمنع الجمع\"، أي: يمنع كل تخصيص؛ لوِجْدَانِ ذلك فيه.\n\"وأجيب: بأن الممتنع تخصيص خاصّ بما تقدم\" من لزوم اللّعب، وليس الامتناع لمطلق التخصيص حتى يلزم ما ذكرتم.\n\"وقالوا\" رابعًا: \"قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٧٣]. \"وأريد\" على ما ذكر بعض المفسرين \"نعيم بن مسعود\" الأشجعي، وقال: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ [سورة النساء: الآية ٥٤] وأريد على ما قيل: يحسدون رسول ﷺ \"ولم يُعَدَّ مُسْتَهْجنًا؛ للقرينة\" فوجب جواز التخصيص إلى الواحد بالقرينة، وهو المدعي.\nالشرح: \"قلنا:\" غير محلّ النزاع؛ [لأن النزاع] (^١) في العام، والألف واللام في \"الناس\" هنا \"للمعهود، فلا عموم\" إذ المعهود ليس بعامّ كما عرفت في تعريف العام.\nالشرح: \"قالوا\" خامسًا: \"صحّ أكلت الخبز، وشربت الماء لأقل\" كذا بخطّه أي: أقل شيء، أو أقل ما ينطلق عليه الاسم مع وِجْدَان الألف واللام.\n\"قلنا\": ليست الأداة في الخبز والماء للعموم، وإنما بقال \"ذلك للبعض المطابق للمعهود الذهني\"، وهو الحقيقة من حيث هي، ولكن لما تعذّر وجود الماهية في الخارج إلَّا\n_________\n(^١) سقط في أ، ب.","vol":"3","page":233},{"text":"<span data-type='title' id=toc-650>الْمُخَصّصُ: مُتَّصِلٌ، وَمُنْفَصِلٌ:</span>\n[الْمُتَّصِلُ] (^١): الاسْتِثْنَاءُ الْمُتَّصِل، وَالشَّرْط، وَالصِّفَة، وَالْغَايَة، وَبَدَلُ الْبَعْضِ.\n<hr><s0>\n\nبقيد التَّشْخيص في فرد حمل عليه، و[لمَّا] (^٢) كان ذلك الفرد كالمعهود، فـ \"اللام\" للبعض المطابق المعهود، والمقرر في الذهن \"مثله في المعهود الوجودي، فليس من العموم والخصوص في شيء\".\nوالحاصلُ: أن الألف واللام فيما ذكر لمعهود ذهني تقضي به العادة، وهو مقدار ما معلوم من المأكول والمشروب، كما تقول للغلام: ادخل السُّوق، فإنك تريد واحدًا من الأسواق المعهودة بينك وبينه عَهْدًا خارجيًا، فذلك العهد قيَّد إطلاق لفظ السوق فقط.\nالشرح: \"المخصِّصُ\" قسمان: \"متّصل ومنفصل\"؛ لأنه إما ألا يستقل بنفسه\n_________\n(^١) سقط في أ، ب.\n(^٢) ذكر الأصوليون أن مخصصات العموم أربعة: الاستثناء، والشرط، والغاية، والصفة، واستدرك ابن الحاجب عليهم، فزاد: بدل البعض من الكل. نحو: أكلت الرغيف ثلثه، ومنهم من رده ولم يعده.\nوهذا الخلاف يلتفت على أن المبدل منه هل هو في نية الطرح أم لا؟.\nفإن قلنا: إنه في نية الطرح لم يحسن عده من المخصصات، وإلا عد. وفي المسألة مذاهب جمعتها وهي متفرقة في كلام النحويين:\nأحدها: أنه ليس في نية الطرح. وهو قول الشرافي والفارسي والزمخشري.\nوقال الشرافي: النحويون يزعمون أن البدل في حكم تنحية الأول، وهو المبدل منه، ووضع الثاني وهو البدل مكانه وليس يريدون بتنحية الأول إلغاءه، وإنما مرادهم أن البدل قام بنفسه، وليس تبيينه للاول كتبيين النعت الذي هو تمام المنعوت وهو معه كالشيء الواحد، والدليل على أنه ليس في حكم المطرح أنك تقول: ضربني الذي ضربته زيدًا، فلو كانت الهاء في نية الطرح لكان التقدير ضربني الذي ضربت زيدًا، فتحل الصلة عن العائد إلى الموصول.\nوالثاني: أنه في نية الطرح؛ لأن الثاني إنما سمى بدلًا، لأنه قام مقام الأول؛ لأنا نبدل الشيء من جميعه، والمعرفة من النكرة، والعكس، وهذا المذهب حكاه ابن الخباز في شرح الدرة عن جماعة منهم ابن معط، واحتجوا بأن عامله تكرر كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾. وبأنه سمى بدلًا، فهذا يؤذن بأن الأول مطرح تقديرًا. =","vol":"3","page":234},{"text":"وَالاِسْتِثْنَاءُ فِي الْمُنْقَطِعِ:\nقِيلَ: حَقِيقَةٌ.\nوَقِيلَ: مَجَازٌ.\nوعَلَى الْحَقِيقَةِ قِيلَ: مُتَوَاطِئٌ.\nوَقِيلَ: مُشْتَرَكٌ.\nوَلابُدّ لِصِحَّتِهِ مِنْ مُخَالفَةٍ فِي نَفْي الْحُكْمِ، أَوْ فِي أَنَّ الْمُسْتَثْنَي حُكْمٌ آخَر، لَهُ مُخَالفَةٌ بِوَجْهٍ؛ مِثْلُ: \"مَا زَادَ إِلَّا مَا نَقَصَ\"، وَلأِنَّ الْمُتَّصِلَ أَظْهَر، لَمْ يَحْمِلْهُ فُقَهَاءُ الأَمْصَارِ عَلَى الْمُنْقَطِعِ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِهِ.\n<hr><s0>\n\n\"فالمتصل\"، أو يستقل (^١) فالمنفصل.\n_________\n= وقال ابن عصفور في المقرب: ينوي بالأول الطرح معنى لا لفظًا: لأنه على نية استئناف العامل.\nفإذا قلنا: قام زيد أخوك: فالتقدير: قام أخوك: فتركك الأول، وأخذك في استئناف كلام آخر طرح منك له واعتماد على الثاني، قال: والدليل على أنه لا ينوي به الطرح من جهة اللفظ إعادة الضمير عليه في مثل قولك: ضربت زيدًا يده.\nوالثالث: التفصيل بين بدل الغلط فهو في نية طرح المبدل منه وبين ما عداه فلا طرح فيه. قاله ابن برهان النحوي في شرح لمع ابن جني.\nينظر: سلاسل الذهب ٢٦٧، وشرح العضد ٢/ ١٣٢، وشرح الكوكب ٣/ ٣٥٤، والمنتهى (٨٨)، وجمع الجوامع ٢/ ٢٤، وتيسير التحرير ١/ ٢٨٢، وفواتح الرحموت ١/ ٣٤٤، وإرشاد الفحول (١٥٤).\n(^١) المراد بـ \"المستقل\" ما لا يكون متعلقًا بصدر الكلام وكان تامًا بنفسه، وقد أجمع الحنفية رأيهم على أنه لا بد منه في التخصيص، وأن ما لا استقلال فيه كالاستثناء والشرط والصفة والغاية لا يسمى مخصصًا عندهم، بيد أنهم بعد اتفاقهم على هذا المبدأ وجدناهم يقفون من توجيه الاشتراط موقفًا إن دل، على شيء فإنما يدل على اختلاف الرأي والنظر، وأنهم لم يكونوا على اتجاه واحد من توجيه هذا الاشتراط، فبينا يصرح بعضهم بأن الاشتراط مجرد اصطلاح أن يصرح الآخر بأن الاشتراط من أجل أصل قرره، فلم يجدوا إزاءه بدا من الاشتراط؛ إذ يصرح فريق ثالث بأنه من أجل أن غير المستقل لا يوجد فيه قصر بحال.","vol":"3","page":235},{"text":"وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا فِي: \"لَهُ عِنْدِي مِائَةُ دِرْهَمٍ إِلَّا ثَوْبًا\" وَشِبْهِهِ: إِلَّا قِيمَةَ ثَوْبٍ.\n<hr><s0>\n\nأما المتصل فخمسة:\n\"الاستثناء المتصل\" نحو: أكرم الناس إلَّا الجهال، لا المنقطع؛ إذ لا مدخل له في التخصيص.\n\"والشرط، والصفة، والغاية\" نحو: أكرم الفقهاء إن اشتغلوا، أو العلماء إلى أن يقنعوا، وهذا هو المشهور.\n\"وبدل البعض\" من الكُلّ نحو: أكرم الناس العلماء منهم، زاده المصنف.\nالشرح: \"والاستثناء\" (^١) إما من الجنس كقولك: جاء القوم إلا زيدًا فـ \"زيد\" من جنس القوم فهو المتصل، ولا ريب \"في\" أنه حقيقة (^٢)، أو من غير الجنس، وذلك هو \"المنقطع\"، وهو ضربان:\nأحدهما: ما يكون بينه وبين المستثنى منه علاقة ومناسبة، كقولهم: ما بالدار أحد إلا الحمار، فالحمارُ وإن لم يكن من جملة الآخرين فهو متعلق بهم؛ لأن الدواب والأدوات متعلّقة بأصحابها على وجهٍ ما.\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٣/ ٢٧٥، والبرهان لإمام الحرمين ١/ ٣٨٠، وإحكام الآمدي ٢/ ٢٦٤، والتمهيد للإسنوي ٣٨٥، ونهاية السول له ٢/ ٤٠٧، ومنهاج العقول للبدخشي ٢/ ١١٩، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ٨٦، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ٣٧٣، والمستصفى للغزالي ٢/ ١٦٣، وحاشية البناني ٢/ ٩، والإبهاج لابن السبكي ٢/ ١٤٤، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/ ٢٤، وحاشية العطار ٢/ ٤١، والمعتمد لأبي الحسين ١/ ٢٤٢، وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ٢٠٨، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ١٣٢، وميزان الأصول للسمرقندي ١/ ٤٥٥، وتقريب الوصول لابن جُزيّ ٧٦، ٨٠، ونشر البنود للشنقيطي ١/ ٢٣٥.\n(^٢) في حاشية ج: قوله: ولا ريب في أنه حقيقة. ظاهر كلامه هنا أن الكلام في صيغ الاستثناء لا في لفظه؛ لظهور أنه فيهما مجاز بحسب اللغة حقيقة عرفية بحسب النحو، لكن قوله بعد: والأصل في الإطلاق الحقيقة يفيد أن الخلاف في إطلاق لفظ الاستثناء، ويؤيده قول العلامة … استدلالًا على كونه مجازًا في المنقطع أنه من ثنيت عنان الفرس: صرفته، وإنما يتحقق ذلك في المتصل، ويؤيد هذا قوله: وعلى قول الحقيقة قيل: متواطئ.","vol":"3","page":236},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالثاني: الّا يكون بينه وبين ما استثنى منه تعلّق بحال، كقولنا: ما في الدار مسلمون إلا الكافرون.\nوقد اختلف في المنقطع:\n\"قيل: حقيقة\"؛ لأنه استعمل، والأصل في الإطلاق الحقيقة.\n\"وقيل: مجاز\" وهو الصحيح.\n\"وعلى\" قول \"الحنفية\" \"قيل\": إن الاستثناء \"متواطئ\" أي: مقول بالاشتراك المعنوي على المتصل والمنفصل.\n\"وقيل: مشترك\" بينهما أي: اشتراكًا لفظيًّا؛ لأن المتصل إخراج، والمنفصل يختص بالمخالفة من غير إخراج، فليس بينهما قَدْرٌ مشترك.\n\"و\" كيف ما كان فقد اتّفق الكلّ على أنه \"لابد لصحّته من مخالفة\" يخالف بها المتصل، إما \"في نفي الحكم\" الذي يثبت للمستثنى منه نحو: جاءني القوم إلَّا حمارًا، فقد نفينا المجيء عن الحمار بعدما أثبتناه للقوم.\n\"أو في أن المستثنى\" نفسه هو \"حكم آخر له\" أي: لذلك الحكم الذي هو المستثنى \"مخالفة\" مع المستثنى منه \"بوجه\" ما \"مثل: \"ما زاد إلا ما نقص\"؛ فإنَّ النقصان حكم مخالف للزيادة، والتقدير: لم يزده إلَّا النقصان؛ فإن \"ما\" الأولى نافية، والثانية مصدرية.\nوبالجملة: المنقطع مقدر بـ \"لكن\"، فالمخالفة واقعة فيه إما تحقيقًا مثل: \"ما ضربني [زيد] (^١)، لكن ضربني عمرو\".\nأو تقديرًا مثل: \"ما ضربني لكن أكرمني\"، ولا يقال: ما أكرمني زيد إلا أنّ الصلاة واجبة؛ إذ لا مخالفة بينهما بواحد من الوجهين، \"ولأن المتصل أظهر\" من المنفصل \"لم يحمله\" أي لم يحمل الاستثناء حيث ورد \"فقهاء الأمْصار إلا عند تعذّره\" أي: تعذّر المتصل، وبهذا يتضح أن المنقطع مجاز.\n\"ومن ثَمَّ\" أي: ومن أجل أنهم إنما يحملون الاستثناء على المنفصل عند تعذر المتصل.\n_________\n(^١) سقط في ج.","vol":"3","page":237},{"text":"وَأَمَّا حَدُّهُ؛ فَعَلَى التَّوَاطُؤِ: مَا دَلَّ عَلَى مُخَالَفَةٍ بـ \"إلَّا\" غَيْرِ الصِّفَةِ، وَأَخَوَاتِهَا، وَعَلَى الاِشْتِرَاكِ والْمَجَازِ: لا يَجْتَمِعَانِ فِي حَدٍّ؛ فَيُقَالُ فِي الْمُنْقَطِعِ: مَا دَلَّ عَلَى مُخَالَفَةٍ بِـ\"إلَّا\" غَيْرِ الصِّفَةِ وَأَخَوَاتِهَا مِنْ غَيْرِ إِخْرَاجٍ.\n<hr><s0>\n\n\"قالوا في: له عندي مائة درهم إلّا ثوبًا وشبهه\": إن المراد منه \"إلَّا قيمة ثوب\" من الدّراهم، فتأولوا المنفصل، وردوه إلى المتصل.\nوقال أصحابنا: لو قال: بعت بمائة دينار إلَّا عشرة دراهم، وعلم المتبايعان قيمة الدينار بالدراهم صحّ، ويكون مستثنى القيمة، فدلّ أنهم لا يعدلون بالمتّصل ما وجدوا إليه سبيلًا، ولذلك قال بعضهم في قوله تعالى حكاية عن إبليس: ﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ [سورة إبراهيم: الآية ٢٢]: إنه متصل؛ لأن الحمل على الشيء تارة يكون بالفهم (^١)، وتارة بتقوية الداعية بالوسوسة، فصح أن له سلطانًا بهذا الطريق، فيكون استثناء من الجنس.\nولو مثَّل المصنف باستثناء الدّنانير، أو الحِنْطَة، أو الشعير كان أولى؛ فإن الحنفية يقولون: استثناء الثوب لا يجوز، ويجوز استثناء الدَّنانير والحِنْطة والشعير على أنهم لا يصح لهم فرق، وتحقيق ذلك في الخلافيات.\nوحكى ابنُ السَّمْعَاني فيما إذا استثنى من زيد وجهه، أو من الدار بابها اختلافًا بين أصحابنا هل هو متصل أو منقطع؟ يقال: والصحيح أنه متصل؛ لأن وجه زيد بعضه، وباب الدار بعضها.\nالشرح: \"وأما حدّه\" أي: حد الاستثناء، \"فعلى\" قول \"التواطؤ\" بين المتّصل والمنفصل يمكن حدّه باعتبار المشترك بينهما فيقال:\n\"ما دلّ على مخالفة بـ\"إلّا\" غير الصفة وأخواتها\"، وما دل على مخالفة تناول أنواع التخصيص.\nوقوله: بـ \"إلّا\" وأخواتها وسائر أنواعه، فأراد بأخوات \"إلا\" ما له فعلها في الإخراج نحو: \"سوى\"، و\"حاشا\"، و\"خلا\"، و\"عدا\".\nوإنما قيّد \"إلا\" بغير الصفة لتخرج التي هي للصفة، وهي التَّابعة لجمع منكر، أو شبهه مثل: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢٢] أي: غير الله؛ فإنَّ\n_________\n(^١) في ب: بالفهم.","vol":"3","page":238},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالتخصيص بذلك التقدير يكون بالصفة لا بالاستثناء، وهذا على رأي الجمهور القائل بجواز مجيئها بمعنى \"غير\".\nوزعم المبرد أن \"إلا\" في الآية للاستثناء، وأن ما بعدها بدل؛ محتجًّا بأن \"لو\" تدل على الامتناع، وامتناع الشيء انتفاؤه.\nوردوه بأنهم لا يقولون: لو جاءني ديَّار أكرمته، ولو جاءني من أحد أكرمته، ولو كانت بمنزلة النَّافي لجاز ذلك، كما يجوز: ما فيها دَيّار، وما جاءني من أحد، ولمّا لم يجز ذلك دلّ على أن الصواب كونها وما بعدها صفة.\nولم يقيد المصنّف كلامه بما يخرج \"إلا\" العاطفة والزائدة، كأنه لم يَرَ مجيئها لهذين، وقد ذكر الأخفش (^١)، والفراء، وأبو عبيدة (^٢) أنها تجيء عاطفة، قالوا: ومنه: ﴿لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ [سورة النمل: الآية ١٠، ١١] أي: ولا من ظلم.\nوذكر الأصمعي (^٣) وابن جني أنها تجيء زائدة، وحملا عليه قوله: [الطويل]\n_________\n(^١) سعيد بن مسعدة المجاشعي بالولاء، البلخي ثم البصري، أبو الحسن، المعروف بالأخفش الأوسط: نحويّ، عالم باللغة والأدب، من أهل بلخ، سكن البصرة، وأخذ العربية عن سيبويه، وصنَّفَ كُتبًا منها. \"تفسير معاني القرآن\"، و\"شرح أبيات المعاني\" وكتب أخرى. وزاد في العروض بحر \"الخبب\"، وكان الخليل قد جعل البحور خمسة عشر، فأصبحت ستة عشر.\nتوفي سنة ٢١٥ هـ. انظر: وفيات ١: ٢٠٨، وإنباه الرواة ٢: ٣٦، والأعلام ٣/ ١٠١.\n(^٢) ومعمر بن المثنى التيمي البصرى، أبو عبيدة النحوي: من أئمة العلم بالأدب واللغة، ولد في ١١٠ هـ قال الجاحظ: لم يكن في الأرض أعلم بجميع العلوم منه، كان إباضيًا شعوبيًا، من حفاظ الحديث، لما مات لم يحضر جنازته أحد؛ لشدة نقده معاصريه، توفي ٢٠٩ هـ له مؤلفات منها مجاز القرآن، الشوارد، الزرع. ينظر: وفيات ٢/ ١٠٥، والمشرق ١٥/ ٦٠٠، وتذكرة ١/ ٣٣٨، وبغية الوعاة ٣٩٥، والسيرافي ٦٧، والأعلام ٧/ ٢٧٢.\n(^٣) عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع الباهلي، أبو سعيد الأصمعي: راوية العرب، وأحد أئمة العلم باللغة والشعر والبلدان، ولد ١٢٢ هـ.\nكان الرشيد يسميه شيطان الشعر، قال الأخفش: ما رأينا أحدًا أعلم بالشعر من الأصمعي. وتصانيفه كثيرة منها \"الإبل\" مطبوع، الأضداد مخطوط، خلق الإنان مطبوع وغيرها، توفي سنة ٢١٦ هـ. =","vol":"3","page":239},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nحَرَاجِيجُ مَا تَنْفَكُّ إِلَّا مُنَاخَةً … عَلَى الخَسْفِ أَوْ يَرْمِي بِهَا بَلَدًا قَفْرًا (^١)\nوكذلك ذكر ابن مالك، فلو قال المصنّف: \"إلّا غير الصفة والعاطفة والزائدة\" - كان حسنًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-651>\"تنبيه\"</span>\nليس من أقسام \"إلّا\" التي في نحو: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [سورة التوبة: الآية ٤٠]، وإنما هذه كلمتان \"إن\" الشرطية \"ولا\" النافية، ومن العجب أن ابن مالك على إمامته ذكرها في \"شرح التسهيل\" من أقسام \"إلا\".\n\n<span data-type='title' id=toc-652>\"فائدة\"\nالمخالفة تُعْرَف بـ \"الاستثناء\"،</span> ثم قد يكون المستثنى يعلم دخوله لولا الاستثناء، وقد يظن، وقد يجوز، وقد يقطع بعدم دخوله.\nفالأول: الاستثناء من النصوص مثل: عشرة إلا درهمًا.\nوالثاني: من الظواهر مثل: القوم إلا زيدًا.\nوالثالث: [مثل: صلى] (^٢) إلا عند الزوال ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [سورة يوسف: الآية ٦٦].\nوالرابع: المنقطع.\nوأما على قولي الاشتراك والمجاز أي: القول بأن الاستثناء مشترك بين المتصل والمنقطع، أو حقيقة في أحدهما، مجاز في الآخر، فإن الاستثناءين لا يجمعان في حدٍّ واحد؛ لأن مفهومها حينئذ حقيقتان مختلفتان، حد كل منهما باعتبار خصوصه وخصوصهما متغاير ضرورة، فيقال إذن في المنقطع: ما دلّ على مخالفة بـ \"إلّا\" غير الصفة، والعاطفة،\n_________\n= ينظر: السيرافي ٥٨، وجمهرة الأنساب ٢٣٤، وابن خلكان ١/ ٢٨٨، وتاريخ بغداد ١٠/ ٤١، ونزهة الألبا ١٥٠، والأعلام ٤/ ١٦٢.\n(^١) البيت لذي الرمة، ينظر ديوانه ص ١٤١٩، والكتاب ٣/ ٤٨، والمحتسب ١/ ٣٢٩، وخزانة الأدب ٩/ ٢٤٧، والإنصاف ١/ ١٥٦، وشرح شواهد المغنى ١/ ٢١٩، وهمع الهوامع ١/ ١٢٠، واللسان (فكك)، وشرح الأشموني ١/ ١٢١، ومغني اللبيب ١/ ٧٣.\n(^٢) في أ: متأصل، وفي ج: صُل.","vol":"3","page":240},{"text":"وَأمَّا الْمُتَّصِل، فَقَالَ الْغَزَّالِيُّ ﵀: قَوْلٌ ذُوْ صِيَغٍ مخصُوصَةٍ مَحْصُورَةٍ، دَالٌّ عَلَى أَنَّ المَذْكُورَ بِهِ لَمْ يُرَدْ بِالْقَوْلِ الأَوَّلِ.\nوَأُورِدَ عَلَى طَرْدِهِ: التَّخْصِيصُ بِالشَّرْطِ وَالْوَصْفُ بِـ\"الَّذِي\" وَالْغَايَةِ، وَمِثْلِ: \"قَامَ الْقَوم، وَلَمْ يَقُمْ زَيْدٌ\".\nوَلا يَرِدُ الْأَوَّلانِ.\nوَعَلَى عَكْسِهِ: \"جَاءَ الْقَوْمُ إِلَّا زَيْدًا\"؛ فَإنَّهُ لَيْسَ بِذِي صِيَغٍ.\nوَقِيلَ: لَفْظٌ مُتَّصِلٌ بِجُمْلَةٍ، لا يَسْتقِلُّ بِنَفْسِهِ، دَالٌ عَلَى أَنَّ مَدْلُولَهُ غَيْرُ مُرَادٍ بِمَا اتَّصَلَ بِهِ، لَيْسَ بِشَرْطٍ وَلا صِفَةٍ وَلا غَايَةٍ.\nوَأُورِدَ عَلَى طَرْدِهِ: \"قَامَ الْقَوْمُ لا زَيْدٌ\" - وَعَلَى عَكْسِهِ: \"مَا جَاءَ إِلَّا زَيْدٌ\"؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَّصِلْ بِجُمْلَةٍ، وإنَّ مَدْلُولَهُ كُلُّ اسْتِثْنَاءٍ مُتَّصِلٍ مُرَادِ بِالْأَوَّلِ.\nوَالاِحْتِرَازُ مِنَ الشَّرْطِ وَالصِّفَةِ - وَهْمٌ.\nوَالْأَوْلَى: إِخْرَاجٌ بـ \"إِلَّا\" وَأَخَوَاتِهَا.\n<hr><s0>\n\nوالزائدة وأخواتها أي: وأخوات \"إلا\" \"من غير إخراج\"، وبهذا القيد يتميّز عن المنفصل.\nالشرح:\"وأما المتّصل فقال\" القاضي في \"التقريب\"، و\"الغزالي\": \"قول ذو صِيَغٍ مخصوصة محصورة دالّ على أن المذكور به لم يرد بالقول الأول\"، وسبقه إلى ذلك القاضي.\n\"وأورد على طرده التخصيص بالشرط\"، نحو: أكرم القوم إنْ دخلوا، \"والوصف بـ \"الذي\"\" نحو: أكرم الرّجل. الذي مَرّ بك، \"والغاية\" أي الوصف بالغاية \"ومثل\" أي والتخصيص بمثل \"قام القوم، ولم يقم زيد\"؛ لصدق الحدّ عليهما، وليس شيء منها باسثناء.\n\"ولا يرد الأولان\" أعني: التخصيص بالشرط والوصف، سواء أوقع بـ \"الذي\" أم بالغاية؛ لكون المخصوص بهما غير مذكور، وقد أخذ في الحَدّ قيد كون المراد به مذكورًا.\nقال القاضي في \"التقريب\": لأنا قلنا: ذو صيغ مخصوصة، ونحن نعني \"إلا\"، و\"سوى\" ونحوهما.","vol":"3","page":241},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"وعلى عكسه\" أورد مثل: \"جاء القوم إلَّا زيدًا: فإنه\" استثناء مع أنه \"ليس بذي صيغ\" مختلفة.\nولا ينفعه أن يقول: المراد ذو صيغة من الصيغ؛ فإن الإِرادات (^١) لا تدفع الإيرادات.\n\"وقيل: لفظ متّصل بجملة لا يستقلّ بنفسه دالّ على أن مدلوله غير مراد بما اتّصل به ليس بشرط، ولا صفة، ولا غاية\".\nفاللفظ: جنس.\nومتصل بجملة: فصل يخرج المخصص المنفصل.\nولا يستقلّ بنفسه: احتراز عن قام القوم ولم يقم زيد.\n[ودالّ] (^٢): يخرج المهمل.\nوقوله: \"على أن مدلوله\" أي: المستثنى، وهو جزء المدلول، كـ\"زيد\" في قولك: إلا زيدًا \"غير مراد بما اتصل به\"، وهو المستثنى منه.\n\"وأورد على طرده: قام القوم إلا زيد\"، فإنه ليس باستثناء، والحد صادق عليه.\n\"وعلى عكسه: ما جاء إلَّا زيد؛ فإنه لم يتصل بجملة\"؛ لأن زيدًا فاعل جاء مع أنه استثناء.\nولك أن تقول: إنما يرد إذا سلم أن زيدًا فاعل جاء.\nوقد يقال: فاعله أحد المقدر، وهو رأى بعض النحاة.\n\"وأن مدلول كلّ استثناء متصل مراد بالأول\"؛ لأن المتكلم بالعام في صورة الاستثناء يقصد الاستثناء عند تكلمه بالعام، وهو أيضًا يرد على عكس حدِّ الغزالي.\n\"والاحتراز من الشرط والصفة وَهْمٌ\"؛ لخروجها بقوله: غير مراد بما اتَّصَل به؛ لكونهما مرادين بما اتصل به.\n\"والأولى\" أن يقال في حد الاستثناء: \"إخراج بـ \"إلَّا\" وأخواتها\".\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله: فإن الإرادات … إلخ قد يقال: تدفع إن ظهر المراد.\n(^٢) في أ: وذاك.","vol":"3","page":242},{"text":"وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَقْدِيرِ الدَّلالَةِ فِي الاِسْتِثْنَاءِ:\nفَالأَكْثَرُ: الْمُرَادُ بِـ \"عَشَرَةِ\" فِي قَوْلِكَ: \"عَشْرَةٌ إِلَّا ثَلاثَةً\": سَبْعَةٌ، وَ\"إِلَّا\": قَرِينَةٌ لِذَلِكَ كَالتَّخْصِيصِ بِغَيْرِهِ.\nوَقَالَ الْقَاضِي: \"عَشَرَةٌ إِلَّا ثَلاثَةً\": بِإِزَاءَ سَبْعَةٍ؛ كَاسْمَيْنِ: مُرَكَّبٍ، وَمُفْرَدٍ.\nوَقِيلَ: الْمُرَادُ بِـ \"عَشَرَةٍ\" عَشَرَةٌ: بِاعْتِبَارِ الأَفْرَادِ، ثُمَّ أخْرِجَتْ \"ثَلاثَةٌ\"، وَالإِسنَادُ بَعْدَ الإِخْرَاجِ؛ فَلَمْ يُسْنِدْ إِلَّا إِلَى سَبْعَةٍ؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ.\nلَنَا: أَن الْأَوَّلَ غَيْرُ مُسْتَقيمٍ؛ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ مَنْ قَالَ: \"اشْتَرَيْتُ الْجَارِيَةَ إلَّا نِصْفَهَا\" ونَحْوَهُ - لَمْ يُرِدِ اسْتِثْنَاءَ نِصْفِهَا مِنْ نِصْفِهَا، وَلأِنَّهُ كَانَ يَتَسَلْسَلُ، وَلأَنَّا نَقْطَعُ بأَنَّ الضَّمِيرَ لِلْجَارِيَةِ بكَمَالِهَا، وَلإجْمَاعِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ إِخْرَاجُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ، وَلإِبْطَالِ النُّصُوصِ، وَللْعِلْمِ بِأَنَّا نُسْقِطُ الْخَارج؛ فَنَعْلَمُ أَنَّ الْمُسْنَدَ إِلَيْهِ مَا بَقِيَ.\n<hr><s0>\n\n\nالشرح: \"وقد اختلف في تقدير الدلالة في الاستثناء\" أي: في كيفية دلالة المجموع المركب من المستثنى، والمستثنى منه، وأداة الاستثناء، والمسند إلى المستثنى منه على ما يفهم من المجموع آخرًا اختلافًا سببه: أن الاستثناء لما كاد يشبه التناقض من جهة أن قولك: عشرة إلا ثلاثة، إثبات للثلاثة في ضمن العشرة، ونفى لها صريحًا، ولا شكّ أنهما لا يصدقان معًا، فاحتيج إلى تقدير دلالته على وجه آخر (^١).\n\"فالأكثر\" قالوا: \"المراد بعشرة في قولك: عشرة إلَّا ثلاثة: سبعة، و\"إلا\" قرينة لذلك، كالتخصيص [بغيره] (^٢) \"أي: بغير \"إلا\" من المخصصات، لا بمعنى أن العشرة مع الاستثناء موضوعة للسبعة، وهؤلاء يجعلون الاستثناء من المخصصات، وهي قرينة تثبت أن الكل استعمل، وأريد الجزء مجازًا.\n\"وقال القاضي: عشرة إلّا ثلاثة بإزاء السبعة\"، فللسبعة عنده لفظان: أحدهما: مركب، وهو عشرة إلّا ثلاثة.\n_________\n(^١) ينظر: البرهان ١٠/ ٤٠١، والمحصول ١/ ٣/ ٥٦، وشرح العضد ٢/ ١٣٤، وشرح الكوكب المنير ٣/ ٢٨٩، وجمع الجوامع ٢/ ١٤، والتلويح ٢/ ٢٨٥، وتيسير التحرير ١/ ٢٨٩، وفواتح الرحموت ١/ ٣١٦.\n(^٢) في أ: بعده.","vol":"3","page":243},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالثاني: مفرد، وهو سبعة، وذلك \"كاسمين: مركب ومفرد\"، فاللفظ بجملته عبارة عما بقى بعد الاستثناء، وتكون زيادة شيء آخر في الكلام تصيره موضوعًا لمعنى آخر كما تقول: \"زيد\" فيكون للواحد، فتزيد الواو والنون، فيصير للجمع.\nوقصد بهذا أن يفرق بين التخصيص بدليل متّصل؛ فيكون الباقى فيه حقيقة، أو منفصل؛ فيكون تناول اللفظ الباقي مجازًا.\nوالحاصل: أن الاستثناء من عدد معلوم، وهل يكون لقرينة غيرت حكم الصيغة، أو لقرينة لم تغير وضع الصيغة، وإنما كشفت عن المراد بها؟.\nفمن رأى أسماء الأعداد كالنصوص التي لا تحتمل سوى ما يفهم منها، جعل الاستثناء قرينة مقالية غيرت حكم الصيغة في دلالتها، ورأى المستثنى والمستثنى منه كالكلمة الواحدة الدَّالة على عدد ما، ويكون الاستثناء كجزء من أجزاء هذه الكلمة، فمجموع الاستثناء والمستثنى منه هو الدَّالّ على العدد المنفى، ويرى هذا أنْ لا فرق بين سبعة وعشرة إلَّا ثلاثة، فإنّ سبعة تدلّ على عدد مخصوص، ولكنها تركبت من حروف أربعة لو ذهب منها أحد أجزاءها الأصْليّة، وهو حرف العين مثلًا كان ما بقى غير دالّ.\nوكذلك: \"عشرة إلَّا ثلاثة\" يجري هذا المجرى في كون الكلمتين - الاستثناء والمستثنى منه - يدلّان على السبعة، وصار قوله: إلّا ثلاثة كأحد حروف سبعة، ولا يكون لقولنا: إلا ثلاثة كالبيان كقولنا: عشرة.\nوالفرقة الأولى رأوا أن الكلمة الدَّالة على عدد - كالعشرة مثلًا - ربما نطق بها فيما دونه، فلا يجعلونها نصًّا في مدلوله، بل يسلكون بها مسلك اللَّفْظ العام في الدّلالة على أفراده ظاهرًا، ويرون الاستثناء قرينة لفظية دالّة على المقصود باللَّفظ المستثنى منه، كما يدل قوله: \"لا تَقْتُلُوا الرُّهْبَانَ\"، على المراد بقوله: \"اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ\"، ولم يقدروا أن قوله: \"لا تقتلوا الرهبان\" مع قوله: \"اقتلوا المشركين\" كالكلمة الواحدة.\nوقد ذهب إمام الحرمين إلى رأي القاضي، واستنكر قول الأولين، وقال: إنه محال لا يعتقده لَبِيبٌ.\nوأنا أرى أن [أحكي] (^١) عبارة القاضي؛ لتكون على ثِقَةٍ مما حكيناه.\nقال ﵀ في كتاب \"التقريب\":\n_________\n(^١) في أ: أجلى.","vol":"3","page":244},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nإذا خصّ باسثناء متصل، فإنه يكون مع الاسثناء حقيقة فيما بقي، والدَّليل على ذلك أن اتصال الاسثناء به يغيره، ويؤثر في معنى لفظه؛ لأن كثيرًا من الكلام إذا اتَّصل بعضه ببعض كان له بالاتصال تأثير ليس له بالانفراد، ولذلك احتاج الابتداء إلى خبر من كلام المبتدئ؛ ليكون مفيدًا، والكناية إلى تقدم مذكور يكون كناية عنه وأمثال ذلك.\nولهذا وجب أن يكون قولنا: \"زيد\" اسم الشخص الواحد. فإذا زيد ياء ونونًا صار اسمًا للاثنين، وإذا كان كذلك وحب أن يكون هذا حكم اللفظ مع الاسثناء في أنه يصير باقترانه اسمًا لقدر ما بقى، ولو عدّى لكان عامًا، وكذلك عشرة إلّا واحدًا و﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [سورة العنكبوت: الآية ١٤] وأمثاله في أنّ اطلاق الاسمم بغير اسثناء يفيد الجملة التامة، ويصير مع الاسثناء اسمًا لقدر ما بقى، ومثل هذا بعينه تقول: \"رجل\" اسم واحد منكر، وَإِذَا زِيدَ عليه ألف ولام قيل: \"الرجل\" صار معرفة، أو للجنس عند أصحاب العموم، فيتغير معناه بما وصل به.\nوإذا كان كذلك صحّ ما قلناه من الفرق بين القرائن المتّصلة والمنفصلة. انتهى.\n\"وقيل: المراد بعشرة\" في هذا التَّركيب \"عشرة باعتبار الأفراد\" أي: باعتبار أفراده لن يغير، وهو يتناول السبعة والثلاثة معًا، \"ثم أخرجت ثلاثة\" بقوله: إلا ثلاثة، فدلّ لفظ \"إلا\" على الإخراج، وثلاثة على العدد المسمى بها حتى بقى سبعة، ثم أسند إليه \"والإسناد بعد الإخراج (^١)، فلم يسند إلّا إلى سبعة\"، وليس هناك إلا الإثبات ولا نفى أصلًا، فلا تناقض؛ إذ ليس إثبات ونفى معارضًا.\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله: والإسناد بعد الإخراج .... إلخ قال الزركشي في البحر: تصريح ابن الحاجب بأن الحكم بعد الإخراج مخالف لمذهب سيبويه أن الأداة أخرجت من الاسم والحكم، وما قاله ابن الحاجب إنما يأتي على القول المرجوح أن الإخراج من الاسم فقط، ويرد عليه أيضًا أن المفرد لا مستثنى منه، ولو استثنى منه لم ينتظم أن يقال العامل في المستثنى نحو العامل في المستثنى منه كما هو مذهب كثير من النحاة، والتحقيق أن المراد بالإسناد ما يبقى بعد الإخراج؛ لأن الإسناد للجملة إنما يتبين معناه بآخر الكلام، فإن عطف عليها بـ \"أو\" كان ثابتًا لأحد الأمرين، وإن عطف عليها بالواو كان ثابتًا للمجموع، وإن استثنى منه كان ثابتًا لبعض مدلولها، وليس الاستثناء مبينًا للمراد بالأول، بل محصل للإخراج، والحاصل قبله قصدًا أن يستثنى لا قصد المعنى، حتى لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة، ووقع الاستثناء بعد موتها طلقت ثلاثًا، ولو كان مبينًا لزمه ثنتان، وعلى هذا لا يسمى تخصيصًا.","vol":"3","page":245},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقال المصنّف:\"وهو الصحيح\" إذا عرفت هذا، فلا يخفى عليك أن الأكثرين عندهم أنك استعلمت العشرة في سبعة مجازًا دلّ عليه قولك: إلا ثلاثة.\nوالقاضي وإمام الحرمين عندهما أن المجموع مستعمل في السبعة.\nوالمصنف عنده أنك تصوّرت ماهيّة العشرة، ثم حذفت منها ثلاثة، ثم حكمت بالسبعة، فكأنه قال له: علي الباقي من عشرة أخرج منها ثلاثة، أو عشرة إلّا ثلاثة له عندي، وكلّ من أراد أن يحكم على شيء بدأ باستحضاره في ذهنه، وهذا القائل بدأ باستحضار العشرة في ذهنه، ثم أخرج الثلاثة ثم حكم، كما أنك تخرج عشرة دراهم من الكيس، ثم تردّ منها إليه ثلاثة، ثم تهب الباقي، وهو سبعة، هذا مذهب المصنف، وهو حسن، ومغاير للمذهبين الأولين مغايرة واضحة.\nواعلم أن الأظهر أن القاضي يجعل هذا اللفظ موضوعًا للسبعة كما وضع لها لفظ السبعة، وهو ظاهر نقل المصنّف عنه، وعبارته كالصريحة في ذلك، وقد حكيناها لك.\nوبذلك صرّح غير واحد من النَّقَلَةِ عنه، وَلْنَخُضْ في الحِجَاجِ فنقول:\nلا بُدَّ من رَدِّ الاستثناء إلى ما يدفع عنه التناقض مع المستثنى منه، ولا بُدَّ في دفع التناقض من أحد التقديرات الثلاث الَّتي قال بكلّ منها قائل؛ لأنه إن أريد عشرة وأسند إليه، كان التناقض ظاهرًا، وانتفاؤه بألَّا يراد العشرة، أو يراد ولا يسند إليها، فإذا لم يرد العشرة، فإما أن يراد السبعة أولا؟\nإن كان الأول؛ فهو المذهب الأول، وإن كان الثاني؛ فلا سبيل إلى دفع الإرادة عن السبعة مطلقًا ضرورة أنها مرادة، فتكون مرادة بالمركب لا بالمفرد، وهو المذهب الثاني.\nوإن أريدت العشرة، ولكن لم يسند إليها، وهو الثالث.\nوإذا تعيّن أحد الثلاث، وأبطلنا قسمين فتعيّن الباقي، فنقول: \"لنا: أن\" القول \"الأول غير مستقيم\" لوجوه ستة:\n\"للقطع بأن من قال: اشتريت الجارية إلا نصفها ونحوه لم يرد استثناء نصفها من نصفها\"، وإلا يكون استثناء مستغرقًا، فيكون باطلًا، وهو غير مراد.\n\"ولأنه\" لو أريد \"كان يتسلسل\"؛ لأن الاستثناء حينئذٍ يكون من النِّصْف، فيكون","vol":"3","page":246},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالتقدير: له عندي نصف الجارية إلَّا نصفها، فيكون المراد به ربعها، والتقدير: أنه استثنى من هذا الرّبع نصفه، فيكون المراد به [منها] (^١)، وهلمّ جرًّا.\n\"ولأنا نقطع بأن الضمير\" في: إلّا نصفها \"للجارية بكمالها\".\n\"ولإجماع [العربية] (^٢) على أنه\" أي: الاستثناء \"إخراج بعض من كل\" (^٣).\n\"ولإبطال النصوص\"؛ إذ ما في لفظٍ الّا ويمكن الاستثناء منه لبعض مدلوله، فيكون المراد هو الباقي، فلا يكون نصًّا في الكل، ونحن نعلم أن نحو: عشرة نص في الكل.\n\"وللعلم بأنا نسقط الخارج\" بالاستثناء، \"فنعلم أنّ المسند إليه ما بقى\" بعد الإخراج، وإذا كان كذلك لم يكن المراد بـ \"العشرة\" سبعة.\nولقائلٍ أن يقول على الأول: إن أردتم بأنّ الاستثناء مستغرق بالنسبة إلى الملفوظ، فممنوع.\nوإن أردتم بالنسبة إلى المراد، فمسلم.\nولكن الاستثناء إنما يقع من الملفوظ لا من المراد، والّلافظ كما ذكرتم لم يرد استثناء نصفها من نصفها بل من كلها، وهو الملفوظ الذي تبين بالاستثناء أن المراد به النصف.\nوعلى الثَّاني: كذلك؛ لأن الاستثناء من الكُلِّ، وهو مبين أنّ المراد النصف.\nوكذا الثالث؛ فإنَّ الضمير عائد إلى الكلّ؛ لأنه الملفوظ، ولا يلزم ما ذكر.\nوكذا الرَّابع؛ فإنه إخراج بحسب الظاهر.\nوعلى الخامس: أن النص هو ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا عند عدم القرينة، وهنا قرينة وهي الاستثناء، فلم يلزم إبطال النصوص.\nوعلى السادس: أن إسقاط الخارج واقع بحسب الظاهر.\n_________\n(^١) في ب: عنها.\n(^٢) في أ، ج: القرينة.\n(^٣) ينظر: الاستغناء للعلامة القرافي، وشرح المفصل لابن يعيش ١/ ٧٥، وهمع الهوامع للسيوطي ١/ ٢٢٢.","vol":"3","page":247},{"text":"وَالثَّاني: كَذَلِكَ؛ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ خَارجٌ عَنْ قَانُونِ اللُّغَةِ؛ إذْ لا تَرْكِيبَ مِنْ ثَلاثَةٍ، وَلا يُعَرَّبُ الْأَوَّل، وَهُوَ غَيْرُ مُضَافٍ، وَلاِمْتِنَاعِ إعَادَةِ الضَّمِيرِ عَلَى جُزْءِ الاِسْمِ فِي: \"إلَّا نِصْفَهَا\"، وَلإِجْمَاعِ الْعَرَبيَّةِ … إِلَى آخِرِهِ.\nقَالَ الْأَوَّلُونَ: لا يَسْتَقيمُ أَنْ يُرَادَ \"عَشرَةٌ\" بِكَمَالِهَا؛ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ مَا أَقَرَّ إلَّا بِـ \"سَبْعَةٍ\"؛ فَيَتَعَيَّنُ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْحُكْمَ بِالإقْرَارِ - باعْتِبَارِ الإسْنَادِ؛ وَلَمْ يُسْنِدْ إلَّا بَعْد الإخْرَاجِ.\nقَالُوا: لَوْ كَانَ الْمُرَادُ عَشَرَةً امْتَنَعَ مِنَ الصَّادِقِ؛ مثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤].\nوَأُجِيبَ: بِمَا تَقَدَّمَ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: قال: \"والثاني\" أي قول القاضي \"كذلك\" أي: لا يستقيم أيضًا لوجوه ثلاثة:\n\"للعلم بأنه\" تركيب \"خارج عن قانون اللغة؛ إذ لا تركيب\" فيها \"من\" ألفاظ \"ثلاثة\".\n\"ولا يعرف الأول\" منها، وهو العشرة في مثالنا، \"وهو غير مضاف\"، بل إنما يعرف الأول إذا كان مُضَافًا، فإذا لم يكن مُضَافًا كان مثبتًا، وهذا المركّب بخلافه، فكان خارجًا عن اللغة، ويمكن أن يجعل هذان وَجْهين يدلان على خروجه عن قانون اللغة، فيقال: هو خارج؛ لكونه من ثلاثة ألفاظ، ولكونه من ألفاظ الأول منها معرب غير مضاف، وليس في اللّغة شيء من ذلك بالاستقراء.\n\"ولا متناع إعادة الضمير على جزء الاسم في: \"إلا نصفها\"؛ للقطع بأن الضمير يجب عوده إلى كمال الاسم، فلا يكون المراد بالجارية نصفها.\n\"ولإجماع\" أهل \"العربية\" على أن الاستثناء المتصل إخراج بعض من كل … \"إلى آخره\" كما ذكرناه في إبطال قول الأُوليين.\nالشرح: ولقائل أن يقول: \"قال الأولون\" احتجاجًا لأنفسهم: \"لا يستقيم أن يراد\" بقوله: عندي \"عشرة\" إلا ثلاثة عشرة \"بكمالها للعلم بأنه ما أقر إلا بسبعة؛ فيتعين\" أن يكون المراد بالعشرة سبعة.\n\"وأجيب: بأن الحكم بالإقرار\" إنما هو \"باعتبار الإسناد\" المتأخر عن إخراج ثلاثة منها، \"ولم يسنِد إلا بعد الإخراج\"؛ فلا يلزم كونه مقرًا بعشرة.","vol":"3","page":248},{"text":"الْقَاضِي: إِذَا بَطَلَ أَنْ يَكُونَ عَشَرَةً، وَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ سَبْعَةً تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ لِسَبْعَةٍ.\nوَأجِيبَ: بِمَا تَقَدَّمَ.\nفتَبَيَّنَ أَنَّ الاِسْتِثْنَاءَ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي: لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ، وَعَلَى الأَكْثَرِ: تَخْصِيصٌ، وَعَلَى الْمُخْتَارِ: مُحْتَمِلٌ.\n<hr><s0>\n\n\"قالوا: لو كان المراد عشرة\" بكمالها \"امتنع من الصادق\" الاستثناء \"مثل قوله:\" \"فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ ﴿إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤]؛ لما يلزم من إثبات لبث الخمسين بقوله: ألف سنة، ونفيه بالاستثناء؛ وهو تناقض، وذلك لا يمتنع؛ بدليل أنه قاله.\n\"وأجيب: بما تقدم\" في صورة الإقرار، أن الحكم باللُّبْثِ إنما هو بعد إخراج الخمسين على الباقي من الألف مثلًا.\nالشرح: وقال \"القاضي: إذا بطل أن يكون\" المراد، \"عشرة\"؛ لدليل الأولين، \"وبطل أن يكون سبعة\"؛ لما ذكر في إبطال المذهب الأول - \"تعين أن يكون الجميع لسبعة\"؛ لما مَرَّ من أن أحد التقديرات الثلاث لا بد منه.\n\"وأجيب: بما تقدم\" في جواب قول الأولين \"فتبين\" بما ذكرناه \"أن الاستثناء على قول القاضي ليس بتخصيص\" إذ التخصيص؛ قصر العام، وها هنا لم يرد بالعام بعض أفراده، بل المجموع المركب هو مُسَمّاه.\n\"وعلى\" قول \"الأكثر تخصيص\"؛ لأنه قصر اللفظ على بعض مسمياته.\n\"وعلى\" المذهب \"المختار محتمل\" لأن يكون تخصيصًا نظرًا إلى الحكم، فإنه للعام في الظاهر، والمراد الخصوص؛ ولئلا يكون تخصيصًا نظرًا إلى أنه أريد بالمستثنى منه تمام مسماه؛ هذا كلام المصنف.\nقال القاضي عضد الدَّين الشِّيرازي: ولا بُدَّ من التنبيه على حقيقة الحال: اعلم [أن] (^١) القصد عشرة - أخرج منها ثلاثة - للسبعة مجاز؛ لأن العشرة التي أخرجت منها ثلاثة - عشرة، ولا شيء من السبعة بعشرة، ومفهوم العشرة بعد إخراج الثلاثة وقبلها واحد، وليست السبعة بعشرة على حال أطلقت أو قيدت، إنما هي الباقي من العشرة بعد إخراج\n_________\n(^١) سقط في أ، ب.","vol":"3","page":249},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالثلاثة كما يقال: إنها أربعة ضمّت إليها ثلاثة، وأنها ليست بأربعة، إنما هي الحاصل من ضَمّ الأربعة إلى الثلاثة، ثم إن السبعة مرادة في هذا التركيب.\nفإن قلنا: هذا التركيب حقيقة في عشرة موصوفة بأنها مخرج منها ثلاثة كان مجازًا في السبعة من باب التَّخْصيص، وهو المذهب الأول.\nوإن قلنا: هو موضوع للباقي من العَشَرَةِ بعد إخراج الثلاثة، ولا يفهم منها إلا ذلك عند الإطلاق، وليس مدلولها عشرة مقيّدة، فهو موضوع للسَّبعة لا على أنه وضع له وضعًا واحدًا كما قد يتخيّل، بل على أنه يعبر عنه بلازم مركّب، وقد يعبر عن الشيء باسمه الخَاصّ، وقد يعبر عنه بمركّب يدلّ على بعض لوازمه، وذلك في العدد ظاهر؛ فإنك قد تنقص عددًا من عدد حتى يبقى المقصود، وقد يضمّ عدد حتى يحصل ذلك؛ كما قال الشاعر: [الخفيف]\nبِنْتُ سَبْعٍ وَأَرْبَع وَثَلاثٍ … [هِيَ حَتْفُ] (^١) المُتَيَّمِ المُشْتَاقِ\nوالمراد بنت أربع عشرة، ويعبر عنه بغيرها، كما يقال للعشرة جذر المائة، وضعف الخمسة، وربع الأربعين إلى غير ذلك، وعلى هذا ينبغي أن يحمل مذهب القاضي، ومختار المصنف يرجع إلى أحدهما. انتهى.\nقلت: وما ذكره عن القاضي يفهم أنه يجعل ذلك مجازًا، وهو خلاف ما حققناه عنه، ثم ما ذكر من التعبير عن الشيء بلازم مركّب حق، ولكن لا يخرج عن الحقيقة (^٢)، وقول الشاعر في بنت أربع عشرة: بنت سبع وأربع وثلاث صادق بالحقيقة، وهو كقولك: له عندي درهم ودرهم ودرهمان، فإنك مقر بأربعة ناطق بما يدلّ عليها بالحقيقة، وكذلك قول الشّاعر الحسن بن هانئ (^٣): [الطويل]\n_________\n(^١) في ب: هما حتف.\n(^٢) في حاشية ج: قوله: ولكن لا يخرج عن الحقيقة. انظر المراد بعد الاعتراف بأنه تعبير باللازم إلا أن يقال: إنه لازم وضع لملزومه كما يشير إليه بعد.\n(^٣) الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن صباح، الحكمي بالولاء، أبو نواس: شاعر العراق في عصره، ولد سنة ١٤٦ بـ \"الأهواز\" (من بلاد خوزستان)، وقال كلثوم العتابي: لو أدرك أبو نواس الجاهلية ما فضل عليه أحد. وقال الإمام الافعي: لولا مجون أبي نواس لأخذت عنه العلم. وقد نظم في جميع أنواع الشعر، وأجود شعره خمرياته. له: \"ديوان شعر\" و\"الفكاهة =","vol":"3","page":250},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأَقَمنَا بِهَا يَوْمًا وَيَوْمًا وَثَالِثًا … وَيَوْمًا لَهُ يَوْمُ التَّرَحُّلِ خَامِسُ (^١)\nفإنه دالّ على أنه أقام بها تِسْعًا؛ لدلالة لفظ التسع.\nوزعم الشيخ أبو حيان أنه دالّ على إقامة أربعة أيام فقط، ذكره في باب \"إعراب المثنى\" من \"شرح التسهيل\".\nوفيه نظر (^٢): إنما هو يدلّ على تسعة أيام.\nنعم قد نازع القاضي من يمنع الوضع للمركّبات، وقوله: إن مختار المصنف يرجع إلى أحدهما ليس بجيّد، بل هو مُغَاير لهما كما عرفناك في صدر المسألة.\nوقد لاح بهذا أَنَّ دلالة المستثنى والمستثنى منه على المعنى المراد به مجاز عند الأكثرين، حقيقة عند القَاضِي، وكذلك عند المصنّف؛ لأنه استعمل اللفظ في مدلوله.\nوقال الشيخ أبو حامد: عندي العَشَرَةُ إذا استعملت في الخمسة بالاستثناء تكون دالّة على ذلك حقيقة لا مجازًا، كما تقول في العموم إذا خص بعضه واستعمل في الباقي: يكون حقيقة. نتهى.\nقلت: وهذا مَاشٍ على القول بأن العامّ المخصوص حقيقة، وهو قول أكثر علمائنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-654>\"فائدة\"</span>\nقال ابن الأَنْبَاري: لو كان الأمْر كما ذكر الأولون لزم أن يكون الذي لا يعرف الحساب إذا قال: عشرة إلا ثلاثة لا يفهم المَدْلُول من لغته.\nقلت: وهو ضعيف؛ فإنه وإن لم يعرف الحساب فهو يريد ما تؤدّيه هذه العبارة، وهي مستعمل لفظ العشرة في بعضها، وإن لم يعرفه حالة الاستعمال، وجَهْلُهُ به لا يضرّ إذا كان\n_________\n= والائتناس في مجون أبي نواس\" ولابن منظور كتاب سماه \"أخبار أبي نواس\". وفي تاريخي ولادته ووفاته خلاف، وقيل في وفاته: ١٩٥ هـ، ١٩٦ هـ و١٩٨ هـ. وينظر: الأَعلام ٢/ ٢٢٥، وخزانة البغدادي ١/ ١٦٨، ووفيات الأعيان ١/ ١٣٥.\n(^١) البيت لأبي نواس كما أشار المصنف، ينظر ديوانه ٢/ ٧، وخزانة الأدب ٧٠/ ٤٦٢، ومغنى اللبيب ٢/ ٣٥٦، والمقرب ٢/ ٤٩، والدرر ٦/ ٧٧.\n(^٢) في حاشية ج: قوله: وفيه نظر؛ لأن يوم الترحل لا يكون خامسًا لذلك اليوم الرابع إلا بعد مضي ثلاثة أيام من الرابع فيكون هو خامسًا وليس المراد أنه خامس أول الأيام كما فهمه أبو =","vol":"3","page":251},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nله مَدْلُول في نفس الأَمْر، كما لو قال: \"قارضتك على أن ثلث الربح لك، وما بقي فثلثه لي وثلثاه لك، فإنه يصح على الأصح، وإن لم يعلما عند العَقْدِ أن المشروط للعامل كم هو، وكذا لو قال: لك من الربح سدس ربع العشرة، وهما لا يعلمان قدره.\nولا يرد على هذا إذا باع بما باع به فلان، وهو لا يعلمه حيث لا يصحّ على الأصح، وإن تمكن من العلم به؛ لأنه ليس له في نفس الأمْر مدلول، وجاز أن ينسى، أو يموت هو قبل العلم، ففيه غرر.\nوكذا إذا قال: بعت بمائة دينار إلَّا عشرة دراهم، فإنه لا يصحّ إلا أن يعلما قيمة الدِّينَار بالدراهم؛ لأن ذلك بمختلف.\n\n<span data-type='title' id=toc-655>\"فرع\"</span>\nقال: عليَّ عشرة إلَّا خمسة أو ستة، فإنه يلزمه خمسة.\nقال النووي: وهو الصواب؛ لأن المختار أن الاستثناء بيان ما لم يرد (^١) بأول الكلام، لا أنه إبطال ما ثبت.\nوقال الرَّافِعِيّ: يمكن أن يقال: يلزمه خمسة؛ لأنه أثبت عشرة، واستثنى خمسة، وشككنا في اسثتناء الدّرهم السَّادس.\n\n<span data-type='title' id=toc-656>\"تنبيه\"</span>\nما تقدم في: عشرة إلَّا \"ثلاثة\" وأنظاره هو فيما إذا نصب ثلاثة بالاستثناء.\nأما إذا رفع فقال: إلا ثلاثهٌ أو إلّا درهمٌ، فقد أقرّ بالعشرة؛ لأن المعنى عشرة موصوفة بأنها غير درهم، وكلّ عشرة فهي موصوفة بذلك، فالصفة هنا في [نفحة] (^٢) واحدة، هذا مدلول اللفظ، ونبَّهْنَا عليه وإن لم يتعلّق بما كنا فيه لئلا يلتبس.\n_________\n= حيان؛ إذ هذا خلاف صريح النظم. تدبر.\n(^١) في حاشية ج: قوله: \"بيان ما لم يرد … إلخ ولم يبين الَّا بمجزوم به لا بالمشكوك، بخلاف ما إذا قيل: إنه إبطال ما ثبت؛ فإن المشكوك فيه يبطل الثبوت؛ إذ لا ثبوت مع الشك. تدبر.\n(^٢) في ب: نعجة.","vol":"3","page":252},{"text":"<span data-type='title' id=toc-657>مَسْأَلةٌ:\nشَرْطُ الاسْتِثْناءِ:</span> الاِتِّصَالُ لَفْظًا، أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ؛ كَقَطْعِهِ لِتَنَفُّسٍ، أَوْ سُعَالٍ وَنَحْوِهِ.\nوَعنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄: يَصِحُّ وَإنْ طَالَ شَهْرًا.\nوَقِيلَ: يَجُوزُ بالنِّيَّةِ كَغَيْرِهِ، وَحُمِلَ عَلَيْهِ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ لِقُرْبِهِ.\nوَقِيلَ: يَصِحُّ فِي الْقُرْآنِ خَاصَّةً.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"شرط الاستثناء الاتصال لفظًا، أو ما في حكمه كقطعه لتنفس، أو سعال ونحوه\" مما لا يمنع الاتصال عادة.\nوالأصح أنه ينقطع بتخلُّل الكلام اليسير، وإن لم ينقطع بذلك الإيجابُ والقبول (^١).\nقال الأَصْحَاب: ويبطله تخلُّلُ الكلام الأجنبي.\nوقال صاحب \"البيان\" و\"العدة\": إذا قال: عليَّ ألف أستغفر الله إلَّا مائة، [صَحّ] (^٢).\nقال النووي: وفيما نقلاه نظر.\nوعن طاوس والحسن، وجماعة من التابعين: أن له الاستثناء ما لم يقم من مجلسه.\nوقال قتادة: ما لم يقم أو يتكلم.\nوقال عطاء: قدر حلبة ناقة:\n_________\n(^١) ينظر: البرهان ١/ ٣٨٥، والمعتمد ١/ ٢٦٠، وشرح العضد ٢/ ١٣٧، والمحصول ١/ ٣/ ٣٩، والمستصفى ٢/ ١٦٥، والمنخول ١٥٧، والتبصرة (١٦٢)، وجمع الجوامع ٢/ ١٠، القواعد والفوائد ٢٥١، والإحكام للآمدي ٢/ ٢٦٧، وشرح الكوكب ٣/ ٢٩٧، والعدة ٢/ ٦٦٠، وتيسير التحرير ٢٩٧، وكشف الأسرار ٣/ ١١٧، وفواتح الرحموت ١/ ٣٢١، وإرشاد الفحول (١٤٧)، واللمع ٢٢، والروضة (١٣٢)، والمسودة (١٥٢)، ونهاية السول ٢/ ٤١٠، والتمهيد له (٢٨٩)، والتحرير (١١٤)، وشرح تنقيح الفصول (٢٤٢).\n(^٢) في ب: تصح.","vol":"3","page":253},{"text":"لنَا لَوْ صَحَّ، لَمْ يَقُلْ ﷺ: \"فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ\" مُعَيَّنًا؛ [لـ] أَنَّ الاِسْتِثْنَاءَ أَسْهَل، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الإِقْرَارَاتِ وَالطَّلاقُ وَالْعِتْق، وَأَيْضًا: فَإنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَلَّا يُعْلَمَ صِدْقٌ وَلا كَذِبٌ.\nقَالُوا: قَالَ ﵊: \"وَالله، لأَغْزُوَن قُرَيشًا\"، ثُمَّ سَكَتَ.\n<hr><s0>\n\n\"وعن ابن عباس: يصح وإن طال\" أَمَدُ الانفصال، \"شهرًا وقيل: سنة، وهو الأشهر عنه.\nوقيل: أبدًا، وهي روايات شاذّة لم تثبت عنه.\nوعن سعيد بن جُبَيرٍ: أربعة أشهر.\nوقيل: إن مراد هؤلاء الأئمة على تقدير صحّة المنقول عنهم استحباب قول: إن شاء الله تبركًا؛ ولقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [سورة الكهف: الآية ٢٤]، ولم يريدوا به حلّ اليمين ومنع الحنث، ولا الاستثناء بـ \"إلّا\" وأخواتها.\n\"وقيل: يجوز\" تأخير الاستثناء، لكن \"بالنية كغيره\" من تخصيصات العموم؛ إذ جاز انفصالها لفظًا مع اقتران النِّية باللفظ العام، \"وحمل عليه مذهب ابن عباس؛ لِقُرْبه\".\n\"وقيل: يصح\" الاستثناء المنفصل \"في القرآن خاصة\"؛ لأنه كالكلمة الواحدة، وهو ضعيف؛ فإنّ الكلام القديم صفة ذاتٍ يستحيل فيه التقديم والتأخير، والاتصال والانفصال، والكلام هنا إنما هو في الألفاظ المبتدعة.\nالشرح: \"لنا: لو صحَّ الاستثناء المنفصل \"لم يقل ﵇\": \"مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا \"فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ\"، وَلْيَفْعَلِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ\" (^١).\n\"معينًا\" بل كان يقول: فليستثن أو يفعل؛ \"لأن الاستثناء أسهل\" من التكفير، لكنه قال ذلك معينًا.\n[قلت] (^٢): في \"صحيح مسلم\" وغيره بهذا اللَّفظ، ومعناه في \"الصحيحين\".\nونظيره: ما حكى أن أبا إسحاق المَرْوَزِيّ أراد الخروج من \"بغداد\" مرة، فاجتاز في بعض سككها برجل على رأسه باقلَاء وهو يقول لآخر معه: لو صح مذهب ابن عباس لما\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٤٧٨، كتاب النذور: باب ما تجب فيه الكفارة من الأيمان (١١)، ومسلْم ٣/ ١٢٧٢، كتاب الأيمان: باب ندب من حلف (١٢/ ١٦٥٠).\n(^٢) في أ، ج: ثبت.","vol":"3","page":254},{"text":"وَقَالَ بَعْدَهُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ.\nقُلْنَا: يُحْمَلُ عَلَى السُّكُوتِ الْعَارِضِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.\nقَالُوا: سَأَلَهُ الْيَهُودُ عَنْ لُبْثِ أَهْلِ الْكَهْفِ؛ فَقَالَ ﵊: \"غَدًا أُجِيبُكُمْ\"، فَتَأَخَّرَ الْوَحْيُ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ نَزَل: \"وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ\" [سورة الكهف: الآية\n<hr><s0>\n\nقال تعالى لأيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [سورة ص: الآية ٤٤] بل كان يقول: استثن، ولا حاجة إلى هذا التحيُّل في البر.\nفقال أبو إسحاق: بلدة فيها رجل يحمل البقل، وهو يرد على ابن عباس لا يستحق أن يخرج منها.\n\"وكذلك\" يلزم منه أن يبطل \"جميع الإقرارات، والطلاق، والعِتْق\"؛ لأن المقرّ والمطلَّق والمعتق يستثنى بعد انفصال الأمر.\nفلو قيل: لم يستقرّ شيء من الأحكام.\n\"وأيضًا: فإنه يؤدي إلى ألَّا يعلم صدق ولا كذب\"؛ لأن المخبر بشيء كقوله: قدم الحاج إذا قيل له: إنما قدم بعضهم، يمكنه أن يقول: إلا بعضهم.\nولك أن تقول: إن كان محلّ الخلاف مختصًّا بالتَّعْليق بمشيئة الله - تعالى - دون الاستثناء بـ \"إلَّا\" وأخواتها، فلا يتأتى هذا.\n\"قالوا\": روى أبو داود من حديث مسعر عن سماك (^١) عن عكرمة \"قال النبي ﷺ: \"وَاللَّهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا\"\" ثم قال: \"إنْ شَاءَ اللَّهُ\" ثم قال: \"وَاللَّه لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ\" ثم قال: \"وَاللَّهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا\" \"ثم سكت\".\n_________\n(^١) سماك بن حرب بن أوس البكري الذهلي، أبو المغيرة الكوفي.\nأحد الأعلام التابعين. عن: جابر بن سمرة والنعمان بن بشير وغيرهم. وعنه: الأعمش وشعبة وإسرائيل وزائدة وأبو عوانة وخلق. قال ابن المديني: له نحو مائتي حديث. وثقه أبو حاتم وابن معين من رواية ابن أبي خيثمة وابن أبي مريم. وقال أبو طالب عن أحمد: مضطرب الحديث. قال ابن قانع: مات سنة ثلاث وعشرين ومائة.\nينظر: البداية والنهاية ٩/ ٣٣٩، والوافي بالوفيات ١٥/ ٤٤٧، وطبقات ابن سعد ٦/ ٣١٦، والثقات ٤/ ٣٣٩، ولسان الميزان ٧/ ٢٣٨، وميزان الاعتدال ٢/ ٢٣٢، وتهذيب الكمال ١/ ٥٤٩، وتهذيب التهذيب ٤/ ٢٢٣، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ٤٢١.","vol":"3","page":255},{"text":"٢٤،٢٣]، فَقَالَ ﵊: \"إِنْ شَاءَ اللَّهُ\".\nقُلْنَا: يُحْمَلُ عَلَى أفْعَلُ؛ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.\nوَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مُتَأَوَّلٌ بِمَا تَقَدَّمَ، أَوْ بِمَعْنَى الْمَأْمُورِ بِهِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وقال بعده: \"إنْ شَاءَ اللَّهُ\"\" (^١)، ولفظ الحديث: \"ثم سكت ثمّ قال: إن شاء الله\" فقد فصل بالسكوت، وأيضًا فـ \"ثم\" تقتضى مهلة الترتيب.\n\"قلنا: يحمل على السكوت العارض\" لتنفس ونحوه؛ \"لما تقدم\" من الدليل على وجوب الاتصال، ولذلك يجب تأويل \"ثم\".\nوقد نازع بعضهم في اقتضائها الترتيب؛ فليلتزم؛ جمعًا بين الأدلة.\n\"قالوا: سأله اليهود عن لُبْثِ أهل الكهف، فقال ﷺ: غدًا أجيبكم، فتأخّر الوحي بضعة عشر يومًا ثم نزل \"وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ\".\n\"فقال: إن شاء الله\" فقد فصل بين قوله: غدًا أجيبكم وإن شاء الله ببضعة عشر يومًا، والقصة مشهورة رواها محمد بن إسحاق (^٢) في \"السيرة\" والبيهقي في \"الدلائل\" وغيرها.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٢٨٥) عن عكرمة مرسلًا.\nوأخرجه أبو يعلى (٥/ ٧٨) رقم (٢٦٧٥) وابن حبان (٤٣٣٩) والبيهقي (١٠/ ٤٧) من طريق عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا.\nوذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٤/ ١٨٥) وقال: رواه الطبراني في الأوسط، ررجاله رجال الصحيح، ورواه أبو يعلى.\n(^٢) محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي، مولى قيس بن مخرمة، أبو عبد الله المدني، أحد الأئمة الأعلام. عن: أبيه وعطاء والزهري وخلق. وعنه: يحيى الأنصاري من شيوخه، وعبد الله بن عون وشعبة والحمادان وخلق. وعن ابن شهاب: لا يزال بالمدينة علم جم ما كان فيها ابن إسحاق. قال أحمد: حسن الحديث. ووثقه العجلي وابن سعد وقال: مات سنة إحدى وخمسين ومائة. ينظر: تهذيب الكمال ٣/ ١١٦٧، وتهذيب التهذيب ٩/ ٣٨، وتقريب التهذيب ٢/ ١٤٤، والكاشف ٣/ ١٩، وتاريخ البخاري الصغير ٢/ ١١١، والجرح والتعديل ٧/ ١٠٨٧، وميزان الاعتدال ٣/ ٢٤، وطبقات ابن سعد ٧/ ٦٧، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٣٧٩.","vol":"3","page":256},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"قلنا: يحمل\" قوله: إن شاء الله \"على\" أنه عند نزول الآية عزم على فعل ذلك، واستثنى، والمعنى \"أفعل\" ذلك \"إن شاء الله\".\n\"وقول ابن عباس\": يجوز الفصل \"متأوّل بما تقدم\" من جواز (^١) نِيَّة الاستثناء، وانفصاله لفظًا، \"أو بمعنى\" الاستثناء \"المأمور به\"، وهو التعليق بمشيئة الله تعالى، وقد قدّمنا هذا أيضًا، وهذا جواب عن سُؤَال مقدّر تقديره: كيف يخفى على ابن عباس ما ذكرتموه لو كان حقًّا وهو الحبْرُ البَحْر تُرْجُمَان القرآن، وقد كانت اللّغة طباعه؟\nوجوابه: أنه لم ينص على جواز المنفصل أيضًا، وما نقل مؤول كما عرفت.\nولقائل أن يقول: الجمهور لا يجوزون تأخير الاستثناء لفظًا وإن نواه، وينازعون في التعليق بالمشيئة أيضًا، وإن كان كل من هذين أقرب من تجويز الانفصال على إطلاق، فالأوْلى أن يجاب بما لا يَنْبُو عن مذهب الجمهور فيقال:\nما روى عن ابن عباس [لم] (^٢) يصحّ، ولعلّ الآفة من الراوي.\n\n<span data-type='title' id=toc-658>\"فرع\"</span>\nقال الرافعي: هل يشترط مع الاتصال [اللفظي] (^٣) أن يكون قصد الاستثناء مقرونًا بأول الكلام أي بالمستثنى منه؟ فيه وجهان:\nأحدهما: لا، ولو بَدَا له الاستثناء بعد تمام المستثنى منه، فاستثنى حكم [بموجبه].\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله: من جواز نية الاستثناء\" ظاهره أن نيّة الاستثناء تنفع في الأيمان وغيرها، ونصوا في الفقه على خلافه، بخلاف نية تقييد المطلق، وعللوا بأن الاستثناء يرفع الحكم من أصله. ويدل لهذا قوله: الجمهور لا يجوزون تأخير الاستثناء لفظًا وإن نواه، فلعل فيه خلافًا.\n(^٢) في أ، ج: لا.\n(^٣) في أ: اللفظ.","vol":"3","page":257},{"text":"<span data-type='title' id=toc-659>مَسْأَلَةٌ:\nالاِسْتِثْنَاءُ الْمُسْتَغْرِقُ: بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ.</span>\nوَالْأَكْثَرُ: عَلَى جَوَازِ الْمُسَاوِي وَالْأَكْثَرِ.\n<hr><s0>\n\nوأصحهما (^١) - وادعى أبو بكر الفارسي (^٢) الإجماع عليه -: أنه لا يعمل بالاستثناء ويقع الطلاق؛ لأن الاسثتناء بَعْدَ الفصل منشأ بعد لحوق الطلاق. انتهى.\nوصدر كلامه يفهم أن الذي ادّعى الفارسي الإجماع عليه هو أن يكون قصد الاستثناء مقرونًا بأول الكلام، وكذا فهمه النووي، وجرى عليه في \"الروضة\"، وبه صرح الإمام وغيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-660>\"تنبيه\"</span>\nأن يجعل قولك: عشرة إلا ثلاثًا سمًا مركّبًا موضوعًا للسبعة ألَّا يشترط نيَّة الاستثناء ألبتة، وإمام الحرمين وافق القَاضِي على هذا الأصل، ويلزمه هذا مع تصريحه في \"الفقهيات\" باشتراط نية الاستثناء.\n«مسألة»\nالشرح: \"الاستثناء المستغرق\" للمستثنى منه \"باطلٌ باتفاقٍ\" ادّعاه المصنف وغيره، فإذا قال: عليّ عشرة، إلا عشرة لزمه عشرة (^٣).\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله: وأصحهما\" يؤخذ منه أن تعليله صحيح يجوز تقليده والعمل به لنفسه.\n(^٢) أحمد بن الحسين بن سهل، أبو بكر الفارسي، صاحب عيون المسائل في نصوص الشافعي، وهو كتاب جليل على ما شهد به الأئمة الذين وقفوا عليه، تفقه على ابن سريج، وذكره العبادي في طبقاته وقال: مصنف كتاب العبون على مسائل الربيع، والأصول، وكتاب الانتقاد على المزني وكتاب الخلاف معه. مات في حدود سنة خمسين وثلاثمائة. ينظر: الأعلام ١/ ١١٠، وطبقات الفقهاء للعبادي ص (٤٥)، وهدية العارفين ١/ ٦٥، وابن قاضي شهبة ١/ ١٢٣ (٧٢).\n(^٣) ينظر: البرهان ١/ ٢٩٦، والمحصول ١/ ٣/ ٥٣، وشرح الكوكب ٣/ ٣٠٦، والمستصفى ٢/ ١٧٢، والإحكام للآمدي ٢/ ٢٧٥ (٣)، والتبصرة (١٦٨)، التقرير والتحبير ١/ ٢٦٦، والمسودة (١٥٥)، والعدة ٢/ ٦٦٧، والقواعد والفوائد (٢٤٧)، والتمهيد للإسنوي (٣٩٥)، وكشف الأسرار ٣/ ١٢٢، وفواتح الرحموت ١/ ٣٢٣، وتيسير التحرير ٣/ ٣٠٠.","vol":"3","page":258},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nحكى ابن طلحة الأندلسي قولًا فيمن قال: أنت طالق ثلاثا [إلَّا ثلاثًا، أنه استثناء ينفعه (^١).\nوهذا غريب يُصَادم دعوى الاتفاق.\nونظيره وجه حكاه الرَّافعي عن الحَناطي (^٢) فيمن قال: أنت طالق ثلاثًا] (^٣) إلا واحدة إلا واحدة أنه يقع الثلاث؛ فإنه أبطل المستثنى - وهو الواحد - بالاستثناء منه المستغرق له؛ فدلّ على إعمال الاستثناء المستغرق.\nولو قيل: يبطل من المستغرق قدر يصحّ بعده الكلام لكان ذلك إعمالًا للكلامين، وهو أولى من إلغاء أحدهما.\nفإذا قال: طالق ثلاثًا إلَّا ثلاثًا، على هذا تطلّق ثنتين، ولكني لا أعرف أحدًا قال بذلك.\n\n\"فرع\"\nنقل الرَّافعي عن \"فتاوى القَفَّال\" فيمن قال: كلّ امرأة لي طالق إلَّا عمرة، ولا امرأة له سواها، أنها تطلق؛ لأنَّهُ مستغرقٌ.\nولو قال: النساء طوالق إلا عَمْرَة، ولا امرأة له سواها، لم تطفق، والفرق أنه هنا لم يُضِقهُنَّ إلى نفسه.\n_________\n(^١) ينظر: الاستغناء للقرافي (٥٣٧).\n(^٢) الحسين بن محمد بن الحسين، أبو عبد الله بن أبي جعفر الطبري، الحناطي. أخذ الفقه عن أبيه عن ابن القاص وأبي إسحاق المروزي، روى عنه القاضي أبو الطيب، وقال في تعليقه: كان حافظًا لكتب الشافعي وكتب أبي العباس. ذكره الشيخ أبو إسحاق وقال: من أئمة طبرستان. ذكره المطوعي في المذهب، وأثنى عليه، وقال: كان إمام عصره بـ \"طبرستان\" حقًّا، وواحد دهره علمًا وفقهًا. ووفاته - فيما يظهر - بعد الأربعمائة بقليل. ينظر: تاريخ بغداد ٨/ ١٠٣، وطبقات الشافعية للأسنوي ص (١٤١)، وطبقات الفقهاء للشيرازي ص (١٠٥)، طبقات ابن السبكي ٣/ ١٦٠، وطبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١٧٩.\n(^٣) سقط في أ، ج.","vol":"3","page":259},{"text":"<span data-type='title' id=toc-662>مسألة:\nوَقَالَتِ الْحَنَابِلَةُ وَالْقَاضِي: بِمَنْعِهِمَا.</span>\nوَقَالَ بَعْضُهُمْ وَالْقَاضِي أَيْضًا: بِمَنْعِهِ فِي الْأَكْثَرِ خَاصَّةً.\nوَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْعَدَدُ صَرِيحًا.\n<hr><s0>\n\nولقائل أن يقول: ينبغي ألَّا تطلق في الأول، ويجعل الاستثناء صفة، ويكون معناه: كلّ امرأة لي غير عمرة طالق كما في قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢٢].\nويؤيده قول الشَّافعي: لو قال الزوج - وقد عاتبته في نكاح جديد -: كل امرأة لي طالق، وعزلها بِنِيَّتِهِ أنه يقبل؛ [لأنه لو لم يصحّ - لوضوح به - لم يفده نِيَّته له] (^١)، وينبغي أن تطلق في الثانية على قولنا: إن الاستثناء إنما يكون من المملوك؛ فإنه لا يملك إلَّا طلاق عمرة، وكأنه استثناها من نفسها، وهو مستغرق، فيبطل، وقد حكى الأصحاب الخلاف في الاستثناء هل يكون من الملفوظ، أو المملوك كما في أنت طالق خمسًا إلا ثلاثًا؟\n\"والأكثر\" متفقون \"على جواز\" استثناء \"المساوي\" أعني النصف، مثل: عشرة إلا خمسة، \"والأكثر\" مثل عشرة إلا تسعة.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"وقالت الحنابلة والقاضي\": في أحد قوليهما \"منعهما\".\n\"وقال بعضهم والقاضي أيضًا بمنعه في الأكثر خاصة\"، ونقله ابن السَّمعاني، وغيره عن الشيخ أبي الحسن الأشعري (^٢) رحمه الله تعالى (^٣).\n_________\n(^١) سقط في ج.\n(^٢) علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى، الشيخ أبو الحسن الأشعري البصري، إمام المتكلمين، وناصر سنة سيد المرسلين، والذاب عن الدين، والمصحح لعقائد المسلمين، مولده سنة ستين ومائتين، وقيل سنة سبعين. كانت المعتزلة قد رفعوا رءوسهم حتى أظهر الله الأشعري فحجرهم في أقماع السمسم. قال الخطيب البغدادي: أبو الحسن الأشعري، المتكلم، صاحب الكتب والتصانيف في الرد على الملحدة وغيرهم من المعتزلة، والرافضة، والجهمية، والخوارج وسائر أصناف المبتدعة. توفي سنة ٣٢٤ هـ، وقيل ٣٢٠ هـ وقيل ٣٣٠ هـ.\nينظر: الأعلام ٥/ ٦٩، وتاريخ بغداد ١١/ ٣٤٦، ووفيات الأعيان ٢/ ٤٤٦، وابن قاضي شهبة ١/ ١١٣.\n(^٣) ينظر مصادر المسألة السابقة.","vol":"3","page":260},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالقاضي في كتاب \"التقريب\" لم يذكر استثناء المساوي.\nنعم في أثناء \"دلائله\" ما يدلّ على أنه يمنعه أيضًا، وذكر استثناء الأكثر.\nوعبارته: كأنه الأولى الآن عندنا وإن كُنَّا قد نصرنا في غير هذا الموضوع جوازه.\nانتهى.\nوقيل: بمنعه في الأكثر \"إن كان العدد\" في المستثنى، والمستثنى منه \"صريحًا\" نحو: عشرة إلا تسعة، لا إن لم يكن صريحًا نحو: ما في الكيس إلَّا الزيوف مع كون الزيوف أكثر.\nوقيل: بمنع استثناء الأكثر إذا كان المستثنى جملة نحو: جاء إخوتك العشرة إلَّا سبعة، وتجويز استثنائهم تفصيلًا، وتعديدًا نحو: إلَّا زيدًا منهم، وبكرًا، وخالدًا إلى تمام السبعة.\nوقيل: يمتنع استثناء عَقْد صحيح كعشرة من مائة لا عشرة كخمسة، وإليه يميل كلام القاضي في \"التقريب\".\nوقيل: يمتنع الاستثناء من العدد مطلقًا، وهو رأي أبي الحسن بن عصفور النحوي (^١).\nونظيره قول القاضي الحسين، والمتولي (^٢) فيمن قال لنسوته الأربع: أربعتكن طوالق إلا فلانة، أو إلا واحدة، أنه لا يصحّ الاستثناء ويطلقن جميعًا؛ لأن الأربع ليست صيغة عموم، وإنما هي نص.\n_________\n(^١) علي بن مؤمن بن محمد، الحضرمي الإشبيلي، أبو الحسن المعروف بـ \"ابن عصفور\": حامل لواء العربية بـ \"الأندلس\" في عصره، من كتبه \"المقرب\" المجلد الأول منه في النحو، \"والممتع\"، والمفتاح\" و\"الهلال\"، و\"المقنع\"، و\"شرح الجُمَل\" و\"شرح المتنبي\" وغيرها من الكتب. ولد بـ \"أشبيلية\" سنة ٥٩٧ هـ، وتوفي بـ \"تونس\" سنة ٦٦٩ هـ. انظر: فوات الوفيات ٢/ ٩٣، وشذرات الذهب ٥/ ٣٣٠، وكشف الظنون ١٨٢٢، والأعلام ٥/ ٢٧، وعنوان الدراية ١٨٨.\n(^٢) عبد الرحمن بن مأمون بن علي بن إبراهيم النيسابوري، الشيخ أبو سعد المتولي. تفقه على الفوراني والقاضي حسين وأبي سهل الأبيوردي. وبرع في الفقه، والأصول، والخلاف. قال الذهبي: كان فقيهًا محققًا، وحبرًا مدققًا. قال ابن كثير: أحد أصحاب الوجوه في المذهب.=","vol":"3","page":261},{"text":"وَلنَا: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [سورة الحجر: الآية ٤٢]، وَالْغَاوُونَ أَكْثَرُ؛ بدَلِيلِ: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ [سورة يوسف: الآية ١٠٣]؛ وَالْمُسَاوِي أَوْلَى.\nوَأَيْضًا \"كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ\".\nوَأَيْضًا: فَإنَّ فُقَهَاءَ الْأَمْصَارِ: \"عَلَى أنَّهُ لَوْ قَالَ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا تِسْعَة\" لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا دِرْهَمٌ؛ وَلَوْلا ظُهُورُه، لَمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ عَادَةً.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"لنا\": قوله تعالى: ﴿\"إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ\"﴾ [سورة الحجر: الآية ٤٢]، استثنى \"الغاوين\" من عباده \"والغاوون أكثر بدليل: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ\" وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة يوسف: الآية ١٠٣] وغيرهما من الآي النَّاطقة بأن أكثرهم الفاسقون، وكذا قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ مع قوله تعالى حكاية عن إبليس: ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [سورة ص: الآية ٨٢ - ٨٣]. فلو كان المستثنى أقل لزم أن يكون كلّ واحد من الغاوين والمخلصين أقل من الآخر.\n\"والمساوي أولى\" بالجواز.\n\"وأيضا\": قال النبي ﷺ حكاية عن ربه - تعالى - في الحديث المشهور السامي المروى في \"صحيح مسلم\":\"يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعمتُهُ\" (^١) صريح في استثناء الأكثر؛ فإن الأكثر مطعمون.\n\"وأيضًا\" قال: \"فقهاء الأمصار\" متفقون \"على أنه لو قال: عليّ عشرة إلا تسعة، لم يلزمه إلَّا درهم، ولولا ظهوره\" أي ظهور جواز استثناء الأكثر \"لما اتفقوا عليه عادة\"؛ إذ العوائد تقضي بالاختلاف فيما ليس بظاهر.\nواعلم أن القاضي منع في كتاب \"التقريب\" ثبوت استثناء الأكثر عن العرب، وزعمهم لا يقولون: عشرة إلا ستة.\n_________\n= صنف كتابًا في \"أصول الفقه\" وكتابًا في \"الخلاف\" ومختصرًا في \"الفرائض\". توفي في شوال سنة ٤٧٨ هـ بـ \"بغداد\" عن ٧١ عامًا. ينظر: البداية والنهاية ١٢/ ١٢٨، وطبقات الشافعية للسبكي ٣/ ٢٢٣، وشذرات الذهب ٣/ ٣٥٨، والأعلام ٤/ ٩٨، وابن قاضي شهبة ١/ ٢٤٧.\n(^١) أخرجه مسلم ٤/ ١٩٩٤، ١٩٩٥، كتاب البر والصلة والآداب: باب تحريم الظلم (٥٥ - ٢٥٧٧).","vol":"3","page":262},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقال في قول الشاعر: [البسيط]\nوَدُّوا الَّتِي نَقَصَتْ تِسْعِينَ مِنْ مِائَةٍ … ثُمَّ ابْعَثُوا حَكَمًا بِالحَقِّ قَوَّالًا (^١)\nليس باستثناء للأكثر مما دخل تحت المائة، ولا لفظه لفظ الاستثناء، وإنما فيه ذكر نقصان الأكثر، ولا ينكره.\nوقال في قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [سورة المزمل: الآية ١ - ٤] يقدر تقدير ابتداء كلام، كأنه قال: بل قم نصفه أو زد عليه، أو انقص منه قليلًا؛ فإنه أعظم لثوابك على أن النصف ليس بأكثر. انتهى، وفيه نظر. انتهى.\nومن عجائب أكثر الشارحين تخيّلهم أن قول المصنّف في تخصيص العموم بالمفهوم، ومثل: \"فِي الأَنْعَامِ الزَّكَاةُ\" إشارة منه إلى حديث، ونسبوا ذلك إلى النبي ﷺ لم يقله، مع تخيلهم أن قوله هنا: \"كُلُّكُمْ جَائِعٌ\" ليس إشارة إلى حديث، ولم يتصورّوا أنه حديث، وهو من أشهر الأحاديث.\nأخبرتنا به فاطمة بنت عبد الرحمن بن عيسى الدَّناهي، وفاطمة بنت إبراهيم أشهر بن أبي عمر وأحمد بن علي الجوزي قراءة على الأولَيَيْنِ، وأنا أسمع، وبقراءتي على الثالث قالوا:\nأنبأنا إبراهيم بن خليل قالت الألى: سماعًا، وقال الآخران: حضورًا أنبأنا عبد الرحمنِ بن علي، أنبأنا أبو الحسن المواريني، أنبأنا محمد بن علي المازني، أنبأنا أبو القاسم الفضل بن جعفر، أنبأنا أبو بكر عبد الرحمن بن القاسم بن الفرج الهاشمي، حَدّثنا أبو مسهر بن سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخَوْلاني (^٢) عن أبي\n_________\n(^١) ينظر البيت في الاستثناء للقرافي ص ٥٣٨.\n(^٢) عائذ بن عبد الله بن عمرو، الخَوْلانِي العوذي، أبو إدريس الشامي. أحد الأعلام. عن: عمر ومعاوية وأبيّ وبلال وأبي ذر وحذيفة وطائفة. وعنه: مكحول والحسن وابن سيرين وبشر بن عبيد الله. قال مكحول: ما رأيت أعلم منه. قال خليفة: مات سنة ثمانين.\nينظر: الثقات ٥/ ٢٧٧، وسير الأعلام ٤/ ٢٧٢، والوافي بالوفيات ١٦/ ٥٩٥، والجرح والتعديل ٧/ ٢٠٠، وتاريخ البخاري الكير ٧/ ٨٣، وتهذيب الكمال ٢/ ٦٤٨، وتهذيب التهذيب ٥/ ٨٥، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٢٦.","vol":"3","page":263},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nذرٍّ (^١) ﵁ عن النبي ﷺ عن جبريل عن الله ﵎: \"يَا عِبَادِي، إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنكُمْ مُحرَّمًا؛ فَلا تَظَّالَمُوا، يَا عِبَادِي، إنَّكُمُ الَّذِينَ تُخطِئُونَ باللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا الَّذِي أغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا وَلا أُبَالِي، فَاستَغْفِرُونِي أغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطعَمْتُه، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُه، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُم، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإنْسَكُم وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ لَمْ يَنْقُص ذلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَو أَنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ لَمْ يزِدْ ذلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مَا سَأَلَ لَمْ يَنْقُصْ ذلِكَ مِن مُلْكِي شَيْئًا إلَّا كَمَا يَنْقُصُ أَن يُغمَسَ المخيط غَمْسَةً وَاحِدَةً، يَا عِبَادِي إنَّمَا هيَ أَعْمَالُكُمْ أَحْفَظُهَا عَلَيْكُمْ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غيْرَ ذلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ\".\nقال سعيد بن عبد العزيز (^٢): كان أبو إدريس إذا حَدَّث بهذا الحديث جثا على رُكْبتيه، أخرجه مسلم في \"الصحيح\".\nوإنما سقته إسنادًا وَمَتنًا لشرفه وحسنه، وذهول بعض الشَّارحين عنه.\n_________\n(^١) أبو ذرّ الغِفَارِي، أحد النُّجَبَاء، في اسمه أقوال؛ أشهرها: جُنْدُب بن جُنَادَة. له مائتا حديث وأحد وثمانون حديثًا. وعنه: ابن عباس وأنس والأحنف وأبو عثمان النّهْدي وخلق. روى مرفوعًا: \"ما أظلت الخضراء ولا أقلَّت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر\" حسَّنه الترمذي من حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص. وقال أبو داود: كان يوازي ابن مسعود في العلم، ومناقبه كثيرة. قال ابن المدائني: مات بـ \"الربذة\" سنة اثنتين وثلاثين. ينظر: تهذيب التهذيب ١٢/ ٩٠ (٤٠١)، وتقريب التهذيب ٢/ ٤٢٠، وخلاصة تهذيب الكمال ٣/ ٢١٥ (١٨٠).\n(^٢) سعيد بن عبد العزيز بن أبي يحيى التنوخي، أبو محمد، الدمشقي الفقيه. عن: مكحول ونافع ومحمد بن مسلم بن شهاب وخلق. وعنه: شعبة والثوري وأبو مُسْهِر وخلق. وثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي. قال الحاكم: هو لأهل الشام كمالك لأهل المدينة. قال أبو النَّضْر الفراديسي: كنت أرى سعيد بن عبد العزيز مستقبل القبلة يصلي، فكنت أسمع لدموعه وقعًا على الحصير. قال ابن سعد: مات سنة سبع وستين ومائة. ينظر: الثقات ٦/ ٣٦٩، وسير الأعلام ٨/ ٣٢، والوافي بالوفيات ١٥/ ٢٣٩، وشذرات الذهب ٦/ ١٦٣، وميزان الاعتدال ٢/ ١٤٩، والجرح والتعديل ٤/ ١٨٤/، والكاشف ١/ ٣٦٦، وتهديب التهذيب ٤/ ٥٩، وتهذيب الكمال ١/ ٣٥٨، والخلاصة ١/ ٣٨٥.","vol":"3","page":264},{"text":"الْأَقَل: مُقْتَضَى الدَّلِيلِ مَنْعُهُ … إلَى آخِرِهِ.\nوَأُجِيبَ: بِالْمَنْعِ؛ لأِن الإسْنَادَ - بَعْدَ الإخْرَاجِ، وَلَوْ سُلِّمَ، فَالدَّلِيلُ مُتَّبعٌ.\nقَالُوا: \" [عَلَيَّ]، عَشرَةٌ إِلَّا تِسْعَةً وَنِصْفَ وَثُلُثَ دِرْهَمٍ\" - مُسْتقْبَحٌ رَكِيكٌ.\nوَأجِيبَ: بِأَنَّ اسْتِقْبَاحَهُ لا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ كـ \"عَشْرَةٌ\" إِلَّا دَانِقًا وَدَانِقًا\" … إِلَى عِشْرِينَ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: واحتج من جوّز أن يستثني \"الأقلّ\" ومنع الزائد عليه نصفًا كان، أو أكثر بأن الاستثناء \"مقتضى الدليل منعه\"؛ لأنه يصادم الأصل؛ إذ هو إنكار بعد إقرار \"إلى آخره\" أي آخر هذا الدَّليل، وهو أنه جوز في الأقل لقلَّة خُطُوره بالبال، فربّما نسيه (^١) حالة الإقرار فاستدرك، وهذا مفقود في المساوي والأكثر.\n\"وأجيب بالمنع\" من أن مقتضى الدليل منعه، وسنده أنه كجملة واحدة.\nأما عند القاضي فواضح؛ إذ هو عنده اسم مركب، لا جرم أنه لم يذكر هذا في \"التقريب\"؛ إذ هو غير متأت على أصله.\nوأما عندنا فكذلك؛ \"لأن الإسناد بعد الإخراج\" فليس حكمان [مختلفان] (^٢)، \"ولو سلم\" أنه على خلاف الأصل، \"فالدليل متبع\"، ولا تضرّ مخالفة الأصل مع قيامه.\n\"قالوا\" ثانيًا: وجهًا اعتمده القاضي في كتاب \"التقريب\" وتقريره أن يقال: \" [عَلَيَّ] (^٣) عشرة إلَّا تسعة ونصف وثلث درهم\" \"مستقبح ركيك\"؛ فلا يكون من لغة العرب.\n\"أجيب: بأن استقباحه لا يمنع صحّته، كـ\"عَشَرةٌ\" إلَّا دَانِقًا ودَانِقًا إلى\" أن يعد \"عشرين\"، فإنه يستقبح، ويقال هذا.\nقلت: عشرين دانقًا، ومع ذلك فالعبارة صحيحةٌ، والقبح إنما كان من قبل التطويل لا لغرض مع إمكان الاختصار.\nوهذا الجواب ذكره القاضي، [ولم] (^٤) يرتضه فقال:\n_________\n(^١) في ب: يشبه.\n(^٢) في أ: مختلفين.\n(^٣) سقط في أ، ب، ح.\n(^٤) في ب: ولو لم.","vol":"3","page":265},{"text":"<span data-type='title' id=toc-663>مَسأَلَةٌ:\nالاِسْتِثْنَاءُ بَعْدَ جُمَلٍ بِالْوَاوِ:</span>\n<hr><s0>\n\nولا وجه لمن يقول: إني أسلم استقباح أهل اللُّغة لذلك، غير أنِّي لا أعلم أنه استقباح كراهية واستثقال، أو كراهية لإطراح.\nقال: لأنه إذا ثبت استقباحهم له، ثبت أنه ليس من لُغَتهم؛ لأنهم قد وافقونا على أنهم لا يتكلمون بما يستقبح.\nقلت: وقد ادَّعى بعضهم الاتفاق على صحَّة: عشرة إلَّا دَانقًا إلى عشرين، ولعلَّ القاضي لا يوافق عليه.\nوالأحسن في جواب القاضي ما ذكر ابن السَّمعاني من منع الاسْتِقْبَاحِ من أصله.\nقال ابنُ السَّمْعاني: وإنما هو استثقال وليس باستقباح.\nقلت: وما يشير إليه كلام القاضي من أن الاستثقال استقباح ممنوع، ولئن سلم فلا نسلم منع كلّ استقباح، ثم إن كونه قبيحًا لا يخرجه عن لسان العرب ولا يجعل النَّاطق به كالناطق بما لا يفيد، أو كالصَّامت عن الاستثناء.\nوالحاصل: أن المانعين من استثناء أكثر الجملة منهم من زعمه خارجًا عن لغة العرب، ومنهم من رآه غير خارج، وإن كان مستقبحًا عند أهلها.\nقال المازِريّ: وبالمذهب الأوّل قال ابن حنبل، والشَّافعي في أحد قوليه، والقاضي في آخر أمره.\nوبالثاني قال الشّافعيُّ في أحد قوليه، والقاضي أولًا، وابن المَاجِشُون، والقاضي عبد الوهَّاب.\nقلت: وقد قلنا: إنه يمكن منع الاسْتِقْبَاح، ثم تسليمه ومنع أنه خارج عن اللُّغة، وهو قضية كلام أصحابنا، ثم تسليم أنه خارج عن اللُّغة رأسًا كما هو رأي القاضي آخرًا، ونقله المَازِريّ قولًا للشافعي كما رأيت، ولا أعرف ذلك.\n«مسألة»\nالشرح: \"الاستثناء\" الوارد \"بعد جمل\" مُتَعَاطفة \"بالواو قالت الشافعية\" (^١): عائد\n_________\n(^١) ينظر: البرهان ١/ ٣٨٨، والمستصفى ٢/ ١٧٤، ١٨٠، والمنخول (١٦٠)، والمحصول=","vol":"3","page":266},{"text":"قَالَتِ الشَّافِعِيَّةُ: لِلْجَمِيعِ.\nوَالْحَنَفِيَّةُ: إِلَى الأَخِيرَةِ.\nوَالْقَاضِي وَالْغَزالِيُّ: بِالْوَقْفِ.\nوَالشَّرِيفُ: بِالاِشْتِرَاكِ.\n<hr><s0>\n\n\"للجميع\"، ونسبه ابن القصَّار إلى مالك ﵀، \"والحنفية إلى الأخيرة\"، \"والقاضي\" بالوقف (^١) نصّ عليه في \"التقريب\"، ونص على أن القول بعوده إلى الجميع أولى من التخصيص بالأخيرة.\n\"و\" تبعه \"الغزالي\" في \"الوَقْف\"، \"والشريف\" قال \"بالاشتراك\".\n_________\n= ١/ ٣/ ٦٣، والمعتمد ١/ ٢٦٤، والتبصرة (١٧٢)، وشرح الكوكب ٣/ ٣١٣، وإرشاد الفحول (١٥٢)، وشرح العضد ٢/ ١٣٩، وجمع الجوامع ٢/ ١٧، وتيسير التحرير ١/ ٣٠٢، وفواتح الرحموت ١/ ٣٣٢، والتلويح ٢/ ٣٠٣، والإحكام للآمدي ٢/ ٢٧٨، وأصول السرخسي ١/ ٢٧٥، وشرح المنتهى لابن الحاجب (٩٢)، والإبهاج ٢/ ١٦٢، ونشر البنود ١/ ٢٥٠، والمسودة (١٥٦)، والروضة (١٣٤) (١٣٥)، والعدة ٢/ ٦٧٨، وفصول البدائع للفناري ٢/ ١١٨، وفتح الغفار ٢/ ١٢٨.\n(^١) في حاشية ج: قوله: \"بالوقف\" أي بمعنى أنه لا يدري أنه حقيقة في أيهما، بخلاف قول الاشتراك، فإنه جازم بأنه متشرك.","vol":"3","page":267},{"text":"أبُو الْحُسَيْنِ: إِنْ تبَيَّنَ الإضْرَابُ عَنِ الْأُولَى، فَلِلأَخِيرَةِ؛ مِثْلُ أَنْ يَخْتَلِفَا نَوْعًا، أَوِ اسْمًا وَلَيْسَ الثَّانِي ضَمِيرَهُ، أَوْ حُكْمًا غَيْرَ مُشْتَرِكَيْنِ فِي غَرَضٍ - وإِلَّا فَلِلْجَمِيع. وَالْمُخْتَارُ: إِنْ ظَهَرَ الاِنْقِطَاعُ؛ فَلِلأَخِيرَةِ، وَالاتِّصَالُ لِلْجَمِيعِ وَإلَّا فَالْوَقْفُ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: وقال \"أبو الحسين (^١): إن تبين الإضراب عن الأولى، فللأخيرة، مثل أن يختلفا نوعًا\" بأن تكون إحداهما خبرية، والأخرى إنشائية أو فعلية، والأخرى اسمية، \"أو اسمًا وليس الثاني ضميره\" أي: وليس الاسم الثاني ضميرًا يعود إلى الاسم في الجملة الأُولى نحو: أكرم بني تميم، وأكرم ربيعة إلَّا الطوال \"أو حكمًا\" حال كونهما \"غير مشتركين في غرض\" نحو: أكرم بني تميم، واستأجر ربيعة إلَّا الطوال، \"وإلا فللجميع\".\n\"والمختار\" عند المصنف \"إن ظهر الانقطاع\" انقطاع الجملة الأخيرة عن الأُولى بأمارة، \"فللأخيرة و\"إن ظهر \"الاتصال\" كان \"للجميع، وإلَّا فالوقف\".\nواعلم أن هذه المسألة من أمهات المسائل، وأصول المذاهب فيها ثلاثة:\nالعود إلى الجميع، أو الأخيرة فقط، والوقف إما بمعنى لا يدري، وهو رأي القاضي، أو الاشتراك وهو رأي الشريف، وما سوى هذه المذاهب عائد إليها ويحوم عليها.\nوالقول الوجيز في المسألة الجامع لِشَتَاتِ المذاهب: أنَّ الاستثناء إذا تعقّب مذكورات قبله متعاطفة، فإما أن يقوم دليل على واحد منها من قرينة خارجية، أو كان بحيث لا يصلح إلا له فيختص به، سواء أكان الأخير أم غيره.\nوإما ألَّا يقوم، بل كان صالحًا للجميع؛ وهو محلّ الخلاف.\nمثال قيام الدَّليل على اختصاص الأولى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٤٩]، وهذا مختص بالأول، ولا يجوز عوده إلى الأخيرة، وإلا يلزم أن يكون \"من اغترف\" فليس منه، والمعنى على خلاف ذلك؛ فإن المقصود أن من لم يَطْعَمْهُ مطلقًا ومن اغترف منه غرفة على حدّ سواء.\n_________\n(^١) ينظر مصادر المسألة.","vol":"3","page":268},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nونظيره قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٥٢]، فإنه عائد إلى الأولى، ولا يجوز عوده إلى الأخيرة، وإلَّا يلزم أن يكون قد استثنى الإماء من الأزواج.\nونظيره قوله ﷺ: \"لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَة الْفِطْرِ\" (^١)؛ فإنه عائد إلى الأول فقط.\nوقال عامة أهل التفسير (^٢) في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سورة النساء: الآية ٨٣]،: إنه استثناء من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري ٣/ ٣٨٣ كتاب الزكاة: باب ليس على المسلم في عبده صدقة (١٤٦٤) وأخرجه مسلم ٢/ ٦٧٥ كتاب الزكاة: باب لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه ٨ - ٩٨٢، ٩ - ٩٨٢.\n(^٢) اختلف المعربون لهذه الآية على أقوال: أحدها: أنه مستثنى من فاعل \"اتَّبعتم\" أي: لاتَّبعتم الشيطانَ إلا قليلًا منكم، فإنه لم يَتَّبع الشيطان، على تقديرِ كونِ فَضْل الله لم يأتِه، ويكونُ أراد بالفضل إرسالَ محمد ﷺ، وذلك القليل كقسِّ بن ساعدة الإيادي وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل، مِمَّن كان على دين المسيح قبل بعثة الرسول. وقيل: المرادُ مَنْ لم يبلغ التكليفَ، وعلى هذا التأويل قيل: فالاستثناء منقطع؛ لأن المستثنى لم يدخل تحت الخطاب، وفيه نظر يظهر في الوجه العاشر.\nالثاني: أنه مستثنى من فاعل \"أذاعوا\" أي: أظهروا أمرَ الأمن أو الخوف إلا قليلًا.\nالثالث: أنه مستثنى من فاعل \"عَلِمه\" أي: لعلمه المستنبطون منهم إلا قليلًا.\nالرابع: أنه مستثنى من فاعل \"لوجدوا\" أي: لوجدوا فيما هو من عند غير الله التناقضَ إلا قليلًا منهم، وهو مَنْ لم يُمْعِن النظرَ، فيظن الباطل حقًّا والمتناقضَ موافقًا.\nالخامس: أنه مستثنى من الضمير المجرور في \"عليكم\"، وتأويلُه كتأويل الوجه الأول.\nالسادس: أنه مستثنى من فاعل \"يستنبطونه\" وتأويله كتأويل الوجه الثالث.\nالسابع: أنه مستثنى من المصدر الدال عليه الفعل، والتقدير: لاتَّبَعْتُمُ الشيطانَ إلا اتباعًا قليلًا، ذكر ذلك الزمخشري.\nالثامن: أنه مستثنى من المتَّبع فيه، والتقدير: لاتبعتم الشيطان كلُّكُم إلا قليلًا من الأمور كنتم لا تتبعون الشيطان فيها، فالمعنى: لاتبعتم الشيطان في كل شيء إلا في قليلٍ من الأمور، فإنكم كنتم لا تتبعونه فيها، وعلى هذا فهو استثناء مفرغ، ذكر ذلك ابن عطية، إلا أنّ في =","vol":"3","page":269},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\nيَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ\" [سورة النساء: الآية ٨٣] وهذا موضع الاستثناء بقوله: \"إلَّا قَلِيلًا\".\nومثال قيامه على اشتراك الكلّ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [سورة المائدة: ٣٣] الآية.\nفإن الإجماع قائم - كما حكاه ابن السَّمْعَاني - على أن قوله فيها: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [سورة المائدة: الآية ٣٤] عائد على الجميع.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٨٦ - ٨٩].\nوكذلك قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [سورة المائدة: الآية ٣] وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [سورة الفرقان: الآية ٦٨ - ٧٠] فإنه عائد إلى جميع ما تقدمه.\nقال أبو عبد الله السّهيلي: بلا خلاف.\nومثال العود إلى الأخيرة جزمًا دون ما قبلها جزمًا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [سورة النساء: الآية ٩٢] وهذا راجع إلى أقرب مذكور، وهو الدية دون الكفارة.\n_________\n= كلامِه مناقشةً وهو أنه قال \"أي: لاتبعتم الشيطان كلكم إلا قليلًا من الأمور كنتم لا تتبعونه فيها\" فجعله هنا مستثنى من المتَّبع فيه المحذوف على ما تقدم تقريره، وكان قد تقدَّم أنه مستثنى من الاتِّباع، فتقديرُه يؤدِّي إلَى استثنائِه من المتَّبع فيه، وادعاؤه أنه استثناء من الاتباع، وهما غَيْران.\nالتاسع: أن المراد بالقلة العدم، يريد: لاتبعتم الشيطان كلكم وعدمَ تخلُّفِ أحدِ منكم، نقله ابن عطية عن جماعة وعن الطبري، ورَدَّه بأن اقتران القلة بالاستثناء يقتضي دخولَها، قال: \"وهذا كلامٌ قلق، ولا يشبه ما حكى سيبويه من قولهم: \"هذه أرضٌ قَلَّ ما تنبت كذا\" أي لا تنبت شيئًا. وهذا الذي قاله صحيح، إلا أنه كان تقدم له في البقرة في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أن التقليل هنا بمعنى العدم، وتقدَّم الردُّ عليه هناك، فَتَنبَّهَ لهذا المعنى هنا، ولم يتنبهْ له هناك.\nالعاشر: أن المخاطبَ بقوله \"لاتبعتم\" جميعُ الناس على العموم، والمرادُ بالقليلِ أمةُ محمد ﷺ خاصة، وأيَّد صاحبُ هذا القولِ قولَه بقوله ﵇: \"ما أنتم في سواكم من الأمم إلا كالرَّقْمة البيضاء في الحور الأسود\".","vol":"3","page":270},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nومثال العود إلى الأخيرة جزمًا دون الأولى، وفي المتوسطة خلاف آية القَذْف؛ فإن قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ بعد قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة النور: الآية ٤] عائد إلى الفاسقين قطعًا غير عائد إلى الجَلْدِ قطعًا، إلا على رأي الشعبي، وهو مذهب شاذ، وقول قديم عندنا، وفي قَبُول الشهادة الخلاف بين الإمامين.\nوإذا عرفت أن موضع الخلاف ما إذا أمكن العود إلى الجميع، فاعلم أن المفصِّلينَ وإن تفرقوا شُعُوبًا (^١) وقبائل، فقد يخيل كل منهم في مكان تفصيله قرينة فتبعها، ولا شك أن من القرائن ما هو ظاهر، فلا ينبغي أن ينازع فيه، ويكون ما أتى به خارجًا عن محل النزاع حيث لا يقوم دليل مخصّص.\nومنها ما لا يظهر فيكون النزاع فيه عائدًا إلى أنه هل هو قرينة أو لا؟.\nفإذن الأقوال ثلاثة فقط كما قدمته.\nوأما التفاصيل فمنها رأي أبي الحسين ورأي المصنّف، وقد عرفتهما، ويرجع اختيار المصنف إلى الوقف؛ لأن القائل به إنما يقول به عند عدم القَرِينَةِ، ووجه ما اختاره ظاهر، وهو أن الاتصال يجعلها كالواحدة، والانفصال يجعلها كالأجنبية، والإشكال يوجب الشك.\nومنها: رأي إمام الحرمين، وقد قارب فيه مسلك الوَاقِفِيَّة، وحاصله:\nأن الجمل المتقدمة إن كانت مناسبة، والغرض فيها كالمتحد نحو: حبست داري على عُمُومتي، ووقفت بُسْتاني على أخوالي، وسَبِلْتُ سِقَايتي لجيراني إلَّا أن يسافروا، فهذا يتوقّف فيه، ولا يظهر اختصاص الأخيرة، ولا اشتراك الكل، وإن اختلفت المقاصد نحو: أكرم العلماء واحبس ديارك على أقاربك وأعتق عبيدك إلا الفَسَقَة منهم، فالظاهرُ منه اختصاص الاستثناء بالأخيرة.\nوزعم أن \"الواو\" في مثل هذا الموضع لاسْتِرْسَالِ الكلام وحسن نَظْمه، ولا يكون للعطف، وأنت تراه في إحدى الحالتين أخرج \"الواو\" عن كونها عاطفة، وإن ثبت له هذا لم يكن من محل النزاع؛ لأن الكلام في العاطفة، فهو من الواقفية.\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله: \"شعوبًا\" الشعب بفتح الشين: الجيل من الناس، وبكسرها الطريق بين الجبلين، لسان.","vol":"3","page":271},{"text":"الشَّافِعِيَّةُ: الْعَطْفُ يُصَيِّرُ الْمُتَعَدِّدَ كَالْمُفْرَدِ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّ ذلِكَ فِي الْمُفْرَدَاتِ.\n<hr><s0>\n\nومنها: رأي ابن السَّمْعَاني، وقد سلك فيه مسلك أصحابنا، وانتقض من الإمام حيث أدَّاه تفصيله إلى العدول عن مذهب الشَّافعي.\nوحاصله: أنه إن لم يكن في المذكور أجزاء ما يوجب إضرابًا عن الأول، وصلح رجوع الاستثناء إلى الكُلّ رجع إلى الكُلّ.\nقال: ويمكن أن يعبر عن هذا فيقال: إذا لم يكن الثَّاني خُرُوجًا من قصّة أخرى لا تليق بها عاد إلى الكُلّ، وإن كان اختص بالأخيرة.\nونظيره: اضرب بني تميم، والأشراف هم قريش إلا أهل البلد الفلاني، وهذا لأنه لما عدل عن الأول إلى مثل هذا، وأحدهما لا يليق بالآخر، أو أحدهما قضيّة والآخر قضية أخرى دلّ أنه استوفى غرضه من الأوّل؛ لأنه لا شيء أدلّ على استيفاء الغرض بالكلام من العدول عنه إلى نوع آخر من الكلام، وعلى هذا إذا قال:\nمن استقامت طريقته فأكرمه، ومن عصاك فاضربه، إلَّا أن يتوب، فالاستثناء ينصرف إلى ما يليه.\nوعلى هذا قيل أيضًا: إذا قال: أكرم ربيعة، واضرب بني تميم إلا الطوال منهم، ينصرف إلى ما يليه أيضًا. انتهى.\nوالحاصلُ أنه إن صلح العود إلى الكُلّ عاد إلى الكل، والكلام إنما هو حيث صلح.\nالشرح: واحتجت \"الشَّافعية\" لمذهبهم بدليل، قال ابن السَّمْعَاني: وربما نسبوه إلى الشافعي فقالوا:\n\"العطف يصير المتعدّد كالمنفرد\"، ويجري الجمل مجرى الجملة الواحدة، وواو العطف في الأسماء المختلفة تجري مجرى واو الجمع في الأسماء المتماثلة.\nفإن قولك: رأيت زيدًا الطويل، وزيدًا القصير، وزيدًا الأعمى بمثابة: رأيت الزيدين في الإفادة مع تعدد الأول ووحدة الثاني، وكذا لا فرق عند أهل اللغة بين قولهم: أكرم العرب إلا الطوال، وقولهم: أكرم مضر وربيعة وقَحْطان إلَّا الطوال منهم، وإذا صار الجمع كالجملة الواحدة انصرف الاستثناء إلى الكلِّ.","vol":"3","page":272},{"text":"قَالُوا: لَوْ قَالَ: \"وَالله، لا أكَلْت، وَلا شَرِبْت، وَلا ضَرَبْتُ؛ إنْ شَاءَ اللهُ\" عَادَ إِلَى الْجَمِيعِ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ شَرْطٌ، فَإِنْ أُلْحِقَ بِهِ فَقِيَاسٌ، وَإنْ سُلِّمَ، فَالْفَرْقُ: أَنَّ الشَّرْطَ مُقَدَّرٌ تَقْدِيمُه، وَإنْ سُلِّمَ؛ فَلِقَرِينَةِ الاتِّصَالِ، وَهِيَ الْيَمِينُ عَلَى الْجَمِيعِ.\n<hr><s0>\n\n\"وأجيب: بأن ذلك\" أي: جعل المتعدّد كالمنفرد، وإنما هو \"في المفردات\" لا في الجمل، وهذا الجواب لم يذكره الآمدي.\nوإنما المصنّف أخذه من إمام الحرمين؛ فإنه قال: إنما يجري ذلك في الأفراد التي لا تستقلّ بنفسها، وليست جملًا مقصودةً بانفرادها كقول القائل: رأيت زيدًا وعمرًا.\nفأما إذا اشتمل الكلام على جمل وكلّ جملة لو قدر السّكوت عليها لاستقلت بالإفادة، فكيف يتخيّل اقتضاء \"الواو\" التشريك فيها، ولكل جملة معناها الخاص بها، وقد يكون بعضها نفيًا وبعضها إثباتًا؟! انتهى.\nويظهر منه أنه قصد بـ \"المفردات\" أن يكون كلّ من المعطوفات لا يستقل بنفسه، ولو قدر السكوت عليه لم يفد مثل: أكرم الفقهاء والنحاة والأصوليين إلَّا أن يفسقوا؛ فإن \"الأصوليين\" لا يستقلّ بنفسه، بخلاف: أكرم الفقهاء، وأكرم النُّحاة، وأكرم الأصوليين، فإن قوله: وأكرم الأصوليين مفيد لو قدر السكوت عليه لا يستقل بالإفادة.\nومقتضى هذا الجَوَاب أن المفردات يرجع الاستثناء فيها إلى الجميع بالاتفاق، وإلَّا فلو كانت من محلّ النزاع لم يتأت له ما ذكره.\nالشرح: \"قالوا\" ثانيًا؟ \"لو قال: والله لا أكلت، ولا شربت، ولا ضربت إن شاء الله، عاد إلى الجميع\"، وقد حكى القاضى في \"التقريب\" وغيره الاتفاق على ذلك.\n\"وأجيب\" أولًا: بأن ما ذكرتم مما ينازع فيه الخَصْم. ذكره القاضي أيضًا.\nوثانيًا: \"بأنه شرط\" لا استثناء، \"فإن ألحق\" الاستثناء \"به\" بجامع أنه تخصيص متصل \"فقياس\" في اللغة؛ وهو باطل.\n\"وإن سلم\" صحّة القياس في اللغة، \"فالفرق أن الشرط\"، وإن تأخر لفظًا فهو \"مقدر تقديمه\"، وله صدر الكلام.\n\"وإن سلم\" استواء الشرط والاستثناء، وهو التحقيق كما سيقوله إن شاء الله تعالى؛","vol":"3","page":273},{"text":"قَالُوا: لَوْ كُرِّرَ، لَكَانَ مُسْتَهْجَنًا.\nقُلْنَا: عِنْدَ قَرِينَةِ الاِتِّصَالِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَلِلطُّولِ، مَعَ إِمْكَانِ \"إِلَّا كَذَا\" مِنَ الْجَمِيعِ.\nقَالُوا: صَالِحٌ؛ فَالْبَعْضُ تَحَكُّمٌ كَالْعَامِّ.\nقُلْنَا: صَلاحِيَّتُهُ لا تُوجِبُ ظُهُورَهُ فِيهِ؛ كَالْجَمْعِ الْمُنكَّرِ.\nقَالُوا: لَوْ قَالَ: \"لَهُ عَلَيَّ خَمْسَةٌ وَخَمْسَةٌ إِلَّا سِتَّةً\" - كَانَ لِلْجَمِيعِ.\nقُلْنَا: مُفْرَدَاتٌ.\nوَأَيْضًا: فَلِلاسْتِقَامَةِ.\n<hr><s0>\n\n\"فلقرينة الاتصال\" بين الجمل، \"وهو اليمين على الجميع\"، وذلك مما يقول به، إنما النزاع حيث لا قرينة.\nالشرح: \"قالوا\" ثالثًا: \"لو كرر\" الاستثناء في كلّ جملة قبل الأخرى، فقال: اضرب من سَرَقَ إلا زيدًا، ومن زَنَا إلَّا زيدًا، ومن قَتَل إلَّا زيدًا \"لكان مستهجنًا\"؛ فدلَّ على أن الاستثناء بَعْدُ للجميع؛ لتعيّنه طريقًا.\n\"قلنا\": إنما يستهجن \"عند قرينة الاتصال\".\nأما عند عدمها فلا، \"وإن سلم\" الاستهجان مطلقًا، \"فللطول مع إمكان\" الاختصار بأن يقول: \"إلَّا كذا من الجميع\"، فيصرّح بالعود إلى الكل.\n\"قالوا\" رابعًا: هو \"صالح\" للجميع إذ ذلك هو الغرض، \"فالبعض\" إذا خصص بأنه الذي يعود إليه \"تحكم، كالعام\" لو خصّ بِفَرْدٍ كان تحكّمًا.\n\"قلنا: صلاحيته\" للكل \"لا توجب ظهوره فيه، كالجمع المنكر\" مثل رجال، فإنه صالح للجميع، وليس بظاهر فيه، ولا في شيء مما يصلح له من مراتب الجمع.\n\"قالوا\" خامسًا: \"لو قال: على خمسة وخمسة إلَّا ستة، كان للجميع\" اتفاقًا، فكذا في غيره من الصور دفعًا للاشتراك والمجاز.\n\"قلنا\": ليس محل النزاع؛ لأن النزاع في الجمل، وهذه \"مفردات.\nوأيضًا\"؛ فلأن النزاع إنما هو فيما يصلح للجميع وللأخيرة، وهذا ليس منه، فإنه إنما يصلح للجميع \"للاستقامة\"، إذ لو قيل بعوده إلى كُلّ واحد على حدته كان مستغرقًا، أو نقول: هذه قرينة أوجبت عوده إلى الجميع، والنزاع حيث لا قرينة.","vol":"3","page":274},{"text":"الْمُخَصِّصُ: آيَةُ الْقَذْفِ؛ لَمْ تَرْجِعْ إِلَى الْجَلْدِ اتِّفَاقًا.\nقُلْنَا: لِدَلِيلٍ، وَهُوَ حَقُّ الآدَمِيِّ؛ وَلذلِكَ عَادَ إِلَى غَيْرِهِ.\nقَالُوا: \"عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا أَرْبَعَةً إِلَّا اثْنَيْنِ\"- لِلأَخِيرِ.\nقُلْنَا: أَيْنَ الْعَطْفُ؟!\nوَأَيْضًا: مُفْرَدَاتٌ.\nوَأَيْضًا: لِلتَّعَذُّرِ؛ فكَانَ الأقْرَبُ أَوْلَى؛ وَلَوْ تَعَذَّرَ، تَعَيَّنَ الأوَّلُ؛ مِثْلُ: \"عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا اثْنَيْنِ إِلَّا اثْنَيْنِ\".\n<hr><s0>\n\nالشرح: وقال: \"المخصّص\" للاستثناء بالجملة الأخيرة: \"آية القذف\" دالَّة على المطلوب؛ فإن الاستثناء فيها \"لم يرجع إلى الجَلْد اتفاقًا\" أي بين الإمامين أبي حنيفة، والشافعي في الجديد، وإلَّا فللشافعي قول قديم مخالف، وعليه بعض أصحابنا، وهو مذهب الشعبي.\n\"قلنا\" أولًا: معارض بآية قُطَّاع الطريق.\nوثانيًا: لا يلزم من ظهوره لجميع العود إليه دائمًا، بل قد يصرف عنه \"لدليل، وهو\" هنا \"حقّ الآدمي\"؛ إذ الجلد حقّه، وحقوق الآدميين لا تسقط بالتوبة، \"ولذلك عاد إلى غيره\" لما لم يَقُمِ المانع به، وهو قبول الشهادة عند علمائنا، فعلم أنه لو لم يصدّنا الدليل عن الأولى لا نسحبنا على التعميم.\n\"قالوا\" ثانيًا: لو قال: له \"عليّ عشرة إلا أربعة إلا اثنين\" عاد قوله: إلَّا اثنين، \"للأخير\" وهو الأربعة، فيفيد استثناء الاثنين من الأربعة حتى يلزم ثمانية.\n\"قلنا\": الكلام حيث العطف و\"أين العطف؟! \".\nوأيضًا: فإن المستثنى منه هنا \"مفردات\"، والنزاع في الجمل، وفي هذا نظر؛\nفإن العودَ إلى الكلِّ في المفردات أولى من الجمل.\n\"وأيضًا\" فإنما عاد الاستثناء هنا إلى الأخيرة \"للتعذُّر\" تعذّر عوده إلى الجميع؛ إذ لو عاد إلى العشرة والأربعة لزم التناقض، ولو عاد إلى العشرة وحدها لعاد إلى الأبعد مع صحة العود إلى الأقرب، \"وكان الأقرب أولى\" بالعود إليه، \"ولو تعذّر\" العود إلى الأقرب \"تعيّن\" عَوْدُهُ \"للأول\" وحده \"مثل: عشرة إلاّ اثنين إلَّا اثنين\" فإنه يعود إلى الأول\"","vol":"3","page":275},{"text":"قَالُوا: الثَّانِيَةُ حَائِلَةٌ كَالسُّكُوتِ.\nقُلْنَا: لَوْ لَمْ يَكُنِ الْجَمِيعُ بِمَثَابَةِ الْجُمْلَةِ.\nقَالُوا: حُكْمُ الأولَى يَقِينٌ، وَالرَّفْعُ مَشْكُوكٌ.\nقُلْنَا: لا يَقِينَ مَعَ الْجَوَازِ لِلْجَمِيعِ.\nوَأَيْضًا: فَالْأَخيرَةُ كَذَلِكَ؛ لِلْجَوَازِ بدلِيلٍ.\nقَالُوا: إِنَّمَا يَرْجِعُ؛ لِعَدَمِ اسْتِقلالِهِ؛ فَيَتَقَيَّدُ بِالأقَلِّ، وَمَا يَلِيهِ هُوَ الْمُتَحَقَّقُ.\nقُلْنَا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَضْعُهُ لِلْجَمِيعِ؛ كمَا لَوْ قَامَ دَلِيلٌ.\n<hr><s0>\n\nلاستحالة اسثتناء اثنين من الاثنين؛ لأن أصحابنا قالوا فيما لو قال لها: ثلاثًا اثنتين إلا اثنتين، يقع واحد، ويلغو الاستثناء الثاني.\nويمكن أن يجاب بأن إلغاء الثاني هنا إنما كان لتعذّر عوده من الأولين.\nأما الاستثناء فواضحٌ؛ لاستغراقه.\nوأما المستثنى منه؛ فلأنه لم يَبْقَ منه إلا واحد، واستثناء اثنين منها يستغرقها، ولا كذلك في العشرة إلا اثنين إلا اثنين، فإنّ الاستثناءين إذا عادا إلى المستثنى منه لم يُلْغَ؛ لعدم الاستغراق.\nالشرح: \"قالوا\" ثالثًا: الجملة \"الثانية حائلة\" بين الاستثناء والأولى، فيكون ذلك مانعًا من عوده إليها \"كالسكوت\".\n\"قلنا\": إنما يكون كذلك \"لو لم يكن الجميع بمثابة الجملة\".\nأما إذا كان الجميع بمثابة الجملة الواحدة كما هو الواقع فلا.\n\"قالوا\" رابعًا: \"حكم الأوّل أيقين\" (^١)، والرفع مشكوك\"؛ لجواز كونه للأخيرة فقط، [واليقين] (^٢) لا يزال بالشك، فلا يعود إلى ما قبل الأخيرة، وهذا عندي أوجه شُبَهِهِمْ.\n_________\n(^١) في أ، ج: تعيّن.\n(^٢) في أ، ج: والتعيين.","vol":"3","page":276},{"text":"الْقَائِلُ بِالاِشْتِرَاكِ: حَسَّنَ الاسْتِفْهَامَ.\n<hr><s0>\n\n\"قلنا\": لا نسلّم ثبوت حكم الجملة الأولى يقينًا؛ \"لا يقين مع الجواز\" جواز كون الاستثناء \"للجميع.\nوأيضًا: فالأخيرة كذلك\" فإن حكمها كالأولى.\nفإن كانت الأولى يقينية، فهي أيضًا يقينية، والرفع مشكوك \"للجواز\" جواز العود إلى الأولى دونها \"بدليل\" كما في: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ [سورة البقرة: الاية ٢٤٩] وفي: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [سورة الأحزاب: الاية ٥٢].\nولهم أن يقولوا: ليس مرادنا باليقين إلا ما يريده الفقهاء حيث يقولون: اليقين لا يرفع بالشك، وهو استصحاب الأَصل لا القطع.\nوقولكم: \"الأخيرة كذلك\" فيه نظر؛ فإنها أولى من الأولى بلا رَيْبٍ، غاية الأمر أنها قد تتعذّر، فينتقل إلى الأولى.\n\"قالوا\" خامسًا: \"إنما يرجع\" الاستثناء إلى ما قبله \"لعدم استقلاله، فيتقيّد بالأقل\"؛ لأن ما وجب للضرورة يقدر بقدرها، ويكفى في ذلك العود إلى جملة واحدة، \"وما يليه هو المحقق\"، فيحمل عليه دون غيره.\nوإن شئت قلت:\nالأصل عدم الاستثناء، خالفناه في الأخيرة للدَّليل، ففيما عداها على أصل، وهو كالذي قبله.\n\"قلنا\": لا نسلّم أنه يرجع من أجل الضرورة، بل \"يجوز أن يكون وضعه للجميع\" فلا يتقيد بالأخيرة \"كما لو قام دليل\" على عوده إلى الكُلّ، فإنه يعتبر إجماعًا، ومع جواز وضعه للجميع لا يتمّ، ويمكن أن يجاب بما يندفع به هذا والذي قبله، فيقال: ليس المستثنى مع المستثنى منه إلا جملة واحدة.\nأما على رأي القاضي القائل بأنه كالاسم المركب، فواضح.\nوأما عند المصنف؛ فلأن الإسناد بعد الإخراج، فليس فيه رفع لشيء ثبت، ولا مخالفة للأصل.\nالشرح: وقال \"القائل بالاشتراك\" وهو الشريف: \"حسن الاستفهام\" عن الاستثناء هل هو راجع إلى الجميع، أو إلى البعض؟","vol":"3","page":277},{"text":"قُلْنَا: لِلْجَهْلِ بِحَقِيقَتِهِ أَوْ لِرَفْعِ الاِحْتِمَالِ.\nقَالُوا: صَحَّ الإِطْلاق، وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ.\nفُلْنَا: وَالْأَصْلُ عَدَمُ الاشْتِرَاكِ.\n<hr><s0>\n\nدليله \"قلنا\": جاز أن يكون حسن الاستفهام \"للجهل بحقيقته، أو \"على تقدير تسليم أن المستقيم عارف بحقيقته، قد يكون الاستفهام \"لرفع الاحتمال\" وحصول اليقين.\n\"قالوا\" ثانيًا: \"صَحّ الإطلاق\" للكل، وللأخيرة فقط، \"والأصل\" في الإطلاق \"الحقيقة\".\n\"قلنا: والأصل\" أيضًا \"عدم الاشتراك\" وقد مَرّ أن المجاز أولى منه.\nوهذه تنبيهات:\nالأوّل: قد قيد صاحب الكتاب المسألة بالجمل المُتَعَاطفة بالواو، فأما الجمل، فقيد ذكره الأكثرون، ولا يكاد يخفى عليك مما مَرّ أن المفردات كذلك، أو أولى بالعود إلى الجميع.\nوفي كلام المصنف السابق [ما يؤخذ] (^١) منه الاتفاق في المفردات.\nوأما العطف فلا بد منه، وممن صرح بذكره القاضي في \"التقريب\"، والقاضي أبو الطيب، والشيخ أبو إسحاق، وابن السَّمعاني، والسُّهيلي أبو عبد الله، وأبو نصر القُشَيري، والامدي، والقرطبي (^٢)، وابن السَّاعاتي (^٣)، والشيخ الهندي.\n_________\n(^١) في أ: ما يوجد.\n(^٢) أحمد بن عمر بن إبراهيم، أبو العباس الأنصاري القرطبي، ولد سنة ٥٧٨ هـ بـ \"قرطبة\" فقيه مالكي، من رجال الحديث، يعرف بـ \"ابن المزين\". كان مدرسًا بالإسكندرية. من كتبه: \"المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم\" و\"اختصار صحيح البخاري\" و\"مختصر الصحيحين\". وتوفي بـ \"الاسكندرية\" سنة ٦٥٦ هـ.\nينظر: البداية والنهاية ١٣/ ٢١٣، ونفح الطيب ٢/ ٦٤٣، والأعلام ١/ ١٨٦.\n(^٣) أحمد بن علي بن تغلب (أو ثعلب)، مظفر الدين، ابن الساعاتي. عالم بفقه الحنفية، ولد في \"بعلبك\" وانتقل مع أبيه إلى\"بغداد\" فنشأ بها، وتولى تدريس الحنفية. قال اليافعي: كان ممن يضرب به المثل في الذكاء والفصاحة وحسن الخطّ. من مصنفاته: \"مجمع البحرين وملتقى النيرين\" و\"شرح مجمع البحرين\" و\"نهاية الوصول إلى علم الأصول\" وغيرها. وكان أبوه =","vol":"3","page":278},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n\n<hr><s0>\n\nومن لم يصرح بذكر اشتراطه كالمَاوَردِي في \"الحاوي\"، وإمام الحرمين في\n\"البرهان\"، وابن الصباغ في \"العدة\"، والغزالي، [والمازري] (^١)، والإمام الرازي وأتباعه، والشيخ الموفق بن قدامة الحنبلي (^٢)، فأمره محمول على أنه سكت عن ذلك لوضوحه، ودلائلهم ترشد إلى أن مرادهم حالة العطف، وكذلك ما يوردون من المثل، فتأمل كلامهم، واحمل المطلق على المقيد ولا تَغْتَرَّ بما فهمه أبو العباس القَرَافي من جريان الخلاف وإن لم يكن ثَمَّ عطف، فذلك شيء حمله عليه إطلاق الإمام الرازي، وليس بجيّد؛ فإنه إذا لم يكن عطف لا يكون بين الجملتين ارتباط.\nقال أبي تَغَمَّده الله برحمته: نعم ذكر البيانيون أن ترك العَطْف قد يكون لكمال الارتباط، فإذا كان في مثل ذلك، فلا يبعد مجيء الخلاف فيه.\nقلت: بل قد يقال: العود فيه إلى الجميع أولى؛ لأنه إنما ترك العطف لكمال الارتباط، فليقع الاشتراك في الحكم لذلك، والكلام فيما وراء هذه الحالة لندورها. وأما كون العطف بالواو، وهو ما ذكره إمام الحرمين في تَدْريسه في أصول الفقه، ونقله عنه الرَّافعي في باب الوَقْف بعد أن ذكر أن أصحابنا أطلقوا العطف فقال: رأى الإمام تقييده بقيدين:\nأحدهما: أن يكون العطف بالواو الجامعة، فإن كان بـ \"ثم\" اختص بالأخيرة.\n_________\n= ساعاتيًا. وتوفي سنة ٦٧٨ هـ. ينظر: كشف الظنون ١٦٠٠، ومرآة الجنان ٤/ ٢٢٧، والأعلام ١/ ١٧٥.\n(^١) في أ، ج: الماوردي.\n(^٢) عبد الله بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، أبو محمد، موفق الدين: فقيه، من أكابر الحنابلة، له تصانيف، منها \"المغنى\" شرح به مختصر الخرقي في الفقه، \"وروضة الناظر\" في أصول الفقه، وله مؤلفات كثيرة. ولد في جماعيل (من قرى نابلس بفلسطين) وتعلَّم في دمشق، ورحل إلى بغداد سنة ٥٦١ هـ، فأقام نحو أربع سنين، وعاد إلى دمشق. ولد سنة ٥٤١ هـ وتوفي سنة ٦٢٥ هـ.\nانظر: مختصر طبقات الحنابلة ٤٥، والبداية والنهاية ١٣/ ٩٩، والأعلام ٤/ ٦٧، وشذرات الذهب ٥/ ٨٨.","vol":"3","page":279},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالثاني: ألَّا يتخيل بين الجُمْلتين كلام طويل، وعليه جرى الآمدي، وتبعه المصنف وابن السَّاعاتي.\nوالصواب: أن \"الفاء\" و\"ثم\" و\"حتى\" مثل \"الواو \"في ذلك، وقد صَرَّح القاضي في \"التقريب\" بـ \"الفاء\" وغيرها فقال: وهذه سبيل جمل عطف بعضها على بعض بأي حروف العطف عطفت من \"فاء\" و\"واو\" وغيرهما، انتهى.\nوالإمام في \"البرهان\" (^١) مثَّلَ بما إذا قال: وَقَفْتُ داري على بني فلان، ثم على بني فلان، وعَدّ طوائف، ومَيَّز بعضهم من بعض ذِكْرًا، ثم قال عند الطَّائفة الأخيرة: إلَّا أن يفسق منهم فاسق.\nفانظره كيف أتى بـ \"ثُمّ\" في المثال.\nوأبو نصر القُشَيري قال: أما إذا اشتمل الكلام على جملة منقطعة تنبئ كل واحدة عما لا تنبئ [عنه] (^٢) أخواتها، ولكنها جمعت بحرف من حروف العطف جامع في مقتضى الوضع، ثم تعقب باستثناء، وهذا محل الخلاف.\nفانظره أيضًا: كيف لم يخص \"الواو\".\nفالصواب: أنه لا فرق.\nوأما العطف بـ \"لَكِنْ\" أَو بـ \"بل\" أو بـ \"أو\" أو بـ \"حتى\" فظاهر إطلاق القاضي وغيره أنه كذلك، ويشهد للعطف بـ \"أو\" آية المُحَاربة، وقد مثل بها الجماهير.\nوذكر القَرَافي أن \"حتى\" كـ \"الواو\"، وتردد في \"بل\" و\"لا\" و\"لكن\" مثل: جاء القوم لا النساء، وما جاء القوم بل النساء أو لكن النساء، من قبل أنهما لم يَنْدَرِجَا في حكم واحد.\nقال: ويحتمل أن يقال: يعود عليهما؛ لكونهما جميعًا محكومًا عليهما وإن كان إحداهما بالنفي والأخرى بالثبوت، قال: وأما \"أم\" فهي لأحد الشيئين لا بعينه، فالمحكوم عليه فيها، ولم يتعرض للآخر بالنفي. ولا بالثبوت، فلا يتأتى فيه الاحتمال الذي في \"بل\"\n_________\n(^١) ينظر: البرهان ١/ ٣٨٩.\n(^٢) في ب: عليها.","vol":"3","page":280},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوما معها، بل يتعين في هذه ألَّا يندرج الجمل، [فهذه] (^١) الثلاثة في صورة النزاع قطعًا، بخلاف \"بل\" و\"لا\" و\"لكن\"؛ فإنها لأحد الشيئين بعينه.\nإذا عرفت هذا: علمت أن تقييد المصنّف كلامه بالعطف حق.\nوأما خصوص \"الواو\" فليس بجيد، وإن سبقه إليه إمام الحرمين.\nوأما اشتراط كون ما تقدم جملًا فقد يكون؛ لأن المفردات يعود الاستثناء بعدها على الجميع بلا خلاف، وهو قضية كلامه في أثناء الحِجَاجِ كما سبق.\nوأصحابنا في الفقهيات لم يخصوا الجمل، وكذلك النحاة فإنهم قالوا: إذا عقب الاستثناء معمولات والعامل فيها واحد نحو: اهْجُرْ بني فلان إلَّا من صلح وبنى فلان إلَّا من صلح، كان راجعًا إلى تلك المعمولات.\nوكذا لو تكرر العامل توكيدًا نحو: اهْجُرْ بني فلان، واهْجُرْ بني فلان إلَّا من صلح، فإن اختلف العامل والمعمول واحد كقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [سورة المائدة: الآية ٣٤] فقال ابن مالك: الحكم كالحكم فيما إذا اتَّحد العامل.\nوقال المهاباذي (^٢): لا يكون الاستثناء إلا من الجملة التي تليه، والشافعي أعرف باللغة من المهاباذي.\nالثاني: عرفت نقل الأكثرين عن الشَّافعي أن الاستثناء يعود إلى الجميع عند الصلاحية.\nقال القاضي أبو الطيب: وما وجدت من كلامه ما يدل عليه إلَّا أنه قال في كتاب \"الشاهد واليمين\": إذا تاب القَاذِفُ قُبِلَت شهادته، وذلك بَيِّنٌ في كتاب الله ﷿، وهذا يدل على أنه رد الاستثناء إلى الفسغ، ورد الشهادة.\n_________\n(^١) في أ، ج: بهذه.\n(^٢) أحمد بن عبد الله المهاباذي. نحوي من تلاميذ عبد القاهر الجرجاني، نسبته إلى\"مهاباذ\" قرية بين \"قم\" و\"أصبهان\". كان ضريرًا. من مصنفاته: \"شرح اللمع لابن جني\". توفي سنة ٤٧١ هـ أو بعدها.\nينظر: كشف الظنون (١٥٦٣)، ومعجم البلدان ٨/ ٢٠٤، والأعلام ١/ ١٥٨.","vol":"3","page":281},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقد استدلّ أبو إسحاق وغيره من أصحابنا على قبول شهادته بعموم الاستثناء، فإنه راجع إلى الجميع. انتهى.\nوقال الرافعي في \"الإقرار\": ومهما كان في الاستثناء أو المستثنى منه عددان معطوف أحدهما على الآخر، ففي الجمع بينهما وَجْهان:\nأصحهما، ويحكى عن نصّه في الطلاق، وبه أجاب ابن الحَدَّاد، والأكثرون - أنه لا يجمع؛ لأن \"الواو \"العاطفة وإن اقتضت الجمع لكنها لا تخرج الكلام عن كونه ذا جُمْلتين من جهة اللَّفْظ، والاستثناء يدور على اللفظ.\nمثاله: إذا قال: عليَّ دِرْهَمَان ودرهم إلَّا درهمًا [إن لم يجمع لزم الثلاثة؛ لأنه استثنى درهمًا من درهم] (^١)، وإن جمعنا لزمه درهمان، وكان الاستثناء من ثلاثة. هذا كلام الرافعي.\nوأنت تراه كيف جعل نصّ الشَّافعي وقول الأكثرين أن الاستثناء يرجع إلى الأخيرة فقط، ولهذا قال: إنه استثنى درهمًا من درهم، وأعاده في كتاب \"الطلاق\" فقال: ولو عطف بعض العددين على بعض إما في المستثنى منه، أو في المستثنى، أو كليهما، فوجهان في أنه هل يجمع بينهما؟\nأحدهما: يجمع؛ لأنه لو قال: علي درهم ودرهم، يلزمه درهمان، كما لو قال: عليّ درهمان.\nوأصحّهما: المنع، وبه أجاب ابن الحَدَّاد؛ لأن الجملتين المعطوفتين يفردان بالحُكْم.\nوإن كان \"الواو\" للجمع؛ ألا ترى أنه لو قال لغير المدخول بها: أنت طالق وطالق، لا يقع إلا واحدة، ولا ينزل منزلة ما لو قال: أنت طالق طلقتين، ثم قال بعد ذلك: أنت طالق وطالق، لا يقع إلّا واحدة، ولا ينزله منزلة ما لو قال: أنت طالق طلقتين، ثم قال بعد ذلك: لو قال: أنت طالق ثلاثًا وثلاثًا (^٢) إن شاء الله، أو ثلاثًا وواحدة إن شاء الله، أو واحدة وثلاثًا إن شاء الله.\nقال ابن الضَّبَّاغ: الذي يقتضيه المذهب أنه لا يقع شيء، وتبعه المُتَوَلِّي عليه.\n_________\n(^١) سقط في ج.\n(^٢) في ب: وثلثا.","vol":"3","page":282},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالوجه بناؤه على الخلاف السابق في أن الاستثناء بعد الجملتين ينصرف إليهما، أو إلى الأخيرة، وكذلك أورده الإمام.\nوقد ذكرنا أنَّ الظاهر الانصراف إلى الأخيرة وحدها، ويوافق هذا البناء ما ذكره في \"التهذيب\" أنه لو قال: حَفْصَة وعَمْرة طالقتان إن شاء الله، فيرجع الاستثناء إلى عمرة وحدها، أو إليهما جميعًا؟\nوالأصح: الأول.\nولو قال: أنت طالق واحدة واثنتين إن شاء الله، ففي \"النهاية\" تخريجه على الوجهين: إن جمعنا المفرق لم يقع شيء، وإن لم نجمع وقعت واحدة.\nوعن رواية الشيخ أبي محمد عن القَفَّال أنه لو قال: أنت طالق واحدة ثلاثًا إن شاء الله من غير \"واو\" لم يقع شيء.\nولو قال: أنت طالق ثلاثًا ثلاثًا إن شاء الله، فكذلك، وفي معناه ما لو قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق إن شاء الله، وقصد التأكيد. انتهى.\nوظاهره أن المرجح عنده عود الاستثناء إلى الأخيرة فقط، وأنه حكى خِلافًا سابقًا في ذلك، وخصّص اختصاص الأخيرة، وهو لم يحك في كتاب \"الوَقْف\" خلافًا في الاستثناء المتعقب، فضلًا عن أن يرجح مقابله.\nقال أبي ﵀: والذي قاله ابن الصَّبَّاغ هو الذي يظهر.\nقال: وقول الرافعي: \"والوجه إلى آخره\" قد يظن أنه معارض لما قاله في الوَقْفِ من عود الاستثناء إلى جميع الجمل المتقدّمة، وليس كذلك؛ لأنه إنما أشار به إلى ما قدّمه على هذا الكلام من أنه إذا عطف بعض العدد على بعض المسألة.\nقلت: وهذا وإن كان ظاهر كلام الرافعي خلافه إلّا أنه يدّعو إليه ضرورة تصحيح كلام الرافعي، ويمكن أن يقال: أشار به إلى الوجهين اللَّذين حكاهما من قبل فيما إذا قال: أنت طالق واحدة، بل ثلاثًا إن دخلت الدار:\nأحدهما - وبه قال ابن الحَداد، وهو الأصح -: إنه يقع واحدة بقوله: أنت طالق، ويتعلق طَلْقَتَانِ بدخول الدار؛ ردًّا للشرط إلى ما يليه خاصة، وهو قوله: بل ثلاثًا.","vol":"3","page":283},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالثاني: أن الثلاث تتعلّق بالدخول، لكن هذا إنما يتم لو كانت \"بل\" مثل الواو، وقد قدمنا ما في ذلك.\nوالأظهر: أنها ليست كـ\"الواو\"؛ فإنها للإضراب، فلذلك كان الأصحّ تخصيص الشرط بالأخيرة، بخلاف \"الواو\" المشركة، فليكن الأمر على ما ذكره الشَّيخ الإمام من أن الرافعي أشار إلى الخلاف في عطف العَدَدِ على العدد.\nثم قال الشَّيخ الإمام: وينبغي أن يكون الضَّابط في جَرَيَانِ الوجهين أن يكون الاستثناء لا يمكن عوده إلى كلّ منهما، فيجري الوجهان، هل يجمع بين المعطوفين ليصح العود إليهما أولا؟\nفلو أمكن عود الاستثناء إليهما، وإلى كل منهما فهي مسألتنا هنا.\nومذهب الشَّافعي العود إلى الجميع.\nوالذي قاله ابن الصَّبَّاغ قياس المذهب؛ لأن المشيئة يصح عودها إلى كل منهما بخلاف: عليَّ درهم ودرهم إلا درهمان.\nو\"مسألة الوقف\" لم يذكر الرافعي فيها خلافًا إلَّا ما حكاه عن الإمام من القَيْدَيْن، وليسا ولا واحد منهما في هذه الصورة التي قالها ابن الصَّبَّاغ، فمن أين يأتي فيه خلاف؟\nقلت: ما ذكر من أنه ينبغي أن يكون ضابط الوجهين لو تَمَّ كان حسنًا، وتكون المسألة الأصولية في عود الاستثناء إلى الجمل السابقة التي لكلّ منها صلاحية عود الاستثناء إليها، ومسألة العدد في الاستثناء التي لا يمكن عوده إلى كل منها، وهذا لا يتم؛ فإن الشيخ الإمام إن أراد بقوله: \"إن شرط مسألة العدد ألَّا يمكن عود الاستثناء إلى كل منهما\" الكلي المجموعي، فلا شك في إمكان عود الاستثناء إليه حتى في قوله: عليّ درهم ودرهم إلا درهمًا؛ إذ هي بمنزلة: عليَّ درهمًا، وهو لم يرد هذا، ولا يعبر عن\"الكلي المجموعي\" بكل منهما.\nوإن أراد إمكان العود إلى كلٍّ على حدته، فهو أيضًا ممكن أن يعود على الأول في قولنا: عليّ درهمان ودرهم إلَّا درهمًا بصحّة استثناء درهم من درهمين مع أن فيه خلاف العدد بعينه.\nفإن قال الشيخ الإمام هنا: لا يمكن عوده إلى كُلٍّ منهما.","vol":"3","page":284},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأما درهم؛ فللاستغراق، وأما درهمان؛ فلأنها سابقة على درهم لفظًا، فلو تَخَطَّاها الاستثناء لعاد إلى الأبعد دون الأقرب، وهو مذهب لم يقل به أحد.\nقلنا أولًا: الاستثناء إذا صادف قبله معطوفات، فهو يعود إلى ما يناسبه منها، فإن لم يناسب إلا الأبعد اختص به كما ذكرناه في: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٤٩] وأمثاله، فلا علينا من عدم إمكان العود إلى الأخير؛ لقيام المانع فيه.\nوأيضًا: فالخلاف جار فيمن قال: عليّ درهم ودرهمان جريانه في عكسه سواء؛ إذ لا فرق في مسألة العدد بين قولك: درهم ودرهم إِلّا درهمًا، ودرهم ودرهمان إِلَّا درهمًا، ودرهمان ودرهم إِلَّا درهمًا، وهذا يلفت على أصل، وهو إن قلنا في المسألة الأصولية بعود الاستثناء إلى جميع الجمل معناه العود إلى كلّ واحدة منها بمفردها، وسنحكى فيه خلافًا عن المَاوَرْدِيِّ.\nومن قال بأن معناه العَود إلى المجموع، وهو أولى بأن يجعله ممكن العود إليها حتى في قولك: درهم ودرهم إلّا درهمًا.\nثم قال الشيخ الإمام: وقول الرافعي: يوافق هذا البناء ما ذكره صاحب \"التهذيب\" إلى آخره، فليس ما قاله صاحب \"التهذيب\" مُسَلَّمًا له، والوَجْه الرجوع إلى حَفْصة وعمرة جميعًا؛ لأن هذه جملة واحدة تعدّد فيها المبتدأ بالعطف، وقوله: طالقان حكم واحد عليهما، والاستثناء منه، فلا وجه لعوده إلى الأخيرة.\nونظير مسألتنا أن يقول: طلقت حفصة وعمرة إن شاء الله، ومقتضى المذهب أنه لا يقع شيء؛ لأن المشيئة يمكن رجوعها لكل منهما، فإجراء الخلاف الذي ذكره صاحب \"التهذيب\" غير سديد.\nوالفرقُ بين الصورتين: أن قوله: طلقت حفصة وعمرة، وإن كان من عطف المفردات، فيحتمل أن يجعل من عطف الجمل، والمعنى على ذلك: فيمكن أن يقال على مذهب أبي حنيفة بالرجوع إلى الأخيرة وَحْدها، بخلاف قوله: حفصة وعمرة طالقان إن شاء الله؛ إذ هي جملة واحدة من كل واحدة، وليس شيء من نظائر ما يجري فيه الخلاف بيننا وبين الحنفية يشبهها، فلا خِلافَ فيها في مذهب الشافعي فَضْلًا عن أن يقال: إن الأصح العود إلى الأخيرة وحدها.","vol":"3","page":285},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقد بان بهذا أن ما ادّعاه الرافعي من موافقة هذه الصورة للبناء المذكور ممنوع.\nقلت: اعلم أن ما نقله الرافعي عن \"التهذيب\" وقع على وجه الغَلَطِ من الناسخين؛ فالذي في \"التهذيب\": أنه لو قال: حَفْصة وعمرة طالقان إن شاء الله، لا تطلق واحدة منهما.\nولو قال: حفصة طالق وعمرة طالق إن شاء الله، طلّقت حفصة، ولا تطلق عمرة؛ لأن الاستثناء يرجع إلى ما يليه.\nوقيل: إليهما، والأول أصح. انتهى.\nوقياس المذهب: العود إليهما، وقول الرافعي: وكذلك أورده الإمام. مراده أصل الخلاف لا البناء.\nوعبارة الإمام: ولو قال: أنت طالق واحدة وثلاثًا - بـ \"الواو\" العاطفة - إن شاء الله ففي المسألة وجهان:\nأحدهما: أن الاستثناء يرجع إلى الجميع، وإن عطفت فلا مزيد على الثلاث. فإذا تعلقت الثلاث بالمشيئة لم يقع شيء.\nوالوجه الثاني: أن الطلقة الأولى تقع، و\"الواو\" فاصلة -. انتهى.\nذكره قبيل باب \"طلاق المريض\".\nوأما قول الشيخ الإمام: لا خلاف في مذهب الشافعي أن الاستثناء يعود إلى الجميع فقد ينازع فيه قولي الرّافعي في أول كتاب \"الإيمان\":\nولو قال: أنت طالق وعَبْدي حُرّ إن شاء الله، فيجيء خلاف في أنه يختصّ بالجملة الأخيرة، أو ينصرف إليهما جميعًا؟\nقال النووي: الأصح التعميم، والله أعلم.\nوبالجملة: مسألة العدد تحتاج أن يفرق بينها وبين المسألة الأصولية، ولا يظهر لى ما ذكره الشيخ الإمام فارقًا؛ لما عرفت.\nويمكن أن يفرق بوجه آخر، وهو أن مسألة العدد مخصوصة بما إذا ذكر معطوفين متماثلين، فإن عدوله عن ذكر اسم العدد فيهما إلى تَعْدَادهما قرينة أنه لم يرد بالاستثناء","vol":"3","page":286},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nبعدها إلَّا الأخير منهما مثل: طالق وطالق إن شاء الله، فمن يعتمد هذه القرينة، فيوقع طلقتين، ويدفع الثالثة؛ لأنها المعلّقة بالمشيئة، وهو الأصح.\nومن قال بالجَمْع فيجعل كأنه قال: طالق ثلاثًا إن شاء الله، فلا يقع شيء.\nومسألة الاستثناء [عقب] (^١) الجمل مخصوصة بمعطوفين مختلفين حكمًا وموضوعًا، مثل: أنت طالق، وعبدي حرّ إن شاء الله، أو أنت طالق، ولك على ألف إن شاء الله، ولا يقال: إذا عاد في المُخْتلفتين فأولى في المُتَمَاثلين؛ لأنا نقول: المختلفتان لا ينتظمهما لفظ واحد، بخلاف المتماثلين، إذ ينتظم قولك: زيد وزيد وزيد الزيدون، بخلاف زيد وعمرو وبَكْر، فالعدول عن الزيدين قرينة إرادة اختصاص الأخيرة، ولولا أن الفَرْقَ واقع بين مسألة العدد، والمسألة الأصولية لناقض كلامهم في الطلاق ما قدموه في الوقف.\nونظيره قول الشيخ أبي إسحاق في \"المهذب\": وإن قال: أنت طالق طلقة وطلقة إلا طلقة، ففيه وجهان:\nأحدهما: تطلق طلقة؛ لأن \"الواو\" في الاسمين المنفردين كالتثنية، فيصير كما لو قال: أنت طالق طلقتين إلا طلقة.\nوالثاني وهو المنصوص، أنها تطلق طلقتين؛ لأن الاستثناء يرجع إلى ما يليه، وهو الطلقة، واستثناء طلقة من طلقة باطل، فيسقط ويبقى الطلقتان. انتهى.\nوهو صريح في أن المنصوص اختصاص الاستثناء بالأخيرة، وإنما أراد في عطف العدد، وإلَّا فهو قد صرح في مجموعاته الأصولية أن مذهب الشَّافعي عود الاستثناء إلى الجميع.\nفإن قلت: ذلك في الجمل، وهذه مفردات.\nقلت: المفردات أولى بالعود إلى الجميع كما عرفت.\n\n\"التنبيه<span data-type='title' id=toc-667> الثالث\"\nقول [الشافعي] (^٢): إن الاستثناء يعود إلى جميع الجمل السَّابقة </span>معناه: العود إلى كل واحدة منها بمفردها.\n_________\n(^١) في أ، ج: عقيب.\n(^٢) سقط في ب.","vol":"3","page":287},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقيل: تجمع الجمل كلها، ويخرج منها.\nوهذا الخلاف حكاه المَاوَرْدِيِّ، فإنه قال في كتاب \"الإقرار\": لو قال: له عليّ ألف درهم ومائة دينار إلا خمسين، وأراد بالخمسين المستثناة جنسًا من الدراهم، أو الدنانير أو هُمَا، قُبِلَ منه.\nفإن فات بيانه، فعند أبي حنيفة يعود إلى ما يليه.\nوعندنا يعود إلى المالين المذكورين من الدراهم والدنانير، ثم هو على وجهين:\nأحدهما: يعود إلى كل واحد منهما جمع الاستثناء، فيستثنى من ألف درهم خمسين، ومن مائة دينار خمسين.\nوالوجه الثاني: يعود إليهما نصفين، فيستثنى من الدراهم خمسة وعشرين، ومن الدنانير خمسة وعشرين.\n\n\"التنبيه الرابع\"\nمذهبنا أن التائب تزول عنه سِمَةُ الفِسْقِ، وتقبل شهادته.\nوقال أبو حنيفة: تزول سِمَةُ الفسق، ولا تقبل شهادته، ثم منهم من خرَّج الخلاف على هذا الأصل.\nومن أصحابنا من قال على تقدير تسليم الاختصاص بالأخيرة: إن الأخيرة. هي عدم قبول الشَّهادة؛ فإنه المحكوم به.\nوأما سِمَةُ الفسق فهي علة هذا الحكم.\nوالاستثناء إذا تعقب حكمًا وتعليلًا، فإما أن يرجع إلى الكل، أو إلى الحكم دون التعليل؛ لأنه المقصود، ولا سبيل إلى رجوعه إلى التعليل فقط.\nوسلك أبو زيد الدبوسي من الحنفية مسلكًا آخر، فزعم أن ردّ الشهادة حد، وقال هو: عُقوبة مؤلمة مثل الجلد، فيكون في حكمه، ولا يسقط بالتوبة.\nوهذا مسلك قد تقرر انحطاطه في الخلافيات.","vol":"3","page":288},{"text":"<span data-type='title' id=toc-669>\" مسألة:\nالاِسْتِثْناءُ مِنَ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ، وَبالْعَكْسِ</span>؛ خِلافًا لأَبِي حَنِيفَةَ ﵀.\nلَنَا: النَّقْلُ.\nوَأَيْضًا: لَوْ لَمْ يَكُن، لَمْ يَكُنْ \"لا إِلَه إِلَّا اللهُ\" تَوْحِيدًا.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"الاستثناء من الإثبات نفي \"وبالعكس\" خلافًا لأبي حنيفة\" (^١) قيل: فيهما.\nوقيل: في الثاني فقط.\n\"لنا: النقل\" عن أئمة اللغة أنه كذلك، وهو العمدة في إثبات مدلولات الألفاظ.\n\"وأيضًا: لو لم يكن\" الاستثناء من النفي إثباتًا \"لم يكن\" قولنا: \"لا إله إلا الله (^٢) توحيدًا\".\nوبيان الملازمة: أن التوحيد إنما يتم بإثبات الألوهية لله ﷾ ونفيها عن غيره، والمفروض أنه لا يفيد الإثبات لها، وإنما يفيد النفي فقط، فلو تكلم به دَهْريٌّ ينكر وجود الصانع لما نافي عَقِيدَتَهُ.\n_________\n(^١) وينظر: المحصول ١/ ٣/ ٥٦، والإحكام للآمدي ٢/ ٢٨٧ (٥)، وشرح العضد ٢/ ١٤٢، والبرهان ١/ ٣٩٧، وشرح الكوكب ٣/ ٣٢٧، وجمع الجوامع ٢/ ١٥، والقواعد والفوائد ١٦٣، والتمهيد للإسنوي (٣٩٢)، وشرح التنقيح ٢٤٧، وكشف الأسرار ٣/ ١٢٦، وتيسير التحرير ١/ ٢٩٤، وفواتح الرحموت ١/ ٣٢٦، والمسودة (١٦٠)، والإبهاج ١/ ١٥٩، وإرشاد الفحول ١٤٩، وفتح الغفار ٢/ ١٢٤، والاستغناء للقرافي (٥٤٩).\n(^٢) في حاشية ج: قوله: لم يكن لا إله إلا الله توحيد هم يقولون: إنها تفيد التوحيد بحسب عرف الشرع لا اللغة، ويقولون: إن قول أهل العربية: إنه من الإثبات نفي مجاز تعبيرًا عن عدم الحكم بالحكم بالعدم لكونه لازمه، لكن إنكار دلالة \"ما قام إلا زيد\" على ثبوت القيام لـ\"زيد\" يكاد يلحق بإنكار الضروريات، وإجماع أهل العربية على أنه من النفي إثبات لا يحتمل التأويل كالسابق، وعدتهم فيما قالوا أن للكلام نسبة خارجية، فإن اعتبرت فالاستثناء إعلام بعدم التعرض له والسكوت عنه من غير حكم بالمخالفة، وإن اعتبر نسبة النفسية فالمخالفة فيها عدم الحكم النفسي. راجع الوضوء وحواشيه.","vol":"3","page":289},{"text":"قَالُوا: لَوْ كَانَ، لَلَزِمَ مِنْ: \"لا عِلْمَ إِلَّا بِحَيَاة\"، وَ\"لا صَلاةَ إِلَّا بِطُهُورٍ\" - ثُبُوتُ العِلْمِ وَالصَّلاةِ بِمُجَرَّدِهِمَا.\nقُلْنَا: لَيْسَ مُخْرَجًا مِنَ الْعِلْمِ وَالصَّلاةِ، فَإِنِ اخْتَارَ تَقْدِيرَ: \"إِلَّا صَلاةً بِطُهُورٍ\" - اطَّرَدَ، وَإنِ اخْتَارَ: \"لا صَلاةَ تَثْبُتُ بِوَجْهٍ إِلَّا بِذَلِكَ\" - فَلا يَلْزَمُ مِنَ الشَّرْطِ الْمَشْرُوط، وَإنَّمَا الإِشْكَالُ في الْمَنْفي الْأَعَمِّ فِي مِثْلِهِ وَفِي مِثْلِ: \"مَا زَيْدٌ إِلَّا قَائِمٌ\"؛ إِذْ لا يَسْتقِيمُ نَفْيُ جَمِيعِ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"قالوا: لو كان\" الاستثناء من النفي إثباتًا \"للزم\" \"من\" قولنا: \"لا علم إِلَّا بحياة، ولا صلاة إلا بطهور - ثبوت العلم والصَّلاة بمجردها\" أي: بمجرد ثبوت الحياة والطهور، كاستلزام قولنا: لا عالم إلا زيد ثبوت العلم لزيد.\n\"قلنا: ليس\" واحد من الحياة والطهور \"مخرجًا من العلم والصلاة\" حتى يلزم\nثبوتهما، وذلك أنا لم نَقُلْ: لا صلاة إلا الطّهور، ولا علم إلا الحَيَاة، بل قلنا بحياة وبطهور، فلا بدّ من تقدير متعلّق هو المستثنى بالحقيقة، وهو إما صلاة بطهور أو: لا صلاة تثبت بوجه إلا بطهور.\nوالحاصل: أن المذكور بعد \"إلّا\" ليس داخلًا في المستثنى منه، فإما أن يكون منقطعًا، وسيقول المصنف: إنه بعيد.\nوإما أن يقدر فيه ما يصير به متصلًا، وهو الواجب في كل استثناء؛ إذ الانقطاع لا يُصَار إليه حتى يفقد سبيل الانقياد، وإذا قدر ما يصير به متّصلًا.\nفإما أن يقرر في المستثنى أو المستثنى منه، \"فإن اختار\" الخصم \"تقدير\" شيء في المستثنى، وقال: التقدير: \"إلّا صلاة بطهور اطّرد\" قولنا: إن الاستثناء من النفي إثبات، ولا ينهض ما ذكر نقضًا. \"وإن اختار\" التقدير في المستثنى منه، فقال: التقدير \"لا صلاة تثبت بوجه إلا بذلك، فلا يلزم\" ما ذكر من النقض أيضًا؛ لأن معناه على ما اختاره: أن الطهور شرط في الصلاة.\nومعلوم أنه لا يلزم \"من\" حصول \"الشَّرط المشروط\"، وهذا لا إشكال فيه، \"وإنما الإشكال\" في إرادة \"النفي الأعم\" الذي يقتضيه الاستثناء المفرغ \"في مثله\" أي: في مثل: لا صلاة إلا بطَهُور.","vol":"3","page":290},{"text":"وَأُجِيبَ بِأَمْرَيْنِ:\nأَحَدُهُمَا: أَنَّ الْغَرَضَ الْمُبَالَغَةُ بِذَلِكَ.\nوَالآخَرُ: أنَّهُ آكَدُهَا، والْقَوْلُ بِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ بَعِيدٌ، لأَنَّهُ مُفَرَّغٌ، وَكُلُّ مُفَرَّغٍ مُتَّصِلٌ؛ لأَنَّهُ مِنْ تَمَامِهِ\".\n<hr><s0>\n\nفإن تقديره: أن الصلاة لا صفة لها من الصفات المعتبرة إلا الطهور، فلو كان الاستثناء من النفي إثباتًا، لزم من حصول الطهارة فقط حصول الصلاة.\n\"وفي مثل\" قولك: \"ما زيدٌ إلا قائم\"؛ فإن تقديره أن زيدًا لزم من حصول قيام زيد حصول جميع صفات زيد في كونه زيدًا، وهذا موضع الإشكال؛ \"إذ لا يستقيم نفي جميع الصِّفات المعتبرة\"؛ لوقوع إجماع أكثر الأوصاف، كما أنْ الصَّلاة عند عدم الطَّهارة يجوز اجتماع السّتر والاستقبال وغيرهما من الأوصاف المعتبرة فيها، وكذلك زيد عند انتفاء القيام؛ فإنه إنسان، وحيّ، وموجود، وغير ذلك.\nواعلم أن المصنف أراد بقوله في مثله مثل: لا صلاة إلا بطهور فقط، ولم يرد مثل: لا علم إلا بِحَيَاةٍ، ولذلك أخذ بعد أن مثل باللفظين يتحدّث في: لا صلاة إلا بطهور فقط حيث قال: فإن اختار تقدير: لا صلاة إلى آخره.\nوالسّر فيه أن هذا الإشكال لا يرد على قولنا: لا علم إلا بحياة؛ لوجوب انتفاء جميع الصفات المعتبرة في العلم عند انتفاء الحياة، ولذلك جعلنا الضَّمير في مثله عائدًا إلى أحد المثالين، وهو: لا صلاة إلا بطهور، وفيه كان حديث المصنف كما عرفت.\nالشرح: \"وأجيب\" عن هذا الإشكال \"بأمرين\":\n\"أحدهما: أن الغرض\" من إدْخَالِ حرف النفي في مثل: لا صَلاة إلا بطهور، وما زيد إلا قائم \"المبالغة بذلك\" دون حقيقة نفي الصفات.\n\"والآخر: أنه\" أي أن ذلك الوصف \"آكَدُهَا\" أي آكَدُ الصفات المعتبرة، وأجدرها بالاعتناء.\nوهذا البحث كلّه على تقدير رَدِّ هذا الاستثناء إلى الاتِّصال، وهو القريب، \"والقول بأنه منقطع بعيد؛ لأنه\" استثناء \"مفرغ متّصل؛ لأنه\" بالنسبة إلى الأول \"من تمامه\"، ولذلك لا يجيز النَّحوي نصبه، ولا يقدر الأصولي فيه إلَّا بقدر الضرورة، ولا كذلك المنقطع.","vol":"3","page":291},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-670>\"فوائد\"\nالأولى: \"لا صلاة إلا بطهور\"</span> يذكره الأصوليون على أنه حديث، وهو لا يُعْرَف، فلو أبدل بما صَحّ وثبت من قوله ﷺ:\"لا صَلاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ\" كان جيدًا.\nالثانية: اتفق الكُلّ على إثبات مقتضى ما قبل الاستثناء بعده، وإنما الخلاف في أَنَّا هل نثبت نقيض المحكوم به، أو نقيض الحكم؟ فنحن نقول بالأول، والحنفية بالثاني.\nفإذا قلت: قدم القوم إلا زيدًا، فقد اتفقوا على أن\"إلا\" مخرجة، وأن زيدًا خارج، وما قبل \"إلا\" مخرج منه، غير أنه قد تقدم قبل \"إلا\" القيام والحكم به.\nوالقاعدة أن من خرج من نقيضٍ دخل في النقيض الآخر، فمن خرج من العدم دخل في الوجود وبالعكس.\nوقال علماؤنا: زيد مخرج من القيام.\nوقالت الحنفية: بل من الحكم به.\nفعندنا: لما خرج من القيام دخل في عدمه، وهو غير قائم.\nوعندهم: خرج من الحكم، فدخل في عدم الحكم، وهو غير محكوم عليه (^١).\nالثالثة: قال القرافي في قولهم: \"الاستثناء من النفي إثبات\" ليس على الإطلاق؛ لأن الاستثناء يقع من الأحكام نحو: ما قام القوم إلا زيدًا.\nومن الموانع نحو: \"لا تسقط الصلاة عن المرأة إلا بالحَيْضِ\".\nومن الشروط نحو: \"لا صلاة بغير طُهُور\"، فالاستثناء من الشرط مستثنى، فإنه لا يلزم من القضاء بالنَّفي لأجل عدم الشُّرْط القضاء بالوجود لأجل وجود الشرط؛ لأن الشَّرْط لا يلزم من وجوده، الوجود وبإخراج الشُّروط عن محل النزاع يحصل الجواب عن شُبْهَةِ الحنفية؛ فإن النصوص التي ألزمونا إياها أجمع من باب الشروط.\n\n<span data-type='title' id=toc-671>\"فروع\"</span>\nقال: ليس له عليَّ عشرة إلا خمسة، لم يلزمه شيء عند الأكثرين.\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله: فهو غير محكوم عليه أي: مسكوت عنه.","vol":"3","page":292},{"text":"<span data-type='title' id=toc-673>(التَّخْصِيصُ بِالشَّرْطِ):</span>\nالْغَزَّالِيُّ: الشَّرْطُ مَا لا يُوجَدُ الْمَشْرُوطُ دُونَه، وَلا يَلْزَمُ أَنْ يُوجَدَ عِنْدَهُ.\nوَأُورِدَ: أَنَّهُ دَوْرٌ، وَعَلَى طَرْدِهِ جُزْءُ السَّبَبِ.\nوَقِيلَ: مَا يَتَوَقَّفُ تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ عَلَيْهِ.\nوَأُورِدَ عَلَى عَكْسِهِ: الْحَيَاةُ فِي الْعِلْمِ الْقَدِيمِ.\nوَالْأُوْلَى: مَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيُهُ نَفْيَ أَمْرٍ؛ عَلَى غَيْرِ جِهَةِ السَّبَبِيَّةِ.\n<hr><s0>\n\nوفي وجه: يلزمه خمسة؛ لأن الاسثناء من النفي إثبات، والأول أصح؛ لأن مجموع عشرة إلَّا خمسة في جانب الإثبات معناه خمسة، فإذا تسلّط عليه النفي كان المعنى ليس له عليَّ المفهوم من قول القائل: عشرة إلَّا خمسة، وهو خمسة، وبهذا لا يلزمه شيء، فافهم ذلك.\nلو قال: لا أجامعك سَنَة إلا مرّة، فمضت سنة ولم يطأها، ففي وجه: تلزمه الكَفَّارة؛ لاقتضاء اللفظ الوطء، قال النووي: والأصح: لا.\nالشرح: ومن المخصّصات المتّصلة: \"التخصيص بالشرط\" (^١).\nقال \"الغزالي\":\"الشرط\": \"ما لا يوجد المشروط دونه، ولا يلزم أن يوجد عنده، وأورد: أنه دور\"؛ لأن المشروط مشتقّ من الشرط، فيتوقّف تعقله على تعلقه، \"وعلى طرده جزء السبب\"؛ إذ لا يوجد المسبب دونه، ولا يلزم أن يوجد عنده مع أنه ليس بشرط.\nقال القاضي عضد الدين (^٢): وقد يجاب عن الأول: أن ذلك بمثابة قولنا: شرط\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٣/ ٣٢٧، وإحكام الآمدي ٢/ ٢٨٨، والتمهيد للإسنوي ٤٠١، ونهاية السول له ٢/ ٤٣٧، ومنهاج العقول للبدخشي ٢/ ١٢٢، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ٧٧، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ٣٨٣، والمستصفى للغزالي ٢/ ١٦٣، وحاشية البناني ٢/ ٢٠، والإبهاج لابن السبكي ٢/ ١٥٥، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/ ٤٥، وحاشية العطار ٢/ ٥٥، والمعتمد لأبي الحسين ١/ ٢٤٠، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ١/ ٢٨٠، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ١٤٥، وميزان الأصول للسمرقندي ١/ ٤٥٢، وتقريب الوصول لابن جزيّ ٧٦، ونشر البنود للشنقيطي ١/ ٢٣٨، والكوكب المنير للفتوحي ٤٠٧، ٤٠٩، ٤١٠، وشرح تنقيح الفصول (٨٢).\n(^٢) ينظر: شرح العضد ٢/ ٤٥.","vol":"3","page":293},{"text":"وَهُوَ عَقْلِيٌّ؛ كَالْحَيَاةِ لِلْعِلْمِ، وَشَرْعِيٌّ؛ كَالطَّهَارَةِ، وَلُغَوِيٌّ؛ مِثْلُ: \"أَنْتِ طَالِقٌ، إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ\"، وَهُوَ فِي السَّبَبِيَّةِ أَغْلَبُ، وَإِنَّمَا اسْتُعْمِلَ فِي الشَّرْطِ الَّذِي لَمْ يَبْقَ لِلْمُسَبَّبِ سِوَاهُ؛ فَلِذَلِكَ يَخْرُجُ بِهِ مَا لَوْلاهُ لَدَخَلَ لُغَةً؛ مِثْلُ: \"أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ، إِنْ دَخَلُوا فَيَقْصُرُهُ الشَّرْطُ عَلَى الدَّاخِلِينَ، وَقَدْ يَتَّحِدُ الشَّرْطُ وَيَتَعَدَّدُ؛ عَلَى الجَمْع، وَعَلَى الْبَدَلِ، فَهَذِهِ ثَلاثَةٌ كُلٌّ مِنْهَا مَعَ الْجَزَاءَ كَذَلِكَ؛ فَتَكُونُ تِسْعَةً.\n<hr><s0>\n\nالشيء ما لا يوجد ذلك الشيء بدونه، وظاهر أن تصور حقيقة المشروط غير محتاج إليه في تعقل ذلك.\nوعن الثاني: أن جزء السَّبب قد يوجد المسبب دونه إذا وجد سبب آخر.\n\"وقيل\": الشرط \"ما يقف تأثير المؤثر عليه\" (^١) كالقَدُوم بالنسبة إلى النَّجَّار، ويفهم منه أنه لا تقف ذات المؤثر عليه، فيخرج جزء السبب.\n\"وأورد على عكسه: الحياة\" لواجب الوجود؛ فإنها شرط \"في العلم القديم\"، مع أنه لا تأثير في العلم القديم في الأزل؛ إذ المحوج إليه الحدوث، فقد صدق الشرط مع عدم صدق التعريف عليه.\n\"والأولى\" في التعريف أن يقال: \"ما يستلزم نفيه نفي أمر على غير جهة السببية\" بألَّا يكون سببًا تامًّا، ولا جُزْءًا منه.\nولقائل أن يقول: معرفة الشرط حينئذٍ تتوفف على معرفة السَّبب، وهو مثله في الخفاء.\nوالمختار ما ذكره القَرَافِيّ آخرًا، وهو أن الشرط ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته.\nقال: فالقيد الأول: احتراز من المانع؛ فإنه لا يلزم من عدمه شيء.\nوالثاني: من السبب؛ فإنه يلزم من وجوده الوجود.\nوالثالث: من مقارنة الشرط ووجود السبب، فيلزم كالحَولِ مع النِّصَابِ، أو فيلزم المانع، فيلزم العدم، ولكن ذلك ليس لذاته، بال لوجود السبب والمانع.\nالشرح: \"وهو\" أي: الشَّرْط ثلاثة أقسام:\n_________\n(^١) في حاشية ج: قوله: \"تأثير المؤثر\" أي في المشروط قوله: \"مع أنه لا تأثير في العلم … إلخ=","vol":"3","page":294},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"عقلي، كالحياة للعلم، وشَرْعِيّ، كالطَّهارة، ولغوي\" وأدواته كثيرة منها: \"إنْ\"، وهي أم الباب \"مثل: أنت طالق إِنْ دخلت الدار\" \"وهو \"أي: الشرط اللغوي \"في السببية أغلب\"، يستلزم وأكثر استعمالًا. لا يقال: إن دخلت الدار فأنت طالق، والمراد أن الدخول سبب الطلاق يستلزم وجوده لا مجرّد كون عدمه مستلزمًا لعدمه من غير سبب.\n\"وإنما استعمل\" السبب \"في الشرط الذي لم يبق للمسبب سواه\" من حيث إنه يستتبع الوجود مثل: أنت طالق إِنْ دخلت؛ فإنه يفهم أنه لم يبق من أسباب الطلاق إلَّا الدخول، [فكذلك] الذي قلناه من أن الغالب على استعمال الشَّرط في شرط لم يبق للمسبب [سواه] (^١) \"يخرج\" من الكلام \"به\" أي بواسطة الشَّرط \"ما لولاه لدخل\" في ذلك الكلام \"لغة\" مثل: \"أكرم بني تميم إن دخلوا\" فلولا الشَّرْط لدخل كل واحد من بني تميم في الإكرام، \"فيقصره الشرط لغة على الدَّاخلين\"، وكذلك أيضًا قبل الشروط اللُّغوية أسباب؛ إذ صار يلزم من وجودها الوجود، ومن عدمها العَدَم، وهذا حقيقة السبب.\n\"وقد يتحد الشرط، و\" قد \"يتعدّد\" إما \"على الجَمْع، و\" إما \"على البدل، فهذه\" أقسام \"ثلاثة\" بالنَّظر إلى الشرط \"كلّ منها مع الجزاء كذلك\" بأن يتّحد الجزاء تارة ويتعدّد [أخرى] (^٢)، ثم تعدده إما على الجميع، أو على البدل أيضًا؛ \"فتكون\" الأقسام عند التركيب \"تسعة\" حاصلة من ضرب ثلاثة في ثلاثة، وأحكامها واضحة.\nفإنك إذا رتبت جزاء على شرطين على الجمع لم يحصل إِلَّا عند حصولهما، وعلى البدل يكفي أحدهما، وكذا الجزاءان، وهي وَحْدَتهما، [وتعدّدهما جمعًا، وتعددهما بدلًا] (^٣).\nووحدة الشرط مع تعدّد الجزاء جمعًا وبَدَلًا.\nوتعدّد الشرط على الجمع مع وحدة الجزاء، وعلى البَدَل.\n_________\n= أي لا يصدق عليها أن تأثير المؤثر في العلم يتوقف عليها؛ لأنا فرضناه قديمًا، ولا مؤثر في العلم القديم. سعد الدين.\n(^١) في أ: سؤله.\n(^٢) في ج: بأن الجزاء تارة يتحد ويتعدد أخرى.\n(^٣) سقط في ج.","vol":"3","page":295},{"text":"وَ<span data-type='title' id=toc-675>الْشَّرْطُ كالاِسْتِثْنَاءِ فِي الاِتِّصَالِ وَفِي تَعَقُّبِهِ الْجُمَلَ.</span>\nوَعَنِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁: لِلْجَمِيعِ؛ فَفَرَقَ.\nوَقَوْلُهُمْ فِي مِثْلِ: \"أُكْرِمُكَ، إن دَخَلْتَ الدَّارَ\": مَا تَقَدَّمَ خَبَرٌ، وَالْجَزاءُ مَحْذُوفٌ؛ مُرَاعَاةً لِتقَدُّمِهِ؛ كَالاِسْتِفْهَامِ وَالْقَسَمِ، فَإِنْ عَنَوْا: \"لَيْسَ بِجَزَاءٍ فِي اللَّفْظِ\"، فَمُسَلَّمٌ، وَإِنْ عَنَوْا: \"وَلا فِي الْمَعْنَى\"، فَعِنَادٌ.\nوَالْحَقُّ: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ جُمْلَةً، رُوعِيَتِ الشَّائِبَتَانِ.\n<hr><s0>\n\nوتعدد الشرط على الجمع مع تعدّد الجزاء على البدله.\nوتعدد الشرط على البدل مع تعدّد الجزاء على الجمع.\n\n<span data-type='title' id=toc-674>\"فرع\"\n[لو] (^١) قال لامرأتيه: إن حضتما فأنتما طالقان </span>لم تطلق واحدة منهما حتى يحيضا، وإن قال: إن دخلتما هذين الدَّارين فدخلت كل واحدة إحدى الدَّارين لم تطلقا على الأصح، أو: أكلتما هذين الرغيفين، فأكلت كل واحدة منهما رغيفًا طلقتا على الأصح؛ لعدم إمكان أكل (^٢) كل واحدة الرغيفين.\nالشرح: \"والشرط كالاستثناء في\" حكم الاتصال، وفي تعقبه الجمل\" هل هو للكل أو الأخيرة أو الوقف؟\n\"وعن أبي حنيفة: للجميع\" له، \"ففرق\" بين الاستثناء والشرط؛ معتلًّا بأن الشرط له صدر الكلام، وهو مقدم تقديرًا، وذلك ضعيف؛ فإنه إنما يتقدم على ما يرجع إليه فقط.\nوأما النحاة \"وقولهم في مثل: أكرمك إن دخلت الدار\" بِناءً على أن الشرط له صدر الكلام أن \"ما تقدم\" يعني: أكرمك \"خبر\" مبتدؤه: محذوف تقديره: أنا أكرمك، \"والجزاء محذوف مراعاة لتقدمه كالاستفهام والقسم\"؛ لأن الشرط متقدّم على المشروط، وأكرمك متقدم على: إن دخلت، فلا يكون جزاء له.\n\"فإن عنوا\" بقولهم هذا أنه \"ليس بجزاء في اللفظ، فمسلم\" حق، ولذلك لم يجزم.\n_________\n(^١) سقط في ب.\n(^٢) في حاشية ج: قوله: لعدم إمكان … إلخ أي مع أكل الأخرى.","vol":"3","page":296},{"text":"<span data-type='title' id=toc-676>(التَّخْصِيصُ بِالْصِّفَةِ)</span> مِثْلُ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ الطِّوَالَ، وَهِيَ كالاِسْتِثْنَاء فِي العَوْدِ عَلَى مُتَعَدِّدٍ.\n(التَّخْصِيصُ بِالْغَايَةِ) مِثْلُ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إِلَى أَنْ يَدْخُلُوا فَتَقْصُرُهُ عَلَى [غَيْرِ] الدَّاخِلِينَ كَالصِّفَةِ. وَقَدْ تَكُونُ هِيَ وَالْمُقَيَّدُ بِهَا مُتَّحِدَيْنِ وَمُتَعَدِّدَيْنِ؛ كَالشَّرْطِ، وَهِيَ كالاِسْتِثْنَاء فِي الْعَوْدِ عَلَى الْمُتَعَدِّدِ.\n<hr><s0>\n\n\"وإن عنوا\" لا في اللفظ، \"ولا في المعنى، فعناد\"؛ إذ يعلم قطعًا أنه لا يدلُّ إلا على إكرام مقيد بقيد دخول الدار، ولذلك لو لم يدخل، ولم يكرم لم يعد مخلفًا وعده.\n\"والحق: أنه لما كان\" المتقدّم \"جملة\" خبرية مستقلّة لفظًا ومعنى، \"روعيت الشَّائبتان\"، وهما شَائِبَةُ اللفظ، فحكم بكونه خبرًا، والجزاء محذوف يدلّ الخبر عليه، وشائبة المعنى، فحكم بأنه جزاؤه.\nالشرح: ومن المخصّصات المتّصلة \"التخصيص بالصّفة (^١) مثل: أكرم بني تميم الطوال\"، فإن الصفة تقتضي قصر الإكرام على المتّصف، ولولاها لعم كلّ بني تميم طويلهم وقصيرهم، \"وهي كالاستثناء في [العود] (^٢) على متعدّد\"، هل يعود إلى الكلّ أو تختص بالأخيرة كما مضى؟\nواعلم أن الصِّفة المتقدمة كالمتأخرة في عود الخلاف، والأصحّ عندنا عودها على الجميع، ومثالها لو قال: وقفت على محتاجي أولادي وأولادهم، فيشترط الحاجة في أولاد الأولاد.\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط، للزركشي ٣/ ٣٤١: ٣٤٤، وإحكام الآمدي ٢/ ٢٩١، والتمهيد للإسنوي ٤٠٩، ونهاية السول له ٢/ ٤٤٢ - ٤٤٣، ومنهاج العقول للبدخشي ٢/ ١٢٢، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ٧٧، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ٣٨٥، وحاشية البناني ٢/ ٢٣، والإبهاج لابن السبكي ٢/ ١٦١، ١٦٣، الآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/ ٥٢، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٥٨، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ١/ ٢٨١، ٢٨٢، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ١٤٥، وميزان الأصول للسمرقندي ١/ ٤٥٢، وتقريب الوصول لابن جزي ٧٦، ونشر البنود للشنقيطي ١/ ٢٤٨، وينظر المسودة (١٩٧)، وشرح العضد ٢/ ١٣٢.\n(^٢) في أ: العدد.","vol":"3","page":297},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوأما المتوسط مثل: أولادي المحتاجين وأولادهم، فلا نعرف فيها نقلًا، ويظهر اختصاصها بما وليته، ويدلُّ له ما نقل الرَّافعي والنووي في أوائل \"الأيمان\" عن ابن كج، وسكتا عليه: أنه لو قال: عبدي حرّ إن شاء الله، وامرأتي طالق، ونوى صرف الاستثناء إليها صح؛ فإن مفهومه أنه إذا لم يَنْوِ لا يحمل الاستثناء عليهما، وإذا كان هذا في الشرط الذي له صدر الكلام.\nوقال بعوده إلى الجميع بعض من لا يقول بعود الاستثناء والصفة إلى الجميع، [فلأن] (^١) يكون في الصفة بطريق أولى، وحكم الاستثناء حكم الصفة، وكذلك الشرط، [بل] (^٢) أولى.\nومنها \"الغاية\" (^٣)، وحكم ما بعدها خِلافُ ما قبلها، وصيغتها: \"إلى\" و\"حتى\" \"مثل: أكرم بني تميم إلى أن يدخلوا، فيقصره على الداخلين\"، كذا بخط المصنف، وفي النسخ: على غير الداخلين، وهو إصلاح جيد أي: فيقصر الكلام على من لم يدخل.\nثم من لم يدخل قسمان:\nقسم لم يدخل أصلًا، وقسم دخلوا بعد أن لم يكونوا دخلوا.\nفالأولون مكرمون دائمًا، والآخرون مكرمون قبل الدخول.\nوأما نسخة المصنف، فلا وجه لها، وكأنه سقط لفظة \"غير\" منها \"كالصفة\" حيث يقصر الحكم على الموصوف بها، \"وقد تكون\" الغاية \"هي والمقيد بها متّحدين\" كما ذكرناه، \"ومتعددين\" إما على الجمع، أو على البدل فيهما، أو في أحدهما، فتكون الأقسام تسعة \"كالشرط، وهي كالاستثناء في العود على المتعدد\" هذا ما أطلقه الأصوليون.\nوإطلاقهم أن الغاية مخصّصة محمول على غاية تقدمها عموم يشملها لو لم يؤت بها مثل قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٢٩]؛ فإنه لولا هذه الغاية لشمل قتال المشركين حالتي إعْطَاء الجزية وعدمها، ولا يأتي ذلك في مثل قوله ﷺ: \"رُمعَ القَلَمُ\n_________\n(^١) في أ: فلا.\n(^٢) سقط في ب.\n(^٣) ينظر مصادر المسألة السابقة.","vol":"3","page":298},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتيقِظَ، وَعَن المَجْنُونِ حَتَّى [يفِيقَ (^١)] (^٢)؛ لأن حالة البلوغ، والإفاقة، والاستيقاظ: خارجة عن الصَّبِيِّ، والمجنون، والنائم، ولو لم تذكر الغايات (^٣) المذكورة لم يشملها، وإنما يقصد بالغايات في مثل هذا تأكيد العموم السَّابق، فإذن الغاية ترد لتأكيد العموم كما ترد لتخصيص العموم.\nنبه عليه أبى - قَدّس الله روحه - قال: ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [سورة القدر: الآية ٥]، فطلوعه وزمن طلوعه لَيْسَا من الليل حتى يشملهما قوله: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ قال:\nوربما قصد بها ارتفاع ذلك الحكم عند الغاية؛ فإنه لو اقتصر على قوله: \"رفع القلم عن الصبي\" شمل حالة الصِّبَا، ولم يتعرض لحالة البلوغ؛ بنفي ولا إثبات، فلما قال: \"حتى يبلغ\" فُهِمَ إثبات التكليف قب حالة البلوغ عند القائلين بالمفهوم.\nقلت: وقد يقال: إنَّ المفهوم ثابت في لفظ \"الصبي\"؛ فإنه مشعر بأن العلة الصبا، ولكن تأتي الغاية لتأكيد هذا الفَهْم، واجتماعُ مفهومين حسن.\nوقال في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٧]: أنه يحتمل أن يكون مثل قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [سورة النوبة: الآية ٢٩]؛ فإن الصيام لعله يشمل الليل والنهار، فخص هذا العموم بقوله: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾، والظاهر أنه مثل قوله: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾؛ فإن الصيام شرعًا لا يكون إلّا نهارًا.\nوأيضًا عموم قوله: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ إنما هو في أفراد الصيام، أي: أتموا كلّ صيام، ولا تعرض فيه للوقت.\n\n<span data-type='title' id=toc-678>\"فائدتان\"\nالأولى: الغايات ثلاث:</span>\nإحداها: غاية تقدمها عموم يشملها لو لم يُؤت بها، وهي التي تخصص.\n_________\n(^١) في أ: يعتق\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٤٠١)، والحاكم (١/ ٢٥٨)، وابن حبان (١٤٩٧ - موارد) من طريق أبي ظبيان عن علي مرفوعًا.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي.\n(^٣) على أن الغاية تأتي لتأكيد العموم.","vol":"3","page":299},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالثانية: غاية لو سكت عنها لم يدلّ اللفظ عليها نحو قوله: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر﴾ و﴿رُفِعَ القَلَمُ﴾، وهذه خارجة قطعًا.\nوالثالث: ما يكون اللّفظ الأول شاملًا لها، وتجري هي مجْرَى التأكيد مثل قولنا: قطعت أصابعه كلها [من الخِنْصَر إلى الإبْهَام؛ فإنه لو اقتصر على قوله: قطعت أصابعه كلّها] (^١) [الأفاد] (^٢) الاستغراق، وهي داخلة قطعًا، والمقصود فيها إنما هو تحقيق العموم لا تخصيصه، وكذا: بعتك الأشجار من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة.\nوإنما اختلف الأصْحاب فيما إذا قال: بعتك من هذه النَّخْلة إلى هذه النخلة، هل يدخل الابتداء أو الانتهاء، أو لا يدخل واحد منهما؛ لأنه لم يتقدم لفظ صريح في الدخول؟.\nونظيره: عليَّ مِنْ درهم إلى عشرة، أو: ضمنت مالك على فلان من درهم إلى عشرة قيل: يلزمه عشرة، وهو الصحيح عند البَغَوِيّ، وأبي ﵀.\nوقيل: تسعة، وصحّحه العراقيون، والغزالي، والنووي.\nوقيل: ثمانية.\n\n<span data-type='title' id=toc-679>الثانية: من شرط المُغَيَّا أن يثبت قبل الغاية،</span> ويتكرر حتى يصل إليها كقولك: سرت من \"البصرة\" إلى \"الكوفة\"، فإن السير الذي هو المُغَيَّا ثابت قبل \"الكوفة\"، ومتكرر في طريقها، وعلى هذا يمتنع أن يكون قوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦] غاية لغسل اليد؛ لأن غسل اليد إنما يحصل بعد الوصول إلى الإِبطِ، فليس ثابتًا قبل المِرْفَقِ الذي هو الغاية، فلا تنتظم غاية له.\nنعم: لو قيل: اغسلوا إلى المرافق ولم يقل: أيديكم انتظم؛ لأن مطلق الغسل ثابت [ومتكرر] (^٣).\nقال بعض الحنفية: فنعيّن أن يكون المُغَيَّا غير الغسل، أو يكون التقدير: اتركوا من آباطِكُمْ إلى المرافق، فيكون مطلق الترك بيانًا قبل المرفق ومتكررًا إليه، ويكون الغسل بعينه\n_________\n(^١) سقط في ج.\n(^٢) في ج: لإفادة.\n(^٣) في أ، ج: ويتكرر.","vol":"3","page":300},{"text":"<span data-type='title' id=toc-680>التَّخْصِيصُ بِالْمُنْفَصِلِ</span>\nمَسْألَةٌ:\nيَجُوزُ التَّخْصِيصُ بالْعَقْلِ.\nلَنَا: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الزمر: الآية ٦٢]. وَأَيْضًا: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٧]؛ فِي خُرُوجِ الْأطْفَالِ بِالْعَقْلِ.\n<hr><s0>\n\nلم يُغى، وهنا يتعارض المجاز والإضمار؛ فإن لنا أن نتجوّز بلفظ اليد إلى جزئها حتى يثبت المُغَيَّا قبل الغاية ولا يضمر، ولنا أن نضمر كما قال هذا الحنفي.\nومن هذا قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾؛ فإنه يقتضي ثبوت الصِّيَام بوصف التمام، وقبل غروب الشَّمس، وتكرره إلى الغروب، وليس كذلك، فيشكل كون الليل غاية للصوم.\nقال القرافي: وأجاب الشَّيخ عز الدين بن عبد السَّلام عن هذا السؤال بأن المراد: أتموا كلّ جزء من أجزاء الصوم بسننه وفرائضه، وكرروا ذلك إلى الليل، والكمال في الصوم قد يحصل في جزء من أجزاء اللَّيْل دون جزء من جِهَةِ اجتناب الكذب، والغيبة، والنميمة، وغير ذلك مما يأباه الصوم، فَأُمِرْنَا بتكرير هذا إلى الغروب. وقد انتهى الكلام على التخصيص بالمتصل، وهذا:\n«مسألة»\nالشرح: \"يجوز التخصيص بالعقل\" ضروريًّا كان أو نظريًّا.\nوقال قوم: لا يجوز (^١).\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٣/ ٣٥٥، وإحكام الآمدي ٢/ ٢٩٣، ونهاية السول للإسنوي ٢/ ٤٥١، ومنهاج العقول للبدخشي ٢/ ١٢٣، ١٦١، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ٧٨، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ٣٨٦، والمستصفى للغزالي ٢/ ٩٩، وحاشية البناني ٢/ ٢٤، والإبهاج لابن السبكي ٢/ ١٦٥، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/ ٥٧، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٦٠، والمعتمد لأبي الحسين ١/ ٢٥٢، وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ٢٦١، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ١/ ٢٧٣، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ١٤٧، وميزان الأصول للسمرقندي ١/ ٤٨٧، وتقريب الوصول لابن جُزَيّ ٧٦، والعدة ٢/ ٥٤٧.","vol":"3","page":301},{"text":"قَالُوا: لَوْ كَانَ تَخْصِيصًا، لَصَحَّتِ الإِرَادَةُ لُغَةً.\nقُلْنَا: التَّخْصِيصُ لِلْمُفْرَدِ، وَمَا نُسِبَ إِلَيْهِ: مَانِعٌ هُنَا، وَهُوَ مَعْنَى التَّخْصِيصِ.\nقَالُوا: لَوْ كَانَ مُخَصِّصًا، لَكَانَ مُتَأخِّرًا؛ لأِنَّهُ بَيَانٌ.\nقُلْنَا: لَكَانَ مُتَأَخِّرًا بيَانُهُ لا ذَاتُهُ.\nقَالُوا: لَوْ جَازَ بِهِ، لَجَازَ النَّسْخُ.\nقُلْنَا: النَّسْخُ عَلَى التَّفْسِيرَيْنِ مَحْجُوبٌ عَنْ نَظَرِ الْعَقْلِ.\nقَالُوا: تَعَارَضَا.\nقُلْنَا: فَيَجِبُ تَأْوِيلُ المُحْتَمِلِ.\n<hr><s0>\n\n\"لنا\": في الضروري قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الزمر: الآية ٦٢]؛ فإنا نعلم بالضرورة أنه ليس خالقًا لنفسه.\n\"وأيضًا\": لنا في النظري قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٧]؛ \"في خروج الأطفال بالعقل\".\nولقائل أن يقول على الأول: إنما يتأتى إذا قلنا بدخول المُخَاطِب في خطابه، وبإطلاق لفظ \"شيء\" على الباري تعالى.\nوعلى الثاني: الطفل إذا كان لا يستطيع فهو خارج بقوله: ﴿مَنِ استَطَاعَ إِليهِ سَبِيلًا﴾، وإلا فلا نسلم أن العقل يخرجه.\nواعلم أن الخلاف في المسألة لفظي؛ فإن أحدًا لا ينازع في أن ما يسمى مخصّصًا بالعقل خارج، وإنما النزاع في أن اللفظ هل شمله؟\nفمن لا يسمى العقل مخضصًا يدعى أن اللفظ لم يشمل ذلك، وهذا هو ظاهر نصّ الشافعي كما نبّهنا عليه في \"شرح المنهاج\".\nالشرح: والذين وافقوه على ذلك \"قالوا\" أولًا: \"لو كان\" مثل ذلك \"تخصيصًا\"، لكان اللفظ صالحًا له، ولو صلح له \"لصحّت الإرادة\" إرادة ما قضى العقل بإخراجه من العام \"لغة\" وهو باطل\" لأنا نعلم أن المتكلّم لا يريد ما يخالف صريح العقل.\n\"قلنا: التخصيص\" إنما وقع في \"المفرد\" أعني: لفظة \"كل شيء\"، ولفظة \"الناس\" بالنظر إلى كونه مفردًا \"وإنما نسب إليه\" مما لا يجوز بالعَقْل نسبته إلى كل أفراده كالخالقية في: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ووجوب الحج في ﴿وللهِ عَلَى النَّاسِ حجُّ البَيْتِ﴾ \"مانع هنا\"","vol":"3","page":302},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n\n<hr><s0>\n\nمن إرادة الجميع من اللَّفظ الصالح له قبل النسبة، \"وهو معنى التخصيص\".\n\"قالوا\" ثانيًا: \"لو كان\" العقل يسمى \"مخصصًا\" للعام \"لكان متأخرًا\" عنه؛ \"لأنه بيان\"، والبيان متأخر عن المبين.\n\"قلنا\": العقلي له ذات، وله صفة، وهي كونه بيانًا.\nفإن أردتم بالمتأخر في قولكم: لو كان مخصّصا \"لكان متأخرًا\" بذاته، فلا يلزم، وإن أردتم بيانه، فلا يمتنع، فالمتأخر \"بيانه لا ذاته\".\n\"قالوا\" ثالثًا: \"لو جاز\" التخصيص \"به لجاز النسخ\" به بجامع أن كلًّا منهما بيان.\n\"قلنا\" أولًا نسلم: انتفاء اللازم، فقد قال الإمام الرازي:\nيجوز النسخ به، ولكنه احتج بأن من سقط رِجْلاه نسخ عنه غسلهما.\nوهو مدخول؛ فإن الوجوب زائل ثَمَّ؛ لعدم القدرة.\nهذا وقد صرح في \"باب النَّسْخ\" بأنه لا بد أن يكون بطريق شرعي.\nفالتحقيق أن يقول: \"النسخ على التفسرين\" اللذين فسّر بهما هما بيان مدة الحكم، أو رفعه \"محجوب عن نظر العقل\"؛ إذ لا اطِّلاع له على انتهاء مدة الحكم، حتى يبين ذلك، ولا له حكم فيرفعه.\n\"قالوا\" رابعًا: إن الدليل العقلي والنقلي \"تعارضا\"، فليس كون العقل مخصصًا أولى من جريان دليل النَّقْل على قضيته.\n\"قلنا\": إذا تعارضا، \"فيجب تأويل المحتمل\" منهما للتأويل، وهو النقلي؛ لاستحالة إبطال قواطع العقول.\n\n\"فائدة\"\nادّعى الشيخ أبو حامد الإجماع على أن العَقل يخصّص، وهو محمول على أن ما [يسمى] (^١) مخصصًا خارج، ولا خلاف في المعنى لا على أنه يسمى، فإن الخلاف فيه مشهور، والشافعي ممن لا يسميه كما عرفناك.\n_________\n(^١) سقط في أ.","vol":"3","page":303},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nيَجُوزُ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ.\nأَبُو حَنِيفَةَ وَالْقَاضِي وَالْإِمَامُ ﵏: إِنْ كَانَ الْخَاصُّ مُتَأَخِّرًا؛ وَإِلَّا فَالْعَامُّ نَاسِخٌ، فَإِنْ جُهِلَ تَسَاقَطَا.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب\" خلافًا لشذوذ (^١).\nوقال \"أبو حنيفة، والقاضي، والإمام\": في كل عمام، سواء أكان من الكتاب أم من غيره \"إن كان الخاص متأخرًا\" خصص العام كتابًا كان أو غيره، \"وإلّا فالعام ناسخ\" للخاص.\n\"وإن جهل\" التاريخ \"تساقطا\"، وربما. قيل: يوقف، والتساقط والتوقف مُتَقَاربان، ويرجع إلى دليل آخر.\nوذهب الحسن بن عيسى بن العارض المعتزلي صاحب كتاب \"النكت\" إلى الوقف عند تعارض العام والخاص.\nواعلم أن المصنّف تكلّم في هذه المسألة في شيئين:\n\nأحدهما:<span data-type='title' id=toc-681> مسألة تخصيص الكتاب بالكتاب،</span> ولم يصرح فيها بذكر المخالف، وقد ذكرنا أنهم شذوذ.\nوالثاني: المسألة الملقّبة عند الأصوليين بـ \"بناء العام على الخاصّ\"، والخلاف فيها مع أبي حنيفة ومن وافقه، كما عرفت.\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٣/ ٣٦١، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٢/ ٢٩٦، ونهاية السول للإسنوي ٢/ ٤٥٦، ومنهاج العقول للبدخشي ٢/ ١٦٣، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ٧٨، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ٣٨٧، وحاشية البناني ٢/ ٢٦، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/ ٥٩، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٦١، والمعتمد لأبي الحسين ١/ ٢٥٤، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ١٤٧، والوجيز للكراماتسي ١٣، وميزان الأصول للسمرقندي ١/ ٤٧٢، ونشر البنود للشنقيطي ١/ ٢٥٠.","vol":"3","page":304},{"text":"لنَا: أَنَّ ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ [سورة الطلاق: الآية ٤]- مُخَصِّصٌ لِقَوْلهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٤]، وَكَذَلِكَ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٥]- مُخَصِّصٌ لِقَوْلهِ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢١].\n<hr><s0>\n\nوبين المسألتين عموم وخصوص من وجه؛ فإن من منع تخصيص الكتاب بالكتاب فقد منعه، سواء أكان المخصّص متقدمًا أم متأخرًا.\nومن قال: العام المتأخر ناسخ، فقد قال به، سواء أكان في الكتاب أم في غيره.\nولا شك أنّ كل من أجاز كون العام المتأخر من الكتاب مخصصًا، وهم أصحابنا، فقد أجازوا تخصيص الكتاب ضرورة أن هذا فرد من أفراده.\nومن منع تخصيص الكتاب مطلقًا فقد وافق الحنفية في منع كون العام المتأخر من الكتاب مخصصًا؛ إذ ما منعوه فرد مما منعه، ولا [ندري] (^١) هل يوافقهم أيضًا في جعله ناسخًا أو يخالفهم؟\nلأن النسخ أضعف، فإذا منع التخصيص منعه بطريق أوْلى.\nوإذا عرفت هذا، فلا يخفى عليك أن كُلَّ ما دل على أن العام المتأخر في الكتاب يكون مخصّصًا بالخاص المتقدم منه، فقد دلّ على مطلق تخصيص الكتاب، وكان فيه الرَّد على الفريقين:\nمانعي تخصيص الكتاب مطلقًا.\nومانعي كون المتأخر مخصصًا، بخلاف ما يدلّ على منع كون العام المتأخر ناسخًا؛ فإنه لا يلزم منه منع مطلق التخصيص ولا إثباته.\nالشرح: \"لنا\": الوقوع، وذلك \"أن\" قوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق: الآية ٤] \"مخصص\" \"لقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٤]. \"وكذلك\" قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [سورة المائدة: الآية ٥]. فإنه \"مخصّص لقوله\": ﴿وَلا تَنْكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢١]\n_________\n(^١) في أ، ج: يدرى.","vol":"3","page":305},{"text":"وَأَيْضًا: لا يَبْطُلُ الْقَاطِعُ بِالْمُحْتَمِلِ.\nقَالُوا: إِذَا قَالَ: \"اقْتُلْ زَيْدًا\" ثُمَّ قَالَ: \"لا تَقْتُلِ الْمُشْرِكِينَ\"؛ فَكَأَنَّهُ قَالَ: \"لا تَقْتُلْ زَيْدًا\" فَالثَّانِي نَاسِخٌ.\nقُلْنَا: الْتَّخْصِيصُ أَوْلَى؛ لأِنَّهُ أَغْلَب، وَلا رَفْعَ فِيهِ كمَا لَوْ تَأَخَّرَ الْخَاصُّ.\n<hr><s0>\n\nفهذا دليلٌ على وقوع تخصيص الكتاب بالكتاب. وقد قيل: إنَّ الخاص في الاثنين متقدّم ورودًا على العام، فإن ثبت هذا كان أيضًا دليلًا على من يجعل الخاصّ المتقدم منسوخًا، [وتتم] (^١) به الدعوتان جميعًا [انتهى] (^٢).\nومما يدلّ على الأمرين جميعًا أعني: تخصيص الكتاب بالكتاب، وكون العام المتأخر لا ينسخ الخاص المتقدم ما أشار إليه بقوله:\n\"وأيضًا لا يبطُل القاطع\"، وهو الخاص \"بالمحتمل\"، وهو المدلول عليه بالعام، بل يعمل بالخاص؛ لقوته، سواء أتأخر عنه العام، وهو صورة النزاع مع الحنفية، ومن وافقهم، أم كان أعم من أن يتقدم أو يتأخر، وهو صورة النزاع مع منع تخصيص الكتاب مطلقًا.\nفإن قلت: الحنفية لا يسلمون أن المدلول عليه بالعام محتمل، بل يدعونه قطعيًّا؛ لأن دلالة العام عندهم قطعية.\nقلت: هم وإن ادّعوه قطعيًّا، فلا يقولون: إن دلالته مساوية لدلالة الخاصّ، وإذا سلموا أن دلالة الخاصّ أقوى تَمَّ الدليل، ولو عبر المصنّف بـ\"الأقوى\" كما فعل الإمام الرازي، والآمدي فقال: \"وأيضًا لا يبطل الأقوى وهو الخاصّ بما هو دونه، وهو العام\" لكان أحسن وأسلم عن هذا الإيراد.\nولا يخفى عليك أنا تعسّفنا في تنزيل هذا الدَّليل على الحنفيّة، فإنهم يقولون: إنَّ دلالة العام مساوية لدلالة الخاصّ، فلا [ينهض] (^٣) الدليل عليهم.\nوإن كانوا غير مخطئين في هذه الدعوى، بل الظن أن من ادَّعى ذلك فقد باهت، والحامل لنا على هذا التعسّف ابتغاء تنزيل كلام المصنّف على المسألتين جميعًا.\nوأما الخصوم، وهم فريقان: مانعو تخصيص الكتاب مطلقًا، والقائلون بكون العام المتأخر ناسخًا لا مخصصًا، فقد \"قالوا\" أجمعون:\n_________\n(^١) في أ، ج: تتم.\n(^٢) سقط في ب.\n(^٣) في ج: ينتهض.","vol":"3","page":306},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"إذا قال: اقتل زيدًا\" المشرك، \"ثم قال: لا [تقتل] (^١) المشركين، فكأنه قال، لا تقتل زيدًا\"، ولا عمرًا إلى أن يأتي على الأفراد واحدًا واحدًا، ولكنه اختصر المطول، وأجمل المفصل.\nفقال: لا [تقتل] (^٢) المشركين، وإذا كان بمثابة: لا تقتل هذا ولا هذا إلى آخر الأفراد، فكأنه قال: لا تقتل زيدًا، \"والثاني\" وهو: لا تقتل زيدًا \"ناسخ\" بلا شكّ؛ لوروده بعد: اقتل زيدًا، وكذا ما هو بمثابته.\nإلى هنا ينتهي استدلال الحنفيّة، ومن وافقهم على أن العام المتأخر ناسخ.\nويزيد من يمنع تخصيص الكتاب مطلقًا، فيقول: وإذا كان المتأخر ناسخًا لكونه بمنزلة النَّص، وكذا لو تقدم العام؛ فإنه يقع التعارض بين الخاصّ ومحل التخصيص من لفظ العموم، فلا يخصّ به، ولا سبيل لنا هنا إلى دعوى أن الأول هنا - وهو العام - يكون ناسخًا؛ لأن الناسخ لا يتقدم على المنسوخ، أو لأنا إذا منعنا التخصيص، فبطريق أولى أن نمنع النسخ.\n\"قلنا:\" زيد بخصوصه إذا نص عليه لم يتأت التخصيص فيه، فيضطر إلى القضاء بالنسخ.\nوأما إذا لم ينصّ عليه، بل أتى بلفظ عام، فإن تخصيصه ممكن، فلا يصار إلى النسخ بل \"التخصيص أولى\" من النسخ، \"لأنه أغلب\"، والإلحاق بالأغلب أولى، كلقيط في بلد غالبُ أهلها مسلمون، فإنه يقضي عليه بالإسلام إلْحَاقًا للفرد الأعم بالأغلب.\n\"و\" لأنه \"لا رفع فيه\"، بل هو دافع، والنسخ رافع، والدفع أسهل من الرفع، وكلاهما \"كما لو تأخر الخاص\"، فإنه يحمل على التخصيص.\nوإن كان النسخ محتملًا بأن تقرر حكم العام، ثم يرفع، فلا يصار إليه، بل يجزم بالتخصيص بالوجهين المذكورين، ولمانع \"تخصيص الكتاب مطلقًا أن يمنع قولنا؛ فإنه يحمل على التخصيص؛ فإن ذلك مصادرة له على دعواه.\n_________\n(^١) في أ: يقتل.\n(^٢) في أ: يقتل.","vol":"3","page":307},{"text":"قَالُوا: عَلَى خِلافِ قَوْلِهِ: ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٤].\nقُلْنَا: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة النحل: الآية ٨٩]، وَالْحَقُّ أَنَّهُ الْمُبَيَّنُ بالْكِتَاب وَبِالسُّنَّةِ.\nقَالُوا: الْبَيَانُ يَسْتَدْعِي التَّأَخُرَ.\nقُلْنَا: اسْتِبْعَادٌ.\nقَالُوا: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: كُنَّا نَأْخُذُ بِالأَحْدَثِ فَالْأحْدَثِ.\nقُلْنَا: يُحْمَلُ عَلَى غَيْرِ الْمُخَصّصِ؛ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"قالوا\" ثانيًا: لو كان الكتاب مخصصًا لكان \"على خلاف قوله: \"لِتُبَيِّنَ\" لِلنَّاسِ مَا نزِّلَ إِلَيْهِمْ\" [سورة النحل: الآية ٤٤]؛ إذ التخصيص يتبين، والآية صريحة في أن المبيِّن هو الرسول ﷺ[فكيف] (^١) يكون الكتاب مبينًا؟ فدل أن القرآن لا يكون مخصصًا ألبتة.\nوإلى هنا ينتهي استدلال من منع تخصيص الكتاب مطلقًا، ويزيد الحنفي فيقول: وإذا لم يكن الكتاب مخصّصًا مطلقًا، لم يكن العام المتأخر من الكتاب مخصصًا؛ لأنه من جملة الأفراد.\nولا يقال: فيلزم ألَّا يكون الكتاب مخصّصًا ألبتة، وأنت أيها الحنفي لا تقول به.\nلأنا نقول: مقتضى هذا الدليل ما ذكرتم، ولكن خالفناه فيما إذا تقدم العام على الخاص؛ للإجماع منا ومن خصومنا، فبقي ما عداه على الأصل.\nفإن قلت: هَبْ أنه دالّ على أن العام المتأخر في الكتاب لا يكون مخصصًا إلا أنه لا يدل على أن كل عام متأخر لا يكون مخصصًا، ودعوى الحنفية هذا لا ذاك، والمسألتان كما تقدم بينهما عموم وخصوص مطلق؛ لأن من منع كون العام المتأخر مخصصًا منعه سواء أكان في الكتاب أم في غيره، ومن منع التَّخصيص في الكتاب منعه سواء أكان متأخرًا أم لا.\nقلت: هذا صحيح، ولكن إذا ثبت أنه لا يكون المتأخّر مخصصًا، وهو من الكتاب فلأن لا يكون المتأخر الذي هو من غير الكتاب مخصصًا بطريق أولى.\n_________\n(^١) في أ: وكيف.","vol":"3","page":308},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"قلنا\": هذا ولا [تعارض] (^١) بقوله تعالى في صفة القرآن: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة النحل: الآية ٨٩] فإنه يقتضي أنه يبين جميع الأشياء، ومن جملتها الكتاب.\n\"والحق أنه\" ﷺ هو \"المبين\"؛ إذ الكلّ ورد على لسانه ﷺ، فكان المبين للكلّ \"بالكتاب\" تارةً، \"وبالسُّنة\" أخرى.\n\"قالوا\" ثالثًا: \"البيان يستدعي التأخر\" عما هو بيان له، ثم افترقوا:\nفقال مانعو تخصيص الكتاب مطلقًا: والقرآن لا يتقدم بعضه بعضًا؛ لأنه كلام الله الأزلي الواحد بالذات، وهو كالكلمة الواحدة.\nوقالت الحنفية: فلا يكون الخاصّ المتقدّم [مبينًا] (^٢) للعام المتأخر.\n\"قلنا\": هذا \"استبعاد\"، وأي مانع من ورود المبيّن مع ما هو بيان له، أو قبله؟\nوقلنا: [\"مع\"] (^٣) ليخص بالكلام من منع تخصيص الكتاب مطلقًا معتلًّا بأنه كالكلمة الواحدة.\nوقلنا: \"قبل\" ليخصّ الحنفية.\nوحذف المصنّف اللفظين ليصلح كلامه للفريقين، [فافهم] (^٤) صغار الكلمات تعرف كبارها.\nفإن قلت: لم لا أجاب المصنف هنا بالاستفسار كما فعل فيما تقدم؟ فقال: إن كان المراد تأخر ذات البيان، فلا نسلّم أنه يلزم.\nوإن كان صفته وهو كونه بيانًا فلا نسلم أنه سابق، بل هو متأخر، فالسَّابق ذاته لا صفته؟!\nقلت: لأنه لو أجاب بهذا هنا لاختصّ بالحنفية، ولم يكن فيه ردّ على من منع تخصيص الكِتَاب، فأجاب بما يشمل الفريقين.\nوأنت إذا تأملت كلامه وجدته قد ذكر دلائل الفريقين من الخصوم بعبارة صالحة لهما، وترك في كل دليل الزيادة التي يختص بها كل واحد منهما مُحَالةً على شارحي كلامه\n_________\n(^١) في أ، ج: يعارض.\n(^٢) في أ: مثبتا.\n(^٣) في ب: منع.\n(^٤) في ب: فأوهم.","vol":"3","page":309},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nكما فعلنا، فلم يكن له سبيل إلى أن يذكر ما يختصّ بفريق؛ لئلا يتوهّم أن المسألة موضوعة للبحث مع [ذلك الفريق وحده، وإنما هي موضوعة للبحث مع [(^١) الفريقين جميعًا.\nنعم [ختم] (^٢) المسألة بدليل يختصّ بالحنفية فقال: \"قالوا: قال ابن عباس: \"كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث\" (^٣) ولفظه في صحيح مسلم: وكان صحابة رسول الله ﷺ يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره، وهو صريح في اتباع الجماعة كلّهم، فكان إجماعًا.\nوفي \"الموطأ\": \"وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث\"، وهو ظاهر في الإجماع، والعام المتأخر أحدث، فيجب الأخذ به، وترك الخاص المتقدم؛ وهو المدعي.\n\"قلنا: يحمل\" الأحدث في قول ابن عباس \"على غير\" العام \"المخصص جمعًا بين الأدلَّة\" من الجانبين، فإن الجمع - ولو بوجه - أولى.\nوقد ادَّعى الإمام الرازي، والآمدي، والهندي أن الحامل لهم على تخصيص قول ابن عباس بما إذا كان الأحدث هو الخاص: أنه قول صحابي.\nوحذف المصنّف ذلك، وهو حسن، فإن لقائل أن يقول: قد قدمنا صراحة رواية مسلم، وظهور رواية \"الموطأ\" عن ابن عباس في نقل إجماع الصحابة ﵃ فاندفع هذا.\nنعم في صحيح البخاري عن ابن عباس: \"وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر\" ولكنه محمول على ما صحّ في مسلم و\"الموطأ\"، فالأولى ما قررناه من الجمع؛ لأنه أولى، لا لأن القول قول صحابي لما ذكرناه، ولأنه لو كان قول صحابي لما احتجنا إلى الجمع؛ فإن قول الصَّحابي ليس عندنا حُجَّة.\n\n<span data-type='title' id=toc-682>\"تنبيه\"</span>\nلا يخفى عليك أن من جعل من الشَّارحين كلام المصنف مقصورًا على الكلام مع الحنفية، ومن وافقهم يلزمه أمور.\n_________\n(^١) سقط في ج.\n(^٢) في أ: حتم.\n(^٣) أخرجه البخاري (٥/ ٩٠) كتاب المغازي: باب غزوة الفتح في رمضان، ومسلم (٢/ ٧٨٤ - ٧٨٥) كتاب الصيام: باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر حديث (٨٨) ومالك في الموطأ\" كتاب الصيام باب ما جاء في الصيام، والنسائي (٤/ ١٨٩) كتاب الصيام: باب الرخصة للمسافر أن يصوم بعضًا ويفطر بعضًا.","vol":"3","page":310},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأحدها: أن يكون افتتح المسألة بمسألة كبرى، وهي مسألة تخصيص الكتاب بالكتاب، ثم أضرب عنها، وانتقل إلى مسألةٍ أخرى، وهي بناء العام على الخاصّ، ولا يقال: مسألة بناء العامّ على الخاص فرع لتلك، بل بينهما عموم وخصوص، من وجه كما قدمناه.\nنعم لو كان أبو حنيفة يخص جعل العام المتأخر ناسخًا بما إذا ورد في الكتاب، اتجه هذا وكنا نقول: هذه المسألة في تخصيص الكتاب بالكتاب، فالمختار جوازه.\nوالقول بالمنع لم يحكه المصنف، وقول التفصيل بين العام المتقدم والمتأخّر هو رأي أبي حنيفة وموافقيه، ولكن أبا حنيفة لا يقول بذلك، ولا تعلّق له بخصوص الكتاب، بل كلامه في تعارض العامّ والخاصّ مطلقًا، ولا فرق قيه بين أن يقع في الكتاب أو غيره.\nوالثاني: أن يكون استدل بالدَّليلين اللذين صدر بهما المسألة على الحنفيَّة، وهما لا [ينهضان] (^١) إلَّا بضميمة كلّ منهما.\nأما الآيتان فلا ينهضان إلَّا أن [يثبت] (^٢) نقلُ تاريخ التقدم والتأخر، ثم يقول: والظاهر أن المصنّف لو ادعى ثبوت نقل التاريخ في ذلك لبيّنه فقال: وهي متقدمة؛ لأن مثل هذا لا يهمل.\nوأيضًا: فالآمدي لم يذكر في \"الإحكام\" هذا، وإنما استدل بالآيتين على مطلق تخصيص الكتاب بالكتاب، والظاهر أن المصنّف تبعه.\nوالثالث: أن يكون من قال: العامّ المتأخر للنَّاسخ استدل بقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ ولم ير ذلك لأحد، وإنما استدلّ بهذه الآية من منع تخصيص الكتاب بالكتاب، كذا هو في \"الإحكام\" وغيره من كتب أصحابنا والحنفية، وإنما نحن تعسّفنا، وجعلنا الآية دليلًا لكلٍّ من الفريقين.\nوالرابع: مخالفة ظاهر قول المصنف في المسألة الآتية عقبهما، وهي كالتي قبلها؛ فإنه إنما أراد به أن [يخصّ] (^٣) السُّنة بالسُّنة كتخصيص الكتاب بالكتاب.\nوظاهره أن الذي [قبلها] (^٤) هو تخصيص الكتاب بالكتاب، ولا يخفى عليك أن من\n_________\n(^١) في ج: ينتهضان.\n(^٢) في أ، ج: ثبت.\n(^٣) في ج: تخصيص.\n(^٤) في أ، ج: قبله.","vol":"3","page":311},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nيجُوزُ تَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ.\nلَنَا: \"لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ\" - مُخَصِّصٌ لِقَوْلِهِ: \"فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ\"، وَهِيَ كَالَّتِي قَبْلَهَا فِي الْخِلافِ.\n<hr><s0>\n\nقصر كلامه على تخصيص الكتاب بالكتاب يلزمه أمور:\nأحدها: أن يكون المصنّف ترك البحث مع الحنفية في مسألة بناء العام على الخاص، وهي من أكبر مسائل الأصول التي لا يسع ابن الحاجب حذفها من مختصره.\nوالثاني: أن يكون ما نقله عن أبي حنيفة وموافقيه حَشْوًا في هذه المسألة؛ لأنه ليس بمذهب مفصل فيها كما عرفت، وإنما هو شيء استطرد ذكره مع عدم تعلّقه بما هو فيه.\nوالثالث: أن الدليل الأوَّل ظاهر في أنه من قبل الحنفية، وكذلك الثالث، وإنما [نحن] (^١) تعسّفنا فيهما؛ فجعلناهما من قبل الفريقين رَوْمًا لتعميم كلام المصنّف.\nوأما الرابع: فمتعين أنه من قبل الحنفية.\nوإذا وقفت على ما يلزم هؤلاء وهؤلاء، فلا يخفى عليك أن ما ارتكبناه نحن أحسن وأولى.\n«مسألة»\nالشرح: \"يجوز تخصيص السُّنة بالسُّنة\"؛ خلافًا لداود، وطائفة (^٢).\n\"لنا\": أن ما رواه البخاري ومسلم من قوله ﷺ: \"لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ\" (^٣) مخصص لقوله ﷺ الثابت في \"الصحيحين\" وغيرهما: \"فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ\" أو كان [عَثْريًّا] (^٤) \"العُشْر، وهي كالتي قبلها\" أعني تخصيص الكتاب - بالكتاب، فانقل ما مرّ بك ثَمَّ إلى هنا.\n_________\n(^١) سقط في ب.\n(^٢) ينظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٢٩٩ (٢).\n(^٣) أخرجه البخاري ٣/ ٣٧٨، في كتاب الزكاة: باب ليس فيما دون خمس ذود صدقة (١٤٥٩)، ومسلم ٢/ ٦٧٣، كتاب الزكاة (١/ ٩٧٩)، ومالك ١/ ٢٤٤ في الزكاة: باب ما تجب فيه الزكاة (١).\n(^٤) في ب: غمريا.","vol":"3","page":312},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nيَجُوزُ تَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ.\nلَنَا: \"تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيءٍ\" [سورة النحل: الآية ٨٩].\nوَأيْضًا: لا يُبْطَلُ الْقَاطِعُ بِالْمُحْتَمِل.\nقَالُوا: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٤]، وَقَدْ تَقَدَّمَ.\n\nمَسْأَلَةٌ:\n\"يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْقُرآنِ بِخبَرِ الْوَاحِدِ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"يجوز تخصيص السُّنة بالقرآن\" خلافًا لقوم.\n\"لنا\": قوله تعالى في صفة الكتاب ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.\nوأيضًا لا يبطل القاطع\" دلالة ومتنًا، وهو القران الخاص \"بالمحتمل\" دلالة، وهو خبر الآحاد العام، أو المحتمل دلالة لا متنًا، وهو المتواتر العام.\n\"قالوا\": قوله تعالى: \" ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ \" يقتضي أن الرسول ﷺ هو المبين لا غيره، \"وقد تقدم، جوابه، وهو أنه ﵇ هو المبين بالكتاب تارةً، وبالسنة أخرى (^١).\n«مسألة»\nالشرح: \"يجوز تخصيص القرآن بخبر الواحد، وقال به\" جمهور أصحابنا (^٢)، وكذا\n_________\n(^١) ذكر العلامة ابن الحاجب هنا تخصص السنة بالقرآن، ولم يمثل له. قال الزركشي: ومن أمثلة ذلك \"حديث ما أُبين من حي فهو ميت\" أخرجه ابن ماجه في السنن برقم [٣٢١٦] عام خص بقوله تعالى: ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثًا ومتاعًا إلى حين﴾ [سورة النحل: الآية ٨٠] وثانيها: قوله ﷺ \"البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة\" فإنه عام في الحر والعبد، وخص بالحر بقوله تعالى: ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥] والحديث أخرجه مسلم ٣/ ١٣١٧، كتاب الحدود: باب حد الزنى (١٣ - ١٦٩٠)، وأبو داود ٤/ ١٤٤، كتاب الحدود: باب في الرجم (٤٤١٥)، والترمذي ٣٢/ ٤، كتاب الحدود: باب ما جاء في الرجم على الثيب (١٤٣٤)، والبيهقي ٨/ ٢٢١ - ٢٢٢، والدارمي ٢/ ١٨١.\n(^٢) واعلم أنه لم يعلم خلاف بين الأصوليين في جواز تخصيص العام من الكتاب أو السنة=","vol":"3","page":313},{"text":"وَقَالَ بِهِ الْأَئِمَّةُ الأرْبَعَة، وَبِالْمُتَوَاتِرِ اتِّفَاقًا.\nابْنُ أَبَانٍ: إِنْ كَانَ خُصَّ بِقَطْعِيٍّ.\nالْكَرْخِيُّ: إِنْ كَانَ خُصَّ بِمُنْفَصِلٍ.\n<hr><s0>\n\n\"الأئمة الأربعة\" فيما نقل المصنّف، والحنفية ينكرونه، ومنعه بعض المتكلّمين مطلقًا،\n_________\n= المتواترة بالمستقل المقارن القطعي الثبوت بأن كان كتابًا أو سنة متواترة، إلا ما حكاه صاحب إرشاد الفحول وغيره من مخالفة بعض الظاهرية في تخصيص الكتاب بالكتاب، وبعض الشافعية وأحمد في رواية ومكحول في تخصيص السنة المتواترة بالكتاب وقد ألحق الحنفية المشهور بالمتواتر قائلين: لأنه على رأي الجصاص ومن وافقه من أنه يفيد علم اليقين فظاهر، وأما على رأي من يرى أنه يفيد علم الطمأنينة كابن أبان ومن وافقه؛ فلأنه قريب من اليقين، والعام ليس بحيث يكفر جاحده فهو قريب من الظن، وقد انعقد الإجماع على تخصيص عموم الكتاب بالخبر المشهور كقوله ﵇ \"لا يرث القاتل شيئًا\" وقوله ﷺ:\"لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها\".\nهكذا وجه الحنفية رأيهم في إلحاق المشهور بالمتواتر، وبين أنه على رأي الجصاص ومن وافقه من أنه يفيد علم اليقين أنه يقوي على معارضة الكتاب والخبر المتواتر عندهم، أما على الرأي الثاني فغير واضح ذلك منهم، لأن غاية ما تفيده هذه الشهرة غلبة الظن أي ظنًّا أقوى مما يفيده خبر الواحد، ولا يصل بالخبر إلى درجة القطع، وإذًا فكيف ينتهض الظني معارضًا للقطعي؟؟\nولعل الحامل للحنفية على تلك المحاولة التي أبدوها في الخبر المشهور وأنه ملحق بالمتواتر - ذهابهم إلى منع تخصيص القرآن بأخبار الآحاد؛ فإنهم لما وجدوا كثيرًا من الأحاديث انعقد الإجماع على تخصيص القرآن بها فتحوا باب الشهرة واسعًا، واعترفوا بتخصيصه، وراحوا يدعون الشهرة في كثير من الأحاديث راجين من وراء ذلك دفع ما يعود على أصلهم بالبطلان، وقد أفرطوا في ادعاء الشهرة حتى ادعاها بعضهم في أحاديث لم يثبت رفعها فضلًا عن شهرتها، فعلوا ذلك في حديث: \"أخروهن من حيث أخرهن الله\" فأثبتوا بذلك فرضًا وهو تأخير المرأة عنه في صلاته حتى إذا لم يفعل وحاذته المرأة فيها فسدت صلاته، وها هو ذا الكمال بن الهمام - وهو حنفي له مكانته بين الأحناف - يقول في فتح القدير تعليقًا على قول شارح الهداية \"أن الحديث من المشاهير\"، أنه لم يثبت رفعه فضلًا عن كونه من المشاهير وإنما هو في مسند عبد الرزاق موقوف على ابن مسعود إلخ ما قال ..\nفعلوا ذلك أيضًا في حديث: \"لا نكاح إلا بشهود\" جاء في \"العناية على الهداية\": وأما اشتراط =","vol":"3","page":314},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  الشهادة فلقوله ﵇: \"لا نكاح إلا بشهود\" واعترض بأنه خبر واحد؛ فلا يجوز تخصيص قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ به، وأجاب فخر الإسلام بأن هذا حديث مشهور تلقته الأمة بالقبول؛ فتجوز الزيادة به على الكتاب وعلق ابن الهمام على ذلك بأن ابن حبان روى من حديث عائشة أنه ﷺ قال: \"لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل، فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له\" قال ابن حبان: لا يصح في ذكر الشاهدين غير هذا وشتان ما بين هذا وبين قول فخر الإسلام أن حديث الشهود مشهور يجوز تخصيص الكتاب به. هذا ولما كان الكلام في هذا الفصل يتعلق بخبر الواحد الذي يتعارض مع العام من الكتاب أو السنة المتواترة، وهل يجوز تخصيص ذلك به أولا، وكان هناك قوم ينكرون وجوب العمل بخبر الواحد مطلقًا - كان ولا بد من التنبيه قبل حكاية المذاهب في هذا المقام على أن الخلاف هنا بين الذين يرون حجيته على ما هو التحقيق؛ إذ لا إشكال بين الأصوليين في عدم جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد على رأي من يقول بأنه ليس بحجة ..\nوللأصوليين في جواز تخصيص الكتاب أو السنة المتواترة بأخبار الآحاد أقوال: القول الأول وهو المختار في كتب الحنفية: أنه لا يجوز تخصيص الكتاب أو السنة المتواترة بأخبار الآحاد ما لم يخصا بقطعي دلالة وثبوتًا ..\nوقد نبه الكمال وشارحه صاحب \"التيسير\" على أن محل الكلام عند الحنفية - وجلى أن مراده المشترطون للمقارنة منهم لأن غير المشترطين لا يحتاجون إلى مثل هذا الغرض - ما لو فرض نقل الراوي أن الخبر قارن نزول الكتاب بأن يروى أن النبيّ ﷺ قرن بتلاوته الكتاب كلامًا دالًا على خروج بعض أفراد الكلام العام، وأنه لم يعلم خلاف بينهم في عدم جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد كما اختلفوا في قطعية العام ..\nوواضح أن التنبيه على الأول من أجل أن أكثر الحنفية يشترطون المقارنة في المخصص الأول، فلا بد إذا من معرفة تلك المقارنة - وطريقها ما ذكر - ثم الكلام بعد ذلك في كونه مخصصًا أولا، إذ لو لم يظهر ذلك لتوهم أن المنع من التخصيص بناء على فقدان الشرط، وليس كذلك، وعلى الثاني لدفع ما قد يتوهم أن من يرى ظنية العام من الحنفية يرى التخصيص بخبر الواحد، كما هو مذهب غيرهم من الظنيين، فنبه عنى أنه لا خلاف بينهم في عدم الجواز ..\nهذا ما يؤخذ من كتب المتأخرين منهم، وبالرجوع إلى ما قاله المتقدمون نرى أن أبا بكر الجصاص يذكر في أصوله أن تخصيص عموم القرآن والسنة الثابتة بخبر الواحد يجب أن يراعى فيه أن ما كان من ذاك ظاهر المعنى بين المراد وغير مفتقر إلى البيان ولم يثبت خصوصه بالاتفاق، فإنه لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد، وما كان من ظاهر القرآن أو السنة الثابتة قد ثبت خصوصه باتفاق أو كان في اللفظ احتمال للمعاني أو اختلف السلف في معناه، وسوغوا =","vol":"3","page":315},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  الاختلاف فيه، وترك الظاهر بالاجتهاد أو كان اللفظ في نفسه مجملًا مفتفرًا إلى البيان - فإن خبر الواحد مقبول في تخصيصه والمراد به، ثم قال: وهذا عندي مذهب أصحابنا وعليه مدار أصولهم ومسائلهم، وقد قال عيسى بن أبان في \"الحجج الصغير\": لا يقبل خبر خاص في رد شيء من القرآن ظاهر المعنى حتى يجيء ذلك مجيئًا ظاهرًا يعرفه الناس ويعملون به، مثل ما جاء أن لا وصية لوارث، ولا تنكح المرأة على عمتها؛ فإنه إذا جاء هذا المجيء فهو مقبول؛ لأن مثله لا يكون وهمًا، وأما إذا ورد عن رسول الله ﷺ حديث خاص فكان ظاهر معناه ينافي السنن الثابتة وأحكلام الإسلام أو كان ينفي سنة مجمعًا عليها أو يخالف شيئًا من ظاهر القرآن، فكان الحديث له وجه ومعنى يحمل عليه لا يخالف ذلك، حمل معناه على أحسن وجوهه وأشبهه بالسنن وأوفقه لظاهر القرآن، فإن لم يكن له معنى يحتمل ذلك فهو شاذ، قال عيسى: وكل آية من القرآن كانت خاصة في قول جماعة أهل العلم فالأخبار مقبولة بالنسبة لها، ولأهل العلم النظر في ذلك بأحسن ما بينهم في ذلك من الأخبار وأشبهها بالسنن نحو قوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ هي خاصة عندهم؛ لأن الصغيرين الذين لم يعقلا لم يدخلا فيها في قول أحد من العلماء، فلما أجمعوا على أنها خاصة قبل الخبر الخاص في المراد بها، وقال في الحجج الكبير: وكل أمر منصوص في القرآن فجاء خبر يرده أو يجعله خاصًّا وهو عام بعد أن يكون ظاهر المعنى لا يحتمل التفسير والمعاني فإن ذلك الخبر إن لم يكن ظاهرًا قد عرفه الناس وعملوا به حتى لا يشذ منهم إلا الشاذ فهو متروك ..\nفهذا نص منهم على أن ظاهر القرآن الذي لا يحتمل التفسير والمعاني ولم يثبت خصوصه بالاتفاق لا يخصص بخبر الواحد، ولا شك أن هذا يتفق وما قرره المتأخرون، ولا يزيد عليه إلا في التفصيل والإيضاح ..\nقال أبو بكر: وهذا مذهب الصدر الأول قد روى هذا الاعتبار عن جماعة منهم، وحكيت عنهم روايات تثبت أن مذهبهم كذلك - القول الثاني: أنه يجوز تخصيصه مطلقًا، سواء خص بقطعي أو لا، وهو مذهب أكثر من أهل الأصول ..\nالقول الثالث: أنه لا يجوز تخصيصه مطلقًا، وقد ذكر صاحب إرشاد الفحول أنه مذهب بعض الحنابلة، وحكاه الغزالي في المنخول عن المعتزلة، ونقله ابن برهان عن طائفة من المتكلمين والفقهاء ونقله ابن القطان عن طائفة من أهل العراق ..\nوتوقف في المسألة القاضي أبو بكر على ما حكاه جماعة. وهو القول الرابع. قاله شيخنا الشيخ فايد. وينظر: البحر المحيط للزركشي ٣/ ٣٦٤، والبرهان لإمام الحرمين ١/ ٤٢٦، وسلاسل الذهب للزركشي ٢٤٦، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٢/ ٣٠١، ونهاية السول للأسنوي ٢/ ٤٥٩، ومنهاج العقول للبدخشي ٢/ ١٦٦، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ٣٩٠، وحاشية البناني ٢/ ٢٧، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/ ٥٩، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٦٣، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى =","vol":"3","page":316},{"text":"القاضي بالوقف.\n<hr><s0>\n\n\"[وبالمتواتر] (^١) اتفاقًا\"، أي: يجوز تخصيص الكتاب بالسُّنة المتواترة بالاتفاق، ولذلك حكى الاتّفاق الشيخ الهِنْدِي.\nوعبارة الآمدي: لا أعرف فيه خلافًا، ومنهم من حكى خلافًا في السُّنة الفعلية.\nوقال \"ابن أبان (^٢): إن كان\" العام قد \"خصّ\" قبل ذلك \"بقطعي\" جاز تخصيصه بخبر الواحد، وإلا فلا (^٣).\nوقال \"الكَرْخي: إن خصّ\" (^٤) قَبلُ \"بمنفصل\" جاز، وإلا فلا\" (^٥).\nالشرح: وقال \"القاضي\" أبو بكر (^٦) \"بالوقف\".\n_________\n= ٢/ ١٤٩، والوجيز للكراماتسي ١٣، وميزان الأصول للسمرقندي ١/ ٤٧٣، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٢/ ٢١٨. وينظر: كشف الأسرار ١/ ٢٩٤، ومنتهى السول ٢/ ٥٠، والمنتهى لابن الحاجب ٩٦، والمسودة ١١٩، وشرح العضد ٢/ ١٤٨، والعدة ٢/ ٥٥٠، والتبصرة ١٣٢، واللمع ١٨.\n(^١) في ب: وبالتواتر.\n(^٢) عيسى بن أبان بن صدقة، أبو موسى. قاض من كبار فقهاء الحنفية، كان سريعًا بإنفاذ الحكم، عفيفًا، خدم المنصور العباسي مدة، وولى القضاء بـ \"البصرة\" عشر سنين، له كتب منها: \"إثبات القياس\" و\"اجتهاد الرأي\" و\"الجامع\" و\"الحجة الصغيرة\". وتوفي بـ \"البصرة\" سنة ٢٢١ هـ. ينظر: تاريخ بغداد ١١/ ١٥٧، والجواهر المضيّة ١/ ٤٠١، والأعلام ٥/ ١٠٠.\n(^٣) ينظر: المصادر السابقة للمسألة.\n(^٤) ينظر: المصادر السابقة.\n(^٥) وأصل المسألة يلتفت على أن دلالة العام على أفراده قطعية أو ظنية، فإن قلنا: قطعية لم يجز بخبر الواحد، لأن الظني لا برفع القطعي، وإن قلنا: ظنية جاز.\nوجعل ابن برهان الخلاف مبنيًّا على أن خبر الواحد ليس بمظنون من كل وجه عندنا، ومظنون من جميع الوجوه عندهم.\nونقل الغزالي الخلاف فيه عن المعتزلة، وأشار إلى بناء الخلاف على أن دلالة الكتاب قطعية كمتنه، أو ظنية.\nفإن قلنا: ظنية جاز التخصيص، وإلا فلا. انظر: سلاسل الذهب ص ٢٤٦.\n(^٦) ينظر مراجع المسألة.","vol":"3","page":317},{"text":"لَنَا: أَنَّهُمْ خَصُّوا ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٤] بقَوْلهِ ﵊: \"لا تُنكحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلا عَلَى خَالَتِهَا\"، وَ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة النساء: الآية ١١] بِقَوْلِهِ [﵊]: \"لا يَرِثُ الْقَاتِلُ وَلا الْكَافِرُ مِنَ الْمُسْلِمِ، وَلا الْمُسْلِمُ مِنَ الْكَافِرِ\"، وَ\"نَحْنُ - مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاء - لا نُورَثُ.\n<hr><s0>\n\nقيل بمعنى: لا أدري.\nوقيل: بمعنى أنه يقع التعارض في ذلك القَدْرِ الذي دلَّ العموم على إثباته، والخصوص على نفيه، فتوقف عن العمل، وهذا هو ظاهر كلامه في \"التقريب\".\nوذكر ابن السَّمْعَاني أن محل الخلاف في أخبار الاحاد التي لم تجمع الأُمة على العمل بها.\nقال: وأما ما أجمعت على العمل به كقوله ﵊: \"لا مِيرَاثَ لِقَاتِلٍ وَلا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ\" (^١)، [ولنهيه] (^٢) عن الجمع بين المرأة وعمّتها، أو خالتها، أو ابنة أخيها، فيجوز تخصيص العموم، ويصير ذلك كالتخصيص بالمتواتر؛ لانعقاد الإجماع على حكمها، ولا يضرّ عدم انعقاده على روايتها.\nولقائل أن يقول: لا حاصل لهذا؛ فإن الإجماع لا بُدَّ له من مستندٍ، فإن كان غير أخبار الآحاد، فليس من مسألة تخصيص الكتاب بخبر الواحد في شيء، وإن كان من الآحاد، فلا بدّ أن يحيله من يمنع التخصيص بها؛ لأنه عنده باطل، والأمة لا تجمع على باطل.\nنعم إنْ نُقِلَ أَنَّ الأمَّة أجمعت على التَّخصيص بخبر الواحد في صورة ما كان ردًّا على من يمنع التخصيص به، وهو ما يدعيه المصنف بقوله:\nالشرح: \"لنا\": على الجواز الوقوع من الصحابة بدليل \"أنهم خصوا\" قوله تعالى: \" ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٤] الذي هو عام في نكاح المرأة على\n_________\n(^١) أخرجه أحمد ٤/ ١٨٦، والترمذي ٤/ ٣٧٧، ٣٧٨، كتاب الوصايا: باب لا وصية لوارث (٢١٢١)، وأبو داود ٣/ ١١٤، كتاب الوصايا: باب ما جاء في الوصية للوارث (٢٨٧٠).\n(^٢) في ج: كنهيه.","vol":"3","page":318},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nعمّتها، وعلى خالتها \"بقوله ﷺ: \"لا تُنْكحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلا خَالَتِهَا\" (^١) والحديث رواه الأئمة السّتة من حديث أبي هريرة.\nولفظه: \"نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها\"، \"و\"كذلك خصُّوا قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ١١] وهو عام في كل ولد، سواء أكان قاتلًا أم كافرًا أم غير ذلك وفي كل والد، سواء أكان نبيًّا أم غيره \"بقوله ﷺ: \"لا يَرِثُ القَاتِلُ وَلا الكَافِرُ مِنَ المُسْلِمِ وَلا المُسْلِمُ مِنَ الكافِرِ\" (^٢)، و\"نَحْنُ مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاء لا نُورَثُ\".\nوروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عن النبي ﷺ قال: \"لا يَرِثُ القَاتِلُ شَيْئًا\"، رواه النَّسائي من حديث إسماعيل بن عَيَّاش (^٣) عن ابن جريج (^٤)، ويحيى بن سعيد.\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٥٣٢، كتاب النكاح: باب ما لا يجمع بينه من النساء (٢٠)، والبخاري ٩/ ٦٤، كتاب النكاح: باب لا تنكح المرأة على عمتها (٥١٠٩) وطرفه في (٥١١٠)، ومسلم ٢/ ١٠٢٨، كتاب النكاح: باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها (٣٣/ ١٤٠٨).\n(^٢) أخرجه البخاري ١٢/ ٥٠، في الفرائض: باب لا يرث المسلم الكافر (٦٧٦٤) ومسلم ٣/ ١٢٣٣، في الفرائض: (١/ ١٦١٤).\n(^٣) إسماعيل بن عياش بن سليم العنسي، أبو عتبة الحمصي، عالم الشام، وأحد مشايخ الإسلام. وثقه أحمد وابن معين ودُحيم والبخاري وابن عدي في أهل الشام، وضعفوه في الحجازيين. قال يزيد بن هارون: ما رأيت أحفظ من إسماعيل، ما أدري ما الثوري. قال محمد بن مُصَفَّى: مات سنة إحدى وثمانين ومائة، عن بضع وسبعين سنة. ينظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٣٣٤، سير الأعلام ٨/ ٣١٢، وشذرات الذهب ١/ ٢٩٤، والوافي بالوفيات ٩/ ١٨٤، وميزان الاعتدال ١/ ٢٤٠، والجرح والتعديل ٢/ ١٩١، والكاشف ١/ ١٢٧، وتهذيب الكمال ١/ ١٠٦، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ٩٢.\n(^٤) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأموي، مولاهم، أبو الوليد، وأبو خالد المكي الفقيه، أحد الأعلام، عن ابن أبي مليكة، وعكرمة مرسلًا. وعن طاوس مسألة ومجاهد ونافع وخلق. وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري أكثر عنه الأوزاعي والسفيانان وخلق.\nقال أبو نعيم: مات سنة خمسين ومائة. ينظر ترجمته في تهذيب الكمال: ٢/ ٨٥٥، وتهذيب التهذيب: ٦/ ٤٠٢ (٨٥٥)، وتقريب التهذيب: ١/ ٥٢٠ (١٣٢٤)، وخلاصة تهذيب الكمال: ٢/ ١٧٨، والكاشف: ٢/ ٢١٠، وتاريخ البخاري الكبير: ٥/ ٤٢٢، وتاريخ البخاري الصغير:=","vol":"3","page":319},{"text":"وَأُورِدَ: إِنْ كَانُوا أَجْمَعُوا، فَالْمُخَصِّصُ الْإِجْمَاعُ؛ وَإِلَّا فَلَا دَلِيلَ.\nقُلْنَا: أَجْمَعُوا عَلَى التَّخْصِيصِ بِهَا.\n<hr><s0>\n\nوعن عمرو بن شعيب أن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لَيْسَ لِقَاتِلٍ مِيرَاثٌ\" رواه مالك في \"الموطأ\"، والنسائي أيضًا.\nوقال: هذا هو الصواب، وحديث إسماعيل خطأ.\nوعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"القَاتِلُ لَا يَرِثُ\" رواه الترمذي، وابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي من حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة (^١)، وهو شيخ لا يحتجّ به أهل الجرح والتعديل، وقد قال الترمذي: لا يصح.\nوأنا أقول: حديث منع القاتل له طرق يؤيد بعضها بعضًا، وكذلك قال البَيْهَقي: إسحاق لا يحتج به إلا أن شواهده تقويه.\nوفي \"الصحيحين\" أن النبي ﷺ قال: \"لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ وَلَا الكَافِرُ المُسْلِمَ\".\nوتقدم حديث: \"نَحْنُ مَعَاشِرَ الأنْبِيَاءِ\" أول العموم.\nالشرح: \"وأورد\" على هذا الدَّليل أنهم \"إن كانوا أجمعوا\" على التخصيص، \"فالمخصّص الإجماع\" الصَّادر منهم لا خبر الواحد، \"وإلا فلا دليل\".\n\"قلنا: أجمعوا على التخصيص بها\"، وهم لا يجمعون على باطل، فدلَّ على أن التخصيص بها حق؛ فوضح سقوط هذا السؤال، وإن كان ينطبق على دعوى ابن السمعاني التي قدمناها.\n_________\n= ٢/ ٩٨، ٩٩، ١١١، والجرح والتعديل: ٥/ ١٦٨٧، وميزان الاعتدال: ٢/ ٦٥٩، ولسان الميزان: ٧/ ٢٩٢.\n(^١) إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، مولى عثمان، مدني. عن: مجاهد وعمرو بن شعيب. وعنه: الليث ويحيى بن حمزة. قال البخاري: تركوه. مات سنة أربع وأربعين ومائة على الصحيح.\nينظر: تهذيب الكمال ١/ ٨٦، وتهذيب التهذيب ١/ ٢٤٠، والكاشف ١/ ١١١، وتاريخ البخاري الكبير ١/ ٣٩٦، والجرح والتعديل ٢/ ٢٢٧، وميزان الاعتدال ١/ ١٩٣، ولسان الميزان ٧/ ١٧٥، وموضوعات ابن الجوزي ٣/ ٢٤، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ٢٩، ٧٤.","vol":"3","page":320},{"text":"قَالُوا: رَدَّ عُمَرُ ﵁ حَدِيثَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؛ \"أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةً\" لَمَّا كَانَ مُخَصِّصًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ [سورة الطلاق: الآية ٦]؛ وَلِذِلِكَ قَالَ: \"كَيْفَ نَتْرُكُ كِتَابَ رَبِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ\".\nقُلْنَا: لِتَرَدُّدِهِ فِي صِدْقِهَا؛ وَلِذلِكَ قَالَ: لَا نَدْرِي أَصَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ.\nقَالُوا: الْعَامُّ قَطْعِيٌّ وَالْخَبَرُ ظَنِّيٌّ.\n<hr><s0>\n\nواعترض القاضي في \"التقريب\" دعوى الإجماع؛ فإن جميع الأخبار التي خصوا بها العام قامت بها الحُجَّة عند الصحابة ﵃، وعلموا صحّتها، أي: فما خصوا إلا قطعيًّا بقطعي.\nقال: وقد بسطنا الجواب عن كل خبر في الكتاب الكبير.\nقلت: يعني \"التقريب\" و\"الإرشاد الكبير\" [الذي له] (^١) الذي لم نَقِفْ عليه، والذي وقفنا عليه هو الصّغير كما ذكر في خُطْبته، والصغير في أربعة أسفار كبار، وبلغنا أن الكبير في اثني عشر سفرًا.\nالشرح: \"قالوا: ردّ عمر حديث فاطمة بنت قيس\" (^٢) عن النبي ﷺ \"أنه لم يجعل لها سُكْنَى ولا نفقة\" في الطَّلاق البائن \"لما كان مخصّصًا لقوله\" تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ [سورة الطلاق: الآية ٦].\n\"ولذلك قال: \"كيف نترك كتاب ربنا لقول امرأة\" وقد تقدم الكلام على هذا الحديث في الأخبار.\n_________\n(^١) سقط في أ.\n(^٢) فاطمة بنت قيس بن خالد الأكبر بن وهب بن ثعلبة بن وائلة الفهرية. صحابية لها أربعة وثلاثون حديثًا.\nاتفقا على حديث وانفرد مالك بثلاثة.\nوعنها الأسود بن يزيد، وعروة، قال ابن عبد البر: كانت من المهاجرات الأول. ينظر ترجمتها في: تهذيب التهذيب (١٢/ ٤٤٤ ت: ٢٨٦٦)، والتقريب: ٢/ ٦٠٩، والثقات: ٣/ ٣٣٦، وأسد الغابة: ٧/ ٢٣٠، وأعلام النساء: ٤/ ٩٢، والاستيعاب: ٤/ ١٩٠١.\nوالإصابة: ٨/ ٦٩، وتجريد أسماء الصحابة: ٢/ ٢٩٥.\nوالكاشف: ٣/ ٤٧٨، وتهذيب الكمال: ٣/ ١٦٩٣، والخلاصة ٣/ ٣٨٩، وتلقيح فهوم أهل الأثر: ٣٦٦، وأسماء الصحابة الرواة: ت: ٨٧.","vol":"3","page":321},{"text":"وَزَادَ ابْنُ أَبَانِ وَالْكَرْخِيُّ: لَمْ يَضْعُفْ بِالتَّجَوُّزِ.\n<hr><s0>\n\n\"قلنا\": إنما ردّ خبرها \"لتردّده في صدقها\"، لا لأنه خبر واحد، \"ولذلك قال\": \"لا ندري أصدقت أم كذبت\" كذا ذكر المصنّف.\nوالحق: أنه إنما تردّد في صدقها؛ لأنه لم يدر أحفظت، فيكون خبرها مطابقًا، فيكون صدقًا، أم نسيت، فلا يكون مُطَابقًا، فيكون كذبًا، وهذا هو لفظ عمر ﵁ قال: \"كيف نترك كتاب رَبّنا وسُنَّة نبينا لقول امرأة لا ندري أحفظت أو نسيت\" رواه مسلم، ثم هو مع ذلك مختلف في صحة نقل أبي داود عن أحمد بن حنبل أنه لا يصح عنده.\nوقال ابن أبي حاتم: إن أباه أبا حاتم ذكر أنه عنده غير متّصل.\nوأما: \"لا ندري كذبت أو صدقت فلفظ ربّما أوهم ظاهره أنه توهم فيها اعتمادًا للكذب، ومعاذ الله أن يتوهّم عمر ﵁ ذلك في فاطمة بنت قَيْسٍ، فكيف ثبت هذا عن عمر؟.\nوإنما روي بإسناد ضعيف مظلم، ذكره الحارثي فقال: أنبأنا أحمد بن محمد بن سعيد الهَمْدَاني، حدثنا الحسن بن حماد بن حكيم الطَّالقاني حدّثنا أبي حدَّثنا خلف بن ياسين الزَّيَّات عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن الأسود (^١) قال: قال عمر بن الخطاب: \"لا ندع كتاب ربّنا وسُنَّة نبينا ﵇ لقول امرأة لا ندري صدقت أم كذبت، المطلقة ثلاثًا لها السُّكنى والنفقة\" وهذا الإسناد ساقط إلى أبي حنيفة.\nوأحمد بن محمد بن سعيد هو ابن عُقْدة، وهو مجمع الغرائب والمناكير.\n\"قالوا: العام قطعي، والخبر ظني\" فلو خصّصه لترك القطعي بالظني.\nالشرح: \"وزاد ابن أبان والكَرْخي\" على ذلك ما يتمشَّى على مذهبهما، فقالا: قطعي \"لم يضعف بالتجوز\".\n_________\n(^١) الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، أبو عمرو أو أبو عبد الرحمن الكوفي. مخضرم فقيه. عن: ابن مسعود وعائشة وأبي موسى وطائفة. وعنه: إبراهيم النخعي وابنه عبد الرحمن وأبو إسحاق وعمارة بن عمير وطائفة. وثقة ابن معين. قال إبراهيم: كان يختم من كل ليلتين. وروى أنه حج ثمانين حجة. توفى سنة ٧٤ أو ٧٥ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد ٩/ ٤، أعيان الشيعة ٣/ ٤٤٣، حلية الأولياء ٢/ ١٠٢، شذرات الذهب ١/ ٨٢، الوافي بالوفيات ٩/ ٢٥٦، الثقات ٤/ ٣١، تذكرة الحفاظ ١/ ٥٠، تهذيب الكمال ١/ ١١٢، تهذيب التهذيب ١/ ٣٤٢، خلاصة تهذيب الكمال ١/ ٩٧، البداية والنهاية ٩/ ١١.","vol":"3","page":322},{"text":"قُلْنَا: التَّخْصِيصُ فِي الدَّلَالَةِ، وَهِيَ ظَنِّيَّةٌ، فَالْجَمْعُ أَوْلَى.\nالْقَاضِي: كِلَاهُمَا قَطْعِيٌّ مِنْ وَجْهٍ؛ فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ.\nقُلْنَا: الْجَمْعُ أَوْلَى.\n<hr><s0>\n\nوالخبر ظنّي، فكيف نترك القَطْعي من أجله.\n\"قلنا\": العام قطعي في مَتْنه، دون دلالته؛ لأن دلالة العام ظنيَّة، والخاص بالعكس، و\"التخصيص\" لم يقع في المَتْن، بل \"في الدّلالة، وهي ظنية\"، وإذا كان خبر الواحد الخاصّ قطعيّ الدلالة مظنون المَتْن، والكتاب العامّ عكسه، فيتعادلان، وإذا تعادلا، \"فالجمع\" بينهما بأن يجعل العام دَلِيلًا في غير مورد الخاص \"أولى\" من إلغاء أحدهما.\nواعلم أن ابن أبان (^١)، والكرخي يعتقدان دلالة [العام] (^٢) قطعية، فرجع اختلافًا معهما إلى أن دلالة العامّ على أفراده هل هي قطعية؟ لا سيّما إذا لم تخصّ، فلا يخصّها خبر الواحد، أو ظنية، فيخصها.\nولذلك قال ابن السَّمْعَاني: ما قاله ابن أبان مبني على أصل له لا يوافقه عليه.\nوالحاصل: أنهما على ضعف مذهبهما لا يوافقان على قولنا: العامّ ظني الدلالة، فلننقل الكلام معهما إلى أصلهما الذي لا يمتري - عند الإنصاف - ذوو الألباب في ضعفه، ولنا فيه قول ليس هذا موضعه.\nوقال \"القاضي: كلاهما قطعي من وجه\" العامّ في متنه، والخاصّ في دلالته، فتعادلا \"فوجب التوقف\".\n\"قلنا\": لا نسلّم عدم الأولوية، بل الخاصّ أولى؛ لما فيه من الجمع بينهما؛ إذ \"الجمع\" بين الدّليلين، ولو من وجه \"أولى\".\nوليتنبّه طالب التَّحقيق هنا لمهم، وهو أن شيخنا أبا الحسن، والقاضي أبا بكر يطلبان (^٣) في مسائل أصول الفقه القطع، ولا يكتفيان بالظَّن إلَّا فيما ندر من فروعه، وربَّما\n_________\n(^١) قال القرافي في \"نفائس الأصول\" المحدثونُ والنحاة على عدم صرف أبان قال ونقله ابن يعيش في شرح المفصل عن الجمهور وقال إنه بناء على أن وزنه أفعل وأصله أبين صيغة مبالغة في الظهور الذي هو البيان والإبانة. فيقول هذا أبين من هذا أي أظهر وأوضح فلوحظ أصله مع العملية التي فيها فلم يصرف.\n(^٢) سقط في أ.\n(^٣) في أ: يبطئان، وفي ب: ينطبان.","vol":"3","page":323},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقع الخلاف في بعضها، هل هي من القَطْعيات أو غيرها؟ فيصرّح في المسألة بالخلاف فيه، كمسألة النَّقض، وتخصيص العموم بالقياس، وخبر الواحد ونحوها، فإذا توقّف الشيخ والقاضي، فاعلم أن وَقْفتهما إنما هي عن القطع، ولا يمنعان الظن.\nوأصحابنا يكتفون في العمليات بالظُّنون، ولا يمنعون أن القطع منتفٍ في أكثر المسائل، فالقاضي مثلًا في مسألتنا هذه واقف عن القطع لا عن الظن، وإنما لم يوجب تخصيص الكتاب بالآحاد؛ لأنه لا يعمل بالظنون.\nوأصحابنا أيضًا لا ينكرون أن القطع منتفٍ، ولكنهم يخصصونه؛ لأنهم يعملون بالظنون.\nوبهذا يتضح لك أنه لا يكاد يقع خلافٌ بيننا وبين الشيخ والقاضي إلا وهذه سبيله، ونحن عند التَّحقيق متفقون على وِجْدان الظَّنّ، ولكن مختلفون في أنه هل يعمل به.\nوقد قدمنا عن القاضي في مسألة تعقّب الاستثناء الجمل أنه واقف، مع قضائه برجحان مذهب الشَّافعي؛ ولذلك صرّح في مسائل لا تحصى برجحان أحد المذاهب مع وقفته عن القضاء بمذهب معين؛ لابتغائه القطع، فاحفظ ذلك فهو مفيد نافع، وبه ينجلي لك غَيْهَبُ مشكلة قعد عن القيام بإيضاحها الأكثرون، واستهون بأمرها من لا يدري الحقائق، وهي كثرة ذهاب العلماء إلى الوَقْفِ في مسائل الأصول، وحكاية المحققين وقفهم قَوْلًا مستقلًّا بنفسه، فيحكون مثلًا النفي والإثبات والوقف وعدم ذلك في الفقهيات، فلا ترى الفقهاء يحكون الوقف قَوْلًا، وإن تردّد منهم متردّد في مسألة ذكروا تردّده، ولم يجعلوا له في المسألة قولًا.\nوقد قال من استهان بهذا السؤال: إن هي إلا طرائق يسلكها من شاء، ويحيد عنها من شاء، ولم يدر الغبي أن ذلك لدقيقة، وهي أن الفقهيات يكتفى فيها بالظُّنون، وتقل وقفيات الظُّنون، فلا يكاد فرع فِقْهي يستوي الطَّرفان فيه حتى يكون مشكوكًا فقط، وإن وقع ذلك لم يقع إلَّا لواحد من ألف، ثم يقال: إنه متردّد، وربما لم يحك قوله؛ إذ لا فائدة في حكاية حال من لا قول له.\nوأما الأصوليات فالمآخذ فيها قطعية، ويكثر الوَقْف فيها؛ لقلة (^١) القواطع، ثم السّر\n_________\n(^١) في أ، ب: لعلة.","vol":"3","page":324},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفي حكاية أقوال الواقفية أنهم قاضون بانتفاء القَطْع، وقائلون عند ذلك بأنه لا عمل؛ إذ لا عضل عندهم إلَّا بقطعي، فحكى مذهبهم لينبّه على أنهم غير عاملين بواحد من المذاهب، بل هم حاكمون بردّ الجميع، راجعون في المسألة إلى البراءة الأصلية.\nفإن قلت: فلم يحكى عن بعض الفقهاء تردّدهم في بعض مسائل الفروع؟\nقلت: لينبه على أنه ليس لا قول له مخافة أن يتخيّل وقوع الاتفاق في المسألة، وأنها صارت كالقَطْعِيَّات المتّفق عليها، ثم ذلك لم يقع إلا قليلًا، كما لا يرتاب فيه الفقيه، وليس ذلك لينبّه على أنه يعود الحال إلى البواءة الأصليَّة.\nوأما وقف الفقهاء في بعض المسائل كقولهم: مال المرتد موقوف، وملك المبيع في زمن الخِيَارِ موقوف، وأمثال ذلك، فذلك الوقف المراعى أي: منتظر إلى انتهائه، وليس المعنى أنه غير محكوم فيه الآن، بل يعلم أن الحكم واقع فيه الآن، ولكن لا يتبين لنا إلا بالآخرة، ثم ذلك قضاء منهم في شيء، فإنه موقوف فيهم قَاضُون لا واقفون، والشيء مَقْضِي عليه بأنه موقوف لا متردّد فيه، ومعنى الوقف ما ذكرناه؛ فليس من وقف الأصوليين في شيء.\nفإن قلت: فقد قال الفقهاء: وقف العقود قِسْمَان: وقف تبين، ووقف صحة، ومثلوا وقف التّبين ببيع مال أبيه على ظن أنه حي فإذا [هو] (^١) مَيّت، ووقف الصّحة ببيع الفُضُولي، وكلامكم صريح في أن وقفهم وَقْف تبين فقط.\nقلت: هذا الآن خروج عن غرضنا؛ فإن غرضنا حاصل بأنهم لا يعنون بالوقف ما يعنيه الأصولي.\nوإن أردت تحقيق ما يعنونه على التفصيل فنقول:\nذكر الإمام في باب النهي عن بيع الغَرَر: أن وقف العقود ثلاثة أصنافٍ: بيع الفضولي، وبيع ما يظنه لأبيه، ثم تبين أنه كان قد مات، والصنف الثالث إذا غصب أموالًا وباعها وتصرف في أثمانها وعسر التتبع، ففي تنفيذها قولان، ولما تكلم الإمام في عِتْقِ الراهن أبدى في بيع الرهن إجمالًا أنه توقف، كبيع المفلس.\nقال: ولا محمل لتصحيح بيع المفلس ماله على قولٍ إلَّا الحمل على الوَقْف، ومحمل\n_________\n(^١) في ب: هي.","vol":"3","page":325},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالوقف ليس يمتنع جريانه في الرَّهن، ولا نظر إلى كون حجر الفلس جرى من غير اختيار المحجور عليه، بخلاف حجر الرهن.\nوالوجه: التسوية بين البابين، وتنزيل البيع والعِتْقِ على ترتيب واحد، والعتق أولى بالنفوذ، والبيع أنفذ منه.\nقال: وهذا فنّ من الوقف زائد على الأصناف التي ذكرناها في كتاب البيع.\nوقال الغزالي في تصرف المفلس: وجه التنفيذ أن البيع صدر من أهله، وصادف محلّه، وكنا نظنه دافعًا لحق لا سبيل إلى دفعه، والآن قد تبين أنه لم يحصل به دفع محذور.\nقال أبي ﵀: وبكلام الغَزالي هذا يتبين ما أشار إليه الإمام من أن هذا الوقف غير الأصناف الثلاثة؛ لأن بيع الفُضُولي والغاصب لم يصدر من أهله، وبيع ما يظنه للأب في الظاهر كذلك، وفي الباطن خلافه، وهذا في الظَّاهر، والباطن صادر من أهله، ولكن كونه دافعًا للحق أولًا مجهول موقوف على أمر مرتقب، [وهو يشبه تصرّف المريض؛ فإنه صادر من أهله في محلّه، ودفعه لحقّ الورثة أو الغرماء موقوف على أمر مرتقب] (^١) يظهر عند الموت.\nوقال ابن الرِّفْعَةِ في شرح كلام الغزالي هذا: إن معناه أن الحجر على كل مال المفلس شرع مخافة تضييع الديون على أربابها، وليس ذلك بأمر محقق، فإذا بان بالآخرة أنها لم تضع، وأن في المال فَضْلة عنه، فقد بان أن الحجر لم يتناول ذلك الفاضل، فَبَانَ نفوذ التصرف فيه، [وينزل] (^٢) الحَجْر عليه بالفلس منزلة الحجر على السيد في عبده الجاني لأجل جنايته، فإنا نقصر الحَجْر على قدر أَرْشِ الجناية لا على جميعه، كما [أن] (^٣) ذلك رأيٌ لنا ذكره الغزالي في كتاب \"الزكاة\"، والجامع أن الحَجْر وجد برضا المحجور عليه فيه.\nنعم ما وجد الرضا به وإن كان زائدًا على قدر الدين، ولهذا لم يطرد الأصحاب قول الوقف فيه، وإن قال الإمام في كتاب \"الإقرار\": إنه لا يبعد تخريجه فيه. انتهى.\nقال أبي ﵀: فإن صحّ ما قاله، فينبغي أن يجري في المرهون قول الوقف المذكورُ في بيع الفُضُولي، فإنه جرى في بيع ملك الغير، فلأن يجري في ملكه الذي حجر عليه فيه لأجل الغير أولى، والوَقْف الذي حقّقه في المفلس نوع زائد على الثلاثة الأصناف\n_________\n(^١) سقط في ب.\n(^٢) في ب: ويترك.\n(^٣) سقط في أ، ب.","vol":"3","page":326},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nبلا شكّ، وهو من الوجه الذي ذكره شديد الشبه بالمريض؛ [فإن المريض] (^١) ربما حجر عليه فيما يتبين بالموت به يدفع حقّ الغرماء، والزائد على الثلاث من التبرعات وغير ذلك لا يتعلّق به الحجر، وهذا المعنى ظاهر في [المزيد] (^٢) بلا شكّ.\nوأما المفلس: فالقول بأن الحَجْر إنما تعلّق ببعض ماله [كعبد] (^٣)، والأقرب أنه متعلّق بالمال، ولكنه لظننا مُزَاحمة الديون فهو رتبة متوسطة بين تصرّف الفضولي والمريض، بل بين تصرّف الراهن والمريض، وسواء ألحقناه بالمريض أم منعناه، فذلك في نفوذ التصرف، أما الحل فلا؛ فإن المريض يحل له الإقدام على التصرفات (^٤) كلها الآن اعتمادًا على بقاء الحياة، والمفلس ممنوع منها؛ لمُرَاغمته ما شرع الحجر لأجله. انتهى كلام الشيخ الإمام الوالد ﵀.\nقلت: والحاصل أن ابن الرِّفْعَة يذهب في المُفْلس إلى أن الحَجْر لم يشمل الفاضل كما في المريض. والشيخ الإمام يقول: شمله ولكن نقضنا التصرف عند الاحتياج إلى نقضه (^٥).\nوما قاله الشيخ الإمام أصحّ، وينبغي أن يبني على ما اختلف فيه ابن الرِّفْعَة وأبي رحمهما الله أنه هل ينقض من تصرفات المفلس الأضعف فالأضعف، أو الآخر فالآخر؟.\nفإن قلنا برأي الشيخ الإمام: اتّجه نقض الأضعف فالأضعف، وعليه جمهور الأصحاب، وهو الصحيح.\nوإن قلنا برأي ابن الرِّفْعَةِ: نقض الآخر فالآخر؛ لأنه المُصَادف لوقت الحجر، وهو رأي الشيخ أبي إسحاق الشِّيرَازي.\nوبتصحيح الأصحاب نقض الأضعف فالأضعف يظهر لك أن تصرّف أبي ﵀ أليق برأيهم من تصرف ابن الرِّفْعَة.\nثم قال أبي ﵀: فتحصلنا على مراتب:\n_________\n(^١) سقط في جـ.\n(^٢) في أ، جـ: المرتد.\n(^٣) في ب، جـ: بعيد.\n(^٤) في أ، ب: التصرف.\n(^٥) في أ، ب: بعضه.","vol":"3","page":327},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nإحداها: بيع الفضولي (^١)، وقد أطلقوا وَقْف العقود عليه على الإجازة.\n_________\n(^١) يشترط في المعقود عليه أن يكون مملوكًا، ليصح العقد أما إذا لم يكن مملوكًا للقاعد فلا يجوز كما قال الشافعي ﵁ لا يجوز للرجل أن يبيع ملك غيره بغير إذن ليكون موقوفًا على إجازته. ولا أن يشتري بغير إذنه ليكون موقوفًا على إجازته وأجاز مالك البيع والشراء جميعًا على الإجازة.\nوأجاز أبو حنيفة البيع على الإجازة دون الشراء.\nاستدلالا: بما روى عن عروة بن الجعد البارقي أن رسول الله ﷺ أعطاه دينارًا ليشتري له شاة أو أضحية فاشترى شاتين فباع إحداهما: بدِيْنارٍ وَأَتَى بِشَاةٍ وَدِينَارٍ فَدَعَا لَهُ رسُولُ الله ﷺ في بيعه بالبركة وبما روى أنه أعطى حكيم بن حزام دينارًا ليشتري له به أضحية فاشترى أضحيتين بدينار وباع إحداها بدينار ثم أتى رسول الله بأضحية ودينار.\nفدل هذان الخبران على جواز وقوف البيع على إجازة المالك. ولأن من عقد له يجبر في الحال فجاز أن يقف على الإجازة كالوصية. قالوا ولأنه بيع مال يتعلق بحق الغير فجاز أن يقف على إجازته كالمريض إذا حابى في البيع. قالوا ولأن جميع العقد أكمل من شطره فلما وقف شطره وهو البدل علي إجازة المشتري القبول فأولى أن يصح وقف جميعه على الإجازة بعد البدل والقبول. قالوا ولأنه لما جاز أن يكون موقوفًا على الفسخ إذا ثبت فيه الخيار جاز أن يكون موقوفًا على الإمضاء إذا لم يوجد معه الإذن والدليل على صحة ما ذهبنا إليه نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر وهذا داخل فيه الغرر للتردد بين جوازين.\nوبما روى يوسف بن حكيم عن حزام أن النبي ﷺ قال: \"لَا تَبعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ\" يعني ما ليس في مَالك. وبما روى أن رسول الله ﷺ قال: \"لَا تَبِعْ ما لا تملك\". ولأن عقد البيع ينقل ملكًا عن البائع إلى مالك هو المشتري فلما لم يجز أن يكون موقوفًا على إجازة المشتري فأولى أن يكون موقوفًا على إجازة البائع لما فيه من انتزاع ملكه.\nويحرر ذلك قياسًا فيقال: إن البائع أحد طرفى البيع فلم يجز أن يقف على الإجازة كالمشتري.\nولأنه بيع عين لا قدرة لأحد المتعاقدين على إيقاع فرض فيها فوجب أن يكون باطلًا كبيع الطير في الهواء والحوت في الماء. ولأن نفوذ البيع إنما يكون في ملك وعن إذن من له الملك فلما كان لو عقد على غير ملك كالخمر ثم صار المعقود عليه ملكًا بأن صار الخمر حلالًا لم يصح العقد وجب إذا عقد من غير إذن المالك فلم ينعقد العقد ثم إذن المالك أن لا يصح.\nوالجواب عن حديث عروة أنه ليس فيه دلالة بدليل أن أثنى عليه النبي والثناء لا يستحق المخالفة.\nوالجواب عن حديث حكيم بن حزام أنه ليس فيه دلالة أيضًا؛ لأنه يحتمل أنه اشترى ذلك لنفسه ثم باعه لنفسه، ثم اشترى للنبي ﷺ شاة عن إذن المتقدم. =","vol":"3","page":328},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nومقتضى هذه العبارة أن العَقْد لا يوجد حتى يجاز، وهكذا عبارة من قال: \"إن الصحة موقوفة\" مقتضاه أن الصِّحة لا توجد إلّا بعد الإجازة، وهذا هو الظاهر، لكن الإمام قال: إن الصّحة ناجزة، والملك موقوف على الإجازة.\nوحكى الرَّافعي ذلك عنه ولم يخالفه، وفيه إشكال؛ لأن الصحة كيف توجد قبل وجود شرطها؛ ولأن الهبة يقف الملك فيها على القبض، والبيع يقف الملك فيه على [انقضاء] (^١) الخيار على قول، ولا خلاف في وصفهما بالصحة.\nوالحنفيّة نقلوا عن أبي حنيفة، وأبي يوسف أن الملك حاصل في بيع الفُضُولي، وأن معنى الوقف فيه يعرضه للإبطال إذا رد المالك.\nوعن محمد أن الملك لا يوجد إلّا إذا أجاز كالقول القديم عندنا، ولم يتعرضوا لوصفه بالصحة قبل ذلك.\nوالأقرب في هذا النَّوْع على قول الوقف أن الإجازة مع الإيجاب والقبول [بانتهاء] (^٢) [ثلاثتها] (^٣) أركان العقد، فلا توجد الصحة والملك إلا بعدها.\n_________\n= وأما قياسهم على الوصايا فغير صحيح؛ لأن حكم الوصايا أوسع وحكم العقود أضيق. ألا ترى أن القبول في الوصية على التراخي فجاز أن تكون موقوفة على الإجازة والقبول في البيع على الفور فلم يجز أن يكون موقوفًا عليها.\nوأما قياسهم على محاباة المريض فلا يصح؛ لأن المحاباة في المرض وصية وقد ذكرنا المعنى في جواز وقوف الوصايا على الإجازة وعدم وقوف البيع عليها.\nوأما استدلالهم: بأنه لما جاز وقف البدل على قبول المشتري جاز وقف العقد كله على إذن المالك فغير صحيح لأن المشتري لم يوقف البدل على إجازته بالقبول لأنه لم يملك فيه حقًّا، وإنما تمام العقد في البدل معتبر بقبول المشترى فلم يسلم الاستدلال.\nوأما استدلالهم: بأنه لما جاز وقوف العقد على الفسخ جاز وقوفه على الإجازة فغير صحيح لأن المعنى في الفسخ أنه وقع للعاقد بعد صحته فجاز وقوفه والإجازة إنما هي وقوف ما لم تتقدم صحته فجاز وقوف ما صح ولم يجز وقوف ما لم يصحّ.\n(^١) في ب القضاء.\n(^٢) سقط في ب.\n(^٣) سقط في أ، جـ.","vol":"3","page":329},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-687>الثانية: بيع الغاصب </span>إذا عسر يبيعه بالبعض لكثرته، وإنما يفارق الرتبة الأولى بالعُسْر، وفيه قولان في الجديد.\nإذا قلنا ببطلان الأول، والقول بالصحة فيه مع القول في الأول بالبُطْلان يفضي إلى اعتبار الشرط بعد المشروط، وأجمع العقلاء أن الشَّرْط يجب أن يكون متقدمًا أو مقارنًا؛ فلذلك كان هذا القول ضعيفًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-688>الثالثة: بيع مال يظنه لأبيه،</span> ويكون أبوه قَدْ مَاتَ وهو وارثه، والموقوف التبين والعلم بصحة العقد لا نفس الصِّحة ولا الملك، وإن كانوا أدرجوا هذه الصورة تحت قوله [وقف] (^١) العقود.\n<span data-type='title' id=toc-689>الرابعة: بيع المَرْهُون </span>بغير إذن المرتهن على الاحتمال الذي أَبْدَاه الإمام.\nوقال: إن هذا الوقف زائد على الأقسام الثَّلاثة المتقدّمة، والذي يظهر أنه من القسم الأول، ولكنه أولى منه؛ لأن الوقف مع السَّبب وقيام المانع أولى منه مع عدم السبب، وهو الملك.\nولعلّ قول الإمام: إنه غير الأصناف الثلاثة لمكان هذه الأولوية، ويتوهّم بعض الناس أن كونه منع نفسه بالرهن فارقٌ بينه وبين الفضولي، وموجب لأن لا يجري الخلاف فيه، وليس كذلك، بل الإمام في باب الإقرار ذكر أن بيع الرّاهن كبيع الفضولي بلا خلاف، وأن الخلاف في الجديد إنما هو في المفلس؛ لأنه لم يحجر على نفسه.\n\n<span data-type='title' id=toc-690>الخامسة: بيع المُفلس ماله </span>(^٢)، وقد علمت المأخذ الذي أشار إليه الغَزَاليّ، وذكره ابن الرفعة فيه، وبه يعلم أنه أولى بالصّحة من المرهون، وكذلك ما قاله الإمام في \"الإقرار\".\n_________\n(^١) في أ، جـ: وقفت.\n(^٢) إن للمدين الذي لم يزد ماله على الدين ثلاث حالات:\n١ - إحاطة الدين بمال المدين.\n٢ - قيام الغرماء على المدين وهو المسمى عندهم التفليس بالمعنى الأعم.\n٣ - حكم الحاكم بخلع مال المدين لغرمائه وهو المسمى عندهم الأخص \"أمّا الحالة الأولى\" فقد قال فيها المالكية: إذا كان مال المدين قد استغرقه الدين بأن ساواه أو زاد عليه فإن =","vol":"3","page":330},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  الشريعة الإسلامية تتدخل حينئذٍ لحق الدائنين فتمنعه من كل تصرف لا معاوضة فيها لمكان التهمة؛ إذ قد يقصد به إضاعة الحقوق على أربابها، وكذلك من معاوضة قد يقصد منها ذلك مثل أن يحابى في البيع فليس له أن يهب ولا أن يقف ولا أن يعتق ولا أن يضمن، ولا أن يقر بدين لمن يتهم عليه كالزوجة الودود والولد البار والصديق الملاطف.\nأمّا المعاوضات التي يقصد منها التجر والربح فهو غير ممنوع منها فله أن يبيع ويشتري وله الكراء والاكتراء.\nوإنما منع من الأولى لأنها تبرعات لا نفع فيها للدائنين، وإنما فيها الإضرار بهم عن قصد أو عن غير قصد، ولم يمنع من الثانية، لأن المعنى لم يكن متحققًا بل ربما كان فيها ربح وكسب، فلو اتجر فربح أو باع ما يساوي عشرة باثنى عشر لم يكن ممنوعًا، ولذلك لو عاد تصرفه بطريق المعاوضة بضد هذا القرض كان ممنوعًا منه مثل أن يتخذ البيع أو الشراء ذريعة إلى التبرعات فيحابى فيما باع أو اشترى ولم تمنعه الشريعة من أداء ما وجب عليه أو ندب في حقه فعليه الإنفاق على زوجته وأبويه المعسرين الفقيرين وأولاده الصغار وله شراء أضحية ونفقة عيدين غير سرف في ذلك كله.\nوكذلك لم تمنعه من الإقرار بدين لمن لا يتهم عليه.\nوأمّا الثانية: فالمدين فيها ممنوع من كل تصرف كان فيه معاوضة أو لم يكن فليس له بيع ولا شراء ولا صدقة وما إلى ذلك. وهاتان الحالتان قد انفرد بهما المالكية من بين سائر الفقهاء.\nوذهب أبو حنيفة وأحمد والشافعي إلى أن المدين في هاتين الحالتين كسائر الناس يجوز له التصرف بمعاوضته وغير معاوضته.\n\"والوجه لمالك\" أن الحجر على المدين إنما كان لحق الغرماء وقد أحاط الدين بماله وقد يعود تصرفه في هاتين الحالتين بضرر عليهم، وهو ينافي المعنى الذي شرع الحجر من أجله. ولو أطلق للمدين هذا الحق، وكان كسائر الناس لاستطاع أن يأتي على كل ماله حتى إذا طلب الغرماء الحجر عليه من الحاكم لم يجدوا شيئًا، أو بعبارة أخرى لم يجد الحاكم شيئًا يحجر عليه فيه؛ فلذلك قالوا بمنعه على الوجه الذي أسلفنا والرسول ﵊ يقول: \"لَا ضَرَرَ ولَا ضِرَارَ\".\n\"والوجه لغيرهم\" أن الأصل في التصرفات أن تكون ماضية نافذة متى صدرت من أهلها في محالها ولا شيء يمنع من ذلك في الحالين، وليس في هاتين الحالتين مانع إلا إحاطة الدين أو قيام الغرماء ولا يصلح ذلك مانعًا، وما دام الشارع قد جعل الحجر من الحاكم، وهو لم يحكم فليس ذلك لأحد غيره من الغرماء. =","vol":"3","page":331},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-691>السَّادسة: تصرف المريض </span>(^١)، وقد تقَّدم بيان ظهور الصّحة فيه. انتهى كلام الشيخ الإمام، ذكره في كتاب \"التفليس\" من تكملة \"شرح المهذب\".\nوإنما أجملنا ذكره مع طوله ومُجَانبته لفنّ أصول الفِقْهِ لمكان نَفَاسته، وعظم فائدته.\n_________\n= ولعل ما ذهب إليه المالكية أولى، ولا سيما في هذا العصر الذي التوت فيه أخلاق الناس واستباحوا أكل أموال الناس بعضهم بعضًا بالباطل، فلو أبيح له أن يبعثر ماله ذات اليمين وذات الشمال وينفق طورًا في الهبة وطورًا في الصدقة وما إلى ذلك لضاعت الأموال على أصحابها، وبالتالي إذا عرف الناس ذلك كان لهم مبررًا في الشح بمالهم بما في ذات أيديهم.\nوقال الناس قديمًا الأخذ سُرّيطى والعطاءُ ضُرَّيْطى - يتعامل الناس في غير جلبة ولا ضوضاء، بل أكثر من ذلك أنه قد يصل الأمر بهم إلى السرّ والخفاء فيه حتى إذا كان القضاء كان الإعلان وكانت المواعدة وكانت المخاصمة وكان الرفع إلى القضاء ليس ذلك فحسب، بل هو يعمل كل جهد في تهريب ماله بشتى الوسائل.\n\"الحالة الثالثة\" وهي فيما إذا رفع الغرماء الأمر، إلى الحاكم وطلبوا منه الحجر على المدين، فهل للحاكم في هذه الحالة خلع ما له عنه ويبيعه عليه وقسم ثمنه بين الغرماء؟ أو ليس له ذلك بل يحبسه حتى يعين طريق وفاء الدين؟.\n\"إلى الرأي الأول\" ذهب مالك والشافعي والحنابلة وأهل الظاهر وأبو يوسف ومحمّد بن الحنفية.\n\"وإلى الرأي الثاني\" ذهب أبو حنيفة وزيد بن على من الشيعة. وقد استدل الأولون مالك ومن معه.\n(^١) اتفق الفقهاء على أن المرض المتصل بالموت لا ينافي أهلية التصرف في المال، ولكن لمّا كان المرض سبب الموت وطريقًا له وكان الموت علة لانتقال المال إلي الورثة كان المرض سببًا لتعلق حق الورثة بماله فلذلك قال الفقهاء ما عدا الظاهرية بالحجر عليه في التصرفات الضارة بحقوق الورثة كالتبرعات الزائدة على الثلث.\nأمّا الظاهرية فقالوا: إن المريض كالصحيح سواء بسواء من غير فرق في التبرعات الزائدة على الثلث لا يمنعه مرض مخوف، ولا ما يشبهه.\nواتفق الفقهاء جميعًا على أن الوصية لا تنفذ بأكثر من الثلث، كما اتفقوا على صحة التصرفات التي تقع بالمعاوضات كالبيع والشراء ما لم يقع منه محاباة فيهما كأن يبيع ما يساوي عشرة بخمسة أو يشتري ما ثمنه عشرة دارهم بخمسة عشر فهو في هذه الحالة متبرع ينفذ تبرعه إن وسعه الثلث وإلّا فلا. =","vol":"3","page":332},{"text":"<span data-type='title' id=toc-692>مَسْأَلَةٌ:\nالْإِجْمَاعُ يُخَصِّصُ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ</span>؛ كَتَنْصِيفِ آيَةِ الْقَذْفِ عَلَى الْعَبْدِ؛ وَلَوْ عَمِلُوا بِخِلَافِ نَصٍّ، تَضَمَّنَ نَاسِخًا.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"الإجماع [يخصص] (^١) الكتاب والسُّنة\" (^٢)، بمعنى أنه دالّ على وجود المخصص في نفس الأمر؛ إذ الإجماع لا بد له من مستندٍ، ودليل كونه مخصّصًا الوقوع، \"كتنصيف آية القَذْفِ على العبد\"، ولك مبع قيام الإجماع؛ فإن جماعة منهم عمر بن عبد العزيز - كما نقله عنه مالك في \"الموطأ\" - ذهبوا إلى أن العَبْدَ يجلد بالقذف بما بين، اللَّهم إلا أن يثبت قيام الإجْمَاع بعد الاختلاف.\n_________\n= أمّا الظاهرية فإنهم يرون صحة ذلك منه نظرًا، لأنهم يجيزون التبرع من المريض بأكثر من الثلث.\nفتلخص أن محل الخلاف بين الظاهرية والجمهور في التبرعات الزائدة عن الثلث في غير الوصية.\nفالجمهور يرون عدم صحتها منه.\nوالظاهرية يجيزونها منه.\n(^١) في أ: تخصيص.\n(^٢) نقل كثير من أهل الأصول أنه لم يعلم خلاف بين العلماء في جواز تخصيص القرآن والسنة المتواترة بالإجماع المتواتر أو المشهور، وإن وقع خلاف الحنفية في تخصيصهما بالإجماع الثابت من طريق الآحاد فإنه كخبر الواحد، واستدلوا على ذلك بما ثبت من تخصيص آية القذف؛ إذ هي عامة في الأحرار والعبيد توجب ثمانين جلدة للحر والعبد، وأوجبوا على العبد نصف الثمانين بالإجماع ..\nولما كان المعتبر عند علماء الأصول أن الإجماع غير معتبر في حياة النبيّ ﷺ؛ لأنه لا يتم من غير دخوله وبعد دخوله فقوله حجة قاطعة، ولا دخل فيه لغيره، وهم رضوان الله عليهم لم يكونوا يعملون بآرائهم في الزمان الشريف إلا مع الرجوع إلى النبيّ ﷺ فلا وجود للإجماع زمن الوحي، وهو المراد بعدم الاعتبار، لا أنه غير معتبر مع تحققه.\nومن المعروف أن الأصوليين على مذهبين في دلالة العام، منهم القطعيون الذين يرون أن الدليل المتراخي لا يكون تخصيصًا ومنهم الظنيون الذين لا يرون ذلك ..\nوقد يرد على القطعيين كيف تجوزون التخصيص بالإجماع مع تراخي زمنه ولا تخصيص مع التراخي عندكم؟ وعلى الظنيين كيف تجوزون التخصيص بالإجماع مع تراخيه ومحل تجويزه بالمتراخي عندكم ما إذا تأخر عن وقت الخطاب لا وقت الحاجة، ولا شك أن الإجماع يتأخر =","vol":"3","page":333},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوفيه ما فيه \"ولو عملوا بخلاف نصّ\" في حكم يتناوله بنصوصيته لا بعمومه \"تضمن\" عملهم \"ناسخًا\" أطْلَقُوا عليه، فلا فَرْقَ حينئذ بين أن يخصّ القرآن بالإجماع أو ينسخ؛ إذ الكلّ يتضمّن مقتضيًا لذلك إلّا أنه لم يقع نسخ قرآن بالإجماع.\nفقيل: لا ينسخ، ووقوع التخصيص، فقيل: يخصص.\nفإن قلت: قولكم: \"ولو عملوا بخلاف نصّ\" أمر تقديري؛ فإن ذلك لم يقع أمر تحقيقي؟ ودليله الإجماع على العمل، بخلاف حديث جمع النبي ﷺ بـ \"المدينة\" بين الصَّلاتين من غير خوف ولا مطر، بخلاف حديث: \"مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ … \" الحديث، وفيه \"فإنْ شَرِبَهَا فِي الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ\"؟ (^١).\n_________\n= عن وقت الحاجة ومثل هذا أيضًا يرد على القطعيين فوق ما تقدم ..\nوالجواب عن هذا الإيراد يتبين لنا من الوقوف على حقيقية التخصيص بالإجماع، وحقيقته أنه إن وقع التخصيص به فإنما يقع صورة فقط، وعند التحقيق إنما يكون لتضمن الإجماع نصًا مخصصًا، فعمل أهل الإجماع على خلاف النص العام يكون مبنيًّا على تضمنه النص المخصص، وكان إجماعهم إجماعًا على التخصيص به، ثم من أتى بعدهم يلزمه متابعتهم وإن لم يعرف المخصص، فمثلًا أوجبوا على العبد نصف الثمانين بالإجماع، ومستند الإجماع قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ولا فرق في ذلك بين العبد والأمة؛ لأن علة التنصيف هي الرق فحكم التنصيف ثابت للعبد إما بطريق مفهوم الموافقة المساوي، وإما بطريق القباس، وقد انعقد الإجماع على ذلك، فيستند الحكم للإجماع؛ لأنه قطعي فيغني عن مستنده؛ لأنه قد يكون ظنيًّا، وحينئذ فلا وجه للإيراد على الرأيين نعم بقيت الشبهة قائمة على الحنفية من جهة أنهم يشترطون المقارنة في المحخصص الأول اتفاقًا، وعلى أحد الرأيين في الثاني، ومستند الإجماع قد يكون متراخيًا، وقد يكون مقارنًا، وعلى كل حال فهو في الغالب غير معلوم، وحينئذ فكيف يشترطون لكون الدليل مخصصًا معرفة كونه مقارنًا مع تجويزهم التخصيص بالإجماع؟ أو كيف يجوزون التخصيص بالإجماع مع اشتراطهم المقارنة وغاية ما يفيده الإجماع هو التخصيص؟ أما أنه عن نص مقارن فلا. قاله شيخنا الشيخ فائد. وينظر: البحر المحيط ٣/ ٣٦٣، ونهاية السول للإسنوي ٢/ ٤٥٦، ومنهاج العقول للبدخشي ٢/ ١٦٦، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ٧٩، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ٣٨٨، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/ ٦٥، والمعتمد لأبي الحسين ١/ ٢٥٦، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ١٥٠، وميزان الأصول ١/ ٤٧٣، ونشر البنود للشنقيطي ١/ ٢٥١. وينظر: المسودة ١٢٦، والعدة ٢/ ٥٧٨، وشرح العضد ٢/ ١٥٠.\n(^١) أخرجه أبو داود ٤/ ١٦٤، كتاب الحدود. باب إذا تتابع الناس في شرب الخمر (٤٤٨٢) =","vol":"3","page":334},{"text":"<span data-type='title' id=toc-693>مَسْأَلَةٌ:\nالْعَامُّ يُخَصُّ بالْمَفْهُومِ،</span> إِنْ قِيلَ بِهِ؛ وَمُثِّلَ: \"فِي الأَنْعَامِ الزَّكَاةُ\"، \"فِي الْغَنَمِ السَّائِمةِ زَكَاةٌ\"؛ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ.\nفَإنْ قِيلَ: الْعَامُّ أَقْوَى؛ فَلَا مُعَارَضَةَ.\nقُلْنَا: الْجَمْعُ أَوْلَى كَغَيْرِهِ.\n<hr><s0>\n\nقلت: بل هو تقديري، ولذلك عبر المصنّف بـ \"لو\" الدالة على الامتناع، ومَعَاذ الله أن تخالف الأمة النَّص؛ لأن ذلك مع العلم فسوق أو كفر، ومع الجهل خطأ، وما ذكر من حديث الجمع قد قال بظَاهِرِهِ جماعة منهم من أصحابنا ابن المُنْذِرِ، وأبو إسحاق، فأجازوا ذلك بلا عُذْرٍ، وَحَمَلَهُ قوم على الجمع بالمرض، فأجازوه به، وهو اختيار النووي.\nوأوله المانعون بأنه أخر الصلاة الأولى إلى أواخر الوَقْتِ، بحيث كان فراغها يعقبه خروج الوقت، ثم صلّى الثَّانية عقيبها، وهذا جمع ولكن في الوقت، وما ذكر من حديث القَتْل في الرَّابعة بالخمر:\nقيل: إنه منسوخ.\nوقيل: إنه غير صحيح.\nونظيره حديث: \"إذَا بُويعَ لِخَلِيْفَتَينِ فَاقْتُلُوا الآخِرَ مِنْهُمَا\" (^١) وهو في صحيح مسلم، وله تأويلات.\n«مسألة»\nالشرح: \"العام يخص بالمفهوم\" (^٢) مفهوم المُخَالفة \"إن قيل به\" وأما إن لم يقل به فظاهره أنه لا يخصّ؛ إذ لا حجة له، \"ومثل\" بقول القائل \"في الأنْعَامِ الزَّكَاةُ\" مع \"في الغَنَمِ\n_________\n= والترمذي ٤/ ٣٩، كتاب الحدود: باب ما جاء في شرب الخمر (١٤٤٤) وابن ماجه ٢/ ٨٥٩ كتاب الحدود: باب من شرب الخمر مرارًا (٢٥٧٣) وابن حبان، ذكره الهيثمي في موارد الظمآن (٣٦٤)، باب ما جاء في شارب الخمر (١٥١٩).\n(^١) أخرجه مسلم ٣/ ١٤٨٠، كتاب الإمارة: باب إذا بويع لخلفتين (٦١/ ١٨٥٣).\n(^٢) ينظر: البرهان ١/ ٤٤٩، وشرح الكوكب المنير ٣/ ٣٦٦، والمنخول ٢٠٨، ٢١٥، والمستصفى ٢/ ١٠٥، والمحصول (١/ ٣/ ١٣، ١٥٩)، وجمع الجوامع ٢/ ٣، وشرح العضد ٢/ ١٥٠، والعدة ٢/ ٥٧٨، والإحكام للآمدي ٢/ ٣٠٥، وتيسير التحرير ١/ ٢١٦، وإرشاد الفحول (١٦٠).","vol":"3","page":335},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالسَّائِمَةِ زَكَاةٌ\" فإن قضية الأول تعميم الوجوب في الأنعام إبلًا وبقرًا وغنمًا وأصنافها سَائِمة ومَعْلُوفة، ومفهوم الثاني إخراج معلوفة الغنم.\nواعلم أن الموجود بخطّ المصنّف: \"ومثل في الأنعام الزكاة ليس في الغنم السَّائمة زكاة\" بلفظ \"ليس\"، أو ليس ذلك في \"الإحكام\"، ولا يظهر له وجه، فشرحه الشارحون على ما في \"الإحكام\"، ثم إن المصنّف لم يُشِرْ بقوله: \"ومُثِّل: في الأنعام الزكاة\" إلى حديث؛ فإنا لا نعرف هذا اللفظ في حديث، ولذلك كانت عبارة الآمدي: كما لو ورد: في الأنعام الزكاة، وكانت عبارة المصنّف \"ومُثِّلَ\" مبني لما لم يسم فاعله، وقد رأيتها مضبوطةً بخطه، ولم يقل: ومُثِّل على العادة في ضرب الأمثلة؛ لأنه لفظ يوهم أن يكون هذا اللفظ قد ورد.\nوقد توهّم الشيرازي أن المصنّف قال: \"وَمِثْلُ\"، وقال: \"الواو \"عطف على شيء، كأنه سقط من قَلَمِ الناسخ، وهو ذكر مثال لمفهوم الموافقة.\nوليس كما توهّم؛ فإن المصنّف لم يتكلّم إلا في مفهوم المخالفة؛ بدليل قوله: إن قيل به، فإنه أشار إلى المفهوم المختلف في أنه حجّة، وهو المخالفة لا الموافقة.\nوأيضًا: فسنذكر قيام الإجماع على أنّ مفهوم الموافقة تخصيص، فلم يكن كبير غرض في الاحتجاج له.\nوأيضًا: فقد وقفت على النُّسخة التي هي بخطّه، وليس فيها ما ذكره الشيرازي.\nوأما \"فِي الغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ\" فأشار به إلى ما في: \"الصحيح، وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة\" \"الحديث\"، ولذلك كانت عبارة الآمدي: ثم ورد قوله: \"فِي السَّائِمَةِ زَكَاةٌ\".\nوإنما قلنا: يجب العمل بالمفهوم \"للجمع بين الدَّليلين\" العام، والمفهوم؛ فإنه أولى كما سبق.\nوقال الآمدي (^١): لا نعرف خلافًا بين القائلين بالعموم والمفهوم في أنه يخص العموم.\nقلت: وإنما محلّ الاتفاق في مفهوم الموافقة، ولذلك لم يتحدّث فيه المصنّف؛ إذ لا كبير غرض في الاحتجاج لما لا نِزَاعَ فيه، وإنما تحدث في موضع النزاع، وهو مفهوم\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام ٢/ ٣٠٥ (٧).","vol":"3","page":336},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالمُخَالفة، ولقد توقّف الإمام الرازي فلم يختر شيئًا في \"المحصول\"، وجزم في \"المنتخب\" بأنه لا يخصص به.\nوقال ابن دقيق العيد: إنه رآه لبعضهم (^١)، وحَكَاه أبو الخَطَّاب الحنبلي عن قوم.\nوقال ابن السَّمْعَاني: يجوز تخصيص العموم بدليل الخطاب على الظاهر من مذهب الشَّافعي، ولفظ \"الظاهر ظاهر\" في أن الخلاف موجود.\nقال: ومثاله في الكتاب قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٤١]؛ فإنه عام في كل مطلقة، ثم قال: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٦].\n[فكان] (^٢) دليله أن لا مُتْعَةَ للمدخول بها، فخصّ بها في أظهر قوليه عموم المطلقات، وامتنع من التخصيص بها في القول الآخر. انتهى.\nوقضيته: تخريجُ قول للشَّافعي في تخصيص العموم بالمفهوم بكلام هذا الإمام الثَّبَت، واستفد ذلك.\nوالأصح في المذهب وجوب المُتْعَةِ للمدخول بها، ولكن المختار في الأصول أن المفهوم يخصّ العموم؛ لما ذكرناه.\n\"فإن قيل: العام أقوى\" من المفهوم؛ لكونه منطوقًا، \"فلا معارضة\"؛ إذ شأن المتعارضين التعادل، وإذا لم يعارضه فلا يخصصه.\n\"قلنا\": لا نسلم أنّ العام أقوى مطلقًا، بل من حيث إنه منطوق فقط، والمفهوم أقوى من حيث الدّلالة على الخاص، و\"الجمع أولى\" من سقوط أحد الدليلين؛ فإنَّ العمل بالمفهوم لا يلزم منه إبطال العُمُوم مُطْلقًا، بخلاف العكس، فيجمع عند تعارضهما بين دليليهما \"كغيره\" من المخصّصات، فإنا نعمل بها جمعًا بين الأدلّة، ولا يشترط التَّساوي في القوة من حيث المَتْن، كما يخصّ المتواتر بخبر الواحد وليسا متساويين، بل كل منهما أرجح من وجه.\nولقائل أن يقول: لا نسلّم أن المفهوم راجح من حيث الدّلالة، وليس كالعام والخاص؛ فإنهما منطوقان.\n_________\n(^١) ينظر: الإبهاج ٢/ ١٨٠.\n(^٢) في أ، ج: وكان.","vol":"3","page":337},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوأما المفهوم فغير منطوق، فلم قلتم: إنه أقوى من دلالة العموم؟\n\n<span data-type='title' id=toc-694>\"تنبيه\"</span>\nإنما أتى المصنّف بحرف الشرط في قوله: \"فإن قيل\"، ولم يقل: \"يقل\" على العادة؛ لأنه كالآمدي لم يعرف مخالفًا في المسألة، فذكر بحثًا يمكن أن يقال به، ولم ير هو من قال به.\n\n<span data-type='title' id=toc-695>\"فائدة\"</span>\nقال الشيخ أبو حامد بعد أن ذكر أن دليل الخِطَابِ يخصّ العموم، هذا إذا عارضه غير النُّطق الذي هو أصله.\nفأما إذا عرض على نطقه وأصله، فإما أن نسقطه ونبطله أو نخصّه فقط، فإن أعرض بالإسقاط والإبْطَال سقط الدليل، وذلك مثل ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: \"أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتَ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَليِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ\" (^١) نص على البطلان بغير الإذن، ودليله يقتضي جوازه بالإذْنِ، إلّا أن هذا الدليل إذا ثبت سقط النُّطق؛ لأن الأمّة أجمعت على التسوية بين أن تنكح المرأة بغير إذن وليها، وبين أن تنكح نفسها بإذنه، فعندما يبطل النكاح في الموضعين معًا، وعند المخالفين يصحّ فيهما، فإذا ثبت بالدَّليل جواز ذلك بإذنه ثبت بالإجماع جوازه بغير إذنه، وإذا ثبت جوازه بغير إذنه سقط النُّطق، فيكون هذا الدّليل مسقطًا لأصله فيسقط الدليل، ويثبت النطق.\nقال: وأما إذا كان الدليل لا يسقط أصله، ولكن يخصه مثل قوله ﷺ: \"إنَّ الله حَرَّمَ\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود ٢/ ٢٢٩، كتاب النكاح: باب في الولي (٢٠٨٣)، والترمذي ٣/ ٤٠٨ كتاب النكاح: باب ما جاء لا نكاح إلا بولي (١١٠٢)، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وابن ماجه ١/ ٦٠٥، كتاب النكاح: باب لا نكاح إلا بولي (١٨٧٩)، وابن حبان، ذكره الهيثمي في موارد الظمآن ص ٣٠٥، كتاب النكاح: باب ما جاء في الولي والشهود (١٢٤٨)، وأحمد ٦/ ٦٦، والشافعي ٢٠/ ١١، كتاب النكاح: الباب الثاني فيما جاء في الولي (١٩)، والدارمي ٢/ ١٣٧، كتاب النكاح: باب النهي عن النكاح بغير ولي، والحاكم ٢/ ١٦٨، كتاب النكاح: باب أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، وقال صحيح على شرط الشيخين، وذكر له متابعة.","vol":"3","page":338},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالكَلْبَ وَحَرَّمَ ثَمَنَهُ\" (^١) فقوله: \"إن الله حرم الكلب\" يقتضي تحريم جميع جهات الانتفاع به من البيع، والإجارة، والهِبَةِ وغيرها.\nوقوله: \"وحَرّم ثَمَنَهُ\" دليل أن غير الثمن ليس بمحرم، وهذا يخص عموم ذلك النطق المحرم، فالمذهب أن الدّليل يسقط، ولا يخصص عموم أصله به.\nوحكي عن أبي الحسين بن القَطّان (^٢) أنه قال: يجوز تخصيص أصله به، وليس بشيء؛ لأنه فرع الأصل، فلا يجوز أن يعترض عليه، وسقط شيء من حكمه.\nوأصحاب أبي حنيفة يجيزون مثل هذا في القياس إذا خصّ أصله، ولا نجيزه نحن، وقد تكلّمنا عليه في مسألة الزنا.\nفأما دَلِيلُ الخطاب [فهم] (^٣) لا يقولون به حتَّى نتكلّم معهم في التَّخصيص به.\nقلت: وكذلك ذكره سليم الرَّازي تلميذ الشَّيخ أبي حامد في \"التقريب\"، وهو ما يقوله أصحابنا: لا يجوز أن يستنبط من النَّص معنى يعود على أصله بالبُطْلان، وهل يجوز أن يستنبط معنى يخصه؟\nفيه قولان: قالوا: يجوز أن يستنبط منه معنى يعممه قَطْعًا، وهو القياس، وسيكون لنا عودة إلى ذكر هذا في كتاب \"القياس\" إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) لم نجده بهذا اللفظ، ولكن ورد في معناه حديث جابر: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب والسنور.\nأخرجه أبو داود (٣٤٧٩) والترمذي (١٢٧٩).\nوفي معناه أيضًا حديث أبي مسعود الأنصاري بلفظ: إن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن\".\nأخرجه البخاري (٤/ ٤٩٧) رقم (٢٢٣٧) ومسلم (٣/ ١١٩٨) رقم (٣٩/ ١٥٦٧).\n(^٢) أحمد بن محمد بن أحمد، أبو الحسن بن القطان، البغدادي. قال أبو إسحاق: درس بـ \"بغداد\" وأخذ عنه العلماء. قال الخطيب. البغدادي: هو من كبراء الشافعيين، وله مصنفات في أصول الفقه وفروعه. قال الذهبي: عمر وشاخ. قال ابن باطيش: أخذ عن ابن سريج ثم عن أبي إسحاق ثم عن ابن أبي هريرة. توفي سنة ٣٥٩ هـ. ينظر: شذرات الذهب ٣/ ٢٨، وطبقات الشافعية لابن هداية ص (٢٧)، ووفيات الأعيان ١/ ٥٣، وطبقات الفقهاء للشيرازي ص (٩٢)، وتاريخ بغداد ٤/ ٣٦٥، والأعلام ١/ ٢٠١، وابن قاضي شهبة ١/ ١٢٤.\n(^٣) في أ: وهم.","vol":"3","page":339},{"text":"مَسْأَلَة: فِعْلُهُ ﷺ يُخَصِّصُ الْعُمُومَ؛ كَما لو قال ﵊: \"الْوِصَالُ أَوِ الاسْتِقْبَالُ لِلْحَاجَةِ\"، أَوْ: \"كَشْفُ الفَخِذِ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ\"، ثُمَّ فَعَلَ، فَإِنْ ثَبَتَ الاِتِّبَاعُ بِخَاصٍّ، فَنَسْخٌ، وَإِنْ ثَبَتَ بِعَامٍّ، فَالْمُخْتَارُ تَخْصِيصُهُ بِالْأوَّلِ.\nوَقِيلَ: الْعَمَلُ بِمُوَافِقِ الْفِعْلِ.\nوَقِيلَ: بالْوَقْفِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"فعله ﷺ يخصص العموم\"؛ خلافًا لأبي الحسن الكرخي (^١).\nقال ابن السَّمعاني: ولذلك أنه لم يخصّ نهى النبي ﷺ عن استقبال القِبْلَةِ، واستدبارها للبول والغائط (^٢) باستقبال رسول الله ﷺ بـ \"المدينة\" \"بيت المقدس\"، واستدباره الكعبة، وقد خصصت الصحابة قوله ﵇ في الجمع بين الجَلْدِ والرَّجم بفعله في رَجْم ماعز والغَامِدِّية من غير جَلْد (^٣)، هكذا ذكر الأصحاب.\nوعندي أن هذا بالنسخ أشبه.\nقلت: هو كما قال الشيخ: لا [يخصص] (^٤).\nومن الفوائد: نهيه ﵇ عن الوِصَالِ، ثم إنه خصّ في حقه بفعله هو إياه.\nومثّل المصنّف للتخصيص بالفعل بألفاظ [يعرض] (^٥) ورودها عامّة له \"كما لو قال:\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام ٢/ ٣٠٦ (٨)، وميزان الأصول ١/ ٤٧٢، والبحر المحيط ٣/ ٣٨٧، والإبهاج ٣/ ١٨٠.\n(^٢) أخرجه البخاري ١/ ٢٩٥، كتاب الوضوء: باب لا تستقبل القبلة بغائط أو بول (١٤٤)، وفي ١/ ٥٩٤، كتاب الصلاة: باب قبلة أهل المدينة (٣٩٤)، ومسلم ١/ ٢٢٤، كتاب الطهارة: باب الاستطابة (٥٩/ ٢٦٤). من طريق الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب الأنصاري: أن النبي ﷺ قال: \"إذا اتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ببول ولا غائط ولكن شرقوا أو غربوا\".\nأخرجه أبو داود ١/ ٣، كتاب الطهارة: باب كراهية استقبال القبلة (٨)، وابن ماجه ١/ ١١٤، كتاب الطهارة باب الاستنجاء بالحجارة (٣١٣)، والنسائي ١/ ٣٧، كتاب الطهارة: باب النهي عن الاستطابة بالروث. من طريق محمد بن عجلان بن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا بنحو حديث الصحيحين.\n(^٣) أخرجه أحمد (١/ ١٢١)، والحاكم (٤/ ٣٦٥)، والطحاوي (٢/ ٨١)، والبيهقي (٨/ ٢٢٠) من طرق عن عامر الشعبي عن علي بن أبي طالب.\n(^٤) في ج: تخصيص.\nوقال الحاكم: وهذا إسناد صحيح، ووافقه الذهبي.\n(^٥) في ج: يفرض.","vol":"3","page":340},{"text":"لَنَا: التَّخْصِيصُ أَوْلَى؛ لِلْجَمْعِ.\nقَالُوا: الْفِعْلُ أَوْلَى؛ لِخُصُوصِهِ.\nقُلْنَا: الْكَلَامُ فِي الْعُمُومَيْن.\nالْجُمْهُورُ: إِذَا عَلِمَ ﷺ بِفِعْلِ مُخَالِفٍ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ - كَانَ مُخَصِّصًا لِلْفَاعِلِ، فَإِنَ تَبَيَّنَ مَعْنًى، حُمِلَ عَلَيْهِ مُوَافِقُهُ بِالْقِيَاسِ، أَوْ بِـ \"حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ\".\nلَنَا: أَنَّ سُكُوتَهُ دَلِيلُ الْجَوَازِ، فَإِنْ لَمَ يَتَبَيَّنَ، فَالْمُخْتَارُ: أَلَّا يَتَعَدَّى، لِتَعَذُّرِ دَلِيلِهِ.\n<hr><s0>\n\nالوِصَالُ والاستقبال للحاجة، أو: كشف الفَخِذِ حرام كل كل مسلم\"، فإن هذا يشمله، وينبغي أن يتذكر أن شموله إياه إنما هو بناء على دخول المُخَاطب في عموم خِطَابهِ، فإذا ورد هذا، \"ثم فعل\" علم أنه لم يدخل في حكم العموم، ثم وجب اتباعه علينا إما أن يكون بدليل خاصّ أو عام، \"فإن ثبت الاتباع\" بدليل \"خاصّ\" بما فعله مثل: \"صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي\"، فإنه خاص بالصلاة، وليس شاملًا لكل فعل يفعله، \"فنسخ\" لتحريمه، \"وإن ثبت بعام\" في جميع الأفعال مثل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢١] \"فالمختار تخصيصه بالأول\"، أي: تخصيص العام الذي ثبت به التأسّي، وهو: \"لَقَدْ كَانَ لَكُمْ\" بالعام الأول، وهو: الوصال حرام مثلًا، فكأنه استثنى من الأسوة الوصال.\n\"وقيل: العمل بموافق الفعل\" دون مخالفه، فيكون الفعل نَاسِخًا للعام الأول.\n\"وقيل بالوقف\"؛ لتساوي العمومين.\nالشرح: \"لنا: التَّخصيص أولى\" من النَّسْخ \"للجمع\" بين الدَّليلين.\n\"قالوا: الفعل\" خاصّ، والقول عام، والخاصّ \"أولى لخصوصه\" كغيره.\n\"قلنا: الكلام\" إنما وقع \"في العمومين\"، وهما مثلا: \"لَقَدْ كَانَ لَكُمْ\" و\"الوِصَالُ حَرَامٌ\"، وأما الفعل فلا دلالة له.\nالشرح: \"الجمهور\" على أنه: \"إذا علم\" النبي \" ﷺ بفعل\" صادر من بعض المكلّفين \"مخالف\" للعموم، \"ولم ينكره كان مخصّصًا للفاعل، فإن تبين معنى\" هو العلّة لتقرير ذلك الفاعل \"حُمِلَ عليه\" كلّ من هو \"موافقه\"، أي: مشاركه في العلّة، وكان حكمها سواء، إما","vol":"3","page":341},{"text":"<span data-type='title' id=toc-696>مَسْأَلَةٌ:\nالْجُمْهُورُ: أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بمُخَصِّصٍ،</span> وَلَوْ كَانَ الرَّاوِيَ - خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلةِ.\nلَنَا: لَيْسَ بِحُجَّةٍ.\nقَالُوا: يَسْتَلْزِمُ دَليلًا، وَإِلَّا كَانَ فَاسِقًا؛ فَيَجِبُ الْجَمْعُ.\nقُلْنَا: يَسْتَلْزِمُ دَلِيلًا فِي ظَنِّهِ، فَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ اتِّبَاعُهُ.\n<hr><s0>\n\nبالقياس عنْد من يخصّ العموم \"بالقياس، أو بـ \"حُكْمِي عَلَى الوَاحِدِ\" حُكْمِي عَلَى الجَمَاعَةِ، وهو الحديث الذي قلنا: إنه وإن لم يعرف فمعناه مجمع عليه، ويشترط ألّا يستوعب ذلك المعنى جميع أفراد العام، وإلّا يكون نسخًا.\n\"لنا: أن سكوته\" ﵊ عن الإنكار \"دليل الجواز\"؛ لما مَرّ من أنه لا يقرّ على باطل، \"فإن لم يتبين\" المعنى المقتضى للتخصيص، \"فالمختار ألّا يتعدى\" حكمه إلى غيره؛ \"لتعذّر دليله\" أي: دليل التعدّى.\nأما بالقياس فظاهر، وأَما بـ \"حكمي على الواحد\"؛ فلأنه مخصوص بما علم فيه عدم الفارق، وهنا لم يعلم؛ لاختلاف الناس في الأحكام.\nولقائل أن يقول: إذا ثبت \"حكمي على الواحد\" لم يحتج إلى العلم بالجامع، بل يكفي عدم العلم بالفارق، والأصل بعد ثبوت هذا الحديث أن الخلق في الشرع شرع، فالمختار عندنا التَّعميم، وإن لم يظهر المعنى ما لم يظهر ما يقتضى التخصيص، ثم إن استوعب الأفراد كلها فهو نسخ، وإلا فتخصيص.\n«مسألة»\nالشرح: ذهب \"الجمهور\" إلى \"أن مذهب الصَّحابي\" (^١) إذا كان على خلاف العموم \"ليس بمخصّص، ولو كان\" هو الرَّاوي لذلك العام، كذلك مذهب الرَّاوي لا يخصص\n_________\n(^١) ينظر: شرح الكوكب ٣/ ٣٧٥، والمحصول ١/ ٣/ ١٩١، والمستصفى ٢/ ١١٢، والإحكام للآمدي ٢/ ٣٠٩ (١٠)، والعدة ٢/ ٥٧٩، وشرح العضد ٢/ ١٥١، والمسودة (١٢٧)، وجمع الجوامع ٢/ ٣٣، والبحر المحيط ٣/ ٣٩٨ - ٣٩٩، وإرشاد الفحول ١٦١، وتيسير التحرير ١/ ٣٢٦.","vol":"3","page":342},{"text":"قَالُوا: لَوْ كَانَ ظَنِّيًّا، لَبَيَّنَهُ.\nقُلْنَا: وَلَوْ كانَ قَطْعِيًّا، لَبَيَّنَهُ.\nوَأَيْضًا: لَمْ يَخْفَ عَنْ غَيْرِهِ.\nوَأَيْضًا: لَمْ يَجُزْ لِصَحَابِيٍّ مُخَالَفَتُه، وَهُوَ اتِّفَاقٌ.\n<hr><s0>\n\nالعموم الذي رواه ولو كان صحابيًّا؛ \"خلافا للحنفيّة والحنابلة\" فيهما، ثم مأخذهم في الصَّحابي أن قوله حجّة، وفي الراوي إذا لم يكن صحابَيًّا أنه أعرف بمخرج ما رواه من غيره.\nومذهبنا: أن نقول: الصَّحابي ليس بحجّة، وعلى القول بأنه حجّة - وهو القديم - اختلف أصحابنا في تخصيص العموم به على وجهين.\nأحدهما: الجواز؛ لأنه حجّه شرعية.\nوالثاني: المنع؛ لأنه محجوج بالعموم، وقد كانت الصّحابة يتركون أقوالهم إذا سمعوا العموم.\nقال ابن عمر: \"كنا نُخَابِرُ أربعين سَنَةً حتى روى لنا رافع بن خديج أن النبي ﷺ نهى عن المُخَابَرَةِ، فتركناها\".\n\"لنا\": أن العموم حجّة، وقول الصحابي \"ليس بحجّة\"، فلا تخصيص.\n\"قالوا\" خلافه \"يستلزم دليلًا، وَإلَّا كان فاسقًا، فيجب الجمع\" بين [العام] (^١) والدليل الذي خالف من أجله.\n\"قلنا\": أما أن خلافه \"يستلزم دليلًا\" فحقّ، ولكن \"في ظنه\" لا في نفس الأمر، وإذا كان كذلك، \"فلا يجوز لغيره اتباعه\"؛ لأن المجتهد لا يقلد مجتهدًا.\nالشرح: \"قالوا\" دَفْعًا لهذا الجواب: إن الَّذي خالف من أجله قطعي؛ إذ \"لو كان ظنيًّا لبينه\"؛ لينظر فيه غيره، ولتندفع التُّهْمَة.\n\"قلنا\" أولًا. هذا معارض بمثله، فنقول: \"ولو كان قَطْعيًّا لبيّنه\" دفعًا للتُّهمة، وليصير غيره إليه، \"وأيضًا\": لو كان قطعيًّا \"لم يَخْفَ عن غيره\" من الصحابة عادة، \"وأيضًا: لم يَجُزْ\n_________\n(^١) في ب: العلم.","vol":"3","page":343},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nلصحابي\" آخر \"مخالفته\"؛ إذ القاطع لا يخالف، \"وهو \"أي: جواز المُخَالفة \"اتفاق\" أي: يجوز بالاتفاق مُخَالفة صَحَابي آخر.\nواعلم أن هنا مسألتين:\nإحداهما: مخالفة الصَّحابي للعام، فإن قلنا: مذهبه حجّه خص، سواء كان الراوي أم لا على الأصح.\nوقيل: لا يخصّ، وإنما يحتج به إذا لم يعارضه العموم كما عرفت.\nوقيل: لا يخصّ إلّا إذا كان هو راوي العموم.\nوالثانية: في مخالفة الراوي غير الصَّحابي، والأصح لا يخص.\nوقيل: يخصّ؛ لأنه أعلم بما رواه.\nوحجاج المصنّف ودليله يقتضي أن كلامه في الرَّاوي مطلقًا، وأنّ كلامه فيه إذا كان صحابيًّا إنما هو على التفريع بأنه غير حجّة؛ إذ استدلّ بأن قوله غير حجّة، ولو لم يكن مفرعًا على ذلك لكان مُصَادرًا على المطلوب، أو على التفريع بأنه حجة، ولكن لا يعارض العموم، فاعرف ذلك.\nوقد قَدّمنا في عمل الراوي بخلاف روايته أنه لا فَرْقَ بين أن يكون صحابيًّا أو لا، فَتَذَكَّره واعتمده.\n\n\"فرع\"\nنقول على أصلنا: قول ابن عباس: \"إن المرأة لا تقتل بالرِّدَّة\" (^١) إن ثبت عنه لا يخصّ عموم ما رواه من قوله ﷺ: \"مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ\" (^٢)، ويحتمل أنه كان يرى أن المؤنث لا\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني (٣/ ١١٧) من طريق عبد الله بن عيسى الجزري نا عفان نا شعبة عن عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ: لا تقتل المرأة إذا ارتدت.\nوقال الدارقطني: عبد الله بن عيسى هذا كذاب يضع الحديث على عفان وغيره، وهذا لا يصح عن النبيّ ﷺ.\nوالحديث ذكره ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٣/ ١٢٨) من طريق الدارقطني وكذا أورده السيوطي في \"اللآليء\" (٢/ ١٠٢) وابن عراق في \"تنزيه الشريعة\" (٢/ ٢٢٥).\n(^٢) أخرجه الشافعي ٢/ ٨٦ - ٨٧، باب ما جاء في قطاع الطريق (٢٨٥)، والبخاري ١٢/ ٢٧٩ =","vol":"3","page":344},{"text":"<span data-type='title' id=toc-698>مَسْأَلَةٌ:\nالْجُمْهُورُ: إِنَّ العَادَةَ فِي تَنَاوُلِ بَعْضٍ خَاصٍّ - لَيْسَ بِمُخَصِّصٍ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ</span>؛ مِثْلُ: \"حَرَّمْتُ الرِّبا فِي الطَّعَامِ\"، وَعَادَتُهُمْ تَنَاوُلُ الْبُرِّ.\n<hr><s0>\n\nيدخل تحت لفظ \"مَنْ\" الشرطية، ولا يكون مخالفًا حينئذٍ لروايته، وغَسْل أبي هريرة من وُلُوغ كلب الزرع ثلاثًا لا يخصّ عموم ما رواه من قوله ﷺ: \"إِذَا وَلغَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا\".\nوالعموم في هذا الحديث في الكلب؛ إذ هو اسم جنس محلّي بـ \"الألف\" و\"اللام\"، فيعم كلب الزَّرْع وغيره؛ لأن في قوله: \"سبعًا\" وإن قاله القاضي في \"التقريب\" وغيره؛ إذ أسماء الأعداد نصوص في مسمّياتها لا عامة، فإن كان القاضي يرى أن أسماء العدد عامة، وإلَّا فتقريره مدخول.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: أطلق أئمتنا كالشيخ أبي إسحاق الشِّيرَازي، وابن السَّمعاني وغيرهما القول بأن العادة لا تخصص العموم، وهذا الإطلاق يحتمل أمورًا: (^١)\nأحدها: أن يوجب النبي ﷺ أو يحرم أشياء بلفظ عام، ثم يرى من بعد العادة جارية بترك بعضها أو بفعله، وهل يخصص حتى يقال: المراد من العام ما عدا ذلك البَعْض الذي جرت به العادة؟\nوهذا الوجه هو الَّذي تكلّم فيه الإمام الرَّازي وأتباعه، واختار أنه إن علم جريان العَادَةِ في زمن النبي ﷺ مع عدم منعه عنها، فيخص، والمخصص في الحقيقة تقريره ﵇،\n_________\n= كتاب استتابة المرتدين: باب حكم المرتد (٦٩٢٢)، وأبو داود ٤/ ١٢٦، كتاب الحدود: باب الحكم فيمن ارتد (٤٣٥١)، والترمذي ٤/ ٤٨، كتاب الحدود: باب ما جاء في المرتد (١٤٥٨)، وابن ماجه (٢/ ٨٤٨)، كتاب الحدود: باب المرتد (٢٥٣٥)، والنسائي ٧/ ١٠٤، كتاب تحريم الدم: باب الحكم في المرتد (٤٠٥٩) وأحمد ٢/ ٢١٧.\n(^١) ينظر: المحصول (١/ ١٩٨)، ونهاية السول ٢/ ٤٦٩، والمستصفى ٢/ ١١١ - ١١٢، والمعتمد ١/ ٣٠١، وشرح تنقيح الفصول للقرافي (٢١٢)، والفروق له (١/ ١٧١)، وشرح الكوكب ٣/ ٣٨٧ - ٣٨٨، واللمع (٢١)، والبرهان ١/ ٤٤٦، وجمع الجوامع ٢/ ٣٥، والإحكام للآمدي ٢/ ٣١٠ (١١)، والإبهاج ٢/ ١٨٠، والمسودة ١٢٣، والوصول لابن برهان ١/ ٣٠٦، والتحرير (١٢٥)، والتيسير (١/ ٣١٧)، وفواتح الرحموت ١/ ٣٤٥، والتلويح ١/ ٤٢.","vol":"3","page":345},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوإن علم عدم جَرَيَانِهَا لم يخص إلا أن يجمع على فعلها، فيكون تخصيصًا بالإجماع العقلي، وإن جهل الحال فاحتمالان.\nوالثاني: أن تكون العادة جارية بفعل شيء قبل ورود اللَّفظ العام، فيرد العام بعد، فهل يكون اللّفظ مقصورًا على ما وراء تلك الصورة حتى يقال: إن تلك الصورة غير مرادة، وإنما المراد ما عداها؟\nوهذا الوجه هو الذي تكلم فيه الشيخ أبو حامد، ولعلّه الذي أراده الشيخ أبو إسحاق، وابن السمعاني؛ لأنهما يتبعان الشيخ أبا حامد.\nقال أبو حامد: ولا يجوز التخصيص به.\nقال: وذلك مثل أن يرد عن النبي ﷺ خبر في بيع أو غيره، وعادة الناس تُخَالفه، فيجب الأخذ بالخبر، وإطراح تلك العادة.\nقال: وليس في هذا خلاف.\nقلت: وعنده أن ما وراء الذي جرت به العادة مراد من اللَّفظ بلا نظر، وإنما الكلام فيما جرت به عادة كما ترى.\nثم قال: فإن قيل: أليس قد خصصتم عموم لفظ اليَمِينِ بالعادة، فقلتم: إذا حلف لا يأكل بَيْضًا، أو لا يأكل الرّءوس، فلا يحنث إلا بما يعتاد أكله من الرُّءوس والبيض؟ فهلّا قلتم في ألفاظ الشارعِ مثل ذلك.\nقيل: نحن لا نخص اليمين بعرف العادة، وإنما نخصّه بعرف الشَّارع، مثل: لا تُصَلِّ أو لا تصم، فيحنث بالشرعي، أو بعرف قائم في الاسم مثل: لا تأكل البيض أو الرّءوس، فيعقل من إطلاق هذا الاسم الرءوس التي تقصد بالأكل، فيخص اليمين بعرف قائم في الاسم، فأما بعرف العادة فلا يخصّ؛ لأنه لو حلف لا يأكل خبزًا ببلد لا يؤكل فيه خبز الأرز حنث بأكل خبز الأرز، وإن كان لا يعتاد أكله.\nقلت: وحاصله: أن العرف إن جرى بتخصيص اللَّفظ ببعض مدلولاته اعتمد (^١)، ولذلك نقول: الحقيقةُ العرفية مقدّمة على اللّغوية.\n_________\n(^١) قال الشيخ فايد: ولما كان العرف مختلف الأنواع فمنه القولي والعملي والقائم وقت ورود النص والحادث بعده، وكان القول بالتخصيص مختلفًا تبعًا لذلك - رأينا أن نذكر أقسامه لنبين =","vol":"3","page":346},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nونقول: إن الاعتماد في الأيمان على العرف.\nوالثالث: أن تجرى العادة بفعل معيّن، ثم يرد لفظ عام، فهل يقصر على ما جرت به\n_________\n= ما اتفقوا عليه وما اختلفوا فيه، فنقول: العرف إما قولي وإما عملي، فالقولي \"هو الاتفاق على أن يراد من اللفظ غير تمام مدلوله بحيث إذا أطلق انصرف إليه من غير قرينة، وهذا يشمل الاتفاق على إرادة بعض المدلول، وإرادة غير المدلول، فالأول كإرادة بعض أفراد العام منه بعد أن كان دالًّا على كل أفراده، كالدراهم على النقد الغالب بعد أن كان يطلق على كل أفراد الدراهم، والثاني كالاتفاق على إرادة فرد معين من المطلق بعد أن كان دالًّا على الفرد الشائع، وكالاتفاق على إرادة معنًى آخر للمركب، ومثال المطلق: لفظ امرأة في قول الموكل، وكلتك بتزويجي امرأة، فإن اللغة تطلقها على الأنثى من بني آدم، والعرف قيدها بالحرة، ومثال المركب قول الحالف: لا أضع قدمي في دار فلان فإن العرف استعمله في المنع من دخول الدار على أي حال. ويرجع العرف القولي إلى اتفاقهم على هجران المعنى الأصلي ونقل اللفظ بواسطة الاستعمال المتكرر الشائع إلى المعنى الثاني، وهذا الاستعمال يعتبر وضعًا. والعملي هو جريان العمل بين الناس على فعل من الأفعال سواء أكان عامًّا كاستصناع الأواني والخفاف، أو خاصًّا ببلد كتعارف أهل بلد على خياطة الثياب على شكل مخصوص.\nوكل من القولي والعملي إما أن يكون قائمًا منذ ورود النص أو حادثًا بعده، اتفق الأصوليون على أن العرف القولي القائم وقت ورود النص يخصص العام إن كان عرفًا عامًّا، كما إذا ورد لفظ عام عن الشارع وكان عرف الناس استعماله في بعض أفراده، فإنه يحمل عليه ..\nواختلفوا في العرف العملي القائم وقت ورود النص، فذهب الحنفية وبعض المالكية إلى أنه يخصصه وذهب الجمهور إلى خلافه محتجين بأن صيغة العموم التي جرى العمل ببعض أفرادها عامة بحسب اللغة، ولم يوجد ما يخصصها، وكل ما كان كذلك يجب بقاؤه على عمومه ..\nواحتج المخالفون لهم بأن اتفاق كل من المتنازعين على أن العرف العملي يقيد المطلق يوجب اتفاقهم على أنه يخصص العام، توضيحه أنه إذا كانت العادة في بلد أكل لحم الضأن ثم قال أحدهم لوكيله: اشتر لحمًا - لا يفهم منه إلا لحم الضأن، فينصرف إليه ويقتصر التوكيل عليه حتى لو اشترى الوكيل غيره كان مخالفًا مع أن لحمًا في أصل وضعه مطلق دال على فرد ما من أفراد اللحم ضأنًا أو غيره فإذا كان هذا حال المطلق وجب أن يكون العام مخصصًا بالعرف العملي كذلك لاتحاد الموجب للتخصيص والتقييد، وهو تبادر الحصة التي وقع عليها التعامل من اللفظ عند ذكره ..","vol":"3","page":347},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  وناقشهم الجمهور بأن قياس العام على المطلق قياس في اللغة، وهو مردود؛ ولأنه لا يلزم من تقييد العرف العملي للمطلق تخصيصه للعام للفرق بينهما؛ لأن دلالة المطلق على المقيد دلالة الجزء على الكل؛ لأن المقيد هو المطلق والقيد؛ فيكون كلًا والمطلق جزءًا له، ودلالة الجزء على الكل ضعيفة؛ لأن الجزء قد يوجد بدون الكل، ودلالة العام على الخاص من دلالة الكل على الجزء لأن العام يشمل جميع الأفراد فهو كل والخاص بعض وجزء له، ودلالة الكل على الجزء قوية؛ لأن الكل لا يتحقق بدون جزئه، وإذا كان الأمر كذلك فلا يلزم من تأثير العرف العملي فيما دلالته ضعيفة تأثيره فيما دلالته قوية ..\nوناقش الحنفية دليل الجمهور بمنع أنه لا مخصص لها؛ فإن جريان العادة بالتعامل ببعض الأفراد مما يجعل ذلك الاسم غالبًا في ذلك البعض، كالعرف القرلي في جعل اللفظ مما يتبادر منه البعض عند الإطلاق.\nوأجابوا عن مناقشتهم بمنع أن ذلك قياس في اللغة بل هو استقراء؛ فإن الاستقراء أفادنا قاعدة عامة هي أن ما يوجب تبادر الذهن إلى غير الموصوف له يوجب إرادته، والمطلق المفيد بالعرف العملي والعام المخصوص به ليسا إلا فردين لهذه القاعدة فلا أصل ولا فرع حتى يأتي القياس، وبأن الفارق الذي ذكر لا أثر له بعد تحقق مناط التخصيص والتقييد، وهو تبادر الخاص من اللفظ عند الاستعمال، ولا شك أنه متحقق بالعرف العملي في كل من العام والمطلق ..\nوبهذا الجواب يندفع أيضًا ما أبداه بعضهم من الفرق بين التخصيص والتقييد، وهو أن العادة في العام تخرج منه بعض المدلول بخلافها في المطلق فإنها تقيد الحصة الشائعة، فعمل بها في الثاني دون الأول، ووجهة الدفع أن هذا لا يصلح فارقًا؛ فإن مناط التخصيص والتقييد تبادر الخاص من اللفظ عند الإطلاق ..\nوبهذا يترجح الرأي القائل بالتخصيص سيما وأنه ينايسب قصد الشارع من وضع الشريعة للإفهام، وهذا إنما يكون باتباع معهود العرب، على أنا إذا علمنا أن التشريع الإسلامي كان قائمًا على مبدأ التقرير والإلغاء والتعديل لما كان معهودًا لهم علمنا أنه لا ضير مطلقًا في القول بالتخصيص ما دام المشرع قائمًا لا يقرهم على غير ما أراده الشارع، ويصبح النزاع قاصرًا على تلك الفترة التي تعقب نزول النص، والرسول ﵇ بعد ذلك لا محالة مبيّن أو مقرر لما أراده الشارع الحكيم ..\nوأما العرف الطارئ فالذي يؤخذ من كلام المعظم أنه إن لم يمكن رده إلى دليل معتبر فلا يخصص النص كما في الأمور التي تصطدم مع نصوص الشارع القطعية كالربويات وغيرها، وكما في البدع المستحدثة في المآتم والمقابر والأفراح حيث لا يمكن ردها إلى أصل من =","vol":"3","page":348},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالعادة أو تجرى على عمومه؟\nوهذا الوجه هو الذي تكلّم فيه القاضي في \"التقريب\" والغزالي، وجماعة منهم الآمدي والمصنّف، وهؤلاء عندهم أن الذي جرت به العادة مراد قطعًا، وإنما الخلاف في أنَّ غيره هل هو مراد معه؟ عكس القسم الذي قبله.\nفنقول: قال \"الجمهور: إن العادة في تناول بعض خاصّ\"، دون بعض \"ليس بمخصص؛ خلافًا للحنفية، مثل\" ما لو قال الشارع: \"حرمت الربا في الطعام\"، ومنه نهيه ﷺ عن بيع الطعام بجنسه، \"وعادتهم تناول البُرّ\"، فيجري اللفظ على عمومه في كل طعام، وهذا في عادة التناول دون الإطلاق.\nأما إن كان عرفهم تخصيص لفظ الطعام بالبُرّ، فإنه يخص به، وسيذكره المصنف، وهو في الحقيقة قولنا: إن العرفي مقدم على اللغوي.\n_________\n= أصول الشرع، وإن أمكن رده إلى دليل شرعي كان مخصصًا، والمخصص في الحقيقة هو الأصل الذي يرجع إليه العرف كالإجماع السكوتي والسنة التقريرية والمصلحة المرسلة عند من يعتبرها، كأن يجري العرف في عصر المجتهدين بفعل شيء أو تركه ويقرونه أو يجري عرف بأمر في عصر النبيّ ﷺ بعد ورود النص فيقره كذلك، حيث يكون إجماعًا سكوتيًّا في الأول وسنة تقريرية في الثاني، وكأن يجري العرف بفعل بناء على ما فيه من مصلحة كتعارف أخذ الأجرة على تعليم القرآن وغيره من الطاعات ..\nولا إشكال في جواز التخصيص بالعرف على رأي الحنفية الذين يشترطون المقارنة إن كان العرف قائمًا وقت ورود النص؛ لتحقق المقارنة، كما أنه لا إشكال في جواز التخصيص بالعرف الحادث على رآي الذين لا يشترطون المقارنة ما دام الأمر راجعًا إلى الدليل المعتبر شرعًا.\nوإنما الإشكال في جواز التخصيص بالعرف الحادث للنص الغير المخصص على رأي الحنفية الذين يشترطون المقارنة في المخصص الأول؛ لأنها غير متحققة في هذه الصورة، وقولهم: إن المخصص في الحقيقة هو دليل العرف لا نفس العرف لا يرفع الإشكال إلا إن ثبت لديهم مقارنته للنص، وإلا وجب أن يكون الحكم على وفق ما هو معروف من أصولهم عند الجهل بالتاريخ.","vol":"3","page":349},{"text":"لَنَا: أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ لُغَةً وَعُرْفًا، وَلَا مُخَصِّصَ.\nقَالُوا: يَتَخَصَّصُ بِهِ كَتَخْصِيصِ الدَّابَّةِ بِالْعُرْفِ، وَالنَّقْدِ بِالْغَالِبِ.\nقُلْنَا: إنْ غَلَبَ الاِسْمُ عَلَيْهِ؛ كَالدَّابَّةِ - اخْتَصَّ بِهِ؛ بِخِلَافِ غَلَبَةِ تَنَاوُلِهِ، وَالْفَرْضُ فِيهِ.\nقَالُوا: لَوْ قَالَ: \"اشْتَرِ لِي لَحْمًا وَالْعَادَةُ تَنَاوُلُ الضَّأْنِ - لَمْ يُفْهَمْ سِوَاهُ.\nقُلْنَا: تِلْكَ قَرِينَةٌ فِي الْمُطْلَقِ؛ وَالْكَلَامُ فِي الْعُمُومِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"لنا\" على أن العادة لا تخصص \"أن اللفظ عام لغة وعرفًا\".\nأما لغة: فظاهر.\nوأما عرفًا: فلأن عرفهم في تناوله لا في غَلَبَةِ استعمال اسم الطعام في البُرّ، \"ولا مخصّص\" له ببعض المَطْعُومات، فيبقى على عمومه.\n\"قالوا\": بل المخصّص قائم؛ فإنّ اللفظ من أجل العادة، \"يتخصص به\" أي بالمعتاد، \"كتخصيص الدَّابة بالعرف والنقد بالغالب\".\n\"قلنا: إن غلب الاسم عليه كالدَّابة اختص به، بخلاف غلبة تناوله، والفرض فيه\" لا في غلبة إطلاق الاسم.\nوالحاصل: أنك إذا أطلقت النقد في بلد الغالب فيها الدَّراهم، لم يحكم بأن الدنانير خارجة عن حقيقة اللفظ عرفًا، بل تفهم الدَّراهم بالعادة، والدنانير لا تنافيها، ولم يتصرّف أهل العرف في اللَّفظ بحال، وإنما عرفهم في الملفوظ فقط، واللفظ باقٍ على حاله.\n\"قالوا: لو قال: اشْتَرِ لي لحمًا، والعادة تناول الضَّأَن لم يفهم سواه\"، فدلّ أن العادة مخصصة.\n\"قلنا\": اللَّحم هنا مطلق لا عام؛ لكونه نكرة في سياق الإثبات، و\"تلك\" العادة \"قرينة في المُطْلق\" تقيده، \"والكلام\" ليس في ذلك، بل \"في العموم\"، والفرق بين العموم والإطلاق واضح، فإن العمل بالمقيد ليس فيه ترك المطلق، بخلاف الخاص.\n\n<span data-type='title' id=toc-699>\"فرع\"\nإذا باع شَجَرة وأطلق، دخل في بيعها أغصانها إلا اليَابِس</span>؛ لأن العادة فيه القطع.","vol":"3","page":350},{"text":"<span data-type='title' id=toc-700>مَسْأَلَةٌ:\nالْجمْهُورُ إِذَا وَافَقَ الْخَاصُّ حُكْمَ الْعَامِّ، فَلَا تَخْصِيصَ</span>؛ خِلَافًا لِأَبِي ثَوْرٍ؛ مِثْلُ و\"أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ\"، وَقَوْلِهِ ﵊ فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ: \"دِبَاغُهَا طُهُورُهَا\".\n<hr><s0>\n\nوقال صاحب \"التهذيب\": يحتمل ألَّا يدخل، كالصوف على ظهر الغَنَمِ، يعني إذا بيع وقد استحق الجَزَّ آخر.\nقال صاحب \"البيان\" في \"الوكالة\": قال أبو العباس: إذا دفع إلى وكيله دراهم، وقال: أسلفها في طعام، أو في الطعام، أسلفها في الحِنْطَةِ فإن أسلفها في الشعير لم يصح؛ لأن إطلاق اسم الطَّعام في العرف ينصرف إلى الحِنْطَةِ، دون غيرها، وإن كان الطَّعام اسمًا للكلّ في اللغة، إلَّا أن الاعتبار بالعرف دون العموم، ألا ترى أنه لو قال: اشتر لي خبزًا، انصرف ذلك إلى الخبز المعتاد من موضعه. حتى لو كان في \"العراق\" لم يجز له أن يشتري خبز الأرز. هكذا ذكر عامة أصحابنا.\nوقال أبو المحاسن (^١): إذا قال: اشتر لي بها الطَّعَام، لم يصحّ التوكيل، خلافًا لأبي حنيفة. انتهى.\n«مسألة»\nالشرح: قال \"الجمهور: إذا وافق الخاصّ حكم العام فلا [تخصيص (^٢)] (^٣) \".\nوإن شئت قلت: إذا أفرد الشَّارع فردًا من أفراد العام بالذكر، وحكم عليه بما حكم\n_________\n(^١) سعد بن أبي سعد محمد بن منصور، أبو المحاسن الجولكي - بضم الجيم بعدها الواو الساكنة ثم اللام المفتوحة وفي آخرها الكاف - نسبة إلى جُولك، رجل من الغزاة، استُشهد على باب رباط دِهِسْتان، وكان فقيهًا، بارعًا، محققًا، مناظرًا، وتخرجت به الفقهاء، وُلد في جمادي الآخرة سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، وقتل ظلمًا بـ \"إستراباذ\"، في رجب، سنة أربع وخمسين وأربعمائة. ينظر: الطبقات الكبرى لابن السبكي ٤/ ٣٨٦، ٣٨٧، والبداية والنهاية ١٢/ ٨٨، وتاريخ جرجان ١٨٦، واللباب ١/ ٢٥٤، والمنتظم ٨/ ٢١٨.\n(^٢) ينظر: المعتمد ١/ ٣١١، والمحصول ١/ ٣/ ١٩٥، وشرح الكوكب المنير ٣/ ٣٨٦، والإحكام للآمدي ٢/ ٣١١ (١٢)، وجمع الجوامع ٢/ ٣٣، وشرح تنقيح الفصول (٢١٩) وتيسير التحرير ١/ ٣٢٠.\n(^٣) في ب: يخصص.","vol":"3","page":351},{"text":"لَنَا: لَا تَعَارُضَ؛ فَلْيُعْمَلْ بِهِمَا.\nقَالُوا: الْمَفْهُومُ يُخَصِّصُ الْعُمُومَ.\nقُلْنَا: مَفْهُومُ اللَّقَب مَرْدُودٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-701>مَسْأَلَةٌ:\nرُجُوعُ الضَّمِيرِ إِلَى الْبَعْضِ لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ.</span>\nالْإمَامُ وَأَبُو الحُسَيْنِ: تَخْصِيصٌ.\nوَقِيلَ: بِالْوَقْفِ؛ مِثْلُ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٨] مَعَ ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٨].\n<hr><s0>\n\nعلى العامّ لم يخصصه؛ \"خلافًا لأبي ثور، مثل\" ما في صحيح مسلم من قوله ﷺ: \"أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ\"، وقوله ﵇ في شاة ميمونة: \"دِبَاغُهَا طُهُورُهَا\" واللفظ في \"صحيح مسلم\": أن رسول الله ﷺ مَرَّ بشاة ميتة لمولاةٍ لميمونة فقال: \"أَلَا أَخَذُوا إِهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ\".\nالشرح: \"لنا\": أن المخصص لا بد أن يكون بينه وبين العام تعارض، و\"لا تعارض\" بين الكُلّ والبعض في الحكم إذا حكم عليهما بحكم واحد، \"فليعمل بهما\".\nوأبو ثور ومتابعوه \"قالوا\": مفهوم تخصيص الْفَرْدِ بالذكر كما في: \"دِبَاغها طهورها\" نفى الحكم عن المخالف، و\"المفهوم تخصيص العموم\".\n\"قلنا\" إنما يخصّص العموم من المفاهيم ما تقوم به الحُجَّة، فأما \"مفهوم اللقب\" كالشَّاة، فإنه \"مردود\" كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\nوأنا أقول: إن أبا ثور لا يستند إلى أن مفهوم اللقب حجّة؛ فإن غالب الظن أنه لا يقول به، ولو قال به لكان الظاهر أنه يحكى عنه، فقد حكى عن الدَّقَّاق وهو دونه، ولكنه يجعل ورود الخاصّ بعد تقدم العام قرينة في أنَّ المراد بذلك العام هذا الخاص، ويجعل العام كالمطلق، والخاص كالمقيد، وليس ذلك قولًا منه بمفهوم اللقب فافهمه.