{"ً":{"ٌ":66,"ٍ":"التمذهب – دراسة نظرية نقدية","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"shamela","files":["66/138115.pdf"]},"ّ":"الكتاب: التمذهب (دراسة نظرية نقدية)\nالمؤلف: الدكتور خالد بن مساعد بن محمد الرويتع\nأصل الكتاب: رسالة دكتوراه - قسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.\nالناشر: دار التدمرية الرياض - المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٤ هـ - ٢٠١٣ م\nعدد الأجزاء: ٣ (متسلسلة الترقيم)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"[التمذهب، دراسة نظرية نقدية - خالد الرويتع]\n\nأراد المؤلف أن يقدم رؤية واضحة للتمذهب من حيث معناه الاصطلاحي، وإظهار الفروق بينه وبين ما يقاربه من مصطلحات كالتقليد والتعصب، مع بيان حكم التمذهب.\nوجاءت الدراسة النظرية في ٦ فصول، والنقدية في ٤ فصول\n\n«الدراسة النظرية»\n[الفصل الأول]\n• تعريف التمذهب، واختار أنه: التزام غير العامي مذهب مجتهد معين في الأصول والفروع، أو في أحدهما، أو انتساب مجتهد إليه.\n• العلاقة الرابطة بين مصطلح التمذهب وغيره من المصطلحات ذات الصلة، كالتقليد، والاجتهاد، والاتباع، والتأسي، والتعصب … وغيرها\n• أركان التمذهب:\n١ - صاحب المذهب (وله شروط هي شروط الاجتهاد)\n٢ - المتمذهب: (وله شروط مثل معرفة مذهب إمامه في الأصول والفروع)، وأطال الحديث في مسألة تمذهب المجتهد، وتناول مسألة مذهب العامي (ورجح أن العامي لا مذهب له، ولا يصح منه التمذهب؛ لفقده أهلية معرفة المذهب)\n٣ - المذهب: تعريفه، ومحله وهو المسائل الأصولية والفقهية مما يصح فيه الاجتهاد، والتمذهب فرع الاجتهاد، فما كان من المسائل محلًّا للاجتهاد، فهو محل للتمذهب، سواء أكان من مسائل الفقه، أم من مسائل أصول الفقه، وتحدث عن المسائل التي ليست مجالًا للتمذهب، كالقواعد والأصول التي ثبتت بالدليل القاطع، وما علم من الدين بالضرورة، والمسائل التي ثبتت بالإجماع القاطع.\nوتناول أيضا مسألة تفضيل مذهب من المذاهب، وقسم التمذهب عدة تقسيمات (في الأصول أم الفروع - في جميع المسائل أو كثرها - حقيقي أم اسمي - مع معرفة الدليل أو لا)\n\n[الفصل الثاني]: نشأة التمذهب وتاريخه\n• حالة الناس قبل نشوء المذاهب، وأن اللبنات الأولى للتمذهب ظهرت بين تلامذة علماء الصحابة ﵃\n• أسباب نشوء المذاهب الفقهية، وأسباب بقاء المذاهب الفقهية الأربعة.\n• تاريخ التمذهب: (من نشأته إلى نهاية القرن الثالث الهجري)، (من القرن الرابع إلى نهاية السابع الهجري)، (من القرن الثامن إلى منتصف القرن الرابع عشر الهجري)، (من منتصف القرن الرابع عشر الهجري إلى العصر الحاضر).\n\n[الفصل الثالث]: حكم التمذهب\n• حكم تقليد الميت، ورجح القول القائل بجواز تقليد المجتهد الميت.\n• التمذهب بمذهب الصحابي والتابعي، ورجح القول بجواز التمذهب بمذهب الصحابي والتابعي من جهة التنظير، وأما جهة الإمكان فيبقى محل نظر، والظاهر عدم إمكان التمذهب إلا بمشقة بالغة.\n• التمذهب بأحد المذاهب الأربعة المشهورة، ورجح أن التمذهب جائز في الجملة، وأن وطأة الخصومة والنزاع بين المجوزين أو الموجبين للتمذهب، والمانعين منه تخفُّ في المسائل التي لم يرد فيها نص من الشارع.\n• التمذهب بغير المذاهب الأربعة:\n١ - مذهب مندثر: الأولى عدم التمذهب بمذهب مندثر.\n٢ - المذهب الظاهري: التمذهب به يعني: التزام أصوله، مع القناعة برجحانها عن حجة وبرهان، ومن ثم تطبيق هذه الأصول على الفروع الفقهية، سواء وافق علماء المذهب الظاهري، أم لا.\nأما التزام المذهب الظاهري في أصوله وفروعه، وعدم الخروج عنه، في الجملة فإن أصول المذهب الظاهري ترد هذا الالتزام. والقول بمنع التمذهب بالمذهب الظاهري صعب، مع أن الأولى ترك التمذهب به؛ لعدد من الاعتبارات\n٣ - مذهب فقهي لإحدى الفرق المبتدعة: إذا كانت بدعة المذهب مكفرة، فلا يجوز التمذهب به، وإن كانت بدعته غير مكفرة، فالأقرب المنع من التمذهب به، لاعتبارات عدة.\n\n[الفصل الرابع] الأحكام المترتبة على التمذهب\n• طبقات المتذهبين، وأبرز مناهج المتقدمين والمتأخرين في تقسيم هذه الطبقات\n• مسألة الانتقال عن المذهب، وبين أن الانتقال إما أن يكون عن المذهب إلى الاجتهاد، سواء الاجتهاد المستقل أو المطلق. وإما الانتقال عن التمذهب بمذهب معين إلى التمذهب بمذهب آخر، وإما الخروج عن المذهب في بعض المسائل.\n• مسألة تتبع الرخص: وهو أخذ المكلف فيما يقع له من المسائل بأخف الأقوال، دون اعتبار للقول الراجح. وفرق المؤلف بين رخصة العالم وزلته،\n• التلفيق بين المذاهب، وقصد بالتلفيق: تركيب كيفية في مسألة واحدة، ذات فروع مترابطة، أو في مسألتين لهما حكم المسألة الواحدة، من قول مجتهدين أو أكثر، بحيث لا يقول بصحتها أحد من المجتهدين. وذكر أقسام التلفيق الثلاثة وحكمها، وهي: التلفيق في الاجتهاد، والتلفيق في التقليد، والتلفيق في التقنين. وذكر عدة فروق بين التلفيق وتتبع الرخص\n\n[الفصل الخامس] أحكام المتمذهب\n• عمل المتمذهب إذا خالف مذهبه الدليل\n• وعمله عند تعدد أقوال إمامه في مسألة واحدة\n• أخذ المتمذهب قولًا رجع عنه إمامه، وغيرها من الأحكام.\n\n[الفصل السادس] أثر التمذهب في التوصل إلى حكم النازلة\n• النازلة: الحادثة التي تحتاج إلى حكم شرعي.\n• التوصل إلى حكم النازلة بتخريجها على أصول المذهب وفروعه\n\n«الدراسة النقدية»\n[الفصل الأول] آثار التمذهب الإيجابية، ومنها: ظهور المناظرات والمساجلات الفقهية والأصولية بين أرباب المذاهب المختلفة؛ وازدهار النشاط التأليفي، وتجنب الآراء الشاذة، والإلمام الشمولي بالمسائل الأصولية، والفقهية، وبروز فن الفروق الفقهية والأشياء والنظائر\n\n[الفصل الثاني] الآثار السلبية للتمذهب، ومنها:\n• ظهور التعصب المذهبي بين أرباب المذاهب المختلفة (رد دلالة الآيات والأحاديث الثابتة، والتكلف في ذلك، والانتصار للمذهب بالأحاديث الواهية، والاستدلال بالحديث متى ما وافق المذهب، ومخالفة الحديث نفسه في حكم آخر دل عليه؛ لمخالفته المذهب)\n• دعوى غلق باب الاجتهاد، ومحاربة من يدعيه.\n• ظهور الحيل الفقهية.\n• عدم الاطلاع على ما لدى المذاهب الأخرى.\n\n[الفصل الثالث] أسباب ظهور الآثار السلبية للتمذهب وطرق علاجها: مثل الغلو في تعظيم إمام المذهب، والإلف والاعتياد، ووقف الأوقاف على المذاهب\n\n[الفصل الرابع] مشروع توحيد المذاهب الفقهية\nيقترح بعض المعارضين للتمذهب توحيد المذاهب المتبوعة في مذهب واحد، بالأخذ بالراجح منها.\nانتقد المؤلف هذا المشروع وبين عدم صلاحيته، ونبه إلى أن نقد المشروع لا يعني انتقاد من يدعو إلى تعظيم الأدلة، والعمل بها.","ٓ":"1.0","ٔ":3056,"ٕ":11,"ٖ":1770156259,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":7},{"title":"أهمية الموضوع","level":2,"page":9},{"title":"أسباب اختيار الموضوع","level":2,"page":10},{"title":"أهداف الموضوع","level":2,"page":11},{"title":"الدراسات السابقة","level":2,"page":12},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":31},{"title":"الصعوبات التي واجهت الباحث","level":2,"page":44},{"title":"الشكر والتقدير","level":2,"page":45},{"title":"الباب الأول: الدراسة النظرية للتمذهب","level":1,"page":48},{"title":"الفصل الأول: حقيقة التمذهب","level":2,"page":49},{"title":"المبحث الأول تعريف التمذهب","level":3,"page":50},{"title":"المطلب الأول: تعريف التمذهب في اللغة","level":4,"page":51},{"title":"تعريف المذهب في اللغة","level":5,"page":51},{"title":"تعريف التمذهب في اللغة","level":5,"page":54},{"title":"المطلب الثاني: تعريف التمذهب في الاصطلاح","level":4,"page":62},{"title":"تعريف المذهب اصطلاحا","level":5,"page":62},{"title":"التعريف المختار","level":5,"page":68},{"title":"المناسبة بين التعريض اللغوي للمذهب والاصطلاحي","level":5,"page":69},{"title":"تعريف التمذهب في الاصطلاح","level":5,"page":69},{"title":"تعريف التمذهب عند المتأخرين","level":5,"page":73},{"title":"العلاقة بين التعريف اللغوي للتمذهب والتعريف الاصطلاحي","level":5,"page":86},{"title":"المبحث الثاني: العلاقة بين التمذهب، والمصطلحات ذات الصلة","level":3,"page":87},{"title":"تمهيد","level":4,"page":88},{"title":"المطلب الأول: العلاقة بين التمذهب والتقليد","level":4,"page":88},{"title":"تعريف التقليد في اللغة","level":5,"page":88},{"title":"تعريف التقليد في الاصطلاح","level":5,"page":91},{"title":"العلاقة بين التعريف اللغوي والتعريف الاصطلاحي","level":5,"page":95},{"title":"العلاقة بين التمذهب والتقليد","level":5,"page":96},{"title":"المطلب الثاني: العلاقة بين التمذهب والاجتهاد","level":4,"page":100},{"title":"تعريف الاجتهاد في اللغة","level":5,"page":100},{"title":"تعريف الاجتهاد في الاصطلاح","level":5,"page":104},{"title":"العلاقة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي","level":5,"page":107},{"title":"العلاقة بين التمذهب والاجتهاد","level":5,"page":107},{"title":"المطلب الثالث: العلاقة بين التمذهب والاتباع","level":4,"page":109},{"title":"تعريف الاتباع في اللغة","level":5,"page":109},{"title":"تعريف الاتباع في الاصطلاح","level":5,"page":110},{"title":"العلاقة بين التعريف اللغوي والتعريف الاصطلاحي","level":5,"page":113},{"title":"العلاقة بين التمذهب والاتباع","level":5,"page":114},{"title":"المطلب الرابع: العلاقة بين التمذهب والتأسي","level":4,"page":116},{"title":"تعريف التأسي في اللغة","level":5,"page":116},{"title":"تعريف التأسي في الاصطلاح","level":5,"page":118},{"title":"العلاقة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي","level":5,"page":120},{"title":"العلاقة بين التمذهب والتأسي","level":5,"page":120},{"title":"المطلب الخامس: العلاقة بين التمذهب والتعصب","level":4,"page":122},{"title":"تعريف التعصب في اللغة","level":5,"page":122},{"title":"تعريف التعصب في الاصطلاح","level":5,"page":123},{"title":"العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي","level":5,"page":126},{"title":"العلاقة بين التمذهب والتعصب","level":5,"page":126},{"title":"المطلب السادس: العلاقة بين التمذهب والخلاف","level":4,"page":129},{"title":"تعريف الخلاف في اللغة","level":5,"page":129},{"title":"تعريف الخلاف في الاصطلاح","level":5,"page":131},{"title":"العلاقة بين التعريف اللغوي والتعريف الاصطلاحي","level":5,"page":133},{"title":"فائدة علم الخلاف","level":5,"page":134},{"title":"العلاقة بين التمذهب والخلاف","level":5,"page":135},{"title":"المطلب السابع: العلاقة بين التمذهب والانتصار للمذهب","level":4,"page":137},{"title":"تعريف الانتصار في اللغة","level":5,"page":137},{"title":"تعريف الانتصار للمذهب في الاصطلاح","level":5,"page":140},{"title":"العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي","level":5,"page":142},{"title":"العلاقة بين التمذهب والانتصار للمذهب","level":5,"page":143},{"title":"المطلب الثامن: العلاقة بين التمذهب والصلابة في المذهب","level":4,"page":145},{"title":"تعريف الصلابة في اللغة","level":5,"page":145},{"title":"تعريف الصلابة في المذهب في الاصطلاح","level":5,"page":146},{"title":"العلاقة بين التعريف اللغوي والتعريف الاصطلاحي","level":5,"page":148},{"title":"العلاقة بين التمذهب والصلابة في المذهب","level":5,"page":148},{"title":"المبحث الثالث: أركان التمذهب","level":3,"page":150},{"title":"المطلب الأول: إمام المذهب (صاحب المذهب)","level":4,"page":151},{"title":"توطئة","level":5,"page":152},{"title":"المسأله الأولى: تعريف إمام المذهب","level":5,"page":152},{"title":"المسألة الثانية: شروط إمام المذهب","level":5,"page":156},{"title":"النوع الأول: الشروط المتعلقة بالجانب الشخصي للمجتهد","level":6,"page":156},{"title":"النوع الثاني: الشروط المتعلقة بالجانب العلمي للمجتهد","level":6,"page":165},{"title":"المسألة الثالثة: طرق إثبات أقوال إمام المذهب","level":5,"page":214},{"title":"توطئة","level":6,"page":215},{"title":"الفرع الأول: القول","level":6,"page":216},{"title":"الفرع الثاني: مفهوم القول","level":6,"page":243},{"title":"الفرع الثالث: الفعل","level":6,"page":254},{"title":"الفرع الرابع: السكوت","level":6,"page":262},{"title":"الفرع الخامس: التوقف","level":6,"page":268},{"title":"طرق معرفة توقف إمام المذهب","level":6,"page":268},{"title":"الفرع السادس: القياس على القول","level":6,"page":276},{"title":"الفرع السابع: لازم القول","level":6,"page":305},{"title":"الفرع الثامن: ثبوت الحديث","level":6,"page":314},{"title":"المطلب الثاني: المتمذهب","level":4,"page":329},{"title":"توطئة","level":5,"page":330},{"title":"المسألة الأولى: تعريف المتمذهب","level":5,"page":330},{"title":"المسألة الثانية: شروط المتمذهب","level":5,"page":331},{"title":"المسألة الثالثة: العلاقة بين المتمذهب والمخرج","level":5,"page":335},{"title":"المسألة الرابعة: العلاقة بين المتمذهب والفروعي","level":5,"page":337},{"title":"المسألة الخامسة: تمذهب المجتهد","level":5,"page":339},{"title":"المسألة السادسة: مذهب العامي","level":5,"page":392},{"title":"المطلب الثالث: المذهب (المتمذهب فيه)","level":4,"page":398},{"title":"المسألة الأولى: تعريف المذهب في اللغة والاصطلاح","level":5,"page":399},{"title":"المسألة الثانية: محل التمذهب","level":5,"page":399},{"title":"المسائل التي ليست مجالا للتمذهب","level":6,"page":406},{"title":"المسأله الثالثة: شروط نقل المذهب","level":5,"page":412},{"title":"شروط الناقل عن إمام المذهب","level":6,"page":417},{"title":"المسألة الرابعة: صور الخطأ في نقل المذهب","level":5,"page":445},{"title":"المسألة الخامسة: ألفاظ نقل المذهب","level":5,"page":459},{"title":"توطئة","level":6,"page":460},{"title":"الفرع الأول: الرواية","level":6,"page":461},{"title":"أولا: التعريف اللغوي للرواية","level":7,"page":461},{"title":"ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للرواية","level":7,"page":462},{"title":"الفرع الثاني: التنبيه","level":6,"page":468},{"title":"أولا: التعريف اللغوي للتنبيه","level":7,"page":468},{"title":"ثانيا: التعريف الاصطلاحي للتنبيه","level":7,"page":469},{"title":"الفرع الثالث: القول","level":6,"page":471},{"title":"أولا: التعريف اللغوي للقول","level":7,"page":471},{"title":"ثانيا: التعريف الاصطلاحي للقول","level":7,"page":472},{"title":"الفرع الرابع: الوجه","level":6,"page":480},{"title":"أولا: التعريف اللغوي للوجه","level":7,"page":480},{"title":"ثانيا: التعريف الاصطلاحي للوجه","level":7,"page":481},{"title":"الفرع الخامس: الاحتمال","level":6,"page":487},{"title":"أولا: التعريف اللغوي للاحتمال","level":7,"page":487},{"title":"ثانيا: التعريف الاصطلاحي للاحتمال","level":7,"page":488},{"title":"الفرع السادس: التخريج","level":6,"page":489},{"title":"أولا: التعريف اللغوي للتخريج","level":7,"page":489},{"title":"ثانيا: التعريف الاصطلاحي للتخريج","level":7,"page":491},{"title":"الفرع السابع: النقل والتخريج","level":6,"page":503},{"title":"الفرع الثامن: الصحيح","level":6,"page":506},{"title":"الفرع التاسع: المعروف","level":6,"page":520},{"title":"أولا: التعريف اللغوي للمعروف","level":7,"page":520},{"title":"ثانيا: المعروف في الاصطلاح","level":7,"page":521},{"title":"الفرع العاشر: الراجح","level":6,"page":522},{"title":"أولا: التعريف اللغوي للراجح","level":7,"page":522},{"title":"ثانيا: التعريف الاصطلاحي للراجح","level":7,"page":523},{"title":"الفرع الحادي عشر: قياس المذهب","level":6,"page":527},{"title":"أولا: التعريف اللغوي للقياس","level":7,"page":527},{"title":"ثانيا: التعريف الاصطلاحي لقياس المذهب","level":7,"page":528},{"title":"الفرع الثاني عشر: المشهور من المذهب","level":6,"page":532},{"title":"أولا: التعريف اللغوي للمشهور","level":7,"page":532},{"title":"ثانيا: التعريف الاصطلاحي للمشهور من المذهب","level":7,"page":533},{"title":"الفرع الثالث عشر: ظاهر المذهب","level":6,"page":549},{"title":"أولا: التعريف اللغوي للظاهر","level":7,"page":549},{"title":"ثانيا: التعريف الاصطلاحي لظاهر المذهب","level":7,"page":551},{"title":"الفرع الرابع عشر: الضعيف","level":6,"page":562},{"title":"أولا: التعريف اللغوي للضعيف","level":7,"page":562},{"title":"الفرع الخامس عشر: المنكر","level":7,"page":566},{"title":"الفرع السادس عشر: الشاذ","level":6,"page":569},{"title":"الفرع السابع عشر: الطرق","level":6,"page":573},{"title":"أولا: التعريف اللغوي للطرق","level":7,"page":573},{"title":"ثانيا: التعريف الاصطلاحي للطرق","level":7,"page":574},{"title":"الفرع الثامن عشر: الإجراء","level":6,"page":579},{"title":"أولا: التعريف اللغوي للإجراء","level":7,"page":579},{"title":"ثانيا: التعريف الاصطلاحي للإجراء","level":7,"page":580},{"title":"الفرع التاسع عشر: التوجيه","level":6,"page":581},{"title":"أولا: التعريف اللغوي للتوجيه","level":7,"page":581},{"title":"ثانيا: التعريف الاصطلاحي للتوجيه","level":7,"page":582},{"title":"المسألة السادسة: تفضيل مذهب من المذاهب","level":5,"page":584},{"title":"المبحث الرابع: أقسام التمذهب","level":4,"page":595},{"title":"الفصل الثاني: نشأة التمذهب، وتاريخه","level":2,"page":603},{"title":"المبحث الأول: نشأة التمذهب","level":3,"page":604},{"title":"المطلب الأول: حالة الناس قبل نشوء المذاهب","level":4,"page":605},{"title":"المطلب الثاني: نشأة المذاهب الفقهية","level":4,"page":618},{"title":"المطلب الثالث: أسباب نشوء المذاهب الفقهية","level":4,"page":632},{"title":"المطلب الرابع: أسباب بقاء المذاهب الفقهية الأربعة","level":4,"page":635},{"title":"المبحث الثاني: تاريخ التمذهب","level":3,"page":651},{"title":"تمهيد","level":4,"page":652},{"title":"المطلب الأول: التمذهب من نشأته إلى نهاية القرن الثالث الهجري","level":4,"page":653},{"title":"المطلب الثاني: التمذهب من القرن الرابع الهجري إلى نهاية القرن السابع الهجري","level":4,"page":661},{"title":"المطلب الثالث: التمذهب من القرن الثامن الهجري إلى منتصف القرن الرابع عشر الهجري","level":4,"page":679},{"title":"المطلب الرابع: التمذهب من منتصف القرن الرابع عشر الهجري إلى العصر الحاضر","level":4,"page":695},{"title":"الفصل الثالث: حكم التمذهب","level":2,"page":705},{"title":"تمهيد: في تقليد الميت","level":3,"page":706},{"title":"المبحث الأول: التمذهب بمذهب الصحابي، والتابعي","level":3,"page":725},{"title":"المبحث الثاني: التمذهب بأحد المذاهب الأربعة الفقهية المشهورة","level":3,"page":748},{"title":"المبحث الثالث: التمذهب بغير المذاهب الأربعة","level":3,"page":846},{"title":"الفصل الرابع الأحكام المترتبة على التمذهب","level":2,"page":876},{"title":"المبحث الأول: طبقات المتمذهبين","level":3,"page":877},{"title":"المطلب الأول أبرز مناهج المتقدمين في تقسيم طبقات المتمذهبين","level":4,"page":878},{"title":"تمهيد","level":5,"page":879},{"title":"توطئة","level":5,"page":880},{"title":"المسألة الأولى: تقسيم ابن الصلاح","level":5,"page":880},{"title":"المسألة الثانية: تقسيم ابن حمدان","level":5,"page":888},{"title":"المسألة الثالثة: تقسيم ابن القيم","level":5,"page":894},{"title":"المسألة الرابعة: تقسيم ابنه كمال باشا","level":5,"page":897},{"title":"المطلب الثاني: أبرز مناهج المتأخرين في تقسيم طبقات المتمذهبين","level":4,"page":913},{"title":"توطئة","level":5,"page":914},{"title":"المسألة الأولى: تقسيم شاه ولي الله الدهلوي","level":5,"page":914},{"title":"المسألة الثانية: تقسيم محمد أبو زهرة","level":5,"page":918},{"title":"المسألة الثالثة: تقديم الدكتور محمد الفرفور","level":5,"page":924},{"title":"القسم الأول: المجتهدون اجتهادا مطلقا في الشرع.","level":6,"page":924},{"title":"القسم الثاني: المجتهدون المقيدون بالمذهب.","level":6,"page":924},{"title":"المطلب الثالث: الموازنة بين التقسيمات","level":4,"page":927},{"title":"المبحث الثاني: الانتقال عن المذهب","level":3,"page":934},{"title":"تمهيد","level":4,"page":935},{"title":"المطلب الأول: الانتقال عن المذهب إلى الاجتهاد","level":4,"page":936},{"title":"توطئة","level":5,"page":937},{"title":"المسألة الأولى: الانتقال عن التمذهب إلى الاجتهاد المستقل.","level":5,"page":937},{"title":"المسألة الثانية: الانتقال عن التمذهب إلى الاجتهاد المنتسب","level":5,"page":940},{"title":"المطلب الثاني: الانتقال عن التمذهب بمذهب معين إلى التمذهب بمذهب آخر","level":4,"page":942},{"title":"المطلب الثالث: الخروج عن المذهب في بعض المسائل","level":4,"page":947},{"title":"المبحث الثالث: تتبع الرخص","level":3,"page":962},{"title":"توطئة","level":4,"page":963},{"title":"المطلب الأول: تعريف التتبع","level":4,"page":963},{"title":"المطلب الثاني: تعريف الرخصة في: اللغة، والاصطلاح","level":4,"page":965},{"title":"أولا: تعريف الرخصة في اللغة","level":5,"page":965},{"title":"ثانيا: تعريف الرخصة في الاصطلاح","level":5,"page":967},{"title":"المطلب الثالث: تعريف تتبع الرخص","level":4,"page":968},{"title":"المطلب الرابع: الفرق بين الرخصة من العالم، وزلة العالم","level":4,"page":973},{"title":"المطلب الخامس: حكم تتبع الرخص","level":4,"page":976},{"title":"المبحث الرابع: التلفيق بين المذاهب","level":3,"page":1001},{"title":"المطلب الأول: تعريف التلفيق في اللغة، والاصطلاح","level":4,"page":1002},{"title":"توطئة","level":5,"page":1003},{"title":"المسألة الأولى: تعريف التلفيق في اللغة","level":5,"page":1003},{"title":"المسألة الثانية: تعريف التلفيق في الاصطلاح","level":5,"page":1006},{"title":"المطلب الثاني: صور التلفيق","level":4,"page":1018},{"title":"توطئة","level":5,"page":1019},{"title":"المسألة الأولى: التلفيق بين قولين في مسألة وفروعها","level":5,"page":1019},{"title":"المسألة الثانية: التلفيق بين أثر القول وقول آخر في مسألة وفروعها","level":5,"page":1021},{"title":"المطلب الثالث: أقسام التلفيق، وحكم كل قسم","level":4,"page":1024},{"title":"تمهيد","level":5,"page":1025},{"title":"المسألة الأولى: التلفيق في الاجتهاد","level":5,"page":1025},{"title":"المسألة الثانية: التلفيق في التقليد","level":5,"page":1039},{"title":"المسألة الثالثة: التلفيق في التقنين","level":5,"page":1058},{"title":"المطلب الرابع: الفرق بين التلفيق وتتبع الرخص","level":5,"page":1062},{"title":"الفصل الخامس: أحكام المتمذهب","level":2,"page":1064},{"title":"المبحث الأول: عمل المتمذهب إذا خالف مذهبه الدليل","level":3,"page":1065},{"title":"المبحث الثاني: عمل المتمذهب عند تعدد أقوال إمامه في مسألة واحدة","level":3,"page":1103},{"title":"توطئة","level":4,"page":1104},{"title":"المطلب الأول: حكم تعدد أقوال إمام المذهب","level":4,"page":1104},{"title":"المطلب الثاني: الترجيح بين أقوال إمام المذهب","level":4,"page":1122},{"title":"المبحث الثالث: أخذ المتمذهب قولا رجع عنه إمامه","level":3,"page":1164},{"title":"المبحث الرابع: عمل المتمذهب فيما توقف فيه إمامه","level":3,"page":1170},{"title":"المبحث الخامس: الاعتداد بقول المتمذهب في الإجماع","level":3,"page":1174},{"title":"المبحث السادس: عمل المتمذهب إذا خالف أحد أتباع الإمام مذهب الإمام","level":3,"page":1197},{"title":"المبحث السابع: عمل المتمذهب عند اختلاف أصحابه في تعيين المذهب","level":3,"page":1202},{"title":"المبحث الثامن إفتاء المتمذهب","level":3,"page":1206},{"title":"تمهيد في: تعريف الإفتاء في: اللغة، والاصطلاح","level":4,"page":1207},{"title":"أولا: الإفتاء في اللغة","level":4,"page":1207},{"title":"ثانيا: الإفتاء في الاصطلاح","level":4,"page":1209},{"title":"المطلب الأول: إفتاء المتمذهب بمذهب إمامه","level":5,"page":1216},{"title":"المطلب الثاني: إفتاء المتمذهب بغير مذهب إمامه","level":5,"page":1241},{"title":"الفصل السادس: أثر التمذهب في التوصل إلى حكم النازلة","level":2,"page":1247},{"title":"توطئة","level":3,"page":1248},{"title":"تمهيد في: تعريف النازلة في: اللغة، والاصطلاح","level":3,"page":1251},{"title":"المبحث الأول: التوصل إلى حكم النازلة بتخريجها على أصول المذهب","level":3,"page":1258},{"title":"المبحث الثاني: التوصل إلى حكم النازلة بتخريجها على فروع المذهب","level":3,"page":1267},{"title":"أمثلة تخريج النازلة على فروع المذهب","level":4,"page":1272},{"title":"الباب الثاني: الدراسة النقدية للتمذهب","level":1,"page":1274},{"title":"الفصل الأول آثار التمذهب الإيجابية","level":2,"page":1277},{"title":"تمهيد","level":3,"page":1278},{"title":"المبحث الأول: ظهور المناظرات الفقهية","level":3,"page":1279},{"title":"أمثلة لبعض المناظرات التي جرت بين أرباب المذاهب","level":4,"page":1288},{"title":"المبحث الثاني: ازدهار النشاط في مجال التأليف","level":3,"page":1293},{"title":"المبحث الثالث: تجنب الآراء الشاذة","level":3,"page":1306},{"title":"المبحث الرابع: الإلمام الشمولي بالمسائل الفقهية، والأصولية","level":3,"page":1311},{"title":"المبحث الخامس: دعم سبيل الارتقاء إلى مقام الاجتهاد","level":3,"page":1318},{"title":"المبحث السادس: تجنب التناقض في الاختيار بين الأقوال","level":3,"page":1324},{"title":"المبحث السابع: بروز فن الفروق الفقهية، والأشباه والنظائر","level":3,"page":1328},{"title":"أولا: معنى الفروق الفقهية","level":4,"page":1328},{"title":"ثانيا: معنى الأشباه والنطائر","level":4,"page":1328},{"title":"مثال الفروق الفقهية، والأشباه والنظائر","level":5,"page":1333},{"title":"الفصل الثاني: آثار التمذهب السلبية","level":2,"page":1334},{"title":"المبحث الأول: ظهور التعصب المذهبي","level":3,"page":1335},{"title":"المطلب الأول: الإعراض عن الاستدلال بالكتاب والسنة الثابتة","level":4,"page":1336},{"title":"المطلب الثاني: رد دلالة الآيات والأحاديث الثابتة، والتكلف في ذلك","level":4,"page":1343},{"title":"المطلب الثالث: الانتصار للمذهب بالأحاديث الواهية","level":4,"page":1353},{"title":"أمثلة على استدلال بعض المتمذهبين بالأحاديث الواهية","level":5,"page":1361},{"title":"المطلب الرابع: الاستدلال بالحديث متى ما وافق المذهب ومخالفة الحديث نفسه في حكم آخر دل عليه؛ لمخالفته المذهب","level":4,"page":1366},{"title":"المبحث الثاني: دعوى غلق باب الاجتهاد، ومحاربة من يدعيه","level":3,"page":1376},{"title":"المبحث الثالث: ظهور الحيل الفقهية","level":3,"page":1386},{"title":"أولا: تعريف الحيل في اللغة","level":4,"page":1386},{"title":"ثانيا: تعريف الحيل في الاصطلاح","level":4,"page":1387},{"title":"أمثلة على تأثير التمذهب في الإفتاء بالحيلة","level":5,"page":1389},{"title":"المبحث الرابع: عدم الاطلاع على ما لدى المذاهب الأخرى","level":3,"page":1390},{"title":"الفصل الثالث: أسباب ظهور الآثار السلبية، وطرق علاجها","level":2,"page":1395},{"title":"المبحث الأول: أسباب ظهور الآثار السلبية","level":3,"page":1396},{"title":"المبحث الثاني: طرق علاج الآثار السلبية","level":3,"page":1418},{"title":"الفصل الرابع: مشروع توحيد المذاهب الفقهية","level":2,"page":1427},{"title":"المبحث الأول: عرض مشروع توحيد المذاهب الفقهية","level":3,"page":1428},{"title":"أولا: مشروع الشيخ محمد الباني","level":4,"page":1431},{"title":"ثانيا: مشروع الأستاذ محمد عيد عباسي","level":4,"page":1432},{"title":"المبحث الثاني: نقد مشروع توحيد المذاهب الفقهية","level":3,"page":1434},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":1444},{"title":"أولا: أهم نتائج البحث","level":2,"page":1445},{"title":"ثانيا: التوصيات","level":2,"page":1472},{"title":"قائمة المصادر والمراجع","level":1,"page":1474}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,51":49,"1,53":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,93":88,"1,94":89,"1,95":90,"1,96":91,"1,97":92,"1,98":93,"1,99":94,"1,100":95,"1,101":96,"1,102":97,"1,103":98,"1,104":99,"1,105":100,"1,106":101,"1,107":102,"1,108":103,"1,109":104,"1,110":105,"1,111":106,"1,112":107,"1,113":108,"1,114":109,"1,115":110,"1,116":111,"1,117":112,"1,118":113,"1,119":114,"1,120":115,"1,121":116,"1,122":117,"1,123":118,"1,124":119,"1,125":120,"1,126":121,"1,127":122,"1,128":123,"1,129":124,"1,130":125,"1,131":126,"1,132":127,"1,133":128,"1,134":129,"1,135":130,"1,136":131,"1,137":132,"1,138":133,"1,139":134,"1,140":135,"1,141":136,"1,142":137,"1,143":138,"1,144":139,"1,145":140,"1,146":141,"1,147":142,"1,148":143,"1,149":144,"1,150":145,"1,151":146,"1,152":147,"1,153":148,"1,154":149,"1,155":150,"1,157":151,"1,159":152,"1,160":153,"1,161":154,"1,162":155,"1,163":156,"1,164":157,"1,165":158,"1,166":159,"1,167":160,"1,168":161,"1,169":162,"1,170":163,"1,171":164,"1,172":165,"1,173":166,"1,174":167,"1,175":168,"1,176":169,"1,177":170,"1,178":171,"1,179":172,"1,180":173,"1,181":174,"1,182":175,"1,183":176,"1,184":177,"1,185":178,"1,186":179,"1,187":180,"1,188":181,"1,189":182,"1,190":183,"1,191":184,"1,192":185,"1,193":186,"1,194":187,"1,195":188,"1,196":189,"1,197":190,"1,198":191,"1,199":192,"1,200":193,"1,201":194,"1,202":195,"1,203":196,"1,204":197,"1,205":198,"1,206":199,"1,207":200,"1,208":201,"1,209":202,"1,210":203,"1,211":204,"1,212":205,"1,213":206,"1,214":207,"1,215":208,"1,216":209,"1,217":210,"1,218":211,"1,219":212,"1,220":213,"1,221":214,"1,223":215,"1,224":216,"1,225":217,"1,226":218,"1,227":219,"1,228":220,"1,229":221,"1,230":222,"1,231":223,"1,232":224,"1,233":225,"1,234":226,"1,235":227,"1,236":228,"1,237":229,"1,238":230,"1,239":231,"1,240":232,"1,241":233,"1,242":234,"1,243":235,"1,244":236,"1,245":237,"1,246":238,"1,247":239,"1,248":240,"1,249":241,"1,250":242,"1,251":243,"1,252":244,"1,253":245,"1,254":246,"1,255":247,"1,256":248,"1,257":249,"1,258":250,"1,259":251,"1,260":252,"1,261":253,"1,262":254,"1,263":255,"1,264":256,"1,265":257,"1,266":258,"1,267":259,"1,268":260,"1,269":261,"1,270":262,"1,271":263,"1,272":264,"1,273":265,"1,274":266,"1,275":267,"1,276":268,"1,277":269,"1,278":270,"1,279":271,"1,280":272,"1,281":273,"1,282":274,"1,283":275,"1,284":276,"1,285":277,"1,286":278,"1,287":279,"1,288":280,"1,289":281,"1,290":282,"1,291":283,"1,292":284,"1,293":285,"1,294":286,"1,295":287,"1,296":288,"1,297":289,"1,298":290,"1,299":291,"1,300":292,"1,301":293,"1,302":294,"1,303":295,"1,304":296,"1,305":297,"1,306":298,"1,307":299,"1,308":300,"1,309":301,"1,310":302,"1,311":303,"1,312":304,"1,313":305,"1,314":306,"1,315":307,"1,316":308,"1,317":309,"1,318":310,"1,319":311,"1,320":312,"1,321":313,"1,322":314,"1,323":315,"1,324":316,"1,325":317,"1,326":318,"1,327":319,"1,328":320,"1,329":321,"1,330":322,"1,331":323,"1,332":324,"1,333":325,"1,334":326,"1,335":327,"1,336":328,"1,337":329,"1,339":330,"1,340":331,"1,341":332,"1,342":333,"1,343":334,"1,344":335,"1,345":336,"1,346":337,"1,347":338,"1,348":339,"1,349":340,"1,350":341,"1,351":342,"1,352":343,"1,353":344,"1,354":345,"1,355":346,"1,356":347,"1,357":348,"1,358":349,"1,359":350,"1,360":351,"1,361":352,"1,362":353,"1,363":354,"1,364":355,"1,365":356,"1,366":357,"1,367":358,"1,368":359,"1,369":360,"1,370":361,"1,371":362,"1,372":363,"1,373":364,"1,374":365,"1,375":366,"1,376":367,"1,377":368,"1,378":369,"1,379":370,"1,380":371,"1,381":372,"1,382":373,"1,383":374,"1,384":375,"1,385":376,"1,386":377,"1,387":378,"1,388":379,"1,389":380,"1,390":381,"1,391":382,"1,392":383,"1,393":384,"1,394":385,"1,395":386,"1,396":387,"1,397":388,"1,398":389,"1,399":390,"1,400":391,"1,401":392,"1,402":393,"1,403":394,"1,404":395,"1,405":396,"1,406":397,"1,407":398,"1,409":399,"1,410":400,"1,411":401,"1,412":402,"1,413":403,"1,414":404,"1,415":405,"1,416":406,"1,417":407,"1,418":408,"1,419":409,"1,420":410,"1,421":411,"1,422":412,"1,423":413,"1,424":414,"1,425":415,"1,426":416,"1,427":417,"1,428":418,"1,429":419,"1,430":420,"1,431":421,"1,432":422,"1,433":423,"1,434":424,"1,435":425,"1,436":426,"1,437":427,"1,438":428,"1,439":429,"1,440":430,"1,441":431,"1,442":432,"1,443":433,"1,444":434,"1,445":435,"1,446":436,"1,447":437,"1,448":438,"1,449":439,"1,450":440,"1,451":441,"1,452":442,"1,453":443,"1,454":444,"1,455":445,"1,456":446,"1,457":447,"1,458":448,"1,459":449,"1,460":450,"1,461":451,"1,462":452,"1,463":453,"1,464":454,"1,465":455,"1,466":456,"1,467":457,"1,468":458,"1,469":459,"1,471":460,"1,472":461,"1,473":462,"1,474":463,"1,475":464,"1,476":465,"1,477":466,"1,478":467,"1,479":468,"1,480":469,"1,481":470,"1,482":471,"1,483":472,"1,484":473,"1,485":474,"1,486":475,"1,487":476,"1,488":477,"1,489":478,"1,490":479,"1,491":480,"1,492":481,"1,493":482,"1,494":483,"1,495":484,"1,496":485,"1,497":486,"1,498":487,"1,499":488,"1,500":489,"1,501":490,"1,502":491,"1,503":492,"1,504":493,"1,505":494,"1,506":495,"1,507":496,"1,508":497,"1,509":498,"1,510":499,"1,511":500,"1,512":501,"1,513":502,"1,514":503,"1,515":504,"1,516":505,"1,517":506,"1,518":507,"1,519":508,"1,520":509,"1,521":510,"1,522":511,"1,523":512,"1,524":513,"1,525":514,"1,526":515,"1,527":516,"1,528":517,"1,529":518,"1,530":519,"1,531":520,"1,532":521,"1,533":522,"1,534":523,"1,535":524,"1,536":525,"1,537":526,"1,538":527,"1,539":528,"1,540":529,"1,541":530,"1,542":531,"1,543":532,"1,544":533,"1,545":534,"1,546":535,"1,547":536,"1,548":537,"1,549":538,"1,550":539,"1,551":540,"1,552":541,"1,553":542,"1,554":543,"1,555":544,"1,556":545,"1,557":546,"1,558":547,"1,559":548,"1,560":549,"1,561":550,"1,562":551,"1,563":552,"1,564":553,"1,565":554,"1,566":555,"1,567":556,"1,568":557,"1,569":558,"1,570":559,"1,571":560,"1,572":561,"2,573":562,"2,574":563,"2,575":564,"2,576":565,"2,577":566,"2,578":567,"2,579":568,"2,580":569,"2,581":570,"2,582":571,"2,583":572,"2,584":573,"2,585":574,"2,586":575,"2,587":576,"2,588":577,"2,589":578,"2,590":579,"2,591":580,"2,592":581,"2,593":582,"2,594":583,"2,595":584,"2,596":585,"2,597":586,"2,598":587,"2,599":588,"2,600":589,"2,601":590,"2,602":591,"2,603":592,"2,604":593,"2,605":594,"2,606":595,"2,607":596,"2,608":597,"2,609":598,"2,610":599,"2,611":600,"2,612":601,"2,613":602,"2,615":603,"2,617":604,"2,619":605,"2,620":606,"2,621":607,"2,622":608,"2,623":609,"2,624":610,"2,625":611,"2,626":612,"2,627":613,"2,628":614,"2,629":615,"2,630":616,"2,631":617,"2,632":618,"2,633":619,"2,634":620,"2,635":621,"2,636":622,"2,637":623,"2,638":624,"2,639":625,"2,640":626,"2,641":627,"2,642":628,"2,643":629,"2,644":630,"2,645":631,"2,646":632,"2,647":633,"2,648":634,"2,649":635,"2,650":636,"2,651":637,"2,652":638,"2,653":639,"2,654":640,"2,655":641,"2,656":642,"2,657":643,"2,658":644,"2,659":645,"2,660":646,"2,661":647,"2,662":648,"2,663":649,"2,664":650,"2,665":651,"2,666":652,"2,667":653,"2,668":654,"2,669":655,"2,670":656,"2,671":657,"2,672":658,"2,673":659,"2,674":660,"2,675":661,"2,676":662,"2,677":663,"2,678":664,"2,679":665,"2,680":666,"2,681":667,"2,682":668,"2,683":669,"2,684":670,"2,685":671,"2,686":672,"2,687":673,"2,688":674,"2,689":675,"2,690":676,"2,691":677,"2,692":678,"2,693":679,"2,694":680,"2,695":681,"2,696":682,"2,697":683,"2,698":684,"2,699":685,"2,700":686,"2,701":687,"2,702":688,"2,703":689,"2,704":690,"2,705":691,"2,706":692,"2,707":693,"2,708":694,"2,709":695,"2,710":696,"2,711":697,"2,712":698,"2,713":699,"2,714":700,"2,715":701,"2,716":702,"2,717":703,"2,718":704,"2,719":705,"2,721":706,"2,722":707,"2,723":708,"2,724":709,"2,725":710,"2,726":711,"2,727":712,"2,728":713,"2,729":714,"2,730":715,"2,731":716,"2,732":717,"2,733":718,"2,734":719,"2,735":720,"2,736":721,"2,737":722,"2,738":723,"2,739":724,"2,740":725,"2,741":726,"2,742":727,"2,743":728,"2,744":729,"2,745":730,"2,746":731,"2,747":732,"2,748":733,"2,749":734,"2,750":735,"2,751":736,"2,752":737,"2,753":738,"2,754":739,"2,755":740,"2,756":741,"2,757":742,"2,758":743,"2,759":744,"2,760":745,"2,761":746,"2,762":747,"2,763":748,"2,764":749,"2,765":750,"2,766":751,"2,767":752,"2,768":753,"2,769":754,"2,770":755,"2,771":756,"2,772":757,"2,773":758,"2,774":759,"2,775":760,"2,776":761,"2,777":762,"2,778":763,"2,779":764,"2,780":765,"2,781":766,"2,782":767,"2,783":768,"2,784":769,"2,785":770,"2,786":771,"2,787":772,"2,788":773,"2,789":774,"2,790":775,"2,791":776,"2,792":777,"2,793":778,"2,794":779,"2,795":780,"2,796":781,"2,797":782,"2,798":783,"2,799":784,"2,800":785,"2,801":786,"2,802":787,"2,803":788,"2,804":789,"2,805":790,"2,806":791,"2,807":792,"2,808":793,"2,809":794,"2,810":795,"2,811":796,"2,812":797,"2,813":798,"2,814":799,"2,815":800,"2,816":801,"2,817":802,"2,818":803,"2,819":804,"2,820":805,"2,821":806,"2,822":807,"2,823":808,"2,824":809,"2,825":810,"2,826":811,"2,827":812,"2,828":813,"2,829":814,"2,830":815,"2,831":816,"2,832":817,"2,833":818,"2,834":819,"2,835":820,"2,836":821,"2,837":822,"2,838":823,"2,839":824,"2,840":825,"2,841":826,"2,842":827,"2,843":828,"2,844":829,"2,845":830,"2,846":831,"2,847":832,"2,848":833,"2,849":834,"2,850":835,"2,851":836,"2,852":837,"2,853":838,"2,854":839,"2,855":840,"2,856":841,"2,857":842,"2,858":843,"2,859":844,"2,860":845,"2,861":846,"2,862":847,"2,863":848,"2,864":849,"2,865":850,"2,866":851,"2,867":852,"2,868":853,"2,869":854,"2,870":855,"2,871":856,"2,872":857,"2,873":858,"2,874":859,"2,875":860,"2,876":861,"2,877":862,"2,878":863,"2,879":864,"2,880":865,"2,881":866,"2,882":867,"2,883":868,"2,884":869,"2,885":870,"2,886":871,"2,887":872,"2,888":873,"2,889":874,"2,890":875,"2,891":876,"2,893":877,"2,895":878,"2,897":879,"2,898":880,"2,899":881,"2,900":882,"2,901":883,"2,902":884,"2,903":885,"2,904":886,"2,905":887,"2,906":888,"2,907":889,"2,908":890,"2,909":891,"2,910":892,"2,911":893,"2,912":894,"2,913":895,"2,914":896,"2,915":897,"2,916":898,"2,917":899,"2,918":900,"2,919":901,"2,920":902,"2,921":903,"2,922":904,"2,923":905,"2,924":906,"2,925":907,"2,926":908,"2,927":909,"2,928":910,"2,929":911,"2,930":912,"2,931":913,"2,933":914,"2,934":915,"2,935":916,"2,936":917,"2,937":918,"2,938":919,"2,939":920,"2,940":921,"2,941":922,"2,942":923,"2,943":924,"2,944":925,"2,945":926,"2,946":927,"2,947":928,"2,948":929,"2,949":930,"2,950":931,"2,951":932,"2,952":933,"2,953":934,"2,954":935,"2,955":936,"2,957":937,"2,958":938,"2,959":939,"2,960":940,"2,961":941,"2,962":942,"2,963":943,"2,964":944,"2,965":945,"2,966":946,"2,967":947,"2,968":948,"2,969":949,"2,970":950,"2,971":951,"2,972":952,"2,973":953,"2,974":954,"2,975":955,"2,976":956,"2,977":957,"2,978":958,"2,979":959,"2,980":960,"2,981":961,"2,983":962,"2,985":963,"2,986":964,"2,987":965,"2,988":966,"2,989":967,"2,990":968,"2,991":969,"2,992":970,"2,993":971,"2,994":972,"2,995":973,"2,996":974,"2,997":975,"2,998":976,"2,999":977,"2,1000":978,"2,1001":979,"2,1002":980,"2,1003":981,"2,1004":982,"2,1005":983,"2,1006":984,"2,1007":985,"2,1008":986,"2,1009":987,"2,1010":988,"2,1011":989,"2,1012":990,"2,1013":991,"2,1014":992,"2,1015":993,"2,1016":994,"2,1017":995,"2,1018":996,"2,1019":997,"2,1020":998,"2,1021":999,"2,1022":1000,"2,1023":1001,"2,1025":1002,"2,1027":1003,"2,1028":1004,"2,1029":1005,"2,1030":1006,"2,1031":1007,"2,1032":1008,"2,1033":1009,"2,1034":1010,"2,1035":1011,"2,1036":1012,"2,1037":1013,"2,1038":1014,"2,1039":1015,"2,1040":1016,"2,1041":1017,"2,1043":1018,"2,1045":1019,"2,1046":1020,"2,1047":1021,"2,1048":1022,"2,1049":1023,"2,1051":1024,"2,1053":1025,"2,1054":1026,"2,1055":1027,"2,1056":1028,"2,1057":1029,"2,1058":1030,"2,1059":1031,"2,1060":1032,"2,1061":1033,"2,1062":1034,"2,1063":1035,"2,1064":1036,"2,1065":1037,"2,1066":1038,"2,1067":1039,"2,1068":1040,"2,1069":1041,"2,1070":1042,"2,1071":1043,"2,1072":1044,"2,1073":1045,"2,1074":1046,"2,1075":1047,"2,1076":1048,"2,1077":1049,"2,1078":1050,"2,1079":1051,"2,1080":1052,"2,1081":1053,"2,1082":1054,"2,1083":1055,"2,1084":1056,"2,1085":1057,"2,1086":1058,"2,1087":1059,"2,1088":1060,"2,1089":1061,"2,1090":1062,"2,1091":1063,"2,1093":1064,"2,1095":1065,"2,1096":1066,"2,1097":1067,"2,1098":1068,"2,1099":1069,"2,1100":1070,"2,1101":1071,"2,1102":1072,"2,1103":1073,"2,1104":1074,"2,1105":1075,"2,1106":1076,"2,1107":1077,"2,1108":1078,"2,1109":1079,"2,1110":1080,"2,1111":1081,"2,1112":1082,"2,1113":1083,"2,1114":1084,"2,1115":1085,"2,1116":1086,"2,1117":1087,"2,1118":1088,"2,1119":1089,"2,1120":1090,"2,1121":1091,"2,1122":1092,"2,1123":1093,"2,1124":1094,"2,1125":1095,"2,1126":1096,"2,1127":1097,"2,1128":1098,"2,1129":1099,"2,1130":1100,"2,1131":1101,"3,1132":1102,"3,1133":1103,"3,1135":1104,"3,1136":1105,"3,1137":1106,"3,1138":1107,"3,1139":1108,"3,1140":1109,"3,1141":1110,"3,1142":1111,"3,1143":1112,"3,1144":1113,"3,1145":1114,"3,1146":1115,"3,1147":1116,"3,1148":1117,"3,1149":1118,"3,1150":1119,"3,1151":1120,"3,1152":1121,"3,1153":1122,"3,1154":1123,"3,1155":1124,"3,1156":1125,"3,1157":1126,"3,1158":1127,"3,1159":1128,"3,1160":1129,"3,1161":1130,"3,1162":1131,"3,1163":1132,"3,1164":1133,"3,1165":1134,"3,1166":1135,"3,1167":1136,"3,1168":1137,"3,1169":1138,"3,1170":1139,"3,1171":1140,"3,1172":1141,"3,1173":1142,"3,1174":1143,"3,1175":1144,"3,1176":1145,"3,1177":1146,"3,1178":1147,"3,1179":1148,"3,1180":1149,"3,1181":1150,"3,1182":1151,"3,1183":1152,"3,1184":1153,"3,1185":1154,"3,1186":1155,"3,1187":1156,"3,1188":1157,"3,1189":1158,"3,1190":1159,"3,1191":1160,"3,1192":1161,"3,1193":1162,"3,1194":1163,"3,1195":1164,"3,1196":1165,"3,1197":1166,"3,1198":1167,"3,1199":1168,"3,1200":1169,"3,1201":1170,"3,1202":1171,"3,1203":1172,"3,1204":1173,"3,1205":1174,"3,1206":1175,"3,1207":1176,"3,1208":1177,"3,1209":1178,"3,1210":1179,"3,1211":1180,"3,1212":1181,"3,1213":1182,"3,1214":1183,"3,1215":1184,"3,1216":1185,"3,1217":1186,"3,1218":1187,"3,1219":1188,"3,1220":1189,"3,1221":1190,"3,1222":1191,"3,1223":1192,"3,1224":1193,"3,1225":1194,"3,1226":1195,"3,1227":1196,"3,1228":1197,"3,1229":1198,"3,1230":1199,"3,1231":1200,"3,1232":1201,"3,1233":1202,"3,1234":1203,"3,1235":1204,"3,1236":1205,"3,1237":1206,"3,1239":1207,"3,1240":1208,"3,1241":1209,"3,1242":1210,"3,1243":1211,"3,1244":1212,"3,1245":1213,"3,1246":1214,"3,1247":1215,"3,1248":1216,"3,1249":1217,"3,1250":1218,"3,1251":1219,"3,1252":1220,"3,1253":1221,"3,1254":1222,"3,1255":1223,"3,1256":1224,"3,1257":1225,"3,1258":1226,"3,1259":1227,"3,1260":1228,"3,1261":1229,"3,1262":1230,"3,1263":1231,"3,1264":1232,"3,1265":1233,"3,1266":1234,"3,1267":1235,"3,1268":1236,"3,1269":1237,"3,1270":1238,"3,1271":1239,"3,1272":1240,"3,1273":1241,"3,1274":1242,"3,1275":1243,"3,1276":1244,"3,1277":1245,"3,1278":1246,"3,1279":1247,"3,1281":1248,"3,1282":1249,"3,1283":1250,"3,1284":1251,"3,1285":1252,"3,1286":1253,"3,1287":1254,"3,1288":1255,"3,1289":1256,"3,1290":1257,"3,1291":1258,"3,1292":1259,"3,1293":1260,"3,1294":1261,"3,1295":1262,"3,1296":1263,"3,1297":1264,"3,1298":1265,"3,1299":1266,"3,1300":1267,"3,1301":1268,"3,1302":1269,"3,1303":1270,"3,1304":1271,"3,1305":1272,"3,1306":1273,"3,1307":1274,"3,1309":1275,"3,1310":1276,"3,1311":1277,"3,1313":1278,"3,1314":1279,"3,1315":1280,"3,1316":1281,"3,1317":1282,"3,1318":1283,"3,1319":1284,"3,1320":1285,"3,1321":1286,"3,1322":1287,"3,1323":1288,"3,1324":1289,"3,1325":1290,"3,1326":1291,"3,1327":1292,"3,1328":1293,"3,1329":1294,"3,1330":1295,"3,1331":1296,"3,1332":1297,"3,1333":1298,"3,1334":1299,"3,1335":1300,"3,1336":1301,"3,1337":1302,"3,1338":1303,"3,1339":1304,"3,1340":1305,"3,1341":1306,"3,1342":1307,"3,1343":1308,"3,1344":1309,"3,1345":1310,"3,1346":1311,"3,1347":1312,"3,1348":1313,"3,1349":1314,"3,1350":1315,"3,1351":1316,"3,1352":1317,"3,1353":1318,"3,1354":1319,"3,1355":1320,"3,1356":1321,"3,1357":1322,"3,1358":1323,"3,1359":1324,"3,1360":1325,"3,1361":1326,"3,1362":1327,"3,1363":1328,"3,1364":1329,"3,1365":1330,"3,1366":1331,"3,1367":1332,"3,1368":1333,"3,1369":1334,"3,1371":1335,"3,1373":1336,"3,1374":1337,"3,1375":1338,"3,1376":1339,"3,1377":1340,"3,1378":1341,"3,1379":1342,"3,1380":1343,"3,1381":1344,"3,1382":1345,"3,1383":1346,"3,1384":1347,"3,1385":1348,"3,1386":1349,"3,1387":1350,"3,1388":1351,"3,1389":1352,"3,1390":1353,"3,1391":1354,"3,1392":1355,"3,1393":1356,"3,1394":1357,"3,1395":1358,"3,1396":1359,"3,1397":1360,"3,1398":1361,"3,1399":1362,"3,1400":1363,"3,1401":1364,"3,1402":1365,"3,1403":1366,"3,1404":1367,"3,1405":1368,"3,1406":1369,"3,1407":1370,"3,1408":1371,"3,1409":1372,"3,1410":1373,"3,1411":1374,"3,1412":1375,"3,1413":1376,"3,1414":1377,"3,1415":1378,"3,1416":1379,"3,1417":1380,"3,1418":1381,"3,1419":1382,"3,1420":1383,"3,1421":1384,"3,1422":1385,"3,1423":1386,"3,1424":1387,"3,1425":1388,"3,1426":1389,"3,1427":1390,"3,1428":1391,"3,1429":1392,"3,1430":1393,"3,1431":1394,"3,1433":1395,"3,1435":1396,"3,1436":1397,"3,1437":1398,"3,1438":1399,"3,1439":1400,"3,1440":1401,"3,1441":1402,"3,1442":1403,"3,1443":1404,"3,1444":1405,"3,1445":1406,"3,1446":1407,"3,1447":1408,"3,1448":1409,"3,1449":1410,"3,1450":1411,"3,1451":1412,"3,1452":1413,"3,1453":1414,"3,1454":1415,"3,1455":1416,"3,1456":1417,"3,1457":1418,"3,1458":1419,"3,1459":1420,"3,1460":1421,"3,1461":1422,"3,1462":1423,"3,1463":1424,"3,1464":1425,"3,1465":1426,"3,1467":1427,"3,1469":1428,"3,1470":1429,"3,1471":1430,"3,1472":1431,"3,1473":1432,"3,1474":1433,"3,1475":1434,"3,1476":1435,"3,1477":1436,"3,1478":1437,"3,1479":1438,"3,1480":1439,"3,1481":1440,"3,1482":1441,"3,1483":1442,"3,1484":1443,"3,1485":1