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"رجوع الضمير\" الواقع عقب اللّفظ العام \"إلى البعض\" من أفراده \"ليس بتخصيص\".","vol":"3","page":352},{"text":"لَنَا: لَفْظَانِ؛ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ مَجَازِ أَحَدِهِمَا مَجَازُ الآخَرِ.\nقَالُوا: يَلْزَمُ مُخَالَفَةُ الضَّمِيرِ.\nوَأَجِيبَ: بِأنَّهُ كَإِعَادةِ الظَّاهِرِ.\nالْوَقْفُ لِعَدَمِ التَّرْجِيحِ.\nوَأُجِيبَ: بِظُهُورِ الْعُمُومِ فِيهِمَا؛ فَلَوْ خَصَّصْنَا الْأَوَّلَ، خَصَّصْنَاهُمَا، وَلَوْ سُلِّمَ، فَالظَّاهِرُ أَقْوَى.\n<hr><s0>\n\nوإن شئت قلت: إذا عقب لفظ العام باستثناء، أو صفة، أو حكم خاص لا يتأتى إلا في بعض مدلوله لم يوجب ذلك تخصيصه عند الأكثرين من أصحابنا.\nوقال \"الإمام، وأبو الحسين\" فيما نقله المصنف: \"تخصيص\" وعليه أكثر الحنفية (^١).\n\"وقيل بالوقف\" في المسألة، وهو رأي أبي الحسين، والإمامين، نصوا عليه في \"المعتمد\" و\"البرهان\" و\"المحصول\"، وذلك \"مثل\" قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٨] \"مع\" قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٨] فإن المطلقات عام في الرَّجعيات والبوائّن، والضمير في البُعُولة إنما يصحّ عوده إلى الرَّجعيات منهنّ فقط، فلا يقتضي تخصيص المطلّقات، وأن يقال: إنما أريد بهنّ الرجعيات، بل يجري على عمومه؛ خلافًا لهم.\nالشرح: \"لنا\": أن العام والضمير \"لفظان، فلا يلزم من مجاز أحدهما\" وهو الضمير الخارج عن حقيقته الَّتي هي العموم \"مجاز الآخر\"، وهو العام.\nولقائل أن يقول: الخَصْمُ لا يسلّم وقوع المجاز في الضمير، بل هو عنده [عائد] (^٢) إلى جميع ما تقدم.\nنعم: عنده أن جميع ما تقدم خاص.\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام ٢/ ٣١٤ (١٣)، والمعتمد ١/ ٣٠٦، والمحصول ١/ ٣/ ٣١٠، وشرح تنقيح الفصول (٢١٩)، والعدة ٢/ ٦١٤، واللمع (٢١)، ونهاية السول ٢/ ٤٨٩، والمسودة (١٣٨)، وجمع الجوامع ٢/ ٣٣، وشرح الكوكب المنير ٣/ ٣٨٩ - ٣٩٠، والمختصر لابن اللحام ١٢٤، والإبهاج ٢/ ٢١٣، والتحرير ص ١٢٧، والتيسير ١/ ٣٢٠، وفواتح الرحموت ١/ ٣٥٦.\n(^٢) سقط في ب.","vol":"3","page":353},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"قالوا: يلزم\" من عدم التخصيص \"مخالفة الضَّمِير\" للظاهر؛ لكونه غير عائد إلى كل أفراده، واللازم باطل؛ لأنه يجب مطابقة الضَّمير للمستظهر.\n\"وأجيب: بأنه كإعادة الظَّاهر\"، ولا شكّ أنه لو أعاد الظَّاهر، وأراد به ثانيًا الخصوص لم يلزم منه خصوص الأول، ولا مَحذُورَ فيه، فكذا هنا.\nوأما \"الوقف\" فإنما ذهب إليه قائله \"لعدم التَّرجيح\" في ظنه.\n\"وأجيب: بظهور العموم فيهما\".\nأما في الظاهر فظاهر.\nوأما في الضمير؛ فلإشعار ظاهره بالعَوْدِ إلى الكل، \"فلو خصصنا الأول خصصناهما\" معًا؛ لاستلزام تخصيص المظهر تخصيص مضمره، ويلزم منه مخالفة الظَّاهرين، وإذا خصّصنا الثاني لم يلزم تخصيص الأول، ومخالفة ظاهر واحد أولى من مُخَالفة ظاهرين، \"ولو سلم\" أنه لا يلزم من تخصيص الأول مخالفة ظاهرين، \"فالظاهر\" لاستغنائه عن الضمير \"أقوى\" منه، فيكون عمومه أقوى، [فمخالفة] (^١) ظاهر الأقوى أضعف من مخالفة ظاهر الأضعف، وهذا الجَوَابُ هو المضمر؛ لما قَدَّمناه من أن الخصوم لا يسلمون أنه يلزم من تخصيص الأول تخصيصهما جميعًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-702>\"فائدة\"</span>\nلا يخفى عليك أنا تصرفنا في الضمير فقلنا بعوده إلى بَعْضِ ما تقدم، فأخرجناه عن حقيقته، وتركنا المظهر بحاله على عمومه، والخصوم عكسوا، فتصرفوا في المظهر وقالوا: إنه خاصّ، وتركوا المضمر بحاله فقالوا: يعود إلى كلّ ما تقدّم، وكلّ ما تقدم هو الخاص.\nوصنيعنا أولى من صنيعهم؛ لأن المضمر أضعف من المظهر، فالتصرّف فيه أولى من العكس، وهذا يفهم من قول المصنّف: الظَّاهر أقوى.\n\n<span data-type='title' id=toc-703>\"فرع\"\nقال الحنفيّة في قوله ﵇: \"لَا تَبِيعُوا البُرَّ بالبُرِّ إِلَّا كَيْلًا بِكَيْلٍ\"</span> (^٢) أن المراد منه ما يكال من البر، فيجوز بيع الحِفْنَةِ بِالْحِفْنَتَيْنِ؛ لأن هذا القدر مما لا يكال، وهذا مخرج على أصلهم، وقد عرفته.\n_________\n(^١) في ب: بمخالفة.\n(^٢) أخرجه مسلم ٣/ ١٢١٠ في كتاب المساقاة: باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا =","vol":"3","page":354},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nالْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَالْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو هَاشِمٍ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ ﵏:\nجَوَازُ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ.\nابْنُ سُرَيْجٍ: إِنْ كَانَ جَلِيًّا.\nابْنُ أَبَانٍ: إِنْ كَانَ الْعَامُّ مُخَصَّصًا.\nوَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْأَصْلُ مُخَرَجًا.\nالْجُبَّائِيُّ: يُقَدَّمُ الْعَامُّ مُطْلَقًا.\nوَالْإِمَامُ وَالْقَاضِي: بِالْوَقْفِ.\nوالْمُخْتَارُ: إِنْ ثَبَتَتِ الْعِلَّة بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ، أَوْ كَانَ الْأَصْلُ مُخَصِّصًا - خُصَّ بِهِ؛ وَإِلَّا فَالْمُعْتَبَرُ الْقَرَائِنُ فِي الْوَقَائِعِ، فَإِنْ ظَهَرَ تَرْجِيحٌ خَاصٌّ فَالْقِيَاسُ وَإِلَّا فَعُمُومُ الخَبَرِ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: ذهب \"الأئمة الأربعة، والأشعري، وأبو هاشم، وأبو الحسين\" إلى أن الحقّ \"جواز تخصيص العموم بالقياس\"، أي بقياس نص خاص، كما صرح به الغزالي، ووافقهم (^١):\n_________\n= (٨٠/ ١٥٨٧) وأبو داود في السنن ٣/ ٢٤٨ في البيوع، باب: في الصرف (٣٣٤٩)، والترمذي ٣/ ٥٤١ في البيوع: باب ما جاء أن الحنطة بالحنطة مثلًا بمثلا (١٢٤٠) قال: ومن الباب عن أبي سعيد وأبي هريرة وبلال وأنس وقال: حديث عبادة حديث حسن صحيح، والنسائي ٧/ ٢٧٤ - ٢٧٥ في البيوع: باب بيع البر بالبر، وابن ماجه ٢/ ٧٥٧ في التجارات باب: الصرف (٢٢٥٤)، والشافعي في المسند بترتيب السندي ٢/ ١٥٧ في البيوع: باب في الربا (٥٤٥) وأخرجه أبو داود ٣/ ٢٤٨ في كتاب البيوع: باب في الصرف، حديث (٣٣٥٠)، وأحمد في المسند ٥/ ٣٢٠، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٥/ ٢٧٨، و٢٨٤ في كتاب البيوع، باب: تحريم التفاضل في الجنس الواحد، وابن الجارود في المنتقى (٦٥٠).\n(^١) قد يرد عن الشارع أمر متعلق بعام ثم يظهر أن بعض أفراد هذا العام يستحق حكمًا يخالف سائر الأفراد، وهذا الحكم معلل بعلة توجد في غيره من الأفراد كأن يقول قائل لمن له أن يأمره: =","vol":"3","page":355},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"ابن سُريج: إن كان\" القياس \"جليًّا\"، لا إن كان خفيًّا.\nوقال \"ابن أبان: إن كان العامّ مخصصًا\" قبل ذلك جاز، وإلَّا فلا.\n\"وقيل: إن كان الأصل\" المقيس عليه \"مخرجًا\" من ذلك العموم بنصّ جاز، وإلا فلا.\nو\"الجُبَّائي\" قال: \"يقدم العام مطلقًا\" على القياس، ونقله القاضي في \"التقريب\" عن الأشعري، وهو أخبر بمذهبه.\n\"والقاضي والإمام\" قالا \"بالوَقْفِ\".\nوالمصنف قال: و\"المختار: إن ثبتت العلّة بنصّ، أو إجماع، أو كان الأصل مخصصًا خصّ\" العام \"به، وإلَّا فالمعتبر القرائن في \"آحاد \"الواقع، فإن ظهر ترجيح خاصّ\" لأصل القياس، \"فالقياس\" يرجح \"وإلَّا فعموم الخبر\".\nوقال قوم: يجوز التَّخصيص بقياس العلّة دون قياس الشَّبه.\nوقال القاضي في \"التقريب\": والذي (^١) فرق بين الجليّ والخفيّ فسر الجلي بقياس العلّة، والخفي بقياس الشَّبه.\n_________\n= \"لا تعط من سألك شيئًا\" فمن عام ينتظم جميع أفراد السائلين أغنياء أو فقراء، علماء أو جهلاء، ثم تلا ذلك أمر آخر يقول: \"وأعط محمدًا لفقره\" فلما علمنا العلة، وأردنا تعميم محل الإعطاء فهل نقول: إنه مأمور بإعطاء كل فقير سواء كان محمدًا أو غيره؟ وبعبارة أخرى هل لنا أن نخصص العام الأول بهذا القياس ونقول: إن مراد الناهي بلفظ العام غير الفقراء، ويكون المخرج نوعين أحدهما بالنص وهو \"محمد\"، والثاني بالقياس وهو غيره من الفقراء؟ ..\nهذا هو محل النزاع بين الأصوليين .. ينظر: البحر المحيط للزركشي ٣/ ٣٦٩، والبرهان لإمام الحرمين ١/ ٤٢٨، وسلاسل الذهب للزركشي ٢٤٨، ونهاية السول للأسنوي ٢/ ٤٦٣، ومنهاج العقول للبدخشي ٢/ ١٧١، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ٧٩، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ٣٩٤، وحاشية البناني ٢/ ٢٩، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/ ٦١، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٦٥.\nالتبصرة (١٣٧)، واللمع (٢٠)، والمنتهى لابن الحاجب (٩٨)، والعدة ٢/ ٥٥٩، وشرح التنقيح (٢٠٣)، وتخريج الزنجاني (١٧٥)، وروضة الناظر ١٣، والمسودة (١١٩).\n(^١) في أ، ب: وكان الذي.","vol":"3","page":356},{"text":"لَنَا: أَنَّهَا كَذَلِكَ كَالنَّصِّ الْخَاصِّ؛ فَيُخَصِّصُ بِهَا؛ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ.\n<hr><s0>\n\nوقال الإصْطَخْرِيّ (^١) كما حكاه الشيخ أبو حامد: يخصّ بالقياس الذي ينقض بمخالفته قضاء القاضي دون ما لا ينقض فيه.\nواعلم أن مذهبنا جواز التَّخْصيص بالقياس الجَلِيّ والواضح، وفي الخفي وجهان.\nوذكر الشيخ أبو إسحاق الشِّيرَازي أَنَّ الشَّافعي نصّ على جواز التخصيص به في مواضع.\nثم قيل: الخفيّ قياس الشّبه، وقيل غيره، وذلك تحقّق في كتاب القياس، والمنع من التخصيص بغير الجلي، نقله المصنّف تبعًا لجماعة من المتأخرين عن ابن سريج، والذي نقله الشيخ أبو حامد عن ابن سريج جواز التخصيص بالقياس مطلقًا، وقال: إنه المذهب، وعزا التفرقة بين الجلي [والخفى] (^٢) وغيره إلى إسماعيل بن مروان من أصحابنا.\nوقال الكَرْخِيّ: إن كان العام قد خصّ بمنفصل جاز تخصيصه بالقياس، وإلا فلا.\nوقال الآمدي: إن كانت العلّة منصوصة، أو مجمعًا عليها جاز التخصيص به، وإلا فلا.\nوما اختاره صاحب الكتاب من التفصيل آيلٌ إلى اتباع أرجح الظّنين، وإن تساويا فالوقف، وهذا هو رأي الغزالي.\nواعترف الإمام الرازي في أثناء المسألة بأنه حقّ، واستحسنه القَرَافِيّ، وقال الشيخ الأصفهاني: إنه حق واضح.\nالشرح: \"لنا: أنها\" أي: القياسات إذا كانت \"كذلك\" تكون \"كالنَّص الخاص\" على\n_________\n(^١) الحسن بن أحمد بن يزيد بن عيسى، أبو سعيد الإصطخري، شيخ الشافعية بـ \"بغداد\"، ومحتسبها، كان ورعًا زاهدًا، قال أبو إسحاق: لما دخلت \"بغداد\" لم يكن بها من يستحق أن يدرس عليه إلا ابن سريج وأبو سعيد الإصطخري، وحكى عن الداركي أنه قال: ما كان أبو إسحاق المروزي يفتى بحضرة الإصطخري إلا بإذنه، وولي قضاء \"قم\" وحسبة بغداد. له مصنفات مفيدة. توفي سنة ٣٢٨ هـ وقد جاوز الثمانين. ينظر: البداية والنهاية ١١/ ١٩٣، والأعلام ٢/ ١٩٢، وتاريخ بغداد ٧/ ٢٦٨، وطبقات الفقهاء للشيرازي ص (٩١)، وطبقات الشافعية للسبكي ٢/ ١٩٣، وشذرات الذهب ٢/ ٣١٢، ووفيات الأعيان ١/ ٣٧٥، وابن قاضي شهبة ١/ ١٠٩.\n(^٢) سقط في أ، ب.","vol":"3","page":357},{"text":"وَاسْتُدِلَّ: بِأَنَّ الْمُسْتَنْبَطَةَ: إِمَّا رَاجِحَةٌ، أَوْ مَرْجُوحَةٌ، أَوْ مُسَاوِيَةٌ، وَالْمَرْجُوح، وَالْمُسَاوِي لَا يُخَصِّص، وَوُقُوعُ احْتِمَالٍ مِنِ اثْنَيْنِ - أَقْرَبُ مِنْ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ.\nوَأُجِيبَ: بِجَرْيهِ فِي كُلِّ تَخْصِيصٍ، وَقَدْ رُجِّحَ بِالْجَمْعِ.\n<hr><s0>\n\nالحكم في إفادة الظَّن، \"فتخصيص\" العام \"بها للجمع بين الدَّليلين، واستدلّ\" على أن المستنبطة لا يجوز التَّخصيص بها \"بأن المستنبطة إما راجحة\" على العموم، \"أو مرجوحة أو مساوية، والمرجوح والمساوي لا يخصّص\" واحد منهما، فلم يبق إلا الرَّاجح، وهذه تقديرات ثلاث يجوز التَّخصيص على تقدير واحد منها، وهو الرَّاجح، ولا يجوز على تقديرين \"ووقوع احتمال عن اثنين أقرب من \"وقوع \"واحد معين\"، فيكون عدم التَّخصيص أقرب وأغلب على الظَّن، وهذا الدَّليل ذكره الآمدي لمنع التخصيص بالمستنبطة مطلقًا؛ لأنه يرى ذلك كما حكيناه عنه، فأحب المصنف متابعته في ذكره.\nوإن كان لو نهض لمنع بعض مقصوده، وهو جواز التَّخصيص بالمستنبطة من الدَّليل الذي خصّ العام به، فإن المصنف يُجَوِّز ذلك.\nوالحاصل: أنّ المصنف يجوز التخصيص ببعض المستنبطات، وهذا لو نهض منع كلّ مستنبطة، ولكنه لما كان عنده مدفوعًا لم يُبَال بذكره، واستعمل لفظة \"استدل\" فيه لأنه يوافق بعض مدعاه؛ إذ يتضّمن دفع ما لا يجوزه المصنّف من التخصيص بالمستنبطة لا من الدليل الذي خص العام، فهو دليل لبعض دعواه [لا يرتضيه، ويمكن أن نقرره على أنه دليل لكلّ دعواه] (^١) فيقال:\nمراده بالمستنبطة في قوله: \"واستدلّ\" المستنبطة التي لا تخصّص عنده، وإنما التي تخصص عنده، وهي معلومة الرُّجْحان، فلا يستدلّ عليها بهذا الدَّليل الإجمالى.\nومراد الآمدي بها كلّ مستنبطة، وذلك لأنهما اتفقا على أن المعلوم الرُّجْحان يخصص، وهذا لا شك فيه.\n[واختلافهما في بعض من المستنبطات إنما منشؤه] (^٢) اختلافهما في أنه هل هو راجح؟ وهذا دليلٌ إجمالي كما صرّح به الآمدي، أي يدلّ على الإجمال، فإنما يحسن الاستدلال به على ما لا يعلم فيه الرُّجحان.\n_________\n(^١) سقط في ج.\n(^٢) سقط في ج.","vol":"3","page":358},{"text":"الْجُبَّائِيُّ: لَو خُصَّ بِهِ، لَزِمَ تَقْدِيمُ الأَضْعَف بِمَا تَقَدَّمَ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ؛ مِنْ أَنَّ الْخَبَرَ يُجْتَهَدُ فِيهِ فِي أَمْرَيْنِ … إِلَى آخِرِهِ.\nوَأُجِيبَ: بِمَا تَقَدَّمَ؛ وَبِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ إِبْطَالِ أَحَدِهِمَا؛ وَهَذَا إِعْمَالٌ لَهُمَا، وَبِإِلْزَامِ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ وَالْمَفْهُومِ لَهُمَا.\nوَاسْتُدِلَّ: بِتَأْخِيرِهِ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ، وَتَصْويبِهِ ﵁.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ أَخَّرَ السُّنَّةَ عَنِ الْكِتَابِ، وَلَمْ يَمْنَعِ الْجَمْعَ.\n<hr><s0>\n\nوأما ما علم حاله فلا يحسن أن يقال فيه: إنه يلحق بالأعم الأغلب؛ لأن ذلك إنما يقال في المجهول، وهو عند المصنّف بعض المستنبطات، وعند الآمدي كلها، فافهم ذلك.\n\"وأجيب بجريه في كلّ تخصيص\" بأن يقال: المخصّص في كلّ صورة إما راجح بالنسبة إلى العام، أو مرجوح، أو مساوٍ … إلى آخره، فلو كان هذا مبطلًا لتخصيص العام بالقياس لبطل التخصيص من أصله \"وقد رجح\" الخاص \"بالجمع\" بين الدليلين، فلم يكن مبطلًا.\nالشرح: واستدل \"الجُبَّائِي\" أولًا: على أن العام لا يخصّ بالقياس مطلقًا بأنه \"لو خُصّ به لزم تقديم الأضعف\" على الأقوى، والملازمة تبين \"بما تقدم في خبر الواحد من أن الخبر يجتهد فيه في أمرين\": العدالة والدلالة، والقياس يجتهد فيه في أمور كثيرة \"إلى آخره\" أي آخر الدَّليل المذكور في كتاب \"الخبر\".\n\"وأجيب\" بأوجه \"بما تقدم، وبأن ذلك\" أي تقديم الأضعف بعد تسليم كون القياس أضعف إنما يمتنع \"عند إبطال أحدهما\" بالكلية، \"وهذا\" ليس كذلك؛ إذ هو \"إعمال لهما\"، فكان أولى \"بالتزام تخصيص الكتاب بالسُّنة والمفهوم لهما\" أي يلزمكم ألَّا يجوز تخصيص الكتاب بالسُّنة، وألَّا يجوز تخصيص منطوقهما بالمفهوم؛ لأنه أضعف.\n\"واستدلّ\" الجُبّائي ثانيًا: على أن القياس لا يخصّص العموم \"بتأخيره في حديث معاذ\" (^١) عن الكتاب والسُّنة، \"وتصويبه\" ﵊ هذا الصنيع، كما رواه\n_________\n(^١) من حديث معاذ؛ أخرجه أبو داود في السنن ٣/ ٣٠٣ في كتاب الأقضية: باب اجتهاد الرأي في القضاء حديث (٣٥٩٢ و٣٥٩٣)، والترمذي ٣/ ٦١٦ في كتاب أبواب الأحكام، باب: ما جاء =","vol":"3","page":359},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  في القاضي كيف يقضي؟ حديث (١٣٢٧، ١٣٢٨) وقال أبو عيسى: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتصل.\nوأخرجه الإمام أحمد في مسنده ٥/ ٢٣٠ و٢٣٦ و٢٤٢، وأخرجه الدارمي ١/ ٦٠ في المقدمة باب: الفتيا وما فيه من الشدة، وأخرجه الطيالسي كما في المنحة ١/ ٢٨٦ في كتاب القضاء والدعاوى والبينات حديث (١٤٥٢)، وابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" ٢/ ٢٧٢، وأخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ٢/ ٥٦، قال الخطيب البغدادي في \"الفقيه والمتفقه\" ١/ ١٨٩ و١٩٠: على أن أهل العلم قد تقبلوه واحتجوا به، فوقفنا بذلك على صحته عندهم، كما وقفنا على صحة قول رسول الله ﷺ: (لا وصية لوارث) وقوله في البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) وقوله: (إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة تحالفا وترادا البيع) وقوله: (الدية على العاقلة) وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد لكن لما تلقنها الكافة عن الكافة غنوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها، فكذلك حديث معاذ لما احتجوا به جميعًا غنوا عن طلب الإسناد له. اهـ. وقال الحافظ أبو بكر بن العربي في \"عارضة الأحوذي\" ٦/ ٧٢ - ٧٣: (اختلف الناس في هذا الحديث فمنهم من قال: إنه لا يصح، ومنهم من قال: هو صحيح، والدين القول بصحته؛ فإنه حديث مشهور يرويه شعبة بن الحجاج ورواه عنه جماعة من الرفقاء والأئمة، منهم يحيى بن سعيد، وعبد الله بن المبارك، وأبو داود الطيالسي والحارث بن عمرو الهذلي الذي يرويه عنه.\nوإن لم يكن يعرف إلا بهذا الحديث فكفى برواية شعبة عنه، وبكونه ابن أخ للمغيرة بن شعبة في التعديل به والتعريف به، وغاية حظه في مرتبته أن يكون من الأفراد، ولا يقدح ذلك فيه ولا في أحد من أصحاب معاذ مجهولًا، ويجوز أن يكون في الخبر إسقاط الأسماء عن جماعة، ولا يدخل ذلك في حيز الجهالة، وإنما يدخل ذلك في المجهولات إذا كان واحدًا فيقول: حدثني رجل حدثني إنسان ولا يكون الرجل للرجل صاحبًا حتى يكون له به اختصاص، فكيف وقد زيد تعريفًا بهم أنهم أضيفوا إلى بلد. اهـ.\nقوله: أجتهد برأي، يريد الاجتهاد في رد القضية من طريق القياس إلى معنى الكتاب والسنة، ولم يرو الرأي الذي ينسخ له من قبل نفسه أو يخطر بباله عن غير أصل من كتاب أو سنة، ومن هذا إثبات القياس وإيجاب الحكم به. وفيه دليل على أنه ليس للحاكم أن يقلد غيره فيما يريد أن يحكم به، وإن كان المقلد أعلم منه وأفقه حتى يجتهد فيما يسمعه منه، فإن وافق رأيه واجتهاده أمضاه وإلا توقف عنه؛ لأن التقليد خارج من هذه الأقسام المذكورة في الحديث.\nوقد اجتهد الصحابة في زمن النبي ﷺ في كثير من الأحكام ولم يعنفهم، كما أمرهم يوم الأحزاب أن يصلوا العصر في بني قريظة، فاجتهد بعضهم وصلاها في الطريق، وقال: لم يرد =","vol":"3","page":360},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  منا التأخير، وإنما أراد سرعة النهوض، فنظروا إلى المعنى، واجتهد آخرون وأخروها إلى بني قريظة فصلوها ليلًا، نظروا إلى اللفظ، وهؤلاء سلف أهل الظاهر، وأولئك سلف أصحاب المعاني والقياس.\nولما كان علي ﵁ باليمن أتاه ثلاثة نفر يختصمون في غلام فقال كل منهم: هو ابني، فأقرع علي بينهم، فجعل الولد للقارع وجعل عليه للرجلين ثلثي الدية، فبلغ النبي ﷺ فضحك حتى بدت نواجذه من قضاء علي ﵁.\nواجتهد سعد بن معاذ في بني قريظة، وحكم فيهم باجتهاده، فصوبه النبي ﷺ وقال: \"لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات\".\nواجتهد الصحابيان اللذان خرجا في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فصليا ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر، فصوبهما وقال للذي لم يعد: \"أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك\"، وقال للآخر: \"لك الأجر مرتين\".\nولما قاس مجزز المدلجي وقاف وحكم بقياسه وقيافته على أن أقدام زيد وأسامة ابنه بعضها من بعض سر بذلك رسول الله ﷺ حتى برقت أسارير جهه من صحة هذا القياس وموافقته للحق، وكان زيد أبيض وابنه أسامة أسود، فألحق هذا القائف الفرع بنظيره وأصله، وألغى وصف السواد والبياض الذي لا تأثير له في الحكم.\nوقول الصديق ﵁ في الكلالة: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، أراه ما خلا الوالد، والولد فلما استخلف عمر قال: إني لأستحيى من الله أن أزداد شيئًا قاله أبو بكر. وقال الشعبي: عن شريح قال: قال لي عمر: اقض بما استبان لك من كتاب الله، فإن لم تعلم كل كتاب الله فاقض بما استبان لك من قضاء رسول الله ﷺ، فإن لم تعلم قضاء رسول الله ﷺ فاقض بما استبان لك من أئمة المهتدين، فإن لم تعلم كل ما قضت به أئمة المهتدين؛ فاجتهد رأيك، واستشر أهل العلم والصلاح، وقد اجتهد ابن مسعود في المفوضة وقال: أقول فيها برأيي، ووفقه الله للصواب. وقال سفيان بن عبد الرحمن الأصبهاني عن عكرمة قال: أرسلني ابن عباس إلى زيد بن ثابت أسأله عن زوج وأبوين، فقال: للزوج النصف وللأم ثلث ما بقي، وللأب بقية المال، فقال: تجده في كتاب الله أو تقوله برأيك؟ قال: أقوله برأيي، ولا أفضل أمًّا على أب.\nوقايس على بن أبي طالب - كرم الله وجهه - وزيد بن ثابت في المكاتب، وقايسه في الجد والإخوة. وقاس ابن عباس الأضراس بالأصابع وقال: عقلها سواء اعتبروها بها. قال المزني: الفقهاء من عصر رسول الله ﷺ إلى يومنا وهلم جرا استعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام في أمر دينهم، قال: وأجمعوا بأن نظير الحق حق ونظير الباطل باطل، فلا يجوز =","vol":"3","page":361},{"text":"وَاسْتُدِلَّ: بِأنَّ دَلِيلَ الْقِيَاسِ الإجْمَاع، وَلا إِجْمَاعَ عِنْدَ مُخَالَفَةِ الْعُمُومِ.\nوَأُجِيبَ: بِأنَّ الْمُؤَثرَةَ وَمَحَلَّ التَّخْصِيصِ يَرْجِعَانِ إِلَى النَّصِّ؛ كَقَوْلِهِ ﵊: \"حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ\" وَمَا سِوَاهُمَا؛ إِنْ تَرَجَّحَ الْخَاصُّ، وَجَبَ اعْتِبَارُهُ؛ لأَنَّهُ الْمُعْتَبَر؛ كمَا ذُكِرَ في الإجْمَاعِ الظَّنِّي، وَهَذِهِ وَنَحْوُهَا قَطعِيَّةٌ عِنْدَ الْقَاضِي؛ لِمَا ثَبَتَ مِنَ الْقَطْعِ بِالْعَمَلِ بِالرَّاجِحِ مِنَ الأمَارَاتِ - ظَنِّيَّةٌ عِنْدَ قَومٍ؛ لأَنَّ الدَّلِيلَ الْخَاصَّ بِهَا ظَنَيٌّ\n<hr><s0>\n\nأحمد، وأبو داود، والترمذي، وسنذكر ذلك في كتاب \"القياس\"، ونذكر أن البخاري قال: لا يصحّ.\n\"وأجيب\" عن تأخير معاذ القياس عن الكتاب والسُّنة على تقدير صحّته، \"بأنه\" غير مانع من تخصيصها به، وذلك لأنه \"أخر السّنة عن الكتاب\"، وصوبه ﵊ \"ولم يمنع\" تأخيرها عنه \"الجمع\" بينهما، بل خصّص الكتاب بها، فعُلِمَ أن التأخير غير مانع من الجَمْعِ.\nالشرح: \"واستدلّ\" الجُبَّائي ثالثًا: \"بأن دليل\" كون \"القياس\" حجّة \"الإجماع، ولا إجماع\" على جوازه \"عند مخالفة العموم\" بدليل الخصوم الموافقين على المنع.\n\"وأجيب\": بأنا لا نسلم أن الإجماع هو الدَّليل على كل قياس، بل قد يكون دليل بعض الأقيسة النص كما في هذه الصورة، ويظهر هذا \"بأن\" التنصيص على العلّة كالتنصيص على الحكم، فوضح أن \"المؤثرة\" وهي الثابتة بنص أو إجماع، \"ومحل التخصيص\"، وهو الأصل المخصص كلاهما \"يرجعان إلى النص، كقوله ﵊: \"حُكْمِي عَلَى الوَاحِدِ\" حُكْمِي عَلَى الجَمَاعَةِ\"، فإذا ثبتت العلّية، أو الحكم في حق واحد ثبتت في حق الجماعة بهذا النَّص، [ولزم] (^١) [تخصيص] (^٢) العام به، وكان في الحقيقة تخصيصًا بالنص لا بالقياس، \"وما سواهما\" يعني ما سوى المؤثرة، ومحل التخصيص قد اعتبرنا فيه ترجيح القَرَائِنِ، وحينئذٍ \"إنْ ترجّح الخاص\" صار مظنونًا، و\"وجب اعتباره؛ لأنه\" أي: لأن الرَّاجح\n_________\n= لأحد إنكار القياس؛ لأنه التشبيه بالأمور والتمثيل عليها. انتهى والله أعلم.\n(^١) سقط في ب.\n(^٢) في ب: لتخصيص.","vol":"3","page":362},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"المعتبر كما ذكر في الإجماع الظني\" أن المعتبر فيه رُجْحَان الظَّن، وإلا عُمِلَ بالعام، \"وهذه\" نُكْتة ينبه عليها هنا، فنقول:\n\"هذه\" المسألة \"ونحوها\" كتقديم خبر الواحد على عموم الكتاب \"قطعية عند القاضي؛ لما ثبت من القَطْع بالرَّاجح من الأمارات\" فيقال هكذا:\nهذا مظنون، وكل [ما هو] (^١) مظنون يجب العمل به، كما تقدم في أوائل الكتاب \"ظنية عند قوم؛ لأن الدليل الخاصّ بها ظني\"، والمأخوذ من الظني ظني.\nواعلم أن المصنّف لو اقتصر على قوله: \"إنها قطعية عند القاضي، ظنية عند قوم\" كما صنع الآمدي، ولم يذكر علّة القطع كان صَنِيعًا جيّدًا؛ فإن القاضي لا يقبل في دعواه القطع بما ذكره، ولو كان هذا قوله لكان النزاع بينه وبين القائلين بأنها ظنية لفظيًّا، وإنما هو معنوي، والقائل بالقَطْع يقع بتخطئة المخالف كما صرح به القاضي غير مرة في \"التقريب\"، وأتباعه كإمام الحرمين والغزالي وغيرهما. وقد عرفناك غير مَرَّة أن القاضي يتطلّب القطع، ولذلك يتوقف في غالب المسائل؛ لقلة القواطع.\nوالناس مختلفون في مسائل أصول الفقه، هل هي بأجمعها قطعية، أو بعضها ظني؟\nوالأول هو رأي القاضي وأكثر المتقدمين، ونقل عن العلماء قاطبةً، والثاني هو الأظهر عندنا.\nوإذا عرفت أنها قطعية عند القاضي، فتوقفه إنما هو عن القطع، ولا ننكر أن الأرجح التخصيص، ولكن عنده أن الأرجحية لا تكفي في هذه المسألة وأمثالها، فاعرف ذلك.\nوعنده تبين لك أن خلافنا معه عائد إلى هذا الأصل، فإنا نوافقه على انتفاء القطع، وإنما ندعى أن الظَّن كافٍ في العمل، فلا نتوقّف، وهو لا يكتفي بالظن، فيتوقف.\nوقد تقدم التنبيه على نظائر (^٢) هذا كثيرًا.\n\n\"فرع\"\nقال ابن السَّمْعَاني: من تخصيص العموم بالقياس، قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [سورة النور: الآية ٢] ثم خصت الأمة بنصف الجلد بقوله:\n_________\n(^١) سقط في ب.\n(^٢) في أ، ب: أنظار.","vol":"3","page":363},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٥].\nثم خص العبد بنصف الجلد قياسًا على الأمة، فصار بعض الآية مخصصًا بالكتاب، وبعضها مخصصًا بالقياس، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [سورة الحج: الآية ٣٦] إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ ثم خص بالإجماع تحريم الأكل من جزاء الصيد.\nوخص عند الشافعي تحريم الأكل من هَدْى المُتْعَةِ والقِرَانِ قياسًا على جزاء الصيد، فصار بعض الآية مخصِصًا بالإجماع، وبعضها بالقياس على الإجماع.\n\n\"فَائدة\"\nذكر الشيخ أبو حامد أن مانع التَّخصيص بالقياس اعتلّ بقول الشَّافعي في باب \"أحكام القرآن\" من \"الأم\": إنما القياس الجائز أن يشبه ما لم يأت فيه حديث بحديث لازم.\nفأما أن يعمد إلى حديث عامّ فيحمل على القياس، فأين القياس في هذا الموضع إن كان الحديث يقاس، فأين المسمى؟\nقال: فقد ذكر الشّافعي أن القياس لا يعمل في الحديث العام، وإنما يعمل في أن يبتدأ به في موضع لا يكون فيه حديث، ويقاس على موضع فيه حديث، فدلّ أن مذهبه منع التخصيص بالقياس.\nوردّه الشيخ أبو حامد وقال: قد ذكر الشافعي في \"الأم\" قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [سورة الطلاق: الآية ٢] واحتمل أمره - تعالى - بالإشهاد أن يكون على سبيل الوجوب، كقوله ﵊: \"لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْل\"، واحتمل أن يكون على النَّدْب، كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢].\nوقال الشّافعي: لما جمع الله بين الطَّلاق وبين الرَّجْعَة، وأمر بالإشهاد فيهما، ثُمَّ كان الإشهاد على الطَّلاق غير واجب، كذلك الإشهاد على الرجعة.\nقال الشيخ أبو حامد: فقد قاس الشافعي الإشهاد على الرَّجْعة على الإشهاد على الطَّلاق، وخص به ظاهر الأمر بالإشهاد؛ إذ ظاهر الأمر الوجوب.","vol":"3","page":364},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقلت: والذي فهمته من هذا أنَّ الشيخ أبا حامد يقول:\nلما كان ظاهر الأمر الوجوب ومع ذلك حمله الشافعي في بعض المواضع كما في قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [سورة الطلاق: الآية ٢] على الندب قياسًا، فقد قاس ولم يبال بظواهر الألفاظ، فلذلك يقيس ولا يبالي بعمومات الألفاظ؛ إذ ظاهرية العُمُوم في آحاده: إما دون ظاهرية الأمر في الوجوب أو مثلها، فإذا جاز العُدُول عن ظاهر الأمر للقياس جاز عن ظاهر العموم.\nثم قال الشيخ أبو حامد: وأما الكلام الذي تعلّق به ذلك القائل، فلم يقصد الشَّافعي منع التخصيص بالقياس، وإنما قصد أنه لا يجوز ترك الظاهر بالقياس، وذلك أنه ذكر هذا في مسألة النكاح بلا ولي، فروى حديث: \"أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ\".\nثم حكى عن أصحاب أبي حنيفة أنهم قالوا: العلّة في طلب الولي أنه يطلب الحظّ للمنكوحة، وبضعها في كفء، فإذا تولّت هي ذلك لم يحتج إلى الولي.\nفقال الشَّافعي: هذا القياس غير جائز؛ لأنه يعمد إلى ظاهر الحديث ونصّه فيسقطه، فإن ما ذكروه يفضي إلى سقوط اعتبار الوَلِيّ، وذلك يسقط نصّ الخبر، واستعمال القياس هنا لا يجوز، وإنما يجوز حيث يخص العموم. انتهى معنى كلامه.\nوحاصله: أن استنباط معنى من النص يعود عليه بالإبطال لا يجوز، وهو ما ذكره الشَافعي، وليس مراده تخصيص العموم بالقياس؛ فإن ذلك لا يبطل العموم، ثم الظَّن المستفاد من القياس أرجح، وإلا لم يخص.\nفإن قلت: فما معنى قولكم: العموم؟\nقلت: معناه أن للفظ العموم ظاهرًا، وهو الاستغراق، والقياس أظهر منه، فعدلنا إليه، ففي الحقيقة لم نعدل عن ظاهر إلَّا إلى أظهر منه، وقد قدمنا حكاية الشيخ أبي إسحاق عن نصّ الشَّافعي في مواضع أن التخصيص بالقياس جائز، فلا حاجة إلى التطويل.\nوقد انتهى الكلام على العموم والخُصُوص، وهذا صنف آخر قريب منه يقال له: \"المطلق والمقيد\".","vol":"3","page":365},{"text":"<span data-type='title' id=toc-707>[المُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ]</span>\n(الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ): الْمُطْلَقُ: مَا دَلَّ عَلَى شَائِعٍ فِي جِنْسِهِ؛ فَتَخْرُجُ الْمَعَارِف، وَنَحْوُ: \"كُلُّ رَجُلٍ وَنَحْوُهُ؛ لاِسْتِغْرَاقِهَا؛ وَالْمُقَيَّدُ بِخَلَافِهِ، وَيُطْلَقُ الْمُقَيَّدُ عَلَى مَا أُخْرِجَ مِنْ شِيَاعٍ بِوَجْهٍ كَـ \"رَقَبَةٍ\" مُؤْمِنَةٍ\"، وَمَا ذُكِرَ فِي التَّخْصِيصِ مِنْ مُتَّفِقٍ وَمُخْتَلِفٍ، وَمُخْتَارٍ وَمُزَيَّفٍ - جَارٍ فِيهِ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"المطلق: ما دلّ على شائع في جنسه\" كذا عرفه المصنف (^١).\nوقوله \"شائع\" أي: لا يكون متعينًا بحيث يمتنع صدقه على كثيرين.\nوقوله \"في جنسه\": أي له أفراد بمثاله.\nوهذا الحَدّ يتناول اللفظ الدال على الماهية من حيث هي، والتي دلَّت على واحد غير معين، وهي النكرة؛ لأنها أيضًا لفظ دالّ على شائع في جنسه، فكأنه لا يفرق بين المطلق والنكرة.\nوقد سبقه الآمدي إلى هذا فقال: المطلق: النكرة في سياق الإثبات.\nوالصواب: أن بينهما فرقًا (^٢)، فالمطلق: الماهية من حيث هي، والنكرة: ما دلّ على\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٣/ ٤١٥، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٣/ ٣، وسلاسل الذهب للزركشي ص ٢٨٠، ونهاية السول للأسنوي ٢/ ٣١٩، وزوائد الأصول له ٢٩٨، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص ٨٢، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ٤٠٧، والمستصفى للغزالي ٢/ ١٨٥، وحاشية البناني ١٢/ ٤٤، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/ ٧٦، وتخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص ٢٦٢، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٧٩، والمعتمد لأبي الحسين ١/ ٢٨٨، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ١/ ٣٢٨، وميزان الأصول للسمرقندي ١/ ٥٦١، كشف الأسرار للنسفي ١/ ٤٢٢، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ١٥٥، والوجيز للكراماستي ص ١٤، وتقريب الوصول لابن جُزيّ ص ٨٣، وإرشاد الفحول للشوكاني ص ١٦٤، وشرح الكوكب المنير للفتوحي ص ٤٢٠، والروضة لابن قدامة (١٣٦)، والحدود للباجي (٤٧).\n(^٢) قد ذهب الأصفهاني إلى عدم الفرق حيث قال: \" … واعلم أن هذا الحد يتناول اللفظ الدال =","vol":"3","page":366},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوحدة غير معينة، وعلى هذا أسلوب المنطقيين والأصوليين والفقهاء، ولهذا لَما استشعر بعضهم التنكير في بعض الألفاظ اشترط الوحدة (^١).\nفقال الغزالي فيمن قال: إن كان حَمْلها غلامًا، فأعطوه كذا، [فكان] (^٢) غلامين: لا شيء لهما؛ لأن التنكير يشعر بالتَّوْحيد، ويصدق بأن غلامين لا غلامًا.\nوكذا لو قال لامرأته: إن كان حَمْلُكِ ذكرًا، فأنت طالق طلقتين، فكان ذكرين.\nقيل: لا تطلق؛ لهذا المعنى.\nوقيل: تطلق حملًا على الجِنسِ.\nفانظر كيف تردّد الفقهاء هنا في المطلق والنكرة حتى إن أُلْحِقَ بالنكرة كان للوحدة، وإنْ أُلْحِقَ بالمطلق كان لأعم منها؛ فدل أنهم يفرقون.\nوأما قوله: \"ما دلّ على شائع (^٣) \"، وكذا قولنا: ما دلّ على الماهية، \"فتخرج\" بهما \"المعارف\" كـ \"زيد\"، \"ونحو: كلّ رجل ونحوه؛ لاستغراقها\" وعمومها، والمطلق غير عام.\n_________\n= على الماهية من حيث هي هي، والفكرة التي دلت على واحد غير معين، لأنها أيضًا لفظ دال شائع في جنسه\" ينظر بيان المختصر (١٣٠) خ.\n(^١) يعلم من هنا أن اللفظ في المطلق والنكرة واحد، وأن الفرق بينهما بالاعتبار، إن اعتبر في اللفظ دلالته على الماهية بلا قيد، سمي مطلقًا واسم جنس أيضًا، أو مع قيد الوحدة الشائعة سمي نكرة.\nقال شارح جمع الجوامع: والآمدي وابن الحاجب ينكران اعتبار الأول في مسمى المطلق من أمثلته، ويجعلانه الثاني، فيدل عندهما على الوحدة الشائعة وعند غيرهما على الماهية بلا قيد، والوحدة ضرورية؛ إذ لا وجود للماهية المطلوبة بأقل من واحد، والأول موافق لكلام أهل العربية والتسمية عليه بالمطلق لمقابلة المعتبر.\n(^٢) في أ، ج: وكان.\n(^٣) يخرج بهذا المعارف كلها؛ لما فيها من التعيين شخصًا نحو: زيد، وهذا، أو حقيقة نحو: الرجل، وأسامة، أو حصة نحو \"فعصى فرعون الرسول\" أو استغراقًا نحو: الرجال، وكذلك كل عام، ولو نكرة نحو: كل رجل، ولا رجل؛ لأنه بما انضم إليه من كل والنفى صار للاستغراق، وأنه ينافي الشيوع. ينظر شرح القاضي عضد الملة على المختصر ٢/ ١٥٥.","vol":"3","page":367},{"text":"وَنَزِيدُ مَسْأَلَةً: إِذَا وَرَدَ مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ: فَإِنِ اخْتَلَفَ حُكْمُهُمَا؛ مِثْلُ: \"اكْسُ، وَأَطْعِمْ\" - فَلَا يُحْمَلُ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ بِوَجْهٍ اتِّفَاقًا وَمِثْلُ: \"إِنْ ظَاهَرْتَ، فَأَعْتِقْ رَقَبَةً\" مَعَ: \"لَا تَمْلِكُ رَقَبَةً كَافِرَةً\" - وَاضِحٌ، فَإِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُهُمَا؛ فَإِنِ اتَّحَدَ مُوجِبُهُمَا مُثْبَتَيْنِ - حُمِلَ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، لَا الْعَكْسُ بَيَانًا لَا نَسْخًا.\nوَقِيلَ نَسْخٌ، إِنْ تَأَخَّرَ الْمُقَيَّدُ.\n<hr><s0>\n\n\"والمقيد\" قياسًا إلى المطلق \"بخلافه\"، فهو \"ما يدلّ لا على شائع في جنسه\" (^١)، فيدخل فيه المعارف والعمومات كلها.\n\"ويطلق المقيد على\" معنى آخر، وهو \"ما أخرج من شياع بوجه\" من الوجوه كـ \"رَقَبَة مُؤْمِنَةٍ\"، فإنها وإن كانت شائعة بين الرِّقَاب المؤمنات، فقد أخرجت من شِيَاع الرقبة بوجه من حيث كانت شائعة بين المؤمنة وغير المؤمنة، فأُزِيلَ ذلك الشّياع بالتقييد بـ \"المؤمنة\"، وكان مطلقًا من وجه مقيدًا من وجه، وكذا كل قيد ضمّ إلى الحقيقة، \"وما ذكر في التخصيص من متفق ومختلف، ومختار ومزيف جار فيه\" أي في تقييد المطلق.\n«مسألة»\nالشرح: \"ونزيد مسألة\" في حمل المُطْلق على المقيد فنقول:\n\"إذا ورد مطلق ومقيد\"، فلا يخلو إما أن يختلف حكمهما أو لا، \"فإن اختلف حكمهما مثل: [اكس] (^٢) \"ثوبًا \"وأطعم\" طعامًا نفيسًا، \"فلا يحمل أحدهما على الآخر بوجه اتفاقًا\" (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٣/ ٤٣٤، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٣/ ٣، وسلاسل الذهب للزركشي ص ٢٨٠، وزوائد الأصول للأسنوي ص ٢٩٨، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص ٨٢، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ٤٠٧، والمستصفى للغزالي ٢/ ١٨٥، وحاشية البناني ٢/ ٤٤، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/ ٧٦، وتخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص ٢٦٢، والمعتمد لأبي الحسين ١/ ٢٨٨، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ١/ ٣٣٠، وميزان الأصول للسمرقندي ١/ ٥٦١، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ١٥٥، والوجيز للكراماستي ص ١٤، تقريب الوصول لابن جزيّ ص ٨٣، وإرشاد الفحول للشوكاني ص ١٦٤، ونشر البنود للشنقيطي ١/ ٢٥٨، وكشف الأسرار ٢/ ٢٨٦، والمدخل (٢٦٠)، والروضة (١٣٦)، والحدود للباجي (٤٨).\n(^٢) في ب: ألبس.\n(^٣) \"سواء كانا مأمورين، أو منهيين، أو مختلفين واتحد موجبهما أو اختلف، اللهم إلا في مثل =","vol":"3","page":368},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nومنه ما ورد من تقييد الصيام بالتتابع في كَفَّارة القَتْلِ، وإطلاق الإطعام في الظهار.\nومنهم من أومأ إلى المُخَالفة فيه فقال: ينبغي أن يكون الثوب نفيسًا كالطعام، ويشهد بجريان الخلاف، وهو ما ذكره البَاجِي في \"الفصول\" وغيره - اختلافُ أصحابنا في أن القاتل إذا لم يقدر على الصِّيَام هل يجب عليه الإطعام كما في الظِّهَار؟\nقيل: يجب، وربما روى قولًا للشَّافعي حَمْلًا لكفارة القَتْل على كَفّارة الظِّهَار، كما قيدنا الرقبة المطلقة بالإيمان حَمْلًا لها على الآية المقيدة.\nوالأصح: المنع؛ لأن آية القَتْل لم تتعرّض إلَّا للإعتاق والصيام، فلا يلحق بهما خصلة ثالثة، وإنما اعتبرنا الإيمان؛ لأن الرقبة مذكورة في الآيتين، وإن أطلقت في إحداهما.\nوأما الإطعام فمسكوت عن أصله، والمسكوت لا يحمل على المذكور، كما أن الله - تعالى - نصّ في آية التيمم على عضوين وسكت عن عضوين، ونص في آية الوضوء على أربعة أعضاء، فلم يحمل التيمم على الوضوء.\n\"ومثل: \"إن ظاهرت، فأعتق رقبة\" مع: \"لا تملك رقبة كافرة\" واضح\" فيه وجوب تقييد الرقبة بالمؤمنة؛ لاستحالة إعتاق الرقبة الكافرة مع عدم تملّكها، وهذه الصورة كالمستثناة مما تقدم (^١).\nوالحاصل: أنه لا يحمل أحد الحكمين المختلفين على الآخر إلَّا في مثل هذه الصورة للضروة لا من أجل أن المطلق فيها محمول على المقيد.\n\"فإن لم يختلف حكمهما\" فلا يخلو إما أن يتّحد موجبهما أي سببهما أو لا، \"فإن اتحد موجبهما\"، فلا يخلو إما أن يكونا \"مثبتين\" أو منفيين، فإن كانا مثبتين مثل أن تُذْكر الرقبة مطلقة في كَفَّارة القتل، ومقيدة بالإيمان في كَفَّارة القتل أيضًا.\n_________\n= قولك: إن ظاهرت فأعتق رقبة ويقول: لا تملك رقبة كافرة ...... \"، وذلك ضرورة كما يشير المصنف. ينظر شرح القاضي على المختصر ٢/ ١٥٦.\n(^١) قال الشيخ بخيت ٢/ ٤٩٥: فهذه الصورة وأمثالها في الحقيقة خارجة عن موضوع المطلق والمقيد ولكنها شبيهة به، فلذلك جعل حكمها المخالف للمطلق والمقيد مستثنى.","vol":"3","page":369},{"text":"لنَا أَنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنَّ الْعَمَلَ بِالْمُقَيَّدِ عَمَلٌ بِالْمُطْلَقِ.\nوَأَيْضًا: يَخْرُجُ بَيَقِينٍ وَلَيْسَ بِنَسْخٍ؛ لأَنَّهُ لَوْ كَانَ التَّقْييدُ نَسْخًا، لَكَانَ التَّخْصِيصُ نَسْخًا.\nوَأَيْضًا لَكَانَ تَأَخُّرُ الْمُطْلَقِ نَسْخًا.\nقَالُوا: لَوْ كَانَ تَقْييدًا، لَوَجَبَ دَلالَةُ \"رَقَبَةٍ\" عَلَى \"مُؤْمِنَةٍ\" - مَجَازًا.\nوَأُجِيبَ: بِأنَّهُ لَازِمٌ لَهُمْ إِذَا تَقَدَّمَ الْمُقَيد، وَفِي التَّقْيِيدِ بِالسَّلَامَةِ، والتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمَعْنِيَّ: رَقَبَةٌ مِنَ الرِّقَابِ؛ فَيَرْجِعُ إِلَى نَوع مِنَ التَّخْصِيصِ يُسَمَّى تَقْيِيدًا.\n<hr><s0>\n\nومثله لو قال: عليَّ ألف، ثم قال: على ألف من ثمن ثوبٍ \"حمل المطلق على المقيد لا العكس بيانًا لا نسخًا\"، سواء أتقدم أو تأخر.\n\"وقيل: نسخ إن تأخر المقيد\".\nفهنا مقامان: حمل المطلق على المقيد، وأنه بيان لا نسخ.\nالشرح: \"لا\" على الحمل: \"أنه جمع بينهما؛ فإن العمل بالمقيد عمل بالمطلق\" والعمل بالمطلق، لا يلزم منه العمل بالمقيد؛ لإمكان حصوله في ضمن غير ذلك المقيد.\n\"وأيضًا\" فإنه \"يخرج\" بالعمل بالمقيد عن العهدة \"بيقين\"، سواء أكان مكلَّفًا بالمقيد أم بالمطلق، بخلاف العمل بالمطلق؛ إذ قد يكون مكلفًا بالمقيد، فلا يكون آتيًا بما كلّف به عند إتيانه بما عدا المقيّد من صور الإطلاق.\nقال ابن السَّمْعَاني: ونقول أيضًا: إذا أجرينا المُطْلق على إطلاقه اعترضنا به على المقيد، وإذا اعتبرنا المقيد اعترضنا به على المُطْلق، ولا بُدَّ من واحد منهما، والثاني أولى؛ لأن الأمر المقيد صريح في وصف التقييد.\nوأما المطلق فظاهر فيما عدا الصورة المقيدة، وليس بصريح، فكان الاعتراض بالصَّريح على الظاهر، وبالخاص على العام أولى.\nإنما قلنا: إن هذا الحمل \"ليس بنسخ؛ لأنه لو كان التقييد نسخًا\" للإطلاق \"لكان التخصيص\" أيضًا \"نسخًا\" للعام، بجامع أن كلا منهما مخالف له ورد متأخرًا عنه، واللازم باطل بالاتفاق.","vol":"3","page":370},{"text":"وَإنْ كَانَا مَنْفِيَّيْنِ عُمِلَ بِهِمَا؛ مِثْلُ: \"لَا تُعْتِقْ مُكَاتَبًا، لَا تُعْتِقْ مُكَاتَبًا كَافِرًا\"، وَإنِ اخْتَلَفَ مُوجِبُهُمَا؛ كَالظِّهَارِ وَالْقَتْلِ.\nفَعَنِ الشَّافِعِيِّ ﵀: حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى المُقَيَّدِ. فَقِيلَ بِجَامِعٍ، وَهُوَ الْمُخْتَار، فَيَصِيرُ كَالتَّخْصِيصِ بالْقِيَاسِ عَلَى مَحَلِّ التَّخْصِيصِ، وَشَذَّ عَنْهُ بِغَيْرِ جَامِعٍ. وَأبو حَنِيفَةَ ﵀: لَا يُحْمَلُ.\n<hr><s0>\n\n\"وأيضًا\" لو كان تأخر المقيد عن المطلق يوجب كونه ناسخًا للمطلق؛ لكونه رفع الخروج عن العُهْدَةِ بِأي فرد - \"كان [لكان] (^١) تأخر المطلق نسخًا\"؛ لرفعه التقييد، فكما رفع تأخر المقيّد الإطلاف، رفع عكسه التقييد، وليس كذلك اتفاقًا.\n\"قالوا: لو كان\" تأخر المقيد عن المطلق \"تقييدًا\" للمطلق لا نَسْخًا \"لوجب دلالة رقبة على مؤمنة مجازًا\"، والتالي باطل؛ لأن المجاز خلاف الأصل. بيان الملازمة: أن المقيد لو كان بيانًا للمطلق لكان المُرَاد بالمطلق هو المقيد، وإذا أطلق المطلق، وأريد المقيد كان مجازًا.\n\"وأجيب بأنه\" أيضًا \"لازم لهم\" فيما \"إذا تقدم المقيد\" على المطلق؛ لأنهم سلموا أن المقيد حينئذٍ يكون بيانًا للمطلق لا ناسخًا له، \"وفي التقييد بالسلامة\" عن العيوب يلزمهم أيضًا؛ لأن الرقبة مطلقة، ويجب تقييدها بالسَّلامة عندهم، فدلالتها على السَّليمة مجاز، فما كان جوابهم فهو جوابنا، وهذا وجه جَدَلِيّ.\n\"والتحقيق\" في الجواب: \"أن المعنى\" بالرقبة \"رقبة من الرِّقَاب\" أيّ رقبة كانت، فيصير عامًّا، إلا أنه عموم بَدَلي، ويصير تخصيصه بالمؤمنة تخصيصًا وإخراجًا لبعض المسميات من أن تصلح بدلًا، \"فيرجع\" ذلك \"إلى النَّوْع من التخصيص سمى تقييدًا\" في الاصطلاح، فحكمه حكم التخصيص، فكما أن تقدم الخاص بيان للعام، كذلك تقدم المقيد بيان للمطلق.\nالشرح: \"فإن كانا منفيين عمل بهما مثل: لا تعتق مكاتبًا، لا تعتق مكاتبًا كافرًا\"، فلا يعتق المكاتب أصلًا من اللفظ، وهذا من باب تخصيص العام لا تقييد المطلق، ومن يخصص بدليل الخطاب لا بد أن يخصص المكاتب بمفهوم قوله: مكاتبًا كافرًا.\n_________\n(^١) في ب: لو كان.","vol":"3","page":371},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\n\"وإن اختلف موجبهما\" أي سبب الحكمين، \"كالظِّهَار\" في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [سورة المجادلة: الآية ٣] \"والقتل\" في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [سورة النساء: الآية ٩٢] فهذه هي المسألة المشهورة بالخلاف.\n\"فعن الشافعي حمل المطلق على المقيد\"، ثم اختلف الأصحاب فيما يوجب الحمل:\n\"فقيل\": إنه القياس، فلا يحمل إلا \"بجامع، وهو المختار\" عند المصنف، والصحيح عند أصحابنا، \"فيصير\" التقييد \"كالتخصيص\" للعام \"بالقياس على محل التخصيص\".\n\"وشَذّ\" نقل بعض الأصحاب \"عنها الحمل على المقيد \"بغير جامع\"، وأن نفس الورود كَافٍ، وهذا هو رأى بعض الأصحاب.\n\"وأبو حنيفة: لا يحمل\" المُطْلق على المقيد رأسًا، سواء أكان بجامع أم لم يكن؛ لما تصوره من أنه يلزم منه رفع ما اقتضاه المُطْلق من الامتثال بأي صورَة كانت، فيكون نَسْخًا، والقياس لا يكون ناسخًا (^١).\nوجوابه: منع كونه نَسْخًا كالتقييد بالسَّليمة.\nواعلم أن خلافنا مع الحنفية راجع إلى أصلين:\nأحدهما: دليل الخِطَابِ، وهو عندنا حجة خلافًا لهم.\nفإذا قيل: رقبة مؤمنة أو الغنم السَّائمة، فمفهوم \"المؤمنة\" و\"السَّائمة\" أن الكافرة والمعلوفة ليس \"مخالف\"، والإطلاق يتشخّص في كل الصور، فليقصر على المقيد؛ لأن ما عداه منفى بدليل الخطاب، والإِطلاق ليس نصًّا فيه.\nوالثاني: الزيادة على النص زعموها نسخًا، وزعموا التقبيد زيادة، ونحن ننازعهم في كل من الأمرين، ثم ننقض عليهم بالتقييد بالسلامة، وقد اعترضونا بكلمات لا بد من دفعها قالوا: ليس كالمعيبة والسَّليمة؛ لأن المعيب نُقصان جزء من الأجزاء البينة، فلا يكون فيه مطلقة.\n_________\n(^١) وحاصل مذاهب العلماء في حمل المطلق على المقيد إذا اختلفا في السبب دون الحكم خمسة مذاهب، والله أعلم.","vol":"3","page":372},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوأما الكافر فرقبته مطلقة مثل المؤمنة؛ لأن الكفر والإيمان ليسا من الأجزاء البينة، فلا يكون رقبة مطلقة.\nفعلى هذا: لا يكون شرط السَّلامة زيادة على النَّص، بل يكون اعتبارها اعتبار ما يقتضيه النَّص.\nوأما وصف الإيمان فلما كان سببًا وراء ما يقتضيه اسم الرقبة، فيكون زيادة محضة، وإذا كان زيادة لم يجز إثباته بالقياس؛ إذ لا تجوز الزيادة على النص بالقياس؛ إذ الزيادة نسخ، ونسخ القرآن لا يجوز؛ ولأن القياس إنما يجوز استعماله في غير مَوْضِعِ النص، وهذا استعمال للقياس في موضع النص؛ لأن كَفَّارة القتل منصوص عليها، وكَفَّارة الظِّهار منصوص، وقياس المنصوص على المنصوص باطل، كما لا يجوز قياس السَّرقة على قطع الطريق لإثبات قطع الرِّجْل مع اليد، وكذا قياس التيمُّم على الوضوء باطل في إدخال الرأس والرِّجْل في التيمم، وكذلك قياس كَفَّارة القتل على كفارة الطهار باطل في إثبات الإطعام، مثل الرقبة والصيام، يُبَيِّنُه: أن التقيد بالإيمان زيادة على حكم قد قصد استيفاؤه بالنص، فلم يجز كما لا يجوز في هذه الصورة التي بيناها.\nوأجاب أصحابنا: بأن الرقبة وإن كانت اسْمًا للبينة بأجزائها، إلّا أن الإيمان والكفر وَصْفَان يَعْتَوِرَانهما، ويقال: مؤمنة وكافرة، كما يقال: سليمة ومَعيبة، وكما لا يتصور إلّا أن تكون سليمة أو معيبة؛ لأن السَّليمة هي ما لا عيب فيها، لا يتصوّر إلَّا أن تكون مؤمنة أو كافرة.\nوقول الصَّيمري (^١) من الحنفية: \"إنَّ الإنسان يجوز ألا يعتقد الكفر ولا الإيمان فيخلو عنهما\" هوس؛ لأنه إذا لم يعتقد الإيمان يكون كافرًا، فصار الإيمان والكفر كالعيب والسلامة، ثم إنا لا ندعي أنهما من الأجزاء البينة، وإنما ندعي كونهما وَصْفَيْن لهما،\n_________\n(^١) الحسين بن علي بن محمد بن جعفر، أبو عبد الله الصيمري. ولد سنة ٣٥١ هـ. قاض فقيه، كان شيخ الحنفية بـ\"بغداد\" أصله من \"صيمر\" (من بلاد خوزستان) ولي قضاء \"المدائن\" ثم \"ربع الكرخ\" إلى أن مات بـ\"بغداد\" سنة ٤٣٦ هـ. من مصنفاته: \"مناقب الإمام أبي حنيفة\" و\"مسائل الخلاف في أصول الفرق\". ينظر: تاريخ بغداد ٨/ ٧٨، وتهذيب ابن عساكر ٤/ ٣٤٤، والجواهر المضيّة ١/ ٣١٤، والأعلام ٢/ ٢٤٥.","vol":"3","page":373},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوندّعي العموم من حيث الأوصاف، وآيته صحّة الاستثناء؛ ألا تراك تقول: اعتق رقبة إلَّا أن تكون كافرة، فيصح.\nفإن قالوا: دعوى العموم باطلة، في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾؛ لأن قوله: رقبة اسم لرقبة واحدة؛ لأنها نكرة في الإثبات فتخصّ، ودعوى العموم في اسم الفرد محال.\nقلنا: صحّة الاستثناء دليل قاطع على العموم، وقولهم: اسم فرد صحيح، ولكن لا يلزم منه عدم العموم، بل هو عام في الأوصاف، أو نقول: هو وإن كان اسم فرد في الصورة، لكنه اسم عام في المعنى، فالتَّخصيص صحيح لعمومه من حيث المعنى.\nقال ابن السَّمْعاني: ونزيد هذا إيضاحًا فنقول: التخصيص على وجهين: تخصيص بإخراج بعض المُسَمَّيات من اللفظ مثل: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، فإن تخصيصه بإخراج بعض ما تناوله اللفظ.\nوتخصيص هو إفراز ما يصلح له اللفظ عن البعض، وإن شئت قلت: تعيين بعض من يتناوله الاسم المبهم.\nونظيره: قول الرجل: رأيت زيدًا، هذا هو اسم مُبْهم لكلّ من يسمى زيدًا.\nفإذا قلت: رأيت زيدًا العالم، فقد أفرزت بعض من يصلح له اللفظ عن البعض، أو عينت بعض ما يتناوله الاسم المبهم، وإذا ثبت العُمُوم سقط قولهم: إن تقييد الرَّقبة بالإيمان زيادة على النَّص، بل هو نقصان؛ لأن التخصيص نقصان لا زيادة، والتخصيص جائز بالقياس.\nوما ذكروه من أن قياس كَفَّارة الظِّهَار على كفارة القتل قياس منصوص ليس بشيء، وقد تقرر بطلانه في الخلافيات.\nولقد هدمت الحنفية أصلهم بأيديهم فقالوا: يجزئ عِتْقُ الأَقْطَع، ولا يجزئ عتق الأَخْرس، والخَرَسُ وصف، فكان ينبغي ألَّا يفوت الاسم، ولا يمتنع الإجزاء، واليد نقصان في البينة، فكان ينبغي أن يفوت ويمنع.\n\nوهنا<span data-type='title' id=toc-709> فائدتان:\nإحداهما: مَثَّلَ جماعةٌ حمل المطلق على المقيد </span>باللفظ الوارد في التيمم، واللفظِ","vol":"3","page":374},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالوارد في الوضوء؛ إذ يقول تعالى في الوضوء: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦] فقيد ذكر اليد بالمرافق وقال في التيمم: \"وأيديكم منه\"، فأطلق ذكر اليد في التيمم، ولم يقيده بالمَرَافِقِ، فاختلف هل يجب على المتيمّم أن يبلغ في مسح يده بالتراب إلى المرفق ردًّا إلى التقيد في غسل يديه بالماء إلى المرفق أم لا؟ لأجل أن الحَمْل على المقيد لا يجب، ومذهبنا الجديد: الصحيح أنه يجب المَسْحُ إلى المرافق، وفى قول قديم قوَّاه النَّووي إلى الكوعين فقط (^١).\nوقد أنكر أبو بكر الأبهري هذا المثال، وَأَوْمَأ إلى أن التمثيل الصحيح إنما يتصور باشتراط الإيمان في عِتْقِ المُظَاهر؛ لأن هذا إنما فيه زيادة صفة في الرقبة.\nوأما الرقبة ففي الكَفَّارتين متساوية، وفي التيمم فيه زيادة عضو، وهو الذِّرَاع، وزيادة الذوات والأجْرَام بخلاف زيادة الصفة والنُّعوت.\nقال المَاوَرْدِيّ: وهذا الذي أشار إليه يصير كمذهب ثالث في الحَمْلِ، فقوم يحملون، وقوم يمنعون، والأبهري يحمل إذا وقع زيادة صفة، وينكر الحمل إذا وقع بزيادةِ ذاتٍ مستقلّة بنفسها.\nقلت: بل الأظهر أن الأبهري يدعي أن الذين يحملون إنما يحملون في زيادة الصِّفة، وليس مسألة التيمم منها، فإِذَن الحمل عنده وعند الحاملين إنما هو فيما لا يزيل الاسم، ولا يزيد عليه إلا وصفًا.\nويشهد لهذا: أن أصحابنا منعوا الحنفية كون التقييد زيادة على النص، ولا يتّجه منع كونه زيادة إلا عند كون الزيادة وصفًا.\n_________\n(^١) قال النووي في شرح المهذب ٢/ ٢٤٣: فمذهبنا المشهور أن التيمم ضربتان، ضربة للوجه، وضربة لليدين مع المرفقين، فإن حصل استيعاب الوجه واليدين بالضربتين وإلا وجبت الزيادة حتى يحصل الاستيعاب. وحكى أبو ثور وغيره قولًا للشافعي في القديم أنه يكفي مسح الوجه والكفين، وأنكر أبو حامد والماوردي وغيرهمَا هذا القول وقالوا: لم يذكره الشافعي في القديم. وهذا الإنكار فاسد؛ فإن أبا ثور من خواص أصحاب الشافعي وثقاتهم وأئمتهم؛ فنقله عنه مقبول، وإذا لم يوجد في القديم حمل على أنه سمعه منه مشافهة. وهذا القول وإن كان قديمًا مرجوحًا عند الأصحاب فهو القوي في الدليل، وهو الأقرب إلى ظاهر السنة الصحيحة.","vol":"3","page":375},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\nأما إذا كانت ذاتًا مستقلّة، فهي زيادة قطعًا، وأن الأصح في مذهبنا في المحرم إذا قتل صيدًا، واختار من الخِصَال إخراج الطعام: أنه يفرقه على ثلاثة مساكين فصاعدًا؛ لأنه أمر بإعطائه لجمع في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٩٥] وأقلّه ثلاثة، مع أنه ورد في كفارة الإتلاف في الحج إعطاؤها لجمع مقيد بكونهم ستة، لكل مسكين نصف صاع، ولم يحمل ذلك المطلق من الجمع على هذا المقيد، وما ذلك إلَّا لأن في حمله عليه زيادة أَجْرَامٍ، وهي ثلاثة مساكين، وإلا فلم يحمل.\nوالثانية: عرفت حكم ما أُطْلق في موضع وقُيِّد في آخر.\nوأما ما أُطلق في مكان ثم قيد في مكانين بقيدين متضادين، فمن قال بالحمل لفظًا قال ببقاء المُطْلق على إطلاقه؛ إذ ليس التقييد بأحدهما أولى من الآخر.\nومن قال بالحَمْلِ قياسًا، حمله على ما حمله عليه أَوْلى، فإن لم يكن قياس رجع إلى أصل الإطلاق، وبهذا يندفع اعتراض الحنفيّة حيث يقولون: لا يشترط التتابع في قضاء رَمَضَان مع كونه ورد مُطْلقًا في قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٥] ولم يحمل على القتل، ولا على صوم الظِّهَار، وكذا صوم كَفَّارة اليمين لم يحمل على الصوم في كَفَّارة القتل والظهار، إذ أصخ المولين جواز التفريق فيه.\nولأنا نقول: هذا المحلّ قد يحاذيه أصلان، أعني صوم المُتْعَةِ، حيث نصّ فيه على التفريق، وصوم الظِّهَار حيث نصن فيه على التَّتابع، فلم يكن إلحاقه بأحدهما أولى من إلحاقه بالآخر، فتركناه على حاله، والكلام في مطلق له مقيد واحد.\nفإن قلت: لم لا حملتم الإطلاق في قوله ﷺ في الغسلات من وُلُوغ الكلب: \"إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ\" على المقيد في رواية من روى: \"فَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَة\"؟\nقلت: قال القَرَافي: لأنه قد روى أيضًا: \"أولَاهُنَّ\"، وهي تعارض الثامنة، فرجعنا إلى أصل الإطلاق.\nوقال بعض المتأخرين على هذا: ينبغي انحصار الوجوب في الأولى والثامنة، ويتخير بينهما.\nقلت: وهو ما نصّ عليه الشَّافعي ﵁ في \"الأم\" و\"مختصر","vol":"3","page":376},{"text":"<span data-type='title' id=toc-711>الْمُجْمَلُ وَالْمُبَيَّنُ</span>\nالْمُجْمَلُ: الْمَجْمُوع، وَفِي الاِصْطِلَاحِ: مَا لَمْ تَتَّضِحْ دَلَالَتُهُ.\nوَقِيلَ: اللَّفْظُ الَّذِي لَا يُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ شَيْء، وَلَا يَطَّرِدُ؛ لِلْمُهْمَلِ وَالْمُسْتَحِيلِ، وَلَا يَنْعَكِسُ؛ لِجَوَازِ فَهْمِ أَحَدِ الْمَحَامِلِ، وَللْفِعْلِ المُجْمَلِ؛ كَالْقِيَامِ مِنَ الرَّكْعَةِ؛ لاِحْتِمَالِ الْجَوَازِ وَالْسَّهْوِ.\n<hr><s0>\n\nالبويطي\" (^١)، وقد حكينا النصين في \"شرح المنهاج\"، وعليه جرى المرعشي (^٢) من أصحابنا في كتاب \"ترتيب الأقسام\".\nوكان أبي ﵀ يقول: إنما ينبغي إيجاب كليهما؛ لورود الحديث فيهما، ولا تنافي في الجمع بينهما.\nفإن قلت: قد قلتم بتخالف المتبايعان عند اختلافهما، سواء أكانت السلعة قائمة أم تالفة، وقد روى أنه ﷺ قال: \"إِذَا اخْتَلَفَ المُتبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ - تَحَالَفَا (^٣».\n_________\n(^١) يوسف بن يحيى القرشي، أبو يعقوب البويطي، المصري الفقيه، أحد الأعلام من أصحاب الشافعي؛ وأئمة الإسلام. قال الشافعي: ليس أحد أحق بمجلسي من أبي يعقوب، وليس أحد من أصحابي أعلم منه. قال النووي: إن أبا يعقوب البويطي أجل من المزني والربيع المرادي. كان يصوم ويقرأ القرآن؛ لا يكاد يمر يوم وليلة إلا ختم مع صنائع المعروف إلى الناس. مات بـ\"بغداد\" في السجن والقيد في المحنة في رجب سنة ٢٣١ هـ. ينظر: شذرات الذهب ٢/ ٧١، وهدية العارفين ٢/ ٥٤٩، ومعجم المؤلفين ١٣/ ٣٤٢، والأعلام ٩/ ٣٣٨، ووفيات الأعيان ٦/ ٦٠، وطبقات ابن هداية ص (٤)، وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٢٧، وطبقات السبكي ١/ ٢٧٥، وطبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٧٠.\n(^٢) محمد بن الحسن المرعشي، منسوب إلى \"مرعش\" (بلدة وراء الفرات). صنف مختصرًا في الفقه مشتملًا على فوائد وغرائب. ذكره الإسنوي تخمينًا قبل أسعد الميهني وقال: لم أعلم من تاريخ المذكور شيئًا إلا أن النسخة التي هي عندي مكتوب عليها: إن كاتبها فرغ منها في سنة ست وسبعين وخمسمائة، وهي نسخة معتمدة. ينظر: طبقات الشافعية للإسنوي (٤٣١)، والعقد المذهب لابن الملقن ص (١٦٦)، وطبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٣٠٩ (٢٧٨).\n(^٣) أخرجه أبو داود ٣/ ٢٨٥، (٣٥١١)، (٣٥١٢)، والطيالسي في المسند ٥٣/ ٣٩٩، وأحمد ١/ ٤٦٦، والدارمي ٢/ ٢٥٠، والحاكم ٢/ ٤٥، والدارقطني ٣/ ٢١، والنسائي ٣٠٢٧، وابن ماجه ٢/ ٧٣٧، (٢١٨٦).","vol":"3","page":377},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقلت: وقد روى الدَّارقطني: \"إذا اختلف المُتبَايعان والمبيع مُسْتهلك\" (^١).\nعلى أنه لا يصح عند المحدثين واحد من القيدين.\nالشرح: وقد كان المصنّف أخَّره عن البيان والمبين، ثم إنه ألحق ورقة بخطّه، وجعله مقدّمًا عليه، وهو الأحسن.\n\"والمجمل\" في اللغة: \"المجموع\" (^٢).\nيقال: أجمل الحساب: إذا جمعه، \"وفي الاصطلاح: ما لم تتضح دلالته\"، فيشمل القول والفعل، ويخرج عنه المهمل؛ إذ لا دَلَالَةَ له (^٣)، وهذا له دلالة، ولكن غير واضحة.\n_________\n(^١) تقدم.\n(^٢) ينظر: البرهان لإمام الحرمين ١/ ٤١٩، والبحر المحيط للزركشي ٣/ ٤٥٥، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٣/ ٧، والتمهيد للأسنوي ص ٤٢٩، ونهاية السول له ٢/ ٥٠٨، وزوائد الأصول له ص ٣٠٠، ومنهاج العقول للبدخشي ٢/ ١٩٦، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ٤١٣، والمنخول للغزالي ص ١٦٨، والمستصفى له ١/ ٣٤٥، وحاشية البناني ٢/ ٥٨، والإبهاج لابن السبكي ٢/ ٢٠٦، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/ ١٠٧، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٩٣، والمعتمد لأبي الحسين ١/ ٢٩٢، وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ص ٢٨٣، ومبزان الأصول للسمرقندي ١/ ٤١١، وكشف الأسرار للنسفي ١/ ٢١٨، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٧٧، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ١٢٦، وحاشية نسمات الأسحار لابن عابدين ص ٩٥، والموافقات للشاطبي ٣/ ٣٠٨، وإرشاد الفحول للشوكاني ص ١٦٧، وشرح مختصر المنار للكوراني ص ٥٥، ونشر البنود للشنقيطي ١/ ٢٦٧، وشرح الكوكب المنير للفتوحي ص ٤٢٧، ومعجم مقاييس اللغة ١/ ٤٨١، ولسان العرب ١/ ٦٨٥ - ٦٨٦، والصحاح ٤/ ١٦٦٢، وكشاف اصطلاحات الفنون ١/ ٣٥٧، وجامع العلوم ٣/ ٢٧٨، والكليات ص ١٤، والعدة ١/ ١٤٢، والحدود للباجي ٤٥، وشرح تنقيح الفصول ٣٧، والمغنى للخبازي (١٢٨)، وكشف الأسرار ١/ ٤٥، والمدخل ٢٦٣، والروضة (٩٣)، وفتح الغفار ١/ ١١٦.\n(^٣) قال العبادي: قال شيخنا: فيه نظر؛ إذ يصدق عليه أنه لفظ لم تتضح دلالته بناء على أن السالبة صادقة بنفي الموضوع كما هو مقرر انتهى ووافقه شيخنا الشهاب على هذا النظر (وأقول): قد أشار القوم إلى هذا النظر وإلى دفعه؛ فكان اللائق نقل عبارتهم. قال العضد: =","vol":"3","page":378},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"وقيل: اللفظ الذي لا يفهم منه عند الإطلاق شيء، ولا يطرد\"؛ لكونه مدخلًا \"للمهمل، والمستحيل\"، وليسا من المجمل، وإنما يدخلان؛ لأنه لا يفهم من المهمل شيء، والمُسْتَحيل ليس بشيء، فلا يفهم عنه شيء (^١).\nولقائل أن يقول: لا يدخلان؛ لأن مفهوم قولنا: \"عند الإطلاق\" أنه يفهم منه شيء لا عند الإِطْلَاق، والمهمل والمستحيل لا يفهم منهما شيء في الحالتين.\nواعلم أن المصنّف كتب - كما رأيت - بخطّه في الأول:\nوقيل: \"اللفظ الذي لا يفهم منه شيء\".\nوأورد ما أورده، ثم زاد منه: \"عند الإطلاق\"، وكان حقه أن يصرف عن إِيراد المهمل والمستحيل عند ذكر هذه الزيادة، فلعله نسي.\n\"ولا ينعكس\" هذا التعريف؛ لجواز فهم أحد المَحَامل\" منه على الجملة، وهو أحد هذين، فيفهم انتفاء غيرهما.\n\"و\" لجواز فهم \"الفعل [كالقيام] (^٢) من الرَّكْعَةِ\" الثانية من غير تشهُّد، فإنه مجمل.\n\"لاحتمال الجواز والسهو\"، مع أنه ليس بلفظ.\n_________\n= والمراد ماله دلالة، وهي غير واضحة، وإلا ورد عليه المهمل انتهى ففسر مرادهم بذلك، وبنى عليه اندفاع الورود وأقره السعد على ذلك، وقال صاحب النقود في قوله: والمراد ما نصه للعلم بأن البحث في الموضوعات بل في المستعملات انتهى وأشار بعضهم إلى أنه يجوز أن يقال: إنما يقال للفظ: دلالته غير واضحة لو كان له دلالة انتهى ولعل المراد أنه ذلك بحسب العرف. ينظر الآيات البينات ٣/ ١٠٨.\n(^١) قال الشيخ بخيت: المجمل في اصطلاح الحنفية ما لا يدرك المراد منه بالعقل بل بالنقل من المجمل، كمشترك تعذر ترجيح أحد معنييه أو معانيه لعدم قرينة للمراد، وعند الشافعية ما لم تتضح دلالته كما ذكره المصنف، وثمرة الخلاف أن بيان المجمل عند الحنفية لا يكون إلا من المتكلم بالمجمل، ولا يكون بالقرائن فلا يكون بيانه بالاجتهاد، وعند الشافعية يمكن بيان المجمل بالقرائن، فيصح بيانه بالاجتهاد، وكل مجمل عند الحنفية مجمل عند الشافعية ولا عكس، فاحفظ هذا ينفعك فيما يفرعه كل من الإمامين على مذهبه في تفسير المجمل.\n(^٢) في أ: كقيام.","vol":"3","page":379},{"text":"أَبَو الْحُسَيْنِ: مَا لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الْمُرَادِ مِنْهُ؛ وَيَرِد، الْمُشْتَرَكُ الْمُبَيَّن، وَالْمَجَازُ الْمُرَاد، بُيِّنَ أَوْ لَمْ يُبَيَّنْ.\nوَقَدْ يَكَونُ فِي مُفْرَدٍ بِالْأَصَالَةِ، وَبِالإِعْلَالِ، كَـ\"الْمُخْتَارِ\"، وَفِي مُرَكَّبٍ؛ مِثْلُ ﴿أَوْ يَعْفُوَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٧]، وَفِي مَرْجِع الضَّمِيرِ، وَفِي مَرْجِعِ الْصِّفَةِ؛ كَطَبيبٍ مَاهِرٍ وَفِي تَعَدُّدِ الْمَجَازِ بَعْدَ مَنع الْحَقِيقَةِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: وقال \"أبو الحسين\": المجمل: \"ما لا يمكن معرفة المراد منه\". أي: من نفسه، احترازًا عن المجمل المبيّن؛ فإن معرفة المراد به ممكنة من البيان لا من نفس المجمل (^١).\n\"ويرد\" على طرده \"المشترك المبين\"؛ فإنه ليس بمجمل، ولا يمكن معرفة المراد منه؛ فإنه إنما يعرف من البيان لا مِنْهُ.\n\"والمجاز المراد\"، أي: ويرد على طرده أيضًا: اللَّفظ الذي يراد به مجازه، سواء \"بين أو لم يبين\"، فإنه ليس بمجمل، ويصدق أنه لا يمكن معرفة المراد منه.\nأما إذا لم يبين، فواضح.\nوأما إذا بين، فإن المراد وإن عرف، لكن لا منه، بل من البيان، فلم يصحّ معرفة المراد منه في الحالين.\nواعلم أن أبا الحسين لم يقل هذا الحَدّ، وإنما الذي قاله: إن المجمل قد يراد به: ما لا يمكن معرفة المراد منه، ويمكن أن يقال: المجمل: ما أفاد شيئًا من جملة أشياء هو متعيِّن في نفسه، واللفظ لا يعينه. انتهى. ذكره في \"المعتمد\".\n\"وقد يكون\" الإجمال \"في مفرد بالأصَالة\".\nكالقُرْءِ: (^٢)، \"وبالإعلال كالمختار\"، فإنه بواسطة اعتلاله صالح للفاعل والمفعول.\n_________\n(^١) ينظر مصادر المسألة.\n(^٢) لأنه موضوع بإزاء حقيقتين الحيض والطهر في نحو قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ فنسبة القرء إليهما على السواء، والمراد منهما واحد لا بعينه، وهذا من المجمل اتفاقًا. ينظر الآيات البينات لابن قاسم ٢/ ١١١، ونهاية السول ٢/ ٥٠٩.","vol":"3","page":380},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"وفي مركب مثل\" قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٧]؛ لتردده بين الزوج والولي (^١).\nولذلك اختلف فيه؛ فقال الشَّافعي بالأولى، ومالك بالثانية.\n\"وفي مرجع الضَّمِير\" إلى ما تقدمه، كقول النبي ﷺ: \"لَا يَمْنَعْ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ\"، فضمير ما في الجدار يحتمل: العَوْد على نفسه، أي: في جدار نفسه، وعلى جداره أي: في جدار جاره.\nوقد ذكر أصحابنا هذا في كتاب \"الصلح\".\nوالأصح عندنا: أنه لا يجوز له أن يضع على جدار الجار إلا بالإذْنِ.\n\"وفي مرجع الصفة: كطبيب ماهر\"، في قولنا: زيد طبيب ماهر؛ فإن \"ماهر\" قد يرجع إلى الطبيب، وقد يرجع إلى زيد ويتفاوت المعنى باعتبارهما (^٢).\n\"وفي تعدُّد المجاز بعد منع الحقيقة\"، لدليل قام على انتفائها، وبعد تكافؤ المجازات، وإلا فلو ترجّح أحدهما بشهرة أو غيرها تعين، ولا إجمال. هذا ما ذكره المصنف.\nوقد يكون الإجمال بواسطة استثناء المجهول، نحو ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [سورة الحج: الآية ٣٠]، أو بسبب تردّد اللفظ بين جمع الأجزاء، أو جمع الصفات؛ نظرًا إلى اللفظ، وإن\n_________\n(^١) قال الشيخ بخيت: حمله الحنفية والشافعية في الجديد على الزوج وقالوا: المعنى على هذا يجب على الزوج نصف المهر المسمى عند الطلاق قبل المسيس إلا عند عفو الزوجة وإسقاط حقها؛ فإنه يسقط، أو إلا عند عفو الزوج عما أعطى من الزيادة على النصف، ولا يكون للزوج حق المطالبة، وحمله مالك على الولي، والمعنى عليه سقوط وجوب النصف عند عفو الزوجة أو عفو الولي، وقال الشق الأول في الزوجة البالغة والثاني في الصغيرة لكي يضمن الولي حقها، ويؤيد قولنا ما روى الدارقطني عن عمرو. بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: ولي العقدة الزوج\" كذا يؤخذ من التقرير على التحرير.\n(^٢) قال صاحب \"البسيط\" من النحويين: إذا اجتمعت صفتان فصاعدًا لموصوف واحد، قال قوم: الصفة. الثانية للأول وَحْدَه، وقال قوم: هي لمجموع الموصوف والصفة. ينظر البحر المحيط ٣/ ٤٥٩.","vol":"3","page":381},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nكان أحدهما يتعين من خارج نحو: الثلاثة زوج وفرد، فإنه بالنظر إلى دلالة اللفظ لا يتعين أحدهما.\nوبالنظر إلى صدق القائل يتعين أن يكون المراد منه جمع الأجزاء، فإن حمله على جمع الصفات، أو على جمعهما يوجب كذبه.\nأو بسبب الوقف والابتداء كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٧]. قالوا: \"و\" في \"والراسخون\" مترددة بين العطف والابتداء.\nقال الغزالي: أو بصلاحية اللفظ لمتشابهين بوجه ما، كالنور للعقل، ونور الشمس (^١).\nقال: أو بصلاحيته لمتماثلين، كالجسم للسماء والأرض (^٢)، والرجل لزيد وعمرو.\n_________\n(^١) قال ابن القاسم: فيه بحث؛ لأن الظاهر المتبادر أن إطلاقه على العقل على سبيل المجاز وعلى نور الشمس على سبيل الحقيقة، ولا إجمال بمجرد ثبوت معنى حقيقي ومعنى مجازي، بل هو ظاهر في المعنى الحقيقي، فإن حمل على المجازي كان مؤوّلًا، ثم رأيت شيخنا الشهاب نظر في كونه مجملًا؛ بعد أن جزم بأنه مجاز في العقل. نعم إن ثبت غلبة المعنى المجازي ومرجوحة المعنى المحقيقي أمكن توجيه الإجمال؛ لأنه إذا تعارض المجاز الغالب والحقيقة المرجوحة جرى خلاف مشى المصنف فيه على الإجمال - كما تقدم أول الكتاب، لكن لا يخفى أن جريان ذلك في نحو هذا المثال من أبعد البعيد إن لم يقطع بامتناعه، وقد يوجه أيضًا بأن استعماله في العقل مجاز مشهور، والمجاز المشهور، بمنزلة الحقيقة، فيكون اللفظ بمنزلة المشترك وإن لم تصر الحقيقة مرجوحة. ينظر الآيات البينات ٣/ ١١١ - ١١٢.\n(^٢) لأن الظاهر أن الجسم من قبيل المتواطئ؛ لأن الظاهر أنه موضوع للقدر المشترك بين الأفراد، وهو المركب من جزأين فصاعدًا، وإطلاق جعل المتواطئ من قبيل المجمل محل نظر قوى، ولما عد الإمام في \"المحصول\" المتواطئ من المجمل. رده الأصفهاني في شرحه فقال: وهذا باطل يعني جعل اللفظ المتواطئ من الألفاظ المحكوم عليها بالإجمال حال كونه مستعملًا في موضوعه؛ لأنه متى استعمل اللفظ المتواطئ في موضوعه وهو القدر المشترك لا يكون مجملًا. نعم إذا استعمل في غير موضوعه، فإن استعمل في مورد من موارده بخصوص ذلك المورد من غير تعيين كان مجملًا انتهى وقال القرافي في شرحه: ثم المتواطئ لا يكون مجملًا وهو مستعمل في موضوعه إلا باعتبار خصوصيات محاله باعتبار ما يستعمل فيه، بل هو =","vol":"3","page":382},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nلَا إِجْمَالَ فِي نَحْوِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٣] ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٣]؛ خِلَافًا لِلْبَصْرِيِّ وَالْكَرْخِيِّ.\nلَنَا: الْقَطْعُ بِالاِسْتِقْرَاءِ أَنَّ الْعُرْفَ - الْفِعْلُ المَقْصُودُ مِنْهُ.\nقَالُوا: مَا وَجَبَ لِلضَّرُورَةِ يُقَيَّدُ بِقَدْرِهَا؛ فَلَا يُضْمَرُ الْجَمِيع، وَالْبَعْضُ غَيْرُ مُتَّضِحٍ.\n<hr><s0>\n\nوقال علماؤنا: فهذه الوجوه لا يختلف المذهب في إجمالها، وافتقارها إلى البيان.\nواختلف المذهب في ألفاظ منها: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٧٥].\nوالربا: الزيادة، وما من بيع إلَّا وفيه زيادة، فافتقر إلى بيان ما يحل وما يحرم.\nوالأصح عدم الإجمال؛ لأن البيع منقول شرعًا، فحمل على عمومه ما لم يقم دليل التخصيص.\nومنها الآيات التي ذكر فيها الأسماء الشرعية مثل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٣]، ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٥] ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٧].\nفمن أصحابنا من قال: هي غير مجملة، ويحمل الصلاة على كل دعاء، والصوم على كل إمساك، والحج على كل قَصْد إلا ما خص بدليل.\nومنهم من قال: مجملة؛ لأن المراد بها لا يدلّ عليه اللغة، فافتقر إلى البيان، والأصح أنها مبينة؛ لأنا بَيَّنا ثبوت الحقائق الشرعية.\nومنها: اللفظ الذي علق التحليل والتحريم فيه على الأعْيَان، وإليه أشار بقوله:\n_________\nظاهر انتهى ثم قال: تنبيه زاد سراج الدين فقال: المتواطئ يكون مجملًا إذا أريد به معين. قلت: وفي المحصول لم يشترط ذلك بل أطلق، والإطلاق صحيح؛ لأن الله تعالى إذا قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ صدق أن لفظ الرقبة ظاهر بالنسبة إلى القدر المشترك، مجمل بالنسبة إلى خصوصيات الرقبات في أنواعها وأشخاصها ينظر: الآيات البينات ٣/ ١١٢.","vol":"3","page":383},{"text":"أجيبَ: مُتَّضِحٌ بِمَا تَقَدَّمَ.\n<hr><s0>\n\n\n\"مسألة\"\n\"لا إجمال\" عند أئمتنا \"في نحو: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٣]، \"وَ\" ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٣]؛ \"خلافًا للكرخى (^١)، والبصري\"، وبعض أصحابنا.\n\"لنا\": أن \"القطع\" الحاصل \"بالاستقراء\" \"أن العرف\" قاضٍ بأن التحريم، أو التحليل إذا أضيف إلى جسم كان \"الفعل المقصود منه\"، لا نفس الجسم.\nألا ترى أنه إذا قال لغيره: حرمت عليك هذا الطعام، عقل منه تحريم الأكل، وكذلك تعقل من تحريم الميتة تحريم أكلها، والأمهات تحريم نكاحهن، فصار المراد معقولًا من هذا اللفظ، وما عقل منه المراد لا يكون مجملًا.\n\"قالوا\": إسناد التحريم إلى الأعيان مُحَال، فلا بُدّ من إضمار؛ لاستقامة الكلام، وحينئذ يجب أن يقيد المضمر بقدر الحاجة؛ لأن \"ما وجب للضرورة يقيد بقدرها\"، \"فلا يضمر الجميع\"؛ لأن البعض كافٍ، \"والبعض غير متضح\"؛ إذ ليس بعض أولى من بعض، فوجب التوقف.\nالشرح: \"أجيب\": بأنا لا نسلم أن البعض غير متضح، بل هو \"متضح بما تقدّم\" من قضاء العُرْف بإرادة المقصود من مثله.\nوهذا إذا اتضح أحد المجازات، فإن لم يتضح واحد معين، فالأولى عندنا تقدير الجميع؛ لأنه الأقرب إلى نفي الحقيقة.\nوقد سبق ذكر هذا في مسألة المقتضى، وكل هذا مبني على أصلنا في أن الأحكام إنما تتعلّق بالأفعال [المقدورة] (^٢) للمكلف، وأن الأعيان لا يتعلّق بها حل ولا حرمة.\n_________\n(^١) ينظر: المحصول ١/ ٣/ ٢٤، والتبصرة (٢٠١)، والمستصفى ١/ ٣٤٦، والإحكام للآمدي ٣/ ١٠، وجمع الجوامع ٢/ ١٥٩، والآيات البينات ٣/ ١٠٩، والمسودة (٩٠)، وشرح الكوكب ٣/ ٤١٩، والمعتمد ١/ ٣٣٣، والمسودة (٩٠)، وشرح العضد ٢/ ١٥٩، وإرشاد الفحول (١٦٩)، وتيسير التحرير ١/ ١٦٦، وكشف الأسرار ٢/ ١٠٦، وأصول السرخسي ١/ ١٩٥.\n(^٢) في أ، ج: المقدرة.","vol":"3","page":384},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوأما من ذهب من المعتزلة إلى تعلق الحل والحرمة بالأعيان، فواضح أنه لا إجمال عنده، ولكنه قول باطل.\nوعلى أصلنا نقول: اعلم أن الشَّيء يوصف بنفي أمر عنه، أو إثبات أمر له، وهذا الإثبات قد يعود إلى نفس الذَّات، أو صفة نفسية، أو صفة معنوية قائمة بالذات، أو صفة تعلق، لا يرجع شيء منها إلى الذَّات، وهذا يكشف حقائقه في علم الكلام.\nوقد اختلف في الأحكام، هل تكتسب بها الذوات صفة أو لا؟.\nفالجمهور: على أنها من صفات التعلّق؛ فإذا قيل هذا نجس، فليست النجاسة، ولا كونه نجسًا راجعًا إلى نفسه، ولا إلى صفة نفسية، أو معنوية للذات.\nبل هي حالة الطَّهارة والنجاسة على حدّ سواء، لم يستفد هذا الحكم صفة زائدة قائمة بها لأجل الحكم.\nومعنى النجاسة: تعلّق قوله تعالى: إنها تجتنب في الصلاة، ونحو ذلك.\nوكذا قولنا: شرب الخمر حَرَام، ليس المراد: تجرّعها، وحركات الشَّارب، وإنما التحريم راجع إلى تعلق قول الباري في النهي عن شربها، وكذا: \"حرمت الميتة\"، ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ﴾، وأمثال ذلك.\nوقد أخبرناك أن صفات التعلق لا تقتضي إفادة وصف عائد إلى الذات، وهذا كمن علم زيدًا قاعدًا بين يديه، فإن علمه - وإن تعلّق بزيد - لم يغير من صفات زيد شيئًا، ولا حدث لزيد صفة لأجل تعلق العلم به.\nوذهب من لا تحقيق عنده إلى استفادة الذَّوات من الأحكام فائدة، ورأوا أن التحريم والوجوب يرجع إلى ذات الفعل المحرم والواجب، وَقدَّروه وصفًا ذاتيًّا.\nقال القاضي في \"التقريب\": واعتلوا لذلك بضرب من الجهل، وهو أنه لو توهم عدم الفعل لعدمت أحكامه بأسرها، فوجب أن يكون أحكامه هي هو.\nقال: وهذا باطل؛ لأنه قول بوجب أن يكون جميع صفات الأجسام وأحكامها، وأقوالها، وأفعالها، هي هي؛ لأنه لو تصوّر عدم الجسم، لعدمت أحواله وأكوانه وجميع متصرفاته، فيجب أن يكون هو عبارة عن أفعاله، ولا يقول ذلك عاقل.","vol":"3","page":385},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nلَا إِجْمَالَ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦].\nلنَا: إِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي مِثْلِهِ عُرْفٌ فِي بَعْضٍ كَمَالِكَ؛ وَالْقَاضِي، وَابْنُ جِنِّي: فَلَا إِجْمَالَ.\nوَإنْ ثَبَتَ؛ كَالشَّافِعِي وَعَبْدِ الْجَبَّارِ وَأَبِي الحُسَيْنِ: فَلَا إِجْمَالَ.\n<hr><s0>\n\nوأعتلوا أيضًا بقولك: هذا الفعل حلال، وهذا حرام.\nوأجاب القاضي: بأنه لا اعتبار بالإطلاقات التي منها حقيقة، ومنها مجاز.\nالشرح: \"لا إجمال في نحو: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ\"؛ خلافًا لبعض الحنفية (^١).\n\"لنا: أن\" إدخال \"الباء\" على الفعل المتعدي إما أن يثبت من جهة التصرف ظهورها في أي بعض كان أولا إن \"لم يثبت عرف في مثله\"، أي: في إدخال \"الباء\" \"في بعض كمالك والقاضي، وابن جني، فلا إجمال\"؛ لأن \"الباء\" للإلصاق، وحقيقة الرأس كله، فوجب مسح كله.\n\"وإن ثبت\" أن العرف يقتضي التبعيض \"كالشافعي، وعبد الجَبَّار، وأبي الحسين، فلا إجمال\" أيضًا؛ لظهور المراد، وهو التبعيض.\nوالحاصل أنه: لا إجمال على مذهبي مالك والشَّافعي.\n_________\n(^١) ينظر: المعتمد ١/ ٣٣٤، والمحصول ١/ ٣/ ٢٤٧، والإحكام للآمدي ٣/ ١٢ (٢)، والإبهاج ٢/ ٢١٠، ونهاية السول ٢/ ٥٢١، وشرح العضد ٢/ ١٥٩، وشرح الكوكب ٣/ ٤٢٣، والمسودة (١٧٨)، وجمع الجوامع ٢/ ٥٩ والآيات البينات ٣/ ١٠٩، وإرشاد الفحول (١٧٠)، وتيسير التحرير ١/ ١٦٧، وفواتح الرحموت ٢/ ٣٥، والبحر المحيط ٣/ ٤٦٣ - ٤٦٤.","vol":"3","page":386},{"text":"قَالُوا: الْعُرْفُ فِي نَحْوِ: \"مَسَحْتُ بِالْمِنْدِيلِ\" - الْبَعْضُ.\nقُلْنَا: لأَنَّهُ آلَةٌ؛ بِخِلَافِ: مَسَحْتُ بِوَجْهِي.\nوأمَّا \"الْبَاءُ\" لِلتَّبْعِيض، فَأَضْعَفُ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"قالوا: العرف\" يفرق بين: \"مسحت بالمنديل\" فكذا يجب أن يكون في \"وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ\"، وإذا اقتضى \"البعض\" وهو غير معين - لزم الإجمال.\n\"قلنا\": إنما اقتضى قولنا: \"مسحت بالمنديل\" التبعيض؛ \"لأنه آلة\"، والعمل بالآلات حاصل ببعضها لا \"للباء\"؛ ولذلك تقول: \"مسحت بالمنديل\" \"بخلاف \"مسحت بوجهي\"، ولا نسلم التبعيض في نحو: \"مسحت بوجهي\" الذي هو نظير: \"وامسحوا بِرُءُوسِكُمْ\".\n\"وأما الباء\" والقول بأنها \"للتبعيض\" كما ذهب إليه بعض الشَّافعية، \"فأضعف\" مما تقدم؛ لعدم ثبوته عن أهل اللغة.\nوالذي ذهب إلى أنها للتبعيض من الشَّافعية توصل بها إلى الاكتفاء بما ينطلق عليه الاسم.\nومن ادَّعى الإجمال يصلح له الاحتجاج به أيضًا؛ لأنه ليس بعض أولى من بعض.\nولكن جوابه: إن رأى بعض كان، وهو كافٍ، وإنما يلزم ترجيح بعض على بعض لو عين أحد البعضين، ولا قائل بالتعيين.\nواعلم أن المحفوظ عن الشافعي: الاكتفاء بأقل ما ينطلق عليه الاسم.\nوالصحيح عندنا أن مأخذه: أن المسح لمطلق الرأس، وهو صادق ببعضه، لا أنها موضوعة للتبعيض على أن القول بأنها للتبعيض أثبته الأصمعي، والفارسي، و[القتبي] (^١)، وابن مالك، وغيرهم.\nوجعلوا منه: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [سورة الإنسان: الآية ٦].\nوقولَ الشاعر: [الكامل]\nفَلَثَمْتُ فَاهَا آخِذًا بِقُرُونِهَا … شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ مَاءِ الحَشْرَجِ (^٢)\n_________\n(^١) في أ، ج: العتبي.\n(^٢) البيت من الكامل، وهو لعمر بن أبي ربيعة في ملحق ديوانه ص ٤٨٨، والأغاني ١/ ١٨٤، =","vol":"3","page":387},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقول الآخر: [الكامل]\nشَرِبَتْ بِمَاءِ الدُّحْرُضَيْنِ فَأَصْبَحَتْ … زَوْرَاءَ تَنْفِرُ عَنْ حِيَاضِ الدَّيْلَمِ (^١)\nوقولَ الآخر: [الطويل]\nشَرِبْنَ بِمَاءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ … مَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئيجُ (^٢)\n_________\n= ولجميل بن بثينة في ملحق ديوانه ص ٢٣٥، وجمهرة اللغة ص ١١٣٣، والدرر ٤/ ١٣٠، لجميل أو لعمر في البداية والنهاية ٩/ ٤٧، ولسان العرب (حشرج)، (لثم)، ولعبيد بن أوس الطائي في الحماسة البصرية ٢/ ١١٤، والحيوان ٦/ ١٨٣، والمقاصد النحوية ٣/ ٢٧٩، ولجميل أو لعمر أو لعبيد في شرح شواهد المغني ص ٣٢٠، لجميل أو لغيره في تهذيب تاريخ دمشق ٣/ ٤٠٦، ووفيات الأعيان ١/ ٣٧٠، والاشتقاق ٣٩١، وإصلاح المنطق ٢٠٨، وعيون الأخبار ٤/ ٩٢، همع الهوامع ٢/ ٥١، ومغني اللبيب ص ١٠٥، والجني الداني ٤٤، والاشتقاق ٣٩١.\n(^١) البيت من الكامل، وهو لعنترة في ديوانه ص ٢٠١، وسر صناعة الإعراب ١/ ١٣٤، وأدب الكاتب ص ٥١٥، وجمهرة اللغة ٨٧٢، والأزهية ٢٨٣، ولسان العرب (نبت)، (دحرض)، (وسع)، (وشع)، (دلم)، والمحتسب ٢/ ٨٩، وشرح المفصل ٢/ ١١٥، ورصف المباني ١٥١.\n(^٢) البيت من الطويل، وهو لأبي ذؤيب الهذلي في الأزهية ص ٢٠١، وجواهر الأدب ص ٩٩، والأشباه والنظائر ٤/ ٢٨٧، خزانة الأدب ٧/ ٩٧ - ٩٩، وسر صناعة الإعراب ص ١٣٥، ٤٢٤، والدرر ٤/ ١٧٩، والخصائص ٢/ ٨٥، وشرح أشعار الهذليين ١/ ١٢٩، وشرح شواهد المغني ٢١٨، ولسان العرب، (شرب، مخر، متى)، والمقاصد النحوية ٣/ ٢٤٩، والمحتسب ٢/ ١١٤، وأدب الكاتب ص ٥١٥، والأزهية ٢٨٤، وأوضح المسالك ٣/ ٦، ورصف المباني ١٥١، وجواهر الأدب ٤٧، ٣٧٨، والجنى الداني ٤٣، ٥٠٥، وشرح ابن عقيل ٣٥٢، وشرح عمدة الحافظ ٢٦٨، وشرح الأشموني ٢٨٤، وشرح قطر الندى ٢٥٠، والصاحبي في فقه اللغة ص ١٧٥، وهمع الهوامع ٢/ ٣٤، ومغنى اللبيب ص ١٠٥.","vol":"3","page":388},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nلَا إِجْمَالَ فِي نَحْوِ: \"رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ\"؛ خِلَافًا لأَبِي الْحُسَيْنِ، وَالْبَصْرِيِّ.\nلنَا: الْعُرْفُ فِي مِثْلِهِ قَبْلَ الشَّرْعِ - الْمُؤَاخَذَةُ وَالْعِقَابُ، وَلَمْ يَسْقُطِ الضَّمَانُ: إِمَّا لأَنَّهُ لَيْسَ بِعِقَابٍ - أَوْ تَخْصِيصًا لِعُمُومِ الْخَبَرِ؛ فَلَا إِجْمَالَ.\nقَالُوا: وَأُجِيبَ بِمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَيْتةِ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"لا إِجْمَال في نحو\" ما قدَّمْناه في \"بابِ العُمُوم\" من قوله ﷺ: \"\"رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ\"، خلافًا لأبي الحُسَيْن والبَصْري\" أبِي عَبْد الله وبعْضِ الحَنفِيَّةِ (^١).\n\"لنا: العُرْف\" فإنَّهُ يَقْضِي \"في مثله قَبْل الشَّرع\" بأن المَحْكُومَ يرفعه إنَّما هو \"المؤاخذةُ والعِقَابُ\".\nقال ابْنُ السَّمْعَانِي: ويمكن أن يُقال: إنَّهُ معقُولُ المَعْنَى لُغةً أيضًا؛ ألا ترى أنَّهُ إذا قال لِعَبْدِهِ: رفعْتُ عَنْكَ خِيانتَك عَقَلَ منه رفْعَ المُؤَاخَذَةِ، ولا يُقَالُ: فَلِمَ لم يَسْقُط الضَّمَان؟ لأنَّا نقول ذلك؛ \"إمَّا لأَنَّه ليس بِعِقَاب\"، بل هُو جبْرَانٌ لِلْمُنَافَاة، ولذلك يُؤاخَذُ بِهِ مَنْ لا أهْلِيَّة للتَّكلِيفِ أصْلًا، \"أو تَخْصِيصًا لِلعُمُوم لخَبَر\" كذا بِخطِّ المُصَنِّف، أي: تخصيصًا لِعُمُومِ المُؤَاخَذَةِ للخبر الدَّالِّ على التَّخْصيص، ولَكَ أنْ تقول: ما الخبر؟ فالأَوْلَى أنْ يُقال: أو تَخْصيصًا لِعُمُومِ هذا الخَبَرِ بالإجْمَاعِ وغَيْرِه من الأدِلة القَائِمَةِ على ذلِك، ولُزُومُ التَّخْصِيصِ أَسْهَلُ من القَوْلِ بِالإِجْمَال، \"فلا إجْمَال\".\n\"قالوا\": لا بُدَّ مِنْ إِضْمَارٍ لِمُتَعَلِّقِ الرَّفع، وهو مُتَعَدِّد.\n\"وأُجِيبُ بِما تَقَدَّم في المَيْتَةِ\" من أنَّ الْمُضْمَر هو ما اتَّضَحَ عُرْفًا.\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام للآمدي ٣/ ١٣ (٣)، والمحصول ١/ ٣/ ٢٥٧، والمعتمد ١/ ٣٣٦، والمستصفى ١/ ٣٤٨، وجمع الجوامع ٢/ ٦٠، والآيات البينات ٣/ ١١٠، وشرح تنقيح الفصول ٢٧٧، وشرح العضد ٢/ ١٥٩، وإرشاد الفحول (١٧١)، وشرح الكوكب ٣/ ٤٢٤، وأصول السرخسي ١/ ٢٥١، والبحر المحيط ٣/ ٤٦٢.","vol":"3","page":389},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nلَا إِجْمَالَ فِي نَحْوِ: \"لَا صَلَاة إِلَّا بِطُهُورٍ\"؛ خِلَافًا لِلْقَاضِي.\nلَنَا: إِنْ ثَبَتَ عُرْفٌ شَرْعِيٌّ فِي الصَّحِيحِ - فَلَا إجْمَالَ؛ وَإِلَّا فَالْعُرْفُ فِي مِثْلِهِ نَفْيُ الْفَائِدَةِ مِثْلُ: لَا عِلْمَ إِلَّا مَا نَفَعَ؛ فَلَا إِجْمَالَ وَلَوْ قُدِّرَ انْتِفَاؤُهُمَا فَالأَوْلَى نَفْيُ الصِّحَّةِ؛ لأِنَّهُ يَصِيرُ كَالْعَدَمِ، فكَانَ أَقْرَبَ إلَى الْحَقِيقَةِ الْمُتَعَذِّرَةِ.\nفَإِنْ قِيلَ: إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِالتَّرْجِيحِ.\nقُلْنَا: إِثْبَاتٌ لِمَجَازٍ بِالْعُرْفِ فِي مِثْلِهِ وَهُوَ جَائِزٌ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"لا إجْمَال في نحو: \"لا صلاةَ إلَّا بِطُهُورٍ\"\"، أو \"إلَّا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ\"، فانتفى فيه الفِعْلُ (^١)، والْمُرادُ نَفْيُ صِفَتِهِ؛ \"خلافًا لِلْقَاضِي. لَنَا: إن ثَبَتَ عُرْفٌ شَرْعِيٌّ في الصَّحِيح\"، أي: في أن الشَّرْعِيَّ هو الصَّحِيح، \"فلا إجْمَالَ\"؛ إذ حَقِيقَةُ الْفِعْلِ الشَّرْعِيِّ مَنْفِيَّةٌ، وإذَا أمْكَن نَفْيُ مُسَمَّاهُ تَعَيَّنَ، \"وَإِلَّا فالْعُرْف\" اللُّغَوِيُّ قاضٍ \"في مِثْلِه\" بأنَّ المُرَاد \"نَفْيُ الفَائِدة\" مِثل: \"لا عِلْمَ إلَّا ما نَفَعَ، فلا إجْمَال\" أيْضًا؛ لِظُهُورِ المُرَادِ وهو نَفْيُ الفَائِدةِ، \"ولو قُدِّرَ انتِفَاؤُهُما\"، أي: انْتِفَاءَ العُرْفِ الشَّرْعِيِّ واللُّغَوِيِّ \"فالأَوْلَى\" في التَّقْدِير \"نَفْيُ الصِّحَّةِ؛ لأَنَّهُ يَصِيرُ إلى العَدَمِ\"، \"فكانَ أقْرَبَ إلى الحَقِيقَةِ المُتَعَذّرَة\"، والمَجَازُ الأَقْرَبُ أَوْلى مِنَ البَعِيد، كنَفْي الكْمَال، وإذا كان ثَمَّ مَجَازٌ قَرِيبٌ كان ظَاهِرًا فيه وَلَا إجْمَال، فَإِذًا لا إجْمَال على التَّقادِير الثَّلاثِ.\n\"فإن قيل\": ما ذَكَرْتُم \"إثباتَ اللُّغَة بالتَّرْجِيح\" وأنْتُم تَمْنَعُونَه. \"قلنا\": لَيْس ذلك من إثْبَات اللُّغَةِ بالتَّرجيحِ، بل هُو \"إثبات لمجاز\" مِن المَجَازَات \"بالْعُرْفِ في مِثلِهِ\".\n_________\n(^١) ينظر: المعتمد ١/ ٣٣٥، والمحصول ١/ ٣/ ٢٤٩، والتبصرة (٢٠٣)، والإحكام للآمدي ٣/ ١٥ (٤)، والمستصفى ١/ ٣٥١، وشرح الكوكب ٣/ ٤٢٩، وجمع الجوامع ٢/ ٥٩، والآيات البينات ٣/ ١١٠، وشرح العضد ٢/ ١٦٠، وإرشاد الفحول ١٧٠، وتيسير التحرير ١/ ١٣٢، ١٦٩، وكشف الأسرار ٢/ ٢٣٧، والتقرير والتحبير ١/ ١٦٦، وأصول السرخسي ١/ ٢٥١، والبحر المحيط ٣/ ٤٦٠.","vol":"3","page":390},{"text":"قَالُوا: الْعُرْفُ شَرْعًا - مُخْتَلِفٌ فِي الْكَمَالِ وَالصِّحَّةِ.\nقُلْنَا: مُخْتَلِفٌ؛ لِلاخْتِلَافِ؛ وَلَوْ سُلِّمَ فَلَا اسْتِوَاءَ؛ لِتَرَجُّحِهِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"قالوا: العُرْفُ شَرْعًا مُخْتَلَفٌ\"، فيقال: \"في الكمال\" تارةً، \"و\" في \"الصِّحَّة\" أخرى، فكَانَ مُتَردِّدًا بَيْنَهُما، وَلَزِمَ الإجْمَالُ.\n\"قلنا: مُخْتَلَفٌ\" كما ذَكَرْتُم، وَلَكِن \"الاخْتِلَاف\" في أنَّهُ ظَاهِرٌ في نَفْي الصِّحَّةِ أو نَفْيِ الكَمَال، فَكُلُّ ذِي مذْهَبٍ يَحْمِلُهُ على مَا هُوَ الظَّاهِرُ فِيهِ عِنْدَه، لَا أَّنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَهُمَا، فهو ظَاهِرٌ عِنْدَهُمَا لا مُجْمَل. غَايَة الأَمْرِ: أَنَّ كُلًّا منهما يَجْعَلُهُ ظَاهِرًا في خِلَاف مَا جَعَلَهُ صاحِبُه، فلا إِجْمَال، \"ولو سُلِّم\" أنه مُتَرَدِّدٌ بَيْنَهُمَا، \"فلا اسْتِواء\" لهما بالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، أي: لَيْسَ التَّرَدُّدُ على السَّوَاءِ، بَلْ نَفْيُ الصِّحَّةِ أوْلَى؛ \"لترجُّحِه\" بما ذَكَرْنَاه\" مِنَ الْقُرْبِ إِلى نَفْي الذَّات.\nواعْلمْ أن المَسْأَلَة معْقُودَةٌ في صِيَغٍ تَرِدُ فِي الشَّرع نَافِيَة لِذَوَات واقِعَةٍ، وهذا قَدْ جاء الشَّرْعُ به تَارَةً في قَالَبِ الْإِثْبَاتِ، وتارةً في قَالَبِ النَّفي.\nأمَّا الإثبات: فمِثْل ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [سورة النساء الآية ٢٣]، ومَعْلُوم أن نَفْس الأُمِّ لا تُحَرَّم، والْمُحَرَّمُ مَعْنًى آخَرُ غَيْرُ ذَاتِهَا، وَهُوَ غَيْرُ مذكورٍ، فالْمَنْطُوقُ غَيْر مُرادٍ، والْمُرادُ غَيْرُ مَنْطُوقٍ، وهذا تقدَّم.\nوأمَّا النفي: وهو مسألتُنَا نحو: لا عمل إلا بِنِيَّة (^١)،: لا صِيَامَ لمن لم يُبيِّتِ الصِّيَامَ مِن اللَّيْل،: لا صَلَاةَ إِلّا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ،: لا نِكَاحَ إِلَّا بِوَليٍّ، فمن يَقُولُ بِالحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ، ويَقُولُ مع ذلك: إِنَّ الشَّرْعِيَّ مَخْصُوصٌ بِالصَّحيحِ، ويَحْمِلُ اللَّفْظَ إذا وَرَدُ مِن الشَّارعِ عَلَى الشَّرْعِيِّ دُونَ اللُّغَوِيِّ وغَيْرهُ مِن الْمُحْتَمَلَاتِ، وهُوَ يَحْمِلُ الْكَلَام على حَقِيقَتِهِ، ولا وَجْهَ للإجْمَال عِنْدَه؛ إذ لا شَكَّ عِنْدَه في انْتِفَاء الذَّاتِ - فَأَيُّ دَاعٍ إلَى الإجْمَال، ومَن يُنْكِرُ الْحَقَائِقَ الشَّرْعِيَّةَ كالقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، أو يَقُولُ: الشَّرْعِيُّ لأَعَمّ مِن الصَّحِيحِ والفَاسِدِ، أَو يَقُولُ: إذا وَرَدَ لفْظٌ له مَحْمَلٌ لُغَوِيٌّ ومحْمَلٌ شَرعِيٌّ كانا بالنِّسْبة إليه سواء يتَّجه منه دَعْوَى الإجْمَال. ثم اختَلَفَ القَائِلون بالإجمال، فذهب ذَاهِبُون إلى أن سَبَبِيَّة كوْن اللَّفْظِ لَمْ يُرِدْ نَفْي وُقُوع الفِعْل، أو وُقُوعَه مَوْجُودٌ ومشاهدٌ، وإنَّما أريد به أمرٌ آخر لم يُذكَرْ، والَّذِي أريدَ به غير مَعْلُومٍ، فكان مُجْمَلًا، وردَّ نازلون عن هذه المَرتبَةِ هذا.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي (١/ ٤١) بلفظ: \"لا عمل لمن لا نية له\" ورواه الديلمي في مسند الفردوس بلفظ: لا أجر إلا عن حسبة ولا عمل إلا بنية.","vol":"3","page":391},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقالُوا: اللَّفْظُ موضُوعٌ لِنَفْي الأَوْصَافِ دُونَ الذَّوَات؛ ألا تراهُم يَقُولُون لِمَن أجَابَ بما لا يُفِيدُ: لم يجب شيء، ولكن الأَوْصَافَ مُتَعَدِّدَةٌ، فسببُ الإجْمَال تَعَدُّدُهَا، وتردد لا صيامَ إلَّا بِنِيَّةٍ، وأمثالهُ بين نَفْي الجَوَازِ ونَفْي الكمال، وهذا اختيارُ الْقَاضِي، والحقُّ عَدَمُ الإجْمَال، وأنَّهُ ظَاهِرٌ في نَفْي الصِّفَات، ثُمَّ ما كانَ أقْرَبَ إلى الحَقِيقَةِ، كَان المَنْفِيَّ كَما عَرَفْت، فإن تَسَاوَتِ المجازَاتُ وكانَتْ مُتَنَافِيَةً كان مُجْمَلًا إذ ذاك، وإن كان بَيْنَهُمَا قدْر مُشْتَركٌ صُيِّرَ إلَيه. هذه هي الطَّرِيقَةُ المُرْضِيَةُ عِنْدنا الجَارِيَةُ عَلَى أُسْلُوبِ التَّحْقِيقِ ومِنْ أصحابنا من قال بِالْعُمُومِ في ذلِكَ على نَحْوِ العُمُومِ في المحذوفاتِ والمَنْطُوقَاتِ، لا على أصْلِ الواقِفِيَّةِ المُنْكِرين لِلْعُمُوم أصْلًا، ولا على أصْلِ المُعَمِّمين الَّذِين يَقْصرُون التعميم على الصِّيَغِ، ولا يَرَوْن تَعْمِيمَ المَحْذُوفَاتِ.\nوذكر القاضي أن المُعَمِّمِين أَخْطَأُوا، وإن سُلِّم لهم أصْلهم في العُمُوم، واعتلَّ بأن العُموم إنَّما يَصِحُّ دعواه فيما لا يتناقَض، وأمَّا إذا كان يَصِيرُ إلى تناقُضٍ وتهافُتٍ، فيستحيل دعوى العُمُومِ.\nقلت: وهذا حقٌّ فيما تنافَتْ فيه المحامِلُ كما قُلْناه، ولكن قد لا يُسَلِّمُ المُعَمِّمُونَ التَّنَافِيَ بَيْنَ الْكَمَال والصِّحَّةِ حالة النَّفْي، ويقولون: يَجُوز نَفْيُهُمَا معًا، وهذا مَوْضِعُ نَظَرٍ؛ فإنَّ إمام الحَرَمَيْن وابنَ السَّمْعَانيِّ وغَيْرَهمَا ذَكَرُوا أن من ضَرُورَةِ نَفْي ثُبُوتَ الجَوَازِ، وهذا إن صحَّ لهم ثَبَتَتْ دعوى نَفْي العُمُوم كما صَحَّتْ دعوى نَفْيِ الإجْمال، وقامَ تَقْدِير الجَوَاز فإنَّهُ أعَمُّ وَأَقْرَبُ إِلى نَفْي الحَقِيقَةِ، ولكِن لقائلٍ أن يقول: لا نُسَلِّمُ أن نَفْيَ الكمال يَقْتَضِي إثْباتَ الجَوَازِ؛ فإنَّ نَفْيَ الأخصِّ لا يقتضي ثُبُوتَ الأعَمِّ، بل هو صَادِقٌ وإنْ لم يثبت الأعمُّ أيضًا.\nوالَّذِي أرَاهُ أنَّهم لم يَقصِدُوا أن قَضِيَّة نَفْي الكَمال إثباتُ الجواز؛ فإنَّ ذلك سَاقِطٌ كَمَا تَرَى، بل إنَّه يُشْعِرُ بإثبات الجَوَازِ إشْعارًا مَحْضًا؛ إذ لا يُقَال في العُرْفِ للصَّلاة الفَاسِدَةِ: صلاةٌ غَيْرُ كَامِلَةٍ، وإنَّما يُقَالُ ذلك لِنَاقِصَةِ الفَضَائِل الَّتِي لا تُوجِبُ الإخلال بها فسادًا.\nثمَّ أقولُ: وإذا نَفَيْنا الجواز كان قولنا معه: \"ولا كمال\" غير محتاجٍ؛ إليه لتضمُّن نفي الجواز إيَّاه، فإذا قيل: يُفْهَمُ من إثباتِ الجَوازِ، ثم يُنَافِي قَوْلنا: لا جَوَازَ، فَمِنْ هُنا يجِيءُ التَّنَافِي؛ فإنَّ نَفْيَ الْكَمَال يُشْعِرُ بِثُبُوتِ الإجْزاء، ويُعْتَضَدُ هَذَا الإشْعارُ بضمِّهِ إلى نَفْسِ الجَوَازِ؛ فإنَّه لَوْ لَمْ يُفِدْ أمْرًا يُغَايِرُهُ لإفادَة نَفْيِ الإجْزاءِ لما كان لِذِكْرِه فَائِدَةٌ إلى نفي الجواز، ونفي الإجزاء مع ثبوت الإجزاء مما يتضاد، فافهم ما يلقى إليك فيه يظهر لك التَّنافي بين نفي الكمال والصحة، وتنكر به على مدعي العموم.","vol":"3","page":392},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nلَا إِجْمَالَ فِي نَحْوِ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [سورة المائدة: الآية ٣٨].\nلَنَا: أَنَّ الْيَدَ إِلَى الْمَنْكِبِ حَقِيقَةٌ؛ لِصِحَّةِ: \"بَعْضُ الْيَدِ\" لِمَا دُونَه، وَالْقَطْعُ إِبَانَةُ المُتَّصِلِ؛ فَلَا إِجْمَالَ\".\nوَاسْتُدِلَّ: لَوْ كَانَ مُشْتَرَكًا فِي الْكُوعِ وَالْمِرْفَقِ وَالْمَنْكِبِ - لَزِمَ الْإِجْمَالُ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ، لَزِمَ الْمَجَازُ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"لا إجمال في نحو: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ \" [سورة المائدة: الآية ٣٨] لا في اليد، ولا في القطع؛ خلافًا لبعض الحنفيَّة (^١).\nواقتضى كلام المصنف اختياره في مسألة فعله ﷺ. \"لنا: أن اليد\" للعضو \"إلى المنكب حقيقة\".\nوإنما كان حقيقة \"لصحة\" إطلاق \"بعض اليد لما دونه\" أي: دون المنكب، فكان ظاهرًا في الكل؛ فلا إجمال.\n\"والقطع\" أيضًا ليس بمجمل؛ لأن حقيقته \"إبانة المتّصل\"، فهو ظاهر فيه؛ \"فلا إجمال\" (^٢).\n\"واستدل: لو كان\" لفظ اليد \"مشتركًا في \"العضو إلى \"الكوع والمرفق والمنكب، لزم الإجمال\"؛ وهو خلاف الأصل، فيكون حقيقة لأحدهما ظاهرًا فيه؛ لنفي الإجمال.\n\"وأجيب\": بالمعارضة \"بأنه لو لم يكن\" لفظ اليد مشتركًا بين الثلاثة \"لزم المجاز\"،\n_________\n(^١) ينظر: المعتمد ١/ ٣٣٦، والمحصول ١/ ٣/ ٢٥٦، وشرح الكوكب ٣/ ٤٢٥، والمسودة (١١)، وإرشاد الفحول (١٧٠)، والعدة ١/ ١٤٩، وجمع الجوامع ٢/ ٥٩، والآيات البينات ٣/ ١٠٨، والإحكام للآمدي ٣/ ١٧ (٥)، والتمهيد للإسنوي (٤٣٣)، ونهاية السول له ٢/ ٥٢٣، والإبهاج ٢/ ٢١١، وفواتح الرحموت ٢/ ٣٩، والبحر المحيط ٢/ ٤٦٥.\n(^٢) ينظر: البحر المحيط ٣/ ٤٦٥.","vol":"3","page":393},{"text":"وَاسْتُدِلَّ: يُحْتَمَلُ الاِشْتِرَاك وَالتَّوَاطُؤ وَحَقِيقَة أَحَدِهِمَا، وَوُقُوعُ وَاحِدٍ مِنِ اثْنَيْنِ أَقْرَبُ مِنْ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِالتَّرْجِيحِ - وَبِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُجْمَلٌ أَبَدًا.\nقَالُوا: تُطْلَقُ الْيَدُ عَلَى الثَّلَاثِ، وَالْقَطْعُ عَلَى الْإِبَانَةِ وَعَلَى الجَرْحِ فَثَبَتَ الْإِجْمَالُ. قُلْنَا: لَا إِجْمَالَ مَعَ الظُّهُورِ.\n<hr><s0>\n\nولك أن تقول: قولكم: لو كان مشتركًا ينبغي أن يكون دليلًا على نفي الاشتراك، لا نفي الإجمال، ومرادكم نفي الإجمال، وقولكم: لكان مجملًا يقال عليه، وهذا هو المقصور.\nوالظاهر أن الدليل مقلوب، والمراد: لو كان مجملًا لكان مشتركًا؛ إذ لا موجب للإجمال هنا غيره، والأصل عدم الاشتراك.\nوجوابه: لو لم يكن، لكان مجازًا، والأصل عدم المجاز.\nولقائل أن يقول: المجاز أولى من الاشتراك.\nالشرح: \"واستدلّ\" على المجاز أيضًا: بأن لفظ اليد \"يحتمل الاشتراك\" بين الأمور الثلاثة، بأن يكون موضوعًا لها \"والتواطؤ، وحقيقة أحدهما\" دون الآخر، \"ووقوع واحد من اثنين أقرب من واحد معين\"، فيكون الغالب على الظَّن أحد الاثنين، والإجمال إنما هو على تقدير الاشتراك، فيظن خلافه.\n\"وأجيب\" أولًا: \"بأنه إثبات للغة بالترجيح\".\nوثانيًا: \"بأنه\" لو صَحّ \"لا يكون مجملًا أبدًا\"؛ لجريان ما ذكر فيه.\nوالمخالفون \"قالوا: تُطْلق اليد على\" الأشياء \"الثلاثة، والقَطْع\" يطلق \"على الإبانة، وعلى الجروح\" يقال لمن جرح يده بالسِّكين: قطع يده، والأصل الحقيقة، \"فثبت الإجمال\".\n\"قلنا\": بمجرد الإطلاق لا يلزم منه الإجمال، وإنما يلزم من عدم الظُّهور، وقد بينا اليد ظاهر في العضو من المنكب، والقطع من الإبانة، \"ولا إجمال مع الظّهور\".","vol":"3","page":394},{"text":"الْمُخْتَارُ أَنَّ اللَّفْظَ لِمَعْنًى تَارَةً، وَلمَعْنَيَيْنِ أُخْرَى: مِنْ غَيْرِ ظُهُورٍ - مُجْمَلٌ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: قال أبو عمرو: \"المختار أن اللَّفظ\" الذي يستعمل \"لمعنى تارة، ولمعنيين أخرى من غير ظهور\" لأحد الأمرين فيه \"مجمل\" (^١).\nوقال الغزالي: إذا أمكن حمل كلام الشَّارع على ما يفيد معنيين، وحمله على ما يفيد معنى واحدًا، وهو متردّد بينهما، فهو مجمل.\nوقال بعض الأصوليين: يترجح حمله علي ما يفيد معيين، كما لو دار بين ما يفيد وما لا يفيد. انتهى.\nوكلام الآمدي نحوه، فإنه قال: اللَّفظ الوارد إذا أمكن حمله على ما يفيد معنى واحدًا، وعلى ما يفيد معنيين:\nقال الغزالي وجماعة من الأصوليين: هو مجمل؛ لتردّده .. إلى آخر ما ذكره، واختار أنه لا يكون مجملًا.\nوقال: محل النزاع إنما هم فيما إذا لم يكن حقيقة فيهما، فإنه يكون مجملًا، أو حقيقة في أحدهما مجازًا في الآخر، فإن الحقيقة مرجّحة لا ريب.\nوكذلك عبارة الهندي، فإنه قال: لفظ الشَّارع إذا دار بين أن يفيد معنى، أو يفيد معنيين، وهل هو مجمل بالنسبة إلى كلّ واحد منهما، وهو ظاهر بالنسبة إلى إفادة المعنيين؟\nذهب الأكثرون إلى أنه ظاهر … إلى آخره، وذكر كما ذكر الآمدي أنَّ محلّ النزاع فيما إذا لم يكونا حقيقة، أو أحدهما حقيقة والآخر مجازًا.\nوقال في آخر المسألة تبعًا للآمدي: الحمل على إفادة المعنيين أولى؛ لما فيه من رفع الإجمال الذي هو خلاف الأصل.\nوهذا المقصود وإن كان حاصلًا في الحمل على المعنى الواحد، لكنه خلاف الإجماع؛ إذ القائل قائلان.\n_________\n(^١) ينظر: المستصفى ١/ ٣٥٥، وشرح العضد ٢/ ١٦١، وشرح الكوكب ٣/ ٣٤١، والإحكام للآمدي ٣/ ١٨ (٦)، وإرشاد الفحول (١٧١)، وجمع الجوامع ٢/ ٦٣، وفواتح الرحموت ٢/ ٤٠.","vol":"3","page":395},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفإنا نقول بالحمل على المعنيين.\nوقائل يقول بالإجمال، فأما تعين الحمل على معنى واحد، فقول لم يقل به أحد.\nهذه عبارات هؤلاء الأئمَّة.\nوالذي وضح لي أن سورة المسألة فيما إذا ورد كلام من الشَّارع دائر بين مدلولين إن حمل على أحدهما أفاد معنى واحدًا، وإن حمل علي الآخر أفاد معنيين، وليس هو أظهر بالنسبة إلى أحدهما ليخرج ما إذا كان أحدهما حقيقة والآخر مجازًا؛ إذ الحقيقة راجحة، أو أحدهما مجازًا راجحًا، والآخر مرجوحًا؛ لتقدم الراجح.\nوقد أشار المصنف بقوله: \"اللفظ لمعنى تارة، ولمعنيين أخرى\" إلى أن محل الخلاف ليس فيما إذا كان أحدهما حقيقة، والآخر مجازًا؛ إذ لا يقال في المعنى المجازي: إن اللفظ له، بل اللفظ ليس إلا للحقيقة الموضوع بإزائها وضعًا أولًا.\nوبقوله: \"من غير ظهور\" إلى ما إذا كان أحد المحملين راجحًا؛ إما لكونهما مجازين، وأحدهما أشهر، أو لغير ذلك، ويدخل فيه ما إذا كان أحدهما حقيقة والآخر مجازًا، فإن الظهور للحقيقة، إلا أن تكون مهجورة.\nوإذا وضح أن محلّ الخلاف وصورة المسألة في لفظ دائر بين مدلولين:\nإن حمل على أحدهما أفاد معنى واحدًا.\nوإن حمل على الآخر أفاد معنيين من غير ظهور، فنقول: للمسألة حالتان:\nإحداهما: أن يكون المعنى الواحد ليس واحدًا من المعنيين، والذي يظهر في هذا أن يكون مجملًا، ولا يقال: الحمل على ما يفيد معنيين أولى؛ لكونه أكثر فائدة؛ لأنا نقول: إنما يتحقّق هذا لو كان المعنى الواحد أحد المعنيين.\nأما إذا لم يكن فهو قسيمه، وفي العمل به دفع لأحد محملي اللَّفظ بمجرّد كون الآخر أكثر فائدة، ولا نسلّم أن أكثرية فائدته توجب هذا الصنيع.\nوالحالة الثانية: أن يكون واحدًا من المعنيين، والَّذي يظهر فيها: أنه يعمل بالمعنى الواحد على كل حال؛ لأنه إن كان هو تمام المُرَاد باللَّفظ، فلا إشكال، وإلا فهو أحد المُرَادين؛ فلا مانع من العمل، إنما يبقى النَّظر في المعنى الآخر.\nفإن قلت: فقد قال الآمدي فيما إذا ظهر كونه حقيقة، فيما قيل من المحملين مع","vol":"3","page":396},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nاختلافهما: إنه لا خلاف فيه؛ لتحقّق إجماله؛ وهذا يقتضي أنه إذا كان حقيقة فيهما لا يكون من صور المسألة، كما قدمتموه عنه، وتابعه الهِنْدِيّ، وكلامهم ظاهر في أن صورة المسألة في أعم من ذلك، وهو اللفظ ذو المحملين المتساويين، سواء أكانا حقيقتين أو مجازين، أم أحدهما حقيقة مرجوحة، والآخر مجازًا راجحًا، عند من يقول بتساويهما.\nقلت: الذي قلناه نحن هو الذي يظهر، وإلَّا فإذا لم يكونا حقيقتين، ولا أحدهما حقيقة والآخر مجازًا، فما بقى إلا أن يكونا مجازيين؛ لانحصار دلالة اللفظ على المعنى في الحقيقة والمجاز، ونسبةُ المجازين إلى اللفظ نسبة الحقيقتين.\nفإن قلت: وهل لكلام الآمدي محمل صحيح؟.\nقلت: نعم، كلامه محمول على ما إذا كان كل من المحملين حقيقة، ولأحدهما معنى، وللآخر معنيان ليس واحد منهما هو ذلك المعنى.\nوإلى هذا يشير قول الآمدي \"مع اختلافهما\"؛ فإن هذا هو ظَاهِرُ الاختلاف.\nفإن قلت: الحالة الثانية: أن يكون المعنى الواحد فيهما أحد المعنيين من المحمل الآخر، قد ذكرتم أنه لا يتّجه خلاف في العمل بذلك المعنى، وإنَّمَا يبقى النظر في المعنى الثاني، فما معنى قول الآمدي والهِنْدِيّ: لم يقل بالحمل على المعنى الواحد أحد؟.\nقلت: هو أيضًا محمول على الحالة الأولى، وهي ما إذا لم يكن المعنى الواحد هو أحد المعنيين، من المعنى الآخر، فلم يقل أحد فيه بالحمل على المعنى الواحد، والإعراض عن المحمل الآخر ذي المعنيين المغايرين للمعنى الواحد، بل الظاهر الإجمال كما ذكرناه.\nويحتمل على بعد أن يقال: ترجيح المحمل ذي المعنيين؛ لكونه أكثر فائدة، وهو ضعيف كما سبق.\nأما إذا كان المعنى الواحد هو أحد المعنيين من المحمل الآخر، فلا يتجه في العمل به خلاف، فإنما نفى الآمدي والهندي الخلاف فيما إذا كان المعنى الواحد ليس هو أحد المعنيين من المحمل الآخر. هذا ما ظهر لي.\nويحتمل أن يقال: إنه لم يقل أحد بالحمل على المعنى الواحد بمعنى: صيرورته هو","vol":"3","page":397},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nتمام المراد باللفظ والحمل عليه، إنما العمل به من جِهَةِ أنه داخل في المراد، إن لم يكن تمام المراد، فلم يتعرض له لوضوحه.\nوينبغي تنزيل كلام المصنف على ما قررنا، فيقال: قوله: اللفظ لمعنيين .. إلى آخر نصه.\nمعناه: اللفظ إذا كان يطلق تارة، ويراد به معنيان، وأخرى ويراد به معنى، وإطلاقه عليهما على حَدّ سواء، وهو معنى قوله من غير ظهور.\nوهو أحسن ممن صرح بالحقيقتين، أو الحقيقة والمجاز؛ لما عرفت.\nوهل يترجّح الحمل على المعنيين، أو يكون مجملًا، أو يفرق بين أن يكون أحد المعنيين هو المعنى الآخر، الذي هو أحد محملى اللفظ؟.\nفيه الخلاف.\nوقد مثل بعض الشَّارحين المسألة بـ\"الدابة\" تطلق تارة بِإِزاء الفرس، وأخرى بإزاء كلّ من البَغْلَ والحمار، وهو على كونه فرض ما ليس بواقع من إطلاق الدَّابة على الفرس تارة، والبَغْل والحمار أخرى مثال للحالة الأولى دون الثانية.\nوبعضهم أنها تطلق على الفرس تَارَةً، وعلى الفرس والحمار أخرى.\nوهو أيضًا كالأول، ومختص بالحالة الثانية.\nومثَّل بعضهم بقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [سورة النور: الآية ٣٣]؛ فإن الشَّافعي ﵁ قال: المراد بالخير الكَسْب والأمانة.\nوقال آخرون: أحدهما فقط.\nوهذا إن صحّ يكون مثالًا للحالة الثانية أيضًا فقط.\nثم هو ضعيف؛ إذ موضوع الخير بلا شك عند الشَّافعي وغيره ما هو أعم من ذلك كله، ويصدق على كلّ من الكَسْب والأمانة صِدْقَ المتواطئ إذا أطلق على أفراده، فأين دوران لفظ بين معنيين ومعنى؟.\nفإن قلت لم حمل الشَّافعي الخير عليهما؟.","vol":"3","page":398},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقلت: ليس لأنه موضوع بإزائهما، بل قام عنده دليل من خارج على أنهما مرادان من اللفظ المتواطئ الصالح لهما معًا، وكل منهما.\nكما إذا استعملت المتواطئ في فرد بخصوصه، فهو عند ذوي التحقيق لم يخرج عن حقيقته بذلك، والقائل بأنه يخرج ليس بشيء ممَّا نحن فيه.\nولا نقول: إِنَّ الفرد الآخر يعارضه.\nومن قال إِنَّ الأمرين - أعني الكسبَ والأمانة - إذا فقد أحدهما نفى الاستحباب، فقد أخذ بحقيقة الإطلاق، وهو وجه لأصحابنا فيمن علم فيه الكسب دون الأمانة، أو بالْعكس.\nفليس حمل الشافعي الخير على الكسب والأمانة معًا، لكونه دائرًا بين مدلولين:\nأحدهما الكسب والأمانة معًا، والثاني الأعم، أو أحدهما؛ ولا لأن الخبر عنده موضوع بإزائهما معًا بخصوصهما.\nبل هو موضوع للقدر المشترك بين الكل بلا ريب.\nودل دليل من خارج عنده على أن المراد به خير خاص متعلق بالأمانة والكسب معًا، كما في المطْلَق إذا قام الدليل على إرادة المقيد به.\nمما يوضح لك بطلان التمسك بهذا، أَنَّ القائل في المسألة الآصوليّة بأن لا يكون مجملًا ويحمل على المعنيين، قد علل دعواه بأن ذلك أكثر فائدة.\nوالحمل على الأمانة والكسب معًا لا يكون أكثر فائدة، بل أقل، بل كلُّ مطلق حملته على المقيد كذلك؛ لأنك تزيل التمكن من أصل الإطلاق.\nونظير الآية قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [سورة النساء: الآية ٦].\nوقد قال الشَّافعي: الرّشد: الدين والمال معًا.\nوقال غيره: صلاح المال فقط.\nوقد يقال في هذه الآية: إِن الرشد موضوع للدين والمال معًا، ولا يمكن أن يقال مثل ذلك في الخير؛ فإِنَّهُ بلا شك لأعم من الكسب والأمانة.","vol":"3","page":399},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقد مثل الشيخ فخر الدين الجاربردي (^١) للمسألة بقول الرجل لامرأته: أنت على حرام كظهر أمي، قال:. فإنه يطلق تارة ويراد به: الطَّلاق وَالظِّهار.\nوأخرى ويراد بقوله: حرام: الظِّهار، وبقوله: كظهر أمي: تأكيده.\nوهو غير مطابق؛ لأن القائل إن نوى الطَلاق والظهار معًا بقوله: حرام، لم يقعا، بل: هل يثبت الطَّلاق أو الظّهار أو يُخيَّرُ؟.\nفيه أوجه، أَصَحُّهَا: الثَّالثُ.\nفلم يقل أحد: إنَّ لفظ الحرام صالح لهما معًا.\nبل صالح لكل منهما لا على المَعِيَّةِ.\nوإن نوى الطلاق بقوله: حرام، والظِّهَار بقوله: ظهر أمي، وقع الطلاق، وحصل الظِّهار وإن كان الطَّلاق رجعيًّا على الصَّحيح.\nولكن لم يحصلا بلفظ واحدٍ، بل بلفظين، والكلام في لفظ واحد.\nوإن أطلق فلا طلاق؛ لعدم الصريح والنِّيَّة.\nوفي كونه ظهارًا وجهان.\nوقد يمثل للحالة الأولى بقوله ﵇: \"المُحْرِمُ لا يَنْكِحُ وَلَا يُنْكِحُ\"، إذا قلنا: النكاح مشترك بالاشتراك اللفظي (^٢) بين العَقْد والوطء، فإنه دائر بينهما من غير ترجيح على هذا القول.\nفإن حمل على الوطء، استفيد منه معنى واحد، وهو أن المحرم لا يَطَأ ولا يُوطِئ.\n_________\n(^١) أحمد بن الحسن بن يوسف الإمام العلامة فخر الدين الجاربردي نزيل تبريز، أحد الشيوخ المشهورين بتلك البلاد، شرح المنهاج للبيضاوي، والحاوي الصغير ولم يكمله، وشرح تصريف ابن الحاجب. قال الإسنوي: كان عالمًا دينًا وقورًا مواظبًا على الاشتغال والإشغال والتصنيف، وتوفي في رمضان سنة ست وأربعين وسبعمائة ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠، والأعلام ١/ ١٠٧، وطبقات السبكي ٥/ ١٦٩.\n(^٢) احترز المصنف للاشتراك عن القول بأنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر، فلا إجمال فيه، بل هو من الظاهر. ينظر الآيات البينات ٣/ ١١٧.","vol":"3","page":400},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوإن حمل على العقد استفيد من شيئان بينهما قدر مشترك، وهما أن المحرم لا يعقد لنفسه، ولا يعقد لغيره.\nوقد يمثل للحالة الثانية بقوله ﵇: \"الأَيِّمُ أحَقُّ بِنَفْسِهَا\"؛ (^١) [فإنه يحتمل أنها أحق بنفسها، فتعقد على نفسها، كما يقول به بعض المخالفين.\nأو أنها أحقّ بنفسها] (^٢)، فتمكن من أمرين:\nأحدهما: أن تأذن لمن يعقد عليها.\nالثاني: أن تعقد بنفسها.\nومن أصحابنا من يقول بالثاني، وذلك إذا كانت المرأة في مكان لا وَلِيّ فيه، ولا حاكم.\nوقد نقله يونس بن عبد الأعلى (^٣) عن النَّصِّ.\nوليس لقائل أن يعترضنا فيقول: لم يأتونا بمثال مُطَابق.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم ٢/ ١٠٣٧، كتاب النكاح: باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت (٦٦/ ٤١٣١)، وأبو داود ٢/ ٢٣٢ كتاب النكاح: باب في الثيب (٢٠٩٨)، والترمذي ٣/ ٤١٦، كتاب النكاح باب ما جاء في استئمار البكر والثيب (١١٠٨)، والنسائي ٦/ ٨٤، كتاب النكاح: باب استئذان البكر في نفسها، وابن ماجه ١/ ٦٠١، كتاب النكاح: باب استئمار البكر والثيب (١٨٧٠) ومالك في الموطأ ٢/ ٥٢٤، كتاب النكاح: باب استئذان البكر والأيم في أنفسهما (٤).\n(^٢) سقط في ج.\n(^٣) يونس بن عبد الأعلى بن ميسرة بن حفص بن حيان الصدفي، أبو موسى المصري، أحد أصحاب الشافعي وأئمة الحديث. روى عنه مسلم في صحيحه، والنسائي، وابن ماجه. قال الطحاوي: كان ذا عقل. قال ال ذهبي: وانتهت إليه رئاسة العلم بديار مصر لعلمه وورعه وفضله ونسكه، ومعرفته بالفقه وأيام الناس. مولده في ذي الحجة سنة سبعين ومائة. ومات في ربيع الآخر سنة أربع وستين ومائتين. ينظر: طبقات الفقهاء للشيرازي ص (٨٠)، وتهذيب التهذيب ١١/ ٤٤٠، ووفيات الأعيان ٦/ ٢٤٧، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٥٢٧، وشذرات الذهب ٢/ ١٤٩، وطبقات الشافعية لابن هداية ص (٧)، وطبقات الإسنوي ص (١٥)، وطبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٧٢.","vol":"3","page":401},{"text":"لَنَا: أَنَّهُ مَعْنَا.\nقَالُوا: يَظْهَرُ فِي الْمَعْنَيَيْنِ؛ لِتَكْثِيرِ الْفِائِدَةِ.\nقُلْنَا: إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِالتَّرْجِيحِ، وَلَوْ سُلِّمَ، عُورِضَ بأَنَّ الْحَقَائِقَ لِمَعْنًى وَاحدٍ - أَكْثَرُ؛ فكانَ أَظْهَرَ.\nقَالُوا: يَحْتَمِلُ الثَّلَاثَةَ؛ كَالسَّارِقِ.\n<hr><s0>\n\nأما الأول؛ فلأن النِّكاح إن حمل على العقد أيضًا لم يُفِدْ إلَّا معنى واحدًا، وقولكم يستفاد منه العقد لنفسه ولغيره.\nقلنا: المستفاد مطلق العقد، وهو أعم، وتعدّد المحال لا يوجب تعدد المدلول.\nوأما الثاني فكذلك؛ لأن العقد معنى واحد؛ لأنّا نقول: موضوع المسألة لفظ يستعمل تارة، ويستفاد منه شيء واحد، وأخرى ويستفاد شيئان، وهذا حاصل بما ضربناه مثلًا، ولم يشترط كونه موضوعًا بإزائهما حتى يرد ما ذكرتم.\nواستفادة العقد يترتب عليها معنيان، وهما مسألتان فقهيتان.\nواستفادة الوطء لا يحصل به إلَّا شيء واحد، فحصل الغرض.\nوقد أطلنا في هذه المسألة لاختلاف كلام الشَّارحين فيها.\nالشرح: واحتجّ المصنف للمختار فقال: \"لنا: أنه\" إذا كان اللفظ له معنى تَارَةً، ومعنيان أخرى ولا ظهور، كان مجملًا؛ لأن الإجمال ليس \"معناه\" إلا هذا؛ لأنه غير متّضح.\n\"قالوا: يظهر في المعنيين؛ لتكثير الفائدة\".\n\"قلنا: إثبات اللغة بالترجيح\"، وهو كثرة الفائدة.\n\"ولو سلم\" أنه ليس كذلك، أو أنه يجوز إثبات اللّغة بالترجيح، \"عورض بأن الحقائق\".\nأي: الألفاظ الموضوعة وضعًا أولًا وضعها \"لمعنى واحد أكثر\" من وضعها؛ لمعنيين، \"فكان\" اللفظ في الواحد \"أظهر\".\n\"قالوا\": اللفظ \"يحتمل\" الأمور \"الثلاثة\": الاشتراك، والتواطؤ، وحقيقة أحدهما في مجاز الآخر، \"كالسارق\" إلى آخره.\nقلنا: ما تقدم من أنه إثبات اللُّغة بالترجيح، وأنه لا يبقى مجمل أبدًا.","vol":"3","page":402},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nمَا لَهُ مَحْمَل لُغَوِيٌّ، وَمَحْمَلٌ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ؛ مِثْلُ: \"الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاةٌ\" - لَيْسَ بِمُجْمَلٍ.\nلنَا: عُرْفُ الشَّارعِ تَعْرِيفُ الأَحْكَامِ، وَلَمْ يُبْعَثْ لِتَعْرِيفِ اللُّغَةِ.\nقَالُوا: يَصْلُحُ لَهُمَا، وَلَمْ يَتَّضِحْ.\nقُلْنَا: مُتَّضِحٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"ماله محمل لغوي، ومحمل في حكم شرعي\"، أو محمل عقلي، أو محمل في حكم الشرع، أو محمل يقرر اللَّفظ على الحكم الأصلي، ومحمل في حكم شرعي (^١).\nفاللُّغوي والشرعي \"مثل\": قوله ﷺ: \"الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاةٌ\"، إِلَّا أَنَّ الله أَحَلَّ فِيهِ الكَلَامَ\" (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام للآمدي ٣/ ٢٠، والمستصفى ١/ ٣٥٦ - ٣٥٧، شرح العضد ٢/ ١٦١، وإرشاد الفحول ١٧٢، وجمع الجوامع ٢/ ٦٣، والآيات البينات ٣/ ١١٥، ونهاية السول ٢/ ٥٤٢، وفواتح الرحموت ٢/ ٤١، والتحرير (٥٥)، وشرح الكوكب المنير ٣/ ٤٣٣.\n(^٢) أخرجه الدارمي في السنن ٢/ ٤٤ كتاب المناسك: باب الكلام في الطواف، والترمذي في السنن ٣/ ٢٩٣ كتاب الحج (٧) باب ما جاء في الكلام في الطواف (١١٢) الحديث (٩٦٠) وقال: (وقد روى هذا الحديث عن ابن طاوس وغيره عن طاوس عن ابن عباس موقوفًا) وابن خزيمة في صحيحه ٤/ ٢٢٢ كتاب المناسك: باب الرخصة في التكلم بالخير بالطواف (٦٤٣) الحديث (٢٧٣٩) وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان ٦/ ٥٤ (٣٨٢٥)، والهيثمي في موارد الظمآن ص (٦٤٧) كتاب الحج (٩) باب ما جاء في الطواف (١٩) الحديث (٩٩٨) والحاكم في المستدرك ١/ ٤٥٩ كتاب المناسك: باب أن الطواف مثل الصلاة، وقال: (صحيح الإسناد، وقد أوقفه جماعة) وأقره الذهبي، وأخرجه البيهقي مرفوعًا وموقوفًا على ابن عباس في السنن الكبرى ٥/ ٨٧ كتاب الحج: باب الطواف على الطهارة، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٨/ ١٢٨، وعبد الرزاق في المصنف حديث (٤٦١)، والطبراني في الكبير ١١/ ٣٤، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ١٧٩، وأبو يعلى في مسنده ٤/ ٤٦٧ حديث (٢٥٩٩).\nقال الحافظ: واختلف في رفعه ووقفه، ورجح الموقوف النسائي والبيهقي وابن الصلاح والمنذري والنووي، وزاد: إن رواية الرفع ضعيفة، وفي إطلاق ذلك نظر؛ فإن عطاء بن =","vol":"3","page":403},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n=  السائب صدوق، وإذا روى عنه الحديث مرفوعًا تارة وموقوفًا أخرى، فالحكم عند هؤلاء الجماعة للرفع، والنووي ممن يعتمد ذلك، ويكثر منه، ولا يلتفت إلى تعليل الحديث به إذا كان الرافع ثقة، فيجيء على طريقته أن المرفوع صحيح، فإن اعتل عليه بأن عطاء بن السائب اختلط ولا تقبل إلا رواية من رواه عنه، قبل اختلاطه، أجيب بأن الحاكم أخرجه من رواية سفيان الثوري عنه والثوري ممن سمعه قبل اختلاطه باتفاق، وإن كان الثوري قد اختلف عليه فرب وقفه ورفعه فعلى طريقتهم تقدم رواية الرفع أيضًا، والحق أنه من رواية سفيان موقوف، ووهم عليه من رفعه، قال البزار: لا نعلم أحدًا رواه عن النبيّ ﷺ إلا ابن عباس، ولا نعلم أسند عطاء بن السائب عن طاوس غير هذا، ورواه غير واحد عن طاوس موقوفًا، وأسنده جرير وفضيل بن عياض قلت: وقد غلط فيه أبو حذيفة فرواه مرفوعًا عن الثوري عن عطاء عن طاوس عن ابن عمر، أخرجه الطبراني في الأوسط عن محمد بن أبان عن أحمد بن ثابت الجحدري، عنه، ثم ظهر أن الغلط من الجحدري وإلا فقد أخرجه ابن السكن من طريق أبي حذيفة فقال: عن ابن عباس. وله طريق أخرى ليس فيها عطاء، وهي عند النسائي من حديث أبي عوانة عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس موقوفًا، ورفعه عن إبراهيم محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، وهو ضعيف رواه الطبراني، ورواه البيهقي من طريق موسى بن أعين عن ليث بن أبي سليم عن طاوس عن ابن عباس مرفوعًا، وليث يستشهد به. قلت: لكن اختلف على موسى بن أعين فيه فروى الدارمي عن علي بن معمر عنه عن عطاء بن السائب؛ فرجع إلى رواية عطاء، ورواه البيهقي من طريق الباغندي، وله طريق أخرى مرفوعة أخرجها الحاكم في أوائل تفسير سورة البقرة من المستدرك ٢/ ٢٦٦، ٢٦٧ من طريق القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: قال الله لنبيه: \"طهر بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود\" فالطواف قبل الصلاة، وقد قال رسول الله ﷺ: \"الطواف بمنزلة الصلاة إلا أن الله قد أحل فيه المنطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير\" وصحح إسناده وهو كما قال؛ فإنهم ثقات، وأخرج من طريق حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، أوله الموقوف ٢/ ٢٦٧، ومن طريق فضيل بن عياض عن عطاء عن طاوس آخره المرفوع، وروى النسائي وأحمد من طريق ابن جريج عن الحسن بن مسلم عن طاوس عن رجل أدرك النبيّ ﷺ: أن النبيّ ﷺ قال: \"الطواف الصلاة، فإذا طفتم فأقلوا الكلام\" وهذه الرواية صحيحه، وهي تعضد رواية عطاء بن السائب وترجح الرواية المرفوعة، والظاهر أن المبهم فيها هو ابن عباس، وعلى تقدير أن يكون غيره فلا يضر إبهام الصحابة، ورواه النسائي أيضًا من طريق حنظلة بن أبي سفيان عن طاوس عن ابن عمر موفوفًا. وإذا تأملت هذه الطرق عرفت أنه اختلف على طاوس على خمسة أوجه، فأوضح الطرق وأسلمها =","vol":"3","page":404},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوهو حديث جَيّد رواه الترمذي، والنسائي، وأبو يعلى الموصلي، وابن حبان، والحاكم، وصححه.\nوالشرعي مع العقلي، أو لتقرير الأصل لم يمثل له المصنف تبعًا للغزالي وغيره، والكل \"ليس بمجمل\"، بل يحمل على الحكم الشرعي.\nويقال: كالصَّلاة في الطَّهَارة واشتراط السَّير ونحو ذلك، لا على اللُّغوي، حتى يقال: المراد بالصلاة: الدعاء (١).\nخلافًا للغَزَالي حيث ادّعى الإجمال فيه.\n\"لنا: عرف الشَّارع تعريف الأحكام، ولم يبعث لتعريف اللغة\"، فيرد كلامه إلى الشَّرعي ما أمكن.\n\"قالوا: يصلح لهما، ولم يتضح\" المراد منه؛ فكان مجملًا.\nوعبارة الغزالي: لم يثبت أن رسول الله ﷺ لا ينطق بالحكم العقلي، ولا بالاسم اللغوي، ولا بالحُكْمِ الأصلى، قال: فترجيح الشرعي تحكم.\n\"قلنا: يتضح بما ذكرناه\" من أنه ﷺ بعث لبيان الشرعيات (^٢)، والتحكم منتفٍ من جهة أن الشَّرعي أرجح، وأغلب من، غيره، وإنْ كان غيره قد يقع، فالحكم للغالب.\n\n\"فائدة\"\nمثل الغزالي بـ: \"الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاةٌ\"، وبقوله ﷺ: \"الاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ\" (^٣).\n_________\n= رواية القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس؛ فإنها سالمة من الاضطراب، إلا أني أظن أن فيها إدراجًا، والله أعلم.\nالمراد هنا حيث تعذر مسمى الصلاة شرعًا، فيرد إليه بتجوز بأن يقال: كالصلاة باعتبار الطهارة والنية ونحوهما، فهو مشابه للصلاة، ونقل عن بعض المحققين إلى جواز حمله على الاستعارة. ينظر الآيات البينات ٣/ ١١٥.\n(^٢) وكذا لأن الشرع طارئ على اللغة، وناسخ لها، فالحمل على الناسخ المتأخر أولى. ولهذا ضَعَّفُوا قول من حمل الوضوء من أكل لحم الجزور على النظافة بغسل اليد. ينظر البحر المحيط ٣/ ٤٧٣ - ٤٧٤.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه كتاب الإقامة: باب الاثنان جماعة (٩٧٢)، والدارقطني (١/ ٢٨٠)، والبيهقي =","vol":"3","page":405},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقال: فإنه يحتمل أن يكون المراد: [أنه] (^١) يسمى جماعة، وانعقاد الجماعة، وحصول فضيلتها.\nواعلم أن هذه المسألة فيما إذا وَرَدَتْ لفظة لها مسمّى لغوي، ومسمّى شرعي، وتعذّر الشرعي، ولم يمكن الرد إليه إلا بضرب من التَّجوز، فهل يحمل على اللّغوي أو يكون مجملًا، أو يرد إلى الشرعي؟.\nفيه الخلاف.\nولم يحك المصنّف فيه القول بالحَمْلِ على اللغوي (^٢).\nونظير المسألة أيضًا: أن يتعذر الحمل على اللغوي كما تعذر على الشرعي، فهل يرد إلى الشرعي أو يكون مجملًا؟.\nفيه هذا الخلاف.\n_________\n= (٣/ ٦٩) والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٨٢) وأبو يعلى (١٣/ ١٨٩ - ١٩٠) رقم (٧٢٢٣) والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٨/ ٤١٥ - ١١/ ٤٥ - ٤٦) وابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ٩٨٩) من طريق الربيع بن بدر عن أبيه عن جده عن أبي موسى مرفوعًا قال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (١/ ١١٩): هذا إسناد ضعيف لضعف الربيع ووالده بدر بن عمرو.\nوللحديث شواهد عن عبد الله بن عمرو وأنس وأبي أمامة.\nحديث عبد الله بن عمرو أخرجه الدارقطني (١/ ٢٨١) رقم (٢) باب الاثنان جماعة من طريق عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا، وذكره الحافظ ابن كثير في \"تحفة الطالب\" ص (٢٥٣ - ٢٥٤) وقال: لكن الوقاصي متروك الحديث.\nحديث أنس:\nأخرجه البيهقي (٣/ ٦٩) من طريق سعيد بن زربي ثنا ثابت عن أنس مرفوعًا بلفظ: الاثنان جماعة، والثلاثة جماعة، وما كثر فهو جماعة، وقال البيهقى: ضعيف.\nحديث أبي أمامة:\nأخرجه أحمد (٥/ ٢٥٤) من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبى أمامة مرفوعًا.\n(^١) سقط في ج.\n(^٢) إذا تعذّر الحمل على الشرعي ففيما يكون الحمل عليه ثلاثة مذاهب: الأول يحمل على اللغوي. الثاني: يكون مجملًا. الثالث: يردُّ إلى الشرعي.","vol":"3","page":406},{"text":"<span data-type='title' id=toc-719>لَا إِجْمَالَ فِيمَا لَهُ مُسَمًّى لُغَوِيٌّ وَمُسَمًّى شَرْعِيٌّ.</span>\nوَثَالِثُهَا، لِلْغَزَالِيِّ ﵀: فِي الإِثْبَاتِ، لِلشَّرْعِيِّ، وَفِي النَّهْي، مُجْمَلٌ.\nوَرَابِعُهَا: وَفِي النَّهْي: لِلُّغَوِيِّ،، مِثْلُ: \"إِنِّي إِذنْ لَصَائِمٌ\".\nلَنَا: أَنَّ عُرْفَهُ يَقْضِي بِظُهورِهِ فِيهِ.\n- الإِجْمَالُ يَصْلُحُ لَهُمَا.\nالغَزَالِيُّ فِي النَّهْي: يَبْعُدُ الشَّرْعِيُّ لِلُزُومِ صِحَّتِهِ.\nوَأُجِيبَ: لَيْسَ مَعْنَى الشَّرْعِيِّ: الصَّحِيْح؛ وَإلَّا لَزِمَ فِي \"دَعِي الصَّلَاةَ\" - الإِجْمَالُ.\n<hr><s0>\n\nويظهر أن قوله ﵇: \"الطَّوَاف بالبيت صلاة\" من هذا القبيل؛ فإن الطواف ليس هو نفس الصَّلاة الشرعية، ولا اللغوية، فهل يرد إلى الشرعية أو يكون مجملًا؟.\nويقرب من هذا: إذا أوصى الرجل لآل غير النبي ﷺ.\nوفيه وجهان:\nأحدهما: بطلان الوصية؛ لإيهامِ اللفظ، وتَرَدُّده بين القرابة وغيرها بوضع اللغة؛ فإن الآلَ تطلق على القَرَابة وغيرها.\nوهذا الوجه ناظر إلى مدلول اللفظ لغة.\nوأصحهما: الصحة؛ لظهور أصل له في الشرع، وهو آلُ النبي ﷺ؛ فإن موضوعه الشرعي: بنو هاشم، وبنو المُطّلب على الصحيح.\nوقيل: جميع الأُمّة.\nوإذا كان له موضوع شرعي فيرد إليه ما أمكن.\nوعلى هذا قال الأستاذُ أبو منصور: يحتمل أن يكون كالوصيّة للقرابة، ويحتمل أن يفوض إلى اجتهاد الحاكم.\nوأما إذا لم يتعذّر الحمل على المدلول الشَّرعي، وهي المسألة المشار إلها بقولنا:\nالشرح: \"لا إِجمال فيما له مسمّى لغوي، ومسمى شرعي\".","vol":"3","page":407},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nبل اللَّفظ محمول على الشَّرْعي عند الأكثرين، وأكثرهم جزم به ولم يَحْكِ سواه، وهو أحد المذاهب في المسألة.\nوثانيها: أنه مُجْمَل (^١).\n\"وثالثها للغزالي\": إن ورد في \"الإثبات، فالمراد الشَّرْعي\"، \"وفي النهي: مجمل\" (^٢).\n\"ورابعها\": لا إجمال، والمراد في الإثبات: الشرعي، \"وفي النهي: اللغوى\". قاله الآمدي (^٣).\nوالإثبات \"مثل\" قوله ﷺ: \"إِنِّي إِذنْ لَصَائِمٌ\" (^٤) \".\nولفظ مسلم: \"إِنَّي إِذنْ صَائِمٌ\"، قاله لعائشة ﵂، وقد دخل عليها ذات يوم فقال: \"هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ\"، فقيل: لا، قال:\"إِنِّي إِذنْ صَائِمٌ … \" الحديث.\nوالنهي: مثل النهي عن صوم يوم النَّحْرِ.\n\"لنا: أن عُرْفه\" ﷺ \"يقضى بظهوره فيه\" أي: بظهور المعنى الشَّرعي فيما ورد من لفظه.\nواحتجّ مَنْ مذهبه \"الإجمال\" بأن اللَّفظ \"يصلح لهما\".\n_________\n(^١) ينظر: شرح الكوكب المنير ٣/ ٤٣٤، والمستصفى ١/ ٣٥٧، والمنخول (٧٠)، واللمع ص ٢٨، والتبصرة (١٩٨)، والعدة ١/ ١٤٣، وجمع الجوامع ٢/ ٦٣، ونهاية السول ٢/ ٥٤٥، والتمهيد له (٢٢٨)، وإرشاد الفحول (١٧٢)، وتخريج الفروع للزنجاني (١٢٣)، والتحرير (٥٤)، والمسودة (١٧٧)، وفواتح الرحموت ٢/ ٤١، وشرح تنقيح الفصول (١١٢).\n(^٢) ينظر: المستصفى ١/ ٣٥٩.\n(^٣) لتعذر حمله على الشرعي؛ لأن الشرعي يستلزم الصحة، والنهي غير صحيح. والصحيح الأول. ولهذا اتفقوا على حمل قوله: \"دعي الصلاة أيام أقرائك\" على المعنى الشرعي مع أنه في معنى النهي. قاله الزركشي؛ ينظر البحر المحيط ٣/ ٤٧٤.\n(^٤) أخرجه مسلم ٢/ ٨٠٨، ٨٠٩، كتاب الصيام: باب جواز النافلة بنية من النهار قبل الزوال وجواز فطر الصائم نفلًا من غير عذر (١٦٩، ١٧٠، ١١٥٤)، والترمذي (٣/ ١١١)، كتاب الصوم: باب صيام المتطوع.","vol":"3","page":408},{"text":"الرَّابِعُ: فِي النَّهْي، تَعَذَّرَ الشرْعِيُّ؛ لِلُزُومِ صِحَّتِهِ؛ كَبَيْعِ الْحُرِّ وَالْخَمْرِ.\nوَأُجِيبَ: بِمَا تَقَدَّمَ، وَبِأَنَّ: \"دعِي الصَّلَاةَ\" لِلُّغَوِيِّ وَهُوَ بَاطِلٌ.\n<hr><s0>\n\nوجوابه: ما تقدم، من أنه أوضح في الشرعي.\nواحتج \"الغَزَالي\": بأن اللفظ في الإثبات واضح، وأما \"في النهي\" فإنه بَعُدَ فيه الشرعي؛ للزوم صحته\"، أي: أن النهي لو حمل على الشَّرعي استلزم صحة المنهى؛ لامتناع النَّهْي عن الممتنع، فكان الشرعي بعيدًا.\nوكذلك اللغوي بعيد؛ لأنه ﷺ بعث لبيان الشَّرْعيات، فتحقّق الإجمال.\n\"وأجيب\": بأنه \"ليس معنى الشرعي: الصحيح\".\nبل ما يسميه الشارع بذلك الاسم من الهَيْئَاتِ المخصوصة، ولذلك يقول: هذه صلاة صحيحة وفاسدة، \"وإلَّا\" فلو كان معناه الصحيح، \"لزم في \"قوله ﵇: \"\"دَعِي الصَّلَاة\" أَيَّامَ أَقْرَائِكِ\" \"الإجمال\" بين الصلاة والدعاء، وليس كذلك؛ بل هو ظاهر في معناه الشرعي قطعًا.\nواعلم أن ما ذهب إليه الغَزَالي مبنى على أصله المتقدم في أن النهي لا يقتضي االفَسَاد، ثم هو مع أصله هذا لا يقول بأنه يقتضي الصِّحَّة؛ فلذلك قال: يبعد فيه الشَّرعي، ولم يقل: يمتنع؛ إذ لو كان ممتنعًا عنده كان يقول باقتضائه الصحة، ومذهبه لا ينتهي إلى هذا.\nعلى أن بعض نسخ \"المختصر\": \"يتعذّر\"، وليست في أصل المصنّف، ولكن شهد قوله في \"المستصفى\" ولا إمكانه، لما قيل له: لا تفعل، ولكنها مخالفة لأصله في أنَّ النهي لا يقتضي الصِّحَّة.\nالشرح: وأما المذهب \"الرابع\" فحجّته أنه \"في النهي تعذّر الشرعي، للزوم صحته؛ \"كبيع الحر والخمر\"، فإنه إذا ورد النَّهى وحمل على الشرعي يلزم تصوّره؛ لاستحالة النهي عما لا يتصوّر، والإجمال خلاف الأصل، فيظهر اللّغوي.\n\"وأجيب بما تقدّم\" من أن النهي لا يقتضي الصِّحة.\n\"وبأن\" ذلك لو صحّ، لزم أن يكون قوله ﵇: \"\"دَعِي الصَّلَاةَ\" أَيَّامَ أَقْرَائِكِ\" \"للغوي، وهو باطل\"؛ لأن الحائض لا تمنع من الدعاء اتفاقًا.","vol":"3","page":409},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nواعلم أنه لو جعل السَّابقة فرعًا عن هذه لكان سديدًا، فيقال: ما له مسمّى لغوي وشرعي هل يحمل على الشرعي أم ماذا يكون؟.\nفيه خلاف.\nفإن قلنا: يحمل على الشرعي، فلو تعذّر، ولكن أمكن الرد إليه فهل يرد إليه محافظة على الشرعي، أو يكون مجملًا؟.\nفيه خلاف.\nواختيار الغزالي كما قدمناه أنه مجمل.\nوالحق عندنا في الأمرين: الحمل على الشرعي كما اختاره المصنّف؛ لأنه الأغلب، ويتلو الشرعي العرفي، ثم اللغوي. هكذا أطلقه أئمتنا.\nوعندي: أنه مختصّ بالكلام الصَّادر من الشَّارع، فينظر فيه إلى عُرْفه، وهو الشرعي، ثم عرف الناس؛ لأن الظاهر أنه يكلمهم بما يتعارفونه، ثم اللغوي.\nولو كان في اللفظ الذي له مسميات حيث ورد لقلنا: يحمل كلام كلّ لافظ على عُرْفه، ثم عُرْف الذين خاطبهم، ثم مدلوله المَوْضُوع له بالأَصَالَةِ، فإن يكن اللَّافظ من أهل اللغة فأول ما يحمل كلامه على اللُّغوي، فاعرف ذلك، واحمل عليه كلام المنطقيين.\nواعلم أنهم إنما تكلَّموا فيما صدر من الشَّارع.\nفإن قلت: من المشهور على ألسنة الفقهاء: أن ما ليس له حَدّ في الشرع، ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف، وهذا صريح في تأخير العُرْف عن اللغة، وقد قضيتم في الأصول بتقديمه، فهل هما مُتَوَاردان على محلّ واحد حتى يلزم الاختلاف، أو كيف الحال؟.\nقلت: قال أبي ﵀ في \"شرح المهذب\":\nمراد الأصوليين: إذا تعارض معناه في العرف ومعناه في اللغة.\nومراد الفقهاء: إذا لم يعرف حَدّه في اللغة، فإنما نرجع فيه إلى العُرْف، ولهذا قالوا: كل ما ليس له حَدّ في اللغة، ولم يقولوا: ليس له معنى، فالمراد أن معناه في اللغة لم ينصوا على حدّه بما يبينه، فيستدلّ بالعرف عليه.","vol":"3","page":410},{"text":"<span data-type='title' id=toc-720>البَيَانُ وَالمُبَيَّنُ </span>(^١)\nيُطْلَقُ الْبَيَانُ عَلَى فِعْلِ المُبيِّنِ، وَعَلَى الدَّلِيلِ، وَعَلَى الْمَدْلُولِ؛ فَلِذَلِكَ قَالَ الصَّيْرَفِيُّ: إِخْرَاجُ الشَّيْءِ مِن حَيِّزِ الإشْكَالِ إِلَى حَيِّزِ التَّجَلِّي وَالْوُضُوحِ.\nوَأُورِدَ: الْبَيَانُ ابْتِدَاءً، وَالتَّجَوز، بِالْحَيِّزِ وَتَكْريِرُ الْوُضُوحِ.\n<hr><s0>\n\nقلت: تقرير هذا عدم التَّوارد على كُلِّ واحد.\nوإن كلام الفُقَهَاء في الضَّوَابط، وهي في اللّغة أضبط، فتقدّم اللغة بالنسبة إليها.\nوكلام الأصوليين في أصل المعنى، وهو في العرف أظهر، فتقدم بالنسبة إليه.\nومما يرجع إلى الشرع فيه قبل العُرْف: إذا حلف لا يبيع الخمر، أو المستولدة، فإن أراد: لا يتلفّظ بلفظ العَقْد مضافًا إليها، فإذا باع حنث، وإن أطلق لم يحنث؛ لأن الشرعي لا يتصّور فيها، وفيه وجه قال به المزنى.\nولو حلف لا يركب دابّة عَنْد زيد، لا يَحنث بالدَّابة المُعَدّة لاستعماله، إلَّا أن يريد، فإن ملَّكه السيد دابّة خرج على أنه هل يملك؟.\nوقال ابن كَجّ: لا يحنث وإن قلنا: يملك؛ لأن ملكه ضعيف.\nالشرح: \"يطلق البيان\" تارة: \"على فعل المبين\" وهو التبين، كالسلام والكلام للتسليم والتكليم.\n\"وعلى: الدليل\" الدَّال على ذلك.\n\"وعلى: المدلول\" وهو متعلّق النبيين ومحله.\n\"ولذلك\" أي: لأجل إطلاقه على المعاني الثلاثة، اختلف تفسير العلماء له بالنظر\n_________\n(^١) في هامش المطبوع من المتن: تنبيه: الترتيب المثبت هنا هو الواقع في أصل العضد، ولكونه الألطف اخترناه في الطبع، ووقع في أصل النسخة الخطية تقديم قوله: البيان والمبين إلى آخر مسألة يمتنع العمل بالعموم على قوله: المجمل والمبين إلى آخر مسألة الإجمال فيما له مسمى لغوي إلخ كتبه مصححه.","vol":"3","page":411},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nإليها، حتى \"قال الصّيرفي\" ناظرًا إلى أن البيان فعل المبين: إنه \"إخراج الشيء (^١) من حَيِّزِ الإشكال إلى حَيّز التجلّي\". كذا نقله ابن السَّمْعَاني وغيره.\nوزاد إمام الحرمين، فتبعه الآمدي والمصنف: الوضوح، فقالوا: إخراج الشيء من حَيِّزِ الإشكال إلى حيز التجلّي \"والوضوح\".\n\"وأورد\" عليه: أنه غير جامع؛ لأنه يخرج عنه \"البيان ابتداء\"، وهو الظاهر من غير سبق إجمال.\nقال ابن السمعاني: فإنه ربما ورد من الله - تعالى بيان لما لم يخطر ببال أحد.\n\"والتجوز بالحيز\"؛ فإن الحيز حقيقة في الجوهر دون غيره.\n\"وتكرير الوضوح\"؛ إذ التجلِّي والوضوح واحد (^٢).\nولقائل أن يقول: أما الإيراد الأول - وهو للقاضي أبي بكر وتبعه مَن بعده - فللصيرفي أن يمنع تسميته ما كان ظَاهرًا ابتداء بـ\"البيان\"؛ فإنّ البيان الذي هو فعل المبين إنما يكون لما ليس واضحًا.\nوله أن يقول: إن ما ورد ابتداء أفاد علمًا لم يكن حاصلًا للسَّامع، فهو قبل السماع كمن أشكل عليه خطاب سبق وروده.\n_________\n(^١) إخراج الشيء أي من قول أو فعل من حيز الإشكال إلى حيز التجلي أي من حال إشكاله وعدم فهم معناه إلى حال اتضاح معناه وفهمه بنصب ما يدل عليه من حال أو نحوه. ينظر الآيات البينات ٣/ ١١٨. وينظر: المعتمد ١/ ٣١٧، والمستصفى ١/ ٣٤٥، والمحصول ١/ ٣/ ٢٢٦، والرسالة ٢١، والبرهان ١/ ١٥٩، ونهاية السول ٢/ ٥٢٤، وشرح الكوكب ٣/ ٤٣٧، وشرح التنقيح (٣٨)، وإرشاد الفحول (١٦٧)، وجمع الجوامع ٢/ ٦٧، والإحكام للآمدي ٣/ ٢٢٠، وتيسير التحرير ٣/ ١٧١، والسرخسي ٢/ ٢٦، وكشف الأسرار ٣/ ١٠٤، وفتح الغفار ٢/ ١١٩، والمدخل (٢٦٦)، وفواتح الرحموت ٢/ ٤٢، والحدود للباجي (٤١)، ونزهة الخاطر ٢/ ٢٦، وتقريب الوصول (٨٥)، والإبهاج ٢/ ٢١٢، والبحر المحيط ٣/ ٤٨٠، والمدخل (٢٦٦)، والمسودة (٥٧٢)، والروضة (١٨٤)، ونشر البنود ١/ ٢٧٧.\n(^٢) قال العضد على هذه الإشكالات التي أوردت على التعريف: إنها مناقشات واهية. ينظر الآيات البينات ٣/ ١١٨.","vol":"3","page":412},{"text":"وَقَالَ الْقَاضِي وَالأَكْثَرُ: الدَّلِيلُ.\nوَقَالَ الْبَصْرِيُّ: الْعِلْمُ عَنِ الدَّلِيلِ.\nوَالْمُبَيَّنُ: نَقِيضُ الْمُجْمَلِ، وَيَكُونُ فِي مُفْرَدٍ، وَفِي مُرَكَّبٍ، وَفِي فِعْلٍ، وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ إِجْمَالٌ.\n<hr><s0>\n\nوهذا ذكره القاضى عبد الوهّاب، المالكي، فقد لا يسمى القاضي أبو بكر عدم العلم إشكالًا.\nويصح إيراده على الصَّيرفي، إلّا أن يمنع الصَّيرفي تسمية ما ورد ابتداء بـ\"البيان\"، ويزعم أن البيان مقصور على كلام قصد به إيضاح مشكل تقدمه كما عرفت.\nوأما التجوز فإمام الحرمين أورده، وهو [أولًا] (^١) لا يختص بالحَيّز، بل يرد على لفظ الحيز والتجلّي كما ذكر إمام الحرمين حيث قال: وهذه العبارة وإن كانت محومة على المقصود فليست مرضية؛ فإنها مشتملة على ألفاظ مستعارة، كالحيز والتجلّي. انتهى.\nولقائل أن يقول: فلم قلتم: إنَّ المجاز الظَّاهر لا يدخل التعارف، [ولو استتب] (^٢) بكم هذا لفسدت أكثر تعاريفكم؟.\nوأما تكرير الوضوح فإن ثبت، فليس قيدًا بل زيادة في إيضاح المراد بـ\"التَّجلِّي\"، وذلك لم يورده إمام الحرمين.\nالشرح: \"وقال القاضي\"، وإمام الحرمين والغزالي \"والأكثر\"، ومنهم الآمدي: البيان \"الدليل\". [\"وقال البصري: العلم\" الحاصل \"عن الدليل\"] (^٣).\nوالمختار: حدّ الصيرفي، وإياه اختار القاضي أبو الطيب وغيره من أئمتنا.\nواعترضه ابن السَّمْعَاني: بأن لفظ البيان أظهر من لفظ إخراج الشيء من حَيّز الإشكال إلى حيز التجلّي.\nوللصيرفي منع ذلك.\n_________\n(^١) سقط في ج.\n(^٢) في أ: ولو اشتب.\n(^٣) سقط في ب.","vol":"3","page":413},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقال المَاوَرْدِيّ: إن جمهور الفقهاء قالوا: البيان إظهار المراد بالكلام الذي لا يفهم منه المراد إلّا به.\nقال ابن السَّمْعَاني: وهذا الحد أحسن من جميع الحدود، مع إيراده على الصيرفي ما ورد ابتداء من غير سبق إجمال.\nوهو إن ورد على الصَّيرفي ورد على المَاوَرْدِيّ بطريق أولى؛ إذ قد يقول الصيرفي فيما لم يكن غير قربة: إنه كان في حَيّز الإشكال، وصار في حيّز التجلي كما عرفت.\nولا يمكن للمَاوَرْدِيّ أن يقول: إنه داخل في تعريفه؛ لأنه لم يتقدمه كلام أظهر المراد به؛ لأن البيان: الظهور من قولهم: بَانَ الهلالُ: إذا ظهر.\nواعلم أن الشَّافعي ﵁ قال في \"الرسالة\": البيان: اسم جامع لأمور متّفقة الأصول متشعبة الفروع.\nواعترضه أبو بكر بن داود بأن البيان أبين من التفسير الذي ذكره.\nقال أئمتنا: وهذا لا يصح؛ لأن الشافعي ﵀ لم يقصد حدّ البيان، [ولا تفسير] (^١) معناه، وإنما أراد: أن البيان اسم عام جامع لأنواع مختلفة اتفقت في وقوع اسم البيان عليها، واختلفت في مراتبها، فبعضها أجلى من بعض؛ لأن من البيان، ما يدرك معناه من غير تدَبّر، ومنه ما يحتاج إلى تدبّر؛ ولذلك قال ﵇: \"إِنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْرًا\" (^٢)، فأخبر أن بعض البيان أظهر من بعض.\nويدلّ على ذلك أن الله - تعالى - خاطبنا بالنص، والعموم، والظاهر، والمفهومين، والكلّ بيان وإن اختلفت مراتبها.\nقلت: ولذلك عقد الشَّافعي في \"الرسالة\" أبوابًا للبيان حيث قال: باب البيان الأول، باب البيان الثاني، وهكذا.\n_________\n(^١) في ت: ولا تغير.\n(^٢) أخرجه أبو داود ٤/ ٣٠٣، في كتاب الأدب: باب ما جاء في الشعر (٥٠١١) وأخرجه البخاري من رواية أبي بن كعب رصي الله عنه ١٠/ ٥٣٧، في كتاب الأدب: باب ما يجوز من الشعر (٦١٤٥).","vol":"3","page":414},{"text":"الْجُمْهُورُ: الْفِعْلُ يَكُونُ بَيَانًا.\nلَنَا: أنَّهُ ﵊ بَيَّنَ الصَّلَاةَ وَالْحَجَّ بِالْفِعْلِ؛ وَقَوْلُهُ: \"خُذُوا عَنِّي [مَنَاسِكَكُمْ] \"، وَ\"صَلُّوا كَمَا\" - يَدُلُّ عَلَيْهِ.\nوَأَيْضًا: فَإِنَّ الْمُشَاهَدَةَ أَدَلُّ؛ وإِذْ لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ.\n<hr><s0>\n\nولو عرّف الشافعي البَيَان، أو غيره من الحقائق بتعريف لكان جامعًا مانعًا، [يتعذر] (^١) على من بعده أن يأتي بمثله.\n\"والمبين: نقيض المجمل\" أي: متّضح الدلالة.\n\"ويكون في مفرد، وفي مركب، وفي فعل\".\nوقد يكون البيان بعد سبق الإجمال، وهو واضح.\nوقد يكون \"وإن لم يسبق إجمال\" كما ذكرناه فيما يرد ابتداء واضحًا.\nوقد كُنَّا غافلين عنه وجاهلين به.\nوقرَّرَ بعض الشَّارحين على أنه قد يكون البَيَان بالفعل بعد سبق الإجمال، وقد لا يكون.\nوالصَّوَاب ما ذكرناه من أن البيان من حيث هو فعلًا كان أو قولًا قد يكون بعد سبق الإجمال، وقد لا يكون.\nالشرح: قال \"الجمهور: الفعل\" قد \"يكون بيانًا\" (^٢).\n_________\n(^١) في أ، ت: يعذر.\n(^٢) لا خلاف أن البيان يجوز بالقول، واختلفوا في وقوعه بالفعل. والجمهور أنه يقع بيانًا؛ خلافًا لأبي إسحاق المَرْوزي منا، والكَرْخي من الحنفية. حكاه الشيخ أبو إسحاق في \"التبصرة\" وكلام الغزالي يوهمه؛ فإنه قال: وكذلك الفعل يحتاج إلى بيان تقدمه؛ لأنه أراد به بيان الشرع؛ لأن الفعل لا صيغة له، لكن أَوَّله الهندي وقال: قول الغزالي وغيره: إن البيان مخصوص بالدليل القولي، فالمراد منه التسمية اصطلاحًا، كما في العموم؛ بناء على الغالب من كون البيان قولًا، لا في حقيقة ما يقع به البيان، ولا في جوازه.\nوشرط المازري الإشعار به من مقال أو قرينة حال، وإلا لم يحصل للمكلف البيان. قال: =","vol":"3","page":415},{"text":"قَالُوا: يَطُولُ فَيَتَأَخَّرُ الْبَيَانُ.\nقُلْنَا: وَقَدْ يَطُولُ بِالْقَوْلِ.\nوَلَوْ سُلِّمَ، فَمَا تَأَخَّرَ، لِلشُّرُوع فِيهِ، وَلَوْ سُلِّمَ؛ فَلِسُلُوكِ أَقْوَى الْبَيَانَيْنِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَمَا تَأَخَّرَ عَنْ وَفْتِ الحَاجَةِ.\n<hr><s0>\n\n\"لنا\": الوقوع، وذلك \"أنه ﷺ بين الصَّلاة والحج بالفعل\"، \"وقوله\" ﷺ: \"\"خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ\" و\"وَصَلُّوا\" \"كَمَا\" رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي\" لا يقال: إنه الذي وقع به البيان دون الفعل، وهو قوله؛ لأنا نقول: إنما البيان بالفعل، وهذا القول \"يدل عليه\".\n\"وأيضًا، فإن\" الفعل يشاهد بخلاف القول، ولا شك أن \"المشاهدة إدراك من القول، فكانت \"أولى\" بالجواز، \"وليس الخبر كالمُعَاينة\" فيما أخبرنا به أبي ﵀، وأبو عبد الله الحافظ في كتابهما قال: أنبأنا إسحاق بن أبي بكر النحاس سماعًا، أنبأنا يوسف بن خليل الحافظ (^١)، أنبأنا الجمال أبو الحسن مسعود بن أبي منصور، أنبأنا حمزة بن أبي الفضل\n_________\n= وعلى هذا فالخلاف لفظي.\nقال: ومنهم من جعله معنويًّا، وهو أنه هل بتصور فعل ينبئ بمجرده عن المراد من غير إسناد ذلك إلى قرينة أم لا؟ قلت: وجعله السَّرخسي مبنيًّا على أصل، وهو أن بيان المجمل هل يكون المجمل متصلًا به؟ فَمَنْ شَرَطَ الاتصال قال: لا يكون البيان إلا بالقول؛ إذ الفعل لا يكون متصلًا بالقول. وفي المحصول: لا يعلم كون الفعل بيانًا للمجمل إلا بأحد أمور ثلاثة، أو يعلم ذلك بالضرورة من تصده، أو بالدليل اللفظي، كقوله: هذا الفعل بيان لهذا المجمل، أو بالدليل العقلي، بأن يذكر المجمل وقت الحاجة، أي العمل به، ثم يفعل فعلًا يصلح أن يكون بيانًا.\nوذكر الغزالي سبع طرق. ينظر: البحر المحيط ٣/ ٤٨٥، ٤٨٦، والبرهان ١/ ١٦٤، والمعتمد ١/ ٣٣٧، والمحصول (١/ ٣/ ٢٦٢)، وشرح العضد ٢/ ١٦٢، وشرح تنقيح الفصول ٢٧٨، وشرح الكوكب ٣/ ٤٤٢، وإرشاد الفحول ١٧٢، والإحكام للآمدي ٢/ ٢٤.\n(^١) يوسف بن خليل بن قراجا بن عبد الله، أبو الحجاج، شمس الدين الدمشقي ثم الحلبي، ولد سنة ٥٥٥ هـ، محدث، حنبلي، ولد وتفقه بـ\"دمشق\"، وقام برحلة إلى \"بغداد\" و\"أصبهان\" و\"مصر\"، وتفرد في وقته بأشياء كثيرة عن الأصبهانيين، فكان أوسع معاصريه رحلة، وأكثرهم كتابة. وجمع لنفسه \"معجمًا\" ومن مصنفاته: \"ثمانيات\" و\"عوالي\". قال الذهبي: روى عنه خلق كثير. استوطن \"حلب\" في آخر عمره، وتوفي بها سنة ٦٤٨ هـ. ينظر: شذرات الذهب ٥/ ٢٤٣، والأعلام ٨/ ٢٢٩.","vol":"3","page":416},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nإِذَا وَرَدَ بَعْدَ الْمُجْمَلِ قَوْلٌ وَفِعْلٌ: فَإِنِ اتَّفَقَا، وَعُرِفَ الْمُتقَدِّمُ - فَهُوَ الْبَيَان، وَالثَّانِي تَأْكِيدٌ.\nفَإِنْ جُهِلَ، فَأَحَدُهُمَا، وَقيلَ: يَتَعَيَّنُ غَيْرُ الأرْجَحِ؛ لِلتَّقْدِيمِ؛ لأَنَّ الْمَرْجُوحَ لَا يَكُونُ تَأْكيدًا.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُسْتَقِلَّ لَا يَلْزَمُ فِيهِ ذَلِكَ.\n<hr><s0>\n\nالعلوي، أنبأنا أبو أحمد محمد بن علي بن محمد المكفوف، أنبأنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان (^١) المعروف بأبي الشيخ بن حامد بن شعيب البلخي بن شريج بن يونس بن هشيم عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ: \"لَيْسَ الخَبَر، كَالمُعَايَنَةِ\" (^٢) وهذا سند صحيح أخرجه أحمد بن حنبل في \"مسنده\" عن هشيم كما سُقْنَاه.\nالشرح: والمانعون \"قالوا\": الفعل \"يطول فيتأخر البيان\" به مع إِمْكَانِ تعجيله؛ فلا يجوز.\n\"قلنا\": \"وقد يطول بالقول\"، ويزيد على زمان الفعل.\n_________\n(^١) عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأصبهاني، أبو محمد، ولد سنة ٢٧٤ هـ. من حفاظ الحديث العلماء برجاله، يقال له: أبو الشيخ، ونسبته إلى جده حبان. من تصانيفه: \"طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها\" و\"أخلاق النبي وآدابه\" و\"الأمثال\" و\"كتاب السنة\" وغيرها. توفي سنة ٣٦٩ هـ. ينظر: النجوم للزاهرة ٤/ ١٣٦، واللباب ١/ ٣٣١، والأعلام ٤/ ١٢٠.\n(^٢) أخرجه أحمد (١/ ٢١٥)، والحاكم (٢/ ٣٢١) وابن حبان (٢٠٨٧ - موارد) وابن عدي في \"الكامل\" (٧/ ٢٥٩٦) والقضاعي في \"مسند الشهاب\" (٧٣٥) من طريق هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وأخرجه البزار (١/ ١١١ - كشف) رقم (٢٠٠) والطبراني في \"الكبير\" (١٢/ ٥٤) وابن حبان (٢٠٨٨ - موارد) وابن عدي في الكامل (٧/ ٢٥٩٦) من طريق أبي عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا، وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ١٥٣) وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله رجال الصحيح، وصححه ابن حبّان.","vol":"3","page":417},{"text":"\"فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقَا؛ كَمَا لَوْ طَافَ بَعْدَ آيَةِ الْحَجِّ طَوَافّيْنِ، وَأَمَرَ بِطَوَافٍ وَاحِدِ - فَالْمُخْتَارُ: أَنَّ القَوْلَ [بَيَانٌ]، وَفِعْلهُ نَدْبٌ أَوْ وَاجِبٌ، مُتَقَدِّمًا أَوْ مُتَأَخِّرًا؛ لأَنَّ الْجَمْعَ أَوْلَى.\nأَبُو الْحُسَيْنِ، الْمُتقَدِّمُ بَيَانٌ؛ وَيَلْزَمُهُ نَسْخُ الْفِعْلِ مُتَقَدِّمًا، مَعَ إِمْكَانِ الجَمْعِ.\n<hr><s0>\n\n\"ولو سلم\" أن الفعل لا يكون أبدًا أعجل، \"فما تأخر\" البيان بالفعل، وذلك \"للشروع\" \"فيه\"\nوإنما يلزم التأخير أَنْ لو لم يحصل الشروع فيه، \"ولو سلم\" أن الفعل يقتضى التأخير دائمًا، \"فلسلوك أقوى البيانين\"، وهو الفعل يجوز التأخير، \"ولو سلم\" تساوي البَيَانين، \"فما تأخر عن وَقْتِ الحاجة\"، والممنوع إنما هو ذاك.\n«مسألة»\nالشرح: إذا عرفت جواز البيان بكل من القول والفعل، فنقول: \"إذا ورد بعد المجمل قول وفعل\"، فإما أن يتفقا في الحكم، وإما أن يختلفا.\n\"فإن اتفقا\"، فإما أن يعرف المتقدم منهما، أولا (^١).\nفإن اتفقا \"وعرف المتقدم فهو البيان\" فعلًا كان أو قولًا، \"والثاني تأكيد\".\n\"فإن جهل فأحدهما\" هو البيان من غير تعيين له.\n\"وقيل: يتعيّن غير الأرجح للتقديم\"؛ \"لأن المرجوح لا يكون تأكيدًا\" للرَّاجح؛ لعدم الفائدة في تأكيد الشيء بما دونه، واختاره الآمدي.\n\"وأجيب بأن\" المؤكد \"المستقل لا يلزم فيه ذلك\"، كالجمل التي يذكر بعضها بعد بعض للتأكيد؛ فإن التأكيد يحصل بالثانية، وإن كانت أضعف بانضمامها إلى الأولى، وإنما يلزم كون المؤكّد أقوى في المفردات نحو: جاءني القوم كلهم.\n_________\n(^١) ينظر: المعتمد ١/ ٣٣٩، والمحصول ١/ ٣/ ٢٧٢، والإحكام للآمدي ٣/ ٢٥، وشرح الكوكب ٣/ ٤٤٧، وشرح العضد ٢/ ١٦٣، وشرح تنقيح الفصول (٢٨١)، وجمع الجوامع ٢/ ٦٨، وفواتح الرحموت ٢/ ٤٦، ونشر البنود ١/ ٢٧٩.","vol":"3","page":418},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nالْمُخْتَارُ: أَنَّ الْبَيَانَ أَقْوَى.\nوَالْكَرْخِيُّ: يَلْزَمُ الْمُسَاوَاةُ.\nأَبُو الْحُسَيْن: بِجَوَاز الأَدْنَى.\nلَنَا: لَوْ كَانَ مَرْجُوحًا، أُلغِيَ الأَقْوَى فِي العَامِّ إِذَا خُصِّصَ، و[فِي] الْمُطْلَقِ إِذَا قُيِّدَ، وَفِي التَّسَاوِي: التَّحَكُّمُ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وإن لم يتفقا كما لو طاف\" ﷺ \"بعد آية الحج طوافين وأمر بطواف واحد (^١)، فالمختار\" \"أن\" البيان هو \"القول\"، \"وفعله\" إما \"ندب أو واجب\" في حقه ﷺ مما اختصّ به ﵇، سواء [أكان] (^٢) القول \"متقدمًا\" على الفعل، \"أو متأخرًا\"؛ \"لأن الجمع\" بين الدليلين \"أولى\".\nوقال \"أبو الحسين\": \"المتقدم\" \"بيان\"، قولًا كان أو فعلًا، كما في سورة اتفاق القول والفعل.\n_________\n(^١) اختلف الحنفية والشافعية في أن القارن: وهو الذي أحرم بالحج والعمرة معًا عليه طوافان: طواف للحج وطواف للعمرة، وسعيار،: سعى له وسعى لها أو ليس عليه إلا طواف واحد وسعى واحد لهما؟ فأبو حنيفة وصاحباه ذهبوا إلى الأول، والشافعي إلى الثاني. استدل الشَّافعي بما رواه الترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعى واحد حتى يحل منهما\". وقال: حديث صحيح غريب. واستدل أبو حنيفة وصاحباه به، رواه النسائي عن حماد بن عبد الرحمن الأنصاري عن إبراهيم بن محمد بن الحنفية قال: طفت مع أبي وقد جمع الحج والعمرة، فطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين، وحدثني أن عليًّا ﵁ فعل ذلك، وحدثه أن رسول الله ﷺ فعل ذلك\". قال ابن الهمام في فتح القدير: حماد هذا وإن ضُعِّفَ لكن ذكره ابن حبان في الثقات، في الحديث الطويل المروى لمسلم إشارة إلى تكرر الطواف قال الشافعية: إن المأخوذ به القول سواء تقدم أو تأخر أو لم يعلم شيء منهما، قلنا: لا نسلم ذلك بل نقول كما يقول أبو الحسين البصري: إن إلى متقدم منهما هو المبين دائمًا قال في الفواتح: اعلم أن الحق هذا القول. واختاره الآمدي، ولم يوجد أيضًا في كتبنا ما ينافيه؛ فإن المتقدم مفَهم للمراد قطعًا؛ فلا إجمال بعده.\n(^٢) في ت: كان.","vol":"3","page":419},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"ويلزمه نسخ الفعل\"، بالقول إِذا وقع الفعل \"متقدمًا مع إِمكان الجمع\" بينهما.\n\n\"مسألة\"\nالشرح: \"المختار\" عند المصنّف \"أن البيان\" يجب أن يكون \"أقوى\" دلالة من المبيَّن.\n\"والكرخى\" قال: \"يلزم المساواة\" بمعنى: أنه لا يجوز الأدنى، بل المُسَاوي (^١)، وإِن كان أقوى جاز بطريق أولى.\n\"وأبو الحسين\" قال: \"بجواز الأدنى\"، واختاره الإِمام الرَّازي، ونقله الشَّيخ الهندي عن الجماهير، فيقبل المظنون في بيان المَعْلُوم (^٢).\nقال الهِنْدِي: ولا يتوهّم في حقّ أحد أنه ذهب إِلى اشتراط أنه كالمبين في قوة الدّلالة؛ فإِنه لو كان كذلك لما كان بيانًا له، بل كان هو يحتاج إِلى بيان آخر.\n\"لنا\": لو \"لم يكن البيان الذي هو مخصص أو مقيد أقوى من المبين الذي هو العام أو\n_________\n(^١) المساواة إِما أن تكون في الثبوت أو في الدلالة، والبيان إِما بيان تفسير وهو بيان المجمل، أو بيان تغيير وهو التخصيص، أو بيان تبديل وهو النسخ، ففي بيان التفسير للمجمل لا تجب المساواة في الثبوت اتفاقًا بل يجوز أن يبين المجمل القطعي بخبر الآحاد الظني، ولا يتصور في هذا مساواة في الدلالة بين البيان وبين المبين، ولا أن يكون البيان أدنى دلالة من المبين؛ فإِنه لا شيء أدنى دلالة من المجمل، وأما بيان التغيير وهو التخصيص للنص العام الظاهر فهذا هو الذي قال فيه الحنفية ومنهم الكرخي: لا بد فيه من المساواة أي في الثبوت بين البيان وبين المبين، فلا يجوز تخصيص قطعي الثبوت ابتداء بظني الثبوت، وقال الأكثرون: لا يشترط أن يكون مساويًا في الثبوت، ولكنه يجب أن يكون أقوى دلالة، فيجوز تخصيص عام الكتاب بخبر الواحد؛ لأن العام وإِن كان قطعي الثبوت لكنه ظني الدلالة، وخبر الواحد الخاص بالعكس، فتعادلا كما سبق وهذا هو مراد ابن الحاجب بقوله: لا بد أن يكون أقوى، فمراده أقوى دلالة وإِن كان لا يشترط مساواتهما نبوتًا.\n(^٢) ينظر: المعتمد ١/ ٣٤٠، والمحصول ١/ ٣/ ٢٧٥، والإِحكام للآمدي ٣/ ٢٧، وجمع الجوامع (٢/ ٦٨)، والآيات البينات ٣/ ١٢٠، والروضة (٩٦)، وشرح الكوكب ٣/ ٤٥٠، شرح تنقيح الفصول (٢٨١)، وتيسير التحرير ٣/ ١٧٣، وفواتح الرحموت ٢/ ٤٨، وشرح العضد ٢/ ١٦٣، ونشر البنود ١/ ٢٧٨.","vol":"3","page":420},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\n\n<span data-type='title' id=toc-724>تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ </span>مُمْتَنِعٌ، إِلَّا عِنْدَ مُجَوِّزِ تَكْلِيفِ مَا لا يُطَاق، وَإِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ يَجُوزُ.\nوَالصَّيْرَفِيّ، والغزالِيُّ والحَنَابِلَةُ: مُمْتَنِعٌ.\nوَالْكَرْخِيُّ: مُمْتَنِعٌ فِي غَيْرِ الْمُجْمَلِ.\nوَأَبُو الْحُسَيْنِ: مِثْلُهُ فِي الإِجْمَالِيِّ لا التَّفْصِيلِيِّ؛ مِثْلُ: \"هَذَا الْعُمُومُ مَخْصُوصٌ وَ\"الْمُطْلَقُ مُقَيّدٌ\"، وَ\"الْحُكْمُ سَيُنْسَخُ\".\nوَالْجُبَّائِيُّ: مُمْتَنِعٌ فِي غَيْرِ النَّسْخِ.\n<hr><s0>\n\nالمطلق، بل \"كان مرجوحًا\"، أو مساويًا \"ألغى\" في صورة المرجوحية \"الأقوى\" بالأدنى \"في العام إِذا خصص، والمطلق إِذا قيد\".\n\"وفي\" صورة \"التساوي\" يلزم \"التحكّم\"، وكلاهما لا يجوز.\nوأنت ترى المصنّف كيف ادّعى أن البيان يجب كونه أقوى، ولم يقيد المسألة في صدرها بتخصيص العام، وتقييد المطلق، ثم [خصص] (^١) في دليله.\nفإِن كان ما اختاره هو الفَصْل بين بيان العام والمطلق، وبيان المجمل، وهو غير مذهب من عم اشتراط كونه أقوى من الكلّ، وإِلَّا فيكون دليله خاصًّا ودعواه عامة.\nوالمختار عندنا: إِطلاق جواز الأدنى؛ لأنا بَيّنَّا جواز التخصيص والتقييد للمقطوع بالمظنون.\nوأما المجمل: فكفاية الأدنى فيه واضحة؛ إِذ لا تعارض بينه وبين المبين.\n«مسألة»\nالشرح: \"تأخير البيان عن وقت الحاجة\" إِلى الامتثال \"ممتنع، إِلا عند من يجوز تكليف ما لا يُطاق\" وهم أئمتنا (^٢).\n_________\n(^١) في أ، ج: خص.\n(^٢) قال الشوكاني في إِرشاد الفحول ص ١٧٣: إِن من جوز التكليف بما لا يطاق فهو يقول بجوازه =","vol":"3","page":421},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nولو أن المصنّف قال: \"غير واقع\"، لطابق أصولنا؛ فإِنا وإِن جَوّزناه فلا نقضي بوقوعه كما مَرّ، والغرض أنه لم يقع.\nوالتعبير بـ \"الحاجة\" لم يستحسنه الأستاذ، وقال: هي عبارة تليق بمذهب المعتزلة القائل: إِن بالمؤمنين حاجة إِلى التكليف (^١).\n_________\n= فقط لا بوقوعه، فكان عدم الوقوع متفقًا عليه بين الطائفتين، ولهذا نقل أبو بكر الباقلاني إِجماع أرباب الشرائع على امتناعه. وينظر: البحر المحيط للزركشي ٣/ ٤٩٣، والبرهان لإِمام الحرمين ١/ ١٦٦، والإِحكام في أصول الأحكام للآمدي ٣/ ٢٨، ونهاية السول ٢/ ٥٤٠، وزوائد الأصول للأسنوي ص ٣٠٤، ومنهاج العقول ٢/ ٢٢٠، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص/ ٨٦، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ٤٢٩، والمنخول للغزالي ص ٦٨، والمستصفى له ١/ ٣٦٨، وحاشية البناني ٢/ ٦٩، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/ ١٢١، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ١٠٢، والمعتمد لأبي الحسين ١/ ٣١٤، والإِحكام في أصول الأحكام لابن حزم ١/ ٨١، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ١٦٤، وكشف الأسرار ٣/ ١٠٨، والمسودة (١٨١)، وشرح العضد ٢/ ١٦٤.\n(^١) قال في المواقف وشرحه في المقصد الثامن في أن أفعال الله تعالى ليست معللة بالأغراض ما نصه تذنيب إِذا قيل لهم - أي للمعتزلة - أنتم قد أوجبتم الغرض في أفعاله تعالى، فما الغرض من هذه التكاليف الشاقة الَّتي لا نفع فيها لله تعالى؛ لتعاليه عنه ولا للعبد؛ لأنها مشقة بلا حظ؟ قالوا: الغرض فيها عائد إِلى العباد، وهو تعريض العبد للثواب في الدار الآخرة وتمكينه منه؛ فإِن الثواب تعظيم أي منفعة دائمة مقرونة بتعظيم وإِكرام وهو أن التعظيم المذكور بدون استحقاق سابق قبيح عقلًا؛ ألا ترى أن السلطان إِذا مرّ بزبال وأعطاه من المال ما لا يدخل تحت الحصر لم يستقبح منه أصلًا بل عد جودًا وفضلًا وإِغناءً للفقير وإِبعادًا له عن ساحة الهوان بالكلية، لكنه مع ذلك إِذا نزل له وقام بين يديه معظمًا له ومكرمًا إِياه، وأمر خدمه بتقبيل أنامله استقبح منه ذلك، وذمته العقلاء، ونسبوه إِلى ركاكة العقل وقلة الدراية، فالله سبحانه لما أراد أن يعطي عباده منافع دائمة مقرونة بإِجلال وإِكرام منه ومن ملائكته المقربين ولم يحسن أن يتفضل بذلك عليهم ابتداء بلا استحقاق كلفهم ما يستحقون به. انتهى فالمؤمنون محتاجون إِلى التكليف؛ ليمتثلوا فيستحقوا الثواب؛ لتوقفه على ذلك على ما تقرر ثم أطال في المواقف، وشرحه في ردّ ما قالوه، فليراجعه من أراده. ينظر: الآيات البينات ٣/ ١٢٢، ١٢٣.","vol":"3","page":422},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقال: فالعبارة الصحيحة على مذهبنا أن يقال: تأخير البيان عن وقت وجوب الفعل بالخطاب (^١).\nقلت: وهي مضايقة في العبارة، وقد عُرِفَ أن المعنيَّ بـ \"الحاجة\" كما قال إِمام الحرمين [توجه] (^٢) الطلب.\n\"و\" أما تأخير البيان عن وقت الخطاب \"إِلى وقت الحاجة، فيقدم عليه أن الخطاب المحتاج إِلى البيان ضربان:\nأحدهما: ما له ظاهر، وقد استعمل في خلافه، كتأخير بيان التَّخصيص، وبيان مدّة النسخ، وبيان الأسماء الشرعية، إِذا أريد بها مُسَمَّاها اللغوي، وبيان اسم النكرة، إِذا أريد المعين.\nوالثَّاني: ما لا ظاهر له.\nإِذا عرفت هذا فنقول: في جواز تأخيره عن وقت الخطاب مذاهب:\nقال أكثر أصحابنا، وطائفة من الحنفية والمالكية: إِنه يجوز مطلقًا، واختاره الإِمام الرَّازي، وأتباعه والمصنّف في غالب المتأخرين.\nوذهب بعض الحنفية، \"والصيرفي\" أولًا \"والحنابلة\" إِلى أنه \"ممتنع\".\n_________\n(^١) هنا أمور:\nأولًا: ينبغي أن يراد بالفعل ما يشمل فعل اللسان، وهو القول، وفعل القلب كالاعتقاد؛ لظهور أنه قد يكلف بذلك في وقت معين.\nالثَّاني: ينبغي أن يراعى أن المراد بالحاجة هنا غير المراد بها عند المعتزلة غير أنها لما أوهمت إِرادة المعنى الممتنع عندنا كان الاحتراز عنها أحسن، فلا محذور فيه بالمعنى المراد لنا في هذا الموضع.\nالثالث: قال الزركشي في البحر: هل معنى التأخير عن وقت الحاجة تأخيره عن زمن يمكن فيه الفعل إِلى زمن آخر ممكن؟ أو معناه تأخيره إِلى وقت لا يمكن فيه الفعل كالظهر مثلًا، هل يجب بيانها بمجرد دخول الوقت أو لا يجب إِلا إِذا ضاق وقتها؟ ينظر: الآيات البينات ٣/ ١٢٢، والبحر المحيط ٣/ ٤٩٣.\n(^٢) في أ، ت: بوجه.","vol":"3","page":423},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقال الأستاذ أبو إِسحاق: ثم نزل أبو الحسن الأشعري بالصيرفي ضيفًا فَنَاظَرَهُ في هذا إِلى أن رجع إِلى مذهب الشَّافعي.\nوفصل قوم، فقال بعض أصحابنا \"والكَرْخِي: ممتنع في غير المُجْمَلَ\"؛ كبيان التخصيص والتقييد، والنسخ.\n\"وأبو الحسين\" مذهبه \"مثله\" إِلا \"في\" البيان \"الإِجْمَالي\"، أي قال: يجوز تأخير بيان المجمل مطلقًا إِجمالًا وتفصيلًا، وأماما سواه ممَّا له ظاهر استعمل في غيره كالمطلق والعام والمخصوص، فيمتنع تأخير بيانه الإِجمالي \"دون التفصيلي\".\nوالإِجمالي \"مثل: هذا العام مَخْصوص، والمُطْلق مقيد، والحكم سينسخ\".\nوذهب \"الجُبّائي\" وابنه عبد الجبار إِلى أنه \"ممتنع في غير النسخ\"، جائز فيه، وما حكاه طائفة من أنه قيل: يجوز في الأمر والنهي، ويمتنع في الخبر.\nوقيل: عكسه ليس في محلّ النزاع؛ لأن موضوع المسألة الخطاب التكليفي، فلا يذكر فيها الأخبار، وسيقوله عند قول المصنّف: مع كونه خبرًا.\nوأنت ترى سياق هذه المذاهب قاضيًا بأن النسخ من محلّ الخلاف.\nوقضية كلام القاضي، وإِمام الحرمين وغيرهما وقوع الاتفاق على جواز التأخير فيه، وصرح به الغزالي، وابن برهان.\nوالذي يظهر من جهة النَّقل: أن بعض من منع تأخير البيان غلا، فمنع فيه أيضًا، وعذر من ادعى الاتفاق أنه لم يعبأ بخلاف هذا المفرط.\nوخصّ ابن السمعاني المسألة بالمجمل والعام.\nوأرى أن المطلق عنده والعام سواء في هذا الباب، والنسخ خارج عن محلّ النزاع، فلذلك لم يذكرهما.\nوجعل في المسألة أربعة أوجه لأئمتنا:\nفإِنه نقل الجواز فيهما عن ابن سريج والإِصطخري، وابن أبي هريرة، وابن خيران.\nوالمنع عن أبي إِسحاق المروزي، والصيرفي، والقاضي أبي حامد.\nوكلَّا من جواز تأخير بيان المجمل دون العام، وعكسه عن بعض أصحابنا.","vol":"3","page":424},{"text":"لَنَا: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ إِلَى ﴿[وَلِذِي] الْقُرْبَى﴾ [سورة الأنفال: ٤١]، ثُمَّ بَيَّنَ ﵊؛ أَنَّ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ: إِمَّا عُمُومًا، وإِمَّا بِرَأَيِ الْإِمَامِ، وَأَنَّ ذَوِى الْقرْبَى بَنُو هَاشِمٍ دُونَ بَنِي أُمَّيَةَ وَبَنِي نَوْفَلٍ، وَلَمْ يُنْقَلِ اقْتِرَانٌ إِجْمَالِيٍّ مَعَ أَنَّ الأَصْلَ عَدَمُهُ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"لنا\": على الجواز مطلقًا قوله تعالى: \"وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ \"فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ\".\nقوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [سورة الأنفال: الآية ٤١] فإِنه عام في كلّ ما يغنم، \"ثم بين ﷺ أن السَّلَبَ للقاتل، باتفاق الأمّة.\n\"إِما عمومًا\"، وإِما برأي الإِمام\" على اختلاف الإِمامين: الشَّافعي، ومالك، فإِنهما وإِن اختلفا: فقال الشَّافعي بالتعميم في كلّ قاتلٍ، سواء أقال الإِمام: مَنْ قتل قتيلًا فله سَلَبُهُ أم لا، لقوله ﷺ الثَّابت في \"الصحيحين\": \"مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ\" (^١).\nوقال مالك: ذلك تصرف من النبيّ ﷺ بالإِمامة، فلا يستحق القاتل حتَّى يقول الإِمام هذا القول.\nفلم يختلفا في أن هذا منه ﷺ تخصيص للعموم في \"غنمتم\" وبيان؛ لأن المراد به ما وراء السَّلَب على اختلاف الرأيين في طريق أخذ القاتل السَّلَب.\nوبيَّن كما روى البخاري \"أن ذوي القُرْبَى بنو هاشم\"، وبنو المطّلب، هذا هو مذهب الشَّافعي، وهو الذي في الحديث، وعليه جرى الآمدي؛ لأنه شافعي.\nوحذف المصنّف \"بني المطّلب\"؛ لأنه مالكي.\nوالأصحّ عند المالكية: انحصار ذوي القُرْبَى في بني هاشم.\nواتَّفق الإِمامان على الانحصار فيمن \"دون بني أمية\" بن عبد شمس، \"وبني نوفل\"، وأن اشتراك هاشم والمطلب وعبد شمس ونوفل في بنوة عبد مناف بن قصى، فهذا عامّ بيانه إِذ ورد من غير بيان تفصيلي بلا رَيْبٍ، \"ولم ينقل اقتران الإِجْمَالي\"، ولو اقترن لنقل، \"مع أن الأصل عدمه\".\n_________\n(^١) تقدم.","vol":"3","page":425},{"text":"وَأَيْضًا: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٣]، ثُمَّ بَيَّنَ جِبْرِيلُ وَالرَّسُولُ ﵉، وَكَذَلِكَ الزَّكَاة، وَكَذلِكَ السَّرِقَة، ثُمَّ بَيَّنَ عَلَى تَدْرِيج.\nوَأَيْضًا: فَإِن جِبْرِيلَ ﵇ قَالَ \"اقْرَأْ\"، قَالَ [﵊]: \"وَمَا أَقْرَأُ\"؟، وَكَرَّرَ ثَلاثًا، ثُمَّ قَالَ: \"اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ\" [سورة العلق. الآية ١].\nوَاعْتُرِضَ: بِأَنَّهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ، لأِنَّ الْفَوْرَ يَمْتَنِعُ تَأْخِيرُه، وَالتَّرَاخِي يُفِيد جَوَازَهُ فِي الزَّمَنِ الثَّانِي؛ فَيَمْتَنِعُ تَأْخِيرُهُ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّ الأَمْرَ قَبْلَ الْبَيَانِ لا يَجِبُ بِهِ شَيْءٌ، وَذَلِكَ كَثيرٌ.\n<hr><s0>\n\nوإِذا ثبت في العام ثبت في كلّ ماله ظاهر؛ لمُسَاواته له، وفي المُجْمل بطريق أولى.\nولا احتفال برأي من قال من المعتزلة: يجوز التأخير فيما له ظاهر دون الحَمْلِ؛ فإِنه مذهب ساقط.\nواعلم أن المصنّف لو قال وبيّن أن عبد شمس ونوفلًا ليسا من ذوي القُرْبى، كان\nأخصر وأجمع لمذهب الشَّافعي ومالك؛ لأن انتفاءهما من ذوي القربى متفق عليه عندهما، والخلاف في ثبوت بني عبد المُطّلب، وكان أصوب؛ فإِن وضع \"أميّة\" \"موضع شمس\" مدخول.\nوقد أعقب عبد؛ شمس غيرَ أمية، فإِنما كان يحسن وضع أمية موضع أبيه لو لم يعقب أبوه سواه.\nالشرح: \"وأيضًا\": ممَّا يدلّ على التأخير قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٣] فإِنها نزلت، \"ثم بين جبريل\" ﵇ للنبي ﷺ، \"والرسول ﷺ \" للمكلّفين.\nفروى أبو داود، والترمذي، وابن خزيمة في \"صحيحه\"، وأحمد، أن جبريل ﵇ جاء إِلى النبيّ ﷺ حين مالت الشَّمس، فقال: قُمْ يَا مُحَمَّدُ فَصَلِّ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْس، ثم جاءه العصر (١) .... الحديث.","vol":"3","page":426},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقال البُخَاري: هو أصح شيء في الوقت.\nوفي \"صحيح البخاري\": أن جبريل نزل فصلى، فصلى رسول الله ﷺ، وهكذا خمس مرات (^١).\n\"وكذلك الزكاة، وكذلك السرقة\" في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٣]، وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٣٨]، وإِن كنا قدمنا أن آية السرقة ليست بمجملة، فلم نقدم أنها ليست بعامّة، بل هي عامة، وقد تأخّر تخصيصها ببعض السَّارقين، وبعض المسروق، وإِليه أشار بقوله: \"ثم بيّن\" ﷺ ما تجب فيه الزَّكاة، ومقدار الواجب، والواجب في حديث فريضة الصَّدقة وغيره ممَّا يكثر تَعْدَاده، وما يجب فيه القطع قدرًا ووضعًا في غير حديث \"على تدريج\".\n\"وأيضًا\" قال أصحابنا: \"فإِن جبريل قال: اقْرَأْ؟ قال: \"وَمَا أَقْرَأُ؟ \"، وكرر ثلاثًا، ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [سورة العلق: الآية ١]. كذا ذكر المصنّف، وهو يشير إِلى حديث جبريل في بَدْءِ الوحي المتفق على صحته.\nواللفظ \"اقرأ، قَالَ: مَا أَنَا بقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي، فغطني حَتَّى بَلَغَ منّي الجَهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغطني الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ .... \" الحديث.\nقال أصحابنا: فقد أخر البيان، \"واعترض\" ما ذكر من الأوامر.\nوقيل: وهو منافى الأحكام، بل الاستدلال بحديث بدء الوحي فقط \"بأنه متروك الظاهر\"، سواء قلنا: الأمر يقتضي الفور أم التراخي؛ لأن ظاهره جواز التأخير عن وقت\n_________\n= والحاكم (١/ ١٩٥)، والبيهقي (١/ ٣٦٨) من حديث جابر.\nوقال الترمذي: وقال محمد - يعني البخاري -: أصح شيء في المواقيت حديث جابر عن النبيّ ﷺ.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح مشهور.\n(^١) أخرجه أحمد (١/ ٣٣٣)، وأبو داود (٣٩٣)، والترمذي (١٤٩)، والحاكم (١/ ١٩٣)، والدارقطني (١/ ٢٥٨) من حديث ابن عباس.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"3","page":427},{"text":"وَاسْتُدِلَّ: بِقَوْلهِ: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [سورة البقرة: الآية ٦٧]، وَكَانَتْ مُعَيَّنَةً؛ بِدَلِيلِ تَعَيُّنِهَا بِسُؤَالِهِمْ مُؤَخَّرًا، وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرُ بِمُتَجَدِّدٍ، وَبِدَلِيلِ الْمُطَابَقَةِ لِمَا ذُبِحَ.\nوَأُجِيبَ: بِمَنع التَّعْيِينِ؛ فَلَمْ يَتَأَخَّرْ بيَانٌ؛ بِدَلِيلِ \"بَقَرَةً\"؛ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَبِدَلِيلِ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: \"لَوْ ذَبَحُوا بَقَرَةً مَا لأَجْزَأَتْهُمْ\"، وَبِدَلِيلِ: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٧١].\n<hr><s0>\n\nالحاجة، ولا قائل به.\nوإِنما قلنا ذلك؛ لأن الأمر يوجب فعل المأمور به، إِما على الفور أو التراخي على الخلاف فيه.\nوعلى التقديرين: يمتنع تأخير البيان؛ \"لأن الفور يمتنع تأخيره\"، أي: تأخير بيانه؛ لأنه وقت الحاجة، \"والتراخي يفيد جوازه\" أي جواز الفعل المأمور به \"في الزمن الثَّاني\"، أي: عقيب الأمر؛ \"فيمتنع تأخيره\"؛ لأن الجواز أيضًا حكم كالواجب يحتاج إِلى البيان كما يحتاج إِليه الوجوب.\nفلو أخر تبيين الجواز لأخر عن وَقْتِ الحاجة، فتبين أنه متروك [الظَّاهر] (^١)، فلا يحتج به.\n\"وأجيب\": بأن الأمر قبل البيان لا يجب به شيء\"، وهذا الترديد إِنما لزم بناء على أنه يجب شيء بالأمر، وهو لا يجب إِلَّا بعد البيان؛ فانتفى، وإِذا لم يجب به شيء، فلا ظاهر حتَّى يقال: ترك.\nولقائل أن يقول: لم قلتم: لا يجب قبل البيان شيء فيما له ظاهر؛ فإِن هذا مخصوص بما لاظاهر له؟.\nقال المصنّف: \"وذلك\" أي: ما أخر فيه البيان عن وقت الخطاب \"كثير\"، ومن أظهره آية المواريث.\nقال الشَّافعي ﵁ محتجًّا: أثبت الله المواريث بين الناس، ثم بيَّن النبيّ ﷺ ألَّا يتوارث أهل الكفر وأهل الإِسلام، ثم إِن الأنبياء ﵈ لا يورثون.\n_________\n(^١) في أ، ت: الظن.","vol":"3","page":428},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوأيضًا، فإِن الله أثبت الميراث بعد الوصية مطلقًا، ثم بين النبيّ ﷺ أن المراد به الوصية بالثلث فما دونه.\nالشرح: \"فاستدلّ\" على المختار \"بقوله\" ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [سورة البقرة: الآية ٦٧] وكانت معينة\"، ولم يكن المراد بها أيّ بقرة كانت: \"بدليل تعينها بسؤالهم مؤخرًا\" ما هي؟ ما لونها؟.\nوالضمير عائد عليها، فقيل: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٦٩].\n\"وبدليل أنه لم يأمر بمتجدد\"، ولو كان المأمور به أولًا بقرة ما، لكان الأمر بالمعين أمرًا بمتجدد لا بالأول، وينفيه سياق الآية، والاتفاق.\n\"وبدليل المطابقة\": مطابقة البقرة المأمور بذبحها أولًا \"لما ذبح\" آخرًا، فعلم أن المأمور بها معيّنة.\nولقائل أن يقول: دليلُ المطابقة، وأنه لم يأمر بمتجدّد واحد.\n\"وأجيب بمنع التَّعيين\"، بل هي بقرة مَا \"فلم يتأخر بيان\" حتَّى يستدلّ به، ولا احتياج إِليه، وإِنما كانت غير معينة بدليل أنه قال: \"بقرة\" منكرًا، \"وهو ظاهر\" في عدم التعيين.\n\"وبدليل قول ابن عباس: لو ذبحوا بقرة ما لأجزأهم\"، ولكنهم شدّدوا وتعنّتوا بموسى؛ فشدَّدَ الله عليهم، فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٧٠].\nرواه ابن أبي حاتم في التفسير عن أبي زرعة (^١) عن عمرو بن حماد بن طلحة (^٢) عن\n_________\n(^١) عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فَرُّوخ المخزومي، مولاهم، أبو زرعة الرازي الحافظ، أحد الأعلام والأئمة. عن: أبي نُعَيم وقُبَيْصة وخلائق. وعنه: مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه. قال أحمد: ما جاوز الجسر أحفظ من أبي زرعة. قال إِسحاق: كل حديث لا يعرفه أبو زرعة فليس له أصل. وقال صالح بن محمد عنه إِنه قال: أحفظ عشرة آلاف حديث في القرآن. مات سنة أربع وستين ومائتين. ينظر: تهذيب الكمال ٢/ ٨٨١، وتهذيب التهذيب ٧/ ٣٠، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ١٩٥، والكاشف ٢/ ٢٣٠، والجرح والتعديل ١/ ٣٢٨، وسير الأعلام ١٣/ ١٦٥.\n(^٢) عمرو بن حماد بن طلحة القناد، أبو محمد الكوفي، وقد ينسب إِلى جده. قال ابن معين وأبو =","vol":"3","page":429},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأسباط (^١) عن السدي (^٢) قال: قال ابن عباس، فذكره.\nورواه البزار (^٣) في مسنده مرفوعًا إِلى النبيّ ﷺ من حديث عباد بن منصور (^٤) عن\n_________\n= حاتم: صدوق. وقال أبو داود: كان من الرافضة؛ وقال مطين: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. قال ابن سعد: كان ثقة إِن شاء الله. قال الساجي: يتهم في عثمان، وعنده مناكير، روى عنه مسلم حديثين.\nتوفي في صفر سنة ٢٢٢ هـ. ينظر: الثقات ٨/ ٤٨٣، ولسان الميزان ٧/ ٣٢٤، وميزان الاعتدال ٣/ ٢٥٤، والجرح والتعديل ٦/ ٢٢٨، وتاريخ البخاري الكبير ٦/ ٣٢٣، والكاشف ٢/ ٣٢٧، وتهذيب الكمال ٢/ ١٠٣٠، وتهذيب التهذيب ٨/ ٢٢، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٢٨٣.\n(^١) أسباط بن نصر الهمداني، أبو يوسف، ويقال: أبو نصر.\nقال حرب: قلت لأحمد: كيف حديثه؟ قال: ما أدري، وكأنه ضعفه. وقال أبو حاتم: سمعت أبا نعيم يضعفه، وقال: أحاديثه عامية سقط مقلوب الأسانيد. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال البخاري في تاريخه الأوسط: صدوق. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال موسى بن هارون: لم يكن به بأس. ينظر: طبقات ابن سعد ٦/ ٢٦١، وشذرات الذهب ١/ ٢٧٩، ولسان الميزان ٧/ ١٧٣، وميزان الاعتدال ١/ ١٧٥، والجرح والتعديل ١/ ٣٣٢، وتاريخ البخاري الكبير ٢/ ٥٣، والثقات ٦/ ٨٥، وتهذيب الكمال ١/ ٧٧، وتهذيب التهذيب ١/ ٢١١، وخلاصة التهذيب ١/ ٦٧.\n(^٢) إِسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدى، مولى قريش، أبو محمد الكوفي، رمى بالتشيع. عن أنس وابن عباس وباذان. وعنه أسباط بن نصر وإِسرائيل والحسن بن صالح. قال ابن عدي: مستقيم الحديث صدوق. قال خليفة: توفي سنة سبع وعشربن ومائة. ينظر: الخلاصة ١/ ٩٠، وتقريب التهذيب ١/ ٤٧١، وتهذيب التهذيب ١/ ٣١٣، والثقات ٤/ ٢٠.\n(^٣) أحمد بن عمرو بن عبد الخالق، أبو بكر البزار: حافظ من العلماء بالحديث. من أهل البصرة. حدث في آخر عمرة بأصبهان وبغداد والشام، وتوفي في الرملة سنة ٢٩٢ هـ، له مسندان أحدهما كبير سماه \"البحر الزاخر\" والثَّاني صغير. ينظر: الأعلام ١/ ١٨٩، وتاريخ بغداد ٤/ ٣٣٤، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٢٠٤، وشذرات الذهب ٢/ ٢٠٩.\n(^٤) عباد بن منصور الناجي - بنون - أبو سلمة البصري القاضي. عن الهيثم بن محمد وأبي رجاء العطاردي. وعنه شعبة والثوري ووكيع وخلق. قال القطان: ثقة لا ينبغي أن يترك حديثه لرأي أخطأ فيه، يعني القدر. وقال أبو زرعة: لين، وضعفه أبو حاتم. قال ابن قانع: مات سنة =","vol":"3","page":430},{"text":"وَاسْتُدِلَّ: بِقَوْلِهِ ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٩٨]، فَقَالَ ابْنُ الزِّبَعْرَى: فَقَدْ عُبِدَتِ الْمَلائِكَةُ وَالْمَسِيحُ؛ فَنَزَلَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ١٠١].\n<hr><s0>\n\nالحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: \"إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَوْ أَخَذُوا أَدْنَى بَقَرَةٍ لأَجْزَأَتْهُمْ\" (^١).\n\"وبدليل\" قوله تعالى: \" ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٧١]؛ فإِنه ظاهر في أنهم كانوا قادرين على الفعل، وأن السؤال كان تعنُّتًا وتعللًا.\nالشرح: \"واستدلّ\" أيضًا: \"بقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ\" حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٩٨].\n\"فقال ابن الزبعري (^٢): فقد عبدت الملائكة والمسيح، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ١٠١] \".\nأخبرنا به القاسم بن محمد البرزالي (^٣) الحافظ إِذنًا، أنبأنا سليمان بن جمرة القاضي\n_________\n= اثنتين وخمسين ومائة، قيل: مات وهو على بطن امرأته. ينظر: تهذيب الكمال: ٢/ ٦٥٣، وتهذيب التهذيب: ٥/ ١٠٣ (١٧٢)، وتقريب التهذيب: ١/ ٣٩٣ (١٠٧)، وخلاصة تهذيب الكمال: ٢/ ٣٠، والكاشف: ٢/ ٦٢، وتاريخ البخاري الكبير ٦/ ٣٩.\n(^١) ذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٦/ ٣١٧) وقال: رواه البزار، وفيه عباد بن منصور، وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات.\n(^٢) عبد الله بن الزبعري بن قيس السهمي القرشي، أبو سعد: شاعر قريش في الجاهلية. كان شديدًا على المسلمين إِلى أن فتحت مكة، فهرب إِلى نجران، فقال فيه \"حسان\" أبياتًا، فلما بلغته عاد إِلى مكة، فأسلم، واعتذر، ومدح النبيّ ﷺ فأمر له بحلة. توفي نحو ١٥ هـ. ينظر: الأعلام ٤/ ٨٧.\n(^٣) القاسم بن محمد بن يوسف بن محمد بن أبي يدّاس، البرزالي، الإِشبيلي ثم الدمشقي، أبو محمد، علم الدين، ولد بـ \"دمشق\" سنة ٦٦٥ هـ. محدّث، مؤرخ أصله من إِشبيلية، زار مصر والحجاز. ورتب أسماء من سمع منهم ومن أجازوه في رحلاته وهم نحو ثلاثة آلاف. وكان فاضلًا في علمه وأخلاقه، حلو المحاضرة، تولى مشيخة النورية ومشيخة دار الحديث بـ \"دمشق\". من كتبه: \"العوالي المسندة\" و\"ثلاثيات من مسند أحمد\" و\"مجاميع\" و\"تعاليق\" =","vol":"3","page":431},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nبقراتي، أنبأنا محمد بن عبد الواحد المقدسي الحافظ، أنبأنا أبو بكر محمد بن محمد المؤذن أن محمد بن رجاء أخبرهم، أنبأنا أحمد بن عبد الرحمن، أنبأنا أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه أنبأنا، محمد بن علي بن سهل، أنبأنا محمد بن الحسين الأنماطي، أنبأنا إِبراهيم بن محمد بن عرعرة، أنبأنا يزيد بن أبي حكيم بن الحكم - يعني ابن أبان - عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: جاء عبد الله بن الزبعري إِلى النبيّ ﷺ فقال: يا محمد تزعم أن الله أنزل عليك هذه الآية: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾؟.\nقال ابن الزبعري (^١): قد عبدت الشمس، والقمر، والملائكة، والمسيح، وعزير، وعيسى بن مريم، كلّ هؤلاء في النار مع آلهتنا؟.\nفنزلت: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [سورة الزخرف: الآية ٥٧، ٥٨]، ثم نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ١٠١].\nورواه الحاكم في \"المستدرك\" عن الحسن بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ قال المشركون: فالملائكة وعيسى، وعزير يعبدون من دون الله.\nقال: فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ١٠١].\nوهذا إِسناد صحيح، وليس فيه تصريح بأن المعترض عبد الله بن الزبعري.\n_________\n= وغيرها. توفي محرمًا في خليص (بين الحرمين) سنة ٧٣٩ هـ. ينظر: فوات الوفيات ٢/ ١٣٠، وآداب اللغة ٣/ ١٧٢، والدرر الكامنة ٣/ ٢٣٧، والنجوم الزاهرة ٩/ ٣١٩، والأعلام ٥/ ١٨٢، والبداية والنهاية ١٤/ ١٨٥.\n(^١) ابن الزبعري - بكسر الزاي المعجمة وفتح الباء الموحدة من تحت بعدها وقد تكسر أيضًا بعدها عين مهملة ساكنة ثم راء مهملة مفتوحة - كان من أشد الناس على الإِسلام وأكثرهم أذى بلسانه فحشًا وهجاء، وبنفسه مكايدة وعنادًا، ثم أسلم عام الفتح، وحسن إِسلامه، وهذا مذكور عنه، مشهور في كتب التفسير والسير وقد تقدم قريبًا.","vol":"3","page":432},{"text":"وَأُجيبَ: بِأَنَّ \"مَا\": لِمَا لا يَعْقِل، وَنُزُولُ \"إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ\" [سورة الأنبياء: الآية ١٠١] زِيَادَةُ بيَانٍ لِجَهْلِ المُعْتَرِضِ مَعَ كَوْنِهِ خَبَرًا.\nوَاسْتُدِلَّ: بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُمْتَنِعًا، لَكَانَ لِذَاتِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ بِضَرُورَةٍ أَوْ نَظَرٍ، وَهُمَا مُنْتَفِيَانِ.\nوَعُورِضَ: لَوْ كَانَ جَائِزًا … إِلَى آخِرِهِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وأجيب\": \"بأن\" الاعتراض لم يكن متوجهًا، فإِن \"\"ما\" لما لا يعقل\" فكيف ينتقض بالمسيح والملائكة؟.\n\"ونزول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ\" …﴾ ليس مخصصًا لذلك العموم حتَّى يقال: إِنه بيان، بل هو \"زيادة لبيان جهل المعترض\".\nوهذا كلّه \"مع كونه خبرًا\" والنزاع إِنما هو في التكاليف الَّتي يحتاج إِلى معرفتها للعمل بها.\nولذلك عقدنا المسألة في التأخير إِلى وقت الحاجة أي: وقت توجّه الطلب التكليفي.\nهذا تقرير قوله: \"مع كونه خبرًا\" فاعتمده.\nولقائل أن يقول: من يعقل يدخل مع مَنْ لا يعقل تغليبًا، ولو سلم عدم الدُّخول؛ فقد نقض ابن الزبعري لمن لا يعقل أيضًا، وكان من أهل اللسان.\nوما يذكر أنه ﵇ قال له: \"مَا أَجْهَلَكَ بِلُغَةِ قَوْمِكَ\" فشيء لا يعرف.\nوقد أسلم ابن الزبعري بعد ذاك، وحسن إِسلامه، وكان من جلّة الصحابة. والنزاع يطرق الأخبار كما يطرق التكاليف على ما مَرّ في حكاية المذاهب، وإِن اختص عقد المسألة بالتكاليف.\n\"واستدلّ\" أيضًا: \"بأنه\" أي التأخير \"لو كان ممتنعًا، لكان إِما لذاته، أو لغيره\".\nوعلى التقديرين فإِما أن يعلم ذلك \"بضرورة أو نظر، وهما منتفيان\".\nأما الضَّرورة، فواضح، كيف والخلاف قائم، ودعواها مع قيام الخلاف غير مسموع؟.\nوأما النظر؛ فلأنه لو امتنع لامتنع لجهل مراد المتكلم من كلامه؛ لعلمنا أنه لا يحصل بالبيان إِلا ارتفاع ذلك.","vol":"3","page":433},{"text":"الْمَانِعُ: بَيَانَ الظَّاهِرِ: لَوْ جَازَ لَكَانَ إِلَى مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ؛ وَهُوَ تَحَكُّمٌ، وَلَمْ يُقَلْ بِهِ - أَوْ إِلَى الأَبَدِ؛ فَيَلْزَمُ الْمَحْذُورُ.\nوَأُجِيبَ إِلَى مُعَيَّنَةٍ عِنْدَ اللهِ، وَهُوَ وَقْتُ التَّكْلِيفِ.\nقَالُوا: لَوْ جَازَ لَكَانَ مُفْهِمًا؛ لأَنَّهُ مُخَاطِبٌ؛ فَيَسْتَلْزِمُه، وَظَاهِرُهُ جَهَالَةٌ، وَالْبَاطِنُ مُتَعَذِّرٌ.\nوَأُجِيبَ: بِجَرْيِهِ فِي النَّسْخِ؛ لِظُهُورِهِ فِي الدَّوَامِ، وَبِأَنَّهُ يُفْهَمُ الظَّاهِرُ مَعَ تَجْوِيزِهِ التَّخْصِيصَ عِنْدَ الْحَاجَةِ؛ فَلا جَهَالَةَ وَلا إِحَالَةَ.\n<hr><s0>\n\nوهو لا يصلح مانعًا كما في النسخ.\n\"وعورض\" بمثله، فقيل: \"لو كان\" تأخير البيان \"جائزًا\" لكان جوازه إِما لذاته أو لغيره .... إِلخ.\nالشرح: احتج \"المانع بيان الظاهر\" أي: المانع من تأخير البَيَان فيما له ظاهر بأنه: \"لو جاز\" تأخير بيانه \"لكان\": إِما \"إِلى مدّة معيّنة، وهو تحكم، ولم يقل به، أيضًا، والقول بالتحكُّم وخلاف الإِجماع باطل عقلًا ونَقْلًا.\n\"أو إِلى؛ الأبد فيلزم المحذور\"، وهو الخطاب والتكليف به مع عدم الفهم، وذلك تكليف بالمحال.\n\"وأجيب\" بأنه لم لا يجوز التأخير، \"إِلى\" مدّة \"معينة عند الله، وهو وقت التكليف\" أي: الاحتياج إِلى البيان بالامتثال؟.\n\"قالوا: لو جاز\" تأخير بيان ماله ظاهر، \"لكان\" المتكلّم بالظاهر قبل البيان \"مفهمًا؛ لأنه مخاطب\"، والغرض من الخطاب التفهيم، \"فيستلزمه\"، وإِلَّا لكان عبثًا، ولو كان كذلك لزم المُحَال؛ لأن المخاطب إِما أن يفهم ظاهر الخطاب، أو باطنه، \"وظاهره\" غير مراد؛ فالحمل عليه \"جَهَالة، والباطن\" قبل البيان \"متعذّر\".\n\"وأجيب\" عن هذا الإِلزام:\nأولًا: \"بجريه في النسخ؛ لظهوره في الدَّوام\" مع أنّه غير مراد، فيجئ فيه ما ذكرتم بِعَيْنهِ، لم يمنعوا من التأخير فيه.","vol":"3","page":434},{"text":"قَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ: تَأْخِيرُ بيَانِ الْمُجْمَلِ يُخِلُّ بِفِعْلِ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِهَا؛ لِلْجَهْلِ بِصِفَتِهَا؛ بِخِلافِ النَّسْخِ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّ وَقْتَهَا وَقْتُ بيَانِهَا.\nقَالُوا: لَوْ جَازَ تَأْخِيرُ بَيَانِ الْمُجْمَلِ، لَجَازَ الْخِطَابُ بِالْمُهْمَلِ، ثُم يُبَينُ مُرَادُهُ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِأَحَدِ مَدْلُولاتِهِ؛ فَيُطِيعُ وَيَعْصِي بِالْعَزْمِ؛ بِخِلافِ الآخَرِ.\n<hr><s0>\n\nوقد عرفت فيما تقدم أن النسخ وإِن كان من محلّ الخلاف، فلم يخالف فيه إِلا شِرْذمة لا يعبأ بهم.\n\"و\" ثانيًا: \"بأنه يفهم الظاهر مع تَجْويزه التخصيص عند الحاجة؛ فلا جهالة\"؛ إِذ لم يعتقد عدم التخصيص، بل هو مجوز له، \"ولا إِحالة\"؛ إِذ لم يرد منه فهم التخصيص تفصيلًا.\nواعلم أن منع التأخير إِلَّا في النسخ نقله أئمتنا كما تقدّم عن الجُبّائي وابنه، ونقله عنهما أيضًا عبد الجَبَّار في كتاب \"العمد\"، واختاره كما عرفت.\nالشرح: واحتج له بدليل لا يعرف أنهما ذكراه، وإِنما نعرفه من كلام عبد الجبار، فلذلك نعزوه إِليه فنقول: \"قال عبد الجبار: تأخير البيان المجمل يخل بفعل العبادة في وقتها، للجهل بصفتها بخلاف النسخ\"، فإِن صِفَةَ الفعل فيه مثبتة، فجاز فيه التأخير.\n\"وأجيب: بأن وقتها وقت بيانها\"؛ إِذ لا تكليف قبله، فلا إِخلال حينئذ.\nومن هنا يتبين لك أن الخلاف بيننا وبينهم يرجع إِلى أصل نحن فيه مُتَشَاجرون، وهو النظر إِلى الاستصلاح.\nفعندهم أن الخطاب لا يرد إِلَّا عند قضاء العقل بحسنه، وإِذا قضى العقل بذلك احتاج العبد إِلى الامتثال؛ وما لم يتبين له لم يمكنه الامتثال، مع أن الحاجة دَاعِيَةٌ إِلى الامتثال، لقضاء العقل.\nوهذه قاعدة لهم قد تهدّمت أركانها.\nوضربوا لنا مثلًا فقالوا: المطلقات اللاتي أمرهن الباري - تعالى - بتربص ثلاثة قُرُوءِ ماذا أراد منهن؟.","vol":"3","page":435},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأأراد تخييرهن، فمن شاءت اعتدّت بالأَطْهَار، ومن شاءت اعتدت بالحَيْضِ؟ أو أراد واحدًا بعينه؟.\nوأي الأمرين فقد أراد ما لا سبيل لهنّ إِلى فهمه من قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٨]؛ لأنه لا ينبئ عن التخيير ولا التعيين.\nوإِن قلتم: لم يرد شيئًا فهو محال، ولم يقل به عاقل.\nونحن نقول: إِنما أراد واحدًا بعينه إِلَّا أنه لم يرد فهم تَعيينه في الحال، وإِنما أراد فهم الجملة منه، كأنه قال: اعْتَدِّي بما سأبيّنه لك منهما، وما تهتدون به من أنه لولا تعيّن الاعتداد عقلًا، لما قيل هذا، وإِذا تعيّن وجب أن يبين ليفعل، مبنى على قاعدتهم.\nولو سلمت: فلعلّ المصلحة الإِجمال أولًا والتعيين آخرًا، وأين ما يمنع من ذلك في العقول؟.\n\"قالوا\" ثانيًا - أعني عبد الجَبَّار، ورفقته -: \"لو جاز تأخير بيان المجمل، لجاز\" من الله \"الخطاب بالمُهْمَل، ثم ببين مراده\"، بجامع عدم الفهم فيهما.\n\"وأجيب\": بالفرق \"بأنه\" في المُجْمل \"يفيد\" شيئًا، فيفيد \"أنه مخاطب بأحد مدلولاته، فيطيع ويعصى بالعزم\".\n\"بخلاف الآخر\" أعني: المهمل فإِنه لا يفيد شيئًا، فأني يستويان؟.\nثم إِن المهمل لا مدلول له، فما الذي يبين؟.\nوإِن هو أراد به شيئًا فقد أتى بلفظ لا يدلّ على المراد بوجه.\nبخلاف المجمل فإِنه إِذا تبيّن اتضح كونه، وإِلا على المبين، فقياس المجمل بالمهمل في غاية الفساد.\nوزعماء الخصوم لا يرضون هذا القياس، وإِنما يقيسون على خطاب العربي بالزِّنْجِيّة مع القدرة على مخاطبته بالعربي.\nوأجاب القاضي ﵁: بأنكم لم منعتم هذا الخطاب؟ بل نلتزم جوازه؛ ألا ترى أن القرآن خطاب للعرب والعجم؟.\nقلت: وهذا هو الحقّ، وإِنما يمتنع خطاب المرء غيره بما لا يفهمه المخاطَب ولا","vol":"3","page":436},{"text":"وَقَالَ الْجُبَّائِيُّ: تَأْخِيرُ بيَانِ التَّخْصِيصِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي كُلِّ شَخْصٍ؛ بِخِلافِ النَّسْخِ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْبَدَلِ، وَفِي النَّسْخِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي الْجَمِيعِ؛ فكَانَ أَجْدَرَ.\n<hr><s0>\n\nالمخاطب، كالمهمل أَمَّا ما يفهمان جميعًا أو يفهمه المخاطب، وبعض المخاطبين كالقرآن - فالإِجماع على جوازه؛ لإِمكان توصل من لم يفهمه من فاهميه.\nالشرح: \"وقال الجبائي\" أيضًا: \"تأخير بيان التخصيص يوجب الشَّك فِي كلِّ شخص، بخلاف النسخ\"؛ فإِنّ تأخيره لا يوجب ذلك، فكان تأخير بيان التَّخصيص ممتنعًا.\n\"وأجيب: بأن\" الشَّك في جواز تأخير النسخ أكثر؛ لأن \"ذلك\" شك في كلّ شخص \"على البدل\".\n\"وفي النسخ\" جواز التأخير \"يوجب\" أن يقع \"الشَّك في الجميع؛ فكان\" تأخير البيان في النسخ \"أجدر\" بالامتناع من التخصيص وأولى.\nومن الطلبة من \"يقرأ\" أحذر بالحاء أي أكثر حذرًا، والأمر قريب.\n\n\"فائدة\"\nثمرة مسألة تأخير البيان عن وقت الخطاب أن الفقيه إِذا عَثَرَ على عموم القرآن، ثم عثر على خبر يرفع بعض ذلك العموم، وعلم أن تاريخ الخبر متراخٍ عن نزول الآية، فإِنه إِن اعتقد إِحالة تأخير البيان قضى بكون الخبر نسخًا، فلم يأخذ به إِلَّا أن يكون متواترًا؛ إِذ النَّسْخ لا يكون بأخبار الآحاد (^١).\n_________\n(^١) ينظر: البرهان ١/ ١٦٦، والمعتمد ١/ ٣٤٢، والمحصول ١/ ٣/ ٢٧٩، والتبصرة (٢٠٧) واللمع (٢٩)، والمستصفى ١/ ١٥٤، والعدة ٣/ ٧٢٤، والمسودة (١٧٨)، وشرح العضد ٢/ ١٦٤، والمنتهى لابن الحاجب (١٠٣)، وروضة الناظر (١٨٥)، والإِبهاج ٢/ ٢٣٤، وشرح الكوكب ٣/ ٤٥١، وإِرشاد الفحول (١٧٣)، وجمع الجوامع ٢/ ٦٩، والآيات البينات ٣/ ١٢٢، وأصول السرخسي ٢/ ٣٠، وكشف الأسرار ٣/ ١٠٨، وتيسير التحرير ٣/ ١٧٤، وفواتح الرحموت ٢/ ٤٩، ونشر البنود ١/ ٢٨٠.","vol":"3","page":437},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nالْمُخْتَارُ؛ عَلَى الْمَنعِ: جَوَازُ تَأْخِيرِ إِسْمَاعِ الْمخَصِّصِ الْمَوْجُودَ.\nلَنَا: أَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْ تَأْخِيرِهِ مَعَ الْعَدَمِ.\nوأَيْضًا: فَإِنَّ فَاطِمَةَ ﵂ سَمِعَتْ: \"يُوصِيكُمُ اللهُ [فِي أَوْلادِكُمْ]، وَلَمْ تَسْمَعْ: \"نَحْنُ مَعَاشِرَ الأَنْبِياءِ\".\nوَسَمِعُوا: \"اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ\" [سورة التوبة: الآية ٥]، وَلَمْ يَسْمَعِ الأَكثَرُ: \"سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ\"، إِلَّا بَعْدَ حِينٍ.\n<hr><s0>\n\nوإِن أجاز تأخير البيان قضى بكونه مخصصًا، فأخذ به إِن كان ممن يخصّ بالآحاد.\nوهذا كما يأخذ الشَّافعي بقوله ﷺ: \"مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ\"، فإِن أهل الحديث نقلوا أنه كان في غزوة \"حنين\"، وأن الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٤١] قبل ذلك في غزوة \"بدر\".\nوكما يأخذ أيضًا بقوله: إِن عدّة الحامل بوضع الحمل، سواء أكانت متوفى عنها، أم مطلقة؛ لحديث سُبَيْعَةَ الأسلمية، وأنها حلت بوضع الحمل من عدة الوفاة مع قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٤]، فإِنه عام في الأزواج الحوامل وغيرهن.\nولكن حديث سبيعة مبيّن ومعتضد أيضًا بعموم آخر، وهو قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق: الآية ٤]؛ إِذ يشمل المتوفي عنها، والمطلقة.\nفإِذا وضح لك أن الحق جواز تأخير البيان، وتخصيص المقطوع بالمظنون وضح أن عدّة الحامل بوضع الحمل لا بأربعة أشهر وعشرًا، ولا بأقصى الأجلين كما ذهب إِليه بعض العلماء.\nولك أن تقول: ليست مسألة العدّة ممَّا نحن فيه؛ لاعتضاد الحديث بالقرآن، ونحن نقول: إِنما ذكرناها لقربها ممَّا نحن فيه، فيظهر بها ما أوردنا.","vol":"3","page":438},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالأمثلة كثيرة، فانظر فيما هذا شأنه، واعرف تاريخه، ثم انظر هل أنت متطلب نسخًا، فلا يكون إِلا بقاطع، أو تخصيصًا فيكتفي بالظنون.\nوبهذا يعلم أن لمعرفة التَّوَاريخ فائدة عظيمة، وأنه يترتَّب عليه من الأحكام الشرعية ما يكثر تَعْدَادُهُ.\n«مسألة»\nالشرح: \"المختار على المنع\" من تأخير البيان إِلى وقت الحاجة \"جواز تأخير إِسماع المخصص الموجود\"، وهو رأى أبي هاشم، والنَّظَّام، وأبي الحسين.\nوقال الجُبّائي وأبو الهُذَيل (^١): يمتنع في الدليل المخصص السّمعي، دون العقلي؛ فإِن الكلّ متفقون على جواز أن يُسمِع الله المكلف العلم من غير أن يعلمه أن في العَقْل ما يخصّصه.\nولك نصب \"الموجود\" في كلام المصنّف على أنه صفة لمفعول ثانٍ للإِسماع، أي: إِسماع الله الشيء المخصص المكلف الموجود، ويكون في ذكر الموجود فائدتان:\nإِحداهما: أن مَنْ ليس موجودًا حال نزول المخصص لا يشترط إِسماعه؛ لعدم إِمكانه.\nوالثانية: أن القائل بإِسماع المخصص يشترط إِسماعه الموجودين كلهم، ولا يكتفي بإِسماع البعض، ولولا ذلك لما صحّ الاستدلال أن فاطمة لم تسمع مخصص: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة النساء: الآية ١١] ﵂.\nوالأكثر: \"سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ\"؛ فإِن الخصم كان يقول: نحن لم نشترط إِلا سَمَاع البعض، وقد سمع غير فاطمة ﵂، وغير الأكثر.\n_________\n(^١) محمد بن الهذيل بن عبد الله بن مكحول العبدي، مولى عبد القيس، أبو الهُذَيْل العَلَّاف. وُلد في \"البصرة\" سنة ١٣٥ هـ. وهو من أئمة المعتزلة، اشتهر بعلم الكلام. قال المأمون: أطل أبو الهذيل على الكلام كإِطلال الغمام على الأنام. وكان حسن الجدل، قوي الحجة، سريع الخاطر. كف بصره في آخر عمره. له كتب كثيرة منها: \"ميلاس\" على اسم مجوسي أسلم على يده. توفي بـ\"سامرا\" سنة ٢٣٥ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ١/ ٤٨٠، ولسان الميزان ٥/ ٤١٣، وتاريخ بغداد ٣/ ٣٦٦، والأعلام ٧/ ١٣١.","vol":"3","page":439},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوإِن جررتَ \"الموجود\" كان صفة للمخصص، يعني: أن المخصص إِذا كان موجودًا جاز تأخير إِسماعه.\nويشهد [للجَرّ] (^١) قوله: أقرب من تأخيره مع العدم.\nفإِن قلت: لو نَصَبْنَا لم يكن فيه دلالة على أن الكلام في مخصص موجود الذي هو موضوع المسألة؛ بدليل قوله: أقرب من تأخيره مع العدم، وبدليل أن غير الموجود هو المسألة المخرج عليها، وقد سبقت.\nقلت: بلى فيه دلالة من لفظ الإِسْماع؛ فإِنه لا يصحّ إِلَّا فيما يصحّ سماعه وهو الموجود؛ لأنَّ الذي يصح أن يسمع لا يكون معدومًا.\n\"لنا: أنه أقرب من تأخيره مع العدم\" أي: أنا قد بَيّنا جواز تأخيره المخصص عن الخطاب، إِذا كان سميعًا، مع أن عدم سماعه لعدمه في نفسه [أتم] (^٢) من عدم سماعه مع وجوده في نفسه، فإِذا جاز تأخير المخصّص مع عدمه في نفسه، فجواز تأخير إِسماعه مع وجوده أولى. كذا ذكره الآمدي، فتبعه المصنّف.\nوأنت تعلم أنه بعد تسليم المنع لا يتوجّه، وغايته أن يقال: منع هذا أبعد من منع ذلك، ولكنهما في البعد مشتركان، فالأولى الاقتصار على الاستدلال بالوقوع.\nوإِليه أشار بقوله: \"وأيضًا: فإِن فاطمة ﵂ سمعت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ١١] \" ....، \"ولم تسمع\" ما قدمناه في أول العموم من قوله ﷺ: \"\"نَحْنُ مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ\" لا نُورَثُ\" إِلى أن روى لها بعد حين. \"و\" الصحابة \"سمعوا قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٥]، ولم يسمع الأكثر\" منهم المخصص للمجوس، وهو ما رواه الشَّافعي ﵁ في \"مسنده\" من حديث جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر ﵁ ذكر المجوس فقال: ما أدري كيف؟.\nفقال له عبد الرحمن بن عوف ﵁: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: \"سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ\" فدلّ أن بعض المكلفين لم يسمع المخصص \"إِلَّا بعد حين\".\n_________\n(^١) في أ: للحر.\n(^٢) في أ، ت: تم.","vol":"3","page":440},{"text":"<span data-type='title' id=toc-727>مَسْأَلَةٌ:\nالْمُخْتَارُ؛ عَلَى الْمَنْعِ: جَوَازُ تَأْخِيرِهِ ﷺ تَبْلِيغَ الْحُكْمِ إِلَي وَقْتِ الْحَاجَةِ</span>؛ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنْهُ مُحَالٌ، وَلَعَلَّ فِيهِ مَصْلَحَةً.\nقَالُوا: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦٧].\nوَأُجِيبَ؛ بَعْدَ كَوْنِهِ لِلْوُجُوبِ وَالْفَوْرِ: أَنَّهُ لِلْقُرْآنِ.\n<hr><s0>\n\nوفي صحيح البُخَاري: أن عمر ﵁ لم يأخذ الجِزْيَةَ من المَجُوس حتَّى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس \"هَجَرَ\".\n«مسألة»\nالشرح: \"المختار\" تفريعًا \"على المنع\" أيضًا \"جواز تأخيره ﷺ تبليغ الحكم إِلى وقت الحاجة؛ للقطع بأنه لا يلزم منه مُحَال، ولعلَّ فيه مصلحة\".\nفإِن قلت: من جملة الأحكام المخصِّص، وقد قدّمتم - على المَنْع - جواز تأخير إِسماعه، فهل ذلك فَرْد من أفراد هذه المسألة، فيما إِذا كان تأخير الإِسماع من النبيّ ﷺ؟\nقلت: لا؛ لأنا إِذا فَرَّعنا على المنع فنحن مانعون من ورود العام إِلا ومعه الخاص، وإِنما هذه المسألة في تبليغ الحكم من حيث الجملة، سواء العام المقارن للخاص، والمطلق المقارن للمقيد، والمُجْمل المقارن للمبين، والمبين بنفسه.\nوالمانعون \"قالوا\" قوله تعالى: \" ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ \" [سورة المائدة: الآية ٦٧] يدلّ على وجوب المبادرة.\n\"وأجيب\" \"بعد\" تسليم \"كونه للوجوب والفَوْرِ: أنه للقرآن\" (^١) لا لجميع الأحكام.\nذكره الإِمام الرَّازي، والآمِدِيّ.\n_________\n(^١) استدلّ هؤلاء القوم على أن الأمر هنا للفور بأن وجوب التبليغ مطلقًا سواء كان على الفور أو متراخيًا معلوم عقلًا من الرسالة، فلا حاجة إِلى الإِبانة، وأجاب الجمهور بأن إِبانة التبليغ مع كونه معلومًا عقلًا لفائدة تقوية ما حكم به العقل بالنقل، ويدل على ذلك ما بعده، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ فإِن عدم فعل التبليغ على الفور لا يوجب عدم تبليغ الرسالة رأسًا، وهو ظاهر.","vol":"3","page":441},{"text":"<span data-type='title' id=toc-728>مَسْأَلَةٌ:\nالْمُخْتَارُ؛ عَلَى التَّجْوِيزِ: جَوَازُ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ.</span>\nلَنَا: أَنَّ \"المُشْرِكِينَ\" بُيِّنَ فِيهِ الذِّمَّيّ، ثُمَّ الْعَبْد، ثُمَّ المَرْأَةُ؛ بِتَدْرَيجٍ، وَآيَةُ الْمِيرَاثِ بَيَّنَ ﵊ مِيرَاثَ الْكَافِرِ والْقَاتِلِ؛ بِتَدْرِيجٍ.\nقَالُوا: يُوهِمُ الْوُجُوبَ فِي البَاقِي؛ وَهُوَ تَجْهِيلٌ.\nقُلْنَا: إِذَا جَازَ إِيهَامُ الْجَمِيعِ، فَبَعْضُهُ أَوْلَى.\n<hr><s0>\n\nوفي الفرق بين تبليغ القرآن وغيره نظر (^١).\n«مسألة»\nالشرح: \"المختار\" تفريعًا \"على التجويز\" الذي هو المختار أيضًا \"جواز\" إِسماع \"بعض\" من البيان \"دون بعض\".\nوقيل: لا.\nوقيل: يجوز في المُجْمل، دون العموم.\nوقيل: يمتنع مطلقًا إِلَّا أن يشعر المبين بأنه قد بقي بيان آخر.\n\"لنا: أن\" قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٥] بين فيه الذّمى، ثم العبد، ثم المرأة بتدريج، وآية الميراث بَيّن ﷺ القاتل والكافر بتدريج\"، وآية الحج فسر النبيّ ﷺ\n_________\n(^١) قال الشيخ بخيت: إِن الأمر ظاهر في تبليغ المتلو أي القرآن الشريف، وردوه بأن كلمة \"ما\" عامة، والتخصيص من غير دليل، فلا يقبل على أن الآية قد نزلت في تبليغ حكم غير متلو كما ورد في بعض الروايات، ولا يتوهم أنها ليست على عمومها؛ فإِن بعض ما أنزل أسرار بين الله ورسوله صلوات الله عليه، فلا يصح التبليغ؛ لأن الآية ظاهرة في العموم فلا تسمع دعوى أن بعض ما أنزل أسرار ممنوع التبليغ إِلا عن البعض الغير المتأهلين، وهو لا ينافي وجوب التبليغ مطلقًا، فافهم. كذا في الفواتح. لكن هذا غير مسلم؛ لأن ممَّا لا شك فيه أن بعض ما أنزل مما اختص الله بعلمه، كالمتشابه الذي لا ندرك العقول كنهه كذات الله وصفاته ومما اختص به رسوله من الغيوب الني جاء بها القرآن وأطلعه الله عليها فالأولى أن يقال: إِن كلمة \"ما\" عامة عمومًا عرفيًّا، لاختصاصها بما أنزل من الأحكام، والكلام في هذا لا فيما عداه ممَّا لا يتعلق بالأحكام.","vol":"3","page":442},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالاستطاعة بالزَّاد والرَّاحلة، ولم يتعرّض للسلامة في الطَّريق وطلب الخِفَارة [إِلَّا] (^١) بعد حين.\n\"قالوا: يوهم الوجوب في الباقي\"؛ لأنَّ المخاطب قصد بيان ما أشكل، فاقتضى الحال إِكمال ما أشكل، فإِن لم يكمل كان موهمًا، \"وهو تجهيل\".\n\"قلنا\": الإِيهام إِنما يكون في العام دون المُجْمل، والذي لا يفهم منه شيء، \"وإِذا جاز\" في العام \"إِيهام الجميع\"، بسبب تأخير إِسماع الكُلّ، \"فبعضه أولى\".\nولقائل أن يقول: العام ما لم يدخله التَّخصيص، فغلبة الظَّن قائمة بأنه سيوجد المخصّص؛ إِذ الغالب أن كلّ عام مخصوص، ولذلك لا يجوز عند المصنّف وغيره العمل به قبل البحث.\nوأما إِذا دخله فيغلب على الظَّن العكس، فكان الإِيهام بعد تطرف التَّخصيص أكثر، فلا يستويان فائدة، ثم يقتضي التشريك، في الحكم والترتيب والمُهْلة.\nفقد يقال: قوله: \"الذمى، ثم العَبْد، ثم المرأة\" يقتضى تأخر العَبْد عن الذِّمِّي والمرأة عن العبد لما ذكرناه، وذلك مستدعي نقل التَّاريخ فيه، ولا نحفظه.\nثم قوله: \"بتدريج\" غير محتاج إِليه مع لفظة \"ثم\".\nويمكن الجواب: بأن الترتيب في \"ثم\" قد يتخلف، كما ذهب إِليه بعض النُّحاة؛ مُحتَجًّا بقوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [سورة الزمر: الآية ٦] [وقوله: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ] (^٢) وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ [سورة السجدة: الآية ٧ - ٩].\nوقولِ الشاعر: [الخفيف]\nإِنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ … ثُمَّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهُ (^٣)\n_________\n(^١) في أ، ت: إِلى.\n(^٢) سقط في أ، ت، ج.\n(^٣) البيت من الخفيف وهو لأبي نواس في ديوانه ١/ ٣٥٥، والدرر ٦/ ٩٣، وخزانة الأدب ١١/ ٣٧، ٤٠، ٤١، والجنى الداني ٤٢٨، ورصف المباني ١٧٤، ومغنى اللبيب ١/ ١١٧، وجواهر الأدب ٣٦٤.","vol":"3","page":443},{"text":"<span data-type='title' id=toc-729>مَسْأَلَةٌ:\nيَمْتَنِعُ الْعَمَلُ بِالْعُمُومِ قَبْلَ الْبَحْثِ عن الْمُخَصِّصِ</span>؛ إِجْمَاعًا.\nوَالأَكْثَرُ: يَكْفِي بِحَيْثُ يَغْلِبُ انْتِفَاؤُهُ ..\nالْقَاضِي: لا بُدَّ مِنَ الْقَطْعِ بِانْتِفَائِهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ دَلِيلٍ مَعَ مُعَارِضِهِ.\n<hr><s0>\n\nوإِذا كان كذلك فإِنما أتى بـ \"ثم\" لتبين التشريك والمُهْلة، وهما حاصلان، وإِن لم يعرف عين المتقدّم من المتأخر.\nويدلّ لهذا قوله: \"بتدريج\"؛ فإِنه يشعر بأن القصد وقوع التَّدْريج في بيان هذه الأشياء لا تعيين المتقدم من المتأخر، وإِلَّا لم يكن لذكر التدريج فائدة.\nولو عطف المصنّف بـ \"الواو\" كما فعل في \"القاتل والكافر\" كان أولى.\n«مسألة»\nالشرح: قال المصنّف، تبعًا للغزالي، والآمدي: \"يمتنع العمل بالعُمُوم قبل البحث عن المخصّص إِجماعًا\" (^١).\nثم اختلف المجمعون في كيفية البحث.\n\"والأكثر: يكفي بحيث يغلب على الظَّن انتفاؤه\".\nوقال \"القاضي: لا بُدَّ من القطع بانتفائه\".\nوكذلك كلّ دليل مع معارضه\"، فلا تظنّن مسألة العموم مختصّة بذلك.\nواعلم أن المصنّف ادّعى أمرين:\nأحدهما: أن لا بد من أصل البحث، ولم يحتج إِلى الاستدلال عليه؛ إِذ قد نقل فيه الإِجماع.\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٣/ ٣٦، والتمهيد للأسنوي ٣٦٤، ونهاية السول ٢/ ٤٠٣، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ٣٧٢، والتحرير لابن الهمام ص/ ٧٨، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ١/ ٢٣٠، وكشف الأسرار للنسفي ١/ ١٦١. وينظر: المسودة (١٠٩)، والعدة ٢/ ٥٢٥، والرسالة (٢٩٥، ٣٢٢، ٣٤١)، وروضة الناظر (١٢٦)، وأصول السرخسي ١/ ١٣٢، والتحرير (٧٨ - ٧٩)، والمدخل (٢٤٣).","vol":"3","page":444},{"text":"لَنَا: لَوِ اشْتُرِطَ لَبَطَلَ الْعَمَلُ بِالأَكْثَرِ.\nقَالُوا: مَا كَثُرَ الْبَحْثُ فِيهِ تُفِيدُ الْعَادَةُ الْقَطْعَ، وَإِلَّا فَبَحْثُ الْمُجْتَهِدِ يُفِيدُه، لِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ لاطَّلعَ عَلَيْهِ.\n[وَمُنِعَا]، وَأُسْنِدَ بأَنَّهُ قَدْ يَجِدُ مَا يَرْجِعُ بِهِ.\n<hr><s0>\n\nوالثَّاني: أنه لا يشترط القَطْع، واستدلّ له فقال:\n\"لنا\": \"لو اشترط، لبطل العمل بالأكثر\"؛ لعدم القَطْع بانتفاء مخصّصها.\nوأنا أقول: لعلّ القاضي يمنع بُطْلان التالي؛ فهو لا يقيم للعمومات وَزْنًا.\n\"قالوا\" يعنى القاضي ومتابعيه: \"ما كثر البحث فيه\" من المسائل بين النّظار، ولم يوجد له مخصص، \"تفيد العادة القطع\" بانتفاء المخصّص.\n\"وإِلَّا\" أي: وما لم يكثر فيه بحث النظار \"فبحث المجتهد\" وحده مع عدم اطلاعه على المخصص \"يفيده\" القطع؛ \"لأنه لو أريد\" التَّخْصيص \"لا طَلع عليه\"؛ لأن الله - تعالى - ينصب على ذلك أمارة، وإِلَّا كان تكليفًا بما لا يُطَاقُ.\n\"ومنعا\" أي الدليلان المذكوران، \"وأسند\" المنع فيهما، \"بأنه قد يجد\" المجتهد بعد الحكم بالعموم من المخصصات \"ما يرجع به\"، وهذا يقع للمجتهدين كثيرًا، فدلّ أنه كانت أمارة ولم يجدها، وهو واضح.\nواعلم أن دعوى الإِجْمَاع على أنه لا بد من البَحْثِ ممنوعة؛ فالمسألة مشهورة بالخلاف بين أئمتنا، حكاه الأستاذ أبو إِسحاق الإِسفراييني، والشيخ أبو الحسن الخلاني، والشيخ أبو إِسحاق الشِّيرَازي، ومن يطول تَعْدَاده، وعليه جرى الإِمام الرازي وأتباعه.\nوالذي عليه الصَّيْرفي أنه يجب اعتقاد العموم في الحال والعمل بمقتضاه كما نقله من ذكرناه.\nواقتصر القاضي أبو الطيب، وإِمام الحرمين، وابن السمعاني، فنقلوا عن الصيرفي وجوب اعتقاد العموم في الحال، ولم يذكروا عنه وجوب العمل، وما سكتوا عنه قد صرح به من ذكرناه.","vol":"3","page":445},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالقول بوجوب البحث قول ابن سُرَيج، والإِصْطَخْري، وابن خيران، والقَفَّال الكبير كما نقله الشيخ أبو حامد.\nوأما قول المصنّف: \"وكذا كلّ دليل مع مُعَارضه\" فهي طريقة بعض الأصوليين، وعليها جرى الشيخ أبو حَامِدٍ حيث قال: وهكذا الخلاف بين أصحابنا في لفظ الأمر والنَّهْي إِذا وردا مطلقين.\nوالأصح عندنا ومنهم من نقل فيه الإِجماع: أنه لا يجب عند سماع الحقيقة طلب المجاز، وإِن وجب عند سماع العام البحث عن الخاصّ؛ لأن تطرق التَّخصيص إِلى العمومات أكثر.\nقال أبي ﵀: ولأن في العام دلالتين:\nإِحداهما: على أصل المعنى، وهو نصّ.\nوالثانية: على استغراق الأفراد، وهي ظاهرة، واحتمال المجاز حاصل في الأول، وفي كلّ حقيقة يدلّ فيها على معنى مفرد، والدلالة الإِفرادية عليه قطعيّة، فلذلك لم يطلب المجاز، واحتمال التخصيص إِنما هو في الثَّانية.\nقال: ومن شبه العام بالحقيقة، فقد أتى بساقط من القول.\n\n\"فائدة\"\nقال الشيخ أبو حامد: حكى القَفَّال: أن الصيرفي سئل عن قوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [سورة الملك: الآية ١٥] هل تقول: إِنَّ من سمع هذا يأكل جميع ما يجده من الرزق؟ فقال: أقول إِنه يبلع الدنيا بلعًا.\nقلت: فانظر كيف يعمل بمقتضى العُمُوم قبل البَحْثِ كما نقلناه.\nثم قال الشيخ أبو حامد: وذكر الصَّيرفي أن ما ذهب إِليه مذهب الشَّافعي، لأنه قال في \"الرسالة\": والكلام إِذا كان عامًّا ظاهرًا كان على ظهوره وعمومه حتَّى تأتي دلالة تدلّ على خلاف ذلك.\nقال: وزعم ابن سريج ورفقته أن ما ذهبوا إِليه مذهب الشَّافعي؛ لأنه قال: وعلى أهل العلم في الكتاب والسُّنة أن يطلبوا دليلًا يفرقون به بين الحَتْمِ وغيره في الأمر والنهي. فأخبر أنه يجب أن يطلب دليلًا يستدلّ به على موجب اللَّفظ.","vol":"3","page":446},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-731>\"فائدة\"\nمثار الخلاف في وجوب البَحْثِ التعارض بين الأصل والظاهر،</span> وبين آخر نفيس، وهو التردّد في أن التَّخصيص مانع أو عدمه شرط؟.\nفالصَّيرفي يقول: إِنه مانع، فيتمسَّك بالعموم ما لم ينهض المانع، لأن الأصل عدمه.\nوابن سُرَيْج يقول: عدمه شرط، فلا بد من تحققه.\nوحاصله: أن ابن سريج يقول: صيغ العموم لا تدلّ على الاستيعاب إِلا عند انتفاء القَرَائِنِ، وانتفاء القرائن شرط، فلا بد من البحث عنه.\nوكذا نقله عنه ابن السَّمْعَاني وغيره، واختاره القاضي أبو الطيب، وابن السَّمعاني وغيرهما من أئمتنا.\nقال القاضي أبو الطيب: إِنما يدلّ على العموم صيغة متجرّدة، والتجرّد لم يثبت، قال: وهذا كما تقول: إِذا شهد عند الحاكم شاهدان لا يعرف حالهما، فإِنه يجب السُّؤال عن عَدَالَتهما، ولا يجوز الحكم بها قبل السؤال؛ لأن البَيّنة: الشاهدان مع العدالة، لا الشاهدان فقط.\nقلت: ونظير هذا أن صيغ العموم للاستيعاب عند عدم العَهْدِ.\nوإِن أشكل الحال هل ثمّ عهد فكذلك؛ خلافًا لقوم، وعليه إِمام الحرمين.\nومثاره أن عدم العهد شرط أو جوده مانع؟\n\n<span data-type='title' id=toc-732>\"فرع\"\nإِذا اقتضى العام عملًا مؤقتًا، وضاق الوقت عن طلب الخصوص،</span> فهل يعمل بالعموم أو يتوقف؟\nحكى ابن الصَّباغ فيه خلافًا:\nونظيره هل للمجتهد التَّقْليد عند ضيق الوقت؟\nوفيه وجهان.\nوكذا القادر على الاجتهاد في القِبْلَةِ، وكذا لو استيقظ قبل الوقت، وكان بحيث لو اشتغل بالوضوء يخرج، فهل يباح له التيمم أو يتوضأ ويصلى خارج الوقت؟ وجهان.","vol":"3","page":447},{"text":"<span data-type='title' id=toc-733>مَبْحَثُ الظَّاهِرِ وَالمُؤَوَّلِ</span>\nالظَّاهِرُ وَالْمُؤَؤَلُ\": الظَّاهِرُ: الْوَاضِح، وَفِي الاِصْطِلاحِ: مَا دَلَّ دَلالَةً ظَنِّيَّةً: إِمَّا بالْوَضْعِ؛ كَالْأَسدِ، أَوْ بِالْعُرْفِ؛ كَالْغَائِطِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"الظاهر\" في اللغة: \"الواضح\" (^١).\n_________\n(^١) الظاهر في اللغة: الواضح، وفي الاصطلاح فيه ثلاثة مذاهب:\nالأول: وهو مذهب المتقدمين: ما ظهر معناه الوضعي سِيقَ له اللَّفظ، أو لم يُسَقْ.\nالثَّاني: وهو مذهب المتأخرين من الحنفية: ما ظهر معناه الوضعي محتملًا غيره احتمالًا مرجوحًا، بشرط عدم سوق الكلام له فرقًا بينه وبين النص.\nالثالث: وهو مذهب الشَّافعية: ما دلّ على معنى بالوضع الأصلي، ويحتمل غيره احتمالًا مرجوحًا، أو هو ماله دلالة ظنية.\nيلاحظ أنه لا يوجد مثال للظاهر بخصوصه من غير نص؛ لأنه إِنما يكون في ضمن معنى سيق له الكلام.\n\"١\" قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ ظاهر في بيان حلّ البيع وحرمة الرِّبا؛ إِذ السياق يدلّ على أن بيان الحلّ والحرمة ليس مقصودًا؛ لأنه في جواب الكفار عن قولهم: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾.\n\"٢\" قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ ظاهر في بيان حلّ النكاح؛ فإِنه لم يسق له، وإنما سيق لبيان العدد في تعدد الزوجات، أما بيان الحلّ فقد علم من آية أخرى وهي: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ وهذا إِنما يتم لو كان آية الاقتصار على أربع متأخرة في النزول.\n\"٣\" مثال الظاهر عند الشَّافعية قوله ﷺ لغِيلانَ، وقد أسلم على عشر نسوة: \"أَمْسِكْ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ\" وهو ظاهر في استصحاب النِّكَاح.\nأما حكمه عند الشَّافعية؛ فالعمل به لكن لا على جهة القطع؛ لوجود الاحتمال المرجوح، فإِن رجح بدليل يعضده كان مؤولًا مصروفًا عن الظاهر، وإن تساوى الاحتمالان، فالوقف، حتَّى يظهر الدليل.\nوأما عند الحنفية ففيه مذهبان:\nالأول: مذهب مشايخ العراق منهم أبو الحسن الكرخي، وأبو بكر الجصاص، ومذهب القاضي أبي زيد، ومن تابعه، وعامة المعتزلة.\nوهو أن الثَّابت بها ثابت قطعًا يقينًا، واجب العمل به، سواء أكان خاصًّا - مع قيام احتمال =","vol":"3","page":448},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"وفي الاصطلاح: ما دلّ دلالة ظنيّة\".\nوعلى هذا فالنَّص وهو الدَّال دلالة قطعية - قسيم له، وقد تقدم.\nومنهم من يجعله قسمًا منه.\nوقريب: من هذا التعريف قول ابن السَّمعاني: الظاهر لفظ معقول يبتدر إِلى الفهم منه معنى مع احتمال اللَّفظ غيره.\nثم دلالته الظنية: \"إِما بالوضع كالأسد\" للحيوان المفترس، والعموم في الاستيعاب، والأمر في الوجوب.\n_________\n= التأويل فيه - أمْ عامًّا - مع قيام احتمال التَّخصيص - وذلك بناء منهم على أن لا عبرة للاحتمال البعيد، وهو الذي لا ينشأ عن قرينة.\nالمذهب الثَّاني: وهو مذهب ما وراء النهر، منهم الإِمام أبو منصور الماتريدي، وبه قال بعض علماء الحديث، وبعض أصحاب المعتزلة:\nأن حكم الظاهر والنص وجوب العمل بما وضع له اللَّفظ لا قطعًا، ووجوب اعتقاد حقية ما أراد الله - تعالى - من ذلك الحكم، وهذا منهم بناء على أن العام وإِن خلا عن قرينة التَّخصيص والخاص وإِن خلا عن قرينة التأويل، ولكن الاحتمال باقٍ في الجملة، وذلك ينزله عن درجة القطع، وإن وجب العمل، وحاصله أن ما دخل تحت الاحتمال، وإِن كان بعيدًا لا يوجب العلم، بل يوجب العمل، كخبر الواحد والقياس.\nوالمختار هو الأول؛ لأن الاحتمال الذي لا ينشأ عن قرينة في الكلام إِنما ينشأ عن إِرادة المتكلم، وهو أمر باطن لا يوقف عليه، والأحكام لا تعلق لها بالمعاني الباطنة، كرخص المسافر لا يتعلق بحقيقة المشقة، بل بالسفر الذي هو سبب، وكذلك النسب لا يتعلق بالإِغلاق، بل بالفراش الذي هو دليل الإِغلاق، وكذلك التكليف لا يتعلق باعتدال العقل، بل بالاحتلام الذي هو دليل؛ لأن تلك معانٍ باطنة. ينظر: معجم مقاييس اللغة ٣/ ٤٧١، والصحاح ٢/ ٧٣١، ولسان العرب ٤/ ٢٧٦٧ - ٢٧٦٩، وشرح العضد ٢/ ١٦٨، والعدة ١/ ١٤٠، والسرخسي ١/ ١٦٣، والمغنى للخبازي (١٢٥)، والمستصفى ١/ ٣٨٤، والميزان ١/ ٥٠٥، وروضة الناظر (٩٢)، ومفتاح الوصول ص ٥٩، والآيات البينات ٣/ ٩٨، والإِحكام ٣/ ٤٨، وكشف الأسرار ١/ ٤٦، وتيسير التحرير ١/ ١٣٦، والتلويح ١/ ١٢٤، وفتح الغفار ١/ ١١٢، وفواتح الرحموت ٢/ ١٩، وجمع الجوامع ٢/ ٥٢، وإِرشاد الفحول ١٧٥، وشرح التنقيح (٣٧).","vol":"3","page":449},{"text":"وَالتَّأْوِيلُ: مِنْ آلَ يَئُول، أيْ: رَجَعَ (^١).\nوَفِي الاِصْطِلاح: حَمْلُ الظَّاهِرِ عَلَى الْمُحْتَمَلِ الْمَرْجُوحِ، وَإِنْ أَرَدتَ الصَّحِيحَ، زِدتَ: \"بِدَلِيلٍ يُصَيِّرُهُ رَاجِحًا\".\nالْغَزَالِيُّ ﵀ احْتِمَالٌ يَعْضُدُهُ دَلِيلٌ يَصِيرُ بِهِ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ مِنَ الظَّاهِرِ.\nوَيَرِدُ: أَنَّ الاِحْتِمَالَ لَيْسَ بِتَأْوِيلٍ، بَلْ شَرْطٌ، وَعَلَى عَكْسِهِ التَّأْوِيلُ المَقْطُوعُ بِهِ، وَقَدْ يَكُونُ قَرِيبًا؛ فَيَتَرَجَّحُ بِأَدْنَى مُرَجِّحٍ، وَقَدْ يَكُونُ بَعِيدًا؛ فَيَحْتَاجُ لِلأَقْوَى، وَقَدْ يَكُونُ مُتَعَذِّرًا فَيُرَدُّ.\n<hr><s0>\n\n\"أو بالعرف كالغائط\" للخارج المستقذر، فإِنه غالب فيه، مع كونه في الأصل للمكان المطمئن.\nالشرح: \"والتأويل: من آل يئول (^٢) أي: رجع\"، فالتأويل ترجيع.\n_________\n(^١) ينظر: معجم مقاييس اللغة ١/ ١٥٩، والصحاح ٤/ ١٦٢٧، وترتيب القاموس ١/ ١٩٧، ولسان العرب ١/ ١٧١ - ١٧٢، وشرح العضد ٢/ ١٦٨، وجمع الجوامع ٢/ ٥٣، وفصول البدائع للفناري (٨٣)، وأصول السرخسي ١/ ١٦٣، وإِرشاد الفحول ١٧٥، وشرح التنقيح ٣٧، وفواتح الرحموت ٢/ ١٩، والمغنى للخبازي (١٢٥)، والعدة (١/ ١٤٠)، والإِحكام ٣/ ٤٩، والميزان ١/ ٥٠١، وكشف الأسرار ١/ ٤٥، وتيسير التحرير ١/ ١٣٧ - ١٣٨.\n(^٢) \"المؤول\":\nوأما المؤول: فهو مشترك لم ينسد فيه باب الترجيح، بل ترجح بعض وجوهه بغالب الرأي.\nوعند الشَّافعية: هو اعتبار احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي دلّ عليه الظاهر.\nوربما يشكل عد المؤول من العبارة؛ لأنه قد أضيف إِليه رأي المجتهد.\nوالجواب: هو أن الحكم بعد التأويل يضاف إِلى الصيغة؛ لأن الإِضافة إِلى الدليل الأقوى أولى، ولهذا كان الحكم في المنصوص عليه مُضَافًا إِلى النص لا إِلى العلة؛ لأنه أقوى مها، وإِن كان في غير محلّ النص يضاف إِلى العلة.\nمثال ذلك: حرمة الخمر؛ فإِنها مضافة إِلى النص، وهو قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ لا إِلى العلة، وهي الإِسكار، أما في محلّ التعليل فيقال: حرمت الخمر للإِسكار.\nأما حكم المؤول عند الحنفية، فيمكنك أن تستخلصه من التعريف: وهو أن دلالته ظنية؛ إِذ الترجيح فيه بغالب الرأي، وكذلك عند الشَّافعية دلالة المؤول ظنية؛ لأن اعتبار الاحتمال إِنما =","vol":"3","page":450},{"text":"فَمِنَ الْبَعِيدَةِ: تَأْوِيلُ الْحَنَفِيَّةِ قَوْلَهُ ﵊ لِغَيْلانَ، وَقَدْ أَسْلَمَ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ: \"أَمْسِكْ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ\"، أَيِ: ابْتَدِئِ النِّكاحَ، أَوْ أَمْسِكِ الْأَوَائِلَ -؛ فَإِنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يُخَاطَبَ بِمِثْلِهِ مُتَجَدِّدٌ فِي الْإِسْلامِ مِنْ غَيْرِ بيَانٍ، ومَعَ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ تَجْدِيدٌ قَطُّ.\nوَأَمَّا تَأْوِيلُهُمْ قَوْلَهُ ﵊ لِفَيْرُوزٍ الدَّيْلَمِيِّ، وَقَدْ أَسْلَمَ عَلَى أُخْتَيْنِ: \"أَمْسِكْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ\" - فَأَبْعَدُ؛ لِقَوْلهِ: \"أَيَّتَهُمَا\".\n<hr><s0>\n\n\"وفي الاصطلاح: حمل الظاهر على المحتمل المرجوح\".\nوهذا التعريف يشمل: الصَّحيح والفاسد.\n\"وإِن أردت\" أن تعرف \"الصحيح\" فقط \"زدت: بدليل يصيّره راجحًا\".\nوقال \"الغَزَالي\": التأويل: \"احتمال يعضُده دليل يصير به أغلب على الظن من الظاهر\".\n\"ويرد\" عليه: \"أن الاحتمال ليس بتأويل، بل\" التأويل: الحمل عليه، والاحتمال \"شرط\" له.\n\"وعلى عكسه\" يرد \"التأويل المقطوع به\"، فإِنه تأويل، وعاضده يفيد القَطْع لا الظن.\nوقد يمنع الغَزَالي وجود ذلك، ويقول: غاية ما يوجد لفظ قام القاطع على صرفه عن ظاهره.\nأما أن المراد به شيء معين، فلا قاطع فيه، بل ظن، وهذا كما يقول في ظواهر الصفات: إِن القواطع دلّت على أنّ الظاهر غير مراد، ثم تعيين المراد ظَنّي لا قطعي فنقول مثلًا في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ﴾ [سورة الفتح: الآية ١٠]؛ الجارحة منفية قطعًا، وهل المراد القدرة أو شيء وراءها، أو لا يدري؟ هذه أماكن تزاحم الظُّنون، \"وقد يكون\" التأويل \"قريبًا، فيترجّح بأدنى مرجّح\"، \"وقد يكون بعيدًا، فيحتاج للأقوى، وقد يكون متعذرًا فيرد\".\n_________\n= هو بالدليل، والدليل ظني، وليس بقطعي، وإِلا كان مفسرًا لا مؤولًا.\nولهذا لا يحرم التأويل بالرأي، بخلاف التفسير؛ فإِنه لا يكون إِلا بقاطع، وبذلك تبين الفرق بين المفسر والمؤول.","vol":"3","page":451},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"فمن\" التأويلات \"البعيدة: تأويل الحنفية قوله ﵇ لابن غيلان وقد أسلم على عشر\": \"أَمْسِكْ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ\" (^١)، فإِنهم حملوا الإِمساك إِما على الابتداء، \"أي: ابتدئ النكاح\" في أربع منهن.\n\"أو\" أن المراد بقوله: \"أَمْسِكْ\" أَرْبَعًا\" أي: \"الأوائل\" منهن، و\"فارق سائرهن\"، أي: الأواخر [ليثبت] (^٢) لهم أصلهم في وجوب تجديد النكاح إِن تزوجهن معًا، وإِمساك الأربع الأوائل إِن تزوجهن مرتبًا.\nفردوا الحديث إِلى مذهبهم، ولم يردوا مذهبهم إِلى الحديث.\nوهذا التأويل إِذا أنصفت من نفسك تعرف أنه بعيد؛ \"فإِنه يبعد أن يخاطب بمثله\" من هو \"متجدّد في الإِسلام من غير\" سبق \"بيان\" لشرائط النكاح، \"مع\" كان الحاجة داعيةٌ إِليه لقرب عهده بالإِسلام.\n\"ومع أنه لم ينقل تجديد قَطّ\" لا منه، ولا من غيره مع كثرة إِسلام الكُفَّار المتزوجين، ولو كان لتوفرت دواعي حملة الشريعة على نقله.\n\"وأما تأويلهم قوله ﷺ لفيروز الدَّيْلَمِي (^٣)، وقد أسلم على أختين: \"أَمْسِكْ أيَتَّهُمَا\n_________\n(^١) أخرجه الشَّافعي في المسند ٢/ ١٦ (٤٣)، أخرجه الترمذي ٣/ ٤٣٥، كتاب النكاح: باب ما جاء من الرجل يسلم وعنده عشر نسوة (١١٢٨) وابن ماجة ١/ ٦٢٨، كتاب النكاح: باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة (١٩٥٣)، والبيهقي في السنن (٧/ ١٨١) وابن حبان، ذكره الهيثمي في موارد الظمآن (٣١٠)، كتاب النكاح: باب فيمن أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة (١٢٧٧) وأحمد في المسند ٢/ ٤٤، وصححه صاحب الإِرواء ٦/ ٢٩١.\n(^٢) في أ، ت: ليثتثبت.\n(^٣) فيروز الديلمي، ويقال: ابن الديلمي، يكنى أبا الضحاك، ويقال أبا عبد الرحمن، يماني كناني من أبناء الأساورة في فارس الذي كان كسرى بعثهم إِلى قتال الحبشة … وقدم على رسول الله ﷺ ويقال له: الحميري؛ لنزوله بـ\"حمير\" ومخالفته إِياهم، وروى عنه أحاديث ثم رجع إِلى اليمن، فأعان على قتل الأسود العنسي. روى عنه أولاده الثلاثة الضحاك وعبد الله وسعيد، وأبو الخير اليزني وأبو خراش الرعيني وغيرهم. قال ابن حبان: يكنى أبا عبد الرحمن، كان من أبناء فارس وقتل الأسود الكذاب، وسكن مصر، ومات بـ \"بيت =","vol":"3","page":452},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nشِئْتَ\" (^١) بمثل ما مَرَّ \"فأبعد\"؛ إِذ فيه ما عرفت من وجهي البعد، وهو تجدد إِسلامه، وعدم نقل التجديد.\nويختصّ بثالث، وهو التصريح \"بقوله: \"أيتهما\" شئت\"؛ لظهوره في أن التَّرْتيب غير معتبر.\nواعلم أنه قد وقع بخطّ المصنّف: \"ابن غيلان\" كما رأيت، وكذا هو في \"النهاية\" و\"الوسيط\" و\"المستصفى\" و\"الإِحكام\" وغيرها، ورأيت المصنّف ضبط بخطّه: \"عيلان\" بعين مهملة، وهو وَهْمٌ.\nإِنما هو غيلان بن سلمه الثقفي بالغين المعجمة، نعم في الرواة قيس بن عيلان بن مضر وزفر بن عيلان كلاهما بالمهملة، وليس في الرواة ابن عيلان إِلا بالمهملة ولا غيلان إِلا بالمعجمة، وصاحب الحديث غيلان [لا ابنُ عيلان] (^٢)، [والمصنّف لما توهمه ابن عيلان] (^٣) احتاج أن يضبطه بالمهملة، ولا بد في هذا المقام من بسط العبارة قليلًا، فإِن الكلام في التأويل ممَّا يعظم خطره:\nفنقول: مذهبنا أن الكافر إِذا أسلم على أكثر من أربع كان له اختيار أربع منهن، سواء عقد عليهن معًا، أم مرتبًا، سواء اختار الأوائل أم الأواخر،، ولذلك لو أسلم على أختين تخير بينهما، ولا يتعيّن أولاهما.\nوقال أبو حنيفة: إِن عقد على التفريق، واختار الأوائل منهن صح النكاح، وإِلا فلا.\n_________\n= المقدس\" وقال ابن منده: يقال: إِنه ابن أخت النجاشي. ينظر: تهذيب التهذيب ٨/ ٣٠٥ (٥٥٢)، وتقريب التهذيب ٢/ ١١٤، والخلاصة ٢/ ٣٤١، والثقات ٣/ ٣٣٢.\n(^١) أخرجه أبو داود ٢/ ٢٧٢، كتاب الطلاق: باب في من أسلم وعنده نساء أكثر من أربعة (أو أختان) (٢٢٤٣).\nوأخرجه الترمذي ٣/ ٤٣٦، كتاب النكاح: باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده أختان (١١٢٩)، وابن حبان، ذكره الهيثمي في الموارد (٣١٠)، كتاب النكاح: باب فيمن أسلم (١٢٧٦).\n(^٢) سقط في ب، ت.\n(^٣) سقط في ت.","vol":"3","page":453},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nواحتج الشَّافعي بما روى معمر عن الزهريّ عن سالم (^١) عن أبيه: أن غيلان بن سلمة الثقفي (^٢) أسلم وعنده عشر نسوة، فقال له النبيّ ﷺ: \"أَمْسِكْ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ\" هكذا لفظ رواية الشَّافعي: \"أَمْسِكْ\"، وفي أكثر الروايات لفظ الاختيار، وهي لفظ رواية الترمذى، وابن ماجه والبيهقي.\nومدار الحديث على معمر بن راشد (^٣)، وهو أحد الأعلام الثقات روى له الجماعة، وقد\n_________\n(^١) سالم بن عبد الله بن عمر العدوي المدني الفقيه، أحد السبعة، وقيل: السابع أبو سليمان بن عبد الرحمن. وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث. قاله أبو الزناد، عن أبيه وأبي هريرة ورافع بن خديج وعائشة، وعنه ابنه أبو بكر وعبيد الله بن عمر وحنظلة بن أبي سفيان. قال ابن إِسحاق: أصح الأسانيد كلها الزهري عن سالم عن أبيه، وقال مالك: كان يلبس الثوب بدرهمين، وعن نافع كان ابن عمر يقبِّل سالمًا ويقول: شيخ يقبل شيخًا، وقال البخاري: لم يسمع من عائشة - مات سنة ست ومائة على الأصح. ينظر: ترجمته في تهذيب الكمال ١/ ٤٦٠، وتهذيب التهذيب ٣/ ٤٣٦، وتقريب التهذيب ١/ ٢٨٠، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ٣٦١، والكاشف ٣/ ٣٤٤.\n(^٢) غيلان بن سلمة بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف الثقفي … وسمى أبو عمر، جده شرحبيل، قال البغوي: سكن الطائف، وقال غيره: وأسلم بعد فتح الطائف، وكان أحد وجوه ثقيف، وأسلم وأولاده عامر وعمار ونافع ويا دية، وقيل: إِنه أحد من نزل فيه: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾. وقد روى عنه ابن عباس شيئًا من شعره، قال أبو عمر: هو ممن وفد على كسرى وله معه خبر ظريف قال أبو الفرج الأصبهاني: أخبرني عمي حدثنا محمد بن سعيد الكراني حدثنا العمري عن العتبي عن أبيه قال: كان غيلان بن سلمة وفد على كسرى فقال له ذات يوم: أي ولدك أحب إِليك؟ قال: الصغير حتَّى يكبر، والمريض حتَّى يبرأ، والغائب حتَّى يقدم، فاستحسن ذلك من قوله، ثم قال له: ما غذاؤك في بلدك قال: خبز البر قال: عجيب لك هذا العقل.\nقال المرزباني في \"معجم الشعراء\": غيلان شريف شاعر أحد حكام قيس في الجاهلية. ينظر: الأعلام ٥/ ١٢٤، والإِصابة ت (٦٩٢٦).\n(^٣) معمر بن راشد الأزدي، مولى مولاهم عبد السَّلام بن عبد القدوس، أبو عُروة البصري ثم اليماني، أحد الأعلام. عن الزهري وهمام بن منبه وقتادة وخلق. وعنه: أيوب والثوري وابن المبارك وخلق. قال العجلي: ثقة صالح. قال النسائي: ثقة مأمون. وضعفه ابن معين في ثابت. توفي سنة ١٥٣ هـ. ينظر: نسيم الرياض ١/ ٧٤، وتراجم الأحبار ٣/ ٢٥٥، وتذكرة =","vol":"3","page":454},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nرواه عنه ابن أبي عَرُوبة (^١) وإِسماعيل بن إِبراهيم، ومحمد بن جعفر غندر (^٢)، ويزيد بن زريع (^٣)، وهم من حفاظ أهل \"البصرة\".\nفإِن قلت: فقد قال البخاري: هذا حديث غير محفوظ، والصحيح ما روى شعيب بن أبي حمزة (^٤) وغيره عن الزهري قال: حديث عن محمد بن سويد الثقفي أن غيلان بن سلمة\n_________\n= الحفاظ ١/ ١٧٨، وطبقات ابن سعد ٣/ ٣٩٧، وتاريخ الإِسلام ٦/ ٣٩٤، ولسان الميزان ٧/ ٣٩٤، وتهذيب الكمال ٣/ ١٣٥٥، وتهذيب التهذيب ١٠/ ٢٤٣، وخلاصة تهذيب الكمال ٣/ ٤٧، والكاشف ٣/ ١٦٤.\n(^١) سعيد بن أبي عروبة، واسمه مهران اليشكري، مولاهم، أبو النضر البصري. الحافظ العالم. عن: الحسن والنضر بن أنس حديثًا واحدًا وأبي التياح ومطر الوراق وخلق. وعنه: شعبة وابن علية ويزيد بن زريع ومحمد بن جعفر وخلق، قال أحمد: قدري لم يكن له كتاب إِنما كان يحفظ، وقال ابن معين: ثقة من أثبتهم في قتادة - قال عبد الصمد بن عبد الوارث: مات سنة ١٥٦. ينظر: خلاصة تهذيب الكمال ١/ ٣٨٦.\n(^٢) محمد بن جعفر الهذلي، مولاهم، البصري، أبو عبد الله الكرابيسي الحافظ، ربيب شعبة؛ جالسه نحوًا من عشرين سنة، لقبه: غُنْدر. قال ابن معين: كان من أصح الناس كتابًا. قال أبو داود: مات سنة ثلاث وتسعين ومائة. ينظر: تراجم الأحبار ٣/ ٢٣٧، وسير الأعلام ٩/ ٩٨، وتهذيب الكمال ٣/ ١١٨٣، وتقريب التهذيب ٢/ ١٥١، والكاشف ٣/ ٩٢، وتاريخ البخاري الكبير ١/ ٥٧، والجرح والتعديل ٧/ ١٢٢٣، وميزان الاعتدال ٣/ ٥٠٢، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٣٨٨.\n(^٣) يزيد بن زُرَيْع التميمي العيشي، أبو معاوية البصري الحافظ، أحد الأعلام. ولد سنة ١٠١ هـ. عن: أيوب وحميد وابن عون وخلق. وعنه: ابن المديني ومحمد بن المنهال وقتيبة وخلق. قال ابن معين: ثقة مأمون. قال أبو حاتم: ثقة إِمام. قال أحمد: ما أتقنه، ما أحفظه. قال عمرو بن علي: مات سنة اثنتين وثمانين ومائة. ينظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٣٢١، وسير الأعلام ٨/ ٢٩٦، والأنساب ٩/ ١٤٢، ولسان الميزان ٦/ ٢٨٧، وتراجم الأحبار ٤/ ٢٣٤، ونسيم الرياض ٢/ ١٣١، وتهذيب الكمال ٣/ ١٥٣٢، وتهذيب التهذيب ١١/ ٣٢٥، وخلاصة تهذيب الكمال ٣/ ١٦٩.\n(^٤) شعيب بن أبي حَمْزة الأُمَوي، مولاهم، أبو بشر الحِمْصي. أحد الأثبات المشاهير. عن: نافع وابن المُنْكَدِر والزُّهْرِي. وعنه: أبو إِسحاق الفزَاري وعُثْمان بن سَعِيد بن كثير وأبو اليمان. قال الفضل العلابي: عنده عن الزهري ألف وستمائة حديث. قال ابن معين: هو من أثبت =","vol":"3","page":455},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأسلم وعنده عشرة نسوة … الحديث.\nقال: وإِنما حديث الزهري عن سالم عن أبيه أن رجلًا من \"ثقيف\" طلق نساءه فقال له عمر: \"لتراجعهنّ أو لأرجمن قبرك كما رجم قبر أبي رغال\" (^١).\nوقال أبو حاتم: معمر بن راشد صالح الحديث، وما حدث بـ \"البصرة\" فيه أغاليط، وهذا من جملة ما حدث به بـ \"البصرة\".\nقلت: هذا حديث صحيح، ومعمر [ثِقَةٌ] (^٢)، وإِن كان فيما حدث به بـ \"البصرة\" غلط، فهذا ممَّا حدث به ولا غلط فيه؛ لأنه قد روى هكذا موصولًا عن معمر، ورواه عنه جماعة غير بصريين: سفيان، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي (^٣)، وعيسى بن يونس (^٤)، وهم كوفيّون.\n_________\n= الناس في الزهري. مات سنة ١٦٣ هـ. ينظر: الثقات ٦/ ٤٣٨، وتهذيب الكمال ٢/ ٥٨٥، وتهذيب التهذيب ٤/ ٣٥١، وتاريخ البخاري الكبير ٤/ ٢٢٢، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ٤٥٠.\n(^١) أبو رغال - بكسر الراء - هو أبو ثقيف، رجل من ثمود، كان دليلًا للحبشة حين توجهوا إِلى مكة، فأصابته النقمة فمات في الطريق، فرجمت قبره العرب، انظر: مادة رغل في الصحاح ٤/ ١٧١، وتحفة الأحوذي ٤/ ٢٧٩، وإِتحاف الوردي ١/ ٢٥.\n(^٢) في أ: معه.\n(^٣) عبد الرحمن بن محمد بن زياد المُحَاربي، أبو محمد الكوفي. عن: الأعمش ومحمد بن سُوقة. وعنه: أبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن حنبل وأبو سعيد الأشجّ. وثقه ابن معين والنسائي. ينظر: الثقات ٧/ ٩٢، ولسان الميزان ٧/ ٢٨٤، وميزان الاعتدال ٢/ ٥٨٥، وتاريخ البخاري الكبير ٥/ ٣٤٧، وتهذيب الكمال ٢/ ٨١٥، وتهذيب التهذيب ٦/ ٢٦٥، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ١٥١.\n(^٤) عيسى بن يونس بن أبي إِسحاق السبيعي، أبو عمرو الكوفي، أحد الأعلام، وثقه أبو حاتم. وقال ابن المديني: بخ بخ، ثقة ومأمون، جاء يومًا إِلى ابن عيينة فقال: مرحبًا بالفقيه ابن الفقيه ابن الفقيه. مات سنة ١٩١ هـ. ينظر: تهذيب الكمال ٢/ ١٠٨٦، وتهذيب التهذيب ٨/ ٢٣٧ (٤٣٩)، والكاشف ٢/ ٣٧٢، وتاريخ البخاري الكبير ٦/ ٤٠٦، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٣٢٣، ولسان الميزان ٧/ ٣٣٣، وميزان الاعتدال ٣/ ٣٢٨، والبداية والنهاية ١٠/ ٢٠١.","vol":"3","page":456},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالفضل بن موسى الشَّيْبَاني، وهو خراساني.\nولو سلّمنا أن رفعه غير صحيح، فلا يشكّ أحد في حجّته مرسلًا، كما رواه عبد الرَّزاق (^١) فأرسله، وكذلك مالك عن الزهري وغيرهم، والكُلّ أرسلوا، وفي لفظهم الاختيار.\nفإِن قلت: فأنتم لا تقولون بالمراسيل؟\nقلت: نحن نقول به إِذا اشتد من جهة أخرى، وهذا مسند من جهة أخرى كما عرفت.\nوإذا قال به أكثر أهل العلم، وهذا كذلك.\nقال الترمذي: العمل على حديث غيلان عند أصحابنا منهم: الشَّافعي، وأحمد، وإِسحاق.\nقلت: ووجدت لحديث معمر شاهدًا قويًّا في الدَّارقطني.\nالدَّارَقُطْني: حَدَّثنا محمد بن نوح الجنديسابوري، حَدَّثنا عبد القدوس بن محمد (^٢) وحَدَّثنا مخلد، حَدَّثنا جعفر بن عمر بن زيد قالا: حدثنا سيف بن عبيد الله\n_________\n(^١) عبد الرَّزاق بن همام بن نافع الحميري، أبو بكر الصنعاني، أحد الأئمة الأعلام الحفاظ. قال أحمد: من سمع منه بعدما ذهب بصره فهو ضعيف السماع. وقال ابن عدي: رحل إِليه أئمة المسلمين وثقاتهم، ولم نر بحديثه بأسًا إِلا أنهم نسبوه إِلى التشيع. وقال أحمد: لم أسمع منه شيئًا، لكنه رجل يعجبه أخبار الناس. مات سنة ٢١١ هـ عن ٨٥ سنة. ينظر: تاريخ البخاري الكبير ٦/ ١٣٠، والجرح والتعديل ٦/ ٢٠٤، وميزان الاعتدال ٢/ ٦٠٩، ولسان الميزان ٧/ ٢٨٧، وسير الأعلام ٩/ ٥٦٣، والثقات ٨/ ٤١٢، وتهذيب الكمال ٢/ ٨٢٩، وتهذيب التهذيب ٦/ ٣١٠، وخلاصة التهذيب ٢/ ١٦١، والبداية والنهاية ١٠/ ٢٦٥.\n(^٢) عبد القُدُّوس بن محمد بن عبد الكبير بن شُعيب بن الحَبْحاب الأزدي، أبو بكر البصري. عن: عمه صالح وَحَجَّاج بن منهال وطائفة. وعنه: البخاري والترمذي وابن ماجة والنسائي. وثقه النسائي. ينظر: تهذيب الكمال ٢/ ٨٤٧، وتهذيب التهذيب ٦/ ٣٧٠، وتقريب التهذيب ١/ ٥١٥ (١٢٧٥)، والكاشف ٢/ ٢٠٥، والجرح والتعديل ٦/ ٣٠٢، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ١٧٢.","vol":"3","page":457},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالجرمي (^١)، حدثنا سرار بن مجشر (^٢)، عن أيوب، عن نافع، وسالم عن ابن عمر ﵄: أن غيلان الثقفي أسلم، وعنده عشر نسوة، فأمره النبيّ ﷺ أن يمسك منهن أربعًا زاد ابن نوح: فأسلم وأسلمن معه.\nوسرار وسيف بن عبيد الله كلاهما ثِقَةٌ.\nواحتج الشَّافعي أيضًا بحديث: فيروز الدَّيلمي المذكور في الكتاب، فإِنه أسلم وتحته أُخْتَان، فقال له النبيّ ﷺ: \"اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ\"، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه.\nولحديث نوفل بن معاوية (^٣) قال: أسلمت تحتي خمس نسوة، فسألت النبيّ ﷺ\n_________\n(^١) سيْف بن عُبَيْد الله الجَرْمِي، أبو الحسن السرَّاج، عن الأسْوَد بن شَيْبَان.\nوعنه: عمرو بن علي وعمرو بن يزيد الجَرْمِي، ووثقه. ينظر: الثقات ٨/ ٣٠٠، وتاريخ البخاري الكبير ٤/ ١٧٢، والكاشف ١/ ٤١٥، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ٤٣٦، وتقريب التهذيب ١/ ٣٤٤، وتهذيب التهذيب ٤/ ٢٩٥، وتهذيب الكمال ١/ ٥٦٦.\n(^٢) سرار بن مجشر بن قبيصة العنزي، ويقال العنبري، أبو عبيدة البصري، روى عن: أيوب وابن أبي عروبة وعطاء السلمي وخلق. وعنه: الجرمي ومحمد بن محبوب والحلبي وغيرهم. قال الآجري عن أبي داود: سرار ثقة. قال النسائي والدارقطني: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. مات في ربيع الآخر سنة ١٦٥ هـ. ينظر: تهذيب الكمال ١/ ٤٦٦، وتهذيب التهذيب ٣/ ٤٥٥، وتقريب التهذيب ١/ ٢٨٤، والكاشف ١/ ٣٤٨، وتاريخ البخارى الكبير ٤/ ٢١٥، والجرح والتعديل ٤/ ١٤٢١، والثقات ٨/ ٣٠٥، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ٤٣٧.\n(^٣) نوفل بن معاوية بن عروة بن صخر بن يعمر بن نفائة بن عدي بن الدئل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة الكناني ثم الدئلي .. نسبه ابن الكلبي، قال ابن شاهين: أسلم في الفتح وحج مع أبي بكر سنة تسع، ومع النبيّ ﷺ ستة عشر، وكان قد بلغ المائة. وقال أبو عمر: كان ممن عاش في الجاهلية ستين وفي الإِسلام ستين.\nوقال أبو أحمد السكري: كان أبوه يوم الفجار رئيس الدئل، وله في ذلك قصة، وأسلم ولده نوفل، وشهد مع النبيّ ﷺ فتح مكة ثم نزل المدينة ومات بها، روى عن النبيّ ﷺ وروى عنه عراك بن مالك وعبد الرحمن بن مطيع وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحرث، وحديثه في البخاري ومسلم والنسائي وقال الواقدي وأبو حاتم الرازي وابن شاهين وأبو عمر وأبو حاتم بن حبان: مات في خلافة يزيد بن معاوية. ينظر: تهذيب الكمال ٣/ ١٤٢٨، وتهذيب التهذيب ١٠/ ٤٩٢ (٨٨٤)، وتقريب التهذيب ٢/ ٣٠٩، والخلاصة ٣/ ١٠٣، والثقات ٣/ ٤١٦، وتجريد أسماء الصحابة ٢/ ١١٥.","vol":"3","page":458},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفقال: \"فَارِقْ وَاحِدَةً، وَأَمْسْكِ أَرْبَعًا\"، فعمدت إِلى أقدمهن عندي عاقر منذ سنين، ففارقتها (^١).\nإِذا عرفت هذا فنقول: وجه الاحتجاج من وجهين:\nأحدهما: العبارة المحفوظة عن الشَّافعي أن ترك الاستفصال في حكاية الأحوال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المَقَالِ.\nوهذا واضح لا خفاء به، فإِنه ﷺ لم يستفصل هل [تزوجهن] (^٢) معًا، أو على التعاقب؟ فلولا أن الحكم يعم الحالتين لما أطلق؛ إِذ كان مطلقًا في موضع التفصيل.\nوما يقال عليه: جاز أن يكون ﵇ علم الحال، يأتي جوابه في [غضون] (^٣) الكلام.\nوالثَّاني: وهو ما في الكتاب أن ظاهر قوله: \"أَمْسِكْ\" يقتضي جواز إِمساك أيَّة أربع شاء، فتخصيص الأول عدول عن الظاهر، وهذا على لفظ \"أمسك\".\nوأما على لفظ \"اختر\" وهو الشهير، فهو صريح في رأينا؛ إِذ تفويض الخِيَرَةِ إِليه مع الاحتجار عليه في محلّ واحد غير معقول؛ فمخصص الأوائل مخالف لظاهر \"أمسك\" ولنص \"اختر\" الوارد في الأحاديث الَّتي ذكرناها.\nفإِذن قول الخصوم: \"إِنه أراد الأوائل\" مدفوع بالنص والظاهر.\nوعُمْدَةُ الخصوم في الكلام على الحديث أنه أراد بقوله: \"أمسك\"، أن يمسكهن ويجدد العقد عليهن على موجب الشَّرع.\nجعل حذّاقهم هذا هو العُمْدة لاندفاع التأويل الأول بما ذكرناه.\nوهذا أيضًا يدرؤه وجوه:\n_________\n(^١) أخرجه الشَّافعي في المسند ٢/ ١٦ (٤٤) والبيهقي في السنن ٧/ ١٨٤.\n(^٢) في أ، ب: زوجهن.\n(^٣) في أ، ب: عصفور.","vol":"3","page":459},{"text":"وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ فِي: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، أَيْ: إِطْعَامُ طَعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا؛ لأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفعُ الْحَاجَةِ، وَحَاجَةُ سِتِّينَ كَحَاجَةِ وَاحِدٍ فِي سِتِّينَ يَوْمًا؛ فَجُعِلَ الْمَعْدُومُ مَذْكُورًا، وَالْمَذْكُورُ عَدَمًا مَعَ إِمْكَانِ قَصْدِهِ لِفَضْلِ الْجَمَاعَةِ وَبَرَكَتِهِمْ وتَضَافُرِ قُلُوبِهِمْ عَلَى الدُّعَاءِ لِلْمُحْسِنِ.\n<hr><s0>\n\nأحدها: أنه يخالف ظاهر لفظ الإِمساك؛ لأن مقتضاه الاستمرار واستصحاب الحال لا التجديد.\nوالثَّاني: أنه فوض الإِمساك والفراق إِلى الزوج، ولو كان المراد الإِنكاح وعدمه لما كان ذلك؛ إِذ رضا الزوج لا يحصل النكاح، بل لا بد من رضا الزوجة أو وليها، والفراق حاصل بنفس الإِسلام عندهم.\nوالثالث: لو كان المراد منه ابتداء النِّكَاح لذكر له شرائط النِّكَاح، وإِلَّا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة.\nوالرابع: أنه لم ينقل تجديد عقود النِّكَاح قطّ كما ذكر في الكتاب، بل نقلت النقلة الحكايات نقل مَنْ لا يستريب في أنهم استمرُّوا في الإِسلام على مناكحاتهم القديمة.\nوالخامس: أن نكاح الابتداء لا يختصّ بهنّ، بل جوازه سائغ في نساء العالم، وهذه أوجه لائحة لا خفاء بها.\nوذكرت أوجه أخر ضربت عنها لاحتمالها التشكيك.\nوأما هذه فظواهر، وإِن بحث باحث في واحد منها، وأثبت له معنى لم يدرأ كلها.\nثم يقول: إِنْ جحد مُعَاند اقتضاء ذكرناه إِلى الغرض أيضًا لم يجحد ظهوره، وعليه الظن في صفو قصد الشَّارع إِلى ما قررناه، والظهور كافٍ في الحكم على مُقَابله بالبعد، وهذا ضرب من تأويلاتهم البعيدة.\nالشرح: \"ومنها قولهم\" في قوله تعالى: \" ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ \" أي: إِطْعَام طعام ستين مسكينًا\".\nقالوا: \"لأن المقصود رفع الحاجة، وحاجة ستين\" مسكينًا في يوم واحد \"كحاجة واحد في ستين يومًا\"، فاستويا في الحكم. \"فجعل\" في هذا التأويل \"المعدوم\" وهو طعام","vol":"3","page":460},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"مذكورًا\"؛ [ليصح] (^١) كونه مفعولًا لإِطعامٍ، و\"المذكور\" وهو ستين مسكينًا، \"عدمًا\"، مع صلاحيته لأن يكون مفعولًا لـ\"إِطعام\".\nو\"مع\" ظهوره معنى من جهة \"إِمكان قصده\"، أي: قصد العدد، \"لفضل الجماعة وبركتهم وتضافر قلوبهم على الدعاء للمحسن\"، وهذه معان لائحة، ولا توجد في الواحد.\nواعلم أنه لا يجوز أن يستنبط من النص معنى يعود على أصله بالإِبطال.\nويجوز أن يستنبط منه معنى يعود بالتعميم، كاستنباط ما يشوش الفكر من قوله ﵇: \"لا يَقْضِي القَاضي وَهُوَ غَضبَانُ\" (^٢)، وغالب الأقيسة.\nوهل يجوز أن يستنبط منه معنى يخصصه؟\nفيه قولان:\nإِذا عرفت هذا، وَضحَ لك بطلان تأويلهم؛ لأنه مبني على أن المعنى: إِطعام طعام ستين، وأنه حذف المضاف، وأقيم المضاف إِليه مقامه؛ لأنَّ المقصود دفع الحاجة.\nووجه بطلانه: أن هذه العلّة مستنبطة من قوله: فإِطعام ستّين، وهي رافعةٌ لاعتبار العدد الذي هو حكم الأصل، فكانت مبطلة له.\nثم هذا على تقدير تسليم أن المقصود دفع حاجة المسكين.\n_________\n(^١) في جـ: الصحيح.\n(^٢) أخرجه البخاري كتاب الأحكام: باب هل يقضي الحاكم أو يفتى وهو غضبان، ومسلم (٣/ ١٣٤٢ - ١٣٤٣) كتاب الأقضية: باب قضاء القاضي وهو غضبان، وأبو داود، كتاب، الأقضية: باب القاضي يقضي وهو غضبان (٣٥٨٩) والترمذي (٣/ ٦٢٠) أبواب الأحكام: باب ما جاء لا يقضي القاضي وهو غضبان (١٣٣٤) والنسائي (٨/ ٢٣) كتاب آداب القضاء: باب ذكر ما ينبغي للحاكم أن يتجنبه، وابن ماجة (٢/ ٧٧٦) كتاب الأحكام: باب لا يحكم الحاكم وهو غضبان (٢٣١٦) والبيهقي (١٠/ ١٠٥) والطيالسي (٨٦٠) وأحمد (٥/ ٣٦، ٤٦، ٥٢) وابن الجارود (٩٩٧) من حديث أبي بكرة مرفوعًا.\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nولفط ابن ماجة: لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان.","vol":"3","page":461},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالحق: أن المقصود دفع حاجة ستّين مسكينًا، لا مسكين واحد ستّين يومًا لما عرفت.\nوما يقولون من \"أن دعاء مسكين واحد في ستّين وقتًا أسرع للحاجة\" من فضول الكلام؛ فإِن عدد الدَّاعين والشَّافعين أولى من تكرار الدعاء من الشفيع الواحد.\nولو سلم استواؤهما، فذلك إِن فرض أن المسكين يدعو ستّين دعوة، ومن أين لنا أن يفعل ذلك؟!\nلا، ومن أين لنا أن الستين يدعون؟ لأنا نقول: العطاء وسد الخَلَّة قرينة في قيام داعية الدعاء، وقد نظرنا نحن وأنتم إِليها.\nولذلك قلنا: إِنَّ الستين يدعون.\nوقلتم: إِنَّ الواحد يدعو، وإِن كان الدعاء قد لا يقع لا من السِّتين، ولا من الواحد ألبتّة.\nثُمَّ الواحد إِذا أعطى ستّين مرة يتقاصر داعيته في العطاء الثاني، والثالث، وهلمّ جَرًّا عن الدعاء، وهذا ما لا مراء فيه؛ فإِن العطيّة الأولى أنجح في قيام الدَّاعية، ويتلوها الثَّانية، وهكذا، ولا كذلك عطاء ستّين نفسًا؛ لأن العَطَاء بالنسبة إِلى كلّ منهم أول عطاء، فتقوم عنده الداعية.\nولو سلّم الاستواء من كلّ وجه، فذلك حيث لا يكون صَرَاحة تدفع أحد الأمرين.\nواللَّفظ صريح في ستّين مسكينًا، فلماذا يخرج عنه؟\nثم قال أئمتنا في إِفحامهم: لا يخفى على من شَذَا طرفًا من العربية أن ما تعدّى إِلى مفعولين، وإِفراد أحدهما بالذكر أن الإِفراد دليل الاهتمام به، فإِذا قلت: أطعمت زيدًا، ولم تذكر ما أطعمته دلّ على اهتمامك إِنما هو بأصل إِطعامه، لا بما أطعمته.\nوإِن قلت: أطعمت البُرّ مثلًا ولم تذكر من أطعمت دلّ على أن اهتمامك إِنما هو بِمَا أطعمت لا بِمَنْ أطعمت.\nوإِن أنت اهتممت بالأمرين جميعًا أبرزتهما معًا فقلت: أطعمت زيدًا البُرّ.\nومن هذا قوله: ستّين مسكينًا، ولم يقل: ستّين مسكينًا مُدًّا، وذلك آية أن المقصود","vol":"3","page":462},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالأعظم إِطعام هذا العدد من المَسَاكين، لا المعدود من الأمداد. هذا ما ذكره أصحابنا، وأطنب فيه إِمام الحرمين.\nوقد انتصر أبو عبد الله المَازِرِيّ للحنفية، وإِن كان لا يوافقهم في حكم المسألة بوجهين: فقهي، ونحوي.\nأما الفقهي: فقال ما حاصله: لا يلزم من مذهبهم إِبطال النص إِلَّا لو جوزوا إِعطاء المسكين الواحد ستّين مُدًّا في يوم واحد، والقوم لا يقولون ذلك، بل يراعون صورة العَدَد، ويشترطون في تكرير ذلك على المسكين الواحد تكرر الأيّام، فرأَوا أن الله - تعالى - أمر بإِطعام ستّين مسكينًا؛ ولم يعين مسكينًا من مسكين، ولا خلاف أن المساكين لم يعينوا، وأطعم مسكينًا آخر، فإِذا انتهى به التَّكْرَار إِلى ستّين يومًا صار مطعمًا ستين مسكينًا، لكون هذا المسكين كلّ يوم من جملة المساكين، فإِذا لم يخلوا بصورة العدد المنصوص لم يكونوا مُعَطّلين للنص.\nوأما النحوي، فذكر أن سيبويه قال: إِنّ المصدر يقدر بـ \"مَا\" وبـ \"أَنْ\"، فإِذا قدّرنا المصدر هنا، وهو الإِطعام بمعنى \"مَا\" اقتضى ذلك ما قالته الحنفيّة، ويكون التقدير: فَمَنْ لم يستطع فما يطعم ستّين مسكينًا.\nوإِن قدّر بـ \"أن\" كان التقدير: فعليه أن يطعم ستين مسكينًا، وهذا التقدير الآخر يخرج إِلى ما لا يريد.\nفقال: فقد زاحمنا أبَا المَعَالي - يعني: إِمام الحرمين - فيما تعلّق به من صناعة النحو.\nوذكرنا أن لأبي حنيفة متعلقًا بها من وجه آخر ذكره الإِمام الأول فيها، وهو سيبويه.\nقلت: أما الوجه الأول، فإِنا نقول عليه: القوم وإِن لم يخلُّوا بصورة العدد، فقد أخلّوا بصورة المعدود، وهو الستون من المساكين.\nوقولكم: ينجر إِلى إِطلاق \"ستين\" على مسكين واحد، ونحن نحاكمكم إِلى أهل اللسان؛ فإِنهم يأبون إِطلاق الستين على الواحد، سواء أعطى في ستين مسكين يومًا [أم لا] (^١)، فقد عطلوا من النص لفظ الستين، وكل تأويل عطل النص أو شيئًا من النص، فهو\n_________\n(^١) في ت: لم لا.","vol":"3","page":463},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nمردود وإن كان لدليل، فما ظنك بتأويل لا دليل عليه؟\nفإِنَّا قد بَيَّنا أن العدد يصلح أن يكون مقصودًا، واللفظ نص فيه، وغاية ما يتعلّقون به: معنى سد الخَلّة، وهو موجود مع العزم على أتم وجه، فإِذا كان ممكنًا مع مُرَاعاة العدد حصل المقصود مع الخلاص من عُروّ المخالفة.\nهذا، وفي الكَفَّارات نوع من التعبّد، وهو العدد، فيكون التمسُّك باللَّفظ المحصل للمقصود من كلّ وجه أولى.\nوأما الوجه الثَّاني: فالَّذي يقدر به المصدر العامل في مذهب سيبويه \"أن\" المشددة الناصبة لضمير الشأن، فمذهبه: تقدير الماضي بأنه فعل، والحاضر والمستقبل بأنه يفعل؛ لأن \"يفعل\" صالح للحال والاستقبال.\nوقال جماعة منهم ابن عصفور: يقدر بـ\"أن والفعل\" وبـ \"أن الَّتي خبرها فعل\" ويعنون بذلك: أنه يقدر بـ\"أن\" والفعل في المستقبل والماضي، وبـ\"أن\" الَّتي خبرها فعل في الحاضر.\nوقال الأكثرون: يقدر بأن فعل في الماضي، وتارة يفعل في المستقبل، وبما يفعل في الحاضر.\nوزعم ابن مالك أن المصدر على أربعة أوجه:\nأحدها: أن يقدر بـ \"ما\" والفعل.\nوالثاني: بـ \"أن\" والفعل.\nوالثالث: بـ\"أن\" المخففة من الثقيلة والفعل.\nوذلك: في نحو: علمت ضربك زيدًا، فإِنه لا يمكن أن يقدر هنا: أن ضربت، ولا: أن تضرب؛ لأن \"علم\" وأخواتها من أفعال اليقين، إِنما قياسها أن ندخل على \"أن\" المؤكدة مشددة كانت مثل: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٧] أو مخففة نحو: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ﴾ [سورة المزمل: الآية ٢٠]، ولا يجوز: علمت أن يقوم، ولا يمكن أن يقدر: ما تضرب لأن \"ما\" والفعل لا يسدّان مسدّ المفعولين.\nفلما تعذّرت التقديرات الثَّلاث عدل إِلى هذا التقدير؟","vol":"3","page":464},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالرابع: ألّا يقدر بشيء من هذه نحو: ضربي زيدًا قائمًا.\nوأما نقل المَازِرِيّ عن سيبويه فخلاف المعروف من مذهبه، وقد يكون ذلك وقع في بعض كلامه في غير مظنته، فالناقل رجل كبير منتشر الأطراف، ولكني أرسلت سائلًا سأل الشيخ جمال الدين بن عبد الله بن هشام (^١) ﵀ عن هذا، وهو أعلم أهل هذه الأقاليم اليوم بالنحو فيما أظن، فقال: إِنه لا يعرفه في كلام سيبويه.\nقال: وهذا التَّخَالف الواقع بين النَّحويين فيما يقدر به المصدر العامل لا يرجع إِلى اختلاف في المعنى، وإِنما هو اختلاف في التعبير لا غَيْر، وبتقدير صحّة أن مذهب سيبويه: التقديرُ بـ \"أن\" فليس ذلك في كلّ المواضع، بل ربّ مكان لا يتَّجه فيه \"ما\" وآخر بالعكس.\nوبتقدير اتجاه \"ما\" هنا، فإِنما يصح كلامه لو كانت \"ما\" المقدرة بمنزلة \"الذي\" ليكون التقدير: فعليه ما يطعم ستّين مسكينًا، أي: الذي يطعم.\nفأما إِذا كانت حرفًا مصدريًّا خلافًا للأخفش، وابن السراج (^٢)، فلا يصح ذلك قطعًا.\nبل لا فرق بين الإِطعام، وما يطعم كما أنه لا فرق بين: بما كانوا يكذبون وقول القائل: بكونهم يكذبون.\nفإِن قلت: فيتجه كلامه على قول أبي الحسن، وأبي بكر؟!\nقلت: لا؛ لأنهما يريان أنها اسم واقع على الحديث، وبهذا الاعتبار سمياها\n_________\n(^١) عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن يوسف، أبو محمد، جمال الدين، ابن هشام، ولد بـ \"مصر\" سنة ٧٠٨ هـ، من أئمة العربية. قال ابن خلدون: ما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بـ \"مصر\" عالم بالعربية يقال له: ابن هشام، أنحى من سيبويه. من تصانيفه \"مغنى اللبيب عن كتب الأعاريب\" وعمدة الطالب في تحقيق تصريف ابن الحاجب\" و\"الجامع الصغير\" و\"الجامع الكبير\" وغيرها، وتوفي سنة ٥٦٧ هـ بـ \"مصر\". ينظر: الأعلام ٤/ ١٤٧، والدرر الكامنة ٢/ ٣٠٨، والنجوم الزاهرة ١٠/ ٣٣٦.\n(^٢) طالب بن محمد بن قشيط، أبو أحمد، ويعرف بـ \"ابن السراج\". أديب، أخذ عن ابن الأنباري.\nمن مصنفاته: \"مختصر في النحو \"و\"عيون الأخبار وفنون الأشعار\". وتوفي سنة ٤٠١ هـ. ينظر: إِرشاد الأريب ٤/ ٢٧٤، والأعلام ٣/ ٢١٨. والدرر ٥/ ٢٤٩، وهمع الهوامع ٢/ ٩٢.","vol":"3","page":465},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nمصدرية؛ لأنها واقعة على المصدر، لا لأنها يسبك منها ما بعدها مصدر، كما هو قول الجماعة.\nفمعنى قولك: أعجبني ما قمت: أعجبني الذي قمته، أي: القيام الذي قمته، فالتقدير حينئذٍ: فعليه الإِطعام الذي يطعم بالقيام به ستّين مسكينًا.\nفتلخص من هذا أن المنقول عن سيبويه لا يعرف، وبتقدير صحّته لا يجدي على الحنفية شيئًا؛ إِذ لا فرق في المعنى بين أن يقوم، وما يقوم، والقيام.\nوأنه لا يجوز أحد لا سييوبه ولا غيره تقدير \"أن\"، و\"ما\" في كلّ موضع، بل لكلّ منهما موضع، فقد ترامينا على أبي عبد الله، وضايقناه على مزاحمة سيد الجماعة أبي المعالي.\n\n<span data-type='title' id=toc-735>\"فائدة\"</span>\nفي \"التسهيل\" في المصدر: الغالب إِن لم يكن بدلًا من اللَّفظ بفعله تقديره بعد \"أن\" المخففة أو المصدرية، أو \"ما\" أختها. انتهى.\nوفي \"شرح التسهيل\" لشيخنا أبي حَيَّان: ليس التقدير دائمًا، ولكنه الغالب، ويقدر بـ \"أَنْ\" ماضيًا؛ مثل: [البسيط]\nعَلِمْتُ بَسْطَكَ بِالمَعْرُوفِ خَيْرَ يَدٍ … فَلا أَرَى فِيكَ إِلَّا بَاسِطًا أَمَلا (^١)\nوحالًا؛ مثل: [البسيط]\n[وَ] لَوْ عَلِمَتْ إِيثَارِيَ الَّذِي هَوِيَتْ … مَا كُنْتُ مِنْهَا مُسْتَغْنِيًا عَلَى القُلُبِ\nواستقبالًا؛ مثل: [الخفيف]\nلَوْ عَلِمْنَا إِخْلافكُمْ عِدَةَ السِّلْـ … مِ عَدِمْتُمْ عَلَى النَّجَاةِ مُعِينًا (^٢)\nوبـ \"ما\" المصدرية ماضيًا مثل: ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٠٠].\nوحالًا مثل: ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ﴾ [سورة الروم: الآية ٢٨].\n_________\n(^١) البيت من [البسيط]، ينظر: الأشباه والنظائر ٧/ ١٥، الدرر ١/ ٢١٣ مغنى اللبيب ٢/ ٣٤٥، المقاصد النحوية ١/ ٣٨٧، همع الهوامع ١/ ٦٥، شرح الأشموني ١/ ٥٧،\n(^٢) البيت من [البسيط] ينظر: الدرر ٥/ ٢٤٩، همع الهوامع ٢/ ٩٢.","vol":"3","page":466},{"text":"وَمِنْهَا: قَوْلُهُمْ: \"فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ\"، أَيْ: قِيمَةُ شَاةٍ؛ بِمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ أَبْعَدُ؛ إِذْ يَلْزَمُ أَلَّا تَجِبَ الشَّاة، وَكُلُّ مَعْنى إِذَا اسْتُنْبِطَ مِنْ حُكْمٍ أَبْطَلَهُ - بَاطِلٌ.\n<hr><s0>\n\nومضارعًا؛ مثل: [البسيط]\nوَمَنْ يَمُتْ وَهْوَ لَمْ يُؤْمِنْ يُصَلَّ غَدًا … شُوَاظَ نَارٍ دَوَامَ النَّارِ فِي سَقَرَا (^١)\nوفي \"شرح الالفية\" لابن المصنّف: يقدر بـ \"أن\" والفعل إِن كان ماضيًا، أو مستقبلًا، وبـ \"بما\" والفعل إِن كان حالًا؛ لأن فعل الحال لا يدخل عليه \"أن\". انتهى.\nوقد يتصوّر أنه مخالف لما في \"شرح التسهيل\"، ويقال: كيف يقدر - إِذا كان حالًا - بـ \"أن\".\nوجوابه - كما قال بـ \"أن\" جمال الدين بن هشام - أنه لا يقدر بـ \"أن\" الناصبة، بل بـ \"أن\" المخففة من الثقيلة؛ لأن الفعل السابق فعل علم، وهو قوله:\nعلمت (^٢) إِيثاري.\nويدل عليه نص \"التسهيل\" كما حكيناه.\nوحيث قالوا: \"أن\" المخففة فمرادهم: المخففة من الثقيلة، لا \"أن\" المخففة وضعًا، ومراد بدر الدين: \"أن\" الخفيفة وضعًا، وهي الَّتي تُسَمَّى المصدرية، لا \"أن\" المخففة من الثقيلة، فلا اختلاف بينهما.\nقال: والذي في \"التسهيل\" - كما رأيت - تقديره بـ \"أن\" المخففة، أو بـ \"أن\" المصدرية أو بـ \"ما\" المصدرية، لا التقدير بـ \"أن\" و\"ما\" فقط - كما ذكر بدر الدين ابن المصنّف، فإِنه لم يذكر في اللَّفظ إِلا شيئين فقط، وهو المشهور في كتب النّحويين.\nقال: ويمكن أن يرجع إِلى كلام ابن مالك، وذلك بأن يحمل \"أن\" في كلامهم على أعم من المصدرية، والمخففة من الثقيلة. والله أعلم.\nالشرح: \"ومنها: قولهم\" في معنى قوله ﷺ: \"فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ\" وهو حديث\n_________\n(^١) في ت: سفيرًا.\n(^٢) في أ، ب: ما علمت.","vol":"3","page":467},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nصحيح، رواه البخاري من حديث أبي بكر الصديق ﵁ في كتاب \"فريضة الصدقة\".\nولفظه: \"وَفِي صدَقَةِ الغنم في سائمتها إِذا كانت أربعين إِلى عشرين ومائة\" الحديث.\nوروى أبو داود، والترمذي، وحسّنه من حديث الزهري عن سالم عن أبيه: \"وفِي الغَنَمِ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ … \".\nوالحاصل: أن الأحاديث ناصّة على إِيجاب شَاةٍ في الأربعين، وهم جَوَّزُوا إِخراج القيمة، وقالوا: قوله ﵇: \"فِي الغَنَمِ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ\" (^١) \"أي: قيمة شاة بما تقدم\" من أن المقصود دفع الحاجة سواء أكان بالشاة أم بالقيمة، \"وهو أبعد\" من التأويل السابق؛ \"إِذ يلزم\" منه: \"ألَّا تجب الشاة\"؛ لأنه إِذا وجبت القيمة لم تجب الشاة، فلا تكون مُجْزئة، وهي مجزئة بالاتفاق، فإِذا لم تجب الشاة كان هذا الاستنباط عائدًا على النَّص بالإِبطال، \"وكلُّ معنى إِذا استنبط من حكم أبطله باطل\" كما قدمناه؛ لأنه يوجب بطلان أصله المستلزم لبطلانه، فيلزم من صحّته اجتماع صحته وبطلانه، وهو [محال] (^٢).\nواعلم أن هذا التأويل والذي قبله مشتركان - على ما قاله طائفة من أصحابنا منهم المصنّف - في التَّأدية إِلى تعطيل اللَّفظ، وقد غلظ الشَّافعي ﵁ القول على المؤولين بكلّ ما أدى إِلى تعطيل اللَّفظ، وسببه ما ذكرناه.\nوقد ذكرنا ما يمكن الحنفية أن يدافعوا به عن أنفسهم في التأويل السابق، وأما في هذا الحديث، فللقوم أن يقولوا: إِنما يكون ما أوّلنا معطلًا لو لم نجوز إِخراج الشاة.\nوأما إِذا جوزناه؛ فالتأويل حينئذٍ معمم، لا معطل كما قلتم في حديث: \"وَلْيَسْتَنْج بِثَلاثَةِ أَحْجَارٍ\" (^٣): إِنه يجوز الاستنجاء بالخرق.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٥٦٧)، والنسائي (١/ ٣٣٦ - ٣٣٨)، والحاكم (١/ ٣٩٠ - ٣٩٢)، وأحمد (١/ ١١ - ١٢)، والبيهقي (٤/ ٨٦) من حديث أنس بن مالك مرفوعًا.\nوقال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.\n(^٢) في أ، ت: مخالف.\n(^٣) أخرجه أبو داود ١/ ٣، كتاب الطَّهارة: بأنَّ كراهية استقبال القبلة (٨)، وابن ماجة ١/ ١١٤، كتاب الطَّهارة: باب الاستنجاء بالحجارة (٣١٣)، والنسائي ١/ ٣٧، كتاب الطَّهارة: باب عن الاستطابة بالروث.","vol":"3","page":468},{"text":"وَمِنْهَا: حَمْلُ \"أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذنِ وَليِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ\" عَلَى الصَّغِيرَةِ وَالْأَمَةِ والْمُكَاتَبَةِ، وَ\"بَاطِلٌ\" أَيْ: يَئُولُ إِلَيهِ غَالِبًا؛ لاِعْتِرَاضِ الْوَلِيِّ؛ لأِنَّهَا مَالِكَةٌ لِبُضْعِهَا؛ فكَانَ كَبَيْعِ سِلْعَةٍ.\n<hr><s0>\n\nوقد عرف كلّ ذي نظر أنه يجوز أن يستنبط من النَّص معنى يعود عليه بالتعميم، كاستنباط ما يشوش الفكر من قوله ﵇: \"لا يَقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَان\"، وكغالب الأقيسة، فالحق عندنا أن ما ذهبوا إِليه مدفوع من جهة أن اللّفظ ظاهر في التَّعين، فلعلّ الشَّارع قصد مشاركة الفقير للغني في جنس ما يملك، ففي القصر على الشَّاة تحصيل مقصود الشَّارع من الخلاص من عذر المخالفة، وبأن الزكاة فيه بعيد، والإِضراب عَمَّا فعلوه حَقّ، وإِن كان لا يظهر أنه تعطيل، بل تأويل لا يعضده دليل.\nالشرح: \"ومنها: حمل\" الحنفية ما حملوه فيما رواه أبو داود الطّيالسي (^١)، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والدارقطني، من حديث سليمان بن موسى (^٢)، عن الزهري عن عروة عن عائشة: أن النبيّ ﷺ قال: \"لا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ\" (^٣) \"\" [وَ] أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذنِ وَليِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ\"، وإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَلِيٌّ فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لا وَلِيَّ لَهُ\".\nهذا لفظ الطّيالسي، وفي لفظ: إِنه ﷺ قال: \"لا تُنْكَحُ امْرَأَةٌ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا، فَإِنْ\n_________\n(^١) سليمان بن داود بن الجارود، مولى قريش، أبو داود الطَّيَالِسِي. ولد سنة ١٣٣ هـ. من كبار حفاظ الحديث، فارسي الأصل، كان يحدّث من حفظه، سُمع يقول: أسرد ثلاثين ألف حديث ولا فخر. من مصنفاته: \"المسند\" سكن \"البصرة\" وتوفي بها سنة ٢٠٤ هـ. ينظر: تاريخ بغداد ٩/ ٢٤، والأعلام ٣/ ١٢٥.\n(^٢) سليمان بن موسى الأموي، مولاهم، أبو أيوب، ويقال: أبو الربيع، ويقال: أبو هشام، الدمشقي، الأشدق، فقيه أهل الشام في زمانه. قال أبو حاتم: محله الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب، ولا أعلم أحدًا من أصحاب مكحول أفقه منه ولا أثبت منه. قال البخاري: عنده مناكير. وقال النسائي: أحد الفقهاء، وليس بالقوي في الحديث. قال ابن عدي: فقيه، راوٍ، حدث عنه الثقات، وهو أحد علماء أهل الشام، وقد روى أحاديث ينفرد بها لا يرويها غيره، وهو عندي ثبت صدوق. توفي سنة ١١٥ هـ. من شربة سقيها. ينظر: تهذيب الكمال ١/ ٥٤٧، وخلاصة التهذيب ١/ ٤٢٠، وتهذيب التهذيب ٤/ ٢٢٦، والثقات ٦/ ٣٧٩.\n(^٣) تقدم.","vol":"3","page":469},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nنَكَحَتْ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ثلاث مرات، فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لا وَليَّ لَهُ\"، رواه البيهقي من حديث ابن عبد الحكم، عن ابن وهب، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى.\nوفي لفظ: \"أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَاليها فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، وَلَهَا المَهْرُ بِمَا أَصَابَهَا\" رواه الشافعي عن مسلم بن خالد، وعبد المجيد بن عبد العزيز (^١) عن ابن جريج: أن سليمان بن موسى أخبره، فذكره.\nوفي \"المعجم الكبير\" للطبراني من حديث عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يَكُونُ نِكَاحٌ إِلَّا بِوَليٍّ وَشَاهِدَيْنِ وَمَهْرٍ مَا كَانَ قَل أَوْ كَثُرَ\".\nإذا عرفت هذا فنقول: جَهَابذة الحُفَّاظ على أن هذا حديث صحيح، وقد استدلّ به الشَّافعي على اشتراط الوليّ في النكاح.\nوحمله الحنفية \"على الصغيرة والأمة والمكاتبة\" والكل لم يحملوه على الثلاث، بل اتفقوا على أصل التأويل، ثم تَشَعَّبت بهم الأنحاء، فحمله بعضهم على الصَّغيرة.\nوردّ: بأن الصغيرة ليست امرأة في حكم اللِّسَان، كما ليس الصَّبي رجلًا، والتزموا سقوط التأويل على مذهبهم فإنَّ الصغيرة لو زوّجت نفسها انعقد عندهم صحيحًا موقوفًا نفاذه على إجازة الولي، وقد قال ﷺ: \"فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ\"، ثم أكد البطلان بالتكرار ثلاثًا.\nقال إمام الحرمين: وكان ﵇ إذا أراد التأكيد أكّد ثلاثًا.\nفعادوا وقالوا: \"باطل أي: يئول إليه غالبًا\"، وذلك أنه [يعود] (^٢) إلى البطلان؛\n_________\n(^١) عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد الأزدي، مولى المهلب، أبو عبد الحميد المكي. قال أحمد: ثقه، وكان فيه غلو في الإرجاء وكان يقول: هؤلاء الشكاك، وقال الدوري عن ابن معين: ثقة، وقال البخاري: كان يرى الإرجاء، كان الحميدي يتكلم فيه، وقال النسائي: ثقة: وقال في موضع آخر، ليس به بأس، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي يكتب حديثه، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث مرجئًا ضعيفًا وقال ابن حبان: كان يقلب الأخبار ويروى المناكير عن المشاهير؛ فاستحق الترك. ينظر: تهذيب الكمال ٢/ ٨٤٩، وتهذيب التهذيب ٦/ ٣٨١، وتاريخ البخاري الكبير ٦/ ١١٢، وسير الأعلام ٩/ ٤٣٤، وخلاصة التهذيب ٢/ ١٧٤، والكاشف ٢/ ٢٠٦.\n(^٢) في أ، ت، ج: يصير.","vol":"3","page":470},{"text":"وَاعْتِرَاضُ الأوْليَاءَ: لِدَفْع نَقِيصَةٍ إِنْ كَانَتْ، فَأَبْطَلَ ظُهُورَ قَصْدِ التَّعْمِيمِ بِتَمْهِيدِ أَصْلٍ مَعَ ظُهُورِ \"أَيٍّ\" مُؤَكَّدَةً بِـ \"مَا\"، وَتَكْرِيرِ لَفْظِ الْبُطْلانِ، وَحَمْلُهُ علَى نَادِرٍ بَعِيْدٌ كَاللُّغَزِ مَعَ إِمْكَانِ قَصْدِهِ؛ لِمَنْعِ اسْتِقْلالِهَا فِيمَا يَلِيقُ بِمَحَاسِنِ الْعَادَاتِ.\n<hr><s0>\n\n\"لاعتراض الولي\"، واستشهدوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [سورة الزمر: الآية ٣٠].\nفقيل لهم: نكاحها يتردّد بين النفوذ والرد، فله حالتان؛ لأن الولي قد يختار الإمضاء، وقد يختار الرَّد، فليس المصير إلى البُطْلان فيه ضربة لازِب، فلا يسوغ والحالة هذه التعبير عن إحدى العاقبتين مع تجويز الأخرى، وإنما يعبر عما سيكون بالكائن فيما يكون لا مَحَالة، كالموت الذي إليه مصير كل زوج.\nوحمله آخرون على الأمة، وزعموا: أنه لا يمتنع تسمية السيد وليًّا.\nورد بوجهين:\nأحدهما: أن نكاحها موقوف كما ذكرنا في الصَّغيرة، ومنتهى الكلام فيه كما سبق.\nوالثّاني: أنه ﵇ جعل لها المهر بما أصاب منها، ومهر الأمة لمولاها.\nوزعم من يدعى الحذق والتحقيق من متأخريهم أنّ الحديث محمول على المكاتبة، وأراد التخلّص من المهر؛ فإن المكاتبة تستحقّه.\nوإنما حمل القوم على ارتكاب هذا التعسُّف أنهم لم يستمكنوا من الإعراض عن الحديث صفحًا، ولا رضوا بأن ينقضوا عند سماعه ما مقدوه من أصل قياس، وهو ملك المرأة البالغة العاقلة أمر نفسها؛ \"لأنها مالكة لبضعها، فكان\" تزويجها نفسها \"كبيع سلعة\".\nالشرح: قالوا: \"اعتراض الأولياء\"، لا لكونها غير مالكة لأمر نفسها، \"بل لدفع نقيصة، إن كانت\" عند تزويجها نفسها من غيرُ كفء.\nواعلم أن معظم الفقهاء ذهبوا إلى أن هذا الصنف من التأويل مقبول لو عضده دليل، وأنه لا يعطل اللفظ.\nوقال القاضي: هو مردود قطعًا، وعزا إلى الشافعي ﵁ قائلًا: إنه عنى علو قدره لم تكن لتخفى عليه هذه الجهات للتأويلات، وقد رأى الاعتصام بحديث عائشة","vol":"3","page":471},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nاعتصامًا بنص، وقدّمه على الأقيسة الجَلِية، وكان ذلك شاهدًا عدلًا في أنه لا [يرى] (^١) التعليق بمثل هذه المَحَامل.\nوذكر القاضي ما حاصله: أن النبي ﷺ ذكر أعم الألفاظ؛ إذ أدوات الشَّرط من أعم الصيغ، وأعمها \"ما\" و\"أي\"، فإذا فرض الجمع بينهما كان بالغًا في محاولة التعميم. انتهى.\nأي \"ما\" لو تجرّدت وكانت شرطية كانت أيضًا من صيغ العموم، وقد أتى بها زائدة للتأكيد، فكانت مقوية لما تدل عليه أي من التعميم.\nكذا فهمه المَازِرِيّ، وعليه جرى المصنف، وهو حق، ولم يرد أن \"ما\" المتصلة تأتي شرطية كما وهمه ابن الأنباري، ثم اعترض وقال: هذه غفلة عظيمة.\nووافقه ابن المُنير المالكي (^٢) في كتاب \"الإنصاف\"، ونسباه إلى إمام الحرمين، وهو في كلام القاضي، وإمام الحرمين ناقل له، ولكنه سكت عليه، ومعناه ما ذكرناه، فاعرف ذلك.\nقال القاضي: ثم الصيغ ينكرها من ينكر أن للعموم صيغة إذا لم يكن هناك قرائن، وهنا قرائن لا نُكْران معها، ولا يذكر هذا اللَّفظ على هذه الصُّورة، ويريد المُكَاتبة والصغيرة، والأمة إلا من جانب الجد في كلامه.\nوهذا لا يقع من المصطفى ﷺ ولا أحد من الفصحاء، ولئن وقع فإنما يقع جوابًا عن سؤال، لا ابتداء حيث يقصد تأسيس قاعدة.\nفإذا ابتدأ ﵇ الذي إليه ابتداء الشرع بأمر الله - سبحانه - بهذا الكلام كان بالغًا في التعميم، وما ذكروه صور نادرة شاذّة، والشاذ - كما قال الشافعي - ينتحى بالنص عليه، ولا يراد على الخُصُوص بالصِّيغة العامة، لا سيما مع هذه القَرَائن ومع تكرير لفظ البُطلان ثلاثًا.\n_________\n(^١) سقط في أ.\n(^٢) أحمد بن محمد بن منصور، ابن المُنَيِّر السَّكنْدَري، ولد سنة ٦٢٠ هـ. من علماء الإسكندرية وأدبائها، ولي قضاءها وخطابتها مرتين، من تصانيفه: \"تفسير\" و\"ديوان خطب\" و\"تفسير حديث الإسراء\" و\"الانتصاف من الكشاف\".\nتوفي سنة ٦٨٣ هـ. ينظر: فوات الوفيات ١/ ٧٢، والأعلام ١/ ٢٢٠.","vol":"3","page":472},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوإلى هذا أشار يقوله: \"فأبطل\" بهذا التأويل \"ظهور قصد التعميم\" في: \"أيما امرأة … \" الحديث، \"بتمهيد أصل\" ابتدأه ﵇، وقاعدة أسسها \"مع ظهور أي\" في العموم؛ إذ هي من أظهر أدوات الشرط، وقد وقعت هنا \"مؤكدة بـ \"ما\" كما في قوله تعالى: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ [سورة القصص: الآية ٢٨].\nومع \"تكرير لفظ البطلان، وحمله على النادر يعد كاللغز\".\nهذا، ولا حامل للقوم على هذا التعسّف العظيم \"مع إمكان قصده\" ﵇ \"لمنع\" المرأة صغيرة كانت أو كبيرة حُرَّة أو مكاتبة من \"استقلالها\" بالتصرف \"فيما\" لا \"يليق بمحاسن العَادَات\" تصرف النساء فيه استقلالًا، وهو النكاح.\nفإذن ليس الحديث خارجًا عن قانون القِيَاسِ حتى يرتكبون هذا التأويل، بل منعُ المرأة من الاستقلال بالنكاح حسن في العرف كما ذكرناه.\nفإن قلت: أليس قوله: \"أيما امرأة\" عام، والمكاتبة والصغيرة والأمة بعض أفراده؟\nوليس قصر العام على بعض أفراده من التَّأويل المردودة؟\nقلت: إنما لا يكون مردودًا، إذا كان المقصور عليه غير شَاذّ.\nوأما الشَّاذ فالقصر عليه مردود؛ لأنه يخرج الكلام عن الفصاحة.\nقال القاضي والإمام وطبقات الأئمة: وقد سلَّم لرسول الله ﷺ الموافق والمخالف، أنه كان على النّهاية القصوى من الفَصَاحة، ولا ينكر هذا من عنده مُسْكَةٌ من عقل، والحمل على هذا يحط الكلام عن رتبة الفَصَاحة والجزالة.\nفإن قلت: أليس يصح استثناء ما عدا الصورة الشَّاذة؟\nقلت: قال الإمام: هذا من الطِّراز الأول؛ فإنا لا نجوز أن يصدر من رسول الله ﷺ مثل هذا الاستثناء، بل قد منعه القاضي من غير النبي ﷺ، فكيف به ﵇؟\nثم إن ما ذكرتم قياس اللُّغة، فلا يسمع.\nهذا حاصل ما ذكره أئمتنا في هذه المسألة.\nواعلم أن لنا خلافًا في الصورة النَّادرة هل تدخل تحت العموم أولا؟ لأنها لا تخطر بالبال غالبًا، وبنى عليه اختلاف أصحابنا في المُسَابقة على الفيل.","vol":"3","page":473},{"text":"وَمِنْهَا: حَمْلُهُمْ: \"لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ\" عَلَى الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ؛ لِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُمْ مِنْ صِحَّةِ الصِّيَامِ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ، فَجَعَلُوهُ كَاللُّغَزِ، فَإِنْ صَحَّ الْمَانِعُ مِنَ الظُّهُورِ، فَلْيُطْلَبْ أَقْرَبُ تَأْوِيلٍ.\n<hr><s0>\n\nفمن منع ذلك ادعى أنه لم يدخل تحت قوله ﵇: \"لا سَبْقَ إِلَّا فِي خُفٍّ، أَوْ نَصْل، أَوْ حَافِرٍ\" (^١).\nومنع الشيخ أبو محمد المُصَلّي أن يدعو في صلاته بما لا يليق مخاطبة الرب به من طلب جارية حسناء، ونحو ذلك، وادّعى أنه لم يدخل تحت عموم قوله ﵇: \"وَلْيَتَخَيَّرْ مِنَ المَسْأَلَةِ مَا شَاءَ\".\nقلت: وقد يستشهد لعدم دخول الصورة النَّادرة بقول الشَّافعي: الشاذ: ينتحى بالنص عليه، ولا يراد على الخصوص بالصيغة العامة.\nوقد قال الشيخ صدر الدين بن المُرَحّل: الخلاف في الصّورة النادرة هل تدخل: لا يبين لي في كلام الله - تعالى - فإنه لا يخفى عليه خافية؛ فكيف يقال: لا يخطر بالبال؟\nقلت: وجوابه: أن المراد عدم الخُطُور ببال العَرَبِ في مخاطباتها، فإذا كانت عوائدهم إطْلاق العام في كلام الباري تعالى، قلنا: إنه - تعالى - لم يرد تلك الصُّورة؛ لأنه أنزل كتابه على أسلوب العرب في مُحَاوراتها وعاداتها في الخطاب.\nفافهم ذلك، واعرف أن كلامنا مع الحنفية إنما هو على تقدير دخول الصُّورة النادرة.\nوأما إن قلنا بعدم دخولها، فيسقط ما يتعلّقون به جملة وتفصيلًا.\nالشرح: \"ومنها حملهم\" ما روى من قوله ﷺ: \"لَا صيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْل\"، \"على\" صوم \"القضاء والنَّذْر\".\nوهو حديث جيد رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة من حديث الزهري، ولفظهم: \"مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَلا صيَامَ لَهُ\".\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود ٣/ ٢٩، في الجهاد: باب في السبق (٢٥٧٤)، والترمذي ٤/ ١٧٨، كتاب الجهاد: باب ما جاء في الرهان والسبق (١٧٠٠)، والنسائي ٦/ ٢٢٦، في الخيل: باب السبق (٣٥٨٥).","vol":"3","page":474},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nورواه النسائي أيضًا من حديث مالك عن نافع عن ابن عمر من قوله، قال الترمذي: وهو أصح.\nقال البيهقي: اختلف عن الزهري في إسناده، وفي رفعه إلى النبي ﷺ.\nقلت: وممن صحّح وقفه: أبو حاتم الرازي، والنسائي، ولكن رواه الدارقطني مرفوعًا من حديث عمر، عن عائشة ﵂، وقال: رجال إسناده كلهم ثقات.\nإذا عرفت هذا فنقول: حمله الحنفية على ما ذكرناه؛ \"لما ثبت عندهم من صحّة الصيام بنيّة من النهار، فجعلوه كاللغز\"؛ إذ حملوه على النَّادِر مع اشتماله على صيغة العموم بنكرة مبنية على الفَتْحِ في سياق النَّفْي، وأنه مبتدأ قاعدة من الشَّارح كما سبق سواء.\n\"فإن صح\" لهم \"المانع من الظُّهور\"، وهو ما زعموه دليلًا على صِحّة الصيام بنيّة من النهار، \"فليطلب أقرب تأويل\" مثل: نفي الكمال؛ فإنّ الحمل عليه وإن كان مردودًا، ولكنه كما قال إمام الحرمين: أقرب من التأويل السّابق، وأقرب أيضًا كما قاله الإمام مما قاله الطَّحَاوي (^١) وتبجح به من أن المراد: النهي عن الاكتفاء بنية صوم الغَدِ في بياض نهار اليوم، بل عليه أن [يؤخر] (^٢) النية إلى غيبوبة الشَّمْسِ حتى يكون بإيقاع النية في الليلة مبيتًا.\nوزعم أن هذا التأويل يجري في جميع أنواع الصوم فرضها ونفلها.\nوقال الإمام: وهو كلام غثّ لا أصل له، وهو يحط من رتبة الطَّحَاوي.\nقلت: وحاصله أن من لم يبيت عام في الذين لا يُبيِّتون، وهم أضرب:\n_________\n(^١) أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة، الأزدي، الطحاوي، أبو جعفر، مولده سنة ٢٣٩ هـ في \"طحا\" (من صعيد مصر) والتي نشأ فيها أيضًا. فقيه، انتهت إليه رياسة الحنفية بـ \"مصر\"، تفقه على مذهب الشافعي ثم تحول حنفيًّا، وهو ابن أخت المزني. من تصانيفه: \"شرح معاني الآثار\" و\"بيان السنة\" و\"مشكل الآثار\" وغيرها. توفي سنة ٣٢١ هـ. ينظر: البداية والنهاية ١١/ ١٧٤، ولسان الميزان ١/ ٢٧٤، والجواهر المضيَّة ١/ ١٠٢، واللباب ٢/ ٨٢، والأعلام ١/ ٢٠٦.\n(^٢) في ج: يوجد.","vol":"3","page":475},{"text":"ومِنْهَا: حَمْلُهُمْ لِذِي الْقُرْبَى\" [سورة الأنفال: الآية ٤١] عَلَى الْفُقَرَاء مِنْهُمُ؛ لأَنَّ المَقْصُودَ سَدُّ الْخلَّةِ، وَلَا خَلَّةَ مَعَ الْغِنَى فَعَطَّلُوا لَفْطَ الْعُمُومِ مَعَ ظُهُورِ أَنَّ الْقَرَابَةَ سَبَبُ الاِسْتِحْقَاقِ مَعَ الْغِنَى.\nوَعَدَّ بَعْضُهُمْ حَمْلَ مَالِكٍ ﵀: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ …﴾ إِلَى آخِرِهَا؛ عَلَى بَيَانِ الْمَصْرِفِ مِنْ ذَلِكِ، وَلَيْسَ مِنْهُ؛ لأِنَّ سِيَاقَ الآيَةِ قَبْلهَا مِنَ الرَّدِّ عَلَى لَمْزِهِمْ فِي الْمُعْطِينَ، وَرِضَاهُمْ فِي إعْطَائِهِمْ، وَسَخَطِهِمْ فِي مَنْعِهِمْ - يَدُلُّ عَلَيْهِ.\n<hr><s0>\n\nالأول: من أضرب عن النية بالكلية.\nوالثاني: من قدم النية على الليل، فنوى قبل غيبوبة الشمس.\nالثالث: من أخرها عن الليل، فأوقعها في النَّهَار، وظاهر العموم يقتضي بطلان صوم الجميع.\nفقال الطحاوي: يستقر العموم في قسمين: من لم يبيت أصلًا، ومن قدم النيَّة على الليل، ويخرج منه من أخر النية عن الليل، وأوقعها في نهار الصوم بناء على القياس على التَّطوع المنصوص عليه.\nوقد رد إمام الحرمين هذا التأويلَ، وتأويل نفي الكمال أيضًا بما لا مزيد على حسنه.\nالشرح: \"ومنها: حملهم\" قوله تعالى: \" ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ \" في قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [سورة الأنفال: الآية ٤١] \"على الققراء منهم\" دون الأغنياء.\nقالوا: \"لأن المقصود\" من دفع الخمس إليهم \"سد الخَلّة، ولا خَلّة مع الغنى\".\n\"فعطلوا لفظ العموم مع ظهور أن القَرَابَة سبب الاستحقاق مع الغنى\"؛ فإنها مناسبة قارنها الفقر أم لا، فالحاصل أنه - تعالى - علَّق الاستحقاق بالقَرَابَةِ، ولم يتعرض لذكر الحاجة، وهي مناسبة مع ذلك.\nفاعتبروا الحاجة، ولم يشترطوا القرابة.\nوقال الغزالي: إن جعلوا الأمر دائرًا مع الحاجة وجودًا وعدمًا حتى يعطى كل","vol":"3","page":476},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nمحتاج، وإن لم يكن قريبًا، ولا يعطى أحد من الأقرباء إلَّا عند الحاجة، وهو عندنا سَرَفٌ وتعطيل للفظ القرابة، مع أنه منصوص، والمعنى يعضّده كما ذكرناه.\nوإن قالوا: لا يعطى إلَّا القريب، ولكنّا نشترط فيه الحاجة، وهذا ليس ببعيد.\nوقد صرح إمام الحرمين: بأنه قريب، وعليه ينبغي أن ينزل كلام الغزالي، كما فعله الشَّافعي على أحد القولين في اعتبار الحاجة مع اليتم في سياق هذه الآية. انتهى.\nقلت: وهو على قربه والحالة هذه يتنازل عما فعل الشَّافعي في اليتامى من وجهين:\nأحدهما: أنه زاده على النص كتقييد الرقبة بالإيمان، وأبو حنيفة يراها نسخًا، والنسخ لا يكون بالأقيسة والمعاني.\nوأما الشَّافعي فلا معترض عليه؛ إذ لا يرى الزيادة نسخًا.\nوالثاني: إنما نمانعه من مساعدة المعنى له ونقول: لفظ اليتم مع قرينة إعطاء المال مشعر بالحاجة، فاعتبارها يكون اعتبارًا لما دَلّ عليه لفظ الآية، فاليتم إذا تجرد عن الحاجة غير صالح للتعليل، بخلاف القرابة فمجردها مناسبة للإكرام باستحقاق خمس الخمس.\n\"[وعدّ] (^١) بعضهم حمل مالك\": \" ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [سورة التوبة: الآية ٦٠] \"إلى آخرها على بيان المصرف\"، دون إرادة استيعاب الأصناف بالعطاء، وقوله كأن الرب - تعالى - قال: هذه جهات الضرف، وكل منها كافٍ \"من ذلك\"، أي عده بعضهم من التأويلات البعيدة، وهذا منقولٌ عن الشَّافعي ﵁.\nوهو عندنا صواب، والمقتصر على الإعطاء لصنف واحد معطّل لا مؤوّل.\nوذكر إمام الحرمين في تقرير ذلك ما حاصله: أن الآية اشتملت على عد ثمانية أصناف عطف بعضهم على بعض بحرف \"الواو \"التي هي للجمع والتَّشْرِيك، وأكد هذا المعنى بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ واللام تفيد التمليك، فإذا دخلت في قوله: \"للفقراء\" وعطف على ذلك ما ذكره بعده بحرف \"الواو\" وجب اشتراك الجميع في ملك هذا المال الذي هو الصَّدقة.\nوأوضح الشَّافعي هذا بالوصية؛ فإن الموصى إذا قال: ثلث مالي للفقراء، وفي\n_________\n(^١) في أ: وعند.","vol":"3","page":477},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالرقاب، وفي سبيل الله لا يصح صرف جميع ثلثه إلى واحد، وإذا تعين اعتبار لفظ الموصى، واعتقاده نضًا، فيجب تنزيل لفظ الكتاب العزيز على مثله.\nقال إمام الحرمين: ولم يظن - يعني الشافعي - أن أحدًا يجز أن يقدم في مسألة الوصية على منع.\nوقد أحدث بعض المتأخرين منعًا وقالوا: هي بمثابة الصدقات يجوز صرفها إلى واحد، وهو باطل قطعًا.\nقلت: والمالكية لا يمنعون مسألة الوصية، فلا يشتغل بتقريرها.\nقال الشَّافعي ما حاصله: ثم إن الحاجة ليست مرعيةً في بعض الأصناف المذكورين كالعاملين، فإنهم يأخذونها لا من جهة حاجتهم، وكالغارمين بسبب حمالة يحملونها لإصلاح ذات البَيْنِ فقط بطل التعويل على الحاجة.\nواعلم أن المَازِرِيّ لم يرد هذا، بل أحال الكلام عليه في كتابه \"شرح التلقين\".\nوقال الغزالي: ليس هو كذلك عندنا، بل هو معطوف على قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٥٨]، وادعى أن منع الشَّافعي ﵁ الحكم لقصور في الدَّليل، لا لانتفاء الاحتمال، وتبعه أبو الحسن الأنباري شيخ المصنف، وزاد في بسطه: لأنه مالكي.\nوحاصل ما ذكره: أن \"اللام\" في قوله: للفقراء يحتمل أن تكون للملك، وأن تكون للأهلية والانتفاع، كما نقول؛ الجل (^١) للفرس، فإن كان المراد الملك صح ما قاله الشافعي، وإلّا فلا؛ لاشتراك الكل في الأهلية وصحّة التصرف.\nوهذا هو الذي نختاره.\nفيخرج الكلام بهذا التقدير عن مرأى النصوص.\nفأما أن نقول: إنه مشترك بين الجهتين، فيفتقر إلى البيان في الجانبين، فيكون كل واحد مفتقرًا إلى الدليل.\n_________\n(^١) في أ، ت: الحبل.","vol":"3","page":478},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأو نسلّم ظهور ما قالوه، فتخرج المسألة عن تعطيل النصوص، ويكون من التأويلات المقبولة التي يحتاج من صار إليها إلى دليل يعضّده.\nقلت: وهو يدور على منع [القضية] (^١).\nويقول: إنما خالفنا الظَّاهر لدليل.\nفإن قيل: ما هو؟\nقال: هذا عندنا راجع إلى ما سبق من قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [سورة التوبة: الآية ٥٨].\nإلى قوله: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٥٩]، فإنه - تعالى - ذمّهم على تعرضهم لها مع خلوهم عن شرط استحقاقها، ثم بَيّن تعالى من يستحق الصرف، وهو أهل له فقال: إِنِّمَا الصدقات … \" الآية.\nوإلى هذا أشار تلميذه صاحب الكتاب بقوله: \"وليس منه\" أي: من التأويلات البعيدة؛ \"لأن سياق الآية قبلها من الرد على لَمْزِهم في المُعْطين، ورضاهم في إعطائهم، وسخطهم في منعهم يدل عليه\" أي: على أن الغرض بيان المصرف.\nثم قال ابن الأنباري: وإذا تقرر هذا، فإن قيل لنا: إذا كان احتمالًا مساويًا على وجه أي: وهو جعله مشتركًا بين الجهتين مفتقرًا إلى البيان.\nأو بعيدًا على وجه، وهو جعله ظاهرًا فيما ذكره الشافعي، فما الذي دلّكم على تعينه؟ ولم لم تقضوا بوجوب التعميم في الأصناف، أو التوقّف على ما يقتضيه كل واحد من الطريقين؟\nقلنا: دلّنا على ذلك أمر كلي، وهو علمنا بأن الشَّارع قصد بأخذ هذه الأموال سَدَّ خَلّة ذوي الحاجات، وإذا كان كذلك، فلو تحتمت القسمة بين الأصناف على التساوي أفضى الأمر إلى تَبَعُّد في الصرف، فيخرج الأمر عن تعطيل النصوص، ويقع في قسم التأويل المقبول، أو التفسير المرضى.\nقلت: أما منعه أن \"اللام\" للملك، فهذا راجع إلى نقل أهل اللغة، ثم نقول: هب أنها\n_________\n(^١) في أ، ت، ج: النصية.","vol":"3","page":479},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nللانتفاع، أليس المراد انتفاع جميع الأصناف؟ [فينبغي] (^١) تعميمهم، وهذا لا يفرق الأمر فيه بين كونها للملك، أو للانتفاع.\nوهب أنه - تعالى - قال: إنما الانتفاع للثمانية، فلم تقتصر أنت على بعض قوله: هو راجع إلى ما سبق من قوله: \"ومنهم من يلمزك\"؟\nقلنا: رجوعه واقع على التقديرين، ولكنه على - التقدير الذي نقوله أحسن وأبلغ، فكأنه تعالى يقول وَهُوَ أعلم بمراده: الذين يلمزونك مخطئون؛ لأنهم ليسوا واحدًا من هذه الأصناف، والصدقات لهذه الأصناف، فكيف يتعرضون لها؟\nفإذا صحّ العود إليه مع ما يقوله، فلم يخرج عن ظاهر الكلام هذا، وهو مع ما يقول أحسن وأبلغ، وكأني بك تقول: قولك: \"عن ظاهر الكلام\" يقتضي تسليم أنه ليس بنصّ.\nفأقول: ليعلم طالب التحقيق الحائد عن وَرطات التعصّب - أن الظواهر إذا احتفَّت بها قرائن لفظية كانت أو غير لفظية صَيّرتها نصوصًا.\nوكل ما قدمنا ذِكْره في قوله: \"لا نكاح\"، \"لا صيام\"، و\"لذي القربى\"، وغير ذلك من هذا القبيل، فإذا اعتضد الظاهر عامًّا كان، أو حقيقة بالمعنى التحق بالنصوص، وهذا ظاهر يعضّده المعنى الذي يلمح في هذه الأصناف، ويقضى باستوائها كما ينسبك عنه الفقيه.\nوقد تقرر أنك إذا ذكرت لفظًا عامًّا، فحمله على الاستغراق ظاهر، فإذا احتفت به قرائن التعميم كان أولى، فإذا حملته والحالة هذه على الخصوص كنت أبعد من حملك إياه عليه إذا لم يكن قرائن.\nثم الخصوص المحمول عليه إن كان كثيرًا غالبًا كان تأويلًا مقبولًا عند اعتضاده بالدليل، وإن كان نادرًا شاذًا قد لا يمرّ بالخاطر كان تعطيلًا مردودًا.\nولا يقال: أنتم لا تشترطون في العام إذا خصّ أن يكون الباقي جمعًا كثيرًا؛ لأنا لا نعني بالكثير الغالب هنا الكثير عددًا، بل الكثير وقوعًا والغالب وجودًا، بحيث يقرب أنه مما خطر بالبال عند ذكر لفظ العام، فافهم ذلك، وهو من أسرار هذا المكان، ونحن وإن خصّصنا هذا المكان بذكر هذه الزّبدة، وهي لا تختص به، بل تنفع في باب التأويل جميعه.\n_________\n(^١) في ج: فيلغى.","vol":"3","page":480},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوكذلك تقول إذا ذكرت لفظًا خاصًّا ذا حقيقة ومجاز كما إذا قلت: رأيتا أسدًا.\nفإن عنيت الحيوان المفترس، كنت جاريًا على منهاج الحقائق.\nوإن عنيت رجلًا هجومًا مقدامًا، فهذا سائغ لا ينافيه الحد، ولكنه تأويل يفتقر إلى دليل.\nوإن عنيت رجلًا ذميمًا أو أبخر، لم يكن ذلك لفظًا منساغًا، وكان مريده مُلْغزًا.\nوهذا عند إطلاقك: رأيت أسدًا، فما ظنك إذا احتفت بالقرائن الدَّالة على إرادة الحقيقة؟\nفإذا كانت \"اللَّام\" للملك أو لانتفاع الكلّ ظاهرا، وعضد ذلك المعنى المقتضى الكل، ولم يَنُبْ عنه العَطْف على: \"ومنهم من يلمزك\"، بل كان معه أحسن صار نصًّا، والخارج عنه معطل لا مؤول.\nوقوله: ما دلّك على التعيين؟\nقلت: أمر كلي إلى آخره حاصله: إن تتم له أنه ذكر دليله على أن المرعى الحاجة، وذلك خروج عن فن الأصول؛ إذ هو من وظائف الفقه، وقد أجاد صاحب الكتاب حيث أهمله.\nونحن حيث ذكره هنا نشير إلى ردّه فنقول:\nأولًا: هذا دليل يعارض هذه الآية لما تقرر من أنها نص، وهو عام وهي خاصة، فكانت أولى بالأغنياء.\nثم هذا على تقرير انتهاضه، والصواب أنه لا ينهض؛ فإنَّ الله - تعالى - كما راعى ذَوِي الحَوَائج راعى مَنْ يصلح ذات البَيْن، ومن يغرم، وكل من يعمل أمرًا يعود على المسلمين بمصلحة غنيًّا كان أو فقيرًا.\nثم لو سلم أن المراعي الحاجة، [فلم] (^١) لم يجر على عمومها، بل دفعت إلى الغارم وإن لم يكن محتاجًا؟\n_________\n(^١) في ج: فلو.","vol":"3","page":481},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقوله: لو تحتمت القسمة بين الأصناف على التساوي أفضى الأمر إلى [تبعد] (^١) في الصرف، فإنه قد يتفق كثرة الفقراء وقلّة المال، وألَّا يوجد الغارمون، ولا الرّقاب، فلو صرف إلى الفقراء من ذلك المال الثمن، وأخر الثمن للغارمين إلى أن يوجدوا والفقراء هالكون بالجوع لم يكن ذلك لائقًا بحكمة الشَّريعة.\nقلنا: مذهبنا: أنه إذا فقد صنف يوفر نصيبه على الباقين، وليس مذهبنا أن لكل صنف الثمن، بل إنما نعطي العامل أُجْرة عمله، فإن كان الثمن أكثر ردّ الفاضل على بقية الأصناف، وإن [كان] (^٢) أقل تمّم منها على الأصح.\nوقيل: من خمس الخمس، ولا يزاد الرقاب والغارمون على ما عليهم، وكذا غيرهم.\nوحاصله: أن التسوية عندنا غير واجبة، بل ولا جائزة، والأفضل أن يدفع إليهم على قدر حاجاتهم، وأن يسوي بينهم في ذلك.\nفينبغي للمعترض أن يعرف مذهبنا قبل الاعتراض.\nثم نقول: لو سلم مسلم هذه الصورة التي ذكرها، وقلنا: إنها ليست مذهبنا، فمن أين له بقاء الفقراء الهالكين بالجوع؟\nأليس من مذهبه ومذهبنا: أن الفقراء إذا لم تكفهم الزّكوات يجب على الأغنياء سَدُّ خلتهم؟\nفلو عمل الأغنياء بما أمرهم الله - تعالى - به لم يعرف على وجه الأرض مَضْرُور.\nوأما مسألة الوصية التي ألزم الشافعي بها الخصوم حيث راعوا لفظ الموصى، ولما يراعوا لفظ الكتاب العزيز، فلا نرى لمن يلتزمها جوابًا.\nوحاول ابن الأنْبَاري الجواب عنها فقال: لَعَمْرِي إن النص بالوضع لا يختلف بالإضافة، بخلاف النص بالقرآن.\nوقد بيّنا أن حرف \"اللام\" لا يقتضى تمليكًا، وإنما هو محتمل، فإذا دلّ دليل على انحسام أحد المعنيين تعين الثاني.\n_________\n(^١) في أ، ت: تعبد.\n(^٢) سقط في ت.","vol":"3","page":482},{"text":"<span data-type='title' id=toc-736>مَبْحَثُ المَفْهُوم وَالمَنْطُوقِ </span>(^١)\n[الْمَنْطُوقُ وَ] الْمَفْهُومُ\": الدَّلالَةُ: مَنْطُوقٌ، وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ، وَالْمَفْهُومُ بِخِلافِهِ، أَي: لَا فِي مَحَل النُّطْقِ.\nوَالأوَّلُ صَرِيحٌ، وَهُوَ مَا وُضِعَ اللَّفْظُ لَه، وَغَيْرُ الصَّرِيحِ بِخِلافِهِ، وَهُوَ مَا يَلْزَمُ فَإِنْ قُصِدَ وَتَوَقَّفَ الصِّدْقُ أَوِ الصِّحَّةُ الْعَقْلِيَّةُ أَوِ الشَّرْعِيَّةُ عَلَيْهِ - فَدَلالَة اقْتِضَاءٍ؛ مِثْلُ: \"رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ\"، وَ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [سورة يوسف: الآية ٨٢]، وَ\"أَعْتِقْ عَبَدَكَ عَلَى أَلْفٍ\"؛ لاِسْتِدْعَائِهِ تَقْدِيرَ الْمِلْكِ؛ لِتَوَقُّفِ الْعِتْقِ عَلَيْهِ.\n<hr><s0>\n\nوقد دلّ الدليل في مسألة الموصى؛ لانحسام معنى الاستحقاق، وتحقق معنى التمليك.\nقال: وإنما صورة مسألة الصدقات: أن تطلب من الإنسان أن يصرف شيئًا من ماله لمن لا ترتضى أحوالهم.\nفنقول: ليس مالي لهذه الأصناف، وإنما مصرف مالى لأهل الفضل والدين والعلم، فهذا لا يقتضي تشريكًا ولا تمليكًا.\nقلت: وهو ضعيف؛ فإنَّ دعوى انحسام أحد المعنيين في مسألة الوصية ممنوع؛ فإنّ الموصى تارةً يقصد تمليك الغير، وتارةً يقصد تمليك المنفعة، وضرورة الموصى له أحق بالانتفاع بها، وهذا مقرر في الفقهيات.\n_________\n(^١) المفهوم: ما يفهم ويستفاد من اللفظ، اسم مفعول من الفهم بمعنى: العلم والمعرفة.\nيقال: فهم الشيء يفهمه فَهْمًا وفَهَمًا وفهامَةً: علمه، وعرفه، وتفهم الكلام فهمه شيئًا بعد شيء.\nوالمنطوق: هو الملفوظ به اسم مفعول من النطق بمعنى التلفظ والتكلم يقال: نَطَقَ يَنْطِق نُطْقًا، ومَتطِقًا، ونطوقًا: تكلم بصوت وحروف تعرف بها المعاني، وناطقَهُ: كَلَّمَهُ وقاوَلَهُ.\nينظر: شرح العضد ٢/ ١٧١، والبرهان ١/ ٤٤٩، والعدة ١/ ١٥٤، والإحكام للآمدي ٣/ ٦٢، وجمع الجوامع ١/ ٢٤٠، والآبيات البينات ٢/ ١٥، ٢٣، وشرح الكوكب ٣/ ٤٨٠، ٤٨٩، وروضة الناظر (١٣٨، ١٣٩)، وإرشاد الفحول (١٧٨ - ١٩٨)، وتيسير التحرير ١/ ٩١ - ٩٨، وفواتح الرحموت ١/ ٤١٣ - ٤١٤، وشرح التنقيح (٥٣)، والحدود للباجي (٥٠)، نشر البنود ١/ ٩٤ - ٩٨، والمدخل (٢٧١).","vol":"3","page":483},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفكما يحتمل قوله: أوصيت بمالي لزبد قصد التَّمْليك يحتمل قصد الاختصاص بالمنفعة، ولكن التمليك أظهر؛ لأنه موضوع \"اللام\" كما ذكرناه نحن، أو لأنه أرجح محاملها وأظهرها.\nفقد لاح أن معنى الانتفاع ليس مدفوعًا، ولا فرق بين قوله: أوصيت بمالي لزيد وعمرو وقوله لمن يسأله أن يصرف له شيئًا: إنما يصرف مالي للفقراء والعلماء.\nفإن قامت قرينة هناك على أن المقصود الجهة فليست موجودة في الآية، وبالله التوفيق.\nالشرح: \"المفهوم\": قد آن ينحاز الكلام على المنطوق، ونقدم الكلام عليه فنقول: \"الدلالة\" قسمان:\n\"منطوق: وهو (^١) ما دلّ عليه اللفظ في محلّ النطق\" (^٢)، مثل تحريم التأفيف،\n_________\n(^١) فـ \"ما\" في قوله: ما دل عليه اللفظ مصدرية، وليست اسمية واقعة على معنى، كما هو ظاهر العبارة، وإنما جعلوها مصدرية، وأخرجوها عن هذا الظاهر؛ ليكون كلامه اللاحق موافقًا لكلامه السابق، فإنه قسم الدلالة أولًا: إلى منطوق ومفهوم، ثم عرف المنطوق بأنه ما دل عليه اللفظ … إلخ، فيكون المنطوق، والمفهوم عنده قسمين للدلالة، والذي يصحح كون المنطوق على هذا التعريف قسمًا من الدلالة هو حمل (ما) على المصدرية كما تقدم، بخلاف حملها على الاسمية، وجعلها واقعة على معنى؛ فإنه يقتضي كون المنطوق قسمًا من المدلول لا من الدلالة؛ إذ يصير المعنى هكذا:\nالمنطوق معنى دل عليه اللفظ … إلخ، والفرض أنه قسم من الدلالة لا من المدلول، وإلا لزم مباينة المقسم للأقسام، والضمير في \"عليه\" راجع إلى المعنى المفهوم من سباق الكلام؛ لأن الدلالة تقتضي معنى مدلولًا عليه، وقوله: في محل النطق متعلق بمحذوف حال من ضمير (عليه) فكأنه قال: المنطوق دلالة اللفظ على معنى حالة كون ذلك المعنى ثابتًا في محل النطق أي لما نطق به، وذكر في الكلام، فالمراد بمحل النطق: المنطوق به، والمراد: بكون ذلك المعنى ثابتًا لمحل النطق كونه حكمًا له، وحالًا من أحواله، كما دل عليه تصويرهم؛ لكون المعنى في محل النطق، بقولهم: بأن يكون ذلك المعنى حكمًا للمذكور، وحالًا من أحواله، وهو قيد للتمييز بين المنطوق والمفهوم؛ لأن ذلك المعنى إن كان ثابتًا لما نطق به، فالدلالة عليه منطوق، وإن كان ثابتًا لغير ما نطق به، أي: لغير المذكور في الكلام، فالدلالة عليه مفهوم. فشرط تحقق المنطوق أي: شرط كون السنة منطوقًا هو ذكر ماله الحكم لا ذكر الحكم نفسه، بل الحكم تارة يكون مذكورًا، وتارة يكون غير مذكور، كما دَلَّ عليه قولهم في بيان المعنى الإجمالي للتعريف، سواء ذكر ذلك الحكم أولا.\n(^٢) والمراد: أن المنطوق في اصطلاح الأصوليين عبارة عن دلالة اللفظ على معنى حالة كون ذلك =","vol":"3","page":484},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nومفهوم: \"والمفهوم بخلافه\" أي بخلاف المنطوق، \"أي\": يدل عليه اللفظ \"لا في محل النطق\" (^١).\n\"والأول\": أعني المنطوق قسمان:\n\"صريح: وهو ما وضع اللفظ له\" فيدلّ عليه بالمطابقة أو التضمّن، حقيقة أو مجازًا.\nأو غير صريح \"وغير الصريح بخلافه، وهو ما يلزم عنه\" أي: عما وضع له اللفظ، فيدل عليه بالالتزام (^٢).\n_________\n= المعنى ثابتًا في محل النطق؛ بأن يكون ذلك المعنى حكمًا للمذكور في الكلام، وحالًا من أحواله، سواء ذكر ذلك الحكم، ونطق به بأن دل عليه اللفظ مطابقة أو تضمنًا، وهو ما يسمى بـ \"المنطوق الصريح\" أو لم يذكر بأن دَلَّ عليه التزامًا، وهو ما يسمى بـ \"المنطوق غير الصريح\". وبهذا يعرف أن المنطوق تارة يكون صريحًا، وتارة يكون غير صريح، كما سيحكي المصنف. ينظر: شرح العضد على مختصر ابن الحاجب، ومعه حاشية سعد الدين التفتازاني ج ٣ ص ١٧١.\n(^١) والمراد أن المفهوم هو معنى دل عليه اللفظ خال كون ذلك المعنى غير ثابت في محل النطق، أي: اللفظ المنطوق به، بل في محل السكوت، أي: اللفظ المسكوت عنه، أعني الذي لم يذكر في الكلام؛ بأن يكون لازمًا لمعنى المنطوق به، سواء كان موافقًا للمذكور أو مخالفًا له، وسواء كان ثبوتيًّا أو سلبيًّا، كما في قوله ﷿: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ على تحريم الضرب، فإن هذا التحريم معنى دل عليه اللفظ حال كونه غير ثابت في محل النطق، وهو ﴿لَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾، بل في محلّ السكوت، وهو لا تضربهما، وكدلالة قوله ﷺ: \"في الغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ\" على عدم وجوب الزكاة في المعلوفة؛ فإنه معنى دل عليه اللفظ المذكور حال كونه غير ثابت في محل النطق، بل في المسكوت عنه، وهو لا زكاة في المعلوفة، فقوله: \"ما دلَّ عليه اللفظ\". يقال فيه ما قيل في تعريف المنطوق لاتحاد اللفظ فيهما، فلا داعي للإعادة، وقوله: \"لا في محل النطق\" متعلق بمحذوف حال من الضمبر في عليه، أي: معنى دل عليه اللفظ حال كون ذلك المعنى غير ثابت في محل النطق، وهو قيد للتمييز بين المنطوق والمفهوم.\nينظر: نهاية السول ٢/ ١٩٨، وشرح الكوكب ٣/ ٤٧٣، والإحكام للآمدي ٣/ ٦٢، وشرح العضد ٢/ ٢/ ١٧١، وجمع الجوامع ١/ ٢٣٥ - ٢٣٦، وإرشاد الفحول ١٧٨، وتيسير التحرير ١/ ٩١، وفواتح الرحموت ١/ ٤١٣، والمدخل ٢٧١، والآيات البينات ٢/ ٢، ونشر البنود ١/ ٨٩.\n(^٢) وخلاصة القول: أن الصريح هو دلالة اللفظ على ما وضع له مطابقةً، أو تضمنًا، حقيقة كان =","vol":"3","page":485},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nثم غير الصريح ينقسم إلى: دلالة اقتضاء (^١)، وإيماء (^٢)، وإشارة (^٣)؛ لأنه إما أن يكون\n_________\n= أو مجازًا، وعليه فإن المنطوق الصريح ينحصر في المطابقية والتضمنية، وخرجت الالتزامية، مثال الصريح: دلالة قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ على تحريم التأفيف.\nوذهب إلى أن غير الصريح هو ما لم يوضع اللفظ له، بل يلزم ما وضع له، فيدل عليه بالالتزام.\nيعني أن غير الصريح هو دلالة اللفظ على لازم الموضوع له، وبعبارة أخرى: دلالة اللفظ على المعنى بالالتزام، فينحصر غير الصريح في الالتزامية.\n(^١) دلالة الاقتضاء: هي دلالة اللفظ على لازم المعنى المقصود يتوقف عليه صدق الكلام، أو صحته عقلًا أو شرعًا مثل دلالة قول النبيّ ﷺ \"رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ\" على إرادة رفع المؤاخذة، ونحوها مما يمكن نفيه؛ لتوقف صدقه على ذلك التقدير؛ لعدم رفع ذات الخطأ والنسيان؛ لوقوعهما من الأمة، ومثل دلالة قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ على إرادة سؤال أهلها؛ لتوقف صحته عَقْلًا على هذا التقدير؛ إذ القرية - وهي البنايات المجتمعة - لا يصح عقلًا سؤالها، كما هو معتاد، وكدلالة قولك لمن يملك عبدًا: أعتق عبدك عني بألف على إرادة ملكني عبدك بألف، فأعتقه عني؛ لتوقف صحته شرعًا على ذلك التقدير؛ لأن العتق بدون الملك لا يصح شرعًا.\n(^٢) دلالة الإيماء: هي دلالة اللفظ على لازم مقصود لا يتوقف عليه صدق الكلام؛ ولا صحته، كاقتران وصف بحكم لو لم يكن ذلك الوصف علة له؛ لكان اقترانه به بعيدًا عن وقوعه في كلام البليغ، فضلًا عن كلام الشارع؛ لانتفائه عن الفائد حينئذ، وإذ لا فائدة ألا يكون الوصف علَّة لذلك الحكم كما في دلالة اقتران الوقاع بالإعتاق على علّية الوقاع لوجوب الإعتاق في قصة الأعرابي الذي قال: هلكت وأهلكت يا رسول الله؛ واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال له الرسول ﷺ: \"أَعْتِقْ رَقَبَةً\" الحديث أي: واقعت فأعتق رقبة؛ لأن السؤال معاد في الجواب تقديرًا، فيدلّ هذا الاقتران على علية الوقاع لوجوب الإعتاق، وإلا كان اقترانه به بعيدًا؛ لخلوه عن الفائدة.\n(^٣) دلالة الإشارة: والمقصود بها دلالة اللفظ على لازم غير مقصود منه بالذات، كدلالة قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ الآية على جواز أن يصبح الصائم جنبًا؛ فإن جواز الإصباح بالجنابة للصائم ليس مقصودًا من الآية بالذات، ولكنه لازم للمقصود منها، وهو إباحة الرفث أي: الوقاع في الليل الصادق بالوقاع في آخر جزء منه، وهذا يستلزم الإصباح بالجنابة ضرورة أن يقع الغسل حينئذ بعد طلوع الفجر، وكدلالة قوله ﷺ في حق النساء: \"إِنَّهُنَّ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ\" فقيل: وَمَا نُقْصَانُ \"دِينِهنَّ؟ قال: \"تَمْكُثُ إِحْدَاهُنَّ شَطْرَ =","vol":"3","page":486},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nمقصودًا للمتكلم، أو لا (^١).\nوالمقصود قسمان بالاستقراء:\nأحدهما: أن يتوقف الصدق، أو الصحة العقلية، أو الصحة الشرعية عليه.\n_________\n= دَهْرِهَا لا تُصَلِّي\" على أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا، وأقل الطهر كذلك، فإن هذا ليس مقصودًا بالذات من سياق الحديث، ولكنه لازم للمراد منه، وهو بيان نقصان دينهن؛ لأن ذكر شطر الدهر أي: نصفه أراد به المبالغة في نقصان ديتهن، وهذه المبالغة تقتضي ذكر أكثر ما يتعلّق به ذلك المقصود، فلو كان زمان ترك الصَّلاة، وهو زمان الحيض أكثر من ذلك، أو كان زمان الصلاة، وهو زمان الطهر أقل من ذلك، لذكر في الحديث تحقيقًا للغرض المقصود منه.\n(^١) وأما العلامة المصنف ابن السبكي فإنه في جمع الجوامع قصر المنطوق على ما يسمى بالصريح في كلام ابن الحاجب، وجعل ما سماه ابن الحاجب منطوقًا غير صريح.\nتابعًا للمنطوق، أي: واسطة بين المنطوق والمفهوم، فجعل مدلول اللفظ ثلاثة أقسام منطوقًا وتابعًا له ومفهومًا، بخلاف ابن الحاجب، فإنه جعل المنطوق قسمين صريحًا، وغير صريح وحصر الدلالة في المنطوق والمفهوم، ودلالة الاقتضاء، والإيماء، والإشارة من قبيل المنطوق عند ابن الحاجب، وتابعة له عند ابن السبكي.\nوأنت إذا تصفحت كتب الأصول المتداولة بين أيدينا وجدتها مطبقة على حصر الدلالة، أو المدلول في المنطوق والمفهوم، وأن أكثرها جار على تقسيم المنطوق إلى صريح وغيره .... إلخ.\nنعم بعض الشافعية جعل غير الصريح من المفهوم، لكنه متفق مع غيره على الحصر في المنطوق والمفهوم، أمَّا القول بالواسطة، وتثليث القسمة فلم أره لغير ابن السبكي والآمدي، فهذا صاحب \"التحرير، وصاحب \"المسلم\"، والأزميري وغيرهم ينقلون عن الشافعي مثل ما قاله ابن الحاجب.\nوبالجملة فقد تابع ابن الحاجب على هذا التقسيم كل من جاء بعده من المصنفين فيما علمت إلا ابن السبكي مع أنه تابعه عليه في شرحه \"المختصر\" دون تعقب له في ذلك، ولهذا نرى بعض الأصوليين حاول حمل كلام ابن السبكي في \"جمع الجوامع\" على ما يوافق طريقة ابن الحاجب، ولكنها محاولة فيها بُعْدٌ وتكلف. فظهر بهذا أن كلام ابن الحاجب في هذا المقام هو الذي يصور لنا طريقة القوم، كما يظهر لنا رجحان طريقته في هذا التقسيم على طريقة ابن السبكي؛ لأنها أكثر دقة ومتابعة لما عليه جمهور الأصوليين، ولهذا عدل عليها أكثر المصنفين في الأصول.","vol":"3","page":487},{"text":"وإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ وَاقْتَرَنَ بِحُكْمٍ: لَوْ لم يَكُنْ لِتَعْلِيلِهِ كَانَ بَعِيدًا - فَتَنْبِيهٌ وَإِيمَاءٌ؛ كَمَا سَيَأْتِي، وَإنْ لَمْ يُقْصَدْ، فَدَلالَةُ إِشَارَةٍ؛ مِثْلُ: ﴿النِّسَاءُ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ﴾ - قِيلَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِهِنَّ؟ - قَالَ ﵊: \"تَمْكُثُ إِحْدَاهُنَّ شَطْرَ دَهْرِهَا لا تُصَلِّي\"، فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ بَيَانَ أَكْثَرِ الْحَيْضِ؛ وَأَقلِّ الطُّهْرِ؛ وَلَكِنَّهُ لَزِمَ مِنْ أَنَّ الْمُبَالَغَةَ [فِي نُقْصَانِ دِينِهِنَّ] تَقْتَضِي ذِكْرَ ذَلِكَ.\nوَكَذَلِكَ: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [سورة الأحقاف: الآية ١٥] مَعَ: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [سورة لقمان: الآية ١٤].\nوَكَذَلِكَ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٧]- يَلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ الإِصْبَاحِ جُنُبًا.\nوَمِثْلُهُ: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ إلَى ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٧].\n<hr><s0>\n\nوثانيها: أن يقترن بحكم لو لم يكن للتعليل لكان بعيدًا.\n\"فإن قصد وتوقف الصدق، أو الصحة العقلية، أو الشرعية عليه، فدلالة اقتضاء\".\nفما يتوقف عليه الصدق \"مثل: [رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ] \".\nفإن ذات الخطأ والنسيان لم يرتفع، فتضمن ما يتوقف عليه الصِّدق من المؤاخذة ونحوها.\nوما يتوقف عليه الصّحة العقلية مثل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [سورة يوسف: الآية ٨٢] إِذ لو لم يقدر: \"أهلها\" لم يصح عقلًا؛ إذ هي لا تسأل بناء على أنها لم تكن مسئولةً حقيقة للإعجاز، وعلى أنه لم يعبر بالقرية عن أهلها.\nوما يتوقف عليه الصحة الشرعية مثل قولك: \"أعتق عبدك عَنّي على ألف\" لاستدعائه تقدير الملك؛ لتوقّف العتق عليه\"؛ إذ العِتْقُ شرعًا لا يكون [إلّا] (^١) للمملوك، والتقييد بقوله: \"على ألف\" لا وجه له، فإنه لو قال: أعتق عبدك عَنّي فأعتقه عنه، دخل في ملك المستدعى، وعتق عليه وإن لم يذكر عوضًا.\nنعم في استحقاقه عليه قيمة العَبْدِ وجهان.\n_________\n(^١) سقط في ت.","vol":"3","page":488},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوفيما إذا قال مجانًا لا يستحق جزمًا.\nوقال المُزَنِيّ: ولا يقع علي المستدعى، والمذهب خلافه.\nالشرح: \"وإن لم يتوقف واقترن بحكم لو لم يكن\" اقترانه به \"لتعليله كان\" التلفّظ به \"بعيدًا\" من الشارع، \"فتنبيه وإيماء كما سيأتي\" في كتاب \"القياس\".\n\"وإن لم يقصد، فدلالة إشارة، مثل: \"النِّسَاءُ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ\" (^١) \"قيل: وما نقصان دينهن؟ \" قال: \"تَمْكُثُ إحْدَاهُنَ شَطْرَ دَهْرِهَا لا تُصَلِّي\".\n\"فليس المقصود بيان أكثر الحيض\"، وأنه خمسة عشر يومًا، \"وأقل الطهر\" وأنه خمسة عشرة، \"ولكنه لزم\" منه الإشارة إلى أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا، وأقل الطهر خمسة عشر يومًا بلفظ الشَّطر من حيث \"إن المبالغة تقتضي ذكر ذلك\"، أي: أكثر ما يتعلّق به الغرض، فلو كان زمان ترك الصَّلاة - وهو زمان الحيض - أكثر من ذلك، أو زمان الصَّلاة - وهو زمان الطّهر - أقل من ذلك - لذكره.\nواعلم أن ما يتعلّق له الغرض من الحديث، وهو ما ذكر من قوله ﵇: \"تَمْكُثُ إِحْدَاهُنَّ شَطْرَ دَهْرِهَا لا تُصَلِّي\".\nونقل شيخ الإسلام تقي الدين بن دقيق العيد في كتاب \"الإلمام\" (^٢) عن الحافظ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١/ ٧٨) كتاب الحيض: باب ترك الحائض الصوم، وكتاب الصوم: باب \"الحائض تترك الصلاة والصوم ومسلم (١/ ٨٧) كتاب الإيمان: باب نقصان الإيمان بنقص الطاعات (٨٠) من حديث أبي سعيد الخدري.\n(^٢) قال السخاوي في المقاصد الحسنة (ص - ١٦٤):\nلا أصل له بهذا اللفظ فقد قال أبو عبد الله بن مندة فيما حكاه عنه ابن دقيق العيد في الإمام: ذكر بعضهم هذا الحديث، ولا يثبت بوجه من الوجوه، وقال البيهقي في المعرفة: هذا الحديث يذكره بعض فقهائنا، وقد تطلبته كثيرًا فلم أجده في شيء من كتب الحديث، ولم أجد له إسنادًا وقال ابن الجوزي في التحقيق: هذا لفظ يذكره أصحابنا ولا أعرفه، وقال الشيخ أبو إسحاق في المهذب: لم أجده بهذا اللفظ إلا في كتب الفقهاء، وقال النووي في شرحه: باطل لا يعرف، وفي الخلاصة: باطل لا أصل له، وقال المنذري: لم يوجد في إسناد بحال وأغرب الفخر بن تيمية في شرح الهداية لأبي الخطاب، فنقل عن القاضي أبي يعلى أنه قال: =","vol":"3","page":489},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالبيهقي أنه قال: تتبعته فلم أجده في شيء من كتب الحديث.\nقلت: ويتعجب من القاضي أبي الطيب في اعتماده عليه في كتاب \"المنهاج\" في الاستدلال على أقل الطهر مع معرفته بالحديث.\nوقد أجاد تلميذه الشيخ أبو إسحاق الشِّيرَازي حيث لم يذكره في كتاب \"النكت\".\nوقال في \"المهذب\": لم أره إلا في كتب الفقه، ولعلّ الشيخ أبا إسحاق وقف على كلام البيهقي.\nورأيت في بعض كتب الحَنَابلة: أن القاضي أبا يعلى (^١) عزاه إلى كتاب \"السنن\" لابن أبي حاتم، وهذه فائدة.\nوبقية لفظ الحديث صحيح، ففي البُخَاري من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال للنساء يوم العيد: \"مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهبَ للُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ\". قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا؟ قال: \"أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ\"؟ قلن: بلى قال: \"فَذَاكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَل وَلَمْ تَصُمْ\"؟ قلن: بلى. قال: \"فَذَاكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا\".\nو\"لمسلم\" نحوه وفيه: \"وَتمْكُثُ اللَّيَالِي مَا تُصَلِّي، وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ\" فقد يقال: فيه\n_________\n= ذكره عبد الرحمن بن أبي حاتم البستي في كتاب السنن له كذا قال: وابن أبي حاتم ليس بُستيًّا، وإنما هو رازيّ وليس له كتاب يقال له السنن، وفي ترتيب معناه ما اتفقا عليه من حديث أبي سعيد مرفوعًا: أليس إذا حاضت لم تصل، ولم تصم فذاك نقصان دينها. ورواه مسلم من حديث ابن عمر بلفظ: تمكث الليالي ما تصلي وتفطر في شهر رمضان فهذا نقصان دينها. ومن حديث أبي هريرة كذلك، وفي المستدرك من حديث ابن مسعود نحوه، ولفظه: فإن إحداهن تقعد ما شاء الله من يوم وليلة لا تسجد لله سجدة، قال شيخنا: هذا وإن كان قريبًا معناه من معناه لكنه لا يعطي المراد منه.\n(^١) محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن الفراء، أبو يعلى: ولد سنة ٣٨٠ هـ عالم عصره في الأصول ولفروع وأنواع الفنون، من أهل بغداد، ارتفعت مكانته عند القادر والقائم العباسيين، وولاه القائم قضاء دار الخلافة والحريم، وحران وحلوان، له تصانيف كثيرة منها \"الإيمان\" و\"الأحكام السلطانية\" و\"الكفاية في أصول الفقه\" و\"أحكام القرآن\" توفي سنة ٤٥٨ هـ. ينظر: الأعلام ٦/ ٩٩ - ١٠٠، وتاريخ بغداد ٢/ ٢٥٦، وشذرات الذهب ٣/ ٣٠٦.","vol":"3","page":490},{"text":"ثُمَّ الْمَفْهُومُ<span data-type='title' id=toc-738> مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ،</span> وَمَفْهُومُ مُخَالَفَةٍ:\nفَالأوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْمَسْكُوتُ مُوَافِقًا فِي الْحُكْمِ، وَيُسَمَّى \"فَحْوَى الْخِطَابِ\"، وَ\"لَحْنَ الْخِطَابِ\"، كَتَحْرِيمِ الْضَّرْبِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٢٣]، وَكَالْجَزَاءِ بِمَا فَوْقَ الْمِثْقَالِ مِنْ قَولِهِ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [سورة الزلزلة: الآية ٧]، وَكتَأْدِيَةِ مَا دُونَ الْقِنْطَارِ مِنْ قَوْلهِ: ﴿لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: الآية ٧٥] وَعَدَمِ الآخَرِ مِنْ: ﴿لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٧٥]، وَهُوَ تَنْبِيهٌ بِالأدْنَى؛ فَلِذَلِكَ كَانَ فِي غَيْرِهِ أَوْلَى.\nوَيُعْرَفُ بِمَعْرِفَةِ الْمَعْنَى، وَأَنَّهُ أَشَدُّ مُنَاسَبَةً فِي الْمَسْكُوتِ؛ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ قَوْمٌ: هُوَ قِيَاسٌ جَلِيٌّ.\n<hr><s0>\n\nإشارة إلى أن زمن الحيض سبع ليالي ولا يقتصر على يوم وليلة.\n\"وكذلك\" تقدير: أقلّ مدة الحمل ستة أشهر من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [سورة الأحقاف: الآية ١٥] \"مع\" قوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [سورة لقمان: الآية ١٤].\n\"وكذلك: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٧]، \"يلزم منه جواز الإصباح جنبًا\"؛ لأن آخر جزء من اللَّيل يصدق أنه منه، فجاز الرفث فيه وإن لم يكن مقصورًا.\n\"ومثله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ إلى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، فمد غاية الجواز إلى طلوع الفجر.\nالشرح: \"ثم المفهوم: مفهوم موافقة\" \"ومفهوم مخالفة\"؛ لأن غير المذكور، إما أن يكون حكمه موافقًا للمذكور، أو لا.\n\"فالأول: أن يكون المسكوت موافقًا في الحكم (^١)، ويسمى: \"فَحْوَى الخطاب\"،\n_________\n(^١) وبعبارة أخرى هو دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق للمسكوت عنه؛ لفهم مناط الحكم لغة؛ بأن يوجد في المنطوق معنى يفهم كل من يعرف اللغة أي: وضع الألفاظ للمعاني أن الحكم في المنطوق، إنما ثبت لأجله من غير احتياج في فهم ذلك إلى نظر واجتهاد، وهذا القسم هو المسمى في اصطلاح الأحناف بـ \"دلالة النص\". ينظر: البحر المحيط للزركشي ٤/ ٧، والبرهان لإمام الحرمين ١/ ٤٤٩، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٣/ ٦٢، =","vol":"3","page":491},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"ولحن الخطاب كتحريم الضَّرب من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (^١) [سورة الإسراء: الآية ٢٣] والجزاء بما فوق المثقال من قوله: \"فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ\" خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [سورة الزلزلة: الآية ٨].\n\"وكتأدية ما دون القنطار من: ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾، وعدم الآخر من: ﴿لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ \"، في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ (^٢) [سورة آل عمران: الآية ٧٥].\n\"وهو تنبيه بالأدنى\" على الأعلى، والأشد مناسبة.\nولك أن تقول أيضًا: بالأعلى على الأدنى، [وكذلك في \"المنهي\": بالأدنى، على الأعلى، أو بالأعلى على الأدنى] (^٣) وهو واضح.\nوقوله: \"فلذلك كان\" الحكم \"في غيره أولى\" صريح في اشتراط الأولوية في مفهوم الموافقة.\n_________\n= ونهاية السول للأسنوي ٢/ ٢٠٢، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ٣٧، والمنخول للغزالي ٢٠٨، وحاشية البناني ١/ ٢٤٠، والإبهاج لابن السبكي ١/ ٣٦٧، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٢٠/ ١٥، وحاشية العطار على جمع الجوامع ١/ ٣١٩، والتحرير لابن الهمام ٢٩، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ١٧٢، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج ١/ ١١٢.\n(^١) فإن هذا النص يدل بمنطوقه على تحريم التأفيف، ويدل بمفهومه الموافق على تحريم الضرب المسكوت عنه؛ لفهم مناط تحريم التأفيف، وهو الإيذاء لغة، فإن كل عارف باللغة يفهم أن مناط تحريم التأفيف، إنما هو الإيذاء، وهو موجود في الضرب ونحوه، فيفهم منه ثبوت التحريم له أيضًا كالتأفيف؛ لأنه أشد إيذاء من التأفيف، فيكون أولى بالحكم منه.\n(^٢) فإن الأول يدل بمنطوقه على تأدية المحدث عنه للقنطار المؤتمن عليه؛ لأمانته، ومن ناحية أخرى فإنه يدل بمفهومه الموافق على تأديته لما دون القنطار المسكوت عنه بالأولى.\nوالثاني: يدل بمنطوقه على عدم تأدية المحدث عنه للدينار المؤتمن عليه، وبدل بمفهومه الموافق على عدم تأديته؛ لما فوق الدينار المسكوت عنه بالأولى؛ فإنه من البديهي عرفًا أن من يكون أمينًا في القنطار يكون أمينًا فيما دونه من باب أولى كما أن من يكون خائنًا في الدينار يكون خائنًا فيما هو أكثر منه بالأولى.\n(^٣) سقط في ج.","vol":"3","page":492},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوسيقول في مفهوم المُخَالفة؛ وشرطه ألَّا يظهر أولوية، ولا مساواة في المسكوت، فيكون موافقة، وهو صريح في أن الأولوية غير مشترطة.\nويدلّ له إطلاقه هنا من قبل حيث قال في تعريفه: أن يكون موافقًا في الحكم، ولم يقيده بوجه الأولوية.\nفأما اشتراط الأولوية، فهو ظاهر المنقول عن الشَّافعي ﵁ وعليه يدلّ كلام أكثر أئمتنا (^١).\n_________\n(^١) شروط تحقق مفهوم الموافقة اتفق الفقهاء والأصوليون القائلون بمفهوم الموافقة: على أنه يشترط لتحققه، وبعبارة أخرى لتحقق دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق للمسكوت عنه: أن يوجد في المنطوق معنى يفهم منه كل من يعرف اللغة أن الحكم فيه إنما ثبت لأجل هذا المعنى، وأن يكون هذا المعنى موجودًا في المسكوت عنه، وألا يكون في المسكوت عنه أقل مناسبة واقتضاء للحكم منه في المنطوق. وأن مفهوم الموافقة ينتفي بانتفاء أحد هذه الشروط الثلاثة، ثم نراهم اختلفوا بعد ذلك في أنه هل يشترط في المعنى الذي ثبت الحكم من أجله، أن يكون في المسكوت أشد مناسبة، واقتضاء للحكم منه في المنطوق، فلا يكفي في الدلالة، والتسمية بمفهوم الموافقة أن يكون مساويًا، أو لا يشترط ذلك فيكفي أن يكون مساويًا؟.\nفذهب سيف الدين الآمدي، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي إلى أنه يشترط في مفهوم الموافقة أن يكون المسكوت أولى باستحقاق الحكم من المنطوق؛ لكون مناط الحكم فيه أقوى اقتضاء للحكم منه في المنطوق، كما في دلالة النهي عن التأفيف على تحريم الضرب ونحوه.\nقال سيف الدين الآمدي في \"الإحكام\": \"أما مفهوم الموافقة، فما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت موافقًا لمدلوله في محل النطق\" ثُمَّ مثل له بعدة أمثلة، ثم قال: والدلالة في جميع هذه الأقسام لا تخرج من قبيل التنبيه بالأدنى على الأعلى، وبالأعلى على الأدنى، ويكون الحكم في محل السكوت أولى منه في محل النطق، وإنما يكون كذلك أن لو عرف المقصود من الحكم في محل النطق من سياق الكلام، وعرف أنه أشهر مناسبة، واقتضاء للحكم في محل السكوت من اقتضائه له في محل النطق، وذلك كما عرفنا من سياق الآية المحرمة للتأفيف أن المقصود إنما هو كف الأذى عن الوالدين، وأن الأذى في الشتم والضرب أشد من التأفيف، فكان التحريم أولى، وإلا فلو قطعنا النظر عن ذلك لما لزم من تحريم التأفيف تحريم الضرب.\nفالآمدي إذًا صريح في اختياره القول باشتراط الأولية، وهذا المذهب هو قضية ما نقله أبو =","vol":"3","page":493},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالقول بأنها لا تشترط هو طريقة الإمام الرازي وأتباعه (^١).\n_________\n= المعالي الجويني في البرهان عن الإمام الشافعي حيث قال: ونحن نورد معانى كلامه، فما ذكره أنه قال: \"المفهوم قسمان: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة\".\nأما مفهوم الموافقة: فهو ما يدل على أن الحكم في المسكوت عنه موافق للحكم في المنطوق به من جهة الأولى\" اهـ وذهب الإمام الغزالي والإمام الرازي ومن لفّ لفّهما إلى أنه لا يشترط في مفهوم الموافقة أولوية المسكوت عنه بالحكم؛ بل المدار على ألا يكون مناط الحكم في المسكوت عنه أقل مناسبة واقتضاء للحكم منه في المنطوق، سواء كان أولى منه أو مساويًا له في ذلك.\nوفي هذا يقول الزركشي: وهو ظاهر كلام الجمهور من أصحابنا وغيرهم، فالخلاصة: أن في اشتراط الأولوية في مفهوم الموافقة طريقين:\nأحدهما: يذهب إلى الاشتراط، وهو منقول عن الشافعي، واختاره أبو إسحاق الشيرازي، والآمدي.\nوالثاني: يذهب إلى الاشتراط، وهو مذهب الجمهور، كما قال الزركشي وغيره.\nفإن قيل: هل لهذا النزاع ثمرة مع اتفاقهم على ثبوت حكم المنطوق للمسكوت المساوي، والعمل به؟.\nوالجواب: نعم، له ثمرة، وهي أن ثبوت الحكم للمسكوت المساوي على القول باشتراط الأولوية يكون بالقياس، وتجري عليه أحكام القياس، وعلى القول بعدم الاشتراط يكون ثبوته بطريق النص المقابل للقياس، ويأخذ حكم المنصوص قاله شيخنا الحضراوي. ينظر: الإحكام ٣/ ١٤٢، ١٤٣.\n(^١) استدل القائلون باشتراط الأولوية بأن إلحاق المسكوت المساوي بالمنطوق في الحكم لا يخرج عن القياس؛ إذ لا يمكن فهم اتحادهما في الحكم من النص على حكم المنطوق عرفًا؛ لقيام احتمال التعبد في محل النطق، فلا يتعدى الحكم إلى محل السكوت، بخلاف المسكوت الأولى، فإنه يفهم اتحادهما في الحكم عرفًا؛ لبعد احتمال التعبد حينئذ نظرًا لأولية المسكوت بالحكم، وأما تمثيله للمساوي بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ بناء على دلالته على حرمة الأخذ المساوي للأكل في الإتلاف، فليس من قبيل مفهوم الموافقة؛ فإن حرمة الأخذ لا تفهم من حرمة الأكل عرفًا؛ ألا ترى أنه لو قيل: لا تأكل القثاء، أو الهندباء مثلًا لا يفهم منه النهي عن الإتلاف؛ فحرمة الأخذ إن كانت مستندة إلى الآية، فمن طريق آخر لا من طريق المفهوم.\nهذا توضيح ما قالوه في الاستدلال على ما ذهبوا إليه من اشتراط الأولوية. =","vol":"3","page":494},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوعندي: أن أصحابنا عليه، ولكن يرون تخصيص الأولى (^١) باسم وإن احتجوا\n_________\n=\n\n\"مناقشة الدليل\"\nويناقش هذا الدليل بأن محل النزاع إنما هو المنطوق الذي وجد فيه معنى يفهم العارف باللغة أن الحكم إنما ثبت فيه لأجله، وأن هذا المعنى موجود في المسكوت على السواء، وحينئذ فيقال لهم: إن أردتم بقولكم: لقيام احتمال التعبد قيامه مع فَهْم مناط الحكم لغة، ووجود هذا المناط في المسكوت، كما هو المفروض، فممنوع قطعًا، إذ بعد فرض فهم المناط لغة، ووجوده في المسكوت لا يتأتى احتمال التعبد احتمالًا يعتد به في العرف والعادة بحيث يكون مانعًا من فهم ثبوت الحكم للمسكوت لغة.\nوإن أردتم به قيام الاحتمال مع عدم فَهْمِ المناط لغة فمسلم، ولا يفيدكم: لخروجه حينئذ عن محل النزاع؛ إذ مساواة المسكوت للمنطوق فرع عن فهم مناط الحكم ووجوده في المسكوت.\nوأما تنظيرهم بالنهي عن أكل القثاء، فيجاب عنه بالفرق بين النهي عن أكل مال اليتيم، والنهي عن أكل القثاء؛ لأن مناط النهي في الأول - وهو تفويت المال على اليتيم - موجود في أخذه، فكان النهي عنه مستلزمًا للنهي عن الأخذ عرفًا، بخلاف مناط النهي في الثاني، وهو تضرر الآكل، فليس موجودًا في الإتلاف، فلم يكن النهي عنه مستلزما للنهي عن الإتلاف عرفًا، ففرق بينهما.\nمن هذه المناقشة يتضح للناظر أن هذا الدليل لا يصلح أن يكون حجة، ولا شبه حجة على اشتراط الأولوية.\n\n\"دليل القائلين بعدم اشتراط الأولوية\"\nاستدل القائلون بعدم اشتراط الأولوية بأنا نعلم قطعيًّا أنه كثيرًا ما يفهم ثبوت حكم المنطوق للمسكوت مع عدم أولويته بالحكم؛ لفهم المناط لغة، كما في فهم تحريم إحراق مال اليتيم من تحريم أكله ظُلْمًا، وإهدار هذا النحو من الدلالة مما لا وجه له؛ إذ بعد فرض فهم ثبوت حكم النطوق للمسكوت؛ لفهم المناط لغة، كما هو موضوع النزاع لا وجه لإهدار هذه الدلالة نعم إن أرادوا بهذا الشرط أنه شرط لمجرد تسمية الدلالة على ثبوت الحكم للمسكوت بـ \"مفهوم الموافقة\" اصطلاحًا، كما اصطلح بعضهم على تسمية الدلالة على ثبوت الحكم للمسكوت المساوي بـ \"لحن الخطاب\"، فلهم اصطلاحهم، ولا مُشَاحَّةَ في الاصطلاح، كما يقولون، وحينئذٍ فلا يَعْدُو هذا الخلاف أن يكون خلافًا في التسمية والاصطلاح، أما كونه شرطًا لأصل الدلالة على ثبوت حكم المنطوق للمسكوت، فهذا لم يقم لهم عليه دليل، بل قد قام الدليل على خلافه.\n(^١) فمفهوم الموافقة الأولى: هو ما يكون المسكوت فيه أولى من المنطوق باستحقاق الحكم بأن =","vol":"3","page":495},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nبالمساوي كاحتجاجهم به.\nوأما تسمية مفهوم الموافقة بـ \"فحوى الخِطَاب\"، و\"لحن الخطاب\" فطريقة لبعض أصحابنا.\nوقال آخرون منهم: لحن الخطاب: ما دلّ على مثله، والفحوي: ما دلّ على أقوي\nوهذا يرشدك إلى أنهم يفرقون في التَّسمية دون الحكم، والأمر في التَّسْمية هَيّن؛ لأنه اصطلاحي، والأحسن عندنا هذا القول، فليكن مفهوم المُوَافقة متناولًا لفحوى الخطاب، وهو ما كان الحكم في المسكوت فيه أولى.\nولحن الخطاب وهو المساوي، \"ويعرف\" كون الفَحْوى في محل المسكوت موافقته، \"بمعرفة المعنى، وأنه أشد مُنَاسبة في المسكوت\"، فيكون أولى.\nفإن لم ينته الحال إلى كونه أشدّ كان مساويًا، وقد عرفته.\n\"ومن ثَمَّ\" أي: ومن أجل النظر إلى المناسبة \"قال قوم: هو قياس جَلِيّ\".\nوهو رأي الشافعي ﵁، والصحيح عندنا.\nوقالت الحنفية: ليس بقياس، ولا يسمى دلالة النص [ولكنه دلالته] (^١) لفظية.\nثم اختلفوا فقيل:\nإن المنع من التأفيف مثلًا منقولٌ بالعرف عن موضوعه اللغوي إلى المنع من أنواع الأذى.\nوقيل: إنه فهم من السِّياق والقرائن، وعليه المحققون من أهل هذا القول،\n_________\n= يكون اقتضاء المناط للحكم فيه أقوى من اقتضائه له في المنطوق، كما في النهي عن التأفيف؛ فإن المسكوت عنه، وهو الضرب أولى بالحرمة من التأفيف؛ لأن إيذاء الضرب أشد مناسبة واقتضاء للحرمة من إيذاء التأفيف. ومفهوم الموافقة المساوي: هو ما يكون المسكوت فيه مساويًا للمنطوق في استحقاق الحكم بأن يكون اقتضاء المناط للحكم فيهما على السواء، كما في إحراق مال اليتيم، وأكله ظلمًا، فإن اقتضاء المناط؛ وهو إفساد المال وتفويته على اليتيم للتحريم فيهما على السواء.\n(^١) سقط في ت.","vol":"3","page":496},{"text":"لنَا: الْقَطْعُ بِذَلِكَ لُغَةً قَبْلَ شَرْعِ الْقِيَاسِ.\nوَأَيْضًا: فَأَصْلُ هَذَا قَدْ يَنْدَرجُ فِي الْفَرْعِ مِثْلُ: \"لا تُعْطِهِ ذَرَّةً\"؛ [فَإِنَّهَا مُنْدَرِجَةٌ فِي الذَّرَّتَيْنِ].\nقَالُوا: لَوْلا الْمَعْنَى، لَمَا حُكِمَ.\nوَأُجِيبَ: بَأنَّهُ شَرَطَهُ لُغَةً؛ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بِهِ النَّافِي لِلْقِيَاسِ.\nوَ[قَدْ] يَكُونُ قَطْعِيًّا؛ كالأمْثِلَةِ، وَظَنِّيًا؛ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي كَفَّارَةِ الْعَمْدِ وَاليَمِينِ الْغَمُوسِ.\n<hr><s0>\n\nكالغزالي والآمدي، والمصنف، والدلالة عندهم مجازية من باب إطلاق الأخص وإرادة الأعم.\nالشرح: واحتج المصنف لما ارتضاه، فقال: \"لنا: القطع بذلك لُغَةً قبل شرع القياس\"، وهذه حجة باردة ذكرها المعترضون على الشَّافعي، ومن تمام كلامهم، أنهم يعلمون هذا باضطرار، والقياس لا يكون كذلك، وأنه يشترك في علمه الخاصّةُ والعامة، ولو كان قياسًا لغلط فيه غالط أو شكّ فيه شاك.\nوأجاب ابن السَّمعاني بأن الضرب والشَّتم غير مذكور في قوله: \" ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٢٣] \" مثلًا، وإنما يأتي من قبله، فأشبه علمنا بالفرع من ناحية أصله، وأنه لا بد من نوع نظر، فإنه ما لم يعرف قصد المتكلم، وأنه أخرج الكلام لمنع الأذى لا يحصل له هذا العلم؛\nألا يرى أنه ربما قال ذو الأغراض الصحيحة: لا تشتم فلانًا، ولا تستخف به، واقتله.\nقلت: قوله: فأشبه علمنا بالفرع من ناحية أصله، يقتضي أنه يشبه القياس، وليس بقياس.\nأنا أقول: الصواب: أنه قياس حقيقة؛ فإن المسكوت فرع، والمنطوق أصل، والأذى علّة جامعة، والفرع قد يكون أولى بالحكم، ولا يلزم من فهم الأول قبل شرعية القياس ألّا يكون هو الآن قياسًا جلِيًّا، فاعرف ذلك.\nوسيكون لنا مباحثة في أنه هل يمكن اجتماع كونه قياسًا ومفهومًا في كتاب \"القياس\" إن شاء الله.","vol":"3","page":497},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقال صاحب الكتاب: \"وأيضًا فأصل\" القياس لا يكون مندرجًا في الفرع، وأصل \"هذا قد يندرج في الفرع مثل: لا تُعْطه ذرة\" \"فإنها داخلة في الذّرتين\"؛ فدل أنه غير قياس.\nونحن نقول: الذّرة من حيث هي غيرها من حيث إنها بعض الذرتين، وإنما تندرج في الفرع بالاعتبار الثاني، وهي به ليست أصل القياس، وإنما تكون أصلًا للقياس بالاعتبار الأول، فافهم ذلك.\nوهي من حيث الاندراج مفهوم موافقة بالحيثية الأخرى قياس جليّ لأولوية المعنى فيه.\nوستزداد انشراحًا بهذا إذا وصلت إلى ما بحثناه فيه في \"باب القياس\".\nومن أجل أنه ذو جهتين (^١) أجمع على القول به مُنكرو القياس ومُثْبتوه.\nوقد قال ابن سريج (^٢) لأبي بكر بن داود: ما تقول فيمن يعمل مثقال ذرّتين؟\nفقال: الذَّرتان ذرة وذرة.\nفقال: ابن سريج: فلو عمل مثقال ذرّة ونصف؟\nقال إمام الحرمين: فتبلّد وظهر خِزْيه.\nقلت: لأن قضية إنكاره القياس ألّا يحرم إلا ذرة ذرة، وما زاد على الذرة إن لم ينته إلى ذرة كاملة حتى يصير من أفراد عموم الذرة، لا دليل على تحريمه إلا المعنى، وهو لا يقول به.\nوالذَّاهبون إلى أن فحوى الخطاب قياس \"قالوا: لولا المعنى\" في الفرع بحكم المشترك المناسب، \"لما حكم\" في المسكوت، والتعلق بالمعنى أنه القياس.\n\"وأجيب\" بـ \"بأنه شرط لغة\"، لا أنه يثبت به الحكم حتى يكون قياسًا، \"ومن ثَمّ قال به النَّافي للقياس\"، ولو كان قياسًا لم يقل به، وإن كان جليًّا؛ لأن بعضهم كابن حزم أَنكر خَفِيّ القياس وجَلِته.\n_________\n(^١) في ت: وجهين.\n(^٢) في ج: شريح.","vol":"3","page":498},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nولقائل أن يقول: لا نسلّم أن شرطه لغة، فقد يقال: اقتل زيدًا، ولا تقل له: أفّ كما عرفت.\nوإن سلم فلا ينافي اشتراطه لغة كونه قياسًا، وقول منكر القياس به لأنه مفهوم، وقد بينا أنه أجمع فيه جهتان من أجلها اجتمع فيه الفريقان.\n\"ويكون\" مفهوم الموافقة \"قطعيًّا (^١)، كالأمثلة\" السَّابقة؛ للقطع بالتعليل بالمعنى، وأنه موجود في المسكوت.\n\"وظنيًّا (^٢)، كقول الشافعي في كَفَّارة العَمْد واليمين الغموس\" بوجوب الكفارة قياسًا على قتل الخَطَأ، وغير الغموس؛ لأنها إذا وجبت في أصغر الجِنَايَتَيْنِ وجبت في أكثرهما،\n_________\n(^١) فهو ما قطع فيه بِعِلِّيِّةِ المناط في محل النطق، وبوجوده في محل السكوت، كما في دلالة قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ على تحريم الضرب ونحوه، فإنا نقطع بعلية الإيذاء؛ لتحريم التأفيف المنطوق به، ونقطع أيضًا بوجود الإيذاء في الضرب المسكوت عنه، ودلالة قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ على تأديته لما دون القنطار، فإنا نقطع بغِلِّيَّةِ الأمانة لتأديته القنطار المنطوق به، ونقطع أيضًا بوجود ذلك المعنى في تأديته لما دون القنطار المسكوت عنه؛ فإن من يكون أمينًا على القنطار يرعاه، ويؤديه حيث طلب منه يكون أمينًا كذلك على ما دون القنطار قطعًا، ودلالة قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ على عدم تأديته لما فوق الدينار، فإنا نجزم بعلية الخيانة؛ لعدم تأدية الدينار المنطوق به، وبوجود ذلك المعنى في عدم تأدية ما فوق الدينار المسكوت عنه، فإِنَّ من يخون في الدينار يخون فيما فوقه بالقطع، وكدلالة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ على تحريم إحراقها أو إتلافها بأي وجه من الوجوه؛ فإنا نجزم بعلية الإتلاف والتفويت؛ لتحريم الأكل المنطوق به، ونجزم أيضًا بوجود هذا المعنى في الإحراق المسكوت عنه.\n(^٢) فهو ما ظن فيه عِلِّيَّة المناط في محل النطق، أو ظن وجوده في محل السكوت، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية؛ فإن هذا النص يدل بمنطوقه على وجوب الكفارة في القتل الخطأ، ويدل بمفهومه عند إمامنا الشافعي على وجوبها في القَتْل العمد المسكوت عنه حيث قال: إنما وجبت الكفارة في القتل الخطأ للزجر لا للخطأ؛ لأن الخَطَأَ عذر مسقط للحقوق، فلا يصلح أن يكون علة للوجوب، وإذا وجبت الكفارة في القتل الخطأ للزجر، فوجوبها في القتل العمد أولى؛ لأن الزجر في =","vol":"3","page":499},{"text":"<span data-type='title' id=toc-739>مَفْهُومُ الْمُخَالفَةِ </span>أَنْ يَكُونَ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ مخَالفًا، وَيُسَمَّى دَلِيلَ الْخِطَابِ\"، وَهُوَ أَقْسَامٌ: مَفْهُومُ الصِّفَةِ، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ، مِثْلُ: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ [سورة الطلاق: الآية ٦]، وَالْغَايَةُ مِثْلُ: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٠] وَالْعَدَدُ الْخَاصُّ مِثْلُ: \"ثَمَانِينَ جَلْدَة\"، وَشَرْطُهُ ألّا تَظْهَرَ أَوْلَويَّةٌ وَلا مُسَاوَاةٌ فِي الْمَسْكُوتِ [عَنْهُ] فَيَكُونُ مُوَافَقَةً، وَلا خَرَجَ مَخْرَج الأغْلَبِ مِثْلُ: \"اللَّاتي فِي حُجُورِكُمْ\" [سورة النساء:\n<hr><s0>\n\nوهذا ظاهر؛ لأن ما يقال: من أن العمد والغموس لعظم أمرهما لا يكفران محتمل، وإن كان مرجوحًا ضئيلًا.\nوقد نجز مفهوم الموافقة.\nالشرح: وأما: \"مفهوم المخالفة\" فهو \"أن يكون المسكوت عنه مخالفًا\" للمنطوق،\n_________\n= العمد أشد مناسبة واقتضاء للوجوب منه في القتل الخطأ؛ لأن الداعي فيه إلى الزجر آكد وأقوى، ومن الواضح أن علية الزجر لوجوب الكفارة في القتل الخطأ المنطوق به مظنونة فقط؛ لاحتمال أن تكون العلة هي تدارك ما صدر من المخطئ من التساهل، وعدم التبين في الرمي المؤدي إلى إفساد النفس المعصومة، كما ذهب إليه الأئمة الثلاثة أبو حنيفة، ومالك، وأحمد؛ ولهذا لم يقولوا بوجوب الكفارة في القتل العمد؛ لأن ما يتدارك به الأخف لا يصلح لأنْ يتدارك به الأشد الأغلظ، وكما في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ فإنه يدل بمنطوقه على وجوب الكفارة في اليمين التي انعقدت أي اليمين غير الغموس، وهي الحلف على أمر مستقبل ليفعله أو يتركه، ويدل بمفهومه عند الإمام الشافعي أيضًا على وجوبها في الغموس أيضًا، وهي الحلف على أمر حال، أو ماض يتعمد فيه الكذب حيث قال: إنما وجبت الكفارة في المنعقدة بالحنث فيها زجرًا عن هتك حرمة اسم الله تعالى؛ وإذا وجبت في المنعقدة للزجر، وجبت في الغموس بالأولى؛ لأن الداعي فيها إلى الزجر آكد وأقوى. لأنها إذا وجبت في المنعقدة بصيرورتها كاذبة مع أنها لم تكن في الأصل كذلك؛ فَلأنْ تجب في الغموس مع أنها كاذبة من الأصل أولى، ومن الواضح أن علية الزجر لوجوب الكفارة في اليمين المنعقدة التي هي محل النطق ظنية فقط؛ لاحتمال أن تكون العلة هي تدارك ما فرط فيه من هتك حرمة اسم الله - تعالى - بالكفارة المحصلة للثواب المزيل للآثام، وهذا المعنى غير متحقق في اليمين الغموس؛ إذ هي كبيرة محضة، وما يتدارك به الأخف لا يصلح لأَنْ يتدارك به الأغلظ.","vol":"3","page":500},{"text":"الآية ٢٣]، \"فَإِنْ خِفْتُمْ\" [سورة البقرة: الآية ٢٢٩]، \"أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَليِّهَا\"، وَلا لِسُؤَالٍ وَلا حَادِثَةٍ، وَلا تَقْدِيرِ جَهَالَةٍ أَوْ خَوْفٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُقْتَضى تخَصِيصهُ بِالذِّكْرِ.\n<hr><s0>\n\n\"ويسمى: \"دليل الخطاب\" (^١).\nوحاول بعض أصحابنا الفرق بينهما، والحق عدم التفرقة، وأنهما اسم لمسمى واحد.\n\"وهو أقسام\" (^٢):\n\"مفهوم الصفة\" (^٣).\nومفهوم الشرط مثل: \" ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ …﴾ [سورة الطلاق: الآية ٦٠] \".\n_________\n(^١) وبعبارة أخرى هو: دلالة اللفظ على ثبوت نقيض حكم المنطوق للمسكوت عنه، مثل دلالة قوله ﵊: \"في سَائِمةِ الغَنَمِ زَكَاةٌ\" على عدم وجوب الزكاة في معلوفة الغَنَم، ويطلق عليه دليل الخطاب.\nأما تسميته بمفهوم المخالفة؛ فلأن حكم المنطوق مخالف لحكم المسكوت، وأما تسميته بدليل الخطاب؛ فلحصول الدلالة عليه بنوع من الاستدلال ببعض الاعتبارات، كالوصفية، والشرطية، ويسميه الأحناف بتخصيص الشيء بالذكر. ينظر: البحر المحيط للزركشي ٤/ ١٣، والبرهان لإمام الحرمين ١/ ٤٤٩، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ٣٨، والمنخول للغزالي ٢٠٨، وحاشية البناني ١/ ٢٤٥، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٢/ ٢٣، وحاشية العطار على جمع الجوامع ١/ ٣٢٦، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ١/ ٩٨، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ١٧٣، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ١/ ١٤١، والوجيز للكراماستي ٢٤، وميزان الأصول للسمرقندي ١/ ٥٧٩، ونشر البنود للشنقيطي ١/ ٩١، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج ١/ ١١٥.\n(^٢) وهذا بحسب القيد الذي قيد له منطوق النص.\n(^٣) كما في حديث: \"في الغنم السائمة زكاة\".\nومفهوم الصفة: هو ما يفهم من تعليق الحكم على الذات بصفة من صفاتها كما في قوله ﷺ: \"فِي سَائِمَةِ الغَنَمِ زَكَاةٌ\" فإن الغنم ذات، والسوم والعلف وصفان لها يعتورانها، وقد علق الحكم وهو وجوب الزكاة بأحد وصفيها، وهو السوم، فَيُفْهَمُ منه نفي الوجوب عن المعلوفة؛ لانتفاء الصفة التي علق الحكم بها، وهي السوم، وكما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ فالفتيات: =","vol":"3","page":501},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"والغاية مثل: \" ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٠] \".\n\"والعدد الخاص مثل \" ﴿ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [سورة الور: الآية ٤] \".\n\"وشرطه ألَّا تظهر أولوية ولا مساواة في المسكوت، فيكون\" مستلزمًا ثبوت ذلك الحكم في المسكوت، فيصير \"موافقة\" لا مخالفة.\n\"و\" يشترط أيضًا ألا يكون \"خرج مخرج الأغلب\" عادة \"مثل\" قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٣] \"، فإنه إنما ذكر هذا القيد؛ لأن الغالب كون الربيبة في الحِجْر.\n_________\n= جمع فتاة، وهي ذات يعتورها الإيمان والشرك، وقد علق الحكم بأحدهما، وهو الإيمان، فيدل على نفيه عن غير المؤمنات.\nوالمراد بالصفة عند الأصوليين: لفظ مقيد لآخر، وليس بشرط، ولا استثناء، ولا غاية، وبعبارة أخرى هي تقييد لفظ مشترك المعنى بلفظ آخر يختص ببعض معانيه ليس بشرط، ولا استثناء، ولا غاية بعد أن كان صالحًا لما له تلك الصفة ولغيرها سواء كان ذلك اللفظ المختص نعتًا نحويًّا مثل: \"فِي الغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ\" أو مضافًا مثل: \"في سَائِمَةِ الغَنَمِ زَكَاةٌ\" أو مضافًا إليه مثل قوله ﷺ: \"مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ\" أو ظرف زمان مثل قوله ﷺ \"مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمرَتُها لِلْبَائِع\" أو ظرف مكان مثل: \"بع في مكان كذا\" أو حالًا نحو: \"أحسن إلى العبد مطيعًا\" لأن المخصوص بالكون في مكان أو زمان موصوف بالاستقرار فيه، والحال وَصْفٌ لصاحبها في المعنى، أو كان ذلك اللفظ المختص علة نحو: \"أعط السائل؛ لحاجته\"، فالمفهوم في المثال الأول، والثاني عدم وجوب الزكاة في الغنم المعلوفة.\nوفي الثالث: أن مطل الفقير ليس ظلمًا.\nوفي الرابع: أن ثمرة النخلة المُؤَبَّرَةِ بعد البيع ليست للبائع، وإنما تكون للمشتري.\nوفي الخامس: عدم البيع في غير المكان المخصص.\nوفي السادس: عدم الإحسان إليه إذا كان عاصيًا.\nوفي السابع: عدم الإعطاء عند عدم الحاجة؛ لأن المعلول ينتفي بانتفاء علته؛ فإن الحكم لما عُلق في هذه الأمثلة بصفة خاصة صار ثبوته مرتبطًا بثبوت تلك الصفة وعليه فانتفاؤها يدل على انتفائه. والفرق بين مطلق الصفة، وخصوص العلة أن الصفة قد تكون علّة كالإسكار، وقد لا تكون بل متممة لها، كالسوم؛ فإن وجوب الزكاة في الغنم السائمة ليس للسوم فقط، =","vol":"3","page":502},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nومثل: \" ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ\" أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [سورة البقرة: الآية: ٢٢٩]؛ فإن الخلع جائز في حالة الشِّقَاق وغيرها؛ خلافًا لابن المنذر من أصحابنا حيث اشترط الشقاق، وتخصيص الخوف بالذكر لأجل العلة.\nومثل ما سبق من قوله ﵇: \"\"أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَليِّهَا\" فنِكَاحُهَا بَاطِلٌ\"؛ فإن الغالب أن المرأة، إنما تتحمل مشقّة العقد على نفسها مع استحيائها من المماكسة على فَرْجها عند إِرهاق الولي، إيّاها، فلا تفهمْ منه أنها إذا نكحت نفسها بإذن الولي يكون صحيحًا كما قاله أبو ثور، ومحمد بن الحسن.\nونازع إمام الحرمين في هذا الشرط، ووافقه شيخ الإسلام عزّ الدين بن عبد السلام، وزاد فقال: ينبغي العَكْس، أي لا يكون له مفهوم إلّا إذا خرج مخرج الغالب.\nوالمختار عندنا: خلاف ما قالاه، وهو المنقول عن الشَّافعي ﵁.\n\"و\" يشترط أيضًا ألَّا يكون خرج \"لسؤال\" عن حكم إحدى الصفتين، \"ولا حادثة\" خاصّة بالمذكور مثل: أن يسأل: هل في الغنم السَّائِمَةِ زكاة؟\n_________\n= وإلا لوجبت في الوحوش السائمة، وإنما وجبت لنعمة الملك، وهي مع السوم أتم مها مع العلف، فالصفة أعم من العلة. وبذلك يعلم أن الصفة عند الأصوليين أعم منها عند النحويين.\nوقد اختلف في الحكم على المشتق نحو: \"في السَّائِمَةِ زَكَاةٌ\" هل ذلك يجري مجرى المقيد بالصفة مثل: \"في الغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ\"؟.\nفقيل: لا يجري مجراه؛ لاختلال الكلام بدونه، فيكون كاللقب.\nوقيل: إنه يجري مجراه؛ لدلالته على السوم الزائد على الذات، بخلاف اللقب، فيفيد نفي الزكاة عن المعلوفة مطلقًا، كما يفيد إثباتها للسائمة مطلقًا، ويؤخذ من كلام ابن السمعاني، كما قال الجلال المحلى: إن الجمهور على الثاني حيث قال: \"الاسم المشتق كالمسلم، والكافر، والقاتل، والوارث يجري مجرى المقيد بالصفة عند الجمهور، قال شيخ الإسلام: وهو قوي؛ لأن تصريف الوصف صادق عليه. غايته أن الموصوف مقدر، وذكر الموصوف، أو تقديره لا تأثير له فيما نحن بصدده. وذلك نحو قوله ﷺ: \"الثَّيِّبُ أَحَقُّ بنَفْسِهَا مِنْ وَلِيهَا\" فمنطوقه ثبوت أحقية الثيب في تزويج نفسها من وليها، ومفهومه المخالف عدم أحقية غير الثيب، وهي البكر في تزويج نفسها؛ لانتفاء الصفة التي عُلق بها الحكم، وهي الثيوبة.","vol":"3","page":503},{"text":"فَأَمَّا<span data-type='title' id=toc-740> مَفْهُومُ الصِّفَةِ </span>فَقَالَ بهِ: الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَد، وَالأَشْعَرِيُّ، والإمَام، وَكَثيرٌ، وَنَفَاهُ: أَبُو حَنِيفَةَ، وَالْقَاضِي، وَالْغَزَالِيُّ، وَالْمُعْتَزِلَةُ.\nالبَصْرِيُّ: إِنْ كَانَ لِلْبَيانِ كَالسَّائِمَةِ، أَوْ لِلتَّعْلِيمِ كَالتَّحَالُفِ، أَوْ كَانَ مَا عَدَا الصِّفَةَ دَاخِلًا تَحْتَها كَالْحُكْمِ بِالشَّاهِدَيْنِ، [وَإِلَّا فَلَا].\n<hr><s0>\n\nفيقول: \"فِي الغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ\"، أو يمرّ بشاة ميمونة فيقول: \"دِباغُهَا طُهُورُهَا\".\n\"و\" أيضًا ألَّا يكون من أجل \"تقدير جَهَالة\" من المخاطب بألّا يعلم المخاطب وجوب زكاة السَّائمة، ويعلم حكم المَعْلُوفة فيقول ﵇: \"فِي الغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ\"؛ فإن التخصيص حينئذٍ لا يكون لنفي الحكم عما عداها.\n\"أو خوف\" أي: ألَّا يكون ذكره لدفع خوف يمنع عن ذكر حال المسكوت عنه، \"أو غير ذلك مما يقتضي تخصيصه بالذكر\"، فإن المعتمد في دلالته، أن للصفة فائدة، وما عدا تخصيص الحكم منتفٍ، فيدل عليه.\nفإذا لاحت فائدة أخرى بطلت دلالته على نفي الحكم.\nولو قال قائل: شرطه ألَّا يظهر للتخصيص بالذكر فائدة غير نفي الحكم لاستوعب المراد.\nالشرح: \"فأما مفهوم الصفة فقال به الشافعي\"، ومالك، \"وأحمد، والأشعري\"، وأكثر أصحابه، وأبو عبيدة معمر بن المثنى، \"والإمام\" على ما نقل المصنف، \"وكثير\" من اللغويين والفقهاء والمتكلمين (^١).\n\"ونفاه أبو حنيفة، والقاضي\"، وأبو العباس بن سريج، والقَفَّال الشاشي، \"والغزالي،\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٤/ ٣٠، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٣/ ٦٦، والتمهيد للأسنوي ٢٤٥، ونهاية السول له ٢/ ٢٠٥، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ٣٩، والمنخول للغزالي ٢١٣، وحاشية البناني ١/ ٢٤٩، والإبهاج لابن السبكي ١/ ٣٧٠، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٢/ ٢٦، وحاشية العطار على جمع الجوامع ١/ ٣٢٦، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ١٧٤، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ١/ ١٤٣، وميزان الأصول للسمرقندي ١/ ٥٧٩، ونشر البنود للشنقيطي ١/ ٩٦، والعدة ٢/ ٤٥٣، والتبصرة (٢١٨)، والمنخول ٢٠٨، والمسودة ٣٥١ - ٣٦٠.","vol":"3","page":504},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالمعتزلة\" والآمدي، ونقله الإمام وأتباعه عن الإمام، والذي اختاره في \"البرهان\" التفرقة بين أن يكون الوصف مناسبًا (^١) فيكون له مفهوم، أو لا فلا (^٢).\n_________\n(^١) بمعنى أن تعليق الحكم على الصفة يدل على انتفاء الحكم عند انتفاء الصفة، إذا كانت الصفة مناسبة للحكم، كما في قوله ﷺ: \"في سَائِمَةِ الغَنَمِ زَكَاةٌ\" فالسوم يشعر بخفة المؤن ودرور المنافع، واستمرار صحة المواشي في صفو هواء الصحاري، وطيب مياه المشارع، وهذه المعاني تشير إلى سهولة احتمال مؤونة الإرفاق بالمحاويج عند اجتماع أسباب الارتفاق بالمواشي، وقد انبنى الشرع على رعاية ذلك، من حيث خصص وجوب الزكاة بمقدار كثير، وأثبت فيه مهلًا يتوقع في مثله حصول المرافق. فإذا لاحت المناسبة، جرى ذلك على صيغة التعليل؛ كذلك النهي عن لي الواجد، فإن الموسر المقتدر ذا الوفار والملأ إذا طولب بما عليه لم يعذر بتأخير الحق المستحق، وهذا في حكم التعليل؛ لانتسابه إلى الظلم إذا سَوَّفَ، ومَاطَلَ، وأما إذا كانت الصفة غير مناسبة للحكم، فلا يدل التقييد بها على انتفاء الحكم عند انتفائها، كما لو قيل: \"في الغنم العفر زكاة\".\n(^٢) فإن طُولِبْنَا بإثبات القول فيما نصصنا عليه، فالقول الواضح فيه: أن ما أشعر وضع الكلام بكونه تعليلًا، فهو أظهر عندي في اقتضاء التخصيص الذي من حكمه انتفاء الحكم عند انتفاء الصفة من الشرط والجزاء؛ فإن العلة إذا اقتضت حكمًا تضمنت ارتباطه بها، وانتفاءه عند انتفائها، وإذا قال القائل: إنما أكرم الرجل؛ لاختلإفه إليّ - كان ذلك أوضح في تضمن اختصاص إكرامه بمن يختلف إليه من قوله: من اختلف إليَّ أكرمته. فإن قيل: العلل الشرعية ليس من شرطها أن تنعكس، والمفهوم تعلق بادعاء العكس.\nقلنا الآن: هذا كلام من لم يحط، بما أردناه، والقول في العلل المستنبطة وشرائطها وقوادحها ليس مما نحن فيه بسبيل؛ فإن غرضنا التعلق بما يقتضيه اللفظ في وضع اللسان اقتضاء ظاهرًا، ولا شك أن صيغة التعليل يظهر منها للفاهم ما أردناه، والقول في مأخذ العلل المستنبطة لا يأخذ من مقتضى العبارات والألفاظ، فهذا ما أردناه.\nفإن قيل: خصصتم بالذكر العلة المناسبة للأحكام، وقد أطلق القائلون بالمفهوم أقوالهم بإثبات المفهوم بكل موصوف، فأثبتوا في ذلك ما هو الحق.\nقلنا: الحق الذي نراه أن كل صفة لا يفهم منها مناسبة للحكم، فالموصوف بها كالملقب بلقبه، والقول في تخصيصه بالذكر، كالقول في تخصيص المسميات بألقابها.\nفقول القائل: زيد يشبع إذا أكل كقوله: الأبيض يشبع؛ إذ لا أثر للبياض فيما ذكر، كما لا أثر للتسمية بزيد فيه. =","vol":"3","page":505},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوهو قضية اختيار القاضي عبد الوَهَّاب كما ذكر المَازِرِيّ.\n_________\n= ومن سر هذا الفصل أن شرط العلة المخيلة المستنبطة السلامة عن جمل من الاعتراضات والقوادح، ولا يشترط شيء من ذلك في القول بمفهوم كلام الشارع إذا اشتمل على ذكر موصوف، وفهم من الصفة مناسبة؛ فإن الكلام في ذلك يُدار على فهم الخطاب لا على شرائط العلل.\nهذا تمام القول في استدلال إمام الحرمين على ما ذهب إليه من القول بمفهوم الوصف المناسب دون غيره.\nونوقش ما استدل به إمام الحرمين: بأنه مبني على اعتبار المناسبة في العلة، وهو ضعيف.\nفإن القول الحق وهو ما ذهب إليه أكثر العلماء: أنه لا يعتبر في الوصف المنوط به الحكم أن يكون مناسبًا له بناءً على ما هو الحق من أن العلل أمارات ومعرفات للأحكام، ولا امتناع في جعل الجهل أمارة على الإكرام، والعلم أمارة على الإهانة.\nوللنظر في هذه المناقشة مجال؛ فإنها لا تتلاقى مع كلام الإمام، فلا تصلح دافعة له؛ لأن استدلاله قائم على أن هذا هو المفهوم من وضع اللسان، لا على اعتبار المناسبة في العلة، والإمام ﵁ قد استشعر من نفسه ما قد عساه يوهمه ظاهر كلامه من ذلك، فنبه عليه بالاستبعاد. ألا ترى إلى قوله: \"والقول في العلل المستنبطة، وشرائطها، وقوادحها ليس مما نحن فيه؛ فإن غرضنا التعلق بما يقتضيه اللفظ في وضع اللسان اقتضاءً ظاهرًا؟ ولا شك أن صيغة التعليل يظهر منها للفاهم ما أردناه\" فظاهر قول الإمام أن القول بمفهوم الوصف المناسب هو قضية اللسان، وليس آتيًا من ناحية كونه علة؛ إذ لا يشترط فيه ما يشترط في العلل من السلامة عن القوادح، وصلاحية استقلاله لإثبات الحكم في المنطوق به؛ لأنه لا يسند إلى المعنى، وإنما يسند إلى اللفظ، غاية ما في الأمر أن المناسبة عنده معتبرة؛ لترجيح قصد لاختصاص الحكم بالمنطوق به، وقطع الإلحاق.\nفمن هذا يظهر لنا عدم تمام المناقشة المذكورة، وعدم ورودها على كلام الإمام، وإنما الذي يصح أن يقال دفعًا لكلامه هو أن المعول عليه في إثبات المفهوم هو النقل عن أئمة العربية، وهم لم يفرقوا بين ما كان الوصف مناسبًا، وبين ما كان غير مناسب، والدليل منتهض من غير تفصيل في استدلال الجمهور، وبه المعتصم. وإذا أردتم بيانًا أوضح، فالقول الفصل في هذا هو ما قاله الإمام الشَّافِعِيُّ في إثبات القول بالمفهوم من غير تفصيل: قال ﵁ وأرضاه -: \"إذا خصص الشارع موصوفًا بالذكر، فلا شَكَّ أنه لا يحمل تخصيصه على وفاق من غير انتحاء قصد التخصيص، وإجراء الكلام من غير فرض تجريد القصد إليه يزرى بأوساط الناس، فكيف ذلك بسيد الخليقة؟! فإذا تبين أنه إذا خصص، فقد قصد إلى التخصيص، =","vol":"3","page":506},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقال \"البَصْرِي (^١): إن كان\" الخطاب ورد \"للبيان كالسَّائمة\" كما في قوله عليه\n_________\n= فينبني على ذلك أن قصد الرسول ﷺ في بيان الشرع ينبغي أن يكون محمولًا على غرض صحيح؛ إذ المقصود العرى عن الأغراض الصحيحة لا يليق بمنصب رسول الله ﷺ فإذا ثبت القصد، واستدعاؤه غرضًا، فليكن ذلك الغرض آيلًا إلى مقتضى الشرع، وإذا كان كذلك، وقد انحسمت جهات الاحتمالات في إفادة التخصيص انحصر القول في أن تخصيص الشيء الموصوف بالذكر يدل على أن العاري عنها حكمه بخلاف حكم المتصف بها، والذي يعضد ذلك من طريق التمثيل أن الرجل إذا قال: السودان إذا عطشوا لم يروهم إلا الماء. عُد ذلك من ركيك الكلام وهُجره.\nوقيل لقائله: لا معنى لذكر السودان، وتخصيصهم مع العلم بأن من عداهم في معناهم. هذا تحرير كلام الشافعي، وهو بالغ الحسن، وبه أيضًا يندفع كلام إمام الحرمين، كما اندفع بما سبق، ويتبين عدم انتهاضه في إثبات مطلوبه، بل هذا هو الكلام؛ وهذا هو البيان، ولا يسعني إلا أن أقول: \"قطعت جهيزة قول كل خطيب\".\n(^١) استدل أبو عبد الله البصري، ومن قال بقوله على ما ذهبوا إليه من تعليق الحكم بالصفة يدل على نفيه، عما عدا المتصف به إذا ورد للبيان، أو للتعليم، أو كان ما عدا الصفة داخلًا فيها، ولا يدل على النفي فيما عدا ذلك: بأن المقصود من الصفة إنما هو تمييز الموصوف بها عما سواه، كما أن المقصود من الاسم إنما هو تمييز المسمى عن غيره، وتعليق الحكم بالاسم نحو \"زيد عالم\" لا يدل على نفي العلم عمن لم يسم باسم زيد، فكذلك تعليق الحكم بالصفة.\nهذا حاصل ما استدل به أبو عبدا الله البَصْرِي على ما ذهب إليه، كما جاء في \"الإحكام\" للآمدي.\n\n\"مناقشة الدليل\"\nنوقش هذا الدليل من وجهين:\nأحدهما: أن هذا الدليل بوضعه المتقدم ينتج القول بعدم المفهوم مطلقًا، فإنه يجري في تعليق الحكم بالصفة مطلقًا، مع أنه يقول بالتفصيل.\nثانيهما: أن هذا الدليل يرجع إلى قياس تعليق الحكم بالصفة على تعليقه بالاسم في عدم الدلالة على النفي، بجامع أن المقصود في كل من الاسم والصفة هو التمييز، وهو قياس مع الفارق؛ فإن الكلام بدون ذكر الاسم يكون مختلًا، ولا يفيد، فكان المقصود منه تمييز المسمى فحسب، بخلاف الصفة، فإن الكلام لا يختل بدونها، فلم يكن المقصود منها التمييز فحسب.\nفظهر بهذا أن هذا الدليل لا يصلح حجة للمستدل. =","vol":"3","page":507},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالسلام: \"فِي الغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ\"، فإنه ورد بيانًا لآية الزكاة، \"وللتعليم كالتحالف\" في قوله\n_________\n= هذا حاصل الكلام في مذهب أبي عبد الله البَصْرِيِّ، ودليله وما ورد عليه من المناقشات.\nوأنت إذا تأملت فيما قاله أبو عبد الله البصري، وفي سياق دليله يتضح لك أن مذهب البصري يرجع في المعنى إلى مذهب القائلين بالنفي مطلقًا، وذلك لوجهين:\nالوجه الأول: أن الدلالة على نفي الحكم عما عدا الموصوف بالصفة في الصور الثلاث، ليس آتيًا من ناحية تعليق الحكم على الوصف، بل من ناحية أخرى.\nأما في الصورتين الأوليين: فمن ناحية ورود الخطاب للبيان والتعليم، فإن ذلك يفيد الحصر، وليس هذا مخصوصًا بالمقيد بالصفة، بل كل ما ورد للبيان قولًا، أو فعلًا، أو تقريرًا، منطوقًا، أو مفهومًا، ولو لقبًا يفيد الحصر، فإن لولاه لم يتم به البجان، فالبيان يفيد الحصر، وإلا لم يكن بيانًا.\nوأما في الصورة الثالثة؛ فلأجل القرينة، فإن الشيء إذا كان داخلًا في الشيء، وتعلق الحكم بذلك الشيء أعني: الكل، فإن ذلك يقتضي نفي الحكم عن الجزء، وإلا لما كان لتعليقه بالكل معنى، والفرض أنه متعلق بالكل، على أنه لو تعلق الحكم بالجزء للزم عليه بطلان المنطوق؛ ألا ترى أنه لو قيل: \"أحكم بشاهدين من رجالكم\" فإن ذلك يقتضي المنع من الحكم بشاهد واحد؛ إذ لو ثبت الحكم بالشاهد الواحد، لما توقف الحكم على الشاهدين، وهو خلاف مقتضى المنطوق؛ لأنه صريح في توقف الحكم على الشاهدين، وأنه لا يحصل الامتثال إلا بهما.\nفظهر أن الدلالة على نفي الحكم في هذه الصور خارجة عن نظم المفاهيم، ولهذا قال في \"المنتهى\": التخصيص في معرض البيان يدل على النفي إجماعًا إلا أنه خارج عن نَظْمِ المفاهيم.\nالوجه الثاني: أن مساق دليله يدل على أنه يقول بنفي المفهوم مطلقًا، أما قوله: بنفي الحكم في الصور الثلاثة فلمعنى آخر لا لدلالة التعليق عليه، حتى يكون قائلًا بالمفهوم في هذه الصور، ولهذا لم يتعرض لدلالة التعليق على هذا النفي في دليله، ويؤيد هذا صنيع الآمدي في \"الإحكام\" فإنه ذكر هذا الدليل مع نسبته للبصري في أدلة النافين مطلقًا.\nفمن هذين الوجهين يتبين لنا جليًّا أن مذهب أبي عبد اللّه البصري هو بعينه مذهب القائلين بنفي المفهوم، وليس مذهبًا آخر تصحيحًا لكلامه ما أمكن؛ إذ لو بقي على ظاهره؛ لكان مدخولًا في قوله، وفي استدلاله.\nأما في قوله؛ فلأنه يقتضي أنه يقول بالمفهوم في هذه الصور، مع أنها خارجة عن نظم المفاهيم. =","vol":"3","page":508},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n﵇: \"إِذَا اخْتَلَفَ المُتبَايِعَانِ تَحَالَفَا\" (^١)؛ وإنما جعل السائمة بيانًا لا تعليمًا؛ لأن الزكاة سبق وجوبها، بخلاف التحالف فإنه لم يسبق حكمه على قوله ﵇: \"إِذَا اخْتَلَفَ المُتبَايِعَانِ … \"، فالبيان ما تقدمه الحكم مجملًا، والتعليم ما يرد واضحًا لم يتقدمه شيء.\nقال: \"أو كان ما عدا الصفة داخلًا تحتها كالحكم بالشَّاهدين\" دلّ على نفي الحكم عما عداه، \"وإلّا فلا\".\nواختلف النَّقَلَةُ عن داود فقيل: يقول بمفهوم المُوَافقة والمخالفة جميعًا.\nوقيل: بمفهوم الموافقة فقط (^٢).\n_________\n= وأما في استدلاله؛ فلأنه يقتضي النفي مطلقًا، مع أنه يقول بالتفصيل. ينظر: الإحكام للآمدي ٢/ ١٥١.\n(^١) أخرجه الدارقطني (٣/ ٢٠)، والبيهقي (٥/ ٣٣٣). من حديث ابن مسعود، وللحديث طريق آخر عن ابن مسعود:\nأخرجه أحمد (١/ ٤٦٦)، والطيالسي (٣٩٩)، والدارقطني (٣/ ٢٠)، والبيهقي (٥/ ٣٣٣)، والترمذي (١/ ٢٤٠) معلقًا من طريق القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن عبد الله بن مسعود بلفظ: إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بينة، فالقول ما يقول صاحب السلعة أو يترادان\". وقال الترمذي: هو مرسل، وقال البيهقي: وهو منقطع.\nوقد جاء موصولًا من رواية القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عن جده.\nأخرجه أبو داود (٣٥١٢)، والدارمي (٢/ ٢٥٠)، وابن ماجة (٢١٨٦)، والدارقطني (٣/ ٢٠).\n(^٢) لقد اتفق الأصوليون على صحة الاحتجاج بما يسمى بمفهوم الموافقة في إثبات الأحكام الشرعية ونفيها، ووجوب العمل به، كالمنطوق، ولم يخالف في ذلك أحد إلا الظاهرية.\nحيث قالوا بعدم حجيته، وفي هذا يقول القاضي أبو يكر البَاقِلَّانِيُّ: القول بمفهوم الموافقة مجمع عليه من حيث الجملة.\nوقال ابن رشد: لا ينبغي للظاهرية أن يخالفوا في مفهوم الموافقة؛ لأنه من باب السمع، والذي يرد ذلك يرد نوعًا من أنواع الخطاب.\nوقال الزركشي: وقد خالف فيه ابن حزم.\nقال ابن تيمية: وهو مكابرة.\nوفي الحق أن ابن حزم هو الذي حمل لواء القول بإنكار حجيته، ونسب ذلك إلى الظاهرية، =","vol":"3","page":509},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nثم اختلف المُثْبتون للمفهوم.\nفقال أكثر أصحابنا: دليله اللغة، ووضع اللسان، وهو الصحيح.\nوقال بعضهم: الشرع.\nوقال الإمام الرازي: العرف العام.\nواختلفوا أيضًا هل دَلّ على النفي عما عداه مطلقًا، سواء أكان من جنس المثبت فيه أم لم يكن، أو اختصت دلالته بما إذا كان من جنسه؟.\nمثاله: إذا قلنا: في الغنم السائمة زكاة.\nفهل نفينا الزكاة عن المعلوفة مطلقًا سواء أكانت من الإبل أم البقر أم الغنم، أو لم ننف إلَّا عن معلوفة الغنم؟\nعلى قولين حكاهما الإمام الرازي وغيره، وحَكَاه الشيخ أبو حامد خلافًا لأصحابنا.\nوقال: الصحيح تخصيصه بالنَّفْي عن مَعْلُوفة الغنم فقط.\n_________\n= وتولى الدفاع عن هذا القول على شذوذه، وتهجّم على جماهير العلماء، وأتى في هذا الباب بالشيء الكثير من الشبه التي سماها حججًا وردودًا مع أنها لا تخرج في مجموعها عن شبه واهية لا تغنى من الحق شيئًا، ومكابرة لا تسيغها قوانين المناظرة.\nهذا: والنزاع في حجية مفهوم الموافقة إثباتًا ونفيًا يرجع في المعنى إلى الخلاف في تحقق مفهوم الموافقة، وعدم تحققه؛ بمعنى أن القول بحجية مفهوم الموافقة يرجع في المعنى إلى القول بأن النص الدال على ثبوت الحكم في محل النطق، يدل على ثبوته أيضًا في محل السكوت؛ لاشتماله على المعنى الذي ثبت الحكم لأجله في محل النطق سواء كان محل السُّكوت أولى بالحكم من محل النطق، أو مساويًا له فيه.\nوالقول بعدم حجيته، كما قالت بذلك الظاهرية يرجع في المعنى إلى القول بعدم دلالة النص على ثبوت حكم المنطوق للمسكوت الأولى، أو المساوي. هذا هو المراد بالنزاع في حجية مفهوم الموافقة إثباتًا ونفيًا، وليس المراد به ما يتبادر من ظاهر التعبير بالخلاف في الحجية من الاتفاق على تحقق مفهوم الموافقة، وأنَّ المنطوق له دلالة على المسكوت، والخلاف بعد ذلك إنما هو في حجية هذه الدلالة والعمل بها؛ إذ بعد تسليم تحقق الدلالة المذكورة لا يَتَأتَّى الخلاف في حجيتها، وإلا لزم القول بإسقاط نوع من أنواع الدلالات الشرعية مع التسليم بتحققها.","vol":"3","page":510},{"text":"الْمُثْبِتُونَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي \"لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عُقُوبَتهُ وَعِرْضهُ\": يَدُلُّ عَلَى أَنّ لَيَّ مَنْ لَيْسَ بِوَاجِدٍ لَا يُحِلُّ عُقُوبَتهُ وَعِرْضَه، وَفِي: \"مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ\" مِثْلَهُ.\nوَقِيلَ لَهُ فِي قَوْلِهِ ﵊: \"خَيْرٌ لَهُ مِنَ أَنْ يَمْتَلِيءَ شِعْرًا الْمُرَادُ: الْهِجَاءُ وَهِجَاءُ الرَّسُولِ ﷺ فَقَالَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ الاِمْتِلاءِ مَعْنًى؛ لأِنَّ قَلِيلَهُ كَذَلِكَ، فَأُلْزِمَ مِنْ تَقْدِيرِ الصِّفَةِ الْمَفْهُومُ.\nوَقَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ ﵀، وَهُمَا عَالِمَانِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ؛ فَالظَّاهِرُ فَهْمُهمَا ذَلِكَ لُغَةً.\nقَالُوا: بَنَيَا عَلَى اجْتِهَادِهِمَا.\nأُجِيبَ: بِأَنَّ اللَّغُةَ تَثْبُتُ بِقَوْلِ الأئِمَّةِ مِن أَهْلِ اللُّغَةِ، وَلا يَقْدَحُ فِيهِمَا التَّجْوِيزُ.\nوَعُورِضَا: بِمَذْهَبِ الأخْفَشِ.\nوَأُجِيبَ: بِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ كَذَلِكَ، وَلَوْ سُلِّمَ، فَمَنْ ذَكَرْنَاهُ أَرْجَح، وَلَوْ سُلَّمَ فَالْمُثْبِتُ أَوْلَى.\n<hr><s0>\n\nالشرح: واحتجّ \"المثبتون\" لمفهوم الصفة بأنه قد \"قال أبو عبيد\" القاسم بن سلام \"في\" قوله ﵇: \"لَيُّ [الوَاجِدِ] (^١) يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ وعِرضَهُ\".\nوهو حديث رواه البخاري \"تعليقًا\" بغير صيغة الجزم، وأخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة أنه \"يدلّ على أن في من ليس [بواجد] (^٢) لا يحلّ عقوبته وعرضه\".\nفلذلك قال \"في\" قوله ﷺ الثابت في الكتب السّنة: \"مَطْلُ الغَنِيّ ظُلْمٌ\" مثله\"، وقيل له في قوله ﷺ الثابت في \"الصحيحين\": \"لأنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قيحًا يربه \"خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا\" (^٣): المراد\" بهذا: الشعر المذموم\" الهجاء، وهجاء الرسول ﷺ فقال: لو\n_________\n(^١) في ت: الواحد.\n(^٢) في أ، ت: بواحد.\n(^٣) أخرجه البخاري ١٠/ ٥٤٨، في كتاب الأدب: باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر (٦١٥٥)، ومسلم ٤/ ١٧٦٩، وفي الشعر ٧/ ٢٢٥٧.","vol":"3","page":511},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nكان كذلك لم يكن لذكر الامتلاء معنى؛ لأن قليله كذلك\"، [واستدل به] (^١) \"فألزم من تقدير الصفة المفهوم\"، واستدلّ به على أن قليل الشعر غير مذموم.\n\"وقال به الشَّافعي، وهما\" أعني الشَّافعي، وأبا عبيد \"عالمان بِلُغَةِ العرب، فالظاهر فيهما ذلك لغة\"، ولا يخفى عليك أن هذا الدَّليل يدل على أن المفهوم حجة بوضع اللغة.\n\"قالوا: بنيا على اجتهادهما\"، واجتهادهما ليس حجة على غيرهما.\n\"أجيب: بأن اللغة تثبت بقول الأئمة\" ولا يقدح فيهما هذا التجويز\".\nقال أصحابنا: وأيضًا فأبو عبيد إنما فسر حديث النبي ﷺ في كتابه على ما عرفه من لسان العرب لا على ما يعرض في خاطره، وقد كانوا يحترزون في تفسير الحديث أشدّ الاحتراز.\n\"و\" قد \"عورض\" الاستدلال بالشَّافعي، والقاسم بن سلام \"بمذهب الأخفش\"؛ فإنه أنكر دليل الخطاب، وهو أيضًا من أهل اللغة.\n\"وأجيب بأنه\" رأيٌ \"لم يثبت كذلك\".\nفإن رأى الشافعي نقله الجمع العظيم، وهم أصحابه الذين طبقوا طبق الأرض، ورَأْى أبي عبيد نقله المعتنون بـ\"غريب الحديث\"، وهم عدد لا يحصى.\n\"ولو سلم فمن ذكرناه أرجح\" من الأخفش.\n\"ولو سلم\" التساوي \"فالمثبت أولى\".\nثم معارضة أبي عبيد بالأخفش ربما يسهل أمرها لأنهما ناقلان عن لسان العرب، وإن ترجح أبو عبيد بزيادة الثبت والعلم، وصحة السند إليه، وأنه مثبت.\nوأما معارضة الشافعي به فمن الطَّامات الكُبَر؛ فإن الشافعي قرشى متين، ومنطقه طَبْعُهُ، وحملة [الشريعة] (^٢) يستدلون بقول أعرابي جلف بَوّال على عقبيه، فكيف لا يستدلّون بابن عم المصطفي ﵊، الذي تَفَقَّأت عنه بَيْضَةُ بني مضر، وثمرة الشجرة التي أظلت أهل البدو والحَضَر، ومن قال فيه الأصمعي: إن له لغة يحتج بها.\n_________\n(^١) سقط في أ، ب.\n(^٢) في ج: الشرع.","vol":"3","page":512},{"text":"وَأَيْضًا: لَوْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى الْمُخَالَفَةِ، لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ مَحَلِّ النُّطْقِ بِالذِّكْرِ فَائِدَةٌ، وَتَخْصِيصُ، آحَادِ الْبُلَغَاءِ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ مُمْتَنِعٌ، فَالشارعُ أَجْدَرُ.\nاعْتُرِضَ: لا يَثْبُتُ بالوَضْعِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْفَائِدَةِ.\nوَأُجِيبَ بِأنَّهُ يُعْلَمُ بِالاِسْتِقْراءِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلَّفظِ فَائِدةٌ سِوَى.\nوَاحِدَةٍ تَعَيَّنَتْ. وَأَيْضًا: ثَبَتَتَ دِلالَة التَّنْبِيهِ بِالاِسْتِبْعَادِ اتِّفَاقًا؛ فَهَذَا أَوْلَى.\n<hr><s0>\n\nولا حاصل لدفع إمام الحرمين هذه الطريق بأن الأعرابي منطقه طَبْعُه، والأئمة في مسالك النظر بالدليل مطالبون.\nفإن الشافعي إن كان نطق بطبعه فهو حُجّة، وإن نقل عن عشرته فهو ثقة، ثم نَقْله أولى بالاعتبار من نقل الأحاديث.\nالشرح: \"وأيضًا لَو لم يدل\" دليل الخطاب \"على المُخَالفة، لم يكن لتخصيص محلّ النطق بالذكر فائدة، وتخصيص آحاد البلغاء لغير فائدة ممتنع، فالشارع أجدر\".\nوهذا هو الذي اعتمده الشّافعي ﵁ وهو يدلّ على أنه حجّة بالشرع، وليس فيه ما يدل على أنه بوضع اللغة.\n\"واعترض\" بأن الاستدلال بأنه لا فائدة سوى التخصيص على أنه وضع لذلك لا يستقيم؛ لما علم منه أنه \"لا يثبت بالوضع بما فيه من الفائدة\".\n\"وأجيب: بأنه يعلم بالاستقراء\" من لغة العرب الذين هم فُرْسَان الكلام أنه \"إذا لم يكن للفظ فائدة سوى واحدة تعينت\"، فإِذًا لم يثبت الوضع بالفائدة، بل بالاستقراء للقاعدة الكلية: أن كلّ ما لا فائدة للفظ سواه تعين هو، \"وأيضًا تثبت دلالة [التنبيه] (^١) بالاستبعاد\" المجرّد حيث قلنا؛ لو لم يكن للتعليل لكان ذكره بعيدًا من الشارع، فكان \"اتفاقًا، وهذا أولى\".\nولقائل أن يقول: هذا لا يتم إلّا إن كانت الدعوى ثبوت المفهوم بالشرع دون اللغة.\n_________\n(^١) في أ، ت: البينة.","vol":"3","page":513},{"text":"وَاعْتُرِضَ لِمَفْهُومِ اللَّقَبِ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ لَوْ أُسْقِطَ لاخْتَلَّ الْكَلامُ؛ فَلا مُقْتَضَى لِلْمَفْهُومِ فِيهِ.\nوَاعْتُرِضَ بِأَنَّ فَائِدَتَهُ تَقْوِيَةُ الدِّلالَةِ حَتَّى لا يُتَوهَّمَ تَخْصِيصٌ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّ ذَلِكَ فَرْعُ الْعُمومِ، وَلَا قَائِلَ بِهِ؛ وَإِنْ سُلِّمَ فِي بَعْضِهَا خَرَجَ؛ فَإِنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ لَا شَيْء يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ سِوى الْمُخَالفَةِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"واعترض\" ثانيًا - والمعترض إمام الحرمين - \"بمفهوم اللقب\" أو يجيء فيه مثل ذلك، فيقال: لو لم ينف الحكم عَمَّا عداه لم يكن ذكره مفيدًا، فيلزم أن يعتبر، وهو غير معتبر عندنا.\n\"وأجيب: بأنه لو أسقط\" اللّقب \"لاختلّ الكلام\"، فلم يصدق أنه لو لم يثبت المفهوم، لم يكن ذكره مفيدًا، \"فلا مقتضى للمفهوم فيه\"، بخلاف الضفة، فإن الكلام لا يختل بسقوطها.\n\"واعترض\" ثالثًا بأن قولكم: لا فائدة إلَّا التخصيص ممنوع؛ \"فإنَّ فائدته تقويةُ الدلالة حتى لا يتوهّم تخصيص\" بما وراء الملفوظ، وأن الملفوظ خارج.\nوحاصله: أنه لو قيل: \"في الغنم زكاة\" عمّ السائمةَ والمعلوفَة، وكان يجوز والحالة هذه إخراج السائمة؛ بالاجتهاد، فذكرت السائمة لينبه على أنه لا يجوز إخراجها؛ لأنها أولى.\nفربّ صفة تأتي لتبين أنها أولى، فلم يتعين أن يكون إثباتها لأجل نفي الحكم عما عداه.\n\"وأجيب بأن ذلك فرع العموم\".\nوتقريره: أن قولكم: \"ذكر السَّائمة لينبّه على أنها لا تخرج\" فرع تعميم لفظ \"الغنم\" في قوله: \"الغنم السَّائمة\"، وأن المعنى: في الغنم لا سيما السَّائمة زكاة، ولو كان كذلك وجب إخراج زكاة المعلوفة والسَّائمة لفظًا؛ لاندراجها تحت العموم، ولم تتميز السَّائمة إلَّا بأنها لا تخرج بالاجتهاد، [وهذا] (^١) \"لا قائل به\"؛ فإن الناس بين قائل بدلالة هذا اللفظ\n_________\n(^١) في ت: وكذا.","vol":"3","page":514},{"text":"وَاعْتُرِضَ بِأَن فَائِدَتَهُ ثَوَابُ الاِجْتِهَادِ بالْقِيَاسِ فِيهِ.\nوَأُجِيبَ: بِأنَّهُ بِتَقْدِيرِ الْمُسَاوَاةِ يَخْرُجُ وَإِلَّا انْدَرَجَ. واسْتُدِلَّ: لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْحَصْرِ لَزِمَ الاِشْتِرَاكُ إِذْ لا وَاسِطَةَ، وَلَيْسَ للاشْتِرَاكِ؛ بِاتِّفَاقٍ.\nوَأُجِيبَ: إِن عَنَى السَّائِمَةَ فَلَيْسَ مَحَلَّ النِّزاعِ، وَإِنْ عَنَى إِيجابَ الزَّكَاةِ فِيهَا فَلَا دَلالَةَ لَهُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا.\n<hr><s0>\n\nعلى انتفاء الحكم فيما عدا السَّائمة، وهم أصحاب المفاهيم، وقائل بأنه مسكوت عنه، وهم المنكرون.\nأما القول بأنه داخل فخارق للإجماع، فإذن لا عموم إجماعًا حتى يدعى أن ما ذكر فائدة.\n\"ولو سلم\" العموم \"في بعضها\" أي في بعض الصور \"خرج\" عن محل النّزاع، \"فإن الغرض أنه لا شيء يقتضي تخصيصه\" بالذِّكْر \"سوى المخالفة\".\nفإن كان التَّخصيص لغرض سوى هذا لم يكن له مفهوم؛ وهذا كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٣١] جاء لئلا يتوهم أنه لم يرد، وليدل على ما عداه بطريق أولى.\nفاعتمدْ هذا التقرير.\nالشرح: \"واعترض\" أيضًا - والمعترض القاضي في \"التقريب\" - \"بأن فائدته\" \"ثواب الاجتهاد بالقياس فيه\"، وهو إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق لمعنى خارج، وهذه فائدة.\n\"وأجيب: بأنه\" لا قياس إلا عند المساواة، و\"بتقدير المساواة يخرج\" عن صورة المسألة؛ لأن صورة المفهوم الذي فيه نتكلم ألَّا يكون المسكوت مساويًا ولا أولى بالحكم، \"وإلَّا\" فإن انتفت المساواة والأولوية \"اندرج\" فيما لا فائدة له إلَّا نفي الحكم؛ لانتفاء فائدة القياس.\n\"واستدلّ\" على المطلوب بدليل غير مرضى، فقيل: \"لو لم يكن\" ذكر الوصف \"للحصر\" أي: دالًّا على نفي الحكم عما عَدَاه \"لزم الاشتراك\" بين المسكوت والمنطوق في الحكم؛ \"إذ لا واسطة\" بين الاختصاص والاشتراك، \"وليس\" التخصيص \"للاشتراك باتفاق\"، بل غايته أنه محتمل، فثبت الاختصاص، أعنى الحصر.","vol":"3","page":515},{"text":"الإِمَامُ: لَوْ لَمْ يُفِدِ الْحَصْرَ لَمْ يُفِدِ الاِخْتِصَاصَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لأَنَّهُ بِمَعْنَاه، وَالثَّانِيَةُ مَعْلُومَةٌ، وَهُوَ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ؛ فَإنَّهُ إِنْ عَنَى لَفْظَ السَّائِمَةِ فَلَيْسَ مَحَلَّ النِّزاعِ، وَإِنْ عَنَى الْحُكْمَ الْمُتَعَلقَ بِهَا فَلَا دَلالَةَ [لَهُ] عَلَى الْحَصْرِ، وَيَجْرِيَانِ مَعًا فِي اللَّقَبِ، وَهُوَ بَاطِلٌ.\n<hr><s0>\n\n\"وأجيب: إن عنى\" هذا القائل \"السَّائمة\" بالحصر أي: أن وصف السَّائمة منتفٍ عن المَعْلُوفة، \"فليس محلّ النزاع\"، بل ذلك واقع بلا شكّ.\n\"وإن عنى\" بالحصر أن \"إيجاب الزكاة\" منحصر \"فيها\" فلا نسلّم أن اللَّفظ لو لم يدلّ عليه لتعين الاشتراك، بل ثَمّ واسطة، وهي عدم التعرض لأحدهما لا بنفي ولا بإثبات، \"فلا دلالة على واحد منهما\".\nوالحاصل: أنه يلزم من عدم الاختصاص الاشتراك، ولا يلزم من عدم إفادة الاختصاص الاشتراك، وإفادته له.\nالشرح: واحتجّ \"الإمام\" على إثبات المفهوم بأنه \"لو لم يفد\" التقبيد بالوَصْفِ \"الحصر لم يفد الاختصاص به دون غيره\"، واللازم منتفٍ، فكذا الملزوم، والملازمة بيّنة؛ \"لأنه بمعناه\" أي: لأن اللازم بمعنى الملزوم؛ إذ لا معنى للحصر فيه إلا اختصاصه به دون غيره، فإذا لم يحصل الاختصاص لم يحصل الحصر.\n\"والثَّانية معلومة\" أي: وانتفاء اللازم معلوم؛ للعلم الضروري أنه يفيد اختصاص الحكم بالمذكور.\n\"وهو\" أي: هذا الدليل \"مثل ما تقدم\" من الدَّليل قبله.\n\"فإنه إن عنى لفظ السَّائمة\"، وأنه منتفٍ في المعلوفة، \"فليس محل النزاع\".\n\"وإن عنى الحكم المتعلّق بها\"، وأنه منتفٍ في المعلوفة، \"فلا\" نسلّم صحة الملازمة؛ إذ لا \"دلالة له على الحَصْر\"، ولا يلزم من لزوم أحد الأمرين دلالة اللفظ على أحدهما.\nواعلم أنا لم نَرَ هذا الدَّليل في كلام الإمام، وقد عرفناك أن مختاره في المسألة التفصيل.\n\"ويجريان\" أي: هذان الاستدلالان \"معًا في \"مفهوم \"اللَّقب، وهو باطل\"، فلو صحا لصح.","vol":"3","page":516},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nووجه جريانهما أن يقال: لو لم يكن اللَّقب للحصر، لكان الاشتراك، واللازم باطل، ولو لم يفد الحصر لم يفد الاختصاص، ولكنه أفاد فأفاد. هكذا قرر الشَّارحون هذا الدليل وجوابه.\nولقائل أن يقول: إذا كان معنى الحَصْر الاختصاص، فكيف يحسن بذي نَظَرٍ أن يجعل اللازم هو الملزوم، وكيف يحسن قوله: \"إن انتفاء اللازم معلوم\" مع كونه والحالة هذه محل النزاع؟\nوقول المصنّف: إنه مثل ما تقدم فيه نظر؛ فإنَّ اللازم هناك الاشتراك، وهنا عدم إفادة الاختصاص، ولو كان مثله لأغنى ذكر الأول عنه.\nوالوجه عندي أن يقال: المراد بـ \"الاختصاص\" تخصيص الوصف بالذّكر كالسَّائمة مثلًا، وبـ \"الحصر\" انتفاء الحكم عما عدا المنطوق.\nوبين الاختصاص والحصر فَرْق سنذكره عند ختام المَفَاهيم إن شاء الله - تعالى - من كلام الحَبْرِ الذي لم يسمح الدهر منذ ثلاثمائة عام بنظيره فيما ندين الله به.\nثم تقرير الدليل أن يقال: لو لم يفد التقييد بالوصف الحصر، لم يفد الاختصاص شيئًا، و\"الاختصاص\" مرفوع، و\"شيئًا\" مفعول أفاد حذف اختصارًا لكنه مقيد قطعًا.\nوألا يكون ذكره لغوًا، وإن أفاد شيئًا تعين أن يكون هو الحَصْر؛ إذ لو أفاد غيره لم يكن صورة المسألة؛ لأن صورتها ألَّا يكون هناك فائدة غير نفي الحكم.\nولو اختصر هذا الدليل لقيل: لا بد لتخصيص الوصف بالذكر من فائدة، وما عدا نفي الحكم منتفٍ بالغرض، فتعين أن يكون هو.\nوأشار إلى أنه لا بد من فائدة بقوله: والثانية معلومة.\nوإلى بيان الملازمة بقوله: لأنه بمعناه أي: لأن الاختصاص بالذكر بمعنى الحصر في هذا المقام، وكما دلَّ الحصر على الانتفاء ينبغي أن يدلّ الاختصاص بالذكر.\nفإن قلت: فما وجه كونه بمعناه؟\nقلت: إنه لا فائدة إلَّا نفي الحكم، ولا بد من فائدة، فتعين أن يكون التخصيص لنفي الحكم كما أنه لا فائدة في الحصر إلا نفي الحكم.","vol":"3","page":517},{"text":"وَاسْتُدِلَّ بِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ: الْفُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةُ أَئِمَّةٌ فُضلاءُ، نَفَرَتِ الشَّافِعِيَّة، وَلَوْلا ذلِكَ مَا نَفَرَتْ.\nوأُجِيبَ بِأَنَّ النَّفْرَةَ مِنْ تَرْكِهِمْ عَلَى الاِحْتِمَالِ كَمَا يُنْفَرُ مِنَ التَّقْدِيم أَوْ لِتَوَهُّم الْمُعْتقِدِينَ ذلِكَ.\nوَاسْتُدِلَّ بِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [سورة التوبة: الآية ٨٠] فَقَالَ ﵊: \"لأزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِينَ\" فَفُهِمَ أَنَّ مَا زَادَ بِخِلافِهِ، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ.\nوَأُجِيبَ بِمَنع فَهْمِ ذلِكَ؛ لأِنَّهَا مُبَالَغَةٌ، فَتَسَاوَيَا، أَوْ لَعَلَّهُ بَاقٍ عَلَى أَصْلِهِ فِي الْجَوَازِ، فَلَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ.\n<hr><s0>\n\nوتقرير الجواب أن يقال: هذا مثل ما تقدَّم، فإنهما اشتركا في المأخذ، وهو أنه لا بد من فائدة لكن لم جعلتم اللَّازم في الأول الاشتراك، وفي الثاني عدم الفائدة؟\nفنقول: إن عنيتم بالذي لا بد له من فائدة لفظ السَّائمة، فليس محلّ النزاع؛ إذ النزاع إنما هو في تعليق الحكم به لا في مجرد لفظ.\nوإن عنيتم الحكم المتعلّق، فلا دلالة لتخصيصه بالذكر على الحصر، بل غايته أن يجعل السائمة منطوقًا، والمعلوفة مسكوتًا عنها.\nوالحاصل أن المستدل يصور أن المعلوفة إما أن تجب فيها الزكاة، فيتناول المنطوقة، فلا يكون لذكر السَّائمة فائدة، أوْ لا، فيثبت مفهوم المخالفة.\nونحن نقول: هناك واسطة، وهي أن يكون مسكوتًا عنها.\nوفائدة اختصاص الوصف بالذكر صيرورة المَعْلُوفة غير محكوم فيها بشيء.\nوفرق بين عدم الحُكْم اللازم من تخصيص الوصف بالذكر، والحُكْم بالعدم الذي يدعي من يقول بالمفهوم ثبوته.\nولقائل أن يقول: تضمّن الجواب دعوى أن لذكر الوصف فائدة غير انتفاء الحكم عما عدا الملفوظ، وهي صَيْرُورَةُ المعلوفة مسكوتًا عنها.\nوقلتم: فرض المسألة يأباه؛ ولكن تم سقط دليلكم السايق حيث قلتم: وأيضًا لو لم","vol":"3","page":518},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nيدل لم يكن [لتخصيص] (^١) محل النطق فائدة.\nوإن لم يتم كان هذا الدَّليل هو ذلك الدليل.\nوقول المصنّف: \"إن هذين الدليلين يجريان في اللَّقب\" فيه نظر قدمه، وهو أن اللقب لو أسقطه لاختل الكلام، فما باله لم ينبه عليه هنا؟ ولا يخفى ما في هذا الكتاب من التعسُّف.\nالشرح: \"واستدلّ\" أيضًا \"بأنه لو قيل: الفقهاء الحنفية أئمة فضلاء، نفرت الشَّافعية، ولولا\" فهمها من \"ذلك\" الحصر \"ما نفوت\".\nوهذا دليل لائق بمن يدعي أن دليل كون المفهوم حجَّة [العرف] (^٢) العام لا وضع اللغة ولا الشرع.\n\"وأجيب: بأن النّفرة من تركهم على الاحتمال كما تنفر من التقديم، أو لتوهّم المعتقدين ذلك\"، فيقرب من ذلك عبارة يتوهم منها بعض النَّاس نفي الفضل عنهم.\nوقد تمَّت الدلائل المختصة بمفهوم الصفة المغاير للعدد والشرط والغاية ما بين: مرتضٍ، ومزيف، ودالّ على أنه باللُّغة، أو الشرع، أو العرف، فلنذكر ما يختصّ بغيره، وما يشمل مفهوم - الصفة من حيث هو، عددًا كان، أو شرطًا، أو تقييدًا، بوصف أو غاية، فنقول: \"واستدل\" على مفهوم العدد (^٣) \"بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [سورة\n_________\n(^١) في ت: التخصيص.\n(^٢) في ت: الفرق.\n(^٣) إذا علق حكم بعدد معين نحو: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، فهل يدل ذلك على نفي الحكم عما عدا ذلك العدد أولا؟ اختلف العلماء في ذلك على طريقين:\nالطريق الأول: أنه يدل، واليه ذهب مالك ونقله عن الشافعي أبو حامد، وأبو الطيب الطبري، والماوردي وغيرهم، ونقله أبو الخطاب الحنبلي في \"تمهيده\" عن أحمد بن حنبل، وبه قال داود الظاهري، وكذا الطحاوي، وصاحب \"الهداية\"، والكرخي، ورضي الدين صاحب \"المحيط\" من الحنفية.\nالطريق الثاني: أنه لا يدل، وإليه ذهب أصحاب الشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابه، وابن داود، والمعتزلة، والأشعرية، والقاضي أبو بكر الباقلاني، واختاره إمام الحرمين والإمام البيضاوي في \"المنهاج\"، وجرى عليه الإمام الرازي في \"المحصول\" والآمدي في \"الإحكام\". والآن يجدر =","vol":"3","page":519},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  بنا قبل الخوض في حجج الفريقين المتنازعين أن نوضح أن محل النزاع مقيد بالقيود الآتية:\nالأول: أن يكون المذكور هو العدد نفسه، كاثنين، وثلاثة وعشرة .... الخ.\nوأما ذكر المعدود، فلا نزاع في أنه لا مفهوم له، فقوله ﷺ: \"أُحِلَّتْ لَنَا مَيتَتَانِ وَدَمَانِ\" لا يدل على عدم حل ميتة أخرى، وإِنما كان الخلاف في العدد لا في المعدود؛ لأن - العدد صفة في المعنى، فقولنا: \"في خَمْسٍ مِنَ الإِبلِ شَاةٌ\" في معنى قولنا: في إِبل خمس، بجعل خمس صفة للإِبل، وهي إِحدى صفتي الذات؛ لأن الإِبل قد نكون خمسًا، وقد تكون غير ذلك، فلما قيد وجوب الشاة فيها بالخمس، فهم أن غيرها بخلاف ذلك، بخلاف المعدود فإِنه لما لم يذكر معه أمر زائد يفهم منه انتفاء الحكم عما عداه صار كاللقب، واللقب لا فرق فيه بين أن يكون واحدًا، أو مثنى، أو جمعًا. ألا ترى أنك لو قلت رجال لم يتوهم أن صيغة الجمع عدد، ولا يفهم منها ما يفهم من التخصيص بالعدد، فكذلك المثنى؛ لأنه اسم موضوع لاثنين، كما أن الرجال اسم موضوع لما زاد على ذلك، فلهذا لم يكن قوله ﷺ \"ميْتَتَان؛ يدل على نفي حِلِّ ميتة ثالثة، كما أنه لو قال: أحلت لنا ميتة لم يدل على عدم حلّ ميتة أخرى، نعم إِذا أريد بالمعدود العدد كان محل خلاف كالعدد نفسه، وتفصيل ذلك أن المثنى من جنس تارة يراد به ذلك الجنس، ويكون جانب العدد مغمورًا معه، وتارة يراد به العدد من ذلك الجنس، ويظهر هذا بأنك إِذا أردت الأول قلت: جاءني رجلان لا امرأتان، فلا ينافي ذلك أن يكون جاءه رجال ثلاثة؛ لأن المراد بالمثنى هنا الجنس لا العدد، وإذا أردت الثَّاني قلت: جاءني رجلان لا ثلاثة، فلا ينافي ذلك أن يكون جاءه نسوة؛ لأن المراد هنا العدد من ذلك الجنس، وكذلك الحال في المفرد تقول: جاءني رجل لا امرأة في الأول، أو جاءني رجل لا رجلان في الثَّاني، فإِن كان في الكلام قرينة لفظية، أو حالية تبين المراد اتبعت، وعمل بحسبها، وإلا فلا دليل فيه لواحد منهما، فمن الأول حديث \"أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ\" لأنه سيق لبيان حلّ هاتين الميتتين، وليس فيه إِشعار بحكم ما سوى ذلك، فكان المقصود منه المعدود لا العدد، ومن الثَّاني قول النبيّ ﷺ: \"إِذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ\" لأن قوله: \"إِذَا بَلَغَ\" قرينة دالة على أنه أريد التقييد بهذا القدر المخصوص، فكانت صفة العدد فيه هي المقصودة، ولذلك صح التمسك به عند القائلين بالمفهوم.\nالثَّاني: ألا يكون المقصود من ذكر العدد التكثير، أما إِذا قصد به ذلك كالسبعين والألف، وغيرهما ممَّا جرى مجراهما في قصد التكثير، والمبالغة في لسان أهل اللغة، فإِنه لا يدل على التحديد، ولا يكون له مفهوم اتفاقًا. قاله ابن فورك.\nالثالث: ألا يقصد بذكر العدد المعين التنبيه به على ما زاد عليه، وإِلا فلا يدل التقييد به على =","vol":"3","page":520},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالتوبة: الآية ٨٠] \" فقال ﷺ: \"لأزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِينَ\" (^١)، وهو أفصح من نطق بالضاد \"أن ما زاد بخلافه\"، وذلك مفهوم عدد، ومفهوم الصفة أدل منه، فإِذا ثبت هذا فما ظنّك بمفهوم الصفة؟.\nأو نقول: ومفهوم العدد مفهوم صفة، فإِذا ثبت الخاصّ ثبت العامّ، \"والحديث صحيح\" متفق عليه أخرجه البخاري ومسلم، فلا يغرنك قول الغزالي: الأظهر أن هذا الخبر غير صحيح؛ فإِنه تلقّاه من إِمام الحرمين، والإِمام تلقَّاه من القاضي، ولو علموا أنه في الصحيحين لما قالوا ذلك على أن عبارة القاضي في \"التقريب\": هذا الخبر من أخبار الآحاد الذي لا نعلم ثبوتها فلا حجة فيه، يعني في المسائل الأصولية على عادته في تطلّب القواطع. وإِذا وضح هذا الدَّليل فنقول: لمفهوم العدد صورتان:\nلأنه إِما أن يدّعي دلالته على الزائد، أو الناقص، وصورة ثالثة وهي دعوى دلالته عليهما، وهذا دَليل على الزائد، وسنذكر دليلًا على النَّاقص.\n_________\n= أن ما عداه حكمه بخلافه كحديث \"إِذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خبثًا\" فإِن في العدد المذكور تنبيهًا على أن ما زاد عليه أولى بعدم حمل الخبث؛ لأن ما زاد على القلتين فيه القلتان وزيادة، وتعليق الحكم بالقلتين إِنما كان لمعنى الكثرة الدافعة للخبث، وإِذا كانت هذه الكثرة متحققة في القلتين كانت متحققة فيما زاد عليهما من باب أولى، فيكون الحكم في محل السكوت ثابتًا بمفهوم الموافقة الأولى، وهذا القيد الأخير، وإِن كان معلومًا ممَّا سبق إِلَّا أننا أوردناه هنا زيادة في الإِيضاح. ينظر: البحر المحيط للزركشي ٤/ ٣٧، والبرهان لإِمام الحرمين ١/ ٤٦٦، والتمهيد للأسنوي ٢٥٢، ونهاية السول له ٢/ ٢٢١، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ٣٩، وحاشية البناني ١/ ٢٥١، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٢/ ٣٠، وحاشية العطار على جمع الجوامع ١/ ٣٢٨، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ١/ ١٠٠.\n(^١) حين هم بالصلاة على عبد الله بن أُبي بن سلول زعيم المنافقين؛ فإِنه يدل على أنه ﷺ فهم من قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ أن ما زاد على السبعين مخالف له في الحكم، وذلك مفهوم العدد، وإِذا كان فهم واحد من أهل اللسان حجة، فكيف بفهم رسول الله ﷺ؟ فَثَبَتَ بهذا مفهوم العدد، وهو المطلوب.\nوالحديث أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (١٠/ ١٣٨) من حديث ابن عباس، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٢٢٤) وعزاه لابن مردويه عن عروة بمعنى حديث ابن عباس.","vol":"3","page":521},{"text":"وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ لِعُمَرَ ﵄: مَا بَالنا نَقْصُرُ وَقَدْ أَمِنَّا، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ [النساء: الآية ١٠١]؟ - فَقَال عُمَرُ: تَعَجَّبْتُ مِمَّا تَعَجَّبْتَ مِنْهُ فَسَأَلْتُهُ ﵊ فَقَالَ: \"إِنَّمَا هِيَ صَدَقَة تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ\" فَفَهِمَا نَفْيَ الْقَصْرِ حَالَ عَدَمِ الْخَوْفِ، وَأقَرَّ ﵊ عُمَرَ.\nوَأُجِيبَ بِجَوَازِ أَنَّهُمَا اسْتَصْحَبَا وُجُوبَ الْإِتْمَام؛ فَلا يَتَعَيَّنُ.\n<hr><s0>\n\nوأما الثَّالثة: فإِذا قام الدَّليلان [ثبت] (^١).\n\"وأجيب\": إِما \"بمنع فهم ذلك؛ لأنها\" أي السبعين \"مبالغة\" في نفي المغفرة، ومن عادة العَرَبِ المبالغة بلفظ السَّبعين، \"فتساويا\" حينئذٍ، أعني ذكر العدد وعدمه؛ لأنه ليس مقصودًا، وإِنما المقصود المبالغة، فلا فرق بين السبعين وما زاد، وإِذا كان كذلك فلا جائز أن يكون ﵇ فهم أن ما زاد على السَّبعين بخلافه؛ لأن ذلك إِنما يتخيل حيث يكون المقصود العدد الخاص، وهو لم يكن المقصود، والنبي ﷺ لا يفهم إِلا المقصود.\n\"أو\" يسلم أن العدد مقصود، ونقول: إِن الزائد على السبعين \"لعلّه باقٍ على أصله في الجواز، فلم يفهم منه\"، بل قال: لأزيدن\" لأن الأصل جواز الاستغفار، وكونه مظنة الإِجابة، فالفهم من حيث إِنه الأصل لا من التَّخصيص بالذكر.\nوهذا الجواب هو الصحيح، وأما الذي قبله فذكره القاضي بناء على اعتقاده أن الحديث لم يصح.\nوقد قلنا: إِنه صحيح.\nولذلك قال المصنّف: والأوجه لمنع الفهم بعد ثبوت الحديث، فلو اقتصر المصنّف - رحمه ا لله - على هذا كان أولى.\nالشرح: \"واستدلّ\" على الشرط \"بقول يعلى بن أمية لعمر: مَا بَالُنَا نَقْصُرُ وَقَدْ أَمِنَّا، وقد قال تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ [سورة النساء: الآية ١٠١]؟ فقال عمر: تعجّبت ممَّا تعجبت منه فسألته ﷺ فقال: \"إِنَّمَا هِيَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ\"،\n_________\n(^١) في ج: ثبتت.","vol":"3","page":522},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nففهما نفي القصر حال عدم الخوف، وأقر ﷺ عمر\" على ما فهم، فكان دليلًا على صحة المفهوم.\nأخبرنا أبي - تغمّده الله برحمته - قراءة عليه، وأنا حاضر في الرَّابعة، أنا أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الحافظ بقراءتي عليه، أنا الشَّيخان يحيى بن أبي [مسعود] (^١) بن العميرة، والأعز بن الفضائل بن العليق قال ابن العميرة: أخبرتنا شهدة بنت أبي نصر الإِبري (^٢)، وقال ابن العليق: أنا أبو الحسين عبد الحق بن عبد الخالق بن أحمد بن عبد القادر بن يوسف، أنا أبو غالب محمد بن الحسن الباقلّاني، أنا أبو علي بن شاذان، أنا عثمان بن السّماك، وسعيد بن إِسحاق، وأبو سهل بن زياد قالوا: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا إِدريس عن [ابن] (^٣) أبي عمار عن عبد الله بن ثابتة عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إِن خفتم، وقد أمن الناس؟ فقال: عجبت ممَّا عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ فقال: \"صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ\"، أخرجه مسلم عن جماعة عن إِدريس [به] (^٤)، وأخرجه أيضًا أبو داود، والترمذي، وابن ماجه.\n\"وأجيب بجواز أنهما استصحبا وجوب الإِتمام\" حالة الأمن؛ فإِن الأصل الإِتمام، خولف في الخوف للآية فبقي في غيره، \"فلا يتعين\" أن يكون الفهم لدليل الخطاب، فلا يقوم به حجّة.\nولا يخفى عليك أن هذا مفهوم الشَّرْط، لا مفهوم الصّفة، ولعل الغرض به إِلزام من لا يفصل بينهما، أو أن مفهوم الصفة لما كان مفتاح المفاهيم توسع فيه، وذكرت أدلّة غيره\n_________\n(^١) في أ، ج: السعود.\n(^٢) شهدة بنت أبي نصر أحمد بن الفرج بن عمر الإِبري، فقيهة، في العلماء من عصرها. ولدت، بـ \"بغداد\" سنة ٤٨٢ هـ. وأصلها من \"الدينور\". روت الحديث، وسمع عليها خلق كثير، وطار صيتها، وتزوج بها ثقة الدولة ابن الأنباري. وعرفت بـ \"الكاتبة\" لجودة خطها. توفيت بـ \"بغداد\" سنة ٥٧٤ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ١/ ٢٢٦، والدرر المنثور (٢٥٦)، والأعلام ٣/ ١٨٧.\n(^٣) سقط في ت.\n(^٤) سقط في ب، ت.","vol":"3","page":523},{"text":"وَاسْتُدِلَّ بِأَنَّ فَائِدَتَهُ أَكْثَرُ فكَانَ أَوْلَى؛ تَكْثيرًا لِلْفَائِدَةِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ مِنْ جَعْلِ تَكْثِيرِ الْفَائِدَةِ يَدُلُّ عَلَى الْوَضْعِ.\nوَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ دَوْرٌ؛ لِأَنَّ دِلالَتَهُ تَتَوَقَّفُ عَلَى تَكْثِيرِ الْفَائِدَةِ وَبِالْعَكْسِ - يَلْزَمهُمْ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ.\nوَجَوَابُهُ: أَنَّ دَلالَتَهُ تَتَوَقَّفُ عَلَى تَعَقُّلِ تَكْثِيرِ الْفَائِدَةِ عِنْدَهَا لا عَلَى حُصُولِ الْفَائِدَةِ.\n<hr><s0>\n\nكالعدد الذي أشرنا إِليه آنفًا في: \"إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ\"، والشرط المشار إِليه بهذا، والغاية الدَّاخلة في الدَّليل المشار إِليه بقوله: واستدل على مفهوم المخالفة مطلقًا غاية كان أم غيرها\" ممَّا تقدم الاستدلال له بخصوصه.\nالشرح: \"واستدل بأن فائدته أكثر\"؛ فإِن إِثبات المذكور، ونفى غيره أكثر فائدة من إِثباته فقط، \"فكان أولى تكثيرًا للفائدة\".\n\"وما قيل\" اعتراضًا على هذا الاستدلال \"من أنه دور\" لأن دلالته\" أي: دلالة اللفظ على نفي الحكم عما عداه \"تتوقّف على تكثير الفائدة\"؛ إِذ به تثبت، \"وبالعكس\" أي: لا يحصل تكثير الفائدة إِلَّا بدلالته على النفي عن الغير، فاعتراض مردود؛ لأنه \"يلزمهم في كلّ موضع\" يثبت الشيء لفائدة، سواء أكان وصفًا أم حكمًا شرعيًّا أم غيرها، فلو صح لم يثبت الشيء لفائدة أصلًا، فتنتفي المقاصد والحكم، وهو ظاهر البطلان، وهذا ردّ جَدَلي.\n\"وجوابه\" الحقيقي \"أن دلالته تتوقّف على تعقّل تكثير الفائدة عندها، لا على حصول الفائدة\".\nوحاصله: أن الموقوف والموقوف عليه غير متَّحدين وإِن اتّحدا لفظًا؛ فلا دَوْرَ، وبين عدم الاتحاد بأن المتوقّف عليه الدّلالة على تكثير الفائدة عقلًا أي: إِن تعقل أنه لو دل لكثرت الفائدة لا علي تكثير الفائدة عينًا، وهو حصولها، والمتوقف على الدلالة هو تكثير الفائدة عينًا لا عقلًا، أي: حصولها في الواقع لا تعقل حصولها عنده.","vol":"3","page":524},{"text":"وَاسْتُدِلَّ: لَوْ لَمْ يَكُن مُخَالِفًا لَمْ يَكُن السَّبْعُ فِي قَوْلِهِ ﵊: \"طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعًا\" - مُطَهِّرَةً؛ لأِنَّ تَحْصِيلَ الْحَاصلِ مُحَالٌ، وَكَذلِكَ: \"خَمْسُ رَضَعَاتٍ يُحَرِّمْنَ\".\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"واستدلّ\" لدلالة مفهوم العدد على الناقص بأنه أيضًا \"لو لم يكن\" المسكوت عنه الناقص \"مخالفًا\" للمذكور في الحكم \"لم يكن السبع في \"ما روى مسلم في صحيحه من \"قوله ﷺ: \"طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبعًا … \" الحديث - \"مطهرة\"؛ لأن الطَّهارة إِن حصلت بدون السّبع فلا تحصل بالسبع؛ \"لأن\" ذلك \"تحصيل\" للحاصل، وإِن تحصيل \"الحاصل مُحَال.\nوكذلك\" ما رواه مسلم من قول عائشة ﵂: \"كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخن بخمس معلومات .. \" (^١) الأثر.\nوإليه أشار بقوله: \"خمس يحرمن \"، فإِنه يلزم ألَّا تكون الخمس محرمة؛ لأن الحرمة تحصل بدون الخمس فلتحصل بالخمس، وإِلَّا يلزم تحصيل الحاصل.\nفإِن قلت: لم أخر المصنّف هذا الدليل الدَّال على نفي الناقص عن الدَّال على نفي الزائد، ولم لا جمعهما؟\nقلت: لأنه لم يذكر له جوابًا، فأراد الختام به، أو لأنه رأى أن جوابه واضح.\nوقد قال الآمدي في جوابه: لا يلزم من كون الغسلات السَّبع غير دالَّة على نفي الطَّهارة فيما دونها، ومن كون الرّضعات الخمس غير دالَّة على نفي الحرمة فيما دونها أن يكون المحلّ قبل [السابعة] (^٢) طاهرًا، ولا أن يكون ما دون الخمس محرمًا؛ لجواز ثبوت النجاسة والحرمة قبل ذلك بدليل غير المفهوم.\nقلت: بل لا بد من دليل على كونها قبل ذلك طاهرة ومحرمة؛ لأن الطَّهارة والحرمة لا يثبتان إِلَّا بدليل.\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٦٠٨، كتاب الرضاع: باب جامع ما جاء في الرضاع (١٧)، ومسلم ٢/ ١٠٧٥، كتاب الرضاع: باب التحريم بخمس رضعات (٢٤ - ١٤٥٢).\n(^٢) في أ، ت: الساعة.","vol":"3","page":525},{"text":"النَّافِي: لَوْ ثَبَتَ لثَبَتَ بِدَلِيلٍ، وَهُوَ عَقْلِيٌّ وَنَقْلِيٌّ … إِلَى آخِرِهِ.\nوَأُجِيبَ بِمَنع أشْتِرَاطِ التَّوَاتُرِ وَالْقَطْعِ بِقَبُولِ الآحَادِ، كَالْأَصْمَعِي أَوِ الْخَلِيلِ، أَو أَبِي عُبَيْدَةَ أَوْ سِيبَوَيْه.\nقَالُوا: لَوْ ثَبَتَ لثَبَتَ فِي الْخَبَرِ، وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَ: فِي الشَّامِ: \"الْغَنَمُ السَّائِمَةُ\" لَمْ يَدُلَّ عَلَى خِلافِهِ قَطْعًا.\nوَأُجِيبَ بِالْتِزَامِهِ وَبِأَنَّهُ قِيَاسٌ، وَلا يَسْتَقِيمَانِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: واحتج \"النَّافي\" لدليل الخطاب أولًا بأنه \"لو ثبت لثبت بدليل، وهو عقلي ونقلي\"، وكلاهما منتفٍ \"إِلى آخره\" أي: إِلى آخر هذه الشُّبْهة بأن يقال: والعقلي منتف، والنقلي إِما متواتر عن العرب؛ وهو غير موجود، أو آحاد؛ وهي لا تفيد.\nوهذا الوجه اعتمده القاضي أبو بكر في \"التقريب\".\n\"وأجيب\" عنه \"بمنع اشتراط التواتر والقطع\" من علماء الأمة \"بقبول الآحاد\" من الثقات فيما ينقلون عن العرب \"كالأصمعي، أو الخليل، أو [أبي عبيدة] (^١)، أو سيبويه\" واعتمادهم فيما يروونه يدلّ على أنهم لا يشترطون التواتر.\n\"قالوا\" ثانيًا: \"لو ثبت لثبت في الخبر، وهو باطل؛ لأن من قال: في \"الشام\" الغنم السائمة لم يدل على خلافه قطعًا\"، وكذا إِذا قال: زيد الطويل في الدار لا يدل على أن زيدًا القصير ليس فيها.\nوبيان الملازمة: أن الذي به ثبت في الأمر، وهو الحذر من عدم الفائدة قائم في الخبر بعينه.\n\"وأجيب: بالتزامه، وبأنه قياس\" في اللغة فلا يسمع، \"ولا يستقيمان\".\nأما الالتزام؛ فلأنه مُكَابرة، وأيضًا فقد صرح أئمتنا القائلون بالمفهوم أنهم لا يقولونه في الأخبار.\nوأما القياس؛ فممنوع؛ لأن مثل هذا استقرائي لا قياس.\n_________\n(^١) سقط في ت.","vol":"3","page":526},{"text":"وَالْحَقُّ الْفَرْقُ بِأَنَّ الْخَبَرَ وَإِنْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ غَيْرُ مُخْبَرٍ بِهِ، فَلا يَلْزَمُ أَلَّا يَكُونَ حَاصِلًا، بِخِلافِ الْحُكْمِ؛ إِذْ لا خَارِجِيَّ لَهُ فَيَجْرِي فِيهِ ذلِكَ.\nقَالُوا: لَوْ صَحَّ لَمَا صَحَّ \"أَدُّوا زَكَاةَ السَّائِمَةِ وَالْمَعْلُوفَةِ\" كَمَا لا يَصِحُّ: \"لا تَقُلْ لَهُ أُفٍّ، وَأضْرِبْهُ\"؛ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ وَللتَّنَاقُضِ.\nوَأُجِيبَ بِأَنَّ الْفَائِدَةَ عَدَمُ تَخْصِيصِهِ، وَلا تَنَاقُضَ فِي الظَّوَاهِرِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"والحق\" في الجواب \"الفرق\" بين الإِنشاء والخبر، \"بأن الخبر وإِن دلَّ على أن المسكوت عنه غير مخبر به، فلا يلزم ألَّا يكون حاصلًا\" في الخارج؛ لجواز أن يكون حاصلًا ولم يخبر عنه؛ لأن الخبر يفتقر إِلى خارج، وهو متعلّقه \"بخلاف الحكم؛ إِذ لا خارجي له فيجري فيه ذلك\" أي: حتى يجري فيه ذلك فإِن وجوب الزَّكاة هو نفس قوله: \"أوجبت\" فإِذا انتفى هذا القول فيه فقد انتفى وجوب الزَّكاة فيه، ولا يلزم من انتفاء قولك: في الشَّام الغنم السائمة انتفاء كونها في \"الشام\"، بل قد تكون وأنت لم تخبر عنها.\nوفي قول المصنّف: الخبر وإِن دلَّ على أن المسكوت غير مخبر به مناقشة، فإِنه لا يدلّ على المسكوت ألبتة.\nفالصواب أن يقال: وإِن لم يدلّ على المسكوت بشيء.\nولقائل أن يقول: في الجواب رجوع إِلى نفي المفهوم، وكونه سكوتًا، وعدم حكم، وهو مذهب الخصم.\nوابن السَّمعاني فرق بأن المخبر قد يكون له غرض في الإِخبار بأن في \"الشام\" غنمًا سائمة مثلًا، أو أن زيدًا الطويل في الدار، ولا يكون له غرض في الإِخبار عن غير \"الشام\"، ولا غير زيد الطويل، فخصهما بالإِخبار كذلك.\nوأما الشَّارع في مقام الإِنشاء، فغرضه أن يبين جميع الأحكام الَّتي كلفنا بها.\nفإِذا قال: زكوا عن الغنم السَّائمة علمنا أنه لو كانت الزكاة في جميع الغنم تعلق بمطلق الاسم.\n\"قالوا\" ثالثًا: \"لو صحّ\" القول بالمفهوم \"لما صحّ\" أن يقال \"أدُّوا زكاة السَّائمة","vol":"3","page":527},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالمعلوفة، كما لا يصح\" أن يقال في مفهوم المُوَافقة: \"لا تقل له أُفٍّ، واضربه؛ لعدم الفائدة\"؛ إِذ يكفيه حينئذ أن يقول: في الغنم زكاة.\n\"وللتناقض\"؛ فإِن قوله: أدّ زكاة السائمة، على ما يقولون ينفي المعلوفة، وقوله: والمعلوفة تنفي السَّائمة فيتناقضان أيضًا.\n\"وأجيب\": بأن مفهوم المُخَالفة ليس كمفهوم الموافقة؛ لأن ذاك قطعي، وهذا ظني.\nوأما ما ذكر في بيانه فلا نسلّم عدم الفائدة، بل ندعي \"أنّ الفائدة عدم تخصيصه\" أي تخصيص المعلوفة والحالة هذه بالاجتهاد، ولا نسلم وجود التناقض؛ إِذ \"لا تناقض في الظَّواهر\"، وبهذا فارق الفحوى فإِنها قطعية.\nوننبّهك هنا على شيء ينفعك، وهو أنَّ المعاني المستفادة من اللفظ تقع استفادتها منه من وجهين:\nأحدهما: من جهة لفظه.\nوالثَّاني: من جهة معناه.\nفالمستفاد من اللَّفظ، يسمى منه ما لا احتمال فيه \"نصًّا\"، وما فيه احتمال \"ظاهرًا\"، وما يستفاد من جهة إِشعاره وبحثه على قسمين أيضًا:\nما لا احتمال فيه أصلًا.\nوما فيه احتمال، لكنه ظاهر في أحد محتمليه.\nفالأول: يستدلّ به وفاقًا.\nوالثَّاني: فيه خلاف، فتلخص من ذلك أن ما لا احتمال فيه يعمل به قطعًا، سواء أدلّ عليه لفظ الخطاب أم معناه.\nوما فيه احتمال مع الظّهور يعمل به إِن كان لفظيًّا بلا خلاف، وإن كان معنويًّا ففيه الخلاف.\nوتبين لك أن مفهوم المخالفة ظاهر، فلا يمنع التصريح بخلافه.","vol":"3","page":528},{"text":"قَالُوا: لَوْ كَانَ لَمَا ثَبَتَ خِلافُهُ لِلتَّعَارُضِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُه، وَقَدْ ثَبَتَ فِي نَحْوِ: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾.\nأُجِيبَ بِأَنَّ الْقَاطِعَ عَارَضَ الظَّاهِرَ فَلَمْ يَقْوَ، وَتَجِبُ مُخَالَفَةُ الأَصْلِ بِالدَّلِيلِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"قالوا\" رابعًا: \"لو كان\" المفهوم حقًّا \"لما ثبت خلافه، للتعارض\" حينئذٍ بين المفهوم ودليل خلافه؛ \"والأصل\" في التعارض \"عدمه، وقد ثبت في نحو: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٣٠] \"؛ إِذ مفهومه، عدم النهي عن أكله لا على هذا الوجه، والنهي ثابت عن الرِّبا قليله وكثيره، وهذا الوجه اعتمده الآمدي.\n\"وأجيب\" بمنع المُلازمة.\nوقوله: يلزم التَّعارض ممنوع؛ \"فإِن القاطع\" الدَّال على تحريم الرِّبا مطلقًا \"عارض الظاهر\"، وهو دليل الخطاب \"فلم [يَقْوَ] (^١) \"الظَّاهر على معارضته، بل اضْمَحَلَّ دونه، فعمل القاطع عمله، ولم يوجد تعارض، ولو سلّمنا وقوع المعارضة لكن يجب المصير إِليه عند قيام الدليل، كما أن الأصل البراءة، ويخالفها [لدليل] (^٢)، فإِذن \"يجب مخالفة الأصل بالدليل\".\nويمكن دفع الدَّليل بأن قوله: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ ليس من محلّ النزاع؛ لأنه خرج مخرج الغالب أن الرِّبا إِنما يؤكل كذلك.\n\n\"تَنْبِيهَاتٌ\"\nالأول: ما نقله المصنّف عن أبي عبيد سبقه إِليه الآمدي، وابن السمعاني، وغيرهما.\nونقله القاضي في \"التقريب\"، وإِمام الحرمين، وغيرهما عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، وكلاهما من أئمة اللغة، فلا معنى للتحرير في ذلك.\nالثَّاني: أصل وضع الصفة أن تجيء إِما للتخصيص في النكرات، وللتوضيح في المعارف نحو: مررت برجل عاقل، [وبزيد] (^٣) العالم.\n_________\n(^١) في أ، ت: يقوم.\n(^٢) في ت، ج: الدليل.\n(^٣) في أ: ويريد، وفي ت: يزيد.","vol":"3","page":529},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقد تجيء لمجرّد الثناء، أو الدوام، أو التوكيد، أو التخمين مثل: زيد المسكين.\nوقد يعبر عن التخصيص بـ \"الشَّرْط\"، وعن التوضيح بـ \"التعريف\" و\"الكاشف\".\nومن أماكن التردّد بين التوضيح والتخصيص قوله تعالى: ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ في قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [سورة النحل: الآية ٧٥].\nفإِن كان لتوضيح دلَّ لمذهبنا على أن العبد لا يملك.\nوإِن كان للتخصيص، دلّ للمالكية، وكأنه تعالى إِنما ضرب المثل بهذا العبد الذي لا يقدر لا بكل عبد.\nوكذا قوله ﵇ لصفوان لما استعار منه: \"بَلْ عَارِيَةٌ مَضمُونَةٌ\" (^١). إِن كان لتوضيح دلّ على أن العارية تضمن أبدًا، وأن هذا شأنها، وهو مذهبنا.\nوإِن كان للتخصيص دلّ لأبي حنيفة على أنها لا تضمن إِلا بالشرط، وكذا إِذا قال الرجل لزوجته: إِذا تظاهرتُ من فلانة الأجنبية، فأنت علي كظهر أمي ثم تزوجها، وظاهر منها هل يصير مظاهرًا من الأولى؟ فيه وجهان:\n_________\n(^١) اختلف أهلُ العلم في ضمان العارية، فذهب جماعةٌ من أصحاب النبيّ ﷺ وغيرهم إِلى أنها مَضمونة على المستعير، رُوي ذلك عن ابن عبَّاس وأبي هريرة، وهو قولُ عطاء، وبه قال الشافعي وأحمد.\nوذهب جماعة إِلى أنها أمانة في يد المستعير، إِلا أن يتعدَّى فيها، فيضمن بالتعدِّي، يُروى ذلك عن علي، وابن مَسعود، وهو قول شريح، والحسن، وإِبراهيم النخعيّ، وبه قال سفيان الثوري، وأصحاب الرأي وإِسحاق بن راهويه، وقال مالك: إِن ظهر هلاكه لم يضمن، وإِن خفي هلاكه ضمن.\nوالحديث أخرجه أبو داود ٣/ ٢٩٦، في البيوع: باب في تضمين العارية (٣٥٦٢) وأحمد في المسند ٣/ ٤٠١، و٦/ ٤٦٥، في مسند صفوان بن أمية ﵁، والحاكم في المستدرك ٢/ ٤٧، في البيوع: باب أد الأمانة، والبيهقي في السنن ٦/ ٨٩ في العارية: باب العارية مضمونة، وعزاه في التحفة للنسائي في الكبرى ٤/ ١٩٠، وأخرجه الدارقطني في السنن ٣/ ٣٩ - ٤٠، وأعله ابن حزم في المحلى ٩/ ١٧١ بشريك، وتبعه ابن القطان، وقال ابن دقيق العيد بعد أن عزاه إِلى المستدرك: لعله علم حال أمية. قال ابن الملقن: ذكره ابن حبان في الثقات، والحديث صحيح بشواهده.","vol":"3","page":530},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأحدهما: نعم، ويجعل الوصف بالأجنبية توضيحًا.\nوالثَّاني: لا، ويكون لفظ الأجنبية للشرط.\nالثالث: قال ابن السمعاني: إِذا اقترن بالحكم المعلّق بالصفة حكم فقد اختلف قول الشَّافعي في دليل المقيد بالصفة هل يصير مستعملًا في المطلق على قولين.\nومثاله قوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤٩]، وكان نصه أن لا عدة على غير المدخول بها، ودليله وجوب العدّة على المدخول بها، ثم قال: ﴿ومتّعوهن﴾، فهل تكون المتعة معطوفًا على العدة في اشتراط الدخول فيها؟ على قولين:\nأحدهما: تصير بالعطف مشروطة.\nوالثَّاني: لا، ويجري قوله: \"ومتعوهن\" على إِطلاقه.\nالرابع: لم يفرد المصنّف مفهوم العدد بالذكر، بل وقع ذكره في أثناء مفهوم الصفة في قوله: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾.\nوفي قوله ﵇: \"إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا\"، كما تقدم.\nوقد صرح ابن السَّمعاني بأنه دليلٌ مستعمل، وأنه مثل الصفة سواء، وإِلى هذا أشار الشيخ أبو حامد، وغيره فلعلّ المصنّف إِنما أشار إِليه في مفهوم الصّفة لذلك، وكأنه رأى اسم الصّفة ينطلق عليه، وإِن اختص هو باسم العدد.\nوكلام القاضي في \"التقريب\" يقرب من هذا الصَّنيع، وكذلك أكثر أصحابنا.\nوممَّا يوضح لك هذا ما تقدّم عن البَصْري في الحكم بالشاهدين، فإِنه أشار إِلى قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]، قيد بشهيدين قال: فدلّ أن الشهيد الواحد لا يكفي.\nوأنت ترى هذا من مَفَاهيم العدد، وقد جعله ممَّا له دليل، وعدّه من الصفة، وما ذلك إِلا لما ذكرناه من انطلاق اسم الصفة عليه.\nوهذا المكان من أسرار هذا المختصر الَّتي غفل عنها شارحوه، فإِياك أن تظن أنه أهمل مفهوم العدد بعد أن ذكره في قوله: وهو أقسام: الصفة، والشرط، والغاية، والعدد، بل قد ذكره في الصفة؛ لأنه منها، وحكى فيه الخلاف المحكي فيها، وأشار إِلى أنه داخلٌ","vol":"3","page":531},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n\n<hr><s0>\n\nفيها، وإِنما جاء ذكره ابتداء لتميزه باسم يخيل أنه قسيم، وإِنما هو قسم من جملة أقسام مفهوم المُخَالفة، وهو الصفة.\nوالقول بأن مفهوم العدد حجّة هو المنقول عن الشافعي، [وممن] (^١) نقله الشيخ أبو حامد الإِسفراييني والمَاوَرْدي، في باب \"بيع الطعام قبل أن يستوفي\"، وإِمام الحرمين، والغزالي.\nوقال آخرون: لا يدلّ، وهو رأي منكري الصفة، فالخلاف الخلافُ؛ لأن العدد فرد من أفراده.\nوقد قلنا: إِن المصنّف لذلك أدرجه فيه، ولذلك لم يعد ذكره بخلاف الشَّرط والغاية، فإِنه أعادهما لمخالفة بعض النَّاس في الصفة دونهما.\nوأما الصفة فلم ينكرها أحد مع القول بالعدد، وإِنما بعضهم عكس.\nوممن أنكر العدد الإِمام الرَّازي بعد تفصيل ذكره فيه حاصله كما هو: أنه لا يدلّ.\nوكان أبي ﵀ يقول: التحقيق عندي أن الخلاف في مفهوم العدد، إِنما هو عند ذكر نفس العدد، كاثنين وثلاثة، أما المعدود فلا يكون مفهومه حجّة، كقوله ﵇: \"أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ\" (^٢)، فلا يكون عدم تحريم ميتة ثالثة مأخوذًا من مفهوم العدد.\nثم ذكر تمثيل الأصوليين بقوله ﵇: \"إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ\" ولم يرتضه؛ لأنه ليس فيه اسم العدد، واعتلّ بأن العدد نسبة الصفة، والمعدود نسبة اللقب.\nوما ذكره إِن لم يكن تنقيح مَنَاط فهو تفصيل حسن.\nالخامس: مفهوم الحال لم يذكره أكثر المتأخرين؛ لأنه من جملة مفهوم الصفة أيضًا.\n_________\n(^١) في أ: عمن.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في السنن (٢/ ١١٠١ - ١١٠٢)، كتاب الأطعمة: باب الكبد والطحال (٣٣١٤)، والدارقطني في السنن ٤/ ٢٧١ - ٢٧٢، كتاب الصيد والذبائح والأطعمة (٢٥) والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢٥٤، كتاب الطَّهارة: باب الحوت يموت في الماء والجراد، وفي ٩/ ٢٥٧، كتاب الصيد والذبائح باب ما جاء في أكل الجراد والشافعي في ترتيب المسند ٢/ ١٧٣، كتاب الصيد والذبائح (٦٠٧)، وأحمد في المسند.","vol":"3","page":532},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nومعناه: تقييد الخطاب بالحال مثل: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٧].\nوقد أفرده ابن السمعاني بالذكر وقال: إِنه كالصفة.\nالسادس: ما قدمناه من مفهوم الصفة صورته: ما إِذا ذكرت ذات، ثم ذكرت صفتها، مثل: الغنم السائمة، والرجل القائم.\nأما إِذا ذكر الاسم المشتق مثل القائم فقط، أو السائمة فقط، فهل هو كالصفة أو لا مفهوم له؛ لأن الصفة إِنما جعل لها مفهوم؛ لأنه لا فائدة لها إِلَّا نفي الحكم، والكلام بدونها لا يختلّ، وأما المشتقّ فكاللقب يختل الكلام بدونه.\nاختلف أصحابنا في ذلك كما حكاه الشَّيخ أبو حامد، وابن السَّمعاني، وغيرهما، وعبارة ابن السمعاني: الاسم المشتق من معنى كالمسلم، والكافر، والوارث، والقاتل يجري مجرى تعليقه بالصّفة في استعمال دليله في قول جمهور أصحاب الشَّافعي.\nوقال بعضهم: ينظر في الاسم المشتق، فإِن صلح للعليّة استعمل دليله، وإِلا فلا.\nقلت: وهذا غير ما يقوله المتأخرون: المعلق باسم مشتق يعلل بما منه الاشتقاق؛ فإِن ذلك نظر في العلّة، ولا يلزمها الانعكاس، وهذا نظر في دليل هذا اللفظ، فافهم ذلك.\nالسَّابع: ردّ ابن السَّمعاني على إِمام الحرمين حيث فرق بين الوصف المناسب وغيره بأنه خلاف مذهب الشَّافعي، وبأن العلَّة ليس من شرطها الانعكاس.\nولك أن تقول: الإِمام لم يلتزم مذهب الشَّافعي هنا.\nوأما الانعكاس فقد أورده هو على نفسه، وأجاب بما حاصله: [إِن] (^١) قضية اللسان هي الدَّالة عند إِحالة الوَصْفِ على ما عداه، بخلافه.\nوزعم أن هذا وضع اللِّسَان [ومقتضاه والحالة هذه]، وما كان من مقتضيات اللِّسَان] (^٢) فبخلاف العلل المستنبطة، ثم لا يقدح في هذه الصِّفة الجارية مجرى التعليل بمعنى\n_________\n(^١) في ت: إِنه.\n(^٢) سقط في ت.","vol":"3","page":533},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nمستنبط؛ فحيل بما يقدح به في العِلَلِ المستنبطة؛ لأن هذه كلفظ أصَّله صاحب الشَّرع في الأحكام، فيتصرف فيه كيف. شاء، بخلاف ما نظنّه نحن ونستنبطه، فإِن القَوَادح إِذا تطرقت إِليه أشعرت بخطئنا فيما استنبطناه.\nواعترضه شارحًا كلامه المازري وابن الأنباري.\nأما ابن الأنباري فقال: فهم التعليل من الصفة المناسبة صحيح، وأما استفادة أنه حكم بالنقيض على غيره، فلا يحصل من التعليل؛ إِذ لا يستفاد من التعليل إِلا معرفة البَاعِثِ، فإِذا قلت: أكرم زيدًا لم يفهم النهي عن إِكرام غيره، فإِذا زدت ذكر العلّة في إِكرامه لا يصير له بالزيادة مفهوم لم يكن قبل ذلك، وهذا واضح.\nقال: فمن زعم أن دلالة اللفظ تزيد عند تعليله، فليس على بَصِيرَةٍ من أمره.\nوأما المازري فسلّم الدلالة على النفي عند التَّعليل، ولكن قال: القائلون بدليل الخطاب يقولون: إِن الصفة لم ترد في الشَّرع إِلَّا للإِشعار بأنَّ ما عداها في الحكم بخلافها، سواء عرفنا نحن المُنَاسبة أم لم نعرفها، ولا حاجة لنا إِلى معرفتها بعد نصب الشَّارع الوصف، فلهذا أطلق القوم الجواب في الصفة.\nقلت: واعتراض ابن الأنباري بارد؛ فإِنَّ الإِمام قد نقل أن الصيغة تدل على النفي عند ذكر العلة، والنقل لا يمنع، ولا سيما من مثل هذا الإِمام.\nوقوله: العلة لا تزيد مفهومًا - ممنوع، فقد تذكر العرب الباعث للتنبيه على انتفاء الحكم عند الانتفاء.\nوأما ما ذكره المَازِرِيّ فالإِمام يقول بأن الصفة لا يعرف كونها للتَّعليل إِلَّا عند فهم المناسبة، ويمتنع قولهم: إِنها لم ترد في الشَّرع إِلا للتعليل.\nويقول حيث وردت لذلك: لاحت عليها آثار المُنَاسبة، وهذا ينبنى على أنه هل ظهور الإِحالة من شروط العلّة المستنبطة أو لا؟\nوالإِمام يدّعى أنه شرط، وهي مسألة معروفة في القياس.","vol":"3","page":534},{"text":"<span data-type='title' id=toc-741>مَفْهُومُ الشَّرْطِ</span>\nوَأَمَّا مَفْهُومُ الشَّرْطِ فَقَالَ بِهِ بَعْضُ مَنْ لا يَقُولُ بِالصِّفَةِ.\nوَالْقَاضِي، وَعَبْدُ الْجَبَّارِ، وَالْبَصْرِيُّ عَلَى الْمَنْعِ.\nلِلْقَائِلِ بِهِ مَا تَقَدَّمَ، وَأَيْضًا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ انْتِفَاءُ الْمَشْرُوطِ.\nوَأُجِيبَ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا.\nقُلْنَا: أَجْدَرُ إِنْ قِيلَ بالاتِّحَادِ، وَالأَصْلُ عَدَمُهُ إِنْ قِيلَ بِالتَّعَدُّدِ.\nوَأُورِدَ: \"إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا\".\nوَأُجِيبَ بِالأَغْلبِ وَبِمُعَارَضَةِ الْإِجْمَاعِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وأما مفهوم الشرط (^١) فقال به بعض من لا يقول بالصفة\" وكل القائلين\n_________\n(^١) مفهوم الشرط هو ما يفهم من تعليق الحكم على شيء بأداة شرط كـ \"إِنْ\" و\"إِذا\" مما يدل على سببية الأول، ومسببية الثَّاني، كما في قوله ﷿: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، فإِنه يفهم منه عند القائلين بمفهوم المخالفة أن غير أولات الأحمال من المطلقات طلاقًا بائنًا لا يجب الإِنفاق عليهن؛ لأن المشروط ينتفي بانتفاء شرطه، وإِنما قيدنا الطلاق البائن؛ لأن المطلقة طلاقًا رجعيًا يجب الإِنفاق عليها في العدة حاملًا كانت، أو لا بالإِجماع، والخلاف إِنما هو في المبانة. والشرط في اللغة هو العلامة وجاء منه: أشراط الساعة أي: علاماتها، وفي العرف العام ما يتوقف عليه وجود الشيء، وفي اصطلاح المتكلمين: ما يتوقف عليه تحقق الشيء، ولا يكون مندرجًا في ذلك الشيء، ولا مؤثرًا فيه. وفي اصطلاح النحاة: ما دخل عليه شيء من الأدوات المخصوصة الدالة على سببية الأول ومسببية الثَّاني ذهنًا، أو خارجًا، سواء كان علَّة للجزاء مثل \"إِن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، أو معلولًا مثل \"إِن كان النهار موجودًا، فالشمس طالعة\" أو غير ذلك مثل \"إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، فَأَنْتِ طَالِقٌ\" ويسمى شرطًا لُغَوِيًا أيضًا؛ لأن المركب من إِن وأخواتها، ومن مدخولها لفظ مركب وضع لمعنى يعرف من اللغة، وإِن كان النحوي يبحث عنه من وجه آخر، وهو المقصود بالذات هنا، لا الشرعي كالطهارة للصلاة، ولا العقلي كالحياة للعلم، ولا العادي كنصب السُّلَّمِ لصعود السطح، وإِنما كان المقصود هو النحوي؛ لأن الكلام هنا فيما يفهم من تعليق الحكم على شيء بأداة مخصوصة، كما هو مقتضى تعريف مفهوم الشرط وهذا إِنما يتأتى =","vol":"3","page":535},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nبها (^١) وهو إِذن أقوى، والإِمام ينازع في كونه أقوى إِذا كانت الصِّفة مناسبة \"والقاضي\" أبو بكر، \"وعبد الجَبَّار، والنَصْري\" والغزالي مصرُّون \"على المنع\" \"القائل به\" رجلان كما عرفت، أحدهما من قال بالصفة أيضًا، فحجّته \"ما تقدم\" في مفهوم الصِّفة من: مقبول، ومزيف، فعاوده.\n\"وأيضًا\" دليل يختص به هذا المفهوم، ويقتصر عليه الرّجل الثَّاني الذي أنكر الصفة وأثبته، ومن أجله أقررنا مفهوم الشَّرْط بالذكر بعد أن تضمّنه مفهوم الصفة، وهو أنه إِذا كان شرطًا فهذا معناه؛ لأنه \"يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط\".\n_________\n= في خصوص الشرط، النحوي على ما لا يخفى. ينظر: حاشية البناني ١/ ٢٥١، والإِبهاج لابن السبكي ١/ ٣٨٠، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٢/ ٣٠، وحاشية العطار على جمع الجوامع ١/ ٣٢٩، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ١/ ١٠٠، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ١٨٠، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ١/ ١٥٥، وميزانه الأصول للسمرقندي ١/ ٥٨٠، ونشر البنود للشنقيطي ١/ ٩٨.\n(^١) ينبغي أن نحرر محلّ النزاع في هذا المقام، ومجمل القول في ذلك: أنه لا نزاع بين العلماء في انتفاء الحكم عند انتفاء شرطه، وإنما في الدال على هذا الانتفاء هل هو التعليق بالشرط، أو البراءة الأصلية؟ وبيان ذلك أن في تعليق الحكم بالشرط مثل: \"إِن دخلت الدار فأنت طالق\" أمورًا أربعة:\nالأمر الأول: ثبوت الجزاء عند ثبوت الشرط.\nالأمر الثَّاني: عدم الجزاء عند عدم الشرط.\nالأمر الثالث: دلالة التعليق على الأول.\nالأمر الرابع: دلالته على الثَّاني.\nواتفق العلماء على الثلاثة الأول، وإنما في الأمر الرابع بعد الاتفاق على أن عدم الجزاء ثابت عند عدم الشرط.\nفعند القائلين بالمفهوم ثبوته لدلالة التعليق عليه، وعند النفاة ثابت بمقتضى البراءة الأصلية، فالنزاع إِنما هو في دلالة حرف الشرط على العدم عند العدم، لا على أصل العدم عند العلم، فإِن ذلك ثابت قبل أن ينطق الناطق بكلام، وهذا الكلام في سائر المفاهيم.\nقال أبو زيد الدبوسي، وهو من المنكرين له: انتفاء المعلق حال عدم الشرط لا يفهم من التعليق، بل يبقى على ما كان قبل ورود النفي.","vol":"3","page":536},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"وأجيب\": بأنا لا نسلّم أن المشروط في الشَّرط اللغوي يعدم بعدمه؛ لأنه \"قد يكون سببًا\" وأن يغلب استعمالها في السببية.\n\"قلنا:\" كونه سببًا \"أجدر\" وأدلّ على ما يدّعيه من الانتفاء عند الانتفاء \"إِن قيل بالاتحاد\" أي: بوجوب اتحاد السَّبب، أو بجواز تعدّده.\nأما عند الاتِّحَاد؛ فلأنه إِذا انتفى [المسبّب] (^١) لامتناع المسبب بدون سببه، بل هو مع عدم السَّبب أجدر بالانتفاء من المشروط؛ لانتفاء شرطه مع وجود السَّبَب، \"والأصل عدمه\" أي: عدم تعدّد السبب \"إِن قيل بالتعدّد\".\nفإِذا انتفى فقد انتفى السَّبب مطلقًا، فينتفى المسبب.\n\"وأورد\" على سبيل النقض: \" ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [سورة النور: الآية ٣٣] \"؛ فإِنه شرط، لقوله: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾، ولا ينتفى الحكم بانتفائه؛ إِذ يحرم الإِكراه إِن أردن التَّحصين أم لم يردن.\n\"وأجيب بالأغلب\" أي: أنه ممَّا خرج مخرج الأغلب؛ إِذ الغالب أن الإِكراه يكون عند إِرادة [التَّحصن] (^٢)، فلا مفهوم له كما تقدَّم.\n\"ومعارضة الإِجماع\" أي: وأجيب: بمعارضة الإِجماع القائم على تحريم الإِكراه على البغاء مطلقًا بمفهوم \"إِن أردن\"، والمفهوم إِذا عارضه الإِجماع اضمحلّ.\nوأحسن من الجوابين أن يقال: لا يتصوّر الإِكراه عند عدم إِرادة التَّحصين؛ لأنه حمل المرء على ما يكره.\n\n<span data-type='title' id=toc-742>تنبيه</span>\nلا خلاف في انتفاء الحكم عند انتفاء الشَّرْط، ولكن هل الدَّال على الانتفاء صيغة الشرط أو البقاء على الأصل؟\nقال من جعل الشَّرط حجة بالأول.\n_________\n(^١) في ج: السبب.\n(^٢) في أ، ت: التحصين.","vol":"3","page":537},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقال من أنكره بالثاني.\nوالحنفية يختلفون في مفهوم الشَّرط:\nفذهب الكَرْخي وغيره منهم إِلى الاحتجاج به.\nوأنكره أبو زيد الدبوسي (^١) وقال: انتفاء المعلق حال عدم الشَّرط لا يفهم من [التعلق] (^٢)، بل يبقى على ما كان قبل ورود النص؛ قال أبو زيد: [وحاصل] (^٣) الخلاف يرجع إِلى أن الشرط هل يمتنع به انعقاد علَّة الحكم؟\nفعندنا: يمتنع.\nوعندهم: لا.\nفإِذا لم يكن الشَّرْط عندهم ممَّا يمتنع انعقاد العلّة كانت العلّة موجودة، وكانت موجبه للحكم، والشرط منع [دخول] (^٤) الحكم.\nقال: وعندنا لما كان الشَّرط يمنع انعقاد العلّة لم تكن العلّة موجودة حتى توجب الحكم، فلم يتصوّر إِسناد منع الحكم إِلى الشرط.\nوقد احتجّت الحنفية على قولهم بأن: التعليق دخل على السَّبب، لا على الحكم؛ فإنَّ السبب قوله: أنت طالق، والتعليق دخل عليه، فإِن [قوله] (^٥). أنت طالق تطليق، وقد علقه بدخول الدار؛ ألا ترى أنه قصد التطليق [عند دخول الدار، لا في الحال؟ وهذا لأنه جعل التَّطليق] (^٦) جزاء لدخول الدَّار، والجزاء في اللغة يتعلّق وجوده بوجود الشرط؛ فإن من قال\n_________\n(^١) عبد الله بن عمر بن عيسى، أبو زيد الدبوسي أول من وضع علم الخلاف وأبرزه إِلى الوجود، كان فقيهًا باحثًا، نسبته إِلى دبوسية بين بخاري وسمرقند، له تأسيس النظر والأسرار، ووفاته سنة ٤٣٠ هـ في بخارى عن ٦٣ سنة. ينظر: وفيات الأعيان ١/ ٢٥٣، واللباب ١/ ٤١٠، وشذرات الذهب ٣/ ٢٤٥، والبداية والنهاية ١٢/ ٤٦، وكشف الظنون ١/ ٣٣٤، والأعلام ٤/ ١٠٩.\n(^٢) في ج: التعليق.\n(^٣) في أ، ت: وحاصله.\n(^٤) في ج: وجود.\n(^٥) سقط في ت.\n(^٦) سقط في ت.","vol":"3","page":538},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nلغيره: إِن أكرمتني أكرمتك، أو أكرمك إِن أكرمتني، فقد علّق التزام إِكرامه بإِكرام صاحبه إِياه، كذلك هنا جعل [التطليق] (^١) جزاء دخول الدَّار، فتعلق وجود التطليق بوجود دخول الدَّار، فيكون التعليق على العدم قبل الدُّخول؛ فدلّ أن الشَّرْط امتنع به انعقاد العلّة.\n\nتنبيه\n[إِنه] (^٢) إِذا دخل الشَّرط على الطَّلاق وعلّقه منع تعلقه وصوله إِلى محله، والعلة الشرعية لا تصير علّة إِلا بوصولها إِلى محلّها، ولا تكون علّة إِذا قصرت عن محلها. وهذا بخلاف البيع على أن البائع بالخيار، أو على أن المشترى بالخيار؛ فإِن كلمة \"على [أن] \" (^٣) وإِن كانت كلمة شرط لكن عملها خلاف كلمة التعليق، وهو كلمة \"إِن\"، فإِنك إِذا قلت: أزورك إِن زرتني كنت معلقًا وجود زيارتك بزيارة صاحبك.\nوإِذا قلت: أزورك على أن تزورني كنت معلقا زيارة صاحبك بزيارتك، وتكون\nزيارتك سابقة على زيارة صاحبك.\nوإِذا كانت كلمة \"على أن\" عملها خلاف عمل كلمة \"إِن\" فلا توجب كلمة \"على أن\" تعليق نفس البيع، بل توجب تعليق أمر آخر هو المطلوب من البيع، وهو الملك، فيتعلّق حكم البيع - أعني الملك - بالاختيار.\nوأما نفس البيع فانعقد في الحال، يدلّ عليه أن في مسألتنا دخلت كلمة الشَّرط على السبب؛ لأنه قال: إِن دخلت الدار فأنت طالق، وفي البيع لم تدخل كلمة الشَّرْط على السَّبب، إِنما نجَّز البيع تنجيزًا، ثم أثبت لنفسه فيه خيارًا، وحكمه ما عرف في الشَّرع من امتناع اللزوم وعدمه.\nوقال أبو زيد في \"تقويم الأدلّة\": قوله لعبده: إِن دخلت الدّار فأنت حر، الحرية قبل دخول الدّار منعدمة؛ لانعدام العلّة، لا لانعدام الشرط ها هنا بعد وجود سببها؛ لأن قوله:\n_________\n(^١) في أ، ب: التطلق.\n(^٢) سقط في ت.\n(^٣) سقط في ت.","vol":"3","page":539},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأنت حر كما لا يعمل حتى تتم الصيغة، فقوله: أنت حر لا يعمل حتى يحلّ محلًّا صالحًا للتحرير، فإِنه لو أضافه إِلى ميتة أو بهيمة لغا.\nفقوله: إِن دخلت الدّار منع وصول هذا الإِيجاب إِلى العبد؛ لأنه تعلّق بالدخول، فلا يصل إِليه قبل وجوده، كالقِنْدِيلِ المعلّق بحبل لا يكون واصلًا إِلى الأرض، وإِذا لم يصل إِلى محله لم يصر قوله: أنت حر علّة، بل كان يعرض أنه يصير علّة بالوصول إِليه عند وجود الشرط، كالرّمي لا يكون سببًا للقتل قبل وقوع السهم في المرمى، ولكن يعرض أن يكون علَّة إِذا وصل إِلى محله.\nوعرفهم في هذا أن الشرط يحول بين العلّة ومحلها، فلا يصير معه علَّة؛ لأنه داخل على أصل العلّة، لا على الحكم، بخلاف شرط الخِيَارِ والأجل، فإِنهما يدخلان على الحكم على ما ذكرنا.\nولهذا لو حلف ألَّا يبيع فَبَاعَ بأجل، أو شرط خيار حنث، ولو حلف لا يطلق فعلّق الطلاف لم يحنث.\nقال: ولهذا جوزنا تعليق الطلاق بالملك؛ لأنّه ليس بطلاق؛ لأن ما كان معلقًا بالشرط غير واصل إِلى المرأة على ما ذكرنا، وإِنما هو يبين ويصير طلاقًا عند الشرط، فاعتبر الملك - حينئذٍ؛ لأن الملك - أعني ملك النكاح شرط الطلاق لا اليمين، ومحل اليمين هو الذمة مثل اليمين بالله.\nقال: ولهذا الأصل لا يجوز تعجيل الكَفَّارة قبل الحنث؛ لأن اليمين سبب الكَفَّارة بشرط الحنث، فقبل الشرط لا يكون سببًا، ويكون ابتداء وجوب الكَفَّارة حين الحنث، فلا يتصور الأداء قبله، كما لا يتصوّر الأداء قبل اليمين، وكما لا يتصوّر تعجيل الصوم.\nقال: وفرْقهم بالبدني والمالي ساقط؛ لأن الكَفَّارة عبادة، والعبادة عبارة عن فعل العبد ماليًّا كان أو بدنيًّا، وإِنما يختلف محلّ الفعل، فالمالي ما يكون محله المال، والبدني ما محلّ فعله البدن.\nوأما الواجب ففعل من العبد في الحالين بإِيجاب الله تعالى.\nقال: وهذا بخلاف دين العبد الذي يجب عوضًا؛ لأن الواجب هناك هو المال، والتسليم لنفس الواجب؛ لأن المستحقّ لصاحبه مال بإِزاء حقه، وليس المستحق لصاحبه","vol":"3","page":540},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفعل؛ لأنه لا حق للعبد في فعل العبد.\nوأما الباري - عَزَّ اسمه - فما استحق على العبد إِلَّا العبادة، وهي فعل يفعله العبد.\nقال: وعلى هذا الفصل نقول في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٥]: إِن الله - تعالى - أباح الأمة عند عدم الطول، وما حرمها عند وجوده، بل لم يذكره أصلًا، فاستبيح نكاحها في هذه الحالة بسائر الآيات.\nهذا حاصل كلام أبي زيد.\nودليلنا على أن الشرط يدلّ على انتفاء الحكم عند انتفائه، وقد قدمناه.\nولكن لما أورد علينا أنه قد يكون سببًا أجبنا بأنه حينئذٍ أجدر وأدل كما عرفت.\nوهنا قد علمت أن أصحابنا لا يجعلون السَّبب منتفيًا عند انتفاء الشرط، وإِنما عمل ذلك الحنفية.\nولما كان غرضنا في الأصول إِثبات المفهوم فقط، قلنا: كونه سببًا أدلّ.\nوإِذا جئنا إِلى تحقيقات الفروع ما نعناهم انتفاء السببية، وذكرنا ما يدرأ كلماتهم ويمخضها، فنقول: الشرط لا يؤثر في العلّة، وإِنما يؤثر في حكمها؛ فإِنّ من قال لامرأته: أنت طالق إِن دخلت الدّار، فقوله: إِن دخلت لا يؤثر في قوله: أنت طالق، بل في حكمه؛ فإِنه يمنع ثبوت حكمه ولا يمنع ثبوته؛ فإِن قوله: أنت طالق ثابت مع الشرط، كما هو ثابت بدونه، ولكن حكمه لا يثبت لأجل الشرط، فكان أثر الشرط في منع حكم العِلة، لا في نفس العلّة.\nوالدَّليل عليه: أنه لو لم يقترن به الشَّرط ثبت حكم العلّة، وقوله: أنت طالق ثابت في الصورتين، ولكن الحكم منعدمٌ عند عدم الشرط، ويثبت عند وجوده.\nفثبت أن عمل الشرط في الحكم فحسب، وتحقيق هذا الفصل أن سبب الطلاق قوله: أنت طالق، وقد وجد هذا بصورته سواء وصل به قوله: إِن دخلت أو لا، وكلمة \"إِن\" يجوز أن تدخل على السَّبب فتعلقه كما قالوا، ويجوز أن تدخل على الحكم، فيكون عمله تأخير الحكم.\nوالدَّليل على جواز ذلك: أنه كما يجوز أن يكون معنى قوله: إِن دخلت الدار فأنت طالق سببًا يجوز أن يكون المعنى: إِن دخلت الدار أنت طالق وقوعًا ونزولًا؛ لأن النَّازل في","vol":"3","page":541},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالمحلّ والواقع قوله: أنت طالق.\nألا ترى أنه إِذا اتَّصل الحكم بالسَّبب تكون هي طالقًا من حيث الوقوع، وإِذا لم يتّصل، وتعلّق بالدخول تكون هي طالقًا من حيث السبب.\nوالحرف على هذا أن المعلّق هو الطَّالقية نزولًا لا الطَّالقية سببًا.\nفثبت قطعًا أنه يجوز أن يدخل الشرط على الحكم، ويجوز أن يدخل على السبب.\nفنقول: دخوله على الحكم لمنعه أولي؛ لأن قوله: أنت طالق كلمة مستقلّة صحيحة لثبوت التَّطليق، أو لثبوت عقد الطَّلاق، وإِيصال حكمه؛ ألا ترى أنه لو لم يعلقه بالشرط ثبت كلاهما، فإِذا وصل بالشَّرْط نمنع الحكم لضرورة الشرط، ولا ضرورة في منع السبب، وانعقاده علّة، فانعقد السبب وتأخر الحكم؛ ولأن الطلاق عَقْد شرعي له حكم، وقد وجدنا في أصول الشَّرع وحود عقد بصورته، وتأخر حكمه، ولم نجد في أصول الشَّرع وجود عقد بصورته وتأخر العقد عنه، وهذا لأن عقد التطليق قوله: أنت طالق مضافًا إِلى المحلّ، فإِذا وجد وتحقق، فكيف يحكم بتأخره؟.\nنعم يجوز أن يتأخر حكمه؛ لأنه لم يوجد، فأما تأخر عقد الطَّلاق مع وجوده بصورته من أهله في محله، فمحال.\nوخرج على هذا قوله: إِن أكرمتني أكرمتك؛ لأنه لا يتصوّر دخوله إِلَّا على الإِكرام فحسب، وها هنا يتصوّر دخوله على الحكم [لا على] (^١) السبب، وهذا لأن الإِكرام شيء واحد، فلا بد إِذا علّق بشيء أن يتأخر.\nوأما هنا فإِنه عقد شرعي له حكم، فيجوز أن يدخل على الحكم فيتأخر، ويتنجّز العقد.\nوهذا فصل عظيم أطال فيه أصحابنا النفس في خلافيات الفُرُوع، وفيما ذكرناه مقنع وبلاغ.\nوقولهم: إِن الطَّلاق ما ينزل في محلّه.\nقلنا: قد اتّصل بالمحلّ بقوله: أنت طالق، وهذا كافٍ للاتصال سببًا، وأما الاتصال\n_________\n(^١) في ج: وعلي.","vol":"3","page":542},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقوعًا ونزولًا، فيكون عند الشرط.\nوأنت ترى ماذا من عظائم المسائل ينبنى على هذا الأصل بيننا وبين الخصوم، فعليك بحفظه.\nوكان أبي - تغمده الله برحمته - يقول في قولك مثلًا: إِن دخلت الدار فأنت طالق: إِن هذا إِنشاء للتعليق، لا تعليق للإِنشاء؛ فإِن الإِنشاءات يستبعد تعليقها.\nقال: وإِنما قلنا ذلك؛ لأن القضية المَجْعُولة جواب الشرط سواء أكانت خبرية أو إِنشائية فيها أمران:\nأحدهما: نسبة أحد جزئيها إِلى الآخر.\nوالثَّاني: الحكم بتلك النِّسْبة.\nوهذا الثَّاني هو المنقسم إِلى: الإِخبار، والإِنشاء، وكلّ منهما يستحيل تعليقه؛ لأنهما نوعان من أنواع الكلام، يستحيل وجودهما حيث لا كلام.\nوالشرط قد يوجد حين يكون الشَّارط ساهيًا ونائمًا وغير متكلّم، فيستحيل كون الإِنسان منشئًا ومخبرًا حيث لا يكون متكلمًا، فالتعليق إِنما هو في النسبة الحاصلة بين جزئي الجملة، يعني أن تلك النسبة موقوفة على ذلك الشرط.\nوالشخص المعلّق حاكم بتعليقه بذلك إِما خبرًا، وإِما إِنشاء، فحكمه حاصل الآن.\nولذلك إِذا قال: إِن قام زيد قام عمرو حسن تصديقه وتكذيبه الآن، فيقال: ليس إِن قام زيد قام عمرو، فالموقوف على دخول الدَّار هو الطلاق لا التطليق؛ فإِن الطَّلاق هو انقطاع العِصْمة، وهو انفصال ناشيء عن التَّعْليق ووجود الصفة، وهذا معنى قول الفقهاء: الصِّفة وقوع الإِيقاع.\nوأما التَّطليق فهو تصرف الزوج تارةً بالتنجيز، وتارة بالتَّعليق، فإِذا وجد المعلق عليه وجد أثره، وهذا معنى قول الفقهاء: التعليق مع الصفة تطليق، وليس معناه: أن الصفة جزء من التَّطليق الذي هو فعل الزوج، وإِنَّمَا معناه: أنه عند ذلك يصدق التَّطليق، كما لا يصدق عليه حقيقة إِلا عند حصول العلم، وتخلّل الزمان بين التعليق والصفة لا يقدح في ذلك.\nوقد أطال أبي ﵀ في تقرير ذلك في كتابيه في الرد على ابن تيمية في مسألة","vol":"3","page":543},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالطلاق: كتاب \"التحقيق\" وكتاب (رافع الشقاق)، ولا مزيد على نفاسته، وبه يتحقق ما يقوله علماؤنا من أن سبب وقوع الطَّلاق موجود مع التعليق.\nومن أصحابنا من يقول: سببه التَّعْليق والصفة جميعًا، وليس بشيء، بل الصفة شرط فقط.\nوالحنفية يقولون: التَّعليق يصير إِيقاعًا في ثاني الحال كما عرفت، وعليه يتخرج أمهات من المسائل كما عرفناك.\nوكنت أسمع أبي ﵀ يقول: استنبطت من التَّدبير والوصية أن من علّق الطلاق بصفة لا يقدر أنه منشيء للطلاق عند وجودها كما يقول الحنفيّة؛ إِذ لو كان كذلك الموصى والمدبر يقدر تصرفه حال الموت، وهو حينئذٍ غير مالكٍ للتصرف، بل التصرف حال اللَّفظ والحكم مستند إِليه.\nقلت: وهذا حسن ينضم إِلى ما تقدم.\nوإِن مَوَّه مُمَوِّه بأن يعتق حال الموت، وهو في حال موته مالك، والتفت على أن العلة مع المعلول.\nدفعنا هذا التمويه بقولك: إِن متّ ودخلت الدار فأنت حر، فإِنه صحيح، ودخول الدار يتراخي عن الموت، فلو قدر عنده إِيقاع لقدر بعد حصول الموت قطعًا.\nومن فروع الفقه [المبنية] (^١) على مفهوم الشَّرط أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [سورة الطلاق: الآية ٦] يدل عندنا بالمفهوم على أن النفقة لا تجب عند عدم الحمل، فلا نفقة للمعتدة الحِائل؛ خلافًا لهم.\nومسألة نكاح الأمة لمن لم يستطع طولًا تقدمت في خلال الكلام، وفي المسائل كثرة فلا نطيل.\nتمّ الجزء الثالث من كتاب رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب\nويليه الجزء الرابع وأوله مفهوم الغاية\n_________\n(^١) في ت: المثبتة.","vol":"3","page":544},{"text":"رَفعُ الحَاجِبِ عَن مُختَصَر ابْن الحَاجِب\nتأليف\nتَاج الدّين أبي نَصر\nعَبْد الوهَّاب بن عَلي بن عَبْد الكافي السُّبْكي\n(٧٢٧ - ٧٧١ هـ)\nتحَقيق وَتعِليق وَدِرَاسَة\nالشيخ عَلي محمَّد معَوض\nالشيخ عَادِل أحمد عَبد المَوجُود\nالجزءُ الرابع\nعالم الكتب","vol":"4","page":1},{"text":"﷽","vol":"4","page":2},{"text":"رَفعُ الحَاجِبِ عَن مُختَصَر ابْن الحَاجِب","vol":"4","page":3},{"text":"عالم الكتب\nللطباعة والنشر والتوزيع\nبيروت - لبنان\n\nص. ب: ٨٧٢٣ - ١١، برقيًا: نابعلبكي\nهاتف: ٨١٩٦٨٤ - ٣١٥١٤٢ - ٦٠٣٢٠٣ (٠١)\nخليوي: ٣٨١٨٣١ (٠٣)\nفاكس: ٦٠٣٢٠٣ - ١ (٩٦١)\nجميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للدار\nالطبعة الأولى\n١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ مـ\nيمنع طبع هنا الكتاب، أو أي جزء منه، أو اختزال مادته بطريقة الاسترجاع، كما يمنع الاقتباس منه أو التمثيل أو الترجمة لأية لغه أخرى، أو نقله على أي نحو، وبأية طريقة، سواء كانت إلكترونية أو ميكانيكية أو بالتصوير أو بالتسجيل أو خلاف ذلك، إلا بموافقة خطية مسبقة من الناشر.","vol":"4","page":4},{"text":"<span data-type='title' id=toc-744>مَفْهُومُ الغَايَةِ </span>(^١)\nمَفْهُومُ الْغَايَةِ قَالَ بِهِ بَعْضُ مَنْ لا يَقُولُ بِالشَّرْطِ، كالْقَاضِي وَعَبْدِ الْجَبَّارِ.\nلِلْقَائِلِ بِهِ مَا تَقَدَّمَ، وَبِأَنَّ مَعْنَى: صُومُوا إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ آخِرُهُ غَيْبُوبَةُ الشَّمْسِ، فَلَوْ قُدِّرَ وُجُوبٌ بَعْدَهُ لَمْ يَكُنْ آخِرًا.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"قال به بعض من لا يقول بالشرط كالقاضي\" (^٢) أبي بكر، فإِنه نص عليه في\n_________\n(^١) مفهوم الغاية: هو ما يفهم من تقييد الحكم بأداة غاية كـ \"إِلى\"، و\"حتى\"، وغاية الشيء آخره، وذلك كما في قوله ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ فمنطوق الآية تحريم قربان النساء مدة زمان الحيض، وقبل الغسل، وتدل بمفهومها المخالف على جواز القربان منهن بعد انقضاء زمان الحيض، والاغتسال، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. فمنطوقه أن عدم حِلِّ المطلقة ثلاثًا لمطلقها مغيا بنكاح الزوج الآخر لها، ومفهومه المخالف أنها تحل له بعد نكاح الزوج الآخر لها بشرطه، وقول النبيّ ﷺ: \"لا زَكَاةَ فِي مَالٍ، حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ\" فالمنطوق عدم وجوب الزكاة في المال قبل حولان الحول عليه، والمفهوم المخالف وجوب الزكاة في المال بعد حولان الحول عليه، وقوله ﷿: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فَإِنه يفهم منه عدم وجوب الصيام في الليل. ينظر: البحر المحيط للزركشي ٤/ ٤٦، والإِحكام في أصول الأحكام للآمدي ٣/ ٦٦، ونهاية السول للأسنوي ٢/ ٢٠٥، وحاشية البناني ١/ ٢٥١، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٢/ ٣٠، وحاشية العطار على جمع الجوامع ١/ ٣٣٠، وتيسير التجرير لأمير بادشاه ١/ ١٠٠، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ١٨١، والوجيز للكراماستي ٢٤، المسودة (٣٥٨).\n(^٢) اختلف الأصوليون والفقهاء في حجية، مفهوم الغاية، وبعبارة أخرى في القول به إِثباتًا ونفيًا على مذهبين:\nالمذهب الأول: أنه حجّة، بمعنى أن تقييد الحكم بالغاية يدلّ على انتفاء ذلك الحكم عما بعدها، وإليه ذهب جميع القائلين بمفهوم الصفة والشرط، وبعض من لم يقل بهما كحجة الإِسلام الغزالي، وعبد الجبار المعتزلي، والإِمام وأبي الحسين البصري، والقاضي أبي بكر الباقلانى، وبعض الأصوليين من الحنفية. =","vol":"4","page":5},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"التقريب\"، \"وعبد الجَبَّار\"، ومن أجلهما أفردناه بالذكر بعد تضمُّن دليل الصفة له.\nوصمم بعضهم كالآمدي، وطائفة من الحنفية على المنع \"القائل به\" رجلان: أحدهما من قال بالشرط أيضًا، فاحتج بمثل \"ما تقدم\" في الصفة، \"وبأن معنى: صوموا إِلى أن تغيب الشمس\" صوموا صومًا \"آخره غيبوبة الشمس، فلو قدر وجوب بعده لم يكن آخرًا\"، وهو خلاف المنطوق.\n_________\n= في هذا يقول سليم الرازي: لم يختلف أهل العراق في ذلك.\nوقال القاضي في \"التقريب\": صار معظم نفاة دليل الخطاب إِلى أن التقييد بحرف الغاية يدلّ على انتفاء الحكم عما وراء الغاية.\nقال: ولهذا أجمعوا على تسميتها غاية.\nالمذهب الثَّاني: أنه ليس بحجة بمعنى أن تقييد الحكم بالغاية لا يدلّ على انتفاء الحكم عما بعدها، بل هو مسكوت عنه غير متعرض له بنفى أو إِثبات، وهو مذهب أصحاب أبي حنيفة، وجماعة من الفقهاء والمتكلمين، واختاره سيف الدين الآمدي طردًا لباب المنع من العمل بالمفاهيم. هذا حاصل الخلاف في حجية مفهوم الغاية، وقد اتضح لك أنه مفروض فيما وراء الغاية لا في الغاية نفسها. وذهب بعضهم إِلى أنه مَفْروض في الغاية نفسها بمعنى أن تقييد الحكم بالغاية هل يدل على انقضاء ذلك الحكم في الغاية نفسها أو لا يدلّ؟ فالذي يقول بمفهومها يقول بانتفاء الحكم يها، ومن لا فَلا، وهو مردود لتصريح؛ أكثر العلماء لا سيما المحققين منهم بأن النزاع هنا إِنما هو فيما بعد الغاية لا في الغاية نفسها، نعم في الغاية خلاف أيضًا، ولكنه خلاف آخر.\nوحاصل هذا الخلاف هل الغاية داخلة في حكم المغيا أو خارجة عنه، وهو خلاف لا دخل له في هذا المقام، فإِن الكلام هنا في دلالة المخالفة وعدمها، والخلاف هناك في الدخول والخروج، وأين أحدهما من الآخر؟! فإِنه على التقدير الثَّاني لا يستلزم المخالفة؛ فإِن الخروج أعم من أن يدلّ على المخالفة، أو يكون مسكوتًا عنه بخلاف الأول، وهو ظاهر على أنا إِن قلنا بخروج الغاية عن المغيا يأتي خلاف المفهوم فيها أيضًا، وبالجملة فهما خلافان مُتَغَايران.\nأحدهما: أن تقييد الحكم بالغاية، هل يدلّ على نفي الحكم عما بعدها أو لا؟.\nوالثَّاني: أن هذه الغاية، هل هي داخلة في حكم المغيا أو لا؟ ولا ربط لأحدهما بالآخر، والمبحوث عنه هنا هو الأول دون الثَّاني، والثَّاني يجتمع مع القول بالمفهوم وعدمه، كما أن النزاع الأول يجتمع مع القول بالدخول والخروج، ولا تنافي بينهما. ينظر: شرح مسلم الثبوت ٤٣٢، والإِحكام للآمدي ٢/ ١٥٥، وإِرشاد الفحول ١٨٢.","vol":"4","page":6},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوهذا دليل ينفرد به من ينكر ما عدا الغاية ويقول بها.\nقال القاضي في \"التقريب\" محتجًا له: ولهذا لم يحسن أن يقول قائل: اضرب المذنب حتى يتوب وهو يريد: واضربه وإِن تاب، وإِلا يلغو كلامه.\nقال: وهذا من توقيف أهل اللُّغة معلوم، فكان بمنزلة قولهم: تعليق الحكم بالغاية موضوع للدلالة على أن ما بعدها بخلاف ما قبلها.\nواحتج القاضي أيضًا بالاتفاق على أنك تقدر في الغاية الطّهر فتقول في: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٢]، تقديره: فاقربوهن، وفي: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٠]: فتحل، ونحو ذلك.\nوإِذا تأملت كلام القاضي وقوله: إِن هذا معلوم من توقيف أهل اللُّغة إِلى آخره ظهر لك منه أنه يدعى ثبوت الحكم فيما بعد الغاية وضعًا لفظيًّا، فليس عنده مفهومًا، بل منطوقًا، فاندفع إِيراد القُطب الشِّيرَازي حيث ردد في قول المصنّف لو قدر وجوب بعده لم يكن أخيرًا، فقال: لم يكن آخرًا للمأمور به، أو لمطلق الصوم؟\nالأول مسلم، ولا يدفع الدعوى، والثَّاني ممنوع.\nفنقول: إِذا كان الحكم ثابتًا فيما بعدها نطقًا استحال ورود اللَّفْظ بخلافه، ولا مخصصًا أو ناسخًا، ويخرج عما نحن فيه، فافهم.\nفإِن قلت: فإِذن لا مفهوم للغاية عند القاضي، بل هي منطوق.\nقلت: كذلك هو، ولذلك احتج إِلى إِفراده بالذكر كما علمت.\nوإِنما حسن إِيراده في المفاهيم قول الأكثر: إِنه مفهوم، فسلكنا سبيلهم، وأوردناه، ولم نهمل جانب من ادّعى أنه منطوق، وأنه فوق الشَّرط والصفة، بل من أجله خصصناه بالذكر، وأفردناه، فهو كأنما قيل: لا يفيد.\nوقيل: منطوق.\nوقيل: مفهوم، [فهذه] (^١) المفاهيم الأربعة الَّتي ذكرها سلفنا يظهر فيها نزاعهم، وأكثرها على القول بها.\n_________\n(^١) في ب: وهذه.","vol":"4","page":7},{"text":"وَأَمَّا مَفْهُومُ اللَّقَبِ فَقَالَ بِهِ الدَّقَّاق، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَأَيْضًا فإِنَّهُ كَانَ يَلْزَمُ مِنْ: \"مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله\" وَ\"زَيْدٌ مَوْجُودٌ\" وأَشْبَاهِهِ - ظُهُورُ الْكُفْرِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وأما مفهوم اللَّقب، (^١) فقال به\" أبو بكر \"الدَّقَّاق\" من الشَّافعية، وكذا أبو بكر الصَّيرفي منهم كما نقل السهيلي في \"نتائج الفكر\" في \"باب العطف\"، وهو غريب (^٢).\nوابن خُوَيز منداد من المالكية كما نقل المَازِرِيّ، \"وبعض الحنابلة\".\nومنهم من عَزَاهُ إِلى أحمد نفسه (^٣).\n_________\n(^١) مفهوم اللقب: هو ما يفهم من تعليق الحكم باللَّقب، والمراد بـ\"اللقب\" في اصطلاح الفقهاء والأصوليين: اللفظ الدال على الذات دون الصفة، فيشمل العلم بأنواعه الثلاثة عند النحويين، وهي الاسم، والكنية، واللقب، فاصطلاح الأُصُوليين في اللقب مغاير لاصطلاح النحويين مثال ذلك: \"جاء زيد\" مفهومه أن غير زيد لم يجئ، وقولنا: على زيد حج أي: لا على غيره. ويتضمن أيضًا اسم الجنس سواء كان إِفراديًّا، كما في حديث: \"الماءُ مِنَ المَاءِ\" مفهومه أنه لا غُسْلَ بغير إِنزال، أو جمعيًّا نحو: \"في الغَنَمِ زَكَاةٌ\" مفهومه: أنه لا زكاة في غير الغنم من الحيوانات، ومثل اسم الجنس اسم الجمع، كرهط، وقوم، ويشمل أيضًا المشتق الذي غلبت عليه الاسمية، كالطعام، كما يفيده تمثيل الإِمام الغزالي في المستصفى اللقب بحديث \"لا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ\".\nقال ابن الحاج في تعليقه عليه: إِنه لا فرق بين قولنا: في الغنم زكاة، وفي الماشية زكاة؛ لأن الماشية، وإن كانت مشتقة؛ لكن لم يلحظ فيها المعنى يعني: الوصف، بل غلبت غليها الاسمية. ينظر: البحر المحيط للزركشي ٤/ ٢٤، والإِحكام في أصول الأحكام للآمدي ٣/ ٦٧، والتمهيد للأسنوي ٢٦١، والمنخول للغزالي ٢١٤، والمستصفى له ٢/ ٢٠٤، وحاشية البناني ١/ ٢٥٢، والإِبهاج لابن السبكي ١/ ٣٧٤، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٢/ ٣٢، وحاشية العطار على جمع الجوامع ١/ ٣٣٠، والتحرير لابن الهمام ٤٠، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ١/ ١٣١، وحاشية التفتازاتي والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ١٨٢، وميزان الأصول للسمرقندي ١/ ٥٧٩، ونشر البنود للشنقيطي ١/ ٩٧، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج ١/ ١٤١، وينظر: شرح تنقيح الفصول (٢٧١).\n(^٢) ينظر: نتائج الفكر بتحقيقنا.\n(^٣) اختلف العلماء في حجية مفهوم اللقب على مذاهب: =","vol":"4","page":8},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوفرق بعض علمائنا بين أسماء الأنواع، فجعل لها مفهومًا، دون أسماء الأشخاص.\nووقع في كلام جماعة من أئمتنا كالشيخ أبي حامد، وابن السمعاني وغيرهما ذكر مفهوم الأعيان قالوا: وهو كقولك: في هذا المال زكاة، وعلى هذا الرجل حج قالوا:. وهو كاللَّقب.\nقلت: وحذف المتأخرون هذه العبارة لاشتمال اللقب على معناها، \"وقد تقدم\" ذكر أنه مردود، أو ذكر الفرق بينه وبين الصفة بأنها لو أسقطت لم يختل الكلام، بخلافه، فلم يكن المقتضى لكونه حجة - وهو أنه لا فائدة لتخصيصه بالذكر - إِلَّا تخصيص الحكم قائمًا؛ إِذ الفائدة [استقامة] (^١) الكلام.\n_________\n= الأول: أنه ليس بحجة، أي أن تعليق الحكم باللقب لا يدلّ على نفي الحكم عما عداه، وهذا مذهب جمهور المتكلميءن والفقهاء من المالكية، والشافعية، والحنفية، والحنابلة.\nالثَّاني: أنه حجة أي: أن التعليق المذكور يدل على نفي الحكم عما عدا اللقب، وإليه جرى أبو بكر محمد بن جعفر القاضي المشهور بـ \"الدقاق\"، وأبو بكر محمد بن عبد الله الصيرفي من فقهاء الشافعية.\nقَال سليم الرازي في \"التقريب\": صار إِليه الدقاق، وغيره من أصحابنا يعني: الشافعية، وكذا حكاه عن بعض الشافعية ابن فورك، ثم قال: وهو الأصح.\nقال إِلكيا الطبري: إِن ابن فورك كان يميل إِليه، وحكاه السهيلي في \"نتائج الفكر\" عن أبي بكر الصيرفي، ونقل القول به عن ابن خويز منداد، والباجي، وابن القصار من فقهاء المالكية، ونقله أبو الخطاب الحنبلي في \"التمهيد\" عن منصوص أحمد، قال: وبه قال مالك، وداود، وبعض الشافعية اهـ.\nهذا ما قاله أبو الخطاب الحنبلي في \"التمهيد\".\nوقال القاضي عبد الوهاب، وهو من أئمة المالكية: إِن القول بمفهوم اللقب جحود لما هو معلوم ضرورة من اللغة.\nوقال المازري: وهو من كبار المالكية: أشير إِلى مالك القول به؛ لاستدلاله في \"المدونة\" على عدم إِجزاء الأضحية إِذا ذبحت ليلًا بقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ قال: فذكر الأيام، ولم يذكر الليالي، وبهذا يتبين للناظر أن نسبة القول بمفهوم اللقب إِلى الإِمام مالك ﵁ كما يقولها أبو الخطاب الحنبلي ليست على ما ينبغي.\n(^١) في ت: استفاضة.","vol":"4","page":9},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\n\"وأيضًا فإِنه\" لو كان حجّة \"كان يلزم من\" قول القائل: \"محمد رسول الله وزيد موجود، وأشباهه ظهور الكفر\"؛ لأن مفهومه نفي رسالة غيره من الأنبياء، ويلزم عدم وجود غير زيد، فيعم، فيكون ظاهره أنه نفى وجود الرّب تعالى.\nوإِنما قال المصنّف: ظهور الكفر، ولم يقل: الكفر نفسه كما فعل غيره؛ لأن الكفر يستدعى كون القائل متنبهًا لدلالة اللفظ مريدًا.\nولذلك اعترض الآمدي (^١) على من ألزم الكُفْر بهذا، فخلص المصنّف عن اعتراضه بما ذكره.\nقلت: وقد تبع الآمدي في التمثيل بـ \"زيد موجود، ومحمد رسول الله\"، وأنت تعلم أنه قدم اختصاص المفاهيم بالإِنشاء، وما ذكره جملتان خبريتان لا مفهوم لهما إِلَّا إِذا قلنا: إِن المفاهيم تطرق الأخبار، ولا نحفظ في ذلك نقلًا عن الدَّقاق، ولا غيره من القائل بمفهوم اللقب.\nفالصَّواب الإِلزام بضرب من الإِنشاء، وهو ما فعله الأقدمون.\nحكى الأستاذ أبو إِسحاق: أن ابن الدقاق ألزم عدم إِيجاب الزكاة من وجوب الصلاة.\nقال: فظهر له بطلانه، وتوقف فيه.\nقلت: وليت شعري لم توقف ولم لا، قال: هذا مفهوم اللَّفظ، ولكن عارضه منصوص، كما أنّ من قال: أكرم الذات العابدة الموجودة أفهم بالصفة عدم إِكرام الذات الَّتي ليست بعابدة، ويلزم عليه ذات الباري - تعالى - فإِنها معبودة لا عابدة؟\nفجوابنا في مفهوم اللَّقب كجوابكم في مفهوم الصِّفَةِ عن هذا.\nوقد يقال؛ إِنَّ القائلين بمفهوم اللَّقب يمنعون أن تكون العَرَبُ تنطق بهذا؛ لأنه لا فائدة فيه، فهو ضربٌ من اللَّغو؛ إِذ الغرض أن لفظ الصفة لا فائدة له غير نفي الحكم عما عدا الملفوظ، فإِذا فرض أن لفظ الصفة لا فائدة له غير نفي الحكم عما عدا الملفوظ، فإِذا فرض أنه لا نفي فيه كما في قولك الفائدة في هذا المثال كان حشوًا.\n_________\n(^١) ينظر: الإِحكام ٣/ ٩٠.","vol":"4","page":10},{"text":"وَاسْتُدِلَّ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ إِبْطَالُ الْقِيَاسِ؛ لِظُهُورِ الْأَصْلِ فِي الْمُخَالَفَةِ.\nوَأُجِيبَ بِأَنَّ الْقِيَاسَ يَسْتَلْزِمُ التَّسَاويَ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، فَلا مَفْهُومَ، فكَيْفَ بِهِ [هَا] هُنَا؟.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"واستدلّ بأنه يلزم منه\" لو كان حجّة \"إِبطال القياس؛ لظهور الأصل\" المقيس عليه \"في المخالفة\" للفرع، فإِنَّ النَّص الدَّال على حكم الأصل إِن تناول الفرع لم يكن فرعًا، بل كان ثابتًا بالنص كالأصل، وإِلَّا دلَّ المفهوم على انتفاء الحكم فيه، وكان إِثباته بالقياس مراغمًا للمفهوم فقوله مثلًا: البُرّ بالبر يفهم أن الزبيب ليس بربوي، فلو أَلحق به قياسًا بجامع الطعم راغم المفهوم.\n\"وأجيب بأن القياس يستلزم التساوي\"؛ بين الأصل والفرع في المعنى، وإِذا حصل ذلك، دلّ على الحكم في الفرع بمفهوم الموافقة، وبطل مفهوم المخالفة كما علمت.\nوهذا في المفهوم \"المتفق عليه\" بيننا، وهو الصفة والشرط، \"فلا مفهوم\" مخالفة مع التساوي؛ إِذ شرطه ألَّا يظهر أولوية مُسَاواة.\nولو كان في المفهوم القوي المتفق بيننا وبين من يثبت اللَّقب على أنه حجّة، \"فكيف به ها هنا؟ \" مع ضعفه والخلاف فيه.\nوالحاصل أن التعارض بين المفهوم والقياس غير متصوّر؛ لأن القياس مساواة، والمفهوم لا يكون أولى ولا مساويًا، وإِلَّا كان مفهوم موافقة لا مخالفة، فلا مفهوم إِذن مع المساواة، ولا قياس مع عدمها.\nولا يخفى عليك أنَّ هذا لا [ينهض] (^١) إِلَّا على من يسلم أنّ شرط مفهوم المخالفة ألَّا تظهر [مساواة] (^٢).\nوكان أبي ﵀ يقول: ولئن تخيل ثبوت المُخَالفة مع المُسَاواة، فللدّقاق أن يقول: المفهوم يدلّ على انتفاء ما عدا البُرّ مثلًا مطلقًا، والقياس إِنما يُلْحق ما شاركه في المعنى كالزَّبيب دون ما لم يشاركه كالرَّصاص، فغاية فعل القياس حينئذٍ تخصيص المفهوم، ولا بدع في تخصيص المَفْهُوم بالقياس، بل ولا المنطوق.\n_________\n(^١) في ج: ينتهض.\n(^٢) في أ، ت: مساة.","vol":"4","page":11},{"text":"قَالُوا: لَوْ قَالَ لِمَنْ يُخَاصِمُهُ: لَيْسَتْ أُمِّي بِزَانِيَةٍ، وَلا أُخْتِي - تبَادَرَ نِسْبَةُ الزِّنَا إِلَى أُمِّ خَصْمِهِ وَأُخْتِهِ، وَوَجَبَ الْحَدُّ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ رَحِمَهُمَا اللهُ.\nقُلْنَا: مِنَ الْقَرَائِنِ لا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: والقائلون بمفهوم اللَّقب \"قالوا: لو قال لمن يخاصمه: ليست أمي بزانية، ولا أختي، تبادر\" إِلى الفهم منه \"نسبة الزنا إِلى أم خصمه وأخته، ووجب الحد\" - حد القذف - \"عند مالك وأحمد\"، ولو لا ثبوت مفهوم اللّقب لما تبادر ذلك.\n\"قلنا\": تبادر \"من القرائن\" الحالية، وهي الخصام، وإِرادة الإِيذاء \"لا ممَّا نحن فيه\" من المفهوم الذي يكون اللَّفظ ظاهرًا فيه لغة.\nوعلى أنا لا نسلّم هذا الحكم، فمذهبنا: أنه ليس بقذف صريح، ولا كناية، بل لا نجعله - على الصحيح - كناية، وإِن ثبت له مفهوم؛ إِذ مذهبنا الصحيح فيمن قال: أما أنا فلست بزان، أنه ليس بقاذف وإِن نوى.\nوقال الشيخ أبو حامد: يكون كناية، ولا خلاف في أنه غير صريح مع حصول المفهوم المتّفق عليه بين القائلين بالمفاهيم؛ لأن \"أما\" حرف شرط مع انضمام حصر المبتدأ في الخبر بقوله: أنا لست بزانٍ، وهذا على تقدير أنَّ المفاهيم يعمل بها في كلام النَّاس.\nوكان أبي ﵀ يقول: إِنما يعمل بها في كلام الشارع.\nقلت: وهو ظاهر في المذهب، إِذ نقل الرافعي عن فَتَاوى القاضي الحسين من غير أن يتعقّبه بنكير، أنه لو ادّعى عليه غيره فقال: لا يلزمني تسليم هذا المال اليوم لا يجعل مقرًّا؛ لأن الإِقرار لا يثبت بالمفهوم.\nقلت: ويمكن أن يقال: إِن قلنا: دلالة المفهوم بوضع اللِّسَان فهي والمنطوق سواء، فيعمل بها في كلّ كلام.\nوإن قلنا بالشرع فلا يعمل بها إِلَّا في كلام الشَّارع، واعلم أن هذه هي المفاهيم الَّتي ذكرها الأصوليون.","vol":"4","page":12},{"text":"وَأَمَّا الْحَصْرُ بِـ \"إِنَّما\" فَقِيلَ: لا يُفِيدُ.\nوقيلَ: مَنْطُوقٌ.\nوَقِيلَ: مَفْهُومٌ.\nالأَوَّلُ: إِنَّمَا زَيْدٌ قَائِمٌ مِثْلُ إِنَّ زيدًا قَائِمٌ، وَالزَّائِدُ كَالْعَدَمِ.\nالثَّانِي: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة طه: الآية ٩٨] بِمَعْنَى مَا إِلَهُكُمْ إِلَّا الله، وَهُوَ المُدَّعي، وأمَّا مِثْلُ: ﴿إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ﴾، وَ\"إِنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ فَضَعِيفٌ؛ لأِنَّ العُمُومَ فِيهِ لِغَيْرِهِ فَلا يَسْتَقِيمُ لِغَيْر الْمُعْتِقِ وَلاءٌ ظَاهِرًا.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وأما الحصر\" الذي يدعى بعضهم حصوله بـ \"إِنما\" فنقول: اختلف في \"إِنما\" هل تفيد الحصر؟ (^١).\n_________\n(^١) مفهوم الحصر هو ما يفهم من تخصيص شيء بشيء بطريق مخصوص، وله صيغ كثيرة منها:\n١ - النفي والاستثناء، نحو: لا عالم إِلا زيد، وما قام إِلا زيد، منطوقهما نفي العلم، والقيام عن غير زيد، ومفهومهما إِثبات العلم والقيام لزيد.\n٢ - إِنما بالقصر نحو: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ أي فغيره ليس بإِله فمحل النطق في الآية هو الله، والمنطوق هو الألوهية، ومحل السكرت غير الله، والمفهوم هو انتفاء الألوهية وفي هذا يقول السعد: مفهوم المخالفة في \"إِنَّما\"، هو نفي الحكم عن غير المذكور في الكلام آخرًا، وهو أقوى من مفهوم الغاية، كما نَصَّ عليه الشافعي في الأم. فإِن قيل: قد أطبقوا على أن \"إِنَّما\" مقدرة بالنفي والاستثناء، وذلك يقتضي تساويهما فيما هو منطوق، وما هو مفهوم مع أنهم جعلوا في \"إِنما\" الإِثبات منطوقًا، والنفي مفهومًا. وعكس ذلك في النفي والاستثناء.\nوالجواب أن المعتبر في المنطوق والمفهوم صورة اللفظ، فلما نطق بأداة النفي مع الاستثناء جعل النفي منطوقًا للنطق به، ولما لم ينطق بها مع \"إِنما\" بل المنطوق به معها هو الجملة الموجبة جعل الإِثبات منطوقًا؛ لأنه المنطوق به، ولا يلزم من كون الشيء بمعنى الشيء أن يعطي حكمه. ومن أمثلة هذا النوع قول النبي ﷺ: \"إِنما الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ\"، \"إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ\"، \"إِنَّمَا الوَلاءُ لِمَن أَعْتَقَ\"، \"إِنَّمَا الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقسَمْ\".\n٣ - تعريف المبتدأ باللام، أو الإِضافة بأن يكون المبتدأ لفظًا كُلِّيًّا مُعَرَّفًا باللام، أو الإِضافة، ومخبرًا عنه بجزءٍ من جزئياته، نحو: العالم زيد، وصديقي زيد؛ فإِنه يفيد الحصر؛ لأن المراد بالعالم وصديقي: هو الجنس، فيدل على العموم إِذا لم يكن هناك قرينة تدل على العهد، فمنطوقهما: إِثبات العلم والصداقة لزيد. =","vol":"4","page":13},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\n\"فَقيل: لا تفيد\".\n\"وقيل\": تفيد.\nثم اختلف فقيل: \"منطوق\".\n\"وقيل\": مفهوم.\nوعلى هذا يتّجه ذكره في المفاهيم دون القولين.\nوإنما ذهب إِلى هذا شِرْذِمَةٌ قليلون؛ فلذلك لم يذكر الأكثرون \"إِنما\" في باب المفاهيم، وإِن ذكروا الغاية.\nوالقول بأنها لا تفيد الحَصْر: هو رأي الآمدي، واختاره شيخنا أبو حيّان، واشتد نكيره على من يخالفه.\nوالقول بأنها تفيده هو رأي أبي إِسحاق الشيرازي، والغزالي، وإِلكيا، والإِمام الرازي وغيرهم.\nواختاره أبي ﵀ وقال: إِن المخالف فيه مستمرّ على لجاج (^١) ظاهر.\nونقله ناقلون عن القاضي، والذي رأيته في \"التقريب\" أنها عنده محتملة لتأكيد الإِثبات، ومحتملة للحصر، وزعم أن العرب استعملتها لكلّ من الأمرين:\nاحتج \"الأول\" وهو النّافي بأن [قولنا] (^٢): \"إِنما زيد مثل: إِن زيدًا قائم\" والزائد وهو لفظ \"ما\" كالعدم.\nواحتج \"الثَّاني\" وهو القائل بأنه يفيد بمنطوقه بأن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ (^٣)\n_________\n= ومفهومهما نفي العلم، والصداقة عن غير زيد. ينظر: البحر المحيط للزركشي ٤/ ٥٠، والإِحكام في أصول الأحكام للآمدي ٣/ ٦٧، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٢/ ٤٣، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ١٨٢، ١٨٣، ونشر البنود للشنقيطي ١/ ٩٦.\n(^١) في أ، ب، ت: تحاج.\n(^٢) في أ، ب، ت: قومًا.\n(^٣) سقط في أ، ت، ج.","vol":"4","page":14},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\n[سورة طه: الآية ٩٨] بمعنى: ما إِلهُكُم إِلا الله\".\nقوله: \"وهو المدعى\" يحتمل أن يكون من تمام الاستدلال الثَّاني [أي] (^١) وإِذا كان المعنى: ما إِلهكم إِلا الله، فهو الحصر المدعي.\nوالأظهر: أنه ابتداء كلام من المصنّف تقريره: أن كلًّا من دليل الأول والثَّاني عين دعواه، فلا يفيد؛ لأن قول الأول: إِنما زيد مثل: إِن زيدًا، وقول الثَّاني: إِنما زيد بمعنى ما زيد إِلَّا كذا، عين الدعوى.\nوللثاني أن يقول: ولو لم يكن المعنى: ما إِلهكم إِلا الله، لكان المعنى: الله إِلهكم، وهم [لم ينازعوا] (^٢) في ذلك إِنما كان الكلام في إِلهية غيره، فلم يكن ذلك نفس الدعوى.\nوذكر أبي ﵀ آيات كثيرة يتبادر فهم الخَصْم منها، ومن أوضحها: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٢٠].\nقال: لو لم تكن هناك للحصر لكانت بمنزلة: وإن تولوا فعليك البلاغ، وهو عليه البلاغ تولوا، أم لم يتولوا.\nقال: وإِنما المرتب على توليهم نفى غير البلاغ ليكون تسليةً له وإِعلامًا أن توليهم يضره.\nوأما احتجاج من احتجّ على الحصر بتبادره إِلى الفَهْم في قوله ﷺ ﴿إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ﴾، \"وَإِنَّمَا الوَلاءُ\" لِمَنْ أَعْتَقَ\"، وهما حديثان ثابتان في \"الصحيحين\" وغيرهما، \"فضعيف؛ لأن العموم فيه\" وهو الحصر واقع \"بغيره\"، \"فلا يستقيم لغير المعتق ولاء ظاهر\".\nأي: أن الحصر نشأ من عموم الأعمال والولاء؛ إِذ معناه: كلّ عمل بِنِيَّةٍ، وكل ولاء للمعتق، وهو كفى موجب، فينتفى مقابله الجزئي السَّالب، وهو: بعض العمل بغير نية، وبعض الولاء ليس لمن أعتق.\n_________\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) في ج: لا ينازعون.","vol":"4","page":15},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\nكذا قرره القاضي عضد الدِّين الإِيجي، وهو حسن، وجعله بعضهم جواب سؤال مقدر تقريره: لو كانت \"إِنما\" للحصر؛ لما صحّ عمل بغير نِيَّة، ولا ثبت ولاء لغير المعتق للمحدثين، والتالي باطل؛ إِذ بعض الأعمال صحيح بغير نيّة، والولاء قد ثبت لوارث المعتق، وهو من تلقى (^١) عن المعتق.\nوجوابه: أنّ ذلك لغير هذا الحديث، ولكن ظاهر الحديث أن الولاء لا يكون لغير المعتق، وأن العمل لا يكون بغير نيّة مطلقًا.\nوقد يجاب بالمنع فيقال: لا نسلم ثبوت عمل بغير نِيَّة، وما يذكر من عمل لا نية فيه، ليس المنتفى عنه إِلا النّية المقارنة لا مطلق النّية كما يحقق ذلك الفقيه، فيقول في قراءة القرآن مثلًا: لا يشترط فيها نيّة مقارنة؛ لتميزها بنفسها.\nوأما أصل القصد فلا بد منه، وألَّا يكون [غافلًا] (^٢)، ولا نسلّم ولاء لغير المعتق، ووارثه يتلقى عنه، ويدعى أنه يثبت للمعتق ابتداء، ثم ينتقل عنه إِلى ورثته، ولا بدع في هذا، وإن كان المعتق [ميتًا] (^٣).\nكما قلنا في الدِّيَةِ على أحد القولين: إِنها تثبت للمقتول، ثم تنتقل إِلى الورثة. وليس لك دفع هذا بأنها على القول بثبوتها للمقتول تثبت في آخر جزء من حياته، فإِنه ما دامت فيه حياة مستقرة لا دية واجبة.\n\n<span data-type='title' id=toc-747>\"تنبيه\"\n\"ما\" في \"إِنما\" ليست نافية، بل زائدة </span>كافّة موطّئة لدخول الفعل.\nوزعم جمع من الأصوليين والبيانيين أنها نافية، وأن ذلك سبب إِفادة \"إِنما\" للحصر.\nقالوا: لأن \"إِن\" للإِثبات \"وما\" للنفي، فلا يجوز توجيههما معًا إِلى شيء واحد؛ لئلا يتناقض.\nولا أن يقال: \"إِن\" تقتضى ثبوت غير المذكور، و\"ما\" تنفى المذكور؛ لأنه خلاف\n_________\n(^١) في أ، ت: يكفي.\n(^٢) في أ، ت، ج: عاقلًا.\n(^٣) في أ، ت، ج: بنتا.","vol":"4","page":16},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\nالواقع والاتفاق، فيتعين أن يكون \"إِن\" لإِثبات المذكور، و\"ما\" لنفى غيره، وذلك هو الحصر.\nوهذا مبنى على مقدّمتين باطلتين بإِجماع النُّحاة؛ إِذ ليست \"إِن\" للإِثبات، وإِنما هي لتأكيد الكلام إِثباتًا كان أو نفيًا نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [سورة النساء: الآية ٤٨]، وليست \"ما\" للنفي، بل هي كما ذكرناه.\nوهي بمنزلتها في أخواتها \"ليتما\"، و\"لعلما\"، و\"لكنما\"، و\"كأنما\".\nوقد نسب القَرَافي القول بأنها نافية لأبي على الفارسي في كتاب \"الشيرازيات\".\nقال بعض أئمة النحو في زماننا: ولم يقل ذلك الفارسي في \"الشيرازيات\" [ولا غيرها، ولا قاله نحويٌّ غيره قال: وإِنما قال الفارسي في \"الشيرازيات\"] (^١): إِن العرب عاملوا \"إِنما\" معاملة النفي و\"إِلّا\" في فصل الضمير؛ كقول الفرزدق [الطويل] ....\n....................... وإِنَّمَا … يُدَافعُ عَنْ أَحْسَابهِمْ أَنَا أَوْ مِثْلِي\nوهذا (^٢) كقول الآخر: [السريع].\nقَدْ عَلِمَتْ سَلْمَى وَجَارَاتُهَا (^٣) … مَا قَطَّرَ (^٤) الفَارِسَ إِلَّا أَنَا (^٥)\nوقال أخي الشيخ العلامة بهاء الدّين أبو حامد، تغمّده الله برحمته: لعلَّ القرافي أخذه من قول أبي علي في \"الشِّيرَازيات\" بعد ذكره، أن \"إِنما\" للحصر أن الحصر أيضًا في: \"شرأهر ذاناب، وشيء جاء بك\".\nثم قال: والأول أسهل من هذا؛ لأن معه حرفًا قد دلّ عندهم على النفي. انتهى.\nثم قال: وهذا ليس صريحًا في أنها والحالة هذه نافية.\nقلت: هو ظاهر فيه.\n_________\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) في أ: فهذا.\n(^٣) في ج: وجارتها.\n(^٤) في أ: نظر.\n(^٥) في أ، ت: أما وفي ب، ح: أنا.","vol":"4","page":17},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفائدة ما تقدم في \"إِنما\" بكسر \"إِن\"، أما المفتوحة فزعم الزمخشري في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ١٠٨] إِفادتها القصر.\nوبه صرح التنوخي (^١) في كتاب \"الأقصى [القريب] \" (^٢)، وردّ شيخنا أبو حيَّان على الزمخشري، بأنه يلزمه انحصار الوحي في الوحدانية.\nواعترضه أخي الشيخ أبو حامد: بأن ذلك لازم، وإن لم تكن المفتوحة للحصر؛ لأن الإِلزام جاء من \"إِنما\".\nولو قلت: إِنما يوحي الوحدانية لزم ذلك.\nقلت: وهو صحيح؛ إِلا أن لأبي حيان أن يقول: المعنى على قول الزمخشري: جميع ما يوحي أن إِلهكم ليس إِلَّا واحدًا فيلزمه: إِن إِلهنا واحد وقادرٌ، وحَيٌّ، وسميع، وبصير إِلى غير ذلك من الصِّفات الَّتي تثبتها، فيلزم من يدعى حصر المكسورة عدم إِيحاء غير الوحدانية، وهو باطل؛ لأنه يوحي إِليه أمور أخر.\nومن يدعى حصر المفتوحة أن الإِله ليس إِلَّا واحد، ولعل هذا الإِلزام مراد أبي حيان، وكان صواب عبارته أن يقول: انحصار الإِله في الوحدانية، ولكن المكان ضيق تَنْبُو عنه العبارات.\nولعلَّ الزمخشري إِنما ادَّعى الحَصْر لعدم مُبَالاته بهذا الإِلزام؛ فإِنه معتزلى لا يثبت الصفات السَّبعة.\n_________\n(^١) علي بن محمد بن أبي الفهم داود بن إِبراهيم بن تميم، أبو القاسم التنوخي، ولد سنة ٢٧٨ هـ، قاض أديب، شاعر، عالم بأصول المعتزلة، ولد بـ \"أنطاكية\" ورحل إِلى بغداد في حداثته، فتفقه بها على مذهب أبي حنيفة، وكان معتزليًّا وولي قضاء البصرة والأهواز، له ديوان شعر، توفي بـ \"البصرة\" سنة ٣٤٢ هـ ينظر: وفيات الأعيان ١/ ٣٥٣، وتاريخ بغداد ١٢/ ٧٧، وإِرشاد الأريب ٥/ ٣٣٢ - ٣٤٧، ويتيمة الدهر ٢/ ١٠٥ - ١١٥، والفوائد البهية ١٣٧، وفي مرآة الجنان ٢/ ٣٣٥، والأعلام ٤/ ٣٢٥.\n(^٢) في ج: الغريب.","vol":"4","page":18},{"text":"وَأَمَّا مَفْهُومُ الْحَصْرِ فَمِثْلُ: صَدِيقِي زَيْدٌ وَالْعَالِمُ زَيْدٌ، وَلا قرِينَةَ عَهْدٍ.\nفَقِيلَ: لا يُفِيدُ.\nوَقِيلَ: مَنْطُوقٌ.\nوَقِيلَ: مَفْهُومٌ.\nالأَوَّلُ: لَوْ أَفادَهُ لأَفَادَ الْعَكْسَ؛ لِأَنَّهُ فِيهِمَا لا يَصْلُحُ لِلْجِنْسِ، وَلا لِمَعْهُودٍ مُعَيَّنٍ؛ لِعَدَمِ الْقَرِينَةِ، وَهُوَ دَلِيلُهُمْ، وَأَيْضًا: لَوْ كَانَ لَكَانَ التَّقَدُّمُ يُغَيِّرُ مَدْلُولَ الْكَلِمَةِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وإِما\" ما يقال فيه \"مفهوم الحصر\" حصر المبتدأ في الخبر \"فمثل: صديقي زيد، والعالم زيد\"، ولا يخفى أن النظم الطَّبيعي خلافه، والأصل قولك: زيد صديقي، لا صديقي زيد، فالعدول إِليه، \"ولا قرينة عهد\" هناك دالّة على أن المراد بالمبتدأ معهود هل يفيد الحصر؟.\nاختلفوا فيه كخلافهم في \"إِنما\".\n\"فقيل: لا يفيد\".\nوقيل: يفيد.\nثم اختلف \"فقيل: منطوق\"، وهو رأي الغزالي والهراسي.\nوقيل: مفهوم\".\nواحتج: الفريق \"الأول\" بأنه \"لو أفاده، لأفاد العكس\"، وهو زيد صديقي، وزيد العالم؛ \"لأنه\" أي المبتدأ \"فيهما\" أي في المثالين صديقي زيد، والعالم زيد \"لا يصلح للجنس\"، وهو الحقيقة الكلية؛ لأن الإِخبار عنها بأنها زيد الجزئي كاذب، \"ولا لمعهود معيّن؛ لعدم القرينة\" الصَّارفة إِليه كما فرضناه، فكان لما يصدق عليه الجنس مطلقًا، فيفيد أن كلّما صدق عليه العالم فهو زيد، وهو معنى الحصر، \"وهو \" [بعينه] (^١) \"دليلهم\" على الحصر، فإِذا كان الدليل آتيًا في زيد العالم، كما أتى في: العالم زيد، وجب اشتراكهما في الحكم، ولا قائل بإِفادة الحصر في: زيد العالم.\n\"وأيضًا لو كان\": العالم زيد للحصر، وعكسه ليس للحصر، \"لكان التقديم يغير\n_________\n(^١) في ت: يغيب.","vol":"4","page":19},{"text":"الْقَائِلُ بِهِ: لَوْ لَمْ يُفِدْهُ لأُخْبِرَ عَنِ الأَعَمِّ بَالأَخَصِّ؛ لِتَعَذُّرِ الْجِنْسِ وَالْعَهْدِ، فَوَجَبَ جَعْلُهُ لِمَعْهُودٍ ذِهْنِيٍّ بِمَعْنَى الْكَامِل وَالْمُنْتَهِي.\n<hr><s0>\n\nمدلول الكلمة\"، واللازم باطل؛ لأنه إِنما يتغيّر بالتقديم، والتأخير الهيئة التركيبية دون المفردات.\nوأما الملازمة؛ فلأنه لا فرق بين الأصل وعكسه إِلَّا التقديم والتأخير، وقد ادَّعيتم تغاير المفهوم، فإِذا كان التَّقديم والتأخير لا يفيده، لم تصحّ الدعوى، بل كان المفهوم واحدًا.\nقال القاضي عضد الدين: وقد يقال عليهما: إِنَّ الوصف إِذا وقع مسندًا إِليه قصد به الذّات الموصوفة به، وإِذا وقع مسندًا، قصد به كونه ذاتًا موصوفة، وهو عارض للأول، فاندفع الأول.\nوأما الثَّاني: فإِن أردت بتغير المفهوم هذا القدر، منعنا بطلانه.\nوإِن أردت غيره منعنا الملازمة.\nالشرح: وأما إِفادته للحصر، [فاحتج] (^١)، القائل بأنه لو لم يفده لأخبر عن الأعمّ بالأخص\".\nفإِن قلت: لم ادّعيت أنه يقع الإِخبار بالأعم عن الأخص؟.\nقلت: \"لتعذّر الجنس والعهد\" الخارجي كما تقدّم، وإِذا تعذّر كان لما صدق عليه العالم والحيوان مثلًا في قولنا: العالم زيد، والحيوان إِنسان، فإِذا كان غير الإِنسان - وهو الفرس مثلًا - حيوانًا وغير زيد - وهو عمرو مثلًا - عالمًا كان الحيوان والعالم أعمّ من الإِنسان والفرس، وقد أخبرت عنه بهما.\nفإِن قلت: وما وجه بطلان الثَّاني؟.\nقلت: لأن الخبر الثَّابت للعام ثابت لجزئياته، فيلزم ثبوت الفرس للإِنسان، وعمرو لزيد.\nوإِذا ثبت هذا بطل جعله للجنس وللعهد الخارجي لما تقدّم، ولما صدق عليه مع بقائه\n_________\n(^١) في ج: واحتج.","vol":"4","page":20},{"text":"[قُلْنَا: صَحِيحٌ وَاللَّامُ لِلْمُبَالَغَةِ، فَأَيْنَ الْحَصْرُ؟].\nوَأُجِيبَ: بَلْ جَعْلُهُ لِمَعْهُودٍ ذِهْنِيٍّ مِثْلُ: \"أَكَلْتُ الْخُبْزَ\" وَمِثْل: \"زَيْدٌ الْعَالِمُ\" هُوَ الْمَعْرُوفُ.\nوَأَيْضًا يَلْزَمُهُ: زَيْدٌ الْعَالِمُ بِعَيْنِ مَا ذكرَ: [وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ فِي: زيْدٌ الرَّجُلُ].\nفَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُخْبَرُ بِالأَعَمِّ فَغَلَطٌ؛ لأَنَّ شَرْطَهُ التَّنْكيرُ.\nفَإِنْ زَعَمَ أَن اللَّامَ لِزَيْدٍ فَغَلَطٌ؛ لِوُجُوبِ اسْتِقْلالِهِ بِالتَّعْرِيفِ مُنْقَطِعًا عَنْ زَيْدٍ، كالْمَوْصُولِ.\n<hr><s0>\n\nعلى العموم، \"فوجب جعله لمعهود ذِهْنِيّ بمعنى الكامل والمنتهي\" [أي] (^١): لما صدق عليه بعد تخصيصه بما يصلح أن يحمل عليه الحيوان، وزيد مثلًا من معين، وما ذاك إِلا لجعله لمعهود ذهني وهو شخص كامل، أو منتهٍ في العلم قد تصوره المخاطب، وتوهّمه عند [قول] (^٢): العالم زيد.\nوأجيب: بل جعله لمعهود بعض مثل: أكلت الخبز، فإِنا نجعل الألف واللام في الخبز للبعض، ومثل: زيد العالم هو المعروف.\nوأيضًا يلزمه: زيد العالم [بعين] (^٣) ما ذكر. كذا بخط المصنّف.\nالشرح: وفي \"الحاشية\" بخط غيره بدل هذا: \"قلنا: صحيح واللام للمبالغة، فأين الحصر؟ \" ويلزمه: زيد العالم، وهو الذي نصّ عليه سيبوبه: في زيد الرجل. انتهى ما في \"الحاشية\".\nوتقرير الجواب: أن ما ذكرتم صحيح، ونحن قائلون به، ولكن لا يثبت مطلوبكم بل ينافيه؛ لأنه لم يحصل حصر العالم في زيد لما قررتم، بل كون زيد كاملًا أو منتهيًا في العلم.\n_________\n(^١) في ت: إِلى.\n(^٢) في أ، ب، ج: قوله.\n(^٣) في ب: بعض.","vol":"4","page":21},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\nويكون حاصله: أن اللام للمبالغة في علمه لا لحصر العلم فيه.\nوهو منصوص سيبوبه في قولنا: زيد الرجل، وهو منافٍ لما زعمتم.\nوأيضًا، فإِنه يلزم في: زيد العالم، الذي لم يقل فيه بالحَصْرِ مثل ذلك، فيقال: يلزم الإِخبار عن العام بالخاصّ، وتبين الملازمة وانتفاء اللازم بما بينا به هناك.\n\"فإِن زعم\" من يتوهّم الفرق بينهما \"أنه يخبر بالأعم\" عن الأخصّ من غير عكس \"فغلط؛ لأن شرطه التنكير\" أي: شرط الإِخبار عن الأخصّ بالأعم [تنكير الأعم] (^١)؛ لتحصل الفائدة، فيقال: زيد حيوان، ولا يقال: زيد الحيوان، \"وإِن زعم أن اللام في مثل: زيد\" العالم لا يمتنع أن تكون للعهد الخارجي؛ إِذ يجوز أن تكون لزيد بقرينة التقدّم، بخلاف: العالم زيد؛ فإِنّه لا يجوز كون اللَّام فيه للعهد الخارجي؛ إِذ لا قرينة \"فغلط\" أيضًا؛ \"لوجوب استقلاله\" أي: استقلال الخبر الذي هو العالم \"بالتعريف منقطعًا عن زيد كالموصول\".\nلأنّ \"اللام\" فيه موصولة: بمعنى الذي، والموصول مستقلّ بالتعريف من غير ذكر خارجي بالاتفاق، فإِن صرفه صارف إِليه يكون مجازًا.\nولأنه خبر عن زيد؛ فيجب استقلاله بالتعريف من غير احتياج إِلى زيد لكونه جزء كلام، فلا يحتاج إِلى الجزء الآخر في التعريف كالموصول، فإِنه يقع جزء كلام، ولا يحتاج في تعريفه إِلى الجزء الآخر.\nوكذا هذا.\nوإِذا كان مستقلًّا بالتعريف يتعذّر أن تكون اللام لزيد، وإِلَّا لم يكن مستقلًّا بالتعريف، فيمتنع أن تكون اللام فيه للعهد الخارجي.\n\n<span data-type='title' id=toc-748>\"خاتمة\"\nالمفاهيم أقسام:</span>\nالأول: مفهوم الصفة، ويدخل فيه مفهوم العدد كما قدمناه، ومفهوم العلة مثل: ما\n_________\n(^١) سقط في ج.","vol":"4","page":22},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\nأسكر فهو حرام، ومفهوم الزمان مثل: سافر يوم الجمعة، ومفهوم المكان مثل: اجلس أمام زيد.\nالثَّاني: مفهوم الشَّرط.\nالثالث: مفهوم الغاية.\nومنهم من اقتضى كلامه جعله نطقًا، وعلى هذا لا مدخل له في المفاهيم.\nالرابع: مفهوم اللقب، ويدخل فيه الاسم العلم نحو: قام زيد، واسم النوع نحو: في الغنم زكاة، وربما خص الأول باسم \"مفهوم الأعيان\" كما قدّمناه مع القضاء عليه بأن حكمه حكم اللقب، وقد تقدم ذلك كله.\nوالخامس: شيء يقال له: \"مفهوم الحصر\" أنكره قوم، وعدّه قوم نطقًا، وعلى هذين لا مدخل له في المفاهيم.\nوقال قوم: له مفهوم، فعلى هذا يدخل كما عرفناك، ويدخل فيه \"إِنما\" ومثل: لا عالم إِلا زيد، ومثل: \"تَحْرِيمُهَا التَّكْبِير، وَتَحْلِيلُهَا، التَّسْلِيمُ\"، صديقي زيد.\nومنه: فصل المبتدأ من الخبر بضمير الفصل نحو: زيد هو القائم، وعليه قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ [سورة الشورى: الآية ٩] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [سورة الكوثر: الآية ٣]. وقوله تعالى: حكاية عن عيسى ﵇: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة المائدة: الآية ١١٧].\nومنه: تقدم المعمول نحو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٥].\nقد بالغ طوائف البيانيين في إِفادته الاختصاص، ورده قوم منهم ابن الحاجب في \"شرح المفصل\"، وشيخنا أبو حيان.\nوالذي يظهر لنا: أن التقديم يفيد الاهتمام، وقد يكون معه الاختصاص، وقد لا يكون، فإِنْ ظهر بدليل انتفاء جميع الفوائد عن التَّقديم سوى الحصر أفاد الحَصْر.\nثم شرطه ألَّا يكون المعمول مقدمًا وضعًا؛ فإِن ذلك لا يسمى تقديمًا حقيقة، وذلك كأسماء الاستفهام، وقد اجتمع الاختصاص وعدمه في آية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٤٠، ٤١]، فإِن التقديم في","vol":"4","page":23},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\nالأولى قطعًا ليس للاختصاص، وفي \"إِياه\" قطعًا للاختصاص فتأمله.\nوإِذا تأملت هذه الخاتمة نقول لك: رب أمر يدلّ عليه اللفظ في محلّ نطقه بالنص، وآخر بالإِشارة، وثالث يدلّ عليه لا في محله وهو المفهوم، ورابع مختلف في أنه هل دلّ عليه في محله بالإِشارة، أو دلّ لا في محله، أو لم يدل أصلًا، فمن القسم الرابع \"إِنما\"، وحصر المبتدأ في الخبر، وتقديم المعمول ونحوها، فلا أحسب أحدًا يدّعى أنه نطق منصوص، بل قصاراه دعوى إِشارة النص.\nفإِن قلنا: إِنه يدلّ بالإِشارة كان مترقِّيًا عن مراتب المفاهيم؛ إِذ دلالة النص أقوى من مفهومه.\nومنه أيضًا مفهوم الغاية، فإِذن أقوى المختلف في أنه مفهوم \"ما\" و\"إِلا\" كقولك: ما قام إِلا زيد، فإِنه صريح في نفي قيام غيره مقتضى لقيامه.\nقيل بالمنطوق.\nوالأصح بالمفهوم، وهو أقوى المفاهيم؛ لأن \"إِلَّا\" موضوعة للاستثناء، وهو الإِخراج، فدلالتها عليه بالمنطوق، ولكن الإِخراج من عدم القيام ليس هو عين القيام، بل قد يستلزمه؛ فلذلك رجّحنا أنه مفهوم، ثم \"إِنما\"، والغاية، ثم حصر المبتدأ في الخبر، ثم الشَّرط؛ لأنه على القول به مفهوم، ولم يقل أحد: إِنه بالنطق، ثم الصفة المناسبة، ثم مطلق الصفة، ثم العدد، ثم تقدم المعمول.\nوإِنما أخّرناه لما ذكرناه من أنه لا يفيد في كُلِّ أحواله.\nثم المحفوظ فيه عن القائلين به إِنما هو بلفظ الاختصاص لا الحصر.\nوقدوهم المتأخرون أن الاختصاص الحصر بعينه، وفَاهَتْ بذلك ألْسِنَةُ الطَّالبين في علم المعاني والبيان، وفرق أبي ﵁ في مصنفه المسمى بـ \"الاقتناص\" بينهما فقال: قد اشتهر أن تقديم المعمول يفيد الاختصاص.\nومن الناس من أنكره، وقال: إِنما يفيد الاهتمام.\nوقال سيبويه في \"الكتاب\" هم يقدمون ما هم به أعنى. ثم فهم كثير أن الاختصاص، الحصر، وليس كذلك، بل هما متباينان.","vol":"4","page":24},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالفضلاء لم يذكروا في تقديم المَعْمُول إِلّا لفظ الاختصاص منهم الزمخشري في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وفي: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [سورة الزمر: الآية ١٤] وغيرهما من الآيات.\nفإِن قلت: فما الفرق؟.\nقلت: الاختصاص: افتعال من الخصوص، والخصوص مركّب من شيئين، أو أشياء، والثَّاني معنى منضمّ إِليه بفصله عن غيره، كـ \"ضرب زيد\"، فإِنه أخصر من مطلق الضرب.\nفإِذا قلت: ضربت زيدًا أخبرت بضرب عام وقع منك على شَخْصٍ خاص، فصار ذلك الضرب المخبر به خاصًّا لما انضم إِليه مثل: ومن زيد؟ وهذه المعاني الثلاثة أعني مطلق الضرب، وكونه واقعًا منك، وكونه واقعًا على زيد - قد يقصدها المتكلم على السواء، وقد يترجّح قصده لبعضها، ويعرف ذلك بما ابتدأ به، فالمبتدأ به هو الأهم.\nفإِذا قلت: زيدًا ضربت علمت أن خصوص الضرب على زيد هو المقصود.\nولكل مركّب من خاص وعام جهتان:\nفقد يقصد من جهة عمومه.\nوقد يقصد من جهة خصوصة، وهذا هو الاختصاص.\nوأما الحصر فمعناه إِثبات المذكور ونفى غيره، وهو زائد على الاختصاص، وإِنما جاء في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ للعلم بأن غيره لا يعبد، ولا يُسْتَعَان.\nألا ترى آيات لا يطرد ذلك فيها؟.\nفإِنه قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٨٣] لو جعل في معنى: ما يبغون إِلَّا غير دين الله، وهمزة الإِنكار داخلة عليه لزم أن يكون المنكر الحصر، لا مجرد بغيهم غير دينه، ولا شكّ أنه منكر أيضًا، وكذا غيرهما من الآي.\nثم قال: فليس الاختصاص الحصر، ولكنه قد يحصل منه.\nوالحصر أقسام:\nأحدها: \" [ما] (^١) وإلا\".\n_________\n(^١) في أ: إِنما، وفي ب: بما.","vol":"4","page":25},{"text":"<span data-type='title' id=toc-749>مَبْحَثُ النَّسْخ</span>\nالنَّسْخُ: الإِزَالَة، نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ، وَالنَّقلُ: نَسَخْتُ الْكِتَابَ، وَنَسَخْتُ النَّحْلَ، وَمِنْهُ الْمُنَاسَخَاتُ.\nفَقِيلَ: مُشْتَرَكٌ.\nوَقِيلَ: لِلأَوَّلِ.\nوَقِيلَ: لِلثَّانِي.\nوَفِي الاِصْطِلاحِ: رَفْعُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مُتَأَخِّرٍ، فَيَخْرُجُ الْمُبَاحُ بِحُكْمِ الأَصْلِ، وَالْرَّفعُ بِالنَّوْمِ وَالْغَفْلَةِ، وَبِنَحْو: صَلِّ إِلَى آخِرِ الشَّهْرِ.\n<hr><s0>\n\nوالثاني: \"إنما\".\nوالثالث: بالتقديم، وهو أدونها على تقدير القول به.\nوهو في قوّة جملتين:\nأحدهما: ما صدر به الحكم إثباتًا أو نفيًا، وهو المنطوق. والأخرى: ما فهم من التقديم.\nوالحصر يقتضي نفي المنطوق فقط دون ما دل عليه من المفهوم؛ لأن المفهوم لا مفهوم له.\nفإذا قلت: أنا لا أكرم إلا إياك، أفاد التعويض بأن غيرك يكرم غيره، ولا يلزم أنك لا تكرمه.\nوقد قال تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [سورة النور: الآية ٣]؛ فأفاد أن العفيف قد ينكح غير الزَّانية، وهو ساكت عن نكاحه الزانية، فقال سبحانه بعده: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [سورة النور: الآية ٣]. بيانًا لما سكت عنه في الأولى.\nهذا مختصر من كلام الشيخ الإمام ﵀.\nوحاصله: منع أن التخصيص الحصر، والقول بأن الحصم إنما يكون في بعض المواضع، وقد قدمت نحوه اختيارًا لي، وإنما أردت الاعتضاد بكلام شيخ الإسلام في زمانه - رحمه الله تعالى -.","vol":"4","page":26},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"النسخ\": له في اللُّغة معنيان: \"الإزالة\" يقال: \"نسخت الشَّمسُ الظلّ\".\n\"والنقل\" يقال: \"نسخت الكتاب\" أي: نقلت ما فيه إلى آخر مع بقائه في نفسه، \"ونسخت النّحل\" أي: نقلتها من موضع إلى موضع، \"ومنه المُنَاسَخَات\" في المواريث أي: انتقال المال من وارث إلى وارث (^١).\n_________\n(^١) ذهب علماء الأصول في تعريف النسخ مذاهب شتى، وعرفوه بتعاريف كثيرة، منها ما هو فاسد، ومنها ما هو صحيح كما قدمنا.\nونقتصر على تعريفات ثلاثة، وهي لإمام الحرمين، وللغزالي، ولابن الحاجب مع بيان المختار منها: تعريف إمام الحرمين: النسخ هو اللفظ الدال على انتفاء شرط دوام الحكم الأول. قال القاضي عضد الدين: ومعناه أن الحكم كان دائمًا في علم الله دوامًا مشروطًا بشرط لا يعلمه إلا هو، وأجل الدوام أن يظهر انتفاء ذلك الشرط للمكلف، فينقطع الحكم ويبطل دوامه، وما ذلك إلا بتوفيقه تعالى إياه، فإذا قال قولًا دالًا عليه، فذلك هو النسخ.\nاعترض بوجوه: منها: أنه فسر النسخ باللفظ، وهو دليل النسخ لا هو قال: \"نسخ الحكم بالآية والخبر\"، ومنها: أنه غير مطرد؛ لدخول ما ليس بنسخ فيه، وهو قول العدل؛ \"نسخ حكم كذ\"؛ فإنه لفظ دال على ظهور انتفاء شرط الدوام، وليس بنسخ ضرورة، ومنها: أنه غير منعكس لخروج ما هو نسخ عنه؛ إذ قد يكون النسخ بفعله ﵊، ومنها: أنه تعريف الشيء بنفسه؛ لأنه فسر شرط دوام الحكم بانتفاء النسخ، فيكون الشرط انتفاء انتفاء النسخ، وهو حصول النسخ، فيكون حاصل كلامه أنه اللفظ الدال على حصول النسخ.\nويجاب عن الأول بأن إطلاق النسخ على اللفظ الدال عليه حقيقة اصطلاحية، فكما أن الحكم ليس إلا قول الله: \"افعل كذا\"، فكذا النسخ ليس إلا قول الله: \"لا تفعل كذا\"، وعن الثاني والثالث، بأن قول العدل وفعل الرسول ﷺ يدلان على ذلك القول، أي قول الله: \"لا تفعل\" فهما دليلا النسخ الدال بالذات لا هو أي النسخ بالذات.\nوعرفه الغزالي بقوله: \"النسخ هو الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتًا به مع تراخيه عنه\".\nثم قال في شرح تعريفه هذا: \"وإنما آثرنا لفظ الخطاب على لفظ النص؛ ليكون شاملًا للفظ والفحوي والمفهوم وكل دليل؛ إذ يجوز النسخ بجميع ذلك، وإنما قيدنا الحد بالخطاب المتقدم؛ لأن ابتداء إيجاب العبادات في الشرع مزيل حكم الفعل من براءة الذمة ولا يسمى نسخًا؛ لأنه لم يزل حكم خطاب، وإنما قيدنا بارتفاع الحكم ولم نقيد بارتفاع الأمر والنهي؛ =","vol":"4","page":27},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nواختلف في حقيقته:\n_________\n= ليعلم جميع أنواع الحكم من الندب، والكراهة، والإباحة، فجميع ذلك قد ينسخ. وإنما قلنا: لولاه لكان الحكم ثابتًا به؛ لأن حقيقة النسخ الرفع، فلو لم يكن هذا ثابتًا لم يكن هذا رافعًا؛ لأنه إذا ورد أمر بعبادة مؤقتة وأمر بعبادة أخرى بعد تقدم ذلك الوقت لا يكون الثاني ناسخًا، فإذا قال: \"وأتموا الصيام إلى الليل\" ثم قال: \"في الليل لا تصوموا\" لا يكون ذلك نسخًا، وإنما قلنا مع تراخيه؛ لأنه لو اتصل به لكان بيانًا وإتمامًا لمعنى الكلام، وتقديرًا له بمدة أو شرط، وإنما يكون رافعًا إذا ورد بعد أن ورد الحكم واستقر بحيث يدوم لولا الناسخ، وهو مع شرحه هذا والإطناب فِي بيان ما اختار، فإن تعريفه معترض بأربعة اعتراضات، بالثلاثة الأول التي اعترض بها على تعريف إمام الحرمين، ويجاب عنها بما أجبنا به سابقًا، وبرابع يخصه، وهو أن قول: \"على وجه لولاه لكان ثابتًا به مع تراخيه\" زيادة لا يحتاج إليها، أما لولاه لكان ثابتًا؛ فلأن الرفع لا يكون إلا إذا كان كذلك، وأما مع تراخيه عنه؛ فلأنه لولاه لم يتقرر الحكم الأول، فكان دفعًا لا رفعًا، كالتخصيص، ويجاب عنه بأن قوله: لولاه لكان ثابتًا\" احتراز عن قول العدل: \"إن حكم كذا قد نسخ\"؛ فإنه وإن كان خطابًا دالًا على ارتفاع الحكم لكنه ليس هو بحيث لولاه لكان الحكم ثابتًا في نفس الأمر، وإن اعتقد المكلف ثبوته، مع أن دلالة الرفع على ما ذكر التزام، ولا يقدح في التعريف التصريح بما علم التزامًا، على أنه لو أريد بالدال الدال بالذات اندفعت الثلاثة، وبأن قوله مع تراخيه عنه احتراز عن الغاية ونحوها من المخصصات المتصلة.\nوعرفه ابن الحاجب بقوله: \"النسخ هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر\".\nفقوله: \"رفع الحكم الشرعي\" ليخرج المباح بحكم الأصل؛ فإن رفعه بدليل شرعي ليس بنسخ، وقوله: \"بدليل شرعي\" ليخرج رفعه بالموت والنوم والغفلة والجنون، وقوله: \"متأخر\" ليخرج نحو: صل ويمكن أن يعترض هذا التعريف بأن قوله: متأخر، ليخرج نحو: صل إلى آخر الشهر، عند كل زوال زيادة لا يحتاج إليها؛ فإن الحكم لم يثبت بأول الكلام؛ لأن الكلام بالتمام؛ فكيف يرفع. اللَّهم إلا أن يقال: \"لا التصريح ودفع التوهم مما يقصد في الحدود\"، وربما يقال عليه أيضًا كما يقال على سابقه: \"إن الحكم كلام الله وهو قديم، وما ثبت قدمه امتنع عدمه، فلا يتصور رفعه\".\nويجاب بأن المراد رفع تعلق الحكم أو الخطاب بالمكلف تنجيزًا، بحيث يصير مكلفًا بالفعل الذي لولا الرفع لبقي واستمر، فلو قال ابن الحاجب في تعريفه: \"رفع تعلق الحكم الشرعي بدليل شرعي\" لسلم من هذا الاعتراض. تعريف ابن الحاجب أدق؛ لأنه لا يرد عليه شيء من الاعتراضات السالف ذكرها، وبيان ذلك أنه جحل الجنس في التعريف هو الرفع، لا دليل الرفع =","vol":"4","page":28},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"فقيل: مشترك\" بين الإزالة والنَّقْلِ، وعليه القاضي، كما نصّ في \"التقريب\"، والغزالي.\n_________\n= كما ذهب إلى ذلك غيره، فلا يرد الاعتراض الأول، لأنه اختار في تعريفه أن يكون الرفع بدليل شرعي، فيخرج قول العدل، ويدخل فعل الرسول، وبذلك يكون مطردًا منعكسًا، فلا يرد الاعتراض الثاني والثالث، وأيضًا لم يأت بالزيادة التي أتى بها الإمام، وهي قوله: \"لولاه … إلخ\"، فلا يرد الاعتراض الرابع.\nوفي اصطلاح الفقهاء: \"النسخ هو النص الدال على انتهاء أمد الحكم الشرعي مع التأخير عن مورده\".\nومعناه: أن الحكم له غاية ينتهي بانتهائها، لكن لما لم تكن تلك الغاية مبنية بالنص الدال على الحكم الأول، جاء النص الثاني متأخرا عن ورود الحكم الأول وبين تلك الغاية. فقولهم في التعريف: \"مع التأخير عن مورده\" احتراز عن البيان المتصل بالحكم الأول، سواء كان مستقلًا: كـ\"لا تقتلوا أهل الذمة\" عقب ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ متصلًا، أو غير مستقل، كالاستثناء، والغاية، والشرط، والوصف.\nيرد على هذا التعريف ما ورد على تحريف إمام الحرمين، وهو أن النص دليل النسخ لا نفسه، وأن التعريف غير مطرد؛ لدخول قول العدل فيه وليس بنسخ، وغير منعكس؛ لخروج ما هو نسخ عنه، إذ قد يكون النسخ بفعله غليه الصلاة والسلام، ويجاب عن الأول بما أجبنا به سابقًا، وعن الثاني بأن قول الراوي: \"نسخ حكم كذا\" ليس بنص، فلا بأس بخروجه، وعن الثالث: بأنا لا نسلم خروج فعله ﵇ من التعريف، بل هو داخل من حيث إنه أفاد حكمًا نصًا فيه، فإنه يوصف بما توصف به الألفاظ من الظاهر والمجمل.\nثم إن من تأمل في كتب الأصول يجد أن الفقهاء لجئوا إلى هذا التعريف فرارًا من الرفع؛ وذلك لأن الحكم قديم، والتعلق قديم، فلا يتصور رفع شيء منهما، وفساد هذا ظاهر؛ فإن انتهاء أمد الوجوب لا يتصور قع دوام الوجوب، وعدم دوامه هو رفعه، فقد قالوا بالرفع معنى، وأنكروه لفظًا، أو بعبارة أخرى أن الرفع لازم الانتهاء، فإن الحكم إذا انتهى ارتفع، وإذا كان القديم لا يرتفع فكذا لا ينتهي، وإذا كان المراد انتهاء تعلقه، فكذا المراد برفعه رفع تعلقه، فلا معنى لفرارهم من الرفع إلى الانتهاء.\nوالفرق بين الاصطلاحين: أن من تأمل في كلام الفقهاء يجد أن التعريف عندهم مبني على أن الحكم الأول مؤقت بوقت ظهر فيه الحكم الثاني في علمه تعالى، فليس هناك رفع، بل إنما هو بيان الأمد الذي وقت به، وهذا بخلاف التعريف عند الأصوليين، فإنه مبني على أن الحكم الأول غير مؤقت بل مطلق ارتفع بالنسخ، فهل بين التعريفين خلاف؟ \"مذهبان\": قال ابن=","vol":"4","page":29},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"وقيل: للأول\"، وعليه أبو الحسين، وهو المختار.\n_________\n= الحاجب: \"الخلاف لفظي\"؛ لأن مرادنا بالرفع زوال التعلق المظنون استمراره قبل ورود الناسخ، وهو المراد بانتهاء أمد الحكم، وليس الفرار إليه؛ لأن قدم الحكم يأبى الرفع دون الانتهاء؛ لأن الانتهاء ليس إلا عدم وجود شيء بعد الأمد وهو الرفع ويأبى عنه القدم، فإذن ليس النسخ إلا انتهاء الحكم إلى أمد معين، وهو ارتفاع التعلق المظنون بقاؤه، فمثله مثل النخصيص غير أن الأول يكون في الأزمان، والثاني يكون في الأفراد.\nوقال صاحب مسلم الثبوت: \"الحق أن الخلاف معنوي\"، وتحقيقه أن الخطاب المطلق النازل في علمه تعالى، هل كان مقيدًا بالدوام، فكان الناسخ رفعًا لهذا الحكم المقيد بالدوام؟ ولا يلزم التكاذب؛ لأن الإنشاء لا يحتمل الكذب، وإنما يرفع الثاني الأول، أو كان الخطاب في علمه تعالى مخصصًا ببعض الأزمنة، وهو الزمان الذي ورد فيه النسخ لكن لم ينزل التقييد عند نزول المنسوخ، فكان النسخ بيانًا لهذا الآن المقيد به الحكم عند الله تعالى، فالمعرف بالرفع ذهب إلى الأول وبيان الأمد إلى الثاني، والأول كالقتل عند المعتزلة، والثاني كالقتل عند أهل السنة والجماعة، في أن المقتول على الأول قد ارتفعت حياته بالقتل لولاه لبقي حيًا، وعلى الثاني القتل علامة مجيء الأجل، ولولاه لمات لمجيء أجله.\nالتحقيق: أن الخلاف لفظي، ولا يليق أن يكون بين الفريقين نزاع في هذا أصلًا؛ فإنه يلزم على كل أن يحكموا على الله تعالى بأمر لم يهد إليه الدليل، ولا حكمت به البديهة، وليس كل الأحكام مؤقتة في علم الله تعالى عند أحد، ولا الكل مؤبدًا عند أحد، فلا يتمكن أحد من إحدى الدعويين مطلقًا، فمن الذي يستطيع أن يقول: إن الخطاب المطلق في علمه تعالى كان مقيدًا بالدوام، أو يقول: كان مخصصًا ببعض الأزمنة؛ وأيضًا إن القائلين بأن النسخ بيان الأمد جوزوا نسخ الحكم المؤقت قبل مجيء وقته، ولا يمكن هذا إلا إذا كان رفعًا.\nفالحق أن الحكم سواء كان مقيدًا بقيد التأبيد أم مطلقًا عنه أم مقيدًا بوقت لم ينزل التقييد به، أو نزل التقييد به له عمر عند الله تعالى إلى أجل معين مقدر ألبتة، والله سبحانه يعلم هذا الأجل بلا تقييد ولا تبديل في علمه تعالى، فإذا جاء ذلك الأجل أنزل حكمًا آخر، وارتفع الحكم الأوّل من البين، فالحكم المنسوخ ميت بأجله بإماتة الله سبحانه، وظهور الإماتة ليس إلا بهذا الرفع، فمن نظر إلى الأول عرف النسخ بانتهاء أمد الحكم المقدر عند الله تعالى، ومن نظر إلى الثاني عرفه برفعه، ينادي بهذا التحقيق قول الإمام فخر الإسلام: \"وهو في حق صاحب الشرع بيان محض لمدة الحكم المطلق الذي كان معلومًا عند الله تعالى، إلا أنه أطلقه فصار ظاهره البقاء في حق البثر، فكان تبديلًا في حقنا بيانًا محضًا في حق صاحب الشرع\".\nولا يظن أحد أنه يلزم على ذلك تعدد الحق، بل الحق واحد، فالمنسوخ حق في زمان العمل =","vol":"4","page":30},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"وقيل: للثاني\"، وعليه القَفَّال (^١).\n_________\n= قبل النسخ، والناسخ حق في زمانه وقت العمل به، ولا تعدد أصلًا، ونسخ الشرائع بعضها بعضًا شاهد عدل على هذا. ينظر: البرهان لإمام الحرمين ٢/ ١٢٩٣، والبحر المحيط للزركشي ٤/ ٦٣، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٣/ ٩٥، سلاسل الذهب للزركشي ص ٢٩٠، والتمهيد للأسنوي ص ٤٣٥، ونهاية السول له ٢/ ٥٤٨، وزوائد الأصول له ص ٣٠٨، ومنهاج العقول للبدخشي ٢/ ٢٢٤، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص ٨٧، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ٧، والمنخول للغزالي ص ٢٨٨، والمستصفى له ١/ ١٠٧، وحاشية البناني ٢/ ٧٤، والإبهاج لابن السبكي ٢/ ٢٢٦، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/ ١٢٩، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ١٠٦، والمعتمد لأبي الحسين ١/ ٣٦٣، وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ص ٣٨٩، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ٤/ ٤٦٣، وأعلام الموقعين لابن القيم ١/ ٢٩، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٣/ ٤٩، وميزان الأصول للسمرقندي ٢/ ٦٢١، ٩٨١، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ١٨٥، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ٣٤، وشرح المنار لابن ملك ص ٩١، والموافقات للشاطبي ٣/ ١٠٢، وتقريب الوصول لابن جزيّ ص ١٢٥، وشرح مختصر المنار للكوراني ص ٩١، ونشر البنود للشنقيطي ٢/ ٢٨٠، وشرح الكوكب المنير للفتوحي ص ٤٦٢، وتهذيب اللغة ٧/ ١٨١، ولسان العرب ٦/ ٤٤٠٧، وتاج العروس ٢/ ٢٨٢، ومعيار العقول في علم الأصول لابن المرتضى ١/ ١٧٢، وكشف الأسرار ٣/ ١٥٤، وحواشي المنار (٧٠٨)، والعدة ٣/ ٧٧٨، والحدود للباجي ص (٤٩)، واللمع ص (٣٠)، والوصول لابن برهان ٢/ ٧، وروضة الناظر (٣٦)، والرسالة للشافعي (١٢٨) ١٣٩، والمغنى للخبازي (٢٥٠)، والمسودة (١٩٥)، وشرح تنقيح الفصول (٣٠١)، والمنتهى لابن الحاجب (١١٣).\n(^١) وهل هو حقيقة في الإزالة مجاز في النقل، أو بالعكس، أو مشترك؛ ولكن هنا تنوعت الآراء في المعنيين يكون لفظ النسخ حقيقة وفي أيهما يكون مجازًا؛ فيه مذاهب حكاها العلامة أبو عمرو بن الحاجب من غير ترجيح، لكن ذهب القاضي أبو بكر الباقلاني ومن تابعه إلى أنه حقيقة فيهما، فاسم النسخ مشترك بين هذين المعنيين.\nوذهب القفال الشاشي إلى أنه حقيقة في النقل والتحويل.\nوذهب الإمام الجويني إلى أنه حقيقة في الإزالة مجاز في النقل، ويعلل ذلك بقوله: \"لأن النقل أخص من الزوال\" فإن النقل إعدام صفة وإحداث أخرى، وأما الزوال فمطلق الإعدام، وكون اللفظ حقيقة في العام مجازًا في الخاص أولى من العكس لتكثير الفائدة. =","vol":"4","page":31},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوفي الاصطلاح: رفع الحكم الشَّرْعي بدليل شرعي متأخّر. فيخرج\" بقيد \"الشرعي\" \"المُبَاح بحكم الأصل\"؛ إذ ليس حكمًا شرعيًّا.\n[وقوله: (بدليل شرعي) ليخرج\" (^١) \"الرفع بالنَّوم والغَفْلة\"، والموت والجنون.\nويخرج بقوله: \"متأخر\" الرفع \"بنحو: صلّ\" عند كل زوال \"إلى آخر الشَّهر\" وهكذا حكم كلّ متّصل من المخصّصات شرطًا كان أو غايةً أو استثناء\" (^٢).\nولقائل أن يقول: هذا ليس برفع؛ لأنَّ الحكم لم يثبت بأول الكلام؛ إذ الكلام بآخره، فكيف يرفع؟.\nثم قيد التأخر يغني عنه قولنا: بدليل شرعي؛ فإنه لا بُدّ أن يتأخر عن الذي يرفعه، ثم المخصّص المتصل متأخر لفظًا.\n_________\n= وقيل في الرد على ما ذهب إليه الإمام من التعليل: لا نسلم أن النقل أخص من الزوال؛ لأن الإزالة على ما قيل هي الإعدام، والإعدام يستلزم زوال صفة الوجود وتجدد أخرى وهي صفة العدم، وهما صفتان متقابلتان، متى انقضت إحداهما تحققت الأخرى. وإذا تعذر الترجيح كان القول بالاشتراك أشبه، ولعل هذا هو دليل من قال بالاشتراك، اللَّهم إلا أن يقال: \"مراد الإمام تبدل الصفة الوجودية بصفة وجودية أخرى فيكون النقل أخص\".\n(^١) سقط في أ.\n(^٢) ويمكن أن يعترض هذا التعريف بأن قوله: \"متأخر\" ليخرج نحو: صل إلى آخر الشهر زيادة لا يحتاج إليها؛ فإن الحكم لم يثبت بأول الكلام؛ لأن الكلام بالتمام، فكيف يرفع؟ اللهم إلا أن يقال: \"التصريح ودفع التوهم مما يقصد في الحدود، وربما يقال عليه أيضًا كما يقال على سابقه \"إن الحكم كلام الله وهو قديم، وما ثبت قدمه امتنع عدمه؛ فلا يتصور رفعه\".\nويجاب بأن المراد رفع تعلق الحكم أو الخطاب بالمكلف تنجيزًا كما حكى المصنف بحيث يصير مكلفًا بالفعل الذي لولا الرفع لبقي واستمر. فلو قال ابن الحاجب في تعريفه \"رفع تعلق الحكم الشرعي بدليل شرعي\" لسلم من هذا الاعتراض.","vol":"4","page":32},{"text":"وَنَعْنِي بِالْحُكْمِ مَا يَحْصُلُ عَلَى الْمُكَلَّفِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، فَإِنَّ الْوُجُوبَ الْمَشْرُوطَ بالْعَقْلِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ انْتِفَائِهِ قَطْعًا، فَلا يَرِدُ: الحُكْمُ قَدِيمٌ، فَلا يَرْتَفِعُ؛ لأَنَّا لَمْ نَعْنِهِ، وَالْقَطْعُ بِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ تَحْريمُ شَيْءٍ بَعْدَ وُجُوبِهِ انْتَفَى الْوُجُوب، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بالرَّفْعِ.\n\"الإِمَامُ: اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى ظُهُورِ انْتِفَاءِ شَرْطِ دَوَامِ الْحُكْمِ الأَوَّلِ، فَيَرِدُ أَنَّ اللَّفْظ دَلِيلُ النَّسْخِ [لا نَفْسُهُ] وَلا يَطَّرِدُ؛ فَإِنَّ لَفْظَ الْعَدْلِ: \"نُسِخَ حُكْمُ كَذَا\" لَيْسَ بِنَسْخِ، وَلا يَنْعَكِسُ؛ لأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِفِعْلِهِ ﵇. ثُمَّ حَاصِلُهُ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى النَّسْخِ؛ لأِنَّهُ فَسَّرَ الشَّرْطَ بِانْتِفَاص النَّسْخِ، وَانْتِفَاءُ انْتِفَائِهِ حُصُولُهُ.\nوَقَالَ الْغَزَالِيُّ ﵀: الْخِطَابُ الدَّالُّ عَلَى ارْتِفَاعِ الْحُكْمِ الثّابِتِ بِالْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى وَجْهٍ لَوْلاهُ لَكَانَ ثَابِتًا مَعَ تَرَاخِيهِ عَنْهُ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"ونعنى بالحكم\" في قولنا: رفع الحكم \"ما يحصل على المكلف بعد أن لم يكن\" ثابتًا، وهو تعليق الخطاب به تعلّق تنجيز؛ \"فإن الوجوب المشروط بالعقل لم يكن ثابتًا عند انتفائه قطعًا، فلا يرد\" حينئذ علينا اعتراض مَنْ قال: \"الحكم قديم، فلا يرتفع\"؛ لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه، فلا يتصوّر رفعه، ولا تأخره عن غيره.\nوإنما قلنا: إنه لا يرد؛ \"لأنا لم نعنه\" أي: لم نَعْنِ القديم كما عرفت، فأمكن رفعه وتأخره \"والقطع\" حاصل \"بأنه إذا ثبت تحريم شيء بعد وجوبه انتفى الوجوب، وهو المعنى بالرفع\" وإذا كان هذا هو المُرَاد بالحكم والرفع كان إمكان رفعه وتأخره ضروريًّا.\nالشرح: وقال \"الإمام\" في \"البرهان\": \"اللَّفظ الدالّ على ظهور انتفاء شرط دَوَام الحكم الأول (^١)، ويرد أن اللَّفظ دليل النسخ لا نفسه\"، \"ولا يطرد فإن لفظ العَدْل\" القائل: \"نسخ حكم كذا\" يصدق عليه الحَدّ مع أنه \"ليس بنسخ\".\n_________\n(^١) وقال القاضي عضد الدين: \"ومعناه أن الحكم كان دائمًا في علم الله دوامًا مشروطًا بشرط لا يعلمه إلا هو. وأجل الدوام أن يظهر انتفاء ذلك الشرط للمكلف فينقطع الحكلم ويبطل دوامه، وما ذلك إلا بتوفيقه تعالى إياه. فإذا قال قولًا دالًا عليه فذلك هو النسخ.","vol":"4","page":33},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"ولا ينعكس؛ لأنه قد يكون بفعله ﷺ، ثم\" إنه تعريف الشيء بنفسه إذ \"حاصله: اللَّفظ الدال على النسخ؛ \"لأنه فسر الشرط\" شرط دوام الحكم \"بانتفاء النسخ\"، حيث قال في \"البرهان\": ويرجع التقدير في الحكم الأول إلى أن الحكم ثابت بشرط ألَّا ينسخ، فإذا ظهر النَّسْخ لم يكن مقتضاه دفع ما تحقَّق ثبوته، ولكن كان الانتفاء شرط الاستمرار … انتهى.\nفإذا كان مراده شرط دوام الأول انتفاء النسخ، \"وانتفاء انتفائه حصوله\"، فكأنه قال: النسخ: اللَّفظ الدَّال على النسخ، فعرف الشيء بنفسه.\n\"وقال الغزالى\" في \"المستصفى\" تبعًا للقاضي حيث قال في \"التقريب\": النسخ \"الخطاب الدَّال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدّم على وجه لولاه لكان ثابتًا مع تراخيه عنه\" (^١).\n[وقصد] (^٢) بالقيد الأوَّل تعميم كلّ خطاب كان من باب المنظوم أو غيره، والاحتراز عن الموت ونحوه مما يدلّ على ارتفاع الأحكام.\nوبالتالي وهو \"الخطاب المتقدم\": الاحتراز عن الدال على ارتفاع حكم الفعل قبل ورود الشرع.\n_________\n(^١) وقال في بيانه \"وإنما آثرنا لفظ الخطاب على لفظ النص ليكون شاملًا للفظ والفحوى والمفهوم وكل دليل؛ إذ يجوز النسخ بجميع ذلك.\nوإنما قيدنا الحد بالخطاب المتقدم؛ لأن ابتداء إيجاب العبادات في الشرع مزيل حكم الفصل من براءة الذمة ولا يسمى نسخًا؛ لأنه لم يزل حكم خطاب.\nوإنما قيدنا بارتفاع الحكم ولم نقيد بارتفاع الأمر والنهي؛ ليعلم جميع أنواع الحكم من الندب، والكراهة؛ والإباحة فجميع ذلك قد ينسخ.\nوإنما قلنا: لولاه لكان الحكم ثابتًا به؛ لأن حقيقة النسخ الرفع، فلو لم يكن هذا ثابتًا لم يكن هذا رافعًا؛ لأنه إذا ورد أمر بعبادة مؤقتة وأمر بعبادة أخرى بعد تصرم ذلك الوقت لا يكون الثاني ناسخًا فإذا قال: \"وأتموا الصيام إلى الليل\" ثم قال: \"في الليل لا تصوموا\" لا يكون ذلك نسخًا، وإنما قلنا مع تراخيه؛ لأنه لو اتصل به لكان بيانًا وإنما لمعنى الكلام وتقديرًا له بمدة أو شرط إنما يكون رافعًا إذا ورد بعد أن ورد الحكم واستقر بحيث يدوم لولا الناسخ.\n(^٢) في ب: قصدنا.","vol":"4","page":34},{"text":"وَأُورِد: الثَّلاثَةُ الأُوَل، وَأَنَّ قَوْلَهُ: عَلَى وَجْهٍ … إلَى آخِرِهِ زِيَادَةٌ.\nوَقَالتِ الْفُقَهَاءُ: النَّصُّ الدَّالُّ عَلَى انْتِهَاء أَمَدِ الْحُكْمِ الشَّرْعِي مَعَ التَّأخُّرِ عَنْ مَوْرِدِهِ.\nوَأُورِدَ: الثَّلاثَةُ [الأُوَلُ]، فَإِنْ فَرُّوا مِنَ الرَّفْع لِكَوْنِ الْحُكْمِ قَدِيمًا وَالتَّعَلُّقِ قَدِيمًا، فَانْتِهَاءُ أَمَدِ الْوُجُوبِ يُنَافِي بَقَاءَهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَعْنَى الرَّفْعِ، وَإنْ فَرُّوا؛ لأَنَّهُ لا يَرْتَفِعُ تَعَلّقٌ بِمُسْتَقْبَلِ لَزِمَهُمْ مَنْعُ النَّسْخِ قَبْلَ الْفِعْلِ كَالمُعْتَزِلَةِ وَإنْ كَانَ لأَنَّهُ بَيَانُ أَمَدِ التَّعَلُقِ بالْمُسْتَقْبَلِ الْمَظْنُونِ اسْتِمْرَارُه، فَلا بُدَّ مِنْ زَوَالِهِ.\n<hr><s0>\n\nوبالثالث: وهو \"على وجه لولاه لكان مستمرًّا\" الاحتراز عما إذا ورد الخطاب بحكم مؤقّت، ثم ورد عند تصرم ذلك الوقت بحكم مناقض للأول، فإنه لا يكون نسخًا للأول؛ لأنه انتهى.\nوبالرابع: الاحتراز عن المتّصل كالاستثناء والشرظ والغاية.\nوقد أطنب القاضي في \"التقريب\" في الانتصار لهذا الحد.\nالشرح: \"وأورد\" عليه \"الثلاثة الأول\" وهي.\nأنّ اللفظ دليل النسخ.\nوقول العدل يدخل فيه.\nوفعل الرسول ﷺ يخرِج عنه.\nورابع وهو \"أن قوله: على وجه … إلى آخره زيادة\" لا يحتاج إليها.\nوأما قوله: \"على وجه لولاه لكان ثابتًا\"؛ فلأن الرفع لا يكون إلَّا كذلك، فقد أغنى لفظ الرَّفع عن هذا.\nوأما قوله: \"مع تراخيه عنه\"، فإنما ذكره - كما عرفت - احترازًا من الاستثناء والشرط والغاية، وبذلك صرّح القاضي في \"التقريب\"، ولفظ \"المتقدم\" يدرأ النقض بذلك.","vol":"4","page":35},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nولك أن تقول: ولفظ \"الرفع\" أيضًا يدفعه.\nوأيضًا: فقولنا: \"الدَّالّ\" يتضمّن كونه مؤخرًا عنه، والاستثناء والغاية والشرط لا يرفع، وإنما يدفع، فلم جعلتم التأخر قيدًا في تعريفكم مع أن لفظ التراخي أجود منه؛ لأنّ الاستثناء متأخر، وكذا الغاية، والشرط المتأخر مخرجًا لها بخلاف التراخي؛ لأنه يفهم إخراج ما لا يعقب اللفظ؟\n\"[وقالت] (^١) الفقهاء: النص الدَّال على انتهاء أمَدِ الحكم الشرعي مع التأخر عن مورده (^٢)، وأورد\" عليهم \"الثلاثة\" الواردة على الحدّين السَّابقين (^٣).\n\"وأيضًا فإن فرُّوا من الرفع لكون الحكم قديمًا والتعلّق قديمًا، فانتهاء أمد الوجوب\n_________\n(^١) في ب: قال.\n(^٢) ومعنى ذلك أن الحكم له غاية ينتهي بانتهائها، لكن لما لم تكن تلك الغاية مبنبة بالنص الدال على الحكم الأول جاء النص الثاني متأخرًا عن ورود الحكم الأول وبين تلك الغاية، فقولهم في التعريف: \"مع التأخير عن مورده\" احتراز عن البيان المتصل بالحكم الأول، سواء كان مستقلًا كـ\"لا تقتلوا أهل الذمة\" عقب: \"اقتلوا المشركين\" متصلًا، أو غير مستقل، كالاستثناء، والغاية، والشرط، والوصف.\n(^٣) وهو أن النص دليل النسخ لا نفسه، وأن التعريف غير مطرد، لدخول قول العدل فيه، وليس بنسخ. وغير منعكس، لخروج ما هو نسخ عنه، إذ قد يكون النسخ بفعله ﵊. ويجاب عن الأول بما أجبنا به سابقًا؛ وعن الثاني بأن قول الراوي: \"نسخ حكم كذا\" ليس بنص، فلا بأس بخروجه، وعن الثالث بأنا لا نسلم خروج فعله ﵇ من التعريف بل هو داخل من حيث إنه أفاد حكمًا نصا فيه؛ فإنه يوصف بما توصف به الألفاظ من الظاهر والمجمل.\nثم إن من تأمل في كتب الأصول يجد أن الفقهاء لجئوا إلى هذا التعريف فرارًا من الرفع؛ وذلك لأن الحكم قديم، والتعلق قديم، فلا يتصور رفع شيء منهما، وفساد هذا ظاهر؛ فإن انتهاء أمد الوجوب لا يتصور مع دوام الوجوب، وعدم دوامه، هو رفعه، فقد قالوا بالرفع معنى، وأنكروه لفظًا. أو بعبارة أخرى أن الرفع لازم الانتهاء؛ فإن الحكم إذا انتهى ارتفع. وإذا كان القديم لا يرتفع فكذا لا ينتهي. وإذا كان المراد انتهاء تعلقه فكذا المراد برفعه رفع تعلقه، فلا معنى لفرارهم من الرفع إلى الانتهاء.","vol":"4","page":36},{"text":"الْمُعْتَزِلَةُ: اللَّفْظُ الدَّالُ عَلَى أَنَّ مِثْلَ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالنَّصِّ الْمُتَقَدِّمِ زَائِلٌ عَلَى وَجْهٍ لَوْلاهُ لَكَانَ ثَابِتًا، فَيَرِدُ مَا عَلَى الْغَزَالِيّ، وَالْمُقَيَّدُ بِالْمَرَّةِ بِفَعْلٍ.\n<hr><s0>\n\nينافي بقاءه\" أي: بقاء الوجوب \"عليه\" أي: على ما كان \"وهو معنى الرفع\"، فقد قالوا بالرفع معنى، وفروا منه لفظًا.\n\"وإن فروا لأنه] لا] (^١) يرتفع تعلّق [بمستقبل] (^٢) \"أي: لأن التعلق بفعل مستقبل لا يمكن رفعه، فإذا نسخ علم أنه لم يكن متعلّقًا به، \"لزمهم\" محذور آخر، وهو \"منع النسخ قبل\" وقت \"الفعل\"؛ لأنه إذا صدق أنما نسخ، فالخطاب لم يتناوله صدق بحكم عكس النقيض أن ما يتناوله الخطاب لا ينسخ، ولا شكّ أن الخطاب في قولك: صَلِّ يوم الخميس قد تناول الفعل على الجملة، فيجب ألَّا يمكن نسخه.\nفكان مذهبهم في ذلك \"كالمعتزلة\".\n\"وإن كان\" فِرَارهم من لفظ الرفع \"لأن بيان أَمَد العلق بالمستقبل المظنون استمراره\" قبل سماع الناسخ \"فلا بد من زواله\"، فإذان لا خلاف في المعنى.\nالشرح: وقالت \"المعتزلة: اللفظ الدَّال على أن مثل الحكم الثابت بالنص المتقدم زائل على وجه لولاه لكان ثابتًا\".\nوهو كتعريف القاضي والغزالي، إلَّا أنهم لم يأتوا بلفظ الرفع.\n\"فيرد ما على الغزالي، والمقيد بالمرة\" [الواحدة] (^٣) \"بفعل\" يرد عليهم، ولا يرد على الغَزَالي.\nوصورته: يجب عليك الحج في عمرك مَرّة واحدة، وهو قد حجّ مرة، فإنه لفظ\n_________\n(^١) سقط في أ، ب، ت.\n(^٢) في ت: بمستقل.\n(^٣) سقط في ت.","vol":"4","page":37},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n[دَلَّكَ] (^١) على أن مثل الحكم الثَّابت بالنص المتقدم - وهو الحج - زائل عنه على وجه لولاه لكان ثابتًا بحكم العموم الذي لا يدفعه التقييد بالمرة.\nواعلم أن أئمتنا وأئمة المعتزلة قد أكثروا القول في تعريف النَّسْخ، وأنا أبدًا أستثقل الإكثار من ذكر التَّعَاريف، والاشتغال بتزييفها؛ فإن المعاني إذا لاحت لم يحسن بطالب التحقيق تضييع الأوقات في تحرير العبارة عنها، والأوقات أنفس من التنافس في ذلك.\nوحاصل الخلاف يرجع إلى أن النسخ رَفْعٌ أو إثبات؟.\nوفيه قولان مشهوران.\nثم كل ذي قول يرجع تعريفه إلى أصله، وإن اضطرب على أصله، فليس بخلاف من قبله، بل ربما أتى من اختلاف العبارات وقفة تصويبهم عما يرد عليها.\nوموضع التشاجر هو أن النسخ رفع أو بيان؟.\nوالقول بأنه رفع هو رأي القاضي، والغزالي، وابن الأنباري، والآمدي، والمصنف، وجمع كثير، وإياه نختار.\nوأقرب الحدود عندنا على هذا أن النسخ: رفع الحكم الشرعي بخطاب.\nوقلنا: \"بخطاب\" ليخرج ارتفاعه بالموت ونحوه، وهو ما عرفه به ابن الأنباري. والقول بأنه بيان: رأى الأستاذ أبي إسحاق، وإمام الحرمين، والإمام، وأكثر الفقهاء، وقد عرفت ما نعني بالرَّفْع والبيان في أدراج الكلام، ووضح لك هو أن الخلاف بعده، وإن استعظمه مستعظمون.\nولقد ذكر ابن السَّمْعَاني حدّ القاضي أولًا، ثم حدّ الفقهاء ثانيًا، واقتضى كلامه أنهما عنده صحيحان مرضيان.\nوللخلاف في أنه رفع أو بيان أصل أصيل، وهو اختلاف المتكلمين في أن زوال الأعراض بالذَّات أو بالضد؟.\nفإن من قال ببقائها قال: إنما ينعدم الضِّد المتقدم لطريان الطَّارئ، ولولاه لبقى.\n_________\n(^١) في ت: ذلك.","vol":"4","page":38},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nومن لم يقل ببقائها قال: إنه لم ينعدم بنفسه، ثم يحدث الضد الطاريء، وليس له تأثير في إعدام الضد الأول.\nولا تحسبنّ موافقة الفقهاء للمعتزلة في أن النَّسْخ بيان جريًا على أصولهم، فإن المعتزلة إنما صاروا إلى ذاك لأن الحكم قول، والأقوال عندهم لا تبقى، فلا بد من تجدّدها.\nولو قيل ببقائها، فلا يمكنهم تفسيره بالرفع؛ إذ الأمر عندهم يتبع الصّفات إما الذاتية، وإما التابعة للحدث، وهي مستقرة ثابتة لا تتبدّل ولا تزول، فاستحال عندهم أن تكون رفعًا.\nوالفقهاء لا يوافقونهم على هذه الأصول، ولكن لم يعقلوا الرفع لكلام - الله تعالى - ففروا منه كما عرفت، ورجعوا إلى ما يتعلّق بالبيان (^١).\n_________\n(^١) إن من تأمل في كلام الفقهاء يجد أن التعريف عندهم مبني على أن الحكم الأول مؤقت بوقت ظهر فيه الحكم الثاني في علمه تعالى، فليس هناك رفع بل إنما هو بيان الأمد الذي وقت به، وهذا بخلاف التعريف عناه الأصوليين؛ فإنه مبني على أن الحكم الأول غير مؤقت بل مطلق ارتفع بالنسخ فهل بين التعريفين خلاف؟: \"مذهبان\".\n\"والخلاف لفظي\" لأن مرادنا بالرفع زوال التعلق المظنون استمراره قبل ورود الناسخ، وهو المراد بانتهاء أمد الحكم، وليس الفرار إليه لأن قدم الحكم يأبى الرفع دون الانتهاء؛ لأن الانتهاء ليس إلا عدم وجود شيء بعد الأمد وهو الرفع، ويأبى عن القدم؛ فإنه ليس النسخ إلا انتهاء الحكم إلى أمد معيد، وهو ارتفاع التعلق المظنون بقاؤه. فمثله مثل التخصيص غير أن الأول يكون في الأزمان، الثاني يكون في الأفراد.\nقال صاحب مسلم الثبوت: \"الحق أن الخلاف معنوي\" وتحقيقه أن الخطاب المطلق النازل في علمه تعالى هل كان مقيدًا بالدوام، فكان النسخ رفعًا لهذا الحكم المقيد بالدوام، ولا يلزم التكاذب؛ لأن الإنشاء لا يحتمل الكذاب، وإنما يرفع الثاني الأول؟ أو كان الخطاب في علمه تعالى مخصصًا ببعض الأزمنة، وهو الزمان الذي ورد فيه النسخ لكن لم ينزل التقييد عند نزول المنسوخ: فكان النسخ بيانًا لهذا الآن المقيد به الحكم عند الله تعالى؛ فالمعرف بالرفع ذهب إلى الأول وبيان الأمد إلى الثاني. والأول كالقتل عند المعتزلة، والثاني كالقتل عند أهل السنة والجماعة، في أن المقتول على الأول قد ارتفعت حياته بالقتل لولاه لبقي حيًّا، وعلى الثاني القتل علامة مجيء الأجل ولولاه لمات لمجيء أجله. والحق كما قرره ابن الحاجب أن الخلاف لفظي.","vol":"4","page":39},{"text":"وَالإِجْمَاعُ عَلَى الْجَوَازِ وَالْوُقُوعِ. وَخَالفتِ الْيَهُودُ فِي الْجَوازِ، وَأَبُو مُسْلِمٍ الأَصْفَهَانِيُّ فِي الْوُقُوعِ.\nلَنَا: الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ، وَإنِ اعْتُبِرَتِ الْمَصَالِحُ فَالْقَطْعُ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ قَدْ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأَوْقَاتِ. وَفِي التَّوْرَاةِ: أَنَّهُ أَمَرَ آدَمَ ﵇ بِتَزْوِيجِ بَنَاتِهِ مِنْ بَنِيهِ، وَقَدْ حُرِّمَ ذَلِكَ باتِّفَاقٍ.\nوَاسْتُدِلَّ بَإِبَاحَةِ السَّبْتِ، ثُمَّ تَحْرِيمِهِ، وَبِجَوَازِ الْخِتَانِ ثُمَّ إِيجَابِهِ يَوْمَ الْوِلادَةِ عِنْدَهُمْ، وَبِجَوَازِ الأُخْتَيْنِ ثُمَّ التَّحْرِيمِ.\nوَأُجِيبَ بِأَنَّ رَفْعَ مُبَاحِ الأَصْلِ لَيْسَ بِنَسْخٍ.\n<hr><s0>\n\nونظير الخلاف في أنه رفع أو بيان، الخلاف في الحدث هل نقول: انتقض به الوضوء، وهو رأى ابن القاص، وظاهر تبويب صاحب \"التنبيه\"، أو انتهى، وهو رأى أكثرهم مع اتفاق الكل على أنه لا ينعطف على ما مضى لا في النسخ ولا في [الحدث] (^١).\nالشرح: إذا عرفت حقيقة النسخ فنقول: \"الإجماع على الجواز والوقوع، وخالفت اليهود\" غير العيسوية \"في الجواز\".\nوكذلك بعض غُلاةِ الروافض، \"وأبو مسلم الأصفهاني\" صاحب \"تفسير القرآن\"، \"في الوقوع\"، وسنعرفك سرّ مذهبه.\n\"لنا: القطع بالجواز\"، إذ لا يلزم من فرض وقوعه مُحَال.\n\"وإن اعتبرت المصالح\" في التكاليف كما هو رأي القدرية، \"فالقطع أن المصالح قد تختلف باختلاف الأوقات.\n\"وفي التوراة: أنه \" - تعالى - \"أمر آدم بتزويج بَنَاته من بَنِيهِ، وقد حرم ذلك باتفاق\" وهو النسخ، فدلّ على وقوعه (^٢).\n_________\n(^١) في ب، ت، ج: الحديث.\n(^٢) ورد في السفر الأول من التوراة أن الله تعالى قال لنوح ﵇ عند الخروج من الفلك: ﴿جعلت كل دابة حية مأكلًا لك ولذريتك، وأطلقت ذلك لكم كنبات العُشب ما خلا الدم فلا=","vol":"4","page":40},{"text":"قَالُوا: لَوْ نُسِخَتْ شَرِيعَةُ مُوسَى ﵇ لَبَطَلَ قَوْلُ مُوسَى ﷺ الْمُتَوَاتِرُ: هَذِهِ شُرِيعَةٌ مُؤَبَّدَةٌ.\nقُلْنَا: مُخْتَلَقٌ.\nقِيلَ: مِنِ ابْنِ الرَّاوَنْدِيِّ، وَالْقَطْعُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَهُمْ صَحِيحًا لَقَضَتِ الْعَادَةُ بِقَوْلهِ ﷺ.\nقَالُوا: إِنْ نَسَخَ لِحِكْمَةٍ ظَهَرَتْ لَهُ لَمْ تَكُنْ ظَاهِرَةً لَهُ فَهُوَ الْبَدَاءُ، وَإلَّا فَعَبَثٌ.\nوَأُجِيبَ: بَعْدَ اعْتِبَارِ الْمَصالِحِ أَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأَزْمَانِ وَألأَحْوَالِ، كمنْفَعَةِ شُرْبِ دَوَاءٍ في وَقْتٍ أَوْ حَالٍ وَضَرَرِهِ في آخَرَ، فَلَمْ يَتَجَدَّدْ ظُهُورُ مَا لَمْ يَكُنْ.\nقَالُوا: إِنْ كَانَ مُقَيّدًا فَلَيْسَ بِنَسْخٍ، وَإِنْ دَلَّ عَلَى التَّأْبِيدِ لَمْ يُقْبَلْ؛ لِلتَّنَاقُضِ بِأَنَّهُ مُؤَبَّدٌ لَيْسَ بِمُؤَبَّدٍ، وَلأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى تَعَذُّرِ الإِخْبَارِ بالتَّأْبِيدِ، وَإِلَى نَفْي الْوُثُوقِ بتَأْبيدِ حُكْمٍ مَا، وَإلَى جَوَازِ نَسْخِ شَرِيعَتِكُمْ.\n<hr><s0>\n\n\"واستدل\" على الوقوع أيضًا \"بإباحة\" العمل يوم \"السبت، ثم تحريمه، وبجواز الخِتَان، ثم إيجابه يوم الولادة عندهم، وبجواز الأختين، ثم التحريم. وأجيب: بأن\" ما ذكرتم \"رفع\" للإباحة الثابتة بالعَقْل، وقد قدمنا أن رفع \"مباح الأصل ليس بنسخ\".\nالشرح: واليهود \"قالوا: لو نسخت شريعة موسى لبطل قول موسى المتواتر: هذه شريعة مؤبّدة، قلنا\": هذا حديث \"مُخْتَلَقٌ\" مفترى على موسى ﵇.\n_________\n= تأكلوه\" ثم حرم منها كثير على لسان موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام كما في السفر الثالث من التوراة، فلزم القول بالنسخ.\nفإن قال الخصم في هذين الدليلين: \"يحتمل أن أمر آدم والإباحة لنوح وذريته كانا مطلقين بظهور شريعة من بعده\" قلنا: \"الأمر لآدم والإباحة لنوح كانا مطلقين، والأصل عدم التقييد\" .. وإن قيل: \"إنه كان ذلك مقيدًا في علم الله تعالى بظهور شريعة أخرى .. قلنا: هذا هو النسخ بعينه\" فإن الله تعالى إذا أمر بالفعل مطلقًا فهو عالم بأنه سينسخه، ويعلم وقت نسخه .. فتقييده في علمه لا يخرجه عن حقية النسخ.\nوقد احتج عليهم بإلزامات أخرى، منها: تحريم الاصطياد وقتل الحيوان ولو بحق يوم السبت=","vol":"4","page":41},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"قيل: من ابن الراوندي (^١)، (^٢) والقطع أنه لو كان عندهم صحيحًا لقضت العادة بقوله\n_________\n= في شريعة موسى عيه السلام بعد إباحته إباحة مطلقة عن الغاية في شريعة إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. ومنها تحريم جمع الأختين في شريعة موسى عيه السلام وما بعدها من الشرائع بعد الإباحة في شريعة يعقوب ﵇؛ فإنه جمع بين الأختين. ومنها وجوب الختان عندهم يوم الولادة، وقيل: في الثامن في شريعة موسى عيه السلام بعد الإباحة في شريعة إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.\nفإن قال الخصم ردًا لهذه الإلزامات الثلاث: \"إن هذه الأمور لم يتعلق بها خطاب في شريعة، بل هذه كانت مباحة قبل التحريم والوجوب، ورفع مباح الأصل ليس بنسخ\".\nقلنا جوابًا عن هذا الرد: \"التحقيق أن هذه المباحات مباحات شرعية، بدليل أن الله جل شأنه لم يترك الإنسان من منذ نشأته في حين من الأحيان سدى قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ولم يمض وقت إلا وفيه شريعة نذير، وإذا كان فلا بد أن تكون هذه المباحات شرعية واردة في شرائع هؤلاء النذر؛ لذلك ذهب الإمام فخر الإسلام إلى بطلان القول بالإباحة الأصلية مستدلًا بالآية الكريمة السابقة.\nووجه الاستدلال بها: أن الإنسان لم يترك في حين من الأحيان سدىً بل هو مكلف بشريعة نبي من الأنبياء، فلا شك أن الأشياء منها ما كان على الوجوب، ومنها ما كان على التحريم، وهكذا، فالقول بالإباحة مطلقًا باطل، إلَّا بمعنى عدم المؤاخذة؛ لاندراس الشرائع زمان الفترة، وجعل هذا الجهل عذرًا. وأيضًا تلك الإباحات لما تقررت في تلك الشرائع وعلمت الأمة بها من غير نكير من النذر لها صارت بحكم التقرير أنها من أحكام تلك الشرائع، فيكون رفعها رفع حكم شرعي، وهو النسخ. كيف وقد جمع يعقوب بين الأختين وفعل النبي تشريع؟ وكذا الاصطياد والاختتان. فهذه الحجج ثابتة من غير أن يمسها أدنى شبهة من أدنى التلبيس.\n(^١) أحمد بن يحيى بن إسحاق، أبو الحسين، الراوندي أو ابن الراوندي. فيلسوف مجاهر بالإلحاد، من سكان بغداد. نسبته إلى \"راوند\" من قرى \"أصبهان\". قال ابن خلكان: له مجالس ومناظرات مع جماعة من علماء الكلام. قال ابن كثير: أحد مشاهير الزنادقة. قال ابن حجر العسقلاني: زنديق شهير، كان أولًا من متكلمي المعتزلة ثم تزندق واشتهر بالإلحاد. قال ابن الجوزي: ملحد زنديق، وإنما ذكرته ليعرف قدر كفره. له كتاب في الرد على أهل التوحيد وكتاب في الطعن علي رسول الله. ومن كتبه أيضًا: \"التاج\" و\"الزمرد\". مات برحبة مالك بن طوق سنة ٢٩٨ هـ. وقيل: صلبه أحد السلاطين بـ\"بغداد\".\nينظر: وفيات الأعيان ١/ ٢٧، والبداية والنهاية ١١/ ١١٢، وكشف الظنون (١٢٧٤)، والأعلام ١/ ٢٦٧.\n(^٢) \"ليعارض بها دعوى رسالة سيد العالم محمد ﷺ؛ إذ لو كانت متواترة كما تدعون لنقلت إلينا =","vol":"4","page":42},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n[له] (^١) ﷺ \" ولاتخذوا ذلك، من أقوى العصم، ولو فعلوا ذلك لتناقله الناقلون تواترًا؛ لأن الأمور الخطيرة لا يخفي وقوعها؛ لتوفر الدواعي على نقلها.\n\"قالوا: إن نسخ لحكمة ظهرت له لم تكن ظاهرة له فهو البَدَاء، وإلَّا فعبث\"، وكلاهما مستحيل على الرب، تعالى، وهذا الوجه هو عُمْدَتهم.\n_________\n= من أحباركم الذين أسلموا، وهم أعرف الناس بهذه الشريعة، ككعب الأحبار، وابن سلام، ووهب بن منبه وغيرهم.\nوما زعموا أن في النوراة (تمسكوا بالسبت ما دامِت السموات والأرض) فمدفوع بأنه لا تواتر في التوراة الكائنة الآن؛ لاتفاق أهل النقل على إحراق بختنصر أشعارها، وأنه لم يبق من يحفظها. بل ذكر أحبارهم \"أن عزيرًا ألهمها فكتبها ودفعها إلى تلميذ ليقرأها عليهم فأخذوها من التلميذ\" وبخبر الواحد لا يثبت التواتر. وبعضهم زعم أن التلميذ زاد فيها ونقص، فكيف يوثق بما هذا سبيله؟ ولذا لم تزل نسخها الثلاث التي بأيدي القضائية، والتي بأيدي السامرية، والتي بأيدي النصارى مختلفة في أعمار الدنيا وأهلها، ففي نسخة السامرية زيادة ألف سنة وكسر على ما في نسخه القضائية، وفي نسخة النصارى زيادة ألف سنة وثلاثمائة وفيها الموعد بخروج المسيح وبخروج العربي صاحب الجمل وارتفاع تحريم السبت عند خروجهما، على أن السامرية أنبأت بأن من هبوط آدم ﵇ إلى الطوفان ألف سنة وثلاثمائة وسبع سنين. وأنبات العبرانية وهي التي بأيدي اليهود إلى زماننا بأن بين هبوط آدم والطوفان ألف سنة وخمسمائة وستًا وخمسين سنة؛ وهو باطل باتفاق، وأيضًا لو كانت هذه النقول صحيحة لكانت أقوى دليل يتمسكون به في محاجة الرسول ومعارضته في زمنه ﵊، وأيضًا يقال لهم: \"كيف تدعون التواتر وأنتم مختلفون في فن الحديث فإن منكم من قال الحديث: \"إن أطعتموني كما أمرتكم به ونهيتكم عنه ثبت ملككم كما ثبتت السموات والأرض\" وليس في ذلك ما يدل على أحالة النسخ، على أننا لو سلمنا لهم صحة ما نقلوه فيحتمل أنه أراد من الشريعة التوحيد، ويحتمل أنه أراد بقوله: \"مؤبدة\" ما لم تنسخ بشريعة نبي آخر. ومع احتمال هذه التأويلات فلا يعارض قوله ما ظهر على يد النبيّ ﷺ من المعجزات القاطعة الدالة على صدقه في دعواه الرسالة ونسخ شريعة من تقدم. كيف وأن لفظ التأبيد قد ورد في التوراة ولم يرد به الدوام كقوله: \"إن العبد يستخدم ست سنين ثم يعتق في السَّابعة، فإن أبي العتق فلتثقب أذنه ويستخدم أبدًا\" وكقوله في البقرة التي أمروا بذبحها: \"هذه سنة لكم أبدًا\" وكقوله: \"قربوا كل يوم خروفين قربانا دائمًا\".\n(^١) سقط في أ، ب، ت.","vol":"4","page":43},{"text":"وَأُجِيبَ: بِأَنَّ تَقْيِيدَ الْفِعْلِ الْوَاجِبِ بِالتَّأْبِيدِ لا يَمْنَعُ النَّسْخَ كَمَا لَوْ كَانَ مُعَيَّنًا مِثْلُ: صُمْ رَمَضَانَ\" ثُمَّ يُنْسَخُ قَبْلَه، فَهَذَا أَجْدَرُ.\nوَقَوْلُهُ: \"صُمْ رَمَضَانَ أَبَدًا\" بِالنَّصِّ يُوجِبُ أَنَّ الْجَمِيعَ مُتَعَلَّقُ الْوُجُوبِ، وَلا يَلْزَمُ الاِسْتِمْرَار، فَلا تَنَاقُضَ كَالْمَوْتِ، وَإنَّمَا الْمُمْتَنِعُ أَنْ يُخْبِرَ بِأَنَّ الْوُجُوبَ بِاقٍ أَبَدًا، ثُمَّ يُنْسَخُ.\nقَالُوا: لَوْ جَازَ لَكَانَ قَبْلَ وُجُودِهِ، أَوْ بَعْدَه، أوْ مَعَه، وَارْتِفَاعُهُ قَبْلَ وُجُودِهِ أَوْ بَعْدَهُ بَاطِلٌ وَمَعهُ أَجْدَرُ؛ لاِسْتِحَالَةِ النَّفْي وَالإِثْبَاتِ.\nقُلْنَا: الْمُرَادُ أَنَّ التَّكْلِيفَ الَّذي كَانَ زَالَ كَالْمَوْتِ لا أَنَّ الْفِعْلَ يَرْتَفِعُ.\n<hr><s0>\n\n\"وأجيب: بعد\" تسليم \"اعتبار المصالح أنها تختلف باختلاف الأزمان والأحوال، كمنفعة شرب دواء في وقت أو حال وضرره في آخر، فلم يتجدّد ظهور ما لم يكن\" بل تجددت مصلحة لم تكن، فلم يلزم البَدَاء.\n\"قالوا: إن كان\" المنسوخ \"مقيدًا\" بغاية، \"فليس\" زواله \"بنسخ\"، بل انتهى نهايته.\n\"وإن دلّ\" الخطاب الأول \"على التأبيد\" [أي] (^١) كان مؤبدًا \"لم يقبل\" النسخ؛ \"للتناقض بأنه مؤبد\" بدلالة الخطاب الأول \"ليس بمؤبد\" بدلالة النَّسْخ.\n\"ولأنه\" إذا كان مؤبدًا أو جاز نسخه \"يؤدي إلى تعذر الإخبار بالتأبيد\"؛ إذ ما من عبارة تذكر له إلا وتقبل النسخ.\nونحن على قَطْع أن ذلك معنى نفس، وكل معنى نفس يمكن التعبير عنه، \"وإلى نفى [الوثوق] (^٢) بتأبيد حكم ما\" وقد ذكرتم أحكامًا مؤبدة كالصَّلاة، \"وإلى جواز نسخ شريعتكم\"؛ فإن دليلكم على تأبيدها الإخبار بذلك، فإذا جاز النسخ مع الإخبار به جاز نسخها.\nالشرح: \"وأجيب بأن تقييد الفعل الواجب بالتأبيد لا يمنع النسخ كما لو كان\"\n_________\n(^١) في ت: أو.\n(^٢) في ب، ت: الوقوف.","vol":"4","page":44},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالواجب \"معينًا مثل: صم رمضان، ثم [ينسخ] (^١) قبله\" أي قبل دخول رمضان، \"فهذا\" لكونة غير متعين \"أجدر\"؛ إذ \"في له: صم رمضان أبدًا\" يقتضي إيجاب كل رمضان، وهو ظاهر في تناول أفراد الرمضانات لا نص.\nوقوله: صم رمضان المعين نص، فإذا جاز النسخ فيه كان الظَّاهر أجدر بالجواز.\nوقوله: صم رمضان أبدًا \"بالنّص\" على التأبيد \"يوجب\" أن الجميع متعلّق الوجوب، ولا يلزم\" من ذلك \"الاستمرار\" أي استمرار الوجوب، \"فلا تناقض\".\n\"كالموت\" فإن خطاب الملكلف بالوجوب يدز على أن جميع عمره - ولو كان مائة سنة - متعلّق الوجوب، لا أنه يستمر الوجوب مائة سنة.\nوما ذكروه من جواز نسخ شريعتنا ظاهر السقوط؛ فإن كلامنا في الإنشاءات، وشريعتنا أخبر الصادق أنها لا تنسخ، والأخبار لا تنسخ، فهو هَذَيَانٌ لا يستحق أن يلتفت إليه، \"وإنما [الممتنع] (^٢) أن يخبر بأن الوجوب باق أبدًا ثم ينسخ\"؛ لأنه يلزم منه الكذب، ولا كذلك في الإنشاء.\n\"قالوا: لو جاز\" النسخ \"لكان\" نسخ الفعل إما \"قبل وجوده، أو بعده، أو معه، وارتفاعه قبل وجوده أو بعده باطل\"؛ لأن رفع ما لم يوجد وما وجد وانقضى محال، \"ومعه أجدر\"، وأحق بالبطلان؛ \"لاستحالة\" [اجتماع] (^٣) \"النفي والإثبات\"، فيوجد ولا يوجد، وذلك المُحَال.\n\"قلنا: المراد\" من النسخ \"أن التكليف الّذي كان زال كالموت\" يزول به التكليف الذي كان في الحياة \"لا أن الفعل يرتفِع\"، فلو فهم ما يعنيه بالارتفاع لم يورد هذا.\n_________\n(^١) في أ، ت: ينسلخ.\n(^٢) في ج: للمتنع.\n(^٣) في أ، ت: إجماع.","vol":"4","page":45},{"text":"قَالُوا: إِمَّا أنْ يَكُونَ الْبَارِي ﷾ عَلِمَ اسْتِمْرَارَهُ أَبَدًا، فَلا نَسْخَ، أَوْ إِلَى وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، فَلَيْسَ بِنَسْخٍ.\nقُلْنَا: إِلَى الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ الَّذي عَلِمَ أنَّهُ يَنْسَخُهُ فِيهِ، وَعِلْمُهُ بِارْتِفَاعِهِ بِالنَّسْخِ لا يَمْنَعُ النَّسْخَ.\nوَعَلَى الأَصْفَهَانِيِّ: الإِجْمَاعُ [عَلَى] شَرِيعَتَنَا نَاسِخَةٌ لِمَا يُخَالِفُهَا، وَنَسْخُ التَّوَجُّهِ وَالْوَصِيَّةِ لِلأَقْرَبِينَ بالمَوَارِيثِ، وَذَلِكَ كَثيرٌ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"قالوا: إما أن يكون الباري علم استمراره أبدًا، فلا نسخ\"؛ وإلَّا لزم الجهل، \"أو\" عَلِمَ استمراره \"إلى وقت معين، فليس بنسخ\" أيضًا؛ لانتهائه بانتهاء مدّته.\n\"قلنا:\" نختار أنه يعلم استمراره \"إلى الوقت المعين الذي علم أنه ينسخه فيه، وعلمه بارتفاعه بالنسخ لا يمنع النسخ\"، بل يثبته ويحققه.\n\"وعلى الأصفهاني: الإجماع على أن شريعتنا ناسخةٌ لما يخالفها، ونسخ التوجّه\" إلى \"بيت المقدس\" بالتوجه إلى \"الكعبة\"، \"والوصية\" التي كانت واجبة \"للأقربين بالمواريث\"، وصوم عاشوراء برمضان، [وثبات] (^١) الواحد للعشرة إلى [ثباته] (^٢) للاثنين، \"وذلك كثير\".\nقال ابن السَّمْعَاني: [فإن] (^٣) لم يعترف بهذه الأشياء كان مكابرًا، واستحقّ أن يعرض عنه ولا يكلم.\nوإن قال: لا أسميه نسخًا كان تعنّتًا لفظيًّا.\n\n\"فائدة\"\nأبو مسلم هو محمد بن الأصفهاني قال ابن السمعاني: وهو رجل معروف بالعلم، وإن كان قد انتسب إلى المعتزلة ويعد منهم، وله كتاب كبير في التفسير، وله كتب كثيرة، فلا أدري كيف وقع هذا الخلاف منه. انتهى.\n_________\n(^١) في أ، ت: وبيان.\n(^٢) في أ، ت: بيانه.\n(^٣) في ت: فإنه.","vol":"4","page":46},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقلت: ووقفت على تفسيره وليس هو الجاحظ كما توهمه بعضهم، وإنما هو رجل من علماء المعتزلة.\n[وأنا] (^١) أقول: الإنصاف أن الخلاف بين أبي مسلم والجماعة لفظي، وذلك أن أبا مسلم يجعل ما كان مغيًا في علم الله - تعالى - كما هو مغيًا باللفظ، ويسمى الجميع تخصيصًا، ولا فرق عنده بين أن نقول: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٧]، وأن يقول: صوموا مطلقًا، وعلمه محيط بأنه سينزل: لا تصوموا وقت الليل.\nوالجماعة يجعلون الأول تخلصيصًا، والثاني نسخًا.\nولو أنكر أبو مسلم النَّسْخ بهذا المعنى لزمه إنكار شريعة المصطفى ﷺ، وإنما يقول: كانت شريعة السَّابقين مغياة إلى مَبْعَثِهِ ﵊، وبهذا يتضح لك الخلاف الذي حكاه بعضهم في أن هذه الشريعة مخصّصة للشرائع السابقة، أو ناسخة؟.\nوهذا معنى الخلاف، وإياك أن يختلج في ضميرك أن ما أقر في هذه الشريعة على وفق ما كان قبل، باقٍ على حاله، وإذا كان البعض باقيًا يكون تخصيصًا، فليس شيء بِبَاقٍ، بل كُلُّ مشروع في شرعئا مفتتح التشريع غير منظور فيه إلى ما سبق، سواء أوافق أم خالف، وإنما معنى الخلاف ما ذكرناه.\nوقد قال الشيخ الهندي: ليس من ضرورة القول بصحّة نبوة سيدنا محمد ﷺ، القول بصحّة النسخ حتى يلزم من أنكره إنكار النبوة، وذلك لاحتمال أن يقال: إن شرع الماضين كان مغيًا إلى ظهوره ﵊ في اللفظ.\nقلت: ولا حاجة إلى قوله: \"في اللفظ\" فقد يسميه منكره من المسلمين تخصيصًا، وإن لم يوجد في اللَّفظ كما قلناه، ويعود النزاع لفظيًّا كما قذمناه عن ابن السَّمْعَاني.\nوما ادّعاه المصنّف من الإجماع على أن شريعتنا ناسخة صحيح، ولا ينافيه حكاية بعضهم الخلاف في أنها مخصصة أو ناسخة؛ لأن مرادنا بكونها ناسخة أن كلّ مأمور ومنهى في شرعنا مفتتح التَّشريع، وأنّ كلّ الشَّرَائع السابقة قد انتهى أمرها، والخلاف المحكى لفظي لا معنوي.\n_________\n(^١) في ت: وإنما.","vol":"4","page":47},{"text":"<span data-type='title' id=toc-754>مَسْأَلَةٌ:\nالْمُخْتَارُ: جَوَازُ النَّسْخِ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ،</span> مِثْلُ: حُجَّوا هَذِهِ السَّنَةَ، ثُمَّ يَقُولُ قَبْلَهُ: لا تَحُجُّوا.\nوَمَنَعَ الْمُعْتَزِلَةُ وَالصَّيْرَفِيُّ.\n<hr><s0>\n\nوقد ادّعى القاضي في \"التقريب\": إطباق الأمة على أن النبي ﷺ إما أن يكون ناسخًا لشريعة من تقدمه، أو ناسخًا لبعضها، ومتعبدًا في الباقي بأمر ابتدئ به.\nوأنكر أن يكون متابعًا، ذكره في باب النسخ، وفي مسألة التعلّق بشرائع الماضين، وسيكون لنا [عودة] (^١) إلى ذكر ذلك عند الانتهاء إلى المسألة المذكورة إن شاء الله تعالى.\n«مسألة»\nالشرح: \"المختار: جواز النَّسْخ قبل وقت الفعل، مثل: حجّوا هذه السّنة، ثم يقول قبله\" أي قبل الوقت: \"لا تحجوا (^٢).\nومنع المعتزلة والصيرفي \".\n_________\n(^١) في ت: دعوة.\n(^٢) إن القائلين بجواز النسخ اتفقوا فيما بينهم على جواز نسخ حكم الفعل بعد خروج وقته، واختلفوا في نسخ حكم الفعل قبل التمكن، ومعنى التمكن أن يمضي بعدما وصل الأمر إلى المكلف زمان يسع الفعل المأمور به. مثال ذلك ما لو قال الشارع: \"في رمضان حجوا في هذه السنة\" ثم قال قبل يوم عرفة: \"لا تحجوا\" فقد ذهب إلى جواز ذلك الأشاعرة وكثير من أصحاب الشافعي وأكثر الفقهاء وعامة أصحاب الحديث. ومنع من ذلك جماهير المعتزلة وأبو بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي وبعض أصحاب الإمام أحمد بن حنبل. ينظر: شرح الكوكب ٣/ ٥٣١، والمحصول ١/ ٣/ ٤٦٧، والمعتمد ١/ ٤٠٦، والبرهان ٢/ ١٣٠٣، واللمع (٣١)، والتبصرة (٢٦٠)، وجمع الجوامع ٢/ ٧٧، والآيات البينات ٣/ ١٣٧، والمعتمد ١/ ٤٠٦، والعدة ٣/ ٨٠٧، والمستصفى ١/ ١١٢، والمنتهى ص ١١٥، والإحكام للآمدي ٣/ ١١٥، وأصول السرخسي ٢/ ٦١، وشرح العضد ٢/ ١٩٠، فواتح الرحموت ٢/ ٦١، وكشف الأسرار ٣/ ١٦٩، وشرح التنقيح ٣٠٧، والمسودة (٢٠٧)، وإرشاد الفحول ١٨٧، ونشر البنود ١/ ٢٩٣، والإبهاج ٢/ ٢٥٦.","vol":"4","page":48},{"text":"لَنَا: ثَبَتَ التَّكْلِيفُ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ؛ فَوَجَبَ جَوَازُ رَفْعِهِ، كالْمَوْتِ.\nوَأَيْضًا، فكُلُّ نَسْخٍ كَذَلِكَ؛ لأَنَّ الْفِعْلَ بَعْدَ الْوقْتِ وَمَعَهُ يَمْتَنِعُ نَسْخُهُ.\nوَاسْتُدِلَّ بِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ أُمِرَ بِالذَّبْحِ بِدَلِيلِ: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٠٢] وَبِالإقْدَامِ وَبِتَرْوِيعِ الْوَلَدِ، وَنُسِخَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ.\nوَاعْتُرِضَ بِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مُوَسَّعًا.\nوَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لا يَمْنَعُ رَفْعَ تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِالْمُسْتَقْبَلِ؛ لأَنَّ الأَمْرَ بَاقٍ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَانِعُ عِنْدَهُمْ، وَبِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُوَسَّعًا لَقَضَتِ الْعَادَةُ بِتَأْخِيرِهِ رَجَاءَ نَسْخِهِ أَوْ مَوْتِهِ؛ لِعِظَمِهِ.\n<hr><s0>\n\nواعلم أنّ هذه العبارة أعني قوله: \"النسخ قبل وقت الفعل\" قاصرة عن الغرض وإن قالها الأكثرون.\nوالأحسن في التعبير أن يقال: \"يجوز نسخ الشيء قبل مضي مِقْدَار ما [يسعه] (^١) من وقته؛ ليشمل ما إذا حضر وَقْت العمل، ولكن لم يمض مقدار ما [يسعه] (^٢)، فإن هذه الصّورة في محل النزاع أيضًا.\nالشرح: \"لنا: ثبت\" بالدليل المتقدم في مسألة توجه الأمر قبل المباشرة \"التكليف قبل وقت الفعل؛ فوجب جواز رفعه\" بالنسخ \"كالموت\" أي كما يرفع بالموت؛ لأنهما سواء.\n\"وأيضًا، فكلّ نسخ كذلك\" أي: قبل وقت الفعل، وقد اعترفتم بثبوت النسخ، فيلزمكم تجويزه.\nوإنما قلنا: كلّ نسخ كذلك؛ \"لأن الفعل\" أي التكليف بالفعل \"بعد الوقت ومعه يمتنع نسخه\".\n_________\n(^١) في ب: سبقه.\n(^٢) في ب: سبقه.","vol":"4","page":49},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأما بعده؛ فإما لأن التكليف بذلك الفعل المأمور به بعد مضي وقته ينتفي (^١)؛ لانتفاء شرطه وهو الوقت، وإذا انتفى فلا يمكن رفعه؛ لامتناع رفع المعدوم.\nوإما؛ لأن المكلّف إن كان أوقع المأمور به في وقته فقد أطاع، وإنْ لم يكن قد أوقع فقد عصى، وعلى التقديرين فلا نسخ.\nوأما مع الوقت فلما سلمته الخصوم من امتناعه حينئذ مصيرًا منهم إلى لزوم تَوَارد النفي والإثبات حينئذ على [شيء] (^٢) واحد في زمان واحد.\nوقد يقال على الأول: التكليف مقيد بعدم الموت عقلًا؛ فلا رفع.\nوعلى الثاني أن الكلام فيما إذا لم يقع فعل من الأفراد التي تناولها التكليف، وليس كلّ نسخ كذلك، فلم يتوجّه الإلزام.\n\"واستدل\" على المختار بدليل صحيح حاصله: التَّمَسُّك \"بأن إبراهيم أمر بالذبح\"، ونسخ عنه قبل التمكّن من الفعل، فأمر \"بدليل: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٠٢] وبالإقدام، وبِتَرْوِيعِ الولد\"، ولو لم يكن مأمورًا به لكان حرامًا، والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - لا يقدمون على حرام، \"ونسخ\" لقوله: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٠٧] \"قبل التمكن\"؛ إذ لو كان بعده لعصى بتأخيره.\n\"واعترض\" بأنا لا نسلم أنه لو لم يفعل وقد حضر الوقت كان عاصيًا، وأسند المنع \"بجواز أن يكون\" الوقت \"موسعًا\"، فيحصل التمكن، ولا يعصى بالتأخير؛ لأنه موسع ثم ينسخ.