444,"3,1487":1445,"3,1488":1446,"3,1489":1447,"3,1490":1448,"3,1491":1449,"3,1492":1450,"3,1493":1451,"3,1494":1452,"3,1495":1453,"3,1496":1454,"3,1497":1455,"3,1498":1456,"3,1499":1457,"3,1500":1458,"3,1501":1459,"3,1502":1460,"3,1503":1461,"3,1504":1462,"3,1505":1463,"3,1506":1464,"3,1507":1465,"3,1508":1466,"3,1509":1467,"3,1510":1468,"3,1511":1469,"3,1512":1470,"3,1513":1471,"3,1514":1472,"3,1515":1473,"3,1517":1474,"3,1518":1475,"3,1519":1476,"3,1520":1477,"3,1521":1478,"3,1522":1479,"3,1523":1480,"3,1524":1481,"3,1525":1482,"3,1526":1483,"3,1527":1484,"3,1528":1485,"3,1529":1486,"3,1530":1487,"3,1531":1488,"3,1532":1489,"3,1533":1490,"3,1534":1491,"3,1535":1492,"3,1536":1493,"3,1537":1494,"3,1538":1495,"3,1539":1496,"3,1540":1497,"3,1541":1498,"3,1542":1499,"3,1543":1500,"3,1544":1501,"3,1545":1502,"3,1546":1503,"3,1547":1504,"3,1548":1505,"3,1549":1506,"3,1550":1507,"3,1551":1508,"3,1552":1509,"3,1553":1510,"3,1554":1511,"3,1555":1512,"3,1556":1513,"3,1557":1514,"3,1558":1515,"3,1559":1516,"3,1560":1517,"3,1561":1518,"3,1562":1519,"3,1563":1520,"3,1564":1521,"3,1565":1522,"3,1566":1523,"3,1567":1524,"3,1568":1525,"3,1569":1526,"3,1570":1527,"3,1571":1528,"3,1572":1529,"3,1573":1530,"3,1574":1531,"3,1575":1532,"3,1576":1533,"3,1577":1534,"3,1578":1535,"3,1579":1536,"3,1580":1537,"3,1581":1538,"3,1582":1539,"3,1583":1540,"3,1584":1541,"3,1585":1542,"3,1586":1543,"3,1587":1544,"3,1588":1545,"3,1589":1546,"3,1590":1547,"3,1591":1548,"3,1592":1549,"3,1593":1550,"3,1594":1551,"3,1595":1552,"3,1596":1553,"3,1597":1554,"3,1598":1555,"3,1599":1556,"3,1600":1557,"3,1601":1558,"3,1602":1559,"3,1603":1560,"3,1604":1561,"3,1605":1562,"3,1606":1563,"3,1607":1564,"3,1608":1565,"3,1609":1566,"3,1610":1567,"3,1611":1568,"3,1612":1569,"3,1613":1570,"3,1614":1571,"3,1615":1572,"3,1616":1573,"3,1617":1574,"3,1618":1575,"3,1619":1576,"3,1620":1577,"3,1621":1578,"3,1622":1579,"3,1623":1580,"3,1624":1581,"3,1625":1582,"3,1626":1583,"3,1627":1584,"3,1628":1585,"3,1629":1586,"3,1630":1587,"3,1631":1588,"3,1632":1589,"3,1633":1590,"3,1634":1591,"3,1635":1592,"3,1636":1593,"3,1637":1594,"3,1638":1595,"3,1639":1596,"3,1640":1597,"3,1641":1598,"3,1642":1599,"3,1643":1600,"3,1644":1601,"3,1645":1602,"3,1646":1603,"3,1647":1604,"3,1648":1605,"3,1649":1606,"3,1650":1607,"3,1651":1608,"3,1652":1609,"3,1653":1610,"3,1654":1611,"3,1655":1612,"3,1656":1613,"3,1657":1614,"3,1658":1615,"3,1659":1616,"3,1660":1617},"ٜ":{"1":[1,572],"2":[573,1131],"3":[1132,1660]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,51","1,53","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,157","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,602","2,603","2,604","2,605","2,606","2,607","2,608","2,609","2,610","2,611","2,612","2,613","2,615","2,617","2,619","2,620","2,621","2,622","2,623","2,624","2,625","2,626","2,627","2,628","2,629","2,630","2,631","2,632","2,633","2,634","2,635","2,636","2,637","2,638","2,639","2,640","2,641","2,642","2,643","2,644","2,645","2,646","2,647","2,648","2,649","2,650","2,651","2,652","2,653","2,654","2,655","2,656","2,657","2,658","2,659","2,660","2,661","2,662","2,663","2,664","2,665","2,666","2,667","2,668","2,669","2,670","2,671","2,672","2,673","2,674","2,675","2,676","2,677","2,678","2,679","2,680","2,681","2,682","2,683","2,684","2,685","2,686","2,687","2,688","2,689","2,690","2,691","2,692","2,693","2,694","2,695","2,696","2,697","2,698","2,699","2,700","2,701","2,702","2,703","2,704","2,705","2,706","2,707","2,708","2,709","2,710","2,711","2,712","2,713","2,714","2,715","2,716","2,717","2,718","2,719","2,721","2,722","2,723","2,724","2,725","2,726","2,727","2,728","2,729","2,730","2,731","2,732","2,733","2,734","2,735","2,736","2,737","2,738","2,739","2,740","2,741","2,742","2,743","2,744","2,745","2,746","2,747","2,748","2,749","2,750","2,751","2,752","2,753","2,754","2,755","2,756","2,757","2,758","2,759","2,760","2,761","2,762","2,763","2,764","2,765","2,766","2,767","2,768","2,769","2,770","2,771","2,772","2,773","2,774","2,775","2,776","2,777","2,778","2,779","2,780","2,781","2,782","2,783","2,784","2,785","2,786","2,787","2,788","2,789","2,790","2,791","2,792","2,793","2,794","2,795","2,796","2,797","2,798","2,799","2,800","2,801","2,802","2,803","2,804","2,805","2,806","2,807","2,808","2,809","2,810","2,811","2,812","2,813","2,814","2,815","2,816","2,817","2,818","2,819","2,820","2,821","2,822","2,823","2,824","2,825","2,826","2,827","2,828","2,829","2,830","2,831","2,832","2,833","2,834","2,835","2,836","2,837","2,838","2,839","2,840","2,841","2,842","2,843","2,844","2,845","2,846","2,847","2,848","2,849","2,850","2,851","2,852","2,853","2,854","2,855","2,856","2,857","2,858","2,859","2,860","2,861","2,862","2,863","2,864","2,865","2,866","2,867","2,868","2,869","2,870","2,871","2,872","2,873","2,874","2,875","2,876","2,877","2,878","2,879","2,880","2,881","2,882","2,883","2,884","2,885","2,886","2,887","2,888","2,889","2,890","2,891","2,893","2,895","2,897","2,898","2,899","2,900","2,901","2,902","2,903","2,904","2,905","2,906","2,907","2,908","2,909","2,910","2,911","2,912","2,913","2,914","2,915","2,916","2,917","2,918","2,919","2,920","2,921","2,922","2,923","2,924","2,925","2,926","2,927","2,928","2,929","2,930","2,931","2,933","2,934","2,935","2,936","2,937","2,938","2,939","2,940","2,941","2,942","2,943","2,944","2,945","2,946","2,947","2,948","2,949","2,950","2,951","2,952","2,953","2,954","2,955","2,957","2,958","2,959","2,960","2,961","2,962","2,963","2,964","2,965","2,966","2,967","2,968","2,969","2,970","2,971","2,972","2,973","2,974","2,975","2,976","2,977","2,978","2,979","2,980","2,981","2,983","2,985","2,986","2,987","2,988","2,989","2,990","2,991","2,992","2,993","2,994","2,995","2,996","2,997","2,998","2,999","2,1000","2,1001","2,1002","2,1003","2,1004","2,1005","2,1006","2,1007","2,1008","2,1009","2,1010","2,1011","2,1012","2,1013","2,1014","2,1015","2,1016","2,1017","2,1018","2,1019","2,1020","2,1021","2,1022","2,1023","2,1025","2,1027","2,1028","2,1029","2,1030","2,1031","2,1032","2,1033","2,1034","2,1035","2,1036","2,1037","2,1038","2,1039","2,1040","2,1041","2,1043","2,1045","2,1046","2,1047","2,1048","2,1049","2,1051","2,1053","2,1054","2,1055","2,1056","2,1057","2,1058","2,1059","2,1060","2,1061","2,1062","2,1063","2,1064","2,1065","2,1066","2,1067","2,1068","2,1069","2,1070","2,1071","2,1072","2,1073","2,1074","2,1075","2,1076","2,1077","2,1078","2,1079","2,1080","2,1081","2,1082","2,1083","2,1084","2,1085","2,1086","2,1087","2,1088","2,1089","2,1090","2,1091","2,1093","2,1095","2,1096","2,1097","2,1098","2,1099","2,1100","2,1101","2,1102","2,1103","2,1104","2,1105","2,1106","2,1107","2,1108","2,1109","2,1110","2,1111","2,1112","2,1113","2,1114","2,1115","2,1116","2,1117","2,1118","2,1119","2,1120","2,1121","2,1122","2,1123","2,1124","2,1125","2,1126","2,1127","2,1128","2,1129","2,1130","2,1131","3,1132","3,1133","3,1135","3,1136","3,1137","3,1138","3,1139","3,1140","3,1141","3,1142","3,1143","3,1144","3,1145","3,1146","3,1147","3,1148","3,1149","3,1150","3,1151","3,1152","3,1153","3,1154","3,1155","3,1156","3,1157","3,1158","3,1159","3,1160","3,1161","3,1162","3,1163","3,1164","3,1165","3,1166","3,1167","3,1168","3,1169","3,1170","3,1171","3,1172","3,1173","3,1174","3,1175","3,1176","3,1177","3,1178","3,1179","3,1180","3,1181","3,1182","3,1183","3,1184","3,1185","3,1186","3,1187","3,1188","3,1189","3,1190","3,1191","3,1192","3,1193","3,1194","3,1195","3,1196","3,1197","3,1198","3,1199","3,1200","3,1201","3,1202","3,1203","3,1204","3,1205","3,1206","3,1207","3,1208","3,1209","3,1210","3,1211","3,1212","3,1213","3,1214","3,1215","3,1216","3,1217","3,1218","3,1219","3,1220","3,1221","3,1222","3,1223","3,1224","3,1225","3,1226","3,1227","3,1228","3,1229","3,1230","3,1231","3,1232","3,1233","3,1234","3,1235","3,1236","3,1237","3,1239","3,1240","3,1241","3,1242","3,1243","3,1244","3,1245","3,1246","3,1247","3,1248","3,1249","3,1250","3,1251","3,1252","3,1253","3,1254","3,1255","3,1256","3,1257","3,1258","3,1259","3,1260","3,1261","3,1262","3,1263","3,1264","3,1265","3,1266","3,1267","3,1268","3,1269","3,1270","3,1271","3,1272","3,1273","3,1274","3,1275","3,1276","3,1277","3,1278","3,1279","3,1281","3,1282","3,1283","3,1284","3,1285","3,1286","3,1287","3,1288","3,1289","3,1290","3,1291","3,1292","3,1293","3,1294","3,1295","3,1296","3,1297","3,1298","3,1299","3,1300","3,1301","3,1302","3,1303","3,1304","3,1305","3,1306","3,1307","3,1309","3,1310","3,1311","3,1313","3,1314","3,1315","3,1316","3,1317","3,1318","3,1319","3,1320","3,1321","3,1322","3,1323","3,1324","3,1325","3,1326","3,1327","3,1328","3,1329","3,1330","3,1331","3,1332","3,1333","3,1334","3,1335","3,1336","3,1337","3,1338","3,1339","3,1340","3,1341","3,1342","3,1343","3,1344","3,1345","3,1346","3,1347","3,1348","3,1349","3,1350","3,1351","3,1352","3,1353","3,1354","3,1355","3,1356","3,1357","3,1358","3,1359","3,1360","3,1361","3,1362","3,1363","3,1364","3,1365","3,1366","3,1367","3,1368","3,1369","3,1371","3,1373","3,1374","3,1375","3,1376","3,1377","3,1378","3,1379","3,1380","3,1381","3,1382","3,1383","3,1384","3,1385","3,1386","3,1387","3,1388","3,1389","3,1390","3,1391","3,1392","3,1393","3,1394","3,1395","3,1396","3,1397","3,1398","3,1399","3,1400","3,1401","3,1402","3,1403","3,1404","3,1405","3,1406","3,1407","3,1408","3,1409","3,1410","3,1411","3,1412","3,1413","3,1414","3,1415","3,1416","3,1417","3,1418","3,1419","3,1420","3,1421","3,1422","3,1423","3,1424","3,1425","3,1426","3,1427","3,1428","3,1429","3,1430","3,1431","3,1433","3,1435","3,1436","3,1437","3,1438","3,1439","3,1440","3,1441","3,1442","3,1443","3,1444","3,1445","3,1446","3,1447","3,1448","3,1449","3,1450","3,1451","3,1452","3,1453","3,1454","3,1455","3,1456","3,1457","3,1458","3,1459","3,1460","3,1461","3,1462","3,1463","3,1464","3,1465","3,1467","3,1469","3,1470","3,1471","3,1472","3,1473","3,1474","3,1475","3,1476","3,1477","3,1478","3,1479","3,1480","3,1481","3,1482","3,1483","3,1484","3,1485","3,1487","3,1488","3,1489","3,1490","3,1491","3,1492","3,1493","3,1494","3,1495","3,1496","3,1497","3,1498","3,1499","3,1500","3,1501","3,1502","3,1503","3,1504","3,1505","3,1506","3,1507","3,1508","3,1509","3,1510","3,1511","3,1512","3,1513","3,1514","3,1515","3,1517","3,1518","3,1519","3,1520","3,1521","3,1522","3,1523","3,1524","3,1525","3,1526","3,1527","3,1528","3,1529","3,1530","3,1531","3,1532","3,1533","3,1534","3,1535","3,1536","3,1537","3,1538","3,1539","3,1540","3,1541","3,1542","3,1543","3,1544","3,1545","3,1546","3,1547","3,1548","3,1549","3,1550","3,1551","3,1552","3,1553","3,1554","3,1555","3,1556","3,1557","3,1558","3,1559","3,1560","3,1561","3,1562","3,1563","3,1564","3,1565","3,1566","3,1567","3,1568","3,1569","3,1570","3,1571","3,1572","3,1573","3,1574","3,1575","3,1576","3,1577","3,1578","3,1579","3,1580","3,1581","3,1582","3,1583","3,1584","3,1585","3,1586","3,1587","3,1588","3,1589","3,1590","3,1591","3,1592","3,1593","3,1594","3,1595","3,1596","3,1597","3,1598","3,1599","3,1600","3,1601","3,1602","3,1603","3,1604","3,1605","3,1606","3,1607","3,1608","3,1609","3,1610","3,1611","3,1612","3,1613","3,1614","3,1615","3,1616","3,1617","3,1618","3,1619","3,1620","3,1621","3,1622","3,1623","3,1624","3,1625","3,1626","3,1627","3,1628","3,1629","3,1630","3,1631","3,1632","3,1633","3,1634","3,1635","3,1636","3,1637","3,1638","3,1639","3,1640","3,1641","3,1642","3,1643","3,1644","3,1645","3,1646","3,1647","3,1648","3,1649","3,1650","3,1651","3,1652","3,1653","3,1654","3,1655","3,1656","3,1657","3,1658","3,1659","3,1660"],"ٞ":{"7":[1],"9":[2],"10":[3],"11":[4],"12":[5],"31":[6],"44":[7],"45":[8],"48":[9],"49":[10],"50":[11],"51":[12,13],"54":[14],"62":[15,16],"68":[17],"69":[18,19],"73":[20],"86":[21],"87":[22],"88":[23,24,25],"91":[26],"95":[27],"96":[28],"100":[29,30],"104":[31],"107":[32,33],"109":[34,35],"110":[36],"113":[37],"114":[38],"116":[39,40],"118":[41],"120":[42,43],"122":[44,45],"123":[46],"126":[47,48],"129":[49,50],"131":[51],"133":[52],"134":[53],"135":[54],"137":[55,56],"140":[57],"142":[58],"143":[59],"145":[60,61],"146":[62],"148":[63,64],"150":[65],"151":[66],"152":[67,68],"156":[69,70],"165":[71],"214":[72],"215":[73],"216":[74],"243":[75],"254":[76],"262":[77],"268":[78,79],"276":[80],"305":[81],"314":[82],"329":[83],"330":[84,85],"331":[86],"335":[87],"337":[88],"339":[89],"392":[90],"398":[91],"399":[92,93],"406":[94],"412":[95],"417":[96],"445":[97],"459":[98],"460":[99],"461":[100,101],"462":[102],"468":[103,104],"469":[105],"471":[106,107],"472":[108],"480":[109,110],"481":[111],"487":[112,113],"488":[114],"489":[115,116],"491":[117],"503":[118],"506":[119],"520":[120,121],"521":[122],"522":[123,124],"523":[125],"527":[126,127],"528":[128],"532":[129,130],"533":[131],"549":[132,133],"551":[134],"562":[135,136],"566":[137],"569":[138],"573":[139,140],"574":[141],"579":[142,143],"580":[144],"581":[145,146],"582":[147],"584":[148],"595":[149],"603":[150],"604":[151],"605":[152],"618":[153],"632":[154],"635":[155],"651":[156],"652":[157],"653":[158],"661":[159],"679":[160],"695":[161],"705":[162],"706":[163],"725":[164],"748":[165],"846":[166],"876":[167],"877":[168],"878":[169],"879":[170],"880":[171,172],"888":[173],"894":[174],"897":[175],"913":[176],"914":[177,178],"918":[179],"924":[180,181,182],"927":[183],"934":[184],"935":[185],"936":[186],"937":[187,188],"940":[189],"942":[190],"947":[191],"962":[192],"963":[193,194],"965":[195,196],"967":[197],"968":[198],"973":[199],"976":[200],"1001":[201],"1002":[202],"1003":[203,204],"1006":[205],"1018":[206],"1019":[207,208],"1021":[209],"1024":[210],"1025":[211,212],"1039":[213],"1058":[214],"1062":[215],"1064":[216],"1065":[217],"1103":[218],"1104":[219,220],"1122":[221],"1164":[222],"1170":[223],"1174":[224],"1197":[225],"1202":[226],"1206":[227],"1207":[228,229],"1209":[230],"1216":[231],"1241":[232],"1247":[233],"1248":[234],"1251":[235],"1258":[236],"1267":[237],"1272":[238],"1274":[239],"1277":[240],"1278":[241],"1279":[242],"1288":[243],"1293":[244],"1306":[245],"1311":[246],"1318":[247],"1324":[248],"1328":[249,250,251],"1333":[252],"1334":[253],"1335":[254],"1336":[255],"1343":[256],"1353":[257],"1361":[258],"1366":[259],"1376":[260],"1386":[261,262],"1387":[263],"1389":[264],"1390":[265],"1395":[266],"1396":[267],"1418":[268],"1427":[269],"1428":[270],"1431":[271],"1432":[272],"1434":[273],"1444":[274],"1445":[275],"1472":[276],"1474":[277]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"التَّمَذْهُب\nدِرَاسَة نظريَّة نَقديَّة\nتأليف\nالدكتور خالد بن مساعد بن محمد الرُّوَيتِع\nعضو هيئة التدريس بكلية الشريعة بالرياض\nبجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nدار التَّدْمُرِيَّة","vol":"1","page":1},{"text":"التَّمَذْهُب\nدِرَاسَة نظريَّة نَقديَّة\nتأليف\nالدكتور خالد بن مساعد بن محمد الرُّوَيتِع\nعضو هيئة التدريس بكلية الشريعة بالرياض\nبجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nالمجلَّد الأوَّل\nدار التَّدْمُرِيَّة","vol":"1","page":2},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"1","page":3},{"text":"التَّمَذْهُب\nدِرَاسَة نظريَّة نَقديَّة (١)","vol":"1","page":4},{"text":"جَمِيعُ الحُقُوق مَحْفُوظَةٌ\nالطَّبْعَة الأولى\n١٤٣٤ هـ - ٢٠١٣ م\nدَار التَّدْمُريَّة\nالرياض - ص. ب: ٢٦١٧٣ - الرمز البريدي: ١١٤٨٦\nهاتف: ٤٩٢٤٧٠٦ - ٤٩٢٥١٩٢ - فاكس: ٤٩٣٧١٣٠\nEmail: TADMORLA@HOTMAIL.COM\nالمملكة العربية السعودية","vol":"1","page":5},{"text":"أصل الكتاب رسالة علمية تقدم بها المولف إلى قسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، لنيل درجة الدكتوراه وقد تكونت لجنة المناقشة من كل من:\nالأستاذ الدكتور فهد بن محمد السدحان (المشرف على الرسالة) مقررًا\nالأستاذ الدكتور أحمد بن محمد العنقري عضوًا\nالأستاذ الدكتور محمد سعد بن أحمد اليوبي عضوًا\nوقد نال الباحث درجة الدكتوراه في أصول الفقه بتقدير (ممتاز) مع مرتبة الشرف الأولى بتاريخ ٢٤/ ١١/ ١٤٣١ هـ.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nوتشتمل على:\n• أهمية الموضوعِ.\n• أسباب اختيارِ الموضوعِ.\n• أهداف الموضوعِ.\n• الدراسات السابقةِ.\n• خطة البحثِ.\n• منهج البحثِ.\n• الصعوبات التي واجهت الباحث.\n• الشكر والتقدير.","vol":"1","page":7},{"text":"الحمدُ لله الذي أنقذنا بنورِ العلمِ مِنْ ظلماتِ الجهالةِ، وهدانا بالاستبصارِ به عن الوقوعِ في عَمَايةِ الضّلالةِ، ونَصبَ لنا مِنْ شريعةِ محمدٍ - ﷺ - أعلى عَلَمٍ، وأَوْضَحَ دلالةٍ، وكان ذلك أفضلَ ما منَّ به مِن النّعَمِ الجزيلةِ، والمنَحِ الجليلةِ، وأَنَالَه.\nأحمدُه سبحانه، والحمدُ نعمةٌ منه مستفادةٌ، وأشكرُ له، والشكرُ أولُ الزيادةِ، وأشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، الملكُ الحقُّ المُبِين، خالقُ الخلقِ أجمعين، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وحبيبُه وخليلُه، الصادقُ الأمينُ، والمبعوث رحمةً للعالمين، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبِه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا (^١)، أمَّا بعدُ:\nفإنَّ الاشتغالَ بالعلمِ مِنْ أجلِّ القرباتِ، وأعظمِ الطاعاتِ، ومِن المعلومِ أنَّ مِنْ أشرفِ العلومِ ما كان سبيلًا إلى معرفةِ حُكمِ الله تعالى.\nولا يخفى على الدارسِ لعلومِ الشريعةِ ما لعلمِ أصولِ الفقهِ مِنْ قدرٍ كبيرٍ، وأثرٍ بليغٍ؛ إذ هو قاعدةُ الأحكامِ الشرعيةِ، وأساسُ الفروعِ الفقهيةِ (^٢)، ومأوى الأئمةِ، وملجأ المجتهدين، يقولُ ابنُ دقيق العيد (^٣) عنه:\n_________\n(^١) اقتبستُ افتتاحيتي من مقدمة أبي إسحاق الشاطبي لكتابه: الموافقات (١/ ٣ - ٦).\n(^٢) انظر: نهاية السول (١/ ٤).\n(^٣) هو: محمد بن علي بن وهب بن مطيع المنفلوطي الصعيدي، أبو الفتح تقي الدين، ويُعْرَف بابن دقيق العيد، وبالقشيري، ولد بينبع سنة ٦٢٥ هـ وهو أحد كبار العلماء، اشتغل بالمذهبين: المالكي والشافعي، صاحب خبرة تامة بعلوم الشريعة، وثناءُ العلماء عليه مستفيض، كان متقنًا للفقه والأصول والحديث، بصيرًا بالمنقول والمعقول، زاهدًا ورعًا ناسكًا، تولى قضاء الشافعية بالديار المصرية، من مؤلفاته: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، والإلمام بأحاديث الأحكام، والإمام في معرفة أحاديث الأحكام، والاقتراح في بيان الاصطلاح، توفي بالقاهرة سنة ٧٠٢ هـ. انظر ترجمته في: الوافي بالوفيات للصفدي (٤/ ١٩٣)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (٤/ ١٤٨١)، والطالع السعيد للإدفوي (ص/ ٥٦٧)، وفوات الوفيات لابن شاكر (٢/ ٤٨٤)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٩/ ٢٠٧)، وطبقات الشافعية للإسنوي (٢/ ٢٢٧)، والديباج المذهب لابن فرحون (٢/ ٣١٨) والدرر الكامنة لابن حجر (٤/ ٢٢١٠).","vol":"1","page":9},{"text":"\"أصولُ الفقهِ يَقْضِي، ولا يُقْضَى عليه\" (^١).\nولقد اهتمَّ بعلمِ أصولِ الفقه كثير مِن العلماءِ السابقين واللاحقين، وتوجَّهَتْ عنايةُ كثيرٍ مِن الباحثين إلى الكتابةِ في مسائله، فكتبوا بحوثًا عديدةً، وحققوا مِنْ مصادرِه كتبًا مهمةً.\nوقد أكرمني الله تعالى فَتَفَضَّل عليَّ، فَجَعَلَنِي أحدَ السالكين طريقَ العلمِ الشرعي، ونَظَمَنِي في سِلكِ أرباب المتعلمين لعلمِ أصولِ الفقهِ، وبعد حصولي - بحمدِ الله وتوفيقِه - على دَرجةِ الماجستيرِ في أصولِ الفقهِ، سارعتُ في الالتحاقِ ببرنامجِ الدكتوراه، وبعد إنهائي للفصلِ التمهيدي للبرنامجِ، صرتُ أتأمّلُ عددًا مِن الموضوعات التي يمكن أنْ أتقدمَ بها لتسجيلها، وكنتُ حريصًا على تلمُّسِ موضوعٍ ذي حيويةٍ وأصالةٍ، وبَعْدَ نظرٍ وتأمّلٍ وَقَعَ اختياري على موضوعِ: (التمذهب - دراسة نظرية نقدية)، ليكونَ ميدانًا لبحثي في مرحلةِ الدكتوراه، فتمّت الموافقةُ بحمدِ الله تعالى على تسجيلِه، ويسَّر اللهُ ﷾ لي الكتابةَ فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>أهمية الموضوع:</span>\nتتمثّلُ أهميةُ الموضوعِ في أمورٍ، منها:\nأولًا: صلة موضوعِ التمذهبِ بأبوابِ الاجتهادِ والتقليدِ على وجه الخصوصِ؛ ولا يخفى ما لهذه الأبواب مِنْ كبيرِ أهميةٍ في مجالِ الدراساتِ الأصوليةِ.\nثانيًا: أنَّ التمذهبَ بأحدِ المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعة هو ما استقرّتْ عليه صورة الاجتهادِ والتقليدِ المذهبيين في قرون متتابعةٍ.\nثالثًا: ارتباطُ التمذهبِ وصلتُه الوثيقةُ بطريقةِ التكوينِ العلمي، وكيفيةِ الترقي في طلبِ العلمِ الشرعي؛ إذ تلقي الفقه وأصوله، والبروزُ فيهما يعتمدُ على التأسيسِ في ضوءِ مذهب فقهي معيَّنٍ.\n_________\n(^١) نقل كلامَ ابن دقيق العيد بدرُ الدين الزركشي في فاتحة كتابه: البحر المحيط (١/ ٨).","vol":"1","page":10},{"text":"رابعًا: صلةُ الموضوعِ بفقهِ النوازلِ، وطُرُقِ تخريجِ حكمِها في إطارِ مذهبٍ فقهي معيَّنٍ، ولا تخفى أهميةُ معالجةِ النوازلِ الفقهيةِ في ضوءِ ما قرره الأئمةُ المجتهدون.\nخامسًا: وجودُ شيءٍ مِن اللبسِ والتداخلِ في أذهان بعضِ الناسِ بين التمذهبِ والتعصبِ المذهبي، بحيثُ يجعلونهما كالشيءِ الواحدِ، ويقعون في ذمِّ التعصبِ باسمِ التمذهبِ.\nسادسًا: صلةُ الموضوعِ الوثيقةِ بمسألةِ: (الفتوى)، التي تلامسُ واقعنا اليوم أشدَّ ملامسةٍ، فتحريرُ القولِ في التمذهبِ له مِن الأثرِ في الفتوى قدرٌ كبيرٌ.\nسابعًا: أنَّ في تأصيلِ موضوعِ التمذهب، وتكميلِ الحديثِ عنه مِنْ كافّةِ الجوانبِ المهمّةِ، إعانةً لمن طَرَقَ الَتمذهبَ برأيٍ فيه شيءٌ مِن التطرفِ، وعدم استيفاءٍ للأدلةِ - سواء أكان رأيُه مضادًّا للتمذهب، أم مناصرًا له - بأنْ يراجعَ نفسَه، ويتّهمَ رأيَه (^١)، ويعيدَ النظرَ في ضوءِ ما يظهرُ مِن الأدلةِ، ولا سيما إذا كان في طَرْقِ الموضوعِ مراعاةٌ لما قاله الطرفانِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>أسباب اختيار الموضوع:</span>\nيمكن تلخيصُ أسبابِ اختيارِ الموضوعِ في الآتي:\nأولًا: ما تقدّم مِنْ بيانٍ لأهميةِ الموضوعِ، وقيمتِه العلمية؛ إذ يضمُّ كثيرًا مِن المباحثِ الأصوليةِ المهمّةِ، وعددًا مِن المسائلِ التي يحتاجُ إليها أغلبُ المنتسبين إلى العلمِ الشرعي.\nثانيًا: عدمُ وجودِ دراسةٍ علميةٍ وافيةٍ - في حدودِ اطلاعي - في موضوعِ التمذهبِ، بحيثُ يكتملُ الحديثُ عنه في الجانبِ التأصيلي،\n_________\n(^١) يقول ابن القيم في كثابه: إغاثة اللهفان (١/ ٢١٥) ط/ دار عالم الفوائد: \"واتّهام الصحابة لآرائهم كثيرٌ مشهورٌ، وهم أبر الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا ... وأشدهم اتهامًا لآرائهم\".","vol":"1","page":11},{"text":"والجانبِ النقدي، وأكثرُ الكتاباتِ التي تناولتْ موضوعَ التمذهبِ لم تكن دراساتٍ علميةً متخصصةً، إضافةً: إلى عدم استيعابِها لشتاتِ الموضوع ومسائلِه.\nثالثًا: حيويةُ الموضوعِ؛ إذ يلامسُ موضوعُ التمذهب كافّة أحوالِ المتعلمين الذين سلكوا في طلب العلمِ الشرعي طريقَ التفقهِ عَلى مذهبٍ مِن المذاهبِ، ويلامس أيضًا: كلَّ مرحلةٍ يسيرُ فيها المتعلمُ في ضوءِ الطبقةِ التي ينتمي إليها.\nومِنْ جهةٍ أخرى: فإنَّ موضوعَ التمذهب مِن الموضوعاتِ التي شَغَلَتْ أذهانَ كثيرٍ مِن العلماءِ والباحثين والمتعلمينَ، فلا يُحصى في المعاصرين المادحون للتمذهبِ والحاثّون عليه، ولا يُحصى أيضًا الذامّون له، والمحذّرون منه (^١).\nرابعًا: تتطلّبُ مادةُ موضوعِ التمذهب الاطلاعَ والنظرَ فيما كتبه العلماءُ والمحققون في عِدّةِ علومٍ، ويأتي عَلى رأسِ هذه العلومِ: علمُ أصول الفقه، وعلمُ الفقه، وعلمُ القواعد الفقهية، ولا يخفى ما في هذا الأمرِ مِنْ أهميةٍ وفائدةٍ بالنسبةِ للباحثِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>أهداف الموضوع:</span>\nحاولتُ في بحثي لموضوع: (التمذهب) أنْ أُحققَ الأهدافَ الآتية:\nالأول: الإسهامُ في معالجةِ مسألةٍ مهمةٍ مِنْ مسائلِ علمِ أصولِ الفقهِ؛ وذلك بإيجادِ دراسةٍ علميةٍ وافيةٍ عن موضوعِ التمذهبِ مكتملةِ الجوانب؛ تشتملُ على الدراسةِ النظريةِ، والدراسةِ النقديةِ، ممَّا يسهمُ في خدمةِ العلمِ الشرعي، بجمع ما يتعلقُ بموضوع التمذهب عند الأصوليين والفقهاءِ.\n_________\n(^١) انظر: التمذهب دراسة تأصيلية واقعية للدكتور عبد الرحمن الجبرين، مجلة البحوث الإسلامية، العدد: ٨٦ (ص/ ١٢٧).","vol":"1","page":12},{"text":"الثاني: إيضاحُ حقيقةِ التمذهبِ، وإبرازُ معناه الاصطلاحي.\nالثالث: إبرازُ الفرقِ بين التمذهب، وما قاربه مِن المصطلحاتِ، وخاصةً مصطلح: التقليد، ومصطلح: التعصب.\nالرابع: تحريرُ القولِ في حكمِ التمذهب، وخاصةً التمذهب بأحدِ المذاهبِ الفقهيةِ الأربعةِ المشهورةِ.\nالخامس: تحريرُ القولِ في عملِ المتمذهبِ إذا خالفَ مذهبُه دليلًا مِن السنّةِ.\nالسادس: بيانُ أنَّ التمذهبَ بمذهب معيّنٍ لا يعني الانغلاقَ والانحباسَ في دائرةٍ ضيقةٍ، إذا ما أُحسنَ السيرُ فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>الدراسات السابقة:</span>\nلا أعلم - في حدود بحثي واطلاعي - وجودَ دراسةٍ علميةٍ بَحَثَت الموضوعَ مِنْ جميعِ جوانبِه، وإنَّما هناك عدّة مؤلفاتٍ وبحوثٍ علميةٍ تناولتْ بعضَ المسائلِ المتعلقةِ بالتمذهبِ، وهناك أيضًا رسائلُ علمية تطرّقت إلى مسألةٍ مِن مسائلِ الموضوعِ في بعضِ مباحثِها، وسأذكر أهمَّ المؤلفاتِ التي تحدثتْ عن التمذهبِ، والبحوثَ العلميةَ التي وقفت عليها:\nالأولى: الدّرةُ البهيةُ في التقليدِ والمذهبيةِ مِنْ كلامِ شيخِ الإسلامِ أحمدَ بنِ عبدِ الحليمِ بنِ تيميةَ.\nأعدَّها وعلَّق عليها: محمد شاكر الشريف، الناشر: مكتبة الصديق بمكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤٥٨ هـ.\nيقعُ الكتابُ في إحدى وستين صفحةً، دونَ ورقات الفهارس، جَمَعَ المعدُّ كلامَ تقي الدين بنِ تيميةَ من كتابِ: (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية)، وقسّم كتابَه إلى خمسةِ فصولٍ، وهي:","vol":"1","page":13},{"text":"الفصل الأول: في تعريفِ التقليدِ.\nالتمذهب دراسة نظرية نقدية\nالفصل الثاني: في التزامِ المذاهبِ.\nالفصل الثالث: في الضرورةِ والتزامِ المذاهبِ.\nالفصل الرابع: في آثارِ التعصبِ المذهبي.\nالفصل الخامس: فيما يلزم مَنْ كان منتسبًا لمذهبٍ.\nوقد علَّق معدُّ الكتابِ على الفصولِ السابقةِ، وتبلغُ بعضُ التعليقاتِ عدّةَ صفحاتٍ، وأغلبها منقولٌ مِن الكتبِ الآتيةِ: (الإحكام في أصول الأحكام) لأبي محمد بنِ حزمٍ، و(جامع بيان العلم وفضله) لأبي عمر بنِ عبدِ البر (^١)، و(إعلام الموقعين عن رب العالمين) لأبي عبدِ الله بنِ القيّمِ الجوزية، و(إيقاظ همم أولي الأبصار) لصالح الفلاني (^٢)، و(إرشاد الفحول) للشوكاني.\n_________\n(^١) هو: يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الأسدي القرطبي الأندلسي، أبو عمر، ولد سنة ٣٦٨ هـ وقيل: سنة ٣٦٢ هـ كان من علماء المالكية البارزين، وأحد الحفاظ المعروفين، إمام عصره، ووحيد دهره، دينًا فقيهًا حافظًا، صاحب سنة واتباع، متبحرًا في الفقه والقراءات والعربية والأخبار والأنساب، ولم يكن بالأندلس مثله في الحديث، وله تآليف نافعة، قد وفقه الله فيها، منها: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، والاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار، وجامع بيان العلم وفضله، والاستيعاب في معرفة الأصحاب، توفي سنة ٤٦٣ هـ. انظر ترجمته في: جذوة المقتبس للحميدي (ص/ ٥٤٤)، وترتيب المدارك للقاضي عياض (٨/ ١٢٧)، والصلة لابن بشكوال (٢/ ٦٤٠)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٧/ ٦٦)، وسير أعلام النبلاء (١٨/ ١٥٣)، وتاريخ الإسلام للذهبي (١٠/ ١٩٩)، والديباج المذهب لابن فرحون (٢/ ٣٦٧)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ١١٩).\n(^٢) هو: صالح بن محمد بن نوح بن عبد الله بن عمر الفلاني، من نسل عمر بن الخطاب - ﵁ -، ولد بالسودان سنة ١١٦٦ هـ نشأ في بلده، وتلقى العلم فيها، ثم رحل إلى عدة بلدان منها: تونس ومراكش ومصر، وأخذ عن جمع كبير من علماء عصره، وقد انتفع به خلق كثير، كان مكبًا على العلم، ومطالعة الكتب، وحصلت له شهرة بين علماء عصره، كان فاضلًا دينًا صالحًا كثير العبادة، عُرفت عنه محاربة التقليد المذهبي، من مؤلفاته: إيقاظ همم أولي =","vol":"1","page":14},{"text":"والكتابُ مقتصرٌ على جمعِ كلامِ لقيّ الدينِ بنِ تيميةَ من (مجموع الفناوى) فقط، وجَمْعُ المعدِّ للكلام جيّدٌ، ونقولاتُه مفيدةٌ، وليس له في الرسالةِ سوى الجمعِ والترتيبِ.\nالثانية: الردُّ على مِن اتَّبعَ غيرَ المذاهبِ الأربعة. للحافظ زينِ الدّينِ بنِ رجبٍ الحنبلي (^١)، تحقيق: الدكتور الوليد بن عبد الرحمن آل فريّان، الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع بمكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\nتقعُ الرسالةُ في خمسين صفحةً تقريبًا مِن القطعٍ الصغيرِ، وقد تكلَّم المؤلّفُ فيها عن أَثرِ التمذهب في حفظِ الدّينِ، واستدلّ على المنعِ مِنْ تقليدِ غيرِ المذاهبِ الأربعةِ، ثمَّ عرَّجَ بالثناءِ على الإمامِ أحمدَ.\nوالكتابُ عبارةٌ عن رسالةٍ صغيرةٍ في مسألةٍ محددةٍ، كما هو ظاهرٌ مِنْ عنوانِها.\nالثالثة: هديةُ السلطان إلى مسلمي بلادِ اليابان (^٢) لمحمد سلطان\n_________\n= الأبصار للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار، وتقويم الكفة فيما للعلماء من حديث الجبة والكفة، توفي بالمدينة النبوية سنة ١٢١٨ هـ. انظر ترجمته في: أبجد العلوم للقنوجي (ص/ ٦٦٥)، وفهرس الفهارس والأثبات للكتاني (٢/ ٩١٠)، وهدية العارفين للبغدادي (١/ ٤٢٤)، والأعلام للزركلي (٣/ ١٩٥)، ومقدمة محقق إيقاظ همم أولي الأبصار (ص/ ٨) ط: دار الفتح.\n(^١) هو: عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، أبو الفرج البغدادي، ولد ببغداد سنة ٧٣٦ هـ من أعيان مذهب الحنابلة، كان علامةً ثقة حجة، فقهيًا حبرًا عالمًا عاملًا، محدثًا حافظًا عارفًا بعلل الأحايث وطرقها، زاهدًا ورعًا، لا يعرف شيئًا من أمور الناس، ولا يتردد إلى ذوي الولايات، من مؤلفاته: تقرير القواعد وتحرير الفوائد، وفتح الباري شرح صحيح البخاري - ولم يتمه - وشرح جامع الترمذي، وجامع العلوم والحكم، والذيل على طبقات الحنابلة، توفي بدمشق سنة ٧٩٥ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ ابن قاضي شهبة (١/ ج ٤٨٨/ ٣)، والدرر الكامنة لابن حجر (٢/ ٣٢١)، وإنباه الغمر له (٣/ ١٧٥)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٤٦)، ووجيز الكلام للسخاوي (١/ ٣٠٨)، والمنهج الأحمد للعليمي (٥/ ١٦٨)، وشذرات الذهب لابن العماد (٨/ ٥٧٨)، والسحب الوابلة لابن حميد (٢/ ٤٧٤).\n(^٢) أضاف الأستاذ محمد عيد عباسي إلى عنوان الكتاب: (هل المسلم ملزم باتباع مذهب معين =","vol":"1","page":15},{"text":"المعصومي الخجندي (^١) حقق الكتابَ وقدَّم له: سليم بن عيد الهلالي، الناشر: دار ابن القيم بالدمام، ودار ابن عفان بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\nيقع الكتابُ في سبعين صفحةً تقريبًا، وقد صدَّرَ المؤلِّفُ كتابَه ببيانِ حقيقةِ الإسلامِ والإيمانِ، ثم قرَّرَ رأيَه بأن مَن التزمَ مذهبًا واحدًا في كلِّ مسألةٍ، فهو متعصبٌ، ومَنعَ مِنْ تقليدِ شخصٍ بعينِه، وبيَّن أنَّ الواجبَ هو الاقتداءُ بالنبي - ﷺ - فقط، دونَ غيرِه مِن العلماءِ وذَكَرَ الأدلةَ على هذا الأمرِ.\nثمَّ ذَكَرَ المؤلّفُ أنَّ مِنْ آثارِ المذاهبِ حدوثَ التفرقِ والاختلافِ بين المسلمين، ثمَّ دَعَا إلى العودةِ إلى الكتابِ والسنةِ.\nوالكتابُ كما هو ظاهر مِنْ عنوانِه في مسألةٍ واحدةٍ، وقد تعددتْ مصادرُ المؤلِّفِ في كتابِه.\nوالإضافةُ التي قمتُ بها في دراستي ممَّا لم يتضمنه الكتابُ على النحو الآتي:\n_________\n= من المذاهب الأربعة؟)؛ لتقريب موضوع الرسالة إلى القارئ، وقد طبعت الرسالة بعد ذلك بهذه الإضافة. انظر: مقدمة محقق رسالة: هدية السلطانِ إلى مسلمي بلادِ اليابان (ص/ ١٧).\n(^١) هو: محمد سلطان بن أبي عبد الله محمد أورون بن محمد مير سيد بن عبد الرحيم، أبو عبد الكريم، المعروف بالمعصومي الخُجَندي، ولد في بلده خجنده - من بلاد ما وارء النهر - سنة ١٢٩٧ هـ بدأ المعصومي بقراءة الكتب الفارسية، ثم شرع في قراءة الكتب العربية من النحو والصرف والبلاغة، ثم توغل في دراسة الفلسفة والمنطق، وبعد إكثاره من المطالعة رأى ضعف طريقة بني قومه المقلدين للمذاهب، فنصح قومه، واشتد الجدال بينه وبينهم، وبعد هذا عزم على السفر، فسافر إلى الحجاز، فقرأ على بعض علماء مكة، وتنقل بعدها إلى عدة بلدان، إلى أن عاد إلى موطنه الأصلي، فمكث فيه مدة، ثم سافر إلى مكة مرة أخرى، ودرَّس فيها بدار الحديث، وبالمسجد الحرام في أشهر الحج، من مؤلفاته: إرشاد الأمة الإسلامية في التحذير من مدارس النصرانية، وهداية السلطان إلى قراءة القرآن، والقول السديد في تفسير سورة الحديد، وهداية السلطان إلى مسلمي بلاد اليابان، توفي سنة ١٣٨٠ هـ. انظر ترجمته في: بدعة التعصب المذهبي لمحمد عباسي (ص/ ٢٧٤)، ومقدمة محقق رسالة هداية السلطان إلى مسلمي اليابان (ص/ ٩).","vol":"1","page":16},{"text":"- الباب الأول: (الدراسة النظرية) في أغلبِ مباحثِه.\n- أغلب الباب الثاني: (الدراسة النقدية)؛ إذ لم يتعرض المؤلِّفُ إلا لأثر سِلبي واحدٍ، وهو تفرقُ الأمةِ، ولم يذكرْ شيئًا مِن الآئارِ الإيجابيةِ للتمذهبِ.\nالرابعة: اللامذهبيةُ أخطرُ بدعةٍ تهدِّد الشريعة الإسلامية. للدكتور محمد سعيد البوطي، الطبعة الثانية ١٣٩٠ هـ.\nيقع الكتابُ في مائةٍ وإحدى وأربعين صفحةً تقريبًا، وقد كان همُّ المؤلِّفِ في كتابِه في بيانِ الأدلةِ الدّالةِ على وجوبِ التمذهبِ بمذهب مِن المذاهبِ الفقهيةِ، والردِّ على رسالةِ محمد المعصومي: (هدية السلطانِ إلى مسلمي بلادِ اليابان).\nخصّصَ المؤلِّفُ الصفحاتِ مِنْ (ص/٢٧) إلى (ص/٦٧) للردِّ على المانعين مِن التمذهبِ.\nوالصفحاتِ مِنْ (ص/ ٦٨) إلى (ص/ ٩٧) للأدلةِ الدّالةِ على مشروعيةِ التمذهبِ.\nثمَّ جَعَلَ المؤلِّفُ الصفحاتِ من (ص/٩٨) إلى (ص/١٠٨) في بيانِ المناقشةِ التي جَرَتَ بينه، وبين أحدِ المعارضين للتمذهب، وقد وَصَفَ المؤلِّفُ الفصلَ الذي أَوْرَدَ فيه المناقشةَ بقولِه: \"لعلَّ هذا الَفصلَ يفوقُ في الأهميةِ سائرَ فصولِ هذه الرسالةِ! \" (^١).\nوخصّصَ المؤلفُ في طبعةِ الكتاب الثانية الصفحات من (ص/ ١١١) إلى نهاية الكتاب للردِّ على كتابِ: (المذهبية المتعصِّبة هي البدعة)، للأستاذِ محمد عيد عباسي.\nويمكنُ تلخيصُ رأي المؤلِّفِ بأنَّه يَرَى وجوبَ تقليدِ مذهبٍ مِن\n_________\n(^١) اللامذهبية (ص/ ٩٨).","vol":"1","page":17},{"text":"المذاهبِ الأربعةِ، ما دام المسلمُ عاجزًا عن الاجتهادِ في أدلةِ الأحكامِ، ولا يجوزُ له التعصّبُ في تقليدِه، وله إنْ شاءَ أنْ يلتزمَ بمذهبِه، وله أنْ لا يلتزمَ.\nوالكتابُ في جملتِه يبحثُ مسالةً واحدةً، وهي: (حكم التمذهب)، والدراسةُ التي قمتُ بها تزيدُ على ما في الكتابِ على النحوِ الآتي:\n- الباب الأول: (الدراسة النظرية) أكثرُ مسائلِ الفصلِ الأولِ لم تَرِدْ في كتابِ: (اللامذهبية)، والفصل الثالث لم يَرِدْ له تأصيلٌ في الكتاب.\n- الباب الثاني: (الدراسة النقدية) برمّته؛ إذ خلا كتابُ (اللامذهبية) مِن الدراسةِ النقديةِ للتمذهبِ.\nإضافةً: إلى أنَّ كتابَ الدكتور محمد البوطي لا يسيرُ في مواضع منه وفقَ نمطِ البحوثِ العلميةِ، ولا يخلو مِن التعبيراتِ الإنشائيةِ.\nالخامسة: المذهبيةُ المتعصِّبةُ هي البدعةُ (أو: بدعة التعصُّبِ المذهبي وآثارُها الخطيرة في جمودِ الفكرِ وانحطاط المسلمين). للأستاذ محمد عيد عباسي، الناشر: المكتبة الإسلامية بالأردن، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ.\nجاءَ الكتابُ في مجلّدِ واحدٍ في ثلاثمائةٍ وخمسين صفحةً، وقد جَعَلَ المؤلِّفُ في آخرِه ملحقًا في مائةِ وثمانين صفحةً.\nحوى الكتابُ سبعةَ أبواب، وهي:\nالباب الأول: رأيُنا في الاجتهادِ والتقليدِ، وموقفنُا مِن المذاهب وأئمتِها.\nالباب الثاني: لماذا لا يجوز التزامُ مذهبٍ معيّنٍ؟\nالباب الثالث: لماذا ندعو إلى العودةِ إلى السنةِ؟\nالباب الرابع: واقعُ المذهبيةِ المتعصبةِ، ومآخذُنا عليها.\nالباب الخامس: اعتراضاتٌ والجوابُ عليها.","vol":"1","page":18},{"text":"الباب السادس: جولةٌ مع البوطي في: (لا مذهبيتِه).\nالباب السابع: كلمةٌ عن المناظرةِ بين الشيخِ ناصرٍ (^١)، وبين البوطي.\nأمَّا ملحقُ الكتابِ فقد خصّصه المؤلفُ للردِّ على كتابِ: (اللامذهبية) للدكتور محمد البوطي.\nومَعَ أنَّ المؤلِّفَ قد عَقَدَ البابَ السادس، والملحقَ للردِّ على كتاب: (اللامذهبية) للدكتور محمد البوطي، إلا أنَّ السِّمَةَ الغالبةَ في كتابةِ المؤلِّفِ هي في الردِّ على كتاب الدكتور محمد البوطي.\nوالكتابُ كما هو ظاهر من عنوانِه يتحدث عن التعصبِ المذهبي وآثارِه، ومَعَ ذلك فقد تحدث عن الالتزامِ بالمذهبِ.\nوقد طَرَقَ المؤلِّفُ عددًا مِن الآثارِ السلبيةِ للتمذهبِ في الصفحات من: (ص/١٣٥) إلى (ص/٢٢٤)، وكان حديثُه عنها مِنْ حيثُ النقولُ حديثٌ جيدٌ، لكنَّه لم يخلُ مِن السخريةِ، والتندرِ بالمذاهبِ في عددٍ مِن المواطنِ (^٢).\nولم يُشِر المؤلفُ إلى أيّ أثرٍ إيجابي للتمذهبِ.\nوالدراسةُ التي قمتُ بها تزيدُ على ما في الكتابِ على النحوِ الآتي:\n_________\n(^١) المقصود بالشيخ ناصر هو الشيخ محمد الألباني، وهو: محمد بن نوح نجاتي بن آدم الألباني، أبو عبد الرحمن ناصر الدين، ولد في مدينة أشقودرة عاصمة ألبانيا سنة ١٣٢٢ هـ هاجر إلى الشام، وتلقى على أبيه شيئًا من الفقه الحنفي، لكنه لم يتمذهب بمذهب والده، وتوجه إلى علم الحديث، فبيه أكان إمامًا فيه، بل مجددًا له في العصر الحاضر، مع مشاركته القوية في بقية العلوم الشرعية، اهتم بنشر العقيدة السلفية والدفاع عنها، وقد ألف كتبًا كثيرة، منها: سلسلة الأحاديث الصحيحة، وسلسلة الأحاديث الضعيفة، وإرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، والتوسل أنواعه وأحكامه، وصفة الصلاة، توفي بدمشق سنة ١٤٢٠ هـ. انظر ترجمته في: علماء ومفكرون عرفتهم لمحمد المجذوب (١/ ٢٨٧)، وحياة الألباني وآثاره لمحمد الشيباني (١/ ٤٤)، وعلماء دمشق للدكتور نزار أباظه (ص/ ٣٩٣)، وجهود الشيخ الألباني في الحديث لعبد الرحمن العيزري (ص/ ٣٣).\n(^٢) انظر: المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد (١/ ١٣٩)، حاشية رقم (١).","vol":"1","page":19},{"text":"- البابُ الأولُ: (الدراسة النظرية)، ليس لفصولِ هذا البابِ ومباحثِه أيُّ ذكرٍ في كتابِ الأستاذِ محمد عباسي، ما عدا الحديث عن حكمِ التمذهبِ.\n- الباب الثاني: (الدراسة النقدية)، الزيادةُ عندي على ما ذكره الأستاذ محمد عباسي بذكرِ الآثارِ الإيجابيةِ للتمذهب، وأسباب الآثارِ السلبيةِ، وسُبُلِ علاجِها.\nإضافةً: إلى أن كتابَ الأستاذِ محمد عباسي لا يسير في مواضع منه وفق نَمَطِ البحوثِ العلميةِ، ولا يخلو مِن التعبيراتِ الإنشائيةِ خاصةً فيما يوجهه مِنْ نقدِ للدكتورِ البوطي.\nالسادسة: موقفُ أهلِ الحديثِ مِن التعصّب المذهبي. للأستاذِ محمد عيد عباسي، الناشر: المكتبة الإسلامية بالأردن، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.\nوالكتابُ عبارةٌ عن رسالةٍ صغيرةٍ، استلها المؤلِّفُ مِنْ كتابِه: (بدعة التعصب المذهبي)، فذَكَرَ فيها: البابَ الأول، والبابَ الثاني، والبابَ الثالث.\nالسابعة: تعريفُ الراغبِ بحقيقةِ المذهبيةِ والمذاهب. للأستاذِ محمد عيد عباسي، الناشر: المكتبة الإسلامية بالأردن، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.\nوالكتابُ عبارةٌ عن رسالةٍ صغيرةٍ، استلها المؤلِّفُ مِنْ كتابِه: (بدعة التعصب المذهبي)، فذَكَرَ فيها: البابَ الرابع، والبابَ الخامس.\nالثامنة: لزوم اتباع مذاهب الأئمة حسمًا للفوضى الدينية. للشيخِ محمد الحامد (^١) الناشر: مكتبة المنار بالأردن، الطبعة الثانية.\n_________\n(^١) هو: الشيخ محمد بن محمود الحامد، ولد بحماة سنة ١٣٢٨ هـ نشأ في أسرة فقيرة، لكن هذا الأمر لم يمنعه من تلقي التعليم، ولما أنهى دراسته في دار العلوم الشرعية بحماة سنة ١٣٤٧ هـ قصد حلب، فالتحق بمدرسة خسرو الشرعية، فأخذ عن الشيخ أحمد الزرقا، وعدد من علماء الحنفية، ورحل بعد هذا إلى الأزهر، وحصل على الشهادة العالمية، وأتبعها بتخصص =","vol":"1","page":20},{"text":"الكتابُ عبارةٌ عن رسالةٍ صغيرةٍ، تقعُ في أربعين صفحةً مِن الحجمِ الصغيرِ.\nوالرسالةُ في أصلِها عبارةٌ عن إجابةٍ عن رسالةٍ أُرْسِلَتْ إلى المؤلِّف، تضمَّنَت سؤالًا عن أمورٍ تدورُ في مُجْمَلِها عن العملِ بالنصِّ الشرعي، والدعوةِ إلى اجتهادِ العلماءِ في الزَّمنِ الحاضرِ كما اجتهد الأئمةُ السابقون.\nوقد استفتحَ المؤلِّفُ رسالتَه بذكر شروطِ الاجتهادِ إجمالًا، ووَصَفَ المؤلِّفُ مَنْ يدَّعي الاجتهادَ في زمانِه بأنه ناقصُ العقلِ، قليلُ العلمِ، رقيقُ الدِّينِ! (^١).\nثمَّ تولَّى الردَّ على مَنْ تمسّكَ ببعضِ العباراتِ الصادرةِ عن الأئمةِ التي تحضُّ على الاجتهادِ والأخذِ مِن الكتابِ والسنةِ مباشرةً.\nثمَّ ذَكَرَ المؤلِّفُ طبقاتِ الفقهاءِ، وبعد هذا عرَّجَ على التنويهِ بمكانةِ الإمامِ أبي حنيفةَ رحمه الله تعالى؛ دفاعًا عنه ضدَّ مَنْ رماه بقلّةِ الاعتناءِ بعلمِ الحديثِ.\nوالرسالةُ عبارةٌ عن إجابةِ عن سؤالٍ، ولا تسيرُ مسير البحوثِ العلميةِ.\nالتاسعة: حكمُ التقليدِ والتمذهب - حكم التعصب فيهما. لأحمدَ بنِ حجر البنعلي (^٢) الناشر: مكتبة منار السبيل للنشر والتوزيع بالقاهرة، الطبعة الثانية، ١٤٠٩ هـ.\n_________\n= القضاء، ثم عاد بعد ذلك إلى حماة، فقام بخدمة العلم ونشره، وقد كان متأثرًا بالصوفية في بدء حياته، وشديدًا على دعاة اللامذهبية، كان إمام جامع السلطان بحماة، عالمًا فاضلًا، معظمًا للسنة، توفي في شهر صفر سنة ١٣٨٩ هـ. انظر ترجمته في: علماء ومفكرون عرفتهم لمحمد المجذوب (٣/ ٢٣٣)، وتحفة الإخوان للشيخ ابن باز (ص/ ٤٧)، والعلامة المجاهد الشخ محمد الحامد لطهماز (ص/٧).\n(^١) انظر: لزوم اتباع مذاهب الأئمة حسما للفوضى الدينية (ص/ ١١ - ١٢).\n(^٢) هو: أحمد بن حجر بن محمد آل بو طامي البنعلي من بني سالم، ولد سنة ١٣٣٤ هـ تقريبًا، دَرَسَ على علماء الأحساء، وتولى القضاء في رأس الخيمة بالإمارات العربية المتحدة، واستقر بعد هذا في دولة قطر قاضيًا في المحكمة الشرعية الأولى، من مؤلفاته: الدرر السنية =","vol":"1","page":21},{"text":"تكلَّم المؤلِّفُ عن مسألةِ: (حكمِ التقليدِ)، ثم ذَكَرَ الأدلةَ الموجبةَ للأخذِ بالدليلِ والاجتهادِ في الأحكامِ، وانتقل بعدها إلى الحديثِ عن مسألةِ: (حكمِ التمذهبِ)، دونَ ذكرِ تعريفِ له، فانتصر للقولِ المانعِ منه، وردَّ على القائلين بجوازِه.\nثمَّ أردفَ المسألةَ بذكرِ عيوبِ التعصبِ لمذهبٍ معيَّنٍ ومفاسدِه.\nوالكتابُ في جملتِه خالٍ مِن التوثيقِ العلمي.\nالعاشرة: تحقيقُ الاختلافِ في مرتبةِ الاتّباع، مع مقدماتٍ ضروريةٍ في قضيةِ الاجتهادِ والتقليدِ. (لم يُكتب اسم مؤلف الكتاب) (^١).\nبنى المؤلِّفُ كتابَه على أربعةِ مباحث:\nالمبحث الأول: مقدماتٌ ضروريةٌ. وذَكَرَ تحته تسعَ مقدماتٍ ممهدةٍ للموضوعِ.\nالمبحث الثاني: في الاجتهادِ: تعريفُه وشروطُه، ومشروعية التقليدِ لمَنْ حازَ الاجتهادَ.\nالمبحث الثالث: ذَكَر فيه: التقليد: تعريفُه، ومشروعيتُه للعوام، والعامي لا يصحّ له مذهبٌ، والتقليد المشروع عند ابنِ حزم والشوكاني، ثمَّ التمذهبُ بين الغلاةِ، والجفاةِ.\nالمبحث الرابع: الاتِّباع: تعريفُه، إثباتُه، المذهبية المتعصبة، السلفية الغالية.\n_________\n= في عقيدة أهل السنة المرضية، وجوهرة الفرائض، وسبيل الجنة في التمسك في القرآن والسنة، ونقض كلام المفترين على الحنابلة السلفيين، توفي بقطر سنة ١٤٢٣ هـ. انظر ترجمته في: سبيل الجنة بالتمسك بالقرآن والسنة للبنعلي (ص/ ٦)، وتنزيه السنة والقران له (ص/ ٤)، وذيل الأعلام لأحمد العلاونة (٣/ ٢١).\n(^١) ثم وجدت الكتاب منشورًا على الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) منسوبًا إلى مؤلفه الدكتور صلاح بن محمد الصاوي.","vol":"1","page":22},{"text":"ويتمتع مؤلفُ الكتابِ بالتوسطِ والاعتدالِ حينما تحدثَ عن مسألةِ: (حكمِ التمذهبِ).\nوالدراسة التي قمتُ بها تزيد على ما في الكتاب على النحو الآتي:\n- الباب الأول: (الدراسة النظرية) في أكثر فصولِه ومباحثِه.\n- الباب الثاني: (الدراسة النقدية) بكاملِه.\nالحادية عشرة: التقليد وأحكامه. للدكتور سعد بن ناصر الشثري، الناشر: دار الوطن بالرياض، ودار الغيث بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\nعرضَ المؤلِّفُ في أحدِ مباحثِ كتابِه من (ص/ ١٤٢) إلى (ص/١٤٥) مسألةَ التمذهبِ بشكلٍ مقتضبٍ، فذَكَرَ الأقوالَ دون نسبةِ، والأدلةَ، ثمَّ الترجيحَ.\nالثانية عشرة: الاجتهاد والتقليد عند الإمام الشاطبي. للدكتور وليد بن فهد الودعان.\nوالدراسةُ رسالةُ ماجستير بقسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، بإشراف الدكتور عبد العزيز بن عبد الرحمن المشعل، العام الجامعي: (١٤٢٠ هـ).\nتطرَّق الباحثُ إلى الحديثِ عن مسألةِ: (التمذهب عند الإمام الشاطبي) في النقطتين الآتيتين:\nالأولى: تعريف التمذهب.\nالثانية: حكمه عند الشاطبي.\nالثالثة عشرة: الاجتهاد والتقليد والفتوى عند ابن تيمية - جمعًا وتوثيقًا ودراسةً، للباحثةِ: ريم بنت مسفر الشردان.\nوالدراسةُ رسالةُ ماجستير بقسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض","vol":"1","page":23},{"text":"بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، بإشراف الدكتور سعد بن ناصر الشثري، العام الجامعي (١٤٢٤ هـ).\nتطرَّقَت الباحثةُ إلى الحديثِ عن التمذهبِ عند ابنِ تيميةَ في النقطتين الآتيتين:\nالأولى: تعريف التمذهب.\nالثانية: حكمه عند ابن تيمية.\nالرابعة عشرة: دراسةٌ تحليليةٌ موصلةٌ لتخريجِ الفروعِ على الأصولِ عند الأصوليين والفقهاء. للباحثِ: جبريل بن المهدي بن علي ميغا.\nوالدراسةُ رسالةُ دكتوراه بقسم الفقه وأصوله بجامعة أم القرى، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، فرع الفقه وأصوله، بإشراف الأستاذ الدكتور شعبان محمد إسماعيل، العام الجامعي (١٤٢١/ ١٤٢٢ هـ).\nتكلَّم الباحثُ عن التمذهبِ في الصفحات من (ص/٧٣٤) إلى (ص/ ٧٤٢) في ضوءِ النقطتين الآتيتين:\nالأولى: تعريف التمذهب في: اللغة، والاصطلاح.\nالثانية: تقسيم التمذهب إلى: تمذهب صحيح، وتمذهب فاسد.\nولم يخلُ حديثُ الباحثِ في النقطة الثانية من ذكرِ أدلةٍ في المسألة، لكنْ دونَ ترتيبِ الكلامِ، بحيث يُبدأ فيه بذكرِ الأقوال، ثم الأدلة، ثم الترجيح.\nالخامسة عشرة: الانسلاخُ مِن المذاهب الفقهيةِ: حقيقتُه وأسبابُه، وآثارُه في الفقهِ الإسلامي. للباحثةِ: مليكة صوالَح.\nوالدراسةُ رسالةُ ماجستير في الفقه وأصوله بقسم الشريعة، بكلية العلوم الاجتماعية والعلوم الإسلامية بجامعة الحاج الأخضر جامعة الحاج لخضر بالجزائر، بإشراف الدكتور رضوان غربية، العام الجامعي: ١٤٢٦/","vol":"1","page":24},{"text":"وإنْ كانَ عنوانُ الدراسةِ في الانسلاخِ مِن المذاهب، إلا أنَّ الباحثةَ قد تحدَّثتْ عن التمذهبِ باعتبارِه مِن المصطلحاتِ المرتبَطةِ بالانسلاخِ مِن المذاهبِ، فذكرتْ تعريفَه في الصفحتين (ص/ ١٩، ٢٠).\nثم تحدَّثتْ عن نشأةِ المذاهبِ في الصفحات من (ص/ ٤١) إلى (ص/٤٨).\nثم تحدَّثت الباحثةُ عن مسألةِ: (حكم التمذهب) في الصفحات من (ص/ ٥٦) إلى (ص/ ٦٣).