\n\"وأجيب\" أولا \"بأن ذلك\" أي: كون الوقت موسعًا \"لا يمنع رفع تعلّق الوجوب بالمستقبل؛ لأن الأمر باقٍ عليه\" في الوقت الموسع إذا لم يأت بالمأمور به، \"وهو المانع عندهم\" أي: بقاء الأمر عليه عند الخصم هو المانع من جواز النسخ حينئذ، فقد جاز ما منعوه؛ وهو المَطْلُوب.\nوثانيًا: \"بأنه لو كان موسعًا لقضت العادة بتأخيره\" الذبح، \"رجاء نسخه أو موته\" ومثله مما تقضي العادة بتأخيره \"لعظمه\" على الأنفس.\n_________\n(^١) في ت: لا ينتفي.\n(^٢) سقط في أ، ت.","vol":"4","page":50},{"text":"وَأَمَّا دَفْعُهُمْ بِمِثْلِ: لَمْ يُؤْمَرْ، وَإِنَّمَا تَوَهَّمَ، أَوْ أُمِرَ بِمُقَدِّمَاتِ الذّبْحِ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، أَوْ ذَبَحَ وَكَانَ يَلْتَحِمُ عَقِيبَه، أَوْ جُعِلَ صَفِيحَةَ نُحَاسٍ أَوْ حَدِيدٍ، فَلا يُسْمَع، وَيَكُونُ نَسْخًا قَبْلَ التَّمَكُّنِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وأما دفعهم\" يعني الخصوم هذا الاستدلال \"بمثل\" قولهم: إن إبراهيم ﵇ \"لم يؤمر، وإنما توهم، أو أمر بمقامات الذّبح، فليس بشيء\"؛ لقوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ وللإقدام والترويع، كما مَرَّ؛ ولقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٠٦]، ولولا الأمر ما كان بلاءً مبينًا، ولقوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٠٧]، ولولا الأمر لما احتاج إلى الفِدَا.\nويرده من أصولهم أنه لو كان كذلك؛ لكان توريطًا لإبراهيم ﵇ في الجهل بما يظهر [أنه] (^١) أمر، وليس بأمر وهم لا يجوزون ذلك.\n\"أو ذبح\" أي: وأما دفعهم بمثل أنه امتثل الأمر وذبح \"وكان\" كلما قطع جزءًا \"يلتحم عقبه، أو جعل صفيحة نحاس أو حديد، فلا يسمع\"؛ لأنه خلاف العادة والظَّاهر، ولو كان لنقل مثله نقلًا متواترًا.\n[وأيضًا] (^٢) لو كان صفيحة لمنعت إمكان الذبح، فيصير مكلفًا بما لا يُطَاق، وهم لا يجوزونه، ثم قد نسخ، وإلا لأثم بتركه، \"و\" حينئذ \"يكون نسخًا قبل التمكّن\"، وأيضًا لو كان لما احتاج إلى الفِدَا.\nوقد يقال: لعلّ الفداء لأجل الحياة الحاصلة مع الذّبح لا لنفس الذبح، ويكون الذبح قد وقع، ولكن لم يترتب عليه موت.\nوهذا بحث، والإنصاف أنه لم يقع ذبح، ودعوى وقوعه مُبَاهتة عظيمة، ومما يدرأ قولهم: ذبح ولكنه التأم اتفاقهم على أن إسماعيل ﵇ ليس [بمذبوح] (^٣)، واختلافهم في إبراهيم ﵇ هل هو ذابح؟.\nفقال قوم: هو ذابح؛ للقطع، والولد غير مذبوح؛ للالتئام (^٤).\n_________\n(^١) في أ، ت، ج: به.\n(^٢) سقط في أ، ت، ج.\n(^٣) في أ، ت، ج: مذبوح.\n(^٤) يذهب الواحدى إلى أن الذبيح إسحاق، وعنده أن هذا رأى الأكثرين، وعند الآخرين أنه=","vol":"4","page":51},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوأنكره قوم وقالوا: ذابح ولا مذبوح مُحَال.\n_________\n= إسماعيل، ورأى ثالث ينسبه إلى الزجاج يتوقف فيه عن الجزم بأيهما الذبيح، ولكنه يميل إلى أنه إسحاق مستدلًا بالآية ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ ثم يقول: أو لا خلاف في أنه إسحاق.\nولم يكن الواحدي هو القائل بأن الذبيح إسحاق، فلقد سبقه إلى هذا الرأي ابن جرير الطبري في تفسيره، فبعد أن ذكر آراء كل من الفريقين رجح بأن الذبيح إسحاق.\nولكنا نرى أن الواحدي وابن جرير ومن قال قولهما بأن الذبيح إسحاق قد جانبهما الصواب في هذا الأمر، فإن ظاهر الآيات والأحاديث والآثار الثابتة تدل على أن الذبيح إسماعيل، ولكن اليهود تسللوا إلى الرواية في الإسلام، فدسوا فيها بعض الروايات الضعيفة التي تدل على أنه إسحاق، وهذا من عداوة اليهود المتأصلة للعرب، فلقد أرادوا ألا يكون للجد الأعلى للنبي الأمي فضل أو مزية، حتى لا ينجر هذا الفضل إلى نبينا محمد ﷺ وبالتالي إلى الجنس البشري العربي، ولم يقف أمرهم عند حد الدس في الروايات الإسلامية، بل قام أسلافهم بتحريف التوراة ذاتها، حتى يتم لهم ما أرادوا، ولكن الله أبى إلا أن يغفلوا عما يدل على هذه الجريمة، والجاني - غالبًا - يترك ما يدل على جريمته، والحق يبقى له شعاع، ولو خافت، يدل عليه مهما حاول المبطلون إطفاء نوره وطمس معالمه، فقد حذفوا من التوراة لفظ إسماعيل، ووضعوا بدله لفظ إسحاق: ولكنهم غفلوا عن كلمة كشفت عن التزوير وعن هذا الدس المشين، ففي التوراة: (الإصحاح الثاني والعشرون) فقرة ٣: فقال الرب: خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق، واذهب إلى أرض المريا، وأصعده هناك محرقه على أحد الجبال الذي أقول لك\".\nوليس أدل على كذب هذا من كلمة: وحيدك، وإسحاق ﵇ لم يكن وحيدًا قط؛ لأنه ولد ولإسماعيل ﵇ نحو أربع عشرة سنة كما هو صريح في توراتهم في هذا، وقد بقي إسماعيل ﵇ حتى مات أبوه الخليل، وحضر وفاته ودفنه، وإليك ما ورد في التوراة:\nفي سفر التكوين (الإصحاح السادس عشر الفقرة ١٦) ما نصه: وكان أبرام - يعني إبراهيم - ابن ست وثمانين سنة لما ولدت هاجر إسماعيل لأبرام.\nفي سفر التكوين (الإصحاح الحادي والعشرون فقرة ٥) .. وكان أبرام ابن مائة سنة حين ولد له إسحاق ابنه، وفي الفقرة ٩ وما بعدها ما نصه: رأت سارة ابن هاجر المصرية الذي ولدته لإبراهيم يمزح فقالت لإبراهيم:\nاطرد هذه الجارية وابنها؛ لأن ابن هذه الجارية لا يرث مع ابنى إسحاق، فقبح الكلام جدًّا في عيني إبراهيم لسبب ابنه، فقال الله لإبراهيم: لا يقبح في عينيك من أجل الغلام، ومن أجل =","vol":"4","page":52},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفإن قلت: كيف يستحيل عند المعتزلة إثبات ذابح ولا مذبوح مع قولهم: يجوز\n_________\n= جاريتك في كل ما تقوله سارة اسمع لقولها؛ لأنه بإسحاق يدعى لك نسل، وابن الجارية أيضًا سأجعله أمة؛ لأنه نسلك إلى آخر القصة.\nفما قولكم أيها اليهود المحرفون؛ وكيف يتأتى أن يكون إسحاق وحيدًا؟ مع هذه النصوص التي هي من توراتكم التي تعتقدون صحتها، وتزعمون أنها ليست محرفة؟\nوقد دلت التوراة ورواية البخاري في صحيحه على أن الخليل إبراهيم أسكن هاجر وابنها عند البيت المحرم حيث بنى فيما بعد، وقامت مكة بجواره، وقد عبرت التوراة بأنهما كان في (برية فاران) وفاران: جبال بـ\"مكة\".\nوهذا هو الحق أن قصة الذبح بـ\"مكة\" مسرحها وحيث يذبح الحجاج ذبائحهم اليوم، وقد حرفوا في النص الأول، وجعلوه جبل المرايا، وهو الذي عليه مدينة أورشليم بمدينة القدس العربية؛ ليتم لهم ما أرادوا، ولكن أبى الحق إلا أن يظهر تحريفهم.\nوقد ذكر العلامة الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن كثير أن في بعض نسخ التوراة (بكرك) بدل من وحيدك وهو أظهر في البطلان، وأدل على التحريف؛ إذ لما لم يكن إسحاق بكرًا للخليل بنص توراتهم كما ذكرنا آنفًا؛ فالحق أن الذبيح هو إسماعيل ﵇، وهو الذي يدل عليه ظواهر الآيات القرآنية، فلا عجب أن ذهب إليه جمهرة الصحابة والتابعين، ومن بعدهم وأئمة الحديث منهم السادة العلماء: علي، وابن عمر وأبو هريرة، وأبو الطفيل، وسعيد بن جبير، ومجاهد والشعبي، والحسن البصري، ومحمد بن كعب القرظي، وسعيد بن المسيب، وأبو جعفر محمد الباقر، وأبو صالح، والربيع بن أنس، والكلبي، وأبو عمرو بن العلاء، وأحمد بن حنبل، وغيرهم، وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس. وفي زاد المعاد لابن القيم: أنه الصواب عند علماء الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وهذا الرأي هو المشهور عند العرب قبل البعثة، وذكره أمية بن أبي الصلت في شعر له.\nوقد نقل العلامة ابن القيم عن شيخه الإمام ابن تيمية في هذا كلامًا قويًا حسنًا، أحببت نقل خلاصته لما فيه من الحجة الدامغة قال: (ولا خلاف بينهم - أي النسابين - أن عدنان من ولد إسماعيل ﵇ وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين، ومن بعدهم.\nوأما القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجهًا، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول: (هذا القول إنما هو متلقى عن أهل الكتاب مع أنه باطل بنص كتابهم) فإن فيه (أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه بكره) وفي لفظ: وحيده ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده، والذي غر أصحاب هذا القول أن في التوراة التي=","vol":"4","page":53},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nاشتقاق اسم الفاعل لمن لم يقم به الفعل؟.\n_________\n= بأيديهم (اذبح ابنك إسحاق) قال: وهذه الزيادة من تحريفهم وكذبهم؛ لأنها تناقض قوله: (اذبح بكرك ووحيدك) ولكن اليهود حسدت بني إسماعيل على هذا الشرف، وأحبوا أن يكون لهم، وأن يسوقوه إليهم، ويحتازوه لأنفسهم دون العرب، ويأبى الله إلّا أن يجعل فضله لأهله، وكيف يسوغ أن يقال: إن الذبيح إسحاق؟ والله تعالى قد بشر أم إسحاق به، وبابنه يعقوب فقال تعالى حكاية لقول الملائكة لإبراهيم لما أتوه بالبشرى: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [سورة هود: ٧٠، ٧١]. فمحال أن يبشرها بأن يكون لها ولد ثم يأمر بذبحه، ولا ريب أن يعقوب ﵇ داخل في البشارة، فتناول البشارة لإسحاق ويعقوب في اللفظ واحد، ويدل عليه أيضًا أن الله سبحانه ذكر قصة إبراهيم وابنه الذبيح في سورة الصافات (الآيات من ١٠٣: ١١١).\nثم قال - تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فهذه بشارة من الله تعالى له: شكرًا على صبره على ما أمر به، وهذا ظاهر جدًّا في أن المبشر به غير الأول، بل هو كالنص فيه.\nوأيضًا فلا ريب أن الذبيح كان بـ\"مكة\"، ولذلك جعلت القرابين يوم النحر بها، كما جعل السعي بين الصفا والمروة، ورمى الجمار تذكيرًا لشأن إسماعيل وأمه، وإقامة لذكر الله، ومعلوم أن إسماعيل وأمه هما اللذان كانا بـ\"مكة\"، دون إسحاق وأمه، ولهذا اتصل مكان الذبح وزمانه بالبيت الحرام الذي اشترك في بنائه إبراهيم وإسماعيل، وكان النحر بـ \"مكة\" من تمام حج البيت الذي كان على يد إبراهيم وابنه إسماعيل، زمانًا ومكانًا، ولو كان الذبح بالشام - كما يزعم أهل الكتاب ومن تلقى عنهم لكانت القرابين والنحر بالشام لا بمكة.\nوأيضًا فإن الله ﷾ سمى الذبيح حليمًا؛ لأنه لا أحلم ممن أسلم نفسه للذبح طاعة لربه، ولما ذكر إسحاق سماه عليمًا فقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ … إلى أن قال: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٤ - ٢٨].\nوهذا إسحاق بلا ريب؛ لأنه من امرأته، وهي المبشرة به، وأما إسماعيل فمن السرية - يعني هاجر. وأيضًا فلأنهما بشرا به على الكبر، واليأس من الولد، وهذا بخلاف إسماعيل؛ فإنه ولد قبل ذلك.\nوأيضًا فإن سارة امرأة الخليل ﷺ غارت من هاجر وابنها أشد الغيرة، فإنها كانت جارية، فلما ولدت إسماعيل وأحبه أبوه اشتدت غيرة سارة، فأمر الله سبحانه أن يبعد عنها هاجر وابنها، ويسكنها في أرض مكة؛ لتبرد عن سارة حرارة الغيرة، وهذا من رحمة الله تعالى بها ورأفته وإبعاده الضرر عنها، وجبره لها، فكيف يأمر بعد هذا بذبح ابنها دون ابن الجارية؟ بل، =","vol":"4","page":54},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقلت: اسم الفاعل لا يطلق إلّا عند وقوع الفعل بالإجماع، ولكن هل يختصّ بمن قام لفعل، أو يطلق على من لم يقم به؟.\n_________\n= حكمته البالغة اقتضت أن يأمر بذبح ولد السرية، فحينئذ يرق قلب السيدة عليها وعلى ولدها، وتتبدل قسوة الغيرة رحمة، ويظهر لها بركة الجارية وولدها، وأن الله لا يضيع بيتًا هذه وابنها منهم، وليرى عباده جبره بعد الكسر، ولطفه بعد الشدة، وأن عاقبة صبر هاجر وابنها على البعد والوحدة والغربة والتسليم إلى ذبح الولد - آلت إلى ما آلت إليه من جعل آثارهما ومواطئ أقدامها مناسك لعباده المؤمنين ومنعبدًا لهم إلى يوم القيامة وذله وانكساره.\nقال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [سورة القصص: الآية ٥] ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة الجمعة: الآية ٤].\nوكذلك دلت الأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين:\nروى الحاكم في المستدرك وابن جرير في تفسيره وغيرهما عن عبد الله بن سعيد الصنابحي قال: (حضرنا مجلس معاوية، فتذكر القوم إسماعيل وإسحاق فقال معاوية: على الخبير سقطتم، كنا عند رسول الله ﷺ فأتاه أعرابي فقال: يا رسول الله خلفت الكلأ يابسًا والمال عابسًا، هلك العيال، وضاع المال، فعد علي مما أفاء الله - تعالى - عليك يابن الذبيحين - فتبسم رسول الله ﷺ ولم ينكر عليه، فقال القوم: من الذبيحان - يا أمير المؤمنين؟ فقال: ابن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم نذر لله إن سهل أمرها أن ينحر بعض بنيه، فلما فرغ أسهم بينهم فكانوا عشرًا، فخرج السهم على عبد الله، فأراد أن ينحره، فمنعه أخواله بنو مخزوم، وقالوا: أرض ربك وافد ابنك، ففداه بمائة ناقة، قال معاوية: هذا واحد، والآخر إسماعيل). وشهد شاهد من أهلها، وروى ابن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي: أن عمر بن عبد العزيز أرسل إلى رجل كان يهوديًّا، فأسلم وحسن إسلامه، وكان من علمائهم فسأله: أي ابني إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال: إسماعيل والله يا أمير المؤمنين، وإن اليهود لتعلم بذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب\" وهذا هو الحق الذي لا ينبغي أن يكون غيره.\nوأما الحديث المشهور على أن النبي ﷺ قال: (أنا ابن الذبيحين) فقد قال الإمام العراقي: إنه لم يقف عليه، ولا يعرف بهذا اللفظ، وعلى هذا فلا يحتج به، ولا يجوز روايته أو ذكره إلا مقترنًا ببيان حاله، وقد وردت روايات أخرى موقوفة، ومرفوعة في أن الذبيح إسحاق إلا أن المرفوع منها عن النبي ﷺ والحق يقال - إما موضوع وإما ضعيف، فلا تثبت به حجة، والموقوف منها على الصحابة أو على التابعين إن صح سنده فهي من الإسرائيليات التي رويت عن أهل الكتاب الذين أسلموا بحسن نية، وحقيقتها أنها من دس اليهود وحسدهم للعرب أن =","vol":"4","page":55},{"text":"قَالُوا: إِنْ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ ذَلِكَ الْوَقْتَ تَوَارَدَ النَّفْيُ وَالإِثْبَات، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلا نسخ.\nوَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَلْ قَبْلَه، وَانْقَطَعَ التَّكْلِيفُ عِنْدَهُ كَالْمَوْتِ.\n<hr><s0>\n\nفيه الخلاف بيننا وبينهم.\nوهنا عند هؤلاء أن الفعل لم يقع؛ لأنّ الفعل هو الذبح، وحقيقته على ما يقولون ثبوت مذبوح تزهق روحه.\nالشرح: والخصوم \"قالوا: إن كان\" الفعل \"مأمورًا به ذلك الوقت\" الذي عدم الوجوب فيه، لزم كونه مأمورًا به في ذلك الوقت [وغير] (^١) مأمور به فيه، و\"توارد النفي والإثبات\" على محلّ واحد، وهو محال.\n\"وإن لم يكن فلا نسخ\"، أي: فلا يكون نفى الوجوب فيه نسخًا له.\n_________\n= يكون لجدهم الأعلى فضل.\nوقد اغتر بهذه الروايات التي لا تثبت أمام النقد، بعض العلماء كابن جرير الطبري، والقاضي عياض، والسهيلي، فذهبوا إلى أنه إسحاق، وتحير بعضهم في تعارض الروايات، ولم يستطع أن يرجع ويصل إلى الحقيقة، فتوقف في الجزم برأي في هذا الموضوع كالإمام السيوطي، بل بعضهم ذهب إلى أن الذبح وقع مرتين: مرة بـ\"مكة\" لإسماعيل، ومرة بـ\"الشام\" لإسحاق، والحق ما ذهب إليه جمهور الصحابة، والتابعين، والعلماء الراسخين من أنه إسماعيل، وأن الروايات في أنه إسحاق دسيسة يهودية، واختلاف ممنوع.\nدعا إليه الحقد، والحسد للعرب، فلا تلق لذلك بالًا، وإن وجد في بعض كتب التفسير، والحديث والسير، والحق أحق أن يتبع.\nثم أيهما أشد وقعًا على النفس وأعظم بلاء: أن يؤمر إبراهيم بذبح إسحاق وله ولد آخر يجد فيه إبراهيم بعض المعوض عن الابن المذبوح؟ أم يؤمر بذبح ولده ووحيده وبكره الذي رزقه على كبر وأتى بعد طول انتظار وشدة اشتياق ولم يكن هناك بارقة أمل في أن يرزق إبراهيم بولد بعده؟\nإن الله تعالى قد وصف واقعة الذبح هذه بأنها البلاء المبين، أي الابتلاء والاختيار المبين الذي يتميز فيه المخلص من غيره، ولا ينطبق هذا الوصف ولا يتحقق هذا النبلاء إلا إذا كان الذبيح هو إسماعيل الابن الوحيد البكر.\n(^١) سقط في أ، ت.","vol":"4","page":56},{"text":"مَسْألَةٌ:\nالْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ مِثْلِ: صُومُوا أَبَدًا، بِخِلافِ: الصَّوْمُ وَاجِبٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا.\n<hr><s0>\n\nوأجيب: باختيار أنه ليس مأمورًا به في ذلك الوقت.\nقولكم: فلا نسخ.\nقلنا: ممنوع؛ فإنه مأمور به قبل ذلك الوقت، ثم ورد تجويز تركه في وقت آخر متعلقًا كما لو مات قبل الوقت فانقطع عنه التكليف بالموت، فالتكليف وعدمه قبل الوقت في زمانين، فلا تناقض إلَّا أن متعلّقهما هو الفعل في وقت واحد، وذلك جائز، وهو محل النزاع.\nوإليه أشار بقوله:\n\"وأجيب: لم يكن، بل قبله، وانقطع التكليف عنده كالموت\".\n«مسألة»\nالشرح: قال \"الجمهور: جواز نسخ\" الخطاب المقيد بالتأبيد إذا كان إنشاء حقّ \"مثل: صوموا أبدًا\" (^١).\n_________\n(^١) اختلف الأصوليون في جواز نسخ الفعل المقيد بالتأبيد، مثل: \"صوموا أبدًا\" فذهب الجمهور إلى جواز نسخه، وذهب إلى عدم جوازه شذوذ من الأصوليين، ولكل فريق حجة على ما ادعى .. أما الحكم المقيد بالتأبيد مثل \"الصوم واجب مستمر أبدًا\" فإنه لم يخالف أحد في عدم جواز نسخ ذلك.\nإن هذا المثال وهو قولنا: \"صوموا أبدًا\" وما شاكله من كل مقيد بقيده لا يزيد في دلالته على جزئيات الزمان على قوله: \"صم غدًا\" في دلالته على جزئيات الزمن. إلا أن القيد في المقيس يتناول كل الأبد. وفي المقيس عليه البعض المعين، وبما أن نسخ نحو \"صم غدًا\" جائز اتفاقًا فكذا نسخ نحو \"صوموا أبدًا\" حيث لا فرق، بل المقيس أحرى بقبول النسخ؛ ولأنه إذا جاز ذلك مع قوة النصوصية فيما يتناوله، فهذا مع ظهوره واحتمال ألا يتناوله أولى بالجواز. ينظر: البرهان ٢/ ١٢٩٦، ١٢٩٨، والمعتمد ١/ ٤١٣، والمحصول ١/ ٣/ ٤٩١، والمنخول ٢٩٠، والمستصفى ١/ ١١٢، والتبصرة (٢٥٥)، والوصول لابن برهان ٢/ ٢٧، والإحكام للآمدي ٣/ ١٢٣، وشرح الكوكب ٣/ ٥٣٩، والمسودة (١٩٥)، وجمع الجوامع ٣/ ٨٥، وشرح =","vol":"4","page":57},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"بخلاف: الصوم واجب مستمر أبدًا\"، فإنه يجوز نسخه.\nواعلم أن قوله: إن الجمهور على جواز نسخ الخطاب المقيد بالتأبيد، صحيح.\nوأما قوله: بخلاف: الصوم واجب مستمر أبدًا، فزيادة لم يصرح بها الآمدي ولا غيره، وإنما قال الآمدي: فإن قيل: لفظ التأبيد جار مجرى التَّنصيص على كل وقت من أوقات الزَّمان بخصوصه، والتنصيص على وجوب الفعل المتعيّن لا يجوز نسخه، فكذلك هذا.\nوأيضًا، فإنا لو أمرنا بالعبارة بلفظ يقتضي الاستمرار جاز نسخ، فلو جاز ذلك مع التقييد بلفظ التأبيد لم يكن للتقييد معنى.\nثم قال: وأيضًا، فإن المخاطب إذا أخبر بلفظ التأبيد لم يجز نسخه، فكذلك في غير الخبر.\nثم أجاب عن الأول: بأنا لا نسلّم أن لفظ التأبيد يتنزل منزلة التنصيص، وإن سلم فلا نسلّم امتناع نسخه.\nوعن الثاني: أن فائدة التأبيد تأكيد الاستمرار.\nوعن الرَّابع: بمنع ذلك في الخبر أيضًا هذا كلامه.\nفيحتمل أن يكون مراد المصنّف بقوله: بخلاف نحو: الصوم واجب مستمر أبدًا الخبر أي: يجوز نسخ المقيد بالتأبيد إذا كان إنشاء مثل: صوموا أبدًا، بخلاف ما إذا كان خبرًا مثل: الصوم واجب مستمر أبدًا.\nوعلى هذا جرى شيخنا الأصفهاني وغيره.\nويتأيد هذا بأن المصنّف لما رأى الآمدي اعترض بالخبر، ثم التزمه بناء على أصله في جواز نسخ الأخبار، كما ستعرف حتى أن يتصور أنه موافق له على الالتزام أيضًا، وهو لا\n_________\n= العضد ٢/ ٨٥، وشرح تنقيح الفصول (٣١٠)، وإرشاد الفحول (١٨٦)، ونهاية السول ٢/ ٦٠٩، والتحرير (٣٨٥)، والتيسير ٣/ ١٩٤، وكشف الأسرار ٣/ ١٦٤، وفواتح الرحموت ٢/ ٦٨.","vol":"4","page":58},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nيرى نسخ الخبر؛ فقال: بخلاف الخبر، والفرق بينهما واضح؛ يلزم من الخبر الخلف كما ستعرف إن شاء الله تعالى.\nوإليه أشار إمام الحَرَمَيْنِ في أول النَّسْخ حيث قال: فإن قيل: لو قال الشَّارع: هذا الحكم مؤبّد لا ينسخه شيء، فهل تجوزون تقدير نسخه؟.\nقلنا: لا؛ لأن تقدير وروده تجويز الخلف.\nولكن في هذا نظر من وجهين:\nأحدهما: أنه له أراد الخبر لم يحتج إلى قوله: مستمر؛ فالفرق واضح بدون هذه اللَّفظة الموهمة شيئًا زائدًا.\nوالثاني: أن الخبر عنده لا ينسخ، قيد بالتأبيد أم لم يقيد، فلا يتجه الفرق؛ إذ البحث هنا عن التأبيد هل يمنع النَّسخ أم لا؟\nوالقائل قائلان:\nقائل بأنه يمنعه، وهذا لا يفرق بين الإنشاء والخبر.\nوقائل لا يمنعه، وإذا لم يمنعه في الإنشاء لم يمنعه في الخبر أيضًا.\nوالمنع في الخبر إنما نشأ من خصوص الخبر؛ لاقتضائه الخلف، لا من جهة أنه قيد بالتأبيد، فافهم ذلك؛ فلا جامع بين مسألة الخبر والتقييد بالتأبيد؛ لاختلاف المأخذ فيهما.\nويحتمل أن يكون فصل في الإنشاءات بين مقيد، ومقيد فجوَّز النسخ في أحدهما دون الآخر، فقال في التأبيد: المجعول قيدًا في فعل المكلف مثل: صوموا أبدًا بالجواز.\nوقال في الثانية: المجعول قيدًا للوجوب، وبيانًا لمدة بقائه واستمراره إذا كان نصًّا مثل أن يقول: الصَّوم واجب مستمر أبدًا؛ لأنه لا يجوز.\nوعلى هذا جرى القاضي عضد الدّين الإيجي، وهو الأظهر عندي.\nوالذي دعا المصنّف إلى ذلك أنه لما سأل السائلُ: إن لفظ التأبيد جار مجرى التنصيص، والتنصيص لا يجوز نسخه، [وأن] (^١) التأبيد إذا ضمّ إلى الاستمرار، فلو جوز نسخه لم يكن له معنى، وأجاب الآمدي، بما رأيت، توسط المصنف في الجواب، فوافقه\n_________\n(^١) في ب، وأن.","vol":"4","page":59},{"text":"لَنَا: لا يَزِيدُ عَلَى: صُمْ غَدًا ثُمَّ يُنْسَخُ قَبْلَهُ.\nقَالُوا: مُتَنَاقِضٌ.\nقُلْنَا: لا مُنَافَاةَ بَيْنَ إِيجَابِ صَوْمِ غَدٍ وَانْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ قَبْلَه، كَالْمَوْتِ.\n<hr><s0>\n\nعلى أن لفظ التأبيد لا يتنزل منزلة التَّنصيص، ولا يمنع النسخ لكن لا مطلقًا، بل إذا لم يؤت معه بلفظ الاستمرار، ويجعل قيدًا في الوجوب.\nوقال: بخلاف مثل: الصوم واجب مستمر أبدًا. هذا ما يظهر عندي.\nولقائل أن يقول: لا يصحّ له فرق؛ فإن قوله: الصوم واجب مستمر أبدًا، إذا لم يكن على وَجْهِ الخبر لا يزيد على: صوم غد واجب في النُّصوصية، ونحن نقول بجواز نسخ ذلك إذا لم يكن خبرًا، فلنقل بهذا بطريق أولى.\nفالمختار أن الإنشاء يجوز نسخه وإن قيد بضروب من التأكيد، وانتهى إلى أقصى درجات النصوص، وعليه الجمهور.\nوخالف بعض المتكلمين، ومن الحنفية أبو بكر الجصَّاص، وأبو منصور الماتريدي، وأبو زيد الدبوسي، والبرذويان الأخوان.\nالشرح: \"لنا\": أن قوله: صوموا أبدًا، \"لا يزيد\" في دلالته على جزئيات الزمان \"على: صم غدًا\" في دلالته على صوم الغد، \"ثم\" قوله: صم غدًا \"ينسخ قبله\"، ولا يلزم مَحْذُور كما سبق مع قوّة النصوصية فيه، فـ\"صم أبدًا\" مع ظهوره واحتماله ألَّا يتناول أجدر.\nولك أن تقول: والصوم واجب مستمر أبدًا لا يزيد على: صم غدًا، كما عرفت.\nنعم للخصم أن يقول: لا نسلم أنه يجوز نسخ: صم غدًا، وإذن لا تنهض الحجّة عليه.\nوقد ادّعى بعض الحنفية الاتفاق على أنَّ التنصيص على وقت بخصوصه يمنع النسخ. صرح به عبد العزيز في شرح البزدوي المسمى بـ\"كشف الأسرار\" فليس بجيّد، فنحن أوّل من يمنع ذلك، وإنما استفدنا منه أنهم يمنعون نسخ: صم غدًا، فلا يستدلّ عليهم به.\nوالأولى في الاستدلال أن يقول: مِنْ شرط النّسخ أن يرد في الزمان الذي دلَّ الخطاب على ثبوت الحكم فيه ظاهرًا أو نصًّا، وقد بيّنا جواز النَّسخ قبل التمكّن، فنصوصية الخطاب الدَّالة على ثبوت الحكم لا تنافي النَّسْخ، بل هي شرط له على البدلية، ودلالة التأبيد سواء","vol":"4","page":60},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nالْجُمْهُورُ: جَوَازُ النَّسْخِ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ.\nلَنَا: أَنَّ مَصْلَحَةَ الْمُكَلَّفِ قَدْ تَكُونُ فِي ذلِكَ؛ وَأَيْضًا؛ فَإِنَّهُ وَقَعَ كنَسْخِ وُجُوبِ الْإِمْسَاكِ بَعْدَ الْفِطْرِ، وَتَحْرِيمِ ادِّخَارِ لُحُومِ الأَضَاحِي.\nقَالُوا: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ١٠٦].\nوَأُجِيبَ بِأَنَّ الخِلافَ فِي الْحُكْمِ لا فِي اللَّفْظِ. سَلَّمْنَا لكِنْ خُصِّصَ. سَلَّمْنَا، وَيَكُونُ نَسْخُهُ بِغَيْرِ بَدَلٍ خَيْرًا لِمَصْلَحَةٍ عُلِمَتْ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ، فَمِنْ أَيْنَ لَمْ يَجُزْ؟!.\n<hr><s0>\n\nأكانت ظاهرة أم نصًّا بشرط النَّسخ، وشرط الشيء لا ينافيه.\n\"قالوا: معنى التأبيد الدَّوام، والنسخ يقطعه، فهو إذن \"متناقض\"، فلم يَجُزْ على الله تعالى.\n\"قلنا\": لا نسلّم التناقض؛ إذ \"لا منافاة بين إيجاب\" فعل مقيد بالأبد، وعدم أبدية [التكليف] (^١) به، وذلك كما لا مُنَافاة بين إيجاب \"صوم\" مقيد بزمان مثل: صوموا \"غدًا، وانقطاع التكليف قبله\" كما يقال: صم غدًا ثم ينسخ قبله، وهو \"كالموت\"؛ إذ قد يتعلّق التكليف بصوم غد، ثم يموت قبله، فلا يوجد في غد التكليف.\nوالحاصل: أن كلّ تكليف وإن قيد بضروب التأكيد وألفاظ التأبيد فمعناه: ما لم ينسخ، كما أن معناه ما لم يعجز المكلّف بمرض أو موت ونحوهما.\n«مسألة»\nالشرح: قال \"الجمهور: جواز النَّسْخ من غير بدل\" (^٢) حقّ.\n_________\n(^١) في أ، ت: التكلف.\n(^٢) اختلف الأصوليون: هل يجوز نسخ الحكم بلا بدل أم لا؟ ذهب الجمهور إلى الجواز، وخالف في ذلك بعض الظاهرية والمعتزلة محتجين بأنه تعالى قال في كتابه المبين: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ولا يتصور كونه خيرًا أو مثلًا إلا في بدل أو نقول: وجه الاستدلال أنه أخبر أنه لا ينسخ إلا ببدل، والخلف في خبر الصادق محال، وقال ابن =","vol":"4","page":61},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوخالف بعض المعتزلة والظَّاهرية.\n\"لنا: أن مصلحة المكلف قد تكون في ذلك\"، إن قلنا برعاية المَصَالح، وإلَّا فلا إشكال.\n\"وأيضًا، فإنه وقع\"، فكان جائزًا، وذلك \"كنسخ وجوب الإِمْسَاك بعد الفطر\" في الليل، \"وتحريم ادِّخَار لحومِ الأضاحي\".\n\"قالوا: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ \" [سورة البقرة: الآية ١٠٦] \" ولا يتصوّر كونه خبرًا ومثلًا إلَّا في بدل.\n\"وأجيب: بأن الخلاف في الحكم لا في اللفظ\"، والمراد في الآية: نأت بلفظ خير منها، أو مثلها، وليس محل النزاع.\n\"سلمنا\" [بأن] (^١) المراد نأت بحكم، أو أن الخلاف يطرق اللفظ، \"لكن\" هو عام يقبل التخصيص، فلعله \"خصص\" بما نسخ بلا بدل.\n\"سلمنا\" عدم تخصيصه، \"ويكون نسخه بغير بدل خيرًا\" للمكلف \"لمصلحة علمت\".\n\"ولو سلم أنه لم يقع\" النسخ إلَّا إلى بدل، \"فمن أين\" تدلّ هذه الآية على أنه \"لم يجز\" عقلًا؟ وقصاراها الدلالة على عدم الوقوع، ولا يلزم منه عدم الجواز.\nواعلم أن هنا مسألتين:\nإحداهما: الجواز، وقد عرفتها.\nوالثانية: الوقوع، وقد اشتمل الكلام على دَعْوَاه حيث استدلّ به، وعليه الأكثرون.\nونقل عن الشافعي ﵁ خلافه، وعبارته - كرم الله وجهه - في \"الرسالة\":\n_________\n= برهان: ومأخذ الخلاف أن النسخ عندنا حقيقة في الرفع، مجاز في النقل، وعندهم حقيقة فيهما جميعًا. ينظر: سلاسل الذهب ٢٩٩، والمحصول ١/ ٣/ ٤٧٩، والبرهان ٢/ ١٣١٣، والمعتصد ١/ ٤١٥، وجمع الجوامع ٢/ ٨٧، والآيات البينات ٣/ ١٥٥، والعدة ٣/ ٧٨٣، والإحكام للآمدي ٣/ ١٢٥ (٤)، وإرشاد الفحول (١٨٧)، وشرح الكوكب ٣/ ٥٤٥، والمستصفى ١/ ٧٧، وشرح التنقيح (٣٠٨)، والروضة (٤٣)، والمسودة ١٩٨، والمنتهى (١١٦)، وفواتح الرحموت ٢/ ٦٩، وشرح العضد ٢/ ١٩٣، واللمع (٣٢).\n(^١) في ج: أن.","vol":"4","page":62},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوليس ينسخ فرض أبدًا إلا أثبت مكانه فرض كما نسخت قِبْلَة \"بيت المقدس\"، فأثبت مكانها \"الكعبة\" … انتهى.\nوظاهرها: أنه لا ينسخ الفرض إلا ببدل هو فرض أيضًا.\nوإنما أراد الشَّافعي بهذه العبارة - كما نبّه عليه أبو بكر الصَّيرفي في \"شرح الرسالة\" - أنه ينقل من حظر إلى إباحة، أو إباحة إلى حظر، أو تخيير على حسب أحوال الفروض، قال: ومثل ذلك المُنَاجاة، كما يناجي النبي ﷺ بلا تقديم صدقة، ثم فرض الله - تعالى - تقديم الصَّدقة، ثم أزال ذلك، فردهم إلى ما كانوا عليه، فإن شاءوا تقرّبوا بالصدقة إلى الله - تعالى - وإن شاءوا ناجوه من غير صدقة قال: فهذا معنى قول الشَّافعي ﵁: فرض مكان فرض، فافهمه انتهى.\nفقد وضح أن مراد الشَّافعي بالبدل الذي ذكر أنه لا يقع النسخ إلا به: انتقالهم من حكم شرعي إلى حكم شرعي، وذلك أعم من أن يعادوا إلى ما كانوا عليه مثل المُنَاجاة، وإليها أشار الصيرفي بقوله: رذهم إلى ما كانوا عليه. [أو] (^١) يحدث شيء مغاير لذلك كما في نسخ التوجّه إلى \"بيت المقدس\" بالكعبة، وليس مراد الشافعي بالبدل: أنه لا بد من بدل غير [ما] (^٢) كانوا عليه، بل البدل أعم من ذلك.\nوالمقصود أنهم ينقلون من حُكْمٍ شرعي إلى مثله، ولا يتركون غير محكوم عليهم بشيء.\nإذا عرفت ما أراده فنقول: هذا شيء لا ينبغي لمن له أدنى اطلاع على الشريعة أن يخالف فيه، فما في الشريعة مَنْسوخ إلَّا وقد انتقل عنه إلى أمر آخر هو حكم شرعي، ولو أنه إلا صيرورة ما كان واجبًا مباحًا وذلك بدل؛ إذ هو حكم أيضًا، فلم يترك الرب - سُبْحانه - عبارة هملًا، فالصور أربع:\nإحداها: الجواز، ولا يخالف فيه إلَّا بعض المعتزلة والظاهرية.\nوالثانية: وقوعه بلا بدل أصلًا، بحيث يعود الأمر كهو قبل ورود الشَّرائع، مثل أن يقول: نسخت وجوب الصَّدقة عند المُناجاة، وصيرت الحال بعد النسخ غير محكوم فيه\n_________\n(^١) في ب: إذ.\n(^٢) سقط في ت، ج.","vol":"4","page":63},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nبشيء، بل هو كالأفعال قبل الشرع، وهذا مع جوازه لا يقع، ولا نحفظ أحدًا قال بوقوعه، وقائله مطلوب بتصديق دعواه بصورة يوردها، ولن يصل إلى ذلك.\nوالثالث: وقوعه ببدل من الأحكام الشَّرعية إما إحداث أمر مغاير لما كان واجبًا أو لا، كالكعبة بعد المقدس، أو الحكم بإباحة ما كان واجبًا كالمُنَاجاة والنسخ لم يقع إلا هكذا كما قال الشافعي، وهو قضية كلام القاضي، وهو الحق؛ فما من صورة نسخت إلا وقد انتقل عنها إلى حكم شرعي، ولو أنه إلا إباحة الترك إن كان ما تقدم وجوبًا كالصدقة عند المُنَاجاة، أو [تأصيل] (^١) أمر آخر كالكعبة بعد \"بيت المقدس\".\nوالرابعة: وقوعه ببدل بشرط أن يكون تأصيلًا لأمر آخر، كالكعبة بعد \"بيت المقدس\"، وهذا المردود في الكتاب، ولم يشترطه الشافعي، ومن ذهب إليه بقول مردود عليه.\nوإن رأيت أحدًا نقله عن الشَّافعي، فاعلم أنه لم يفهم مراد الشَّافعي بالبدل، وربما [أُتى] (^٢) أقوام من عدم عِرْفَانهم ما يعنيه اللَّافظ بلفظه.\nوكلام إمام الحرمين في كتاب \"التلخيص\" مختصر \"التقريب\" و\"الإرشاد\"، للقاضي كالنص فيما قررنا؛ إذ قال بعد أن ذكر أنه يجوز النسخ إلى بدل ما نصّه: فإن قال قائل: كيف يتصور ذلك؛ ولو وجبت عبادة فمن ضرورة نسخ وجوبها إباحة تركها، والإباحة حكم من الأحكام، وهو بدل من الحكم الثابت أولًا، وهو الوجوب.\nقلنا: من مذهب من يخالفنا أن العبادة لا تنسخ إلا بعبادة ولا يجوزون نسخها بإباحة، على أن ما طالبتمونا به يتصور بأن يقول الرب سبحانه: نسخت عنكم العبارة، وعاد الأمر إلى ما كان عليه قبل ورود الشَّرائع، وهذا مما يعقل ولا ينكر.\nفإن استروحوا في منع ذلك بقوله ﷿: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ١٠٦]، وهذا تصريح بإثبات البدل.\nقلنا: هذا إخبار عن أن النسخ يقع على هذا الوجه، وليس فيه ما يدل على أنه لا يجوز وقوع النسخ على غير هذا الوجه. انتهى.\n_________\n(^١) في ب: بأصل.\n(^٢) في أ، ت: أبي.","vol":"4","page":64},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nالْجُمْهُورُ: جَوَازُ النَّسْخِ بأَثْقَلَ.\nلَنَا: مَا تَقَدَّمَ، وَبِأَنَّهُ نُسِخَ التَّخْيِيرُ فِي الصَّوْمِ وَالْفِدْيَةِ وَصَوْمُ عَاشُورَاءَ بِرَمَضَانَ، وَالْحَبْسُ فِي الْبُيُوتِ بِالْحَدِّ.\nقَالُوا: أَبْعَدُ فِي الْمَصْلَحَةِ.\nقُلْنَا: يَلْزَمُكُمْ فِي ابْتِدَاءِ التَّكْلِيفِ، وَأَيْضًا، فَقَدْ يَكُونُ عَلِمَ الْأَصْلَحَ فِي الْأَثْقَلِ كَمَا يُسْقِمُهُمْ بَعْدَ الصِّحَّةِ، وَيُضْعِفُهُمْ بَعْدَ الْقُوَّةِ.\n<hr><s0>\n\nفانظر كيف صرح بتسليم أن النسخ لا يقع إلا على هذا الوجه بعد أن جوّز وقوعه لا إلى بدل، وهو عين ما نقوله، وهو الحق الذي لا مِرْيَةَ فيه.\nوالظاهر: أنه من كلام القاضي في \"التقريب\" و\"الإرشاد الكبير\" الذي كتاب \"التلخيص\" فرع له، وأما \"التقريب\" و\"الإرشاد الصغير\" الذي وقفنا عليه، فلم يذكر فيه هذا، ولا \"التلخيص\" فرعه فإن \"التلخيص\" ملخص من الكبير دون الصغير على ما ظهر لي.\nوإذا تأملت ما ذكرناه علمت أن الاستدلال بقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ …﴾ على ما مرادنا صحيح.\nوقوله: الآية في اللفظ تبع فيه الآمدي، وهو ضعيف؛ لأن المسألة في أعم من نسخ اللفظ، ثم إن لفظ الآية حكم شرعي لا يمسّه المحدث، ولا يقرؤه الجنب.\nوقوله: إنه مخصص.\nقلنا: ما ذكرت ليس فيه نسخ الحكم بلا بدل، بل ببدل هو أعم من عود الأمر إلى ما كان عليه، ونحن لا ننكر ذلك.\nوقوله: \"من أين لم يجز\"؟ صحيح على من يمنع الجواز.\nوفيصل الأمر: أن الجواز [لا ينكره] (^١)، وليس في الآية دليلٌ على منعه، والبدل الذي نثبته لا ينبغي إنكاره، وبدل أخص معه لا ندّعيه.\n_________\n(^١) في ب، ج: ننكره.","vol":"4","page":65},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"الجمهور: جواز النسخ بأثقل\" ووقوعه (^١).\nومنع بعضهم منه عقلًا.\nوبعضهم سمعًا، وهو رأي أبي بكر بن داود.\nوقيل: جائز ولكن لم يقع.\nوفد حكى هذه الأقوال القاضي في \"التقريب\" وغيره.\nوزعم الهِنْدِيّ أن من قال بالجواز قال بالوقوع، وليس بجيّد لما عرفت.\nوذكر ابن بَرْهَان: أن بعضهم نقل المنع عن الشَّافعي، قال: وليس بصحيح.\n\"لنا: ما تقدم\" من أن التكليف إن تبع المصالح، فلعلّ الأثقل أصلح، وإلَّا فواضح.\n\"وبأنه\" وقع، والوقوع دليل الجواز وزيادة، وذلك أنه \"نسخ التخيير في الصوم، والفِدْيَة\" بتعين الصوم، \"وصوم عاشوراء برمضان، والحَبْس في البيوت\" في الزّنا \"بالحد\"، والصَّبر على أذى الكفار في أول الإسلام بإيجاب القتال.\n\"قالوا\": التكليف بالأثقل \"أبعد في المصلحة\"؛ لانتقال المكلف من سهل إلى عسر.\n\"قلنا\" - بعد تسليم مراعاة المصالح -: \"يلزمكم في ابتداء التكليف\"؛ لكونه نقلًا من عدم الحرج إلى المشقة والتقييد.\n\"وأيضًا، فقد يكون علم الأصلح\" في الأثقل كما يسقمهم بعد الصحة، ويضعفهم بعد القوة\".\n_________\n(^١) اتفق الأصوليون على جواز نسخ الحكم بأخف، أو مساوٍ. واختلفوا في جوازه بأثقل، فالجمهور ذهب إلى جوازه عقلًا ووقوعه شرعًا، ومنع ذلك طائفة منهم الإمام الشافعي ﵁ مفترقين إلى فرقتين: فرقة منعت جوازه عقلًا ووقوعه شرعًا، وفرقة منعت وقوعه شرعًا فقط. ولكل فريق أدلة على صحة مدعاه. ينظر: المعتمد ١/ ٤١٦، والمحصول ٧٦٦، ١/ ٣/ ٤٨٠، والمستصفى ١/ ١٢٠، والتبصرة ٢٥٨، وشرح الكوكب ٣/ ٥٥٠، والعدة ٣/ ٧٨٥، والإحكام للآمدي ٣/ ١٢٦، وميزان الأصول ٢/ ١٠٠٠، وكشف الأسرار ٣/ ١٨٧، والتلويح ٢/ ٣٦، وفتح الغفار ٢/ ١٣٤، وإرشاد الفحول (١٨٨)، والإبهاج ٢/ ٢٣٨.","vol":"4","page":66},{"text":"قَالُوا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٨]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٥].\nقُلْنَا: إِنْ سُلِّمَ عُمُومٌ فَسِيَاقُهَا لِلْمَآلِ فِي تَخْفِيفِ الْحِسَابِ وَتَكْثِيرِ الثَّوَابِ، أَوْ تَسْمِيَةٌ لِلشَّيْءَ بِعَاقِبَتِهِ مِثْلُ: [الوافر]\nلِدُوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوِا لِلْخَرَابِ … .......................\nوَإنْ سُلِّمَ الْفَوْرُ فَمَخْصُوصٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ كَمَا خُصَّتْ ثِقَالُ التَّكَالِيفِ وَالابْتِلاءُ بِاتِّفَاقٍ.\nقَالُوا: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ١٠٦]، وَالْأَشَقُّ لَيْسَ بِخَيْرٍ لِلْمُكَلَّفِ.\nوَأُجِيبَ بِأَنَّهُ خَيْرٌ بِاعْتبَارِ الثَّوَابِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"قالوا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٨]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٥] ونحوه - يمنع النسخ بالأثقل.\n\"قلنا\": لا نسلم العموم في كل تخفيف ويسر، \"وإن سلم عموم فسياقها للمآل في تخفيف الحساب وتكثير الثواب\"، لا في الحال؛ ولأن فعل الأثقل أقرب إلى تخفيف الحساب، وتكثير الثواب، \"أو\" أن تسمية الأثقل بالأخف \"تسمية الشيء بعاقبته مثل\" قول الشاعر: [الوافر]\nلَهُ مَلَكٌ يُنَادِي كُلَّ يَوْمٍ … \"لِدُوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ\" (^١)\nفإنه لما كان عاقبة الولادة للموت، والبناء للخراب، جعلهما غاية لهما، تسمية للشيء باسم عاقبته، كذلك عاقبة الأثقل نيل الثواب واليسر ودفع العقاب والعسر.\n\"وإن سلم الفور\" أي: إرادة التَّخفيف واليسر في كلّ شيء يدخل فيه التخفيف، واليسر في الفور، \"فمخصوص بما ذكرناه\" من الصور المتضمّنة لنسخ الأخف بالأثقل، \"كما خصت ثقال التكاليف\" المبتدأة \"والابتلاء\" بالسقم ونحوه \"باتفالق\" ولو تم لهم هذا\n_________\n(^١) البيت من الوافر، وهو للإمام علي في ديوانه ٣٨، وخزانة الأدب ٩/ ٥٢٩، ٥٣٠، وعجزه صدر بيت في ديوان أبي العتاهية ٣٣، والحيوان ٣/ ٥١.","vol":"4","page":67},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nالْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ التِّلاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ وَبِالْعَكْسِ.\nوَنَسْخِهِمَا مَعًا. وَخَالَفَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ (^١).\n<hr><s0>\n\nوجب ألَّا يقع تكليف مبتدأ.\nقال القاضي: بل يجب على دعواهم أن يسقط الواجب [بغير] (^٢) بدل أصلًا؛ لأنه أخف وأيسر من النسخ ببدل شاق وإن كان دون المرفوع.\n\"قالوا: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾، والأشق ليس بخير للمكلف\".\n\"وأجيب: بأنه خير باعتبار الثَّواب\"؛ فإن الأثقل أكثر ثوابًا على ما قال ﵇ لعائشة: \"إِنَّمَا أَجْرُكِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ\" (^٣).\n_________\n(^١) اعتراف الخلق برحمة الخالق حيث جعل لكل زمان من القوانين ما يناسبه ولكل أمة من الأمم ما يكفل لها سعادتها وراحتها، فبقاء النص ماثلًا بين أعينهم مسلوب الحكم بعد أن كان معمولًا به لأكبر دليل على أنه تولى تربية الأمم، وتدرج بهم إلى الكمال الذي أعده لهم جل شأنه بتغيير الحكم الذي كان يناسب علة متأصلة في الأمة إلى حكم مناسب للدوام والاستقرار، وبذلك يزداد شكرنا، ويقوى امتثالنا للحكم واقتناعنا برحمته، فقد يكون انتقالًا إلى أخف، فنشكر نعمة التخفيف، وقد يكون انتقالًا إلى حكم أشد من الأول، فنشكر نعمة التهذيب لنفوسنا والتعريض للزيادة في مثوبتنا، فمن الأول نسخ عدة المتوفي عنها زوجها بأربعة أشهر وعشر بعد أن كانت حولًا؛ إذ لو بقيت الآية الأولى معمولًا بها حتى الآن لكان ذلك مكرهًا فضليات النساء على التطوح وراء المآرب الدينئة؛ لأن النساء في الزمن الأول كن قادرات على الانتظار تلك المدة الطويلة، فلما عيل صبرهن بكر الغداة ومر العشى اقتضى النظام العادل أن يخفف ذلك من الطويل الشاق إلى هذا المدة القصيرة السهلة: ونسخ مصابرة الواحد عشرة في القتال بمصابرة اثنين؛ وذلك لقلة عدد المسلمين في صدر الإسلام، فلما تضاعف عددهم وقويت شوكتهم زال ذلك المانع، فخفف الله عليهم \"ومن الثاني\" تحريم الخمر بعد أن كانت مباحة في صدر الإسلام، فجاءت الأحكام والآيات تستلها من نفوسهم رويدًا رويدًا حتى استقر أمرها على المنع البات، وفي ذلك من حسن المعاملة وبديع الصنع ما لا يخفى على أحد سوى من أحرم نعمة العقل، فهذي ما هذي، وافترى ما افترى.\n(^٢) في ب: بعد.\n(^٣) أخرجه الحاكم (١/ ٤٧١)، والدارقطني (٢/ ٢٨٦) من حديث عائشة، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.","vol":"4","page":68},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\n\"فائدة\"\nلا خلاف في جواز النسخ بالأخف كنسخ العدّة حولًا بالعدّة أربعة أشهر وعشرًا، والمثلِ كاستقبال \"بيت المقدس\" بالكعبة.\nوأما نسخ التخيير بين أمرين يتحتّم أحدهما فهو من الأثقل، وقد مَرّ مثاله.\n«مسألة»\nالشرح: \"الجمهور على جواز نَسْخ التلاوة دون الحكم (^١)، وبالعكس (^٢)، ونسخهما معًا.\nوخالف بعض المعتزلة\" (^٣).\nقلت: والخلاف في نسخهما معًا لا يتجه إلا ممن يمنع نسخ القرآن من حيث هو، والمقصود بهذا الخلاف الخاصّ إنما هو نسخ التلاوة دون الحكم والعكس، ويدل عليه قوله بعد ذلك قالوا: التلاوة مع حكمها كالعالميَّة … إلى آخره، فإنه ذكر من جانبهم الاستدلال - على منع أحدهما دون الآخر، لا على منعهما معًا، فدلَّ أنه مقصودهم.\nوإنما الأصوليون لما ذكروا نسخ أحدهما دون الآخر دعاهم التَّقسيم إلى ذكر نسخهما معًا، وإن كان لا يخالف فيه أحد ممن يجوز وقوع النَّسْخ في القرآن.\n_________\n(^١) معناه أن يزال النص الدال على الحكم بصرف الله تعالى القلوب عن حفظه مع بقاء العمل بالحكم.\n(^٢) ومعناه أن يزال الحكم بنقل العباد منه، ويبقى المنسوخ مقلدًا.\n(^٣) ينظر: المحصول ١/ ٣/ ٤٨٢، والإحكام للآمدي ٣/ ١٢٩ (٦)، والعدة ٣/ ٧٨٠، والمعتمد ١/ ٤١٨، وشرح الكوكب ٣/ ٥٥٣، والمستصفى ١/ ١٢٣، وأصول السرخسى ٢/ ٧٨، وشرح العضد ٢/ ١٩٤، وكشف الأسرار ٣/ ١٨٨، وفواتح الرحموت ٢/ ٧٣، وإرشاد الفحول ١٨٩.","vol":"4","page":69},{"text":"لَنَا: الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ، وَأَيْضًا: الْوُقُوعُ عَنْ عُمَرَ ﵁: وَكَانَ فِيمَا أُنْزِلَ، \"الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ\": وَنُسِخَ الاِعْتِدَادُ بِالْحَوْلِ.\nوَعَنْ عَائِشَةَ -: ﵂ كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ: \"عَشْرُ رَضَعَاتٍ مُحَرِّمَاتٌ\"، فَنُسِخْنَ بِخَمْسٍ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"لنا: القطع بالجواز\" في الأقسام الثلاثة.\n\"وأيضًا: الوقوع عن عمر: كان فيما أنزل: \"الشَّيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة\" (^١) رواه الشافعي ﵁ من حديث سعيد بن المسيب عن عمر ﵁.\nواللفظ: \"إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم أن يقول قائل: لا نجد حدّين في كتاب الله، فلقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا، فوالذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة؛ فإنا قد قرأناها\".\nوللترمذي نحوه، وللبخاري ومسلم ما يقرب منه، فهذا مما نسخت تلاوته دون حكمه.\n\"ونسخ الاعتداد\" في الوفاة \"بالحول\" الثابت بقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٤٠]، بقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٤].\nومنسوخ الحكم دون التلاوة أمثلته كثيرة، والقول بأن هذا منها عليه جمهور المفسرين، فروى البُخَاري في الصحيح عن مجاهد: أنها غير منسوخة، وعليه أبو مسلم الأصفهاني، وأبي ﵀ ولكن تناءت بهم الأنحاء كما حكيت في \"التعليق\" و\"شرح المنهاج\".\n_________\n(^١) أخرجه الشافعي في \"مسنده\" ص ١٦٣ - ١٦٤، ومالك في \"الموطأ\" كتاب الحدود: بارب ما جاء في الرجم (١٠) (٢/ ٨٢٤)، والترمذي ٤/ ٣٨، أبواب الحدود، باب ما جاء في تحقيق الرجم على الثيب من حديث عمر بن الخطاب، وقال الترمذي: حديث عمر حديث حسن صحيح، وقد روى من غير وجه عن عمر.","vol":"4","page":70},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"وعن عائشة ﵂ \" فيما رواه مسلم: \"كان فيما أنزل عشر رضعات محرمات\" كذا في الكتاب، ولفظها \"معلومات، بدل \"محرمات\"، \"فنسخن بخمس\" معلومات، وهذا منسوخ الحكم والتلاوة معًا (^١).\n_________\n(^١) والرضيع أن يصل اللبن إلى جوف الطفل من معدة أو دماغ خمس رضعات متفرقات يقينًا، فإن ارتضع أقل من الخمس لم يثبت التحريم، نعم لو حكم حاكم لم ينقض قوله للخلاف، وكذا لا يثبت التحريم لو شك؛ في كونه رضع خمسًا أو أقل؛ لأن اليقين - وهو عدم التحريم - لا يرتفع بالشك خلافًا للإمام مالك ﵁ حيث قال: يثبت بالشك احتياطًا.\nوكون التحريم لا يثبت إلا بخمس رضعات، هو مذهب إمامنا الشافعي ﵁ وبه قال من الصحابة سيدنا عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن مسعود، وأم المؤمنين عائشة ﵃، ومن التابعين سعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، ومن الفقهاء أحمد، وإسحاق، وحكاه ابن القيم عن الليث بن سعد، رضوان الله - تعالى - عليهم أجمعين.\nوذهب أبو حنيفة ﵁ إلى أن التحريم يثبت برضعة واحدة، وبه قال من الصحابة سيدنا علي - كرم الله وجهه - وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، ومن الفقهاء مالك، والأوزاعي، والثوري - رضي الله تعالى عنهم -.\nوذهب داود الظاهري: إلى أنه يثبت التحريم بثلاث رضعات. وبه قال من الصحابة سيدنا زيد بن ثابت، ومن الفقهاء أبو ثور ﵃.\nاحتج إِمَامُنَا الشَّافِعِيّ، ومن وافقه بما رواه الإمام مسلم - رضي الله تعالى عنه - قال: حَدَّثنَا يَحْيَى بنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أُنْزِل مِنَ الْقُرْآنِ عَشرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يحرمن، ثُمَّ نسخن بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رسول اللهِ ﷺ وَهُنَّ فِيمَا يقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ\" وقد روى هذا الحديث أبو داود والنَّسَائي، والترمذي، وابن ماجة، وذكره الشافعي في مسنده فقال:\n\"أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: نَزَلَ الْقُرْآنُ بِعَشْرِ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ صُيِّرْنَ إِلَى خَمْسِ يُحَرِّمْنَ، فَكَانَ لا يَدْخُلُ عَلَى عَائِشَةَ إلَّا مَنِ اسْتَكْمَلَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ\".\nفهذه الرواية صريحة في إناطة التحريم بخمس رضعات، وأنها ناسخة لغيرها، وأن الأمر قد استقر على ذلك. فلو لم تكن هي مناط الحكم لما كانت ناسخة لغيرها، لكن التالي، وهو عدم كونها ناسخة لغيرها باطل، فبطلَ ما أدى إليه وهو عدم كونها مناط الحكم، فثبت نقيضه، وهو أنها مناطة وهو المطلوب، الملازمة ظاهرة؛ إذ لو نيط الحكم بغيرها، لكان هو الناسخ =","vol":"4","page":71},{"text":"وَالْأَشْبَهُ: جَوَازُ مَسِّ المُحْدِثِ لِلْمَنْسُوخِ لَفْظُهُ.\nقَالُوا: التِّلاوَةُ مَعَ حُكْمِهَا كَالْعِلْمِ مَعَ الْعَالِمِيَّةِ وَالْمَنْطُوقِ مَعَ الْمَفْهُومِ، فَلا يَنْفَكَّانِ.\nوَأُجِيبَ بِمَنْعِ الْعَالِمِيَّةِ وَالْمَفْهُومِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالتِّلاوَةُ أَمَارَةُ الْحُكْمِ ابْتِدَاءً لا دَوَامًا فَإِذَا نُسِخ لَمْ يَنْتَفِ الْمَدْلُول، وَكَذلِكَ الْعَكْسُ.\nقَالُوا: بَقَاءُ التِّلاوَةِ يُوهِمُ بَقَاءَ الْحُكْمِ، فَيُوقِعُ فِي الْجَهْلِ.\nوَأَيْضًا، فَتَزُولُ فَائِدَةُ الْقُرْآنِ.\nقُلْنَا: مَبْنِيٌّ عَلَى التَّحْسِينِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَلا جَهْلَ مَعَ الدَّلِيلِ؛ لأِنَّ الْمُجْتَهِدَ يَعْلَمُ وَالْمُقَلِّدَ يَرْجِعُ إِلَيْهِ، وَفَائِدَتُهُ كَوْنُهُ مُعْجِزًا وَقُرْآنًا يُتْلَى.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"والأشبه\"، وهو أصح الوجهين عند أصحاب الشَّافعي: \"جواز مسّ المحدث للمنسوخ لفظه\"؛ خلافًا للآمدي.\nقال أصحابنا: ولذلك تبطل الصَّلاة بذكره فيها.\nوذكر الرَّافعي في أول باب حد الزنا: أن القاضي ابن كَجّ حكى وجهًا أنه لو قرأ قارئ آية الرجم في الصَّلاة لم تفسد.\n_________\n= للعشر دونها. أما بطلان التالي الذي هو عدم كونها ناسخة؛ فلمخالفته لصريح النص، وهو \"ثُمَّ نسخنَ بخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ\" ويؤيد هذا المذهب، أنه لا يخالف ما دل على ربطه بغير الخمس من القليل والكثير، بل يكون تقييدًا له لا ناسخًا، بخلاف القول بالتحريم بالقليل والكثير، فإنه يخالف ما دل على نفي التحريم بالرضعة والرضعتين، وبخلاف القول بالتحريم بالثلاث؛ فإنه يخالف ما دل على الإناطة بالخمس، دون ما كان أقل منها.\nواحتج النافي للعدد - وهم الحنفية والمالكية - بالكتاب، والسنة، والقياس.\nأما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ ومن أرضعت مرة واحدة يطلق على فعلها هذا الاسم \"الرضاعة\".\nويقال لها: أم أرضعت، فتدخل في عموم الآية، وبهذا احتج ابن عمر على ابن الزبير حين قال: لا تحريم إلا بخمس رضعات.\nفقال: كتاب الله أولى من قضاء ابن الزبير.=","vol":"4","page":72},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوأما المنسوخ حكمه دون لفظه، فله حكم ما لم ينسخ بإجماع المسلمين.\nوالمانعون من جواز نسخ التلاوة دون الحكم وبالعكس \"قالوا\" أولًا: \"التلاوة مع حكمها كالعلم مع العالميَّة والمنطوق مع المفهوم\" من حيث إن أحدهما لا يتحقق بدون الآخر، فكذلك الحكم مع التلاوة، \"فلا ينفكان\".\n\"وأجيب: بمنع\" ثبوت \"العالمية والمفهوم\"؛ إذ لا نسلّم أن العالمية مغايرة لقيام العلم بالذّوات، ولا الملازمة بين المنطوق والمفهوم ليصحّ التمثيل، وإنما منعناه؛ لأنه فرع ثبوت الأحوال، ولسنا ممن يثبت الأحوال.\n\"ولو سلم\" التغاير والتلازم؛ \"فالتلاوة أمارةُ الحكم ابتداء، لا دوامًا\" أي: يدل ثبوت التلاوة على ثبوت الحكم، ولا يدل دوامه، فلا يلزم من انتفاء الأمارة في طرف الدوام انتفاء ما دلَّت عليه، \"فإذا نسخ\" كونه يتلى \"لم ينتف المدلول\".\n\"وكذلك العكس\"، ولا يلزم من انتفاء الحكم لأمارة تدلّ عليه انتفاء تلك الأمارة لدالة عليه.\nوالحاصل: أنه إذا نسخت التلاوة وَحْدَها فهو نسخ لدوامها، ودوامها ليس هو الدَّليل، وإذا نسخ الحكم وحده فهو نَسْخ للدوام، وهو غير مَدْلُول، فلا يلزم انفكاك الدَّليل\n_________\n= وأما السنة: فمنها قوله ﷺ \"يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاع مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ\" فأطلق ولم يقيد بعدد.\nومنها قوله ﷺ \"الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ\" ولا شكَ أن الرضعة الواحدة تسد الجوعة.\nومنها: ما ثبت في الصحيحين عن عقبة بن الحارث أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت امرأة سوداء فقالت: قد أرضعتكما. قال: فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأعرض عني، قال: فتنحيت، فذكرت ذلك له، فقال: وَكَيْفَ وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتكُمَا\" فنهاه عنها، رواه أحمد، والبخاري، وفي رواية \"دَعْهَا عَنْكَ\"، فلو لم يكن مطلق الرضاع محرمًا لسأله عن العدد، ولكنه قد أمره بتركها بادئ الأمر.\nوأما القياس: فأفراده كثيرة. فمنها: قياسه على الوطء بشبهة وعقد النكاح بجامع أن كلًا يفيد التحريم المؤبد، فيعطي حكمه من عدم اعتبار العدد؛ ومنها: القياس على الإفطار في رمضان بجامع الوصول إلى الجوف، فيعطي حكمه؛ ومنها: القياس على حد الخمر بجامع أن كلًا متعلق بالشرب، فلا يناط بالعدد.","vol":"4","page":73},{"text":"<span data-type='title' id=toc-760>مَسْأَلَةٌ:\nالْمُخْتَارُ: جَوَازُ نَسْخِ التَّكْلِيفِ بِالْإِخْبَارِ بِنَقِيضِهِ</span>؛ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ.\n<hr><s0>\n\nوالمدلول، بخلاف العالمية مع العلم، والمنطوق مع المفهوم إن ثبتا؛ لتلازمهما ابتداءً ودوامًا.\n\"قالوا\" على منع نسخ الحكم دون التِّلاوة \"بقاء التلاوة: يوهم بقاء الحكم، فيوقع في الجهل\".\n\"وأيضًا [فتزول] (^١) فائدة القرآن\"؛ لأن فائدة اللفظ إفادة مدلوله، فإذا لم يقصد به بطلت فائدته، ويجب تنزيه القرآن عن كلام لا فائدة فيه.\n\"قلنا\" أولًا: هذا \"مبني على\" أصل \"التحسين\" والتقبيح الباطل، \"ولو سلم\" فلا يتم قولك أولًا: فيه إيقاع في الجهل.\nقلنا: \"لا جهل مع الدَّليل؛ لأن المجتهد\" عند نصب الدَّليل \"يعلم\" أنه منسوخ الحكم، \"والمقلّد يرجع إليه\" فانتفى الجهل.\nقولك ثانيًا: تزول الفائدة.\nقلنا: لا نسلّم، وإنما يلزم لو انحصرت الفائدة فيما ذكرت، وهو ممنوع، ففائدته أيضًا كونه كان أولًا مرادًا به المدلول، فليس كما يذكر لفظ ابتداء ولا يراد مدلوله، \"وفائدته\" أيضًا \"كونه معجزًا وقرآنًا يتلى\".\n«مسألة»\nالشرح: \"المختار جواز نسخ التكليف بالإخبار\" (^٢) بشيء بأن يقول: نسخت عنك تكليفي إياك بأن تخبر بالأمر الفلاني، ثم إما ألَّا يكلف بالإخبار بنقيض ما كان كلف به، بل ينسخ التكليف الماضي فقط، فهذا جائز بلا خلاف، سواء أكان المخبر عنه مما يتغير أم لا.\n_________\n(^١) في ج: نزول.\n(^٢) ينظر: المعتمد ١/ ٤٢١، والإحكام للآمدي ٣/ ١٣١ - ١٣٢، وجمع الجوامع ٢/ ٨٥ - ٨٦، والآيات البينات ٣/ ١٥٤، وشرح الكوكب ٣/ ٥٤١ - ٥٤٢، وتيسير التحرير ٣/ ١٩٦، وفواتح الرحموت ٢/ ٧٥.","vol":"4","page":74},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوإما أن يكلف مع ذلك بالإخبار \"بنقيضه\".\nفإن كان مما يتغير كما إذا قال: كلفتكم بأن تخبروا بقيام زيد، ثم يقول: كلفتكم بأن تخبروا بأن زيدًا ليس بقائم، فلا خلاف أيضًا في جوازه؛ لاحتمال كونه قائمًا وقت الإخبار بقيامه غير قائم وقت الإخبار بعدم قيامه.\nوإن كان مما لا يتغيّر ككون السماء فوق الأرض مثلًا، فهو محلّ الخلاف.\nومذهبنا: الجواز؛ \"خلافًا للمعتزلة\".\nواحتج لهم الآمدي بأنه كذب، والتكليف به قبيح، ثم قال: وهذا مبني على قاعدة الحُسْن والقُبْح الباطلة عندنا، وعلى هذا فلا مانع من التكليف بالخبر بنقيض الحق. انتهى.\nفإن قلت: الكذب نقص، ونحن نوافق المعتزلة على أن قبحه عقلي؛ فينبغي لنا المنع من ذلك أيضًا.\nقلت: قد لا يكون نقصًا؛ لتعلّق غرض به، وعلى تقدير كونه نقصًا، فإنما هو نقص في حق الكاذب، وهو المكلَّف بفتح اللام - وهو المخبر لا المكلّف بكسرها - وهو الله تعالى المكلف بالإخبار، ويجوز التكليف عندنا بما هو نقص في حقّ العبد لا سيما إذا تعلّق به غرض يصير به من حيث ذلك الغرض حسنًا.\nبل لقائل أن يقول: لا التفات لهذا على قاعدة التَّحْسِين والتقبيح، بل ينبغي القول به على أصلنا وأصلهم.\nأما على أصلنا فواضح.\nوأما على أصلهم؛ فلأنه قد يتعلّق به قصد صحيح، فلا يكون نقصًا في حقّ المكلف ولا المكلف، وقد ذكر الفقهاء أماكن يجب الكذب فيها لتعلّق غرض شرعي به.\nفلو قال متغلّب لضعيف: اكذب كذبة خفيفة، وإلَّا ضربت عنقك، وجب عليه [أن] (^١) يقترحها، وما أظن المعتزلة يخالفون في ذلك.\nوفي مذهبنا وجه أنه يجب التلفُّظ بكلمة الكفر عند الإكراه (^٢) عليها، ولا خلاف أنه\n_________\n(^١) سقط في أ، ب، ت.\n(^٢) الإكراه: \"هو إجبار أحد على أن يعمل عملًا بغير حق من دون رضاه بالإضافة، ويقال له، =","vol":"4","page":75},{"text":"وَأَمَّا نَسْخُ مَدْلُولِ خَبَرٍ لا يَتَغَيَّر، فَبَاطِلٌ، وَالْمُتَغَيِّرُ كَإِيمَانِ زَيْدٍ، وَكُفْرِهِ مِثْلُهُ؛ خِلافًا لِبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ. وَاسْتِدْلالُهُمْ بِمِثْلِ: \"أَنْتُمْ مَأْمُورُونَ بِصَوْمِ كَذَا\" ثُمَّ يُنْسَخُ بِرَفْعِ الخِلافِ.\n<hr><s0>\n\nيجب على المودع إذا طالبه ظالم بالوديعة أن يدفعه بالإنكار والإخفاء ما أمكنه، وإذا أنكر وحُلِّف جاز له أن يحلف، ثم تلزمه الكفَّارة على المذهب؛ لأنه كاذب، والكفَّارة منوطة بالكَذِبِ، فلا فرق بين أن يحنث أو لا، وكذلك من التَجَأ إليه مظلوم فَخَبَّأه في داره، وغير ذلك مما خاطب الله به عباده فيه بنقيض الصدق لتعلّق غرض صحيح، وهو حسن في قضايا العقول، فلا ينبغي لذوي الاعتزال إنكاره، هذا في نسخ التكليف بالإخبار.\nالشرح: \"وأما نسخ مدلول خبر\" وثمرته، وهي المسألة الملقّبة بـ \"نسخ الأخباري\" بين الأصوليين (^١).\n_________\n= المكره، ويقال لمن أجبر: مجبر، ولذلك العمل: مكره عليه، وللشيء الموجب للخوف: مكره به\". ينظر قواعد الفقه ص ١٨٨.\n(^١) من هنا أحب أن أتطرق لموضوع النسخ، فمنهم من ذهب إلى أن النسخ كما يكون في الأوامر والنواهي يكون في الأخبار، وينسب لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم والسدى حيث قالا: \"قد يدخل النسخ على الأمر والنهي وعلى جميع الأخبار، ولم يفصلا، وتابعهما على هذا القول جماعة.\nقال أبو جعفر: \"وهذا القول عظيم جدًّا يؤول إلى الكفر\"؛ لأن قائلًا لو قال: \"قام فلان\" ثم قال: \"لم يقم\" ثم قال \"نسخته\" \"لكان كاذبًا\".\nوبعضهم ذهب إلى أن أمر الناسخ والمنسوخ موكول إلى الإمام، فله أن ينسخ ما شاء. وهذا القول أعظم؛ لأن النسخ لم يكن إلى النبيّ ﷺ إلا بالوحي من الله تعالى، إما بقرآن مثله على قول قوم، وإما بوحي من غير القرآن؛ فلما ارتفع هذا بموت النبيّ ﷺ ارتفع النسخ.\nومنهم من ذهب إلى أن النسخ يكون في الأوامر والنواهي، وأما الأخبار فيفصل فيها بين ما فيه حكم فيجوز النسخ فيه، وبين ما لا حكم فيه فلا يجوز.\nومنهم من ذهب إلى أن النسخ يكون في الأوامر والنواهي خاصة.\nوهذا المذهب حكاه هبة الله بن سلامة عن مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة بن عمار.\nوهناك مذهب خامس عليه أئمة العلماء، وهو أن النسخ إنما يكون في المتعبدات؛ لأن لله ﷿ أن يتعبد خلقه بما شاء إلى أي وقت شاء ثم يتعبدهم بغير ذلك، فيكون من النسخ في الأوامر والنواهي وما كان في معناهما مثل قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً=","vol":"4","page":76},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n\n<hr><s0>\n\nفإن كان مدلوله \"لا يتغير فباطل\" بالإجماع.\n\"والمتغير كإيمان زيد، وكفره مثله\"، سواء أكان الخبر ماضيًا، أم مستقبلًا، وعدًا أم وعيدًا وفاقًا لأكثر المتقدمين.\nوقال عبد الجبار، وأبو الحسين، والإمام الرازي، والآمدي: يجوز مطلقًا.\nوقال قوم: إن كان مدلوله مستقبلًا جاز، وإلَّا فلا، واختاره البيضاوي في \"منهاجه\".\n\"واستدلالهم\" أي: واستدلال المجوزين لنسخ مدلول الخبر، \"مثل\" أن يقول: \"أنتم مأمورون بكذا، كصوم\" رمضان مثلًا، \"ثم ينسخ\" حيث يجوز اتفاقًا \"برفع الخلاف\" بيننا وبينهم من حيث المعنى؛ لأنه نسخ لوجوب صوم رمضان، فليس بخبر، بل هو أمر أخبر عنه.\nوأما مدلول الخبر، وهو وقوع الأمر فلم ينسخ، وإلى هذا أشار في \"المنتهى\" حيث قال: قالوا: إذا قال: أنتم مأمورون بصوم كل رمضان، جاز نسخه.\nقلنا: لأنه بمعنى: \"صوموا\" فليس بخبر.\nثم قال: قالوا ثانيًا: لو قال: إنما يفعل كذا أبدًا، ثم قالا: أردت عشرين، جاز.\nقلنا: تخصيص مَحْض باتقاق.\nولم يذكر هنا في \"المختصر\" دليل المنع، وذكره في \"المختصر الكبير\"، فقال: إن كان معنى الخبر بنصّ أو علم القصد إليه، فالخبر الثاني نفيضه، وهو باطل، وإن كان بظاهر، فالثاني تخصيص. يعني وليس بنسخ، والخلاف إنما هو في النسخ، فلا خلاف في المعنى.\nواعلم أن القاضي في \"التقريب\" بنى الخلاف في المسألة على أن النسخ رفع أو بيان.\nفإن قلنا: رفع، لم يجز نسخ الخبر قطعًا؛ لأن الخبر إن كان صادقًا كان الناسخ الرافع لبعض مدلوله كاذبًا، ضرورة أنه صدق، وإلا فهو كاذب.\n_________\n= وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ وقوله تعالى في سورة يوسف ﵇: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ فالأول مثال للخبر الذي بمعنى النهي؛ لأن المعنى؛ لا تنكحوا زانية ولا مشركة، والثانية مثال للخبر الذي بمعنى الأمر؛ لأن المعنى \"ازرعوا\" وهذا المذهب عزى إلى الضحاك بن مزاحم.","vol":"4","page":77},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n\n<hr><s0>\n\n\nوإن قلنا: بيان للمراد اتَّجَهَ أن يقال: الخطاب - حينئذٍ - وإن دلَّ على ثبوت الأزمنة كلّها ظاهرًا، لكنه غير مراد من اللَّفظ، فلم يفض نسخ الخبر حينئذٍ إلى كذب.\nومَدَار الخلاف على أنه: هل يفضى إلى الكذب، فيمتنع، أو لا فلا؟\n\n\"فوائد\"\nالأولى: قد يقول من يجوِّز نسخ المستقبل دون الماضي: إن الكذب لا يتعلق بالمستقبل.\nفإن قلت: وهل يقول أحد: إن الكذب يختصّ بالماضي؟\nقلت: نعم، وهو المفهوم عن الشَّافعي ﵁ ومن أجله قال: إنه لا يجب الوفاء بالوعد، وضعف سؤال من قال لصاحبه: غدًا أعطيك درهمًا، ثم لم يفعل كان كاذبًا؛ والكذب حرام، فكيف لا يوجبون الوفاء بالوعد؟ فقال: إنه والحالة هذه حاكم على أمر مستقبل، ولا كذب فيه، والوعد إنشاء لا خبر، وإنما يسمى من لم يَفِ بالوعد مخلفًا لا كاذبًا.\nولذلك قال ﵊ في صفة المُنَافق: \"إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذَا وَعَدَ أَخلَفَ\".\nفسمَّاه: مخلفًا لا كاذبًا، ولو كان الإخلاف كذبًا دخل تحت عموم \"إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ\".\nوقد صرح أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي (^١) في كتاب \"الأذكار\" بأن الإخبار بضد الصدق إذا كان مستقبلًا يقال فيه: أخلف، ولا يقال: كذب.\nقلت: وقد يقول القائل إذا لم يدخله الكذب: لا يكون خبرًا؛ لأن الخبر ما يقبل الصِّدق والكذب، وإذا لم يكن خبرًا خرجنا عن مسألة نسخ الأخبار.\n_________\n(^١) عبد الرحمن بن إسحاق، النهاوندي، الزجاجي، أبو القاسم، ولد في \"نهاوند\". شيخ العربية في عصره، نشأ في \"بغداد\" وسكن \"دمشق\". نسبته إلى أبي إسحاق الزجاج. من كتبه: \"الجمل الكبرى\" و\"الإيضاح في علل النحو \"و\"الزاهر\" و\"الأمالي\" و\"مجالس العلماء\" وغيرها. - توفي بـ\"طبرية\" (من بلاد الشام) سنة ٣٣٧ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ١/ ٢٧٨، وبغية الوعاة (٢٩٧)، والأعلام ٣/ ٢٩٩.","vol":"4","page":78},{"text":"<span data-type='title' id=toc-762>مَسْألَةٌ:\nيَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ،</span> كالعِدَّتَيْنِ، وَالْمُتَوَاتِر بالْمُتَوَاتِرِ وَالآحَادِ بِالآحَادِ، وَالآحَادِ بِالمُتَوَاتِرِ، وَأَمَّا نَسْخُ المُتَوَاتِرِ بِالآحَادِ فَنَفَاهُ الأَكْثَرُونَ، بِخَلافَ تَخْصَيصِ الْعَامِّ كمَا تَقَدَّمَ.\nلنَا: قَاطِعٌ فَلا يُقَابِلُهُ الْمَظْنُونُ.\n<hr><s0>\n\nوالظَّاهر عندنا: أن الخبر قد يتعلّق بالمستقبل كما يقول: سيخرج الدَّجَّال، ويصح فيه التصديق والتكذيب، والوعد إنشاء لا خبر؛ فليس مما نحن فيه.\nوالثَّانية: كلّ ما تقدم فيما هو خبر لفظًا ومعنى، أما ما هو خبر لفظًا لا معنى مثل: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٨]، فنسخه جائز في قول الأكثرين؛ فإنه ليس إلَّا صيغة الخبر استعملت على وجه التجوز في الأمر.\nوخالف فيه أبو بكر الدَّقَّاق من أصحابنا، كما نقل ابن السَّمْعَاني، ولا وجه له.\nالثالثة: نسخ الوعيد جائز، وممن صرح به من أصحابنا ابن السَّمْعَاني قال: ولا يعد ذلك خلفًا، بل عفوًا وكرمًا.\nقلت: ونسخ الوعد لا يفضي إلى الكذب كما عرفت؛ لأنه إنشاء، ولكنه لا يقع؛ لأنه إخلاف في الإنعام، وهو على الرب - تعالى - مستحيل.\nقال الأصمعي: سمعت أعرابيًّا يقول: سبحان مَنْ إذا وعد وفى، وإذا توعّد عفا.\n«مسألة»\nالشرح: ذكروا أنه يمتنع نسخ كلّ القرآن إجماعًا.\nوأما نسخ بعضه فنقل عن أبي مسلم الأصفهاني منعه.\nوقد عرفت أنه نقل عنه أيضًا منع النسخ رأسًا.\nوالحق أنه \"يجوز نَسْخ القرآن بالقرآن كالعدتين\" (^١) وقد تقدّم الكلام عليها، \"والمتواتر\n_________\n(^١) اتفق القائلون بالنسخ على امتناع نسخ جميع القرآن؛ لأنه معجزة نبينا ﷺ المستمرة على التأييد؛ ولأن فيه الأخبار والقصص والأحكام التي لا يقبل حسنها أو قبحها السقوط. ينظر: =","vol":"4","page":79},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n\n<hr><s0>\n\n\nبالمتواتر، والآحاد بالآحاد، والآحاد بالمتواتر.\n\nوأما<span data-type='title' id=toc-763> نَسْخُ المتواتر بالآحاد،</span> فنفاه الآكثرون، بخلاف تخصيص العام\" المتواتر بالآحاد، فإنه جائز \"كما تقدّم\" (^١).\nوالفرق أن التخصيص بيان وجَمْعٌ بين الدليلين، والنسخ رفع وإبطال.\nوظاهر كلام المصنّف أن الأكثرين نفوا الجواز وليس كذلك، بل إنما أنكروا الوقوع، ولم ينكر الجواز إلَّا الأقلون.\n\"لنا\": المتواتر \"قاطع، فلا يقابله المظنون\"، وهو الآحاد.\nولقائل أن يقول: أولًا: هذا لو تم نفى [بقاء] (^٢) الجواز العقلي، وقد قلنا: إنْ الأكثرين عليه، وإنما ادعوا نفى الوقوع.\n_________\n= البحر المحيط للزركشي ٤/ ١١٨، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٣/ ١٣٣، ونهاية السول للأسنوي ٢/ ٥٧٩، ومنهاج العقول للبدخشي ٢/ ٢٥١، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ٨٨، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ٢١، والمنخول للغزالي ٢٩٢، والمستصفى له ١/ ١٢٤، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/ ١٣٩، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ١١١، والمعتمد لأبي الحسين ١/ ٣٩٠، وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ٤/ ٥٠٥، والتحرير لابن الهمام ٣٨٧، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ٣/ ٢٠٠، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ١٩٥، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ٣٦، وميزان الأصول للسمرقندي ٢/ ١٠٠٥.\n(^١) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٤/ ١٠٩، والبرهان لإمام الحرمين ٢/ ١٣٠٧، وسلاسل الذهب للزركشي ٣٠٢، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٣/ ١٣٩، ونهاية السول للأسنوي ٢/ ٥٧٨، ومنهاج العقول للبدخشي ٢/ ٢٥٢، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ٨٨، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ٢٣، والمنخول للغزالي ٢٩٢، والمستصفى له ١/ ١٢٤، والآيات والبينات لابن قاسم العبادي ٣/ ١٣٩، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ١١١، والمعتمد لأبي الحسين ١/ ٣٩٢، وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ٤١٨، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ٤/ ٥٠٥، والتحرير لابن الهمام ٣٨٨، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ٣٦، وميزان الأصول للسمرقندي ٢/ ١٠٠٦، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٣/ ٦٠.\n(^٢) سقط في ج.","vol":"4","page":80},{"text":"قَالُوا: وَقَعَ فَإنَّ أَهْلَ قُبَاءَ سَمِعُوا مُنَادِيَهُ ﷺ ألا إِنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ، فَاسْتَدَارُوا\" وَلَمْ يُنكَرْ عَلَيْهِمْ. أُجِيبَ: عَلِمُوا بِالْقَرَائِنِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.\nقَالُوا: كَانَ يُرْسِلُ الآحَادَ بِتَبْلِيغِ الأَحْكَامِ مُبْتَدَأَةً وَنَاسِخَةً.\nوَأُجِيبَ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا ذَكَرْنَاه، فَيُعْلَمُ بِالْقَرَائِنِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.\n<hr><s0>\n\nوثانيًا: أنه لا يتم؛ لأن المتواتر مظنون الدلالة بخلاف الآحاد؛ فتعادلا.\nلا يقال حينئذ: يتعين أن يكون الآحاد مخصصًا، ولا خلاف فيه؛ لأن ذلك إنما يتعيّن إذا ورد قبل العمل بالعام المتواتر.\nأما إذا ورد بعد العمل به، فيكون ناسخًا.\nوأيضًا قال القاضي:. لا نسلّم أن المقطوع لا يدفع بالمَظْنُون قال: ألا ترى أن انتفاء الأحكام قبل ورود الشرائع مقطوع به عندنا، وثبوت الحظر أو الإباحة مقطوع به عند آخرين، ثم خبر الآحاد يرفع ذلك باتفاق؟.\nوأيضًا فإنا مهما جَوَّزنا نسخ النص بخبر الواحد، فلا نسلّم مع ورود كون النَّص مقطوعًا به ذكره القاضي أيضًا.\nومراده: أن المقطوع به إنما هو أصل الحكم، لا دوامه، والنَّسْخ يرد على دوامه لا على أصله، وهو حسن.\nفالحَق إثبات الجواز، وأما الوقوع، فقد أعلمناك أن الأكثرين نفوه، وخالف جماعة من أهل الظاهر.\nوفصل القاضي والغَزَالي، فقالا بوقوعه في زمان الرسول ﷺ دون ما بعده.\nونقل القاضي إجماع الأمة على منعه بعد زمن النبي ﷺ قال: وإنما اختلفوا في زمانه.\nوقال إمام الحرمين: أجمع العلماء على أن الثَّابت قطعًا لا ينسخه مظنون، ولم يتعرّض لزمان الرسول ﷺ (^١).\nوعندي أن الفارق أن الأحكام في زمن النبي ﷺ في معرض التغير بخلاف ما بعده؛\n_________\n(^١) ينظر: البرهان ٢/ ١٣١١ (١١٤٧).","vol":"4","page":81},{"text":"قَالُوا: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٤٤] نُسِخَ بِنَهْيِهِ عَنْ [أَكلِ] \"كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ\"، فَالَخَبَرُ أَجْدَرُ.\nأُجِيبَ: إِمَّا بِمَنْعِهِ، وَإمَّا بِأنَ الْمَعْنَى: لا أَجِدُ الآنَ. وَتَحْرِيمُ حَلالِ الأَصْلِ لَيْسَ بِنَسْخٍ، وَيَتَعَيَّنُ النَّاسِخُ بِعِلْمِ تَأَخُّرِهِ أَوْ بِقَوْلِهِ ﵇: هَذَا نَاسِخٌ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ مِثْلُ: \"كنْتُ نَهيْتُكُمْ\"، أوْ بِالإجْمَاعِ، وَلا يَثْبُتُ بِتَعْيِينِ الصَّحَابِيِّ؛ إذْ قَدْ يَكُونُ عَنِ اجْتِهَادِ، وَفِي تَعْيِينِ أَحَدِ المُتَوَاتِرَيْنِ نَظَرٌ.\n<hr><s0>\n\nلاستقرار الأحكام، فكان لا قطع في زمانه، وبهذا يصح نقل الإمام الإجماع، وحكاية من حكى الخلاف، فإن من قال بالنَّسْخِ في زمان الرسول ﷺ يمنع القطع.\nالشرح: والمجّوزون \"قالوا: وقع فإن أهل \"قباء\" سمعوا مناديه ﷺ، وهو آحاد: \"أَلا إِنَّ القِبْلَةَ قد حُوِّلَتْ\" فاستداروا، ولم ينكر عليهم\".\nعن ابن عمر ﵄ قال: بينما الناس بـ \"قباء\" في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال: إن النبي ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل القِبْلَة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى \"الشام\" فاستداروا إلى \"الكعبة\" رواه البخاري ومسلم.\n\"أجيب: علموا\" ذلك \"بالقرائن نما ذكرناه\" فيما مضى من أن خبر الواحد إذا انضمت إليه القرائن أفاد العلم.\n\"قالوا: كان ﷺ يرسل الآحاد بتبليغ الأحكام مبتدأة وناسخة\" من غير فرق بينهما، والمبعوث إليهم متعبّدون بتلك الأحكام، وربّما كان في الأحكام ما ينسخ متواترًا؛ لأنهم لم ينقلوا الفرق، وهو دليلُ جواز نسخ المتواتر بالآحاد.\n\"أجيب\": بتسليم الإرسال والقول \"إلّا أن يكون الخبر مما ذكرناه\" وهو كونه ناسخًا للمتواتر، \"فيعلم بالقرائن؛ لما ذكرناه\" من أن المظنون لا يقابل القاطع، فلم يقبل الواحد بمجرّده من نسخ المتواتر.\nالشرح: \"قالوا\" ثالثًا: قوله تعالى: \" ﴿قُلْ لَا أَجِدُ\" فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ …﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٤٥] \"نسخ بنهيه\" ﷺ الثابت في الكتب السّتة من حديث أبي ثعلبة \"عن أكل كلّ ذي ناب من السِّبَاع، وهو خبر واحد، فإذا نسخ به القرآن، \"فالخبر\" المتواتر\"أجدر\".\n\"وأجيب: إما بمنعه\" أي بمنع النَّسْخ في الآية، \"وإما بأن المعنى لا أَجِدُ الآنَ\"،","vol":"4","page":82},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n\n<hr><s0>\n\n\nوالتحريم في المستقبل لا ينافيه حتى يلزم النَّسْخ به، غايته أن عدم التحريم يثبت بالآية، ولازم عدم التَّحريم بقاء البَرَاءة الأصلية لا ثبوت الإباحة الشرعية، والبراءة هي المرفوعة بالحديث، فالحديث محرم لحلال الأصل، \"وتحريم حلال الأصل ليس بنسخ\"؛ لأنه لم يرفع حكمًا شرعيًّا.\nوحيث ذكرنا ما ينسخ به، فلنذكر ما يعرف به كون الحكم ناسخًا، وإليه الإشارة بقوله: \"ويتعيّن الناسخ بعلم تأخره\" عن المنسوخ.\n\"أو بقوله ﷺ: هذا ناسخ أو ما في معناه\"، أي: معنى هذا ناسخ \"مثل\" ما روى مسلم\nفي \"الصحيح\" من قوله ﷺ: \"كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ\" عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا\" (^١).\n\"وبالإجماع\" على أنه ناسخ، وهذه الطرق الصحيحة في معرفة الناسخ.\nولقائل أن يقول: علم التأخير يشمل الأقسام التي يعرف بها النَّاسخ كلها؛ لأن كل ناسخ فهو معلوم التأخير.\nفصواب العبارة أن يقال: يتعيّن الناسخ بعلم تأخّره، وله طرق: قوله ﵇: هذا ناسخ، أو ما في معناه، والإجماع.\n\"ولا يثبت بتعيين الصحابي؛ إذ قد يكون عن اجتهاد\".\n_________\n(^١) أخرجه مسلم ٢/ ٦٧٢ في كتاب الجنائز: باب استئذان النبي ﷺ ربه في زيارة قبر أمه، حديث (١٠٦/ ٩٧٧)، وأخرجه في الأضاحي (٣٧/ ١٩٧٧)، وأخرجه النسائي في المجتبي من السنن ١١/ ٣١٠، ٣١١ في باب الإذن في شيء منها (٥٦٥١، ٥٦٥٢، ٥٦٥٣) وأخرجه ابن ماجة ١/ ٥٠١ في كتاب الجنائز: باب ما جاء في زيارة القبور، حديث (١٥٧١)، وقال البوصيري في \"الزوائد\": إسناده حسن، وأحمد في المسند ٤/ ٤٤١، وأخرجه الترمذي بلفظ: \"قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه، فزوروها؛ فإنها تذكركم بالآخرة\" ٣/ ٣٧٠ في الجنائز: باب ما جاء في الرخصة في زيارة القبور، حديث (١٠٥٤) وقال أبو عيسى: حديث بريدة حديث حسن صحيح. والعمل على هذا عند أهل العلم لا يرون بزيارة القبور بأسًا، وهو قول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٧٦ في الجنائز، باب زيارة القبور، وفي ٨/ ٣١١، وابن أبي شيبة في المصنف ٣/ ٣٤٢، ٣٤٤، وانظر: تلخيص الحبير ٢/ ١٣٧.","vol":"4","page":83},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n\n<hr><s0>\n\n\nوقيل: يثبت به.\nوقال الكرخي: إن عين الناسخ كقوله: هذا نسخ هذا، فلا يقبل [كذلك] (^١)، وإلا قُبِلَ؛ لأنه لولا ظهور النَّسخ فيه ما أطلق النسخ إطلاقًا.\nقال الإمام الرَّازي: هو ضعيف، فلعله أطلق لغلبة ظنّه.\n\"وفي تعيين أحد المتواترين\" لكونه ناسخًا للآخر بقول الصَّحابي \"نظر\" من حيث إنه نسخ للمتواتر بالآحاد، وبالمتواتر، والآحاد دليل كونه ناسخًا.\nوما لم يغتفر ابتداء قد يغتفر تبعًا، كما يقبل الشَّاهدان في الإحصان، وإن رتب الرجم دون الزِّنَا، والنساء في الولادة دون النَّسب، وإن ترتب النسب.\nوإذا قطعت يد المحرم لا فِدْيَة عليه للشعر الذي عليها والظّفر؛ لكونهما تابعين، وكذا لو كشط جلد الرأس فلا فدية.\nولو كان تحته امرأتان صغيرة وكبيرة، فأرضعت الكبيرة الصغيرة، بطل النِّكَاح، ووجب المَهْر، ولو قتلها لم يجب المهر؛ لأن البُضْعَ عند القتل تابع غير مقصود.\nوالشُّفْعَة لا تثبت في الأشجار والأبنية بطرق الأصالة، وتثبت تبعًا للأرض إذا بيعت معها وهو كثير (^٢).\n_________\n(^١) في ب، ج: لذلك.\n(^٢) وهو الشقص المأخوذ، ويشترط فيه:\nأولًا: أن يكون أرضًا، سواءً أبيعت وحدها أم بيعت مع ما يتبعها في مطلق البيع، كالبناء وتوابعه الداخلة في مطلق البيع؛ من الأبواب المنصوبة، والرفوف المسمرة، ومفتاح غلق مثبت، وحجري الطاحونة، أمّا الأسفل فلأنه ثابت، وأما الأعلى فبالتبع، وهكذا من كل منفصل توقف عليه نفع متصل كالهوديا، والجازية، والأشجار، وإن نص على دخولها؛ لأن التنصيص عليها لا يخرجها من التبعية عند الإطلاق؛ لخبر مسلم \"قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شرك لم يقسم ربعة أو حائط\".\nوالربعة: تأنيث الربع، والحائط هو الدار ومطلق الأرض، والحائط البستان، وأصول البقل التي تبقى سنتين فأكثر، وتجز مرارًا كالقت، والهندبا، وهو التبل، والنعناع؛ أو تؤخذ ثمرته مرة بعد أخرى كالشجر، والثمرة الظاهرة، وكذا الجزة الظاهرة عند البيع للبائع، سواء بلغ ما=","vol":"4","page":84},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n\n<hr><s0>\n\n\nوقال القاضي في \"مختصر التقريب\" لإمام الحرمين: لو قال: هذا الحديث سابق قبل؛ إذ لا مدخل للاجتهاد فيه، قال: والضابط ألَّا يكون ناقلًا، فيطالب بالحِجَاجِ.\nوأما إذا كان ناقلًا فيقبل.\n_________\n= ظهر أوان الجز أم لا، ولا يدخل في بيع الأرض ما يؤخذ دفعة واحدة كالشعير، وسائر الزروع، كالجزر والفجل والثوم والبصل؛ لأنه ليس للدوام والثبات، ويشترط في الشجر أن يكون رطبًا يقصد به الدوام، فلو كان شتلًا يقصد نقله لم تثبت فيه.\nوشرط التبعية في البناء والشجر، أن يباعا مع ما حولهما من الأرض؛ فلو باع شقصًا من جدار وأسه لا غير، أو من أشجار ومغارسها لا غير، فلا شفعة؛ لأن الأرض هنا تابعة من حيث الغرض للمشتري، وليس المراد أنه باع الجدار، ودخلت الأرض تبعًا؛ لأنها لا تدخل إلا بالنص عليها، والأس: الأرض الحامل للبناء، والمغرس: الأرض الحاملة للشجر، ومحله حيث صرح بدخول الأساس، ودخول المغرس في البيع، وكانا مرئيين قبل ذلك، فإنه إذا لم يرهما وصرح بدخولهما، لم يصح البيع في الأصح، وما ذكروه في البيع من أنه لو قال: \"بعتك الجدار وأساسه\"، أنه يصح البيع، وإن لم ير الأساس، محمول على الأساس الذي هو بعض الجدار، أي الجزء الذي في الأرض من الجدار، وأمّا الأساس الذي هو مكان البناء فعين منفصلة، لا تدخل في البيع عند الإطلاق، فإذا صرح به اشترط فيه شروط البيع.\nفإن كان الأساس والمغرس عريضين، بحيث يمكن جعل أس آخر أو شجرة أخرى فيه، ثبتت فيه الشفعة؛ لوجود الأرض التي تستتبع حينئذ مع إمكان القسمة، ولا شفعة في شجر أفرد بالبيع، ولو بتفصيل الثمن، كأن قال: \"بعتك الأرض بكذا، والشجر بكذا\".\nولو باع أرضًا عليها شجر جاف شرط دخوله في بيع الأرض لا تثبت فيه الشفعة؛ لانتفاء التبعية؛ لأنه لا يدخل في البيع عند الإطلاق، بل بالشرط، فلو أراد الشفيع أخذه قومت عليه الأرض مع الشجر، ثم بدونه، وقسم الثمن على ما يخص كلًّا منهما، كما لو باع شقصًا مشفوعًا وسيفًا.\nولو كانت الأرض مشتركة وفيها شجر لأحدهما فباعه مع نصيبه منها، فالشفعة له في الأرض بحصتها من الثمن، لا في الشجر؛ لأنه ليس مشركًا، ويبقى للمشترى في الأرض، وعليه نصف الأجرة للشفيع في مقابل النصف الذي له، دون ما يقابل النصف الذي انتقل إليه بالشفعة؛ لأن صاحبه كان يستحق الإبقاء فيه مجانًا، فتنتقل الأرض للشفيع مسلوبة المنفعة، كما لو باع أرضًا واستثنى لنفسه الشجر، فإنه يبقى بلا أجرة، وليس للشفيع تكليف المشتري قطع الشجر، ولا تملكه بالقيمة، ولا القلع مع غرامة أرش النقص؛ لأنه يستحق الإبقاء، فلو اقتسما الأرض، وخرج النصف الذي فيه الشجر لغير مالك الشجر، فالأرجح أنه يكلف أجرة =","vol":"4","page":85},{"text":"وَلا يَثْبُتُ بِقَبْلِيَّتِهِ فِي الْمُصْحَفِ، وَلا بِحَدَاثَةِ الصَّحَابِيِّ، وَلا بِتَأَخُرِ إسْلامِهِ، وَلا بِمُوَافَقَةِ ألأَصْلِ، وَإذَا لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ فَالْوَجْهُ الْوَقْفُ لا التَّخْييرُ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"ولا يثبت\" النَّاسخ \"بقبليته في \"وضع \"المصحف\"؛ فإن ترتيب الآيات ليس على ترتيب النزول، \"ولا بحداثة\" سن \"الصّحابي\"؛ لأن منقول حديث السّن قد يكون متقدمًا، وبالعكس \"وبتأخر إسلامه\"؛ لجواز أن يسمع متقدم الإسلام بعده، \"ولا بموافقة الأصل\" للحكم الذي رواه.\n\"وإذا لم يعلم ذلك\" أي: النَّاسخ من المنسوخ لتعذّر السبيل إلى ذلك، \"فالوجه الوقوف\" عن العمل \"لا التخيير\".\nوقال الآمدي: إن علم اقترانهما مع تعذُّر الجمع، فعندي أنّ ذلك غير متصوّر الوقوع، وإن جوزه قوم، وبتقدير وقوعه، فالواجب إما الوقوف عن العمل، أو التخيير إن أمكن.\n_________\n= الجميع؛ لأنه لا حق لمالك الشجر الآن في الأرض.\nوخرج بيع البناء والشجر في أرض محتكرة؛ لأنه كالمنقول بأن تكون الأرض موقوفة على من يبنى عليها، أو مملوكة، ويأذن الناظر أو المالك لشخص في البناء عليها بأجرة معلومة كل سنة مثلًا، في مقابلة منفعة الأرض من غير تقدير مدة، فهي كالخراج المضروب على الأرض كل سنة، واغتفر جهالة المدة للحاجة، فإذا باع أحد الشريكين نصيبه في البناء الذي عليها، لم يثبت لشريكه فيه شفعة؛ لعدم ملك الأرض.\nوتثبت الشفعة في ثمرة موجودة لم تؤبر عند البيع، وإن شرط دخولها في البيع، سواء تأبرت عند الأخذ أم لا؛ لأنها تتبع الأصل في البيع، فكذا في الأخذ بالشفعة، ولا نظر لطرو تأبره، لتقدم حقّه، وزيادته بالتأبير كزيادة الشجر، بل قال الماوردي: \"يأخذه وإن قطع\".\nوالتصريح بالشرط لا يخرج عن التبعية؛ لأنه تصريح بمقتضى العقد. أما الثمرة المؤبرة عند البيع، فلا شفعة فيها، كالشجر الجاف الذي شرط دخوله في البيع، بل تؤخذ بحصتها من الثمن، كالزرع المشروط دخوله في البيع، والجزة الظاهرة مما يتكرر؛ لأنها لا تدخل في مطلق البيع.\nويبقى كل ما لا يؤخذ من ثمر وزرع إلى أوان الجذاذ، والثمرة الحادثة بعد البيع إن لم تؤبَر عند الأخذ فله أخذها بالشفعة؛ لأنها تابعة للأصل في البيع، فتتبعه في الأخذ كالبناء والغراس، وإن أبِّرت عند الأخذ فلا شفعة فيها؛ لانتفاء التبعية.","vol":"4","page":86},{"text":"<span data-type='title' id=toc-764>مَسْالَةٌ:\nالجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ السُّنَّة بِالْقُرآنِ،</span> وَللشَّافِعيِّ ﵀ قَوْلانِ.\nلنَا: لَوِ امْتَنَعَ لَكَانَ لِغَيْرِهِ، وَالأَصْلُ عَدَمُه، وَأَيْضًا: التَّوَجُّهُ إِلَى [بَيْتِ] الْمَقْدِسِ بِالسُّنَّةِ، وَنُسِخَ بِالْقُرْآنِ، وَالْمُبَاشَرةُ بِاللَّيْلِ كَذَلِكَ، و[صَوْمُ] يَوْمِ عَاشُورَاءَ.\nوَأُجِيبَ بِجَوَازِ نَسْخِهِ بِالسَّنَّةِ، وَوَافَقَ الْقُرآنَ.\nوَأُجِيبَ بَأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ تَعْيِينَ نَاسِخٍ أَبَدًا.\n<hr><s0>\n\nوكذلك الحكم فيما إذا لم يعلم شيء من ذلك. هذا كلامه.\nفقول المصنّف: \"وإذا لم يتم ذلك\" يشمل ما إذا علم اقترانهما، وذلك لا يقع، وما إذا لم يعلم الحال، وما إذا علم أن أحدهما متأخر، ولكن جهل عينه، وما إذا علم عين المتأخر، ثم نسى.\nوقد ذكر الفُقَهَاء [مثل] (^١) هذه الأقسام في الجمعتين، والنِّكاحين، وعقد الإمامة لاثنين، وموت جماعة من الأقارب بالغرق أو الهدم.\nواعلم أن المصنف قال في الاجتهاد: إنه يجوز تعادل الأمارات الظَّنية عند الجمهور؛ خلافًا لأحمد، والكرخي، وقال هناك: وأجيب: يُعْمَلُ بهما في أنهما [وقفا] (^٢)، أو بأحدهما مخيرًا، أو لا يعمل بهما.\nقلت: وإذا علم عين المتقدم والمتأخر ثم نسى، فلا وجه للقول بالتخيير، إنما الوجه الوقف، وهو نظير كلام الفقهاء في النكاحين وغيره.\n«مسألة»\nالشرح: \"الجمهور على جواز نسخ السنة بالقرآن (^٣).\n_________\n(^١) سقط في أ، ب، ت.\n(^٢) في ت، ج: وقعًا.\n(^٣) ينظر: الرسالة (١٠٦)، واللمع (٣٣)، والتبصرة (٢٦٤)، والمحصول (١/ ٣/ ٥١٩)، والعدة ٣/ ٧٨٨، والمعتمد ١/ ٤٢٤، والمسودة ٢٠١، والروضة (٤٤)، وشرح الكوكب ٣/ ٥٦٢،=","vol":"4","page":87},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n\n<hr><s0>\n\n\nوللشافعي قولان:\n\"لنا: لو امتنع لكان\".\nإما لذاته، وهو باطل قطعًا.\nوإما \"لغيره، والأصل عدمه\"، أي: عدم ذلك الغير.\n\"وأيضًا\" قد وقع؛ إذ \"التوجّه إلى [بيت] (^١) المقدس\" كان ثابتًا \"بالسُّنة ونسخ بالقرآن، والمباشرة بالليل كذلك\"، فإنها كانت محرمة على الصَّائم بالسنة، ثم نسخت بالقرآن [و\"يوم] (^٢) عاشوراء\" كذلك.\nولقائل أن يقول: الأول لا يثبت إلا الجواز العقلي، والشَّافعي لا ينكره كما سنحرره إن شاء الله تعالى.\nوالثاني: وهو دعوى الوقوع ممنوع، فقد حكى الحازمي (^٣) قولين للعلماء في أن التوجَّه إلى [بيت] (^٤) \"المقدس\" هل كان بالقرآن أو السُّنة؟.\nقلت: والقول بأنه كان بالقرآن هو ظاهر كلام الشَّافعي، وعليه يدلّ قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ١٤٣]. الآية، فإن الضمير في \"جعلنا\" \"يعود على الله تعالى\" وظاهره أنه جعل بالقرآن.\nوأما المُبَاشرة بالليل فالذي ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب \"الناسخ والمنسوخ\": أن الأكل والشرب والجماع ليلة الصِّيام بعد أن ينام الإنسان كان محرمًا، ثم شُكِيَ إلى النبي ﷺ، فأنزل الله ﷿: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ …﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٧] الآية.\n_________\n= وجمع الجوامع ٢/ ٧٨، والآيات ٣/ ١٣٩، والبرهان ٢/ ١٣٠٧، وأصول السرخسى ٢/ ٦٧، المنتهى ١١٨، شرح العضد ٢/ ١٩٥، تيسير التحرير ٣/ ٢٠٣، وكشف الأسرار ٣/ ١٧٥، والإبهاج ٢/ ٢٧٠، وإرشاد الفحول (١٩١)، وفواتح الرحموت ٢/ ٧٨.\n(^١) سقط في أ، ب، ت.\n(^٢) في ج: صوم.\n(^٣) في ج: الجاوي، وفي ب: الخادمي:\n(^٤) سقط في أ، ب، ت.","vol":"4","page":88},{"text":"قَالُوا: ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٤]، وَالَنَّسْخُ رَفْعٌ لا بيَانٌ.\nقُلْنَا: الْمَعْنَى: لِتُبَلِّغَ، وَلَوْ سُلَّمَ فَالَنَّسْخُ أَيْضًا بيَانٌ وَلَوْ سُلِّمَ فَأَيْنَ نَفْيُ الَنَّسْخِ؟.\nقَالُوا: مُنَفرٌ.\nقُلْنَا: إذَا عُلِمَ أَنَّهُ مُبَلِّغٌ فَلا نَفْرَةَ.\n<hr><s0>\n\nوكذلك ذكر أبو جعفر النحاس، ولم ير من قال: إن ذلك كان بالسّنة.\nوأما إيجاب صوم عاشوراء ثم نسخه، فهو قول الحنفيّة، وحكاه عبد الرزاق في \"مصنفه\" عن علي، وأبي موسى.\nوالذي عليه أصحابنا: أنه لم يكن فرضًا قط، وقد بين ذلك البيهقي في \"الخلافيات\"، وأبو إسحاق الشيرازي في \"النكت\"، وغيرهما من علمائنا.\n\"وأجيب\" عن دعوى الوقوع أيضًا \"بجواز نسخه بالسُّنة، ووافق\" نسخه بها \"القرآن\"، فاستغنى به عن نقلها.\n\"وأجيب\" عنه: \"بأن ذلك يمنع تعيين ناسخ أبدًا\"، فلا يدعى ناسخ إلا ويمكن أن يقال: لعلّ النسخ واقع بغيره.\nولقائل أن يقول: جريان الاعتراض في أماكن كثيرة لا يدفعه، بل الجواب أن يقال: الأصل عدم غيره.\nالشرح: والمانعون \"قالوا\": قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ \"لِتُبَيِّنَ\" لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ …﴾ [سورة النحل: الآية ٤٤] يقتضى أن شأنه البيان، \"والنسخ رفع لا بيان\" (^١).\n_________\n(^١) وهو ينبني على مسألة بناء الأعراض.\nفمن قال: بأن العرض يقبل البقاء والدوام قال: المنسوخ باق.\nومن قال: العرض لا يبقى زمنين قال: الحكم ينتهى بذاته كما ينتهي العرض.\nوأنكر القرافي هذا البناء من جهة أن حكم الله هو خطابه القديم الواجب الوجود، فيستحيل عليه أن يكون عرضًا ولا مشاركًا للعرض في معنى وجودي، بل هو سبحانه ليس كمثله شيء في ذاته وصفاته، بل دوام الحكم بدوام تعلقه وانقطاعه بانقطاعه، وتعلق الصفات نسب وإضافات لا توصف، فإنها موجودة في الخارج ولا أعراض، فلا يستقيم. ينظر: الرازي ١/ ٣/ ٤٣١.","vol":"4","page":89},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nالْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ، وَمَنَعَ الشَّافِعيُّ ﵁.\n<hr><s0>\n\n\"قلنا: المعنى\" من قوله: \"لتبين\": \"لتبلغ، ولو سلم\" أن المراد ظاهره، وهو البيان \"فالنسخ أيضًا بيان\".\nلا يقال: قد أخبرتم فيما مضى أنه رفع؛ لأنا نقول وقت النزول في الجواب: يختار الناظر أي مذهب شاء، والسّر فيه أنه يقول: ماذا تقول لو قال خصمك مثلًا: النسخ بيان، فعليك إبطال أنّ النسخ بيان ليتثبت مقصودك، فافهم هذا ينفعك في أماكن كثيرة يتخيل الشَّادي فيها تناقض اتكلام، أو نقول: ليس المعنى بالبيان مقابل الرفع؛ بل تقييد المطلق وتخصيص العام؛ لأن ذلك أيضًا بيان كما سبق في باب البيان، والسُّنة تقييد وتخصّص.\n\"ولو سلم\" أن النسخ ليس ببيان، \"فأين نفى النسخ\" في الآية؟.\n\"قالوا\": نسخ السُّنة بالقرآن \"منفر\" عن النبي ﷺ[الأغبياء] النَّاس؛ لأنهم ربما قالوا: لم يرض الله بالسُّنة.\n\"قلنا: إذا علم أنه\" ﷺ \"مبلغ، فلا نفرة\"؛ لأن الكُلّ من عند الله تعالى.\n«مسألة»\nالشرح: \"الجمهور على جواز نسخ القرآن بالخبر المتواتر، ومنع الشافعي\" (^١) ونصه في \"الرسالة\": لا ينسخ كتاب الله إلا كتابه كما كان المبتدئ بفرضه، وهو المزيل المثبت لما شاء منه جل ثناؤه، ولا يكون ذلك لأحد من خلقه. انتهى.\nوظاهره: نفى الوقوع فقط.\nنعم قال: يبقى الجواز العَقْلي، الحارث بن أسد المحاسبي، وعبد الله بن سعيد (^٢)\n_________\n(^١) ينظر: الرسالة (١٠٨).\n(^٢) عبد الله بن سعيد، أبو محمد، المعروف بـ\"ابن كُلَّاب\". كان من كبار المتكلمين؛ ومن أهل السنة. وبطريقته وطريقة الحارث المحاسبي اقتدى أبو الحسن الأشعري وقد ألف كتبًا كثيرة في التوحيد والصفات. توفي بعد ٢٤٠ هـ. ينظر: طبقات السبكي ٢/ ٥١، ومعجم المؤلفين ٦/ ٥٩، ولسان الميزان ٣/ ٢٩٠، وهدية العارفين ص (٤٤٠)، وابن قاضي شهبة ١/ ٧٨.","vol":"4","page":90},{"text":"لَنَا: مَا تَقَدَّمَ.\nوَاسْتُدِلَّ بأَنَّ: \"لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ\" نَسَخَ الْوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبينَ، وَالرَّجْمُ لِلْمُحْصَنِ نَسَخَ الْجَلْدَ.\nوأُجُيبَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ نَسْخُ الْمَعْلُومِ بِالْمَظْنُونِ، وَهُوَ خِلافُ الْفَرْضِ.\nقَالُوا: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ١٠٦]، وَالسُّنَّةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ وَلأَنَّهُ قَالَ: \"نَأْتِ\"، وَالضَّمِيرُ لِلهِ تَعَالَى.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ الْحُكْمُ؛ لأَنَّ الْقُرْآنَ لا تَفَاضُلَ فِيهِ، فَيَكُونُ أَصْلَحَ لِلْمُكَلَّفِ أَوْ مُسَاوِيًا، وَصَحَّ \"نَأْتِ\" لأِنَّ الْجَمِيعَ مِنْ عِنْدِهِ.\n<hr><s0>\n\nوالقلانسي، وهم من كبار أهل السُّنة.\nوقيل: إنه رواية عن أحمد بن حنبل.\nوقيل: المانع منه الشرع لا العَقْل، وهو قول الشيخ أبي حامد الإسفراييني.\nوقيل: لم يمنع منه السمع أيضًا، ولكنه لم يقع، وهو قول ابن سُرَيج.\nونص الشَّافعي هذا الذي حكيناه لا يدلّ على أكثر منه.\nالشرح: \"لنا: ما تقدم\" من أنه لو امتنع لكان لغيره، والأصل عدمه.\n\"واستدلّ: بأن\" ما رواه النَّسَائي، وابن ماجه، والترمذي، وصححه من قوله ﷺ: \"لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ\" (^١) نسخ الوصية للوالدين والأقربين، والرجم للمحصن\" ثابت بالسُّنة في أحاديث كثيرة، وهو قد \"نسخ الجَلْد\" الثابت بالقرآن.\n\"وأجيب: بأنه\" لما كان حديث: \"لا وصية لوارث\"ورجم المحصن من أخبار الآحاد،\n_________\n(^١) واختلف أهلُ العلم في الوصيَّة للوارثِ، فذهب بعضُهم إلى أنها باطلةٌ وإن أجازها سائرُ الوَرَثَةِ، كما أن الوصيَّةَ للقاتل باطلة وإن أجازها الورثة، وذهب أكثرُ أهل العلم إلى أن الورثةَ إن أجازوها جازت، وبه قال مالك والشَّافعي، كما لو أوصي لأجنبي بأكثرَ من الثلث، وأجازه الورثة جاز.\nوالإجازة تكون بعد موت الموصي، ولا حكم لإِجازة الوارث وردِّه في حياة المُوصي، أوصى رافع بن خديج أن لا تُكْشَفَ امرأتُه الفَزارِيَّةُ عما أغلِقَ عليه بابُها.","vol":"4","page":91},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n\n<hr><s0>\n\n\nولم يقل أحد من المتأخرين هنا: إن خبر الواحد ينسخ المعلوم، فحينئذ \"يلزم\" من الاحتجاج بهما \"نسخ المعلوم بالمَظْنُون، وهو خلاف الفرض\".\nلا يقال: إذا جاز بخبر الواحد، فالمتواتر أحرى.\nلأنا نقول: ما يقتضيه من التجويز بخبر الواحد لم يقولوا به، وما يقولون به لا يقتضيه.\nنعم لقائل أن يقول: إذا وقع النسخ بالحَدِيثين، وقد ثبت أن الواحد لا ينسخ القرآن، علمنا أنهما متواتران؛ لوقوع الاتفاق على أن النسخ حاصل بهما، وأن الواحد لا ينسخ الكتاب، فانحصر الأمر في المتواتر.\nويؤيد هذا أن زماننا ليس زمان النسخ إنما زمن النسخ سالف الزمان، فلعله كان متواترًا إذ ذاك.\nلكن جوابنا: أنا لا نسلم أن: \"لا وصية لوارث\" نسخ قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: الآية ١٨٠]، إنما الناسخ لهذه الآية إن كانت منسوخة قرآن آخر، وقد عينه ترجمان القرآن ابن عباس ﵁ حيث قال: النَّاسخ لها آيات المواريث في سورة \"النساء\"، فاندفع ما لعلّه يقال: من أن الأصل عدم غير ما ذكرناه بتعيين ابن عباس.\nوقد صرح مالك بن أنس ﵁ بهذا، نقله عنه القاضي عبد الوَهَّاب في \"الملخص\".\nوأما المحصن فليس مما نحن فيه؛ لأنه تخصيص لعموم: \"الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا\"، والكلام في النسخ لا في التخصيص (^١).\n_________\n(^١) معلوم أن التخصيص والنسخ يشتركان في أن كل واحد منهما بيان ما لم يرو باللفظ، إلا أنهما يفترقان في أمور، وهي: أن التخصيص يبين أن العام لم يتناول المخصوص، والنسخ يرفع بعد الثبوت، وأن التخصيص لا يرد إلا على إلعام والنسخ يرد عليه وعلى غيره. وأنه يجب أن يكون متصلا والنسخ لا يكون إلا متراخيًا، وأنه لا يجوز إلى أن لا يبقى شيء، والنسخ يجوز، وأنه قد يكون بأدلة السمع وغيرها، والنسخ لا يجوز إلا بالسمع. وأنه يكون معلومًا ومجهولًا، والنسخ لا يكون إلا معلومًا. وأنه لا يخرج المخصوص منه من كونه معمولًا به في مستقبل=","vol":"4","page":92},{"text":"قَالُوا: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ﴾ [سورة يونس: الآية ١٥].\nقُلْنَا: ظَاهِرٌ فِي الْوَحْي، وَلَوْ سُلَّمَ فَالسُّنَّةُ بِالْوَحْي.\n<hr><s0>\n\nوالمانعون \"قالوا\": قال الله تعالى ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ١٠٦]، والسُّنة ليست كذلك ولأنه قال: نأت، والضمير لله\".\n\"وأجيب: بأن المراد\" بالمنسوخ \"الحكم\"، لا اللفظ أي: بحكم خير من حكم الآية المنسوخة، وذلك لأنه وصف البدل بالخير، فاستحال أن يكون المراد اللفظ؛ \"لأن القرآن لا تفاضل فيه، فيكون\" حكم السّنة الناسخة خيرًا، أو مثلًا؛ لكونه \"أصلح للمكلف أو مساويًا\".\n\"وصح\" لفظ ﴿نَأْتِ﴾ وإن كان النسخ بالسّنة؛ \"لأن الجميع من عنده\" ﷾.\nولقائل أن يقول: قد قدم المصنف في مسألة جواز النسخ من غير بَدَلٍ ما مقتضاه أن المراد من قوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾: بخير في اللفظ لا الحكم، وقد عكس هنا.\nولعلّه إنما قال: وأجيب في الموضعين بصيغة التمريض لأجل هذا.\nالشرح: \"قالوا: قوله تعالى: \" ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ﴾ [سورة يونس: الآية ١٥]، ينفي جواز التبديل عنه، والنسخ تبديل، فيبقى جوازه منه.\n\"قلنا\" النص المذكور \"ظاهر في \"تبديل \"الوحي\" بأن يوضع لفظ ما لم ينزل مكان ما أنزل، فلا يدلّ على منع تبديل الحكم.\n\"ولو سلّم\" أن المراد تبديل الحكم، \"فالسنة، ثابتة \"بالوحي\"، وليست من تِلْقَاء نفس مَنْ لا ينطق عن الهَوَى، عليه أفضل الصلاة والسلام.\nواعلم أن مسألتي: نسخ السّنة بالكتاب، والكتاب بالسُّنة معزيتان إلى الشافعي ﵁ كما عرفت.\nوقد حكى المصنّف عنه قولين في جواز نسخ السُّنة بالكتاب، والجزم بأن الكتاب لا\n_________\n= الزمان، والنسخ يخرج المنسوخ عن ذلك. وأنه يرد في الأخبار والأحكام، والنسخ لا يرد إلا في الأحكام. وأن دليل الخصوص يقبل التعليل ودليل، النسخ لا يقبله.","vol":"4","page":93},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n\n<hr><s0>\n\nتنسخه السنة، وكذلك حكاه غيره.\nوممن حكاه كذلك القاضي أبو الطيب الطَّبري في \"شرح الكفاية\"، وصرح بلفظ الجواز كما في الكتاب، ولم يصرح بأن الجواز، هل المراد به الجواز العَقلي أو السمعي، بل أطلق.\nوالمصنّف أراد العقلي حيث استدل بأنه لو امتنع لكان لغيره، والأصل عدمه.\nوذكر الشَّيخ أبو إسحاق في \"شرح اللمع\" في نسخ القرآن بالسُّنة أنه لا يجوز من جهة السمع على قول الشافعي.\nقال: ومن أصحابنا من منعه عقلًا، وهذا غير الصحيح.\nوقال ابن السَّمْعَاني: نص الشافعي في عامة كتبه أن القرآن لا ينسخ بالسُّنَّة. قال: ثم اختلف الوجه على مذهب الشَّافعي أنه يمنع العقل منه أو الشرع؟\nفالظاهر من مذهبه أنهما جميعًا: العقل والشرع يمنعان منه، والثاني أنه الشرع دون العقل. انتهى.\nوقال إمام الحرمين: قطع الشَّافعي جوابه بأن الكتاب لا ينسخ بالسُّنَة، وتردد قوله في نسخ السُّنة بالكتاب. انتهى.\nوليس فيه كما ترى تصريح بمنع الجواز.\nومنهم من نقل للشَّافعي قولين في كلّ من نسخ السنة بالقرآن وعكسه.\nوالرافعي حكى في \"باب الفدية\" وجهين في نسخ السنة بالقرآن، أو قولين، التردد منه.\nقال: وينسب المنع إلى أكثر الأصحاب.\nإذا عرفت هذا فأقول والله المستعان: أما المنع عقلًا [فلا ينتهض] (^١)، والذي عندي أن الشَّافعي لم يقله، ومقداره أجلّ من ذلك.\nنعم حكاه القاضي في \"مختصر التقريب\" قولًا لبعضهم.\n_________\n(^١) في أ، ب، ت: فلا ينهض.","vol":"4","page":94},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n\n<hr><s0>\n\nوالقول بأن نسخ السُّنة بالكتاب جائز، ولكن لم يقع هو رأي ابن سُرَيْجٍ إمام أصحابنا.\nفإن قلت: فهل هو القول المَنْسوب إلى الشَّافعي ﵁؟.\nقلت: تمهل قليلًا، واعلم أن هذا مكان وقع فيه الخَبْط والخطأ على الشافعي قديمًا، واطْلخم الأمر حتى أفضى إلى انكفاف طائفة من المُغَالين في نصرة آرائه عنه، ونقل شمس الإسلام إلكيا الهراسي ﵀ أن عبد الجَبَّار بن أحمد القاضي كان ينصر مذهب الشَّافعي في الأصول، فلما وصل إلى هذا المكان قال: هذا الرجل كبير، ولكن الحق أكبر منه، وفهم جماعة كلامه حق الفهم، وتابعوه، وصمموا على صحة مقالته.\nوخص منهم بالتصنيف في المسألتين. الإمام الجليل أبو الطيب سهل ابن الإمام أبي سهل الصّعلوكي، وقد كان سهل إمام زمانه بإجماع النَّقلة، وكذلك الأستاذان الكبيران أبو إسحاق الإسفراييني، وأبو منصور عبد القاهر بن طاهر البَغْدَادي، فصنف كلّ منهم فيهما مصنفًا.\nوالذي أقوله: إن الشافعي لم يمنع الجواز العَقْلي، بل لم يتكلّم الشَّافعي في كتبه قطّ في الجواز العقلي.\nوالكلام فيه عنده تضييع الأوقات، يعرف ذلك منه من غرفه، ويجهله من جهله.\nثُمّ المنع العقلي إن أراد به قائله: أنه يلزم من فرض وقوعه مُحَال، فقد سفه نفسه، واستحق أن يعرض عنه.\nوإن أراد أن العقل يقضي بقبحه، فهو معتزلي، والشَّافعي برئ من المقالتين، فمن قال: إنه بواحدة منهما فقد أعظم الفِرْيَةَ عليه.\nولو أراد الشَّافعي أن العقل يحسن أو يقبح لوقع ذلك من القاضي عبد الجَبَّار الذي هو شيخ المعتزلة في زمانه أعظم موقع.\nفإن قلت: فقد قال ابن السَّمْعَاني: إن ظاهر مذهبه منع العقل والشرع جميعًا من ذلك.\nقلت: يجب تأويل كلامه على أن يراد بالقياس القياس، والفقهاء كثيرًا يطلقون العقل، ويريدون ذلك كما قدّمنا في مسألة التحسين والتقبيح في صريح نقل الشيخ أبي إسحاق أنَّ الشَّافعي لا يمنعه إلَّا سمعًا كما رأيت.","vol":"4","page":95},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالقاضي أبو الطَّيب - كما عرفناك - أطلق الجواز، ويظهر أن يراد به السمعي؛ فإنه الذي نقله تلميذه الشيخ أبو إسحاق.\nوإذا عرفت انتفاء إرادته نفى الجواز العَقْلي، فنقول: وراءه الجواز السمعي، فهل يقول الشافعي: إن الشَّرع منع منه، فامتنع سمعًا لئلا يتوهم بعض الأغبياء أن الله تعالى لم يرض بما سَنَّهُ نبيه ﷺ، فلا يحصل مقصود السمعية؟ صريح نقل الشيخ أبي إسحاق وغيره كما رأيت أن الشافعي قائل بذلك.\nوأنا أقول: لم أجد مع تنقيبي عن ذلك في نصوصه تصريحًا به، ولكن القوم أئمة مذهبنا وأَدْرَى بمقالات إمامنا، ووراء الجواز السمعي الوقوع، وكل من منعه سمعًا قال: لم يقع لأن الشرع لا يرد بما يمتنع سمعًا.\nفإن كان الشَّافعي يمنعه سمعًا فلا رَيْبَ في أنه يدعى عدم الوقوع.\nوإن لم [يمنع] (^١) فقال الأكثرون: وقع.\nوقيل: لا، وهو منسوب إلى الشَّافعي، ووراء الوقوع أمرَ آخر، وهو أنه إذا وقع نسخ السُّنة بالكتاب، فعلى أي وجه يكون؟.\nهل يشترط اقتران سنة مُعَاضدة للكتاب ناسخة، فنقول مثلًا: لا يقع نسخ السُّنة إلا بالكتاب والسُّنة معًا؛ لتقوم الحُجّة على الناس بالأمرين معًا، ولئلا يتوهّم [متوهم] (^٢) انفراد أحدهما عن الآخر؛ فإن الكُلّ في الحقيقة من عند الله؟!.\nولكن لبيان حكم الله سبحانه طريقان: طريق الكتاب، وطريق السُّنة، فليجتمعا في هذا الموضع إزالة لهذا المتوهّم؛ ولتقوم الحُجّة على النَّاس بهما، ولأمر ثالث، وهو انتقال المكلّفين من سنّة النبي ﷺ إلى سُنته.\nوفي ذلك فائدتان:\nإحداهما: التنويه بقدره ﷺ وإظهار عظمته، وهذه الفائدة في عكس هذه المسألة، وهي نسخ القرآن بالسنة أظهر منها فيها مع ظهورها في الموضعين؛ لأن سنته عليه الصلاة\n_________\n(^١) في ج: يمنعه.\n(^٢) سقط في ت.","vol":"4","page":96},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n\n<hr><s0>\n\n\nوالسلام إذا نسخت القرآن، فأنزل الله تعالى قرآنًا يوافقها، ففي ذلك من الإجلال والتَّعْظيم ما لا يخفي على ذي لُبّ.\nوالفائدة الثانية: وهي في مسألتنا التي نحن فيها نسخ السُّنة بالكتاب أظهر منها في عكسها، انتقال النَّاس من سنة إلى سنة، فيحصل له أجر عظيم؛ لأن من سن سُنّة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، والنبي ﷺ وهو صاحب السُّنن الحسنة كلّها، فله الأجور أبدًا لا يتناهى، وفي كلّ يوم يزداد من الأجور ما لا ينحصر، فإذا نسخ الله سُنّته، نسختها سُنَّة أيضًا ليحصل له الأجر.\nوهذا الموضع - وهو أنه إذا وقع نسخ الكتاب بالسُّنة، وعكسه لا يقع إلَّا على هذا الوجه - لم يصرّح أهل الأصول بذكره، والشَّافعي قائل به، وهو الحَق إن شاء الله تَعَالى، ودليله الاستقراء، وهو سيّد العارفين بالشريعة والمطّلعين على منقولاتها، فلم يقله إلَّا عن ثبت.\nوهذه نصوص الشَّافعي ﵀ الشَّاهدة لقوله بهذا، وليس فيها ما يقتضى أنه يقول بشيء غيره كما عرفناك.\nقال ﵁ في \"الرسالة\" ما نصه: وهكذا سُنّة رسول الله ﷺ لا ينسخها إلا سُنّة رسول الله، ولو أحدث الله لرسوله في أمر سنّ فيه [غير ما سَنَّ] (^١) رسول الله ﷺ لسن فيما أحدث الله إليه حتى يتبّيىن للنَّاس أنه له سُنة ناسخة للتي قبلها مما يخالفها. انتهى.\nومن صدر هذا الكلام أخذ من نقل عن الشَّافعي - والله أعلم - أن السُّنة لا تنسخ بالكتاب، والذي يظهر أنه إنما أراد ما ذكرناه.\nوقوله: \"ولو أحدث الله إلى آخره\"، صريح في ذلك، وكذا قوله بعد ذلك ما نصّه:\nفإن قلت: هل تنسخ السُّنة بالقرآن؟.\nقيل له: لو نسخت السُّنة بالقرآن كانت للنبي ﷺ فيه سُنّة تبين أن سنته الأولى منسوخة بسُنّته الأخيرة، حتى تقوم الحُجّة على النَّاس بأن الشيء ينسخ بمثله. انتهى.\n_________\n(^١) سقط في أ.","vol":"4","page":97},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n\n<hr><s0>\n\nأي: فإذا نسخ الشَّيء بمثله لم يكن للغَبِيّ أن يقول: كيف نخالف الكتاب والسنة؟.\nوكذلك ما ذكره بعد ذلك إذ قال بعد أن تكلم على صلاة \"ذات الرّقاع\" ما نصه: وفي هذا دلالة على ما وصفت قبل في هذا الكتاب من أن رسول الله ﷺ، إذا سَنّ سُنّة فأحدث الله تعالى في تلك السُّنة نسخًا [أو مخرجًا إلى سعة] (^١) منها، سنّ رسول اللّه ﷺ سُنَّة تقوم الحُجة على الناس بها حتى يكونوا إِنما صاروا من سُنَّةٍ إلى التي بعدها. انتهى.\nفتأمل قوله: إنما صاروا من سُنَّة إلى سُنَّةِ التي بعدها.\nفإن قلت: فما حاصل ما يقوله الشافعي؟.\nقلت: إنه لا يقع نسخ الكتاب والسّنة إلَّا على هذا الوجه، وما عداه لا يقع، ولكنه لا يمتنع عقلًا.\nوأما أنه يمتنع سمعًا فما حكيناه من النصوص لا يدلّ له، ولكن قد نقله من ذكرناه، وهم أدري. هذا تمام القول في نسخ الكتاب.\nوأما عكسه فقد قدّمنا نصّ الشَّافعي فيه، وقلنا: إنه لا يدلّ على أكثر من نفي الوقوع، وحكينا فيه اختلاف أصحابنا.\nوذهب الأستاذ أبو الطيب الصُّعْلوكي (^٢)، والأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، وصاحبه الأستاذ أبو منصور، وهم من أَسَاطين أئمتنا - إلى أن العقل يجوز نسخ كل منهما بالآخر، ولكن الشرع مانع منه فيهما جميعًا، وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) في أ، ت: تجري بين سبعة.\n(^٢) سهل بن محمد بن سليمان بن محمد، الإمام شمس الإسلام، أبو الطيب ابن الإمام أبي سهل العجلي، الحنفي، الصعلوكي، النيسابوري، أحد أئمة الشافعية ومفتي \"نيسابور\". قال الحاكم: وهو أنظر من رأيناه. قال الشيخ أبو إسحاق: كان فقيهًا أديبًا، جمع رئاسة الدين والدنيا، وأخذ عن فقهاء \"نيسابور\" توفي سنة ٤٠٤ هـ. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١٨١، وتهذيب الأسماء واللغات ١/ ٢٣٨، وطبقات الفقهاء للشيرازي ص ١٠٠، ووفيات الأعيان ٢/ ١٥٣.","vol":"4","page":98},{"text":"<span data-type='title' id=toc-766>مَسْأَلَةٌ:\nالْجُمْهُورُ: أَنَّ الإِجْمَاعَ لا يُنْسَخُ.</span>\nلنَا: لَوْ نُسِخَ بِنَصٍّ قَاطِعٍ، أَوْ بإِجْمَاعٍ قَاطِعٍ كَانَ الأَوَّلُ خَطَأً، وَهُوَ بَاطِلٌ، وَلَوْ نُسِخَ بِغَيْرِهِمَا فَأبْعَدُ لِلْعلْمِ بتَقْدِيمِ الْقَاطِع. قَالُوا: لوْ أَجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلَي قَوْلَيْنِ فَإِجْمَاعٌ عَلَي أَنَّهَا اجْتِهَادِيَةٌ، فَلَوِ اتُّفِقَ [عَلَى] أَحَدِهِمَا كَانَ نَسْخًا. قُلْنَا: لا نَسْخَ بَعْدَ تَسْلِيمِ جَوَازِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"الجمهور: أن الإجماع لا ينسخ\" أي: الحكم الثَّابت به لا يرفع (^١).\n\"لنا: لو نسخ\" فإما \"بنص قاطع أو بإجماع قاطع\" أو بغيرهما.\nفإن نسخ بهما \"كان الإجماع خطأ\"؛ لانعقاده بخلاف القاطع، \"وهو باطل، ولو نسخ بغيرهما، فأبعد؛ للعلم بتقديم القَاطع\"، فيلزم خطأ ذلك الإجماع كما في الأول مع تقديم الأضعف على الأقوى.\n\"قالوا: لو أجمعت الأمة على قولين، فإجماع على أنها اجتهادية، فلو اتفق على أحدهما\" أي إجماعهم على أحد القولين، \"كان\" الإجماع الثاني على أحد القولين \"نسخًا\" للأول؛ لرفعه جواز الأخذ بكلّ من القولين الذي كان الإجماع الأول قد قام عليه.\n\"قلنا: لا نسخ\"؛ لما تقدم أن الإجماع الأول مشروط [بعدم] (^٢) الإجماع الثاني، وهذا \"بعد تسليم جوازه\" أي: جواز وقوع مثل هذا الإجماع، \"وقد تقدمت\" هذه المسألة - أعني مسألة الإجماع على أحد القولين - في الإجماع.\n_________\n(^١) ينظر: المعتمد ١/ ٤٣٢، والمحصول ١/ ٣/ ٥٣١، والعدة ٣/ ٨٢٦، والمستصفى ١/ ١٢٦، والإحكام للآمدي ٣/ ١٤٥ (١١)، وشرح التنقيح (٣١٤)، والإبهاج ٢/ ٢٧٧، وجمع الجوامع ٢/ ٧٦، والآيات ٣/ ١٣٤، واللمع (٣٣)، وأصول السرخسي ٢/ ٦٦، وشرح الكوكب ٣/ ٥٧٠، المسودة (٢٢٤)، وكشف الأسرار ٣/ ١٧٥، وفواتح الرحموت ٢/ ٨١، وتيسير التحرير ٣/ ٢٠٧، وإرشاد الفحول (١٩٢).\n(^٢) في أ، ت: تقدم.","vol":"4","page":99},{"text":"<span data-type='title' id=toc-767>مَسْأَلَةٌ:\nالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الإِجْمَاعَ لا يُنْسَخُ بِهِ</span>؛ لأَنَّهُ إِنْ كَانَ عَنْ نَصٍّ فَالنَّصُّ النَّاسِخ، وَإنْ كَانَ عَنْ غَيْرِ نَصٍّ وَالأوَّلُ قَطْعِيٌّ - فالإِجْمَاعُ خَطَأ، أَوْ ظَنِّيٌّ فَقَدْ زَالَ شَرْطُ الْعَمَلِ بِهِ، وَهُوَ رُجْحَانُهُ.\nقَالُوا: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِعُثْمَانَ ﵄: كَيْفَ تُحْجِبُ الأمَّ بِالأَخَوَيْنِ وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [سورة النساء: الآية ١١]، والأَخَوَانِ لَيْسَا إِخْوَةً. فَقَالَ: حَجَبَهَا قَوْمُكَ، يَا غُلامُ.\nقُلْنَا: إِنَّمَا يَكُونُ نَسْخًا بثُبُوتِ المَفْهُومِ قَطْعًا، وَأَن الآخَوَيْنِ لَيْسَا إِخْوَةً قَطْعًا، فيَجِبُ تَقْدِيرُ النَّصِّ، وإلَّا كَانَ الاجْمَاعُ خَطَأً.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"الجمهور: على أن الإجماع لا ينسخ به\"؛ \"لأنه إن كان عن نصّ فالنص الناسخ\" في الحقيقة لا الإجماع.\n\"وإن كان عن غير نصّ، والأول\" أي دليل المنسوخ \"قطعي - فالإجماع خطأ\"؛ لأنه على خلاف القاطع، فلا يتصّور؛ لأنه لا يتصور خطأ الإجماع، \"أو ظني فقد زال شرط العَمَل به، وهو رُجْحانه\"؛ لطريان الإجماع، وإذا انتفى رجحانه لم يفد الظَّن، فلا يثبت به حكم، فلا يتصور رفع ونسخ.\nالشرح: \"قالوا: قال ابن عباس لعثمان: كيف تحجب الأم بالأخوين، وقد قال الله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [سورة النساء: الآية ١١]: والأخوان ليسا إخوة؟ \".\nفقال: \"حجبها قومك يا غلام\"، كما تقدم في مسألة أقل الجمع، وهو تصريح بإبطال حكم القرآن بالإجماع، وذلك هو النسخ.\n\"قلنا: إنما يكون نسخًا بثبوت\" نصّه \"المفهوم قطعًا\"، وأن الأخوين ليسا إخوة قطعًا\" لا ظاهرًا؛ فإن ذلك لو ثبت بدليل ظاهر وجب حمله على غير ظاهره؛ دفعًا للنسخ، ولكن ليس كلّ واحد من ثبوت المفهوم، وأن أقل الجمع بثلاثة قطعي، \"فيجب تقدير النص\" الدَّال على الحجب، \"وإلا كان الإجماع خطأ\"؛ لكونه على خلاف القاطع، وحينئذٍ فالناسخ النص لا الإجماع.","vol":"4","page":100},{"text":"<span data-type='title' id=toc-768>مَسْألَةٌ:\nالمخْتَارُ: أنَّ الْقِيَاسَ الْمَظْنُونَ لا يَكُونُ نَاسِخًا وَلا مَنْسُوخًا.</span> أَمّا الأوَّلُ؛ فلأنَّ مَا قَبْلَهُ إِنْ كَانَ قَطْعِيًّا لَمْ يُنْسَخْ بِالْمَظْنُونِ، وَإنْ كَانَ ظَنِّيًّا تَبَيَّنَ زَوَالُ شَرْطِ الْعَمَلِ بِهِ، وَهُوَ رُجْحَانُهُ؛ لأَنَّهُ ثَبَتَ مُقَيَّدًا كَانَ الْمُصِيبُ وَاحِدًا أَوْ لا.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: في كون القياس ناسخًا ومنسوخًا (^١).\nأما كونه ناسخًا فقيل: يجوز مطلقًا.\nوقيل: إن كان جليًّا، وعليه الأنماطي (^٢).\n_________\n(^١) اعلم أن القياس المقطوع به هو ما يكون حكم أصله والعلة ووجودها في الفرع قطعيًّا، والمظنون ما لا يكون كذلك، بل يكون بعضها قطعيًّا والبافي ظنيًّا أو لا يكون واحد منهما قطعيًّا، والمختار عند المصنف أن القياس المظنون لا يكون ناسخًا ولا منسوخًا، أما الأول وهو أن القياس المظنون لا يكون ناسخًا؛ فلأن ما قبله، أي ما قبل القياس المظنون، وهو الذي ينسخ بالقياس المظنون، إن كان قطعيًّا لا يكون القياس المظنون ناسخًا؛ لأن المقطوع لا ينسخ بالمظنون وإن كان ما قبل القياس المظنون ظنيًّا تبين بالقياس المظنون زوال شرط العمل به وهو رجحانه؛ لأن العمل بالمظنون الذي هو قبل القياس المظنون مقيد برجحانه على معارضه، سواء كان المصيب واحدًا أو لا، وإذا زال شرط العمل به لم يكن ثابتًا، وإذا لم يكن ثابتًا لا يكون منسوخًا بالقياس المظنون؛ لأن النسخ بعد الثبوت، وأما الثاني وهو أن القياس المظنون لا يكون منسوخًا، فلأن ما بعد القياس المظنون قطعيًّا أو ظنيًّا تبين زوال شرط العمل بالقياس المظنون وهو رجحانه كما بينا في الأول، وإذا زال شرط العمل به لا يكون منسوخًا. وأما القياس المقطوع فينسخ بدليل مقطوع في حياة الرسول ﵇ لأن حكم هذا القياس حكم النص القاطع، فكما جاز نسخ القاطع بالقاطع، فكذلك جاز نسخ القياس القطعي بالقاطع، وأما بعد الرسول ﵇ فلو عمل مجتهد بالقياس القطعي لعدم اطلاعه على ناسخه، ثم اطلع على الناسخ تبين أنه كان منسوخًا في عهد الرسول.\nالقائلون بأن القياس المظنون يجوز أن يكون ناسخًا قالوا: صح التخصيص بالقياس المظنون فيصح النسخ به؛ لأن النسخ بيان كالتخصيص - أجاب بأن هذا الدليل منقوض بالإجماع والعقل وخبر الواحد، فإنه يجوز التخصيص بكل منها، ولا يجوز النسخ به.\n(^٢) ينظر: الإحكام للآمدي ٣/ ١٤٨ - ١٤٩، والمستصفى للغزالي ١/ ١٢٦، والإبهاج ١/ ٢٥٤، ونهاية السول ٢/ ٥٨٩، وشرح العضد ٢/ ١٩٩، وجمع الجوامع ٢/ ٨١، والآيات ٣/ ١٥٠.","vol":"4","page":101},{"text":"وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَلأنَّ مَا بَعْدَهُ قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا يُبيِّنُ زَوَالَ شَرْطِ الْعَمَلِ بِهِ، وَأَمَّا الْمَقْطُوعُ فَيُنْسَخُ بِالْمَقْطُوعِ فِي حَيَاتِهِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَيَتبَيَّنُ أَنّهُ كَانَ مَنْسُوخًا.\nقَالُوا: صَحَّ التَّخْصِيصُ، فَيَصِحُّ.\nقُلْنَا: مَنْقُوضٌ بِالإِجْمَاعِ، وَالْعَقْلِ، وَخَبَرِ الْوَاحِدِ.\n<hr><s0>\n\nوقيل: إن كان في زمنه ﵊ وعلّته منصوصة، وعليه الآمدي.\nوأما كونه منسوخًا فقال الجمهور: يجوز في زمنه ﵊.\nوخالف الحنابلة، وعبد الجبار.\nوشرط الإمام الرازي وغيره في ناسخه: إن كان قياسًا أن يكون أجلي.\nوأباه الآمدي كالتخصيص، وشرط أن تكون علّته منصوصة كما مرّ.\n\"والمختار\" عند صاحب الكتاب: \"أن القياس المظنون لا يكون ناسخًا، ولا منسوخًا\".\n\"أما الأول؛ فلأن ما قبله\" - عند صاحب الكتاب - \"إن كان قطعيًّا لم ينسخ بالمظنون، وإن كان ظنيًّا تبين زوال شرط العَمَل به، وهو رجحانه؛ لأنه يثبت مقيدًا\" - أي مشروطًا - بألا يترجّح عليه غيره، سواء \"كان المصيب واحدًا أو لا\"، فإذا ظهر راجح لم يكن رافعًا، فلم يكن ناسخًا؛ لأنه قبل ظهور الرَّاجح، لا حكم لما لم يظهر وبعده لا حكم للأول، فلا رفع على التَّقديرين؛ فلا نسخ.\nالشرح: \"وأما الثاني؛ فلأن ما بعده قطعيًّا أو ظنيًّا يبين زوال شرط العمل به. \"وأما\" القياس \"المقطوع فينسخ بالمقطوع في حياته\" ﷺ.\nوهو ما إذا نسخ حكم الأصل بنص، فيقاس عليه \"أما بعده\" ﷺ \"فيتبين أنه كان منسوخًا\"، ولا سبيل إلى إنشاء النسخ؛ إذ ليس للأمة أن ينسخوا الأحكام.\nوالمجوّزون للنسخ بالقياس المظنون \"قالوا: صَحّ التخصيص\" به، \"فيصح\" النسخ بجامع أن كلًّا من النسخ والتخصيص تخصيص، فكون أحدهما في الأعيان والآخر في الأزمان لا أثر له، فلا يصلح [فارقًا] (^١).\n_________\n(^١) سقط في ب.","vol":"4","page":102},{"text":"الْمُخْتَارُ: جَوَازُ نَسْخِ أَصْلِ الْفَحْوَى دُونَه، وَامْتِنَاعُ نَسْخِ الْفَحْوَى دُونَ أَصْلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُمَا.\nلنَا أَنَّ جَوَازَ التَّأفِيفِ بَعْدَ تَحْرْيمِهِ لا يَسْتَلْزِمُ جَوَازَ الضَّرْبِ، وَبَقَاءُ تَحْرِيمِهِ يَسْتَلْزِمُ تَحْرِيمَ الضَّرْبِ، وَإلَّا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا مِنْهُ.\n<hr><s0>\n\nفإن \"قلنا: منقوض بالإجماع، والعَقْل، وخبر الواحد\"، فإن ثلاثتها تختص بها، ولا تنسخ.\n\n\"فائدة\"\nالخلاف في النسخ بالقياس جار فيما يجرى مجراه من الاستدلال وطرق الاجتهاد، كمفهوم المخالفة ونحوه، ذكره القاضي في \"التقريب\"، وعزا القول بالمنع من النسخ بالقياس، وما يجرى مجراه إلى أكثر الفقهاء والمتكّلمين، واختاره.\nالشرح: \"المختار: جواز نسخ أصل الفحوى دونه\"، فيجوز نسخ التأفيف مثلًا دون الضرب في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٢٣]، \"وامتناع نسخ الفحوى دون أصله\"، فلا ينسخ الضرب دون التّأفيف (^١).\n\"ومنهم من جوزهما\".\n\"ومنهم من منعهما\".\n\"لنا: أن جواز التأفيف بعد تحريمه لا يستلزم جواز الضرب\"، فجاز ثبوته دونه، \"وبقاء تحريمه أن يستلزم تحريم الضرب، وإلّا لم يكن معلومًا منه\" والأصل أن تحريم التأفيف ملزوم لتحريم الضَّرب،، وإلَّا لم يعلم منه من غير عكس؛ للأولوية في الفرع.\nونسخ الفَحْوَى دون أصله معناه: بقاء تحريم التأفيف، وانتفاء تحريم الضرب، فيوجد الملزوم مع عدم اللازم، وذلك محال.\nوأما عكسه وهو انتفاء تحريم التأفيف مع بقاء تحريم الضَّرْب، فهو رفع للملزوم مع\n_________\n(^١) ينظر: المعتمد ١/ ٤٣٧، والمحصول ١/ ٣/ ٥٣٩، وشرح الكوكب ٣/ ٥٧٦، وجمع الجوامع ٢/ ٨٢، والآيات ٣/ ١٥١، والإحكام للآمدي ٣/ ١٥٠، وشرح العضد ٢/ ٢٠٠، وشرح الكوكب المنير ٣/ ٥٧٦، والروضة (٨٨).","vol":"4","page":103},{"text":"الْمُجَوِّزُ دَلالَتَانِ، فَجَازَ رَفْعُ كُلٍّ مِنْهُمَا.\nقُلْنَا: إِذَا لَمْ يَكُنِ اسْتِلْزَامٌ.\nالْمَانِعُ: الْفَحْوَى تَابعٌ، فَيَرْتَفِعُ بِارْتِفَاعِ مَتْبُوعِهِ.\nقُلْنَا: تَابعٌ لِلدَّلالَةِ لا لِلْحُكْمِ، وَالدَّلالَةُ بَاقِيَةٌ.\n<hr><s0>\n\nبقاء اللازم، وذلك لا يمنع.\nولقائل أن يقول: لم قلت: إن الضرب لازم لتحريم التأفيف مطلقًا، وإنما هو لازم عند الإطلاق؟\nأما إذا صرح بتجوزه، فلا يلزم، ولذلك صح: اقتله ولا تستخف به، وإن كان أصل الاستخفاف يفهم عند إطلاق اقتله.\nالشرح: واحتج \"المجوِّز\" لنسخ كل منهما مع بقاء الآخر، بأن الفحوى، وأصله \"دلالتان\" متغايرتان، \"فجاز رفع كل منهما\" بدون الآخر.\n\"قلنا\": لا نسلّم دلالة التغاير على جواز رفع كلّ واحد منهما بدون الآخر، فإنما يتم ذلك \"إذا لم يكن\" بينهما \"استلزام\".\nأما إذا كان كما هو الواقع هنا فلا؛ لاستحالة رفع اللازم مع بقاء الملزوم.\nواحتج \"المانع\" لهما، فقال: \"الفَحْوَى تابع، فيرتفع بارتفاع متبوعه\"؛ لأنه لو بقى لم يكن تابعًا، فدل على ارتفاع الفحوى بارتفاع الأصل.\nوأما الفحوى دون الأصل، فدليله ما ذكرتم.\n\"قلنا\": الفحوى \"تابع للدلالة لا للحكم، والدلالة باقية\" بعد نسخ حكم الأصل؛ فإنّ دلالة اللّفظ لا تنتفى بارتفاع الحُكم، والمرتفع هو حكم تحريم التّأفيف لا دلالة اللفظ عليه، فالمتبوع وهو دلالة اللفظ لم يرتفع، والمرتفع وهو الحكم ليس بمتبوع.\nولو سلمنا أنه متبوع، فقولكم: رفع المتبوع يستلزم رفع التَّابع، منقوض ببقاء الجواز بعد نسخ الوجوب، فإنه تابع للوجوب، ولا يلزم من ارتفاعه ارتفاعه، فبطل قولكم بامتناع نسخ الأصل مع بقاء الفحوى.\nوأما عكسه، فإنا نوافقكم عليه.","vol":"4","page":104},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n\n<hr><s0>\n\n\n\"فائدة\"\nأهمل في \"المختصر\" ذكر أن الفحوى تكون ناسخًا (^١)، وهو مسطور حتى في \"منهاج\n_________\n(^١) أما الفحوى، وهو مفهوم الموافقة، فيجوز النسخ به، وقد ادعى الإمام الرازي، والآمدي الاتفاق عليه، وجرى عليه بعض شروح \"المنهاج\". وفي هذا يقول الإمام الرازي: لأن دلالته إن كانت لفظية فلا كلام، وإن كانت عقلية، فهي يقينية، فتقتضي النسخ لا محالة: نعم قال الإسنوي في شرح \"المنهاج\": وفيما قاله الإمام نظر؛ لأن الناسخ يجب أن يكون طريقًا شرعيًّا لا عقليًّا، ويجاب عما قاله الإسنوي بأن كون الدلالة عقلية لا يمنع من كونها طريقًا شرعيًّا؛ إذ معنى كون الدلالة عقلية أن العقل له مدخل فيها؛ لأنها من قبيل دلالة الالتزام، وأن النزاع في كونها لفظية أو عقلية خلاف لفظي، فالذي ينظر إلى أن اللفط باعتبار وضعه للمعنى الملزوم دال على اللازم يجعلها لفظية، وسماها كذلك.\nومن نظر إلى أن هذه الدلالة لا بد فيها من انتقال الذهن من الملزوم إلى اللازم، وهذا أمر عقلي سَمَّاها عقلية، فلا خلاف إلا في التسمية؛ لأن كلا من دلالة اللَّفْظ والانتقال متحقق، والخلاف في وجهة النظر من أجل التسمية فقط.\nهذا خلاصة ما قاله الآمدي، والإمام الرازي من الاتفاق على جواز النسخ بالفحوى.\nوقال الجلال المحلى في شرحه على \"جمع الجوامع\" بعد نقل الاتفاق المتقدم ما نصه: \"وحكى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي - كما قال المصنف - المنع به \"يعني المنع من النسخ به\" بناءً على أنه قياس، وأن القياس لا يكون ناسخًا\" اهـ.\nوقال في \"مسلم الثبوت\": ونقل أبو إسحاق الشيرازي، وابن السمعاني الخلاف قال شارحه: كذا في كتب الشافعية، والتحقيق فيه أنه إن كانت الدلالة على حكم الفرع بوضع الكلام له، بأن يقول الواضع: وضعت هيئة تركيب لإفادة حكم المنطوق، وما هو مشارك له في المناط من غير نظر ورأي، فيصح كونه ناسخًا ومنسوخًا؛ لكونه مدلولًا لكلام الشارع كالمنطوق، وإن لم يكن الكلام موضوعًا له، وإنما يستفاد الحكم بوجود العلة الموجبة للحكم، كما يقول به قائل كونه قياسًا جليًّا، فينبغي أن يكون حكمه كحكم القياس في الناسخية والمنسوخية، فإن جاز هناك جاز ههنا. وإلا لا، وكذا الحال في بقاء حكم أحدهما دون الآخر اهـ. قال بعض محققي الحنفية: وهذا يوافق ما قاله الشافعية في كتبهم؛ لأن من نقل الخلاف، وحكي منع النسخ به بناه على أنه قياس، وليس هذا من الحقيقة في شيء، بل التحقيق: أن هناك فرقًا بين ما يسميه الحنفية دلالة النص، والشافعية مفهوم موافقة، وفحوى، وبين القياس؛ فإن العلة في الأول مفهومة لغة، ويفهمها المجتهد، وغير المجتهد، بخلاف القياس؛ فإن فهم العلة فيه خاص بالمجتهد، والذي سمي دلالة النص عند الحنفية، أو مفهوم الموافقة، والفحوى عند =","vol":"4","page":105},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالبيضاوي\"، وادعى الإمام والآمدي الاتفاق عليه، وليس بجيد؛ فالخلاف موجود نقله أبو إسحاق الشيرازي، وأبو المظفر بن السمعاني وغيرهما، بناء على أن الفحوى قياس، والقياس لا يكون ناسخًا.\n\n\"فائدة\"\nعرفت حكم مفهوم الموافقة.\nوأما مفهوم المُخَالفة (^١)، فيجوز نسخه مع نسخ الأصل، وبدونه، وقد بَيّناه في \"شرح\n_________\n= الشافعية قياسًا، وإن قال: إن الحكم إنما يستفاد بوجود العلة الموجبة للحكم؛ لكنه يفرق بين الفحوى والقياس بما ذكرنا في العلة، فيجعل علة الفحوى مفهومة من اللغة. دون علة القياس، فكان النزاع في التسمية فقط، وبذلك تعلم أن الحق ما قاله الإمام في \"المحصول\"، والآمدي في \"الإحكام\" ألا ترى: أن جمهور العلماء قالوا: - إذا نسخ حكم أصل القياس لا يبقى حكم الفرع الثابت بالقياس على هذا الأصل، وإن تنازعوا في أن هذا نسخ، أو ليس بنسخ؟ فأنت ترى اتفاق الكل على أنه إذا نسخ حكم الأصل لا يبقى حكم الفرع، وإنما الخلاف في كونه نسخًا، أو ليس بنسخ فقط، وأما الفحوى، وأصله الذي هو المنطوق فقد اتضح أن المختار أو الحق أنه يجوز نسخ أحدهما مع بقاء الآخر. فكيف يمكن لأحد أن يجعله قياسًا من كل وجه، ويبنى على ذلك منع النسخ بها؟\nوأما ما قد قيل من أن حكم الفرع يبقى عند انتساخ حكم الأصل، ونسب للحنفية فهو خطأ؛ لأن الحنفية صرحوا بأن النص المنسوخ لا يجوز القياس عليه، ولهذا جعلوا من شروط القياس ألا يكون حكم الأصل منسوخًا، فكان من لوازم نسخ حكم الأصل نسخ حكم الفرع فيما هو قياس يختص الوقوف على علته بالمجتهد، بخلاف مفهوم الموافقة، أو الفحوى، أو دلالة النص.\n(^١) وأما مفهوم المخالفة؛ فيجوز نسخه مع نسخ الأصل، وهو واضح، وذلك كنسخ وجوب الزكاة في الغنم السائمة، ونفيه عن المعلوفة معًا المستفادين من حديث: \"فِي الغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ\" ويرجع الأمر في السائمة إلى مسألة: إذا نسخ الوجوب بقي الجواز، كما يرجع الأمر في المعلوفة إلى ما كان قبل مما دل عليه الدليل العام بعد الشرع من تحريم للفعل إن كان مضرة، أو إباحة له إن كان منفعة، فليس المعنى منه أن يرتفع العدم، ويحصل الحكم الثبوتي، بل المعنى منه أن يرتفع العدم الذي كان شرعيًّا، ويرجع إلى ما كان عليه من قبل، وهذا التمثيل إنما هو على سبيل الفرض والتقدير، فإن التمثيل يكتفي فيه بمثل ذلك، كما هو مقرر، وكذا يجوز نسخه بدون الأصل: أي: مع بقاء الأصل، وهو واضح أيضًا، كنسخ مفهوم حديث: =","vol":"4","page":106},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n\n<hr><s0>\n\n\nالمنهاج\" (^١).\nوذكره القاضي عبد الوَهَّاب في \"الملّخص\"، وابن السَّمعاني وقال: دليل الخطاب\n_________\n= إنَّمَا المَاءُ مِنَ المَاءِ\" فإن مفهومه، وهو عدم وجوب الغسل عند عدم الإنزال نسخ بقوله ﵊: \"إِذَا الْتَقَى الْختَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ\" وبقي أصله، وهو وجوب الغسل من الإنزال؛ فإن مفهوم الحديث الأول عدم وجوب الغسل من غير إنزال، وإن التقى الختانان.\nوالحديث الثاني يدل بمنطوقه على وجوب الغسل بالماء الختانين، وإن لم يكن إنزال، فهو معارض لمفهوم الأول وآت بعده، فكان ناسخًا لهذا المفهوم، وأما منطوقه، وهو وجوب الغسل من الإنزال فباقٍ لم يطرأ عليه نسخ، ولا تبديل؛ فثبت بهذا نسخ المفهوم مع بقاء أصله.\nوأما نسخ الأصل بدونه، أي: مع بقاء مفهوم المخالفة، فاختلف فيه على قولين:\nالقول الأول: أنه لا يجوز، واختاره الصفي الهندي وصاحب \"جمع الجوام\"؛ لأنه تابع له، فيرتفع بارتفاعه، ولا يرتفع الأصل لارتفاع المفهوم.\nهذا ما قالوه في توجيه القول بالمنع، وفيه نظر من وجهين:\nأحدهما: أن المفهوم تابع للمنطوق في الدلالة. أي: من حيث دلالة اللفظ عليه معه لا من حيث ذاته، حتى يلزم من ارتفاع المنطوق ارتفاع المفهوم، ودلالة اللفظ على المنطوق باقية لم ترتفع، وإن ارتفع الحكم بدليل منفصل؛ فإن دلالة اللفظ لا تزول بنسخ حكمه.\nفإن أجاب المستدل عن ذلك: بأنه إذا ارتفع تعلق حكم المنطوق سقط اعتبار دلالة اللفظ عليه، فسقط ما يترتب على اعتبارها من فهم الحكم في محل السكوت.\nقلنا: لا نسلم سقوط اعتبار الدلالة بارتفاع تعلق الحكم، بل يجوز أن تبقى مع ذلك معتبرة؛ لإفادة حكم المفهوم.\nثانيهما: أن ما ذكرتم يجري في نسخ الأصل بدون الفحوى، فيقال فيه: الفحوى تابع لأصله، فيرتفع بارتفاعه، وإلا لم يكن تابعًا له، مع أنكم قلتم بجواز نسخ الأصل مع بقاء الفحوى، فظهر أن هذا الذي تمسك به المانع لم يتم له.\nالقول الثاني: أنه يجوز؛ لأنهما حكمان غير متلازمين في الثبوت فضلًا عن تغايرهما في الحقيقة، فلا يلزم من ارتفاع أحدهما ارتفاع الآخر، فالحق أن مفهوم المخالفة كمفهوم الموافقة في جواز نسخ الأصل دون المفهوم وبالعكس. هذا حاصل القول في بيان مذاهب العلماء وأدلتهم في نسخ المفهوم موافقًا كان، أو مخالفًا بدون أصله، وبالعكىس، وقد بان لك أن القول الراجح الذي تم دليله، وسلم عن المعارضة بدفع ما ورد عليه، ورد دليل مقابله هو القول بجواز نسخ المفهوم دون الأصل، وبالعكس.\n(^١) ينظر: الإبهاج ٢/ ٢٥٨.","vol":"4","page":107},{"text":"مَسْألَةٌ:\n\n<span data-type='title' id=toc-773>الْمُخْتَارُ: أَنَّ نَسْخَ حُكْمِ أَصْلِ الْقِيَاسِ لا يَبْقَى معَهُ حُكْمُ الْفَرْعِ.</span>\n<hr><s0>\n\nيجوز نسخ موجبه، ولا يجوز النسخ بموجبه؛ لأن النص أقوى من دليله (^١).\nقلت: وأما نسخ الأصل بدون مفهوم المُخَالفة، فأظهر الاحتمالين عند الشيخ الهندي: أنه لا يجوز؛ لأن دلالته باعتبار القَيْدِ، فإذا بطل تأثيره، بطل ما بنى عليه، وفيه ما سبق.\n«مسألة»\nالشرح: \"المختار: أن نسخ حكم أصل القِيَاسِ لا يبقى معه حكم الفرع\".\nوخالفت الحنفيّة (^٢).\n_________\n(^١) ولا بد للنسخ من المعارضة. وجرى عليه صاحب \"جمع الجوامع\"، وصاحب \"لب الأصول\". وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي كما قال الجلال المحلى أيضًا: الصحيح الجواز؛ لأنه في معنى النطق.\nأقول: وفيما ذهب إليه الشيرازي نظر؛ لأنه إن أراد بقوله: \"لأِنَّهُ فِي مَعْنَى النُّطْقِ\" أنه في معناه من حيث القصد والإرادة، فمسلم، ولا يفيد؛ لأن هذا لا ينافي ضعفه عن معارضة النص، كما قال المانعون.\nأما إن أراد أنه في معناه من حيث القوة، فممنوع؛ للاتفاق على حجية المنطوق، والاختلاف في حجية المفهوم المخالف، والمتفق عليه أقوى من المختلف فيه قطعًا.\nوالذي نراه حقًّا هو ما ذهب إليه المانعون من عدم جواز النسخ به، فإن قيل: لِمَ رجحتم في مبحث التخصيص بالمفهوم جوازه بمفهوم المخالفة، ورجحتم هنا عدم جواز النسخ به، مع أن كُلًّا من التخصيص والنسخ، لا بد فيه من المعارضة؟\nفالجواب: لأن التخصيص فيه إعمال للدليلين، فلم يشترطوا فيه التعادل بينهما، بل اكتفى فيه بكون المفهوم دليلًا شرعيًّا، بخلاف النسخ؛ فإنَّ فيه إبطالًا لأحدهما، فكان فيه \"ضروريًّا.\n(^٢) ينظر: البرهان ٢/ ١٣١٣، والإبهاج ١/ ٢٥٧، ونهاية السول ٢/ ٦١١، والتبصرة (٢٧٥)، والعدة ٣/ ٨٢٠، والإحكام للآمدي ٣/ ١٥٢ (١٦)، وشرح الكوكب ٣/ ٥٧٣، والوصول لابن برهان (٢/ ٥٧ - ٦٠)، والمسودة (٢١٣ و٢٢٠)، وجمع الجوامع ٢/ ٨٩، والتحرير ٣٩٥، والتيسير ٣/ ٢١٥، وفواتح الرحموت ٢/ ٨٦، والروضة ص ٤٦.","vol":"4","page":108},{"text":"لَنَا: خَرَجَتِ الْعِلَّةُ عَنِ الاِعْتِبَارِ، فَلا فَرْعَ.\nقَالُوا: الْفَرْعُ تَابعٌ لِلدَّلالَةِ لا لِلْحُكْمِ، كَالْفَحْوَى.\nقُلْنَا: يَلْزَمُ مِنْ زَوَالِ الْحُكْمِ زَوَالُ الْحِكْمَةِ الْمُعْتَبَرَةِ، فَيَزُولُ الْحُكْمُ مُطْلَقًا؛ لاِنْتِفَاءِ الْحِكْمَةِ. قَالُوا: حَكَمْتُم بِالْقِيَاسِ عَلَى انْتِفَاءِ الْحُكْمِ بِغَيْرِ عِلَّةٍ.\nقُلْنَا: حَكَمْنَا بِانْتِفَاءِ الْحُكْمِ لاِنْتِفَاءِ عِلَّتِهِ.\n<hr><s0>\n\nوإذا قلنا: لا يبقى، فقد وقع في كلام بعضهم تسميته نسخًا.\nوليس بجيّد، فلقد أجاد المصّنف في قوله: لا يبقى، وعدوله عن أن يقول: نسخ معه حكم الفرع؛ لما علمت من أن أصحابنا لا يقولون: إن حكم الفرع ينسخ باعتبار حكم الأصل، بل يزول حكمه؛ لزوال كون العلّة معتبرة، والحكم إذا زال لزوال علّته لا يقال: إنه منسوخ.\nوما أحسن قول إمام الحرمين في \"التلخيص\": إذا ثبت حكم من الأحكام في مسألة مثلًا بخبر، ثم استنبطنا منه علة فألحقنا بالمنصوص ما ليس بمنصوص قياسًا، ثم نسخ الأصل الذي منه استنبطنا القياس. فيتداعى ذلك إلى ارتفاع القياس المستنبط عنه. انتهى.\nوقول المصنّف: \"لا يبقى\" نظير قول الإمام: \"يتداعى\"، والعباراتان سديدتان.\nومن عبر بـ \"النسخ\" فقد وهم، وأتى من سوء التعبير فقط، ولم يرد حقيقة النسخ.\nالشرح: \"لنا: خرجت العلة\" المستنبطة بنسخ الأصل \"عن الاعتبار، فلا فرع\"، وإلا لزم ثبوته بلا دليل؛ لأن دليله العلة، والفرض انتفاؤهما.\nوإن شئت قل: لا، حكمُ الأصل أصل للعلّة، فإذا بطل بطلت، فلا فرع.\n\"قالوا\" أولًا: \"الفرع تابع للدّلالة لا للحكم، كالفحوى\".\n\"قلنا: يلزم من زوال الحُكم زوال الحكمة المعتبرة\"؛ لأنها لو بقيت لبقى الحكم، \"فيزول الحكم مطلقًا؛ لانتفاء الحكمة\"، ولا كذلك مفهوم الموافقة؛ إذ لا يلزم من انتفاء الحكمة المحرمة للتأفيف، انتفاء الحِكْمة المحرمة للضرب؛ إذ لا يلزم من ارتفاع الأقوى ارتفاع الأضعف.\n\"قالوا\" ثانيًا: الحكم لا يفتقر إليها في دوامه؛ لأن إسلام الطّفل معلّل بإسلام أبيه،","vol":"4","page":109},{"text":"<span data-type='title' id=toc-775>مَسْألَةٌ:\nالْمُخْتَارُ: أَنَّ النَّاسِخَ قَبْل تَبْلِيغِهِ ﷺ لا يَثْبُتُ حُكْمُهُ.</span>\n<hr><s0>\n\nولا يلزم من زوال إسلام الأب زواله، وإن لزم فقد \"حكمتم بالقياس على انتفاء الحكم بغير علّة\"؛ لأنكم تقولون: يرتفع حكم الفرع قياسًا على رفع حكم الأَصْل، وليس هنا علّة جامعة بينهما موجبة للرفع.\n\"قلنا\": الحكم مفتقر في دوامه إلى دوام احتمال حكمته المعتبرة، وإسلام الأب ليس من هذا، ونحن لم نرفع حكم الفرع بالقياس على الأصل، وإنما \"حكمنا بانتفاء الحكم لانتفاء علّته\"، وذلك نوع آخر من الاستدلال يحتاج إلى أصل وفرع وجامع.\nنعم علمنا عدم اعتبار العلّة ببطلان حكم الأصل، لا أَنَّا قسنا الفرع في عدم الحكم على الأصل بجامع عدم العلة.\n\n\"فائدة\"\nبَنَتِ الحنفية على أصلهم، كما ذكر القاضي أبو الطيب، وإمام الحرمين في \"التلخيص\" وغيرهما فرعين:\nأحدهما: أنه لا يجوز التوضّؤ بالنبيذ المسكر النَّي، وإنما يجوز به إذا كان مطبوخًا وقد توضأ رسول الله ﷺ بالنَّي، وألحق به المطبوخ، قياسًا، ثم نسخ التوضؤ بالنّي، وبقي التوضّؤ بالمطبوخ.\nوالثاني: ادعوا أنه يوم عاشوراء كان يجب صومه، ويجوز إيقاع النية فيه نهارًا؛ فإن النبي ﷺ بعث إلى أهل العوالي يوم عاشوراء أن من لم يأكل فليصمه، فَدَلَّ على أنه يجوز إيقاع الصوم بنيَّة من النَّهار، وألحق به رمضان من حيث إنه صوم، ثم نسخ صوم يوم عاشوراء، وبقي القياس مستمرًا في رمضان.\n«مسألة»\nالشرح: و\"المختار: أَنَّ الناسخ قبل تبليغه ﷺ \" الأمة \"لا يثبت حكمه\" في حقهم.\nوقيل: يثبت (^١).\n_________\n(^١) ينظر: البرهان ٢/ ١٣١٢، والوصول لابن برهان ٢/ ٦٥، والمستصفى ١/ ١٢٠، والمنخول =","vol":"4","page":110},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالخلاف إذا بلغ جبريل ﵇ وألقاه إلى النبي ﷺ وهو في الأرض، ولم يتمكن أحد من المكلّفين من العلم به.\nووراءه صور:\nإحداها: ألَّا ينزل إلى الأرض، ولا بلغ جنس البشر كما إذا أوحى الله - تعالى - إلى جبريل ﵇ ولم ينزل.\nوالثانية: أن ينزل ولكن لم يلقه إلى النبي ﷺ ولا خلاف في هاتين الصورتين أنه لا يتعلق به حكم.\nوالثالثة: أن يبلغ جنس المكلفين من البَشر، ولكن في غير دار التكليف كالسَّماء، ثم يرفع كفرض خمسين صلاةً ليلة المِعْرَاج، فإنه بلغ النبي ﷺ ثم رفع، فهل يكون ناسخًا؟\nفيه نظر.\nيحتمل ألّا يثبت حكمه؛ إذ لم يتعلق.\nويحتمل أن يقال بثبوته؛ لأنه بلغ بعض البشر، وعليه يدلّ كلام ابن السمعاني، إذ قال: فرض الله خمسين صلاةً ليلة المعراج، ثم نسخه قبل أن يُعْلِم به الأمّة، قال: ولكن كان الرسول ﷺ قد علم به، واعتقد وجوبه، فلم يقع النَّسْخ له إِلَّا بعد علمه، واعتقاده. انتهى.\nفانظر كيف سَمَّاه نسخًا، ولو لم يثبت لم يسم منسوخًا.\nوالرابعة: أن يبلغ النبي ﷺ في الأرض، ولا يبلغ الأمة، فإن تمكنوا من العلم به ثبت حكمه في حقهم قطعًا، وإلَّا فهو محلّ الخلاف.\nوالجمهور: أنه لا يثبت لا بمعنى الثَّاني كالنَّائم، ولا نحفظ أحدًا قال بثبوته بالمعنى الأول.\n_________\n= (٣٠١)، والتبصرة ٢٨٢، واللمع (٣٥)، وشرح الكوكب ٣/ ٥٨٠، والإحكام للآمدي ٣/ ١٥٣، والقواعد والفوائد ١٥٧، ونهاية السول ٢/ ٦١١، والتمهيد له (٤٣٥)، وجمع الجوامع ٢/ ٩٠، وشرح العضد ٢/ ٢٠١.","vol":"4","page":111},{"text":"لنَا: لَوْ ثَبَتَ لأَدَّى إِلَى وُجُوبٍ وَتَحْرِيمٍ؛ لِلْقَطْعِ بِأنَّهُ لَوْ تَرَكَ الأوَّلَ أَثِمَ.\nوَأَيْضًا، فَإنَّهُ لَوْ عَمِلَ بِالثَّانِي عَصَى اتِّفَاقًا.\nوَأَيْضًا: يَلْزَمُ قَبْلَ تَبْلِيغِ جِبْرِيلَ ﵇، وَهُوَ اتِّفَاقٌ.\nقَالُوا: حُكْمٌ، فَلا يُعْتبَرُ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ.\nقُلْنَا: لا بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِ التَّمَكُّنِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ.\n<hr><s0>\n\nوذكر القاضي في \"التقريب\" أن الخلاف لفظي، وذكر في مختصره أن القائلين بثبوته يقولون؛ لو قدر ممن لم يبلغه الناسخ إقدام على الحكم الأول، كان زللًا وخطأ، بيد أنه لا يؤاخذ به، ويعذر لجهله.\nالشرح: \"لنا: لو ثبت\" حكم الناسخ قبل التبليغ، \"لأدى إلى\" مُحَال، وهو اجتماع \"وجوب وتحريم؛ للقطع بأنه لو ترك\" المكلف الحكم \"الأول\" قبل التبليغ \"أثم\"، والغرض أن الوجوب ثابت.\n\"وأيضًا، فإنه لو عمل بالثاني\" قبل إعلامه \"عصى اتفاقًا\"، ولو ثبت حكمه لكان ممتثلًا غير عاص.\n\"وأيضًا: يلزم\" من ثبوته في حق الأمة \"قبل\" أن يبلغهم إذا بلغ النبي ﷺ ثبوته قبل \"تبليغ جبريل\"؛ لأن الحالتين سواء في وجود الناسخ، وعدم علم المكلف به، فإذا كان وجوده مقتضيًا لحكمه، وعدم علم المكلف لا يصلح مانعًا، فثبت حكمه عملًا بالمقتضى السَّالم عن المعارض، \"وهو \"أي: اللازم الذي هو ثبوته قبل تبليغ جبريل باطل، وقد وقع على بطلانه من علماء الأمة \"اتفاق\".\nولقائل أن يقول: قولكم: يؤدي إلى اجتماع وجوب وتحريم.\nقلنا: قد بَيّنا الخلاف إنما هو في الثبوت في الذمة، والثابت هو النَّاسخ دون المنسوخ. قولكم للقطع بأنه لو ترك الأول أَثِمَ.\nقُلْنا: لا نسلم أنه يأثم بتركه.\nنعم: يتجه تأثيمه على جرأته حيث أقدم ظانًّا التحريم، كما نقول فيمن وطئ زوجته يظن أنها أجنبية، فإنه لا يأثم إلا على الجُرْأة.","vol":"4","page":112},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n\n<hr><s0>\n\n\nقولكم: لو عمل بالثَّاني عصى اتفاقًا.\nقلنا: هو كالأول.\nقولكم: يلزم قبل تبليغ جبريل ﵇.\nقلنا: الفارق أنه إذ ذاك لم يبلغ أحدًا من جنس المكلّفين، فلا يساوي ما إذا بلغ، والذين قالوا بثبوت الحكم، وإن لم يبلغ لو أحكم \"فلا يعتبر علم المكلّف\"، كما إذا بلغ بعض المكلفين دون بعض، فإنه ثبت في حقّ الكل، مع أن فيهم من لم يبلغه.\nفلنا: قولكم: علم المكلف غير معتبر مسلم، ولكن وراء عدم العلم أمران.\nأحدهما: عدم التمكّن.\nوالثَّاني: التمكن مع عدم العلم.\nوالذي نمنعه إنما هو الثبوت مع عدم التمكّن.\nوالصورة التي أوردتموها، وهي ما إذا بلغ بعض المكلفين حصل فيها التمكن، فإذن \"لا بد من اعتبار التمكن، وهو منتف\" في مسألتنا، فلا ثبت الحكم، لا لعدم علمه، بل لعدم تمكنه من العلم، وإلا يلزم تكليف الغافل.\nولقائل أن يقول: إن أردت باعتبار التمكّن الامتثال، فمسلم، ولا نزاع فيه كما عرفت.\nوإن أردت الاستقرار في الذِّمَّة، فممنوع، فقد يستقر الشيء في ذمّة من لم يعلم به.\n\n\"فوائد\"\nالأولى: قال إمام الحرمين في \"مختصر التقريب\": هذه المسألة قطعية.\nوذهب بعضهم إلى إلحاقها بالمجتهدات حتى نقلوا فيها قولين من القولين في الوكيل إذا عزل، ولم يبلغه العَزْل.\nالثانية: نظير الخلاف في المسألة اختلاف أصحابنا في صور:\nمنها إذا [عزل] (^١) الموكل وكيله وهو غائب، انعزل في المال على الأصح.\n_________\n(^١) سقط في أ، ت.","vol":"4","page":113},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n\n<hr><s0>\n\n\nوفي قول: لا حتى يبلغه الخبر، كالنسخ.\nومنهم من عكس، وخرج مسألة النسخ على مسألة الوَكَالَةِ كما نقلناه عن \"مختصر التقريب\"، وإليه أشار القاضي في \"التقريب\".\nقال الرافعي: ولا فرق بين النسخ وما نحن فيه؛ لأن حكم النسخ إما إيجاب امتثال الأمر الثاني، وإما إخراج الأول عن الاعتداد به، فالإيجاب لا يثبت قبل العلم؛ لاستحالة التكليف بغير المَعْلُوم، وهذا النوع لا يثبت في الوَكَالَةِ؛ لأن أمر الموكل غير واجب الامتثال، والنوع الثاني: ثابت هناك أيضًا قبل العلم حتى يلزمه القضاء، ولا تبرأ ذمته بالأول.\nقال أبي ﵀: وهذا الذي قاله الرافعي من لزوم القضاء في النسخ بعيد؛ لأن أهل \"قباء\" أتاهم الخبر بنسخ القِبْلَةِ وهم في الصلاة فاستداروا، ولو ثبت الحكم في حقهم قبل ذلك لقضوا.\nوقد استشهد هو في باب \"استقبال القِبْلَةِ\" بقضية أهل \"قباء\" على أنه ينحرف في أثناء الصلاة إلى جهة الصَّواب، إذا قلنا: لا يجب القضاء.\nوالذي قاله في \"استقبال القِبْلَةِ\" هو ما عليه جمهور الأصوليين.\nبخلاف ما ذكروه في الوِكَالَةِ فإنه لا يتأتى إلا على القول المرجوح: أن الحكم يثبت في حقه، ولو لم يبلغه الخبر لكنه لا يأثم؛ لأنه معذور.\nفإن قلت: فما الفارق بينه وبين الوكيل حيث ينعزل على الصحيح وإن لم يبلغه الخبر؟\nقلت: فرّق أبي ﵀ بأن الاعتداد بالعبادة حق الله تعالى، والله - تعالى - قد شرط العلم في الأحكام؛ بدليل أنه لا يقع منه التكليف بالمستحيل، والعقود حق الموكّل، فلم يشترط العلم.\nفإن قلت: إنما [شرط] (^١) الرب - تعالى - العلم في خِطَابِ التكليف لا في خطاب الوضع، والاعتدادُ بالعبادة من خطاب الوضع.\n_________\n(^١) في ج: اشترط.","vol":"4","page":114},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n\n<hr><s0>\n\n\nقلت: بل هو راجع إلى خطاب التكليف، وليس كالضمان المتعلّق بالذمة.\nواتفق الأصحاب فيما لو وكله بيع عبده، أو إعتاقه، فباعه الموكل، أو أعتقه: أنه ينعزل ضمنًا.\nروى البيهقي في أمةٍ أمر مولاها رجلًا ببيعها، ثم بَدَالَهُ فأعتقها، وقد بيعت الجارية، وكان عتقها قبل بيعها، فقضى عمر ﵁ بعتقها، وبردّ ثمنها، وأخذ صداقها لما كان قد وطئها، فهذا دليل على الانعزال الضمني، فيلحق به الصريح.\nومنها: لو عزل القاضي ولم يعلم، ففيه الخلاف.\nومنهم من جزم هنا بعدم الانعزال.\nوكذلك لو مات مُسْتنيبه، وقلنا: ينعزل بموته الخلاف فيه أيضًا.\nولو عتقت الأمة وهي في الصَّلاة، ولم تعلم، ولم تكن ساترة ما يجب سَتْره على الحُرّة فقولان. انتهى.\nولو أذن الراهن للمرتهن في البيع، ورجع ولم يعلم، ففي صحته قولان.\nولو أعاره للغِرَاسِ أو البناء، ورجع ولم يعمل، فغرس أو بنى، فهل يكون محترمًا فيخيّر بين الخصال، أو يقلع مجانًا؟\nوجهان.\nولو رجعت الواهبة نوبتها في هبتها، ولم يعلم الزوج، فطريقان.\nولو أعاره ثمار بُسْتَانه ورجع، ولم يعلم، فالخلاف.\nولو قال: من ردّ عبدي الآبق (^١) فله كذا، ورجع، ثم رده من لم يعلم بالرجوع ففي استحقاقه الجُعْل وجهان.\nولو قتل من عهده حربيًّا أو مرتدًا، فَبَانَ أنه كان قد أسلم، ولم يعلم، ففيه الخلاف.\nولو عفا الوارث ولم يعلم الجلاد، ففيه الخلاف.\n_________\n(^١) الآبقُ: وهو مملوك فَرَّ من مالكه قصدًا مُعَنِّدًا. ينظر: أنيس الفقهاء ص ١٨٩، والصحاح ٤/ ١٤٤٥، والقاموس المحيط ٣/ ٢١٥.","vol":"4","page":115},{"text":"<span data-type='title' id=toc-777>مَسْألَةٌ:\nالْعِبَادَاتُ الْمُسْتقِلَّةُ لَيْسَتْ نَسْخًا،</span> وَعَنْ بَعْضِهِمْ: صَلاةٌ. سَادِسَةٌ نَسْخٌ. وَأَمَّا زِيَادَةُ جُزْءٍ مُشْتَرَطٍ، أَوْ زِيَادَةُ شَرْطٍ، أَوْ زِيَادةٌ تَرْفَعُ مَفْهُومَ الْمُخَالفةِ، فَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لَيْسَ بِنَسْخٍ، وَالْحَنَفِيَّةُ: نَسْخٌ.\nوَقِيلَ: الثَّالِثُ نَسْخٌ.\nعَبْدُ الْجَبَّارِ: إِنْ غَيَّرْتَهُ حَتَّى صَارَ وُجُودُهُ كَالْعَدَمِ شَرْعًا، كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ فِي الْفَجْرِ، وَكَعِشْرِينَ عَلَى الْقَذْفِ، وَكَتَخْييرٍ فِي ثالِثٍ، بَعْدَ اثْنَيْنِ، فنَسْخٌ.\nوَقَالَ الغَزَالِيُّ ﵀: إِنِ اتَّحَدَتْ كَرَكْعَةٍ فِي الْفَجْرِ فَنَسْخٌ، بِخِلافِ عِشْرِينَ فِي الْقَذْفِ.\nوَالْمُخْتَارُ: إِنْ رَفَعَتْ حُكْمًا شَرْعِيًّا بَعْدَ ثُبُوتِهِ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، فَنَسْخٌ؛ لأنَّهُ حَقِيقَتُه، وَمَا خَالَفَهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ.\n<hr><s0>\n\nالثالثة: القائلون بأن النسخ لا يثبت في حقّ من لم يبلغه متفقون على أنه مخاطب بحكمه الأول، إلا أن يبلغه، ثم اختلفوا: هل يتصف بكونه ناسخًا قبل البلوغ، كما أن الأمر أمر للمعدوم على شَرْطِ الوجود، أو لا يتصف إلا بعد البلوغ؟\nقال القاضي في \"مختصر التقريب\": وهو راجع إلى اختلاف عبارة، قال: وإنما الخلاف الحقيقي مع الذين قدّمنا ذكرهم - يعني القائلين: إن الحكم يرتفع عمن لم يبلغه الناسخ.\nقلت: وقد قدّمنا عن \"التقريب\" أنه قال فيه: إنَّ الخلاف في هذا لفظي، والأظهر أنه معنوي.\n«مسألة»\nالشرح: في الزيادة على النَّص هل هي نسخ؟\nقال أبو عمرو: \"العبادات المستقلّة ليست نسخًا (^١).\n_________\n(^١) قسم الغزالي الزيادة على أصل المشروع إلى ثلاثة أقسام: \"الأول\": زيادة لا تعلق بالمشروع الأول. كما إذا أوجب الصلاة والصوم، ثم أوجب الزكاة والحج. وهذا لا شبهة في أنه ليس=","vol":"4","page":116},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوعن بعضهم: صلاة سادسة نسخ\".\n\"وأما زيادة جزء مشترط، أو زيادة شرط، أو زيادة ترفع مفهوم المخالفة، فالشافعية\n_________\n= بنسخ؛ لأن النسخ رفع وتبديل، وحكم المزيد عليه لم يتغير؛ إذ أن وجوبه باق كما كان.\n\"الثاني\" زيادة تتصل بالمزيد عليه اتصال اتحاد يرفع التعدد والانفصال، كما لو زيد في صلاة الصبح ركعتان، فهذا نسخ، لأن حكم الركعتين كان الإجزاء والصحة، ثم ارتفع بالزيادة، والركعتان وإن كانتا باقيتين في ضمن الأربع لكن حكمها قد ارتفع.\n\"الثالث\" زيادة بين المرتبتين فلا هي منفصلة تمام الانفصال كالأولى، ولا متصلة تمام الاتصال كالثانية، وتأتي على ثلاثة وجوه \"أحدها\" أن تكون مع الأولى جزئين لعبادة، ويشترط الزيادة في الأولى، فلا تعتبر إذا أفردت ولم تضم إليها الزيادة، كزيادة ركعة في الفجر. \"ثانيها\" أن تجعل الزيادة شرطًا للأولى كالطهارة في الطواف. \"ثالثها\" أن ترفع مفهوم المخالفة للأولى، مثل إيجاب الزكاة في المعلوفة بعد قوله \"في الغنم السَّائمة زكاة\".\nوهذا القسم المتنوع إلى هذه الوجوه الثلاثة محل نزاع بين الأئمة، فقالت الشافعية والحنابلة: \"إنها ليست بنسخ مطلقًا\"، وقالت الحنفية: نسخ مطلقًا\" وقال قوم: \"الثالث وهو ما يرفع مفهوم المخالفة نسخ دون الأولين، وهما الجزء المشترط والشرط .. وقال القاضي عبد الجبار: \"الزيادة إن غيرت الأصل تغييرًا شرعيًّا حتى صار وجوده كالعدم فنسخ، كزيادة ركعة أو ركوع أو سجود. وإن لم يكن كذلك، بل فعله معتد به دون الزائد وإنما يلزم ضمه إليه فلا يكون نسخًا، كزيادة التغريب على الجلد والعشرين على الحد. كذا نقله الإمام الآمدي عن عبد الجبار حكمًا وتمثيلًا، إلَّا أن الآمدي زاد على هذا أنه يقول: \"إن التخيير في ثلاث خصال بعد التخيير في خصلتين يكون نسخًا أيضًا.\nوقال أبو الحسين البصري: إن كان الزائد رافعًا لحكم ثابت بدليل شرعي كان نسخًا، سواء كان ثبوته بالمنطوق أو المفهوم، وإن كان رافعًا لما ثبت بدليل عقلي .. أي البراءة الأصلية فلا يكون نسخًا. قال الرازي: \"وهذا التفصيل أحسن من غيره\".\nثم مثل بعضهم لهذا المذهب بمثالين: \"الأول\" فيما لو كانت الزيادة رافعة كحكم شرعي مثل زيادة ركعة على ركعتين يكون نسخًا؛ لأنها رفعت حكمًا شرعيًّا، وهو وجوب التشهد عقب الركعتين \"والثاني\" وهو ما إذا كانت الزيادة رافعة لحكم عقلي مثل زيادة التغريب على الجلد، فليس بنسخ؛ لأن عدم التغريب كان ثابتًا بمقتضى البراءة الأصلية، ونقل الآمدي عن صاحب هذا التفصيل وهو أبو الحسن البصري أن المثالين جميعًا ليسا بنسخ .. أما الثاني فواضح .. وأما الأول\" فلأن التشهد إنما محله آخر الصلاة لا بعد الركعتين بخصوصهما، وخالف ابن الحاجب فجعلهما معًا من باب النسخ معللًا ذلك بأن الزيادة فيهما كانت حرامًا ثم زالت.=","vol":"4","page":117},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالحنابلة: ليس بنسخ.\nوالحنفية: نسخ.\nوقيل: الثالث نسخ\".\n\"عبد الجَبَّار: إن غيرته حتى صار وجوده كالعدم شرعًا، كزيادة ركعة في الفجر، وكعشرين [على] (^١) القَذْفِ، وكتخيير في ثالث بعد اثنين فنسخ.\n_________\n= الحق الثابت عن صاحب هذا التفصيل هو التفصيل.\nيترتب على هذا الخلاف .. أن الشافعية أثبتوا زيادات على الكتاب بخبر الواحد؛ لأنهم لم يعتبروا ذلك نسخًا. وذلك بين في مواضع كثيرة كما في الأمثلة التي قدمناها، وكما في جعل التحريم في الرضاع بخمس رضعات مع إطلاق القرآن، وكما في اشتراط الفاتحة لصحة الصلاة مع اقتضاء عموم الكتاب لإجزاء ما تيسر من القرآن، بخلاف الحنفية فإنهم لا يرون ذلك.\nوالحق في ذلك ما ذهب إليه الشَّافعية حيث يترتب على اتباع مذهب الحنفية خلل عظيم، فإن كثيرًا من شروط المعاملات لم يشترطها القرآن وجاءت بها السنة، ومع هذا فقد جعل الحنفية صحة تلك متوقفة عليها .. وإليك مثالًا يوضح ذلك: قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ وهذا مطلق ينتظم البيع بشرط وبغير شرط، ومع هذا فقد قال الحنفية بفساد بيع وشرط عملًا بالحديث .. مع أن البيع عقد جائز بمقتضى إطلاق الكتاب، وليس هناك من فرق بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ حيث لم يروا تقييد صحة الطواف بالحديث القائل: \"الطواف بالبيت صلاة\" ولم يروا تقييد قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ بقوله ﷺ: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) ومن ذلك كثير يحوجهم في أكثر الأحيان أن يتكلفوا إجابات بعيدة اللهم إلا أن يقولوا إن القيود التي يفيد بها مطلق الكتاب إن ثبتت بالسنة الصحيحة تعتبر بيانًا متصلًا بنص الكتاب وليس من النسخ في شيء، فكأن الله سبحانه شرع أصل العبادة أو العقد ثم وكل إلى رسوله المبين عنه بيان مشروط كل منهما، وهذا هو المراد. ينظر: البرهان ٢/ ١٣٠٩ - ١٣١١، والمحصول ١/ ٣/ ٥٤٣، وشرح العضد ٢/ ٢٠٢، والمعتمد ١/ ٤٣٧، والمستصفى (١/ ١١٧)، والمنخول (٢٩٩ - ٣٠٠)، والإحكام للآمدي ٣/ ١٥٥ (١٨)، والترياق النافع ١/ ٢٤٤ - ٢٤٥، وشرح تنقيح الفصول ٣١٧، والتبصرة (٢٧٦)، وجمع الجوامع ٢/ ٩١، والروضة (٤١)، وإرشاد الفحول ١٩٤، والمسودة ٢٠٧، وتيسير التحرير ٣/ ٢١٨، والتلويح ٢/ ٣١٨، وأصول السرخسى ٢/ ٨٢، والعدة ٣/ ٨١٤، وميزان الأصول (٢/ ١٠١).\n(^١) في ج: في.","vol":"4","page":118},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقال الغزالي: إن اتحدت كركعة في الفجر، فنسخ، بخلاف عشرين في القذف\".\nوالمختار: إن رفعت حكمًا شرعيًّا بعد ثبوته بدليل شرعي، فنسخ؛ لأنه حقيقة، وما خالفه ليس بنسخ\".\nاعلم أن الله - تعالى - إذا تعبدنا بشيء ثم بآخر.\nفالآخر إما مستقل أي: عبادة منفردة بنفسها عن العبادة المزيد عليها، أو لا.\nوالأول المستقل، وهو إما أن يكون من غير جنس الأول، كزيادة وجوب الزكاة على الصلاة، فليس بنسخ بالإجماع.\nأو من جنسه، كزيادة صلاة على الصَّلوات الخمس، فليس بنسخ أيضًا عند الجماهير.\nوقال بعض أهل \"العراق\": إنه نسخ، ولم يذكر المصنف علّتهم، وقد اعتلّوا بأنها تغير الوسط.\nوأنا أقول: إنْ عمم القوم ذلك في كلّ عبادة مستقلّة من جنس ما سبق وجوبه، ولم يخصوه بزيادة الصَّلاة السَّادسة، فهو واضح السقوط، واعتلالهم بجعله الآخر غير آخر لا ينفعهم؛ لأن كون الشيء آخرًا أمر عقلي لا ينسخ، وإن خصّوه بالصورة المذكورة، وأرادوا بكونها تغير الوسط جعلها المتوسط بين الشيئين غير وسط، فهو أيضًا ساقط؛ لأن ذلك أمر حقيقي، والنسخ إنما يرد على الحكم الشرعي، ثم لا اختصاص له بزيادة صلاة سادسة، بل يجري في كل مزيد.\nوإن أرادوا به نسخ الأمر الوارد بالمُحَافظة على الصَّلاة الوسطى، فأقول:\nإن كانت الوسطى علمًا على صلاة بعينها إما الصبح، أو العصر أو غيرهما، وليست \"فُعْلَى\" من المتوسّط بين الشيئين، فهو أيضًا ساقط؛ إذ لا يلزم من زيادة صلاة ارتفاع الأمر بالمحافظة على تلك الصلاة الفاضلة.\nوإن كانت الوُسْطَى المتوسطة بين الصلوات، فالذي يظهر حينئذٍ أن الأمر يختلف بما يزاد، فإن زيدت واحدة، فهي ترفع الوسط بالكلّية، ويتّجه ما ذكروه؛ لأن الوسط حينئذٍ وإن كان أمرًا حقيقيًّا إلا أن الشرع ورد عليه وقرره، فيكون نسخًا للأمر الشرعي، وإن زيدت ثنتين ونحوهما مما لا يرفع الوسط، فلا نسخ، وإنما خرجت الظهر مثلًا عن أن يكون وسطًا، وكونها كانت الوسطى أمر حقيقي اتفاقي لا يرد النسخ عليه.","vol":"4","page":119},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالأمر بالمحافظة على الوسط شيء وراء ذلك، وهو لم يزل، بل هو بَاقٍ.\nالقسم الثَّاني: ما ليس بمستقلّ، كزيادة ركعة أو ركوع، وزيادة صفة في رَقَبّةِ الكَفَّارة، كالإيمان، وزيادة جلدات على جلدات حدّ واحد، إلى غير ذلك من الزيادات.\nفذهبت الشافعية والحنابلة وجماعة من المعتزلة كالجُبَّائي، وأبي هاشم إلى أنها لا تكون نسخًا.\nوقالت الحنفية: إنها نسخ، واختاره بعض أصحابنا، وادّعى أنه مذهب الشَّافعي.\nواحتج عليه بأن قوله ﵊: \"المَاءُ مِنَ المَاء\" (^١) صار منسوخًا بقوله: \"إذَا الْتَقَى الخِتَانَانِ\"؛ وإنما صار منسوخًا بالزيادة، لا الأصل.\nقال: ابن السَّمعاني: وهذا غلط؛ لأن: \"المَاءَ مِنَ المَاء\" إنما دلّ من حيث دليل الخطاب، وهو نسخ للمفهوم، لا للنص من حيث الزيادة.\nقلت: وهذا واضح، ولا يقال: فليكن هذا هو المذهب المفصل بين ما نفاه المفهوم وما لم ينفه؛ لأن القائل بهذا التفصيل يجعل ما نفاه المفهوم نسخًا للنَّص، ونحن لا نجعل\n_________\n(^١) من حديث أبي سعيد الخدري؛ أخرجه مسلم في الصحيح ١/ ٢٦٩ في كتاب الحيض (٣) باب إنما الماء من الماء (٢١) حديث (٨٠/ ٣٤٣) و(٨١/ ٣٤٣) وقال مسلم معقبًا على الحديث عن ابن الشخير: كان رسول الله ﷺ ينسخ حديثه بعضه بعضًا كما ينسخ القرآن بعضه بعضًا. ثم افتتح بابًا يلي باب \"إنما الماء من الماء\" وسماه باب \"نسخ الماء من الماء\" وأخرجه أحمد في المسند ٣/ ٤٧ وابن خزيمة في الصحيح ١/ ١١٧ في الطهارة باب إيجاب الغسل من الإمناء … (٢٣٣، ٢٣٤)، والطبراني في الكبير ٤/ ٣١٧، أخرجه ابن حبان كما في الإحسان من حديث أبي ٢/ ٢٤٤ (١١٧٠) وفي الموارد حديث (٢٢٨)، وأخرجه الدارمي ١/ ١٩٤ كتاب الطهارة: باب \"الماء من الماء\"، وأخرجه الترمذي من حديث أبي بن كعب ١/ ١٨٤ في أبواب الطهارة: باب ما جاء أن الماء من الماء حديث (١١٠، ١١١) وقال أبو عيسى: (هذا حديث حسن) وإنما كان الماء من الماء في أول الإسلام ثم نسخ بعد ذلك. وهكذا روى غير واحد من أصحاب النبي ﷺ منهم: أبيّ بن كعب، ورافع بن خديج. والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم على أنه إذا جامع الرجل امرأته في الفرج وجب عليهما الغسل وإن لم ينزلا، وأخرجه أبو داود ١/ ٥٤ في الطهارة: باب في الإكسال، حديث (٢١٤، ٢١٥)، وأخرجه الدارقطني ١/ ١٢٦ في كتاب الطهارة: باب نسخ قوله: \"الماء من الماء\" حديث (١).","vol":"4","page":120},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nذلك نسخًا للنص، ولا تعلّق له به.\nوإنما هو نسخ للمفهوم، ولا يستلزم نسخ النَّص.\nوالكلام في هذه المسألة إنما هو فيما يجعل نسخًا للنص، ولم يقل أحد منا بذلك في دليل الخطاب إلّا ما حكاه ابن السّمعاني، وهو غريب ضعيف.\nوقال قوم: إن كانت الزيادة قد أفادت خلاف ما استفيد من مفهوم المخالفة، كانت نسخًا، كإيجاب الزَّكاة في معلوفة الغنم؛ فإنه يفيد خلاف مفهوم: في السّائمة زكاة، وإلا فلا.\nوقال القاضي عبد الجَبَّار (^١): إن كانت الزيادة قد غيرت المزيد عليه تغييرًا شرعيًّا، بجث صار المزيد عليه لو فعل بعد الزيادة كما كان يفعل قبلها كان وجوده كعدمه، ووجب استئنافه، كزيادة ركعة على رَكْعتي الفجر، كان ذلك نسخًا أو كان قد خُيِّرَ بين فعلين، فزيد فعل ثالث، فإنه يكون نسخًا، فتحريم ترك الفعلين السَّابقين، وإلا فلا، كزيادة التغريب على الجَلْدِ، وزيادة عشرين جلدة على حد القاذف.\nوزيادة شرط منفصل في شرائط الصَّلاة، كاشتراط الوضوء.\nهذا مذهبه ذكرناه بعبارة الآمِدِيّ من نسخة صحيحة مقروءة على الآمدي، وعليها خطه، وسننبّه على ما وقع في الكتاب في ذلك.\nوقال قوم: إن كانت الزيادة متصلة بالمزيد عليه اتّصال اتحاد رافع للتعدد والانفصال كزيادة ركعتين، فنسخ، وإلا كزيادة عشرين جَلْدة فلا، وهو رأي الغزالي.\nوقال آخرون: إن كانت الزيادة مغيرة [لِحُكْمِ] (^٢) المزيد عليه في المستقبل، كزيادة التغريب في المستقبل على الحد، وزيادة عشرين جلدة على حَدِّ القاذف، كانت نسخًا، وإلا فلا، وسواء أكانت الزيادة لا تنفكّ عن المزيد عليه، كما لو أوجب علينا سَتْر الفَخْذ، فإنه يجب ستر بعض الركبة؛ لأنه مقدمة الواجب.\nأو كانت الزيادة عند تعذّر المزيد عليه، كإيجاب قطع رجل السارق بعد قطع يديه،\n_________\n(^١) ينظر مصادر المسألة.\n(^٢) في أ، ت: بحكم.","vol":"4","page":121},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوهو رأي الكَرْخي وأبي [عبد الله] (^١) البَصْري، ولم يذكره في \"المختصر\".\nفهذه المذاهب هي المنقولة في المسألة.\nوقال القاضي في \"مختصر التقريب\": إن تضمّنت الزيادة رفعًا، فهو نسخ، وإلا فلا.\nوذكر أن ذلك يتبين بالأمثلة، وأخذ في تَعْدَاد صور عدها.\nوقال في كتاب \"التقريب\" نحو ذلك.\nوحذا حذوه أبو الحسين البَصْري، فقال في \"المعتمد\" ما حاصله: إن كان الزائد رافعًا بحكم شرعي كان نسخًا، سواء ثبت بالمنطوق أم المفهوم، وإن كان ثابتًا بدليل عقلي كالبراءة الأصلية، فلا.\nواستحسنه الإمام الرَّازي، واختاره الآمدي، والمصنف، وهو قضية اختيار إمام الحرمين، ولا رَيْبَ عند هؤلاء في أن الزيادة تزيل أمرًا كان قبلها، ولكنهم ينظرون في المزال: هل هو حكم شرعي، فيكون نسخًا وإلا فلا.\nوأنا أقول: لا حاصل لهذا التفصيل، وليس هو بواقع في محلّ النزاع، فإنه لا رَيْبَ في أن ما رفع حكمًا شرعيًّا كان نسخًا؛ لأنه حقيقته، ولسنا هنا في مقام أن النسخ رفع أو بيان.\nوما لا فليس بنسخ، فالقائل: إني أفرق بين ما رفع حكمًا شرعيًّا، وما لم يرفع كأنه قال: إن كانت الزيادة نسخًا، فهي نسخ، وإلّا فلا، وهذا كما تراه.\nوإنما حاصل النزاع بينهم في أن الزيادة هل ترفع حكمًا شرعيًّا، فتكون نسخًا، أو لا فلا، فلو وقع الاتفاق على أنها ترفع حكمًا شرعيًّا لوقع على أنها نسخ، أو على أنها لا ترفع، لوقع على أنها ليست بنسخ.\nفالنزاع في الحقيقة في أنها هل هي رفع أم لا؟\nولذلك أكثر الأئمّة في المسألة من تَعْدَاد الأمثلة ليعتبرها النّظر، ويردها إلى مقارّها، ويقضي عليها بالنسخ إن كانت رفعًا، وبعدمه إن لم تكن.\n_________\n(^١) في ب: عبيد الله.","vol":"4","page":122},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nولي وراء هذا التقرير كلام آخر فأقول: قولنا: الزيادة هل هي نسخ ليس معناه، إلا أنها هل هي نسخ للمزيد عليه نفسه؟\nفلا يتجه حينئذٍ قول من يقول: إن رفعت حكمًا شرعيًّا كانت نسخًا؛ لأنه ليس كلامنا في أنها هي هي نسخ [من حيث هو أم لا؟ إنما كلامنا في نسخ خاص، فهل هي نسخ] (^١) للمزيد عليه أم لا؟\nوالمزيد عليه حكم شرعي بلا نَظَرٍ، فهل الزيادة رافعة له، فيكون منسوخًا، أو لا فلا. هذا حرف المسألة ولكنهم توسّعوا في الكلام فذكروا ما إذا رفعت المزيد عليه وما إذا رفعت غيره، فاعرف ذلك.\nولنعد إلى لفظ الكِتَابِ قوله: \"زيادة جزء مشترط\" قد يعترض بأن الجزء داخل الماهية، والشرط خارجها، فكيف نصفه به؟ وهذا سهل؛ فإن مراده بالشرط هنا: ما لا بد منه.\nقوله: عبد الجبار إلى آخره نقول: التمثيل بزيادة ركعة على ركعتين واضح؛ لأنه لو أتى بركعتين بعد زيادة ركعة كان وجودهما كالعَدَمِ، ووجب الاستئناف.\nوأما المثالان الآخران، فَمَدْخُولان.\nأما الأول؛ فلأنه لو أتى بعد زيادة عشرين بالثمانين لم يكن وجودهما كالعدم، وإنما يلزم أن يَضُمّ إليها عشرين. وما يقال: شرط الضربات أن تكون متوالية، فلو أتى بثمانين منفصلة عن عشرين، لم بكف ضَمّ عشرين إليها - تكلف محض، ثم إنه قد يجلد في يوم ثمانين، وفي اليوم الذي يليه عشرين، وذلك مجزئ. قاله الأصحاب، إنما الممتنع تفرقة لا يحصل بها إيلامٌ وتنكيل، وزجر، كما إذا ضربه في كل يوم سوطًا أو سوطين.\nوضبط إمام الحرمين التفريق فقال: إن كان بحيث لا يحصل من كلّ دفعة ألم له وقع، كَسَوْط وسوطين في كلّ يوم، لم يجز، وإن كان يؤلم ويؤثر بماله وقع، فإن لم يتخلل زمن يزول فيه الألم الأول كفى، وإن تخلل لم يكف على الأصح.\nولن يقدم المُجَادل إذا تكلّف صورة من هذا يصحّ بها التمثيل، ولكنه تكلف، وليس\n_________\n(^١) سقط في ج.","vol":"4","page":123},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nمن شأن ذوي التحقيق.\nوالصواب: أن هذا مثال للقسم الثَّاني، وهو ما لا يغير المزيد عليه، بل يكون على حاله، ولا يكون نسخًا عند القاضي عبد الجَبَّار، وهذا مثاله، وقد مثل له الآمدي به، وبزيادة التغريب على الجلد كما أسلفناه في حكاية كلام الآمِدِي عن عبد الجبار.\nوالظاهر أن المصنّف يتبعه، ولكن العلم استطرد به على وجه الغلط.\nوأما زيادة تخيير في ثالث بعد اثنين، وهو المثال الثاني من المثالين، فالنظر فيه من جهة أن المصنّف لم يحك مذهب عبد الجَبَّار على النحو الذي حكاه الآمدي، وذلك أن الآمدي حكى أن عبد الجبار يقول: إن الزيادة إنما تكون نسخًا إذا غيرت المزيد عليه تغييرًا شرعيَّا، ثم ذكر للتغير الشَّرعي صورتين:\nإحداهما: أن يصير المزيد عليه وجوده كالعدم، كزيادة ركعة على ركعتين.\nوالثانية: أن يكون قد خير بين فعلين، فزيد ثالث، فإنه يكون نسخًا، [كتحريم] (^١) ترك. الفعلين السَّابقين.\nمثاله: لو خير أولًا بين الإعتاق والصيام، ثم ضم إليهما الإطعام. هذا مذهب عبد الجَبَّار، كما يظهر من كلام الآمدي، وإن كان نقل الإمام الرازي عنه يساعد نقل المصنف.\nوالصورة الثانية قسيمة للصورة الأولى، التي يصير وجود المزيد عليه بعد الزيادة لو وجد بمفرده كالعدم.\nوالمصنّف ظن أنَّ مذهب عبد الجبار أن تغيير المزيد عليه تغييرًا شرعيًّا هو أن يعتبر وجوده كالعدم، وليس كذلك، بل التغيير الشرعي على قسمين كما أوضحناه.\nفلو أن المصنّف قال: عبد الجَبَّار: إن غير به حتى صار وجوده كالعدم شرعًا، أو كان مخيرًا بين فعلين فزيد ثالثا، كزيادة ركعة في الفَجْرِ، وتخيير في ثالث بعد اثنين فنسخ، لكان كلامًا صحيحًا جاريًا على منهاج ما نقله الآمدي.\n_________\n(^١) في ج: لتحريم.","vol":"4","page":124},{"text":"فَلَوْ قَالَ: \"فِي السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ\" ثُمَّ قَالَ: \"فِي الْمَعْلُوفَةِ الزَّكَاةُ\" فلا نَسْخَ، فَإِنْ تُحُقِّقَ أَنَّ الْمَفْهُومَ مُرَادٌ فَنَسْخٌ، وَإِلَّا فَلا، وَلَوْ زِيدَ رَكْعَةٌ فِي الصُّبْح فنَسْخٌ؛ لِتَحْريمِ الزِّيَادَةِ ثُمَّ وُجُوبِها.\n<hr><s0>\n\nالشرح: وإذا عرفت أن الزيادة ليست بِنَسْخٍ إذا لم تتضمّن رفعًا، \"فلو قال: \"في السَّائمة الزكاة\"، ثم قال: \"في المَعْلُوفة الزكاة\"، فلا نسخ\"؛ لعدم رفع الحكم، \"فإن تحقق\" أن المفهوم مراد من قوله: السَّائمة \"فنسخ، وإلّا فلا\"؛ لأن الرفع إنما يكون بعد الثبوت، والغرض أنه لم يثبت، فالموجود اندفاع المفهوم لا ارتفاعه.\n\"ولو زيد رَكْعَة في الصبح، فنسخ؛ لتحريم الزيادة\" على الرَّكعتين، \"ثم وجوبها\"، وذلك التحريم حكم شرعي، وقد ارتفع بالوجوب.\nوخالف أبو الحسين البصري في ذلك.\nورد الآمدي هذا الدَّليل بأنه إنما يصحّ لو كان الآمر بالركعتين مقتضيًا للنهي عن الزيادة عليهما، وليس كذلك، بل أمكن أن يكون مستفادًا من دليل آخر، فزيادة ركعة لا يكون ناسخًا.\nقلت: فهو صحيح؛ فإن الكلام في أنّ الزيادة هل هي نسخ للمزيد، لا في كونها نسخًا لأمر آخر كما نبهنا عليه فيما مضى؟\nوقال الإمام الرَّازي: إن ذلك يكون نسخًا؛ لوجوب التشهُّد عقيب الرَّكعتين، فإنه حكم شرعي.\nووافقه الآمدي.\nولأبي الحسين أن يقول. وجوب التشهّد عقيب الرَّكعتين ليس لخصوص كونه عقيبهما، بل لعموم آخرية الصَّلاة، وإذا لم يكن هذا الخصوص مقصودًا، فلا يكون محكومًا به شرعًا؛ فلا يكون رفعه رفعًا لشرعي، فلا يكون نسخًا.\nسلمنا: أنه بخصوصه مقصود لكنه لم يرتفع، وإنما نقل محلّه من موضع إلى موضع، وفي جعل مثل هذا نسخًا نظر.\nسلمنا: أنه يرتفع، ولكن كلامنا في نسخ العبارة المزيد عليها، وهي الركعتان لا في نسخ التشهد.","vol":"4","page":125},{"text":"وَالتَّغْرِيبُ عَلَى الْحَدِّ كَذَلِكَ.\nفَإِنْ قِيلَ: مَنْفِيٌّ بِحُكْمِ الأَصْلِ.\nقُلْنَا: هَذَا لَوْ لَمْ يَثْبُتْ تَحْرِيمُهُ.\n<hr><s0>\n\nفإذن المختار ما قال أبو الحسين: أَنَّ زيادة رَكْعَة ليس بنسخ للرّكعتين؛ لأنهما قارّتان لم يرتفعا، ولا لإجزائهما؛ لأنهما يجزيان، ولكن قبل الزيادة بانفرادهما وبعدها مع الرَّكْعَة الأخرى، فلم يرتفع أداؤهما بالكلية، وإنما ارتفع إجزاؤهما بدون الرّكعة الزائدة، وذلك تابعٌ لنفي وجوبهما، ولا لوجوبهما؛ لبقائه كما ذكرناه، ولا لوجوب التشهد وتحريم الزيادة لما عرفت.\nالشرح: \"والتَّغْريب\" إذا زيد \"على الحَدّ كذلك\"، فعند المصنف أنه نسخ؛ لتحريمه إذ كان تحريم التغريب.\n\"فإن قيل: منفي بحكم الأصل.\nقلنا: هذا\" إنما يتم \"لو لم يثبت تحريمه\"، ولكنه ثبت، والتَّحريم بدليل شرعي، فيكون الإيجاب رفعًا لثابت بدليل شرعي، وهو النسخ.\nولقائل أن يقول: ليس كلامنا إلّا في أنه هل هو نَسْخ للمزيد عليه الذي هو الجلدات لا غير، ثم لا نسلّم أن التغريب كان حرامًا بالشرع.\nوحينئذ نقول المُخْتَار: أن زيادة التَّغريب لا تكون نسخًا؛ لأنه لا يزيل إلا نفي وجوب ما زاد على المائة، وهذا النفي غير معلوم بالشَّرع؛ لأن إيجاب المائة قدر مشترك بين إيجابها مع نفي الزَّائد وثبوته، وما به الاشتراك لا إشعار له بما به الامتياز، فإيجاب المائة لا إشعار له بالزيادة نفيًا وإثباتًا إلَّا أن نفي الزيادة معلوم بالعَقْل؛ لأنه من البَرَاءَةِ الأصلية، ورفع الثابت بالعقل ليس بنسخ، وأما كون الثمانين مجزئة، وكونها وحدها كمال الحَدّ، وكون الإمام لا يأثم بترك التَّغْريب، وكونه بحيث يجب الاقتصار عليه، فكلها أحكام عقلية، فلا يكون زوالها نسخًا، فيجوز قبول خبر الواحد فيه، كما يجوز قبوله في إثبات عبادة مستقلّة مع كونه يزيل كون العِبَادَاتِ الواجبات قبلها كلّ الواجبات إلى غير ذلك، فإن كونها كل الواجبات وغير ذلك أمر عقلي.\nولو كان كما قال المصنف من أن تحريم الزيادة ثابت بالشَّرْع لما جاز قبول خبر الواحد في نسخه، والتَّغريب ثابت بأخبار الآحاد، وكان يلزمه ألَّا يقبله؛ لتضمنه نسخ القرآن.","vol":"4","page":126},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوهذا بخلاف ما لو قال الله: حَدّ الزنا مائة بلا زيادة، أو كمال حدّه مائة، فإن ذلك يكون نسخًا لا مَحَالة؛ لأنه رفع ما ورد عليه الشَّرع وحكم به وقرره.\nفإن قلت: أليس رفع إيجاب التَّغْريب كون الفاء للجزاء في قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ [سورة النور: الآية ٢]؛ إذ الجزاء ما يكون كافيًا، وكونه كافيًا على لسان الشَّرْع يمنع وجوب غيره شرعًا، فيكون برفعه رفعًا لما ثبت شرعًا.\nقلت: أما كون الفاء للجزاء، فممنوع، وإنما هي للترتيب والتَّعْقيب [والسَّببية] (^١) نحو: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ [سورة هود: الآية ٤٥] فقال: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ [سورة المؤمنون: الآية ١٤]، ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [سورة القصص: الآية ١٥]، ثم إنها تستعمل في الجزاء باعتبار التعقيب؛ إذ الجزاء يوجد عقيب الشرط، فلا دلالة لها على خصوصية الجزاء.\nسلّمنا أنها للجزاء، ولكن لا نسلم أن الجزاء ما يكون كافيًا، وسنده أنه يصحّ قولك: هذا كل الجزاء أو بعض الجزاء، ولو كان اسمًا للكافي لكان الأول تكرارًا، والثاني بعضًا.\nسلمنا لكن إنما يكون نسخًا لو ثبت أن ورود الخبر كان بعد حضور وقت العمل بالنَّص؛ إذ بتقدير وروده قبل، يكون دليلًا على أنه لم يرد منه حقيقته، ورفع حكم الدليل إنما يكون نسخًا بعد ثبوت حكمه واستقراره، أما قبل فلا؛ لاحتمال أن يقال: [إنه ما] (^٢) أريد به ذلك الحُكْم، واللَّفظ مستعمل على وجه التجوز، ولم يبين إذ ذاك؛ فإن تأخير البيان جائز إلى وقت الحاجة، والحَمْل على ذلك أولى من حمله على النسخ.\nسلّمنا لكن نحن إنما نقبل الخبر بتقدير ألا يكون في النص ما يدلّ على نفي مدلوله، فلو ثبت أن فيه ذلك لم نقبله، كما عُرِفَ.\nفإن قلت: أليس إن المائة إذا وجبت وسكت النَّبي ﷺ عن ذكر التغريب، ثم ذكره في ثاني الحال، كان سكوته أولًا سكوتًا عن البيان وقت الحاجة، والسّكوت عن البَيَانِ وقت الحاجة بيان، أن ما وقع [عند] (^٣) السكوت، فليس محكومًا به،\n_________\n(^١) في أ، ت، ج: والتنبيه.\n(^٢) في ج: إنما.\n(^٣) في ج: إنما حصل به.","vol":"4","page":127},{"text":"فَلَوْ خُيِّرَ فِي الْمَسْحِ بَعْدَ وُجُوبِ الْغَسْلِ فَنَسْخٌ؛ لِلتَّخْيِيرِ بَعْدَ الْوُجُوبِ.\nوَلَوْ قَالَ: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢] ثُمَّ ثَبَتَ الْحُكْمُ بِالنَّصِّ بِشَاهِدٍ وَيمِينٍ فَلَيْسَ بِنَسْخِ؛ إِذْ لَا رَفْعَ لِشَيْءٍ، وَلَوْ ثَبَتَ مَفْهُومُهُ وَمَفْهُومُ ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]؛ لَيْسَ فِيهِ مَنْعُ الْحُكْمِ بِغَيْرِهِ.\n<hr><s0>\n\nفيكون الشَّارع بالسكوت عن ذكر التغريب نافيًا له، فإذا أثبت في ثاني الحال كان رفعًا لما ثبت شرعًا، وهو حقيقة النَّسْخ.\nقلت: لا نسلم أن السكوت عن التغريب سكوت عن البَيَانِ وقت الحاجة؛ فإنه لم يثبت أنه لما سكت عن ذكر التغريب كانوا محتاجين إلى بيان حَدِّ الزاني.\nسلمنا، ولكنه سكوت عما لم يحكم الشرع بإيجابه، وهو منتفٍ بالبراءة الأصلية.\nقولكم: فيكون الشارع بالسكوت نافيًا له.\nقلنا: ليس معنى كونه نافيًا له إلّا أنه لم يجب شرعًا، ونحن قائلون بهذا، وكل باقٍ على البراءة الأصلية، فهو غير واجب شرعًا فلا يكون رفع كونه لم يجب شرعًا، رفعًا لحكم شرعي، وهذا لا يفرق بين ما لم يجب شرعًا، فالبراءة الأصلية كافيةٌ فيه، وما وجب عدمه شرعًا، وليس السّكوت على تقدير تسليمه دالًا إلا على الأول، وهو أنه لم يجب التغريب شرعًا لا على الثاني، وهو أن عدم التغريب واجب، فافهم ذلك.\nورأيت عبد العزيز الحنفي صاحب كتاب \"كشف الأسرار\" ردّ السؤال بأنه يلزم عليه إيجاب عبادة أخرى؛ فإن سكوته ﵊ بعد إيجاب عبادة يدل على أن غيره ليس بواجب، بمنزلة ما لو نص عليه.\nوما ذكرته أمتن؛ فإن للسَّائل أن يتخلص عن الإلزام بان العبادة الأخرى لا ارتباط لها بالعبادة الأولى، فلا يكون السكوت عنها ثابتًا لشيء، ولا دالًّا عليه، وهذا بخلاف التغريب مع الجلدات؛ فإن كلًّا مخهما داخل تحت الحَدّ، فكان السكوت عن التغريب كأنه سكوت عن بعض الحد.\nالشرح: \"ولو خير في المَسْحِ\" على الخفين وغسل الرجلين \"بعد وجوب الغسل\" على التعيين \"فنسخ\"؛ خلافًا للإمام الرَّازي، والآمدي.","vol":"4","page":128},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوإنما قلنا: إنه نسخ؛ \"للتخيير بعد الوجوب\"؛ فإن التَّخيير والتعيين حكمان شرعيّان، وقد رفع الأول الثاني.\n\"ولو قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢] ثم ثبت الحكم بالنص بشاهد ويمين، فليس بنسخ؛ إذ لا رفع لشيء\" من مدلول الآية.\n\"ولو ثبت مفهومه\" أي مفهوم شهيدين، \"ومفهوم: فإن لم يكونا رَجُلين؛ إذ ليس فيه منع الحكم بغيره\". هذا كلام المصنف، ولم يقرره الآمدي على هذا الوجه.\nوما فعله المصنّف حسن جدًّا، وحاصله أن أصحابنا قبلوا خبر الواحد، ثم إنه ﷺ قضى بالشَّاهد واليمين.\nوردّه الحنفية قائلين: إنه خبر واحد ناسخ لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢] قالوا: فإن الأمر كان دائرًا بين اثنين، فزيد ثالث، والزيادة نسخ.\nوخبر الواحد لا ينسخ الكتاب.\nوهو أضعف؛ لأن الآية والحديث لم يَتَوَاردا على محل واحد؛ إذ الآية في الأمر باستشهاد شَهِيدين، فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان، والحديث في الحكم بشاهد ويمين، والاستشهاد غير الحكم.\nويزداد ما ذكره المصنّف حسنًا بأن يقول: ثم إن الأمر بالاستشهاد أمر إرشاد، فالله - تعالى - أرشد إلى الأكمل، والأكمل استشهاد شهيدين رجلين أو رجل وامرأتين إن لم يكونا رجلين، والشاهد واليمين دون ذلك؛ لأن أقل الأحوال كونه مختلفًا فيه، والإرشاد إنما يكون إلى الأكمل، وسيظهر لك نفع هذا التقرير إن شاء الله تعالى.\nسلمنا أن مقتضى الآية: أنه - تعالى - أوقف الحكم على شاهدين، فليس في ذلك إلَّا أن شهادتهما حُجّة.\nفلم قلتم: إنّ شهادة غيرهما لا تكون حُجّة، وإليه أشار في الكتاب، بقوله: فليس بنسخ؛ إذ لا رفع؟\nلا يقال: مفهوم: \"فإن لم يكونا رجلين\" ومفهوم: شهيدين، يقضي بالانحصار فيهما، ويمنع الشاهد واليمين.","vol":"4","page":129},{"text":"وَلَوْ زِيدَ فِي الْوُضُوءِ اشْتِرَاطُ غَسْلِ عُضْوٍ فَلَيْسَ بِنَسْخٍ؛ لأَنَّهُ إِنَّمَا حَصَلَ وُجُوبُ مُبَاحِ الأَصْلِ.\nقَالُوا: لَوْ كَانَتْ مُجْزِئَةً ثُمَّ صَارَتْ غَيْرَ مُجْزِئَةٍ.\nقُلْنَا: مَعْنَى \"مُجْزِئَةٍ\" امْتِثَالُ الأَمْرِ بِفِعْلِهَا، وَلَمْ يَرْتَفِعْ، وَارْتَفَعَ عَدَمُ تَوَقُّفِهَا عَلَى شَرْطٍ آخَرَ، وَذَلِكَ مُسْتَنِدٌ إِلَى حُكْمِ الأَصْلِ.\nوَكَذَلِكَ لَوْ زِيدَ فِي الصَّلَاةِ مَا لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا.\n<hr><s0>\n\nلأنا نقول: إن ثبت أن هذا مفهوم، فهو إنما يمنع استشهاد الشاهد واليمين، ونحن قائلون بذلك، أو نمنع الإرشاد إلى ذلك، ونحن قائلون به أيضًا في كل حالة، ولو أنه إلا خوفًا من قاضٍ حنفي يضيع حق الشافعية حين لا يجدون على حقوقهم إلا شاهدًا ويمينًا وقاضيًا حنفيًّا.\nسلمنا أنه يمنع من الحكم بشاهد ويمين، ولكن لم قلتم: إن هذا المفهوم مراد من الخطاب، والنسخ إنما يتطرّق إلى مقتضى الخطاب بعد ثبوته.\nسلمنا بثبوته، ولكن النسخ إنما يكون لمفهوم الخطاب لا للخطاب نفسه.\nولم قلتم: إن هذا لا يجوز.\nسلمنا، ولكن ذلك لا يليق بمذهب من رَدّ الخبر؛ فإنه لا يقول بالمفاهيم.\nالشرح: \"ولو زيد في الوضوء اشتراط عضو \"على الأعضاء السِّتة، \"فليس بنسخ\"؛ خلافًا لقوم؛ \"لأنه إنما حصل وجوب مباح الأصل\"، وليس بنسخ.\n\"قالوا: كانت\" الطَّهارة قبل هذه الزيادة \"مجزئة، ثم صارت غير مجزئة\" إلا بها، فقد ارتفع إجزاؤها، وهو حكم شرعي.\n\"قلنا: معنى مجزئة: امتثال الأمر لفعلها، ولم يرتفع، وارتفع عدم توقفها على شرط آخر، وذلك مستند إلى حكم الأصل\".\nوالحنفية فرضوا هذا الفرع في نية الوضوء، ولعلمائنا في ردّ كلامهم طرق شَتّى، وهذا منها مبني على أن النية لم توجد بقضية الترتيب الواقع في القرآن، على ما هو مقرر في الخلافيات.","vol":"4","page":130},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"وكذلك لو زيد في الصَّلاة، ما [لم يكن فعله محرمًا] (^١)، فليس بنسخ أيضًا؛ لأنه لم يحصل إلَّا وجوب مباح الأصل.\nوأهمل المصنّف فرعًا خطيرًا، وهو تقييد الرقبة المطلقة بالإيمان.\nوأعظم مقاصد الحنفية بأن الزيادة نسخ: التوصل إلى ردّ أخبار صحيحة بأنها خبر واحد يقتضي زيادة على القرآن، والزيادة نسخ؛ فلا يقبل.\nوكلّ مقدّمة من هذه المقدمات تنقطع دونها إباط المَطِيّ، وبها توصّلوا إلى ردّ أحاديث تعيّن الفاتحة في الصَّلاة، والشاهد واليمين، وإيمان الرقبة، واشتراط النية في الوضوء إلى غير ذلك، مع مُنَاقضتهم لأصولهم؛ إذ قالوا: يشترط في ذوي القُرْبَى الحاجة، وهو زيادة على القرآن، ومخالف للمعنى أيضًا كما قدمناه في موضعه.\nوقالوا: إنَّ القَهْقَهَةَ تنقض الوضوء مستندين إلى أخبار ضعيفة، وهي زيادة على نواقض الوضوء المذكورة في الكتاب العزيز.\nفما بالهم قبلوا أحاديث ضعيفة، وزادوا بها على القرآن، وتركوا أحاديث الفاتحة مع صحّتها؛ ولو أنها في جانبهم لَتَطَاولوا وقالوا: هي مشهورة، وحكمها حكم المتواتر، فلتنسخ القرآن، ولقد ادّعوا الشهرة فيما هو دونها من الأحاديث، بل فيما ليس بصحيح، فإني رأيت منهم من يدّعي شهرة أحاديث القَهْقَهَةِ، فياللهِ وللمسلمين من غدير؛ فإنه من هؤلاء.\nقال الأستاذ أبو منصور البغدادي: ومن زاد الخلوة على الآيتين الواردتين في الطَّلاق قبل المَسِيسِ في إيجاب العدّة، وتكميل المهر بخبر عمر ﵁ مع مخالفة غيره له، وامتنع عن الزيادة على النص بخبر صحيح، كان حاكمًا في دين الله - تعالى - برأيه.\nونقض عليهم الأستاذ أبو منصور أيضًا بأن زيادة التغريب إن كانت نسخًا لزمكم أن يكلون إدخال نبيذ التَّمْر بين الماء والتراب نسخًا لآيتي الوضوء والتيمم، وهو مساو لزيادة التغريب وأنظاره بما تقدم.\nوإن انفصلوا عن هذا بأن نبيذ الثَّمْرِ داخل في عموم الماء كقوله ﵊: \"ثَمَرَةٌ طَيِّبَةٌ، وَمَاءٌ طَهُورٌ\".\n_________\n(^١) بياض في أ، ب، ت.","vol":"4","page":131},{"text":"<span data-type='title' id=toc-778>مَسْأَلَةٌ:\nإِذَا نَقَصَ جُزْءُ الْعِبَادَةِ أَوْ شَرْطُهَا، فَنَسْخٌ لِلْجُزْءِ وَالشَّرْطِ لَا لِلْعِبَادَةِ.</span>\nوَقِيلَ نَسْخٌ لِلْعِبَادَةِ.\nعَبْدُ الْجَبَّارِ: إِنْ كَانَ جُزْءًا لَا شَرْطًا.\nلنَا: لَوْ كَانَ نَسْخًا لِوُجُوبِهَا افْتقَرَتْ إِلَى دَلِيلٍ ثَانٍ، وَهُوَ خِلَافُ الإِجْمَاعِ.\nقَالُوا: ثَبَتَ تَحْرِيمُهَا بِغَيْرِ طَهَارَةٍ وَبِغَيْرِ الْرَّكْعَتَيْنِ ثُمَّ ثَبَتَ جَوَازُهَا أَوْ وُجُوبُهَا بِغَيْرِهِمَا.\nقُلْنَا: الْفَرْضُ إِنْ تَحَدَّدَ وُجُوبٌ.\n<hr><s0>\n\n[قيل] (^١): قيل لهم: فيكون حينئذ رافعًا لإطلاق: \"فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ\"؛ ضرورة أنه لا يجوز التوضؤ به عند وجود غيره من المياه، وتقييد مدلول النّص المطلق نسخ للنص عندهم.\n«مسألة»\nالشرح: \"إذا نقص جزء العبادة أو شرطها، فنسخ للجزء والشرط لا [للعبادة] (^٢).\nقال ابن السمعاني: وإليه ذهب جمهور أصحاب الشافعي.\n\"وقيل: نسخ للعبادة\" (^٣).\nوفصّل القاضي \"عبد الجَبَّار\" فقال: نسخ \"إن كان [جُزْءًا] (^٤)، لا شرطًا.\n_________\n(^١) سقط في ب، ت، ج.\n(^٢) في ب: للصلاة.\n(^٣) ينظر: اللمع (٣٤)، والتبصرة ٢٨١، والمعتمد ١/ ٤٤٧، والمحصول ١/ ٣/ ٥٥٧، ونهاية السول ٢/ ٦٠٩، وشرح الكوكب ٣/ ٥٨٤، والإحكام للآمدي ٣/ ١٦٢، والمستصفى ١/ ١١٦، والمسودة ٢/ ٢، وروضة الناظر (٤٢)، وشرح تنقيح الفصول (٣٢٠)، وجمع الجوامع ٢/ ٩٣، والتحرير ٣٩٧، وفواتح الرحموت ٢/ ٩٥، وإرشاد الفحول (١٩٦).\n(^٤) في أ، ت: جزاءً.","vol":"4","page":132},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nلنا: لو كان نسخًا لوجوبها افتقرت\" في إيجاب باقيها بعد المنقوص.\n\"إلى دليل ثَان\"؛ لأن الفرض أنها منسوخة بالنقصان، \"وهو خلاف الإجماع\".\n\"قالوا\": الصَّلاة التي نقص جزؤها كركعتين مثلًا، أو شرطها كالوضوء \"ثبت تحريمها بغير طهارة، [وبغير] (^١) الركعتين، ثم ثبت جوازها أو وجوبها بغيرهما\"، وذلك حقيقة النسخ.\n\"قلنا:\" عندنا ما يعارض هذا، فنقول: \"الغرض\" أنه \"لم يتجدّد وجوب\"، وإذا تعارض فالأصل عدم النسخ.\n\n\"فائدتان\"\nالأولى: الصَّلاة كانت إلى \"بيت المقدس\"، ثم إلى \"الكعبة\".\n[فعندنا] (^٢) النسخ ورد على صفتها دون أصلها، ففرض الصلاة باقٍ، وإنما تغير الوجه فحسب.\nوعند الخصوم على أصلها ففرض الصلاة مبتدئًا بالأمر الثاني.\nالثانية: إذا نقصت العبادة ما لا يتوقف صحتها عليه، كسُنّة من سننها، ومثَّله الغزالي بالوقوف على يمين الإمام، وستر الرأس لم يكن نسخًا للعبادة بالاتفاق كما نقله قوم، وأول كلام الغزالي في \"المستصفى\" يوهم جريان الخلاف فيه.\nوقد يقال: إن قلنا: إن العبادة مركبة من السّنن والفرائض، كان القول بأن نقصان السّنة نسخ لها كالقول في نقصان الجزء.\nوإن قلنا: مختصة بالفرائض، فلا.\nوصنيع الفقهاء يدل على أنها مركبة من الفرائض والسنن جميعًا حيث يذكرون في صفة الصلاة سننها، وحيث يقولون: باب فروض الصلاة وسننها.\n_________\n(^١) في أ، ب، ت، ج: لغير.\n(^٢) في ج: فعند.","vol":"4","page":133},{"text":"<span data-type='title' id=toc-780>مَسْأَلَةٌ:\nالْمُخْتَارُ: جَوَازُ نَسْخِ وُجُوبِ مَعْرِفَتِهِ وَتَحْرِيمِ الْكُفْرِ وَغَيْرِهِ</span>؛ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَهِيَ فَرْعُ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ.\nوَالْمُخْتَارُ: جَوَازُ نَسْخِ جَمِيعِ التَّكَّالِيفِ؛ خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ\" ا. هـ.\n\"لَنَا: أَحْكَامٌ كَغَيْرِهَا.\nقَالُوا: \"لَا يَنْفَكُّ عَنْ وُجُوبِ مَعْرِفَةِ النَّسْخِ وَالنَّاسِخِ.\nوَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَعْلَمُهُمَا، وَينْقَطِعُ التَّكْلِيفُ بِهِمَا وَبِغَيْرِهِمَا، واللهُ أَعْلَمُ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"المختار: جواز نسخ وجوب معرفته\" تعالى، \"وتحريم الكفر وغيره\" (^١) من الظّلم والكذب؛ \"خلافًا للمعتزلة، وهي فرع التحسين والتَّقبيح\"؛ فإنهم لما ذهبوا إليه قالوا: من الأحكام ما لا يقبل النسخ، وهو ما كان بذاته، أو اللازم ذاته حسنًا أو قبيحًا، لا يختلف باختلاف الأزمان، كحسن معرفة البَاري - تعالى - وشكر المنعم، والعدل، وقبح الكُفْر والظّلم والكذب الضَّار، وهو سديد على أصلهم، ولكنه عندنا أصل باطل، فلا جرم أنا خالفناهم.\nواتفقنا نحن وإياهم على جواز زَوَال التكاليف بأسرها عن المكلف؛ لزوال شرطه كالعقل، وأنه لا يجوز أن ينهى الله - تعالى - المكلف عن معرفته، إلَّا إذا جوَّز تكليف ما لا يُطَاق؛ لأن نهيه عنها يستدعي معرفة النَّهي، وفي ذلك معرفة الناهي، ففي امتثال النهي ضد مقتضاه، وهو تكليف ما لا يطاق.\n\"والمختار: جواز نسخ جميع التكاليف؛ خلافًا للغزالي\" والمعتزلة (^٢).\nالشرح: \"لنا: أحكام كغيرها\"، فجاز نسخها.\n_________\n(^١) ينظر: نهاية السول ٢/ ٦١٤، وشرح الكوكب ٣/ ٥٨٦، وجمع الجوامع ٢/ ٩٠، والإحكام للآمدي ٣/ ١٦٤، والمعتمد ١/ ٤٠٠، والمستصفى ١/ ١٢٢، وكشف الأسرار ٣/ ١٦٣، وتيسير التحرير ٣/ ١٩٣، وفواتح الرحموت ٢/ ٦٧، وشرح العضد ٢/ ٢٠٣.\n(^٢) ينظر: الإحكام للآمدي ٣/ ١٦٤، ونهاية السول ٢/ ٦١٦، وشرح الكوكب ٣/ ٥٨٦، وجمع =","vol":"4","page":134},{"text":"<span data-type='title' id=toc-781>كتاب القياس</span>\nالقياس مِيزَان العقول، وميدان الفُجُول، ونحن نرى أن نُرْخي فيه العِنَان طويلًا، ونبسط فيه المَقَال قليلًا، فإنه مَنَاط الاجتهاد، ومنبع الآراء، والكافل بتفاصيل الأحْكام عند تَشَاجر الغوغاء، والمسترسل على جميع الوَقَائع، والموجود إذا فقدت النصوص، واختلفت الأقوال، وظنّ ضيق المسالك، وانسداد الذَّرائع.\n\"الْقِيَاسُ: التَّقْدِيرُ وَالْمُسَاوَاةُ.\n<hr><s0>\n\n\"قالوا: لا ينفكّ عن وجوب معرفة النسخ والناسخ\"، فيجب معرفته [ضمنًا] (^١)، وهو نوع من التكليف، فلو انتفت؛ جميع التكاليف لم ينتف لما ذكرناه، فبطل القول بانتفائها جملة.\n\"وأجيب بأنه، كما ذكرتم لا بُدّ من معرفة المكلف النسخ والناسخ، ولكن لا يمتنع أنه \"يعلمهما، وينقطع التكليف\" بعد معرفته \"بهما\"؛ لانقطاعه بعد الفعل اتفاقًا، \"وبغيرهما\" لا طاعة عليهما، فلا يبقى تكليف أصلًا.\nولقائل أن يقول: لم سلمتم أن نسخ جميع التكاليف يستدعي معرفة النسخ والناسخ؟.\nوالحَقّ أنه غير مسلم، وإنما يستدعي ذلك لو كلف بأن يعرف أنه غير مكلّف.\nأما إذا لم يكلف، فليس إلَّا رفع التكليف جملةً، وليس من شرط ذلك أن يعلم به العبد، \"والله المستعان\".\nالشرح: فنقول: هو في اللغة (^٢): \"التقدير والمُسَاواة\" تقول: قِسْتُ الشيءَ بالشيء\n_________\n= الجوامع ٢/ ٨٩، والمستصفى ١/ ١٢٣، والمسودة (٢٠٠)، وفواتح الرحموت ٢/ ٦٨.\n(^١) في ب: ضمنيًا.\n(^٢) ينظر: مباحثه في: البرهان لإمام الحرمين ٢/ ٧٤٣، والبحر المحيط للزركشي ٥/ ٥، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٣/ ١٦٧، وسلاسل الذهب للزركشي ص ٣٦٤، والتمهيد للأسنوي ص ٤٦٣، ونهاية السول له: ٤/ ٢، وزوائد الأصول له ص ٣٧٤، ومنهاج العقول للبدخشي ٣/ ٣، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص ٢١١، والتحصيل من =","vol":"4","page":135},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأي: قدّرته على مثاله.\nويقال: بينهما قيس رُمْح، وقَاسُ رمح، أي: قَدْرُ رمح.\nوفي الحديث: \"لَيْسَ مَا بَيْنَ فِرْعَوْنَ مِنَ الفَرَاعِنَةِ وَفِرْعَوْنَ هذِهِ الأُمَّةِ قَيْسُ شِبْرٍ\".\nوالقَيْس والقَيْد سواء.\nوفي حديث أبي الدَّرْدَاء: \"خَيْرُ نِسَائِكُمُ الَّتِي تَدْخُلُ قَيْسًا\".\nأي: أنها إذا مشت قاست بعض خُطَاها ببعض، فلا تعجل فعل الخَرْقَاء، ولا تبطئ، ولكنها تمشي مشيًا وسطًا معتدلًا، فكأن خُطاها متساوية.\nوفي حديث الشَّعْبي: \"أنه قضى بشهادة القَائِسِ مع يمين المَشْجُوج\"، الَّذي يقيس الشَّجَّة، ويتعرّف غورها بالميل الذي يدخله فيها ليعتبرها.\nوكان أبي ﵀ يقول: من قال: القياس: التَّقدير والمساواة فيه مُسَامحة في شيئين.\n_________\n= المحصول للأرموي ٢/ ١٥٥، والمنخول للغزالي ص ٣٢٣، والمستصفى له ٢/ ٢٢٨، وحاشية البناني ٢/ ٢٠٢، والإبهاج لابن السبكي ٣/ ٣، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٤/ ٢، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٢٣٩، والمعتمد لأبي الحسين ٢/ ١٩٥، إحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ص ٥٢٨، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ٧/ ٣٦٨، ٨/ ٤٨٧، وأعلام الموقعين لابن القيم ١/ ١٠١، والتحرير لابن الهمام ص ٤١٥، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ٣/ ٢٦٣، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٣/ ١١٧، وميزان الأصول للسمرقندي ٢/ ٧٨٩، وكشف الأسرار للنسفي ٢/ ١٩٦، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٢٤٧، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ٥٢، وحاشية نسمات الأسحار لابن عابدين ص ٢١٢، وشرح المنار لابن ملك ص ١٠٣، والوجيز للكراماستي ص ٦٤، وتقريب الوصول لابن جزيّ ص ١٣٤، وإرشاد الفحول للشوكاني ص ١٩٨، وشرح مختصر المنار للكوراني ص ١٠٣، وشرح الكوكب المنير للفتوحي ص ٤٧٩، والصحاح للجوهري ٣/ ٩٦٨، والمصباح المنير ٢/ ٥٢١، وأصول الشاشي (٣٢٥)، والعدة ١/ ١٧٤، والحددود للباجي (٦٩)، والمنتهى لابن الحاجب ١٢٢، وشرح التنقيح ٣٨٣، وروضة الناظر ١٤٥، ونبراس العقول ٩ - ١٣.","vol":"4","page":136},{"text":"وفي الاصطلاح: مساواة فرع الأصل في علة حكمه.\n<hr><s0>\n\nأحدهما: إطلاق التقدير، وليس كل تقدير قياسًا ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [سورة الأعلى: الآية ٢ - ٣].\nأي: جعله في نفسه ذا قدر مخصوص، وليس معناه: قدره [بغيره] (^١)، إلَّا أن يرد إليه بتأويل.\nوالثاني: أن المساواة صفة المَقِيس، والقياس صفة القَائِس وفعله، فلو قال موضعها: التسوية كان أولى، هذا معناه في اللغة.\nالشرح: \"وفي الاصطلاح\" عند المُخطئة (^٢)، وهم القائلون: بأنَّ المصيب واحد:\n_________\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) من العلماء من جعل الحقائق الشرعية تشمل الصحيح والفاسد، ومنهم من خصها بالصحيح دون الفاسد، كما أن منهم من يقول إن كل مجتهد في الفروع مصيب، ومنهم من يقول: إن المصيب عند الاختلاف واحد، ويسمى الفريق الأول بالمصوّبة، والثاني بالمخطئة، ولهاتين المسألتين الخلافيتين أثرهما في تعريف القياس.\nفإما أن يراد تعريفه على رأي المصوبة مع اختصاصه بالصحيح أو شموله للفاسد، أو على رأي المخطئة كذلك، فهذه صور أربع لا بد من النظر إلى التعريف بناء عليها:\n\"الصورة الأولى\" أن يراد تعريف القياس على رأي المصوبة مع اختصاصه بالصحيح، وفي هذه الصورة يكفي التعريف السابق ولا يحتاج إلى زيادة قيد \"في نظر المجتهد\" وذلك لأن المصوبة يعتقدون أن المساواة التي أدى إليها نظر كل مجتهد هي المساواة في الواقع؛ إذ ليس لله تعالى في كل مسألة حكم معين قد يصيبه المجتهد وقد يخطئه، فالناظر إلى تعريف القياس السابق إن فهم المساواة في الواقع لم يضر لأنها ملازمة للمساواة في نظر المجتهد؛ إذ لا واقع سواه عندهم. هذا ما يؤخذ من مسلم الثبوت خلافًا لما في \"المختصر\" و\"التحرير\" من لزوم زيادة القيد المذكور في هذه الصورة.\nووجه ذلك صاحب التحرير وشارحه \"بأن إطلاق المساواة يتبادر منه المساواة في نفس الأمر وافقت نظر المجتهد أولا، وليس لدى المصوبة مساواة في نفس الأمر أصلًا، فيصير الإطلاق كقيد مخرج لجميع أفراد المحدود؛ فيكون التعريف باطلًا\" اهـ.\n\"وفيه عندي نظر\" فإن المصوبة يقولون: إن كل مجتهد مصيب، ولا معنى للإصابة إلا موافقة الواقع فهم لا ينفون وجود حكم في نفس الأمر، وإنما ينفون وحدة الحكم وتعينه في نفس الأمر، ويقولون: إن الحكم في نفسه متعدد بتعدد الآراء، لكنهم اختلفوا أهذا الحكم أزلي أم =","vol":"4","page":137},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  حادث بحدوث هذه الآراء؟ فعلى الرأيين توجد مساواة في الواقع حادثة أو قديمة، وهذا الواقع يطابقه نظر المجتهد حتى لو اجتهد ثانيًا ورجع كان الرأي الأول كالحكم المنسوخ، فيكون صوابًا قبل الرجوع عنه، فقول صاحب التحرير: (إن إطلاق المساواة يتبادر منه المساواة في الواقع وافقت نظر المجتهد أم لا! إن أراد أن ذلك يتبادر إلى المخطئ فلا يضر المصوبة لأنهم لا يراعون مذهبه، وإن أراد أنه يتبادر إلى المصوب فغير صحيح؛ لأن المصوبة؛ لا يقسمون الواقع إلى موافق وغيره، وقول شارحه: \"إنه ليس لدى المصوبة مساواة في نفس الأمر أصلًا\" فيه نظر كما علمت.\nوبهذا تبين أته لا حاجة إلى زيادة هذا القيد على رأي المصوبة في هذه الصورة، بل لا تصح زيادته؛ لأنه يشمل النظر الصحيح والفاسد، فإذا زيد في التعريف شمل القياس الفاسد مع أن الفرض في هذه الصورة تخصيصه بالصحيح.\n\"الصورة الثانية\": أن يراد تعريف القياس على رأي المصوبة مع شموله للفاسد، وهنا يقال: كيف يتصور أن يكون لدى المصوبة قياس فاسد مع أنهم يقولون: إن كل مجتهد مصيب؟.\n\"ويمكن الجواب\" بأن القياس الذي يسوقه المجتهد للإلزام مثلًا وهو لا يعتقد صحته فاسد عندهم لأنهم إنما يصوبون ما اعتقد المجتهد صحته يقينًا أو ظنًّا، فإن أريد التعريف الشامل لهذا لم يكف التعريف السابق؛ لأنه يتبادر منه المساواة في الواقع، وهي إنما توافق نظر المجتهد الذي يعتقد صحته فقط، فلا بد أن يزاد قيد \"في نظر المجتهد\" فإنه يشمل النظر الذي يعتقد صحته والذي لا يعتقد صحته، فإذا قيدت به المساواة شملت المساواة الموافقة للواقع والمخالفة له؛ فصح أن يعرف بها القياس الشامل للصحيح والفاسد.\n\"الصورة الثالثة\": أن يراد تعريف القياس على رأي المخطئة مع اختصاصه بالصحيح، وهذا قيل فيه: إنه يكفي فيه التعريف السابق من غير ملاحظة القيد المذكور؛ لأن المساواة متى أطلقت انصرفت للمساواة في الواقع؛ فيخرج القياس الفاسد الذي ظهر للمجتهد فساده، أما القياس الفاسد الذي لم يظهر للمجتهد فساده فمن العلماء من أخرجه أيضًا؛ لأنه غير مطابق للواقع، ومنهم من جعل التعريف شاملًا له؛ بناء على أن المراد \"المساواة في الواقع حقيقة أو حكمًا\" وهذا الذي لم يظهر فساده مساوٍ في الواقع حكمًا.\n\"والذي أراه\" أنه يجب شمول التعريف للفاسد الذي لم يظهر فساده؛ وذلك لأمرين:\n\"أحدهما\": أن الفاسد الذي لم يظهر فساده معمول به عند من يعمل بالقياس، ومنكر عند من ينكره، فحجيته موضع نزاع عند الفريقين؛ فينبغي شمول التعريف له؛ لأن المقصود تعريف القياس الذي يتنازع الفريقان في حجيته ولو في الجملة. =","vol":"4","page":138},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  و\"ثانيهما\": أن المساواة في الواقع إما أن يفرض علم المجتهد بها أو ظنه إياها، فعلى فرض علمه بها لا يمكن النزاع في حجيتها؛ إذ لا يعقل أن يسلم إنسان أن حكم الأصل معلل بالعلة الفلانية حقيقة، وأن هذه العلة موجودة في الفرع حقيقة من غير مانع ثم ينكر ثبوت حكم الأصل في الفرع، وعلى فرض ظنه إياها تكون مساواة في الواقع ظاهرًا، فتشمل المساواة الصحيحة في الواقع حقيقة والفاسدة التي لم يظهر فسادها. فلو اختص التعريف بالحالة الأولى، وهي حالة العلم لم يصح؛ لأنه يكون مقصورًا على محل الوفاق، ولو اختص بالحالة الثانية وهي حالة الظن لم يصح أيضًا؛ لأنه حينئذ يكون مقصورًا على محل النزاع.\nفالواجب إذًا أن يشمل الحالتين؛ فيكون بعضه محل نزاع وبعضه محل وفاق، وعلى هذا يشمل الفاسد الذي لم يظهر فساده.\nومن هنا يعلم أن من خص التعريف بالصحيح لا بد أن يريد به الصحيح ظاهرًا؛ ليدخل فيه الفاسد، قبل ظهور فساده وإلا كان قاصرًا، فإذا لم يذكر في تعريفه قيد \"في نظر المجتهد\" فلا بد أن يريد \"بالمساواة\" المساواة في الواقع حقيقة أو حكمًا؛ لئلا يكون تعريفه غير جامع.\nلكن الذي يتبادر من المساواة هو المساواة حقيقة، فعلى هذا لا يكفي التعريف السابق بل لا بد أن تقيد المساواة فيه بما يبين عمومها للفاسد الذي لم يظهر فساده بأن يقال \"ولو حكمًا\" أو \"ولو ظنًّا\".\n\"الصورة الرابعة\"، أن يراد تعريف القياس على رأي المخطئة مع شموله للفاسد، وفي هذه الصورة لا بد من زيادة القيد المذكور، فالتعريف به يشمل كل مساواة في نظر المجتهد، سواء أكان صحيحًا أم فاسدًا، وسواء أعلم فساده أم لا، لكنه يخرج المساواة الواقعية التي لا يراها المجتهد، فهو وإن أفاد الشمول للفاسد قد أخرج بعض الصحيح. كذا يؤخذ من مسلّم الثبوت.\n\"وأجاب شارحه\" بأنه لا بأس بخروج هذه الصورة لأنه لا يتعلق بها غرض.\n\"أقول\": هذه الصورة فرضية لا وقوع لها أصلًا، سواء أراد بعدم رؤية المجتهد عدم اطلاعه على المساواة أو عدم اعتقاده صحتها؛ لأنه لو وقع أمر يساوي في الواقع أمرًا آخر في علة حكمه، ولم يطلع أحد من المجتهدين على هذه المساواة أو اطلعوا عليها جميعًا ولم يعتقدوا صحتها لزم حكمهم على ذلك الأمر بما يخالف الأمر الآخر؛ فتجتمع الأمة على الخطأ؛ وهذا باطل، والصورة المذكورة لا يضر خروجها عن التعريف؛ لأنها لا وجود لها.\n\"وصفوة القول\"؛ أن قيد \"في نظر المجتهد\" إنما تلزم زيادته إن أريد شمول التعريف للقياس الصحيح والفاسد، سواء على رأي المصوبة أم المخطئة، فإن أريد اختصاصه بالقياس الصحيح =","vol":"4","page":139},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"مُسَاواة (^١) فَرْعِ الأصل (^٢) في\n_________\n= وجب حذفه عند المصوبة والمخطئة، لكن يزاد بدله عند المخطئة \"ولو حكمًا\" أو \"ولو ظنًّا\" على ما أوضحته.\n\"فإن قلت\": أيهما أرجح تعميم التعريف للصحيح والفاسد أو تخصيصه بالصحيح؟.\n\"قلت\": أما في مقام إثبات الحجية فالأرجح تخصيصه بالصحيح ولو ظنًّا؛ لأنه هو المتنازع فيه بين مثبتي القياس ومنكريه، وأما في مقام المناظرة فالأرجح تعميمه للصحيح والفاسد وإن علم فساده، لأن المتناظرين يسمون كلًا منهما قياسًا؛ ألا تراهم يقولون: هذا قياس مع الفارق، وهذا قياس في مقابلة النص، فيسمون كلًا منهما قياسًا؛ مع قولهم بفساده؟\n(^١) \"مساواة\" فهو جنس في التعريف يشمل كل مساواة بين أمرين، سواء أكانت مساواة في علة الحكم أم في غيرها، كمساواة زيد لعمرو في الفضائل، ومساواة الثوب للثوب في الجنس أو لنوع أو المقدار، وقد عبر الآمدي عن هذا العنصر بكلمة \"الاستواء\" ولا فرق بينها وبين كلمة \"المساواة\" في المعنى.\n(^٢) وأما التعبير \"بالفرع والأصل\" فقد أورد عليه الكمال أنه يستلزم الدور؛ فيكون فاسدًا.\n\"وبيانه\": أن تصور الفرع والأصل متفرع على تصور القياس؛ لأن الفرع هو المقيس والأصل هو المقيس عليه، فمعرفتهما متوقفة على معرفة القياس؛ لأن معرفة المشتق متوقفة على معرفة المشتق منه، وأخذهما في التعريف يقتضي توقف القياس عليهما فقد توقف كُلٌّ على الآخر من جهة التصور؛ فيلزم الدور.\nوأجيب عنه بجوابين:\n\"الأول\" أن المراد بالفرع محل الحكم المطلوب إثباته فيه، وبالأصل محل الحكم المعلوم ثبوته فيه، فالمراد بهما ذات الفرع وذات الأصل مع قطع النظر عن وصفهما العنواني وهو الفرعية والأصلية، ولا يخفى أن تصورهما بهذا المعنى ليس موقوفًا على تصور القياس؛ فلا دور.\n\"نعم\" كان يلزم الدور لو أريد بالفرع المقيس وبالأصل المقيس عليه؛ لأن تصورهما بهذا المعنى هو المتوقف على القياس.\n\"ونوقش هذا الجواب\" بأن هذا المراد خلاف مقتضى ظاهر اللفظ؛ لأن المتبادر من إطلاق الوصف \"فرع وأصل\" إرادة الذات مع ما قام بها من ذلك المعنى، فإرادة الذات مجردة عنه عناية ينبو عنها التعبير بالوصف، خصوصًا في مقام التعريف، فهو جواب غير سديد.\n\"الثاني\" أن المأخوذ في التعريف \"الأصل والفرع\" بالمعنى اللغوي. =","vol":"4","page":140},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nعلّة (^١) حكمه\"، كمساواة النبيذ للخَمْرِ في علَّة التحريم، فالأصل الخمر، والفرع النَّبيذ، والعلَّة الإسكار.\nولقائل أن يقول: القياس فعل القائس، والمساواة نتيجةُ فعله لا نفس فعله. و- أيضًا - لفظ الفرع والأصل يوهم أنّهما وجوديان، والقياس يجري في المَعْدُومين جريانه في الوجوديين، ثم إنا لا نعرف أن هذا فرع وذاك أصل، إلا بكون هذا مقيسًا على ذلك، فإطلاق الفرع عليه. قيل: آيلٌ إلى الدور، فلو قال: حمل معلوم على معلوم لمساواته في علّة حكمه، كان أولى.\n_________\n= فالمراد بالأصل ما بني عليه غيره، وبالفرع ما بني على غيره، وهما بهذين المعنيين لا يتوقف تصورهما على تصور القياس، وإنما يتوقف على تصور القياس تصورهما بالمعنى الاصطلاحي \"أي المقيس والمقيس عليه\". وليسا مأخوذين في التعريف بهذا المعنى، فلا دور. ولا يخفى أن ذلك كله لا يدفع توهم الدور، فالأولى عدم استعمالهما في التعريف، فالتعبير بالمحلين أولى.\n(^١) \"والعلة\". هي الوصف الذي علم بالنص أو الاستنباط أن الحكم على المحل الآخر كان من أجله، وهل معنى المساواة في العلة وجود مثل علة حكم المحل الآخر في الأول، أو وجود عينها؟ اختلفوا في ذلك:\nفذهب العضد وغيره إلى الأول.\nوذهب الكمال وغيره إلى الثاني.\n\"ووجهة القول الأول\" أن ثبوت عين علة المحل الآخر في الأول لا يتصور؛ لأن المعنى الشخصي لا يقوم بمحلين، فالإسكار القائم بالخمر لا يتصور أن يقوم بالنبيذ.\n\"ووجهة القول الثاني\" أن علة حكم المحل الآخر لا يراد بها الوصف الجزئي بل الكلي، وهو بعينه ثابت في المحل الأول، فمناط حرمة الخمر الإسكار مطلقًا؛ لأنه المشتمل على المفاسد التي من أجلها حرم الخمر، وليس المناط الإسكار بقيد كونه إسكار خمر؛ لأن المفاسد لا تختص؛ ولأنه لو كان كذلك لكان قاصرًا على الخمر، والوصف القاصر لا يصلح علة للقياس.","vol":"4","page":141},{"text":"وَيَلْزَمُ الْمُصَوِّبةَ زِيَادَةٌ \"فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ\"؛ لأَنَّهُ صَحِيحٌ، وَإِنْ تبَيَّنَ الْغَلَطَ وَالرُّجُوعَ؛ بِخِلَافِ الْمُخَطِّئَةِ، وَإنْ أُرِيدَ الْفَاسِدُ مَعَهُ قِيلَ: تَشْبِيهٌ.\n\nوَأُورِدَ:<span data-type='title' id=toc-784> قِيَاسُ الدَّلَالَةِ</span>؛ فَإِنَّهُ لا يُذْكَرُ فِيهِ عِلَّةٌ.\nوَأُجِيبَ: إِمَّا بِأَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، وَإِمَّا بِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْمُسَاوَاةَ فِيهَا.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"ويلزم المصوّبة\" وهم القائلون: بأنّ كل مجتهد مصيب \"زيادة\" قَيْد آخر في التعريف، وهو: \"في نظر المجتهد\"؛ لأنَّه صحيح\"، عندهم، \"وإن تبين الغلط والرجوع\" بسببه؛ إذ ذلك لا يقدح فيه عندهم.\nبل يقولون: انقطع حكمه لدليل آخر حدث، فإذن لا يلزم المصوبة المُسَاواة إلا في نظر المجتهد، ويلزمهم هذه الزيادة، \"بخلاف المخطئة\".\nهذا إذا حددنا القياس الصحيح، \"وإن أريد الفاسد معه\" لم تشترط المساواة لا في نفس الأمر، ولا في نَظَرِ المجتهد.\n\"وقيل: تشبيه\" فرع إلى آخره، فإن التشبيه أعمّ من حصول المُسَاواة.\nولو قيل: تسوية بدل تشبيه، كان أحسن؛ ليناسب لفظ المساواة.\n\"وأورد\" على عكس الحدّ: \"قياس الدّلالة؛ فإنه\" قياس مع أنه \"لا يذكر فيه علَّة\"، بل هو قسيم قياس العلَّة، والجامع فيه دليل العلَّة لمُلَازمته لها.\nمثاله: المسروق عَيْن يجب ردّها قائمة وإن قطع فيها؛ فيجب ضَمانها تالفةً كالمغصوب؛ فإن وجوب الرد ليس علّة الضمان في سورة المغصوب.\nالشرح: \"وأجيب: إما بأنه\"، أي: قياس الدلالة (^١) \"غير مُراد\"، فإنا لا نعني بلفظ\n_________\n(^١) قياس الدلالة: هو ما لا تذكر فيه العلة بل يذكر فيه ما يدل عليها، وهو الوصف الملازم لها.\n\"مثاله\" قول الشافعية لإثبات أن المسروق يجب ضمانه هالكًا وإن قطعت يد السارق فيه: \"المسروق يجب على السارق رده إذا كان قائمًا وإن قطعت يده فيه، فيجب ضمانه إذا هلك وإن قطعت يده فيه أيضًا؛ قياسًا على المغصوب؛ بجامع وجوب الرد في كل\" فقاسوا المسروق على المغصوب في وجوب الضمان حال الهلاك بجامع وجوب الرد حال القيام في كل. وإنما =","vol":"4","page":142},{"text":"وَأُورِدَ:<span data-type='title' id=toc-785> قِيَاسُ الْعَكْسِ،</span> مِثْلُ: لَمَّا وَجَبَ الصِّيَامُ فِي الاِعْتِكَافِ بِالنَّذْرِ، وَجَبَ بِغَيْرِ نَذْرٍ.\nعَكْسُهُ: الصَّلَاةُ لَمَّا لَمْ تَجِبْ فِيهِ بِالنَّذْرِ، لَمْ تَجِبْ بِغَيْرِ نَذْرٍ.\n<hr><s0>\n\nالقِيَاس عند الإطلاق إلا قياس العلّة، ولا نطلقه على قياس الدّلالة إلا مقيدًا.\n\"وإما بأنه يتضمَّنُ المساواة فيها\"، أي: في العلّة لا يستلزم الجامع لها، فإن المساواة في وجوب الضَّمان دلَّت على قَصْد الشارع حفظ المال بهما، وهو العلّة، فإذن قياس الدلالة داخلٌ في الحد؛ فإن المساواة موجودة فيه ضمنًا، ولا فَرْقَ بين أن توجد ضمنًا أو يصرح بها.\nالشرح: \"وأورد\" على عكس الحَدّ - أيضًا - \"قياس العكس\" (^١)، فإنه قياس،\n_________\n= كان ذلك من قياس الدلالة؛ لأن وجوب الرد ليس هو علة وجوب الضمان في سورة المغصوب بل هو ملازم للعلة ودال عليها \"وهي التعدي على مال الغير\" فظهر بهذا أن الجمع في القياس المذكور بملازم العلة، لا بنفس العلة فكان قياس دلالة.\n\"مثال آخر\" قياس النبيذ على الخمر في الحرمة بجامع الرائحة المشتدة في كل؛ فإن الرائحة المشتدة ليست هي العلة، بل العلة ملازمها \"وهو الإسكار\".\n(^١) أوضح ذلك فأقول: قياس العكس: هو إثبات نقيض حكم معلوم في معلوم آخر لوجود نقيض علته فيه، وهاك مثالًا يوضحه:\nاتفق الحنفية والشافعية على أن الإنسان لو نذر أن يعتكف صائمًا كان الصوم شرطًا في صحة الاعتكاف، واتفقوا كذلك على أنه لو نذر أن يعتكف مصليًا لم تكن الصلاة شرطًا في صحة الاعتكاف وبالضرورة يكون الحكم كذلك في حالة عدم نذرها معه. ثم اختلفوا في الاعتكاف بدون نذر الصوم معه.\nأيكون الصوم شرطًا لصحته أم لا؟.\nذهب الحنفية إلى أنه شرط. وذهب الشافعية إلى أنه ليس بشرط. استدل الحنفية على مذهبهم بقياس هذا نظمه:\n\"لمّا وجب الصوم شرطًا للاعتكاف بنذره معه، وجب بدون نذره معه كالصلاة لمّا لم تجب شرطًا للاعتكاف بنذرها معه لم تجب بغير نذرها معه\".\nفالأصل المقيس عليه الصلاة والحكم عدم وجوبها شرطًا بغير نذرها، والعلة عدم وجوبها شرطًا بنذرها. =","vol":"4","page":143},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالتَّعْرِيف لا يتناوله، وهو: إثبات نقيض حُكْمِ الشيء في شيء آخر؛ لافتراقهما في العلَّة.\n\"مثل\" قول الحَنَفِي: \"لما وجب الصِّيَام في الاعتكاف بالنَّذْرِ (^١)، وجب بغير نذر،\n_________\n= والفرع الصوم، وحكمه الوجوب شرطًا في حال عدم نذره، والعلة وجوبه شرطًا بنذره. فقد أثبتوا نقيض حكم الأصل في الفرع، لتناقضهما في العلة.\n(^١) الصيام ليس من شرط الاعتكاف، ولكن الأفضل أن يعتكف بصوم؛ لأن النبي ﷺ كان يعتكف في شهر رمضان، وهذا صحيح ثابت في الصحيحبن من رواية ابن عمر، وعائشة، وأبي سعيد الخدري، وصفية أم المؤمنين وغيرهم من الصحابة، فإن اعتكف بغير صوم جاز؛ لحديث عمر ﵁ إني نذرت أن أعتكف ليلة في الجاهلية: فَقَالَ لَهُ ﷺ: \"أوْفِ بِنَذْرِكَ\" ولو كان الصوم شرطًا لم يصح بالليل وحده، وهذا الحديث رواه مسلم والبخاري. وفي رواية للبخاري: \"أوْفِ بِنَذرِكَ اعْتكِف لَيْلَةَ\" وفي رواية لمسلم قال: يا رسول الله إني نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِأنْ أعْتكِفَ يَوْمًا. قَالَ: \"اذْهَبْ، فَاعْتكِفْ يَومًا\".\nأما الأحكام، فقال الشافعي والأصحاب: الأفضل أن يعتكف صائمًا، ويجوز بغير صوم، وبالليل وفي الأيام التي لا تقبل الصوم، وهي العيد والتشريق. هذا هو المذهب، وبه قطع الجماهير في جميع الطرق، وحكى الشيخ أبو محمد الجويني وولده إمام الحرمين وآخرون قولًا قديمًا أن الصوم شرط، فلا يصح الاعتكاف في يوم العيد والتشريق، ولا في الليل المجرد.\nقال إمام الحرمين: قال الأئمة: إذا قلنا بالقديم لم يَصِحَّ الاعتكاف بالليل لا تبعًا ولا منفردًا. ولا يشترط الإتيان بصوم من أجل الاعتكاف، بل يصح الاعتكاف في رمضان، وإن كان صومه مستحقًا شرعًا مقصودًا، والمذهب أَنَّ الصَّومَ ليس بشرط. فإذا قلنا بالمذهب فنذر أن يعتكف يومًا هو فيه صائم، أو أيامًا هو فيها صائم لزمه الاعتكاف بصوم بلا خلاف، وليس له إفراد الصوم عن الاعتكاف، ولا عكسه بلا خلاف. صرح به المُتَوَلِيُّ، والبَغوِيُّ وآخرون قالوا: ولو اعتكف هذا الناذر في رمضان أجزأه؛ لأنه لم يلتزم بهذا النذر صومًا، وإنما نذر الاعتكاف بصفة، وقد وجدت، وكذا لو اعتكف في غير رمضان صائمًا عن قضاء، أو نذر، أو عن كفارة أجزأه؛ لوجود الصفة، أما إذا نذر أن يعتكف صائمًا، فإنه يلزمه الاعتكاف والصوم، وهل يلزمه الجمع بينهما؟ فيه وجهان مشهوران.\nأحدهما: لا يلزمه، بل له إفرادهما.\nقال أبو علي الطبري: وأصحهما: يلزمه، وهو قول جمهور الأصحاب، وهو المنصوص في =","vol":"4","page":144},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nعكسه: الصَّلاة لما لم تجب فيه\"، أي: في الاعتكاف \"بالنَّذْرِ، لم تجب بغير نذر\".\nفالأصل: الصَّلاة في الاعْتِكَافِ، والفرع: الصوم فيه، وحكم الصلاة: أنها ليست\n_________\n= الأم، فعلى هذا لو شرع في الاعتكاف صائمًا، ثم أفطر لزمه أن يستأنف الصوم والاعتكاف،\nوعلى الأول يكفيه استئناف الصوم، ولو نذر اعتكاف أيام وليال متتابعة صائمًا، فجامع ليلًا، ففيه هذان الوجهان.\nأصحهما: يستأنفهما.\nوالثاني: يستأنف الاعتكاف دون الصوم؛ لأن الصوم لم يفسد، ولو اعتكف في رمضان أجزأه على وجه أبي علي الطبري عن الاعتكاف، وعليه أن يصوم، ولا يجزئه على الصحيح المنصوص، بل يلزمه استئنافهما، ولو نذر أن يصوم معتكفًا فطريقان:\nأحدهما وبه قال أبو محمد الجويني: لا يلزمه الجمع بينهما، بل له تفريقهما وجهًا واحدًا؛ لأن الاعتكاف لا يصلح وصفًا للصوم، بخلاف عكسه؛ فإن الصوم من مندوبات الاعتكاف.\nوأصحهما وبه قال الأكثرون: فيه الوجهان السابقان، ولو نذر أن يصلي معتكفًا، أو يعتكف مصليًا لزمه الاعتكاف والصلاة، وفي لزوم الجمع بينهما طريقان:\nأحدهما: أنه على الوجهين في من نذر الاعتكاف صائمًا، وأصحهما لا يجب الجمع بينهما، بل له التفريق وجهًا واحدًا، والفرق أن الصوم والاعتكاف متقاربان في أن كُلًّا منهما كف بخلاف الصلاة، فإنها أفعال مباشرة لا تناسب الاعتكاف، فلم بشترط جمعهما، ولو نذر أَنْ يصلي صلاة يقرأ فيها سورة معينة لزمه الصلاة، وقراءة السورة، وفي لزوم الجمع بينهما وجواز التفريق الوجهان السابقان، ولو نذر أن يعتكف شهر رمضان ففاته، لزمه اعتكاف شهر آخر، ولا يلزمه الصوم بلا خلاف.\nوقال مالك وأبو حنيفة: إن الاعتكاف لا يصح بغير صوم، واستدلوا بما رواه الزُّهْرِيُّ عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: \"لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بصَوْم\": ولما روى عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي نَذَرْتُ اعْتِكافَ يَوْمٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فقال رَسُولُ اللهِ: \"اعْتكِفْ وَصُمْ\" وأمره بالصوم، فدل هذا من فعله على أن الاعتكاف لا يصح إلا بصوم، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، الآية فكان على ظاهره، وعمومه في كل معتكف.\nوروى طاوس عن ابن عباس أن النبي ﷺ قَالَ: \"لَيسَ عَلَى المُعْتكِفِ صَوْمٌ إلّا أنْ يُوجِبَهُ عَلَى نَفْسِهِ\". =","vol":"4","page":145},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nبشرط في الاعْتِكَافِ، لا بالأَصَالَةِ ولا بالنَّذر؛ إذ لو نذر أن يعتكف مصليًا لم يلزمه الجَمْع، والثابت في الصوم نقيضه، كما أن الثابت في الأصل نفي كون الصَّلاة شرطًا، وفي الفرع إثبات كون الصوم شرطًا، فحكم الفرع نقيض حكم الأصل.\nومثل قول الشَّافعي لمحمد بن الحسن في مُنَاظرات جرت بينهما، وقد قال محمد: لا قَوَدَ على من شَارَكَ الصَّبي؛ لأنه شارك مَنْ لا يجري عليه القَلَم: يلزمك إيجاب القَوَد على من شَارَك الأب؛ لأنه شارك من يجري عليه القَلم.\nونظيره قولنا: إذا قلنا في المفوّضة: لا يجب المَهْر بالعَقْدِ بوطئ، وجب مهر المِثْل؛ لأنه لو لم يجب المهر بالوَطْء في النكاح الصَّحيح عند نفيه، لما وجب عند شرطه، كالزِّنا، فإنه لمّا لم يجب المَهْر فيه شرطًا، لم يجب أصلًا.\nوالأصح أن أخْمَص قدمي الحُرّة من العورة؛ لثبوته بين ظاهرهما وباطنهما، كما [يستوي] (^١) بين ظاهر اليَدَيْن وباطنهما في الخروج عن حد العورة.\nوقال الشَّافعي ﵁ في زكاة الخُلْطة: ولما لم أعلم مخالفًا إذا كان ثلاثة خُلَطَاء، لو كان لهم مائة وعشرون شاةً [أخذت] (^٢) منهم واحدة، وصدقوا (^٣) صدقة الواحد، فنقصوا المساكين شَاتَيْنِ من مال الخُلَطَاء الثلاثة، الذين لو تفرّق مالهم، كان فيه ثلاث شِيَاهٍ، لم يجز إلا أن يقولوا: لو كان أربعون بين ثلاثة كانت عليهم شاة؛ لأنهم صدقوا الخُلَطَاء صدقة الواحد. انتهى لفظ \"المختصر\".\n_________\n= وروى يحيى بن سعيد عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ أراد أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فأمر أن يُضْرَبَ له بناء، فخرج فرأى أرْبَعَةَ أبَنِيَة؟ فقال لمن هذه الأبنية، فقيل: هذا لرسول الله ﷺ وهذا لعائشة، وهذا لحفصة، وهذا لزينب، فنقض اعتكافه، واعتكف العشر الأول من شوال؛ فدل على جواز اعتكاف يوم الفطر، وأنه يجوز بغير صوم، وأما رواية الزهري عن عائشة: \"لَا اعْتِكَاف إِلَّا بصَوْمٍ\" فمعناه لا اعتكاف كاملًا إلا بصوم، أو لمن نذر اعتكافًا بصوم، وأما حديث ابن عمر، فليس بصحيح، وإنما الصحيح رواية: اعتكاف ليلة.\n(^١) في ج: يسوّي.\n(^٢) في أ، ج، ت: أجزأت.\n(^٣) في ب: وتصدقوا.","vol":"4","page":146},{"text":"وَأُجِيبَ: بِالأَوَّلِ، أَوْ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مُسَاوَاةُ الاِعْتِكَافِ بِغَيْرِ نَذْرٍ فِي اشْتِرَاطِ الصِّيَامِ لَهُ بِالنَّذْرِ بِمَعْنَى: \"لَا فَارِقَ\"، أَوْ بِالسَّبْرِ؛ وَذُكِرَتِ الصَّلاةُ لِبَيَانِ الإِلْغَاءِ، أَوْ قِيَاسِ الصِّيَامِ بِالنَّذْرِ عَلَى الصَّلَاةِ بِالنَّذْرِ.\n<hr><s0>\n\nفقاس وجوب واحدة من أربعين لثلاثة خُلَطَاء، على سقوط اثنتين في مائة وعشرين لثلاثة خلطاء.\nوقال القاضي أبو الطيب في \"تعليقه\" في تعليل أنَّ الصبح لا يقصر: شفع؛ فلا يصير وترًا، كما أن الوتر لا يصير شفعًا، يعني: صلاة المغرب، وقياس العكس في كلام أئمّتنا كثير جدًّا.\nالشرح: \"وأجيب\" بثلاثة أجوبة: إما \"بالأول\" من جوابي قياس الدّلالة، وهو: أنه غير مراد.\n\"أو بأن\" قياس العَكْس فيه مساواة من وجهين:\nأحدهما: أن \"المقصود مساواة الاعْتِكَاف بغير نَذْرٍ في اشتراط الصوم له\" بالاعتكاف \"بالنَّذْر\" في اشتراط الصَّوم، فإن الاعنكافين مُتَسَاويان فيه، \"بمعنى: لا فارق، أو بالسَّبْر\".\nوتقرير \"لا فارق\": أن تقول: النذر يلغي؛ لأنه غير مؤثر كما في الصلاة إذ وجوده وعدمه سواء، فتبقى العلة الاعتكاف المشترك.\nوتقرير السَّبر: أن العلَّة إما الاعتكاف، أو الاعتكاف بالنَّذْرِ، أو غيرهما، والأصل عدم غيرهما، وكونه بالنَّذر لا يصلح علّة ولا جزء علة؛ لأنه غير مؤثر بدليل ثبوته في الصَّلاة بدون الحكم، فالصَّلاة لم تذكر للقياس عليها، وإنما \"ذكرت الصَّلاة لبيان الإلغاء\" إلغاء الفارق، أو إلغاء أحد أوصاف السَّبْر، فلا تجب المُسَاواة لها، فلا يضرّ عدمها.\n\"أو قياس الصِّيَام بالنذر على الصلاة بالنذر\" في أنها لا تجب بالنَّذْر، ولا تأثير للنذر في وجوبها، فكذا الصِّيام، ويلزمه أن يجب بدون النَّذر، كما يجب مع النذر، وإلا لكان للنذر فيه تأثير، فالَّذي فيه القياس حصلت فيه المساواة، والذي فيه عدم المساواة لازمٌ له، فلا يضرّ، وهذا هو الوجه الثاني من الوَجْهَيْنِ اللذين أشرنا إلى أن فيهما التزام أن في قياس العكس مساواة.","vol":"4","page":147},{"text":"وَقَوْلُهُمْ: بَذْلُ الْجُهْدِ فِي اسْتِخْرَاجِ الْحَقِّ، وَقَوْلُهُمْ: الدَّلِيلُ الْمُوَصِّلُ إِلَى الْحَقِّ، وَقَوْلُهُمْ: الْعِلْمُ عَنْ نَظَرٍ - مَرْدُودٌ بِالنَّصِّ وَالإِجْمَاعِ، وَبِأَنَّ الْبَذْلَ حَالُ الْقَائِسِ، وَالْعِلْمَ ثَمَرَةُ الْقِيَاسِ.\nأَبُو هَاشِمٍ: حَمْلُ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِهِ بِإِجْرَاءِ حُكْمِهِ عَلَيْهِ، وَيُحْتَاجُ: \"بِجَامِع\".\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وقولهم\": القياس \"بَذْلُ الجهد في استخراج الحق:\nوقولهم: الدليل الموصل إلى الحق.\nوقولهم: العلم عن نظر\" تعاريف كل منها \"مردود\" (^١)؛ لانتقاضه \"بالنص والإجماع\"؛ لأن مُقْتَضاهما قد لا يكون ظاهرًا، فيبذل الجهد في استخراج الحقّ منهما، كما يجتهد في صيغ العموم، والإطلاق والتَّقييد، وتصحيح السَّند ونحوه.\n\"و\" يختصّ الأول، وهو قولهم: بَذْل الجهد \"بأنّ البذل حال القائس\" لا نفس القياس، إذ القياس: الدليل المَنْصُوب من جهة الشارع، نظر فيه القائس أم لا. كذا قال الشَّارحون، والذي يظهر أن القياس فعل القائس.\n\"و\" يختصّ الثالث، وهو قولهم: العلم عن نَظَرٍ، بأن \"العلم ثمرة القياس\"، لا نفس القياس.\nالشرح: و\"قال أبو هاشم\" (^٢): القياس: \"حمل الشيء على غيره بإجْرَاءِ حكمه عليه، ويحتاج\" أن يزيد \"بجامع\" وإلا فالحَمْل بغير جامع ليس قياسًا.\nولقائل أن يقول: لفظ الحَمْل مغنٍ عن ذكر الجامع؛ إذ لا حمل إلا بما يتخيل جامعًا.\nواعلم أن أبا هَاشِمٍ إنما عرف القياس من حيث هُوَ، ولم يخص الصحيح منه بتعريف، فلو قال: بجامع، لاختصّ بالصَّحيح، فإذن حَدّه صحيح.\nوقوله: الشيء، جارٍ على أصله في أنَّ المعدوم شئ، فلا يورد عليه اختصاص الشيء بالموجود.\n_________\n(^١) ينظر: مصادر تعريف المسألة.\n(^٢) ينظر: مصادر تعريف المسألة.","vol":"4","page":148},{"text":"وَقَوْلُ الْقَاضِي: حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا بِأمْرٍ جَامِعٍ بَيْنَهُمَا مِنْ إِثْبَاتِ حُكْمٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ نَفْيِهِمَا - حَسَنٌ إِلَّا أَنَّ حَمْلَ ثَمَرَتِه، وَإِثْبَاتَ الْحُكْمِ فِيهِمَا مَعًا، لَيْسَ بِهِ، بَلْ هُوَ فِي الْأَصْلِ بِدَلِيلٍ غَيْرِهِ، وَبِجَامِعٍ كَافٍ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وقول القاضي (^١): حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما، من إثبات حكم أو صفة أو نفيهما\" قول \"حسن، إلا أن حمل\" معلوم على معلوم \"ثمرته\" لا نفسه، \"وإثبات الحكم فيهما معًا ليس به\"، \"وبجامع كافٍ\" كذا قال المصنّف.\nواعلم أن عبارة القاضي في \"التقريب\": حمل أحد المَعْلُومَين على الآخر في إيجاب بعض الأحكام لهما، أو انتفائه عنهما بأمر جمع بينهما فيه، أيّ أمر كان، من إثبات صفة وحكم لهما، أو نفي ذلك عنهما. انتهى.\nوهو كما نقل في الكتاب، إلَّا أن المصنّف جعل قوله: من إثبات حكم أو صفة أو نفيهما، من تمام الحَدّ، واعترضه بأن قوله: بجامع كافٍ، وأنت ترى عبارة \"التقريب\" ظاهرها أنَّ آخر الحد قوله: بأمر جمع بينهما فيه.\nوقوله: أي أمر كان إلى آخره، جارٍ مجرى تفسير الأمر الذي يجمع بينهما فيه، أي: ذلك الأمر أعم من الضفة والحكم ثبوتًا ونفيًا، فلا اعتراض عليه.\nولنشرح الحَدّ: فإن المحقّقين من أصحابنا عليه، فنقول:\nقال في \"التقريب\": إنه قال: \"أحد المَعْلُومين\"؛ ليتناول الموجود والمعدوم، ولو قال: شيء على شيء، لاختصّ بالموجود على أصله. ولم يعبر بالفرع والأصل؛ لأنهما وجوديان، أو لإيهام أنهما وجوديان. وقد رُدَّ القياس في الإعدام.\nوالمراد بـ\"حمل (^٢) معلوم على معلوم\": إلحاقه به.\n_________\n(^١) بنظر: مصادر تعريف المسألة.\n(^٢) فمعنى في الأصل:\nجعل الشيء ثابتًا، فيكون معنى إثبات الحكم على هذا جعل الحكم ثابتًا في محله بعد أن لم يكن كذلك، غير أن المراد به هنا إدراك ثبوت الحكم في الفرع؛ لأن الإدراك هو الذي يكون =","vol":"4","page":149},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقوله: \"في إثبات حكم … \" إلى آخره، بيان لهذا الإلحاق؛ فإن الحمل والإلحاق له جِهَاتٌ كثيرة، فتبيّن أنه في هذه الجِهَةِ، ولهذا حذف بعضهم اللَّفظ الأول، وهو: الحَمْل، واكتفى بالثاني، فقال: القياس: إثبات حكم معلوم لمعلوم.\nقال أبي ﵀: وإذا تؤمّل كل منهما وجد حَدّ القاضي أولى منه؛ لأن إثبات الحكم في الفرع نتيجةُ القياس لا عينه؛ لأنك تقول: ألحقت هذا بهذا، فأثبت حكمه له، وحقيقة الإلحاق: اعتقاد المساواة، فأول ما يحصل في نفس القاض العلّة المقتضية للمساواة، ثم ينشأ عنها اعتقاد المساواة، والقباس هو هذا الاعتقاد، أو حكم مستند إليه، وهو حكم المُعْتقد في نفسه بما اعتقده من مُساواة أحد الأمرين للآخر، وهو إلحاقه به في الجِهَةِ المذكورة، وهو ثبوت ذلك الحكم أو نفيه.\nقال: وبهذا يندفع إيراد من أورد أن الحكم في الأصل ثابت قبل القياس، فكيف قال: في إثبات حكم لهما؟.\nقلت: وهو المذكور ثانيًا في الكتاب، حيث قال: وإثبات الحكم فيهما معًا ليس به.\nقال: فالقياس إنما هو الحَمْل والاعتقاد، وهو اعتقاد المُساواة، والحكم بها في ذلك\n_________\n= من المجتهد، وأما الإثبات بمعنى جعل الحكم ثابتًا في الفرع بعد أن لم يكن، فإنما يكون من الشارع؛ إذ لا حكم إلا لله تعالى بالإجماع؛ فلا يصح إرادته في التعريف.\nوالمراد بإدراك الثبوت الذي فسرنا به الإثبات: \"حكم الذهن بأمر على أمر\" سواء أكان جازمًا أم راجحًا، فيشمل \"القياس القطعي\" كما إذا قطع القائس بعلية العلة في الأصل وبوجودها في الفرع عن دليل كقياس الضرب على التأفيف في الحرمة بجامع الإيذاء في كل، فإنه قياس قطعي؛ للقطع فيه بعلية العلة وبوجودها في الفرع. \"والقياس الظني\" بأن ظن القائس علية العلة في الأصل أو ظن وجودها في الفرع لدليل ظني، كقياس التفاح على البر في الربوية بجامع الطعم في كل، فإنه قياس ظني؛ لأن علية الطعم مظنونة فقط؛ لاحتمال علية الاقتيات والادخار كما قال بها بعض الأئمة.\nهذا حاصل ما قاله الأسنوي وغيره في بيان معنى الإثبات:\n\"وأنت خبير\" بأن الإثبات بهذا المعنى لا يشمل القياس الفاسد الذي علم فساده كالمسوق للإلزام؛ لأن سائقه لا يدرك ثبوت الحكم أصلًا، وإنما يفرضه فرضًا.\nفالذي يظهر لي أنه إن أريد شمول التعريف القياس الصحيح والفاسد، فلا بد أن يفسر الإثبات \"بملاحظة الثبوت\" سواء أكانت هذه الملاحظة على سبيل الإدراك أم على سبيل الفرض.","vol":"4","page":150},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nثبوتًا أو إثباتًا، فإن المثبت للحكم في الحقيقة هو الله - تعالى - وبهذا الاعتبار هو في الأصل، أو الفرع قبل القياس الذي هو فعل القائس، ويطلق الإثبات على الاعتقاد والاسْتِدْلَال، وبهذا الاعتبار هو ثابت في الأصل قبل القياس، وفي الفرع بعده.\nوقوله: \"في إثبات حكم\"، أورد عليه: أن القياس قد يكون في العقليات، فتثبت به الصفة، كما يثبت الحكم.\nوجوابه: أن الثابت بالقياس الحكم بالصفة لا نفس الصفة، وبهذا يندفع سؤال يورد على القاضي - أيضًا - فيقال: إن كانت الصفة مندرجة في الحكم، كان قوله بعد ذلك: بأمر يجمع بينهما فيه من حكم أو صفة - زائدًا، وإن لم تكن مندرجةً، كان الحد ناقصًا؛ لعدم اندراجها مع الحكم.\nوتَحْريرُ اندفاعه أنا نقول: ليست مندرجةً، وليس الحد ناقصًا؛ لأن الثابت بالقياس الحكم بها لا هِيَ.\nقلت: وقد عرفت أنَّ المصنّف اعتمد هذا السؤال، حيث قال: وبجامع كافٍ، وهذا جوابه على تقدير أن يكون القاضي جعل من إثبات صفة وحكم … إلخ، من تَتِمَّةِ الحد والأظهر خلافه، كما قدمناه.\nوقوله: أو انتفائه، دَعَاه إلى ذلك - كما صرح به في \"التقريب\" - أن الإلحاق قد يكون في الإثبات، كحُرْمَةِ النَّبِيذ بالقياس على الخَمْرِ، وقد يكون في النفي، كعدم طَهُورِيَّة الخَلّ بالقياس على الدهن.\nوقوله: بأمر جمع بينهما فيه، لا بد منه في تحقيق ماهيَّة القياس.\nوقوله: من \"إثبات صفة أو حكم … \" إلى آخره، \"من\" هذه لبيان الجِنْسِ، وهو شرح للأمر الجامع، وقد ذكرنا أنه ليس من تمام الحَدّ.\nوقوله: أو انتفائه عنهما، أي: نفي حكم أو صفة عن الأصل والفرع، فيكون ذلك النفي جامعًا. هذا تمام شرح الحد.\nوقد اعترض بأمور:\nأولها: أنه جعل الحَمْل جنسًا، وهو غير صادقٍ على القياس؛ لأنه ثمرة القياس، لا نفس القياس.","vol":"4","page":151},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوهو ضعيف؛ لأن المراد بالحمل: التسوية، لا ثُبُوت الحكم في الفرع، والتسوية نفس القياس لا ثمرته.\nوثانيها: أنه يشعر بأن إثبات الحكم فيهما معًا بالقِيَاسِ، وليس كذلك؛ فإن الحكم في الأصل ثابت بغيره.\nوبعضهم أجاب عنه بأن: الناشئ عن القياس إثباته للمجموع، وهو ساقط؛ فإن القياس لا يلاحظ المَجْموع، وإنما يلاحظ الفَرْع فقط، وأنا أظن أن المصنّف استشعر الجواب، ودفعه بقوله: معًا، في قوله: وإثبات الحكم فيهما معًا ليس به، وهو حقّ؛ فإن إثبات الحكم فيهما معًا هو إثباته للمجموع، وليس هو فعل القائس ولا مراده، إنما مراده: إثبات حكم الفَرْعِ فقط، والجواب الصَّحيح عنه بما قدّمناه عن أبي ﵀.\nوثالثها: أن قوله: بجامع - كافٍ، وما وراءه زيادة لا حاجة إليها.\nوقد أجاب عنه أبي ﵀ بما عرفت.\nوقلنا نحن: إنه ليس من تمام الحَدّ، وقد ارتضى صاحب الكتاب هذه الإيرادات، واقتصر على ذكرها، وقد تبيّن لك اندفاعه.\nورابعها: أنه ينبغي أن يزيد على قوله: \"بأمر يجمع بينهما فيه\": في نظر المجتهد؛ ليندرج الفاسد؛ فإن الجامع في ظنّ القائس لا في نفس الأمر، والحَدّ لماهيَّة القياس الَّذي هو أعم من الصَّحيح والفاسد.\nوأجاب عنه الآمدي: بالتزام أن الحد مختصّ بالصحيح، وكأنّ المصنّف اعتمده، ولذلك بدأ هو في القياس بتعريف الصَّحيح فقط، ولم يذكر هذا الاعتراض، وهذا ساقط؛ فإن الواجب تعريف القياس من حَيْثُ هو، ثم تخصيص صحيحه بتعريف؛ ليتميز عن فاسده.\nوالإيراد من أصله مندفع، فإن القاضي إنما قال: بأمر يجمع بينهما فيه، كما صرح به في كتاب \"التقريب\"، وفي \"مختصر التقريب\"؛ ليندرج الفاسد، وقال: لم يقل: بوجوب الجمع بينهما، ولا بتضمن [ولا نقيض] (^١)؛ لئلا يختصّ بالصحيح، وشرط الحد إذا أطلقه أن يَنْطَوِي على الصحيح والفاسد، وأطال في ذلك، وتبعه إمام الحرمين، والغزالي.\n_________\n(^١) في ج: ولا يقتضي.","vol":"4","page":152},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفإن قلت: هذا واضح عند التَّعبير بقولنا: يجمع بينهما فيه، كما نقلتموه عن القاضي؛ لأنّا قد نجمع بما ليس بجامعٍ في نفس الأمر، فيكون فاسدًا، أما عند التعبير بقولنا: بجامع، فلا يصدق إلا على الصحيح؛ لأنّ الجامع إذا تحقّق كان صحيحًا.\nقلت: قد علمت أن القاضي لم يقل: بجامع، بل: بأمر يجمع بينهما فيه، فاندفع هذا، ثم نقول: وَهَبْ أنه قال: بجامع، لا يرد ما ذكرتم؛ فإن معناه: بجامع يجمع بين الأمرين، وسمَّيناه جامعًا؛ لجمع القائس به الأمرين، كما يسمى النَّصْل (^١) قاطعًا؛ لأنا نقطع به، ولا يلزم من جَمْعه به بين الأمرين لظنه أنه مشترك بينهما، كونه في نفس الأمر مشتركًا بينهما.\nوقد قال الغزالي - بعد أن ارتضى هذا التعريف -: ثم إن كان الجامع موجبًا للاجتماع في الحُكْم، كان صحيحًا، وإلا كان فاسدًا. انتهى.\nوهو صريح فيما قُلْته من: أن الجامع يطلق، وإن لم يكن الاجتماع موجودًا.\nوخامسها: اعتراض ذكره أبي - رحمه الله تعالى - وهو أن قول القاضي: \"أو نفيه حَشْو\".\nوقوله: ليندرج الإلحاق في الثبوت والنفي - ضعيف؛ فإن الإلحاق في النفي إنما هو في الحكم بالعَدَمِ، لا في نفس العَدَمِ، والحكم بالعدم ثبوتيّ لا عدميّ، كالحكم بالوجود؛ ألا ترى أنا نقول: الحكم خطاب الله المتعلّق بأفعال المكلّفين، وهو ثبوتي وإن كان منه عدم التَّحْريم وعدم الحلّ، فالعدم إنما هو في المحكوم به، أو في نفس العِبَادة، كقولنا: لا يحرم، ومعناه: يحل؟!\nفإن قلت: عدم الحرمة أعمّ من الحلّ.\nقلت: نعم، ولكن عدم الحُرْمة الذي لا حلّ معه هو العدم العَقْلي، وذلك لا يثبت بالقياس، ولا يقاس عليه شرعًا، وعدم الحرمة المستند إلى الشرع هو الحل بعينه. هذا كلام أبي، وهو اعتراض واقع لا مَحِيصَ للقاضي عنه.\n_________\n(^١) في أ، ب: الفصل.","vol":"4","page":153},{"text":"وَقَوْلُهُمْ: ثُبُوتُ حُكْمِ الْفَرْعِ - فَرْعُ الْقِيَاسِ، فَتَعْرِيفُهُ بِهِ دَوْرٌ.\n<hr><s0>\n\nقال: وقول القاضي بعد ذلك: \"أو انتفائه عنهما\"، أي: نَفْي حكم أو صفة عن الأصل والفرع - كما عرفت - لا بد منه، بخلافه فيما سبق؛ لأن الحكم لا يكون إلا إثباتًا - كما عرفت - وأمّا الجامع فقد يكون نفيًا محضًا، نعم هذا في نفي الصِّفَة ظاهر؛ لأنه قد يكون مناسبًا لإثبات حكم وجودي أو عدمي.\nوأما نفي الحكم، فإن كان بالشَّرع فهو إثبات، وإلا فهو عَقْلي محضٌ، وبقاء على البراءة الأصليَّة، فلا يصلح أن يكون علّة في حكم شرعي.\nالشرح: قوله: \"وقولهم: ثبوت حكم الفَرْعِ فرع القياس، فتعريفه به دور\".\nهذا اعتراض ذكره الآمدي، وزعم أنه مشكلٌ لا مَحْيصَ للفاضي عنه، وهو: أن حكم الفرع متفرعٌ على القياس، وليس ركنًا في القياس؛ لأن نتيجة الدليل لا تكون ركنًا فيه؛ للزوم الدور، وقد أخذه قيدًا حيث قال: إثبات.\nلا يقال: هذا الاعتراض هو ما ذكره المصنف أولًا، حيث قال: الحمل ثَمَرَةُ القياس لا نفس القياس، وهذا لأن الحمل والإثبات واحد؛ لأنا نقول: الحمل هو فعلك الناشئ عن المُسَاواة، فإذا اطلعت عليها حملت، والقياس نفس المساواة، فإذن لولا وجود القياس الذي هو المساواة، لما حملت، وأمّا الإثبات فهو نفس الثبوت، أو ملزوم الثبوت.\nواعلم أن هذا كلام ذكرناه على مَسَاق طريقة المصنف، وقد بناه على ما في ذهنه من أن القياس نفس المساواة، وهو دليلٌ شرعي موجود في نفس الأمر اعتمده القائس أم لا، وأن الحمل فعل القائس، وهو متأخّر عن القياس، وأنَّ الإثبات غير الحمل؛ لأنه إن كان لثبوت فواضح، وإن كان ملزوم الثبوت، فهو فعل الله - تعالى - وليس هو وظيفة القائس؛ فإن وظيفة القائس الحمل لا الإثبات، ولم يذكر الآمدي لهذا الاعتراض جوابًا، بل فخم أمره، كما عرفناك.","vol":"4","page":154},{"text":"وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمَحْدُودَ الْقِيَاسُ الذِّهْنِيّ، وَثُبُوتُ حُكْمِ الْفَرْعِ الذِّهْنِيِّ وَالْخَارِجِيِّ لَيْسَ فَرْعًا لَهُ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: وجوابه من وجوه:\nأحدها: ما ذكره الشيخ الهِنْدِيّ، وهو أن المأخوذ في الحد الإثبات لا الثبوت، والمتفرع عن القياس الثبوت لا الإثبات (^١).\nوالثاني: ما ذكره المصنّف، وهو على تقدير تسليم أن الثبوت مأخوذ قيدًا في الحد.\nوتقريره: أن ثبوت حكم الفَرْعِ الجزئي الخارجي فرع للقياس الجزئي الخارجي، والذي نريد تعريفه هو القياس الذهني.\nأي: الماهية العقلية للقياس، وحكم الفرع الذهني، أي: تعقل حقيقة الفَرْعِ، وكذا الخارجي، وهو حصول الحكم الجزئي، ليس شيء منهما فرع القياس الذهني، أي: لا يتوقّف على تعقّل ماهية القياس، فلا دور، وإليه أشار بقوله: \"وأجيب: بأن المحدود القياس الذِّهْني، وثبوت حكم الفرع الذهني والخارجي ليس فرعًا له\".\nوحاصله: أن الثبوت المأخوذ ركنًا، ليس فرعًا، والثبوت الذي هو فرع لم يُؤْخذ ركنًا.\nوالثالث: ما نذكره نحن فنقول: الحقّ أن الإثبات والثبوت الذي هو أَثَرُهُ ثابتان قبل القِيَاسِ الذي هو فعل القَائِسِ، ضرورة قدم الحكم، وإنما القائس بالقياس اعتقد المُسَاواة، فأول ما يحصل في نفس القائس العلّة، ثم ينشأ عنها اعتقاد المُسَاواة، والقياس هو هذا الاعتقاد، أو حكم مستند إليه، كما قَدَّمناه.\n_________\n(^١) قلت وهذا حقا \"وإيضاح\" أنا لا نسلم أن التعريف مشتمل على الدور لأن الإثبات عين القياس لا ثمرته وثمرته إنما هي الثبوت المترتب على الإثبات فلا دور.\n\"ويناقش\" بأن الإثبات إدراك المجتهد ثبوت الحكم في الفرع وذلك الثبوت حاصل قبل الإدراك وإلا لما أدركه، فلا يكون الثبوت مترتبًا على الإدراك ولا ثمرة له.\n\"ويجاب عن هذه المناقشة\" بأن الثبوت السابق على الإثبات هو الثبوت في نفس الأمر والثبوت المترتب على الإثبات هو الثبوت المستند إلى العلة أو هو تقرر الحكم ووجوب العمل به للمجتهد ولمن قلده. =","vol":"4","page":155},{"text":"وَأَرْكَانُهُ: الْأَصْل، وَالْفَرْع، وَحُكْمُ الْأَصْلِ، وَالْوَصْفُ الْجَامِعُ.\nالْأَصْلُ:\nالأكْثَرُ: مَحَلُّ الْحُكمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ.\nوَقِيلَ: دَلِيلُهُ.\nوَقِيلَ: حُكْمُهُ.\nوَالْفَرْعُ: الْمَحَلُّ الْمُشَبَّهُ.\nوَقِيلَ: حُكْمُهُ.\nوَالْأَصْلُ: مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ غَيْرُهُ؛ فَلَا بُعْدَ في الْجَمِيعِ؛ وَلذَلِكَ كَانَ الْجَامِعُ فَرْعًا لِلأَصْلِ، أَصْلًا لِلْفَرْعِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وأركانه: الأصل، والفرع، وحكم الأصل، والوصف الجامع\".\nوأما اعتقاد حكم الفرع فثمرته، وجعل الشَّارحون الثمرة نفس حكم الفرع، وهو مردود - عندنا - كما عرفت.\nالشرح: أما \"الأصل\" فقال \"الأكثر\": إنه \"محلّ الحكم المشبه به\"، كالخمر في قياس\n_________\n= \"وفي هذا الجواب بشقيه نظر\".\n\"أمّا الشق الأول، وهو أن المترتب على الإثبات هو الثبوت المستند إلى العلة ففيه أن الثبوت المذكور سابق أيضًا على الإثبات لأن العلة إذا وجدت في الفرع ثبت فيه الحكم ثبوتًا مستندًا إليها ثم يدرك المجتهد وجودها في ذلك الفرع فيدرك ثبوت الحكم فيه، فهذا الثبوت كان مستندًا إلى العلة قبل إدراك المجتهد له كما عرفت. فلا يكون نتيجة للإدراك.\n\"وأما الشق الثاني\" وهو أن المترتب على الإثبات هو التقرر ووجوب العلم ففيه أن التقرر المذكور ليس هو النتيجة الوحيدة التي تؤخذ من سائر الأدلة الشرعية، فالكتاب والسنة والإجماع كل منها ينتج أولًا إدراك المجتهد الحكم وثانيًا تقرره ووجوب العمل به، فادعاء أن نتيجة القياس هي الثانية وحدها خروج به عن سنن سائر الأدلة.\nوبهذا يتبين أن هذا الجواب الثاني عن إيراد الآمدي لم يتم أيضًا.","vol":"4","page":156},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالنَّبِيذ عليه.\nوقيل: دليله.\n\"وقيل: حكمه\" والفرع: المحل المشبه كالنَّبِيذِ. وقيل: حكمه، ولم يقل أحد: إنه دليله، وأنّى ودليله القياس؟ \"والأصل\" لا يخفى أنه \"ما يبتنى عليه غيره، فلا بعد في الجميع\"؛ لأن حكم الفرع مبني على كلّ واحد من الأمور الثلاثة، \"ولذلك\" أي: لأجل أن الأصل ما يبتني عليه غيره، جاز كون الشيء الواحد أصلًا بالنسبة إلى شيء، فرعًا بالنسبة إلى آخر، و\"كان الجامع فرعًا للأصل أصلًا للفرع\"، وهو معنى قول الإمام الرازي: الحكم أصل في محل الوِفَاقِ، فرع في محل الخلاف، والعلة بالعكس.\nواعلم أن ما ذهب إليه الأكثرون من أن الأصل محل الحكم المشبه به، والفرع المحلّ المشبه، وهو رأي الفقهاء والنُّظَّار، وبان القياس إلى الفقهاء مرجعه، فساعدهم الأصوليون فيه على مصطلحهم، وجَرَوْا في الباب على مقتضاه، فلا يطلقون الأصل والفرع إلا على ما يطلقه عليه الفُقَهَاء؛ لئلا يختبط الذِّهْن بين الاصطلاحات، فاحفظ ذلك (^١).\n_________\n(^١) اختلف العلماء في حكم الفرع هل هو عين حكم الأصل أو مثله على مذهبين:\n\"الأول\": ما ذهب إليه أبو منصور الماتريدي وصاحب \"المنهاج\" وشارحاه الأسنوي وابن السبكي والعضد في شرح المختصر من أن الحكم الثابت في الفرع مثل الحكم الثابت في الأصل لا عينه.\n\"الثاني\": ما ذهب إليه صاحب \"التحرير\" وغيره من أن الحكم الثابت في الفرع هو بعينه الثابت في الأصل لا مثله.\n\"وجه المذهب الأول\" أن حكم الأصل باعتبار قيامه به جزئي مشخص، والواحد الشخصي يستحيل قيامه بمحلين، فيتعين ألّا يكون الحكم القائم بالفرع عين الحكم القائم بالأصل، بل هو مثله؛ لاتحادهما في النوع أو الجنس واختلافهما بالعوارض.\n\"ووجه المذهب الثاني\" أن الحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى أي كلامه النفسي، وكلامه النفسي، جزئي حقيقي مشخص لا تعدد فيه؛ لأنه وصف متحقق في الخارج قائم بذاته تعالى، غاية ما في الأمر أن له إضافات وتعلقات متعددة، فباعتبار إضافته إلى الأصل يسمى حكم الأصل وباعتبار إضافته إلى الفرع يسمى حكم الفرع، فالذات واحدة، والتعدد إنما هو في الإضافة والتعلق، ولا يخفى أن المتعدد في الإضافات والتعلقات لا يوجب التعدد في الحكم؛ بدليل أن قدرته تعالى لها تعلقات متعددة بتعدد المقدورات مع أنها صفة واحدة لا تعدد فيها اتفاقًا. =","vol":"4","page":157},{"text":"<span data-type='title' id=toc-788>شُرُوطُ حُكْمِ الأَصْلِ</span>\nوَمِنْ شَرْطِ حُكْمِ الْأَصْلِ:<span data-type='title' id=toc-789> أَنْ يَكُونَ شَرْعِيًّا،</span> وَأَلَّا يَكُونَ مَنْسُوخًا؛ لِزَوَالِ اعْتِبَارِ الْجَامِعِ، وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ فَرْعٍ؛ خِلَافًا لِلْحَنَابِلَةِ والْبَصْرِيِّ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"ومن شروط حُكْمِ الأصل: أن يكون شرعيًّا\"، بناء على أن القياس لا يجري في اللُّغات والعقليات (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-790>\"وألَّا يكون منسوخًا\"</span> وإلا لم يبن الفرع عليه؛ \"لزوال اعتبار الجامع\" في نظر الشارع، فلا يتعدّى الحكم به.\nفإن قلت: قد تقدّم عن الحنفية أنه إذا نسخ حكم الأصل [يبقى] (^٢) حكم الفرع، فلم\n_________\n= هذا حاصل ما وجه به صاحب التحرير مذهبه، وقد ناقش أهل المذهب الأول فيما وجهوا به مذهبهم بما حاصله: \"أن استحالة قيام الواحد الشخصي بمحلين إنما هو في قيام العرض الشخصي بالجوهر، كقيام البياض السخصي بثوب معين مثلًا يمتنع معه أن يقوم بعينه بغير الثوب المذكور؛ لأنه هو الذي يوجب التشخص والتعدد، وليس الكلام فيه، وإنما الكلام في القيام بمعنى التعلق والإضافة لأنه هو الذي يكون في قيام الأحكام بمحالّها، وهذا لا استحالة فيه، لأنه بهذا المعنى لا يقصي التشخص والتعدد؛ فثبت بهذا أن حكم الفرع هو عين حكم الأصل لا مثله\" اهـ.\n\"والذي أراه\" أن كلًا من المذهبين على إطلاقه غير مسلّم، بل الأمر في ذلك يرجع إلى المراد بالحكم المذكور في التعريف.\nفإن أريد به النسبة التامة كما ذهب إليه الأسنوي كان متعددًا ضرورة تعدد النسب بتعدد الأطراف والمحال، فيكون حكم الفرع مثل حكم الأصل لا عينه؛ لأن النسبة المتعلقة بالفرع غير النسبة المتعلقة بالأصل، وحينئذ يتعين لفظ مثل في التعريف.\nوإن أريد بالحكم الخطاب أو المحكوم به، فإن نظر إليه مع الإضافة كان متعددًا، وتعين حينئذ لفظ مثل في التعريف أيضًا؛ لأن حكم الفرع باعتبار إضافته إليه غير حكم الأصل باعتبار إضافته إليه. وإن نظر إليه وحده مع قطع النظر عن الإضافة كان واحدًا، وتعين حينئذ حذف \"مثل\" من التعريف؛ لأن حكم الفرع عين حكم الأصل.\n(^١) إذا تأملت التعريفات السابقة وجدت أنها مشتملة على أركان أربعة.\n(^٢) في أ، ب: بنفي.","vol":"4","page":158},{"text":"لَنَا: إِنِ اتَحَّدَتْ، فَذِكْرُ الْوَسَطِ ضَائِعٌ؛ كَالشَّافِعِيَّةِ فِي: \"السَّفَرْجَلُ: \"مَطْعُومٌ\"؛ فَيَكُونُ رِبَوِيًّا؛ كَالتُّفَّاحِ، ثُمَّ نَقِيسُ التُّفَّاحَ عَلَى الْبُرِّ، وَإنْ لَم تَتَّحِدْ فَسَدَ؛ لأَنَّ الأُولَى لَمْ يَثْبُتِ اعْتِبَارُهَا، وَالثَّانِيَةَ لَيْسَتْ في الْفَرْع؛ كَقَوْلِهِ: \"فِي الْجُذَام: عَيْبٌ يُفْسَخُ بِهِ الْبَيْعُ؛ فَيُفْسَخُ بِهِ الْنِّكَاحُ؛ كَالْقَرَنِ وَالرُّتَقِ\"، ثُمَّ يَقِيسُ الْقَرَنَ عَلَى الْجَبِّ؛ لِفَوَاتِ الاِسْتِمْتَاعِ.\n<hr><s0>\n\nلا يجوزون القِيَاس على الأصل المنسوخ، وقد قالوا: ببقاء حكم الفرع؟.\nقلتُ: لأنهم بَنَوا ثَمّ على أصلهم في أن البقاء غير محتاجٍ إلى العلة، فقالوا في جواب قول أصحابنا: العلّة فرع الحكم في الأَصْل، والفرع فرعها، فإذا بطل الأصل بطلت العلّة؛ لأنّها مبنية عليه.\nقلنا: متى إذا كان الحكم مفتقرًا إليها دوامًا أو مطلقًا؟ الأول مسلّم، والثاني ممنوع، وهذا لأنّ الباقي غير مفتقرٍ إلى العلّة حالة البقاء - عندنا - وحينئذٍ لا يلزم من زوال العلّة زوال الحكم. هذا كلامهم، وبه يندفع السُّؤال عنهم؛ إذ لو قِسْنَا فرعًا آخر على الأصل المنسوخ، لكُنَّا ابتدأنا إعمال العلّة، وهي منسوخةٌ، بخلاف ما بني عليها في وقت كونها باقيةً، فإنه يبقى وإن زالت؛ لعدم احتياجه في بقائه إليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-791>\"وأنْ يكون\" حكم الأصل \"غير فرع\" عن أصل آخر</span>؛ \"خلافًا للحَنَابلة والبصري\".\nالشرح: \"لنا\": أن العلّة الجامعة بين حكم الأصل وأصله \"إن اتحدت\" مع العلة الجامعة بينه وبين فرعه \"فذكر [الوسط] (^١) \"وهو الثاني \"ضائع\" حَشْو؛ لحصول الغرض بدونه، وذلك \"كالشَّافعية\" إذا قال قائلهم \"في السَّفَرْجَل: مطعوم فيكون ربويًّا كالتفاح، ثم يقيس\" القائل \"التفاح على البُرّ\" بجامع الطّعم؛ فذكر التفاح ضائع. \"وإن لم تتّحد فسد\" القياس، \"لأن الأولى\" أعني: التي بين الفرع المتنازع فيه والأصل الذي هو فرع - \"لم يثبت اعتبارها\"؛ لثبوت الحكم في الفرع بغيرها، \"والثانية\" وهي العلّة التي بين الأصل وأصله \"ليست\" موجودةً \"في الفرع\" المتنازع فيه.\n\"كقوله\" أي: قائل الشَّافعية \"في الجُذَام: عيب يفسخ به البيع، فيفسخ به النِّكَاح، كالرَّتَق والقَرَن، ثم\" إذا منع كون الرَّتَق والقَرَن مما ثبت الفسخ في البيع \"يَقيس القَرَن\"\n_________\n(^١) في ت: الواسط.","vol":"4","page":159},{"text":"فَإِنْ كَانَ فَرْعًا يُخَالِفُهُ الْمَسْتَدِلُّ؛ كَقَوْلِ الْحَنَفِيِّ فِي الصَّوْم بنِيَّةِ النَّفْلِ: \"أَتَى بِمَا أمُرَ بِهِ\" فَيَصِحُّ؛ كفَرِيضَةِ الْحَجِّ - فَفَاسِدٌ؛ لأَنَّهُ مُتَضَمِّنٌ اعْتِرَافَهُ بِالخَطَإِ فِي الْأَصْلِ.\n<hr><s0>\n\nوالرَّتَق \"على الجَبّ بفوات الاسْتِمْتَاع\"، ففوات الاستمتاع هو الذي يثبت لأجله الحكم في الرَّتَق والقَرَن، وهو غير موجود في الجُذَام، والثابت في الجُذَام، وهو كونه يفسخ به البَيْع، لم يثبت اعتباره، وهذا مثال ضَرَبْنَاه، وردُّ المَجْبُوب في البيع - عندنا - إنما هو لنُقْصان عين المبيع نقصانًا يفوت به غرض صحيح، وهو انْسِلَالُهُ من حدّ الرجال ذوي الشَّهَامة، لا لفوات الاستمتاع؛ إذ لا استمتاع بذكر العِنِّينِ، ولذلك لا يثبت الرد بكونه عِنّينًا؛ خلافًا للصَّيْمَرِي، وإمام الحرمين.\nوأما إثبات الفسخ بالجَبّ في النكاح، فلفوات الاسْتِمْتَاع، فتغايرت العلتان.\nوإذا أردت مثالًا جامعًا للصورتين، فقل: الوضوء عبادةٌ، فيشترط فيه النِّيّة كالتيّمم، فيقال: لم شرطها في التيمم؟ فتقول: لأنه عبادةٌ كالصلاة، فتتحد العلّة، أو تقول أولًا: طهارة كالتيمم، ثم تقول: إنه عبادة كالصلاة، فلا تتحدّ.\nالشرح: وهذا فيما إذا كان حكم الأصل فرعًا يوافقه المستدلّ، ويخالفه المعترض، \"فإن كان فرعًا يخالفه المستدل\" ويوافقه المعترض، \"كقول الحنفي في الصوم بنِيّة النفل\"، أي: بنيةٍ مطلقةٍ: \"أتى بما أمر به فيصح، كفريضة الحج\"، وهو لا يقول بصحّة فريضة الحَجّ بنيّة النفل، بل خصمه هو القائل به، \"ففاسد؛ لأنه متضمن اعترافه بالخَطَأ في الأصل\"؛ وهو إثبات الصحّة في فريضة الحَجّ، والاعتراف ببطلان إحدى مقدّمات دليله اعتراف ببطلان دليله، فلا يسمع.\nفإن قلت: فهل يصحّ على وجه الإلزام للخصم؟.\nقلت: لا؛ لوجهين:\nأحدهما: أن [يقول] (^١): العلّة في الأصل عندي غير ذلك، ولا يجب ذكرى لها، وله أن يتبرع بذكرها، ويقول: الحج في العبادات كالعِتْقِ في التصرُّفات في القوة والتغليب، ولهذا ينعقد مع مُنَافيه، ويجب المُضِيّ في فاسده، فجاز أن ينصرف فيه مطلق النِّية إلى\n_________\n(^١) في ت: كفوت.","vol":"4","page":160},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالفرض؛ ولأنه يجوز في الحَجّ أن يحرم إحرامًا موقوفًا بين جنس الحجّ والعُمرة، ثم يصرفه إلى ما شاء، ولا كذلك في الصوم؛ فدلّ أنهما مفترقان.\nوالثاني: أن يقول: إنما يلزم خَطَئي في أحد الأمرين من الأصل أو الفرع على الإبهام، لا في الفرع على التَّعيين، وهو مطلوَبك، فإن عدت وطلبت التَّسْجيل عليّ بالخطأ في مبهم، لم يسمع، ولو سمع لكان لي - أيضًا - أن أعود فأقرر أني مصيب في الموضعين بطريقة أذكرها.\n\n\"فائدة\"\nما ذكره الأصوليون من أن شرط حكم الأصل - أن يكون غير فرعٍ، مخصوص - عندي - بما إذا لم يظهر للوَسَطِ فائدة ألبتة، كما مثل في قياس السَّفَرْجَل على التُّفَّاح، والتفاح على البُرّ.\nأما إذا ظهرت له فائدة، فلا يمنع - عندي - أن يقاس فرع على فرع، فقولهم: إن كل فرع قِيسَ على فرع، فالعلّة فيه إما متحدّة فيكون حشوًا، أو لا، فيفسد - نقول عليه: بين الأمرين واسطة، وهي: أن يكون حكم الفرع المَقِيس عليه الذي هو وسط أظهر أو أولى، وظهوره إما لشهرة أو لغيرها، وأَوْلَوِيته ممكنة أيضًا.\nولا يقال: لو كان أولى لم يَجُزْ قياس الفرع عليه؛ لأنه لا يلزم من ثبوت الحكم للأولى به؛ ثبوته لما ليس بأولى، لعدم المُسَاواة؛ لأن جواب هذا قد عرف عند تقسيم القياس إلى أَوْلَى ومُسَاو وأَدْوَن.\nإذا عرفت هذا، فربّ فرع لأصل ذلك الأصل يظهر فيه الحكم أقوى من ظهوره فيه، وهكذا إلى أن يتناهى الحال إلى مَرَاتب كثيرة، بحيث لوقيس الفَرْعُ الأول الذي هو فرع الفرع على الأصل الأول، لاستنكر في بادئ الرَّأي جدًّا، بخلاف ما إذا جعل مندرجًا هكذا، وهذا مكان دقيق جدًّا، لا يفهمه إلا الجامعون بين دَقَائِقِ الفقه وحقائق الأصول.\nفإذا قال قائل: - مثلًا -: التفاح ربويّ قياسًا على الزَّبِيب، والزبيب ربوي قياسًا على التَّمْر، والتمر ربوي قياسًا على الأُرْز، والأرز ربوي قياسًا على البُرِّ، لم يكن مبعدًا، إذا قصد بقياس التفاح على الزبيب الوصف الجامع بينهما، وهو الطعم، وبقياس الزبيب على التَّمْر: الطعم، مع الكيل، وبالتمر على الأَرْز: الطعم والكيل مع التقوت، وبالأرز على البُرّ: الطعم والكيل والقُوت الغالب، ولو قاس ابتداء التفاح على البر، ولم يتدرج بالطريقة","vol":"4","page":161},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالتي ذكرناها لم يسلم من مَانِعٍ يمنعه علّية الطّعم، فجمع بين الزبيب والتَّمرية مع الكَيْلِ، وانتهى إلى ما ذكرناه، ثم أخذ يسقط وصف الكَيْل والقوت عن الاعتبار بالطريقة التي يعرفها أهل السَّبر والتَّقْسيم؛ إذ ثبت له دعوى أن العلة الطعم فحسب، ووضحت وضوحًا لم يكن ليتضح إيضاحه لو قاس التّفاح ابتداء على البر. ولا يقال - هنا -: إن الوسط ضائع، بل له فائدة جليلة، وهي التدرج ليثبت المراد، كما ذكرناه، وهذا القسم لم يذكره الأصوليون، وفي كتاب \"السلسلة\" للشيخ أبي محمد منه الشيء الكثير، وأنت إذا نظرت كتب الفِقْهِ وجدت فيها مباني كثيرة.\nفإذا قال قائل: التفاح ربوي قياسًا على السَّفَرْجل، والسفرجل قياسًا على البِطِّيخ، والبطيخ قياسًا على البر، لم يكن محسنًا، بل مطولًا من غير فائدة، والوسط ضائع حَشْو؛ لأن نسبة السَّفرجل والبطيخ والتفاح إلى البر واحدة، لا كيل ولا قوت في الجميع، بل الطعم فقط، فأي معنى لتوسّط السفرجل والبطيخ؟.\nإذا فهمت هذا، فلنذكر مثالًا للقسم الأول، فنقول: إذا أتت أَمَتُهُ بولد ادّعت أنها ولدته على فِرَاشِهِ، وأنكر، فالقول قوله، فإن نكل، فالظاهر ردّ اليمين عليها، فإن نكلت، فهل تنتهي الخُصُومة وينقطع النسب عنه، أو يوقف الأمر إلى أن يبلغ الولد فيحلَّف؟ فيه وجهان:\nقال الشيخ أبو محمد: إنهما مبنيان على الوجهين فيما إذا ادّعى السَّيد أنه جَنَى على العبد المرهون جنايةً توجب المال، واستحلف الجاني، فنكل، وردّت اليمين على الرَّاهن، فتنتهي الخُصُومة، أو يرد على المُرْتهن لتعلّق حقّه بالعبد؟.\nفإن قلت: لم لا كان العكس في البناء، فبنى الوجهان في هذه على الوجهين في تلك؟.\nقلت: لأن التردُّد في مسألة الجناية أظهر منه، وأولى في مسألة الولد، وهذا لأنَّ رد اليمين على المرتهن يمكن في الحال، وتتتهي الخُصَومة، بخلاف ردّها على الصَّبي، فإنه يلزم منه إيقاف الأمر إلى بلوغه، ولا يلزم من ردّ اليمين على الثالث الممكن فصل الأمر به في الحال، ردّها على ثالث يلزم من ردّها عليه إيقاف الأمر في الخُصُومات؛ ألا ترى أنه لو أقام وليّ اليتيم بيّنة بدين لليتيم على مَيّت، أنه يقضى له به، ولا ينتظر بلوغ الصّبي ليحلَّف، سواء قلنا: التحليف واجب أم مستحبّ؛ لئلا يلزم من تأخُّر الحكم ضياع الحق، و- أيضًا -","vol":"4","page":162},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفالنسب حق لله تَعَالى، وتعلّق حقّ المرتهن بالعين المرهونة حق يختصّ به، فلا يلزم من الرد على المرتهن في مَحْضِ حقه الرد على الولد الذي لا يتمحّض حقه في النسب.\nفإن قلت: ما ذكرتموه من أن التردد في مسألة الجناية أظهر إن لم يصح، فلا تعلّق لكم فيه؛ لأنه لم يظهر ترجحُ أحد للبنائين على الآخر، وإن صحّ كان فارقًا مانعًا من قياس المبني على المبنى عليه، فنقول - مثلًا -: لا يصح قياس تحليف الولد على تحليف المرتهن للمعنيين الذين أبديتموهما.\nقلت: المعنيان لا ينتهضان فارقًا مانعًا من صحّة القياس؛ لما يقال عليهما: من أن تعلّق حق الثالث إن كان موجبًا لصيرورته خصمًا أوجب ردّ اليمين عليه، سواء أمكن تحليفه في الحال أم لا، كالغائب، ولكنه ينتهض موجبًا لظهور الحكم في المبني عليه أقوى من ظهوره في المَبني، وهو - حينئذٍ - يصلح للترجيح فقط، ولهذا ترى الأصحاب كثيرًا ما يصحّحون في المبني خلاف ما صحّحوه في المبني عليه، فافهم.\nقال الشيخ أبو محمد: والوجهان في مسألة دَعْوَى الجناية على العَبْدِ المرهون [مبنيان] (^١) على وجهين فيما إذا أقرّ الراهن بأنّ العبد المرهون كان قد جنى قبل الرهن وادعاها المجني عليه، وأنكر المرتهن.\nوقلنا: إنه يصدق بيمينه، فلم يحلَّف.\nوقلنا: برد اليمين على الراهن، فنكل، فهل ترد على المجني عليه؟.\nقلت: وإنما كانت هذه المسألة أصلًا لتلك؛ لأن تحليف المجنى عليه - هنا - أظهر من جِهَةِ أنه المدعى الذي يثبت له الحق إذا توجّه، بخلاف المرتهن، بل الأصح عند الرافعي: أن المرتهن لا يخاصم، ومن جهة أن حقّ الجناية آكَدُ وأقوى من حق المرتهن، فكان حق المرتهن - بكونه فرعًا لمسألة المجني عليه - أولى وأجدر من العكس، كما أن مسألة الولد بكونها فرعًا لمسألة المرتهمن أولى، ثم لو قِسْنَا ابتداء مسألة الولد على مسألة المجني عليه، لبعد؛ لأنها تَنْأى عنها من الأوجه التي أبديناها، بخلاف ما إِذا قِسْنَاها على مسألة المُرْتهن، فإنها إنما تَنْأى عنها من وجهين فقط كما عرفت وقياس الفرع على أصل لا ينأى منه إِلّا من وجهين، لا يخفى أنه أولى من: قياسه على أصل ينأى عنه من\n_________\n(^١) سقط في ب.","vol":"4","page":163},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوجوه؛ لبعد الشّبه بينهما، هذا مع أنّ هذا التنائي وإن تعدّدت وجوهه لا يخدش أصل القياس - كما عرفت - بل نجعله من قسم الأَدْوَن، فافهم ما يلقى إليك.\nقال: والوجهان في تَحْلِيف المجني عليه مَبْنِيّان على قولين فيما إذا أوصى لأم ولده بقيمة عَبْدٍ، فقتل قبل قَسَامَةٍ، ومات السيد قبل القَسَامة، ونكل وارثه عن اليمين، هل ترد اليمين على أم الولد؟.\nقلت: وهذا بناء واضح؛ لأن بناء الوجهين على القولين ظاهر السَّبب، فإن القولين عند المخرجين بمنزلة النَّصين عند المجتهدين.\nقال: والقولان في هذه المسألة مَبْنِيّان على قولين في أن من باع نَخلَةً من إنسان، فأفلس المشتري، وهي مطلقة، فاختار البائع عين ماله، وتَأَبَّرَتِ النخلة واختلف المتبايعان، فقال المشتري: أبّرتها قبل أن فسخت العَقْد، والثمرة لي، وقال البائع: بل فسخت قبل التَّأبير، والثمرة لي، فعرضنا اليمين على المشتري؛ ليعمل بقوله، فنكل، هل ترد اليمين على الغُرَمَاء؟.\nقلت: وإنما بنينا على القَوْلَيْن في هذه، ولم يعكس؛ لأنّ حقّها آكد وأقوى من حق الغرماء؛ بدليل أن لها الدعوى - على المذهب - سواء قلنا: إنها تقسم أم لا، ولو وقع نكول حلِّفت، والأصحّ أنه ليس للغرماء الدعوى، سواء قلنا: يحلفون أم لا.\nقال: والقولان في مسألة الغُرَمَاءَ مَبْنِيَّان على قولين فيما إذا مات وعليه دين، وأقام الوارث شاهدًا واحدًا على دين مورثه على إنسان، ونكل عن اليمين، هل ترد على الغريم؟\nقال الرَّافعي: وهذه مسألة طويلة طولها الشيخ، قال: وقد يقال: بناء الوجهين في مسألة على قولين في أخرى معهود، فأما بناء قولين في مسألة على قولين، ووجهين على وجهين، فلا يكاد يترجّح على عكسه.\nقلت: وإنما لا يكاد يترجّح إذا فرض التساوي من كل وجه، وأما مع ما أبديناه فيرجّح.\nوإذا عرفت هذا فاعرضه على كل مباني تَكَاثرت، فإن وضح معنى فقهي كما قلناه في هذا المثال، فهو الغاية القُصْوى، وإلا فاعلم أن له سببين:\nأحدهما: أن يكون الناظر قد تردّد في فرع بعد شدة الاجتهاد على رأس، ثم عرض له","vol":"4","page":164},{"text":"وَمِنْهَا: أَلَّا يَكُونَ مَعْدُولًا بِهِ عَن [سَنَنِ] الْقِيَاسِ؛ كَشَهَادَةِ خُزَيْمَةَ، وَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ، وَمَقَادِيرِ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ.\nوَمِنْهُ: مَا لا نَظِيرَ لَه، كَانَ لَهُ مَعْنًى ظَاهِرٌ؛ كَتَرخُّصِ الْمُسَافِرِ؛ أَوْ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ كَألْقَسَامَةِ.\n<hr><s0>\n\nفرع آخر مثله، فيلحقه به، ويكون سبق التردّد في الفرع موجبًا لجعله أصلًا، ولا يحتاج في البناء عليه إلى استحضار ما فعله في الأول من النَّظر والبحث.\nوالثاني: أن يكون التردّد في الفرع الأول حصل لمن تقدّمه من الأئمّة، فظهر له مساواة الثاني له، وإن لم يظهر عنده تمام النَّظر الموجب للتردد في الأول، بل ربما لم يظهر له إلا أحد الرَّأيين، ولم يدر ما الموجب للرَّأي الآخر، مع ظنه مساواة الحادثة التي وقعت له للحادثة التي تقدم فيها رأيان لمن تقدّمه، فيقيسها على الحادثة الأولى، ويخرج فيها الخلاف، وإن لم يعرف مَثَاره، وهنا وإن لم يظهر تَرْجِيح أحد البنائين على عكسه، ولكنه قد يقع البناء ونسبة أحد هذين الأمرين، فاعرفه.\nالشرح: \"ومنها\" أي: ومن شروط حكم الأصل: \"ألّا يكون معدولًا به عن سَنَنِ القياس\" لتعذر التعدية - حينئذٍ - وهو قسمان:\nالأول: ما لا يعقل معناه، وهو ضربان:\nأحدهما: ما استثني عن قاعدة عامة \"كشهادة خُزَيْمة\".\nوالثاني: ما لم يستثن، كتقدير [نُصُبِ] (^١) الزكاة، \"وأَعْدَاد الركعات، ومقادير الحدود والكَفّارات\".\nالقسم الثاني: ما يعقل معناه ولا نَظِيرَ له، فلا يجري فيه القياس - أيضًا - لعدم النظير، وهو - أيضًا - ضربان؛ لأن معناه إما أن يكون ظاهرًا أَوْ لا، وإلى هذا القسم أشار بقوله: \"ومنها ما لا نَظِير له، كان له معنى ظاهر، كَرُخَصِ المسافر، أو غير ظاهر، كالقَسَامة\".\nهذا كلام المصنّف، وهو صريح في أن أَيْمَان القَسَامة معقولة المعنى، ولكن معناها خَفِيّ، بخلاف شهادة خُزَيْمة، ومقادير الحدود، وفيه نظر، ومنهم من لم يورد التقسيم على هذا الوجه.\n_________\n(^١) في ج: نصاب.","vol":"4","page":165},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-792>\"فوائد\"</span>\nالأولى: المعدول عن سَنَنِ القياس هو الخارج عن المعنى، فلا يَنْطَبِق إلا على ما خرج عن المعنى، لا لمعنى، فيخرج عنه شيئان:\nأحدهما: ما شرع ابتداء لا لمعنى، فإنه لم يدخل حتى يقال: خرج.\nوالثاني: ما استثني من معقول المَعْنَى لمعنى، كالعَرَايَا استثنيت من الرّبَوِيّات لحاجة الفقراء، وفي تسمية كل من هذين الشَّيئين بـ\"المعدول به عن سَنَنِ القياس\" تجوز، وبه صرح الغزالي في \"المُسْتَصْفَى\".\nالثانية: قولهم: \"رُخَصُ المسافر المعللة بدفع المشقّة لا يتأتى فيها القياس لعدم النظير\" - ممنوع؛ فقد يوجد النظير في الحَمَّالين وغيرهم من ذوي المَشَقَّات التي هي أظهر من المسافر، لا سيّما المسافر ذو الرَّفَاهية.\nفإن قلت: فلم لا يتأتى القياس فيها؟.\nقلت: لأن المشقّة حكمة، والسفر مظنة، والتعليل إِنما يكون بالمَظَانّ؛ لانضباطها دون الحكم، كما ستعرف إن شاء الله تعالى.\nالثالثة: لا يقال: سيأتي أن القياس يجري في الحدود والكَفَّارات، والرُّخَص والتقديرات، وهو منافٍ لهذا؛ لأنّ المراد هنا مقادير الحدود والكَفّارات، فلا يجرى القياس فيها، وإن جرى في أصل الحدود.\nالرابعة: ما شرع مستثنى مقتطعًا عن القواعد العَامة، ولكنه معقول المعنى، صريح كلام المصنف: أنه لا يقاس عليه، وهو ما ذهب إِليه بعض الحنفية، والذي عليه جمهور أصحابنا وجمهور الحَنَفِيّة أنه يجوز القياس عليه، والحنفية لا يسمونه - والحالة هذه - معدولًا به عن القياس.\nوقال محمد بن شُجَاع [الثلجي] (^١) من الحنفيّة: إن ثبت المستثنى بدليل قطعي جاز القياس عليه، وإلا فلا.\n_________\n(^١) في أ: البلخي.","vol":"4","page":166},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقال الكَرْخِي: إن كانت جملة المستثنى منصوصة أو مجمعًا عليها، أو موافقة لبعض الأصول جاز القياس، وإلا فلا.\nوللإمام الرَّازي تفصيل، حاصله: أنه يطلب التَّرْجيح بينه وبين غيره، وقد بسطنا هذا الكلام في \"التَّعْليقة\" بسطًا وافيًا.\nومن أمثلة المستثنى لمعنى: تجويز بيع الرُّطَب بالتَّمْرِ في العَرَايا، فإنه على خلاف قاعدة الربويات - عندنا - واقتطع عنها لحاجة المَحَاويج، وذلك ثابت في حديث زيد بن ثَابتٍ ﵁ في أناس مَحَاويج شَكوا إلى رسول الله ﷺ أن الرطب يأتي ولا نَقْد بأيَديهم يبتاعون به رطبًا يأكلونه مع الناس، وعندهم فضول تَمْرٍ من قُوتِهِمْ من التمر \"فرخص لهم رسول الله ﷺ أن يبتاعوا العَرَايا بِخَرْصِها من التمر الذي في أيديهم، ثم يأكلونها رطبًا\" (^١).\nقال أصحابنا: والعنب بالزبيب كالتمر، ثم اختلفوا على وجهين حكاهما المَاوَرْدِي:\nأحدهما - وعليه ابن أبي هريرة -: أنه قياس.\nوالثاني - وعليه المحاملي وابن الصباغ -: أنه بالنَّص؛ لأن زيدًا روى أنه ﵊ أَرْخَصَ في العَرَايا، والعَرَايا: بيع الرطب بالتمر، والعنب بالزبيب.\nوالصحيح اشتراك الأَغْنِيَاء والفقراء في العَرَايا.\nوقيل: يختص بالفقراء، فإن صح ورود الحديث في المَحَاويج، فما إلحاق الأغنياء بهم إلا بالقياس.\nواختلف أصحابنا في بيع الرّطب على النَّحْل بالرطب على الأرض، والصحيح لا يجوز مطلقًا.\nوالئاني: يجوز، وعلى هذا هو بالقياس.\nوالثالث: الفرق بين النوع الواحد، فيمتنع فيه، والأنواع فلا، ومنهم من أجرى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤/ ٤٤٩) كتاب البيوع، باب بيع المزابنة (٢١٨٨)، ومسلم، كتاب البيوع: باب تحريم بيع الرطب بالتمر إلا في العرايا (٦٠/ ١٥٣٩).","vol":"4","page":167},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالأوجه في بيع الرّطب بالرطب، وإن كانا جميعًا على الأرض، كـ\"المتولى\" (^١) وغيره، فحيث جوز، فهو قياس صحيح، وهو قياس أَدْوَن أيضًا.\nومن أمثلته - أيضًا - ما شرع من صاع التَّمر مع المُصَرَّاة بدل اللَّبن، استثناء من قاعدة ضمان المِثْلِ بالمِثْلِيّات، والمتقوّم بالقيمة لمعنى عَقلناه، وقِسْنَا عليه - على الصحيح من المذهب - إذا رد المُصَرَّاة يعيب غير التَّصْرِيَةِ (^٢)، فإنه يرد معها - أيضًا - صاعًا في تمر بدل اللبن.\n_________\n(^١) عبد الرحمن بن مأمون بن علي بن إبراهيم، النيسابوري، الشيخ أبو سعيد المتولي، تفقه بـ\"مرو \"على الفوراني، وبـ\"مرو الروز\" علي القاضي الحسين. وبرع في الفقه والأصول والخلاف. قال الذهبي: وكان فقيهًا محققًا، وحبرًا مدققًا. وصنف كتابًا في أصول الدين، وكتابًا في الخلاف، ومختصرًا في الفرائض. ولد بـ\"نيسابور\" سنة ٤٠٦ هـ. وكانت وفاته بـ\"بغداد\" في شوال سنة ٤٧٨ هـ. ودفن بمقبرة باب أبرز. ينظر: الأعلام ٤/ ٩٨، ووفيات الأعيان ٢/ ٣١٤، وطبقات الشافعية للسبكي ٣/ ٢٢٣، وشذرات الذهب ٣/ ٣٥٨، وابن قاضي شهبة ١/ ٢٤٧، والبداية والنهاية ١١٢/ ١٢٨.\n(^٢) قال أبو عبيد: المصراة: هي الناقة أو البقرة، أو الشاة. تصري اللبن في ضرعها، أي يجمع، ويحبس، ومنه يقال: صريت اللبن، وصريته بالتخفيف والتشديد. وقال الإمام الشافعي ﵁: التصرية أن تربط أخلاف الناقة، أو الشاة، وتترك من الحلب اليومين، والثلاثة، حتى يجتمع لها لبن، فيراه مشتريها كثيرًا، فيزيد في ثمنها.\nقالوا: فظاهر قول أبي عببد أن المصراة مأخوذة من التصرية، وهي الجمع.\nوظاهر قول الشافعي: أنها مأخوذة من الصر وهو الربط، ثم ضعفوا قول الشافعي: بأنه لو كانت مأخوذة من الصر؛ لكان يقال لها: المصررة؛ لأن لامها حينئذ راء لا ياء. والذي يتراءى في نظري أن قول الشافعي لا يخالف قول أبي عبيد؛ بدليل أنه قال: التصرية أن تربط أخلاف الناقة، حتى يجتمع لها اللبن، فبين أن معنى التصرية هو الجمع.\nغاية ما في الأمر تكفل بزبادة بيان طريقهم في هذا الجمع، وعادتهم السائدة فيه بينهم، فقال: أن تربط الأخلاف اليومين والثلاثة، وفي معنى التصرية: التحفيل، وقد وردت بعض الروايات الصحيحة مصرحة بهذا اللفظ أيضًا، ومنه قيل لمجامع الناس: محافل.\nوالفقهاء كلهم على أن التصرية للبيع حرام؛ لأنها غش، وخداع، ومكر سيء، واحتيال على أكل أموال الناس بالباطل، والرسول ﵊ يقول: \"مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا\".\nوكلهم كذلك على أن بيع المصراة مع ذلك صحيح؛ لأن الرسول ﷺ لم يحكم ببطلان بيعها، وإنما جعل فقط الخيار لمبتاعها، وهو لا يكون إلا في عَقْدٍ صحيح. =","vol":"4","page":168},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالخامسة: عرفت أن الوارد استثناء إذا كان معقول المعنى، يجوز القياس عليه عندنا؛ وادعى إمام الحرمين: أن المستثنى لا يكون معقول المعنى، وأن ما يعقل معناه لا يستثنى،\n_________\n= وإنما اختلفوا في هَلْ يثبت لمشتريها الخيار أم لا يثبت؟ فأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وبقولهما يفتى في المذهب الحنفي: على أنه لا خيار للمشتري في شرائه المصراة، بل البيع لازم له، وعليه الإمساك بالثمن المتفق عليه. والشافعية، والمالكية، والحنابلة، والظاهرية، وزفر وأبو يوسف من الحنفية، وبعد ذلك جماهير العلماء على أن للمشتري الخيار بين الرد، وبين الإمساك بالثمن المتفق عليه، إذا كانت المصراة من بهيمة الأنعام، ولم يكن المشتري عالمًا بالتصرية وقت الشراء.\nحجة أبي حنيفة، ومحمد: أن مطلق البيع يقتضي صفة السلامة، فيكون لازمًا ما دام قد تحقق مقتضاه، وبانعدام اللبن بالكلية لا تذهب صفة السلامة، فبقلتها من باب أولى، فلا رد بالتصرية؛ لأنها عِبَارَةٌ عن ظهور قلة اللبن.\nوقد اعترض الجمهور على ذلك بأن التصرية، وإن لم تكن عيبًا لكن فيها تدليس، وتغرير بالمشتري، وهو يثبت له حق الرد، كمن اشترى قفة ثمار، فوجد في أسفلها حشيشًا مثلًا، حيث يكون له حق الرد للتغرير.\nوقد أجاب الحنفية عن هذا الاعتراض بجوابين: أولهما - بأن المشتري في المصراة مغتر لا مغرور؛ لأن كبر الضرع قد يكون لغزارة اللبن، وقد يكون لغزارة اللحم، فتكتم على أمر كان يمكنه أن يعلم من البائع اغترار منه بكثرة اللبن، وهذا بخلاف قصة الثمار لا معنى لها إلا على أن كل ما فيها ثمر، فالمشتري فيها مغرور لا مغتر ومضلل عليه لا ضال.\nوثانيهما: بالفرق على فرض أن المشتري هنا أيضًا مغرور بأن التقرير في قصة الثمار بنقص المقدار، وهو عيب، وهذا بخلاف التصرية.\nأما المنقول: فما روى عن أبي هريرة ﵁ أن النَّبِيَّ ﷺ قال: \"لَا تصِرُّوا الإِبِلَ وَالْغَنَمَ فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَينِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِبَهَا إنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا، وَصَاعًا مِن تَمْرٍ\". وهو حديث متفق عليه.\nوللبخاري وأبي داود: \"منِ اشْترَى غَنَمًا مُصَرَّاةً، فَاحْتَلَبَهَا، فانْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا فَفِي حَلْبَتِها صَاعٌ مِن تَمْرٍ\" ولمسلم: \"إذَا مَا اشترَى أَحَدُكُمْ لقحةً مُصَرَّاةً، أو شَاةً مُصَرَّاةً، فَهُوَ بِخَير النَّظَرَين بَعْدَ أَنْ يَحْلِبَهَا، إمَّا هِيَ، وَإِلَّا فَلْيَرُدَّهَا، وَصَاعًا مِن تَمْرٍ\".\nوللجماعة إلا البخاري: \"مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَهُوَ مِنْهَا بِالخِيَارِ ثَلَاثَة أَيَّامٍ إنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا، وَمَعَهَا صَاعًا مِن تَمرٍ لا سَمْرَاءَ\". =","vol":"4","page":169},{"text":"وَمِنْهَا:<span data-type='title' id=toc-793> أَلَّا يَكُونَ ذَا قِيَاسٍ مُرَكَّبٍ.</span>\n<hr><s0>\n\nوهو لا ينكر مسألة العَرَايا، ولكن أظنه يمنع المعنى فيها، وفي مثل الكَرْم يجعله من باب النص، كما هو وجه قدّمناه عن المحاملي وابن الصَّباغ.\nوقد أورد الإِمام على نفسه تحمل العاقلة والمُصَرّاة، وأجاب بأنهما غير معقولي المعنى، وقد بسطنا الكلام عليه في \"التَّعليقة\" بما يغني عن الإِعادة.\nالشرح: \"ومنها\" أي: ومن شروط حكم الأصل \"ألّا يكون ذا قياس مركّب\".\nاعلم أن من الشروط: كون الحكم متفقًا عليه مخافة أن يمنع، فيحتاج القائس إِلى إثباته عند توجّه المنع إِليه، فيكون الشروع فيه انتقالًا من مسألة إلى أخرى، ثم اختلفوا في كيفيّة الاتفاق عليه.\nفقيل: بشرط أن يكون متفقًا عليه بين الأمة.\nوقيل: يكفي اتفاق الخَصْمَين.\nوقيل: يشترط اتفاق الخَصْمَين واختلاف الأمة، حتى لا يكون مجمعًا عليه، وهو رأي\n_________\n= هذه الروايات كما ترى كلها صحيحة متفق على صحتها، وكلها عن أبي هريرة ﵁ وهي صريحة، ونص في ثبوت الخيار للمشتري إذا ما اشترى مصراة فاحتلبها، فإنه بخير النظرين، إما أن يمسك بالثمن المتفق عليه، وإما أن يرد، لا تحتمل غير هذا ألبتة، ومن حملها غيره فقد تكلف مركبًا صعبًا.\nوقد روى هذا الحديث بطرق غير هذه بعضها جيد، وبعضها ضعيف، وفي بعضها زيادة، وفي بعضها نقص، وفي بعضها تغيير وتبديل، ففي بعضها: صاع من تمر، وفي بعضها صاع فقط، وفي بعض آخر: مثل أو مثلي لبنها قمحًا، وهذه الروايات بعضها عن ابن عمر، وبعضها عن أنس، وبعضها عن ابن مسعود ﵁ وإن كان الصحيح عن ابن مسعود موقوفًا عليه، وبعضها عن رجل من الصحابة، وهي بسند جيد، وكلها: قوية، وجيدة وضعيفة متظاهرة متضافرة في ثبوت الخيار للمشتري إذا كان اشترى مصراة، فاحتلبها فظهر له أمرها، وافتضح له عوارها.\nوأما المعقول: فأثبتوا الرد بالتصرية قياسًا على ما لو سود شعر الجارية الشمطاء، فباعها فانكشف للمشتري حالها، حيث يكون له حق الرد؛ للتضليل عليه؛ وعلى ما لو حبس البائع ماء الرحى، ثم أرسله عند بيعها تغريرًا بالمشتري بجريان مائها على الدوام، حيث يكون له الرد أيضًا، وذلك لوجود التدليس، والتغرير في التصرية أيضًا. =","vol":"4","page":170},{"text":"وَهُوَ أَنْ يَسْتَغْنِيَ بِمُوَافَقَةِ الْخَصْمِ فِي الأَصْلِ، مَعَ مَنْعِهِ عِلَّةَ الأَصْلِ، أَوْ مَنْعِهِ وُجُودَهَا فِي الأَصْلِ، فَالأَوَّلُ: مُرَكَّبُ الأَصْلِ؛ مِثْلُ: \"عَبْدٌ\"، فَلَا يُقْتَلُ بِهِ الْحُرُّ، كَالْمُكَاتَبِ، فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ الْعِلَّةُ جَهَالَةُ الْمُسْتَحَقِّ مِنَ السَّيِّدِ وَالْوَرَثَةِ، فَإِنْ صَحَّتْ، بطَلَ الْإِلْحَاق، وَإنْ بَطَلَتْ، مُنِعَ حُكْمُ الأَصْلِ، فَمَا يَنْفَكُّ عَن عَدَمِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ أَوْ مَنْعِ الأَصْلِ.\n<hr><s0>\n\nالآمدي، وسمي هذا النَّوع من القياس بـ\"القياس المركب\"، والصَّحيح: أن المركّب أخصّ منه، وهو: أن يكون الحكم متفقًا عليه بين الخصمين، لكن لعلّتين مختلفتين، أو لعلّة يمنع الخصم وجودها في الأصل، وعلى هذا جرى الآمدي والمصنّف - فقال:\n\"وهو: أن يستغني\" المستدل \"بموافقة الخَصْم في الأصل\"، إما \"مع منعه علة الأصل، أو \"موافقته عليها، ولكن مع \"منعه وجودها في الأصل، فالأول\" يقال له: \"مركّب الأصل\"، وهو: \"مثل\" قول الشَّافعي - فيما إذا قتل الحُرّ عبدًا -: المقتول \"عبد، فلا يقتل به الحر، كالمُكَاتب\" إذا قتل وترك وفاء، ووارثًا مع المولى.\nفإن أبا حنيفة يقول هنا: لا قِصَاصَ، فيلحق العبد به - هنا - بجامع الرِّقّ، فالشافعي لا يحتاج إلى إِقامة الدليل على عدم القِصَاص في هذه الصورة؛ لموافقة خصمه، \"فيقول الحنفي \"ناقضًا عليه ما جعله الشَّافعي علة - وهو الرق -: \"العلّة جَهَالة المستحق من السيد والورثة\".\nقالت الحنفية: والسيد والورثة وإن اجتمعوا في هذه الحالة على طلب القِصَاصِ لا يزول الاشْتِبَاه؛ لاختلاف الصَّحابة في مكاتب يموت عن وفاء.\nقال بعضهم: يموت عبدًا، فتبطل الكتابة.\nوقال بعضهم: يؤدّي بدل الكتابة من اكتسابه، ويحكم بِعِتْقِهِ في آخر جزء من حياته، فقد اشتبه الولي مع هذا الاختلاف، فامتنع القصاص.\nفإِن اعترض عليهم: بأنكم لا بد أن تحكموا - في هذه الحالة - بأحد هذين القولين، إما بموته عبدًا، أو حرًّا، وأيًّا ما كان، فالمستحقّ معلوم.\nقالوا: نحن نحكم بموته حرًّا، بمعنى: أنه يورث، لا بمعنى: وجوب القصاص على قاتله الحرّ؛ لأن حكمنا بموته حرًّا ظنّي؛ لاختلاف الصَّحَابة، والقصاص ينتفي بالشُّبْهَة، وهذه جهالة تصلح دارئة للقصاص، ولا يمتنع علمنا بمستحق الإرث المالي.","vol":"4","page":171},{"text":"الثَّانِي: مُرَكَّبُ الْوَصْفِ؛ مِثْلُ: تَعْلِيقٍ لِلطَّلَاقِ. فَلَا يَصِحُّ قَبْلَ النِّكَاحِ، كَمَا لَوْ قَالَ: \"زَيْنَبُ الَّتِي أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ\"، فَيَقُولُ الْحَنِفيُّ: الْعِلَّةُ عِنْدِي مَفْقُودَةٌ فِي الْأَصْلِ، فَإِنْ صَحَّ، بَطَلَ الْإِلْحَاقُ، وَإلَّا مُنِعَ حُكْمُ الْأَصْلِ؛ فَمَا يَنْفَكُّ عَنْ مَنعِ الْأَصْلِ أَوْ عَدَمِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ.\n<hr><s0>\n\nهذا تقرير هذا المثال، فاعتمده واجتنب تقرير الشَّارحين، وحاصل أمر الحنفية أنهم أوجبوا القِصَاص على حُرّ قتل عبدًا، ولم يوجبوه على حر قتل حرًّا، وهو المكاتب الذي ترك وفاء، فإنه عندهم يموت حرًّا، ولا يقتل قاتله، وتمام قول الحنفي: إنه إذا عرفت أن العلّة عندي الجَهَالة، \"فإن صحت، بطل الإلحاق\"؛ لعدم المشاركة في العلّة، \"وإن بطلت منعت حكم الأصل\".\nوقلت: يقتل الحُرّ بهذا المكاتب لعدم المانع، \"فما ينفك\" الحنفي في هذه الصورة \"عن عدم العلّة في الفرع\" على تقدير كونها الجهالة، \"أو منع\" الحكم في \"الأصل\" على تقدير أنها الرّق، فلا يتمّ القياس على التقديرين.\nالشرح: \"الثاني\" يقال له: \"مركب الوصف\"، وسمي بذلك لكونه خلافًا في نفس الوصف، \"مثل: تعليق الطلاق، فلا يصح فقبل النكاح، كما لو قال: زينب التي أتزوجها طالق، فيقول الحنفي: العلة\" الموجبة للوقوع في الفرع \"عندي\" هي التعليق، وهي \"مفقودة في الأصل\".\nفإن قوله: زينب التي أتزوجها طالقٌ، تنجيزٌ لا تعليقٌ؛ فإما أن يصح عدم التعليق في الأصل، أو لا يصح.\n\"فإن صح، بطل الإلحاق\"؛ إذ لا يلحق تنجيز بتعليق؛ لعدم الجامع، \"وإلا منع حكم الأصل\"، وهو عدم الوقوع في قوله: زينب التي أتزوجها طالق؛ لأني إنما منعت الوقوع؛ لأنه تنجيز، فلو كان تعليقًا، لقلت به، \"فما ينفك عن\" عدم العلّة في الأصل، أو \"منع الأصل\".\nواعلم أن كل موضع يستدلّ فيه باتفاق الطَّرفين، يتأتى فيه أنه ذو قياس مركّب؛ فإن الخصم لا يعجز عن إظهار قَيْد يختص بالأصل، ويدعي أن ذلك هو العلة عنده، ولا سبيل لك إلى دفعه بالدليل على أن علتك هي العلة عنده، بل لو قال: علّتي غير ذلك، ولم يعينها، سمع منه، فإذن طريق ثبوت ذلك هو اعترافه.","vol":"4","page":172},{"text":"فَلَو سَلَّمَ أَنَّهَا الْعِلَّةُ وَأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ، أَوْ أَثْبَتَ أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ انْتَهَضَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، لاِعْتِرافِهِ كَمَا لَوْ كَانَ مُجْتَهِدًا، وَكَذَلِكَ لَوْ أَثْبَتَ الْأَصْلَ بِنَصٍّ، ثُمَّ أَثْبَتَ الْعِلَّةَ بِطَرِيقِهَا؛ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْبَلْ لَمْ تُقْبَلْ مُقَدِّمَةٌ تَقْبَلُ الْمَنْعَ.\nوَمِنْهَا: أَلَّا يَكُونَ دَلِيلُ حُكْمِ الأصْلِ شَامِلًا لِحُكْمِ الْفَرْع.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"فلو سلم أنها العلّة، وأنها موجودة\" في الأصل، فذاك، فللمستدلّ أن يثبت وجودها في الأصل بدليل من عَقْل أو حس أو شرع، وإليه أشار بقوله: \"أو أثبت\" المستدلّ \"أنها موجودة\".\nفإذا فعل المستدل أحد هذين الطريقين \"انتهض الدليل عليه؛ لاعترافه\" بصحّة الموجب في الصورتين، وثبوته في سورة ما إذا سلم أنها موجودة.\nوأما في سورة ما إذا لم يسلم، فلقيام الدليل عليه، فلزمه القول بموجبه \"كما لو كان مجتهدًا\" ينظر في المسألة على سبيل الاجتهاد؛ فإنه لا تسعه المخالفة عند قيام الدليل.\nواعلم أن ما ذكرناه فيما إذا كان حكم الأصل متفقًا عليه بين الخَصْمَيْنِ غير مجمع عليه بين الأمة، وراءه حالتان:\nإحداهما: أن يكون مجمعًا عليه، ولا كلام فيه، وقد قدمنا عن الآمدي منع هذا، وأنه يشترط ألَّا يكون مجمعًا عليه، قال: فإنه متى كان مجمعًا عليه بين الأمة لم يتمكن الخصم من منعه.\nوالثانية: ألَّا يكون مجمعًا عليه، ولا متفقًا عليه بين الخصمين، بل حاول المستدل إثبات حكم الأصل بنصّ، ثم أثبت العلّة بطريق من طرقها.\nفقيل: لا يقبل ذلك منه، بل لا بُدّ من الإجماع بين الخَصْمَيْن؛ لضم الكلام عن الانتشار.\nوالأصح: قبوله، وإليه أشار بقوله: \"وكذلك لو أثبت الأصل بنص، ثم أثبت العلة بطريقها\" من إجماع، أو نص، أو سَبْر أو إحالة لأعلى الأصح؛ لأنه لو لم يقبل لم يقبل\" في المُنَاظرة \"مقدمة تقبل المنع\"، وبطل أن اللازم واضح.\nوبيان الملازمة: أن من يمنع ذلك، ويشترط في حكم الأصل الإجماع، إنما دعاه إلى","vol":"4","page":173},{"text":"<span data-type='title' id=toc-795>شُرُوطُ عِلَّةِ الأَصْلِ</span>\nمَسْأَلَةٌ:\n\nوَمِنْ شُرُوطِ عِلَّةِ الأَصْلِ:<span data-type='title' id=toc-796> أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ،</span> أَيْ: مُشْتَملَةً عَلَى حِكْمَةٍ مَقْصُودَةِ لِلشَّارعِ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ؛ لأِنَّهَا إِذا كَانَتْ مُجَرَّدَ أَمَارَةٍ، وَهِيَ مُسْتَنْبَطَةٌ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ - كَانَ دَوْرًا.\n<hr><s0>\n\nذلك، حيث حصول الانتقال، وانتشار الكلام، وهذا لا يخص حكم الأصل، بل يعم كل مقدمة تقبل المنع.\nالشرح: \"ومنها\" أي: ومن شروط حكم الأصل \"ألّا يكون دليل حكم الأصل شاملًا لحكم الفرع\"، وإِلَّا لم يكن جعل أحدهما أصلًا، والآخر فرعًا أَوْلَى من العكس (^١).\nمئاله: الذُّرَة رِبَوِيّ قياسًا على البُرّ، بجامع الطَعْم، فيمنع البُرّ، فيقول: قال ﵊: \"لا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ\".\nفإن تناول الطعام للبر كتناوله للذرة. وقد نجز الكلام على شروط الأصل.\n«مسألة»\nالشرح: \"ومن شروط علّة الأصل: أن تكون بمعنى البَاعِثِ (^٢)، أي مشتملة على حكمة\n_________\n(^١) ينظر: نهاية السول ٤/ ٣٠٠، وشرح العضد ٢/ ٢٢٩، وجمع الجوامع ٢/ ٢٥٢، وشرح الكوكب المنير ٥٠٢، وإرشاد الفحول (٢٠٨)، والتحرير ٤٦٢، والتيسير ٤/ ٣٣، وفواتح الرحموت ٢/ ٢٩٠.\n(^٢) العلة: تأتي بكسر العين وبفتحها:\nأما بالكسر: فإنها تأتي بمعنى المرض، يقال: اعتلَّ العليل علة صعبة، من عل يعل، واعتل: أي مرض، فهو عليل، وأما بالفتح فإنها تأتي بمعنى الضرة وبنو العلات: بنو رجل واحد من أمهات شتى، وإنما سميت الزوجة الثانية علة؛ لأنها تعل بعد صاحبتها، من العلل الذي يعني به الشربة الثانية عند سقي الإبل، والأولى منهما تسمى النهل.\nويقال: هذا علة لهذا، أي سبب، وفي حديث عائشة: فكان عبد الرحمن يضرب رجلي بعلة الراحلة، أي بسببها.\nأما العلة عند علماء الأصول فلها تعريفات كثيرة منها:\nأنه يراد بها:","vol":"4","page":174},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nمقصودة للشارع من شرع الحكم\"، من تحصيل مصلحة أو تكميلها، أو دَفْع مَفْسَدة، أو تقليلها، \"لأنها إذا\" لم تكن كذلك، بل \"كانت مجرّد أمارة\" لم يكن له فائدة إلا تعريف الحكم، وإنما يعرف بها الحكم إذا لم تكن منصوصةً أو مجمعًا عليها، وإلا عرف الحكم بالنص والإجماع.\nفإن قوله - مثلًا -: الحُرْمة في الخمر معللة بالإسكار، تصريح بحرمة الخَمْرِ، فلا\n_________\n= الوصف المؤثر في الأحكام لجعل الشارع لا لذاته، ومما صار على ضرب هذا التعريف الإمام الغزالي وبعض الأصوليين، قال حجة الإسلام قدس الله سره ونوّر ضريحه: والعلة في الأصل: عارة عما يتأثر المحل بوجوده؛ ولذلك سمي المرض علة، وهي في اصطلاح الفقهاء على هذا المذاق.\nوقال أيضًا: العلة عبارة عن موجب الحكم، والموجب: ما جعله الشرع موجبًا، مناسبًا كان أو لم يكن، وهي كالعلل العقلية في الإيجاب، إلا أن إيجابها بجعل الشارع إياها موجبة لا بنفسها، وقال أيضًا: والعلة موجبة، أما العقلية فبذاتها، وأما الشرعية فبجعل الشرع إياها موجبة على معنى إضافة الوجوب إليها، كإضافة وجوب القطع إلى السرقة، وإن كنا نعلم أنه إنما يجب بإيجاب الله تعالى أنه يراد بها المعرف للحكم، والذين صاروا إلى هذا التعريف يجعلونها بهذا المعنى - علمًا - على الحكم، فمتى ما وجد المعنى المعلل به عرف الحكم، حتى إن بعضهم صرّح بكونها كذلك، فقال: \"ما جعل علمًا على حكم النص، وعنوا بقولهم: علمًا\" الأمارة والعلامة؛ وبهذا تكون العلة: إما على وجوب الحكم في الفرع والأصل معًا، أو علامة على وجوده في الفرع فقط، كما يرى بعض الأصوليين.\nكما أنهم أيضًا أشاروا إلى أن العلة غير مؤثر حقيقة، بل المؤثر في الحقيقة هو الله تعالى، ويردون بذلك على من يقول: إنها هي المؤثر.\nوممن ذهب إلى هذا التعريف: الإمام البيضاوي وكثير من علماء الأحناف وبعض فقهاء الحنابلة.\nوالثالث: أن العلة: هي الوصف المؤثر بذاته في الحكم.\nوبعبارة أخرى: هي الموجب للحكم بذاته بناء على جلب المصالح أو دفع المفاسد التي قصدها الشارع. وهذا التعريف ذكره الأصوليون عن جماهير المعتزلة.\nقال أبو الحسين البصري في المعتمد:\nوأما العلة في اصطلاح الفقهاء: فهي ما أثرت حكمًا شرعيًّا، وإنما يكون الحكم شرعيًّا إذا كان مستفادًا من الشرع. ينظر: الصحاح للجوهري: ٥/ ١٧٧٣، وتهذيب اللغة للأزهري ١/ ١٠٥،=","vol":"4","page":175},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nيكون قد عرف بالعلّة، \"فلم يَبْقَ\" (^١) إلا أن يعرف بها، \"وهي مستنبطة من حكم الأصل\"، ولو كان كذلك \"كان دورًا\"؛ لأن المستنبطة لا تعرف إلا بثبوت الحكم، فلو عرف ثبوت الحكم بها، كان دورًا واضحًا.\nولقائل أن يقول: لا نسلم أنها إذا كانت منصوصةً لا تعرف حكم الأصل، بل العلّة المعرف، وهي تعرف حكم الأصل والفرع.\nوسترى تحقيق هذا - إن شاء الله - عند قول المصنّف: الشافعية: حكم الأصل ثابت بالعلة، سلمنا أنها في الأصل لا تعرف، ولكنها معروفه بالأصل، معرفة في الفرع، فلا دور.\nوقد ارتضى المصنّف هذا من قبل، حيث قال: ولذلك كان الجامع فرعًا للأصل أصلًا للفرع.\nوأما تفسير العلّة بـ \"الباعث\"، فشيء قاله الآمدي، وحاد به عن مسلك أئمّتنا أجمعين، وهو عندنا من ذوي المَذَاهب؛ لإِفضائه إلى تعليل أفعال الرَّب بالأغراض، فلو عرف قائله غائِلَتَه لأبعد عنه، فإنه شرّ من مذهب القدرية؛ فإن الرب - تعالى - لا يبعثه شيء على شيء.\n_________\n= وترتيب القاموس ٣/ ٣٠٠، ولسان العرب ٤/ ٣٠٧٩ - ٣٠٨٠.\nوالبحر المحيط للزركشي ٥/ ١١١، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٣/ ١٨٥، ونهاية السول للأسنوي ٤/ ٥٣، ومنهاج العقول للبدخشي ٣/ ٥٠، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص ١١٤، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ٢٢٢، والمستصفى للغزالي ٢/ ٢٨٧، ٣٣٥، وحاشية البناني ٢/ ٢٣١، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٤/ ٣٢، وتخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص ٤٧، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٢٧٢، والمعتمد لأبي الحسين ٢/ ٢٤٦، والتحرير لابن الهمام ص ٤٣١، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ٣/ ٣٠٢، وكشف الأسرار للنسفي ٢/ ٢٨١، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٢١٧، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ٦٢، وحاشية نسمات الأسحار لابن عابدين ص ٢٤٣، وميزان الأصول للسمرقندي ٢/ ٨٢٥، وإرشاد الفحول للشوكاني ص ٢١٠، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٣/ ١٤١.\n(^١) سقط في ب.","vol":"4","page":176},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفإن قلت: ليس الباعث بهذا التفسير، بل المشتمل على حكمة مقصودة للشارع من شرع الحكم.\nقلت: قولك: مقصود للشَّارع من شرع الحكم، معناه: أنه لأجلها شرعه، وهذا هو الباعث والداعي.\nوحاصله أنك تقول: إن الرب - تعالى - حرم الخَمْر - مثلًا - لأجل الإِسكار، وذلك هو الفعل لغرض الذي تَنزَّه الباري - تعالى - عنه؛ لأن من فعل فعلًا لغرض لا بد أن يكون حصول ذلك الغرض بالنسبة إليه أولى من لا حصوله، وإلا لم يكن غرضًا، وإذا كان أولى، اكتسب به فاعله صفة مَدْح، ويكون حصول تلك الأولوية لله - تعالى - متوقفةً على الغَيْرِ، فتكون ممكنة غير واجبة، فيكون كماله - تعالى - ممكنًا غير واجب، وهو باطل.\nلا يقال: حصول ذلك الغرض، ولا حصوله مستويان بالنِّسبة إلى الله - تعالى - ولكن متفاوتان بالنسبة إِلى العبد، فيفعله - تعالى - لا بغرضه، بل لغرضهم؛ لأنا نقول: فعله لذلك الفِعْلِ ليحصل غرضهم، إِن كان أولى من لا فعله، جاء حديث الاستكمال، وإن لم يكن فتحصيل الغرض إِن كان لتحصيل غرض آخر لهم، كان الكلام فيه كالأول، وتسلسل.\nفالحق الأَبْلَجُ ما عليه سلف هذه الأمة: من أن أحكام الله - تعالى - لا تعلل.\nفإن قلت: فقد اشتهر قول الفقهاء: علّة الحكم الفلاني كذا، أو الباعث على كذا وكذا، فما الجامع بينه وبين قول المتكلّمين بعدم التعليل؟.\nقلت: لم يعن الفقهاء بالعلّة، المؤثر، كما عناه المعتزلة، ولا الباعث على التشريع، كما عناه الآمدي، وإنما عنوا أن العلّة باعثة للمكلّف على الامتثال، فحفظ النفوس يبعث [المكلف] (^١) على فعل القِصَاص، الذي حكم به الله - تعالى - لباعث (^٢) بعثه فيه. نبه عليه الشيخ الإمام الوالد تغمّده الله برحمته.\n_________\n(^١) في ب: المكلفين.\n(^٢) في أ، ب: الباعث.","vol":"4","page":177},{"text":"وَمِنْهَا: أَنْ يكُونَ وَصْفًا ضَابِطًا لِحِكْمَةٍ لَا حِكْمَةً مُجَرَّدَةً؛ لِخَفَائِهَا، أَوْ لِعَدَمِ انْضِبَاطِهَا، وَلَوْ أَمْكَنَ اعْتِبَارُهَا، جَازَ عَلَى الأصَحِّ.\nوَمِنْهَا:<span data-type='title' id=toc-798> أَلَّا تَكُونَ عَدَمًا فِي الْحُكْمِ الثُّبُّوتِيِّ.</span>\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"ومنها\" أي: ومن شروط العلة \"أن تكون وصفًا ضابطًا لحكمة (^١)، لا حكمة مجردة؛ لخفائها\" كالرضا في البَيْعِ، ولذلك شرطت الصيغ للعقود؛ لكونها ظاهرة منضبطة، \"أو لعدم انضباطها\" كالمشقّة، فإن لها مَرَاتب، وهي تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال اختلافًا شديدًا، فنيطت بالسَّفَرِ لانضباطه.\n\"ولو\" وجدت حكمة مجردة، وكانت ظاهرة بنفسها، منضبطة بحيث \"أمكن اعتبارها، جاز\" اعتبارها، وربط الحكم بها \"على الأصح\"؛ لأنا نعلم قطعًا أنها هي المقصودة للشارع، وإنما عدل عن اعتبارها لمانع خفائها، أو اضطرابها دَرْءًا للتَّشَاجُرِ والتنافس، فإاذا زال المانع، جاز اعتبارها.\nوقيل: لا يجوز.\n\nالشرح: \"ومنها: ألا تكون عدمًا في الحكم الثّبوتي\"؛ وفاقًا للآمدي، وخلافًا للإمام\n_________\n(^١) الحكمة لغة: عبارة عن: معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها: حكيم، ومن هنا سمي العالم حكيمًا؛ لأنه صاحب حكمة متقن للأمور، ومن أقرب التعريفات اللغوية إلى معناها الاصطلاحي قولهم: إنها ما تعلقت بها عاقبة حميدة، وهي بخلاف السفه، وتأتي أيضًا بأنها العلم الذي يمنع ما يقبح إلى ما يحسن.\nالحكمة اصطلاحًا:\nأطلق علماء الأصول الحكمة على شيئين اثنين:\nفالجمهور يطلقها على ما يترتب على التشريع من جلب مصلحة أو تكميلها، أو دفع مفسدة أو تقليلها، وبعض الأصوليين يرى أنها: الأمر المناسب نفسه، وعليه فإن المصلحة أو المفسدة أنفسهما يطلق عليهما هذا اللفظ عندهم.\nومن خلال تعاريف العلة والحكمة نستطيع أن نفرق بين العلة والحكمة، فعلة الحكم: هي الوصف الذي جعله الشارع مناطًا لثبوت الحكم، حيث ربط الشارع به الحكم وجودًا وعدمًا؛ بناء على أنه مظنة لتحقيق المصلحة المقصودة للشارع من شرع الحكم.\nأما الحكمة: فهي المصلحة نفسها؛ ولذلك فإنها قد تتفاوت درجاتها في الوضوح والانضباط، وقد تخفى فلا تكون معلومة للعباد أصلًا. ينظر: لسان العرب ٢/ ٩٥١.","vol":"4","page":178},{"text":"لنَا: لَوْ كَانَ عَدَمًا لكَانَ مُنَاسِبًا أَوْ مَظِنَّتَهُ.\nوَتَقْرِيرُ الثانِيَةِ: أن العدمَ الْمُطْلَقَ بَاطِلٌ، وَالْمُخَصَّصُ بِأَمْر إِنْ كَانَ وُجُودُهُ مَنْشَأَ مَصْلَحَةٍ فَبَاطِلٌ، وإنْ كَانَ مَنْشَأَ مَفْسَدَةٍ، فَمَانِعٌ وَعَدمُ الْمَانِع لَبْسَ عِلَّةً، وَإنْ كَانَ وُجُودُهُ يُنَافِي وُجُودَ الْمُنَاسِبِ، لَمْ يَصْلُحْ عَدَمُهُ مَظِنَّةً لِنَقِيضِهِ؛ لأِنَّهُ إِنْ كَانَ ظَاهِرًا تَعَيَّنَ بِنَفْسِهِ، وَإنْ كَانَ خَفِيًّا فَنَقِيضُهُ خَفِيٌّ، وَلَا يَصْلُحُ الخَفِيّ، مَظِنَّةَ للخَفِيِّ وَإنْ لَمْ يَكُنْ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.\n<hr><s0>\n\nالرّازي وأتباعه (^١).\nالشرح: \"لنا: لو كان\" الوصف \"عدمًا، لكان مناسبًا أو مظنّته، واللازم باطل بقسميه.\nوتقرير الأول، وهي الملازمة: أنه لا بُدّ أن يكون بمعنى الباعث؛ لأن العلة الباعث، وهو إِما نفس الباعث، وهو المناسب، أو أمر مشتمل عليه، وهو المَظِنّة.\nالشرح: \"وتقرير الثانية\": أي: بطلان اللازم \"أن العدم\" المعلل به إما أن يكون العدم \"المطلق\"، فالتعليل به \"باطل\" قطعًا؛ لعدم تخصيصه بمحلّ وحكم، ولاستواء نسبته إلى الكل، أو العدم المخصص، أي: المقيّد، \"والمخصص بأمر\" إما أن يكون وجود ذلك الأمر منشأ لمصلحة أو لمفسدة، أو لا يكون، \"إن كان وجوده منشأ مصلحة، فباطل\" أن يكون عدمه مناسبًا، أو مظنة مناسب؛ لأن اعتبار عدمه تفويت لتلك المَصْلَحة، فلا يصلح مقصودًا.\n\"وإن كان منشأ مفسدة\" وعدمه عدم \"مانع، وعدم المانع ليس علة\"، بل لا بد معه من مُقْتض، فلو قال قائل: أكرمت زيدًا؛ لأنه لا ماء من إكرامه، عُدّ سَخَفًا، بل لا بد له من ذكر المقتضي، هذا إِذا كان وجوده منشأ لمصلحة أو مَفْسَدة، حتى يكون عدمه مناسبًا، وإن لم يكن كذلك حتى يكون عدمه مظنّة.\nفإما أن يكون وجوده منافيًا للمناسب أو لا، \"فإن كان وجوده ينافي وجود المناسب\"،\n_________\n(^١) ينظر: المحصول ٢/ ٢/ ٤٣٨، وشرح التنقيح (٤١١)، وشرح العضد ٢/ ٢٣٢، وجمع الجوامع ٢/ ٢٦١، والمنتهى ١٣٠، وتيسير التحرير ٤/ ٣٧، وفواتح الرحموت ٢/ ٢٩٢، ونشر البنود ٢/ ١٥٣، والإبهاج ٣/ ١٦١.","vol":"4","page":179},{"text":"وَأَيْضًا: لَمْ يُسْمَعْ أَحَدٌ يَقُولُ: الْعِلَّةُ كَذَا أَوْ عَدَمُ كَذَا.\n<hr><s0>\n\nفهو بحيث يستلزم وجوده عدم للمناسب، ولا بد أن يستلزم عدمه وجود المُنَاسب؛ لتحصل الحكمة به، وحينئذ يكون هو نقيض المناسب.\nويكون حاصله: أنه كلما عدم نقيض المناسب، فالحكم كذا، ويجعل عدم نقيض المُنَاسبة مظنّة لوجود المناسب، وهذا لا يصح؛ لأن نقيض المناسب إن كان ظاهرًا، أَغْنَى عن المظنة بنفسه، وكان هو العلّة بالحقيقة، وإليه أشار بقوله: \"لم يصلح عدمه مظنة لنقيضه؛ لأنه إن كان ظاهرًا تعيّن بنفسه، وإن كان خفيًّا فنقيضه (^١) \"، وهو ما عدمه مظنة - أيضًا - \"خفي\" لاستواء النقيضين في الجَلَاءِ والخَفَاءِ.\nوإليه أشار بقوله: وإن كان خفيًّا، فنقيضه خفي \"ولا يصلح الخَفِيّ مظنة للخفي، وإن لم يكن\" منافيًا لمناسب، فالمناسب يحصل عند وجوده كما يحصل عند عدمه، \"فوجوده\" يكون \"كعدمه\"، ولا خصوصية لأحدهما به، فلا يكون عدمه خاصّة مظنة للمصلحة، فلا تصلح علة، وقد فرضناه علة، وهذا خلف.\nولنوضح ذلك بمثال، فنقول: إِذا قلنا: بيع الآبِقِ باطل؛ لعدم القدرة على التسليم، فبطلانه إِما لأن في البطلان مصلحة، فيلزم من اعتبار عدمه تفويتها، أو مفسدة، فغايته أن الإِبَاقَ مانع، فما المقتضي للبطلان؟.\nوإما لا لهذين، فإما أن يكون منافيًا لمناسب البطلان كما لا يملك مثلًا، فإن بيعه مناسب للبُطْلَان.\nالشرح: \"وأيضًا\" مما يدلّ على أنه لا يعلل الثبوتي بالعدمي: أنه \"لم يسع أحد\" من العلماء \"يقول: العلّة كذا، أو عدم كذا، مع كثرة السَّبْرِ والتقسيم، ولو كان حقًّا لسمع ولو قليلًا.\nولقائل أن يَقُولَ: قد سمع كثيرًا، كما قالوا في بيع الآبِقِ: باطل؛ لعدم القدرة على التسليم، وعلة تصرف الولي في موليه المجنون: عدم التمييز، وهو مما لا ينحصر.\n_________\n(^١) في ب: يقتضيه.","vol":"4","page":180},{"text":"وَاسْتُدِلَّ: بِأَنْ لَا عِلَّةَ عَدَمٌ، فَنَقِيضُهُ وُجُودٌ، وَفِيهِ مُصَادَرَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ.\nقَالُوا: صَحَّ تَعْلِيلُ الضَّرْبِ بِانْتِفَاءِ الاِمْتِثَالِ.\nقُلْنَا: بِالْكَفِّ: وَأَلَّا يَكُونَ الْعَدَمُ جُزْءًا مِنْهَا لِذَلِكَ.\n\nوَ<span data-type='title' id=toc-799>أَلَّا تَكُونَ الْمُتَعَدِّيَةُ المحَلَّ وَلَا جُزْءًا مِنْه،</span> لامْتِنَاعِ الإْلْحَاقِ؛ بِخِلَافِ الْقَاصِرَةِ، قَالُوا: انْتِفَاءُ مُعَارَضَةِ الْمُعْجِزَةِ جُزْءٌ مِنَ الْمُعَرِّفِ لَهَا، وَكَذَلِكَ الدَوَرَانُ وَجُزْؤُهُ عَدَمٌ.\nقُلْنَا: شَرْطٌ لَا جُزْءٌ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"واستدل بأن\" العلّة وجودية، فلا يتّصف بها العدم، وذلك لأن \"لا علة عدم\"؛ لصدقه على المعدوم، \"فنقيضه\" وهو العلة \"وجود\"، وإلا ارتفع النَّقيضان \"وفيه مصادرة، وقد تقدم مثله\" في مسألة الحسن والقبح.\nوالمجوّزون \"قالوا: صحّ تعليل الضرب\"، وهو وجودي \"بانتفاء الامتثال\"، وهو عدمي.\nقلنا: لا نسلّم أن التعليل بانتفاء الامتثال، بل \"بالكَفّ\" عن الامتثال، وهو ثبوتي.\nالشرح: \"وألّا تكون المتعدية المحل ولا جزءًا منه؛ لامتناع الإلحاق، بخلاف القَاصِرَةِ. قالوا: انتفاء معارضة المعجزة جزء من المعرف [بها] (^١)، وكذلك الدَّوَرَان، وجزؤه عدم. قلنا: شرط لا جزء\"، كذا بخط المصنّف، ووقع في نسخ الشَّارحين تقديم وتأخير وزيادة، ونحن نشرح ما وجدناه بخطّه.\nوحاصله: أن العلّة تنقسم إِلى متعدية، وهي التي تتجاوز الأصل، وتوجد في غيره، وقاصرة لا تتعدّاه.\nأما المتعدّية فيشترط فيها: ألا تكون هي المَحَلّ، ولا جزءًا من المحل خاصًّا به؛ لامتناع إِلحاق الفرع بالأصل - حينئذ - إذ يمتنع أن يتحقق في الفرع محل حكم الأصل، أو\n_________\n(^١) في ج: لها.","vol":"4","page":181},{"text":"وَالقَاصِرَةُ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ صَحِيحَةٌ بِاتِّفَاقٍ، وَالأَكْثَرُ عَلَى صِحَّتِهَا بِغَيْرِهِمَا، كَتَعْلِيلِ الرِّبَا فِي النَّقْدَيْنِ بِجَوْهَرِيتِهِمَا؛ خِلَافًا لأِبِي حَنِيفَةَ ﵁.\n<hr><s0>\n\nجزؤه الخاصّ به، بخلاف القاصرة، فإنه يجوز كونها المحل، أو جزءه الخاص؛ إِذ لا تعدى، فلا مانع.\nوجوز بعضهم التعليل بالجزء؛ محتجًا بأن معرفة كون المعجز معجزًا أمر وجودي. وهو [معلل] (^١) بالتحدّي بالمعجز، مع انتفاء المعارض، فهذه علّة جزؤها عدم، وكذلك الدوران علة لمعرفة كون المَدَارِ علة، وهي وجودية، والدوران مشتمل على جزء عدمي؛ لأنه عبارة عن الوجود مع الوجود، والعدم مع العدم، فأحد جزءيه عدم.\nوجوابه: أن العدم في الصورتين شَرْط لا جزء.\nواعلم أنّ الخلاف إِنما هو في الجزء الخاصّ، ولذلك قيدناه في كلامنا، وأما الجزء العام، فيجوز التعليل به بلا خلاف، كتعليل ربوية البُرّ بالطعم.\nالشرح: \"والقاصرة بنصِّ أو إِجماع صحيحة\"، أي: يجوز التعليل بها \"باتفاق\"، نقله جماعة، منهم: القاضي أبو بكر، وأغرب القاضي عبد الوَهَّاب المالكي فنقل الخلاف.\n\"والأكثر على صحتها\"، وإن كانت علّتها معروفة \"بغيرهما\"، أي بغير النص والإِجماع، وهو رأي الشافعي، ومالك، وأحمد، والقاضي أبي بكر، والقاضي عبد الجَبَّار، والإِمامين، والآمدي، وغيرهم (^٢).\nوذلك \"كتعليل\" الشافعية \"الرِّبَا في النَّقْدَين بجوهريتهما\".\nومنهم من يقول: بثمنيّتهما، أي: كونهما أَثْمَان الأشياء.\nومقتضى عبارة الرافعي، وأسعد [الميهني] (^٣): أن العبارتين سواء في المعنى،\n_________\n(^١) في ب: يتعلل.\n(^٢) ينظر: البرهان ٢/ ٨١، والمعتد ٢/ ٢٦٩، والمحصول ٢/ ٢/ ٣، والتبصرة، ٤٥٢، والمستصفى ٢/ ٣٤٥، والتلويح ٢/ ٦٦، وفواتح الرحموت ٢/ ٢٧٦، والمنتهى (١٢٦)، وروضة الناظر (٦٩)، والمسودة ٤١١، ونشر البنود ٢/ ١٣٨.\n(^٣) أسعد بن أبي نصر بن الفضل، مجد الدين، أبو الفتح الميهني، ولد سنة ٤٦١، وكان إمامًا=","vol":"4","page":182},{"text":"لَنَا: أَنَّ الظَّنَّ حَاصِلٌ بِأَنَّ الْحُكْمَ لأِجْلِهَا، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِالصِّحَّةِ؛ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا.\n<hr><s0>\n\nوالصواب اختلافهما؛ فإن الثمنيّة عبارة عن كون المَحَلّ يتعامل به عادة، وهذه الحالة منتفية في الحُلِيّ، وهو ربوي، فلو كانت الثمنية هي العلّة لقصرت عن بعض مجازي الحكم، بخلاف الجَوْهَرِيّة، فإنها عامة في كل محل يصلح لأن يتخذ ثمنًا \"غالبًا\" (^١)، فالتعبير بـ \"الجوهرية\" كما في الكتاب أصح، وهو ما ذكره الغَزَالي في \"تحصين المأخذ\" وغيره من المحققين.\nونظيره: تعين الماء لرفع الحدث وإزالة الخبث.\nقال بعض أصحابنا: إنه لاختصاصه بنوع من اللَّطَافَةِ والرقة والتفرد في التركيب، الذي لا يشاركه فيها سائر المَائِعَاتِ، وهاتان قاصرتان، وقد علل بهما.\n\"خلافًا لأبي حنيفة\"، وأبي عبد اللّه البَصْرِي، وبعض أصحابنا، ولذلك عندنا وجه: أن ربوية الذهب والفضة، واختصاص الماء بالرفع والإزالة ليس لمعنى، بل مجرّد تعبّد.\nالشرح: \"لنا: أن الظن حاصل\" عند اجتهاد الناظر في طلب العلّة إِذا أدّاه اجتهاده إِلى أن العلة هي الوصف القاصر \"بأن الحكم لأجلها، وهو المعنى بالصحة، بدليل صحة المنصوص عليها\"، فإنه إِذا حصل الظن في المنصوص عليها \"بأن الحكم لأجلها\" صحّ التعليل بها، والاستنباط استخراج لما يحاكي المنصوص، ثم المجتهد إِذا نقب عن العلّة لا يدري أيَقَعُ على متعدّية أو قاصرة؟ والقاصرة لا يدري أيجدها منصوصة أو مستنبطة، فما المانع من استخراجها بالاستنباط؟.\n_________\n= كبيرًا في الفقه والخلاف، وله في الخلاف طريقة مشهورة، تفقه على أبي المظفر السمعاني، وأخذ الأصول عن أبي عبد الله الفراوي، ورحل إلى غزنة من نواحي الهند، وانتفع الناس به وبطريقته الخلافية.\nتوفي سنة ٥٢٧. ينظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٢٩٩، ووفيات الأعيان ١/ ١٨٧، والبداية والنهاية ١٢/ ٢٠٠، وفي أ، ج: الميهي.\n(^١) في ج: غاليًا.","vol":"4","page":183},{"text":"وَاسْتُدِلَّ: لَوْ كَانَتْ صِحَّتُهَا مَوْقُوفَةً عَلَى تَعْدِيَتِهَا، لَمْ تَنْعَكِسْ؛ لِلدَّوْرِ، وَالثَّانِيَةُ اتِّفَاقٌ.\nوَأُجِيبَ: بِأنَّهُ وَقْفُ مَعِيَّةٍ.\nقَالُوا: لَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً، لَكَانَتْ مُفِيدَةً، وَالْحُكْمُ فِي الأَصْلِ بِغَيْرِهَا، وَلَا فَرْعَ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"واستدلّ\" بدليل ذكره بعض أصحابنا، واعتمده أسعد الميهني في \"التعليقة\"، وهو أن العلّة \"لو كانت صحتها موقوفة على تعديتها، لم تنعكس\" أي لم تكن تعديتها موقوفة على صحّتها؛ للدور.\n\"والثانية\" أي: بطلان الثاني \"اتفاق\"؛ لتوقّف تعديتها على صحتها بالإِجماع.\n\"وأجيب\" أولًا: بما ذكره القاضي الرَّشيد أبو طالب الأصفهاني من أصحابنا في \"طريقته\": بأنكم إِن أردتم بالتَّعدية الموقوفة على صحّة العلة ثبوت الحكم بها في الفرع، فمسلم، ولكن لا نسلّم أن التعدية بهذا الاعتبار شرط في صحة العلة.\nوإن أردتم وجودها في الفرع لا غَيْر، فلا دَوْر؛ فإِن صحة العلة وإن كان مشروطًا بوجودها في غير محل النص، فوجودها فيه غير متوقّف على صحتها في نفسها.\nوتبعه الآمدي في \"تعليقته\" في الخلاف، وفي \"الإحكام\" أيضًا.\nوزاد ما اقتصر عليه المصنّف، وهو: أنا لو سلمنا الدور، أجبنا \"بأنه وقف معيّة\"، كتوقّف كل من المُتَضَايقين على الآخر، وإذا كان كذلك لم يُنَاف توقف التعدية على الصحة، فلا امتناع فيه.\nوأقصى ما تشبّث به المانعون من القاصرة، أن \"قالوا: لو كانت صَحِيحة، لكانت مقيدة\" لامتناع الحكم من غير فائدة، لكنها غير [مفيدة] (^١)؛ لأن فائدتها منحصرة في إثبات.\nقال أبو زيد الدّبوسي: لأن الفائدة منحصرة في علم أو عمل، والتعليل بالرأي والاجتهاد لا يكون موجبًا علمًا، وإنما صير إِليه لفائدة العمل، فإذا [لم يتعد] (^٢)، لم يفد\n_________\n(^١) في أ: مقيدة.\n(^٢) في أ، ب: لم ينعدم.","vol":"4","page":184},{"text":"وَرُدَّ بِجَرَيَانِهِ فِي الْقَاصِرَةِ بِنَصٍّ، وَبِأَنَّ النَّصَّ دَلِيلُ الدَّلِيلِ، وَبِأَنَّ الْفَائِدَةَ مَعْرِفَةُ الْبَاعِثِ الْمُنَاسِبِ؛ فَيَكُونُ أَدْعَى إِلَى الْقَبُولِ، أَوْ إِذَا قُدِّرَ وَصْف آخَرُ مُتَعدٍّ، لَمْ يتَعَدَّ إِلَّا بِدَلِيل عَلَى اسْتِقْلالِهِ.\n<hr><s0>\n\nعملًا، لا في الأصل ولا في الفرع، وذلك ظاهر، \"والحكم في الأصل\" ثابت \"بغيرها، ولا فرع\"؛ إِذ هي قاصرة، فلا فائدة.\n\"وردّ\" بوجوه أربعة:\nالشرح: \"بجريانه في القاصرة بنص\" أو إِجماع، مع جوازه اتفاقًا، فلو صح ما ذكروه، كان النص عليها [عَبَثًا] (^١)، وإجماع الأمة عليها خطأ؛ فإِنها لو لم تكن حقًّا، لما أجمعت الأمة عليها.\n\"وبأن النَّص دليل الدليل\"، فإنه دليل العلّة، والعلة دليل الحكم، فإذن الحكم [في الأصل] (^٢) ثابت بالعلة، فقولهم: إِنه ثابت بالنص لا بالعلّة، لا يستقيم، وسيتضح هذا - إِن شاء الله تعالى - عند قول الشافعية: حكم الأصل بالعلة.\n\"وبأن الفائدة\" غير منحصرة فيما ذكرتم من إِثبات الحكم بها، بل ثمَّ فوائد: منها: \"معرفة الباعث المناسب\" للحكم، \"فيكون أدعى إلى المقبول\" والانقياد مما لا يعقل له معنى، ولو سلّمنا أنه لا يكون أَدْعَى إلى القبول، إِلا أن مجرد الاطلاع على الباعث إِحاطة بعلم كنا غافلين عنه، وهو فائدة، وخرج بهذا قول أبي زَيْدٍ: إنها لا تفيد علمًا.\nفإن قلت: هذا ظنّ لا يقين.\nقلت: سيبحث عن ذلك.\nومنها: أنها تفيد منع حمل الفرع على الأصل، كما أن المتعدية تفيد إثبات الحمل؛ لأنا إذا علمنا أنها قاصرة منعنا القياس.\nفإن قلت: هذه الفائدة حاصلة بألا نجد الحكم معللًا بمتعدية، سواء وجدناه معللًا بقاصرة، أو غير معلل أصلًا.\nقلت: بتقدير أن يوجد في الأصل وصف مناسب للحكم متعد، يمتنع تعدية الحكم\n_________\n(^١) في أ، ج: عينًا.\n(^٢) في أ: بالأصل.","vol":"4","page":185},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nبه، إِلا بشرط التَّرْجيح، ولو لم يكن الحكم معللًا بالقاصرة، لزم تعدية الحُكْم بالمتعدية من غير شريطة، فكان المنع من القياس في هذه الصورة إِنما جاء من التعليل بالقاصرة، لي هذا كله أشار بقوله \"وإذا قدر وصف آخر متعدّ، لم يعد إِلا بدليل\" دالّ \"على استقلاله\" بالعلّية، وأن القاصرة منتفية، بخلاف ما إِذا لم تكن القاصرة، فَأَنى يعدّى الحكم بمجرد وجدان الوصف المناسب المتعدّى، من غير افتقار إِلى دلالة دليل على استقلاله؟\nفإن قلت: هذا إِنما يلزم لو جاز التعليل بالقاصرة مع وجود المتعدية، وهو ممنوع؛ فإان التعليل بالقاصرة - عند من يراه - مشروط بانتفاء المتعدية.\nقلت: لا نسلّم ذلك، وكلام أصحابنا كالصَّريح في جواز اجتماع القاصرة والمتعدية، وإليه أشار ابن السَّمْعَاني وغيره، ولو كان مشروطًا بذلك، لما تصور وقوع التعارض بينهما؛ إِذ هو فرع اجتماعهما.\nوقد اختلف أصحابنا فيما إذا وقع التعارض بينهما.\nفقيل: ترجح المتعدية، وقيل: القاصرة.\nوقيل بالوقف.\nفإن قلت: الجمهور على رُجْحَان المتعدية، فينبغي إِذا وجد وصف مناسب متعدّ، يحكم به من غير افتقار إِلى دلالة دليل على استقلاله، وحينئذ تنتفي الفائدة التي ذكرتموها في القَاصِرَةِ.\nقلت (^١): إنما ترجح المتعدية على القاصرة إِذا تساويا من كل وجه، إِلا وجهي القصور والتعدّي.\nأما لو ترجحت القاصرة بإجماع عليها أو غيره، فهي أرجح، فالفائدة باقيةٌ، وقد تترجّح القاصرة بوجه يقابل وجه التعدّى، فيتعادلان، فتكون الفائدة الوقف، ومنع المتعدية من التعدي.\nومنها: أنها تزيد النص قوة ويتعاضدان. ذكرها القاضي أبو بكر، قال: وكذلك سبيل كل دليلين اجتمعا في مسألة، فالفائدة اجتماع دليلين، ويكون الحكم ثابتًا بالعلّة والنص جميعًا.\n_________\n(^١) في ب: فإن قلت.","vol":"4","page":186},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقد اعترض أبو زيد هذا: بأن التعليل لا يصحّ لتعيين حكم النص، فكيف يصح لإِبطاله؟، وهذا يتضمّن إِبطال حكم النص؛ لأنه كان ثابتًا بالنَّص على الاستقلال، فبطل ثبوته على هذا الوجه؛ لصيرورته ثابتًا به وبغيره، قال: فإن لم يتضمّن الإِبطال، فلا بد أن يتضمّن التغيير، ولا يجوز تغيير حكم النّص المعلول بغلبة الظن.\nوأجاب ابن السَّمْعَاني: بأنه لا تغيير في هذا أصلًا؛ لأن الحكم كما كان لم يتبدل باقٍ على إِضافته إِلى النص، غاية الأمر أنه توالى دَلِيلان على حكم واحد، وذلك كما إِذا أضفنا خبر الواحد إِلى الكتاب، لا يجوز أن يقال: إِن في ذلك إِبطالًا للكتاب.\nومنها: أن المكلف يقصد الفعل لأجلها، فيحصل له أَجْرَان: أجر قصد الفعل للامتثال، وأجر قَصْدِ الفعل لأجلها، فيفعل المأمور به لكونه أمرًا، [وللعلة] (^١). ذكرها أبي ﵀.\nوذكر الشيخ أبو إِسحاق الشِّيرَازي فائدة أخرى، وهي أنه إِذا حدث هناك فرع، فيعلق على العلّة، ويلحق بالمنصوص عليه (^٢).\nورده إمام الحرمين بما حاصله: أن المسألة مفروضةٌ في القاصرة، ومتى حدث فرع يشاركها في المعنى خرجت عن أن تكون قاصرة (^٣).\nوقد تكلّمنا عليه في \"التعليقة\"، وذكرنا في الأخير أن الأظهر منعه، وقد خرج بتحقّق هذه الفوائد قول أبي زيد: إنها لا تفيد عملًا ولا علمًا.\nثم نقول: سلمنا أنها لا تفيد عملًا.\nفلم قلت: لا تفيد علمًا؟\nقولك: لأن الرأي والاجتهاد لا يكون موجبًا علمًا.\nقلنا: تريد بالعلم ما هو أعم من الظن واليقين، أو اليقين فقط؟\nإن أردت الأول فمسلم، أو الثاني، فممنوع، وهذا لأنا كما نطلب العلّة لنعمل بها، أو\n_________\n(^١) في ج: العلة.\n(^٢) ينظر: التبصرة ٤٥٢.\n(^٣) ينظر: البرهان ٢/ ١٠٨٣.","vol":"4","page":187},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nلنتيقن أنها علّة، كذلك نطلبها لنظنّ أنها علّة، وغاية ما يقولون على هذا: إن العمل بالظن خلاف الأصل، خالفناه في العمليات؛ للاحتياج إِليه، فليبق على الأصل فيما عداها.\nونحن نقول: بل العمل بالظَّن في الشرعيات مطلقًا واجب، ومن جملتها أن الحكم معلل، ولو صانعنا القوم، لكنا بسبيل من أن نقول: ظن أن الحكم معلل من جملة العمليات أيضًا؛ وهذا لأنّ العمل أعم من أعمال القلوب التي من جملتها الظن وغيرها.\nسلّمنا أن العمل بالظن - فيما لا عمل فيه - ممتنع، وإن ظن أن الحكم معلل بكذا ليس بعمل، ولكنا نقول: هذا كله إِنما يتم لو كان الاستنباط - أبدًا - لا يؤدّي إِلى العلم، ولم قلتم ذلك فربّ اجتهاد يؤدّي إِلى يقين العلة كما يؤدي إِلى ظنها؟\nثم قال علماؤنا: لو سلّمنا كل ما ذكروه، ولكن المستنبط \"للعلّة\" (^١) طالب لها، وهو في حال الاستنباط لا يدري أمتعديّة علة الحكم أم قاصرة؟.\nفيقال له: لا تتكلف هذا الطَّلب، ثم إِذا اطَّلع على القاصرة بظنّ أو يقين، لم يجز أن يدرأها بهذه الخيالات، وقد جوزوا النص عليها والإجماع، ولو كانت عبثًا لما جاز ذلك.\n\n\"فائدة\"\nقد علمت أن \"العلة\" (^٢) إما محل الحكم\" أو جزؤه، أو وصفه اللازم، كثمنيّة الذهب والفضة، ولا تعدى في أحد منها، أو جزؤه العام، كإسكارية الخَمْرِ، وهذا مكان التعدّى، [ونفي] (^٣) التعليل بمجرّد الاسم، كما لو عللنا كون النقدين ربويين بأن اسمهما ذهب وفضة.\nوقد ادّعى الإمام الرازي وأتباعه - منهم الشيخ الهِنْدي - الاتفاق على أنه لا يجوز التعليل به، وليس كما ادّعوه، فالخلاف في المسألة معروف بين أصحابنا، ورأى أبي إِسحاق الشيرازي: الجواز.\nوقال ابن السَّمْعَاني: قال الأصحاب: الاسم ضربان:\n_________\n(^١) في أ، ب: للغة.\n(^٢) في ب: للعلة.\n(^٣) في أ: وبقي.","vol":"4","page":188},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالأول اسم اشتقاق، وهو إِما من فعل، كالضَّارب والقاتل، فيجوز جعله علّة في قياس المعنى، وإما من صفة، كالأبيض والأسود، فهذا الاسم من علل [الأشباه] (^١) الصُّورية، فمن احتج بالشبه الصوري احتج به، وقد قال النَّبيّ ﷺ في الكلاب: \"اقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ\" (^٢)، فجعل السواد علمًا على إِباحة القتل.\nوالثاني: اسم لقب، وهو إِما مستعار، كـ \"زيد وعمرو\"، لا يدخله حقيقة ولا مَجَاز؛ لجواز أن ينقل اسم زيد إلى عمرو وبالعكس، فلا يجوز التعليل به، أو اسم لازم، كالرجل والمرأة، ففي جواز التعليل به وجهان، قال: والصحيح - عندي - أنه لا يجوز التعليل بالأَسَامي بحال؛ لأنها تشبه الطرود.\nقلت: وما [ذكروه] (^٣) حسن، إِلا أنه ليس الكلام في المشتق مما يصحّ تعليله به، [فقد صرح الإِمام الرازي، وغيره بأنه معلل بما منه الاشْتِقَاق، ولا في المشتقّ مما في تعليله به، (^٤) خلاف، كالشبه الصوري، فإن الخلاف يطرقه من قبل أنّ المشتق منه هل يصح أن يعلل به؟ وإنما الخلاف في اسم اللَّقب.\n_________\n(^١) في أ: الاشتباه.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٥٤، ٥٦، ٥٧، والدارمي في السنن ٢/ ٩٠، كتاب الصيد، باب في قتل الكلاب، وأبو داود في السنن ٣/ ٢٦٧، كتاب الصيد (١١) باب في اتخاذ الكلب للصيد وغيره (١)، الحديث (٢٨٤٥)، والترمذي في السنن ٤/ ٨٠، كتاب الأحكام والفوائد (١٩) باب ما جاء من أمسك كلبًا ما ينقص من أجره (٤) الحديث (١٤٨٩)، وفي ٤/ ٧٨، باب ما جاء في قتل الكلاب (٣)، الحديث (١٤٨٦) والنسائي في المجتبي من السنن ٧/ ١٨٥ كتاب الصيد والذبائح، باب صفة الكلاب التي أمر بقتلها (١٠)، وابن ماجه في السنن (٢/ ١٠٦٩)، كتاب الصيد (٢٨) باب النهي عن اقتناء الكلب إلا كلب صيد (٢) الحديث (٣٢٠٥).\n* قيل: الأسود البهيم: الذي لا يكون فيه شيء من البياض. قال أبو سليمان الخطابي: معنى هذا الكلام أنّ النبي ﷺ كره إفناء أمة من الأمم، وإعدام جيل من الخلق؛ لأنه ما من خلق لله ﷿ إلا فيه نوع من الحكمة، وضرب من المصلحة. يقول: إذا كان الأمر على هذا، لا سبيل إلى قتلهن كلهن، فاقتلوا شرارهن، وهي السود البهم، وأبقوا ما سواها؛ لتنتفعوا بهن في الحراسة.\n(^٣) في ب: ذكر.\n(^٤) سقط في ب.","vol":"4","page":189},{"text":"وَفي النَّقْضِ، وَهُوَ وُجُودُ المُدَّعَى عِلَّةَ مَعَ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ.\nثَالِثُهَا: يَجُوزُ فِي الْمَنْصُوصَةِ لَا الْمُسْتَنْبَطَةِ.\nوَرَابِعُهَا: عَكْسُهُ.\nوَخَامِسُهَا: يَجُوزُ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ بِمَانِعٍ، وَلَا عَدَمِ شَرطٍ.\nوَالمُخْتَارُ: إِنْ كَانَتْ مُسْتَنبطَة، لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِمَانِع أَوْ عَدَمِ شَرْطٍ؛ لأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ عِلِّيَّتُهَا إِلَّا بِبَيَانِ أحَدِهِمَا؛ لأَنَّ انْتِفَاءَ الْحُكْم، إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِعَدَمِ - الْمُقْتَضِي، وَإنْ كَانَتْ مَنْصُوصَةً، [فَـ] بِظَاهِرٍ عَامٍّ فَيَجِبُ تَخْصِيصُهُ كعَامٍّ وَخَاصٍّ، وَيجبُ تَقْدِيرُ الْمَانِعِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: قوله: \"وفي النَّقْض، وهو: وجود المدّعي علة مع تخلف الحكم\"، مذاهب:\nأحدها: أنه يجوز مطلقًا، فلا يقدح في العلّة، فلا يكون الاطراد من شروطها.\nوالثاني: لا يجوز، فيكون قادحًا، ويشترط الاطراد.\nالشرح: \"وثالثها: يجوز في المنصوصة لا المستنبطة.\nورابعها: عكسه.\nوخامسها: يجوز في المستنبطة، وإن لم يكن مانع ولا عدم شرط.\nوالمختار: إِن كانت مستنبطة لم يَجُزْ إِلا بمانع، أو [عدم] (^١) شرط؛ لأنها لا تثبت علّيتها إِلا ببيان أحدهما؛ لأن انتفاء الحكم إِذا لم يكن ذلك\"، أي إِذا لم يكن أحدهما حاصلًا، يكون \"لعدم المقتضى، فإن كانت منصوصة، فبظاهر\"؛ إِذ لو كان بقاطع، لم يتخلّف الحكم عنه \"عام\"؛ إذ لو كان خاصًّا لمحل الحكم، لم يثبت التخلّف، وهو خلاف المقدر، \"فيجب تخصيصه، كعام وخاص\" تعارضا، \"ويجب تقدير المانع\".\n_________\n(^١) سقط في ب.","vol":"4","page":190},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nاعلم أن الكلام في النقض من عَظَائم المشكلات أصولًا وجدلًا، وأنا مورد - إن شاء الله تعالى - ما فيه مقنع وبلاغ، فأقول: إِذا وجد ما ادّعاد المعلل علة في صورة من الصور، والحكم منفيّ فيها، فذلك هو ما نتكلّم فيه، ومن يجعله قادحًا في الوصف مبطلًا عقيته، يسميه \"نقضًا\".\nوأما من لا يراه قادحًا، فلا يسمح بإطلاق هذا الاسم عليه، ولكن يعبر عنه بـ \"تخصيص العلّة\".\nولقد بالغ أبو زيد الدّبوسي في الرد على من يسميه [نقضًا] (^١)، وذكر ما لا يوافق عليه، وأبان عن مزيد تعصّب.\nهذا صنيع المتقدّمين، وأما المتأخرون، فلا يَتَحاشون من تسيته بكل من الاسمين، يرونهما كاللَّقب له، سواء قيل بأنه قادح أم لا.\nإِذا عرفت هذا، فنقول: العلّة إِما منصوصة قطعًا، أو ظنًّا، أو مستنبطة، وتخلّف الحكم عنها إِما لمانع، أو فوات شرط، أو دونهما، فصارت الصور تسعًا، من ضرب ثلاثة في ثلاثة.\nوقد اختلف في النقض، هل هو قادح في العلية؟ على مذاهب (^٢):\nأحدها: أنه يقدح مطلقًا، وهو المنسوب إِلى الشَّافعي ﵁ وأصحابه، ويعده\n_________\n(^١) في ب: نقصًا.\n(^٢) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٥/ ٢٦١، والبرهان لإمام الحرمين ٢/ ٩٧٧، وسلاسل الذهب للزركشي ٣٦١، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٣/ ٢١٥، ٤/ ٧٧، ونهاية السول للإسنوي ٤/ ١٤٥، وزوائد الأصول له ٣٩٦، ومنهاج العقول للبدخشي ٣/ ١٠٣، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ١٢٧، والتحصيل من المحصول ٢/ ٢٠٩، والمنخول للغزالي ٤٠٤، وحاشية البناني ٢/ ٢٩٥، والإبهاج لابن السبكي ٣/ ٨٤، والآيات البينات ٤/ ١١٦، وحاشية العطار ٢/ ٣٤١، والمعتمد لأبي الحسين ٢/ ٢٨٤، ٢٩٣، وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ٦٥٩، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ٤/ ١٣٨، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٢١٨، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ٨٥، وميزان الأصول للسمرقندي ٢/ ١٠٦٩، وتقريب الوصول لابن جزي ١٤٢، والتبصرة (٤٦٦)، وكشف الأسرار ٤/ ٣٢، وشرح التنقيح (٣٩٩)، ونزهة الخاطر ٢/ ٣٢١.","vol":"4","page":191},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأصحابنا من جملة مرجّحات مذهب الشَّافعي على غيره من المذاهب، ويقولون: عِللُهُ سليمة عن الانتقاض، جاريةٌ على مقتضاها، لا يصدّها صادّ.\nوالثاني: لا يقدح مطلقًا، وعليه أكثر أصحاب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد ﵏.\nوالثالث: يقدح في المُسْتنبطة دون المنصوصة.\nوالرابع: لا يقدح في المستنبطة إِذا كان بمانع أو عدم شرط، دون المنصوصة. حكاه المصنف، وإليه أشار بقوله: عكسه.\nوالخامس: لا يقدح في المُسْتنبطة، ولو بلا مانع أو عدم شرط، دون المَنْصُوصة. هذا ما حكاه في الكتاب.\nوالسادس: وهو اختيار الإِمام الرازي: أنه يقدح مطلقًا، إلا فيما إذا كان واردًا على سبيل الاستثناء عن علّة معلومة.\nوالسابع: إن كانت علّة [حَظْر] (^١)، لم يَجُزْ تخصيصها، وإلا جاز. حكاه القاضي عن بعض المعتزلة.\nولإِمام الحرمين مذهب ثَامِن، وللغزالي مذهب تاسع، حكيناهما في \"التعليقة\"، وتكلمنا عليهما بما فيه الكِفَايَة، وحذفناهما هنا اختصارًا.\nوالعاشر: أنه لا يقدح في المَنْصُوصة بنص قَطْعِي، ويقدح فيما عدا ذلك، وهذا مذهب محقق الوجود، وإن كنت لا تجده مصرحًا به على هذا الوجه.\nوسببه: أنه لا يمكن أن يوجد، فعاد مساويًا لمذهب القائلين: بأن [النقض] (^٢) قادحٌ مطلقًا؛ لعدم وجدان هذه الصُّورة النادرة. هذا هو السِّر في عدم تصريح النَّقَلَةِ به، وإذن هو المذهب الأول المنسوب إِلى الشافعي، وهو الذي نختاره ونرتضيه.\nواختار المصنّف: أنه يجوز في المستنبطة في صورتين، فلا يقدح فيهما، وهما ما إِذا\n_________\n(^١) في ج: خطر.\n(^٢) في أ، ب: النص.","vol":"4","page":192},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nكان التخلّف لمانع، أو انتفاء شرط، ولا يجوز في صورة واحدة، فيقدح فيها، وهي ما إِذا كان التخلف دونهما.\nوأما المنصوصة، فإذا كان النص ظنيًّا، وقدر مانع، أو فوات شرط، جاز، ولا يجوز في القطعي في صوره الثلاث، أي: لا يمكن وقوعه كما شرحناه عليه؛ لأن الحكم لو تخلف لتخلّف لدليل، وهو لا يمكن أن يكون قطعيًّا؛ لاستحالة تَعَارُضِ [القطعيين] (^١)، إِلا أن يكون أحدهما ناسخًا، ولا ظنيًّا؛ لأنّ الظني لا يعارض القَطْعي، وهذا الذي اختاره المصنّف نحو مما اختاره الآمدي.\nوالمنع في النص القَطْعِي إِذا لم يكن مانع، ولا فوات شرط، ظاهر، وأما إِذا كان مانع، أو فات شرط، فلا وجه للمنع إِذا كان ذلك المانع أو الشَّرط عليه دليل؛ لأنه حينئذ يكون ذلك الدَّليل مخصصًا للنص القَطْعي، اللهم إِلا أن تقدر دلالة النَّص على جميع الأفراد قطعية، فيصح ما قاله؛ لأنه حينئذ لا يمكن التخلف.\nوحاصله: أنه في النَّص القطعي لا يمكن ورود النَّقض، وفي الظَّني يمكن، وقال: إِنه يقدر إذ ذاك مانع، ولا حَاجةَ إِلى ذلك، فقد يكون تعبّدنا بالدليل الدَّال على التَّخصيص من غير ظُهُور معنى، فيمكن النقض، ولا يكون قادحًا، وفي المستنبطة يجوز حيث مانع أو فُقْدَان شرط، ولا يجوز فيما سواهما، ففيما سِوَاهما يكون قادحًا، ولا يكون النَّقض قادحًا في شيء من المواضع الممكن وجدانها إلا في هذا المكان، وهو ما إِذا استنبطت علّة، وتخلّف الحكم عنها لا لمانع، و[لا] (^٢) لفوات شرط، فيستدل حينئذ بالتخلف لا لفسادها.\nفينبغي أن ينحصر الكلام، ويقال: النقض يَقْدَحُ في العلة إِذا كانت مستنبطةً، ولم يكن مانع ولا فوات شرط، ولا يقدح فيما سوى ذلك، وأنت ترى اختيار صاحب الكتاب، وأما نحن، فعلى أن النَّقض يقدح مطلقًا مُصَمِّمُون، وهو رأي إِمامنا ومطلبينا رضوان الله عليه، وعليه القاضي أبو بكر، وأبو الحسين البَصري، وجماهير المحققين.\nوالرأي شرح ما في الكتاب على الاخْتِصَار، ثم المُنَاضلة عن المذهب المختار.\n_________\n(^١) في أ، ب: اللفظين.\n(^٢) سقط في أ، ب، ج.","vol":"4","page":193},{"text":"لنَا: لَوْ بَطلَتْ لَبَطَلَ الْمُخَصِّصُ.\nوَأيْضًا: جَمْعٌ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ.\nوَلَبَطلَتِ الْقَاطِعَة، كَعِلَلِ الْقِصَاصِ وَالْجَلْدِ وَغَيْرِهِمَا.\nأبُو الْحُسَيْنِ: الْنَّقْضُ يَلْزَمُ فِيهِ مَانِعٌ أَوِ انْتِفَاءُ شَرْطٍ، فَيَتبيَّنُ أَنَّ نَقِيضَهُ مِنَ الأُولَى.\nقُلْنَا: لَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الْبَاعِثِ؛ وَيَرْجِعُ النَزَاعُ لَفظِيًّا.\nقَالُوا: لَوْ صَحَّتْ، لَلَزِمَ الْحُكْمُ.\nوَأُجِيبَ: بِأَن صِحَّتَهَا كَوْنُهَا بَاعِثَةً، لَا لُزُومُ الْحُكْمِ؛ فَإنَّهُ مَشْرُوطٌ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: قال صاحب الكتاب: \"لنا: لو بطلت\" العلّية بالتخلّف \"لبطل المخصّص\" الوارد على العام، وانْسَدّ بابه؛ إِذ لا فرق بين تخصيص العلّة، وتخصيص العام، وكما أن التخصيص لا يقدح في العموم اللفظي، كذلك لا يَقْدَح في العموم المعنوي، وهو عموم العلة.\n\"وأيضًا\" إنه \"جمع بين الدليلين\" دليل الاعتبار؛ إِذ يعمل بكونها علة في غير صورة النَّقض، ودليل الإِهدار، إِذ يعمل به في محلّه، وهو صورة النَّقْض، فوجب المصير إِليه.\n\"و\" أيضًا: لو بطلت \"لبطلت\" العِلَلُ \"القاطعة، كعلل القِصَاصِ والجَلْد وغيرهما\"؛ لأن المفروض مُنَافاة التخلّف للعلية؛ إِذ لا مانع سواه، لكن العلل القاطعة لا تبطل؛ إِذ لا يبطل كون علّة القِصَاص القتل العَمْد العدوان، بأن الأَبَ لا يُقَادُ بولده، ولا أن علة الجلد الزِّنا، بالتخلف في الأب يزني بجارية ابنه.\nالشرح: وقال \"أبو الحسين\"، ومن وافقه من مانعي تخصيص العلة:\nأولًا: \"النقض يلزم فيه مانع، أو انتفاء شرط، وإذا كان كذلك، \"فيتبين أن نقيضه\"، أي: نقيض المانع، أو انتفاء الشرط، وهو عدم المانع أو وجود الشرط، جزء \"من\" العلة \"الأولى التي ادّعى أنها علّة؛ لأنه لا يترتب الحكم بدونهما، فالعلّة المجموع.\n\"قلنا: ليس\" انتفاء \"ذلك المعارض\" من الباعث\" الذي هو العلّة، \"ويرجع النزاع=","vol":"4","page":194},{"text":"قَالُوا: تَعَارَضَ دَلِيلُ الاِعْتِبَارِ وَدَلِيلُ الإِهْدَارِ.\nقُلْنَا: الاِنْتِفَاءُ لِلْمُعَارِضِ لَا يُنَافِي الشَّهَادَةَ.\nقَالُوا: تَفْسُدُ كَالْعَقْلِيَّةِ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْعَقْلِيَّةَ بِالذَّاتِ، وَهَذِهِ بِالْوَضْعِ.\n<hr><s0>\n\nلفظيًّا\"؛ لأنّه يفسر العلّة بما يستلزم وجوده وجود الحكم، فيكون ما ذكره جزءًا، ونحن نفسرها حينئذ بالباعث، فيجوز النقض.\n\"قالوا\" ثانيًا: \"لو صحّت\" العلّة المنقوضة \"للزم الحكم\" في صورة التخلّف؛ لأن المعلول يلزم علّته.\n\"وأجيب بأنَّ صحتها كونها باعثة، لا لزوم الحكم؛ فإنه مشروط\" بحصول الشرط، وانتفاء المانع.\nالشرح: \"قالوا\" ثالثًا: \"تعارض دليل الاعتبار، وهو: وجود الحكم، \"ودليل الإِهدار\" وهو: التخلّف، فتساقطا، ويبقى الوصف كما كان قبل الاعتبار، فلا يعمل بدليل العلّية، وهو المطلوب.\nقال علماؤنا: ولو لم تسقط لتَكَافَأَت الأدلّة؛ فإن من قال في محاولة [تحليل] (^١) النبيذ: مائع كالماء، وهو لا يبالي بلزوم الخَمْرِ نقضًا، فللمعترض أن يقول: مائع؛ فيحرم كالخمر، ولا يباي بالنقض، فتكافأ الدليلان.\n\"قلنا: الانتفاء\"، أي: الإِهْدَار في صورة التخلّف إنما هو \"للمعارض\"، وهو المانع، أو انتفاء الشَّرْط، والانتفاء للمعارض \"لا ينافي الشَّهَادة\" من الشرع باعتبار الوصف، فلا يكون النَّقض منافيًا [لكونها] (^٢) علة.\n\"قالوا\" رابعًا: \"تفسد\" (^٣) بالنقض \"كالعقلية\".\n_________\n(^١) في أ: تخليل.\n(^٢) في ج: لكونه.\n(^٣) في أ: تقييد.","vol":"4","page":195},{"text":"الْمُجَوِّزُ فِي الْمَنْصُوصَةِ: لَوْ صَحَّتِ المُسْتَنْبَطَةُ مَعَ النَّقْضِ، لَكَانَ لِتَحَقُّقِ الْمَانِعِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بَعْدَ صِحَّتِهَا؛ فكَانَ دَوْرًا.\nوَأُجِيبَ: بِأنَّهُ دَوْرُ مَعِيَّةٍ، وَالصَّوَابُ: أَنَّ اسْتِمْرَارَ الظَّنِّ بِصِحَّتِهَا عَنْدَ التَّخَلُّفِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَانِعِ، وَتَحَقُّقُ الْمَانِعِ يَتَوَقَّفُ عَلَى ظُهُورِ الصِّحَّةِ، فَلَا دَوْرَ، كَإِعْطَاءِ الْفَقِيرِ يُظَنُّ أَنَّهُ لِفَقْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يُعْطِ آخَرَ، تَوَقَّفَ الظَّنُّ، فَإِنْ تبَيَّنَ مَانِعٌ، عَادَ؛ وإِلَّا زَالَ.\nقَالُوا: دَلِيلُهَا: اقْتِرَانٌ؛ فَقَدْ تَسَاقَطَا؛ وَقَدْ تَقَدَّمَ.\nالْمُجَوِّزُ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ: المَنْصُوصَةُ دَلِيلُهَا نَصٌّ عَامٌّ؛ فَلَا تُقْبَلُ.\nوَأُجِيبَ: إنْ كَانَ قَطْعِيًّا، فَمُسَلَّمٌ، وَإنْ كَانَ ظَاهِرًا، وَجَبَ قَبُولُهُ.\nالْخَامِسُ: الْمُسْتَنْبَطَةُ عِلة بِدَلِيل ظَاهِرٍ؛ وَتَخَلُّفُ الْحُكْمِ مُشَكَكٌ، فَلا يُعَارِضُ الظَّاهِرَ.\n<hr><s0>\n\nوأجيب: بأن العقلية\" علّة \"بالذات\"، وما بالذات لا ينفك، \"وهذه بالوضع\"، فجاز انفكاكها.\nالشرح: واحتج \"المجوّز\" للنقض \"في المنصوصة\" بأنه \"لو صحّت المستنبطة مع النَّقْض لكان لتحقق المانع\"؛ لأن التخلّف لغير مانعٍ يقتضي كونها غير علّة بلا شك، \"ولا يتحقق\" وجود المانع \"إلا بعد صحَّتها\"؛ لأنه لولا صحّتها لكان عدم الحكم مستندًا إِلى عدم العلّة، لا إِلى وجود المانع، \"فكان دورًا\".\n\"وأجيب: بأنه دور معيّة\"، لا دور تقدم وتأخر، فلا يمتنع، وهو جواب جَدَلي.\n\"والصواب في \"الجواب: \"أن [استمرار] (^١) الطن بصحّتها عند التخلّف يتوقّف على المانع، وتحقّق المانع يتَوقّف على ظهور الصحّة، فلا دور\"؛ لأن المتوقف على المانع إنما هو استمرار الظَّن، والمتوفف عليه المانع إِنما هو ظهور الصحّة، وذلك \"كإعطاء الفقير لظن أنه لفقره، فإِن لم يعط\" فقيرًا \"آخر، توقف الظن، فإن تبين مانع عاد، وإلا زال\".\n\"قالوا ثانيًا: \"دليلها اقتران\" من الحكم بها، وكما شهد لها بالاعْتِبَار في صورة عدم\n_________\n(^١) في أ، استمر.","vol":"4","page":196},{"text":"وَأُجِيبَ: تَخَلُّفُ الْحُكمِ ظَاهِرٌ أَنهُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ، وَالْمُنَاسَبَةُ وَالاسْتِنْبَاطُ مُشَكَّكٌ.\nوَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ الشَّكَّ فِي أَحَدِ الْمُتقَابِلَيْنِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي الآخَرِ.\nقَالُوا: لَوْ تَوَقَّفَ كَوْنهَا أَمارَةً عَلَى ثبُوتِ الْحُكْمِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ لَانعَكَسَ، وَكَانَ دَوْرًا، أَوْ تَحَكُمًا.\n<hr><s0>\n\nالتخلف، شهد عليها بالإِهدار في صورة التخلّف، \"فقد تساقطا\"؛ لتعارضهما، \"وقد تقدم\" الجواب عنه، بأن الانتفاء لمعارض لا يقدح.\nالشرح: واحتج \"المجوّز\" للنقض \"في المستنبطة\" فقال: \"المنصوصة دليلها نصّ عام\"، فيتناول محل النقض صريحًا، فتثبت فيه العلّية صريحًا، \"فلا يقبل\" النَّقض؛ إِذ يلزم إِبطال النَّص، بخلاف المستنبطة، فإن دليلها الاقتران مع عدم المَانِعِ، ولا تخلّف عنه.\n\"وأجيب: إِن كان\" النَّص العام \"قطعيًّا\"، فمسلم\" أنه لا يقبل التخصيص، \"وإن كان ظاهرًا وجب قبوله\"، وتقدير المانع، كما ذكرناه.\nواحتجّ من مذهبه القول \"الخامس\" أعني: جواز التخلُّف في المستنبطة بغير مانع، ولا فوات شرط، فقال: \"المستنبطة علّة بدليل ظاهر\" يوجب ظنّ العلية، \"وتخلف الحكم مشكك\" في علّيتها، \"فلا يعارض الظاهر\"؛ إذ الظنّ لا يرفع بالشك.\nالشرح: \"وأجيب: بالمُعَارضة، وتقريرها: أن يقال: \"تخلّف الحكم ظاهر\" في دلالة \"أنه\" أي: أن الوصف \"ليس بعلّة، والمناسبة والاستنباط\" كلاهما \"مشكك\"، فلا يعارضان الظَّاهر، وهذا جواب جدلي.\n\"والتَّحقيق: أنَّ الشَّك في أحد المُتقابلين يوجب الشك في الآخر\"، فإذا كان التخلف يورث الشَّك في عدم العلّية، أورث الشَّك في العلية؛ إذ حقيقة الشك أن المتقابلين محتملان على السَّواء، فإذن قولك: العلّية مظنونة بدليلها، وعدم العلية مشكوك بدليله، كلام متناقض.\n\"قالوا\" ثانيًا: \"لو توقف كونها أَمَارةً على ثبوت الحكم\" بها، \"في محلّ آخر لانعكس\"، أي: أن ثبوت الحكم بها في المَحَلّ الآخر متوقفًا على كونها أمارة، \"وكان دورًا\"، إن انعكس، \"أو تحكمًا\" إن لم ينعكس؛ لعدم الأولويّة.","vol":"4","page":197},{"text":"وَأُجِيبَ: بِأنَّهُ دَوْرُ مَعِيَّةٍ.\nوَالْحَقُّ: أَنَّ اسْتِمْرَارَ الظَنِّ بِكَوْنِهَا أَمَارَةً يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَانِعِ أَوْ ثُبُوتِ الْحُكْمِ، وَهُمَا عَلَى ظُهُورِ كَوْنِهَا أَمَارَةً.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وأجيب: بأنه دور معيّة\"، فلا يمنع، وليس بجيّد؛ إِذ لا تعلم علّيتها على هذا التقدير إلا بثبوت الحكم بها في جميع صوَرِ وجوده، وهو الاقتران، فلو علم ثبوت الحكم بها، كان دور التقدم الممتنع قطعًا؛ إذ ما به الشيء يعلم قبل العلم بالشيء.\nوالحقّ في الجواب: أن الدليل إِذا دل على علّية الوصف، لم يفتقر إِلى التتبع في الصور، بل يثبت ابتداء عند قيام المُنَاسبة أو غيرها من أدلة العلم، والوقوف على التخلف وعدمه يقع في أثناء العلّة، ففرق بين ابتدائها ودوامها، وإليه أشار بقوله: \"والحق: أن\" الدور غير لازِم؛ لأن \"استمرار الظّن بكونها أمارةَ\" على الحكم \"يتوقف على\" ثبوت \"المانع\" في صورة التخلف، ليقوم عُذْر التخلف؛ وإلا فلِم تخلف الحكم؟.\n\"أو\" يتوّقف على \"ثبوت الحكم\" في الصورة، \"وهما\" أعني: كلا من ثبوت المانع على تقدير التخلّف، وثبوت الحكم على تقدير عدمه متوقفان \"على ظهور كونها أمارة\"، فلا دور، وقد مضى مثله.\nهذا شرح ما في الكتاب، وقد أعلمناك أن الحق عندنا أن النقض قادح مطلقًا، وعُمْدَتُنَا وجوه:\nأولها: وهو المعتمد، ما ذكره في الكتاب عن أبي الحُسَين، ولنقرره على وجه أبسط من الأول، فنقول: العلّة معرف الحكم، وتخصيصها يمنع من كونها معرفًا في ذلك المخصّص، وإذا لم تكن معرفًا فيه، لم تكن علّة له، وإذا لم تكن علة له، كان إِطلاق القول بأنها علة على وجه التعميم في كل الصور غير سديدٍ، فمن قال مثلًا: علة تحريم بيع الذَّهَبِ متفاضلًا الوزن، ثم جوز بيع الرّصَاص بالرصاص مع وجود الوَزْن، قيل له: أَبِنَصٍّ قلت ذلك، أم بعلة هي أقوى من علة تحريم بيع الذهب بالذهب؟.\nفإن قال: بعلة، ثم بيّن وجه قياس الرصاص على أصل مُبَاح بيع بعضه ببعض، فيقول: ليس العلّة حينئذ في الذهب مجرّد الوزن، بل الوزن مع عدم ذلك الوصف المَجْعُول","vol":"4","page":198},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nعلّة للإباحة؛ إذ لو وجد في الذهب لما قلنا: بالتحريم، فإن قال الخَصْم: أنا أَشترط نفي ذلك الوصف، إِلا أني لا أسميه جزءًا من العلّة، وإن كان التحريم لا يحصل بدونه.\nقلنا: هَبْ أنك لا تسميه، إِلا أن وِجْدَانه مما لا بد للعلّة منه.\nوالتحقيق: أنه جزء؛ لأن انتفاء المانع وَوِجْدَان الشرط جزء من العلّة التَّامة، والعلة المعرفة لا فرق بينها وبين التَّامة إِلا أنها لا توجد الحكم، وإنما يوجد عندها وهو لا يوجد عندها، إِلا بعد وجدان الشرائط، وانتفاء المانع.\nوإن قال: بنصّ، فيقال له: هل علمت علة إِباحته؟.\nفإن قال: علمت، قلنا له: كما قلنا أولًا، وإن لم يعلم، فمعلوم أن علة ذلك مقصورة على الرّصاص لا تتعدّاه؛ إذ لو تَخَطّته، لنصب الله علمًا على ذلك؛ ليعلم ثبوت حكمها فيما عدا الرّصاص، وإذا كان كذلك، لم يعلم تحريم الذهب بالذهب إلا لأنه موزون وليس برصاص، فبطل كون العلّة مجرد الوَزْنِ، فثبت أن التخصيص يخرج العلة عن كونها أمارة.\nوإن قال: الرصاص ورد مستثنى لا علّة له، فيقال: العلّة هي المعرّف، وهي لم تعرف إِلا فيما يرد مستثنى، فهي حينئذ فيما عدا الرّصَاص كونه موزونًا، لم يرد مستثنى، لا مطلق كونه موزونًا، فقد لاح كالصَّبَاح أن النقض قادحٌ، وأنه لا فرق بين ما وَرَدَ مستثنى، وما لم يرد، ولا بين المنصوصة [و] (^١) المستنبطة.\nوقوله في الكتاب: العلة: الباعث.\nقلنا: أولًا لا نسلم، وثانيًا سلمناه، ولكن ليس الباعث مثلًا مجرّد الوزن، بل الوَزْن مع القَيْدِ الآخر، وهو واضح فيما تقدم، فقد لاح وظهر أنّ النقض قادح، سواء أفسرت العلّة بالمعرف، أم الباعث، أم المؤثر.\nوقوله: يرجع النزاع لفظيًّا.\nقلنا أولًا: إِنما يتم هذا، لو كان كونها باعثًا لا يتوقّف على وجود الشَّرائط، وانتفاء الموانع، فإنه حينئذ يتحقّق الباعث، وإن لم يوجد ذلك، ونحن قد منعنا هذا.\nوقلنا: إِنما تكون باعثًا عند وجود الشَّرَائط، وانتفاء الموانع وثانيًا: أنا لا نسلّم على\n_________\n(^١) سقط في ب.","vol":"4","page":199},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nتقدير تسميتها باعثًا، وإن لم توجد الشَّرائط، وتنتفي الموانع رجوع النزاع لفظيًّا، وسنقرر ذلك إِن شاء الله تعالى أحسن تقرير.\nوثانيها: تعارض دليل الاعتبار والإِهدار، وقد مضى.\nوقوله: \"علّة الانتفاء للمعارض لا ينافي الاعتبار\" ممنوع، وسَنَدُ المنع قد عرفته.\nوثالثها: قياس الشرعية بالعقلية، وقوله في الفرق: \"تلك بالذَّات، وهذه بالوضع\" في غاية السّقوط؛ فإن الشرعية وإن كانت بالوَضْعِ، لكنها على حسب ما وضعت، ونحن نقول: إِنما وضعت عند وجود الشَّرَائط، وانتفاء الموانع، لا مطلقًا، ونقول: وضعت لتناسب العقليّة، وتحاكيها، في أن الحكم يتعقبها أنّي وجدت.\nورابعها: أنّ العلّة طريق الحكم، فلا يجوز أن تكون موصّلةً في مكان، غير موصلة في آخر؛ إِذ الطريق لا يختلف، فإن من ظن أن زيدًا في الدَّار بخبر رجل بعيد من الكذب، لا يجوز أن يخبره ذلك الرّجل بأن عمرًا في الدار، ثم لا يظنّه صادقًا، إِلا إِذا حصل مانع، وحينئذ تبيّن أنه لم يكن ظن صدقه أولًا لمجرد أنه بعيد من الكذب، بل لذلك مع ضميمة انتفاء المانع.\nوخامسها: أن وجود العلّة مع عدم حكمها مناقضةٌ؛ بدليل عدّ العقلاء، فإن من قال: سامحت فلانًا لأنه بَصْري، ثم لم يسامح غيره من البصريين، بادر القوم بالاعتراض عليه بالنَّقض، فإن اعتذر بعَدَاوة غيره له، قيل له: هلّا قلت: سامحته؛ لأنه بصري وليس بعدوّ؟.\nوسادسها: وهو معتمد القَاضِي أبي بكر: أن معتمدنا في القياس، إنما هو فعل الصحابة ﵃، وقد تحقّقنا تمسكهم بالعلل المطردة دون المخصّصة، ومن تمام قول القاضي: إِنه لا يتمسّك بالظنون، ولو استتبّ دليل علي جواز النقض، وهو ظني، فالقاطع إِنما قام على جواز المطّردة دون المنصوصة.\nوسابعها: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].\nقال علماؤنا: والنقض من الاختلاف، فدلّت المناقضة على أن الدليل ليس من عند الله، وما لا يكون من عند الله، لا يحتج به.","vol":"4","page":200},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوثامنها: قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١]، فقد نقض الرب تعالى عليهم في دعواهم عموم عدم الإنزال بصورة خاصّة، وهي الإِنزال على موسى، فلو لم يكن قادحًا لم تبطل دعواهم، ولأصحابنا دلائل أُخَر يطول شرحها.\nولنتعقّب كلام الخُصُوم، فنقول: قولهم: لو بطلت لبطل المخصص.\nقلنا: لفظ العموم لفظ لُغَوِي، يصدق على الكُلّ والبعض؛ بدليل استعمال أهل اللُّغة له على الوجهين، ولهذا لا يبادر إلى العمل به حتّى يبحث عن المخصّص، فصار اللَّفظ العام لا يستقرّ قراره المُرَاد به بنفسه، إِلا بعد السَّبر والنظر في الأدلة، فلم [يمتنع] (^١) بذاته على المقصود له.\nوأما المعنى، فشيء له مقصود خاصّ، ومتى قام الدليل على صحّته بالتأثير، استقرّ المُرَاد به، فلا يجوز أن يختلف المعنى المؤثّر، وإذا اختلف تغيّرت صفته، وإذا تغيّرت صفته، تغيرت سمته.\nقال ابن السَّمْعَانِي: وعندي أن الجواب بحرفٍ واحدٍ، وهو أن العام كان حجّة فيما يتناوله بنفس اللَّفظ، وذلك التناول فيما وراء المخصّص لا يبطل بالتخصيص.\nوأما العلّة فكانت حجّة بالتأثير المفيد لقوة الظَّن، وهذا يبطل بالتخصيص (^٢)، وعلى هذا يظهر لك الجواب عن العلّة المنصوصة أيضًا؛ لأن صحّتها بالنَّص، فلم يضره التَّخصيص الواقع عليه.\nوأما المستنبطة فصحّتها بالتأثير، وشرطها الجَرَيَان؛ لئلا تضعف قوة الظَّن الواقع بها، فيمتنع [تعليق] (^٣) الحكم به، وعلى أن طائفة من أصحابنا سووا بين العلّتين في المنع من التَّخصيص، وعلى التسليم، قد ظهر لك الجَوَاب ظهورًا قويًّا. اهـ كلام ابن السَّمْعَاني.\nوالصحيح عندنا: أنه لا فرق بين المَنْصُوصة والمُسْتَنْبطة، كما أسلفناه، ولقد قال\n_________\n(^١) في ج: يفتقر.\n(^٢) سقط في ب.\n(^٣) في ب: تطبيق.","vol":"4","page":201},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالقاضي في \"مختصر التَّقْريب\": من فرق بينهما فقد تحكم.\nقلت: وقول ابن السَّمْعَاني: \"صحّة المُسْتنبطة بالتأثير، والمنصوصة بالنَّص\" ضعيف، والمُسْتنبطة ليست إِلا حاكية المَنْصُوصة، والمجتهد يستخرجها، وعنده أنَّ الشرع أقامها، ولا فرق بينها وبين المَنْصُوصة إِلا ورود المَنْصُوصة على لسان الشَّرع نطقًا، وأن المجتهد لا صنع له فيها، بخلاف المُسْتَنبطة، فإن كان ثَمَّ تأثير، فهو في الموضعين بجعل الشّارع، نعم أصل جواب ابن السَّمْعَاني حسن؛ فإِن الجريان في الصُّور المشتملة على العلّة من المعنى الَّذِي نسبة الأفراد كلّها إِليه على حدّ سواء، وهو منصوب علامة، والعلامة أبدًا تطرد، فحيث تخلف، تبيّن أنها لم تكن علامة.\nوأما اللفظ العام، فهو محتمل لأنْ يراد به الخاصّ، وأن يراد الشمول، ولا معنى يعضد أحد المحملين بخلاف العلّة، فإن فهم المعنى يساعد على التعميم، وعندي [أنا] (^١) أنه لا فرق بين تخصيص اللفظ العامّ والعلة، فاِن اللفظ العام إِذا خصّ، تبين لنا أنّ اللَّافِظ لم يرد أولًا باللفظ إِلا بعض أفراده، والمعلل أيضًا إِذا ذكر وصفًا غير مطرد، تبين أنه لم يرد إلا ما وراء المحل الخارج، فإن فرض لفظ عام مصرح فيه بالتعميم، وأنه مراد منه فنحن نمنع تَخْصِيصه، كما نمنع تخصيص العلّة المقطوعة المنصوصة، كما نبَّهْنَاك عليه في أوّل المسألة.\nفإن قلت: فالعام الظاهر يجوز تخصيصه بلا نَظَرٍ، والعلة لا يجوزون تخصيصها.\nقلت: نحن لا ننكر أن المعلل يطلق مثلًا أن القَتْل العَمْد المَحْض العدوان أمارة القِصَاص، ويريد فيما عدا الأب، وما أشبهه، وإنما نقول: إِن ذلك انقطاع في مجلس المُنَاظرة، إذ أطلق في مكان التَّفصيل، وهذا بخلاف الشَّارع إذا أطلق العام، وأراد الخاص، فإن الأحكام راجعةٌ في اختياره وإرادته، فإذا أتى بلفظ عام، وأراد به الخاص، فلا اعتراض فيه.\nوقوله في الكتاب: إِن صحة النَّقض جمع بين الدليلين عجيب؛ فإنّا لا نسلم انتهاض العلّية ما لم تسلم عن النَّقض، فدعوى انتهاضها دليلًا مصادرة على المطلوب.\nوقوله: \"لو بطلت المَخْصُوصة، لبطلت القاطعة إِذا [خصّت] \" (^٢) صحيح، ولا فرق.\n_________\n(^١) في أ: أما.\n(^٢) في أ، ت: خفيت.","vol":"4","page":202},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقوله: \"علّة القصاص: القَتْل، العَمْد العدوان، ولا تبطل بالأبوة\" ممنوع، بل انتفاء الأبوة جزء من العلّة، كما عرفت.\nفإن قلت: لقد هَوّلتم أمر النقص، والخَطْب فيه يسير؛ لأنه لا ريب في أنه إِذا تخلّف الحكم في صورة، كانت العلّة معم فًا فيما عدا تلك الصُّورة، ولكن هل يقال: إن تعريفها [في تلك الصّورة باقٍ، ولكن صدمه ما قطع عمله، أو أنه خاصّ بما وراء] (^١) تلك الصورة، ولا علّية لها فيها أصلًا؟.\nوذلك خلاف لفظي، وهذا ما قاله المصنف، حيث قال: ويرجع النزاع لفظيًّا.\nقلت: ليس الخلاف بلفظي، بل يترتّب عليه أولًا فائدة عظيمة، وهي مسألة التعليل بعفتين، كما سنقرره إِن شاء الله تعالى عند الكلام فيها.\nوثانيًا: انقطاع الخَصْم؛ فإن النقض من عَظَائم أبواب الجَدَل، والمراد منه انقطاع الخَصْم، ولا يسمع منه بعد ذلك دعوى أنه إِنما أراد بالعموم الخُصُوص، وباللَّفظ المطلق ما وراء محلّ النَّقض؛ لأنه يشبه الدَّعْوَى بعد الإِقرار، فلا تسمع إِلا ممن له قدرة الإِنشاء في الموضعين، فالخلاف في أن النَّقض هل يقدح؟ معنوي.\nوالقائلون: بجواز تخصيص العلّة يقولون: يقبل قوله: لم أرد هذه الصورة، أو هذه من النَّقض الذي لا يلزمني الاحتراز عنه، بخلاف مُنكريها، فإنهم يقولون: هذا لا يسمع منك؛ فإن كلامك مُطْلق، وأنت بسبيل من الاحتراز، فلم لا احترزت؟.\nومتى ترتب الانْقِطَاع وعدمه على أن النقض هل يقدح؟ كان الخلاف معنويًا، وبهذا تبيّن لك الفرق بين العامّ والخاصّ إذا وقع في كلام الشارع وغيره، فإنه في كلام الشّارع واقع ممن له الإِنشاء في الموضعين، فله أن يقول: أردت بالعام الخاصّ، ولا معترض عليه، فإنه لو قال: يستحبّ الحكم ورفعته، لوجب الإِصْغَاء إليه، فكيف بهذا؟.\nأما مَنْ ليس له ذلك من المجتهدين والمناظرين وغيرهما، فإذا أطلقوا لفظًا عامًّا، ثم قالوا: أردنا الخُصُوص.\nقلنا لهم: إرادتكم تنفعكم في أنفسكم، ولكنا لا نقبلها منكم؛ إِذ اللفظ لا ينبئ\n_________\n(^١) سقط في ت.","vol":"4","page":203},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nعنها، وأنتم في مَجَالس الجِدَال، والنَّظر بتصحيح الكلام مطالبون، وعلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ محاسبون.\nقال الأستاد أبو إسحاق فيما نقله عنه إمام الحرمين في \"التدريس\": إطلاق الألفاظ العامّة والمراد بها [النقض] (^١) شائع.\nوأما المعلل منا إِذا علّل بلفظ عام، وأتى بصيغة علّة شاملة، فلا يقبل منه أصلًا إذا نقض عليه كلامه، وقال: إِنما أردت كذا؛ إذ لو جوّزنا ذلك، لما تصور إِبطال علة قط؛ إِذ لا يعجز أحد عن إِظهار مراد له، بخلاف إِطلاق صاحب الشرع الألفاظ العامة؛ إِذ له أن يفعل ذلك، والفَرْق أن الواحد منا إِنما جلس ليفهم صاحبه ويفهم عنه، وصاحب الشرع له أن يُبيِّن، وأن يؤّخر البيان إِلى وقت الحاجة، ويخاطب بمجمل، ولا يجوز لواحد منا أن يعلّل بعلّة مجملة، ويفسرها.\nقال: ومن العلماء من جوز ذلك، قال: ومجوزه لا يميّز. انتهى.\nفإن قلت: فقضية هذا أن العلة المنصوصة يجوز تخصيصها؛ لورودها في كلام الشارع الذي له الإنشاء.\nقلت: نقول: إِذا وردت في كلام الشارع تبيّن أنه لم يرد محلّ النقض، وأنه إِنما جعلها علة فيما وراءه، وذلك مسموع منه، بخلاف غيره؛ فإنه لا يسمع منه قوله بعد الإِطلاق: إِنما أردت أنها علّة فيما وراء ذلك المخرج، ولو ورد دليل قطعي على أن العلّة هذا، وأنها تعمّ مواردها قطعًا، ثم ورد نقض، لقلنا: إِنه لا يقدح، ولكنا نقول: ذلك مستحيلٌ كما سبق؛ لاستلزامه تعارض قاطعين، أو قاطع وظني.\nفحاصل المَسْألة: أنه هل يسمع من الجَدَلي قوله: أردت بالعموم الخصوص أو لا؟ القائلون بتخصيص العلّة يسمعونه، ونحن لا نسمعه، والصواب معنا؛ إِذ هو كمدع بعد الإِقرار، ولا فرق بين العموم والخصُوص في اللَّفظ والعلّة، فمن قال: قام الناس، حسن أن يقال له: لم يقوموا جميعًا؛ لأن زيدًا منهم، وهو لم يقم. سلمنا أن اللفظ العام يسمع من قائله إِرادة الخاصّ، إلا أن الفرق بينه وبين العلّة أن عمومها معنوي، كما تقدم.\n_________\n(^١) في أ: النقص.","vol":"4","page":204},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفإن قلت: قد أنكرتم تخصيص العلل، وناقضتم في مسائل كثيرة، منها: المُصَرَّاة والعَرَايا، وضمان الجَنِين بالغُرّة، وضرب الدِّيَة على العَاقِلَة.\nوعلّل الشافعي تحريم الخمر بالشدّة، [وقاس] (^١) عليها تحريم النَّبِيذ.\nوللخمر ثلاثة أحكام: التحريم، والتفسيق، والحد، فطرد عليه في الفرع في الحَدّ دون الفِسْق؛ إذ قبل شهادة شارب النَّبيذ.\nقلت: أما أنا فأقول في جوارب هذا كلّه ما قدمته من أن العلة ليست موجودةً في محلّ النقض، فأقول مثلًا: كلّ مِثْلي يضمن بمثله، إِلا في المُصَرّاة، وإنما لم يذكره الفقهاء؛ لأنه نادر، ومعلوم الاستثناء، فإذا قال الفقيه: المِثْلِيّ يضمن بالمِثْلِ، يعرف أنه لم يقصد ذلك المستثنى، وأقول مع ذلك: لو جلس في مجلس النظر وقال: كل مثلي مضمون بمِثْلِهِ، لكان لخصمه أن يقول: يرد عليك المُصَرّاة، ولا ألتفت إِلى أنك لم تردها. نعم أقول: إِذا كان المستثنى مشهورًا، بحيث يعرف الخَصْم أنه لم يرد، فاللَّائق أن لا تشَاحح فيه.\nوقد أجاب أصحابنا عن هذه المَسَائل، وأمثالها بأجوبة كثيرة، وما ذكرناه طريقة جَدَلية بمنع [بعض] (^٢) النقض، وأنت أيها الفقيهُ لا ترى مستثنى من قاعدة إِلا وهناك معنى يمتاز به عن سائر الأفراد، ينعطف قيدًا في العلّة، فاعتبر ذلك في كل مكان، يتضح لك ما ذكرناه، وتعلم أنه لا سبيل إِلى [نقض] (^٣) العلة.\nونقول مثلًا: النَّبيذ حرام قياسًا على الخمر بجامع الإِسكار، نطلق الإِسكار علّة في التحريم، والحدّ، وإسكار الخمر الخاصّ علّة التفسيق، فلم تنتقض علّة، ولئن سئلنا عن فقه هذا.\nقلنا: انظر ماذا يعلل به الفقيه قَبُول الشهادة، وألحقه بالعلة، وهذا سبيلك في كل خارج من أصل لمعنى، وما خرج لا لمعنى ينعطف منه أيضًا قيد، وهو عدم الاستثناء؛ فإن العلّة مطّردة لجعل الشارع، فإذا قطع اطرادها في مكان، قطع علتها فيه، فهي إنما تكون علة فيما وراءه، فاحفظ ما ألقيت إِليك تدفع به شبهات الخصوم أجمعين على اختلاف مقالاتهم.\n_________\n(^١) في أ، ب، ت: وقياس.\n(^٢) في أ، ب، ت: البعض.\n(^٣) في أ، ت: بعض.","vol":"4","page":205},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقد أجاب إِمام الحرمين عما ورد مستثنى: بأنه غير مَعْقُول المعنى، وهو كالشَّاذ، فلا يورد على القاعدة الكلية؛ فإن عادة الأئمة ترك الشَّاذ على شذوذه يعدونه كالخارج عن المنهاج.\nوذكر ابن السَّمْعَاني أجوبة أصحابنا عن هذا، وحاصلها: أننا لا ننكر وجود مواضع في الشرع، وتخصيصها بأَحْكَام تخالف أجناسها؛ بدليل شرع في ذلك الموضع بخصوصه، فيكون ذلك [الموضع] (^١) مسلمًا، ولا يطلب له معنى، ولا يصدم هو أصلًا، مثل عوض الفبن في المُصَرَّاة، وكما [أنَّا] (^٢) لا نقيس عليه غيره، كذلك لا نخصّ به أصلًا.\nوالقول الملخص: أ ن ما نخصّ به العلة المعنوية إِذا عرف معناه، فهو ممنوع؛ لأنه إِذا افثرق الموضعان بعلّة مؤثرة، تبيّن لنا أنّ المعلل في [نصبه] (^٣) العلّة التي خص منها هذا الموضع لم يستوف الحجّة.\nوالحاصل أن التخصيص يفوت قوة الظَّن بالأمارة، وإنما يفوت قوة الظَّن إِذا استند المَخْصُوص إلى معنى كاستناد المَخْصُوص منه.\nفأما إذا لم يستند إِلى معنى أصلًا، فلا يفوت بذلك قوّة الظن ولا يورد نقضًا؛ لأن قوة الظن لم تَفُتْ، وذلك شاذ خارج عن المِنْهَاج المستقيم. انتهى.\nقلت: وهذا متلقى من إمام الحرمين، إلا أن إمام الحرمين جعل المستثنى أبدًا غير معقول، والمُخْتَار عند أئمّتنا أنه قد تعقل معناه، وابن السَّمْعَاني جرى على طريقة الأصحاب، وقد أحسن.\nوحاصله: أنه إِن كان معنى قدح لمعارضة معنى لمعنى، فمن لم يحترز عنه يوجه الاعتراض نحوه، ون كان لا معنى، فهو شاذ لا يورد نقضًا، كما لا يقاس عليه.\nولقائل أن يقول: إِنما لا يقاس عليه لفوات المَعْنَى الذي هو رابطة القياس.\nوأما انعطاف قيد منه كما عرفت، فهو عندي يرد نقضًا في الصورتين.\n_________\n(^١) سقط في ب.\n(^٢) سقط في أ.\n(^٣) في ب: نصيبه.","vol":"4","page":206},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقوله: قوة الظن لم تَفُتْ.\nقلنا: بالنسبة إِلى المخصوص أو غيره؟ إِن كان بالنسبة إِلى المخصوص، فقد فات بالكلّية، وإن كان بالنسبة إِلى غيره، فصحيح، لكن انضم إِليه شرط انتفاء ما استثني.\nوفَيْصَلُ الأمر عندنا: أن مجلس المُنَاظرة مَبْنِيٌّ على المُشَاحّة، والمُحَاقّة، وعدم التفات الخَصْم إلى الإِرَادَات والمَقَاصد، ونظيره من قال لامرأته: أنت طالق.\nثم قال: أردت من وثاق، فإنا نحكم بالطَّلاق، ونقول: إِن كنت في نفس الأمر صادقًا لم يقع، ولكنا لا نبني إِلا على الألفاظ، وأمثال هذا يكثر.\nومن شبه القائلين بتخصيص العلّة: أنها أمارة، والأَمَارَةُ قد تتخلف، ولا تخرج بالتخلّف عن كونها أمارة، وهذا كالغَيْمِ الرطب أمارة على المَطَرِ، ولربما يختلف أحيانًا، ولقد تقدمت هذه الشُّبْهة في إدْرَاج كلماتنا، وذكرنا ما يدرؤها، ولكنا أردنا أن نخصّها هنا بمزيد النَّظَر فنقول: العلّة إِن فسرت بالمؤثر، كما يقوله من يقول بذلك، فلا رَيْبَ في أن التخلّف يمنع تأثيرها فيه؛ إِذ لا تأثير لها مع التخلف، وإن فسرت بالباعث - كما يقول الآمدي والمصنف - فهي في محلّ التخلّف غير موجودة، وإلا لزم أمران:\nأحدهما: أن يشرع الحكم على خلاف المَصْلحة، والعقلاء في أفعال الشَّارع على قولين:\nأحدهما: تعليلها بالمصالح.\nوالثاني: عدم التعليل.\nأما التعليل بعدم المصالح، فلم يَقُلْ به عاقل.\nوثانيهما: أن تكون باعثة في وقت دون آخر مع اتحاد الجهة.\nفإن قلت: بل هي موجودة، ولا يلزم ما ذكرتم؛ لأن وِجْدَانها إِنما يعمل حيث لا تَعَارض، وكونها باعثةً إنما يظهر أثره حيث لا مانع.\nقلت: فالعمل لها حينئذ إنما هو حيث لا مُعَارضة، والبعث إِنما هو حيث لا مانع، فليكن جزءا من العلّة، ولتنتف العلّة بهما، وإن كانت أمارة - وعليه بنى السَّائل كلامه - فمتى انتفى الحُكْم في بعض المَوَاضع لعلة، شرطنا في كونها أَمَارة انتفاء تلك العلّة، أو انتفاء","vol":"4","page":207},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n[المَوْضع] (^١) الذي لم يوجد فيه حكمها، وما ذكر من تكرُّر وجود الغَيْمِ ولا مطر، مع أن كونه أمارة لم تزل.\nقال ابن السَّمْعَاني في رده الأمارة: وإن لم تزل إلَّا أنه لا بُدّ أن تضعف بما ذكرناه، ولا بد في الأَمَارَةِ من توفير القوة من كل وجه؛ لأن هذا ظن [يبيّن] (^٢) حكمًا شرعيًّا، فلا بُدّ من بلوغه نهاية القوة، وألا يتوهم قوة في الظَّن وراء قوّته حتى تعلق به الحكم الشرعي، وذلك بوجود الاطِّرَاد حتى لا تخلف هذه الأمارة في موضع ما، فإذا أخلفت لم تتوفر القوة من كل وجه.\nقال: وهذا جواب حسن [اعتمدته] (^٣)، وهو محلّ الاعتماد.\nقلت: فقد بَانَ بُطْلان تخصيص العلّة، سواء أفسرت بالمؤثر أم الباعث أم الأمارة.\nوذكر أبو علي بن عمار الموصلي من أصحابنا: أن أبا الوفاء بن عقيل الحنبلي (^٤) استدل على جواز تخصيص العلّة بقوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف ﵇ قَالُوا: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ [يوسف: ٧٨]، قال: فهذه العلّة التي قصدوا بها إِطلاقه من يد العزيز [موجودة] (^٥) في حق كل واحد منهم.\nقلت: والجواب: أنه لم يكن في ذِهْنِهم أنَّ العزيز يعرف إخوتهم للذي أخذه،\n_________\n(^١) في ب: الموانع.\n(^٢) في ب: يثير.\n(^٣) في ب: اعتد به.\n(^٤) علي بن عقيل بن محمد بن عقيل، البغدادي الظفري، أبو الوفاء، ويعرف بـ \"ابن عقيل\" ولد سنة ٤٣١ هـ. عالم العراق، وشيخ الحنابلة بـ \"بغداد\" في وقته. كان قوي الحجة، اشتغل بمذهب المعتزلة في حداثته. وكان يعظم الحلاج، فأراد الحنابلة قتله، ثم أظهر التوبة. من تصانيفه: \"كتاب الفنون\" و\"الواضح في الأصول\" و\"الفرق\" و\"الفصول\" وغيرها. توفي سنة ٥١٣ هـ. ينظر: شذرات الذهب ٤/ ٣٥، وغاية النهاية ١/ ٥٥٦، ولسان الميزان ٤/ ٢٤٣، والأعلام ٤/ ٣١٣.\n(^٥) في أ: بوجوده.","vol":"4","page":208},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالاحتراز من محلّ النقض إِنما هو لدفع المعترض به، فحيث لا يعترض، لا يجب الاحْتِرَاز عنه لفظًا، ويكفي إِرادته.\nفالعلّة: إن له أبًا شيحًا كبيرًا، وأنه صغير يصدر عليه من الحزن ما لا يصدر على الكبير، فحذف هذا القيد مع إِضماره، وإن في حذفه لفائدة جليلة؛ إِذ لم يكن لهم قصد في التعريف بإخوتهم له.\nوقد ذكرت في \"التَّعليقة\" قواعد كثيرة يطلقها أصحابنا في الفِقْهِيَّات، ويستثنى مها صور، مثل قول أصحابنا: المثلى يضمن بالمثل المتقوم بالقيمة، من لم يجن لم يطالب، لا فرق في ضمان المتلف بين العلم والجهل، متى ضاقت الأمور اتَّسعت، اليقين لا يرفع بالشَّك، متى تعرض أصل وظاهر فقولان:\nأصحّهما: العمل بالأصل، الرخص لا تناط بالمعاصي، النهي إن رجع إلى شرط أو ركن أفسد أوجب أعظم الأمرين بخصوصه، لا يوجب أهونهما بعمومه، ما اجتمع الحَلَال والحرام إِلا وغلب الحَرَام، الميسور لا يسقط بالمَعْسُور، كلّ ما لا يعلم إِلا من جهة الشخص يقبل قوله فيه، من كان القول قوله في شيء، كان القول قوله في صفته، الضَّرر لا يزال بالضرر، ما تميز بنفسه لا يحتاج إلى نية، ما اقتضى عمده البُطْلان، اقتضى سهوه السُّجود، ما يسقط بالتوبة يسقط حكمه بالإكراه، وما لا فلا، وكل ما جاز بيعه فعلى متلفه يغتفر في الدَّوَام ما لا [يغتفر] (^١) في الابْتِدَاء، العصبة كل ذكر ليس بينه وبين الميت أنثى، لا يزيد البعض عن الكُلّ، كل من جهل حرمة شيء مما يجب فيه الحد وفعله لا يحد، وإن علم الحرمة وجهل وجوب الحد وجب الحد، لا تصح الجهالة إلا على معلوم الوَطْء لا يخلو عن [مهر] (^٢) أو عقوبة، لا تصح الدعوى إلا من مطلق التصرف، كل عقد تقاعد عنه مقصوده بطل من أصله، الأصل براءة الذمة، الضرورات تبيح المَحْظُورات، من ملك الإِنشاء ملك الإِقرار، ومن لا فلا، كل عيب يوجب الرد على البائع يمنع الرد إذا\n_________\n(^١) في ب: يفتقر.\n(^٢) في أ، ب، ج: عقر، وكلاهما صحيح.","vol":"4","page":209},{"text":"وَفِي الكَسْرِ، وَهُوَ وُجُودُ الْحِكْمَةِ الْمَقْصُودَةِ مَعَ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ.\n<hr><s0>\n\nحدث عن المشتري وما لا فلا، فاسد كلّ كصحيحة في الضَّمان وعدمه، فرض العين لا يؤخذ عليه عوض، من أتي معصية لا حَدَّ فيها ولا كفارة وجب عليه التعزيز، حكم الدّبر حكم القُبُل، ما كان صريحًا في بابه ووجد نفاذًّا في موضوعه، لا يكون صريحًا في غيره ولا كِنَيَة، كل ما لا صرح به أبطل، فإذا أضمره كره، إذا أتلف المشتري من المبيع قبل القبض كان من ضمانه، ما جاز بيعه جاز رهنه، وما لا فلا، لا يدخل عبد مسلم في ملك كافر ابتداء، لا يصير الحال مؤجلًا، لا يجب الوطء على الزوج، الإكراه يسقط أثر التصرف وغير ذلك كما ذكرت في \"التعليقة\"، وعددت ما يستثنى من ذلك كله، وعقدت فيه فصلًا ينتفع به المبتدئ.\nوقلت: إِن الأصحاب إِنما يطلقون ذلك للغالب، حتى إِذا وجدت صورة وشكّ فيها، أعطيت حكم الأعَمّ الأغلب، ولو أطلق مُطْلق ذلك في مجلس النَّظر لكان في رَهِينَةِ خصمه إن شاء أخذه وأَفْحَمَه، وإن شاء وفَك أَسَاره، والله - تعالى - يُلْبسُنا من الدِّينِ شعاره، ويُسْبلُ علينا دِثَارَهُ.\nالشرح: وقد ذكر المصنّف بعد النَّقْض الكَسر، والنَّقْض المَكْسور.\nوعرف الكسر: بوجود الحكمة المقصودة من شرع الحكم، مع تخلّف الحكم عنها.\nفالنقض - حينئذ -: تخلّف الحكم عن العلة.\nوالكسر: تخلّفه عن حكمها، وقد تبع في هذا الآمِدِيّ، والأكثرون يفسرون الكسر بما فسّرا به هما النقض المكسور، ونحن نسير مع المصنف على مصطلحه، مع التنبيه على كلام غيره، فنقول: قال قوم: إِن الكسر يبطل العلّية، واختار المصنف أنه لا يبطل، وإليه أشار بقوله: \"وفي الكسر، وهو وجود الحكمة المَقْصُودة مع تخلّف الحكم\" خلاف، هل يبطل العلية (^١)؟\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٥/ ٢٧٨، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٣/ ٢١٢، ٤/ ٨٠، ونهاية السول للأسنوي ٤/ ٢٠٤، وزوائد الأصول له ص ٣٩٧، ومنهاج العقول =","vol":"4","page":210},{"text":"المُخْتَارُ: لا يُبْطِلُ؛ كَقَوْلِ الْحَنَفِيِّ فِي الْعَاصِي بِسَفَرِهِ: مُسَافِرٌ فَيَتَرَخَّصُ كَغَيْرِ الْعَاصِي، ثُم يُبيِّنُ المناسَبَةَ بِالْمَشَقَّةِ، فَيُعْتَرَضُ بِصَنْعَةِ شَاقَّةٍ فِي الْحَضَرِ.\nلنَا: أن الْعِلَّةَ السَّفَرُ؛ لِعُسْرِ انضِبَاطِ الْمَشقَّةِ وَلَمْ يَرِدِ النَّقْضُ عَلَيْهِ.\nقَالُوا الْحِكْمَةُ هيَ الْمُعْتبَرةُ قَطْعًا، فَالنَّقْضُ وَارِدٌ.\nقُلْنَا: قَدْرُ الْحِكْمَةِ الْمُسَاويَةِ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ مَظْنُونٌ، وَلَعَلّهُ ...........\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"المختار: لا يبطل، كقول الحَنَفِيّ في العاصي بِسَفَرِهِ: مسافر، فيترخّص كغير العاصي، ثم (^١) يبين المُنَاسبة بين العاصي بسفره وغيره، \"بالمشقة\" الحاصلة لكل مسافر، \"فيعترض بصنعة شَاقَّةٍ في الحضر\"، كالحَمَّالين وغيرهم؛ فإن المشقة موجودة ولا ترخص.\n\"لنا: أن العلّة السفر\" دون المشقة \"لعسر انضباط المشقة\"؛ فالمشقّة وإن كانت المقصودة ليست بعلّة - لما ذكرناه - فإِنها مختلفة باختلاف الأشخاص والأحوال اختلافًا كثيرًا، \"ولم يرد النَّقض عليه\"، أي: على السَّفر الذي هو العلّة، فوجب العمل به.\n\"قالوا: الحكمة هي المعتبرة قطعًا\"، والوصف معتبر تبعًا لها، \"فالنقض وارد\"؛ لاعتراضه ما هو المقصود.\nالشرح: \"قلنا: قدر الحكمة المساوية\" لحكمة الأصل، \"في محل النقض مظنون\"؛\n_________\n= للبدخشي ٣/ ١٠٦، وغاية الوصول ص ١٢٨، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ٢١٦، والمنخول للغزالي ص ٤١٠، وحاشية البناني ٢/ ٣٠٣، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٤/ ١٢٦، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٣٤٨، والمعتمد لأبي الحسين ٢/ ٢٨٣، أحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ص ٦٦١، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٢٢١، ٢/ ٢٦٩، والتمهيد لأبي الخطاب ٤/ ١٦٨، والمسودة ٤٢٩٥.\n(^١) في أ، ب، ت: لم.","vol":"4","page":211},{"text":"لِمُعارضٍ، وَالْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي الأَصْلِ قَطعًا، فَلَا يُعَارِضُ الظَّنُّ الْقَطْعَ حَتَّى لَوْ قَدَّرنَا وُجُودَ قَدْرِ الحِكْمَةِ أَوْ أكثَرَ قَطْعًا، وإنْ بَعُدَ أَبْطَلَ، إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ حُكْمٌ آخَرُ أَلْيَقُ بِهَا، كَمَا لَوْ عُلِّلَ الْقَطْعُ بِحِكْمَةِ الزَّجْرِ، فَيُعْتَرَضُ بالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ، فَإِنَّ الْحِكْمَةَ أَزْيَدُ لَوْ قُطِعَ، فَيَقُولُ: ثَبَتَ حُكْمٌ أَلْيَقُ بِهَا يَحْصُلُ بِهِ، وَزِيَادَةٌ، وَهُوَ القَتْلُ.\n<hr><s0>\n\nإِذ من الجائز أن يكون القَدْر الموجود في محلّ النقض أقلّ من القدر الموجود في الأصل، وعلى تقدير المُسَاواة لا يلزم وجود الحكم.\n\"ولعله\" أي: تخلف الحكم \"لمعارض\"، فيكون وجود قدر الحكمة المُسَاوية لحكمة الأصلِ في محل النقض بدون معارض مظنونًا، \"والعلة في الأصل موجودة قطعًا، فلا يعارض الظن القطع، حتى لو قدرنا وجود قدر الحِكْمَةِ، أو أكثر قطعًا.\nوإن بعد\" هذا التقدير \"أبطل\" العلة \"إِلا أن يثبت حكم آخر أَلْيَق بها\" أي: بصورة النقض \"كما لو علل القَطْع\" في السّرقة \"بحكمة الزَّجر، فيعترض بالقَتْل العمد العدوان\"، ويقال: ينبغي أن يجب فيه القطع - أيضًا - \"فإن الحكمة\" فيه \"أزيد لو قطع\"، ومع ذلك لا يقطع القاتل عمدًا.\nفنقول: ثبت حكم أليق بها\"، أي: بصورة النقض \"يحصل به\" المقصود، \"وزيادة، وهو القتل\"، فإنه يحصل به إبطال اليد وما عداها.\nهذا كلام المصنّف في الكسر، وهو متدافع؛ لأنه عَرّفه أولًا: بتخلّف الحكم عن الحكمة، ثم قال: إن قدر الحكمة المُسَاوية في محل النقض مظنون، وهذا الظّن إِما أن يعتبر أو لا، إن لم يعتبر - فحينئذ - لم يتخلف الحكم عن الحكمة، ولم يوجد الكسر، فقولكم: الكسر لا يبطل العلية ساقط؛ لأن الذي لا يبطل ليس الكسر - على ما ذكرت - وإن اعتبر فقد تخلف.\nوقد قلتم - آخرًا: نعم إن تحقّق التخلّف أبطل، ولا نعني بالكسر إلا ما تحقق فيه التخلّف، أو نعطي المَظْنُون حكم المتحقّق.\nوعليه ينبني قولكم أولًا: الكسر تخلّف الحكم عن الحكمة، فقد لاح بهذا أن تخلّف الحكم عن الحكمة إِذا جوّز التعليل بها كتخلفه عن العلّة، فلنعترض على المذاهب السَّابقة","vol":"4","page":212},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفي النقض، ونمتحن كلّ مذهب بنظيره.\nوالحاصل: أن تخلّف الحكم عن الحكمة كالنَّقض، وظنّ التخلّف غيره، إِن لم يعط حكمه، ومُسَاو له إن أعطي، فليس لابن الحَاجِبِ أن يورده على التقديرين. هذا الكسر على مصطلح الآمِدِيّ والمصنف.\nوقال الأكثرون من الأصوليين والجَدَليين: الكسر عبارة عن إِسقاط وَصْف من أوصاف العلّة المركبة، وإخراجه عن الاعتبار.\nوقال الشيخ أبو إسحاق في \"الملخّص\": وهو سؤال مَلِيحٌ، والاشتغال به ينتهي إِلى ببان الفِقْهِ، وتصحيح العلّة، وقد اتّفق أكثر أهل العِلْمِ على صحته، وإفساد العلة به، ويسمونه النَّقْض من طريق المَعْنَى، والإِلزام من طريق الفقه، وأنكر ذلك طائفة من الخُرَاسانيين.\nوللكسر صورتان:\nإحداهما: أن يبدل ذلك الوصف الخاصّ بوصف عام، ثم ينقضه عليه.\nوالثانية: ألا يفعل ذلك، بل يعرض عن ذلك الَّذِي أسقطه بالكلية، ويذكر صورة النقض، وله أمثلة:\nمنها: أن يقول شافعي في إِثبات صلاة الخَوْف: صلاة يجب قَضَاؤها، فيجب أَدَاؤها، كصلاة الأَمْن.\nفيقول المعترض: خصوص كونها صلاة مُلْغى لا أثر له؛ لأن الحَجّ كذلك، فلم يَبْقَ إلا الوصف العام، وهو كونها عبادة، وينقضه، فهذا كسر، ثم هو بالخيرة بين أمرين:\nإما أن يأتي بكَسْره على الصورة الأولى، فيلزمه التعليل بكونه عبادة، ويقول: كأنك قد قلت: عبادة، إِلى آخر ما ذكرت، ويلزمك صوم الحَائضِ، فإنه عبادة يجب قضاؤها، ولا يجب أداؤها، بل يحرم.\nوأما على الصُّورة الثانية، فنقول: إذا سقط وصف الصَّلاة الذي هو أحد أوصاف","vol":"4","page":213},{"text":"وَفِي<span data-type='title' id=toc-803> النَّقْضِ الْمَكْسُورِ،</span> وَهُوَ نَقْضُ بَعْضِ الأَوْصَافِ:\nالْمُخْتَارُ: لَا يَبْطُلُ كقَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵀ في بَيْعِ الْغَائِبِ: \"مَبِيعٌ مَجْهُولُ\n<hr><s0>\n\nعلّتك، فلم يبق إِلا قولك: يجب قضاؤها .. إلخ، وليس كلّ ما يجب قضاؤه يجب أداؤه بدليل الحائض.\nومنها: أن يقول شافعي في بيع ما لم يره المُشْتري: مبيع مجهول الصِّفة عند العاقد، فلا يصح، كما لو قال: بعتك عبدًا، فيقول المعترض: ينكسر بزيد إِذا نكح امرأة لم يرها، فإنه يصح مع كونها مجهولةَ الصِّفة عند العاقد، فهذا كثير؛ لأنه نقض من جهة المعنى؛ إِذ النكاح في الجَهَالة كالبيع؛ بدليل أن الجَهْل بالعَيْنِ في كل منهما يوجب الفَسَاد. وهذا المثال ذكره الشيخ أبو إِسحاق، وابن السَّمْعَاني وغيرهما، وإيّاه أورد المصنّف، كما ستراه - إن شاء الله تعالى\" - تبعًا للآمديّ.\nوإذا أردت تنزيله على الصُّورة الأولى، قلت: خصوص كونه بيعًا ملغى؛ لأن المرهون كذلك، فبقي كونه عقدًا، الذي هو وصف يعمُّهما، وهو منقوض بالنِّكاح. أو على الثانية قلت: لا أثر لكونه مبيعًا بدليل المرهون؛ فسقط هذا الجزء، ولم يبق إلا مجهول الصفة إلخ، وهو منقوض بالنكاح.\nومنهما: أن يقول شافعي في كَفَّارة العَمْد: قتل من يضمن بَدِيَةٍ أو قصاص بغير إِذن شرعي، فيجب كَفارته كالخَطَأ، فيعترض بأن خصوص كونه يضمن بالدِّيَةِ أو القصاص ملغى؛ لأنها تجب على السَّيد في قتل عَبْدِهِ، فبقي كونه آدميًّا، أو يسقط القَيْد، وبقي ما عداه، وهو منقوض بالحَرْبِيّ والمرتد، وقاطع الطريق، والزَّاني المحصن.\nوهذا حاصل القول في الكَسْر، وقد وضح أنه نقض يرد على المعنى، كما ذكر أستاذ أرباب الجَدَل أبو إِسْحَاق الشِّيرَازي، وتبعه ابن السَّمْعَاني وغيره، وهو معنى كلام المصنّف - هنا - وفي الاعتراضات إِذ قال الكسر نقض المَعْنَى، ولا مخالفة بين كلاميه، وسيظهر لك ذلك بتقرير كلامه، فنقول:\nالشرح: قال في الكتاب: \"وفي النقض المَكْسُور، وهو نقض بعض الأوصاف\" خلاف.","vol":"4","page":214},{"text":"الصِّفَةِ عِنْدَ الْعَاقِدِ حَالَ الْعَقْدِ؛ فَلَا يَصِحُّ؛ مِثْلُ: \"بِعْتُكَ عَبْدًا\" -، فَيُعْتَرَضُ بِمَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَمْ يَرَهَا.\nلنَا: أَنَّ الْعِلَّةَ الْمَجْمُوعُ: فَلَا نَقْضَ، فَإِنْ بَيَّنَ عَدَمَ تَأْثِيرِ كَوْنِهِ مَبِيعًا، كَانَ كَالْعَدَمِ، فَيَصِحُّ النَّقْض، وَلَا يُفِيدُ مُجَرَّدُ ذِكْرِهِ دَفْعَ النَّقْضِ.\n<hr><s0>\n\n\"المختار: لا يبطل، كقول الشافعي في بيع الغَائِبِ: مبيع مجهول الصِّفَة عند العاقد حال العَقْدِ، فلا يصح، مثل: بعتك عبدًا، فيعترض بما لو تزوّج امرأة لم يرها\" وربما يفهم من قول المصنّف: إِنه نقض بعض الأَوْصَاف، اختصاصه بالصُّورة الثانية، وليس كذلك، بل هو أعم منها؛ لأن إخراج البعض أعم من أن يبدله بعد الإِخراج، كما في الصورة الأولى، أو يعرض عنه كما في الثانية، وقد تقررت صورة بيع الغائب على الوجهين، كما مَرّ، وربما لم يتأت إِلا الصورة الثانية؛ لعدم إِمكان الإِبْدَال.\nومثل له الشيخ أبو إِسحاق في \"الملخّص\" بقول الحَنَفِيّ في النِّية في الوضوء: سبب يتوصّل به إِلى الصلاة، لا على وجه البَدَل فلا تجب النية فيه كإزالة النجاسة.\nفنقول: لا أثر لقولك: لا على وجه البدل؛ لأنَّ الأصول والأبدال في باب النية في الشرع واحد؛ بدليل الكَفَّارات لما افتقرت إلى النية استوى أصلها وبَدلها، والعدد لما لم تفتقر، استوى أَصْلُهَا وبدلها، وسقط هذا القَيْد، وينكسر ما بقي بالتّيمم؛ فإنه سبب يتوصّل به إِلى الصلاة ويفتقر.\nفإن قلت: قد ظهر بما قررتم أنَّ الكسر الذي هو عند المصنف مسمّى بالنقض المكسور، كالنقض، فكيف اختار المصنف أنه لا يبطل؟\nولم لا فصل كما فعل؟ ثم قال: لأنه قرر إيراد المثال هكذا: [مبيع] (^١) .. إلخ، فيكسره المعترض، بما لو تزوّج امرأة لم يرها، والمعترض إِذا اعترض هكذا، لم يقدح، لما ذكره في الكتاب؛ إذ قال:\nالشرح: \"لنا: أن العلّة المجموع\" بعض الأوصاف \"فلا نقض\"؛ إذ يلزم تخلّف الحكم عن المجموع الذي هو علة، ثم قال المصنف: \"فإن [تبين] (^٢) عدم تأثير كونه مبيعا، كان\" ذلك القَيْد \"كالعدم، فيصحّ النقض، ولا يفيد مجرّد ذكره دفع النقض\". هذا كلامه،\n_________\n(^١) في أ، ب، ن منع.\n(^٢) في ج: بين.","vol":"4","page":215},{"text":"وَأَمَّا الْعَكْس، وَهُوَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ لاِنْتِفَاءِ الْعِلَّةِ، فَاشْتِرَاطُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَنعِ تَعْلِيلِ الحُكْمِ بِعِلّتينِ؛ لاِنْتِفَاءِ الْحُكْمِ عِنْدَ انْتِفَاءِ دَلِيلِهِ.\n<hr><s0>\n\nونحن نقول: الكَسر هو أن تبيّن … إلي آخر ما ذكرت، فهو إِذن نقض، وإليه يرشد قولك فيما بعد: الكسر نقض المعنى، فلا خلاف بيننا وبين المصنف.\nوالحاصل: أنه لا يقدح في العلية إِذا أتى به على غير وَجْهِهِ، ويسمى - إِذ ذاك - بـ \"النقض المكسور\"، كما زعم المصنّف والآمدي، والكلام معهما في شيئين:\nأحدهما: أنه إذا لم يقدح؛ لأنه لم يأت به على وَجْهِهِ، وكل اعتراض هكذا، ولا اختصاص للكسر بذلك.\nوالثاني: أَنَّهُمَا سمياه بـ \"النقض المَكْسور\"، وهو اسم لا يعرفه الجَدَليون، فإنهم لا يعرفون إِلا الكَسْر، وهو عبارة عن أن يبين عدم التأثير، فإن مشى المصنّف على مصطلحهم - وإليهم المرجع في ذلك - فلا حَاجَةَ إِلى قوله: فإن بين .. إلخ، فإنه ليس المعنى به إِلا أن يبين.\nوذكر الآمدي: [أنَّ الأكثرين على أن الكَسْر لا يقدح، وليس كذلك، فقد نقل الشيخ أبو إسحاق] [على] (^١) أنّ الأكثر على أنه قادح، ونحن قد بَيّنا أنه قد نقض، فالكلام فيه كالكلام في النقض سواء بسواء.\nوالشيخ الهِنْدِيّ قال: الكسر: نقض يرد على بعض أوصاف العلّة، وذلك هو ما عَبَّر عنه الآمدي بـ \"النقض المكسور\".\nثم قال: - أعني الهِنْدي -: وهو مردودٌ عند الجماهير، إِلا إذا بين الخصم إلغاء القيد، ونحن لا نعني بالكسر إلا إذا بيّن.\nأما إِذا لم يبين، فلا خلاف في أنه مَرْدُود، كيف وهو كلام غير موجه؟ \"، وكلّ ما كان كذلك فهو رد على قائله.\nالشرح: \"وأما العكس\" في العِلَلِ فيطلق باعتبارين (^٢):\n_________\n(^١) سقط في ب.\n(^٢) والخلاف يلتفت على جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين، فإن منعناه واشترطنا الاتحاد فالعكس لازم؛ لأن الحكم لا بد له من علة، وإن جوزناه وكانت له علل، فلا يلزم انتفاء الحكم عند انتفاء بعضها بل عند انتفاء جميعها.=","vol":"4","page":216},{"text":"وَنَعْني انْتِفَاءَ الْعِلْمِ أَو الظَّنِّ؛ لأِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاء الدَّلِيلِ عَلَى الصَّانِعِ انْتِفَاؤُه.\n<hr><s0>\n\nالأول: مثل قول الحَنَفِي: لما لم يجب القَتْل بصغير المُثَقّل، لم يجب بِكَبِيرِهِ؛ بدليل عكسه، فإنه لما وجب بكبير [الجَارحِ] (^١)، وجب بصغيره.\nوالثاني: \"وهو\" المراد هنا \"انتفاء الحكم لانتفاء العلّة\".\nأما الأول فلا يشترط في العلّة اتفاقًا؛ إذ لا مانع من ورود الشَّارع بوجوب القِصَاصِ بكلّ [جارح] (^٢)، وأن تخصيص وجوبه في المُثَقّل بالكبير منه.\nوأما الثاني \"فاشتراطه مبني\" كما ذكر القاضي أبو بكر والجَمَاهير \"على منع تعليل الحكم بعلّتين\"، فمانع التعليل بعلتين يشترطه؛ لأنه - حينئذ - لا يكون للحكم إلا دليل واحد، فينتفي عند انتفاء العلة \"لانتفاء الحكم عند انتفاء دليله.\nونعني\" بانتفاء الحُكم: \"انتفاء العلم أو الظَّن\" به، لا انتفاء نفس الحكم؛ \"لأنه لا يلزم من انتفاء الدَّليل على الصَّانع انتفاؤه\"، بل انتفاء العِلْم به فقط.\nقال إِمام الحرمين في \"التَّدريس\": ثم الذَّين اشترطوا العَكس اختلفوا، فمنهم من قال: لا بد من عكس على العموم، كما شرطنا الاطِّراد عمومًا.\nوقال الأستاذ أبو إسْحَاق: يكتفي بالعكس ولو في صورة واحدة.\n_________\n= وقد ذكَر الغزالي هذا التفصيل، وجعله مذهبًا له في المسألة.\nوقال صاحب الفائق: لا ينبغي أن يقع فيما ذكر خلاف. ينظر: سلاسل الذهب ٣٨٩ - ٣٩٠، والبرهان ٢/ ٨٤٢، والمحصول ٢/ ٣٥٥، والإبهاج ٣/ ١١٩، والمستصفى (٢/ ٣٤٤)، والمنخول (٤١١)، وروضة الناظر (١٧٨)، وجمع الجوامع ٢/ ٣٠٣، والإحكام للآمدي (٣/ ٢١٦)، وتيسير التحرير ٤/ ٢٢، ١٥٣.\n(^١) في أ، ب، ت: الخارج.\n(^٢) في ب، ت: خارج.","vol":"4","page":217},{"text":"<span data-type='title' id=toc-805>تَعْلِيلُ الحُكْمِ بِعِلَّتيْنِ</span>\nمَسْأَلَةٌ:\nوَفِي تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتينِ أَوْ عِلَلٍ كُلٌّ مُسْتقلٌّ:\nثَالِثُهَا لِلْقَاضِي: يَجُوزُ فِي الْمَنْصُوصَةِ لَا الْمُسْتَنْبَطَةِ.\nوَرَابِعُهَا: عَكْسُهُ.\nوَمُخْتَارُ الإِمَام: يَجُوزُ، وَلَكِنْ لَمْ يَقَعْ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"وفي تعليل الحكم بعلّتين، أو علل كل مستقل:\nثالثها للقاضي: يجوز في المَنْصُوصة لا المستنبطة.\nورابعها: عكسه، ومختار الإمام: يجوز، ولكن لم يقع.\nهذه عبارته، واخْتِياره: الجواز والوقوع؛ لأنه سيقول: لنا: لو لم يجز لم يقع، وقد وقع (^١).\n_________\n(^١) ينظر: البرهان ٢/ ٨١٩، والمعتمد ٢/ ٢٦٧، والمحصول ٢/ ٢/ ٣٦٧، والمستصفى ٢/ ٣٤٢، والمنخول ٣٩٢، وجمع الجوامع ٢/ ٣٨٥، والإحكام للآمدي ٣/ ٢١٨، وشرح العضد ٢/ ٢٢٣، ونزهة الخاطر ٢/ ٣٣٧، والروضة (١٧٨)، والمسودة ٤١٧، الوصول لابن برهان ٢/ ٢٦٢، وكشف الأسرار ٤/ ٤٥، ونهاية السول ٤/ ١٨٣، ١٩٥، والتمهيد (٤٨١)، وتيسير التحرير ٤/ ٢٣، وشفاء العليل (٥١٤ - ٥٣٦)، وفواتح الرحموت ٢/ ٢٨٢.","vol":"4","page":218},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nواعلم أنه ليس في باب القياس أشكل من الكلام على التَّعليل بعلّتين، ونحن نتوسّط في إِيراده، فلا نُسْهب ولا نوجز، بل نأتي بما فيه مَقْنع وبلاغ، ونتوخّى طريق الحقّ على ما يظهر لنا، والله المستعان.\nفنقول: يجوز تعليل الحكم الواحد نوعًا المختلف شخصًا بعلل مختلفة وفاقًا، كتعليل إباحة قتل زيد بِرِدَّته، وعمرو بالقِصَاصِ، وخالد بالزنا بعد الإِحصان، فلا يقع على صفة خاصّة وهي الرَّجْم، ولا عبرة بإِيماء من أَوْمَأَ إِلى جريان الخلاف هنا، وهذا في العِلَلِ الشرعية.\nأما العقلية، فلأهل الكلام خلافٌ في ذلك، وهذا كله في الواحد بالنوع، أما الواحد بالشخص، فلا خلاف في امتناع تعليله بعلل عَقْلية.\nوأما بعلل شرعية - وهو مسألة الكتاب - وذلك كتحريم المحرمة الحائض.\nوزاد إِمام الحَرَمَيْنِ في كلّ من \"مختصر التقريب\" و\"البرهان \" و\"التدريس\": الصَّائمة، وعبارته في \"مختصر التقريب\": وذلك كمثل المرأة يجتمع فيها الإِحرام والحَيْض والصوم.\nوقيل: إِن ذلك سهو؛ لاستحالة مُجَامعة الصوم شرعًا للحَيْض، ويحتمل أن يريد أن المَرْأة قد يجتمع فيها وَصْفان، وتَعْتورها حالتان، مُقْتضيتان للتحريم، إما إحرام وحيض، أو إَحرام وصوم.\nولذلك قال في \"البرهان\": مثل تحريم المرأة الواحدة بعلّة الحَيْض والإِحرام والصيام والصلاة.\nفمراده: اجتماع وَصْفين، وذلك كالصِّيَام مع الصلاة، أو إلإِحرام مع الحَيْضِ، ونحو ذلك، لا أن الأربعة تجتمع، وكذا إِباحة قتل الشَّخص الواحد بردّته، وقتله الموجب للقصاص.\nورأى الغَزَالي أن يمثل بمن لمس ومَسّ وبال في وقتٍ واحد، ومن أرضعتها زوجة أخيك وأختك - أيضًا - أو جمع لبنهما وانتهى إِلى حلق المُرْضع في لحظة واحدة.\nولم يختر التمثيل باجتماع رضاع ونسب، قال: لئلا يقال: ترجّح النسب لقوته أو ردّة وحيض.\nقال: لئلا يتوهّم - هنا - تعدّد التحريمات، أو قتل وردة، قال: لئلا يقال: المستحق","vol":"4","page":219},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقتلان، أو قتل شَخْصَين، أو باع حرًّا بشرط خيار مَجْهول، قال: لئلا يقال: عليه البُطْلان الحُريّة دون الخيار، قال: وهذه أَوْهَام ربّما تنقدح في بعض المواضع، قال: وإنما فرضناه في اللَّمْس والمَسّ والخُؤُولة والعُمُومة؛ لدفع هذه الخَيَالات (^١).\nهذا كلام الغزالي ظنًّا منه أن ما مثل به واضح في اجتماع علّتين شرعيتين، وسنتكلم معه إِذا انتهينا إِلى الحِجَاجِ.\nإذا عرفت هذا، ففي المسألة مذاهب:\nأحدها: جواز التَّعْليل بعلّتين مطلقًا، ووقوعه، وهو رأي الجماهير، منهم: القاضي كما نص عليه في \"التقريب\" وفي \"مختصره\" أيضًا.\nوالثاني: المنع مطلقًا، واختاره الآمِدِي، ونقله عن القاضي وإمام الحرمين.\nوالثالث: أنه يجوز في المَنْصُوصة دون المستنبطة، وهو رأي الأستاذ أبي بكر بن فورك، واختيار الإِمام وأتباعه، وإليه يرشد كلام الغزالي في \"المُسْتَصفى\"، وإن كان أطلق تصحيح الجَوَاز في صدر المسألة إطلاقًا، ولذلك أطلق في \"الوسيط\" عند الكلام في زوائد المبيع، ونقله في الكتاب عن القَاضِي، ولعل ذلك مأخوذ من إِمام الحرمين، فإنه قال في \"البرهان: إن للقاضي إِليه صفوًا ظاهرًا في \"التقريب\"، ولعلّه يريد \"التَّقريب الكبير\"، وأما \"التقريب\" الذي وقفنا عليه، فليس فيه إِلا ما ذكرناه، فحصلنا على ثلاثة آراء منقولةٍ عن القاضي.\nوالرَّابع: عكسه، حكاه المصنّف، ولم أره لغيره، وسبق له في النَّقض نظيره.\nوالخامس: ونقله في الكتاب عن إِمام الحرمين: أنه جائز غير واقعٍ، وكلام المصنف بعد ذلك صريح في أن المراد بالجواز: الجَوَاز العَقْلي، وأن إِمام الحرمين يقول بامتناعه حيث يقول: لو لم يكن ممتنعًا شرعًا، لوقع، ولو نادرًا - كما سيأتي إن شاء الله تعالى - وهو نقل صَحِيح، بخلاف ما نقله الآمِدِيّ عنه؛ لأنه قال في \"البُرْهَان: ليس ممتنعًا عقلًا وتسويغًا، ونظرًا إِلى المصالح الكلية، ولكنه ممتنع شرعًا.\nوإذا عرفت هذه المذاهب، فهل هي جارية في التعليل بعلّتين، سواء كانتا متعاقبتين أم معًا، أو هو مختص بالمعية؟\n_________\n(^١) في أ: الحالات.","vol":"4","page":220},{"text":"لنَا: لَوْ لم يَجُزْ لَم يَقَعْ، وَقَدْ وَقَعَ، فَإِن اللَّمْسَ، وَالْبَوْلَ، وَالْغائِطَ، وَالمَذْيَ يَثْبُتُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا الحَدَثُ، وَالقِصَاصُ، والرِّدَّةُ يَثْبُتُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْقَتْلُ.\nقَوْلُهُمُ: الأَحْكَامُ مُتَعَدِّدَةٌ، وَلذَلِكَ يَنْتَفِي قَتْلُ الْقِصَاصِ، وَيَبْقَى الآخَر، وَبِالْعَكْسِ.\n<hr><s0>\n\nكلام المصنّف صريح في الأول، وسنعقد للثاني كلامًا يختصّ به، حيث يقول القائلون بالوُقُوع، وكلام غيره يقتضي الثَّاني، ويساعده تمثيل الغَزَالي بمن لمس وبال في وقت واحد، وصرح به الآمدي في الجواب عن جواب دَلِيل المانعين الآتي ذكره في الكتاب، وسأتكلم في ذلك إن شاء الله.\nواعلم أنا نتكلّم على كلّ مذهب بما تصل إليه قدرتنا، إِلى أن يثبت لنا ما نختاره، فنقول:\nالشرح: احتج من قال بالجَوَاز مطلقًا - وهو رأي صاحب الكتاب - بوجهين:\nأحدهما: ما أشار إِليه في الكتاب بقوله: \"لنا: لو لم يَجُزْ لم يقع، وقد وقع؛ فإن اللمس والبَوْل، والغائط، والمَذْي، [يثبت] (^١) بكلّ واحد منها الحَدَث. والقصاص، والردة يثبت بكل منهما القتل\".\nواعترض: بأن النِّزَاع في الحُكْم الواحد، وفي هاتين الصُّورتين الأحكام متعددة؛ لأن القتل بالردَّة غير القَتْل بالقِصَاص، فلذلك [ينتفي] (^٢) القَتْل بالرِّدة، ويبقى الآخر فيما إِذا كان القاتل ارتد بعد القتل، ثم أسلم قبل القِصَاصِ، وبالعكس، أي: ينتفي القتل بالقِصَاصِ فيما إِذا عفا الوفي عن القصاص، ويبقى الآخر، وإليه أشار بقوله:\nالشرح: \"قولهم: الأحكام متعدّدة، ولذلك ينتفي قتل القِصَاص، ويبقى الآخر، وبالعكس.\nقالوا: وأيضًا فإن القتل قصاصًا حق للآدمي، وله أحكام تخصّه، من جواز إِسقاطه، وأن له بدلًا، وأنه يستوفي بما قتل، وأنّ إسقاطه مندوب إِليه، إلى غير ذلك، والقَتْل ردّةً حقّ الله - تعالى - وله - أيضًا - أحكام تخصّه، وأجاب في الكتاب عن الأول فَقَالَ:\n_________\n(^١) في ح: ثبت.\n(^٢) في ب: ينبغي.","vol":"4","page":221},{"text":"قُلْنَا: إضَافَةُ الشَّيْءَ إِلى أَحَدِ دَلِيلَيْهِ لَا تُوجِبُ تَعَدُّدًا، وَإلَّا لزم مغايرة حدث الْبَوْلِ لِحَدَثِ الْغَائِطِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: قلنا: إِضافة الشَّيء إلى أحد دليليه ألا يوجب تعددًا، وإلا لزم مُغَايرة حدث البول لحدث الغائط\".\nوالجواب بعينه يأتي في قولنا: هذا حق الله، وذاك حَقّ الآدمي.\nولقائل أن يقول: قولكم: إِضافة الشيء إِلى أحد دليليه لا يوجب تعددًا في الشيء.\nقلنا: أثبتوا شيئًا [متعددًا] (^١)، ثم قولوا هذا؛ فإِنا ننازع في أن الموجود شيء واحدٌ أو شيئان.\nقولكم: وإلا يلزم مُغَايرة حدث البَوْل لحدث الغائط.\nقلنا: إن أردتم مُغَايرة الخاصّين، فهو نفس مُدّعانا.\nوإن أردتم ما بينهما من القَدْرِ المشترك، فليس بلازم، ولا يعترض شيئًا مما نحن فيه؛ فإن القَدْرَ المشترك بين الشَّيئين لا يوجب اتّحَادهما، وكلامنا في ذَيْنك الشَّيئين، لا في القدر المشترك بينهما.\nوهذا الجواب مما استقلّ به المصنف، والآمدي لم يذكره، والاعتراض ذكره إِمام الحرمين، فقال: وقال من يخالف هؤلاء: إِنما يناط بالعلل تحريمات، ولكن لا يظهر أثر تعدده، وقد يتكلف المتكلف فيجد بين كل تحريمين تفاوتًا، وهذا بيِّن في القَتْل؛ فإن من استحق قصاصًا وقتلًا، فالمستحقّ قتلان، ولكن المحلّ يضيق عن اجتماعهما، ولو فرض سقوط أحدهما لبقي الثَّاني، فلا يكاد يصفو تحقيق تعليل حكم واحد بعلّتين تصويرًا.\nوما ذكره حقّ، فما من مكان إِلا والخَصْم بسبيل من أن يدعي فيه تعدد الأحكام، وإتيانه بوجه واضح يدلّ له، وربّما لاح في بعضها وظهر ظهورًا بينًا، ومن أماكن ظهوره كفَلَقِ الصّبح: حديث البول والغائط اللذين ادّعى المصنف اتحادهما، وجعل ذلك كالأصل الممهّد ليقيس عليه - كما عرفت - وبينهما اختلاف يظهر أثره فيما إِذا نَوَى رفع أحدهما، ففي المسألة أوجه:\n_________\n(^١) في أ، ب: متجددًا.","vol":"4","page":222},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأصحها: صحّة وضوئه مطلقًا.\nوالثاني: عكسه.\nوالثالث: إِن لم ينف ما عداه صح، وإلا فلا.\nوالرَّابع: إن نوى رفع الأول صح، وإلا فلا.\nوالخامس: إن نوى رفع الأخير صح، وإلا فلا، فالقول بعدم الصِّحة يشهد للتعدُّد، وإلا فلو وجد الاتحاد لصح، وكان من عيّن بعض الأحداث بمنزلة من أطلق الحدث إِطلاقًا، والقول بالصّحة لا ينفيه؛ لأنَّ من قواعد الفقهاء: أنه لا يتجرأ حدث، ذا ارتفع واحد ارتفع الآخر، فذلك لمأخذ غير ما نحن فيه.\nوقد قال الآمِدِيّ (^١): أما المَسّ اللَّمْس وباقي الأسباب، فالأحداث المرتّبة عليها متعدّدة على رأي لنا، وعلى هذا فلو نوى رفع حدث واحد منها لارتفع الباقي اهـ.\nوظاهره: أن لنا رأيًا، أنه يرتفع المنوي دون غيره، ولا يعرف هذا عن أحد، ولو قيل به، لكان نصًّا في تعدّد الأحكام واضحًا، نعم: لنا وجه فيما إِذا نوى اسْتِبَاحة صلاة بعينها دون غيرها أنه لا يصحّ الوضوء لها فقط، وذلك لا يعكر على قاعدة الأصحاب في أن الحدث لا يتجزأ، فلذلك قال به بعضهم، بخلاف الأول.\nإِذا عرفت هذا، فقد بالغ قومٌ في الرَّد على من يدعي تعدّد الأحكام.\nوقال القاضي أبو بكر في موضع: إِنه ركيك جدًّا.\nوقال في آخر: إِنه هَذَيان يدني قائله من جحد الحَقَائق والبداهة.\nقال: فإن المعوّل فيه على أن القَتْل مختلف، وهذا معلوم الفَسَاد ضرورة؛ فإِنا نعلم أن القَتْل في الردة مجانس للقتل في القصاص، ولا يختلف القتلان في حقيقتهما، فالمصير إِلى ادعاء اختلافهما جحد الضرورة، ولو ساغ ذلك لساغ أن يقال في العَقْلِيَّات: إِن العلم إِذا قام بزيد، أوجب كونه عالمًا؛ إِذ قد تغاير المَحَلّان وتباين الذّاتان، وهذا يفضي إِلى طَيّ الحقائق، وقلب الأَجْنَاس، فاستحال المَصِير إِلى القول باختلاف القَتْل، فلا يبقى لهم - بعد ذلك - معتصم إِلا الاعتراف بعين ما أريد بهم، وهو أن يقولوا: القصاص خالف قتل المرتدّ من حيث إِنه وجب بالقَتْل، وذلك وجب بالردة.\n_________\n(^١) ينظر الإحكام: ٣/ ٢٢٠.","vol":"4","page":223},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقلنا: فالآن وضح الحَقّ، ونطقتم به، ولم تشعروا؛ فإِنا أوضحنا تماثل القَتْل حقيقة.\nهذا كلام القاضي، ذكره في فصل العَكْس.\nولقائل أن يقول: هنا أمور: القتل وأسبابه من ردّة، وقَتْل، وزنا بعد إِحصان، واستحقاق القَتْل، ونحن لم ندّع التعدد في القتل الذي هو محكوم به، بل في الحكم نفسه، والأسباب مختلفة بلا شَك، والقتل متحد بلا شك، كما ذكره القاضي.\nوأما استحقاقه، فنقول: إِنه متعدد، فكل سبب يقتضي استحقاقًا غير الاستحقاق الحاصل بالسَّبب الآخر، فالحاصل استحقاقات، وظاهرها يقتضي تعدّد المستحق، ولكن ضاق عنه المحل - كما قدمناه - ويكفي حصول استحقاقات شاهدًا على أن الأحكام متعدّدة.\nوالحاصل: أنا إِنما ادَّعينا تعدّد الأحكام، لا تعدّد المحكوم به.\nواعلم أن أجمع كلام في الرد على من يدعي تعدّد الأحكام، كلام الإِمام في \"المحصول\"، فأذكره وأتعقّبه، فأقول: قال: الدَّليل على أن الحكم واحد أن إِبطال حياة الشَّخص الواحد أمر واحد، فهو إِما أن يكون ممنوعًا منه من جهة الشَّرع بوجه ما، فهو الحرمة، أو لا فهو الحل، وإذا كانت الحياة واحدةً، كانت إِزالتها أيضًا واحدة، فكان الإِذن في تلك الإِزالة واحدًا.\nفإن قلت: الفعل الواحد يجوز كونه حلالًا من وجه، حرامًا من آخر، وحينئذ يجوز أن يتعدّد حكم الحل لتعدد جهاته، فيكون الشَّخص الواحد مُبَاحَ الدَّم من حيث إِنه مرتد، وإنه زانٍ محصن، وإنه قاتل.\nقلت: حُرْمة الشيء من وجه، وحلّه من آخر غير معقول؛ لأن الحلّ هو تمكين الشَّرع من الفعل، ولا يتحقق هذا [المعنى] (^١) إِلا إِذا لم يكن فيه وجه يقتضي المنع أصلًا، بل ليس من شرط الحُرمة أن يكون حرامًا من جميع جِهَاته؛ لا الظلم حرام، مع أن كونه حادثًا وعرضًا، وحركة لا يقتضي الحرمة.\nوحينئذ نقول: حلّ الدم على هذا الوجه يستحيل تعدّده؛ لأن هذا الإِطلاق يستحيل أن يتعدّد، والعلم بذلك ضروري. هذا كلام الإِمام.\n_________\n(^١) في جـ: للمعنى.","vol":"4","page":224},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nولقائل أن يقول: سلمنا أن إِبطال حياة الشَّخص الواحد أمر واحد.\nولكن لم قلت: إِن ما يكون طريقًا إِلى الشيء يجب أن يكون واحدًا؟.\nوالحكم الذي كلامنا فيه ليس [نفس] (^١) إِبطال حياة الشخص، بل الطريق إِليه؟؛ ألا ترى أن حياة الشخص الواحد يمكن إِبطالها بضرب عنقه، وقدّه نصفين، وأمور كثيرة، فلم ادعيت أن ما نحن فيه ليس كذلك؟.\nفإن إباحة القتل بالردَّة، وهو طريق واحد إلى إبطال الحياة، وحكمه أن يقتله الإِمام ما لم [يَتُبْ] (^٢)، وليس له إِسقاطه، وإباحته بالقِصَاص أن يتمكن الولي من قتله بمثل الطَّريق التي صدرت عنه، أو بالسَّيف، وله العَفْو.\nوإباحته بالزنا أن يرجم، ولا يتبع إِذا هرب، فهذه طرق مختلفةٌ، غير أنها اشتركت في أمرٍ واحدٍ، وذلك لا يوجب اجْتِمَاع العلل على حكم واحدٍ، وأيضًا عصمة دم المرء المعصوم دمه حكم شرعي، وهو مشروط بأمور:\nمنها: الإِسلام، أو الذمة، ويناقضها الكُفْر مع الحِرَابة.\nومنها: العِفَّة، ويضادها الزِّنَا.\nومنها: العَدْل، ويضاده القَتْل ظلمًا، ويختل كل واحد منهما بواحد من هذه الأفعال.\nقال إمام الحرمين في تقدم الأمن [بالعفة] (^٣) استمكانًا من تقدير [التعدد] (^٤) في الموجبات بوجوه ترشد إلى التغاير والاختلاف.\nقلت: ونظير هذا في الأمور العقلية أن حياة الشَّخص الواحد مشروطةٌ بشروط: منها: بقاء الأعضاء الرَّئيسة على أَمْزِجَتِهَا المعينة.\nومنها: إِيصال بعضها ببعض، وغير ذلك، وكل ما يحصل في البدن مبطلًا لواحد من هذه الشروط يصير سببًا لإبطال الحياة لا جَرَم أن تعددت أسباب إِبطال الحياة، فإذا فرضنا اجتماع عدّة منها، لا نقول: إن العلل الكثيرة تواردت على معلول واحد.\n_________\n(^١) سقط في أ، ج.\n(^٢) في أ، ت: يثبت.\n(^٣) في ب: بالفقه.\n(^٤) في ب: التعذر.","vol":"4","page":225},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوإِذا فرضنا دفعةً واحدة: حَزّ رقبة شخص، وقدّه نصفين من شخصين معًا، لا يقال: اجتمع هاتان العلّتان على معلول واحد؛ إِذ لا يتصور ذلك في العلل التامّة المؤثرة، وكل ما ذكر عذرًا في هذه الصّورة كان عذرًا لنا في دفع ما ذكر من الدَّليل، ولسنا بالمُعْتذرين عن العلل العقلية؛ إِذ لا حقيقة لها عندنا، وتحقيق ذلك في علم الكلام، ولكنا نُحِيلُ الأمر على الإمام.\nومما يوضح أن الأصحاب يدعون تعدّد الأحكام أن ابن الحَدّاد قال فيما إِذا بيع شِقْص فعفا أحد الشَّفيعين، والآخر غائب، ثم مات الغائب بعد عفوه، والعافي الحاضر وارثه: كان له أن يأخذ بالشُّفْعَة؛ فإِنه وإن عفا أول مرة، فإِنما يأخذ من وجه غير الوجه الذي عَفَا منه؛ ألا ترى أنه لو عفا عن قاتل أبيه، وقد قتل القاتل أيضًا ابن أخي العافي، فمات أخوه، وهو وارثه، كان له أن يقتله بابن أخيه؛ لأنه وإِن عفا عن دم أبيه، لم يَعْفُ عن دم ابن أخيه، ودم أبيه غير دم ابن أخيه؟.\nووافق الأصحاب ابن الحَدّاد في الفُتْيَا، ومنعوه السَّببية؛ لأنه إِذا عفا عن دم الأب، فلا يعود إِليه أبدًا، ولا يجوز القتل به، فأما قتله، فبسبب قتل آخر ثبت له، وأما في مسألتنا، فإِنه عفا عن شُفْعَةٍ ثبتت له بِعَقْدٍ، ثم يعود إِليه ذلك الحق بعينه إِرثًا؛ لأنه لما عفا ثبت لأخيه عين ذلك الحق، ثم عاد بالمِيرَاث. [ذكره] (^١) الشيخ أبو عَلِيّ عن الأصحاب، وهو يشهد لتعدّد القتل، وإِلا كان في نفسه واحدًا، وإِن اختلفت الإِضافة والعفو أولًا إِنما هو عن قتل مضَاف للأب، لا عن مُطْلق القتل.\nوأما قوله: إِن الحل لا يتحقق إِلا إِذا لم يكن فيه وجه يقتضي المنع أصلًا، فإِن أراد إِذا لم يكن في موضع الحلّ، فمسلّم، ولا يجد به نفعًا، وإِن أراد من كل وجه، فممنوع، بل تثبت الإِباحة مُضَافة إِلى سببها، والحُرْمة مضافة إِلى سببها، كما تقرر في الصَّلاة في الدَّار المَغْصُوبة، فإِذا عقل اجتماع الوُجُوب والتَّحْريم هناك، عقل اجتماع التَّحريم والإِباحة هنا.\nفالحَقّ في هذه المسألة اجتماع إِباحات، كل إِباحة مضافة لِسَبَبِهَا، كما يجتمع تحريمات في الزَّاني بذات المحرم صائمًا في الحرم، في الإِحرام بالحج؛ لتعدّد الأسباب،\n_________\n(^١) في أ، ت، ج: ذكر.","vol":"4","page":226},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n\n<hr><s0>\n\nولو لم تتعدّد، كان التحريم واحدًا، فيستوى إِثمه وإِثم من زنى بأجنبية مفطرًا، لا في الحرم، ولا [في] (^١) الإِحرام.\nلا يقال: جاز أن يكون أحد التَّحريمين أغلظ؛ لأنا نقول: تلك الغِلْظة إِنما هي بهذه الزِّيَادات، ولا نعني بتحريم آخر شيئًا غيرها، فلا يستوي رجل أتى امرأة حلالًا ظنّها بعض الأجانب، وهو حقًّا معتدى، مع محرم وطيء أمةً متعمدًا يوم الخميس بـ \"مكة\" في المسجد، ومن أجل تعدّد الحرمات وقع الانفصال عن سؤال من قال: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: الآية ٢٣٠]، مع ما تمهّد من مخالفة ما بعد الغاية لما قبلها، يقتضي حلها إِذا نكحت زوجًا غيره، وهي إِذ ذاك زوجة الغير، لا سبيل إِلى تحليلها، ووجه الانفصال: أن الزائل بنكاحها زوجًا غيره تحريم الثلاث، والباقي التحريم الناشئ عن كونها أجنبيةً، الكائن مع تحريم الطَّلاق، ففي اجتماع الثلاث تحريمان زال أحدهما بالنكاح، وبقي الآخر، فوضح أن الحق اجتماع الحرمات، والإِباحات، والوجوبات باجتماع الأسباب.\nوأما قوله: \"الظلم حرامٌ، مع أن كونه حادثًا وعرضًا وحركة\" لا يقتضي الحرمة، وهو شاهد لنا، ومخالف لما ذكره؛ إِذ قد أثبت التحريم من وجه دون وجه.\nوكذا نقول في الإِباحة: إِنها تختص ببعض الوجوه، وتحصل متعدّدة بتعدّد الوجوه والأسباب، لا فرق بينهما.\nثم قال الإِمام: قولكم: الدليل على التغايُرِ أنه لو أسلم - يعني: القاتل المرتد - زال أحد الحكمين، وبقي الآخر.\nقلنا: لا نسلّم أنه يزول أحد الحكمين، بل يزول كون ذلك الحكم معللًا بالرّدة، فالزائل ليس هو نفس الحلّ، بل وصف كونه معللًا بالردة.\nولك أن تقول: لو لم يزل ذلك الحل، لكان مستمرًا بدون علّة؛ فإِنه لا أثر للزائل في المستمر، بل التَّحقيق أن الحلّ المضاف إِلى الردة زال، وبقي حل آخر.\nثم قال: قولكم: ولي الدَّم مستقلّ بإِسقاط أحد الحكمين.\n_________\n(^١) سقط في أ، ب، ت.","vol":"4","page":227},{"text":"وَأَيْضًا: لَوِ امْتَنَعَ لامْتَنَعَ تَعَدُّدُ الأَدِلَّةِ؛ لأَنَّهَا أَدِلَّةٌ.\n<hr><s0>\n\nقلنا: ممنوع، بل هو متمكّن من إِزالة أحد الأسباب، فإِذا زال ذلك السَّبب، زال انْتِسَاب ذلك الحكم إِليه، لا الحكم نفسه.\nولك أن تقول: السبب هو كونه قتل من يعاديه، وذلك لا يزول بشيء من أفعال الولي، إِنما الزائل بِعَفْوِ الولي وجوب القصاص الذي هو أثر السَّبب، وليس الولي متمكنًا إِلا من إِزالة الحلّ الثابت له، وهذا الزوال يستدعي سببًا، ولا سببًا غير عفوه، فالذي زال بالعفو ما كان ثابتًا، وليس هو إِلا الحلّ.\nثم إِنا نقول: إِن كان الزائل بالعفو شيئًا آخر غير حلّ القتل، فموجب القاتل ظلمًا هو ذلك الشيء؛ لأن العفو يسقط موجب الجِنَايَةِ، فإِن كان موجب الجناية غير الحلّ، فلا يلزم اجتماع العِلَلِ على حكم واحدٍ، وهكذا نقول في سائر الصُّور المذكورة من اجتماع الإِحرام والحيض، وفي صورة الرِّضَاع، ونحوها، فاعتبره.\nالشرح: الوجه الثاني من الوجهين اللذين استدلّ بهما من قال باجتماع علّتين: ما أشار إِليه في الكتاب بقوله: \"وأيضًا: لو امتنع\" التعليل بعلّتين \"لامْتَنَعَ تَعدّد الأدلة؛ لأنها\"، أي: العلل الشرعية \"أدلة\": لكونها معرفة للأحكام، وتعدّد الأدلة غير ممتنع. هذا كلام المصنف، وسنعيده غير مرة.\nولقائل أن يقول: العلة إِما أن تكون عندك بمعنى المعرف، أو شيء آخر، فإِن فسرتها بـ\"المعروف\" - كما هو الصَّواب - فهي والأدلّة سواء، والخلاف فيهما واحد، والخصم ناطق بامتناع تعدّد الأدلّة، والحاصل أن المعرفات الأدلّة، فلا يقاس الشيء على نفسه.\nوإن فسرتها بشيء آخر، إِما الباعث أو غيره، فالمُلازَمة غير قائمةٍ؛ لوضوح الفرق، وعند هذا نقول: كان أحقّ معنى به تفسير العلّة، ثم نذكر بعده الاختلاف.\nوأصحابنا كلهم يقولون: إِنها الأمارة، والمصنّف والآمدي يفسّرانها بـ \"الباعث\"، فإِن جرى المصنف على مِنْهَاجه، فالمذاهب التي حكاها أَجْرَاها في غير موضعها؛ لأن أصحابنا أجمعين لا يفسّرونها إِلا بـ\"المعروف\"، منهم: القاضي، وإمام الحرمين اللذان صرّح باسمهما.\nوأيضًا: لا يصحّ القياس لوجدان الفَارِقِ بين الأَمَارة والباعث.","vol":"4","page":228},{"text":"الْمَانِعُ: لَوْ جَازَ لَكَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مُسْتَقِلَّةً غَيْرَ مُسْتَقِلَّةٍ؛ لأَنَّ مَعْنَى اسْتِقْلالِهَا ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِهَا، فَإِذا انْفَرَدَت ثَبَتَ الْحَكْمُ بِهَا، فَإِذَا تَعَدَّدَتْ تَنَاقَضَتْ.\nوَأُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَى اسْتِقْلالِهَا أَنَّهَا إِذَا انْفَرَدَتِ اسْتقَلَّتْ؛ فَلا تَنَاقُضَ فِي الْتَعَدُّدِ.\n<hr><s0>\n\nوأيضًا: قوله: لأنّها أدلّة، مدخول؛ لأنّ الأدلّة: المعرف بلا رَيْبٍ، وما هي والحالة هذه إِلا بواعث.\nالشرح: واحتج \"المانع\" من التَّعْليل بعلّتين مطلقًا بثلاثة أوجه:\nأحدها: وإليه الإِشارة بقوله: \"لو جاز، لكانت كلّ واحدة مستقلّة غير مستقلة؛ لأن معنى استقلالها: ثبوت الحكم بها، فإِذا تعددت تناقضت\".\nوهذا ما اعتمده الآمدي، وتقريره أن يقال: لو علل الحكم الواحد بعلّتين، لم يخل إِما أن تستقلّ كلّ واحدة بالتَّعْليل، أو لا تستقلّ، بل لا تتمّ إِلا بمجموعهما، أو تستقلّ إِحداهما به دون الأخرى، والأقسام الثلاثة باطلةٌ، فالتعليل بعلل باطل.\nأما الأول: فلأنه لا معنى لكون الوَصْف علّة مستقلة إِلا أنه علّة له دون غيره، فلو كانت كلّ واحدة منها مستقلّة بهذا التفسير لزم ألا تكون كلّ واحدة منها علّة، فضلًا عن أن تكون مستقلة.\nوأما الثاني: فلأنه على نَقِيضِ ما فَرض من الملزوم، فكان باطلًا، وبتقدير ألّا يكون باطلًا، قالمقصود حاصل؛ لأنه حينئذ لا يكون ذلك الحكم معللًا إِلا بعلّة واحدة.\nوأما الثالث: فللزوم تَرْجِيح أحد الجَائزين، وبتقدير ألا يكون جائزًا، فالمقصود حاصل على ما عرف.\nالشرح: \"وأجيب: بأن معنى استقلالها: أنها إِذا انفردت استقلّت، فلا تناقض في التعدد\"، أي: ليس معنى استقلالها ما ذكرت، بل إِنها إِذا انفردت استقلّت بالعلّية، فيجوز أن تكون كلّ واحدة منها حالة الانفراد مستقلة، وحالة الاجتماع غير مستقلة، فلا يلزم التناقض حالة التعدُّد؛ لعدم استقلال كلّ منها حينئذ.\nفالتناقض إِنما نشأ من استقلالها حالة التعدّد، و\"حينئذ فقد فسرنا الاستقلال بخلاف ما فسرتموه.","vol":"4","page":229},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالآمدي قد أجاب في \"الإِحكام\" (^١) غير هذا الجواب، بأنَّ الكلام مفروض في حالة الاجتماع دون الانفراد، والتَّقسيم في حالة الاجتماع، على ما سبق.\nولكن الشيخ الهِنْدِيّ ضعفه: بأنه ليس معنى قولنا: \"إِنه لو وجد منفردًا حالة الاجتماع، حتى يكون فرض حالة الاجتماع\" منافيًا له.\nبل معناه: أن العلة المستقلّة ماله هذه الحيثيّة، ومعلوم أن فرض حالة الاجتماع لا ينافي هذا المفهوم، ويرجع حاصل الكلام حينئذ إِلى أنه لم لا يجوز حينئذ أن يكون [الحكم] (^٢) معللًا بكلّ واحد من العلل المختلفة التي شأنها أنه لو وجدت واحدة منها وحدها لاستقلت [بالإِيجاد] (^٣)؟.\nومعلوم أن التقسيم المذكور في الدَّليل لا يبطل هذا الاحتمال. انتهى.\nولقائل أن يقول: هذه العلّة التي شأنها أنها لو انفردت لاستقلّت كلّ واحدة منها، لا بُدَّ أن يكون لها شأن إِذا اجتمعت؛ لأن الحكم على العلل من حيث هي أعم منه حالة الانفراد والاجتماع، فإذا قضيت على حالة الانفراد بقضاء، فبماذا تقضي على حالة الاجتماع؟.\nفإِن قضيت بأن شأنها استقلال كلّ واحدة عند الانفراد، وعدم الاستقلال عند الاجْتِمَاع، فالمستقلّ حالة الاجتماع مجموعها، لا كلّ فرد، ونحن لا نعني بالعلّة إِلا ما يستقل، فلا علّة حينئذ إِلا المجموع، وهو واحد، فأين اجتماع علل على معلول واحد؟.\nوإِن قضيت بأنَّ شأنها الاستقلال في الحالتين، عاد التقسيم بحاله.\nوالحاصل: أن العلل التي شأنها الاستقلال حالة الانفراد، لا نسلّم أنها حال الاجتماع عِلَل، بل علّة واحدة، ونحن لا ننكر عللًا، بحيث لو انفرد كلّ منها أفاد، وإِنما ننكر الاستفادة من كلّ فرد فرد حالة الاجتماع، كما ستعرف تحقيقه.\nفقد وضح أن الدليل صحيح، منتهض على امتناع اجتماع علّتين على معلول واحد،\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام ٣/ ٢١٨.\n(^٢) في ت: تحكم.\n(^٣) في أ، ب، ت: الاتحاد.","vol":"4","page":230},{"text":"قَالُوا: لَوْ جَازَ لاجْتَمَعَ الْمِثْلانِ، فَيَسْتَلْزِمُ النَّقِيضَيْنِ؛ لأَنَّ الْمَحَلَّ يَكُونُ مُسْتَغْنِيًا غَيْرَ مُسْتَغْنٍ، وَفِي التَّرْتِيبِ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ.\nقُلْنَا: فِي الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ، فَأَمَّا مَدْلُولُ الدَّلِيلَينِ فَلا.\n<hr><s0>\n\nوهو كما ذكره الآمدي وجارٍ سواء أفسرت العلة بالأمارة أم الباعث، واقتصر الآمدي على ذكره؛ لأنه لو أورد دليلًا يختصّ بالأمارة، لكان على خلاف ما يفسر هو به العلّة، أو بالباعث، لكان في غير محل تنازع القوم؛ إِذ هم لا يتنازعون إِلا فيما هو مصطلحهم، فأورد دليلًا يأتي على المذهبين.\nالشرح: والوجه الثاني: ما أشار إِليه بقوله: \"قالوا: لو جاز لاجتمع المِثْلان، فيستلزم النقيضين؛ لأن المحلّ يكون مستغنيًا غير مستغن، وفي الترتيب تحصيل الحاصل\".\nوفي عبارته قَلَق، فلنقرر الوجه واضحًا، ثم نشرحها، فنقول: اجتماع علّتين على معلولٍ واحد يفضي إِلى أحد أمور ثلاثة، إِما اجتماع المِثْلين، أو تحصيل الحاصل، أو نقض العلّة.\nوبيان الملازمة: أنه إِذا وجدت علّة من تلك العلل، لا بد أن تقتضي حصول الحكم، وإِلا يحصل النقض، سواء اقتضت غيره أم لم تقتض شيئًا؛ لوجدان التخلّف، وهو باطل؛ لما تقدم.\nفإِذا حصلت العلّة الثانية، فإِن اقتضت حصول ذلك الحكم بعينه لزم تحصيل الحاصل، أو مثله، لزم اجتماع المِثْلَين، ويلزم على تقدير اقتضائها غير الحكم، ومثله: أن يكون مقتضاها غير مقتضى الأولى، فلم يتواردا على مَعْلُول واحد، وهو المدعى، وكذلك فيما إِذا اقتضت مثله؛ لأن مثل الشيء غيره، وهنا مَعْلُولان لا معلول واحد، وهذا دليل ناهض، سواء حصلت العلّتان معًا، أم على التعاقب، إِلا أنّ المعيّة تختص باجتماع المثلين، ولا يأتي فيها تحصيل الحاصل، وأنت ترى المصنّف كيف قرر هذا الدليل على وجه آخر.\nوتقريره أن يقال: لو جاز التَّعليل بعلّتين مستقلتين، لزم اجتماع المثلين، أو تحصيل الحاصل؛ لأنّ العلتين، إِما أن تكونا معًا أو على الترتيب، فإِن كانتا معًا، يلزم اجتماع المثلين؛ لأن وجود العلّة المستقلة ملزومة لمعلولها، فيلزم من كلّ واحدة منهما مثل ما لزم من الأخرى، فيلزم اجتماع المثلين، وإن كانتا على التَّرْتيب يلزم تحصيل الحاصل، ولم","vol":"4","page":231},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n\n<hr><s0>\n\n\nيحتج إِلى بيان تحصيل الحاصل؛ لظهوره، وبيّن استحالة اجتماع المثلين، فإِنه يستلزم التناقض؛ لأن محل التعليل [يعني] (^١) الحكم، يكون مستغنيًا عن كلّ واحدة منهما غير مستغن؛ لأنّ حصول الحكم بكلّ واحدة منهما يوجب الاستغناء عن الأخرى.\nواعترضه بعض الشَّارحين: بأن الجمع بين المِثْلَيْن لا اختصاص له بالمعيّة، ولا تحصيل الحاصل بالترتيب؛ إِذ لو حصلت العلّتان معًا، أو ترتيبًا، فإِن كان تأثير الكلّ في واحد معيّن، كان تحصيل الحاصل، وإِن كان في غيره لزم اجتماع المثلين.\nوزيّفه شيخنا شمس الدِّين الأَصْفهاني ﵀ بأن اختصاص تحصيل الحاصل بالترتيب [ظاهر] (^٢)؛ لأنّ العلّتين إِذا حصلتا معًا، كان فعلهما أيضًا معًا، فلا يتصوّر تحصيل الحاصل في فعل واحد منهما؛ لأن تحصيل الحاصل إِنما يتصور إِذا حصل شيء بعد حصوله مرة أخرى.\nقال: وأما اجتماع المِثْلين، وإِن كان لا اختصاص له بالمعيّة، إِلا أنه لما كان الترتيب مستلزمًا لتحصيل الحاصل، وتحصيل الحاصل أظهر فسادًا من اجتماع المِثْلين، لم يتعرض في التَّرْتيب لاجتماع المثلين، بل بين استلزامه لما هو أظهر فسادًا منه.\nثم قال المعترض: ولم يحتج في لزوم الاستغناء وعدمه إِلى توسُّط الجمع بين المِثْلَيْن، وهذا حقّ.\nوقد أجاب في الكتاب عن هذا الوجه بقوله: \"قلنا\": اجتماع المِثْلَين، أو تحصيل الحاصل إِنما يلزم من العلّتين المستقلتين \"في العلل العقليّة\" المفيدة لوجود المعلول. \"فأما\" في العلل الشرعية التي هي دلائل الأحكام، فلا؛ ولأنها \"مدلول الدليلين، فلا\" بعد، ولا امتناع في دليلين على مدلول واحدٍ.\nوفي هذا الجواب من النَّظر ما قدمناه؛ فإِن المعترض يقول: إِن فسرت العلّة التي فيها نتحدث بـ \"المعرف\"، فلا نسلم جواز اجتماع دليلين لشخص واحد، وهو محل النزاع، أو الباعثِ، فالفرق بين الدَّليلين والباعثين قائم، ولو أن المصنّف أجاب هنا بأن قولكم: العلّة\n_________\n(^١) في أ: معنى.\n(^٢) سقط في ب.","vol":"4","page":232},{"text":"قَالُوا: لَوْ جَازَ لَمَا تَعَلَّقَ الأئِمَّةُ فِي عِلَّةِ الرِّبَا بِالتَّرْجِيحِ؛ لأَنَّ مِنْ ضَرُورَتِهِ صِحَّةَ الاِسْتِقْلالِ.\n<hr><s0>\n\nالمستقلة ملزومة لمعلولها، غير مسلّم فيما نحن فيه من العلل الشرعية؛ إِذ الملزوم لمعلوله إِنما هو العقلية.\nأما الشرعية فلا نعني باستقلالها ذلك، بل إِنها إِذا انفردت لزمها المعلول، فكان جاريًا على المنهاج الأول الذي [سلكه] (^١) في الجواب عن الدليل الأول.\nفإِن قلت: وماذا يجديه هذا، وقد أوضحت بطلانه آنفًا؟\nقلت: يقول: لا نسلّم أنها تستلزم معلولها، بل قد يتخلّف عنها المعلول، وغاية ما يلزم نقض العلة، وهو غير قادح في العلية إِذا كان لمانع كما في مسألتنا.\nفإِن حصول الحكم أولًا مانع من حصوله ثانيًا، وحصوله بإِحدى العلّتين إِذا وقع معًا، مانع من حصوله بالأخرى، وعندي هذا يظهر لك أنه لا بد من أخذ النقض قسمًا من أقسام الدليل، ويقال: اللازم من التعليل بعلّتين تحصيل الحاصل، أو اجتماع المثلين، أو النقض، كما أوردناه نحن، ويظهر لك - أيضًا - أنه إِنما يتم عند من يجعل النَّقض قادحًا مطلقًا، سواء أكان لمانع أم لا - وهو رأينا - ويظهر لك - أيضًا - أن التعليل بعلّتين من فروع مسألة النَّقْض كما قدمناه في النقض.\nالشرح: الوجه الثالث: ما أشار إِليه في الكتاب بقوله: \"قالوا: لو جاز لما تعلّق الأئمة في علّة الربا بالترجيح؛ لأن من ضرورته صحة الاستقلال\".\nوتقريره: أن الأمة اجتمعت على منع التعليل بعلّتين، فدلّ أنه لا يجوز، وإنما قلنا: إِن الأمة اجتمعت؛ لأن القياسيين أجمعوا، وهم علماء الأمة الذين يعتبر خلافهم ووفاقهم.\nوأما من ينكر القياس، فلا يقيم أهل التَّحقيق بخلافه ووفاقه وزنًا، وإِنما ادَّعينا إِجماع القياسيين؛ لأن السَّلف الماضين اختلفوا في الرِّبا وعلّته اختلافًا بينًا، ولم يتركوا متخيلًا إِلا وأبدوه، مع إِطباقهم على اتِّحَاد العلّة فيه، وإِمكان أن يقال: إِن العلل متعددة، وأن يجعل الكَيْل والطّعم والقوت عللًا مجتمعة على معلول واحد، ولم يبد ذلك منهم أحد، ولا قاله فيهم قائل، فدلّ على منع التعدّد.\n_________\n(^١) في أ، ب: تسلكه.","vol":"4","page":233},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n\n<hr><s0>\n\n\nثم نندفع في إِيضاح هذا التقرير، فنقول: كلّ من الطّعم، والكَيْل، والقُوت معنى مخيل يصلح أن يناط به الحكم، وليس من شرط اجْتِمَاع العلل ألا يكون بعضها أرجح من بعض، بل جاز أن تكون علّتان إِحداهما أنسب، وأرجح، وأكثر تخيلًا، ولا يلزم من رجحان إِحداهما بطلان الأخرى، بل قد يتعاضدان؛ فإِن الترجيح إِنما يبطل به عند التعارض، أما عند التعاضد فلا، بل ولا فائدة في تطلبه، وقد تطلبوا التَّرجيح، وهذا لا شكّ فيه ولا ريب، فإِن كلّ ذي علّة يذهب في ترجيحها كلّ مذهب، فلولا اعتقاد امتناع التعدد لما تطلبوا الترجيح، بل كانت مناسبة كلّ واحدة من هذه الأشياء كافية في كونه علة، ومناسبة الآخر لا تمنع، ويجتمع العلّتان على المعلول الواحد.\nوقد علمنا أن كلّ من أبدي وجهًا، وأخذ في ترجيحه على وجه صاحبه اكتفى بذلك مبطلًا لعلّة صاحبه، وما ذلك إِلا لامتناع التعدُّد، وإِلا كان صاحبه بسبيل من أن يقول: هَبْ أن ما أبديته أنسب وأرجح، إِلا أنه لا تعارض بيننا، فليكن المعنيان علّتين.\nوقد علم كلّ ذي لبّ، أن من ضرورة التَّرْجيح استجماع شرائط الصِّحة، فإِنما يرجح أحد الأمرين على الآخر عند اجتماعهما، ما لو انفرد كلّ واحد منهما [وعَرَا] (^١) عن صاحبه - لعمل بمقتضاه، كما تقول في الحديثين المُتَعَارضين والبيّنتين المتعارضتين.\nوحاصل هذا الوجه عند الاختصار: أنهم قد بحثوا في التَّرْجيح بين الطّعم، والكَيْل، والقوت، ولو لم يكن كلّ من الثلاثة مناسبًا مخيلًا، بحيث لو انفرد عمل به، لما وقع البحث في الترجيح؛ فإِنه لا ترجيح بين باطل وصحيح، إِنما الترجيح عند تعارض الصَّحيحين كما عرفت، وإِذا كان كلّ واحد منهما مناسبًا مخيلًا، فلا وجه للتَّرْجيح إِلا مع التعدد، فإِن الترجيح الذي قلنا: إِنه وقع منهم بيّن علل الرِّبا، إِما أن يكون لأن أحد الوصفين أنسب وأخيل من الآخر، أو لأن الآخر باطل بالكلية.\nوالأول باطل؛ لأنّ راجحية أحد الوصفين على الآخر لا تخرج الآخر عن كونه وصفًا مناسبًا مخيلًا صالحًا للعلّية، وإِذا لم تخرجه، وليسا متعارضين فأي فائدة في قولنا: هذا أرجح؟\nوبحثنا عن ذلك البحث الشَّديد الشَّائع الذَّائع المستفيض بين السلف الماضين.\n_________\n(^١) في أ، ج: عزا.","vol":"4","page":234},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n\n<hr><s0>\n\n\nوللمناظر أن يقول: هب أن ما أبديته أرجح، ولكن لم يتعارضان ويتناظران؟\nوالثاني: وهو أن يكون البحث لِبُطْلان الآخر، فبطلانه لا جائز أن يكون لكونه غير مناسب مخيل؛ إِذ الفرض أنه مناسب مخيل، ولولاه لما وقع التَّعَارض، فما بقي إِلا لأن يكون لأن مجرد إِبداء وصف أنسب منه يخرجه عن الاعتبار؛ لعدم جواز تعدُّد الأوصاف.\nهذا منتهى الوجه وغايته، وقد تضمن أمورًا:\nأحدها: إِجماع القياسيين على اتِّحَاد علّة الرِّبا. والثاني: تطلبهم الترجيح، وتعصبهم فيه.\nوالثالث: أن الترجيح إِنما يكون بين صحيحين لو انفرد كلّ منهما لعمل به.\nوالرابع: أنّ كلا من علل الرِّبا صحيح [مناسب] (^١) لو لم يلح للمجتهد سواه لعمل به.\nوقد أجيب عن هذا الدليل بأوجه:\nأحدها: وهو ما ارتضاه إِمام الحرمين في \"البرهان\"، و\"الأساليب\" - منع وقوع الإِجماع، وتبين سَنَد المنع يتوقّف على معرفة قاعدته في الربويات، فنقول: حاصل رأيه الميل إِلى اتباع النص، وإِثبات الرِّبا في كلّ مَطْعُوم بقوله ﵊: \"لا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ\".\nقال: وأما [النَّقْدَان] (^٢) فمنصوصان، وتحريمهما غير متعدّ، فلا ضرورة تحوج إِلى ادعاء علّة قاصرة، وحينئذٍ فالإِجماع على اتّحاد العلّة إِنما هو من القائلين بالتعليل في هذه المسألة، وقد وضح أن الأمة كلها لم تقل بالتعليل، بل منهم من أجرى مورد النَّص مورد التعبد، وقال في قوله ﵊: \"لا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ\": إِنه في حكم اللَّقب؛ لعدم صلاحية الطّعم للعلية، وعلية الطّعم لا تثبت بانتفاء ما عَدَاه من الأوصاف، بل لا بُدّ من إِثبات مناسبته في نفسه، وعلى هذه الطريقة إِمام الحرمين، وإِجماع القياسيين مع مُخَالفة بعض المجتهدين ليس بإِجماع، وهذا معنى قوله في \"البرهان\" أولًا: إِجماع أهل\n_________\n(^١) في أ، ت، ج: يناسب.\n(^٢) في ب: التقديران.","vol":"4","page":235},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n\n<hr><s0>\n\n\nالقياس على اتحاد علّة الرِّبا، ومراده - هنا - بأهل القياس: الذين ذهبوا إِلى التعليل، لا كلّ من قال: القياس حجّة، ثم نتكلم عليه من أوجه.\nمنها: أن تعليل ربا الفضل ليس مقطوعًا به عند المحقّقين (^١)، وليس منكر تعليله منتسبًا إِلى جحد القياس.\nفانظر قوله: \"ليس منكر تعليله منتسبًا إِلى جَحْد القياس\"، يتضح لك أنه إِنما أراد من قاس في هذا الموضع، لا من قاس مطلقًا.\nوقد فهم الشيخ الهِنْدِيّ عنه خلاف ذلك، وليس بِجَيِّدٍ، فلو أراد مطلق من قال بالقياس، [لا ينتهض] (^٢) الإِجماع؛ إِذ منكر أصل القياس لا تقدح مخالفته في الإِجماع، كما قرر إِمام الحرمين وغيره.\nوقد أنكر الإِمامان: عبد الله بن مَسْعود، وعبد الله بن عباس ﵄ ربا الفَضْل، وتبعهما من التابعين: عطاء بن أبي رباح، وفقهاء المَكّيين، وكل هؤلاء يقولون: بأن القياس حجّة متبعة، وقاعدة مشروعة (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: البرهان ١/ ٨٢١.\n(^٢) في ب: ينهض.\n(^٣) لا خلاف بين العلماء في أن الرِّبا يكون في البيع أو السلم أو القرض غير أن جمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار يرون أن الرِّبا نوعان. أحدهما: ربا النسيئة، كبيع ذهب بفضة إِلى أجل، أو بيع إِردب قمح بمثله إِلى أجل كذلك.\nوثانيهما: ربا الفضل، وهو ما يسمى ربا النقد، كبيع إِردب من البر بإِردب ونصف منه يدًا بيد. وخالف في ذلك ابن عباس وأسامة بن زيد من الصحابة وكذلك ابن عمر حيث قالوا: إِنه لا ربا إِلا في النسيئة، فيحل عندهم أخذ درهم بدرهمين إِذا كان يدًا بيد، وليس التفاضل عندهم بمحرم حينئذ.\nهكذا كانوا يقولون، ثم صح عنهم أنهم رجعوا عن ذلك إِلى قول الجمهور.\nاستدلّ الجمهور بالكتاب والسنة، أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ ووجه الدلالة فيه أن لفظ الرِّبا عام يتناول جميع أفراد ما يصدق عليه اسم الرِّبا، فيكون الكل محرمًا. وأما السنة: فما ثبت في الصحاح من كتب السنة عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"الذهب بالذهب مثلًا بمثل يدًا بيد، والفضل ربا، والفضة بالفضة مثلًا بمثلٍ يدًا بيد، والفضل =","vol":"4","page":236},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  ربا، والحنطة بالحنطة مثلًا بمثلٍ يدًا بيد، والفضل ربا، والملح بالملح مثلًا بمثل يدًا بيد والفضل ربا، والشعير بالشعير مثلًا بمثل يدًا بيد والفضل ربا، والتمر بالتمر مثلًا بمثلٍ يدًا بيد والفضل ربا\" وهذا حديث مشهور تلقاه العلماء بالقبول والعمل به، ومثله حجة في الأحكام ومداره على أربعة من الصحابة رضوان الله عليهم وهم عمر بن الخطاب وعبادة بن الصامت ومعاوية بن أبي سفيان وأبو سعيد الخدري مع اختلاف ألفاظهم.\nووجه الدلالة فيه: أن قوله ﷺ: \"مثلًا بمثلٍ\" يدل بمفهومه على أن الزيادة لا تحل، سواء أكانت حالة أو مؤجلة، ثم تأكد هذا المعنى بتصريحه ﵊ بقوله: \"والفضل ربا\" فصار ربا الفضل مندرجًا تحت أنواع الرِّبا. وقد حرم الله الرِّبا في كتابه فكان هذا حرامًا.\nومثل ذلك ما جاء في بعض الروايات من قوله ﷺ: \"فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أرْبَى\" وهذا نص في الموضوع.\nدليل المروي عن ابن عباس ومن معه:\nاستدلّ لهم الفخر الرازي بما يأتي:\nأولًا: بالكتاب: وهو قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ووجه الدلالة فيه أن لفظ البيع عام يتناول بيع الدرهم بالدرهمين، والربا خاص بربا النسيئة الذي كان مشهورًا في الجاهلية.\nوالحديث عنده خبر آحاد لا ينهض مخصصًا للآية.\nثانيًا: بالسنة: وهي حديث أسامة عند الشيخين وغيرهما بلفظ: \"إِنما الرِّبا في النسيئة\" وزاد مسلم عن ابن عباس: \"لا رِبَا فِيمَا كانَ يَدًا بيدٍ\" وأخرج الشيخان عن أبي المنهال \"قال: سألت زيد بن أرقم والبراء بن عازب عن الصرف فقالا: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الذهب بالورق دينًا\" ووجه الدلالة في هذه الأحاديث:\nأن الرواية الأولى قد قصرت الرِّبا المحرم على ربا النسيئة فقط. والرواية الثانية نصت على نفي الرِّبا عما إِذا كان يدًا بيد. أما الرواية الثالثة فقد صرحت بأن النهي عن الرِّبا في حالة الدين فقط، ويؤخذ منه بطريق المفهوم إِباحته عند المنجزة.\nوقد ناقش الجمهور أدلة المنسوب إِلى ابن عباس ومن معه بعدة مناقشات منها:\n١ - لا نسلم أن لفظ الرِّبا في الآية خاص؛ بل عام أيضًا، فكلما أحلت الآية كلّ بيع إِلا ما أخرجه الدليل حرمت كلّ ربا كذلك، ولا شك أن في ربا الفضل زيادة كربا النسيئة، بل هي فيه أوضح. ولذا سماه النبيّ ﷺ ربا بقوله: \"فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى\" فيكون مشمولًا بالآية.\n٢ - لو سلمنا أن لفظ الرِّبا خاص بربا النسيئة، فقد ألحقت السنة المشهورة به ربا الفضل، وليس صحيحًا كون الحديث خبر آحاد - كما يقول الرازي - بل هو مشهور يصح الاحتجاج به في الأحكام، وتجوز الزيادة به على الكتاب عند الحنفية.\n٣ - وأما رواية مسلم عن ابن عباس فموقوفة عليه.","vol":"4","page":237},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ٤ - ورواية الشيخين عن أبي المنهال لا دلالة فيها على حلّ ربا الفضل. أما عند القائلين بعدم حجية المفهوم فظاهر، وأما القائلون بحجيته فيخصصونه بحديث أبي سعيد السابق على أن هذا من كلام الراوي.\n٥ - أجابوا عن حديث أسامة بعدة إِجابات منها:\nأولًا: إِنه منسوخ، وهذه إِجابة ضعيفة؛ لأن النسخ لا يثبت إِلا بدليل تاريخي، ولم يوجد.\nوأقوى من هذا الأجوبة التالية، وهي:\nثانيًا: أن لفظ الرِّبا في حديث أسامة محمول على الرِّبا الأغلظ، فليس القصر حقيقيًّا، بل هو إِضافي، أو ادعائي.\nثالثًا: أن مفهوم حديث أسامة عام يشمل حلّ التفاضل في هذه الأصناف، وغيرها. وحديث أبي سعيد خصص هذا المفهوم، فمنع بمنطوقه التفاضل في الأصناف الربوية.\nوقريب من هذا ما أجاب به الشافعي ﵁ من أن حديث أسامة مجمل وحديث أبي سعيد وعبادة مبيّن، فوجب العمل بالمبيّن وتنزيل المجمل عليه.\nرابعًا: وهناك تأويل آخر لحديث أسامة يجبب به بعض الفقهاء، وهو أنه كان إِجابة لمن سأل عن بيع الحنطة بالشعير، أو الذهب بالفضة فنقل الراوي الإِجابة، ولم ينقل السؤال؛ إِما لعدم علمه، أو لعدم اشتغاله بنقله.\nقال صاحب المبسوط: \"وتأويل حديث أسامة بن زيد ﵁ أن النبيّ ﷺ سئل عن مبادلة الحنطة بالشعير والذهب بالفضة فقال النبي ﷺ: \"لا رِبا إِلَّا في النَّسِيئةِ\" فهذا بناء على ما تقدم من السؤال، فكان الراوي سمع قول رسول الله ﷺ ولم يسمع ما تقدم من السؤال أولم يشتغل بنقله\".\nويتبين جليًّا من الأدلة السابقة، وتوجيهها ومناقشاتها رجحان مذهب الجمهور. على أن ما نسب إِلى ابن عباس، ومن معه ثبت رجوعهم عنه، ولم يصدر ابن عباس في هذا الرأي الذي رآه أولًا فيما ينسبه إِليه الناسبون عن سنة عملية رآها بنفسه من رسول الله ﷺ أو حفظها منه، بل كان اجتهادًا منه، ولذا لما بين له أبو سعيد الخدري خطأه في ذلك لم يقو على الدفاع عن رأيه، ولم يبين لأبي سعيد سنة حفظها عن رسول الله ﷺ في ذلك، بل اعترف لعمر وابنه أنهما حفظا عن رسول الله ﷺ ما لم يحفظ، ورجع عن رأيه، بل استغفر الله منه، وعده ذنبًا أذنبه، فلا يليق بفقيه عنده مسكة من دين أن يرتب ثمرة على رأي رجع عنه صاحبه، ولا يعده خلافًا، بل يجب المصير إِلى رأي الجمهور فيد الله مع الجماعة.","vol":"4","page":238},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n\n<hr><s0>\n\n\nوثانيها: منع قضية التَّرْجيح، وهو مما سلكه إِمام الحرمين في \"الأساليب\"، وحاصله: أن الترجيح إِنما يقع بين علّتين صحيحتين تستقلّ كلّ منهما لو انفردت - كما ذكرناه - والمعلل بالطعم - مثلًا - معتقد بطلان ما سواه، ولا ترجيح بين صحيح وفاسد.\nقال: و- أيضًا - فإِنا لا نبعد في وضع القياس أن تصحّ علّتان لحكم واحد؛ إِذ الحكم الواحد يجوز أن يعلل بعلل، وإِنما تتناقض العلّتان إِذا تناقض حُكْمَاهما، بأن كانت إِحداهما محرمة، والأخرى مبيحة، فإِذا فرض لحكم واحد علّتان، ولا تناقض بين موجبيهما فكيف يتعارضان؟\nولا يبعد عندنا تعليل حكم واحد بعلّتين، إِحداهما أخيل من الأخرى، وإِن كان ذلك بين العلّتين المتناقضتين يقتضي ترجيحًا.\nفإِن قيل: إِذا قررنا ثبوت الطّعم والكيل جميعًا، فتختلف فروع العلتين.\nقلنا: لا يضر ذلك، فلا تناقض فيه.\nفإِن قيل: الطعم يقتضي نفي الرِّبا عن الحَصْر، والكيل يقتضي نفي الرِّبا عن السَّفَرْجل.\nقلنا: هذا القَدْر تناقض بين العلّتين في العكس، والانعكاس ليس شرطًا في العلل السَّمعية، وإِنما تنعكس العلّة الشرعية إِذا تجرّدت، ولم تنتصب دلالة أخرى سواها في ثبوتها وانتفائها، فيجب أن يثبت الحُكم بثبوتها، وينتفي انتفائها، فإِذا فرضنا علّتين لم يبعد أن تنتفي إِحداهما، وتخلفها الأخرى.\nثم قال: وحاصل الكلام في ذلك أنا لو قَدّرنا ثبوت العلّتين، فلا معنى للتَّرْجيح، فإِنهما يثبتان مع ترجّح إِحداهما، وإِن قدرنا فساد إِحداهما، [فَتَرَجُّح] (^١) العلة الصحيحة على الفاسدة لَغْو من الكلام لا طائل تحته.\nهذا كلامه في \"الأساليب\"، والحاصل: منع تطلّبهم الترجيح، وادعاء أنهم إِنما بحثوا في إِبطال ما عدا المدعى عليه.\nوثالثها: سلّمنا أنه معلل، ولكن جاز أن يجمع القِيَاسيون في أصل على اتِّحَاد العلة\n_________\n(^١) في ب: فترجيح.","vol":"4","page":239},{"text":"فقال: وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُمْ تَعَرَّضُوا لِلإِبْطَالِ لا لِلتَّرْجِيحِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَللإِجْمَاعِ عَلَى اتِّحَادِ الْعِلَّةِ هَاهُنَا، وَإِلَّا لَزِمَ جَعْلُهَا أَجْزَاءً.\nالْقَاضِي: لا بُعْدَ فِي الْمَنْصُوصَةِ، وَأَمَّا الْمُسْتَنْبَطَةُ فَتَسْتَلْزِمُ الْجُزْئِيَّةَ؛ لِرَفْعِ التَّحَكُّمِ، فَإِنْ عُيِّنَتْ بِالنَّصِّ رَجَعَتْ مَنْصُوصَةً.\n<hr><s0>\n\nفيه، ثم يتنافسوا في طلبها، وهذا إِذا وقع في مكان لم يلزم بُطْلان التعليل بعلّتين مطلقًا.\nوذكر إِمام الحرمين هذا الجواب في \"البرهان\"، ولم يزيفه، ولكنه ضعفه في \"الأساليب\"، وقال: هذا كلام من يكتفي بظواهر الأمور، ولا يبغي الغَوْص فيها، ونحن نعلم أنه لم يثبت خبر أو أَثر، أو ظاهر كتاب في أن علّة الرِّبا ينبغي أن تكون واحدة أن يجمعوا على اتِّحَاد العلّة من حيث إِن ذلك ممتنع كونه، فإِنا قد أثبتنا بقواطع الأصول فيها أن ذلك جائز غير ممتنع، فدلّ أنهم إِنما قضوا باتِّحَاد العلة من حيث اعتقد كلّ فريق بطلان علة من يخالفه بالطرق التي تتضمن البطلان عنده. انتهى.\nفهذه الأجوبة الثلاثة هي المعتمدة في الجواب عن هذا الدليل، وطريق اختصارها أن نقول: لا نسلم وقوع إِجماع على اتحاد العلّة؛ لأنّ وقوعه فرع كون الرِّبا معللًا، وقد منع بعض الأئمّة التعليل رأسًا، فكيف يستقيم الإِجماع؟\nوهذا أصح الأجوبة، وهو معتمد إِمام الحرمين. سلمنا وقوع الإِجماع على الاتحاد، ولكنهم إِنما بحثوا في بطلان ما عدا المدعى علّة؛ لأنه إِذا قام الإِجماع على الاتحاد، وكان - هناك - أوصاف وجب النظر فيما يبطل منها؛ ليتعيّن الآخر للعلّية. سلّمنا أنهم بحثوا عن علّية نفس المدّعى كونه علّة، ولكن لما وقع الإِجماع على الاتحاد، احتيج إِلى النظر في جميع ما يتخيّله النَّاظر علّة؛ لينظر أرجحه فيعيّن للعلّية، وقد اقتصر في الكتاب على ذكر هذين الجوابين.\nالشرح: \"وأجيب: بأنهم تعرضوا للإِبطال لا للترجيح، ولو سلم\" تعرضهم للتَّرْجيح \"فللإِجماع على اتحاد العلة - هنا - وإِلا لزم جعلها أجزاء\"؛ لأنهم لما أجمعوا على الاتحاد، لزم الجزئية؛ لأن جعل أحدهما علّة من غير ترجيح باطل، فتعيّن الجزئية، ولا قائل بها.\nواحتج القائل بجواز التَّعْليل بعلّتين منصوصتين، ومنع المستنبطتين، وعليه - كما نقل المصنف - \"القاضي\" بأنه \"لا بعد في\" تعدّد \"المنصوصة\"؛ لأن العلل الشرعية أمارات، ولا","vol":"4","page":240},{"text":"وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي مَحَالِّ أَفْرَادِهَا، فَتُسْتَنْبَطُ.\n<hr><s0>\n\nيبعد نصب علامتين. \"وأما المستنبطة فتستلزم الجُزئية؛ لرفع التحكم، فإِن عينت (^١) بالنص رجعت منصوصة\".\nوتقريره: أنه لو جاز تعدّد المستنبطة، لزم إِما كونها أجزاء للعلّة، لا العلّة، أو منصوصة لا مستنبطة، وهما باطلان؛ لأنهما خلاف الفرض؛ إِذ الفرض أنها مستنبطة ومستقلة.\nوبيان الملازمة: أنّ تلك العلل إِما ألا يعين بالنص كونها عللًا، فيلزم الجزئية، أي: كونها أجزاء للعلّة لرفع التحكم؛ إِذ ليست إِحداهما أولى من الأخرى؛ لأن المناسبة واقتران الحكم كما دلَّا على أن الطعم - مثلًا - علَّة، كذلك دلا على أنه الكيل أو القوت، وهذا على تقدير مناسبة هذه (^٢) الأوصاف كلها، فظهر لزوم التحكم لو لم يحمل على الجزئية، \"وإِن عينت بالنص رجعت منصوصة\".\nالشرح: \"وأجيب: بأنه يثبت الحُكم في محال أفرادها، فتستنبط\".\nوتقريره: أنا لا نسلّم لزوم التحكّم، وإِنما يلزم لو لم يثبت الحكم بها في محال أفرادها، أي: بكل منها منفردة، أي: إِذا انفرد كلّ (^٣) أثبت الحكم، فيستنبط بالمناسبة والاقتران إِذ ذاك أنها هي العلّة، ثم إِذا وقع الإجماع قضى على كلّ بالعلية؛ لأنا وجدناه في حالة الانفراد مؤثرًا، فلو لم يقض على كلّ وصف في حالة الاجتماع بالعلّية، لزم التحكّم، أو خروج الكُلّ عن العلية، وسيأتي - إِن شاء الله تعالى - ما يوضحه عند الكلام فيما إِذا اجتمعت، والمصنّف قد قدم أنه لا يعني باستقلال العلّة إِلا أنها بحيث لو انفردت لثبت الحكم بها، وهذه رأيناها إِذا انفردت يثبت الحكم بها، فعرفنا أنها علّة، ولم ينتف هذا العرفان باجتماعها مع علَّة أخرى، وهذا التقرير يساعد بعض المُسَاعدة عبارة المصنّف في \"المنتهى\" حيث يقول: لا يبعد أن يثبت الحكم بكلّ واحدة، فيستنبط.\n_________\n(^١) في جـ: عنيت.\n(^٢) في ب: كلّ هذه.\n(^٣) في ب: كلّ منها.","vol":"4","page":241},{"text":"الْعَاكِسُ: الْمَنْصُوصَةُ قَطْعِيَّةٌ، وَالْمُسْتَنْبَطَةُ وَهْمِيَّةٌ، فَقَدْ يَتَسَاوَى الإِمْكَانُ.\nوَجَوَابُهُ وَاضِحٌ.\nوَقَالَ الإِمَامُ: إِنَّهُ النِّهَايَةُ الْقُصْوَى وَفَلَقُ الصُّبْحِ: لَوْ لَمْ يَكُنْ مُمْتَنِعًا شَرْعًا، لَوَقَعَ عَادَةً وَلَوْ نَادرًا\". لأَنَّ إِمْكَانَهُ وَاضِحٌ، وَلَوْ وَقَعَ لَعُلِمَ، ثَمَّ ادَّعَى تَعَدُّدَ الْأَحْكَامِ فِيمَا تَقدَّمَ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: واحتجّ \"العاكس\" أي: القائل بجواز مستنبطتين لا منصوصتين، فقال: العلة \"المنصوصة قطعية\"، فلو كانت كلّ واحدة علة مستقلة، لزم اجتماع المثلين، أو تحصيل الحاصل على سبيل القطع، \"والمستنبطة\" علّيتها \"وهميّة\"، أي: غير قطعيّة، \"فقد يتساوى الإِمكان\"، أي: إِمكان التعليل بالنسبة إِلى كلّ واحد منهما، فلا يمكن ألا تجعل واحدة منها علّة؛ لبقاء الحكم بلا علّة، ولا أن تجعل العلّة واحدة؛ لعدم الأولويّة للتساوي، ولا أن يجعل المجموع علّة مستقلة؛ لثبوت الاستقلال في محالّ أفرادها، فتعيّن أن يكون كلّ واحدة علَّة مستقلة.\nالشرح: \"وجوابه واضح\": لأنا لا نسلّم أنَّ المنصوصة قطعية، ولو سلم، فلا نسلِّم امتناع العلل الشرعية القطعية؛ لأنَّهَا دلائل، ويجوز اجتماع الأدلّة القطعية على مدلول واحد.\nالشرح: \"و\" أما \"الإِمام\" فدليل ما ذكر في \"البرهان\"، \"قال: إِنه النهاية القُصْوى وفَلَق الصبح، لو لم يكن ممتنعًا شرعًا، لوقع عادة، ولو نادرًا؛ لأن إِمكانه واضح: ولو وقع لعلم، ثم ادعى تعدّد الأحكام فيما تقدم\".\nوعبارته في \"البرهان\" (^١): إِن أَبَى الطالب إِلا استعجالَ الصَّواب في هذه المسألة، فليثق بامتناع اجتماع علّتين لحكم واحد، والدليل القاطع (^٢) فيه - قبل الانتهاء إِلى المباحثة عن أسرار الاستدلال - أن ذلك لو كان ممكنًا، وقد طال نَظَرُ الناظر، واختلاف مسالك الاعتبار\n_________\n(^١) ينظر: البرهان (٢/ ٨٣١) (٧٨٩).\n(^٢) في ب: يقاطع.","vol":"4","page":242},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n\n<hr><s0>\n\n\nفي المَسَائل، وما اتفقت مسألة إِلا والمختلفون فيها يتنازعون في علّة الحكم، ومن تدبّر موارد الشَّريعة ومَصَادرها، اتضح له ما نقول على قرب.\nومن أمثلة ذلك: مسألة الرِّبا، ومن ادعى أنها مختصّة من بين سائر المسائل باتفاق وإِجماع على اتِّحَاد العلّة فيها، فقد أحال الأمر على إِبهام، والمنصف لا يستريب في أن خوض النُّظَّار في مسألة الرِّبا، كخوضهم في غيرها من المَسَائل، ولما ثبت الخِيَارُ للمعتقة تحت الرقيق، وكان ذلك مجمعًا عليه، والإِجماع مستند (^١) إِلى الحديث، ثم اختلف العلماء في إِثبات الخيار للمُعْتقة تحت الحر، ومنشؤ اختلافهم في ذلك من اختلافهم في تَعْلِيل الخيار في حقّ المُعْتقة تحت الرقيق، فاعتل أبو حنيفة: بأنها ملكت نفسها، وزعم أن ذلك يجري في حق المعتقة تحت الحُرّ، وأبطل الشَّافعي هذا التعليل، واعتلّ بالضرر، على ما يحرره أصحابه وأصحابنا، وكذلك الأمر في كلّ مسألة يبحث الناظر عنها، ونحن نقول - بعد هذا التنبيه -: تعليل الحكم الواحد بعلّتين ليس ممتنعًا عقلًا وتسويغًا ونظرًا إِلى المصالح الكلية، ولكنه ممتنع شرعًا، وآية ذلك أن إِمكانه من طريق العَقْل في نهاية الظّهور، فلو كان هذا ثابتًا شرعًا لأمكن وقوعه على حكم النَّادر، والنادر لا بد أن يقع على مرور الدُّهور، فإِذا لم يتفق وقوع هذا في مسألة، ولم يتشوّف إِلى طلبه طالب، لاح كفلق الإِصباح أن ذلك ممتنع شرعًا، وليس ممتنعًا عقلًا. انتهى.\nوفيه نظر من وجوه:\nأحدها: منع ظهور إِمكان التعليل بعلّتين، فلا بد له من دليل، وسنقيم نحن واضح الدلالة على امتناعه عقلًا.\nوثانيها: أن نقول: ما دللت به على الامتناع الشَّرْعي بعينه دالّ على الامتناع العقلي، فيقال: لو لم يمتنع عقلًا، لوجب في مستقرّ العادة أن يقع ولو نادرًا، [فتعيّن] (^٢) ما قلت.\nوثالثها: أنه لا يلزم من جوازه شرعًا وقوعه، نعم الإِنصاف أنه يغلب على الظَّن أن الجائز شرعًا لا بد أن يقع ولو نادرًا، ولكن غلبة الظَّن لا تفيد في مسائل أصول الفقه لا سيّما هذه القاعدة العُظْمَى، ولا سيما عند إِمام الحرمين؛ فإِنه ممّن اشتد نكيره على من\n_________\n(^١) في ب: مسند.\n(^٢) في أ، ت، ج: تعين.","vol":"4","page":243},{"text":"وَالْقَائِلُونَ بِالْوُقُوعِ إِذَا اجْتَمَعَتْ فَالْمُخْتَارُ: كُلُّ وَاحِدَةٍ عِلَّةٌ.\nوَقِيلَ: جُزْءٌ.\nوَقِيلَ: الْعِلَّةُ وَاحِدَةٌ لا بِعَيْنِهَا.\n<hr><s0>\n\nيستند إِلى الظن في مسائل أُصُول الفقه، ثم إِنه ادَّعَى أن هذا الدَّليل قاطع؛ إِذ قال في مفتاح كلامه: والدليل القاطع فيه، كما رأيت.\nورابعها: تمثيله باختلاف الإِمامين في المُعْتقة تحت الرَّقيق، بناء على اختلافهم في العلة، كلام ضعيف؛ فإِن الأمر لا ينتهي مع أبي حَنِيفَةَ إِلى الترجيح؛ فإِنا نرى معناه فاسدًا، وكذلك رأيه في المعنى الذي نبديه نحن، فكل يعتقد بطلان علّة صاحبه، وكذلك كلّ مسألة يتنازع الناس في العلة فيها، يحتمل أن يكون ذلك لاعتقاد ضيق المحل عن الوفاء بالعلل على ما ذكره.\nويحتمل أن يكون لاعتقاد كلّ واحد من الفريقين ضعف معنى الآخر وبطلانه، وهذا الاحتمال أَرْجَح، وقد ضعف الإِمام مسلك التَّرْجيح في مسألة الرِّبَا بهذا الوجه كما عرفت، فلا يتحصّل من هذا شيء ينتفع به، إِلا أن يقع الاتفاق في مسائل على صحّة التعليل بمعانٍ لو انفردت لم يتّفق أهل الإِجماع على الامتناع من الجمع، ولن نجد إِلى ظن ذلك سبيلًا، فضلًا عن القطع به.\nوخامسها: أن دعواه عدم وقوعه في الزمن الطويل - ممنوعة؛ فإِنَّ الخصم يبدى الصور التي عرفها، وكما يدعي الإِمام تعدُّد الأحكام فيها، يدّعي هو اتحاد الحكم، وحينئذٍ لا نسلم عدم الوقوع، فيحتاج الإِمام إِلى دليل غير هذا.\nالشرح: وأما \"القائلون بالوقوع إِذا اجتمعت، فالمختار: كلّ واحدة علَّة.\nوقيل: جزء. وقيل: العلة واحدة لا بعينها\" (^١).\nهذا كلام المصنّف، وهو صريح في أن الخلاف الذي قدمه في العلل من حيث هي، وهذا مخصوص بحالة الاجتماع، وإِلا ظهر - عندنا - أن الخلاف لا يطرق حالة التَّعاقب، بل يختص بحالة الاجتماع - كما قدمناه - ويلزم من شموله حَالَةَ التعاقب أن يكون في الأمّة من\n_________\n(^١) ينظر: نهاية السول ٤/ ٣١٣، وشرح الكوكب ٤٩٩، وتيسير التحرير ٤/ ٢٨، وفواتح الرحموت ٢/ ٢٨٦.","vol":"4","page":244},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n\n<hr><s0>\n\n\nيمنع أن اللَّمس والمَسّ - مثلًا - ليسا بعلّتين، وإِن وجد أحدهما بمفرده، بل لا علّة إِلا واحد فقط، فلا يكون للحدث - مثلًا - غير علّة واحدة، وهذا لا يقوله أحد.\nفإِن قلت: وكيف يلزم؟.\nقلت: لأنه ادَّعى أن الحدث شيء واحد، وظاهر كلامه: أن ذلك أمر متفق عليه؛ حيث جعله مقيسًا عليه في قوله: وإِلا لزم مُغَايرة حدث البول للغائط، وإِذا كان سببًا واحدًا، ولم يعلل حكم بأكثر من علَّة، لزم ألا يكون عليه إِلا أمارة واحدة، ولا مخلص للمصنّف عن هذا الإِيراد إِلا أن يدعي تعدّد الأحداث، كما ادعيناه، وحينئذٍ فلا نسلم له اتِّحَاد حدث البَوْل والغائط، وإِلا ظهر عندنا ما عرفت، فنقول: صلاحية كلّ واحد من البول والغائط والمَذْي والنّوم لتعريف الحدث، لا خلاف فيه، وعِرْفَان الحدث بكلّ منها إِذا انفرد لا خلاف فيه، وإِنما الخلاف فيما إِذا اجتمعت، فالقائلون بجواز اجْتِمَاع علّتين متفقون على أنها - والحالة هذه - علل مستقلة، ومعنى استقلالها - عند المصنّف - أنها لو انفردت لاستقلت كما سبق.\nوالقائلون بامْتِنَاعِهِ مختلفون فيما إِذا اجتمع مَسّ ولَمْسٌ، فقال قوم: كلّ واحد - والحالة هذه - جزء علَّة.\nوقال آخرون: العلّة واحدة لا بعينها، فخرج لنا من هذا أن هذه المذاهب التي حَكَاها المصنّف - هنا - ليست للقائلين بالوقوع، والمَذْهَبان الآخران رأيان لمن منع الوقوع. هذا إِن اختصّ الخلاف بحالة الاجتماع، وإِن شمل حالة التَّعَاقُب، فمن يجوز التعليل بعلّتين حالة التعاقب، لا يلزم جَعْلهما حالة المعيّة مستقلّين، وهذه المذاهب جارية عنده في المعيّة بلا شكّ.\nوأما المانع، فلا سبيل له إِلى القول بالاستقلال حالة المعيّة، بل هو متمكّن من أحد قولين: الجزئية، أو أن العلّة أحدها لا بعينه، والمصنّف لم يتعرض للمانعين: ماذا يفعلون حالة الاجتماع؟.\nويتلّخص من هذا: أن المختار من هذه المذاهب لا يعرف أحد قال بخلافه فيمن جوّز التعليل بعلّتين، والقولان الآخران قولان لمن منع، لا لمن جوز.\nثم استدلّ المصنّف على ما اختاره، ولم يكن محتاجًا لذلك هنا، وإِنما حاجته إِلى","vol":"4","page":245},{"text":"لَنَا: لَوْ لَمْ تَكُنْ كُلُّ وَاحِدَةٍ عِلَّةً، لَكَانَتْ جُزْءًا، أَوْ كَانَتِ الْعِلَّةُ وَاحِدَةً، وَالأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ لِثُبُوتِ الاِسْتِقْلالِ.\nوَالثَّانِي: لِلتَّحَكُّمِ.\nوَأَيْضًا: لامْتَنَعَ اجْتِمَاعُ الأَدِلَّةِ.\n<hr><s0>\n\nالاستدلال على وقوع التعليل بعلّتين، فإِذا انتهض له ذلك، ثبت أنها إِذا اجتمعت علل مستقلةٌ بالمعنى الذي فسّر به الاستقلال، من أنها إِذا انفردت استقلت، سواء أكان ما فسر به الاستقلال صحيحًا أم فاسدًا.\nوإِنما قلنا: إِن ذلك يثبته أصل الوقوع، كما قلناه من اتفاق القائلين بأصل الوقوع على أنها إِذا اجتمعت فهي مستقلة، أو لأن الخلاف مخصوص بحالة الاجتماع، وقد ذكر وجهين:\nالشرح: أحدهما: ما أشار بقوله: \"لنا: لو لم تكن علّة، لكانت جزءًا، أو كانت العلة واحدة\"؛ إِذ لا قائل بغير ذلك، \"والأول باطل؛ لثبوت الاستقلال\"، ولو كانت جزءًا لم تكن مستقلة.\nالشرح: والثَّاني - أيضًا - باطل، للتحكم؛ إِذ لا أولوية لإِحداهما على الأخرى.\nولقائل أن يقول: ليس الأول باطلًا بما ذكرت؛ لأنَّ الاستقلال إِنما هو حالة الانفراد، ولا الثاني؛ لأن التحكم إِنما يلزم أن لو قضينا على واحد بعينه.\nأما إِذا قضينا على أحدهما، لا بعينه فلا؛ إِذ هو وصف صالح لهما.\nفإِن قلت: متى قضينا على أحدهما، فقد دفعنا أحدهما مع الاستواء.\nقلت: دفعنا أحدهما لمُعَارضة صاحبه، ولكنا لا نعرف أقواها حتى نعرف عين الدَّافع من المدفوع، فجعلنا محلّ القضاء مبهمًا.\nواعلم أن القائل بأن العلّة أحدهما لا بعينه، فرّ من التحكم كما سيأتي، فلو كان يلزمه التحكم، لكان وقع فيما فَرَّ منه.\nالشرح: والثاني: ما أشار إِليه بقوله: \"وأيضًا\"، لو لم تكن كلّ واحدة علّة عند","vol":"4","page":246},{"text":"الْقَائِل بِالْجُزْءِ: لَوْ كَانَتْ كُلٌّ مُسْتقِلَّةً، لاجْتَمَعَ الْمِثْلانِ؛ وَقَدْ تَقَدَّمَ.\nوَأَيْضًا: لَزِمَ التَّحَكُّمُ؛ لأَنَّهُ إِنْ ثَبَتَ بِالْجَمِيعِ فَهُوَ الْمُدَّعَى، وَإِلَّا لَزِمَ التَّحَكُّمُ.\nوَأُجِيبَ: ثَبَتَ بِالْجَمِيعِ كَالأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالسَّمْعِيَّةِ.\nالْقَائِلُ لا بِعَيْنِهَا: \"لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لَزِمَ التَّحَكُّمُ أَوِ الْجُزْئِيَّة، فَيَتَعَّينُ.\n<hr><s0>\n\nالاجتماع \"لامتنع اجتماع الأدلّة\" على مدلول واحد؛ لأن العلل الشرعية أدلّة، وقد كرر هذا غير مرة، وعرفت ما فيه.\nالشرح: واحتج \"القائل بالجزء\"، أي: بأنّ كلّ واحد منها جزء علّة حالة الاجتماع، بوجهين أحدهما: (لو كانت كُلٌّ مستقلة، لاجتمع المثلان) قال المصنّف: (وقد تقدم) في الدَّليل الثَّاني للمانعين من التَّعْليل بعلّتين، وهو صحيح، ولكن بشرط أنْ يضمّ إِليه: أنه لو كان أحدهما علّة، لزم التحكُّم، وفيه ما عرفت هنا.\nوالثاني: ما أشار إِليه بقوله: \"وأيضًا: لزم التحكُّم؛ لأنه إِن ثبت بالجميع، فهو المدعى\"؛ إِذ تكون العلّة الجميع، وكلّ واحد جزء، \"وإِلا لزم التحكّم\"؛ لأنّ ثبوته - حينئذٍ - بواحد، وليس واحد أرجح من واحد.\n\"وأجيب: ثبت بالجميع\" [معنى] (^١) كلّ واحد \"كالأدلّة العقليّة والسمعية\"، فإِنَّ المدلول يثبت بكلّ منها، فلا يلزم التحكُّم، وهو ضعيف؛ لأنَّ في ثبوته بكلّ واحد منها اجتماع المثلين - كما سبق - والمقيس عليه - وهو الأدلّة العقليّة والسمعية - هو المقيس بعينه، فإِنه متى اجتمع دليلان عقليّان، أو سمعيان على مدلول واحدٍ، وكان الخلاف قائمًا في أنهما معرفان أو معرف واحد، أو المعوف أحدهما لا بعينه.\nالشرح: واحتجّ \"القائل\": بأن العلّة أحدهما \"لا بعينها\"، فقال: \"لو لم يكن كذلك لزم التحكّم أو الجزئية\"، أي: كون كلّ واحدة جزءًا للعلة، \"فيتعين\" أن تكون العلّة واحدة، ولم يتعرّض في الكتاب لجوابه بناء على أنه يعلم مما سبق.\nوقد تناهى القول فيما أورده صاحب الكتاب في التَّعليل بعلّتين، وحَانَ أن نَبُوحَ\n_________\n(^١) في ج: بمعنى.","vol":"4","page":247},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n\n<hr><s0>\n\n\nبالمختار عندنا فنقول: قد علم من أصلنا أنّ العلل الشرعية معرّفات، ولا بدع أن ينصب الله - تعالى - شيئين أو أكثر لتعريف شيء واحد، كنصبه المسّ واللمس معرفين للحدث، ولما كانت العلّة بمعنى المعرف، كان كون الوصف علّة دائرًا مع كونه معرفًا وجودًا وعدمًا، وربما كان علّة بالنسبة إِلى زيد دون عمرو، ضرورة أنه عرف زيدًا ولم يعرف عمرًا، وهذا كالمسّ واللّمس كلّ منهما يعرف الحدث لمن لم يكن به عارفًا، وإِلا يلزم تحصيل الحاصل، فربما عرف المس زيدًا، وعرف اللمس عمرًا، وربما اجتمعا في شخص واحد وعرف شخص بمسه دون لمسه، وعرف آخر بلمسه دون مسه، فقضى كلّ منهما عليه بالحدث مستندين إِلى معرفين، ولم يعرف كلّ واحد، منهما معرف صاحبه ما هو، أو عرف أن معرف صاحبه غير معرفه، وهذا مما لا خَفَاءَ فيه، وربما وقع اللَّمس والمس متعاقبين، فلم يعرف الثاني شيئًا، إِلا أن يعرف به من لم يعرف بالأول، وربما اجتمع المَسّ واللَّمس والعرفان بهما لشخص واحد في وقت واحدٍ، وهذا هو محلّ الخلاف، فهل يكون عرفانه بالحدث مستندًا إِلى كلّ منهما أو لا؟.\nعندي أن استناده إِلى كلّ واحد منهما مستحيل عقلًا، لأن كلّ واحدة منهما في حالة الاجتماع إِن لم تعرف فليست بعلّة، وهذا كما لو كانت سابقة - بلا رَيْب - عند من عرف بهما جميعًا.\nوإِن عرفت، فإِما أن تعرف شيئًا غير ما عرفته صاحبتها، وليس مثلًا لما عرفته صاحبتها، فلم تجتمع علّتان على معلول واحد، بل على معلولين، وهذا كما يقول من يدّعي تعدد الأحكام، فإِنه بقول: إِذا وقع المسّ واللمس معًا، وعرف العارف بهما معًا عرف [حدثين (^١) مستندين إِلى علتين، وحدثُ المسّ غير حدث اللَّمس، وإِن كان بينهما قدر مشترك.\nوإِما أن تعرف شيئًا غير ما عرفته صاحبتها، ولكنه مماثل له، فهو كالأول في أنه لم تجتمع علّتان على معلول واحد، مع زيادة لزوم اجتماع المثلين.\nوإِما أن تعرف شيئًا هو نفس ما عرفته صاحبتها، وهذا موضع الأَنَاةِ والتَّمَهُّل، فيحتمل أن يقال به، ولا يلزم تحصيل الحاصل، عبارة عن حصوله بعد وقوع حصوله، ومع المعيّة\n_________\n(^١) في أ، ب، ت: حدين.","vol":"4","page":248},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n\n<hr><s0>\n\n\nلا يأتي ذلك؛ إِذ هو إِنما حصل [بهما] (^١) معًا، ولا اجتماع المِثْلين؛ لأنه ليس - هنا - غير شيء واحد، ويحتمل أن يقال: لو عرفت واحدة مع أن الأخرى معرفة، لم تكن مستقلّة، وهو خلاف المفروض.\nفإِن قلت: المعنى باستقلالها أنها لو انفردت استقلت.\nقلت: كأنك تقول: العلّة شيء شأنه الاستقلال حالة الانفراد، ونحن نسألك عن شأنه حالة الاجتماع.\nفإِن قلت: الاستقلال - أيضًا - لم يكن للتفصيل معنى، وكأنك تقول: هي مستقلّة في الحالتين.\nوإِن قلت: عدم الاستقلال، يقال: فنحن لا ننكر اجتماع وصفين لا يستقلّان حالة الاجتماع، وإِنما ننكر اجتماع مستقلّين يحصلان المعلول معًا.\nأما إِذا لم يستقلا، أو استقلّ واحد بالنسبة إِلى شخص دون آخر، فلا ننكر هذا أبدًا.\nفإِن قلت: العلّة مستقلّة في الحالتين، ولكن إِنما يظهر أثر استقلالها حالة الانفراد، أما حالة الاجتماع فلا.\nقلت: هنا يرجع الخلاف لفظيًّا، فإِني لا أنكر وضعًا لا يظهر استقلاله، بل ولا يظهر أثر مدخله في العلّية.\nفإِني أقول: من لمس وعرف بلمسه، ثم مس، لم يعرفه المس شيئًا ألبتة، ولكني مع ذلك أقول: إِن كان لا يظهر أثرهما، فلا يحصل ألبتة، وإِن ظهر أثر أحدهما معينًا، فهو ترجيح من غير مرجّح، وهو - أيضًا - غير ما نحن فيه؛ إِذ لم تجتمع علّتان على معلول واحدٍ، وإِن ظهر أثر أحدهما مُبْهمًا، فهو من قول القائلين بامتناع اجتماع علّتين؛ إِذ لم يؤثر غير واحد، فأين اجتماع علّتين؟.\nفوضح أنه لا يتصوّر اجتماع معرفين يعرفان على وجه الاستقلال من كلّ منهما في حالة واحدة لشخص واحد.\nووضح - أيضًا - أنه لا بدع في اجتماع معرفين، وإِن عرفا على وجه الاستقلال في حالتين، أو لشخصين، ولكن تسميتهما معرفين - هنا - إِنما هو باعتبار ذَاتَيْهمَا، وبعض\n_________\n(^١) في ت: لهما.","vol":"4","page":249},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأحوالهما، ولكن هذا ليس من المختلف فيه، ولا يتّجه فيه نزاع، فمن شاء أن يطلق، [إِنما] (^١) نمنع عقلًا اجتماع علّتين على معلول واحد، فلا حرج عليه؛ إِذ لا نعني باجتماع عِلَّتين إِلا الصُّورة الأولى، وهي تعريف الشَّخص الواحد في الوقت الواحد على وجه الاستقلال.\nفإِن قلت: فما تقولون في رجل أحدث، ثم أحدث ثانيًا حدثًا على حدث لم يتخللهما طَهَارة، أتقولون: إِن الحدث الثاني لم يفعل شيئًا؟.\nقلت: كذلك نقول، نعم من لم يعلم بالأول، وإِنما علم بالثَّاني يقضي بحدث المحدث ظانًّا استناده إِلى الحدث الثاني، كما ستعرفه، ويشهد لما قلناه: أن أصحابنا قالوا - تفريعًا على القديم -: إِن سبق الحدث لا يبطل الصَّلاة؛ لأنه لو أخرج باقي الحدث عمدًا، لم تبطل صلاته على الأصح؛ لأن الحَدَث لا يؤثر بعد نقض الطَّهارة، بل نص الشافعي في القديم: أنه لو ابتدأ حدثًا ثانيًا عامدًا، لم تبطل؛ لأنه حدث يرد على حدث، فلم يؤثر في الأول.\nوقال المتولي: إِن هذا هو الصَّحيح من المذهب، دلّ ذلك على أن الثاني لم يفعل شيئًا.\nفإِن قلت: فما قولك في اجتماع علّتين لشخص واحد في حالة واحدة؟.\nقلت: اعلم أولًا أن هذه العِلَلَ الشرعية المنصوبة معرفات، إِذا انفردت كانت علَّة مستقلة، وإِذا اجتمعت، وفعلت شيئًا مغايرًا لما فعلته صاحبتها، ولو أنه مثله، كانت مستقلّة أيضًا.\nوإِن ظهر عند اجتماعهما شيء واحدٌ، وذلك شيء لا يظهر أبدًا، فهي إِذ ذاك جزء علّة، [ولا] (^٢) يبعد أن تكون جزءًا في موضع، ومستقلّة في موضع، وجزءًا بالنسبة إِلى شخص، ومستقلّة بالنِّسبة إِلى آخر، فافهم ذلك، فهو في المعرّفات واضح جَلِيّ.\nولا يقال: إِذا كانت جزءًا، فيلزم من ارتفاعها ارتفاع العلّة، ضرورة ارتفاع الكُل بارتفاع أحد جزئيه، فلو اجتمع مسّ ولمس - مثلًا - ونوى رفع أحدهما، وقدّرنا أنه يرتفع\n_________\n(^١) في أ، ب، ت: أنا.\n(^٢) في ت: وأن.","vol":"4","page":250},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nبمجرّده مع بقاء الآخر - كما ظنه الآمدي رأيًا لبعض أصحابنا - يلزم ارتفاع أصل الحدث؛ لأنا نقول: إِنما يرتفع بارتفاع الجزء الكُلّ المتضمن لذلك الجزء، أما جزء هو في حالة الاجتماع جزء عند الانفراد كلٌّ، فلا يرتفع أثره؛ لأنه إِذا ارتفع كونه جزءًا، فقد خلف الكُل المرتفع بارتفاع الجُزْء كل آخر يستقل بالعلّية، وهو الجزء المنفرد، هذا إِن قلنا: إِنه يبقى بارتفاع أحد الجزئين ما كان.\nوإِن قلنا: يرتفع به الحدث الطَّارئ عن الكُلّ، ويبقى مع الجزء الباقي الذي هو كلّ في نفسه حدث آخر، فلا سؤال أصلًا.\nوعند هذا أقول: إِذا اجتمع وَصْفَان ظهر بعدهما حكم شرعي، كالمَسّ واللمس يظهر بعدهما الحَدَث، فالحال مُحْتَمِلٌ لأن يكون الظَّاهر حدثين، لا حدثًا واحدًا، وعلى هذا فلا اجتماع لعلّتين، ولأن يكون الظَّاهر حدثًا واحدًا - عند من يجعل الأحكام واحدة - فالوصفان في هذه الحالة أجزاء للعلّة، والعلة مجموعهما عند من عرف بهما، المعني باجتماعهما.\nأما من لم يعرف إِلا بأحدهما، فالعلّة بالنسبة إِليه ما عرف به، ولا يصدق اجتماعهما بالنسبة إِليه، فوضح لك أنه يمتنع عقلًا اجتماع علّتين مستقلتين على الوجه الذي [وصفناه] (^١)، وأنَّ غاية ما يفرض اجتماع وصفين، وأنت إِذ ذاك بسبيل من جعلهما جزئي علّة، ومن جعل النَّاشيء عنهما شيئين لا شيئًا واحدًا، فلا اجتماع لعلّتين على معلول واحد أبدًا.\nفإِن قلت: لقد ظهر لي بهذا امتناع كونهما علّتين في حالة الاجتماع، فما يمنع من علّتين في حالة التعاقب؟.\nقلت: قد عرفت أنَّ الخلاف فيما يظهر مخصوص بحالة الاجتماع، وعلى ما ذكر المصنّف [يطرق] (^٢) حالة التَّعَاقُب، ولا فرق بينهما على هذا الدليل الذي تَنْحُوه؛ فإِن الوصف الثاني لم يستقلّ بالتعريف، بل إِذا تعاقبا، فإِما أن يقال: المعرف هو الأول وحده، أو لما انضمّ الثاني إِلى الأول صَارَا جزئي علّة، أو يقال بتعدُّد الأحكام، فالحكم الحاصل بالثَّاني غير الأوّل، أو يقال: صارت العلّة أحدهما لا بعينه، فلم تجتمع علّتان على الأوجه\n_________\n(^١) في ب: وضعناه.\n(^٢) في ت: يطرد.","vol":"4","page":251},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\nالأَرْبعة، فلا وثوق باجْتِمَاع علّتين في هذه الصورة على وجه الاستقلال، إِلا إِذا قام البُرْهان على اتِّحَاد الحكم، وأن كلا منهما عرف مستقلًا بالتعريف، وهيهات ثم هيهات أن يتم ذلك، كالقول باتِّحَاد الحكم، وإِن كان - عندنا - من المحتملات، إِلا أنه مرجوح، والقول باستقلال كلّ من الوصفين بالتعريف عند انضمامهما واجتماعهما محال عقلًا، ولسنا نمنع من العَقْل ولا الشرع ولا الواقع نصب عَلامتين أو أكثر على شيء واحد، إِنما نمنع حصول العِرْفان بهما جميعًا للشَّخص الواحد، فافهم ما يلقى إِليك.\nفإِن قلت: بماذا ينفصل رأيكم عن مذهب الإِمام؟.\nقلت: الإِمام يجوز الوقوع عقلًا، ويمنعه شرعًا، وظاهر كلامه منع اجتماع معنيين يصلحان لتعليل حكم واحد، سواء أوجدا دفعة واحدة، أو متعاقبين، وأنا أمنع عقلًا وقوع معنيين يجتمعان فيعلل بهما الشَّخص العارف بهما حكمًا واحدًا منسوبًا في تعليله إِلى كلّ منهما على سبيل الاستقلال، ولا أمنع لا عقلًا ولا شرعًا معنيين يصح استناد الحكم الواحد تارة إِلى هذا وتارة إِلى هذا، وتارة إِلى المجموع، وأقول: إِن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأوقات والأشخاص؛ لأن العلل الشرعية معرّفات، وهي على حَسَب تعريفها، فحيث وجد التعريف كانت علَّة، وحيث انتفى لم تكن، وربما لم يكن لها مدخل في العلّية بالنسبة إِلى بعض الأشخاص، أو بعض الأوقات، فربما كان الوَصْف في وقت جزء علّة، وفي آخر علّة، وفي آخر لا مدخل له في التَّعْليل أصلًا.\nوأقول أيضًا: أما معنيان يَصْلحان للتعليل، فإِني وإِن لم أمنع من ذلك عقلًا ولا شرعًا، إِلا أنه لم يقم عندي قاطع على وجوده؛ لاحتمال تعدّد الأحكام، فقد عرفت مذهبنا، ومغايرته لمذهب الإِمام.\nفإِن قلت: فما تفعلون في المسّ واللمس وأمثالهما؟\nقلت (^١): إِن لم يحصلا معًا، فإِنا بطريقان:\nأحدهما: إِضافة الحكم إِلى السَّابق، والثاني: دعوى تعدد الأحكام، ثم أقول: أنا وإِن أضفت الحُكْم إِلى السابق، فإِنما هو بالنسبة إِلى العارف بهما، أما من (^٢) لم يعرف إِلا بالثَّاني، فالعلَّة في حقه اللاحق دون السَّابق؛ لأنه الذي عرفه، والعلة - إِبتداء - المعرف.\n_________\n(^١) في ت: فإِن قلت.\n(^٢) في ت: أما حق.","vol":"4","page":252},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\nوأما الإِمام، فلا يتجه له إِلا القول بتعدّد الأحكام؛ إِذ هو يمنع شرعًا معنيين يصلحان للتعليل، سواء اجتمعا أم لا.\nوأما إِن حصل المعنيان معًا، فإِنا بسبيل من طرق، وكذلك الإِمام:\nأحدها: دعوى تعدد الأحكام.\nوالثاني: دعوى أنها - والحالة هذه - أجزاء علة.\nوالثالث: أن العلة أحدها لا بعينه.\nوالرابع: أن أتعلق بأشدّ الوصفين مناسبة، وهذا إِذا لم يكونا مستويين، وهو أحسن الطرق [وأنفعها] (^١)، ويستدعي في كلّ وصفين اجتمعا نظرًا يخصهما.\n_________\n(^١) في أ، ب، ت: وأنفعهما.","vol":"4","page":253},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nوَالْمُخْتَارُ: جَوَازُ تَعْلِيلِ حُكْمَيْنِ بِعِلَّةٍ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ، وَأَمَّا الْأَمَارَةُ فَاتِّفَاقٌ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"والمختار: جواز تعليل حكمين بعلَّة\" إِذا كانت \"بمعنى: الباعث، وأما الأمارة فاتفاق\".\nوَسَنَسْرِدُ فُرُوعًا من هذا الجِنْسِ؛ يَطْرَبُ عند سماعها الفقيه، ومَنْ شاء أن يكتُبَهَا في هذا الشَّرْحِ؛ فدونه.\nومن شاء تركها؛ فلا عليه، والأحسن كتابتها؛ فإِنَّها نافعةٌ، فدونكها!\nفإِن قلتَ: لو اجتمعَ وصفان أعم، وأخص، كلٌّ منهما صالحٌ للتعليل يظهر أثره بخصوصه: كإِعتاق الرَّاهِنِ ذي اليَسَارِ مثلًا، إِذا فرضنا أن المالكيَّة مِنْ حيثُ هي علَّةٌ مستقلةٌ، ثمَّ فرضناها بِقَيْدِ اليَسَارِ علَّةً، فما الصلَّةُ إِذا اجتمعا فيما إِذا أعْتَقَ رَاهِنٌ مُوسِرٌ.\nقُلْتُ: نسلكُ فيه ما سلكناه كما عرفت، فلنا أنْ نقول: العِلَّةُ \"مجموع الوصفين، فإِنْ قُلْتَ: فقد عارض أحدُ الوصفين - وهو المالِكِيَّةُ - تعلُّقَ حقِّ المُرتَهنِ.\nقلتُ: يسقطُ ذلك الوصف، ويصيرُ معنا عِلَّةً مستقلةً بعد أنْ كانت جزءًا، وهي وصف اليسار، ولا يكونُ المالكيَّةُ هنا عِلَّةً، ولا جُزْءَ عِلَّةٍ، بل محلًّا للعِلَّةِ، فإِنَّ العتقَ إِنما يكونُ من مالك، فإِنْ قُلْتَ: ما تقولون فيما إِذا اجتمع شخصان على قتل شخص بأنْ جزَّا رقبته، كيف الحال؟ إِنْ قُلْتُم كلٌّ منهما جُزْءُ عِلَّةٍ، فلا توجبون القصاص على واحدٍ منهما؛ إِذْ لم يصدرِ القتلُ من واحدٍ منهما، وإِنْ قُلْتُمْ: \"صَدَرَ قتلان؛ فوجب قتلان، فهذا يخالِفُ المحسوس؛ فإِنَّ المَقْتُولَ واحد، والقتلُ حقيقةٌ واحدةٌ.\nقلت: لنا سلوكُ كلٍّ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ.","vol":"4","page":254},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأمَّا الأَوَّلُ فنقول: كلُّ واحدٍ جُزءُ عِلَّةٍ، وإِنَّمَا وَجَبَ القصاص؛ لأنَّه صدر منه وصفٌ يستقلُّ بالعلية مِنْ حيثُ هو، ولم يخرجه عن الاستقلال إِلا فِعْلُ صاحبه الَّذِي لا تَعَلُّقَ له به، فلا يَدْفَعُ عنه أثرَ القِصَاصِ، ولا يُقَالُ - والحالة هذه -: أنَّهُ غير قاتل؛ لأنَّهُ أتى بفعل يُزْهِقُ الرُّوحَ، ووقع الزُّهُوق بعده، فلا فرقَ بين أن يشارِكَهُ في القابليَّةِ فعل شخص غيره، أوْ لا.\nفالقِصَاصُ واجبٌ على كُلِّ مَنْ أَتَى بفعل مُزْهِقٍ وقع بعده الزُّهوق، سواء أكانَ مُسْتَنِدًا إِليه، أم إِليه وإِلى ما عَضَّدَه، إِذا كان ذلك الفعلُ كُلًّا في نفسه جزء لضميمةِ الفِعْل الآخَرِ إِليه.\nوالمراد بكونه كلًّا في نفسه: أنَّهُ مُزهِقٌ بنفسه \"بذاته\"، وهذا كلُّهُ إِذا قلنا بالمذهَبِ الصَّحيح: أن القصاص يجب على الجَمَاعَةِ بقتل الواحد، ووراءَهُ شيئان:\nأحدُهُما عن أبي حَفْصِ بنِ الوكيل: إِثبات قول أن الجماعة لا يُقتلون بالواحد، والثاني: نَقَلَ [الماسرجس] (^١) والقفَّالُ قولًا عن القديم: أن الوليَّ يَقْتُلُ واحدًا من الجماعةِ أيُّهُم شاءَ، ولا يَقْتُلِ الجميعَ، وعلى هذين لا معنى لِلْبَحْثِ، ولذلك إِنَّما هو على المذهب في أن الجماعة كالعَشْرَةِ مثلًا إِذا تمالئوا على قَتْلِ شَخْصٍ، استحقَّ أولياءُ المقتول دمَ كُلِّ واحدٍ منهم، أمَّا إِذا قلنا بما ذهب إِليه الحليميُّ: من أن المُسْتَحِقَّ للوليِّ العُشْرُ من دَمِ كُلِّ واحدٍ، إِلَّا أنَّهُ لمَّا لم يمكن استيفاؤه، إِلَّا باستيفاء الباقي؛ مكنَّاهُ من استيفائه فلا كلام أيضًا؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ. من الجماعة إِنَّما وَرَد فعله على عُشْرٍ غيرِ العُشْرِ الَّذِي ورد عليه فعلُ صاحبهِ، فلا يُتَخَيَّلُ هنا اجتماعُ علَّتَيْنِ على شيءٍ واحد، هذا آخر الكَلامِ على مساق الطَّريقةِ الأُولى.\nوأمَّا الثَّانيةُ فنقول على مساقها: صدر قتلان، ولكنَّ المحلَّ ضاق عنهما فلم يلح في الخارج إِلا مقتول واحد، وإِن حصل القتلان، وليس في هذا مخالفة للمحسوس، وإِنما مخالفة المحسوس لو قلنا: قتل رجلان، ونحن لم نقل ذلك، والمقتول واحد بلا ريب، وإِنَّما قلنا: صدر قتلان، ولا يلزم من صدور قتلين حصول مقتولين؛ فإِنَّ حصولَ المقتولين يستدعي المحلَّ، وهو هُنا فائت؛ إِذْ ليس إِلَّا واحد، وسلوك هذه الطَّريقةِ فيما نحنُ فيه من صورة الاجتماع على القتل أوضح من الأولى، فليسلكها الفقيه، ولذلك يجبُ القصاصان،\n_________\n(^١) في ج: السرخس.","vol":"4","page":255},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\nويقتلُ القاتلان، ونسمِّيهما قاتلين حقيقةً، واسم الفاعل حقيقة فيما قامَ به الفعل، فلو لم يَقُمِ القَتْلُ بكلِّ واحدٍ منهما؛ لم يسُمَّ قاتلًا حقيقةً، ولم يَجِبْ عليه قِصَاصٌ. فإِنْ قلتَ: فينبغي على مَسَاقِ ما قرَّرتُمُوهُ أنْ يجبَ على كُلِّ واحدٍ من القاتلين دِيَّةٌ كَامِلَةٌ إِذا آلَ الأَمْرُ إِلى الدِّيَةِ ولا قائِلَ به، وإِنما يَجِبُ الحصَّة. قلتُ: أمَّا على الطَّرِيقة الأولى فلا يلْزَمُ ذلك؛ إِذ الصادِرُ قتل واحدٍ، ولا يَجِبُ في مقابلة القتل الواحد إِلَّا قِصَاصٌ أو دِيَة، لكن القِصَاص لما وَجَبَ، واسْتَدْعى محلًا يجب، وليسَ أحد القاتلين أولى من الآخر، والتَّحري في القصاصِ غير مُمْكن: احتُمِل أن يسقط رأسًا ويَعْدِل إِلى الدِّية، وذلك هو القَوْل الَّذِي حكاهُ ابن الوَكِيل، واحتُمِل أن يُوجب على واحدٍ يُعَيِّنُهُ الوَليُّ؛ لأنَّ القصاصَ موضوع للتشفِّي، ودرء القَتْل، والتَّشَفِّي يحصُلُ باختيار الوليِّ من يُريدُه، ودَرْء القتلِ حاصِلٌ بإِيجابِ نَفْسٍ في مقابلةِ نَفْسٍ، وهو القولُ الآخر، واحْتُمِل أن يُوجَبَ على كلِّ واحدٍ؛ لأنَّ القَوْل بسُقُوطِهِ مؤدٍ إِلى أن يُتَّخَذَ الاشْتِرَاكُ ذَرِيعَةً إِلى سَفْكِ الدِّمَاء، ولن نَعْدَم واحدًا صاحبًا يوافِقُهُ على فُجُورِهِ، وإِيجابُهُ على من يُعَيِّنُهُ الوَلِيُّ فيه إِضرارٌ بأحَدِ الشُّرَكَاءِ زائِدٌ على رِفْقَتِهِ مع مُسَاوَاتِهِ لهم فيما اقْتَرَفُوه، ولا يَلِيق ذلك بِمَحَاسِن الشَّرِيعَةِ، وكانَ الأَخْذُ بمجامع المصالِح إِيجَابَ القِصَاصِ على الكُلِّ؛ لئلَّا يؤدِّي إِسْقاطُهُ إِلى اتِّخاذ الشركَةِ ذَرِيعةً في سَفْكِ الدِّمَاء، ثمَّ نقولُ: إِيجابُ القِصَاصِ على الجَمَاعةِ بقتلِ الواحِدِ ليس مُنقاسًا من كلِّ الوُجُوه، جارِيًا على مِنْهَاج المُقابلةِ والمماثَلَةِ من كلِّ ناحيةٍ، بل فيه معنىً مَصْلَحِي شَهِدَ له قَتْلُ عُمَر ﵁ خَمْسةً أو سَبْعَةً برجُل قَتلُوهُ غِيلةً، وقوله: لو تمالأَ عليه أهْلُ صَنْعاء لقَتَلْتُهُمْ جميعًا، وهذا الاحْتِمَالُ الثَّالثُ هُوَ الصَّحيح، فإِذا آل الأمْرُ إِلى الدِّيةِ لم يُضْطَرَّ إلى إِيجابِ كلِّها؛ لإِمكان التَّحرِّي فيها، ورعاية المماثَلَةِ من كُلِّ الوُجُوهِ والعدل، فتحصَّلنا من هذا أنَّه على أنَّه لمَّا لم يَكُنْ درْءُ القِصَاص ولا المُماثلة من كلِّ وجهٍ، اغتفرنا إِيجابَهُ للمصالحِ الكُلِّيَّةِ، وفي الدِّيَة أمكنَتِ المماثلَةُ فلَمْ يعدلْ عنها، ولذلك لمَّا تخيَّل بعضُهُم إِمْكَانَ التَّماثُل في الجِرَاحَاتِ قَضَى به، فلإِمام الحَرَمَيْنِ احتمالانِ فيما إِذا اشْتَرَكَ جماعةٌ في مُوَضِّحَةٍ، بأن تحامَلُوا على الآلَة وَأجْرَوْهَا معًا:\nأحدهما: أَنَّهُ يُوزَّعُ عليهم، ويُوَضَّحُ من كُلِّ واحِدٍ منهُم قَدْر حِصَّتِه؛ فإِن الموَضِّحَةَ قَابِلةٌ للتَّجْزِئَةِ، والقِصَاص جارٍ في أجزائِهَا، فصارَ كما لو أتْلَفُوا مالًا يُوزَّعُ عليهم الغُرْمُ.\nوالثَّاني - وَبه أَجَابَ صاحب \"التَّهْذِيب\" -: أنَّه يُوضَّحُ من كُلِّ واحدٍ منهُم مثل تلك المُوَضِّحَةِ؛ لأنَّه لا جزء إِلَّا وكُلُّ واحدٍ منهم جَانٍ عَلَيه، فإِن قُلْت: فقد أجْروا هذَيْن","vol":"4","page":256},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\nالاحْتِمَالَيْن فيما إِذا آل الأَمْرُ إِلى الْمَالِ، هَلْ يَجِبُ الأَرْشُ موزَّعًا عليهم؟ وهو المذكُورُ في التَّهْذِيب، أو يَجِبُ عَلى كُلِّ واحدٍ أَرْشٌ كامِلٌ؟ قال إِمام الحَرَمَيْن: وهو الْأَقْرَب، وهذا يخْدشُ ما قَرَّرْتُمُوة من التَّجزي في المَالِ. قُلْت: لا؛ لأِنَّ القَوْلَ بإِيجَابِ أَرْشٍ كاملٍ مَأْخَذهُ أنَّه صَدَر من كُلِّ واحدٍ مُوَضِّحَةٌ، فَغَايَرَ مُوضِّحَةَ صاحِبِه، ويُمْكن فَصْلُها عَنْها كما قيل في الاحْتِمَال الأوَّلِ من توزيع قِصَاص الْمُوَضِّحَةِ، فلا تعلق بِهذَا لما نحنُ فيهِ. هذا مُنْتَهى الْكَلامِ على الطَّرِيقَة الأُولَى، وأمَّا على الطَّرِيقَةِ الثَّانِيةِ فكَذِلك نقول: لما صدر قَتْلان وكانَ المَقْتُول واحدًا، والدِّيَةُ بَدل المَقْتُول بِسَبَبِ القتلِ، لا بدل القتل نَفْسِهِ، وإِنَّمَا تقابل النَّفس الواحدة بديةٍ واحدةٍ، لا بدياتٍ؛ أتقولونَ: التَّوزيع فيها بخلاف القِصَاصِ أَوْجَبْنَا ذلك، فَإِنْ قلت: أتقولونَ بأنَّ الدِّيَةَ ليست بدلًا عن القتل؟ قلتُ: نعم، فالمقتول يُقَابَلُ بقصاصٍ، أو ديةٍ، وتختلف دِيَتُهُ مقدارًا، وتغليظًا بحسبه، والقتلُ يقابل بكفارةٍ، فإِنْ قلتَ: إِذا كان الصَّادرُ عند اجتماع القاتلين على القتل قتلًا واحدًا؛ فلا ينبغي أن يجب القصاصُ على شريك الأب؛ لأَنَّهُ لم يستبدَّ بالقتل، ولم يصدر عنه في حالة الشَّركَةِ بتمامه؛ إِذْ هو جزء علَّة، وإِذا كان الحَاصِلُ قتلين؛ فينبغي أَنْ يَجِبَ على شريك الخاطِئ؛ لأنَّهُ صدر منه قتل محضٌ عمدٌ عدوان من حيث كونه مُزْهِقًا للرُّوح، فلا ينبغي أنْ يسقط عنه القِصَاصُ برفقته لقتل آخر لم يحصل منه القتلُ على هذه الصِّفَةِ؛ قُلْتُ: قد قُلْنَا ما يُعْرَفُ منه أَنَّ شريك الأَب، وإِن كان الصَّادِرُ منه حالَة الشّركةِ جزء علَّة إِلَّا أنَّهُ إِنما جعله جزء علَّةِ مشاركة [وإِلا فهو في نفسه مستقلّ بالزهوق، وشركته وقعت لمن لا يَسْقُطُ الضمانُ بشركته] (^١)، فَلَمْ يَسْقُطْ عنهُ شيئًا، والحاصلُ أنَّهُ أتى بعلَّةٍ مستقلَّةٍ لو انفردت وضمَّها إِلى مَنْ لا ينفعه ضَمُّها إِليه، فلم يعط حكم الجزئيَّةِ تلك الحالة، بل حكم الاستقلال لمأخذ فقهيٍّ لا تَعَلُّقَ للأُصوليّ به، وشريك وإِن أَتَى على التقدير الآخر بقتل غير قتل صاحبه، إِلا أَنَّ القتلين تواردَا على محلٍّ واحدٍ، فأعطيا حكم الواحد فقهًا، والواحد يسقط إِذا وقعت فيه صفة لو وقع كلُّهُ موصوفًا بها؛ لم يجب قصاص، وذلك كلُّه لمآخذ فقهيةٍ لا لمَا نحنُ فيه، فقاعدة مذهبنا أَنَّ كلَّ نفسين اشتركا في قتلِ واحدٍ لم يخل من أحوال:\nأحدها: أن يكون كلّ منهما لو انفرد بقتله اقْتِيدَ بِهِ.\nوالثاني: عكسهُ.\n_________\n(^١) سقط في أ، ب، ت.","vol":"4","page":257},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\nوالثَّالثُ: أن يكون على أَحَدِهِمَا القَوَدُ دون شريكه، فإِن كان كلُّ واحدٍ منهما ممَّنْ يجبُ عليه القَوَدُ لو انفرد مثل: حرَّين قتلا حرًّا، أو عبدين قتلا عبدًا، أو مشركين قتلا مشركًا، فيقتل كلُّ واحدٍ منهما، وإِن كانَ عكسُهُ مثل أَنْ قتلاه خطأً، أو قتل مسلمان كافرا، أو حُرَّان عبدًا، أو أب وجدّ قتلا ولدًا، أو أبوان قتلاه، فلا قَوَدَ عليهما، وأَن أحدهما لا قَوَد عليه لو انفرد لم يَخلُ الَّذي لا قَوَدَ عليه.\nأَمَّا أن يكونَ مضمون الفصل أوَّلًا، فإِن كان مضمونَ الفعلِ؟ نظرت، فإِنَّ سقُوطَ القَوَدِ عنه لمعنى في نفسه، فالقود واجبٌ على شريكه كشريك الأَبِ، وشريك الصَّبيِّ، والمجنونِ، إِذا قلنا: عَمْدُهَا عَمْدٌ، وهو أصحُّ القولين، وإن كان سقوطُ القَوَدِ عنه لمعنًى في فعله؟ فلا قود على شريكه كشريكِ الخاطِئ، والصَّبي، والمجنون إِذا قلنا: عمدها عمد في حكم الخطأ، أو كانا بحيث لا تمييز لَهُمَا بحالٍ، فإِنَّ القَفَّالَ، ومن تابعه - كالبغويِّ - قالوا: \"إِنَّ عمدَهَا في هذه الحالة خطأ، وشريكهما شريكٌ خاطئٌ قطعًا، قالوا وإِنَّمَا الخلافُ في أَنَّ عمدها هل هو عمدٌ في صبيٍّ يعقل عقل مثله، وفي مَجْنُونٍ له نوعُ تمييز وإِن كان فعل شريكه غير مضمون مثل: أن شارك سَبْعًا في قتل إِنسان، أو شارك رجلًا في قتل نفسه مثل: أنْ جرحه، وجَرَح نفسه، أو جرحه مرتدٌ ثمَّ أَسْلَمَ، وجرحه آخرُ في حال إِسْلامِهِ فإِنَّهُ لا ضمان على أَحَدِهِمَا بحال، وهل يكون على شريكه القَوَدُ وفيه قولان: أَحدهما لا؛ لأَنَّهُ أحسنُ حالًا من شريك الخاطِئِ، فإِنَّ الخاطئ يضمن بوجهٍ، والسَّبعُ لا ضَمَانَ في فعله بوجهٍ، ويجبُ نصف الدِّيَةِ، وَأَصَحُّهما الوجوبُ؛ لأَنَّهُمَا عامدان، لا قَوَدَ على أحدهما لا لمعنًى في فعله، فهو كشريك الأب، فإِنْ قُلْتَ: لو أجمع شخصان على قَتْلِ شخص بفعلين لو انفردَ كُلٌّ من الفعلين لم يقتله، وإِنَّمَا حصل قتله من مجموع الفِعْلَيْنِ، وكان كلٌّ مِنَ الفعلين جزءَ علَّةٍ لا استقلال له بالكليَّةِ في حالةٍ من الأحوال، فإِنَّهُ يجبُ القِصَاصُ عليهما؛ إِذا كان الفعلان جرحين، كما لو قطع هذا يَدَه، والآخر رِجْلَهُ؛ فقد وَجَبَ القصاص في هذه الصُّورَةِ على مَنْ لم يَأْتِ بعلَّةٍ، ولا بِجُزْء علَّةٍ تكون علَّة إِذَا انفردت، وما ذكرتموه يأباه؛ إِذْ قلتم: إِنما وجب على الشَّرِيكَيْنِ؛ لإِثبات كُلٍّ منهما بجزء عِلَّةٍ إِذَا استقلَّتْ.\nقلت: اعلم أَنَّ للجروح نكايات في البَاطِنِ لا ندري غورها، وَرُبَّ مقطوع اليد استمرَّ به ألمُ قطع اليد إِلى أَنْ مات منه، ووجب القِصَاصُ على قاطعه، فلسنا ذا يقين بأَنَّ الجرح لو انفرد لم يستقل، وأيضًا فلو لم يوجب القصاصَ هنا لاتَّخذ النَّاسُ الاشتراك ذريعةً إِلى القتل، فلا بِدْعَ في اتِّفَاقِ عَشَرةٍ على قطع عشرة من الأعضاء كلٌّ منها لو انفرد لم يقتل،","vol":"4","page":258},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\nويقتلُ حالة الاجْتِمَاعِ لا محالةَ؛ فأوجبنا القصاص حسمًا للباب لا لِشَيْءٍ ممَّا نحنُ فيه، وقد سبق نظيره في أصل الاشتراك على القَتْلِ.\nفإِنْ قلتَ: فما رأيكم في جماعةٍ ضربوا واحدًا بسياط، أو عصا حقيقة، ولم يكن ضرب كلِّ واحدٍ منهم قاتلًا، كما لو اجتمعَ عدد كثير فضربه كلُّ واحدٍ منهم ضربةً، فمات؟.\nقلت: فيه ثلاثةُ أوجه:\nأَحَدُهَا: لا قصاص، ومَنْ عداه شركاؤه، ولا قصاص على شركاء الخَطَإِ وشبه العمد، وهذا بخلاف الجراحَاتِ، فإِنَّها تقتضي القصاص، ولها نِكَايَاتٌ باطنةٌ.\nوالثَّاني: يجب؛ لئلا يصير ذلك ذريعة إِلى سفك الدماء.\nوالثالث: الفرق بين أن يتواطئوا على هذا الفعل، فيجب القصاص أو لا، فلا يجب، وهو اختيار القاضي الحُسَيْنِ.\nفإِن قلتَ: فقد قالوا في شاهدي الزُّورِ إِذا رجعا أَنَّهُ يجب عليهما القِصَاصُ مع أَنَّ كلًّا منهما لو انفرد بالشَّهادةِ؛ لم تقبل شهادته، ولا فرق بينه وبين مسألة السِّياطِ مع جريان الخلاف هناك، وعدم جريانه هنا.\nقُلْتُ: الفرقُ بينهما أَنَّ شاهد الزُّور كشريك الأب؛ فإِنه آتٍ بفعل من جهته لا نقض فيه أَلبتة، وإِنَّمَا الشَّارع لم يلتفت إِليه إِلَّا بضميمة آخر إِليه وعدم التِفَات الشَّارع إِليه، إِذَا كان منفردًا لا يوجب نقصًا فيما فعله، بخلاف السِّيَاطِ؛ فإِنَّ صاحبها يشبه شريك الخاطئ؛ فإِنَّ سياطه مقصّرة عن الزُّهُوقِ بنفسها، والحاصل: أَنَّ الضَّاربَ بالسَّوْطِ لم يأت بفعل مستقلٍّ بالإِزهاق، ولا قصد به الإِزهاق، والشَّاهدُ أَتَى بفعل قصد به الإِزهَاقَ، وهو لولا عدم التفات الشَّارع إِليه مزهق، فكان بمنزلة من أَزْهَقَ بفعله سواء؛ لأَنَّهُ لم يدع شيئًا من مقدوره بل جاء بالشَّهادة الباتَّةِ الجازمةِ كشريك الأب سواء، ولم تثبت شهادته وصف ينقضها، بخلاف شريك الخاطِئِ. هذا ما خَطَرَ لي في الفرق، والسُّؤال قوي، فإِنْ قلْتَ: فما تَقُولونَ فيما إِذَا جرحه رجلان جرح أحدهما مزفف دون الآخر؟.\nقلتُ: يجب القِصَاصُ على المزفف؟ لأَنَّهُ قطع عمل صاحبه؟ ولم يجعل له مدخلًا في الصلة، فإِن قُلْتَ: فلو كان جرح أحدهما مزففًا، وشكَّكنا في الآخر هل هو مزفف؟ قُلْتُ:","vol":"4","page":259},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nنقل الرَّافِعِيُّ في \"باب الصَّيْدِ والذَّبائح\" عن القَفَّالِ: إِنَّهُ يجب القصاصُ عليهما؟ وأَنَّ إِمام الحرمين قال: هذا بعيد، والوجه تخصيص القصاص بصاحبِ المزففة، فإِنْ قلتَ: إِذا مهدتم أنَّهُ لا يعلّل حكم بأكثر من علَّةٍ، فما معنى اعتلال المانعين من اجتماع علَّتين بوجوه وهو حكم واحد؟ وكذلك ما شاع بين علماء الأُمَّةِ وحملة الشَّريعة من قولهم في مسائل كثيرةٍ: الدَّليلُ على هذا الكتابُ والسنَّةُ والإِجْمَاع، وكذلك قولهم: قد يجتمع أَدلَّةٌ على مدلولٍ واحد، وقولهم: ويجوز اجتماع الأَمَارَاتِ والمعرفات على شيْءٍ واحد، وهو شائع ذائع بين الفرق لا ينكره إلّا مباهت؟ قُلْتُ: قد عرَّفناك أنَّا لا ننكر نصبَ دلائل على مدلولٍ واحد وعلامات على معرّفٍ واحد، وإِنَّمَا ننكر أَنَّهَا اجتمعت لشخصٍ واحد في حالةٍ واحدة، وحصل له العرفانُ؛ إِذْ ذاك يكونُ عارفًا بكلٍّ منها على حسب الاستقلال هذا الَّذي نشدِّدُ النّكير فيه، وإِلَّا فكم من أمارات على شيْءٍ واحد، بل وبراهين قاطعة كلٌّ لو انفرد لأفَادَ، ولم يقل وَاحِدٌ: إِنِّي عرفتُ حكمَ هذه المسألة مِنْ دلائل مجتمعةٍ كلٌّ منها عرفني. هذا لم يصرّح به أحد، ولن تجد مساغًا إِلى نقله عن إِمَامٍ، وإِنَّمَا مرادهم أنَّ هذه الدلائل كلٌّ منها يفيدُ المقصودَ لمن عرف به، فإِنْ عرف به وحده أفاده، وكان إِذْ ذاك دليلًا نَاهِضًا مستقلًّا، وإِنْ عرف به مع غيره كان جزءًا من الدَّليل إِذا اتَّحَدَ المعروف، وليس في ذلك كبير أمر، ولقد يَكَادُ يرجع النِّزَاعُ فيه لفظيًّا، ولك أَنْ تسمي العللَ المجتمعة لشخص واحد أجزاء مستقلَّة بالنِّسبةِ إِليه، وإِليها في نفسها، وكذلك ينبغي أنْ يفهم من قول مَن يقولُ من الفقهاء: هذه عللٌ لمعلول واحد؛ فإِنَّ مراده: أَن كلا يستدلُّ به على المعلول أَمَّا أنَّهَا إِذا اجتمعت فهل حصل بمجموعها، أو بكلِّ فرد منها، أو بواحد منهم إِلى غير ذلك من الاحتمالات، فهذا شيْءٌ لا يتكلَّمُ فيه الفقيه، ولا تعلُّقَ له به، وهو مسألة اجتماعِ العلَّتينِ على معلولٍ واحد، [ولذلك فإِن الغزالي في \"الوَسِيطِ\" قال: قد تجتمعُ علَّتَانِ على معلولٍ واحدٍ] (^١) ومراده في \"الوَسِيطِ\" ما يريده الفقيهُ من أنَّ كلًّا من الوصفين صالح لإِفادَةِ الحكم، وذكر في \"المُسْتَصْفَى\" في الأصول امتناع ذلك في المستنبطةِ، ومراده امتناع حصولُ العرفان بكلٍّ منهما على حدتِهِ، والتَّأثير بكلٍّ منهما، فإِنَّ الغزاليَّ يقولُ: العِلَلُ مؤثراتٌ بجعل اللهِ ﷾ وإِذْنِهِ، والحاصل أَنَّهُ تكلم في كلِّ فنٍ بحسبه، وليس له أَنْ يخلطَ، فيناقض - ولا لأحد أنْ يتوهَّم مناقضته في كلامه، وكذلك ذكر إِمَامُ الحرمين في \"البُرْهَانِ في\n_________\n(^١) سقط في ج.","vol":"4","page":260},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأصول الفقه\" أَنَّهُ يمتنع شرعًا اجتماعُ علَّتَيْنِ؟ وذكر في \"الأساليب\" في الخلافيّات أَنَّهُ لا يبعد في وضع القياس أن يصحَّ علَّتانِ بحكمٍ واحد؛ إِذ الحكمُ الواحد يجوز أن يعلَّلَ بعلل، ولا يمتنعُ ذلك. اننهى، فينبغي لذي الفطنة أَنْ ينظر في كلِّ موضع بحسبه، فإِن قُلْتَ: ما تقولون فيما إِذا استولد الرَّجُلُ مدبرته؟.\nقلتُ: قال الرَّافعِيّ: الَّذي أورده أكبرُ سلف الأَصحاب وخلفهم: أَنَّهُ يبطل التَّدبير؛ لأن الاستيلادَ أقوى، فيرتفع به الأضعفُ كما يرتفعُ ملك النِّكاح بملك اليمين، فإِن قُلْتَ: فما تقولونَ في تدبير المستولدةِ.\nقُلْتُ: لا يصحُّ - قال الرَّافِعِيُّ: لأَنَّهَا تستحقُّ العِتْقَ بالموت بجهة هي أقوى من التدبيرِ، وفي طريقة الصَّيْدَلانيِّ أَنَّهُ لا يبطل التَّدْبِير، [وقال الرُّويَانِيُّ في \"الكَافِي\" وقيل: لا يقول ببطلان التَّدبير] (^١)، فيكون لعتقِها يَوْمَ موتِ السَّيِّدِ سببان، وعلى هذا جرى الإِمامُ والغزاليُّ مع اعتراف الإِمَامِ بأَنَّهُ لا أثر لبقاء التَّدبير، ولكنَّهُ يدخل في الاستيلاد كما لو طرأت الجنابَةُ على الحَدَثِ.\nفإِن قلتَ: كيف قال الإِمامُ هنا باجتماع علَّتين، وهو يمنع اجتماعهما شرعًا؟ قلتُ: قد قال: إِنَّه لا أثر لبقاء التَّدْبيرِ، وذلك دليل على ما أقوله: من المحذور اجتماعُ علَّتينِ يعرفان، أو يؤثِّران، فحيثُ لا يحصل التأثيرُ لم يجتمع، وإِن اجتمعَ وصفان لكلٍّ منهما صلاحية التَّأثير والتَّعريف حالة الانفراد.\nفإِن قُلْتَ: ما تقولونَ فيما إِذا اجتمعَ وصفان أحدهما أكثر تأثيرًا من الآخر هل يعملهما أو يطرح الضَّعيفَ؟!.\nقُلْتُ: حيثُ أمكن إِعمالهما، فلا سبيل إِلى العدول عنه، وحيث لا فالإِعمال للأقوى.\nمثاله: القاتل المرتدّ، عليه قتلان ضاق المحلُّ عنهما، فلم يكن استيفاءُ غير قتل واحد، ولم يضيق عن أحكامهما وآثارهما فاجتمعا، فيقدَّمُ حقُّ الآدمي لا لأن حقَّ الآدميِّ آكدُ؛ فإِنِّي لا أرى تقديمَ حقِّ الآدمي كما قرَّرته في موضعه؛ لأَنَّهُ لما اجتمع الحقَّان، ولم يتعارض القصدان، إِذْ ليس غرض الآدميِّ سوى التَّشفي بالاقتصاص سلمناه إِلى وليّ الدَّمِ ليستولي منه، فيحصل المقصدان في ضمن ذلك مقصد الآدمي بالتَّشَفي، والمقصد الشَّرعي\n_________\n(^١) سقط في ج.","vol":"4","page":261},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\nبتطهير الأرض من المرتدين؛ فإِنَّهُ ليس المقصد الشَّرعيُّ إِزهاقَ الأرواح بخصوصه، إِنَّمَا المقصد الشَّرعيُّ زوال الرّدة ومفسدتها العظمى، فإِنْ هو حصل بالإِسلام فذاك، وإِلا تعيَّنَ القتلُ طريقًا لدرء فسادِهَا، وتقبل عن حقِّ الآدمي مع جريان أَحكام المرتدِّين عليه في الحياة وبعد الممات؛ وهذا لأَنَّهُ أمكن إِعمال آثار العلَّتين.\nأَمَّا في صورة المستولدة إِذَا دبرت فلا يظهر للتّدبير أثر ألبتة، فإِنْ لاحت للمنفعة فائدة في التَّدبير تزيد على الاستيلاد، ولا يدفعها الاستيلادُ عملنا بها، فإِن قلتَ: ما تقولون في المشتركين في القتل هل يجبُ على كلِّ واحد منهم كفَّارةٌ، أو يجب على الكلِّ كفارة يتوزعونها؟!\nقلتُ: الأَصَحُّ أنَّهُ يجب على كُلِّ واحدٍ كفارة؛ لأَنَّ الكفَّارَةَ لا تتبعّض فأشبهتِ القصاصَ، والوجه الآخر: وجوب كفارة واحدة كالشُّركاء في قتل الصَّيْدِ يلزمهم جَزَاءٌ واحد.\nفإِنْ قلتَ: فما الفارِقُ بينه وبينَ الصّيد؟.\nقلتُ: ما قدَّمناهُ من أَنَّ الدِّيَةَ بدل عن المقتول لا عن القتل، وكذلك الجزاء بدلٌ عن الصَّيْدِ لا عن الاصطياد قال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٩٥] أي جزاء ما قتل، لا جزاء قتله أَمَّا الكفَّارة فبدل عن القتل؟ فلذلك وَجَبَ على كُلِّ واحد بدل القتل، وهو الكفَّارة، ولم يتعذّر التعدد فيها، فتعددت بالنِّسْبَةِ إِلى تعدُّدِ القاتلين على الصَّحيح، فإِنْ قُلْتَ: إِذا قرَّرت امتناع اجتماع علَّتين، فماذا يفعل في الوصفين إِذَا اجتمعا؟.\nقُلْتُ: لي في كلِّ وصفين فصاعدًا حصل اجتماعُهُمَا طرقٌ ثلاثةٌ لم يخلُ عنها ما سطَّرنَاهُ في هذه الجملة الأُولى: أَنْ أَدَّعِي تعدُّدَ الأَحكام، وأنا بسبيل من ادِّعَاءِ ذلك في كُلِّ صورة، وسبق فيه قول بليغ.\nوالطَّريقُ الثَّاني أَنْ أَسلم اتحاد الحكم، ولكن أقول: لما ضاق المحلُّ عن الحكمين لم يضق عن آثارهما، فآثارهما باقية، وربَّمَا اختلفت فظهرت فَائِدَتُهَا كما في القاتل المرتدّ، وربَّمَا لم يختلف بخصوصِ ذلك الموضع الواقعة فيه كما في المستولدة إِذا دبّرت، وقلنا: يصحُّ تدبيرها.\nوالطَّرِيقُ الثَّالِثُ؛ أنْ أنظر إِلى الوصفين فاعمل أخيلهما وأشبهما، وأطرح الآخر بالكليَّة، وهذا إِنَّمَا أفعله إِذَا لم يظهر للآخر فائدةٌ أصلًا كما في تدبير المستولدة، فإِنَّ","vol":"4","page":262},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\nالصَّحيح بطلانه؛ لأَنَّهُ لا يظهر لثبوته أثر وثَمَّ أقوى منه، وهو الاستيلاد، فأعملناه وألغينا التَّدبيرَ، وهذا في حقِّ العارف بوقوع الوصفين أَمَّا مَنْ لم يعرف إِلا أحدهما، فهو يعرف به عند موت السيِّد المعتق، فمن لم يعرف إِلَّا التَّدبيرَ يعرف عند موت السيِّد عتق الأمة وإِنْ كان وصفُ التَّدْبِيرِ ملغىً عند العارف بالاستيلادِ، فإِنَّهُ إِنَّمَا ألغاه لعدمِ احتياجه إِليه بإِسناده، إِلى ما هو أقوى منه، وكونه لا يظهرُ له أثر البتة.\nأَمَّا المحتاجُ إِليه فكيف نلغيه، وأَمَّا إِذَا ظهر له أثر كوصف الرِّدَّةِ المنضمِّ إِلى القتل، فكيف يلغى ونحن نحتاج إِليه في جعل مالِ المرتدّ فيئًا، وعدم الصَّلاةِ عليه إِلى غير ذلك من أحكَامِ المرتدِّين، فإِنْ قلت: فما قولكم في الطِّفْلِ المجنون، فإِنَّ الولاية ثابتةٌ عليه، وهي قضيَّةٌ واحدة معللَّة بالجنون والصِّبَا؟\nقلتُ: أَنَا أَقول في هذا: إِنَّ الثَّابت حجر الصَّبي، ولا أثر لحجر المجنونِ هنا رأَسًا؛ لأَنَّ الجنون طارِئٌ على الصَّبيِّ فيصادف محجورًا عليه، فلا يقتضي شيئًا: كمن مَسَّ ثُمَّ لَمَسَ لم يفعل لمسُهُ شيئًا، ولو فرضت الصَّبِيَّ ولد مجنونًا، فهكذا أقول، إِذِ الصِّبا وصفٌ ذاتيٌ له، والجنونُ عرضيٌّ، فكان التّعلق بالذَّاتي أولى، فإِنْ قلت: لِمَ لا تقولُ هنا بأَنَّ كلًّا من الوصفين جزءُ علَّةٍ؟ قُلْتُ: هذا ممكن، ولكني إِنَّمَا أقوله حيثُ لا يترجَّحُ أحدُ الوصفين على الآخر، أَما عند ترجُّحِ أحد الوصفين مع ظهور فائدة للوصف الآخر فإِنِّي أطرح الأضعف، فإِذَا بَلَغَ مجنونًا زال حجر الصِّبا، وخلفه حجر الجنون، فَإِنْ قُلْتَ: وهلّا قُلْتَ: يثبتُ هنا حجران؟ قُلْتُ: هذا أيضًا ممكِنٌ، وقد قلنا: إِنَّا بسبيل في كُلِّ صورة من الطُّرق الثَّلاث، وإِن ترجح في بعض الصُّوَرِ واحد منها بخصوص تلك الصُّورَةِ.\nواعْلم أَنَّ إِمَامَ الحرمين قد أجاب عن الولاية على الطّفل المجنون فقال: الوِلايَةُ الثَّابِتَةُ على المجنون ضروريَّةٌ؛ إِذْ لا يتوقّع من المجنون تصرُّف، وفهم ونظم عبادة، والولاية على الصَّبيِّ المميز لمكان الغبطة، وطلب الأصلح، فإِنَّ الصَّبيَّ يعقل ما يقولُ ويفعل، ومن كان أَنيسًا بتأَصُّلِ الولايات لم يعدم فرقًا بين الولاية على المجنون، والولاية على الصَّبي المميز، فإِنْ فرض صبي غير مميز فهو المجنونُ بعينة، ولا أثَرَ للصِّبا، ولا يقع به تعليل، فإِنَّ الولاية الحقيقة بالصِّبَا هي ولاية الاستصلاح، وقد تناهى الشَّافِعِيُّ ﵁ في الغَوْصِ على ما ذكرنا حتَّى لا يرى توريث ذي قرابتين بالقرابتين جميعًا إِذَا كانت أحدهما أَقْرَبَ من الأخرى، وقالوا: القُرْبُ الأقربُ يعدم أثَر القربِ الأبعد حتَّى كَأَنَّهُ ليس قربًا، فكذلك الصِّبا","vol":"4","page":263},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nمع سقوط التَّمييز ليس معتدًّا به. انتهى، والَّذي فهمته منه أَنَّهُ يقولُ. حجر الجنون واقعٌ في محلِّ الضَّرُورَةِ لتدارك حال المجنون، وليس لخصوصِ الجُنُونِ فيه مدخل في العليَّةِ، بل العلَّةُ أَنَّهُ لا تميز، فاضْطَر إِلى نصب من يقومُ بأَمره ويتكفل بمعاشه، وهذه العلَّةُ تشملُ مَنْ قام به وصف الجنون، ومن لم يقم إِذَا كان مساويًا للمجنون في عدمَ التَّمْيِيزِ كالطِّفْلِ الرَّضيع، فالحجرُ على الصَّبِيِّ الَّذي لا يميِّزُ هو الحجر على المجنون بعينه، ولم يرد أَنَّ وصف الجنون قائمٌ به، ولا غرض له في ذلك؛ إِذْ خصوصُ الجُنُونِ لا مدخل له في إِثَارَةِ الحكم، وإِنَّمَا هو وصف منضبط مشتملٌ على الحكمة الَّتي هي عدم التَّمييز، وبها نيطَ الحكمُ في الحقيقة، فالنَّظَرُ لعموم عدم التَّمييز لا بخصوص الجنون، وحجر الصبي الَّذي يميّز واقع في محلِّ الاستصلاح؛ لنقصان نظره، فالعلَّةُ في القاع الحجر عليه نقصان النَّظر لا خصوص كونه صبيًّا، وبهذه العلَّةِ الَّتي هي نقصان النَّظَرِ وعدم سداده، واستكماله، فوقع الحجرُ على السُّفَهَاءِ، وإِنِ افتَرَقَ حكم حجر الصِّبا والسَّفه، فذاك الأَمْرُ غير ما نحن فيه، وإِذَا كان حجر الصَّبِيِّ المميز لنقصان النَّظَرِ لا للصِّبا وهو مصلحي لم يصحَّ اجتماعُهُ مع حجر عدم التَّمييز الَّذي هو ضروريٌّ، فلا يقال: اجتمعَ هذان الوصفان، وهذه طريقةٌ حسنة قويَّةٌ؛ فإِنَّ إِمامَ الحرمين يمنع تَصَوُّرَ اجتماع الحجرين؛ لأن أحدهما معلَّلٌ بنقصان النَّظَرِ، والآخر بعدمه، ونقصان النَّظَرِ يستدعي حصول أصل النَّظر، وهو لا يجتمع مع عدم النَّظَرِ، فلم يجتمع وصفان حتَّى نضطر إِلى أَنَّا هَلْ نُعْمِلُ أقواهما، أَو نخالف بين حكمهما، ونقولُ آثارهما مختلفة أَو غير ذلك، ونظير ذلك ما قاله الإِمَامُ أيضًا في قَسْمِ الصَّدقات: لا يختلف علماؤُنَا في أَنَّ الجمع بين أَسْهُمِ الفقر، والمسكنة محال من جهة أَنَّ الفقر والمسكنة يتناقضان، فلا يتصوَّرُ اجتماعهما لشخص، وهو صحيح؛ فَإِنَّ المسكنة معها وجدان شيْءٍ، والفقرُ عدم الوجدان، ولا يجتمع عدمُ الوجدان مع الوجدان، وإِنْ قلَّ، وقوله: ولا أثر للصِّبا ولا يقع به تعليل صحيح، ومراده: أَنَّ التَّعليل هنا بوصف عدم التّمييز، ولم يرد أَنَّ التَّعليل واقع هنا بخصوص الجُنُونِ، ويدلُّ له قوله: فإِنَّ ولاية الصَّبِيّ هي ولاية الاستصلاح، أي وولاية الاستصلاحِ لا تجتمعُ مع ولاية الضَّرورة؛ لأن الاستصلاح شرط عدم الضَّرورة، وعدم الضَّرورة مع الضَّرورة نقصان، وإِن فرض اجتماع الوصفين فإِنَّا نَدْرَأ الأضعف، وهو المصلحي، وننظر إِلى الأَقوى، وهو الضروريُّ، وقوله: وقد تناهى الشَّافعيّ … إِلخ أي غاصَ على معنى ما يحاوله من عدم اجتماع علَّتَيْنِ فقال في القَرَابَتَيْنِ إِذَا اجتمعا في شَخْصٍ: إِنَّهُ لا يرث إِلَّا بالأقرب إِذَا كانت إِحداهما أقرب، وقطع النَّظَر عن القرابة الأُخرى حتَّى كأَنَّهَا","vol":"4","page":264},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\nليست بقرب، فكذلك الصَّبي إِذَا لم يكن معه تمييز يقطع عنه النَّظر بالكليَّة، ولكن في القرابتين اجتمع وصفان بلا شكٍّ، وفي حجر الضَّرورة والاستصلاح قد يقال: إِنهما لا يتعارضان؛ لأَنَّ تعارضهما فرع تخيل اجتماعهما، وهما لا يجتمعان، وقد يقالُ: يتعارضان، فيكونان كالقرابتين كما عرفت، وقد اعترض ابن الأَنْبَارِيِّ شارح \"البُرْهَانِ\" على إِمَامِ الحرمين بمِا لا أرتضيه، فأنا أحكيه وأتعقَّبُهُ قال: هذا الَّذِي تكلفه إِنَّمَا هو لما قرَّرَهُ من امتناع تعليل الحُكْمِ بعلَّتَيْنِ، فعرض مسائل يتأتى له الجواب عنها.\nوأَمَّا المسائلُ العشرة كما صورناه في الخؤولة، والعمومة، والبول، والغائط، والمس، واللمس، فإِنه لهم يتعرض له بالغرض، وأَمَّا الولاية فإِنَّهَا ثبتت بالصِّغَرِ، والجنون جميعًا، وقوله: أحدهما استصلاحية، والأخرى ضرورية، فيقال له: هذا نَظَرٌ في العلَّةِ، وأمَّا حقيقة الولاية فلا اختلاف فيها، ولا تعدد بحال؛ فإِنَّ معنى الولاية منع استبداد الشَّخْصِ بِالتَّصَرُّفِ، وإِقامة غيره ناظرًا له، وَأَمَّا قوله: إِنْ كان لا يميز يعني الصغير، وهذا المجنون بعينه، هذا ليس كذلك عند الفقهاء، ولا الأطبَّاء؛ فإِنَّ الجنون حالة تثبت للشَّخص، وليس الجنون عبارة عن فقدان العقل بحال؛ فإِنَّهُ لو كان كذلك كان النَّائِم، والغافل مجنونين، وإِذا رجع إِلى صفة ثبتت للمحلّ، فهذه الصِّفَةُ لا تلزمُ الصَّبِيَّ الَّذي لا يميّز، فإِذا اتَّصَفَ بها مع صغره، وعدم تمييزه، فعلى من يُحَالُ حكمُ الولاية؟ لا يصحّ الحوالة على أحدهما دون الآخر؛ لظهور تأثيرهما جميعًا، ولا يصحُّ أَنْ يجعلا جزءين؛ لثبوت الاستقلالِ لكُلِّ واحد مِنْهُمَا، فكلُّ ما ذكره في منع تعليل الحكم بعلَّتين غير صحيح، وأَمَّا قوله: إِن الشَّافِعِيَّ لا يرى توريث ذي قرابتين بالقرابتين جميعًا، فليس هو كذلك على الإِطلاق؛ فإِنَّ ابني العم إِذَا كان أحدهما أخًا لأمٍّ؛ ورث بالقرابتين، وَإِنَّمَا ذلك مخصوصٌ عند العلماء بما إِذا كانت إِحدى القرابتين أقرب من الأُخْرَى، وما ذاك لاستحالة تعليل الحكم بعلَّتَيْنِ، بل لأَنَّ البعيدَ نزله الشَّرع منزلة القريب عند عدم القَرِيبِ، وإِذَا نزل منزلته لم يصحَّ أن يرث معه \"انتهى\".\nوَأَنَا أقول: قولكم: فرضَ مسائل يتأتى له الجواب عنها، وأهمل العشرة: قلنا: سنبين إِنْ شاء اللهُ تعالى هو أنها عليه. قولكم: الولايةُ تثبتُ بالصِّغَرِ والجنون معًا، قلنا: هذا موضع النِّزَاعِ. قولكم: إِنَّ قَوْلنَا: أحد إِحداهما استصلاحية، والأخرى ضروريَّة نظر في العلَّة أي وذلك لا يستلزم عدمَ ثبوتها.","vol":"4","page":265},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقلنا: هو وَإِنْ كان نظرًا في العلَّة إِلا أَنَّهُ يلزم منه عدم ثبوتهما؛ لأَنَّا بيّنا أَنَّ حجر الاستصلاح لا يمكن اجتماعه مع حجر الضَّرُورَةِ، فكان مرادنا من قولنا: حجر الضَّرورة وحجر الاستصلاح: أَنَّهُ لم يجتمع وصفان.\nسلّمنَا أَنَّ الوصفين اجتمعا، ولكن أردنا أَنَّ أقواهما يعمل به، وهو حجر الضَّرورة، فَكَأَنَّا قلنا، الصَّبِيُّ المجنون فيه وصفان:\nأحدهما يقتضي أعظمَ الحجرين، والآخر يقتضي أهونهما، فأعملنا الأعظم إِذْ لم يظهر للأضعف معه تأثير ألبتة.\nقَوْلُكُمْ: فإِذَا اتَّصفَ الصَّغير بعدم التَّمييز فَعَلى مَنْ يُحالُ حكمُ الولاية؟ قلنا: يُحال على فيها، بل هي مختلفة، وولاية الصَّبِي غير ولاية الجنون، وأحكامهما مختلفة. وقد كرَّرْنَا هذا غير مرَّةٍ، فأي معنى لإِعادَتِهِ، سلَّمْنَا اتِّحادَهَما، ولكنا هنا لم ندّع وقوع حجرين أصلًا، وإِن كنَّا بسبيل من ذلك إِذَا قلنا بتعدُّدِ الولاية، وإِنَّمَا ادَّعينا هنا: أَنَّا لا نسلمُ اجتماعَ الوصفين، وإِن سلَّمْنَاه؛ فلا نسلم إِعمالهما، بل الإِعمال واقع لأقواهما فقط، فالواقعُ أقوى الحجرين، فالولاية متّحدة، والمؤثرة فيها أقوى الوصفين، وهو عدم التَّمييز، وما ذكرتموه من أَنَّ الصَّغِيرَ ليس هو المجنون بعينه صحيح، ولكنَّ الإِمام لم يرد خصوص الجُنُونِ، ولا غرض له فيه؛ لأن الشَّارع كما أسلفناه إِنَّمَا ربط الحكم بعدم التَّمييز، فأراد الإِمام: أَنَّ الصَّغِيرَ الَّذي لا يميز لا وجه لذكر صغره؛ لأن عدم التَّمييز كافٍ في إِشارة الحكم، وسمَّاه المجنون بعينه توسعًا، ويظهر ذلك بتأَمُّل كلامه كما أوضحناه.\nقَوْلُكُمْ: فإِذَا اتَّصَفَ الصَّغير بعدم التَّمييز فَعَلى مَنْ يُحالُ حكمُ الولاية؟ قلنا: يُحال على أقواهما، وإنْ لم يكن أقوى جعلناهما جزءين، وثبوت الاستقلالِ حالة الانفراد لا يمنع كونهما جزءين حالة الاجتماع، كما أسلفناه، وقولكم: فكُلُّ ما ذكره في منع التَّعليل بعلَّتَيْن غير صحيح - دعوى لا دليل عليها، وقولكم في القرابة: ليس ما ذكره على إِطْلاقِهِ، وإِنَّمَا ذلك إِذَا كانت إِحداهما أقرب. قلنا: سبحانَ اللهِ، \"وقد صرَّحَ الإِمَامُ بهذا، وصورة ابني العم الَّتي ذكرها مشتملة على هذا، ثمَّ نقول: قولكم: من ابْنَيِ العمِّ أحدهما أخ لأم يرث بالقرابتين؛ لأَنَّ البعيد نَزَّلَهُ الشَّرع منزلة القريب لا لاجتماعُ علَّتين؛ قلنا: بجهتين جهة الفرض، فيرث بها السُّدس، وجهة التَّعصيب، فيرث بها نصفَ الباقي، فليس هنا اجتماع وصفين على موصوف واحد، بل اجتماعُ وصفين على موصوفين، وليس ممَّا نحن فيه في","vol":"4","page":266},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nشيْءٍ، وعند هذا أَقُولُ: لعلَّ مرادَ الإِمام أَنَّ ابْنَ العمِّ إِذا كان أخًا لأم يأخذ المال كُلّهُ لكونه أقرب، ولا يأخذُ الآخر شيئًا، وهو قولٌ للشَّافعي ﵁ ويدلُّ على أَنَّ هذا هو مراد الإِمام قوله: قالوا: القربُ الأقرب يعدم أَثَرَ القرب الأبعد حتَّى كأنه ليس قربًا، وإِنَّمَا يعدم أثره إِذا لم يورثه به شيئًا، أَمَّا إِذا ورثه به فلم يعدم، فصورة ابن العم إِذَا كان أخًا لأم وتقديمه بجميع الميراث على ابن العم الآخر - على قول - هي مراد الإِمَامِ، وقد أعدموا فيها على هذا القَوْلِ حظَّ ابن العمِّ الآخر، وجعلوا قربه كَأَنَّهُ ليس بقرب، وإِرادة الإِمام لهذا أولى من إِرادته لما تخيله ابن الأنباري؛ إِذْ ليس ثمَّ اجتماع علَّتين على معلول واحد كما عرفت فإِن قلت: إِذا لم يكن ثمَّ اجتماعٌ على معلول واحد فلم لا تمنعون من فيه صفتا استحقاق في الزَّكَاةِ أن يأخذ بهما فإِنَّ المذهب الصَّحيح أَنَّهُ إِنَّما يعطى بأحدهما فقط؟\nقُلْتُ: ذاك لأَنَّ الله - تعالى - عطف المستحقِّين بعضهم على بعض، والعَطْفُ يقتضي المغايرةَ، فليس المنع من إِعْطَائِهِ بالصَّفتين مقتضيا لإِعمال علَّتين على معلولٍ واحد؛ لأَنَّهُ على تقدير القولِ به لا يأخذ شيئًا واحدًا بالصَّفَتَيْنِ، بل شيئين كلٌّ منهما بِصِفَةٍ كما عرفت، واعلم أَنَّهُ لو كان الخلافُ في أَنَّ تعليل الحكم الواحد بعلَّتَيْنِ جاريا سواء أكان ذلك الواحدُ واحدًا بالنَّوْع، أم واحدًا بالشَّخْصِ - كما أشار إِليه بعض الأُصوليين - اتَّجَهَ أَنْ يقال: الإِعْطَاء بصفتين والتَّوْريث بقرابتين قد يسندان إِلى ذلك، فإِنَّ ابن العمِّ مثلًا إِذا كان أخًا للأمّ، فيكونُ السَّبب في إِرثه الَّذي هو قدر مشترك بين إِرث الإِخوة للأم [وإِرث العصوبة - بسببين الإِخوة للأم] (^١) وبنوة العمّ، فيجتمعان على أصل التَّوريث، وإِنِ اختلفت صفة الوراثة باختلافهما، ولكنَّ الصَّواب أن الخلافَ مختصٌّ بتعليل الحكم الواحد بالشَّخص، وأَنَّهُ يسوِّغ تعليل الواحد بالنَّوْعِ بعلَّتين وفاقًا كما ذكرناه في صدر المسألة. فإِن قُلْتَ: بماذا ينفصلون عن الخُؤُولة والعمومة وعن البول والغائط؟ قلت: سبحان اللهِ، قد عرفت أَنَّا بسبيل من أَنْ نقولَ بتعدُّدِ الأحكام، ومن أن نقول بكونها أجزاء للعلَّةِ في حالة الاجتماع، وإِن استقلَّت في حالة الانفراد وغير ذلك ممَّا عرفت، ولا تزيد صورة الخؤولة والعمومة والرّضاع وغيرها ممَّا ذكره الغَزَالِيُّ كما حَكَيْنَاهُ عنه في صدر المَسْأَلَةِ - على صُورَةِ القاتل المرتدِّ، وغيرها ممَّا أوردناه إِلَّا بأَنَّهُ لا يظهر أثر الخُؤُولَةِ والعمومة؛ لعدم افتراق أَحكامهما، فمن هذا: ظنّ أَنَّ الحكم يتَّحدُ فيهما، وأَنَّهُ لا يمكن القولُ فيها بتعدُّدِ الأحكام كما سبق، والظَّاهِرُ أَنَّ القولَ\n_________\n(^١) سقط في جـ.","vol":"4","page":267},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\nبتعدُّدِ الأحكام فيها أيضًا ممكنٌ، وعدم تخالف الآثار لأَمْرٍ اتِّفَاقي لا للاتِّحادِ، ولقد تعدَّى شَارحُ البرهان ابن الأنباري طوره فقال: \"المصير إِلى أن القتل الواجب بالقتل، يعدم بعدم القتل وَإِنَّمَا الواجب عند عدم القتل قتل آخر\" خيالٌ ضعيف؛ فإِن استحقاق الدَّم قضية واحدة معقولة، لا تعدُّدَ فيها انتهى، وفد عرفت فيما مضى أَنَّ الحقَّ أَنْ ثمَّ استحقاقين، وأَنَّ الضعيف خياله هو لا خيال إِمام الحرمين، وأَنَّ قول إِمام الحرمين: القتل الواجب بالقتل، وَإِنَّمَا الواجب عند عدم القتل قتل آخر، ولكن المحلّ يضيق عن القتلان، ويفوت بإِيقاع واحد منها - صَحِيحٌ لا غبار عليه، ثمَّ قال ابْنُ الأَنباري: ولكن هذا الخيال يتأتى له في هذا، فما الجواب إِذَا وجد البولَ، وفقدَ الغائط، أو بالعكس بالإِضافة إِلى انتقاض الطَّهارة، فهل يُتَصَوَّرُ أَنْ يقال: وجوب الوضوء المرتَّبِ على البول يفوت، وَإِنَّمَا الثَّابِتُ: وجوب آخر مرتب على الغائط؟ هذا مُحَالٌ لا يقوله لَبِيبٌ: انتهى.\nوقد عرفت أَنَّه الحق ولا استحالة، وعدم تصوره إِيَّاهُ يدلُّ على ضعف خياله، ثمَّ اعترض على الإِمام حيث قال: التحريم بالحيض والإِحرام والرّدة والعدة بأَنَّ الردَّة لا تجامع الإِحرام شرعًا، وقد تكلَّمْنَا في هذا كما في صورة الصَّوْمِ، والحيض، ولا مشاحة في الأمثلة، وقد بان لك هوان الخُؤولة، والعمومة، والبول، والغائط، والمس، واللَّمس، وأَنَّهُ لا عسر فيها على خلاف دعوى ابن الأنباري السَّابق حكايتها عنه، ولقد تكرَّر من كلماتنا في إِدراج هذه الجملة ما يَدْرَأُ هذه الخيالات أجمع، ثُمَّ إِنَّا نسألُ ابنَ الأنباري هنا قائلين ماذا تقولُ في رجلٍ قال لامرأته الَّتي يملك عليها الطَّلقات الثَّلاث: إِن كلّمتِ رجلًا فأنْتِ طالق، وإِن كلّمت أسود، فأنت طالق، وإِن كلَّمتِ طويلًا فأنت طالق، فكلَّمت رَجُلًا جمعت له الخلال الثَّلاث؛ فإِنَّهُ لا محالة في وقوع الثَّلاث عليها، ولو أَنَّهُ لا يملك عليها غير طلقة واحدة وقال هذا الكَلامَ لمجموعه، فكلَّمَتْ هذا الجامع الصِّفات كلها لم يقع إِلا طلقة بلا ريبٍ، وانتفاء الطَّلقتين ليس إِلَّا لضيق المحلِّ بلا ريب؛ بدليل تأثيرها إِذا لم يضق المحلّ، ومدفوع الواحدة لا يصحُّ استناده إِلى كُلِّ واحدة بمفردها؛ لأن المطلق جعل كُلَّ صفةٍ علةً مستقّلة موجبًا لطلقة واحدة مغايرة للطَّلْقَةِ الَّتي توجبها الصِّفَةُ الأخرى، فلا يتأتى مخالفته، وهو ذو الإِنشاء، وجعل الطَّلقة مستندة إِلى غير ما أسنده هو إِليها، ولا سبيل إِلى دفع الواحدة، فليس غير جعل الوقوع مستندًا إِلى أحد الأوصاف لا بعينه، وهو رأي بعض القائلين بامتناع التَّعليل بعلّتين، أو القول بأَنَّ الأوصاف أجزاء للعلَّةِ، وهو المذهب الآخر لهم. لا يُقَالُ: فذو الإِنشاء المعلّق لم يجعل كُلَّ صفة إِلا علّة مستقلَّة، فكيف جعلتموها","vol":"4","page":268},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأنتم جزء علَّةٍ؟ نقول: لأنا نقول: جعلنا إِيَّاها جزء علَّة لا ينافي استقلالها كما عرفت في خلال الكَلامِ؛ فإِنها تعرف مَنْ لم يعرف إِلَّا بها، وهي بالنِّسْبَةِ إِليه مستقلَّة، فمن عرف أَنَّهَا رأت رجلًا قضى عليها بالطلاق، وإِنْ لم يعرف بسواده، ولا طوله، والعلَّة عنده رؤية رجل، وعند العارف بالخلال كُلهَا المجموع، فهذا [مُتأتٍ] (^١) لنا ثانيًا لا إِشكال فيه، وهذه الصُّورَةُ عسرة على ابن الأنباري وغيره ممن يُجَوِّزُ اجتماعَ علَّتَيْنِ مستقلَّتين ينشأ الحكم عنهما على وجه الاستقلال لكلٍّ منهما، ولا انفصال لهم عنها، وما أبدوه من الصُّوَرِ ليس فيه شيْءٌ من العسر وللهِ الحَمْد، فإِن قُلْتَ: ما تقولونَ فيما إِذَا شرط في العَقْدِ ما يوافق مقتضاه كقوله في عقد الرَّهْنِ: بشرط أَنْ يُبَاعَ في حقِّكَ، فإِنَّ القاضي أَبَا الطّيِّبِ. والماوردي، وغيرهما من العراقيين قالوا: لا يلغو الشَّرط بل يفيدُ تأكيد ما يقتضيه العقد، وعبارة المحاملي في المجموع: كان الرَّهن صحيحًا والشَّرط صحيحٌ.\nقُلْتُ: قد قال الإِمامُ والغزاليُّ في البيع والرَّهْنِ: إِنَّهُ لغو، وعلى هذا سقط السُّؤَال، وأَمَّا على القول بِأَنَّهُ صحيح مؤكّدٌ فنقول: الاشتراط عِلّةٌ أفادت مزيدَ القُوَّةِ، وقضيةُ العقد علَّة أفادت أَصْلِ الحكم، فلم يتوارد علَّتان على معلول واحد؛ لأَنَّ عقد الرَّهْنِ مثلًا أفاد البيع في الوفاء، واشتراط ذلك أَفَادَ تأكيد البيع، وتأكيد البيع غيره، ونظير المسألةِ تدبيرُ المستولدة، وقد سبق، والصَّحيحُ إِلغاء الشَّرط والحالة هذه كما ذهب إِليه الإِمامُ والغزالي معًا؛ لأنَّ شرط مقتضى العقد لا يضرُّ العقد، ولا ينفعه وقال الإِمَامُ: الشَّرْطُ هو الَّذي يقتضي زيادة على مقتضى العقد، وصرحا في الرَّهن بأَنَّهُ لغو. فإِنْ قُلْتَ: لنا في اليمينين إِذا حنث الحَالِفُ فيهما بفعل واحد، كما إِذا حلف لا يأكل خُبْزًا، وحلف لا يأكلُ طعام زيد؛ فأكل خبزه خلاف في أَنَّهُ هل يجبُ كفارة، أو كفارتان، فعلى القَوْلِ باتِّحَادِ الكفارة، وجد حانث حنثا واحدًا بيمينين، والدَّليلُ على وحدة الحنثِ اتحاد الكفَّارة، ولو تعدَّدَ لَتَعَدَّدَتْ؛ إِذْ لم يضق المحلّ عن إِيجاب كفَّارَتَيْنِ فأكثر. قلْتُ: إِنَّمَا وجد حنث بيمين لا بيمينين، وبها يتخل اليمين الأخرى، فيخيل من انْحِلالِ اليمين الأخرى اجتماع يمينين، وليس كذلك وهذه كلمات أوردها إِمام الحرمين، ولا نرى إِخلاء هذا المجموع عنها فنحكيها، ونتكلَّمُ عليها بحسب ما ييسره اللهُ تعالى:\n_________\n(^١) في ج: إِثبات.","vol":"4","page":269},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقال: العِلَّةُ المعنويَّةُ إِذَا اطَّردت؛ فإِنَّها كما تشعر بالحكم في اطرادها قد تشعرُ عَدَمَهَا بِعَدَمِ الحكم على حال، ولكن لا يبلغُ إِشعار العدم بانتفاء الحكم مبلغ إِشعار الوجود بالوجود، وسبب ذلك أَنَّه لا يمتنعُ في وضع المعاني أَنْ يناط الحكمُ بعلل تجوُّزًا إِنْ كُنَّا ادَّعينا فيما تقدَّم أَنَّ ذلك غير واقع، وأَنَّ ما ظنه الخائضون في هذا الفنِّ تقدَّم حكمًا معلّلًا بعللٍ في التَّحقيق أحكام، وهو كقولهم: تحريم المحرّمة الصَّائِمَةِ المعتدّةِ الحائض معلّل بهذه العِلَلِ المُزْدَحِمَةِ، وقد ذكرنا أَنَّ كُلَّ قضيَّةٍ من هذه القضايا توجب حكمًا مغايرًا لحكم القضيَّةِ الأُخْرَى، فلن يعدم الآنس بالفقه استمكانًا من تقدير التَّعَدُّدِ في الواجبات بوجوهٍ ترشد إِلى التَّغَايُرِ والاختلاف، وقد يظن الظَّان في هذا المقام أَنَّ المسئول إِذَا فرض الكلام في طرف من أطراف المسألة لغرض، وإِيضاح كلام، فصورة الغرض تختص بعلَّة، ويشملها مع سائر الأطراف علَّة عامة، وإِذا كان كذلك فقد علَّلَ الحكم في هذا الطَّرف بعلَّة خاصَّةٍ، وحينئذٍ هي مقصود الفارض، وعلَّة عامَّة. وهذا على حسنه غير صاف مِنَ القَذَا والكدر. \"انتهى\".\nوحاصل كلامه أنَّهُ يورد أسئلة رُبَّمَا يخيل للناظر فيها اجتماع علَّتَيْنِ ثُمَّ ينفصل عنها بدع الاجتماع، فذكر مسائل الفرض، ومعنى الفرض من حيث الجملة أَنْ يشتمل سؤالُ السَّائل صورًا، فيفرض المجيب الكلام في بعضها كصورةٍ واحدة منها، فيدلُّ عليها، ويستفاد من الاستدلال الجواب عن سائر الصُّوَرِ المندرجة تحت السُّؤَالِ، وهذا شائعٌ في أبواب الجَدَلِ، وقد يَتَعَلَّقُ به كثير غرض؛ أَمَّا لضبط الكلام ودفعه عن الانتشار، فإِنَّهُ في القليل من الصُّوَرِ أقلُّ انتشارًا مِنْهُ في الكثير، وأَمَّا أن تلك الصُّورَة الّتي فرضها يندفع عنه فيها أسئلة لا تندفع لو ذكر سواها، ومثال ذلك إِذَا سئل عن نفوذ عتقِ الرَّاهِنِ ففرض كلامه في المعسر، فهذا فارض كلامه في صورة شملها السُّؤَال، وإِذا عرفت هذا، فقد يتخيّل منه اجتماع علَّتين؛ لأَنَّهُ إِن لم يكن محلّ الفرض ممتازًا بوجه ما عن بقيَّةِ الصُّوَرِ لم يكن لفرض الكلام فيه معنى، وإِنْ لم يشارك بقيَّة الصُّوَرِ في معنى يقتضي الحكم لم يكن إِلى التَّعميم سبيل؛ فلزم من ذلك أَنْ يكون ممتازًا عن بقيَّة الصَّوَرِ، بمعنى أوجب للفارض أَنْ يفرض الكلامَ فيه، ومشاركًا في معنى يقتضي الحكم، فتكون ذا معنين:\nأحدهما مختصٌّ بمحل الفرض وبقيَّة الصُّوَرِ، ولذلك صحَّ عمومُ الحكم وشموله، وهذا وجه يخيل لزوم تعليل الحكم بعلَّتَيْنِ، وهو معنى قول الإِمَام فقط علَّل الحكم بعلَّةٍ","vol":"4","page":270},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nخاصة، وهي مقصود الفارض، وأُخْرَى عامّة، وهي الَّتي صحَّ لأجلها تعميم الحكم، وقوله: وهذا على حسنه غير صافٍ عن القذى والكَدَرِ صحيح؛ فإِنَّ المكان مشكل، وعبارته في \"البرهان\" مشكلة، وأصعب من ذلك أَنَّهُ أَراد الإِيضاح، وافتتح بمثال لا يطابق، فازداد الإِشْكَال، ولهذا إِنِّي هنا أحاول إِيضاح كلامه وحلّه، ثمَّ قال: وأَنَا أضربُ في ذلك أَمْثِلَةً توضِّحُ الفرض فأقول: إِذَا قدم الغاصب إِلى إِنسان مضيفٍ طعامًا مغصوبًا فأكله المضيفُ ظانًّا أَنَّ الطَّعَامَ ملك المقدم المضيف، فقرار الضَّمَانِ في قول الشَّافعيّ على المقدم، ومعتمد هذا القول تقرير التغرير، وكون الغرور مناطًا للضَّمَانِ، وقد قال أَبُّو حنيفة: لو أكره الغاصبُ إِنسانًا على تَنَاوُلِ ذلك الطَّعام، فالقرارُ على الطَّاعِمِ وإِنْ كان مجبرًا مكرهًا كما إِذا كان مختارًا في التناول، وإِذا فرض الفارض الكلام في صورة الإِكراه، فهذه الصُّورة لا يجري فيها عموم التَّعليل بالتغرير؛ إِذ الاختيار يُنَافي الاغترار، ومن ضرورة الاغترار فرض اختيار في المغرور مع استناد اختياره إِلى اغتراره، فأَمَّا المجبر المكره، فلا يتصوَّر بصورة مغترٍّ، وإِن فرض منه ظن، فليس ذلك الاغترار المعتبر، فهذا النَّوْعُ من الفرض غير مرضٍ من جهة أَنَّهُ مجانب لمحلِّ السُّؤَالِ أوّلًا، والفرض المستحسن هو الواقع في طرف يشتمل عليه عموم سؤال السَّائل، وذلك محمول على استشعار انتشار الكلام في جميع الأطراف، وعدم وفاء مجلس واحد باستتمام الكلام فيها، فإِذا فرض المجيب في طرف فيستفيد بالفرض فيه التَّقريب على قرب، وهاهنا تعرض المجيب للكلام فيما لم يشتمل عليه سؤال السَّائل لم يكن في الكلام وجه إِلَّا البناء؛ إِذْ له أَن يثبت كلامًا في غير محلِّ السُّؤَالِ، فليس من فَنِّ الفَرْضِ، وَإِنَّما هو بناء، ولستُ أَرَى للبناء في المسأَلَةِ الَّتي فرضناها وجهًا أيضًا؛ فَإِنَّهُ إِذا ثبت أَنَّ الضَّمَانَ لا يستقرُّ على المكره، فكيف يبنى عليه عدم القرار على المُخْتَارِ الطَّاعم، ولا معتمد في التَّقْرِير على المختار إِلا الاغترار، وهو مفقودٌ في الإِجبار، وشرط البناء جمع فقيه بيّن ما عليه البناء، وبين محلّ السُّؤَالِ. نعم [أساء] (^١) أبو حنيفة إِذ قرَّر الضَّمان على مَنْ لا اختيار له إِساءةً لا ارتباط لها لآخذ الكلام في صورة الغُرُورِ. \"انتهى\". وإِيضاحه أَنَّ أبا حنيفة ﵁ يرتب الضَّمَان علي مباشر الإِتلاف دون المسبب، وإِنَّما دعاه إِلى هذا حكمه بأَنَّ المكره على القتل يتوجَّه عليه القصاص دون المكره، وجعل المكره بكسر الراء في معنى الآلة، ولذلك أسقط عنه القصاص، وما ذكره في سقوط أثَرِ السَّبَبِ مع\n_________\n(^١) في ح: أشار.","vol":"4","page":271},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالمباشرة فقه إِذِ السبب أضعف، ولكن مصيره إِلى أن المكره كالآلة ضعيف مع توجه النَّهي نحوه، إِذَا عرف هذا المأخذ فقال أَبُو حَنِيفَة: الآكلُ يضمنُ لمباشرته، ولا ضمان على الضار؛ لأَنَّهُ متسبب، وقال الشَّافِعِيُّ: الضَّمَانُ على المقدم الضار، فإِنَّ التَّغرير من أسباب الضَّمان، فإِذا سُئِلَ الشَّافعيُّ عن ضمان المغرور، وقضى بأَنَّهُ لا ضَمَانَ عليه فطولب بالدَّلِيلِ فقال: أفرض الكلام في المكره، فهذه الصُّورَةُ لا تَصْلُحُ للفرض، فَإِنَّا قد بَيَّنَّا أَنَّ الفرض إِنَّمَا يكونُ عند شمول السُّؤال صورًا يفرض المجيب الكلام في بعضها لغرض له في ذلك.\nأَمَّا إِذَا كان الَّذي فرض الكلام فيه ليس يندرج تحتَ سؤال السَّائل، فهذا انتقالٌ إِلى مسألةٍ أخرى، وإِضراب عن محلِّ السُّؤال، وذلك لا يقعُ في أبواب الفرض بحال؛ لا يقال: إِنَّ الإِضراب عن السُّؤَالِ لا يتحقَّقُ؛ فإِنَّ المكره يصحُّ أن يعتقد أَنَّ الطَّعَامَ ملك المكره، ويكون أَيْضًا مغرورًا، وإِذا صَحَّ أن يكون مغرورًا؛ فقد اندرج تحت السُّؤَالِ؛ فإِنَّ السؤال: هل يضمن المغرور [أَوْ لا؟ لأَنَّا: نقول المفهوم من المغرور] (^١) أَنَّهُ لم يدعه إِلى الإِقدام على الأَكْلِ إِلَّا الضَّرورة، ومن ضرورة الاغترار بقاء الاختيار، والاختيار يُنَافِي الإِجْبَارَ، وهذا لا يتحقَّقُ معه الاغترار فإِنْ فرض من المكره ظَنّ على بعد؛ فليس هو الحامل على التَّنَاوُلِ، وَإِنَّمَا جاء أمرًا اتفاقيا لا أثر له في الحُكْمِ بحالٍ، وإِلى هذا أشار الإِمَامُ بقوله: وإِنْ فرض منه ظنّ؛ فليس ذلك الاغترار المعتبر، وإِذا لم يصحّ أَنَّهُ مغرور غرورًا حمله على التَّنَاوُلِ تعيَّنَ أَنَّ الحامل الإِكراه، وهو مفقود في المغرور، فلا يلزمُ من سقوط الضَّمَانِ عن المكره سقوطه عن المختار ذي الغرر، فلا يصحّ أن يقع هذا في أقسام الفرض بحال؛ إِذِ الفَرْضُ المستحسن توجه الكلام نحو طرف يدخلُ تحت سُؤَالِ السَّائِلِ كما عرفت. هذا تقرير كلامه إِلى قوله: ومهما تعرض المجيب.\nواعْلَمْ أَن المذهب الصَّحيح المشهور في الجديد أَنَّ قرار الضَّمَانِ في مسألة التغرير على الآكل دون المضيّف على خلاف ما ذكره الإِمام، ولكن جرت عادَةُ أصحابنا في مسائل الخلاف أَنْ ينصروا القولَ المرجوح إِذَا كان الخصم يدعي أَنَّهُ في غاية السُّقُوطِ تبينا لقوله على الجملة، وأَنَّهُ منقاس وإن كان الأَصَحُّ مقابله، ومرادهم بهذا تأييد أقوال الشَّافِعِيِّ وأنها جميعًا جارية على منهاج القياس، وإن كان بعض الأقيسة أجلي وأوضح من بعض، وأَنَّهُ ليس في أقواله ما يدرؤه النَّظَرُ بالكليَّة ويسجل عليه بضعف البصيرة فيه، وكذلك في كُتُبِ\n_________\n(^١) سقط في ج.","vol":"4","page":272},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\nالخلافيَّاتِ نصروا هذا القَوْلَ مع اعترافهم بصَّحةِ مقابلته، ومرادهم بنصرته ما ذكرناه، وينبغي أَنْ نقرّ عبارة الإِمام هنا في قول الشَّافِعِيِّ، ويكونُ لفظ \"قول\" منونًا مع التنكير، ولعلَّهَا عبارته، وإِنَّمَا الأولى من اللَّامين في قولنا: للشَّافِعِيِّ افترقت مع أختها، فتوهمت الفاء، وقد شرح ابن الأنباري شارح \"البرهان\" المسألة على أَنَّ مذهب الشَّافِعِيِّ أَن الغرار على المقدّم، وليس كذلك، وإِنَّمَا هو قول ينصر في كتب الخلاف للبحث، ويتبين أنَّهُ منقاسٌ على الجملة، وقد نصره الإِمامُ في \"الأَساليب\" مع تصريحه ثَمَّ بأن ظاهِر القِيَاسِ خلافه، وإِذا قرأت عبارة الإِمام في \"البرهان\" على ما ذكرناه جريت على سبيل الحقِّ عند أصحابنا، فإِنْ قلت: فقد وافقتم أَبَا حنيفة في النَّظَرِ إِلى المُبَاشَرَةِ دون السَّبَبِ.\nقُلْتُ: أبو حنيفة ﵁ كما قدَّمْنَاهُ يجعل المتسبب كالآلة، ونحن لا نوافقه في هذا؛ إِذْ هو مَأْثُومٌ ومطالبٌ أيضًا وإِن لم يكن الغرار عليه، ويجبُ عليه القصاصُ كما يجب على المكره. فإِنْ قُلْتَ: فلكم قولان في إِيجَابِ القصاص على المكرَهِ - بفتح الرَّاء - مشهوران وإِنْ كان أَصَحَّهُمَا الوجوب، والمذهب إِيجابه على المكره بكسرها، وفيه قول ضعيف جدًّا أضعف من القول بعدم الإِيجَابِ على المكرَه بفتح الراء، وهذا منكم تقديم للسَّبَبِ على المباشر. قُلْتُ: المباشرةُ والسَّبَبُ إِذَا اجتمعا، فقد تغلب المباشرة على السَّبَبِ بأن رَمَاهُ من شاهقٍ، فتلقَّاهُ رجل بالسَّيْفِ، وقدَّهُ نصفين وهنا يصير السَّبَبُ مغلوبًا، وتختص المباشرةُ بالقصاص، وقد ينعكس الحال فتصيرُ المباشرة مغلوبة، وذلك بأَنْ تخرجها عن كونها عدوانًا مع توليده لها مثل: إِنْ شهدوا عليه بما يوجبُ الحَدَّ فقتله القاضي، أو جلده، فالقصاصُ على الشّهُودِ فقط، وقد يتعادلان كالإِكْرَاهِ، فالقصاصُ عليهما على المذهب، والسَّبب أولى هنا بوجوب القصاص وإِنِ اشترك في أصل الوجوب، وإِنَّمَا كان السَّبَبُ هنا أولى؛ لصيرورة المباشرة معه كالآلة.، فضعيف بالنِّسْبَةِ إِليه، وإِنْ لم يكن كالآلة مِنْ كُلِّ وجْهٍ؛ بدليل قيام الإِجْمَاعِ على أَنَّهُ مأثوم، وأيضًا فإِنَّهُ قدم هوى نفسه وإرادة بقائها على نفس غيره مع اشتراكهما في أصل العِصْمَةِ، وكان من المستحسن المأمور به بذلها والحالة هذه، فَلَمَّا لم يفعل ذلك نَاسَبَ مؤاخذته، فالقَائِلُ بأَنَّهُ لا يجب عليه القِصَاصُ صيره كالآلة من كُلِّ وجه، والحقُّ خلافه لما ذكرناه، ولكنَّهُ تقاعد عن رتبة الأمر، ولولا أَنَّ حقيقة المباشرة من حيثُ هي مقدّمة على حقيقة السَّبَبِ من حيث هو لما ساويناه به، فهو إِن تقاعد عنه بالوجه الَّذي أبديناه، فقد ساواه من هذا الوجه، ولم يصلْ به هذا الوجه إِلى أن يُسَاوِيه من كُلِّ","vol":"4","page":273},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوجه، بل وصل به إِلى المُسَاوَاةِ في أصل وُجُوبِ القِصَاصِ، لا في أَنَّهُمَا بالنِّسْبَةِ إِليه على حدٍّ سواء، فافْهَمْ ما يلقى إِليك!. وإِذَا عرفت ذلك فَلَمَّا كانت مؤاخذة كلٍّ من المُكْرِهِ والمكْرَه بالقِصَاصِ ممكنة؛ لأَنَّ من أصولنا قتلَ الجَمَاعَةِ بالواحد عند الاشتراك، وهذان كالمشتركين، وهما آثمان - أوجبنا القِصَاصَ عليهما، وهذا لا يتأتى لنا في ضمان المتلفات؛ لأَنَّهُ لا سبيل إِلى إِيجَابِ بديلين عن متلف واحد، فَأَوْجَبْنَا بدلًا واحدًا، ومكّنا صاحبه من مطالبة كُلٍّ منهما، ولكن جعلنا القَرَارَ فيه على واحد ثُمَّ نظرنا، فوجدنا المباشرة فيه في مسألة التَّغرير مختارًا، وقد اتَّصلت به المنفعة، فَأَلْقَيْنَا عِبْءَ القرار عليه، وما ذلك إِلّا لأَنَّ حقيقة المباشرة تغلبُ حقيقة السَّبَبِ، ولم يعارضها هنا ما يصيرها مغلوبة، ولو أَنَّ المباشر مُكْرَهٌ لا اختيار له: كمن أُكْرِهَ على إِتلاف المال، لكان القرار على المكره المتسبب؛ لضعفِ المباشرة بالنِّسْبَةِ إِليه جدًّا، فإِنَّهُ إِذَا أكره أنتج له الإِتلاف، وضعفت مباشرته مؤاخذة، وما أبديناه هو الصَّحِيحُ في المذهب، ووراءه خلاف لا يخفى، وأخذه إِذَا فهم ما قَدَّمْنَاه، فعن القاضي أَبِي الطَّيِّبِ أَنَّ الضَّمان في مسألة الإِكراه على الإِتلاف، فيقرر عليهما، وأَنَّهُمَا يجعلان كالشَّريكين كما في الإِكراه على القتل، وفي وجه آخر أَنَّ الضَّمَانَ على المكره المتلف دون المتسبب بخلاف القِصَاصِ؛ فإِنَّهُ عظيم الخطر، فأوجزنا فيه كلًّا منهما، ولنا قول مشهور في مَسْأَلَةِ الغرور أَنَّ الضَّمَانَ يستقرُّ على الغار، وهو ما عزاهُ الإِمَامُ إِلى الشَّافِعِيِّ كما عرفت، وناظر عليه في كِتَابِ \"الأَسَالِيبِ\" مع اعترافه فيه بأَنَّ ظاهر القياس مقابله، فإِنْ قُلْتَ: إِذَا مهدتم في التغريرات القرار على الطَّاعم، فلم قلتم فيمن غَرَّ بحريَّةِ أَمَة: إِنَّ قرار قيمة الولد على الغار هذا هو المَذْهَب الصَّحِيح؟\nقُلْتُ: لأَنَّ الزَّوْجَ لم يوجد منه شَيْءٌ إِلا التَّسَبُّب إِلى وجود الولد، فَأَمَّا انعقادهُ حُرًّا فمن أثَرِ الغُرُورِ المحضِ، فكان الرُّجُوعُ على الغَارِّ به، بل لنا قول حَكَاهُ الحناطيُّ أَنَّهُ لا يطالب المغرور أصلًا؛ لأَنَّهُ معذور، وَأَمَّا على صورة الغُرُورِ بِالطَّعَامِ لِلضَّعِيفِ، فَالْغَاصِبِ، وإن غَرَّ، ولكن المتلف الضّيف، فكان الغار متسببًا والضّيف مباشرًا، والمباشرة تغلب السَّبَب هنا كما قدّمته، فإِن قُلْتَ: لو قدمَ الطَّعَام المسمومَ، أو دعا الضَّيْف إِلى داره وفي دهليزها بِئْر، الغالب أَنَّ الدَّاخِلَ يمرُّ عليها إِذَا أتَاهُ؛ فأكل، أو أَتَاهُ غير عالم بالحال هل يجب القِصَاص، فإِن قلتم بالوُجُوبِ، فقد قدَّمتم السَّبَبَ على المباشرة؛ لأَنَّهُ الَّذِي باشر هلاك نفسه، ومع ذلك أوجبتم القِصَاصَ على الغارِّ؟ قُلْتُ: في ذلك قولان:","vol":"4","page":274},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأَحَدُهُمَا: المنع، وهو ما ذكر الرَّافعي أَنَّ الإِمام وغيره مال إِلى ترجيحه، وأَنَّهُ قياس مسائل التَّغرير، وعبر عنه النَّوَوِيُّ في متن \"الرَّوْضَةِ\" بلفظ الأَظْهَرِ، وعلى هذا سقط السُّؤَال.\nوالثَّاني: الوُجُوبُ.\nقال الرَّافِعِيُّ: ورجَّحَهُ الرّويانِيُّ وغيره، وعلى هذا فلعلَّ الفرقَ أَنَّهُ لو لم يوجب القِصَاصَ فأَتت النَّفْسُ الَّتي يجبُ فيها القِصَاص، وذهبت من غير قِصَاصٍ، وآل الأمرُ إِلى أَنَّ مَنْ يريدُ قتل شخصٍ يغره، ويدبر بذلك القِصَاصِ عن نفسه، فأوجبنا لذلك القِصَاصِ، وهذا لا يتأتى في إِتْلافِ المال؛ فإِنَّهُ إِذا لم يجب على الغَارِّ؛ وجب على المغرور، فلا يضيعُ المالُ على وجه صاحبه، وهنا لا سبيل إِلى أَنْ يجب للمقتول على نفسه القِصَاص، ولا إِلى ضياعها مع وجود مَنْ يمكن الحوالة عليه، واعتدائه بإِتْيَانِهِ بفعل يوقع في الهَلاكِ غالبًا كالإِكراه، وهو التغْرير، ولهذا المعنى ضعف ينزلها عن درجَةِ السَّبب، فلاحَ لك بهذا أن المكرِهَ - بكسر الراء - أشد حالًا من المكرَه بفتحها، ولمَّا شارك المأمور في باب القِصَاصِ في الإِثْم ألحقْنَاه به في إِيجَاب القِصَاص، ولمَّا فارقه في الإِتلافَاتِ حيث أُبيحَت له، لم يلْحَقْه به في الضَّمَان، نحن مضطَرون إِلى عدم إِلحاقِهِ أيضًا؛ إِذ إِلحاقُهُ به في قرار الضَّمَان يؤدِّي إِلى إِيجاب عِوَضَيْن عن معوَّض واحد، بل ولم يلحقْهُ به من أصل المُطَالبَةِ على وجه ذَهَبَ إِليه بعض أصحابِنَا، قال: لأنَّه أقدم على مُبَاح له، فكيف تتَّجِهُ مؤاخذته والطلبة؟! فَسَّرَ القائل الأوَّل من فوات النَّفْس مجَّانًا؛ وقال: تجب الدِّية على الأصحِّ، وإِن قلنا: لا يجب القِصَاصُ؛ خَوْفًا من فوات النَّفس مجَّانًا، فإِن قلت: فالصَّحِيحُ أنَّه إِذا قدمَ الطَّعَام الْمَغْصُوب إِلى مالِكِه، فأكله جاهِلًا يبرأ الغاصِبُ من الضَّمَان، وهذا تَفويت لمال المالك من غير بَدَل.\nقلت: لأنَّه انتفع وأكله، وذلك هو الْبَدَل، فأنَّى يستَوِي هذا والمغرورُ بقَتْل نفسه؛ وقد أَطَلْنَا فيما هو كالدَّخِيل فيما نَحْنُ فيه، فلنَعُدْ إِلى ما كُنَّا بِصَدَدِه من النَّظَر في كلام الإِمَامِ فنقولُ: وأَمَّا قوله: \"وَمَهْمَا تعرَّض المجِيب إِلى آخِره\" فمرادُهُ أَنَّهُ إِذَا تَقَرَّرَ أن من سُئِل عن ضمان المغرُورِ، فأخذ صُورَة الإِكراه، وفرض الكلام فيها - لم يكن كلامُهُ في صورة يشْملُهَا محلُّ السُّؤال، وإِنَّما ذلك بناء، والبناءُ هو أَنْ يأخذ المجيب صورةً لا يَشْمَلُها محلُّ السُّؤَال، ليبنيَ عليها موضعَ السُّؤَال ويتوصَّل بتقريرها إِليه يُسمَّى مَنْ فعل ذلك بانيًا وممهدًا ويسمى الفعلُ بناءً وتمهيدًا، وللبناء صورتَان:\nإِحداهما: أنْ يكون محلُّ النِّزَاع فرعًا لمسألةٍ منصُوصٍ عليْهَا، فيفتقر المُسْتَدِّلُ إِلى فرض الكلام في الأصْل الَّذِي يُعْتبر محلُّ النِّزَاع به، فإِذَا نُوزع فيه أسنده إِلى التَّوقُّفِ، فإِذا","vol":"4","page":275},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nاسْتَفاض له الحُكْمُ فيه اعتبر المَسْأَلَةَ به، وهذا البناء مقبولٌ عند الجماهير، وقال بَعْضُ النَّاسِ: لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الأصْلُ متفَقًا عليه بين الخَصمَيْن،، وليس بشيءٍ.\nوالصُّورة الثَّانية: أن تكونَ فرعًا لمسألة لا نصَّ فيها، ولا يسلِّمها الخَصْم، فيفتقر المسْتَّدِلُ إلى اعتباره بغيره، ثُمَّ اعتِبَار مسألة النِّزَاع به، فقد اختلفوا في صِحَّةِ هذا، وَالَّذِي أراه أَنَّه صَحِيحٌ، وللمستدِلِّ التَّوَصُّل إلى غرضِهِ بكلِّ طريقٍ، فإِنْ سلمت، وإلَّا قَامَ عليهما دليلهُ.\nوقوله: ولستُ أَرَى للبِنَاء وجْهًا، يريد أَنَّ المسْتَدِل لو أخَذَ جانبَ البِنَاء، فلا يجد به نَفْعًا، وَدَلَّ عليه بما أشَارَ إِلْيه من أن الضَّمان لو ثَبَتَ إنَّما يستقرُّ على المُكْرَه بفتح الرَّاءِ، فلا يَصِحُّ أن يبْنَى عليه عدم القرارِ على المُخْتَار الطَّاعِمِ. هذا كلامُ الإمَامِ، والمذْهَبُ الصَّحِيح: استقْرَارُ الضَّمَان على المُكْرِه - بكسر الرَّاءِ -، وهو الآمر لا المأمور، وقد ذكرنا هذا فيما تقدَّم، وما ذكره في حق أبي حنيفةَ لا يختصُّ به، بل يعُمُّ كلَّ من قال بمقَالَتهِ، وهو وَجْهٌ عندنا أَعنى: أَنَّ الضَّمان يجِبُ على المتلِفِ للمال، وإن كان مُكْرَهًا دون الآمِرِ المُكْرِهِ، وقد قدَّمنا حكايَتَه، وقولُ الإِمَامِ: لا اختيار له، فكيف يوجِبُ عليه الضَّمان؟! لك أَنْ تَقُولَ: ليس العِلَّة من انتِفَاء الضَّمَان مجرّد كَوْنه غير مُخْتَارٍ، بل عدمُ الاخْتِيَار مع أَنَّ الفِعْلَ مباحٌ له، وإلَّا فالمأمُور بالقَتْل عليه القِصَاص، وإنْ كان مُكْرَهًا، ثمَّ قولك: لا اختيارَ لَهُ رُبَّما يُفْهَم منه سَلْبُ القُدْرةِ بالكُلِّيَّة، وتنزيلُ الشَّخْص منزلةَ الآلة بالكُلِّيَّة، كما لو حُمِل الشَّخْصُ وأُلْقى على مال رجلٍ فأتلَفَه، وهذا لا يقول أحدٌ بصلاحيته للضَّمان، وإنَّما الكلامُ في المُكْرَهِ على الإتْلاف، وليس هو آلة من كل وجْهِ، ولا نعلم أحَدا ذَهَبَ إلى ذلك؛ وأمَّا ما نَحْنُ فيه فلا إسَاءةَ فيه، كيفَ ونحن نُوجِبُ ضمان المُتْلفات على النَّائِم والغَافِل وهو أبْعَد عن الاخْتِيَار من المُكْرَهِ؟ ثُمَّ قال الإمامُ ﵀: ونحن نَعْرِضُ صورةً من الفرض المُسْتَحْسَنِ يَتبَيَّنُ بها قصَارَى المقْصُودِ، فنقول: إذَا سألَ السَّائِل عن نفود عِتْقِ الرَّاهن، فَسُؤَالُهُ يعمُّ المُعْتِقَ المعسِر، والموسِرَ، فإذا رَأى المسئول فَرْضَ الكلامِ في المُعْسِر فمحمل كلامِهِ ينْدَرجُ تحت سُؤال السَّائِل، والفارِضُ يستفِيدُ بالفَرْض في المُعْسِر أمرين:\nأحدهما: دفعُ أَسْئِلة قد يَعْتَاص الجوابُ عنها على البكْم الذي لا تُطَاوِعُهُ العِبَارَةُ؛ فإنَّ من أسْئِلةِ الخصْمِ سريانَ العِتق إلى ملْكِ الشريكِ، فإذا كان يسْرِي سُلْطَانٌ إلى غير ملك المُعْتِق، فقد يبعد بنُوهُ عن محَلِّ ملكه مع صِحَّةِ عبارته، وإذا وقَعَ الفَرْضُ في المُعْسِر، فلا","vol":"4","page":276},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nيلزم في أطْرَافِ الكلامِ سريَانُ العِتْقِ؛ فإنَّ عتق المُعْسِر غير سارٍ على أصلِ الشَّافِعِيِّ ﵁ فهذه فائِدةٌ، وأعلى منها أَنَّ الخصْمَ قد يَتَمَسَّكُ في أطْرَاف الكلامِ في أن قيمة العبد في غَرَضِ الماليَّةِ نازلةٌ منزلةَ العبد، فليس الرَّاهِنُ المُعْتِقُ مفوتًا على المُرْتَهنِ غرضه من الاسْتِيثَاقِ بالماليَّةِ إذا أقام قيمةَ العبدِ رَهْنًا مقامه، وهو غير معترض على مَحَلِّ حقِّ المُرْتَهنِ، وهذا الفنُّ من الكلامِ لا حقِيقَة له، إِذْ ليس هو مذَهَب من يَنْقلُ عِتْقَ الرَّاهن، فإِنَّ عِتْقَهُ لا ينفذ عند من ينفذُهُ؛ لإِمْكَان إقامَةِ القِيمَةِ مقام المقومِ، بل سبب نُفُوذِه صِحَّةُ عبارتِهِ وثبوتُ ملكِهِ، فيسْتَفيدُ الفارِضُ يفرضه دفعَ هذا الكلام الواقِعِ فضلة لا أثَرَ لها، فليكن قصد المحققِ إِذَنْ فرض مثل ذلك. \"انتهى\". وهو واضِحٌ، فَإنَّ السَّائل إِذا سأل عن نفوذ عِتْقِ الراهن، عَمَّ سؤالهُ كلًّا من المُوسِر والمُعْسِر، فإذَا فرض المُجِيبُ الكلامَ في المُعْسِر، كان ذلك فَرْضًا صَحِيحًا، وقد يتخيَّل في هذه الصُّورةِ مَعنَيَيْن:\nأحدُهُمَا: يخصُّ محلَّ الفرضِ، ولذلك اختار الفارِضُ الفَرْضَ فِيه.\nوالثَّاني: يعمُّ الموسِرَ، ولذلك يَصحُّ أَنْ يعمَّ الحُكْمُ الصُّورَتَيْن جميعًا، وبيانُهُ في المِثال المَذْكُور: أَنَّ الرَّاهن إِذَا نَفَذَ عِنْقُه، وهو مُعْسِرٌ، فقد أبْطَل حَقّ المرتهن من المرهون نَفْسه، وهو أمرٌ مقصودٌ، وأبطل أيضًا حقَّه من المالية، وإِبطالُ حقِّ غير المرهُونِ هي العلة العامَّةُ؛ لأنَّها تَتَناوَلُ المُعْسِرَ والموسِرَ، وأَمَّا قَطْع الماليَّةِ فيختصُّ بِها المُعْسِرَ إِذْ لا قدرةَ لَهُ على قيمةِ المرهُونِ لقيمَها مقامَه، فإذا فرض الفارِضُ الكلامَ في المعسر استفاد الأمْرين اللَّذين ذكرهُما الإمام، وقوله: وهذا الفنُّ من الكلام لا حقيقةَ له - صَحِيحٌ، لما ذكره من أَنَّ القائل بنفوذ عِتْقِ الرَّاهن - وهو الحنفي - لا يقتل بالماليَّة، فيكون أخْذُهُما في الكلام فضلة لا وَجهَ لها، واعْلَم أن لِلشَّافِعِي ﵁ أقوالًا في نُفُودِ عتق الرَّاهِنِ، أصحُّها ثالِثُها، وهو التَّفْرِقة بين المُعْسِرِ والمُوسِرِ، ولكن القولَ الذِي ينصر في كُتُب الخِلافِ هو القَوْلُ بعدم النفوذ مُطْلَقًا، وعليه ناظر الإِمَامُ في \"الأساليب\" وأسعد المهيني في \"التعلِيقةِ\" وغيرهما، والحنفية يقولون بنفوذِهِ مُطْلَقًا، والمسألةُ بينَنَا وبينَهُمْ تدور على حَرْفٍ واحدٍ، وهو أَنَّ حُكْمَ الرَّاهن ماذا؟ فعندنا حُكْمهُ تعلُق الدين بالعين، وصَيْرُروَة المُرْتَهن أحَق ببيعها، وإذا تعلَّق الحقُّ بالعين فالعِتْقُ يلاقي العَيْنَ فيمتنع، وعِندْهم","vol":"4","page":277},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nحكمُ الرَّاهن إثبات يد المرْتَهن، وأمَّا العَيْنُ فخالِصَةٌ للرَّاهِنِ غير مَشُوبَةٍ بحقِّ الغير، فالعِتْقُ يلاقي العَيْنَ الحالِيَّةَ عن حقِّ الْغَيْرِ فينفذ فلم يَنْظُرِ الإمَامَان الشَّافعيُّ وأَبو حنيفة إلى معنى المالِيَّةِ، وإنَّما اعتمد على معنى قَطْعِ الماليَّةِ مالكٌ ﵀، ولم يلتفِتْ إلى عَيْن الرَّاهِنِ، وقال: ليس تعيينُهُ مقْصودًا لِنَفْسِه، بل الْغَرَضُ الوُصُول إلى المالِ، يحرِّرون عبارة فيقولون: مكلف أضافَ العِتْقَ إلى مملوكةٍ فَنَفَذَ، كما إِذا أعتق عَبْدَه المأذونُ والعبد الجاني والمكاتِب، وإِذا كان مَبِيعًا ولم يقْبِضْه، أو كان مُسْتأجرًا ثم يقولون: قولنا: \"مكلفٌ\" معنًى مؤثِرٌ؛ لأنَّه ينبئ عن كَمَال الحالِ وعدم الحجر وإطلاقِ التَّصرف، وذلك يقتضي صِحَّةَ التَّصَرُّف، بخلاف الصبي المَحْجُورِ عليه؛ لنُقْصَان رأيه، وكذلك قولنا: إضافة إلى ملكه؛ فإنه يُنْبِئُّ عن تمهيد المحلِّيَّة، فإِن تأثير المملوكِيَّةِ في إثباتِ المحلِّيَّة، فإِذا تقرَّرت الأهْلِيَّةُ والْمَحَلِّيَّةُ صحَّ العقدُ لهذا بسائر العقود الشرعية وسائر المحال الحِسَيَّةِ، يدل عليه أن الأهلِيَّةَ والمحلَيَّة إِذا تقررت اقتضَتْ إِطلاقَ التَّصَرُّف ما لم يمنع مانعٌ، ولا مانع هنا يقدر إلا يد المرتهن، واليد غير مُشْتَرطةٍ لنُفُوذِ العِتْقِ بدليل المكاتب والمأذُون، فإنَّهُما في بدأ نفسهما، والآبِقُ؛ إذ لا يدلُّ عليه شرعيَةٌ ولا حُكْمِيَّةٌ، وكذلك المَبِيعُ قَبْل قبضهِ، فإذا لم يشْتَرط من نفوذِ اليَدِ فلا مانع من النفوذ.\nوأمَّا أصحابنا فيقولون: تصرف يُبْطِلُ حَقَّ المُرْتَهنِ من العين فيبطُل كالبَيْعِ، وهذا صحيحٌ؛ فإِنَّ حقَّ المرتهن من العين لازمٌ لا يقدر الرَّاهِنُ على إِبطاله، ولهذا لو صرَّح وقال: أبطَلْتُ حقَّك، لا يَصِحّ، وهذه جملةٌ لا نِزَاع فيها، وهي أن الحق لازِمٌ إِذا تعلَّق بعين، فلا يجوزُ إبْطالَهُ قصدًا، إِنما الشأنُ في إِثبات كَوْنِ هذا التَّصَرُّفِ مُبْطِلًا لحقِّ المرتهن قصدًا، ويدلُّ له أن الرهن حقٌّ ماليٌّ تعلَّق بالعين، ولهذا يورثُ كما يورثُ أعيان الأموالِ، وإذا كان من حقوقِ الأموال والعِتْقِ إسقاطُ الماليَّة، فإسقاطُها بحقوقِها وتوابِعِها أيضًا، فإنَّه يجبُ عليه القيمةُ لهذا المرتهن، فلولا أنه أبطل حقَّهُ لما وجَبَ ذلك، فإنَّ من تَصَرَّف في خالِصِ ملْكِهِ وتعدَّى إِلى ملك غيره لا بقَصْد لا ضمانَ عليه، كمن حفرَ بِئْرًا من خالِصِ مِلكِه، وتعدَّى ذلك إلى دار جارِهِ فانهدمَتْ لا شيء","vol":"4","page":278},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nعليه، وكذلك من قتل مَنْكُوحه غيره لا يضْمَنُ قيمة بُضْعِها، لما كان القتل ملاقِيًا للدم الذي لا حَقَّ لِلزَّوْج فيه، فتأدِيَتُهُ إلى فوات حقه لا يوجب ضمانًا عليه، فينبغي أن يكونَ هنا كذلك ويدلُّ [ذلك] (^١) له لو أذِن المرتهن للمراهن في العِتْقِ سقط حقُّهُ من العينِ، ولا يغرم له القيمة، فلولا أن تصرفه بالعتقِ يُبْطل حقَّهُ قصدًا لما سقط؛ بدليل أن أحدَ الشَّريكين في العَبْدِ إِذا أَذن لشريكهِ في عِتْق نصيبِه فأعتقَ نصيبَ نَفْسِه، نفذ وسرى، وغرمه قيمة نصيبه. هذا خلاصة كلام الأصحاب، وهم يمنعون الحنفيَّة أن المحليَّة وُجِدَت، ويقولون: أنَّما محلُّ العِتق محلٌّ فارغٌّ عن حقِّ الغير، ولو سلَّمُنا المحلِّية من حيثُ العينية والماليَّة، إلَّا أن حقَّ المرتَهن يمنع النفوذ، فهو كالبيع لا يصِحُّ مع وِجْدان المالِيَّة والأهلية أيضًا، وأجابُوا عن بَقِيَّةِ كلماتِهِم بما هو مَوْجودٌ في الخلافِيَّات، ولا تعلق لتَعْلِيقَتِنا هذه به، وقال الإمام ﵀: والآن نذكرُ في هذا الفن الغرض الذي استَفْتَحْنا القَوْلَ في الفرضِ لأَجله فنقول: يتجه للفارض في المُعْسِر أن يقولَ: استأصَلَ المُعْتِقُ المعسر لو نفذ عِتقه حق المرتهن بكَمَاله، مُشيرًا إلى أنَّه لا يجد ما يبذله غارمًا فيظهر كلامُه من جهة الاستئصال، والسَّبب إلى قطع حقٍّ لازم للمرتهن من الاستِثاق بالكُلِّيَّة، وهنا وقفةٌ محتومةٌ على طالب الغايات، فنقول: من منع نُفُوذ العِتق يكتفي فيما يقرِّرُهُ بأن نُفُوذ العتق لو قِيلَ به أدى إلى قَطْع حقٍّ لازمٍ للمرتهن من غير الرَّهن، فإذا كَفَى هذا فأيُّ حاجةٍ إِلى التعرُّض لقطع الماليَّةِ، وحسن الطَلَبَةِ في القيمةِ، ويوشك لم لم يَتفطَّن الفارِضُ أنه يقعُ في المَحْذُور الذي نَبَّهْنا عليه الآن، وهو التَّعَلُّق بما لا اعتبار به، ولا دَفْعَ له. انتهى.\nومرادهُ أن الفارِضَ في المُعسِر إنَّما يحسن منْهُ الإِشارةُ إِلى قطع سؤال الماليَّة، وإمكان إقامةِ القيمة مقامَ المرْهون لو كان يتعلق إلى معنى الماليَّة، وهو لا يستنِدُ إلى ذلك؛ إذ عِلَّةُ المانع من النُّفوذ قطع حقِّ المرتهن من عين الرَّهن، ولا نظر عنده إلى الماليَّة كما قدَّمناه، وإذا كان مأخذه، فأيُّ حاجةٍ به إلى التَّعَرُّضِ لقطع المالية؛ فوضح أن التَّعَرُّضَ لها فضلَةٌ في الكلام لا أثر لها، ثم قال: ما المانع\n_________\n(^١) سقط في ج.","vol":"4","page":279},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nمِن ازدِحام عِلَّتَيْن في هذه الصُّورةِ إحداهما: قطع المالية بالكُلِّيَّةِ، والثَّانِيَةُ: قطع الحقِّ المُرْتَهنِ من العَيْنِ المخصوصةِ، فيكون امتِناع النُفُوذِ معلَّلًا بِعِلَّتَيْن: عِلةٌ خاصَّةٌ، وهي قطع المالية، وأخرى عامَّةٌ، وهي قطعُ الحقِّ من عَيْنِ العبد؛ فإنَّ هذا مما يعمُّ الموسِرَ والمُعْسِرَ؛ وإنَّما سُقْنا هذا الكلام مع فوائد حجَّة فيه لهذا الغَرَضِ، ونحن نَقُولُ: هذا ليسَ بِشَيْءٍ؛ فإنَّ المالِيَّةَ ليست مَرْعِيَّةً في حقِّ المُرْتهن، وإنَّما المُعْتَبر اختِصَاصُ استِحْقَاقِ اسْتيثاقِهِ بعينٍ يتمسَّك بها، إِذا اعترض له توقُفَات العسْرِ في الدين الذي يقع في الذِّمَّةِ، هو بابٌ مسْتَوفٍ بالعَيْن الَّتِي استمسك بها، وهذا غَرَضُ الرَّهن، وإذا لم يكن الراهن مطالبًا بالدين فقد خرج عن مقصود الرهن ولهذا السّر لا يجوز رهْنُ الدِّيْن، نعم لو فرض من الرَّاهِن إِتْلاف الرَّهْن فالشَرْع يتقاضاه أن يقيم قيمته مقامه؛ إِذْ مسلَكُ الشَّرع إثباتُ الضَّمان جُبْرانًا لكل فائِتٍ، فلا ينبغي أن نعُدَّ قضايا الشَّرع في مظانِّ الضَّرورات من القضايا الوضعيَّة في تأسيس الأصول. \"انتهى\"، ومرادهُ أن العلَّة واحدةٌ، وهي قطعُ المُرتهن عن عين المرهون، ولا أثر للماليَّةِ عنده، وإِتما المعتبرُ حقّ التَّعيين، ولذلك يثبتُ استحقاقُ الاختصاصِ بالعين المقبوضة عند طريان العسر على الدَّين الواقع في الذمة حتى لو قال الغرماء، لا نفسخ لتقدُّمك بالثَّمنِ لم تلزمه الإِجابة، بل له الفسخُ والرُّجوع إلى عين ماله والحالةُ هذه على أصحِّ الوجهين، والثاني لا، وبه قال مالك ﵀ جريًا على أصله في النَّظر إِلى معنى الماليَّة، قال: ولو رجعتِ المطالبَةُ في الرَّهْنِ على الذِّمَّةِ، لفات مقصود الوثيقة؛ إِذِ المقصودُ منها استخلاص الحقِّ من غير المرهونِ عند تَعَذُّرِ الوفاء، قال: ولهذا السِّرِّ لا يجوزُ رهنُ الدّين: أي على أَصَحِّ الوجهين. وقوله: نعم … إلخ\". جواب عن سؤال مُقدَّر كأن قائلًا يقولُ له: إِذا كنت تنظرُ إِلى عَيْنِ المرهون فقط، وتقطع النَّظَرَ عن معنى الماليَّةِ، فلماذا إذا أتلف الرَّاهن المرهون يلزم إِقامةُ قيمته مُقَامَهُ؟ وجوابه ما أشار إليه من أَنَّ القيمةَ في معنى البَدَلِ عن الأصل، فلا يجمع بين البَدَلِ والمُبَدلِ، والبدلُ هو الأصل، وهو قطع حقَ المرتهن من العين، فإِنَّهُ إِذَا حفظت العينُ عليه؛ ففي ذلك حفظ الماليَّةِ ضمنًا، وإِنَّما يعودُ إلى التَّمسُّك بالماليَّةِ عند فواتِ العَيْنِ، فرجع إلى البدل جَبْرًا للغائب، ولا يصحُّ أَنْ يجمعَ بين الأصْلِ والبدل، ولذلك إِنَّا في الأَمْوَالِ","vol":"4","page":280},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nنُحَافِظُ على الأعيان، ولا نقولُ: يجب الضَّمَانُ مع إِمكان رَدَّها، بل نطلبُ رَدَّها بحسب الإِمْكانِ، فإِذا تَعَذَّرَ ذلك رجعنا إِلى الماليَّةِ، ثم قال الإمامُ: وهذا يناظر عندي مَسْلكي في توزيع العِوَضِ على مختلفين في أحد شقَّي العقدِ عند مَسِيسِ الحاجةِ في شفعة لو فرض تلفٌ في أحد العِوَضَيْنِ، وقد زَلَّ جماهيرُ الفقهاء، فاعتقدوا أَنَّ التَّوْزِيعَ مقصودُ العقد كما نبَّهْتُ عليه في مسألة العجوة، وهذا ذللٌ وسوءُ مدرك؛ فإِنَّ العقد ما أنشئ على التَّوْزِيعِ، وأَنَّما هو أمرٌ ضروريٌ أحوج إثبات الشُّفْعَةِ إليه. انتهى. ووجه المناظَرَةِ والمشابهةَ ظاهرة على مسلكه، وذلك أَنَّهُ لما قرر أنَّهُ لا ينبغي أَنْ يعد قضايا الشرع في مظانِّ الضَّرُوراتِ من القواعد الأصليَّةِ أَنَّ الرُّجُوعَ إلى المالسَّةِ عند تلف المرهون ممَّا دعت إليه الضَرورة جبرانًا للفائت - لأَنَّ الماليَّة مقصودة ابتداء - شبه هذا بمسألة مد عجوة، فإِن التَّوزيعَ عنده فيها ليس من قضيَّةِ العقد، وَإنَّما هو شيءٌ جرت إليه الأَحكَام، ودعت إليه الضَّرُورة، فالمشابهةُ واضحةٌ على مسلكه، وإِنَّما هو مسللك حاد به عن سبيل الأصحاب، وأَنا أبدي هنا في ذلك كلامًا مختصرًا مشتملًا على فوائد جَمَّة.\nفأقول: إِذَا باع مال الرّبا بجنسه، ومع أحدهما غيره - مِمَّا فيه الرِّبا أو مِمَّا لا ربا فيه، فهذه قاعدةُ عَجْوَةٍ، ومذهبنا البُطْلانُ فيها خلافًا لأبي حنيفة ﵁ ولسنا هنا في مَقَامِ المجادَلَةِ على مذهبنا بل في حكاية ما يتعلَّقُ بما نحنُ فيه، فنقولُ: قاعِدَتُنَا هذه مبنيَّةٌ على أصلين أحدهما أَنَّ الجهلَ بالمُماثَلَةِ لحقيقة المفاضلة، وهو أصل تمهد في باب الرِّبا مبنيٌّ على أصلِ آخر عظيمِ الفائدة جليل العائدة، وهو أَنَّ الأصل عندنا، وعند المالكيَّةِ في بيع الربويّات بجنسها، أو بما يشاركها في علَّةِ الرِّبَا التَّحريم، إِلَّا ما قامَ الدَّلِيلُ على إباحته، وهذا أصلٌ مستفاد من قوله ﷺ: \"لا تَبِيعُوا الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَلَا الوَرِقِ بالْوَرِقِ إِلَّا وزنًا مِثْلًا بِمِثْلٍ من سَوَاءٍ بِسَوَاءٍ (^١) لفظ مسلم من حديث ابن مسعود، وفي حديث عُبَادة: سمعتُ رسول الله ﷺ: \"يَنْهَى عَنْ بَيعِ الذَّهَبِ بَالذَّهَبِ، والفِضَّةِ بَالفِضَّةِ وَالْبُرِّ بالْبُرِّ، والشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحِ بِالمِلْحِ إِلَّا سَوَاءٍ، عَيْنًا بِعَيْنٍ، فَمَنْ زَادَ، أوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبى\" وهو لفظ\n_________\n(^١) تقدم.","vol":"4","page":281},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nمسلم أيضًا، وأحادِيثُ أُخرُ مستقصاةٌ في مواضعها، ووجه الاستدلال أنَّهُ ﷺ صدَّرَ بالنَّهي، ثُمَّ استثنى منه، والأصلُ عند الحنفيَّة الجواز؛ لاندراجه في جملة عُقُودِ البَيْع، ويجعلون عقُودَ الرِّبا، وسائر ما نهى عنه مخرجًا من ذلك الأصْلِ، وهذا المأخذ نافعٌ جدًّا في مظانِّ الاشتباه، وتعارُضِ المآخذ، فَنَحْنُ نحرِّمُ إذْ ذاك، وهم يُحلِّلُون، وعليه تدورُ مسألة بيع الحِفْنَةِ بالحفنتين، ولا يستريبُ أخو الإِنثاف في أَنَّ مذهبنا هنا أوجه من مذهبهم؛ لأنَّا أخذنا بالأَصْلِ القريب، وهو الرِّبا، وهم أخذوا بالأصْلِ البعيد، وهو البيع، والرُّجوع إلى أقرب أصلٍ أولى مِنَ الرُّجوعِ إِلى مِنَ البعيد، وهذا إِنْ سَلِمَ لهم دخول الرِّبا في البيع، والخلاف في دخول العُقودِ الفاسدة تحت الألفاظ معروفٌ، فهذا أحدُ الأصلين اللَّذين عليهما بنينا قاعدة مد عجوة. والأصْلُ الثَّاني أَنَّ اختلاف العِوَضَيْنِ من الجانبين، أَوْ من أَحَدِهِما يوجبُ اعتبارَ القِيمَةِ، وتوزيع الثَّمَنِ عليهما بالقيمة يومَ العقد كما إِذَا باع عَبْدًا، وثوبًا ثمَّ خرج أحدهما مستحقًّا، فإِنَّهُ يرجعُ بقيمة المستحقّ من الثَّمَنِ لا بنصف الثَّمَنِ، والشَفيع إِنَّما يأخذُ بما تناوله حالة العقد فلو أَنَّ التَّوزيعَ حاصلٌ حين العقد، لم يصحَّ، وكما في ردِّ البعض بالعيب وتلف البعض عند البائع، قال أصحابنا: ولولا التَّوزيع في الابتداء ما نوزع في الانتهاء، ولا سبيل إِلى أَنْ يقال: ينزل التَّوزيع؛ لأنَّهُ مُؤَدٍّ إلى بطلان البيع، فإِن العقدَ إِذَا كان له مقتضى حُمِلَ عليه، سواء أَدَّى إلى فساد العقد أو صلاحه، كما إِذَا درهمًا بدرهمين لما كان مقتضى العقد مقابلة جميع الثَّمَنِ حمل عليه، وإنْ أَدَّى إِلى فَسادِهِ وَلَمْ يحمل على أَنَّ أَحد الدِّرهمين هبة والآخر ثمن ليصحَّ العقد ولم يرتض إِمامُ الحرمين هذه الطَّريقة، وقال: العقدُ لا يقتضي في نفسه توزيعًا مفصلًا، بل مقتضاه: مقابلة الجملةِ، أو مقابلة الجزء الشَّائِعِ مِنمَّا في أحد الشِّقَّيْنِ بمثله مِمَّا في الشِّق الآخر بِأَنْ يقال: ثُلُثُ المُدِّ وثلثُ الدِّرْهَمِ يقابل ثلثي المُدَّيْنِ يعني: إِذا باع مُدًّا ودرهمًا بِمُدَّيْنِ، ولا ضرورة إِلى تكلّف توزيع يُؤَدِّي إِلى التَّفاضل، وإِنَّمَا يصار إلى: التوزيع في مسألةِ الشُّفْعَةِ لضرورة الشفعة قال: والمعتمدُ عندي في التَّعْلِيلِ: أنَّا تَعَبَّدْنَا بالمماثَلَةِ تحقيقًا، وإذا باع مُدًّا ودرهمًا بِمُدَّيْنِ لم تتحقّق المماثلة، فيفسد العقد، وقالَ في \"الأسَالِيبِ\": هذا أُسْلُوبُ المسألة، وهو في نهاية الظُّهُورِ والوُضُوح، وإذا قَالُوا: نَحْنُ نقابل الدِّرْهَمَ بِمُدٍّ ونقابل مُدًّا بِمُدٍّ؛ ليصحَّ العقدُ كانُوا متحكِّمين حائدين عمَّا يقتضيه العقدُ من إِيهامِ","vol":"4","page":282},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالمقابلة، ولو جاز التحكمُ بالتَّعيين الَّذِي ذكروه، ومقتضى العَقْدِ الإِشاعةُ - فالتَّوزيعُ الَّذي ذكره الأصحابُ أمثل، والمصيرُ إِليه أولى، وكلاهما باطِلانِ عندنا\".\nانتهى كلامه في \"لأَسالِيبِ\"، وقد انتصرَ الرَّافِعِيُّ لطريقة الأصْحابِ فَقَالَ: لناصِرِيهَا أَنْ يقولوا: أَلَيْسَ قد ثبت التَّوْزِيعُ المنفصل في مسألة الشُّفْعَة، لولا كونه قضيّة العقد، لكان ضمُّ السَّيْفِ إِلى الشَّقْصِ من الأسباب الدَّافعة للشُفْعَةِ، فإِنَّها قد تندفع بعوارض، قال: وَأَمَّا قوله. إِنَّا تَعَبَّدْنا بتحقيق المُماثَلَةِ، فللخصم أَنْ يقولَ: تعبّدنا بتحقيق المُماثَلَةِ فيما إِذا تمحضت مقابلة شيْءٍ منها بجنسه، أم على الإِطْلاقِ؟ إِنْ قلنا بالثَّاني، فممنوع، وإِنْ قلنا بالأَوَّل، فمسلمٌ، لكنَّهُ ليس صورة المَسْألَةِ.\nقال أبي ﵀ في \"شرح المهذب\"، والاعتراض الأَوَّلُ … حتَّى قال: وَأَمَّا الاعتراض الثَّاني فضعيف، ولا سيما في الَّذِي قرضه وهو إِذَا باع مُدًّا، ودرهمًا بمددّين؛ فإِنَّهُ يصحُّ في هذه الصُّورِ أَنَّهُ باع تمرًا بتمرٍ، لأن التَمْرَ الَّذِي مع الدّرهم مبيع قطعًا ولا مقابل له إِلَّا تمر، ومتى صدق أنَّهُ باع تمرًا بتمرٍ، وجبت المماثلة بالنَّصِّ، ولمحض المقابلة قيد لم يدّل عليه دليل. انتهى.\nقلت: وعندي وقفةٌ في الموافقة على صِحَّةِ الاعتراض الأوَّلِ؛ إِذْ للإمام أَنْ يقولَ: لا يلزمُ من كون التوْزِيعِ ليس من قضيَّةِ العقد أَنْ يندفع العقد، واندفاعها بعوارض لا يقتضي اندفاعُهَا بهذا، ولِمَ قلتم: إِن هذا العارض مُسَاوٍ للعوارض الَّتِي بها تندفع الشُّفْعَة، وهذا والإمام في \"الأساليب\" ذكر اعتراض الرَّافعي بعينه، أجاب عنه حيثُ قال بعد أَنْ حكى عن الأصحاب: إِن التوزيعَ مقتضى العقد، واستدل عليه بما اشترى عقارًا مشفوعًا، وسيفًا بألفٍ … المسألة: فإنْ قالوا: ليس هذا التوْزيع مقتضى العقد، ولكن ألجأتْنَا إِلى تقديرها ضرورةُ الشُّفْعَةِ، ولا ضرورة بنا إلى التَّوزيع في صورةِ النِّزَاعِ، ثم قال الإِمَامُ: أَجاب الأَئِمَةُ عن هذا بأنْ قالوا: اجعلوا ضمُّ منقول إِلى العقار مسقطًا للشُّفُعَةِ؛ فإِن الشفعة تسقطُ بطرق، ثُمَّ قال: وما ذكره الأئِمَّةُ من إلزامهم إِبطال الشُّفْعَةِ غير سديد؛ فإِنَّ هذه الطَّريقة لو أبطلت الشُفعة لما بقيت شفعة الشَّفيع؛ إِذْ لا","vol":"4","page":283},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nيعسر إِدخال شيءٍ من المنقولات في الصَّفْقَةِ، وإِنْ قلَّتْ قسمته، وكلُّ ما يحسم قاعدة أصلًا، وتطرق الضَّرَرُ إِلى النَّاس، فهو مردودٌ، والهِبَةُ وإنْ كانت تقطعُ الشُّفُعَةَ فهي نادرة، ولا تسمحُ بها النُّفُوس، ولو سقطت الشُّفْعَةُ بضمِّ منقولٍ إِلى العقار لما اندفع ضرر يتداخل، ولما ثبتت الشُّفْعَةُ أَصلًا. انتهى كلام الإِمام، فلا معنى لإيرَادِ الرَّافعي عليه سؤالًا قد أورده هو، وأَجَابَ عنه، وَأمَّا ابنُ الرِّفْعَةِ فاعترضَ على الإِمامِ في جعله العُمْدَةَ فِي التَّوْزِيعِ منسوبة إلى الأصحاب بأنَّهَا عمدة الشَّافِعِيِّ أيضًا، وعلمك محيطٌ بأنَّ هذا ليس اعتراضًا، فإِنَّ الإِمَامَ لم يدَّعِ أَنَّ الشافعي لم يعتمد على هذا، ولا يلزم من اعتماد الأصحاب إِيَّاهُ أَنَّ الشَّافعي لم يعتمده، بل الذي يظهر خلافه؛ إِذِ الظَّاهِرُ أَنَّهُم لا يطيقون على اعتماد أمر إلَّا والشَّافعى إليه رمز إن لم يكن قد صَرَّحَ به، وعبارةُ الشَافِعِيِّ ﵁ في الأُمِّ: وإنَّما كرهت هذا - يعني مَسْأَلة مدّ العجوة - من قِبَبِ أَنَّ الصَّفْقَةَ إِذَا جمعت وشيئين مختلفين، وكلُّ مَبِيعٍ بِحِصَّتِهِ من الثَّمَنِ. \"انتهى\"، وله نصوصٌ أخر كثيرةٌ متوافقة على هذا، وقد ساقها الشيْخُ الإِمَامُ ﵀ في تكملة \"شَرْحِ المُهَذبِ\"، وباللَّهِ العِصْمَة، وقد وَضَحَ بهذا أَنَّ كُلًّا من اعتراض الرَّافعي، وابن الرِّفْعَةِ على الإمام مدفوعٌ. نعم قول الإمام: إِنَّ طريقة التَّوزيع هي طريقةُ الأصحاب، قد ينازع فيه من قبل الأصحاب مختلفون، فمنهم من تعلَّقَ بحديث فضالةَ بْنِ عُبَيْدٍ، وهو معروفٌ، ومنهم مَنْ تعلَّقَ بطريق التَّوزيع قال: قال الإِمامُ أَسْعَدُ الميهني: وقد نصَّ الشَافعيُّ على أَنَّ الصَّفْقَةَ إذا اشتملت على مالين مختلفي القيمة في أَحَدِ جانبيها؛ توزع ما يقابلُ المختلف القيمة على قدرِ قيمته مِنَ الثَّمَنِ، وَيُخَيَّرُ بين أَنْ يظهرَ الفضل، وأَنْ يجهل التَّماثل، والكُلُّ مُبْطِلٌ للعقد. قُلْتُ: وقد حكينا نصَّه، وله نصوصٌ أخرى، كثيرة كما ذكرناه، وقد أطلنا بما لا يتعلَّقُ بالغرض الَّذي كُنَّا فيه، وكان المقصودُ منه أَنَّ قضايا الشَّرْعِ في مظانِّ الضَّرُوراتِ لا تُعَدُّ من القضايا الوضعيَّةِ كما في التوزيعِ على رأي الإِمَامِ، فإِنَّهُ إِنَما يحتاج إليه وقتَ الضرُورَةِ، فلا ينبغي أَنْ تعدّ من القواعد الممهدة، واللهُ المستعان، وليس للمستدل أَنْ يستدلَّ بالتَّوزيع فيما إِذَا فرض استحقاق أو عيب في أحد المبيعين وَرَدَ حيثُ ينسب الثَّمَنُ ويرجع بالقيمة؛ فإِنَّ هذا أمرٌ ضَرُورِيٌّ دعت إليه الحاجة عند الاستحقاق، وكذلك الأخذُ بالشُّفْعَةِ، فلا يظنّ","vol":"4","page":284},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأَنَّ ذلك مقتضى الأصول عند انعقادها، ولذلك يحكمُ بثبوت اختصاصِ الإملاك بالإملاك، وتوقف النَّقْلِ على الاختيار، ولا يقدحُ في ذلك إلزام التقويم في مسألة عتق الشَّرِيكِ إِلى غير ذلك من مظانِّ الضَّرُورَاتِ، واللهُ المستعانُ.