\nوقد توافر في دراسة الباحثة عناصر المسألة الخلافية: (الأقوال، الأدلة، الاعتراضات، الترجيح) في عرضها، وهذا ما لم يوجد في الدراسات السابقة.\nالسادسة عشرة: التمذهبُ - دراسةٌ تأصيليةٌ مقارنةٌ لمسائلِ وأحكامِ التمذهبِ. لعبد الفتاح بن صالح اليافعي، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\nالكتاب مطبوعٌ في مائتين وخمس وتسعين صفحةً مع الفهارسِ، وقد قدَّمَ للكتابِ بعضُ أهلِ العلمِ (^١)، وليس الكتابُ رسالةً علميةً.\nوقد جعل المؤلِّفُ كتابَه في ستةِ فصولٍ:\nالفصل الأول: في الاجتهاد، من (ص/ ٣٧) إلى (ص/ ٩٣)، والمباحث التي ذكرها:\nالمبحث الأول: مرتبةُ المجتهدِ المستقلِّ.\nالمبحث الثاني: مراتبُ غيرِ المجتهدِ المستقلِّ.\nالمبحث الثالث: خلو العصرِ مِن المجتهدِ المستقلِّ.\n_________\n(^١) وهم: الشيخ محمد بن إسماعيل العمراني، والدكتور حسن بن محمد مقبول الأهدل، والدكتور مصطفى سعيد الخن.","vol":"1","page":25},{"text":"المبحث الرابع: هل يُوجَدُ في زماننا مجتهدون مستقلون؟\nالمبحث الخامس: هل بابُ الاجتهادِ مغلق؟\nالفصل الثاني: التمذهب والتقليد، من (ص/ ٩٤) إلى (ص/ ١٩٨)، والمباحث التي ذكرها:\nالمبحث الأول: الإجماعُ على مشروعيةِ التمذهبِ والتقليدِ، ودليل ذلك.\nالمبحث الثاني: اعتراضاتُ المعترضين على التمذهبِ والتقليدِ، والجواب عنها.\nالمبحث الثالث: حكمُ لزومِ مذهبٍ.\nالمبحث الثالث: خروجُ المرءِ عن مذهبِه.\nالفصل الثالث: حكمُ الخروجِ عن المذاهبِ الأربعةِ، من (ص/ ١٩٩) إلى (ص/ ٢١٢)، والمباحثُ التي ذكرها:\nالمبحث الأول: الإجماعُ على عدمِ الخروجِ إلى قولِ لم يُسْبَقْ إليه.\nالمبحث الثاني: حكايةُ الاتفاقِ على عدمِ جوازِ الخروجِ.\nالمبحث الثالث: حكمُ الخروجِ عن المذاهبِ عند الحنفيةِ.\nالمبحث الرابع: حكمُ الخروجِ عن المذاهبِ عند المالكيةِ.\nالمبحث الخامس: حكمُ الخروجِ عن المذاهبِ عند الشافعيةِ.\nالمبحث السادس: حكمُ الخروجِ عن المذاهبِ عند الحنابلةِ.\nالمبحث السابع: شروطُ جوازِ الخروج عند مَنْ يُجيزُه، والتوفيق بين القولين.\nالفصل الرابع: هل مذهب الظاهرية معتبر؟ من (ص/ ٢١٣) إلى (ص/ ٢٢٧)، والمباحث التي ذكرها:\nالمبحث الأول: حكايةُ الاتفاقِ على عدمِ الاعتبارِ.","vol":"1","page":26},{"text":"المبحث الثاني: مِنْ أقوالِ الحنفيةِ في ذلك.\nالمبحث الثالث: مِنْ أقوالِ المالكيةِ في ذلك.\nالمبحث الرابع: مِنْ أقوالِ الشافعيةِ في ذلك.\nالمبحث الخامس: مِنْ أقوالِ الحنابلةِ في ذلك.\nالمبحث السادس: أسبابُ عدمِ اعتبارِ مذهبِ الظاهريةِ.\nالمبحث السابع: مِنْ أقوالِ مَن لا ينتسب إلى المذاهبِ الأربعةِ.\nالفصل الخامس: العملُ بالحديثِ الضعيفِ في الفضائلِ ونحوِها، من ٢٢٨) إلى (ص/ ٢٥٦)، والمباحث التي ذكرها تحته:\nالمبحث الأول: حكايةُ الاتفاقِ على العملِ بالحديثِ الضعيفِ في الفضائلِ.\nالمبحث الثاني: مِنْ أقوالِ أهلِ الحديثِ في ذلك.\nالمبحث الثالث: مِنْ أقوالِ أهلِ الفقهِ في ذلك.\nالمبحث الرابع: ثبوتُ الاستحبابِ والكراهةِ بالحديثِ الضعيفِ.\nالمبحث الرابع (^١): شروطُ العملِ بالحديثِ الضعيفِ.\nالمبحث الخامس: مجالاتُ العملِ بالحديثِ الضعيفِ.\nالفصل السادس: متفرقاتٌ ذاتُ صلةٍ بالتمذهبِ، من (ص/ ٢٥٧) إلى (ص/ ٢٨٤)، والمباحث التي ذكرها تحته:\nالمبحث الأول: بين الفقهِ والحديثِ.\nالمبحث الثاني: فوضى علميةٍ لم يشهدْ لها التاريخ مثيل (^٢).\n_________\n(^١) هكذا في الكتاب في مقدمته وفي فهارسه، والصواب: المبحث الخامس.\n(^٢) الصواب أن يقول: \"مثيلًا\".","vol":"1","page":27},{"text":"المبحث الثالث: كيف يصلُ إلى المعتمدِ في مذهبِ الشافعيةِ؟\nالمبحث الرابع: سُلّمٌ تعليمي للمذهبِ الشافعي.\nوقد أورد المؤلِّفُ تحتَ بعضِ المباحثِ السابقةِ فروعًا، وتحتَ بعضِ المطالبِ مسائل.\nويُعدُّ الكتابُ أول مؤلِّفٍ يحملُ اسمَ التمذهبِ، ومن أهمِّ الملحوظاتِ عليه، ما يأتي:\nالأولى: مع أنَّ الكتابَ يحملُ اسمَ التمذهبِ، إلا أنَّ المؤلِّفَ لم يتكلمْ عن تعريفِ التمذهبِ في اللغةِ، والاصطلاحِ.\nالثانية: كان منهجُ المؤلّفِ في كتابتِه معتمدًا اعتمادًا شبهَ تامٍّ على النقول، فمثلًا: أورد تحت مسألةِ: (شروط المجتهد المستقلِّ) نقولًا عدة، فمثلًا يقول: \"شروطُ الاجتهاد عند الإمام الشافعي\" (^١)، ويذكر تحته نقلًا عن الخطيب البغدادي (^٢)، ثم يورد بعده عنوانًا جانبيًا: \"شروط الاجتهاد عند الإمام أحمد\" (^٣)، وينقل عن شمسِ الدّينِ بنِ القيّمِ، وهكذا في غالب صفحاتِ الكتاب، وحين تحدث عن الشروط التي وضعها الأصوليونَ اكتفى بالنقلِ المجَرّدِ، فنَقَلَ عن بدرِ الدّينِ الزركشي نقلًا طويلًا في ثماني صفحات، دونَ أيّ تعليقٍ (^٤).\n_________\n(^١) التمذهب (ص/ ٣٨).\n(^٢) هو: أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي، أبو بكر، المشهور بالخطيب البغدادي، ولد سنة ٣٩٢ هـ كان حافظًا علامةً ناقدًا محدثًا متقنًا، وله عناية بالتاريخ، ومعرفة كبيرة بعلم الحديث والرجال، حتى قال عنه أبو إسحاق الشيرازي: \"يُشَبّه بالدارقطني ونظرائه في معرفة الحديث وحفظه\"، وهو من أكابر علماء الشافعية، من مؤلفاته: الكفاية في علم الرواية، والفصل للوصل المدرج في النقل، وشرف أصحاب الحديث، والرحلة في طلب الحديث، وتاريخ مدينة السلام، توفي سنة ٤٦٢ هـ. انظر ترجمته في: تبيين كذب المفتري لابن عساكر (ص/ ٢٦٨)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (١/ ٩٢)، وسير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٧٠)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (٣/ ١١٣٥)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٤/ ٢٩)، وطبقات الشافعية للإسنوي (١/ ٢٠١)، وطبقات الشافعية لابن هداية الله (ص/ ١٦٤).\n(^٣) التمذهب (ص/ ٣٨).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (ص ٤١/ - ٤٨).","vol":"1","page":28},{"text":"وفي المبحث الأول: (الإجماع على مشروعية التمذهب والتقليد ودليل ذلك)، مِن الفصلِ الثاني: (التمذهب والتقليد)، اكتفى المؤلِّفُ في غالبِ فروعِ المبحثِ (^١) التي ذكرها بالنقلِ المجردِ عن علماءِ المذاهبِ الأربعةِ.\nوقد ظَهَرَ هذا الأمرُ - وهو اكتفاء المؤلّف بالنقلِ المجرّدِ عن علماءِ المذاهبِ الأربعةِ - فيما أورده تحت بعضِ المباحثِ، وظَهَرَ بصورةٍ أكبر فيما أورده تحت الفروعِ والمسائلِ.\nالثالثة: نتَجَ عن اعتماد المؤلِّفِ على النقلِ عدمُ وجودِ تحريرٍ للمسألةِ، فلا تجد عنده عنوانًا: تحرير محل النزاع، أو الأقوال في المسألة، أو الموازنة والترجيح ... مع أنَّ كثيرًا مِن المسائلِ التي تحدثَ عنها هي محل خلافٍ عند الأصوليين، فمثلًا: ذكر المؤلِّفُ مسألةَ: (تجزؤ الاجتهاد) (^٢)، وبيّن أنَّ العلماءَ اختلفوا فيها، ثمَّ نَقَلَ عن بدرِ الدّينِ الزركشي نقلين، ونَقَلَ عن أبي بكرٍ الجصاص نقلًا، ثمَّ نَقَلَ عن سعدِ الذينِ التفتازاني (^٣) نقلًا في التوفيقِ بين القولينِ.\nوحينما تكلَّم المؤلِّفُ عن مسألةِ: (حكم التمذهب) (^٤) - وهي أهمُّ\n_________\n(^١) سار المؤلف في كتابه على وضع الفروع تحت المباحث.\n(^٢) انظر: المصدر السابق (ص/ ٤٩ - ٥١).\n(^٣) هو: مسعود - وقيل: محمود - بن عمر بن عبد الله التفتازاني، سعد الدين، ولد بتفتازان سنة ٧١٢ هـ وقيل: سنة ٧٢٢ هـ كان إمامًا علامةً أصوليًا محققًا كبير القدر، برع في العلوم العقلية، وفي النحو والصرف واللغة والبلاغة والمنطق، اشتهر اسمه، وطار صيته، وانتفع الناس بمؤلفاته، وقد انتهت إليه معرفة علوم البلاغة والمعقول، ولم يكن له نظير في معرفتهما، وقد اختلفوا في مذهبه أشافعي، أم حنفي؟ يقول ابن العماد: \"يغلب على ظني أنه كان شافعيًا\"، من مؤلفاته: حاشية على تفسير الكشاف للزمخشري، والمقاصد في علم الكلام، والتلويح على التوضيح، وشرح الشمسية في المنطق، وشرح التصريف للغزي، توفي بسمرقند سنة ٧٩٢ هـ وقيل سنة ٧٩١ هـ. انظر ترجمته في: الدرر الكامنة لابن حجر (٤/ ٣٥٠)، وإنباء الغمر له (٢/ ٣٧٧)، ووجيز الكلام للسخاوي (١/ ٢٩٥)، وبغية الوعاة للسيوطي (٢/ ٢٨٥)، وشذرات الذهب لابن العماد (٨/ ٥٤٧)، والبدر الطالع للشوكاني (ص / ٨٢١).\n(^٤) انظر: التمذهب (ص/ ٩٤ وما بعدها).","vol":"1","page":29},{"text":"مسألةٍ في موضوعِ التمذهبِ - لم يذكرْها في ضوءِ عناصرِ عَرضِ المسألةِ الخلافيةِ.\nوفي هذا خللٌ بيّن، وضعفٌ ظاهرٌ في عرضِ المسائلِ الخلافيةِ.\nالرابعة: ضعفُ التوثيقِ العلمي للكتابِ، فيما عدا النقول، فقد يحكي المؤلِّفُ إجماعًا، ولا يوثّقه (^١)، ولمَّا ذَكَرَ المؤلِّفُ اعتراضاتِ المعارضين للتمذهبِ (^٢)، ذَكَرَها دونَ توثيقٍ لها.\nالخامسة: تضمّنَ الكتابُ بعضَ الأشياءِ التي ليس لها أيّ صلةٍ بعنوانِ البحثِ، فمثلًا: أوردَ المؤلِّفُ في فاتحةِ كتابِه من (ص/ ١٥) إلى (ص/ ٢٢) أسانيدَه وطرقَه لحديثٍ ذَكَرَه (^٣)، ومِنْ (ص/ ٨٨) إلى (ص/ ٩٠) ذَكَرَ أثرًا عن عائشةَ - ﵂ - (^٤) رواه مسلسلًا.\nوليس الكتابُ مناسبًا لذكرِ مثلِ هذه الأمورِ.\nالسادسة: في الكتاب بعض العبارات الإنشائية التي لا صلة لها بموضوع الكتاب (^٥).\nوالدراسةُ التي قمتُ بها تزيدُ على ما في الكتابِ على النحوِ الآتي:\n- الباب الأول: (الدراسة النظرية) في كثيرٍ مِن فصولِه ومباحثِه، إضافةً إلى اختلافِ منهجيّةِ عرضِ المسائلِ التي تحدَّثَ عنها المؤلّفُ، ووردتْ عندي.\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (ص/ ٩٤).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (ص ١٠٣/ - ١٥٥).\n(^٣) الحديث: (لا تكونوا إمعةً، تقولون: إنّ أحسن الناس أحسنًا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إنْ أحسن الناسُ أنْ تحسنوا، وإنْ أساؤوا فلا تظلموا).\n(^٤) أثر عائشة ﵂: \"يرحم الله لبيدًا إذ يقول:\nذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيتُ في خلف كجلد الأجرب\nيتأكلون ملامةً ومذمةً ... ويعاب قائلهم وإن لم يشغب\nقالت عائشةُ: (يرحم الله لبيدًا، كيف لو أدرك زماننا هذا؟ !).\n(^٥) انظر مثلًا: التمذهب (ص/ ٨٠، ٨٦، ١٣٦، ٢٦٧).","vol":"1","page":30},{"text":"- الباب الثاني: (الدراسة النقدية) الفصل الأول في غالبِ مباحثِه، والفصول الثلاثة التالية له.\nالسابعة عشرة: التمذهبُ - دراسةٌ تأصيليةٌ واقعيةٌ. للدكتور عبد الرَّحمن بن عبد الله الجبرين.\nوالدراسةُ منشورةُ في: (مجلة البحوث الإِسلامية)، التابعة للرئاسة العامة للبحوث العلمية والإِفتاء، العدد (٨٦)، عام (١٤٣٠ هـ).\nوقد خَرَجَ البحثُ في ستين صفحةً، مهّد له الدكتور بتعريفِ الاجتهادِ، وبيانِ بعضِ أحكامِه في: ست صفحات، وبالحديثِ عن تعريفِ التقليدِ، وبيانِ حكمِه في خمس عشرة صفحة.\nثم تحدَّثَ الدكتور عن مسألةِ: (التمذهبِ)، فذَكَرَ تعريفَه، والواقعَ الَّذي نعيشه، والآراءَ في التمذهب، ثمَّ ذَكَرَ أدلَةَ لأقوال، والترجيح بينها.\nوبعد ذلك عَقَدَ الدكتورُ عنوانًا: (معالم رئيسة في حقيقة التمذهب)، ذَكَرَ تحته بعضَ الضوابطِ للقولِ بجوازِ التمذهبِ.\nويعدُّ البحثُ مِنْ وجهةِ نظري أفضل البحوثِ السابقةِ الَّتي تحدثت عن مسألةِ: (حكمِ التمذهبِ)، على وجه الخصوص، مِنْ حيثُ دراسةُ المسألةِ، والتوازنُ في الترجيح، والتوسطُ والاعتدالُ في طَرْقِها، وقد أفدتُ منه في عددٍ مِن المواضعِ، إِلَّا أن في البحث شيئًا مِن القصورِ في نسبةِ الأقوالِ.\nوما تحدث عنه الدكتورُ عبد الرَّحمن الجبرين وَرَدَ عندي في المبحثِ الثاني مِن الفصلِ الثالثِ، فالدراسةُ الَّتي قمتُ بها تزيدُ على ما في بحث الدكتور عبد الرَّحمن الجبرين على النحو الآتي:\n- الباب الأول: (الدراسة النظرية) في فصولِه ومباحثِه، عدا المبحث الثاني في الفصل الثالث.\n- الباب الثاني: (الدراسة النقدية) بكامله.","vol":"1","page":31},{"text":"وبعدَ استعراضِ ما سَبَقَ: يتضحُ أنَّ المؤلفاتِ والدراساتِ السابقة لم تستوعبْ موضوعَ التمذهب مِنْ كافّةِ جوانِبِه، ولم يسرْ كثيرٌ منها على المنهجيّةِ العلميّةِ في عَرْضِ الموضوعِ مِنْ حيثُ التوثيقُ، وعرضُ المسألةِ الخلافيةِ، ولذا، كان الموضوعُ بحاجةٍ إِلى دراسةٍ علميةٍ مستوفيةٍ الجوانب، تنتظم الجانبَ النظري، والجانبَ النقدي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>خطة البحث:</span>\nيتكوّن البحثُ من: مقدمةٍ، وبابين، وخاتمةٍ:\nالمقدمة، وتشتمل على:\n• أهمية الموضوعِ.\n• أسباب اختيارِ الموضوعِ.\n• أهداف الموضوعِ.\n• الدراسات السابقةِ.\n• خطة البحثِ.\n• منهج البحثِ.\n• الصعوبات الَّتي واجهت الباحث.\n• الشكر والتقدير.\nالباب الأول: الدراسة النظرية للتمذهب\nوفيه ستة فصول:\nالفصل الأول: حقيقة التمذهب. وفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف التمذهب. وفيه مطلبان:","vol":"1","page":32},{"text":"المطلب الأول: تعريف التمذهب في اللغة\nالمطلب الثاني: تعريف التمذهب في الاصطلاح\nالمبحث الثاني: العلاقة بين التمذهب، والمصطلحات ذات الصلة.\nوفيه ثمانية مطالب:\nالمطلب الأول: العلاقة بين التمذهب، والتقليد\nالمطلب الثاني: العلاقة بين التمذهب، والاجتهاد\nالمطلب الثالث: العلاقة بين التمذهب، والاتباع\nالمطلب الرابع: العلاقة بين التمذهب، والتأسي\nالمطلب الخامس: العلاقة بين التمذهب، والتعصب\nالمطلب السادس: العلاقة بين التمذهب، والخلاف\nالمطلب السابع: العلاقة بين التمذهب، والانتصار للمذهب\nالمطلب الثامن: العلاقة بين التمذهب، والصلابة في المذهب\nالمبحث الثالث: أركان التمذهب. وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: إِمام المذهب (صاحب المذهب). وفيه ثلاث مسائل:\nالمسألة الأولى: تعريف إِمام المذهب\nالمسألة الثانية: شروط إِمام المذهب\nالمسألة الثالثة: طرق إِثبات أقوال إِمام المذهب. وفيه ثمانية فروع:\nالفرع الأول: القول\nالفرع الثاني: مفهوم القول\nالفرع الثالث: الفعل\nالفرع الرابع: السكوت","vol":"1","page":33},{"text":"الفرع الخامس: التوقف\nالفرع السادس: القياس على قول الإِمام\nالفرع السابع: لازم قول الإِمام\nالفرع الثامن: ثبوت الحديث\nالمطلب الثاني: المتمذهب. وفيه ست مسائل:\nالمسألة الأولى: تعريف المتمذهب\nالمسألة الثانية: شروط المتمذهب\nالمسألة الثالثة: العلاقة بين المتمذهب والمخرِّج\nالمسألة الرابعة: العلاقة بين المتمذهب والفروعي\nالمسألة الخامسة: تمذهب المجتهد\nالمسألة السادسة: مذهب العامي\nالمطلب الثالث: المذهب (المتمذهب فيه) وفيه ست مسائل:\nالمسألة الأولى: تعريف المذهب في: اللغة والاصطلاح\nالمسألة الثانية: محل التمذهب\nالمسألة الثالثة: شروط نقل المذهب\nالمسألة الرابعة: صور الخطأ في نقل المذهب\nالمسألة الخامسة: ألفاظ نقل المذهب. وفيه تسعة عشر فرعًا:\nالفرع الأول: الرواية\nالفرع الثاني: التنبيه\nالفرع الثالث: القول\nالفرع الرابع: الوجه","vol":"1","page":34},{"text":"الفرع الخامس: الاحتمال\nالفرع السادس: التخريج\nالفرع السابع: النقل والتخريج\nالفرع الثامن: الصحيح\nالفرع التاسع: المعروف\nالفرع العاشر: الراجح\nالفرع الحادي عشر: قياس المذهب\nالفرع الثاني عشر: المشهور من المذهب\nالفرع الثالث عشر: ظاهر المذهب\nالفرع الرابع عشر: الضعيف\nالفرع الخامس عشر: المنكر\nالفرع السادس عشر: الشاذ\nالفرع السابع عشر: الطرق\nالفرع الثامن عشر: الإِجراء\nالفرع التاسع عشر: التوجيه\nالمسألة السادسة: تفضيل مذهب من المذاهب\nالمبحث الرابع: أقسام التمذهب\nالفصل الثاني: نشأة التمذهب وتاريخه. وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: نشأة التمذهب. وفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: حالة الناس قبل نشوء المذاهب\nالمطلب الثاني: نشأة المذاهب الفقهية","vol":"1","page":35},{"text":"المطلب الثالث: أسباب نشوء المذاهب الفقهية\nالمطلب الرابع: أسباب بقاء المذاهب الفقهية الأربعة\nالمبحث الثاني: تاريخ التمذهب. وفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: التمذهب مِنْ نشأته إِلى نهاية القرن الثالث الهجري\nالمطلب الثاني: التمذهب مِنْ القرن الرابع الهجري إِلى نهاية القرن السابع الهجري\nالمطلب الثالث: التمذهب من القرن الثامن الهجري إِلى منتصف القرن الرابع عشر الهجري\nالمطلب الرابع: التمذهب مِنْ منتصف القرن الرابع عشر الهجري إِلى العصر الحاضر\nالفصل الثالث: حكم التمذهب. وفيه: تمهيد، وثلاثة مباحث:\nتمهيد في: حكم تقليد الميت\nالمبحث الأول: التمذهب بمذهب الصحابي والتابعي\nالمبحث الثاني: التمذهب بأحد المذاهب الأربعة الفقهية المشهورة\nالمبحث الثالث: التمذهب بغير المذاهب الأربعة\nالفصل الرابع: الأحكام المترتبة على التمذهب. وفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: طبقات المتمذهبين. وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: أبرز مناهج المتقدمين في تقسيم طبقات المتمذهبين.\nوفيه أربع مسائل:\nالمسألة الأولى: تقسيم ابن الصلاح\nالمسألة الثانية: تقسيم ابن حمدان","vol":"1","page":36},{"text":"المسألة الثالثة: تقسيم ابن القيم\nالمسألة الرابعة: تقسيم ابن كمال باشا\nالمطلب الثاني: أبرز مناهج المتأخرين في تقسيم طبقات المتمذهبيبن.\nوفيه ثلاث مسائل:\nالمسألة الأولى: تقسيم شاه ولي الله الدهلوي\nالمسألة الثانية: تقسيم الشَّيخ محمد أبو زهرة\nالمسألة الثالثة: تقسيم الدكتور محمد الفرفور\nالمطلب الثالث: الموازنة بين التقسيمات\nالمبحث الثاني: الانتقال عن المذهب. وفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: الانتقال عن التمذهب إِلى الاجتهاد. وفيه مسألتان:\nالمسألة الأولى: الانتقال عن التمذهب إِلى الاجتهاد المستقل\nالمسألة الثانية: الانتقال عن التمذهب إِلى الاجتهاد المنتسب\nالمطلب الثاني: الانتقال عن التمذهب بمذهب معين إِلى التمذهب بمذهب آخر\nالمطلب الثالث: الخروج عن المذهب في بعض المسائل\nالمبحث الثالث: تتبع الرخص. وفيه خمسة مطالب:\nالمطلب الأول: تعريف التتبع\nالمطلب الثاني: تعريف الرخصة في اللغة والاصطلاح\nالمطلب الثالث: تعريف تتبع الرخص\nالمطلب الرابع: الفرق بين الرخصة من العالم، وزلة العالم\nالمطلب الخامس: حكم تتبع الرخص","vol":"1","page":37},{"text":"المبحث الرابع: التلفيق بين المذاهب. وفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: تعريف التلفيق في اللغة والاصطلاح. وفيه مسألتان:\nالمسألة الأولى: تعريف التلفيق في اللغة\nالمسألة الثانية: تعريف التلفيق في الاصطلاح\nالمطلب الثاني: صور التلفيق. وفيه مسألتان:\nالمسألة الأولى: التلفيق بين قولين في مسألة وفروعها\nالمسألة الثانية: التلفيق بين أثر القول وقول آخر في مسألة وفروعها\nالمطلب الثالث: أقسام التلفيق، وحكم كل قسم. وفيه ثلاث مسائل:\nالمسألة الأولى: التلفيق في الاجتهاد\nالمسألة الثانية: التلفيق في التقليد\nالمسألة الثالثة: التلفيق في التقنين\nالمطلب الرابع: الفرق بين التلفيق وتتبع الرخص\nالفصل الخامس: أحكام المتمذهب. وفيه ثمانية مباحث:\nالمبحث الأول: عمل المتمذهب إِذا خالف مذهبه الدليل\nالمبحث الثاني: عمل المتمذهب عند تعدد أقوال إِمامه في مسألة واحدة. وفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم تعدد أقوال إِمام المذهب\nالمطلب الثاني: الترجيح بين أقوال إِمام المذهب\nالمبحث الثالث: أخذ المتمذهب قولًا رجع عنه إِمامه\nالمبحث الرابع: عمل المتمذهب فيما توقف فيه إِمامه\nالمبحث الخامس: الاعتداد بقول المتمذهب في الإجماع","vol":"1","page":38},{"text":"المبحث السادس: عمل المتمذهب إِذا خالف أحد أتباع الإمام مذهب الإِمام\nالمبحث السابع: عمل المتمذهب عند اختلاف أصحابه في تعيين المذهب\nالمبحث الثامن: إِفتاء المتمذهب. وفيه تمهيد ومطلبان:\nتمهيد: في تعريف الإِفتاء في اللغة، والاصطلاح\nالمطلب الأول: إِفتاء المتمذهب بمذهب إِمامه\nالمطلب الثاني: إِفتاء المتمذهب بغيرِ مذهبِ إِمامه\nالفصل السادس: أثر التمذهب في التوصل إِلى حكم النازلة. وفيه تمهيد ومبحثان:\nتمهيد: في تعريف النازلة في اللغة والاصطلاح\nالمبحث الأول: التوصل إِلى حكم النازلة بتخريجها على أصول المذهب\nالمبحث الثاني: التوصل إِلى حكم النازلة بتخريجها على فروع المذهب\nالباب الثاني: الدراسة النقدية للتمذهب\nوفيه تمهيد، وأربعة فصول:\nتمهيد: في الحاجة إِلى المذاهب الفقهية\nالفصل الأول: آثار التمذهب الإيجابية. وفيه سبعة مباحث:\nالمبحث الأول: ظهور المناظرات الفقهية\nالمبحث الثاني: ازدهار النشاط في مجال التأليف","vol":"1","page":39},{"text":"المبحث الثالث: تجنب الآراء الشاذة\nالمبحث الرابع: الإلمام الشمولي بالمسائل الفقهية والأصولية\nالمبحث الخامس: دعم سبيل الارتقاء إِلى مقام الاجتهاد\nالمبحث السادس: تجنب التناقض في الاختيار بين الأقوال\nالمبحث السابع: بروز فن الفروق الفقهية، والأشباه والنظائر\nالفصل الثاني: آثار التمذهب السلبية. وفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: ظهور التعصب المذهبي. وفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: الإِعراض عن الاستدلال بالكتاب والسُّنَّة الثابتة\nالمطلب الثاني: رد دلالة الآيات والأحاديث الثابتة، والتكلف في ذلك\nالمطلب الثالث: الانتصار للمذهب بالأحاديث الواهية\nالمطلب الرابع: الاستدلال بالحديث متى ما وافق المذهب ومخالفة الحديث نفسه في حكم آخر دل عليه لمخالفته المذهب\nالمبحث الثاني: دعوى غلق باب الاجتهاد، ومحاربة من يدعيه\nالمبحث الثالث: ظهور الحيل الفقهية\nالمبحث الرابع: عدم الاطلاع على ما لدى المذاهب الأخرى\nالفصل الثالث: أسباب ظهور الآثار السلبية، وطرق علاجها. وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: أسباب ظهور الآثار السلبية\nالمبحث الثاني: طرق علاج الآثار السلبية\nالفصل الرابع: مشروع توحيد المذاهب الفقهية. وفيه مبحثان:","vol":"1","page":40},{"text":"المبحث الأول: عرض المشروع\nالمبحث الثاني: نقد المشروع\nالخاتمة: وتتضمن أهمَّ نتائج البحث، والتوصيات.\nمنهج البحث:\nويتضمن ثلاثة أمور:\nالأمر الأول: منهج الكتابة في الموضوع ذاته، وكان على ضوءِ النقاط الآتية:\n١ - الاستقراءُ التامّ لمصادرِ المسألةِ، ومراجعها المتقدمةِ والمتأخرةِ.\n٢ - اعتمدتُ عند الكتابةِ على المصادرِ الأصيلةِ في كلِّ مسألةٍ بحسبها.\n٣ - مهدتُ للمسألةِ بما يوضِّحها إِن احتاجَ المقامُ لذلك.\n٤ - اتَّبَعتُ في دراسةِ التعريفات المنهجَ الآتي:\nأ - التعريفُ اللغوي: ويتضمّن الجوانبَ الآتية: الجانب الصرفي، جانب الاشتقاق، جانب المعنى اللغوي للفظ.\nب - التعريفُ الاصطلاحي: ويتضمّن ذكرَ أهمِّ تعريفاتِ العلماءِ، والموازنة بينها وصولًا إِلى التعريف المُخْتَار، وشرحه.\nج - ذكرُ المناسبةِ بين التعريفِ اللغوي، والتعريفِ الاصطلاحي.\n٥ - اتَّبَعتُ في بحث المسائل الخلافية المنهجَ الآتي:\nأ - تحرير محلِّ الخلافِ فيها.\nب - ذكر الأقوالِ في المسألةِ.\nج - ذكر أدلةِ الأقوالِ بعد الانتهاءِ مِنْ سردِ الأقوالِ.\nد - ذكر ما يَرِدُ على الدليلِ مِنْ مناقشات واعتراضات، والجواب عنها.","vol":"1","page":41},{"text":"هـ - ترجيح ما يظهر رجحانُه، وبيان سببِ الترجيحِ.\nو- ذكر نوعِ الخلافِ أهو لفظي، أم معنوي؟ مع ذكر ثمرتِه إِنْ كان معنويًا.\nز - ذكر سببِ الخلافِ في المسألةِ، ما أمكن ذلك.\n٦ - العناية بضربِ الأمثلةِ الَّتي تقتضيها مسائلُ البحثِ.\n٧ - كتابة المعلوماتِ بأسلوبي ما لم يقتضِ المقامُ نقلَ نصوصِ الآخرين.\n٨ - الاعتراف بالسبقِ لأهلِه في تقريرِ فكرةٍ، أو نصب دليلٍ، أو مناقشتِه، أو ضربِ مثالٍ، أو ترجيحِ رأي، ونحو ذلك.\nالأمر الثاني: منهجُ التعليقِ والتهميشِ، وكان على ضوء النقاط الآتية:\n١ - بيان أرقامِ الآياتِ وعزوها لسورِها، فإِنْ كانت آيةً كاملةً قلتُ: الآية رقم: (...) من سورة (كذا)، وإِن كانت جزءًا مِنْ آيةٍ قلتُ: من الآية رقم: (...) من سورة (كذا).\n٢ - اتَّبَعتُ في تخريجِ الأحاديثِ والآثارِ المنهجَ الآتي:\nأ - بينتُ مَنْ أخرجَ الحديثَ أو الأثرَ بلفظِه الواردِ في البحثِ، \"فإِنْ لم أجد الحديثَ أو الأثرَ بلفظِه، خرّجته بنحوِ اللفظِ الواردِ في البحثِ، فإنْ لم أجد الحديثَ أو الأثرَ بلفظِه أو بنحوِه، ذكرتُ ما وَرَدَ في معناه.\nب - أحلتُ على مصدرِ الحديثِ بذكرِ الكتابِ والبابِ، ثم بذكرِ الجزءِ والصفحةِ ورقمِ الحديثِ أو الأثرِ إِنْ كان مذكورًا في المصدرِ.\nج - إِن كان الحديثُ بلفظِه في الصحيحين أو أحدِهما اكتفيتُ بتخريجِه منهما.\nد - إِنْ لم يكن الحديثُ في أيّ مِن الصحيحين خرّجتُه من المصادرِ الأخرى المعتمدة، مع ذكر ما قاله أهلُ الحديثِ فيه.","vol":"1","page":42},{"text":"٣ - اتَّبَعتُ في عزوِ الأشعارِ إِلى مصادرِها المنهجَ الآتي:\nأ - إِنْ كان لصاحبِ الشعرِ ديوانٌ وثّقتُ شعرَه مِنْ ديوانِه.\nب - إِنْ لم يكنْ له ديوانٌ، وثّقْتُ الشعرَ مما تيسر مِن دواوينِ الأدبِ واللغةِ.\n٤ - عزوتُ نصوصَ العلماءِ وآراءَهم لكتبِهم مباشرةً، ولا ألجا للعزوِ بالواسطةِ إِلَّا عند تعذرِ الأصلِ.\n٥ - وثقتُ نسبةَ الأقوالِ إِلى المذاهبِ مِن الكتبِ المعتمدةِ في كلِّ مذهبٍ.\n٦ - وثقتُ المعاني اللغويةَ مِنْ معجماتِ اللغةِ المعتمدة، وتكون الإِحالةُ على معجماتِ اللغةِ بالمادةِ، والجزءِ والصفحةِ.\n٧ - وثقتُ المعاني الاصطلاحيةَ الواردةَ في البحثِ مِنْ كتب المصطلحاتَ المختصةِ بها، أو مِنْ كتب أهلِ الفنِّ الَّذي يَتْبَعُه هذا المَصطلح.\n٨ - بيّنتُ المعاني اللغويةَ لما يَرِدُ في البحثِ مِنْ ألفاظٍ غريبةٍ، والمعاني الاصطلاحية لما يَرِدُ فيه مِنْ مصطلحاتٍ تحتاجُ إِلى بيانٍ.\n٩ - اتَّبَعتُ في ترجمةِ الأعلامِ المنهجَ الآتي:\nأ - ضمنتُ الترجمةَ:\n* اسم العلمِ، ونسبه، مع ضبطِ ما يُشْكِلُ مِنْ ذلك.\n* تاريخ مولدِه، ومكانه.\n* شهرته، ككونِه محدثًا، أو فقيهًا، أو لغويًا، والمذهب الفقهي والعقدي.\n* أهمّ مؤلفاتِه.\n* وفاته.\n* مصادر ترجمتِه.\nب - اتسام الترجمةِ بالاختصار، واقتصرتُ في الترجمةِ على الأعلامِ غيرِ المشهورين عند الأصوليين.","vol":"1","page":43},{"text":"ج - أنْ تكونَ مصادرُ الترجمةِ في نوعِها متناسبةً مع الجانبِ الَّذي بَرَزَ فيه العالمُ؛ فإِنْ كان فقيهًا فيكون الاعتمادُ على كتبِ تراجمِ الفقهاءِ، مع مراعاةِ طبقاتِ المذهبِ، وإنْ كان محدثًا فيكونَ الاعتماد على كتب المحدِّثين، وهكذا.\n١٠ - اتَّبَعتُ في التعريفِ بالفِرَقِ المنهجَ الآتي:\n• ذكرُ الاسمِ المشهورِ للفرقةِ والأسماء المرادفة له.\n• نشاةُ الفرقةِ، وأشهرُ رجالِها.\n• آراؤها الَّتي تميزها، معتمدًا في ذلك على كتب أصحابِها ما أمكن ذلك، مقتصرًا على التعريف بالفرق غير المشهوَرة.\n١١ - أحلتُ إِلى المصدرِ في حالةِ النقلِ منه بالنصِّ بذكر اسمه والجزء والصفحة، وفي حالة النقل بالمعنى بذكر ذلك مسبوقًا بكلمة: (انظر).\nالأمر الثالث: ما يتعلق بالناحية الشكلية والتنظيمية ولغة الكتابة:\nوراعيتُ فيه الأمورَ الآتية:\n١ - العناية بضبطِ الألفاظِ الَّتي يترتب على عدمِ ضبطِها شيءٌ مِن الغموضِ أو إِحداثِ لَبْسٍ.\n٢ - الاعتناءُ بصحةِ المكتوبِ، وسلامتِه مِن الناحيةِ اللغويةِ، والإِملائيةِ، والنحويةِ، ومراعاةُ حسنِ تناسقِ الكلامِ ورقي أسلوبِه.\n٣ - العنايةُ بعلاماتِ الترقيمِ، ووضعها في مواضعِها الصحيحةِ فقط.\n٤ - الاعتناءُ بانتقاءِ حرفِ الطباعةِ في: العناوين، وفي صلب الموضوعِ، وفي الهوامشِ وبداياتِ الأسطرِ.\n٥ - وضع ما يدلُّ على انتهاء المطلب، أو المبحث ونحو ذلك.\n٦ - اتَّبَعتُ في إِثبات النصوص المنهج الآتي:","vol":"1","page":44},{"text":"أ - وضع الآيات القرآنية بين قوسين مميزين على هذا الشكل: ﴿﴾\nب - وضع الأحاديث والآثار بين قوسين مميزين على هذا الشكل: ()\nج - وضع النصوص الَّتي أنقلها من الآخرين على هذا الشكل: \"\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>الصعوبات الَّتي واجهت الباحث:</span>\nلما بدأتُ في جمعِ المادةِ العلميةِ للبحثِ واجهني عددٌ مِن الصعوباتِ، ويمكن إِجمالها في الآتي:\nالأولى: طولُ البحثِ وكثرةُ مسائلِه، وطولُ الحديثِ في كثيرٍ منها.\nالثانية: أنَّ مظنّةَ مادةِ البحثِ متراميةٌ في عددٍ من العلومِ، فلا تقفُ المادةُ عند حدودِ العلوم الشرعية، بلْ تتجاوزها إِلى مدوَّناتِ التاريخِ والمؤلفاتِ في طبقاتِ علماءِ المذاهب، وتاريخِ المذاهب، وقد استدعى ذلك مني في جمعِ مادةِ البحثِ العلميةَ أنْ أقرأَ عددًا ليسَ بالقليل مِنْ كتبِ علمِ الفقهِ وأصولِه والقواعدِ الفقهيةِ والتراجمِ، واستدعى كذلك أنْ أقرأَ كتبَ بعضِ العلماءِ المحققين، وقد أخذ منِّي هذا الأمرُ جهدًا كبيرًا، ووقتًا طويلًا.\nالثالثة: تَعَلُّقُ البحثِ بعددٍ مِن العلومِ، فبعضُ مسائلِه يتكلّم عنها الأصوليون في مدوَّناتِهم الأصولية، والفقهاءُ في مؤلفاتِهم الفقيهة، وفي بعضِ كتبِ الفتاوى، وفي هذا الأمرِ شيءٌ من تَشَتّت الذّهنِ لدى الباحثِ.\nالرابعة: عدمُ التنصيصِ على محلِّ الخلافِ وتحريرِه في بعضِ المسائلِ، ممَّا يستدعي كثيرًا مِن النظرِ والتأمّلِ لكلامِ الأصوليين؛ للوصولِ إِلى بعضِ ما يمكنُ اعتبارُه تحديدًا لمحلِّ الخلافِ.\nالخامسة: أنَّ مظنةَ مادةِ البحثِ ولا سيما الباب الثاني غيرُ محددةِ الأبواب في أصولِ الفقهِ، ممَّا استدعى منّي قراءة كتبٍ أصوليةٍ كثيرةٍ كاملةً؛ بُغْيَةَ الوَقوفِ على ما يمكن الإِفادةُ منه ممَّا وَرَدَ في غيرِ مظنتِه.","vol":"1","page":45},{"text":"السادسة: أنَّ مادةَ البحثِ غيرُ مقصورةٍ على ما دوَّنه متقدمو العلماءِ من الأصوليين وغيرهم، بلْ إِنَّ الباحثين المعاصرين لهم إِسهامٌ في الحديثِ عن بعضِها، وفي سبيلِ استقراءِ هذه الجهودِ احتجتُ إِلى كثيرٍ مِن الوقتِ والجهدِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>الشكر والتقدير:</span>\nوفي نهايةِ المطافِ أتوجّه إِلى الله ﷾ بالحمدِ والثناءِ عليه، فقد أعانني على إِتمامِ البحثِ، ويسّرَ لي إِنهاءَه بهذه الصورةِ، فله الحمدُ في الأُولى والآخرة.\nوأتقدَّمُ في هذا المقامِ بجزيلِ الشكرِ، وعظيمِ العرفانِ إِلى كلٍّ مِنْ:\n١ - والديّ الكريمين على كريم رعايتِهما لي، وحُسنِ تربيتِهما، وتسهيلِهما لي سلوكَ طريقِ العلمِ، وَأسأل اللهَ تعالى أنْ يعينَني على برِّهما، والإِحسانِ إِليهما، والقيام بحقِّهما على الوجهِ الَّذي يرضيه ﷾.\n٢ - زوجتي الفاضلة، وابنتيَّ الصغيرتين، فقد عانوا مِن انشغالي عنهم مدةَ إِعدادي للرسالةِ، وهيؤوا لي الوسائلَ المعينةَ، فكانوا عونًا لي في إِتمامِها، فأسال الله لهم الهدايةَ والصلاحَ والتوفيقَ والسدادَ.\n٣ - جامعة الإِمامِ محمد بنِ سعودِ الإِسلامية ممثلةً بكليةِ الشريعةِ بالرياضِ، وقسم أصولِ الفقهِ.\n٤ - شيخي الفاضل، وأستاذي الكريم، الأستاذ الدكتور فهد بن محمد السدحان، المشرف على الرسالة، والأستاذُ بقسمِ أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض، فأفضاله عليَّ كثيرةٌ، فلقد أرشدني في أثناءِ إِعدادِ خطةِ البحثِ، ودلَّني على محاور تجعلُ الدراسةَ دراسةً متكاملةً، وتفضَّل مشكورًا بالموافقةِ على قبولِ الإِشرافِ على الرسالةِ، ومنحني الكثير مِنْ وقتِه وجُهدِه، ولم يبخلْ عليَّ برأي ولا بمشورةٍ، ولم يألُ","vol":"1","page":46},{"text":"جهدًا في إِرشادي ونصحي، وقد استفدتُ مِنْ توجيهاتِه العلمية، وإِرشاداتِه القيّمة، وآرائِه السديدةِ في أثناءِ إِعدادِ الرسالةِ مما كان له أبلغُ الأثرِ في تقويمِ الرسالةِ، وإِنجازِها على هذا الوجهِ، كلُّ ذلك في أَدَبٍ جمٍّ، وخُلُقٍ رفيعٍ، ولينِ جانبٍ، ورحابةِ صدرٍ، وعدمِ ضيقٍ بمخالفةِ رأيه، فشكر اللهُ له صنيعَه، وجزاه خيرًا على ما بَذَلَه مِنْ نصحٍ وتوجيه، وأسأل اللهَ تعالى له التوفيقَ والسدادَ، وأسأله تعالى أنْ يباركَ له في علمِه ووقتِه ورزقِه وذريتِه، وأنْ يُجْزِلَ له العطاءَ، وأنْ يجزيَه عنِّي خيرَ ما جزى شيخًا عن تلميذِه، وأنْ يجعلَ ذلك في موازينِ أعمالِه، إِنَّه سميعٌ مجيبٌ.\n٥ - عضوي لجنة المناقشة الأستاذ الدكتور أحمد بن محمد العنقري - أستاذ أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض - والأستاذ الدكتور محمد سعد بن أحمد اليوبي - أستاذ أصول الفقه بكلية الشريعة بالجامعة الإِسلامية - فقد استفدتُ من ملحوظاتهما وآرائهما، فجزاهما الله خيرًا، وجعل ما قدماه لي في موازين أعمالهما.\nوختامًا: إِنِّي لأرجو اللهَ أنْ أكونَ قد وُفِّقْتُ في الكتابةِ في الموضوع، وأنْ يجعلَه خالصًا لوجهِه الكريم، وما كتبتُه هو جُهد المقلِّ، وحسبي أنِّي بذلتُ فيه ما أمكنني مِنْ وسعٍ، وأملي أنْ يكونَ صوابُه أكثرَ مِنْ خطئِه، \"والمنصفُ مَن اغتفرَ قليلَ خطأ المرءِ في كثيرِ صوابِه\" (^١).\nوصَدَقَ أبو إِسحاقَ الشاطبي؛ إِذ يقولُ: \"فالإِنسانُ - وإِنْ زَعَمَ في الأمرِ أنَّه أدركه وقتله علمًا - لا يأتي عليه الزمانُ إِلَّا وقد عَقَلَ فيه ما لم يكنْ عَقَلَ، وأدركَ مِنْ علمِه ما لم يكن أدرك قبلَ ذلك، كلُّ أحدٍ يشاهدُ ذلك مِنْ نفسِه عيانًا، ولا يختص ذلك عنده بمعلومٍ دونَ معلومٍ\" (^٢).\n_________\n(^١) تقرير القواعد لابن رجب (١/ ٤).\n(^٢) الاعتصام (٣/ ٢٨٦). وانظر في المعنى نفسه: المنتقى شرح الموطأ للباجي (١/ ٣) ط/ السعادة بمصر.","vol":"1","page":47},{"text":"\"فيا أيّها القارئ له والناظر فيه، هذه بضاعةُ صاحبِه المزجاةُ مسوقةٌ إِليك، وهذا فهمُه وعقلُه معروضٌ عليك، لك غنمُه وعلى مؤلفِه غرمُه، ولك ثمرتُه وعليه عائدتُه. فإِنْ عدم منك حمدًا وشكرًا، فلا يعدمْ منك مغفرةً وعذرًا، وإِن أبيت إِلَّا الملام فبابُه مفتوحٌ\" (^١).\nوصلى اللهُ وسلم على نبيًّا محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله رب العالمين.\nخالد بن مساعد بن محمد الرويتع\n٢/ ٢/ ١٤٣١ هـ\nللتواصل: جوال: ٠٥٠٥٢٩٣١٧٤\nالبريدي الشبكي: khalied ٩٩٩٩٩@hotmail.com\n_________\n(^١) طريق الهجرتين لابن القيم (١/ ١٠ - ١١).","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>الباب الأول: الدراسة النظرية للتمذهب</span>\nوفيه ستة فصول:\nالفصل الأول: حقيقة التمذهب\nالفصل الثاني: نشأة التمذهب وتاريخه\nالفصل الثالث: حكم التمذهب\nالفصل الرابع: الأحكام المترتبة على التمذهب\nالفصل الخامس: أحكام المتمذهب\nالفصل السادس: أثر التمذهب في التوصل إِلى حكم النازلة","vol":"1","page":49},{"text":"الفصل الدول: حقيقة التمذهب\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف التمذهب\nالمبحث الثاني: العلاقة بين التمذهب والمصطلحات ذات الصلة\nالمبحث الثالث: أركان التمذهب\nالمبحث الرابع: أقسام التمذهب","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>المبحث الأول تعريف التمذهب</span>\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: تعريف التمذهب في اللغة\nالمطلب الثاني: تعريف التمذهب في الاصطلاح","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>المطلب الأول: تعريف التمذهب في اللغة</span>\nالتمذهبُ: مصدرٌ مِن الفعلِ تمذهب (^١)، ولكونِ التمذهب مرتبطًا - لفظًا ومعنى - بالمذهب، فسأعرضُ أولًا<span data-type=\"title\" id=toc-13> تعريفَ المذهبِ في اللغَةِ</span>، ثمَّ أذكرُ بعده المعنى اللغوي للتمذهبِ.\n\nتعريف المذهب في اللغة:\nالمَذْهب: على وزنِ (مَفْعَل)، وتأتي لفظةُ: (مَذْهب) مصدرًا، واسمَ مكانٍ، واسمَ زمانٍ (^٢)، يُقالُ: ذَهَبَ يَذْهَبُ ذَهَابًا، ومَذْهَبًا، وهنا مذهبُه، أيْ: موضع ذهابِه، وحان مذهبُه، أيْ: زمان ذهابه (^٣).\nوالمَذْهبُ مشتق مِنْ ذَهَبَ (^٤).\nولمادةِ (ذهب) معنيانِ في اللغةِ:\nالمعنى الأول: الحسنُ والنضارةُ (^٥). يقول ابنُ فارسٍ (^٦): \"الذال\n_________\n(^١) انظر: محيط المحيط للبستاني، مادة: (ذهب)، (ص/ ٣١٢).\n(^٢) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (ذهب)، (٦/ ٢٦٥)، والمحيط في اللغة لابن عباد، مادة: (ذهب)، (٣/ ٤٧٠)، ولسان العرب، مادة: (ذهب)، (١/ ٣٩٣)، وشمس العلوم للحميري، مادة: (ذهب)، (٦/ ٢٣٠٤)، والتوقيف على مهمات التعاريف للمناوي (ص/ ٦٤٦).\n(^٣) انظر: المصادر السابقة.\n(^٤) انظر: لسان العرب، مادة: (ذهب)، (٦/ ٢٦٥)، والقاموس المحيط، مادة: (ذهب)، (ص / ١١١).\n(^٥) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (ذهب)، (٦/ ٢٦٢)، ومقاييس اللغة، مادة: (ذهب)، (٢/ ٣٦٢).\n(^٦) هو: أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب الرَّازي - نسبة للري - القزويني، =","vol":"1","page":55},{"text":"والهاء والباء، أُصيلٌ، يدلُّ على حسنٍ ونضارةٍ\" (^١).\nومن هذا المعنى:\nأولًا: الذَهَبُ، المعدِنُ الثمينُ (^٢). يُقالُ: ذَهِب - بالكسر - الرجلُ، إِذا رأى ذَهَبًا في المعدِن، فَبَرَقَ بصرُه مِنْ عِظَمِه في عينه (^٣).\nوالمذَاهبُ: سيورٌ تموّه بالذَّهَبِ، وكلُّ شيءٍ موّه بالذهبِ، فهو مُذهب، والفاعل مُذْهِب (^٤).\nوالإِذهابُ، والتذهيبُ واحدٌ، وهو: التمويه بالذهبِ (^٥).\nثانيًا: الذِّهْبَة، وهي: المطرةُ. وقيل: المطرةُ الضعيفةُ. وقيل:\n_________\n= أبو الحسين، ولد بقزوين سنة ٣٢٩ هـ من أعيان علماء اللغة المحققين، جمع بين إِتقان العلماء، وظرف الكتاب والشعراء، ومذهبه في النحو على طريقة الكوفيين، كان رأسًا في اللغة والأدب، مناظرًا فقهيًا محدثًا علَّامة، كريم النفس جواد اليد، كان أول أمره شافعي المذهب، ولما تحول إِلى الري قال: \"أخذتني الحمية للإِمام مالك أن يخلو مثل هذا البلد عن مذهبه\"، فانتقل إِلى التمذهب بالمذهب المالكي، من مؤلفاته: مقاييس اللغة، والمجمل في اللغة، وحلية الفقهاء، وغريب إِعراب القرآن، توفي بالري سنة ٣٩٥ هـ وقيل: سنة ٣٩٠ هـ. انظر ترجمته في: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٧/ ٨٤)، وإرشاد الأديب للحموي (١/ ٤١٠)، وإنباه الرواه للقفطي (١/ ١٢٧)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (١/ ١١٨)، وسير أعلام النُّبَلاء (١٧/ ١٠٣)، والوا في بالوفيات للصفدي (٧/ ٢٧٨)، والديباج المذهب لابن فرحون (١/ ١٦٣)، والبلغة للفيروزابادي (ص/ ٦١)، وبغية الوعاة للسيوطي (١/ ٣٥٢).\n(^١) مقاييس اللغة، مادة: (ذهب)، (٢/ ٣٦٢).\n(^٢) انظر: المصدر السابق، والمحيط في اللغة لابن عباد، مادة: (ذهب)، (٣/ ٤٦٨)، والصحاح، مادة: (ذهب)، (١/ ١٢٩).\n(^٣) انظر: المصادر السابقة، وتهذيب اللغة، مادة: (ذهب)، (٦/ ٢٦٤)، ولسان العرب، مادة: (ذهب)، (١/ ٣٩٥)، وأساس البلاغة للزمخشري، مادة: (ذهب)، (ص/ ٢١٠).\n(^٤) انظر: المصادر السابقة.\n(^٥) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (ذهب)، (٢/ ٣٦٢)، ولسان العرب، مادة: (ذهب)، (١/ ٣٩٥).","vol":"1","page":56},{"text":"الجَوْدُ (^١)، والجَوْدُ: المطرُ الغزيرُ (^٢)؛ لأنَّ بالمطرِ تنضر الأرضُ والنباتُ.\nوجمعُ ذِهبة ذِهَاب (^٣)، قالَ ذو الرُّمة (^٤):\nحواءُ فرحاءُ أشراطيةٌ وَكَفَتْ ... منها الذهاب وحفتها البراعيمُ (^٥)\nيقولُ ابنُ فارسٍ عن المعنى الأولِ: \"فهذا معظمُ البابِ\" (^٦).\nالثاني: المضيُّ، أو السيرُ، أو المرورُ (^٧). يُقالُ: ذَهَبَ يَذْهَبُ ذَهَابًا، وذُهُوبًا (^٨).\nوذَهَبَ فعلٌ لازمٌ، ويتعدى بالحرفِ، يُقالُ: ذَهَبَ فلانٌ مَذْهَبًا حَسَنًا،\n_________\n(^١) انظر: المصدرين السابقين، وتهذيب اللغة، مادة: (ذهب)، (٦/ ٢٦٣)، والمحيط في اللغة لابن عباد، مادة: (ذهب)، (٣/ ٤٦٨)، والقاموس المحيط، مادة: (ذهب)، (ص/ ١١١).\n(^٢) انظر: القاموس المحيط، مادة: (جود)، (ص/ ٣٥١).\n(^٣) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (ذهب)، (٢/ ٣٦٢)، ولسان العرب، مادة: (ذهب)، (١/ ٣٩٥)، والقاموس المحيط، مادة: (ذهب)، (ص/ ١١١).\n(^٤) هو: غيلان بن عقبة بن بُهيس - وجاء في بعض المصادر: بهيش - بن مسعود بن حارثة المضري، أبو الحارث، المعروف بذي الرُّمة - الرُّمة: الحبل البالي، والرِّمة: العظم البالي - أحد فحول الشعراء، له مدائح في الأمير بلال بن أبي بردة، وكان أحد عشاق العرب المشهورين بذلك، توفي بأصبهان كهلًا سنة ١١٧ هـ. انظر ترجمته في: طبقات فحول الشعراء للجمحي (٢/ ٥٣٤)، والشعر والشعراء لابن قتيبة (١/ ٥٢٤)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ١١)، وسير أعلام النُّبَلاء (٥/ ٢٦٧)، وخزانة الأدب للبغدادي (١/ ١٠٦).\n(^٥) ديوان ذي الرمة (١/ ٣٩٩). وذكر البيت: ابنُ فارس في: مقاييس اللغة (٢/ ٣٦٢)، وابنُ منظور في: لسان العرب (١/ ٣٩٦).\nيقول أبو نصر أحمد بن حاتم الباهلي في كتابه: شرحِ ديوان ذي الرمة (١/ ٣٩٩ - ٤٠٠): \"والحوة: خفرة شديدة تضرِب إِلى السواد. فرحاء: فيها نَوْر، وزهر أبيض، كقرحة الفرس، وهو مَثَل، والقرحة: بياض في وجه الفرس. أشراطية: مطرت بنوء الشرطين، وكَفَت: قطرت، والذهاب: الأمطار فيها ضعف، حفتها: أحاطت بها، والبراعيم: أكمة الزهر قبل أن ينشق\".\n(^٦) مقاييس اللغة، مادة: (ذهب)، (٢/ ٣٦٢).\n(^٧) انظر: الصحاح، مادة: (ذهب)، (١/ ١٣٠)، ومقاييس اللغة، مادة: (ذهب)، (٢/ ٣٦٢)، ولسان العرب، مادة: (ذهب)، (١/ ٣٩٣).\n(^٨) انظر: المصادر السابقة.","vol":"1","page":57},{"text":"وذَهَبَ عليَّ كذا، أيْ: نسيته، وذَهَبَ الرجلُ في القومِ، أيْ: ضلَّ، وفلانٌ يَذْهَبُ إِلى قولِ أبي حنيفةَ، أيْ: يأخذُ به (^١).\nوالمَذْهَبُ: سيرةُ الرجلِ، ومعتقدُه (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>تعريف التمذهب في اللغة:</span>\nذكرتُ في صدرِ المطلبِ أنَّ التمذهبَ مصدرٌ مِن الفعلِ: (تمذهب)، ووزنُه (تَمَفْعَل)، وقد جاءَ في لغةِ العرب ولسانِهم أفعالٌ على هذا الوزن، مثل: تمسكن وتمدرع وتمندل وتمنطق (^٣).\nيقول سيبويه (^٤) عن وزنِ (تَمَفْعَل): \"وقد جاء (تَمَفْعَل)، وهو قليلٌ، قالوا: تَمَسْكَنَ، وتَمَدْرَعَ\" (^٥).\nويدلُّ الوزنُ (تَمَفْعَل) على: الإِظهارِ، والأخذِ (^٦).\n_________\n(^١) انظر: أساس البلاغة للزمخشري، مادة: (ذهب)، (ص/ ٢١٠).\n(^٢) انظر: لسان العرب، مادة: (ذهب)، (١/ ٣٩٤)، وشمس العلوم للحميري، مادة: (ذهب)، (٤/ ٢٣٠٤)، والقاموس المحيط، مادة: (ذهب)، (ص / ١١١)، والكليات للكفوي (ص/ ٨٦٨).\n(^٣) انظر: العين للخليل (٥/ ٤١٠)، والصحاح، مادة: (ندل)، (٥/ ١٨٢٨)، والممتع في التصريف لابن عصفور (١/ ٢٤١ - ٢٤٢)، وارتشاف الضرب لأبي حيان (١/ ١٧١).\n(^٤) هو: عمرو بن عثمان بن قَنْبَر، أبو بشر، وأبو الحسن الفارسي ثم البصري، مولى بني الحارث بن كعب، المعروف بسيبويه، طلب الفقه والحديث مدةً، ثم أقبل على العربية، أخذ النحو عن الخليل بن أحمد، ولازمه، وكان الخليل يقول لسيبويه إِذا أقبل إِليه: \"مرحبًا بزائر لا يُمل\"، كان إِمام البصريين، وأحد أعلام النحو البارعين، بل أعلم المتقدمين والمتأخرين به، جرت بينه وبين عدد من النحاة مناظرات، كان في لسانه حبسة، وقلمه أبلغ من لسانه، وسيبويه لقب، قيل في معناه: رائحة التفاح، من مؤلفاته: الكتاب، وهو أشهرها، توفي بشيراز سنة ١٨٠ هـ وقيل: بالبصرة سنة ١٦١ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السَّلام للخطيب (١٤/ ٩٩)، وإرشاد الأريب لياقوت (٥/ ٢١٢٢)، وإنباه الرواة للقفطي (٢/ ٣٤٦)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٤٦٣)، وسير أعلام النُّبَلاء (٨/ ٣٥١)، والبلغة للفيروزابادي (ص/ ١٦٣)، وبغية الوعاة للسيوطي (٢/ ٢٢٩).\n(^٥) الكتاب (٤/ ٢٨٦).\n(^٦) انظر: المفراح في شرح مراح الأرواح لحسن باشا (ص/ ٥٧)، ومحيط المحيط للبستاني، مادة: (ذهب)، (ص/ ٣١٢).","vol":"1","page":58},{"text":"فمعنى تمذهبَ بكذا: اتَّبعه واتخذه مذهبًا (^١).\nوذَكَرَ مؤلِّفُ كتاب: (محيط المحيط) (^٢) أنَّ أكثرَ استعمالِ (تمذهب) في الأديانِ، وقد تستعمَلُ في غيرِها مِنْ مطلقِ الآراءِ.\nوما ذكره محلُّ نظرٍ، ولو ادُّعِيَ العكس لما كان بعيدًا عن الصوابِ.\nوذَهَبَ جمعٌ مِن العلماءِ مِنْ أهلِ اللغةِ إِلى أنَّ الوزنَ (تَمَفْعَل) شاذٌّ (^٣).\nوهذا محلُّ نظرٍ؛ فقد صرَّحَ كلٌّ مِن ابنِ عصفور (^٤)، وأبي حيان (^٥) بهذا الوزنِ، ولم يشيرا إِلى شذوذِه، وتقدمَ لنا كلامُ سيبويه قبلَ قليلٍ.\n_________\n(^١) انظر: محيط المحيط للبستاني، مادة: (ذهب)، (ص/ ٣١٢).\n(^٢) انظر: مادة: (ذهب)، (ص/ ٣١٢).\n(^٣) انظر: سر صناعة الإِعراب لابن جني (١/ ٤٣٣)، والمنصف له (١/ ٨٩)، والصحاح، مادة: (ندل)، (٥/ ١٨٢٨)، والأصول في النحو للسراج البغدادي (٣/ ٢٣٧)، ودقائق التصريف لأبي القاسم المؤدب (ص/ ٣٥٦)، والمفصل في صنعة الإِعراب للزمخشري (ص/ ٣٥٨)، والإِيضاح في شرح المفصل لابن الحاجب (١/ ٦٩٩)، والصفوة الصفية للنيلي (ج ٢/ ق ٢/ ٥٧٧)، وشرح سنن أبي داود للعيني (٦/ ٣٧١).\n(^٤) انظر: الممتع في التصريف (١/ ٢٤١ - ٢٤٢). وابن عصفور هو: عليّ بن مؤمن بن محمد بن عليّ بن أحمد الحضرمي الإِشبيلي، أبو الحسن، المعروف بابن عصفور، ولد سنة ٥٩٧ هـ ترقى في دراسة العلم، فكان من علماء العربية، وحامل لوائها بالأندلس، وقد لزم الأستاذ أبا عليّ الشلوبين، واشتغل به عشر سنوات، وختم عليه كتاب سيبويه، وكان من أصبر الناس على المطالعة، لا يمل منها، من مولفاته: الممتع في التصريف، والمقرب، وشرح الجمل، وشرح الحماسة، توفي سنة ٦٦٩ هـ وقيل: سنة ٦٦٣ هـ. انظر ترجمته في: الوافي بالوفيات للصفدي (٢٢/ ٢٦٥)، وفوات الوفيات لابن شاكر (٣/ ١٠٩)، والبلغة للفيروزابادي (ص/ ١٦٠)، وبغية الوعاة للسيوطي (٢/ ٢١٠)، وشذرات الذهب لابن العماد (٧/ ٥٧٥).\n(^٥) انظر: ارتشاف الضرب (١/ ١٧١). وأبو حيان هو: محمد بن يوسف بن عليّ بن يوسف بن حيان الأندلسي الغرناطي، أثير الدين أبو حيان النفزي - نسبة إِلى قبيلة من قبائل البربر - ولد بمَطَخْشارَشَ - مدينة مسورة من أعمال غرناطة - سنة ٦٥٤ هـ كان فريد عصره، وشيخ زمانه، من أئمة اللغة والنحو والصرف، مفسرًا لكتاب الله، عارفًا بالقراءات والحديث والأدب والتاريخ، وشدا طرفًا صالحًا في الفقه الشَّافعي، وقيل: إِنه ظاهري المذهب، وقد أقرأ النحوَ =","vol":"1","page":59},{"text":"ويقولُ ابنُ جني (^١): \"جاءَ: (تمسْكنَ)، و(تمدْرعَ)، و(تمنطقَ)، و(تمندلَ)، و(تمخرقَ)، وكان يُسمَّى محمدًا، ثمَّ تَمَسْلَم، أيْ: صار يُسمَّى مُسْلِمًا، ومرحبك الله ومسهلك.\nفتحملوا -: أيْ: العرب - ما فيه تَبْقِيَة الزائد مع الأصلِ في حالِ الاشتقاقِ؛ كلُّ ذلك توفيةً للمعنى، وحراسةً له، ودلالةً عليه؛ أَلا تراهم إِذ قالوا: تدرَّع، وتسكَّن - وانْ كانت أقوى اللغتين عند أصحابِنا - فقد عرَّضوا أنفسَهم لئلا يُعرفَ غرضُهم: أمِن الدرعِ والسكونِ، أم من المدرعة والمَسكنة؟ وكذلك بقية الباب.\nففي هذا ... حرمة الزائد في الكلمة عندهم حتى أقروه إِقرارَ الأصولِ\" (^٢).\n_________\n= في حياة شيوخه؛ لتقدمه فيه، واشتهر اسمُه، وطار صيته، وأخذ عنه أكابر عصره، وكان يقبل على الطلبة الأذكياء، يقول عنه الصفدي: \"لم أره قط إِلَّا يسمع، أو يشتغل، أو يكتب، أو ينظر في كتاب\"، ألف كتبًا كثيرةً، منها: البحر المحيط في التفسير، والتذييل والتكميل في شرح التسهيل، ومنهج السالك في الكلام على ألفية ابن مالك، وارتشاف الضرب من لسان العرب، والنافع في قراءة نافع، توفي سنة ٧٤٥ هـ. انظر ترجمته في: الوافي بالوفيات للصفدي (٥/ ٢٦٧)، وفوات الوفيات لابن شاكر (٤/ ٧١)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٩/ ٢٧٦)، وطبقات الشافعية للإِسنوي (١/ ٤٥٧)، وبغية الوعاة للسيوطي (١/ ٢٨٠)، وطبقات المفسرين للداودي (٢/ ٢٨٧)، وشذرات الذهب لابن العماد (٨/ ٢٥١)، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ ٨٠٦).\n(^١) هو: عثمان بن جني الرومي الموصلي، أبو الفتح، المعروف بابن جني، ولد قبل ٣٣٠ هـ من أئمة اللغة العربية، وأحد النحاة المشهورين، ومن أحذق أهل الأدب، وأعلمهم بالنحو والصرف، لزم أبا عليّ الفارسي دهرًا، وتبعه في أسفاره، واستوطن بغداد، ودرَّس بها العلم إِلى أن مات، تخرج به العلماء الكبار، من مؤلفاته: سر صناعة الإِعراب، والخصائص، والمقصور والممدود، فيعراب الحماسة، توفي سنة ٣٩٢ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السَّلام للخطيب (١٢/ ٢٠٥)، ونزهة الألباء للأنباري (ص/ ٢٤٤)، وإرشاد الأريب لياقوت (٤/ ١٥٨٥)، وإِنباه الرواة للقفطي (٢/ ٣٣٥)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٢٤٦)، وسير أعلام النُّبَلاء (١٧/ ١٧)، والبلغة للفيروزابادي (ص/ ١٤١)، وبغية الوعاة للسيوطي (٢/ ١٣٢).\n(^٢) الخصائص (١/ ٢٢٩). وقارن بسر صناعة الإِعراب لابن جني (١/ ٤٣٣).\nوقد علَّق الدكتورُ شوقي ضيف في كتابه: تيسيرات لغوية (ص/ ٩٩ - ١٠٠) على كلام ابن جني =","vol":"1","page":60},{"text":"وأيضًا: يشهدُ لوزنِ: (تَمَفْعَل): حديثٌ، وأثرٌ:\nأمَّا الحديثُ: فقولُه - ﷺ - (الصلاةُ مثنى مثنى، في كلِّ تشهدٍ ركعتين، وتخشَّع وتضرَّع وتَمَسْكَن، وتُقْنِعُ يديك (^١» (^٢).\n_________\n= السابق، قائلًا: \"وابنُ جني لا يثبتُ في هذه الأمثلة صيغةَ: (تمفعل) فحسب، بلْ يضيف احتجاجًا لها ذا شقين: أمَّا الشق الأول: أنَّ العرب لجأتْ إِلى هذه الصيغة للتفرقة بين دلالتين: دلالة الفعل المشتق من الحروف الأصلية، ودلالة الفعل المشتق منها ومما زيد معها من الميم.\nويوضح ابنُ جني ذلك في الفعلين: تمدرع وتمسكن، فإنَّ دلالة مجرّدِهما من الميم: (تدرَّع وتسكَّن) تغايرُ دلالة المزيد؛ فتدرّع: لبس درع الحرب، وتمدرع: لبس مدرعةً أو قميصًا من الصوف؛ وتسكَّن: من السكون، ضد الحركة، وتمسكن: من المسكنة، أي: الفقر ... وواضح أنَّ صيغة: (تمفعل) في الأمثلة كلها تعبِّر عن دلالة خاصة، بجانب دلالة الفعل قبل زيادة الميم ...\nويكمل ابن جني احتجاجه للصيغة الَّتي بنيت على أساسها هذه الأفعال - وهي صيغة: (تمفعل) - فيقول: إِن للحرف الزائد في الكلمة عند العرب، كحرف الميم في هذه الصيغة ما للحرف الأصلي من حُرمة الاشتقاق، وواضحٌ في الاحتجاج أنَّ العرب تصنع ذلك حين تريد التعبير عن دلالات جديدة بجانب دلالة الكلمة مجرَّدة، مما يجعل الحرف الزائد في الألفاظ يأخذ حكم الحروف الأصلية! .\n(^١) (تقنع يدبك) أي: ترفعهما حال الدعاء. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (ص/ ٧٧٤)، وتحفة الأحوذي للمباركفوري (١/ ٦٨١)، وفيض القدير للمناوي (٤/ ٢٢٢).\n(^٢) جاء الحديث من طريق: الليث بن سعد، حدَّثنا: عبدربه بن سعيد، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الله بن نافع ابن العمياء، عن ربيعة بن الحارث، عن الفضل بن العبَّاس - ﵄ -، وأخرجه: البخاري في: التاريخ الكبير (٣/ ٢٨٤) معلَّقًا، وقال بعده: \"وهو حديث لا يتابع عليه، ولا يعرف سماع هؤلاء بعضهم من بعض\". والترمذي في: جامعه، كتاب: مواقيت الصلاة عن النبي، باب: ما جاء في التخشع في الصلاة (ص/ ١٠٤)، برقم (٣٨٥)؛ والنسائي في: السنن الكبرى، كتاب: السهو، باب: في نقصان الصلاة (١/ ٣١٧)، برقم (٦١٨)، وفي: كتاب: أبواب الوتر، باب: كيف الرفع؟ (٢/ ١٧٥)، برقم (١٤٤٤)؛ وأحمد في: المسند (٣/ ٣١٥)، برقم (١٧٩٩)، و(٢٩/ ٦٨) برقم (١٧٥٢٥)؛ وأبو يعلى في: مسنده (١٢/ ١٠١)، برقم (٦٧٣٨)؛ وابن خزيمة في: صحيحه، كتاب: جماع أبواب التطوع، باب: ذكر الأخبار المنصوصة والدالة على خلاف قول من زعم أنْ تطوع النهار أربعًا لا مثنى (٢/ ٢٢١)، برقم (١٢١٣)؛ والطحاوي في: شرح مشكل الآثار، باب: بيان مشكل ما روي عن رسول الله في الصلاة الَّتي سماها خداجًا ما هي؟ (٣/ ١٢٤)، برقم (١٠٩٢، ١٠٩٥)؛ والعقيلي في: الضعفاء (٣/ ٣٨٤)؛ والطَّبراني في: المعجم الكبير (١٨/ ٢٩٥)، برقم =","vol":"1","page":61},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= (٧٥٧)؛ وفي: المعجم الأوسط (٨/ ٢٧٨)، برقم (٨٦٣٢)، وقال: \"لم يجوَّد إِسنادَ هذا الحديث أحدٌ ممن رواه عن عبد ربه بن سعيد إِلَّا الليث، ورواه شعبة: عن عبد ربه بن سعيد، فاضطرب في إِسناده\". وفي: الدعاء، باب: الأمر بالتضرع والتخشع والتمسكن في الدعاء (٢/ ٨٢٨)، برقم (٢١٠)، وقال: \"ضبط الليثُ إِسنادَ هذا الحديث، ووَهِم فيه شعبة\". والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: الصلاة، باب: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى (٢/ ٤٨٨ - ٤٨٧). وخالف شعبةُ الليثَ بن سعد، فرواه عن عبد الله بن الحارث، عن المطلب بن ربيعة عن النبي، وأخرج الحديثَ من طريق شعبة: أبو داود في: سننه، كتاب: الصلاة، باب: في صلاة النهار (ص/ ٢٠١)، برقم (١٢٩٦)؛ والنسائي في: السنن الكبرى، كتاب: السهو، باب: في نقصان الصلاة (١/ ٣١٨)، برقم (٦١٩)، وفي: كتاب: أبواب الوتر، باب: كيف الرفع؟ (٢/ ١٧١)، برقم (١٤٤٥)، وقال: \"ما نعلم أحدًا روى هذا الحديث غير الليث وشعبة على اختلافهما فيه\". وابن ماجة في: سننه، كتاب: إِقامة الصلاة والسُّنَّة فيها، باب: ما جاء في صلاة الليل والنهار مثنى مثنى (ص/ ٢٣٤)، برقم (١٣٢٥)؛ والطيالسي في: مسنده (٢/ ٧٠٦)، برقم (١٤٦٣)؛ وأحمد في المسند: (١٩/ ٦٦)، برقم (١٧٥٢٣)؛ وابن أبي عاصم في: الآحاد والمثاني (١/ ٣٥٦ - ٣٥٧)، وقال: \"هذا حديث فيه اختلاف\". وابن خزيمة في: صحيحه، كتاب: جماع أبواب التطوع، باب: ذكر الأخبار المنصوصة والدالة على خلاف قول من زعم أنْ تطوع النهار أربعًا لا مثنى (٢/ ٢٢٠)، برقم (١٢١٢)؛ والطحاوي في: شرح مشكل الآثار، باب: بيان مشكل ما روي عن رسول الله في الصلاة الَّتي سماها خداجًا ما هي؟ (٣/ ١٢٤)، برقم (١٠٩٢، ١٠٩٣)؛ والعقيلي في: الضعفاء (٣/ ٣٨٤)، وقال عن إِسناد رواية الليث، ورواية شعبة: \"وفي الإِسنادين جميعًا نظرٌ\" والطَّبراني في: الدعاء، باب: الأمر بالتضرع والتخشع والتمسكن في الدعاء (٢/ ٨٢٩)، برقم (٢١١)؛ والدارقطني في: سننه، كتاب: الصلاة، باب: صلاة النافلة في الليل والنهار (٢/ ٢٨٩)، برقم (١٥٤٨).\nوقد رجح جمعٌ من المحدِّثين روايةَ الليث، وأن شعبة أخطأ في إِسناده، قال الترمذيُّ في: جامعه (ص/ ١٥٤): \"سمعت محمد بن إِسماعيل يقول: روى شعبةُ هذا الحديث عن عبد ربه بن سعيد، فاخطأ في مواضع: فقال: \"عن أنس بن أبي أنس\"، وهو عمران ابن أبي أنس، وقال: \"عن عبد الله بن الحارث\"، وإنما هو عبد الله بن نافع ابن العمياء، عن ربيعة بن الحارث، وقال شعبة: \"عن عبد الله بن الحارث، عن المطلب، عن النبي\"، وإنما هو عن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب عن الفضل بن عبَّاس عن النبي. قال محمد: وحديث الليث بن سعد صحيح، يعني: أصح من حديث شعبة\".\nوقال البخاري في: التاريخ الكبير (٥/ ٢١٣) عن الحديث: \"لم يصح حديثه\". =","vol":"1","page":62},{"text":"وأمَّا الأثرُ: فما جاءَ عن عمرَ بنِ الخطابِ - ﵁ -، قال في كتابِه الَّذي أرسله إِلى أبي عثمان النهدي (١): (اخشوشنوا\n_________\n= وانظر: المعرفة والتاريخ للفسوي (٢/ ٢٠٢)، وشرح مشكل الآثار للطحاوي (٣/ ١٢٦ - ١٢٧).\nوقال أبو حاتم الرَّازي في: العلل (٢/ ٢٢٠) عن الحديث: \"حديث الليث أصح؛ لأنَّ أنس بن أبي أنس لا يُعرف\"، وقال في: المصدر السابق (٢/ ٢٧٠): \"ما يقول الليث أصح؛ لأنَّه قد تابع الليث عمرو بن الحارث، وابنُ لهيعة، وعمر والليث كانا يكتبان، وشعبة صاحب حفظ\"، ثم قال عن الحديث: \"حسن\".\nوأخرج رواية ابن لهيعة: الطحاوي في: شرح مشكل الآثار، باب: بيان مشكل ما روي عن رسول الله في الصلاة الَّتي سماها خداجًا ما هي؟ (٣/ ١٢٦)، برقم (١٠٩٦)؛ وأبو بكر الشَّافعي في: الغيلانيات (١/ ٣٩٦)، برقم (٤٣٩).\nوقال عبد الله بن الإِمام أحمد في المسند (٢٩/ ٦٨) بعد رواية الليث: \"هذا هو الصواب عندي\".\nوقال الخطابي في: معالم السنن (٢/ ٨٧): \"وأصحاب الحديث يُغلِّطون شعبة في رواية هذا الحديث\".\nوقال ابن عبد البر في: التمهيد (٥/ ٦٢٨) عن رواية الليث: \"إِسنادٌ مضطرب ضعيفٌ، لا يحتج بمثله؛ رواه شعبة على خلاف ما رواه الليث\".\nوقد ضعف الألبانيُّ الحديثَ في: تعليقه على السنن في المواضع السابقة.\nوحسَّن الحديثَ السيوطيُّ كما في: فيض القدير للمناوي (٤/ ٢٢٢)، لكن مدار الحديث على عبد الله بن نافع ابن العمياء، قال عنه ابن حجر في: تقريب التهذيب (ص/ ٣٨٥): \"مجهول\".\n(١) هو: عبد الرَّحمن بن مل - بتثليث الميم - بن عمرو القضاعي بن عمرو بن عدي بن وهب بن ربيعة القضاعي، ويُعْرَف بأبي عثمان النهدي، أصله من الكوفة، ولما قُتل الحسين بن عليّ تحول إِلى البصرة، وهو مخضرم؛ إِذ أدرك الجاهلية، وأسلم على عهد رسول الله - ﷺ -، ولم يلقه، كان إِمامًا حجةً ثقةً صالحًا كثير العبادة، حسن القراءة، شيخ وقته، لزم سلمان الفارسي - ﵁ -، فصحبه اثنتي عشرة سنة، وقد روى عن عدد من الصحابة - ﵃ -، منهم: عمر بن الخطاب، وأبي بن كعب، وجابر بن عبد الله، وابن عباس، وابن مسعود، وروى عنه: ثابت البناني، وأيوب السختياني، وحميد الطويل، توفي سنة ٩٥ هـ وقيل: سنة ١٠٠ هـ وهو ابن مائة وثلاثين سنة. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٧/ ٩٧)، وتاريخ مدينة السَّلام للخطيب (١١/ ٤٩٥)، وتهذيب الكمال للمزي (١٧/ ٤٢٤)، وسير أعلام النُّبَلاء (٥/ ١٧٥)، وتهذيب التهذيب لابن حجر (٢/ ٥٥٥)، وتقريب التهذيب له (ص/ ٤١٢)، وشذرات الذهب لابن العماد (١/ ٤٠٤).","vol":"1","page":63},{"text":"وتمعددوا (١) ...) (٢).\nوذَهَبَ جمعٌ مِنْ أهلِ اللغةِ إِلى أنَّ الوزنَ (تَمَفْعَل) ملحقٌ (٣) بالرباعي\n_________\n(١) معنى: \"تَمَعْدَدوا\"، أي: تشبهوا بعيش معد بن عدنان في تقشفهم وخشونة عيشهم، وكانوا أهل غلظ وقشف، أي: كونوا مثلهم، ودعوا التنعم. وقيل: معنى: \"تمعدد\": الغلظ، يُقال للغلام إِذا شبَّ وغلظ: قد تمعدد. انظر: الفائق في غريب الحديث للزمخشري مادة: (فرق)، (٣/ ١٠٥)، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير، مادة: (معد)، (ص/ ٨٧٥)، وفيض القدير للمناوي (٣/ ٢٦٨).\n(٢) أخرج أثر عمر بن الخطاب - ﵁ -: أبو عوانة في: المستخرج (٥/ ٢٣١)، برقم (٨٥١٤)، وصحح ابنُ مفلح في: الفروع (٢/ ٨٧)، ومحمد السفاريني في: غذاء الألباب (٢/ ٣٤١) إِسنادَ رواية أبي عوانة؛ وأبو القاسم البغوي في: الجعديات (١/ ٣٠٣)، برقم (١٠٠١)؛ والطحاوي في: شرح مشكل الآثار، باب: بيان مشكل ما روي عن رسول الله - ﷺ - من قوله: (أما أنا فلا آكل متكئًا) (٥/ ٣٣٩)؛ وفي شرح معاني الآثار، كتاب: الكراهية، باب: الشرب قائمًا (٤/ ٢٧٥)؛ والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: السبق، باب: التحريض على الرمي (١٠/ ١٤).\nوقال تقيُّ الدين بن تيمية في: اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٢٧٨) عن أثر عمر - ﵁ -: \"هذا مشهور محفوظ عن عمر - ﵁ -\".\nوأخرج ابن أبي شيبة في: المصنّف، كتاب: فضائل القرآن، باب: ما جاء في إِعراب القرآن (١٥/ ٤٣٣)، برقم (٣٠٥٣٤) عن عمر بن زيد قال: كتب عمر إِلى أبي موسى: (أما بعد: فتفقهوا في السنن ... وتمعددوا).\nوقد جاء حديث عن النبي - ﷺ -، ولفظه: (تمعددوا واخشوشنوا)، وهو ضعيف جدًّا؛ إِذ مدار الحديث على عبد الله بن سعيد المقبري، وهو ضعيف جدًّا. انظر: تخريج إِحياء علوم الدين للعراقي (٢/ ٦٧٢)، ومجمع الزوائد للهيثمي (٥/ ١٣٦)، وفيض القدير للمناوي (٣/ ٢٦٨)، وكشف الخفاء للعجلوني (١/ ٣٧٨)، وسلسلة الأحاديث الضَّعيفة للألباني (٧/ ٤٢٦).\nوهنا أثر آخر عن أبي هريرة - ﵁ - قال: (دارُ المؤمنِ في الجنة لؤلؤة فيها شجرةٌ تنبتُ بالحلل، فياخذُ الرجلُ بأصبعيه حلةً متمنطقة باللؤلؤِ والمرجان)، ولم أذكره في الصلب؛ لأنَّه ورد في بعض المصادر بلفظ: (منطقة). وأخرجه: ابن أبي الدنيا في: صفة الجنة برقم: (١٥١)؛ وابن المبارك في: الزهد، برقم (٢٦٢)؛ وابن أبي شيبة في: المصنِّف، كتاب: صفة الجنة والنار، باب: ما ذكر في صفة الجنة وما فيها وما أعد لأهلها (١٨/ ٤٥٧)، برقم (٣٤١٧٤).\nوانظر: حادي الأرواح لابن القيم (١/ ٤٣٥).\n(٣) الإِلحاق عند الصرفيين: جعل لفظ على مثال لفظ آخر ليعامل معاملته.\nوعرَّفه العيني في: شرحه للمراح (ص/ ٤٩) بقوله: \"هو: جعل مثال على مثال أزيد منه ليعامل معاملته\" قال: أي ليوازن موازنته.","vol":"1","page":64},{"text":"المزيدِ فيه حرف واحد (١).\nوتعقب هذا الشَّيخ محمد الاستراباذي (٢)، فقال: \"وفي عدِّ النحاة (تَمَدْرع) و(تَمَنْدل) و(تَمَسْكن) مِن الملحقِ نظرٌ، وإِنْ وافقتْ تَدَحْرَجَ في جميع التصاريف؛ وذلك لأنَّ زيادةَ الميمِ فيها ليستْ لقصدِ الإِلحاق، بلْ هي مِنْ قبيلِ التوهمِ والغلطِ، ظنَّوا أنَّ ميمَ منديل ومسكين ومدرعة فاء الكلمة، كقاف قنديل ودال درهم، والقياسَ تدرع وتندّل وتسكّن ... فتَمَدْرع وتَمَنْدل وتَمَسْكن، وإِنْ كافتَ على تَمَفعَل في الحقيقةِ، لِكن في توهم تَفَعْلَلَ\" (٣).\n* * *\n_________\n(١) انظر: المفصل في صنعة الإِعراب للزمخشري (ص/ ٣٧٥ - ٣٧٦)، وشرح المفصل في صنعة الإِعراب للخوارزمي (٣/ ٣٣٦)، وارتشاف الضرب لأبي حيان (١/ ١٧١)، والمفراح في شرح مراح الأرواح لحسن باشا (ص/ ٥٧)، والمزهر في علوم اللغة للسيوطي (٢/ ٤١)، وتاج العروس، مادة: (سكن)، (٣٥/ ٢٠٢).\n(٢) هو: محمد بن الحسن الرضي الاستراباذي، نجم الدين، ونجم الأئمة، ولد سنة ٦٢٤ هـ من علماء النحو والصرف، ومؤلفاته دالة على سعة علمه، منها: شرح كافية ابن الحاجب، وشرح شافية ابن الحاجب، يقول جلال الدين السيوطي عن شرح الرضى للكافية: \"الَّذي لم يُؤلف على الكافية - بل ولا في غالب كتب النحو - مثلها جمعًا وتحقيقًا وحسن تعليل\"، توفي سنة ٦٨٦ هـ أو: ٦٨٤ هـ. انظر ترجمته في: بغية الوعاة للسيوطي (١/ ٥٦٧)، وخزانة الأدب للبغدادي (١/ ٢٨)، والأعلام للزركلي (٦/ ٨٦).\n(٣) شرح شافية ابن الحاجب (١/ ٦٨). وانظر: الصحاح، مادة: (سكن)، (٥/ ٢١٣٧).\nولمزيد من التوسع في صيغة: (تمفعل) انظر: تيسيرات لغوية للدكتور شوقي ضيف (ص/ ٩٨ - ١٠٢)، وآراء ابن بري التصريفية للدكتور فراج الحمد (١/ ٣٧٩ - ٣٨٠).","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>المطلب الثاني: تعريف التمذهب في الاصطلاح</span>\nكما بيّنتُ المعنى اللغوي للمذهبِ حين عرضت تعريفَ التمذهبِ في اللغةِ، فإِنِّي - قبل سياق التعريف الاصطلاحي للتمذهب - سأُوردُ التعريفَ الاصطلاحي للمذهبِ، وأنتقلُ بعده إِلى ذكرِ التعريفِ الاصطلاحي للتمذهبِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>تعريف المذهب اصطلاحًا:</span>\nاهتمَّ العلماءُ ببيانِ المعنى الاصطلاحي للمذهبِ، وتعدّدتْ عباراتُهم في تحديدِه، فمِنْ تلك التعريفات:\nالتعريف الأول: أنَّ مذهب الإِنسان هو: اعتقادة.\nذَهَبَ إِلى هذا التعريفِ: أبو الحسين البصري (١)، وأبو المظفرِ السمعافي (٢)، وغيرُهما.\nيقولُ أبو الحسين البصري: \"فمتى ظنَّنا اعتقادَ الإِنسان، أو عرفناه ضرورةً، أو بدليلِ مجملٍ، أو مفصَّلٍ: قلنا: إِنَّه مذهبُه، ومتى لم نظنّ ذلك، ولم نعلمْه، لم نقلْ: إِنَّه مذهبُه\" (٣).\nويُشْكِل على هذا التعريفِ: أنَّه قَصَرَ المذهبَ على ما اعتقدُه الإِنسانُ، دونَ ما ظنَّه، أو غَلَبَ على ظنِّه، والمجزومُ به شمول مصطلحِ المذهبِ لما اعتقده الإِنسان، ولما ظنّه، ولما غَلَبَ على ظنِّه.\n_________\n(١) انظر: المعتمد (٢/ ٨٦٥)، وشرح العمد (٢/ ٣٣٤).\n(٢) انظر: قواطع الأدلة (٥/ ٨٨).\n(٣) المعتمد (٢/ ٨٦٥).","vol":"1","page":66},{"text":"وقد يُقَالُ ليس المرادُ بالاعتقادِ هنا الحكمَ الجازمَ المرادفَ لليقين، بَل المرادُ مجرَّدُ الإِدراكِ، سواء أكان علمًا، أم ظنًّا، أم شكًّا، أم تقليدًا (^١).\nالتعريف الثاني: ما قاله المجتهدُ بدليلِ، ومات قائلًا به.\nذَهَبَ إِلى هذا التعريفِ: تقيُّ الدينِ بنُ تيمية (^٢)، والمرداويُّ (^٣)، وغيرهما.\nوقد حوى التعريف قيدًا، وهو عدمُ رجوعِ المجتهدِ عن قولِه، فلو رَجَعَ عنه، لما عُدَّ قائلًا به.\nالتعريف الثالث: ما قاله المجتهدُ، أو دلَّ عليه بما يجري مجرى القولِ، من تنبيهٍ، أو غيرِه.\nذَهَبَ إِلى هذا التعريفِ: أبو الخطابِ (^٤)، وابنُ مفلح (^٥)، وابنُ المبرد (^٦)، وغيرُهم.\nويتميّزُ هذا التعريف بتوسيعِ دائرةِ المذهبِ، فيشملُ القولَ، وما جرى مجراه.\n_________\n(^١) انظر: المحصول في أصول الفقه للرازي (١/ ٨٦)، والحاصل من المحصول (١/ ٢٣٢)، والتحصيل من المحصول (١/ ١٧)، ونفائس الأصول (١/ ١٩١).\n(^٢) انظر: المسودة (٢/ ٩٤٨).\n(^٣) انظر: التحبير (٨/ ٣٩٦٣).\n(^٤) انظر: التمهيد في أصول الفقه (٤/ ٣٦٨).\n(^٥) انظر: أصول الفقه (٤/ ١٥٠٩).\n(^٦) انظر: شرح غاية السول (ص/ ٤٣٥). وابن المبرد هو: يوسف بن حسن بن أحمد بن حسن بن عليّ بن أحمد بن عبد الهادي القرشي العدوي الدمشقي، أبو المحاسن جمال الدين، المشهور بابن المِبْرَد، ولد بدمشق سنة ٨٤٠ هـ وقيل ٨٤١ هـ كان عالمًا عاملًا محدثًا فقهيًا أصوليًا متقنًا، مشاركًا في النحو والتصريف والبيان والتفسير، جليل القدر، حنبلي المذهب، أفنى عمره بين العلم والعبادة، له مؤلفات كثيرة، منها: إِرشاد الحائر إِلى علم الكبائر، والإِغراب في أحكام الكلاب، وشرح غاية السول إِلى علم الأصول، ومقبول المنقول من علمي الجدل والأصول، توفي بدمشق سنة ٩٠٩ هـ. انظر ترجمته في: الضوء اللامع للسخاوي (١٠/ ٣٠٨)، وشذرات الذهب لابن العماد (١٠/ ٦٢)، والنعت الأكمل للغزي (ص/ ٦٧)، والسحب الوابلة لابن حميد (٣/ ١١٦٥)، وفهرس الفهارس والأثبات للكتاني (٢/ ١١٤١).","vol":"1","page":67},{"text":"التعريف الرابع: ما اعتقده المجتهدُ - جزمًا، أو ظنًا - بدليلٍ.\nذَكَرَ هذا التعريفَ تقيُّ الدينِ ابنُ تيميةَ في: (المسودة) (^١).\nويحتملُ قولُه: \"جزمًا، أو ظنًا\" أحدَ معنيين:\nالمعنى الأول: أنَّ الاعتقادَ قد يكون اعتقادًا جازمًا، وقد يكون اعتقادًا ظنيًا.\nالمعنى الثاني: أنّنا نجزمُ، أو نظنُّ أن هذا اعتقادُ المجتهدِ.\nالتعريف الخامس: ما نصَّ عليه الإِمامُ، أو أَوْمَأَ إِليه، أو خرَّجه أصحابُه، أو ما استنبطوه مِنْ قولِه، أو تعليلِه.\nذَكَرَ هذا التعريفَ ابنُ حمدان (^٢).\nوينفردُ التعريفُ الخامسُ عن التعريفاتِ السابقةِ بإدخاله ما خرّجه أتباعُ المذهبِ في تعريفِ المذهبِ.\nالتعريف السادس: ما ذَهَبَ إِليه الإِمامُ من الأحكامِ الاجتهاديةِ.\nوهذا تعريفُ محمد الحطاب (^٣)، وإِبراهيم اللقاني (^٤)، ومحمد\n_________\n(^١) انظر: (٢/ ٩٤٨).\n(^٢) انظر: صفة الفتوى (ص / ١١٣).\n(^٣) انظر: مواهب الجليل (١/ ٢٤). ومحمد الحطاب هو: محمد بن محمد بن عبد الرَّحمن بن حسن الرعيني المغربي، أبو عبد الله، المعروف بالحطَّاب، ولد بمكة سنة ٩٠٢ هـ من أئمة المالكية المتأخرين، كان علامةً فقهيًا حافظًا محققًا ثقةً نظارًا، صالحًا ورعًا متقنًا لعدة علوم، كالتفسير والحديث والأصول واللغة وغريبها، متصرفًا في الفنون تصرفًا تامًّا، له مؤلفات في مذهب المالكية جيدةٌ ونفسيةٌ، منها: مواهب الجليل شرح مختصر خليل، وتحرير الكلام في مسائل الالتزام، وقرة العين بشرح ورقات إِمام الحرمين، توفي سنة ٩٥٤ هـ. انظر ترجمته في: نيل الابتهاج للتنبكتي (ص/ ٥٩٢)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٢٧٠)، والفكر السامي للحجوي (٤/ ٢٧٠)، والأعلام للزركلي (٧/ ٥٨).\n(^٤) انظر: منار أصول الفتوى (ص/ ٢٢١). وإِبراهيم اللقاني هو: إِبراهيم بن إِبراهيم بن حسن بن عليّ بن عليّ اللقاني، برهان الدين أبو إِسحاق - وفي بعض المصادر: أبو الأمداد! - كان مالكي المذهب، فقيهًا أصوليًا، قوي النفس، عظيم الهيبة، متفقًا على جلالته، وعلو شأنه، أحد الأعلام المشار إِليهم بسعة العلم، والتبحر فيه، وقد أخذ العلم عن جماعةٍ من غيرِ =","vol":"1","page":68},{"text":"الدسوقي (^١)، وغيرهم.\nالتعريف السابع: ما اختصَّ به الإِمامُ مِن الأحكامِ الشرعيةِ الفروعيةِ الاجتهاديةِ، وما اختصَّ به من أسبابِ الأحكامِ، والشروطِ، والموانعِ، والحجاج المثبتة لها.\nوهذا تعريفُ شهابِ الدينِ القرافي (^٢)، وقد أفاضَ في شرحِه وتوجيهه (^٣).\nوقريبٌ منه تعريفُ أحمدَ الحموي (^٤)، إِذ عرَّفَ المذهبَ بأنَّه: ما\n_________\n= أرباب مذهبه، وتولى إِفتاء الناس، من مؤلفاته: جوهرة التوحيد، وقضاء الوطر من نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، وحاشية على مختصر خليل، ومنار أصول الفتوى وتواعد الإِفتاء بالأقوى، توفي سنة ١٠٤١ هـ. انظر ترجمته في: خلاصة الأثر للمحبي (١/ ١٦)، وفهرس الفهارس والأثبات للكتاني (١/ ١٣٠)، وتاريخ عجائب الآثار للجبرتي (١/ ١١٥)، وهدية العارفين للبغدادي (٥/ ٣٠)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٢٩١)، والفكر السامي للحجوي (٤/ ٢٧٧)، والأعلام للزركلي (١/ ٢٨).\n(^١) انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ١٩). ومحمد الدسوقي هو: محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي، أبو عبد الله شمس الدين، ولد بدسوق من قرى مصر، كان علامةً فهامة محقق عصره، ووحيد دهره، واحدًا من كبار علماء المذهب المالكي، وقد أتقن علم الهيئة والهندسة والتوقيت، تصدر للإِفتاء وللتدريس، وأتى بكل نفيس، كان فريدًا في تسهيل المعاني وتبيين المباني، يفك كل مشكل، من مؤلفاته: الحدود الفقهة، وحاشية على مغني اللبيب، وحاشية على الشرح الكبير للدردير، وحاشية على مختصر السعد، وحاشية على الرسالة الوضعية، توفي سنة ١٢٣٠ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ عجائب الآثار للجبرتي (٣/ ٤٩٦)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٣٦١)، والأعلام للزركلي (٦/ ١٧)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٨٢).\n(^٢) انظر: الإِحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام (ص/ ١٩٥).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (ص/ ١٩٢ - ٢٠٦).\n(^٤) هو: أحمد بن محمد الحسيني الحموي الأصل، أبو العبَّاس شهاب الدين المصري، من محققي الحنفية، ومدققيهم، كان فقيهًا أصوليًا، تولى إِفتاء الحنفية، والتدريس بالقاهرة، من مؤلفاته: غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر، والدر الفريد في بيان حكم التقليد، وكشف الرمز عن خبايا الكنز، وحكم الصلاة في السفينة، توفي سنة ١٠٩٨ هـ. انظر ترجمته في: عجائب الآثار للجبرتي (١/ ١١٤)، والأعلام للزركلي (١/ ٢٣٩)، ومعجم المؤلفين لكحالة (١/ ٢٥٩).","vol":"1","page":69},{"text":"اختصَّ به المجتهدُ مِن الأحكامِ الشرعيةِ الاجتهاديةِ، المستفادةِ مِن الأدلةِ الظنيةِ (^١).\nويتميّزُ التعريفانِ: السادسُ والسابعُ بنصِّهما على أنَّ المذهبَ إِنَّما يصدقُ على الأحكامِ الاجتهاديةِ، أمَّا الأحكام القطعية - كوجوب الصلاة والزكاة ونحوهما - فلا يسمَّى القول بها مذهبًا، فلا يُقالُ مثلًا: مذهبُ أحمدَ وجوبُ الصلاةِ أو وجوبُ الزكاةِ.\nيقولُ شهابُ الدينِ القرافيُّ: \"أَلا تَرَى أنَّه لو قالَ قائلٌ: وجوبُ الخمسِ صلوات في كلِّ يومِ هو مذهبُ مالكٍ، لَنَبَا عنه السمعُ، ونَفَرَ منه الطبعُ، وتُدْرِكُ بالضرورةِ فَرْقًا بين هذا القولِ، وبين قولنا: وجوبُ التدليكِ في الطهاراتِ مذهبُ مالكٍ، ووجوبُ الوترِ مذهبُ أبي حنيفة، ولا يتبادر إِلى الذهنِ إِلَّا هذا الَّذي وَقَعَ به الاختصاصُ، دونَ ما اشترك فيه السلفُ والخلفُ، والمتقدمون والمتأخرون\" (^٢).\nالتعريف الثامن: ما ذَهَبَ إِليه الإِمامُ، وأصحابُه مِن الأحكامِ في المسائلِ.\nوهذا تعريفُ الرملي الشَّافعي (^٣).\nويتميّزُ التعريفُ بإِدخالِه أقوال أصحابِ الإِمامِ في المذهبِ، وهذا\n_________\n(^١) غمز عيون البصائر (١/ ٤٦).\n(^٢) الإِحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام (ص/ ١٩٤ - ١٩٥)، بتصرف يسير.\n(^٣) انظر: نهاية المحتاج (١/ ٤٢). والرملي هو: محمد بن أحمد بن حمزة الرملي الأنصاري المصري، أبو العبَّاس شمس الدين، ولد بالقاهرة سنة ٩١٩ هـ كان أحد الفقهاء المحققين، وعمدة المذهب الشَّافعي في وقته، حتى لقب بالشافعي الصغير، وبأستاذ الأستاذين، وكان أحد أساطين العلماء، جمع الله له بين الحفظ والفهم، ولي منصب إِفتاء الشافعية، واشتهر اسمه بين علماء عصره، من مؤلفاته: نهاية المحتاج إِلى شرح المنهاج، وشرح البهجة الوردية، والغرر البهية في شرح المناسك النووية، وغاية البيان شرح زبدة الكلام، توفي بالقاهرة سنة ١٠٠٤ هـ. انظر ترجمته في: خلاصة الأثر للمحبي (٣/ ٣٢٨)، والأعلام للزركلي (٦/ ٧)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٦١).","vol":"1","page":70},{"text":"يتّفقُ مَعَ ما عليه عملُ أربابِ المذاهبِ مِنْ إِدخالِهم أقوالَ أصحابِ الإِمامِ في مسمَّى المذهبِ.\nولو أَبدلَ لفظَ: \"و\" بـ \"أو\" لكانَ أنسب؛ لئلا يفهمَ أحدٌ أنَّ المذهبَ لا يصدق إِلَّا على ما قال به الإِمامُ وأصحابُه معًا.\nالتعريف التاسع: المسائلُ الَّتي يقولُ بها المجتهدُ، أو الَّتي يستخرجها أتباعُه مِنْ قواعدِه.\nوهذا تعريفُ الشيخِ أحمدَ الهلالي (^١).\nالتعريف العاشر: المشهور من المذهب.\nذَكَرَ هذا التعريفَ الشيخُ عبدُ الله بن محمد بن عبد الوهاب (^٢).\n_________\n(^١) انظر: نور البصر (ص/ ١٢٩ - ١٣٥)، بواسطة محقق كتاب الطريقة المثلى في الإِرشاد إِلى تروك التقليد لأبي الخير القنوجي (ص/ ٢٢).\nوأحمد الهلالي هو: أحمد بن عبد العزيز بن رشيد الهلالي السجلماسي، أبو العبَّاس، ولد سنة ١١١٣ هـ كان فقيهًا مالكيًا نظارًا محدثًا متبحرًا في العلم، لغويًا متمكنًا مشاركًا في عدة فنون، علامة المنقول والمعقول بالمغرب، عُرِفَ بالورع والزهد، وشدة التمسك بالسنة والدين، من مؤلفاته: شرح على مختصر خليل، وفتح القدوس في شرح خطبة القاموس، ونور البصر في شرح المختصر، وشرح منظومة القادي في المنطق، والمراهم في الدراهم، توفي بمدغفرة تافيلالت سنة ١١٧٥ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الحضيكي (١/ ١١٦)، وفهرس الفهارس والأثبات للكتاني (٢/ ١٠٩٩)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٣٥٥)، والفكر السامي للحجوي (٤/ ٢٩٠)، والأعلام للزركلي (١/ ١٥١).\n(^٢) انظر: الدرر السنية (٤/ ١٨). وعبد الله بن محمد هو: عبد الله بن الشَّيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن عليّ بن محمد التميمي، ولد بالدرعية سنة ١١٦٥ هـ نشأ في بيت والده نشأةً دينية صالحة، وطلب العلم عليه، كان حنبلي المذهب، اشتغل بالبحث واستنباط المسائل، فبرز في الفقه والأصول والتفسير والحديث، كان تقيًا ورعًا ثبتًا مجاهدًا، وصار مرجعًا للعلماء في وقته، ثم بعد وفاة والده حل محله في الزعامة الدينية، ولما خربت الدرعية نُقِلَ إِلى مصر، واستقر بالقاهرة، من مؤلفاته: جواب أهل السنَّة النبوية في نقض كلام الشيعة والزيدية، ومنسك الحج، ومختصر في السيرة النبوية، وتوفي بمصر سنة ١٢٤٤ هـ. انظر ترجمته في: عنوان المجد لابن بشر (١/ ١٨٦)، والدرر السنية لابن قاسم (١٦/ ٣٧٦)، وعلماء نجد لابن بسام (١/ ١٦٩)، ومشاهير علماء نجد لآل الشَّيخ (ص/٤٨)، وروضة الناظرين للقاضي (١/ ٣٢٧).","vol":"1","page":71},{"text":"ويُعْتَرضُ على التعريفِ بأنَّ إِيرادَ لفظةِ: (المذهب) فيه، تؤدي إِلى الدَّوْرِ (^١).\nالتعريف الحادي عشر: ما ترجَّح عند المجتهدِ في أيّ مسألةٍ بعد الاجتهادِ.\nوهذا تعريفُ الشيخِ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>التعريف المُخْتَار:</span>\nيمكنُ القولُ بأنَّ عَدَّ قول الإِمامِ مذهبًا محلُّ اتفاقٍ، ويبقى النظرُ فيما يأتي، أتعتبرُ مِن المذهبِ، أم لا؟\nأولًا: اعتبارُ أقوالِ أتباعِ إِمامِ المذهبِ وأصحابِه الَّتي لا تتعارضُ مع أصولِ المذهبِ.\nثانيًا: اعتبارُ تخريجاتِ أتباعِ إِمامِ المذهبِ وأصحابِه مِن المذهبِ.\nثالثًا: شمولُ المذهبِ للأصولِ، وللفروعِ.\nوإِذا أجلنا النظرَ في مدوَّناتِ المذاهبِ الفقهيةِ والأصوليةِ، نجدُ أنَّها تشملُ الأمورَ الثلاثة، وتعدّها مِن المذهبِ (^٣).\nيقولُ الشيخُ محمد أبو زهرة (^٤) في معرضِ حديثِه عن تخريجاتِ علماءِ\n_________\n(^١) الدَّوْرُ: هو توقف كلِّ واحدٍ من الشيئين على الآخر. انظر: لقطة العجلان وبلة الظمآن للزركشي (ص/ ٨٤)، والتعريفات للجرجاني (ص/ ١٧٣)، والتوقيف على مهمات التعريف للمناوي (ص/ ٣٤٣)، والكليات للكفوي (ص/ ٤٤٧)، والمعجم الفلسفي (ص/ ٨٥).\n(^٢) انظر: الدرر السنية (٤/ ١٨).\n(^٣) انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ١٩).\n(^٤) هو: محمد بن أحمد أبو زهرة المصري، ولد بمدينة المحلة الكبرى بمصر سنة ١٣١٦ هـ فقيه أصولي، من أجل علماء عصره، قال عنه خير الدين الزركلي: \"أكبر علماء الشريعة الإِسلامية في عصره\"، كان محققًا في تآليفه، حنفي المذهب، أشعري المعتقد، عُرِف بالشجاعة في قول الحق والجرأة فيه، من مؤلفاته: أصول الفقه، وتاريخ الجدل، وتاريخ المذاهب الإِسلامية، وأبو حنيفة حياته وعصره، ومالك حياته وعصره، توفي بالقاهرة سنة ١٣٩٤ هـ انظر ترجمته =","vol":"1","page":72},{"text":"الشافعيةِ: \"آراء تُعَدُّ مِنْ مذهبِ الشَّافعي، وإِنْ لم يُؤْثَرْ عن الشَّافعي نصٌّ فيها، تلك الآراء الَّتي تُعَدُّ مُخَرّجة على أصولِ الشَّافعي، ولم تكنْ مخالفةً لرأي له، فإِنَّ هذه تُعَدُّ مِنْ مذهبِ الشَّافعي بلا خلافٍ\" (^١).\nوبناءً على ما تقدّم، يمكنُ تعريفُ المذهب بأنّه: أقوالُ الإِمامِ في المسائلِ الشرعيةِ الاجتهاديةِ، وما جرى مجرى قَولِه، وقواعدُ الاستنباطِ الَّتي سار عليها، وما خُرِّج على قولِه، أو على أصلِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>المناسبة بين التعريض اللغوي للمذهب والاصطلاحي:</span>\nيظهرُ أن المعنى اللغويَّ الثاني للمذهبِ أنسبُ للمعنى الاصطلاحي، وكما تقدّمَ مِنْ أنَّ المذهبَ يأتي مصدرًا، واسمَ مكانٍ، فيمكن بيانُ وجهِ المناسبةِ على النحوِ الآتي:\nالمناسبةُ بين المعنى المصدري للمذهبِ - بمعنى: الذهاب - والمعنى الاصطلاحي هي: حصولُ الذهابِ مِن المجتهدِ إِلى الأحكامِ الشرعيةِ (^٢).\nوالمناسبةُ بين المذهب - باعتبارِه: اسم مكان - والمعنى الاصطلاحي، هي: مشابهةُ الأحكامِ للمكانِ؛ لأنَّ الأحكامَ مكانٌ اعتباري لتَرَدّدِ الذِّهن وتأمُّلِه (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>تعريف التمذهب في الاصطلاح:</span>\nسأتحدث عن المعنى الاصطلاحي للتمذهبِ في ضوءِ الآتي:\nأولًا: لم يتعرضْ متقدمو الأصوليين - فيما رجعتُ إِليه مِنْ\n_________\n= في: الأعلام للزركلي (٦/ ٢٥)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٤٣)، ومحمد أبو زهرة للدكتور محمد شبير (ص/ ٢٣).\n(^١) الشافعي - حياته وعصره (ص/ ٣٢١).\n(^٢) انظر: تقريرات عليش على حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ١٩).\n(^٣) انظر: المصدر السابق.","vol":"1","page":73},{"text":"مصادر - إِلى بيانِ المعنى الاصطلاحى للتمذهبِ، وقُصَارى ما وقفتُ عليه ورودُ مصطلحِ التمذهبِ عَرَضًا في تضاعيف كلامِ بعضِ الأصوليينَ، كأبي الوفاءِ ابنِ عقيلِ، حيثُ يقولُ: \"وقيل: الوقوف (^١) ليس بمذهبٍ، إِنَّما هو جنوحٌ عن التمذهب\" (^٢)، ويقولُ في موطنٍ آخر: \"قولهم: إِنَّ. ما ذهبتُم إِليه ها هنا يعودُ بقولِكم، ويفضي به إِلى التمذهبِ بمذهبِ (^٣) أهلِ الوقفِ\" (^٤).\nويظهرُ لي أنَّ مرادَ ابنِ عقيلٍ بالتمذهبِ الإِفصاحُ عن المذهبِ.\nإِلى جانب ذلك عَرَضَ جمعٌ مِن الأصوليين مسألةَ: (التزام العامي بمذهبٍ معيّنٍ)، بحيثُ يأخذُ برخصِه وعزائمِه، متصلةً بالتمذهب، فَوَرَدَتْ عندهم: هل يلزمُ العامي أنْ يتمذهبَ بمذهبٍ معيَّنٍ، بحيثُ يأخذُ برخصِه وعزائمِه؟\nفممَّنْ أوردها بهذه الهيئة: ابنُ الصلاحِ (^٥)، وابنُ حمدان (^٦)، وتقيُّ الدينِ بنُ تيمية (^٧)، وابنُ القيِّمِ (^٨)، وابنُ مفلحٍ (^٩)، وابنُ اللحامِ (^١٠)،\n_________\n(^١) هكذا وردت في: الواضح في أصول الفقه (١/ ٣١)، ولعل الصواب: \"الوقف\"، وليس \"الوقوف\".\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) في المصدر السابق (٤/ ١١٢): \"مذهب\"، ولعل المثبت هو الصواب.\n(^٤) المصدر السابق.\n(^٥) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٦١).\n(^٦) انظر: أدب الفتوى (ص/ ٧٢).\n(^٧) انظر: المسودة (٢/ ٨٥٥).\n(^٨) انظر: إِعلام الموقعين (٦/ ٢٠٣).\n(^٩) انظر: أصول الفقه (٤/ ١٥٦٢).\n(^١٠) انظر: المختصر في أصول الفقه (ص/١٦٨). وابن اللحام هو: عليّ بن محمد بن عليّ بن عبَّاس بن فتيان البعلي الدمشقي، علاء الدين أبو الحسن، المعروف بابن اللحام، ولد بعد سنة ٧٥٠ هـ كان فقيهًا حنبليًا بارعًا، وأصوليًا متمكنًا، مشاركًا في عدد من الفنون، درَّس وأفتى، ووعظ بالجامع الأموي في حلقة ابن رجب، انتهت إِليه رئاسة المذهب الحنبلي في زمنه، عُرف بالتواضع والزهد، من مؤلفاته: القواعد الأصولية، والأخبار العلمية من الاختيارت الفقهية، وتجريد العناية في تحرير أحكام النهاية، توفي بالقاهرة سنة ٨٠٣ هـ. =","vol":"1","page":74},{"text":"والمرداويُّ (^١).\nوصنيعُهم صحيحٌ لا غبارَ عليه، وإِنَّما الخطأُ تَطَرّقَ إِلى مَنْ فَهِمَ مِنْ هذا السياقِ انحصارَ التمذهبِ في صورةِ المسألةِ - كما سيأتي في بعضِ تعريفاتِ المعاصرين بعدَ قليلٍ - مع أنَّ التمذهبَ أوسعُ مِنْ صورةِ المسألةِ، وإنْ كانت هذه الصورةُ هي السائدة في تطبيقِ التمذهبِ في بعض العصور.\nيقولُ تاجُ الدّينِ بنُ السبكي: \"المحمدون الأربعة: محمد بن نصر (^٢)، ومحمد بن جرير (^٣)،\n_________\n= انظر ترجمته في: إِنباء الغمر لابن حجر (٤/ ٣٠١)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٢٣٧)، والضوء اللامع للسخاوي (٥/ ٣٢٠)، والجوهر المنضد لابن المبرد (ص/ ٨٠)، والدر المنضد للعليمي (٢/ ٥٩٦)، والسحب الوابلة لابن حميد (٢/ ٧٦٥).\n(^١) انظر: التحبير (٨/ ٤٠٨٦ - ٤٠٨٧). وقد ذكر جمعٌ من الأصوليين هذه المسألة دون إِيراد لفظ التمذهب، انظر على سبيل المثال: الإِحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٣٨)، ومختصر منتهى السول لابن الحاجب (٢/ ١٢٦٥)، والبحر المحيط (٦/ ٣١٩).\n(^٢) هو: محمد بن نصر بن الحسين المروزي، أبو عبد الله، ولد ببغداد سنة ٢٠٢ هـ نشأ بنيسابور، ورحل إِلى عدة أوطان في طلب العلم، واستوطن سمرقند، تمذهب بالمذهب الشَّافعي، وبلغ رتبة الاجتهاد المطلق، كان فقهيًا بارعًا، ومحدثًا متمكنًا، عابدًا ناسكًا، وزاهدًا ورعًا، من أعلم الناس باختلاف الصحابة - ﵃ - ومَنْ بعدهم في الأحكام، ومن أجمع الناس للسنن، وأضبطهم لها، من مؤلفاته: الفسامة، وتعظيم قدر الصلاة، وقيام الليل، ورفع اليدين، توفي بسمرقند سنة ٢٩٤ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السَّلام للخطيب (٤/ ٥٠٥)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ١٠٤)، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي (١/ ٩٢)، وطبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي (٢/ ٣٦٠)، وسير أعلام النُّبَلاء (١٤/ ٣٣)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٢/ ٢٤٦)، وطبقات الشافعية لابن هداية الله (ص/ ٣٤).\n(^٣) هو: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري، أبو جعفر، من أهل طبرستان، ولد سنة ٢٢٤ هـ طوَّف الأقاليم في طلب العلم، كان إِمامًا جليلًا مجتهدًا عالمًا فقيهًا أصوليًا، رأس المفسرين على الإِطلاق، بصيرًا بمعاني كتاب الله، فقهيًا في أحكامه، عارفًا بالقراءات، عالمًا بالآثار والسنن، علامةً في اللغة والتاريخ وأيام الناس، من أعيان عصره، كل ذلك مع الزهد والورع، له مصنفات بديعة، منها: جامع البيان في تفسير القرآن، وتاريخ الأمم والملوك، وتهذيب الآثار، والتبصير في أصول الدين، توفي سنة ٣١٠ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السَّلام للخطيب (٢/ ٥٤٨)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ٩٥)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ١٩١)، وطبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي =","vol":"1","page":75},{"text":"وابن خزيمة (^١)، وابن المنذر (^٢) من أصحابنا، وقد بلغوا درجةَ الاجتهادِ المطلقِ، ولم يخرجْهم ذلك عن كونِهم مِنْ أصحابِ الشَّافعي، المخرِّجين على أصولِه، المتمذهبين بمذهبِه، لوفاقِ اجتهادِهم اجتهادَه ... فإِنَّهم وإِنْ خَرَجُوا عن رأيّ الإِمامِ الأعظمِ في كثيرِ مِن المسائلِ، فلم يَخْرُجوا في الأغلبِ، فَاعْرِفْ ذلك، واعلمْ أنَّهم في أحزابِ الشافعيةِ معدودون، وعلى أصولِه - في الأغلب - مخرِّجون، وبطريقِه متهذبون، وبمذهبِه متمذهبون\" (^٣).\n_________\n= (٢/ ٤٣١)، وسير أعلام النُّبَلاء (١٤/ ٢٦٧)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (٢/ ٧١٠)، والوافي بالوفيات للصفدي (٢/ ٢٨٤)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٣/ ١٢٠)، وطبقات المفسرين للداودي (٢/ ١٥٦)، وطبقات المفسرين للأدنه وي (ص/ ٤٨).\n(^١) هو: محمد بن إِسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي النَّيْسَابُوْرِيّ، أبو بكر، الملقب بإمام الأئمة، ولد سنة ٢٢٣ هـ أحد الحفاظ الأثبات، محدث فقيه حجة، شافعي المذهب، جمع شتات العلوم، وارتفع مقداره، كان إِمام زمانه بخراسان، عديم النظير، يضرب به المثل في سعة العلم والإِتقان، قال عنه ابن سريج: \"يستخرج النكت من حديث رسول الله - ﷺ - بالمنقاش\"، له منزلة عظيمة في نفوس العلماء، من مؤلفاته: الصحيح، والتوحيد، توفي سنة ٣١١ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ١٠٣)، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي (١/ ٧٨)، وطبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي (٢/ ٤٤١)، وسير أعلام النُّبَلاء (١٤/ ٣٦٥)، والوافي بالوفيات للصفدي (٢/ ١٩٦)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٣/ ١٠٩)، وطبقات الشافعية لابن هداية الله (ص/٤٨).\n(^٢) هو: محمد بن إِبراهيم بن المنذر النَّيْسَابُوْرِيّ، أبو بكر، ولد في حدود موت الإِمام أحمد بن حنبل (ت: ٢٤١ هـ)، كان أحد الأئمة الأعلام، وشيخ الحرم ومفتيه، علامة فقيهًا محدِّثًا حافظًا، زاهدًا ورعًا دينًا، وعداده من فقهاء الشافعية، قال عنه محيي الدين النووي: \"له من التحقيق في كتبه ما لا يقاربه فيه أحد\"، من مؤلفاته: الإِشراف في معرفة الخلاف، والأوسط في السنن والإِجماع والاختلاف، والإِجماع، والإِقناع، والتفسير، توفي بمكة سنة ٣١٨ هـ. انظر ترجمته في: تهذيب الأسماء واللغات للنووي (٢/ ١٩٦)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ٢٠٧)، وطبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي (٢/ ٤٩٣)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (٣/ ٧٨٢)، وسير أعلام النُّبَلاء (١٤/ ٤٩٠)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٣/ ١٠٢)، وطبقات الشافعية للإِسنوي (٢/ ٣٧٤)، ولسان الميزان لابن حجر (٦/ ٤٨٢)، وطبقات الشافعية لابن هداية الله (ص/ ٥٩).\n(^٣) طبقات الشافعية الكبرى (٣/ ١٠٢ - ١٠٣). وانظر: طبقات الشافعية لابن الصلاح (١/ ٢٧٧).","vol":"1","page":76},{"text":"ويويّدُ ما سَبَقَ ثلاثةُ أمورٍ:\nالأمر الأول: أنَّ كثيرًا مِن العلماءِ متمذهبون بمذاهب محددة، بدليل: ما يختمُ به الواحدُ منهم اسمَه مِنْ النسبةِ إِلى مذهبِه، وورود أسمائِهم في كتبِ طبقاتِ المذهبِ، وهم ليسوا مِنْ العامّةِ قطعًا، ولم يلتزمْ جمعٌ منهم برخصِ المذهبِ وعزائمِه، بل خالفوا بعضَ ما في مذهبِهم، ولم يُخْرِجْهم ذلك عن كونِهم متمذهبين (^١).\nيؤكدُ ذلك: ما يَرِدُ في ترجمةِ بعضِ العلماءِ في كتبِ الطبقاتِ مِنْ ذِكرِ آرائِه الَّتي انفردَ بها، ولو أخرجه ذلك عن التمذهبِ بمذهبِه، لما ذكروا اسمَه في طبقاتِ المذهبِ.\nالأمر الثاني: أنَّ جماعةً مِنْ أهلِ العلمِ بلغوا شأوًا كبيرًا فيه، ومَعَ ذلك فهم ينتسبون إِلى مذاهبِ أئمتِهم (^٢).\nالأمر الثالث: الواقعُ العلمي لمؤلفاتِ جمعٍ غفيرِ مِن العلماءِ، فتجدُ العالمَ يُؤَلِّفُ كتابًا في مذهب إِمامِه في الأصولِ أو الفروعِ، ويستدلُّ لأقوالِه، وتجدُ منه التصريحَ بقولَه: مذهبُنا، إِمامُنا.\nثانيًا: كان اهتمامُ المتأخرين بالحديثِ عن التمذهبِ أكثرَ مِن اهتمامِ العلماءِ المتقدمين، وقد عَرَّف جمعٌ منهم مصطلحَ: (التمذهب).\nوأنبَّه إِلى أن بعضَ التعريفاتِ الَّتي سأوردها بعد قليلٍ، قد وَرَدَتْ في سياقٍ معيّنٍ، وليست بصريحةٍ في كونِها تعريفًا للتمذهبِ، لكنْ يُمْكِنُ أخذ التعريفِ منها، فاعتبرتُها تعريفًا، وقد نبّهتُ على هذا في موضعِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>تعريف التمذهب عند المتأخرين:</span>\nالتعريف الأول: التزامُ غيرِ المجتهدِ مذهبًا معينًا، يعتقدُه أرجح أو مساويًا لغيره.\n_________\n(^١) انظر: الإِمام أبو الحسن اللخمي للدكتور محمد المصلح (١/ ١٩٠ وما بعدها).\n(^٢) انظر: البرهان (٢/ ٧٤٧)، وقواطع الأدلة (٥/ ١٧٥)، والمنخول (ص/ ٤٩٥).","vol":"1","page":77},{"text":"أورد تاجُ الدينِ بنُ السبكي الكلامَ المذكور في كتابِه: (جمع الجوامع) (^١) على أساسِ أنَّه مسألةٌ مستقلةٌ، ولم ينصَّ على أَنَّه تعريفٌ للتمذهبِ.\nوقد جعله بعضُ شرَّاحِ كتاب: (جمع الجوامع)، كبدرِ الدينِ الزركشي (^٢)، وولي الدينِ العراقي (^٣)، وابنِ رسلان الرملي (^٤) تعريفًا للتمذهب.\nومعنى: \"الالتزام\": أنْ لا ياخذَ المتمذهبُ فيما يقعُ له مِن أمورِ إِلَّا بمذهبٍ معَّينِ (^٥).\nالتعريف الثاني: الالتزامُ لمذهبِ إِمامٍ معيَّنٍ.\nوهذا التعريف ظاهر سياق كلام الشَّيخ حمد بن معمر (^٦).\n_________\n(^١) انظر: (ص / ١٢٣).\n(^٢) انظر: تشنيف المسامع (٤/ ٦١٩).\n(^٣) انظر: الغيث الهامع (٣/ ٩٠٥).\n(^٤) انظر: لمع اللوامع، القسم الثاني (٢/ ٦٧١). وابن رسلان هو: أحمد بن أمين الدين حسين بن حسن بن عليّ بن يوسف بن عليّ بن أرسلان - ويقال: ابن رسلان - أبو العبَّاس، شهاب الدين، ولد في الرملة سنة ٧٧٣ هـ وقيل سنة ٧٧٥ هـ كان شافعي المذهب، كثير الاشتغال بالعلم، مشاركًا في كثير الفنون إِلى أن صار إِمامًا عالمًا في كل منها، لكثرة مذاكرته بما يعرفه، وقصده الخير، ملازمًا للمطالعة، أشعري المعتقد متصوفًا، وكان مقيمًا بالقدس تارة، وبالرملة أخرى، كان في الزهد والورع والتقشف، كلمة إِجماع، من مؤلفاته: تصحيح الحاوي، وإعراب ألفية ابن مالك، وشرح سنن أبي داود، ولمع اللوامع في شرح جمع الجوامع، توفي بالقدس سنة ٨٤٤ هـ. انظر ترجمته في: درر العقود الفريدة للمقريزي (١/ ٢٦٠)، وبهجة الناظرين للعامري (ص/ ١٤٦)، والدليل الشافي لابن تغري بردي (١/ ٤٥)، والضوء اللامع للسخاوي (١/ ٢٨٢)، ووجيز الكلام له (٢/ ٥٧٠)، وشذرات الذهب لابن العماد (٩/ ٣٦٢).\n(^٥) انظر: حاشية العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٤٤٠).\n(^٦) انظر: الدرر السنية (٤/ ٥٩). وابن معمر هو: حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر التميمي النجدي، ولد في العيينة سنة ١١٦٠ هـ نشأ في مسقط رأسه، ثم انتقل إِلى الدرعية، وتتلمذ للشيخ محمد بن عبد الوهاب في عدد من الفنون، وقد وُصِفَ بالذكاء والنباهة وقوة الحفظ، كان عالمًا حنبليًا جليلًا مدققًا فقيهًا أصوليًا، وقد أخذ عنه العلم خلقٌ كثير، من مؤلفاته: الفواكه العِذاب =","vol":"1","page":78},{"text":"ولا يعني الالتزامُ عدمَ الخروجِ عن المذهبِ متى ما رأى المتمذهبُ مخالفةَ مذهبِه للدليلِ (^١).\nوقد ذَكَرَ الشَّيخ حمدُ بن معمر صورة أخرى للتمذهبِ، فقالَ: \"أمَّا لزومُ التمذهبِ بمذهبٍ بعينِه، بحيثُ لا يخرجُ عنه، وإِن خالفَ نصَّ الكتابِ والسنةِ، فهذا مذمومٌ غيرُ ممدوحٍ\" (^٢).\nويدلُّ ظاهرُ السياقِ على أنَّ التمذهبَ يشملُ لزومَ المذهبِ دونَ الخروجِ عنه، ولزومَ المذهبِ والخروج عنه، إِنْ خالفَ الدليلَ.\nالتعريف الثالث: تلقّي الأحكام مِنْ إِمامٍ معيَّنٍ، واعتبار أقوالِه كأنَّها مِن الشارعِ نصوصٌ يلزم المقلِّد اتّباعها.\nوهذا تعريف الشَّيخ محمد الخضري (^٣)، وساقه على أنَّه تعريفٌ للتقليدِ الواقعِ في القرنِ الخامسِ إِلى سقوطِ الدولةِ العبَّاسيةِ، وما ذكره يصدق على حقيقة التمذهبِ.\nويظهرُ لي أنَّ ما ذكره الشيخُ الخضري وصفٌ للأمرِ الواقعِ في تلك الحقبةِ الزمنيةِ، لا أنَّه تعريفٌ للتمذهبِ على وجهِ الاستقلالِ.\n_________\n= في الرد على من لم يحكم بالسنة والكتاب، ورسالة في الاجتهاد والقليد، توفي بمكة سنة ١٢٢٥ هـ. انظر ترجمته في: الدرر السنية لابن قاسم (١٦/ ٣٨٢)، وتراجم لمتأخري الحنابلة لابن حمدان (ص / ١٤)، والأعلام للزركلي (١/ ٢٦٣)، وروضة الناظرين للقاضي (١/ ٨٣)، وعلماء نجد لابن بسام (١/ ١٢١)، ومشاهير علماء نجد لآل الشَّيخ (ص/٢٠٢).\n(^١) انظر: الدرر السنية (٤/ ٥٩).\n(^٢) المصدر السابق (٤/ ٦٠).\n(^٣) انظر: تاريخ التشريع الإِسلامي (ص/ ٣٢٣). ومحمد الخضري هو: محمد بن عفيفي الباجوري المصري، المعروف بالشيخ الخضري، ولد سنة ١٢٨٩ هـ أحد علماء المذهب الشافعي، فقيه أصولي مؤرخ، تخرج في مدرسة دار العلوم، وعُين قاضيًا شرعيًا بالخرطوم، ثم مدرسًا في مدرسة القضاء الشرعي بالقاهرة، ثم أستاذًا للتاريخ الإِسلامي في الجامعة المصرية، فوكيلًا لمدرسة القضاء الشرعي، فمفتشًا بوزارة المعارف، من مؤلفاته: أصول الفقه، وتاريخ التشريع الإِسلامي، ومحاضرات في تاريخ الأمم، ومهذب كتاب الأغاني، توفي بالقاهرة سنة ١٣٤٥ هـ. انظر ترجمته في: الأعلام الشرقية لزكي مجاهد (٣/ ٩٣٢)، والأعلام للزركلي (٦/ ٢٦٩)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٤٩٠).","vol":"1","page":79},{"text":"التعريف الرابع: السلوكُ في طريقِ الاجتهادِ مسلكَ إِمامٍ معيَّنٍ.\nذَكَرَ هذا التعريفَ الشيخُ عبد القادر بن بدران (^١)، وسياقُ كلامِه ليس بصريحٍ في كونِه تعريفًا للتمذهب؛ إِذْ يقولُ: \"بل المرادُ باختيارِ مذهبِه - أيْ: اختيار بعض العلماء مذهب الإِمام أحمد - إِنَّما هو السلوكُ على طريقةِ أصولِه في استنباطِ الأحكامِ.\nوإِنْ شئتَ قُلْ: السلوك في طريقِ الاجتهادِ مسلكه، دونَ مسلكَ غيرِه\" (^٢).\nوما ذكره يُعَدُّ تعريفًا للاجتهادِ المذهبي.\nالتعريف الخامس: اتباع أُمَّةٍ كبيرةٍ مِن المسلمين لإِمامٍ معيّنٍ، في العبادات والمعاملات.\nوهذا تعريفُ الشيخِ أحمدَ الوزير (^٣).\n_________\n(^١) انظر: المدخل إِلى مذهب الإِمام أحمد (ص/ ١١١). والشيخ عبد القادر بن بدران هو: عبد القادر بن أحمد بن مصطفى بن عبد الرحيم بن محمد الدومي، المعروف بابن بدران، ولد بدومة بالقرب من دمشق سنة ١٢٦٥ هـ وقيل: سنة ١٢٦٧ هـ من أعيان الحنابلة في وقته، كان سلفي المعتقد، فقيهًا أصوليًا مفسرًا، بارعًا في معرفة الكتاب والسُّنَّة النبوية، مع معرفته بالتاريخ والأدب، اشتغل بالتدريس في الجامع الأموي، ثم انتقل إِلى مدرسة عبد الله العظم، ودرَّس بها قرابة نصف قرن من الزمان، وقد أصيب بالفالج في آخر عمره، من مؤلفاته: جواهر الأفكار ومعادن الأسرار في التفسير، والمدخل إِلى مذهب الإِمام أحمد بن حنبل، ونزهة الخاطر العاطر شرح روضة الناظر، ومنادمة الأطلال، وتهذيب تاريخ دمشق، توفي بدمشق سنة ١٣٤٦ هـ. انظر ترجمته في: منتخبات التواريخ الدمشقية لمحمد أديب (٢/ ٧٦٢)، وهدية العارفين للبغدادي (١/ ٦٠٢)، والأعلام الشرقية لزكي مجاهد (١/ ٣٣٤)، والأعلام للزركلي (٤/ ٣٧)، ومعجم المؤلفين لكحالة (١/ ١٨٤)، وملحق النعت الأكمل للغزي (ص/ ٤١١)، وتسهيل السابلة لابن عثيمين (٣/ ١٧٨١)، ومقدمة تحقيق المدخل إِلى مذهب الإِمام أحمد (ص/ ٢٥).\n(^٢) المدخل إِلى مذهب الإِمام أحمد (ص / ١١٠ - ١١١).\n(^٣) انظر: المصفى في أصول الفقه (ص/ ٤٤). وأحمد الوزير هو: أحمد بن محمد بن عليّ بن محمد الوزير الحسني اليماني، من أسرة الوزير المشهورة في اليمن، ولد باليمن بهجرة السر سنة ١٣٣٧ هـ وقيل: قريبًا من سنة ١٣٣٥ هـ نشأ في مدينة ذمار، وتلقى العلم فيها على علماء =","vol":"1","page":80},{"text":"ويُؤْخَذُ على هذا التعريفِ عدةُ أمورٍ، منها:\nأولًا: العمومُ في قولِه: \"أمة كبيرة من المسلمين\"، إِذ يشملُ العلماءَ والعوامَّ، فيكون التعريفُ تعريفًا غيرَ جامعٍ.\nئانيًا: قَصَرَ الاتِّباعَ على العباداتِ والمعاملاتِ، وهذا غيرُ صحيحٍ؛ إِذ التمذهبُ - كما يقع في العبادات والمعاملات - يقعُ في الأنكحةِ والأقضيةِ وسائرِ أبوابِ الفقهِ.\nثالثًا: لم يذكر التمذهبَ في الأصول، مع أنَّ أحمدَ الوزير نفسَه يُقِرُّ بوجودِه في الأصولِ (^١).\nالتعريف السادس: أنْ يقلِّدَ العاميُّ، أو مَنْ لم يبلغْ رتبةَ الاجتهاد مذهبَ إِمامٍ مجتهدٍ، سواء التزم واحدًا بعينه، أو عاش يتحول من واحدٍ إِلى آخر.\nوهذا تعريفُ الدكتور محمد البوطي (^٢).\nويؤخذ على تعريفِه أمورٌ، منها:\nأولًا: أدخلَ العامي في التمذهبِ - وهي مسألةٌ خلافيةٌ - وما ذكره بعده \"من لم يبلغ رتبة الاجتهاد\" يغني عن قوله: \"العامي\".\nثانيًا: ما المقصودُ بقولِه: \"أو عاش يتحول من واحد إِلى آخر\"؟ أيقصدُ أنَّ العامي، أو مَنْ لم يبلغْ رتبةَ الاجتهادِ يتحولُ مِنْ مذهبِ مجتهدٍ إِلى\n_________\n= الزيدية، ثم انتقل إِلى صنعاء، ودَرَسَ على علمائها، ثم رجع إِلى مسقط رأسه، فظل يدرس وينشر العلم فيها، وقد عُرِفَ بمحاربته للتقليد السائد في قطره، كان عالمًا فقيهًا أصوليًا محققًا، من مؤلفاته: المصفى في أصول الفقه، ولم أقف على تاريخ وفاته، وكان حيًا في سنة ١٤١٧ هـ. انظر ترجمته في: هجر العلم ومعاقله في اليمن للأكوع (١/ ٢١٤)، والمستدرك على هجر العلم له (ص/ ٢٠٥)، ومقدمة المعتني بكتاب المصفى في أصول الفقه (ص/ ٩).\n(^١) انظر: المصفى في أصول الفقه (ص/ ٤٦).\n(^٢) انظر: اللامذهبية أخطر بدعة تهدد الشريعة الإِسلامية (ص/ ١١)، حاشية رقم (١).","vol":"1","page":81},{"text":"مذهبِ مجتهدٍ آخر، أم أنَّه يتحول في آحادِ المسائلِ مِنْ مذهب مجتهدٍ إِلى مذهبِ مجتهدٍ آخر، فيقع في التلفيقِ؟\nثالثًا: قولُه في التعريفِ: \"أو عاش يتحول من واحد إِلى آخر\" مِنْ أحكامِ التمذهبِ، وليس مِنْ حقيقتِه، وأحكام المعرَّف لا تُذْكَرُ في التعريفِ.\nالتعريف السابع: تقليدُ طائفةٍ مِن الناسِ لإِمامٍ معيَّنٍ في آرائِه واجتهاداتِه، وكذلك اجتهادات الفقهاءِ الذين أخذوا بمنهج الإِمام في البحثِ الفقهي.\nوهذا تعريف الدكتور محمد الدسوقي (^١).\nوممَّا يؤخذُ على التعريفِ: أنَّه جعلَ المتمذهبين طائفةً مِن الناسِ، ولم يُحَددْ درجةَ هذه الطائفةِ.\nالتعريف الثامن: التزامُ غيرِ المجتهدِ مذهبَ مجتهدٍ واحدٍ، لا يخرج عنه.\nوهذا التعريفُ هو ما يُفهمُ مِنْ سياقِ الدكتور سعد الشثري؛ إِذْ يقولُ تحتَ عنوان: (التمذهب): \"المرادُ بالمسألة: هلْ يجبُ على مَنْ لم يبلغْ مرتبةَ الاجتهادِ التزامُ مذهبِ مجتهدِ واحدٍ، لا يخرجُ عنه\" (^٢).\nوهذا التعريفُ تعريفٌ جيدٌ مِنْ جهةِ تحديدِه للمتمذهبِ، ويُؤْخَذُ عليه:\nأولًا: تقييدُه للتمذهبِ بعدمِ الخروجِ عن المذهبِ، وهذا يعدُّ وجهًا للتمذهبِ، في حينِ أنَّ مِن التزمَ مذهبًا، وخَرَجَ عنه في بعضِ المسائلِ، فإِنَّه متمذهبٌ، وغيرُ خارجٍ عن حقيقةِ التمذهبِ؛ بدليل: أنَّ مِنْ أتباعِ المذاهبِ مَنْ خالفَ إِمامَه في مسائل؛ لدليلٍ اقتضى المخالفة، ولم يخرجوا عن التمذهبِ بمذهبِ إِمامِهم (^٣).\n_________\n(^١) انظر: الاجتهاد والتقليد (ص/ ٢١٩).\n(^٢) التقليد وأحكامه (ص/ ١٤٢).\n(^٣) هناك أمثلة لعدد من علماء المذاهب الذين خالفوا إِمامهم في بعض أقواله، ولم يخرجوا بذلك عن التمذهب بمذهبه. انظر: العواصم والقواصم لابن الوزير (٣/ ١٣١ وما بعدها)، والاختلاف الفقهي في المذهب المالكي لعبد العزيز الخليفي (ص/ ١٤٧ وما بعدها).","vol":"1","page":82},{"text":"ثانيًا: لم يُبَيّن محلَّ الأخذِ بمذهبِ المجتهدِ، أهو في الفروعِ فقط، أم في الأصولِ والفروعِ؟\nالتعريف التاسع: التزامُ العامي مذهبًا معيّنًا، يأخذُ برخصِه وعزائمِه.\nوهذا تعريف الشَّيخ عبد الله آل خنين (^١).\nوقد قَصَرَ التمذهبَ على العامي فقط، وهذا محلُّ نظرٍ؛ لأمرين:\nالأمر الأول: عدمُ صحةِ التمذهب مِن العامي - على خلافٍ في المسألةِ - إِلَّا إِذا أرادَ بالعامي مَنْ عدا المَجتهد.\nالأمر الثاني: ما ذكره يُعَدُّ وجهًا للتمذهبِ، وليس التمذهبُ مقتصرًا عليه، كما تقدمَ التنبه عليه قبلَ قليلٍ.\nالتعريف العاشر: ذَكَرَ الشيخُ محمد العثيمين تفصيلًا لمعنى التمذهبِ - ضمّنه بيانَ حكمِه - فأطلقَ التمذهبَ على التزامِ الإِنسانِ مذهبًا معيّنًا؛ بحيثُ يُعْرِضُ عمَّا سواه، سواءٌ أكان الصوابُ في مذهبِه، أم مذهب غيره؛ وعلى الانتساب إِلى مذهبٍ معيّنٍ؛ لينتفعَ بما فيه مِن القواعدِ والضوابطِ، لكنْ مع ردِّ ذلكَ إِلى الكتابِ والسنةِ (^٢).\nوحاصلُ كلامِه، أنَّ التمذهبَ يطلقُ على مِن التزمَ مذهبًا معينًا، ولم يخرجْ عنه، وعلى مَن انتسبَ إِلى مذهبٍ معيّنٍ - لينتفعَ بقواعدِه وضوابطِه - وخَرَجَ عنه؛ لمخالفتِه الدليلَ.\nالتعريف الحادي عشر: اتخاذُ عالمٍ مذهبَ مجتهدٍ مذهبًا له، يتَّبِعُه ويلتزمه في الأصولِ والفروعِ، دونَ غيرِه مِن مذاهبِ المجتهدين الآخرين، أو انتسابًا فقط.\n_________\n(^١) انظر: توصيف الأقضية في الشريعة الإِسلامية (١/ ٣٥٣)، والفتوى في الشريعة الإِسلامية (١/ ٣١).\n(^٢) انظر: العلم (ص/ ١٥٨ - ٢٥٩).","vol":"1","page":83},{"text":"وهذا تعريف الدكتور جبريل ميغا (^١).\nويقولُ مُوْضِحًا تعريفَه: \"فواضحٌ - مِنْ خلالِ هذا التعريفِ - أنَّ التمذهبَ إِنَّما يصحُّ ممَّنْ هو قادرٌ على التعرّفِ على مذهب إِمامِه مِنْ بين المذاهب الأخرى، وقادرٌ على الاستدلالِ له، والانتصارِ له، فهو اقتداءٌ عن وَعْي وعَلْم بمذهب إِمامِه: أصولًا وفروعًا، أو اقتداءٌ بمجرَّدِ الانتساب والانتماءِ\" (^٢).