\nثمَّ قال الإمام: اعتقد الفارضُ في الرَّاهن المُعْسِرِ أَنَّ الفَضْلَ بينه وبين المُوسِرِ صائر إلى الرَّاهِنِ إذا كانَ مُوسرًا ينفذ إعاقته، ويلزمه إحلال القيمةِ محلَّ العبدِ، وإن كانَ معسرًا لا ينفذ إعتاقه؛ لتعذر تغريمه، وإمضاء الإعتاق فيه، لو قدر نفوذه إِلى إِبْطَالِ اختصاص المرتهن باستيثاقه بالكليَّةِ، وشبه ذلك بتفصيل مذهبه في تَسْرِيَةِ عتق الشَرِيكِ إذا كان مُوسِرًا، ومنع تسريته إذَا كان معسرًا، فاتِّحَادُ العلَّةِ على هذا المَذْهَبِ أوضح؛ فإِنَّ صاحبه متشوِّقٌ إلى اعتبار انقطاع علقةِ المرتهِنِ من غير الرَّهْنِ عنده وقع أصلًا، ولذلك ينفذ عتق المُوسِرِ الرَّاهِنِ، فلم ينتظم على المسلكين علَّتان عامَّة، وخاصَّة في صورة الفرض. \"انتهى\"، ومراده أَنَّ الفارض إِنْ يعتقدُ التَّفْرِقَةَ بين الرَّاهِنِ المعسر والموسر كما هو أَصَحّ أقوالِ الشَّافعيِّ ﵁ ففرض عدم النفُوذِ في المعسر لذلك، واعتلّ بأنَّ المعسر يتعذّر تغريمه، فيقضي عتقه لو نفذ إِلى إِبطال اختصاص المرتهن بالكليَّةِ، وشبه سريان العتق إلى حق المرتهن بسريانه مِنْ نصيب أحد الشرِيكَيْنِ إِلى الآخر في عتق الشُّرَكَاءِ، وحرَّر عن ذلك عبارة فقال: مُفَوِّتُ حَقِّ الغير غير مقيم شيئًا مقامه، فلا ينفذ إعتاقه كالشَّريك المعسر؛ فإِنَّهُ لا سريانَ لعتقه لهذه العلَّة الجامعة، وهي تفويت حقِّ الغير عليه من غير بَدَلٍ، وهنا قد يتخيَّلُ اجتماع علَّتَيْنِ، وهما بطلانُ حَقِّ المرتهن من العين، وبطلان حقّه بالكليَّةِ قال الإِمَامُ: فاتِّحاد العلَّةِ على هذا المذهب أوضح؛ لأَن صاحبها إِنَّما يعلل بانقطاع علقة المرتهن وهي متحدة وتحرير العبارة على هذا أن يقال: تصرف يقطع علقة الغير بالكليةِ، فمنع أصله سريان عتق المعسر، وإذا اتَّحدت العلَّةُ لم ينتظم على المسلكين علَّتانِ عامَّة وخاصة في صورة الفَرْضِ، فلا يتخيل اجتماعُ عِلتَيْنِ، ثمَّ قال الإِمَامُ: وممَّا نجريه مثالًا في ذلك أَنَّ الشَّافِعِيَّ إِذا فرض الكَلامَ في مسألة ضمان المَنَافِعِ في طرف الإتلاف وطرف ما يرتضيه فيه، فقد يعتقدُ الفطن أَنَّهُ يجتمع في هذا الفرض معنيان:\nأحدهما: الإِقْدَامُ على الإتلاف، وهو من أَقْوَى أسباب الضَّمَانِ، ولذلك اختار","vol":"4","page":285},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالفَارضُ تعيين هذا الطّرف، وتخصيص بالكلام المختص به، وقد اجتمع فيه الإِتْلافُ والتَّلَفُ تحت اليد العادية، وهذا أقرب مسلك في تخييل اجتماع معنيين بحكمٍ واحدٍ، ونحن نَقُولُ: العلَّةُ فِي الضَّمَانِ تَحْتَ الإتلاف في هذه الصورة فحسب، فإن التلف الحاصل تحت اليد العادية إِنَّمَا يُضَمَّنُ من جهة اعتداء ذي اليَدِ ومنعه لحق مستحقه. فثار، الضَّيَاع الَّذِي وقع سماويًّا في اطراد معنى المعتدي مشبهًا بالإتلاف، وإِذا تحقَّقَ الإتلافُ لم يبق لتخيل التَّلَفِ على دوام المنع المشبه بالإتلاف معنى، والإِتلافُ هو المُشَبَّهُ به، واعتقاد اجتماع المشبه والمشبَّهِ به في صورة واحدةٍ مُحَالٌ. \"انتهى\". وحاصل المِثَالِ أَنَّ الإتلاف مضمن، والتَّلف أيضًا عند أصحابنا مضمن إِذَا كان تحت اليد العادية، وإذا كان كُل منهما سببًا مستقلًا في الضَّمانِ، فقد يجتمعان في صورة الإتلاف؛ إِذْ كُلُّ متلف تالف، فيعلل المتلف بعلتين: خاصة، وهي الإتلاف، وعامة هي التلف تحت اليد العادية، والجواب عن هذا من وجه: أحدها أنَّا لا نُسَلِّمُ أْنَ كُل متلف تالف؛ وذلك لأنَّ المفهوم من التَلَفِ أَنّهُ هلك بنفسه من غير جناية جانٍ، والمفهومُ من الإتلاف أَنَّهُ هلك بجناية جانٍ فكيف يصحُّ اجتماعهما؟ وهذا الجواب ذكره ابنُ الأنْبَارِيَّ، وقد ينازعُ فيه، ويقال: التَّلَفُ مطاوع الإِتْلَافِ، وهو من حيثُ هو أعمُّ من أَنْ يهلَك بنفسه، أو في ضمن الإتلاف من الجَانِي، وثانيها: أنَّا نَقُولُ: الإِتْلَاف والتلفُ هنا جزاء علَّةٍ كما سبق نظيره.\nوثالثها، وهو المعتمدُ: ما ذكره الإمام، وحاصله: أَنَّ التضْمِينَ بالإِتلافِ أَمْرٌ مناسب لائحُ الظُّهُورِ، فَمَنْ أَقْدَمَ على إِتْلافِ شيْءٍ كان تغريمه مناسبًا، وأَمَّا التَّلَفُ الَّذِي يقع بآفة سماويّةٍ، فلا يظهر فيه هذه المناسبة، ولذلك لا يستقلُّ التَّلَفُ بالتَّضْمِينِ، بل إِنَّمَا يضمن إذا كانت تحت يد عاديةٍ، فصحابنا يضمنون مَنْ تلف الشيْءُ تحت يده إذا كانت يدُهُ يَدَ عدوانٍ لما عرف من موضعه، لا لأنَّ موضع التَّلَفِ يقتضي ذلك، بل بضمِيمَةِ العدوان، والسَّبَبُ الدَّاعي لهم إلى ذلك منه الظَّالمينَ من الاعتداء والاستيلاء على الأموال، فإِذَا حصل معنى مناسب مستقلٌّ جاز على مناهج القِيَاسِ، وهو الإِتْلاف، فالإِحَالَةُ عليه لا على التَّلَفِ، فالتَّلَفِ لا يصلح للعلِّيةِ إِلَّا إِذَا لم يكن ثمَّ إتلاف، أَمَّا إذا كان فهو العِلَّة، وقد زاد الإِمَامُ هذا تحقيقًا فَقَالَ: إِنَّا إنما","vol":"4","page":286},{"text":"لَنَا: لَا بُعْدَ فِي مُنَاسَبَةِ وَصْفٍ وَاحِدٍ لِحُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.\n<hr><s0>\n\nنضمن بالتَّلَفِ تشبيهًا له الإتلاف، لكونه صادرًا تحتَ يدٍ عاديةٍ، فإِذَا حصل الإِتْلَافُ المشبه به لا يجتمع معه المشبه؛ لامتناع اجتماع المُشَبَّه والمشبَّه به في صورةٍ واحدةٍ، ويخطر لي في هذا مزيدُ تقرير، وهو: أَنَّ الإِمَامَ إِنَّمَا مَثَّلَ بالإِتْلَافِ والتَّلَفِ لما قدَّمَ أَنَّ مَظَانَّ الضَّرُورَاتِ لا تلحق بالقَوَاعِدِ الوضعيَّةِ، أي: فالتَّضْمِينُ بالتَّلَفِ إِنَّما هو في أماكن الضَّرُورَاتِ لا تلحق بالقَوَاعِدِ الوضعيَّةِ أي: فَالتَّضْمِينُ بالتَّلَفِ إِنَما هو في أماكن الضَّرُورَةِ إِذا كانت اليدُ عاديَّة؛ فإنَّا نحتاجُ إِلى التَّضْمِينِ منعًا لذوي الاعتداءِ بخلاف التَضْمِينِ بالإِتْلَافِ.\nوعبارة الآمدي (^١): أنه مما لم يعرف فيه خلاف، وذلك كما لو قال: طلوع فَجْرِ رمضان يعرف وجوب الامتثال والصّبح.\nوكما يقول أصحابنا: لا يجوز الجمع بتيمُّمٍ واحد بين صلاتي فَرْض، ولا يجوز للمعترض التيمم قبل دخول الوقت، والعلّة فيهما أنه تيمم للفرض في وقت هو مُسْتغن عنه، فلم يصح تيمُّمه، كما لو تيمم مع وجود الماء.\nالشرح: \"لنا\" على جواز تَعْليل حُكْمين بعلّة باعثة: أنه \"لا بعد في مُنَاسبة وصف واحد لحكمين مختلفين\"، وأكثر، كالحَيْض يناسب المَنعْ من الصَّلاة، والطواف (^٢)، وقراءة\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام ٣/ ٢٢٠ (١٣).\n(^٢) من أركان الحج الطواف بالبيت؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، والمراد به: طواف الإفاضة؛ لانعقاد الإجماع على ذلك، ولهذا الطواف أسماء غير ذلك منها: طواف الزيارة، وطواف الفرض، وقد يسمى طواف الصَّدَر بفتح الدال.\nوالأشهر: أن طواف الصدر هو طواف الوداع.\nومحل طواف الإفاضة بعد الخروج من عرفة؛ ولهذا سمي طواف الإفاضة، ويدخل وقته بنصف ليلة النحر، لمن وقف قبله، قياسًا على رمي جمرة العقبة، ولا آخر لوقته؛ إذ الأصل عدم التأقيت إلا إذا دلّ دليل على ذلك، ولا دليل ثمّة.\nويسن تأخيره إلى بعد طلوع الشمس للاتباع، وتكره تأخيره عن يوم النحر، وفي تأخيره عن أيام التشريق كراهة شديدة، وعن خروجه من مكة كراهة أشد.\nويشترط لصحة الطواف شروط عشرة: =","vol":"4","page":287},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= \"  الأوّل\" الطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر، ومن نجاسة لا يعفى عنها، في البدن والثوب والمكان الذي يمشي فيه الطائف؛ لقوله ﷺ: \"الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ\" وروى أنه ﷺ قال لعائشة لما حاضت؛ وهي محرمة: \"اصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَغْتَسِلِي\"، فلا يصح الطواف بدون الطهارة مما ذكر. ومن أحدث أو تنجس بدنه أو ثوبه أو مطافه في أثناء الطواف، تطهّر، وبنى على طوافه من الموضع الذي حصل فيه شيء مما ذكر وإن تعمّد وطال الفصل؛ إذ لا تشترط فيه الموالاة كالوضوء، ويندب له الاستئناف خروجًا من الخلاف.\nويعفى عما يشقّ الاحتراز عنه في المطاف من زرق طيور وغيرها، حيث لا رطوبة، ولا تعمّد للمشي عليه.\n\"الثاني\": ستر العورة عند القدرة عليه؛ لقوله ﷺ: \"لَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَان\"، فلا يصح الطواف بدون سترها، مع القدرة عليه، ويصح مع العجز عنه، كما لو صلّى كذلك.\nولو زال الستر في أثناء الطواف جدّد، وبنى على طوافه من الموضع الذي حصل فيه زواله، وإن تعمده وطال الفصل، ويندب له أن يستأنف خروجًا من الخلاف.\nوالعورة هنا: هي العورة في الصلاة، فهي في حق الذكر والأمة ما بين السرّة والركبة، وفي حق الحرّة جميع بدنها إلا الوجه والكفّين.\n\"الثالث\": البدء بالحجر الأسود؛ للاتباع، فلو بدأ بغيره، كأن ابتدأ بالباب لم يحسب له ما طافه قبل، فإذا وصل إلى الحجر الأسود ابتدأ منه، وحسب له الطواف من حينئذ.\n\"الرابع\": محاذاة كل الحجر أو بعضه بجميع المنكب الأيسر للاتباع، فمن بدأ في طوافه بالحجر، ولم يحاذه بجميع منكبه: بأن تقدّم جزء منه عليه إلى جهة الباب؛ لم يعتد بطوفته إلا من حين وصوله إلى الحجر، ومحاذاته بجميع منكبه الأيسر، وصفة المحاذاة - كما في المَجْمُوعِ - أن يستقبل البيت، ويقف بجانب الحجر من جهة الركن اليماني، بحيث يصير جميع الحجر عن يمينه، ومنكبه الأيمن عند طرفه، ثم ينوي الطواف، ثم يمشي مستقبل الحجر مارًا إلى جهة يمينه، حتى يجاوزه، فإذا جاوزه انفتل وجعل يساره إلى البيت، ولو جعل هذا من الأوّل، وترك استقبال الحجر جاز، ولكن فاتته الفضيلة، ولا يجوز استقبال البيت في الطواف إلا في هذا.\n\"الخامس\": جعل البيت عن اليسار، مع المرور جهة الوجه؛ للاتباع، فلو جعله الطائف عن يمينه، ومشى أمامه أو استقبله أو استدبره، وطاف معترضًا، أو جعله عن يمينه أو يساره، ومشى القهقري؛ لم يصح طوافه.\n\"السادس\": عدم الصارف إلى غرض آخر، فإن صرف الطائف الطواف لغيره، كان أسرع في مشيه؛ خوفًا من أن تلمسه امرأةٌ؛ أو ليرى صاحبًا له ضرّ، ولا يضر التشريك، كأن يقصد بمشيه الطواف، وطلب غريم. =","vol":"4","page":288},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= \"  السابع\": كونه سبع مرات يقينًا؛ للاتباع، فلو ترك من السبع شيئًا، وإن قلّ لم يكف، ولو شك في العدد بنى علي الأقلّ إن كان الشكّ في أثنائه، بخلاف ما إذا كان بعد الفراغ منه؛ فإنه لا يضر.\n\"الثامن \": كونه في المسجد الموجود حال الطواف، ولو في هوائه أو على سطحه، ولو كان السطح أعلى من البيت، فإن طاف خارج المسجد لم يكف.\n\"التاسع\": نية الطواف إن لم يشمله نسك، بخلاف ما إذا شمله نسك، كطواف الركن، والقدوم، فلا يحتاج إلى نية؛ لشمول نيَّة النّسك له.\nوطواف الوداع لا بدّ له من نية؛ لوقوعه بعد التحلّل؛ ولأنه ليس من المناسك.\n\"العاشر\": كونه خارج البيت، بأن يكون جميع البدن خارجًا عن البيت، فلو وقع الطواف في البيت لم يكف؛ لأنه في هذه الحالة طائف في البيت لا به، وقد قال تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، ومن البيت \"الشّاذَرْوان والحِجْر\"، فلا بد أن يكون الطائف خارجًا عنهما، وعن هوائهما، فلو وضع الطائف رجله على الشاذَرْوان حال مروره أو مدّ يده وهو سائر في هوائه، أو في هواءِ الحِجْر لم يصح طوافه من حينئذ، فيلزمه أن يعود إلى محل وضع الرجل أو مدّ اليد، ثم يبنى على ما فعله، وليس الثوب كالبدن، فلا يضرّ مروره على الشاذروان، ولا دخوله إحدى فتحتي الحِجْر حال المرور، وإن كان يتحرك بحركته.\nوالشاذروان هو الخارج عن عرض جدار البيت، تركته قريش؛ لقلّة المنفقة والمصاريف، وهو مرتفع من الأرض بنحو ثلثي ذراع.\nوالحِجْر، ويقال له: الحطيم ما بين الركنين الشاميين عليه جدار، قصير على صورة نصف دائرة.\nثم إن هذه الشروط المتقدّمة ليست خاصة بطواف الإفاضة الذي هو الركن؛ بل هي شروط لكل طواف.\nولا يشترط في الطائف أن يطوف بنفسه.\nفلو حمل رجل محرمًا من صبي أو مريض أو غيرهما وطاف به، فإن كان الطائف حلالًا أو محرمًا، وقد طاف عن نفسه حسب الطواف للمحمول، وإن كان محرمًا ولم يطف عن نفسه نظر، فإن قصد الطواف عن نفسه فقط، أو عنهما معًا، أو لم يقصد شيئًا وقع عن الحامل؛ لأنه الطائف، ولم يصرفه عن نفسه، وإن قصده عن المحمول وقع عن المحمول، وسواء في الصبي المحمول حمله وليّه الذي أحرم عنه أو حمله غيره، ولو حمل شخص محرمين وطاف بهما، وهو حلال أو محرم، وقد طاف عن نفسه، وقع عن المحمولين جميعًا كما لو طاف على دابّة.","vol":"4","page":289},{"text":"\"قَالُوا: يَلْزَمُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ؛ لأَنَّ أَحَدَهُمَا حَصَّلَهَا.\nوَأجِيبَ: بِأَنَّهُ إِمَّا أنْ تَحْصُل أُخْرَى أَوْ لَا تَحْصُلَ إِلَّا بِهِمَا.\nوَمِنْهَا: أَلَّا تَتَأخَّرَ عَنْ حُكْمِ الأصْلِ.\nلَنَا: لَوْ تَأَخَّرَتْ لثَبَتَ الحُكْمُ بِغَيْرِ بَاعِثٍ، وَإنْ قُدِّرَتْ أَمَارَةً. فَتَعْريفُ الْمُعَرَّفِ.\n<hr><s0>\n\nالقرآن والوَطْء، ومسّ المصحف، والجلوس في المسجد، وعبوره للحَائِض إن لم تأمن التَّلويث، وكذا إن أمنت على وجه، وكذا للاسْتِمْتَاع بما بين السُّرَّةِ والرُّكبة على الصَّحيح (^١) إلى غير ذلك من أحكام الحَيْضِ، وكالسَّرقة فإنها تناسب القطع زجرًا للسَّارق، حتى لا يعود ولغيره؛ ليتعظ فَيَرْتَدِعَ، وتناسب التغريم جَبْرًا لصاحب المال، وأمثلته تكثر.\nالشرح: \"قالوا: يلزم تحصيل الحَاصِل؛ لأن أحدهما\" أي: أحد الحُكْمين \"حصلها\" أي: حصل الحِكْمَةَ المقصودة من الوصف، فيكون محصّلها من الحكم الثاني تحصيلًا للحاصل. وإنما قلنا: إِنه حصّلها؛ لأنه لو لم يحصلها لم يكن مناسبًا، وهو خلاف الفرض.\n\"وأجيب: بأنه إنما تحصل\" بذلك الوَصْف حكمة \"أخرى، أو\" قد تكون الحكمة المقصودة من الحكمين \"لا تحصل إلا بهما\"؛ لأن الوصف إِذا ناسب حكمين لم تحصل المصلحة إلا بهما، وما حصله أحدهما يكون جزءها.\n\n\"ومنها\" أي: و<span data-type='title' id=toc-808>من شروط علّة الأصل \"ألا تتأخر عن حكم الأصل\"،</span> سواء أفسرت بـ \"البَاعِثِ\"، أم المعرّف، أي: لا يكون ثبوتها متأخرًا عن ثبوت حكم الأصل، كما يقال - فيما أصابه عَرَق الكلب -: أصابه عَرَقُ حيوان نَجِس، فيكون نجسًا كَلُعَابِهِ، فيمتنع كون عرق الكلب نجسًا، فيقال: لأنه مستقذرٌ. فإن استقذاره إِنما يحصل بعد الحكم بنجاسته، وقد خالف قوم في هذا الشرط.\nالشرح: \"لنا: لو تأخرت\" العلّة عن الحكم \"لثبت الحكم بغير باعث\" على تقدير تفسيرها بـ \"الباعث\"، وقد فرضنا تأخّرها عن الحكم، وهو محال، \"وإن قدر\" أنّ العلة \"أمارة\" لا باعث، \"فتعريف للمعرف\"؛ لأنّ المفروض معرفة الحكم قبل ثبوت علَّته.\n_________\n(^١) في أ: على الصحيح: وكذا محل المشتراة.","vol":"4","page":290},{"text":"وَمِنْهَا: أَلَّا تَرْجِعَ عَلَى الأصْلِ بِالإِبْطَالِ، وَأَلَّا تَكُونَ الْمُسْتَنْبَطَة بِمُعَارِضٍ فِي الأصْلِ.\nوَقِيلَ: وَلَا فِي الْفَرْعِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"ومنها: ألا ترجع على الأصل\" (^١) الذي استنبط منه \"بالإبطال\"، أي: لا يلزم منها بُطْلان الحكم المعلّل بها؛ فإِن الحِكم أصلها، فلو أبطلته؛ لبطلت إِذ الفرع يبطل ببطلان أَصْله، وقد سبق في التأويلات البعيدة أمثلة ما يرجع على الأصل بالإبطال، وللشَّافعي قولان في جواز عَوْدِهَا على الأصل بالتَّخْصيص، ولا خلاف في جواز عوده عليه بالتَّعميم، كما يستنبط من قوله ﷺ: \"لا يَقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ\" (^٢)، أن العلّة تشويش الفِكْر، وتعديه إلى كل مُشَوّش للفكر، وذلك باب القياس كله.\n\"وألا تكون\" العلة، أي: ومن الشروط: ألا تكون \"المستنبطة\" معارضة \"بمعارض\" موجود \"في الأصل\" صالح للعلّية، وليس موجودًا في الفرع (^٣)، فإنه متى كان في الأصل وصفان مُتَعَارضان يقتضي كلّ منهما نقيض حكم [الآخر] (^٤)، لم يصحّ إِعمال واحد منهما إِلا بمرجّح، مثاله: قول الحَنَفِي في التبييت: صوم عَيْن، فيتأدّى بالنية قبل الزَّوَال، كالنفل فنقول: صوم فرض فيحتاط فيه، ولا يبنى على السهولة.\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام للآمدي ٣/ ٢٢٦ (١٨)، وشرح العضد ٢/ ٢٢٨، وشرح الكوكب المنير (٥٠٠)، وجمع الجوامع ٢/ ٢٤٧، ونهاية السول ٤/ ٣٠١، وإرشاد الفحول (٢٠٨)، والتحرير (٤٦١)، والتيسير ٤/ ٣١، وفواتح الرحموت ٢/ ٢٨٩.\n(^٢) متفق عليه من حديث أبي بكرة، أخرجه البخاري في الصحيح ١٣/ ١٣٦ كتاب الأحكام (٩٣) باب هل يقضي القاضي … (١٣) الحديث (٧١٥٨) واللفظ له، وأخرجه مسلم في الصحيح ٣/ ١٣٤٢ - ١٣٤٣ كتاب الأقضية (٣٠)، باب كراهة قضاء القاضي وهو غضبان، الحديث (١٦/ ١٧١٧). وأبو داود ٣/ ٣٠٢ في كتاب الأقضية، باب: القاضي يقضي وهو غضبان، حديث (٣٥٨٩)، والترمذي ٣/ ٦٢٠ في أبواب الأحكام، باب ما جاء لا يقضي القاضي وهو غضبان حديث (١٣٣٤)، وقال أبو عيسى: \"هذا حديث حسن صحيح\"، والنسائي ٨/ ٢٣ في كتاب: آداب القضاء، باب ذكر ما ينبغي للحاكم أن يتجنبه، وفي ٨/ ٢٤٧ باب: النهي عن أن يقضي في قضاء بقضائين.\n(^٣) ينظر: شرح الكوكب (٥٠١)، والإحكام للآمدي ٣/ ٢٢٥، وجمع الجوامع ٢/ ٢٤٩، وشرح العضد ٢/ ٢٢٨، وفواتح الرحموت ٢/ ٢٩٠، والتحرير (٤٦٢)، وإرشاد الفحول (٢٠٨)، وتيسير التحرير ٤/ ٣٢.\n(^٤) في أ، ت: الأخرى.","vol":"4","page":291},{"text":"وَقِيلَ: مَعَ تَرْجِيحِ الْمُعَارِضِ.\n<hr><s0>\n\n\"وقيل: ولا في الفرع\"، أي: ويشترط - أيضًا - ألا يكون في الفَرْعِ وصف معارض؛ وذلك لأن المقصود من إِثبات علّة الأصل ثبوت الحكم في الفرع، فَإذا عورضت في الفرع بوصف آخر، لم يثبت الحكم؛ لأنه من حيث إِنه معارض منافٍ يلحقها بأصل آخر، مثاله في: مَسْحُ الرأس ركن في الوضوء، فيسنّ على أصح القولين تَثْلِيثه، كغسل الوجه، فيعارض الخصم بقوله: مسح، فلا يسنّ تثليثه، كالمسح على الخفين.\nالشرح: \"وقيل (^١): مع الترجيح\" أي: قيد ما ذكر \"مع تَرْجيح المعارض\"، وهذه نسخة المصنّف، وفي بعض النسخ: وقيل: إنما يشترط ألّا تُعَارَضَ المستنبطة بمعارض في الأصل، أو في الأصل والفرع جميعًا، على اختلاف المذهبين، تَرْجِيح المعارض، أي: إذا كان ذلك المعارض راجحًا، فإنه - حينئذ - يبطل عمل الوَصْف الآخر المرجوح.\nأما إِذا لم يكن راجحًا فلا، وهذا ضعيف؛ لأن الرَّاجحية كما تبطل عمل الوصف الآخر، كذلك المُسَاواة؛ إِذ لا ترجيح لأحد المُتَسَاويين على الآخر. هذا تقرير ما في الكتاب، والذي فهمناه من أن المراد بالمعارضة المُنَافاة، وهو الحَقّ، والشارحون فهموا أن المراد بالمعارضة: الإِثبات بوصف آخر لا ينافي، وربما تأيّد هذا بعبارة الآمديِّ في \"المنتهى\" التي سأحكيها، وهو فاسد.\nأما أولًا؛ فلأنه حمل للمعارض على خلاف ظاهره؛ [فإن ظاهر التعارض التنافي مع إِمكان إِجرائه على ظاهره] (^٢).\nوأما ثانيًا؛ فلأن المعارض إِذا كان غير منافٍ، فقول المصنف فيما بعد: لا يشترط نفي المعارض في الأصل والفرع.\nإن أراد به المعارض المنافي، فهو واضح الفساد؛ إذ لا بد في صحة العلة من نفي ما ينافيها.\nوإن أراد المعارض غير المنافي، فهو تَكْرَار، وما يقال من أنّ معنى قوله - هناك -: إنه لا يشترط نفي المعارض فيهما جميعًا، وما اشترطه - هنا - نفي المعارض في الأصل فقط -\n_________\n(^١) في أ، ب، ت: وقيد.\n(^٢) سقط في ج.","vol":"4","page":292},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nتكلّف من غير احتياج إِليه، وخلاف ظاهر اللفظ، وتَكْرار أيضًا؛ لأنه قد قضى - هناك - بأن الفرع لا يشترط فيه ذلك، حيث قال بصيغة التَّمْرِيض: وقيل: ولا في الفرع، ومتى لم يشترط في الفرع، لم يشترط في الأَصْل والفرع جميعًا، فلا معنى لإِعادته.\nوأما ثالثًا: فلأنه لو كان المراد من المُعَارض - هنا - غير المُنَافي، لم يمتنع اجتماعهما، ويكونان علَّتين، ورأى المصنف التعليل بعلّتين مستقلتين.\nفإن قلت: تجويز العلَّتين المستقلَّتين لا يوجب القضاء على كلّ وصفين اجتمعا بالاستقلال في العلّية؛ لجواز أن العلّة أحدهما، أو أنهما جزءا علّة، والعلّة مجموعهما، أو الاستقلال، وإذا تساوت هذه الاحتمالات، لم يقض بواحد منها بخصوصه إِلا بدليل.\nلا يقال: إِذا كانت إِحداهما أَخْيَلَ وَأَنْسَبَ من الأخرى، فلم لا ترجح؟.\nلأنا نقول: إِنما ترجّح الأخيل عند التنافي، ولا تنافي بينهما؛ لإمكان إِعمالهما بالجزئية والاستقلال، وأنّ العلة أحدهما.\nقلت: من علل بعلتين قضى بالاستقلال حيث وجد وصفين مناسبين؛ إذ مجرد المناسبة يوجب ظن العلية، واجتماع علّتين - على هذا الرَّأي - لا يستحيل، فمن ظن أن المعلل بعلَّتين يتوقّف عند وجدان وصفين صالحين للاستقلال على القضاء عليهما بذلك إِلى أن يقوم دليل عليه، فهو من البعيدين عن معرفة أصول الفقه.\nوقد أفصح الآمدي في كتابه \"منتهى السُّول\" بذلك، إِذ قال: وألَّا تكون المستنبطة لها مُعَارض في الأصل لا وجود له في الفرع، إِلا على رأي من يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين.\nفاقتضى أنّ من يجوز علتين لا يشترط ذلك، إِذا كان معنى المعارض غير المنافي، وهو مراد الآمِدِي بالمعارض، ولا يصحّ أن يكون مراد المصنف، كما ذكرناه.\nوكذلك إمام الحرمين صرح في \"البرهان\" ببناء المسألة على التعليل بعلّتين، وكفى بكلامه حجّة.\nفإن قلت: فقد أطلق إمام الحَرَمَيْنِ والآمدي المعارضة، وأرادا بها المعارض الذي لا ينافي.","vol":"4","page":293},{"text":"<span data-type='title' id=toc-811>وَألَّا تُخَالِفَ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا.</span>\n<span data-type='title' id=toc-812>وألَّا تَتَضَمَّنَ الْمُسْتَنْبَطَةُ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ.</span>\n<hr><s0>\n\nقلت: نعم، ولكن ببناء ذلك على التعليل بعلّتين، والمصنف يرى جوازه، فلذلك لم نحمل المُعَارضة في كلامه على ما ينافي، بل على ظاهرها؛ خوفًا عليه من الفساد، فإن المعارض إذا لم يناف، وجوزنا التعليل، فلا يقدح بلا ريب.\nوأما رابعًا؛ فلأنه لو كان المُرَاد من المُعَارض ما لا يُنَافي، لم يتّجه اشتراط ذلك في الفرع أصلًا؛ لأنه إِذا وجد فيه وصف آخر لا ينافي، فعملهما واحد، فأي معنى لاشتراط نفيه؟\nوهذا بخلاف ما إِذا كان منافيًا؛ فإن اشتراطه قد يتجّه من جهة أن العمل يختلف، ويتنافى مقتضاهما.\nواعلم أن المراد بقولنا: شرط العلة ألَّا تُعَارِضَ، أي: شَرْطَ صحّتها وعملها، أما ذاتها فتوجد مع كونها مرجوحة.\nالشرح: \"وألَّا تخالف نصًّا أو إِجماعًا\"؛ لأنهما أولى من القياس.\nمثال مخالفة النص: قول الحنفي: المرأة مالكةٌ لبُضْعِهَا، فيصحّ نكاحها بغير إِذن وليّها، قياسًا على بيع سلعتها، وهذه علةّ تخالف نصّ قوله ﵊: \"أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَليِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ\" (^١).\nومثال الإجماع: قياس صلاة المُسَافر على صومه في عدم الوُجُوب، بجامع السَّفر الموجب للمَشَقَّة، وهذه علَّة تخالف الإجماع.\nالشرح: \"وألَّا تتضمّن المستنبطة زيادة على النَّص\"، بأن يكون النَّصّ دالًّا على علية\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود ٢/ ٢٢٩، كتاب النكاح: باب في الولي (٢٠٨٣)، والترمذي ٣/ ٤٠٨ كتاب النكاح: باب ما جاء لا نكاح إلا بولي (١١٠٢)، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وابن ماجة ١/ ٦٠٥، كتاب النكاح: باب لا نكاح إلا بولي (١٨٧٩)، وابن حبان، ذكره الهيثمي في موارد الظمآن ص ٣٠٥، كتاب النكاح: باب ما جاء في الولي والشهود (١٢٤٨)، وأحمد ٦/ ٦٦، والشافعي ٢/ ١١، كتاب النكاح: الباب الثاني فيما جاء في الولي (١٩)، والدارمي ٢/ ١٣٧، كتاب النكاح: باب النهي عن النكاح بغير ولي، والحاكم ٢/ ١٦٨، كتاب النكاح: باب أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وذكر له متابعة.","vol":"4","page":294},{"text":"وَقِيلَ: إِنْ نَافَتْ مُقْتَضَاهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-813>وَأَنْ يَكُونُ دَلِيلُهَا شَرْعِيًّا.</span>\n<span data-type='title' id=toc-814>وألَّا يَكُونَ دَلِيلُهَا متَناوِلًا حُكْمَ الْفَرْعِ </span>بِعُمُومِهِ، أَوْ بِخُصُوصِهِ مِثْلُ: \"لَا تَبِيعُوا الطعَامَ بِالطعَامِ\"، أَوْ: \"مَنْ قاءَ أوْ رَعَفَ.\n<hr><s0>\n\nوصف، ويزيد الاستنباط على ذلك الوصف قيدًا (^١).\nالشرح: وقيل: إِنما يشترط ذلك \"إن نافت\" الزيادة \"مقتضاه\"، وهذا ما ذكره الآمِدِيّ، وهو الصحيح عندي، وإنما يتجه الأول لو كانت الزيادة على النص نسخًا، وليس كذلك عندنا، وفي بعض النسخ: وقيد موضع.\nوقيل: والمقيِّد هو الآمدي، كما ذكرناه.\n\"وأن يكون دليلها شرعيًّا\"، وهذا إِذا كان القياس في الشرعيات.\nأما إذا كان في العقليات، أو اللغويات، وقلنا بصحته، فلا.\nالشرح: \"وألَّا يكون دليلها متناولًا حكم الفرع بعمومه أو بخصوصه\"، ففي العموم \"مثل\" ما روي من قوله ﵊: \"لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بالطعَامِ\" إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ\" وهو حديث لا يعرف بهذا اللَّفظ، ولكن في \"صحيح مسلم\": \"الطَّعَامُ بُالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ\" (^٢)، وهو بمعناه؛ فإنه دالّ على علّية الطعم.\nفلو قلنا: التُّفاح ربوي قياسًا على البُرّ بجامع الطّعم، فإنه علة بهذا الحديث، لم يصح.\n\"أو \"في خصوصه، مثل قوله ﵊: \"مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ فَلْيَتَوَضأ\" (^٣).\nوهو حديث ضعيف.\n_________\n(^١) ينظر: شرح الكوكب المنير (٥٢)، شرح العضد ٢/ ٢٢٩، جمع الجوامع ٢/ ٢٥٠، التحرير ٤٦٢، التيسير ٤/ ٣٣، إرشاد الفحول (٢٠٨).\n(^٢) تقدم.\n(^٣) أخرجه ابن عدي في الكامل ١/ ٢٨٨، ٥/ ١٩٢٨، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٤٢ وبلفظ: =","vol":"4","page":295},{"text":"لَنَا: تَطْوِيلٌ بِلَا فَائِدَةٍ، وَرُجُوعٌ.\nقَالُوا: مُنَاقَشَةٌ جَدَلِيَّةٌ.\nوَالْمُخْتَارُ: جَوَازُ كَوْنِهَا حُكْمًا شَرْعِيًّا إِنْ كَانَ بَاعِثًا عَلَى حُكْمِ الأصْلِ؛ لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ لَا لِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ؛ كَالنَّجَاسَةِ فِي عِلَّةِ بُطْلانِ الْبَيْعِ.\n<hr><s0>\n\nوروي من حديث عبد الرَّزاق، عن ابن جريج، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ وهو منقطع؛ لأنَّ والد ابن جُرَيْجٍ لا صحبة له.\nفلو قيل في القَيْيء: خارج من غير السَّبيلين، [فينقض] (١) كالخارج منهما، ثم استدلّ على أنّ الخارج منهما ينقض بهذا الحديث، لم يصح.\nالشرح: \"لنا: تطويل بلا فائدة\"، وذلك في الأول واضح؛ لإِمكان الإِثبات به من غير التَّعَرُّض لشيء آخر، وهو في الثاني تطويل، \"ورجوع\" عن القياس؛ لأنَّ الحُكْم - حينئذ - ثبت بدليل العلّة، لا بها، فلم يثبت الحكم بالقياس.\n\"قالوا\": هذه \"مناقشة جدليّة\"، وهي لا تقدح في صحّة القياس؛ لأنّ المناقشة الجدليّة\n_________\n= \"من أصابه قيء أو رعاف، أخرجه ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة باب: ما جاء فيمن أحدث في الصلاة … حديث (١٢٢٢).\nلفظ ابن ماجه، وأعله غير واحد بأنه من رواية إسماعيل بن عياش عن ابن جريج، ورواية إسماعيل عن الحجازيين ضعيفة، وقد خالفه الحفاظ من أصحاب ابن جريج فرووه عنه عن أبيه عن النبي ﷺ مرسلًا، وصحح هذه الطريق المرسلة محمد بن يحيى الذهلي والدارقطني في العلل وأبو حاتم، وقال: رواية إسماعيل خطأ، وقال فيه ابن معين: حديث ضعيف.\nوقال ابن عدي: هكذا رواه إسماعيل مرة، وقال مرة عن ابن جريج عن أبيه عن عائشة، وكلاهما ضعيف.\nوقال أحمد: الصواب عن ابن جريج عن أبيه عن النبي ﷺ مرسلًا.\nورواه الدارقطني من حديث إسماعيل بن عياش أيضًا عن عطاء بن عجلان وعباد بن كثير عن ابن أبي مليكة عن عائشة، وقال بعده: عطاء وعباد ضعيفان، وقال البيهقي: الصواب إرساله وقد رفعه أيضًا سليمان بن أرقم عن ابن أبي مليكة وهو متروك، وانظر: نصب الراية ١/ ٣٨، ٢/ ٦١.","vol":"4","page":296},{"text":"وَالْمُخْتَارُ: جَوَازُ تَعَدُّدِ الْوَصْفِ وَوُقُوعِهِ؛ كَالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ.\n<hr><s0>\n\nترجع إلى بيان أوضاع الأدلّة، وليس فيها مُبَاحثة فِقْهِيّة، ولم يجب المصنّف عن هذا، وهو سؤال الآمدي.\nوجوابه أن يقال: لا نسلّم أنها مناقشة جدليّة، بل مُبَاحثة فقهيّة، وذلك أن الحكم كان في الأول مستندًا إِلى النص؛ فإنّ التُّفاح داخلٌ تحت عموم الطَّعام، فجعله المناظر مستندًا إلى القياس، وحكم القياس والعموم مختلف.\nوفي الثاني: كان قياسًا، فعاد منصوصًا، ولربّ غرض يتعلّق بذلك - وحينئذ - نقول: إن وَضَح في التطويل مقصد فِقْهِيّ، فهو مقبول، وإلا فلا، وهذا هو المختار، والتطويل فيه ذو فائدة.\nالشرح: \"والمختار: جواز كونه حكمًا شرعيًّا إن كان باعثًا على حُكْمِ الأصل، لتحصيل مصلحة\"؛ إذ لا يبعد أن يكون ترتيب أحد الحُكمين على الآخر يستلزم حصول مصلحة لا يستقلّ بها أحدهما، وإن لم يكن باعثًا على حكم الأصل فلا؛ لأنه لا أولوية لأحدهما بالنسبة إلى الآخر في التعليل؛ لتساويهما في أنه لا واحد منهما باعث.\nولك أن تقول: قد يرجّح الفاعل المختار أحدهما بالإرادة، وينصبه معرفًا، ويقول: مهما رأيتموني حرمت الشيء الفلاني، فقد أبحت الشَّيء الفلاني، وحذف المصنّف هذا القسم؛ لأن العلّة عنده - أبدًا - لا تكون إِلا بمعنى الباعث، وإن كان باعثًا ولكن لا لجلب مَصْلحة، بل لدفع مَفْسَدة، فذلك لا يجوز التَّعْليل به، وإليه الإِشارة بقوله \"لا لدفع مفسدة، كالنَّجَاسة في علّة بطلان البيع\"؛ لأن حكم الأصل لو اشتمل على المَفْسَدة، لما شرعه الشارع.\nولك أن تقول: قد يشرع حكم مشتمل على مَفْسَدة؛ لأنها أخفّ من مفسدة غيرها يحصل لو لم يشرع، كما يُبَاح للمضطر أكل مال الغَيْر مع اشتماله على مَفْسَدَة إتلاف مال الغير؛ خوفًا من وقوع مفسدة أكثر منها، وهي هَلَاك النفس، وبالجُمْلة هذا مكان مشكل، وتبع المصنف كلام الآمدي في هذا الاختيار، وكلام الآمدي أشكل منه، وقد حذف منه المصنّف شيئًا، فلينظر كلامه في \"الإِحكام\"، فإن بعضه لم أتصوره، وبعضه فاسد مَبْنِي على معتقد في أنّ العلة في الأصل لا يجوز أن تكون بمعنى المعرف.","vol":"4","page":297},{"text":"لَنَا: أَنَّ الْوَجْهَ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ الْوَاحِدُ يَثْبُتُ بِهِ الْمُتَعَدِّدُ مِنْ نَصٍّ، أَوْ مُنَاسَبَةٍ، أَوْ شَبَهٍ، أَوْ سَبْرٍ، أَو اسْتِنْبَاطٍ.\nقَالُوا: لَوْ صَحَّ تَرْكُهَا لَكَانَتِ الْعِلِّيَّةُ صِفَةً زَائِدَةً؛ لأَنَّا نَعْقِلُ الْمَجْمُوعَ، وَنَجْهَلُ كَوْنَهَا عِلَّةً، وَالْمَجْهُولُ غَيْرُ الْمَعْلُومِ.\n<hr><s0>\n\nوالحق أن العلة المعرف أبدًا، وعلى هذا يجوز تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي، وهو رأي الإِمام الرازي.\nوقال قوم: لا يجوز مطلقًا، والخلاف مَبْني على تفسير العلة.\n\nالشرح: <span data-type='title' id=toc-816>\"والمختار: جواز تعدّد الوصف ووقوعه،</span> كالقَتْلِ العمد العدوان\"، علّة للقصاص، وهو رأي الجمهور، ومنعه قوم.\nوقال بعضهم: لا يجوز أن تزيد الأوصاف على خمسة، نقله أبو إِسحاق الشيرازي، وحكاه عن حكايته الإِمام في \"المحصول\"، وجعل موضع خمسة سبعة، وكأنها تصحيف في نسخته.\nالشرح: \"لنا: أَنَّ الوجه الذي ثبت به\" كون الوصف \"الواحد\" علة \"ثبت به المتعدّد من نصّ، أو مناسبة، أو شبه، أو سَبْر، أو استنباط\"، فكما صَحّ في الواحد، صحّ في المركّب، وليت شعري ماذا يصنع المانع في القَتْل العمد العدوان من حيث كونه مُزْهِقًا، الصادر من مكلف على مُكَافئ، ليس بولد، إلى غير ذلك؛ إِذ لا يمكنه نفي ذلك، ولا التَّعلُق بواحد من هذه الأوصاف وحده، فمن استقرأ الشَّرِيعة علم أن أكثر عللها مركبة، وما أرى للمانع مخلصًا إِلا [أن] (^١) يتعلّق بوصف منها، ويجعل البقية شروطًا فيه، لا أجزاء، ويؤول الخلاف إِذ ذلك إلى اللفظ.\nالشرح: \"قالوا: لو صحّ تركيبها، لكانت العلّية صفة زائدة\" على ذات العلّة المركبة، والتالي باطل، والملازمة بيّنة؛ \"لأنا نعقل المجموع\" من تلك الأوصاف من حيث هو، \"ونجهل كونها علة، والمجهول غير المعلوم\"، وغير جزئه، فتكون العلة زائدة، وإلا يجب من تعقُّل تلك الأوصاف تعقل العلية.\n_________\n(^١) في ت: لمن.","vol":"4","page":298},{"text":"وَتَقْرِيرُ الثَّانِيَةِ أنَّهَا إِنْ قَامَتْ بِكُلِّ جُزْءٍ، فكُلُّ جُزْءٍ عِلَّةٌ، وَإنْ قَامَتْ بِجُزْءٍ فَهُوَ الْعِلَّةُ.\nوَأُجِيبَ: بِجَرَيَانِهِ فِي الْمُتَعَدِّدِ بِأنَّهُ خَبَرٌ أَوِ اسْتخْبَارٌ.\nوَالْتَّحْقِيقُ: أَنَّ مَعْنَى الْعِلَّةِ: مَا قَضَى الشَّارعُ بِالْحُكْمِ عِنْدَهُ لِلْحِكْمَةِ، لَا أَنَّهَا صِفَةٌ زَائِدَةٌ، وَلَوْ سُلِّمَ فَلَيْسَتْ وُجُودِيَةً لاِسْتِحَالَةِ قيَام الْمَعْنَى بِالْمَعْنَى.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وتقرير الثانية\" أي: بطلان التَّالي أن العلية التي فرضناها وصفًا زائدًا بقوله: \"إنها إن قامت بكل جزء\" من أجزاء المرّكب على حدة، \"فكل جزء علة\" مستقلة، وهو خلاف المفروض، وأيضًا فيلزم قيام الصِّفة الواحدة بمحال كثيرة.\n\"وإن قامت بجزء\" واحد منها \"فهو العلة\" دون غيره، والفرض خلافه، وإن قامت بمجموعها، بمعنى: أنه قام ببعضها جزء، وببعضها الآخر جزء آخر، لزم أن يكون للعلّية ثلث ونصف، وربع.\nوأجيب عن هذا: بأنها قامت بالمَجْمُوع من حيث هو مجموع، واعترض عليه بأنه - حينئذ - لا بُدّ للمجموع من وحدة لها يكون المجموع مجموعًا، وينقل الكلام من العلية إِلى تلك الوحدة، ويلزم التسلسل، وضعِّف بأن الوحدة من الأمور الاعْتِبَارية، ولا يستحيل التَّسَلْسُل فيها، وحكى المصنّف في الجواب نقضًا إجماليًا، فقال:\nالشرح: \"وأجيب: بجريانه\"، أي: جريان هذا الدَّليل بعينه \"في المتعدّد\"؛ أي: في كل متعدّد \"بأنه خبر واستخبار\"، فإن كل واحد من الخبر والاستخبار صفة المتعدّد بلا خلاف، وهي زائدة؛ لأنا نعقل مجموع ذلك المتعدّد، ونجهل كونه خبرًا أو استخبارًا، والمجهول غير المعلوم، فالصفة - حينئذ - إِما قائمة بكل جزء، إِلى آخر ما ذكره في الدليل.\nالشرح: \"والتحقيق\" في الجواب: \"أن معنى العلّة: ما قضى الشَّارع بالحكم عنده للحكمة\"، فكأن الشارع قال: مهما وجدت هذه الأَوْصَاف مجموعة، فاعلموا أن الحكم الفلاني حاصل في ذلك المحلّ.","vol":"4","page":299},{"text":"\"قَالُوا: يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ كُلِّ جُزْءٍ عِلَّةً لِعَدَمِ صِفَةِ الْعِلِّيَّةِ؛ لاِنْتِفَائِهَا بِعَدَمِهِ، وَيَلْزَمُ نَقْضُهَا بِعَدَمٍ ثَانٍ بَعْدَ أَوَّلٍ لاِسْتِحَالَةِ تَجَدُّدِ عَدَمِ الْعَدَمِ\" ا. هـ.\n\"وَأُجِيبَ: بِأَنَّ عَدَمَ الْجُزْءِ عَدَمُ شَرْطِ الْعِلَّةِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَهُوَ كَالْبَوْلِ بَعْدَ اللَّمْسِ، وَعَكْسِهِ؛ وَوَجْهُهُ: أَنَّهَا عَلامَاتٌ، فَلا بُعْدَ فِي اجْتِمَاعِهَا ضَرْبَةً وَمُتَرَتِّبَةً، فَيَجِبُ ذَلِكَ\" ا. هـ.\n<hr><s0>\n\nوإنما قال المصنف: للحكمة، إِشارة إِلى ما يعتقده من أن معنى العلَّة: الباعث لا المعرّف، ولا يفترق الحال - هنا - \"لا أنها صفة زائدة\"؛ فإن قضاء الشَّارع بالحكم عند الوصف ليس صفة للوصف، فضلًا عن أن تكون صفة زائدة، \"ولو سلم\" أنّ العلة صفة زائدة، \"فليست وجوديةً؛ لاستحالة قيام المعنى بالمعنى\"؛ لأن العلية عرض، ومجموع الأوصاف - أيضًا - عرض، فيلزم قيام العَرَضِ بالعَرَضِ، وهو محال، فدل أنها ليست وجودية، ولا يخفى أن هذا إِنما يتم إِذا منعنا قيام العَرَض بالعرض.\nالشرح: \"قالوا\": لو كان المركّب علة \"يلزم أن يكون عدم كلّ جزء علة لعدم صفة العلّية؛ لانتفائها بعدمه\"؛ فإنه متى انتفى جزء من المركّب، انتفت العلّية، \"ويلزم\" - حينئذ - \"نقضها بعدم ثانٍ بعد أول\"، فإن عدم الجزء الثَّاني بعد الأول، لا يلزم منه عدم العلّية؛ لأن العلية انعدمت بالأول، فلم يلزم من الثاني شيء؛ \"لاستحالة تجدد عدم المعدوم\"، الذي هو العلّية المعدومة بانتفاء الجزء الأول، فتمهّد وِجْدَان العلة بلا مَعْلول؛ لأن عدم كل جزء علّة عدم العلية، وقد وجد عدم جزء، ولم يوجد عدم العلّية، وذلك عين النقض.\nالشرح: \"وأجيب: بأن عدم الجزء\" لا نسلّم أنه علّة لعدم العلّية، بل هو \"عدم شرط العلة\" لا وجود كلّ جزء شرط العلية، وعدم الشَّرْط ليس علة لعدم المَشْرُوط، فلا يكون عدم الجزء موجبًا لعدم العلية، فلا يلزم النقض.\nوأوجه من هذا أن يقال: إنما يكون عدم كل جزء علّة لعدم العلية، إِذا لم يكن مسبوقًا بعدم قبله، وهذا ما أشار إليه بقوله: \"ولو سلم\" أن عدم كلّ جزء علة لعدم العلية، \"فهو كالبول\"، يقع \"بعد [اللمس] (^١) وعكسه\"، في أن كلًّا منهما علّة للحدث، إِن لم يسبقه صاحبه.\n_________\n(^١) في أ، ت: المس.","vol":"4","page":300},{"text":"وَلا يُشْتَرَطُ الْقَطْعُ بِالأَصْلِ، وَلَا انْتِفَاءُ مُخَالَفَةِ مَذْهَبِ صَحَابِيٍّ، وَلا الْقَطْعُ بِهَا فِيِ الْفَرْعِ عَلَى الْمُخْتَارِ فِي الثَّلاثَةِ، وَلَا نَفْيُ الْمُعَارِضِ فِي الأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَإِذَا كَانتْ وُجُودَ مَانِعٍ، أَوِ انْتِفَاءَ شَرْطٍ، لَمْ يَلْزَمْ وُجُودُ الْمُقْتَضِي.\n<hr><s0>\n\n\"ووجهه: أنها\" أي: العلل الشرعية \"علامات، فلا بعد في اجتماعها ضَرْبَة\" أي: دفعة واحدة، \"ومرتبة\"، فلا يلزم النَّقْض، وإليه أشار بقوله: \"فيجب ذلك\"، أي: حتى يجب النقض.\nولقائل أن يقول: دعوى الخَصْم أن التركيب يلزم منه نقض العلّة العقلية، ونقضها مُحَال، فلا وجه لقولهم: هو كالبَوْلِ بعد اللَّمس وعكسه؛ إِذ تلك كما ذكرتم علامات، فليس فيما ذكرتم دفع لازم، فالوجه في الجواب أن يقال: العلَّة العقلية لا وجود لها - عندنا - فلا يقال: يلزم نقضها.\nوأما العلل الشَّرعية، فإن نقضها لمانع لا يقدح فيها عند المصنّف؛ لأن سبق انعدام الجزء الأول قبل الثاني مانع من صَيْرُورَةِ عدم الثَّاني علّة لعدم العلية كما قلناه.\nوالحاصل: أن نقض العلة العقلية لا وجود له؛ لأنه فرع وجودها، ونقض الشَّرْعية لا يضر إذا كان لمانع.\nالشرح: \"ولا يشترط\" في علّة الأصل \"القطع بالأصل\"، أي: بحكم الأَصْل، بل يجوز أن يكون حكمه مظنونًا، والعمل بالظن واجب.\n\"ولا\" يشترط أيضًا، \"انتفاء مخالفة مذهب صحابي\"؛ لأن قول الصَّحَابي - عندنا - ليس بحُجّة، وإن سلم أنه حُجَّة، فلعلّ مستنده في المُخَالفة علّة مستنبطة من أصل آخر - أيضًا - فلا يدفع ظن العلية فيما جعل علّة.\n\"ولا القطع بها\"، أي: بوجودها \"في الفرع\"، بل يكفي الظن \"على المختار في الثلاثة\"، وخالف في كل منها من لا يعبأ به.\n\"ولا\" يشترط - أيضًا - \" [نفي] (^١) المُعَارض في الأصل والفرع\"، والمراد\n_________\n(^١) في أ، ت: في.","vol":"4","page":301},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nبـ \"المعارض\" هنا: أن يقابل وصف المستدلّ بوصفٍ آخَرَ صالح للعلّية لا ينافيه، كما لو قيل: الزَّبيب مطعوم، فيكون ربويًا، قياسًا على البُرّ، فيعارض الخَصْم علة الطعم بعلّة الكيل، فهي صالحة لمُجَامعتها فيما فيه النزاع؛ إِذ الزبيب مطعوم مَكِيلٌ، فنفي هذا المعارض عند المصنّف وسائر من يجوز [التعليل] (^١) بعلتين لا يشترط.\nأما مَنْ لا يجوز التعليل بعلَّتين - وأنا من أشدّهم تصميمًا في ذلك - فيشترط، ويقول: لا بدّ للمستدلّ من نفي ما عدا الوصف المدعي علة بطريقة السَّبر والتقسيم، وهذا ما ارْتَضَاه إمام الحرمين، وبالغ ابن السَّمْعَاني في الرد عليه، وسبب ذلك اختلافهما في جواز التَّعْليل بعلَّتين، فابن السَّمْعَاني يجوز ذلك، والإِمام يمنعه، ومع المنع لا معنى للرّد؛ إِذ لا يتّجه سوى الاشتراط، والإِمام صَرّح بالبناء، فلا وجه للرد عليه حينئذ.\nفإن قلت: ولم حمل المعارض - هنا - على ما لا ينافى، وهو خلاف ظاهر المعارض؟.\nقلت: جمعًا بين كلامه السابق، حيث قال: وألَّا يكون بمعارض، وهنا، وأيضًا فمن منع التعليل بعلَّتين يراه معارضًا منافيًا؛ إذ لا يصحّ عنده التعلّق بوصفين، فتسميته معارضًا - عنده - تسمية حقيقية، وقد صرح إِمام الحرمين ببناء هذا على التَّعْليل بعلتين، وكذلك الآمدي، كما عرفت.\nوإذا نظرت كلامنا - هنا - وفي قوله: وألَّا يكون بمعارض، نَظَرَ المنصفين، عرفت أنه الحق المبين، وإن كان مخالفًا لكلام الشَّارحين، وأنا حملنا المُعَارضة على حقيقتها في الموضعين، أما هناك فواضح، وأما هنا، فبالنِّسْبة إلى مانع التعليل بعلتين.\n\"وإذا كانت\" العلّة لانتفاء الحكم، \"وجود مانع\" كعدم وجوب القِصَاصِ على الأب؛ لمانع الأبوة، \"أو انتفاء شرط\"، كعدم وجوب الرَّجْم؛ لعدم الإِحْصَان الذي هو شرط وجوب الرجم، \"لم يلزم وجود المقتضي\"، وهو اختيار الإِمام في \"المَحْصول\" وأتباعه؛ خلافًا للآمدي. وتعليل الحكم العَدَمِيّ بالوصف الوجودي يسمى تعليلًا بالمانع.\n_________\n(^١) في أ، ت: التعليق.","vol":"4","page":302},{"text":"لَنَا: أَنَّهُ إِذَا انْتَفَى الْحُكْمُ مَعَ الْمُقْتَضِى كَانَ مَعَ عَدَمِهِ أَجْدَرَ.\nقَالُوا: إِنْ لَمْ يَكُنْ فَانْتِفَاءُ الْحُكْمِ لاِنْتِفَائِهِ.\nقُلْنَا: أَدِلَّة مُتَعَدِّدَةٌ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: واحتج المصنّف لما اختاره فقال: \"لنا: أنه إذا انتفى الحكم مع\" وجود \"المقتضي كان\" انتفاؤه \"مع عدمه أجدر\"، ولك أن تقول: ولكن نسبته إِلى عدم المقتضي أولى من نسبته إلى وجود المانع، وأقل مقدّمات.\n\"قالوا: إن لم يكن\" وجود المقتضي قائمًا، \"فانتفاء الحكم لانتفائه\"، لا لوجود المانع، أو انتفاء الشرط.\n\"قلنا\": عدم المقتضِي ووجود المَانعِ، وانتفاء الشرط \"أدلة متعددة\" ولا يمتنع اجتماعها.\nولك أن تقول: فالاستناد - حينئذ - إِليها جميعًا، والذي ادّعَاه المصنف أولًا: الاستناد إِلى وجود المانع، أو انتفاء الشَّرط فقط، وأن ذلك قد يجامع انتفاء المقتضي، والمختار قول الآمدي: ومتى كان عدم المقتضي قائمًا، فالإحَالَةُ عليه أوْلَى.","vol":"4","page":303},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nالشَّافِعِيةُ: حُكْمُ الأصْلِ ثَابِتٌ بِالْعِلَّةِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهَا البَاعِثَةُ عَلَى حُكْمِ الأصْلِ.\nوَالْحَنَفِيَّةُ: بِالنَّصِّ؛ وَالْمَعْنَى: أَن النَّصَّ عَرَّفَ الْحُكْمَ؛ فَلَا خِلَافَ فِي المَعْنَى.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: قالت \"الشافعية: حكم الأصل (^١) \"، أي: المُعَلّل، ولذلك قال: الأصل، وإنما يذكر الأصل في مُقابلة الفرع، والعلة الجامعة.\nأما التعبدي، فلا مدخل له في كتاب القِيَاس، \"ثابت بالعلّة، والمعنى: أنها الباعثة على حُكمِ الأصل، والحنفيَّة: بالنَّص.\nوالمعنى: أن النص عرف الحُكم بلا خلاف في المعنى\" كذا ذكره المصنّف وغيره، وأنا أقول: هذه مسألةٌ معروفةٌ بالخلاف قديمًا بين أصحابنا والحنفية.\nفقال أصحابنا: إنه ثابت بالعلَّة، ورد بأنّ هذا لا يتأتى إلا إذا فسرت العلّة بـ \"المؤثر\" أو \"الباعث\"، فإن كونه منصوصًا - حينئذ - لا ينافي أن يكون معللًا بهذا المعنى.\n_________\n(^١) واعلم أن الخلاف في هذه المسألة آيل إلى اختلاف في اللفظ، وذلك أن قول أصحابنا بأن الحكم ثابت بالعدة لا يريدون به أن العلة معرفة له بالنسبة إلينا ضرورة أنها مستنبطة منه وأنها لا تعرف دون معرفته، وإنما يريدون به أنها الباعثة للشارع على إثبات الحكم في الأصل وأنها التي لأجلها أثبت الشارع الحكم وأصحاب أبي حنيفة غير منكرين لذلك، وحيث قالت الحنفية: إن العلة غير مثبتة للحكم لم يريدوا بذلك أنها ليست باعثة، وإنما أرادوا بذلك أنها غير معروفة لحكم الأصل بالنسبة إلينا، وأصحابنا غير منكرين لذلك، فلا خلاف في المعنى بل في اللفظ.\nينظر: الإحكام للآمدي ٣/ ٢٢٩.","vol":"4","page":304},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأما إن فسرت بِـ\"المعرف\" فكونه منصوصًا عليه ينافي التعليل بهذا المَعْنَى، وعلى هذا جرى المصنّف، وقال: إِنما عَنَت الشَّافعية أنها بمعنى البَاعِث، ونحن - مَعَاشِرَ الشافعية - لا نفسّر العلة بـ\"الباعث\" أبدًا، ونشدد النكير على من يفسرها بذلك، وإنما نفسرها بـ \"المعرف\"، ونحن نقول: ليس معنى كونها معرفًا إلا أنها نصبت أمارة يستدلّ بها المجتهد على وِجْدَان الحكم، إذا لم يكن عارفًا به، ويجوز أن يتخلّف في حقّ العارف، كالغيم الرّطب أمارة على المَطَر، وقد يتخلّف فإذا عرف الناظر - مثلًا - أن الإِسْكَار علّة التحريم، وهو حيث وجده قضى بالتَّحْريم.\nغاية ما في الباب: أن العالم يعرف تحريم الخَمْر غير الإِسكار؛ لاطِّلَاعه على النَّص، ولكن هذا لا يوجب ألا يكون الإسكار معرفًا، بل هو منصوب معرفًا، فقد يعرف بعض العوام علّية الإسكار للتحريم، ولا يدري هل الخَمْر المنصوص أو النَّبِيذ، أو غيرهما من المسكرات.\nفإذا وجد الخمر قضى فيه بالتحريم مستندًا إِلى وجدان العلّة، ومستفيدًا ذلك منها، فقد وضح بهذا أنّ العلّة قد تعرف حكم الأصل بمجردها، وقد تجتمع - أيضًا - في التعريف هي والنَّص، على رأي من يجوز اجتماع معرفين.\nوإذا تمهّد لك هذا، علمت أن العلَّة \"المعرف\" في الأصل والفرع جميعًا، وأن نسبة الأصل والفرع إلى العلة على حدّ سواء، لا فرق بينهما، إِلا أن بعض النَّاس سبق لهم معرفة حكم الأصل من غير العلّة، فلم تعرفهم العلّة شيئًا، ونحن لم نقل: المعرف يعرف كل أحد، بل إنما يعرف من ليس بعارف؛ لئلا يلزم تحصيل الحاصل، وتخلف التعريف بالنِّسْبة إلى العارف لا يخرج الأمارة عن كونها أمارة، ولذلك بعض النَّاس يعرف حكم الفرع من العلّة دون بعض، فإن كثيرًا من النَّاس إنما يعرفون حكم الفرع من [المفتي] (^١) وإن لم يعرف العلة أصلًا، فكم من عامّي يعرف من المفتين أن الزبيب ربوي، ولا يدري العلّة، فقد لاح كَفَلَق الصُّبح أن العلة المعرف في الأصل والفرع، وليس الدّور بلازم.\nوقالت الحَنَفِيّة: ثابت بالنص، فإن أرادوا أن النص أنشأ الحكم، فهو خطأ؛ فإن\n_________\n(^١) في أ: المعنى.","vol":"4","page":305},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالحاكم في الحقيقة هو النَّاصّ، والنَّصّ من العبارات الدَّالة على ما في النَّفس.\nوإن أرادوا أنه عرفه، وهو إِنما يعرف من عرف منه.\nأما من عرف من العلّة فلم يعرفه، كما قررناه، وربّ عارف من الأمرين جميعًا عند من يتعلق بعلّتين، وكما أن النَّص عرفنا الحكم النفسي، كذلك عرفنا أن العلة تعرف الحُكْم النفسي أيضًا.\nوالفرع والأصل جميعًا بالنسبة إلى الحكم النفسي سواء، وإنما أوجب لأحدهما أن يسمى أصلًا وروده على لسان الشرع كما ذكرناه.\nفإن قلت: فهل الخلاف لفظي، كما في الكتاب؟\nقلت: لا، بل يترتب عليه فوائد كثيرة، لولا طَلَبي الاختصار في هذا الشرح لأَوْقَفتُكَ منها على العَجَب العُجَاب.\nومن أدناها: التعليل بالقاصرة، فمنعوه لذلك؛ فإنهم يزعمون أَنْ لا فائدة فيها، وأن عرفان الحكم في الأصل واقع بالنص، فلا تُجْدِي هي شيئًا، ونحن نُجَوّزه، ونذكر من فوائدها تعريف الحكم المنصوص أيضًا.\nومنها: أنه هل من [شروط] (^١) العلّة ألا يكون ثبوتها متأخرًا عن ثبوت حكم الأصل؟ نحن نشترط ذلك، ونقول: لو تأخّر لكان الحكم في الأصل ثابتًا بلا مثبت؛ لأن مثبته العلة، أو يلزم أن يكون تعبدًا، ثم انقلب معقولَ المَعْنى، وهذا لا يضر؛ فإن المعنى كان موجودًا وقت ثبوت الحكم، فإن صلح لأن يتعلّق به ثانيًا، فقد صلح أولًا.\nفإن قلت: إذا فعله الشَّارع كان منصوصًا، والكلام في المُسْتَنْبطة، والخصوم لا يشترطون ذلك؛ لأن حكم الأَصْل ثابت عندهم بالنَّص، وهو موجود إن لم توجد العلّة، ونحن بعد هذا نلزمهم إيجاب النية في الوضوء.\nفنقول: عِبَادَةٌ تستباح بها الصلاة، فتتعين لها النية كالتيمُّم.\nفإن قالوا: حكم التيمم كان بعد الوضوء؛ لأن آية التيمّم إنما نزلت بعد الوضوء، فلو قِسْتُم الوضوء عليه لقستموه على أصل لم يكن وقت وجوب الوضوء.\n_________\n(^١) في أ، ت: شرط.","vol":"4","page":306},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقلنا: هو وإن لم يكن، ولكن لما كان مبَيَّنًا به الجامع الذي هو العلّة، وظهر لنا أنّ الحكم كان مستندًا إِليه، فيلحق به ما اشتمل عليه.\nوقد توسّعت الحنفية في أصلهم هذا، أعني: دَعْوَاهم ثبوت الحكم بالنَّص، وبالغوا فقال بعضهم: كما يثبت الحكم في الأصل بالنَّص ثمّ يستخرج منه معنى تعدّي إلى الفرع، وإن كان الحكم لم يثبت بذلك المعنى، بل يثبت بالنص - كذلك يجوز ذكر علّة في الأصل لا يثبت بها الحكم فيه، وتعدّى إلى الفرع، مثل قولهم: الشَّهَادة على السَّرقة لا تقبل عند تقادم العَهْدِ؛ لأنه حد من حدود الله تعالى، فأشبه الزِّنَا، حيث لا تقبل الشَّهَادة عليه عند تقادم العَهْد، وليست العلّة في الأصل هذا.\nوإنما العلة فيه: توهم الطَّعن في شهادتهم؛ لأنهم لما لم يشهدوا، فقد اختاروا السّتر، فإذا شهدوا بعد ذلك، فالظاهر أن الحامل لهم على ذلك ضِغْن في القلب، وهذا لا يوجد في البَيّنة على السرقة، فإنه لا بد من الدَّعْوَى فيها، فقاسوا السّرقة على الزنا بغير المعنى الذي ثبت به الحكم في الأصل.\nوقال أصحابنا: التعليل بمثل هذا باطل؛ لأن إِقامة الدليل على صحّة العلة لا بد منه، ولا يمكن إِقامة الدليل على صحّة هذه العلة؛ إِذ لا تأثير لها، فإنه إِذا لم يكن الحكم ثبت في الأصل بها، فكيف في الفرع؟\nوهم يقولون: الأصل لا يثبت فيه الحكم بالعلة كما عرفت.","vol":"4","page":307},{"text":"<span data-type='title' id=toc-819>شُرُوطُ الفَرْعِ وَهُوَ الَّذِي يُرَادُ ثُبُوتُ الحُكْمِ فِيهِ</span>\nشُرُوطُ الْفَرْعِ: مِنْهَا أَنْ يُسَاوِيَ فِي الْعِلَّةِ عِلَّةَ الأصْلِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"منها: أن يساوي\" الفرع \"في العلّة علة الأصل\" (^١)، ولو قال: أن تكون العلّة موجودة فيه بِتَمَامِهَا، لكان أحسن؛ لإِيهمام لفظ المُسَاواة أن الزيادة تضرّ، فيخرج قياس الأولى.\nوالتحقيق: أن المراد بالمساواة: حصول المعنى بتمامه، والزِّيادة لا تنافيه.\nفإن قلت: فيخرج قياس الأَدْوَن، كالتفاح على البُرّ، بجامع الطعم.\nقلت: نحن لا نعني بقياس الأَدْوَن أن يكون المعنى فيه أقل منه في الأصل، وإلا لم يَجوُزْ؛ لجواز أن يكون الحُكْم في الأصل مستندًا إِلى المعنى الموجود فيه بتمامه، فلا يجوز أن يلحق به ما لم يوجد فيه المَعْنَى بتمامه.\nوإنما المعنى به: أن يعلم حصول المعنى المظنون فيه بتمامه.\nوقولنا: \"المظنون\"، إِشارة إلى أن العلّة في الأصل قد يكون مقطوعًا بها، كالإِسْكَار في الخَمْرِ، وقد تكون مظنونةً، كالطعم في البُرّ، فإذا كانت مقطوعة ووجدت في الفرع، كان القياس فيه قياس مُسَاواة، لا قياس أدون؛ وإن كانت مظنونةً، فوجد فرع يشتمل عليها، ولا يشتمل على الوَصْفِ الآخر المحتمل للعلّية، وإن كان مرجوحًا فقياس الفرع - حينئذ - قياس أَدون، لأنه ليس ملحقًا بالأصل إلا على تقدير أن العلة فيه كذا مع احتمال غيره، فلم [يكن] لإلحاقه به من القوة ما لإلحاق الفرع المشتمل على الأوصاف المحتملة كلها.\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام ٣/ ٣٣١، ونهاية السول ٤/ ٣٢٨ - ٣٢٩، وشرح العضد ٢/ ٢٣٣، والروضة ١٦٩.","vol":"4","page":308},{"text":"فِيمَا يُقْصَدُ مِنْ عَيْنٍ أَوْ جِنْسٍ؛ كالشِّدَّةِ فِي النَّبِيذِ، وَكَالْجِنَايَةِ فِي قِصَاصِ الأطْرَافِ عَلَى النَّفْسِ.\nوَأَنْ يُسَاوِيَ حُكْمُهُ حُكْمَ الأصْلِ فِيمَا يُقْصَدُ مِنْ عَينٍ أَوْ جِنْسٍ؛ كَالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ فِي الْمُثَقَّلِ عَلَى المُحَدَّدِ، وَكَالْوِلَايَةِ فِي النِّكَاحِ فِي الصَّغِيرَةِ عَلَى الْمُوَلَّى عَلَيْهَا فِي الْمَالِ.\n<hr><s0>\n\nوأنا أضرب لك مثالًا أبيّن لك به مقصودي، فأقول: إِذا قررت أن الطّعم علة الربويات ظنًّا، فأنت غير قاطعٍ بخطأ من يعلّل بالقوت أو الكَيْل، وإنما أنت ظانّ، فإذا ألحقت بالبر الزبيب، بجامع الطّعم، وهذا قياس المُسَاواة؛ لأنه مَطْعُوم مُقْتَات مكيل، فهو ربوي على التقادير كلها، وإن ألحقت به التفاح، لم يكن ربويًا إِلا على تقدير واحد، وهو الطعم، وما كان ربويًا على جميع التقادير راجح على ما لا يكون ربويًا إِلا على تقدير واحد. هذا المراد بقياس الأَدْوَن، فافهم، وقد قررته كذلك في \"شرح المِنْهَاج\"، والمساواة لا بد منها، وإلا فلا سبيل إِلى تعدي الحكم، ولا يتحقّق القياس.\nالشرح: ولتكن مُسَاواة الفرع في العلّية لعلّة الأصل واقعة \"فيما يقصد\"، أي: في الوصف الذي هو مقصود في العلّة \"من عين أو جنس\"، أي: سواء أكان ذلك الوَصْف المقصود عين العلة أو جنسها، فالعين: \"كالشّدّة في النبيذ\"، حيث يقاس بها على الخمر؛ فإنها بعينها موجودة في النَّبيذ، كما هي موجودة في الخَمْرِ، فقد وجد في الفرع - وهو النَّبيذ - عين علّة الأصل، والمراد عينها بحسب النَّوع، لا بحسب الشَّخص؛ إذ لا سبيل إِلى وجدان شخص علّة الأصل في الفرع، وإلا اتحد، \"و\" الجنس \"كالجناية في\" قياس \"قِصَاص الأطراف على\" قصاص \"النَّفس\"، فإن علة قصاص الأَطْرَاف مساوية لعلّة قصاص النفس في الجناية التي هي مقصودة، والجناية جنس علّة قصاص النفس.\n\nالشرح: ومن شرائط الفَرْع \"أن يساوي حكمه حكم الأصل فيما يقصد\" كونه وسيلة للحكم \"من عين أو جنس\" أي عين الحكم أو جنسه، فالأول \"كالقصاص في النفس بالمُثَقّل\" إِذا قيس \"على المحدد\"، فإن وجوب القصاص بالمُثَقّل بعينه يساوي وجوب القصاص بالمُحَدّد. والثاني \"كالولاية في النكاح في الصغيرة\" يقاس \"على المولى عليها في المال\"؛ فإن ولاية النكاح مساويةٌ لولاية المال في جنس الولاية.","vol":"4","page":309},{"text":"وأَلَّا يَكُونَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ وَلَا مُتَقَدِّمًا عَلَى حُكْمِ الأصْلِ، كَقِيَاسِ الْوُضُوءِ عَلَى التَّيَمُّمِ فِي النِّيَّةِ؛ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ حُكْمِ الْفَرْعُ قَبْلَ ثُبُوتِ الْعِلَّةِ؛ لِتَأَخُّرِ الأصْلِ.\nنَعَمْ: يَكُونُ إلْزَامًا.\nوَقِيلَ: وَأَنْ يَكُونَ الْفَرْعُ ثَابِتًا بِالنَّصِّ فِي الْجُمْلَةِ لَا التَّفْصِيلِ.\nوَرُدَّ بِأَنَّهُمْ قَاسُوا: \"أَنْت عَلَيَّ حَرَامٌ\" عَلَى الطَّلَاقِ وَالْيَمِينِ وَالظِّهَارِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وأَلَّا يكون منصوصًا عليه\" (^١)، وإلا لكان حكمه ثابتًا بالنص لا بالقياس، وهذا إِذا كان ذلك الحكم المنصوص عليه مخالفًا للقياس واضح، وإلا لزم تقديم القِيَاس على النص، ووضوحه بالنسبة إِلى أنه لا فائدة للقياس، ولا يعمل به، وإلا فهو قياس في نفسه صحيح، ولذلك نقول: إِذا تعارض القياس والنص، فالنص مقدّم، وإنما يتعارضان عند صحتهما.\nوأما إِذا كان النص على موافقة القياس، فإما أن يكون النص الدَّال على ثبوت حكم الفرع هو بعينه الذي دَلّ على حكم الأصل، فينبغي أن يكون القياس باطلًا؛ إذ ليس جعل تلك الصورة أصلًا، والأخرى فرعًا أَوْلى من العكس؛ فإن نسبة دلالة النص إليهما على السواء، وإما أنْ يكون غيره، وفهم الشَّارحون أن هذا القسم هو مراد المصنّف، نظرًا من جهة أن الأكثرين في هذا القسم على الجواز؛ لأن تَرَادف الأدلّة على مدلول واحد جائز.\nومنع بعضهم من قياس المنصوص عليه مطلقًا؛ لقصّة مُعَاذ، فإنها بما فيها من صيغة \"إن\" الشرطية، كما اقتضت مشروعية القياس عند فقدان النص، أفهمت عدم مشروعيته عند الوجدان.\n\"ولا متقدمًا على حكم الأصل، كقياس الوضوء على التيمُّم في النِّيَّة\"؛ لأن التعبُّد بالتيمم إنما ورد بعد الهِجْرَةِ، وكان التعبُّد بالوضوء قبلها، وإنما [اشترطنا] (^٢) ذلك \"لما يلزم\n_________\n(^١) ينظر: المحصول ٢/ ٢/ ٤٩٩، الإحكام للآمدى ٣/ ٢٣٢، المستصفى ٢/ ٣٣١، جمع الجوامع ٢/ ٢٢٨، نهاية السول ٤/ ١٣٣، تيسير التحرير ٣/ ٣٠٠، حواشى المنار ٧٦٧، ٧٧١، إرشاد الفحول (٢٠٩)، فتح الغفار ٣/ ١٦، فواتح الرحموت ٢٦٠، المدخل ٣١٢، كشف الأسرار ٣/ ٣٠٢.\n(^٢) في أ، ت: اشترط.","vol":"4","page":310},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nمن\" ثبوت \"حكم الفرع قبل ثبوت العلّة، لتأخر الأصل\"، ولو صار هذا، لكان ثابتًا بل دليل، ضرورة أن دليله إِنما هو القياس على ذلك الأصل، والقياس متأخّر عن الأصل، فيكون الفرع ثابتًا متقدمًا على دَلِيلِهِ بمرتبتين.\n\"نعم\": لا يمتنع أن \"يكون إلزامًا\" للخصم؛ لتساوي الأصل والفرع في المعنى.\nوفي كتب الإمام وأتباعه ما يقتضي تجويزه أيضًا، وإذًا كان على حكم الفرع دليل آخر، وبه صرح الهِنْدِيّ، وهو ضعيف؛ لأنه خارج عما نحن فيه؛ إذ ليس الفرع - حينئذ - فرعًا للأصل الذي فيه نتكلّم.\nوغاية قولنا أنه لا يصح تفرعه عن أصل متأخر، وهذا سواء أكان له دليل آخر ثبت حكمه، أم لم يكن.\n\"وقيل: وأن يكون الفرع ثابتًا بالنَّص في الجملة، لا التَّفصيل\"، ويطلب بالقياس تفصيله، فلولا العِلْم بورود ميراث الجدّ جملة، لما جاز القِيَاس في توريثه مع الإخوة. قاله أبو هاشم وأتباعه.\n\"ورد بأنهم قاسوا: أنت عليَّ حَرَام، على الطلاق واليمين والظِّهَار\"، ولم يوجد في ذلك نصّ يدلّ على الحكم لا جُمْلة ولا تفصيلًا.","vol":"4","page":311},{"text":"<span data-type='title' id=toc-820>مَسَالِكُ العِلَّةِ</span>\nمَسَالِكُ الْعِلَّةِ: الأوَّلُ: الإجْمَاعُ.\nالثَّانِي: النَّصُّ.\nوَهُوَ مَرَاتِب: الأَوَّلُ: صَرِيحٌ؛ مِثْلُ لِعِلَّةِ كَذَا، أَوْ لِسَبَبِ كَذَا، أَوْ لأجْلِ، أَوْ مِنْ أَجْل، أَوْ كي، أَوْ إِذَنْ، وَمِثْل: \"لِكَذَا، أَوْ أَنْ كَانَ كَذَا، أَو بكَذَا\".\n<hr><s0>\n\nالشرح: أي: الطرق الدَّالة على أن الوصف علة:\n\n<span data-type='title' id=toc-821>\"الأول: الإجماع </span>(^١) \"، فإِذا أجمعوا على علّية وصف، قطعيًّا أو ظنيًّا، ثبتت عليته، ومثاله: قوله ﵊: \"لَا يَقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ\" (^٢).\nقال القاضي أبو الطيب: أجمعوا أن النهي فيه؛ لأن الغضب يشغل قلبه.\nالشرح: الثاني: النص، والمعنى به - هنا -: ما دل من الكتاب والسُّنة على العلّية، سواء أكان بالصراحة، أم بالإيماء (^٣).\nالشرح: \"وهو مراتب\":\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٥/ ١٨٤، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٣/ ٢٣٣، ونهاية السول للأسنوي ٤/ ٧٥، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص ١١٩، والمستصفى للغزالي ٢/ ٢٩٣، وحاشية البناني ٢/ ٢٦٢، الآيات البينات لابن قاسم العبادي ٤/ ٧٦، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٣٠٥، التحرير لابن الهمام ص ٤٦٤، تيسير التحرير لأمير بادشاه ٤/ ٣٩، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٢٣٣، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ٦٩، وإرشاد الفحول للشوكاني ص ٢١٠، ونشر البنود للشنقيطي ٢/ ٢٤٨.\n(^٢) تقدم.\n(^٣) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٥/ ١٨٦، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٣/ ٢٣٣، =","vol":"4","page":312},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالأول: \"صريح\"، وهو ما وضع دالًّا على العلية، ثم إن هذا الوضع إِما أن يكون بحيث لا يحتمل غير العلّية، أو بحيث يحتمل غيرها احتمالًا مرجوحًا، وذلك ممكن، إِما بأن يضعه الواضع كذلك، أو يضعه للأول، ثم يستعمل في معنى آخر استعمالًا قليلًا، فإذا ورد لفظ بعد ذلك، كان صريحًا في الأول، مع احتماله للثاني.\nفالذي لا يحتمل غير العلّية، \"مثل: لعلّة كذا، أو لسبب، أو لأجل، أو من أجل\" كقوله - تعالى -: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [سورة المائدة الآية: ٣٢]، وقوله ﵊: \"إِنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ البَصَر\" (^١). رواه الشيخان.\n\"أو: \"كي\"، وتارة تكون مجرّدة عن حرف النفي، مثل: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ [سورة طه: الآية ٤٠]، وتارة تصحبها، مثل: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [سورة الحشر: الآية ٧].\nوذكر ابن السَّمعاني: أن \"لأجل\" و\"كي\" دون ما قبلهما في الصراحة.\n\"أو: \"إذن\"\" قال ﵊ لأبي بن كَعْبٍ (^٢) - وقد قال له: أجعل لك صلاتي كلها: \"إِذَنْ يَغْفِر اللهُ لَكَ ذَنْبَكَ كُلَّهُ\"، وفي رواية: \"إِذَنْ يَكْفِيكَ اللَّهُ هَمَّ الدُّنْيَا\n_________\n= ونهاية السول للأسنوي ٤/ ٥٩، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ١١٩، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ١٨٧، وحاشية البناني ٢/ ٢٦٣، والإبهاج لابن السبكي ٣/ ٤١، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٤/ ٧٦، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٣٠٥، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٢٣٤.\n(^١) أخرجه البخاري كتاب الاستئذان: باب الاستئذان من أجل البصر حديث (٦٢٤١)، والترمذي (٢٧٠٩)، والنسائي كتاب القسامة: باب ٤٧، وأحمد (٥/ ٣٣٠)، والحميدي في \"مسنده\" (٩٢٤)، والشافعي في \"مسنده\" (٢٠١) من حديث سهل بن سعد الساعدي وأخرجه البخاري كتاب الديات: باب من اطلع في بيت … (٦٩٠١) ومسلم في الآداب رقم (٤٠، ٤١) بلفظ: إنما جعل الإذن من قبل البصر.\n(^٢) أبي بن كعب بن قيس بن عبيدة بن يزيد بن معاوية بن مالك بن النجار، الأنصاري الخزرجي، أبو المنذر المدني، سيد القراء، كتب الوحي، وشهد بدرًا وما بعدها، له مائة وأربعة وستون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على ثلاثة، وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بسبعة. وعنه ابن عباس وأنس وسهل بن سعد وسويد بن علقمة ومسروق وخلق كثير. وكان ربعة نحيفًا أبيض =","vol":"4","page":313},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوَالآخِرَة\" (^١).\nوالذي يحتمل غير العلّية احتمالًا مرجوحًا على ضربين:\nأحدهما: أن يذكر العلية بحرف من حروف التَّعْليل، قد يقصد به غير العلّية، وإليه أشار بقوله: \"ومثل: لكذا\" نحو: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [سورة إبراهم: الآية ١].\n\"أو: \"أنْ كان كذا\"\" - بفتح أن - لأن ذلك في تقدير: \"اللام\" فهي في الحقيقة لام مقدّرة، ويشبه أن تكون دون الظاهرة، ونظيرها: المفعول له، مثل: ضربته تأديبًا.\nوفي الحديث الصحيح في قضية الزبير، قول الأنصاري الذي كان يخاصمه للنبي ﷺ: \"أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ\" (^٢).\nوقرأ بعض حفاظ \"المُخْتصر\": \"أنْ\" - بالكسر - وهو وهم؛ فإنها بالكسر لا ترد للتعليل، وإنما ترد للشرط والنفي وزيادة، وإن فهم التعليل في الشرطية، فهو من ترتيب الحكم على الوصف، لا من الحرف.\n\"أو \"بكذا\"\" مثل: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الواقعة: الآية ٢٤]، وقد تأتي \"اللام\"\n_________\n= الرأس واللحية، وقد أمر الله ﷿ نبيه ﵊ أن يقرأ عليه ﵁. وكان ممن جمع القرآن، وله مناقب جمة رحمه الله تعالى. وتوفي سنة عشرين أو اثنتين وعشرين أو ثلاثين أو اثنتين وثلاثين أو ثلاث وثلاثين. وقال بعضهم: صلى عليه عثمان ﵁. وينظر ترجمته في: أسد الغابة: ت ٣٣، وتهذيب التهذيب: ١/ ١٨٧، وتقريب التهذيب: ١/ ٤٨، والإصابة: ١/ ١٦، والثقات: ٣/ ٥، وتاريخ ابن معين: ١٥٦٤، والجرح والتعديل ٢/ ٢٩٠، وسير أعلام النبلاء: ١/ ٣٨٩، ومشاهير علماء الأمصار: ١٢، وتلقيح الفهوم: ٣٦٤، وأسماء الصحابة الرواة: ٢٥.\n(^١) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٢١٨)، وعزاه لعبد الرزاق في \"تفسيره\".\n(^٢) أخرجه البخاري (٥/ ٤٢ - ٤٣) في الشرب والمساقاة: باب سكر الأنهار (٢٣٥٩)، (٢٣٦٠، ٢٣٦١)، وفي الصلح: باب إذا أشار الإمام بالصلح (٢٧٠٨)، (٨/ ٢٥٤) كتاب التفسير: باب \"فلا وربك لا يؤمنون\" حديث (٤٥٨٥)، ومسلم (٤/ ١٨٢٩ - ١٨٣٠) في الفضائل: باب وجوب اتباعه ﷺ (١٢٩/ ٢٣٥٧) من طريق عروة بن الزبير عن الزبير بن العوام.","vol":"4","page":314},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nو\"أنّ\" و\"الباء\" لغير التعليل، ولكن حقيقتها التعليل، لنقل أهل اللغة ذلك، ولتبادر الذهن إِليه، وأهمل المصنف ذكر \"إنَّ\" وهي - أيضًا - للتعليل، نحو ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ [سورة نوح: الآية ٢٧] وقوله ﵊: \"الثُّلُث، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ إنْ تَذَر وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ .. (^١) \"الحديث؛ متفق على صحته؛ ومنه قوله: [الوافر]\nلَقَدْ زَادَ الحَيَاةَ إِلَيَّ حُبًّا … بَنَاتِي إِنَّهُنَّ مِنَ الضِّعَافِ (^٢)\nقلت: ومن الحروف ما يستعمل في التعليل، وهو مشهور فيه، ولم يذكره الأصوليون، نحو \"إذ\".\nقال ابن مالك: تجيء للتعليل، ومنه: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ [سورة الكهف: الآية ١٦] ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ﴾ [سورة الأَحقاف: الآية ١١]: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ [سورة الزخرف: الآية ٣٩]، ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [سورة المائدة: الآية ٢٠]، ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [سورة النساء: الآية ٧٢]، ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٩].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥/ ٣٦٣): باب أن يترك ورثته أغنياء (٢٧٤٢)، ومسلم (٣/ ١٢٥٠) كتاب الوصية: باب الوصية بالثلث (٥/ ١٦٢٨)، من حديث سعد.\n(^٢) البيت لخالد القناني [الوافر]\nوبعده:\nأُحَاذِرُ أَنْ يَرَينَ الْفَقْرَ بَعْدِي … وَأَنْ يَشْرَبْنَ دَنَقًا بَعْدَ صَافِ\nوَأَنْ يَعْرَينَ إِنْ كُسِيَ الجَوَارِي … فَتَنْبُو الْعَيْنُ عَنْ كَرَمٍ عِجَافِ\nوَلَوْلا ذَاكَ قَدْ سَوَّمْتُ مُهْرِي … وَفِي الرَّحْمنِ لِلضُّعَفَاءِ كَافِ\nأَبَانَا مَنْ لنَا إنْ غِبْتَ عَنَّا … وَصَارَ الحَيُّ بَعْدَكَ فِي اخْتِلافِ\nينظر: الكامل للمبرد ٣/ ١٦٧.","vol":"4","page":315},{"text":"أَوْ مِثْلُ: \"فَإِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ\"، ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [سورة المائدة: الآية ٣٨]، وَمِثْلُ قَوْلِ الرَّاوِي: \"سَهَا؛ فَسَجَدَ\" \"وَزَنَى مَاعِزٌ؛ فَرُجِمَ\" سَوَاءٌ الْفَقِيهُ وَغَيْرُهُ؛ لأِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْهَمْهُ لَمْ يَقُلْهُ.\nوَتَنْبِيهٌ وَإيمَاءٌ، وَهُوَ الاِقْتِرَانُ بِحُكْمٍ لَوْ لَمْ يَكُنْ [هُوَ] أَوْ نَظِيرُهُ ........\n<hr><s0>\n\nوقول الشاعر: [البسيط]\nفَأَصْبَحُوا قَدْ أَعَادَ اللهُ نِعْمَتَهُمْ … إِذْ هُمْ قُرَيْشٌ وَإذْ مَا مِثْلَهُمْ بَشَرُ (^١)\nوذكر ابن مالك: أن سيبويه أشار إلى هذا، ونازعه شيخنا أبو حَيّان ﵀ وقد أنكر التَّبْرِيزي (^٢) صاحب \"التَّنْقيح\" كونها للتعليل.\nالشرح: والثاني: أن تذكر العلّية بتعليق الحكم على الوصف بالفاء، وهو نوعان:\nأحدهما: أن تدخل \"الفاء\" على العلة، ويكون الحكم متقدمًا، وإليه أشار بقوله: \"مثل: \"فإِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ\" يَوْمَ القِيَامَةِ وَأَوْدَاجُهُمْ تَشْخُبُ دَمًا … \" الحديث الذي يذكر الأصوليون أنه ورد في قَتْلَى أحد، وأنا لا أحفظ هذا اللفظ في رواية، ويروي الفرضي في مسند أحمد بن حنبل من حديث جابر أن النبيّ ﷺ قال في قتلى أحد: \"لَا تُغَسِّلُوهُمْ؛ فَإِنَّ كُلَّ جُرْحٍ أَوْ كَلْمٍ، أَوْ كُلّ دَمٍ يَفُوحُ مِسْكًا يَوْمَ القِيَامَةِ\" (^٣)، وفي إسناده رجل مجهول يسمى:\n_________\n(^١) البيت من البسيط، وهو للفرزدق في ديوانه ١/ ١٨٥، وتخليص الشواهد ص ٢٨١، والأشباه والنظائر ٢/ ٢٠٩، والجني الداني ١٨٩، ٣٢٤، ٤٤٦، والدرر ٢/ ١٠٣، ٣/ ١٠٥، وشرح أبيات سيبويه ١/ ١٦٢، وشرح التصريح ١/ ١٩٨، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٣٧، ٢/ ٧٨٢، والمقاصد النحوية ٢/ ٩٦، والمقتضب ٤/ ١٩١، والهمع ١/ ١٢٤، ومغني اللبيب ٣٦٣، ٥١٧، ٦٠٠، وأوضح المسالك ١/ ٢٨٠، ورصف المباني ٣١٢، ومغني اللبيب ٨٢، وشرح الأشموني ١/ ١٢٢، والمقرب ١/ ١٠٢، وخزانة الأدب ٤/ ١٣٣، ١٣٨.\n(^٢) مظفر بن أبي محمد بن إسماعيل بن علي الراواني، الشيخ أمين الدين، أبو الخير التبريزي. ولد سنة ٥٥٨ هـ. وتفقه بـ\"بغداد\" على ابن فضلان، ثم حج وقدم \"مصر\" ودرس بالمدرسة الناصرية. قال السبكي: كان من أجل مشايخ العلم بـ \"مصر\" فقيهًا، أصوليًّا، عابدًا، زاهدًا، من مصنفاته \"سمط الفوائد\" واختصر \"المحصول\" سماه \"التنقيح\". ومختصره المعروف، وغيرها. توفي بـ \"شيراز\" سنة ٦٢١ هـ. ينظر: طبقات الشافعية للسبكي ٥/ ١٥٦، وهدية العارفين ٢/ ٤٦٣، وابن قاضي شهبة ٢/ ٩١.\n(^٣) أخرجه أحمد ٣/ ٢٩٩ من طريق الزهري عن ابن جابر عن جابر بن عبد الله مرفوعًا.","vol":"4","page":316},{"text":"لِلتَّعْلِيلِ - كَانَ بَعِيدًا؛ مِثْلُ: \"وَاقَعْتُ أَهْلِي فِي نَهَارِ رَمَضَانَ\"، فَقَالَ: \"أَعْتِقْ رَقَبَةً\"؛ كَأنَّهُ قِيلَ: \"إذَا وَاقَعْتَ، فكَفِّرْ\"، فَإِن حُذِفَ بَعْضُ الأوْصَافِ فَتَنْقِيحٌ، وَمِثْلُ: \"أيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ\"؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ: \"فَلَا، إِذْنَ\".\n<hr><s0>\n\nبـ \"عبد ربّ\".\nوالثاني: أن تدخلها على الحُكم، وتكون العلّة متقدمة.\nقال الإِمام: ويشبه أن تكون أقوى في الإِشعار بالعلّية من عكسه، ونازعه النقشواني.\nوذلك إما في كلام الشارع، مثل: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [سورة المائدة: الآية ٣٨]، أو كلام الراوي، وإليه أشار بقوله: \"ومثل قول الراوي: \"سَهَا، فَسَجَدَ\"\" رواه أبو داود، والترمذي، بإسناد حسن غريب، من حديث عمران بن حُصَين.\n\"وزنى ماعزٌ، فرُجِمَ\"، وحديث زنا ماعز ورجمه متفق على صحته، ولكن هذا اللَّفظ - وهو مطلوبه - لا أعرفه، و\"سواء الفقيه وغيره\" في ذلك؛ \"لأن الظاهر أنه لو لم يفهمه، لم يقله\"، ولا يخفى أن الوارد في كلام الله - تعالى - ورسوله ﷺ أقوى مما ورد في كلام الرَّاوي، والراوي الفقيه أولى ممن ليس بفقيه.\nالشرح: \"و\" الثاني من مراتب النص: \"تنبيه وإيماء (^١)، وهو: الاقتران\" أي: اقتران الوَضف \"بحكم لو لم يكن هو\"، أي: الوصف، \"أو نظيره للتعليل، كان\" ذلك الاقتران \"بعيدًا من الشَّارع ينزه عنه فَصَاحته وإتيانه بالألفاظ في مواضعها، ثم هو - أَعني: الإِيماء - على أَرْبَعَةِ أوجه:\n_________\n(^١) الإيماء والتنبيه لفظان يتقارب معناهما لغة، فالإيماء في اللغة بمعنى الإشارة، مأخوذ من ومَأَ إلَيْهِ يَمَأُ ومئًا: أشار وقال الليث: \"الإيماء أن تُومِئَ برأسك أو بيدك كما يومئ المريض برأسه للركوع والسجو\".\nأما التنبيه: فإنه يأتي بمعنى القيام والانتباه من النوم، يقال: نبهه وأنبهه من النوم، فتنبه وانتبه.\nأما عند علماء الأصول: فكثير منهم استعمله في مفهوم واحد، وهو أن يكون التعليل مفهومًا من لازم مدلول اللفظ وصفًا، من هنا يخالف النص الصريح؛ لأن الصريح ما يكون اللفظ فيه دالًا بوضعه على التعليل، أما الإيماء فإنه يدل بلازمه، وبلفظ آخر فإن اللفظ في الإيماء لا يكون موضوعًا للتعليل، وإنما يفهم التعليل فيه من السياق أو القرائن اللفظية الأخرى، بخلاف الصريح، وقد ضبط علماء الأصول ذلك بضابط أن كل اقتران بوصف لو لم يكن هو أو نظيره للتعليل لكان بعيدًا، فيحمل على التعليل دفعًا للاستبعاد. =","vol":"4","page":317},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالأول: أن يحكم عقيب علمه بصفة المحكوم عليه، وقد أنهى إِليه المحكوم عليه حاله \"مثل\": قول الأعرابي: \"\"وَاقَعْتُ أَهْلِي في نهار رَمَضَان، فقال: \"أَعْتِقْ رَقَبَةً\" (^١) \" والحديث في الكتب السّتة، لكن بغير هذه الصيغة، أما بهذه الصيغة، ففي سنن ابن ماجه فقط، \"كأنَّه قيل: إِذا واقعت فَكفِّر\"، أو أعتق رَقَبَةً؛ لكونك واقعت.\nفإن قلت: يحتمل أن يكون ابتداء كلام، أو جواب سؤال، أو زجرًا للسَّائل عن الكلام، كقول السَّيد لعبده - إِذا سأله عن شيء -: اشتغل بشأنك.\n_________\n= وقد قسم علماء الأصول الإيماء إلى خمسة أنواع، وبعضهم وصل به إلى الستة، وبعضهم فرع على كل فرع تفريعات كثيرة. ينظر: لسان العرب ٦/ ٤٩٢٦، ٤٣٣٢، والصحاح ١/ ٨٢ وينظر: البحر المحيط للزركشي ٥/ ١٩٧، وسلاسل الذهب للزركشي ٣٧١، ونهاية السول للأسنوي ٤/ ٦٣، وزوائد الأصول له ٣٨٤، ومنهاج العقول للبدخشي ٣/ ٦١، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ١١٩، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ١٨٨، والمنخول للغزالي ٣٤٣، والمستصفى له ٢/ ٢٨٨، وحاشية البناني ٢/ ٢٦٦، والإبهاج لابن السبكي ٣/ ٤٤، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٤/ ٨٠، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٣٠٩، وحاشية التفازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٢٣٤، والكوكب المنير للفتوحي ٥٧٦.\n(^١) متفق عليه، من حديث أبي هريرة أخرجه البخاري في الصحيح ٤/ ١٦٣ كتاب الصوم (٣٠) باب: إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليكفر (٣٠) الحديث (١٩٣٦) وفي ١٠/ ٥٠٣ كتاب الأدب (٧٨)، باب التبسم والضحك (٦٨)، الحديث (٦٠٨٧) وفي ١١/ ٥٩٥ - ٥٩٦، كتاب كفارات الأيمان (٨٤) باب قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [سورة التحريم: آية (٢)]، الحديث (٦٧٠٩)، وباب من أعان المعسر في الكفارة (٣)، الحديث (٦٧١٠)، وباب يعطي في الكفارة عشرة مساكين (٤)، الحديث (٦٧١١)، ومسلم في الصحيح ٧٨١ - ٧٨٢ كتاب الصيام (١٣) باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم (١٤)، الحديث (٨١/ ١١١١) وأخرجه أبو داود ٢/ ٣١٣ في كتاب الصوم، باب كفارة من أتى أهله في رمضان حديث (٢٣٩٠، ٢٣٩١، ٢٣٩٢، ٢٣٩٣) والترمذي ٣/ ١٠٢ في أبواب الصوم: باب ما جاء في كفارة الفطر في رمضان، حديث (٧٢٤) وقال: حسن صحيح، وأخرجه النسائي في الكبرى ٢/ ١١، باب ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر أبي هريرة فيه، وابن ماجة ١/ ٥٣٤ في كتاب الصوم، باب ما جاء في كفارة من أفطر يومًا في رمضان حديث (١٦٧١)، وأخرجه أحمد في المسند ٢/ ٢٤١، ٥١٦، والدارمي ٢/ ١١ في كتاب الصوم، باب في الذي يقع على امرأته في شهر رمضان نهارًا.","vol":"4","page":318},{"text":"وَمِثَالُ النَّظِيرِ: لمَّا سَأَلَتْهُ الخَثْعَمِيَّةُ: \"إِنَّ أَبِي أَدرَكَتْهُ الْوَفَاةُ وَعَلَيْهِ فَرِيضَةُ الْحَجِّ، أَيَنْفَعُه، إِنْ حَجَجْتُ عَنْهُ؟ \" فَقَالَ: \"أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ، أَكَانَ يَنْفَعُهُ؟ \" فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَنَظِيرُهُ فِي السُّؤَالِ كَذَلِكَ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الأصْلِ وَالْفَرْعِ وَالْعِلَّةِ.\n<hr><s0>\n\nقلت: غَلَبَةُ الظن بالتعليل قائمة من غير التفات إِلى هذه الاحتمالات، و- أيضًا - فكان يلزم خلوّ السُّؤال عن الجواب، وتأخير البَيَان عن وقت الحاجة، فإن الغالب أن السائل إنما سأل عن حاجته.\n\"فإن حذف\" من الوصف المقترن بالحكم \"بعض الأوصاف\" التي لا مدخل لها في العلية، منْ ورود الحكم في يوم كذا للشَّخص الفلاني، وإخراج هذه الأوصاف عن الاعتبار، \"فتنقيح\" المناط، أي: إِذا ضممنا هذا الحَذْف إِلى ما نحن فيه كان إِيماء بتنقيح المَنَاط.\nوالثاني: أن يقدر وصفا الشارع، لو لم يكن تقديره للتعليل، لكان بعيدًا، سواء أكان التقدير في محل السؤال، أم في نظيره.\nففي محل السؤال، \"مثل\" قوله ﵊ وقد سئل عن بيع الرُّطَب بالتمر: \"أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا [يَبِسَ] (^١)؟. قالوا: نعم، فقال: \"فَلا إذَنْ\"\" (^٢).\nرواه أبو داود، والتِّرْمذي، والنسائي، وابن مَاجَه.\nوقال الترمذي: حسن صحيح، وصحّحه ابن خزيمة، والحاكم، فلو لم يكن تقدير نُقْصَان الرطب بالجَفَاف لأجل التعليل لكان تقديره بعيدًا؛ إِذ لا فائدة فيه حينئذ، والجواب يتمّ بدونه.\nالشرح: \"ومثال\" التقدير في \"النظير\": ما روي أنه ﷺ \"لما سألته الخَثْعمية: إن أبي أدركته الوَفَاةُ وعليه فريضة الحَجّ، أينفعه إِن حججت [عنه]؟ (^٣) فقال: \"أَرأَيتِ لَوْ كَانَ عَلَى\n_________\n(^١) في ت: بيع.\n(^٢) تقدم.\n(^٣) سقط في أ، ت.","vol":"4","page":319},{"text":"وَقِيلَ: إِن قَوْلَهَ ﵊ لمَّا سَألَهُ عُمَرُ عَنْ قُبْلَةِ الصَّائِمِ: \"أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ [ثُمَّ مَجَجْتَهُ]، أكَانَ ذَلِكَ مُفْسِدًا؟ \" فَقَالَ: لَا\" مِنْ ذَلِكَ. وَقِيلَ: إِنَّمَا هُوَ نَقْضٌ لِمَا تَوَهَّمَهُ عُمَرُ ﵁ مِنْ إِفْسَادِ مُقَدِّمَةِ\n<hr><s0>\n\nأَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ، أكَانَ يَنْفَعُهُ؟ قالت: نعم (^١)، فنظيره في المسئول كذلك\".\n\"وفيه تنبيه على الأصل\"، الذي هو دين الآدمي على الميت، \"والفرع\" وهو: الحج الواجب عليه، \"والعلة\" وهي: قضاء دين المَيّت، فقد جمع ﵊ فيه أركان القياس كلها، وحديث الخَثْعَمِيَّة ثابت في الكتب السّتة، ولكنه ليس بهذا السّياق، نعم في ابن ماجه: أن امرأة من خثعم، قالت: يا رسول الله إِن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يركب، أفأحجّ عنه؟، قال: \"نَعَمْ؛ فإِنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْن فَقَضَيْتِهِ (^٢)، والغرض يحصل بهذا السِّياق أيضًا.\nوفي \"الصحيحين\": جاءت امرأة إِلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إِن أمي ماتت وعليها صَوْم نذر، أفأصوم عنها؟ فقال: \"أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ، أكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكَ عَنْهَا؟، قالت: نعم، قال: \"فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ\" (^٣).\nالشرح: \"وقيل: إن قوله ﵊ لما سأله عمر عن قبلة الصائم: \"أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ أكَانَ ذَلِكَ مُفْسِدًا؟ \"، فقال (^٤): لا\" من ذلك، أي: من أمثلة ما نحن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤/ ١٩٢) كتاب الصوم، حديث (١٩٥٣)، ومسلم (٢/ ٨٠٤) حديث رقم (١٥٥/ ١١٤٨) من حديث ابن عباس.\n(^٢) فقد ألحق النبيّ ﷺ حج البنت عن أبيها العاجز بقضائه دين الآدمي عنه في الإجزاء أو الوجوب، بجامع أن كلًا منهما تفريغ البنت ذمة أبيها العاجز عن الدين، وهذا قياس أولوي أيضًا، وإن لم يصرح في الحديث بما يقتضي الأولوية.\n(^٣) فقد ألحق النبيّ ﷺ قضاء البنت دين الله عن أمها المتوفاة بقضائها دين الآدمي عنها في القبول أو الوجوب بجامع أن كلًّا منهما تفريغ ذمة الأم المتوفاة عن الدين، وهو قياس أولوي، لأن الله أحق بالوفاء من الآدمي، فتفريغ الذمة عن دينه أحق بالقبول أو الوجوب من تفريغها عن دين الآدمي.\n(^٤) أخرجه الدارقطني ٤/ ١٥٧، وله ألفاظ. ينظر: تلخيص الحبير ٤/ ٣٩، ٢٠٨، ونصب الراية ٤/ ٩٥، ٩٦، ٣٩٠.","vol":"4","page":320},{"text":"الإفْسَادِ، لَا تَعْلِيلٌ لِمَنْعِ الإفْسَادِ؛ إِذْ لَيْسَ فِيهِ مَا يُتَخَيَّلُ مَانِعًا، بَلْ غَايَتُهُ أَلَّا يَفْسُدَ.\n<hr><s0>\n\nفيه من التقدير في النَّظير، والحديث رواه أبو داود، والنسائي، وضعفه أحمد.\nوقال النسائي: إنه منكر، ولفظه ﵊ \"أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ مِنَ المَاءِ وَأَنْتَ صَائِمٌ؟ \"، قال عمر: قلت: لا، قال: \"فمه\" (^١).\nووجه كونه مثالًا لما نحن فيه: أنه ﷺ ذكر الوصف في نظير المسئول، وهو: المَضْمَضَة التي هي مقدّمة الشرب، ورتب عليه الحكم، وهو عدم الإفساد، ونبّه على الأصل، وهو الصوم مع المَضْمَضَة، والفرع، وهو الصوم مع القُبْلة، فيكون من ذلك.\n\"وقيل\": ليس مما نحن فيه، و\"إنما هو نقض لما توهّمه عمر من إفساد مقدّمة الإفساد\" أي: إِفساد القُبْلة التي هي مقدمة الجِمَاع، الذي هو مفسد فإن عمر ﵁ توهّم أن القُبْلة تفسد كما يفسد الجِمَاع، فنقض ﵊ الإِفساد؛ \"إذ ليس فيه\" أي: التمضمض بالماء \"ما يتخيل\" أن يكون \"مانعًا\" من الإفساد، فإن التمضمض إِن لم يصلح مفطرًا، فأقلّ أحواله ألا يكون مانعًا من الفِطْرِ، وإليه أشار بقوله: \"بل غايته ألا يفسد\"، أي: غاية المضمضة ألا تكون مفسدة للصوم، ولا ينتهي حالها إلى أن نمنع الفطر، كالأبوّة في القِصَاص - وحينئذٍ - فلا تصلح أن تكون علّة لعدم الفطر، فلا يصح ما ذكر مثالًا لما نحن فيه.\nوهذا كلام موجه، قاله الآمدي (^٢)، ولكن الأول هو قول ابن السَّمْعَاني، والغزالي، والإمام، وغيرهم من المحققين، وكلهم قد مثل به.\nوقد رد الهِنْدِيّ كلام الآمدي فقال: في قوله ﵊: \"أرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ ثُمَّ مَجَجْتَهُ\": تنبيه على الوصف المشترك بين المَضْمَضَةِ والقبلة، وهو عدم حصول المقصود منهما، وذلك صالح للعلّية، وإن لم يكن مناسبًا لعدم اشتراط المُنَاسبة في الوصف الموميء إِليه.\nوعندي في هذا نظر؛ فإن هذا لو تم، لزم أن يحال عدم الإِفطار على وجود القُبْلَةِ\n_________\n(^١) ينظر: التخريج السابق.\n(^٢) ينظر: الإحكام ٣/ ٢٣٨.","vol":"4","page":321},{"text":"وَمِنْهَا أَنْ يَفْرُقَ بَيْنَ حُكْمَيْنِ بِصِفَة مَعَ ذِكْرِهِمَا، مِثْلُ: \"لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، وَللْفَارِسِ سَهْمَان\"، أَوْ مَعَ ذِكْرِ أَحَدِهِمَا، مِثْلُ: \"الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ\"، أَوْ بِغَايَةٍ أَوِ اسْتِثْنَاءٍ مِثْلُ: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٢]، و﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٧]، وَمِثْلُ ذِكْرِ وَصْفِ مُنَاسِبٍ مَعَ الْحُكْم؛ مِثْلُ: \"لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ\"، فَإنْ ذُكِرَ الْوَصْفُ صَرِيحًا وَالْحُكْمُ مُسْتَنْبَطٌ مِثْلُ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٧٥] أَوْ بِالْعَكْسِ.\n<hr><s0>\n\nوالمضمضة، وليس كذلك، بل إِنما هو محال على عدم المُفْطر من جماع وغيره، وشرب، سواء اشترطنا مناسبة الوصف، أم لا.\nالشرح: \"ومنها: أن يفرق\" ﷺ \"بين حكمين\"، وهذا هو الثالث من وجوه الإِيماء، ثم تفرقته ﵊ بين الحُكْمين، إما \"بصفة مع ذكرهما مثل\": قوله ﵊: \"لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، وَلِلْفَارِسِ سَهْمَانِ\".\nوهذا اللفظ لا أعرفه، والذي في \"الصحيحين\": أنه ﵊ \"جعل للفرس سهمين، ولصاحبه سهمًا\" (^١)، وبه يقول أصحابنا.\nوفي لفظ للبخاري: \"للفرس سهمين، وللرَّاجل سهمًا.\nوفي سنن الدارقطني: (^٢) \"جعل للفارس سهمين، وللراجل سهمًا\".\n\"[أو مع] (^٣) ذكر أحدهما، مثل: \"القَاتِلُ لَا يَرِثُ\" (^٤) \"وهو حديث رواه الترمذي، وقال: لا يصح.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري ٧/ ٥٥٣ في كتاب المغازي: باب غزوة خيبر، حديث (٤٢٢٨)، وأخرجه أبو داود ٣/ ٧٥ في الجهاد: باب في سُهْمَان الخيل (٢٧٣٣)، وأخرجه الترمذي ٤/ ١٠٥ في أبواب السير في سهم الخيل، حديث (١٥٥٤) وقال: حسن صحيح، وابن ماجة ٢/ ٩٥٢ في الجهاد، باب: قسمة الغنائم حديث (٢٨٥٤)، وأحمد في المسند ٢/ ٢، ٦٢.\n(^٢) أخرجه الدارقطني ٤/ ١٠٦ من حديث ابن عمر.\n(^٣) في ت: أوقع.\n(^٤) أخرجه من رواية أبي هريرة ﵁ الترمذي في السنن ٤/ ٤٢٥ كتاب الفرائض (٣٠) باب ما جاء في إبطال ميراث القاتل (١٧) الحديث (٢١٠٩)، وأخرجه النسائي، ذكره المزي في تحفة الأشراف ٩/ ٣٣٣ الحديث (١٢٢٨٦) في الفرائض، وقال المحقق: (في الكبرى)، وأخرجه ابن ماجة في السنن ٢/ ٩١٣ كتاب الفرائض (٢٣) باب ميراث القاتل (٨) الحديث (٢٧٣٥)، وأخرجه الدارقطني في السنن ٤/ ٩٦ كتاب الفرائض الحديث (٨٦)، وأخرجه =","vol":"4","page":322},{"text":"\"فَثَالِثُهَا: الأوَّلُ إِيمَاءٌ لَا الثَّانِي: فَالأوَّلُ عَلَى أَنَّ الإيمَاءَ اقْتِرَانُ الْوَصْفِ بِالْحُكْمِ، وَإنْ قُدِّرَ أَحَدُهُمَا.\n<hr><s0>\n\n\"أو\" يفرق بينهما \"بغاية، أو استثناء، مثل: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٢] و﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٧].\nأو شرط، مثل: \"فَإذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ\"، أو بلفظ يجري مجرى الاستدراك، مثل: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٨٩]، يدل على أن التعقيد علة المؤاخذة، والمعتمد في هذا النوع من الإِيماء على أنه لا بُدّ للتفرقة من فائدة، وجعل الوصف سبب التفرقة فائدة، والأصل عدم غيرِه.\n\"ومثل: ذكر وصف مناسب مع الحكم\"، وهو الرابع من وجوه الإيماء، \"مثل\": قوله - عيه الصلاة والسلام -: \"\"لَا يَقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ\"، رواه الشافعي، ولفظه: \"لَا يَحْكُمُ الحَاكِم، أَوْ لَا يَقْضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ\"، والجماعة لفظهم: \"لَا يَقْضِي حَاكِمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ\"، ففيه تنبيه على أن الغضب علة؛ لأنه يشوش الفكر، كذا قيل: والحق: أن العلَّة المعنى المشترك، وهو تَشْويش الفِكْر، والوصف المذكور علة بمعنى: أنه مشتمل عليه، فيلحق به ما في معناه، كالجائع والحَاقِنِ، ويخرج عنه سواه، كالغضب إِذا كان لله تعالى، ذكره إِمام الحرمين، والبَغَوِي، وغيرهما.\nوهذا كله إذا ذكر الحكم والوصف معًا، \"فإن ذكر الوصف صريحًا، والحكم مستنبط، مثل: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٧٥] \".\nفإن الوصف الذي هو حل البيع مصرح به، والحكم، وهو الصحة غير مذكور، بل مستنبط من الحل، \"أو بالعكس\"، وهو كثير، منه أكثر العلل المستنبطة، نحو: \"لَا تَبِيعُوا البُرَّ بِالبُرِّ.\nالشرح: \"فثالثها\"، أي: ثالث المَذَاهب في هذين القسمين: أن \"الأوّل\" وهو ذكر الوصف، \"إيماء، لا الثاني\"، ومنهم من ادَّعى الاتفاق على [أن] (^١) الثاني ليس إِيماء.\n_________\n= البيهقي في السنن الكبرى ٦/ ٢٢٠ كتاب الفرائض؛ باب: لا يرث القاتل.\n(^١) سقط في أ، ت.","vol":"4","page":323},{"text":"وَالثَّانِي عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِمَا.\nوَالثَّالِثُ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْمُسْتَلْزِمِ لَهُ كَذِكْرِهِ، وَالْحِلُّ يَسْتَلْزِمُ الصِّحَّةَ.\nوَفِي اشْتِرَاطِ الْمُنَاسَبَةِ فِي صِحَّةِ عِلَلِ الْإِيمَاءِ ثَالِثُهَا الْمُخْتَارُ إِنْ كَان الْتَّعْلِيلُ فُهمَ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ، اشْتُرِطَتْ.\n<hr><s0>\n\n\"فالأول\" وهو القول: بأن كلا منهما إِيماء، بناء \"على أن الإيماء اقتران الوَصْف بالحكم، وإن قدر أحدهما.\nوالثاني: على أنه لا بد من ذكرهما\" صريحًا \"والثالث على أن ذكر المستلزم له كذكره\"، أي: مبني على أن إِثبات مستلزم الشيء يقتضي إثباته، والعلة تستلزم المَعْلُول، كالحل للصّحة، وإِليه أشار بقوله: \"والحل يستلزم الصّحة\"، بخلاف إثبات لازم الشيء؛ إِذ الإِثبات فيه لملزوم.\nالشرح: \"وفي اشتراط المناسبة في صحّة علل الإِيماء\".\nثالثها: المختار إن كان التعليل فهم من المناسبة\"، مثل: \"لَا يَقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ\"، \"اشترطت\"؛ لأن حقيقته ذكر وصف مناسب.\nفلو قلنا: لا يشترط فيه المناسبة، مع أنه لا يتحقّق إِلا بها لكان تناقضًا، وأما سواه من الأقسام فلا، والمُرَاد من المُنَاسبة ظهورها.\nوأما نفسها فلا بد منها في العلة الباعثة، دون الأمارة المجرّدة.","vol":"4","page":324},{"text":"المَسْلَكُ الثَّالِثُ\n\n<span data-type='title' id=toc-823>الثَّالِثُ: السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ،</span> وَهُوَ حَصْرُ الْأَوْصَافِ فِي الْأَصْلِ، وَإِبْطَالُ بَعْضِهَا بِدَلِيلِهِ، فَيَتَعَيَّنُ الْبَاقِي، وَيَكْفِي: \"بَحَثْتُ فَلَمْ أَجِدْ\"، أَوِ الْأَصْلُ عَدَمُ مَا سِوَاهَا، فَإِن بَيَّنَ الْمُعْتَرِضُ وَصْفًا آخَرَ، لَزِمَ إِبْطَالُهُ لَا انْقِطَاعُهُ وَالْمُجْتَهِدُ يَرْجِعُ إِلَى ظَنِّهِ، وَمَتَى كَانَ الْحَصْرُ وَالإِبْطَالُ قَطْعِيًّا فَقَطْعِيٌّ، وَإِلَّا فَظَنِّيٌّ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وهو حَصْرُ الأوصاف في الأصل\" (^١) المقيس عليه، \"وإبطال بعضها بدليله،\n_________\n(^١) السِّبْرُ والسَّبْرُ: الأصل واللون والهيئة والمنظر، يقال: إنه لَحَسَنُ السِّبْرُ: إذا كان حسن السحناء والهيئة، والسحناء اللون، كما يستعمل هذا اللفظ بمعنى: حسن الوجه، ويقال: سبرت الجرح أسبره: إذا نظرت ماغوره.\nوالتقسيم: لغة: قسم الشيء: جزّأه وفرّقه، وهي القسمة، والقسِم بالكسر: النصيب والحظ.\nوالسبر عند علماء الأصول: اختبار الوصف في صلاحيته وعدمها للتعليل به.\nوالتقسيم عندهم: حصر الأوصاف المحتملة للتعليل، بأن يقال: العلة إما كذا وإما كذا. ينظر: لسان العرب ٣/ ١٩٢٠ - ١٩٢١، ٥/ ٣٦٢٨، ٣٦٣١، ومختار الصحاح ٢/ ٦٧٥، ٥/ ٢٠١١. وينظر: البحر المحيط للزركشي ٥/ ٢٢٢، والبرهان لإمام الحرمين ٢/ ٨١٥، وإحكام الآمدي ٣/ ٢٤٣، ونهاية السول للإسنوي ٤/ ١٢٨، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ١٢١، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ٢٠٥، والمنخول للغزالي ٣٥٠، والمستصفى ٢/ ٢٩٥، وحاشية البناني ٢/ ٢٧٠، والإبهاج لابن السبكي ٣/ ٧٧، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٤/ ٨٤، وحاشية العطار ٢/ ٣١٣، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ٤/ ٤٦، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٢٣٦، وميزان الأصول للسمرقندي ٢/ ٨٥٧، وتقريب الوصول لابن جزي ١٤٥، وإرشاد الفحول للشوكاني ٢١٣.","vol":"4","page":325},{"text":"وَطُرُقُ الْحَذْفِ مِنْهَا الإِلْغَاء، وَهُوَ بيَانُ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِالْمُسْتَبْقَى فَقَطْ، وَيُشْبِهُ نَفْيَ الْعَكْسِ الَّذِي لا يُفِيدُ وَلَيْسَ بِهِ؛ لأَنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ: لَوْ كَانَ الْمَحْذُوفُ عِلَّةً لا تَبْقَى عِنْدَ انْتِفَائِهِ، وَإنَّمَا قُصِدَ: لَوْ كَانَ الْمُسْتَبْقى جُزْءَ عِلَّةٍ، لَمَا اسْتَقَلَّ، وَلَكِنْ يُقَالُ: لا بُدَّ مِنْ أَصْل لِذَلِكَ، فَيُسْتَغْنَى عَنِ الأوَّلِ.\n<hr><s0>\n\nفيتعيّن الباقي\" للعلّية، \"ويكفي\" المستدلّ أَن يقول: \"بحثت\" عن الأوصاف \"فلم أجد\" غير ما ذكر وسمع منه ذلك لعدالته وكونه أهلًا للمُنَاظرة.\n\"أو\" يقول: \"الأصل عدم ما سواها\" كذا بخطّ المصنف \"أو\"، وهو صحيح \"فإِن بين المعترض وصفًا، لزم\" المستدلّ \"إبطاله\" حتى يتم الاستدلال \"لا انقطاعه\" كذا بخط المصنّف، أي: لا يلزم انقطاعه؛ إِذ غايته منع مقدّمة من مقدمات دليله، ومقتضاه أن يلزمه الدّلالة عليها دون الانْقِطَاع، وإلا كان كل منع قطعًا، فإِذا أبطل ما اعترض به، سلم حصره، وكان له أن يقول: هذا مما علمت أنه لا يَصْلح، فلم أدخله في حصري.\nوقيل: ينقطع؛ لأنه ادّعى حصرًا ظهر بطلانه، وعندي: أنه ينقطع إِن كان ما اعترض به مساويًا في العلّية لما ذكره في حصره وأبطله؛ لأنه ليس ذكر المذكور وإبطاله أولى من ذكر المَسْكُوت عنه المساوي له، وإن كان دونه، فلا انقطاع؛ لأن له أن يقول: هذا لم يكن عندي مخيلًا ألبتة، بخلاف ما ذكرته وأبطلته، وما ذكرناه هو فيما إِذا كان مستدلًّا على غيره.\n\"والمجتهد يرجع إِلى ظنه\"، فمهما غلب على ظَنّه حصر الأوصاف، وبطلان البعض كفاه.\n\"ومتى كان الحَصْر والإِبطال قطعيًّا، فقطعي\" أي: فالتعليل قطعي، \"وإلا فظني\".\nالشرح: \"وطرق الحذف\"، أي: حذف بعض الأوصاف، وإبطال كونه علّة.\n\"ومنها: الإِلغاء، وهو بيان إثبات الحُكم بالمستبقى فقط\"، فيعلم أن المحذوف لا أثر له، وهو \"يشبه نفي العَكْس الذي\" تقدّم أنه \"لا يفيد\" في مسألة أن العَكْس لا يشترط في العلّة.\nوإنما أشبهه من حيث يثبت به عدم عليّة الوصف المحذوف بثبوت الحكم بدونه في صورة، كما يقول - مثلًا -: وصف القوت في الرّبويات ملغى؛ لأن المِلْح ربوي، وليس مقتاتًا، \"وليس به\" أي: هو الإِلغاء، وإن أشبه نفي العكس فليس إِياه؛ \"لأنه لم يقصد\" بالحذف أنه \"لو كان المَحْذُوف علة لانتفى\" الحكم \"عند انتفائه، وإما قصد: لو كان\"","vol":"4","page":326},{"text":"وَمِنْها: طَرْدُهُ مُطْلَقًا؛ كَالطُّولِ وَالْقِصَرِ، أَوْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ؛ كَالذكُورِيَةِ فِي أَحْكَامِ الْعِتْقِ.\nوَمِنْها: أَلَّا تَظْهَرَ مُنَاسَبَتُه، وَيَكْفِي الْمُنَاظِرَ: بَحَثْت، فَإِنِ ادَّعَى أَنَّ الْمُسْتَبْقَى، كَذَلِكَ، ويُرَجَّح بِهِ سَبْرُ الْمُسْتَدِلِّ بِمُوافَقَتِهِ لِلتَّعْدِيَةِ.\n<hr><s0>\n\nالمحذوف جزء علّة، لكان \"المستبقى جزء علّة\"، ولو كان المستبقى جزء علّة، \"لما استقلّ\" بالحكم في تلك الصورة، وقد استقلّ، \"ولكن يقال: لا بد من أصل لذلك، فيستغنى عن الأول\" أي: مجرد إِثبات الحكم بالوَصْفِ المستبقى بدون الوَصْف المحذوف في صورة، لا يلزم كون الوَصْف المستبقى علّة؛ إِذ غاية الإِلغاء أن يفيد أن الوصف المحذوف ليس بعلّة مستقلة، بل لا بد لذلك من أصل يفيد استقلال الوَصْف المستبقى في العلّية، وحينئذٍ يستغنى عن الإلغاء، ويكون ذكره تطويلًا بلا فائدة، ومثل ذلك قبيح في مجلس النَّظر، وهذا بحث ذكره الآمدي.\nومثاله: إِذا قلنا: التفاح ربوي قياسًا على البُرّ بجامع الطعم، فيقال: لم قلتم: إن البرربوي لكونه مطعومًا؟\nإنما هو ربوي للقوت مثل، فيقول: القوت باطل؛ لأن الملح ربوي، وليس بقُوتٍ، فيقال: قِسِ ابتداء على المِلحِ، تسقط عنك مؤنة التعليل بالقوت.\nالشرح: \"ومنها: طرده\" أي: يكون الوصف طرديًا من جنس ما علم من الشَّارع إلغاؤه، إما \"مطلقًا\" أي: في جميع أحكام الشرع، \"كالطّول والقصر\"، فإِنه لم يعتبر في القصاص، ولا الكَفَّارة، ولا الإِرث، ولا العِتْق، ولا التقديم للصَّلاة، ولا غيرها، فلا يعلل به حكم أصلًا، \"أو بالنسبة إِلى ذلك الحكم\"، وإن اعتبر في غيره \"كالذكورية في أحكام العِتْقِ\"؛ إذ هي مُلْغَاة فيه مع كونها معتبرةً في الشهادة، والقضاء، وولاية النكاح، والإرث، فلا يعلل بها شيء من أحكام العِتْقِ.\nالشرح: \"ومنها: ألا تظهر مناسبة\"، أي: لا يظهر للوصف المحذوف وجه مُنَاسبة، \"ويكفي المناظر\" أن يقول: \"بحثت\" فلم أجد بينه وبين الحكم مناسبة، \"فإن ادّعى\" المعترض \"أن\" الوصف \"المُسْتبقى كذلك\"، فذلك مسموع منه، إِن لم يكن قد سبق منه تسليم مُنَاسبة كلّ واحد من الوصفين.","vol":"4","page":327},{"text":"وَدَلِيلُ الْعَمَلِ بِالسَّبْرِ وَتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ وَغَيْرِهِمَا؛ أَنَّهُ لا بُدَّ مِنْ عِلَّةِ؛ لإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ عَلَى ذَلِكَ.\n<hr><s0>\n\nثم يحتاج المستدل إِلى إِثبات مرجّح يترجّح به سَبْره على سَبْر المعترض، بأن يبين أنّ سبره موافق لتعدية الحكم، وسبر المعترض قاصر، وإليه أشار بقوّله: \"ويترجّح سبر المستدلّ بموافقته للتعدية\"، وهو بناء على أنّ المتعدية أَرْجَح من القاصرة، وهو المختار، وليس للمستدلّ أن يبين المُنَاسبة بين المستبقى والحكم؛ لأنه - حينئذٍ - انتقال من السّبر إلى المناسبة.\nالشرح: \"ودليل العمل بالسّبر، وتخريج المناط وغيرهما: أنه لا بد من علّة لإِجماع الفقهاء على ذلك\".\nوإنما خصّ بعض الفقهاء بالذِّكْر؛ لأنهم يجعلون اقترانها بالعلّة بطريق اللّطف، وغيرهم كالمعتزلة يجعلها بطريق الوجوب، فانتهض إِجماع الأمة الفقهاء بما ذكرناه، وغيرهما بطريق أولى، وهذا ضعيف؛ فإِنا لا نسلم أن كل حكم معلل، ويجوز ورود ما لا معنى له، فللرب - تعالى - أن يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وقد تقدمت الإِشارة إلى هذا في البرهان الذي أسلفناه على أن أفعاله - تعالى - لا تعلل، وهذا مقرر في أصول الدِّيَانات.\nورأيت شيخ الإِسلام عز الدين بن عبد السَّلام قال في أجوبة مسائل سئل عنها - ونقلها من خطّ تلميذه الشيخ تاج الدين بن الفرْكَاح (^١) - ما نصّه: الله - سبحانه - يفعل ما يشاء من غير تَقْيِيدٍ بحكمة ولا علّة؛ فإِن الحكم في العلل يعود إلى مصالح العباد، ولا يجب عليه إِصلاح، ولا يتضيّق عليه تصرفه بِحَجْرِ حاجر، ولا منع مانع، وما أجهل من يعتقد أن الله\n_________\n(^١) عبد الرحمن بن سباع بن ضياء، العلامة الإمام، مفتي الإسلام، تاج الدين، أبو محمد، الفزاري، البدري، المصري الأصل، الدمشقي، الفركاح، ولد في ربيع الأول سنة ٦٢٤ هـ. وتفقه في صغره على الشيخين: ابن الصلاح وابن عبد السلام، وكانت الفتاوي تأتيه من الأقطار. قال الذهبي: فقيه الشام، درس وناظر وصنف وانتهت إليه رئاسة المذهب كما انتهت إلى ولده برهان الدين، وكان من أذكياء العلم، وممن بلغ رتبة الاجتهاد. من مصنفاته: \"الإقليد لدرء التقليد\". توفي سنة ٦٩٥ هـ. ينظر: شذرات الذهب ٥/ ٤١٣، وطبقات الأسنوي (٣٦٦)، وفوات الوفيات ١/ ٢٥٠، وطبقات السبكي ٥/ ٦٠، وطبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ١٧٣.","vol":"4","page":328},{"text":"وَلِقَوْلهِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وَالظَّاهِرُ التَّعْمِيم، وَلَوْ سَلَّمْنَا، فَهُوَ الْغَالِبُ؛ لِأَنَّ التَّعَقُّلَ أَقْرَبُ إلَى الأنْقِيَادِ، فَلْيُحْمَلْ عَلَيْهِ، وَقَدْ ثَبْتَ ظُهُورُهَا، وَفِي الْمُنَاسَبَةِ.\nوَلَوْ سُلِّمَ، فَقَدْ ثَبَتَ ظُهُورُهَا بالْمُنَاسَبَةِ؛ فَيَجِبُ اعْتِبَارُهَا فِي الْجَمِيْعِ؛ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ فِي عِلَلِ الْأَحْكَامِ.\n<hr><s0>\n\n﷾ لا يجوز أن يخلق شيئًا من المخلوقات إلا أن يكون في جَلْب نَفْع أو دفع ضرّ، تالله لقد تيمموا شاسعًا، وتحجروا واسعًا. انتهى.\nوذكر نحوه المصنّف، فإِنه كذلك بخطّ الشيخ عز الدين، وبسط الجَوَاب، وأتى بمعنى ما ذكره الشيخ عزّ الدين، وعندي صورة خطها بخط الشيخ تاج الدين.\nوقد يقال: الَّذي فيه أنه لا يجب عليه، والمدعى أنه لا يقع إِلا بحكمة لا أنه لا يجوز إلا بحكمة، فليس فيه إلا الرد على المعتزلة فقط.\nوالجَوَاب: أنه لو ادّعى أنه لا يقع إِلا هكذا، للزم التضيُّق أيضًا، وإن ادعى مدّع تلقي ذلك من الاستقراء، لم يسلم من المُنَازعة في كثير من الأَحْكام، والذي كنت أسمع الشيخ الامام الوالد ﵁ يقوله: إِن المعتزلة يوجبون رعاية المصالح، والفقهاء يقولون: لا يجب، ولكن لا يقع إلا بحكمة، والمتكلمون من أهل السُّنة يقولون: قد يقع بحكمة، وقد يقع ولا حِكْمة، وهو الحق، وحسبك إمام الناس معقولًا ومنقولًا، وشيخ السُّنة فروعًا وأصولًا.\nالشرح: \"ولقوله\" - تعالى -: \" ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)]﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، والظاهر التعميم\"، أي: مراعاة مَصَالحهم في كلّ مشروع؛ إِذ لو أرسل بحكم لا مصلحة فيه لم تَتَحَقّق الرحمة، وهذا ضعيف؛ لأن المصلحة ثابتةٌ بمشروعية كل حكم، وإِن لم يظهر وجهها في بعض الأحكام، أو كانت [تعبدًا] (^١)، مع فوات القياس في التعبديات.\n\"ولو سلمنا\" عدم الإِجماع على اقتران الحكم بالعلّة، وعدم دلالة الآية عليه \"فهو الغالب\"؛ لأن التعقل أقربُ إلى التقييد، فيحمل عليه\"، إلحاقًا للفرد بالأعم الأغلب، فثبت أنه لا بُدّ للحكم من علة، \"وقد ثبت ظهورها\" بما ذكرناه من المسلك سبرًا كان أو تخريج مَنَاط، أو غيرهما.\n_________\n(^١) في أ، ت: بعيدًا.","vol":"4","page":329},{"text":"<span data-type='title' id=toc-824>الرَّابِعُ: الْمُنَاسَبَةُ وَالْإِخَالَة،</span> وَتُسَمَّى تَخْرِيجَ الْمَنَاطِ، وَهُوَ تَعْيِينُ الْعِلَّةِ بِمُجَرَّدِ إِبْدَاءِ الْمُنَاسَبَةِ مِنْ ذَاتِهِ لَا بِنَصٍّ وَلَا غَيْرِهِ؛ كَالْإِسْكَارِ فِي التَّحْرِيمِ، وَالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فِي الْقِصَاصِ.\nوَالْمُنَاسِبُ: وَصْفٌ ظَاهِرٌ مُنْضَبِطٌ يَحْصُلُ عَقْلًا مِنْ تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا مِنْ حُصُولِ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ.\nفَإِنْ كَانَ خَفِيًّا أَوْ غَيْرَ مُنْضَبِطٍ، اعْتُبِرَ مُلَازِمُهُ وَهُو الْمَظِنَّةُ؛ لأَنَّ الغَيْبَ لَا يُعَرِّفُ الْغَيْبَ؛ كَالسَّفَرِ لِلْمَشَقَّةِ، وَالْفِعْلِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ عُرْفًا بِالْعَمْدِ في الْعَمْدِيَّةِ.\n<hr><s0>\n\n\"وفي المناسبة\"؛ خاصّة يقال: \"ولو سلم\" عدم العلّية، \"فقد ثبت ظهورها بالمناسبة\"، لأنها بمجرّدها يغلب ظنّ العلّية - كما سيأتي إن شاء الله تعالى - ثم يقال في المُنَاسبة وغيرها: ذا ثبت ظهورها، وحصل ظنّ علّيتها، \"فيجب اعتبارها في الجميع؛ للإِجماع على وجوب العَمَلِ بالظَّن في علل الأحكام\"، ولا يخفي مما سطرناه أنه لا يشترط في الوَصْفِ المنتفي مناسبة، وقد خالف كثير من أصْحَابنا في ذلك، وعلى هذا فالسَّبْر عندهم من جملة المناسبة.\nالشرح: \"الرابع: المناسبة\" يزاد فيها \"الإِخالة\"؛ لأنَّهُ بالنظر إليه يُخَال أنه علة، \"ويسمى: تخريج المناط (^١) \"؛ لأنَّهُ إِبداء ما نيط به الحكم، \"وهو: تعيين العلة\" في الأصل \"بمجرد إِبداء المناسبة\" بينها وبين الحكم \"من ذاته\"؛ أي: ذات الأصل \"لا بنصّ ولا غيره\" من إجماع أو غيره، \"كالإِسكار في التحريم، والقتل العَمْد العدوان في القصاص\".\nالشرح: \"والمناسب: وصف ظاهر منضبط\"، بحيث \"يحصل عقلًا من ترتيب الحُكْم عليه ما يصلح أن يكون مقصودًا، من حصول منفعة، أو دَفْع مفسدة\".\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٥/ ٢٥٧، والإحكام. في أصول الأحكام للآمدي ٣/ ٢٨٠، ونهاية السول للإسنوي ٤/ ١٤٢، وزوائد الأصول له ٣٧٩، ومنهاج العقول للبدخشي ٣/ ١٠٠، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ١٢٢، والإبهاج لابن السبكي ٣/ ٨٣، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٤/ ١١٥ وحاشية العطار ٢/ ٣١٧، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ٤/ ٤ والموافقات للشاطبي ٤/ ٩٦، وتقريب الوصول لابن جزي ١٤١، ونشر البنود للشنقيطي ٢/ ١٦٤.","vol":"4","page":330},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفالظَّاهر المنضبط: احتراز عن الوضف الخفي، وما لا ينضبط.\nوقولنا: \"بحيث\" لا بد منها، وإن أهملها الآمدي والمصنف، فالظاهر أنهما أراداها، وإلا يلزم أن يكون اعتبر في ماهيّة المناسبة ما هو خارج عنها، وهو اقتران الحُكْم للوصف، وهو خارج بدليل قولنا: المُنَاسبة مع الاقتران دليل العلّة، ولو كان الاقتران داخلًا، لما صحّ هذا.\nوما يصلح أن يكون مقصودًا: احتراز عن الوصف المُسْتبقى في السَّبر، والمَدَار في الدوران، وغيرهما.\nوقوله: \"من حصول مصلحة، أو دفع مفسدة\" بيان لقوله: ما يصلح.\nواعترض الشيخ الهِنْدِي: بأنه إن عني بقوله: يحصل من ترتيب الحكم علته، أنه يلزم من ترتيب ما يقتضيه الوصف من الحكم بحسب مناسبته له، فيلزم تعريف الشيء بنفسه؛ لأن تعريف المناسب إنما هو باعتبار مناسبته فتعريفه بالمناسبة تعريف للشيء بنفسه، وإِن عني به غيره فليبينه. سلمنا، ولكن لا حاجة إِلى هذا القيد، بل يكفي أن يقال: يلزم من حصوله حصول الحكم المستلزم لحصول ما يصلح أن يكون مقصودًا للشارع؛ لأنّا إِذا علمنا الوصف وحده، والحكم وحده، وما يصلح أن يكون مقصودًا وحده، علمنا من وجود الوصف مقارنة الحكم له، وحصول ما يصلح أن يكون مقصودًا، والمقارنة إِنما تراد لاعتبار المناسبة، لا لتحقيق ماهيّتها.\nوأما أنه يلزم من ترتيب الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصودًا للشارع، فذلك زائد على ماهية المناسبة.\nوأيضًا فإنه غير جامع؛ لأن التعليل بالحكمةء الظاهرة المنضبطة جائز على المختار عند المصنّف، والوصفيّة غير متحقّقة فيها، مع تحقق المناسبة.\n\"فإن كان\" الوصف المذكور \"خفيًّا، أو غير منضبط اعتبر ملازمه\"، وهو وصف ظاهر منضبط ملازمه، فيجعل معرفًا للحكم، \"وهو المظنة\"، فيوجد بوجوده، ويعدم بعدمه، سواء أكانت الملازمة عقلية أم لا، وإنما لم يعتبر هو؛ لأنّه لا يعلم، فكيف يعلم به الحكم؟ وإليه أشار بقوله: \"لأن الغيب لا يعرف الغَيْب، كالسّفر للمشقّة\"؛ فإن المشقّة مناسبة","vol":"4","page":331},{"text":"وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: الْمُنَاسِبُ: مَا لَوْ عُرِضَ عَلَى الْعُقُولِ تَلَقَّتْهُ بِالْقَبُولِ، وَقَدْ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ يَقِينًا وَظَنًّا؛ كَالْبَيْعِ وَالْقِصَاصِ، وَقَدْ يَكُونُ الْحُصُولُ وَنَفْيُهُ مُتَسَاوِيَيْنِ؛ كَحَدِّ الْخَمْرِ.\n<hr><s0>\n\nلترتيب الترخُّص، واعتبارها في نفسها متعذّر؛ لعدم انضباطها، فنيط الترخُّص بملازمها، وهو السَّفر، \"والفعل المقضي عليه عرفًا بالعَمْد في العمدية\" بأن القَتْل العمد العدوان مناسب لشرع القِصَاص، لكن وصف العَمْد خفي؛ لأن القصد وعدمه أمر يقيني لا يدرك شيء منه، فنيط القِصَاص بما يلازم العمدية من أفعال مخصوصة يقضي بالعرف عليها بكونها عمدًا.\nالشرح: وقال أبو زيد الدّبوسي - ضرغام أصحاب الرأي -: \"المُنَاسب: ما لو عرض على العقول تلقته بالقَبُول\"، وهو معترف بأنه لا يمكن إِثباته في المُنَاظرة؛ إذ يقول الخَصْم: لا يتلقَّاه عَقْلي بالقبول،، وتلقي عقلك له لا يلزمني (^١).\n\"وقد يحصل المقصود من شرع الحكم يقينًا و\" قد يحصل \"ظنًّا\".\nفاليقيني: \"كالبيع\"؛ فإِنه إذا كان صحيحًا، حصل منه الملك، الذي هو المقصود يقينًا.\n\"و\" الظَّني مثل: \"القصاص\" للانْزِجَارِ، فإن مشروعيته تقلل الإِقدام على القتل العَمد العدوان، وعليه نبه قوله - تعالى -: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩].\n\"وقد يكون الحصول ونفيه متساويين، كحدّ الخمر\"، فإِن حصول المقصود الَّذي هو حفظ العَقْل، وانتفاءه منه متساويان، فإن استيلاء ميل الطباع إِلى شرب الخَمْر يقاوم خوف عقاب الحَدّ، ولهذا نجد كثرة الممتنعين عنه مقاومة لكثرة المقدمين.\nواعترضه الهِنْدِي: بأن ذلك إِنما هو للتَّسَامح في إِقامة الحدود، وأما مع إقامتها فلا، ونحن إنما نعتبر كونه مُفْضيًا إِلى المقصود - أولًا - على تقدير رعاية المشروع، لا بمجرد تشريع الحكم.\nولك أن تقول: ولو فرضنا رعاية المشروع، لكان إقامة حد الخمر أقل منعًا للشاريين،\n_________\n(^١) ينظر: شفاء العليل ٢/ ١٨٨، والإحكام للآمدي ٣/ ٢٤٨، والمحصول ٢/ ٢/ ٢١٧، والإبهاج ٣/ ٥٩، ونهاية السول ٣/ ٥٨، ونبراس العقول (٢٦٧).","vol":"4","page":332},{"text":"وَقَدْ يَكُونُ نَفْيُهُ أَرْجَحَ، كَنِكَاح الآيِسَةِ لِمَصْلَحَةِ التَّوَالُدِ.\nوَقَدْ يُنْكَرُ الثَّانِي وَالْثَّالِثُ.\nلنَا: أَنَّ الْبَيْعَ مَظِنَّةُ الْحَاجَةِ إِلَي التَّعَاوُضِ، وَقَدِ اعْتُبِرَ وَإِن انْتَفَى الظَّنُّ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَالسَّفَرُ مَظِنَّةُ الْمَشَقًةِ، وَقَدِ اعْتُبِرَ، وَإن انْتَفَى الظَّنُّ فِي الْمِلْكِ الْمُتَرَفِّهِ.\nأَمَّا لَوْ كَانَ فَائِتًا قَطْعًا؛ كَلُحُوقِ نَسَبِ الْمَشْرِقِيِّ بتَزوُّجِ ...........\n<hr><s0>\n\nمن إِقامة القصاص للقاتلين، ولا يخفى أن الخوف من إِزهاق الروح أعظم من خوف ثمانين جلدةً.\nالشرح: \"وقد يكون نفيه أَرْجَحَ، كنكاح الآيِسَةِ لمصلحة التوالد\"، فإِن مقصود النكاح الذي هو التَّوالد على ما قال ﷺ: \"تَنَاكَحُوا تَكْثُرُوا، فَإنِّي أُبَاهِي بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ\"، قد يحصل من نكاح الآيِسَةِ، وحصوله منها مرجوح بالنسبة إلى عدم حصوله.\nوجعل المصنّف الأول والثاني، وهما: اليقيني والظَّني قسمًا واحدًا؛ لأنهما لا ينكران، وحينئذٍ يكون القِسْمان الأخيران ثانيًا وثالثًا، والصَّحيح جواز التعليل بكل الأقسام.\nالشرح: \"وقد ينكر الثاني والثالث، لنا: أنَّ البيع مظنّة الحاجة إلى التعاوض، وقد اعتبر\" شرعه، \"وإن انتفى الظن\" ظن الحاجة إلى التَّعَاوض \"في بعض الصور\"، فربّ بائع سلعة لا يحتاج إلى عوضها، ومُشْتر غير محتاج إِلى ما اشتراه، ويصح تعاوضهما إِجماعًا، \"و\" كذلك \"السفر مظنّة المشقّة، وقد اعتبر.\nوإن انتفى الظن من الملك المترفه\"، فذاك مثال للمناسب، وهذا لمظنّة المناسب، وهما دليلان على أنه يكفي في صحّة التعليل مجرد احتمال حصول المقصود، وكل هذا فيما إذا كان حصول المقصود محتملًا أولى وأخرى.\nالشرح: \"أما لو كان فائتًا قطعًا، كلحوق نسب المَشْرقي بتزويج المَغْرِبية\" الذي يقول به أبو حنيفة، \"وكاستبراء جارية يشتريها بائعها في المَجْلس، فلا يعتبر؛ خلافًا للحنفية\"، فإنا نعلم قطعًا عدم العُلوق منه في الأولى، وبراءة الرَّحم في الثانية، فلا وجه لاعتباره.\nفإن قلت: فلم توجبون - مَعَاشر الشافعية - الاستبراء والحالة هذه؟.","vol":"4","page":333},{"text":"مَغْرِبِيَّةٍ، وَكَاسْتِبْرَاءِ جَارِيَةٍ يَشْتَرِيهَا بائِعُهَا فِي الْمَجْلِسِ، فَلَا يُعْتبَرُ؛ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ.\nوَالْمَقَاصِدُ ضَرْبَانِ: ضَرُورِيٌّ فِي أَصْلِهِ، وَهُوَ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ؛ كَالْخَمْسَةِ الَّتي رُوعِيَتْ فِي كُلِّ مِلَّةٍ: حِفْظِ الدِّينِ، وَالنَّفْسِ، وَالْعَقْلِ، وَالنَّسْلِ، وَالْمَالِ؛ كَقَتْلِ الْكُفَّارِ، وَالْقِصَاصِ، وَحَدِّ الْمُسْكِرِ وَجَلْدِ الزَّانِي، وَحَدِّ السَّارِقِ والْمُحَارِبِ.\nوَمُكَمِّلٌ لِلضَّرُورِيِّ، كَحَدِّ قَلِيلِ الْمُسْكِرِ.\nوَغَيْرُ ضَرُورِيٍّ: حَاجِيٌّ؛ كَالْبَيْعِ، وَالإجَارَةِ، وَالْقِرَاضِ، وَالْمُسَاقَاةِ، وَبَعْضُهَا\n<hr><s0>\n\nقلت: لمجرد نقل الملك، على ما عرف في الفِقْهِيّات، وهو يؤول إِلى ضرب من التعبُّد، فالحاصل أنه لا يصحّ قياس في كل من الصورتين، والفُتْيَا في أحدهما للتعبُّد المحض، وظني أنّ الإِتيان بمثالين لهذا؛ فإن المقصود إِذا كان نافيًا قطعًا منه لا مدخل للتعبُّد فيه، كمسألة المشرقي والمغربية، فلا وجه للقول به، ومنه ما دخله ضرب من التعبُّد كالاستبراء، فالقول به فيه بالتعبُّد لا بالقياس.\nالشرح: \"والمقاصد\" التي يشرع لها الأحكام \"ضربان\" ضروري وغيره:\nالأول: الضروري، وهو قسمان: \"ضروري في أصله، وهي أعلى المراتب\" في إفادة ظن الاعتبار \"كالخمسة التي رُوعِيَتْ في كل ملّة: حفظ الدين، والنفس، والعقل والنسل، والمال، كَقْتِل الكفار\" حفظًا للدين، \"والقصاص\" للنفس، \"وحدّ المسكر\" للعقل، \"وحد الزنا\" للنسل، \"وحَدّ السارق والمحارب\" للمال.\n\"ومكمل للضروري، كحدّ قليل المسكر\"؛ لأنَّهُ داعٍ إلى كثيره، فمن حام حَول الحمى يوشك أن يُوَاقِعَهُ.\nالشرح: \"و\" الثاني: \"غير ضروري\" وهو - أيضًا - قسمان: \"حاجي\" وغيره، والحاجي إما حاجي في نفسه، أو مكمل، فالحاجي في نفسه \"كالبيع، والإِجَارة، والقِرَاض، والمُسَاقاة\"، فلا يظنن الظَّان أن المعاوضة ضرورية؛ إِذ ليس يلزم من فوات واحد من هذه الأمور فوات شيء من الضرورات الخمس، وادّعى الإمام أن البيع ضروري.\nثم هذه الأمور ليست من مرتبةٍ واحدةٍ، بل متفاوتة، \"وبعضها آكد من بعض\"، ولربما","vol":"4","page":334},{"text":"آكَدُ مِنْ بَعْضٍ، وَقَدْ يَكُونُ ضَرُورِيًّا؛ كَالإِجَارَةِ فِي تَرْبِيَةِ الطِّفْلِ، وَشِرَاءَ الْمَطْعُومِ وَالْمَلْبُوسِ لَهُ وَلغَيْرِهِ.\nوَمُكَمِّلٌ لَهُ؛ كَرِعايَةِ الْكَفَاءَةِ، وَمَهْرِ الْمِثْلِ فِي الصَّغِيرَةِ؛ فَإِنَّهُ أَفْضَى إِلَى دَوَامِ النِّكَاحِ.\nوَغَيْرُ حَاجِيٍّ، وَلَكِنَّهُ تَحسِينِيٌّ؛ كَسَلْبِ الْعَبْدِ أَهْلِيَّةَ الشَّهَادَةِ لِنَقْصِهِ عَنِ الْمَنَاصِبِ الشَّرِيفَةِ؛ جَرْيًا عَلَى مَا أُلِفَ مِنْ مَحَاسِنِ الْعَادَاتِ.\n<hr><s0>\n\nرقي بعضها إِلى حد الضرورة، وذلك نادر، فلذلك أطلقنا الجَاجِيّ على القسم مطلقًا باعتبار الأغلب، وإلى هذا أشار بقوله: \"وقد يكون ضروريًا، كالإِجَارَةِ على تربية الطفل، وشراء المطعوم والملبوس له و\" كذا شراؤه \"لغيره\".\nوالمكمل للحَاجِيّ، وإليه أشار بقوله: \"ومكمل له، كرعاية الكَفَاءَةِ، ومهر المِثل في الصَّغيرة، فإنه أفضى إلى دوام النكاح\"، فكان من مكملات مقصود النِّكاح.\nالشرح: \"و\" القسم الثاني: ما هو \"غير حَاجِيّ، لكنه تَحْسيني\"، وهو قسمان:\nأحدهما - وعلى ذكره اقتصر المصنّف، ما يقع على غير مُعَارضة قاعدة معتبرة، \"كَسَلْبِ العبد أهليّة الشهادة، لنقصه عن المَنَاصب الشريفة؛ جريًا على ما ألف من محاسن العادات\".\nوالثاني: ما يقع معارضًا لقاعدة، كالكتابة، فإِنها مستحسنة من حيث كونها مكرمة، ووقعت ناقضة لقاعدة امتناع معاملة السَّيد عبده، ومقابلته ماله بماله.\nواعلم أنه قد يقع في كل من هذه الأقسام ذكر ما يظهر كونه منه، وعكسه، وما يستوي الأمران فيه.\nفالأول: كوجوب القِصَاصِ بالمُثَقَّل؛ إذ يظهر أنه من المصالح الضَّرورية في حفظ النفوس؛ لأنَّهُ لو لم يجب لَفَاتَ المقصود منها؛ لأن من يريد قتل إنسان يعدل عن المحدد دَرْءًا للقصاص عن نفسه، وليست في المُثَقّل زيادة مُؤْنَةٍ على المُحَدّد، حتَّى يقال: لا يكثر بسببها القَتْل، بل المُثَقّل أسهل وجودًا من المحدد.\nوالثاني: كإيجاب القصاص - على أحد الوجهين عندنا - بالقتل بِغَرْزِ الإبرة في غير مَقْتَلٍ، بحيث لا يعقب ألمًا وَوَرمًا ظاهرًا، وكذا إبانة فَلْقَة خفيفة من اللحم، على ما ذكره","vol":"4","page":335},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nإمام الحرمين، ونظائر ذلك، فإنه يظهر أنه ليس من الضَّروري؛ إِذ لا يفضي إِلى الهلاك إلا نادرًا، فأشبه السّوط.\nوالثالث: كإِيجاب القِصَاصِ على الجماعة بقتل واحد (^١)؛ لاحتمال إِلحاقه بالمصالح\n_________\n(^١) اختلف العلماء رضي إله عنهم فيما يجب في قتل الواحد بالجمع. قال القاضي أبو علي: فيه مذاهب، فمذهب الشافعي ﵀ أنه يقتل العدد بالواحد، ذهب إليه من الصحابة عمر وعلي وابن عباس والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين سعيد بن المسيب وعطاء والحسن البصري، ومن الفقهاء مالك والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد واسحاق.\nقال: وذهبت طائفة إلى أن الجماعة إذا قتلوا واحدًا كان لولي المقتول قتل واحد من الجماعة أيهم شاء، ويأخذ من الباقين الدية بالحصة. ذهب إلى هذا عبد الله بن الزبير ومعاذ والزهري وابن سيرين.\nقال: وذهب قوم إلى أن الجماعة إذا قتلوا واحدًا سقط القود رأسًا، ولم يكن عليهم غير الدية. ذهب إليه ربيعة وداود.\nفمن قال: إن الجماعة لا يقتلون بالواحد احتج بقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾. ولم يقل: أحرارًا بحر. ولم يقل: أنفسًا بنفس؛ ولقوله ﵊: لا يحلُ دم امرئٍ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاث:\nكفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفسًا بغير نفس. وهذا ما قتل نفسًا. وأيضًا ما روى جبير عن الضحاك أن النبيّ ﷺ قال: لا يقتل اثنان بواحد. وهذا نص، قالوا: ولأنها نفس خرجت عن فعل مشترك، فوجب إلا يجب القود، أصله إذا اشترك في قتل عامد ومخطئ. قالوا: ولأن الواحد لا يكافئ في الجماعة؛ ولأنه لو اشترك جماعة في سرقة فسرقوا كلهم نصابًا لم يقطعوا، كذلك ها هنا. ولأن الجماعة إذا اشتركوا في قنل صيد كان على الكل جزاء واحد. قلنا: الجواب عن ذلك وصحة ما ذهب إليه الشافعي ﵀ وأصحابه قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، أراد به إذا علم من عزم على القتل أنه إذا قتل قُتل كف عن القتل؛ لئلا يقتل به، فكان ذلك ردعًا له وزجرًا، ولو قيل: إن الجماعة لا تقتل بالواحد لكان هذا ذريعة إلى أنه إذا شاء قتل إنسان قتله لأن يمضي ويشارك في قتله غيره؛ لسقوط القود عنه. فلما كان ذريعة إلى ذلك قلنا لم يجز، إلا أن يقتل الجماعة بالواحد، قالوا: فعلى هذا ينبغي أن تقتلوا من شارك غيره في قتل الخطأ؛ لأنَّهُ لا يشاء شاءٍ قتل غيره إلا قتله في مشاركة الخطأ. قلنا. لا يتصور ذلك؛ لأنَّهُ إذا وطأه في ذلك فقد صار قاصدًا عامدًا.\nوأيضًا ما روى أبو شريح الكعبي أن النبيّ ﷺ قال: ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من =","vol":"4","page":336},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالضرورية؛ إذ لو لم نوجبه لاسْتَعَان كلّ من أراد قتل إِنسان بصديق يشاركه، فتبطل فائدة مشروعية القِصَاصِ، واحتمال خروجه عنه؛ لاحتياجه إلى مشاركة غيره، والظَّاهر أن ذلك الغير لا يشاركه، فلم تساو المصلحة - هنا - المَصْلحة في وجوب القصاص في المُنْفرد، ومن أجل نزول هذا القسم عن الأول، كان في المذهب قول استنبطه أبو حَفْصِ بن الوكيل (^١): أن الجماعة لا يقتلون بالواحد.\nوقول آخر عن القديم: أن ولي الدم يقتل واحدًا يختاره من الجماعة، ويأخذ حصّة الآخرين، ولا يقتل الجميع.\n_________\n= هذيل، وأنا والله عاقله، فمن قتل بعده قتيلًا، فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية. ومن للجنس تقع على القليل والكثير، فقد جعل لأهل القتيل القتل بالقتل سواء قتله قليل أو كثير. وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قتل خمسة أو سبعة بواحد.\nوعن ابن عباس ﵄ أنه قال: تقتل المائة بالواحد.\nقال البندنيجي في تعليقه: وما قالاه - ربيعة وداود - خالفا فيه إجماع الصحابة؛ لأنهما في المسألة على قولين: أحدهما: تقتل الجماعة كلهم بالواحد. والثاني: يقتل الواحد منهم، ويؤخذ من الباقين بالحصة من الدية.\nفمن قال: إن الجماعة إذا قتلوا واحدًا سقط القود بكل حال، فقد أحدث قولًا ثالثًا، وأحدث قولًا خلاف الإجماع.\nوما استدلوا به من قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ فأدخل الألف واللام للجنس، فكأنه قال: جنس النفس بجنس النفس، وقوله: لا يقتل اثنان بواحد في رواية جبير عن الضحاك فهو مرسل لا نقول به. وروى البيهقي والدارقطني عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر أَن النَّبِيّ ﷺ قال: إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخَر، يقتل الذي قتل، ويحبس الذي أمسك. وفي رواية معمر عن إسماعيل بن أمية يرفعه: \"اقتلوا القاتل، واصبروا الصابر\" يعني احبسوا الذي قتل حتَّى الموت. ينظر: الاعتناء ٢/ ٩٥٧.\n(^١) عمر بن عبد الله بن موسى، أبو حفص بن الوكيل الباب، شامي. قال أبو حفص المطوعي: هو فقيه جليل الرتبة من نظراء أبي العباس وأصحاب الأنماطي، وممن تكلم في المسائل وتصرف فيها فأحسن ما شاء. ثم هو من كبار المحدثين والرواة وأعيان النقلة. مات بعد ٣١٠ هـ.\nينظر: طبقات الفقهاء للشيرازي ص (٩٠)، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٢١٥ وطبقات الفقهاء للعبادي ص (٤٣)، وطبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٩٧.","vol":"4","page":337},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nولا خلاف بين أصحابنا في وجوب القِصَاصِ بالمُثقل، ومن أجل تعاليه عن الثَّاني كان الخلاف فيه أضعف منه في الثاني.","vol":"4","page":338},{"text":"<span data-type='title' id=toc-825>مَسْأَلَةٌ:\nالْمُخْتَارُ: انْخِرامُ الْمُنَاسَبَةِ؛ لِمَفْسَدَةٍ </span>تَلْزَمُ رَاجِحَةً أَوْ مُسَاوِيَةً.\nلَنَا: أَنَّ الْعَقْلَ قَاضٍ بِأَنْ لَا مَصْلَحَةَ مَعَ مَفْسَدَةٍ مِثْلِهَا.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"المختار انْخِرَام المناسبة بمفسدة تلزم راجحة أو مساوية\"، وهو رأي الشيخ الهِنْدِي، وخالف فيه الإمام وأصحابه (^١).\n\"لنا: أن العقل قاضٍ بأن لا مصلحة\" في الشيء \"مع\" اشتماله على \"مفسدة مثلها\"، ولهذا إِذا أخذ واحد يسعى لتحصيل مثل هذه المصلحة، ينسبه أهل العقل إِلى السَّفه، وكذلك إِذا كان للبلد الذي يقصده المُسَافر طريقان، يقصر في أحدهما، ولا يقصر في الآخَر، فسلك الأبعد لغير غَرَضٍ، لم يقصر في أصح القولين، وإذا ثبت انخرام المَصْلَحة بالمَفْسَدَة المساوية، فبالزائدة أولى.\n_________\n(^١) رجح الرازي وأتباعه أنها لا تنخرم، والمختار عند الآمدي وابن الحاجب وغيرهما انخرامها.\nوالخلاف يلتفت على أن النقض في العلة هل يقدح أم لا؟.\nفإن قلنا: يقدح، انخرمت، وإلا فلا. ينظر: سلاسل الذهب ٣٧٤، ٣٧٥، والمحصول ٢/ ٢/ ٢٣٢، والمنتهى لابن الحاجب ص (١٣٤)، والإبهاج ٣/ ٧١، وجمع الجوامع ٢/ ٢٨٦، والإحكام للآمدي ٣/ ٢٥٤ والمسودة (٤٣٨)، وروضة الناظر (١٦٣)، وفراتح الرحموت ٢/ ٢٦٤ ونبراس العقول (٣١٩).","vol":"4","page":339},{"text":"قَالُوا: الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ تَلْزَمُ مَصْلَحَةً وَمَفْسَدَةَ تُسَاوِيهَا أَوْ تَزِيد، وَقَدْ صَحَّتْ.\nقُلْنَا: مَفْسَدَةُ الْغَصْبِ لَيْسَتْ عَنِ الصَّلَاةِ، وَبِالْعَكْسِ، ولَوْ نَشَأَا مَعًا عَنِ الصَّلَاةِ، لَمْ تَصِحَّ، وَالتَّرْجِيحُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَسَائِلِ، وَيُرَجَّحُ بِطَرِيقٍ إجْمَالِيٍّ، وَهُوَ أنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ رُجْحَانُ الْمَصْلَحَةِ، لَزِمَ التَّعَبُّدُ بِالْحُكْمِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"قالوا: الصلاة في الدار المَغْصُوبة تلزم مصلحة ومفسدة تساويها، أو تزيد\"؛ لأن المصلحة لا تزيد على المفسدة، وإلا لما حرمت، فيجب مُسَاواة المفسدة، أو زيادتها، فلو انخرمت المُنَاسبة بذلك، لما صحت الصلاة، \"وقد صحت\".\n\"قلنا: مفسدة الغَصْب ليست عن الصَّلاة، وبالعكس؛ فإنه لو شغل المكان من غير أن يصلى لأثم، ولو أدَّى الصَّلاة في غير المغصوب لصحت، والكلام إِنما هو في مصلحة ومفسدة لشيء واحد.\nوالدليل على أنهما معًا لم ينشأَا من شيء واحد: أنه لو فرضناهما ناشئين من نفس الصلاة لوجب ألا تصح قطعًا، كما في صوم يوم العِيدِ، وذلك لتعارض الدَّاعي إلى الأمر بها، والصَّارف عنه، مع المساواة، أو رُجْحَان الصارف، والأمر عند ذلك محال، انخرمت المناسبة أولا، إِذ لا نزاع في بُطْلَان حكمها، وقد أشار إلى هذا بقوله: \"ولو نشأا معًا عن الصلاة، لم تصح\".\nوإذا عرفت أنه لا بد من رُجْحان المصلحة على المفسدة عند تعارضهما، فلا بد من الترجيح، \"والترجيح يختلف باختلاف المسائل\"، وينشأ من خُصُوصياتها ما لا يحيط بمجموعها، وربّ شيئين يَتَعَارضان في مسائل، ولا يقع التَّرْجيح بينهما، إِلَّا في خصوصيات المَسَائل، كما قيل: لا يطلق تَرْجيح بين القولين: في أن الرَّجْعة هل تقطع الزوجية؟\nوأن الإبراء هل هو إسقاط أو تمليك؟\nوأن النذر هل يسلك به مسلك واجب الشرع أو جائزه؟، وإنما ينظر في كل فرع بخصوصه.\n\"ويرجّح\" - أيضًا - \"بطريق إجمالي\" شامل لجميع المسائل، \"وهو أنه لو لم يقدر رُجْجان المصلحة\" على المفسدة في محلّ النزاع \"لزم\" أن يكون الحكم ثبت فيه من غير مُرَاعاة مصلحة، وهو \"التعبد بالحكم\" وذلك على خلاف الأصل.","vol":"4","page":340},{"text":"وَالْمُنَاسِبُ: مُؤَثِّرٌ، وَمُلَائِمٌ، وَغَرِيبٌ، وَمُرْسَلٌ؛ لأِنَّهُ إِمَّا مُعْتبَرٌ أَوْلَا؛ فَالْمُعْتبَرُ بنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ هُوَ الْمُؤَثِّر، وَالْمُعْتبَرُ بِتَرْتِيب الْحُكْمِ عَلَى وَفْقِهِ فَقَطْ إِنْ ثَبَتَ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ: اعْتِبَارُ عَيْنِهِ فِي جِنْس الْحُكْمِ أَوْ بِالْعَكْسِ، أوْ جِنْسِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ فَهُوَ الْمُلَائِم، وَإلَّا فَهُوَ الْغَرِيبُ، وَغَيْرُ الْمُعْتبَرِ: هُوَ الْمُرْسَلُ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"والمناسب\" تحته أنواع، نقول قبل ذكرها: اعلم أنّ للجنسية في الحكم والوصف مَرَاتب، بحسب الخُصُوص والعموم، فأما في الحكم فأعمّ أجناسه: كونه حكمًا شرعيًّا، ثم الوجوب، ثم وجوب العِبَادات، ثم وجوب الصَّلاة.\nوأما في الوصف، فكونه وصفًا يُنَاط به الحكم، فيدخل فيه المُنَاسب وغيره، ثم المُنَاسب، ثم الضروري منه، ثم الضروري في حفظ الدين، والأوصاف إِنما يلتفت إِليها إذا ظنّ اعتبار الشارع إِياها، وكلما كان التفات الشَّارع إِليه أكثر، كان ظن كونه معتبرًا أقوى، والأخصّ أبدًا آكد، فيقدم على الأعم.\nإِذا عرفت هذا، فأنواع المناسب: \"مؤثر، وملائم، وغريب، ومرسل؛ لأنَّهُ إما معتبر\" في نظر الشارع؛ أي: اعتبر عينه في عين الحُكم \"بنص أو إجماع\"، وذلك \"هو المؤثر\" سمي بذلك؛ لظهور تأثيره.\nأو يعتبر لا بنص ولا إِجماع، بل بترتب الحكم على الوَصْف فقط، وإليه أشار بقوله:\n\"والمعتبر بترتيب الحكم على وفقه فقط\"، و- حينئذٍ - \"إن ثبت بنصّ أو إجماع اعتبار عينه\" أي: عين الوصف، \"في جنس الحكم، أو بالعكس\"، وهو جنس الوصف في عَيْنِ الحكم، \"أو\" اعتبار \"جنسه في جنس الحكم، فهو الملائم، وإلا\" أي: وإِن لم يثبت بنصّ أو إِجماع واحد منها، بل اعتبر الشَّارع عين الوصف في عين الحُكْم بترتيب الحكم عليه فقط، \"فهو الغريب، وغير المعتبر هو المرسل\".","vol":"4","page":341},{"text":"فَإِن كَانَ غَرِيبًا أَوْ ثَبَتَ إِلْغَاؤُه، فَمَرْدُودٌ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ مُلَائِمًا، فَقَدْ صَرَّحَ الإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - بِقَبُولهِ، وَذُكِرَ عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُما اللَّهُ.\nوَالْمُخْتَارُ رَدُّه، وَشَرَطَ الْغَزالِيُّ فِيهِ أَنْ تَكُونَ الْمَصْلَحَةُ ضَرُورِيَّةً قَطْعِيَّةً كُلِّيَّةً، فالأَوَّلُ كَالتَّعْلِيلِ بالصِّغَرِ فِي حَمْلِ النِّكَاحِ عَلَى الْمَالِ فِي الْوِلَايَةِ؛ فَإِنَّ عَيْنَ الصِّغَرِ مُعْتَبَرٌ فِي جِنْسِ حُكْمِ الْوِلَايَةِ بِالإِجْمَاعِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: ثم هو ينقسم باعتبار إِلى: مرسل ملائم، ومرسل غريب؛ لأنه إِن اعتبر جنسه البعيد في جنس الحُكْم، فهو الملائم، وإلا فالغريب، وباعتبار آخر، إلى: ما علم من الشارع إلغاؤه، وما لم يعلم.\n\"فإن كان غريبًا، أو ثبت إلغاؤه، فمردود اتفاقًا\"، ولا يظن أن مالكًا ﵁ ولا غيره من العلماء يخالف [هنا] (^١).\nولقد قال إمام الحرمين: لا نرى التَّعلُّق بكل مصلحة، مع أن من جملة ذلك ما لم يعلم إِلغاؤه، فكيف نقول بما علم إِلغاؤه (^٢).\n\"وإن كان ملائمًا، فقد صرح الإمام والغزالي (^٣) بقبوله، وذكر عَنْ مالك والشافعي\"، والذي صحّ عن مالك أنه اعتبر جنس المصالح مطلقًا، ولا كذلك الإِمام والغزالي؛ فإِنهما لا ينسحبان على هذا المذهب، بل قد بالغ الإمام في \"البرهان\" في الرد على مالك.\nوأما الشافعي ﵁ فإِنه لا ينتهي إلى مقالة مالك، ولا يستجيز الثَّنائي والإفراط في البعد، وإنما يسوغ تعليق الإحْكام بمصالح يراها شَبِيهَةً بالمصالح المعتبرة وفاقًا، وبالمصالح المستندة إلى أحكام ثابتة الأصول، قارّة في الشريعة، وإمام الحرمين يختار نحو ذلك.\nالشرح: \"والمختار\" عند الأكثر، منهم المصنّف: \"رده، وشرط الغَزَالي فيه أن تكون\n_________\n(^١) في ت: هذا.\n(^٢) ينظر: البرهان ٢/ ١١٣٢.\n(^٣) ينظر: المستصفى ٢/ ٢٩٧.","vol":"4","page":342},{"text":"وَالثَّانِي: كَالتَّعْلِيلِ بِعُذْرِ الْحَرَجِ فِي حَمْلِ الْحَضَرِ بِالْمَطَرِ عَلَى السَّفَرِ فِي الْجَمْع؛ فَإِنَّ جِنْسَ الْحَرَجِ مُعْتَبَرٌ فِي عَيْنِ رُخْصَةِ الْجَمْعِ.\nوَالثَّالِثُ: كَالتَّعْلِيلِ بِجنَايَةِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فِي حَمْلِ الْمُثَقَّلِ عَلَى الْمُحَدَّدِ في الْقِصَاصِ؛ فَإِنَّ جِنْسَ الْجِنَايَةِ مُعْتبَرٌ فِي جِنْسِ الْقِصَاصِ؛ كَالأَطْرَافِ وَغَيْرِهَا.\n<hr><s0>\n\nالمصلحة ضرورية\"، لا حاجية، \"قطعيَّةً\"، لا ظنية، \"كلية\"، لا جزئية؛ أي: مختصّة بشخص، كما إِذا تَتَرَّس الكفار بأُسَارَى المسلمين، وعلمنا أنَّا إِن لم نرم الترس استأصلوا المسلمين المتترس بهم وغيرهم، وإن رميناه اندفع قطعًا، مع قتلنا - إِذ ذاك - مسلمًا من دون جَرِيمةٍ صدرت منه.\nوإنما يعتبر - والحالة هذه - لأنا لو كففنا عن التّرسِ لسلطنا الكُفّار على جميع المسلمين، فيقتلوهم، ثم يقتلون الأُساري أيضًا، فحفظ المسلمين أقرب إِلى مقصود الشرع؛ لأنا نقطع أنّ الشرع يقصد تقليل القَتل، كما يقصد حسم سبيله عند الإِمكان، فإِن لم نقدر على الحَسْمِ، فقد قدرنا على التَّقْليل، وكان هذا التفاتًا إِلى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصودةً بالشرع، لا بدليل واحدٍ، بل بأدلة كثيرة، ولكن تحصيل هذا المَقْصد، بهذا الطريق، وهو قتل من لم يذنب، لم يشهد له أصل معين، فينقدح اعتبار هذه المَصْلحة باعتبار الأوصاف الثلاثة، وهي كونها ضروريةً، قطعية، كلية، فليس في معناها ما لو تَتَرَّس الكفار في قلعة بمسلم، فإِنه لا يحل رمي الترس؛ إِذ لا ضرورة بنا إِلى أخذ القَلْعَةِ، فنعدل عنها، ولا إِذا لم نقطع بظَفرِهم بنا، فإِنها ليست قطعية، بل ظنية، ولا رمي بعض المسلمين من السفينة لنَجَاةِ بعض؛ إذ ليست كلية، ولعل المصلحة في بقاء من القي دون من بقي.\nواعلم أن الغزالي إنما اشترط القَطْع، للقطع بالقول بالمرسل - والحالة هذه - لا لترجيح القول به، بل هو يرجّح القول به وإن لم ينته إلى القطع، وقد قال في كثير من كتبه كـ\"المُسْتَصْفى\" و\"شفاء العليل\" وغيرهما، بأن الظن القريب من القطع نازل منزلةَ القطع، وهو الصواب، فلقد حكى أصحابنا في مسألة التترس وجهين من غير تصريح منهم باشتراط القَطْع، وعللوا وجه المنع بأن غاية الأمر أن نخاف على أنفسنا، ودم المسلم لا يُبَاح بالخوف، وهذا تصريح بِجَرَيانِ الخلاف في صورة الخوف، ولا قاطع فيه، فالمناسب في حالة القَطْعِ مجزوم باعتباره، وإنما الخلاف في حالة الخوف، فاعرف ذلك، ولنذكر أمثلة أقسام المناسب:","vol":"4","page":343},{"text":"وَالْغَرِيبُ: كَالتَّعْلِيلِ بالْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ لِغَرَضٍ فَاسِدِ فِي حَمْلِ الْبَاتِّ فِي الْمَرَضِ عَلَى الْقَاتِلِ فِي الْحُكْمِ بِالْمُعَارَضَةِ بِنَقِيضِ الْمَقْصُودِ؛ حَتَّى صَارَ تَوْرِيثُ الْمَبْتُوتَةِ كَحِرْمَانِ الْقَاتِلِ.\nوَكَالتعْلِيلِ بِالاِسْكَارِ فِي حَمْلِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ؛ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ النَّصِّ بِالتَّعْلِيلِ بِهِ.\n<hr><s0>\n\n\"فالأول\" وهو: تأثير عين الوصف في جنس الحُكْم \"كالتعليل بالصّغر؛ في حمل النكاح على المال في الولاية\" بجامع الصغر، \"فإن عين الصّغيرة معتبر في جنس الولاية بالإِجماع\"، فالوصف الصغير، وهو أمر واحد، والحكم الولاية، وهو جنس يجمع ولايتي النكاح والمَال اللذين هما نوعان من التصرف.\nالشرح: \"والثاني\" وهو: اعتبار جنس الوَصْف في [عين] (^١) الحكم، \"كالتعليل بعذر الحَرَجِ في حمل الحضر بالمطر على السفر في \"قولنا: يجمع بين الصَّلاتين بالمطر قياسًا على السفر، بجامع الحرج، فالحكم رُخْصة \"الجمع\" وهو واحد، والوصف: الحرج، وهو جنس يجمع الحاصل بالسَّفر والمطر وهما نوعان له، وقد اعتبر، \"فإن جنس الحرج معتبر في [عين] (^٢) رُخْصَةِ الجمع.\nوالثالث\" وهو: اعتبار جنس الوَصْفِ في جنس الحكم \"كالتعليل بجناية القتل العَمْد العدوان، في حمل المُثَقّل على المُحَدّد في القصاص\"، فالحكم مطلق القصاص، وهو جنس يجمع قصاص النفس والطرف، والوصف جناية العَمْد العدوان، وهو جنس يجمع الجِنَاية في النفس والطّرف والمال، وقد اعتبر؛ \"فإن جنس الجناية معتبر في جنس القصاص، كالأطراف وغيرها\"، فهذه أمثلة المناسب الملائم.\nالشرح: \"والغريب كالتعليل بالفعل المحرم لغرض فاسدٍ في حمل البَاتّ في المرض على القاتل في الحكم بالمُعَارضة بنقيض المقصود حتَّى صار توريث المَبْتُوتَةِ، كحرمان القاتل\"، كما يقول المالكي، وهو قول قديم لنا: من بتّ طلاق امرأته فرارًا من أنها تَرِثُه،\n_________\n(^١) في أ، ت: غير.\n(^٢) في أ، ت: غير.","vol":"4","page":344},{"text":"وَالْمُرْسَلُ: الَّذِي ثَبَتَ إِلْغَاؤُهُ؛ كَإِيجَابِ شَهْرَيْنِ ابْتِدَاءً فِي الظِّهَارِ.\n\nوتَثْبُتُ عِلِّيَّةُ<span data-type='title' id=toc-827> الشَّبَهِ </span>بِجَمِيع الْمَسَالِكِ، وَفِي إِثْبَاتِهِ بِتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ نَظَرٌ، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ: هُوَ الَّذِي لَا تَثْبُتُ مُنَاسَبَتُهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ.\nوَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مَا يُوهِمُ الْمُنَاسَبَةَ، وَيَتَمَيَّزُ عَنِ الطَّرْدِيِّ بِأَنَّ وُجُودَهُ كَالْعَدَمِ،\n<hr><s0>\n\nتورث منه قياسًا على القاتل، حيث عورض بنقيض مقصوده، وهو أن يرث؛ فحكم بعدم إِرثه، والجامع بينهما كونهما فعلًا محرمًا لغرض فاسد، وهذا له وجه مناسبة، وفي ترتيب الحكم عليه تحصيل مصلحة، وهو [نهيهما] (^١) عن الفعل المحرم، لكن لم يشهد له أصل بالاعتبار، بنصّ أو إِجماع.\nومثاله على مذهبنا إثبات الشفعة للشريك مُعَاملة له بنقيض مقصوده، إِذ باع الأجنبي ولم يؤذن شريكه، فهذا مثال للغريب المرسل.\nوأما الغريب غير المرسل، فقد أشار إِلى مثاله بقوله: \"وكالتعليل بالإسكار\"؛ لكونه مناسبًا \"في حمل النَّبِيّذِ على الخمر على تقدير عدم النَّص بالتعليل\"؛ أي: النص على أن الإِسكار علة، فإن الشّارع اعتبر عين الإسكار في عين التحريم على الإِسكار فقط؛ لأن التقدير عدم النَّص على عليته، ولم يثبت بنص أو إِجماع اعتبار عين الإِسكار في جنس تحريم الخمر، ولا عكسه، ولا جنسه في جنسه.\nالشرح: \"والمرسل: الَّذي ثبت إلغاءه كإيجاب شهرين ابتداء في \"كَفّاة \"الظِّهَار\" على من يسهل عليه إِعتاق الرقبة في قضاء أربه، ولقد سفه ذوُو الأحلام والنُّهي من حملة الشريعة صنيع يحيى بن يحيى المَغْربي، حيث أفتى ملكًا جامع في نهار رمضان: بصيام شهرين متتابعين، معتذرًا بأنه لو أمره بالعِتْقِ، لاستحقره في قضاء شهوته، وقالوا: هذه مخالفة للنّص؛ فإن الشارع أوجب الإِعتاق أولًا، ولم يلتفت إلى ذلك.\nالشرح: \"وتثبت علية الشّبه بجميع المسالك\" من الإِجماع، والنَّص، والسَّبر، والتقسيم، \"وفي إثباته بتخريج المناط\"، وهو المناسبة \"نظر\".\n_________\n(^١) في أ، ت: نهيها.","vol":"4","page":345},{"text":"وَعَنِ الْمُنَاسِبِ الذاتِيِّ بِأَنَّ مُنَاسَبَتَهُ عَقْلِيَّةٌ وَإنْ لَمْ يَرِدْ شَرْعٌ؛ كَالإسْكَارِ فِي التَّحْرِيمِ.\nمِثَالُهُ: طَهَارَةٌ تُرَادُ لِلصَّلَاةِ، فَيَتَعَيَّنُ لها الْمَاءُ، كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ، فَالْمُنَاسَبَةُ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ، وَاعْتِبَارُهَا فِي مَسِّ الْمُصْحَفِ وَالصَّلَاةِ مُوهِمٌ.\nوَقَوْلُ الرَّادِّ لَهُ: إمَّا أَنْ يَكُونَ مُنَاسِبًا أَوْلا:\n<hr><s0>\n\nوالحق: أنه لا يثبت؛ لأن المناسبة قسيم الشّبه، فكيف يثبت بها؟\n\"ومن ثم قيل\" في تعريف الشبه: \"هو الذي لا تثبت مناسبته إلا بدليل منفصل\"، وهذا بخلاف المُنَاسبة، فإِن علتها ثابتة بالذات.\n\"ومنهم من قال: ما يوهم المُنَاسبة\"، وليس بمناسب، وهو نسبة الوَصْف الطَّرْدي من حيث إِنه غير مناسب، ونسبة المناسب من حيث الْتِفات الشرع إليه، \"ويتميز عن الطَّرْدي بأن وجوده كالعَدَم\"، كما يقال في الخلّ: مائع لا تبنى القَنْطَرة على جنسه، فلا يزيل الخبث كالزيت، فإن ذلك مما أَلْغاء الشَّارع قطعًا، بخلاف الذُّكورة والأُنُوثة، فإنه اعتبر في بعض الأحكام.\n\"و\" تميز \"عن المناسب الذاتي بأن مناسبته عقليّة وإن لم يرد شرع، كالإِسكار في التحريم\"؛ إذ العَقْل يدرك مناسبته له، بخلاف الشبه، وقد وضح لك بهذا أن الشبه منزلةٌ بين منزلتي المُنَاسبة والطردي، وهذا ما لا خلاف فيه، وإِن تكاثر التَّشَاجر في تعريف هذه المنزلة، ومع هذا لم أجد لأحد تعريفًا صحيحًا، وقد اعترف إمام الحرمين: بأنه لم تتحرّر فيه عبارة مستمرة في صناعة الحُدُود.\nوما أحسن قول ابن السَّمْعاني: قياس المعنى تحقيق، والشّبه تقريب، والطرد تَحكّم.\nثم قال: قياس المعنى ما يناسب الحكم ويستدعيه، ويؤثر فيه، والطَّرد عكسه، والشبه: أن يكون لفرع بحادثة أَصْلان، فيلحق بأحدهما بنوع شبه مقرب؛ أي: يقرب الفَرْع من الأصل في الحكم المطلوب من غير تعرّض لبيان المعنى.\nالشرح: \"مثاله\": قولنا في إزالة الخَبَث: \"طهارة تُرَاد للصّلاة، فيتعين لها الماء كطهارة الحَدَثِ، فالمناسبة\" بين كونها طَهَارة تراد للصَّلاة وتعين الماء \"غير طهارة، واعتبارها في مسّ المصحف والصلاة موهم\" للمناسبة.","vol":"4","page":346},{"text":"وَالأَوَّلُ: مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ بِهِ.\nوَالثَّانِي: طُرِدَ: فَيُلْغَى.\nأُجِيبَ: مُنَاسِبٌ، وَالْمُجْمَعُ عَلَيْهِ الْمُنَاسِبُ لِذَاتِهِ، أَوْلَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا.\n<hr><s0>\n\n\"وقول الرَّاد له: إما أن يكون مناسبًا أولا، والأول مجمع عليه\"؛ أي: على القول به \"والثاني: طرد، فيلغى\".\n\"أجيب\" بأنه: \"مُنَاسب\" بالتّبع، لا بالذَّات، \"والمجمع عليه المناسب لذاته\" وأجيب: بخطّ المصنّف من غير \"و\"، فهي خبر قوله: \"وقول الرَّاد له\".\nقال: \"أولا واحد منهما\" أي: سلمنا أنه غير مناسب، ولكن لا يلزم أن يكون طردًا؛ لأن بين المناسب والطَّرد واسطة، وهي هو، ويتميز عن كل منهما بما ذكرناه.\nواعلم أنّ الناس اختلفوا في قياس الشبه (^١) بعد إِجماعهم على أنه لا يُصَار إِليه مع إِمكان قياس العلّة، فظاهر مذهب الشافعي قبوله.\nقال ابن السَّمعاني: وقد أشار إلى الاحتجاج به في مواضع من كتبه، وأقرب شيء في ذلك قوله في إِيجاب النِّية في الوضوء: كالتيمم طَهَارتان، فكيف يفترقان؟ وتابعه على ذلك أكثر الأصحاب.\nورده القاضي أبو بكر، والصَّيْرفي، وأبو إِسحاق المَرْوَزِيّ، وأبو إِسحاق الشيرازي من أصحابنا، وأبو زيد الدّبوسي، وغيره من الحنفية.\nونازع القاضي أبو بكر والشَّيخ أبو إِسحاق في صحّة القول بقياس الشّبه عن الشافعي،\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٥/ ٢٢٩، والبرهان لإمام الحرمين ٢/ ١٥٩، وإحكام الآمدي ٣/ ٢٧١، ونهاية السول للإسنوي ٤/ ١٠٥، ومنهاج العقول للبدخشي ٣/ ٨٨ وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ١٢٥، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ٢٠١، والمنخول للغزالي ٣٧٨، والمستصفى له ٢/ ٣٠١، وحاشية البناني ٢/ ٢٨٦، والإبهاج لابن السبكي ٣/ ٦٦، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٤/ ١٠٣، وحاشية العطار ٢/ ٣٣١، والمعتمد لأبي الحسين ٢/ ٢٩٨، وأعلام الموقعين لابن القيم ١/ ١١٥، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ٤/ ٥٣، وميزان الأصول للسمرقندي ٢/ ٨٦٤، وتقريب الوصول لابن جزي ١٣٩، وإرشاد الفحول للشوكاني ٢١٩.","vol":"4","page":347},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقال الشيخ أبو إِسحاق: إِنما أراد ترجيح إِحدى العلّتين في الفرع بكثرة الشبه.\nثم اختلف القائلون بقياس الشَّبه، فمنهم من اعتبره مطلقًا، ومنهم من شرط في اعتباره [إرهاق] (^١) الضرورة إلى الحكم في واقعة لا يوجد فيها إِلَّا الوصف الشبهي، ومنهم من شرط في اعتباره أن يجتذب الفَرْع أصلان، فيلحق بأحدهما بِغَلبةِ الأشباه، ويسمونه - والحالة هذه - قياس غلبة الأشباه، وهذا ما يدلّ عليه نص الشافعي، وقد حكيت نصه في \"شرح المنهاج\".\nومنهم من يعتبر الأَشْبَاه الحكمية، ثم الراجعة إِلى الصفة.\nومنهم من يسوي بينهما.\nومنهم من قال: إِنما يعتبر شبه الأحكام فقط دون شبه الصورة، كرد وَطْء الشبهة إِلى النكاح في سقوط الحدّ، ووجوب المهر؛ لشبهه بالوَطْء في النكاح في الأحكام، ونقله ابن السَّمْعَاني عن أصحابنا، ونقله غيره عن الشافعي نفسه.\nومنهم من اعتبر شبه الصورة - أيضًا - كقياسنا الخَيْل على البِغَال والحَمِيرِ في سقوط الزَّكَاة، وقياسهم في حُرْمة اللحم.\nوقال الإِمام في \"المحصول\": المعتبر حصول المُشَابهة فيما يظن أنه مستلزم لعلّة الحكم، أو علّة للحكم، سواء أكانت المُشَابهة في الصورة أو المعنى.\n[قال أبو إسحاق المروزي] (^٢) في \"أصوله\": إنا لا نعني بـ \"قياس الشّبه\" أن يشبه الشيء بالشَّيء من وجه أو أكثر؛ لأنَّهُ ليس في العالم شيء إلا وهو يشبه شيئًا آخر من وجه أو أكثر من وجه، لكن نعني: أنه لا يوجد شيء أشبه به منه، فلا يوجد شيء أشبه من الوضوء بالتيمُّم، فيلحق به.\nولقد أكثر الأَصْحَاب في الاحتجاج لقياس الشَّبه، وأصح ما ذكروه مَسْلَكَان:\nأحدهما: أن قياس المعنى إنما صير إليه؛ لإِفادته الظن، فكل ما أثار ظنًّا يلحق به، وقياس الشبه يفيد الظَّن، وقضوا على من أنكر ذلك بالعناد.\n_________\n(^١) في ت: إنزهاق.\n(^٢) في أ، ت: قال القاضي أبو حامد المروزي.","vol":"4","page":348},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nواعترض ابن الأَنْبَاري (^١) أولًا: بأنه قياس في الأُصُول، فلا يسمع.\nوثانيًا: بمنع إِثارة الظَّنِّ، ودعوى العناد لا تنهض حجة.\nوالثاني: أنه لو لم تَخلُ واقعة عن حكم، قالوا: ومن مارس مسائل الفِقْهِ، وترقى عن رتبة الثَّنَائي فيها، علم أنَّ المعنى [المخيل] (^٢) لا يعم المسائل، وكثير من أصول الشرع تخلو عن المعاني، خصوصًا في العبادات وهيئاتها، والسِّيَاسات ومقاديرها، وشرائط المُنَاكحات والمعاملات.\nقال إِمام الحرمين: بل لو قلت: لا يطرد على الأخالة عُشر المَسَائل، لم تكن مجازفًا.\nوإذا لم يعم المسائل احتجنا إلى قياس الشبه، ولا يلزمنا الطرد؛ لأنا في غُنْيَةٍ عنه، إذ هو منسحب على جميع الحوادث، \"فلم يكن من داعٍ إلى الطرود، فوضح أن القول بالشبه في محلّ الضرورة، ولولا الضَّرورات لما شرع أصل القياس، وهذا واضح؛ فإِن القياس إِنما شرع لعدم وفاء النصوص بالحادثات.\nوقال ابن السَّمْعَاني في آخر قياس الشّبه: الأول بذل الجهد في طلب المعنى، وزعم أنّ باذل الجهد فيه نجده لا في أفراد من المسائل وردت بها نصوص، وأجمعت الأمة على تقربها من المعاني، قال: فأما عامة الأَحْكَام، فالشارع الحكيم لم يخلها من المعاني المؤثرة في تلك الأحكام، فإن أعوز المجتهد وجود المعنى، فحينئذٍ يرجع إلى الشّبه.\nقلت: وهذا لا نزاع فيه؛ إِذ لم يقل أحد بالشّبه إِلَّا عند تعذُّر قياس المعنى، وهذا في الحقيقة قول من قال: إنما يرجع إلى الشبه عند إرهاق الضرورة، والله أعلم.\n_________\n(^١) عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله بن أبي سعيد، كمال الدين، أبو البركات، ابن الأنباري، النحوي، ولد في ربيع الآخَر سنة ٥١٣ هـ. تفقه بـ\"بغداد\" بالنظامية على أبي منصور بن الرزاز، وأخذ العربية، واللغة عن الجوالياقي، وبرع حتَّى صار شيخ العراق. من تصانيفه: \"الانتصار\" و\"أخبار النحاة\" و\"الجمل في علم الجدل\" و\"ديوان اللغة\" وغيرها. توفي في شعبان سنة ٥٧٧ هـ. ينظر: الأعلام ٤/ ١٠٤، ووفيات الأعيان ٢/ ٣٢٠، وفوات الوفيات ١/ ٢٦٢ وطبقات السبكي ٤/ ٢٤٨، وابن قاضي شهبة ٢/ ١٠، والبداية والنهاية ١٢/ ٣١٠.\n(^٢) في أ، ت: المختل.","vol":"4","page":349},{"text":"<span data-type='title' id=toc-828>الطَّرْدُ وَالْعَكْسُ</span>\nثَالِثُهَا: لَا يُفِيدُ بِمُجَرَّدِهِ قَطْعًا وَلَا ظَنًّا.\n<hr><s0>\n\nالشرح: ويسمى: \"الدّوران\" (^١) وهو أن يوجد الحكم عند وجود وصف، وينعدم عند عدمه، وفيه مذاهب:\nأحدها: أنه يفيد القَطْع بالعلّية.\nوربما قيل: لا دليل فوقه.\nوثانيها - وعليه الأكثرون، منهم الإِمام وأتباعه: أنه يفيد الظن، ولقد شغف به أصحابنا العراقيون، وكان القاضي أبو الطيب يدعي فيه القطع.\nوأنا أقول: لعلّ من ادعى القَطْع فيه ممن يشترط ظهور المُنَاسبة في قياس العِلَلِ مطلقًا، ولا يكتفي بالسَّبر، ولا الدوران بمجرده، وعلى ذلك جمهور أصحابنا، فإِذا انضم الدوران إِلى المناسبة، رقي بهذه الزيادة إِلى اليقين، وإلا فأي وجه لتخيل القطع في مجرّد الدّوران؟\nو\"ثالثها\": هو اختيار ابن السَّمْعاني، والغزالي، والآمدي، والمصنف - \"لا يفيد\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٥/ ٤٣ وسلاسل الذهب للزركشي ٣٨٧، ونهاية السول للإسنوي ٤/ ١١٧، ومنهاج العقول للبدخشي ٣/ ٨٨، ٩١، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ١٢٦، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ٢٠٣، والإبهاج لابن السبكي ٣/ ٧٢، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٤/ ١١١، وحاشية العطار ٢/ ٣٣ وتيسير التحرير لأمير بادشاه ٤/ ٤٩، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٢١٦، وميزان الأصول للسمرقندي ٢/ ٨٥ وتقريب الوصول لابن جزي ١٤٠، وإرشاد الفحول للشوكاني ٢٢١.","vol":"4","page":350},{"text":"لَنَا: أَنَّ الْوَصْفَ الْمُتَّصِفَ بِذَلِكَ، إِذَا خَلَا عَنِ السَّبْرِ أَوْ عَنْ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ غَيْرِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ - جَازَ أَنْ يَكُونَ مُلَازِمًا لِلْعِلَّةِ؛ كَرَائِحَةِ الْمُسْكِرِ؛ فَلَا قَطْعَ، وَلَا ظَنَّ.\nوَاسْتَدَلَّ الْغَزَالِيُّ ﵀ بأَنَّ الاِطِّرَادَ سَلَامتُهُ مِنَ النَّقْضِ، وَسَلَامَتُهُ مِنْ\n<hr><s0>\n\nبمجرده ظنًّا ولا قطعًا\"، والمعنى: لا يفيد ظن العلّية ولا القطع بها، لا أنه لا يفيد الحكم، بل قد يثبت الحكم بالدَّوران، بل وبالطَّرد وحده، كما سيأتي في كلام المصنّف في أول الاستدلال في التلازم بين ثبوتين أنه يثبت بالطرد، ويقوي بالعكس.\nالشرح: \"لنا: أن الوصف المتّصف بذلك\" إِنما يكون مجردًا \"إذا خلا عن السَّبر\"، وهو أخذ غيره معه وإبطاله، \"أو عن أن الأصل عدم غيره، أو غير ذلك\" من مناسبة أو شبه، وإذا خلا عن ذلك، فكما يجوز كونه علّة، \"جاز أن يكون ملازمًا للعلة، كرائحة المسكر\" المخصوصة، فإنها دائرة معه وجودًا وعدمًا، وليست علة، ومع قيام هذا الاحتمال، \"فلا قطع، ولا ظن\" يحصل، ويكون الحكم بالعلّية فيه تحكمًا، وإن التفت إِلى السبر أو غيره، فليس ذلك من محل النِّزَاع؛ إِذ النزاع في الدّوران المجرد، وهذا ذكره القاضي في \"التقريب\"، إِلَّا أنه لم يقل: إِنه يمتنع الظن بأن الدّوران علة.\nوالحق: أنه يمنع القطع دون الظن، وهذا احتمال مرجوحٌ، والقول باحتياجه في إفادته الظن [إِلى] (^١) السبر وغيره.\nوقال الشيخ الهِنْدِي: إِنه لو تم لقدح في أكثر الأدلّة، كالمناسبة وغيرها؛ لأن المستدلّ إذا أبدي مناسبة وصف، يقول الخصم: إنما يعمل به لو سلم عن المُعَارض، ولا سبيل إِلى دَفْع ذلك إِلَّا بالأصل، أو السَّبر والتقسيم، ويلزم من ذلك الانتقال من تلك الطريقة إِلى غيرها.\nالشرح: \"واستدلّ الغزالي\"، كما حكاه المصنف تبعًا للآمدي، \"بأن الاطِّرَاد سلامته من النَّقْض\" الذي هو أحد مفسدات العلّة، \"وسلامته عن مفسد واحدٍ لا توجب انتفاء كل مفسد\"، فربما لم يسلم عن مفسد آخر، \"ولو سلم\" سلامته عن كلّ مفسدة \"فلا صحّة إِلَّا\n_________\n(^١) في ت: في.","vol":"4","page":351},{"text":"مُفْسِدٍ وَاحِدٍ لَا تُوجِبُ انْتِفاءَ كُلِّ مُفْسِدٍ، وَلَوْ سُلِّمَ فَلَا صِحَّةَ إِلَّا بِمُصَحِّحٍ، وَالْعَكْسُ لَيْسَ شَرْطًا فِيها؛ فَلَا يُؤَثِّرُ.\nوَأُجِيبَ: قَدْ يَكُونُ لِلاجْتِمَاعِ تَأْثِيرٌ؛ كَأَجْزَاءِ الْعِلَّةِ.\nوَاسْتُدِلَّ: بِأَنَّ الدَّورَانَ فِي الْمُتَضَايِفَيْنِ؛ وَلَا عِلَّةَ.\n<hr><s0>\n\nبمصحّح\"، وهذا كما لو سلمت شَهَادة المَجْهُول عن قادح، لا يدلّ على كونها حجّةً، ما لم تَقُمْ بَيّنة التزكية.\nومن قال: دليل صحّتها انتفاء المُفْسد، يعارض بأن دليل فسادها انتفاء المصحّح، \"والعكس ليس شرطًا فيها\"؛ لما تقدم من أنه لا يشترط في العقة الانعكاس، \"فلا يؤثر\".\nواعلم أنَّ ذكر الدليل على هذا الوجه - أعني: أنّ الاطراد السلامة عن مفسد آخر - لم أره لِلْغَزَالي ولا لغيره ممن تقدّمه، وإنما ذكره الغزالي ردًّا على من قال: إِن سلامة العلّة عن مفسد دليل صحّتها، ثم لما ذكر الدَّوَرَان استدلّ على فساده بجواز كونه ملازمًا، كما استدلّ المصنّف، نعم وزاد فقال: وهذا لأن الوجود عند الوجود طردٌ مَحْض، وزيادة العكس لا تؤثر؛ لأن العكس ليس بشرط انتهى.\nوهذه الزيادة دليل مستقلّ على فساد الدّوَرَان، ذكره القاضي أبو بكر وغيره ممن تقدم الغزالي.\nوقال إِمام الحرمين: إِنه من التَّشَدُّق [والتَّفَيْهُق] (^١) الذي يستدل به من لا يعد من الرَّاسخين.\nوأجاب عنه: بأن المجموع يغلب على الظّن، قال: وإن زعم أنه لا يغلب انتسب إلى العناد.\nالشرح: وإلى الجواب أشار المصنّف بقوله: \"وأجيب: قد يكون للاجتماع تأثير كأجزاء العلة.\n_________\n(^١) في أ، ت: التفهيق.","vol":"4","page":352},{"text":"وَأُجِيبَ: انْتَفَتْ بِدَلِيلٍ خَاصٍّ مَانِعٍ.\nقَالُوا: إِذَا حَصَلَ الدَّوَرَانُ وَلَا مَانِعَ مِنَ الْعِلَّةِ - حَصَلَ الْعِلْمُ أَوِ الظَّنُّ عَادَةَ؛ كَمَا [لَوْ] دُعِيَ إِنْسَانٌ بِاسْمٍ، فَغَضِبَ، ثُمَّ تُرِكَ، فَلَمْ يَغْضَبْ، وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ - عُلِمَ أَنَّهُ سَبَبُ الْغَضَبِ حَتَّى أَنَّ الأَطْفَالَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ.\nقُلْنَا: لَوْلَا ظُهُورُ انْتِفَاء غَيْرِ ذَلِكَ بِبَحْثٍ أَوْ بأَنَّهُ الْأَصْلُ - لَمْ يُظَنَّ، وَهُوَ طَرِيقٌ مُسْتقِلٌ، وَيَقْوَي بِذَلِكَ.\n<hr><s0>\n\nواستدلّ\" - أيضًا - \"بأن الدَّوران\" موجود \"في المُتَضَايفين\" كالأبُوّة والبنوة، فإِنه كلما تحقق أحدهما تحقق الآخَر، وكلما انتفى انتفى، \"ولا علة\".\n\"وأجيب\": بأنَّ الدوران إِنما يفيد العلّية بشرط عدم المانع، وفي المُتَضَايفين \"انتفت\" العلية \"بدليل خاص مانع\"، وهو كون كل منهما مع الآخَر.\n\"قالوا: إِذا حصل الدوران ولا مانع من العلّة، حصل العلم أو الظَّن عادة، كما لو دعي إِنسان باسم، فغضب، ثم ترك، فلم يغضب، وتكرر ذلك، علم أنه سبب الغضب، حتَّى أن الأطفال يعلمون ذلك\"، ويتبعونه في الدُّرُوب قصدون إغْضَابه، فيدعونه، ولولا أنه ضروري لما [يتأتي] (^١) للأطفال.\nالشرح: \"قلنا: لولا ظهور انتفاء غير ذلك ببحث\" أي: بأن يكونوا بحثوا عما سِوى ذلك فلم يجدوا، \"أو بأنه الأَصْل\"؛ أي: الأصل عدم غيره، \"لم يظن، وهو طريق مستقل\" من غير احتياج إِلى الدوران \"و\" إن كان \"يقوي بذلك\"، وأما حصول العلم أو الظَّن بمجرد الدَّوَرَان فلا، ولا يلزم من إِفادة الشيء تقوية الظَّن الحاصل بغيره إِفادته ظنًّا بمجرده، ولك أن تقول: من أنكر حصول الظَّن منه مع تجرّده، قرب من العِنَادِ، والأطفال يقطعون بما ذكرناه، من غير استدلال بالسَّير ولا غيره.\nواعلم أن المصنّف لما قرر أن الدَّورَان لا يفيد، لم يحتج أن يذكر أنّ الاطِّراد بمجرده لا يفيد؛ لأنَّهُ إذا لم يفد الدَّوران، مع أنه طرد وزيادة، فبطريق أوْلى لا يفيد الطَّرد بمجرده.\nوقد قال بعضهم بإِفادة الظن بمجرده، وهو ظن.\n_________\n(^١) في أ، ت: يأتي.","vol":"4","page":353},{"text":"<span data-type='title' id=toc-829>أَقْسَامُ القِيَاسِ</span>\nوَالْقِيَاسُ: جَلِيٌّ وَخَفِيٌّ: فَالْجَلِيُّ مَا قُطِعَ بِنَفْي الْفَارِقِ فِيهِ كَالأمَةِ وَالْعَبْدِ فِي الْعِتْقِ.\nوَيَنْقَسِمُ إِلَى قِيَاسِ عِلَّةٍ، وَقِيَاسِ دَلَالَةٍ، وَقِيَاسٍ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ:\nفَالْأَوَّلُ: مَا صُرِّحَ فِيهِ بِالْعِلَّةِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وينقسم\" باعتبار العلّة \"إلى قياس علّة (^١)، وقياس دلالة، وقياس في معنى قطع بنفي الفارق فيه، كالأمة والعبد في العِتْق\" في التقويم على معتق الشِّقْص ونحوه، فإنا نقطع بعدم اعتبار الشَّارع الذكورة والأُنُوثة فيه، ونقطع أَنْ لا فارق سوى ذلك (^٢).\nومن الجَلِيّ - أيضًا - عند أصحابنا: ما كان احتمال الفَارِقِ فيه احتمالًا ضعيفًا بعيدًا كل البعد، كإِلحاق العَمْيَاء بالعَوْرَاءِ في حديث المنع من التضحية بالعَوْرَاءِ.\nوالخَفِيّ بخلافه، ومن أصحابنا من يقول: هو جَلِيّ، وواضح، وخفي، فالجَلِيّ: الأول، والخفي: قياس الشبه، والواضح: ما بينهما، وهذه أمور اصطلاحية.\nالشرح: \"وينقسم\" باعتبار العلّة \"إلى قياس علّة، وقياس دلالة، وقياس في معنى الأصل\"؛ لأنَّهُ إِما أن يكون بذكر الجَامِعِ، أو بإلغاء الفارق، إن كان بذكر الجامع، فذلك الجامع إن كان هو العلّة، فهو قياس العلة، وإليه أشار بقوله: \"فالأول: ما صرح فيه بالعلّة، والثاني\" أي: قياس الدّلالة: \"ما يجمع فيه بما يُلَازمها، كما لو جمع بأحد مُوجبي العلّة في\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام للآمدي ٤/ ٣، والمحصول (٢/ ٢/ ١٧٣)، وإرشاد الفحول (٢٢٢)، وجمع الجوامع ٢/ ٣٣٨ وفواتح الرحموت ٢/ ٣٢٠.\n(^٢) ينظر: المصادر السابقة.","vol":"4","page":354},{"text":"وَالثَّاني: مَا يُجْمَعُ فِيهِ بِمَا يُلَازِمُهَا؛ كَمَا لَوْ جُمعَ بِأَحَدِ مُوجِبَيِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ؛ [لِمُلَازَمَةِ الآخَرِ لَهُ]؛ كَقِيَاسِ قَطْعِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ عَلَى قَتْلِهَا بِالْوَاحِدِ بِوَاسِطَةِ الاِشْتِرَاكِ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَيْهِمْ.\nوَالْثَّالِثُ: الْجَمْعُ بِنَفْي الْفَارِقِ.\n<hr><s0>\n\nالأصل لمُلَازمة الآخَر، كقياس قطع الجَمَاعة بالواحد على قَتْلها بالواحد، بواسطة الاشْتِرَاك في وجوب الدِّيَةِ عليهم\"، فإن الجامع الذي هو وجوب الدِّيَةِ على الجماعة يلازم العلّة في الأصل، وهي القَتْل العَمْد العدوان.\nوموجبه الآخَر وجوب القِصَاصِ، فقد جمع بينهما بأحد موجبي العلّة الذي هو وجوب الدِّيَة؛ ليستدلّ به على موجبها الآخَر، وهو وجوب القصاص عليهم.\nواعلم أن الأولى أن يمثل للجمع بما يلازم العلّة، بقياس النَّبِيذِ على الخمر، بجامع الرائحة الملازمة، وللجمع بأثر من آثارها، بقولنا في المُثَقِّل: قتل أثِمَ به صاحبه من حيث كونه قتلًا، فأوجب القصاص كالجَارحِ، وللجمع بحكم من أحكامها، كمسألة قطع الأيدي باليد الوَاحِدَةِ التي ذكرها المصنّف؛ فإن وجوب الدِّيَةِ على المباشر، لا نفس العلّة الموجبة للقصاص، ولا لازمها، بل من أَحْكامها، وكأن المصنف أطلق اللازم - هنا - على ما هو أعم من اللَّازم الحقيقي، والأثر والحكم، ومما يوضّح لك عدم اللُّزوم الحقيقي: أنك تجد صورًا يُنْبِيكَ الفقيه عن إِيجاب القصاص فيها دون الدِّيَةِ، كما إِذا وجب على شخص القِصَاص، فقطع المستحق أطرافه، فإنه ليس له بعد ذلك إِلَّا القتل دون الدِّيَةِ، وكما إِذا قتل الذمي مرتدًّا.\nوأيضًا فموجب القَتْلِ العَمْد القصاص عينًا لأحد الأمرين منه أو الدِّية على المذهب الصحيح، فليست الدِّية موجبة، وإنما هي تدلّ على موجبه.\nوأما وجوب الدِّيَة حيث لا قِصَاصَ، فكثير شهير.\nوإن كان بإِلغاء الفارق، فهو القِيَاسُ في معنى الأصل، ويسمى \"تنقيح المَنَاط\"، وإليه أشار بقوله: \"والثالث: الجمع بنفي الفارق\".","vol":"4","page":355},{"text":"يَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِالْقِيَاسِ؛ خِلَافًا لِلشِّيعَةِ وَالنَّظَّامِ وَبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ.\nوَقَالَ الْقَفَّال، وَأَبُو الْحُسَيْنِ: يَجِبُ عَقْلًا.\nلَنَا: الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ، وَأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ لَمْ يَقَعْ، وَسَيَأْتِي.\nقَالُوا: الْعَقْلُ يَمْنَعُ مِمَّا لا يُؤْمَنُ فِيهِ الْخَطَأُ.\nوَرُدَّ بِأَنَّ مَنْعَهُ هُنَا لَيْسَ إِحَالَةً، وَلَوْ سُلِّمَ فَإِذَا ظَنَّ الْصَّوَابَ لَا يَمْنَعُ.\nقَالُوا: قَدْ عُلِمَ الأَمْرُ بِمُخَالَفَةِ الظَّنِّ؛ كَالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ، وَالْعَبِيدِ، وَرَضِيعَةٍ فِي عَشْرِ أَجْنَبِيَّاتٍ.\nقُلْنَا: بَلْ قَدْ عُلِمَ خِلَافُهُ؛ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَظَاهِرِ الْكِتَابِ، وَالشَّهَادَاتِ، وَغَيْرِهَا، وَإنَّمَا مُنِعَ لِمَانِعٍ خَاصٍّ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"يجوز التعبُّد بالقياس (^١)؛ خلافًا للشيعة والنظام، وبعض المعتزلة.\nوقال القفال، وأبو الحسين: يجب عقلًا (^٢).\n_________\n(^١) فمعناه التكليف به، وهل المراد إيجابه أو إيجاب العمل بمقتضاه؟ جري الآمدي وأكثر شراح المختصر على أن المراد به إيجاب الشارع نفس القياس، ويلاحظ أن المراد بالقياس هنا \"إثبات الحكم في الفرع\" لا \"المساواة في العلة\" لأن التكليف إنما يكون بفعل المكلف، وعلى هذا فالمتعبد بالقياس هو المجتهد فقط، والذي وقع التعبد به هو القياس بمعنى \"الإثبات\". وجرى العضد في شرح المختصر على أن المراد به إيجاب العمل بمقتضى القياس \"وهو حكم الفرع الذي ثبت به\". فالمتعبد بالقياس على هذا هو جميع المكلفين لا خصوص المجتهد، والذي وقع التعبد به هو العمل بمقتضى القياس، \"فإن قلت\": إن مقتضاه قد يكون الندب أو الكراهة أو الإباحة، فكيف يكون العمل به واجبًا على الإطلاق؟ \"قلنا: المراد بإيجاب العمل بمقتضى القياس \"إيجاب اعتقاد مقتضاه\"، سواء أكان ذلك المقتضي وجوبًا أم غيره.\n(^٢) بمعنى أن الدليل العقلي المحض دل على أنه أمر ثابت لا يتصور انتفاؤه. وإلى هذا ذهب أبو الحسين البصري المعتزلي والقفال الشاشي الشافعي كما حكى المصنف ﵀.\nوهذا المذهب مبني على القول بوجوب فعل الصلاح والأصلح على الله تعالى، وبناؤه على هذا القول ظاهر بالنسبة لأبي الحسين، لأنَّهُ معتزلي، وأما بالنظر للقفال وهو من فقهاء أهل السنة فوجهه أنه كان قائلًا بالاعتزال في أول أمره ثم رجع إلى مذهب الأشعري كما قال ابن السبكي =","vol":"4","page":356},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nلنا: القطع بالجواز\"؛ إِذ لا يلزم من فرض وقوعه محال (^١)، وأنه لو لم يَجُزْ لم يقع، وسيأتي\" أنه وقع (^٢).\n\"قالوا: العقل يمنع مما لا يؤمن فيه الخَطَأ\"، والقياس لا يؤمن فيه ذلك، فيكون ممنوعًا عقلًا.\n\"ورد: بأن منعه هنا ليس إِحالة\"، أي: منع العَقْل مما لا يؤمن فيه الخَطَأ ليس إِحالة لذلك، بل غايته تَرْجيح التَّرك عليهم، وأنتم ادّعيتم الإِحالة، فدليلكم غير مُلَاقٍ محل النزاع، ثم إِن مثله لا يمتنع التعبُّد به شرعًا.\n\"ولو سلم\" أن منعه عنه إِحالة لذلك في الجملة، فلا نسلّم أن منعه ثابت في جميع الصور، بل هو مختصّ بما لا يغلب فيه جانب الصّواب.\n_________\n= في الطبقات نقلًا عن الحافظ ابن عساكر.\nفعلم من هذا أن ما يحكى عن الإمام القفال في الأصول من المذاهب التي لا تصح إلا على قواعد المعتزلة إنما ذهب إليها حينما كان على مذهبهم، وأنه لما رجع عنه لا بد أن يكون قد رجع عنها.\n\"الثالث\": أي أن التعبد بالقياس ممتنع عقلًا في شريعتنا خاصة، وإليه ذهب النظام من المعتزلة. أو في جميع الشرائع، وإليه ذهب الشيعة الإمامية وجماعة من معتزلة بغداد وجماعة من الخوارج. ومعنى الامتناع عقلًا عند الفريقين أن الدليل العقلي المحض يدل على استحالته أي كونه أمرًا منتفيًا لا يتصور ثبوته.\nوقد عبر بالاستحالة كثير من العلماء كالغزالي والبيضاوي وغيرهما. وعبر ابن السبكي في جمع الجوامع بقوله: \"ومنعه قوم عقلًا\" وفسره محشيه البناني بقوله: \"أي عدوه محالًا لا يتصور وقوعه\" اهـ لكن الشيخ الشربيني في تقريره فسر الامتناع عقلًا بالقطع بأن الشارع لا يجعله دليلًا حيث قال: \"وليس المراد أنه مما لا يتصور وقوعه\" اهـ. ينظر: المحصول ٢/ ٢/ ٢٩.\n(^١) لأنَّهُ لو فرض أن الشارع قال: إذا وجدت أيها المجتهد محلًا مشاركًا لآخر في علة حكمه، فأثبت فيه حكمه أو لا تثبته بذلك، لم يلزم من كلا الفرضين محال لا لنفسه ولا لغيره بالضرورة. ولا يرتاب أحد في أنه ما لا يلزم من وقوعه ولا عدم وقوعه محال أنه جائز عقلًا، وبهذا يعلم أن التعبد بالقياس جائز عقلًا لا مستحيل، ولا واجب.\n(^٢) \"أما الأولى\" فلأن الممتنع ما لا يتصور في العقل وجوده فلا يقع \"وأما الثانية\" فللأدلة الدالة على الوقوع من الكتاب والسنة وإجماع بعض الصحابة مع موافقة الباقين، فهو إذًا غير ممتنع عقلًا؛ فيكون جائزًا.","vol":"4","page":357},{"text":"النَّظَّامُ: إِذَا ثَبَتَ وُرُودُ الشَّرْعِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ؛ كَإِيجَابِ الْغُسْلِ وَغَيْرِهِ بِالْمَنِيِّ دُونَ الْبَوْلِ، وَغَسْلِ بَوْلِ الصَّبِيَّةِ، وَنَضْحِ بَوْلِ الصَّبِيِّ، وَقَطْعِ سَارِقِ الْقَلِيلِ دُونَ غَاصِبِ الْكَثيرِ، والْجَلْدِ بِنِسْبَةِ الزِّنَا دُونَ نِسْبَةِ الْكُفْرِ، وَالْقَتْلِ بِشَاهِدَيْنِ دُونَ الزِّنَا، وَكَعِدَّتَي الْمَوْتِ وَالطَّلَاقِ، وَالْجَمْع بَيْنَ الْمُخْتَلِفَاتِ؛ كَقَتْلِ الصَّيْدِ عَمْدًا أَوْ خَطَأَ، وَالرِّدّةِ وَالزِّنَا، وَالْقَاتِلِ، وَالْوَاطِئِ فِي الَصَّوْمِ، وَالْمُظَاهِرِ فِي الْكَفَّارَةِ - اسْتَحَالَ تَعَبُّدُهُ بِالْقِيَاسِ.\n<hr><s0>\n\nوأما إِذا كان الصواب راجحًا فلا يمنع، وإليه أشار بقوله: \"فإذا ظن الصواب لا يمنع\"، فالعَقْل يقضي بالعمل عند ظنّ الصواب، وإن أمكن الخطأ، وإلا لتعطّلت أكثر المَصَالح؛ فإن الجزم متعذّر في الأكثر.\n\"قالوا: قد علم الأمر بِمُخَالفة الظَّن، كالشَّاهد الواحد، والعَبِيد، ورضيعة\" اختلطت، واشتبهت \"في عشر أجنبيات\"، حيث يحرم مع قيام الظَّن بصدق العدل الواحد، والعبيد الأَتْقِيَاءِ، وأن المنكوحة غير الرَّضِيعَةِ، وكذلك ما لا يُحْصَى في الشريعة من ظنون لا تعتبر.\n\"قلنا: بل علم خلافه، كخبر الوَاحِدِ، وظاهر الكتاب، والشهادات وغيرها\"، كحكم القاضي، وفتوى المُفْتِي، واجتهاد المجتهد في المَاءِ، والثوب، والقِبْلَةِ، وقِيَمِ المُتْلَفَاتِ، وما لا يُحْصَر، بحيث لا يشكّ البادئ في الفقه أنّ الصور التي يترك فيها العمل بالظَّن قليلة جدًّا بالنسبة إِلى الصور المعمول بالظَّن فيها \"وإنما منع\" من العمل بالظَّن فيها، \"لمانع خاص\".\nوفي قوله: \"لمانع\"، إشارة إِلى أن الأصل العمل بالظُّنون في الفروع، وخالف قوم في ذلك، وتظهر فائدة الخلاف في مكان يشكّ هل يكتفي فيه بالظن؟.\nفمن يقول: الأصل العمل بالظَّن، يكتفي فيه، جريًا على الأصل، ومن يمنع، يتوقّف.\nالشرح: واحتجّ: \"النظام\" بأنه: \"إِذا ثبت ورود الشَّرْع بالفرق بين المتماثلات، كإِيجاب الغُسْل وغيره\"، كالمنع من قراءة القرآن \"بالمَنِيّ دون البَوْلِ، وغسل بول الصَّبية، ونَضْح بول الصبي، وقطع سارق القَلِيل دون غَاصِب الكثير، والجَلْد بنسبة الزنا دون نسبة الكُفْر، والقَتْل بشاهدين دون الزِّنَا، وكعِدَّتي الموت والطلاق\"، فالأولى بالأشهر، والثانية بالأَقْرَاء لذات الأَقْرَاء.","vol":"4","page":358},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"والجمع بين المختلفات، كَقَتْلِ الصيد\"، فإنه لا يفترق فيه الحال بين أن يكون \"عمدًا أو خطأ، والردة والزنا\"، إِذا كان بعد الإحصان في القَتْل، \"والقاتل، والواطئ في الصوم، والمُظَاهر\" من امرأته \"في\"إيجاب \"الكَفَّارة\" عليهم\"استحال تعبُّده بالقياس\"؛ لأن القياس إِلحاق النظير، وهو ضدّ ذلك، فأنى يجتمعان (^١)؟.\n_________\n(^١) إليك توضيح ذلك فنقول:\n١ - أنه فرض الغسل من المني، وأبطل الصوم بإنزاله عمدًا \"دون البول\" مع استوائهما في الخروج من السبيلين.\n٢ - أنه أوجب الغسل من بول الصبية \"دون بول الصبي\" إذا اكتفى فيه بالنضح مع تساويهما في النجاسة والاستقذار.\n٣ - أنه رخص في قصر صلاة المسافر الرباعية \"دون الثنائية والثلاثية\" مع استواء الكل في الحقيقة؛ إذ كل منها صلاة مفروضة في السفر.\n٤ - أنه أوجب على الحائض قضاء الصوم \"دون الصلاة\" مع استوائهما في الفرضية.\n٥ - أنه حرم النظر إلى العجوز الشوهاء القبيحة المنظر إذا كانت حرة، وجوزه إلى الشابة البارعة الجمال إذا كانت أمة\" مع استوائهما في الأنوثة، بل مع كون النظر إلى الأمة المذكورة أقرب إلى الفتنة.\n٦ - أنه أوجب قطع سارق ربع دينار \"دون مختلس ألف دينار أو منتهبها أو غاصبها\" مع استواء الكل في أخذ المال ظلمًا، بل هؤلاء أشد ظلمًا كما هو ظاهر.\n٧ - أنه جعل دية اليد خمسمائة دينار أو خمسين من الإبل \"مع أنه قطعها في ربع دينار\" ففرق بين اليدين في القيمة مع استوائهما في النفع.\n٨ - أنه أوجب حد الفرية وهو ثمانون جلدة على من قذف غيره بالزنا \"دون من قذفه بالكفر\" وهما مستويان في الإيذاء، بل الثاني شر من الأول.\n٩ - أنه اكتفى في ثبوت الفتل والكفر بشاهدين \"دون ثبوت الزنا\" مع استواء الكل في الجناية، بل الزنا دونهما.\n١٠ - أنه فرق في العدة \"بين الموت والطلاق\" مع استواء الرحم فيهما.\n١١ - أنه أباح للرجل أن يتزوج أربعًا \"ولم يبح للمرأة إلا التزوج برجل واحد\" مع وجود الشهوة وقوة الداعي من الجانبين.\n١٢ - أنه جوز للرجل أن يستمتع من أمته بالوطء وغيره \"ولم يجوز للمرأة أن تستمتع من عبدها بوطء ولا بغيره\" مع استوائهما في ملك اليمين.\n١٣ - أنه أوجب الزكاة في خمس من الإبل \"وأسقطها من عدة آلاف من الخيل\" مع استواء الصنفين في النفع. =","vol":"4","page":359},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ١٤ - أنه قطع يد السارق \"ولم يقطع لسان القاذف ولا فرج الزاني\" مع أن كلًا منها آلة للمعصية.\n١٥ - أنه أوجب على الرقيق \"نصف حد الحر\" مع أن حاجته إلى الزجر عن المحرمات كحاجة الحر.\n١٦ - أنه أوجب على من نذر الطاعة أن يفي بها \"وجوز لمن حلف على فعلها أن يتركها ويكفر عن يمينه\" مع أن كلًّا منها قد التزم فعلها لله تعالى.\n١٧ - أنه حرم صوم أول يوم من شوال \"وفرض صوم آخر يوم من رمضان\" مع تساوي اليومين في أن كلًّا منهما زمان.\n١٨ - أنه فضل بعض الأزمنة والأمكنة على بعض مع استوائها في الحقيقة؛ ففضل ليلة القدر ويوم عرفة على غيرهما مع استواء الجميع في كونه زمانًا، وفضل مكة والمدينة وبيت المقدس على سائر الأمكنة مع استواء الجميع في كونه مكانًا.\nوأمّا النوع الثاني، وهو ما جمع فيه بين المختلفات فمن صوره:\n١ - أنه جمع بين الخطأ والعمد \"في ضمان الأموال\" مع اختلافهما في التعدي.\n٢ - أنه جمع بين العاقل والمجنون، والطفل والبالغ \"في وجوب الزكاة\" مع اختلافهم بالتكليف وعدمه.\n٣ - أنه جمع بين الماء والتراب \"في جواز التطهر بكل منهما\" مع اختلافهما في الحقيقة والخواص؛ فإن الماء منظف، والتراب ملوث.\n٤ - أنه جمع بين زنا المحصن والردة \"في إيجاب قتل مرتكبهما\" مع تفاوتهما في مقدار المعصية.\n٥ - أنه جمع بين الميتة وذبيحة المجوسي وصيد المحرم \"في تحريم كل منها\" مع أن الميتة قد انحبس فيها الدم بخلافهما.\nفهذه الصور وأضعافها وأضعاف أضعافها يثبت بها أن شريعتنا قد جاءت بالتفريق بين المتماثلات والجمع بين المختلفات؛ فتمت الصغرى.\n١ - أَمَّا الغسل من إنزال المني دون البول؛ فلما يحدثه إنزال المني من الثقل والكسل والفتور. وقد صرح أفاضل الأطباء بأن الاغتسال يعيد إلى البدن قوته، ويخلف عليه ما تحلل منه. ففرض الاغتسال منه في غاية الحكمة، بخلاف البول؛ فإن البدن لا يتأثر بخروجه هذا التأثر، فلم يفرض الغسل من خروجه، وأيضًا خروج البول يتعدد كل يوم ففي فرض الغسل منه حرج ومشقة عظيمة بخلاف المني.\nوأمّا إبطال الصوم بإنزال المني عمدًا دون البول؛ فلأن مبني الصّوم محاربة الشهوتين شهوة البطن وشهوة الفرج، وفي إنزال المني عمدًا مخالفة لذلك فأبطل الصوم، بخلاف البول فإنه لا =","vol":"4","page":360},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  منافاة بينه وبين مقصود الصوم، فافترقا في علتي هذين الحكمين، فوجب افتراقهما في الحكمين وإن تماثلا في أنهما فضلتان خارجتان من القبل، فهذا تماثل في صفة لا أثر لها.\n٢ - وأما غسل الثوب من بول الصبية ونضحه من بول الصبي؛ فلأنهما يختلفان من وجهين: \"أحدهما\" أن بول الصبي ينزل متفرقا، فيشق غسل ما أصابه كله بخلاف الصبية.\n\"وثانيهما: أن بول الأنثى أثبت وأنتن من بول الذكر، وسببه حرارة الذكر ورطوبة الرحم، فالحرارة تخفف من نتن البول وتذيب منها ما لا يحصل مع الرطوبة، وهذان معنيان مؤثران يحسن اعتبارهما في الفرق بينهما، فليست علة النضح مطلق النجاسة التي يتماثل فيها النوعان، بل النجاسة مع هذين المعنيين، وهما يختلفان فيهما، فالتفرقة بينهما تفرقة بين مختلفين لا متماثلين.\n٣ - وأما قصر الصَّلاة الرباعية في السفر دون الثنائية والثلاثية؛ فلقيام الفارق بينها؛ إذ ليس المعنى الداعي إلى القصر هو مجرد كونها صلاة مفروضة في السفر، وإنما الداعي الحقيقي أن هذه رخصة شرعت تخفيفًا على المسافر، ولا شك أن الذي يناسبه التخفيف إنما هو العدد الكثير دون القليل، فالصلاة الرباعية تحتمل الحذف لطولها، بخلاف الثنائية فإن القصر يجحف بها على أنها لو قصرت لعادت إلى ركعة واحدة، وهذا ليس له نظير في أصل مشروعية الصلاة، وأما الثلاثية فلا يمكن تشطيرها، وحذف ثلثيها مخل بها، وحذف ثلثها يخرجها عن حكمة شرعها وترًا؛ فإنها شرعت لتكون وتر النهار كما قال ﷺ: \"المغرب وتر النهار، فأوتروا صلاة الليل\".\n٤ - وأما إيجاب قضاء الصّوم على الحائض دون الصلاة؛ فلأن الصلاة تتكرر في كل يوم خمس مرات، وفي إيجاب قضائها على الحائض مشقة لا تحصل في قضاء الصوم الذي فرض في شهر واحد من السنة كلها، فهما وإن تماثلا في كونهما فرضين، فقد افترقا بعظم المشقة في قضاء الصَّلاة دون الصوم؛ فافترق حكمهما لذلك.\n٥ - وأمّا تحريم النظر إلى العجوز الشوهاء إذا كانت حرة وإباحته إلى الشابة البارعة الجمال إذا كانت أمة، فإن كان المراد النظر ولو بشهوة ولو أدى إلى الفتنة فالقول بإباحته كذب على الشارع.\nوإن كان المراد النظر بلا شهوة حيث لم تحس منه فتنة فذلك إنما يباح للأمة دون الحرة لوجهين:\n\"أحدهما\": أن الأمة يحتاج إلى امتهانها واستخدامها داخلًا وخارجًا، ففي تحريم النظر إليها حرج بخلاف الحرة.\n\"وثانيهما\" أن تحريم النظر فيه شيء من التكريم، وهو أليق بالحرة من الأمة التي أهانها =","vol":"4","page":361},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  الشارع بالرق الذي هو في الأصل جزاء الكفر.\n٦ - وأما قطع السارق دون المختلس والمنتهب والغاصب؛ فلأن السّارق ينقب الدار ويهتك الحرز ويكسر القفل، ولا يمكن صاحب المتاع الاحتراز منه بغير ذلك، فلو لم يشرع قطعه لكثرت السرقة وعظم الضرر، بخلاف المختلس والمنتهب والغاصب، فإن المختلس يأخذ المال على حين غفلة من مالكه من حرز مثله، فالمالك هو المفرط؛ إذ لو تيقظ وتحفظ لما مكّن المختلس من ماله والمنتهب يأخذ المال جهرة بمرأى من الناس، فيمكنهم أن يأخذوا على يديه، ويخلصوا حق المظلوم أو يشهدوا له عند الحاكم، والغاصب بغير انتهاب واختلاس وسرقة كجاحد الوديعة ومزور العقد ونحوهما يمكن الاحتراز منه بالإشهاد على الوديعة وكتابة العقد والشكوى عند الحاكم، فهؤلاء جميعًا لا يعاقبون بالقطع؛ لإمكان الاحتراز عنهم بخلاف السارق، فالتفرقة بينه وبينهم تفرقة بين مختلفات لا متماثلاث.\n٧ - وأما قطع اليد في ربع دينار وجعل ديتها خمسمائة دينار أو خمسين من الإبل، فهما حكمان في غاية الحكمة؛ إذ في الأول احتياط للأموال أدى إلى إهانة سارقها وقطعه في هذا المقدار الضئيل ليأمن الناس شره، وفي الثاني احتياط للأطراف أدى إلى تغريم الجاني عليها هذا المقدار الكبير؛ لئلا يستهين بغرامة الجناية إذا كانت قليلة، فيعيث في الأرض فسادًا، فيد السارق ويد المجنى عليه ليستا متماثلتين؛ بل الأولى يد ظالم، والثانية يد مظلوم، فالتفرقة بينهما تفرقة بين مختلفين لا متماثلين.\nوقد أورد بعض الزنادقة هذا السؤال شعرًا فقال:\nيد بخمس مئين عسجد وديت … ما بالها قطعت في ربع دينار\nوأجابه الفقهاء بأجوبة من النثر والشعر لا تخرج عما قلناه، ومنها ما روى عن الإمام الشافعي أنه أجابه بقوله:\nهناك مظلومة غالت بقيمتها … وها هنا ظلمت هانت على الباري\n٨ - وإما إيجاب ثمانين جلدة على من قذف غيره بالزنا دون من قذفه بالكفر؛ فلأن الزنا يفارق الكفر من جهتين:\n\"إحداهما أنه يقع في الخفاء غالبًا دون الكفر، فمن قُذِف بالزنا حامت حوله الشبهة؛ إذ ليس لدى الناس مانع من تصديق القاذف، فكان الحد من الشارع زاجرًا له قائمًا مقام التكذيب، بخلاف المقذوف بالكفر؛ فإن حاله شاهدة بتكذيب القاذف؛ إذ لو كان صادقًا لما اختص بالعلم به، فلم يشرع الحد عليه.\n\"وثانيتهما\" أن الزنا لكونه مبنيًّا على الشهوة البهيمية وخيانة الناس بعضهم بعضًا يتعير به، بخلاف الكفر فإنه مبني على خطأ يعتقده صاحبه صوابًا، فلا يتعير به. فالقذف بالزنا فيه إيذاء أعظم من القذف بالكفر لا سيما إذا كان المقذوف امرأة، فشرع الحد في الأول دون الثاني =","vol":"4","page":362},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  لذلك، فالقذفان وإن اشتركا في التحريم وزاد القذف بالكفر عن القذف بالزنا لكونه رميا بما هو أعظم جرمًا، إلا أن هذا الوصف الذي اشتركا فيه ليس هو مناط الحد، بل مناطه القذف بأمر يسرع تصديق الناس له، ويلحق العار بصاحبه، وهذا خاص بالقذف بالزنا، فالتفرقة بينه وبين القذف بالكفر تفرقة بين مختلفين لا متماثلين.\n٩ - وأما اكتفاؤه في ثبوت القتل والكفر بشاهدين دون ثبوت الزنا ففي غاية الحكمة؛ إذ في الاكتفاء بالشاهدين على الكفر احتياط للدين؛ كيلا يجترئ أحد على إعلان الكفر وإضلال الناس. وفي الاكتفاء بهما في القتل احتياط للنفس التي حرمها الله؛ كيلا يفلت المجرم عند قلة المطلعين على جريمته، وفي اشتراط الأربعة في الزنا احتياط لستر الفاحشة التي من شأنها الستر والتي يؤدي كشفها إلى إلحاق العار الدائم بالمشهود عليه وبغيره ممن يتصلون به، وربما أدى إلى جرائم أخرى، ولذا توعد الله تعالى من أحب إشاعة الفاحشة بين المؤمنين بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة.\n١٠ - وأما فرقه في العدة بين الموت والطلاق؛ فلأن بينهما فرقًا مشتملًا على حكمة عظيمة ذلك أن عدة الوفاة لم تشرع لبراءة الرحم وإلا لما وجبت على غير المدخول بها ولا على الصغيرة والآيسة، وإنما شرعت تحريمًا للعقد \"حيث بلغ غايته ولم ينقطع بطلاق ولا فسخ\" ورعاية لحق الزوج المتوفى وتفجعًا عليه، فلم يكن بد من ضرب مدة لذلك، وأولى المدد بذلك المدة التي يعلم فيها وجود الولد وعدمه، فإنه يكون أربعين يومًا نطفة ثم أربعين علقة ثم أربعين مضغة، فهذه أربعة أشهر ثم ينفخ فيه الروح في الطور الرابع؛ فقدر بعشرة أيام لتظهر حياته بالحركة إن كان ثم حمل، وقدرت هذه المدة في حق الصغيرة والآيسة وغير المدخول بها، لأنه لا بد في الثلاثة من ضرب مدة، فإذا التمست مدة سوى هذه كان ذلك تفريقًا بين أحكام الباب الواحد من غير داع؛ وهذا لا يجوز.\nوأمّا عدة الطلاق فإنها لا يمكن تعليلها بما سبق؛ لأنها إنما اختصت بالمدخول بها \"لو كانت لحرمة العقد أو لحرمة الزوج لشملت غير المدخول بها\" وإنما شرعت هذه العدة لحكم:\n\"إحداها\" رعاية حق الزوج في الرجعة؛ باتساع زمنها إذا كان الطلاق رجعيًّا لئلا يفوته إمساكها، وعقوبته بتطويل المدة إذا كان الطلاق بائنًا؛ فإنه ينتظر حتَّى تمضي العدة ثم تُزَوَّجْ بآخر ثم يطلقها ثم تمضي عدتها منه.\n\"ثانيتها\" رعاية حق الزوجة في النفقة والسكنى مدة بعد الطلاق.\n\"ثالثتها\" رعاية حق الولد بالاحتياط في ثبوت نسبه أو لا يختلط بغيره.\n\"رابعتها\" رعاية حق من يريد التزوج بها بعد الطلاق بألّا يسقي ماءه زرع غيره، فلهذه الحكم لم يكن بدّ من مدة تتربصها المرأة بعد الطلاق، ولا يكفي لهذه الحقوق قرء ولا شهر واحد، =","vol":"4","page":363},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  وإن كانا يكفيان لمعرفة براءة الرحم، فزيدت إلى ثلاثة أقراء أو ثلاثة أشهر رحمة بأرباب هذه الحقوق، وإنما اكتفى في الطلاق بذلك دون الوفاة احتياطًا للمتوفي؛ لأنه لو جعلت عدة المتوفى عنها ثلاثة أقراء أو ثلاثة أشهر فربما تزوجت عقبها ثم وضعت ولدًا للمتوفي؛ فيضيع نسبه لوفاة صاحب الحق، بخلاف المطلق؛ فإن مطلقته إذا تزوجت بعد انقضاء عدتها ثم وضعت ولدًا له أمكنه معرفته غالبًا.\n١١ - وأما إباحته للرجل أن يتزوج بأربع وعدم إباحته للمرأة أن تتزوج بأكثر من واحد مع وجود الشهوة وقوة الداعي من الجانبين، فذلك من كمال حكمة الشارع؛ فإن بين الرجل والمرأة فرقًا من جهات:\n\"الأولى\" أن زواج المرأة باثنين أو أكثر يضيع الأنساب، ويؤدي إلى تشاحن الأزواج وقتل بعضهم بعضًا، بخلاف زواج الرجل باثنتين أو أكثر؛ فإن الأنساب معه محفوظة.\n\"الثانية\" أن المرأة لما كانت مخبأة في العادة كان مزاجها أبرد من مزاج الرجل، وحركتها الظاهرة والباطنة أقل من حركته، فلذا كانت شهوتها أقل؛ لأن منبع الشهوة إنما هو الحرارة والقوة، فلم يبح لها أن تتزوج بأكثر من واحد حرصًا عليها أن تزول حرارتها وقوتها بالكلية، وما يتخيل من كثرة شهوة المرأة فإنما هو خيال باطل، ومنشؤه أن المرأة الخالية من الأعمال تلتفت إلى الشهوة؛ لعدم اشتغالها بغيرها، فتظن كثرتها والواقع أنها أقل من الرجل بكثير.\n\"الثالثة\" أن الرجل لما كان دائب السعي في المصالح الخارجية يركب الأخطار ويجوب القفار، كان متعرضًا لكل بلية ومحنة، فعوض عن ذلك بإباحة تزوجه بأربع، بخلاف المرأة فإنها يأتيها رزقها وهي مخبوءة في بيتها، فلم يبح لها أكثر من زوج واحد، والغيرة التي تحدث لها من زواج زوجها بغيرها ليست أعظم أثرًا مما يتحمله الرجل من المشاق.\n\"الرابعة\" أن الرجال يقلون والنساء يكثرن؛ لتعرض أولئك للأخطار والحروب دون هؤلاء، فمن الحكمة إباحة أن يتزوج الرجل أربعًا؛ لئلا تضيع نساء كثيرات.\n\"ولعلّ قائلًا يقول\": لا ضياع للنساء؛ إذ يجب إلزام أولياء أمورهن بالإنفاق عليهن. \"والجواب\" أن النساء وإن أمكن كفايتهن من جهة النفقة لم يمكن كفايتهن من حيث قضاء الشهوة المركبة فيهن إلا بالزواج، وإلّا لجأن إلى البغاء، وسرى شره بين الأمة، فلا ضمان إلا بإباحة تعدد الزوجات للرجل.\n١٢ - وأما تجويزه للرجل أن يستمتع من أمته بالوطء وغيره، وعدم تجويزه للمرأة أن تستمتع من عبدها بوطء ولا غيره مع استوائهما في ملك اليمين؛ فلأن الفطرة قاضية بأن يكون للرجل المستمتع سلطان على المرأة المستمتع بها، فأبيح للرجل أن يستمتع بأمته؛ لأن سلطان استمتاعه بها يوافق سلطان ملكه إياها. ولم يبح للمرأة أن تستمتع بعبدها؛ لأنَّهُ يقضي أن =","vol":"4","page":364},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  يكون قاهرًا لها حاكمًا عليها، وهذا مناف لملكها إياه وسلطنتها عليه، ولم يمنعها الشارع إذا شاءت أن تعتقه وتدعوه إلى الزواج بها، فهذا أمر لا ينفر منه الطبع السليم، بخلاف ذلك.\n١٣ - وأما إيجابه الزكاة في خمس من الإبل واسقاطه إياها عن عدة آلاف من الخيل مع استواء الصنفين في نفع مالكهما؛ فلأن بين الإبل والخيل فرقًا يقتضي إيجاب الزكاة في أحدهما دون الآخر، وذلك أن الإبل تراد للدر والنسل والأكل وحمل الأثقال والمتاجر والانتقال عليها من بلد إلى بلد، فهي معدة للنفقة كالذهب والفضة، وأما الخيل فإنما خلقت للكر والفر والطلب والهرب، فهي معدة لإقامة الدين وجهاد أعدائه كآلات السلاح والحرب، فمن حكمة الشارع أن يفرق بين ما أعد للنفقة وما أعد لإعلاء كلمة الله، فيوجب الزكاة في الأول تطهيرًا له، ويعفو عن الثاني ترغببًا في اقتنائه، ولذا تجب الزكاة في الخيل إذا اتخذت للتجارة؛ لأن المقصود بها حينئذ النفقة، فهي كالإبل المقتناة للدر والنسل، فالشارع الحكيم جمع بينهما في وجوب الزكاة حيث كانت الحكمة تقتضي الجمع، وفرق بينهما في ذلك حيث كانت الحكمة تقتضي الفرق.\n١٤ - وأما قطعه يد السارق دون فرج الزاني ولسان القاذف؛ فلأن السارق يأخذ المال خفية من حرز مثله، فلا يمنع شره إلا بقطع يده الذي يعطل حركته بعض التعطيل، فيسهل ضبطه إذا عاود السرقة، وفي هذا أيضًا مزجرة له؛ لأنَّهُ كلما نظر إلى يده المقطوعة تذكر السبب، فخشي أن يعاود السرقة فيقطع منه عضو آخر. وأمَّا الزاني فلم يقطع فرجه لأمور:\n\"أحدها\" أنه إن تأتي القطع في الرجل لم يتأت في المرأة، فإن شرع في الرجل دون المرأة كان منافيًا للعدالة، بخلاف اليد؛ فإنه يمكن قطعها في السارق والسارقة.\n\"ثانيها\" أن الفرج آلة النسل، وفي قطعه تعطيل للنسل المقصود تكثيره، بخلاف قطع اليد؛ فليس فيه تعطيل لأمر مقصود شرعًا.\n\"ثالثها\" أن الزاني مستمتع بجميع بدنه لا بالفرج وحده، فقطع الفرج فيه إخلاء لباقي البدن عن العقوبة، بخلاف السارق؛ فإنه لم يباشر السرقة إلا بيده، فكان من الحكمة قطعها دون فرج الزاني، وإذا لم يعاقب الزاني بقطع فرجه لما ذكر، كان من الحكمة معاقبته بما فرض الشارع من جلد وتغريب للبكر ورجم للمحصن، فإن المحصن قد تزوج فعلم ما يقع به العفاف عن الفروج المحرمة، وباشر ذلك بنفسه، فزال عذره من جميع الوجوه، فعوقب بالرجم لما في فعله من اختلاط الأنساب الذي يبطل معه التعارف والتناصر، فيكثر هلاك الحرث والنسل، فكانت تلك الفعلة أشبه شيء بقتل النفس الذي لا زجر لفاعله إلّا بالقصاص، وأمّا البكر فلم يعلم ما علمه المحصن ولم يباشر ما باشر من الزواج الذي يقع به العفاف، فحصل له من العذر ما أوجب التخفيف عنه، وإن كانت فعلته تؤدي إلى الجرائم التي في فعلة المحصن فلذا =","vol":"4","page":365},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  عوقب بجلد مائة وتغريب عام إيلامًا لجميع بدنه الذي استمتع بالحرام وردعًا له عن المعاودة إليه وبعثًا له على الاقتناع بما رزق الله من الحلال.\nوأما القاذف فمفسدة قذفه لا تساوى مفسدة السرقة ولا الزنى، فمن الحكمة أن يكون حده أقل من حدها، فعوقب بجلد ثمانين، وفي ذلك زجر له وردع لغيره، ولم يقطع لسانه؛ لما في قطعه من الإسراف في العقوبة من غير داع، ولما فيه من تفويت ذكر الله ودعائه، وهما من أعظم مقاصد الشرع.\n١٥ - وأما إيجابه علي الرقيق نصف حد الحر، فالحكمة فيه أن نعمة الله على الحر أتم؛ لأنَّهُ لم يجعله تحت قهر غيره، فكان شكره لله أوجب، ووقوع المعصية في حقه أقبح، فإذا شرعت له عقوبة كان من الحكمة أن تخفف على العبد؛ لئلا يجتمع فيه ذل العبودية ونقص التصرف وشدة العقوبة، فكان على النصف من الحر في ذلك إقامة للذل والنقص مقام النصف الآخر.\n١٦ - وأما إيجابه على من نذر الطاعة أن يفي بها، وتجويزه لمن حلف على فعلها أن يتركها ويكفر عن يمينه، فالحكمة فيه أن النذر التزام للطاعة فيجب الوفاء به، سواء أكان مطلقًا نحو: لته علي أن أصلي ركعتين، أم معلقًا على شرط نحو: إن شفي الله مريضي فعلي أن أتصدق بدينار.\nوأما اليمين فليست التزامًا للطاعة: وإنما هي حث لنفسه على فعلها، وهذا الحق ينحل إما بفعلها وإما بالتكفير، ولو سلم أنها التزام فهي التزام بالله، لا التزام للّه وفرق بينهما، فإن الالتزام باللّه معاهدة للنفس مع الاستعانة بذكر الله، والالتزام لله معاهدة لله، فالإخلال بالثاني فيه نقض للمعاهدة بينه وبين ربه فلم يجز أصلًا، والإخلال بالأول ليس فيه ذلك وإنما فيه إخلال بكمال تعظيمه اسم الله حيث لم يوقع ما اقترن به، فجاز مع الكفارة، وهذا إنما يكون إذا لم يحلف على فعل واجب أو ترك حرام، فإن حلف على أحد هذين كان الإخلال به إخلالًا بالتعظيم ومعاهدة الله معًا؛ لأن كل مؤمن قد عاهد الله بإيمانه ألّا يفعل محرمًا ولا يترك واجبًا، فإذا حلف على فعل الواجب أو ترك الحرام فقد ضم إلى معاهدة الله، معاهدة النفس مع الاستعانة بذكر الله فإذا أخل بذلك كان آثمًا؛ لترك معاهدة الله، ووجبت الكفارة للإخلال بكمال تعظيم اسم الله.\n١٧ - وأما تحريمه صوم أول يوم من شوال وفرضه صوم آخر يوم من رمضان، فالحكمة فيه أن آخر يوم من رمضان خاتمة الشهر الذي أمر الله بصيامه، فصيامه إتمام لما أمر الله به، فهو فرض، وأول شوال يوم جعله الله عيدًا وسرورًا وشكرًا منه للصائمين على امتثالهم أمره، فهم أضيافه، والجواد يحب من ضيفه أن يقبل قِرَاه، ويكره أن يمتنع من قبول ضيافته إلا بإذنه، فحرم صومه لذلك، ولئلا تؤدي إباحته إلى الاستدراك على الشارع بالزيادة على ما شرع، =","vol":"4","page":366},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  فليس اليومان متساويين في المعنى الذي من أجله كان الصوم واجبًا أو حرامًا، وإنما اشتركا في أن كلًّا منهما زمان بين طلوع الفجر وغروب الشمس، وهذا اشتراك في معنى لا شأن له بالحكم.\n١٨ - وأما تفضيله بعض الأزمنة والأمكنة على بعض مع استواء الكل في الحقيقة، فليست علته هي حقيقة كونه زمانًا أو مكانًا، وإنما العلة التي اقتضت التفضيل هي ما وقع ويقع في تلك الأزمنة والأمكنة من الأمور الجليلة العظيمة القدر التي اختصت بها، فمثلًا \"ليلة القدر\" نزل فيها القرآن الكريم، وجعلت ميعادًا لنزول الملائكة والروح فيها بإذن ربهم تحمل ما تفضل الله به على الخلائق من النعم والرحمات فكانت العبادة فيها أفضل حتَّى يكون حظ العبد فيها أوفر. \"ويوم عرفة\" اختص بأن يقف فيه الجم الغفير من الخلائق ملبين، \"ومكة\" فضلت، لاختصاصها بالبيت الحرام والمشاعر العظام. \"والمدينة\" لاختصاصها بهجرة سيد الخلق ﷺ أولًا، وضمها جسده الشريف أخيرًا؛ ولأن أهلها أول من بايعه ﷺ ونصره. \"وبيت المقدس\" لاختصاصه بالمسجد الأقصى أولى القبلتين ومجمع الأنبياء ومنتهى إسرائه ﷺ ومبدأ عروجه إلى الملأ الأعلى.\n١٩ - أما جمعه بين الخطأ والعمد في ضمان الأموال مع اختلافهما في التعدي، فالحكمة فيه أن الضمان علته الإتلاف لا التعدي، ولا شكَّ أن المخطئ والعامد قد اشتركا في الإتلاف، فوجب اشتراكهما في الضمان، وهذا من ربط الأحكام بأسبابها، وهو مقتضى العدل الذي لا تتم المصلحة إلا به، ولو لم يجب الضمان على المخطئ لأتلف كل إنسان ما شاء، وادعى الخطا وعدم القصد، وهذا بخلاف الإثم والعقوبة، فإن مبناهما التعدي فلم يأثم المخطئ ولا يعاقب؛ لعدم تعديه، فالجمع بين الخطأ والعمد في الضمان جمع بين متماثلين في الإتلاف الذي هو علة الحكم، وإن اختلفا في التعدي فهو اختلاف في معنى لا تأثير له.\nوأما جمعه بين العاقل والمجنون، والطفل والبالغ في وجوب الزكاة مع اختلافهم بالتكليف، فهو حكم اجتهادي لا نص فيه، وهو محل نزاع بين الأئمة، والقائلون به رأوا أن الزكاة من حقوق الأموال لا الأشخاص؛ لأن ملك المال لا يتوقف على التكليف، فيستوي فيه العاقل والمجنون، والصبي والبالغ. وهذا المال يحتاج إلى التطهير بإخراج جزء منه للفقراء ونحوهم، فالزكاة تتعلق به كما يتعلق به الإنفاق على زوجته وأقاربه ورقيقه.\nوأما جمعه بين الماء والتراب في التطهير مع أن الأول منظف والثاني مقذر، فإن أراد جمعه بينهما في جواز التطهير في حالة واحدة، فغير مسلم؛ إذ التراب لا يطهر إلا عند فقد الماء أو العجز عن استعماله بمرض أو نحوه، وإن أراد أنه جمع بينهما في أصل جواز التطهير وإن كان الأول في حال القدرة والثاني في حال العجز، فمسلم، ولا يضر كون الأول منظفًا والثاني =","vol":"4","page":367},{"text":"وَرُدَّ: بِأَنَ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ؛ لِجَوَازِ انْتِفَاءِ صَلَاحِيَّةِ مَما تُوُهِّمَ جَامِعًا أَوْ وُجُودِ الْمُعَارِضِ فِي الأَصْلِ أَوْ فِي الْفَرْعِ، وَلاِشْتِرَاكِ الْمُخْتَلِفَاتِ فِي مَعْنًى جَامِعٍ، أَوْ لاِخْتِصَاصِ كُلٍّ بِعِلَّةٍ لِحُكْمِ خِلَافِهِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وُردّ: بأن ذلك لا يمنع الجواز\"؛ أي: جواز التعبُّد بالقياس، أما الفرق بين المتماثلات، فإِن المتماثلات إِنما يجب اشتراكها في الحُكْمِ؛ إذا صلح ما يه الاشتراك علّة للحكم، ليصلح جامعًا، ولا يكون له معارض في الأصل يقتضي حكمًا غيره، ولا في الفرع أقوى يلحقه بأصل غير ذلك الأصل؛ وذلك غير معلوم فيما ذكر من الصور؛ \"لجواز انْتِفَاءِ صلاحية ما يوهم جامعًا لأن يكون جامعًا، \"أو وجود المُعَارض في الأصل أو الفرع\"؛\n_________\n= مقذرًا، لأن التطهير الأصلي علة التنظيف باستعمال مادة سهلة الحصول عليها، وهي الماء، والتطهير البدلي عند العجز عن المادة المنظفة السهلة الحصول علته إظهار الخضوع للّه تعالى باستعمال مادة سهلة الحصول عليها أيضًا، وهي التراب. وفي جواز التطهير بالتراب، حكمة أخرى وهي \"أنه تعالى خلق أبانا آدم من الماء والتراب وكذلك خلق كل واحد منا؛ فإن أصل النطفه الأغذية الراجعة إلى الماء والتراب، فالتراب أخو الماء في أصالته لنا؛ فالتطهير به مذكر للإنسان بأصله، ممكن له من العبودية، مانع له من الكبر\" وكفى بذلك تطهيرًا للنفس حيث فقد المطهر المنظف للبدن.\nوأما جمعه بين زنا المحصن والردة في إيجاب القتل مع تفاوتهما في مقدار الخطيئة، والحكمة فيه أن الزاني والمرتد اشتركا في مفسدة تقتضي زوال كل منهم عن وجه الأرض، فالأول جني على البضع جناية توجب اختلاط الأنساب وضياعها، ومتى ضاعت زالت النصرة والتعاون، وكثر التشاحن والقتل، فوجب قتله صيانة للمجتمع من التفكك، والثاني جني على الدين جناية توجب العداوة والبغضاء بينه وبين المؤمنين، وربما اقتضى التهاون معه اقتداء كثيرين به؛ فتزول النصرة والتعاون، ويكثر التشاحن والقتل فوجب قتله، صيانة للمجتمع عن التفكك أيضًا. فالعلة التي اقتضت قتلهما أن كلًّا منهما مفسدة تؤدي إلى تفكك الأمة وكثرة القتل والشحناء بين أفرادها غير أنهما افترقا في أمر هو أن الزنا قد يجلب العار الذي لا يزول، بخلاف الردة\" فكان القتل فيه بالرجم الذي هو أشد من قطع الرقبة بالسيف، فالجمع بين الزنا والردة في القتل جمع بين متماثلين في علة القتل، والتفرقة بينهما في كيفية القتل للفرق بينهما في مقدار العلة فهي في الزنا أشد، وأما الفرق بينهما في مقدار المعصية فلا شأن له في هذه العقوبة الدنيوية، وإنما يظهر أثره في العقوبة الأخروية حيث يخلد المرتد في النار دون الزاني. وبهذا تبين أن شريعتنا إنما فرقت بين أحكام الأمور التي تباينت عللها، وجمعت بين أحكام الأمور التي اتحدت عللها أو تماثلت؛ وبذلك سقط دليل النظام.","vol":"4","page":368},{"text":"قَالُوا: يُفْضِي إِلَى الاخْتِلَافِ، فَيُرَدُّ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ …﴾ [النساء: ٨٢]، وَرُدَّ بِالْعَمَلِ بِالطوَاهِرِ، وَبِأَنَّ الْمُرَادَ التَّنَاقُض، أَوْ مَا يُخِلُّ بِالْبَلَاغَةِ، فَأَمَّا الأَحْكَامُ فَمَقْطُوعٌ بِالاِخْتِلَافِ فِيهَا.\nقَالُوا: إِنْ كَانَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا، فَكَوْنُ الشَّيْءِ وَنَقِيضِهِ حَقًّا، وَهُوَ مُحَالٌ، وَإنْ كَانَ الْمُصِيبُ وَاحِدًا، فَتَصْوِيبُ أَحَدِ الظَّنَّيْنِ مَعَ الاِسْتِوَاء مُحَالّ.\n<hr><s0>\n\nومراده بـ\"المعارض\" - هنا -: المنافي، كما تقدم في قوله: وألّا تكون المستنبطة بمعارض.\nأما [الجمع] (^١) بين المُخْتلفات، فلعلّه فيما ذكر \"لاشتراك المُخْتلفات في معنى جامع\"، هو علة الحكم في الكل؛ إِذ لا يمتنع اشتراك المُخْتلفات في صفات ثبوتية، \"أو لاختصاص كلّ بعلة لحكم خلافه\"، أي: يقتضي حكم المخالف الآخَر، فإِن العلل المختلفة لا يمتنع أنْ توجب في المَحَال المختلفة حكمًا واحدًا، وقد ردُّت شُبْهة النَّظَّام بأوجه شَتّى:\nمنها: أن غاية ما أورد أَمارات تخلف الحكم عنها، وذلك لا يقدح في كونها أَمَارة، كالغَيْمِ الرطب أمارة المطر، وقد يتخلّف، ذكره ابن السَّمْعَاني.\nومنها: أنا لا ندعي أَنَّ الشريعة بِأَسْرِهَا معقولة المَعْنَى، بل فيها التعبُّدي وغيره، والقياس إِنما يكون حيث يعقل المَعْنَى، وعلى أَنَّ المعنى فيما إذا ورد لائح، فالمَنِيّ والبول وإن اتفقا في كونهما خارجين من مخرجٍ واحد، فقد استويا في إِيجاب الطهارة ولم يفترقا بحيث جعل في أحدهما طهارة بالماء، وفي الآخَر كَفَّارة بالمال، نعم افترقا في الغُسْل وغيره؛ لأنَّ خروج المَنِيّ نادر لا تَعُمّ به البَلْوَى، فلم يكن في إِيجاب أشدّ الواجبين فيه زيادة كُلْفة، وتأمّل ما بعده من الصور تَلْفَ معناه لائحًا، فلا نطيل.\nالشرح: \"قالوا\": القياس \"يفضي إلى الاختلاف\"؛ لاختلاف القرائح والفطر، \"فيرد، لقوله\" تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].\nدلّ على أن ما هو من عند الله لا يوجد فيه اختلاف، فما يوجد فيه اخْتِلاف لا يكون من عند الله، والقياس فيه الاختلاف، فلا يكون من عند الله.\n\"ورُدّ بالعمل بالظواهر\"؛ فإن فيها اختلافًا بِحَسَب أنظار المجتهدين وغيرها، ومع ذلك يجب العمل بها.\n_________\n(^١) في ت: يجمع.","vol":"4","page":369},{"text":"وَرُدَّ بِالظَّوَاهِرِ، وَبِأَنَّ النَّقِيضَيْنِ شَرْطُهُمَا الاِتِّحَاد، وَبِأَنَّ تَصْوِيبَ أَحَدِ الظَّنَّيْنِ لَا بِعَيْنِهِ جَائِزٌ.\nقَالُوا: إنْ كَانَ الْقِيَاسُ كَالنَّفْي الأَصْلِيِّ، فَمُسْتَغْنًى عَنْه، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا، فَالْظَّنُّ لَا يُعَارِضُ الْيَقِينَ.\nوَرُدَّ بِالظَّوَاهِرِ، وَبِجَوَازِ مُخَالفةِ النَّفْي الأَصْلِيِّ بِالظَّنِّ.\n<hr><s0>\n\n\"وبأن المراد\" من الاختلاف المنفي عن القرآن \"التناقض\" فيه، \"أو ما يخلّ بالبَلَاغة\"؛ خشية إلا يكون على نَمَطٍ واحد من البلاغة، وهذا هو الحَق، فالقرآن في نفسه لا اختلاف فيه أصلًا.\n\"فأمّا\" غالب \"الأحكام، فمقطوع بالاختلاف\" بين الأمة \"فيها\".\n\"قالوا: إذا اختلفت الأَقْيِسَةُ في نظر المجتهدين، فحينئذ \"إِن كان كلّ مجتهد مصيبًا، فكون الشيء ونقيضه حقًّا محال، وإن كان المصيب واحدًا، فتصويب أحد الظنين مع الاستواء محال\".\nالشرح: \"ورُدّ\" أولًا: بالنقض \"بالظواهر\"؛ فإِن الاجتهاد ليس مختصًّا بالقياس.\nوثانيًا: \"بأن النقيضين شرطهما الاتحاد\"، ولم يوجد ها هنا: لأن الحكم على كل مجتهد بالإصابة، إنما هو بالنسبة إليه ومن قلده دون غيره.\n\"و\" ثالثًا: بأن تصويب أحد الظَّنين لا بعينه جائز\"، ونحن إِذا قلنا: المصيب واحد، لا نعيّن واحدًا لتصويب حتَّى يلزمنا التَّحكُّم.\n\"وقالوا: إن كان القياس\" يقتضي في الوَاقِعَةِ حكمًا \"كالنَّفْي الأصلي، فمستغنى عنه\" بالتمسُّك بالنفي الأصلي، \"وإن كان\" يقتضي \"مخالفًا للظَّن\"، وهو القياس \"لا يعارض اليقين\"، وهو البراءة الأصلية.\n\"ورُدّ: بالظواهر\"؛ فإن ما ذكر آتٍ فيها، \"ويجوز مُخَالفة النَّفي الأصلي بالظَّن\"، كما خولف به في الشهادة والأَقَارِيرِ، وغير ذلك.\nفإن قلت: كيف ترجّح المظنون على المقطوع؟.\nقلت: المقطوع به في البَرَاءَةِ الأصلية، إِنما هو أصلها دون دَوَامها، وهذا شأن كلّ استصحاب، والمرتفع بالظَّن إنما هو الدّوام، والظَّن الطارئ عليه أقوى من الظَّن المستفاد","vol":"4","page":370},{"text":"قَالُوا: حُكْمُ اللّه يَسْتَلْزِمُ خَبَرَهُ عَنْه، وَيَسْتَحِيلُ بِغَيْرِ التَّوْقِيفِ.\nقُلْنَا: الْقِيَاسُ نَوْعٌ مِنَ التَّوْقِيفِ.\nقَالُوا: يَتَنَاقَضُ عِنْدَ تَعَارُضِ عِلَّتَيْنِ.\nوَرُدَّ: بِالظَّوَاهِرِ، وَبِأَنَّهُ إِنْ كَانَ وَاحِدًا رُجِّحَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ وُقِفَ عَلَى قَوْلٍ، وَتُخُيِّرَ عِنْدَ الْشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - وَإِنْ تَعَدَّدَ فَوَاضِحٌ.\n<hr><s0>\n\nمنه، فإِنما رجّح في الحقيقة أقوى الظنين.\nولك الرد - أيضًا - \"بجواز مُوَافقة القياس للنَّفي الأصلي، ويجتمع دليلان، أو يكون الحكم مستفادًا من قبل الشرع بالقِيَاسِ، وتلك فائدة، فللحكم الشَّرْعي آثار لا تظهر في البراءة الأصلية، ولا مانع من اجتماع دَلِيلَين على حكم الحادثة: البراءة الأصلية والقياس.\nالشرح: \"قالوا: حكم الله\" في الواقعة المعيّنة بالوجوب أو الحُرْمة، ونحوهما \"يستلزم خبره عنه\"؛ لأنا لا نعلم إِلَّا من جهته، \"ويستحيل\" العلم به \"بغير [التوقيف] (^١) على خبره؛ لأنَّهُ تكليف الغافل، والقياس لا يجدي؛ لأنَّهُ من فعلنا، لا من توقيف الشَّارع، فكيف يدرك به ما لا يعلم إِلَّا من جهة الشارع؟.\n\"قلنا: القياس نوعٌ من التوقيف\" فإِنه إذا شرع كان طريقًا دالا على حكم الله تعالى، والذي هو من فِعْلِ القائس ترتيبه المقدّمات، أما الحكم ففعل الله تعالى.\n\"قالوا: يتناقض عند تَعَارض علّتين\"، تقتضي كلّ واحدة منهما نقيض حكم الأخرى، فإنه على القول بالقياس يجب اعتبارهما، وإثبات حكمهما، قيلزم التناقض.\n\"ورد: بالظواهر\"، فإن ما ذكر آت فيها، \"وبأنه إن كان\" الذي تعارضت عنده العلّتان رجلًا \"واحدًا\"، أو في وقت واحد \"رجّح\" بالطريق المعروفة في التَّرَاجيح \"فإن تعذّر، وقف على قول، ويخير عند الشَّافعي وأحمد\"، فلا تناقضٍ، \"وإن تعدّد\" المجتهد أو الوقت \"فواضح\"، إذ يعمل كل أحد بما غلب على ظنّه، وفي كل وقت كذلك.\n_________\n(^١) في أ، ت: التوقف.","vol":"4","page":371},{"text":"الْمُوجِبُ: النَّصُّ لَا يَفِي بِالأَحْكَامِ؛ فَقَضَى الْعَقْلُ بِالْوُجُوبِ، وَرُدَّ: بِأَنَّ الْعُمُومَاتِ يَجُوزُ أَنْ تَفِيَ؛ مِثْلُ: \"كُل مُسْكِرٍ حَرَامٌ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: واحتجّ \"الموجب\" للعمل بالقياس عقلًا، بأن \"النَّص لا يفي بالأحكام\"؛ أذ الحوادث لا تنتهي، والنّصوصات محصورة، والأصل المنسحب على الوقائع بأجمعها الكافل بالوفاء بها هو القياس، \"فقضى\" فيه \"العَقْل بالوجوب\".\n\"ورد: بأنَّ العمومات يجوز أن تفي، مثل: كلّ مسكر حرام\".\nولقائل أن يقول: جواز الإِتيان بلفظ عامّ لا يمنع، ونحن لا نمنع في قضية العَقْل أن يقول الله سبحانه: كلّ ما لا تجدون فيه نصًّا بخصوصه، فحكمي فيه كذا وكذا، فلا يصلح قولكم: العُمُومات يجوز أن تفي ردًّا، إِلَّا على من يدعي أنه يتعذّر الإِتيان بلفظ يعمّ ما لا يتناهى، وذلك لم نقله.\nإِنما الذي ادّعيناه أن النصوصات الموجودة بين ظَهْرَانينا لا يمكن وَفَاؤها بالحوادث؛ إِذ ليس فيها لفظ عام فيما لا يوجد عليه نصّ بخصوصه، فاحتيج إلى القياس.\nقال ابن السَّمْعَاني وغيره: ونحن نعلم بطريق القَطْعِ وجود حوادث لا تدلّ عليها النصوص بوجه ما.\nوقال إمام الحرمين: من أنصف لم يشكل عليه إذا نظر في الفَتَاوي والأقضية أن تسعة أعشارها صادرةٌ عن الرأي المَحْض، ولا تعلّق لها بالنصوص ولا بالظواهر.\nفإن قيل: يستصحب الحال فيما لا دليل فيه، ولا يحتاج إِلى القياس.\nقلنا: قد عُرِفَ ما في ذلك، وعلى أنا نقول: اسْتِصْحَاب الحال في العقود مع الاختلاف متعذّر متناقض.\nقال ابن السَّمْعَاني: لأنَّهُ ما من حكم يستصحب فيه لإثباته، إِلَّا ويعارضه ما يوجب نفيه؛ ألا ترى أنه إذا وقع الاختلاف في فسخ النِّكَاح بالعَيْب، فالاستصحاب من أحد الجافبين يوجب الفَسْخ، ومن الجانب الآخَر يمنعه، وكذلك الجَارِيَةُ الثيب يَطَؤُهَا المشتري، ثم يجد بها عيبًا، ويريد ردّها، فإِن الاستصحاب في أحد الجانبين يوجد الرد دون الآخَر، فثبت أن الضرورة إلى مشروعية القياس متحقّقة، نعم القول بإِيجاب المعقول باطل؛ لما تقرر في قاعدة التَّحسين والتَّقبيح.","vol":"4","page":372},{"text":"<span data-type='title' id=toc-830>مَسْأَلَةٌ:\nالْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ قَائِلُونَ بِالْوُقُوع،</span> إِلَّا دَاوُدَ، وَابْنَه، وَالْقَاسَانِيَّ، وَالنَّهْرَوَانِيَّ، وَالأَكْثَرُ: بِدَلِيلِ السَّمْعِ، وَالأَكْثَرُ: قَطْعِيٌّ خِلَافًا لِأَبِي الْحُسَيْنِ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"القائلون بالجواز قائلون بالوقوع (^١)، .........................\n_________\n(^١) يمكن أن نجمل المذاهب إلى أربعة مذاهب:\n\"المذهب الأول\": أن التعبد بالقياس واقع شرعًا بدليل السمع فقط، وإليه ذهب الجمهور، لكنهم اختلفوا، فذهب أكثرهم إلى أن الدليل قطعي، وذهب بعضهم كالآمدي والرازي إلى أنه ظني.\n\"المذهب الثاني\": أنه واقع شرعًا بدليلي السمع والعقل. وإليه ذهب أبو الحسين البصري والقفال الشاشي وطائفة من الحنفية والشافعية، غير أنهم اختلفوا: فذهب أبو الحسين إلى أن الدليل ظني، وذهب الباقون إلى أنه قطعي، واختاره صاحب المسلّم.\n\"المذهب الثالث\": أنه غير واقع شرعًا، إما بدليل سمعي يدل على عدم الوقوع، وإما بعدم الدليل السمعي الدال على الوقوع، وهذا المذهب نسبه أصحاب المنهاج والمختصر والمسلم وغيرهم إلى داود الظاهري، ونسبه الغزالي والبزدوي والكمال والشوكاني وغيرهم إلى الظاهرية جميعًا، ونقل بعضهم عن الظاهرية خلاف ذلك، ولا حاجة إلى الإطالة ببيانه.\nهذا، وقد عبر بعضهم عن المذهب المذكور بالامتناع شرعًا، وذلك لورود ما يدل على حظ القياس، ومنعه على زعم القائلين بذلك، والمحظور يمتنع التعبد به شرعًا كما لا يخفى.\n\"المذهب الرابع\": أنه غير واقع بدليلي السمع والعقل. وإليه ذهب الشيعة الإمامية والنظام وبعض الخوارج وبعض المعتزلة.\nهذه مذاهب العلماء إجمالًا في وقوع التعبد بالقياس شرعًا وعدم وقوعه. وهناك مذاهب أخرى =","vol":"4","page":373},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n.................................  إلا دَاوُدَ، وابنه (^١)، والقَاسَاني والنَّهْرَواني\"، كذا أطلق المصنّف النقل عنهم، وسبقه إِلى ذلك ابن السَّمْعَاني، والآمدي ذكر أنهم وافقوا على وقوع ذي العلّة المنصوصة، أو المومئ إِليها، وهو الأصح في النقل عنهم، وكذلك لا ينكرون قياس الأولى، ولا يصحّ عن أحد من القائلين بالجَوَازِ إِنكار وقوع القياس بجملته، إِلَّا عن أبي محمد بن حَزْمٍ من أئمة الظاهرية.\nثم قد ذهب بعض القِيَاسيين إِلى أن ما صار إِليه القاساني والنَّهْرَواني، ومن وافقهما، ليس قولًا بالقياس، بل هو تَبِيعٌ للنَّص، وعلى هذا يصحّ النقل عنهم في إِنكاره جملة، والصحيح أن ذلك قول بنقض القياس.\nوقال أبو الفضل بن عبدان (^٢) من أصحابنا: شرط صحّة القياس حدوث حادثة تؤدّي الضرورة إِلى معرفة حكمها.\nثم اختلف القائلون بالوقوع في أَنَّ ثبوته: هل بدليل السمع أو العقل؟ والأكثر: بدليل السَّمع.\n_________\n= تفصِّل بين صور القياس، وهي قسمان: قسم يقول بوقوع التعبد به إلّا في صورة أو أكثر، وقسم يقول بعدم وقوعه إلا في صورة أو أكثر.\n(^١) محمد بن داود بن علي بن خلف، الظاهري، أبو بكر. ولد سنة ٢٥٥ هـ. أديب مناظر، شاعر. قال الصفدي: الإمام ابن الإمام، من أذكياء العالم. كان يلقب بـ\"عصفور الشوك\" لنحافته وصفرة لونه. وهو ابن الإمام داود الظاهري الذي ينسب إليه المذهب الظاهري. من كتبه: \"الزهرة\" و\"أوراق من ديوان\" و\"الوصول إلى معرفة الأصول\". توفي مقتولًا بـ\"بغداد\" سنة ٢٩٧ هـ. ينظر: النجوم الزاهرة ٣/ ١٧١، وتاريخ بغداد ٥/ ٢٥٦، والوافي بالوفيات ٣/ ٥٨ واللباب ٢/ ١٠٠، والأعلام ٦/ ١٢٠.\n(^٢) عبد الله بن عَبْدان بن محمد بن عبدان، أبو الفضل الهمداني، شيخ همدان وعالمها، ومفتيها. رجل أشعري على السنة. أخذ عن أبي بكر بن لال وغيره، وصنف كتابًا في الفقه سماه \"شرائط الأحكام\"، وله مختصر سماه \"شرح العبادات\" ذكر في أوله عقيدته. مات في صفر سنة ٤٣٣ هـ. ينظر: الأعلام ٤/ ٢٢٩، وطبفات الشافعية ٣/ ٢٠٤، وشذرات الذهب ٣/ ٢٥١، وطبقات الشافعية لابن هداية ص (٤٨)، وابن قاضي شهبة ١/ ٢٠٨.","vol":"4","page":374},{"text":"لَنَا: ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْ جَمْع كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الْعَمَلُ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ وَإِنْ كَانَتِ التَّفَاصِيلُ آحَادًا، وَالْعَادَةُ تَقْضِي بِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِقَاطِعٍ، وَأَيْضًا: تَكَرَّرَ وَشَاعَ، وَلَمْ يُنْكَرْ، وَالْعَادَةُ تَقْضِي بِأَنَّ السُّكُوتَ فِي مِثْلِهِ وِفَاقٌ.\nفَمِنْ ذَلِكَ: رُجُوعُهُمْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ فِي قِتَالِ ............\n<hr><s0>\n\nواختلفوا: هل هو قطعي أو ظَنّي؟ \"والأكثر: قطعي؛ خلافًا لأبي الحسين\".\nثم اختلف أئمّتنا في تَعْيين الدليل الدَّال عليه، وتشعبوا شعوبًا وقَبَائل، والمعتمد من الطرق الاستدلال بعمل الصحابة ﵃ ثم اختلف سالكوه، فمنهم من زعم: قيام الإجماع منهم جميعًا إجماعًا قوليا، ولم يذكره في الكتاب، بل ذكر فريقين آخرين سالكي هذه الطريقة.\nالشرح: فقال: \"لنا: ثبت بالتَّواتر عن جمع كثير من الصَّحَابة العمل به عند عدم النَّص، وإن كانت التفاصيل\" المروية في ذلك \"آحادًا\"، فالقدر المشترك منها متواتر.\n\"والعادة تقضي بأن مثل ذلك لا يكون إِلَّا بقاطع\"، فدلّ على قيام قاطع عليه، وليس في هذه الطريقة ادّعاء وقوع إِجماع، لا سكوتي ولا قولي.\n\"وأيضًا: تكرر وَشَاع\" فيما بينهم، \"ولم ينكر، والعادة تقضي بأنّ السكوت في مثله وفاق\"، وهذا إِجماع سكوتي، وهو أقوى من جميع الإِجماعات السّكوتية؛ لأنها في أَمْرٍ جزئي، وهذا في أصل عظيم في الشَّرِيعة، فربَّ ساكت في بعض الحَوَادث الجزئية غير ساكت على اعتماد أمر عظيم، فلا يَمْتَرِي ذو لُبّ أن السكوت على القواعد العظيمة أدلّ على الموافقة من السّكوت على فرع جزئي، وإلى هذا أشار بقوله: في مثله؛ لينبّه على أنه قد يوافق - هنا - من لا يقول بالسّكوتي.\nثم أخذ يذكر شيئًا مما جرى بيبن الصَّحَابة في ذلك، وهذا باب تضيق عنه الأَوْرَاق، ولكنه أشار إلى النَّزْرِ اليَسِيرِ.\nالشرح: \"فمن ذلك: رجوعهم إلى أبي بكر\" الصديق - \"﵁ في قتال بني حنيفة على الزكاة\"، وقوله: والله لأُقَاتِلَنَّ من فَرَّقَ بين الصلاة والزكاة\" (^١)، وهو قياس منه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢/ ١٠٩ - ١١٠) كتاب الزكاة: باب وجوب الزكاة، ومسلم (١/ ٥١ - ٥٢) =","vol":"4","page":375},{"text":"بَني حَنِيفَةَ عَلَى الزَّكَاةِ.\nوَمِنْ ذَلِكَ: قَوْلُ بَعْضِ الأَنْصَارِ في أُمِّ الآبِ: تَرَكْتَ الَّتِي لَوْ كَانَتْ هِيَ الْمَيِّتَةَ، وَرِثَ الْجَمِيعُ؟؟! فَشَرَّكَ بَيْنَهُمَا، وَتَوْرِيثُ عُمَرَ ﵁ الْمَبْتُوتَةَ بِالرَّأْي، وَقَوْلُ عَلِيٍّ لِعُمَر ﵄ لَمَّا شَكَّ فِي قَتْلِ الْجَمَاعة بِالْوَاحِدِ: أَرَأَيْتَ لَوِ اشْترَكَ نَفَرٌ فِي سَرِقَةٍ؟!.\n<hr><s0>\n\nللزكاة على الصلاة، وهذا الأثر متفق على صحته (^١).\n_________\n= كتاب الإيمان: باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، حديث (٣٢)، وأبو داود (٢/ ١٩٨ - ١٩٩) حديث (١٥٥٦)، والترمذي (٥/ ٣ - ٤) رقم (٢٦٠٦، ٢٦٠٧)، والنسائي (٥/ ١٤ - ١٥، ٦/ ٤ - ٦) وأحمد (١/ ١١) من حديث أبي هريرة.\n(^١) وصورة هذا الاجتهاد \"قياس خليفة رسول الله ﷺ في وجوب أخذ الزكاة من الأغنياء للفقراء ونحوهم كما يؤخذ من المستصفى والإحكام، أو قياس الزكاة على الصلاة في وجوب قتال الممتنعين عن أدائها\" كما يؤخذ من شرح المختصر ومن المستصفى أيضا\".\n\"ووجه الأول: أن الله تعالى قال لنبيه الكريم: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ فأوجب على نبيه ﷺ أخذ الزكاة من الأغنياء، لصرفها، في مصارفها لأنه إمام الأمة، فقاس أبو بكر نفسه على الرسول؛ فأوجب على نفسه أن يأخذ الزكاة من الأغنياء، فلما امتنع بنو حنيفة، ولم يكن للأخذ منهم وسيلة سوى القتال؛ أوجب قتالهم؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فوجوب الأخذ مبني على القياس السابق بجامع الإمامة العظمى ووجوب القتال للممتنعين من لوازمه.\n\"ووجه الثاني\" أن وجوب أخذ أبي بكر الزكاة من الأغنياء كان أمرا مقررًا معلومًا بين الصحابة، لكن إذا امتنع الأغنياء ولم يكن للأخذ منهم وسيلة سوى القتال فهل يجب القتال، للتوصل إلى هذا الأخذ؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؟، أو يمتنع؛ لأن النبيّ ﷺ قال: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها\" وهؤلاء الممتنعون قد قالوا: لا إله إلا الله، فدماؤهم معصومة، فلا يقاتلون. هذان أمران متعارضان، فلا بد من الجمع بينهما إما بتخصيص وجوب الأخذ بما إذا تأدى بغير قتال، أو بتخصيص عصمة الدم بمن أمكن استيفاء الحق منه بدون قتال، ولا بد من ترجيح أحد هذين التخصيصين، فرجح أبو بكر التخصيص الثاني لأن العصمة قد خصصت بمن لم يجتمعوا على ترك الصلاة؛ إذ كان مقررا لديهم وجوب قتال من اجتمعوا على تركها، فقاس الزكاة على الصلاة في وجوب القتال على تركها بجامع أن كلا منهما شعار ديني عظيم يؤدي الاجتماع على تركه إلى فساد كبير. هذا ما ظهر لي في توجيه كل من الرأيين. =","vol":"4","page":376},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"ومن ذلك: قول بعض الأنصار\" وهو: عبد الرحمن بن سَهْلٍ البدري لأبي بكر ﵁ \"في أم الأب: تركت التي لو كانت الميتة ورث الجميع؟! فشرك أبو بكر \"بينهما\"، وهذا مرويّ من طريق يحيى بن سعيد الأَنْصَارِي (^١)، عن القاسم بن محمد بن أبي بَكْر: أن رجلًا مات وترك جَدَّتَيْهِ، أم أبيه، وأم أمه، فأتوا أبا بكر ﵁ فأعطى أم الأم السّدس، دون أم الأب (^٢)، الأثر، وهو منقطع جيد.\n_________\n= \"والذي أراه\" أن في هذه المسألة قياسين:\n\"أحدهما\" قياس أخذ خليفة رسول الله الزكاة إذا أمكن بدون قتال على أخذ رسول اللّه ﷺ إياها في هذه الحالة، بجامع استيفاء الإمام الأعظم حق المسلمين في كل.\n\"وثانيهما\" قياس قتال المجتمعين على ترك الزكاة على قتال المجتمعين على ترك الصلاة في الوجوب، بجامع أن كلًّا منهما وسيلة للواجب الذي يؤدي الاجتماع على تركه إلى فساد كبير.\nوأنه ﵁ لما حضرته الوفاة عهد إلى عمر بالخلافة بعده، ومبني هذا العهد أنه قاس تعيينه لمن بعده بالعهد على تعيين المسلمين له بالبيعة في الجواز، بجامع صدور ذلك ممن هو أهل الحل والعقد، فالمسلمون عند فقد الخليفة هم أهل الحل والعقد، والخليفة عند وجوده هو صاحب الحل والعقد لرضا المسلمين به.\nوأنه جاءت إليه جدتان، فأعطى الميراث أم الأم دون أم الأب، فقال له رجل من الأنصار من بني حارثة يقال له عبد الرحمن بن سهل: \"يا خليفة رسول الله قد أعطيت الميراث التي لو ماتت وهو حي لم يرثها، وتركت التي لو ماتت وهو حي لورث كل مالها إذا انفرد\"؟ فجعل الميراث بينهما. ينظر: المستصفى ج ٢ ص ٢٤٢، وأعلام الموقعين ج ١ ص ٢٦٠، والأعلام ج ١ ص ٢٥٦، والتقرير ج ٣ ص ٢٤٦، والمسلم ج ٢ ص ٣١٣، والإحكام ج ٣ ص ٨١.\n(^١) يحيى بن سعيد بن قيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة بن الحارث بن زيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، الأنصاري النجاري، أبو سعيد، المدني، القاضي. قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث حجة، ثبت. وعده الثوري في الحفاظ وابن عيينة في محدثي الحجاز الذين يجيئون بالحديث على وجهه. قال: العجلي: مدني، تابعي، ثقة، له فقه، وكان رجلًا صالحًا، وكان قاضيًا على \"الحيرة\". توفي سنة ١٤٣ أو ١٤٤ هـ. ينظر: سير الأعلام ٥/ ٤٦٨، وتراجم الأحبار ٤/ ٢٢٧، وتاريخ الإسلام ٦/ ١٤٩، وتاريخ بغداد ١٤/ ١٠١، والجرح والتعديل ٩/ ٦٢٠، والكاشف ٣/ ٢٥٦، وتهذيب التهذيب ١١/ ٢٢١ (٣٦٠)، وتهذيب الكمال ٣/ ١٥٠٠، وخلاصة تهذيب الكمال ٣/ ١٤٩.\n(^٢) والتشريك مبني على قياس أم الأب على أم الأم في استحقاق السدس، بجامع أن كلًّا منهما أم أصل وارث، فإذا تزاحمتا مع التساوي في الدرجة اشتركتا فيه، ولعله وقف أولًا على نص =","vol":"4","page":377},{"text":"وَمِنْ ذَلِكَ: إِلْحَاقُ بَعْضِهِمُ الْجَدَّ بِالأَخِ، وَبَعْضِهِمْ بِالأَبِ، وَذَلِكَ كَثيرٌ.\n<hr><s0>\n\n\"وتوريث عمر المَبْتُوتَة بالرأي\" (^١) كذا بخط المصنف، وإنما هو: [عثمان] (^٢)، رواه مالك والشَّافعي بسند صحيح.\n\"وقول علي لعمر - لما شك في قتل الجَمَاعة بالواحد -: أرأيت لو اشترك نَفَرٌ في سرقة\". وهذا ذكره الأصوليون، وهو لا يُعْرَف، وإنما المعروف عن عمر في جماعة قتلوا صبيًّا: \"لو تَمَالأَ عليه أهل صَنْعَاءَ لقتلتهم\".\nالشرح: \"ومن ذلك: إلحاق بعضهم الجَدّ بالأخ\" (^٣)، وهو قول عمر، وعثمان،\n_________\n= خاص بأم الأم فأعطاها السدس كاملًا، فلما نبهه الأنصاري \"إلى أن أم الأب أحق منها؛ لأنها لو ماتت لورث هذا الميت كل مالها لو كان حيا؛ لأنه ابن ابنها، بخلاف أم الأم؛ فإنها لو ماتت لم يرثها؛ لأنه ابن بنتها\" تنبه ﵁ إلى ذلك؛ فشرك بينهما في السدس.\n(^١) ومبناه قياس بت الرجل طلاق امرأته في مرض موته على قتل الشخص مورثه في إلغاء المقصود الباطل من كل منهما بجامع أن كلا منهما إضرار بالغير للتوصل إلى ما لا يحق شرعًا، فالبت إضرار بالزوجة بقطع الزوجية للتوصل إلى حرمانها من الميراث في الوقت الذي تعلق فيه حقها بالتركة، وذلك لا يحق للزوج، وقتل المورث إضرار به بإزهاق روحه؛ للتوصل إلى الاستعجال بأخذ الميراث في الوقت الذي لا يحق للوارث أخذه فيه؛ لأنه لو لم يقتله لعاش بحسب الظاهر.\nوالأثر أخرجه البيهقي (٧/ ٣٦٣) من طريق سفيان الثوري عن المغيرة بن مقسم عن إبراهيم النخعي أن عمر بن الخطاب قال في الذي طلق امرأته وهو مريض قال: ترثه في العدة، ولا يرثها.\nوقال البيهقي: هذا منقطع، ولم يسمعه مغيرة من إبراهيم.\n(^٢) في أ، ت: عمار، وهو خطأ.\n(^٣) اختلفوا في توريث الإخوة مع الجد، فمنهم من حجبهم به كأبي بكر وأبي موسى الأشعري وابن عباس وابن الزبير وغيرهم. ومنهم من ورثهم معه كزيد بن ثابت وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود على اختلاف بينهم في كيفية التوريث. واختلافهم في هذه المسألة مستند إلى القياس من غير شك؛ لأنه لا جائز أن يقولوا بلا مستند؛ لئلا يلزم اتفاقهم على خطأ وضلالة، =","vol":"4","page":378},{"text":"فَإِنْ قِيلَ: أَخْبَارُ آحَادٍ في قَطْعِيٍّ، سَلَّمْنَا: لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُمْ بغَيْرِهَا، سَلَّمْنَا: لَكِنَّهُمْ بَعْضُ الصَّحَابَةِ، سَلَّمْنَا أَن ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نكِيرٍ دَلِيلٌ وَلا نُسَلِّمُ نَفْيَ الإنكارِ، سَلَّمْنَا لَكِنَّهُ لا تَدُلُّ عَلَى الْمُوَافَقَةِ، سَلَّمْنَا لَكِنَّهَا أَقْيِسَةٌ مَخْصُوصَةٌ.\n<hr><s0>\n\nوعلي، وابن مَسْعُود، وأبي موسى الأَشْعَري، وزيد بن ثَابت ﵃ \"وبعضهم بالأب\"، وهو قول أبي بكر، وابن عَبَّاس، وأبي هريرة، وأبي الدرداء، وعائشة، وأبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وابن الزبير ﵃.\nوتقديم بعضهم الإخوة عليه - وهو غريب - روي عن عبد الرحمن بن غنم الأَشْعَرِيّ، وهو صحابي في قول.\n\"وذلك كثير\" لا ينحصر، ولا ينكره إِلا مُبَاهت، أو عَارٍ عن معرفة الآثار، وأصح هذه الطرق الأولى، وهي ادّعاء الإِجماع القولي، ولا أعني به: أن كلًّا منهم صرح بأنه حجّة، بل إِنهم افترقوا إِلى مصرح بذلك، وعامل به، وليس فيهم من فقد الأمرين.\nولقد جنح إِمام الحرمين إِلى ما قلناه، والمصنّف أهمل ذكر هذه الطريقة - كما عرفت - ثم قال: \"فإن قيل: أخبار آحاد في قطعي\"، فلا تكفي.\n_________\n= وهم أعدل الأمة وأورعها، ولا أن يكون مستندهم البراءة الأصلية؛ لأنها لا تتصور هنا؛ فإن المال المتروك لا بد أن يورث، ولا أن يكون مستندهم نصًّا؛ لأنه لو كان لدى أحد منهم نص لأظهره؛ فإن من عادتهم إظهار ما يعلمون من النصوص حتى في غير المسائل الخلافية، فما بالك بالمسائل الخلافية التي يقطع النص فيها عرق الخلاف؟ ولو أظهره لاشتهر ونقل، لأنه مما تتوفر الدواعي على نقله؛ لتعلقه بمسألة كثر وقوعها واشتهر النزاع فيها، ولو نقل لعرفه الفقهاء والمحدثون، لكنهم لم يعرفوه كما يعلم بتصفح كتبهم، فلم ينقل ولم يشتهر؛ فلم يظهر؛ فلم يوجد؛ فتعين أن يكون مستندهم القياس.\nفمن رأى حجب الإخوة بالجد قاس الجد على الأب بجامع أن كلًّا منهما أصل عاصب.\nومن رأى توريثهم معه قاسه على أحدهم في عدم حجبه إياهم بجامع الاستواء في الإدلاء بالأب. وقد ورد في هذه المسألة ما يدل على أن اختلافهم كان عن قياس، فمن ذلك ما أخرجه طلحة في مسند أبي حنيفة عنه عن جعفر بن محمد الصادق أن عمر شاور عليًّا وزيد بن ثابت في الجد مع الإخوة فقال له عليّ: \"أرأيت يا أمير المؤمنين لو أن شجرة انشعب منها غصن ثم انشعب من الغصن غصن أيهما أقرب إلى أحد الغصنين؟ أصاحبه الذي خرج منه أم =","vol":"4","page":379},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"سلمنا\" أنها متواترة، وأن الآحاد كافيةٌ فيها، بناء على أن المسألة ظنية، \"لكن يجوز أن يكون عملهم بغيرها\"، أي: بغير الأَقْيِسَةِ، من نصّ أو سنة أو غيرها، فليس الأمر منحصرًا في القياس.\n\"سلّمنا\" أن ذلك عمل بالقياس، \"لكنهم بعض الصحابة\"، فلا يكون حجة.\n_________\n= الشجرة؟ \". وقال زيد: \"لو أن جدولًا انبعث منه ساقية، ثم انبعث من الساقية ساقيتان أيهما أقرب إلى إحدى الساقيتين؟ أصاحبتها أم الجدول؟.\nومقصود عليّ بالتمثيل بيان أن الجد والأخ متساويان في الإدلاء بالأب، فالجد، هو المشار إليه بالشجرة، والأب هو المشار إليه بالغصن الذي انشعب منها، وهو الذي أشير إليه بقوله: \"أحد الغصنين\" والأخ هو المشار إليه بالغصن الذي انشعب من الغصن وهو الذي أشير إليه بقوله: \"أصاحبه\" ولم يُشَر إلى الميت في هذا التمثيل.\nومقصود زيد بالتمثيل ما ذكر غير أن الجد فيه هو المشار إليه بالجدول، والأب هو المشار إليه بالساقية، والميت وأخاه هما المشار إليهما بالساقيتين المنبعثتين منها. وقد أشير إلى الميت بإحدى الساقيتين، وإلى أخيه بصاحبتها. والتمثيلان المذكوران لم يقصد بهما القياس على الشجرة والجدول حتى يرد عليه أنه ليس من القياس المتنازع فيه، وإنما قصد بهما بيان التساوي بين الجد والأخ في قرب القرابة الذي هو علة القياس. \"وحاصله\" قياس الجد مع الإخوة على أحد الإخوة في مشاركته إياهم، وعدم حجبه لهم بجامع المساواة في قرب القرابة.\nوورد في بعض الروايات ما يدل على أن المقصود بالتمثيل بيان أن الأخ أولى من الجد بالميراث \"ووجهه\" أن تعلق الغصن الأخير بالغصن الأوسط أشد من تعلق الشجرة بهذا الغصن الأوسط؛ لأن الغصن الأخير محتاج إلى الغصن الأوسط أشد احتياج؛ إذ يتغذى منه وييبس بيبسه، بخلاف الشجرة فإنها لا تحتاج إلى هذا الغصن الذي خرج منها، إذ لا تتغذى منه ولا تيبس بيبسه، وكذلك تعلق إحدى الساقيتين الأخيرتين بصاحبتها التي تشاركها أشد من تعلق الجدول بكل منهما، فإن الساقيتين تشتركان في الحاجة إلى الساقية الوسطى وتيبسان بيبسها وتمتلئان بامتلائها، وأمّا الجدول فإنه لا يحتاج إلى كل منهما ولا إلى أصلهما، فعلى هذا يكون الأخ أشد ارتباطًا بأخيه الميت من الجد، فيكون أولى منه بالميراث. وكان هذا رأي زيد بن ثابت أولًا. ثم رجع عنه إلى القول بالمشاركة، ولعلّ السّر في رجوعه معارضة هذا المرجح للأخ بمرجح للجد، وهو أصالته وقيامه مقام الأب في أحوال كثيرة، وهي معارضة قوية، فلذا شرك بينهما مع ترجيح الجد أحيانًا على ما يعلم من الميراث.=","vol":"4","page":380},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"سلمنا: أن ذلك\" أي: عمل البَعْض \"من غير نكير دليل، ولا نسلم نفي الإِنكار\"، فلقد روى أن أبا بكر ﵁ قال في الكَلالَةِ (^١): أيّ سماء تُظِلّني، وأي أرض\n_________\n= ومن ذلك أن ابن عباس أنكر على زيد بن ثابت قوله: إن الجد لا يحجب الإخوة فقال: \"ألا يتقي الله زيد بن ثابت؛ يجعل ابن الابن ابنًا ولا يجعل أب الأب أبًا\" اهـ. وحاصله أنه أقر زيدًا على قياس ابن الابن على الابن في حجبه الأخ؛ بجامع أن كلًّا منهما فرع عاصب، وأنكر عليه أنه لم يقس أب الأب على الأب في حجبه الأخ؛ بجامع أن كلًّا منهما أصل عاصب، وهذا من ابن عباس قول بالقياسين جميعًا.\nومن ذلك أن عمر قال لعثمان: \"إني قد رأيت في الجد رأيًا، فإن رأيتم أن تتبعوه فاتبعوه فقال عثمان: نتبع رأيك فإنه رشد، وإن نتبع رأي الشيخ قبلك فنعم ذو الرأي كان\" اهـ والرأي هنا هو القياس. وكان أبو بكر يجعل الجد أبًا، وهو المراد بالشيخ في هذا الأثر.\n(^١) كثر أقوال الصحابة في تفسير الكلالة، واختيار أبي بكر الصديق ﵁ أنها عبارة عمن سوى الوالدين والولد، وهذا هو المختار والقول الصحيح، وأما عمر ﵁ فإنه كان يقول: الكلالة من سوى الولد، وروي أنه لما طعن قال: كنت أرى أن الكلالة من لا ولد له، وأنا أستحي أن أخالف أبا بكر، الكلالة من عدا الوالد والولد، وعن عمر فيه رواية أخرى، وهي التوقف، وكان يقول: ثلاثة لأن يكون بيّنها الرسول ﷺ لنا أحب إلى من الدنيا وما فيها: الكلالة، والخلافة، والربا. والذي يدل على صحة قول الصديق ﵁ وجوه: الأول: التمسك باشتقاق لفظ الكلالة، وفيه وجوه:\nالأول: يقال: كلت الرحم بين فلان وفلان: إذا تباعدت القرابة، وحمل فلان على فلان ثم كل عنه: إذا تباعد، فسميت القرابة البعيدة كلالة من هذا الوجه.\nالثاني: يقال: كل الرجل يكل كلًّا وكلالة: إذا أعيا وذهبت قوته، ثم جعلوا هذا اللفظ استعارة من القرابة الحاصلة لا من جهة الولادة، وذلك لأنا بينا أن هذه القرابة حاصلة بواسطة الغير، فيكون فيها ضعف، وبهذا يظهر أنه يبعد إدخال الوالدين في الكلالة؛ لأن انتسابهما إلى الميت بغير واسطة.\nالثالث: الكلالة في أصل اللغة عبارة عن الإحاطة، ومنه الإكليل لإحاطته بالرأس، ومنه الكل لإحاطته بما يدخل فيه، ويقال: تكلل السحاب إذا صار محيطًا بالجوانب، إذا عرفت هذا فنقول: من عدا الوالد والولد إنما سموا بالكلالة؛ لأنهم كالدائرة المحيطة بالإِنسان، وكالإكليل المحيط برأسه: أما قرابة الولادة فليست كذلك؛ فإن فيها يتفرع البعض عن البعض، ويتولد البعض من البعض، كالشيء الواحد الذي يتزايد على نسق واحد، ولهذا قال الشاعر: =","vol":"4","page":381},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nتُقِلّني إذا قلت في كتاب الله بِرَأْيي؟ \" (^١).\nوعن عمر: \"إياكم وَأَصْحَاب الرأي (^٢) \"، إِلى غير ذلك من آثار كثيرة (^٣).\n_________\n= نسب تتابع كابرًا عن كابر … كالرمح أنبوبًا على أنبوب\nفأما القرابة المغايرة لقرابة الولادة، وهي كالإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، فإنما يحصل لنسبهم اتصال وإحاطة بالمنسوب إليه، فثبت بهذه الوجوه الاشتقاقية أن الكلالة عبارة عمن عدا الوالدين والولد.\nالحجة الثانية: أنه تعالى ما ذكر لفظ الكلالة في كتابه إلا مرتين، في سورة النساء: أحدهما في الآية (١٢) والثاني في آخر السررة، وهو قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] واحتج عمر بن الخطاب بهذه الآية على أن الكلالة من لا ولد له فقط، قال: لأن المذكور هاهنا في تفسير الكلالة: هو أنه ليس له ولد. إلا أنا نقول: هذه الآية تدل على أن الكلالة من لا ولد له ولا والد؛ وذلك لأن الله تعالى حكم بتوريث الإخوة والأخوات حال كون الميت كلالة، ولا شك أن الإخوة والأخوات لا يرثون حال وجود الأبوين، فوجب ألا يكون الميت كلالة حال وجود الأبوين.\nالحجة الثالثة: أنه تعالى ذكر حكم الولد والوالدين في الآيات المتقدمة ثم أتبعها بذكر الكلالة، وهذا الترتيب يقتضي أن تكون الكلالة من عدا الوالدين والولد.\nالحجة الرابعة: قول الفرزدق:\nورثتم قناة الملك لا عن كلالة … عن ابني مناف عبد شمس وهاشم\nدل هذا البيت على أنهم ما ورثوا الملك عن الكلالة، ودل على أنهم ورثوها عن آبائهم، وهذا يوجب ألا يكون الأب داخلًا في الكلالة، والله أعلم. ينظر: تفسير الرازي ٩/ ١٧٩، ١٨٠.\n(^١) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم ٢/ ١٦٥، وأبو عبيد في فضائل القرآن.\n(^٢) أخرجه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (٢/ ١٣٤) من طريق عامر الشعبي عن عمرو بن حريث وقال: قال عمر بن الخطاب فذكره، وذكره العراقي في تخريج أحاديث مختصر المنهاج ص ٣٣ وعزاه للبيهقي في المدخل.\n(^٣) منهما: \"أ\" ما رواه البيهقي في المدخل عن عمر ﵁ أنه قال: \"اتقوا الرأي في دينكم، إياكم وأصحاب الرأي؛ فإنهم أعداء السنن، اتهموا الرأي على الدين\".\n\"ب\" وما رواه أبو داود والترمذي، وقال: حسن صحيح عن علي ﵁ أنه قال: \"لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من أعلاه\". =","vol":"4","page":382},{"text":"وَالْجَوَابُ عَنِ الأوَّلِ: أَنَّهَا مُتَوَاتِرَةٌ فِي الْمَعْنَى كَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ ﵁.\nوَعَنِ الثانِي: الْقَطْعُ مِنْ سِيَاقِهَا بِأنَّ الْعَمَلَ بِهَا.\n<hr><s0>\n\n\"سلمنا\" نفي الإِنكار، ولكنه لا يدل على الموافقة\"، كما عُرِفَ في الإِجماع السكوتي.\n\"سلمنا\" دلالة عملهم بها على كونها حُجّة \"لكنها أقيسة مخصوصة\" ومدعاكم وجوب العمل بكل قياس، فمن أين التعميم؟.\nالشرح: \"والجواب عن الأول: أنها متواترة في المعنى، كشَجَاعة علي.\nوعن الثاني القطع من سياقها بأن العمل بها\"، ولقد كان لِحِجَاجِهِمْ ومُنَاظرتهم المنتهى.\nقال ابن السَّمْعَاني: ويستحيل عادة على عدد كثير يهتمُّون بنقل كلام من يعظمونه حتى ينقلوا ما لا يتعلّق به حكم شرعي، أن يهملوا إِظهار ما اشتدت الحَاجَة إِليه، مما يتعلّق به حكم، ووقع فيه النِّزاع، ويفارق هذا ترك نقل سَنَدِ الإجماع للانتهاء من أن الإجماع حجة لا خلاف معه.\n_________\n= \"ج\" وما رواه الطبراني عن ابن مسعود أنه قال: \"لا أقيس شيئًا على شيء فتزل قدم بعد ثبوتها\".\n\"د\" وما رواه هو والبيهقي عنه أيضًا أنه قال: \"يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم، فينهدم الإسلام وينثلم\".\n\"والجواب عنه\" أن الذين نقل عنهم إنكار القياس هم الذين نقل عنهم العمل به، وهذان النقلان متعارضان ظاهرًا ولا سبيل إلى العمل بهما من كل وجه؛ لأنه تناقض، ولا إلى إهمالهما من كل وجه؛ لأنه خلاف الأصل؛ إذ الأصل في الأدلة الإعمال، ولا إلى العمل بأحدهما دون الآخر لأنه ترجيح بلا مرجح، فيتعين التوفيق بينهما بحمل العمل بالقياس على القياس الصحيح المستجمع لشرائط الحجية، وحمل إنكاره على القياس الفاسد الذي لم يستجمع شرائط الحجية كأن يكون صادرًا ممن لم يبلغ درجة الاجتهاد أو مخالفًا للنص الثابت أو ليس له أصل يشهد له بالاعتبار.","vol":"4","page":383},{"text":"وَعَنِ الثَّالِثِ شِيَاعُهُ وَتَكْرِيرُهُ قَاطِعٌ عَادَةً بِالْمُوافَقَةِ\".\nوَعَنِ الرَّابعِ: أَنَّ الْعَادَةَ تَقْضِي بِنَقْلِ مِثْلِهِ.\nوَعَنِ الْخَامِسِ مَا سَبَقَ فِي الثالِثِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وعن الثالث: شياعه وتكرّره قاطع عادة بالموافقة\"، فليس الاستدلال بمجرّد قول البعض، بل بقول البعض، وموافقة الباقين التي قضت العَادَة بحصولها.\nالشرح: \"وعن الرابع\" وهو: منع عدم الإِنكار \"أن العادة تقضي بنقل مثله\"، أي: مثل الإِنكار لو وقع، فعدم نقله دليل على عدم وقوعه، وما نقل عن الشَّيخين وغيرهما محمول على القياس الفَاسِد؛ فإن القاطع قائم بعدم الذَّم؛ في صور غير مَحُصورة، ومنقول عمن نقل عنهم الذَّم، فتعين الحمل على ذلك جمعًا بين الدليلين.\nالشرح: \"وعن الخامس: ما سبق في الثالث\"، من أن استدلالنا بعدم الإِنكار مع الشيوع والتكرار، وذلك دالّ.\nولك أن تقول: سلمنا أنه دالّ، ولكن لم قلت: إنَّ دلالته قطعية؟\nولا يتم مقصودك إلا بإثبات دلالة قاطعة، وهذا واضح لا سيّما عند من يقول بأنّ الإِجماع السكوتي ظني، ومنهم المصنف.\nوإمام الحرمين لا يرد عليه هذا.\nأما أولًا: فلأنه جَنَحَ إلى إثبات الإجماع القولي في المسألة كما هو رأينا.\nوأما ثانيًا؛ فلأن السُّكوتي عنده في الصورة التي يختاره فيها قَطْعي، وقد قال - هنا -: ذكرنا في مسألة الانتشار أنه لا يجوز السُّكوت مع طول الزمان، [وتذاكر] (^١) أهْله، وإن كان الأمر مظنونًا، فكيف يسوغ في مطّرد العرف تصرف علماء الصَّحابة في مذاهب الاجتهاد على الدَّوَام من غير فُتُورٍ فيه، ثم يسكت عليه من يعتقد بطلانه؟! انتهى.\n_________\n(^١) في أ، ت: تدارك.","vol":"4","page":384},{"text":"وعنِ السَّادِسِ: الْقَطْعُ بِأنَّ الْعَمَلَ لِظُهُورِهَا، لا لِخُصُوصِهَا؛ كَالظَّوَاهِرِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وعن السَّادِس: القطع بأن العمل\" بها كان \"لظهورها\"، وإثارتها الظن \"لا لخصوصها، كالظواهر\" كلها التي عَمِلُوا بها من الكتاب والسُّنة، فإنا على قطع بأن عملهم إنما كان لظهورها، وما كانوا يجتهدون إلا لتحصيل الظَّن.\nولإمام الحرمين سؤال لو قرر عليه السُّؤال السَّادس في كلام المصنّف، كان موجهًا، وهو أنكم مَعَاشر القياسيين لا تصححون كل نظر، ومتعلّقكم فيما صححتموه إِجماع الأولين، ولا تنقلون فيه لفظًا جامعًا مانعًا، حتى يكون مرجوعكم فيما تأتون وتذرون، وتصححون وتبطلون، وإلَّا فالأقاصيص المتفرقة لا ضبط لها، فكيف انضبط لكم منها ما لا يصح وما يفسد؟، وقد اعترفتم بأنْ لا مدرك غير التعلّق بما صدر منهم.\nقال إِمام الحرمين (^١): وهذا سؤال مُشْكل، ذكره في \"دلائل الكلام\" على القَاساني والنَّهْرَواني، حيث لم يقبلا القياس إِلا في المكانين اللذين أشرنا إِليهما آنفًا.\nثم أجاب: بأنَّا نعلم بالضَّرورة أن النظر الذي حكمت به الصحابة زائد على ما اعترف به هؤلاء بأضعاف مُضَاعفة، وآلاف مؤلّفة، وقد ثبت نظر أنكروه، أي: على الجُمْلة، وذلك هو قُصَارى مدعانا هنا، وما من طريق تذكر إِلّا ويستدل عليه بخصوصه على حسب الإِمكان، ولك نقل هذا الجواب إلى - هنا - فتقول: قد ثبت قياسهم على الجُمْلة، وهو المدعي، أما النظر إِلى كل مأخذ بخصوصه، فلسنا له الآن.\nولك - أيضًا - أن تقول: إِنا نقطع بأن العمل بها إنما كان بحصول الظن، لا بخصوصها، كما ذكر المصنف، وهو سَدِيدٌ.\nفإن قلت: يلزمكم العمل بكل قياس.\nقلنا: إنما يلزمنا العمل بكلّ قياس يحصل ظنًّا، ونحن نلتزمه، أما ما لا يثير ظنًّا، كالطرد، فلا يلزمنا.\nولقد أورد ابن السَّمعاني سؤال إمام الحرمين هذا على أصل الاستدلال بإجماع\n_________\n(^١) ينظر: البرهان ٢/ ٧٧٩ - ٧٨٠.","vol":"4","page":385},{"text":"وَاسْتُدِلَّ: بِمَا تَوَاتَرَ مَعْنَاهُ مِنْ ذِكْرِ الْعِلَلِ لِيُبْتَنَى عَلَيْهَا؛ مِثْلُ: \"أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ؟ \"، \"أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ [إِذَا جَفَّ]؟ \"؛ وَلَيْسَ بِالْبَيِّنِ.\nوَاسْتُدِلَّ: بإلْحَاقِ كُلِّ زَانٍ بِمَاعِزٍ.\nوَرُدَّ: بِأنَّ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: \"حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ\" أَوْ للإِجْمَاعِ.\nوَاسْتُدِلَّ: بِمِثْلِ: \"فَاعْتَبِرُوا\"، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْاتِّعَاظِ، أَوْ فِي الأمُورِ الْعَقْلِيَّةِ مَعَ أَن صِيغَةَ \"افْعَلْ\" مُحْتَمِلَةٌ.\n<hr><s0>\n\nالصحابة كما أوردناه، وعَزَاه إِليه مصرحًا باسمه وهو قليل التَّصْريح باسمه، مع كثرة نقله عنه.\nثم قال: لا أدري كيف وجه الإشكال؟، وهذه الآثار صرّحت بالمصير إِلى الرأي من الصحابة بالانضباط فيما اتفقوا عليه.\nفإن قيل: لم يصرحوا بعلم.\nقلنا: قد ذكرنا محاجتهم بضرب الأمثلة، وعلى التنبيه منهم على العلة والقياس، وقد وجد، ثم قال: ونعين مسألة واحدة، وذكر مسألة الحرام واختلافهم فيها على الأقوال المعروفة، ثم قال: فوجب القطع بأنهم أرادوا ما ذكرناه أو ما يجري مجراه معنى من رأي تشابه الرأي في مسألة الحرام، وهو دون الرأي في العلل المنصوصة وقياس الأولى ونحوهما.\nالشرح: \"واستدلّ\" على التعبد بالقياس \"بما تواتر معناه من ذكر العِلَل لتبني عليها\" الأحكام، \"مثل: \"أرأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ؟ \"، \"أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ؟ \".\nوقد تقدم هذان الحديثان وما شابههما، \"وليس\" الاستدلال بذلك \"بالبَيّن\" في الدلالة على المقصود؛ فإنه لعل المقصود من ذكر العلة الوقوف على الحكمة، لا أن يقاس عليها، ولذلك جوزنا التعليل بالقاصرة، والحق أن هذا احتمال منع القطع دون الظهور، فيمنع الاكتفاء بهذا الوجه حجة على القياس.\n\"واستدلّ\" - أيضًا - \"بإلحاق كل زانٍ\" محصن \"بِمَاعِزٍ\" في الرَّجْم، وصدر هذا الإِلحاق من جميع الأمة، فدلّ على القياس.","vol":"4","page":386},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"ورُدّ بأن ذلك لقوله\" ﵊: \"حُكْمِي عَلَى الوَاحِدِ، حُكْمِي عَلَى الجَمَاعَةِ (^١).\nوقد قلنا غير مرة: إِن الحديث وإن لم يصح، فمعناه مجمع عليه.\n\"أو للإجماع\" على أن كل زانٍ محصن حكمه حكم مَاعِزٍ، لا للقياس.\n\"واستدلّ بمثل: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [سورة الحشر: الآية ٢].\nوالاعتبار: المُجَاوزة، وهو محقق في القياس، فيشمله؛ بدليل صحّة الاستثناء، بأن\n_________\n(^١) قال الحافظ ابن كثير في \"تحفة الطالب\" ص (٢٨٦) حديث (١٨٠): لم أره بهذا قط، وسألت عنه شيخنا الحافظ جمال الدين أبا الحجاج المزي وشيخنا الحافظ أبا عبد اللّه الذهبي مرارًا، فلم يعرفاه بالكلية.\nوقال الشوكاني في \"الفوائد المجموعة\" ص (٢٠٠) حديث (١) نقلًا عن العراقي في تخريج البيضاوي: لا أصل له، وقد ذكره أهل الأصول في كتبهم الأصولية، واستدلوا به فأخطأوا.\nوقال العلامة نور الدين علي بن محمد ملا على القاري في \"الأسرار المرفوعة\": وأنكره المزي والذهبي. وقال الزركشي: لا يعرف ص (١٤)، حديث (٤٣٠).\nوقال الجلال السيوطي في \"الدرر المنتثرة\" ص (١٣٢) حديث (١٩٨): لا يعرف. وقال السخاوي في المقاصد الحسنة: ليس له أصل ص (٤١٦). وقال ابن الربيع في \"تمييز الطيب من الخبيث\" ص (٨١) حديث (٥٤٤): ليس له أصل. وقال الزركشي: لا يعرف بهذا اللفظ لكن معناه ثابت، رواه الترمذي والنسائي من حديث مالك عن محمد بن المنكدر عن أميمة بنت رقيقة … إلخ انتهى. وحديث أميمة ﵂ أخرجه الترمذي ٤/ ١٥١ - ١٥٢ في أبواب السير: باب ما جاء في بيعة النساء حديث (١٥٩٧). وقال أبو عيسى (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه النسائي ١٤٩١٨ في كتاب البيعة: باب بيعة النساء، وأخرجه أيضًا في السنن الكبرى في التفسير وفي السير، انظر: تحفة الأشراف ١١/ ٢٦٩، وأخرجه الإمام مالك ٢/ ٩٨٢ في كتاب البيعة: باب ما جاء في البيعة حديث (٢) ولفظه: عن أميمة بنت رقيقة أنها قالت: \"أتيت رسول الله ﷺ في نسوة بايعنه على الإسلام، فقلن: يا رسول اللّه نبايعك على ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيك في معروف .. فقال رسول الله ﷺ: \"فيما استطعتن وأطقتن\" قالت: فقلن: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، هلم نبايعك يا رسول الله فقال رسول اللّه ﷺ: \"إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة، أو مثل قولي لامرأة واحدة\".","vol":"4","page":387},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nيقال: فاعتبروا إلا في الشيء الفلاني، والاستثناء دَلِيلُ الشمول أولًا، فيكون مشروعًا، ثم إذا شرع كان واجبًا؛ لعدم القائل بالفَصْل في القياس. هذا تقرير الاسْتِدلال من قوله: فاعْتَبِرُوا (^١).\n_________\n(^١) إن الله تعالى أمر بالاعتبار، وهو في اللغة: رد الشيء إلى نظيره كما حكى عن ثعلب من أئمة اللغة، وهذا يشمل الاتعاظ، وهو رد الحوادث المستقبلة التي يفرض الإنسان وقوعها منه إلى الحوادث الماضية وإعطاؤها حكمها في الجزاء كما في مورد الآية \"وهو إخراج بني النضير من المدينة إلى الشام وقذف الرعب في قلوبهم وإخراب بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين؛ جزاء لهم على كفرهم واغترارهم بحصونهم\" ويشمل القياس الشرعي، وهو رد المحل المسكوت عن حكمه الشرعي إلى المحل المنصوص على حكمه، وإعطاء الأول حكم الثاني؛ لوجود علته فيه، كإعطاء البنتين حكم الأختين في الميراث، وهو \"إرث الثلثين\" بجامع أن كل صنف منهما اثنتان اجتمعتا ممن يستحق النصف عند الانفراد.\nفكل من هذين النوعين وسواهما من أنواع الرد إلى النظير يقال له: اعتبار، ومما يؤيد إطلاق الاعتبار على النوع الثاني، وهو القياس قول ابن عباس ﵄ في قياس الأضراس على الأصابع: \"عقلها سواء، اعتبروها بها\" أي ردّوا الأضراس إلى نظائرها وهي الأصابع، فأثبتوا لها استواءها في الدية كما أثبتموه في الأصابع؛ لأن التفاوت بينها يشق ضبطه، فأطلق ابن عباس الاعتبار على القياس الشرعي والأصل في الإطلاق الحقيقة، فالاعتبار المأمور به عام شامل لجميع أفراد هذين النوعين وسواهما وإن كان واردًا على سبب خاص وهو ما حصل لبني النضير؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالقياس الشرعي إذا مأمور به في ضمن الأمر بالاعتبار، والأمر للوجوب فيكون تحصيله واجبًا على من هم أهل لذلك وهم \"المجتهدون\"؛ لأن غيرهم عاجز عن ذلك، فيكون العمل بمقتضاه واجبًا على جميع المكلفين؛ لأنه لم يجب لذاته بل للتوصل إلى العمل به، ولا معنى للتعبد به إلا إيجابه أو إيجاب العمل بمقتضاه، فيكون التعبد به واقعًا في الشرع بهذا الدليل السمعي، ويمكن أن يقرر على قواعد المنطق؛ ليتضح وجه إنتاجه للمطلوب، ولتتبين موارد الاعتراضات عليه فيقال: القياس اعتبار؛ وكل اعتبار مأمور به شرعًا؛ وكل مأمور به شرعًا متعبد به شرعًا، فالقياس متعبد به شرعًا بهذا الدليل وهو سمعي لتوقف مقدمته الثانية على السمع فالتعبد بالقياس واقع شرعًا بهذا الدليل السمعي.\nوأمَّا طريقة الحنفية في الاستدلال بالآية فهي ذات وجهين: \"أحدهما\" منطوقي أصلي.\n\"والثاني\" مفهومي تنزلي. =","vol":"4","page":388},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقال المصنف: \"وهو ظاهر في الاتِّعَاظِ\"؛ لِغَلَبَتِهِ فيه، ولدلالة سياق الآية عليه، فإن الله - تعالى - قال: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا﴾ [سورة الحشر: الآية ٢]، والمناسب - هنا - أن يكون الاعتبار، لا أن يكون المراد: فقيسوا الذّرة على البُرّ؛ إذ لو فرض ذلك، لكان ركيكًا من الكلام، ينزه عنه كلام الله تعالى.\nواعلم أن أصحابنا استدلُّوا بهذه الآية خلفًا عن سَلَفٍ، والحق عندي فيها أنها غير مفيدةٍ للقطع، ولكنها تفيد الظن، وما ذكر من الرَّكَاكَةِ، قد ذكر أصحابنا: أنه إنما يتأتى، لو قيل: فقيسوا الذُّرَة على البُرّ، ولا يجيء فيما إِذا أتى بلفظ عام، كما هو فيما نحن فيه؛ فإن الاعتبار أعم من الاتِّعَاظ، وقياس الذُّرَة على البر، فما في ذلك شيء من الركاكة، بل هو في أعلى مقام الفَصَاحة؛ ألا ترى أن النبي ﷺ لو سئل عمن ابتلع حَصَاة في نهار رمضان، لم يكن أن يقول في جوابه: من جامع فعليه الكفارة؛ إِذ لا دخول لصورة السُّؤال تحت هذا\n_________\n= \"أما الوجه المنطوقي الأصلي\" فحاصله أن قول الله تعالى: ﴿فاعتبروا﴾ أمر بالاعتبار، والاعتبار هو رد الشيء إلى نظيره بأن يحكم عليه بحكمه، وهذا يشمل الاتعاظ والقياس الشرعي. وكل ما هو رد الشيء إلى نظيره. ولا شك أن سوق الآية للاتعاظ بما حصل لبني النضير من إخراجهم من ديارهم وقذف الرعب في قلوبهم وإخراب بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، واللفظ عام كما قلنا، فبدل على الاتعاظ عبارة وعلى القياس إشارة؛ لأن الاتعاظ ثابت بطريق المنطوق مع كون سياق الكلام له، والقياس ثابت بطريق المفهوم أيضًا من غير أن يكون سياق الكلام له.\n\"وأنت ترى\" أن هذا الوجه لا يخالف طريقة الجمهور المتقدمة إلا في تقسيم دلالة الأمر في الآية إلى دلالة عبارة على الاتعاظ، ودلالة إشارة على القياس الشرعي. والقصد من هذا التقسيم بيان نوع دلالة الآية على وجوب القياس عند الحنفية، وهو لا يقتضي تغيير شيء من المقدمات التي ركب منها الدليل على طريقة الجمهور، ولذا يرد عليه كل ما ورد على طريقتهم من كون المراد بالاعتبار في الآية الاتعاظ، وكونه غير عام وغير ذلك ممَّا سبق. والجواب هو الجواب، فلا داعي إلى تكراره.\n\"وأما الوجه المفهومي التنزلي\" فحاصله: أنا لو سلمنا ما يقول المعترض من أن الاعتبار في الآية معناه الاتعاظ، فغاية ذلك أنها لا تدل على حجية القياس بطريق المنطوق الإشاري، لكنها تدل بطريق مفهوم الموافقة، وهو المسمى دلالة النص.","vol":"4","page":389},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nاللفظ، ويحسن كل الإحسان أن يقول: من أفطر فعليه الكَفّارة؛ فإن فيه الجواب وزيادة فائدة.\nوعند هذا نقول: إن أراد المصنف أنه ظاهر في الاتِّعَاظ، غير ظاهر في القياس، فهو ممنوع، بل هو ظاهر فيهما جميعًا، نعم دخول الاعتبار أظهر؛ لأنه يشبه خصوص السَّبب الذي دخوله تحت اللَّفْظ أظهر، وإذا كان ظاهرًا فيهما، حسن الاستدلال به لمن يكتفي بالظُّهور في المسألة، ولمن يريد أن يضم إِليه ظواهر أخر يصل مَجْمُوعها إِلى القطع ممن لا يكتفي بالظهور.\nوإن أراد: ظاهر في الاتِّعَاظ، مع ظهوره في القِيَاسِ، لم يجده نفعًا.\nفإن قلت: يفيده عدم الاسْتِدْلال به، فإنه لا يكتفي بالظَّن في المسألة.\nقلت: هو غني عن دعوى الظُّهُور، فإِن مجرد الاحتمال يدفع القَطْع، وهو قائم بلا ريب.\nولنعد إِلى حل كلامه: سلمنا أنه ظاهر في القياس، سواء أكان ظهوره فيه مساويًا لظهوره في الاتِّعَاظ أو لا، كذا ينبغي أن يقرر، ولا يقرر على أَنّا: سلّمنا أنه غير ظاهر في الاتِّعَاظ؛ فإِنه تسليم لشيء لم يدعه أحد، ونقول بعد هذا التسليم: هو ظاهر في القياس في الأمور العَقْلية، كما يقال في إِثبات الصانع: اعتبر بالدار، هل يمكن حدوثها من غير صانع.\nفما ظنك بالعالم، وليس ظاهرًا في القياس الشرعي، وإليه أشار بقوله: \"أو في الأمور العقلية\"، ثم ذكر ما يمنع القطع في الآية، فقال: \"مع أن صيغة \"افعل\" محتملة\"، وهو صحيح؛ فإِن موارده [كثيرة - كما عرفت في مَوْضعه - ولكنا نقول: من مواردها] (^١) ما يقطع بانتفائه - هنا - كالتهديد ونحوه، فإنه لا يتجه - هنا - غير الوجوب والنَّدب والإِباحة، وإذا كانت الصيغة - هنا - مترددة بين هذه المحامل لا رابع لها، فنقول: أيًّا ما كان، حصل الغرض، أما أن يكون الوجوب، فواضح، وأما إن كان الندب، أو الإِباحة؛ فلأنه يستفاد منه أصل المشروعية، ومتى تثبت مشروعية العمل بالقياس، ثبت وجوبه؛ إِذ لا قائل بالفصل، نعم لو قال المصنّف: مع أن الآية محتملة، صح، ودفع القطع.\n_________\n(^١) سقط في ت.","vol":"4","page":390},{"text":"وَاسْتُدِلَّ: بِحَدِيثِ مُعَاذٍ؛ وَغَايَتُهُ الظَّنُّ.\n<hr><s0>\n\nوذكر أصحابنا - أيضًا - من الآيات قوله - تعالى -: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٨٣].\nقالوا: والاستنباط هو: الاستخراج للمعنى المودع في النَّص، فيبرز ويظهر، وهو يشمل القياس، وهاتان الآيتان: آية الاعتبار. وآية الاستنباط، أظهر ما تعلّق به من الآي، والبحث فيها يطول (^١).\nالشرح: \"واستدلّ بحديث معاذ\"، وقوله ﷺ: \"كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ\n_________\n(^١) إن الله ﷿ ذكر في قرآنه الكريم آيات كثيرة ذكر فيها عللًا للأحكام؛ لتبتنى عليها غيرها في سائر محالها، وإني أكتفي منها بهذه الشواهد الآتية.\n١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ آية ١٧٩ من سورة البقرة. قاله بعد قوله: \"يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى\" وقد بيّن بهذا أن علة وجوب القصاص ما فيه من المحافظة على الأنفس؛ لأن مريد القتل ظلمًا إذا علم أنه سيقتص منه كف عما كان معتزمًا عليه من قتل صاحبه، فسلمت حياته وحياة صاحبه.\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [سورة البقرة: الآية: ٢٢٢]، بين الله ﷿ في هذه الآية أن علة وجوب اعتزال النساء في المحيض كونه أذى.\n٣ - وقال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢]. بين الله ﷿ في هذه الآية أن العلة في قيام المرأتين مقام الرجل الواحد ضعف ذاكرة النساء.\n٤ - وقال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٣] بين الله ﷿ في هذه الآية أن خوف الظلم في القسم بين الزوجات علة لوجوب الاقتصار على واحدة.\n٥ - وقال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة المائدة: الآية ٣٨]. بين الله ﷿ في هذه الآية أن السرقة علة في وجوب قطع اليد.\n٦ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٥٧]. بين الله ﷾ في هذه الآية أن اتخاذ دين الإسلام هزوًا ولعبًا علة في تحريم اتخاذ المتصفين به أولياء. =","vol":"4","page":391},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقَضَاء؟ \"، قال: أقضي بكتاب الله، قال: \"فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ \" قال: فبسُنّة رسول الله، قال: \"فَإنْ لَمْ تَجِدْ؟ \"، قال: أجتهد رأيي، ولا آلو، قال: فضرب رسول الله ﷺ في صدره، وقال: \"الحَمْدُ لِلهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولهِ ﷺ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللهِ\" (^١) رواه أحمد، وأبو داود،\n_________\n= ٧ - وقال تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٧٦]، بين الله في هذه الآية أن العلة في إنكار عبادة الأصنام كونها لا تملك لعابديها ضرًّا ولا نفعًا.\n٨ - وقال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٠٨]، كان المسلمون يسبون آلهة المشركين، فنهاهم الله عن ذلك، وبين أن العلة في النهي تأدية سبهم إلى سب الله ﷾.\n٩ - وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٧٦] نهى الله تعالى عن التقييد والإسراف، وبين أن العلة في النهي تأديها إلى اللوم والحسرة.\n١٠ - وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٥٣]. أمر الله سبحانه في هذه الآية نبيه الكريم أن يأمر المؤمنين بملاينة المشركين في الكلام مبينًا علة الأمر بالملاينة، وهي أن الشيطان يلقي بينهم الفساد ويغري بعضهم على بعض؛ ليوقع بينهم الشقاق … إلى غير ذلك من الآيات التي ورد فيها تعليل الأحكام.\nوتقرير الاستدلال بهذه الآيات أن يقال: \"لو لم يكن القياس حجة لما ذكر اللّه ﷿ العلل للأحكام؛ لتبتني عليها في سائر محالها؛ لكن التالي باطل، فبطل المقدم؛ فثبت نقيضه وهو أن القياس حجة.\n\"أما الملازمة\" فبيانها أنه يلزم من ذكر الله تعالى العلل للأحكام في محال لتبتني عليها الأحكام في سائر المحال، إذنه ببناء الأحكام على العلل؛ وهو القياس، ويلزم من الإذن به حجيته، ولا شك أن انتفاء اللازم يستلزم انتفاء الملزوم؛ فيلزم من عدم حجية القباس عدم ذكره ﷾ العلل للأحكام لتبتني عليها، وهذا هو معنى الملازمة.\n\"وأما بطلان التالي\" فدليله الآيات القرآنية الكثيرة التي ذكر الله فيها العلل للأحكام في محالّ؛ لتبتني عليها الأحكام في سائر محالها.\n(^١) وجه الاستدلال بهذه القصة: أن النبي ﷺ أمر معاذًا على العمل بالرأي حيث قال له عقب قوله: أجتهد رأيي \"الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ﷺ إلخ\" والرأي هو القياس؛ لأن الاجتهاد بالرأي في كلام معاذ لا يخلو إما أن يحمل على الاجتهاد بالاستنباط من الكتاب =","vol":"4","page":392},{"text":"النَّصُّ عَلَى الْعِلَّةِ لا يَكْفِي في التَّعَدِّي دُونَ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ.\nوَقَالَ أَحْمَد، وَالْقَاشَانِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ، والْكَرْخِيُّ: يَكْفِي.\nوَقَالَ الْبَصْرِيُّ: يَكْفِي فِي عِلَّةِ التَّحْرِيمِ لا غَيْرِهَا.\n<hr><s0>\n\nوالترمذي، ولكن قال البخاري: لا يصح.\nوقال الترمذي: ليس إسناده - عندي - بمتصل (^١).\nقال المصنف: \"وغايته\" إفادة \"الظن\"، وهذا صحيح، وإنما سلك بعضهم في إفادته الظن من قبيل أنه لا يلزم من صحّة القياس لمعاذ، صحته لغيره، فإن قِيسَ غيره عليه، لزم الدور، ثم كيف يقاس بمعاذ الذي هو أعلم النَّاس بالحلال والحرام من هو دونه؟.\nوجواب هذا: أنه لا قائل بالفَصْلِ، وأن الحكم على الواحد حكم على الجَمَاعَةِ.\n\nالشرح: <span data-type='title' id=toc-831>«مسألة»\n\"النَّص على العلة لا يكفي في التعدّي دون التعبد بالقياس\"،</span> سواء أكان في الفعل، مثل: أكرم زيدًا لعلمه، أو الترك، مثل: الخمر حرام لإِسكاره، وهو رأي المحققين، كالأستاذ، والغزالي، والإمام وأتباعه، والآمدي (^٢).\n_________\n= والسنة، أو على الاجتهاد بالرأي المحض الذي لا يستند إلى أصل من الكتاب أو السنة، أو على الاجتهاد برد القضية التي لا نص فيها إلى ما في الكتاب والسنة بطريق القياس.\nلا جائز أن يحمل على الأول؛ إذ لو كان كذلك لكان قضاء بالكتاب والسنة، فيكون داخلًا فيما قبله في القصة، فلا يصح جعله مقابلًا للقضاء بهما وموقوفًا على فقد الحكم فيهما. ولا جائز أن يحمل على الثاني، إذ لو كان كذلك لما أقره النبيّ ﷺ لأنه عمل في دين الله بالهوى والتحكم؛ فتعين الثالث، وهو الجمل على العمل بالقياس، وقد أقره ﷺ، فيكون القياس حجة شرعية؛ وهو المطلوب.\n(^١) ينظر البرهان ٢/ ٧٧٤ - ٧٨٥، المعتمد ٢/ ٧٥٣، المستصفى ٢/ ٢/ ٢٧٢، شرح العضد ٢/ ٢٥٣، المنخول ٣٢٦، التبصرة (٤٣٦)، والمحصول ٢/ ٢/ ١٦٤، المنتهى (١٤٠)، الإبهاج ٣/ ٢٤، جمع الجوامع ٢/ ٢١٠، الإحكام للآمدي ٤/ ٧٤، تيسير التحرير ٤/ ١١، فواتح الرحموت ٢/ ٣١٦، روضة الناظر (١٥٤)، نبراس العقول (١٦٩).\n(^٢) اعترض على هذا الحديث باعتراضات منها: ضعف إسناده كما بينا في تخريج الحديث \"وأجيب عنه\" بأن جهالة أصحاب معاذ في هذا الحديث لا تنافي صحته؛ وذلك لثلاثة أوجه: \"الأول\" أنهم وإن جهلت أسماؤهم فهم أصحاب معاذ، فلا يضر الحديث ذلك؛ لأن هذا =","vol":"4","page":393},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"وقال أحمد\" في رواية \"والقَاشَاني، وأبو بكر الرازي، والكَرْخِي\"، والشيخ أبو\n_________\n= الوصف يدل على شهرته، وأنه حدث به الحارث بن عمرو عن جماعة من أصحاب معاذ لا واحد منهم، وهذا أبلغ في الشهرة من أن يكون عن واحد منهم ولو سمّى، كيف وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى، ولا يعرف في أصحابه متهم ولا كذاب ولا مجروح، بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم، ولا يشك أهل العلم بالنقل في ذلك، كيف وشعبة حامل لواء هذا الحديث، وقد قال بعض أئمة الحديث، \"إذا رأيت شعبة في إسناد حديث فاشدد يديك به\".\n\"الثاني\" أن أهل العلم قد نقلوا هذا الحديث واحتجوا به فوقفنا بذلك على صحته عندهم، كما وقفنا على صحة قول النبي ﷺ: \"لا وصية لوارث\" وقوله في البحر: \"هو الطهور ماؤه الحل ميته\" وقوله: \"إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة تحالفا وترادا البيع\" وقوله: \"الدية على العاقلة\" وإن كانت هذه الأحاديث لم تثبت من جهة الإسناد، ولكن لمّا تلقتها الكافة عن الكافة غنوا بصحتها عن طلب الإسناد لها، فكذلك حديث معاذ لما احتجوا به جميعًا غنوا عن طلب الإسناد له. كذا قال أبو بكر الخطيب.\nوقال الغزالي: هذا حديث تلقته الأمة بالقبول ولم يظهر أحد فيه طعنًا ولا إنكارًا، وما كان كذلك لا يقدح فيه كونه مرسلًا، بل لا يجب البحث عن إسناده اهـ. ولهذه الشهرة أطلق جماعة من الفقهاء كالباقلاني وأبي الطيب الطبري وإمام الحرمين عليه الصحة، وقد احتج به الشافعي على حجية القياس. وجاء في كشف الأسرار: \"إن مثبتي القياس أبدًا كانوا يتمسكون به في إثبات القياس، ونفاته كانوا يشتغلون بتأويله، فكان ذلك اتفاقًا منهم على قبوله\" اهـ.\n\"الثالث\" أن هذا الحديث معتضد بشواهد صحيحة تقويه، وتبلغ به درجة القبول. قال ابن أمير الحاج: قال شيخنا الحافظ: وله شاهد صحيح الإسناد لكنه موقوف ثم أسنده - يعني شيخه - من طريق الدارمي ثم البيهقي، عن عبد الله بن مسعود قال: \"لقد أتى علينا رفاق وما نسأل ولسنا هناك ثم بلغنا الله ما ترون، فإذا سئل أحدكم عن شيء فلينظر في كتاب الله، فإن لم يجد في كتاب الله فلينظر ما اجتمع عليه المسلمون، فإن لم يكن فليجتهد رأيه ولا يقل أحدكم إني أخشى؛ فإن الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهة، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك\" وفي الباب عن عمر بن الخطاب ﵁ نحو حديث ابن مسعود دون ما في أوله وآخره، أخرجه الدارمي والبيهقي بإسناد صحيح. وأخرج البيهقي عن زيد بن ثابت أنه قال ذلك لمسلمة بن مخلد لمّا سأله عن القضاء، وإسناده حسن اهـ.\n\"الاعتراض الثاني والجواب عنه\":\nقالوا: إنه خبر واحد ورد في إثبات أن القياس حجة وهو مما تعم به البلوى، وخبر الواحد فيما تعم به البلوى لا يقبل. =","vol":"4","page":394},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nإسحاق الشِّيرَازي، وأبو الحسين البَصْرِي: \"يكفي\"، ونقله الأكثرون عن النَّظَّام، منهم الآمدي.\n<hr><s0>\n\n= \"  والجواب عنه من وجهين\":\n\"الأول\" أن خبر الواحد فيما تعم به البلوى يقبل على الصحيح كما هو مقرر في محله.\n\"الثاني\" أنه خبر مشهور؛ لتلقي الأمة له بالقبول، فهو يفيد الطمأنينة؛ وهي فوق ظن الآحاد؛ لأنها اليقين بالمعنى الأعم، فيقبل فيما تعم به البلوى على فرض أن خبر الواحد المجرد عن الشهرة لا يقبل في ذلك.\n\"الاعتراض الثالث والجواب عنه\":\nقالوا: إنه مناف للعقل؛ فلا يقبل، وذلك أن مقتضى تولية النبي ﷺ معاذًا على اليمن أنه ﵇ يعلم اتصافه بأهلية الولاية، فهو إذا يعلم ما يقضي به، وحينئذ لا يكون لسؤاله عما يقضي به معنى.\n\"ويجاب عنه\" بأن السؤال كان قبل التولية عند إرادتها؛ ليستكشف به النبي ﷺ صلاحية معاذ لها، وعلى فرض أنه وقع بعد التولية، فهو للتأكد أو لإعلام غيره بتوليته.\n\"الاعتراض الرابع والجواب عنه\":\nقالوا: إنه مناف للقرآن الكريم، فإنه يدل على أن الحكم قد يفقد من كتاب الله تعالى مع أن الله يقول: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ ﴿ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ وهاتان الآيتان تدلان على أنه ما من حكم إلا وهو في كتاب الله تعالى، وهذا ينافي فقدان الحكم منه، فيكون الحديث مردودًا؛ لمنافاته القرآن.\n\"وأجيب عنه\" بأن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ كما عزى إلى عامّة المفسرين، وعلى فرض أن يراد به القرآن الكريم فليس المقصود بالآيتين أنه يدل على كل حكم بالنص عليه بخصوصه، فهذا باطل بالاستقراء، وإنما المقصود بهما أنه يدل علي كل حكم إما بالنص عليه وإما بالنص على الأصل الذي يؤخذ منه، وقد دل على صدق الرسول ﵊ في أقواله، ومن أقواله هذا القول المبين صحة الاحتجاج بالقياس عند عدم النص على الحكم بخصوصه، فلا منافاة بين فقدان الحكم من كتاب الله نصًّا وبين وجدانه فيه بالدلالة على أصله.\n\"الاعتراض الخامس والجواب عنه\":\nقالوا: إنه مناف للدليل الدال على جواز نسخ الكتاب وتخصيصه بالسنة، وهذا الدليل صحيح، فمنافيه باطل، وبيان منافاته له أنه يدل على أن الحكم متى وجد في كتاب الله وجب العمل به، ولا ينتقل إلى السنة إلا عند فقده منه، فالسنة إذًا لا تخصص الكتاب ولا تنسخه، وإلا ما توقف العمل بها على فقده. =","vol":"4","page":395},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= \"  ويجاب عنه\" بأن مراد معاذ بكتاب اللّه الكتاب الذي لا معارض له ولا ناسخ، ويجب حمله على ذلك ضرورة الجمع بين تقرير النبي ﷺ لمعاذ على ذلك وبين الدليل الدال على جواز نسخ الكتاب وتخصيصه بالسنة.\n\"الاعتراض السادس والجواب عنه\":\nقالوا: سلمنا أنه صحيح وأنه حجة، لكن لا نسلم التقريب، فإنه إنما يدل على صحة الاجتهاد بالرأي، وهو كما يكون بالقياس يكون بالاستدلال بخفي النصوص وبالتمسك بالبراءة الأصلية، ولفظ \"أجتهد رأيي\" ليس عامًّا، فلا يمكن حمله على الجميع، وليس حمله على الاجتهاد بالقياس أولى من غيره.\n\"ويجاب عنه\" بأن لفظي \"كتاب الله وسنة رسول الله\" عامان شاملان للجلي والخفي من النصوص، فالاستدلال بخفي النصوص استدلال بالكتاب والسنة، فلا يصح حمل الاجتهاد في القصة عليه؛ لأنه موقوف على فقد الحكم في الكتاب والسنة، ولا يصح حمله على التمسك بالبراءة الأصلية؛ لأنه معلوم لكل عاقل، فليس فيه بذل جهد أصلًا، فلم يبق إلا الاجتهاد بالقياس؛ فيتعين حمله عليه.\n\"الاعتراض السابع والجواب عنه\":\nهذا الاعتراض ممن يقولون: إن القياس حجة فيما علته منصوصة فقط، قالوا: سلمنا أنه يدل على حجية الاجتهاد بالقياس لكن القياس ينقسم إلى ما علته منصوصة وإلى ما علته مستنبطة، ولفظ \"أجتهد رأيي\" مطلق، ويكفي في حجيته حمله على أحدهما، وقد حملناه على ما علته منصوصة.\n\"وأجيب عنه\" بأن المقصود من الاستدلال بالحديث إثبات حجية القياس في الجملة لا إثبات حجية كل قياس. فمن يقول: إن الحكم فيما علته منصوصة يثبت بالنص لا بالقياس، فهذا حجة عليه؛ حيث يتعين على رأيه أن يراد بالاجتهاد القياس فيما علته مستنبطة، ومن يقول: إن الحكم فيما علته منصوصة لا يثبت بالنص بل بالقياس، فهذا حجة عليه إن كان ينكره. هكذا أجاب بعض الأصوليين.\nومقتضى هذا الجواب أن من أثبت القياس فيما علته منصوصة فقط لا يكون الحديث حجة عليه.\n\"وعندي\" أن هذا الحديث حجة عليه، والمقصود بالاستدلال به إثبات حجية كل قياس، وذلك\nأن قوله: \"أجتهد رأيي\" هو المرتبة الثالثة بعد الكتاب والسنة، وقد اكتفى النبي ﵇ بها ولم يسأله عن مرتبة رابعة، والاستقراء يدل على أن الوقائع التي لم ينص على أحكامها في الكتاب والسنة منها ما نص على علته ومنها ما لم ينص، فلو كان اجتهاده في منصوصة العلل فقط لسأله النبي ﷺ عما يصنع إذا لم يجد نصًّا على العلة يجتهد فيه، لكنه لم يسأله عن =","vol":"4","page":396},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"وقال البَصْري: يكفي في علة التحريم لا غيرها\".\nواعلم أنَّ القائلين بأنه يكفي، يحتمل مذهبهم أمرين:\nأحدهما: أن يكون ذلك لاقتضاء اللَّفظ إِياه بعمومه، وهذا ما نقله الغَزَالي والآمِدِيّ عن النظام.\n_________\n= ذلك؛ فدل على أن مراده الاجتهاد في كل ما لم ينص على حكمه في الكتاب والسنة. فقوله: \"أجتهد رأيي\" وإن كان مطلقًا باعتبار اللفظ لكنه عام بهذه التعزية.\n\"الاعتراض الثامن والجواب عنه\":\nقالوا: سلمنا أنه يدل على حجية القياس لكن لا نسلم أنه عام لجميع المجتهدين؛ لأنه لا يلزم من تقرير النبي ﷺ العمل بالقياس بالنسبة لمعاذ تقرير العمل به بالنسبة لغيره من المجتهدين؛ لجواز أن يكون ذلك خصوصية له، فلا يكون القياس حجة عامة لجميع المجتهدين.\n\"ويجاب عنه\" بأنه يلزم من التقرير بالنسبة لمعاذ التقرير بالنسبة لغيره؛ لأن الأصل عدم الخصوصية؛ إذ التكاليف الشرعية عامة لا تختص بشخص دون شخص ولا جماعة دون جماعة، فلا يصار إلى الخصوصية إلَّا لدليل، ولا دليل هنا.\n\"الاعتراض التاسع والجواب عنه\":\nقالوا: سلمنا أن الحديث يدل على تقرير العمل بالقياس بالنسبة لمعاذ وغيره، لكن لا نسلم أنه يدل على ذلك في جميع الأزمان، وإنما كان ذلك قبل نزول قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ للحاجة إليه وقتئذ؛ لعدم وفاء النصوص بجميع الأحكام، أما بعد نزولها فلا حاجة إليه؛ لأن الآية دلت على أن الله بين لنا جميع الأحكام بالتنصيص عيها، فلا محل للقياس؛ لأنه مشروط بفقدان النص.\nفالخلاصة أن القياس كان حجة قبل نزول الآية ثم نسخت حجيته بعد نزولها، ومدّعاكم أنه حجة في كل زمان.\n\"وأجيب عنه\" بأن الحديث دل على حجية القياس من غير تقييد بوقت دون وقت، فيبقى على إطلاقه؛ لأن التقييد خلاف الأصل، فلا يصار إليه إلا لدليل، وما ذكرتم من الآية لا يصلح أن يكون مقيدًا لإطلاق الحديث؛ لأنها محمولة على إكمال الأصول والقواعد الكلية دون الفروع وتفاصيلها؛ للقطع بأن النصوص لم تشتمل على تفاصيل جميع الفروع. ولئن سلمنا أن الآية عامة في الأصول والفروع وأن الله تعالى بين لنا كل ما نحتاج إليه في كل زمان، لكن لا نسلم أن هذا يقتضي عدم الحاجة إلى القياس ونسخ حجيته؛ لأن البيان المذكور تارة يكون بغير واسطة كما في الأحكام المنصوصة، وتارة يكون بواسطة كما إذا بين لنا مناط الأحكام =","vol":"4","page":397},{"text":"لنَا: الْقَطْعُ بِأنَّ مَنْ قَالَ: \"أَعْتقْتُ غَانِمًا؛ لِحُسْنِ خُلُقِهِ\"، لا يَقْتَضِي عِتْقَ غَيْرِهِ مِنْ حَسَنِي الْخُلُقِ.\nقَالُوا: \"حَرَّمْتُ الْخَمْرَ لإِسكَارِهِ\" مِثْلُ: \"حَرَّمْتُ كُلَّ مُسْكِرٍ\".\nوَرُدَّ: بِأنَّهُ لَو كَانَ مِثْلَه، عَتَقَ مَنْ تَقَدَّمَ.\nقَالُوا: لَم يَعْتِقْ؛ لأَنَّهُ غَيْرُ صَرِيحٍ، وَالْحَقُّ لآدميٍّ.\nقُلْنَا: يَعْتِق بِالصَّرِيحِ، وَبالظَّاهِرِ.\n<hr><s0>\n\nوالثاني: أن يجعل التَّنْصيص على العلّة أمرًا بالقياس، وهو نقل الأكثرين عن الذاهبين إلى هذا القول، وقد أتى المصنف بعبارة تشمل الاحتمالين، حيث قال: لا يكفي في التعدي، فإن التعدي؛ عن النصوص قد يكون بالقياس، وقد يكون بالتعميم، ثم إنه لم يعز القول بأنه يكفي إلى النظام، وأراد ذلك - والله أعلم - لسؤال يورد، وهو أنه كيف يجامع إنكاره التعبد بالقياس قوله - هنا - بهذه المقالة؟\nوالسؤال - عندي - ساقط؛ فإنه إن كان رأيه ما نقله الغَزَالي، والآمدي من التعميم، فليس ذلك من القياس في شيء.\nوإن كان الثاني، فغايته القضاء بأن قضية النص على العلّة الأمر بالقياس، وليس فيه ما يقتضي وقوع ذلك، ولا جواز وقوعه، وما تقدم منه استحالة وقوعه من غير تعرُّض إلى أن اللفظ لو وقع، ماذا مدلوله؟ فلم يتوارد الكلامان على [محل] (^١) واحد.\nالشرح: \"لنا: القَطْع بأن من قال: أعتقت غانمًا لحسن خلقه، لا يقتضي عِتْق غيره من حسني الخلق\"، من عبيده، ولو كفى التَّنصيص على العلّة في التعدية، لعتق غيره ممن شاركه في حسن الخلق.\nولك أن تقول: هذا مُنْقدح، إن كان الخصم يدعي أن التعميم من قضية اللفظ، كما هي طريقة الآمدي في النقل عن النَّظام، فإن قوله حينئذٍ: أعتقته لحسن خُلقه، بمنزلة: أعتقت كل حسني الخلق.\n_________\n= المنصوصة لكي نقيس عليها ما لم ينص عليه منها، فيكون القياس محتاجًا إليه لإثبات تلك الأحكام حتى بعد نزول الآية الكريمة.\n(^١) في أ، ت: مخر.","vol":"4","page":398},{"text":"قَالُوا: لَوْ قَالَ الأَبُ: \"لا تَأْكُلْ هَذَا؛ لأِنَّهُ مَسْمُومٌ\"، فُهِمَ عُرْفًا الْمَنع مِنْ كُلِّ مَسْمُومٍ.\nقُلْنَا: لِقَرِينَةِ شَفَقَةِ الأَبِ بِخِلافِ الأَحْكَامِ؛ فَإنَّهُ قَدْ تُخَصُّ لأِمْرٍ لا يُدْرَكُ.\nقَالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلتَّعْمِيمِ لَعُرِّي عَنِ الْفَائِدَةِ.\nوَأُجِيبَ: بِتَعَقُّلِ الْمَعْنَى فِيهِ، وَلا يَكُونُ التَّعْمِيمُ إِلَّا بِدَلِيلٍ.\n<hr><s0>\n\nأما إن كان يدعي التعدية؛ لأن التنصيص أمر بالقياس، فلا يتأتَّى، فإن الشارع تعبدنا بالقياس، فلذلك عمّمنا بالعلة، بخلاف غيره.\n\"قالوا: حرمت الخمر لإسكاره، مثل: حرمت كل مسكر\"، فيكون عامًّا.\n\"وُردَّ: بأنه لو كان مثله، عتق من تقدم\"، والاتِّفَاق أنه لا يعتق، ثم الدليل إِنما يتوجه على تقدير أن مدعى الخصم أن التعميم باللَّفظ كما عرفت.