\nوهذا التعريفُ - مِنْ وجهةِ نظري - مِنْ أجودِ التعريفاتِ وأسلمِها، وإِنْ كان تعبيرُه بلفظ: \"عالم\" محل نظرٍ؛ مِنْ جهةِ عدمِ تحديدِ مرتبةِ العالمِ، أهو المجتهد، أم من عداه ممَّنْ لم يبلغْ رتبةَ الاجتهادِ مِن المنتسبين إِلى العلم؟\nالتعريف الثاني عشر: اتباعُ إِمام اقتفى طريقةً معينةً في استنباطِ الأحكامِ الفرعيةِ مِنْ أدلتِها التفصيليةِ.\nوهذا تعريف الدكتور وليد الودعان (^٣).\nويَرِدُ على تعريفِه أمورٌ ثلاثةٌ:\nالأمر الأول: يمكنُ الاستغناءُ عن قولِه: \"اقتفى طريقة معينة ... \"\nبقولنا: مجتهدٌ مستقل؛ لأنَّ المجتهدَ مستقلٌ بأصولِه في استنباطِ الأحكام الفرعيةِ مِنْ أدلتِها التفصيليةِ.\nالأمر الثاني: لم يتضح المقصودُ بقولِه: \"طريقة معينة\".\nالأمر الثالث: لم يحددْ محلَّ اتِّباع الإِمام، أهو في الفروع وحدها، أم في الفروعِ والأصولِ؟\n_________\n(^١) انظر: دراسة تحليلية مؤصلة لتخريج الفروع على الأصول (ص/ ٧٣٤).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) انظر: الاجتهاد والتقليد عند الإِمام الشاطبي (٢/ ٨١٤).","vol":"1","page":84},{"text":"التعريف الثالث عشر: الانتسابُ لمذهبٍ معيَّنٍ، دونَ غيرِه مِن المذاهبِ.\nوهذا التعريفُ هو ظاهرُ سياقِ الدكتور؛ أحمد الحجي الكردي؛ إِذْ يقولُ: \"وعُرِفَ الاتجاه الَّذي يضمُّ المنتسبين لمذهبٍ معيَّنٍ، دون غيرِه بالتمذهبِ\" (^١).\nوعلى التسليمِ باعتبارِ السياقِ السابقِ تعريفًا للتمذهب، فإِنَّه لم يحددْ في التعريفِ المتمذهبَ، ولا محلَّ التمذهبِ، أهو في الفَروعِ فحسب، أم في الأصولِ والفروعِ؟\nالتعريف الرابع عشر: التزامُ العامي، أو مَنْ لم يبلغْ درجةَ الاجتهادِ مذهبًا معينًا، ولا يخرج عنه إِلَّا بفتوى مجتهدٍ.\nوهذا تعريفُ الباحثةِ مليكة صوالح (^٢).\nويَرِدُ على تعريفها أمورٌ، منها:\nالأمر الأول: عدمُ صحةِ التمذهب مِن العامي، على خلافٍ في المسألةِ، كما سيأتي الحديثُ عنه في مسألةٍ مستقلةٍ.\nالأمر الثاني: في التعريفِ تكرارٌ؛ لأنَّ قولَها: \"مَنْ لم يبلغ درجة الاجتهاد\" يغني عن قولِها: \"العامي\"؛ لأنَّ العامي ممَّنْ لم يبلغْ درجةَ الاجتهادِ.\nالأمر الثالث: لم تُحدد الباحثةُ محلَّ التمذهبِ.\nالأمر الرابع: قولُها: \"ولا يخرج عنه إِلَّا بفتوى مجتهد\": لم تُحددْ درجةَ المجتهدِ، أهو المجتهدُ المطلقُ، أم المجتهدُ المقيَّدُ؟\n_________\n(^١) بحوث وفتاوى فقهية معاصرة (ص/ ١٧٨).\n(^٢) انظر: الانسلاخ من المذاهب الفقهية (ص/ ٢٠).","vol":"1","page":85},{"text":"ثم حصرُ الخروجِ عن المذهبِ بفتوى المجتهدِ، محلُّ نظرٍ؛ فقد يخرجُ المتمذهبُ عن مذهبِه؛ لنظرِه في الأدلةِ، إِذا كان ذا أهليةٍ.\nالتعريف الخامس عشر: أنْ يقلدَ مَنْ لم يبلغْ درجةَ النظرِ والاجتهادِ في علومِ الشريعةِ، مذهبًا مِن المذاهب الفقهيةِ المعتبرةِ يأخذُ برخصِه وعزائمِه، ولا يقلِّد غيرَ أهلِه.\nوهذا تعريفُ الدكتورِ عطية فياض (^١).\nويَرِدُ على التعريف عدةُ أمورٍ، منها:\nالأمر الأول: يدخلُ في عمومِ التعريفِ العامِيُّ الصرفُ، ومِنْ وجهةِ نظري لا يصح التمذهب مِن العامي وإِن ادّعاه، وسيأتي الحديثُ عن مذهب العامي في مسألةٍ مستقلةٍ.\nالأمر الثاني: أنَّه حَصَرَ التمذهبَ بالأخذِ بمذهبٍ فقهي معتبرٍ، والواقعُ أنَّه يصحُّ تصورُ التمذهب بمذهبٍ فقهي غيرِ معتبرٍ.\nالأمر الثالث: جَعَلَ مِنْ حقيقةِ التمذهبِ أنَّ المتمذهبَ لا يقلِّدُ غيرَ مذهبِه، وهذا وإِنْ كان مِنْ أحكامِ التمذهب - فالأَولى عدمُ ذكرِه في التعريفِ - إِلَّا أنَّه قد ينازَعُ فيه، مِنْ جهةِ أن الخَروجَ عن المذهبِ في بعضِ المسائلِ لا ينافي التمذهبَ.\nالتعريف السادس عشر: اتِّباعُ إِمامٍ مِن الأئمةِ المجتهدين.\nوهذا تعريفُ الدكتور عبد الرَّحمن الجبرين (^٢).\nويَرِدُ على التعريف عدةُ أمورٍ، منها:\nالأمر الأول: لم يُحددْ في التعريفِ درجةَ الاتباع، أهي في كل المسائل، أم في أغلبِها؟\n_________\n(^١) انظر: التمذهب الفقهي بين الغالين فيه والجافين عنه (ص/ ٢).\n(^٢) انظر: التمذهب دراسة تأصيلية واقعية، مجلة البحوث الإِسلامية، العدد: ٨٦ (ص/ ١٥٠).","vol":"1","page":86},{"text":"الأمر الثاني: مدارُ التمذهب - مِنْ وجهةِ نظري - قائمٌ على الالتزامِ، فالإِتيانُ بلفظِ: \"الالتزام\" أدلُّ علىَ المرادِ مِن الإِتيانِ بلفظِ: \"الاتباع\".\nالأمر الثالث: لم يُحدّد في التعريفِ المتَّبِع، أهو العامي، أم المجتهد، أم المتعلم الَّذي لم يبلغْ درجةَ الاجتهاد؟\nالأمر الرابع: لم يُحددْ في التعريف محلّ التمذهبِ.\nالتعريف المُخْتَار:\nمِنْ خلالِ تأمُّل التعريفاتِ المتقدمةِ أجدُ أنَّ أقربَها هو التعريف\nالحادي عشر، لكنْ مع بعض التعديل، فالتمذهب هو: التزامُ غيرِ العامي مذهبَ مجتهدٍ معيَّنٍ في الأصولِ والفروعِ، أو في أحدِهما، أو انتسابُ مجتهدٍ إِليه.\nشرح التعريف:\n- \"التزام\" الالتزام هو: التصميمُ على التمسكِ بمذهبِ المجتهدِ (^١)، أو: التصميمُ على أنْ لا يأخذَ فيما يقعُ له من أمورٍ إِلَّا بمذهبٍ معيَّنٍ (^٢).\nويأتي الالتزامُ على صورتين:\nالصورة الأولى: الالتزامُ بالمذهبِ، مع عدمِ الخروجِ عنه.\nالصورة الثانية: الالتزامُ بالمذهبِ - في الجملة - مع الخروجِ عنه، لمسوّغٍ، كما لو كانَ المذهبُ على خلافِ الدليلِ (^٣).\n- \"غير العامي\"، قيدٌ خَرَجَ به العاميُّ؛ لأنَّ العاميَّ لا مذهبَ له؛ إِذ حقيقةُ التمذهب إِنَّما تكونُ لأهلِ العلمِ، الذين يختارون مذهبًا على آخر؛ لأسبابٍ علميةٍ؛ كقوةِ أصولِ المذهبِ، أو قربِه مِن الأثرِ، وهذا وأمثاله لا\n_________\n(^١) انظر: حاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٤٠٠).\n(^٢) انظر: حاشية العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٤٤٠).\n(^٣) انظر: العواصم والقواصم لابن الوزير (٣/ ١٣١ وما بعدها).","vol":"1","page":87},{"text":"يتحقق مِن العامي (^١)، وسيأتي الحديثُ عن تمذهبِ العامي في مسألةٍ مستقلةٍ.\nويدخلُ تحتَ هذا القيد: المجتهدُ، والعالمُ الَّذي لم يبلغْ رتبةَ الاجتهادِ، والمتعلمُ الَّذي ارتفع عن مرتبةِ العامي.\n- \"مذهب مجتهد\"، تقدَّم تعريفُ المذهب فيما سَبَقَ.\nوالمجتهدُ هو الفقيه الَّذي استكملَ شروطَ الاجتهادِ (^٢)، وسيأتي في مسألةٍ مستقلةٍ الحديثُ عن إِمام المذهب، وسأتحدثُ فيها عن تعريفِ المجتهدِ.\n- \"مجتهد\"، قيدٌ خَرَجَ به مَنْ عداه؛ إِذ لا مذهبَ له.\n- \"معيّن\"، أي: دونَ غيرِه مِن المجتهدين.\n- \"في الأصول\"، أي: في أصول الفقه (^٣)، وما يتبعها مِن القواعدِ والضوابطِ الفقهيةِ، ممَّا يشاركُ أصولَ الفقهِ في التقعيدِ، وصورةُ التمذهبِ في الأصولِ أنْ يلتزمَ المتمذهبُ أصولَ إِمامِه وقواعدَه، ويسلك طريقَه في الاجتهادِ عند النظرِ في الفروعِ (^٤).\n- \"والفروع\"، أي: المسائلِ الشرعيةِ العمليةِ الَّتي لا يُعْلَمُ كونها مِن الدِّينِ بالضرورةِ (^٥)، أو: هي المسائلُ الاجتهاديةُ مِن الفقه (^٦).\n_________\n(^١) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٦١)، وروضة الطالبين للنووي (١١/ ١١٧)، وصفة الفتوى (ص/ ٧١)، وإعلام الموقعين (٦/ ٢٩٣)، وكيف نتعامل مع التراث؟ للدكتور يوسف القرضاوي (ص/ ٨٢).\n(^٢) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ١٦٢)، والبحر المحيط (١/ ٢٤).\n(^٣) انظر: البرهان (١/ ٢٥٣ - ٢٥٤).\n(^٤) انظر: المدخل لابن بدران (ص/ ١١١).\n(^٥) انظر: المحصول في علم أصول الفقه للرازي (١/ ٧٨).\n(^٦) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٠٣)، والتفريق بين الأصول والفروع للدكتور سعد الشثري (١/ ١٠٧).","vol":"1","page":88},{"text":"- \"أو أحدهما\"، أي: أنَّ المتمذهبَ يلتزمُ أصولَ المذهبِ دونَ فروعِه، أو فروعَه دونَ أصولِه، وبناءً على هذا القيدِ يوجد عندنا ثلاثُ صورٍ:\nالصورة الأولى: التزامُ المتمذهبِ أصولَ مذهبِ إِمامِه، وفروعَه.\nالصورة الثانية: التزامُ المتمذهبِ أصولَ مذهبِ إِمامِه، دونَ فروعِه.\nالصورة الثالثة: التزامُ المتمذهبِ فروعَ مذهبِ إِمامِه، دونَ أصولِهِ.\nوقد يكونُ التزامُ المذهبِ في كلِّ واحدةٍ مِن الصورِ آنفة الذكرِ مع عدمِ الخروجِ عنه، أو مع الخروجِ عنه إِنْ ظَهَرَ الدليلُ على خلافِ المذهبِ.\n- \"أو انتساب مجتهد إِليه\"، هذا القيدُ للعالم الَّذي بَلَغَ رتبةَ الاجتهادِ المطلقِ، وينتسبُ إِلى مذهبٍ معيَّنٍ، دونَ التزامٍ بأصولِ المذهبِ وفروعِه، ودونَ أنْ تُؤَثِّرَ هذه النسبةُ على آرائِه الأصوليةِ والفروعية.\nنستخلص مما سبق:\nأولًا: أنَّ التمذهبَ قد يقعُ مِن المجتهدِ، ويقعُ مِن العالمِ الَّذي لم يبلغْ رتبةَ الاجتهادِ، ومِن المتعلمِ الَّذي ارتفعَ عن رتبةِ العامي.\nثانيًا: أنَّ محلَّ التمذهبِ في الفقهِ، وأصولِه.\nثالثًا: أنَّ التزامَ المذهبِ، والخروجَ عنه - إِنْ وُجِدَ ما يقتضي الخروجَ - لا ينافي حقيقةَ التمذهبِ، فيما ظَهَرَ لي، فالمهمُّ لوجودِ حقيقةِ التمذهبِ هو الالتزامُ بالمذهبِ في الجملةِ، فلو كان شخصٌ ما يقلِّدُ المفتين، أو العلماء مِنْ عدةِ مذاهب، فإِنَّه غيرُ متمذهبٍ، وإِنْ كان الإِطلاقُ اللغوي لا يمنعُ مِن وصفِه بالتمذهبِ (^١).\n_________\n(^١) انظر: التمذهب دراسة تأصيلية واقعية للدكتور عبد الرَّحمن الجبرين، مجلة البحوث الإِسلامية، العدد: ٨٦ (ص/ ١٥١).","vol":"1","page":89},{"text":"رابعًا: قد يصاحبُ الالتزام بالمذهب معرفة أدلتِه في المسائلِ الأصوليةِ والفروعيةِ، وأدلةِ المذاهبِ المخالفةِ - وقد تؤدي تلك المعرفةُ إِلى مخالفةِ المذهبِ، أو نصرتِه - وقد لا يصاحبُ الالتزامَ بالمذهب معرفة الادلةِ، بل يقتصرُ على المسائلِ مجرّدةً عن أدلتِها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>العلاقة بين التعريف اللغوي للتمذهب والتعريف الاصطلاحي:</span>\nتظهر العلاقةُ بين التعريفِ اللغوي للتمذهب والتعريفِ الاصطلاحي مِنْ جهةِ دلالةِ الوزنِ الصرفي للتمذهب (تمفعل) على الاتخاذِ والظهورِ، وهذا المعنى متحققٌ في المعنى الاصطَلاحي للتمذهبِ؛ إِذ التمذهبُ أخذٌ لمذهبِ المجتهدِ وإِظهارٌ للالتزامِ به.\n* * *","vol":"1","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>المبحث الثاني: العلاقة بين التمذهب، والمصطلحات ذات الصلة</span>\nوفيه ثمانية مطالب:\nالمطلب الأول: العلاقة بين التمذهب والتقليد\nالمطلب الثاني: العلاقة بين التمذهب والاجتهاد\nالمطلب الثالث: العلاقة بين التمذهب والاتباع\nالمطلب الرابع: العلاقة بين التمذهب والتأسي\nالمطلب الخامس: العلاقة بين التمذهب والتعصب\nالمطلب السادس: العلاقة بين التمذهب والخلاف\nالمطلب السابع: العلاقة بين التمذهب والانتصار للمذهب\nالمطلب الثامن: العلاقة بين التمذهب والصلابة في المذهب","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>تمهيد</span>\nهناك عددٌ مِن المصطلحاتِ والألفاظِ ذات صلةٍ بمصطلحِ التمذهب، ومِن المناسبِ لتحقيقِ معنى التمذهبِ الاصطلاحي بيانُ هذه الألفاظِ، وإظهار العلاقة بينها، وبين التمذهبِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>المطلب الأول: العلاقة بين التمذهب والتقليد</span>\nقبلَ تجليةِ العلاقةِ بين مصطلحي التمذهبِ والتقليدِ، لا بُدَّ مِنْ بيانِ معنى التقليدِ في اللغةِ، والاصطلاحِ؛ لأتمكنَ بعدها مِنْ بيانِ العلاقةِ بينهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>تعريف التقليد في اللغة:</span>\nالتَّقْليدُ: مصدرٌ مِن الفعلِ الثلاثي: قَلَّدَ - بالتشديد - يُقالُ: قَلَّدَ يُقَلِّدُ تَقْلِيدًا، بناءً على القاعدةِ الصرفيةِ في مصدرِ الثلاثي المشدّدِ العينِ إذا كان صحيحَ اللامِ، فإنَّ مصدرَه التَّفْعِيل (^١).\nوالقَلْد أصله: الفَتْلُ (^٢)، يُقال: قَلَدتُ الحبلَ، أقْلِدُه قَلْدًا، إذا فتلتُه (^٣).\nولمادة: (قلد) عدة معان في اللغة، منها:\nالمعنى الأول: وضعُ الشيءِ في العنقِ، محيطًا به. يقولُ ابنُ فارسٍ: \"القافُ واللامُ والدالُ أصلانِ صحيحانِ، يدلُّ أحدُهما على: تعليقِ شيءٍ\n_________\n(^١) انظر: أوضح المسالك لابن هشام (٣/ ٢٣٨).\n(^٢) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (قلد)، (٥/ ١٩).\n(^٣) انظر: المصدر السابق.","vol":"1","page":93},{"text":"على شيءٍ، وليّه به\" (^١).\nومِنْ هذا المعنى: القِلادةُ التي في العنقِ، وجمعُها قلائد (^٢)، يُقالُ: قَلّدَ فلانٌ فلانًا قِلادةَ سوءٍ، إذا هجاه بما يبقى عليه وسْمُه (^٣)، ويُقالُ: قَلَّدتُ المرأةَ قلادةً، إذا جعلتُها في عنقِها (^٤).\nالمعنى الثاني: الحظُّ والنصيبُ مِن الماءِ. يقول ابنُ فارسٍ: \"والأصلُ الآخرُ القِلْدُ: الحظُّ مِن الماءِ، يُقالُ: سقينا أرضَنا قِلْدَها، أيْ: حظَّها، وسقتنا السماءُ قِلْدًا كذلك، أراد حظًّا\" (^٥).\nويقولُ ابنُ منظورٍ (^٦): \"القِلْد: الحظُّ مِن الماءِ، والقِلْدُ: سقْيُ السماءِ، وقد قلَّدَتْنا وسقتنا السماءُ قِلْدًا في كل أسبوعٍ، أيْ: مطرتنا لوقتٍ\" (^٧).\nالمعنى الثالث: التفويض. وهذا الاستعمالُ على سبيلِ المجازِ (^٨)،\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق.\n(^٢) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (قلد)، (٩/ ٣٢)، والصحاح، مادة: (قلد)، (٢/ ٥٢٧)، ومقاييس اللغة، مادة: (قلد)، (٥/ ١٩)، والقاموس المحيط، مادة: (قلد)، (ص/ ٣٩٨).\n(^٣) انظر: المصادر السابقة، وأساس البلاغة للزمخشري، مادة: (قلد)، (ص/ ٥١٩).\n(^٤) انظر: القاموس المحيط، مادة: (قلد)، (ص/ ٣٩٩).\n(^٥) مقاييس اللغة، مادة: (قلد)، (٥/ ٢٠).\n(^٦) هو: محمد بن مكرَّم بن علي - وقيل: ابن رضوان - بن أحمد بن أبي القاسم بن منظور الأنصاري الأفريقي، أبو الفضل جمال الدين، ولد سنة ٦٣٠ هـ كان من كبار علماء اللغة والنحو، فاضلًا في الأدب، مليح الإنشاء، عارفًا بالتاريخ، كثير الحفظ، وقد ولي قضاء طرابلس، وقد كان مغرمًا باختصار الكتب المطولة، لا يمل من ذلك، وفيه تشيع بلا رفض، من مؤلفاته: لسان العرب، ومختصر الأغاني، ومختصر تاريخ دمشق، توفي بمصر سنة ٧١١ هـ. انظر ترجمته في: فوات الوفيات لابن شاكر (٤/ ٣٩)، والوافي بالوفيات للصفدي (٥/ ٥٤)، والدرر الكامنة لابن حجر (٤/ ٢٦٢)، وبغية الوعاة للسيوطي (١/ ٢٤٨)، وحسن المحاضرة له (١/ ٥٠٦)، وشذرات الذهب لابن العماد (٨/ ٤٨).\n(^٧) لسان العرب، مادة: (قلد)، (٣/ ٣٦٧).\n(^٨) انظر: أساس البلاغة للزمخشري، مادة: (قلد)، (ص/ ٥١٩)، وتاج العروس، مادة: (قلد)، (٩/ ٦٧).","vol":"1","page":94},{"text":"يُقالُ: أعطيتُه قِلْدَ أمري، إذا فوضتُه إليه (^١)، وقَلَّدَه الأمرَ، أي: فوَّضه؛ كأنَّه رَبَطَ الأمرَ بعنقِه (^٢)، ومنه: تقليدُ الولاةِ الأعمال (^٣).\nومنه أيضًا: قول الشاعر (^٤):\nفقلِّدوا أمرَكم لله دَرُّكُمُ ... رَحْبَ الذِّراعِ بأمرِ الحربِ مضطلعا\nالمعنى الرابع: اللّزوم. واستعمالُ التقليدِ بمعنى اللزومِ استعمالٌ مجازي (^٥)، يُقالُ: قَلَّدَه الأمرَ، أيْ: ألزمه إيّاه (^٦)، ومنه: حديثُ النبي - ﷺ - (قَلِّدُوا الخيلَ، ولا تُقَلِّدُوها الأوتارَ) (^٧)، أيْ: اجعلوا طلبَ أعداءِ الدِّين،\n_________\n(^١) انظر: المصدرين السابقين.\n(^٢) انظر: روضة الناظر (٣/ ١٠١٦).\n(^٣) انظر: الصحاح، مادة: (قلد)، (٢/ ٥٢٧)، والقاموس المحيط، مادة: (قلد)، (ص/ ٣٩٩).\n(^٤) البيت للقيط بن يَعْمَر - وبعضهم يقول: ابن مَعْمَر - الإيادي، والبيت في: ديوانه (ص/ ٤٧).\nوقد نسبه إلى لقيط بن يَعْمَر: ابنُ قتيبة في: الشعر والشعراء (١/ ٢٠١)، وأبو العباس المبرّد في: الكامل (٢/ ٦٨٢)، وأبو هلال العسكري في: ديوان المعاني (١/ ١٧٨)، وعلي البصري في: الحماسة البصرية (١/ ٢٨٣).\nوقد ورد البيت في بعص المصادر: \"وقلدوا\".\n(^٥) انظر: تاج العروس، مادة: (قلد)، (٩/ ٦٩).\n(^٦) انظر: لسان العرب، مادة: (قلد)، (٣/ ٣٦٧).\n(^٧) جاء الحديث بهذا اللفظ عن مكحولٍ عن النبي - ﷺ - مرسلًا، وأخرجه: سعيد بن منصور في: سننه، كتاب: الخيل، باب: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (٢/ ٢٠٠)، برقم (٢٤٣٣) ط/ الأعظمي، ولفظه: (قَلِّدُوا الخيلَ، ولا تُقَلِّدُوها بالأوتار)؛ وابن أبي شيبة في: المصنف، كتاب: السير، باب: في النهي عن تقليد الإبل الأوتار (١٨/ ١٥٢ - ١٥٣)، برقم (٣٤١٨٣، ٣٤١٨٥).\nوجاء الحديث بلفظ: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وصاحبها معانٌ عليها، فقلِّدوها، ولا تقلِّدوها الأوتار)، وأخرجه: سعيد بن منصور في: سننه، كتاب: الخيل، باب: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (٢/ ٢٠٠)، برقم (٢٤٢٩) ط/ الأعظمي، مرسلًا عن مكحول؛ وأحمد في: المسند (٢٣/ ١٠٤)، برقم (١٤٧٩١) موصولًا من حديث جابر بن عبد الله - ﵁ -؛ والطحاوي في: شرح مشكل الآثار، باب: بيان مشكل ما روي عن رسول الله - ﷺ - من نهيه عن تقليد الخيل الأوتار (١/ ٢٩٤)، برقم (٣٢٣) موصولًا من حديث جابر بن عبد الله - ﵁ -؛ وفي: شرح معاني الآثار، كتاب: السير، باب: إنزال الحمير على الخيل (٣/ ٢٧٤) موصولًا من حديث جابر بن عبد الله - ﵁ -؛ والطبراني في: الأوسط (٩/ ١٣)، برقم (٨٩٨٢) من حديث جابر بن عبد الله - ﵁ -. =","vol":"1","page":95},{"text":"والدفاعَ عن المسلمين لازمًا لها في أعناقِها لزومَ القلائدِ للأعناقِ (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>تعريف التقليد في الاصطلاح:</span>\nتعددتْ تعريفاتُ الأصوليينَ للتقليدِ، وليس المقامُ هنا مقامَ استقصاءٍ وبسطٍ لها؛ لذا سأذكرُ أبرزَ التعريفاتِ مِنْ وجهةِ نظري؛ لأبيّنَ في ضوئِها العلاقةَ بين التمذهب، والتقليدِ.\nأشارَ إمامُ الحرمين الجويني (^٢)، وبدرُ الدينِ الزركشي (^٣) إلى أنَّ تعريفاتِ الأصوليين للتقليدِ سارتْ في أحد اتجاهين:\nالاتجاه الأول: قبولُ قولِ القائلِ، مع عدمِ معرفةِ مستندِ قولِه.\nالاتجاه الثاني: قبولُ القولِ الذي ليس له حجةٌ.\nويترتب على هذين الاتجاهين: دخولُ أخذِ العامي قول العالمِ في مسمَّى التقليدِ:\n_________\n= وجوّد المنذريُّ في: الترغيب والترهيب (٢/ ٢٢٣) حديثَ جابر.\nوقال الهيثمي في: مجمع الزوائد (٥/ ٢٥٩): \"رواه الطبراني في: الأوسط، وفيه ابن لهيعة، وفيه ضعف، وحديثُه حسن، ورواه أحمد أتم منه، ورجاله ثقات\".\nوحسن الألبانيُّ روايةَ أحمد، وروايةَ الطبراني في: صحيح الجامع الصغير (١/ ٦٣٣).\nوأخرج الحديث بلفظه الثاني موقوفًا على أبي أمامة - ﵁ -: ابنُ أبي شيبة في: المصنف، كتاب: السير، باب: في النهي عن تقليد الإبل الأوتار (١٨/ ١٥٣)، برقم (٣٤١٨٤).\nوجاء الحديثُ بلفظٍ أطول، من حديث أبي وهب الجشمي - ﵁ -، وفيه: (واربطوا الخيل، وامسحوا بنواصيها وأعجازها، وقلدوها، ولا تقلدوها الأوتار ...) الحديث، وأخرجه: أحمد في: المسند (٣٠/ ٣٧٧)، برقم (١٩٠٣٢)؛ والدولابي في: الكنى والأسماء (١/ ١٧٧ - ١٧٨)؛ والطبراني في: المعجم الكبير (٢٢/ ٣٨٠ - ٣٨١)، برقم (٩٤٩)؛ والبيهقى في: السنن الكبرى، كتاب: قسم الفيء والغنيمة، باب: ما ينهى عنه من تقليد الخيل الأوتار (٦/ ٣٣٠).\nوفي سند الحديث: عقيل بن شَبِيْب، قال عنه الذهبي في: ميزان الاعتدال (٢/ ٨٨): \"لا يُعْرف هو ولا الصحابي إلا بهذا الحديث، تفرَّد به محمد بنُ مهاجر عنه\". وقال عنه أبو حاتم في: العلل (٦/ ٢٠٢): \"مجهول، لا أعرفه\".\n(^١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، مادة: (قلد)، (٤/ ٩٩)، ولسان العرب، مادة: (قلد)، (٣/ ٣٦٦).\n(^٢) انظر: البرهان (٢/ ٨٨٨).\n(^٣) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٧٠).","vol":"1","page":96},{"text":"فعلى الاتجاهِ الأول: يُعَدُّ تقليدًا، وعلى الاتجاهِ الثاني: لا يُعَدُّ تقليدًا.\nوقبلَ عرضِ التعريفاتِ، أُبيّنُ أنَّ هناك مسائلَ اختُلفَ في دخولِها تحتَ حقيقةِ التقليدِ، وعلى رأسها: العملُ بقولِ النبي - ﷺ -، هل يُسمَّى تقليدًا (^١)؟ والأخذُ بقولِ المجمعين (^٢)، والأخذُ بقولِ الصحابي (^٣)، وأخذُ القاضي بقولِ الشهودِ (^٤)، هل يُسمَّى - ما تقدم - تقليدًا؟\nونظرًا لأنَّ المقامَ ليس مقامَ عرضٍ للخلافِ في المسألةِ، فإنِّي سأسيرُ على القولِ المشهورِ - وهو قولُ الأكثرِ (^٥) - وهو أنَّ الأخذَ بما تقدّمَ ذكرُه آنفًا ليس بتقليدٍ.\nمن التعريفاتِ التي سارتْ في الاتجاه الأول:\nالتعريفُ الأولُ: قبولُ قولِ القائلِ، وأنتَ لا تدري مِنْ أين قاله؟\nوهذا تعريفُ القفالِ الشاشي (^٦)، وقد ذكره إمامُ الحرمين الجويني في\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق، وسلاسل الذهب (ص/ ٤٣٩).\n(^٢) انظر: العدة (٤/ ١٢١٦)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٩٥).\n(^٣) انظر: التحبير (٨/ ٤٠١٣).\n(^٤) انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٢١).\n(^٥) انظر: العدة (٤/ ١٢١٦)، وقواطع الأدلة (٥/ ٩٧ - ٩٨)، والمنخول (ص/ ٤٧٢)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٩٥)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٢١)، ومختصر منتهى السول لابن الحاجب (٢/ ١٢٤٨)، والبحر المحيط (٦/ ٢٧١)، وسلاسل الذهب (ص/ ٤٣٩)، ومسلم الثبوت (٢/ ٤٠٠).\n(^٦) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٧٠). والقفال الشاشي هو: عبد الله بن أحمد بن عبد الله المروزي الخراساني، أبو بكر، المعروف بالقفال الشاشي، ولد سنة ٣٢٧ هـ من كبار علماء الشافعية، وشيخ الخراسانين وإمام طريقتهم، كان وحيد عصره فقهًا وحفظًا، وورعًا وزهدًا، غواصًا على المعاني الدقيقة، جليل القدر، وأحد أئمة زمنه، له في مذهبه من الآثار ما ليس لغيره من أبناء عصره، صار معتمد المذهب، وكان قد بدأ بالتفقه وهو ابن ثلاثين عامًا، اشتغل عليه خلقٌ كثير، وانتفعوا به، من مؤلفاته: شرح التلخيص، وشرح فروع أبي بكر بن الحداد، والفتاوى، توفي سنة ٤١٧ هـ. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٤٦)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٤٠٥)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٥/ ٥٣)، وطبقات =","vol":"1","page":97},{"text":"كتابِه: (البرهان) (^١).\nالتعريفُ الثاني: أخذُ القولِ مِنْ غيرِ معرفةِ دليلِه.\nوهذا تعريفُ تاجِ الدينِ بنِ السبكي (^٢).\nوجليٌّ شمولُ التقليدِ - في ضوءِ هذينِ التعريفينِ - لأخذِ العامي قولَ المجتهدِ، وأخذِ العامي قولَ عامي مثلِه، وأخذِ المجتهدِ قولَ عامي، وأخذِ المجتهدِ قولَ مجتهدٍ مثلِه.\nالتعريفُ الثالثُ: أخذُ مذهبِ الغيرِ، بلا معرفةِ دليلِه.\nوهذا تعريفُ المرداوي (^٣)، وابنِ النجارِ الفتوحي (^٤).\nويدخلُ تحتَ التعريفِ أخذُ العامي قولَ مجتهدٍ.\nمِن التعريفاتِ التي سارت في الاتجاه الثاني:\nالتعريفُ الأولُ: اتباعُ مَنْ لم يقمْ باتباعه حجةٌ، ولم يستندْ إلى علمٍ.\nوهذا تعريفُ القاضي أبي بكرٍ الباقلاني (^٥).\nيقولُ القاضي أبو بكرٍ الباقلاني معلِّقًا على هذا التعريفِ: \"الذي نختارُه أنَّ ذلك - أي: أخذ العامي قول المجتهد - ليس بتقليدٍ أصلًا؟ فإنَّ قولَ العالمِ حجةٌ في حقِّ المستفتي؛ إذ الربُّ - تعالى وجلَّ - نَصَبَ قولَ العالم عَلَمًا في حقِّ العامي، وأوَجَبَ عليه العملَ به ... ويتخرّجُ لك مِنْ هذا الأصلِ أنَّه لا يُتَصوّر - على ما نرتضيه - تقليدٌ مباحٌ في الشريعةِ\" (^٦).\n_________\n= الشافعية للإسنوي (٢/ ٢٩٨)، طبقات الشافعية لابن هداية الله (ص/ ١٣٤)، وشذرات الذهب لابن العماد (٥/ ٨٧).\n(^١) انظر: (٢/ ٨٨٨).\n(^٢) انظر: جمع الجوامع (٢/ ٣٩٢) بشرح المحلي.\n(^٣) انظر: التحبير (٨/ ٤٠١١).\n(^٤) انظر: شرح الكوكب المنير (٤/ ٥٢٩ - ٥٣٠).\n(^٥) انظر: التلخيص في أصول الفقه للجويني (٣/ ٤٢٥).\n(^٦) المصدر السابق (٣/ ٤٢٦ - ٤٢٧).","vol":"1","page":98},{"text":"التعريفُ الثاني: قبولُ قولِ الغيرِ مِنْ غيرِ حجةٍ.\nذَكَرَ إمامُ الحرمين الجويني هذا التعريف في كتابِه: (البرهان) (^١).\nوقريبٌ منه تعريفُ أبي حامدٍ الغزالي؛ إذ عرَّفه بأنَّه: \"قبولُ قولٍ، بلا حجةٍ\" (^٢).\nوقريبٌ منهما تعريفُ الآمدي، إذ عرَّفَ التقليدَ بأنَّه: \"العملُ بقولِ الغيرِ مِنْ غيرِ حجةٍ ملزمةٍ\" (^٣)، وقالَ عقيبه: \"وعلى هذا، فرجوعُ العامي إلى قولِ المفتي لا يكونُ تقليدًا؛ لعدمِ عُرُوّهِ عن الحجةِ الملزمةِ\" (^٤).\nوأنبّه إلى أنَّ بعضَ مَنْ سارَ مع أصحاب الاتجاه الثاني - كالموفقِ ابنِ قدامةَ؛ إذ عرَّفَ التقليدَ بأنَّه \"قبولُ قولِ الغيرِ مِنْ غيرِ حجةٍ\" (^٥) - لم يقصدْ ما أرادَه أصحابُ الاتجاه الثاني، بلْ أرادَ المعنى الذي سار عليه أصحابُ الاتجاهِ الأولِ، وهو شمولُ التقليدِ لأخذِ العامي قولَ المجتهدِ (^٦)، فيكونُ معنى تعريفِهم قبولَ قولِ الغيرِ مِنْ غيرِ أنْ تَعْرِفَ حجتَه (^٧).\nوقد أشارَ بعضُ الأصوليين: كالآمدي (^٨)، وابنِ الحاجبِ (^٩)، وابنِ الساعاتي (^١٠)،\n_________\n(^١) انظر: (٢/ ٨٨٨).\n(^٢) المستصفى (٢/ ٤٦٢).\n(^٣) الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ٢٢١).\n(^٤) المصدر السابق، بتصرف.\n(^٥) روضة الناظر (٣/ ١٠١٧).\n(^٦) انظر: المصدر السابق (٣/ ١٠١٨)، وأصول الفقه للدكتور عياض السلمي (ص/ ٤٧٧).\n(^٧) انظر: قواطع الأدلة (٥/ ٩٨ - ٩٩).\n(^٨) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ٢٢١).\n(^٩) انظر: مختصر منتهى السول (٢/ ١٢٤٩).\n(^١٠) انظر: نهاية الوصول (٢/ ٦٨٩). وابن الساعاتي هو: أحمد بن علي بن تغلب بن أبي الضياء البغدادى البعلبكي الأصل، أبو الضياء مظفر الدين، وقيل: أبو العباس، المعروف بابن الساعاتي، ولد ببعلبك سنة ٦٥١ هـ من علماء الحنفية، كان إمامًا علامةً كبيرًا حافظًا متقنًا متفننًا، عارفًا بالمنقول والمعقول، فصيحًا بليغًا قوي الذكاء، أقر له شيوخه بأنَّه فارس جواد في ميدانه، من مؤلفاته: بديع النظام الجامع بين أصول البزدوي والإحكام، ومجمع البحرين في الفقه، وشرح مجمع البحرين، توفي سنة ٦٩٤ هـ. انظر ترجمته في: الجواهر المضية =","vol":"1","page":99},{"text":"وابنِ الهمام الحنفي (^١) إلى أنَّ الخلافَ في دخولِ أخذِ العامي قول المجتهدِ في حقيقةِ التقليدِ، خلافٌ لفظيٌّ، لا أثرَ له.\nوتعقب الشيخُ عبدُ الرزاق عفيفي ذلك، فقالَ: \"ليس هذا مجرّد اختلافٍ في العبارةِ والاصطلاحِ، بل الاختلافُ بين حقائق مدلولاتِ تلك العباراتِ، يَتْبَعُه اختلافٌ في حكمِ بعضِها، واتفاقٌ على حكمِ بعضِ آخر\" (^٢).\nويتوجّه تعقّبُ الشيخِ عبد الرزاق عفيفي على مَنْ نَظَرَ في كلامِ الأصوليين في مسألة: (حكمِ التقليدِ)، دونَ معرفتِه باختلافِهم في حقيقتِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>العلاقة بين التعريف اللغوي والتعريف الاصطلاحي:</span>\nأشار بعضُ الأصوليينَ إلى العلاقةِ بينَ المعنى اللغوي، والمعنى الاصطلاحي، يقولُ القاضي أبو يعلى: \"واشتقاقُه - أي: التقليد - مِنْ القلادةِ؛ لأنَّها تكونُ في رقبةِ الإنسانِ، فاشْتُقَّ التقليدُ منها؛ لأنَّه إذا قَبِل قولَه فيما سأله، فقد قلَّد رقبتَه ذلك\" (^٣).\n_________\n= للقرشي (١/ ٢٠٨)، وتاج التراجم لقطلوبغا (ص/ ٩٥)، والطبقات السنية للغزي (١/ ٤٠٠)، والفوائد البهية للكنوي (ص/ ٣٥)، والأعلام للزركلي (١/ ١٧٠).\n(^١) انظر: التحرير (٣/ ٣٤٠) مع شرحه التقرير والتحبير. وابن الهمام هو: محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد بن مسعود السيواسي الأصل، ثم السكندري، كمال الدين بن الهمام، ولد بالإسكندرية سنة ٧٨٨ هـ وقيل: سنة ٧٨٩ هـ كان علامةً إمامًا نظارًا فارسًا في البحث فقهيًا أصوليًا محققًا، محدثًا حافظًا، ومفسرًا كبيرًا، عالمًا بالكلام والمنطق والجدل والنحو، ومن مشاهير علماء المذهب الحنفي، وقد تصدَّى لنشر العلم وإقرائه، فدرَّس الفقه، وانْتفع به خلق كثير، وكان حسن اللِّقاء والسَّمت، مع الوقار والهيبة، والتواضع والإنصاف، من مؤلفاته: فتح القدير للعاجز الفقير - وصل فيه إلى باب الوكالة - والتحرير في أصول الفقه، والمسايرة في أصول الدين، وزاد الفقير مختصر مسائل الصلاة، توفي بالقاهرة سنة ٨٦١ هـ وقيل سنة ٨٦٢ هـ. انظر ترجمته في: الدليل الشافي لابن تغري بردي (٢/ ٦٥٠)، والنجوم الزاهرة له (١٦/ ١٨٨)، والضوء اللامع للسخاوي (٨/ ١٢٧)، وبغية الوعاة للسيوطي (١/ ١٦٦)، وشذرات الذهب لابن العماد (٩/ ٤٣٧)، الفوائد البهية للَّكنوي (ص/ ٢٣٥).\n(^٢) تعليق الشيخ عبد الرزاق عفيفي على الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٢١).\n(^٣) العدة (٤/ ١٢١٦). وانظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٢١)، وميزان الأصول للسمرقندي (٢/ ٩٤٩)، والبحر المحيط (٦/ ٢٧٠).","vol":"1","page":100},{"text":"وجعل بعضُ الأصوليين المناسبةَ بين المعنيين مِنْ جهةِ أنَّ المقلِّدَ كأنَّه يطوِّق المجتهدَ إثمَ ما غشَّه به في دينِه، وكَتَمَه عنه مِنْ علمِه، إنْ كان المجتهدُ أخطأ في قولِه؛ أخذًا مِنْ قولِه تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ (^١).\nوقد أشارَ أبو الخطابِ إلى مناسبةٍ أخرى، فقالَ: \"التقليدُ مشتقٌ مِنْ تطويقِ المقلِّد للمقلَّد ما يتعلقُ بذلك الحكمِ مِنْ خيرٍ وشرٍّ، كتطويقِ القلادة، وخصَّ بذلك؛ لأنَّ القلادةَ ألزمُ الملابسِ لعنقِ الإنسانِ، ولهذا يُقالُ للشيءِ اللازم: هذا عُنقُ فلانٍ، أيْ: لزومُه له كلزومِ القلادةِ ... وإنَّما سُمّي بذلك؛ لأنَّ المقلِّد يَقْبَلُ قولَ المقلَّدِ بغيرِ حجةٍ، فيلزمُ المقلِّد ما كان في ذلك القولِ مِنْ خيرٍ وشرٍّ\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>العلاقةُ بين التمذهبِ والتقليدِ:</span>\nسَبَقَ وأنْ بيّنتُ اختلافَ الأصوليين في دخولِ أخذِ العامي قول المجتهدِ في حقيقةِ التقليدِ، وسأسيرُ هنا على القولِ القائلِ بأنَّه داخلٌ في حقيقةِ التقليدِ؛ لأنَّه قولُ معظمِ الأصوليين (^٣).\nيقولُ بدرُ الدينِ الزركشي: \"مَنْ نَظَرَ كتبَ العلماءِ والخلافيين وَجَدها طافحةً بجعلِ العوامِّ مقلدين\" (^٤).\nيجتمعُ التمذهبُ والتقليدُ في: أنَّ كلًا منهما أخذٌ لقولِ قائلٍ.\nويفترقُ التمذهبُ والتقليدُ في أمورٍ، منها:\nالأول: التمذهبُ أخذُ قولِ إمامٍ مجتهدٍ، أمَّا التقليدُ، فهو أخذ لقولِ قائلٍ سواءٌ أكان القائلُ مجتهدًا، أم غيرَ مجتهدٍ.\n_________\n(^١) من الآية (١٣) من سورة الإسراء. وانظر: رسالة في أصول الفقه للعكبري (ص/ ١٢٨)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٦٥١ - ٦٥٢).\n(^٢) التمهيد في أصول الفقه (٤/ ٣٩٥).\n(^٣) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٧٤)، والتحبير (٨/ ٤٠١٦).\n(^٤) البحر المحيط (٦/ ٢٧٤).","vol":"1","page":101},{"text":"الثاني: التمذهبُ أخذُ أقوالِ إمامٍ معيَّنٍ، أمَّا التقليدُ، فقد يكونُ الأخذُ فيه - عند تعدد الوقائع - عن مجتهدٍ معيّنٍ، وقد يكونُ عن عددٍ مِن المجتهدين.\nالثالث: يمثِّلُ التمذهبُ منظومةً متكاملةً مِن الفقهِ وأصولِ الفقهِ والقواعدِ والضوابطِ الفقهيةِ، أمَّا التقليدُ، فهو خالٍ عن هذه الأمورِ.\nالرابع: يتفرع عن الثالثِ: أن التمذهبَ في كثيرٍ مِنْ صورِه طريقٌ للتفقه، أمَّا التقليدُ، فليس بطريقٍ للتفقه.\nيقولُ القاضي عبدُ الوهاب المالكي (^١): \"والتفقهُ مِن التفهمِ والتبيّن، ولا يكونُ ذلك إلا بالنظرِ في الأدلةِ واستيفاءِ الحجةِ، دون التقليدِ؛ فإنَّه لا يُثْمِرُ عِلْمًا، ولا يُفْضِي إلى معرفةٍ\" (^٢).\nويقولُ - أيضًا -: \"فإنْ قِيلَ: أتراكم تعتقدونَ مذهبَ مالك بنِ أنس - ﵀ - وتختارونه دونَ غيرِه مِنْ مذاهبِ المخالفين، وتُخبِرونَ عنْ صوابِه، وتَأمُرون مبتدئَ التفقهِ بدرسِه، فَخَبِّرُونا عنْ موجبِ ذلك عندكم، أهو تقليدُكم له، وأنَّكم صرتم إليه؛ لأنَّه قال؟ أو لأنَّ الدليلَ قامَ عندكم عليه؟\n_________\n(^١) هو: عبد الوهاب بن علي بن نصر بن أحمد بن الحسين بن هارون بن مالك التغلبي البغدادي، أبو محمد المعروف بالقاضي عبد الوهاب، ولد ببغداد سنة ٣٦٢ هـ كان إمام المالكية بالعراق، علامةً بارعًا في الفقه والأصول، حسن النظر، جيد العبارة، انتهت إليه رئاسة المذهب المالكي في زمانه، له شعر جميل، من مؤلفاته: التلقين، والمعونة على مذهب عالم المدينة، وعيون المجالس - وهو اختصار لعيون الأدلة لابن القصار - والتلخيص في أصول الفقه، والإفادة، والإشراف في مسائل الخلاف، والمعرفة في شرح الرسالة، توفي سنة ٤٢٢ هـ.\nانظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (١٢/ ٢٩٢)، وترتيب المدارك للقاضي عياض (٧/ ٢٢٠)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٢١٩)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٤٢٩)، وفوات الوفيات لابن شاكر (٢/ ٤١٩)، والديباج المذهب لابن فرحون (٢/ ٢٢٦)، والبداية والنهاية (١٥/ ٦٣٩)، والوفيات لابن قنفذ (ص/ ٢٣٣)، وشذرات الذهب لابن العماد (٥/ ١١٢)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ١٠٣).\n(^٢) نقل جلالُ الدين السيوطي كلام القاضي عبد الوهاب في: الرد على من أخلد إلى الأرض (ص/ ١٠٧)، وانظر منه: (ص/ ١١٠).","vol":"1","page":102},{"text":"قيل له: إنَّا لم نصرْ إلى قولِه إلا وقد علمْنَا صحتَه، وعرفنا صحةَ الأصولِ التي بَنَى عليها، واعتمدَ في اجتهادِه على الرجوعِ إليها، فلمَّا عرفنا ذلك مِنْ مذهبِه اعتقدناه، وحَكَمْنَا بصوابِه\" (^١).\nويقولُ أحدُ المعاصرين: \"وقد وجدنا لمَنْ يطلبُ الفقهَ - بالجلوسِ في حلقاتِ العلمِ - أنَّ أحكمَ طريقةٍ، وأسرعَ وأحسنَ وسيلةٍ تُوصِلُه إلى غايتِه، أنْ يتخذَ واحدًا مِن المذاهبِ الأربعةِ وسيلة للتفقهِ في الشريعةِ، أيْ: أنْ يتمذهبَ\" (^٢).\nالخامس: لا يصحُّ التمذهبِ مِن العامي - على خلاف في ذلك، كما سيأتي الحديث عنه في مسألةٍ مستَقلةٍ - أمَّا التقليدُ، فيصحُّ مِن العامي.\nالسادس: التقليدُ أسبقُ في الوجودِ مِن التمذهبِ؛ إذْ وَقَعَ التقليدُ في عهدِ الصحابة - ﵃ -، ولم يكنْ ثَمّةَ تمذهبٌ بالمعنى المعَهودِ.\nالسابع: أنَّ معرفةَ الدليلِ تُخرجُ مِنْ حقيقةِ التقليدِ - على خلافٍ في نوعِ هذه المعرفةِ - بخلافِ التمذهبِ، فإنَّ معرفةَ الدليلِ لا تُخْرِجُ عن حقيقةِ التمذهبِ.\nالثامن: أنَّ التمذهبَ طريقٌ لمعرفةِ حكمِ النازلةِ؛ بتخريجِها على فروعِ المذهبِ أو على أصولِه، أمَّا التقليدُ، فليسَ بطريقٍ لمعرفةِ حكمِ النازلةِ.\nنخلصُ مِنْ هذا إلى أنَّ مِنْ التمذهبِ ما هو تقليدٌ، ومنه ما ليسَ بتقليدٍ، فالأول هو التقليد المذهبي، والثاني هو الاجتهاد المذهبي، والذي يُمْكِنُ أنْ يُسمَّى بالاجتهادِ المشوبِ بالتقليدِ.\nوإذا أردنا معرفةَ النسبةِ بين التمذهبِ والتقليدِ، نجدُ أنَّهما يجتمعان في شخصين:\n_________\n(^١) المعونة على مذهب عالم المدينة (ص/٢٤٨ - ٢٤٩).\n(^٢) برنامج عملي للمتفقهين للدكتور عبد العزيز القارئ (ص/ ٢٦).","vol":"1","page":103},{"text":"الأول: الشخصُ غيرُ العامي الذي لم يبلغْ رتبةَ الاجتهادِ، ويقلِّدُ إمامَه ومذهبَه، دونَ معرفتِه بدليلِه.\nالثاني: المجتهدُ المنتسبُ إلى مذهبِ الذي يأخذُ بقولِ إمامِ المذهبِ، دونَ معرفتِه بدليلِه.\nوينفردُ التمذهبُ عن التقليدِ في: الشخصِ غيرِ العامي الذي لم يبلغْ رتبةَ الاجتهادِ، ويأخذُ بقولِ إمامِه، مع معرفتِه بدليلِه.\nوينفردُ التقليدُ عن التمذهبِ في: العامي الذي يأخذُ - بقولِ المجتهدِ، أو بقولِ عامي مثلِه.\nوبناءَ على ما سبقَ، فالنسبةُ بين التمذهبِ والتقليدِ هي: العمومُ والخصوصُ الوجهي.\n* * *","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>المطلب الثاني: العلاقة بين التمذهب والاجتهاد</span>\nقبلَ بيانِ العلاقةِ بين التمذهبِ والاجتهادِ، سأبَيّنُ المعنى اللغوي والاصطلاحي للاجتهادِ، ثمَّ بعدَ ذلكَ أعرضُ العلاقةَ بينهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>تعريف الاجتهاد في اللغة:</span>\nالاجتهادُ: مصدرٌ مِن الفعلِ اجْتَهَدَ، يُقالُ: اجْتَهَدَ يَجْتَهِدُ اجْتِهَادًا.\nوالاجتهادُ مشتقٌ مِنْ الفعل: (جَهَد)، ولمادة: (جهد) معانٍ في اللغةِ، منها:\nالمعنى الأولى: المشقة (^١). الجَهْدُ - بالفتح -: المشقةُ. يقولُ ابنُ فارس: \"الجيمُ والهاءُ والدالُ أصلُه: المشقةُ، ثمَّ يُحملُ عليه ما يقاربُه، يُقَالُ: جَهَدْتُ نفسي، وأَجْهَدْتُ\" (^٢).\nويُقالُ: جَهِدَ دابتَه، وأَجْهَدَها، إذا حَمَلَ عليها في السيرِ فوقَ طاقتِها (^٣).\nيقولُ الليثُ (^٤) الجَهْدُ: ما جهدَ الإنسانَ مِنْ مرضٍ، أو أمرٍ شاقٍّ، فهو\n_________\n(^١) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (جهد)، (٦/ ٣٧)، والصحاح، مادة: (جهد)، (٢/ ٤٦٠)، وأساس البلاغة للزمخشري، مادة: (جهد)، (ص/ ١٠٦).\n(^٢) مقاييس اللغة، مادة: (جهد)، (١/ ٤٨٦).\n(^٣) انظر: الصحاح، مادة: (جهد)، (٢/ ٤٦٠)، ولسان العرب، مادة: (جهد)، (٣/ ١٣٣).\n(^٤) هو: الليث بن المظفر - وقيل: الليث بن رافع - بن نصر بن سيار الخرساني، كان رجلًا صالحًا، بارعًا في الأدب، عارفًا بالشعر والنحو والغريب، من أكتب الناس في زمانه، صاحبًا للخليل بن أحمد الفراهيدي، يقول الليث عن نفسه: \"ما تركتُ شيئًا من فنون العلم =","vol":"1","page":105},{"text":"مجهودٌ\" (^١)\nواستعمالُ الجَهْدِ بمعنى: المشقةِ، بفتحِ الجيمِ فقط، فلا يأتي الجُهْدُ بمعنى: المشقةِ. يقولُ ابنُ الأثيرِ (^٢): \"قد تكررَ لفظُ: (الجَهْدِ)، و(الجُهْدِ) في الحديثِ كثيرًا، وهو بالضمِّ: الوسْعُ والطاقةُ، وبالفتحِ: المشقةُ ... فأمَّا في المشقةِ، فالفتحُ لا غير\" (^٣).\nالمعنى الثاني: الطاقة والوسع (^٤). الجُهْدُ - بالضم -: الطاقةُ والوسعُ، يُقالُ: اجْهُدْ جُهْدَك، أيْ: طاقتك، وهذا جُهدِي، أيْ: طاقتي (^٥).\nيقولُ الفراءُ (^٦):\n_________\n= إلا نظرتُ فيه، إلا النجوم؛ لأني رأيتُ العلماء يكرهونه\"، وقيل: إنَّ الليث انتحل كتاب العين للخليل؛ لينفق كتابه باسم الخليل. انظر ترجمته في: تهذيب اللغة (١/ ١٤)، وإرشاد الأديب لياقوت (٥/ ٢٢٥٣)، وإنباه الرواة للقفطي (٣/ ٤٢)، وبغية الوعاة للسيوطي (٢/ ٢٧٠).\n(^١) نقل كلامَ الليث ابنُ منظور في: لسان العرب، مادة: (جهد)، (٣/ ١٣٣).\n(^٢) هو: المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري الموصلي، أبو السعادات مجد الدين، المعروف بابن الأثير، ولد بجزيرة ابن عمر - بلدة فوق الموصل - سنة ٥٤٤ هـ وهو كاتب فاضل، وعالم بارع، له معرفة تامة بالأدب، ونظرٌ حسن بالعلوم الشرعية، من أشهر العلماء ذكرًا، وأكبر النبلاء قدرًا، كان شافعي المذهب، من مؤلفاته: النهاية في غريب الحديث والأثر، وجامع الأصول في أحاديث الرسول - ﷺ -، والبديع في النحو، والمختار في مناقب الأخيار، توفي بالموصل سنة ٦٠٦ هـ. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ١٤١)، وإرشاد الأريب لياقوت (٥/ ٢٢٦٨)، وإنباه الرواه للقفطي (٣/ ٢٥٧)، وبغية الوعاة للسيوطي (٢/ ٢٧٤)، وشذرات الذهب لابن العماد (٥/ ٢٢).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث، مادة: (جهد)، (١/ ٣٢٠)، بتصرف يسير.\n(^٤) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (جهد)، (٦/ ٣٨)، والصحاح، مادة: (جهد)، (٢/ ٤٦٠)، وأساس البلاغة للزمخشري، مادة: (جهد)، (ص/ ١٠٦).\n(^٥) انظر: المصادر السابقة.\n(^٦) هو: يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي الكوفي، أبو زكريا المعروف بالفراء، مولى بني أسد، كان إمام العربية، من أعلم الكوفيين بالنحو واللغة والأدب، مع معرفته بايام العرب وأخبارها، فقيهًا عالمًا بالخلاف، متدينًا ورعًا، على عُجب وتعاظم، محبًا لعلم الكلام، ويميل إلى الاعتزال، من مؤلفاته: معاني القرآن، والمقصور والممدود، والنوادر، توفي سنة ٢٠٧ هـ وله سبعة وستون عامًا، وقيل: عمره ثلاثة وستون عامًا. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (١٦/ ٢٢٤)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٦/ ١٧٦)، وإرشاد الأديب =","vol":"1","page":106},{"text":"\"الجُهْدُ - با لضم -: الطاقةُ\" (^١). ويقولُ الجوهريُّ (^٢): لا \"الجَهْدُ، والجُهْدُ: الطاقةُ\" (^٣).\nومنه: قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ (^٤).\nفالجُهدُ - بالضم - يستعملُ بمعنى: الطاقةِ، وقد اختلفَ العلماءُ في استعمالِ الجَهْد - بفتح الجيم - بمعنى: الطاقةِ على قولين:\nالقول الأول: لا يأتي الجَهْدُ بمعنى: الطاقةِ.\nالقول الثاني: يأتي الجَهْدُ بمعنى: الطاقةِ، فيكونُ في الجهدِ الذي بمعنى: الطاقةِ، لغتانِ: الضمُّ، والفتحُ (^٥).\nويتصلُ بهذا المعنى تفسيرُ الجَهْدِ - بالفتحِ - بالغايةِ، أو ببلوغِ الغايةِ.\n_________\n= لياقوت (٦/ ٢٨١٢)، وإنباه الرواة للقفطي (٤/ ٧)، والبلغة للفيروزابادي (ص/ ٢٣٨)، وبغية الوعاة للسيوطي (٢/ ٣٣٣).\n(^١) نقل كلامَ الفراء الجوهريُّ في: الصحاح، مادة: (جهد)، (٢/ ٤٦٠)، وابنُ منظور في: لسان العرب، مادة: (جهد)، (٣/ ١٣٢).\n(^٢) هو: إسماعيل بن حماد الجوهري، أبو نصر، أصله فاراب من بلاد الترك، لا يعرف تاريخ ولادته؛ يقول ياقوت الحموي: \"ومن العجب أني بحثتُ عن مولده، ووفاته بحثًا شافيًا، وسألتُ عنها الواردين من نيسابور، فلم أجد مخبرًا\"، وهو أحد أئمة اللغة والأدب، أديب فاضل، ومن فرسان علم الكلام، ومن أعاجيب الزمان ذكاء وفطنة وعلمًا، وكان حسن الخط، يضرب المثل بحسنه، محبًا للسفر والتطواف والتغرب، من مؤلفاته: الصحاح، وعروض الورقة، واختلف في وفاته، فقيل: ٣٩٣ هـ وقيل: في حدود ٤٠٠ هـ. انظر ترجمته في: نزهة الألباء للأنباري (ص/ ٢٥٢)، وإرشاد الأديب لياقوت (٢/ ٦٥٦)، وإنباه الرواه للقفطي (١/ ٢٢٩)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٨٠ - ٨٢)، والوافي بالوفيات للصفدي (٩/ ١١١)، والبلغة للفيروزابادي (ص/ ٦٦)، وبغية الوعاة للسيوطي (١/ ٤٤٦)، وشذرات الذهب لابن العماد (٤/ ٤٩٦).\n(^٣) الصحاح، مادة: (جهد)، (٢/ ٤٦٠). وانظر: مقاييس اللغة، مادة: (جهد)، (١/ ٤٨٦)، ولسان العرب، مادة: (جهد)، (٣/ ١٣٢).\n(^٤) من الآية (٧٩) من سورة (التوبة).\n(^٥) انظر: الصحاح، مادة: (جهد)، (٢/ ٤٦٠)، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير، مادة: (جهد)، (١/ ٣٢٠)، ولسان العرب، مادة: (جهد)، (٣/ ١٣٢).","vol":"1","page":107},{"text":"قال ابنُ السكّيت (^١) والفراءُ: \"الجَهْدُ: الغايةُ\" (^٢).\nتقولُ: اجْهَد جَهْدَك في هذا الأمرِ، أيْ: ابلغْ فيه غايتَك (^٣).\nيقولُ الفراءُ: \"الجَهْدُ - بالفتحِ - مِنْ قولِك: اجْهَدْ جَهْدك في هذا الأمرِ، أيْ: ابلغْ فيه غايتَك\" (^٤).\nوالجَهْدُ: بلوغُ غايةِ الأمرِ الذي لا تألو عن الجهدِ فيه (^٥)، تقول: جَهِدْتُ جَهْدِي، واجتهدتُ برأي وبنفسي حتى بلغتُ مجهودي (^٦).\nواستعمالُ الجَهْدِ في هذا المعنى، بفتحِ الجيمِ (^٧).\nوقد ذكرَ بعضُ الأصوليين تعريفًا لغويًا للاجتهاد، فمِنْ هذه التعريفاتِ، ما أوردَه الفخرُ الرازي، إذ عرَّف الاجتهادَ في اللغةِ بأنَّه استفراغُ الوسعِ في أيِّ فعلٍ كان (^٨)، يُقالُ: استفرغَ وسعَه في حملِ الثقيلِ،\n_________\n(^١) هو: يعقوب بن إسحاق، أبو يوسف، المعروف بابن السكيت، والسكيت لقب أبيه، ولد سنة ١٦٨ هـ كان قبل تعلم النحو معلمًا للصبيان، ولما تعلمه أصبح من أكابر علماء اللغة، كان من أهل الفضل والدين، عالمًا بنحو الكوفيين، والقرآن واللغة والشعر والأدب، موثوقًا بروايته، وتولى تأديب أولاد الخليفة المتوكل، من مؤلفاته: إصلاح المنطق، والقلب والإبدال، والنوادر، والألفاظ، والأضداد، توفي سنة ٢٤٤ هـ وقيل: سنة ٢٤٣ هـ. انظر ترجمته في: نزهة الألباء للأنباري (ص/ ١٣٨)، وإرشاد الأديب لياقوت (٦/ ٢٨٤٠)، وإنباه الرواة للقفطي (٤/ ٥٦)، وفيات الأعيان لابن خلكان (٦/ ٣٩٥)، وسير أعلام النبلاء (١٢/ ١٦)، والبلغة للفيروزابادي (ص/ ٢٤٣)، وبغية الوعاة للسيوطي (٢/ ٣٤٩).\n(^٢) نقل كلامَ ابن السكيت والفراء: الأزهريُّ في: تهذيب اللغة، مادة: (جهد)، (٦/ ٣٧)، وابنُ منظور في: لسان العرب، مادة: (جهد)، (٣/ ١٣٣).\n(^٣) انظر: المصدرين السابقين، والقاموس المحيط، مادة: (جهد)، (ص/ ٣٥١).\n(^٤) نقل كلامَ الفراء: الجوهريُّ في: الصحاح، مادة: (جهد)، (٢/ ٤٦٠)، وابنُ منظور في: لسان العرب، مادة: (جهد)، (٣/ ١٣٢).\n(^٥) انظر: المصدرين السابقين، والقاموس المحيط، مادة: (جهد)، (ص/ ٣٥١).\n(^٦) انظر: المصادر السابقة.\n(^٧) انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، مادة (جهد)، (١/ ٣٢٠).\n(^٨) المحصول في علم أصول الفقه (٦/ ٦).","vol":"1","page":108},{"text":"ولا يُقال: استفرغَ وسعَه في حملِ النواةِ (^١).\nوسببُ قصرِ الرازي الاجتهادِ في اللغةِ على ما فيه مشقةٌ وكلفةٌ فحسب؛ أنَّ مِنْ ضرورةِ كونِ الاجتهادِ استفراغًا للوسع أنْ لا يكونَ إلا فيما فيه مشقةٌ وكلفةٌ (^٢).\nوقد وافقَ الفخرَ الرازيَّ على هذا المعنى جمعٌ مِنْ الأصوليين، منهم: ابنُ قدامةَ (^٣)، والآمديُّ (^٤)، والطوفيُّ (^٥)، وتاجُ الدينِ بنُ السبكي (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>تعريف الاجتهاد في الاصطلاح:</span>\nتعددتْ تعريفاتُ الأصوليينَ للاجتهادِ في الاصطلاح، وهي - في الجملة - متقاربةٌ، وسأعرضُ عددًا مِنْها:\nالتعريفُ الأولُ: بذلُ الجهدِ في استخراجِ الأحكامِ مِنْ شواهدِها الدالّةِ عليها، بالنظرِ المؤدي إليها.\nوهذا تعريفُ أبي المظفرِ السمعاني (^٧).\nالتعريفُ الثاني: بذلُ المجهودِ في طلبِ العلمِ بأحكامِ الشريعةِ.\nوهذا تعريفُ أبي حامد الغزالي (^٨).\nوقد ذكره ابنُ قدامةَ مع اختلافٍ يسيرٍ، فعرّفه بأنَّه: بذلُ المجهودِ في العلمِ بأحكامِ الشرعِ (^٩).\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق.\n(^٢) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٨٦٣).\n(^٣) انظر: روضة الناظر (٣/ ٩٥٩).\n(^٤) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ١٦٢).\n(^٥) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٥٧٥).\n(^٦) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٨٦٣).\n(^٧) انظر: قواطع الأدلة (٥/ ١)\n(^٨) انظر: المستصفى (٢/ ٣٨٢).\n(^٩) روضة الناظر (٣/ ٩٥٩).","vol":"1","page":109},{"text":"التعريفُ الثالثُ: استفراغُ الوسعِ في طلب الظنِّ بشيءٍ مِنْ الأحكامِ الشرعيةِ، على وجهٍ يحسُّ مِنْ نفسِه العجزَ عن المَزيدِ عليه.\nوهذا تعريفُ الآمدي (^١).\nوقد عرَّفَ ابنُ الحاجبِ الاجتهادَ يتعريفٍ قريبٍ مِنْ تعريفِ الآمدي، فعرَّفه بأنَّه: استفراغُ الفقيه الوَسعَ؛ لتحصيلِ ظنٍّ بحكمٍ شرعي (^٢).\nالتعريفُ الرابعُ: استفراغُ الجهدِ في دَركِ الأحكامِ الشرعيةِ.\nوهذا تعريفُ تاجِ الدِّينِ الأرموي (^٣).\nواختاره: القاضي البيضاوي (^٤)، إلا أنَّه أبدلَ لفظةَ: (الجهدِ) بـ (الوسعِ).\nالتعريفُ الخامسُ: استفراغُ الفقيه وسعَه لدَركِ حكمٍ شرعي.\nوهذا تعريفُ ابنِ مفلحٍ (^٥)، والمرداوي (^٦)، وابنِ النجارِ (^٧).\nالتعريفُ السادسُ: بذلُ الوسعِ في نيلِ حكمٍ شرعي عَمَلي، بطريقِ الاستنباطِ.\n_________\n(^١) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ١٦٢).\n(^٢) مختصر منتهى السول (٢/ ١٢٠٤).\n(^٣) انظر: الحاصل من المحصول (٢/ ١٠٠٠). وتاج الدين الأرموي هو: محمد بن الحسين بن عبد الله الأرموي، أبو الفضائل، من تلاميذ الفخر الرازي، كان علامةً متكلمًا أصوليًا بارعًا في العقليات، من فرسان المناظرات، له حشمة وثروة ووجاهة وتواضع، درَّس بالمدرسة الشرفية، من مؤلفاته: الحاصل من المحصول، توفي ببغداد، واختلف في سنة وفاته، فقيل: توفي سنة ٦٥٥ هـ وهو ابن ثمانين عامًا، وقيل: توفي سنة ٦٥٣ هـ وهو ابن نيف وثمانين عامًا، وقيل: سنة ٦٥٦ هـ. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٣٣٤)، وتاريخ الإسلام للذهبي (١٤/ ٧٨٥)، والوافي بالوفيات للصفدي (٢/ ٢٥٣)، وطبقات الشافعية للإسنوي (١/ ٤٥١)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٢٥٢).\n(^٤) انظر: منهاج الوصول (٨/ ٢٨٦٣) مع شرحه الإبهاج.\n(^٥) انظر: أصول الفقه (٤/ ١٤٦٩).\n(^٦) انظر: التحبير (٨/ ٣٨٦٥).\n(^٧) انظر: شرح الكوكب المنير (٤/ ٤٥٨).","vol":"1","page":110},{"text":"وهذا تعريفُ بدرِ الدِّينِ الزركشي (^١).\nوذَكَرَ الشوكانيُّ أنَّ بعضَ الأصوليين زاد على تعريفِ الزركشي، لفظةَ (الفقيه)، فيكون التعريفُ: بذلُ الفقيه الوسعَ في نيلِ حكمٍ شرعي عملي، بطريقِ الاستنباطِ (^٢).\nوهناك تعريفاتٌ اصطلاحيةٌ أخرى للاجتهادِ، لم أُوردْها؛ لأن المقامَ ليس مقامَ بسطٍ واستقصاءٍ لها، وكذلك لم أقفْ مع التعريفاتِ السابقةِ، إذ ما مِنْ تعريفٍ إلا ووَرَد عليه اعتراضٌ أو أكثر، وأُجيبَ عن الاعتراضِ؛ وليس المقامُ مقامَ عرضِها، كما ذكرتُ آنفًا.\nوأنبّه إلى أنَّ مقصدَ الأصوليينَ حين عرّفوا الاجتهادَ في المدونات الأصولية، هو الاجتهاد في الفروع (^٣)؛ لذا يحسنُ اشتمال التعريفِ على قيدِ: فروعي أو عملي؛ لإخراجِ الأَحكامِ الشرعيةِ: الاعتقاديةِ، والأصوليةِ، على أن بعضَ الأصوليين أخرجَ الأحكامَ الاعتقاديةِ، والأصوليةِ بقيدِ: \"حكم شرعي\" على اعتبار أنَّ الحكمَ الشرعيَّ هو خطابُ الله المتعلقِ بفعلِ المكلفِ بالاقتضاءِ، أو التخييرِ، أو الوضعِ (^٤).\nويمكنُ القولُ بأنَّ التعريفَ السادسَ مِنْ أجودِ تعريفاتِ الاجتهادِ، وقد اشتملَ على قيدِ: \"بطريقِ الاستنباطِ\"، وهو قيدٌ مهمٌ - لم يُذكرْ في التعريفاتِ قبله - وفائدته: إخراجُ بذلِ الوسعِ في نيلِ الأحكامِ مِن النصوصِ الدالّةِ عليها صراحةً، أو بحفظِ المسائلِ مِنْ كتبِ الفقهِ (^٥).\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٩٧).\n(^٢) انظر: إرشاد الفحول (٢/ ١٠٢٦).\n(^٣) انظر: سلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٥٢٥).\n(^٤) انظر: نهاية السول (٤/ ٥٢٥)، وسلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٥٢٥). وانظر تعريف الحكم الشرعي في: مختصر منتهى السول لابن الحاجب (١/ ٢٨٢ - ٢٨٣).\n(^٥) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٩٧).","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>العلاقة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي:</span>\nتظهرُ العلاقةُ بين التعريفِ اللغوي والتعريفِ الاصطلاحي مِنْ جهةِ: أنَّ المجتهدَ يبذلُ طاقتَه ووسعَه؛ للتوصّلِ إلى حكمٍ شرعي عملي، مع ما يصاحبُ هذا البذل مِنْ مشقةٍ.\nفالمعنيانِ المذكورانِ في التعريفِ اللغوي مناسبانِ للمعنى الاصطلاحي، إلا أن المعنى الاصطلاحي مخصوصٌ ببذلِ الطاقةِ مِن المجتهدِ للتوصلِ إلى حكمٍ شرعي عملي، فالعلاقةُ بينهما هي العمومُ والخصوصُ المطلقُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>العلاقة بين التمذهب والاجتهاد:</span>\nبعدَ بيانِ معنى الاجتهادِ، أُبيّنُ العلاقةَ بين التمذهبِ والاجتهادِ في ضوءِ الآتي:\nيجتمع التمذهب والاجتهاد في: أنَّ كلًّا منهما فيه بذلُ الوسعِ؛ لاستخراجِ حكمٍ شرعي عملي.