\nأما إن ادعاه أمرًا بالقياس، فواضح بأنه ليس مثله.\n\"قالوا: لم يعتق\"؛ فيما نحن فيه؛ \"لأنه غير صريح، والحق لآدَمِيّ\".\n\"قلنا: يعتق بالصريح والظاهر\"، ولا يفترق الحال بين حق الآدَمِيّ وغيره إذا كان مأخوذًا من اللفظ.\n\"قالوا: لو قال الأب: لا تأكل هذا؛ لأنه مَسْمُوم، فهم عُرْفًا المنع من كل مسموم.\nقلنا: لقرينة شَفَقَة الأب\" المقتضية لمنع الولد من كل مُؤْذٍ، \"بخلاف الأحكام، فإنه قد تخص لأمرٍ لا يدرك\".\nثم نقول: سلمنا أنه يفهم منه عرفًا، ولكن ذلك للإتيان بالعلة، لا من اللفظ، ولا لأن النص عليها أمر بالقياس.\n\"قالوا: لو لم يكن\" التنصيص على العلّة \"للتعميم\" في جميع الصّور \"لعُرّى\" التنصيص \"عن الفائدة\"؛ لحصول الحكم في المنصوص بمجرد النص.\n\"وأجيب: بتعقُّل المعنى فيه\"، أي: فائدته تعقُّل المعنى المقتضي للحكم؛ لأنه أسرع إلى الانقياد، \"ولا يكون التَّعميم\" في الحكم \"إلا بدليل\" آخر.\nأو يقال: الفائدة فهم العلّة؛ ليقاس عليها.","vol":"4","page":399},{"text":"قَالُوا: لَوْ قال: الإسْكَارُ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ، لَعَمَّ؛ فكَذَلِكَ هَذَا.\nقُلْنَا: حَكَمَ بِالْعِلَّةِ عَلَى كُلِّ إِسْكَارٍ، فَالْخَمْرُ وَالنَّبِيذُ سَوَاءٌ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"قالوا: لو قال: الإسكار علّة التحريم لعمّ، فكذلك - هنا -\" أي: قوله حرمت الخمر لإِسكاره؛ لأن \"اللام\" للتعليل، ولا فرق بين أن يذكر التّعليل باسمه، أو بحرف يدل عليه، فيجب أن يكون عامًّا.\n\"قلنا\": لا نسلّم اتحاد معنى العبارتين؛ فإن قولك: الإسكار علّة الحُرْمة لفظ \"حكم بالعلّة على كل إِسكار\" إذا ذكرت الإسكار معرفًا بـ \"اللام\"، وهو للعموم، \"فالخمر والنَّبيذ\" بالنسبة إليه \"سواء\".\nولقائل أن يقول: إن أردت بالمُسَاواة بين الخَمْر والنبيذ مساواتهما في أنهما - والحالة هذه - منصوصان، وهو طاهر العبارة، ويؤيده قول الآمدي: يكون التحريم ثابتًا في كل الصور بجهة العموم، وهذا ممنوع؛ وذلك لأن قولنا: الإِسكار علّة التحريم، ليس المراد به كل تحريم، بل تحريم الخمر، \"والألف واللام\" في التحريم للعهد، وهذا واضح.\nوقولنا: علة تحريم الخمر الإِسكار، لا يوجب صَيْرُورَة النّبيذ منصوصًا، وإن أردت المساواة في أصل الحكم، فكذلك كل فرع مع الأصل، سواء أكانت العلّة فيه منصوصةً أم لا، وهذا مكان مُعْضل، والذي يظهر فيه عند التحقيق، أن قولنا: حرمت الخمر لإِسكاره، يحتمل أن تكون العلّة مطلق الإِسكار، حتى يعدي إِلى النبيذ، ومحتمل لأن تكون العلة خصوص إِسكار الخمر احتمالًا قويًّا، بحيث إنه لو لم يرد الأمر بالقياس لما قِسْنا - والحالة هذه - ولكن ورود الأمر بالقياس من قبيل التَّنصيص على العلة قرينة رجحت الاحتمال الأول.\nوأما قولنا: علة حرمة الخمر الإِسكار، فمحتمل - أيضا - لأن يكون المراد الإِسكار الخاص، ولكنه احتمال مَرْجُوح، وليس كهو في الصِّيغَة الأولى، ومع ذلك إلحاق النبيذ - والحالة هذه - قياس لا نص، على خلاف ما ظهر من عبارة الكتاب والآمِدِيّ.\nولقد حاول الإِمام في \"المحصول\" أن يجعله رُتبة متوسطة بين القياس والنص، وتبعه القاضي سِرَاج الدين في \"التحصيل\"، وعبارة \"التحصيل\": لو قال ذلك، لم يكن قياسًا؛ إذ العلم بالعلّة يوجب العلم بالمعلول، أي: من غير أن يتأخَّر العلم ببعض الأفراد عن العلم بالآخر، فلم يتميّز الأصل عن الفرع، حتى يقاس أحدهما على الآخر، وهذا ليس بالنص،","vol":"4","page":400},{"text":"الْبَصْرِيُّ: مَنْ تَرَكَ أكْلَ شَيْءٍ لأَذَاه، دَلَّ عَلَى تَرْكِهِ كُل مُؤذٍ، بِخِلافِ مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى فَقِيرٍ.\nقُلْنَا: إِنْ سُلِّمَ فَلِقَرِينَةِ التأذِّي، بِخِلافِ الأحكامِ.\n<hr><s0>\n\nولا القياس، بل بطريق العلم بالعلّة، وهو الاستدلال بالنص.\nولقائل أن يقول: لا نسلم أن ذلك بقياس، وقولكم: لم يتميّز الأصل عن الفرع مندفع؛ فإنه إذا قال: علة حرمة الخمر الإسكار، فالحرمة في الخمر أصل، والعَمَل بها يحصل حال ورود النص، ثم بعد ذلك يحصل العلم بحرمة كل مسكر، وكل ما كان غير الخمر يكون فرعًا، والعلم بحرمته متأخّر عن العلم بحرمة الخمر، وربما لا يعلم كون الشيء مسكرًا إِلا بعد حين، فلا تعلم حُرْمته، فإِذا جزب ووجد مسكرًا، علم تحريمه، فكيف لا يكون العلم به متأخرًا؟.\nفإن قلت: نحن ندعي عدم تأخر العلم بحرمة كل مسكر حكمًا كليًّا، لا العلم بواحد واحد من الجزئيات المندرجة، فإنها داخلة في الحكم المعلوم، فالعلم بحرمة الجزئيات المَخْصُوصة لا يستفاد من الأصل الذي هو الخَمْر، بل من المقدمة الكلية التي هي العلم بتحريم كل مُسْكر، والعلم بهذه المقدّمة لا يتأخّر.\nقلت: بل العلم بها - أيضا - متأخر؛ لأنا نعلم أولا حُرمة الخمر، ثم كون الإِسكار علّة بتنصيص الشَّارع، ثم يحكم بتحريم كل مسكر حكمًا مترتبًا على هذا العلم بالعلّية، والحكم في كل قياس كذلك، فإِن المجتهد يعلم حكم الأصل، ثم يستنبط العلّة، ثم يحكم بمقدمة كلّية شاملة لجميع صور تلك العلة.\nالشرح: واحتج أبو عبد الله \"البصري\" على مذهبه: بأن \"من ترك أكل شيء لأَذَاهُ؟ \" كمن ترك أكل رُمَّانة حامضة لحُمُوضتها، \"دلّ على تركه كل مُؤذٍ، بخلاف من تصدّق على فقير\" لفقره، لا يدلّ على أنه يتصدق على كل فقير، أو من أكل رُمَّانة حامضة لحموضتها لا يدلّ على أكله كل رمانة حامضة.\n\"قلنا\": لا نسلم أنه - مثلًا - إذا أكل واحدةً لحموضتها يدل على أكله الكل، وذلك لاحتمال أن يكون الدَّاعي لا مطلق حُمُوضة هذه الرمانة الخاصة.\nو\"إن سلم، فلقرينة التَّأذِّي\"، وكون ترك المُؤذى مطلقًا مَرْكُوزًا في الطِّبَاع،","vol":"4","page":401},{"text":"<span data-type='title' id=toc-832>مَسْألةٌ:\nالْقِيَاسُ يَجْرِي فِي الْحُدُودِ وَالْكَفارَاتِ، خِلافًا لِلْحنفيَّة.</span>\n<hr><s0>\n\nوخصوصية ذلك المؤذي مُلْغَاة عقلًا، \"بخلاف الأحكام\"، فإنها قد تختص بمحالها لأمور لا تدرك.\nفإن قلت: لو كان احتمال الخصوصية معتمدًا، لما قيس فرع على أصل فيه هذا الاحتمال.\nقلت: قد قدمنا أن ورود التعبُّد بالقياس قرينة تدفع هذا الاحتمال، ولا ينتهي مع ذلك دفعه إِلى صيرورته منصوصًا.\n«مسألة»\nالشرح: \"القياس يجري في الحدود والكَفَّارات\" (^١) والرُّخَص (^٢)، والتقديرات عند الشافعي وأكثر أهل العلم؛ \"خلافًا للحنفيَّة\"، ولهذا منعوا من قطع النَّبَّاش، وإيجاب الحَدّ على اللُّوطِيّ، وإيجاب الكَفَّارة في قتل العَمدِ.\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٥/ ٥٧، والبرهان لإمام الحرمين ٢/ ٨٩٥ - ٨٩٦، والتمهيد للأسنوي ٤٦٣، وزوائد الأصول له ٣٧٦، ومنهاج العقول للبدخشي ٣/ ٤٥، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ٢٤٢، والمنخول للغزالي ٣٧٥، وحاشية البناني ٢/ ٢٠٤، والإبهاج لابن السبكي ٣/ ٣٠، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٤/ ٥، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٢٤٣، والمسودة ٣٩٨، وشرح تنقيح الفصول ٤١٥، وكشف الأسرار ٣/ ٣٠٤، وشرح العضد ٢/ ٢٥٤، وتخريج الزنجاني ٣٠٩، وحواشي المنار ٧٦٦.\n(^٢) اختلف العلماء في جريان القياس في الحدود والكفارات هل يجري فيها القياس، فمنع علماء الحنفية جريان القياس فيها، وأجازه من عداهم. =","vol":"4","page":402},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  استدل الحنفية أولًا بأن في شرع الحدود، والكفارات تقديرًا لا يعقل معناه إلا بطريق السمع، وذلك كأعداد الجلد، وتعيين ستين مسكينًا، وغير ذلك مما لا سبيل إلى إدراك معناه إلا من جهة السمع، وحينئذ لا يجري القياس فيها، كما لا يجري في المقدرات كأعداد الركعات، ومقادير الزكاة.\nوأجيب بأن هذا الدليل إنما يكون مفيدًا إذا كان المقصود جريان القياس في جميع الحدود والكفارات، وليس كذلك؛ لأنا لا نوجب القياس في كل حد أو كفارة، فإن منها ما لا يُعْقَلُ معناه، بل لا نوجب القباس فيها وفي غيرها إلا فيما يعقل معناه، لأن المجتهد لا يمكنه تعدية حكم الأصل إلى الفرع إلا فيما يكون معقول المعنى؛ ليمكنه تعرف الجامع بينهما، فإذا وجد أصل وعرفت علة حكلمه، فمعقولية التقادير دأبًا لبست ممتنعة، بل هي واقعة، كما قيس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد بجامع القتل العمد العدوان، وقياس النباش على السارق في وجوب القطع بجامع أخذ مال الغير من حرز خفية، فإن العلة والحكمة فيهما معلومتان، وأما ما لا يعلم فيه المعنى، فلا خلاف في عدم جريان القياس فيه كما في غير الحدود والكفارات، فلا دخل لخصوصية الحدود والكفارات في امتناع القياس.\nواحتجوا ثانيًا بقوله ﷺ: (ادْرءوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ ما اسْتَطَعْتُمْ) واحتمال الخطأ في القياس شبهة يجب درء الحد به، وحينئذ لا يجري القياس في الحدود وأجيب بأنه منقوض بخبر الواحد، والشهادة؛ فإنه احتمال الخطأ، والخلاف متحقق فيهما؛ لأنهما لا يفيدان القطع، واحتمال الخطأ والخلاف شبهة، فكان اللازم أن يدرأ الحد بهما، ولم يدرأ، فدل ذلك على أن احتمال الخطأ في القياس لا يؤثر في ثبوته، وتحققه، كما لا يؤثر احتمال الخلاف في الشهادة، وحينئذ يكون القياس جاريًا في الحدود والكفارات من غير نظر إلى احتمال الخطأ؛ لأنه لا تأثير له.\nوالمجيزون لجريان القياس فيها قالوا أولًا: إن الدليل الدال على حجية القياس عام في جميع الأقيسة لا فرق بين الحدود والكفارات وغيرهما، فوجب العمل فيهما، كما وجب في غيرهما.\nوقال الحنفية: لا نسلم أن أدلة حجية القياس عامة، بل هي مخصصة بانتفاء المانع، ووجود الشرائط إذ لا بد أن تتحقق فيه، حتى يوجد القياس، فالقياس في الحدود والكفارات من هذا القبيل؛ لأن التقدير مانع عقلي، فلا يجري فيها القياس.\nوقالوا ثانيًا: قد حد في الخمر بالقياس في زمن الصحابة - رضوان الله عليهم -: حين تشاوروا فيه فقال علي - كرم الله وجهه - إذا شَرِبَ سَكِرَ، وإذَا سَكِرَ هَذِى، وإِذَا هَذِى افْتَرى، فأرى عليه =","vol":"4","page":403},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  حد الافتراء\" فقاس السكر على القذف في ترتيب وجوب جلد ثمانين بجامع كونه مظنة للافتراء، فأقام مظنة الشيء مقامه، وما قيل من أنه قاس شارب الخمر على القاذف بجامع الافتراء ليس بسديد؛ لأن الافتراء غير متحقق في الشارب، وإنما هو مظنة كالمشقة في السفر.\nفيؤخذ مما تقدم أن إجماع الصحابة على حد الخمر بالقياس قام دليلا في المتنازع فيه، وهو جريان القياس في الحدود، كما أن الدليل الدال على حجية القياس قام دليلا عليه بعمومه من حيث إنه من أحكام الشرع.\nورد الحنفية هذا الدليل فقالوا: إنه لم يحد في الخمر بالقياس، بل بالإجماع المزيل لشبهة القياس، ولا يلزم من جواز القياس المزال الشبهة جوازه مطلقًا.\nويظهر أن هذا رد ضعيف؛ لأنهما استدلوا بقوله ﷺ: \"ادْرَءُوْا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ مَا اسْتَطَعْتُمْ\" واحتمال الخطأ في القياس شبهة يجب أن يدرأ به الحد، وبعد ذلك قالوا: إن الإجماع أزال شبهة القياس، ومقتضى هذا أنه لا محظور في إثبات حد الخمر بالقياس حيث إن شبهة القياس قد زالت، فيكون دليلهم غير عام في الحدود والكفارات؛ لخروج حد الخمر منه؛ لجريان القياس فيه، فالصواب ما جرى عليه المثبتون للقياس في الحدود والكفارات؛ لرجحان أدلتهم وعدم توجه نقض عليها، وإن الإجماع قد انعقد بالاستدلال بالقياس، واستدل أصحاب الإجماع به في حد الخمر، فلم يكن مزال الشبهة، كما ادعى الحنفية، وإنما زالت شبهته بعد تقرير الإجماع، فعلم من عمل أهل الإجماع أن الشبهة الراسخة في القياس غير مانعة عن العمل به في الحدود، وذكر الحنفية أيضًا أن الحد على شرب الخمر ثبت بأدلة سمعية، ولم يكن بالقياس.\nبيان ذلك: أن استدلال علي - كرم الله وجهه - بحضرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ومشهد من الصحابة مع عدم إنكارهم عليه يفيدان أن التعبد بالقياس في الحدود كان جائزًا عندهم، وهذا لا ينافي اجتماع أدلة سمعية عليه.\nولا يخفى أن هذا خلاف الظاهر، والتحقيق أن الأدلة السمعية ما دلت على أن حد الشرب ثمانون، وإنما ثبت ذلك بالقياس لا غير، ويؤيده ما روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ أن أهل الشرب كانوا يضربون على عهد رسول الله ﷺ بالأيدي، والنعال، والعصي، حتى توفي، فكان أبو بكر ﵁ يجلد أربعين، حتى توفي إلى أن قال: فقال عمر ﵁: ماذا ترون؟ فقال علي - كرم الله وجهه -: إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي، وإذا هذي افترى، وعلى المفتري ثمانون، فعلم من ذلك أن تحديد ثمانين بالقياس لا بأدلة سمعية.\nثم قال الحنفية: إن المقصود من ثبوته بأدلة سمعية أن حده كان أخذًا بإشارات رسول اللّه =","vol":"4","page":404},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= -  ﷺ وأمر الزيادة والنقصان فيه موقوف على فساد الزمان وصلاحه، ولذا زادوا شيئًا فشيئًا، ثم أجمعوا على ثمانين منعًا للزيادة عليه عند ظهور فساد شديد، فمراتب الحدود كانت مأخوذة من صاحب الشرع والرأي؛ لتعيين كل عدد بحسب الزمان، ويؤيد هذا ما روى البخاري عن السائب بن يزيد، قال: كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله ﷺ وإمْرة أبي بكر وصدر من خلافة عمر - رضي الله تعالى عنهما - فنقوم إليه بأيدينا، ونعالنا، وأرديتنا، حتى كان آخر إمْرة عمر، فجلد أربعين، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين.\nوالظاهر أن هذا الدليل لا يفيد في إثبات المطلوب؛ لأنهم استندوا أولًا على أنه لا يدرك المعنى فيها لاشتمالها على تقديرات لا تعقل، وقد تقدم أنه يدرك المعنى في بعضها، كقياس القتل بمثقل على القتل بمحدد، وقياس النَّباش على الصادق؛ فإن كلًّا منهما يدرك المعنى فيه، واستندوا ثانيًا على الحديث المتقدم، وبنوا عليه أن القياس شبهة، فيدرءوا به الحد، وقد ثبت أن هذه الشبهة لا تؤثر في ثبوت القياس كما لا يؤثر عليه الخلاف الحاصل في الشهادة، وإذًا يكون تقدير حد الشرب ثبت بالقياس، وما قيل من أنه ثبت بالإجماع فغير ظاهر؛ لأنهم لم يجمعوا على أن حد الشرب ثمانون، وإنما أجمعوا على أن الشارب كالمفتري، فيحد ثمانين، كما ثبت من الروايات الدالة على ذلك صراحة، وقد ادّعى الحنفية: أن حد الشرب ثبت بالدليل السمعي لا بالقياس مع أنهم لم ينقلوا دليلا من الشارع يثبتون به مُدَّعَاهُم، والظاهر أنه لم يكن لديهم دليل سمعي، ولو كان عندهم دليل من الشارع، لتمسكوا به، غاية الأمر أنهم قالوا: إن حده أُخذ بإشارات رسول الله ﷺ.\nوما استندوا إليه من رواية البخاري عن السائب بن يزيد لا يكون دليلًا لهم؛ لأن غاية ما يفيده هذا الخبر تطور الحد بحسب الزمن إلى أن انتهى إلى ثمانين في خلافة عمر ﵁. فإنهاؤه ثمانين ليس من طريق السمع، ولا أخذًا بإشارات رسول اللّه ﷺ بل المنقول أنهم قاسوا السكر على القذف في وجوب جلد ثمانين، كما روى عن ابن عباس ﵄ أنهم أخذوا بقول علي - كرم اللّه وجهه - حين تشاوروا في حد الشرب، فقال على: إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، على المفتري ثمانون؛ فظهر أن القياس يجري في الحدود والكفارات كغيرها من باقي الأحكام. ينظر: البحر المحيط للزركشي ٥/ ٦٢، والبرهان لإمام الحرمين ٢/ ٨٩٥، ٨٩٦، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٤/ ٥٤، والتمهيد للأسنوي ٤٦٣، ونهاية السول له ٤/ ٣٥، ومنهاج العقول للبدخشي ٣/ ٤٢، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ٢٤٢، والمنخول للغزالي ٣٧٥، والمستصفى له ٢/ ٣٣٤، وحاشية البناني ٢/ ٢٠٤، والإبهاج لابن السبكي ٣/ ٣٠، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٤/ ٥، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٢٤٣، إحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ٦٢٢،=","vol":"4","page":405},{"text":"لَنَا: أَنَّ الدَّلِيلَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ، وَقَدْ حُدَّ فِي الْخَمْرِ بِالْقِيَاسِ.\nوَأَيْضًا: الْحُكْمُ لِلظَّنِّ، وَهُوَ حَاصِلٌ كَغَيْرِهِ.\nقَالُوا: فِيهِ تَقْدِيرٌ لا يُعْقَل، كَأعْدَادِ الرَّكَعَاتِ.\n<hr><s0>\n\nقال أبو الحسن [الكرخي] (^١): ولا فرق بين الكَفَّارات الجارية مجرى العقوبات، والتي لا تجري.\nومنعوا - أيضًا - من إثبات النصب بالقياس، وفرعوا عليه عدم الوجوب في [الفِصْلان] (^٢) وصغار الغَنَمِ، وزعموا أن اليمين الغَمُوس ليست بيمين حقيقة، وأن إِيجاب الكفارة فيها إِنما هو بالقياس على غيرها.\nقالوا: ونحن نمنع القِيَاس في الكَفَّارات، فتمنع، ومنعوا من تحريم المثلث الشديد بالقياس على الخمر.\nالشرح: \"لنا: أن الدليل\" الدَّال على حجية القياس \"غير مختصّ\" بما وراء ما استثبتوه بل هو شامل لها شموله لغيرها، \"وقد حدّ\" الشارب \"في الخَمْر بالقياس\"، في عصر الصَّحابة ﵃ لما رجعوا إلى حكم علي - كرم الله وجهه - في قوله: \"إذا شرب سكر، وإذا سكر هَذِيَ، وإذا هذي افترى، وحد المُفْترى ثمانون\" (^٣).\n_________\n= والتحرير لابن الهمام ٤٩٠، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ٤/ ١٠٣، وإرشاد الفحول للشوكاني ٢٢٣، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٣/ ٢٤١.\n(^١) في أ، ت: الكوني.\n(^٢) في أ، ت: الفضلات.\n(^٣) حديث عمر: أنه استشار، فقال علي: أرى أن يجلد ثمانين؛ لأنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي، وإذا هذي افترى، وحد المفتري ثمانون، فجلد عمر ثمانين، أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٨٤٢ (٢) والشافعي عنه عن ثور بن زيد الديلي أن عمر .. فذكره، وهو منقطع؛ لأن ثورًا =","vol":"4","page":406},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"وأيضًا\" فإن \"الحكم\" إِنما هو \"للظن، وهو حاصل\" - هنا - فكان حجة \"كغيره\" من أخبر الآحاد، والظَّواهر التي ثبتت بها الحُدود والكَفَّارات.\n_________\n= لم يلحق عمر بلا خلاف، لكن وصله النسائي في الكبرى، والحاكم ٤/ ٣٧٦ من وجه آخر عن ثور عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن عكرمة لم يذكر ابن عباس وفي صحبته نظر؛ لما ثبت في الصحيحين؛ البخاري (٦٧٧٣) حديث (٣٧/ ١٧٠٦) ومسلم (٣/ ١٣٣١) عن أنس: أن النبي ﷺ جلد في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر، ولا يقال: يحتمل أن يكون عبد الرحمن وعلي أشارا بذلك جميعًا؛ لما ثبت في صحيح مسلم عن علي في جلد الوليد بن عقبة أنه جلده أربعين، وقال: جلد رسول اللّه أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي، فلو كان هو المشير بالثمانين ما أضافها إلى عمر ولم يعمل بها، لكن يمكن أن يقال: إنه قال لعمر باجتهاده ثم تغير اجتهاده.\n(تنبيه) قال ابن دحية في كتاب \"وهج الجمر في تحريم الخمر\". صح عن عمر أنه قال: لقد هممت أن أكتب في المصحف: أن رسول الله ﷺ جلد في الخمر ثمانين، وهذا لم يسبق هذا الرجل إلى تصحيفه، نعم حكى ابن الطلاع أن في مصنف عبد الرزاق أنه ﵇ جلد في الخمر ثمانين، قال ابن حزم في الإعراب: صح أنه ﷺ جلد في الخمر أربعين، وورد من طريق لا تصح أنه جلد ثمانين.\nوقال ابن القيم: ولم ينفرد عليّ بهذا القياس، بل وافقه عليه الصحابة قال الزهري: أخبرني حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن وبرة الصلتي قال: بعثني خالد بن الوليد إلى عمر فأتيته وعنده علي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف متكئون في المسجد، فقلت له: إن خالد بن الوليد يقرأ عليك السلام ويقول لك إن الناس انبسطوا في الخمر وتحاقروا العقوبة فما ترى؟ فقال عمر: هم هؤلاء عندك؟ قال: فقال عليّ: أراه إذا سكر هذي، وإذا هذي افترى، وعلى المفتري ثمانون.\nفاجتمعوا على ذلك فقال عمر: بلغ صاحبكم ما قالوا، فضرب خالد ثمانين، وضرب عمر ثمانين قال: وكان عمر إذا أتى بالرجل القوي المنتهك في الشراب ضربه ثمانين، وإذا أتى بالرجل الذي كان منه الزّلة الضعيف ضربه أربعين، وجعل ذلك عثمان أربعين وثمانين، قال ابن القيم: وهذه مراسيل ومسندات من وجوه متعددة يقوي بعضها بعضًا، وشهرتها تغني عن إسنادها. اهـ.\nفهذا من علي ﵁ قياس للشرب على القذف في كون الحد ثمانين بجامع الافتراء في=","vol":"4","page":407},{"text":"قُلْنَا: إذَا فُهِمَتِ الْعِلَّة، وَجَبَ؛ كَالْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ، وَقَطْعِ النَّبَّاشِ.\nقَالُوا: [قَالَ]: \"ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ\".\nوَرُدَّ: بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالشَّهَادَةِ.\n<hr><s0>\n\n\"قالوا: فيه تقدير لا يعقل\" معناه، \"كأعداد الرَّكعات\"، ونُصُب الزكوات، فلا يتأتى فيه القياس؛ إِذ القياس فرع تعقّل المعنى، وزخرفوا قولهم: بأن الحَدّ للزجر، والكَفَّارة لتكفير الإثم، وما يقع به الرّدع [وتكفير] (^١) المآثم لا يعلمه إلا الله تعالى.\nالشرح: \"قلنا: إِذا فهمت العلّة وجب\" القياس، والكلام إِنما هو على تقدير فهم العلّة وقولهم: لا تهتدي العقول إِلى الزَّجر والكَفَّارة، ممنوع، بل كلما يمكن استخراج معنى مؤثر، يفهم منه العلّة \"كالقتل بالمُثَقَّل\" قياسًا على [المحدد] (^٢) لحكمة بقاء النفس.\n\"قالوا: قال\" النبي ﷺ: \"ادْرَءُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ\"، وقد تقدم الكلام على الحديث في خبر الواحد.\nقالوا: واحتمال الخطأ في القياس فيه يشابه الحدود لما فيه من شائبة العُقُوبة، والخطأ شبهة، فيدرأ به الحد.\n\"ورد\" بأن ذلك منقوض \"بخبر الواحد، والشهادة\" إِذا ثبتت بها الحدود والكَفَّارات مع عدم الانتهاء إلى القطع والنقض بالشهادة فقط أولى؛ فإن منهم من لم يقبل خبر الواحد في الحدود، كما تقدم نقله في الكتاب عن الكَرْخي والرازي.\n_________\n= كل، وإن كان الافتراء في الشرب تنزيليًّا وفي القذف حقيقيًّا. وهذا القياس مبني على إقامة مظنة الشيء مقام الشيء التفاتًا إلى أن الشرع قد نزل مظنة الشيء منزلته في بعض الصور، كما أنزل النوم منزلة الحدث في نقض الوضوء، وأنزل الوطء منزلة حقيقة شغل الرحم في إيجاب العدة، وأنزل الخلوة بالأجنبية منزلة الزنا في الحرمة، وليس القصد من هذا القياس إثبات الحد؛ فإن الحد يدرأ بالشبهة ولذا لم يحد المختلي بالأجنبية، وإنما القصد منها إثبات كون الحد ثمانين بعد معرفة أن أصل الحد على الثرب ثابت بالنص.\n(^١) في ت: وتكفر.\n(^٢) في أ، ت: المحسد.","vol":"4","page":408},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nومما يرد عليهم: استعمالهم القياس في القِصَاصِ، مع أنه يدرأ بالشُّبهة.\nولقد تتبع الشافعي ﵁ مذاهبهم، وأبَان أنهم لم يَفُوا بشيء مما ذكروه.\n\n<span data-type='title' id=toc-833>\"فرع\"\nإِذا قال لامرأته: أنت علي حرام،</span> فأصح القولين: وجوب الكفارة إِذا لم يَنْوِ شيئًا، كما إذا قال ذلك لأمته؛ إِذ يجب فيه الكَفَّارة على الأصح أيضًا، وهو من الأقيسة في الكفارات؛ إذ الآية، وهي قوله - تعالى - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [سورة التحريم: الآية ١] إلى آخرها، إِنما نزلت في أَمَةٍ، وهي مارية (^١)، على ما ذكره الشَّافعي، وألحقنا بها الزوجة في إِيجاب الكفارة.\nقال الشافعي: لأنه تحريم فَرْجَين حلين بما لم يحرما به.\n\n\"فائدة\"\nنحن وإن جوزنا القياس في الحدود، والكَفَّارات، والرُّخَص والتقديرات على الجملة، فلا ننكر وِجْدان ما لا يعلل ويلتحق بمحض التَّعبد، وعلى هذا فلا بد من أمارة يعرف بها القسم الذي يجري فيه التعليل من غيره.\nوجماع القول - عندنا - أن كل حكم يجوز أن يستنبط منه معنى مخيّل من كتاب أو نصِّ سُنة، أو إِجماع، فإِنه يعلل، وما لا يصح فيه هذا فلا يعلل، سواء أكان من الحدود والكَفَّارات أم غيرها.\nفإن قلت: هل يصح إِثبات حَدّ مبتدأ، أو كَفّارة مبتدأة بالقياس؟.\n_________\n(^١) مارية بنت شمعون القبطية، أم إبراهيم، من سرارى النبي ﷺ مصرية الأصل، بيضاء. ولدت في قرية \"حفن\" من كورة \"أنصنا بمصر\" وأهداها المقوقس القبطي (صاحب الإسكندرية ومصر) سنة ٧ هـ إلى النبي ﷺ فولدت له إبراهيم، فقال: \"أعتقها ولدها\". ولما توفي النبي تولى الإنفاق عليها أبو بكر ثم عمر. وماتت سنة ١٦ هـ في خلافة عمر بالمدينة، فرؤي وهو يحشد الناس بنفسه لحضور جنازتها. ينظر: أسد الغابة ٥/ ٥٤٣، والإصابة (كتاب النساء) ت (٩٨٤)، والأعلام ٥/ ٢٥٥.","vol":"4","page":409},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقلت: لا يصح، ولكن ليس لما يتوهّمون من نفي القياس في الحدود والكَفَّارات، بل لأنه لا طريق توصل - هنا - إِلى فهم العلّة، ولو صحّ لنا معنى في ذلك، لما تحاشينا من التعلُّق به، فافهم هذا، واجمع به بَيْنه وبين قول المصنف فيما سبق: إن من شرط الأصل ألَّا يكون معدولًا به عن سنن القياس، كمقادير الحدود والكفارات.\nواعلم أن نفس مقادير الحدود والكَفّارات لا يفهم فيها معنى، فكيف يصح القياس فيها؟\nوهذا بخلاف أصل الحدود، فنحن إِنما نمنع القياس حيث لا يعقل المعنى، وذلك في مقادير الحدود، والكَفَّارات لا أصلها.\nوإذا عُرِفَ هذا، فاعلم أن أئمتنا قالوا: من الأحكام ما يعلّل جملة وتفصيلًا، وهو كل ما يمكن إِبداء معنى في أصله وفرعه، وما يعلل جملة دون تفاصيله؛ لعدم اطّراد التعليل في التفاصيل، وما يعلل تفاصيله دون جملته، كالكتابة والإجارة، وفروع تحمل العَاقِلَة، فلا يظنن الظَّان أن إِلحاقنا [الكتابة] (^١) الفاسدة - مثلا - بالصحيحة حَيْد عن سنن الصواب، متعلقًا بأن الكتابة غير معقولة المعنى، فكيف يقاس فيها؟.\nفإنا إِنما قسنا في تفاصيلها المعقولة دون جملتها، وتحقيق هذا يظهر في موضعه من الخلافيات، وله في \"شرحنا الكبير\" بَسْط تام، وما لا يجري التعليل في جُمْلته ولا تفاصيله، كالصَّلاة وما تشتمل عليه من قيام، وسجود، وركوع، وقعود، وربما يدخل في هذا القسم الزكوات، ومقادير الأنْصِبَةِ والأَوْقَاص.\nوكذلك قيل: لا مَجَال للقياس في الأحداث وتفاصيلها، والوضوء وتفاصيله.\nوقيل: بل الوضوء معقول المعنى، ولسنا - هنا - لتحقيق ذلك، وغرضنا أن هذه الأقسام الأربعة واقعة في الشريعة، وانفصال ما يعلل مما لا يعلل تفصيلًا عسر جدًّا، وفيه تَلاطُم أمواج الآراء، وافتراق أنْظَار العلماء.\n_________\n(^١) في أ، ت: الكفارة.","vol":"4","page":410},{"text":"<span data-type='title' id=toc-835>مَسْألَةٌ:\nلا يَصِحُّ الْقِيَاسُ فِي الأسْبَابِ.</span>\nلنَا: أَنَّهُ مُرْسَلٌ؛ لأِن الْفَرْضَ تَغَايُرُ الوَصْفَيْنِ، فَلا أَصْلَ لِوَصْفِ الْفَرْعِ.\nوَأَيْضًا: عِلَّةُ الأَصْلِ مُنْتَفِيَةٌ عَنِ الْفَرْعِ، فَلا جَمْعَ.\nوَأَيْضًا: إنْ كَانَ الجَمْعُ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ حِكْمَةً؛ عَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّتِهَا، أَوْ ضَابِطًا لَهَا - اتَّحَدَ السَّبَبُ وَالْحُكْم، وَإنْ لَمْ يَكُنْ جَامِعٌ، فَفَاسِدٌ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"لا يصح القياس في الأسباب\" (^١) عند الآمدي والمصنّف والبَيْضَاوي، وزعم الإمام في \"المحصول\" أنه المشهور، وطائفة من الحنفية.\n_________\n(^١) إن القياس لا يجرى في الأسباب ونسب إلى كثير من علماء الحنفية، وصححه الآمدي وتبعه ابن الحاجب، وألحق بعضهم الشروط والموانع بالأسباب. استدل المانع على ذلك بأن القياس فيها تخرجها عن أن تكون كذلك؛ إذ يكون المعنى المشترك بينها وبين المقيس عليها هو السبب، والشرط والمانع لا خصوص المقيس عليه، والمقيس.\nوأجاب المجوزون: بأن القياس لا يخرجها عما ذكر، والمعنى المشترك فيه، كما يكون علة لها، يكون علة لما ترتب عليها.\nفنذكر مثال القياس في الأسباب فنقول: قياس اللواط على الزنا في سببية كل منهما؛ لوجوب الحد بجامع أن كلًّا منهما إيلاج فرج في فرج محرم شرعًا مشتهى طبعًا، ومثال المانع: قياس النفاس على الحيض في أنه مانع من جواز الصلاة معه كالحيض، والجامع كون كل منهما أذى، ومثال الشرط اشتراط نية الوضوء على اشتراط نية التيمم بجامع أنه بكل منهما يتميز العبادة عن العادة. ينظر: البحر المحيط للزركشي ٥/ ٦٦، وسلاسل الذهب للزركشي ٣٦٧، وفي أصول الأحكام للآمدي ٤/ ٥٦، ونهاية السول للأسنوي ٤/ ٤٩، ومنهاج العقول للبدخشي ٣/ ٤٣، ٣/ ٤٩، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ٢٤٢، وحاشية البناني ٢/ ٢٠٥، والإبهاج لابن السبكي ٣/ ٣٤، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٤/ ٥، وتخريج الفروع =","vol":"4","page":411},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقال أكثر الشافعية: يصح.\nوالمختار - عندي - إن قلنا: بعود السَّببية إلى الأحكام، صح، وإلا فالوقف، ومثاله: قياس اللّواط على الزنا في إِيجاب الحد.\nوقال أصحابنا: الشارع في إِحياء الموات (^١) ما لم يتمه متحجّر، ويفيده التحجّر أنه يصير أحق به، ولا يفيده الملك على المذهب.\nوعللوا إِفادته الأحقية: بأنه إِذا أفاد الإِحياء الملكَ، وجب أن يفيد الشروع فيه الأحقية، كالاستلامِ مع الاشتراء.\nفقوله: \"لنا\": أي: على ما اختاره \"أنه\" قياس \"مرسل\"؛ لأن وصف الفرع، وهو [سببية] (^٢) اللِّواط - مثلًا - مرسل؛ \"لأن الفرض تغاير الوصفين\"، أعني: وصفي الأصل والفرع، \"فلا أصل لوصف الفرع\" مشهود له بالاعتبار، إِنما المشهود له بالاعْتبار وصف الأصل، وهو سببية الزنا، وإذا لم يكن له أصل، كان مرسلًا، فلا يقبل.\nولقائل أن يقول: تغاير الوَصفَيْنِ بالشخص لا يضر، كما في إِلحاق النبيذ بالخمر، وبالنوع غير حاصل؛ لاشتراك الأصل والفرع في أن كلًّا منهما إِيلاج في فَرْجٍ محرم شرعًا مُشْتَهى طبعًا.\nقال: \"وأيضًا علة الأصل\"، وهي حفظ النَّسْل بسبب الزِّنا \"منتفية في الفرع، فلا جمع\" بينهما، فلا قياس.\nولك أن تقول: إنما العلّة إيلاج فَرْج كما قلناه، وما ذكرتم هو الحكمة فقط.\n_________\n= على الأصول للزنجاني ٣٠٩، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٢٤٥، وحاشية التفتازاني والشريف على مختضر المنتهى ٢/ ٢٥٥، وإرشاد الفحول للثسوكاني ٢٢٢، وشفاء العليل (٦٠٣)، والتبصرة (٤٤٠)، وشرح التنقيح (٤١٤)، والمنتهى (١٤١)، ونبراس العقول ١/ ١٣٢.\n(^١) قال الرافعي في الشرح الصغير: الموات: الأرض التي لا ماء لها ولا ينتفع بها أحد، وقال الماوردي والروياني: حدّ الموات عند الشافعي ما لم يكن عامرًا ولا حريما لعامر ينظر: مغني المحتاج ٢/ ٣٦١.\n(^٢) في أ، ت: سنة.","vol":"4","page":412},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقال: \"وأيضًا إِن كان الجامع بين الوَصْفين\"، وهما الزنا واللِّواط (^١) \"حكمة على\" تقدير \"القول بصحتها\"، أي: بصحّة التعليل بها، وذلك عند كونها ظاهرة منضبطة، \"أو\"\n_________\n(^١) من المعلوم أن من زنى من رجل، أو امرأة، وكان محصنًا حكمه الرجم، وهذا الحكم بعينه ثابت فيمن فَعَلَ فِعْلَ قوم لوط، ويرجم اللائط، والملوط به متى كانا مكلفين.\nويشترط في الرجم باللواطة بالنسبة للفاعل تكليفه.\nوبالنسبة للمفعول تكليفه، وتكليف الفاعل.\nومن هذا يستنتج أن الفاعل لو كان هو المكلف فقط لم يرجم المفعول.\nوأن الفاعل لو كان غير مكلف لم يرجم واحد منهما كما لو كانا غير مكلفين. ولما كانت اللواطة من فظائع الأمور، وكان المرتكب لها مخالفًا للسنن الإلهية، وقد عاقب الله قوم لوط بأشد أنواع العذاب قال تعالى في حقهم: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ عن ابن عباس: قال رسول الله ﷺ: \"مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ\" رواه الخمسة إلا النسائي.\nحكم الإمام مالك في اللواطة بالرجم، وهو مذهب الشعبي، والزهري ومالك، وأحمد، وإسحاق، والشافعي في قول له، وذهب جمع أنه يحرق بالنار منهم أبو بكر، وعبد الله بن الزبير، وهشام بن عبد الله.\nوذهب سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، والحسن، والثوري، والأوزاعي والإمام يحيى، والشافعي في قول له أنه كالزنا.\nوذهب أبو حنيفة، والشافعي في قول له، والمرتضى، والمؤيد بالله إلى أنه يعزر اللوطي فقط.\nولم يشترط ما اشترطه في الرجم في الزنا من الإحصان، والإسلام، والحرية، واختلفوا في الفاعل المكره، فقيل: يرجم بناء على المشهور من أن الانتشار اختيار، وقيل: لا يرجم؛ لأن الإكراه شبهة تدرأ الحد.\nأما المفعول المكره فينبغي ألا يرجم قولًا واحدا.\nإذا كان المرتكب لهذه الجريمة ممن لم يبلغوا الحلم، وقد كان مميزًا، فعقابه التأديب بما يراه الإمام زاجرًا.\nإذا زنى الكافر أو لاط ثم أسلم سقط تأديبه في الزنا، وسقط الحد عنه في اللواطة، وذلك لأن الإسلام يجب ما قبله إذا كان من حقوق الله تعالى: قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ولذلك لا يسقط عنه حد السرقة؛ لكونها من حقوق المخلوق.\nفإن قيل: قد ذكرت أن المرجوم يجب أن يرجم بحجارة متوسطة لا بحجارة كبيرة؛ لئلا يتشوه جسمه، ولا بحجارة صغيرة؛ لئلا يطول تعذيبه، فهلا يجوز أن يعدم بالرصاص، أو بالشنق =","vol":"4","page":413},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوصفًا \"ضابطًا لها\" على تقدير امتناع التَّعْليل بها،\" [اتحد] (^١) الحكم والسبب\"، واستغنى عن الالْتِفَات إلى الوصفين، وصار القياس في الحُكْمِ المرتب على الجملة، وهي الجامع بينهما، وإذا اتحدا، فأين الأصل والفرع؟.\n\"وإن لم يكن\" بين الوصفين \"جامع\" من حِكْمَةٍ منضبطة، أو مظنَّة \"ففاسد\"، أي: فالقياس فاسد؛ لخلوّه عن الوصف المشترك.\nوحاصل هذا: أن القياس لا بُدَّ أن يكون لوصف مشترك، وإلا فلا جامع بين الأصل والفرع، فلو قسنا اللِّوَاط على الزنا، فلا بد من مشترك هو علّة الموجبية [والسَّببية] (^٢)، وحينئذٍ فالسَّبب المشترك لا خصوص الزنا - مثلًا - فلا يكون كل واحد من الزنا واللّواط سببًا؛ لاستناد الحكم إِلى المشترك دون الخصوصية، ومن شرط القياس بقاء حكم الأَصْل، وهو زائل؛ لأن المقيس عليه - حينئذٍ - يخرج عن أن يكون مقيسًا عليه، فإذن جريان القياس في الأَسْبَاب يقتضي ألا يكون السَّبب الذي هو أصل سببًا، وذلك خلف.\nفإن قلت: هذا منقوض بالقياس في الأحكام.\nقلت: لا؛ لأن الأصل فيه غير موجب للحكم، بخلاف السَّبب، فإنه موجب؛ فإِضافة الموجبيّة إِلى القدر المشترك، لا يجامع الإِضافة إِلى السبب الذي هو الأصل على سبيل الخصوصية.\nولقائل أن يقول: العلّة الحقيقية هي الحكمة والحَاجَة، لكنها لما لم تكن منضبطة\n_________\n= حيث لا يكون تشويه في الجسم، ولا طول في التعذيب؟\nقلنا: إن الرجم في الإسلام جاء لحكمة سامية، وهي أن الرجم بالحجارة جاء من جنس الذنب المقترف؛ فإن من يرتكب هذا الأمر المنكر إنما يكون جزاؤه الإعدام مصحوبًا بالإهانة، والاحتقار، وأنت عليم بأن الرجم يوجد فيه من الإهانة ما لا يوجد في غيره من أنواع القتل، وتوجد فائدة أخرى للرجم إن كان موجبه ثابتًا بالإقرار، وهي أنه ربما يرجم في إقراره في أثناء الرجم، ولا توجد هذه الفرصة لو كان القتل بالرصاص أو بالشنق مثلًا.\n(^١) في أ، ت: الحد.\n(^٢) في أ، ت: السنية.","vol":"4","page":414},{"text":"قَالُوا: ثَبَتَ الْمُثَقَّلُ عَلَى الْمَحَدَّدِ، وَاللِّوَاطُ عَلَى الزِّنَا.\nقُلْنَا: لَيْسَ مَحَلَّ النِّزَاعِ؛ لأَنَّهُ سَبَبٌ وَاحِدٌ ثَبَتَ لَهُمَا بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ الْقَتْلُ الْعَمْدُ الْعُدْوَان، وإيلاجُ فَرْجٍ فِي فَرْجٍ.\n<hr><s0>\n\nجعل الوصف علة، بمعنى: أن يعرفها، وإذا تحقّق هذا، وضح أن السؤال صحيح، والاحْتِجَاج ضعيف، فنقيس اللواط على الزنا.\nونقول: إنما أوجب الزنا الحد للوصف المشترك، فعدى الموجبية من الزنا إلى اللواط؛ لأن الزنا إِنما صار موجبًا؛ لتعريفه الجملة الموجبة للحد، وهي الحاجة المناسبة إِلى [مشروعيته] (^١)، واللواط يشارك الزنا في ذلك، فيلزم من كون الزنا علّة، معرفة كون اللواط كذلك.\nوقوله: \"إن الموجب - حينئذٍ - للحد إِنما [هو مشترك] (^٢) \"ممنوع؛ فإن المشترك صالح لأن يكون علّة [لغلبة] (^٣) الوصف، ولا يصلح أن يكون علة للحكم؛ لما ذكرناه.\nسلّمنا صلاحية المشترك لأن يكون علّة للحكم، ولكن لم لا يجوز أن يكون علّة [لغلبة] (^٤) الوصف أيضًا ويكون الحكم مستندًا إِلى المشترك استناد الأثر إِلى المؤثر، وإلى الوصف [استناد] (^٥) الشَّيء إِلى المعرف، وذلك هو الواقع في سائر الأحكام المعلّلة، فهي مستندة إلى الحاجة استناد الأثر إِلى المؤثر، وإلى الوصف استناد المعرَّف إلى المعرف.\nالشرح: والمجوزون \"قالوا: ثبت\" قياس \"المُثَقَّل على المُحَدّد\" في القصاص، \"واللواط على الزنا\" في الحد، وهو قياس في الأسباب.\nقال: \"قلنا: ليس بمحلّ النزاع؛ لأنه سبب واحد ثبت لهما بعلّة\"، أي: الحكمة \"واحدة، وهي القَتْل العَمْد العدوان\" من غير نظر إِلى خصوصية المحدد، \"وإيلاج فَرْج في فرج\" من غير نظر إلى خصوصية الزنا، وكلامنا إنما هو في شيئين، ولك أن تقول: قد عرف ضعف هذا الجواب بما قررناه.\n_________\n(^١) في أ، ت: شرعيته.\n(^٢) في أ، ت: هو المشترك.\n(^٣) في أ، ت: لعلية.\n(^٤) في أ، ت: لعلية.\n(^٥) في أ، ت: إسناد.","vol":"4","page":415},{"text":"<span data-type='title' id=toc-836>مَسْألةٌ:\nلا يَجْرِي الْقِيَاسُ فِي جَمِيعِ الأحْكَامِ.</span>\nلنَا: ثَبَتَ مَا لا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ؛ كَالدِّيَةِ، وَالْقِيَاسُ فَرْعُ الْمَعْنَى.\nوَأَيْضًا: قَدْ تَبَيَّنَ امْتِنَاعُهُ فِي الأسْبَابِ وَالشُّرُوطِ.\nقَالُوا: مُتَمَاثِلةٌ، فَيَجِبُ تَسَاوِيهَا فِي الْجَائِزِ.\nقُلْنَا: قَدْ يَمْتَنِعُ أَوْ يَجُوزُ فِي بَعْضِ النَّوع لأِمْرٍ، بِخِلافِ الْمُشْتَرِكِ بَيْنَهُما.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"لا يجرى القياس في جميع الأحكام\" خلافًا لشذوذ (^١).\n\"لنا: ثبت ما لا يعقل معناه، كالدِّية\" في الخطأ وشبه العَمْد على العاقلة، \"والقياس فرع المعنى\".\n_________\n(^١) اختلف العلماء في جواز ثبوت جميع الأحكام الشرعية بالقياس، فذهب قوم إلى أنه لا يجوز ثبوتها بالقياس؛ لأن منها ما لا يدرك معناه، كوجوب الدية على العاقلة، وجريان القياس في مثله متعذر؛ لأن القياس فرع تعقل المعنى المعلل به الحكم في الأصل، وقيل: يجوز ثبوتها بالقياس على معنى أن كلًّا من الأحكام صالح لأن يثبت بالقياس. هذا هو مراد القائل بجواز القياس في كل الأحكام لا أن الأحكام جميعها يجوز أن تكون ثابتة بالقياس بحيث يجتمع جميعها في ثبوتها به، إذ لا يصح ذلك؛ لأنه لا بد في كل قياس من أصل مقيس عليه يثبت حكمه بغير القياس، فلا يتصور جريان القياس في الكل؛ لخروج الأصول المقيس عليها، ووجوب الدية على العاقلة له معنى يدرك، وهو إعانة الجاني فيما هو معذور فيه، كما يعان الغارم لإصلاح ذات البَيْن بما يصرف إليه من الزكاة، والذي يظهر من كلام الفريقين أنه لا خلاف في الحقيقة، وإنما الخلاف لفظي؛ لأن الأول ينفي جريان القياس في كل الأحكام بالفعل بناء على أن منها ما لا يدرك معناه.\nوالثاني جوز القياس فيها بمعنى أن كل حكم صالح لأن يثبت بالقياس بأن يدرك معناه فإذا أدرك معناه، جاز أن يثبت بالقياس؛ لأن القياس فرع تعقل المعنى بناء على رأي الجمهور: أن =","vol":"4","page":416},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nولك أن تقول: القول بأن ضرب الدِّيَة على العاقلة غير معقول، هو رأي إِمام الحرمين، وقد نوزع فيه، وهو محقّق في \"شرحنا الكبير\"، و\"شرح المنهاج\".\n\"وأيضًا: قد تبيّن امتناعه في الأسباب والشروط\"، ككون النية شرطًا في الوضوء، قياسًا على التيمم.\nولك أن تقول: إن كانا من الأحكام، فلا نسلّم امتناع القياس، وإلا فليس مما نحن فيه، ولم يتقدم للشرط ذكر.\n\"قالوا\": الأحكام \"متماثلة، فيجب تساويها في الجائز\"، أي: في جواز القياس عليها؛ لحصول المُمَاثلة.\n\"قلنا: قد يمتنع\" القياس، \"أو يجوز في بعض النوع لأمر\" مخصوص بذلك النوع، \"بخلاف المشترك بينهما\"، وهو مُطْلق الحكم، فإنها وإن تَسَاوت فيه، فقد حصلت المُمَايزة بالخصوصيات.\nوالحاصل: أن هذا القدر، وهو الاشتراك في الجِنْس، لا يوجب التماثل، وإلا لقيس كل شيء على كل شيء.\n_________\n= الأحكام التي لم يعقل معناها لها معنى في الواقع، وإن كنا لم ندركه، وهذا لا يخالف فيه الأول، ولا نِزَاعَ له فيه، فتم أن لا خلاف بين الفريقين.","vol":"4","page":417},{"text":"<span data-type='title' id=toc-837>الاعْتِرَاضَاتُ الوَارِدَةُ عَلَى الْقِيَاسِ</span>\nالْاعْتِرَاضَاتُ رَاجِعَةٌ إِلَى مَنْعٍ أَوْ مُعَارَضَةٍ، وَإلَّا لَمْ تُسْمَعْ، وهِيَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُون.\nالاسْتِفْسَار، وَهُوَ: طَلَبُ مَعْنَى اللَّفْظِ لإِجْمَالٍ أَو غَرَابَةٍ، وَبيانُهُ عَلَى الْمُعْتَرِضِ بِصِحَّتِهِ عَلَى مُتَعَدِّدٍ، وَلا يُكَلَّفُ بَيَانَ التَّسَاوِي لِعُسْرِهِ.\nوَلَوْ قَالَ: التَّفَاوُتُ يَسْتَدْعِي تَرْجِيحًا بِأمْرٍ، وَالأصْلُ عَدَمُهُ - لَكَانَ جَيِّدًا.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"الاعتراضات\" كلّها \"راجعة إلى منع\" في المقدمات، \"أو معارضة\" في الحكم، \"وإلا لم تسمع\"، فإنه إذا صحَّت المقدِّمات، ووقعت السّلامة عن المعارض، حصل الغرض.\nولقائل أن يقول: كلّها راجعة إِلى المنع وحده؛ لأن المعارضة منع للعلة عن الجريان، \"وهي خمسة وعشرون\" اعتراضًا.\n\nالشرح:<span data-type='title' id=toc-838> الأول: \"الاسْتِفْسَار </span>(^١)، وهو: طلب معنى اللفظ\"، وإما \"لإجمال\" كالقُرْء، \"أو غرابة\" كما إِذا قال في الكَلب الذي لم يعلم: خراش لم ينل، فلا تطلق فَرِيسَته، كالسَّيِّد، والخراش: الكلب، ولم ينل: لم يَجْتئز، ولا تُطْلق: [لا تُبَاح] (^٢)، والفَرِيسة: الصيد، والسَّيِّد: الذئب.\n\"وبيانه\" أي: بيان اشتمال اللفظ على إجماله، أو غرابة \"على المعترض\".\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٥/ ٣١٧، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٤/ ٦٠، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص ١٣٥، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٢٥٨.\n(^٢) في أ، ت: لانباخ.","vol":"4","page":418},{"text":"وَجَوَاُبهُ: بِظُهُورِهِ فِي مَقْصُودِهِ بِالنَّقْلِ، أَوْ بِالْعُرْفِ، أَوْ بِقَرَائِنَ مَعَه، أَوْ بِتَفْسِيرِهِ وَإذَا قَالَ: يَلْزَمُ ظُهُورُهُ فِي أَحَدِهِمَا؛ دَفْعًا لِلإجْمَالِ، أَوْ قَالَ: يَلْزَمُ ظُهُورُهُ فِيمَا قَصَدْتُ؛ لأِنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ فِي الآخَرِ اتِّفَاقًا، فَقَدْ صَوَّبَهُ بَعْضُهُمْ.\nوَأَمَّا تَفْسِيرُهُ بِمَا لا يَحْتَمِلُهُ لُغَةً فَمِنْ جِنْسِ اللَّعِبِ.\n<hr><s0>\n\nوقيل: بل على المستدلّ؛ لأنه لما كان شرط ظهور الدَّليل عدم إِجماله أو غَرَابته، فنفيهما إِذن شرط في الدليل، وبيان شرط الدَّليل على المستدلّ.\nوالصحيح: الأول؛ لأن الأصل عدم الإِجمال والغرابة، فليبرهن عليه المعترض، \"بصحته\" أي: بيان صحّة إِطلاق اللفظ \"على\" معنى \"متعدد، ولا يكلف ببيان التساوي\"، أي: تساوي إِطلاق اللفظ على المعاني المتعددة \"لعسره.\nولو قال\" المعترض في بيان التَّسَاوي - متبرعًا بذلك -: \"التفاوت\" منتف؛ لأنه \"يستدعي ترجيحًا بأمر، والأصل عدمه، لكان جيدًا\".\n\"وجوابه\" أي: جواب المستدلّ \"بظهوره في مقصوده بالنَّقل\"، كما إذا اعترض في قوله: الوضوء قُرْبَة، فلتجب فيه النية، بقوله: الوضوء يطلق على النَّظَافة، وعلى الأفعال المخصوصة، فيقول: حقيقته الشرعية الأفعال المخصوصة.\n\"أو بالعرف\"، كالدَّابة، \"أو بقرائن معه\"، مثل: قُرْء تحرم فيه الصلاة، فيحرم الصوم، فقرينة تحريم الصَّلاة فيه، يدل على أن المراد به الحيض.\nوفي الغريب، مثل: طَلّة زوجت نفسها، فلا يصحّ، فقرينة: زوجت نفسها، تدل على أن الطّلّة: المرأة.\n\"أو بتفسيره\" بمقصوده إن لم يستنّ له ما ذكرناه، فيقول: مرادي المعنى الفلاني، ولا بد أن يفسره بما يحتمله اللفظ، وإن بعد مثل يخرج في الفطرة الثور، ويفسره بالقطعة من الأقط.\n\"وإذا قال\" المستدلّ: \"يلزم ظهوره في أحدهما دفعًا للإجمال\"، وإذا كان كذلك، لزم أن يكون ظاهرًا في مرادي؛ للاتفاق على أنه غير ظَاهِرٍ في غيره، فقد رده بعضهم؛ لأنه رجوع إلى أن الأصل عدم الإجمال بعد ما دلّ المعترض على أنه مجمل.\n\"وصوّبه بعضهم\"، وذلك حيث لا يكون اللفظ مشهورًا بالإِجمال.\nأما إذا اشتهر بالإِجمال، كالعَيْن، والقُرْءِ، والجَوْن، فلا تصحّ فيه دعوى الظهور","vol":"4","page":419},{"text":"فَسَادُ الاِعْتِبَارِ، وَهُوَ مُخَالَفَةُ الْقِيَاسِ لِلنَّصِّ.\nوَجَوَابُهُ: الطَّعْن، أَوْ مَنْعُ الظُّهُورِ، أَوِ التَّأوِيل، أَوِ الْقَوْل بِالمُوجِبِ، أَوِ الْمُعَارَضَةُ بِمِثْلِهِ، فَيَسْلَمُ الْقِيَاس، أَوْ يُبَيَّنُ تَرْجِيحُهُ عَلَى النَّصِّ بِمَا تَقَدَّمَ؛ مِثْلُ ذَبْحٌ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ، كَذَبْحِ نَاسِي التَّسْمِيَةِ، فَيُورِدُ: \"وَلا تَأْكُلُوا\"؛ فَيَقُولُ: مُؤَوَّلٌ بِذَبْحِ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ بِدَلِيلِ: \"ذِكْرُ اللَّهِ عَلَى قَلْبِ الْمُومِنِ، سَمَّى أَوْ لَم يُسَمِّ\"، أَوْ بِتَرْجِيحِهِ لِكَوْنِهِ مَقِيسًا عَلَى النَّاسِي الْمُخَصَّصِ بِاتِّفَاقٍ، فَإِنْ أُبْدِي فَارِقًا فَهُوَ مِنَ الْمُعَارَضَةِ.\n<hr><s0>\n\nأصلًا، ذكره الشريف، وهو واضح.\n\"وأما تفسيره بما لا يحتمله لغة، فمن جنس اللعب\" عند المصنّف وطائفة، فلا بسمع.\nوقيل: يسمع؛ لأن غاية الأمر أنه ناطق بلغة غير معلومة - قال الحواري من أصحابنا: وهو الحق.\nقال العَمِيدي: لا يلزمه التفسير أصلًا، وهذا كله إِذا لم يكن اللفظ مشهورًا، فالحزم تبكيت المعترض، وفي مثله: [سِرْ] (^١) فتعلم، ثم ارجع فتكلم. قاله أبو بكر التوقاني.\n\nالشرح:<span data-type='title' id=toc-839> الثاني: \"فساد الاعتبار\"</span> (^٢) وهو: مُخَالفة القياس للنص\" إِذ لا ينتهض القياس حجّة مع معارضة النص، وهذا في النَّص الجلي، ولا بد أن تتذكر - هنا - تعارض الخبر والقياس.\n\"وجوابه: الطعن\" في سند النص، \"أو منع الظهور\"، أي: ظهور النَّص من مقصد المعترض، \"أو التأويل\" للنص، \"أو القول بالموجب، أو المعارضة بمثله\" من النصوص، \"فيسلم القياس\" - حينئذٍ - \"أو يبين\" المستدلّ \"ترجيحه على النص بما تقدم\" في خبر الواحد، \"مثل\" قولنا في متروك التسمية: \"ذبح\" صدر \"من أهله في محله\"، فيحلّ، \"كذبح نَاسِي التسمية، فيورد\" المعترض: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٢١].\n_________\n(^١) في أ، ت: مر.\n(^٢) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٥/ ٣١٩، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٤/ ٦٢، وحاشية البناني ٢/ ٣٢٤، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٤/ ١٥١، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٣٦٧، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٢٥٩.","vol":"4","page":420},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nويقول: قياسك فاسد الاعتبار لمعارضته هذا النص، \"فيقول\" المستدلّ: هذا \"مؤول بذبح عَبَدَةِ الأوثان\" تعبيرًا عن الجنس باسم معنى يلازمه غالبًا؛ فإن عدم ذكر الله عند ذبح أهل الشّرك أمر غالب، وإذا انقدح الاحتمال، صير إِليه، \"بدليل\" ما ذكر من قوله ﷺ: \"ذِكْرُ اللهِ عَلَى قَلْبِ المُؤمِنِ، سَمَّى أَوْ لَمْ يُسَمّ\" (^١) وأنا لا أحفظ هذا اللفظ، وإنما روى ابن عدي من رواية مروان بن سَالِم (^٢) - وهو ضعيف - عن الأَوْزَاعِيّ، عن يحيى بن أبي كثير (^٣)، عن\n_________\n(^١) قال الحافظ ابن كثير: لم أر هذا الحديث في شيء من الكتب الستة، وإنما روى الحافظ أبو أحمد بن عدي في كامله، والدارقطني قريبًا من هذا من حديث مروان بن سالم الجزري القرفساني عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: \"جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل يذبح وينسى أن يسمى؟ فقال: اسم الله على فم كل مسلم\". فهذا الحديث ضعيف؛ لأن مروان بن سالم هذا قال أحمد بن حنبل والنسائي والعُقيلي: ليس بثقة، وقال البخاري: منكر الحديث، وكذلك قال مسلم وأَبو حاتم الرازي، وقال أبو عروبة الحراني: كان يضع الحديث. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس حديثه بالقائم، وقال ابن حبان: بطل الاحتجاج به، وقال ابن عدي: عامة حديثه لا يتابعه الثقات عليه، وقال النسائي مرة والأزدي والدارقطني: متروك. ومعناه في الصحيحين، وهو عند البخاري في كتاب البيوع: باب من لم ير الوسواس ونحوها من الشبهات عن عائشة ﵂ \"أن قومًا قالوا: يا رسول الله إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال رسول الله ﷺ: \"سموا الله عليه وكلوا\" وفي كتاب الذبائح والصيد والتسمية على الصيد ذبيحة الأعراب ونحوهم، ولفظه: \"سموا عليه أنتم وكلوه\" انظر تحفة الطالب ص ٤٤١ - ٤٤٤.\n(^٢) مروان بن سالم الغفاري، أبو عبد الله الشامي، الجزري، مولى بني أمية قال النسائي: متروك الحديث، وقال: قال البخاري ومسلم: منكر الحديث. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: منكر الحديث جدًّا، ضعيف الحديث ليس له حديث قائم. وقال أبو عروبة الحراني: كان يضع الحديث. وقال ابن عدي: عامة حديثه لا يتابعه عليه الثقات. قال ابن حبان: يروى المناكير عن المشاهير ويأتي عن الثقات بما ليس من حديث الأثبات، فلما كثر ذلك من روايته بطل الاحتجاج بأخباره. ينظر: تاريخ البخاري الكبير ٧/ ٣٧٣، والجرح والتعديل ٨/ ١٢٥٦، وضعفاء ابن الجوزي ٣/ ١١٣، والمعرفة والتاريخ ٣/ ٤١، والضعفاء الصغير (٣٥٣)، وتهذيب التهذيب ١٠/ ٩٣.\n(^٣) يحيى بن أبي كثير الطائي، مولاهم، أبو نصر اليمامي. روى عن: أنس وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وهلال بن أبي ميمون وخلق. وروى عنه: ابنه عبد الله وأيوب السختياني =","vol":"4","page":421},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأبي سَلَمةَ (^١)، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إِلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت الرَّجل منا يذبح وينسى أن يسمي، فقال رسول الله ﷺ: \"اسْمُ اللهِ عَلَى فَمِ كُلِّ مُسْلِمٍ\" (^٢).\nوفي حديث البراء: أن النبي ﷺ قال: \"المُسْلِمُ يَذْبَحُ عَلَى اسْمِ اللَّهِ، سَمَّى أَوْ لَمْ يُسَمّ\"، ولا يعرف له إِسناد.\nوفي مراسيل أبي داود عن الصَّلت قال: قال رسول الله ﷺ: \"ذَبيحَةُ المُسْلِمِ حَلالٌ، ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ أَوْ لَمْ يَذْكُرْه، إِنَّهُ إِنْ ذَكَرَ لَمْ يَذْكُرْ إِلَّا اسْمَ اللَّهِ\" (^٣).\nوالصّلت (^٤) هو: السّدوسي، ثِقَةٌ، ولو أبدل المصنف هذا الحديث بما في الصحيح: من أن قومًا قالوا: يا رسول الله، إِن قوما يأتوننا باللَّحم، ما ندري أذكروا اسم الله أم لا؟،\n_________\n= ويحيى بن سعيد الأنصاري وطائفة. قال العجلي: ثقة، كان يعد من أصحاب الحديث. وقال أبو حاتم: إمام لا يحدث إلا عن ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\" وقال: كان من العباد. مات سنة ١٢٩ هـ. ينظر: الأنساب ١٣/ ٥٢٢، وطبقات ابن سعد ٥/ ٤٠٤، وتراجم الأحبار ٤/ ٢٣٧، ولسان الميزان ٦/ ٢٧٤، وميزان الاعتدال ٤/ ٤٠٢، والجرح والتعديل ٩/ ٥٩٩، وتهذيب التهذيب ١١/ ٢٦٨ (٥٣٩)، والكاشف ٣/ ٢٦٦، والبداية والنهاية ١٠/ ٣٤.\n(^١) أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف، الزهري، المدني.\nروى عن: أبيه وعثمان بن عفان وطلحة وعبادة بن الصامت وخلق. وروى عنه: ابنه عمر وأولاد إخوته سعد بن إبراهيم وعبد المجيد بن سهل وزرارة بن مصعب وطائفة. قال ابن سعد: كان ثقة فقيهًا كثير الحديث. قال أبو زرعة: ثقة إمام. وقال ابن حبان في الثقات: كان من سادات قريش. وقال علي بن المديني وأحمد وابن معين وأبو حاتم ويعقوب بن شيبة وأبو داود: حديثه عن أبيه مرسل. مات سنة ٩٤ هـ. ينظر: طبقات ابن سعد ١٥/ ٣٢٣، وتقريب التهذيب ٢/ ٤٣٠، والوافي بالوفيات ١٥/ ٣٢٣، وتهذيب الكمال (٣٦١٠)، وتذكرة الحفاظ (٦٣)، وتهذيب التهذيب ١٢/ ١١٥ (٥٣٧).\n(^٢) تقدم.\n(^٣) أخرجه أبو داود في المراسيل ص ٢٧٨، رقم (٣٧٨).\n(^٤) الصلت السدوسي، مولاهم، تابعي، روى عن النبي ﷺ في الذبيحة. وعنه: ثور بن يزيد الرحبي. وذكره ابن حبان في \"الثقات\" قال ابن حجر: لكنه ذكره في أتباع التابعين. وقال ابن حزم: مجهول. ينظر: لسان الميزان ٧/ ٢٤٨، والثقات ٦/ ٤٧١، وميزان الاعتدال ٢/ ٣٢٠، وتاريخ البخاري الكبير ٤/ ٣٠٠، وخلاصة تهذيب الكمال ١/ ٤٧٢، وتهذيب الكمال ٢/ ٦١٣، وتقريب التهذيب ١/ ٣٧٠، وتهذيب التهذيب ٤/ ٤٣٧.","vol":"4","page":422},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفقال رسول الله ﷺ: \"سَمُّوا عَلَيْهِ وَكُلُوا\" (^١) - لكان أَوْلَى.\n\"أو بترجيحه\" أي: بترجيح المستدل المقيس على المقيس عليه \"لكونه مقيسًا على الناسي المخصص\" من الآية، لحل ذبيحته \"اتفاقًا\" بين الإِمامين: الشافعي، وأبي حنيفة بأن المتذكر أقرب إِلى مقصود الذكر، فكان ذبحه بالحلّ أولى.\n\"فإن أبدي فارقًا\" بين المقيس والمقيس عليه، \"فهو\" سؤال آخر، \"من المعارضة\"، وليس من فساد الاعتبار.\nواعلم أن المِثال الجامع لأجوبة دعوى الخَصْمِ فساد الاعتبار في دعواهم فساد قياسنا المُثَقَّل على المُحَدَّد، لمعارضة ما رواه علي - كرم - الله وجهه - من قوله ﷺ: \"لا قَوَدَ فِي النَّفْسِ وَغَيْرِهَا إِلَّا بِحَدِيدَةٍ\"، فيطعن في سنده بأن يقول: رواية [معلى] (^٢) بن هلال (^٣)، عن أبي إِسحاق، عن عاصم بن ضمرة (^٤)، عن علي.\nومعلى قال ابن معين: كان يَضَعُ الحديث، ويمنع ظهوره في مقصدهم بأن يقول: من مجملاته الظاهرة أنه لا يقع الاستيفاء إِلا بِحَدِيدَةٍ، كما ذهب إِليه بعض العلماء.\nوتأوله: بأن لا قَوَدَ يعم النفس وغيرها إِلا بحديدة، بخلاف المُثَقّل؛ إِذ ليس له من النكايات الباطنة ما للمحدد، فليس عمومه كعموم المحدد؛ ألا ترى أن الضرب بعصى خفيفة لا يوجب القصاص، والجرح اليسير يوجب، ويقول بموجبه، وذلك فيما إِذا قتل بحديدة، فلا يُقَادُ منه إِلا بحديدة، ونعارضه بما في \"الصحيحين\": من أن يهوديًا رَضَخَ رأس\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧/ ١٦٨) كتاب الذبائح والصيد: باب ذبيحة الأعراب … رقم (٥٥٠٧) وابن ماجة (٣١٧٤) من حديث عائشة.\n(^٢) في أ، ت: يعلى.\n(^٣) معلى بن هلال بن سويد، الحضرمي. ويقال: الجعفي - أبو عبد الله، الطحان، الكوفي، روى عن: أبي إسحاق السبيعي ومنصور بن المعتمر وسهيل بن أبي صالح وخلق. وعنه: عبد السلام بن حرب وإسماعيل بن زكريا والعسكري وغيرهم. قال عباس الدوري عن ابن معين: ليس بثقة كذاب. وقال البخاري: تركوه. وقال أبو عبيد الآجري عن أبي داود: غير ثقة ولا مأمون. ينظر: تهذيب الكمال ٣/ ١٣٥٥، وخلاصة تهذيب الكمال ٣/ ٤٦، والكاشف ٣/ ١٦٤، وتاريخ البخاري الكبير ٧/ ٣٩٦، وضعفاء ابن الجوزي ٣/ ١٣٢، وتهذيب التهذيب ١٠/ ٢٤٠ (٤٣٧).\n(^٤) عاصم بن ضمرة السلولي، الكوفي. عن علي. وعنه: حبيب بن أبي ثابت والحكم بن عتيبة.","vol":"4","page":423},{"text":"<span data-type='title' id=toc-840>الثَّالِثُ: فَسَادُ الْوَضعِ،</span> وَهُوَ كَوْنُ الْجَامِع ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ فِي نَقِيضِ الْحُكْمِ؛ مِثْلُ: مَسْحٌ فيُسَنُّ فِيهِ التَّكْرَار، كَالاسْتِطَابَةِ فَيَرِدُ أَنَّ الْمَسْحَ مُعْتَبَرٌ فِي كراهَةِ الْتَّكْرَارِ عَلَى الْخُفِّ.\nوَجَوَابُهُ: بِبِيَانِ الْمَانِعِ؛ لِتَعَرُّضِهِ لِلتَّلَفِ، وَهُوَ نَقْضٌ إِلَّا أَّنهُ يُثْبِتُ النَّقِيضَ، فَإنْ ذَكَرَهُ بِأصْلِهِ فَهُوَ الْقَلْب، فَإِنْ بَيَّنَ مُنَاسَبَتَهُ لِلنَّقِيضِ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ مِنَ الْوَجْهِ الْمُدَّعَي، فَهُوَ الْقَدْحُ فِي الْمُنَاسَبَةِ، وَمِنْ غَيْرِهِ لا يَقْدَحُ؛ إِذْ قَدْ يَكُونُ لِلْوَصْفِ جِهَتَانِ، كَكَوْنِ المَحَلِّ مُشْتَهًى يُنَاسِبُ الإِبَاحَةَ لإِرَاحَةِ الْخَاطِرِ، وَالتَّحْرِيمَ لِقَطْعِ أَطْمَاعِ النَّفْسِ.\n<hr><s0>\n\nامرأة بين حجرين، فقتلها، \"فرضخ رسول الله ﷺ رأسه بين حَجَرَيْنِ\" (^١)، ويرجح قياسًا باعْتِضَادِهِ بالحديث، وغير ذلك من المرجَّحات.\nالشرح: \"الثالث: فساد الوَضع\"، وقد جعله بعضهم هو وفساد الاعتبار واحدًا، وهي طريقة أبي إِسحاق الشيرازي (^٢).\n\"وهو: كون الجامع ثبت اعتباره بنصّ أو إِجماع في نقيض الحكم\"، والشيخ أبو إسحاق جعل بدل \"الإِجماع\" الأصول، أي: أن الأصل المقيس عليه يشعر بنقيض الحكم، وكذلك إِمام الحرمين، مثل قولهم: قتل العَمْد لا يوجب الكَفَّارة؛ لأنه معنى يوجب القتل، فلا يوجب الكفارة كالردة، فيقال: وجوب القتل يدلّ على تغليظ حكمه، فكيف يجعل سببًا لإسقاط الكفارة.\n_________\n= وثقه ابن المديني وابن معين، وتكلم فيه غيرهما. قال خليفة: مات سنة أربع وسبعين ومائة.\nينظر: تهذيب التهذيب ٥/ ٤٥ (٧٧)، وتقريب التهذيب ١/ ٣٨٤ (١٣)، وتاريخ البخاري الكبيو ٦/ ٤٨٢، والجرح والتعديل ٦/ ٣٤٥، وميزان الاعتدال ٢/ ٣٥٢، وخلاصة تهذيب الكمال ٢/ ١٨.\n(^١) أخرجه البخاري كتاب الطلاق ب ٢٤، ومسلم في القسامة ب ١٥، وأبو داود في الديات ب ١٠، والترمذي في الديات ب ٦، وابن ماجة في الديات ب ٢٤، وأحمد (٢/ ١٦٢، ١٨٢، ٢٠٢، ٢٦٧).\n(^٢) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٥/ ٣١٩، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٤/ ٦٣، والمنخول للغزالي ص ٤١٥، وحاشية البناني ٢/ ٣٢١، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٤/ ١٤٩، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ٤/ ١٤٥، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٢٦٠، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ٩٦، وميزان الأصول للسمرقندي ٢/ ١٠٧٠.","vol":"4","page":424},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوجوابه: وإن تبين أنه إِذا تغلظ من وجه، لم يجب معه تَغْليظ آخر.\nقال: \"مثل\" قولنا في مسح الرأس: \"مسح فيسنّ فيه التكرار، كالاستْتِطَابة\"؛ إِذ يستحبّ فيها عند المالكية الثلاث وإن حصل النَّقَاء بدون الثلاث، وهو وجه عندنا.\n\"فيردّ: أن المسح معتبر في كراهة التكرار على الخُفّ\"، فلو كان كونه مسحًا علّة التكرار، لما كان علّة عدمه في مسح الخفّ للإِتلاف فقط، ولا مدخل لكونه مسحًا في العلّية، وفي المثال نظر من أوجه:\nأحدها: أنكم قلتم: إِنه علة عدمه كراهة التَّكْرَار بالعلة، وفي كراهة التكرار الإِتلاف فقط، ولا مدخل لكونه مسحًا في [العلة] (^١).\nوالثاني: سلمنا، ولكن ذلك من جِهَةِ المُنَاسبة المشعرة بنقيض الحكم، كما ذكرناه في كَفّارة القتل العمد، ولا نص هنا ولا إِجماع، والمصنف لم يذكر سواهما.\nوالثالث: أنه لا يتأتى على الصحيح عندنا؛ إِذ الصحيح إِيجاب ثلاث مَسْحات حصل النقاء بدونها أم لم يحصل.\nوالأولى أن يمثل بقول الحَنَفي في تنجيس سُؤْرِ السباع: سَبُع ذو ناب، فكان سُؤْره نجسًا كالكلب، فنقول: علقت على العلة ضد مقتضاها؛ لأن كونه سبعًا علّة الطَّهَارة بدليل أنه ﷺ دُعِيَ إلى دار قوم، فأجاب دون دار آخرين، وقال: \"إن فِي دَارِهِمْ كلْبًا.\nفقيل: وفي دار الذين أجبتهم هرة، فقال: \"الهِرَّةُ سَبُع\" (^٢)، فجعل السبع علة الطهارة، ذكره الشيخ أبو إِسحاق في \"الملخص\".\nقال: \"وجوابه: ببيان\" تحقق \"المانع\" عن التكّرار في الخُفّ؛ \"لتعرضه للتلف\" بالتكرار، بخلاف صورة النزاع، \"وهو \"أعني: هذا السؤال \"نقض\" للعلّة؛ إذ قد وجد المدعي علّة مع تخلف الحكم \"إلا أنه\" نقض خاصّ؛ لأنه \"يثبت\" أن \"النقيض\"، أعني:\n_________\n(^١) في أ، ت: العلية.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٢) وأحمد (٢/ ٤٤٢)، والدارقطني (١/ ٦٣)، والبيهقي (١/ ٥١ - ٥٢) من طريق عيسى بن المسيب عن أبي زرعة عن أبي هريرة مرفوعًا.\nوذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٤/ ٤٥) وقال: وفيه عيسى بن المسيب، وثقه أبو حاتم، وضعفه غيره.","vol":"4","page":425},{"text":"<span data-type='title' id=toc-841>[الرَّابعُ]: مَنْعُ حُكْمِ الْأَصْلِ،</span> وَالصَّحِيحُ لَيسَ قَطْعًا لِلْمُسْتَدِلِّ بِمُجَرَّدِهِ؛ لِأَنَّهُ كَمَنْعِ مُقَدِّمَةٍ، كَمَنْعِ العِلَّةِ فِي الْعِلِّيَّةِ وَوُجُودِهَا، فَيُثْبِتُهَا بِاتِّفَاقٍ.\nوَقِيلَ يَنْقَطِعُ لاِنْتِقَالِهِ.\nوَاخْتَار الْغَزَالِيُّ ﵀ اتِّبَاعَ عُرْفِ المكَانِ.\nوَقَالَ الشِّيرَازِيُّ: لا يُسْمَع، فَلا يَلْزَمُهُ دِلالَةٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ بَعِيدٌ؛ إِذْ لا تَقُومُ الْحُجَّةُ عَلَى خَصْمِهِ مَعَ مَنْعِ أَصْلِهِ.\n<hr><s0>\n\nكراهة التَّكرار - مثلًا - وكون السبعية علّة الطهارة، \"فإن ذكره\" أي: ذكر المعترض النقض \"بأصله\" أي: بأصل المستدّل، \"فهو القَلْب، وإن بين مناسبته للنقيض من غير أصل من الوجه المدعي، فهو القَدْح في المناسبة\"؛ إذ الوصف الواحد لا يناسب النَّقيضين من جهة واحدة، \"ومن غيره\"، أي: وإِن بين مناسبة الوصف للنقض من غير الوجه المدعي، فذلك \"لا يقدح\" في مناسبة الوصف للحكم؛ \"إِذ قد يكون للوصف جهتان\"، تناسب بإحداهما الإِباحة وبالأخرى التحريم، \"ككون المحلّ [مُشْتهى] \" (^١) فإنه \"يناسب الإباحة، لإراحة الخاطر، والتَّحريم لقطع أطماع النفس\".\nالشرح: الاعتراض: \"الرابع: منع حكم الأصل (^٢)، والصحيح\" أنه \"ليس قطعًا للمستدلّ؛ لأنه كمنع مقدمة\" من مقدّمات القياس، \"كمنع العلّة في العلّية\"، كذا بخطّ المصنف، أي: منع علّية ما ادعاه علة \"ووجودها\"، أي: ومنع وجودها في الفَرْعِ، [فيثبتها] (^٣) المستدلّ؛ ولا يعد منقطعًا، فلذلك منع حكم الأصل؛ لكونه إِحدى المقدمات التي يتوقّف عليها القياس.\nووجهه: أنه لما تصدى لإِثبات حكم الفرع المتوقف على ثبوت حكم الأصل، لم يكن بالاستدلال عليه تاركًا لما شرع فيه.\n\"وقيل\": بل \"ينقطع؛ لانتقاله\" عن إِثبات حكم الفرع إلى الأصل، \"واختيار الغزالي اتباع عرف المكان\" الذي هو فيه، ومصطلح أهله.\n_________\n(^١) في أ، ت: منهى.\n(^٢) ينظر: الإحكام للآمدي ٤/ ٦٤، وشرح العضد ٢/ ٢٦٢، وإرشاد الفحول (٢٣٠).\n(^٣) في أ، ت: فيبينها.","vol":"4","page":426},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"وقال\" أبو إِسحاق \"الشِّيرَازي\": إن المنع \"لا يسمع، فلا يلزمه دلالة عليه، وهو بعيد؛ إذ لا تقوم الحُجّة على خَصْمه مع منع أصله\" على أن الموجود في كتابي \"الملخّص\" و\"المعونة\" للشيخ أبي إِسحاق سماع المنع.\nقال: ثم المانع إما ألَّا يختلف مذهبه في المنع، فجوابه من أوجه:\nأحدها: تفسير الحكم بما سلم، كقول الحَنَفي: الإِجارة عَقْد على منفعة، فتبطل بالموت كالنِّكاح، فيمنع الأصل؛ إِذ النكاح لا يبطل بالموت، وإنما يتم، فيقول: أردت بقولي: يبطل، أنه يرتفع، ولا خلاف فيه، فيسقط المنع.\nوالثاني: أن يبين موضعًا يسلم فيه، كقولنا: الوضوء عبادة، شرع لها الاختتام باليَسَار، فشرط فيها الترتيب، كالصلاة.\nفيقول المخالف: لا أسلم أن الترتيب شرط في الصَّلاة؛ فإنه لو ترك أربع سَجَدَات من أربع ركعات، فأتى بهنّ في آخر صلاته أجزأه، فنقول: لا خلاف أنه إِذا قدم الرّكوع على القراءة، أو السُّجود على الركوع لا يصح، وهذا كافٍ في التسليم.\nوالثالث: أن يدل عليه، كقولنا: الخِنْزِيرُ حيوان نجس في حال حياته، فيغسل منه سبعًا كالكلب، فيمنعون الأصل، فيدلّ عليه بحديث: \"إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ .. \".\nوإما أن يختلف مذهب المانع، بأن كان لأمامه قولان، أو لأصحابه وَجْهَان، فجوابه من الأوجه المذكورة، ويزيد بتبيين أنّ الصحيح من مذهبه التسليم، كما يقول فيمن تطوع بالحَجّ، وعليه فرضه: [أحرم] (^١) وعليه فرضه، فانصرف إِلى ما عليه، كما إِذا أطلق النِّيّة، فيمنع الخصم مستندًا إِلى رواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه يكون تطوعًا، فيجيب بأن الصحيح من مذهبه ما ذكرناه.\nوإما ألّا يعرف مذهب إمامه، كقول الحنفي في الكافر يسلم على أكثر من أربع: لا يختار أربعًا منهن؛ لأنَّهُ جمع محرم في نكاح، فلا يخير فيه بعد الإسلام.\nدليله: إِذا جمعت المرأة بين زوجين، فإنها لا تخيّر بين الزوجين، فيقول الشَّافعي:\n_________\n(^١) في أ، ت: إحرام.","vol":"4","page":427},{"text":"وَالْمُخْتَارُ: لَا يَنْقَطِعُ الْمُعْتَرِضُ بِمُجَرَّدِ الدَّلَالَةِ، بَلْ لَهُ أَنْ يَعْتَرِضَ؛ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ صُورَةِ دَلِيلٍ صِحَّتُهُ.\nقَالُوا: خَارجٌ عَنِ الْمَقْصُودِ الأَصْلِيِّ.\nقُلْنَا: لَيْسَ بِخَارجٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-842>[الْخَامِسُ]: التَّقْسِيم،</span> وَهُوَ: كَوْنُ اللَّفْظِ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا مَمْنُوعٌ، وَالْمُخْتَارُ وُرُودُه، مِثَالُهُ فِي الصَّحِيحِ الحَاضِرِ: وُجِدَ السَّبَبُ بِتَعَذُّرِ الْمَاء، فَسَاغَ التَّيَمُّم، فَيَقُولُ: السَّبَبُ تَعَذُّرُ الْمَاءَ أَوْ تَعَذُّرُ الماءِ فِي السَّفَرِ أَوِ الْمَرَضِ.\n<hr><s0>\n\nهذه المسألة لا نصّ فيها لأصحابنا، ويحتمل ألّا نسلمه.\nقلت: إذا أسلمت على زوجين، ووقع عقدهما معًا، لم تقرّ مع واحد منهما، سواء اعتقدوا جوازه أم لا.\nوفيما إذا اعتقدوه وجه: أنَّ المرأة تختار أحدهما، وإن وقع النكاحان مرتبين، فهي زوجة الأول.\nالشرح: \"والمختار: لا ينقطع المعترض\" إذا استدلّ المستدلّ على محل المنع، \"بمجرد الدلالة، بل له\"؛ أي: للمعترض \"أن يعترض\" على دليلٌ محلّ المنع؛ \"إذ لا يلزم من \"وجود \"صورة دليلٌ صحّته\"، فإِن لم يصح، فكيف ينقطع المعترض؟\nوقال قوم: ينقطع \"قالوا\": لأنّ اشتغاله بالاعتراض على دليلٌ المنع \"خارج عن المقصود الأصلي\" الذي هو ثبوت الحكم في الفرع.\n\"قلنا: ليس بخارج\"؛ لأن حكم الأصل إِحدى المقدّمات التي عليها ينبني المقصود الأصلي.\nالشرح: الاعتراض \"الخامس التقسيم (^١)، وهو كون اللفظ مترددًا بين أمرين\" متساويين: \"أحدهما: ممنوع\"، والآخر مسلم.\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام ٤/ ٦٦٤ وشرح العضد ٢/ ٢٦٢.","vol":"4","page":428},{"text":"الأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَحَاصِلُهُ مَنْعٌ يَأْتِي، وَلَكِنَّهُ بَعْدَ تَقْسِيمٍ، وَأَمَّا نَحْوُ قَوْلِهِمْ فِي [الْمُلْتَجِئَ إِلَى الْحَرَمِ]: وُجِدَ سَبَبُ اسْتِيْفَاءِ الْقِصَاصِ، فيَجِب، مَتَى: مَعَ مَانِعِ الاِلتِجَاءِ إِلَى الْحَرَمِ أَوْ عَدَمِهِ فَحَاصِلُهُ طَلَبُ نَفْي الْمَانِعِ، وَلَا يَلْزَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-843>[السَّادِسُ]: مَنْعُ وُجُودِ المُدَّعَى عِلَّةً فِي الأَصْلِ</span>؛ مِثْلُ: حَيَوانٌ يُغْسَلُ مِنْ وُلُوغِهِ سَبْعًا، فَلَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ كَالْخِنْزِيرِ، فَيُمْنَعُ.\nوَجَوَاُبهُ: بِإِثْبَاتِهِ بِدَلِيلِهِ مِنْ عَقْلٍ، أوْ حِسٍّ، أَوْ شَرْعٍ.\n<hr><s0>\n\n\"والمختار: وروده\".\nوقيل: سؤال الاسْتِفْسَار كافٍ، فلا يرد.\n\"مثاله\": قولنا \"في\" تيمم \"الصحيح الحاضر\" لفقد الماء: \"وجد السّبب\" سبب التيمم \"لتعذر الماء، فساغ التيمم\" قياسًا على المسافر والمريض، بجامع امتناع اسْتِعْمَال الماء، \"فيقول\" المعترض: \"السبب\" مطلق \"تعذّر الماء، أو تعذر الماء في السَّفر أو المرض، الأول ممنوع\"، فلا نسلم أن مُطْلق تعذّر الماء مبيح للتيمم، والثاني مسلم، ولا يبيح المقصود.\n\"وحاصله؛ أي: حاصل التقسيم \"منع يأتي\" أي: يتوجه، \"ولكنه\" منع خاص؛ إِذ هو واقع \"بعد تقسيم\" قسموه تقسيمًا.\n\"وأما\" إِذا ذكر المعترض احتمالين لا دلالة للفظ المستدلّ عليهما \"نحو قولهم\" يعني: أصحابنا \"في\" مسألة \"الملتجئ إِلى الحرم: وجد سبب استيفاء القِصَاص\"، وهو القتل العَمْد العدوان، \"فيجب\"\" استيفاؤه، فالمعترض يقول: \"متى\" يجب \"مع مانع الالتجاء إلى الحرم، أو \"مطلقًا، مع الالتجاء و\"عدمه\" الأول: ممنوع.\nوالثاني: مسلم، ولكن لم قلت: إِن الالتجاء ليس مانعًا؟.\n\"فحاصله: طلب\" المعترض من المستدلّ بيان \"نفي المانع\" عن الاستيفاء، \"ولا يلزم\" المستدلّ ذلك، فلا يكون مقبولًا.\nوأما إِذا كان اللفظ ظاهرًا في أحد الاحتمالين، فلا وجه لسؤال التقسيم.\nالشرح: الاعتراض \"السَّادس: منع وجود\" الوصف \"المدّعي\" كونه (^١) \"علّة في\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام ٤/ ٧٠، وشرح العضد ٢/ ٢٦٣.","vol":"4","page":429},{"text":"<span data-type='title' id=toc-844>[السَّابعُ]: مَنْعُ كَوْنِهِ عِلَّةً، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الأَسْئِلَةِ</span>؛ لِعُمُومِهِ وَتَشَعُّبِ مَسَالِكِهِ، وَالْمُخْتَارُ قَبُولُه، وإلَّا أَدَّى إِلَى اللَّعِبِ فِي التَّمَسُّكِ بِكُلِّ طَرْدٍ.\nقَالُوا: الْقِيَاسُ رَدُّ فَرْعٍ إلَى أَصْل بِجَامِعٍ، وَقَدْ حَصَلَ.\nقُلْنَا: بِجَامِعِ يُظَنُّ صِحَّتُهُ.\n<hr><s0>\n\nالأصل مثل\" ما يقال على لسان الشَّافعية في الكلب: \"حيوان يغسل من ولوغه سبعًا، فلا يطهر بالدِّبَاغ كالخِنْزِيرِ، فيمنع\" وجوب الغُسل سبعًا من ولوغ الخنزير.\nثم اختلفوا في أنه هل يسوغ للمعترض تقرير المنع، أو يجب عليه الإقتصار عليه؟ بعد اتفاقهم على أنه لا يسوغ له المنع إِلا إذا اعتزى إِلى ذي مذهب يرى المنع.\nوالمختار: إِن كان المنع خفيًّا، بحيث يخشى نسبة المانع إِلى المُكَابرة، مكّن من تقريره، وإلا فلا.\n\"وجوابه: بإثباته\" أي: بإِثبات وجود الوصف المدّعي علة في الأصل \"بدليل من عَقْل، أو حس، أو شرع\" على حسب الوَصْف في كل مسألة، ففي العقل، كما نقول: نكحت نفسها مع وجود الوَلِيّ، فلا يجوز، قياسًا على ما إِذا نكحها أجنبي، بجامع الافتيات الضَّار بالأولياء.\nفجوابه: أن العقل قاض بأن من افتيت عليه اشتغل باله، وهو ضرر.\nوفي الحس، كما يقال: لا نسلّم وجود الافتيات، فيقال: بدليل أنَّا نشاهد وجهه متمعّرًا، وفي الشرع قد مثل له المصنّف بمثال للمنع الظَّاهر، ومن أمثلة المنع الخفي:\nقولنا في الوضوء: عبادة يبطلها الحَدَث، فكان الترتيب شرطًا فيها كالصَّلاة، فيمنع كون الحدث مبطلًا للصلاة، وإنما يبطل الطهارة، وببطلانها تبطل الصلاة.\nفنقول: لا خلاف بيننا أنه لو سبقه الحَدَث، فانصرف ليتوضّأ، ثم أحدث في طريقه أن صلاته تبطل، وليس هناك طَهَارة، فدلّ على أن الحدث يبطل الصلاة على الانفراد، والطهارة على الانفراد.\nقال الشيخ أبو إسحاق: وله الجواب - أيضًا - بالتفسير، بأن يفسر ذلك بمعنى مسلم موافق للفظ العلّة، كما يقول: أريد بقولي: يبطلها الحدث، أن الحدث يمنع إتمامها، والاحتسابَ بما مضى منها.","vol":"4","page":430},{"text":"قَالُوا: عَجْزُ الْمُعَارِضِ دَلِيلُ صِحَّتِهِ؛ فَلَا يُسْمَعُ الْمَنْعُ.\nقُلْنَا: يَلْزَمُ أنْ تَصِحَّ كُلُّ صُورَةِ دَليلٍ؛ لِعَجْزِ الْمُعْتَرِضِ، وَجَوَاُبهُ: بِإثْبَاتِهِ بِأَحَدِ مَسَالِكِهِ، فَيَرِدُ عَلَى كُلٍّ مِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ فَعَلَى ظَاهِرِ الْكِتَابِ: الإِجْمَالُ وَالتَّأْوِيلُ وَالمُعَارَضَةُ وَالْقَوْلُ بالْمُوجِبِ، وَعَلَى السُّنَّةِ: ذَلِكَ وَالطعْنُ بِأَنَّهُ مُرْسَلٌ أَوْ مَوْقُوفٌ: وَفِي رِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ، أَوْ قَوْلِ شَيْخِهِ: لَمْ يَرْوِهِ عَنِّي، وَعَلَى تَخْرِيجِ الْمَنَاطِ مَا يَأتِي، وَمَا تَقَدَّمَ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: الاعتراض \"السَّابع: منع كونه علّة (^١)، وهو من أعظم الأسئلة لعمومه\" في كل ما يدعي علة، \"وتشعّب مسالكه\"، فإن طرق العلية مختلفة كثيرة، وهو سؤال المطالبة، فاِذا أطلق لفظ المُطَالبة، لم يفهم منه في عرفهم سواه، ومتى أريد غيره ذكر مقيدًا، فيقال: المطالبة بكذا.\n\"[والمختار] (^٢): قبوله، وإلا\" فلو لم يقبل \"أدّى\" الحال \"إلى اللعب في التمسُّك بكل طرد\" من الأوصاف، كالطول والقصر، فإِن المستدل يأمن المنع، ويتعلّق بما شاء من الأوصاف.\n\"قالوا: القياس ردّ فرع إِلى أصل بجامع، وقد حصل\"، ففيم المنع؟.\n\"قلنا: رد فرع إلى أصل \"بجامع يظن صحته\"، والوصف الطَّردي مظنون الفساد.\n\"قالوا: عجز المعارض\" عن الاعتراض على الوصف \"دليل صحّته\"، كما في المعجزة، \"فلا يسمع المنع\"؛ إذ منع الصحيح فاسد.\n\"قلنا: يلزم\" بما ذكرتموه \"أن يصحّ في كل صورة دليل\"، وإن لم يكن دليلًا في نفس الأمر \"بعجز المعترض\" عن الاعتراض عليه، ولا قائل به، فالأدلّة لا تصح بعجز ضعفاء النظر عن تزييفها.\nقلت: لكنهم ينقطعون، و[هذا] (^٣) المقصد من الجدل.\n\"جوابه: يإثباته\"؛ أي: بإِثبات كونه علة \"بأحد مسالكه\" المتقدم بيانها، \"فيرد على كل منها ما هو شرط\" في صحة دلالته على علية الوصف \"فعلى ظاهر الكتاب\" إِذا تمسّك به\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام ٤/ ٧١، وشرح العضد ٢/ ٢٦٣.\n(^٢) في أ، ت: والمجاز.\n(^٣) في أ، ت: وهو.","vol":"4","page":431},{"text":"[الثَّامِنُ]: عَدَمُ التَّأْثِيرِ، وَقُسِّمَ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: [الأَوَّلُ]: عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الْوَصْفِ؛ مِثَالُهُ: صَلَاةٌ لَا تُقْصَر، فَلَا يُقَدَّمُ [أَذَانُهَا] كَالْمَغْرِبِ؛ لأَنَّ عَدَمَ الْقَصْرِ فِي نَفْيِ التَّقْدِيمِ طَرْدِيٌّ، فَيَرْجِعُ إِلَى سُؤَالِ الْمُطَالَبَةِ.\n[الثَّانِي]: عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الأَصْلِ؛ مِثَالُهُ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ: مَبِيعٌ غَيْرُ مَرْئِيٍّ، فَلَا يَصِحُّ كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ؛ فَإِنَّ العَجْزَ عَنِ التَّسْلِيمِ مُسْتقِلٌّ، وَحَاصِلُهُ مُعَارَضَةٌ فِي الْأَصْلِ.\n<hr><s0>\n\nفي علية الوصف \"الإِجمال\" المتردّد بين شيئين لا يصحّ التمسّك به؛ إذ شرطه الظهور في المقصود، \"والتأويل\"، فيقول: الآية مؤولة بغير ما ذكرت أنه معناها، \"والمعارضة\" بظاهر آخر، \"والقول بالموجب\"، ويرد \"على السُّنة ذلك\" كله، \"و\" يزاد \"الطَّعن\" في الخبر \"بأنه موسل، أو موقوف، وفي رواية ضعيفة\" كذا بخطّ المصنف؛ أي: يزداد الخبر بالنسبة إِلى رواية ضعف الراوي، والقرآن سالم من ضعف الراوي؛ إِذ هو متواتر، \"أو قول شيخه: لم يروه عنّي.\n\"و\" يرد \"على تخريج المَنَاط ما يأتي\" في الاعتراض التاسع، \"وما تقدم\" في المسلك الرابع من مسالك العلّة.\nالشرح: الاعتراض \"الثَّامن: عدم التَّأْثير\" (^١) وهو: إِبداء وصف لا أثر له، \"وقسم أربعة أقسام\":\nما لا تأثير له مطلقًا، وما لا تأثير له في ذلك الأصل، وما اشتمل عليه قيد لا تأثير له، وما لا يظهر فيه شيء من ذلك، ولكن لا يطّرد في محلّ النزاع، فيعلم من ذلك عدم تأثيره.\nولكل قسم اسم: \"عدم التأثير في الوصف، مثاله\": قولهم في الصبح: \"صلاة لا تقصر، فلا يقدم أذانها كالمغرب؛ لأنَّ عدم القَصْر في نفس التقديم طَرْدي\" لا مناسبة له ولا شبه، فلا يعتبر، ولذلك كان الحكم الذي هو منع تقديم الأذان على الوصف موجودًا فيما قصر من الصلوات، \"فيرجع\" حاصله \"إلى سؤال المطالبة\"، بالدلالة على كون العلة علة.\nالشرح: \"الثاني: عدم التأثير في \"ذلك \"الأصل\" بأن يقع الاستغناء عنه فيه بوصف\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٥/ ٢٨٤ والبرهان لإمام الحرمين ٢/ ١٠٠١، وسلاسل الذهب للزركشي ٣٩٦، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٤/ ٧٣، ونهاية السول للإسنوي =","vol":"4","page":432},{"text":"[الثَّالِثُ]: عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الحُكْمِ؛ مِثَالُهُ فِي الْمُرْتَدِّينَ: مُشْرِكُونَ أَتْلَفُوا مَالًا فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَلَا ضَمَانَ كالْحَرْبِيِّ، وَدَارُ الْحَرْبِ عِنْدَهُمْ طَرْدِيٌّ، فَيَرْجِعُ إلَى الأَوَّلِ.\n<hr><s0>\n\nآخر \"مثاله\" أن يقال على لسان الشَّافعية \"في\" منع \"بيع الغائب: مبيع غير مَرْئِيّ، فلا يصح كالطَّير في الهواء\" بجامع عدم الرُّؤية؛ \"فإِن العجز عن التسليم\" في الطير \"مستقلّ\" بإِثارة الحكم؛ لكونه غير مَرْئي، وإِن ناسب نفي الصِّحة، لا تأثير له هنا.\nوحاصله: أنه \"معارضة في الأصل\" بإبداء علة أخرى، وهي العجز عن التسليم، ولذلك بناه بانون على التعليل بعلتين.\nالشرح: \"الثالث: عدم التأثير في الحكم\" المعلل، وهو ضربان:\nأحدهما: ألَّا يكون له تأثير أصلًا، لا في الأصل ولا في الفرع، ولا يفيد المحلل ذكره نفعًا، فيكون ملغى، وعليه اقتصر المصنّف.\nووجه تسميته عدم التأثير في الحكم: أنه لا مدخل له في الحكم، ولا تعلّق له به.\n\"مثاله\" قولهم \"في المرتدين: مشركون أتلفوا مالًا في دار الحرب (^١)، فلا ضمان\" عليهم \"كالحربي، ودار الحَرْب - عندهم - طردي\"، ولا فائدة في ذكره؛ فإِن من أوجب الضمان أوجبه مطلقًا، ومق نفاه نفاه مطلقًا، سواء أكان في دار الحَرْب أم غيرها، \"فيرجع إلى\" القسم \"الأول\"؛ لأنَّه مطالب بتأثير كونه في دار الحَرْبِ.\n_________\n= ٤/ ١٨٣، ومنهاج العقول للبدخشي ٣/ ١٠٥، ١١٧، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ١٢٩، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ٢١٦، والمنخول للغزالي ٤١١، وحاشية البناني ٢/ ٣٠٧ والإبهاج لابن السبكي ٣/ ١١١، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٤/ ١٣٤، وحاشية العطار ٢/ ٣٥٢، والمعتمد لأبي الحسين ٢/ ٢٦١، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٢٦٥.\n(^١) هو على خلاف دار الإسلام يعني ما غلب فيها غير المسلمين، قال في النهر: وينبغي أن يكون ما ليس بدار حرب ولا إسلام ملحقًا بدار الحرب، كالبحر الملح؛ لأنَّهُ لا قهر لأحد عليه، وفي رد المحتار: ويلحق بها البحر الملح ونحوه كمفازة ليس وراءها بلاد الإسلام. وفي الدر المختار: لا تصير دار الإسلام دار حرب إلا بأمور ثلاثة: بإجراء أحكام أهل الشرك وباتصالها بدار الحرب وبأن لا يبقى فيها مسلم أو ذميّ آمنًا بالأمان الأولا، ودارُ الحرب تصير دار الإسلام بإجراء أحكام أهل الإسلام فيها.","vol":"4","page":433},{"text":"[الرَّابِعُ]: عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الْفَرْعِ مِثَالُهُ: زَوَّجَتْ نَفْسَهَا، فَلَا يَصِحُّ، كَمَا لَوْ زُوِّجَتْ مِنْ غيْرِ كُفْءٍ، وَحَاصِلُهُ كَالثَّانِي.\nوَكُلُّ فَرْضٍ جُعِلَ وَصْفًا فِي الْعِلَّةِ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِطَرْدِهِ مَرْدُودٌ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ عَلَى الْمُخْتَارِ فِيهِمَا.\n<hr><s0>\n\nالثاني: ألَّا يكون له تأثير فيهما، ولكن لذكره فائدة، كقول من اعتبر العدد في الاسْتِجْمَار بالأحجار: عبادة متعلّقة بالأحجار، لم يتقدّمها معصية، فاعتبر فيها العدد كرمي الجِمَار، فقوله: لم يتقدّمها معصية، عدم التأثير في الأصل والوصف، والمعلل مضطر إِلى ذكره؛ إذ لو حذفه لانتقضت علّيته بالرجم؛ فإِنه عبادة تتعلّق بالأحجار، ثم لا يعتبر فيها العدد، وهو كالذي قبله في رجوعه إِلى الأول، وربّ وصفِ ذكره فائدة إِلَّا أن المعلل لا يضطر إليه، ويسمى الحَشْو، فإن اغْتفر له ذكر ما اضطر إليه، اغتفر له هذا، وإِلا ففيه خلاف.\nومثاله: قولنا في الجمعة: تصح بغير إِذْنِ الإِمام؛ لأنها صلاة مفروضة، فلم تفتقر إقامتها إلى [إذن] (^١)، كالظُّهر، فيقول: قولك: مفروضة، حشو؛ إِذ لو اقتصرت على قولك: صلاة، [لم] (^٢) ينتقض بشيء، فنقول: هذا قَيْد زائد لا لإثبات الحكم، بل لتقريب الفرع من الأصل، وتقوية الشبه بينهما؛ إِذ الفرض بالفرض أشبه من غيره به.\nالشرح: \"الرابع: عدم التأثير في الفرع\" من جِهَةِ أنّ الوصف لا يطّرد في جميع صور النزاع، وهو - أيضًا - ضربان:\nأحدهما: أن يتحقّق الخلاف فيه بدونه.\n\"مثاله\" قولهم: \"زوجت نفسها\" من غير كُفْءٍ، \"فلا يصح، كما لو زُوّجت\" - بضم الزاي - مبني لما لم يسم فاعله، كذا ضبطه المصنف \"من غير كُفْءٍ\"، فالتزويج من غير كُفْءٍ وإن ناسب البطلان إلا أنه لا اطّراد له في كل صور النزاع؛ إذ النزاع فيمن زوجت نفسها مطلقًا.\nوالثاني: ألّا تظهر له مناسبة في الفرع ألبتة، وهو أولى بعدم القبول من الذي قبله؛\n_________\n(^١) في أ، ت: إذنه.\n(^٢) سقط في أ، ت.","vol":"4","page":434},{"text":"<span data-type='title' id=toc-846>[التَّاسِعُ]: الْقَدْحُ فِي الْمُنَاسَبَةِ </span>بِمَا يَلْزَمُ مِن مَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ أَوْ مُسَاوِيَةٍ، وَجَوَابُهُ بِالتَّرْجِيحِ تَفْصِيلًا أَوْ إِجْمَالًا كَمَا سَبَقَ.\n<hr><s0>\n\nلأنا إِذا لم نقبل الأول مع ظهور مُنَاسبته في بعض الصور، لتحقّق الخلاف في البعض الآخَر بدونه، فإِنا لا نقبله، ولم تظهر له مُنَاسبة مطلقًا أولى وأجدر، وهذا قولنا في [الثَّيب] (^١) الصغيرة: حُرّة صغيرة ذهبت بَكَارَتُهَا بالجِمَاعِ، فلا تزوج بغير رِضَاهَا كالبالغة بذهاب البَكَارَةِ؛ لأنا نقبله، في الفرع، فإنه لا يناسب؛ ألا ترى أنَّ المال والولاية على الغلام لا فرق فيهما بين الثيب والبكر؟!\nواعلم أنّ المصنّف لم يفصح بذكر هذا المثال، وكأنه لما ذكر من أنه دون الأول، وإذا رد الأول، ردٌّ هذا بطريق أولى، فلهذا اقتصر على الأول، وقبوله مبني على قبول الفرض، وسنذكره، والفرض تخصيص بعض الأفراد بالحجاج، كما إِذا قال المَسئول عن نفوذ عتق الراهن: أفرض الكلام في المعسر، أو عمن زوجت نفسها: أفرض فيمن زوجت من غير كُفْء.\nوقد علمت رجوع القِسْم الأول والثالث إِلى منع العلة، والثَّاني والرابع إِلى المعارضة في الأصل بعلّة أخرى، وقد مر الأول، وسيأتي الثاني - إن شاء الله تعالى - فإِذن عدم التأثير ليس سؤالًا برأسه، ولما كان حاصل القسم الرابع وجود قيد طَرْدِي في الوصف المعلل به، وهو كونه غير كُفْءٍ، ذكروا عده في الفرض، فقال: \"وكل فرض جعل وصفًا\" أي: قيدًا \"في العلة، مع اعترافه\" أي: المستدلّ \"بطرده، مردود\"؛ لاعترافه بأنه لا مدخل له في التعليل، \"بخلاف غيره\" لما لم يعترف بأنه وصف طردي، فإنه غير مردود؛ لجواز تعلّق غرض صحيح به، كرفع النَّقض الصريح إِلى النقض المكسور، كما ذكرناه في مسألة الاسْتِجْمَار، والأول من حيث إِنه أعرف بعدم تأثيره، لا يجديه التَّفوُّه به نفعًا، كما في مسألة المرتدين، وما ذكرناه من الرد نفيًا وإثباتًا ليس مجمعًا عليه، بل \"على المختار فيهما\".\nالشرح: الاعتراض: \"التاسع: القَدْحُ في المُنَاسبة بما يلزم\" (^٢) عن الوصف المدعي مناسبته \"من مفسدة راجحة\"، على المَصْلحْة التي من أجلها فضى عليه بالمُنَاسبة، \"أو مساوية\" لها.\n_________\n(^١) في أ، ت: النبت.\n(^٢) ينظر: الإحكام ٤/ ٧٥، وشرح العضد ٢/ ٢٦٧.","vol":"4","page":435},{"text":"<span data-type='title' id=toc-847>[العَاشِرُ]: الْقَدْحُ فِي إِفْضَاء الحُكْمِ إِلَى الْمَقْصُودِ،</span> كَمَا لَوْ عَلَّلَ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ عَلَى التَّأْبيدِ بِالْحَاجَةِ إِلَى ارْتِفَاع الْحِجَابِ المُؤَدِّي إِلَى الْفُجُورِ، فَإِذَا تَأَبَّدَ انْسَدَّ يَابُ الطَّمَع الْمُفْضِي إِلَى مُقَدِّمَاتِ الهَمِّ وَالنَّظَرِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى ذَلِكَ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: بَلْ سَدُّ بَابِ النِّكَاحِ أَفْضَى إِلَى الْفُجُورِ، وَالنَّفْسُ مَائِلَةٌ إِلَى الْمَمْنُوعِ.\nوَجَوَابُهُ: أَنَّ التَّأْبِيدَ يَمْنَعُ عَادَةً بِمَا ذَكَرْنَاهُ: فَيَصِيرُ كَالطَّبِيعِيِّ؛ كَالأُمَّهَاتِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-848>[الْحَادِيَ عَشَرَ]: كَوْنُ الْوَصْفِ خَفِيًّا </span>كَالرِّضَا وَالْقَصْدِ، وَالْخَفِيُّ لَا يُعرِّفُ الخَفِيَّ.\nوَجَوَابُهُ: ضَبْطُهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الصِّيَغِ وَالأَفْعَالِ.\n<hr><s0>\n\n\"وجوابه: بالْترجيح\" ترجيح المَصْلحة على المفسدة \"تفصيلًا أو إِجمالًا كما سبق\" في المناسبة.\nالشرح: الاعتراض: \"العاشر: القدح في\" صلاحية \"إفْضَاء الحُكْم إِلى المقصود (^١)، كما لو علل حرمة المُصَاهرة على التَّاْبيد\" في حق المَحَارم \"بالحاجة إلى ارتفاع الحجاب\" بين الرجال والنساء المحارم، وهو أعني: ارتفاع الحِجَاب \"المؤدي إِلى الفجور، فإِذا تأبد\" التحريم بين المَحَارم \"انسدّ باب الطَّمع المفضي إِلى مقدمات الهَمّ، والنظر المفضي إِلى ذلك\" الفجور.\nفيقول المعترض: بل سدّ باب النكاح أفضى إِلى الفجور\"، والقَلْب يطلب من يَجُور ويعتدي، \"والنفس مائلة إِلى الممنوع\" وبكل شيء يشتهيه طلاوة مدفوعة إلا عن المدفوع.\nالشرح: \"وجوابه: أنَّ التأبيد يمنع عادة\" عن ذلك؛ \"لما ذكرناه\" من انسداد باب الطَّمع، \"فيصير\" لتطاول الأمر، وتماديه \"كالطبيعي\" بحيث لا يبقى المحلّ مشتهي \"كالأمهات\".\nالشرح: الاعتراض \"الحادي عشر: كون الوَصْف كالرّضا والقصد خفيًّا، فإِنهما من الأوصاف الباطنة الخفيّة، فلا تصلح للعلّية (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام ٤/ ٧٥، وشرح العضد ٢/ ٢٦٧.\n(^٢) ينظر: الإحكام ٤/ ٧٦، وشرح العضد ٢/ ٢٦٧.","vol":"4","page":436},{"text":"<span data-type='title' id=toc-849>[الثَّانِيَ عَشَرَ]: كَوْنُهُ غَيْرَ مُنْضَبِطٍ</span>؛ كَالتَّعْلِيلِ بِالْحِكَمِ وَالْمَقَاصِدِ كَالْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ وَالزَّجْرِ؛ فَإِنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الأَشْخَاصِ وَالأَزْمَانِ وَالأَحْوَالِ.\nوَجَوَابُهُ: إِمَّا أَنَّهُ يَنْضَبِطُ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِضَابِطٍ، كَضَبْطِ الْحَرَجِ بِالسَّفَرِ وَنَحْوِهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-850>[الثَّالِثَ عَشَرَ]: النَّقْضُ </span>كَمَا تَقَدَّمَ.\n<hr><s0>\n\n\"وجوابه: ضبطه بما يدلّ عليه من الصيغ\"، كضبط الرّضا بصيغ العقود، \"والأفعال\" الدالة على الإِزهاق في وجوب القصاص.\nالشرح: و\"الثاني عشر: كونه\" مضطربًا \"غير منضبط (^١)، كالتَّعْليل بالحكم والمقاصد كالحَرَج\" يجعل علّة في الفطر، \"والمَشَقّة\" في القصر \"والزَّجر\" في التَّعْزير، \"فإِنها\"مضطربة \"تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والأحوال\"، ودأب الشَّارع فيما هذا شأنه ردّ الخلق إِلى المَظَانّ؛ درءًا للتَّشَاجُرِ.\nالشرح: \"وجوابه: إِما أنه منضبط بنفسه\"، وقد قدم المصنّف أنه يجوز التَّعْليل بالحكم المنضبطة، \"أو بضابط، كضبط الحَرَجِ بالسفر ونحوه\" كضبط الزَّجْرِ في الزنا بمائة جلدة، وفي القذف بثمانين.\nالشرح: وهو ثبوت الوَصْف في صورة مع انتفاء الحكم فيها، ويمكن في جواب منع كل واحد منهما، فهو ضربان (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام ٤/ ٧٦، وشرح العضد ٢/ ٢٦٨.\n(^٢) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٥/ ٢٦١، والبرهان لإمام الحرمين ٢/ ٩٧٧، وسلاسل الذهب للزركشي ٣٦١، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٣/ ٢١٥، ٤/ ٧٧ ونهاية السول للإسنوي ٤/ ١٤٥، وزوائد الأصول له ٣٩٦، ومنهاج العقول للبدخشي ٣/ ١٠٣، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ١٢٧، والتحصيل من المحصول ٢/ ٢٠٩، والمنخول للغزالي ٤٠٤، وحاشية البناني ٢/ ٢٩٥، والإبهاج لابن السبكي ٣/ ٨٤، والآيات البينات ٤/ ١١٦، وحاشية العطار ٢/ ٣٤١، والمعتمد لأبي الحسين ٢/ ٢٨٤، ٢٩٣ وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ٦٥٩، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ٤/ ١٣٨، وحاشية التفتازاني والشريف =","vol":"4","page":437},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالأول: منع وجود الوصف في صورة النقض، وذلك لا يكون معاندة وصدًّا بالمُكَابرة، بل يكون بناء على وجود قيد مناسب غير حاصل في صورة النَّقض، ثم ذلك القيد إِما أن يكون جليًّا أو خفيًّا.\nفالجلي مثل: النَّبَّاش آخذ لِنِصَابٍ تام من حِرْز مثله عدوانًا، فيكون سارقًا، فإِن نقض بما إِذا سرق الكَفَن من قبر في حِيَازة، حيث لا يجب القَطْع على الأصح.\nقلنا: ليس ذلك في حِرْز مثله.\nوالخفي إِما أن يكون معناه واحدًا أو متعددًا، إِما بطريق التواطؤ، أو التشكيك، أو الاشتراك، كما ذكرت في \"شرح المنهاج\".\n[قالوا] (^١): مثل قصر الصلاة: رُخْصة شرعت للتخفيف، فلا يتحتّم الأخذ بها، كالإِفطار في الصوم، فإن نقض بأكل المَيْتَةِ للمضطر، حيث يجب على الأصح.\nقلنا: لم يشرع - حينئذ - للتخفيف، بل للضرورة، وقيام البيِّنة.\nوالمتعدد بالتواطؤ مثل: يحج عن الميت المستطيع، وإن لم يوص؛ لأنَّهُ حقّ لازم عليه، فيقضي عنه كالدّين، فإن نقض بالصَّلاة والصوم.\nقلنا: الحق اللازم مَقُول على المالي وغيره [بالتواطؤ] (^٢)، والأول المقصود بالتَّشكيك، مثل: المتولّد بين الظِّبَاء والغنم: حيوان متولد بين ما لا زكاة فيه، وما فيه زكاة، فلا يزكي، كما إذا كانت الأمهات ظباء، فإن نقض بالمتولد بين السَّائمة والمَعْلُوفة من البقر والغنم.\nقلنا: ما لا تجب فيه الزكاة مقول بالتَّشْكيك على ما لا تجب فيه بحال، كـ\"الظباء\"، وما تجب فيه من حيث الجملة كالمَعْلُوفة، وبالاشتراك مثل: جمعِ الطَّلاق\n_________\n= على مختصر المنتهى ٢/ ٢١٨، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ٨٥، وميزان الأصول للسمرقندي ٢/ ١٠٦٩، وتقريب الوصول لابن جزي ١٤٢.\n(^١) في أ، ت: فالواحد.\n(^٢) في أ، ت: بالمتواطئ.","vol":"4","page":438},{"text":"وَفِي تَمْكِينِ الْمُعْتَرِضِ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ إِذَا مُنِعَ، ثَالِثُهَا: يُمَكَّنُ مَا لَمْ يَكُنْ حُكْمًا شَرْعِيًّا.\nوَرَابِعُهَا: مَا لَمْ يَكُنْ طَرِيقٌ أَوْلَى بِالْقَدْحِ.\nقَالُوا: لَوْ دَلَّ الْمُسْتَدِلُّ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ بِدَلِيلٍ مَوْجُودٍ فِي مَحَلِّ الْنَّقْضِ، ثُمَّ مُنِعَ وُجُودُهَا؛ فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: يَنْتقِضُ دَلِيلكَ - لَمْ يُسْمَعْ؛ لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ مِنْ نَقْضِ الْعِلَّةِ إِلَى نَقْضِ دَلِيلِهَا؛ وَفِيهِ نَظَرٌ.\nأَمَّا لَوْ قَالَ: يَلْزَمُكَ إِمَّا انْتِقَاضُ دَلِيلِهَا - كَانَ مُتَّجِهًا.\n<hr><s0>\n\nفي قُرْء واحد، فلا يكون مبتدعًا كما لو طلقها ثلاثًا في قرءٍ واحدٍ، مع الرَّجعة بين الطّلقتين، فإِن نقض بما لو طلقها ثلاثًا في الحيض.\nقلنا: المراد من القرء الطهر.\nالشرح: \"وفي تمكين المعترض من الدّلالة على وجود العلّة\" في صورة النقض \"إذا منع\" وجودها فيه - كما ذكرناه - مذاهب:\nأحدها، وعليه الأكثر، منهم الأمام الرازي وأتباعه: لا؛ لأنَّهُ انتقال من مسألة قبل تمامها إِلى أخرى، وقلب القاعدة بِصَيْرُورَةِ المعترض مستدلا، والمستدلّ معترضًا.\nوثانيها: نعم؛ لأن فيه تحقيق النقض، فكان من متمماته.\nو\"ثالثها: وَيُمَكَّنُ؛ ما لم يكن حكمًا شرعيًّا\" حكاه المصنّف، ولم يوجد لغيره.\nووجهه: أن التخلف في الحكم العقلي قادح، فيحصل من تمكينه فائدة، بخلَاف الشرعي؛ لجواز أن يكون التخلف لوجود مانع، أو فوات شرط، وقُصَارى المعترض إِثبات الوصف، ثم لا يجديه؛ لأن التخلف لذلك لا يقدح في العلل الشرعية عند الجمهور.\n\"ورابعها\": قاله الآمدي أنه يمكن \"ما لم يكن\" للمعترض \"دليل أولى بالقدح\" من النقض، فإِن أمكنه القَدْح بطريق آخر هو أفضى إلى المقصود فلا، وقد ملت إِلى هذا في \"شرح المنهاج\".\nوالمختار - عندي الآن - قول الأكثرين.\nالشرح: \"قالوا\" يعني: الجَدَليين جميعًا، و\"لو دلّ المستدل على وجود العلّة\" في محلّ التعليل \"بدليل موجود في محلّ النقض، ثم منع\" بعد ذلك \"وجودها\" في صورة","vol":"4","page":439},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالنقض، \"فقال المعترض: ينتقض دليلك\" على العلة، \"لم يسمع\" منه هذا الاعتراض؛ \"لأنَّهُ انتقال من نقض العلّة\" نفسها \"إلى [نقض] (^١) دليلها\".\nمثاله: قول الحنفي في مسألة التَّبْييت: أتى بمُسَمَّى الصوم، فصح كما في النفل، واستدلّ على وجود الصوم بالإِمساك مع النية، فنقول: العلّة منتقضة بما إِذا نوى بعد الزوال، فيقول: لا نسلم وجود العلة فيه، فنقول: ينتقض دليلك الذي استدللت به على وجود العلّة في محل التعليل.\nقال المصنف: \"وفيه نظر\"؛ لأن المعترض في مكان دفع العلّة، [فليمكن] (^٢) له بالقَدْح فيها تارة، وفي دليلها أخرى، ولا يكون انتقالًا ممنوعًا. \"أما لو قال\" المعترض ابتداء - بعد أن دلّ المستدل بالدليل الموجود في صورة النقض -: \"يلزمك إما انتقاض علّتك\" إن اعتقدت وجوب الصوم في صورة الناقض، \"أو انتقاض دليلها\" إن لم تعتقد، \"كان متجهًا\".\nالضرب الثاني: منع تخلّف الحكم في صورة النقض، بأن يكون الحكم ثابتًا فيها [جزمًا] (^٣) على رأي المستدل إِن كان مجتهدًا، أو إِمامه إن كان مقلدًا، أو على الصحيح في مذهبه، أو على وجه اقتضى رأيه في مجلس المُنَاظرة التزامه، والتخلّف قد يكون ظاهرًا، وهو واضح، وقد يكون خفيًّا.\nوالخفي إِما تحقيقي أو تقديري، فالتَّحْقيقي فيما يحرم فيه بالمنع، مثل: السَّلَم عقد معاوضة، فلا يشترط فيه التَّأجيل كالبيع، فإِن نقض بالإِجارة قلنا: الأجل ليس شرطًا لصحة عقد الإِجارة، وإِنما جاء فيها لتقرير المعقود عليه، وهو الانتفاع بالعَيْنِ، وعلى وجه مثل: ثيّب صغيرة، فلا يجوز إجْبَارها كالبالغ، فينتقض بالثيب المجنونة، حيث لا يجوز تزويجها في الأَصَحّ، فيمنعه، وهو وجه في المذهب.\nوالتقديري مثل: رقّ الأم علّة رق الولد، فينتقض بولد المَغْرُور بحريّة الجارية، فإِن رقّ الأم موجود مع انعقاد الولد حرًّا، فنقول: رقّ الولد مقدر الوجود؛ إِذ لو لم يقدر لم تجب قيمته، فإن الحر لا قيمة له، ولذلك حكي وجه: أنه ينعقد رقيقًا، ثم يعتق على\n_________\n(^١) أ، ت: بعض.\n(^٢) في أ، ت: فليكن.\n(^٣) في أ، ت: حرامًا.","vol":"4","page":440},{"text":"وَلَوْ مَنَعَ الْمُسْتَدِلُّ تَخَلُّفَ الْحُكْمِ فَفِي تَمْكِينِ الْمُعْتَرِضِ مِنَ الْدِّلَالَةِ.\n\"ثَالِثُهَا: يُمَكَّنُ مَا لَمْ يَكُنْ طَرِيقٌ أَوْلَى.\nوَالْمُخْتَارُ: لَا يَجِبُ الاِحْتِرَازُ مِنَ النَّقْضِ.\nوَثَالِثُهَا: إِلَّا فِي الْمُسْتَثْنَيَاتِ.\nلنَا: أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الدَّلِيلِ، وَانْتِفَاءُ الْمُعَارضِ لَيْسَ مِنْهُ.\nوَأَيْضًا: فَإِنَّهُ وَارِدٌ وَإِنِ احْتَرَزَ اتِّفَاقًا.\n<hr><s0>\n\nالمغرور، حكاه الرَّافعي في كتاب \"العتق\"، وجزم في \"النِّكَاح\" بخلافه.\nوهل للمستدلّ منع التخلّف في الصورة التي لا يعرف في مذهبه نقلًا فيها؟.\nقال القاضي أبو الطيب: لا.\nوقال تلميذه الشيخ أبو إِسحاق: نعم، ومثل له بقول الحنفي: يجب على القَارِنِ إِذا قتل صيدًا جزاءان؛ لأنَّهُ أدخل النقض على إِحرام الحُجّ والعُمْرة، فكان كمن أحرم بالحج فقتل صيدًا، ثم بالعُمْرة فقتل صيدًا، فينتقض بما إِذا أحرم المتمتع بالعمرة، فجرح صيدًا، ثم بالحج فجرحه ثم مات، فمِانه أدخل النقض على الحج والعمرة، ولا يلزمه جزاءان، فيقول المخالف: لا أعرف في هذا نصًّا.\nالشرح: \"و\" اعلم أنه \"لو منع المستدلّ تخلّف الحكم\" حيث يجوز له ذلك، \"ففي تمكين المعترض من الدّلالة\" على التخلّف مذاهب:\nالشرح: \"ثالثها: التمكين ما لم يكن\" للمعترض \"طريق\" إِلى القدح \"أولى\" من النَّقض، \"والمختار\" عند المصنّف من أقوال: أنه \"لا يجب\" على المستدلّ \"الاحتراز\" في دليله \"عن النقض\" وثانيها: الوجوب، وهو الصحيح عندي.\nالشرح: \"وثالثها\": أنه يجب \"إِلَّا في\" الصور \"المستثنيات\" كالعَرَايا.\nواحتج لمختاره فقال: \"لنا: أنه سئل عن الدليل\"، وهذا حق، قال: \"انتفاء المعارض ليس منه\"، وهذا ممنوع.\nقال: \"وأيضًا، فإنه\" لا ينفعه الاحتراز عن صورة النقض؛ إِذ النقض \"وارد، وإن احترز\" عنه \"اتفاقًا\" بأن يقول المعترض: هذا وصف طَرْدي، والباقي منتقض؛ وعلى هذا","vol":"4","page":441},{"text":"وَجَوَابُهُ: ببيانِ مُعَارضٍ اقْتَضَى نَقِيضَ الْحُكْمِ أَوْ خِلَافَهُ لِمَصْلَحَةٍ، كَالْعَرَايَا وَضَرْبِ الدِّيَةِ، أَوْ لِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ آكَدَ، كَحِلِّ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ: فَإِنْ كَانَ التَّعْلِيلُ بِظَاهِرٍ عَامٍّ، حُكِمَ بِتَخْصِيصِهِ وَبِتَقْدِيرِ الْمَانِعِ كَمَا تَقَدَّمَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-851>الرَّابِعَ عَشَرَ: الْكَسْر،</span> وَهُوَ نَقْضُ الْمَعْنَى، وَالْكَلَامُ فِيهِ كَالنَّقْضِ.\n<hr><s0>\n\nفإِنَّ [القيد] (^١) المحترز به كيف يكون طرديًّا، وهو من تمام العلّة؟.\n\"وجوابه\" أي: جواب النَّقض إِذا تحقّق التخلف \"ببيان مُعَارض اقتضى نقيض الحكم\" كانتفاء الحُكْم، \"أو خلافه\"، وفي بعض النسخ \"لمصلحة\"، وليست في أصل المصنّف، ولا لها وجه - أيضًا - فإِن صورة النقض قد تخرج بعيدًا، \"كالعَرَايا وضرب الدّية\" على العاقلة.\nفإِن الأول خرج من قاعدة: امتناع بيع الرطب بالتمر.\nوالثاني: من أن من لم يجنّ لم يطالب؛ لمعارض، وهو النص الخاص فيهما.\nثم قيل: إنهما معقولا المعنى، وقيل: لا.\n\"أو\" يجاب بأن الحكم انتفى \"لدفع مفسدة آكد\" من المصلحة، \"كحلّ الميتة للمضطر\"؛ فإِن حفظ مهجته آكد من اجتناب الميتة.\n\"فإن كان التعليل\" منصوصًا \"بظاهر عام\"، وقد تخلّف الحكم في صورة النَّقض عنه \"حكم بتخصيصه، وتقدير المَانِعِ، كما تقدم\" من وِجْدَان معارض اقتضى نقيضه، أو خلافه لا لمعنى يعقل، أو لمعنى، وهو مصلحة، أو دفع مفسدة، أو علم أنه إِذا تحقّق النقض، وهو وِجْدَان الوصف مع تخلّف الحكم، فلا جواب له عند من يراه قادحًا مطلقًا، وهو الحقّ عندنا، وإنما الجواب على المَذَاهب الأُخر فيه، كما سبق.\nالشرح: \"الرابع عشر: الكسر، وهو نقض المعنى، والكلام فيه كالنقض\"، فلا يفيد (^٢).\n_________\n(^١) في ح: العبد.\n(^٢) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٥/ ٢٧٨، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٣/ ٢١٢، =","vol":"4","page":442},{"text":"<span data-type='title' id=toc-852>الْخَامِسَ عَشَرَ: الْمُعَارَضَةُ فِي الأَصْلِ </span>بِمَعْنًى آخَرَ: إِمَّا مُسْتقِلٌّ كَمُعَارَضَةِ الْطَّعْمِ بِالْكَيْلِ، أَو الْقُوتِ، أَوْ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ؛ كَمُعَارَضَةِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ بِالْجَارحِ، وَالْمُخْتَارُ قَبُولُهَا.\nلَنَا: لَوْ لَمْ تَكُنْ مَقْبُولَةً، لَمْ يَمْتَنِعِ التَّحَكُّمُ؛ لأَنَّ الْمُدَّعي عِلَّةً لَيْسَ بِأَوْلَى بِالْجُزْئِيَّةِ أَوْ بِالاسْتِقْلَالِ مِنْ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"الخامس عشر: المُعَارَضَةُ في الأصل بمعنى آخر\" (^١) غير المعنى الذي أَبْدَاه المستدل، وهو \"إما\" معنى \"مستقل\" بالتعليل \"كمعارضة\" معنى \"الطّعم\" إِذا أخذه المستدلّ علة في الربوي \"بالكَيْلِ أو القُوت\"؛ فإِن كلًّا من الطّعم والكيل والقوت مستقل \"أو غير مستقل\" بل داخل في العلّة، \"كمعارضة القَتْل العَمْد العدوان\" في المُثَقّل \"بالجارح\"؛ فإِن المعترض لا يجعل الجارح مستقلًّا، بل جزءًا من العلة.\nوقد اختلف في قبول المُعَارضة، وبناها رادّها على منع التَّعليل بعلّتين. \"والمختار قبولها.\nلنا: لو لم تكن مقبولةً لم يمتنع التحكم\"، وهو التَّرْجيح بلا مرجّح، واللازم باطل، فالملزوم مثله، والملازمة حق؛ \"لأن\" الوصف \"المدعى\" كونه \"علة ليس بأولى بالجزئية، أو الاستقلال من وصف المعارضة\".\n_________\n= ٤/ ٨٠، ونهاية السول للأسنوي ٤/ ٢٠٤، وزوائد الأصول له ص ٣٩٧، ومنهاج العقول للبدخشي ٣/ ١٠٦، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص ١٢٨، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ٢١٦، والمنخول للغزالي ص ٤١٠، وحاشية البناني ٢/ ٣٠٣ والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٤/ ١٢٦، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٣٤٨، والمعتمد لأبي الحسين ٢/ ٢٨٣، وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ص ٦٦١، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٢٢١، ٢/ ٢٦٩.\n(^١) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٥/ ٣٣ والبرهان لإمام الحرمين ٢/ ١٠٥٠، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٤/ ٨٠، والمنخول للغزالي ص ٤١٦، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٤/ ١٥٣ وتيسير التحرير لأمير بادشاه ٤/ ١٤٦، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٢٧٠، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ٩٠، وميزان الأصول للسمرقندي ٢/ ١٠٧٠.","vol":"4","page":443},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوتقرير هذا: أن المستدلّ إِذا أبدى علة، فالمعترض تارة يعارض بأخرَى مستقلة، وتارة يبدي ما يزعمه جزءًا، ويقول: إن المستدل أهمل جزء العلّة.\nوتارة يعارض بنقيض ما ذكره المستدلّ، ويقول: العلّة بعض ما ذكرت؛ لأنَّهُ مناسب، كما أن كلّ ما ذكرت مناسب، فجعلك الكل هو العلّة دون [البعض] (^١) ترجيح بغير مرجّح.\nمثال الأول: أن يعتل بالطّعم، فيعارضه بالكيل.\nومثال الثاني: أن يعتل الشَّافعي بالقَتْلِ العَمْدِ العدوان، فيعارضه الحنفي بالجَارِح.\nومثال الثَّالث: أن يعتل الحنفي بالقَتْلِ العمد العدوان بجارح، فيعارضه الشافعي بالقَتْلِ العَمْد العدوان فقط؛ فإِنه على حدته مناسب.\nفإِذا قال الحنفي - مثلًا -: لا يجب القِصَاصُ في المُثَقّل؛ لأن العلّة في الوجوب قتل عَمْد عدوان بجارح، والجارح - هنا - منتفٍ، فتنتفي العلّة، وإذا انتفت العلّة انتفى المعلول.\nقال الشافعي: لم قلت: إن العلة مجموع ما ذكرت؟ بل بعضه، والجارح زائد، وإِذن فالعلّة موجودة، فيجب القصاص في المُثَقّل، وهذه المعارضة مقبولة في صورها الثلاث؛ لأن الوصف المدعي كونه علّة ليس بأولى بالجزئية إِذا جعله المستدلّ جزءًا، من الاستقلال إِذا عورض به، فليس جعل الحَنَفِي القَتْل العَمْد العدوان جزءًا، أولى من جعل الشَّافعي إِياه مستقلًّا؛ فإِنه مناسب بنفسه، وليس أولى بالاستقلال، إِذا ادّعاه مستقلًّا من الجزئية إذا عورض بها، فليس جعل الشَّافعي القتل العَمْد العدوان مستقلًّا أولى من جعل الحنفي إِياه جزءًا، وليس - أيضًا - أولى بالاستقلال من العلّة التي عورض بها.\nوقيل: إنها مستقلة، كالكَيْل إِذا عورض به الطعم.\nوالحَاصِلُ: أن ما يأتي به المستدلّ مناسب، وما يعارضه به المعترض - أيضًا - مناسب، فليس التمسُّك بأحدهما أولى من عكسه، ولا يخفى عليه أن المعارضة - هنا - ليس المُرَاد بها العلّة المقتضية، بخلاف ما يريده المستدلّ، كما يفهم من الدَّليلين المتعارضين، بل العلّة الصالحة لأن يتعلّق بها في الحكم، كما صلحت علة المستدل، وينشأُ الخلاف\n_________\n(^١) في أ، ت: النقض.","vol":"4","page":444},{"text":"فَإِنْ رُجِّحَ بِالْتَّوْسِعَةِ، مَنَعَ الدِّلَالَةَ، وَلَوْ سُلِّمَ، عُورِضَ بأَنَّ الأَصْلَ انْتِفَاءُ الأَحْكَامِ وَبِاعْتِبَارِهِمَا مَعًا.\nوَأَيْضًا، فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ مَبَاحِثَ الصَّحَابَةِ، كَانَتْ جَمْعًا وَفَرْقًا.\nقَالُوا: اسْتِقْلَالُهُمَا بِالْمُنَاسَبَةِ يَسْتَلْزِمُ التَّعَدُدَ.\nقُلْنَا: تَحَكُّمٌ بَاطِلٌ، كمَا لَوْ أَعْطَى قَرِيبًا عَالِمًا.\n<hr><s0>\n\nعنهما في الفرع، لا في الأصل، فمِاذا اتفقا - مثلًا - على أن البُرّز ربوي، واعتلّ أحدهما بالطعم وبين وجه مناسبته، كان للمعترض أن يقول: لم لا تعلقت بالكيل وهو - أيضًا - مناسب وتبين ذلك؟! وإِذا لَاحَتْ مناسبتها، وَضَح أنّ التعليق بأحدهما، وترك الآخَر تحكم. هذا ما فهمته من عبارة الكتاب، وهي قَلِقَةٌ عاصية.\nالشرح: \"فإن رجح\" استقلال وصف المستدلّ إِذا ادّعاه مستقلًّا \"بالتوسعة\" في الأحكام \"منع الدلالة\" دلالة التوسعة على الأَرْجَحِيّة؛ فإِن العلة لا ترجح بكثرة فروعها عند المحققين.\n\"ولو سلم، عورض بأن الأَصْل انتفاء الأحكام\"، فالجزئية جاريةٌ على الأصل، فيتعارضان.\n\"و\" عورض - أيضًا - \"باعتبارهما معًا\" أي: اعتبار وصفي المستدلّ والمعترض، فإِن اعتبارهما معًا أولى من إِلغاء أحدهما؛ لأنَّهُ جمع بين دليلين.\n\"وأيضًا، فلما ثبت\" أي: وتقبل المُعَارضة - أيضًا - لما ثبت من \"أن مباحث الصَّحابة كانت جمعًا\" بين مفترقين، \"وفرقًا\" بين مجتمعين، ومن نظر في آثارهم وجد الكَثِيرَ من ذلك، وما ذلك إلا بتعميم بعضيّة وصف، وتخصيص بعضية آخر، وهو إِجماع منهم على إِبداء وصف فارق وقَبُوله، وهو المراد.\nوالمانعون من قبول المُعَارضة \"قالوا\": لو قبلت، لزم \"استقلالها بالمناسبة\"، وذلك \"يستلزم\" تعدّد العلل على معلول واحد، وهو باطل، وإنما استلزام \"التعدد\"؛ لأنّ العلة إِذا قبلت من المُعَارض بها، صارت في الرّبوي - مثلًا - الطّعم الذي ذكره المستدلّ، والكيل أو القوت الذي ذكره المُعَارض، وفي القِصَاصِ القتل العَمْد العدوان فقط، والقَتْل العَمْدْ العدوان بجارح؛ وتظهر فائدة هذا حالة انتفاء الجَارحِ، فإِن القصاص يثبت لأن غاية الأمر انتفاء العلّة المركّبة من الجارح وغيرة، وثم علّة أخرى، فيتعلّق بها.","vol":"4","page":445},{"text":"وَفِي لُزُومِ بيَانِ نَفْي الْوَصْفِ عَنِ الْفَرْعِ:\nثَالِثُهَا: إِنْ صَرَّحَ، لَزِمَ.\nلَنَا: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُصَرِّحْ فَقَدْ أَتَى بِمَا لَيْسَ يَنْتَهِضُ مَعَهُ الدَّلِيل، فَإِنْ صَرَّحَ، لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِمَا صَرَّحَ.\n<hr><s0>\n\n\"قلنا\": بل إِسناد الحكم إِلى أحد الوصفين دون المجموع \"تحكّم باطل\"؛ لتساويهما، \"كما لو أعطي قريبًا عالمًا\"، فإِن إِسناد الإِعطاء إِلى القرب أو العلم تحكّم لمناسبة كل منهما.\nالشرح: \"وفي لزوم بيان نفي الوَصْف\" أي: في أنه هل يلزم المُعْترض بيان نفي الوَصْف الذي عارض به في الأصل \"عن الفرع\"؟ مذاهب:\nأحدها: اللزوم؛ لتنفعه دعوى التَّعليل به؛ إِذ لولاه لم تَنْتَفِ العلة في الفرع، وإذا لم تنتف العلة في الفرع، ثبت الحكم فيه، وحصل مطلوب المستدل.\nوثانيها: لا يلزمه؛ لأن غرضه هدم ما ادعاه المستدلّ [علة] (^١)، وهذا القدر يحصل بمجرد إبدائه.\nو\"ثالثها\"، وهو المختار: \"إن صرح\" المعترض بالفرق بين الأصل والفرع \"لزم\" المعترض النفي، وذلك كما لو قال: لا يلزم مما ذكرت ثبوت الحُكْم في الفرع؛ لوجود الفرق بينه وبين الأصل، وإلا فلا.\n\"ولنا: أنه إِذا لم يصرح\" بالفرق، \"فقد أتى\" المعترض \"بما لا ينتهض معه الدليل\" الذي أبْدَاه المستدلّ، فلا يلزمه بيانه؛ لأن غرضه عدم انْتِهَاض الدَّليل، لا بيان الفرق، حتَّى لو ثبت مَطْلُوب المستدلّ بدليل آخر، لم يكن إِلزامًا له، \"فإن صرح\" بالفَرْقِ \"لزمه الوفاء بما صرح\" [لالتزامه] (^٢)؛ فإن من التزم أمرًا - وإن لم يجب عليه ابتداء - جرى على قضية التزامه.\n_________\n(^١) في أ، ت: عليه.\n(^٢) في أ، ت: لإلزامه.","vol":"4","page":446},{"text":"وَالْمُخْتَارُ: أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَصْلٍ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ نَفْيُ الْحُكْمِ؛ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ، أَوْ صَدُّ الْمُسْتَدِلِّ عَنِ التَّعْلِيلِ بِذَلِكَ.\nوَأَيْضًا، فَأَصْلُ الْمُسْتَدِلِّ أَصْلُه، وَجَوَابُ الْمُعَارَضَةِ: إِمَّا بِمَنْعِ وُجُودِ الْوَصْفِ.\nأَوِ الْمُطَالَبَةِ بِتَأْثِيرِهِ إِنْ كَانَ مُثْبِتًا بِالْمُنَاسَبَةِ أَوْ الشَّبَهِ، لَا بِالسَّبْرِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"والمختار: أن\" المعترض \"لا يحتاج إِلى أصل\"، يبين تأثير الوَصْف الذي عارض به، ويشهد له بالاعْتِبَارِ، كما يقول: العلة الطّعم دون القُوتِ، بدليل المِلْحِ، وإنما لا يحتاج، مع أن المناسبة بدون الاقْتِرَانِ لا تدلّ على العلية؛ \"لأن حاصله\" أي: حاصل سؤال المعارضة أحد أمرين: \"نفي الحكم\" في الفرع؛ \"لعدم العلة\"، ويكفيه ألّا يثبت علّيتها، ولا يفتقر إلى إِثبات علّية ما أبداه، \"أو صدّ المستدل عن العليل بذلك\" الوصف؛ لجواز تأثير هذا، والاحتمال كافٍ، فهو لا يدعي علية ما أَبْدَاه، حتَّى يحتاج إِلى شهادة أصل.\n\"وأيضًا\"، فإن سلم احتياجه إلى أصل، \"فأصل المستدل\" وهو: البُرّ الذي قاس عليه التّين - مثلًا - \"أصله\"، ولا يحتاج إِلى أصل آخر، فاِن أصل المستدلّ كما شهد لوصفه يشهد لوصف المعنيين؛ لاشتماله على وصفيهما، فحصلت المُنَاسبة مع الاقتران، فإِن دلَّ البُرّ على كون الطعم علّة؛ لمناسبة الطعم الموجودة فيه المقترنة بشهادة الشرع أنه ربوي، دلّ على كون القوت علّة؛ لمناسبته الموجودة فيه، المقتزنة بشهادة الشَّرْع أنه ربوي.\n\"وجواب المعارضة\" بوجوه: \"إما منع وجود الوصف\" في الأصل، فنقول - مثلًا - لو عورض بالكيل: لا نسلم أنه مكيل؛ لأن العِبْرَةَ بعادة زمن النَّبِيّ ﷺ وكان إذ ذاك موزونًا.\nالشرح: قوله: \"أو المُطَالبة بتأثيره إِن كان مثبتًا بالمناسبة أو الشبه، لا بالسَّبْرِ\"؛ أي: وللمستدلّ الجواب عن المُعَارضة، بأن يطالب المُعْترض بتأثير الوَصْفِ الذي عارض به، فيقول: لم قلت: إِن ما عارضتني به مؤثر؟.\nوليس له المُطَالبة بتأثيره على الإطلاق، بل بشرط أن يكون قد أثبت وصفه الَّذي عورض فيه بالمناسبة أو [الشّبه] (^١)، فإِن كان أثبت وصفه بطريقة السَّبر والتقسيم، فليس له\n_________\n(^١) في أ، ت: السببية.","vol":"4","page":447},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأن يطالب المعترض بالتأثير؛ فإِن مجرد الاحتمال كافٍ في دفع السَّبر، فعليه أن يدفعه لتثبت له طريقة التَّقسيم، وقد قدم المصنّف هذا في السَّبْر حيث قال: فإن بين المعترض وصفًا آخر، لزم إِبطاله، فإن كان ادّعى مثلًا، علية الطّعم بقي القوت والكَيْل - مثلًا - فعورض بالوَزْنِ، لم يكن له أن يطالب بتأثير الوَزْنِ، بأن مجرد احتمال كونه علّة يكفي في إِبطال التقسيم، فليدفعه هو ببيان عدم صلاحيته للعلّية.\nهذا تقرير كلامه، وبه [يظهر] (^١) أنَّ مراده بقوله: إِن كان مثبتًا أن يكون مثبتًا من جهة المستدلّ، وعليه جرى الآمدي، والمصنف في \"المنتهى\"، لا إن كان مثبتًا من جهة المعترض، كما قرره الشَّارحون؛ فإنه مع مخالفته لصريح كلام المصنّف والآمدي، لا وجه له؛ إِذ المعترض ليست وظيفته الإثبات، بل هَدْم كلام المستدلّ، ونفي ما يثبته، كما ذكر المصنف قريبًا، حيث يقول: لأنّ حاصله نفي الحكم، بل لو أن المعترض أخذ يثبت علّية الوصف الذي عارض به، من غير مُطَالبة المستدلّ، لكان غاصبًا منصب الاستدلال، فلا يسمع، ولذلك يمنع المعترض بمنع وجود الوَصْفِ في الفرع من تقرير ذلك - كما ليأتي في كلام المصنّف - وأيضًا فالمعترض لا يمكنه أن يدعي أنّ وصف المعارضة هو العلّة؛ لأنا إِنما قبلنا المُعَارضة لما يلزم على ردّها من التحكّم؛ فإِنه ليس أحد الوصفين أَوْلَى من الآخَر بالاعتبار من غير مرجّح، فلو كان مدعيًا أن وصفه هو العلة، لكان مدعيَا رُجْحَان وصفه، وهو - حينئذ - تحكّم، فما الذي رجّح وصفه على وصف المستدل، مع أن شاهدهما بالاعتبار واحد؟.\nفإن ذكر مرجّحًا من خارج، فذلك أمر آخر ليس من المُعَارضة، وأيضًا فربما كان مقصوده بوصف المُعَارضة أنه مُسَاوٍ لوصف المستدلّ، مع كونه لم [يقل] (^٢) به، وإن كان المعتوض يعتقد أن كلًّا منهما لا يصلح، بل ربما اعتقد أن الحكم في المسألة [تعبدي] (^٣)، وأراد أن يقابل بعض الأَوْصَاف ببعض؛ ليدرأ الكل، وتثبت له دعوى التعبد.\n_________\n(^١) في أ، ت: ظهر.\n(^٢) في أ، ت: يعقل.\n(^٣) في أ، ت: تعبد.","vol":"4","page":448},{"text":"أَوْ بِخَفَائِهِ، أَوْ عَدَمِ انْضِبَاطِهِ، أَوْ مَنع ظُهُورِهِ، أَوِ انْضِبَاطِهِ، أَوْ بَيَانِ أَنَّهُ عَدَمُ مُعَارِضٍ فِي الْفَرْعِ؛ مِثْلُ الْمُكْرَهِ عَلَى الْمُخْتَارِ بِجَامِعِ الْقَتْلِ، فَيُعْتَرَضُ بِالطَّوَاعِيَةِ؛ فَيُجِيبُ: بِأَنَّهُ عَدَمُ الإِكْراهِ الْمُنَاسِبُ لِنَقِيضِ الْحُكْمِ، وَذَلِكَ طَرْدٌ، أَوْ يُبيِّنُ كَوْنَهُ مُلْغًى، أَوْ يُبَيِّنُ اسْتِقْلَالَ مَا عَدَاهُ فِي صُورَةٍ بِظَاهِرٍ أَوْ إِجْمَاعٍ؛ مِثْلُ: \"لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ\" فِي مُعَارَضَةِ الْمَطْعُومِ بِالْكَيْلِ، وَمِثْلُ: \"مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ\" فِي مُعَارَضَةِ التَّبْدِيلِ بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِيمَانِ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لِلتَّعْمِيمِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"أو \"يجيب المستدلّ على الوصف الذي عورض به \"بخفائه، أو عدم انضباطه، أو منع ظهوره\"، أو منع \"انضباطه\"، فلا تثبت علّيته؛ لوجوب كون الوصف ظاهرًا منضبطًا، \"أو بيان أنه عدم معارض في الفرع\".\nأي: ويحصل جواب المعارضة أيضًا بببان أنّ وصف المعارضة ليس وصفًا وجوديًّا، وإنما هو عبارة عن عدم المُعَارض في الفرع، والعَدَم لا يكون علة ولا جزءًا من العلة، كما قدمه المصنّف حيث قال في شروط العلّة: ومنها: ألّا تكون عدمًا في الحكم الثبوتي، وذلك \"مثل\" قياس \"المكره على المختار\" في وجوب القِصَاصِ \"بجامع القَتْل\" العَمْد العدوان، فيعترض المعترض \"بالطّواعية\"؛ فإنها مناسبة لإِيجاب القصاص، فلا تكون العلّة القَتْل العَمْد العدوان فقط، بل بقيد الاختيار، \"فيجيب\" المستدلّ عن وصف الطواعية \"بأنه عدم الإِكراه المناسب لنقيض الحكم، وذلك\" أي: عدم الإِكْرَاه \"طرد\"، فالإكراه يناسب نقيض الحُكْمِ، وهو عدم القِصَاصِ، فيكون الإِكراه معارضًا في الفرع الذي هو المُكره؛ لكونه يناسب عدم وجوب القِصَاصِ الذي هو نقيض الحكم، فيكون عدم الإِكراه عدم مُعَارض في الفرع، فلا يكون جزء علّة، بل وصفًا طرديًا؛ لأنَّهُ عدم، \"أو يبين\" المستدلّ من حال الوصف \"كونه ملغى\" لا مدخل له في العلّية، \"أو يبين استقلال ما عداه\" من الأوصاف دونه \"في صورة\" إما \"بظاهر\" من النصوص، \"أو إجماع\"، فيمتنع لذلك أن يكون علّة في محلّ التعليل، وإلا لزم إلغاء المستقل واعتبار غيره، \"مثل\": ما إذا اعتل المستدلّ في الربا بالطعم، فاعترض بالكَيْل، فبين استقلال الطعم بظاهر ما رواه المصنف فيما سلف من قوله ﵊: \"لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ\"، فيحصل له الجواب، \"في معارضة الطّعم بالكَيْل.\nومثل\" ما روى البخاري وغيره عن ابن عَبَّاس، أن النَّبِيّ ﷺ قال: \"من بَدّلَ دِينَهُ","vol":"4","page":449},{"text":"وَلَا يَكْفِي إِثْبَاتُ الْحُكْمِ فِي صُورَةٍ دُونَهُ؛ لِجَوَازِ عِلَّةٍ أُخْرَى.\n<hr><s0>\n\nفَاقْتُلُوهُ\" (^١) إذا ذكرناه في توجيه القَوْلِ الصَّحيح: من أن من بَدَّل دينًا باطلًا بباطل، كالنَّصراني يتهوّد، يقتل أو يسلم.\nوقلنا \"في\" الجواب عن \"مُعَارضة التبديل بالكُفْر بعد الإِيمان\" العلة: تبديل الكفر بالإِيمان لا مطلق التَّبْديل، فقال المستدلّ: بل مطلق التبديل؛ لظاهر الحديث.\nقوله: \"غير [متعرض] (^٢) للتعميم\" - منصوب على الحَالِ - وحاصله: أن هذا إِنما هو في حال كون المستدلّ غير متعرض لتعميم الحُكْمِ، فلو عمم بأن قال: فثبت ربوية كلّ مطعوم، أو اعتبار كلّ تبديل؛ للحديث، لم يسمع؛ لأن ذلك إِثبات للحُكْمِ بالنَّصّ دون القياس، والكلام إِنما هو في القياس، فلو ثبت العموم لَضَاعَ، نعم لا يضره كونه عامًّا إِذا لم [يتعرّض] (^٣) للتعميم ولم يستدلّ به، فربّ مستدلّ بالقياس على ما عليه نصّ، ولربما فر المستدلّ - هنا - من الاستدلال بالنَّصّ؛ لأن قضية التعميم منتقضةٌ بدليل: من بَدَّلَ دين الكفر بالإِسلام، فإِنه لا يقتل، ولعل المصنّف إنما أورد مثالين للنَّص؛ لينبه على أنه في أحد المثالين يستدل بالقياس، غير [متعرّض] (^٤) للتعميم، مع وجه أنه في الدليل كما في \"لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ\".\nفإن التعميم موجود فيه، ولا نقض عليه؛ إِذ لا مطعوم إلا وهو ربوي عند المعتلّين بالطعم، وفي الثَّانية لا يوجد التعميم في الدليل، مثل حديث التبديل على ما بَيّناه.\nالشرح: \"ولا يكفي\" في بيان استقلال ما عدا وصف المُعَارضة \"إثبات الحكم في صورة دونه؛ لجواز\" وجود \"علّة أخرى\" يثبت الحكم في تلك الصورة بها، وإن كان قد ثبت في محل النزاع بوصف المُعَارضة، بناء على جواز التَّعْليل بعلّتين؛ ولأنه لا يلزم من وجود الحكم مع انتفاء العلّة فسادها، بناء على أن العكس غير شرط في العلة.\n_________\n(^١) تقدم.\n(^٢) في أ، ت: معترض.\n(^٣) في أ، ت: يعترض.\n(^٤) في أ، ت: معترض.","vol":"4","page":450},{"text":"وَلذَلِكَ لَوْ أَبْدَى أَمْرًا آخَرَ يَخْلُفُ مَا أَلْغَى، فَسَدَ الإلْغَاء، وَيُسَمَّى تَعَدُّدَ الْوَضْعِ لِتَعَدُّدِ أَصْلَيْهِمَا، مِثْلُ: أَمَانٌ مِنْ مُسْلِمِ عَاقِلٍ، فَيَصِحُّ كَالْحُرِّ؛ لأِنَّهُمَا مَظِنَّتَانِ لإِظْهَارِ مَصَالِحِ الإيمَانِ، فَيَعْتَرِضُ بِالْحُرِّيَةِ؛ فَإِنَّهَا مَظِنَةُ الْفَرَاغِ لِلنَّظَرِ، فَيَكُونُ أكمَلَ، فَيُلْغِيهَا بِالْمَأْذُونِ لَهُ فِي الْقِتَالِ.\nفَيَقُولُ: خَلَفَ الإِذْنُ الْحُرِّيَةَ؛ فَإِنَّهَا مَظِنَّةٌ لِبَذْلِ الْوُسْعِ، أَوْ لِعِلْمِ السَّيِّدِ بِصَلَاحِيتِهِ.\n<hr><s0>\n\nفإن قلت: قد قدم المصنف في السَّبر والتقسيم - أن من [طرق] (^١) الحَذْف الإِلغاء، وهو بيان ثبوت الحكم بالمُسْتبقى فقط، وهذا يقتضي أن ينتفي بإثبات الحكم في صورة دونه هنا.\nقلت: ثبوت الحكم في صورة قد يكون مستندًا إِلى العلّة التي ادّعاها المستدل، وهو ما قدمه في السبر والتقسيم، وأشار إليه بقوله: فقط؛ أي: بالوصف المستبقى لا بغيره، \"ذا ثبت مستندًا إِليه لا إِلى غيره كفى، ويعرف اسْتناده إِليه بالإِجماع، أو بظاهر من النُّصُوص، كما قدمناه قريبًا، وقد ثبت ولكن لا يعرف اسْتِنَاده إِلى أنه علة، وهو ما ذكره هنا، فلا يكفي لما ذكرناه.\nالشرح: \"وكذلك لو أبدى أمرًا آخر\"؛ أي: لو أنّ المعترض أورد أمرًا آخر \"يخلف ما ألغي\"؛ أي: يخلف الوصف الذي ألْغَاه المستدل، ويقوم مقامه \"فسد الإِلغاء\" إِلغاء الوصف المعارض به. وفي قولنا: فسد الإلغاء، تجوز ولطيفة، أما التجوّز؛ فلأن الوصف الذي أفسدناه بالإِلغاء هو الفاسد، وأتى المعترض بخلفه، فالإِلغاء صحيح، والمَلْغى هو الفاسد، ولكن المعترض لما لم يكن له مقصد في إِثبات وصف بخصوصه؛ لأنَّهُ ليس مثبتًا، ولا مدعيًا، ولا وظيفته ذلك - كما عرفناك - عبرنا بفساد الإِلغاء؛ ليعلم أن المراد فساد غرض المعترض من المعارضة بصحّة إِلغاء ما أَبْدَاه، فإذا أتى ببدله، فسد هذا الإِلغاء الذي هو وارد على غرض المعترض من هَدْم قاعدة المستدلّ، وإن لم يتضمّن إثباته، لخلف الوصف إفساد ذلك الوصف الأول، بل تضمن إِثباته بالخلف اعترافه بفساده، وفي الحقيقة الذي فسد أولًا\n_________\n(^١) في أ، ت: طرف.","vol":"4","page":451},{"text":"وَجَوَابُهُ: الإِلْغَاءُ إِلَّا أَنْ يَقِفَ أَحَدُهُمَا، وَلَا يُفِيدُ الإِلْغَاءُ لِضَعْفِ الْمَعْنَى مَعَ تَسْلِيمِ الْمَظِنَّةِ، كَمَا لَوِ اعْتُرِضَ فِي الرِّدَّةِ بِالرُّجُولِيَّةِ؛ فَإِنَّهَا مَظِنَّةُ الإِقْدَامِ عَلَى الْقِتَالِ، فَيُلْغِيهَا بِالْمَقْطُوع الْيَدَيْنِ، وَلَا يَكْفِي رُجْحَانُ الْمُعَيَّنِ وَلَا كَوْنُهُ مُتَعَدِّيًا؛ لاِحْتِمَالِ الْجُزْئِيَّةِ فَيَجِئُ التَّحَكُّم، وَالصَّحِيحُ: جَوَازُ تَعَدُّدِ الأُصُولِ لِقُوَّةِ الظَّنِّ بِهِ، وَفِي جَوَازِ اقْتِصَارِ الْمُعَارَضَةِ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ قَوْلَانِ، وَعَلَي الْجَمِيعِ فِي جَوَازِ اقْتِصَارِ الْمُسْتَدِلِّ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ قَوْلَانِ.\n<hr><s0>\n\nوصف المُعَارضة، ثم لم ينهض جانب المُعْترض بإِبدائه الخلف، لا بتصحيحه ما أفسد، فهذا هو السر في قولنا: فسد الإِلغاء، وهو اللَّطِيفة التي أشرنا إِليها، ولو قال: زالت فائدة الإِلغاء، كان أولى.\n\"ويسمى\" فساد الإِلغاء بالوجه المذكور \"تعدّد الوضع؛ لتعدّد أصلها\"؛ أي: أصلي العلّة، لأنها تعددت بأصلين؛ لأن المعترض أورد الوصف، فلما ألغي، عوضه بآخر وصار معللًا بكل منهما على وضع؛ أي: مع قيد، [فإن] (^١) شئت فاجعل الضَّمير في: \"أصلها\" عائدًا على المُعَارضة، لتعدد أصل المعارضة؛ لأنها تعدّدت بأمرين، وهما الوَصْفَان اللَّذان أوردهما.\n\"مثل\" قولنا - مستدلين فيما إِذا أمّن العبد حربيًّا -: \"أمان من مسلم عاقل، فيصح، كالحر؛ لأنهما\" أي: الإسلام والعقل \"مظنّتان لأظهار مصالح الإيمان\"، فيظهر أن الأمان الصَّادر من المسلم العاقل مصلحة، فيعتبر، \"فيعترض\" المعترض \"بالحريّة\" مدعيًا أنها جزء العلّة.\nفالعلة: أمان المُسْلم العاقل الحر، لا المسلم العاقل فقط؛ \"فإنها أي: الحرية \"مظنّة الفراغ للنظري في وجوه المَصْلَحة، والعبد مَشْغُول بخدمة مولاه، \"فيكون\" النظر بها \"أكمل\"، فلا يجوز قياس العَبْد على الحر لذلك، \"فيلغيها\" المستدل \"بالمأذون له في القتال\"؛ فإن الحنفية وافقوا على صحّة أمانه، \"فيقول\" المعترض: \"خلف الإذن الحرية\" في صورة المأذون، \"فإنه\" أي: الإِذن \"مظنّة لبذل الوسع\" في النظر؛ إِذ لا شاغل له بعده عن النَّظَرِ، \"أو لعلم السَّيد بصلاحيته\" للأمان، وإلا لم يأذن له.\n_________\n(^١) في أ، ت: وإن.","vol":"4","page":452},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"وجوابه: الإلغاء\"، إلغاء الوصف الذي جعله المعترض خلفًا للإلغاء، فإن أبدى وصفًا آخر، كان جوابه الإلغاء أيضًا، وهكذا \"إلى أن يقف أحدهما\"، إما المستدل؛ لعجزه عن الإلغاء، أو المعترض؛ لعَجْزِهِ عن ثبوت غرضه، فينقطع، وفي هذا المقام تظهر الرِّجال، ويبين فُرْسَان الجدال.\n\"ولا يفيد\" المستدلّ \"الإِلغاء\" إلغاء الوصف المُعَارض به في الأصل \"بضعف المعنى\"؛ أي: ببيان أن المعنى فيه ضعيف، مع تسليم وجود \"المظنّة، كما لو اعترض في الرّدة\" من لا يقتل المرأة \"بالرّجولية\"، وزعمها جزء العلّة في قتل المرتدّ، \"فإنه\" أي: وصف الرُّجُوليَّةِ \"مظنّة الإقدام على القتال، فيلغيها بالمقطوع اليَدَيْنِ\"؛ فإن الرّجولية فيه ضعيفة، مع أنه يقتل اتفاقًا، وإنما لم يفده؛ لأنَّهُ لما سلم كونها مظنّة، لم يضرّه ضعفها في صورة، كالسَّفر لما كان مظنّة المَشَقّة، ثبت الحكم على وفقه في المُسَافر المترفه.\n\"ولا يكفي\" في جواب المعارضة \"رُجْحَان\" الوصف \"المعيّن\" الذي أَبْدَاه المستدلّ على المعارض به بجهة من جِهَاتِ الترجيح، \"ولا كونه متعديًا\" إِذا كان وصف المعترض قاصرًا، خلافًا لزاعمي ذلك.\nوإنما قلنا: لا يكفي \"لاحتمال الجزئية\"؛ أي: احتمال كونه جزء علّة، وبعضُ أجزاء العلّة يجوز أن يترجح على بعض، كما في القَتْل العَمْد العدوان؛ فإِن القتل أولى من الأخيرين، وكذا المُتَعَدّى إن ترجّح بالتَّوْسعة، ترجّح القاصرة بموافقة الأصل، ولو سلم الرُّجْحَان، لم يلزم أن يكون مستقلًا؛ لاحتمال أن يكون القاصر جزءًا، وإذا احتمل كون وصف المُعَارضة جزءًا، \"فيجيء التحكّم\" بتقدير الحكم باستقلال وصف المستدل، دون وصف المعترض.\n\"والصحيح: جواز تعدد الأصول\"، أصول المستدلّ المقيس عليها \"لقوة الظَّن به\"؛ خلافًا لمن منعه، معتلًّا بأنه يلزم منه التَّشْريع مع حصول المقصود بواحد.\n\"وفي جواز اقتصار المُعَارضة\" في الأصل \"على أصل واحد\" إِذا أبدى المستدل أصولًا - وقلنا: بأنه صحيح - \"قولان\":\nأحدهما: الجواز؛ لأن المستدلّ قصد إِلحاق الفرع بجميع الأصول، فإِذا فرق المعترض بين الفرع، وأصل من الأصول، فقد تم مقصوده من إِبطال غرض المستدلّ.","vol":"4","page":453},{"text":"<span data-type='title' id=toc-853>السَّادِسَ عَشَر: الترْكِيبُ</span>؛ تَقَدَّمَ.\n<span data-type='title' id=toc-854>السَّابِعَ عَشَرَ:\nالتَّعْدِيَة،</span> وَتَمْثِيلُهَا فِي إِجْبَارِ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ: بِكْرٌ، فَجَازَ إِجْبَارُهَا كَالْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ، فَيُعَارَضُ بِالصِّغَرِ، وَيُعَدِّيهِ إِلَى الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ، [وَ] يَرْجِعُ بِهِ إِلَى الْمُعَارَضَةِ فِي الأَصْلِ.\n<hr><s0>\n\nوالثاني: عدم الجواز؛ لأنَّهُ إِذا عارض في بعضها، يبقى ما لم يعارض فيه صحيحًا، وقصد المستدلّ يحصل به.\n\"وعلى\" القول بوجوب المُعَارضة في \"الجميع، [ففي] (^١) جواز اقْتِصَار المستدلّ\" في الجواب \"على أصل وَاحِدٍ قولان\".\nأحدهما: الجواز؛ لحصول المطلوب به.\nوالثاني: المنع؛ لأنَّهُ التزم الجَمِيع، فلزمه الدفاع عنه، واعلم أنا سنذكر في الفَرْق قولًا يتصل بما أوردناه في المُعَارضة، وينضم إليه.\nالشرح: الاعتراض: \"السَّادس عشر: التركيب\"، وقد \"تقدّم\" في شروط حكم الأصل (^٢).\nالشرح: \"السَّابع عشر: التعدية\" (^٣) وهو: أن يعارض في الأصل، ثم يقول للمستدلّ: علّتي تؤدّي إلى فرع مختلف فيه، كما أن علّتك تؤدّي إلى فرع مختلف فيه، فليس إِحداهما أولى من الأخرى.\n\"ويمثلها\" قولنا: في [إِجبار] (^٤) البِكْرِ البالغ: بكر، فجاز إِجبارها، كالبكر الصغيرة، فيعارض بالصغر\"، ويقول: أنت استنبطت من الأَصْل: أن البَكَارة علّة، وأنا استنبطت: الصِّغَر، فقد تساوت الأقدام في الأصل، فإِن تعدت البَكَارة إِلى البالغ، فالصغر \"مُتعَدٍّ إِلى [الثَّيِّبِ] (^٥) الصغيرة\".\n_________\n(^١) سقط في أ، ت.\n(^٢) ينظر: الإحكام ٤/ ٨ وشرح العضد ٢/ ٢٧٤.\n(^٣) ينظر: الإحكام ٤/ ٨ وشرح العضد ٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥.\n(^٤) في أ، ت: إخبار.\n(^٥) في أ، ت: النبت.","vol":"4","page":454},{"text":"الثَّامِنَ عَشَرَ: مَنع وُجُودِهِ فِى الْفَرْعِ مثْلُ: \"أَمَانٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ [فِي مَحَلِّهِ] \" كَالْمَأْذُونِ، فَيَمْنَعُ الأَهْلِيَّةَ.\nوَجَوَابُهُ: بِبيَانِ وُجُودِ مَا عَنَاهُ بِالأَهْلِيَّةِ كَجَوَابِ مَنْعِهِ فِي الأَصْلِ، وَالصَّحِيحُ مَنْعُ السَّائِلِ مِنْ تَقْرِيرِهِ؛ لأِنَّ الْمُسْتَدِلَّ مُدَّعٍ؛ فَعَلَيْهِ إِثْبَاتُهُ؛ لِئَلَّا يَنْتَشِرَ.\nالتَّاسِعَ عَشَرَ:\n<hr><s0>\n\n\"و\" هذا السؤال \"يرجع إِلى\" سؤال \"المعارضة في الأصل\"، مع زيادة التعرض للتساوي في التعدية، دفعًا لترجيح المتعيّن بالتعدية؛ فلا يكون سؤالًا آخر.\nالشرح: \"الثامن عشر: منع وجوده\"؛ أي: وجود الوَصْف المعلل به \"في الفرع، مثل\" قولنا في أمان العَبْدِ: \"أمان صدر من أهله\"، فيصح \"كالمأذون\" له في الحرب، \"فيمنع الأهلية.\nوجوابه: ببيان وجود مَا عَنَاهُ بالأهلية\"، ثم بيان وجوده في الفَرْع، لحس أو عقل، أو شرع\" [كجواب] (^١) منعه في الأصل\"، وقد مَرّ في منع وجوده في الأَصل، فنقول: المراد بـ\"الأَهْلِيَّة كونه مظتة لرعاية مصلحة الأمان، وهو بإسلامه وبلوغه كذلك عقلًا.\n\"والصحيح: منع السائل\" أي المعترض \"من تقريره\" الجزئية، يعني: الأَهْلِيّة توصلًا إِلى عدم وجود الوصف في الفرع؛ \"لأن المستدلّ مدع\" وجودها، فوظيفته إِثبات ما ادّعاه، \"فعليه إِثباته؛ لئلا ينتشر\" الجِدَال، كذا بخطّ المصنّف، وظاهره أنها علة واحدة لوجوب الإثبات.\nوفي \"المنتهى\": لأن المستدلّ مدع، فعليه إِثباته، ولأنه ينتشر، والذي يظهر أن علة وجوب إِثباته على المستدلّ ادعاؤه، وعلية منع المعترض من إِثباته الانتشار، فهما علّتان لحكمين مختلفين.\n\nالشرح: <span data-type='title' id=toc-856>\"التاسع عشر: المُعَارضة في الفَرْعِ </span>بما يقتضي نقيض الحكم\" (^٢) فيه، بان يقول: ما ذكرت من الوصف، وإن اقتضى ثبوت الحكم في الفَرْعِ، فعندي وصف آخر\n_________\n(^١) في أ، ت: لجواب.\n(^٢) ينظر: الإحكام ٤/ ٨٩، وشرح العضد ٢/ ٢٧٥.","vol":"4","page":455},{"text":"الْمُعَارَضَةُ فِي الْفَرْعِ بِمَا يَقْتَضِي نَقِيضَ الحُكْمِ عَلَى نَحْوِ طُرُقِ إِثْبَاتِ العِلَّةِ.\nوَالْمُخْتَارُ: قَبُولُهُ؛ لِئَلَّا تَخْتَلَّ فَائِدَةُ الْمُنَاظَرَةِ.\nقَالُوا: فِيهِ قَلْبُ التَّنَاظُرِ.\nوَرُدَّ: بِأَنَّ الْقَصْدَ الْهَدْمُ.\nوَجَوَابُهُ: بِمَا يُعْتَرَضُ بِهِ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ، وَالْمُخْتَارُ، قَبُولُ التَّرْجِيحِ أَيْضًا: فَيَتَعَيَّنُ الْعَمَل، وَهُوَ الْمَقْصُودُ.\nوَالْمُخْتَارُ: لَا يَجِبُ الإيمَاءُ إِلَى التَّرْجِيح فِي الدَّلِيلِ؛ لِأَنَّهُ خَارجٌ عَنْه، وَتَوَقُّفُ الْعَمَلِ عَلَيْهِ مِنْ تَوَابعِ وُرُودِ الْمُعَارَضَةِ لِدَفْعِهَا، لَا أَنَّهُ مِنْهُ.\n<hr><s0>\n\nيقتضي نقيضه فيتوقف دليلك، وهو المعنى بـ\"المعارضة\" إِذا أطلقت، ولا بد من بنائه على أصل بجامع يثبت علّيته، وله الاسْتِدْلَال في إِثبات علّيته بما يشاء من المسالك \"على نحو طرق إِثبات\" المستدلّ \"العلة\"، فيصير هو مستدلًّا، والمستدل معترضًا، فتنقلب الوَظِيفَتَانِ، وقد اختلف فيه.\n\"والمختار: قبوله؛ لئلا تختل فائدة المُنَاظرة\"، وهي: ثبوت الحكم؛ لأنَّهُ لا يتحقق بمجرد الدليل، ما لم يسلم عن المعارض.\nوالمانعون من القَبُول \"قالوا: فيه قلب التناظر\"؛ إذ يصير المعترض مستدلًّا وبالعكس.\n\"ورد: بأن القَصْد\" من استدلال المُعْترض \"الهدم\" لا إِثبات ما يقتضيه دليله، فكأنه يقول: دليلك قاصر عن إِفادة مدّعاك؛ لقيام المُعَارض، وهكذا دليلي، فعليك إِبطاله ليسلم دليلك، وحينئذٍ لم يلزم صَيْرُورته مستدلًّا، وإن تصور بصورة المستدل، وكيف يصير مستدلًّا قاصدًا إِثبات ما يقتضيه دليله، مع اعترافه بأنه معارض؟\nوالمعارضة من الطرفين، وكل يبطل الآخَر.\nمثاله: المسح رُكْن في الوضوء، فيسنّ تثليثه كالوجه، فيعارض قائلًا: مسحٌ، فلا يُسَنّ تثليثه، كالمسح على الخفين.\n\"وجوابه\": أن يقدح فيه المستدلّ \"بما يعترض به\" المعترض \"على المستدلّ\" لو قدر المستدلّ متمسكًا به؛ لأن المعترض صار مستدلًّا وبالعكس.","vol":"4","page":456},{"text":"<span data-type='title' id=toc-857>الْعِشْرُونَ: الْفَرْقُ،</span> وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى إِحْدَى الْمُعَارَضَتَيْنِ، وَإلَيْهِمَا مَعًا عَلَى قَوْلٍ.\n<hr><s0>\n\nفالجواب: فإِن عجز عن القدح، فقد اختلفوا في جواز دفعه بالترجيح.\n\"والمختار\" وبه جزم أكثر أصحابنا: \"قبول الترجيح أيضًا، فيتعين العمل\" به ترجيحًا للراجح على المرجوح، \"وهو المقصود\".\n\"والمختار\": أنه \"لا يجب\" على المستدلّ \"الإِيماء إِلى التَّرْجيح في الدليل؛ لأنَّهُ\" أي: الترجيح \"خارج عنه\"؛ أي: عن الدَّليل، والمستدلّ مطالب بالدليل فقط، \"وتوقف العمل\" بالدليل \"عليه\" أي: على التَّرْجيح إِنما كان لأنَّهُ \"من توابع ورود المُعَارضة لدفعها، لا أنه\" جزء \"منه\" أي: من الدَّليل، وإِذا لم يكن جزءًا من الدَّليل، يكون ذكره فيه حشوًا عريًّا عن الفائدة، فليجتنب ذكره إِلَّا عند الاحتياج إِليه، وهو وقت إِبداء المعارض.\nالشرح: الاعتراض \"العشرون: الفرق\" بين الأصل والفرع (^١)، وهو [راجع] (^٢) إِلى إِحدى المُعَارضتين\" إما في الأصل، وإِما في الفرع، \"أو إليهما معًا على قول\" لبعضهم.\nوقيل: إنما هو مُعَارضة علة الأصل بعلّة معدومة في الفرع فقط.\nمثاله: قول الحنفي في التَّبِيت: صوم عين فيتأدّى بالنية قبل الزَّوال، كالنفل، فيقال: ليس المعنى في الأصل ما ذكرت، بل إِن النفل بنى على السُّهُولة، فجاز بِنِيّة متأخّرة، بخلاف الفرض، وقد عرفت أن المصنف ذكر أن الفرق راجع إِلى إِحدى المعارضتين أو إِليهما؛ أي: فحكمه قبولًا وردًّا يظهر من حكمهما.\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٥/ ٣٠٢، والبرهان ٢/ ١٠٦٠، وسلاسل الذهب للزركشي ٤٠٣، والإحكام للآمدي ٤/ ٩٠، ونهاية السول للأسنوي ٤/ ٢٢٤، ومنهاج العقول للبدخشي ٣/ ١٣٥، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ١٣٢، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ٢١٩ والمنخول للغزالي ٤١٧، وحاشية البناني ٢/ ٣١٩، والإبهاج لابن السبكي ٣/ ١٣٤، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٤/ ١٤٦، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٣٦٣، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ٨٩، وتقريب الوصول لابن جُزَي ١٤٣.\n(^٢) في أ، ت: راجح.","vol":"4","page":457},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوذكر إِمام الحرمين: أن الكلام في الفَرْقِ وراء المعارضة، وأنّ خاصته وسرّه فقه يناقض قصد الجمع.\nقال: ردّ الفرق لا يرد المعارضة، بل خاصته الفرق.\nوقد اختلف في قَبول الفَرْق، فمنهم من قبله، وزعمه من أرفع الأسئلة.\nقال الشيخ أبو إسحاق في \"الملخص\": إنه أفقه شيء يجرى في النَّظر، وبه يعرف فقه المسألة.\nومنهم من رَدّه.\nقال ابن السَّمْعَاني: هو عند المحققين أضعف سؤال يذكر، وليس مما يمس العلّة التي نصبها المعلل بوجه ما.\nوذكر إمام الحرمين: أنَّ الصحيح الذي ارْتَضَاه كل منهم: أن التحقيق قبوله؛ لأن شرط صحّة علة الخَصْم خلوّها عن المعارضة.\nقال: وحقيقة هذا الكلام أنَّ المعلل لا يستقرّ كلامه ما لم يبطل بمسلك السَّبر كل ما عدا علّته، مما يقدر التعليل به، فإذا علل ولم يسبر، فعورض بمعنى في الأصل، فكأنه طُولِبَ بالوفاء بالسَّبر، ثم ذكر أنه راجع إلى منع التعليل بعلّتين.\nوذكر أن القاضي استدلّ على قبوله، بأنَّ السلف كانوا يجمعون، ويفرقون، ويتعلّقون بالفرق كما يتعلّقون بالجمع، كما في قصّة الجارية المُومِسَةِ التي أجهضت الجنين، وقد أرسل إليها عمر بن الخَطّاب ﵁ يهدّدها، فإن عمر استشار الصحابة ﵃ في ذلك، فقال عبد الرحمن بن عوف: إنما أنت مؤدّب، ولا أرى عليك شيئًا.\nوقال علي: إن لم يجتهد فقد غشك، وإن اجتهد فقد أخطأ، أرى عليك الغرّة (^١)،\n_________\n(^١) ومفاد هذا الأثر أن عثمان وعبد الرحمن بن عوف قاسا الإرسال الذي نشأ عنه إسقاط الجنين فزعًا على التأديب المشروع من الزوج أو السيد أو الأب أو المعلم إذا نشأ عنه الموت بلا تعدّ في عدم إيجابه الدية، بجامع أن كلا منها فعل قصد به التأديب المشروع، وأن عليًّا ﵁ قاسه على قتل الخطأ في إيجاب الديّة على العاقلة، بجامع أن كلا منهما فعل نشأ عنه القتل بلا قصد، وقد وافق عمر عليًّا على ذلك.","vol":"4","page":458},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفكأن عبد الرحمن بن عوف حاول أن يشبه تأديبه - بالمُبَاحات التي [لا تعقب] (^١) ضمانًا، وجعل الجامع أنه فعل ماله أن يفعله، فاعترضه علي، وتشبّث بالفرق، وأبان أنَّ المباحات المضبوطة النِّهَايات ليست كالتَّعْزِيرَات التي يجب الوقوف عليها، دون ما يؤدّي إلى الإتلاف، قال: ولو تتبعنا معظم ما يخوض فيه الصَّحَابة، وجدناه كذلك.\nوقد بالغ ابن السَّمْعاني في الرد على الإمام في هذا الكلام، وحكى مجموع كلامه وقال: قوله: شرط صحّة العلّة خلوّها عن المعارضة، ليس بشيء؛ لأنّ المعارضة إنما تقدح في حكمين مُتَضَادين.\nأما إذا ذكرت علّتان بحكم واحد، فلا تقدح، ولا تسمّى معارضة.\nوقوله: لا يصحّ تعليل المعلل ما لم يبطل كلًّا ما عدا علّته، فيقال له: من قال هذا؟ ولأي معنى يجب؟\nوإنما يجب عليه أن يذكر علّة مخيلة في الحكم مناسبة له، ثم إذا وجد فرعًا ألحقه بالأصل الذي استنبط منه العلّة.\nوأما السبر والتقسيم وإبطال ما عدا الوصف الذي ذكره، فليس بشيء.\nقال: وقد نسب هذا إلى أبي بكر بن البَاقِلَّاني، قال: ومن كلف المعلل هذا، ورام تصحيح العلّة بهذا الطريق، فقد أعلمنا من نفسه أن الفِقْهَ ليس من بابه، ولا من شأنه، وأنه دخيل فيه، مدّع له، قال: وقد بَيّنا بُطْلَان طريق السَّبر، قال: وقوله: إنه التزم ذلك، ليس كذلك، فأين في تعليل المُعَلّل التزام إبطال كلّ علّة سوى علّته؟ فهذا من التُّرَّهَات والخُرَافات، وكذلك قول من يقول: إن تعليل الأصل بعلّتين لا يجوز.\nقلت: وأنت ترى النِّزَاع بين ابن السَّمْعَاني والإمام في هذا راجع إلى نزاعهما في التعليل بعلّتين، فإذا استتب للإمام منع ذلك، ظهر كل ما ادَّعَاه، ولم يتوجّه كلام ابن السَّمْعَاني عليه، والإمام مصرح بأن ذلك مبني على منع التعليل بعلتين.\nثم قال ابن السَّمْعَاني: وأما الذي حكاه عن ابن البَاقِلَّاني، فقد حاول شيئًا بعيدًا؛ لأن\n_________\n(^١) سقط في أ، ت.","vol":"4","page":459},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالفرق والجمع على الوجه الذي يخوض فيه لم ينقل عن الصَّحابة أصلًا، وإنما كانوا يتتبعون التأثيرات، والذي نقل عن عبد الرحمن بن عوف معنى صحيح، والذي أشار إليه عليّ في معنى الضَّمَان ألطف منه، والمراد من كلامه: أنه وإن كان يباح له التَّأديب، ولكنه مشروط بالسَّلامة؛ لأنَّهُ أمر ليس بِحَتْمٍ، بل يجوز فعله وتركه، فيطلق فعله بشرط السلامة.\nقال: فليس هذا الكلام من الفرق والجمع الذي نحن فيه بسبيل، فلا ندري كيف وقع الحال في هذا الخبط من هذا القائل؟\nوإن وقع الفرق، فنحن لا ننكر الفَرْق بالمعاني المؤثرة، وترجيح المَعْنَى على المعنى، وإنما الكلام في شيء وراء هذا، وهو أنَّ المعلل إذا ذكر علّة، قام له الدَّليل على صحّتها، ففرق الفارقُ بين الأصْل والفرع بمعنى، فإن كان فرقًا لا يقدح في التأثير الذي لوصف المعلّل في الحكم، فهو فرق صورة، ولا يلتفت إليه، وإن فرق بمعنى مؤثّر في حكم الأصل، فغايته التَّعْليل بعلّتين.\nوإن بين الفارق معنى مؤثرًا في التفريق بين الفرع والأصل، فالقادح بيان معنى مؤثّر في الفرع يفيد خلاف الحكم الذي أفاده المَعْنَى الأول، فلا بدّ لهذا من إسناده إلى أصل، وحينئذٍ تكون معارضة، ولا يكون الفرق الذي يقصد بالسؤال، ونحن بَيّنا أن المعارضة قادحة. انتهى.\nوأنت تراه كيف لا يجعل المُعَارضة في الفرع فرقًا (^١)، فالنزاع فيها معه لفظي، وقد يجوز أن المُعَارضة في الفرع قادحةٌ بلا خلاف، فليسمها ابن السَّمْعَاني بما شاء.\nوأما المعارضة في الأصل فهي مَبْنِيّة على التعليل بعلّتين - كما سبق في مكانها - فلا وجه للإطناب فيها بعد تحقّق البناء.\nثم قال الإمام: ولن يتبيّن مدرك الحَق في الفرق إلا بتفصيل نبديه فنقول: ربّ فرق يلحق جمع الجامع بالطَّرد، وإن كان لولاه لكان الجمع فقيهًا، فما كان كذلك فهو مَقْبُول مجمع عليه.\nومن آية هذا التقسيم: أن الفارق يعيد جمع الجامع، ويزيد فيه ما يوضح بطلان أثره.\nمثاله: قول الحنفي في مسألة البيع الفاسد: معاوضة جَرَتْ على تَرَاضٍ، فيفيد ملكًا كالصحيحة، فيقول الفارق: المعنى في الأصل جَرَيَانها على وفق الشرع، [فنقلت] (^٢) الملك\n_________\n(^١) في ب: قادحة فرقا.\n(^٢) في أ، ت: ينغلب.","vol":"4","page":460},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nبالشَّرْع، بخلاف الفاسدة، فينتهض الكلام إذن، وفي صاحبه بتحقيقه مبطلًا إخالة كلام المعلل وما ادّعاه من إشعاره بالحكم.\nومن خصائصه: إمكان البوح منه بالغرض لا على سبيل الفرق، بل على سبيل المفاقهة، بأن يقول: لا تَعْوِيلَ على التراضي، بل المتبع الشرع في الطرق الناقلة، إلى آخر ذلك، على ما يعرفه الفقيه، ومما يقع مدانيًا لهذا أن الحَنَفي إذا قال: طَهَارة بالماء، فلا تحتاج إلى نِيّة، كإزالة النَّجَاسة، فالفارق [يعيد] (^١) كلامه ويزيد قليلًا، ويقول: المعنى في الأصل أنه طَهَارة بالماء عَيْنِيّة، والوضوء طهارة حُكْمِتة، ومقصوده أن يخرم فقه الجامع، ويلحقه بالطَّرد؛ أي: فإن نسبة كونه طَهَارة بالماء إلى إيجاب النية، وعدم إيجابها على السَّواء، وهذا يبين كونه طردًا.\nقال: وهذا محطوط عما استشهدنا به، أولًا من جهة أنَّا نرى مَدَار الكلام في هذه المَسْألة على الأشباه، وقد يظنّ الحنفي أن الطَّهَارة بالماء أشبه بالطَّهَارة بالماء، والفارق ليس يدعي مسلكًا فقهيًّا، وإنما يدعي تشبيهًا، وإنما مَثَار النِّزَاع في المسألة الأولى: هل يعتبر اتِّباع التَّرَاضي أو اتباع الشرع؟\nفليفهم الفاهم ما يلقى إليه من حقائق الكلام، ومما نجريه - مثلًا - أن المالكي إذا قال: الهبة عَقْد تمليك، فيرتب على صِحَّة الإيجاب والقبول فيها الملك، كالمُعَاوضة.\nفإذا قال الفارق: المعاوضة متضمّنها النزول عن المعوض والرِّضا بالعوض، وذلك يحصل بنفس العَقْدِ، والتبرع بدل لا يقابله عوض، فلنشترط فيه الإقباض المشعر بكمال الرِّضا ونهايته، لم يكن هذا الفرق مبطلًا بالكلية فقه الجَمْع، ولكن سرَّه أن الجَامِعَ أبدي الجمع بوصف عام، والفارق يفرق بوجه خاصّ، فإن لم يبطل ما أبْدَاه من خصوص الفرق الفقه في عموم الجمع، فهذا ما ينازع فيه الأصوليون. هذا كلام الإمام.\nوحاصله: أن الكلام في الفرق إنما هو حيث لا يكون مبطلًا فقه الجمع، فإن أبطله فقد تبيَّن أن ما ذكر المستدلّ من الجمع ليس بصحيح، فيكون مقبولًا بلا نظر.\nثم قال: إن الفرق إذا أبطل فقه الجمع، فلا شكَّ في كونه اعتراضًا، والفرق والجمع\n_________\n(^١) في أ، ت: يقيد.","vol":"4","page":461},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nإذا ازدحما على فرع وأصل في محلّ النزاع فالمختار فيه عندنا: اتباع الإخالة، فإن كان الفرق [أخْيل] (^١)، بطل الجمع، وإن كان الجمع أخيل سقط الفرق، وإن استويا، أمكن أن يقال: هما كالعلّتين المتناقضتين إذا بنيا على صيغة التساوي، وأمكن أن يقال: إن الجمع مقدم من جهة وقوع الفَرْقِ بعده، غير مناقض له، والجامع يقول: لم ألتزم انْسِدَاد مسالك الفروق.\nقال: وحاصل القول في مذاهب الجَدَلِيين يئول إلى ثلاثة مذاهب:\nأحدها: ردّ الفرق جملة، ورد المُعَارضة - أيضًا - في الأصل والفرع.\nوالثاني، وهو منسوب إلى ابن سريج، واختاره الأستاذ أبو إسحاق: أن الفرق ليس بسؤال على حِيَالِهِ واستقلاله.\nوأما المعارضة في الفرع فهي مقبولة.\nوالثالث، وهو الصحيح: أن الفرق مَقْبُول، وليس الغرض منه مُقَابلة علّة الأصل بعلة، وإنما الغرض منه مناقضة الجَمْع، ثم المنقول منه ينقسم إلى ما يبطل فقه الجَمْع، ويلحقه بالطرد، ومنه ما لا يبطل فقه الجمع بالكُلّية، ولكنه يشتمل على فِقْهٍ آخر مناقض لقصد الجامع، ثم ذلك ينقسم إلى زائد في [الإخالة] (^٢) على العلّة، وإلى مساوٍ له.\nقال: والقول الوجيز ينتظم بفرع وأصل، ومعنى رابط بينهما على شرائط معلومة، والفرق معنى يشتمل على ذكر فرع وأصل، وهما يفترقان [فيه] (^٣)، وهذا يقع على نقيض غرض الجمع، ومن ضرورته معارضة الأصل والفرع، ولكن الغرض منه مُضَادّة الجامع بوجه فقهي، أو بوجه شبه، إن كان القياس من فنّ الشّبه.\nفعلى هذا لو سمى مسم الفرق \"معارضة\"، لم يكن بعيدًا، ولكن ليس الغرض منه الإتيان بمُعَارضتين على الطَّرد والعكس، بل فقه ينتظم من مُعَارضتين، يشعر بمفارقة الفَرْعِ\n_________\n(^١) في أ: اختل.\n(^٢) في أ، ت: الإحالة.\n(^٣) سقط في أ، ت.","vol":"4","page":462},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالأصل على مُنَاقضة الجمع، فهذا سرٌّ الفرق، ومن وفر حظّه من الفِقْهِ، وذاق حقيقته، اسْتبَانَ أن المُعَارضة الكُبْرَى التي عليها مُتَشَاجر الفقهاء هو الفرق والجمع، والجامع - أبدًا - يأتي بما [يخيل اقتضاء] (^١) الجَمْع، ويأتي الفارق بأخصّ منه مع الاعتراف بالجمع الذي أَبْدَاهُ الجامع، ويبين الفارق أن الفرع والأصل إذا افترقا في الوجه الخَاصّ، كان الحكم بافتراقهما أوقع من الحُكْمِ باجتماعهما في الوصف، ثم يتجاذب الجامع والفارق أطراف الكلام.\nهذا حاصل كلام الإمام، وهو حق، ومختصره أن الفرق قد يعود على الجمع بالإبطال، ويلحقه بالطرد، وذلك لا يردّ، وقد لا يفيد شيئًا، وذلك هو المردود، والنزاع فيما توسط بين هاتين المنزلتين، والمتبع فيه [الإخالة] (^٢)،\nوقد اعترض عليه بأن ما يلحق جمع الجامع بالطَّرد، ليس مما نحن فيه من الفروق؛ فإنه عند النظر لا يبقى للجامع فقهًا بحال.\nوجواب هذا: أن من الجوامع ما يظهر كونه طردًا، كالطول والقصر، وذاك لا رَيْبَ في أنه ليس جامعًا، وهو طردي، وليس الفرق فيه مما نحن فيه، ومنها ما يظهر كونه فقهيًّا، وهو موضع الفرق، ومنها ما يتوسّط بين [المَكَانتين] (^٣)، فيحسبه الجامع فقهيًّا، [ويخال] (^٤) الفارق كونه طرديًّا، وهذا من أماكن الفروق، إلا أن القَبُولَ فيه متّجه؛ إذ الفارق بين لحاقه بالطرديات، وإن لم يظهر حاله في بادئ الأمر، وقد مثل له بمسألة البَيْعِ الفاسد، وأشار إلى ما ذكرناه بقوله: ربّ فرق يلحق جمع الجامع بالطّرد، ولولاه كان الجمع فقهيًّا، فهذا صريح في أنّ المراد ما يظنّ في باديء الرأي كونه مخيلًا مناسبًا، فينتهض الفرق قاطعًا أثره، لا ما هو طرد ظَاهِر، فلا يقال عليه: ليس هذا مما نحن فيه.\nقال ابن السَّمْعَاني: والمثال الذي ذكره في مسألة البَيْعِ الفاسد ليس مما يتكلّم فيه في شيء؛ لأن البيع الذي لا يمكن فيه إثبات المشروعية لا يكون مفيدًا للملك عند أحد من\n_________\n(^١) في أ، ت: يحيل اقتصار.\n(^٢) في أ، ت: الإحالة.\n(^٣) في أ، ت: المكاتبين.\n(^٤) في أ، ت: ويحال.","vol":"4","page":463},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالعلماء، وهم لا يعتمدون على مجرد المعنى الذي ذكره، لكن يثبتون وصفًا من المشروعية في البيع الفاسد الذي وقع فيه الاختلاف، فيقولون: هو مشروع بأصله غير مشروع بوصفه، فلهذا أوجبوا الملك، ونحن ننفيها من كلّ وجه، فنقول: لا يفيد الملك؛ لأنى المشروع في المِلْكِ لا يثبت إلا بسبب مشروع، فعلى هذا يقع تنازع الخُصُوم.\nقلت: وللإمام أن يقول إذا استتب لنا نفي المَشْرُوعية كان المثال مما نحن فيه، ونحن من وراء تقريره.\nثم قال ابن السمعاني: وأما مسألة النيَّة في الوضوء، فعندنا قولهم: طهارة بالماء، علّة باطلة، ما لم يثبتوا المعنى المؤثر في ذلك.\nوقول من قال من أصحابنا: طهارة حكمية - أيضًا - باطل، ما لم يبين، وعلى الجملة لا يتصوّر بوجه سؤال الفرق، بمعنى بيان علّة أخرى في الأصل للحكم، نعم إذا عكس ذلك المعنى في الفرع، وبين تأثيره في الحكم على خلاف ما تقتضيه العلة الأولى، وبين له أصلًا، فحينئذٍ تكون معارضة.\nقلت: قوله: باطل ما لم يبين المعنى المؤثر، فيه نظر؛ فإن القائس - هنا - لا يدعي أنه قياس علّة، حتَّى يطالب بالتَّأْثير، وإنما قُصَارى دعواه أنه قياس شبه، فيبين الفارق أنه طرد، وأن قوله: طهارة بالماء، فلم يفتقر إلى النّية، بمنزلة قولك: فاحتاجت إلى النية، ولم يذكر ابن السَّمعاني مسألة الهِبَةِ.\nولم يعترض المالكية أن يقول: لو كانت كالمُعَاوضة، لما بطلت بموت الوَاهِبِ قبل القبض، وأنتم تقولون: تسقط بموته، ولا مُشَاحّة في الأمثلة بعد إيضاح المقصود.\nثم قال ابن السَّمْعَاني: ونحن لا نُبَالِي بغضب من يغضب بسبب إفساد الفروق على ما اعتادته المتفقّهة الذين لا يرجعون إلى تحقيق، ورضوا بصور يتنصبون للذّب عنها، والدفاع عن حَرِيمِهَا، ويتصالحون عليها من الجانبين، ويظنون أن ذلك هو الفقه المطلوب في المسائل، والفقه منهم في البُعْدِ، كبعد الإنسان من مَنَاط الثُّرَيَا، والذي ادعاه هذا الذي حكينا قوله، أن فيما قلته بيان سرّ الفرق، ولا ينكشف من سرّه إلا الذي قدمناه، ومن حاول توجيه سؤال الفرق إِلا بمعارضة المعنى في الأصل، فقد رَامَ شيئًا بعيدًا، وطلب ما لا يوصل إليه بحيلة ما. انتهى.","vol":"4","page":464},{"text":"<span data-type='title' id=toc-858>[الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ]: اخْتِلَافُ الضَّابِطِ فِي الأَصْلِ وَالْفَرْعِ</span>؛ مِثْلُ: تَسَبَّبُوا بِالشَّهَادَةِ، فَوَجَبَ الْقِصَاصُ كَالْمُكْرِهِ.\nفَيُقَالُ: الضَّابِطُ فِي الْفرْعِ الشَّهَادَة، وَفِي الأَصْلِ الإِكْرَاه، فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّسَاوِي، وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْجَامِعَ: مَا اشْتَرَكَا فِيهِ مِنَ التَّسَبُّبِ المَضْبُوطِ عُرْفًا، أَوْ بِأَنَّ إِفْضَاءَهُ فِي الْفَرْعِ مِثْلُه، أَوْ أَرْجَحُ كَمَا لَوْ كَانَ أَصْلُهُ الْمُغْرِي لِلْحَيَوَانِ؛ فَإِنَّ انْبِعَاثَ الأَوْليَاء عَلَى الْقَتْلِ طَلَبًا لِلتَّشَفِّي أَغْلَبُ مِنِ انْبِعَاثِ الْحَيَوَانِ بِالإِغْرَاء بِسَبَبِ نَفْرَتِهِ، وَعَدَمِ عِلْمِهِ، فَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُ أَصْلَي التَّسَبُّبِ؛ فَإِنَّهُ اخْتِلَافُ فَرْع وَأَصْلٍ، كَمَا يُقَاسُ الإِرْثُ فِي طَلَاقِ الْمَرِيضِ عَلَى الْقَاتِلِ فِي مَنع الإِرْثِ، وَلَا يُفِيدُ أن التَّفَاوُتَ فِيهِمَا مُلْغًى لِحِفْظِ النَّفْسِ؛ كَمَا أُلْغِيَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ قَطْع الأَّنْمُلَةِ وَقَطْع الرَّقَبَةِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ إِلْغَاء الْعَالِمِ إِلْغَاءُ الْحُرِّ.\n<hr><s0>\n\nولا يخفى ما فيه من التعريض بأستاذ الأستاذين، وشيخ الفقهاء والمحقّقين، وابن السَّمعاني وإن [كان] (^١) حَبْرًا لا يُسَاجل، إلا أنه لم يأت في كلامه بما يدفع كلام الإمام بوجه، كما عرفت.\nالشرح: الاعتراض \"الحادي والعشرون: اخْتِلَافُ الضَّابِطِ في الأَصْل والفرع\" (^٢)، مع اتحاد [حكمهما] (^٣)، \"مثل\" قولنا في شهود الزُّور بالقصاص: \"تسببوا بالشهادة\" إلى قتل عَمْد، \"فوجب القصاص كالمُكْره\" - بكسر الراء - \"فيقال\": الضابط في الأصل والفرع مختلف؛ لأن، \"الضابط في الفرع الشهادة، وفي الأصل الإكراه\"، وهما وإن اشتركا في مقصود الزجر، \"فلا يتحقق التساوي\"؛ لاحتمال أن ما وجد من التَّسبب في ضابط الأصل راجح على ما وجد منه في ضابط الفرع، فلا يمكن تعدية الحكم.\n\"وجوابه: أن الجامع: ما اشتركا فيه\" أي: القَدْر المشترك بينهما \"من التسبّب\" إلى القتل \"المضبوط عرفًا، أو بأن\" يبين أن \"إفضاءه\" أي: إفضاء الضَّابط إلى المقصود \"في الفرع مثله\" أي: مثل إفْضَاء ضابط الأصل إلى المقصود، \"أو أرجح\" منه، وحينئذٍ يلزم أن\n_________\n(^١) سقط في أ، ت.\n(^٢) ينظر: الإحكام ٤/ ٩١، وشرح العضد ٢/ ٢٧٦.\n(^٣) في أ، ت: حكمتها.","vol":"4","page":465},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nيكون أولى بثبوت الحكم، مثال رُجْحَان ضابط الفرع على ضابط الأصل، \"كما لو كان أصله؛ أي: أصل القياس \"المغرى للحيوان\" بأن يقول المستدلّ: تسببوا بالشهادة إلى القتل، فوجب القصاص زجرًا عن التسبُّب، قياسًا على وجوب القِصَاص على من أغرى حيوانًا على آدَمِيّ، بأن طرحه في زرِيبَةٍ فيها سَبُع، فإن إفضاء ضابط الفرع إلى المقصود أرجح من إفضاء ضابط الأصل إليه؛ \"فإن انبعاث الأولياء على القتل\" بسبب الشهادة \"طلبًا\" منهم \"للتَّشَفِّي\"، والأخذ بِثَأْرِ المقتول \"أغلب من انْبِعَاثِ الحيوان بالإغْرَاء\" على القتل \"بسبب نَفْرته\" من الآدمي، \"وعدم علمه\" بالإغراء.\nوأما من أغرى كَالمُكْرَه - بفتح الراء - فعلمه بأنه إن لم يقتل قتل، يغريه على الإقدام طلبًا لخلاص نفسه، وبالجملة تبين تساوي الإفضائين، أو غلبة إفضاء الفرع، \"ولا يضر اختلاف أصلي التسبُّب\"، وهو كون أحدهما شهادة، والآخر إكراهًا، أو إغراء؛ \"فإنه\" أي: فإن اختلاف أصل التسبُّب في الحقيقة \"اختلاف فرع وأصل\".\nوحاصله: قياس التسبب بالشهادة عليه بالإغراء والإكراه، والأصل لا بُدّ من مخالفته للفرع، ثم لا تضرّ تلك المُخَالفة، \"كما يقاس الإرث في طَلَاق المريض\" مرض الموت زوجته طلاقًا بائنًا \"على\" حرمان \"القاتل الإرث\" بجامع الغرض الفاسد؛ مُعَاملة لكل منهما بنقيض مقصوده، فإنه قياس سالم عن الاعتراض باختلاف الضَّابط، مع أن الأصل عدم الإرث، والفرع الإرث، ولم يضرّ الاختلاف، نعم يضر هذا القياس أنه - كما قدم المصنّف - من الغريب المرسل الأصل، ولكن ردّه بذلك لا يدفع صحة التمثيل به هنا.\n\"ولا يفيد\" المستدلّ أن يقول في الجواب: \"إن التفاوت فيهما\"؛ أي: بين ضابط الأصل والفرع \"ملغى\" مراعاة \"لحفظ النّفس، كما ألغي التفاوت بين قطع الأَنْمُلَة\" إذا سَرَتْ إلى النفس، \"وقطع الرقبة\" في وجوب القِصَاصِ لحفظ النفس، وإن كان قطع الرقبة أشدّ إفضاء إلى الموت من قطع الأَنْمُلَةِ، وإنما لم يفده ذلك؛ لأنَّهُ لا يلزم من إلغاء تفاوت القاتل إلغاء كل تفاوت، \"فإنه لم يلزم من إلغاء\" وصف \"العالم\" بدليل قتله بالجاهل \"إلغاء الحر\"؛ إذ لا يقتل الحر بالعبد، ولا إلغاء وصف الإسلام بدليل أنه لا يقتل مؤمن بكافر.","vol":"4","page":466},{"text":"<span data-type='title' id=toc-859>الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: اخْتِلَافُ جِنْسِ الْمَصْلَحَةِ </span>كَقَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ: أَوْلَجَ فَرْجًا فِي فَرْجٍ مُشْتَهًى طَبْعًا مُحَرَّمٍ شَرْعًا، فَيُحَدُّ كَالزَّانِي؛ فَيُقَالُ: حِكْمَةُ الْفَرْعِ الصِّيَانَةُ عَنْ رَذِيلَةِ اللِّوَاطِ، وَفِي الأَصْلِ دَفْعُ مَحْذُورِ اخْتِلَاطِ الأَنْسَابِ، فَقَدْ يَتَفَاوَتَانِ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ، وَحَاصِلُهُ مُعَارَضَةٌ.\nوَجَوَاُبهُ كَجَوَابِهِ بِحَذْفِ خُصُوصِ الأَصْلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-860>\"[الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ]: مُخَالَفَةُ حُكْمِ الْفَرْعِ لِحُكْمِ الأَصْلِ</span>؛ كَالْبَيْعِ عَلَى النِّكَاحِ وَعَكْسِهِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: الاعتراض \"الثاني والعشرون: اخْتِلَافُ جنس المَصْلَحة\" (^١) مع اتحاد الضابط في الأصل والفرع، \"كقول الشافعية\" في اللَّائط: \"أولج فَرْجًا في فرج مُشْتهى طبعًا محرم شرعًا، فيحد كالزاني\".\n\"فيقال\": الضَّابط وإن كان متحدًا، لكن الحِكْمَةَ مختلفة؛ إذ \"حكمة الفرع الصيانة عن رذيلة اللِّوَاط.\nوفي الأصل: دفع محذور اختلاط الأنساب\" المفضي إلى ضياع الأولاد.\n\"فقد يتفاوتان في نَظَرِ الشرع\"، فيناط الحكم بإحدى الحكمتين دون الأخرى، \"وحاصله معارضة\" في الأصل لإبداء خصوصية فيه، كأنه قال: بل العلّة ما ذكرت، مع كونه مؤديًا إلى اختلاط الأنساب.\n\"وجوابه كجوابه\" في المُعَارضة، وذلك \"بحذف خصوص الأَصْل\" عن درجة الاعتبار بطريق من الطُّرق، فتكون العلّة القدر المشترك، أو يبين أن حكمة الفرع مثل حكمة الأصل أو أكثر، كما في مسألتنا، فإن الزنا وإن أدّى إلى ضياع المولود المؤدّي إلى انقطاع النَّسل، فاللِّوَاط يؤدّي إلى عدم الولادة بالكُلّية، وهو أفضى إلى انقطاع النسل من الضياع.\nالشرح: الاعتراض \"الثالث والعشرون: مُخَالفَةُ حكم الفَرْع لحكم الأصل\" (^٢)، فلا يصح معه القياس؛ لأن من شرط القياس اتحاد الحكم، وهو عبارة عن تَحْصِيلِ مثل حكم\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام ٤/ ٩١ - ٩٢ وشرح العضد ٢/ ٢٧٧.\n(^٢) ينظر: الإحكام ٤/ ٩٢، وشرح العضد ٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨.","vol":"4","page":467},{"text":"وَجَوَابُهُ: بِبَيَان أَنَّ الاخْتِلَافَ رَاجِعٌ إِلَى الْمَحَلِّ الَّذِي اخْتِلَافُهُ شَرْطٌ لَا فِي [الحُكْمِ وَبَيَانٍ].\n\n<span data-type='title' id=toc-861>[الرَّابِعُ والْعِشْرُونَ]: الْقَلْبُ:</span> قَلْبٌ لِتَصحِيحِ مَذْهَبِهِ وَقَلْبٌ لإِبْطَالِ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ صَرِيحًا، وَقَلْبٌ بِالاِلْتِزَامِ:\nالأَوَّلُ: لُبْثٌ، فَلَا يَكُونُ قُرْبَةً بِنَفْسِهِ؛ كَالْوُقُوفِ بِـ\"عَرَفَةَ\"، فَيَفُولُ الشَّافِعِيُّ: فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الصَّوْمُ؛ كالْوُقُوفِ بـ\"عَرَفَةَ\".\nالثَّانِي: عُضْوُ وُضُوءٍ، فَلَا يُكْتَفَي فِيهِ بِأَقَلِّ مَا يَنْطَلِقُ؛ كَغَيْرِهِ، فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ: فَلَا يَتَقَدَّرُ بِالرُّبُعِ.\n<hr><s0>\n\nالأصل في الفرع، ومعلوم أنّ ذلك لا يتحقّق بدون الاتحاد، وذلك \"كالبيع\" إذا قيس \"على النكاح وعكسه\" في صورة بجامع، فيقول المعترض: الحكم مختلف؛ فإن عدم صحّة البيع حرمة الانتفاع بالبَيْعِ، وفي النكاح حرمة المُبَاشرة، ونحو ذلك من اختلاف الأحكام.\n\"وجوابه: ببيان\" اتحاد الحُكْمين نوعًا، أو جنسًا، و\"أن الاختلاف\" بين حكمي الأصل والفرع \"راجع إلى المحلّ\" محل الحكم \"الذي اختلافه شرط\"، فإن الفرع ما لم يكن مخالفًا للأصل، لا يصح القياس، \"لا\" أن الاختلاف بينهما واقع \"في الحكم\" حتَّى يضر، وفي مسألتنا قد وقع الاتفاق في البُطْلان، وهو شيء واحد، وهو عدم ترتُّب المقصود من العقد عليه، فلم يضر اختلاف المحلّ، كما قلنا.\nالشرح: الاعتراض \"الرابع والعشرون: القَلْب\" (^١) قلب الدَّليل عبارة عن دعوى أن ما ذكره المستدلّ عليه لا له، في تلك المسألة على ذلك الوجه، وهو ثلاثة أقسام: \"قلب\"\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٥/ ٢٨٩، والبرهان لإمام الحرمين ٢/ ١٠٣٢، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٤/ ٩٣، ونهاية السول للإسنوي ٤/ ٢١٠ ومنهاج العقول للبدخشي ٣/ ١٠٦، ١٢٩، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ١٣٠، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ٢١٧، والمنخول للغزالي ٤١٤، وحاشية البناني ٢/ ٣١١، والإبهاج لابن السبكي ٣/ ١٢٧، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٤/ ١٣٧ وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٣٥٩، والمعتمد لأبي الحسين ٢/ ٢٨٢ وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ٦٢٣، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ٤/ ١٦٢ وتقريب الوصول لابن جزي ١٤٢.","vol":"4","page":468},{"text":"الثَّالِثُ: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَيَصِحُّ مَعَ الْجَهْلِ بالْمُعَوَّضِ؛ كَالنِّكَاحِ، فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ: فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ؛ لأِنَّ مَنْ قَالَ بِالصِّحَّةِ، قَالَ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ، فَإِذَا انْتَفَى اللَّازِم، انْتَفَى الْمَلْزُوم، وَالْحَقُّ أَنَّهُ نَوعُ مُعَارَضَةٍ اشْتَرَكَ فِيهِ الأَصْلُ وَالْجَامِعُ، فكَانَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ.\n<hr><s0>\n\nيذكره المعترض \"لتصحيح مذهبه، وقَلْب لإبطال مذهب المستدلّ صريحًا، وقلب\" لإبطاله \"بالالتزام\".\nوإن شئت قلت: القلب قسمان:\nالأول: لتصحيح مذهب المعترض.\nوالثاني: لإبطال مذهب المستدلّ، وهو ضربان: ضرب بالصَّراحة، وضرب بالالتزام.\n\"الأول\": القلب لتصحيح مذهب المعترض، وهو ضربان:\nأحدهما، وعلى ذكره اقتصر المصنف: ألّا يدل مع ذلك بالصّراحة على بطلان مذهب المستدل، كقول الحنفي: الاعتكاف: \"لُبْث\" في محلّ مخصوص، \"فلا يكون قربة بنفسه، كالوقوف بـ\"عرفة\"، وغرضه التعرض لاشتراط الصوم فيه، ولكنه لم [يتمكن] (^١) من التصريح باشتراطه؛ إذ لو صرح به لم يجد أصلًا، \"فيقول الشافعي\": لبث في محل مخصوص، \"فلا يشترط فيه الصوم، كالوقوف بـ\"عرفة\".\nوثانيها: أن يدل على الأمرين معًا، كقول الشافعي في بيع الفُضُولي: عَقْد في حق الغير بلا ولاية ولا اسْتِنَابَة، فلا يصح كما إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه، فيقول الخصم: عَقْد إلى آخره، وكان صحيحًا، كما إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه.\nو\"الثاني\" كقوله في مَسْحِ الرأس: \"عضو وضوء، فلا يكتفي فيه بأقلّ ما ينطلق\" عليه اسم المسح، \"كغيره\" من أعضاء الوضوء، \"فيقول الشَّافعي: فلا يتقدر بالرُّبع\"، كغيره.\n\"الثالث\": كقوله في بيع الغائب: \"عقد مُعَاوضة، فيصح مع الجَهْلِ بالعوض كالنكاح، فيقول الشافعي: فلا يشترط فيه خِيَار الرؤية\" كالنكاح، فقد تعرض المعترض لإبطال مذهبه بالالتزام؛ لأنَّهُ أبطل لازم الصحة، وهو خيار الرؤية؛ \"لأن من قال\" في بيع\n_________\n(^١) في أ، ت: يستمكن.","vol":"4","page":469},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالغائب \"بالصحة، قال بخيار الرُّؤية\"، فالخيار لازم للصّحة، \"فإذا انتفى اللازم\"، وهو خيار الرؤية \"انتفى الملزوم\"، وهو الصّحة، \"والحَقّ\" في القَلْب \"أنه نوع مُعَارضة اشترك فيه الأَصْل والجامع، فكان أولى بالقَبُول\" من سائر المُعَارضات.\nقال علماؤنا: المُعَارضة قد تكون بعلّة أخرى، وهي ما عدا القَلْب، وقد تكون بعلّة المستدل نفسها، وهي القلب، وتسمى مُشَاركة في الدليل.\nقال أبو علي الطبري: وهو من أَلْطَفِ ما يستعمله المناظر.\nفإن قلت: قدم المصنف أن المعارضة المصطلح عليها المعارضة في الأصل بمعنى آخر، إما مستقل أو غير مستقل، وهذه معارضة بنفس ذلك المعنى.\nقلت: تلك المعارضة المصطلح على إطلاق اسم المُعَارضة عليها، وهذه ضرب من مُطْلق الاعتراضات، ولعلّ المصنف أشار بقوله: نوع معارضة، ولم يقل: معارضة - إلى ذلك، وأيّده بقوله: اشترك فيه الأصل والجامع، فكان أولى بالقَبُول، يعني: من المعارضة المصطلح عليها.\nواعلم أنه يخرج من كلام أئمّتنا خلاف في أنّ القلب هل يفسد العلة؟.\nويبين أنه لا يصح التعلّق بها لواحد منهما، أو هو تسليم؛ لأن الجامع دليلٌ، واختلاف في أنه دليلٌ للمستدلّ أو علته، والأول هو ظاهر قول من قال من أصحابنا: القلب [شاهد] (^١) زور، كما يشهد عليك.\nوقول ابن السمعاني: توجيه سؤال القَلْبِ أن يقال: إذا علق على العلّة ضد ما علقه المستدل من الحكم، فلا يكون أحد الحكمين أولى من الآخَر، ويبطل تعليقهما بهما.\nوالثاني: وهو ظاهر تسميته معارضة، فإن المعارضة لا تفسد [العلة] (^٢)، بل تمنع من التعلق بها إلى أن يثبت رُجْحَانها من خارج، وقد اختلف الَّذين قبلوا سؤال المعارضة في قسم من إبطال مذهب المستدلّ بالالتزام، يقال له: \"قلب المُسَاواة\"، وهو أن يكون في الأصل قسمان:\n_________\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) في أ، ت: بالعلة.","vol":"4","page":470},{"text":"<span data-type='title' id=toc-862>[الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ]: الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ، وَحَقِيقَتُهُ:</span> تَسْلِيمُ الدَّلِيلِ مَعَ بَقَاءِ النِّزَاعِ، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ.\n<hr><s0>\n\nأحدهما: مُنْتَفٍ في الفرع باتفاق الخصمين.\nوالآخر متنازع فيه بينهما، فإذا أراد أن يثبته في الفرع قياسًا على الأصل، فيقول المعترض: يجب التسوية بينهما في الفرع بالقياس على الأصل، ويلزم من وجوب التَّسوية في الفرع عدم ثبوته فيه، كقولهم في طلاق المُكْرَه: مكلّف مَالِكٌ للطلاق، فيقع طلاقه كالمختار، فيقول: فيستوى بين إقراره وإيقاعه كالمختار، ويلزم من هذا ألا يقع طلاقه؛ لأنَّهُ إذا ثبت المُسَاواة بين الإقرار والإيقاع، وكان الإقرار غير معتبر بالاتِّفَاق، كان الإيقاع - أيضًا - غير معتبر.\nوكقولهم في نِيَّةِ الوضوء: طَهَارة بالماء، فلا تفتقر إلى النية، كإزالة النجاسة، فذهب الشيخ أبو إسحاق الشِّيرَازي والأكثر إلى قبوله أيضًا، وذهب القاضي أبو بكر وابن السَّمْعَاني وطائفة ممن قبل أصل القَلْب، إلى رَدّه؛ لأنَّهُ لا يمكن التصريح فيه بحكم العلّة، فإن الحاصل في الأصل نفي، وفي الفرع إثبات؛ ألا ترى المستدل يعتبر الوصفين في الأصل، [والمعترض] (^١) لا يعتبرهما بمقتضى القلب؟\nوالأول هو المختار؛ فإن القياس على الأصل إنما هو من حيث عدم الاختلاف، وهو ثابت فيه، فلا يضر كونه في الأصل الصحة، وفي الفرع عدمها؛ إذ هذا الاختلاف غير مُنَافٍ لأصل الاستواء الذي جعل جامعًا.\nالشرح: الاعتراض \"الخامس والعشرون: القَوْل بالمُوْجب (^٢).\n_________\n(^١) في ت: والمعارض.\n(^٢) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٥/ ٢٩٧، والبرهان لإمام الحرمين ٢/ ٩٧٣، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٤/ ٩٧، ومنهاج العقول للبدخشي ٣/ ١٠٦، ١٣٣، وغاية الوصول للشيخ للشيخ زكريا الأنصاري ١٣١، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ٢١٩، والمنخول للغزالي ٤٠٢، وحاشية البناني ٢/ ٣١١، والإبهاج لابن السبكي ٣/ ١٣١، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٤/ ١٤ وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٣٦٠، والمعتمد لأبي الحسين ٢/ ٢٨٣، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٢٧٩، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ٩٥، وميزان الأصول للسمرقندي ٢/ ١٠٧٠، وإرشاد الفحول للشوكاني ١٤٣.","vol":"4","page":471},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوحقيقته: تسليم الدليل مع بقاء النزاع\"، وهو غير مختصّ بالقياس، وقد وقع في الكتاب العزيز في قوله تعالى ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨].\nأي: صحيح ما يقولون: من أنّ الأعز يخرج الأذل، والنزاع باقٍ؛ فإن العزة للّه ولرسوله، فاللّه ورسوله يخرجانكم.\nومنه قول الشاعر: [الخفيف]\nقلْتُ: ثَقَّلْتُ (^١) إِذ أَتَيْتُ (^٢) مِرَارًا … قالَ: ثَقَّلْتَ كَاهِلِي بِالأَيَادِي\nقُلْتُ: طَوَّلْت، قَالَ: بَلْ تَطَوَّلْـ … تَ، وَأَبْرَمْتُ، قَالَ: حَبْلَ وِدَادِي (^٣)\nوالاستشهاد بقوله: \"ثقلت\" و\"أبرمت\" دون قوله: \"طولت\".\nوقال الآخَر: [الوافر]\nوَإِخْوَانٍ حَسِبْتُهُمُ دُرُوعًا … فَكَانُوهَا وَلَكِنْ لِلْأَعَادِي\nوَخِلْتُهُمُ سِهَامًا صَائِبَاتٍ … فكَانُوهَا وَلَكِنْ فِي فُؤَادِي\nوَقَالُوا: قَدْ صَفَتْ مِنَّا قُلُوبٌ … لَقَدْ صَدَقُوا وَلَكِنْ مِنْ وِدَادِي (^٤)\n_________\n(^١) في ت: نفلت.\n(^٢) في ت: ثبت.\n(^٣) البيتان لابن الحجاج أو لمحمد بن إبراهيم الأسدي، ينظر: معاهد التنصيص ٢/ ٥٨، والمرشدي على عقود الجمان ٢/ ١٣٨، وشروح التلخيص ٤/ ١٠٩.\nفقوله ثقلت: وقع في كلام الغير، وهو بمعنى حملتك المؤنة، والمشقة الباطنية والظاهرية بإتياني مرات عديدة …\nوالكاهل: ما بين الكتفين.\nوالأيادي: النعم.\nوالتطويل في البيت بمعنى: الإنعام.\n(^٤) ينظر: معاهد التنصيص ٢/ ٨٥، وشروح التلخيص ٤/ ١١٠.\nالمرشدي ٢/ ١٣٩.","vol":"4","page":472},{"text":"الأَوَّلُ: أَنْ يَسْتَنْتِجَهُ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مَحَلّ النِّزَاعِ، أَوْ مُلَازِمُهُ؛ مِثْلُ: قَتَلَ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَلَا يُنَافِي وُجُوبَ الْقِصَاصِ؛ كَحَرْقِهِ، فَيُرَدُّ: بِأَنَّ عَدَمَ المُنَافَاةِ لَيْسَ مَحَلّ النِّزَاعِ، وَلَا يَقْتَضِيهِ.\nالثَّانِي: أَنْ يَسْتَنْتِجَهُ إِبْطَالُ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مَأْخَذُ الْخَصْمِ؛ مِثْلُ: التَّفَاوُتُ فِي الْوَسِيلَةِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْقِصَاصِ كالْمُتَوَسَّلِ إِلَيْهِ، فَيُرَدُّ: إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِبْطَال مَانِعٍ انْتِفَاءُ الْمَوانِعِ، وَوُجُودُ الشَّرَائِطِ، وَالْمُقْتَضِي.\nوَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ مُصَدَّقٌ فِي مَذْهَبِهِ، وَأَكْثَرُ القَوْلِ بِالْمُوجِبِ كَذَلِكَ؛ لِخَفَاءِ المَأْخَذِ، بِخِلَافِ مَحَالِّ الْخِلَافِ.\n<hr><s0>\n\nوقول الآخَر: [الرمل]\nغَالَطَتْنِي إِذْ كَسَتْ جِسْمِي الضَّنَا … كِسْوَةً أَغْرَتْ مِنَ اللَّحْمِ العِظَامْ\nثُمَّ قَالَتْ أَنْتَ عِنْدِي فِي الهَوَى … مِثْلُ عَيْني صَدَقَتْ لَكِنْ سِقامْ (^١)\n\"وهو\" أقسام \"ثلاثة\":\nالشرح: \"الأول: أن يستنتجه\" أي: يستنتج من الدَّليل \"ما يتوهّم أنه محلّ النزاع، أو ملازمه\"؛ أي: ملزوم محل النزاع ولم يكن كذلك، \"مثل\" أن يقول في المُثَقّل: \"قتل بما يقتل غالبًا، فلا ينافي وجوب القِصَاص، [كحَرْقِهِ، فيرد] (^٢) القول بالموجب؛ \"فإن عدم المُنَافاة\" لوجوب القِصَاص \"ليس محلّ النزاع\"؛ لأن محلّ النزاع هو وجوب القتل، \"ولا يقتضيه\" أيضًا محل النزاع؛ إذ لا يلزم من عدم مُنَافاته للوجوب أن يجب.\nالشرح: \"الثاني: أنْ يستنتجه إبطال ما يتوهّم أنه مأخذ الخَصْم\"، وهو يمنع كونه مأخذًا، فلا يلزم من إبطاله إبطال مذهبه، \"مثل\" أن يقول؛ في المُثَقَّل: \"التفاوت في الوَسِيلَةِ لا يمنع وجوب القِصَاصِ، كالمتوسّل إليه، فيرد\" القول بالموجب؛ \"إذ لا يلزم من إبطال مانع\" واحد \"انتفاء\" جميع \"الموانع، ووجود\" جميع \"الشَّرَائط، والمقتضي\"، والحكم إنما يثبت بارتفاع كل المَوَانع، ووجود كلّ الشرائط بعد قيام المُقْتضي.\n_________\n(^١) البيتان للأرجاني كما ذكرهما المرشدي في شرحه على عقود الجمان ص ١٣٩.\n(^٢) سقط في أ.","vol":"4","page":473},{"text":"الثَّالِثُ: أَنْ يَسْكُتَ عَن الصُّغْرَى، وَهِيَ غَيْرُ مَشْهُورَة؛ مِثْلُ: مَا ثَبَتَ قُرْبَةً، فَشَرْطُهُ النِّيَّةُ كَالصَّلَاةِ، وَيَسْكُتُ عَنْ: \"وَالْوُضُوءُ قُرْبَةٌ\"، فَيَرِدُ، وَلَوْ ذَكَرَهَا لَمْ يَرِدْ إَلَّا الْمَنْعُ.\nوَقَوْلُهُمْ: \"فِيهِ انْقِطَاعُ أَحَدِهِمَا\" - بَعِيدٌ فِي الثَّالِثِ؛ لاِخْتِلَافِ الْمُرَادَيْنِ.\n<hr><s0>\n\nواختلف في أنّ المعترض إذا قال: ليس هذا مأخذي، هل يصدق؟\n\"والصَّحيح: أنه مصدق في مذهبه\"؛ لأنَّهُ أعرف به.\nوقيل: لا يصدق إِلَّا ببيان مأخذ آخر؛ إذ ربما كان ذلك مأخذه، ولكنه يعاند، \"وأكثر القول بالموجب كذلك\"؛ أي: كهذا القسم الذي يستنتج فيه إبطال ما يتوهّم أنه مأخذ الخَصْم، ولم يكن كذلك، وإنما كان أكثر \"لِخَفَاء المأخذ\"، وقلة العارفين به والمُطّلعين على أسراره، \"بخلاف محال الخلاف\"، فإنه مشهور، فكم من فقيهين يعرفان مذهب الشافعي وأبي حنيفة، ثم إذا سئلا عن مأخذهما لم يحيرا جوابًا، ووجدا حاملي فقه، وليس بفقيهين، وأكثر أبناء زماننا كذلك، فواهًا على الفقه، فإنه لم يبق من سَحَابه إلا اليسير من ظله، \"وَاللَّهُ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ صُدُورِ العُلَمَاءِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ أَهْلَهُ\" (^١).\nالشرح: \"الثالث: أن يسكت\" المستدلّ \"عن الصغرى\" صغرى القياس، ويذكر كُبْرَاه في حال كون الصغرى \"غير مشهورة\"، ويستعمل قياس الضمير، \"مثل\" أن يقول شافعي في وجوب نية الوضوء: \"ما ثبت قربة فشرطه النية كالصلاة ويسكت عن\" قوله: \"والوضوء قربة\" مثل القول بالموجب، أو يقول: هذا مسلم، ومن أين يلزم اشتراط النية في الوضوء؟ وإنما \"يرد\" هذا إذا سكت عن الصّغرى، \"ولو ذكرها لم يرد إلا المنع\" من الصغرى، بأن يقول: لا نسلم أنّ الوضوء قربة، ويكون - حينئذٍ - منعًا للصغرى، لا قولًا بالموجب، إنما شرطنا في الصُّغْرَى أن تكون غير مشهورة؛ لأنها لو كانت مشهورة، كانت بمنزلة المذكورة، فتمنع، أو كانت متفقًا عليها، فلا يتأتّى المنع أصلًا، وإن صرح بذكرها.\nوأما الجدليون \"وقولهم\": إن القول بالموجب \"فيه انقطاع أحدهما\"؛ أي: أحد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١/ ٢٣٤) كتاب العلم باب كيف يقبض العلم: حديث (١٠٠)، ومسلم (٤/ ٢٠٥٨) كتاب العلم: باب رفع العلم وقبضه … حديث (١٣/ ٢٦٧٣). من حديث عبد الله بن عمرو.","vol":"4","page":474},{"text":"وَجَوَابُ الأَوَّلِ: بِأَنَّهُ مَحَلُّ النِّزَاعِ، أَوْ مُسْتَلْزَمٌ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَا يَجُوزُ قَتْلُ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ، فَيُقَالُ بِالْمُوجِبِ؛ لأَنَّهُ يَجِبُ، فَيَقُولُ: المَعْنِيُّ بِـ\"لَا يَجُوزُ\": تَحْرِيمُه، ويَلْزَمُ نَفْيُ الْوُجُوبِ.\nوَعَنِ الثَّانِي: أَنَّهُ الْمَأْخَذُ.\nوَعَنِ الثَّالِثِ: بِأَنَّ الْحَذْفَ سَائِغٌ.\n<hr><s0>\n\nالمُنَاظرين؛ لأن المستدلّ إن أثبت ما ادَّعَاه انقطع المعترض وبالعكس، غير بعيدٍ في القسمين الأولين، بل صحيح - كما عرفت - لكنه \"بعيد في الثالث؛ لاختلاف المرادين\"؛ إذ مراد المستدل: أن الصغرى وإن كانت محذوفةً لفظًا، فهي مذكورة تقديرًا، والمجموع يفيد المطلوب، ومراد المعترض: أن المذكور هو الكبرى وحدها، وهو لا يفيد المطلوب.\nوقال بعض الشَّارحين: إنما اختلف المراد؛ لأن المستدلّ أراد بكون الوضوء قربة أنه وسيلة إلى الصلاة، والمعترض أراد: ليس قُرْبَةً بذاته، فلم يتوارد النَّفْي والإثبات على محلّ واحد، ورجع النزاع لفظيًّا، فلم يلزم انقطاع واحد منهما.\nالشرح: \"وجواب\" القسم \"الأول: بأنه محلّ النزاع، أو مستلزم\" لمحلّ النزاع، \"كما لو قال\" شافعي: \"لا يجوز قَتْلُ المسلم بالذّمّي\" قياسًا على الحَرْبي، \"فيقال بالموجب؛ لأنَّهُ يجب\" قتله به.\nوقولهم: لا يجوز، نفي للإباحة التي معناها اسْتِوَاء الطرفين، ونفيها ليس نفيًا للوجوب، ولا مستلزمًا له، \"فيقول\" الشَّافعي: \"المعنى بـ\"لا يجوز\": تحريمه، ويلزم\" من ثبوت التحريم \"نفي الوجوب\"؛ لاسْتِحَالَةِ الجمع بين الوجوب والتحريم.\n\"وعن الثَّاني\": بأن يبين في المستنتج \"أنه المأخذ\" بالنَّقل عن أئمة المذهب. \"وعن الثالث: بأن الحذف\" لإحدى المقدمتين \"سائغ\" عند العلم بالمَحْذُوف، والمحذوف مراد ومعلوم، فلا يضرّ حذفه، والدَّليل هو المجموع، لا المذكور وَحْده، وكتب الفقه مَشْحُونة بذلك، بل لا ترى قياسًا مصرحًا فيه بالمقدمتين والأصل إلا على النُّدْرة، وما ذلك من الفُقَهَاء الذين هم أَسَاطِينُ الأقيسة إلا اختصارًا، وتركًا لما هو مشهور أو معلوم، بحيث يصير ذكره تطويلًا، وتضييعًا للزمان بلا فائدة، وقد نجزت الاعتراضات.\nولقد أكثر أئمتنا فيها، واستكثروا من أمْثلتها، وشَعّبوا أقسامها حيث كان الزَّمَان مشحونًا بالعلماء، وكانت المُنَاظرات تبلغ بأهلها عَنَان السماء، ومن نظر كتب إمام الحرمين","vol":"4","page":475},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوأبي إسحاق الشِّيرازي وأصحابهما، وأصحاب أصحابهما قضي العَجَب من ذلك، ورأى كيف كانت الأئمة، على أن أبا المُظَفّر بن السمعاني قال: لا يجوز للفقيه أن يعتمد على جميع هذه الأسْئِلَةِ، ولا يعتقد صحَّتها، فإنها ظواهر أقنع بها من يقنع بظاهر من الكلام، وقل وقوعه على حقائق المَعَاني في المسائل.\nوأنا أقول: أئمتنا لا ينكرون ذلك، وإنما وضعوها، واستكثروا منها لينتحل الصّحيح من الفاسد، فيلوح لراكب بِحَار النظر تجنبها (^١) وَتَنْفتِحُ الأبواب لذي الفِطْنَةِ فيَسْلخها، ويظهر من حقائق الأمور أَبْلَجُها، وينهض في جَحَافل الأقيسة على أحسن الطرق حججها.\nوالمصنف وإن ذكر خمسة وعشرين اعتراضًا، فأنواعها عند التحقيق سَبْعة، وذلك أن المستدل يلزمه تفهيم ما يقوله، وإذا اندفع في القياس، لا بد أن يتمكن منه، وإلا فلو منعه مانع عن القياس كان قياسه مردودًا؛ إذ لا قياس إلا حيث يثبت، ثم إذا تمكن لم يكن له [بُدّ] (^٢) من تثبيت مقدّماته؛ لتستتب له، وهي: حكم الأصل، وعلته، وثبوت العلّة في الفرع، ثم لا بُد من أن يكون ذلك على وَجْهٍ مستلزم لثبوت حكم الفرع، وإلا ضاع غرضه، وأن يكون ذلك الحكم هو مطلوبه الذي ادَّعَاه أولًا، وساق الدَّليل إليه جهده سبعة مقدمات يتوجه على كل مقام منها نوع من الاعتراض.\nالنوع الأول، وهو ما يتعلق بالإفهام: هو الاستفسار، وهو أجدرها بالتقديم؛ إذ الكلام فرع التصور.\nالثاني: أن يتمكّن من الاحتجاج بالقياس في منعه من القياس في تلك المسألة، فإن منع تمكينه من القياس فيها مطلقًا، فهو فساد الاعتبار، وإن منعه من القياس المخصوص، فهو فساد الوضع.\nالثالث: ما يورد على المقدّمة الأولى من القياس، وهو دَعْوَى حكم الأصل، ولا مجال للمعارضة فيه؛ لأنه غضب لنصب الاستدلال، فتعين المنع، وذلك إما ابتداء، أو بعد تقسيم، ويطلق على الأول: منع حكم الأصل، وعلى الثاني: التقسيم.\n_________\n(^١) في ت: تنحيها.\n(^٢) سقط في ت.","vol":"4","page":476},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالرابع: ما يرد على المقدمة الثانية، وهي قوله: والحكم في الأصل معلل بكذا، فالقدح إما في وجوده، وإما في عكسه.\nوالقدح في العلية إما أن يكون نفيًا للعلة صريحًا، أو نفي لازمها، والنفي الصريح إما منع مجرد أو معارضة، وبيان عدم التأثير، ونفي اللازم إما أن يختص بالمناسبة أو لا.\nفالمختص بحسب شروط المناسب، وهي: الإفضاء إلى المصلحة، وعدم المُعَارض لها، والظُّهور والانضباط، فهذه أربعة، وغير المختصّ حيث شرط العلة: الاطِّرَاد والانعكاس، أما نفي الطرد، فَضَرْبَان؛ لأنه إما بعد إلغاء قيد، وهو الكسر، أولا، وهو النقض، وأما نفي العكس، فضرب واحد، فهذه عشرة: الأول: منع وجود العلة.\nالثاني: منع كونها علة.\nالثالث: بيان عدم تأثيرها.\nالرابع: عدم الإفضاء.\nالخامس: وجود المُعَارض.\nالسَّادس: عدم الظهور.\nالسَّابع: عدم الانضباط.\nالثامن: النقض.\nالتاسع: الكسر.\nالعاشر: عدم العكس.\nالنوع الخامس: ما يرد باعتبار المقدمة الثالثة، وهي دعوى وجود العلة في الفرع مساوية لوجودها في الأصل، وذلك إما منع، فتقول: لا أسلم وجودها في الفرع، أو المعارضة في الفرع بما يقتضي نقيض الحُكْم، أو يدفع المُسَاواة باعتبار ضَمِيمَة شرط في الأصل، أو مانع في الفرع، وهو الفرق، أو باعتبار نفي العلة لاختلاف في الضابط، أو في جنس المصلحة، فهذه خمسة، وسبق خمسة عشر.\nالسادس: ما يرد على المقدمة الرَّابعة، وهي قوله: فيوجد الحُكْم في الفرع، وفي هذا المقام لا سبيل إلى المنع؛ إذ قد قام الدَّليل، بل يدعي المُخَالفة ويبينها، إما مقتصرًا عليها، وهو ما عبر عنه بقوله: مخالفة حكم الفرع، أو مدعيًا أن دليل المستدل يقتضي ذلك، وهو القلب.","vol":"4","page":477},{"text":"وَالاِعْتِرَاضَاتُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ تَتَعَدَّدُ اتِّفَاقًا، وَمِنْ أَجْنَاسٍ؛ كَالْمَنْعِ، وَالْمُطَالَبَةِ، وَالنَّقْضِ، وَالْمُعَارَضَةِ مَنَعَ أَهْلُ \"سَمَرْقَنْدَ\" التَّعَدُدَ؛ لِلْخَبْطِ، وَالمُتَرَتِّبَةُ مَنَعَ الأَكْثَرُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّسْلِيمِ لِلْمُتَقَدِّمِ فَيَتَعيَّنُ الآخَرُ.\nوَالْمُخْتارُ: جَوَازُهُ؛ لأِنَّ التَّسْلِيمَ تَقْدِيرِيٌّ فَلْتَتَرَتَّبْ، وَإلَّا كَانَ مَنْعًا بَعْدَ تَسْلِيم، فَيُقَدَّمُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالأصْلِ، ثُمَّ الْعِلَّةُ؛ لاِسْتِنْبَاطِهَا مِنْه، ثُمَّ الْفَرْعُ لبِنَائِهِ عَلَيْهِمَا، وَقُدِّمَ النَّقْضُ عَلَى مُعَارَضَةِ الأصْلِ؛ لأِنَّهُ يُورَدُ لإِبْطَالِ الْعِلَّةِ، وَالْمُعَارَضَةُ لإِبطالِ اسْتِقْلالِهَا.\n<hr><s0>\n\nالسابع: ما يرد على قول المستدل بعد إثبات الحكم في الفرع، وذلك هو المطلوب، وهو المنع، فنقول: لا نسلم، بل النزاع باقٍ، وهو القول بالموجب.\nوأما التركيب فليس سؤالًا برأسه، فإنه إما مركّب الأصل، وذلك راجع إلى منع حكم الأصل، أو منع العلية، أو مركب الوصف، وهو راجعٌ إلى منع الحكم، أو منع وجود العلّة في الفرع، وأما التعدية فمن المعارضة، كما تقدم.\nوقد ختم المصنف الاعتراضات بفصل في ترتيب الأسئلة، فقال:\nالشرح: إما أن تكون \"من جنس واحد\" كالنُّقُوض، والمُعَارضات في الأصل والفرع، أو من أجناس مختلفة، كالمَنْعِ والمطالبة، والنقض والمُعَارضة، فإن كانت من جنس واحد، فإنها \"تعدد\" على معنى: أنه يجوز إيرادها معًا \"اتفاقًا\"، ولا يلزم منه تناقض، ولا انتقال من سُؤَال إلى آخر \"و\"إن كانت \"من أجناس، كالمَنْعِ والمطالبة، والمنع والمُعَارضة\" كذا بخط المصنّف، المنع مرتين: أي: المنع مع المُعَارضة، فإن كانت غير مرتبة، فقد \"منع أهل \"سمرقند\" المتعدد\" (^١) فيها؛ \"للخَبْط\" اللازم منها والانْتِشَار، وأوجبوا الاقتصار على سؤال واحدٍ حرصًا على الضبط.\nقالوا: ولا يرد علينا إذا كانت من جنس، فإنا جوزنا تعددها وإن أدَّت (^٢) إلى النشر؛ لأن النَّشر في المختلفة أكثر منه في المُتَّفقة، والجمهور جَوّزوا الجمع بينهما، وهو الحق.\nوإن كانت مرتبة طبعًا، مثل حكم الأصل ومنع العلية، فإن تعليل الحكم بعد ثبوته طبعًا، فقد أشار إليه بقوله: \"والمرتبة منع الأكثر\" من جمعها \"لما فيه من التَّسْليم للمتقدم\"؛\n_________\n(^١) في ت: التعدد.\n(^٢) في ت: أردت.","vol":"4","page":478},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nلأنك تقول: لا نسلم ثبوت الحكم في الأصل، ولئن سلّمناه، فلا نسلم أن العلّة فيه ما ذكرت، ففي الأخير تسليم للأول، \"فيتعين الأخير\".\n\"والمختار: جوازه؛ لأن التسليم\" ليس بتحقيقي، وإنما هو \"تقديري\"، وإذا كان كذلك، \"فلتترتب\" الأسئلة، \"وإلا لَكَان\" إيرادها بلا ترتيب \"منعًا (^١) بعد تسليم\"، فإنك لو قلت: لا نسلم أن الأصل معلل بكذا، فقد سلمت ضمنًا ثبوت الحكم، فكيف تمنعه بعد ذلك؟\nولقائل أن يقول: إن كان التسليم تقديريًّا، فلا يضر، كما ذكرتم، ولم لا يرقي المستدل فيقول: لا أسلم أن الأصل معلل بكذا، بل لا أسلم ثبوت الحكم فيه كما يقول: لا نسلم الحكم، وإن سلمته، فلا أسلم العلّة، فالأظهر عندنا تجويز ذلك، ولكنا نُفَرِّعُ على رأي صاحب الكتاب، فنقول: وإذا ثبت إيرادها مترتبة، \"فيقدم ما يتعلق بالأصل، ثم العلّة؛ لاستنباطها منه، ثم الفرع؛ لبنائه عليهما، وقدّم النقض على معارضة الأصل؛ لأنه يورد لإبطال العلة، والمعارضة\" إنما تورد \"لإبطال استقلالها\"، فالترتيب أن يقول: ليس بعلّة لعدم الاطِّرَاد، وإن سلم، فليس بمستقل.\nوبالله التوفيق\n_________\n(^١) في ت: معا.","vol":"4","page":479},{"text":"<span data-type='title' id=toc-863>الاِسْتِدْلالُ</span>\nوَالاِسْتِدْلالُ يُطْلَقُ عَلَى ذِكْرِ الدَّلِيلِ وَيُطْلَقُ عَلَى نَوْعٍ خَاصٍّ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ؛ فَقِيلَ: مَا لَيْسَ بِنَصٍّ، وَلا إِجْمَاعٍ، وَلا قِيَاسٍ، وَقِيلَ: وَلا قِيَاسَ عِلَّةٍ؛ فَيَدْخُلُ نَفْيُ الْفَارِقِ وَالتَّلازُمُ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"والاستدلال\": اسْتِفْعَالٌ من الدليل (^١)، وَاسْتَفْعَلَ في لغة العرب ترد للطَّلب وللتحرك، وللإيجاد، ولإلغاء الشَّيْء، بِمَعْنَى ما صيغ منه، أو لِعَدِّه كذلك، ولمطاوعة \"افْعَلْ\"، ولموافقته وموافقة تَفَعَّل وافْتَعَل، والمجرد، والإغناء عنه وعن فعل.\n_________\n(^١) لما كان الاستدلال من جملة الطرق المفيدة للأحكام ذكره بعد الفراغ من الأدلة الأربعة.\nوالاستدلال في اللغة: طلب الدليل، وفي الاصطلاح يطلق على معنى عام، وهو ذكر الدليل نصًّا كان أو إجماعًا أو قياسًا أو غيره. ويطلق على معنى خاص هو المقصود هاهنا، فقيل في تعريفه: هو دليل لا يكون نصًّا ولا إجماعًا ولا قياسًا، وقيل: هو دليل لا يكون نصًّا ولا إجماعًا ولا قياس علة، فيدخل في الاستدلال بالمعنى الثاني نفي الفارق، وهو القياس في معنى الأصل، والتلازم، أي قياس الدلالة؛ لأن قياس الدلالة الاستدلال من وجود أحد المتلازمين على وجود الآخر، واختلفوا في نحو: وجد السبب فوجد المسبب، أو وجد المانع فينتفي الحكم، أو فقد الشرط لينتفي الحكم، فقل: ليس بدليل بل هو دعوى دليل؛ لأن قولنا: وجد السبب معناه وجد الدليل، وهو دعوى وجود الدليل، وقيل: دليل لأن الدليل ما يلزم منه الحكم قطعًا أو ظنًّا، وهذا كذلك، وعلى تقدير كونه دليلًا اختلفوا فقيل: إنه استدلال لدخوله في تعريف الاستدلال؛ لأنه ليس بنص ولا إجماع ولا قياس، وقيل: إن أثبت السبب أو المانع أو فقد الشرط يعني الثلاثة، أعني النص والإجماع والقياس فاستدلال، وإن أثبت بأحدها لا يكون استدلالًا؛ بناء على أنه لو أثبت بأحدها كان الحكم اللازم ثابتًا بالنص أو =","vol":"4","page":480},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nمثال الأول: اسْتَغْفَرَ. أي: طلب المغفرة.\nوالثاني: استحْجَر الطِّين أي: صار حجرا.\nومثال الإيجاد: استعبد عبدًا، استأجر أجيرًا، أي. اتَّخذوا إلغاء الشَّيء بمعنى ما صيغ منه.\nمثاله: اسْتَصْغَرْتُه، أي: وجدتُّه كذلك.\nوعَبَّرَ \"ابن عصفور\" عن هذا بـ \"الإصابة\"، وأشلاه فاستشلى، وأحكمه فاستحكم، وموافقه \"افْعَل\" استحْصَدَ الزرع واحصد، ومطاوعة \"افْعَلْ\" نحو: كأنه فاستكان، وكذلك تقول فيما بعده صغيرًا وكبيرًا، وهو بخلاف ذلك، واستيقن المرء وأيقن، وموافقه \"تَفَعَّلَ\" اسْتَكْبَر واسْتَعاذ، أي تكبَّر وتعوَّذ [وموافقه] (^١) \"افْتَعَلَ\" استعْصَم واعْتَصَم، واستعْذر واعْتَذر، وموافقه المُجَرَّد استغنى وغنى، والإغناء عن التجرد نحو: استأثر واستند، وَالإغنَاء عن فعل: استرجع إذا قال: \"إِنَّا لله وإنَّا إليه راجعون\".\nو\"اسْتَعَان\" إذا حلق عَانتَهُ. إذا عرفت هذا، فالاستدلال في الاصْطِلاحِ مُشْتَركٌ، فإنَّه يطلق على ذكر الدَّليل سواء أكان نصًّا أم إجْمَاعًا أم غيرهما، ويُطْلق على نوع خاصٍّ من أنواع الأدلَّة، وهو المقصود بيانه هنا، وله عُقِدَ الباب.\nواعْلَمْ أن علماء الأُمَّةِ أجمعوا على أنَّه ثَمَّ دليل شرعي غير ما تقدَّم، واخْتَلَفُوا في تَشخِيصِهِ.\nوقال قومٌ: هو الاسْتِصْحَابُ.\nوقال قوم: هو الاستِحْسَان.\n_________\n= الإجماع أو القياس، وهو باطل، فإن النص أو الإجماع أو القياس دليل إحدى مقدمتي الاستدلال لا نفسه. ينظر: الأصفهاني في بيان المختصر، وينظر: البرهان ١١١٣، ١١٣٥، والإحكام للآمدي ٣/ ١٠٤، وشرح العضد ٢/ ٢٨٠، وجمع الجوامع ٢/ ٣٤٢، وشرح الكوكب المنير (٥٨٨)، والتحرير (٥٢٠)، والتيسير ٤/ ١٧٢، وفواتح الرحموت ٢/ ٣٦١، وإرشاد الفحول ٢٣٦.\n(^١) سقط في ت.","vol":"4","page":481},{"text":"وَأَمَّا نَحْوُ: وُجِدَ السَّبَبُ أَوِ الْمَانِع، أَوْ: فُقِدَ الشَّرْط، فَقِيلَ: دَعْوَى دَلِيلٍ، وَقِيلَ: دَلِيلٌ، وَعَلَى أنَّهُ دَلِيلٌ قِيلَ: اسْتِدْلالٌ وَقِيلَ: إِنْ أُثْبِتَ بِغَيْرِ الثَّلَاثَةِ.\nوَالْمُخْتَارُ: أَنَّهُ ثَلاثَةٌ: تَلازَمٌ بَيْنَ حُكْمَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ عِلَّةٍ، وَاسْتِصْحَابٌ، وَشَرْع مَنْ قَبْلَنَا.\n<hr><s0>\n\nوقال قوم: هو المصالح الْمُرْسَلَة، ونحو ذلك من عمل القول والتَّلازم ونحوهما، وقد علمت توارد \"اسْتَفْعَلَ\" في اللُّغَة. وعندي أن المَقْصُود منها في مصطلح الأُصُوليِّين الاتِّخَاذ، والمعنى أن هذا باب ما اتَّخَذُوهُ دليلًا، والسِّرُّ في جعل هذا الباب مُتَّخَذًا دون الكِتَاب والسُّنَّةِ والإجماع والقياس؛ لأنَّ تلك الأدِلَّة قام القَاطِعُ عليها، ولم يتنازع المعتبرون في شَيْءٍ منها، وكَأَنَّ قيامها لم ينشأ عن صنِيعِهِم واجتهادهم، بل أَمْرٌ ظاهِرٌ.\nوأَمَّا ما عُقِدَ له هذا الباب، فهو شيء قاله كلُّ إِمَامٍ بِمُقْتَضَى تَأْدِيَةِ اجتهاده، فكأنَّهُ اتَّخَذَهُ دليلًا، كما تَقُول: الشَّافِعِيُّ يستدلُّ بالاستصْحَاب، ومَالِكُ بالمَصَالِح الْمُرْسَلَةِ، وأبُو حَنِيفَةَ بالاستحسان، أي: يَتَّخِذُ من كلامهم ذلك دليلًا، كما تقول: يُحْتَجُّ بِكَذا، وهذا معنىً مليحٌ في سبب تَسْمِيته بـ \"الاستدلال\"، واخْتُلِفَ في تعريفه، فَقِيلَ: ما ليس بنصٍّ ولا إجماع ولا قياس، وقيل: ما ليس بنصٍّ ولا إجماع ولا قياس عِلَّةٍ، فيدخل تحت الاستدلال حِينَئِذٍ نَفْيُ الْفَارِق، وهو الَّذِي سمَّاه: \"القياس في معنى الأصل\".\nوالتلازم أي: قياس التلازم، وهو إثبات أحَدِ موجِبي الْعِلَّةِ بالآخَرِ لتلازمهما، وهو الذي سمَّاهُ \"قياس الأدِلَّةِ\"، فإذن التعريف الأوَّلُ أخَصّ، وقال: هذا إنما عرفناه بسلب غيره من الأَدِلَّةِ عنه دون العِلَّتَيْنِ؛ لِتقَدُّمِ مَعْرِفَةِ تلك الأدِلَّةِ، فيكون ذلك تعريفًا لِلْأَخْفَى بِالْأعْرَفِ، بخلاف الْعَكْسِ، فإنَّه لم يتقدم للاستدلال ذكر، فيكون تَعْرِيفًا بالمجهول.\nالشرح: \"وأمَّا نَحْوُ\" فأكثر من قول الفقهاء: \"وجد السَّبَبُ\"، فيُوجَدُ الحُكْمُ \"أو المَانِعُ\" فَيَنْتَفِي، \"أو فُقِد الشَّرط\" فينتفي أيضًا، \"فقيل\": ليس بدليلٍ، وإنما هو \"دَعْوى دليل\"، وهو بمثابة قولك: وُجِدَ دليل الحكم فوجد، وهذه دَعْوى لا تُسْمَعُ ما لم يعين الدَّليل المُدَّعَى أَنَّه موجود، فينبغي أن يُعَيّنَ الدَّليل المستلزم للحكم، وهو السَّبب الخاصّ، أو وجود المانع، أو انتفاء الشَّرط الخاصين، \"وقيل\": بل هو \"دليل\"؛ لأنَّ الدَّليل ما يلزم منه الحكم قطعًا أو ظنًّا، وهو كذلك، \"وعلى\" تقدير \"أنَّه دليل قيل\": إنه \"استدلال\"؛ لأنه ليس بنصٍّ ولا إجماع ولا قياس.","vol":"4","page":482},{"text":"الأوَّلُ: تَلازُمٌ بَيْنَ ثُبُوتَيْنِ أَوْ نَفْيَيْنِ، أَوْ ثُبُوتٍ وَنَفْي، أَوْ نَفْي وَثُبُوتٍ، وَالْمُتَلازِمَانِ: إنْ كَانَا طَرْدًا وَعَكْسًا؛ كَالْجِسْمِ وَالتَّألِيفِ، جَرَى فِيهِمَا الأَوَّلانِ طَرْدًا وَعَكْسًا.\n<hr><s0>\n\n\"وقيل: إن أثبت\" السَّبب أو المانع أو الشَّرط \"بغير الثَّلاثة\" التي هي النصُّ والإجْمَاعُ والقياس، فهو استدلال، وإلَّا فلا، \"والمُخْتَار\" عند المُصَنِّف: \"أنَّه ثلاثهٌ: تلازم بين حُكْمَيْنِ من غير تَعْيِينِ عِلَّةٍ\"، وإلَّا لكان قياسًا أو \"استصحاب، وشرع من قَبْلَنَا\"، وزادَ فَرِيقٌ: الاستحسان، وفريق: المصالح المُرْسَلَةِ، ونقص قَوْمٌ: الاسْتِصْحَابَ، وقوم: شَرْع من قَبْلَنَا، عَلَى ما يأتي ذلك كلُّه إن شاء الله تعالى.\nولقائل أن يقول: قولكم: المختار: أنَّهُ ثلاثَةٌ …\n... إلى آخِرِهِ - يقتضي أن الاستدلال موضوع عندكم بإزاء الثَّلاثة، وهذا لم يقل به أحد، بل المتَّفق عليه أنَّهُ موضوع في مصطلح الأصوليِّين، بإزاء دليل غير الثَّلاثة اختلفوا بعد اتِّفاقهم على أن ذلك الدَّليل موضوعه في تشخيصه، كما عرَّفناك حسب اختلافهم في الاحتجاج بما يحتجُّون، فمن قال كالمصنِّف: إنما هو التَّلازم، والاستصحاب، وشرع السَّابق، لا يقول: ذلك موضوع الاستدلال، بل ذلك مشخَّص موضوع الاستدلال، وموضوع الاستدلال إنَّما هو القدر المشترك، ففي الحقيقة هو لفظ موضوع للأعمِّ استعمل في الأخصِّ، ولا يقدر المصنِّف أن يذهب إلى أن الأُصوليِّين وضعوا القطع والاستدلال لما رآه هو حجَّةً دون ما رآه أبُو حَنِيفَة، ولا الحنفيُّ إلى أن الاستدلال ما رآه هو حُجَّةً دون ما رآه الشَّافِعِيّ، بل الأمر كما بَيَّنَّاهُ.\nالشرح: الأوَّلُ: قياس التَّلازم، وهو إِمَّا \"تلازم بين ثُبُوتَيْنِ أو نَفْيَيْنِ، أو ثبوتٍ ونفي، أو نفي وثُبُوتٍ\"، كما يقول في المسلم يَجِدُ الميتة: إن كان مضطرّا لم يأكل، إن كان مضطرّا لَمْ يُحَرَّمْ، إن لم يكن مضطرًّا حرِّم، \"والمتلازمان إن كانا\" متلازمين \"طردًا وعكسًا\" أي: من الطَّرفين \"فالجسم التَّأليف جرى فيهما الأوَّلان\"، وهما التَّلازم بين ثبوتَين، وبين نفيين \"طردًا وعكسًا\"، بمعنى أن وجود كلٍّ منهما يستلزم وجود الآخر، ونفيه يستلزم نفي الآخر، كُلُّ ما كان جسمًا كان مؤلَّفًا، وكُلُّ ما كان مؤلَّفًا كان جسمًا، وكُلُّ ما لم يكن مؤلَّفًا لم يكن جسمًا، وَكُلُّ ما لم يكن جسمًا لم يكن مؤلَّفًا.","vol":"4","page":483},{"text":"وَإنْ كَانَا طَرْدًا لا عَكْسًا؛ كالْجِسْمِ وَالْحُدُوثِ، جَرَى فِيهِمَا الأَوَّلُ طَرْدًا، وَالثَّانِي عَكْسًا.\nوَالْمُتَنَافِيَانِ إِنْ كَانَا طَرْدًا وَعَكْسًا؛ كَالْحُدُوثِ وَوُجُوبِ الْبَقَاء، جَرَى فِيهِمَا الأخِيرَانِ طَرْدًا وَعَكْسًا: فَإِنْ تَنَافَيا إِثْبَاتًا؛ كَالتَّأْلِيفِ وَالْقِدَمِ، جَرَى فِيهِمَا الثَّالِثُ طَرْدًا وَعَكْسًا: فَإِنْ تَنَافَيَا نَفْيًا؛ كَالأَسَاسِ وَالْخَلَلِ، جَرَى فِيهِمَا الرَّابعُ طَرْدًا وَعَكْسًا.\n<hr><s0>\n\nالشرح: و\"وإن كانا\" مُتلازمين \"طَرْدًا\" كالجسم والحُدُوثِ\"، فإنَّ الجسم مستلزم للحدوث من غير عكس \"جرى فيهما الأوَّلُ\": أعني التَّلازم الثبوتي \"طردًا\"؛ لأنَّ كلَّ جسم محدث لا عكسًا؛ إذ ليس كلُّ ما ليس بجسم ليس محدثًا. \"والثَّاني\": أعني التَّلازم السَّلبي طردًا؛ فإنَّ عدم الحدوث مستلزم لعدم الجسم لا طردًا؛ فإنَّ الحدوث ليس بمستلزم للجسم. \"والمتنافيان إن كانا\" متنافيين \"طردًا وعكسًا\" أي: وجودًا وعدمًا، وهي المنفصلة الحقيقيَّة فينافى وجود كلٍّ منهما وجود الآخر، وعدمُهُ عَدَمَه، \"كالحدوث ووجوب البقاء\"، إذ بينهما منافاةٌ وجودًا وعدمًا \"جرى فيهما الآخران\"، أعني التَّلازم بين ثبوتٍ ونفي، وعكسه \"طردًا\"؛ فإنَّ كل محدثٍ ليس بواجبٍ، والواجبُ ليس بمحدثٍ: \"وعكسًا\"؛ فإنَّ ما ليس بمحدثٍ واجب، وما ليس بواجبٍ محدث، \"فإن تنافيا إثباتًا\" فقط، أي: لم يجتمعا على الصِّدق مع جواز كذبهما \"كالتَّأليف [والقدم] (^١) \"، إذ لا يجتمعان، فلا يوجد شيء هو مؤلَّفٌ وقديمٌ، وقد يرتفعان كالجزء الَّذي لا يتجزَّأُ \"جرى فيهما\" \"الثَّالث، وهو استلزام الثُّبوت للنَّص \"طردًا وعكسًا\"، فإنَّ كلَّ مؤلَّف ليس بقديم، والقديم ليس بمؤلَّفٍ، فإن تنافيا نفيًا فقط أي: لم يجتمعا على الكذب مع جواز صدقهما كالأساس والخلل، فإنَّهما لا يرتفعان، فلا يوجد ما ليس له أساس ولا يختل، وقد يجتمعان في كل ذي أساس يختلُّ بوجه آخر جرى فيهما الرابع: وهو استلزام النفى للثُّبوت طردًا وعكسًا، فيصدق كلُّ ما لم يكن له أساس، فهو مختلٌ، وكل ما لم يكن مختلًّا، فله أساس، فهذه أقسام التَّلازم بحسب موادِّها، فلنذكر أمثلتها في:\n_________\n(^١) في ت: العدم.","vol":"4","page":484},{"text":"الأوَّلُ: فِي الأَحْكَامِ: مَنْ صَحَّ طَلاقُه، صحَّ ظِهَارُه، وَيَثْبُتُ بِالطَّرْدِ، وَيَقْوَى بِالْعَكْسِ، وَيُقَرَّرُ بِثُبُوتِ أَحَدِ الأَثَرَيْنِ؛ فَيَلْزَمُ الآخَرُ؛ لِلزُومِ الْمُؤَثِّرِ وَبثُبُوتِ الْمُؤَثِّرِ، وَلا يُعَيَّنُ الْمُؤَثَّر، فَيَكُونُ انْتِقَالًا إِلَى قِيَاسِ الْعِلَّةِ.\nالثَّاني: لَوْ صحَّ الْوُضُوءُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، لَصَحَّ التَّيَمُّم، وَيَثْبُتُ بالطَّرْدِ كَمَا تَقَدَّيَم، وَيُقَرَّرُ بِانْتِفَاءِ أَحَدِ الأَثَرَينِ، فَيَنْتَفِي الآخَرُ؛ لِلُزُومِ انْتِفَاءِ الْمُؤَثَّرِ وَبِانْتِفَاءِ الْمُؤَثرِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: الأحكام \"الأوَّلُ\": وهو التَّلازم بين الثُّبوتين \"في الأحكام\".\nمثاله: \"من صَحَّ طلاقه صحَّ ظهاره، ويثبت\" هذا التَّلازم \"بالطَّرد\"، وهو أنَّا وجدنا كل من صحَّ طلاقه صحَّ ظهاره، \"ويقوى بالعكس\"، وهو أنَّا وجدنا كل من لا يصحُّ طلاقه لا يصحُّ ظهاره، وحاصله التَّمسُّك بالدَّوران، وإنما قلنا: يقوى بالعكس، ولم نقل: \"يثبت\" بناءً على ما قدَّمناه من أن العدم ليس جزءًا، ولو كان جزءًا استوى العكس والطرد.\nفإن قلت: قد تقَّدم أن المصنِّف لا يرى أن الدَّوران حجَّةٌ، فكيف يحتجُّ هنا بمجرَّد الطرد، وهو أضعف من الدَّوران؟.\nقلت: الَّذي تقدَّم أنَّه لا يراه حجَّةً قياسية، والذي أثبته هنا أنه يحصل به الملازمة، فالحاصل أن الدَّوران عنده لا يفيد ظنَّ العلِّيَّة، وإنما يفيد الاقتران الذي به الملازمة، وينشأ عنها الحكم لا العلة، وقد \"تقرَّر\" بوجه غير الدَّوران، وذلك \"ثبوت أحد الأمرين، فيلزم الآخر\"، وإنَّما \"لزم\" لثبوت المؤثر حينئذ ضرورة وجود \"الأثر\"، فيلزم وجود مؤثِّره، ويلزم من ثبوت مؤثِّره ثبوت الأثر الآخر؛ لأنَّ نسبته إليه كنسبته إليه، أو يقال: ثبت أحد الأمرين، فكان \"المؤثِّر\" ثابتًا، فكان الآخر ثابتًا، وإليه أشار بقوله: \"و\"قد تقرر \"ثبوت المؤثِّر\" فيقال: ثبت أحد الأمرين وهو صحة الطَّلاق مثلًا، فيكون المؤثِّر ثابتًا، فيكون الآخر - وهو الظِّهار - ثابتًا، \"ولا يعيَّن المؤثَّر\" كقوله: صحَّة الطَّلاق بسبب كذا، وتلك العلَّة موجودة في الظِّهار، \"فتكون\" بتعيينها \"انْتِقَالًا\" من الاستدلال \"إلى قياس العلَّة\".\nالشرح: \"الثَّاني\": وهو التَّلازم بين النَّفيين في الأحكام. مثاله قولنا: \"لو صحَّ الوضوء بغير نيَّة لصحَّ التيمُّم\" بغير نيَّة، كذا ذكره المصنِّف، وهو الصواب.\nوقال \"قطب الدِّين الشيرازيُّ\": أوضح منه: لو لم يصحَّ التَّيمُّم بغير نيَّة لم يصحَّ","vol":"4","page":485},{"text":"الثَّالِثُ: مَا كَانَ مُبَاحًا لا يَكُونُ حَرَامًا.\nالرَّابعُ: مَا لا يَكُونُ جَائِزًا يَكُونُ حَرَامًا، وَيُقَرَّرَانِ بِثُبُوتِ التَّنَافِي بَيْنَهُمَا أَوْ بَيْنَ لَوَازِمِهِمَا.\nوَيَرِدُ عَلَى الْجَمِيعِ: مَنْعُهُمَا وَمَنْعُ أَحَدِهِمَا، وَيَرِدُ مِنَ الأسْئِلَة مَا عَدَا أَسْئِلَةَ نَفْسِ الْوَصْفِ الْجَامِعِ.\nيَختَصُّ بِسُؤَالٍ؛ مِثْلُ قَوْلِهِم فِي قِصَاصِ الأيْدِي بِالْيَدِ: أَحَدُ .............\n<hr><s0>\n\nالوضوء بغير نيَّة، وهذا عجيب، فإنَّ أحدًا لا يقول بصحَّة التَّيَمُّم بغير نيَّة، وإنَّما الخلاف في الوضوء، فمثال المصنِّف هو الصَّحيح.\nوقول المصنِّف: \"ويثبت بالطَّرد\" ويقوى بالعكس \"كما تقدم\" لا ينطبق على المثال الَّذي ذكره؛ فإنَّه لا طرد في الوضوء بغير نيَّة، والأولى التَّمسُّك بقولنا: من لم يصحَّ طلاقه لم يصحَّ ظهاره، فهذا ثبت بالطَّرد، وهو عدم صحَّة طلاق من لم يصحَّ ظهاره، ويقوى بالعكس، وهو صحَّة طلاق من يصحُّ ظهاره، وإن شئت قل: لو لم يصحَّ ظهاره لم يصحَّ طلاقه، لكنَّ اللازم منتفٍ فالملزوم مثله، \"وتقرر\" أيضًا \"بانتفاء أحد الأمرين فينتفي الآخر؛ للزوم انتفاء المؤثر بانتفاء الأثر\"، وتقرَّر أيضًا بانتفاء المؤثِّر.\nالشرح: \"الثَّالث\": أن يكون الملزوم ثبوتًا، واللَّازم نفيًا، مثاله: \"مَا كَانَ مُبَاحًا لا يكونُ حرامًا\" من تلك الحيثيَّة.\nالشرح: \"الرَّابع\": عكسه \"ما لا يكون جائزًا\"، أي: يعاقب من ارتكبه \"يكون حرامًا ويقرَّران\" أعني: الثَّالث، والرَّابع \"بثبوت التَّنافي بينهما\" أي: بين الحكمين \"أو بين لوازمهما\"؛ لأن تنافي اللَّوازم يدلُّ على تنافي الملزومات، \"ويرد على الجميع\" أي: جميع أقسام التَّلازم \"منعهما\" أي: منع الأمرين، وهما تحقُّق الملزوم من نفي أو إثبات، وتحقُّق الملازمة \"ومنع أحدهما، ويرد\" على الجميع أيضًا \"من الأسئلة\" الخمسة والعشرين الواردة على القياس \"ما عدا أسئلة نفس الوصف الجامع\"؛ لأنَّها مختصَّة بالقياس لعدم تعيُّن العلَّة هنا، وما لا تعيَّن له لا يورد عليه.\nالشرح: \"ويختص\" التَّلازم \"بسؤال\" آخر غير ما ذكر في القياس.","vol":"4","page":486},{"text":"مُوجِبي الأَصْلِ، وَهُوَ النَّفْس، فَيَجِبُ بدَلِيلِ الْمُوجَبِ الثَّانِي، وَهِيَ الدِّيَة، وَقُرِّرَ بِأَنَّ الدِّيَةَ أَحَدُ الْمُوجَبَيْنِ؛ فَيَسْتَلْزِمُ الآخَرَ؛ لأِنَّ الْعِلَّةَ إِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً، فَوَاضِحٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَعَدِّدَةً فَتَلازَمُ الْحُكْمَيْنِ دَلِيلُ تَلازُمِ الْعِلَّتَيْنِ.\nفَيُعْتَرَضُ: بِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ فِي الْفَرْعِ بِأُخْرَى لا تَقْتَضِي الآخَرَ، وَيُرَجِّحُهُ بِاتِّسَاعِ الْمَدَارِكِ، فَلا يَلْزَمُ الآخَرُ.\nوَجَوَابُهُ: أَنَّ الأصْلَ عَدَمُ أُخْرَى؛ وَيُرَجِّحُهُ بأَوْلَويَةِ الاِتِّحَادِ؛ لِمَا فِيه مِنَ الْعَكْسِ.\n<hr><s0>\n\nيوضِّحه بمثال، وهو \"مثل قولهم\" \"في\" ثبوت \"قصاص الأيدي باليد\" الواحدة: إنَّ ذلك \"أحد موجبي الأصل، وهو النَّفس، فيجب\" في الفرع \"بدليل الموجب الثَّاني\" لعلَّة الأصل، \"وهو الدِّية\" على تقدير وجوبها في الفرع، \"وقرِّر\" الوجوب في الفرع \"بأن الدِّية أحد الموجبين\"، وهو موجود في الفرع، \"فيستلزم الآخر\"، وهو القصاص؛ \"لأنَّ العلَّة\" علَّة الموجبين في الأصل إمَّا واحدةٌ أو إمَّا متعدِّدة، \"إن كانت واحدةً، فواضح\" وجود وجوب القصاص على الجميع في الفرع يلزم من أحد موجبي العلَّة في الفرع، وهو الدِّية على الجميع وجود العلَّة في الفرع، ومن وجود العلَّة في الفرع وجود الموجب الآخر فيه، وهو وجوب القصاص على الجميع، \"وإن كانت متعدِّدةً، فتلازم الحكمين\"، أعني: وجوب الدِّيَة والقصاص على الجميع في الأصل \"دليل تلازم العلَّتين\"، وعلى هذا يلزم من وجود الدِّية على الجميع في الفرع وجود علَّته فيه، ومن وجود علَّته وجود علة الآخر لتلازم العلَّتين، ومن وجود علَّة الآخر أعني: وجوب القصاص على الجميع في الفرع، وهو المطلوب، وفي هذا المثال نظر تقدَّم في كتاب القياس وإذا تمَّ كذلك \"فيعترض\" المعترض \"بجواز أن يكون\" ثبوت أحد الموجبين، وهو الدِّيَة \"في الفرع\" لا بعلَّة الأصل بل \"بأخرى\"، وهي \"لا تقتضي\" الحكم \"الآخر، ويرجِّحه\"، أي: يرجِّح دعواه ثبوت الحكم في الفرع لعلَّة أخرى \"باتِّساع المدرك\"؛ فإنَّ وجوب الدِّيَة على الجميع في الفرع لعلَّة أخرى توجب التعدُّد في مدارك الحكم الأصل والفرع، وإذا كان علَّة أحد الحكمين لا يقتضي الحكم الآخر \"فلا يلزم الآخر\".\nالشرح: \"وجوابه أن الأصل عدم أخرى، ويرجِّحه\" أي: يرجِّح عدم أخرى، وثبوت الاتِّحاد \"بأولويَّة الاتِّحاد لما فيه من العكس\"؛ فإنَّ العلَّة إذا كانت واحدةً كانت مطَّردةً","vol":"4","page":487},{"text":"فَإنْ قَالَ: فَالأصْلُ عَدَمُ عِلَّةِ الأصْلِ فِي الْفَرْعِ، وَقَال: وَالْمُتَعَدِّيَةُ أَوْلَى.\n<hr><s0>\n\nمنعكسةً، والمنعكسة أولى للاتِّفاق على صحَّتها، فإن \"قال\" المعترض: إذا تمسَّكتم بأنَّ الأصل العدم، \"فالأصل عدم\" وجود \"علَّة الأصل في الفرع\"، فقد عارضناكم.\n\"قال\" المستدلُّ: تعارضنا، فليعدل إلى التَّرجيح.\n\"والمتعدِّي أولى\" من القاصرة على خلاف فيه يأتي - إن شاء الله تعالى - في باب التراجيح. انتهى.\nولقائل أن يقول: أوَّلًا: لا يصحُّ ثبوت وجودها في الفرع مجرَّد أن وجودها يقتضي التعدِّي، ولا وجودها فيه يقتضي التعدي، ولا وجودها فيه يقتضي القصور، والتَّعدِّي أولى؛ لأن حاصل ذلك استدلال على ثبوت الحكم في الفرع بأنَّ ثبوته بتأتِّي القياس، وهو ضعيف لم يقل به إلَّا من شذَّ من أهل الأصول، حيث قال: إذا كانت العلَّة موجودةً يأتي القياس المأمور بخلاف ما إذا لم تكن، فليحكم بكونها موجودةً لما أدى إليه من العمل بالمأمور به، وهو القياس. وقد رد المحقِّقون هذه الطَّريقة، وقالوا: إنَّهَا هباء منثور؛ فإن مجرَّد تأتِّي القياس لا يصيِّر الفرع مقيسًا، بل لا بدَّ من وجود العلَّة فيه عينًا، وإن سلَّمنا فنقول: لا يلزم من عدم تعدِّي الحكم إلى الفرع المتنازع فيه عدم تعدِّي العلَّة مطلقًا، [فلعلها] (^١) تعدَّت إلى فرع آخر، وحينئذٍ لا يحسن قولكم: تعارض التعدِّي والقصور، ويرجَّح التعدِّي، نعم: الأصل عدم التَّعدِّي إلى فرع آخر، فإن لم يكن فرع آخر [تعدَّى] (^٢) إليه بوجه الترجيح بالتَّعدِّي، وإلَّا فلا يتوجَّه.\n_________\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) في ت: تعدت.","vol":"4","page":488},{"text":"<span data-type='title' id=toc-864>مَبْحَثٌ فِي الاسْتِصْحَابِ </span>(^١)\nالاِسْتِصْحَابُ: الأكْثَرُ؛ كالْمُزَنِيِّ، وَالصَّيْرَفِيِّ، وَالْغَزَالِيِّ. عَلَى صِحَّتِهِ، وَأكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ: عَلَى بُطْلانِهِ كَانَ بَقَاءً أَصْلِيًّا، أَوْ حُكْمًا شَرْعِيًّا؛ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْخَارجِ: الإجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ قَبْلَهُ مُتَطَهِّرٌ، وَالأصْلُ الْبَقَاءُ حَتَّى يَثْبُتَ مُعَارِضٌ، وَالأصْلُ عَدَمُهُ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"الاسْتِصْحَابُ\" اتفق \"الأكثر كالمُزَنى، والصيرفي، والغزالي على صحته\"، والاحتجاج به (^٢).\n\"وأكثر الحنفية على بطلانه\"، سواء \"كان بقاء أصليًّا أو حكمًا شرعيًّا.\nمثل قول الشَّافعية في الخارج\" من غير السَّبيلين: \"الإجماع على أنه قبله متطهر، والأصل البقاء حتى يثبت معارض، والأصل عدمه\".\n_________\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) الاستصحاب: أصل من أصول الشريعة التي تجعل العلماء في فسحة وتخلصهم من مواقف الحيرة، وهو أصل متفق على العمل به في الجملة وإن اختلفوا في بعض ضروبه. قال القرطبي: \"القول باستصحاب لازم لكل أحد لأنه أصل من أصول النبوة والشريعة، فإن لم نقل باستمرار حال تلك الأدلة لم يحصل العلم بشيء من تلك الأصول\" واستمرار حال أدلة النبوة والشريعة من الاستصحاب الذي لا يختلف العقلاء في صحته، ولا يتطرق إليه الريب في حال. ينظر: البحر المحيط للزركشي ٦/ ١٦، والبرهان لإمام الحرمين ٢/ ١١٣٥، وسلاسل الذهب للزركشي ٤٢٥، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٤/ ١١١، والتمهيد للأسنوي ٤٨٩، ونهاية السول له ٤/ ٣٥٨، ومنهاج العقول للبدخشي ٣/ ١٧٧، وغاية الوصول للشيخ =","vol":"4","page":489},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nواعلم: أن معنى استصحاب الحال أن الحكم الفُلاني قد كان ولم يظن عدمه، وكل ما كان كذلك فهو مظنون البقاء، وقد ذكر له صور.\nمنها: ما لا خلاف عندنا في كونه حجة، وإنما الخلاف فيه عند غيرنا من الفرق.\nومنها: الصحيح من مذهبنا عدم الاحتجاج به، وهو استصحاب حكم الإجماع كما ستعرفه إن شاء الله تعالى.\nفتخصيص المصنف المزني، والصَّيرفي، والغزالي بالذكر من بين سائر أئمتنا إن كان لخصوصية فيهم، وهي أن المزني صاحب الشَّافعي والذي نشر مذهبه.\nوالصيرفي شارح كلامه في الأصول، والذي كان يقال: إنه أعلم الخَلْق بالأصول بعده.\nوالغَزَالي خاتمة الكُبْرى في مذهبه إذ لم يجيء بعده في أصحابه مثله.\nفيقال له: فلم تركت ابن سريج وهو المذهب وقد صرحوا عنه به؟\nوإن كان لأنهم قالوا به حيث يقول به غيرهم، فإنهم يقولون باستصحاب الحال الذي يسمى بـ \"استصحاب حكم الإجماع\" تارة، وبـ \"استصحاب الحال\" أخرى، فيرد عليه ابن سُرَيج أيضًا، فإنه قائل به، ويزداد إيراد، وهو أن الصحيح من مذهبنا خلافه، وأن الغَزَالي لا\n_________\n= زكريا الأنصاري ١٣٨، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ٣١٥، والمنخول للغزالي ٣٧٢، وحاشية البناني ٢/ ٣٤٧، والإبهاج لابن السبكي ٣/ ١٦٨، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٤/ ١٨٥، وتخريج الفروع على الأصول للزنجاني ١٧٢، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٣٨٨، والمعتمد لأبي الحسين ٢/ ٣٢٥، وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ٦٩٤، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ٥/ ٥، أعلام الموقعين لابن القيم ١/ ٢٥٥، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٢٨٤، وتقريب الوصول لابن جُزي ١٤٦، المسودة ص (٤٨٨)، وروضة الناظر ص (٧٩٥)، والكافية في الجدل ص (٣٨٢)، والترياق النافع ٢/ ١٦٢، والمدخل إلى مذهب أحمد ص (١٣٣). وينظر: شرح اللمع ٢/ ٩٨٦، والوصول لابن برهان ٢/ ٣١٧، وشرح تنقيح الفصول (٤٤٧)، ومنتهى السول والأمل (٢٠٣)، وكشف الأسرار ٣/ ٣٧٧.","vol":"4","page":490},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nيقول به، وعند هذا نقول: أراد بـ \"الأكثر\" أناسًا من أصحابنا وغيرهم، وربما قيل: لا خلاف فيه كما ستراه.\nومنها ما يختلفون فيه، وهو استصحاب حال الإجماع، وله مثل المصنف، واختار تبعًا للآمدي أنه حجة، ولكن عليه اعتراض من جهة أن الغزالي لا يراه، فالنَّقل عنه ليس على جهة، وقد نقل عنه الآمدي أنه أنكره كما هو الصَّواب عنه.\nوأما الصيرفي والمزنى فيريانه، ولا يظهر لتخصيصهما بالذكر وَجْهُ فقيه، ولا فيه أيضًا لَوْم، وإنما هو أمر اتفاقي، إذا عرفت هذا، فنقول: الأكثرون على أن الاستصحاب حجه، سواء أكان في النص أم الإثبات، ولا يخفى عليك أن له في النفي حالتين؛ لأنه إما أن يكون عقليًّا أو شرعيًّا، وليس له في الإثبات إلا حالة واحدة؛ لأن العَقْل عندنا لا يثبت حكمًا وجوديًا ألبتة.\nوأما النفي فما كان منه شرعيًّا كقوله ﵇: \"لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ\" (^١).\nفليس له أيضًا مَدْخَل كالوجودي، وما كان منه عقليًّا، وهو الذي عرف نفيه بالبَقَاءِ على العدم الأصلي به [إلا] (^٢) بتصريح الشَّارع كنفي وجوب الصَّلاة السَّادسة، وصوم شوال، فالعقل يدل عليه [بطريقة] (^٣) الاستصحاب إلى أن يرد السَّمع الناقل عنه.\nلا يقال: دلالة الاسْتِصْحَاب ظنية، وعدم وجوب ما ذكرتم قَطْعِي، فكيف يكون مستفادًا منه؛ لأنا نمنع ذلك، ونقول: عدم السَّمعي قد يكون معلومًا كما في هَذَيْنِ المثاليين، فيدل على القطع.\nوذهب جمهور الحَنَفية كما ذكر المصنّف إلى أنه ليس بحُجة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣/ ٣٧٨) كتاب الزكاة: باب ليس فيما دون خمس ذود صدقة، رقم (١٤٥٩)، ومسلم (٢/ ٦٧٣) كتاب الزكاة (١/ ٩٧٩)، ومالك (١/ ٢٤٤) كتاب الزكاة: باب ما تجب فيه الزكاة (١) من حديث أبي سعيد.\n(^٢) في أ، ت: لا.\n(^٣) في أ، ت: بطريق.","vol":"4","page":491},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقيل: إنما لم يحتجوا به في الأمْرِ الوجودي لا مطلقًا، ثم اختلفوا، فمنهم من جَوّز الترجيح به.\nومنهم من لم يجوزه، والذي صَرَّحت الحنفية به في كتبهم أنه لا يكون حُجّة في العَين، ولكن يصلح لإبداء العُذْر، والدفع، ولذلك قالوا: حياة العقود، بالاستصحاب يصلح حجة لبقاء ملكه لا في إثبات الملك له في مال مورثه، وهذا قول منهم بالتَّفصيل.\nونحن نقول: للاستصحاب صور:\nإحداها: ما ذكرناه من اسْتِصْحَاب العدم الأصلي، وهذا إن ثبت فيه خلاف، فلغير أصحابنا، وأما أصحابنا فَمُطْبِقُون على أنه حُجة.\nوالثانية: استصحاب مقتضى العموم، أو النص إلى أن يرد المخصص والناسخ، ولم يختلف أصحابنا في أنه حجة أيضًا، ومنع ابن السَّمعاني من تسميته بـ \"الاستصحاب\".\nقال: لأن ثبوت الحكم فيه من ناحية اللفظ لا من ناحية الاستصحاب.\nوالثالثة: استصحاب حكم دل الشرع على ثبوته، ودوامه لوجود سببه، كالملك عند حصول المسبب، وشغل الذمة عند فرض، أو إتلاف، وهذا وإن لم يكن حكمًا أصليًّا فهو حكم شرعي دل الشرع على ثبوته ودوامه جميعًا، ولولا أن الشرع دل على دوامه إلى أن يوجد السَّبب المزيل، أو المبرئ لما جاز استصحابه.\nفإذا دلَّ الشرع على ثبوت شيء، ودوامه كان حجّة بشرط عدم حصول المغير كما في الصور المذكورة، ولا أعرف في هذا إيضاحًا لأصحابنا، ومن هذا القَبِيل الحكم بتكرار الأحكام عند تكرار أسبابها؛ لأنه لما قام الدليل على كون تلك الأسباب أسبابًا لتلك الأحكام وجب استصحابها ما لم يمنع منه مانع، وهو من جملة الدليل على أن الحكم يتكرر بتكْرَار السبب.\nوالرابعة: استصحاب حال الإجماع في محل الخلاف، وهو أن يحصل الإجماع على حكم في حال، فيتغير الحال، ويقع الخلاف، فهل يستصحب حال الإجماع؟\nوإن شئت قلت: إن ثبت حكم في حالة، فتتغيّر الحالة، فيستصحب المستدل ذلك الحكم بعينه في الحالة المتغيرة، ويقول: من ادعى تغيير الحكم، فعليه الدليل، كما قال","vol":"4","page":492},{"text":"لَنَا: أَنَّ مَا تَحَقَّقَ وَلَمْ يُظَنَّ مُعَارِضٌ - مُسْتَلْزِمٌ ظَنَّ الْبَقاء.\nوَأيْضًا: لَوْ لَمْ يَكُنِ الظَّنُّ حَاصِلًا، لَكَانَ الشَّكُّ فِي الزَّوْجِيَّةِ ابْتِدَاءً كَالشَّكِّ فِي بَقَائهَا فِي التَّحْرِيمِ أَوِ الْجَوَازِ، وَهُوَ بَاطِلٌ، وَقَدِ اسْتُصْحِبَ الأصْلُ فِيهِمَا.\n<hr><s0>\n\nالمصنف في الخارج من غير السبيلين، فهل هو حجة؟ هذا هو محل الخلاف بين أصحابنا، والأكثرون - ومنهم الغزالي - على أنه ليس بحجة، وذهب المُزَني وأبو ثور، والصيرفي، وأبو العباس بن سريج، وابن خَيْران إلى أنه حجة، وهو مذهب داود، واختاره المصنف كما عرفت تبعًا للآمدي.\nالشرح: ثم أخذ يستدل لحجية الاستصحاب مطلقًا إذ هو رأيه. \"لنا: إنما يتحقق\" ثبوته، \"ولم يظن\" له \"معارض\"، فإنه \"مستلزم ظن البقاء\" كذلك المتحقق على ما كان عليه، ولولا حصول هذا الظَّن لما [أرسلت] (^١) أخاك من بلد إلى بلد، ولا اشتغلت بما يستدعى زمانًا من حِرَاثَة ونحوها، ولكان ذلك سفهًا.\nوإذا ثبت الظَّن فالعَمَل به واجب، \"وأيضًا لو لم يكن الظن\" [لبقى] (^٢) على ما كان عليه \"حاصلًا لكان الشَّك في الزوحية ابتداء كالشَّك في بقائها في التحريم أو الجواز، وهو باطل\" إجماعًا، فكذا المقدم، \"وقد استصحب الأصل فيهما\"، فحكم بالتحريم في الأولى، وبالإباحة في الثانية بالإجماع فيها، ولا فارق إلا الاستصحاب، فلو لم يكن حقًّا معتبرًا لزم استواء الحالتين حلًا وتحريمًا، وهو خلاف الإجماع.\nونظيره: إذا تيقن الحدث وشَكّ في الطهارة، وعكسه.\nولقائل أن يقول على الأول: إنما يظن البقاء إذا لم يطرأ مغيِّر.\nوأما إذا طرأ فأفضى لأمر الشك، ولا حكم معه.\nوعلى الثاني أن اليقين لم يطرأ ما يزيله، بخلاف طريان الخلاف على الإجماع، فهذان الدليلان ينتهضان للاستصحاب الذي نقول به، ويعتضدان بما روى أنه ﷺ قال: \"إنَّ الشَّيْطَانَ يَأتي أَحَدَكُمْ فينفخ بَيْنَ أليَتَيْهِ فَيَقُولُ: أَحْدَثْتَ، أَحْدَثْتَ فَلا يَنْصَرِفَنَّ حَتَّى يَسْمَعَ\n_________\n(^١) في ت: راسلت.\n(^٢) في أ: لبقاء.","vol":"4","page":493},{"text":"قَالُوا: الْحُكْمُ بِالطَّهَارَةِ وَنَحْوِهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَالدَّلِيلُ [عَلَيْهِ] نَصٌّ، أَوْ إِجْمَاعٌ، أَوْ قِيَاسٌ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَ الْحُكْمَ الْبَقَاءُ، وَيَكْفِي فِيهِ ذَلِكَ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالدَّلِيلُ الاسْتِصْحَابُ.\n<hr><s0>\n\nصَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا\" (^١) فقد قضى باستدامة الحكم، وأما استصحاب الإجماع، فلا يدلّان له.\nوالأولى في مسألة الطهارة أن يقول: إنه في موضع [تيقن] (^٢) الطهارة، وشك الحدث إنما أخذ باليقين لأجل الخبر.\nوأما في موضع [تيقن] (^٣) الحدث وشكّ الطهارة، فبالقياس عليه أي لأنه في معناه لا بالاستصحاب.\nالشرح: والمَانعون من استصحاب حال الإجماع \"قالوا\" أولًا: \"الحكم بالطَّهَارة ونحوها حكم شرعي\"، فلا بد له من دليل، \"والدليل نص، أو إجماع، أو قياس\"، وليس الاستصحاب واحدًا منها، فلا يكون حجة.\nأما انتفاء الكتاب والسُّنة، وهما المعنى بالنّص، فواضح، وكذلك القياس، وأما الإجماع فقد كان ثابتًا، لكنه زال، ونذكر صورة يتبين الحال بها، فنقول: المستدل باستصحاب الحال في مسألة المتيمم يرى في الصَّلاة على عدم البطلان؛ لأنا أجمعنا على صحة صلاته، فلا تبطل إلا بدليل.\nأما أن يشرك بين الحالتين في الحكم لاشتراكهما فيما يدل عليه، وهذا ليس بالاستصحاب، بل استدلال بالعموم، أو لاشتراكهما في العلة، وهذا قياس، أولا لدلالة،\n_________\n(^١) ذكره بهذا اللفظ ابن حجر في \"تلخيص الحبير\" (١/ ١٢٨) رقم (١٧١) وقال: هذا الحديث تبع في إيراده الغزالي، وهو تبع الإمام، وكذا ذكره الماوردي، وقال ابن الرفعة في المطلب: لم أظفر به.\nوقد ذكره البيهقي في الخلافيات عن الربيع عن الشافعي أنه قال: قال رسول الله ﷺ، فذكره بغير إسناد، وذكره المزني في \"المختصر\" عن الشافعي نحوه بغير إسناد أيضًا.\n(^٢) في أ، ت: تعين.\n(^٣) في أ، ت: يقين.","vol":"4","page":494},{"text":"قَالُوا: لَوْ كَانَ الأصْلُ الْبَقَاءَ، لَكَانَتْ بَيِّنَةُ النَّفْي أَوْلَى، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالإجْمَاعِ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُثْبِتَ يَبْعُدُ غَلَطُهُ؛ فَيَحْصُلُ الظَّنُّ.\n<hr><s0>\n\nولا لعلة، فليس الجمع بينهما أولى من عدم الجمع، وهذا لأن عدم الدليل لا يكون حجّة، وأنت ترى كيف جعل هذا دليلًا للمانعين من الاستصحاب مطلقًا، والآمدي إنما ذكره من جهة المانعين من استصحاب الإجماع فقط، وهو الذي ذكره أصحابنا.\nوقالوا: فإن قيل: إن حدوث الحادث لا يغير الأحكام، قيل: يمتنع أن يختلف الشيء بحدوث الحوادث، وإذا كان هذا جائزًا فلا يظن البقاء مع الحدوث، والمصنف قال: \"وأجيب\" أي عن قول المانعين: لا دليل على الاسْتِصْحَاب، فلا حكم \"بأن الحكم\" ضربان ابتدائي، ودوامي، والذي يجب نَصْبُ دليل عليه من جهة الشارع هو الابتدائي.\nوأما الدَّوامي فإنا نمنع وجوب نَصْب دليل عليه، وحينئذٍ فنقول: الحكم هنا ليس ابتدائيًّا، بل هو \"البقاء\" بقاء الطَّهَارة، \"ويكفي فيه ذلك\" أي تقدم الشيء، وعدم المعارض، وهو الاستصحاب، \"ولو سلّم فالدليل الاسْتِصْحَاب\"، وقولكم: الدليل منحصر في الثلاثة ممنوع؛ فإن ذلك محل النزاع، ولقائل أن يقول: لا بد لكل حكم من دليل ابتدائيًّا كان أو دواميًّا، وقولك: \"الاستصحاب\" لا يخلصك؛ لأنك تريد أن تبينه أولًا، وهو الآن لم يثبت؛ لأنه محل النزاع كما ذكرت.\nالشرح: \"قالوا\" ثانيًا: \"لو كان الأصل\" في الشيء \"البقاء\" على ما كان \"لكانت بينة النفي أولى\" بالتقديم من بينة الإثبات، \"وهو باطل بالإجماع\" القائم على أن البينة تقبل من المدعي، وهو المثبت دون النَّافي.\n\"وأجيب: بأن المثبت يبعد غلطة، فيحصل الظن\" بقوله؛ لاطلاعه على سبب أوجب له المخالفة بخلاف الثَّاني، إذ لا يبعد غلطة في ظن الموجود معدومًا على عدم علمه به.\nونظير هذا قول المصنف في زيادة العدد: قلنا: سهو الإنسان بأنه سمع ولم يسمع بعيد، بخلاف سهوه عما سمع؛ فإنه كثير.\nولقائل أن يقول: إذا كان غلط من ينفي قريبًا، فلا يبعد غلطكم إذا استصحبتم النفي لا سيما في صورة استصحاب حال الإجماع.\nفيقال مثلًا: الظن الحاصل في مسألة المتطهر قبل خروج الخارج إنما يستمر بعد","vol":"4","page":495},{"text":"قَالُوا: لا ظَنَّ مَعَ جَوَازِ الأَقْيِسَةِ.\nقُلْنَا: الْفَرْضُ بَعْدَ بَحْثِ الْعَالِم.\n<hr><s0>\n\nخروج الخارج من غير السَّبيلين مستندًا إلى نفي الحدث، والسهو المتطرق إلى مثله غير بعيد، فلا يكون ظنًّا معتبرًا؛ لتطرق السهو إليه.\nالشرح: \"قالوا\" ثالثًا: \"لا ظن مع جواز الأقيسة\"؛ فإنه ما من صورة لا نص فيها إلا والقياس متأتّ فيها، وهو يرفع حكم الأصل اتفاقًا، فما دام القياس سائغًا لا يظن حكم إلا إذا استند إليه، وإلى النصوص، فإذا لم يستند لم يظن فلا يحكم به.\n\"قلنا: الفرض\" أنا إنما نتمسك بالاستصحاب \"بعد بحث العالم\" عن الأقيسة والنصوص، وقولكم: ما من صورة إلا والقياس متأت فيها، ممنوع.\nولقائل أن يقول: قضية هذا الكلام أنه لا يجوز الاحتجاج بالاستصحاب مع إمكان القياس، ولا أعلم من فصل هذا التفصيل، نعم إذا عارض القياس استصحابًا، فالقياس مقدم، وأما إذا لم يعارضه، فلا يمتنع اجتماعهما عند من يجوز اجتماع دليلين على مَدْلول واحد.\n\n\"تنبيهات\"\nالأول: إذا تأملت صنيع المصنف مع تأملك كتاب \"الإحكام\" عرفت أن المصنف خلط مسألتين أفردهما الآمدي بالذكر.\nإحداهما: استصحاب غير الإجماع الذي لا يعرف أحدًا من أصحابنا يخالف فيه.\nوالثانية: استصحاب الإجماع في مقام الخلاف الذي لا يقول به من أصحابنا إلا من سَمّيناه.\nونشأ للمصنف من الخلط شيئان:\nأحدهما: النقل عن الغزالي على غير وَجْهه كما عرفت.\nوثانيهما: أن القائل بالاسْتِصْحَاب استدلوا بأنه لا بد له من دليل، ولا نص، ولا إجماع، ولا قياس، فلا دليل، وهم إنما قالوا هذا في صورة استصحاب [بالإجماع] (^١)، وهو قياس مثبت.\n_________\n(^١) في أ، ت: الإجماع.","vol":"4","page":496},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nاستدلّوا بأنه لا بد من دليل، ولا نص ولا إجماع، ولا لأنه طرأ شيء يصلح أن يكون مغيرًا.\nوأما في غير استصحاب الإجماع فلا اتجاه له؛ لأن الدليل فيه بالحقيقة، وهو ذلك الأول الذي استصحب من نصّ أو إجماع.\nولو قال: هذا مانع الاستصحاب الذي يقول به، لكان جوابه أن الدليل هو أحد الثلاثة، لا أن يقال: إن النَّافي لا يحتاج إلى دليل.\nوإن سلم فالدليل الاستصحاب، وهذا واضح لمن تدبره.\nالثاني: زعم ابن السَّمْعَاني أن الصحيح من مذهبنا إنكار الاستصحاب جملة، ثم إذا قيل له: ماذا تقول في العام والنص قبل الخاص والناسخ؟!\nقال: نعم، ولكن ليس ذاك استصحابًا؛ لأن الدليل قائم، وهو العام والنص.\nوإن قيل: ما تقول في دليل العقل في براءة الذمة أليس يستصحب أيضًا؛ قال: وإنما وجب استصحاب براءة الذمم؛ لأن دليل العقل في براءة الذمة قائم في موضع الخلاف أيضًا.\nكما في العام والنص، فوجب الحكم به.\nوأما في استصحاب الإجماع، فالإجماع الذي كان دليلًا على الحكم قد زال في موضع الخلاف، فوجب طلب دليل آخر.\nوهذه الطريقة التي سلكها ابن السَّمعاني عندنا حسنة، وقد سبق إليها إمام الحرمين، وهي تعرف بأن الخلاف فيما عدا اسْتِصْحَابَ الإجماع لفظي، وبه صرح إمام الحرمين.\nوالمختار عندنا منع تسميته بـ \"الاستصحاب\"؛ لأن في إطلاق هذا الاسم إيهام أن الحكم مستند إلى الاستصحاب، وليس هو مستندًا إلا إلى الدليل القائم الذي استصحبناه، وهو مصاحب لنا وقت الحكم، فالاستصحاب فعلنا، والقاضي هو الدليل المستصحب، وكذلك من يستصحب حال الإجماع بعد طَرَيَانِ الخلاف [الذي] (^١) لا يرى الاستناد إلا إلى\n_________\n(^١) سقط في أ، ت.","vol":"4","page":497},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالإجماع؛ فإن الاستصحاب نفسه ليس بدليل.\nثم قال ابن السَّمْعَاني: المعتمد أنا لا نثبت براءة الذمة باستصحاب الحال، ولا نحكم بشيء لأجل الاستصحاب، لكن نطلب من المدعي حجّة يقيمها، فإذا لم يقم بقي الأمر على ما كان من غير أن يحكم بثبوت شيء.\nوالخلاف واقع في ثبوت الحكم باستصحاب الحال، وهذا لا يقوله في موضع ما انتهى، وهذه طريقة أخرى تُغَاير الأولى مع قربها منها.\nوحاصلها: أنه يفرق بين الدوام والابتداء، ويقول: ليس في الدوام إثبات، وإنما هناك استمرار ما كان؛ لعدم طريان ما يدفعه، وقد ذكرها المتأخرون، وأشار إليها المصنف بقوله: الحكم البقاء أي: والبقاء لها يحتاج إلى دليل كما عرفناك.\nالثالث: هذه الطريقة الأخرى قلنا: إن المتأخرين ذكروها تنبى على أن النافي في حال البَقَاءِ هل يحتاج إلى مؤثر؟.\nوفيه خلاف للمتكلمين، فإن قلنا: لا يحتاج وضحت، وإلا لم تنتهض؛ لأنك في الدوام تريد دليلًا، وأنت مثبت به، فكيف تقول: لم يحكم بشيء، والخلاف في أن الباقي هل يحتاج إلى مؤثر مبني على اختلاف آخر في أن علة الحاجة إلى المؤثر، هل هي الإمكان، أو الحدوث أو مجموعها، أو الإمكان بشرط الحدوث؟ والحق أن العلة الإمكان وأن الباقي يحتاج إلى مؤثر، كما هو مقرر في الكتب الكلامية، فعلى هذا لا تنتهض هذه الطريقة.\nالرابع: قال علماؤنا: القول باستصحاب الإجماع في موضع الخلاف يؤدي إلى التكافؤ؛ لأنه ما من أحد يستصحب حال الإجماع في موضع الخلاف في شيء إلا وَلخَصْمِهِ أن يستصحب حال الإجماع في مقابلته.\nوبيان ذلك أن من قال في مسألة المتيمم إذا رأى الماء في أثناء صلاته: لا تبطل؛ لأنا أجمعنا على صحة صلاته، فلا يبطل الإجماع إلا بدليل.\nقيل له: أجمعنا على اشتغال ذمته بفرض الصلاة، ولا تسقط إلا بدليل.\nوذكر الشيخ أبو إسحاق أن القاضي - يعني أبا الطيب الطبري - قال: قال داود: لا","vol":"4","page":498},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nتقول بالقياس الصحيح، وهنا نقول بقياس فاسد.\nلأنه يحمل حالة الخلاف على حالة الإجماع من غير علّة جامعة.\nوذكر الخطيب في \"التاريخ\" أن أبا سعد [البردعي] (^١)، وهو من أئمة الحنفية سأل داود عن بيع أمهات الأولاد، فقال: يجوز، فقال له: لم قلت ذلك؟ قال: لأنا أجمعنا على جواز بَيْعِهِنّ قبل العُلُوقِ، فلا يزول عن هذا الإجماع إلا بإجماع مثله.\nفقال له: أجمعنا بعد العُلُوق قبل الوضع أنه لا يجوز، فيجب أن تتمسّك بالإجماع، ولا يزول عنه إلا بإجماع مثله.\nقلت: إن كان الإجماع قائمًا كما ادَّعَاه على المَنْع قبل الوضع، فالمعارضة جيدة.\nالخامس: الصحيح عند أصحابنا فيما إذا رأى المتيمم الماء في أثناء الصَّلاة أن الصلاة إن لم تكن معينة عن القَضَاء بطل تيممه.\nوإن كانت معينة لا تبطل، فلم ينظر إلى الاستصحاب.\nوخرج المزني قولًا أنهما يبطلان، وساعده ابن سريج.\nوقيل: لا يبطلان.\nالسادس: إذا شرع المعسر في الصوم عن الكَفارة، ثم أيسر لم يلزمه الإعْتَاق.\nوذهب المزني أنه يلزمه، وهذه مخالفة لأصله؛ فإنا أجمعنا على شروعه في الصوم أنه الذي يلزمه، فينبغي له استصحاب هذا الإجماع، ولا يزول عنه إلا بإجماع آخر، فإن قال: أجمعنا على أن فرضه أولًا العِتْق، وطريان الإعسار لم يتحقق أنه مانع إلا إذا دام.\nأما إذا انقطع فمشكوك، فيجري على أصل الإعتاق، قلنا: قد قدمنا أن كل إجماع [استصحاب] (^٢) في حال الخلاف أمكن أن يعكس، وتتكافأ الأدلّة، فهلا اعترضت بهذا على نفسك؟! ونظير ما فعله المُزَني هنا قوله: إن الحر إذا نكح أمَةً بشروطه، ثم أيسر، ونكح حرةً انفسخ نكاح الأمة السابق.\n_________\n(^١) في أ، ت: البرذعي.\n(^٢) في أ، ت: استصحب.","vol":"4","page":499},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nمن اشترى شيئًا رآه قبل العَقْد، ومضت مدة يحتمل أن يتغيّر فيها، ويحتمل ألا يتغير، وكان حيوانًا، فالأصح الصّحة استصحابًا مع احتمال التغير.\nوإن كان مما لا يتغير كالأراضي، وكان لا يتغير في تلك المدة - لقلّتها - صَحَّ عند الجَمَاهير، وخالف الأَنْمَاطي، فاشترط الرؤية حالة الحَقْدِ مطلقًا، وأفرط في ذلك، فإما أن يكون لا يرى الاسْتِصْحَاب أصلًا، وقد قدمنا أنا لا نعرف ذلك عن أحد من أصحابنا.\nوإما أن يدعي أنه لاحَ له دليل خاص على ذلك.\nالثامن: ما ذكره الحنفية من أن الاستصحاب يصلح للدفع لا للرفع حسن، ونظيره إذا ظهر لبنت تسع سنين لبن، فارتضع منه صغير حرم، ولا نحكم ببلوغها.\nقالوا: لأن احتمال البلوغ قائم، والرضاع كالنسب، [فيكفي] (^١) فيه الاحتمال، والمذهب وجوب فطرة العبد الغَائِبِ المنقطع الخبر أنه لا يجوز إعتاقه عن الكَفّارة، وإذا قال: أوصيت لِحَمْل فُلانة، فولدت لفوق ستة أشهر، ودون أربع سنين من يوم الوصية، وكان الزوج قد فارقها أو غاب عنها حيث يعلم أنه لم يطأها بعد الوصية، فالولد لا حق به قطعًا.\nولا تثبت الوصية على وجه؛ لأن حدوث الولد يمكن في الباطن، والنسب يلحق بالإمكان، وأما الوصية فلما يتحقق وجوده عندها، والأصل عدمه، ولكن الصحيح ثبوتها.\nولو قال: لحمل فُلانة من فُلان، فولدت ولدًا اقتضى الحال إلحاقه به، فإن [نَفَاه] (^٢)، ولاعن اندفع النسب.\nوفي الوصية وجهان.\nأصحهما: لا يثبت، والثاني، وبه قال أبو إسحاق والأستاد أبو منصور: يثبت؛ لأن اللِّعَان إنما يؤثر في حق المتلاعنين.\n_________\n(^١) في أ، ت: يكفي.\n(^٢) في أ، ت: فنفاه.","vol":"4","page":500},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوإذا دفع ثوبًا إلى خياط ليقطعه، أو يخيطه، فخاطه قبَاء، ثم اختلفا فقال الخياط: أمرتني بقباء، وقال: بل بِقَميصٍ، ففيه الطريقة المشهورة في المذهب.\nوالأصح أن القول قول المالك.\nوقيل: قول الخياط.\nفإن قلنا: قول الخياط، فإذا حلف لا أرش عليه قطعًا ولا أُجْرة له على الأصح.\nوقيل: يجب له المسمى إتمامًا لتصديقه.\nوإن قلنا قول المالك، فإذا حلف فلا أُجْرَة عليه ويلزم الخياط أرش النَّقص على المذهب.\nوقيل: وجهان كما في وجوب الأُجرة تفريعًا على تصديقه الخَياط.\nوالفرق على المذهب أن القطع يوجب الضَّمان إلا أن يكون بإذن، وهو غير موجب أُجرة إلا بإذن.\nوفي الرَّافعي عن \"فتاوي البَغَوِيّ\" أنه لو تزوجها بشرط البَكَارة، فوجدت ثيبًا، ثم اختلفا فقالت: كنت بكرًا فافتضني، وقال: بل كنت ثيبًا، فالقول قولها؛ لدفع الفَسْخ، وقوله؛ لدفع كمال المهر.\nالتاسع: قال أصحابنا: لو كان معه ماء ونحوه مما أصله الطهارة، وتردد في نجاسته، فلا يضر تردَده، وهو باقٍ على طهارته، وسواء أكان التردد مستويًا أو ترجح احتمال النجاسة، إلا على قول ضعيف أنه إذا غلب على ظنه النجاسة حكم بها، [وكذلك] (^١) لو شكّ في طلاق أو عتق أو حدث أو حيض، ونحو ذلك، هذا كله ما لم يستند الظَّن إلى سبب معين، فإن استند كمسألة بول الحَيوان في ماء كثير إذا تغير.\nومسألة المقبرة المشكوك في منشئها، وبيان المتدينين باستعمال النجاسة، ومسائل تعارض الأصل.\nوالظاهر كلها أحكام معروفة، ففي بعضها يعمل بالظاهر جزمًا كمسألة بول الحَيَوان، وشهادة شاهدين.\n_________\n(^١) في أ، ح: وكذا.","vol":"4","page":501},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفإنها تفيد الظن، وقد تقدم على أصل براءة الذمة بلا خلاف، وفي بعضها قولان كمسألة المقبرة ونحوها (^١).\nوقد قال ابن القاص: اليقين لا يرفع بالشك إلا في إحدى عشرة مسألة (^٢):\nإحداها: إذا شك ماسح الخف هل انقضت المدة؟\nوالثانية: إذا شك هل مسح في الحضر أو السفر؟ يحكم في المسألتين بانقضاء المدة.\nالثالثة: إذا أحرم المسافر بنيّة القصر خلْف من لا يدري أمسافر هو، أو مقيم؟ لم يجز القصر.\nالرابعة: بال حيوان في ماء كثير، ووجده متغيرًا، ولم يَدْرِ أتغير بالبول أم بغيره؟ فهو نجس.\nالخامسة: المُسْتَحَاضة المتحيرة يلزمها الغُسْل عند كل صلاة تشك في انقطاع الدم قبلها.\nالسادسة: من أصابته نجاسة في بدنه أو ثوبه، وجهل موضعها يلزمه غسله كله.\nالسابعة: شك مسافر أوصل بلده؟ لا يجوز له الترخص.\nالثامنة: شك هل نوى الإقامة؟ كذلك.\nالتاسعة: المستحاضة وسَلسِ البول إذا توضَّأ، ثم شك هل انقطع حدثه أولا؟ فصلى بطهارته لم يصح.\nالعاشرة: تيمم، ثم رأى شيئًا لا يدري أسَرَاب هو أو ماء؟ فيبطل تيممه وإن بَانَ سرابًا.\nالحادية عشرة: رمى صيدًا، ثم غاب ووجده ميتًا، وشك هل أصابته رَمْيَةٌ أخرى من حَجَر غيره لم يحل أكله، وكذا لو أرسل عليه كلبًا.\n_________\n(^١) ينظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ٧٢.\n(^٢) ينظر: الأشباه والنظائر ٧٣.","vol":"4","page":502},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقال القَفّال: قد خالفه أصحابنا في هذه المسائل كلها، والأولى والثانية لم يترك اليقين فيها لشك، بل لأن الأصل غسل الرّجل وشرط المَسْح بقاء المدة، وشككنا فيه، فعملنا بأصل الغسل.\nوأما الثالثة، فحكمها صحيح، لكن ليس ترك يقين بشك؛ لأن القصر رُخْصة بشرط، فإذا لم يتحقق رجع إلى الأصل، وهو الإتمام.\nوكذا الرَّابعة؛ لأن الطَّاهر تغير بالبول، وكذا الخامسة؛ لأن الأصل وجوب الصَّلاة.\nفإذا شكت في انقطاع الدَّم فصلت بلا غسل لم يستيقن البراءة من الصَّلاة.\nوكذا السَّادسة؛ لأن الأصل أنه ممنوع من الصَّلاة إلا بطهارة عن هذه النَّجَاسة، فما لم يغسل الجميع هو الشَّاك في زوال منعه من الصلاة.\nقال: وفي السابعة وجهان:\nأحدهما: له القصر؛ لأنه شاك في زوال سبب الرُّخْصَة، والأصل عدمه.\nوالثاني: لا يجوز.\nكما قال أبو العباس، ولكن ليس ذلك ترك يقين بشك.\nقال: والثامنة لم يترك فيها اليقين بالشك، بل الأصل الإتمام، فلا يقصر حتى يتيقن سبب الرُّخْصة، وكذا التَّاسعة؛ لأن المُسْتَحَاضة لا يحل لها الصَّلاة مع الحدث إلا للضرورة، فإذا شكت في انقطاع الدم، فقد شكت في السَّبب المجوز للصلاة مع الحدث، فرجعت إلى أصل وجوب الصَّلاة بطَهَارة كاملة.\nوكذا العاشرة؛ لأن التيمم إذا بطل برؤية السَّرَاب؛ لأنه توجه الطلب، وإذا توجه بطل التيمم.\nوأما الحادية عشرة، ففي حلّ الصيد قولان:\nفإن قلنا: لا يحل، فليس ترك يقين بالشك؛ لأن الأصل التحريم، وقد شككنا في الإباحة.\nقال: فثبت أن المَسَائل كلها مستمرة على مذهب الشافعي أن اليقين لا يزال بالشَّك.","vol":"4","page":503},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقال النووي (^١): وفيما قاله القَفّال نظر، والصواب مع أبي العَبَّاس - يعني ابن القاص - فيما عدا الثَّالثة، والسادسة، والحادية عشرة.\nقال النووي: ومما لم يستثن: إذا توضأ، ثم شك هل مسح رأسه مثلًا؟ فيه وجهان:\nأصحهما: صحة وضوئه، ولا يقال: الأصل عدم المسح.\nومثله: لو سلم من صلاته، ثم شك هل صلى ثلاثًا أو أربعًا؟ ففيه ثلاثة أقوال:\nأصحها: لا شيء عليه.\nقال النووي (^٢): فإن تكلف متكلف، وقال: المسألتان داخلتان في القاعدة، فإن شك هل ترك أم لا، والأصل عدمه، فليس بشيء؛ لأن الترك عدم بَاقٍ على ما كان، وإنما المشكوك فيه الفعل، والأصل عدمه، ولم يعمل بالأصل.\nوأما إذا سلم من صلاته، فرأى عليه نجَاسة، واحتمل حصولها في الصَّلاة وحدوثها بعدها، فلا يلزمه إعادة الصَّلاة، بل مضت على الصحة.\nفيحتمل أن يقال: الأصل عدم النجاسة، فلا يحتاج إلى استثنائها.\nويحتمل أن يقال: تحققت النجاسة، وشك في انعقاد الصَّلاة، والأصل عدمه، وبقاؤها في الذمة، فيحتاج إلى استثنائها.\nالعاشر: علمت أن الاستصحاب هو ثبوت أمر في الثَّاني لثبوته في الأول؛ لعدم وجود ما يصلح أن يكون مغيرًا بعد البحث التام.\nوأما ثبوته في الأول لثبوته في الثاني، فهو الاستصحاب المقلوب، كما إذا وقع النظر في هذا المِكْيَالِ هل كان على عهد رسول الله ﷺ؟ فيقال: نعم؛ إذ الأصل موافقة الماضي للحال؟.\nوكما قال الأصحاب فيمن اشترى شيئًا وادّعاه مدّع، وأخذه منه بحجّة مطلقة حيث\n_________\n(^١) ينظر: شرح المهذب ١/ ٢٦٣.\n(^٢) ينظر: شرح المهذب ١/ ٢٦٤.","vol":"4","page":504},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأطبقوا على ثبوت الرُّجُوع له على البائع، بل لو باع المشتري، أو وهب، وانتزع المال من المُتّهب، أو المشتري منه، كان للمشتري الأول الرجوع أيضًا.\nوهذا استصحاب للحال في الماضي؛ فإن البيّنة لا توجب الملك، ولكنها تظهره، فيجب أن يكون الملك سابقًا على إقامتها، ويقدر له لَحْظة لطيفة، ومن المحتمل انتقال الملك من المشتري إلى المدعى، ولكنهم استصحبوا مقلوبًا، وهو عدم الانتقال منه فيما مضى استصحاب بالحال.\nوسمعت الشيخ الإمام أبي ﵀ يقول: لم يقل الأصحاب بالاستصحاب المَقْلُوب إلا في هذه المَسْألة.\nقلت: وعلى وجه ضعيف إذا وجدنا رِكَازًا، ولم نَدْرِ أمِنْ دَفِينِ الإسلام أو الجاهلية؟ أنه رِكَازٌ من دفن الجاهلية.\nوطريقك في المقلوب أن تقول: لو لم يكن الحكم الثابت الآن ثابتًا أمس لكان غير ثابت؛ إذ لا واسطة، وإذا كان غير ثابت قضى الاستصحاب بأنه الآن غير ثابت، لكنه ثابت، فدل أنه كان ثابتًا أيضًا، فافهم ذلك.","vol":"4","page":505},{"text":"<span data-type='title' id=toc-866>شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا</span>\nالْمُخْتَارُ: أَنَّهُ ﷺ قَبْلَ البَعْثِ مُتَعَبِّدٌ بِشَرْعٍ قِيلَ: نُوحٍ.\nوَقِيلَ: إبْرَاهِيمَ.\nوَقِيلَ: مُوسَى.\nوَقِيلَ: عِيسَى ﵈.\nوَقِيلَ: مَا ثَبَتَ أَنَّهُ شَرْعٌ.\nوَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ، وَتَوَقَّفَ الْغَزَاليُّ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"المختار أنه ﷺ قبل البعث متعبد بشرع (^١).\nقيل: نوح.\nوقيل: إبراهيم.\nوقيل: عيسى.\nوقيل\": إنه \"ما ثبت أنه شرع\"، من غير تخصيص، ثم سئل هذا القائل قال: لا أدري ما الثابت من ذلك.\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٦/ ٣٩، والتمهيد للأسنوي ٤٤١، والمنخول للغزالي ٢٣١، وتخريج الفروع على الأصول للزنجاني ٣٦٩، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ٥/ ١٤٩، وإرشاد الفحول للشوكاني ٢٣٩.","vol":"4","page":506},{"text":"لنَا: الأحَادِيثُ مُتَضَافِرَةٌ: كَانَ يتَعَبَّدُ، كَانَ يَتَحَنَّثُ، كَانَ يُصَلِّي، كَانَ يَطُوفُ.\nوَاسْتُدِلَّ: بِأَنَّ مَنْ قَبْلَهُ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ.\nوَأُجِيبَ: بِالْمَنْعِ.\nقَالُوا: لَوْ كَانَ، لَقَضَتِ الْعَادَةُ بِالْمُخَالَطَةِ أَوْ لَزِمَتْهُ.\nقُلْنَا: التَّوَاتُرُ لا يَحْتَاج، وَغَيْرُهُ لا يُفِيدُ.\nوَقَدْ تَمْتَنِعُ الْمُخَالَطَةُ لِمَوَانِعَ؛ فَيُحْمَلُ عَلَيْهَا جَمْعًا بَيْنَ الأَدَلَةِ.\n<hr><s0>\n\n\"ومنهم من منع\" كونه متعبدًا بشرع أصلًا، ثم قال القاضي: وعليه جماهير المتكلمين، ثم اختلفوا، فمنعه المتعزلة عقلًا.\nوقال أهل الحق: يجوز، ولكن لم يقع، وعليه القاضي وغيره.\n\"وتوقف\" إمام الحرمين و\"الغزالي\" والآمدي، وابن الأنباري، وغيرهم، وهو المختار، والمسألة جارية مجرى التواريخ.\nالشرح: \"لنا: الأحاديث متضافرة\" بأنه ﵇ \"كان يتعبّد\"، كان يخلو بِغَارِ \"حراء\" (^١) \"يَتَحَنَثُ\" فيه \"كان يصلي، كان يطوف\".\n\"واستدل بأن\" شرع \"من قبله لجميع المكلفين\".\n\"وأجيب بالمنع\"؛ فقد كان النبي ﷺ يبعث إلى قومه، وبعث محمد ﷺ إلى الناس عامة.\n\"قالوا: لو كان\" متعبدًا بمن قبله \"لقضت العادة بالمُخَالطة\" لأهل تلك الشريعة، \"أو لزمته\" مخالطتهم ليعرف الأحكام، ولو وقع ذلك لنقل، ولافتخرت به تلك الطائفة.\nواعتمد القاضي على أنه لو كان لاقتضت العادة ذكره بعد البعث، ولتحدث بذلك أحد في زمانه وبعده.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١/ ٣ - ٤) كتاب بدء الوحي: باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ. ومسلم (١/ ١٣٩ - ١٤٠) كتاب الإيمان: باب بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، حديث (٢٥٢). وأحمد (٦/ ٢٢٣، ٢٣٢) من حديث عائشة.","vol":"4","page":507},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"قلنا\": لا نسلم قضاء العادة بذلك، فهو متعبد بما علم أنه شرع، وذلك يحصل بالتَّوَاتر دون الاحاد، و\"التواتر لا يحتاج\" إلى المُخَالطة، \"وغيره لا يفيد\"، فإذن قضاء العادة بالمُخَالطة ممنوع.\nوكذا لزومها؛ فإنها \"قد تمنع الموانع\" وإن لم يعلمها، \"فيحمل عليها جمعًا بين الأدلة\".\nوأما حديث الافْتِخَار، فلا يثبت في تعميمنا لما علم أنه شرع من غير تخصيص بطائفة، وكيف يعرف افتخار مَنْ لا يعرف؟.\nوأما ما ذكره القاضي، فعارضه إمام الحرمين بأنه: لو لم يكن على دِينٍ أصلًا لنقل؛ فإنه أبدع وأبعد عن المعتاد.\nوفيه نظر؛ فليس انصراف النفوس عن نَقْلِ كونه ليس على دِينٍ كانصرافها عن نقل دينه الذي كان عليه، ذكره ابن الأنباري.\nثم قال الإِمام: الوجه أن يقال: انخرقت العادة للرسول ﷺ في أمور منها: انصراف همم الناس عن أمر دينه، والبحث عنه.\nقلت: وما ادعاه المصنف من الأحاديث المتضافرة التي ساق منها: كان يتعبد، كان يتحنث، كان يصلي، كان يطوف، لا أَحْفَظ منها إلا حديث: كان يتحنَّثُ بغار \"حراء\" أي: يتعبد، يقال: فلان يتحنث أي يفعل فعلًا يخرج به من الإثم، كما نقول: يتأثم، ويتخرج: إذا فعل ما يخرج به من الإثم والحرج، ومنه حديث حكيم بن حزام: (أرَأَيْتَ أمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ).\nأي: أتقرب بها إلى الله تعالى.","vol":"4","page":508},{"text":"<span data-type='title' id=toc-867>مَسْأَلَةٌ:\nالْمُخْتَارُ: أَنَّهُ بَعْدَ الْبَعْثِ مُتَعَبَّدٌ بِمَا لَمْ يُنْسَخْ.</span>\nلَنَا: مَا تَقَدَّمَ، وَالأصلُ بَقَاؤُهُ.\nوَأَيْضًا: الاِتِّفَاقُ عَلَى الاِسْتِدْلالِ بِقَوْلهِ: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [سورة المائدة: الآية ٤٥].\nوَأَيْضًا: ثَبَتَ أَنَّهُ قَالَ: \"مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةٍ أَوْ نَسِيَهَا، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا\"؛ وَتَلا: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [سورة طه: الآية ١٤]، وَهِيَ لِمُوسَى ﵇؛ وَسِيَاقُهُ يَدُلُّ عَلَى الاِسْتِدْلالِ بِهِ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"المختار\" عند المصنف: \"أنه ﷺ بعد المبعث متعبد بما لم ينسخ\" من شرع قبله بإيحاء الله - تعالى - بذلك على معنى أنه موافق لا متابع، فافهمه (^١).\nقال إمام الحرمين: وللشافعي مَيْل إلى هذا، وبنى عليه أصلًا من أصوله في كتاب \"الأطعمة\"، وتابعه معظم أصحابه.\nوذهب الأكثرون إلى أنه لم يكن متعبدًا بشرع غيره أصلًا، ثم افترقوا.\nفقالت المعتزلة: ذلك مستحيل عقلًا.\nوقال غيرهم: شرعًا، وهو اختيار القاضي والإمام الرازي والآمدي.\nواعلم أن الكلام في هذه المسألة مع من لم ينف التعبّد قبل النبوة.\n_________\n(^١) ينظر: إحكام الآمدي ٤/ ١٢١، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ١٣٩، والتحصيل من المحصول للأرموي ١/ ٤٤٢، وحاشية البناني ٢/ ٣٥٢، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٤/ ١٩١، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٣٩٣، والمعتمد لأبي الحسين ٢/ ٣٣٦، والتحرير لابن الهمام ٣٥٩، وتيسير التحرير لأمير بادشاه (٣/ ١٢٩).","vol":"4","page":509},{"text":"قَالُوا: لَمْ يُذْكَرْ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ ﵁ وَصَوَّبَهُ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ تَرَكَهُ: إِمَّا لأَنَّ الْكِتَابَ يَشْمَلُه، أَوْ لِقِلَّتِهِ؛ جَمْعًا بَيْنَ الأدِلَّةِ.\nقَالُوا: لَوْ كَانَ، لَوَجَبَ تَعَلُّمُهَا وَالْبَحْثُ عَنْهَا.\nقُلْنَا: الْمُعْتبَرُ الْمُتَوَاتِر، فَلا يَحْتَاجُ.\nقَالُوا: الإجْمَاعُ عَلَى أَنَّ شَرِيعَتَهُ ﵇ نَاسِخَةٌ.\nقُلْنَا: لِمَا خَالَفَهَا، وَإلَّا وَجَبَ نَسْخُ وُجُوبِ الإِيمَانِ وَتَحْريمِ الْكُفْرِ.\n<hr><s0>\n\nوأما من نفاه فقد نَفَاهُ بعدها أيضًا [بطريقة] (^١) أولى.\n\"لنا: ما تقدم\" من ثبوت التعبُّد قبل النبوة، \"والأصل بقاؤه\".\nوأيضًا: الاتفاق واقع على الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [سورة المائدة: الآية ٤٥] في وجوب القصاص في ديننا.\n\"وأيضًا: ثبت أنه\" ﵇ \"قال: \"مَنْ نَامَ عَنْ صَلاة أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا\"، وتلا: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (^٢) [سورة طه: الآية ١٤]، وهي لموسى، وسياقه يدل على الاستدلال به\".\nفي \"الصحيحين\" عن أنس ﵁ قال: \"مَنْ نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا؛ فَإن الله - تَعَالَى - يَقُولُ: أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرَى\".\nقلت: وهذا ظاهر في المدعى؛ إذْ أمرنا بذلك، وعلل بأمر الله - تعالى - موسى ﵇ به.\nالشرح: \"قالوا: لم يذكر شرع من قبلنا \"في\" حديث معاذ، [وصَوَّبهُ] (^٣) \" رسول الله ﷺ فلو كان من مدارك الأحكام لنبَّهَ ﵇ معاذًا عليه.\n_________\n(^١) في أ، ت: بطريق.\n(^٢) تقدم.\n(^٣) في أ، ت: وصومه.","vol":"4","page":510},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"وأجيب: [بأنه] (^١) تركه إما لأن الكتاب يشمله\"؛ لدلالته على شرع من قبلنا، [أو لقلته] (^٢) جمعًا بين الأدلة\" من الطرفين.\n\"قالوا: لو كان\" شرع من قبلنا، وكتبهم السَّالفة شرعًا لنا \"لوجب تعلمها والبحث عنها\" كما يجب تعلم القرآن والسنة، بجامع أن كلًّا من مدارك الأحكام، \"قلنا: المعتبر\" منها هو \"المتواتر\" لا الآحاد، فإنها لا تفيد لعدم العلم بعدالة الأَوْساط، وإذا كان كذلك، \"فلا يحتاج\" إلى البحث.\n\"قالوا: الإجماع على أن شريعته ﷺ ناسخة\" لجميع الشرائع، \"قلنا\": ناسخة \"لما خالفها\" فقط، \"وإلا وجب نسخ وجوب الإيمان، وتحريم الكُفْر\"؛ لثبوتها في تلك الشرائع.\nولقائل أن يقول: وجوب الإيمان وتحريم الكُفْرِ شريعة كل نَبِيّ، فلا يكون منسوبًا إلى واحد بخصوصه.\nونحن إذا قلنا: هذه الشريعة ناسخة لتلك، معناه: ناسخة لتلك، وإيجاب الإيمان، وتحريم الكفران لا ينسب إلى واحد بخصوصه، بل الكل فيه شرع.\nوسبق في أوَّل \"النسخ\" شيء يستضاء به هنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-868>\"فوائد\"</span>\nالأولى: قال القاضي في \"التقريب\": ليس تحقيق الخلاف أن يقول المخالف: إنه قد أمر بمثل شرع من تقدم؛ لأن أحدًا لا ينكر هذا، فإن كان هذا هو قول المخالفين وأنه ورد عليه أمر مستأنف مبتدأ موافق لشرع من قبله، فقد وافقوا في المعنى، وإنما الخلاف أنه هل لزمه بعد المبعث العمل بشريعة من قبله على وجه الاتباع لنبي قبله، وفرض لزوم دعوته؟.\nقال القاضي: فهذا هو الباطل الذي ينكره.\nالثانية: قال أصحابنا: لا يشترط الإسلام في الإحصان، فيرجم الذّمي.\n_________\n(^١) في ت بأن.\n(^٢) في أ، ت: لعلته.","vol":"4","page":511},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقال أبو حنيفة بأنه ﵇ رجمهما بحكم التَّوراة (^١)، وهو ضعيف؛ فإن ذلك لإلزامهم حيث أنكروا وجدان الرجم في التوراة.\nالثَّالثة: إذا وجدنا حيوانًا لا يمكن معرفة حلّه بشيء من مأخذ شريعتنا، وثبت تحريمه في شرع من قبلنا، فهل يستصحب تحريمه؟ فيه قولان:\nالأظهر: لا، وهو قضية كلام عامة الأصحاب في رَمْزِهِمْ في أول كتاب \"الجراح\" إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري كتاب المناقب: باب قوله تعالى: \"يعرفونه كما يعرفون\" (٣٦٣٥) وفي المحاربين: باب أحكام أهل الذمة (٦٨٤١)، ومسلم (٥/ ١٢٢)، ومالك (٢/ ٨١٩) رقم (١)، وأبو داود (٤٤٤٦)، والدارمي (٢/ ١٧٨)، والبيهقي (٨/ ٢٤٦) من رواية نافع عن ابن عمر.","vol":"4","page":512},{"text":"<span data-type='title' id=toc-869>[قَوْلُ الصَّحَابِيِّ]</span> (^١)\nمَذْهَبُ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ حُجَّةً عَلَى صَحَابِيٍّ اتِّفَاقًا. وَالمُخْتَارُ: وَلا عَلَى غَيْرِهِمْ.\nوَللشَّافِعِيِّ، وَلأحْمَدَ - رَحِمَهُمَا اللهُ - قَوْلانِ فِي أَنَّهُ حُجَّةٌ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى الْقِيَاسِ.\nوَقَالَ قَوْمٌ: إِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ.\nوَقِيلَ: الْحُجَّةُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعمَرَ ﵄.\nلنَا: لا دَلِيلَ عَلَيْهِ؛ فَوَجَبَ تَرْكُهُ.\nوَأَيْضًا: لَوْ كَانَ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ، لَكَانَ قَوْلُ الأعْلَمِ الأفْضَلِ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ؛ إذْ لا يُقَدَّر فِيهِمْ أكْثَرُ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"مذهب الصَّحَابي\" المجتهد \"ليس بحجة على صحابي\" آخر \"اتفاقًا\"، سواء أكان مجتهدًا أم لم يكن.\nأما إن كان، فواضح (^٢).\n_________\n(^١) سقط في أ، ت.\n(^٢) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٦/ ٥٣، والبرهان لإمام الحرمين ٢/ ١٣٥٨، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٤/ ١٣٠، والتمهيد للأسنوي ٤٩٩، ونهاية السول له ٤/ ٤٠٣، ومنهاج العقول للبدخشي ٣/ ١٩٢، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ١٤٠، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ٣١٨، وحاشية البناني ٢/ ٣٥٤، والإبهاج لابن السبكي ٣/ ١٩٢، =","vol":"4","page":513},{"text":"واسْتُدِلَّ: لَوْ كَانَ حُجَّةً، لَتَنَاقَضَتِ الْحُجَجُ.\n<hr><s0>\n\nوأما إن كان لم يكن؛ فلأن وظيفته التقليد، وليس قول المجتهد حجة [على] (^١) نفسه، \"والمختار: ولا على غيرهم\"، وهو الجديد من قول الشَّافعي، وعليه الأكثر.\n\"وللشَّافعي، وأحمد (^١) قولان في أنه حجة متقدمة على القياس\".\n\"وقال قوم: إن خالف القياس\" كان حُجّة، وإلا فلا.\n\"وقيل: الحجة قول أبي بكر، وعمر (^١) \"أي: قول كل واحد منهما، ولا يشترط اتفاقهما. \"لنا: لا دليل عليه، فوجب تركه\"؛ لأن إثبات الحكم الشرعي بغير دليل لا يجوز.\n\"وأيضًا لو كان\" قول الواحد منهم ﵃ \"حجة على غيره؛ (^١) لكان قول الأعلم الأفضل حجّة على غيره إذ\" الصحابة \"لا يقدر فيهم أكثر\" (^١) من أنه أيهم أفضل ممن عداهم.\nولقائل أن يقول: على الأول: لم قلتم: لا دليل عليه؟ وعلى الثاني لم قلتم: لا يقدر فيهم أكثر من ذلك، أو ليس للصحبة والمشاهدة لطلعة المصطفى من البر ما الله به عليم؟.\nالشرح: \"واستدل: لو كان حجة لتناقضت الحُجَج\"؛ لكثرة الاختلاف بينهم.\n\"وأجيب: بأن\" التَّنَاقض مدفوع، فإنه إذا كان حجّة، ووجد الخلاف بينهم كان الحكم في الدليلين يتعارضان، فإن \"الترجيح، أو الوقف، أو التخيير\" الذي ذهب إلى كل واحد منها\nحالة التعارض ذاهب \"بدفعه\".\n_________\n= والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٤/ ١٩٤، وتخريج الفروع على الأصول للزنجاني ١٧٩، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٣٩٦، والمعتمد لأبي الحسين ٢/ ٤٣٤، وأعلام الموقعين لابن القيم ٤/ ٩٢، وإرشاد الفحول للشوكاني ٢٤٣.\n(^١) في أ، ت: في.","vol":"4","page":514},{"text":"وَأُجِيبَ: بِأنَّ التَّرْجِيحَ أوِ الْوَقْفَ أَوِ التَّخْيِيرَ يَدْفَعُهُ كَغَيْرِهِ.\nوَاسْتُدِلَّ لَوْ كَانَ حُجَّةً، لَوَجَبَ التَّقْلِيدُ مَعَ إِمْكَانِ الاِجْتِهَادِ.\nوَأُجِيبَ: إِذَا كَانَ حُجَّةً فَلا تَقلِيدَ.\nقَالُوا: \"أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ\"، \"اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي\".\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ الْمُقَلِّدُونَ؛ لأِنَّ خِطَابَهُ لِلصَّحَابَةِ.\n<hr><s0>\n\nأي بدفع التناقض \"كغيره\" من الأدلة المتعارضة، وفيه نظر.\nفإن التعارض بين الدليلين إنما يقع في ظن المجتهد، لا في نفس الأمر.\n[وهذا] (^١) إذا كان قول الصحابي حجة، ونحن نشاهدهم مختلفين يلزم وقوع التعارض في نفس الأمر، ولا قائل به.\nالشرح: \"واستدل: لو كان حجة لوجب التقليد مع إمكان الاجتهاد\".\n\"وأجيب: إذا كان حجة فلا تقليد\"، بل هو حينئذٍ مأخذ من مآخذ الشريعة لو عارضها مأخذ آخر رجح المجتهد منها ما يقضي به اجتهاده.\n\"قالوا\" ما مَرّ من قوله ﷺ \"أَصْحَابِي كَالنُّجُوم\" بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ\" (^٢) دليل على أن أقوالهم حجة.\nوقال ﷺ: \"اقْتَدُوا بِاللَّذَينِ مِنْ بَعْدِي\" أبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ\" (^٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه، ورواه الترمذي، وقال: حسن، ورواه أيضًا أحمد بن حنبل، وابن ماجه، وهو دليل على أن قول الشيخين ﵁ حجة.\n\"وأجيب: بأن المراد المقلدون؛ لأن خطابه\" ﷺ \"للصحابة\"، وليس قول بعضهم حجة.\n[ولقائل أن يقول: لا يجوز للعامي منهم تقليد الشيخين] (^٤)، ولا قائل بذلك؛\n_________\n(^١) في أ، ت: وهنا.\n(^٢) تقدم.\n(^٣) تقدم.\n(^٤) سقط في ت.","vol":"4","page":515},{"text":"قَالُوا: وَلَّى عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلِيًّا ﵄؛ بِشَرْطِ الاِقْتِدَاءِ بِالشَّيْخَيْنِ؛ فَلَمْ يَقْبَلْ، وَوَلَّى عُثْمَانَ؛ فَقَبِلَ، وَلَمْ يُنْكرْ؛ فَدَلَّ [عَلَى] أنَّهُ إَجْمَاعٌ.\nقُلْنَا: الْمُرَادُ مُتَابَعَتُهُمْ فِي السِّيرَةِ وَالسِّيَاسَةِ، وَإلَّا وَجَبَ عَلَى الصَّحَابِيِّ التَّقْلِيدُ.\n<hr><s0>\n\nإذ يجوز لعامتهم تقليد مجتهدهم، سواء الشيخان وغيرهما.\nوإنما الجواب أن معنى الاقتداء التأسِّي في السيرة الحَمِيدَةِ.\nالشرح: والمخصصون للشيخين \"قالوا\" أيضًا: \"ولى عبد الرحمن \"عليًّا (^١) بشرط الاقتداء، فلم يقبل: وولى عثمان فقبل، ولم ينكر\" على عبد الرحمن صَنِيعَه، \"فدل على أنه إجماع\" على أن قولهما حجة.\nقال أبو وائل: قلت لعبد الرحمن: كيف بايعتم عثمان، وتركتم عليًّا (^١)؟.\nقال: [ما ذَنْبِي] (^٢) قد بدأت بِعَليّ، فقلت: أبايعك على كتاب الله، وسُنة رسول الله ﷺ وسيرة أبي بكر وعمر، فقال: فيما استطعت، ثم عرضت ذلك على عثمان فقال: نعم. رواه عبد الله بن أحمد عن سفيان بن وكيع، وهو متكلم فيه، عن قبيصة عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن أبي وائل.\nالشرح: \"قلنا\" المراد \"مبايعتهم في السِّيرة والسياسة\" والمشي على سننهم، لا في المسائل الاجتهادية، \"وإلا وجب على الصَّحابي التقليد\" لصحابي آخر.\n_________\n(^١) أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في \"زوائد المسند\" (١/ ٧٥) ثنا سفيان بن وكيع ثنا قبيصة ثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم عن أبي وائل قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف: كيف بايعتم عثمان وتركتم عليًّا؟\nوذكره ابن كثير في تحفة الطالب ص (٤٥٢ - ٤٥٣) وقال:\nسفيان غير حجة. كذا قاله ابن أبي حاتم وابن حبان وابن عدي.\nوقال البخاري: يتكلمون فيه لأشياء لقنوه إياها.\nوقال أبو زرعة: متهم بالكذب.\n(^٢) في ت: ماديني، وهو تحريف.","vol":"4","page":516},{"text":"قَالُوا: إِذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ؛ فَلا بُدَّ مِنْ حُجَّةٍ نَقْلِيَّةٍ.\nوَأُجِيبَ: بِأنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ الصَّحَابِيَّ، وَيَجْرِي فِي التَّابِعِينَ مَعَ غَيْرِهِمْ.\n<hr><s0>\n\nوالذاهبون إلى أنه حُجة إذا خالف القياس \"قالوا: إذا خالف القياس، فلا بد من حجة نقلية\" حملته على ذلك.\nأما أنه لا بد له من حجة فلئلا يرتكب الحرام، والظن به خلافه.\nوأما كونها نقلية؛ فلأنها لو لم تكن قياسية، والغرض خلافه، وإذا كان كذلك فتقبل، وتكون الحجة - بالحقيقة - تلك.\nوأما الموافقة للقياس، فقد تكون عن القياس، فلا حجة.\n\"وأجيب: بأن ذلك يلزم الصَّحَابي\"، ولو صح، فيجب عليه تقليد صحابي آخر، \"ويجري في التابعين مع غيرهم\"؛ إذ لا بد لمخالفته من دليل نقلي، وكلاهما خلاف الإجماع.\n\n\"تَنْبِيهٌ\"\nعرفت أن الصحيح عندنا أن قول الصَّحابي لا يحتج به.\nفإن قلت: كيف نظر الشافعي مواضع اختلاف الصحابة في الفرائض، واختار مذهب زيد حتى يردد قوله حيث ترددت الرواية عن زيد؟.\nقلت: قال علماؤنا: لم يقلد الشافعي زيدًا، ولكن رَجَحَ عنده مذهبه من وجهين.\nقال الرافعيُّ: وقد يعترض فيقال: للكلام مجال في أن الوجهين هل يُوجبان الرُّجحان، لكن بتقدير التسليم، فالأخذ بما رجح عنده إن لم يكن بناء على الدليل في كل مسألة لم يخرج عن كونه تقليدًا؛ كالمقلد يأخذ بقول من رجح عنده من المجتهدين، وإن كان بناء على الدليل فهو اجتهاد وافق اجتهادًا، فلا معنى للقول بأنه اختار مذهب زيد، ويجاب عنه بأن الشافعي لم يخل مسألة عن احتجاج واستشهاد، ولكنه استأنس بمارجح عنده من مذهب زيد، وربما ترك به القياس الجلي، وعضد الخفي كقول الواحد من الصحابة إذا انتشر ولم يعرف له مخالف، فباعتبار الاستئناس قيل: إنه أخذ بمذهب زيد، وباعتبار الاحتجاج قيل: إنه لم يقلد.\nقلت: ومال ابن الرفعة إلى أن الشافعي قلَّد زيدًا. قال أبي ﵀: وليس بجيد،","vol":"4","page":517},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nولكني أقول: هنا ثلاث مراتب:\nأحدها: تقليده كما يقلد العامي عالمًا، وهذا ليس بواقع، معاذ الله!!\nوالثانية: ألا يخلى مسألة عند اجتهاد، ويوافق اجتهاده، اجتهاد زيد في كل مسألة مع ما ترجح عنده من حال زيد في الفرائض، وذلك مما يقوي به اجتهاده، وهذا هو الذي يظنه بالشافعي.\nوالثالثة: أن يقصر الدليل في بعض المسائل بحيث لو انفرد لم ينهض، فيعضده قول زيد، فينهض لما علم من شهادة الرسول ﷺ لزيد، وهذا قد يسمى الأخذ بقول الصحابي إذا عضده دليل خفي \"تقليدًا\" كما قال الشافعي في البراءة من العيوب لعمر، ففي مذهب أبي زيد أولى؛ لشهادة النبي ﷺ له، فَبَانَ أنه حقيقة الاجتهاد وإن سمى تقليدًا؛ لرجحانه بقوله.\n\n<span data-type='title' id=toc-871>\"فائدة\"</span>\nادعى الشيخ الإمام الوالد ﵀ أن الشافعي يستثنى في الجديد من قوله: إن مذهب الصحابي ليس بحجة - الأمر التعبدي الذي لا مجال للقياس فيه.\nقال: لأن الشافعي قال في \"اختلاف الحديث\": روى عن علي ﵁ أنه صلى في ليلة ست ركعات في كل ركعة ست سجدات، ولو ثبت ذلك عن علي قلت به.\nقال: لأنه لا مجال للقياس فيه، فالظاهر أنه فعله توقيفًا.\nوذكر الأصوليون هذا من تفاريع القديم.\nقال الشيخ الإمام: وفيه نظر؛ لأن \"اختلاف الحديث\" من الجديد قال: وينبغي أن يكون هذا حجة قديمًا وجديدًا؛ لأنه لا يفيد ظنًّا لا معارض له.\nأحدهما: قول النبي ﷺ: \"أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه سعيد بن منصور في السنن ١/ ٤٤ في كتاب الفرائض: الحث على تعليم الفرائض: حديث (٤)، وأخرجه أحمد في المسند ٣/ ٣٨١، وأخرجه الترمذي في السنن ٥/ ٦٦٥ كتاب المناقب (٥٠) باب مناقب معاذ بن جبل … (٣٣) الحديث (٣٧٩١) وقال: (حديث حسن صحيح) واللفظ لهم، وأخرجه ابن ماجة في السنن ١/ ٥٥، المقدمة: باب فضائل خباب، الحديث =","vol":"4","page":518},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالثاني: قال القَفّال: ما تكلم أحد من الصحابة في الفرائض إِلَّا وقد وجد له قول في بعض المَسَائل هجره النَّاس بالاتفاق إِلَّا زيدًا؛ فإنه لم يقل بقول مهجور بالاتفاق، وذلك يقتضي التَّرْجيح، كالعمومين إذا وردا وقد خص أحدهما بالاتفاق دون الثاني كان الثَّاني أولى.\n_________\n= (١٥٤) وأخرجه ابن حبان، ذكره الهيثمي في موارد الظمآن ص (٥٤٨) كتاب المناقب (٣٦) باب فضل جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ (١٠) الحديث (٢٢١٨) وزاد ابن ماجة وابن حبان في روايتهما: \"وأقضاهم علي\" وأخرجه الحاكم في المستدرك ٣/ ٤٢٢ كتاب معرفة الصحابة: باب أفرض الناس زيد، وقال: (على شرط الشيخين) ووافقه الذهبي.","vol":"4","page":519},{"text":"<span data-type='title' id=toc-872>[مَبْحَثٌ فِي الاسْتِحْسَانِ]</span> (^١)\n<span data-type='title' id=toc-873>الاِسْتِحْسَانُ:</span> قَالَ بِهِ الْحَنَفِيةُ وَالْحَنَابِلَة، وَأَنْكرَهُ غَيْرُهُمْ حَتَّى قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: مَنِ اسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَّعَ، وَلا يَتَحَقَّقُ اسْتِحْسَانٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَقِيلَ: دَلِيلٌ يَنْقدِحُ فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ تَعْسُرُ عِبَارَتُهُ عَنْهُ.\nقُلْنَا: إنْ شَكَّ فِيهِ فَمَرْدُودٌ، وَإنْ تَحَقَّقَ، فَمَعْمُولٌ بِهِ اتِّفَاقًا.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"الاستسحان\" (^٢) قال به الحنفية، والحنابلة، وأنكره غيرهم حتى قال\n_________\n(^١) سقط في أ، ت.\n(^٢) جرى لفظ الاستحسان في عبارات بعض الأئمة على وجه يتوهم منه أن الاستحسان أصل من الأصول التي يرجع إليها في استنباط الأحكام، وتعرض له علماء الأصول عند بحث الأدلة، ونسبوا الأخذ به إلى بعض الأئمة، ونقلوا إنكاره عن آخرين.\nواستند الحنفية إلى الاستحسان في تقرير كثير من الأحكام، ويعارضون به القياس، فيقولون في بعض الأحكام: هذا ما يقتضيه الاستحسان، وذاك ما يقتضيه القياس.\nوعبر الإمام الشافعي بالاستحسان في أحكام بعض الحوادث، فقال: أستحسن أن تكون المتعة ثلاثين، وقال: أستحسن أن يؤجل الشفيع ثلاثًا.\nوأنكر قوم أن يكون الاستحسان دليلًا شرعيًّا، وشنعوا على القائلين به؛ ظنًّا منهم أن استحسان هؤلاء الأئمة من قبيل الرجوع إلى الرأي دون رعاية دليل شرعي ثابت، والرجوع إلى الرأي المحض في تقرير الأحكام الشرعية لا يقول به عامي مسلم فضلًا عن إمام بلغ رتبة الاجتهاد أو الترجيح. ومن هنا تصدي علماء الأصول من المالكية والحنفية لتفسير الاستحسان الوارد في عبارات أئمتهم، وبينوا أنه عائد إلى أدلة متفق عليها، أو أدلة معروفة في مذهب المعبر به، وحملوا قول الإمام الشافعي: \"من استحسن فقد شرع\" على معنى الاستحسان الذي لا يقوم على رعاية دليل شرعي، وكذلك الأثر الذي يسوقه بعض المحتجين لصحة القول =","vol":"4","page":520},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالشَّافعي: من استحسن فقد شرع\".\n\"ولا يتحقق استحسان مختلف فيه\"؛ لأن الخلاف لم [يقطع] (^١) في إطلاق لفظه الاستحسان.\nفذلك لا ينكره أحد، ولا في أن المراد لا يحل؛ لأنه يفتى بمجرد تشهيه للشيء، واستحسانه له.\n_________\n= بالاستحسان، وهو \"ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن\" إنما يحمل على أن المراد بـ \"المسلمين\" ذوو الكفاية لاستنباط الأحكام، فيكون دليل الاحتجاج بالإجماع.\nأما المالكية فيقول محققوهم كأبي الوليد الباجي: الاستحسان هو الأخذ بأقوى الدليلين؛ وكذلك قال ابن خويزمنداد: معنى الاستحسان عندنا القول بأقوى الدليلين. ويضاهي هذا قول الحفيد بن رشد: الاستحسان عند مالك هو الجمع بين الأدلة المتعارضة. ومعنى هذا أن الاستحسان في مذهب مالك ليس بدليل مستقل، وإنما هو ترجيح أحد الدليلين على الآخر، كأن يتعارض في حادثة جزئية قياسان أو يعارض أصلًا من الأصول عرف أو مصلحة مرسلة أو سد ذريعة، فينظر المجتهد ويرجح أحد القياسين على الآخر، أو يرجح قاعدة العرف أو المصالح المرسلة أو سد ذريعة على ذلك الأصل المعارض.