\nويبرز الفرق بين التمذهب والاجتهاد في الآتي:\nأولًا: ليس في الاجتهادِ التزامٌ لمذهبِ أحدٍ مِنْ المجتهدين، بخلافِ التمذهبِ، إذ مبناه على التزامِ مذهبِ مجتهدٍ معيّنٍ.\nثانيًا: في الاجتهاد تُؤخذُ أحكامُ الفروعِ مِن الأدلةِ، أمَّا في التمذهب، فقد تُؤخذُ أحكامُ الفروعِ مِن فروعِ المذهب أو مِنْ أصولِه، فالاجتهَادُ المذهبي اجتهادٌ مشوبٌ بالتقليدِ.\nثالثًا: الاجتهادُ سابقٌ في الوجودِ على التمذهبِ؛ إذ التمذهبُ التزامُ مذهبِ مجتهدٍ، ولا يتصور التمذهبُ إلا بعدَ وجودِ المَجتهدِ.\nرابعًا: قد يكونُ بلوغ رتبةِ الاجتهادِ ثمرةَ التمذهبِ؛ إذ تَمَذْهب الشخصِ، وترقيه في سُلَّم العلمِ قد يوصله إلى رتبةِ الاجتهَادِ المطلقِ في الشريعةِ.","vol":"1","page":112},{"text":"وإذا أردنا معرفة النسبة بين التمذهب والاجتهاد، نجد أنَّهما يجتمعان في: العالمِ الذي بَلَغَ رتبةَ الاجتهادِ، وينتسب إلى مذهبِ إمامٍ معيّنٍ.\nومع كونِ التمذهبِ والاجتهادِ يلتقيانِ في الأمرِ الآنفِ الذّكرِ، إلا أنَّ هذا الالتقاءَ التقاءٌ اسمي فقط، ليس له أيُّ أثرٍ على آراء العالم؛ لأنَّ مَنْ بَلَغَ رتبةَ الاجتهاد، ونَسَبَ نفسَه إلى مذهبٍ فقهي، فحقيقةُ أمرِه أنَّه مجتهدٌ.\nوينفرد التمذهب عن الاجتهاد في: المتمذهبِ الذي لم يبلغْ رتبةَ الاجتهادِ.\nوينفرد الاجتهاد عن التمذهب في: المجتهدِ الذي لا ينتسبُ إلى مذهبٍ معيّنٍ.\nوفي ضوءِ ما سَبَقَ، يمكن القولُ بأنَّ النسبةَ بين التمذهبِ والاجتهادِ هي: المباينة.\n* * *","vol":"1","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>المطلب الثالث: العلاقة بين التمذهب والاتباع</span>\nقبلَ توضيحِ العلاقةِ بين التمذهب والاتباعِ، سأعرضُ<span data-type=\"title\" id=toc-35> تعريفَ الاتّباع في اللغةِ</span>، والاصطلاحِ، ثم بعد ذلك أُبيّنُ العلاقةَ بين مصطلحي التمذهبِ والاتباعِ.\n\nتعريف الاتباع في اللغة:\nالاتِّباعُ: مصدر من الفعلِ اتبَعَ، يُقال: اتَّبَعَ يَتَّبعُ اتِّبَاعًا، وتَتَبَّعتُه اتِّباعًا، يقول سيبويه: \"تَتبَّعته اتِّباعًا\" (^١)؛ لأنَّ تَتَبَّعتُ في معنى اتَّبَعتُ (^٢).\nوتَبِعْتَ القومَ تَبَعًا، وتَبَاعةً - بالفتح - إذا مشيتَ خَلْفَهم، أو مرّوا بك، فمضيتَ معهم (^٣).\nوالاتِّباع كالتَّبَع (^٤)، وتَابَعْتُه مُتَابَعَةً وتِبَاعًا (^٥).\nومعنى مادةِ: (تبع): التلو والقفو. يقول ابنُ فارسٍ: \"التاءُ والباءُ والعينُ، أصلٌ واحدٌ، لا يشذُّ عنه مِن البابِ شيءٌ، وهو التّلو والقفو، يُقالُ: تَبِعتُ فلانًا، إذا تلوتُه واتَّبَعتُه، وأَتْبَعته، إذا لحقْتُه، والأصلُ واحدٌ\" (^٦).\n_________\n(^١) نقل ابنُ منظور كلامَ سيبويه في: لسان العرب، مادة: (تبع)، (٨/ ٢٧).\n(^٢) انظر: المصدر السابق.\n(^٣) انظر: الصحاح، مادة: (تبع)، (١/ ١١٩٠)، والقاموس المحيط، مادة: (تبع)، (ص/ ٩١١).\n(^٤) انظر: المصدرين السابقين.\n(^٥) انظر: المصدرين السابقين.\n(^٦) مقاييس اللغة، مادة: (تبع)، (١/ ٣٦٢).","vol":"1","page":114},{"text":"ويُستعملُ التبعُ في الظلِّ، فيُقالُ له: تُبْعٌ؛ لأنَّه تابعٌ أبدًا للشخصِ (^١).\nوتَتَبَّعتُ الشيءَ تتَبُّعًا، أيْ: تَطَلّبتُه متَتَبِّعًا له (^٢).\nواستعمالُ الاتّباعِ موضع التّتبع استعمالٌ مجازي (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>تعريف الاتباع في الاصطلاح:</span>\nاختلفَ العلماءُ في تعريفِ الاتباعِ في الاصطلاحِ، ومردُّ ذلك إلى سؤالٍ، وهو: هل هناك فرقٌ بين الاتباعِ والتقليدِ؟\nفمَنْ لم يُفَرِّقْ بينهما، عرِّف الاتباعَ بالتقليدِ.\nوقد سارَ على هذا الأمرِ كثيرٌ مِنْ الأصوليين.\nويدلُّ عليه: إتيانُ كثيرٍ مِن العلماءِ بلفظةِ: (الاتباع) عند تعريفِهم للتقليدِ (^٤).\nإضافةً: إلى عدمِ نصِّ كثيرٍ مِن الأصوليين على التفريقِ بين الاتباعِ والتقليدِ.\nوممَّنْ سار على عدم التفرقة بينهما: القاضي أبو بكرٍ الباقلاني (^٥)، وإمامُ الحرمين الجويني (^٦)، وأبو بكرٍ السمرقندي (^٧)،\n_________\n(^١) انظر: الصحاح، مادة: (تبع)، (٣/ ١١٩٠)، ومقاييس اللغة، مادة: (تبع)، (١/ ٣٦٣)، والقاموس المحيط مادة: (تبع)، (ص/ ٩١١).\n(^٢) انظر: المصادر السابقة.\n(^٣) انظر: الصحاح، مادة: (تبع)، (٣/ ١١٩٠)، ولسان العرب، مادة: (تبع)، (٨/ ٢٧).\n(^٤) انظر: التقليد وأحكامه للدكتور سعد الشثري (ص/ ٣٣).\n(^٥) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٧٤).\n(^٦) انظر: التلخيص في أصول الفقه (٣/ ٤٢٥).\n(^٧) انظر: ميزان الأصول (٢/ ٩٥٠). وأبو بكر السمرقندي هو: محمد بن أحمد بن أبي أحمد السمرقندي، أبو بكر علاء الدين، من علماء المذهب الحنفي ومحققيه، كان شيخًا كبيرًا فاضلًا جليل القدر، وقد تفقه على أبي اليسر البزدوي، وتفقه عليه الكاساني، من مؤلفاته: تحفة الفقهاء، وميزان الأصول في نتائج العقول، واللباب في الأصول، توفي سنة ٥٥٣ هـ. =","vol":"1","page":115},{"text":"والنسفيُّ (^١)، واللامشيُّ (^٢)، وهو ظاهرُ كلامِ تقي الدين بنِ تيمية (^٣).\nوبناءً على عدمِ التفريقِ بين الاتباعِ، والتقليدِ: فإنَّ الناسَ عند هؤلاءِ: إمَّا مقلدون، وإمّا مجتهدون، ولا يُوجد بينهما واسطةٌ.\nفمَنْ لم يبلغْ درجةَ الاجتهادِ في الشريعةِ، فهو مقلِّدٌ، لا فرقَ بين العالمِ الذي لم يبلغْ رتبةَ الاجتهادِ، والعامي الصِرفِ، في انطباقِ وصفِ التقليدِ عليهما.\nويرى آخرون التفريقَ بين الاتباعِ، والتقليدِ:\nفالاتّباعُ هو: أخذُ قولِ المجتهدِ؛ مع معرفةِ دليلِ قولِه.\nوالتقليد: أخذُ القولِ؛ لأنَّ فلانًا قاله، دونَ علمٍ ومعرفةٍ بدليلِ قولِه.\nوقد ذَهَبَ إلى التفريق بين الاتباعِ، والتقليدِ جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: ابنُ خويز منداد (^٤)،\n_________\n= انظر ترجمته في: الجواهر المضية للقرشي (٣/ ٦٤، ٨٣)، وتاج التراجم لقطلوبغا (ص/ ٢٥٧)، والفوائد البهية للكنوي (ص/ ٢٠٥).\n(^١) انظر: كشف الأسرار (٢/ ١٧٢). والنسفي هو: عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، أبو البركات حافظ الدين، أحد أئمة المذهب الحنفي، عديم النظير في زمانه، علامة الدنيا، ورأس في الفقه وأصوله، بارع في التفسير والحديث ومعانيه، زاهد ورع عامل، من مؤلفاته: التفسير، والمنار في أصول الفقه، والكافي شرح الوافي، وكشف الأسرار شرح المصنف على المنار، وكنز الدقائق، توفي سنة ٧١٠ هـ، وقيل: ٧٠١ هـ. انظر ترجمته في: الجواهر المضية للقرشي (٢/ ٢٩٤)، والدرر الكامنة لابن حجر (٢/ ٢٤٧)، وتاج التراجم لقطلوبغا (ص/ ١٧٤)، والطبقات السنية للغزي (٤/ ١٥٤)، والفوائد البهية للكنوي (ص/ ١٣٠)، والأعلام للزركلي (٤/ ١٩٢).\n(^٢) انظر: كتاب في أصول الفقه (ص/ ٢٠٠). واللامشي هو: محمود بن زيد اللامشي، أبو الثناء، من علماء المذهب الحنفي، كان عالمًا بالفقه والأصول، من مؤلفاته: كتاب في أصول الفقه، وتوفي في أوائل القرن السادس الهجري. انظر ترجمته في: الجواهر المضية للقرشي (٣/ ٤٣٧)، و(٤/ ٣٤٥)، وتاج التراجم لقطلوبغا (ص/ ٢٩٠).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (٢٠/ ١٥ - ١٦).\n(^٤) انظر: جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٩٣). وابن خويز هو: محمد بن أحمد بن عبد الله - وقيل: ابن علي بن إسحاق - أبو بكر البصري، ويقال: أبو عبد الله، المعروف بابن خويز =","vol":"1","page":116},{"text":"وابنُ عبد البر (^١)، وابنُ القيمِ (^٢)، وابنُ أبي العزِّ الحنفي (^٣)، والشوكاني (^٤).\nوقد نَسَبَ ابنُ القيّمِ إلى الإمامِ أحمدَ أنَّه يفرِّق بين التقليدِ والاتباعِ (^٥)؛ أخذًا مِنْ قولِ الإمامِ أحمدَ في روايةِ أبي داودَ: \"الاتِّباعُ: أنْ يَتّبعَ الرجلُ ما جاء عن النبي - ﷺ -، وعن أصحابِه، ثمَّ هو بعدُ في التابعين مخيّرٌ\" (^٦).\nواختارَ التفريقَ بين التقليدِ، والاتباعِ جمعٌ مِن المعاصرين، منهم: الشيخُ محمدٌ الأمين الشنقيطي (^٧)، والدكتورُ محمد مدكور (^٨)، والدكتورُ عياض السلمي (^٩)، والدكتورُ جبريل ميغا (^١٠)، والأستاذ محمد عيد\n_________\n= منداد، ويقال: ابن خواز منداد، من علماء المالكية، وأحد أعلام الأصوليين، له اختيارات في الفقه والأصول خالف فيها مذهبه، وقد وصفه القاضي عياض بأنه لم يكن جيدًا في النظر، ولا بالقوي في الفقه، كان يجانب علم الكلام، وينافر أهله، ويحكم عليهم بأنهم من أهل الأهواء، من مؤلفاته: كتاب كبير في مسائل الخلاف، وكتاب في أصول الفقه، وكتاب في أحكام القرآن، توفي سنة ٣٩٠ هـ تقريبًا. انظر ترجمته في: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٧/ ٧٧)، وتاريخ الإسلام للذهبي (٨/ ٦٨٠)، والوافي بالوفيات للصفدي (٢/ ٥٢)، والديباج المذهب لابن فرحون (٢/ ٢٢٩)، ولسان الميزان لابن حجر (٧/ ٣٥٩)، وطبقات المفسرين للداودي (٢/ ٧٢)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ١٠٣).\n(^١) انظر: جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٧٨٧).\n(^٢) انظر: إعلام الموقعين (٣/ ٤٦٤ وما بعدها).\n(^٣) انظر: الاتباع (ص/٢٣). وابن أبي العز هو: علي بن علي بن محمد بن محمد بن أبي العز الدمشقي الصالحي، صدر الدين أبو الحسن، ولد سنة ٧٣١ هـ فقيه حنفي حافظ، مشارك في عدة فنون، وكان قاضي القضاة بالديار المصرية، ثم بدمشق، تولى التدريس والإفتاء، وكان على عقيد السلف الصالح، من مؤلفاته: التنبيه على مشكلات الهداية، وشرح العقيدة الطحاوية، والاتباع، توفي سنة ٧٩٢ هـ. انظر ترجمته في: إنباء الغمر لابن حجر (٣/ ٥٠)، والدرر الكامنة له (٣/ ٨٧)، ووجيز الكلام للسخاوي (١/ ٢٩٥)، وشذرات الذهب لابن العماد (٨/ ٥٥٧).\n(^٤) انظر: القول المفيد (ص / ١٦١ وما بعدها).\n(^٥) انظر: إعلام الموقعين (٣/ ٤٦٩).\n(^٦) مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (ص/ ٣٦٨).\n(^٧) انظر: أضواء البيان (٨/ ٥٨١ وما بعدها).\n(^٨) انظر: مناهج الاجتهاد في الإسلام (ص/ ٤٣٠).\n(^٩) انظر: أصول الفقه (ص/ ٤٧٨).\n(^١٠) انظر: دراسة تحليلية مؤصلة لتخريج الفروع على الأصول (ص/ ٧٤٤).","vol":"1","page":117},{"text":"عباسي (^١).\nيقولُ ابنُ خوير منداد: \"التقليدُ معناه في الشرعِ: الرجوعُ إلى قولٍ لا حجةَ لقائلِه عليه، وهذا ممنوعٌ منه في الشريعةِ؛ والاتّباعُ: ما ثَبَتَ عليه حجةٌ\" (^٢).\nويقولُ ابنُ عبدِ البر: \"التقليدُ عند العلماءِ غيرُ الاتّباعِ؛ لأنَّ الاتباعَ هو تَتَبّعُ القائلِ على ما بان لك مِنْ فضلِ قولِه، وصحةِ مذهبِه\" (^٣).\nويقول ابنُ أبي العزِّ الحنفي: \"وإنْ قلَّده - أيْ: قلَّد إمامَه - فيما تبيّنَ له فيه مِن الدليلِ، موافق (^٤) له، فليس ذلك بتقليدٍ له، بلْ يكونُ في ذلك متبِعًا للدليلِ، إلا أنْ ينويَ تقليدَ الإمامِ دونَ متابعةِ الدليلِ\" (^٥).\nوبناءً على التفريقِ بين الاتباعِ، والتقليدِ: فالنّاسُ: إمَّا مقلدون، وإمَّا متبعون، وإمَّا مجتهدون.\nوليس المقامُ هنا مقامَ استقصاءٍ للخلافِ في معنى الاتباعِ في الاصطلاحِ؛ إذ المسالةُ خارجة عمَّا نحنُ فيه، هذا مِنْ جهةٍ.\nومِنْ جهةٍ أخرى: فالمسالةُ لا تَعْدُو أنْ تكونَ اصطلاحًا، ولا مشاحةَ في الاصطلاحِ، كما هو معلومٌ (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>العلاقة بين التعريف اللغوي والتعريف الاصطلاحي:</span>\nالعلاقةُ بين التعريفِ اللغوي، والاصطلاحي للاتّباعِ: هي العمومُ\n_________\n(^١) انظر: بدعة التعصب المذهبي (ص/ ٣٣).\n(^٢) نقل كلامَ ابن خويز بنُ عبد البر في: جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٩٣).\n(^٣) المصدر السابق (٢/ ٧٨٧).\n(^٤) هكذا في المطبوع من: الاتباع (ص/ ٢٣)، ولعل الصواب \"موافقًا\".\n(^٥) المصدر السابق.\n(^٦) انطر عبارة: (لا مشاحة في الاصطلاح) في: النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (١/ ٤٤٥).","vol":"1","page":118},{"text":"والخصوصُ المطلقُ؛ لأنَّ الاتّباعَ في الاصطلاحِ اقتفاءُ قولِ المجتهدِ؛ لقوّةِ دليلِه، ويدخلُ المعنى الاصطلاحي للاتّباع في المعنى اللغوي؛ لوجود الاقتفاءِ والتّتبعِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>العلاقة بين التمذهب والاتباع:</span>\nسَبَقَ قبلَ قليلٍ أنْ أوضحتُ اختلافَ العلماءِ في التفريقِ بين الاتباعِ والتقليدِ، وسأسيرُ في بيانِ العلاقةِ بين التمذهبِ والاتباعِ في ضوءِ الاتجاهِ المفرِّقِ بين الاتباعِ والتقليدِ؛ لأنَّ مَنْ لا يرى التفرَيقَ بينهما يجعلُ الفرقَ بين التمذهبِ والاتباعِ هو الفرق نفسه بين التمذهب والتقليدِ، وقد تقدّمَ الكلامُ عنه.\nيجتمعُ التمذهبُ والاتباعُ في الآتي:\nأولًا: كل مِن التمذهبِ والاتباعِ أخذٌ لقولِ مجتهدٍ.\nثانيًا: عدمُ تحقّقِ وصفِ التمذهب والاتباعِ في العامي؛ لأنَّ التمذهبَ لا يصحُّ منه، ولأنَّ الاتباع إنَّما يكونُ لمنْ لديه أهليةٌ لفهمِ الدليلِ (^١)، والعاميّ لا يتحققُ منه - في الجملة - الفهمُ الإجمالي للدليلِ.\nويفترقُ التمذهبُ والاتباعُ في الآتي:\nأولًا: التمذهبُ أخذُ أقوالِ مجتهدٍ معيّنٍ، أمَّا الاتباعُ، فالأخذُ قد يكونُ عن مجتهدٍ واحدٍ، وقد يكونُ عن أكثرِ مِنْ مجتهدٍ، بشرطِ معرفةِ دليلِ قولِه.\nثانيًا: محلُّ الاتّباعِ في الغالب المسائلُ المنصوصُ على حكمِها في الكتابِ والسُّنةِ (^٢)، سواءٌ أكانت قطَعيةً أم ظنيةً، أمّا التمذهبُ، فيشملُ المسائلَ المنصوصةَ في الكتاب والسنةِ التي لا يُقطعُ بحكمِها، وغيرَها مِن الأصولِ والفروعِ والقواعدِ والضَوابطِ.\n_________\n(^١) انظر: أصول الفقه للدكتور عياض السلمي (ص/ ٤٧٨).\n(^٢) انظر: أضواء البيان (٨/ ٥٨١).","vol":"1","page":119},{"text":"ثالثًا: قد يكونُ التمذهبُ أخذًا لقولِ إمامِ المذهبِ دونَ معرفةٍ بدليلِه، أمَّا في الاتّباعِ، فلا بُدَّ مِنْ معرفةِ الدليلِ، ولا يصدق الاتّباعُ على حالِ الجهلِ به.\nوإذا أردنا معرفةَ النسبةِ بين التمذهبِ والاتباعِ، نجدُ أنَّهما يجتمعانِ في الآتي:\nالأول: الشخصُ غيرُ العامي الذي لم يبلغْ رتبةَ الاجتهادِ، حينَ يأخذُ بقولِ إمامِه، مع معرفتِه بدليلِه، فيوصفُ فعلُه حينئذٍ بالتمذهبِ وبالاتباعِ.\nالثاني: المجتهدُ المنتسبُ إلى مذهب معيّنٍ، حينَ يأخذُ بقولِ إمامِ مذهبِه، مع معرفتِه بدليلِ قولِه.\nوينفردُ التمذهبُ عن الاتباعِ في الآتي:\nالأول: غيرُ العامي الذي لم يبلغْ رتبةَ الاجتهادِ، إذا أخَذَ بقولِ إمامِه، دونَ معرفةِ دليلِه.\nالثاني: المجتهدُ المنتسبُ إلى مذهب معيّن، حين يأخذُ بقولِ إمامِه دونَ معرفةِ دليلِه.\nوينفردُ الاتباعُ عن التمذهبِ في: غيرِ العامي الذي لا ينتسبُ إلى مذهبٍ معيّنٍ، إذا أَخَذَ قولَ مجتهدٍ، مع معرفةِ دليلِه.\nونخلصُ مِنْ هذا إلى أنَّ العلاقةَ بين التمذهبِ، والاتباعِ هي العمومُ والخصوصُ الوجهي.\n* * *","vol":"1","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>المطلب الرابع: العلاقة بين التمذهب والتأسي</span>\nقبلَ الدخولِ في بيانِ العلاقةِ بين التمذهبِ والتأسي، أُبيّنُ المعنى اللغوى، والاصطلاحي للتأسي، ثمَّ بعدَ ذلك أنتقلُ إلى بيانِ العلاقةِ بين المصطلحينِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>تعريف التأسي في اللغة:</span>\nالتَّأَسّي: مصدرٌ مِنْ الفعلِ: تأسَّى، يُقال: تَأَسَّى يَتَأَسَّى تَأَسِّيًا (^١)؛ بناءً على القاعدةِ الصرفيةِ فيما كانَ على وزنِ: (تَفَعَّلَ) فمصدرُه: (تَفَعّل) (^٢).\nويجعلُ بعضُ أهلِ اللغةِ أصلَ كلمةِ التَأَسّي مِنْ (أسو) (^٣)، في حينِ أنَّ بعضَ اللغويينَ يجعلُ أصلَها (أسي) (^٤).\nولمادةِ (أسو) معانٍ، منها:\nالمعنى الأول: المداوةُ والإصلاحُ. يقولُ ابنُ فارسٍ: \"الهمزةُ والسينُ والواوُ، أصلٌ واحدٌ، يدلُّ على المداوةِ والإصلاحِ\" (^٥).\nيُقالُ: أَسَا الجُرحَ، أَسْوًا، وأَسًا، إذا داواه (^٦)\n_________\n(^١) انظر: الصحاح، مادة: (أسا)، (٦/ ٢٢٦٨)، ولسان العرب مادة: (أسا)، (١٤/ ٣٤).\n(^٢) انظر: شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك (٢/ ١٢١)، والتصريح بمضمون التوضيح للأزهري (٣/ ٣٢٣).\n(^٣) انظر: الصحاح، مادة: (أسا)، (٦/ ٢٢٦٨)، ولسان العرب مادة: (أسا)، (١٤/ ٣٤).\n(^٤) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (أسو)، (١/ ١٥٠).\n(^٥) المصدر السابق.\n(^٦) انظر: المصدر السابق، والصحاح، مادة: (أسا)، (٦/ ٢٢٦٩)، ولسان العرب، مادة: (أسا)، (١٤/ ٣٥)، والقاموس المحيط، مادة: (أسا)، (ص/ ١٦٢٦).","vol":"1","page":121},{"text":"والآسي: الطبيبُ (^١)، والأَسو - كعَدّو -: الدواءُ (^٢). وأَسَوْتُ بين القومِ، إذا أصلحتُ بينهم (^٣).\nالمعنى الثاني: القدوةُ. فالإسوةُ، والأُسوةُ: القدوةُ (^٤). يُقالُ: ائْتَسى به، أيْ: اقتدى، وائتسِ به، أيْ: اقتدِ به وكنْ مثلَه، ولا تَأْتَسِ بمَنْ ليس لك بأسوةٍ، أيْ: لا تقتدِ بمَنْ ليس لك بقدوةٍ (^٥)، ولي في فلانِ إسوةٌ، وأُسوةٌ، أيْ: قدوةٌ وائتمامٌ (^٦).\nومِنْ هذا المعنى قولُهم: أَسّيتُ فلانًا تَاسِيةً، إذا عزّيْتُه (^٧). يقولُ ابنُ فارسٍ: \"أَسّيتُ فلانًا، إذا عزّيتُه، مِنْ هذا - أيْ: القدوة - أيْ قلتُ له: ليكنْ لك بفلانٍ أسوةٌ، فقد أُصيبَ بمثلِ ما أُصبتَ به، فرضي وسلّمَ\" (^٨).\nولمادة: (أسي) معنى واحدٌ، وهو: الحزن (^٩).\nيُقالُ: أَسِي على مصيبتِه، يَأْسَى أَسًا، أيْ: حَزِنَ، وقد أَسَيْتُ لفلانٍ، أيْ: حزنتُ له (^١٠).\nوالإسوة، والأُسوة: ما يأتسي به الحزينُ، وتُجْمَعُ على إسًا، وأُسًا (^١١).\n_________\n(^١) انظر: المصادر السابقة، وتهذيب اللغة، مادة: (أسى)، (١٣/ ١٣٩).\n(^٢) انظر: القاموس المحيط، مادة: (أسا)، (ص/ ١٦٢٦).\n(^٣) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (أسى)، (١٣/ ١٣٩)، والصحاح، مادة: (أسا)، (٦/ ٢٢٦٩)، ومقاييس اللغة، مادة: (أسو)، (١/ ١٠٥)، والقاموس المحيط، مادة: (أسا)، (ص/ ١٦٢٦).\n(^٤) انظر: المصادر السابقة، ولسان العرب، مادة: (أسا)، (١٤/ ٣٤).\n(^٥) انظر: المصادر السابقة.\n(^٦) انظر: المصادر السابقة.\n(^٧) انظر: الصحاح، مادة: (أسا)، (٦/ ٢٢٦٨)، ولسان العرب، مادة: (أسا)، (١٤/ ٣٤)، والقاموس المحيط، مادة: (أسا)، (ص/ ١٦٢٦).\n(^٨) مقاييس اللغة، مادة: (أسو)، (١/ ١٠٥).\n(^٩) انظر: المصدر السابق، مادة: (أسي)، (١/ ١٠٦).\n(^١٠) انظر: المصدر السابق، والصحاح، مادة: (أسا)، (٦/ ٢٢٦٨)، ولسان العرب، مادة: (أسا)، (١٤/ ٣٤)، والقاموس المحيط، مادة: (أسا)، (ص/ ١٦٢٦).\n(^١١) انظر: المصادر السابقة.","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>تعريف التأسي في الاصطلاح:</span>\nقبلَ إيرادِ المعنى الاصطلاحي للتأسي، أُبَيّنُ أن مصطلحَ (التأسي) قد ارتبطَ بأفعالِ النبي - ﷺ -.\nولقد اهتمَّ الأصوليون ببيانِ أقسامِ أفعالِ النبي - ﷺ -، وبيانِ حكمِ كلِّ قسمٍ، على وجهِ التفصيلِ، فهناك: الفعل الجبليُّ، والفعل البيانيُّ، والفعلُ المختصُّ به - ﷺ -، والفعلُ المبتدأُ، أو المجرّد الذي لا يدخلُ تحتَ الأقسامِ السابقةِ (^١).\nومحلُّ ورودِ مصطلحِ (التأسي) في الفعلِ المبتدأِ.\nيقولُ الشيخ محمد الطاهرُ بنُ عاشورٍ (^٢): \"اصطلاحُ أهلِ الأصولِ على جعلِ التأسي لقبًا لاتباعِ الرسولِ - ﷺ - في أعمالِه التي لم يطالبْ بها الأمةَ على وجهِ التشريعِ\" (^٣).\nوإليك تعريف التأسي في اصطلاح الأصوليين:\nالتعريفُ الأولُ: التأسي في الفعلِ: أنْ تفعلَ صورةَ ما فَعَلَ النبيُّ - ﷺ - على الوجهِ الذي فَعَلَ، لأجلِ أنَّه فَعَل؛ وفي الترك: أنْ تتركَ ما تَرَكَ النبيُّ - ﷺ - على الوجهِ الذي تَرَكَ، لأجلِ أنَّه تَرَكَ.\n_________\n(^١) انظر: المعتمد (١/ ٣٧٢)، والعدة (٣/ ٧٣٤ وما بعدها)، والتبصرة (ص / ٢٤٢)، وقواطع الأدلة (٢/ ١٧١ وما بعدها)، والمستصفى (٢/ ٢١٩ وما بعدها)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٢/ ٣١٣ وما بعدها)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ١٧٢ وما بعدها).\n(^٢) هو: محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور، ولد في تونس سنة ١٢٩٦ هـ من كبار العلماء المتأخرين، وأحد أعلام المالكية المعاصرين، كان علامة فقهيًا أصوليًا مفسرًا، ذا فصاحة منطق، وبراعة بيان، وقوة نظر، واسع الاطلاع، مهيب الجناب، وقد عُين شيخ الإسلام في الفتوى على المذهب المالكي، من مؤلفاته: التحرير والتنوير في تفسير القرآن العظيم، وحاشية على شرح تنقيح الفصول للقرافي، ومقاصد الشريعة الإسلامية، وأصول النظام الاجتماعي، توفي سنة ١٣٩٤ هـ. انظر ترجمته في: الأعلام للزركلي (٦/ ١٧٤)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٣٧٣)، ومقدمة تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية لابن عاشور (١/ ١٥٣)، وتراجم لتسعة من الأعلام للزركلي لمحمد الحمد (ص/ ١٥٣).\n(^٣) التحرير والتنوير (١٠/ ٣٠٣).","vol":"1","page":123},{"text":"وهذا تعريفُ أبي الحسين البصري (^١).\nوتَبعَ أبا الحسينِ البصري جمعٌ مِن الأصوليين، منهم: أبو المظفرِ السمعاني (^٢)، وأبو حامدٍ الغزالي (^٣)، وأبو الخطابِ (^٤)، والأسمندي (^٥)، والآمدي (^٦)، وأبو عبدِ الله الأصبهاني (^٧).\nالتعريف الثاني: التأسي في الفعلِ: أنْ تفعلَ ما فَعَلَ النبيُّ - ﷺ -، لأجلِ أنّه فَعَلَ، وفي التركِ: أنْ تَتْرُكَ ما تَرَكَ، لأجلِ أنَّه تَرَكَ.\nوهذا تعريفُ ابنِ مفلحٍ (^٨)، والمرداوي (^٩)، وابنِ النجار (^١٠)، وغيرِهم.\n_________\n(^١) انظر: المعتمد (١/ ٣٧٣).\n(^٢) انظر: قواطع الأدلة (٢/ ١٧٩).\n(^٣) انظر: المستصفى (٢/ ٢٢٢).\n(^٤) انظر: التمهيد في أصول الفقه (٢/ ٣١٣).\n(^٥) انظر: بذل النظر (ص/ ٥٠١ - ٥٠٢). والأسمندي هو: محمد بن عبد الحميد بن الحسين بن الحسن بن حمزة الأسمندي، أبو الفتح علاء الدين السمرقندي، ولد بسمرقند سنة ٤٨٨ هـ كان فقهيًا فاضلًا، مناظرًا متقنًا، أصوليًا بارعًا، مفسرًا لكتاب الله، من فحول المذهب الحنفي، له عبارات حسنة، وقد تنسك آخر حياته، من مؤلفاته: بذل النظر في الأصول، وطريقة الخلاف في الفقه بين الأئمة الأسلاف، توفي ببخارى سنة ٥٥٢ هـ وقيل: ٥٥٣ هـ وقيل: ٥٦٣ هـ. انظر ترجمته في: الأنساب للسمعاني (١/ ٢٤٦)، والوافي بالوفيات للصفدي (٣/ ٢١٨)، والجواهر المضية للقرشي (٣/ ٢٠٨)، ولسان الميزان لابن حجر (٧/ ٢٧٤)، وتاج التراجم لقطلوبغا (ص/ ٢٤٣، ٢٦٥)، وطبقات المفسرين للداودي (٢/ ١٨٠).\n(^٦) انظر: الإحكام في أصول الإحكام (١/ ١٧٢).\n(^٧) انظر: الكاشف عن المحصول (٥/ ١٥٥). وأبو عبد الله الأصبهاني هو: محمد بن محمود بن محمد بن عباد، أبو عبد الله شمس الدين الأصبهاني، ولد بأصبهان سنة ٦١٦ هـ كان شافعي المذهب إمامًا في المنطق والكلام والأصول والجدل، عارفًا بالنحو والشعر، فارسًا لا يشق له غبار، متدينًا لبيبًا ورعًا، كثير العبادة، مهيبًا وقورًا، تولى القضاء والإفتاء، له اليد الطولى في العربية والشعر، من مؤلفاته: الكاشف عن المحصول، وغاية المطلب، والقواعد، توفي بالقاهرة سنة ٦٨٨ هـ. انظر ترجمته في: الوافي بالوفيات للصفدي (٥/ ١٢)، وفوات الوفيات لابن شاكر (٢/ ٢٦٥)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٨/ ١٠٠)، وطبقات الشافعية للإسنوي (١/ ١٥٥)، وحسن المحاضرة للسيوطي (١/ ٥١٤)، وشذرات الذهب لابن العماد (٧/ ٧١٠).\n(^٨) انظر: أصول الفقه (١/ ٣٣٥).\n(^٩) انظر: التحبير (٣/ ١٤٨٤ - ١٤٨٥).\n(^١٠) انظر: شرح الكوكب المنير (٢/ ١٩٦).","vol":"1","page":124},{"text":"والتعريفُ الثاني مستفادٌ مِن التعريفِ الأولِ، إلا أنَّه حَذَفَ قيدينِ، وهما: \"على الوجهِ الذي فَعَلَ\"، و\"على الوجهِ الذي تَرَكَ\".\nفالتأسي يتحققُ بمجرّدِ موافقةِ الفعلِ، لأجلِ أنَّ النبيَّ - ﷺ - فَعَلَ، دونَ اعتبارٍ لغرضِ الفعلِ، وكذلك الترك.\nواختارَ أبو شامةَ المقدسيُّ (^١) عدمَ اشتراطِ الموافقةِ في النيةِ لتحقيقِ معنى التأسي (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>العلاقة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي:</span>\nمِنْ خلالِ تأمّلِ التعريفينِ الاصطلاحيين السابقينِ للتأسي، يظهرُ أنَّ المعنى اللغويَّ المناسبَ للمعنى الاصطلاحي هو المعنى الثاني لمادةِ: (أسو)، وهو: الاقتداء، والعلاقةُ بين المعنى اللغوي، والاصطلاحي ظاهرةٌ؛ فالتأسي الاصطلاحي اقتداءٌ، لكنَّه مختصٌ بالنبيِّ - ﷺ -، فكلُّ تأسٍ مصطلحٍ عليه داخلٌ تحت معنى الاقتداءِ اللغوي، دونَ العكس.\nوبناءً على ما تقدمَ، فالعلاقةُ بين المعنى اللغوي، والاصطلاحي هي: العمومُ والخصوصُ المطلقُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>العلاقة بين التمذهب والتأسي:</span>\nبعد أنْ بيّنتُ المعنى اللغويَّ والاصطلاحيَّ للتأسي، أستطيع بعده أنْ\n_________\n(^١) هو: عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان المقدسي الدمشقي، شهاب الدين أبو القاسم، المشهور بأبي شامة؛ لشامةٍ كبيرة فوق حاجبه الأيسر، ولد بدمشق سنة ٥٩٩ هـ كان إمامًا راسخًا في العلم، متفننًا مقرئًا فقيهًا أصوليًا محدثًا نحويًا مؤرخًا، زاهدًا ورعًا، شافعي المذهب، من مؤلفاته: المحقق من علم الأصول فيما يتصل بأفعال الرسول - ﷺ -، وكتاب الروضتين بأخبار الدولتين، والكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول، توفي سنة ٦٦٥ هـ. انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ للذهبي (٤/ ١٤٦٠)، وفوات الوفيات لابن شاكر (٢/ ٢٦٩)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٨/ ١٦٥)، وطبقات الشافعية للإسنوي (٢/ ١١٨)، والبداية والنهاية (١٧/ ٤٧٢)، وبغية الوعاة للسيوطي (٢/ ٧٧)، وطبقات المفسرين للداودي (١/ ٢٦٣).\n(^٢) انظر: المحقق من علم الأصول (ص/ ١٠٢ وما بعدها).","vol":"1","page":125},{"text":"أُبيَّنَ العلاقةَ بين التمذهبِ والتأسي في ضوء الآتي:\nيجتمع التمذهبُ والتأسي في: أنَّ كلًّا منهما اقتفاءٌ لشخصٍ محددٍ، دونَ مَنْ عداه.\nويفترقُ التمذهبُ والتأسي في الآتي:\nأولًا: التمذهبُ التزامُ مذهبِ مجتهدٍ، أمَّا التأسي، فهو متابعةٌ للنبي - ﷺ - فحسب.\nثانيًا: أن التمذهبَ أخذُ أقوالِ إمامِ المذهب وأفعالِه وإقرارِه - على خلافِ في الأخيرين - أمَّا التأسي، فمحلُه الفعلُ الصادر من النبي - ﷺ - والترك.\nثالثًا: يصحُّ التأسي مِن العامي، أمَّا التمذهب فلا يصحُّ مِن العامي على خلاف في ذلك، كما سيأتي الحديثُ عنه في مسألةٍ مستقلةٍ.\nتلك هي أبرزُ الفروقات التي ظهرت لي مِنْ تأمّلِ مدلولِ مصطلحي: التمذهب، والتأسي.\nوإذا أردنا معرفةَ النسبةَ بين التمذهب، والتأسي، نجدُ أنَّهما يجتمعانِ في: المتمذهبِ الذي يفعلُ مثلَ فعلِ النَّبي - ﷺ -، لأجلِ أنّه فَعَلَ، أو يتركُ لأجلِ تركِ النبيَ - ﷺ -.\nوينفرد التمذهب عن التأسي في: المتمذهب الذي يفعلُ أمرًا - أو يتركُ أمرًا - بناءً على قولِ إمامِه، دونَ اقتداءٍ بالنبي - ﷺ -.\nوينفرد التأسي عن التمذهب في الآتي:\nالأول: المجتهد غير المنتسبِ الذي يفعلُ مثلَ فعلِ النبي - ﷺ -، لأجلِ أنَّه فَعَلَ، أو يتركُ لأجلِ تركِ النبي - ﷺ -.\nالثاني: العاميّ الذي يفعلُ مثلَ فعلِ النبي - ﷺ -، لأجلِ أنَّه فَعَلَ، أو يترك لأجلِ تركِ النبي - ﷺ -.\nوبناءً على ما تقدّمَ، فالنسبةُ بين التمذهبِ والتأسي هي: العمومُ والخصوصُ الوجهي.","vol":"1","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>المطلب الخامس: العلاقة بين التمذهب والتعصب</span>\nقبلَ الدخولِ في بيانِ العلاقةِ بين التمذهبِ والتعصبِ، أُمهدُ لذلك ببيانِ المعنى اللغوي، والاصطلاحي للتعصبِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>تعريف التعصب في اللغة:</span>\nالتَّعَصُّبُ: مصدرٌ مِن الفعل تَعَصَّبَ، يُقالُ: تَعَصَّبَ يَتَعَصَّبُ تَعَصُّبًا، بناءً على القاعدةِ الصرفيةِ، فيما كان على وزنِ: (تَفَعَّل)، فمصدرُه: (تَفَعُّل) (^١).\nوالتعصُّبُ مأخوذٌ مِن العصبيةِ (^٢)، والعصبيةُ: أنْ يدعوَ الرجلُ إلى نصرةِ عصبتِه، والتّألبِ معهم على مَنْ يناويهم، ظالمين أو مظلومين (^٣).\nفالعصبيةُ والتعصّب معناهما: المحاماة والمدافعة (^٤). والعَصَبيُّ: الذي يغضبُ لعصبتِه، ويحامي عنهم (^٥). يقول ابنُ فارسٍ: \"العين والصاد والباء أصلٌ صحيحٌ واحدٌ، يدل على ربط شيءٍ بشيءٍ، مستطيلًا أو مستديرًا\" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك (٢/ ١٢١)، والتصريح بمضمون التوضيح للأزهري (٣/ ٣٢٣).\n(^٢) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (عصب)، (٢/ ٤٩)، والصحاح، مادة: (عصب)، (١/ ١٨٢)، وشمس العلوم للحميري، مادة: (عصب)، (٧/ ٤٥٨٤)، ولسان العرب، مادة: (عصب)، (١/ ٦٠٦).\n(^٣) انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، مادة: (عصب)، (٣/ ٢٤٦)، ولسان العرب، مادة: (عصب)، (١/ ٦٠٦).\n(^٤) انظر: المصدرين السابقين.\n(^٥) انظر: المصدرين السابقين.\n(^٦) مقاييس اللغة، مادة: (عصب)، (٤/ ٣٣٦).","vol":"1","page":127},{"text":"ومن هذا المعنى: العَصَبُ (^١). يُقالُ: لحمٌ عصيبٌ، أيْ: صُلْبٌ مكتنزٌ كثيرُ العَصَبِ، وفلانٌ معصوبُ الخَلْقِ، أيْ: شديد اكتنازِ اللحمِ (^٢).\nوالعَصْبُ: الطي الشديدُ (^٣). والمُعَصَّبُ: الفقيرُ، والمحتاجُ (^٤). يقولُ أبو عبيدٍ (^٥): \"المُعَصَّبُ: الذي يتعصبُ مِن الجوعِ بالخرقِ\" (^٦).\nوالعِصَابةُ: الشيءُ يُعصبُ به الرأسُ (^٧). والعَصّابُ: الغزّال (^٨)، يقولُ ابنُ فارسٍ: \"وهو القياسُ؛ لأنَّ الخيطَ يُعْصَبُ به\" (^٩).\nوالعُصْبةُ مِن الرجالِ: عشرةٌ إلى أربعين؛ وسُمّيتْ عصبة؛ لأنَّها قد عُصِبتْ، أيْ: كأنَّها رُبِطَ بعضُها ببعضٍ (^١٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>تعريف التعصب في الاصطلاح:</span>\nمحلُّ حديثي في هذا المبحثِ عن التعصبِ المذهبي، لا عن مطلقِ التعصبِ للآراءِ أو الفِرَقِ.\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق، وتهذيب اللغة، مادة: (عصب)، (٢/ ٤٨)، والصحاح، مادة: (عصب)، (١/ ١٨٢).\n(^٢) انظر: المصادر السابقة.\n(^٣) انظر: المصادر السابقة.\n(^٤) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (عصب)، (٢/ ٤٦)، والصحاح، مادة: (عصب)، (١/ ١٨٢).\n(^٥) هو: القاسم بن سلام، أبو عبيد، ولد بهراة سنة ١٥٧ هـ كان إمامًا حافظًا فقيهًا محدثًا، لغويًا مشهورًا، دينًا عابدًا ورعًا، كبير الشأن، أحد العلماء المبرزين، ولي قضاء طرطوس، له مصنفات سارت بها الركبان، منها: الغريب المصنف في علم اللسان، وكتاب الأموال، وفضائل القرآن، والطهور، توفي بمكة سنة ٢٢٤ هـ وقيل: ٢٢٣ هـ. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٧/ ٣٥٥)، وتاريخ مدينة السلام للخطيب (١٤/ ٣٩٢)، ونزهة الألباء للأنباري (ص/ ١٠٩)، وإنباه الرواة للقفطي (٣/ ١٢)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ٦٠)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٩٠)، والبلغة للفيروزابادي (ص/ ١٧٢).\n(^٦) نقل كلام أبي عبيد ابنُ فارس في: مقاييس اللغة، مادة: (عصب)، (٤/ ٣٣٦).\n(^٧) انظر: المصدر السابق، وتهذيب اللغة، مادة: (عصب)، (٢/ ٤٦)، والصحاح، مادة: (عصب)، (١/ ١٨٢).\n(^٨) انظر: المصادر السابقة، وشمس العلوم للحميري، مادة: (عصب)، (٧/ ٤٥٧٠).\n(^٩) مقاييس اللغة، مادة: (عصب)، (٤/ ٣٣٨).\n(^١٠) انظر: المصدر السابق، والصحاح، مادة: (عصب)، (١/ ١٧٢)، وشمس العلوم للحميري، مادة: (عصب)، (٧/ ٤٥٦٤).","vol":"1","page":128},{"text":"لقد كثرَ ورودُ لفظِ: (التعصب) عند العلماءِ بمختلفِ مذاهبِهم وفنونِهم، ومع كثرةِ ورودِه لم يهتم كثيرٌ مِن العلماءِ - فيما رجعتُ إليهِ منْ مصادر - بتعريف التعصب بحدٍّ معين؛ ولعل ذلك عائدٌ إلى ظهورِ معناه عندهم.\nوقد عرَّف بعضُ العلماء مصطلحَ: (التعصب)، فمن هذه التعريفات:\nالتعريف الأول: عدمُ قبولِ الحقِّ عند ظهور الدليل، بناء على ميلٍ إلى جانب.\nوهذا تعريف سعد الدين التفتازاني (^١)، وابن أمير الحاج (^٢)، وأمير باد شا (^٣).\nواختاره بعضُ الحنفيةِ (^٤)، وبعضُ المعاصرين (^٥).\nالتعريف الثاني: الميلُ مع الهوى؛ لأجلِ نصرةِ المذهبِ، ومعاملة الإمامِ الآخر، أو مقلِّديه بما يغُضُّ منهم.\n_________\n(^١) انظر: التلويح على التوضيح (٢/ ٤٦).\n(^٢) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٩٦). وابن أمير الحاج هو: محمد بن محمد بن محمد بن حسن بن علي الحلبي، أبو عبد الله شمس الدين، المعروف بابن أمير الحاج، وبابن الموقّت، ولد بحلب سنة ٨٢٥ هـ طلب العلم في حلب وحماة والقاهرة، وسمع من الحافظ ابن حجر، ولزم ابن الهمام، كان فاضلًا دينًا قوي النفس، فقهيًا أصوليًا، من علماء المذهب الحنفي البارزين، وقد برع في فنون عدة، وتصدى للإقراء والإفتاء، من مؤلفاته: التقرير والتحبير شرح التحرير، وشرح منية المصلي، وذخرة العصر في تفسير سورة العصر، توفي سنة ٨٧٩ هـ. انظر ترجمته في: الضوء اللامع للسخاوي (٩/ ٢١٠)، ووجيز الكلام له (٢/ ٨٥٩)، وشذرات الذهب لابن العماد (٩/ ٤٩٥)، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ ٧٧١)، والأعلام للزركلي (٧/ ٤٩).\n(^٣) انظر: تيسير التحرير (٣/ ٢٣٩). وأمير باد شاه هو: محمد أمين بن محمود الحسيني البخاري، المعروف بأمير باد شاه، ولد بخراسان، ونشأ ببخارى، واستقر بمكة، من علماء المذهب الحنفي، فقيه وأصولي ومفسر، كان فيه شيء من التصوف، من مؤلفاته: تيسير التحرير، وتفسير سورة الفتح، وشرح تائية ابن الفارض، توفي في حدود سنة ٩٧٢ هـ، وقيل: في حدود ٩٨٧ هـ. انظر ترجمته في: مقدمة تيسير التحرير (١/ ٢)، وهدية العارفين للبغدادي (٢/ ٢٤٩)، والأعلام للزركلي (٦/ ٤١)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ١٤٨).\n(^٤) انظر: موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي (١/ ٤٥٨).\n(^٥) انظر: أثر العرف في تغير الفتوى لجمال كركار (ص/ ١٤٦).","vol":"1","page":129},{"text":"وهذا تعريفُ الشيخِ محمد بن المُلّا فرّوخ (^١)، وتبعه بعض المعاصرين (^٢).\nالتعريف الثالث: أنْ تجعل ما يصدرُ عن إمامِ المذهب مِن الرأي، ويروي لك مِنْ الاجتهادِ، حجة عليك، وعلى سائرِ العبادِ.\nوهذا تعريفُ الإمامِ محمدٍ الشوكاني (^٣).\nالتعريف الرابع: الدفاعُ عن المذهبِ، والمحاماةُ عنه، سواء أكانَ على خطإٍ، أم على صوابٍ، مع اعتقادِ فسادِ غيرِه مِن المذاهبِ.\nوهذا تعريفُ الباحثِ محمدٍ المامي (^٤).\nوقد يُشكلُ على التعريفِ الرابعِ أن الدفاعَ عن المذهب إذا كان صوابًا لا يتطرقُ إليه ذمٌّ، إذا لم يتضمّن الحطَّ مِنْ قدرِ المذاهبِ الأخرى، والطعنَ فيها.\nومهما يكنْ مِنْ أمرٍ: فإنَّ التعريفاتِ السابقةَ لمصطلحِ: (التعصب)، واستعمالاتِ العلماءِ له تدل على أنَّ التعصبَ: دفاعٌ عن المذهبِ، مع هوىً - أيْ: أن المتمذهبَ سيدافعُ عن مذهبِه، بغضِّ النظرِ أكانَ الصَوابُ معه، أم لا - واعتقاد خطأ كل ما خالفَ المذهبَ؛ لمجرَّدِ المخالفةِ، دونَ اعتبارٍ للنظرِ في الأدلةِ، مع ما يَتْبَعُ ذلك مِنْ رَدِّ الصوابِ، وعدم قبوله،\n_________\n(^١) انظر: القول السديد (ص/ ١١٤). ومحمد فروخ هو: محمد بن عبد العظيم بن الملا فروخ الموروي، أبو عبد الله، ولد بمكة سنة ٩٦٦ هـ كان أحد الحنفية المعروفين في زمنه، عارفًا بالفقه والأصول، والعقل والنقل، تولى إفتاء الناس بمكة، من مؤلفاته: القول السديد في بعض مسائل الاجتهاد والتقليد، ورسالة في صلاة التسابيح، وإعلام القاصي والداني بمشروعية تقبيل الركن اليماني، توفي سنة ١٠٥١ هـ وقيل: ١٠٦١ هـ. انظر ترجمته في: إيضاح المكنون للبغدادي (٢/ ٢٤٩)، وهدية العارفين له (٢/ ٢٨٠)، والأعلام للزركلي (٦/ ٢١٠)، ومقدمة تحقيق رسالة القول السديد في بعض مسائل الاجتهاد والتقليد (ص/ ١٣).\n(^٢) انظر: التعارض في الحديث للدكتور لطفي الزعير (ص/ ٩٦).\n(^٣) انظر: أدب الطلب (ص/ ٨٦).\n(^٤) انظر: المذهب المالكي - مدارسه ومؤلفاته (ص/ ٥١٧).","vol":"1","page":130},{"text":"والاستمرارِ على القولِ المرجوحِ، والاعتداءِ على المخالفين، والحطِّ مِنْ قدرِهم، ثمَّ الوقوع في التفرّقِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي:</span>\nتقدّمَ لنا أنَّ مِنْ معاني التعصبِ في اللغةِ: المحاماةَ والمدافعةَ، وهذا المعنى مناسبٌ للمعنى الاصطلاحي، إلا أنَّ المعنى الاصطلاحيَّ أخصُّ؛ لأنَّ المحاماةَ والمدافعةَ مِنْ أَتْبَاعِ المذهبِ عن مذهبِهم، فالعلاقةُ بينهما هي العمومُ والخصوصُ المطلقُ.\nوللتعصبِ صورٌ متعددةٌ، سيأتي الحديثُ عنها - إنْ شاءَ الله - في مبحثٍ مستقلٍّ في البابِ الثاني، وقد حذَّر جمعٌ مِن العلماءِ مِنْ داءِ التعصبِ المذهبي، ولنستمعْ إلى قولِ تقيِّ الدين بنِ تيميةَ: \"وبلادُ المشرقِ مِنْ أسبابِ تسليطِ الله التترَ عليها: كثرةُ التفرقِ والفتنِ بينهم في المذاهبِ وغيرِها، حتى تجد المنتسبَ إلى الشافعي يتعصبُ لمذهبِه على مذهبِ أبي حنيفةَ حتى يخرج عن الدّينِ، والمنتسبَ إلى أبي حنيفةَ يتعصبُ لمذهبِه على مذهبِ الشافعي وغيره حتى يخرج عن الدّينِ، والمنتسبَ إلى مالكٍ يتعصبُ لمذهبِه على هذا وهذا.\nوكلُّ هذا مِن التفرقِ والاختلافِ الذي نهى اللهُ ورسولُه عنه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>العلاقة بين التمذهب والتعصب:</span>\nمِنْ خلالِ تأمّلِ حقيقةِ كلٍّ مِن التمذهبِ والتعصبِ، نجد أنَّهما يجتمعانِ في: أن كلًّا منهما أخذٌ لمذهبِ إمامٍ معيَّنٍ في الأصولِ، أو في الفروعِ.\nويفترقُ التمذهبُ والتعصبُ في الآتي:\nأولًا: التمذهبُ أسبقُ وجودًا مِنْ التعصب المذهبي؛ إذ الذي ولّد\n_________\n(^١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٢/ ٢٥٤).","vol":"1","page":131},{"text":"التعصبَ المذهبي هو التمذهب، فالتعصبُ أثرٌ مِنْ آثارِ التمذهبِ؛ لأنَّ ممارسةَ المتمذهبين في بعضِ العصورِ هي التي أَظهرت التعصَّبَ المذهبيَّ.\nيقولُ أبو إسحاقَ الشاطبي: \"اعتيادُ الاستدلالِ لمذهبٍ واحدٍ رُبّما يكسبُ الطالبَ نفورًا وإنكارًا لمذهبِ غيرِ مذهبِه\" (^١).\nثانيًا: ليس في التمذهب إعراضٌ عن الأدلةِ أو هدمٌ لها، متى ما أُحِسنَ تطبيقُه، بخلافِ التعصّبِ، فإنَّه هادمٌ للدليل؛ فتَجِدُ المتعصبَ يقفُ موقفَ الهادمِ لدليلِ المخالفِ لَمذهبه؛ لمجرَّد المخالفة، أو يقفُ موقفَ الرادِّ للدليلِ.\nفردُّ الدليلِ المخالفِ للمذهبِ، أو تأويله تأويلًا بعيدًا؛ لمجرّدِ مخالفتِه للمذهبِ مِن التعصبِ، وليس مِنْ حقيقةِ التمذهبِ.\nثالثًا: يؤديْ التعصبُ إلى تفريقِ المسلمينَ، وإحداثِ النزاع والشقاقِ بينهم، أمّا التمذهبُ، فليس كذلك.\nرابعًا: قد يكونُ البقاءُ على المذهبِ؛ لأجلِ قوةِ الدليلِ أو لمكانةِ الإمامِ أو لعدم الاطلاع على ما لدى المذاهبِ الأخرى، وقد يكونُ لهوى المتمذهب؛ أمَّا في التعصبِ فنُصْرةُ المذهبِ والبقاءُ عليه؛ للهوى، دونَ اعتبارٍ للدلَيلِ.\nيقولُ ابنُ القيّمِ: \"أمّا المتعصبون، فإنَّهم عكسوا القضيةَ، ونظروا في السنةِ: فما وافق أقوالَهم منها قَبلُوه، وما خالفها تحيّلوا في ردِّه أو ردّ دلالته ... \" (^٢).\nوإذا أردنا معرفةَ النسبةِ بين التمذهبِ والتعصبِ، نَجِدُ أنَّهما يصدقانِ على المتمذهبِ الذي يتعصبُ لمذهبِه ولأقوالِ إمامِه.\n_________\n(^١) الموافقات (٣/ ١٣١ - ١٣٢).\n(^٢) إعلام الموقعين (٢/ ١٤٣).","vol":"1","page":132},{"text":"وينفرد التمذهبُ عن التعصبِ في الآتي:\nالأول: المجتهدُ الذي ينتسبُ إلى مذهبٍ معيّنٍ، دونَ تعصبٍ لرأي إمامِه.\nالثاني: المتمذهبُ الذي يخرجُ عن رأي إمامِه؛ لمخالفتِه الدليل.\nالثالث: المتمذهبُ الذي يأخذُ برأي إمامِه، دونَ أنْ يظهرَ عليه أثرٌ مِنْ آثارِ العصبيةِ لمذهبِه.\nوكل المتعصبين لمذاهبِهم هم متمذهبون، فالتعصبُ تمذهبٌ وزيادةٌ، وهذه الزيادة ليستْ مِنْ حقيقةِ التمذهبِ (^١).\nوبناءً على ما سَبَقَ، فالنسبةُ بين التمذهبِ والتعصبِ هي: العمومُ والخصوصُ المطلقُ.\n* * *\n_________\n(^١) فإن قال قائل: ينفرد التعصب عن التمذهب في الشخص الذي يتعصب لعالمه الذي لا ينتمي لمذهب معين، فالجواب: حقيقة صنيع المتعصب في هذه الحال أنه متمذهب.","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>المطلب السادس: العلاقة بين التمذهب والخلاف</span>\nقبلَ البدءِ بذكرِ العلاقةِ بين التمذهبِ، والخلافِ أُبيّنُ المعنى اللغويَّ، والاصطلاحيَّ للخلافِ، ثم أنتقلُ بعد ذلك إلى بيانِ العلاقةِ بين المصطلحين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>تعريفُ الخلاف في اللغة:</span>\nالخِلافُ: اسمُ مصدرٍ مِن الفعلِ خَالَفَ، يُقال: خَالَفَ يُخَالِفُ مُخَالَفَةً، وخِلافًا (^١).\nولمادة: (خلف) معانٍ في اللغةِ، منها:\nالمعنى الأول: أنْ يجيءَ شيءٌ بعد شيءٍ يقومُ مقامه (^٢). ومِنْ هذا المعنى: الخلافةُ؛ لأن الثاني يجيءُ بعد الأولِ، قائمًا مقامه (^٣)، تقولُ: هو خَلَفُ صدقٍ مِنْ أبيه، وخلْفُ سوءٍ من أبيه (^٤).\n_________\n(^١) انظر: لسان العرب، مادة: (خلف)، (٩/ ٩٠)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (خلف)، (ص/٦٩).\n(^٢) انظر: الصحاح، مادة: (خلف)، (٤/ ١٣٥٦)، ومقاييس اللغة، مادة: (خلف)، (٢/ ٢١٥).\n(^٣) انظر: مقييس اللغة، مادة: (خلف)، (٢/ ٢١٠).\n(^٤) انظر: المصدر السابق، والصحاح، مادة: (خلف)، (٤/ ١٣٥٤)، ولسان العرب، مادة: (خلف)، (٩/ ٨٩).\nويقول الأخفشُ كما نقل كلامه الجوهريُّ في: الصحاح، مادة: (خلف)، (٤/ ١٣٥٤) - عن قولنا: هو خلف صدقٍ من أبيه، وخلف سوء من أبيه: \"منهم من يحرك - خلف صدق، وخلف سوء - ومنهم من يسكن فيهما جميعًا إذا أضاف، ومنهم من يقول: خلَف صدق، بالتحريك، ويسكن الآخر\".","vol":"1","page":134},{"text":"المعنى الثاني: خلافُ قدام (^١). ومن هذا المعنى: قولُهم: هذا خَلْفي (^٢)، وهذا المعنى مشهور (^٣).\nالمعنى الثالث: التغيّرُ (^٤). ومِنْ هذا المعنى: قولُهم: خَلَف فُوه، أيْ: تَغَيَّرَ (^٥)، ومنه - أيضًا - قول النبي - ﷺ -: (لخلوفُ فمِ الصائمِ أطيبُ عندَ الله تعالى مِنْ ريحِ المسكِ) (^٦).\nوتقولُ: خَلَفَ الرجلُ عن خُلُقِ أبيه، إذا تَغَيَّرَ (^٧).\nومعنى الخلافِ: المضادةُ (^٨)، والمخالفةُ: ضدّ الاتفاق (^٩). قال الله تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ (^١٠) أي: مخالفة رسولِ الله (^١١).\nويُقالُ: خَالَفْتُه، وتخالفَ القومُ، واختلفوا، إذا ذَهَبَ كل واحدٍ إلى خلافِ ما ذَهَبَ إليه الآخرُ (^١٢).\n_________\n(^١) انظر: الصحاح، مادة: (خلف)، (٤/ ١٣٥٣)، ومقاييس اللغة، مادة: (خلف)، (٢/ ٢١٠)، والقاموس المحيط، مادة: (خلف)، (ص/ ١٠٤٢).\n(^٢) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (خلف)، (٢/ ٢١٢)، ولسان العرب، مادة: (خلف)، (٩/ ٨٢).\n(^٣) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (خلف)، (٢/ ٢١٠).\n(^٤) انظر: الصحاح، مادة: (خلف)، (٤/ ١٣٥٦)، ومقاييس اللغة، مادة: (خلف)، (٢/ ٢١٠)، ولسان العرب، مادة: (خلف)، (٩/ ٩٢).\n(^٥) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (خلف)، (٢/ ٢١٢)، ولسان العرب، مادة: (خلف)، (٩/ ٩٢).\n(^٦) هذا اللفظ قطعة من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وأخرجه: البخاري في: صحيحه، كتاب: الصوم، باب: فضل الصوم (ص/ ٣٦٠)، برقم (١٨٩٤)؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: الصوم، باب: فضل الصيام (١/ ٥١١)، برقم (١١٥١).\n(^٧) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (خلف)، (٢/ ٢١٢)، ولسان العرب، مادة: (خلف)، (٩/ ٩٣).\n(^٨) انظر: لسان العرب، مادة: (خلف)، (٩/ ٩٠).\n(^٩) انظر: الصحاح، مادة: (خلف)، (٤/ ١٣٥٧)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (خلف)، (ص/ ٦٩)، والقاموس المحيط، مادة: (خلف)، (ص/ ١٠٤٥).\n(^١٠) من الآية (٨١) من سورة (التوبة).\n(^١١) انظر: لسان العرب، مادة: (خلف)، (٩/ ٩٠).\n(^١٢) انظر: المصباح المنير للفيومي، مادة: (خلف)، (ص/ ٦٩).","vol":"1","page":135},{"text":"يقولُ ابنُ فارسٍ: \"أمَّا قولُهم: اختلفَ الناسُ في كذا، والناسُ خلْفَة، أيْ: مختلفون، فمِنْ المعنى الأول؛ لأنَّ كل واحدٍ منهم يُنَحّي قولَ صاحبِه، ويقيم نفسَه مقامَ الذي نحاه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>تعريف الخلاف في الاصطلاح:</span>\nتعددتْ تعريفاتُ العلماءِ لعلمِ الخلافِ، ومن تلك التعريفات:\nالتعريف الأول: الجدلُ الواقعُ بين أصحابِ المذاهبِ الفرعيةِ.\nوهذا تعريفُ طاش كبري زاده (^٢).\nوقريبٌ منه تعريفُ سعدِ الدين التفتازاني، إذ عرّفه بـ: علمِ الاختلافِ الواقعِ بين المجتهدين (^٣).\nويتميّزُ تعريفُ التفتازاني بأنَّه لم يقصر الخلافَ على الخلافِ في الفروعِ، بلْ عرَّفه بما يشملُ بعمومِه الاختلافَ في الأصولِ.\nالتعريف الثاني: علمٌ يُعْرَفُ به كيفيةُ إيرادِ الحججِ الشرعيةِ، ودفعِ الشبهِ، وقوادح الأدلة الخلافية، بإيرادِ البراهين القطعيةِ.\nوهذا تعريفُ حاجِّ خليفة (^٤)،\n_________\n(^١) مقاييس اللغة، مادة: (خلف)، (٢/ ٢١٣)، بتصرف يسير.\n(^٢) انظر: مفتاح السعادة (٢/ ٥٩٩). وطاش كبري زاده هو: محمد بن أحمد بن مصطفى بن خليل الرومي، عصام الدين أبو الخير، المعروف بطاش كبري زاده، ولد في بروسة سنة ٩٠١ هـ وهو من العلماء الأعيان، أخذ عن أبيه الحديث والتفسير، كان حنفي المذهب، مؤرخًا، تولى القضاء بالقسطنطينية، ودرَّس بعدة مدارس، من مؤلفاته: مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم، والمعالم في الكلام، والشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية، توفي سنة ٩٦٨ هـ. انظر ترجمته في: كشف الظنون لحاج خليفة (٢/ ١٧٦٢)، وشذرات الذهب لابن العماد (١٠/ ٥١٤)، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ ١٣٨)، والأعلام للزركلي (١/ ٢٥٧)، ومعجم المؤلفين لكحالة (١/ ٣٠٨).\n(^٣) نقل هذا العريف ساجقلي زاده في: ترتيب العلوم (ص/ ١٤٣).\n(^٤) انظر: كشف الظنون (١/ ٧٢١). وحاج خليفة هو: مصطفى بن عبد الله القسطنطيني الرومي، المعروف بين أهل الديوان بحاجى خليفة، أو حاج خليفة، والشهير بين العلماء بكاتب =","vol":"1","page":136},{"text":"ومرتضى الزَّبِيْدِي (^١)، وصديق القنوجي (^٢)، وعبدِ القادر بن بدران (^٣)، ومحمد حسنين مخلوف (^٤).\n_________\n= جلبي، ولد بالقسطنطينية سنة ١٠١٧ هـ كان علامةً فقيهًا حنفيًا، مؤرخًا بحاثةً، رئيسًا لكتبة أسرار السلطان مراد الرابع العثماني، انقطع في السنوات الأخيرة من حياته إلى تدريس العلوم، من مؤلفاته: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، وتقويم التواريخ، وميزان الحق، وله مؤلفات باللغة التركية، توفي بالقسطنطينية سنة ١٠٦٧ هـ. انظر ترجمته في: مقدمة كشف الظنون (١/ هـ)، والأعلام للزركلي (٧/ ٢٣٦)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٨٧٠).\n(^١) انظر: إتحاف السادة المتقين (١/ ٢٨٧). ومرتضى الزبيدي هو: محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق الزبيدي، أبو الفيض وأبو الوقت، الشهير بمرتضى الحسيني، أصله من واصل بالعراق، ولد بالهند سنة ١١٤٥ هـ من كبار علماء اللغة والنحو والأدب، علامة نسابة فقيه وأصولي ومحدث، حنفي المذهب، وقد عده الشهاب المرجاني من المجددين على رأس المائة الثانية عشرة، من مؤلفاته: إتحاف السادة المتقين شرح إحياء علوم الدين، وتاج العروس شرح القاموس، وللغة الغريب في مصطلح آثار الحبيب، وعقد الجواهر المنيفة في أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة، توفي بمصر سنة ١٢٠٥ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ عجائب الآثار للجبرتي (٢/ ١٠٣)، وفهرس الفهارس والأثبات للكتاني (١/ ٥٢٦)، والأعلام للزركلي (٧/ ٧٠)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٦٨١).\n(^٢) انظر: أبجد العلوم (ص/ ٣٩٢). وصديق القنوجي هو: محمد صديق بن حسن بن علي بن لطف الله خان الحسيني البخاري القنوجى، ولد بقنوج بالهند سنة ١٢٤٨ هـ نشأ بمسقط رأسه، وأخذ العلم عن علماء بلده، كان علامةً فقيهًا أصوليًا، له معرفة بالحديث والتفسير، وتقلد عدة مناصب في بهوبال، وتزوج من ملكة بهوبال، وقد ألَّف كتبًا كثيرة، وكان متأثرًا بالإمام محمد الشوكاني، ويوافقه في موقفه من أرباب المذاهب، من مؤلفاته: فتح البيان في مقاصد القرآن، والدين الخالص، والتاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول، وحصول المأمول من علم الأصول، وعون الباري شرح مختصر صحيح البخاري، توفي سنة ١٣٠٧ هـ.\nانظر ترجمته في: التاج المكلل للقنوجي (ص/ ٥٤١)، وأبجد العلوم له (ص/ ٧٢٥)، ونزهة الخواطر لعبد الحي الحسني (٨/ ١٢٤٦)، والأعلام الشرقية لزكي مجاهد (١/ ٣٨٥)، والأعلام للزركلي (٦/ ١٦٧).\n(^٣) انظر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد (ص/ ٤٥٠).\n(^٤) انظر: بلوغ السول (ص/١٠ - ١١). ومحمد مخلوف هو: محمد بن حسنين بن محمد مخلوف العدوي المصري الأزهري، شمس الدين، ولد في بلدة بني عدي بمصر سنة ١٢٧٧ هـ من علماء المذهب المالكي، كان فقهيًا أصوليًا، عارفًا بالتفسير والفلسفة وعلم الكلام، عف اللسان، كريم الأخلاق، مهابًا في مجلسه، شديد الصلابة في الحق، صريح المقال، صوفيًا خلوتي الطريقة، وأول من بدأ في إنشاء مكتبة الأزهر وتنظيمها، من مؤلفاته: بلوغ السول في علم الأصول، والمدخل المنير في علم التفسير، والفصول الوفيات في أحكام المعاملات، =","vol":"1","page":137},{"text":"يقولُ حاجّ خليفة بعد التعريفِ: \"وهو الجدلُ الذي هو قسمٌ مِن المنطقِ، إلا أنَّه خُصَّ بالمقاصدِ الدينيةِ\" (^١).\nالتعريف الثالث: علمٌ باحثٌ عن وجوهِ الاستنباطاتِ المختلفةِ مِن الأدلةِ الإجماليةِ، أو التفصيلةِ، الذاهب إلى كل منها طائفةٌ مِن العلماءِ.\nنقل هذا التعريفَ الشيخُ صديقٌ القنوجي في كتابِه: (أبجد العلوم) (^٢).\nوبتأمّلِ التعريفاتِ السابقةِ، وبالنظر إلى واقع الكتب المؤلفة في الخلاف (^٣) أجدُ أنَّ أقربَها هو التعريف الأول، لكنْ دونَ قصرِه على الخلافِ في الفروعِ، بلْ توسيعُ دائرةِ التعريفِ؛ ليشملَ الخلافَ الواقعَ بين الأئمةِ في الأصولِ، والفروعِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>العلاقة بين التعريف اللغوي والتعريف الاصطلاحي:</span>\nتقدمَ لنا أنَّ مِن معانى الخلافِ في اللغةِ: المضادةَ وعدمَ الاتفاقِ، وهذا المعنى متحققٌ في المعنى الاصطلاحي للخلافِ، إلا أنَّه مقصورٌ على الخلافِ الواقعِ بين المجتهدين، والقائم به أتباعُهم.\nوإذا كان الخلافُ بالمعنى المتقدمِ، فإنَّ الخلافيَّ سيتبعُ المنهجَ الآتي:\nأولًا: تقريرُ مذهبِ إمامِه في المسألةِ الخلافيةِ.\nثانيًا: ذكرُ المخالفِ - أو المخالفين - لإمامِه.\n_________\n= توفي سنة ١٣٥٥ هـ. انظر ترجمته في: الأعلام الشرقية لزكي مجاهد (١/ ٣٧٦)، والأعلام للزركلي (٦/ ٩٦)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٢٤٤).\n(^١) كشف الظنون (١/ ٧٢١). وانظر: علم أصول الفقه من التدوين إلى نهاية القرن الرابع الهجري للدكتور أحمد الضويحي (٢/ ٩٤٩).\n(^٢) انظر: (ص/ ٣٩٤).\n(^٣) الكتب المؤلفة في الخلاف في الفروع كثيرة، منها: اختلاف الفقهاء للطحاوي، وعيون الأدلة لابن القصار، وتأسيس النظر لأبي زيد الدبوسي. ومن الكتب المؤلفة في الخلاف في الأصول: مسائل الخلاف في أصول الفقه لأبي عبد الله الصيمري.","vol":"1","page":138},{"text":"ثالثًا: الاستدلالُ لقولِ إمامِه بالأدلةِ الشرعيةِ، وبيانُ ما وَرَدَ عليها من اعتراضات، والإجابةُ عنها.\nرابعًا: ذكرُ أدلةِ المخالفين، والإجابةُ عنها (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>فائدة علم الخلاف:</span>\nلعلمِ الخلافِ فائدةٌ، وهي: دفعُ الشكوكِ التي تَرِدُ على المذهبِ، وتأييدُه بإيرادِ الحججِ والأدلةِ، وبيانُ القواعدِ والأصولِ التي اعْتُمِدَتْ في المذهبِ في الاجتهادِ والاستنباطِ، وتضعيفُ المذهبِ المخالفِ (^٢).\nيقولُ ابنُ خَلْدون (^٣) متحدثًا عن نشأةِ الخلافِ: \"فاعْلمْ أنَّ هذا الفقهَ المستنبطَ مِن الأدلةِ الشرعيةِ كَثُر فيه الخلافُ بين المجتهدين؛ باختلافِ مداركِهم، واتَّسع ذلك في الملّةِ، ثمَّ انتهى ذلك إلى الأئمةِ الأربعةِ، واقتصرَ الناسُ على تقليدِهم، وجرى الخلافُ بين المتمسكينَ بها، والآخذين بأحكامِها مجرى الخلافِ في النصوصِ الشرعيةِ.\n_________\n(^١) انظر: مقدمة تحقيق الانتصار لأبي الخطاب (٢/ ٨١ - ٨٢)، وظاهرة الانتصار للمذهب، للدكتور محمد المصلح (٥/ ٣٦٣)، ضمن بحوث ملتقى القاضي عبد الوهاب البغدادي.\n(^٢) انظر: مفتاح السعادة لطاش زاده (٢/ ٥٩٩)، وأبجد العلوم للقنوجي (ص/ ٣٩٤)، والإمام الجويني للدكتور محمد الزحيلي (ص/ ١٨٥).\n(^٣) هو: عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن الحسن بن خَلدون الحضرمي المغربي، أبو زيد، ولد بتونس سنة ٧٣٢ هـ وقيل: سنة ٧٣٣ هـ مؤرخ معروف، جم الفضائل، رفيع القدر، عالي الهمة، كثير الحفظ، من أرباب المذهب المالكي، تُعَدُّ مقدمة تاريخه من التأليفات المهمة في علم الاجتماع، نشأ بتونس، ثم رحل إلى الأندلس في طلب العلم، ثم عاد إلى تونس، ورحل بعدها إلى القاهرة فاستقر بها، وولي قضاء المالكية بها، كان بارعًا في العلوم، ماهرًا في الأدب والكتابة، وكان كثيرًا ما يرتاح في النقول لفن أصول الفقه، خصوصًا عن الحنفية، من مؤلفاته: العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر، وشرح البردة، وتلخيص المحصل للرازي، توفي سنة ٨٥٨ هـ. انظر ترجمته في: الإحاطة في أخبار غرناطة لابن الخطيب (٣/ ٤٩٧)، وإنباء الغمر لابن حجر (٥/ ٣٣٢٧)، والضوء اللامع للسخاوي (٤/ ١٤٥)، ونيل الابتهاج للتنبكتي (ص/ ٢٥٠)، وشذرات الذهب لابن العماد (٩/ ١١٤)، والأعلام للزركلي (٣/ ٣٣٠).","vol":"1","page":139},{"text":"وجرتْ بينهم المناظراتُ ... وأجْرِيتْ في سائر أبوابِ الفقهِ، وكان في هذه المناظرات: بيانُ مأخذِ هؤلاءِ الأئمةِ، ومثاراتُ اختلافِهم، ومواقعُ اجتهادِهم\" (^١).\nويقولُ الدكتورُ محمد الزحيلي: \"ثمَّ تجددَ الخلافُ بين أتباعِ الأئمةِ والمذاهبِ ... واندفعَ العلماءُ في كل مذهبٍ يؤيدون أقوالَ إمامِهم، ويستدلونَ لها، ويدعّمونَ مذهبَه بالأدلةِ والحججِ والبراهين، وينافحون عن المذهب وإمامِ المذهب، ويُدلّلون على منهجِه في الاجتهاد، وقواعدِه في الاستنباطَ\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>العلاقة بين التمذهب والخلاف:</span>\nبعد أنْ كشفتُ عن المعنى اللغوي والاصطلاحي للخلافِ، أُبين العلاقةَ بين التمذهبِ والخلافِ الواقعِ بين أتباعِ المذاهبِ، فأقول: يجتمعُ التمذهبُ والخلافُ في: أنَّ كلًّا منهما أخذُ أقوالِ إمامِ مذهبٍ معيَّنٍ في الأصولِ، أو في الفروعِ.\nويفترق التمذهبُ عن الخلافِ في الآتي:\nأولًا: التمذهبُ سابقٌ في الوجودِ على الخلافِ الواقعِ بين أربابِ المذاهب الفقهيةِ؛ إذ الخلافُ الواقعُ بين أرباب المذاهبِ الفقهيةِ أثرٌ مِنْ آثارِ التمَذهبِ، وتقدمَ لنا قبلَ قليلٍ كلامُ ابنِ خَلدَون.\nثانيًا: لا بُدَّ في الخلافِ مِنْ معرفةِ أدلةِ المذهبِ، وأقوالِ المخالفين، وأدلتِهم والجوابِ عنها، وهذا القدرُ غيرُ مشترطٍ في التمذهبِ.\nوإذا أردنا معرفةَ النسبةِ بين التمذهبِ والخلاف، نجدُ أنَّهما يجتمعان في: المتمذهبِ الخلافي، فالشخصُ الذي يلتزمُ مذهبًا معيّنًا، ويستدلُّ لقولِ\n_________\n(^١) مقدمة ابن خلدون (٣/ ١٠٦٦ - ١٠٦٧)، بتصرف.\n(^٢) الإمام الجويني للدكتور محمد الزحيلي (ص/ ١٨٦)، بتصرف.","vol":"1","page":140},{"text":"إمامِه، ويَذُبُّ عنه، ويعرفُ الأقوالَ المخالفةَ لمذهبِه، وأدلتها، والإجابةَ عنها، يصدق عليه وصفُ التمذهبِ ووصف الخلافِ.\nوينفرد التمذهبُ عن الخلافِ في: الشخصِ المتمذهبِ الذي لا يستدلُّ لقولِ إمامِه بالحججِ، ولا يُضَعّفُ القولَ المخالفَ لمذهبِه.\nوبناءً على ما تقدّمَ، فالنسبةُ بين التمذهبِ والخلافِ هي العمومُ والخصوصُ المطلقُ.\n* * *","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>المطلب السابع: العلاقة بين التمذهب والانتصار للمذهب</span>\nلقد حَفِلَتْ كتبٌ متعددةٌ مؤلَّفةٌ في المذاهبِ الفقهيةِ المختلفةِ بعنوان: (الانتصار للمذهب)، فما العلاقةُ بين مصطلَحِ (الانتصار للمذهب)، والتمذهب؟\nلا بُدَّ أولًا مِنْ بيانِ التعريفِ اللغوي، والاصطلاحي للانتصار للمذهب، ثمُّ بعد ذلك أُبيّن العلاقةَ بينه، وبين التمذهبِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>تعريف الانتصار في اللغة:</span>\nالانتصارُ: مصدرٌ مِن الفعلِ: انْتَصرَ (^١)، يُقالُ: انْتَصرَ يَنْتَصِرُ انْتِصَارًا.\nوالانتصار عائد إلى مادة: (نصر)، ولهذه المادةِ عدّةُ معانٍ في اللغةِ، منها:\nالمعنى الأول: الإتيانُ، أو إتيانُ خيرٍ (^٢). يقولُ ابنُ فارسٍ: \"النونُ والصادُ والراءُ، أصلٌ صحيحٌ، يدلُّ على إتيانِ خيرٍ\" (^٣).\nيُقالُ: نَصَرَ اللهُ المسلمين، أيْ: آتاهم الظَفَرَ على عدوِّهم (^٤)، ونَصرْتُ بلدَ كذا، إذا أتيتُه (^٥).\n_________\n(^١) انظر: القاموس المحيط، مادة: (نصر)، (ص/ ٦٢٢).\n(^٢) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (نصر)، (١٢/ ١٥٩)، والصحاح، مادة: (نصر)، (٢/ ٨٢٩)، وشمس العلوم للحميري، مادة: (نصر)، (١٠/ ٦٦٢٨).\n(^٣) مقاييس اللغة، مادة: (نصر)، (٥/ ٤٣٥).\n(^٤) انظر: المصدر السابق، وتهذيب اللغة، مادة: (نصر)، (١٢/ ١٦٠)، ولسان العرب، مادة: (نصر)، (٥/ ٢١١).\n(^٥) انظر: المصادر السابقة، والصحاح، مادة: (نصر)، (٢/ ٨٢٩).","vol":"1","page":142},{"text":"المعنى الثاني: العطاء، والإيتاء (^١). ومن هذا المعنى: النصائر، وهي: العطايا (^٢). ومنه: قولُ الشاعر (^٣):\nإنِّي وأسطارٍ سُطِرْن سطرًا ... لقائلٌ يا نصرُ نَصْرًا نَصْرا\nالمعنى الثالث: العون (^٤). يقالُ: نَصَرَه اللهُ على عدوِّه، أيْ: أعانه (^٥)، ونَصَرَ الغيثُ البلدَ، إذا أعانه على الخصب (^٦). ومِنْ هذا المعنى: قولُه تعالى: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ (^٧)، وقول النَّبي - ﷺ -: (أنصر أخاك ظالمًا، أو مظلومًا) (^٨).\n_________\n(^١) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (نصر)، (٥/ ٤٣٥)، والصحاح، مادة: (نصر)، (٢/ ٨٢٩)، وشمس العلوم للحميري، مادة: (نصر)، (١٠/ ٦٦٢٠).\n(^٢) انظر: لسان العرب، مادة: (نصر)، (٥/ ٢١١)، وتاج العروس، مادة: (نصر)، (١٤/ ٢٣٤).\n(^٣) هذا البيت لرؤبة بن العجاج، كما في: ديوانه (ص/ ١٧٤).\nوقد أورده سيبويه في: الكتاب (٢/ ١٨٥)، وابنُ جني في: الخصائص (١/ ٣٤١)، والجوهريُّ في: الصحاح، مادة: (نصر)، (٢/ ٨٢٩)، وابنُ فارس في: مقاييس اللغة، مادة: (نصر)، (٥/ ٤٣٦)، وابنُ منظور في: لسان العرب، مادة: (نصر)، (٥/ ٢١١).\nوبعضهم يورد الشطر الثاني: لقائلٌ يا نصرُ نَصْرٌ نَصْرا\nويقول الأستاذُ عبد السلام هارون في تعليقه على: الكتاب لسيبويه (٢/ ١٨٥)، حاشية (٣): \"سُطِرن: كتبن، ويعني بالأسطار: آيات الكتاب الكريم.\nونصر هذا هو نصر بن سيار ... وقال الجرمي: النصر: العطية، فيريد: يا نصرُ عطيةً عطيةَ ... \".\n(^٤) انظر: مفردات ألفاظ القرآن للأصبهاني، مادة: (نصر)، (ص/ ٨٠٨)، ولسان العرب، مادة: (نصر)، (٥/ ٢١٠).\n(^٥) انظر: لسان العرب، مادة: (نصر)، (٥/ ٢١٠)، وشمس العلوم للحميري، مادة: (نصر)، (١٠/ ٦٦٢٠).\n(^٦) انظر: المصدرين السابقين.\n(^٧) من الآية (١٣) من سورة (الصف).\n(^٨) أخرج الحديثَ: البخاريُّ في: صحيحه، كتاب: المظالم، باب: أعن أخاك ظالمًا أو مظلومًا (ص/ ٤٦١)، برقم (٣٤٤٣) من حديث أنس بن مالك رضي الله.\nوأخرجه مسلمٌ في: صحيحه، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا (٢/ ١٢٠٠)، برقم (٢٥٨٤) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله، ولفظه: (ولْيَنْصر الرجل أخاه ظالمًا أو مظلومًا).","vol":"1","page":143},{"text":"وهذا المعنى قريبٌ من المعنى الأولِ.\nيقولُ أبو منصورٍ الأزهريُّ (^١): \"النصرُ: عونُ المظلومِ\" (^٢).\nالمعنى الرابع: الانتقام (^٣). يُقالُ: انْتَصَرَ الرجلُ، إذا امتنعَ عن ظالِمه (^٤). يقولُ أبو منصورٍ الأزهريُّ: \"ويكونُ الانتصارُ مِن الظالمِ: الانتصاف والانتقام منه\" (^٥).\nوجعلَ ابنُ فارسٍ المعنى الرابع مِن المعنى الأول، ولم يُبيّنْ وجهَ ذلك (^٦).\nوجَعَلَ الراغبُ الأصبهاني (^٧) الانتصارَ بمعنى طلبِ النصرة، وهي:\n_________\n(^١) هو: محمد بن أحمد بن الأزهر بن طلحة بن نوح الأزهري الهروي، أبو منصور، ولد سنة ٢٨٢ هـ كان علامةً ثبتًا ثقةً دينًا ورعًا، رأسًا في اللغة والفقه، شافعي المذهب، عارفًا بالحديث، عالي الإسناد، مهتمًا بالتفسير وعلل القراءات، من مؤلفاته: تهذيب اللغة، والتقريب في التفسير، وتفسير ألفاظ المزني، وشرح ديوان أبي تمام، توفي سنة ٣٧٠ هـ. انظر ترجمته في: نزهة الألباء للأنباري (ص/ ٢٣٧)، وإرشاد الأريب لياقوت (٥/ ٢٣٢١)، وفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ٣٣٤)، والوافي بالوفيات للصفدي (٢/ ٤٥)، وسير أعلام النبلاء (١٦/ ٣١٥)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٣/ ٦٣)، وطبقات الشافعية للإسنوي (١/ ٤٩)، والبلغة للفيروزابادي (ص/ ١٨٦)، وبغية الوعاة للسيوطي (١/ ١٩).\n(^٢) تهذيب اللغة، مادة: (نصر)، (١٢/ ١٦٠).\n(^٣) انظر: الصحاح، مادة: (نصر)، (٢/ ٨٢٩)، ومقاييس اللغة، مادة: (نصر)، (٥/ ٤٣٥)، ولسان العرب، مادة: (نصر)، (١٢/ ٢١٠).\n(^٤) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (نصر)، (١٢/ ١٦٠).\n(^٥) المصدر السابق.\n(^٦) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (نصر)، (٥/ ٤٣٥).\n(^٧) هو: الحسين - وقيل: محمد، وقيل: المفضل - بن محمد بن المفضل الأصبهاني، أبو القاسم، الملقب بالراغب، عاش في أوائل القرن الخامس الهجري، وقيل: عاش في القرن الرابع، كان علامة ماهرًا محققًا باهرًا، من أذكياء المتكلمين، يقول عنه شمس الدين الذهبي: \"لم أظفر له بوفاةٍ، ولا بترجمة\"، وقد ذكر جلال الدين السيوطي أنَّ كثيرًا من الناس يظنون الراغب معتزليًا، وتعقب ذلك، وبيَّنَ أنَّه من أهل السنة، من مؤلفاته: مفردات ألفاظ القرآن، ومحاضرات الأدباء ومحاورات البلغاء، والذريعة إلى مكارم الشريعة، وأفانين البلاغة، اختلف في سنة وفاته: قيل: سنة ٥٠٣ هـ وقيل: ٤٠٢ هـ. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء =","vol":"1","page":144},{"text":"العونُ (^١).\nومنه: قوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ (^٢)، وقوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>تعريف الانتصار للمذهب في الاصطلاح:</span>\nوَرَدَ لفظُ: (الانتصار)، أو (الانتصار للمذهب)، أو (نصرة المذهب) في تضاعيف مؤلفاتِ العلماءِ في وقتٍ مبكرٍ، يقولُ ابنُ حزمٍ (ت: ٤٥٦ هـ): \"ثمَّ خَالفَ جميعُ متأخريهم - أي: متأخري الحنفية، فقالوا: بعدمِ مشروعيةِ التحبيسِ - هذا الإجماعَ، وخرقوه، وابتدعوا ضلالةً لم يسبقْهم إليها أحدٌ قبلَهم، فصاروا فرقتين ... الأخرى جعلتْ شغلها في دينِها البحثَ عمَّا ينصرون به أقوالَ أبي حنيفةَ\" (^٤).\nويقولُ أبو الوفاء بنُ عقيلٍ (ت: ٥١٣ هـ): \"فصل: في نصرةِ كلامِه - أي: الإمام الشافعي في تفسيره للبيان - والردِّ على مَن اعترضه\" (^٥).\nويقولُ الطوفي (ت: ٧١٦ هـ): \"وأدلةُ الفورِ والتراخي مِن الطرفين متقاربةٌ في القوة، ولكلٍّ منها اتجاه، فإنْ جازَ لنا نصرةُ المذهبِ الظاهرِ - وهو الفور - أجبنا عن أدلةِ أصحابِ التراخي\" (^٦).\nويظهرُ أنَّ المرادَ بنصرةِ القولِ في كلامِ العلماءِ آنفِ الذِّكرِ هو\n_________\n= (١٨/ ١٢٠)، والوافي بالوفيات للصفدي (١٣/ ٤٥)، وبغية الوعاة للسيوطي (٢/ ٢٩٧)، وطبقات المفسرين للداوودي (٢/ ٣٢٩)، وأبجد العلوم للقنوجي (ص/ ٦٠٣)، والأعلام للزركلي (٢/ ٢٥٥).\n(^١) انظر: مفردات ألفاظ القرآن، مادة: (نصر)، (ص/ ٨٠٩).\n(^٢) من الآية (٤١) من سورة (الشورى).\n(^٣) الآية (١٠) من سورة (القمر).\n(^٤) الإعراب عن الحيرة والالتباس (٣/ ١٠٩٦).\n(^٥) الواضح في أصول الفقه (١/ ١٨٥).\n(^٦) شرح مختصر الروضة (٢/ ٣٩٣).","vol":"1","page":145},{"text":"الاستدلالُ للمذهبِ، والردُّ على أدلةِ المذاهبِ الأخرى (^١).\nوهناك كلامٌ للشيخِ عبد القادر بنِ بدران يمكنُ الإفادةُ منه في تعريفِ الانتصارِ للمذهبِ، يقولُ: \"وقد سمَّى أبو الخطابِ كتابَه بـ (الانتصار في المسائل الكبار)، وكلاهما - أيْ: كتاب أبي الخطاب، وكتاب المفردات للقاضي أبي يعلى - يذكرانِ أفرادَ المسائلِ الكبارِ مِن الخلافِ بين الأئمةِ، وينتصرانِ لمذهبِ الإمامِ أحمدَ، مع ذكر ما استدلَّ به أصحابُ كلِّ إمامٍ؛ لنصرةِ إمامِه وهدمِه\" (^٢).\nفيمكنُ تعريف الانتصارِ بناءً على ما قاله ابنُ بدران بأنَّه: الاستدلالُ لقولِ إمامِ المذهبِ في المسائلِ الخلافية، وذكرُ أقوالِ المخالفين، وأدلتِهم، والإجابةُ عنها.\nوقد عرَّفَ الدكتورُ محمد أبو الأجفان الانتصارَ للمذهبِ بأنَّه: ترجيحُ المذهبِ الفقهي، والذبُّ عنه، ودعمه بالأدلةِ الشرعيةِ (^٣).\nوبناءً على ما تقررَ آنفًا: فلا ينهضُ للانتصارِ للمذهبِ على الوجهِ الأمثل، إلا المتضلعُ في الأصولِ والفروعِ، المستوعبُ لأَصولِ مذهبِه وفروعِه، العارفُ بأصولِ المذاهبِ الأخرى، وفروعها (^٤).\n_________\n(^١) يؤكد ذلك أيضًا النظر في الكتب المؤلفة المعنونة بـ \"النصرة أو الانتصار\"، ككتاب (الانتصار لأهل المدينة) لأبي عبد الله محمد بن عمر بن الفخار المالكي (ت: ٤١٩ هـ) وكتاب (تهديب المسالك في نصرة مذهب مالك على منهج العدل والإنصاف في شرح مسائل الخلاف) لأبي الحجاج يوسف الفندلاوي المالكي (ت: ٥٤٣ هـ).\n(^٢) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد (ص/ ٤٥٣).\n(^٣) مناصرة المذهب وأثرها العلمي (ص/ ١٤١)، مطبوع ضمن مجلة جامعة الزيتونة، العدد الأول، السنة الأولى عام ١٩٩٢ م. وانظر: تاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١٨٠).\n(^٤) انظر: ظاهرة الانتصار للدكتور محمد المصلح (٥/ ٣٦٣) ضمن بحوث ملتقى القاضي عبد الوهاب البغدادي.","vol":"1","page":146},{"text":"وللانتصارِ للمذهبِ صورٌ، منها:\nالأولى: التأليفُ في فروعِ المذهبِ، مع الاستدلالِ، ومناقشةِ أدلةِ المخالفين.\nالثانية: ترجيحُ التمذهبِ بمذهب إمامٍ معيّنٍ، وذلك بترجيحِ أصولِه على أصولِ غيرِه مِن المذاهبَ، أو بالتأليفِ في مناقبِ الإمامِ، وبيان ما كانَ عليه مِنْ سعةٍ في العلمِ، وَحُسنٍ في الاستنباطِ، وشدة تمسكٍ بالكتابِ والسنةِ.\nالثالثة: عقدُ المناظراتِ مع المخالفِ؛ لنصرةِ المذهبِ، بسوقِ الحججِ والبراهين على رجحانِه.\nالرابعة: تفسيرُ آياتِ الأحكامِ، وشرحُ أحاديثِ الأحكامِ، واستنباطُ أحكامِ الفروعِ المذهبيةِ منهما (^١).\nوقد جَعَلَ الدكتورُ محمد أبو الأجفان مِنْ صورِ الانتصارِ للمذهبِ: الترجمة لأعلامِ المذهبِ (^٢).\nويظهرُ لي عدمُ دخولِ هذه الصورةِ في الانتصارِ للمذهبِ؛ لخلوها عن معنى الانتصارِ، وقصارى الأمرِ أنْ تكون مِنْ قبيلِ خدمةِ المذهَبِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي:</span>\nيمكنُ إبرازُ العلاقةِ بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي للانتصارِ\n_________\n(^١) انظر: مقدمة تحقيق انتصار الفقير السالك (ص/ ٧٨ - ٧٩)، وتاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٣٣)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص / ١٧٩)، وتاريخ الفقه الإسلامي لبدران أبو العينين (ص/ ٩٨)، والمدرسة المالكية في عهد سيادة القيروان للدكتور محمد أبو الأجفان (١/ ٢٥٣) ضمن بحوث ملتقى القاضي عبد الوهاب البغدادي.\n(^٢) انظر: مقدمة تحقيق انتصار الفقير السالك للراعي (ص/ ٧٨ - ٧٩)، والمدرسة المالكية في عهد سيادة القيروان للدكتور محمد أبو الأجفان (١/ ٢٥٣) ضمن بحوث ملتقى القاضي عبد الوهاب البغدادي.","vol":"1","page":147},{"text":"للمذهبِ مِنْ جهةِ: أنَّ إقامةَ أدلةِ المذهبِ، والإجابةَ عن أدلةِ المخالفين، وترجيحَ المذهبِ على غيرِه مِن المذاهبِ، يكون بها النصرُ للمذهبِ، والإعانةُ له على مَنْ يخالفُه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>العلاقة بين التمذهب والانتصار للمذهب:</span>\nقبلَ بيانِ العلاقةِ بين مصطلحي: التمذهب، والانتصار للمذهب، أُبين أنَّ هناك تقاربًا بين الانتصارِ للمذهب والخلافِ - المتقدم في المطلبِ السادسِ - يدلُّ على هذا: أنَّ بعضَ المؤلفاتِ في الخلافِ لا يوجد بينها وبين المؤلفاتِ في الانتصارِ للمذهبِ كبيرُ فرقٍ (^١)، إلا أن مسمَّى الانتصارِ للمذهبِ يشملُ ما هو أوسعُ مِنْ نصرةِ المذهبِ في المسائلِ الخلافيةِ، كما تقدّمَ قبلَ قليل في صورِ الانتصارِ للمذهبِ.\nويمكنُ القولُ: إن مَنْ سمَّى مؤلَّفَه بالخلاف، اتجه نظرُه إلى حكايةِ الأقوالِ المخالفةِ لمذهبِه؛ ومَنْ سمَّى مؤلَّفَه الذي خصه بالمسائلِ الخلافيةِ بالانتصارِ، اتجه نظرُه إلى إقامةِ الدلائلِ على قوةِ مذهبِه، وضعفِ ما خالفه.\nوقد يكونُ للروحِ المذهبيةِ المسيطرةِ على بعضِ أتباعِ المذاهبِ في بعضِ العصورِ أثرٌ في عنونةِ الكتبِ المؤلَّفةِ في الخلافِ بالانتصارِ للمذهبِ.\nيجتمعُ التمذهبُ والانتصارُ للمذهبِ في: أن كلًّا منهما أخذٌ لقولِ الإمامِ في الأصولِ، أو في الفروعِ.\nويفترق التمذهبُ والانتصارُ في الآتي:\nأولًا: التمذهبُ سابقٌ في الوجودِ على الانتصارِ للمذهبِ؛ إذ الانتصارِ للمذهبِ إنَّما وُجِدَ بعد قيامِ المذهبِ الذي يُراد نصرُه، فالانتصارُ للمذهبِ أثرٌ مِنْ آثارِ التمذهبِ.\nيقولُ الشيخُ محمدٌ الخضري: \"لم يكن انتسابُ العلماءِ في هذا الدورِ\n_________\n(^١) انظر: تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٣٣).","vol":"1","page":148},{"text":"- من أوائل القرن الرابع إلى سقوط الدولة العباسية - إلى أئمتِهم واقفًا بهم عند حدِّ التقلِّيدِ المحضِ، بلْ كان لهم مِن الأعمالِ ما يرفعُ درجتَهم، ويُعْلي كعبَهم، فمِنْ ذلك: ... قيامُ كلِّ فريقٍ بنصرةِ مذهبِه جملةً وتفصيلًا ... وذلك بترجيحِ المذهب في كل مسألةٍ خلافيةٍ، ووضعوا لذلك كتبَ الخلافِ، يذكرون فيها المسَائلَ التي اختُلف فيها\" (^١).\nثانيًا: في الانتصارِ للمذهبِ ترجيحٌ لكفّةِ المذهبِ - إمَّا بالدعوةِ إلى التمذهبِ به، وإمَّا ببيانِ قوةِ أصولِه، وإمَّا بذكرِ مناقبِ الإمامِ - أمَّا التمذهبُ، فيتحققُ دونَ وجودِ ترجيحٍ لكفةِ المذهبِ.\nوجُملة القولِ: إنَّ الانتصار للمذهبِ يُعَدُّ وجهًا مِنْ أوجه التمذهبِ، ورافدًا قويًا لاستمرارِ المذهبِ وبقائه.\nوإذا أردنا معرفةَ النسبةِ بين التمذهبِ والانتصارِ للمذهبِ، نجدُ أنَّهما يجتمعانِ في: المتمذهبِ الذي ينتصرُ لمذهبِه، بأيٍّ وجهٍ مِنْ أوجهِ الانتصارِ.\nوينفرد التمذهبُ عن الانتصارِ في: المتمذهبِ الذي لا ينتصرُ لمذهبِه.\nوبناءً على ما تقدم، فالنسبةُ بين التمذهبِ والانتصارِ هي: العمومُ والخصوصُ المطلقُ، فكل منتصرٍ لمذهبِه متمذهبٌ، دونَ العكسِ.\n* * *\n_________\n(^١) تاريخ التشريع الإسلامي (ص / ٣٢٩ - ٣٣٣)، بتصرف يسير.","vol":"1","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>المطلب الثامن: العلاقة بين التمذهب والصلابة في المذهب</span>\nسأُبيّنُ المعنى اللغويُّ، والمعنى الاصطلاحيَّ للصلابةِ في المذهبِ، ثمَّ أعرضُ إلى العلاقةِ بين التمذهبِ والصلابةِ في المذهبِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>تعريف الصلابة في اللغة:</span>\nالصلابةُ: مصدرٌ من الفعل: صلبَ، يُقالُ: صَلُبَ وصَلِبَ، يَصْلُبُ، ويَصْلِبُ، صَلْبًا وصلابَةً (^١).\nوتعودُ الصلابةُ إلى مادةِ: (صلب)، ولهذه المادةِ معنيان:\nالمعنى الأول: الشّدةُ والقوةُ (^٢). يقولُ ابنُ فارسٍ: \"الصادُ واللامُ والباءُ، أصلان، أحدُهما: يدلُّ على الشّدةِ والقوةِ\" (^٣).\nفالصُلْبُ: الشديدُ (^٤)، والصَّلابَةُ: الشِّدة، ضدُّ اللين (^٥). يُقالُ: تَصَلَّبَ لك فلانٌ، أيْ: تشدّدَ (^٦).\nومِنْ هذا المعنى: الصُلْبُ: فقراتُ الظَّهرِ (^٧)، والصالبُ مِن الحُمّى،\n_________\n(^١) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (صلب)، والقاموس المحيط، مادة: (صلب)، (ص/ ١٣٥).\n(^٢) انظر: المصدرين السابقين، والصحاح، مادة: (صلب)، (١/ ١٦٣)، ولسان العرب، مادة: (صلب)، (١/ ٥٢٨).\n(^٣) مقاييس اللغة، مادة: (صلب)، (٣/ ٣٠١).\n(^٤) انظر: الصحاح، مادة: (صلب)، (١/ ١٦٣)، والقاموس المحيط، مادة: (صلب)، (ص/ ١٣٥).\n(^٥) انظر: لسان العرب، مادة: (صلب)، (١/ ٥٢٧).\n(^٦) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (صلب)، (١٢/ ١٩٧).\n(^٧) انظر: الصحاح، مادة: (صلب)، (١/ ١٦٣)، ومقاييس اللغة، مادة: (صلب)، (٣/ ٣٠١).","vol":"1","page":150},{"text":"وهي الشديدةُ (^١)، والتصليب: وهو بلوغُ الرُّطبِ اليُبْسَ، يُقال: صلبَ الرُّطبُ، إذا بلغَ اليُبْسَ (^٢).\nالمعنى الثاني: الوَدَكُ (^٣)، وعبَّرَ بعضُ اللغويين بـ: ودكِ العظمِ (^٤). يقولُ ابنُ فارسٍ: \"الأصل الآخر: جنسٌ مِن الوَدَكِ\" (^٥).\nوالصليبُ: الودكُ (^٦)، يُقالُ: اصْطَلَبَ الرجلُ، إذا جَمَعَ العظامَ، فاستخرجَ وَدَكَهَا؛ ليأتدمَ به، وهو الاصطلابُ (^٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>تعريف الصلابة في المذهب في الاصطلاح:</span>\nلم يتعرضْ أكثرُ العلماءِ - فيما وقفتُ عليه مِنْ مصادر - إلى تعريفِ الصلابةِ في المذهبِ، ولقد وقفتُ على تعريفين لعالمين متأخرين:\nالتعريف الأول: الثباتُ على ما ظَهَرَ للمجتهدِ مِن الدليلِ.\nوهذا تعريفُ الشيخِ محمد المُلا فروخ (^٨). وقال عقيبه: \"وذلك لا يتمُّ إلا للمجتهدِ نفسِه، أو لمَنْ هو مِنْ أهلِ النظرِ والترجيحِ ممَّنْ أخذَ بقولِه\" (^٩).\nوالظاهر أنَّ مرادَه بالمجتهد في التعريفِ المجتهدُ المطلقُ، والمجتهدُ الجزئيُّ، والمجتهدُ في المذهبِ، إذا تحققتْ له أهليةُ النظرِ في الدليلِ.\n_________\n(^١) انظر: المصدرين السابقين، وتهذيب اللغة، مادة: (صلب)، (١٢/ ١٩٧).\n(^٢) انظر: المصادر السابقة، ولسان العرب، مادة: (صلب)، (١/ ٥٣٠).\n(^٣) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (صلب)، (١٢/ ١٩٥)، ولسان العرب، مادة: (صلب)، (١/ ٥٢٨).\n(^٤) انظر: الصحاح، مادة: (صلب)، (١/ ١٦٤)، ومقاييس اللغة، مادة: (صلب)، (٣/ ٣٠٢).\n(^٥) مقاييس اللغة، مادة: (صلب)، (٣/ ٣٠١).\n(^٦) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (صلب)، (١٢/ ١٩٥).\n(^٧) انظر: المصدر السابق مادة: (صلب)، (١٢/ ١٩٦)، والصحاح، مادة: (صلب)، (١/ ١٦٤)، ومقاييس اللغة، مادة: (صلب)، (٣/ ٣٠٢)، ولسان العرب مادة: (صلب)، (١/ ٥٢٩).\n(^٨) انظر: القول السديد (ص/ ١١٤).\n(^٩) المصدر السابق.","vol":"1","page":151},{"text":"وبناءً على ما سبق: فيُعنى بالمذهبِ في التعريف السابق: (الصلابة في المذهب): القول.\nويظهرُ لي أنَّ الصلابةَ في قولنا: (الصلابة في المذهب)، يُعنَى بها: الشدةُ في التمسكِ بالمذهبِ، ويظهرُ أثرُها في الثباتِ عليه.\nالتعريف الثاني: وجوبُ الثباتِ على الطريقةِ الثابتةِ عن النبي - ﷺ -، والصحابةِ والتابعين، ومَنْ بعدهم مِنْ أئمةِ الدّين والسلفِ الصالحين، مِن اتِّباع الكتابِ والسنةِ والإجماعِ والقياسِ.\nهذا تعريف الشيخِ محمد بخيت المطيعي (^١)، ذكره في موضعٍ (^٢)، وفي موضعٍ آخر أشارَ إليه، فقال: \"ومعنى وجوب الصلابةِ في المذَهبِ، هو وجوبُ الثباتِ على الطريقةِ الثابتةِ عن النبي - ﷺ -، والصحابةِ والتابعين، ومَنْ بعدَهم مِنْ أئمةِ الدِّينِ والسلفِ الصالحين، مِن اتباع (^٣) الكتاب والسنةِ والإجماعِ والقياسِ، لا التزام مذهب فقيهٍ والتقيّد به، والتعصب له، مِنْ غيرِ قيامِ دليلٍ يُوْجِبُ ذلك\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: إرشاد أهل الملة إلى إثبات الأهلة (ص/ ٢٢٧). والشيخ محمد المطيعي هو: محمد بخيت بن حسين المطيعي، ولد في المطيعة بأسيوط مصر سنة ١٢٧١ هـ دَرَسَ في الأزهر على أيدي كبار علماء عصره، وتولى القضاء في عدد من المدن المصرية، كان من كبار العلماء المتأخرين، وشيخ فقهاء عصره، ومن أعيان المذهب الحنفي، علامةً محررًا فقيهًا أصوليًا بارعًا، متبحرًا في عدة علوم: كالتفسير والفلسفة والمنطق، وقد تقلد منصب مفتي الديار المصرية، من مؤلفاته: البدر الساطع على جمع الجوامع، وإرشاد أهل الملة إلى إثبات الأهلة، وسلم الوصول على نهاية السول، وإرشاد الأمة إلى أحكام أهل الذمة، توفي سنة ١٣٥٤ هـ. انظر ترجمته في: الفتح المبين للمراغي (٣/ ١٨١)، وأقوالنا وأفعالنا لمحمد كرد علي (ص/ ٣٩٣)، والفكر السامي للحجوي (٤/ ٢٣٤)، والأعلام الشرقية لزكي مجاهد (٢/ ٤٩٧)، والأعلام للزركلي (٦/ ٥٠)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ١٥٩).\n(^٢) انظر: رسالة في بيان الكتب التي يعول عليها (ص/ ٥٠).\n(^٣) في المطبوع من: إرشاد أهل الملة إلى إثبات الأهلة (ص/ ٢٢٧): \"أتباع\"، ولعل المثبت هو الصواب.\n(^٤) المصدر السابق.","vol":"1","page":152},{"text":"وبتأمّل الكلام الآنف الذِّكر، يظهر لي أنَّ الشيخَ محمدًا المطيعي أرادَ معالجةَ التعصبِ والتشددِ المذهبي ببيانِ أنَّ الصلابةَ في المذهبِ على الوجهِ الصحيحِ تعني الثباتَ على طريقةِ النبي - ﷺ - وأصحابِه ومَنْ تَبع سبيلَهم؛ إذ لا مناسبةَ بين الصلابةِ في المذهبِ، والتعريفِ الذي أورده الشيخُ المطيعي.\nومهما يكن مِنْ أمرٍ: فإنِّي سأسيرُ في أثناءِ عرضِ<span data-type=\"title\" id=toc-64> العلاقةِ بين التمذهبِ، والصلابةِ في المذهبِ </span>في ضوءِ. التعريفِ الأولِ، تاركًا ما أورده الشيخُ محمد المطيعي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>العلاقة بين التعريف اللغوي والتعريف الاصطلاحي:</span>\nجليٌّ أنَّ المعنى الأولَ للصلابةِ - وهو: الشدة والقوة - أنسبُ للمعنى الاصطلاحي، فالصلابةُ في المذهبِ هي الشدةُ في التمسكِ به، ومِنْ أثرِها الثباتُ على المذهبِ، وعدمُ التزحزحِ عنه.\n\nالعلاقة بين التمذهب والصلابة في المذهب:\nبعدَ بيانِ معنى الصلابةِ في المذهبِ، أُبيّن العلاقةَ بين التمذهبِ والصلابةِ في المذهبِ، فأقول:\nيجتمعُ التمذهبُ والصلابةُ في المذهبِ في: أنَّ كلًّا منهما أخذٌ لقولٍ في الأصولِ، أو في الفروعِ.\nويفترقُ التمذهبُ والصلابةُ في المذهب في الآتي:\nأولًا: التمذهبُ أخذٌ لقولِ إمامِ المذهبِ المجتهدِ، أمَّا الصلابةُ في المذهبِ، فالأخذُ قد يكون لقولِ إمامِ المذهبِ المجتهدِ، وقد يكون قول المجتهدِ نفسِه.\nثانيًا: تتحققُ الصلابةُ في المذهبِ بمعرفةِ الدليلِ والقناعةِ به، ثمَّ الثباتِ عليه، أمَّا التمذهبُ فيتحققُ مع معرفةِ الدليلِ، ثمَّ الثبات على المذهبِ، وبدونِها.","vol":"1","page":153},{"text":"ثالثًا: لا بُدَّ مِنْ أهليّةِ النظرِ في الأدلةِ للصلابةِ في المذهبِ؛ ليتحققَ للناظرِ في الأدلةِ الوصولُ إلى الحكمِ، ثمَّ الثباتَ عليه، وهذا القدرُ غيرُ مشروطٍ في التمذهبِ.\nوإذا أردنا معرفةَ النسبةِ بين التمذهبِ، والصلابةِ في المذهبِ، نجد أنَّهما يجتمعان في الآتي:\nالأول: المجتهدُ المطلقُ المنتسبُ إلى مذهب معيّنٍ، الثابتُ على رأيه.\nالثاني: المتمذهبُ الذي اقتنعَ بقولِ إمامِه؛ لقوةِ دليلِه، ثم ثَبَتَ عليه.\nوينفرد التمذهب عن الصلابة في المذهب في الآتي:\nالأول: المتمذهبُ الذي اطَّلعَ على دليلِ المذهبِ، ولم يورثْه ثباتًا الثاني: المتمذهبُ الذي لم يعرفْ دليلَ مذهبِه.\nوتنفرد الصلابة في المذهب عن التمذهب في: المجتهدِ غيرِ المنتسبِ الذي ثَبَتَ على قولِه.\nوبناءً على ما سَبَقَ، فإنَّ النسبةَ بين التمذهبِ والصلابةِ في المذهبِ هي: العمومُ والخصوصُ الوجهيُّ.\n* * *","vol":"1","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>المبحث الثالث: أركان التمذهب</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: إمام المذهب (صاحب المذهب)\nالمطلب الثاني: المتمذهب\nالمطلب الثالث: المذهب (المتمذهب فيه)","vol":"1","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>المطلب الأول: إمام المذهب (صاحب المذهب)</span>\nوفيه ثلاث مسائل:\nالمسألة الأولى: تعريف إمام المذهب\nالمسألة الثانية: شروط إمام المذهب\nالمسألة الثالثة: طرق إثبات أقوال إمام المذهب","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>توطئة</span>\nيُعتبرُ إمامُ المذهبِ الركيزةَ الُأولى في التمذهبِ؛ إذ هو الشخصُ الذي تؤخذُ أقوالُه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>المسأله الأولى: تعريف إمام المذهب</span>\nالمرادُ بإمامِ المذهبِ: المجتهدُ المستقلُّ، الذي له أتباعٌ يسبرون على أصولِه وفروعِه.\nوتجملُ الإشارةُ إلى تعريفِ المجتهدِ عند الأصوليين، ثمَّ الانتقالُ بعده إلى تعريفِ إمامِ المذهبِ.\nوقد تقدّم لنا تعريفُ الاجتهادِ في الاصطلاحِ، ويُمكنُ أخذُ تعريفِ المجتهدِ مِن تعريف الاجتهادِ (^١)، ومع هذا فقد نصَّ جمعٌ من الأصوليين على تعريفٍ محددٍ للمجتهدِ، فمِنْ تلك التعريفاتِ:\nالتعريف الأول: كلُّ مَن اتصفَ بصفةِ الاجتهادِ.\nوهذا تعريفُ الآمدي (^٢).\nوتَبعَ الآمديَّ في تعريفِه: عبدُ العزيز البخاري (^٣)، وتاجُ الدين ابنُ\n_________\n(^١) انظر: نهاية السول (٤/ ٥٢٨).\n(^٢) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ١٦٢).\n(^٣) انظر: كشف الأسرار (٤/ ١٤). وعبد العزيز البخاري هو: عبد العزيز بن أحمد بن محمد البخاري، علاء الدين، كان من علماء الحنفية البارعين، بحرًا في الفقه وأصوله، علامةً =","vol":"1","page":159},{"text":"السبكي (^١).\nوساقَ الطوفيُّ تعريفَ الآمدي، وأضافَ في آخرِه القيدَ الآتي: \"وحصّلَ أهليتَه\" (^٢).\nويتوجّه الاعتراضُ إلى التعريفِ مِنْ جهةِ اشتمالِه على مصطلح: (الاجتهاد)، الذي يحتاجُ إلى بيانٍ وإيضاحٍ.\nالتعريف الثاني: هو الذي يستقلُ بإدراكِ الأحكامِ الشرعيةِ مِن الأدلةِ الشرعيةِ، مِنْ غيرِ تقليدٍ، وتقيّدٍ بمذهبِ أحدٍ.\nوهذا تعريفُ ابنِ الصلاحِ (^٣)، وابن حمدان (^٤).\nالتعريف الثالث: هو المستفرغُ وسعَه في دَرَكِ الأحكامِ الشرعيةِ.\nوهذا تعريفُ جمالِ الدين الإسنوي (^٥).\nوقد اعترض الشيخُ محمد المطيعي على تعريفِ الإسنوي بأنَّه إذا أُريد إدراك كلِّ الأحكامِ الشرعيةِ، والمستفرغ وسعَه بالفعلِ، لم يصدقْ تعريفُه على أحدٍ ممَّنْ حَصَلَ الإجماعُ على وصفِهم بالاجتهادِ، ولا على مَنْ عنده ملكةُ الاجتهادِ، لكنَّه لم يجتهدْ بالفعلِ (^٦).\nالتعريف الرابع: هو البالغُ العاقلُ، ذو ملكةٍ يقْتَدِرُ بها على استنتاجِ الأحكامِ مِنْ مآخذِها.\n_________\n= بارعًا، من مؤلفاته: كشف الأسرار في شرح البزدوي، وشرح المنتخب للحسامي، وشرح الهداية للمرغيناني، وصل فيه إلى كتاب النكاح، كانت وفاته سنة ٧٣٠ هـ. انظر ترجمته في: الجواهر المضية للقرشي (٢/ ٤٢٨)، وتاج التراجم لقطلوبغا (ص/ ١٨٨)، والطبقات السنية للغزي (٤/ ٣٤٥)، والفوائد البهية للكنوي (ص/ ١٢١)، والفتح المبين للمراغي (٢/ ١٤١)، والأعلام للزركلي (٤/ ١٣٧).\n(^١) انظر: رفع الحاجب (٤/ ٥٢٩).\n(^٢) شرح مختصر الروضة (٣/ ٥٧٧).\n(^٣) انظر: أدب المفتي والمستفتي (١/ ٨٧).\n(^٤) انظر: صفة الفتوى (ص/ ١٦).\n(^٥) انظر: نهاية السول (٤/ ٥٢٨ - ٥٢٩).\n(^٦) انظر: سلم الوصول (٤/ ٥٢٨).","vol":"1","page":160},{"text":"وهذا تعريفُ بدرِ الدِّينِ الزركشي (^١).\nواعُترض على تعريفه بأنَّه غيرُ مانعٍ؛ لإطلاقِ لفظِ: (الأحكام)؛ إذ لم يقيّدْها بالشرعيةِ، فيدخلُ في التعريفِ غيرُ الأحكامِ الشرعيةِ، كالأحكامِ العقليةِ والنحويةِ، ونحوِهما (^٢).\nوإذا عَلِمنا أنَّ الفقيهَ عند الأصوليين هو المجتهدُ (^٣)، فإنَّ ما ذكره علماءُ أصولِ الفقهِ عند تعريفِهم للفقيه، صادقٌ على تعريفِ المجتهدِ (^٤).\nومِنْ خلالِ ما سبقَ: يُمكنُ القولُ بأنَّ التعريفَ الثاني هو أقربُ التعريفاتِ إلى الصوابِ، ولا سيما أنَّه ينصُّ على أنَّ المجتهدَ لا يتقيّدُ بمذهبِ أحدٍ، وهو قيدٌ مهمٌ؛ لإخراجِ مَنْ عدا المجتهد المستقل.\nوأنبّه إلى عدةِ أمورٍ:\nالأمر الأول: المرادُ بالمجتهدِ هنا: المجتهدُ المستقلُّ بأصولِه وفروعِه.\nالأمر الثاني: قد يكونُ للمجتهدِ أتباعٌ ينصرون مذهبَه في الأصولِ وفي الفروعِ، وقد لا يكون له أتباعٌ.\nالأمر الثالث: تُوجدُ حقيقةُ التمذهبِ في حالةِ وجودِ أتباعٍ للمجتهدِ، ولفظ: (الإمام) دالٌّ على وجودِ مَنْ يسيرُ على دربِ المجتهدِ؛ إذ الإمامُ كلُّ مَنْ يُؤتمُّ به (^٥).\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٩٩).\n(^٢) انظر: اجتهاد الخلفاء الراشدين للعبيدي (ص/ ٢٩).\n(^٣) انظر: تشنيف المسامع (٤/ ٥٦٤)، والتحبير (٨/ ٣٨٦٧)، والتقرير والتحبير (٤/ ٢٩١)، وشرح الكوكب الساطع للسيوطي (٤/ ١١٥)، ومنار أصول الفتوى للقاني (ص/ ١٩٣)، وإجابة السائل للصنعاني (ص/ ٣٨٣).\n(^٤) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٥/ ٦٩٧)، وصفة الفتوى (ص/ ١٤)، والتحبير (٨/ ٣٨٦٧).\n(^٥) انظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم (١/ ٤٨٨) ط/ ابن حزم.","vol":"1","page":161},{"text":"الأمر الرابع: جاء في: (الموسوعة الفقهية الكويتية) (^١): \"فهو - أي: لفظ: الأئمة - يُطلقُ عند الفقهاءِ على مجتهدي الشرعِ أصحابِ المذاهبِ المتبوعةِ\".\nوبناءً على ما تقديم: يُمكِنُ تعريفُ إمامِ المذهبِ بأنَّه: مجتهدٌ مستقلٌّ بأصولٍ وفروعٍ، وله أتباعٌ يسيرون عليهما.\n* * *\n_________\n(^١) (١/ ٧٥).","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>المسألة الثانية: شروط إمام المذهب</span>\nلقد أفاضَ الأصوليونَ في ذكرِ شروطِ الاجتهادِ، فلا يكادُ يخلو كتابٌ مؤلَّفٌ في أصولِ الفقهِ مِنْ ذكرِ شروطِ الاجتهادِ.\nوقد اختلفتْ مناهجُ الأصوليين في عرضِها، فلم تكن وجهتُهم متحدةً؛ فمنهم مَنْ عَرَضَها شروطًا متعددةً متواليةً مفصَّلةً، وهذا منهجُ أكثرِ الأصوليين.\nومنهم مَنْ جعلها شرطين، ثم فرَّع على كلِّ شرطٍ شروطًا فرعيةً، وقد سَلَكَ هذا المنهجَ عددٌ من الأصوليين، منهم: أبو حامدٍ الغزالي (^١)، والآمديُّ (^٢)، وأبو إسحاقَ الشاطبي (^٣).\nويُمكن جعلُ شروطِ الاجتهادِ على نوعين:\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>النوع الأول: الشروطُ المتعلقةُ بالجانبِ الشخصي للمجتهدِ</span>.\nالنوع الثاني: الشروطُ المتعلقةُ بالجانبِ العلمي للمجتهدِ (^٤).\nوسأعرضُ أهمَّ الشروطِ المندرجةِ تحتَ هذينِ النوعينِ، مع ذكرِ ما لا يُشترط ممَّا نصَّ الأصوليون على عدمِ اشتراطِه.\n\nالنوع الأول: الشروط المتعلقة بالجانب الشخصي للمجتهد:\nهناك شروطٌ للاجتهادِ تتعلقُ بالجانبِ الشخصي للمجتهدِ، وأهمُّها:\nالشرط الأول: العقل (^٥).\n_________\n(^١) انظر: المستصفى (٢/ ٣٨٢).\n(^٢) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ١٦٢).\n(^٣) انظر: الموافقات (٥/ ٤١).\n(^٤) انظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب للباحسين (ص/ ٣٢٣).\n(^٥) انظر في تفسير العقل: التقريب والإرشاد للباقلاني (١/ ١٩٥)، والعدة (١/ ٨٥)، والبرهان (١/ ٩٥)، والبحر المحيط (١/ ٨٥)، وشرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٣٨٢) بحاشية البناني، وشرح الكوكب الساطع للسيوطي (٤/ ١١٥).","vol":"1","page":163},{"text":"مِنْ شروطِ الاجتهادِ البدهيةِ: العقلُ، والمرادُ باشتراطِه في المجتهدِ أنْ يكونَ سليمَ الإدراكِ، خاليًا عمَّا يُعْتَبرُ عيبًا فيه؛ كالجنونِ والعتهِ والسفهِ (^١)، فلا يَتَأتَّى الاجتهادُ مِنْ غيرِ العاقلِ.\nولا يُكتفى بالعقلِ الذي يتعلقُ به التكليفُ، بلْ لا بُدَّ مِنْ أنْ يكونَ صحيحَ التمييزِ، جيدَ الفطنة، بعيدًا عن السهوِ (^٢).\nويدلُّ على اشتراطِ العقلِ في المجتهدِ أدلةٌ، منها:\nالدليل الأول: إجماعُ العلماءِ على أنَّ الجنونَ مانعٌ مِن الاجتهادِ (^٣).\nالدليل الثاني: أنَّ غيرَ العاقلِ لا يُدْرِكُ علمًا ولا فقهًا، ولا غيره (^٤)، ولا تمييزَ له يهتدي به لما يقولُه حتى يصحَّ نظرُه (^٥).\nالشرط الثاني: البلوغ.\nلا بُدَّ أنْ يكونَ المجتهدُ بالغًا.\nودليلُ اشتراطِ البلوغِ: أنَّ الصبيَّ غيرُ مكتملِ العقلِ؛ فلا يصحَّ نظرُه (^٦).\nوقد ذَهَبَ بعضُ الأصوليين إلى تصوّرِ الاجتهادِ مِن الصبي. يقولُ إمامُ الحرمين الجويني: \"إنَّ الصبيَّ، وإنْ بَلَغَ رتبةَ الاجتهادِ، وتيسَّر عليه دَركُ الأحكام، فلا ثقةَ بنظرِه وطلبِه، فالبالغُ هو الذي يُعْتَمدُ قولُه\" (^٧).\n_________\n(^١) انظر: الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ١٦٣).\n(^٢) انظر: لمع اللوامع لابن رسلان، القسم الثاني (٢/ ٥٨٨ - ٥٨٩).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (٢/ ٥٨٨)، والمفتي في الشريعة الإسلامية للدكتور عبد العزيز الربيعة (ص/ ٢٠).\n(^٤) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٩٩)، والتحبير (٨/ ٣٨٧٠).\n(^٥) انظر: حاشية البناني على شرح جمع الجوامع (٢/ ٣٨٢).\n(^٦) انظر: شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٣٨٢) بحاشية البناني.\n(^٧) البرهان (٢/ ٨٦٩).","vol":"1","page":164},{"text":"وجَنَحَ بعضُ الأصوليين إلى صحةِ اجتهادِ الصبي! (^١).\nالشرط الثالث: الإسلام.\nيُعَدُّ اشتراطُ الإسلامِ في المجتهدِ مِن الشروطِ المعلومةِ بداهةً؛ وقد نصَّ عليه طائفةٌ مِن الأصولَيين، في حين أَغْفَلَ ذكرَه كثيرٌ مِنْهم (^٢).\nيقولُ أبو حامدٍ الغزالي: \"الإسلامُ شرطٌ في المفتي لا محالةَ\" (^٣).\nويقولُ الآمديُّ في سياقِ حديثِه عن شروطِ المجتهدِ: \"الشرطُ الأولُ: أنْ يعلمَ وجودَ الربِّ تعالى، وما يجبُ له مِن الصفاتِ، ويستحقه مِن الكمالاتِ، وأنَّه واجبُ الوجودِ بذاتِه ... وأنْ يكونَ مصدِّقًا بالرسولِ، وما جاءَ به الشرعُ المنقولُ\" (^٤).\nويدلُّ على اشتراطِ الإسلامِ في الاجتهادِ أدلةٌ، منها:\nالدليل الأول: إجماعُ العلماءِ على اشتراطِ الإسلامِ في المجتهدِ، حكاه ابنُ حمدان، فقالَ عن المجتهدِ: \"أمَّا اشتراطُ إسلامِه ... فبالإجماعِ\" (^٥).\nالدليل الثاني: أنَّ الإسلامَ شرطٌ لكلِّ العباداتِ، والاجتهادُ عبادةٌ، فلا بُدَّ في صحتِه مِن الإسلامِ (^٦).\nومَعَ ظهورِ اشتراطِ الإسلامِ في المجتهدِ، إلا أنَّ أبا إسحاق الشاطبيَّ\n_________\n(^١) انظر: المسودة (٢/ ٨٤٢)، والرد على من أخلد إلى الأرض للسيوطي (ص/ ١٥٧).\n(^٢) انظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٣٢٤).\n(^٣) المستصفى (٢/ ٣٨٦).\n(^٤) الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ١٦٢ - ١٦٣). وانظر: الرد على من أخلد إلى الأرض للسيوطي (ص/١٥٧).\n(^٥) صفة الفتوى (ص/ ١٣). وانظر: المفتي في الشريعة الإسلامية للدكتور عبد العزيز الربيعة (ص/٢٠).\n(^٦) انظر: فواتح الرحموت (٢/ ٣٦٣)، وسلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٥٥٣).","vol":"1","page":165},{"text":"قرّرَ صحةَ اجتهادِ الكافرِ في الشريعةِ الإسلاميةِ، يقولُ: \"وقد أجازَ النظارُ وقوعَ الاجتهادِ في الشريعةِ مِن الكافرِ المنكرِ لوجودِ الصانعِ والرسالةِ والشريعةِ؛ إذ كانَ الاجتهادُ إنَّما يَنْبَنِي على مقدماتٍ تفْرَضُ صحتها\" (^١).\nوقد نُوقِشَ رأيُ أبي إسحاقَ الشاطبي مِنْ ثلاثةِ أوجهٍ:\nالوجه الأول: ما الثمرةُ الموجوة لاجتهادِ الكافرِ؟ فهلْ سيقلّدُه المسلمون فيما ذَهَبَ إليه؟ ! وهل سيعملُ بما أدّاه إليه اجتهادُه؟ ! (^٢).\nالوجه الثاني: مِنْ شروطِ صحةِ استنباطِ الحكمِ: اعتقادُ صحتِه، أو ظنُّها، والكافرُ لا يعتقدُ صحةَ مقدِّماتِ الحُكمِ - وهي: الكتابُ والسنةُ وما يرجعُ إليهما - التي بَنَى عليها حكمَه (^٣).\nالوجه الثالث: يلزمُ مِن الأخذِ برأي أبي إسحاقَ الشاطبي، القولُ بصحةِ آراء المستشرقين، والمنكرين للإسلامِ، ولنبوة النبيِّ - ﷺ -، وهذا باطلٌ قطعًا (^٤).\nالشرط الرابع: الملكة (^٥).\nيُشْتَرطُ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ وجودُ الملكةِ الفقهيةِ في العالم، والتي يُعَبّرُ عنها بفقهِ النفسِ (^٦).\n_________\n(^١) الموافقات (٥/ ٤٨ - ٤٩).\n(^٢) انظر: تعليق دراز على الموافقات (٥/ ٨٤).\n(^٣) انظر: المصدر السابق.\n(^٤) انظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٣٢٤).\n(^٥) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٨٦)، وتقريب الوصول لابن جزي (ص/ ٤٢٧)، والبحر المحيط (٦/ ١٩٩).\n(^٦) انظر: المنخول (ص/ ٤٦٤)، وشرح الكوكب الساطع للسيوطي (٤/ ١١٦).\nولابن خلدون كلام جيد في توضيح المراد بالملكة، يقول في مقدمته (٣/ ١٠١٩): \"وذلك أنَّ الحذق في العلم والتفنن فيه والاستيلاء عليه إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده، والوقوف على مسائله، واستنباط فروعه من أصوله، وما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحذق في ذلك المتناول حاصلًا. =","vol":"1","page":166},{"text":"يقولُ إمامُ الحرمينِ الجويني متحدّثًا عن أهميةِ الملكةِ الفقهيةِ: \"ثمَّ يُشترطُ: فقهُ النفسِ؛ فهو رأسُ مالِ المجتهدِ، ولا يَتَأتَّى كسبُه؛ فإنْ جُبِلَ على ذلك فهو المرادُ، وإلا فلا يَتَأتَّى تحصيلُه مِن الكتبِ\" (^١).\nوالمرادُ بـ (فقهِ النّفسِ): أنْ يكونَ الفقهُ سجيةً وطبعًا في نفسِ المجتهدِ (^٢)، فيكون شديدَ الفهم بالطَّبع لمقاصدِ الكلامِ (^٣)، وتكون له قدرةٌ على استخراجِ أحكامِ الفقهِ مِنْ أَدلتِها (^٤).\nودليلُ اشتراطِ الملكةِ في المجتهدِ: الاشتقاقُ على القاعدةِ الصرفيةِ؛ لأنَّ الفقيهَ - وهو المجتهد - اسمُ فاعلٍ من (فقُه) - بضم القاف - إذا صار الفقهُ سجيةً له (^٥).\nتلك هي أهمُّ شروطِ الاجتهادِ المتعلقةِ بالجانب الشخصي للمجتهدِ، وبقي أنْ أقولَ: إنَّ ثمَّةَ أوصافًا متعلقةً بالجانبِ الشَخصي للمجتهدِ، لا تُشترطُ فيه، وقد نصَّ بعضُ الأصوليين على عدمِ اشتراطِها، وهي:\nأولًا: العدالة.\nثانيًا: الذكورية.\nثالثًا: الحرية.\n_________\n= وهذه الملكة غير الفهم والوعي؛ لأنا نجد فهم المسألة الواحدة من الفن الواحد ووعيها مشتركًا بين من شدا في ذلك الفن وبين من هو مبتدئ فيه، وبين العامي الذي لم يحصَل علمًا وبين العالم النحرير، والملكة إنما هي للعالم أو الشادي في الفنون، دون من سواهما، فدل على أن هذه الملكة غير الفهم والوعي\". وانظر: المصدر السابق (٣/ ١٢٨٦ وما بعدها).\n(^١) البرهان (٢/ ٨٧٠) بتصرف يسير. وانظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٨٦).\n(^٢) انظر: لمع اللوامع لابن رسلان، القسم الثاني (٢/ ٥٩٢).\n(^٣) انظر: التحبير (٨/ ٣٨٧٠)، وشرح الكوكب الساطع للسيوطي (٤/ ١١٦).\n(^٤) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٨٦)، وشرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٣٨٢) بحاشية البناني.\n(^٥) انظر: لمع اللوامع لابن رسلان، القسم الثاني (٢/ ٥٩٢)، والفرائد الجديدة للسيوطي (٢/ ٦٧٥).","vol":"1","page":167},{"text":"أولًا: العدالة.\nعُرِّفَتْ العدالةُ بتعريفاتٍ متعددةٍ، ومِنْ أشهرِ التعريفاتِ، أنَّها: ملكةٌ تحملُ صاحبَها على ملازمةِ التقوى والمروءةِ (^١).\nوقد ذَهَبَ جمهورُ الأصوليين إلى أنَّ العدالةَ ليستْ مِنْ شروطِ الاجتهادِ في الشريعةِ، فقد يبلغُ الفاسقُ درجةَ الاجتهادِ.\nوممَّنْ نصَّ على عدم اشتراطِ العدالةِ في الاجتهادِ: أبو بكرٍ الجصاص (^٢)، وإمامُ الحرمين الجويني (^٣)، وأبو المظفرِ السمعاني (^٤)، وأبو حامدٍ الغزالي (^٥)، والموفقُ بنُ قدامة (^٦)، والطوفيُّ (^٧)، وتاجُ الدينِ بنُ السبكي (^٨)، وبدرُ الدينِ الزركشي (^٩)، والمرداويُّ (^١٠)، وجلالُ الدينِ السيوطي (^١١)، وابنُ\n_________\n(^١) انظر: المحصول في علم أصول الفقه للرازي (٤/ ٣٩٩)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٢/ ٧٦ - ٧٧)، وشرح تنقيح الفصول (ص / ٣٦١)، وصفة الفتوى (ص/ ١٣)، والبحر المحيط (٣/ ٢٧٣)، والتحبير (٤/ ١٨٥٨)، وشرح الكوكب المنير (٢/ ٣٨٤).\n(^٢) انظر: الفصول في الأصول (٤/ ٢٧٣).\n(^٣) انظر: الغياثي (ص / ٤٠٤)، والبرهان (٢/ ٨٧١).\n(^٤) انظر: قواطع الأدلة (٥/ ٩).\n(^٥) انظر: المنخول (ص/ ٤٦٣)، والمستصفى (٢/ ٣٨٢).\n(^٦) انظر: روضة الناظر (٣/ ٩٦٠).\n(^٧) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٥٨٨).\n(^٨) انظر: جمع الجوامع (ص / ١١٩).\n(^٩) انظر: تشنيف المسامع (٤/ ٥٧٣).\n(^١٠) انظر: التحبير (٨/ ٣٨٨٠).\n(^١١) انظر: شرح الكوكب الساطع (٤/ ١٢٥). وجلال الدين السيوطي هو: عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي أو الأسيوطي، أبو الفضل جلال الدين، ولد سنة ٨٤٩ هـ من علماء المذهب الشافعي، وقد ادعى بلوغ رتبة الاجتهاد المطلق في الشريعة مع انتسابه إلى المذهب الشافعي، كان مكثرًا من التأليف، مشاركًا في كثيرٍ من العلوم، يقول عن نفسه: \"رُزقت التبحر في سبعة علوم: التفسير، والحديث، والفقه، والنحو، والمعاني، والبيان، والبديع، على طريقة العرب البلغاء، لا على طريقة العجم وأهل الفلسفة\"، وقد تفرغ بعد سن الأربعين للعبادة والتصنيف، من مؤلفاته: الرد على من أخلد إلى الأرض، والأشباه والنظائر، وبغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، والدر المنثور في التفسير بالمأثور، وحسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، والكوكب الساطع في نظم جمع الجوامع في أصول الفقه، وشرح الكوكب الساطع، . والجامع الصغير في أحاديث البشير النذير، والجامع الكبير، والإتقان في علوم القرآن، توفي سنة ٩١١ هـ. انظر ترجمته في: الكواكب السائر للغزي (١/ ٢٢٦)، =","vol":"1","page":168},{"text":"عبد الشكور (^١).\nوقد أشارَ أبو المظفرِ السمعاني إلى الحدِّ الذي يُمكنُ معه صحةُ اجتهادِ الفاسقِ، بقولِه: \"اعلمْ أنَّ الثقةَ والأمانةَ في أنْ لا يكونَ متساهلًا في أمرِ الدّينِ، لا بُدَّ منه؛ لأنَّه إذا لم يكنْ كذلك لا يستقصي في النظرِ في الدلائلِ، ومَنْ لا يستقصي النظرَ في الدلائلِ، لا يصلْ إلى المقصودِ.\nوأمَّا الذي ذكره الأصحابُ أنَّه لا تُعتبرُ العدالةُ، فيجوز أنْ يكونَ المرادُ ما وراءَ هذا، وأمَّا هذا القدرُ فلا بُدَّ منه\" (^٢).\nوالدليل على عدم اشتراط العدالة: جوازُ تحصيلِ الفاسقِ قوةَ الاجتهادِ؛ باجتماعِ شروطِ الاجتهادِ الباقيةِ فيه (^٣).\nوقد ذَهَبَ بعضُ العلماءِ إلى اشتراطِ العدالةِ في الاجتهادِ (^٤).\nوالذي يظهرُ لي أنَّه لا خلافَ بين الأصوليين في عدمِ اشتراطِ العدالةِ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ، وأنَّ مرادَ مَنْ قال باشتراطها، اشتراطُها لقَبولِ فتوى\n_________\n= والضوء اللامع للسخاوي (٤/ ٦٥)، وحسن المحاضرة للسيوطي (١/ ٣١٠)، وشذرات الذهب لابن العماد (١٠/ ٧٤)، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ ٣٣٧)، وجامع كرامات الأولياء للنبهاني (٢/ ٦٢)، والأعلام للزركلي (٣/ ٣٠١).\n(^١) انظر: مسلم الثبوت (٢/ ٣٦٤) مع شرحه فواتح الرحموت. وابن عبد الشكور هو: محب الله بن عبد الشكور البهاري الهندي، يلقب بفاضل خان، ولد في كره في الهند، أحد علماء المذهب الحنفي، فقيه وأصولي ومنطقي، اشتهر بالذكاء، وقد تولى القضاء في لكنهو، من مؤلفاته: مسلم الثبوت شرح فواتح الرحموت، وسلم العلوم في المنطق، ورسالة في إثبات أنَّ مذهب الحنفية أبعد عن الرأي من مذهب الشافعية، توفي سنة ١١١٩ هـ. انظر ترجمته في: مقدمة فواتح الرحموت (١/ ٧)، وهدية العارفين للبغدادي (٢/ ٥)، وأبجد العلوم للقنوجي (ص / ٧٠٣)، ونزهة الخواطر لعبد الحي الحسني (٦/ ٧٣٩)، والأعلام للزركلي (٥/ ٢٨٣)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ١٧).\n(^٢) قواطع الأدلة (٥/ ١٠)، بتصرف يسير.\n(^٣) انظر: شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٣٨٥) بحاشية البناني، وغاية الوصول للأنصاري (ص / ١٤٨).\n(^٤) انظر: تقريب الوصول لابن جزي (ص/ ٤٢٧)، وجمع الجوامع لابن السبكي (ص/ ١١٩).","vol":"1","page":169},{"text":"المجتهدِ (^١).\nيدلُّ على هذا: كلامُ الأصوليين في الموطنِ الذي يوردونَ فيه شروطَ الاجتهادِ، وذلك بجعلِ الشروطِ - ومنها: العدالة - شروطًا للمفتي، أو بذكرِ شروطِ الاجتهادِ - ومنها: العدالة - وإردافها بأنْ مَن اجتمعتْ فيه، ساغَ له الاجتهادُ والإفتاءُ.\nويدلُّ على الاتفاقِ على عدمِ اشتراطِ العدالةِ في المجتهدِ أمورٌ، منها:\nالأمر الأول: لمَّا ساق أبو المظفرِ السمعاني شروطَ الاجتهادِ، ذَكَرَ منها العدالةَ، ثم بيَّنَ أنَّ العدالةَ إنَّما تُعتبرُ في الحكمِ والفتوى، دونَ الاجتهادِ (^٢).\nالأمر الثاني: لمَّا ساقَ أبو حامدٍ الغزالي شروطَ الاجتهادِ، ذَكَرَ منها: العدالةَ، ثمَّ أعقبَ ذلك ببيانِ أنَّ العدالةَ شرطٌ لجوازِ الاعتمادِ على فتوى المجتهدِ، أمَّا في اجتهادِه، فليستْ بشرطٍ (^٣).\nوالأمرانِ السابقانِ يدلانِ على أنَّ مرادَ مَنْ نصَّ على اشتراطِ العدالةِ في الاجتهادِ، اشتراطُها في قبولِ فتوى المجتهدِ.\nالأمر الثالث: نصَّ جمعٌ مِن الأصوليين على عدمِ وجودِ خلافٍ في المسألةِ، وأنَّ مرادَ مَنْ قال باشتراطِ العدالةِ، اشتراطُها في قبولِ فتوى الفاسقِ.\n_________\n(^١) انظر على سبيل المثال: التلخيص في أصول الفقه للجويني (٣/ ٤٦٠)، وأدب المفتي والمستفتي (ص/ ٨٦)، وإحكام الفصول (ص/ ٧٢٢)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٣٥)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٩٢).\n(^٢) انظر: قواطع الأدلة (٥/ ٩).\n(^٣) انظر: المستصفى (٢/ ٣٨٢ - ٣٨٣). ويقول أبو حامد الغزالي في: المنخول (ص / ٤٦٣): \"ولا بُدَّ من الورع؛ فلا يصدق الفاسق، ولا يجوز التعويل على قوله\".","vol":"1","page":170},{"text":"يقولُ الشيخُ زكريا الأنصاري (^١): \"يُعتبرُ؛ ليُعتمد على قولِه.