\nينظر: البحر المحيط للزركشي ٦/ ٨٧، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٤/ ١٣٦، ونهاية السول للأسنوي ٤/ ٣٩٨، ومنهاج العقول للبدخشي ٣/ ١٨٧، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ١٣٩، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ٣١٨، والمنخول للغزالي ٣٧٤، وحاشية البناني ٢/ ٣٥٣، والإبهاج لابن السبكي ٣/ ١٨٨، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٤/ ١٩٣، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٣٩٤، والمعتمد لأبي الحسين ٢/ ٢٩٥، وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ٦٨٧، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ٦/ ١٩٢، وكشف الأسرار للنسفي ٢/ ٢٩٠، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٢٨٨، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ٨٣، ونسمات الأسحار لابن عابدين ٢٢٤، وتقريب الوصول لابن جُزي ١٤٦، وإرشاد الفحول للشوكاني ٢٤٠، ومنتهى السول والأمل (٢٠٧)، والوصول لابن برهان ٢/ ٣٢٠، والحدود ٦٥، وشرح تنقيح الفصول ٤٥١.\n(^١) في أ، ت: يقع.","vol":"4","page":521},{"text":"وَقِيلَ: هُوَ الْعُدُولُ عَنْ قِيَاسِ إِلى قِيَاسٍ أَقْوَى وَلا نِزَاعَ فِيهِ.\nوَقِيلَ: تَخْصِيصُ قِيَاسٍ بِأقْوَى مِنْه، وَلا نِزَاعَ فِيهِ.\nوَقِيلَ: [هُوَ] الْعدُولُ إِلَى خِلافِ النَّظِيرِ؛ لِدَلِيل أَقْوَى، وَلا نِزَاعَ فِيهِ.\nوَقِيلَ: الْعُدُولُ عَنْ حُكْمِ الدَّلِيلِ إِلَى الْعَادَةِ؛ لِمَصْلَحَةِ النَّاسِ؛ كَدُخُولِ الْحَمَّامِ، وَشُرْبِ الْمَاءِ مِنَ السِّقَاءِ.\nقُلْنَا: مُسْتَنَدُهُ جَرَيَانُهُ فِي زَمَانِهِ أَوْ زَمَانِهِمْ، مَعَ عِلْمِهِمْ مِنْ غَيْرِ إِنكارٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وإلَّا فَهُوَ مَرْدُودٌ، فَإنْ تَحَقَّقَ اسْتِحْسَانٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ -: قُلْنَا: لا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ فَوَجَبَ تَرْكُهُ.\n<hr><s0>\n\nومن قال ذلك فقد اقتحم عظمًا، وشرع حكمًا من قِبَلِ نفسه، والقوم لا يقولون ذلك، بل اختلفوا \"فقيل: دليل ينقدح في نفس المجتهد تعسر عبارته عنه.\nقلنا: \"إن شك فيه\" أي في كونه دليلًا، \"فمردود\" اتفاقًا؛ إذ لا تثبت الأحكام بمجرّد الاحتمال والشك.\n\"وإن تحقق\" كونه دليلًا، سواء أكان قطعيًّا أم ظنيًّا، \"فمعمول به اتفاقًا\".\nولقائل أن يقول على الشق الأول: لا معنى لقولكم: إن شك في كونه دليلًا، وعلى الثَّاني: لا نسلم أنه لا يمكن التعبير عنه من الأدلة يعمل به.\nالشرح: \"وقيل: إنه العدول عن قياس أقوى، ولا نزاع فيه\".\nأي: في أن أقوى القياسين معمول به عند التَّعَارض.\n\"وقيل: تخصيص قياس بأقوى منه، ولا نزاع فيه\" أيضًا، والكلام فيه راجع إلى الكلام في تخصيص العلة.\n\"وقيل: العدول إلى خلاف النظير لدليل أقوى، ولا نزاع فيه\".\n\"وقيل: العدول عن حكم الدليل إلى العادة لمصلحة الناس، كدخول الحمام\" من غير تقدير الماء، ولا عوض، ولا مُدة اللبث، \"وشرب الماء من السقاء\"، وجواز الاستصباغ؛ فإنه. قد ظهر تعامل الأمة به قديمًا وحديثًا من غير نكير، والقياس منعه؛ لأنه بيع مَعْدوم.\n\"قلنا\": هذا العدول إلى العادة هل \"مستنده جريانه في زمانه\" ﵇ \"أو","vol":"4","page":522},{"text":"قالَوا: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ …﴾ [سورة الزمر: الآية ٥٥]، قُلْنَا: ...........\n<hr><s0>\n\nزمانهم مع علمهم من غير إنكار أو غير ذلك\"، فإن كان مستنده جريانه في زمانه ﵇ فهو ثابت بالسُّنة، أو زمانهم من غير إنكار فبالإجماع وإن كان غير ذلك، فإن كان نصًّا أو قياسًا، فقد ثبت به، \"وإلا فهو مردود\"، وقد اختلف أصحابنا في فرض الخَبَرِ على وجهين:\nأحدهما، وهو رأي صاحب \"الشامل\" \"والتتمة\" و\"المستظهري\": الجواز؛ لإجماع أهل الأعصار على فعله.\nوالثاني، وهو الأصح عند صاحب \"التهذيب\": المنع، وما ذكر من الإجماع فليس هو إجماع أهل الحل والعقد، بل إجماع العامة، ولا اعتبار بهم، و[قد] (^١) اختلفوا فيمن دفع ثوبًا إلى قَصَّار ليقصره، أو خَيَّاط ليخيطه، أو جلس بين يدي حَلاق ليحلق رأسه.\nوالأصح المنصوص: لا أجرة مطلقًا، وقيل: يجب أجرة المِثْل للعادة.\nوقيل غير ذلك كما هو مَسْطور في الفقهيات، فاعتبر جميع المسائل به.\nواعلم أن كلّ ما أجمعوا على صحته، فقد علموا له مأخذًا، وما أجمعوا على بُطْلانه لم يعلموا له مأخذًا، وما اختلفوا فاختلافهم اختلاف في أنه هل له مأخذ أولا، كما ذكرناه؟ فنقول: من يعتبره أنه إجماع، ومن ينكره أنه ليس إجماع أهل الحل والعقد، فلا يعتبر، \"فإن تحقق استحسان مختلف فيه، قلنا\" في رده: \"لا دليل عليه، فوجب تركه\".\nالشرح: \"قالوا\" قال تعالى: \" ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ\" مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [سورة الزمر: الآية ٥٥] والأمر للوجوب، فدل على ترك بعض، واتباع بعض بمجرد كونه أحسن، وهو معنى الاستسحان (قلنا أي: الأظهر والأولى) وليس المراد ما نستحسنه بعقولنا بمجرد تشهيها له اتفاقًا (و) ما احتجوا به من قوله ﷺ (مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ) (^٢) يقول فيه أولًا: هذا رواه الإمام أحمد بن حنبل وعثمان بن سعيد الدَّارمي عن ابن\n_________\n(^١) سقط في أ، ت.\n(^٢) هذا لا يصح مرفوعًا، بل هو مأثور من قوله سيدنا عبد الله بن مسعود ﵁، أخرجه أحمد في المسند بلفظ: \"إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب =","vol":"4","page":523},{"text":"أَي: الأظْهَرَ وَالأوْلَى، وَ\"مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ\" يَعْنِي: الإجْمَاعَ، وَإلَّا لَزِمَ الْعَوَامُّ.\n<hr><s0>\n\nمسعود من قوله وليس مرفوعًا إلى النبي ﷺ، وبعضهم أخطأ فرفعه.\nوإنما روى مرفوعًا من حديث أنس بإسناد ساقط لا يحتج به.\nوبيانًا أنه ﷺ \"يعني\" به \"الإجماع\"؛ لأنه الذي يراه المسلمون، فإن \"المسلمين\" صيغة عموم، فيتناوله جميع أهل الحل والعقد لا ما رآه كل واحد، \"وإلا لزم\" حسن ما رآه \"العوام\" حسنًا، وإذا كان المراد بالإجماع، فنحن قائلون بأنه حجة.\n\n\"فائدة\"\nعرفت أن الخلاف لفظي راجع إلى نفس التسمية، وأن المنكر عندنا إنما هو جعل الاستحسان أصلًا من أصول الشريعة مغايرًا لسائر الأدلة.\nوأما استعمال لفظ الاستحسان فلسنا ننكره.\nفقد قال الشَّافعي ﵁: مراسيل ابن المسيّب حسنة.\nوقال: أستحسن في المُتْعة أن تكون (^١) ثلاثين درهمًا، وأستحسن أن تثبت الشُّفعة للشفيع إلى ثلاثة أيام، وأستحسن أن يترك [للمكاتب] (^٢) شيء من نجوم الكتابة، وحسن أن يضع أصبعيه في صماخي أذنيه إذا أذن.\n_________\n= العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيِّه يقاتلون عن دينه، فما رأى المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيء\".\nوأخرجه الحاكم ٣/ ٧٨ - ٧٩ في المستدرك في كتاب معرفة الصحابة من طريق الإمام أحمد.\nوأخرجه أبو داود والطيالسي ١/ ٣٣ في مسنده في كتاب العلم: باب ما جاء في فضل العلم والعلماء والتفقه في الدين.\nوأخرجه أبو نعيم في الحلية ١/ ٣٧٥، وأخرجه البيهقي في الاعتقاد ص ٣٢٢.\n(^١) في ت: يكون.\n(^٢) في ت: للكاتب.","vol":"4","page":524},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقال الغزالي: استحسن الشافعي التَّحليف على المصحف.\nوقال الرافعي في التَّغْليظ على المعطّل في اللّعان: أستحسن أن يحلف، ويقال: قل بالله الذي خلقك ورزقك، وقال القاضي الروياني فيما إذا امتنع المدعي من اليمين المردودة وقال: أمهلوني لأسأل الفقهاء: واستحسن قضاة بلدنا إمهاله يومًا.\nوقال أبو الفرج السَّرَخْسِيّ في تقدِير نفقة الخادم على الزوج المتوسط: استحسن الأصحاب أن يكون عليه مُدّ وسدس؛ لتفاوت المَرَاتب في حق الخادمة، كان الموسر عليه مُدّ وثلث، والمعسر مُد، فليتوسط في المتوسّط كما تفاوت المراتب في حق المخدومة.\nوقال الأصحاب: ليس لولي المجنونة والصَّبية المراهقة إذا آلى عنها الزَّوج وضربت المدة، وانقضت أن يطالب بالفيئة؛ لأن ذلك لا يدخل في الولاية، وحسن أن يقول الحاكم للزوج على سبيل النصيحة: اتق الله في أليها أو طلقها.\nفإن قلت: قال الشَّافعي في السارق إذا أخرج يده اليسرى بدل اليمنى: القياس أن يقطع يمناه، والاستحسان ألا يقطع.\nوقال الأودني (^١) في \"اختلاف الأصحاب\" في مسألة الجارية المغنية، وهي التي اشتريت بألفين ولولا الغناء لساوت ألفا: كل هذا استحسان، والقياس الصحة، وهذا نظر في الاستحسان من الشافعي في مسألة السَّارق، وممن عدا الأودني من الأصحاب في مسألة المغنية، قلت: قول الشَّافعي: \"الاستحسان ألا يقطع\" ليس فيه أنه قال بالاستحسان [على] (^٢) أنه قضى على من يحتج بالاستحسان بألا يقطع، فهو إلزام لقائله لا قول به، وقول\n_________\n(^١) محمد بن عبد اللّه بن محمد بن بصير بن ورقاء، الإمام أبو بكر الأودني. كان شيخ الشافعية بما وراء النهر. قال الحاكم: كان من أزهد الفقهاء وأورعهم وأعبدهم وأبكاهم على تقصيره، وأشدهم تواضعًا وإنابة. وقال الجويني: كان من دأبه أن يضن بالفقه على من لا يستحقه، وإن ظهر بسببه أثر الانقطاع في المناظرة.\nتوفي بـ \"بخاري\" من ربيع الأول سنة ٣٨٥ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٣/ ٣٤٦، وشذرات الذهب ٣/ ١١٨، وطبقات الفقهاء للعبادي ص (٩٢)، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ١٩١، وابن قاضي شهبة ١/ ١٦٥.\n(^٢) في ب، ح: بل.","vol":"4","page":525},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالأودني: \"كلّ هذا استحسان\" ردّ على من قال بخلاف الصحة في الحقيقة، ولذلك كان هو الأصح في المذهب.\nوقال الإمام: إن القياس السديد - والأودنى يقول قول المحمودي (^١) - في المسألة بالبطلان.\nوتفريق الشيخ أبي زيد أن يعضد الغناء فيبطل، أولا فلا يصح إلَّا على القول بالاستحسان الذي هو عندنا مردود.\nفإن قلت: فيلزمك على هذا أن يكون المحمودي، وأبو زيد قالا بالاستحسان.\nقلت: وإنما قالا بما ظناه غير استحسان، وهو عند الأودني استحسان، ولو كان عندهما استحسانًا لم يقولا به، وبالله التوفيق، والله أعلم.\n_________\n(^١) محمد بن محمود، أبو بكر المحمودي، المروزي، أخذ هو وابن خزيمة وأبو إسحاق المروزي عن عبدان. ذكره العبادي في الطبقات قبل ابن المنذر والإصطخري. لا يُعلم وقت وفاته.\nينظر: طبقات الفقهاء للعبادي ص (٦٥)، وطبقات الشافعية ٢/ ١٩١، وطبقات الشافعية للإسنوي ص (٤٠٩)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ١/ ١١٩.","vol":"4","page":526},{"text":"<span data-type='title' id=toc-874>الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ</span>\nتَقَدَّمَتْ.\nلَنَا: لَا دَلِيلَ؛ فَوَجَبَ الرَّدُّ.\nقَالُوا: لَوْ لَمْ تُعْتَبَرْ، لأَدَّى إلَى خُلُوِّ وَقَائِعَ.\nقُلْنَا: بَعْدَ تَسْلِيمِ أَنَّهَا لَا تَخْلُو، الْعُمُومَاتُ وَالْأَقْيِسَةُ تَأْخُذُهَا.\n<hr><s0>\n\nالشرح: وهي ما لم يشهد له من الشرع بالاعتبار أصل معين وإن كانت مما تتلقاه العقول بالقبول (^١).\n\"تقدمت\" في القياس.\nلنا: لا دليل\" عليها، \"فوجب الرد.\nقالوا: لو لم تعتبر لأدّى إلى خلو وقائع\" عن الحكم؛ إذ النصوص وأصول الأقيسة لا تفي بجميع الحوادث، وهو باطل. \"قلنا:\" لا نسلم بطلان الخلو \"بعد تسليم أنها لا تخلو\" لا نسلّم اللزوم، وهو حصول الخلو إذا لم نقل بالمصالح المرسلة؛ إذ \"العمومات والأقيسة [تأخذها] (^٢) \"جميعًا أي تتناول جميع الحوادث، وإن نسلم فعدم المدرك بعد ورود الشرع مدرك شرعي في التخيير (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: البحر المحيط للزركشي ٦/ ٧٦، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٤/ ١٣٩، ونهاية السول للأسنوي ٤/ ٣٨٥، ومنهاج العقول للبدخشي ٣/ ١٨٤، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ٣٣١، والمنخول للغزالي ٣٥٣، والإبهاج لابن السبكي ٣/ ١٨٨، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٢٨٩، وإرشاد الفحول للشوكاني ٢٤١، والمختصر لابن اللحام (١٦٢)، وتقريب الوصول (١٤٨).\n(^٢) في ب، ت: بأحدها.\n(^٣) لا نزاع في بناء الأحكام على المصالح التي قام الدليل الشرعي على رعايتها، ومثال هذا حفظ =","vol":"4","page":527},{"text":"<span data-type='title' id=toc-875>الاجْتِهَادُ</span>\nفِي الاصْطِلَاحِ: اسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَالْفَقِيه، تَقَدَّمَ، وَقَدْ عُلِمَ الْمُجْتَهِدُ وَالْمُجْتَهَدُ فِيهِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"الاجتهاد\" وهو في اللُّغة: استفراغ الوسع في تحصيل شيء، وأنت تعلم\n_________\n= العقل الذي دل على رعايته تحريم الخمر وإقامة الحد على شاربها، فإذا عرض للمجتهد مطعوم لا يسمى خمرًا ولكنه يفعل بالعقل ما تفعله الخمر لم يتردد في تحريمه أخذًا بالدليل القائم على اعتداد الشارع بمصلحة حفظ العقل وبنائه بعض الأحكام على رعايتها، وهذا هو أصل القياس في الشريعة؛ فإنه مبني على التفقه في بعض الأحكام المنصوصة ومعرفة قصد الشارع فيها إلى مصلحة بعينها، حتى إذا وجدت هذه المصلحة في واقعة أخرى أخذت حكم الواقعة المصرح بها.\nولا نزاع في عدم الاعتداد بالمصالح التي قام الدليل الشرعي على إلغائها، والشارع الحكيم لا يلغي مصلحة إلا إذا عارضتها مصلحة أرجح منها؛ أو استتبعت مفسدة لا يستخف بأمرها، ومثال هذا الاستسلام للعدو: قد يبدو أن فيه مصلحة حفظ النفوس في القتل، ولكن الشارع رأى أن هذه المصلحة مغمورة بالمفاسد من كل جانب، فلم يعتد بها، وأذن في دفاع العدو نظرًا إلى مصلحة أرجح منها، وهي احتفاظ الأمة بالعزة والكرامة والتمكن من المسابقة في مضمار الحياة.\nومن هذا الباب تعدد الزوجات: يتبعه من الضرر أن تتألم المرأة من أن تشاركها في صلة الزوجية امرأة أخرى، ففي ترك التعدد مصلحة هي: قطع وسيلة استياء الزوجة، ولكن الشارع ألغى هذه المصلحة مكتفيًا بما اشترطه من العدل بين الزوجات، وأباح التعدد نظرًا إلى ما قد =","vol":"4","page":528},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nبعد معرفتك أنه استفراغ الوسع أنه لا يكون إلّا فيما فيه مشقّة وكلفة.\n\"وفي الاصطلاح: استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظنّ يحكم شرعي\"، ومعنى استفراغ الوسع بذل تمام الطَّاقة بحيث تحس النفس بالعجز عن المزيد، وهو جنس، والفقيه احتراز عن المقلد.\nوإنما قلنا: لتحصيل ظن؛ لأنه لا اجتهاد في القطعيات، وقولنا: بحكم شرعي، يخرج غيره من الحسيات والعقليات؛ فإنه بمعزل عن مقصودنا.\n\"والفقيه\" ذو الفقه، وقد \"تقدم\" في أول الكتاب تفسير الفقه، فعرفت به الفقيه، \"وقد علم\" من هذا التعريف ركنا الاجتهاد، وهما \"المجتهد، والمجتهد فيه\"، فالمجتهد من اتصف بالاجتهاد.\nوالمجتهد فيه حكم ظني شرعي عليه دليل.\nقال بعض علمائنا: والاجتهاد في حقّ العلماء على ثلاثة أضرب:\n_________\n= يترتب عليه من المصالح، كتكثير النسل، ومساعدة الرجل على تجنب الحرام الذي قد يقع فيه صاحب الزوجة الواحدة إذا عرض مانع من التمتع بها مثل المرض والنفاس.\nويبقى النظر في المصالح التي لم يقم دليل معين على رعايتها أو على إلغائها، وهذه هي التي تسمي المصالح المرسلة، وقد اعتد بهذه المصالح كثير من الفقهاء، وبنوا بعض الفتاوى على رعايتها، والجاري على بعض الألسنة والأقلام أنها أصل من أصول المذهب المالكي، والواقع أن لها يدًا في سائر المذاهب المعول عليها، وللمالكية القسط الأوفر في استثمارها، قال ابن دقيق العيد: الذي لا شك فيه أن لمالك ترجيحًا على غيره من الفقهاء في هذا النوع، ويليه أحمد بن حنبل، ولا يكاد يخلو غيرهما عن اعتباره في الجملة، ولكن لهذين ترجيح في استعماله. وقال البغدادي في \"جنة الناظر\": لا تظهر مخالفة الشافعي لمالك في المصالح؛ فإن مالكًا يقول: إن المجتهد إذا استقرأ موارد الشرع ومصادره، أفضى نظره إلى العلم برعاية المصالح في جزئياته وكلياته، وأن لا مصلحة إلا وهي معتبرة في جنسها، لكنه استثنى من هذه القاعدة كل مصلحة صادمها أصل من أصول الشريعة، وما حكاه أصحاب الشافعي عن الشافعي لا يعدو هذه المقالة.\nولهذه القاعدة أمثلة مسوقة في كتب الأصول من فتاوى السلف وأقضيتهم.","vol":"4","page":529},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفرض عَيْن، وفرض كِفَاية، ونَدْب.\nفالأوَّل على حالتين:\nإحداهما: اجتهاده في حق نفسه عند نزول الحادثة به.\nوالثانية: اجتهاده فيما تعيّن عليه الحكم فيه، فإن ضاق فرض الحادثة كان على الفور، وإلا على التراخي.\nوالثاني على حالتين:\nإحداهما: إذا نزلت بالمستفتي حادثة، فاستفتى أحد العلماء توجه الفرض على جميعهم، وأخصهم بفرض من خصّ بالسؤال عنها، فإن أجاب هو أو غيره سقط الفرض، وإلا أثموا جميعًا.\nقلت: حكى أصحابنا وجهين فيما إذا كان في الواقعة شهود يحصل الفرض ببعضهم، والأصح وجوب الإجابة إذا طلب الأداء من البعض، وفي الفرق غموض.\nوالثانية: إن تردد الحكم بين قاضيين مشركين في النظر، فيكون فرض الاجتهاد مشتركًا بينهما، فأيهما تفرد بالحكم فيه سقط فرضه عنهما.\nوالثالث على حالتين:\nإحداهما: فيما يجتهد فيه العالم من غير النَّوازل ليسبق إلى معرفة حكمه قبل نزوله.\nوالثانية: أن يستفتيه قبل نزولها.","vol":"4","page":530},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nاخْتُلِفَ فِي تَجَزُّؤِ الاجْتِهَادِ:\n\"الْمُثْبِتُ\": لَوْ لَمْ يَتَجَزَّأْ، لَعُلِمَ الْجَمِيع، وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً، فَقَالَ فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا: لَا أَدْرِي.\nوَأُجِيبَ: بِتَعَارُضِ الأَدِلَّةِ، وَبِالْعَجْزِ عَنِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْحَالِ.\nقَالُوا: إِذَا اطَّلَعَ عَلَى أَمَارَاتِ مَسْأَلَةٍ، فَهُوَ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ مُتَعَلِّقًا.\nالنَّافِي: كُلُّ مَا يُقَدَّرُ جَهْلُهُ يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِالْحُكْمِ الْمَفْرُوضِ.\nوَأُجِيبَ: الْفَرْضُ حُصُولُ الْجَمِيعِ فِي ظَنِّهِ عَنْ مُجْتهدٍ، أَوْ بَعْدَ تَحْرِيرِ الْأَئِمَّةِ لِلأَمَارَاتِ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"اختلف في تجزُّؤ الاجتهاد\" (^١)، أي: أنه هل يجوز أن ينال رجل منصب الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض، فيحصل له ما هو مناط الاجتهاد فيها؟.\n_________\n(^١) ينظر: المحصول ٢/ ٣/ ٣٧، والمستصفى ٣/ ٣٥٣، والرسالة (٤٧٩)، وشرح الكوكب ٦٠٦، وشرح تنقيح الفصول ٤٣٧، وجمع الجوامع ٢/ ٣٨٦، والروضة (١٩١)، وكشف الأسرار ٤/ ١٧، والتحرير (٥٢٤)، والتيسير ٤/ ١٨٢، وفواتح الرحموت ٢/ ٣٦٤.\nوالصحاح ٢/ ٤٦٠ - ٤٦١، ولسان العرب ١/ ٧٠٩. وينظر: التمهيد لأبي الخطاب ٤/ ٣٠٧، والمسودة ١٤٩٥، والرسالة ٤٧٩، والبرهان لإمام الحرمين ٢/ ١٣١٦، البحر المحيط للزركشي ٦/ ١٩٥، وسلاسل الذهب للزركشي ص ٤٣٧، والتمهيد للأسنوي ص ٥١٩، ونهاية السول له ٤/ ٥٢٤، وزوائد الأصول له ص ٤٢٨، ومنهاج العقول للبدخشي ٣/ ٢٦٠، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص ٢٢٥، والتحصيل من المحصول للأرموي ٢/ ٢٨١، والمنخول للغزالي ص ٤٥١، والمستصفى له ٢/ ٣٥٠، وحاشية البناني ٢/ ٣٧٩،=","vol":"4","page":531},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوالأكثر أثبتوا ذلك، واحتج \"المثبت\" للتجزؤ أولًا بأنه \"لو لم يتجزأ لعلم الجميع\"، واللازم منتفٍ؛ إذ لم يحط أحد من المجتهدين علمًا بجميع أحكام الله تعالى، \"وقد سئل مالك\"، وهو من أكابرهم \"عن أربعين مسألة، فقال في ستّ وثلاثين منها: لا أدري، وأجيب\" بأن العلم بجميع المآخذ لا يوجب العلم بجميع الأحكام، بل قد يجهل البعض \"بتعارض الأدلة\" فيه، \"وبالعجز عن المبالغة\" في النظر \"في الحال\" إما لمانع يشوش الفكر، أو لاستدعائه زمانًا طويلًا، \"قالوا\" ثانيًا: \"إذا اطلعت على أمارات مسألة، فهو وغيره سواء\" فيها، وكونه لا يعلم أمارات غيرها لَا مَدْخَلَ له فيها، فيكون حكمه فيها حكم غيره.\n\"وأجيب: بأنه قد يكون ما لم يعلمه متعلقًا\" بما علمه وهذا احتمال يقوى عند من لم يحط بجميع المآخذ، ولا ينتهض عند من أحاط بها، فليسا سواء، قال \"النافي\" للتجزؤ: \"كل ما يقدر جهله يجوز تعلّقه بالحكم المفروض\".\nولا يحصل له ظن عدم المانع من مقتضى ما يعلمه من الدليل.\n\"وأجيب: الفرض حصول الجميع\" جميع ما هو أمارة في تلك المسألة \"في ظنه\" إما بتلقيه له \"عن مجتهد، أو بعد تحرير الأئمة للأمارات\"، وضم كل إلى جنسه، فما ذكرتم من الاحتمال لا يقدح إذن في ظنّ الحكم، فيجب عليه العمل به، ولقائل أن يقول: قولك: \"الفرض حصول الجميع في ظنّه\" يرد قولك قبله: قد يكون ما لم يعلمه متعلقًا بما علمه.\n_________\n= والإبهاج لابن السبكي ٣/ ٢٤٦، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٤/ ٢٤٢، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٤٢٠، وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ص ٦٠٧، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ٤/ ٥٢٥، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ٤/ ١٧٨، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٣/ ٢٩١، وميزان الأصول للسمرقندي ٢/ ١٠٤٨، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٢٨٩، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ١١٧، وحاشية نسمات الأسحار لابن عابدين ص ٢٢٥، والوجيز للكراماستي ص ٨٤، والموافقات للشاطبي ٤/ ٨٩، وتقريب الوصول لابن جُزَيّ ص ١٩١، وإرشاد الفحول للشوكاني ص ٢٥٠، وشرح مختصر المنار للكوراني ص ١٠٥، ونشر البنود ٢/ ٣٩، والكوكب المنير للفتوحي ص ٦٠٦.","vol":"4","page":532},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nالْمُخْتَارُ: أَنَّهُ ﵇ كَانَ مُتَعَبَّدًا بِالاجْتِهَادِ.\nلَنَا: مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ٤٣]،: \"وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ\"، وَلَا يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ فِيمَا كَانَ بِالْوَحْيِ.\nوَاسْتَدَلَّ أَبُو يُوسُفَ: بِقَوْلِهِ: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [سورة النساء: الآية ١٠٥]؛ وَقَرَّرَهُ الْفَارِسِيُّ.\n<hr><s0>\n\n\n<span data-type='title' id=toc-878>\"فائدة\"</span>\nعبارة الرَّافعي في \"الشرح\": يجوز أن يكون للعالم منصب الاجتهاد في باب دون باب. \"فالناظر في مسألة المشتركة يكفيه معرفة أصول الفرائض، ولا يضره ألا يعرف الأخبار الواردة في تحريم المُسْكر مثلًا. انتهى.\nفقد يقال: هل الخلاف في تجزؤ الاجتهاد مخصوص بما إذا عرف بابًا دون باب.\nأما مسألة دون مسألة فلا يتجزّأ قطعًا؛ لشدّة ارتباط مسائل الباب بعضها ببعض، وتباعد ارتباط مسائل بابين مختلفين، والخلاف مطلقًا.\nوالأظهر: أن الخلاف صار في الصورتين إلا أن تجويز التجزؤ في البابين أقوى منه في مسائل الباب الواحد مع جوازهما جميعًا عند عدم ارتباط ما عرفه بما جهله.\n«مسألة»\nالشرح: \"المختار: أنه ﷺ كان متعبدًا بالاجتهاد.\nلنا:\" الوقوع، ودليله (^١) \"مثل قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [سورة التوبة:\n_________\n(^١) ينظر: المحصول ٢/ ٣/ ٩، وشرح تنقيح الفصول (٤٣٦)، والإحكام للآمدي ٤/ ١٤٣، ومنتهى السول والأمل ٢٠٩، وروضة الناظر ٢/ ٤٠٩، وشرح العضد ٢/ ٢٩١.","vol":"4","page":533},{"text":"وَاسْتَدَلَّ: بِأَنَّهُ أَكْثَرُ ثَوَابًا؛ لِلْمَشَقَّةِ فِيهِ؛ فَكَانَ أَوْلَى.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّ سُقُوطَهُ لِدَرَجَةٍ أَعْلَى.\nقَالُوا: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [سورة النجم: الآية ٣، ٤].\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّ الظَّاهِرَ رَدُّ قَوْلِهِمُ: افْتَرَاه، وَلَوْ سُلِّمَ، فَإِذَا تُعُبِّدَ بِالاجْتِهَادِ بالْوَحْيِ، لَمْ يَنْطِقْ إِلَّا عَنْ وَحْيٍ.\nقَالُوا: لَوْ كَانَ لَجَازَ مُخَالَفَتُهُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَحْكَامِ الاجْتِهَادِ.\nوَأُجِيبَ: بِالْمَنْعِ كَالْإِجْمَاعِ عَنِ اجْتِهَادٍ.\nقَالُوا: لَوْ كَانَ، لَمَا تَأَخَّرَ فِي جَوَابٍ.\n<hr><s0>\n\nالآية ٤٣]، وقوله ﷺ: \"لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الهَدْيَ\" (^١).\nواللفظ في \"صحيح مسلم\" من حديث جابر: \"لَوْ أَنِّي اسْتَقْبلْتُ مِنْ أَمْري مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الهَدْيَ\"، \"ولا يستقيم ذلك فيما كان بالوحي.\nواستدل\" القاضي \"أبو يوسف بقوله: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [سورة النساء: الآية ١٠٥]، وقرره الفارسي\" هكذا الرؤية هنا ليست بَصْرية مثل: \"رأيت\"؛ لاستحالتها في الأحكام، ولا العلمية مثل: رأيت زيدًا قائمًا؛ لوجوب ذكر المعقول الثالث له لذكر الثاني؛ إذ المعنى: بما أراكه الله؛ ليتم الصلة، فتعين أن يكون المراد الرأي أي ما جعله رأيًا لك.\nواعترض بأنه بمعنى الإعلام، و\"ما\" مصدرية، فلا ضمير، وحذف المفعولان معًا، والتقدير حينئذ: بإرائك الله، بإضافة المصدر إلى المفعول، ولقائل أن يقول: الرأي هو الاجتهاد، والقياس أضيف إلى المفعول، وكانت \"ما\" مصدرية أولًا، فالتقدير ناهض على التقديرين.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢/ ٨٨٦ - ٨٩٢) كتاب الحج: باب حجة النبيّ ﷺ، رقم (١٤٧) من حديث جابر.","vol":"4","page":534},{"text":"قُلْنَا: لِجَوَازِ الْوَحْيِ أَوْ لاسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ.\nقَالُوا: الْقَادِرُ عَلَى الْيَقِينِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الظَّنُّ.\nقُلْنَا: لا يُعْلَمُ إِلَّا بَعْدَ الْوَحْيِ، فَكَانَ كَالْحُكْمِ بِالْشَّهَادَةِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"واستدل بأنه أكثر ثوابًا للمشقّة فيه، فكان أولى، وأجيب: بأن سقوطه لدرجة أعلى\" من الاجتهاد.\n\"قالوا: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [سورة النجم: الآية ٣، ٤] يدل على أن جميع ما يأتيه ويذره بالوحي.\n\"وأجيب: بأن الظاهر\" منه \"ردّ قولهم: \"افْتَرَاهُ\".\nوالحاصل أن الضمير عائد على القرآن لا على كُلّ ما كان يأتيه ويذره حتى ينتفي الاجتهاد.\n\"ولو سلم، فإذا تعبد بالاجتهاد بالوحي لم ينطق إلا عن وحي.\nقالوا: لو كان\" متعبدًا بالاجتهاد \"لجاز\" للمجتهدين \"مخالفته\" فيه؛ \"لأنها\" أي: المخالفة بوصف الجواز \"من\" \"أحكام الاجتهاد\"؛ إذ يجوز للمجتهد مخالفة المجتهد.\n\"وأجيب: بالمنع\" من الملازمة، فقد لا يجوز مخالفة الحكم الاجتهادي \"كالإجماع عن اجتهاد قالوا: لو كان\" مجتهدًا \"لما تأخر في جواب\" عن سؤال، بل كان يجتهد، ويجيب لوجوبه عليه، واللازم باطل؛ لأنه أخر جواب مسائل كثيرة.\nالشرح: \"قلنا:\" ربما كان التأخير \"لجواز الوحي، أو لاستفراغ الوُسْعِ\" في الاجتهاد، وإنما أخر في مسائل لامتناع الاجتهاد فيها.\n\"قالوا:\" الاجتهاد لا يفيد إلا الظن، والوحي قاطع، \"والقادر على اليقين يحرم عليه الظَّن\"، كالغائب عن القِبْلَةِ لا يعتمد على خبر من أخبره عن علم، ولا على الاجتهاد إلا إذا تعذّر التعيين، ولذلك الأصح عندنا أن من استقبل حجر الكعبة وحده لا تصحّ صلاته؛ لأن كونه من البيت غير مقطوع به، فلا يعدل عن التعيين إليه، ونظائره تكثر، \"قلنا:\" لا نسلّم وجود القدرة على اليقين؛ فإنه \"لا يعلم\" الحال \"إلا بعد الوحي\"، وليس بمقدور، نعم بعد الإيماء هو قادر، وحينئذ لا يجوز الاجتهاد وفاقًا، أما قبل الإيماء فلا قدرة، \"فكان كالحكم بالشَّهادة\" مع أنها لا تفيد إلَّا الظن.","vol":"4","page":535},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nولا يقال: يمكنه معرفة الحكم يقينًا بالوحي، فيحرم الظَّن؛ لأن الوحي معدوم إذ ذاك.\nولو انتظر الوحي لانتظر كلّ مجتهد الإجماع، وانطوى بساط الاجتهاد، وقد وضح انتفاء القدرَة على اليقين.\nولو سلمنا وجودها فلم قلتم: القادر على اليقين يجبر على الاجتهاد، والأصح فمن شك في نَجَاسة أحد الإناءين ومعه ماء طاهر بيقين أو الثوبين أنه يجوز له الاجتهاد، وأمثلته كثيرة.","vol":"4","page":536},{"text":"<span data-type='title' id=toc-879>مَسْأَلَةٌ:\nالْمُخْتَارُ: وُقُوعُ الاجْتِهَادِ مِمَّنْ عَاصَرَهُ ظَنًّا.</span>\n[وَثَانِيهَا: لَمْ يَقَعْ].\nوَثَالِثُهَا: الْوَقْفُ.\nوَرَابِعُهَا: الْوَقْفُ فِيمَنْ حَضَرَهُ.\nلَنَا: قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ﵁: لَاهَا اللهِ، إِذَنْ لَا يَعْمَدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ\"، فَقَالَ ﷺ: \"صَدَقَ\".\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"مسألة: المختار\" من أقوال كثيرة: \"وقوع الاجتهاد ممن عاصَرَه\" ﷺ من مجتهدي الصّحابة في حضوره وغيبته \"ظنًّا\"، ولم يقل أحد: إنه وقع قطعًا (^١).\nوثانيها: لم يقع.\n\"وثالثها: الوقف.\nورابعها: الوقف فيمن حضره\"، والقول بأنه وقع من الغائب [عنه] (^٢).\nوخامسها: القول بامتناعه رأسًا.\nوسادسها: الجواز للغائبين من الولاة والقضاة فقط.\n\"لنا: قول أبي بكر ﵁ \" بالاجتهاد بحضرة النبي ﷺ وتصويبه، وهو مروي في \"الصحيحين\" عن أبي قَتَادَه الأنصاري، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام \"حنين\" فذكر قصته في قتله القتيل، وأن رسول الله ﷺ قال: \"مَنْ قَتَلَ\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام للآمدي ٤/ ١٥٢، وشرح العضد ٢/ ٢٩٢، ونهاية السول ٤/ ٥٣٨.\n(^٢) سقط في ب.","vol":"4","page":537},{"text":"وَحَكَّمَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَحَكَمَ بِقَتْلِهِمْ وَسَبْيِ ذَرَارِيهِمْ، فَقَالَ ﵇: \"لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ\". قَالُوا: الْقُدْرَةُ عَلَى الْعِلْمِ تَمْنَعُهُ الاجْتِهَادَ.\nقُلْنَا: تَثْبُتُ الْخِيَرَةُ بِالدَّلِيلِ.\nقَالُوا: كَانُوا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ.\nقُلْنَا: صَحِيحٌ، فَأَيْنَ مَنْعُهُمْ؟.\n<hr><s0>\n\nقَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَلَهُ سَلَبُهُ\" قال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، [ثم قال مثل ذلك، فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست] (^١)، ثم قال ذلك، الثالثة، فقمت، فقال رسول الله ﷺ: مالك يا أبا قتادة، فقصصت عليه القصّة، فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله، سلب ذلك القتيل عندي فَارْضِهِ من حقه، فقال أبو بكر الصديق ﵁: \"لاها الله إذًا لَا يعمد إلى أسد من أُسْد الله يقاتل عن الله ورسوله، فيعطيك سَلَبه، فقال ﷺ: \"صَدَقَ\" (^٢) الحديث، والظاهر أن أبا بكر ﵁ إنما قاله عن اجتهاد.\nالشرح: \"وحكم سعد بن معاذ في بني قُرَيْظَةَ فحكم بقتلهم وسبي ذراريهم، فقال ﷺ \": \"قضيت بحكم الله\"، وربما قال: \"حكم الملك\" (^٣) كذا رواه البخاري ومسلم، وروى [ابن إسحاق] (^٤) في \"السيرة\" مرسلًا أنه ﷺ - قال: \"لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعةِ أَرْقِعَةٍ\" (^٥)، والأرقعة جمع رقيع، وكلّ سماء يقال لها: رقيع، وقيل: الرقيع اسم سماء الدنيا، فأعطى كل سماء اسمها، وروى البيهقي: \"بحكم اللهِ الَّذي يحكم من فوق سبع سموات\".\n_________\n(^١) سقط في ب.\n(^٢) تقدم.\n(^٣) أخرجه البخاري ٧/ ٤١١، في كتاب المغازي: باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة ومحاصرته إياهم (٤١٢١)، ومسلم ٣/ ١٣٨٨، ١٣٨٩، في الجهاد والسير: باب جواز قتال من نقض العهد (٦٤/ ١٧٦٨).\n(^٤) في ت: أبو إسحاق.\n(^٥) أخرجه البخاري (٧/ ٤١١) كتاب المغازي: باب مرجع النبي من الأحزاب … (٤١٢١)، ومسلم (١٣٨٨ - ١٣٨٩) كتاب الجهاد والسير: باب جواز قتال من نقض العهد (٦٤/ ١٧٦٨) من حديث أبي سعيد.","vol":"4","page":538},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"قالوا:\" كانوا قادرين على العلم بسؤال النبي ﷺ.\n\"والقدرة على العلم تمنع الاجتهاد.\nقلنا:\" إنما يلزم ما ذكرتم لو لم \"تثبت الخيرة\" بين الاجتهاد والسؤال \"بالدليل\"، وقد ثبت بِمَا مَرَّ، فلا يلزم.\nقال في \"المنتهى\": ولو سلم، فالحاضر يظن أنه لو كان وَحْي لبلغه، والغائب لا يقدر. \"قالوا\" قد ثبت أن علماء الصّحابة \"كانوا يرجعون إليه\" ﷺ في الوقائع، وهو آية منع الاجتهاد.\n\"قلنا\": الرجوع إليه \"صحيح\"، ولكن لا دلالة فيه على منعهم من الاجتهاد؛ لجواز أن يكون الرجوع فيما لم يظهر فيه وجه الاجتهاد أو لجواز الأمرين، \"فأين منعهم\" من الاجتهاد؟","vol":"4","page":539},{"text":"<span data-type='title' id=toc-880>مَسْأَلَةٌ:\nالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْمُصِيبَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَاحِدٌ،</span> وَأَنَّ النَّافِيَ مِلَّةَ الْإِسْلَامِ مُخْطِيءٌ آثِمٌ كَافِرٌ، اجْتَهَدَ، أَوْ لَمْ يَجْتَهِدْ.\nوَقَالَ الْجَاحِظُ: لَا إِثْمَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ، بِخِلَافِ الْمُعَانِدِ، وَزَادَ الْعَنْبَرِيُّ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِي الْعَقْلِيَّاتِ مُصِيبٌ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"الإجماع على أن المُصِيبَ في العقليات (^١) واحد، وأن النافي ملة الإسلام مُخْطئ آثم كافر، اجْتهد أو لم يجتهد (^٢).\nوقال الجاحظ: لا إثم على المجتهد، بخلاف المُعَاند، وزاد\" قاضى \"البصرة عبيد الله بن الحسن \"العنبري (^٣): كل مجتهد في العقليات مصيب\"، ولا يظن بالرجل إن أراد الوقوع\n_________\n(^١) والعقليات ما لا يتوقف ثبوتها على سمع، وهي ما تدرك بالعقول، سواء ما لا يدرك إلّا به كوجود الصانع، وكونه متكلمًا، ومما يدرك بالعقل والسمع معًا كمسألتي خلق الأفعال والرؤية. ينظر: المسودة (٤٩٦)، وتيسير التحرير ٤/ ١٩٥.\n(^٢) ينظر البرهان ٢/ ١٣١٦، والمعتمد ٢/ ٩٨٨، وشرح الكوكب (٦٠٨)، والمحصول ٢/ ٣/ ٤١ - ٤٢، والتبصرة ٤٩٦، والمستصفى ٢/ ٣٥٧، والإحكام للآمدي ٤/ ١٥٤، والوصول لابن برهان ٢/ ٣٣٧، وشرح العضد ٢/ ٢٩٣، والمسودة (٤٩٥)، والتمهيد للإسنوي (٥٣١)، والنهاية له ٤/ ٥٥٧، وجمع الجوامع ٢/ ٣٨٨، والإبهاج ٣/ ٢٧٤، وروضة الناظر (١٩٣)، وشرح تنقيح الفصول (٤٣٨)، وكشف الأسرار ٤/ ١٧، والتحرير ٥٢٨، والتيسير ٤/ ١٩٥، وفواتح الرحموت ٢/ ٣٧٦، وإرشاد الفحول (٢٦٠).\n(^٣) عبيد الله بن الحسن بن الحصين العنبري، من تميم، ولد سنة ١٠٥ هـ. قاضٍ من الفقهاء العلماء بالحديث من أهل \"البصرة\". قال ابن حبان: من ساداتها فقهًا وعلمًا. ولي قضاءها سنة ١٥٧ هـ، وعزل سنة ١٦٦، وتوفي بها سنة ١٦٨ هـ. ينظر: تهذيب التهذيب ٧/ ٧، ورغبة الأمل ٤/ ١٦٥، والأعلام ٤/ ١٩٢.","vol":"4","page":540},{"text":"لَنَا: إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَلَوْ كَانُوا غَيْرَ آثِمِينَ لَمَا سَاغَ ذَلِكَ.\nوَاسْتُدِلَّ: بِالظَّوَاهِرِ.\nوَأُجِيبَ: بِاحْتِمَالِ التَّخْصِيصِ.\n<hr><s0>\n\nمعتقده في نفس الأمر حتى يلزم [عليه] (^١) من اعتقاد قدم العالم وحدوثه اجتماع القدم والحدوث؛ فإن ذلك جنون، ولا نفي لإثم فقط، فإن ذلك مذهب الجاحظ بلا زيادة، بل أراد أن ما يؤديه إليه اجتهاده، فهو حكم الله - تعالى - في حقّه، سواء أوافق ما في نفس الأمر أم لا، ثم قيل: إنه عمم قوله في العقليات حتى يشمل جميع أصول الديانات، وأن اليهود والنصارى والمجوس على صواب، وهذا ما ذكر القاضي في \"التقريب\" أنه المشهور عنه\nوقيل: إنما أراد أصول الديانات التي يختلف فيها أهل القِبْلَةِ، ويرجع المخالفون فيها إلى آيات وآثار محتملة للتأويل، كالرؤية، وخلق الأفعال.\nفأما ما اختلف فيه المسلمون وغيرهم من أهل المِلَلِ، كاليهود والنَّصَارى والمجوس، فإنا في هذا الموضع نقطع أن الحق فيما يقوله أهل الإسلام.\nقال ابن السَّمعاني: وينبغي أن يكون التأويل لمذهب العنبري على هذا الوجه؛ لأنا لا نظن أحدًا من هذه الأمة لا يقطع بتضليل اليَهُودِ، والنصارى، والمجوس.\nقلت: ولذلك حكى أن العنبري كان يقول في مثبتي القدر: هؤلاء عظموا الله، تعالى، وفي نافيه: هؤلاء نَزّهوا الله، ولم ينقل عنه مثل ذلك في حقّ اليهود والنصارى، وأمثالهم.\nوعلى هذا ينبغي حمل مذهب الجَاحِظ أيضًا، ولكن صرح القاضي عنه في \"التقريب\" بخلافه.\nالشرح: \"لنا: إجماع المسلمين على أنهم من أهل النّار، ولو كانوا\" على صَوَاب، أو \"غير آثمين لما ساغ ذلك\".\n_________\n(^١) سقط في أ، ت.","vol":"4","page":541},{"text":"قَالُوا: تَكْلِيفُهُمْ بِنَقِيضِ اجْتِهَادِهِمْ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا وَسَمْعًا لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُطَاقُ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ كَلَّفَهُمُ الْإِسْلَامَ، وَهُوَ مِنَ الْمُتَأَتَّى الْمُعْتَادِ، فَلَيْسَ مِنَ الْمُسْتَحِيلِ فِي شَيْءٍ.\n<hr><s0>\n\nوالمخالف إن كان خلافه فيمن [خالف] (^١) ملّة الإسلام جملة، فهو خارج عن الإسلام لا يعتدّ بقوله، والإجماع حينئذ قائم من هذه الأمة بأسرها.\nوإن كان خلافه مخصوصًا بما اختلف فيه المسلمون من الأصول، وهو محجوج بالإجماع قبله.\n\"واستدل: بالظواهر\" الدالة على تضليل المبتدعة، وإثم الكافرين، وخطئهم، ففي الكُفَّار آيات وأحاديث لا تنحصر، وفي المبتدعة مثل قول ابن عمر حين قيل له: إن قومًا يقولون: لا قدر، فقال: \"أبلغوهم أن ابن عمر منهم بَرِيء وَأنهم مني بَرَاء\"، ونحوه من التعنيف، والتوبيخ، \"وأجيب: باحتمال التخصيص\"، في الظواهر بغير المجتهدين أي: يكون الذم مخصوصًا للمعاندين، وهذا وإن كان خلاف الظَّاهر إلا أنه يمنع كون الدَّليل قطعيًّا، والحق أنه لا يمنع قطعية الدليل بالنسبة إلى الكفار، بل القواطع دالّة على كفرهم، وتَصْلِيتهم، وأنهم في النار من غير احتمال التخصيص، وفي منعه قطعيته بالنسبة إلى المبتدعة نظر.\nالشرح: \"قالوا\" في تكليفهم\" بنقيض اجتهادهم ممتنع عقلًا وسمعًا؛ لأنه مما لا يُطاق.\n\"وأجيب بأنه كَلّفهم بالإسلام، وهو \"نقيض اعتقادهم، ولكن لا نسلم أنه ليس بمقدور، فإن امتناعه إنما هو بالغير، وهو امتناع بشرط أي ما داموا معتقدين لذلك يمتنع أن يعتقدوا ما خلافه، وذلك لا يوجب كون الفعل ممتنعًا غير مقدور؛ فإن الممتنع الذي لا يقدر ما لا يتأتي عادة كالطَّيران، وحمل الجبل، أو ما استحال عقلًا.\nوأما ما كلفوا به، فهو الإسلام، \"وهو من المتأتّى المعتاد، وليس من المستحيل في شيء\"، وقد ضبط المصنف المتأتى بخطّه، وهو الصواب، وفي بعض النسخ \"المنافي\" بالنون والفاء، وهو غلط.\n_________\n(^١) في ب: خلاف.","vol":"4","page":542},{"text":"<span data-type='title' id=toc-881>مَسْأَلَةٌ:\nالْقَطْعُ: لَا إِثْمَ عَلَى مُجْتَهِدٍ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ اجْتِهَادِيٍّ،</span> وَذَهَبَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ وَالْأَصَمُّ إلَى تَأْثِيمِ الْمُخْطِئِ.\nلَنَا: الْعِلْمُ بِالتَّوَاتُرِ بِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ الْمُتَكَرِّرِ الشَّائِعِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَلَا تَأْثِيمٍ لِمُعَيَّنٍ، وَلَا مُبْهَمٍ؛ وَالْقَطْعُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ إِثْمٌ، لَقَضَتِ الْعَادَةُ بِذِكْرِهِ.\nوَاعْتُرِضَ: كَالْقِيَاسِ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"القطع لا إثم على مجتهد في حكم شرعي اجتهادي، وذهب بشر المريسي (^١) والأصم (^٢) إلى تأثيم المخطئ\"، ونقض قضائه (^٣).\n_________\n(^١) بشر بن غياث بن أبي كريمة عبد الرحمن المريسي، العدوي بالولاء، أبو عبد الرحمن: فقيه معتزلي عارف بالفلسفة يرمي بالزندقة، وهو رأس الطائفة المريسية القائلة بالإرجاء، وإليه نسبتها. أخذ الفقه عن القاضي أبي يوسف - له تصانيف - توفي سنة ٢١٨. انظر: النجوم الزاهرة ٢/ ٢٢٨، ووفيات الأعيان ١/ ٩١، والأعلام ٢/ ٥٥.\n(^٢) عبد الرحمن بن كيسان، أبو بكر الأصم. فقيه معتزلي مفسر. قال ابن المرتضى: كان من أفصح الناس وأفقههم وأورعهم؛ خلا أنه كان يخطّئ عليًّا ﵇ في كثير من أفعاله، ويصوّب معاوية في بعض أفعاله. قال القاضي عبد الجبار: كان جليل القدر يكاتبه السلطان.\nمن تصانيفه: \"تفسير\" وُصف بأنه عجيب، وله في الأصول: \"مقالات\". مات سنة ٢٢٥ هـ تقريبًا. ينظر: طبقات المعتزلة ٥٦، ولسان الميزان ٣/ ٤٢٧، والأعلام ٣/ ٣٢٣.\n(^٣) \"اتفق أهل الحق من المسلمين على أن الإثم محطوط عن المجتهدين في الأحكام الشرعية، وذهب بشر المريسيّ وابن علية وأبو بكر الأصم ونفاة القياس كالظاهرية، والإمامية، إلى أنه ما من مسألة إلا والحق فيها متعين، وعليه دليل قاطع، فمن أخطأه فهو آثم غير كافر ولا فاسق\" ينظر: الإحكام ٤/ ١٥٨، وشرح العضد ٢/ ٢٩٤.","vol":"4","page":543},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"لنا: العلم بالتواتر باختلاف الصّحابة المتكرر الشائع من غير نكير، ولا تأثيم لمعين، ولا مبهم.\nوالقطع أنه لو كان إثم لقضت العادة بذكره، واعترض\" هذا الدليل \"كالقياس\"، فقيل لا نسلم عدم الإنكار.\nألا ترى أن قول ابن عباس: \"من شَاءَ باهلته إن الذي أحصى رمل عالج عددًا لم يجعل في مال واحد نصفًا ونصفًا وثلثًا\".\nوقول عائشة: \"أبلغوا زيد بن أرقم أن جهاده مع رسول الله ﷺ قد حبط\".\nإلى غير ذلك، وجوابه ما مَرَّ في القياس، ويختص هذا بأن ما فعله ابن عباس وعائشة إنما كان تعنيفًا على التقصير، وتحريكًا على الاجتهاد فقط.","vol":"4","page":544},{"text":"<span data-type='title' id=toc-882>مَسْأَلَةٌ:\nالَّتِي لَا قَاطِعَ فِيهَا قَالَ الْقَاضِي وَالْجُبَّائِيُّ:</span> كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِيهَا مُصِيبٌ، وَحُكْمُ اللهِ فِيهَا تَابعٌ لِظَنِّ الْمُجْتَهِدِ.\nوَقِيلَ: الْمُصِيبُ وَاحِدٌ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ كَدَفِينٍ يُصَابُ.\nوَقَالَ الْأُسْتَاذُ: إِنَّ دَلِيلَهُ ظَنِّيٌّ، فَمَنْ ظَفِرَ بِهِ فَهُوَ الْمُصِيبُ.\nالْمَرِيسِيُّ وَالْأَصَمُّ: دَلِيلُهُ قَطْعِيٌّ، وَالْمُخْطِئُ آثِمٌ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: المسألة \"التي لا قاطع فيها\" (^١).\n\"قال القاضي والجُبّائي: كل مجتهد [فيها] (^٢) مصيب، وحكم الله فيها تابع لظن المجتهد\".\nثم قيل: الواقعة وإن لم يكن فيها حكم معين، ولكن فيها ما لو حكم الله - تعالى - لم يحكم إلا به، وهو القول بالأشبه.\nوعليه أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وابن سريج في إحدى الروايتين عنه.\nوقيل: ليس فيها ذلك \"وقيل: المصيب واحد، ثم منهم من قال: لا دليل عليه كدفين نصاب.\nوقال الأستاذ: إن دليله ظني، فمن طعن به فهو المصيب\".\nالشرح: وقال \"المريسي والأصم: دليله قطعي، والمخطئ آثم\".\nوقيل: قطعي، ولا إثم؛ لخفاء الدليل وغموضه.\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام ٢/ ١٥٩، وشرح العضد ٢/ ٢٩٥.\n(^٢) سقط في ب.","vol":"4","page":545},{"text":"وَنُقِلَ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ التَّخْطِئَةُ وَالتَّصْوِيبُ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا قَاطِعٌ فَقَصَّرَ، فَمُخْطِئٌ آثِمٌ، وَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ، فَالْمُخْتَارُ مُخْطِئٌ غَيْرُ آثِمٍ.\nلَنَا: لَا دَلِيلَ عَلَى التَّصْويبِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.\n<hr><s0>\n\n\"ونقل عن الأئمة الأربعة التَّخْطئة والتصويب\"، والصحيح عنهم التخطئة؛ إذ هي القول بأن المصيب واحد.\nوزعم القاضي في \"التقريب\" أن كلام الشافعي في \"الرسالة\".\nوفي كتاب \"الاستحسان\".\nوفي رسالة \"المصريين\" يحتمل، وأن الأظهر من كلامه، والأشبه بمذهب أمثاله من العلماء القول بأن كل مجتهد مصيب.\nقلت: وهذا غير مسلم للقاضي، بل الثابت عند الشافعي الذي حرره أصحابه ما قدمناه.\nقال ابن السَّمعاني: ومن قال عنه غيره، فقد أخطأ عليه.\nقلت: ثم من أصحابنا من ينكر أن يكون للشَّافعي مقالة تخالف هذا، وهو رأي أبي إسحاق، والقاضي أبي الطَّيب، ومنهم من يقول: له قول بالتصويب، ولكنه مرجوح.\nواختلف المصوّبة في أنه هل في كل واقعة ما لو حكم الله - تعالى - لم يحكم إلا به أولا؟\nوالأول هو القول بالأشبه، وعليه أبو يوسف، ومحمد، وابن سريج في إحدى الروايتين عنه، وأبو زيد الدّبوسي، ونقله عن علمائهم جميعًا، والقاضي أبو حامد، والدَّاركي (^١)، وأكثر العراقيين من أصحابنا.\n_________\n(^١) عبد العزيز بن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، الإمام أبو القاسم الداركي، تفقه على أبي إسحاق المروزي، وتفقه عليه الشيخ أبو حامد بعد موت شيخه أبي الحسن بن المرزبان، وقال: ما رأيت أفقه منه. قال أبو إسحاق: أخذ عنه عامة شيوخ بغداد وغيرهم من أهل =","vol":"4","page":546},{"text":"وَصُوِّبَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ؛ لِلْإِجْمَاعِ.\nوَأَيْضًا: لَوْ كَانَ [كُلٌّ] مُصِيبًا، لَاجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ؛ لِأَنَّ اسْتِمْرَارَ قَطْعِهِ مَشْرُوطٌ بِبَقَاءِ ظَنِّهِ؛ لِلإِجْمَاعِ عَلَى أنَّهُ لَوْ ظَنَّ غَيْرُه، وَجَبَ الرُّجُوعُ؛ فَيَكُونُ ظَانًّا عَالِمًا بِشَيْءٍ وَاحِدٍ.\nلَا يُقَالُ: الظَّنُّ يَنْتَفِي بِالْعِلْمِ؛ لِأَنَّا نَقْطَعُ بِبَقَائِهِ، وَلِأَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِيلُ ظَنُّ النَّقِيضِ مَعَ ذِكْرِهِ.\n<hr><s0>\n\nوالثاني: رأى الغزالي والقائلون بالأشبه يعبرون عنه بأن المجتهد مصيب في اجتهاده في الحكم، وربما قالوا: مخطئ انتهاء لا ابتداء، وهذا كله إذا لم يكن في المسألة قاطع كما علمت، \"فإن كان فيها قاطع فقصَّر، فمخطئ\".\nوإذا لم يصبه \"أثم \" لتقصيره، وإن صادف الصواب، \"وإن لم يقصر\" يعني: ولم يصب، \"فالمختار مخطئ غير آثم.\nلنا\" على أن المصيب واحد: \"لا دليل على التصويب، والأصل عدمه، فوجب نصه.\nالشرح: قوله: \"وصوب غير معين للإجماع\" هو جواب عن سؤال مقدر تقريره: ما ذكرتم يجري في التصويب، فيجب نفيه عن كل واحد؛ ولم يقل به أحد.\nوجوابه: أن الدليل يقتضي ذلك لولا الإجماع على تصويب واحد، فإن عدم تصويب كلّ واحد ينافيه.\n\"وأيضًا\" الدليل على أنه ليس كل واحد مصيبًا أنه \"لو كان كلّ مصيب لاجتمع النقيضان\"، وهما القطع بالشيء، وعدم القطع به؛ لأنه إذا ظنّ حكمًا قطع بأنه الحكم في حقّه.\n_________\n= الآفاق. وقال الخطيب: كان ثقة؛ انتقى عليه الدارقطني، توفي سنة ٣٧٥ هـ في شوال.\nينظر: شذرات الذهب ٣/ ٨٥، والمنتظم ٧/ ١٢٩، ومعجم البلدان ٢/ ٤٢٣، والأنساب ٥/ ٢٧٧، ووفيات الأعيان ٢/ ٣٦١، وتاريخ بغداد ١٠/ ٣٦٣، وطبقات الشيرازي ص (٩٧)، وطبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١٤١، والبداية والنهاية ١١/ ٣٠٤.","vol":"4","page":547},{"text":"فَإِنْ قِيلَ: مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الظَّنِّ، فَيَجِبُ الْفِعْلُ أَوْ يُحَرَّمُ قَطْعًا.\nقُلْنَا: الظَّنُّ مُتَعَلِّقٌ بِأَنَّهُ الْحُكْمُ الْمَطْلُوبُ وَالْعِلْمُ بِتَحْرِيمِ الْمُخَالَفَةِ، فَاخْتَلَفَ الْمُتَعَلِّقَانِ، فَإِذَا تَبَدَّلَ الظَّنُّ زَالَ شَرْطُ تَحْرِيمِ الْمُخَالَفَةِ.\nفَإِنْ قِيلَ: فَالظَّنُّ مُتَعَلِّقٌ بِكَوْنِهِ دَلِيلًا، وَالْعِلْمُ بِثُبُوتِ مَدْلُولِهِ، فَإِذَا تَبَدَّلَ الظَّنُّ زَالَ شَرْطُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ.\n<hr><s0>\n\nفكان قطعيًّا وهو ظني؛ لأن استمرار قطعه بما أدّاه إليه اجتهاده مشروط ببقاء ظنه؛ للإجماع على أنه لو ظنّ غيره وجب الرجوع إلى ذلك الغير، فيكون عالمًا به ما دام ظَانًّا له، فيكون عالمًا ظانًّا لشيء واحد في زمان واحد، فلزم القَطْع، وعدم القطع، وهما نقيضان، لا يقال: لا نسلّم اجتماعهما؛ إذ الظّن ينتفي بالعلم، فلا يردان على شيء واحد.\nوحاصله: أنا لا نسلّم أن شرط القطع بقاء الظن.\nوقوله: لو ظن غيره وجب عليه الرجوع.\nقلنا: نعم، ولكن لم يوجد ظن غيره، فإن الموجود إنما هو زوال حكم الظَّن عند زوال الظَّن، وحصول العلم بمتعلقه، والحكم هنا لا يتغير، بل يتأكّد؛ فإن القطع به أولى بذلك الحكم من ظنه، والحاصل أن الظَّن يستمرّ إلى أن يحصل القطع، فيزول، ولا يزول الحكم، بل يتأكد، وإنما لا يقال ذلك؛ لأنا نقول أولًا: إنَّا نقطع ببقائه أي ببقاء الظن، فإنكاره بهت. وثانيًا. ما أشار إليه بقوله: ولأنه لو كان الظَّن ينتفي بالعلم كان يستحيل ظن النقيض أي: نقيض الشيء مع ذكره أي: مع تذكّر الشيء المعلوم، وملاحظته؛ لأن ظن أحد النقيضين مع العلم بالآخر، واستحضاره يستلزم كون الشَّيْء الواحد معلومًا موهومًا، نعم قد يزول عند الذهول عن الموجب، وكونه موجبًا، وذلك بخلاف ما عند الظن، فإنه قد ينتفي الظن مع تذكره؛ لأنه ليس موجبًا كالغَيْم الرطب للمطر.\nوإذا كان الظن ينتفي بالعلم، فبالحَرِيّ أن ينتفي به الوَهْم، لكنه لا يستحيل ظنّ النقيض مع ذكره.\nالشرح: \"فإن قيل\": ما ذكرتم \"مشترك الإلزام\"؛ \"لأن\" لزوم النقيضين وارد على المذهبين، فيكون مردودًا؛ إذ يعلم به مَنْشأ الفساد ليس خصوصية أحد المذهبين، وما كان جوابًا لكم، فهو جوابنا، وإن لم يعلم بعينه، أو يقول: لو صح هذا لبطل المذهبان، وهو","vol":"4","page":548},{"text":"قُلْنَا: كَوْنُهُ دَلِيلًا حُكْمٌ أَيْضًا، فَإِذَا ظَنَّهُ عَلِمَه، وَإِلَّا جَازَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَعَبَّدُ بِهِ غَيْرَه، فَلَا يَكُونُ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا.\n<hr><s0>\n\nخلاف الإجماع، [ودفع] (^١) للنقيضين، وهما القول بأن كل مجتهد مصيب، وأنه: ليس \"كلّ مجتهد مصيبًا\".\nوإنما قلنا: إنه مشترك الإلزام؛ لأن \"الإجماع\" منعقدٌ \"على وجوب اتِّبَاع الظَّن، فيجب الفعل، أو يحرم قطعًا\".\nأي: فإذا ظنّ الوجوب وجب الفعل قطعًا، وإذا ظن الحرمة حرم قطعًا، ثم شرط القطع بقاء الظَّن بما ذكرتم، فيلزم الظَّن والقطع معًا، ويجتمع النقيضان.\nوالجواب: أنه إنما يلزم ذلك لو كان متعلّق القطع والظن معًا شيئًا واحدًا، وليس كذلك؛ لأن \"الظن متعلّق بأنه الحكم المطلوب\"، والقطع متعلّق بتحريم مخالفته؛ لأنه مظنون، فاختلف المتعلّقان، وإليه أشار بقوله: قلنا: الظن متعلّق بأن الحكم المطلوب، \"والعلم بتحريم المخالفة، فاختلف المتعلقان\".\nفإن قيل: فيلزمكم امتناع ظنّ النقيض مع تذكره طريق العلم.\nقلنا: لا؛ لأن العلم متعلّق بأن المظنون ما دام مظنونًا يجب العمل به، فإذا زال الظَّن، فقد زال شرط العمل به، فقد انتفى العِلْمُ بوجوب العمل في زمان زَوَال الظَّن، وذلك كان حاصلًا قبل زوال الظَّن، والعلم بوجوب العمل به عند بقائه باقٍ مستمر، وإلى السؤال وجوابه أشار بقوله: \"فإذا تبدل الظن زال شرط تحريم المخالفة.\nفإن قيل\": فهذا الجواب بعينه يجري في دليلكم؛ إذ يقال: لا نسلم اتِّحَاد متعلّق الظن والعلم، \"فالظن متعلّق بكونه\" أي بكون الدليل \"دليلًا، والعلم\" متعلّق \"بثبوت مدلوله\" ما دام دليلًا.\n\"فإذا تبدّل الظن زال شرط ثبوت الحكم\"، وهو ظن الدلالة.\nالشرح: \"قلنا\": هذا لا يدفع اجتماع النقيضين؛ إذ \"كونه دليلًا حكم أيضًا، فإذا ظنَّه\" دليلًا \"علم\" دليل أيضًا، \"وإلا\" فلو لم يعلمه أيضًا \"جاز أن يكون المتعبد به غيره\" أي الذي\n_________\n(^١) في ب: رفع.","vol":"4","page":549},{"text":"وَأَيْضًا: أَطْلَقَ الصَّحَابَةُ الْخَطَأ فِي الاجْتِهَادِ كَثِيرًا، وَشَاعَ وَتَكَرَّرَ، وَلَمْ يُنْكَرْ عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدٍ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُمْ خَطَّئُوا ابْنَ عَبَّاسٍ فِي تَرْكِ الْعَوْلِ، وَخَطَّأَهُمْ، وَقَالَ: مَنْ بَاهَلَنِي بَاهَلْتُهُ إِنَّ الله لَمْ يَجْعَلْ فِي مَالِ وَاحِدٍ نِصْفًا وَنِصْفًا وَثُلُثًا.\nوَاسْتُدِلَّ: إِنْ كَانَا بِدَلِيلَيْنِ: فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَاجِحًا، تَعَيَّنَ، وَإِلَّا تَسَاقَطَا.\n<hr><s0>\n\nيجب عليه العمل به غير ذلك الدليل، \"فلا\" يحصل له الجزم بوجوب العمل بظنّه، و\"يكون\" مخطئًا في اعتقاد أنه دليل \"كلّ مجتهد مصيب\"؛ إذ هذا مجتهد، وقد أخطأ في هذا الحكم، وهو اعتقاد أنه دليل، فحينئذٍ يجتمع في كونه دليلًا العلم والظن، ويتم الإلزام.\n\"وأيضًا\" مما يدلّ على أنه ليس كلّ مجتهد مصيبًا، وعليه اعتماد أكثر أئمتنا: إجماع الصحابة؛ إذ \"أطلق الصحابة الخطأ في الاجتهاد كثيرًا، وشاع، وتكرر، ولم ينكر\"، فكان إجماعًا، منه: ما روى \"عن علي وزيد وغيرهما أنهم خطئوا ابن عباس في ترك العول، وخطّأهم [هو] قال\" ابن عباس: \"مَنْ بَاهَلَنِي بَاهَلْتُهُ إِنَّ الله لَمْ يَجْعَلْ فِي مَالٍ نِصْفًا [وَنِصْفًا] (^١) وَثُلُثًا\".\nوالأثر مشهور، وقد روى محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس نحوه، وأيضًا - وهو من المعتمد - أن قوله ﷺ: \"إذَا اجْتَهَدَ الحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ\" (^٢).\nأخبر ﵇ أن فيهم من يصيب ومن يخطئ، وأنَّ الحكم يختلف، ولو كانوا جميعًا مصيبين لم يكن للتقسيم معنى.\nالشرح: \"واستدلّ\" على المطلوب بأن المجتهدين \"إن كانا\" قد حَكمَا بلا دليل، فهو باطل قطعًا، وإن كانا حَكمَا \"بدليلين، فإن كان أحدهما راجحًا تعيّن\" العمل به، ويكون العمل بالآخر خطأ، \"وإلا تساقطا\"، وكان الحكم الوَقْف، أو التخيير، فكانا في التعين مُخْطئين.\n_________\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) متفق عليه من حديث عمرو بن العاص:\nأخرجه البخاري ١٣/ ٣٣٠ في كتاب الاعتصام بالسنة: باب: أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو =","vol":"4","page":550},{"text":"وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْأَمَارَاتِ تَتَرَجَّحُ بِالنِّسَبِ، فَكُلٌّ رَاجِحٌ.\nوَاسْتُدِلَّ: بِالْإِجْمَاعِ عَلَى شَرْعِ الْمُنَاظَرَةِ، فَلَوْلَا تَبَيُّنُ الصَّوَابِ، لَمْ تَكُنْ فَائِدَةٌ.\nوَأُجِيبَ: بتَبَيُّنِ التَّرْجِيح، أَوِ التَّسَاوِي، أَوِ التَّمْرِينِ\" ا. هـ.\n\"وَاسْتُدِلَّ: بِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ طَالِبٌ.\nوَطَالِبٌ وَلَا مَطْلُوبَ مُحَالٌ؛ فَمَنْ أَخْطَأَ، فَهُوَ مُخْطِيءٌ قَطْعًا.\nوَأُجِيبَ: مَطْلُوبُهُ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ، فَيَحْصُلُ وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِفًا.\n<hr><s0>\n\n\"وأجيب: بأن الأمارات ترجّح بالنسب\" والإضافات، فقد يكون الراجح في نفس الأمر غير الراجح عند المجتهد.\nوإذا كانا كذلك \"فكل راجح\" بالنسبة إلى الشخصين.\n\"واستدلّ: بالإجماع على شرط المُنَاظرة، فلولا تبين الصواب لم تكن فائدة\" وتصويب الجميع بعدم الفائدة.\n\"وأجيب\" بأن فائدة المُنَاظرة لا تنحصر فيما ذكر، فقد يحصل بها \"بتبين الترجيح\" بين الدليلين؛ ليعتمد الرَّاجح، \"أو التساوي\"، فيحكم بمقتضاه من وقف، أو غيره، \"أو التمرين\" على المُنَاظرة؛ ليحصل كمال الاستعداد لإدراك الأحكام.\nالشرح: \"واستدلّ: بأن المجتهد طالب\" لمعرفة حكم الله - تعالى - في المسألة، \"وطالب ولا مطلوب محال\"، فتعين أن يكون له مطلوب، \"فمن\" أصابه فهو المُصيب، ومن \"أخطأه فهو المخطئ قطعًا.\n_________\n= أخطأ حديث (٧٣٥٢)، وأخرجه مسلم ٣/ ١٣٤٢ في كتاب الأقضية: باب بيان أجر الحاكم … (١٥/ ١٧١٦)، وأبو داود ٣/ ٢٩٩ في كتاب الأقضية: باب في القاضي يخطئ، حديث (٣٥٧٤)، والنسائي ٨/ ٢٢٤ في كتاب آداب القضاة: باب: الإصابة في الحكم، حديث (٥٣٨١)، وأخرجه ابن ماجة ٢/ ٧٧٦ في كتاب الأحكام: باب: الحاكم يجتهد فيصيب الحق (٢٣١٤)، وأخرجه أحمد في المسند ٢/ ١٨٧، والدارقطني في السنن ١/ ٢١٠، ٢١١ في الأقضية والأحكام … حديث (٢٢، ٢٣، ٢٤)، والبيهقي في دلائل النبوة ٧/ ١٨٥.","vol":"4","page":551},{"text":"وَاسْتُدِلَّ: بِأَنَّهُ يَلْزَمُ حِلُّ الشَّيْءِ وَتَحْرِيمُهُ لَوْ قَالَ مُجْتَهِدٌ شَافِعِيٌّ لِمُجْتَهدَةٍ حَنَفيَّةٍ: أَنْتِ بَائِنٌ ثُمَّ قَالَ: رَاجَعْتُكِ.\nوَكَذَا: لَوْ تَزَوَّجَ مُجْتَهِدٌ امْرَأَةً بِغَيْرِ وَلِيٍّ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ مُجْتَهِدٌ بِوَلِيٍّ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ؛ إِذْ لَا خِلَافَ فِي لُزُومِهِ اتِّبَاعَ ظَنِّهِ.\nوَجَوَابُهُ: أَنْ يُرْفَعَ إِلَى الْحَاكِمِ، فَيُتَّبَعُ حُكْمُهُ.\nالْمُصَوِّبَةُ قَالُوا: لَوْ كَانَ الْمُصِيبُ وَاحِدًا، لَوَجَبَ النَّقِيضَانِ إِنْ كَانَ الطَّلَبُ بَاقِيًا، أَوْ وَجَبَ الْخَطَأُ إِنْ سَقَطَ الْحُكْمُ الْمَطْلُوبُ.\n<hr><s0>\n\nوأجيب: مطلوبه ما يغلب على ظنه، فيحصل وإن كان مختلفًا\".\nوالحاصل: أنا لا نسلم أن متعلّق ظنه كونه حكم الله تعالى، بل كونه ما يؤديه إليه اجتهاده، ثم هو يقول: ما تأدي إليه الاجتهاد، فهو حكم الله تعالى، \"واستدلّ: بأنه يلزم\" من القول بالتَّصويب \"حل الشيء وتحريمه\" معًا؛ لأنه \"لو قال مجتهد شافعي لمجتهدة .. حنفية: أنت بائن، ثم قال: [راجعتك] (^١)، فهي بالنَّظر إلى معتقد الزوج حل؛ لأن الكنايات عنده ليست بَوَائن، فيجوز الرّجعة، وبالنظر إلى معتقدها حرام.\nالشرح: \"وكذا: لو تزوج مجتهد امرأة بغير وَلِيّ\"؛ لكونه يرى صحّته، \"ثم تزوجها بعده مجتهد بولي\"؛ لكونه يرى بطلان الأول، فيلزم من صحّة المذهبين حلولهما.\n\"وأجيب: بأنه مشترك الإلزام\"، وأنه كما يرد على المصوبة يرد على المخطئة؛ لأنه وإن جعل المصيب واحدًا، فيأمره باتباع ظنه؛ \"إذ لا خلاف في لزومه اتباع ظنه\".\nفالشافعي مأمور بجواز المُرَاجعة اتباعًا لظنه، والحنفية بالعكس، فيعود الإشكال.\n\"وجوابه: أن يرفع إلى الحاكم، فيتبع حكمه\"؛ فإن أقضيته [ترفع] (^٢) الخلاف، فإن لم يرفع إلى الحاكم، فكل مأمور بمقتضى اجتهاده.\nالشرح: واحتجت \"المصوبة\" (^٣) لكل مجتهد على مذهبهم بوجهين \"قالوا: لو كان\n_________\n(^١) في ت: أرجعتك.\n(^٢) في ت: برفع.\n(^٣) في ب: الصوفية، وهو خطأ.","vol":"4","page":552},{"text":"وَأُجِيبَ: بِثُبُوتِ الثَّانِي؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهَا نَصٌّ، أَوْ إِجْمَاعٌ وَلَمْ يُطَّلَعْ عَلَيْهِ بَعْدَ الاجْتِهَادِ، وَجَبَ مُخَالَفَتُه، وَهُوَ خَطَأٌ؛ فَهَذَا أَجْدَرُ.\nقَالُوا: قَالَ: \"بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ\"، وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُخْطِئًا، لَمْ يَكُنْ هُدًى.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ هُدِيَ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ مُجْتَهِدٍ أَوْ مُقَلِّدٍ.\n<hr><s0>\n\nالمصيب واحدًا\"، والمخطئ يجب عليه العمل بموجب ظنّه، فإما أن نوجبه عليه مع القول ببقاء الحكم الذي في نفس الأمر في حقه، أو مع زواله، والأول يستلزم ثبوت الحكم الأول.\nوالثاني في حقّه، وهما نقيضان، والثاني يستلزم أن يكون العمل بالحكم الخطأ واجبًا، وبالصواب حرامًا، فاللازم إما اجتماع النقيضين، أو وجوب العمل بالخطأ، وكلاهما محال.\nوإليه أشار بقوله: \"لوجب النقيضان إن كان الطلب\" كذا بخطّه، وفي بعض النسخ \"المطلوب باقيًا أو وجب الخطأ إن سقط الحكم المطلوب، وأجيب: بثبوت\" القسم \"الثاني\" من اللازم. واختياره ومنع لزوم الخَطَأ فيه؛ لأنه على تقدير سقوط الحكم الثابت في نفس الأمر لا يبقى ما ظنه المكلف خطأ، بل يجب متابعته \"بدليل أنه لو كان فيها نصّ، أو إجماع، ولم يطلع عليه بعد الاجتهاد وجب مخالفته\"؛ لوجوب اتباع الظَّن، \"وهو \"أي: اتباع ظنّه حينئذٍ \"خطأ\" لمخالفته النَّص، والإجماع، \"فهذا أجدر\" بوجوب الاتباع؛ إذ ليس فيه مخالفة قاطع.\nالوجه الثاني: \"قالوا\": تقدم في الإجماع أنه ﷺ \"قال\": \"أَصْحَابي كَالنُّجُومِ \"بَأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ\".\nجعل الاقتداء بكل واحد منهم هدى مع اختلافهم.\n\"ولو كان أحدهما مخطئًا لم يكن هدى، وأجيب: بأنه هدى؛ لأنه فعل ما يجب عليه\".\nسواء كان \"مجتهدًا أو مقلدًا\"، فإنه يجب العمل بالاجتهاد، والمجتهد ومقلده وكونه خطأ من وجه لا يمنع كونه هدى من هذا الوجه.","vol":"4","page":553},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\n\"فرع\"\nإذا اجتهد أربعة أنفس في القِبْلَةِ، واختلفوا - صلى كلٌّ على حسب تأدية اجتهاده، ثم من تيقّن الخطأ يلزمه الإعادة في أصح القولين.\nوأما قبل التَّبيين فلا؛ إذ لا يدري الصواب في أي جهة.\n\n\"فرع آخر\" في نَفَاذِ حكم الحاكم باطنًا في المسائل الاجتهادية أوجه:\nأحدها: المنع، وهو قول الأستاذ أبي إسحاق.\nوالثاني: النفاذ.\nقال الرافعي: وهو الأصح عند جماعة منهم صاحب \"التهذيب\"، وأبو عاصم العبادي.\nوالثالث: التفرقة بين اعتقاد الخَصَمَين ما حكم به فينفذ، وإلا فلا.\nقال الرافعي: وأشير إلى بناء الخلاف على كل مجتهد مصيب، والمصيب واحد، إن قلنا [بالأول] (^١) نفذ ظاهرًا وباطنًا.\nوإن قلنا بالثاني ينفذ باطنًا.\nقلت: وقضيّة البناء أن يكون الأرجح عدم النفوذ باطنًا؛ لأن الأرجح المصيب واحد، والرافعي والنووي لم يصرحا بترجيح شيء لا في كتاب \"الشفعة\" ولا في كتاب \"القضاء\".\nوقال الرافعي في آخر كتاب \"دعوى [الدَّم والقَسَامَة\": (^٢) ميل الأئمة إلى ثبوت الحلّ باطنًا، وكذلك في أثناء \"الدعاوى\" قال بعد مضى نحو كراسين: ميل الأكثرين إلى الحل.\n_________\n(^١) في ب: الأم.\n(^٢) تنوعت أراء العلماء في مشروعية القسامة والحكم بها على قولين:\nالأول: وجوب العمل بها، وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف، منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي والمغيرة بن شعبة، وابن الزبير، ومعاوية، وعبد الله بن عمرو بن =","vol":"4","page":554},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  العاص، وجملة من الصحابة، والحسن وشريح، والشعبي، وسفيان الثوري، وسعيد بن المسيب، والزهري وعروة بن الزبير، ومروان بن الحكم، وعبد الملك بن مروان وأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وداود الظاهري وابن حزم.\nالقول الثاني:\nلا يرى الثاني مشروعية القسامة وعدم العمل بها، وهو قول سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز، وأبي قلابة، وإبراهيم بن علية، والناصر وقتادة ومسلم بن خالد الزنجي. وحجة الجمهور حديث سَهْلٍ بْنِ أَبي حَثْمَةَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنِ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعَودٍ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقَا لِحَاجَتِهِمَا، فَقُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، فَانْطَلَقَ هُوَ وَعَبْدُ الرَّحْمنِ أَخُو المَقْتُولِ وَحَوَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرُوا لَهُ قَتْلَ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَهْلٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: \"تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ، أَوْ قَاتِلِكُمْ\" فَقَالُوا: يَا رسُولَ اللهِ لَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَحْضُرْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا\" فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ فَكَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمِ كُفَّارٍ؟! فَزَعَمَ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ عَقَلَهُ مِنْ عِنْدِهِ، قَالَ بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ: قَالَ سَهْلٌ: لَقَدْ رَكَضَتْني فَرِيضَةٌ مِنْ تِلْكَ الفَرَائِضِ فِي مِرْبَدٍ لَنَا.\nهذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن محمد بن مُثنى، عن عبد الوهَّاب الثقفي، وأخرجه من طُرُقٍ أُخَر عن يحيى بن سعيد.\nوأخرجه البيهقي وعبد الرزاق عن أبي سعيد بن أبي عمرو عن أبي العباس الأصم عن الربيع بن سليمان عن الشافعي عن سفيان عن منصور عن الشعبي أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب في قتيل وجد بين خيوان، ووادعة أن يقاس ما بين القريتين، فإلى أيها كان أقرب أخرج إليهم منهم خمسين رجلًا حتى يوافوه مكة، فأدخلهم الحجر، فاحلفهم ثم قضى عليهم بالدية، فقالوا: ما وقت أموالنا أيماننا، ولا أيماننا أموالنا - قال: عمر ﵁: كذلك الأمر، وفي رواية فقال: حقنت أيمانكم دماءكم، ولا يسل دم رجل مسلم.\nوقال الحافظ ابن حجر: له شاهد مرفوع من حديث أبي سعيد عن أحمد أن قتيلًا وجد بين حيين، فأمر النبيّ ﷺ أن يقاس إلى أيهما أقرب، فألقى ديته على الأقرب. ولكن سنده ضعيف، وما أخرجه الدارقطني والبيهقي عن صفوان بن سليم عن سعيد بن المسيب أنه قال: لما حج عمر حجته الأخيرة التي لم يحج غيرها، فورد رجل من المسلمين قتيلًا في بني وادعة، فبعث إليهم عمر في ذلك بعد ما قضي النسك، فقال لهم، هل علمتم لهذا القتيل قاتلًا منكم؟ قال القوم: لا، فاستخرج منهم خمسين شيخًا فأدخلهم الحطيم، فاستحلفهم بالله رب هذا البيت الحرام ورب هذا البلد الحرام، ورب هذا الشهر الحرام، أنكم لم تقتلوه ولا علمتم له قاتلًا، فحلفوا بذلك، فلما حلفوا. قال: أدوا دية مغلظة في أسنان الإبل، أو من الدنانير =","vol":"4","page":555},{"text":"<span data-type='title' id=toc-884>مَسْأَلَةٌ:\nتَقَابُلُ الدَّلِيلَيْنِ الْعَقْلِيَّيْنِ مُحَالٌ</span>؛ لاسْتِلْزَامِهِمَا النَّقِيضَيْنِ، وَأَمَّا تَقَابُلُ الْأَمَارَاتَ الظَّنِّيَّةِ وَتَعَادُلُهُمَا، فَالْجُمْهُورُ: جَائِزٌ؛ خِلَافًا لِأَحْمَدَ وَالْكَرْخِيِّ.\nلَنَا: لَوِ امْتَنَعَ لَكَانَ لِدَلِيلٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ\".\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"تقابل الدليلين العقليين مُحَال؛ لاستلزامهما\" (^١) إجماع \"النقيضين\" من حيث إن الدليل العَقْلي ملزوم للعلم، فلو تقابلا لزم العلم بالشيء مع العلم بعدمه.\nوأما تقابل الأمارات الظنية، وتعادلهما، فالجمهور\" كما نقل المصنّف على أنه \"جائز؛ خلافًا لأحمد والكرخي\"، ونقله ابن السَّمْعَاني عن الفقهاء، ونَصَره.\nوالحق ما أشار إليه الغزالي وغيره من أن القائلين بأنّ المصيب واحد لا يجوزون التعادل في نفس الأمر، وإنما الخلاف بين المصوّبة.\nواختار الإمام الرازي أنه جائز غير واقع، واتفق الكل على جواز التَّعادل في ظن المجتهد. \"لنا: لو امتنع\" تعادلهما \"لكان لدليل، والأصل عدمه\".\n_________\n= والدراهم دية وثلثا، فقال رجل منهم يقال له سنان: يا أمير المؤمنين إنما تجزيني من مالي؟ قال: إنما قضيت عليكم بقضاء نبيكم ﷺ فأخذوا ديته دنانير دية وثلث دية. وأخرج البيهقي من طريق القاسم بن عبد الرحمن أن عمر قال: القسامة توجب العقل، ولا تسقط الدم.\nوقد دلت تلك الآثار على ثبوت القسامة والعمل بها، وأكد عمر بأن ذلك قضاء رسول الله ﷺ، وقد أغفلنا دليل الرأي الثاني لضعفه، وضعف ما استندوا إليه.\n(^١) ينظر: الإحكام ٤/ ١٧١، وشرح العضد ٢/ ٢٩٨، والتبصرة (٥١٠)، والمستصفى ٢/ ٣٧٨.","vol":"4","page":556},{"text":"قَالُوا: لَوْ تَعَادَلَا: فَإِمَّا أَنْ يُعْمَلَ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا مُعَيَّنًا أَوْ مُخَيَّرًا أَوْلَا، وَالْأَوَّلُ: بَاطِلٌ، وَالثَّانِي: تَحَكُّمٌ، وَالْثَّالِثُ: حَرَامٌ لِزَيْدٍ حَلَالٌ لِعَمْروٍ مِنْ مُجْتَهِدٍ وَاحِدٍ، وَالرَّابعُ: كَذِبٌ؛ لأَنَّهُ يَقُولُ: لَا حَرَامَ وَلَا حَلَالَ، وَهُوَ أَحَدُهُما.\nوَأُجِيبَ: يُعْمَلُ بِهِمَا فِي أَنَّهُمَا وُقِفا فَيَقِفُ، أَوْ بِأَحَدِهِمَا مُخَيَّرًا، أَوْ لَا يُعْمَلُ بِهِمَا، وَلَا تَنَاقُضَ إِلَّا مِنِ اعْتِقَادِ نَفْيِ الْأَمْرَيْنِ لَا فِي تَرْكِ الْعَمَلِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"قالوا: لو تعادلا فإما أن يعمل بهما، أو بأحدهما معينًا أو مخيرًا أولا، والأول باطل\"؛ للزوم اجتماع التحليل والتحريم، وهو تناقض.\n\"والثاني: [تحكم] (^١) \"، وهما متساويان.\n\"والثالث\" كذلك؛ لأنه يلزم منه أن الشيء الواحد \"حرام لزيد، وحلال لعمرو، من مجتهد واحد.\nوالرابع: كذب\"؛ \"لأنه يقول: لا حلال ولا حرام، وهو أحدهما\" في نفس الأمر.\n\"وأجيب\" أولًا بأنا نقول: \"يعمل بهما في أنهما\" لتعارضهما \"وقف، فيقف\".\nوإنما يلزم اجتماع النقيضين لو اقتضى كل عند الاجتماع العمل [بمقتضاه] (^٢) عند الانفراد، وليس كذلك.\nبل مقتضاهما عند الاجتماع غير مقتضاهما عند [الانفراد] (^٣)، فعند الاجتماع مقتضاهما الوقف، وعند [الانفراد] (^٤) العمل، ولا تناقض في الحالتين، \"أو \"يختار العمل \"بأحدهما مخيرًا، أو \"بمنع استعماله الحل لزيد، والحرمة لعمرو من مجتهد واحد، أو يختار الرابع هو أنه \"لا يعمل بهما\"، كما لم يكن دليل، ويتساقطان، \"ولا تناقض\" في عدم العمل بهما، ولا كذب في التَّنَاقض لا يكون \"إلا من اعتقاد نفي الأمرين لا في ترك العمل\" بهما، فله بعد الدليلين أن يعتقد وقوع أحدهما، ولكن لا يعلم عينه، كما كان قبل قيام\n_________\n(^١) في ب: بحكم.\n(^٢) في ب: بمقتضى.\n(^٣) في أ: الإفراد.\n(^٤) في أ، ب، ت: الإفراد.","vol":"4","page":557},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالدَّليلين، فما أوجبه الدليل من ترك العمل ليس بمُحَال، والمحال لم يلزم من الدليل، ولقائل أن يقول: هذا يجوز اجتماع الأمارتين في ذهن المجتهد، ولا نزاع فيه وإنما النزاع فيهما في نفس الأمر، ولا يتجه القول به مع اعتقاد أن المصيب واحد أبدًا.","vol":"4","page":558},{"text":"<span data-type='title' id=toc-885>مَسْأَلَةٌ:\nلَا يَسْتَقِيمُ لِمُجْتَهِدٍ قَوْلَانِ مُتَنَاقِضَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ،</span> بِخِلَافِ وَقْتَيْنِ أَوْ شَخْصَيْنِ عَلَى قَوْلِ التَّخْيِيرِ، فَإِنْ تَرَتَّبَا، فَالظَّاهِرُ رُجُوعٌ، وَكَذَلِكَ المُتَنَاظِرَانِ، وَلَمْ يَظْهَرْ فَرْقٌ.\nوَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي سَبْعَ عَشْرَةَ مَسْألَةً: فِيهَا ...........\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"لا يستقيم لمجتهد قَوْلَان متناقضان في وقت واحد\" (^١)، ولا لعاقل؛ لأن دليلهما إن تعادلا فقوله: حكم التعارض من وقف أو غيره.\nوإن ترجح أحدهما عنده، فقوله الراجح، \"بخلاف\" ما إذا صدر منه قولان في \"وقتين.\nأو\" بالنسبة إلى \"شخصين على قول التخيير\"؛ إذا تعادل الأمارتان لا على قول الوقف.\n\"فإن تَرَتَّبَا\" أي: القولان المتناقضان بالزمان، \"فالظاهر\" أن الثاني \"رجوع\" عن الأول أوجبه [تغير] (^٢) اجتهاده، \"فكذلك المتناظران، ولم يظهر فرق\" بينهما.\nأما إن ظهر فرق فيحمل عليه، ولا يخرج قوله من المسألة إلى الأخرى.\nالشرح: \"وقول الشافعي في سبع عشرة مسألة: فيها قولان\" أو في بضع عشرة كما قال القاضي أبو حامد المَرْوروذي، أو في دون عشرة كما قال آخرون، ليس قولًا منه بالنفي، والإثبات في وقت واحد.\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام ٤/ ١٧٣ - ١٧٤، وشرح العضد ٢/ ٢٩٩، وشرح اللمع ٢/ ١٠٧٩، ومنتهى السول (٢١٥)، وإرشاد الفحول ٢٦٣، وفواتح الرحموت ٢/ ٣٩٤.\n(^٢) في ب: بغير.","vol":"4","page":559},{"text":"قَوْلَان، إِمَّا لِلْعُلَمَاءِ، وَإِمَّا فِيهَا مَا يَقْتَضِي لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَيْنِ؛ لِتَعَادُلِ الدَّلِيلَيْنِ عِنْدَه، وَإِمَّا لِي قَوْلَانِ عَلَى التَّخْيِيرِ عِنْدَ التَّعَادُلِ، وَإِمَّا تَقَدَّمَ لِي فِيهَا قَوْلَانِ.\n<hr><s0>\n\nكيف وذلك لا يتصور، بل المراد منه \"إما للعلماء\" فيها قولان.\nوإما فيهما ما يقتضي للعلماء قولين؛ لتعادل الدليلين عنده، وإمَّالي قولان على التخيير عند التعادل.\nوإما تقدم لي فيها قولان\"، فللمقلّد أن يتبع أيهما شاء؛ لأنهما جميعًا قول مجتهد في محل اجتهاده، واعلم أن مسألة القولين عَرِيقة عندنا، وقد بَيَّنا أنه لا يجوز أن يعتقد العاقل شيئين متناقضين في وقت واحد.\nوأما قولا الشافعي فقد عرفت محاملها، وقد بسط الأصحاب القول في ذلك، وصنف ابن القاص، وسليم الرازي، والمَاوَرْدِي، والروياني، والغزالي فيه ما تقرّ عين ناظره، وأحسنَ القول فيه أيضًا ابن السَّمْعَاني في \"القواطع\"، فلينظره من أراده.","vol":"4","page":560},{"text":"<span data-type='title' id=toc-886>مَسْأَلَةٌ:\nلَا يَنْقُضُ الْحُكْمَ فِي الاجْتِهَادِيَّاتِ مِنْه، وَلَا مِنْ غَيْرِهِ بِاتِّفَاقٍ</span>؛ لِلتَّسَلْسُلِ، فَتَفُوت مَصْلَحَةُ نَصْبِ الْحَاكِمِ، وَيُنْقَضُ إِذَا خَالَفَ قَاطِعًا.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"لا ينقض\" المجتهد \"الحكم في الاجتهاديّات منه، ولا من غيره\" إذا تغير الاجتهاد \"باتفاق\" (^١)؛ \"للتسلسل\" اللازم غير ذلك؛ إذ لو جاز النَّقض لجاز نقض النقض، وهكذا، \"فتفوت مصلحة نَصْب الحاكم\".\nوهو قطع المنازعة؛ لعدم الوثوق حينئذٍ بالحكم، \"وينقض إذا خالف قاطعًا\" من نص كتاب، أو سُنّة متواترة، أو إجماع.\nوقال علماؤنا: أو مظنونًا ظنًّا محكمًا بخبر الواحد، أو بالقياس الجَلِيّ، وروى أن عمر ﵁ كان يفاضل بين الأصَابع في الدية؛ لتفاوت منافعها، ونقض حكمه لما روى له الخبر في التسوية، وأن عليًّا ﵁ نقض قضاء شريح بأن شهادة المولى لا تقبل بالقياس الجَلِيّ، وهو أن ابن العم تقبل شهادته، وهو أقرب من المولى.\nفإذن الاجتهاديات التي لا نقض فيها هي ما بعد، وما ذكرناه، ويتردد بين الطرفين صور يقع فيها [الخلاف] (^٢) كما في القضاء بصحة نكاح المفقود، وقضاء الحنفي ببطلان خيار المجلس والعرايا وزكاة الجَنِينِ، ومسألة المُثَقّل، وقتل المسلم بالكافر، وكثير من الصور في الفقهيات، وحاول الغزالي ضبط ما ينقض فيه، وما لا ينقض، فقال: إذا لم ينقدح في نفسه إمكان الصواب انقداحًا له وقعٌ. ما فله النقض، وذلك في النصوص لصحّة\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام ٤/ ١٧٦، وجمع الجوامع ٢/ ٣٩١، وشرح العضد ٢/ ٣٠٠، ونهاية السول ٤/ ٥٧٤، والمحصول ٢/ ٢/ ٩٠ - ٩١، وفواتح الرحموت ٢/ ٣٩٦.\n(^٢) في أ، ب: خلاف.","vol":"4","page":561},{"text":"فَلَوْ حَكَمَ عَلَى خِلَافِ اجْتِهَادِهِ، كَانَ بَاطِلًا وَإِنْ قَلَّدَ غَيْرَهُ اتِّفَاقًا، فَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِغَيْرِ وَلِيٍّ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُه، فَالْمُخْتَارُ التَّحْرِيمُ.\nوَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ حُكْمٌ، وَكَذَلِكَ الْمُقَلِّدُ بِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِ مُقَلدِهِ، فَلَوْ حَكَمَ مُقَلِّدٌ بِخِلَافِ [اجْتِهَادِ] إِمَامِهِ، جَرَى عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِهِ غَيْرَهُ.\n<hr><s0>\n\nموردها، وصراحة لفظها وبعدها عن قبول التأويل، وفي الأقيسة لوضوحها وموافقتها للأصول، وإذا لم يكن كذلك، وتقارب النظران فلا نقضى، ويختلف الحال في ذلك بالمجتهدين وآحاد الأدلة.\nالشرح: \"فلو حكم على خلاف اجتهاده كان باطلًا، وإن قلده غيره اتفاقًا\"؛ إذ يجب عليه العمل بظنه، ولا يجوز له التقليد مع اجتهاده إجماعًا، \"فلو تزوج امرأة بغير ولي\" عند اقتضاء اجتهاده ذلك، \"ثم تغير اجتهاده، فالمختار التحريم\"؛ لأنه مستند إلى ما يعتقده حرامًا.\n\"وقيل: إن لم يتصل به حكم\"، فيحرم، وإن اتصل لم يحرم؛ لئلا ينقض الحكم بالاجتهاد، \"وكذلك\" نقول في \"المقلّد بتغير اجتهاد مقلده\"، فيتغير الحكم بالنسبة إليه، ولذلك يجب على المجتهد إعلامه.\nوتردد الغزالي في المقلّد مع جزمه بتغير الحكم بالنسبة إلى المجتهد، ثم صحح أنهما سواء كما هو المختار، \"فلو حكم مقلد بخلاف قول إمامه جرى\" القول في جوازه، وعدم نقضه \"على\" الخلاف في \"جواز تقليده غيره\"، وسيأتي إن شاء الله تعالى.","vol":"4","page":562},{"text":"<span data-type='title' id=toc-887>مَسْأَلَةٌ:\nالْمُجْتَهِدُ قَبْلَ أَنْ يَجْتَهِدَ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّقْلِيدِ.</span>\nوَقِيلَ: فِيمَا لَا يَخُصُّهُ.\nوَقِيلَ: فِيمَا لَا يَفُوتُ وَقْتُهُ.\nوَقِيلَ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ مِنْهُ.\nوَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَحَابِيًّا.\n[وَقِيلَ]: أَرْجَحَ، فَإِنِ اسْتَوَوْا تَخَيَّرَ.\nوَقِيل: أَوْ تَابِعِيًّا.\nوَقِيلَ: غَيْرُ مَمْنُوعٍ، وَبَعْدَ الْاجْتِهَادِ اتِّفَاقٌ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"المجتهد قبل أن يجتهد ممنوع من التقليد.\nوقيل\": ممنوع \"فيما لا يخصه\" أي: فيما يفتى به غيره لا فيما يخصّه.\n\"وقيل: فيما لا يفوت وقته\" (^١) لو اشتغل بالاجتهاد فيه دون ما يفوت، وهو رأى أبي العباس بن سُرَيج.\n\"وقيل\": لا يجوز له التقليد \"إلا أن يكون\" [المقلّد \"أعلم منه\".\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام ٤/ ١٧٧، وشرح العضد ٢/ ٣٠٠، والمحصول ٣/ ٣/ ١١٥، والتيسير ٤/ ٢٢٧، وفواتح الرحموت ٤/ ٢٢٧.","vol":"4","page":563},{"text":"لَنَا: حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُه، بِخِلَافِ النَّفْيِ؛ فَإِنَّهُ يَكْفِي فِيهِ انْتِفَاءُ دَلِيلِ الثُّبُوتِ، وَأَيْضًا مُتَمَكِّنٌ مِنَ الْأَصْلِ؛ فَلَا يَجُوزُ الْبَدَلُ كَغَيْرِهِ.\nوَاسْتُدِلَّ: لَوْ جَازَ قَبْلَه، لَجَازَ بَعْدَهُ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ بَعْدَهُ حَصلَ الظَّنُّ الْأَقْوَى.\n<hr><s0>\n\nوهو رأي محمد بن الحسن.\n\"وقال الشَّافعي\" في القديم: لا يجوز التقليد \"إلا أن يكون\"] (^١) المقلّد \"صحابيًّا أرجح\" من غيره من الصحابة، فيجوز، \"فإن استووا\" أي: الصحابة الذين اختلف عليه فُتياهم في الدرجة \"تخير\" في تقليد من شاء منهم.\n\"وقيل: لا يجوز التقليد إلا أن يكون المقلد صحابيًّا كما ذكرناه، أو تابعيًّا.\nوقيل: \"إن العالم\" غير ممنوع\" من تقليد عالم آخر مطلقًا، وعليه سفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق.\nوقيل: يجوز للقاضي دون غيره.\nوقيل: يجوز تقليد أبي بكر وعمر دون غيرهما، وهذا كله كما علمت حكمه قبل الاجتهاد.\n\"وبعده اتفاق\" أي: الاتفاق على أنه لا يجوز التقليد للعالم بعد الاجتهاد.\nالشرح: \"لنا\": أن جواز التقليد \"حكم شرعي، فلا بد له من دليل\"؛ لأن القول في الدِّين بلا دليل باطل، والدليل لم نجده، والأصل عدمه، لا يقال: وكذلك مع التقليد لا بد له من دليل \"والأصل عدمه\"؛ لأنا نقول: الفرق بين جانب الثبوت والنفي واضح [به] (^٢)، وهو أن الثبوت لا يكفي فيه انتفاء دليل النفي، \"بخلاف النفي؛ فإنه يكفي فيه\" دليل \"انتفاء الثبوت، وأيضًا\" المجتهد \"متمكن من الأصل\"، وهو الاجتهاد، \"فلا يجوز\" له \"البدل\"،\n_________\n(^١) سقط في أ، ت.\n(^٢) سقط في أ، ت.","vol":"4","page":564},{"text":"الْمُجَوِّزُ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٣].\nقُلْنَا: لِلْمُقَلِّدِينَ؛ بِدَلِيلِ: \"إِنْ كُنْتُمْ\"، وَلأَنَّ الْمُجْتَهِدَ مِنْ أَهْلِ الذِّكْرِ.\n(الصَّحَابَةَ) \"أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ\"، وَقَدْ سَبَقَ.\nقَالُوا: الْمُعْتَبَرُ الظَّنُّ، وَهُوَ حَاصِلٌ.\nأُجِيبَ: بأَنَّ ظَنَّ اجْتِهَادِهِ أَقْوَى.\n<hr><s0>\n\nوهو التقليد \"كغيره\" من يتمكن من البدل والمبدل، فإنه يتحتّم عليه المبدل، كما في الوضوء والتيمم.\nوللمانع أن يمنع كون التقليد بدلًا، ويقول: بل المجتهد مخير بين التقليد والاجتهاد كما في غسل الرجل ومسح الخُفّ.\n\"واستدلّ: لو جاز\" للمجتهد التقليد \"قبله\" أي: قبل الاجتهاد \"لجاز بعده\"؛ لأنه لا مانع إلا كونه مجتهدًا، فإذا لم يكن مانعًا قبل لم يكن مانعًا من بعده، \"وأجيب: بأنه بعده حصل الظَّن الأقوى\".\nوالحاصل أنه ليس المانع منحصرًا في كونه مجتهدًا، بل المانع أنه إذا اجتهد حصل له ظَنّ الحكم باجتهاده، وهو أقوى من الظَّن الذي يحصل له باجتهاد غيره، فيكون العمل به عملًا بالراجح، ولا يوجد ذلك فيما قبل الاجتهاد.\nالشرح: واحتج \"المجوز\" للتقليد مطلقًا بقوله تعالى: \" ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ\" إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٣].\nوهو قبل الاجتهاد لا يعلم، والآخر من أهل الذكر، فوجب عليه سؤاله للعلم به، وهو المطلوب.\n\"قلنا\": الخطاب \"للمقلدين؛ بدليل \"إنْ كُنْتُمْ\" لَا تَعْلَمُونَ\"؛ فإنه صيغة عموم تفهم من سياق أن من له علم لا يجب عليه السؤال، وأن السؤال إنما هو لمن لا يقدر على العلم بنفسه، والمجتهد ليس كذلك؛ \"ولأن المجتهد من أهل الذكر\"، فلا يكون سائلًا؛ وإذًا كان سائلًا مسئولًا، واحتج من ذهب إلى أنه لا يقلد إلا \"الصحابة\" بما تقدم من قوله ﵇: \"\"أَصْحَابِي كَالنُّجومِ، وقد سبق\" الكلام فيه في مسألة مذهب الصَّحابي.","vol":"4","page":565},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"قالوا: المعتبر الظَّن، وهو حاصل\"، ثم افترقوا فمن عمم جواز التقليد، قال: وهو حاصل بفتوى الغير، ومن خصّ الصحابة قال: وهو حاصل بفتوى الصَّحابي، ولا يحصل بفتوى غير الصَّحابي لمن يكون مجتهدًا؛ لاستوائهما في الدَّرجة، فإنهما مجتهدان، ولا صحبة لأحدهما حتى يتميز بها.\nو\"أجيب بأن\" المعتبر عند التمكّن من طريقين أقواهما، ولا يشك أن\" [ظن] (^١) اجتهاده أقوى\" من ظن تقليده، فيجب الأخذ به.\n_________\n(^١) سقط في ب.","vol":"4","page":566},{"text":"<span data-type='title' id=toc-888>مَسْأَلَةٌ:\n[الْمُخْتَارُ]: يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلْمُجْتَهِدِ: احْكُمْ بِمَا شِئْتَ؛ فَهُوَ صَوَابٌ،</span> وَتَرَدَّدَ الشَّافِعِيّ، ثُمَّ الْمُخْتَارُ: لَمْ يَقَعْ.\nلَنَا: لَوِ امْتَنَعَ لَكَانَ لِغَيْرِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.\nقَالُوا: يُؤَدِّي إِلَى انْتِفَاءِ الْمَصَالِحِ؛ لِجَهْلِ الْعَبْدِ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْجَوَازِ، وَلَوْ سُلِّمَ لَزِمَتِ الْمَصَالِح، وَإِنْ جَهِلَهَا.\n(الْوُقُوعُ) قَالُوا: \"إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ\".\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"يجوز أن يقال للمجتهد: احكم بما شئت، فهو صواب\" (^١)، ويكون إذ ذاك حكم من جملة المدارك الشرعية، فإذا قال: هذا حلال عرفنا أن الله حكم، في الأول بحلّه، \"وتردّد الشّافعي\" في جوازه.\nوقيل: إنما تردد في وقوعه.\nوقيل: يجوز التفويض للنَّبي دون العَالِمِ، واختاره ابن السَّمعاني، وذكر أن كلام الشافعي في \"الرسالة\" يدلّ عليه.\n\"ثم المختار: لم يقع.\nلنا: لو امتنع لكان لغيره\" لا لذاته؛ إذ لا يلزم من فرض وقوعه وقوع محال، \"والأصل\" في ذلك الغير \"عدمه\"، والمانعون من جوازه \"قالوا: يؤدّي إلى انتفاء المصالح؛ لجهل العَبْدِ\" الذي فوض إليه الحكم بوجهها، فلا يؤمن اختياره ما المصلحة في خلافه،\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام ٢/ ١٨١، وشرح العضد ٢/ ٣٠١.","vol":"4","page":567},{"text":"قَالُوا: قَالَ: \"لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا\"، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِلَّا الْإِذْخِرَ، فَقَالَ: \"إِلَّا الْإِذْخِرَ\".\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْإِذْخِرَ لَيْسَ مِنَ الْخَلَا، فَدَلِيلُهُ الْاسْتِصْحَاب، أَوْ مِنْه، وَلَمْ يُرِدْه،\n<hr><s0>\n\nوالشارع قصد المصالح، \"وأجيب: بأن الكلام في الجواز\" لا الوقوع، وما ذكرتم لا يمنع الجواز.\n\"ولو سلم\" فلا يسلم انتفاء المصالح، بل نقول: إذا فوض إلى العبد، فقد \"لزمت المصالح\"، فلا يقع منه إلا المصلحة.\n\"وإن جهلها\"؛ لأن الله - تعالى - لا يفوض إليه إلا وقد علم أنه لا يختار إلا الأصلح، وإذا علم ذلك كان هو الواقع، وأما الذين مذهبهم \"الوقوع\"، فإنهم \"قالوا\" قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ \"إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ \" يقتضي وقوع التفويض؛ فإنه لا يمكن تحريمه على نفسه إلا بتفويض الأمر إليه، وإلا كان المحرم هو الله تعالى \"وأجيب: بأنه يجوز أن يكون\" تحريم إسرائيل لما حرمه \"بدليل ظنّي\" نهض عنده، ويسند حينئذٍ التحريم إليه.\nكما تقول: أباح الشافعي الشِّطْرنج، ولحم الخَيْل، وحرمهما أبو حنيفة، ويوضح هذا أن الحاكم هو الله - تعالى - على كُلّ حال، والتفويض لو وقع لم يقتض استناد الحكم إلى العبد وإنما يكون فعل العبد علامة على أنَّ الحكم لله كما عرفناك في صدر المسألة.\nالشرح: ثانيًا: \"لَا يُخْتَلَى، خلاها وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، فقال: العباس: إلا الإِذخر، فقال \"إلَّا الإِذخر\" واللفظ عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح \"مكة\": إنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ إِلى أن قال: فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ - تَعَالَى - إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُه، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُه، وَلَا يُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، فقال العبّاس: يا رسول الله إلا الإِذْخر؛ فإِنه لقبورهم وبيوتهم، فقال: \"إلا الإِذْخر\" رواه البخاري ومسلم (^١)، وهذا اللفظ لفظه قالوا: وهذا يدلّ على تفويض الحكم إِلى رأيه ﵇.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤/ ٥٦) كتاب جزاء الصيد: باب لا يحل القتال بمكة (١٨٣٤)، ومسلم (٢/ ٩٨٦) كتاب الحج: باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها .... (٤٤٥ - ١٣٥٣) من حديث ابن عباس.","vol":"4","page":568},{"text":"وَصَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ بِتَقْدِيرِ تَكْرِيرِهِ؛ لِفَهْمِ ذَلِكَ، أَوْ مِنْه، وَأُرِيدَ وَنُسِخَ؛ بِتَقْدِيرِ تَكْرِيرِهِ بِوَحْيٍ سَرِيعٍ.\nقَالُوا: قَالَ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ\"، \"أَحَجُّنَا هَذَا لِعَامِنَا، أَوْ لِلأَبَدِ؟ قال: \"لِلأَبَدِ، وَلَوْ قُلْتُ: نَعمْ لَوَجَبَ.\n<hr><s0>\n\nوإذا أطلق ابتداء، ثم استثنى بالتماس العَبَّاس مع ظهور أنه لم ينزل الوحي في تلك اللَّحْظَة.\n\"وأجيب\" [ثانيًا] (^١) \"بأن الإِذخر ليس من الخَلا\" ليتناوله الحكم، \"فدليله\" الدّال على إِباحته \"استصحاب\" لحال الحل، ويكون الاستثناء منقطعًا، \"أو \"أنه \"منه ولم يرده\" النبي ﷺ بالعموم تخصيصًا له، \"وصح استثناؤه بتقدير تكرره\"؛ [لقوله: لَا يُخْتَلَى خَلَاها\"، كأنه قال: \"لا يُخْتَلَى خَلَاهَا إِلا الإِذْخر\" \"لفهم\" العباس \"ذلك أو \"نقول: إنه \"منه وأريد، ونسخ بتقدير تكرر\" (^٢) الاستثناء \"بوحي سريع\"، فالأجوبة ثلاثة.\nوتقديرها هكذا: لا نسلم أن الاستثناء، متصل، بل هو منقطع، وليس الإذخر من الخَلَا.\nسلمنا الاتصال، لا نسلم أنه مراد.\nفإن قلت: ولم استثنى؟\nقلنا: ليس استثناء منه بل بتقدير تكرار اللفظ كما عرفت.\nسلمنا أنه مراد، ولكن لم قلتم: إنه ينسخ بوحي سريع، وما المانع من ذلك؟.\nالشرح: \"قالوا\" ثالثًا: روي الجماعة أنه ﷺ قال: \"لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ\" عَلَى أُمّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلّ صَلاةٍ\".\nوهو صريح في أن الأمر وعدمه إليه، ولذلك لما قيل: \"أحَجُّنا هذا لعامنا أو للأبد؟\n_________\n(^١) في أ، ت: إمّا.\n(^٢) سقط في ت.","vol":"4","page":569},{"text":"وَلَمَّا قَتَلَ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ، ثُمَّ أَنْشَدَتْهُ ابْنَتُهُ: [الكامل]\nمَا كَانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ وَرُبَّمَا … مَنَّ الْفَتَى، وَهوَ الْمَغِيظُ الْمُحْنَقُ\nفَقَالَ ﵇: \"لَوْ سَمِعْتُه، مَا قَتَلْتُهُ\".\nوَأُجِيبَ: بِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ خُيِّرَ فِيهِ مُعَيَّنًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِوَحْيٍ.\n<hr><s0>\n\nفقال: لِلْأَبَدِ، وَلَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ\"\" (^١).\nواللفظ من حديث أبي هريرة: خطبنا رسول الله ﷺ، فقال: \"يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا\" فَقَالَ رجل: أكلّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال النبي ﷺ: \"لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَما اسْتَطَعْتُمْ\".\nرواه أحمد بن حنبل، ومسلم بن الحجاج في الصحيح، وأبو عبد الرحمن النسائي.\nوهو صريح في أن قوله المجرد من غير وحي يوجب، فدلّ أنه كان مفوضًا إليه؛ لأنه لا ينطق عن الهَوَى.\nالشرح: \"ولما قتل النَّضر بن الحارث، ثم أنشدته ابنته\": [الكامل]\n\"مَا كَانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ وَرُبَّمَا … مَنَّ الفَتَى وَهُوَ المَغِيظُ المُحْنَقُ\"\n\"فقال ﷺ: \"لَوْ سَمِعْتُهُ مَا قَتَلْتُهُ\".\nوذلك فيما أخبرنا به عبد القادر بن الملك المغيث عبد العزيز بن الملك المعظم عيسى بن أبي بكر بن أيوب قرأه عليه وأنا حاضر أسمع في أواخر الثالثة أو أوائل الرّابعة بـ\"القاهرة\" وأحمد بن علي بن الحسن بن داود الحنبلي بقراءتي عليه مرة، وقرأت عليه وأنا أسمع أخرى بـ\"دمشق\" قال: أنبأنا محمد بن إسماعيل خطيب \"مرو\"، قال الأول: سماعًا، وقال الثاني: حضورًا في الخامسة أنبأنا صنيعة الملك أبو محمد هبة الله بن يحيى بن حَيْدَرة، أنبأنا أبو محمد عبد الله بن رفاعة بن عذير السّعدي، أنْبأنا أبو الحسن علي بن الحسين الخُلعي، أنبأنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن سعيد بن النّحاس [البَزّار] (^٢)،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢/ ٨٨٦ - ٨٩٢) رقم (١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله، وهو الحديث الطويل في صفة حجة النبيّ ﷺ.\n(^٢) في ت: البزاز.","vol":"4","page":570},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nأنبأنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن الوَرْدِ، أنبأنا أبو سعيد عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحيم البَرْقي، أنبأنا أبو محمد عبد الملك بن هشام النحوي البَصْري، حَدْثنا زياد بن عبد الله البَكَّائي عن محمد بن إسحاق المطلبي ﵀.\nقال بعد أن ذكر غزوة \"بدر\" الكبرى، وعدّد القتلى بها: وكان من شياطين قريش قتله علي بن أبي طالب [من] (^١) نفر من بني عبد الدَّار بن قصي بن النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدَّار، قتله علي بن أبي طالب صَبْرًا عند رسول الله ﷺ بـ\"الصفرا\" فيما يذكرون.\nقال ابن هشام: بـ\"الأثيل\" ثم ذكر ابن هشام بعد ذلك أبياتًا ذكرتها قتيلة بنت الحارث (^٢) أخت النضر تَبْكيه، وهي: [الكامل]\nيَا رَاكِبًا إِنَّ الأَثِيلَ مَظِنَّةٌ … مِنْ صُبْحِ خَامِسَةٍ وَأَنْتَ مُوَفَّقُ\nأَبْلِغْ بِهَا مَيْتًا بِأَنَّ تَحِيَّةً … مَا إِنْ تَزَالُ بِهَا النَّجَائِبُ تَخْفِقُ\nمِنِّي إِلَيْكَ وَعَبْرَةً مَسْفُوحَةً … جَادَتْ بِوَاكِفِهَا، وَأُخْرَى تُخْنَقُ\nهَلْ يَسْمَعَنِّي النَّضْرُ إِنْ نَادَيْتُهُ … أَمْ كَيْفَ يَسْمَعُ مَيِّتٌ لَا يَنْطِقُ؟!\nأَمُحَمَّدٌ وَلأَنْتَ صِنْوُ كَرِيمَةٍ … فِي قَوْمِهَا وَالفَحْلُ فَحْلٌ مُعْرِقُ\nمَا كَانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ وَرُبَّمَا … مَنَّ الفَتَى وَهُوَ المَغِيظُ المُحنَقُ\nأَوْ كُنْتَ قَابِلَ فِدْيَةٍ فَلْيُنْفَقَنْ … بِأَعَزِّ مَا يَغْلُو بِهِ مَا يُنْفِقُ\nوَالنَّضْرُ أَقْرَبُ مَنْ أَسَرْتَ قَرَابَةً … وَأَحَقُّهُمْ إِنْ كَانَ عِتْقٌ يَعْتِقُ\nظَلَّتْ سُيُوفُ بَنِي أَبِيهِ تَنُوشُهُ … لِلهِ أَرْحَامٌ هُنَاكَ تَشَقَّقُ\nصَبْرًا يُقَادُ إِلَى المَنِيَّةِ مُقْعِيًا … رَسْفَ المُقَيَّدِ وَهْوَ عَانٍ مُوثَقُ (^٣)\n_________\n(^١) في ب، ت: خمسة.\n(^٢) قتيلة بنت النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي؛ القرشية. قال الواقدي: هي التي قالت الأبيات القافية في رسول الله ﷺ لما قتل أباها النضر بن الحارث يوم بدر، فلما بلغ رسول الله ذلك بكى حتى اخضلت لحيته وقال: \"لو بلغني شعرها قبل أن أقتله ما قتلته\". قال ابن حجر في \"الإصابة\": لم أر التصريح بإسلامها؛ لكن إن كانت عاشت إلى الفتح فهي من جملة الصحابيات. ينظر: الإصابة ٨/ ١٦٩ (٨٨٤).\n(^٣) قال ابن عبد البر في الاستيعاب ٤/ ١٩٠٥: قال الزبير: وسمعت بعض أهل العلم يغمز أبياتها =","vol":"4","page":571},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقال ابنُ هشام: فيقال والله أعلم: إن رسول الله ﷺ لما بلغه هذا الشّعر قال: \"لَوْ بَلَغَنِي هَذَا قَبْلَ قَتْلِهِ لَمَنَنْتُ عَلَيْهِ\".\nوبهذا استمسكت المفوضة، فقالت: لو لم يكن القتل مفوضًا إِليه لم يفْترق الحال بين أن يبلغه شِعْرها أو لا، على أن الزبير بن بَكّار ذكر في \"النّسب\" أنه سمع بعض أهل العلم يذكر أن هذه الأبْيات مصنوعة، \"وأجيب: بجواز أن يكون\" النبيّ ﷺ قد \"خيّر فيه\" أي فيما أسنده إلى نفسه من هذه الصور الثلاثة \"معينًا\" كأن قيل: أنت مخيّر في إيجاب السّؤال وعدمه، وتكرير الحَجّ وعدمه، وقتل النضر وتركه، \"ويجوز أن يكون بوحي\" لا من تلقاء نفسه.\n_________\n= هذه، ويذكر أنها مصنوعة، وينظر: شرح الحماسة للمرزوقي ٢/ ٩٦٣، والحماسة لأبي تمام ١/ ٤٧٧، وزهرة الآداب ١/ ٦٥، والسيرة لابن هشام ٢/ ٢٨٥، وأسد الغابة ٧/ ٢٤١، والإصابة لابن حجر ٨/ ٨٠، ومعجم البلدان ١/ ١١٨ الروض المعطار (١١) والأثيل: تصغير الأَثْل: موضع قرب المدينة.","vol":"4","page":572},{"text":"<span data-type='title' id=toc-889>مَسْأَلَةٌ:\nالْمُخْتَارُ: أَنَّهُ ﷺ لَا يُقَرُّ عَلَى خَطَأٍ فِي اجْتِهَادِهِ.</span> وَقِيلَ: بِنَفْيِ الْخَطَأِ.\nلَنَا: لَوِ امْتَنَعَ لَكَانَ لِمَانِعٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُه، وَأَيْضًا: \"لِمَ أَذِنْتَ\"، ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٦٧] حَتَّى قَالَ: لَوْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ عَذَابٌ، مَا نَجَا مِنْهُ غَيْرُ عُمَرَ؛ لِأَنَّهُ أَشَارَ بِقَتْلِهِمْ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: قال أبو عمرو: و\"المختار: أنه ﷺ لا يقرّ على خطأ في اجتهاده.\nوقيل بنفي الخطأ.\nلنا: لو امتنع لكان لمانع، والأصل عدمه (^١).\n\"وأيضًا\" ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ \"لِمَ أَذِنْتَ\"﴾ [سورة التوبة: الآية ٤٣]، ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾، [سورة الأنفال: الآية ٦٧] \"حتى قال\" ﷺ: \"\"لَوْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ عَذَابٌ مَا نَجَا مِنْهُ غَيْرُ عُمَرَ؛ لأَنَّهُ أَشَارَ بِقَتْلِهِمْ\"\".\nوهذا اللفظ غير معروف وإنما المعروف ما في صحيح مسلم عن ابن عباس قال: لما أسروا الأسارى - يعني يوم \"بدر\" - قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسَارى، فقال أبو بكر: يا رسول الله هم بنو العَمّ والعشيرة، أرى أن نأخذ منهم فدية، فيكون لنا قوة على الكُفَّار، وعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله ﷺ: \"مَا تَرَى يَا بْنَ الخَطَّابِ؟؟ \" قال: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكن أرى أن\n_________\n(^١) ينظر: المحصول ٢/ ٣/ ٢٢، واللمع (٧٦)، والتبصرة (٥٢٤)، والمستصفى ٢/ ٣٥٥، والإحكام للآمدي ٤/ ١٨٧، والمنتهى ١٦٢، والمسودة (٥٠٩)، ونهاية السول ٤/ ٥٣٠ - ٥٣٧، والإبهاج ٣/ ٢٦٩، وجمع الجوامع ٢/ ٣٨٧، وشرح الكوكب المنير (٦٠٧)، وتيسير التحرير ٤/ ١٩٠، وفواتح الرحموت ٢/ ٣٧٢، وشرح العضد ٢/ ٣٠٣.","vol":"4","page":573},{"text":"وَأَيْضًا: \"إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ، فَلَا يَأْخُذْهُ؛ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ نَارٍ\"، وَقَالَ: \"إِنَّمَا أَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ\".\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَحْكَامِ لَا فِي فَصْلِ الْخُصُومَاتِ.\nوَرُدَّ: بِأَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ المُحْتَملِ.\n<hr><s0>\n\nتمَكّننا، فنضرب أعناقهم، فتمكّن عليًّا من عقيل، فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان نسيبًا لعمر، فأضرب عنقه؛ فإِن هؤلاء أئمة الكفر، فَهَوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يَهْوَ ما قلت، فلما كان من الغد جئت، فإِذا رسول الله، وأبو بكر قاعدين يَبْكيان، فقلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت؛ وإن لم أجد بكاء لبكائكما تباكيت فقال الرسول ﷺ: \"أَبْكِي لِلَّذِي عُرِضَ عَلَى أَصْحَابِكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الفِدَا، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أدْنَاهُ مِنْ هَذِهِ الشَّجرة - شَجَرَةٌ قَرِيبَةٌ مِنْهُ\" وأنزل الله - تعالى - ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (^١) [سورة الأنفال: الآية ٦٧ - ٦٩] فأحل الله الغنيمة لهم،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم ٣/ ١٣٨٣ - ١٣٨٥ في كتاب: الجهاد والسير باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم حديث (٥٨/ ١٧٦٣)، قال مسلم: حدثني عبد الله بن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل نبي الله - ﷺ - القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه \"اللهم انجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض\" فما زال يهتف بربه مادًّا يديه مستقبل القبلة حتى سقط ردائه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك؛ فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله ﷿: \"إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين\" [الأنفال: ٩] فأمده الله بالملائكة.\nقال أبو زميل: فحدثني ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط، فأحضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله ﷺ فقال: \"صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة\" وقتلوا يومئذ سبعين، وأسروا سبعين. =","vol":"4","page":574},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وأيضًا\" روى أحمد، وأبو داود من حديث أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: \"إِنَّكُمْ تختصمون إِلَيَّ، وَلَعَلَّ أَحَدَكُم أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بشيءٍ مِنْ مَالِ أخِيهِ، فَلَا يَأْخُذْهُ؛ فَإِنَّمَا أقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ نَارٍ\" (^١). وأصل الحديث متفق عليه.\n\"وقال: \"إِنَّمَا أَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ\"، وهذا اللفظ لا يُعْرَف، \"وأجيب\" عن [هذا] (^٢) الاستدلال به على تقدر صحّته: \"بأن الكلام في الأحكام لا في فَصْل الخصومات، ورد بأنه\" أي قضاء الخصومات \"يستلزم الحكم الشرعي المحتمل\"، أي: الحكم الشّرعي؛ فإِن المال حلال لزيد، حَرَام على عمرو مع احتمال الصواب والخطأ.\nواعلم أنّ الحق عندنا أنه ﷺ يمتنع عليه الخَطأ.\nودليله ما سيذكره، واستدلال المصنف بقوله: \"عَفَا اللهُ عَنْكَ\" مدفوع؛ فقد قال غير واحد: إنه ﷺ كان مخيرًا في الإِذْن وعدمه، فما ارتكب إِلا صوابًا.\nفإِن الله - تعالى -[يقول] (^٣): ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [سورة النور: الآية ٦٢]، فلما أذن\n_________\n= قال أبو زميل: قال ابن عباس: فلما أسروا الأساري قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: \"ما ترون في هؤلاء الأساري؟ \" فقال أبو بكر: يا نبي الله! هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار؛ فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله ﷺ: \"ما ترى يا بن الخطاب؟ \" قلت: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان (نسيبًا لعمر) فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصنانديدها، فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاءً تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله ﷺ: \"أبكي للذي عرض على أصحابك من أخذه الفداء، لقد عرض على عذابهم أدنى من هذه الشجرة\" (شجرة قريبة من نبي الله ﷺ) وأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ … إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [سورة الأنفال: الآيات ٦٧، ٦٩] فأحل الله الغنيمة لهم.\n(^١) تقدم.\n(^٢) سقط في أ، ت.\n(^٣) سقط في ب.","vol":"4","page":575},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nلهم أعلمه الله - تعالى - بما لم يطلع عليه من سرّهم أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا، أو أنه لا حرج عليه فيما فعل، ولا خطأ، وليس \"عَفَا\" هنا بمعنى: عفو، بل كما قال النبي ﷺ:\"عَفَا اللَّهُ لَكُمْ مِنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ وَالرَّقِيقِ\" (^١).\nولم يجب عليهم ذلك قط.\nقال القشيري: ومن قال: العفو لا يكون إِلا عن ذنب، فهو غير عارف بكلام العرب، وإنما معنى \"عَفَا اللَّهُ عَنْكَ \" لم يلزمك ذنبًا كما في: \"عفا عن صدقة الخيل\".\nوأما قوله في أسارى \" بدر\": \"مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى\" الآيتين، فليس فيه إِلزام ذنب للنبي ﷺ، بل فيه بيان ما خصّ به، وفضل من بين سائر الأنبياء.\nفكأنه قال: ما كان هذا لنبي غيرك.\nوقوله: \"تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا\" المعنى به: من أراد ذلك منهم، وليس المراد به النبي ﷺ، وأما حديث القضاء، فالقاضي مصيب عند الحكم بشهادة الشَّاهدين مطلقًا، واعلم أن هذا المحل لا يحتمل البسط في المسألة، ومسألة العصمة هي الكافلة به؛ فإن المأخذ في عِصْمته عن الصَّغائر والكبائر كالمأخذ في عصمته عن الخطأ في الاجتهاد، والقادر على عصمته من الذنوب ويطهره عن دَنَسِهَا في حالتي العمد والسهو قادر على رفع جانبه عن الخَطأَ، والله المستعان، والذين وافقونا على امتناع الخطأ:\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود ٢/ ١٠١ كتاب الزكاة: باب في زكاة السائمة (١٥٧٤)، وأخرجه الترمذي ٣/ ١٦ كتاب الزكاة: باب ما جاء في زكاة الذهب والورق (٦٢٠)، وأخرجه النسائي ٥/ ٣٧ - كتاب الزكاة: باب زكاة الورق (٢٤٧٧)، وأخرجه ابن ماجة ١/ ٥٧٠ كتاب الزكاة: باب زكاة الورق والذهب (١٧٩٠)، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٤/ ١٨٦، والطبراني في الصغير ١/ ٢٣٢، ٢/ ١٣٠، والخطيب البغدادي في التاريخ ٧/ ١٤١، ٣٠٢، ١٤/ ٢٩١، والهيثمي في المجمع ٣/ ٦٩، وانظر: تلخيص الحبير ٢/ ١٤٩.","vol":"4","page":576},{"text":"قَالُوا: لَوْ جَازَ، لَجَازَ أَمْرُنَا بِالْخَطَأِ -.\nوَأُجِيبَ: بِثُبُوتِهِ لِلْعَوَامِّ.\nقالُوا: الإِجْمَاعُ مَعْصُومٌ؛ فَالرَّسُولُ أَوْلَى.\nقُلْنَا: اخْتِصَاصُهُ بِالرُّتْبَةِ وَاتِّبَاعِ الإجْمَاعِ لَه، يَدْفَعُ الأوْلَوِيَّةَ، فَيتَّبعُ الدَّلِيلَ.\n\"قَالُوا: الشَّك فِي حُكْمِهِ مُخِلٌّ بِمَقْصُودِ الْبَعْثَةِ.\nوَأُجِيبَ: بِأَن الاِحْتِمَالَ فِي الاِجْتِهَادِ لا يُخِلُّ، بِخِلافِ الرِّسَالَةِ وَالْوَحْي.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"قالوا: لو جاز لجاز أمرنا بالخطأ\"؛ لأنا مأمورون باتباعه، فلو كان فيما أفتى به ما هو خطأ لدخل تحت عموم ما أمرنا به \"وأجيب بثبوته\" أي: بثبوت الأمر بالخطأ \"للعوام\"، ومنع بطلان اللَّازم، ولا يخفى أنه ضعيف؛ فإن أحدًا لم يأمر بالخطأ، وإنما العامي مأمور بالتقليد، والخطأ واقع في طريقه، ولو انكشف الخطأ لما جاز للعامّي تقليد المُفْتى في خطائه، فإنما يقلده لظنّه أنه مصيب.\n\"قالوا\" ثانيًا: \"الإجماع معصوم\" عن الخطأ؛ لكون أهله أمة الرسول ﷺ، \"فالرسول أولى.\nقلنا: اختصاصه بالرّتبة\"، أي: رتبة الرسالة التي هي أعلى مراتب المخلوقين، \"واتباع\" أهل \"الإجماع له يدفع الأولوبة\" رتبة العِصْمة، فربما ثبت للمفضول ما لا يثبت للفاضل، ولا يعود ذلك على الفاضلُ بِضَيْرٍ، فقد جاء في الحديث أنّ أناسًا لهم في الآخرة مراتب تربطهم [فيها] (^١) الأنبياء والشهداء، فإذا جاز أن تكون العصمة عن الخطأ ثابتة وألّا تكون، فإنه لا يلزم من عصمة جميع الأمة عصمة نبيها، \"فيتتبع الدليل\" الدَّال على جواز الخطأ.\nولقائل أن يقول: لم يأتوا بما ينتهض دليلًا حتى يتبع، ثم نحن ننكر أن المفضول قد يختص برتبة، ولكن ليس ذلك موجودًا فيما نحن فيه؛ فإن عصمة الأمة ثابتة إكرامًا لنبيها، فما ظنك بنبيها ﷺ، وهذا واضح لمن تدبَّره.\nالشرح: \"قالوا\" ثالثًا: تجويز الخطأ يوجب الشَّك في حكمه، هل هو صواب أو خطأ؟\n_________\n(^١) سقط في أ، ت.","vol":"4","page":577},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"والشك في حكمه مخلّ بمقصود البعثة\"، وهو الوثوق بما يأتيه ويذره.\n\"وأجيب بأن الاحتمال\" للخطأ \"في الاجتهاد\"، و\"لا يخل\" إلا \"بخلاف\" الاحتمال فيه، و\"الرسالة والوحي\"، فلذلك افترقا، وحاصله منع أن ذلك مخلّ بالمقصود.","vol":"4","page":578},{"text":"<span data-type='title' id=toc-890>مَسْأَلَةٌ:\nالْمُخْتَارُ: أَن النَّافِيَ مُطَالَبٌ بِدَلِيلٍ.</span>\nوَقِيلَ: فِي الْعَقْلِيِّ، لا الشَّرْعِيِّ.\nلَنَا: لَوْ لَمْ يَكُنْ، لَكَانَ ضَرُورِيًا نَظَرِيًا، وَهُوَ مُحَالٌ.\nوَأَيْضًا الإجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ فِي دَعْوَى الْوَحْدَانِيَّةِ وَالْقِدَمِ، وَهُوَ نَفْيُ الشَّرِيكِ، وَنَفْيُ الْحُدُوثِ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"المختار: أن النَّافي مُطَالب بدليل.\nوقيل: في العقلي لا الشَّرعي\".\nوقال أصحاب الظاهر: لا دليل عليه مطلقًا.\n\"لنا: لو لم يكن \"مطالبًا بالدليل \"لكان\" ما يدعيه \"ضروريًا نظريًا، وهو محال\" (^١).\nوبيان الملازمة: أن عدم المطالبة إنما يكون في البديهيات، فلو لم يطالب لكان ضروريًا، والفرض أنه نظري، فيكون ضروريًا نظريًا، وقد قرر أصحابنا هذا الدليل بوجه أبسط من هذا وأوضح، فقالوا: النفي لكون الشيء حلالًا أو حرامًا حكم من أحكام الدين كالإثبات، والأحكام لا تثبت إِلا بدليلها، ومن ادعى حكمًا فعليه الدليل إِثباتًا كان أو نفيًا قَال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١١١].\nثم يقول: لا يخلو النافي إما أن يدّعي العلم بنفي ما نفاه أولا، ولكن يخبر عن جهله، وسلبه الثاني لا دليل عليه، ولكنه ليس مما نحن فيه؛ لأنه ليس بحاكم بشيء حتى يقال: إنه نافي أو مثبت، والأول يقال له: هل علمت نفي ما نفيت باضطرار، أو استدلال ولا يمكنه دعوى الضرورة؛ إذ لو كانت لشاركناه فيها.\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام ٤/ ١٩٠، وشرح العضد ٤/ ٣٠٤.","vol":"4","page":579},{"text":"النَّافِي: لَوْ لَزِمَ للَزِمَ مُنْكِرَ مُدِّعِي النبوَّةِ، وَصَلاةٍ سَادِسَةٍ، وَمُنْكِرَ الدَّعْوَى.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّ الدَّلِيلَ يَكُونُ اسْتِصْحَابًا مَعَ عَدَمِ الرَّافِعِ، وَقَدْ يَكُونُ انْتِفَاءَ لازِمٍ، وَيُسْتَدَلُّ بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ بِالْمَانِعِ، وَانْتِفَاء الشَّرْطِ عَلى النَّفْي، بِخِلافِ مَنْ لا يُخَصِّصُ الْعِلَّةَ.\n<hr><s0>\n\nوإن قال: باستدلال سئل عنه أشرعي أم عقلي هو؟ فلا بد من دليل يقيمه، \"وأيضًا: الإجماع\" واقع \"على\" أن الثاني مُطَالب بالدليل في \"ذلك\" مطالبته \"في دعوى الوحدانية والقدم، وهو نفي الشريك، ونفي الحدوث\"، فبطل السَّلب الكلي، وهو دعواكم أنه لا دليل على النافي مطلقًا، وببطلانه يثبت الإِيجاب الكلي؛ إذ لا قائل بالفصل.\nالشرح: واحتج \"النافي\" للمطالبة بالدليل بأنه \"لو لزم\" كل من يدعي نفيًا أن يقيم الدليل \"للزم منكر مدّعى النبوة، وصلاة سادسة، ومنكر الدعوى\"، واللوازم باطلة \"أجيب بأن\" هذه الصور غير منفكة عن الدليل، وذلك لأن \"الدليل يكون استصحابًا\" للأصل \"مع عدم الرَّافع\"، وذلك محقّق في مسألة الدعوى \"وقد يكون\" الدليل على الانتفاء \"انتفاء لازم\" من لوازمه؛ لاستلزامه انتفاء المَلْزُوم، وهو متحقق في الصَّلاة السادسة؛ إذ الإشهار من لوازمها عادة، وقد انتفى، وكذلك في دعوى الرِّسَالة؛ إِذ لازمها وجود المعجز عادة، وقد انتفى، والحاصل منع بطلان اللّوازم؛ فإن الثلاثة مطالبون بالدليل، لكنه مقرر معلوم، فلذلك ترك التَّصريح به، \"ويستدل بالقياس الشرعي بالمانع، وانتفاء الشَّرْط على النفي، بخلاف من لا يخصص العلة\" أي: إذا قلنا: النافي مطالب بالدليل، فالنافي للحكم الشرعي هل يجوز له الاستدلال بالقياس؟ اختلف فيه، والحق أنه إنما يستدل به إذا كان الجامع وجود مانع، أو عدم شرط، لا باعثًا؛ فإن عدم الحكم لا يتعين أن يكون الباعث، بل يكفي فيه عدم الباعث على الحكم، وذلك إِنما يصحّ عند من يجوز تخلّف الحكم عن علّته، ولا يجعله قادحًا في العلّية إِذا كان المانع، أو عدم شرط كما مَرَّ، فهو فرع تخصيص العلة، فجوزه المصنف لجوازه عنذه، ونحن نمنع تخصيص العلّة، فلا نجوزه.","vol":"4","page":580},{"text":"<span data-type='title' id=toc-891>التَّقْلِيدُ</span>\nالتَّقْلِيد، وَالْمُفْتِي، وَالْمُسْتَفْتِي، وَمَا اسْتُفْتِيَ فِيهِ فَالتَّقْلِيدُ: الْعَمَلُ بِقَوْلِ غَيْرِكَ منْ غَيْرِ حُجَّةٍ، وَلَيْسَ الرُّجُوعُ إِلَى الرَّسُولِ وَإلَى الإجْمَاعِ، وَالْعَامِّيِّ إِلَى الْمُفْتِي، وَالْقَاضِي إِلَى الْعُدُولِ - بِتقْلِيدٍ؛ لِقِيَامِ الْحُجَّةِ، وَلا مُشاحَّةَ فِي التَّسْمِيَةِ.\nوَالْمُفْتِي: الْفَقِيهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"التقليد (^١) والمفتي، والمستفتى، وما يستفتى به\".\n\"فالتقليد: العمل بقول غيرك من غير حجّة\"، كأخذ العامي والمجتهد بقول مثله \"وليس الرجوع إلى المرسل، وإلى الإجماع، والعامي إِلى المفتى، والقاضي إِلى العدول بتقليد لقيام الحجّة\" على أن كلًّا منها دليل شرعي في حق الآخذ به، وقد تسمى هذه الصورة تقليدًا عند قوم لا سيّما رجوع العامي إِلى قول المفتي، وهو المختار، وعليه جرى المصنّف بعد، حيث يقول: غير المجتهد يلزمه التقليد، \"ولا مُشَاحّة في التسمية، \"والمفتي: الفقيه، وقد تقدم\".\n_________\n(^١) ينظر: المستصفى ٢/ ٣٨٧، واللمع (٧٠)، وجمع الجوامع ٢/ ٣٩٢، وشرح الكوكب (٦١٦)، والبرهان ٢/ ١٣٥٧، والمستصفى ٢/ ٣٨٧، والمنخول ٤٧٢، والإحكام للآمدي ٤/ ١٩٢، المنتهى (١٦٣)، شرح العضد ٢/ ٣٠٥، إرشاد الفحول (٢٦٥)، ونشر البنود ٢/ ٣٣٥، وتيسير التحرير ٤/ ٢٤٢، والمسودة (٤٦٢)، وفواتح الرحموت ٢/ ٤٠٠، وميزان الأصول ٢/ ٩٤٩.","vol":"4","page":581},{"text":"وَالْمُسْتَفْتِي خِلافُهُ.\nفَإِنْ قُلْنَا بِالتَّجَزُّؤ، فَوَاضِحٌ، وَالْمُسْتَفْتَى فِيهِ الْمَسَائِلُ الاِجْتِهَادِيَةُ لا الْعَقْلِيَّة، عَلَى الصَّحِيحِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: تعريف الفقه، ويعرف منه تعريف الفقيه \"والمستفتى خلافه.\nفإن قلنا بالتجزؤ، فواضح\" ثبوت الفرق بين المفتى والمستفتى؛ لأنّ كل عامي في مسألة مستفت للعالم فيها، والعالم فيها مفت، وإن لم نقل بالتجزؤ، فالمفتى المجتهد، والمستفتى غيره، \"والمستفتى فيه المسائل الاجتهادية لا العقلية على الصحيح\"؛ لأنه يشترط فيها القَطْع كما سيأتي عقبه إن شاء الله تعالى.","vol":"4","page":582},{"text":"<span data-type='title' id=toc-893>مَسْأَلَةٌ:\nلا تَقْلِيدَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ</span>؛ كَوُجُودِ الْبَارِي تَعَالَى.\nوَقَالَ الْعَنْبَرِيُّ بِجَوَازِهِ.\nوَقِيلَ: النَّظَرُ فِيهِ حَرَامٌ.\nلَنَا: الإجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ الْمَعْرِفَةِ، وَالتَّقْلِيدُ لا يُحَصلُ؛ لِجَوَازِ الْكَذِبِ، وَلأَنَّهُ كَانَ يَحْصُلُ بِحُدُوثِ العَالَمِ وَقِدَمِهِ.\nوَلأنَّهُ لَوْ حَصَلَ لَكَانَ نَظَرِيًّا، وَلا دَلِيلَ.\nقَالُوا: لَوْ كَانَ وَاجِبًا، لَكَانَتِ الصَّحَابَةُ أَوْلَى، وَلَوْ كَانَ، لَنُقِلَ كَالْفُرُوع.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"لا تقليد في العقليَّات كوجود الباري - تعالى -\" وما يجوز له (^١)، وما يمتنع، ويجب من الصفات.\n\"وقال العنبري بجوازه.\nوقيل: النظر فيه حرام.\nلنا: الإجماع على وجوب المعرفة، والتقليد لا يحصّل\" المعرفة، فلا يكفي.\nوإنما قلنا: إن التقليد لا يحصلها لوجوه ثلاثة؛ \"لجواز الكذب\" على المخبر المقلد؛ لأنه غير معصوم، فلا يحصل العلم بقوله، \"ولأنه\" لو \"كان\" التقليد \"يحصل\" العلم \"بحدوث العالم\" إذا قلّد فيه، \"وبعدمه\" إذا قلد فيه معتقده، ونحو ذلك من المسائل المختلف فيها، فإذا قلد واحد في الحدوث، وآخر في القدم كان المقلّدان عالمين بها، فيلزم حقيقتهما، وهو محال.\nالشرح: \"ولأنه لو حصل\" التقليد العام \"لكان\" العلم بكونه محصلًا به \"نظرًا؛ إذ ليس\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام ٤/ ١٩٣ ينظر: اللمع ص (٧٠)، والتبصرة (٤٠١)، والمحصول ٢/ ٣/ ١٢٥،=","vol":"4","page":583},{"text":"وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ كَذَلِكَ، وَإلَّا لَزِمَ نِسْبَتُهُمْ إِلَى الْجَهْلِ بِاللَّهِ، وَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يُنْقَلْ؛ لِوُضُوحِهِ وَلعَدَمِ الْمُحْوِجِ إلَى الإِكْثَارِ.\nقَالُوا: لَوْ كَانَ، لأَلْزَمَ الصَّحَابَةُ الْعَوَامَّ بِذَلِكَ.\nقُلْنَا: نَعَمْ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَحْرِيرَ الأَدِلَّةِ، وَالْجَوَابُ عَنِ الشُّبَهِ وَالدَّلِيلُ يَحْصُلُ بِأَيْسَرِ نَظَرٍ.\n<hr><s0>\n\nبضروري بالضرورة، ولو كان ضروريًا لكان عليه دليل، \"ولا دليل\" عليه، والأصل عدمه، فعلى من ادعاه إظهاره، والذاهبون إلى عدم وجوب النظر \"قالوا\" أولًا: \"لو كان\" النظر \"واجبًا لكانت الصحابة أولى\" به، \"ولو كان\" أي: ثبت منهم النظر في العقليات \"لنقل كالفروع\" أي: كما نقل نظرهم في الفروع الاجتهاديات.\n\"وأجيب بأنه كذلك\"، أي: كان النظر واجبًا عليهم واقعًا منهم، \"وإلا لزم نسبتهم إِلى الجَهْل، وهو باطل، وإنما لم ينقل لوضوحه، وعدم المحجوج إلى الإكثار\" من صفاء الأذهان، ومشاهدة الآيات ومعاينة نزول الوحي وأنوار المصطفى ﷺ، بخلاف زماننا؛ فإنه لما كان بالضد من ذلك احتيج إلى إكثار النظر والبحث.\n\"قالوا\" ثانيًا: \"لو كان\" النظر واجبًا \"لألزم الصحابةُ العوامَّ بذلك\"، كما كانوا يلزمونهم بسائر الواجبات، واللازم باطل؛ فإنا نعلم أكثر عوام العرب لم يكونوا عالمين بالأدلّة الكلامية.\n\"قلنا: نعم\" أي نلتزم أن الصحابة ﵃ الزموا العوام بذلك، \"وليس المراد\" بالنظر الواجب على العوام \"تحرير الأدلة والجواب عن الشبه\"، كما يفعل الغزالي، والإمام الرازي، وأمثالهما.\n\"والدليل يحصل بأيسر نظر\"، والقصد أن العامي لا يكون مقلدًا في معرفته بالرب - تعالى - فإنه يكون غير عارف به؛ لأن التقليد أخذ قول الجر بغير حجّة، وإذا انتفى التقليد بأي طريق كأن يحصل العلم حصل الإيمان، وعوام المسلمين كلهم كذلك، فإنهم عارفون\n_________\n= وجمع الجوامع ٢/ ٤٠٢، ونهاية السول ٤/ ٥٩٥، وإرشاد الفحول (٢٦٦)، والمسودة (٤٥٧)، وروضة الناظر ٢٠٥، والتحرير (٥٤٧)، والتيسير ٤/ ٢٤٣، وفواتح الرحموت ٢/ ٤٠١.","vol":"4","page":584},{"text":"قَالُوا: وُجُوبُ النَّظَرِ دَوْرٌ عَقْلِيٌّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.\nقَالُوا: مَظِنَّةُ الْوُقُوع فِي الشُّبَهِ وَالضَّلالَةِ؛ بِخَلافِ التَّقْلِيدِ.\nقُلْنَا: فَيَحْرُمُ عَلَى المُقَلَّدِ، أَوْ يَتَسَلْسَلُ.\n<hr><s0>\n\nغير شاكين في الله تعالى وإن كان ما في ذهنهم من الدليل غير الطريق الذي في ذهن غيرهم، وذلك كافٍ.\nالشرح: \"قالوا: وجوب النظر دور عقلي\"؛ لتوقف معرفة الإيجاب على معرفة الموجب، فلو توقفت معرفة الموجب على معرفة الإيجاب لزم الدور، وقد تقدم جوابه في مسألة الحسن والقبح، والذاهبون إلي وجوب التقليد \"قالوا: ومظنة الوقوع في الشّبه والضلالة بخلاف التقليد. \"قلنا\": إذا كان النظر \"حرامًا، فيحربم على المقلَّد\" اسم مفعول بفتح اللام، وكذا ضبطه المصنّف بخطه، أو يتسلسل؛ لأن الذي قلد إن كان قد نظر فيكون مرتكبًا للحرام، وإن استند إلى تقليد آخر تسلسل.\n\nفائدة\nعزى إلى شيخنا أبي الحسن أن إيمان المقلّد لا يصح، وأنكر الأستاذ أبو القاسم القُشَيري صحته عنه، وقد ذكر في قصيدة لنا نظمناها فيها المسائل التي اختلف فيها أبو حنيفة والأشعري - رحمهما الله تعالى - ونحن نقول على تقدير ثبوته عنه: التقليد: يطلق تارة بمعنى قَبُول قول الغير بغير حجّة، ويسمى اتباع العامي لإمامه تقليدًا على هذا، وهو العرف.\nوتارة بمعنى الاعتقاد، والجازم لا الموجب، والتقليد بالمعنى الأول قد يكون ظنًّا، وقد يكون وهمًا، كما في تقليد إِمام في فرع من الفروع مع تجويز أن يكون الحق في خلافه، ولا شك أن هذا لا يكفي في الإيمان عند الأشعري، وسائر الموحدين، ولعلّه مقصود الأشعري بقوله المقلد لا يصح أن يثبت عنه.\nوأما التقليد بالمعنى الثاني، فكان أبي ﵀ يقول: لم يقل أحد من علماء الإِسلام: إنه لا يكفي في الإيمان، إلا أبو هاشم من المعتزلة، وأنا أقول: إن هذا لا يتصور؛ فإن الإِنسان إذا مضى عليه زمن لا بد أن يحصل عنده دليل، وإن لم يكن على طريقة أهل الجدل، فإن فرض مصمم جازم، ولا دليل عنده، فهو الذي يكفره أبو هاشم، ولعلّه المنسوب إلى الأشعري، والصحيح أنه ليس بكافر، وأن الأشعري لم يقل بذلك.","vol":"4","page":585},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nنعم اختلف أهل السُّنة في أنه هل هو عاصٍ، والأصح عند أبي حنيفة ﵀ أنه مطيع.\nوعند آخرين أنه عاص، وهو الخلاف في وجوب النظر، فاعرفه.\nوإن قلنا: إنه عاص، وأن النظر واجب، فالواجب نظر ما، ولا يشترط نظر على طريقة المتكلمين كما عرفناك، وهذا لا خلاف فيه نعلمه ثابتًا عن أحد من سلف الأمّة.\nقال ابن السَّمْعَاني: إيجاب معرفة الأصول على ما يقوله المتكلّمون بعيد جدًّا عن الصَّوَاب، ومتى أوجبنا ذلك، فمتى يوجد من العوام من يصرف ذلك؟ وتصدر عقيدته عنه، بل أكثر العوام بحيث لو عرضت عليهم تلك الدلائل لم يفهموها، وإنما غاية العامي أن يتلقى ما يريد أن يعتقده ويلقى به ربه من العلماء، ويتبعهم في ذلك ويقلدهم، ثم يسلم عليها بقلب سليم طاهر عن الأهواء والأَدْغَال، ثم يعلّق عليها بالنَّوَاجذ، فلا يحول ولا يزول، ولو قطّع إربًا، فهنيئًا لهم السلامة والبعد عن الشُّبهات الداخلة على أهل الكلام والوَرطَات التي تورّطوا فيها حتى أَدَّت بهم إِلى المهاوي والمَهَالك، وولجت عليهم الشُّبُهَات العظيمة في الآخرة، فصاروا متحيّرين عمهين، ولهذا لا يوجد فيهم متورع متعفّف إلا القليل؛ لأنهم أعرضوا عن ورع الألْسنة، وإن سألوها في صفات الله - تعالى - بجرأة عظيمة، وعدم مهابة وحرمة، ففاتهم ورع سائر الجوارح، وذهب عنهم بذلك ورع اللَّسَان، والإنسان كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا، فإذا خَرِبَ منه جانب تَدَاعى منه سائره للخراب؛ ولأنه ما من دليل لفريق منهم يعتمدون عليه إلا ولخصومهم عليه الشبه القوية، بل يدعون لأنفسهم مثل ذلك سواء، وغاية الواحد منهم في اللجج والعلو على صاحبه بزيادة الحذف في طريقة الجَدَل، فبينهم أوضاع يتناظرون عليها، ويطالبون الخَصْم بطردها، فإذا لم يفوا بطردها سمّوها انقطاعًا، وعجزوا، على أَنَّا لا ننكر من الدلائل العقلية بقدر ما ينال المسلم به بَرْد الخاطر، ويزداد ثقة فيما يعتقده [وطمأنينة] (^١)، وإنما ننكر إيجاب التوصل إِلى العقائد في الأُصول بالطريق الذي اعتقدوه وساموا به جميع الخلق، وزعموا أن من لم يفعل ذلك لم يعرف الله تعالى.\n_________\n(^١) في أ، ت: طمأنينته.","vol":"4","page":586},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nثم أدى ذلك بهم إلى تكفير العوام أجمع، وهذا هو الحطة الشنعاء، والدَّاء العُضَال، وإذا كان السواد الأعظم هم العوام، وبهم قوام الدِّين، وعليهم مَدَار رجال الإِسلام، ولعل لا يوجد في البلدة الواحدة التي تجمع المائة ألف، والمائتي ألف ممن يقوم بالشرائط التي يعتبرونها إِلا الفذّ الشَّارد والشَّاذ والنَّادر، ولعله لا يبلغ عقد العشرة، فمتى يجد المسلم من قلبه أن يحكم بكفر هؤلاء الناس أجمع، ويعتقد أنهم لا عقيدة لهم في أصول الدين أصلًا، وأنهم أمثال البَهَائم والدواب المسخّرة؟! انتهى كلام ابن السَّمْعَاني، وذكر بعده حكايات تؤيد ما ذكره، وقد اكتفينا بما أوردناه منه عما لم نورده، وأتينا بما أوردناه مع طوله؛ لأنه حسن حق.\nفائدة أخرى: ذكر أبو زيد الدبوسي من الحنفية فصلًا في \"الإِلْهَام\" عقب ذكره إبطال التقليد، وأصحابنا لم يتكلّموا في ذلك، وإنما ذكره ابن السَّمْعَاني عن أبي زيد، ثم تكلم عليه، فقال أبو زيد: الإلهام (^١) ما حرك القلب بعلم يدعوك إِلى العلم من غير استدلال بآية،\n_________\n(^١) أما تفسيره لغة - فإيقاع شيء في قلب العاقل يفضي إلى العمل بل ويحمله عليه ويميل قلبه إليه حقًّا كان أو باطلًا.\nقال الله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾.\nوذلك قد يكون بواسطة الشيطان وهوى النفس، فيسمى (وسْوسةً).\nوأما في العرف: فمستعمل فيما يقع في القلب بطريق الحق - دون الباطل، ويدعوه إلى مباشرة الخيرات، دون الشهوات والأماني.\nوهذا حد صحيح؛ فإن الإلهام في عرف الناس: ما يكون من الله تعالى بطريق الحق.\nوقيل: ما يخلق الله تعالى في قلب العاقل من العلم الضروري الداعي إلى العمل المرغوب فيه.\nوأما حده وحقيقته عند أهل الأصول.\nفقال بعضهم: هو اتباع الرجل ما اشتهاه بقلبه أو أشار إليه من أمر في غير نظر واستدلال.\nوإنه تعريف غير صحيح؛ لأن الإلهام تنوع: قد يكون حقًّا، وذلك من الله تعالى، فيكون وحيًا خفيًّا في حق الأنبياء، وفي حق غير الأنبياء إرشادًا وهداية.\nوقد يكون باطلًا، وذلك بواسطة وسوسة الشيطان وهوى النفس.\nوخالق ذلك: هو الله تعالى وإن كان شرًّا وفاسدًا.\nووسوسة الشيطان وهوى النفس: سبب ذلك على جريان العادة، ويكون ذلك في الحقيقة =","vol":"4","page":587},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nولا نظر في حجة، والذي عليه جمهور العلماء أنه خيار لا يجوز العمل به إِلا عند فقد الحُجَجِ كلها في باب ما أبيح عمله بغير علم.\nوقال بعض الجبرية: إنه حجة بمنزلة الوحي المسموع عن رسول الله ﷺ.\nواحتج بقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [سورة الشمس: الآية ٧، ٨] بالإيقاع في القلب، وبقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٢٥].\nوشرح الصدر بنور العلم، والحرج بظلمة الجهل، أخبر تعالى أنه [هو] (^١) الجاعل لذلك بلا واسطة ولا صنع من العبد، وبقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [سورة الروم: الآية ٣٠]. أخبر أن الناس خلقوا على الدين الحنيفي بلا صنع منهم.\nوقال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ الآية [سورة النحل: الآية ٦٨] يعني: ألهمها حتى عرفت مصالحها، فلا ينكر ذلك للآدمي.\nوقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [سورة القصص: الآية ٧] أي: ألهمناها.\nوقال ﵇: \"كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ\" (^٢).\n_________\n= إغواء وإضلالًا لا إلهامًا.\nوإذا كان الأمر كذلك، فلا يجوز تحديده بهذا.\nوقال القاضي الإمام أبو زيد ﵀:\nالإلهام: ما حرك القلب بعلم يدعوك إلى العمل به من غير استدلال بآية أو نظر في ججة.\nقال عامة العلماء بأن الإلهام الحق يجب العمل به في حق المُلْهم ينظر: ميزان الأصول ٢/ ٩٥١ - ٩٥٢.\nوينظر تحقيقنا لزبدة الأسرار شرح مختصر المنار.\n(^١) في أ: هل.\n(^٢) أخرجه البخاري ٨/ ٣٧٢ كتاب التفسير: باب سورة الروم (٤٧٧٥) وفي ١١/ ٥٠٢ كتاب القدر: باب الله أعلم بما كانوا عاملين (٦٥٩٩)، وفي ٣/ ٢٩٠ كتاب الجنائز: باب ما قيل في أولاد المشركين (١٣٨٥) وأخرجه مسلم ٤/ ٢٠٤٧ كتاب القدر: باب معنى كل مولود يولد على الفطرة (٢٢/ ٢٦٥٨).","vol":"4","page":588},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقال ﵇: \"اتَّقُوا فرَاسَةَ المُؤمِنِ\" (^١)، والفراسة شيء يقع في القلب بلا نظر في حجّة.\nوقال ﵇ لِوَابِصَةَ وقد سأله عن البر والإِثم: \"ضَعْ يَدَكَ عَلَى صَدْرِكَ، فَمَا حَاكَ فِي قَلْبِكَ فَدَعْهُ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوكَ\".\nفقد جعل ﵇ شهادة قلبه بلا حجّة أولى من الفتوى.\nوقال ﵇: \"قَدْ كَانَ فِي الأُمَمِ مُحَدّثُونَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي هَذِهِ الأُمةِ، أَحَدٌ فَهُوَ عُمَرُ\" (^٢).\nوعن أبي بكر ﵁: ألقى في روعى أن ذا بطن بنت خارجة جَارِية، والإلقاء الإلهام، وأطال في ذلك.\nثم قال: فثبت أن الإِلهّام حقّ، وأنه وحي باطن إلا أن العبد إِذا عصى ربه، وعمل بهواه حرم هذه الكرامة، واستولى عليه وحي الشيطان، فهذه حجج أهل الإلهام.\nأما حجّة أهل السّنة فقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: الآية ١١١].\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٤/ ١٣٢) رقم (٥١٣٣)، والطبري في \"تفسيره\" (١٤/ ٣١)، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٤/ ٣٥٤)، والعقيلي في \"الضعفاء\" (٤/ ١٢٩)، وأبو نعيم (١٠/ ٢٨١)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٧/ ٢٤٢)، وابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٣/ ١٤٦) من طريق عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا.\nوذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٢٦٨) وقال: رواه الطبراني، وإسناده حسن.\nكما أورده السيوطي في \"اللآليء\" (٢/ ٣٣٠) وقال: فإنه بمفرده على شرط الحسن، وعبد الله بن صالح لا بأس به.\nوأخرجه الطبري في \"تفسيره\" (١٤/ ٤٦ - ٤٧) وأبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ٨١) من حديث ثوبان.\nولفظ ابن جرير: احذروا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله.\n(^٢) أخرجه أحمد (٦/ ٥٥)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٢/ ٢٥٧)، وابن أبي عاصم في \"السنة\" (٢/ ٨٣ هـ).","vol":"4","page":589},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفألزمهم الكذب بعجزهم عن إِظهار الحجّة، والإِلهام حجّة باطنة لا يمكن إظهارها.\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ١١٧].\nوبحثهم عن دعوى إله لا برهان لهم به، فدلّ أن شهادة قلوبهم لا تنتهض حجّة، وإنما الحجة ما يمكن إظهاره من الدلائل الشرعية، ويدل عليه قوله: \"سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ\".\nفهو دليل على أن العلم بالله - تعالى - لا يكون إِلا بآيات، والآيات لا تدلنا إلا بعد الاستدلال بها عن نظر عقلي، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [سورة الغاشية: الآية ١٧]، وقوله تعلى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٢١].\nوقال: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [سورة الحشر: الآية ٢].\nأمر الرب - تعالى - بالنظر والاستدلال، ولم يأمر بالرجوع إلى القلب.\nولذلك قوله ﷺ لمعاذ: \"بِمَا تَحْكُمُ؟ \" … الحديث، لم يذكر فيه إلهام القلب.\nقال علماؤنا: ونقول لأهل الإلهام: ما قولكم في الالهام أهو حجّة عند موافقة الشرع، أو مطلقًا؟ فإن عمّموا قولهم وزعموه حجّة، وإن خالف الشرع فقد رفعوا قواعد الإسلام، وأتوا بما لا يدين به من يوحد الله تعالى قالوا: إنما يكون حجّة عند المُوَافقة، فالموافقة لا تعرف إلا بعد النَّظر في أصول الشَّرْع، وأيضًا فالإِلهام قد يكون من الله - تعالى - وقد يكون من الشَّيْطَان، وقد يكون من النَّفْس، فإن كان من الله ﷿ يكون حقًّا.\nوإن كان من النفس أو من الشيطان يكون باطلًا، فإذا احتمل ألَّا يكون حقًّا لم يكن حكا، ويدل عليه أن كل إنسان في دعوى الإِلهام مثل صاحبه، فإن قال واحد: ألهمت أن ما أقوله حق، قال عكسه من أراد معاكسته وليس ثم إلا دعوى مقابلة دعوى. وأما الجواب عن كلماتهم، فنقول: قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [سورة الشمس: الآية ٨] تأويله والله أعلم: عرفها طريق العلم، وهو الآيات والحُجج، وطريق الفجور، ولذلك شرح الصّدور بنور التوفيق هو النظر في الحُجَج، وكذلك الأخبار المذكورة في القرآن للقلب، وهو بنور الأدلة وبما آراه من الآيات.","vol":"4","page":590},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوأما الفطر، فتأويلها أن الآدمي يخلق وعليه أمانة الله التي قبلها آدم ﵇، فيكون على فِطْرة الدين ما لم يخن فيما عليه من الأمانة.\nوأما وحي النحل، فإنما أنكرنا مثل ذلك في علم خوطبنا بِكَسْبِهِ، وابتلينا به، وأما وحي أمّ موسى ﵇ فأمر نقول به، وبيانه: أن أم موسى خافت عليه القتل من فرعون لما ظهر من سُنته، ومن خاف على نفسه الهلاك حل له إلقاء نفسه في البحر، إن رجا فيه النجاة بوجه، وراكب السفينة إذا ابتلى بالحريق حالة ركوب لوح في البحر وكل من ابتلى بشرين لزمه ارتكاب [أهونهما] (^١)، فقد فعلتْ الذي فعلت بالنظر إلى الذي ألقى في قلبها.\nوأما كرامة الفرَاسَة، فلا ننكرها أصلًا، ولكنا لا نجعل شهادة القلب حجّة؛ لجهلنا أنها من الله تعالى، أو من الشيطان، أو النفس.\nوأما الصحابة، فلم يقولوا إِلا عن نظر استدلال. هذا مختصر كلام أبي زيد الدبوسي.\nقال أبو المظفر بن السَّمعاني: واعلم أن إنكار أصل الإلهام لا يجوز، ويجوز أن يفعل الله - تعالى - بعبد بلطفه كرامة له، ويقول في التمييز بين الحق والباطل، والحق من ذلك أنه كلّما استقام على شرع النبي ﷺ ولم يكن في الكتاب والسُّنة ما يرده، فهو مقبول، وما لا فمردود، ويكون ذلك من تسويلات النَّفْس، ووساوس الشَّيْطَان، ويجب ردّه، على أنا لا ننكر زيادة نور من الله - تعالى - كرامة للعبد، وزيادة نظر له، فأما أن يرجع إلى قلبه في جميع الأمور فقول لا نعرفه. انتهى.\nقلت: ومع كوننا لا ننكر ما ذكره، فلسنا نزعم أنه حجّة شرعية، وإنما هو نور في القلب يختص الله به من يشاء من عباده، وإذا وافق الشرع كان حُجَّة ذلك الشرع إِلا ما قام في الذهن، ونقول: ربّ صالح عالم مطعمه حَلال ومشربه حلال، ومكسبه حلال اختصه الله بأن يلهمه الصواب، ولا يحل له في ظاهر الشَّرع الاحتجاج بذلك؛ لأنه ليس بمعصوم، فلا ثقة له بخواطره.\n_________\n(^١) في ت: أصونها.","vol":"4","page":591},{"text":"<span data-type='title' id=toc-896>مَسْأَلَةٌ:\nغَيْرُ المُجْتَهِدِ يَلْزَمُهُ التَّقْلِيد، وَإنْ كَانَ عَالِمًا.</span>\nوَقِيلَ: بشَرْطِ أَنْ يَتَبيَّنَ لَهُ صِحَّةُ اجْتِهَادِهِ بِدَلِيلِهِ.\nلَنَا: \"فَأَسْالُوا أَهْلَ الذكرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ\" وَهُوَ عَامٌّ فِيمَنْ لا يَعْلَمُ.\nوَأَيْضًا: لَمْ يَزَلِ الْمُسْتَفْتُونَ يَتَّبِعُونَ مِنْ غَيْرِ إِبْدَاءِ الْمُسْتَنَدِ لَهُمْ مِنْ غَيْر نَكِيرٍ.\nقَالُوا: يُؤَدِّي إِلَى وُجُوبِ اتِّباعِ الْخَطَأِ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"غير المجتهد يلزمه التقليد، وإن كان عالمه\" (^١) بطرف صالح من علوم الاجتهاد.\n\"وقيل\": إنما يلزم هذا العالم \"بشرط أن يتبيّن له\" من حال المجتهد الذي يريد تقليده \"صحّة اجتهاده بدليله\".\n\"لنا\" قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٧].\nوهو عام فيمن لا يعلم\"، فنقول: هذا غير عالم بهذه المسألة، فعليه السؤال عنها، ويحققه أن علة السؤال الجهل وهو حاصل في هذه المسألة فيجب، \"وأيضًا لم يزل المستفتون (^٢) يتبعون\" المجتهدين \"من غير إبداء المستند لهم، ولا كشف وجه اجتهادهم، وشاع ذلك وذاع \"من غير نكير\"، فكان إجماعًا.\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام ٤/ ١٩٧، وشرح العضد ٢/ ٣٠٦، وفواتح الرحموت ٢/ ٤٠٤، وإرشاد الفحول ٢٧٢، وجمع الجوامع ٢/ ٣٩٨.\n(^٢) في ت: المفتون.","vol":"4","page":592},{"text":"قُلْنَا: وَكَذَلِكَ لَوْ أَبْدَي لَهُ مُسْتَنَدَه، وَكَذَلِكَ الْمُفْتِي نَفْسُهُ.\n<hr><s0>\n\n\"قالوا\" القول بذلك \"يؤدي إلى وجوب اتباع الخطأ\"؛ لجوازه على المجتهد.\nالشرح: \"قلنا: وكذلك\" الحال \"لو أبدى له مستنده\"؛ إذ لا يلزم من إبداء المستند الأمن من الخطأ، \"وكذلك المفتى نفسه\"، يرد هذا عليه بعينه؛ لأنه يتبع ظنه مع احتمال الخطأ.","vol":"4","page":593},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\n\n<span data-type='title' id=toc-897>مَسْأَلَة: الاِتِّفَاق، عَلَى اسْتِفْتَاءِ مَنْ عُرِفَ بِالْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ، أَوْ رَآهُ مُنْتَصِبًا،</span> وَالنَّاسُ مُسْتَفْتُونَ مُعَظِّمُونَ لَه، وَعَلَى امْتِنَاعِهِ فِي ضِدِّهِ.\nوَالمُخْتَارُ: امْتِنَاعُهُ فِي الْمَجْهُولِ.\nلنَا: أَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الْعِلْمِ.\nوَأَيْضًا: الأَكْثَرُ الْجُهَّال، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنَ الْغَالِبِ، كَالشَّاهِدِ وَالرَّاوِي.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"الاتفاق على\" جواز \"استفتاء من عرف بالعلم والعدالة، أو رآه منتصبًا\" للفتوى، \"والناس يستفتون له معظمون، وعلى امتناعه في ضده\"، أي: والاتفاق على امتناع الاستفتاء فيمن كان بالضّد من ذلك (^١).\n\"والمختار: بامتناعه في المجهول\" حاله في العلم والجهل.\n\"لنا: أن الأصل عدم العلم، وأيضا: الأكثر الجهال كالظاهر أنه من الغالب\"، فإذن الأصل والظاهر مُتَضَافران على انتفاء العلم، فيعتمدان \"كالشاهد والراوي.\n_________\n(^١) ينظر: المعتمد ٢/ ٩٣٩، والمحصول ٢/ ٣/ ١١٢، وجمع الجوامع ٢/ ٣٩٧، والإحكام للآمدي ٤/ ٢٠٠، وشرح العضد ٢/ ٣٠٧، والمستصفى ٢/ ٣٩٠، والتمهيد للإسنوي (٥٣٠)، وشرح تنقيح الفصول (٤٤٢)، وشرح الكوكب (٦١٩)، وإرشاد الفحول (٢٧١)، والمسودة (٤٧١)، والروضة (٢٠٦)، والتحرير (٥٤٩)، والتيسير ٤/ ٢٤٨، وفواتح الرحموت ٢/ ٤٠٣.","vol":"4","page":594},{"text":"قَالُوا: لَوِ امْتَنعَ لِذَلِكَ، لامْتَنَعَ فِيمَنْ عُلِمَ عِلْمُهُ دُونَ عَدَالَتِهِ.\nقُلْنَا: مُمْتَنِعٌ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالْفَرْقُ أَنَّ الغَالِبَ فِي المُجْتَهِدِينَ الْعَدَالَةُ، بِخِلافِ الاِجْتِهَادِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"لو امتنع لذلك\" أي: الجهل بعلمه \"لامتنع فيمن علم علمه دون عدالته\".\nبدليلكم بعينه؛ لجريانه فيه، واللازم منتفٍ.\n\"قلنا\": نلتزم أنه \"ممتنع\" أيضًا، \"ولو سلم فالفرق أن الغالب في المجتهدين العدالة، بخلاف\" منصب \"الاجتهاد\"؛ فإنه ليس غالبًا على الناس، بل أَعز من الكبريت الأحمر.","vol":"4","page":595},{"text":"<span data-type='title' id=toc-898>مَسْأَلَةٌ:\nإِذَا تَكَرَّرَتِ الْوَاقِعَةُ، لَمْ يَلْزَمْ تَكْرِيرُ النَّظَرِ،</span> وَقِيلَ: يَلْزَمُ.\nلنَا: اجْتَهَدَ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ أَمْرٍ آخَرَ.\nقَالُوا: يُجْتَمَلُ أَنْ يَتَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ.\nقُلْنَا: فَيَجِبُ تَكْرِيرُهُ أَبدًا.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"إذا تكررت الواقعة لم يلزم تكرير النظر\"، وتجديد الاجتهاد.\n\"وقيل: يلزم.\nلنا: اجتهد، والأصل عدم أمر آخر.\nقالوا: يحتمل أن يتغير اجتهاده\"، فلا ثقة ببقاء الظن، فالمجتهد يرى هل تعيّن أو لا.\n\"قلنا: فيجب تكريره أبدًا\"؛ لأن احتمال تغير الاجتهاد قائم، فلم التقييد بتكرار الواقعة؟\nواعلم أن الأصح في مذهبنا لزوم التجديد، والمسألة مفروضة فيما إِذا لم يكن ذكر الدليل الأول، ولم يتجدد ما يوجب رجوعه، فإن كان ذاكرًا لم يلزمه قطعًا، وإن تجدّد ما قد يوجب الرجوع لزمه قطعًا، ولذا اختلف أصحابنا في العامّي يستفتى المجتهد، ويعرف استناده في فُتْيَاه إلى الرأي، أو يشك فيقع له الواقعة.\nثانيًا: على وجهين:\nوأصحهما: يلزمه السؤال.\nثانيًا: لاحتمال تغير اجتهاد المجتهد، ونظير المسألة إذا عدل الشاهد، ثم شهد في واقعة أخرى.","vol":"4","page":596},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقال أصحابنا: إن لم يطل الزمان حكم بشهادته، ولا يطلب تعديله.\nثانيًا: وإن طال فوجهان:\nأصحهما: نطلب تعديله؛ لأن طول الزمان يغير الأحوال.","vol":"4","page":597},{"text":"<span data-type='title' id=toc-899>مَسْأَلَةٌ:\nيَجُوزُ خُلُوُّ الزَّمَانِ عَنْ مُجْتَهِدٍ، خِلافًا لِلْحَنَابِلَةِ.</span>\nلَنَا: لَوِ امْتَنَعَ لَكَانَ لِغَيْرِهِ، وَالأَصْلُ عَدَمُهُ.\nوَقَالَ ﵇: \"إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُه، وَلَكِنْ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا\".\nقَالُوا: قَالَ: \"لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى - يَأتِيَ أَمْرُ اللَّهِ، أَوْ حَتَّى يَظْهَرَ الدَّجَّالُ\".\nقُلْنَا: فَأَيْنَ نَفْيُ الْجَوَازِ، وَلَوْ سُلِّمَ، فَدَلِيلُنَا أَطهَر، وَلَوْ سُلِّمَ فَيَتَعارَضَانِ، وَيُسَلَّمُ الأَوَّلُ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"يجوز خلوّ الزمان عن مجتهد؛ خلافًا للحنابلة\" (^١).\n\"لنا: لو امتنع لكان لغيره، والأصل عدمه\".\n\"وقال ﷺ: \"إن اللَّهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُه، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العُلَمَاءَ حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُسَاءَ جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمِ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا\".\nوهذا حديث متفق على صحته (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: البرهان ١/ ٦٩١، وجمع الجوامع ٢/ ٣٩٨، والإحكام للآمدي ٢/ ٢٠٢، وشرح العضد ٢/ ٣٠٧، وشرح الكوكب (٦٢٤)، والمسودة (٤٧٢)، وإرشاد الفحول ٢٥٣، والمدخل ٣٨٦، وتيسير التحرير ٤/ ٢٤٠، وفواتح الرحموت ٢/ ٣٩٩.\n(^٢) أخرجه البخاري ١/ ٢٣٤، كتاب العلم: باب كيف يقبض العلم (٨٠ - ٨١)، وفي ١٣/ ٢٩٥=","vol":"4","page":598},{"text":"قَالُوا: فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَيَسْتَلْزِمُ انْتِفَاؤُهُ اتِّفَاقَ المُسْلِمِينَ عَلَى البَاطِلِ.\nقُلْنَا: إذَا فُرِض مَوْتُ الْعُلَمَاءِ لَمْ يُمْكِنْ.\n<hr><s0>\n\n\"قالوا: قال\" ﷺ: \"لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ حَتَّى يَأْتِي أَمْرُ اللَّهِ، وَحَتَّى يَظْهَرَ الدَّجَّلُ\" (^١).\nوهو حديث متفق على صحته، لكن ليس في لفظ \"الصحيحين\": \"وحَتّى يظهر الدجال\" هذا ظاهر في عدم الخلو إلى يوم القيامة، أو أشراطها.\n\"قلنا\": سلمنا أن هذا يدل على عدم وقوع الخلو، \"فأين نفي الجواز\" الذي ادعيتموه، \"ولو سلم فدليلنا أظهر\"؛ لأن فيه التصريح بقبض العلم، وليس فيما ذكرتموه إِلا ظهور الحق، ولا يلزم من بقاء أهل العلم.\nوفي حديث حذيفة بن اليَمَانِ أن رسول الله ﷺ قال: \"يَدْرُسُ الإِسْلامُ كَمَا يَدْرُسُ وَشْىُ الثَّوْبِ\" (^٢) … الحديث رواه ابن ماجه، والحاكم في صحيحه، وقال: على شرط مسلم.\n_________\n= كتاب الاعتصام: باب ما ذكر من ذم الرأي (٧٣٠٧)، ومسلم ٤/ ٢٠٥٨ - ٢٠٥٩ كتاب العلم: باب رفع العلم وقبضه (١٣/ ٢٦٧٣)، وأخرجه الترمذي ٥/ ٣٠، ٣١، في كتاب العلم: باب ما جاء في ذهاب العلم (٢٦٥٢)، والدارمي ١/ ٧٧، حديث (٩) المقدمة: باب في ذهاب العلم، والحميدي في مسنده ١/ ٢٦٤، ٢٥ حديث (٥٨١)، وأحمد في المسند ٢/ ٦٢، ١٩٠، وابن المبارك في الزهد ص (٢٨١) باب ما جاء في قبض العلم، حديث (٨١٦)، والطبراني في الصغير ١/ ١٦٥، وابن أبي شيبة في المصنف ١٥/ ١٧٧، والبيهقي في دلائل النبوة ٦/ ٥٤٣ باب ما جاء في إخباره بذهاب العلم وظهور الجهل، وانظر: تلخيص الحبير ٤/ ١٨٥، وجامع بيان العلم وفضله ١/ ١٤٩.\n(^١) أخرجه مسلم كتاب الإمارة ب ٥٣ رقم (:١٧)، وأبو داود كتاب الفتن ب (١)، والترمذي (٢٢٢٩)، وابن ماجة رقم (٦) من حديث معاوية بن قرة عن أبيه.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة (٢/ ١٣٤٤) كتاب الفتن: باب ذهاب القرآن والعلم، حديث (٤٠٤٩)، والحاكم (٤/ ٤٧٣، ٥٤٥) من حديث عمران بن حصين، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.\nوقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٣/ ٢٥٤): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات ورواه مسدد في \"مسنده\" عن أبي عوانة عن أبي مالك بإسناده ومتنه.","vol":"4","page":599},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"ولو سلم\" تساوى الدليلين، \"فيتعارضان\" أعني: الحديث الذي أوردناه مع الذي أوردتموه.\n\"ونسلم\" الدليل \"الأوّل\" الذي ذكرناه نحن، وهو أن الأصل عدم المانع.\nالشرح: \"\"قالوا\" الاجتهاد \"فرض كفاية، فيستلزم انتفاؤه [اتفاق] (^١) المسلمين على الباطل.\nقلنا\": إنما يكون فرض كفاية إذا لم يفرض موت العلماء.\nأما \"إذا فرض موت العلماء لم يكن\"؛ لأن موتهم ينفي القدرة، والتمكن من الاجتهاد، وإذا لم يكن مقدور لم يقع التكليف به.\n_________\n(^١) في ت: اتصاف.","vol":"4","page":600},{"text":"<span data-type='title' id=toc-900>مَسْأَلَةٌ:\nإِفْتَاءُ مَنْ لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ، بِمَذْهَبِ مُجْتَهِدٍ </span>إِنْ كَانَ مُطَّلِعًا عَلَى المَآخِذِ، أَهْلًا لِلنَّظَرِ - جَائِزٌ.\nوَقِيلَ: عِنْدَ عَدَمِ المُجْتَهِدِ.\nوَقِيلَ: يَجُوزُ مُطْلَقًا.\nوَقِيلَ: لا يَجُوزُ.\nلَنَا: وُقُوعُ ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْكَرْ، وَأُنْكِرَ مِنْ غَيْرِهِ.\n\"الْمُجَوِّزُ\": نَاقِلٌ كالأَحَادِيث.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"إفتاء من ليس بمجتهد بمذهب مجتهد إِن كان مطلعًا على المآخذ\" (^١) التي لإمامه \"أهلًا للنظر جائز.\nوقيل: يجوز مطلقًا\" أي: سواء كان مطلعًا على المآخذ أم لا.\n\"وقيل: لا يجوز، لنا: وقوع ذلك\" مع ترادف الأعصار؛ فإن طوائف المذاهب يفتون بمذهبهم مع عدم بلوغهم رتبة الاجتهاد المطلق، \"ولم ينكر\" الإفتاء على مَنْ هذه صفته، \"وأنكر من غيره\" فكان إِجماعًا على جواز فُتْيَا المتبحّر، وعدم جواز فُتْيَا من لم يطلع على المآخذ.\nواحتج \"المجوز\" مطلقًا، بأنه \"ناقل\"، فلا يشترط فيه الاطلاع على المآخذ، \"كالأحاديث\"؛ فإنه لا يشترط في رواتها الفقه، وربّ حَامِل فِقْهِ ليس بفقيه.\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام ٤/ ٢٠٣، والمعتمد ٢/ ٩٣٢، والمحصول ٢/ ٣/ ٩٧، ونهاية السول ٤/ ٥٧٧، وشرح العضد ٢/ ٣٠٨، وجمع الجوامع ٢/ ٣٩٨، وشرح الكوكب ٦٢٣، وإرشاد الفحول (٢٦٩)، وتيسير التحرير ٤/ ٢٤٩، وفواتح الرحموت ٢/ ٤٠٤.","vol":"4","page":601},{"text":"وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْخِلافَ فِي غَيْرِ النَّقْلِ.\n\"الْمانِعُ\": لَوْ جَازَ لَجَازَ لِلْعَامِّيِّ.\nوَأُجِيبَ: بِالدَّلِيلِ، وَبِالْفَرْقِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وأجيب: بأن الخلاف في غير النقل\"، وهو جواز الاقتداء بقول إمامه.\nواحتج \"المانع\" بأنه \"لو جاز\" الإفتاء بغير المجتهد، \"لجاز للعامي\" بجامع عدم بلوغ رتبة الاجتهاد.\n\"وأجيب\": بأن جوازه للمطلع على المأخذ \"بالدليل\" النَّاهض عليه، والعامي لا دليل على جواز فتياه، فأنّى يستويان؟.\n\"وبالفرق\" بين العامي والمطلع على المآخذ.\n\n<span data-type='title' id=toc-901>\"فائدة\"\nلمن لم يبلغ رتبة الاجتهاد المطلق مراتب:</span>\nأحدها: أن يصل إلى رتبة الاجتهاد المفيد، فيستقل بتقرير مذهب إِمام معين، ويتخذ نصوصه أصولًا يستنبط منها، نحو ما يفعله المستقلّ بنصوص الشارع، وهذه صفة أصحاب الوجوه، والذي أظنه قيام الإجماع على جواز فُتْيا هؤلاء، وأنت ترى علماء المذاهب ممن وصل إلى هذه الرتبة هل منعهم أحد الفتوى، أو منعوا هم أنفسهم عنها؟.\nالثانية: من لم يبلغ رتبة أصحاب الوجوه، ولكنه فَقِيهُ النفس حافظ [للمذهب] (^١) قائم بتقريره، غير أنه لم يرتض في التخريج والاستنباط كارْتِيَاضِ أولئك، وقد كانوا يفتون، ويخرجون كأولئك.\nالثالثة: من لم يبلغ هذا المِقْدَار، ولكنه حافظ لِوَاضِحَاتِ المسائل، ومشكلاتها، غير أن عنده ضعفًا في تقرير أدلّتها، فعلى هذا الإِمساك عن الفُتيَا، فانغمض فهمه مما لا نقل عنده فيه، وليس هذا هو الذي حكينا فيه الخلاف؛ لأنه لا اطلاع له على المآخذ، وكل هؤلاء غير عوام.\nأما العامي إذا عرف حكم حادثة بدليلها لم يكن له الفُتْيَا بها.\n_________\n(^١) في ب: للمذاهب.","vol":"4","page":602},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوقيل: إن كان نقليًّا جاز، وإلا فلا.\nوقيل: إن كانت دليلها من الكتاب والسُّنة جاز، وإلا فلا.\nوأما العامي الذي عرف من المجتهد حكم مسألة، ولم يدر دليلها، ولا وجه يعلقها، كمن حفظها مختصرًا من مختصرات الفقه، فليس له أن يفتي، ورجوع العامي إليه إذا لم يَلْقَ سواه أَوْلَى من الارتباك في الحيرة، وكل هذا فيمن لم ينقل عن غيره.\nأما الناقل فلا يمنع، فإذا ذكر العامي أن فلانًا المفتى أفتاني بكذا لم يمنع من نقل هذا القدر، وإليه أشار في الكتاب بقوله: وأجيب: بأن الخلاف في غير النقل.","vol":"4","page":603},{"text":"<span data-type='title' id=toc-902>مَسْأَلَةٌ:\nلِلْمُقَلِّدِ أَنْ يُقَلِّدَ الْمَفْضُولَ،</span> وَعَنْ أَحْمَدَ، وَابْنِ سُرَيْجٍ: الأَرْجَحُ مُتَعَيِّنٌ.\nلَنَا: الْقَطْعُ بِأَنَّهُمْ كَانوا يُفْتُونَ مَعَ الاِشْتِهَارِ وَالتَّكَرُّرِ، وَلَمْ يُنكرْ.\nوَأَيْضًا: قَالَ: \"أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ\".\nوَاسْتُدِلَّ: بِأَنَّ العَامِّيَّ لا يُمْكِنُهُ التَّرْجِيحُ؛ لِقُصُورِهِ.\nوَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ يَظْهَرُ بِالتَّسَامُعِ، وَبِرُجُوعِ الْعُلَمَاءِ إِلَيْهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.\nقَالُوا: أَقْوَالُهُمْ كَالْأَدِلَّةِ، فَيَجِبُ التَّرْجِيحُ.\nقُلْنَا: لا يُقَاوِمُ ما ذَكَرْنَا، وَلَوْ سُلِّمَ فَلِعُسْرِ تَرْجِيح الْعَوَامِّ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"للمقلّد أن يقلد المفضول من المجتهدين وإن قدر على تقليد الفاضل.\n(وعند أحمد وابن سريج الأرجح متعّين) (^١) واختاره القاضي المّروزي والقاضي الحسين وابن السمعانى.\nلنا: القطع في المفضولين \"بأنهم كانوا يفتون\" والفاضلون موجودون \"مع الاشتهار والتَّكْرَار، ولم ينكر\"، فكان إجماعًا.\n\"وأيضًا قال\" ﷺ \"\"أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ\" بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ\". خرج العوام؛ لأنهم المقتدون، بقي معولًا به في المجتهدين من غير فضل.\nالشرح: واستدل \"بأن العامي لا يمكنه الترجيح؛ لقصوره\"، ولو كلف بذلك لكان تكليفًا بضرب من الاجتهاد.\n_________\n(^١) ينظر: البرهان (٢/ ١٣٤٣)، واللمع (٧٢)، والتبصرة (٤١٥)، والمستصفى (٣٩٠ - ٣٩١)،=","vol":"4","page":604},{"text":"قَالُوا: الظَّنُّ بِقَوْلِ الأَعْلَمِ أَقْوَى.\nقُلْنَا: تَقْرِيرُ مَا قَدَّمْتُمُوهُ.\n<hr><s0>\n\nوأجيب بأنه يظهر بالتسامع، وبرجوع العلماء إليه وغير ذلك\"، ككثرة المستفتين، وتقديم العلماء له، وذلك ممكن، فلا يمتنع تكليف به، كما يجب عليه قطعًا البحث الذي يعرف به صلاحية مَنْ يستفتيه للإفتاء إِذا لم يكن قد تقدّمت معرفته بذلك.\n\"قالوا\": المفتون \"أقوالهم كالأدلة، فيجب الترجيح\" عند تعارضها، والأفضلية من المرجّحات.\n\"قلنا\": هذا قياس، وهو \"لا يقاوم ما ذكرناه\" من الإجماع، \"ولو سلم\" أنه مقاوِم \"فَلِعُسْرِ ترجيح العوام\" بين المفتين لم يجب عليهم الترجيح، ولسهولته على المجتهدين بين الأدلّة وجب، فقد وضح الفرق.\n\"قالوا: الظن بقول الأعلم أقوى\"، ويجب معرفة أقوى الظنين للأخذ به عند التَّعَارض \"قلنا\": هذا \"تقرير ما قدمتموه\" من الدليل في المعنى، وإن تخالفا في العبارة، لأن إفادته للظن، وكونه كالدليل للمجتهد أمر واحد، والجواب الجواب بعينه.\n_________\n= والمنخول (٤٧٩)، والإحكام للآمدي ٤/ ٢٠٤، وجمع الجوامع ٢/ ٣٩٥، والمحصول ٢/ ٣/ ١١٢، وإرشاد الفحول (٢٧١)، والمسودة (٤٧١)، وشرح الكوكب (٦٢٣)، والروضة (٢٠٧)، وشرح العضد ٢/ ٣٠٩، والتيسير ٤/ ٢٥٢.","vol":"4","page":605},{"text":"<span data-type='title' id=toc-903>مَسْأَلَةٌ:\nوَلا يَرْجِعُ عَنْهُ بَعْدَ تَقْلِيدِهِ اتِّفاقًا،</span> وَفي حُكْمٍ آخَرَ: الْمُخْتَارُ: جَوَازُهُ.\nلنَا: الْقَطْعُ بِوُقُوعِهِ، وَلَمْ يُنْكَرْ، فَلَوِ الْتَزَمَ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا؛ كمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا، فَثَالِثُهَا كَالأَوَّلِ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"ولا يرجع عنه بعد تقليده\"، في مسألة \"اتفاقًا، وفي حُكْمٍ آخر المختار: جوازه\" (^١) \"لنا: القطع بوقوعه\" إذا كانوا يستفتون في كل حادثة غير ملتزمين سؤال من سألوه أولًا، \"ولم ينكر\" ذلك من أحد، فكان إِجماعًا، هذا إذا لم يعين العامي مذهبًا، \"فلو التزم مذهبًا معينًا كمالك والشافعي وغيرهما\"، فهل يلزمه الاستمرار عليه، وعدم الحيد عنه؟ فيه أقوال: أحدها: يلزمه.\nوالثاني: لا.\nوأما الأعدل \"فثالثهما\"، وهو أنه إن قلده في واقعة لم يكن له الرجوع، وإلا فله الرجوع، ويكون في ذلك \"كالأول\" أي: كالعامي الذي لم يلتزم مذهبًا.\nوقال الإمام ابن السمعاني: وإذا سمع المستفتى جواب المفتى لم يلزمه العمل به إلا بالتزامه.\nويجوز أن يقال: يلزمه إذا أخذ في العمل به، وقيل: يلزمه إذا وقع في نفسه صحّته وحقيته، قال: وهذا أوْلَى الأوجه.\n_________\n(^١) ينظر الإحكام للآمدي ٤/ ٢٠٥، والتمهيد للإسنوي (٥٢٧)، والتحرير (٥٥١)، وفواتح الرحموت (٢/ ٤٠٥)، وجمع الجوامع ٢/ ٣٩٩، وإرشاد الفحول ٢٧٢، وشرح العضد ٢/ ٣٠٩، وجمع الجوامع ٢/ ٤٠٠، وشرح الكوكب ٦٢٧، والمسودة (٤٧٢، ٥١٢).","vol":"4","page":606},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقال ابن الصّلاح: ولم أجد هذا لغيره، وقد حكى هو بعد ذلك عن بعض الأصوليين أنه إذا أفتاه بما هو مختلف فيه خيّره بين أن يقبل منه، أو من غيره.\nقال ابن الصَّلاح: والذي تقتضيه القواعد أنه إذا لم يجد سواه تعيّن عليه الأخذ بفُتْيَاه، ولا يتوقف ذلك على التزامه، ولا سكون نفسه إلى صحته.\nوإن وجد، فإن استبان أن الذي أفْتَاه هو الأَعْلَم والأوْثق لزمه بناء على تقليد الأفضل، وإن لم يستبن لم يلزمه.\nواعلم أن أئمتنا أكثروا القول في باب الفُتْيا، وخصّ الباب منهم بالتصنيف القاضي أبو القاسم الصّيمري، ومن المتأخرين الشيخ أبو عمرو بن الصّلاح، وأجاد كل الإجادة، وأحسن القول فيه أيضًا ابن السمعاني في \"القَوَاطع\".\nومن أئمتنا من أودع الباب مسألة تقليد الشافعي، كإمام الحرمين، وابن السّمعاني، والغزالي وغيرهم، وميل المحققين منا إلى أن تقليده واجب على طوائف العامة، وأنه لا عُذْر لهم عند الله - تعالى - في العدول عنه، وبه صرح إمام الحرمين في تصنيف لطيف أفرده في ذلك، وسَمَّاه بـ \"مغيث الخلق واختيار الحق\" ونحن نرى الإمساك عن الكلام في هذه المسألة، فليست من فن الأصول، والكلام فيها يؤول إلى تَشْعيب من أصحاب الآراء، وتشنيع من اختلاف السّفهاء، ثم لا نعود بطائل من الفائدة، والله - تعالى - يهدينا إلى سبيل الرشاد.","vol":"4","page":607},{"text":"<span data-type='title' id=toc-904>التَّرْجِيحُ</span>\nالتَّرْجِيح، وَهُوَ اقْتِرَانُ الْأمَارَة بِمَا تَقْوَى بِهِ عَلَى مُعَارِضِهَا، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهَا؛ لِلْقَطْعِ عَنْهُمْ بِذلِكَ.\nوَأُورِدَ: شَهَادَةُ أَرْبَعَةٍ مَعَ اثْنَيْنِ، وَأُجِيبَ: بِالْتِزَامِهِ، وَبِالفرْقِ، وَلا تَعَارُضَ فِي قَطْعِيَّيْنِ، وَلا فِي قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ؛ لاِنْتِفَاءِ الظَّنِّ وَالتَّرْجِيحِ فِي ظَنِّيَّيْنِ مَنْقُولَيْنِ، أَوْ مَعْقُولَيْنِ، أَوْ مَنْقُولٍ وَمَعْقُولٍ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"وهو اقتران الأمارة بما يقوى به على معارضها\" (^١).\nوإنما قلنا: الأمارة ليختصّ بالظنين، فإنه لا تعارض بين قطعيين، ولا قاطع وظني.\nوإنما قلنا: على معارضها؛ لأنه إذا لم يكن هناك معارض، فلا ترجيح.\nأما عند حصول المرجّح \"فيجب تقديمها\" على المعارض اقتداء بالصحابة ﵃ \"للقطع عنهم بذلك، وأورد: شهادة أربعة مع اثنين\" إذا تعارضا، فإن الظن بالأربعة أقوى، ومع ذلك لا ترجيح في الشَّهَادات بالعدد.\n_________\n(^١) ينظر: البرهان لإمام الحرمين ٢/ ١١٤٢، والبحر المحيط للزركشي ٦/ ١٢٩، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٤/ ٢٠٦، وسلاسل الذهب للزركشي ص ٤٣١، والتمهيد للأسنوي ص ٥٠٥، ونهاية السول له ٤/ ٤٤٤، وزوائد الأصول له ص ٤٠٤، ومنهاج العقول للبدخشي ٣/ ٢٠١، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص ٢٣٥، والتحصيل من المحصول للأرموي =","vol":"4","page":608},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"وأجيب بالتزامه\"، وهو مذهب مالك، أو \"بالفرق\" بين الشهادة والدليل، بأنه ليس كل ما ترجح به الأدلة ترجح به الشهادة، وستقف إن شاء الله - تعالى - من ذلك على كثير.\nقال علماؤنا: ووجه الفرق أن الشهادة مقدّرة في الشرع بعدد معلوم، فكفينا الاجتهاد فيها، بخلاف الرواية؛ فإن أمرها مبني على الاجتهاد.\n\"ولا تعارض في قطعيين\" وإلا ثبت مقتضاهما، وهما نقيضان، ولا في قَطْعي وظني، لانتفاء الظن\" عند القطع بالنقيض، \"والترجيح\" حينئذ منحصر \"في الظَّنين\"؛ لتأتي التعارض بينهما، وعدم تأتيه في غيرهما، والظنان إما أن يكونا \"منقولين\" كَنَصّين، \"أو معقولين\" كقياسين، \"أو منقول ومعقول\" كنصّ، وقياس.\n_________\n= ٢/ ٢٥٧، والمنخول للغزالي ص ٤٢٦، وحاشية البناني ٢/ ٣٥٧، والإبهاج لابن السبكي ٨/ ٢٠٣، والآيات البينات لابن قاسم العبادي ٤/ ١٩٧، وتخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص ٣٧٦، وحاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ٤٠٠، وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ص ٧٣٣، والتحرير لابن الهمام ص ٣٦٢، وتيسير التحرير لأمبر بادشاه ٣/ ١٣٦، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٢/ ٣، وميزان الأصول للسمرقندي ٢/ ٩٦١، ٢/ ١٠١٩، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/ ٣٠٩، وشرح التلويح على التوضيع لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/ ١٠٢، وحاشية نسمات الأسحار لابن عابدين ص ٢٣٥، وشرح المنار لابن ملك ص ٨٥، والوجيز للكراماستي ص ٧٦، والموافقات للشاطبي ٤/ ٢٩٤، وتقريب الوصول لابن جُزيّ ص ١٦٣، وإرشاد الفحول للشوكاني ص ٢٧٣، وشرح الكوكب المنير للفتوحي ص ٦٥٣، والحدود للباجي (٧٩).","vol":"4","page":609},{"text":"مَسْأَلَةٌ:\nالأَوَّلُ: فِي السَّنَدِ، وَالْمَتْنِ، وَالْمَدْلُولِ، وَفِي خَارج.\nالْأَوَّلُ: بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ لِقُوَّةِ الظَّنِّ؛ خِلافًا لِلْكَرْخِيِّ، وَبِزِيادَةِ الثِّقَةِ، وَبِالْفِطْنَةِ، وَالْوَرَعِ، وَالْعِلْمِ، وَالضَّبْطِ، وَالنَّحْوِ، وَبِأَنَّهُ أَشْهَرُ بِأَحَدِهَا، وَبِاعْتِمادِه عَلَى حِفْظِهِ لا نُسْخَتِهِ، وَعلَى ذِكْرٍ لا خَطٍّ، وَبِمُوَافَقَتِهِ عَمَلَه، وَبأَنَّهُ عُرِفَ أَنَّهُ لا يُرْسِلُ إِلَّا عَنْ عَدْلٍ فِي الْمُرْسِلِينَ.\nوَبِأَنْ يَكُونَ الْمُبَاشِرَ، كَرِوَايَةِ أَبِي رَافِعٍ: نَكَحَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلالٌ، وَكَانَ السَّفِيرَ بَيْنَهُمَا عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: نَكَحَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَرَامٌ.\nوَبِأَنْ يَكُونَ صَاحِبَ الْقِصَّةِ؛ كَرِوَايَةِ مَيْمُونَةَ: تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ حَلالانِ.\n<hr><s0>\n\n«مسألة»\nالشرح: \"الأول\": في ترجيح المنقولين، وهو أربعة أصناف:\n\"في السند\"، وهو طريقة ثبوته، \"والمتن\" وهو باعتبار مرتبته ودلالته، \"والمدلول\" من حُرْمة أو إباحة، \"وفي\" أمر قد ينضم إليه من \"خارج\" الصنف الأول في التَّرْجيح بحسب السند، ويقع في الراوي والرواية، والمروي والمروي عنه، ففيه أربعة فصول:\nالأول: في الراوي، ويكون في نفسه، وفي تركيبه الأول ما يتعلق بنفسه، وذكر المصنف منه خمسة عشر أمرًا.\nالشرح: \"الأول\": كثرة الرواة بقوة الظن، خلافًا للكرخي\"، حيث اعتبرها بالشهادة، وهو ضعيف، فإن الشهادة مستندة إلى توقيفات يعتد به، ولذلك لا يقبل بغير لفظ الشَّهَادة حتى [إذا] أتى العدد الكثير بلفظ الإخبار لم يقبل، ولو شهد ألف امرأة وعبد على ناقة","vol":"4","page":610},{"text":"وَبِأَنْ يَكُونَ مُشَافِهًا؛ كَرِوَايَةِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أن بَرِيرَةَ عَتَقَتْ، وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا، عَلَى مَنْ رَوَى أَنَّهُ كَانَ حُرًّا؛ لأِنَّهَا عَمَّةُ الْقَاسِمِ.\nوَأَنْ يَكُونَ أَقْرَبَ عِنْدَ سَمَاعِهِ؛ كَرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ: أَفْرَدَ ﷺ وَكَانَ تَحْتَ نَاقَتِهِ حِينَ لَبَّى.\nوَبِكَوْنِهِ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ لِقُرْبِهِ غَالِبًا، أَوْ مُتقَدِّمَ الإسْلام، أَوْ مَشْهُورَ النَّسَبِ، أَوْ غَيْرَ مُلْتَبِسِ بِمُضَعِّفٍ، وَبِتَحَمُّلِهَا بَالِغًا، وَبِكَثْرَةِ المُزَكِّينَ أَوْ أعْدَلِيَّتِهِم، أَوْ أَوْثَقِيَّتِهِم، وَبِالصَّرِيحِ عَلَى الْحُكْمِ، وَالْحُكْمِ عَلَى الْعَمَلِ، وَبِالْمُتَوَاتِرِ عَلَى الْمُسْنَدِ، وَالْمُسْنَدِ عَلَى الْمُرْسَلِ، وَمُرْسَلِ التَّابِعِيِّ عَلَى غَيْرِهِ، وَبِالأَعْلَى إِسْنَادًا، وَالمُسْنَدِ عَلَى كِتَابٍ مَعْرُوفٍ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ، وَالْكِتَابِ عَلَى المشْهُورِ، وَبِمثْلِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَلَى غَيْرِهِ.\n<hr><s0>\n\n[بعل] (^١) ردوا.\nومثاله قال الشافعي في \"الرسالة\": الأخذ بحديث عبادة في الربا أولى من حديث أسامة؛ لأن مع عبادة عمر وعثمان وأبا سعيد وأبا هريرة، والخمسة أولى من واحد.\nالثاني: أن يكون أحد [الراويين] (^٢) راجحًا على الآخر في وصف يغلب ظن الصدق، والثقة والفِطْنة، والوَرَع، والعلم، والضبط، والنحو.\nوإليه أشار بقوله: \"وبزيادة الثقة، والفطنة، والورع، والعلم، والضبط، والنحو\"، ولذلك رجح أصحابنا رواية مالك وسفيان عن أبي حازم عن سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال للرَّجُل: \"زَوَّجتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ\" (^٣) على ما رواه عبد العزيز بن أبي حازم، وزائدة عن أبي حازم عن سهل أن النبي ﷺ قال له: \"مَلَكْتَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ\"؛ لأن مالكًا\n_________\n(^١) في أ، ت: بقل.\n(^٢) في ت: الروايتين.\n(^٣) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٥٢٦، كتاب النكاح: باب ما جاء في الصداق (٨)، والبخاري ٩/ ٩٧، كتاب النكاح: باب السلطان ولي (٥١٣٥)، وأطرافه في (٢٣١٠ - ٥٠٢٩ - ٥٠٣٠ - ٥٠٨٧ - ٥١٢١ - ٥١٢٦ - ٥١٣٢ - ٥١٤١ - ٥١٤٩ - ٥١٥٠ - ٥٨٧١ - ٧٤١٧)، ومسلم ٢/ ١٠٤٠، كتاب النكاح: باب الصداق (٧٦ - ١٤٢٥).","vol":"4","page":611},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nوسفيان أعلم منهما، وأوثق وأضبط.\nقوله: \"وبأنه أشهر بأحدها\" هذا هو الثالث، وهو أن تكون إحدى الروايتين أشهر بشيء من هذه الصفات الخمس، وإن لم يعلم رُجْحانه فيها؛ فإن كونه أشهر يكون في الغالب لرجحانه قوله، \"وباعتماده على حفظه لا نسخته، وعلى ذكر لا خط\".\nهذا هو الرابع، وهو أن يكون أحدهما يعتمد في الرواية على حفظه للحديث، لا على نسخته وعلى تذكره للسماع، لا على خطّ نفسه؛ لما لعله يعتور الخط من ضَعْفٍ وتَغيُّر.\nقال الإمام الرازي: وفيه احتمال، قوله: \"وبموافقته عمله\"، هذا هو الخاص، وهو أن يكون أحدهما علم أنه عمل برواية نفسه، والآخر لم يعمل، ولذلك رجّحنا ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: \"لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلا فرَسِهِ صَدَقَةٌ\" (^١) على حديث غورك السعدي عن جعفر بن محمد عن عائشة عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: \"فِي كُلِّ فَرَسٍ سَائِمةٍ دِينَارٌ\" (^٢).\nفإن أبا يوسف رواه عن غورك السعدي، وترك العمل به.\nقوله: \"وبأنه\" هذا هو السادس، وهو أن يكون أحدهما قد \"عرف أنه لا يرسل إلا عن عَدْل\"، وهذا لا يكون إلا \"في\" تعارض الخبرين \"المرسلين\".\nالسّابع: ما أشار إليه بقوله: \"وبأن يكون\" أحدهما \"المباشر\" للواقعة، \"كرواية أبي رَافِعٍ\" في \"جامع الترمذي\": \"نكح\" ﷺ \"مَيْمُونَةَ وهو حلال (^٣)، وكان\" أبو رافع \"السفير\n_________\n(^١) تقدم.\n(^٢) أخرجه الدارقطني (٢/ ١٢٦)، والبيهقي (٤/ ١١٩)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٧/ ٣٩٨)، وابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (٢/ ٤٩٦)، والطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (٣/ ٦٩) من طريق غورك بن حصرم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله مرفوعًا.\nوقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح، وغورك، ليس بشيء، وقال الدارقطني: هو ضعيف جدًّا.\nوقال الهيثمي: فيه الليث بن حماد وغورك وكلاهما ضعيف.\n(^٣) الإحرام الكائن من أحد الثلاثة: الزوج، والزوجة، والولي، مانع من صحة العقد، فلو حصل =","vol":"4","page":612},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=  العقد وأحد الثلاثة محرم فسخ قبل البناء وبعده، ولو ولدت الأولاد، ولا يتأبد التحريم، وكما أنه لا يصح العقد حال الإحرام الكائن من أحد الثلاثة، كذلك لا يوكلون ولا يجيزون، ويستمر المنع في الحج لتمام الإفاضة إن قدم سعيه، والا فلتمام سعيه. كما أن العمرة يستمر المنع فيها لتمام سعيها، ويندب تأخير العقد عن حلقها أو تقصيرها، فإن عقد بعد تمام الإفاضة وقبل صلاة الركعتين فسخ إن قرب العقد من الطواف، وإلا فلا يفسخ. ولا فرق بين الحج الصحيح والفاسد، والعبرة بوقت العقد في الثلاثة أو أحدهم، فإن وكل حال كونه حلا فلم يعقد الوكيل إلا وأحد الثلاثة محرم فسد، وإن وكل أحدهم وهو محرم فلم يعقد الوكيل إلا والجميع حل صح؛ لما علمنا أن العبرة بوقت العقد، ويستثنى من عدم صحة التوكيل صحة توكيل السلطان إذا كان محرمًا ووكيله ولو قاضيًا حلال، فيصح عقد الوكيل حال إحرام السلطان؛ لضرورة عموم مصالح الناس، وكذا إذا حصل ابتداء للقاضي وهو محرم ونائبه حلال؛ فيصح عقد النائب؛ لضرورة المصالح أيضًا. ويحرم نكاح المحرم للأحاديث الدالة على التحريم خلافًا لأبي حنيفة فإنه يجيز نكاح المحرم ويقول بصحة العقد. يدل لنا ما في صحيح مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن نافع عن نبيه بن وهب أن عمر بن عبيد الله أراد أن يزوج طلحة بن عمر بنت شيبة بن جبير فأرسل إلى أبان بن عثمان يحضر ذلك وهو أمير الحج، فقال أبان: سمعت عثمان بن عفان يقول: قال رسول الله ﷺ: \"لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب\". وفي رواية أن أبان بن عثمان قال: ألا أراه أعرابيًّا إن المحرم لا ينكح ولا ينكح، أخبرنا بذلك عثمان عن رسول الله ﷺ، وفي رواية أخرى، فقال له أبان: ألا أراك عراقيًّا جافيًا، إني سمعت عثمان بن عفان يقول: قال رسول الله ﷺ: \"لا ينكح المحرم\" ويدل لأبي حنيفة ما روى في مسلم عن ابن عباس أنه قال: تزوج رسول الله ﷺ ميمونة وهو محرم. ووافق الكوفيون في ذلك، لكن المنع أرجح، لأن أدلته قولية، ودليل المجيز فعل، والقول أقوى من الفعل، فيقدم عند التعارض؛ لأنه يتعدى للغير بخلاف الفعل؛ فإنه مقصور على صاحبه غالبًا. أضف إلى ذلك أن الرسول قد خص في النكاح بأشياء كثيرة كجواز النكاح بلا مهر الخ، فلا يكون فعله دليلًا على الجواز لغيره. وأيضًا قد ورد أنه تزوجها وهو حلال. من ذلك ما روى عن يزيد بن الأصم قال: \"حدثتني ميمونة بنت الحارث أن رسول الله ﷺ تزوجها وهو حلال. قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس\" فصار الفعل مختلفًا في ثبوته، والقول متفقًا عليه، والمتفق عليه مقدم على المختلف فيه. على أنه يمكن الجمع بين الروايتين بأن يقال: معنى \"وهو محرم\" أنه حال بالحرم، ومن حل به يقال له: محرم، وهي لغة شائعة. والقول بأنه تزوجها وهو حلال رواية أكثر الصحابة، وأما رواية وهو محرم فلم تثبت إلا عن ابن عباس، وهو لا يعارض كل الصحابة، وقيل: إنه ﵇ بالمدينة وكل أبا رافع مولاه =","vol":"4","page":613},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nبينهما (^١) على رواية ابن عباس\" المرجّحة في الكتب الستة: \"نكح ميمونة وهو حَرَام\" (^٢).\nالثامن: ما أشار إليه بقوله: \"وبأن يكون صاحب القصة، كرواية ميمونة\" المخرجة في \"سنن أبي داود\" \"تزوّجني ﷺ ونحن حلالان بـ \"سرف\".\nولفظ مسلم: عن ميمونة أن رسول الله ﷺ تزوجها وهو حلال (^٣).\n[التاسع] (^٤): المشار إليه بقوله: \"وبأن يكون\" أحدهما \"مُشَافَهًا\" اسم مفعول، أي: سمع شفاها، والآخر من وراء حجاب، \"كرواية القاسم عن عائشة أن بريرة عتقت وكان زوجها عبدًا\" (^٥)، رواه مسلم وأبو داود والترمذي \"على من روى أنه كان حرًّا\"، وهو الأسود\n_________\n= فعقد له عليها وهو بـ \"مكة\"، وأيضًا فقد روت ميمونة وأبو رافع أنه تزوجها وهو حلال، وكما أنه لا يجوز للمحرم أن يتولى عقد النكاح ولا يوكل ولا يجيز: كذلك ليس له أن يخطب بخلاف شراء الأمة ولو للوطء؛ فإنه يجوز. والفرق أن العقد في النكاح لا يكون إلا على من يحل له وطؤها. وأما على الشراء فله أن يشتري من لا يحل له وطؤها. ويمنع الإحرام حضور العقد أيضًا.\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٣٤٨، كتاب الحج: باب نكاح المحرم (٦٩)، وأخرجه أبو داود ٢/ ٦٩ كتاب المناسك: باب المحرم يتزوج (١٨٤٣)، ومسلم ٢/ ١٠٣٢ نحوه، كتاب النكاح: باب تحريم نكاح المحرم، وكراهة خطبته (٤٨ - ١٤١١)، وابن ماجة ١/ ٦٣٢ كتاب النكاح: باب المحرم يتزوج (١٩٦٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٩/ ٧٠) كتاب النكاح: باب نكاح المحرم (٥١١٤)، ومسلم (٢/ ١٠٣١) كتاب النكاح: باب تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته (٤٦ - ١٤١٠) من حديث ابن عباس.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢/ ١٠٣٢) كتاب النكاح: باب تحريم نكاح المحرم … (٤٨ - ١٤١١)، وأبو داود (١٨٤٣)، وابن ماجة (١٩٦٤) من حديث ميمونة.\n(^٤) في أ، ب، ت: الثانية، وهو خطأ.\n(^٥) أخرجه مسلم (٢/ ١١٤٣ - ١١٤٤) كتاب العتق: باب إنما الولاء لمن أعتق، وأبو داود (٢/ ٦٧٢) كتاب الطلاق: باب في المملوكة تعتق وهي تحت حر أو عبد (٢٢٣٤)، والترمذي (٣/ ٤٥١ - ٤٥٢) أبواب الرضاع: باب في المرأة تعتق ولها زوج (١١٥٤) من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وقال الترمذي: حديث عائشة حسن صحيح.\nوأخرجه النسائي في \"الكبرى\" كتاب الطلاق كما في تحفة الأشراف (١٢/ ٢٦٩) من طريق القاسم عن عائشة.","vol":"4","page":614},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nعن عائشة، كما رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه؛ \"لأنها\" أي: عائشة ﵂ \"عَمّة القاسم\"، فسمع منها شفاهًا؛ لأنه محرمها، بخلاف الأسود.\nالعاشر: المشار إليه بقوله: \"وأن يكون أقرب عند سماعه\" إلى الرسول ﷺ، وكل مسموع منه، \"كرواية ابن عمر\" الثابتة \"أفرد رسول الله ﷺ\" الحج، \"وكان\" ابن عمر \"تحت ناقته\" ﷺ \"حين لَبّى\" فترجح على رواية أنس أنه قَرَن (^١).\nالحادي عشر: المشار إليه بقوله: \"ويكون من أكابر الصحابة لقُرْبه غالبًا\" من مجلس النبي ﷺ، ونظيره كونه أكثر صحبة، فيقدم كما قدمنا خبر عائشة ﵂: \"كان رسول الله ﷺ يصبح جُنُبًا من جِمَاع لا من احتلام، ويصوم\" (^٢)، على ما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: \"مَنْ أصبَحَ جُنُبًا، فَلا صَوْمَ لَهُ\" (^٣)؛ لأن صحبة عائشة كانت أكثر، واختصاصها به أوفر.\nالثاني عشر: المشار إليه بقوله: \"أو متقدم الإسلام\".\nقال الآمدي: فإن رواية متقدم الإسلام أغلب على الظَّن؛ لزيادة أصاله في الإِسلام، وتحرزه فيه.\nقلت: ومذهبنا هو الذي ذكره جمهور أصحابنا أن متأخر الإسلام أرجح قالوا: وذلك كتقديمنا خبر أبي هريرة أن النبي ﷺ قام من اثنتين وتكلّم … \" (^٤) على حديث ابن مسعود\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢/ ٩١٥) كتاب الحج: باب إهلال النبي ﷺ وهديه (٢١٤/ ١٢٥١).\n(^٢) أخرجه البخاري ٤/ ١٨٠، ١٨١، كتاب الصوم: باب اغتسال الصائم (١٩٣٠)، وطرفه (١٩٢٥، ١٩٣١، ١٩٣٢)، ومسلم ٢/ ٧٧٩، كتاب الصيام: باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب (٨٠ - ١١٠٩).\n(^٣) أخرجه البخاري ٤/ ١٦٩، ١٧٠، كتاب الصوم: باب الصائم يصبح جنبًا (١٩٢٥، ١٩٢٦)، وطرفاه ١٩٣٠، ١٩٣١ و(١٩٢٦)، وطرف في ١٩٣٢، ومسلم ٢/ ٧٧٩، ٧٨٠ كتاب الصيام: باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب (٧٥ - ١١٠٩). واللفظ لمسلم.\n(^٤) أخرجه البخاري (١/ ١٢٣) كتاب الصلاة: باب تشبيك الأصابع في المسجد، ومسلم (١/ ٤٠٣ - ٤٠٤) كتاب المساجد: باب السهو في الصلاة (٩٧ - ١٠٠)، وأبو داود (١/ ٦١٢ - ٦١٤) كتاب الصلاة: باب السهو في السجدتين (١٠٠٨)، والترمذي (٢/ ٢٤٧) =","vol":"4","page":615},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفي الكلام في الصَّلاة (^١).\nوتقديمنا رواية ابن عباس في التشُّهد (^٢) على رواية ابن مسعود، قالوا: كذلك إذا كان أحدهما متقدّم الصحبة، والآخر متأخرها، فرواية المتأخر أولى.\nقالوا: وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: لا يقدم بالتأخر، لأن المتقدم أيضًا عاش حتى مات رسول الله ﷺ، فساوى المتأخر في الصحبة وزاد عليه.\nقالوا: ورد عليهم أصحابنا هذا بأن: سماع المتأخر متحقق التأخر، وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث قلت: ذكروه، وأجيبوا به، يتبيّن لك أن صورة المسألة أن يعلم أن سماع المتأخر وقع بعد إسلامه، وإلا فلا تقدم، وألّا يكون المتقدم مات قبل إسلام المتأخر، فإن مات قدم المتأخر قطعًا، وهو بحث ذكره الإمام الرازي.\nالثالث عشر: المشار إليه بقوله: \"أو مشهور النسب\".\nقال الآمدي: لأن احتراز مشهور النسب عما يوجب نَقْض منزلته المشهورة يكون أكثر.\nقلت: وعندي أنه [لا ترجيح] (^٣) بشهرة النسب، وعبارة الإِمام في \"المحصول\": رواية معروف النسب راجحة على رواية مجهوله.\n_________\n= كتاب الصلاة: باب ما جاء في الرجل يسلم في الركعتين في الظهر والعصر (٣٩٩) وابن ماجة (١/ ٣٨٣) رقم (١٢١٤)، وأحمد (٢/ ٢٣٤).\nوأخرجه الإمام مالك في \"الموطأ\" (١/ ٩٣ - ٩٤) كتاب الصلاة: باب ما يفعل من سلم من ركعتين ساهيًا، حديث (٥٨، ٥٩).\n(^١) أخرجه بهذا اللفظ أبو عوانة (٢/ ١٣٩)، وابن عيد البر في \"التمهيد\" (١/ ٣٥٤)، والطبراني في \"الكبير\" (١٠/ ١٣٥، ١٣٦، ١٣٧).\n(^٢) أخرجه مسلم ٣/ ٣٠٢ - ٣٠٣ كتاب الصلاة: باب التشهد في الصلاة (٦٠/ ٤٠٣)، وأبو داود ١/ ٢٥٦ كتاب الصلاة: باب التشهد (٩٧٤)، والترمذي ٢/ ٨٣ أبواب الصلاة: باب ما يلي ما جاء في التشهد (٢٩٠)، والنسائي ٢/ ٢٤٢ كتاب الافتتاح: باب كيف التشهد الأول، وابن ماجة ١/ ٢٩١ كتاب إقامة الصلاة: باب ما جاء في التشهد (٩٠٠).\n(^٣) في ت: لا ترجح.","vol":"4","page":616},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالرابع عشر: المشار إليه بقوله: أو غير ملتبس بمضعف.\nقال الآمدي: فإن الذي لا يلتبس اسمه ببعض الضعفاء أغلب على الظن ممن يلتبس.\nقلت: ولا يحصل الالتباس إِلا عند تقارب زمانهما واجتماعهما في شيخ واحد، ولذلك شرط الإِمام في \"المحصول\" أن يصعب التمييز.\nالخامس عشر: المشار إليه بقوله: \"ويتحملها بالغًا\"؛ فإن من تحمل في زمن البلوغ أضبط ممن يحمل في زمن الصِّبَا؛ ولأن موضعه أقرب إلى رسول الله ﷺ؛ لقوله ﵊: \"لِيَلِيَنِي مِنكمْ أُولُو الأَحْلامِ وَالنُّهَى\" (^١) فيكون أسمع لقوله وأعرف، ولهذا رجّحنا رواية ابن عمر ﵁ في إفراد الحج على رواية أنس أنه قرن لأن ابن عمر كان كبيرًا، وقال لما بلغه قول أنس في القِرَان، وكان أنس يتولّج على النساء وهن منكشفات: \"وأنا آخذ بزمام نَاقَةِ رسول الله ﷺ يسيل على لُعَابها\"، فهذه الأوجه مرجّحات السند بحسب الراوي نفسه، وأهمل المصنف أمورًا سهلة.\nوأما الترجيح بحسب التزكية، فإليه أشار بقوله: \"وبكثرة المزكين، أو أعدليتهم، أو أوثقيتهم، وبالصريح\" من ألفاظ التزكية \"على\" التزكية باعتبار \"الحكم\" بشهادته بلا تصريح، \"والحكم\" بشهادته راجح \"على العمل\"؛ لأن الاحتياط فيه أكثر.\nفي الترجيح بالرِّواية، وإليه الإشارة بقوله: \"وبالمتواتر على المسند\" من الآحاد.\nولك أن تقول: المتواتر قطعي، وكلامنا في التَّرْجيح بين الظَّنيات، \"والمسند على المرسل\" على القول بالاحتجاج بالمرسل، \"ومرسل التابعي على غيره\"؛ لأن الأغلب على التابعي الرواية عن الصحابة، والصحابة عدول، فيغلب ظن الصدق في مرسله.\n\"وبالأعلى إسنادًا\"؛ لأنه كما قلّت الرواة كان أبعد من الخطأ، فرواية خالد الحَذَّاء عن أبي\n_________\n(^١) أخرجه مسلم ١/ ٣٢٣، كتاب الصلاة: باب تسوية الصفوف (١٢٣/ ٤٣٢)، وأبو داود ١/ ١٨٠، كتاب الصلاة: باب من يستحب أن يلي الإمام في الصف (٦٧٥)، والترمذي ١/ ٤٤٠، أبواب الصلاة: باب ما جاء ليليني منكم أولو الأحلام والنهى (٣٢٨).","vol":"4","page":617},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nقلابة عن أنس: \"أن بلالًا أُمِرَ أن يشفع الآذان ويوتر الإقامة\" (^١) أرجح من رواية عامر الأحول عن مكحول عن ابن محيريز عن أبي مَحْذُورة في تثنية الإقامة.\n\"والمسند\" رجح \"على\" المعزى \"كتاب معروف\" بين المحدثين؛ لأنه أبعد عن التبديل والتصحيف، \"وعلى\" الخبر \"المشهور\" بدون كتاب؛ لأن المسند يرويه العدل عن العدل، والمشهور قد لا يكون كذلك، فرب مشهور غير صحيح.\n\"والكتاب\" راجح \"على المشهور\"؛ لأن تطرق احتمال الوهم إلى المشهور أكثر من تطرُّقه إلى الكتاب، \"وبمثل البخاري ومسلم على غيره\".\nفإن قلت: إن أردتم بـ \"غيره\" ما لم يلتزم صاحبه فيه الصحة كالسنن الأربعة، فواضح أن ما هو محكوم بصحته فوق ما ليس كذلك.\nوإن أردتم ما هو ملتزم فيه أنه على شرط الشيخين، أو أحدهما كـ \"المستدرك\" للحاكم، أو أنه ملتزم فيه الصحة كصحيحي ابن ماجه، وابْن خزيمة، فلا نسلم التقديم.\nقلت: المراد ما هو صحيح أيضًا ملتزم فيه الصحة، فالصحيحان مقدمان عليه، ولو كان على شرطهما؛ لأن لشهرتهما وقَبُول الأمة بالقبول ما ليس لغيرهما، وإن ساواهما في درجة الصحة، ولذلك قال الأستاذ أبو إسحاق وغيره من أئمتنا: إن كلّ ما فيهما مقطوع به.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري ٢/ ٧٧، كتاب الأذان: باب بدء الأذان، الحديث (٦٠٣)، ومسلم ١/ ٢٨٦، كتاب الصلاة: باب الأمر بشفع الأذان وإيتار الإقامة، الحديث ٣/ ٣٧٨.","vol":"4","page":618},{"text":"الفصل الثاني\nوَالمُسْنَدُ بِاتِّفَاقٍ عَلَى مُخْتَلَفٍ فِيهِ.\nوَبِقِرَاءَةِ الشَّيْخِ، وَبِكَوْنِهِ غَيْرَ مُخْتَلفٍ فِيهِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"والمسند باتفاق\" مرجح \"على مختلف فيه\" أي: في أنه مرفوع، أو موقوف، فحديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال:\"مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَقَدْ عُتِقَ مِنْهُ مَا عُتِقَ، وَرُقَّ مَا رُقَّ\" (^١).\nيقدّم على ما روى قتادة عن النضر عن أنس عن بشير بن نهيك عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: \"مَنْ أعْتَقَ شِقْصًا في مَمْلُوكٍ، فَعَلَيْهِ خلاصُه مِنْ مَالِهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ المَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمّ اسْتسعى العَبْد غَيْر مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ\" (^٢).\nلأنه رواه شعبة وهمام، وهما أحفظ من سعيد، ولم يذكر السعاية، وذكرهما ابن يحيى أن السعاية من قول قتادة.\nالشرح: \"وبقراءة الشيخ\" على ما كان بالقراءة على الشيخ؛ لأنه أبعد عن غَفْلة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري ٥/ ١٣٧، كتاب الشركة: باب الشركة في الرقيق (٢٥٠٤)، ومسلم ٢/ ١١٤٠، كتاب العتق: باب ذكر سعاية العبد (٣/ ١٥٠٣).\n(^٢) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٧٧٢ كتاب العتق والولاء: باب من أعتق شركًا له في مملوك (١)، والبخاري ٥/ ١٥١، كتاب العتق: باب إذا أعتق عبدًا من اثنين (٢٥٢٢)، ومسلم ٢/ ١١٣٩، كتاب العتق (١/ ١٥٠١).","vol":"4","page":619},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالشيخ، \"وبكونه غير مُخْتَلِف\" بكسر اللام إلى الحديث الذي لم يختلف لفظ رواته راجح على ما اضطرب لفظ راويه واختلف، فحديث مالك وسفيان عن الزهري من سالم عن أبيه \"في\"رفع اليَدَيْنِ راجح على حديث سفيان عن يزيد أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء: أن رسول الله ﷺ كان إِذا افتتح الصَّلاة رفع يديه، ثم لا يعود.\nقال سفيان: كان يزيد يروي هذا الحديث، ولا يذكر \"ثم لا يعود\"، ثم دخلت \"الكوفة\" فرأيته يرويه، ويزيدها فيه، وكأنه لقّنها.\nوقال الدارقطني: لقّن في آخر عمره، ويحتمل أن يقرأ: \"غير مُخْتَلَف\" بفتح اللام إِلى غير مختلف على رواية لحديث أنس وابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: \"إِذا زَادَتِ الإِبِلُ عَلَى مائةِ وَعِشْرِينَ اسْتُؤْنِفَتِ الفَرِيضةُ\" (^١).\nوروى الشافعي بإسناده عن عاصم بن ضمرة عن علي مثل رواية أنس وابن عمر، وهذا قد اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: إذا اختلفت الرواية عن أحد الراويين دون الآخر تساقطتا.\nومنهم من رجّح رواية من لم يختلف عليه؛ لأنه أقرب إلى الضبط، وحكى سليم الرازي في \"التقريب\" وجهًا عكسه.\n_________\n(^١) تقدم.","vol":"4","page":620},{"text":"الْفَصْلُ الثَّالِثُ\nوَبِالسَّمَاعِ عَلَى مُحْتَمَلٍ\nوَبِسُكُوتِهِ مَعَ الْحُضُورِ عَلَى الْغَيْبَةِ، وَبِوُرُودِ صِيغَةٍ فِيهِ عَلَى مَا فُهِمَ.\n<hr><s0>\n\nالفصل الثالث: في الترجيح بحسب المروي، وإليه أشار بقوله: \"وبالسَّماع\" المتيقّن \"على محتمل\" لأن يكون غير سماع، وكذلك كان \"سمعت\" أرجح من \"قال\" لاحتمالها.\nوعبارة أبي الحسين الحلاني عن هذا أنه: أن \"سمعت\" مقدمة على \"كتب إلينا\".\nوقيل بقول ابن عباس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"أَيُمَا إِهَابٍ دُبغَ فَقَدْ طَهُرَ\" (^١) مع قول عبد الله بن عكيم: كتب إلينا رسول الله ﷺ: \"لا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بإهابٍ وَلا عَصَب\" (^٢).\nالشرح: \"وبسكوته مع الحضور على الغيبة\"، وعبارة \"المنتهى\": وأن يكون ساكتًا عنه مع حضوره على ما سكت عنه مع غيبته. انتهى.\n_________\n(^١) تقدم.\n(^٢) أخرجه أحمد (٤/ ٣١١)، وأبو داود (٤١٤٧)، وابن ماجة (٣٦١٣)، والنسائي (٢/ ١٩٢)، والطيالسي (١٢٩٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٧١)، وابن سعد في \"الطبقات الكبرى\" (٦/ ١١٣) والبيهقي (١/ ١٤) من طريق شعبة عن ابن أبي ليلى عن عبد الله بن عكيم قال: قرئ علينا كتاب رسول الله ﷺ في أرض جهينة وأنا غلام شاب: أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب.","vol":"4","page":621},{"text":"وَبِمَا لا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى عَلَى الآخَرِ فِي الآحَادِ.\nوَبِمَا لَمْ يَثْبُتْ إِنكَارٌ لِرُوَاتِهِ عَلَى الآخَرِ.\n<hr><s0>\n\nوحاصله: أن ما سكت عنه مع الحضور أولى مما سكت عنه مع الغيبة، \"وبورود صيغة\" صدرت من النبي ﷺ \"فيه\" أي: في ذلك الخبر بلفظها بغيبة \"على\" الآتي بمعنى \"ما فهم\" من الصيغة، وحاصله تقديم الرواية باللفظ على الرواية بالمعنى حتى يقدم الحديث المشتمل على صيغة واحدة مروية بلفظها على ما كله مروي بالمعنى.\nالشرح: \"وبما لا تعمّ به البلوى على الآخر في الآحاد\" أي: وهذا يختصّ بالآحاد.\nوبهذا رجحت الحنفية حديث بُسْرة (^١) على طَلْق (^٢) في مسّ الذكر.\nولقائل أن يقول: لا حاجة إِلى قيد \"الآحاد\" مع العلم بأن المتواترين، والمتواتر والآحاد لا تعارض فيهما.\nالشرح: \"بما لا يثبت إنكار لرواية على الأخرى\"، أي: ما أنكر الأصل رواية الفرع فيه مرجوح بالنسبة إلى ما لم ينكر، وهذا فيما إِذا أنكر الأصل وصمّم على إنكاره، مثل\n_________\n(^١) بسرة - بالضم - بنت صفوان بن نوفل بن أسد بن عبد العُزَّى الأسدية. مهاجرية، لها أحد عشر حديثًا، وعنها عبد الله بن عمرو بن العاص، وعروة. ينظر ترجمتها في: تهذيب التهذيب: ١٢/ ٤٠٤ ت ٢٧٤٢، وتقريب التهذيب: ٢/ ٥٩١، والثقات: ٣/ ٣٧، وأسد الغابة: ٧/ ٤٠، وأعلام النساء: ١/ ١١٠، والاستيعاب: ٤/ ١٧٩٦، والإصابة ٧/ ٥٣٦، وتجريد أسماء الصحابة: ٢/ ٢٥١، والكاشف: ٣/ ٤٦٦، والإكمال: ٧/ ٤٢٦، وتراجم الأحبار: ١/ ١٥٧، والخلاصة: ٣/ ٣٧٦، وتهذيب الكمال: ١٦٧٩، وتصحيفات المحدثين: ٥٨٣، وتبصير المنتبه: ٤/ ١٤٩٣.\n(^٢) قيس بن طلق بن علي بن المنذر، الحنفي اليمامي. روى عن: أبيه. وعنه: ابنه هوذة وعبد الله بن النعمان السحيمي وعبد الله بن بدر وغيرهم. قال العجلي: يمامي ثقة، وأبوه صحابي. وذكره ابن حبان في الثقات. وذكره أبو موسى في الذيل وقال: أورده جعفر وغيره من الصحابة. قال ابن أبي حاتم عن أبيه: قيس ليس ممن تقوم به حجة، ووهاه، وقال ابن معين: لقد أكثر الناس من \"قيس\" وإنه لا يحتج بحديثه. ينظر: تهذيب التهذيب ٨/ ٣٩٨ (٧٠٨).","vol":"4","page":622},{"text":"الْمَتْنُ: النَّهْيُ عَلَي الأَمْرِ، وَالأَمْرُ عَلَى الإبَاحَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالنَّهْيُ بِمِثْلِهِ عَلَى الإبَاحَةِ.\n<hr><s0>\n\nإنكار أبي معبد ما حدث به عنه عمرو بن دينار من حديث ابن عباس أنه كان يعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ.\nأما إذا لم يصمم، وحمل أمر شكّه في نفسه على النسيان، فلا تظهر مرجوحية، وقد كانوا يحدثون بعد ذلك عمن روى عنهم، فيقول واحدهم: حدثني فلان عني كما فعل بـ \"سهيل\" في حديث القضاء باليمين مع الشاهد.\nوسبقه أنس فقال: حدثني ابني عنى أن النبي ﷺ نهى أن يجعل فصّ الخاتم من غيره.\nالشرح: الصنف الثاني: الترجيح بحسب المَتْن، وإليه أشار بقوله: \"المتن\"، فيرجح \"النهي على الأمر\"؛ لأن النهي لدفع المفسدة، والأمر لِجَلْبِ المصلحة، والاهتمام بدفع المفسدة أشد، \"والأمر على الإباحة على الصحيح\" للاحتياط. وقيل: يرجح ما مدلوله الإباحة؛ لأن مدلوله متحد، ومحامل الأمر كثيرة، والإباحة على النهي.\nكذا بخط المصنف، وظاهره أن ما مدلوله نهي راجح على ما مدلوله إباحة.\nوقد اختلف أصحابنا فيما إِذا تعارض خَبَران أحدهما يقتضي الحَظْر، والآخر الإِباحة على وجهين حكاهما ابن السَّمْعَاني وغيره:\nأحدهما: أنهما سواء؛ لأنهما حكمان شرعيان. والثاني: تقديم ما يقتضي الحَظْر، وسيرجّحه المصنّف حيث يقول في المدلول الحظر على الإباحة ثم على الخلاف، والقول بتقديم الإباحة لا أعرفه عن أحد، ثم تقديم النهي معلوم من قوله هنا: \"النهي على\" الأمر، والأمر على \"الإباحة\"؛ فإنه صريح في أن النهي متقدم على الإِباحة، فقوله بعده: والإباحة على النّهي يناقضه، فلا يجعل بكلام الشارحين هنا، فما فيه غير تعسّفات لا حاصل لها.\nوقد قلنا غير مرة: إن الصواب أن يرد من كلام المصنفين ما يجب ردّه، ويقبل ما يجب قبوله.\nفأما التكليف والتخيُّل والحمل على أبعد المحامل بِلَطَافَةِ الوهم، ومنعه التخيل، وركوب الصَّعْب في ذلك دون المدلول، فهو عندنا شيء تستنكره العقول، ولا يرضاه لنفسه ذو نفس أبيّة، ولا يحفل به إِلا من مَلَكَتْهُ العصبية، وأخذته العزة بالحميّة، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إِلا صاحب القبر ﷺ.","vol":"4","page":623},{"text":"والأَقَلُّ احْتِمَالًا عَلَى الأَكثَرِ، وَالْحَقِيقَةُ عَلَي الْمَجَازِ، وَالْمَجَازُ عَلَى الْمَجَازِ بِشهْرَةٍ مُصَححَةٍ أَوْ قُوَّتِهِ، أَوْ قُرْب جِهَتِهِ، أَوْ رُجْحَانِ دَلِيلِهِ، شُهْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ، وَالْمَجازُ عَلَى الْمُشْتَرَكِ عَلَي الصَّحِيحِ كَمَا تَقَدَّمَ؛ وَالأَشْهَرُ مُطْلَقًا، وَاللُّغَوِيُّ الْمُسْتَعْمَلُ شَرْعًا عَلَى الشَّرْعِيِّ؛ بِخِلافِ الْمُنْفَرِدِ الشَّرْعِيِّ.\n<hr><s0>\n\nوابن الحاجب ليس بمعصومٍ، وما أحسن قول سلطان العلماء شيخ الإِسلام عز الدين بن عبد السَّلام في \"القواعد\" وقد استشكل مذهب الشَّافعي في كون الرشد صلاح الدين والمال، وقد تكلّف له تكلفًا مشكلًا: الفقيه من رأى الواضح واضحًا فقد كلّف نفسه شططًا، فإن كان عاقلًا كان أول ماقتٍ لنفسه، والتعصّب للحق على الرجال أولى من التعصُّب للرجال على الحق. انتهى.\nالشرح: \"والأقل احتمالًا\" يرجّح \"على الأكثر\"؛ لبعده عن الاضطراب، \"والحقيقة على المجاز\"؛ لعدم افتقارها إلى القرينة، \"والمجاز\" يرجّح على \"المجاز\" إما \"بشهرة مصححه\" أي: مصحح ذلك المجاز، وذلك بأن يكون ما به الاشتراك أعني: العلاقة بينه وبين محلّ الحقيقة أشهر مما به الاشتراك بين المجاز الآخر وحقيقته، \"أو قوته\" أي: بكون علاقة أحد المجازين أقوى من الآخر، \"أو قرب جهته\" إلى الحقيقة بأن كانت أقرب إليها من الآخر، \"أو برجحان دليله\" على دليل المجاز الآخر \"أو شهرة استعماله\" بأن كان أحدهما أشهر استعمالًا من الآخر، \"والمجاز\" راجح \"على المشترك على الصَّحيح كما تقدم\" في أوائل الكتاب.\n\"والأشهر\" راجح \"مطلقًا\" أي: في اللغة\" أو الشرع أو العرف على غير الأشهر، \"واللغوي\"، وهو اللفظ \"المستعمل\" في اللغة لمعنى: إذا استعمل \"في الشرع\" لموضوعه اللغوي أيضًا راجح \"على الشرعي\"، وهو المستعمل في الشرع لمعناه الشرعي الذي لم تضعه العرب له؛ لأن الأصل موافقة الشرع للغة، \"بخلاف\" اللَّفظ \"المنفرد الشرعي\"؛ فإنه أظهر، والحاصل أن اللُّغوي المستعمل شرعًا في موضوعه الأصلي أرجح مما نقله الشَّارع عن معناه اللُّغوي؛ لعدم التغيير والبعد، بخلاف المنفرد الشرعي، وهو ما له معنى شرعي وللآخر معنى لغوي؛ فإن حمله على الشرعي أظهر كما تقدم في موضوعه.","vol":"4","page":624},{"text":"وَبِتَأكِيدِ الدَّلالَةِ.\nوَيُرَجَّحُ في الاِقْتِضَاءِ بِضَرُورَةِ الصِّدْقِ عَلَى ضَرُورَةِ وُقُوعِهِ شَرْعًا، وَفِي الإيمَاءِ بِانْتِفَاءِ الْعَبَثِ، أَوِ الْحَشْوِ عَلَى غَيْرِهِ، وَبِمَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ عَلَى الْمُخَالَفَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالاِقْتِضَاءُ عَلَى الإشَارَةِ، وَعَلَى الإيمَاءِ، وَعَلَى الْمَفْهُومِ، وَتَخْصِيصُ الْعَامِّ عَلَي تَأْوِيلِ الْخَاصِّ لِكَثْرَتِهِ، وَالْخَاصُّ وَلَوْ مِنْ وَجْهٍ، وَالْعَامُّ الَّذِي لَمْ يُخَصَّصْ عَلَى مَا خُصَّ، وَالتَّقْييدُ كَالتَّخْصِيصِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"وبتأكيد الدَّلالة\" نحو: \"فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ\"، وكما تقدم دلالة المطابقة على الالتزام، وترجيح الدلالة \"في\" دلالة \"الاقتضاء بصيرورة الصدق على صيرورة وقوعه شرعًا\" أي إذا تعارض خبران دَالان بالاقتضاء: أحدهما لضرورة الصدق، والآخر لضرورة وقوعه شرعيًّا قدم الأول؛ لأن الصدق أهم من وقوعه شرعيًّا.\n\"وفي\" دلالة \"الإيماء\".\nوإذا تعارض يرجّح أحدهما \"بانتفاء [العَبَث] (^١)، أو الحشو على غيره\" من ترتيب حُكْمٍ على وصف لكون انتفاء [العبث] (^٢)، والحشو أظهر من دلالة الفاء والترتيب، \"وبمفهوم الموافقة على المُخَالفة على الصحيح\"؛ لأنه أقوى.\nواحتج من قدم المخالفة بأنها تفيد تأسيسًا، والموافقة للتأكيد، والتأسيس أولى، \"والاقتضاء على الإشارة\"؛ لترجيحها بقصد المتكلّم، \"وعلى الإيماء\"؛ لتوقف صدق المتكلم أو صحة الملفوظ به فيه، بخلاف الإيماء، \"وعلى المفهوم\"؛ لوقوع الاتفاق على دلالة الاقتضاء دون المفهوم في مفهوم المخالفة؛ ولجواز ألَّا يكون السكوت أولى، أو مساويًا في الموافقة، \"وتخصيص العام على تأويل الخاص لكثرته\" وقلَّة تأويل الخاصّ، \"والخاص ولو من وجه\" [محل] (^٣) العام؛ لأنه غير مبطل للعام، بخلاف العمل بالعام، فإنه يبطل الخاص على ما تقدم في مسألة \"بناء العام على الخاص\" المذكورة في ضمن مسألة \"تخصيص الكتاب بالكتاب\"، \"والعام الذي لم يخصص على ما خص\"؛ لأنه بالتخصص\n_________\n(^١) في ت: العيب.\n(^٢) في ت: العيب.\n(^٣) في ت: على.","vol":"4","page":625},{"text":"وَالْعَامُّ الْشَّرْطِيُّ عَلَى النَّكِرَةِ الْمَنْفِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَالْمَجْمُوعُ بِاللَّامِ و\"مَنْ\" وَ\"مَا\" عَلَى الْجِنْسِ بِاللَّامِ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى النَّصِّ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى مَا بَعْدَهُ فِي الظّنِّيِّ.\n<hr><s0>\n\nيضعف اللفظ، ويصير مجازًا عند قوم، ومثاله خبر أنس وابن عمر مع خبر علي فيما إذا زادت الإبل على مائة وعشرين، فإن من قال باستئناف الفريضة ترك ذلك في المائة والخمسين، فأوجب فيها ثلاث حِقاقٍ، ذكره سليم الرَّازي، كتطرق [الضعف] (^١) إلى ما خصّ؛ للخلاف في حجّيته، وأنه هل هو حقيقة، \"والتقييد\" المطلق \"كالتخصيص\" للعامّ، فيقدم المقيد ولو من وَجْه على المطلق، والمطلق الذي لم يخرج منه صورة على ما أخرج منه.\nالشرح: \"والعام الشّرطي على النكرة المنفية وغيرها\" من الجمع المُحَلّى والمضاف ونحوهما؛ لأن الدلالة في الشرط وأقوى لإفادة التعليل، ثم المبنية على الفتح من النكرات المنفية، ثم المرفوعة، \"والمجموع باللام، و\"من\" و\"ما\" على الجنس\" المعرّف \"باللّام، والإجماع على النص\" كتابًا كان أو سُنّة متواترة؛ لأن النسخ مأمون فيه.\nقوله: \"والإجماع على ما بعده\" أي: إذا ظن تعارض إجماعين قدّم المتقدم منهما على ما بعده، كالصّحابة على التابعين، والتابعين على تابعيهم، وهكذا؛ لأنهم أعلى رتبة وأقرب إلى زمن النبي ﷺ.\nوقوله: \"في الظن\" أي: ذلك متصور في الإجماع الظني دون القطعي، فإنه يظن فيه التَّعَارض، وإلا لزم تعارض الإجماعين في نفس الأمر، وهو محال. هذا تقرير كلامه فاعتمده، وبه صرح في \"المنتهى\" إذ قال: وإجماع الصحابة على مَنْ بعدهم، ثم على الترتيب، وذلك إنما يكون في الظني؛ لأنهم أعلى رتبة. انتهى.\nولا يخفى ما فيه من التعسّف؛ فإن تعارض الإجماعين في نفس الأمر مستحيل، سواء أكانا ظنيين أم قطعيين، وما قاله بعض الشُّراح: إنه إذا نقل بخبر الواحد فقد لا يطلع عليه أهل العصر الثاني، فيجمعون على خلافه - ليس بصحيح؛ فإنه وإن لم يطلعوا عليه، فالله قد عصمه عن أن يجمعوا على خلافه؛ لأنه بالإجماع عليه حق، فلو أجمعوا على خلافه لأجمعوا على باطل، سواء أعلموا بأنه تقدمهم إجماع أم لا، فظن تعارض الإجماعين ممكن، سواء أكانا في القطعيين أم الظنيين.\n_________\n(^١) في ب: الضعيف.","vol":"4","page":626},{"text":"الصِّنْفُ الثَّالِثُ\nالْمَدْلُولُ: الْحَظْرُ عَلَى الإِبَاحَةِ.\nوَقِيلَ: بِالْعَكْسِ وَعَلَى النَّدْبِ؛ لِأَنَ دَفْعَ الْمَفَاسِدِ أَهَمُّ، وَعَلَى الْكَرَاهَةِ، وَالْوُجُوبُ عَلَى النَّدْبِ؛ وَالْمُثْبِتُ عَلَى النَّافِي؛ كَحَدِيثِ بِلالٍ ﵁: دَخَلَ الْبَيْتَ وَصَلَّى، وَقَالَ أُسَامَةُ: دَخَلَ وَلَمْ يُصَلِّ، وَقِيلَ: سَوَاءٌ، وَالدَّارِئُ عَلَى الْمُوجِبِ، وَالْموجِبُ لِلطَّلاقِ وَالْعِتْقِ؛ لِمُوَافَقَتِهِ النَّفْيَ، وَقَدْ يُعْكَسُ؛ لِمُوَافَقَتِهِ التَّأْسِيسَ، وَالتَّكْلِيفِيُّ عَلَى الْوَضْعِيِّ بِالثَّوَابِ، وَقَدْ يُعْكَس، وَالْأَخَفُّ عَلَى الْأَثْقَلِ وَقَدْ يُعْكَسُ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: في الترجيح بحسب مدلول اللفظ، وإليه أشار بقوله: \"المدلول: الحَظْر على الإباحة\"؛ للاحتياط.\nقال أصحابنا: ولأن سبب التحريم والتحليل إذ اجتمعا في عين واحدة غلب التحريم.\nكالجارية بين الشريكين، والمتولّد بين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل.\n\"وقيل: بالعكس\"؛ لأنهما حكمان شرعيان، وقد قدمنا أنهما وجهان لأصحابنا، والخلاف فيما إذا لم يكن للشيء أصل من حظر، ولا إباحة، واقتضى أحد الخبرين الحظر، والآخر الإباحة مثل: خبر عَدِيّ بن حاتم فيما أكلت منه الجارحة أنه يحرم مع خبر أبي ثعلبة الخشني في إباحة أكله.\nوأصح قولي الشَّافعي أنه لا يحل اعتمادًا على هذا الأصل.\nأما إذا كان لذلك الشيء أصل إباحة، وأصل حظر، وأحد الخبرين يوافق ذلك الأصل، والآخر مخالفه كان الناقل عن ذلك الأصل أولى، كتقديم الخبر في تحريم النبيذ على الخبر في تحليله، \"وعلى الندب؛ لأن دفع المفاسد أهم، وعلى الكراهة\"؛ للاحتياط.","vol":"4","page":627},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"والوجوب\" راجح \"على الندب\"؛ لأنه أحوط، \"والمثبت على النافي\"، \"كحديث بلال\" المتفق على صحته: \"دخل البيت وصلى\".\n\"وقال أسامة: دخل ولم يصل فيه\" حتى خرج، فلما خرج ركع في قبل البيت ركعتين أخرجه مسلم، ولقائل أن يقول: إنما يثبت التعارض بين هذين الخبرين لو ثبت أنه ﷺ لم يدخل الكعبة إلا مرة واحدة، ولكنه دخلها غير مرة، فلعله ﷺ صلّى مرة، ورواه بلال، وترك أخرى، ورواه أسامة.\nوسمعت بعض أهل الحديث يمثل بقصة ماعز، ففي البخاري عن محمود بن غيلان، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر أنه: لما رجم ماعز قال النبي ﷺ - خيرًا وَصَلّى عليه (^١).\nقال البُخَاري: لم يقل يونس وابن جريج عن الزهري: \"وصلى عليه\".\nقلت: وخالف محمودًا فيه [جماعة] (^٢) أصحاب عبد الرزاق.\nفأخرجه أبو داود عن محمد بن المتوكل العسقلاني والحسن بن علي، وأخرجه الترمذي عن الحسن بن علي، والنسائي عن محمد بن رافع ونوح بن حبيب، وأخرجه البيهقي من طريق أحمد بن منصور الرمادي، كلهم عن عبد الرزاق.\nوقالوا فيه: ولم يصل عليه (^٣) على نقيض ما قاله محمود بن غيلان. قلت: ولكن التمثيل بهذا لا يصح؛ لأنَّ الحكم للنفي، وقد حكم البيهقي بخطأ محمود بن غيلان، وَثَمَّ أحاديث تقوى أنَّهُ ما استغفر له، ولا أشبه، فاعتضد حديث النفي، فلتطلب مثال غير هذا، [وقيل] (^٤): المثبت والنافي \"سواء؛ لأن المثبت إن كان معه زيادةُ علمٍ فالنافي معتضدٌ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري كتاب المحاربين: باب الرجم بالمصلى (٦٨٢٠)، ومسلم (٥/ ١١٧)، وأبو داود (٤٤٣٠)، والترمذي (١/ ٢٦٨)، والدارمي (٢/ ٢٧٦)، وأحمد (٣/ ٣٢٣) من حديث جابر، وزاد أحمد: ولم يصل عليه.\n(^٢) في ب: جماعته.\n(^٣) أخرجه البخاري (٩/ ٢٧٨) كتاب المحاربين: باب الرجم بالمصلى (٦٨٢٠) من حديث جابر.\n(^٤) في ب: سواء.","vol":"4","page":628},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nبالأصلِ، فتعارضا، \"والدارئُ\" للحدّ راجح \"على الموجب\"؛ لأن الحدود تُدْرَأُ بالشبهات.\nوفي وجه لأصحابنا أنهما سواء؛ لأن الشبهة لا تؤثر في ثبوته شرعًا؛ ألا ترى أنه ثبت بخبر الواحد، والقياس مع الشبهة فيهما؛ ولأن الحد إنما يسقط بالشبهة إذا كانت في نفس الفعل، فيبيحه قوم، ويحظره آخرون، كالوطء في النكاح بلا ولي ولا شهود، وليس هنا اختلاف في نفس الفعل، وإنما تعارض الخبران فيه، فكانا سواء.\nونظيره من عرف تحريم الخمر وجهل أنه موجب للحد، ولا يجعل جهله بإيجاب الحد شبهة، \"والموجب للطلاق والعتق\" راجح على المزيل لهما؛ \"لموافقته النفي\" الأصلي، \"وقد ينعكس\" (^١) فيقدَّمُ النافي للطلاق والعتق، وهو رأى قوم، \"والتكليفى على الوضعي\"، ورجحانه \"بالثواب\" الحاصل من التكليف، \"وقد ينعكس\" فيرجح الوضعي؛ لأنه لا يتوقف على فهم، ويمكن \"والأخف على الأثقل\" لليسر، \"وقد ينعكس\"؛ لأن الأشق أكثر إجزاء.\n_________\n(^١) في المتن: يعكس.","vol":"4","page":629},{"text":"الصِّنْفُ الرَّابِعُ\nالْخَارجُ: يُرَجَّحُ الْمُوَافِقُ لِدَلِيل آخَرَ، أَوْ لِأَهْلِ \"الْمَدِينَةِ\"، أَوْ لِلْخُلَفَاءِ، أَوْ لِلأَعْلَمِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: مما يرجح الأمر به \"الخارج\" عن الدَّليل المنقول وعوارضه، فنقول: \"يرجح الموافق لدليل آخر\" من كتاب، كتقديمنا خبر عائشة في التَّغْلِيسِ على حديث رافع في الإسفار؛ لموافقة قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٨]، ومن المحافظة على الصلاة في أول الوقت.\nأو سُنّة، كتقديمنا: \"لا نِكَاحَ إِلَّا بِوَليٍّ \" على حديث: \"الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَليِّهِا\" (^١)\nلموافقته لحديث: \"أَيُما امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْر إِذْنِ وَليِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ\" أو قياس، كتقديمنا حديث جابر \"أن الضحك ينقض الصلاة (^٢)، ولا ينقض الوضوء\" على حديث \"مَنْ ضَحِكَ فِي الصَّلاةِ فَلْيُعِدِ الصَّلاةَ وَالوُضوء\" (^٣)؛ لموافقته القياس، فإن ما لا ينقض الوضوء خارج عن الصلاة لا ينقضها داخلها كالكلام.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود ٢٣٣، كتاب النكاح: باب في الثيب (٢٠٩٩).\n(^٢) أخرجه الدارقطني (١/ ١٧٣) من حديث جابر مرفوعًا.\nوأخرجه أيضًا (١/ ١٧٢) من طريق يزيد بن سنان نا سليمان الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعا بلفظ: من ضحك منكم في صلاته فليتوضأ ثم ليعد الصلاة.\nوقال الدارقطني: قال لنا أبو بكر النيسابوري: هذا حديث منكر، فلا يصح.\nوذكره الحافظ ابن حجر في \"تلخيص الحبير\" (١/ ١٧٥) وقال: قال ابن الجوزي:\nقال أحمد: ليس في الضحك حديث صحيح، وكذا قال الذهلي: لم يثبت عن النبيّ ﷺ في الضحك في الصلاة خبر.\n(^٣) أخرجه الدارقطني (١/ ١٦٥)، وابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ١٧٦٢) عن عمران بن حصين.","vol":"4","page":630},{"text":"وَبِرُجْحَانِ أَحَدِ دَلِيلَي التَّأْوِيلَيْنِ.\n<hr><s0>\n\nوقوله\" [أو] (^١) لأهل المدينة\" أي يرجح الموافق لأهل \"المدينة\" وإن لم نقل: إن إجماعهم حجة، كما قدمنا حديث أبي مَحْذُورَة في الترجيح في الآذان، ورواية من روى إفراد الإقامة؛ لأن أهل \"المدينة\" أعرف بالتنزيل، وبين ظهرانيهم مشاهدة الأمور، \"أو للخلفاء\" الأربعة، وإن لم يحتج بإجماعهم أيضًا؛ لأن عملهم يدل على أنه آخر الأمرين؛ ولأنه بمحضر من الصّحابة، فيكون أقوى في النفس.\nفيقدم حديث عائشة أن النبي ﷺ \"كبر في العِيدَيْنِ في الأولى سبعًا، وفي الثانية خمسًا\" (^٢) على خبر أبي موسى: \"كبر في العِيدَيْنِ أربعًا في الأولى، وأربعًا في الثانية\" (^٣)؛ لأن الأول عمل به أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃.\n\"أو للأعلم\"، أي: يرجح الخبر لمواففته لعمل الأعلم؛ لكونه أعرف بمواقع التنزيل، كتقديمنا رواية على في الاستفتاح على غيره [لموافقتها] (^٤) عمله، وهو أعلم من المخالف له في روايتها.\nالشرح: \"وبرجحان أحد دليلي التأويلين\"، أي: إذا تعارض مؤلان ودليل تأويل أحدهما أرجح قدم على الآخر، كتأويل أصحابنا قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ\n_________\n(^١) في ت: ولا.\n(^٢) أخرجه الترمذي ٢/ ٤١٦ في كتاب الصلاة: باب التكبير في العيدين (٥٣٦)، وأخرجه ابن ماجة ١/ ٤٠٧ في إقامة الصلاة: باب ما جاء في كم يكبر الإمام، وأخرجه الدارقطني في السنن ٢/ ٤٨ في كتاب العيدين (٢٣)، والبيهقي في السنن ٣/ ٢٨٦ من صلاة العيدين، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه ٢/ ٣٤٦، ونوقش الترمذي في تحسينه؛ لأجل كثير هذا، فقد قال الشافعي في حقه: هو ركن من أركان الكذب، ومال في تحسين حديثه الشيخ شاكر ﵀، وقد مضى الكلام عليه.\n(^٣) أخرجه أبو داود (١/ ٣٦٩) كتاب الصلاة: باب التكبير في العيدين (١١٥٣) من طريق مكحول قال: أخبرني أبو عائشة - جليس لأبي هريرة - أن سعيد بن العاص سأل أبا موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان: كيف كان رسول الله ﷺ يكبر في الأضحى والفطر؟ فقال أبو موسى: كان يكبر أربعًا تكبيره على الجنائز.\nوذكره الحافظ ابن حجر في \"تلخيص الحبير\" (٢/ ٨٥).\n(^٤) في ت: لموافقتهما.","vol":"4","page":631},{"text":"وَبِالتَّعَرُّضِ لِلْعِلَّةِ.\n<hr><s0>\n\nمِنْهَا﴾ [سورة النور: الآية ٣١] على الوجه والكفين، فيكون القدم من العورة محتجين بأنه روي عن ابن عباس أنه قال: تفسيره الوجه والكف، إن عارضت الحنفية بأنه روي عن ابن مسعود في تأويله: السَّاق والقُرْط، والخُلْخَال، والدّملج، والقِلادَة.\nقالوا: أو الخلخال في آخر الساق، ويلزم من إبدائه ظهور القدم.\nفأجاب أصحابنا بأن دليلنا أرجح لثلاثة أوجه:\nأحدها: أن ابن عباس أقعد بتأويل القرآن لقوله ﷺ: \"اللَّهُمْ فَقِّههُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأوِيلَ\".\nوالثاني: أن الدَّملج محله الذراع، والقِلادَة محلّها العُنقُ، وهما من العورة اتفاقًا، فصار قول ابن مسعود متروك الظاهر، فرجح الأول.\nوالثالث: حديث أم سلمه أنه ﷺ قال: \"مَنْ جَرَّ ثَوْبًا مِنْ مَخِيلَةٍ لا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيهِ\" (^١).\nقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ قال: \"يُرْخِينَ شِبْرًا\". قالت: إذن تنكشف أقدامهن، قال ﷺ: \"فَيُرْخينهُ ذِرَاعًا لا يَزِدْنَ عَلَيْهِ\" (^٢) رواه أبو داود، فقولها: \"إذن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري ١٠/ ٢٦٦، في اللباس: باب من جر إزاره من غير خيلاء (٥٧٨٤) وفيه من الفقه: أنه لا حرج على من اتجَّر إزاره بغير قصده مطلقًا، وأما ما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عمر ﵁ أنه كان يكره جر الإزار على كل حال، فقال ابن بطال: هو من تشديداته، وإلا فقد روى هو حديث الباب، فلم يخف عليه الحكم، قال الحافظ: بل كراهة ابن عمر محمولة على من قصد ذلك، سواء كان عن مخيلة أم لا، وهو المطابق لرؤيته، ولا يظن بابن عمر ﵁ أنه يؤاخذ من لم يقصد شيئًا، وإنما يريد بالكراهة من انجر إزاره بغير اختياره ثم تمادى على ذلك ولم يتداركه، وهذا متفق عليه وإن اختلفوا هل الكراهة فيه للتحريم أو للتنزيه، وفي الحديث أيضًا: اعتبار أحوال الأشخاص في الأحكام باختلافها، وهو أصل مطرد غالبًا: الفتح ١٠/ ٢٦٧.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤١١٧)، والترمذي (١٧٣١)، والنسائي (٨/ ٢٠٩)، وابن ماجة (٣٥٨٠)، وأحمد (٦/ ٢٩٣).\nوقال الترمذي: حسن صحيح.","vol":"4","page":632},{"text":"وَالْعَامُّ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ فِي السَّبَبِ، وَالْعَامُّ عَلَيْهِ فِي غَيْرِهِ.\n<hr><s0>\n\nتنكشف أقدامهن\" مع إقراره ﷺ دليل أن انكشاف القدم محظور.\nالشرح: \"وبالتعرض للعلّة\"؛ لأن ذكر علته تدل على الاهتمام به، والنقب عليه بحديث: \"مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ\" (^١) مقدم على حديث النهي عن قتل النّساء (^٢)؛ لأنه نيط الحكم فيه بوصف الردة، وهو مناسب لا تختلف مناسبته بالنسبة إلى الرجال والنساء، ولفظ النساء لا وصف فيه، فأمكن حمله على الجزئيات.\nالشرح: \"والعام\" يرد \"على سبب خاص\" راجح على العام المطلق إذا تعارضا \"في\" صورة \"السَّبب\"؛ لقوة دلالته فيها، ولذلك يجوز تخصيصها.\nوأما فيما عدا صورة السبب، فالعام الذي لم يرد على سبب أرجح؛ للاختلاف في تعميم الوارد على سبب صرح به أصحابنا.\nقالوا: وهو كما أجرينا: \"مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ\" على عمومه، وقصرنا نهيه عن قتل النساء بالحربيات، ولعلّك تجد في بعض التَّصَانيف أن \"العام\" الوارِد \"على\" سبب راجح على ما لم يرد في بعضها عكسه، وهو محمول على ما ذكرناه.\nفمن قال: إن الوارد على سبب راجح أراد في صورة السبب.\nومن قال: إن عكسه راجح أراد فيما عداها، ولا يتجه خلاف في الموضعين.\n_________\n(^١) تقدم.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦/ ١٤٨) كتاب الجهاد: باب، قتل الصبيان في الحرب (٣٠١٥)، ومسلم (٣/ ١٣٦٤) كتاب الجهاد والسير: باب تحريم قتل النساء (٢٥/ ١٧٤٤)، وأبو داود (٢٦٦٨) والترمذي (١/ ٢٩٧) وابن ماجة (٢٨٤١)، ومالك (١/ ٤٤٧) رقم (٩)، وابن حبان (١٦٥٧)، والدارمي (٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ١٢٦)، وابن الجارود (١٠٤٣)، والبيهقي (٩/ ٧٧)، وأحمد (٢/ ٢٢، ٢٣، ٧٦، ٩١) من طرق عن نافع عن ابن عمر.","vol":"4","page":633},{"text":"وَالْخِطَابُ شِفَاهًا مَعَ الْعَامِّ كَذَلِكَ، وَالْعَامُّ لَمْ يُعْمَلْ فِي صُورَةٍ عَلَى غَيْرِهِ، وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ، وَالْعَامُّ بِأَنَّهُ أَمَسُّ بِالْمَقْصُودِ؛ مثْلُ: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٣] عَلَى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وَبِتَفْسِيرِ الرَّاوِي بِفِعْلِهِ أَوْ قَوْلِهِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"والخطاب\" العام الوارد \"شفاهًا\" مثل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٠٢]، \"مع العام\" غير الوارد شفاهًا \"كذلك\" أي: كالعامين ورد أحدهما على سبب، فيتقدم عام المُشَافهة فيمن شُوفهوا به، وفي غيرهم الآخر، وهو واضح، \"والعام\" الذي \"لم يعمل\" به \"في صورة\" ما \"على غيره\"، ليعمل به، فيكون قد عمل بها؛ إذ لو اعتبر ما يحمل به لزم إلغاء الآخر حمله، والجمع ولو بوجه أولى.\n\"وقيل: بالعكس\" أي: بتقديم ما عمل به؛ لأن العمل شاهد له بالاعتبار.\n\"والعام\" المقصود به بيان الحكم المختلف فيه راجح على العام الذي لم يقصد به، وذلك \"بأنه أمس بالمقصود\"، وأقرب إليه، ولا ريب في رُجْحَان ما كان كذلك \"مثل: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٣] \"؛ فإنه راجح في تحريم الجمع بينهما في الوطء \"على ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾؛ إذ هو أمس بمسألة الجمع.\nومثل خبر ابن عباس في مواقيت الصلاة؛ فإنه راجح على خبر ابن عمر: \"إنما مثلكم ومثل الأمم من قبلكم\"؛ لأن القصد بهذا ضرب المثل لا الحكم، \"وبتفسير [الراوي] (^١) \"، أي: إذا تعارض تفسيران لخبر، وكان أحد التفسيرين قد فسره به الراوي، فهو الأرجح؛ لأنه أعرف بما رواه، فيكون ظن الحكم به أوثق، سواء أوقع التفسير \"بفعله أو قوله\"، كما قلنا في التفريق في المُتبَايعين (^٢) أن ابن عمر فسّره بالتفرق بالبدن، وكان إذا ابتاع قام ومشى، وهو الراوي، فالمصير إليه أوْلَى.\nوفي كلام أكثر المتأخرين، وجميع الشارحين لـ\"المختصر\": إذا تعارض خبران أحدهما مقترن بتفسير الراوي فهو أرجح، وهنا [لا شيء] (^٣)، وإنما المراد تعارض تفسيرين\n_________\n(^١) في ت: الرازي.\n(^٢) البخاري ٤/ ٣٢٦ في البيوع: باب كم يجوز الخيار (٢١٠٧)، وفي ٤/ ٣٢٨ في باب البيعان بالخيار ما لم يتفرقا (٢١١١)، ومسلم ٣/ ١١٦٣، في كتاب البيوع: باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين (٤٣/ ١٥٣١).\n(^٣) في ب، ت: وهذا لاثنين.","vol":"4","page":634},{"text":"وَبِذِكْرِ السَّبَبِ، وَبِقَرَائِنِ تَأَخُّرِهِ، كَتَأْخِيرِ الْإِسْلامِ أَوْ تَارِيخٍ مُضَيَّقٍ، أَوْ تَشْدِيدِهِ لِتَأَخُّرِ التَّشْدِيدَاتِ.\n<hr><s0>\n\nلخبر واحد كما قررناه، لا تعارض خبرين أحدهما مفسر بكلام الراوي.\nالشرح: \"وبذكر السبب\"، أي: ويرجح ما ذكر سبب على ما لم يذكر؛ لأن ذكر الراوي للسبب يدلّ على زيادة اهتمامه بما رواه، \"وبقرائن تأخره\" عن الآخر، فما دلَّت القرينة على تأخره راجح، والقرائن \"كتأخير الإسلام\"، كذا بخطّ المصنف أي: أن إسلام أحد الراويين بعد الآخر قرينة أن سماعه متأخر عنه؛ لأن الظاهر أن سماعه إنما هو في حال الإسلام، والعمل بالأحدث فالأحدث، فتكون روايته راجحة، وهذا هو مذهبنا كما قدمناه إلا أن المصنف قدم خلافه؛ إذ صرح فيما مضى بأن تقدم الإسلام أحد مرجّحات الراوي.\nوإن قيل: السابق أن تقدم الإسلام مرجح للراوي لا لروايته، والمذكور هنا أن تأخره مرجّح لروايته لا له نفسه، فلا منافاة.\nقلنا: هذا لا حاصل له؛ لأن كلامنا ثَمّ إنما هو في ترجيح الراوي يترجح به روايته، \"أو تاريخ مضيق\"؛ فإنه يرجّح على غيره من مطلق، أو مؤرّخ بتاريخ موسّع، فإنهما يحتملان التأخر.\nواعلم أن المراد بـ \"التَّاريخ المضيق\" ما يبعد بعده التغيير والنسخ، كالمسند إلى أواخر العمر، كتقديمنا ما روي من قوله ﵊: \"إِذَا صَلَّى الإمَامُ قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعُونَ\" (^١).\nوليس مرادنا بـ \"التّأخير المضيق\" ما يعين فيه ساعة السماع، أو يومه، فإنه لا يظهر ترجيح بذلك، بل الظاهر أنهما فيه سواء.\nوالأصح في مذهبنا فيما إذا تعارضت بينتان إحداهما مؤرخة، والأخرى مطلقة أنهما سواء.\nوقيل: تقدم المؤرخة.\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ (١/ ١٣٥)، في صلاة الجماعة: باب صلاة الإمام وهو جالس، وأخرجه البخاري ٢/ ٢٠٤، كاب الأذان: باب إنما جعل الإمام (٦٨٩)، ومسلم ١/ ٣٠٨، كتاب الصلاة: باب ائتمام المأموم والإمام (٧٧/ ٤١١).","vol":"4","page":635},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nفإن قلت: والأصح في المذهب أنهما إن أرختا بتاريخ مختلف قدم أسبقهما تاريخًا.\nقلت: لاعتضاده بالاستصحاب، وهذا في الشهادات، ولا كذلك في الروايات؛ فإن المتأخر أحدث وأبعد عن النسخ، والفرق بين الشَّهادة والرواية معروف، ولو أرخ أحد الراويين بتاريخ متقدم، وأطلق الآخر قدم المطلق؛ لأنه أشبه بالمتأخر، \"أو تشديده\"، فإذا كان في أحد الخبرين تشديد دون الآخر، أو كان أحدهما أشد قدم \"لتأخير التشديدات\"؛ فإن الدين كانت قوته تزداد شيئًا فشيئًا، وكان ﵊ لرأفته بالخلق وتدريجه إياهم لا ينذر بالتغليظ، بل يلوح، ثم يعرض، ثم يصرح، والقرآن أكثره هكذا، وانظر آيات تحريم الخمر، واختار صاحب \"الحاصل\" تاج الدين الأرموي أن المتضمن للتخفيف أرجح، وتبعه البيضاوي في \"المنهاج\"، وهو شيء ذكره الإمام الرازي بحثًا، والأرجح خلافه. والله أعلم.","vol":"4","page":636},{"text":"<span data-type='title' id=toc-905>الْقِسْمُ الثَّانِي\nالْمَعْقُولانِ: قِيَاسَانِ أَوِ اسْتِدْلالانِ،</span> فَالْأَوَّلُ: أَصْلُه، وَفَرْعُه، وَمَدْلُولُه، وَخَارجٌ، الْأَوَّلُ: بِالْقَطْعِ.\nوَبِقُوَّةِ دَلِيلِهِ، وَبِكَوْنِهِ لَمْ يُنْسَخْ بِاتِّفَاقِ، وَبِأَنَّهُ عَلَى سَنَنِ الْقِيَاسِ، وَبِدَلِيلٍ خَاصٍّ عَلَى تَعْلِيلِهِ.\n<hr><s0>\n\n\nالشرح:<span data-type='title' id=toc-906> في تعارض الدليلين المعقولين </span>فنقول: إذا تعارض \"المعقولان\"، فهما إما \"قياسان، أو استدلالان، فالأول\" صنف القياس،. والترجيح فيه يقع بأربعة أشياء، وهي \"أصله وفرعه، ومدلوله، وخارج الأول\" الترجيح بحسب الأصل، ويقع من وجوه \"القطع\"، فيقدم ما حكم أصله قطعي على ما هو ظني، كقولنا في لعان الأخرس: إن ما صحّ من الفاسق صحّ من الأخرس، كاليمين؛ فإنه أرجح من قياسهم على شهادته تعليلًا بأنه يفتقر إلى لفظ الشهادة؛ لأن اليمين يصح من الأخرس بالإجماع؛ والإجماع قطعي.\nوأما جواز شهادته ففيه خلاف بين الفقهاء.\nالشرح: \"وبقوة دليله\"؛ لأنه أغلب على الظن، \"وبكونه لم ينسخ باتفاق\"، فإن ما قيل بأنه منسوخ، وإن كان القول بأنه منسوخ ضعيفًا، ليس كما اتفق أنه لم ينسخ، \"وبأنه على سنن القياس\".\nفإن قلت: لو لم يكن كل منها على سَنَنِ القياس لم يتعارضا؛ لأن من شرط حكم الأصل ألَّا يكون معدولًا به عن سَنَنِ القياس. وإذا لم يكن تعارص فلا ترجح.\nقلت: قد يكون أحدهما على سنن القياس باتفاق، والآخر مختلف؛ في كونه على سننه، فيرجح المتفق على المختلف إذ أحدهما على سننه قطعًا، والآخر ظنًّا، فيرجّح الأول، وهل يقال: المراد بكونه على سنن القياس أن يكون أصل أحدهما من جنس الفرع","vol":"4","page":637},{"text":"وَبِالْقَطْعِ بِالْعِلَّةِ، أَوْ بِالظَّنِّ الأَغْلَبِ، وَبِأَنَّ مَسْلَكَهَا قَطْعِيٌّ، أَوْ أَغْلَبُ ظَنًّا.\n<hr><s0>\n\nالمُتَنَازع فيه دون أصل، والآخر فيرجح ما هو من جنسه؛ لأنه على سننه، وبذلك صرح القاضي أبو الطيب، والماوردي، وأبو إسحاق الشيرازي، والسمعاني وغيرهم من أئمتنا مثل قياسنا ما دون أرش الموضحة في تحمّل العَاقِلة أياه، فهو أولى من قياسهم ذلك على غرامات الأموال في إسقاط التحمل؛ لأن الموضحة من جنس ما [اختلفنا] (^١) فيه، فكان على سننه؛ إذ الجنس بالجنس أشبه.\nكما تقول: قياس الطهارة على الطهارة أولى من قياسها على سَتْرِ العورة. \"وبدليل خاص\" يقوم \"على تعليله\" وجواز القياس عليه؛ فإنه أبعد من التعبد والقصور.\nالثاني: الترجيح بحسب العلة.\nالشرح: وإليه أشار بقوله: \"وبالقطع بالعلّة\" أي: بوجود العلة فيه، \"أو بالظن الأغلب، وبأن مسلكها قطعي\" دون مسلك الأخرى، \"أو غلب ظنًّا\" إما بكونها منصوصًا عليها مثل علّتنا في بيع الرُّطب بالتمر أنه جنس ربوي بيع بعضه ببعض على صفة يتفاضلان في حال الكمال والادّخار، فأشبه الحِنْطَة بالدفيق مع تعليلهم بوجود التَّماثل في الحال؛ لأن علّتنا منصوص عليها، فإن النبي ﷺ نصّ على معنى هذا التعليل في حديث: \"أيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ \" (^٢) فكانت أولى من المستنبطة، أو لكثرة أصولها، كقياسنا الإقرار بالزنا على سائر الأقارير في أنه لا يعتبر فيه العدد مع قياسهم أي على الشهادة بالزنا، أو لغير ذلك.\n_________\n(^١) في ت: اختلفتا.\n(^٢) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٦٢٤، كتاب البيوع (٣١) باب ما يكره من بيع الثمر (١٢)، الحديث (٢٢)، والشافعي في ترتيب المسند ٢/ ١٥٩ كتاب البيوع: باب في الربا، الحديث (٥٥١)، وفي الرسالة ص (٣٣١)، وأبو داود في السنن ٣/ ٦٥٤ - ٦٥٧ كتاب البيوع (١٧) باب في التمر بالتمر (١٨)، الحديث (٣٣٥٩)، والترمذي في السنن ٣/ ٥٢٨ كتاب البيوع (١٢) باب ما جاء في النهي عن المحاقلة والمزابنة (١٤) الحديث (١٢٢٥) وقال: (حسن صحيح)، والنسائي في المجتبي من السنن ٢/ ٧٦١، كتاب التجارات (١٢) باب بيع الرطب بالتمر (٥٣) الحديث (٢٢٦٤)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٣٨ - ٣٩، كتاب البيوع، باب =","vol":"4","page":638},{"text":"وَالسَّبْرُ عَلَى الْمُنَاسَبَةِ؛ لِتَضَمُّنِهِ انْتِفَاءَ الْمُعَارِضِ، وَيُرَجَّحُ بِطُرُقِ نَفْى الْفَارِقِ فِي الْقِيَاسَينِ، وَالْوَصْفُ الْحَقِيقِيُّ عَلَى غَيْرِهِ.\nوَالثُّبُوتِيُّ عَلَى الْعَدَمِيِّ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"والسبر على المناسبة؛ لتضمنه انتفاء المعارض\"؛ لتعرُّضه لعدم علّية غير المذكور، بخلاف المناسبة، فقولهم: للمحتال الرجوع على المحيل، إذا أفلس المحال عليه؛ لأنه عجز عن الرجوع مع بقاء عينه، وشبه البائع مرجوح بالنسبة إلى قولنا: وصف الحِوَالَةِ لا بد أن يقتضي شيئًا، وهو إما تحوُّل الحقّ أو لا.\nوالثاني باطل، وإلا لزم أن تدوم له المطالبة كما في الضَّمان، فثبت الأول، فإذا تحول لم يعد، \"ويرجح\" إذا كان طريق ثبوت العلّية في القياس نفي الفارق \"بطرفي نفي الفارق في القياسين\" بتقدم القاطع على الظَّني، والأغلب ظنًّا على الآخر.\n\"والوصف الحقيقي على غيره\" مما العلة فيه وصف اعتباري، أو حكمة مجردة على القول بجواز التعليل بها، أو وصف حكمي، كقولنا في المَنِيّ: مبتدأ خلق بشر، فأشبه الطّين مع قولهم: مانع سببه الغُسْل، فأشبه الحَيْض.\nالشرح: \"والثبوتي على العدمي\" كقولنا في السَّفَرْجل: مطعوم، وكان ربويًّا كالبر مع قولهم: ليس بمكيل ولا موزون، وهذا إذا كان الحكم وجوديًا، والعلة وجودية فإنه يرجح على ما إذا كانا عدميين كما مثّلناه، وكذا على ما إذا كان أحدهما عدميًّا كقولنا: الخُلْع طلاق؛ لأنه فرقة ينحصر ملكها في الزوج مع قولهم: فسخ؛ لأنه لا رَجْعَة فيه.\nأما إذا كان الحكم عدميًّا، والعلة ثبوتية أو بالعكس، فقد قال الإمام الرازي وأتباعه: إنه مرجوح بالنسبة إلى ما إذا كانا عدميين، واعتلوا بالمُشَابهة بين التعليل بالعدمي، وللعدمي.\n_________\n= النهي عن بيع الرطب بالتمر، والبيهقي في السنن ٥/ ٢٩٤ - ٢٩٥ كتاب البيوع: باب ما جاء في النهي عن بيع الرطب بالتمر، وابن الجارود في المننقى في باب ما جاء من الربا حديث (٦٥٧)، والدارقطني ٣/ ٤٩ في كتاب الببوع، حديث (٢٠٤ - ٢٠٦)، وانظر: تلخيص الحبير ٣/ ٩ - ١٠، ونصب الراية ٤/ ٤٠.","vol":"4","page":639},{"text":"وَالْبَاعِثَةُ عَلَى الْأَمَارَةِ، وَالْمُنْضَبِطَة، وَالظَّاهِرَة، وَالْمُتَّحِدَة، عَلَى خِلافِهَا.\n<hr><s0>\n\nوعندنا فيه وقفة ذكرناها في \"شرح المنهاج\"، ومثال العدميين مع الوصف العدمي والحكم الوجودي قولنا: المرأة لا تلي القَضَاء، فلا تلي النكاح كالمجنون مع قولهم: لا يمنع من التصرف في المال، فيلي النكاح كالعاقل، والعدميين مع الحكم العدمي، والوصف الوجودي.\nقولنا: عتق الراهن تصرُّف صادف الملك، فلا يلغى مع قولهم: لم ينصرف فيه، وهو مطلق التصرف، فلا يعتبر.\nالشرح: \"والباعثة على الأمارة\"، أي: والقياس الذي علّته بمعنى الباعثة على الذي علته بمعنى الأمارة؛ لأن قبول الطباع إليه أسرع، ولقائل أن يقول: العلة أبدًا إما بمعنى الباعث، أو الأمارة، أو المؤثر على ما سبق الخلاف فيه.\nأما القول بأنها تارة بمعنى الباعث، وتارة بمعنى الأمارة، فلم يقل به أحد، وكان مراده أن ذات التأثير والتخييل أرجح من التي لا يظهر لها بمعنى فقهي، وذلك واضح. \"والمنضبطة والظاهرة والمتحدة على خلافها\" أي على المضطربة [والخفية] (^١)، والمتعددة، أما المضطربة؛ فلأنها لا وثوق بها.\nوأما الخفية؛ فلأنه لا يؤمن الغلط فيها.\nوأما ذات الأوصاف؛ فَلِبُعْدِ الضبط عنها، فتعليل عدم توريث [القَاتِلِ] (^٢) بالقياس أرجح من خلافه؛ لانضباطه والتعليل فتأمل.\nوقولنا في إزالة النجاسة: مائع لا يرفع الحدث، فلا يزيل النجس أوْلى من قولهم: مائع ظاهر مزيل للعين؛ لأنه أقلّ أوصافًا.\nومنهم من قال: لا يرجّح بقلة الأوصاف.\n_________\n(^١) في أ، ت: الحقيقة.\n(^٢) في أ: القائل: وهو تحريف.","vol":"4","page":640},{"text":"وَالأَكْثَرُ تَعَدِّيًا، وَالْمُطَّرِدَةُ، عَلَى الْمَنْقُوضَةِ، وَالْمُنْعَكِسَة، عَلَى خِلافِهَا، وَالْمُطَّرِدَةُ فَقَطْ عَلَى الْمُنْعَكِسَةِ فَقَطْ، وَبِكَوْنِهِ جَامِعًا لِلْحِكْمَةِ مَانِعًا لَهَا عَلَى خِلافِهِ، وَالْمُنَاسَبَةُ عَلَى الشَّبَهِيَّةِ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"والأكثر تعديًا\" راجح على الأقلّ على المختار؛ لأن فائدته أكثر، كعلَّة الطعم، فإنها أكثر فروعًا من علة الاقتيات.\nويعلم من هذا أن المتعدية أولى من القاصرة، وفيه خلاف.\n\"والمضطردة\" راجحة \"على المنقوضة\" كقولنا في نفقة الأقارب وعتقهم: كل قرابة لا يستحق بها النَّفقة مع اختلاف الدين لا يستحق بها مع اتفاقه كقرابة ابن العَمّ، فإنه أرجح من قولهم: ذو رحم محرم بالنسب تشابه الوالدين؛ لأن هذا لا يتناول الذَّكَر مع الذَّكَر؛ إذ لا يقال: إنه محرم، وإنما يستعمل ذلك في الذَّكَر مع الأنثى.\nوالاطراد والانعكاس إن وجد، وهو الغاية، والمطّردة المنعكسة أرجح من التي لا تنعكس كقياسنا في تزويج غَيْرِ الأب والجد للصغيرة أن من لا يملك التصرف في مال الصغيرة بنفسه لم يملك التصرف في بعضها كالأجنبي مع قولهم: إنه من أهل ميراثها، فكان كالأب؛ فإنه منعكس بالحاكم؛ إذ هو تزوج، وليس هو من أهل ميراثها. \"والمنعكسة على خلافها\"، كما ذكرناه، فإن من لا يملك التصرّف [ينعكس؛ إذ كل من يملك التصرف] (^١) في مالها بنفسه يتصرف في بعضه، ولا كذلك تعليلهم بالإرث.\n\"والمطردة فقط على المنعكسة فقط\".\nوقولنا في القطع بسرقة الثمار: كل ما جاز بيعه وبلغت قيمته نصابًا وجب بسرقته القطع مطَّرد، ولا ينعكس بدليل الموقوف، وأم انولد؛ فإنه يقطع سارقهما، ولا يجوز بيعهما، وهو أرجح من أن يقول الحنفي: كل ما لا ينتفع به حالًا ومالًا لا يقطع بسرقته، فإنه وإن انعكس، إذ الذي [يفقد] (^٢) النفع به في الجالتين لا يقطع به؛ لأنه لا قيمة له، لكنه غير مطرد بدليل الجَحْشِ الصغير.\n_________\n(^١) سقط في ت.\n(^٢) في ب: يعقد.","vol":"4","page":641},{"text":"وَالضَّرُورِيَّةُ الْخَمْسَةُ عَلَى غَيْرِهَا، وَالْحَاجِيَّةُ عَلَى التَّحْسِينِيَّةِ، وَالتَّكْمِيلِيَّةُ مِنَ الْخَمْسَةِ عَلَى الْحَاجِيَّةِ، وَالدِّينِيَّةُ عَلَى الأَرْبَعَةِ، وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ.\n<hr><s0>\n\n\"وكونه جامعًا للحكمة مانعًا لها\"، وتوجد الحكمة كلما وجد، وتنتفي كلما انتفى \"على خلافه، والمناسبة على الشبهة\"؛ لأن الظن الحاصل بها أقوى فقولهم في اثنين: قطع أحدهما من المرفق، والآخر من الكوع القِصَاص على الثاني فقط كما لو قطع أحدهما اليد وحزّ الآخر الرقبة مرجوح بالنسبة إلى قولنا: بل هما قاتلان؛ لأنهما اشتركا في سبب وجوب القصاص، فيلزمهما كما لو اختلف المحلّ بأن قطع أحدهما من جانب، والآخر من جانب؛ لأن حاصل قياسهم شبهي، وهو تشبيه قطع الرقبة بعد الكوع بحزّ الرقبة بعد القطع، ولا مناسبة بينهما بخلاف قياسنا، فإنه مناسب.\nالشرح: \"والضرورية الخمسة على غيرها، والحاجيَّة، على التحسينيَّة، والتَّكميليَّة من الخمسة على الحاجيَّة والدينية على الأربعة\" أي: إذا تعارضت أقسام من المناسبة قدّمت بحسب قوة المصلحة تقدمت الأمور الخمسة الضرورية على غيرها من حاجي أو تحسيني، وقدمت المصلحة الحاجية على التَّحسينية، وقدمت التكميلية من الخمس الضرورية على أصل الحاجية، وإذا تعارضت بعض الخمسة في أنفسها قدمت الدينية على الأربع الأُخر؛ لأنها المقصود.\nقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٥٦].\n\"وقيل: بالعكس\" أي: تقدم الأربعة الأخر؛ لأنها حقّ آدمي، وهو مبني على الشُّح والمضايقة، بخلاف حقّ الرب؛ فإنه مبني على المسامحة والمساهلة، ولذلك قدم قتل القصاص على قتل الردة عند تزاحمهما، والصَّحيح الأول لحديث: \"فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ بِالقَضَاءِ\" (^١).\nوأما تقديم قتل القصاص، فقد بَيّنا في \"شرح المنهاج\" سِرّه، وهو أن الشارع لا مقصد له في إزهاق الأرواح، إنما مقصده دعوة الخلق إليه، وهداهم وإرشادهم، فإن حصل فهو الغاية، وإلا تعين حسم الفساد بإراقة دم مَنْ لا فائدة في بقائه، فإراقة دم المرتد والحربي\n_________\n(^١) أخرجه مسلم كتاب الصيام ب ٢٧ رقم (١٥٤، ١٥٥)، وأحمد (١/ ٢٢٤، ٢٢٧، ٢٥٨، ٣٦٢)، وابن ماجة (١٧٥٨)، والبيهقي (٤/ ٢٥٥) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، ولفظه: فدين الله أحق بالقضاء.","vol":"4","page":642},{"text":"ثُمَّ مَصْلَحَةُ النَّفْسِ، ثُمَّ النَّسَبِ، ثُمَّ الْعَقْلِ، ثُمَّ الْمَالِ، وَبِقُوَّةِ مُوجِبِ النَّقْضِ مِنْ مَانِعٍ أَوْ فَوَاتِ شَرْطٍ عَلَى الضِّعْفِ، وَالاحْتِمَالِ\".\n\"وَبانْتِفَاءَ الْمُزَاحِمِ لَهَا فِي الْأَصْلِ، وَبِرُجْحَانِهَا عَلَى مُزَاحِمِهَا، والمُقْتَضِيَةُ لِلنَّفْي عَلَى الثُّبُوتِ، وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ، وَبِقُوَّةِ الْمُنَاسَبَةِ، وَالعَامَّةِ فِي الْمُكَلَّفِينَ عَلَى الْخَاصَّةِ.\n<hr><s0>\n\nإنما هو لعدم الفائدة في بقائه لا لقصد في الإزهاق، فإذا زاحمه قتل القصاص، وكان ولي الدّم لا قصد له إلا التَّشَفِّي باستيفاء ثأر موليه سلمناه إليه؛ فإنه يحصل فيه القصدان جميعًا: تطهير الأرض من المفسدين بإراقة دم هذا الكافر، وتشفّي ولي الدم، ولا كذلك لو قتله الإمام عن الردة، فإنه يبطل مقصد ولي الدم بالأصالة، والجمع بين الحقين أولى.\nوالحاصل: أن تسليمه إلى ولي الدم ليس تقديمًا لحق الآدمي، بل جمعًا بين الحقّين، فليس مما نحن فيه، فظهر أن الدينية مقدّمة على الأربعة.\nالشرح: \"ثم مصلحة النفس، ثم النسب، ثم العقل، ثم المال\".\nفإن قلت: كيف قلتم فيمن زنا وسرق وشرب الخمر: إنه يبدأ بحد القذف، ثم الشرب، ثم الزنا، ثم يقطع في السرقة.\nقلت: الحدود تسقط بالشبهة، فلذلك أخرت موضع الخلاف في تقديم حقّ الله - تعالى - أو الآدمي إنما هو فيما لا يسقط كالأموال في الزكاة، والحج ونحوهما.\nقوله: \"وبقوة موجب النقض\" فيه، أي: إذا انتقضت العلّتان، وكان موجب التخلف في أحدهما في صورة النقض أقوى منه في الآخر قدم الأول، وقوته بأن يوجد فيه ما يمكن إحالة النقض عليه \"من مانع، أو فوات شرط\" دون الصورة الأخرى، إما بأن كان موجب النقض فيها ضعيفًا أو محتملًا للوجود والعدم فيها، فإن قوة موجب النقض راجحة \"على الضعف والاحتمال\".\nالشرح: \"وبانتفاء المزاحم بها في الأصل\" بألّا يكون معارضة، وتكون الأخرى معارضة \"وبرجحانها على مزاحمها\" إن كانت [ذات] (^١) مزاحم، \"والمقتضية للنفي على\n_________\n(^١) في ب: ذا.","vol":"4","page":643},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالثبوت\" لثبوت [حكمها راجحة أو مساوية، بخلاف المثبتة؛ إذ لا يثبت] (١) حكمها إلا راجحة، ولتأييدها بالنفي الأصلي.\n\"وقيل: بالعكس\" وهو المختار؛ لأنها ناقلة تفيد حكمًا شرعيًّا، \"وبقوة المناسبة\"، كقولنا في المرتدة: بدلت الدين الحقّ بالباطل، فوجب عليها القَتْل كالرجل، فإنه أنسب من قولهم: أنثى فلا تقتل بالكفر قياسًا على الكافرة الأصليَّة؛ لأن جعل الارتداد علَّة العقوبة لائح المناسبة، بخلاف جعل الأنوثة مانعة.\n\"والعامة من المكلفين على الخاصة\" ببعضهم؛ لقوة المناسبة بقولنا: علة ضرب الجزية سكن الدار أرجح من قولهم: حقن الدم؛ لشمول علّتنا للأعمى والزَّمِنِ وغيرهما ممن لا يقتل.","vol":"4","page":644},{"text":"<span data-type='title' id=toc-907>التَّرْجِيحُ بِحَسَبِ الفَرْعِ</span>\nالفَرْعُ: يُرَجَّحُ بِالْمُشَارَكَةِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ، وَعَيْنِ الْعِلَّةِ، عَلَى الثَّلاثَةِ، وَعَيْنِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْجِنْسَيْنِ، وَعَيْن العِلَّةِ خَاصَّةً عَلَى عَكسِهِ، وَبِالْقَطْعِ بِهَا فِيهِ، وَيَكُونُ الْفَرْعُ بِالنَّصِّ جُمْلَةً لا تَفْصِيلًا.\n<hr><s0>\n\nالشرح: وإليه أشار بقوله: \"الفرع يرجّح بالمشَاركة\" لأصله \"في عين (^١) الحكم، وعين العلة\" معًا \"على\" القياس الذي يشارك فرعه أصله في الأقسام \"الثلاثة\" الأخرى، وهي المشاركة في عَيْنِ الحكم وجنس العلة، أو في جنس الحكم، وعين العلة، أو في جنسها. \"و\" يرجح ما شارك فرعه أصله في \"عين أحدهما\" إما عين الحكم وجنس العلة، أو عكسه \"على\" ما شارك فرعه أصله في \"الجنسين، وعين العلة خاصة على عكس\"، وهو ما شارك فرعه أصله في عين الحكم وجنس العلَّة.\n\"وبالقطع بها فيه\" أي: ويرجّح القياس المقطوع بوجود علّته في الفرع على غيره، كقولنا في نجاسة بول ما يؤكل لحمه: ما يستحيل من الجوف، فأشبه بول الإنسان؛ فإنه أرجح من قول المالكي في تعليل طَهَارته: مائع وردت الرخصّة في إباحة شربه، فإنها صفة مختلف فيها، ولا نقطع بوجودها في الفَرْعِ.\n\"ويكون الفرع\" ثابتًا في أحدهما \"بالنَّص جملة\" دون الآخر \"لا تفصيلًا\"، وإلا لثبت الحكم فيه بالنَّص لا بالقياس، الرابع: الترجيح بحسب الخارج، ولم يتعرض له المصنّف؛ لأنه يعرف مما ذكره.\nالثاني: الاستدلالان: ولم يتعرض أيضًا لهما كذلك.\n_________\n(^١) في ب: غير.","vol":"4","page":645},{"text":"<span data-type='title' id=toc-908>الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي تَرْجِيحِ المَنْقُولِ وَالمَعْقُولِ</span>\nالْمَنْقُولُ وَالْمَعْقُولُ: يُرَجَّحُ الخَاصُّ بِمَنْطُوقِهِ، وَالخَاصُّ لا بمَنطُوقِهِ دَرَجَاتٌ، وَالتَّرْجِيحُ فِيهِ بِحَسَبِ مَا يَقَعُ لِلنَّاظِرِ، وَالْعَامُّ مَعَ الْقِيَاسِ تَقَدَّمَ، وَأَمَّا الْحُدُودُ السَّمْعِيَّة، فَتُرَجَّحُ بِالألْفَاظِ الصَّرِيحَةِ عَلَى غَيْرِهَا، وَيَكُونُ الْمُعَرِّفُ أَعْرَفَ، وَبِالذَّاتِيِّ عَلَى العَرَضِيِّ، وَبِعُمُومِهِ عَلَى الآَخَرِ؛ لِفَائِدَتِهِ.\nوَقِيلَ: بِالْعَكْسِ؛ لِلاتِّفَاقِ عَلَيْهِ، وَبِمُوَافَقَتِهِ النَّقْلَ الشَّرْعِيَّ أَو اللُّغَوِيَّ، أَوْ قُرْبَه، وَبِرُجْحَانِ طَرِيق اكْتِسَابِهِ، وَبِعَمَلِ \"المَدِينَةِ\"، أَوِ الْخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ، أَوِ الْعُلَمَاءِ، وَلَوْ وَاحِدًا، وَبِتَقْرِيرِ حُكْمِ الحَظْرِ أَو حُكْمِ النَّفْي، وَبِدَرْءِ الْحَدِّ، وَيَتَرَكَّبُ مِنَ التَّرْجِيحَاتِ فِي المُرَكَّبَاتِ، وَالحُدُودِ أُمُورٌ لا تَنْحَصِرُ؛ وَفِيمَا ذُكِرَ إِرْشَادٌ لِذَلِكَ.\n<hr><s0>\n\nالشرح: \"المنقول والمعقول\" والتعارض بينهما على وجهين؛ لأن المنقول إما عام أو خاص، والخاص إما دالّ بمنطوقه أو بمفهومه.\nفنقول: \"يرجّح الخاص بمنطوقه\" على القياس؛ لتطرّق الخلل إليه، فتعليلنا نقض الوضوء بالمس لحديث: \"من مس ذكره\" أرجح من قولهم: عضو من أعضاء الإنسان، فلم ينقض كاليد والرجل. \"الخاص\" الدّال على الحكم \"لا بمنطوقه درجات\" في القوة والضعف، \"والترجيح فيه حسب ما يقع للناظر\" من قوة الظن، \"والعام مع القياس بعدم\" حكمه في أنه هل يجوز التخصيص بالقياس؟ وإلا فهذه وجوه التَّرجيح في الأدلَّة.\n\"وأما الحدود\" فمنها عقلية، كتعريفات الماهيَّات، ومنها سمعية، كتعريفات الأحكام، والذي يتعلق به غرضنا \"السمعية، فترجح بالألفاظ الصريحة على غيرها، ويكون المعرف\" في أحدهما \"أعرف\" منه في الآخر، \"وبالذاتي على العرضي، وبعمومه\" ويرجح أحدهما بكونه أعم \"على الآخر لفائدته\" المتكثرة بتناوله بحدود الآخر، وزيادة.","vol":"4","page":646},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\n\"وقيل: بالعكس\"، وهو أن الأخص أرجح \"للاتفاق عليه\" لتناول الحَدّين له، بخلاف النافي، فإنه مختلف فيه، والمتفق أولى، \"وموافقة العقل\" السمعي أي \"الشرعي، أو اللغوي\"؛ فإن الأصل عدم النقل \"أو قربه\" إلى المعنى المنقول شرعًا أو لغة عنه؛ لأن النقل إن كان للمناسبة، فيكون الأقرب أنسب، فيكون أولى، \"وبرجحان طريقة اكتسابه\"؛ لأنه أغلب على الظن.\n\"وبعمل \"المدينة\" والخلفاء الأربعة\" أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ \"والعلماء ولو واحدًا، وبتقرير حكم الحظر؛ فإنه أحوط من المقرر لحكم الإباحة، أو حكم النفي لموافقته الأصل، ويدرأ الحد، ويتركب من الترجيحات الواقعة في المركبات، والحدود أمور لا تنحصر، وفيما ذكر إرشاد لذلك، أرشدنا الله لمراضيه.\nقال علماؤنا: وهذه الترجيحات منها ما تنهض به الحُجّة في نفسه، ومنها ما لا يستقلّ بنفسه دليلًا، كعمل المدينة والخلفاء، واطراد العلة، وغير ذلك؛ لأنه ليس كل ما صلح للترجيح صلح لأنا يكون في نفسه دليلًا؛ فإن الرجح يتطلب فيه أدنى ظن، وما استقل بنفسه دليلًا أرجح مما لا يستقل، والله الموفق.\nفرغت من هذا الشرح في أواخر نهار الأربعاء الثالث والعشرين من ربيع الآخر سنة تسع وخمسين وسبعمائة، وكانت البراءة (^١) فيه من مستهلّ سنة ثمان وخمسين وسبعمائة، وهو شرح إذا رآه المنصف عرف أنا أتينا فيه بالعجب العجاب، ودعونا قَصِيّ الإجادة فأجاب، ورُضْنَا عَصِيّ المراد، فزال شماسه وانْجَاب، ودرى أهو الجدير أن يبيد بالقِرى وَهَجَرَ هَجْرَ واصل الكرام، أم الحقيق بأن يضرب له آباط المطي أهل الآراء؛ فإنا وَفَيْنَا بحقّ مختصر حلّت فيه العقد، وقام مصنفه - يرحمه الله - بوظيفة الإيجاز التي قصر دونها كلّ بليغ، وقعّد ورمى المعاني من أمد بعيد، ولم يسلم من حاسد على هذه النعمة، ونعمة الله مقرون بها الحَسَد، صدح على غصون البلاغة ذوات الأفنان، ومنح الطَّالبين جنّة قطوفها دانية لكل قَاصٍ ودانٍ، وشرح صدور الأولياء غير ملتفت إلى الأعداء، وإنما كلام العدا ضرب من الهذيان، فقمنا حق القيام، ورُضْنَا مصاعب النظر بالجدّ والاهتمام، وترقّينا فجر الحقائق حتى تبلّج صُبْحُه والناس نيام، وأعملنا الأفكار، واستخرجنا من الخبَايا الأبْكَار،\n_________\n(^١) في ت: البداءة.","vol":"4","page":647},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nواستنزلنا المعاني الطَّائرة من الأوْكَار، وإنا وإن ارتاض لنا بعد هذا الكَدّ من المصاعب شُمُوسها، ودَنَا منا بعد هذا البُعْد في الدَّيَاجر أقمارها، وفي الهَياجر شُمُوسها، واقترب منا عقيب هذا الجد من المطالب نَائيها فأعَدْناها.\nوقد ظنَّ دروسها - لن يقدم من يقبح هذه الصورة الجميلة، ويشينها، ويعترض هذه العقلية بما هو عند ذوي التَّحقيق يزينها، ويبتدر هذه الدرة بكلمات ينفق بها سوقها، ويباع سَمِينهَا: [الكامل]\nوَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ نشْرَ فَضيلَةٍ … طُوِيَتْ أَتَاحَ لَهَا لِسَانَ حَسُودِ\nلوْلا اشتِعَالُ النَّارِ فِيمَا جَاوَرَتْ … مَا كَانَ يُعْرَفُ طِيبُ عَرْفِ العُودِ\nوكيف تعدم الذَّامَّ الحسناء، وتفقد حاسدًا يقصد أن يستكفئ من إحسانها الصحيفة والإناء، وأنى يُنَحَّى الكمال ولا يذم الإنحاء، ولا علينا سيطول الزمن قليلًا، ويعود الشغب ثناء جزيلًا، ويقوم الشأن بحمدنا طويلًا، وتكثر الأعوان والأنظار، [وتسكن الدّهماء، ويخمد النقع المثار ويؤسس بناء الإنصاف على] (^١) التقوى بموت الحاسد والمحسود، فيهدم مسجد الضوار: [الكامل]\nوَادْأَبْ عَلَى جَمْعِ الْفَضَائِلِ جَاهِدًا … وَأَدِمْ لَهَا تَعَبَ القَرِيحَةِ وَالحَسَدْ\nوَاقْصِدْ بِهَا وَجْهَ الإْلهِ وَنَفْعَ مَنْ … بَلَغَتْهُ مِمَّنْ جَدَّ فِيهَا وَاجْتَهَدْ\nوَاتْرُكْ كَلامَ الحَاسِدِينَ وَبَغْيَهُمْ … هَمَلًا فَبَعْدَ المَوْتِ يَنْقَطِعٌ الجَسَدْ\nفقد جمعنا - بحمد الله - في هذا الشرح كل جميل جليل، ووضعنا بتمامه عنا الحمل الثقيل، ورفعنا الأيدي بالدعاء لمن أحسن إلينا، ولم يدعنا نعترضه بسبيل ما على المحسنين من سبيل، وهو مولانا ملك الأمر المعز الأشرف العالي المولوي الأميري الكافلي العالمي الزاهدي العلائي أمير على المارداني الحنفي نائب السلطنة الشريفة بـ \"الشام\" المحروس، الجامع بين العلم والدين، والمانع نفسه إلا عن سلوك سبيل المتقين، والدافع عن الحق حيث لا ناصر ولا معين، الذي أحسن فاطمأنت القلوب، وجاد فجادت القريحة بالمطلوب، وأتى بالجميل على أحسن أسلوب، جزاه الله عنا أفضل الجزاء، وحرسه بعناية تبلغ عَنان\n_________\n(^١) سقط في ب.","vol":"4","page":648},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n<hr><s0>\n\nالسماء، وتقبل فيه من مواليه صالح الدعاء، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما يهون علينا مَصَائب الدنيا، ومتّعنا اللّهم بأسماعنا وأبصارنا أبدًا ما أحييتنا، واجعل ذلك الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على مَنْ عادانا، ولا تجعل مُصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلّط علينا بذنوبنا مَنْ لا يرحمنا يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين (^١).\nبعونه تعالى\nتمّ الجزء الرابع من كتاب رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب\nوهو الجزء الأخير\n_________\n(^١) ثبت في أ:\nووافق الفراغ من نقل هذا الكتاب المبارك يوم الخميس صباحًا الموافق ٢١ القعدة من سنة ١٣٠٤ على يد كاتبه الفقير إلى الله تعالى المحتاج للدعاء ممن نظر في هذا الكتاب: مصطفى الحكيم بن الحاج أحمد الحكيم، اللهم إني أتضرع إليك، وأمُدُّ كَفَّ الافتقار إليك أن نغفر لوالدينا ولمشايخنا ولكل من انتفع بهذا الكتاب من المسلمين أجمعين بجاه سيد المرسلين سيدنا محمد ﷺ.","vol":"4","page":649},{"text":"<span data-type='title' id=toc-909>ثبت المراجع</span>\n- أ -\nآداب اللغة، لجورجي زيدان - طبعة القاهرة ١٩٥٧.\nالآيات البينات، تأليف ابن قاسم العبادي - طبعة بولاق.\nالإبهاج لابن السبكي - طبعة دار الكتب العلمية.\nالإتقان، للجلال السيوطي - دار التراث بالقاهرة.\nأحكام الفصول في أحكام الأصول، للباجي - طبعة دار الغرب الإسلامي.\nالإحكام في أصول الأحكام، للآمدي - طبعة مؤسسة الحلبي.\nالإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم - تصوير دار الحديث.\nالإحياء، للغزالي - دار المعرفة بيروت.\nأخبار النحويين، للسيرافي - دار المعارف.\nإرشاد الأريب، لياقوت الحموي - مكتبة الحلبي.\nإرشاد الفحول للشوكاني - طبعة عيسى الحلبي.\nأزمنة التاريخ الإسلامي، للدكتور عبد السلام الترماتيني - طبعة الكويت.\nالاستغناء، القرافي - مطبعة الإرشاد بغداد.\nالإستيعاب، لابن عبد البر - دار الكتب العلمية بيروت.\nأسد الغابة، لابن الأثير - دار الكتب العلمية بيروت.\nأسرار العربية، لابن الأنباري بيروت.\nأسماء الصحابة الرواة، لابن حزم - دار الكتب العلمية.\nأسهل المدارك شرح إرشاد السالك، لأبي بكر بن حسن الكشناوي - عيسى الحلبي.\nالأشباه والنظائر، تاج الدين السبكي - دار الكتب العلمية.\nالأشباه والنظائر، زين الدين بن نجيم الحنفي - طبعة عيسى الحلبي.\nالأشباه والنظائر في النحو، جلال الدين السيوطي - مؤسسة الرسالة.\nالإشراف، لابن المنذر - دار الجنان.\nالإصابة، ابن حجر - دار الكتب العلمية.","vol":"4","page":735},{"text":"إصلاح المنطق، لابن السكيت - دار المعارف.\nأصول السرخسي - طبعة دار الكتب العلمية.\nأصول الشاشي - دار الكتاب العربي.\nأصول الفقه، أبو زهرة - دار الفكر العربي.\nالاعتناء، محمد بن أبي بكر بن سليمان البكري - دار الكتب العلمية بيروت.\nالأعلام، الزركلي - دار العلم للملايين.\nأعلام الموقعين، ابن القيم - بيروت.\nأعلام النساء، لعمر رضا كحالة - مؤسسة الرسالة بيروت.\nأعيان الشيعة، لمحسن الأمين - طبعة دمشق.\nإغاثة الأمة بكشف الغمة، المقريزي - طبعة القاهرة.\nالأغاني، للأصفهاني - دار الكتب المصرية.\nالإقناع، الخطيب الشربيني - دار الكتب العلمية بيروت.\nالإقناع بحاشية البجيرمي - طبعة الحلبي.\nالإكمال، لابن ماكولا - دار الكتب العلمية بيروت.\nالأم، للشافعي - دار الكتب العلمية ودار المعرفة.\nإمتاع الأسماع، للمقريزي - مطبعة الخانجي.\nإنباء الغمر بأبناء العمر، لابن حجر - دار الكتب العلمية.\nأنباه الرواة، أبو الحسن علي بن يوسف القفطي - دار الفكر العربي.\nالأنساب، السمعاني - دار الكتب العلمية.\nالإنصاف، للقاضي أبي بكر الباقلاني - طبعة الخانجي.\nالإنصاف، للمرداوي - إحياء التراث العربي بيروت.\nأنيس الفقهاء، قاسم القونوي - دار الوفاء.\nأوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، لابن هشام - مطبعة عيسى الحلبي.\n- ب -\nالبحر المحيط للزركشي - دار الصفوة للطباعة والنشر - تصوير القاهرة.\nبدائع الصنائع، الكاساني - دار الكتاب العربي.\nبداية المجتهد، لابن رشد - دار مكتبة صبيح القاهرة.\nالبداية والنهاية، لابن كثير - مؤسسة التاريخ العربي.\nالبدر الطالع، للشوكاني - مكتبة ابن تيمية.","vol":"4","page":736},{"text":"البرهان، لإمام الحرمين - دار الأنصار.\nبغية الملتمس، الحافظ صلاح الدين أبي سعيد - عالم الكتب.\nبغية الوعاة، السيوطي - دار الفكر.\nالبناني على جمع الجوامع - طبعة عيسى الحلبي.\nبيان المختصر، لابن الثناء محمود بن أبي القاسم الأصبهاني - السعودية.\nالبيجرمي على المنهج، للشيخ سليمان البيجرمي - طبعة مصطفى البابي الحلبي.\nبينات الحل الإسلامي، يوسف القرضاوي.\n- ت -\nتاج العروس، الزبيدي - مطبعة حكومة الكويت.\nتاريخ الإسلام، الذهبي - دار الكتاب العربي.\nتاريخ أصفهان، أبو نعيم - دار الكتب العلمية.\nتاريخ بغداد، أحمد بن علي الخطيب - دار الكتاب العربي.\nتاريخ التشريع الإسلامي، محمد الخضري - دار الكتب العلمية بيروت.\nتاريخ جرجان، للسهمي - طبعة عالم الكتب.\nتاريخ الخلفاء، السيوطي - دار الكتب العلمية بيروت.\nالتاريخ الصغير، للبخاري - دار المعرفة.\nتاريخ بغداد، للحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي - دار الكتاب العربي بيروت.\nالتاريخ الكبير، للبخاري - دار الكتب العلمية.\nالتبصرة، للشيرازي - دار الفكر دمشق.\nتبيين الحقائق، للزيلعي - دار المعرفة بيروت.\nتبيين كذب المفتري، ابن عساكر - دار الكتاب العربي.\nتجديد أصول الفقه الإسلامي، حسن الترابي.\nتجريد أسماء الصحابة، للذهبي - دار المعرفة.\nالتحرير لابن الهمام - مصطفى الحلبي.\nتحربر التنبيه، للنووي - دار الفكر.\nتحرير القواعد المنطقية، مصطفى البابي الحلبي.\nالتحصيل من المحصول، للأرموي - مؤسسة الرسالة.\nتحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، للمباركفوري - دار الكتب العلمية.\nتحفة الأشراف، المزي - الدار القيمة.","vol":"4","page":737},{"text":"تخريج الفروع على الأصول، للزنجاني - مؤسسة الرسالة.\nتدريب الراوي، السيوطي - دار التراث.\nتذكرة الحفاظ، الذهبي - دار الكتب العلمية.\nترتيب القاموس، للفيروزابادي والترتيب للزواوي - عيسى الحلبي.\nالتعريف لمصطلحات صبح الأعشى، محمد قنديل البقلي.\nالتعريفات، للجرجاني - المطبعة الحميدية بمصر.\nتقريب التهذيب، ابن حجر - دار المعرفة.\nتقريب الوصول، لابن جزي - طبعة تونس.\nالتقرير والتحبير، لابن أمير الحاج - دار الكتب العلمية.\nتلخيص الحبير، ابن حجر - الكليات الأزهرية.\nالتلويح على التوضيح، لصدر الشريعة - دار الكتب العلمية.\nالتمهيد للأسنوي - مؤسسة الرسالة.\nتمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، مصطفى عبد الرازق.\nتنقيح الفصول للقرافي - مكتبة الكليات الأزهرية.\nتهذيب الأسماء واللغات، للنووي - دار الكتب العلمية بيروت.\nتهذيب تاريخ دمشق، بدران.\nتهذيب التهذيب، لابن حجر - مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية بالهند.\nتهذيب الكمال، المزي - مؤسسة الرسالة.\nتهذيب اللغة، للأزهري - الدار المصرية.\nتوضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار، للصنعاني - مطبعة السعادة.\nالتوضيح على التنقيح، لصدر الشريعة عبيد الله بن مسعود - دار الكتب العلمية.\nتيسير التحرير، لأمير بادشاه - مصطفى الحلبي.\nابن تيمية، أبو زهرة - دار الفكر القاهرة.\nابن تيمية، محمد يوسف موسى - دار الكتب الحديثة.\n- ث -\nالثقات، ابن حبان - مؤسسة الكتب الثقافية.\n- ج -\nالجامع، معمر - المكتب الإسلامي.","vol":"4","page":738},{"text":"جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر - التوعية.\nجذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس، للحميدي - دار الكتب المصرية.\nالجرح والتعديل، لابن أبي حاتم - دار الكتب العلمية.\nالجمع بين رجال الصحيحين، القيسراني - دار الكتب العلمية.\nجمع الجوامع بشرح المحلى - طبعة مصطفى البابي الحلبي.\nجمهرة النسب، للكلبي - عالم الكتب.\nالجنى الداني، الحسن بن قاسم المرادي - دار الكتب العلمية.\nالجواهر المضية، أبو محمد عبد القادر بن محمد - طبعة هجر.\nالجوهر الثمين، لابن دقماق.\n- ح -\nحاشية الأزميري - دار الكتب العربية.\nحاشية الباجوري - مصطفى البابي الحلبي.\nحاشية البناني على المحلى - طبعة الحلبي.\nحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى - المطبعة الأميرية ببولاق.\nحاشية الدسوقي على الشرح الكبير - دار إحياء الكتب العربية.\nحاشية العطار على جمع الجوامع - تصوير دار الكتب العلمية.\nحاشية الملوى على السلم - مصطفى البابي الحلبي.\nحاشية نسمات الأسحار، ابن عابدين - مصطفى البابي الحلبي.\nحجية السنة، عبد الغني عبد الخالق - المعهد العالمي للفكر الإسلامي.\nالحدود في الأصول، للإمام أبي الوليد الباجي - مؤسسة الزغبي.\nالحديث والمحدثون، لأبي زهو - مطبعة مصر.\nحسن المحاضرة، للسيوطي - دار إحياء دار الكتب العربية - الحلبي.\nحلية الأولياء، لأبي نعيم الأصبهاني - دار الكتب العلمية.\nالحماسة، لأبي تمام - عالم الكتب بيروت.\nالحماسة البصرية، الطائي - المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.\nالحيوان، للجاحظ - دار الجيل.\n- خ -\nالخبيصي على التهذيب - مطبعة صبيح - القاهرة.","vol":"4","page":739},{"text":"الخرشي على مختصر سيدي خليل - دار الفكر.\nخزانة الأدب، عبد القادر بن عمر البغدادي - مكتبة الخانجي.\nالخزانة التيمورية - دار الكتب المصرية.\nالخصائص، لابن جني - الهيئة المصرية العامة للكاب.\nالخطط التوفيقية، علي باشا مبارك - دار الكتب المصرية.\nخطط الشام، محمد كردعلي.\nخطط المقريزي - مكتبة الثقافة الدينية.\nخلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، محمد أمين بن فضل الله - بيروت.\nخلاصة تهذيب الكمال، الخزرجي - مكتبة القاهرة.\n- د -\nدائرة المعارف الإسلامية - طبعة الشعب القاهرة.\nالدارس في تاريخ المدارس، النعيمي - دار الكتب العلمية.\nسنن الدارمي، للدارمي - دار إحياء السنة النبوية.\nدراسات في تاريخ المماليك البحرية، علي إبراهيم حسن.\nالدراية، لابن حجر - دار المعرفة.\nالدر المنثور، السيوطي - دار الكتب العلمية.\nالدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، لابن حجر العسقلاني - مطبعة المدني.\nدرر الحكام، منلا خسرو - مطبعة السعادة.\nالديباج المذهب، ابن فرحون - دار التراث.\nديوان الإسلام، ابن الغزي - دار الكتب العلمية.\nديوان جميل بثينة - دار صادر بيروت.\nديوان ذي الرمة - عالم الكتب.\nديوان عنترة - دار الكتب العلمية.\nديوان الفرزدق - دار الكتب العلمية.\nديوان أبي نواس - دار صادر.\nالذريعة، لابن العماد - دار الكتب العلمية.\n- ذ -\nذيل الروضتين، لأبي شامة - القاهرة.","vol":"4","page":740},{"text":"ذيل مرآة الزمان، لموسى بن محمد اليونيني - حيدار آباد.\n- ر -\nرحلة ابن بطوطة - طبعة مصر.\nالرسالة، الشافعي - دار التراث.\nرسالة التوحيد، صالح موسى شرف - مذكرة جامعية.\nرصف المباني في شرح حروف المعاني، للمالقي - مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق.\nرغبة الآمل، للمرصفي - القاهرة.\nرفع الإصر عن قضاة مصر، ابن حجر - دار الكتب المصرية.\nالروض الأُنف، للسهيلي - مكتبة الكليات الأزهرية.\nروضات الجنات، للخوانساري.\nالروضة، للإمام النووي - طبعة دار الكتب العلمية.\nروضة الناظر، ابن قدامة - جامعة الإمام.\n- ز -\nزوائد الأصول، الإسنوي - مؤسسة الدار الثقافية.\n- س -\nسر صناعة الإعراب، لابن جني - دمشق.\nسلاسل الذهب، الزركشي - مكتبة ابن تيمية.\nالسلوك، المقريزي - القاهرة.\nالسنن الكبرى، للإمام البيهقي - تصوير دار المعرفة.\nسنن الترمذي، للإمام الترمذي - طبعة مصطفى الحلبي.\nسنن الدارقطني، للإمام الدارقطني - تصوير دار المعرفة.\nسنن الدارمي - بيروت.\nسنن أبي داود - دار الفكر.\nسنن ابن ماجه - طبعة عيسى الحلبي.\nسير أعلام النبلاء، للحافظ الذهبي - مؤسسة الرسالة.\nسيرة ابن هشام - دار التراث القاهرة.","vol":"4","page":741},{"text":"- ش -\nشجرة النور الزكية، لمحمد مخلوف - القاهرة.\nشذرات الذهب، ابن العماد الحنبلي - دار الكتب العلمية.\nشرح أبيات سيبويه، المرزبان السيرافي - مكتبة الكليات الأزهرية.\nشرح اختيارات المفضل، التبريزي - دار الكتب العلمية.\nشرح أشعار الهذليين - دار الكتب المصرية.\nشرح الأشموني - عيسى الحلبي.\nشرح التلويح على التوضيح، سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني - دار الكتب العلمية.\nشرح تنقيح الفصول، للقرافي - مكتبة الكليات الأزهرية.\nشرح الحماسة، المرزوقي.\nشرح الخرشي على مختصر خليل - دار الفكر.\nشرح السنة، البغوي - دار الكتب العلمية.\nشرح شذور الذهب، لابن هشام الأنصاري - مطبعة السعادة بمصر.\nشرح شواهد المغني، عبد القادر البغدادي - المأمون للتراث دمشق.\nشرح صحيح مسلم للنووي - دار إحياء التراث العربي.\nالشرح الصغير، الدردير - طبعة دار المعارف.\nشرح العضد على المختصر، للإيجي - دار الكتب العلمية.\nشرح ابن عقيل - دار التراث بالقاهرة.\nشرح عمدة الحافظ، للسمين الحلبي - عالم الكتب.\nشرح فتح القدير، لابن الهمام - دار المعرفة بيروت.\nشرح قطر الندى، لابن هشام الأنصاري - مطبعة السعادة.\nالشرح الكبير، الدسوقي - الحلبي.\nشرح الكوكب المنير، للفتوحي - مطبعة أنصار السنة المحمدية.\nشرح اللمع، للشيرازي - دار الغرب.\nشرح مختصر المنار، الكوراني - دار السلام بالقاهرة.\nشرح المفصل، ابن يعيش - عالم الكتب.\nشرح مقدمة ابن الحاجب - مخطوط دار الكتب المصرية.\nشرح المنار، ابن ملك - مطبعة دار سعادات.\nشرح المهذب، للإمام النووي - مكتبة الإرشاد.\nالشريف على مختصر المنتهى، لابن الحاجب - مصطفى الحلبي.","vol":"4","page":742},{"text":"الشعر والشعراء، لابن قتيبة - دار الثقافة.\n- ص -\nالصبان على شرح السلم - مصطفى الحلبي.\nصبح الأعشى، القلقشندي - دار الكتب المصرية.\nالصحاح، الجوهري - دار العلم للملايين.\nصحيح البخاري - دار الكتب السلفية.\nصحيح مسلم، لمسلم بن الحجاج - عيسى الحلبي.\nالصغير، الطبراني - دار الكتب العلمية.\nصفة الصفوة، لابن الجوزي - دار الكتب العلمية.\n- ض -\nضعفاء ابن الجوزي - مكتبة ابن تيمية.\nالضعفاء الصغير، للبخاري - دار المعرفة.\nالضوء اللامع، السخاوي - دار مكتبة الحياة بيروت.\n- ط -\nالطالع السعيد، لجعفر بن ثعلب الأدفوي - دار الكتب المصرية.\nالطبري، تاريخ الأمم والملوك - دار المعارف القاهرة.\nطبقات الأصوليين، عبد الله مصطفى المراغي - القاهرة.\nطبقات الحنابلة، لأبي يعلى - السنة المحمدية.\nطبقات خليفة - دار طيبة الرياض.\nطبقات ابن سعد - دار الكتب العلمية.\nطبقات الشافعية، الإسنوي - دار الكتب العلمية.\nطبقات الشافعية، ابن قاضي شهبة - عالم الكتب.\nطبقات الشافعية، لابن هداية الله - منشورات دار الآفاق الجديدة بيروت.\nطبقات الشافعية الكبرى، تاج الدين السبكي - عيسى البابي الحلبي.\nطبقات الفقهاء، للشيرازي - دار التراث العربي.\nطبقات الفقهاء، للعبادي - ليدن.\nطبقات القراء، لابن الجزري - مكتبة المتنبي.","vol":"4","page":743},{"text":"الطرق الحكمية، ابن القيم - تصوير دار الكتب العلمية.\n- ع -\nالعبر، للذهبي - دار الكتب العلمية.\nالعدة لأبي يعلى - مؤسسة الرسالة.\nالعصر المملوكي، سعيد عبد الفتاح عاشور - دار النهضة العربية بالقاهرة.\nالعلل، الرازي - دار المعرفة.\nعيون الأخبار، لابن قتيبة - دار الكتب المصرية.\n- غ -\nغاية المرام، للآمدي - المجلس الأعلى للشئون الإسلامية القاهرة.\nغاية النهاية، لابن الجزري - المتنبي.\nغاية الوصول، الشيخ زكريا الأنصاري - عيسى البابي الحلبي.\nغيث المستغيث، للشيخ السماحي - مطبعة القاهرة.\n- ف -\nفتاوى معاصرة، يوسف القرضاوي - دار الوفاء.\nفتح الباقي، للشيخ زكريا الأنصاري - دار الكتب العلمية.\nفتح الرحمن على لقطة العجلان، زكريا الأنصاري - الحلبي.\nفتح العزيز شرح الوجيز مطبوع على المجموع - طبعة منير الدمشقي.\nفتح الغفار بشرح المنار، لابن نجيم - الحلبي.\nالفتح المبين في طبقات الأصوليين - المراغي (عبد الله مصطفى) القاهرة.\nفتح المغيث، السخاوي - المكتبة السلفية.\nفتح المغيث، العراقي - السلفية.\nفتح الوهاب بشرح منهج الطلاب، زكريا الأنصاري - مصطفى الحلبي.\nالفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد، يوسف القرضاوي.\nفقه اللغة، الصاحبي - دار الكتب المصرية.\nالفهرست، ابن النديم بيروت.\nالفوائد البهية في تراجم الحنفية، اللكنوى - دار المعرفة.\nفوات الوفيات والذيل عليها، محمد بن شاكر الكتبي - دار صادر.","vol":"4","page":744},{"text":"فواتح الرحموت، الأنصاري - بولاق.\nالفواكه الدواني، أحمد بن غنيم النفزاوي الأزهري - دار المعرفة.\nفيض القدير، المناوي - تصوير دار المعرفة.\n- ق -\nقواطع الأدلة، إمام الحرمين - بيروت.\nقواعد الأصول ومعاقد الفصول، صفي الدين الحنبلي - مكتبة الرشد.\nالقواعد والفوائد الأصولية، ابن اللحام - دار الكتب العلمية.\nالقواعد المسماة بالمنثور، الزركشي - الكويت.\n- ك -\nالكاشف على المحصول، للأصبهاني - مخطوط وقد حققناه ولله الحمد والمنة.\nالكافي في فقه أهل المدينة، لابن عبد البر - دار الكتب العلمية.\nالكافية في الجدل، لإمام الحرمين - عيسى الحلبي.\nالكامل لابن الأثير - دار الكتب العلمية.\nالكبير للطبراني - مكتبة ابن تيمية.\nالكشاف، الزمخشري - تصوير دار الحديث.\nكشاف القناع عن متن الإقناع، البهوتي - عالم الكتب.\nكثف الأسرار، للنسفي - دار الكتب العلمية.\nكشف الظنون، حاجي خليفة - دار الكتب العلمية.\nالكفاية في علم الرواية، الخطيب البغدادي - دار الكتب الحديثة.\nالكنز، المتقي الهندي - مؤسسة الرسالة.\nالكوكب المنير، الفتوحي - مطبعة أنصار السنة والعبيكان.\n- ل -\nاللباب في تهذيب الأنساب، لابن الأثير - دار صادر.\nلحظ الألحاظ، ابن فهد - دار الكتب العلمية.\nلسان العرب، لابن منظور - دار المعارف.\nلسان الميزان، لابن حجر - تصوير دار المعرفة.","vol":"4","page":745},{"text":"اللمع، أبو إسحاق الشيرازي - عيسى الحلبي.\n- م -\nالمبدع من شرح المقنع، لابن مفلح - المكتب الإسلامي.\nالمبسوط، للسرخسي - دار المعرفة.\nمجالس ثعلب - دار المعارف.\nالمجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك، سعيد عاشور القاهرة.\nالمجروحين، لابن حبان - دار الوعي الإسلامي.\nمجمع الأزهر - مصطفى البابي الحلبي.\nمجمع الزوائد، الهيثمي - مكتبة القدسي.\nالمجموع شرح المهذب، النووي - المطبعة المنيرية.\nمحاسن الاصطلاح، للبلقيني - دار الكتب المصرية.\nالمحتسب، لابن جني - المجلس الأعلى للشئون الإسلامية القاهرة.\nالمحصول في علم الأصول، الرازي - دار الكتب العلمية والرياض.\nالمحلى على جمع الجوامع - مصطفى الحلبي.\nالمحلى على المنهاج - عيسى الحلبي.\nمختصر البعلي، ابن اللحام - دار الفكر.\nمختصر المنتهى، ابن الحاجب - مطبعة كردستان العلمية القاهرة.\nالمدخل إلى مذهب أحمد، عبد القادر بن بدران - مؤسسة الرسالة.\nمرآة الأصول، منلا حسرو.\nمرآة الجنان وعبرة اليقظان، عبد الله بن أسعد اليافعي - مؤسسة الأعلمي.\nمراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع، صفي الدين البغدادي - عيسى البابي الحلبي.\nالمرشد السليم في المنطق الحديث والقديم، عبد الله حجازي.\nالمزهر في علوم اللغة وأنواعها، جلال الدين السيوطي - عيسى البابي الحلبي.\nالمستدرك على الصحيحين، الحاكم - دار الفكر.\nالمستصفى، الإمام الغزالي - دار المعرفة.\nمسلم الثبوت، محب الدين البهاري - المطبعة الحسينية بمصر.\nمسند أحمد - طبعة المكتب الإسلامي.\nالمسودة في أصول الفقه، آل تيمية - دار الكتاب العربي.\nمشكل الآثار، الطحاوي - مطبعة الأنوار القاهرة.","vol":"4","page":746},{"text":"المصباح المنير، الفيومي - طبعة دار المعارف.\nالمصنف لابن أبي شيبة - طبعة حيدر آباد الهند.\nالمطلع على أبواب المقنع، محمد بن أبي الفتح الحنبلي - طبعة المكتب الإسلامي.\nالمعارف، ابن قتيبة - دار الكتب العلمية.\nمعاهد التنصيص على شواهد التلخيص، تأليف عبد الرحيم بن أحمد العباس - طبعة عالم الكتب.\nالمعتمد لأبي الحسين - دار الكتب العلمية.\nمعجم الأدباء، ياقوت الحموي - طبعة عيسى البابي الحلبي.\nمعجم البلدان - طبعة دار الكتب العلمية.\nمعجم طبقات الحفاظ، عبد العزيز السيروان - عالم الكتب.\nمعجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس بن زكريا أبو الحسين - طبعة دار الفكر.\nمعجم المؤلفين، عمر رضا كحالة - دار إحياء التراث العربي.\nالمعجم الوسيط - مجمع اللغة العربية.\nالمعرفة والتاريخ، للفسوي - السعودية.\nمعرفة علوم الحديث، للحاكم - مكتبة المتنبي.\nمعيد النعم ومبيد النقم، لابن السبكي - الخانجي.\nالمغرب في ترتيب المعرب، أبي الفتح المطرزي - مكتبة أسامة بن زيد - حلب.\nالمغني لابن قدامة - عالم الكتب ومطبعة هجر.\nالمغني، للقاضي عبد الجبار - دار الكتب.\nالمغني، لابن الخباز - السعودية.\nمغني اللبيب، أبي محمد عبد الله جمال الدين بن يوسف الأنصاري (ابن هشام الأنصاري) - عيسى الحلبي.\nمغني المحتاج، الخطيب الشربيني - دار الكتب العلمية.\nمفتاح السعادة، طاش كبرى زاده - حيدر آباد.\nمفتاح الوصول، للتلمساني مكتبة الكليات الأزهرية.\nالمقاصد النحوية، لأبي حيان - مؤسسة الرسالة.\nالمقتضب، المبرد - المجلس الأعلى للشئون الإسلامية.\nالمقدمة، ابن خلدون - الشعب.\nالمقدمة، ابن الصلاح - دار الكتب.\nابن ملك على المنار - استانبول.\nالملل والنحل، الشهرستاني - دار المعرفة.","vol":"4","page":747},{"text":"مناهل العرفان في علوم القرآن، محمد عبد العظيم الزرقاني - عيسى البابي الحلبي.\nالمنتظم في تاريخ الأمم والملوك، ابن الجوزي - دار الكتب العلمية.\nالمنتقى، لابن تيمية - مطبعة أنصار السنة المحمدية.\nمتهى الإرادات، ابن النجار - عالم الكتب.\nالمنتهى، لابن الحاجب - الحلبي.\nمنتهى السول والأمل، الآمدي - صبيح.\nالمنخول، للغزالي - دار الفكر دمشق.\nالمنهاج، البيضاوي - مكتبة صبيح.\nالمنهاج مع النهاية، للإمام النووي - مصطفى الحلبي.\nمنهاج العقول، البدخشي - تصوير دار الكتب العلمية.\nالمنهل الصافي، ابن تغري بردي - دار الكتب المصرية.\nميزان الأصول، للسمرقندي مكة المكرمة.\nميزان الاعتدال، للحافظ الذهبي - عيسى الحلبي.\nالمهذب، للشيرازي - عيسى الحلبي.\nموارد الظمآن، ابن حبان - دار الثقافة العربية.\nالموافقات، الشاطبي - دار الفكر القاهرة.\nالمواقف، للإيجي - مصر.\nمواهب الجليل، أبو عبد الله الحطاب - دار الفكر بيروت.\nموضوعات ابن الجوزي - مكتبة ابن تيمية.\nالموطأ، للإمام مالك - عيسى الحلبي.\n- ن -\nنبراس العقول، لعيسى منون - تصوير مكتبة الجامعة الإسلامية.\nنتائج الفكر، للسهيلي - دار الكتب العلمية.\nالنجوم الزاهرة، لابن تغري بردي - دار الكتب المصرية.\nنزهة الأساطين، ابن شاهين الملطي مؤسسة الثقافة.\nنزهة الألباء في طبقات الأدباء، أبي البركات الأنباري - مطبعة المدني.\nنزهة الخاطر، عبد القادر بن مصطفى بدران - دار الكتب العلمية.\nنسمات الأسحار، ابن عابدين - مصطفى الحلبي.\nنشر البنود، للشنقيطي - دار الكتب العلمية.","vol":"4","page":748},{"text":"النشر الطيب، إدريس الوزاني - دار الكتب الحديثة.\nنصب الراية، للحافظ الزيلعي - تصوير دار المعرفة بيروت.\nنظم العقيان، للسيوطي.\nنفائس الأصول، شرح المحصول للقرافي - المكتبة التجارية بمكة.\nنفح الطيب، أحمد بن محمد المقري التلمساني - دار صادر.\nالنفحات على شرح الورقات الحلبي.\nنقعة الصديان، الصاغاني - دار الكتب العلمية.\nنكت الهميان، صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي - المطبعة الجمالية بمصر.\nنهاية السول، الإسنوي - عالم الكتب.\nالنهاية في غريب الحديث، لابن الأثير - دار إحياء التراث بيروت.\nالنور السافر، العيدروس - بغداد.\nنيل الابتهاج بتطريز الديباج، أحمد بابا التنبكتي ليبيا.\nنيل الأوطار، للشوكاني - عيسى الحلبي.\n- هـ -\nهدية العارفين، إسماعيل بن محمد أمين البغدادي - استانبول.\nهمع الهوامع، للسيوطي - مكتبة الكليات الأزهرية.\n- و-\nالوافي بالوفيات، الصفدي - المعهد الألماني.\nالوجيز للكراماسني - المكتب الثقافي.\nالوصول إلى الأصول، ابن بَرْهان - مكتبة المعارف - الرياض.\nوفيات الأعيان، ابن خلكان - دار الثقافة - بيروت.\n- ي -\nيتيمة الدهر، الثعالبي - دمشق.","vol":"4","page":749}]}