\nوتُعُقِّبَ بأنَّه لا تخالف بين القولين؛ إذ اعتبار العدالةِ؛ لاعتمادِ قولِه، لا ينافي عدمَ اعتبارِها لاجتهادِه؛ إذ الفاسقُ يعملُ باجتهادِ نفسِه، وإنْ لم يُعْتَمْد قولُه اتفاقًا\" (^٢).\nوكذلك نفى الخلاف: وليُّ الدين العراقي (^٣)، وجلالُ الدين السيوطي (^٤)، والبنانيُّ (^٥)، وعبدُ الله العلوي (^٦).\n_________\n(^١) هو: زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري المصري، أبو يحيى، ولد بسكينة سنة ٨٢٦ هـ كان إمامًا محققًا متكلمًا فقهيًا أصوليًا منطقيًا، بارعًا في المنقول والمعقول، متمذهبًا بالمذهب الشافعي، عظيم الشأن عن الوالي، من مؤلفاته: لب الأصول، وغاية الوصول شرح لب الأصول، ومنهج الطالبين، وشرح ايساغوجي في المنطق، توفي بالقاهرة سنة ٩٢٦ هـ.\nانظر ترجمته في: الضوء اللامع للسخاوي (٣/ ٢٣٤)، وشذرات الذهب لابن العماد (١٠/ ١٨٦)، والكواكب السائرة للغزي (١/ ١٩٨)، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ ٢٦٤).\n(^٢) غاية الوصول (ص/ ١٤٨)، والاتفاق المحكي عائد إلى عدم العمل بفتوى الفاسق.\n(^٣) انظر: الغيث الهامع (٣/ ٨٧٨).\n(^٤) انظر: شرح الكوكب الساطع (٢/ ٧٣٨).\n(^٥) انظر: حاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٣٨٥). والبناني هو: عبد الرحمن بن جاد الله أبو زيد البناني المغربي، أحد علماء المذهب المالكي ومحققيه، كان علامةً فهامةً فقيهًا أصوليًا مدققًا محققًا، ماهرًا في المنقول والمعفول، قدم مصر، ودَرَسَ بالجامع الأزهر، ودرَّس برواق المغاربة، وانتفع به الطلاب، وتولى مشيخة رواقهم، لم يتزوج حتى مات، من مؤلفاته: حاشية على شرح المحلي على جمع الجوامع، وحاشية على المقامة التصحيفية، توفي سنة ١١٩٨ هـ. انظر ترجمته في: عجائب الآثار للجبرتي (١/ ٥٨٥)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٣٤٢)، والأعلام للزركلي (٢/ ٣٠٢)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٢/ ٨٦).\n(^٦) انظر: نشر البنود (٢/ ٣٢١). وعبد الله العلوي هو: عبد الله بن الحاج إبراهيم بن أحمد العلوي، أبو محمد الشنقيطي، ولد بعد منتصف القرن الثاني عشر بقرية تججكة بشنقيط، دَرَسَ على علماء قطره، ثم توجه إلى فاس ومراكش بالمغرب، فأقام بهما سنوات، تجرد أربعين سنة لطلب العلم في الصحاري والمدن، وكان مالكي المذهب، ومن علماء عصره البارزين، ومن الأصوليين المعروفين، مشاركًا في الحديث واللغة، من مؤلفاته: مراقي السعود - منظومة في أصول الفقه - ونشر البنود شرح مراقي السعود، ونيل النجاح، ونَوْر الأقاح - منظومة في علم البيان - وفيض الفتاح شرح نور الأقاح، توفي في حدود سنة ١٢٣٠ هـ عن عمرٍ يناهز الثمانين عامًا. انظر ترجمته في: الوسيط في تراجم أدباء شنقيط للشنقيطي (ص/ ٣٧)، والأعلام للزركلي (٤/ ٦٥)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٢/ ٢٢٠).","vol":"1","page":171},{"text":"ثانيًا: الذكورية.\nثالثًا: الحرية.\nلا يُشترطُ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ أنْ يكونَ المجتهدُ ذكرًا، ولا أنْ يكونَ حرًّا؛ فيصحُّ الاجتهادُ مِن المرأةِ، ومِن الرقيقِ (^١).\nويدلُّ على عدم اشتراط الذكورية والحرية في الاجتهاد: رجوعُ الصحابةِ - ﵃ - إلى قولِ عائشة - ﵂ - وإلى قولِ سائرِ أزواجِ النبي - ﷺ -، وقد أخذَ التابعون بقولِ نافع (^٢) - مولى عبد الله بن عمر - ﵄ - وبقولِ عكرمةَ (^٣) - مولى عبد الله بن عباس - ﵄ - قبلَ عتقِهما (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>النوع الثاني: الشروط المتعلقة بالجانب العلمي للمجتهد:</span>\nثمّةَ شروطٌ يشترطها الأصوليون لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ ذات اتصالٍ\n_________\n(^١) انظر: قواطع الأدلة (٥/ ٩)، والمنخول (ص / ٤٦٣)، والتحبير (٨/ ٣٨٨٠)، وشرح الكوكب الساطع للسيوطي (٤/ ١٢٥).\n(^٢) هو: نافع بن هرمز - ويقال: ابن كاوس - أبو عبد الله المدني، مولى عبد الله بن عمر ﵄، وأحد الرواة عنه، أصله من المغرب، وقيل: من نيسابور، تابعي جليل القدر، كان كثير الحديث، ثقة، وأحد الأثبات في الرواية، عالم المدينة ومفتيها، وقد بعثه الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى مصر؛ ليعلم أهلها السنة، توفي سنة ١١٧ هـ وقيل: ١٢٠ هـ.\nانظر ترجمته في: تهذيب الأسماء واللغات للنووي (٢/ ١٣٢)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٥/ ٣٦٧)، وتهذيب الكمال للمزي (٢٩/ ٢٩٨)، وسير أعلام النبلاء (٥/ ٩٥)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (١/ ٩٩).\n(^٣) هو: عكرمة القرشي مولاهم المدني، أصله من البربر من المغرب، أبو عبد الله، مولى عبد الله بن عباس ﵄، كان علامةً حافظًا مفسرًا، بحرًا من بحور العلم، روى عن أبي هريرة وابن عباس وعائشة - ﵃ -، يقول عكرمة: \"طلبت العلم أربعين سنة\"، وقال عنه قتادة: \"أعلم الناس بالتفسير عكرمة\"، ولما قيل لسعيد بن جبير: أتعلم أحدًا أعلم منك؟ قال: \"نعم، عكرمة\"، توفي سنة ١٠٦ هـ وقيل: ١٠٧ هـ. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٥/ ٢٨٧)، وحلية الأولياء لأبي نعيم (٣/ ٣٢٦)، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي (١/ ٣٤٠)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٢٦٥)، وتهذيب الكمال للمزي (٢٠/ ٢٦٤)، وسير أعلام النبلاء (٥/ ١٢)، وطبقات المفسرين للداودي (١/ ٣٨٠).\n(^٤) انظر: الرد على من أخلد إلى الأرض للسيوطي (ص/ ١٥٨)، والاجتهاد ومدى حاجتنا إليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ١٦٢).","vol":"1","page":172},{"text":"بالجانبِ العلمي للمجتهدِ، وأهمّها:\nالشرط الأول: معرفةُ كتابِ الله ﷾.\nمِنْ أهمِّ شروطِ الاجتهادِ: معرفةُ القرآنِ الكريمِ (^١)؛ لأنَّه أصلُ الأحكامِ (^٢).\nوأيضًا: قد يكونُ الفرعُ مردودًا إلى القرآنِ الكريمِ، فإنْ لم يعرفْه المجتهدُ فقد يخالفُ حُكمًا منصوصًا (^٣).\nولا بُدَّ أنْ يكونَ المجتهدُ عالمًا بالقرآنِ الكريمِ: عامِّه وخاصِّه، مطلقِه ومقيدِه، مجملِه ومفصلِه، منطوقِه ومفهومِه، ناسخِه ومنسوخِه، ومعاني الآياتِ (^٤).\nوهنا عدّةُ مسائل متصلة باشتراطِ معرفةِ القرآنِ الكريمِ:\nالمسألة الأولى: هل تُشترطُ معرفةِ القرآنِ الكريمِ كلّه؟\nجاءَ القرآنُ الكريمُ مشتملًا على ذكرِ أسماءِ الله تعالى وصفاتِه، وتضمَّن الأحكامَ الشرعيةَ، والقصصَ والمواعظَ، وغيرَها، فهل تُشترطُ معرفةُ كلِّ ما وَرَدَ في القرآنِ الكريمِ؟ لبلوغِ درجةِ الاجتهادِ؟\n• تحرير محل النزاع:\nأولًا: اتفق الأصوليون على لزومِ معرفةِ المجتهدِ لآياتِ الأحكامِ.\n_________\n(^١) انظر: العدة (٥/ ١٥٩٤)، والإشارة في معرفة الأصول للباجي (ص/ ٣٢٧)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٣٣)، والبرهان (٢/ ٨٧٠)، وقواطع الأدلة (٢/ ٦)، والمستصفى (٢/ ٣٨٢)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٢٣)، وشرح تنقيح الفصول (ص/ ٤٣٧)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٥٧٧)، والتحبير (٨/ ٣٨٧٠).\n(^٢) انظر: البرهان (٢/ ٨٧٠).\n(^٣) انظر: العدة (٥/ ١٥٩٤).\n(^٤) انظر: المصدر السابق، وقواطع الأدلة (٥/ ٦)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ٤٥٦).","vol":"1","page":173},{"text":"ثانيًا: محلُّ الخلافِ في اشتراطِ معرفةِ الآياتِ التي وَرَدَتْ في غيرِ الأحكامِ، كالقصصِ والمواعظِ، ونحوِهما.\n• الأقوال في المسألة:\nاختلفَ العلماءُ في هذه المسألةِ على قولين:\nالقول الأول: تُشترطُ معرفةُ القرآنِ الكريمِ كلِّه.\nوقد نُسِبَ هذا القولُ إلى الإمامِ الشافعي (^١)، وهو ظاهرُ كلام شهابِ الدّينِ القرافي (^٢)، وذَهَبَ إليه: الطوفي (^٣)، وجمالُ الدين الإسنوي (^٤).\nالقول الثاني: لا تُشترطُ معرفةُ القرآنِ الكريمِ كلِّه؛ وإنَّما تُشترطُ معرفةُ آياتِ الأحكامِ فحسبُ.\nاختار هذا القولَ جمعٌ مِن الأصوليين، منهم: أبو إسحاقَ الشيرازي (^٥)، وابنُ العربي (^٦) - كما نسبه إليه بدرُ الدين الزركشي (^٧) - وأبو\n_________\n(^١) انظر: نهاية السول (٤/ ٥٤٨).\n(^٢) انظر: شرح تنقيح الفصول (ص/ ٤٣٧)، ورفع النقاب للشوشاوي (٦/ ١١٢ - ١١٣).\n(^٣) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٥٧٧).\n(^٤) انظر: نهاية السول (٤/ ٥٤٨).\n(^٥) انظر: شرح اللمع (٢/ ١٠٣٣).\n(^٦) هو: محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله المعارفي الأندلسي، أبو بكر المعروف بابن العربي، من أهل أشبيلية، ولد سنة ٤٦٨ هـ من أعيان علماء المذهب المالكي في وقته، كان إمامًا عالمًا فقيهًا أصوليًا، حافظًا متبحرًا في العلوم، متفننًا فيها، أشعري المعتقد، وقد رحل إلى المشرق، وتفقه بأبي حامد الغزالي، ثم رجع إلى الأندلس، وقدم إشبيلية بعلم كثير، لم يُدخله أحدٌ قبله ممن كانت له رحلة للمشرق، وقد صنف مؤلفات مفيدة، منها: عارضة الأحوذي في شرح جامع الترمذي، والمسالك في شرح موطأ الإمام مالك، وأحكام القرآن، والمحصول في أصول الفقه، والعواصم من القواصم، وقانون التأويل، توفي بالعدوة سنة ٥٤٣ هـ ودفن بفاس. انظر ترجمته في: الغنية للقاضي عياض (ص/ ٦٦)، والصلة لابن بشكوال (٢/ ٥٥٨)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ٢٩٦)، وسير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٩٧)، وسلوة الأنفاس للكتاني (٣/ ٢٤٤)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ١٣٦)، والفكر السامي للحجوي (٤/ ٢٢١).\n(^٧) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٩٩).","vol":"1","page":174},{"text":"حامدٍ الغزالي (^١)، وصفيُّ الدين الهندي (^٢)، وتاجُ الدّينِ بنُ السبكي (^٣).\n• أدلةُ القولين:\nأدلةُ أصحابِ القولِ الأول: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: أنَّ آياتِ القرآنِ الكريمِ كلَّها لا تخلو مِنْ حُكم، فمثلًا: ما وَرَدَ في صفاتِ الله تعالى، والثناءِ عليه، المقصودُ به الأمرُ بتعظيمِه، والثناء عليه، وما وَرَدَ في القرآنِ مِنْ ذكرِ ذمِّ فعلٍ ما، فإنَّ مِنْ مقاصدِه تحريمَ ذلك الفعلِ (^٤).\nيقولُ الطوفيُّ: \"إنَّ أحكامَ الشرعِ كما تُسْتَنْبَطُ مِن الأوامرِ والنواهي، كذلك تُسْتَنْبَطُ مِن الأقاصيصِ والمواعظِ ونحوِها، فقلَّ أنْ يُوْجَدَ في القرآنِ آيةٌ، إلا وُيسْتَنْبَطُ منها شيءٌ مِن الأحكامِ\" (^٥).\nالدليل الثاني: أنَّ تمييزَ آياتِ الأحكامِ عن غيرِها مِن القصصِ والمواعظِ والأمثالِ، متوقفٌ على معرفةِ القرآنِ الكريمِ جميعِه بالضرورةِ؛ إذ لا يسوغُ للمجتهدِ أنْ يقلِّدَ غيرَه في حَصْرِ آياتِ الأحكامِ، فإذا أرادَ حصرَها، لَزِمَه النظرُ في القرآنِ الكريمِ كلِّه (^٦).\nدليلُ أصحابِ القولِ الثاني: أنَّ بيانَ الأحكامِ الشرعيةِ، وبيانَ الحلالِ والحرامِ بالآياتِ الواردةِ في الأحكامِ، وما عدا آيات الأحكام لا نشترطُ معرفتَها على المجتهدِ؛ لأنَّه لا تَعَلُّقَ لها بالأحكامِ (^٧).\n_________\n(^١) انظر: المستصفى (٢/ ٣٨٣).\n(^٢) انظر: نهاية الوصول (٨/ ٣٨٢٧).\n(^٣) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٨٩٨).\n(^٤) انظر: شرح تنقيح الفصول (ص/ ٤٣٧)، ونفائس الأصول (٩/ ٤٠١١).\n(^٥) شرح مختصر الروضة (٣/ ٥٧٧ - ٥٧٨).\n(^٦) انظر: نهاية السول (٤/ ٥٤٨ - ٥٤٩).\n(^٧) انظر: شرح اللمع (٢/ ١٠٣٣)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٥٧٨).","vol":"1","page":175},{"text":"• الموازنة والترجيح:\nلا شكَّ في أنَّ اعتناءَ المجتهدِ بالقرآنِ الكريمِ كلِّه أكملُ وأولى، والذي يظهرُ لي رجحانُه في المسألةِ هو القولُ بلزومِ معرفةِ المجتهدِ لآياتِ الأحكامِ فقط، دونَ اشتراطِ ما زادَ عليها؛ لأنَّ استمدادَ الأحكامِ الشرعيةِ ابتداءً مِن الآياتِ التي وَرَدَت في بيانِها، لكنَّ معرفةَ القرآنِ الكريمِ جميعِه لازمةٌ؛ لتمييزِ آياتِ الأحكامِ عن غيرِها؛ ضرورةَ عدم تقليدِ المجتهدِ لغيرِه في حصرِ آياتِ الأحكامِ.\nوأشيرُ في هذا المقامِ إلى أنَّه يحسنُ بالمجتهدِ أنْ لا يستغنى عن النظرِ والاستنباطِ في جميعِ القرآنِ بالنظرِ في آياتِ الأحكامِ (^١).\n• سبب الخلاف:\nمِنْ خلالِ النظرِ في القولين، وما استدلا به، يظهرُ لي أنَّ الخلافَ عائدٌ إلى لزومِ معرفةِ المجتهدِ لما دلَّ عليه القرآنُ مِن الأحكام ممَّا لم يسقِ الكلامُ لأجلِه.\nفإنْ قلنا: لا يلزمُ المجتهد معرفة ما دلُّ عليه القرآنُ مِن الأحكامِ ممَّا لم يسقِ الكلامُ لأجلِه، لم نُوْجِبْ عليه معرفةَ القرآنِ كلِه، وهذا ما سار عليه أصحابُ القولِ الثاني.\nوإنْ قلنا: يلزمُ المجتهد معرفة ما دلَّ عليه القرآنُ مِن الأحكامِ ممَّا لم يسقِ الكلامِ لأجلِه، أوجبنا عليه معرفةَ القرآنِ كلِّه، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الأولِ.\nالمسألة الثانية: عددُ آياتِ الأحكامِ في القرآنِ الكريمِ.\nمِنْ القرآنِ الكريمِ آياتٌ دالةٌ على الأحكامِ الشرعيةِ، فهلْ عددُ هذه الآياتِ محددٌ؟\n_________\n(^١) انظر: الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ١٨١).","vol":"1","page":176},{"text":"اختلفَ العلماءُ في عددِ آياتِ الأحكامِ في القرآنِ الكريمِ على أقوال، منها:\nالقول الأول: أنَّ مقدارَ آياتِ الأحكامِ ألفٌ ومائةُ آية.\nنُسِبَ هذا القولُ إلى القاضي أبي يوسفَ (^١).\nالقول الثاني: أنَّ مقدارَ آياتِ الأحكامِ تسعمائة آية.\nنُسِبَ هذا القولُ إلى عبدِ الله بنِ المبارك (^٢).\n_________\n(^١) انظر: إيقاظ الوسنان في العمل بالسنة والقرآن لمحمد الإدريسي (ص/ ٦٧). والقاضي أبو يوسف هو: يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن خُنْيس بن سعد الأنصاري الكوفي، الشهير بالقاضي أبي يوسف، ولد سنة ١١٣ هـ من أشهر أصحاب أبي حنيفة، كان فقيهًا مجتهدًا علامةً حافظًا للحديث والمغازي وأيام العرب، ولي قضاء بغداد، وهو أول من دُعي بقاضي القضاة، كان أثبت أهل الرأي في الحديث، قال عنه الإمام أحمد: \"كان أميل إلى المحدثين من أبي حنيفة ومحمدٍ\"، وهو أيضًا أول من وضع الكتب على مذهب أبي حنيفة، وأملى المسائل ونشرها، وقد قيل: \"لولا أبو يوسف ما ذكر أبو حنيفة\"، وقد بلغ في العلم بما لا مزيد عليه، وكان الخليفة الرشيد يبالغ في إجلاله، من مؤلفاته: كتاب الخراج، والأمالي والنوادر، والجوامع، واختلاف الأمصار، توفي سنة ١٨٢ هـ وقيل: ١٨١ هـ. انظر ترجمته في: أخبار القضاة لوكيع (٣/ ٢٥٤)، والتاريخ الكبير للبخاري (٨/ ٣٩٧)، وتاريخ مدينة السلام للخطيب (١٦/ ٣٥٩)، والانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة لابن عبد البر (ص / ١٧٢)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٦/ ٣٧٨)، وسير أعلام النبلاء (٨/ ٥٣٥)، والجواهر المضية للقرشي (٣/ ٦١١)، وتاج التراجم لقطلوبغا (ص/ ٣١٥)، وشذرات الذهب لابن العماد (٢/ ٣٧٦)، والفوائد البهية للكنوي (ص/ ٢٩٧).\n(^٢) انظر: الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ١٨٠). وابن المبارك هو: عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي مولاهم المروزي، أبو عبد الرحمن، ولد سنة ١١٨ هـ طلب العلم وهو ابن عشرين سنة، كان إمامًا حافظًا، عالم زمانه، وأحد الأعلام العظام، فقهيًا زاهدًا سخيًا مجاهدًا شجاعًا، شديد الورع، وقد جمع بين الحديث والفقه والعربية وأيام الناس والشجاعة والسخاء والتجارة، من أقواله: \"في صحيح الحديث شُغل عن سقيمه\"، من مؤلفاته: كتاب السنن، توفي بهيت - بلدة على نواحي الفرات قريبة من بغداد - سنة ١٨١ هـ. انظر ترجمته في: التاريخ الكبير للبخاري (٥/ ٢١٢)، وحلية الأولياء لأبي نعيم (٨/ ١٦٢)، وتاريخ مدينة السلام للخطيب (١١/ ٣٨٨)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٣٢)، وسير أعلام النبلاء (٨/ ٣٧٨)، والبداية والنهاية (١٣/ ٦١٠).","vol":"1","page":177},{"text":"القول الثالث: أنَّ مقدارَ آياتِ الأحكامِ خمسمائة آية.\nوهذا قولُ أبي حامدٍ الغزالي (^١)، وأبي بكر بن العربي (^٢)، والفخرِ الرازي (^٣)، والموفقِ بنِ قدامةَ (^٤).\nالقول الرابع: أنَّ مقدارَ آياتِ الأحكامِ مائةُ آية.\nوقد ذَكَرَ جلالُ الدينِ السيوطي هذا القولَ، ولم ينسبْه إلى أحد (^٥).\nالقول الخامس: عدمُ تحديدِ آياتِ الأحكامِ.\nوهذا قولُ ابنِ دقيق العيد (^٦)، وبدرِ الدينِ الزركشي (^٧)، والشوكاني (^٨)، وعبدِ الله العلوي (^٩).\nولعلَّ الأقربَ مِنْ وجهةِ نظري: عدمُ التحديدِ المذكورِ في الأقوالِ الأربعةِ الُأولى؛ لأن اختلافَ القرائحِ والأذهانِ، وما يفتحه الله على عبادِه المجتهدينَ مِنْ وجوهِ الاستنباطِ، يختلفُ معها الاستنباطُ مِن الآياتِ، ولعلَّ نظرَ القائلين بالتحديدِ المذكورِ في الأقوالِ اتجه إلى الآياتِ الدالةِ على الأحكامِ دلالةً أَوْلية، لا بطريقِ التضمَّنِ والالتزامِ (^١٠).\n_________\n(^١) انظر: المستصفى (٢/ ٣٨٢).\n(^٢) انظر: المحصول في أصول الفقه (ص/ ١٣٥)، وقد ذكر قوله الزركشي في: البحر المحيط (٦/ ١٩٩).\n(^٣) انظر: المحصول في علم أصول الفقه (٦/ ٢٣).\n(^٤) انظر: روضة الناظر (٣/ ٩٦٠).\n(^٥) انظر: شرح الكوكب الساطع (٢/ ٧٣٥).\n(^٦) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٩٩).\n(^٧) انظر: المصدر السابق.\n(^٨) انظر: إرشاد الفحول (٢/ ٠٣٠).\n(^٩) انظر: شرح مراقي السعود (٢/ ٦٤٢).\n(^١٠) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٩٩). ودلالة التضمن هي: دلالة اللفظ على جزء مسماه. انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ١٥)، وشرح تنقيح الفصول (ص/ ٢٤)، والبحر المحيط (٢/ ٣٧)، ولقطة العجلان وبلة الظمآن للزركشي (ص/ ١٠٤)، وشرح الكوكب المنير (١/ ١٢٦)، وآداب البحث والمناظرة للشنقيطي (ص/ ٢٠).\nودلالة الالتزام هي: دلالة اللفظ على خارج عن مسماه، لكنه لازم له لزومًا ذهنيًا. انظر: المصادر السابقة.","vol":"1","page":178},{"text":"المسألة الثالثة: هل يُشتَرطُ حفظُ القرآنِ الكريمِ؛ لبلغِ رتبةِ الاجتهادِ؟\nلا ريبَ أنَّ حفظَ القرآنِ الكريمِ أكملُ، وهذا ممَّا لا خلافَ فيه بين العلماءِ، وإنَّما وَقَعَ خلافُهم في اشتراطِ حفظِه لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ على أقوالٍ، أهمها:\nالقول الأول: لا يُشترطُ حفظُ القرآنِ الكريمِ، ولا يُشترطُ أيضًا حفظُ آياتِ الأحكامِ، وإنَّما يُشتَرطُ العلمُ بمواضعِ الآياتِ عند طلبِ الحُكمِ.\nوقد ذَهَبَ إلى هذا القولِ جمعٌ مِن الأصوليين، منهم: أبو الوليد الباجي (^١)، وأبو حامدٍ الغزالي (^٢)، والفخرُ الرازي (^٣)، والموفقُ بنُ قدامةَ (^٤)، وأبي القاسم الرافعي (^٥)، وصفيُّ الدِّينِ الهندي (^٦)، والطوفيُّ (^٧)، وتاجُ الدين بنُ السبكي (^٨)، والمرداويُّ (^٩).\nالقول الثاني: يُشترطُ حفظُ القرآنِ الكريمِ جميعِه.\nنُسبَ هذا القولُ إلى الإمامِ الشافعي (^١٠). ونسبه أبو المظفرِ\n_________\n(^١) انظر: إحكام الفصول (ص/ ٧٢٢).\n(^٢) انظر: المستصفى (٢/ ٣٨٣).\n(^٣) انظر: المحصول في علم أصول الفقه (٦/ ٢٣).\n(^٤) انظر: روضة الناظر (٣/ ٩٦١).\n(^٥) انظر: العزيز شرح الوجيز (١٢/ ٤١٥). وأبو القاسم الرافعي هو: عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن الفضل الرافعي القزويني، أبو القاسم، ولد سنة ٥٥٥ هـ كان إمامًا في الفقه والأصول، وعَلَمًا من أعلام المذهب الشافعي، متضلعًا مِنْ علوم الشريعة: تفسيرًا وحديثًا وأصولًا، زاهدًا ورعًا تقيًا نقيًا صالحًا، وقد بلغ درجة الاجتهاد في مذهبه، من مؤلفاته: شرح مسند الشافعي، وشرح المحرر في الفقه، والعزيز شرح الوجيز، توفي سنة ٦٢٤ هـ. انظر ترجمته في: تهذيب الأسماء واللغات للنووي (٢/ ٢٦٤)، وسير أعلام النبلاء (٢٢/ ٢٥٢)، وفوات الوفيات لابن شاكر (٢/ ٧)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٨/ ٢٨١)، وطبقات الشافعية للإسنوي (١/ ٥٧١)، وشذرات الذهب لابن العماد (٧/ ١٨٩).\n(^٦) انظر: نهاية الوصول (٨/ ٣٨٢٧).\n(^٧) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٥٧٨).\n(^٨) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٨٩٨).\n(^٩) انظر: التحبير (٨/ ٣٨٧١).\n(^١٠) انظر: نهاية السول (٤/ ٥٤٩).","vol":"1","page":179},{"text":"السمعاني (^١)، وأبو الوفاءِ ابنُ عقيلٍ (^٢)، وأمير بادشاه (^٣) إلى كثيرٍ مِنْ أهلِ العلمِ.\nواختاره ابنُ جزي المالكي (^٤).\nالقول الثالث: يُشترطُ حفظُ آياتِ الأحكامِ، دونَ الآياتِ الواردةِ في غيرها، كالقصص والأمثال والزواجر.\nنَسَبَ أبو الوفاءِ ابنُ عقيلٍ هذا القولَ إلى المحققين (^٥).\nوذَكَرَ بعضُ الأصوليين هذا القولَ دونَ نسبةٍ إلى أحدٍ، منهم: أبو المظفرِ السمعاني (^٦)، ومحمدٌ البابرتي (^٧)، وأمير بادشاه (^٨).\n_________\n(^١) انظر: قواطع الأدلة (٥/ ٦).\n(^٢) انظر: الواضح في أصول الفقه (١/ ٢٧٠).\n(^٣) انظر: تيسير التحرير (٤/ ١٨١).\n(^٤) انظر: تقريب الوصول (ص/ ٤٣١). وابن جزي هو: محمد بن أحمد بن محمد بن جزي الكلبي، أبو القاسم الغرناطي، ولد سنة ٦٩٣ هـ من علماء المذهب المالكي، فقيه أصولي، حافظ متقن، عالم بالتفسير والقراءات والحديث واللغة، من ذوي الوجاهة والنباهة والعدالة، عاكف على العلم، والاشتغال بالنظر والتقييد والتدوين، من مؤلفاته: التسهيل لعلوم التنزيل، والقوانين الفقهية، وتقريب الوصول إلى علم الأصول، ووسيلة المسلم في تهذيب صحيح مسلم، توفي سنة ٧٤١ هـ. انظر ترجمته في: الإحاطة في أخبار غرناطة لابن الخطيب (٣/ ٢٠)، والديباج المذهب لابن فرحون (٢/ ٢٧٤)، والدرر الكامنة لابن حجر (٣/ ٣٥٦)، ودرة الحجال لابن القاضي (٢/ ١١٧)، ونيل الابتهاج للتنبكتي (ص/ ٣٩٨)، ونفح الطيب للمقري (٨/ ٥٨)، وأزهار الرياض له (٣/ ١٨٤)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٢١٣).\n(^٥) انظر: الواضح في أصول الفقه (١/ ٢٧٠).\n(^٦) انظر: قواطع الأدلة (٥/ ٦).\n(^٧) انظر: التقرير لأصول فخر الإسلام (٦/ ٢٦٣). ومحمد البابرتي هو: محمد بن محمد بن محمود الرومي البابرتي، أبو عبد الله أكمل الدين، ولد سنة بضع عشرة وسبعمائة للهجرة، كان فقهيًا أصوليًا نابغًا علامةً محققًا متبحرًا في المذهب الحنفي، وافر العقل، قوي النفس مهيبًا، برع وساد وأفتى ودرّس وأفاد، من مؤلفاته: التقرير لأصول فخر الإسلام البزدوي، والعناية شرح الهداية، والنقود والردود في شرح مختصر ابن الحاجب، وحاشية على الكشاف للزمخشري، توفي سنة ٧٨٦ هـ. انظر ترجمته في: إنباء الغمر لابن حجر (٢/ ١٧٩)، والدرر الكامنة له (٤/ ٢٥٠)، وتاج التراجم لقطلوبغا (ص/ ٢٧٦)، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي (١١/ ٣٠٢)، وحسن المحاضرة للسيوطي (١/ ٤٤٢)، وبغية الوعاة له (١/ ٢٣٩)، وشذرات الذهب لابن العماد (٨/ ٥٠٤)، والفوائد البهية للكنوي (ص/ ٢٥٦).\n(^٨) انظر: تيسير التحرير (٤/ ١٨١).","vol":"1","page":180},{"text":"واختاره: بعضُ الحنابلةِ (^١).\n• أدلةُ الأقوالِ:\nدليلُ أصحابِ القولِ الأولِ: أنَّ المقصودَ مِن الاجتهادِ إثباتُ الحكمِ بدليلِه، وهذا المقصَدُ يحصلُ دونَ الحاجةِ إلى الحفظِ، والذي يُحَققه العلمُ بموضعِه (^٢).\nدليلُ أصحاب القولِ الثاني: أنَّ الحافظَ للقرآنِ الكريمِ أضبطُ لمعانيه مِن الناظرِ في القرآنَ (^٣).\nويمكن مناقشة الدليل: بأنَّه لا نُسلّمُ أنَّ الحافظَ للقرآنِ أضبطُ لمعانيه مِنْ غيرِ الحافظِ؛ بدليلِ الواقعِ المشاهدِ؛ فهناك مَنْ يحفظُ القرآنَ دونَ أنْ يغوصَ في معانيه، وهناك مَنْ هو عالمٌ بمعاني القرآنِ، وهو غيرُ حافظٍ له.\nدليل أصحاب القول الثالث: لم أقفْ لأصحابِ القولِ الثالثِ على دليلٍ - فيما رجعت إليه من مصادر - ولعلَّهم جمعوا بين القولين، فقالوا بالتوسطِ بينهما؛ فاشترطوا الحفظَ لآياتِ الأحكامِ، دونَ الآياتِ الواردةِ في غيرِها.\n• الموازنة والترجيح:\nبالنظرِ في الأقوالِ، وما استدلوا به، يظهرُ لي رجحانُ القولِ الأولِ القائلِ بعدمِ اشتراطِ حفظِ القرآنِ؛ لأنَّ قصدَ المجتهدِ أصالةً استنباطُ الحكمِ مِن القرآنِ الكريمِ، ومعرفةُ موضع الآية مِن القرآن يُحققُ له هذا المقصد، دونَ أدنى خللٍ في اجتهادِه، إضافَةً إلى أنَّ كثيرًا من مجتهدي الصحابة - ﵃ - كأبي بكر وعمر وغيرهما، لم يحفظوا القرآنَ الكريمَ (^٤).\n_________\n(^١) انظر: رسالة في أصول الفقه للعكبري (ص/ ١٢٦).\n(^٢) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٥٧٨).\n(^٣) انظر: تقريب الوصول لابن جزي (ص/ ٤٣١)، وتيسير التحرير (٤/ ١٨١).\n(^٤) انظر: معرفة القراء البهار للذهبي (١/ ١٠٧)، والبرهان في علوم القرآن للزركشي (١/ ٢٤١)، والإتقان في علوم القرآن للسيوطي (٢/ ٤٦٤).","vol":"1","page":181},{"text":"• سبب الخلاف:\nمِنْ خلالِ النظرِ في الأقوالِ، وما استدلوا به، يظهرُ لي أنَّ سببَ الخلافِ عائدٌ إلى المقدارِ الذي تتحقق معه معرفة القرآن.\nفأصحابُ القولِ الأولِ، قالوا: القدرُ الذي تتحقق معه معرفةُ القرآنِ، هو العلمُ بمواطنِ الآياتِ.\nوأصحابُ القولِ الثاني، قالوا: القدرُ الذي تتحقق معه معرفةُ القرآنِ، هو حفظُه.\nالشرط الثاني: معرفةُ السُنةِ النبويةِ.\nتعدُّ السنةُ النبويةُ المصدر الثاني مِنْ مصادرِ الشريعةِ الإسلاميةِ، وتأتي في المرتبةِ الثانيةِ بعد القرآنِ الكريمِ.\nوالسنةُ عند الأصوليين: ما أُثِرَ عن النبي - ﷺ - مِنْ قولٍ، أو فعلٍ، أو تقريرٍ (^١).\nيقولُ إمامُ الحرمينِ الجويني - في معرضِ حديثِه عن اشتراطِ معرفةِ السنةِ للمجتهدِ -: \"فهي - أيْ: السنن - القاعدةُ الكبرى؛ فإنَّ معظمَ أصولِ التكاليفِ متلقى مِنْ أقوالِ الرسولِ - ﷺ -، وأفعالِه، وفنونِ أحوالِه، ومعظمُ آي الكتابِ لا يستقلُّ دونَ بيانِ الرسولِ\" (^٢).\nولمعرفة السنة النبوية جانبان:\nالأول: السندُ الذي يُروى به الحديثُ النبويُّ.\nويتعلّقُ به ثبوتُ الحديثِ النبوي، ويُسَمَّى معرفة السنةِ روايةً.\nالثاني: لفظُ الحديثِ النبويّ.\n_________\n(^١) انظر: أصول السرخسي (١/ ١١٣)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ١٦٣)، وفواتح الرحموت (٢/ ٩٧)، وشرح الكوكب المنير (٢/ ١٦٠).\n(^٢) الغياثي (ص/ ٤٠٠).","vol":"1","page":182},{"text":"ويتعلّقُ به دلالةُ الحديثِ النبوي على الحكمِ، ويُسَمَّى معرفة السنة دِرَايةً.\nفتُشترط معرفةُ المجتهدِ للسنةِ النبويةِ: روايةً، ودِرَايةً.\nأولًا: معرفةُ السنةِ النبويةِ روايةً.\nمِن المعلومِ أنَّ السنةَ النبويةَ متى ما كانت ثابتةً، فهي حجةٌ (^١)؛ ولذا فإنَّ المجتهدَ يحتاجُ إلى التمييزِ بين السننِ والأحاديثِ صحةً وضعفًا (^٢).\nوحتى يُحقق المجتهدُ هذه الوظيفةَ، لا بُدَّ له مِنْ معرفةِ أحوالِ الرواةِ، فيعرف الرواةَ الذين تُقبل روايتهمٍ، والرواةَ الذين تُرَدُّ روايتهم؛ ليتمكنَ مِن الحكمِ على الحديثِ صحةً وضعفًا (^٣).\nولا يُشترطُ أنْ يكونَ حافظًا لأحوالِ الرواةِ عنْ ظهرِ قلبٍ، بل المعتبرُ أنْ يتمكنَ مِنْ معرفةِ حالِ الراوي بالنظرِ في كتبِ الرجالِ، متى احتاجَ إلى تحقيقِ الحكمِ على أيِّ حديثٍ (^٤).\nولا يُشترطُ أيضًا: أنْ يبلغَ في معرفةِ الأسانيدِ، وأحوالِ الرجالِ درجةَ أئمة الحديث، كابنِ معينٍ (^٥) وسفيانَ الثوري (^٦) والبخاري ومسلمٍ وغيرِهم،\n_________\n(^١) انظر: المستصفى (٢/ ٣٨٧).\n(^٢) انظر: البرهان (٢/ ٨٧٠)، والمستصفى (٢/ ٣٨٧).\n(^٣) انظر: إرشاد الفحول (٢/ ١٠٣٠).\n(^٤) انظر: المصدر السابق.\n(^٥) هو: يحيى بن معين بن عون بن زياد، وقيل: ابن معين بن غياث، أبو زكريا البغدادي، ولد سنة ١٥٨ هـ كان إمامًا ربانيًا عالمًا حافظًا ثبتًا متقنًا جهبذًا، شيخ المحدثين، قال الإمام أحمد: \"كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين، فليس بحديث\"، وقال علي بن المديني: \"انتهى علم الناس إلى يحيى بن معين\"، كانت وفاته سنة ٢٣٣ هـ ودفن بالبقيع. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (١٦/ ٢٦٣)، وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٢/ ٥٣٠)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٦/ ١٣٩)، وتهذيب الكمال للمزى (٣١/ ٥٤٣)، وسير أعلام النبلاء (١١/ ٧١)، وتهذيب التهذيب لابن حجر (٤/ ٣٨٩)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (٣/ ١٠٣)، والمنهج الأحمد للعليمي (١/ ١٧٧)، وشذرات الذهب لابن العماد (٣/ ١٥٥).\n(^٦) هو: سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب الثوري، أبو عبد الله الكوفي، ولد بالكوفة سنة ٩٥ هـ =","vol":"1","page":183},{"text":"إنَّما يكفيه أنْ يُعَوّلَ على أهلِ هذا الشأنِ (^١).\nولا يظهرُ لي مانعٌ مِنْ أخذِ المجتهدِ الحكمَ على الحديثِ مِنْ أحدِ الأئمةِ الذين يثقُ بهم في صناعةِ الحديث.\nثانيًا: معرفةُ السنةِ النبويةِ دِرَايةً.\nكما تقدم القولُ فيما يحتاجهَ المجتهدُ في النظرِ في القرآنِ الكريمِ: عامِّه وخاصِّه، مطلقِه ومقيدِه، مجملِه ومفصلِه ... كذلك القولُ هنا: يحتاجُ المجتهدُ إلى النظرِ في السنةِ المطهرةِ، عامّها وخاصّها، مطلقِها ومقيّدِها، مجملِها ومفصلِها، منطوقِها ومفهومِها، ناسخها ومنسوخها، ومعاني ألفاظها (^٢).\nيقولُ أبو المظفرِ السمعاني: \"إذا عَرَفَ مِن الله ما يعلمُ به مرادَ الله تعالى، ورسولِه - ﷺ - مِن الكتابِ والسنةِ في الخطابِ الواردِ فيهما، وعَرَفَ مواردَ الخطاب، ومصادرَه مِن الكتابِ والسنةِ، مِن الحقيقةِ والمجازِ، والأمرِ والنهي، والعامِّ والخاصِّ، والمجملِ والمفصلِ، والمنطوقِ والمفهومِ، والمطلقِ والمقيدِ، وعَرَفَ الناسخَ والمنسوخَ، وعَرَفَ أحكامَ النسخِ: فهذا القدرُ كافِ\" (^٣).\n_________\n= شيخ الإسلام، وأحد العلماء الحفاظ، أجمع الناس على دينه وورعه وزهده وثقته، كان رأسًا في الحفظ، رأسًا في معرفة الآثار، رأسًا في الفقه، لا يخاف في الله لومة لائم، ويلقب بأمير المؤمنين في الحديث، قال عنه النسائي: \"هو أهل أنْ يُقال فيه ثقة\"، من مؤلفاته: كتاب الجامع، توفي سنة ١٦١ هـ. انظر ترجمته في: التاريخ الكبير للبخاري (٤/ ٩٢)، وحلية الأولياء لأبي نعيم (٦/ ٣٥٦)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٢/ ٣٨٧)، وتهذيب الكمال للمزي (١١/ ١٥٤)، وسير أعلام النبلاء (٧/ ٢٢٩)، وتهذيب التهذيب لابن حجر (٢/ ٥٦)، وشذرات الذهب لابن العماد (١/ ٢٥٠).\n(^١) انظر: قواطع الأدلة (٥/ ٨)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ١٦٣)، وتشنيف المسامع (٤/ ٥٧٢).\n(^٢) انظر: العدة (٥/ ١٥٩٤)، وقواطع الأدلة (٥/ ٨)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (١٢/ ٤١٦)، وتشنيف المسامع (٤/ ٥٧١).\n(^٣) قواطع الأدلة (٥/ ٨).","vol":"1","page":184},{"text":"ويتصل باشتراطِ معرفةِ السنةِ النبويةِ عدّة مسائل، منها:\nالمسألة الأولى: القدرُ الواجبُ معرفته من السنةِ النبويةِ.\nلا تُشترطُ الإحاطةُ بالسنةِ النبويةِ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ في الشريعةِ الإسلاميةِ؛ وإلا لو قيلَ باشتراطِ الإحاطةِ بالسنةِ، لأدَّى ذلك إلى عدمِ وجودِ مجتهدٍ (^١).\nيقولُ أبو بكرٍ الجصاص: \"ولو كانَ ذلك - أيْ: إحاطة المجتهد بالسنة - شرطُ جوازِ الاجتهادِ، لما جازَ لأحدٍ مِن القائسين بعد النبي - ﷺ - أنْ يجتهدَ؛ لفقدِ علمِه بالإحاطةِ لهذه الأصولِ\" (^٢).\nوأيضًا: فقد اجتهدَ الصحابةُ - ﵃ - في وقائعَ متعددة، مع عدمِ إحاطتِهم بجميعِ ما جاءَ عن النبي - ﷺ - (^٣).\nالمسألة الثانية: اقتصارُ المجتهدِ على معرفةِ أحاديثِ الأحكامِ.\nاتفق الأصوليون على أنَّ مِنْ شروطِ الاجتهادِ معرفةَ أحاديثِ الأحكامِ، واختلفوا في اشتراطِ معرفةِ الأحاديثِ الواردةِ في غيرِ الأحكامِ، كالقصص والمواعظ، على قولين:\nالقول الأول: لا تُشترطُ معرفةُ الأحاديثِ الواردةِ في غيرِ الأحكامِ.\nذَهَبَ إلى هذا القولِ جمهورُ الأصوليين، كإمامِ الحرمينِ الجويني (^٤)، وأبي حامدٍ الغزالي (^٥)، والفخر الرازي (^٦)، وصفَي الدين الهندي (^٧)، وعبد العزيز البخاري (^٨)، وتاجِ الدين بنِ السبكي (^٩)، وجمالِ الدين\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٠٠).\n(^٢) الفصول في الأصول (٤/ ٢٧٤).\n(^٣) انظر: المصدر السابق.\n(^٤) انظر: الغياثي (ص/ ٤٠١).\n(^٥) انظر: المستصفى (٢/ ٣٨٤).\n(^٦) انظر: المحصول في علم أصول الفقه (٦/ ٢٣).\n(^٧) انظر: نهاية الوصول (٨/ ٣٨٢٧).\n(^٨) انظر: كشف الأسرار (٤/ ١٥).\n(^٩) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٨٩٨)، وجمع الجوامع (ص / ١١٨).","vol":"1","page":185},{"text":"الإسنوي (^١)، والمرداوي (^٢).\nالقول الثاني: تُشترطُ معرفةُ الأحاديثِ الواردةِ في الأحكام، والأحاديثِ الواردةِ في غيرِها.\nوهذا القولُ هو ظاهرُ اختيارِ شهابِ الدين القرافي (^٣)، واختاره عددٌ مِن العلماءِ، منهم: الشوكانيُّ (^٤)، والشيخُ محمد الخضر حسين (^٥).\nوقد بيَّن الشوكانيُّ القدرَ المطلوبَ مِن المجتهدِ في معرفةِ السنةِ بقولِه: \"الحقُّ الذي لا شكَّ فيه ولا شبهةَ، أنَّ المجتهدَ لا بُدَّ أنْ يكونَ عالمًا بما اشتملتْ عليه مجاميعُ السنةِ التي صنّفها أهلُ الفنِّ، كالأمهاتِ الستِّ، وما يلتحقُ بها؛ مُشْرِفًا على ما اشتملتْ عليه المسانيدُ والمستخرجاتُ، والكتب التي التزمَ مصنفوها الصحةَ\" (^٦).\nوما ذكرتُه تحت مسألةِ: (هل تشترط معرفة القرآن الكريم كله لبلوغ رتبة الاجتهاد؟) من أدلة ومناقشات، تُذكرُ هنا.\nالمسألة الثالثة: اشتراطُ حفظِ الأحاديثِ النبويةِ.\nتكادُ تتفقُ كلمةُ الأصوليين على عدمِ اشتراطِ حفظِ الأحاديثِ النبويةِ\n_________\n(^١) انظر: نهاية السول (٤/ ٥٥٠).\n(^٢) انظر: التحبير (٨/ ٣٨٧٠).\n(^٣) انظر: نفائس الأصول (٩/ ٤٠١٦).\n(^٤) انظر: إرشاد الفحول (٢/ ١٠٣٠).\n(^٥) انظر: رسائل الإصلاح (٢/ ١١٢). ومحمد الخضر هو: محمد الخضر بن الحسين بن علي بن عمر الحسني التونسي، جزائري الأصل، ولد بقفطة بتونس سنة ١٢٩٣ هـ وقيل: ١٢٩٤ هـ تخرج في جامع الزيتونة، ودرّس فيه، وأنشأ مجلة السعادة العظمى، وولي قضاء بنزرت، تنقل بين عدة بلدان، وعمل بالقاهرة مصححًا في دار الكتب خمس سنوات، وتقدم لامتحان العالمية الأزهرية، فنال شهادتها، ودرَّس بالأزهر، كان أحد علماء العالم الإسلامي المالكيين، ومن أعضاء المجمعين العربيين بدمشق والقاهرة، وأحد أعضاء هيئة كبار العلماء بمصر، وممن تولوا مشيخة الأزهر، من مؤلفاته: حياة اللغة العربية، والخيال في الشعر العربي، ومدارك الشريعة الإسلامية، والقياس في اللغة العربية، وتعليقات على الموافقات للشاطبي، توفي بالقاهرة سنة ١٣٧٧ هـ. انظر ترجمته في: أعلام وعلماء لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٤٩)، والأعلام للزركلي (٦/ ١١٣)، والفتح المبين للمراغي (٣/ ٢١٣)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٢٧٣).\n(^٦) إرشاد الفحول (٢/ ١٠٣٠).","vol":"1","page":186},{"text":"بألفاظِها، وإنْ كان حفظُها أحسنَ وأتمَّ.\nوممَّنْ نصَّ على عدمِ اشتراطِ الحفظِ: أبو حامدٍ الغزالي (^١)، والفخرُ الرازي (^٢)، وعبد العزيز البخاري (^٣)، وتاجُ الدين بنُ السبكي (^٤)، وجمالُ الدين الإسنوي (^٥)، والشوكانيُّ (^٦).\nيقولُ بدرُ الدّينِ الزركشي: \"ظاهرُ كلامِهم - أيْ: كلام العلماء - أنَّه لا يُشترطُ حفظُ السننِ بلا خلافٍ\" (^٧).\nوعلّةُ عدمِ اشتراطِ حفظِ السنةِ النبويةِ، صعوبتُه وعسرُه (^٨).\nويُشترطُ في هذا المقامِ: أنْ يتمكنَ المجتهدُ مِن استخراجِ الحديثِ مِنْ مواضعِه ومظانِّه عند الحاجة إلى ذلك (^٩).\nوقد ذَكَرَ أبو حامدٍ الغزالي (^١٠)، والفخرُ الرازي (^١١) - وهما مِن\n_________\n(^١) انظر: المستصفى (٢/ ٣٨٤).\n(^٢) انظر: المحصول في علم أصول الفقه (٦/ ٢٣).\n(^٣) انظر: كشف الأسرار (٤/ ١٥).\n(^٤) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٨٩٨)، وجمع الجوامع (ص / ١١٨).\n(^٥) انظر: نهاية السول (٤/ ٥٥٠).\n(^٦) انظر: إرشاد الفحول (٢/ ١٠٣٠).\n(^٧) البحر المحيط (٦/ ٢٠١). وأنبه إلى أنَّ ابنَ جزي المالكي ذكر في كتابه: تقريب الوصول (ص/ ٤٣٣ - ٤٣٢) اشتراطَ حفظ أحاديث رسول الله وحفظ أسانيدها، ومعرفة الرجال الناقلين لها.\nويظهر لي أنَّ قصدَ ابن جزي بحفظ الأحاديث الاطلاعُ عليها، ومعرفة صحتها؛ بدليل: ما ذكره في آخر كلامه مِنْ أنَّ المجتهد لو لم يعرف الحديث، أفتى الناس بالقياس أو غيره، وخالف النص النبوي.\nففي تعليله إشارة إلى أنَّ قصده بالحفظ معرفةُ المجتهد للحديث؛ لئلا يفتي المجتهد بخلافه، والمعرفة تتحقق بالحفظ - وهو الأكمل - وبالتمكن من استخراج الحديث متى ما احتاج إليه المجتهد. والله أعلم.\n(^٨) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٠١).\n(^٩) انظر: نهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٨٢٧)، وإرشاد الفحول (٢/ ١٠٣٠).\n(^١٠) انظر: المستصفى (٢/ ٣٨٤).\n(^١١) انظر: المحصول في علم أصول الفقه (٦/ ٢٣). وقد مثل أبو القاسم الرافعي في: العزيز: شرح الوجيز (١٢/ ٤١٦) بالسنن لأبي داود.","vol":"1","page":187},{"text":"القائلين باشتراطِ معرفةِ أحاديثِ الأحكامِ - أنَّ المجتهدَ يكفيه أنْ يكونَ عنده أصلٌ مُصَححٌ لجميعِ الأحاديثِ المتعلقةِ بالأحكام، كـ (السننِ) لأبي داود، وكتابِ (معرفة السنن والآثار) لأبي بكرٍ البيهقي (^١)، ويكفيه أنْ يعرفَ موقعَ كلِّ بابٍ، فيراجعه وقتَ الحاجةِ.\nوقد انتقدَ بعضُ العلماءِ التمثيلَ بسننِ أبي داودَ؛ من وجهين:\nالوجه الأول: أنَّ كتابَ (السنن) لأبي داودَ لم يستوعب الأحاديثَ الصحيحةَ.\nيقولُ محيي الدّينِ النووي (^٢): \"لا يصحُّ التمثيلُ بسننِ أبي داودَ؛ فإنَّه لم يستوعب الصحيحَ مِنْ أحاديثِ الأحكامِ ولا معظمه، وذلك ظاهرٌ، بلْ معرفتُه ضروريةٌ لمَنْ له أدنى اطلاع، وكم في: صحيحِ البخاري ومسلمٍ مِنْ حديثٍ حُكْمِي ليس في سننِ أبي داودَ؟ ! وأمَّا ما في كتابي: الترمذي\n_________\n(^١) هو: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى بن عبد الله، أبو بكر البيهقي، ولد سنة ٣٨٤ هـ أحد أئمة الحديث، كان علامةً ثبتًا فقيهًا أصوليًا حافظًا دينًا ورعًا، من أعيان المذهب الشافعي، مقبلًا على الجمع والتاليف، خدم مذهبه بالاستدلال له والتصنيف فيه، حتى قيل عنه: \"ما من شافعي إلا وللشافعي عليه منة، إلا أبا بكر البيهقي، فإن المنة له على الشافعي؛ لتصانيفه في نصرة مذهبه\"، وقد بورك له في علمه، من مؤلفاته: السنن الكبرى، والسنن الصغرى، والأسماء والصفات، وشعب الإيمان، والخلافيات، توفي سنة ٤٥٨ هـ. انظر ترجمته في: تبيين كذب المفتري لابن عساكر (ص/ ٢٦٥)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (١/ ٧٥)، والوافي بالوفيات للصفدي (٦/ ٣٥٤)، وسير أعلام النبلاء (١٨/ ١٦٣)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (٣/ ١١٣٢)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٤/ ٨)، وطبقات الشافعية للإسنوي (١/ ١٩٨).\n(^٢) هو: يحيى بن شرف بن مري بن حسن النووي الدمشقي، أبو زكريا محيي الدين، ولد بنوى سنة ٦٣١ هـ أحد أعلام الدين، وأبرز علماء الشافعية ومحققيهم، أتقن علومًا كثيرة، وصنف تصانيف جمة، كان ورعًا زاهدًا مقبلًا على العلم والعبادة، آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، من مؤلفاته: شرح صحيح مسلم، ورياض الصالحين، ومنهاج الطالبين، وروضة الطالبين، توفي سنة ٦٧٦ هـ. انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ للذهبي (٤/ ١٤٧٠)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٨/ ٣٩٥)، وطبقات الشافعية للإسنوي (٢/ ٢٨٦)، والبداية والنهاية (١٤/ ٥٣٩)، والدليل الشافي لابن تغري بردي (٢/ ٧٧٥)، وطبقات الشافعية لابن هداية الله (ص / ٢٢٥).","vol":"1","page":188},{"text":"والنسائي وغيرِهما مِن الكتبِ المعتمدةِ، فكثرتُه وشهرتُه غَنِيّةٌ عن التصريحِ بها\" (^١).\nالوجه الثاني: أنَّ في (السننِ) لأبي داودَ مِن الأحاديثِ ما لا يحتجُّ به في الأحكامِ الشرعيةِ؛ لضعفِه (^٢).\nالشرط الثالث: معرفة الناسخِ والمنسوخِ.\nممَّا يتصلُ بالشرطينِ السابقينِ: معرفةُ الناسخِ والمنسوخِ مِن الكتابِ الكريمِ، والسنةِ النبويةِ في نصوصِ الأحكامِ (^٣).\nوالمرادُ بهذا الشرطِ: أنْ يعرفَ المجتهدُ أنَّ هذا الحكمَ بعينِه ناسخٌ، وهذا الحكمَ بعينِه منسوخٌ، لا معرفةَ حقيقةِ النسخِ وأحكامِه؛ لأن ذلك مِنْ علمِ أصولِ الفقهِ (^٤)، وسيأتي اشتراطُه بعد قليلٍ.\nولا يشترطُ أنْ يحفظَ المجتهدُ الآياتِ والأحاديثَ المنسوخةَ، بل المشروطُ: أنْ يعلمَ المجتهدُ متى ما استنبطَ حُكمًا مِنْ كتابِ الله أو سنةِ رسولِه - ﷺ -، أن الآيةَ والحديثَ ليسا مِنْ جُملةِ المنسوخِ (^٥).\nوالإحاطةُ بالآياتِ والأحاديثِ المنسوخةِ يسيرةٌ (^٦).\nوشرطُ معرفةِ الناسخِ والمنسوخِ يعمُّ الكتابَ الكريمَ، والسنةَ النبويةَ.\nلكنْ قَصَرَ الفخرُ الرازي الشرطَ الثالثَ على القرآنِ الكريمِ، فقال: \"فأمَّا العِلْمَانِ المتممانِ، فأحدهما: يتعلقُ بالكتابِ، وهو عِلمُ الناسخِ والمنسوخِ\" (^٧).\n_________\n(^١) روضة الطالبين (١١/ ٩٥).\n(^٢) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٠١).\n(^٣) انظر: المنخول (ص/ ٤٦٤)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ١٦٣)، وشرح الكوكب الساطع للسيوطي (٤/ ١٢٢).\n(^٤) انظر: نثر الورود للشنقيطي (٢/ ٦٤٤).\n(^٥) انظر: المستصفى (٢/ ٣٨٦ - ٣٨٧)، وروضة الناظر (٣/ ٩٦١)، ونفائس الأصول (٩/ ٤٠٢٣).\n(^٦) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٥٨٠).\n(^٧) المحصول في علم أصول الفقه (٦/ ٢٤).","vol":"1","page":189},{"text":"وما ذكرُه متعقّبٌ؛ فليسَ النسخُ مختصًا بالكتابِ الكريمِ، بلْ يقع في الكتابِ، وفي السنةِ النبويةِ، أيضًا (^١).\nدليلُ اشتراطِ معرفةِ الناسخِ والمنسوخِ: أنَّ الحُكمَ المنسوخَ بَطَلَ العملُ به بنسخِه، وصارَ العملُ بالناسخ، وقد تُفْضِي عدمُ معرفةِ المجتهدِ بالناسخِ من المنسوخِ إلى العملِ بالحُكمِ المنسوخِ، وتركِ الناسخِ (^٢).\nالشرط الرابع: معرفةُ سببِ نزولِ الآيةِ، وسببِ ورودِ الحديثِ.\nمِن الشروطِ المعتبرةِ في المجتهدِ: معرفةُ سببِ نزولِ الآيةِ، وسببِ ورودِ الحديثِ (^٣).\nإذا نَظَرَ المجتهدُ في آيةٍ مِنْ آياتِ الأحكامِ، لزمه العلمُ بسببِ نزولها، إنْ كانَ لها سببُ نزولٍ (^٤)؛ لما في معرفةِ سببِ النزولِ مِنْ أثرٍ في معرفةِ المرادِ بالآيةِ، وما يتعلق بها مِنْ تخصيصٍ أو تعميمٍ (^٥).\nويؤكِّدُ أبو إسحاقَ الشاطبي على أهميةِ معرفةِ أسبابِ النزولِ لمَنْ أرادَ فهمَ القرآنِ على الوجهِ الصحيحِ، فيقول: \"الجهلُ بأسبابِ التنزيلِ مُوقعٌ في الشبهِ والإشكالاتِ، ومُوْرِدٌ للنصوص الظاهرةِ مَوْرِد الإجمالِ حتى يقعَ الاختلافُ، وذلك مظنّة وقوعِ النزاعِ\" (^٦).\nوإذا نَظَرَ المجتهدُ في حديثٍ مِنْ أحاديثِ الأحكام، لزمه معرفةُ سببِ ورودِه، إنْ كانَ له سببُ ورودٍ (^٧)؛ للعلةِ ذاتِها المذكورةِ في معرفةِ سببِ نزولِ الآيةِ.\n_________\n(^١) انظر: نفائس الأصول (٩/ ٤٠١٧)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٨٢٩).\n(^٢) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٥٨٠)، والإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٩٠٠)، والبحر المحيط (٦/ ٢٠٣)، ونهاية السول (٤/ ٥٥٣).\n(^٣) انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ١٦٣)، وشرح الكوكب الساطع للسيوطي (٤/ ١٢٢).\n(^٤) انظر: نهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٨٣٠).\n(^٥) انظر: تشنيف المسامع (٤/ ٥٧١)، والتحبير (٨/ ٣٨٧٥).\n(^٦) الموافقات (٤/ ١٤٦).\n(^٧) انظر: التحبير (٨/ ٣٨٧٥).","vol":"1","page":190},{"text":"الشرط الخامس: معرفةُ المسائلِ المجمعِ عليها.\nيحتاجُ المجتهدُ قبلَ النظرِ في المسألةِ؛ ليجتهدَ فيها: أنْ يعلمَ أهي ممَّا أَجمع العلماءُ السابقون على حكمِها، أم هي محلُّ خلافٍ بينهم، أم هي نازلةٌ مِنْ نوازلِ عصرِه؟\nفإنْ كانتْ المسألةُ محلَّ إجماعِ أهلِ العلمِ، ذَهَبَ إلى القولِ بالإجماعِ، ولم يخالفْه.\nوإنْ كانتْ ممَّا وَقَعَ فيها الخلافُ، أو كانتْ مِنْ نوازلِ عصرِه، اجتهدَ فيها (^١).\nوفائدةُ معرفةِ المسائلِ المجمعِ عليها: أنْ لا يقولَ المجتهدُ قولًا يخرقُ يه إجماعًا سابقًا (^٢).\nولا يلزمُ المجتهد أنْ يحفظَ المسائلَ المجمعَ عليها جميعَها؛ بل يكفيه أنْ يعلمَ أنَّ قولَه في المسألةِ التي ينظرُ فيها غيرُ مخالفٍ لإجماعِ مَنْ قبله (^٣).\nوذَكَرَ تقيُّ الدين السبكي أنَّ هذا الشرط شرطٌ لإيقاعِ الاجتهادِ بالفعلِ (^٤)، فالمجتهدُ يُوصفُ بالاجتهادِ قبل أنْ يعلمَ المسائلَ المجمعَ عليها، وأمَّا عند إيقاعِ الاجتهادِ بالفعلِ، فيُشترط أنْ يعلمَ أنَّ ما نظر فيه ليس مجمعًا عليه (^٥).\n_________\n(^١) انظر: قواطع الأدلة (٥/ ٨ - ٩).\n(^٢) انظر: العدة (٥/ ١٥٩٤)، والإشارة في معرفة الأصول للباجي (ص/ ٣٢٨)، والمستصفى (٢/ ٣٨٤)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٢٤)، والفوائد شرح الزوائد للأبناسي (٢/ ١٢٣١)، وفواتح الرحموت (٢/ ٣٦٣).\n(^٣) انظر: المستصفى (٢/ ٣٨٤)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٥٨١)، والإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٨٩٩).\n(^٤) انظر: جمع الجوامع (ص/ ١١٨).\n(^٥) انظر: حاشية البناني على شرح المحلي جمع الجوامع (٢/ ٣٨٤)، وسلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٥٥٠)، ورسائل الإصلاح للخضر حسين (٢/ ١١٦).","vol":"1","page":191},{"text":"وقد ذَكَرَ بعضُ الأصوليين هذا الشرطَ على أساسِ أنَّه مِنْ شروطِ الاجتهادِ، ولعل مرادَهم أنَّه شرطٌ في كونِ المجتهدِ مجتهدًا اجتهادًا صحيحًا (^١).\nيقولُ الشيخُ محمدٌ المطيعي: \"والخطبُ في ذلك سهلٌ\" (^٢).\nويتصل بالشرطِ الخامسِ مسألةٌ، وهي: اشتراطُ معرفةِ المسائلِ الخلافيةِ (^٣).\nيقولُ الإمامُ الشافعي: \"ولا يكون لأحدٍ أنْ يقيسَ حتى يكونَ عالمًا بما مضى قبله مِن السننِ، وأقاويلِ السلفِ، وإجماعِ الناسِ، واختلافِهم\" (^٤).\nوالفائدة من ذلك: أنْ لا يُحدثَ المجتهدُ قولًا يخالفُ أقوالَ مَنْ سبقه؛ فيخرجُ بذلك عن إجماعِهم الضمني (^٥).\nوألفتُ النظرَ إلى أنَّ مِن الأصوليين مَنْ ذَكَرَ عند اشتراطِ معرفةِ المسائلِ الإجماعيةِ: أنَّ على المجتهدِ معرفة مَنْ يُعتدُّ به في الإجماعِ، ومَنْ لا يُعتدُّ به (^٦).\nولم أوردْ ما ذكروه هنا؛ لأنَّ هذه المسائلَ داخلةٌ في شرطِ معرفةِ علمِ أصولِ الفقهِ.\nالشرط السادس: معرفةُ علمِ أصولِ الفقهِ.\nلا يستريبُ أحدٌ في مدى أهميةِ أصولِ الفقهِ للمجتهدِ؛ إذ هو المعينُ في استنباطِ الأحكامِ الشرعيةِ مِن الأدلةِ بالطريقِ الصحيحِ.\n_________\n(^١) انظر: سلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٥٥٠).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) انظر: الإشارة في معرفة الأصول للباجي (ص/ ٣٢٨)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٣٤)، وقواطع الأدلة (٥/ ٨)، وشرح تنقيح الفصول (ص/ ٤٣٧).\n(^٤) الرسالة (ص/ ٥١٠).\n(^٥) انظر: الغياثي للجويني (ص/ ٤٠١)، والبحر المحيط (٦/ ٢٠١)، ورفع النقاب للشوشاوي (٦/ ١١٣).\n(^٦) انظر على سبيل المثال: شرح اللمع (٢/ ١٠٣٤)، وقواطع الأدلة (٥/ ٨ - ٩).","vol":"1","page":192},{"text":"يقولُ إمامُ الحرمين الجويني: \"علمُ الأصولِ أصلُ الباب؛ حتى لا يُقدّم مؤخرًا، ولا يُؤَخّر مقدَّمًا، ويستبين مراتبَ الأدلةِ والحُججِ\" (^١).\nبلْ إنَّ الفخرَ الرازيَّ عدَّ هذا الشرطَ أهمّ العلومِ للمجتهدِ (^٢).\nويقول صفيُّ الدِّينِ الهندي: \"اعلمْ أنَّ الإنسانَ كلَّما كانَ أكمل في معرفةِ أصولِ الفقهِ كانَ منصبُه أتمَّ وأعلى في الاجتهادِ\" (^٣).\nويشملُ علمُ أصولِ الفقهِ على الآتي:\nأولًا: الحكمُ الشرعي، وأقسامُه.\nثانيًا: الأدلةُ، وما يندرج تحتَ كلِّ دليلٍ مِنْ مسائل.\nثالثًا: الدلالاتُ، وأقسامُها، وما يندرجُ تحتَ كلِّ قسمٍ مِنْ مسائل.\nرابعًا: الاجتهادُ والتقليدُ.\nخامسًا: مراتبُ الأدلةِ، وطُرُقُ الجمعِ بينها، ودفعُ التعارضِ عنها، وأوجهُ الترجيحات (^٤).\nوكان مِنْ منهجِ بعضِ الأصوليين أنَّهم يذكرون بعضَ ما تقدمَ على أنَّه شرطٌ مستقلٌّ، فيذكرون مثلًا: القياسَ، وما يتعيّنُ على المجتهدِ معرفتُه فيه (^٥)، أو التعارضَ والترجيحَ، وأهمية معرفة المجتهد له (^٦)، أو الإجماعَ،\n_________\n(^١) البوهان (٢/ ٨٧٠).\n(^٢) انظر: المحصول في علم أصول الفقه (٦/ ٢٥)، ونقل كلامَ الرازي برهانُ الدين الأبناسي في: الفوائد شرح الزوائد (٢/ ١٢٣٥).\n(^٣) نهاية الوصول (٨/ ٣٨٣١). وانظر: تشنيف المسامع (٤/ ٥٦٩)، وشرح الكوكب الساطع للسيوطي (٤/ ١١٨).\n(^٤) انظر: الإشارة في معرفة الأصول للباجي (ص/ ٣٢٧ - ٣٢٨)، وإحكام الفصول (ص/ ٧٢٢)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٣٤ - ١٠٣٥)، وقواطع الأدلة (٥/ ٩)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ٤٥٨ - ٤٥٧)، ورفع النقاب للشوشاوي (٦/ ١١٠).\n(^٥) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٨٩٩)، والبحر المحيط (٦/ ٢٠١).\n(^٦) انظر: شرح اللمع (٢/ ١٠٣٥)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ٤٥٨).","vol":"1","page":193},{"text":"ومَنْ يعتدُّ به، ومَنْ لا يعتدُ به (^١)، أو أفعال النبي - ﷺ - (^٢).\nولعلَّ في اشتراطِ معرفةِ أصولِ الفقهِ غنيةً عن هذا كلِّه (^٣).\nوقد نازعَ أحمدُ الكوراني (^٤) في اشتراطِ معرفةِ أصولِ الفقهِ للمجتهدِ (^٥)؛ محتجًا لقولِه بأنَّ الإمامَ الشافعيَّ مجتهدٌ، ولم يكنْ علمُ أصولِ الفقهِ في وقتِه مدوّنًا (^٦).\nوما ذكره الكورانيُّ ضعيفٌ جدًّا؛ لوجهين:\nالوجه الأول: أنَّ المرادَ بمعرفةِ أصولِ الفقهِ معرفةُ قواعدِه، سواءٌ أكانتْ مدونةً أم لا، وقد رُكزت القواعد الأصولية في الإمامُ الشافعي - وفي غيرِه من المجتهدين الذين بلغوا رتبةَ الاجتهادِ قبلَ تدوينِ علمِ أصولِ الفقهِ - فهي معلومةٌ عنده (^٧).\nالوجه الثاني: يلزمُ مِن قولِ الكوراني عدمُ اشتراطِ معرفةِ اللغةِ العربيةِ، فإنَّ مجتهدي الصحابةِ - ﵃ - كانوا في أعلى مراتبِ الاجتهادِ، ولم تكن اللغةُ العربيةُ في عصرِهم وزمنِهم مدونةً (^٨).\n_________\n(^١) انظر: شرح اللمع (٢/ ١٠٣٤)، وقواطع الأدلة (٥/ ٩).\n(^٢) انظر: المستصفى (٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٢٣)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٨٢٨).\n(^٣) انظر: رفع النقاب (٦/ ١١١).\n(^٤) هو: أحمد بن إسماعيل بن عثمان بن أحمد بن رشد الهمداني الكوراني ثم القاهري، شرف الدين وشهاب الدين، ولد بقرية كوران سنة ٨١٣ هـ وقيل: ٨١٩ هـ كان إمامًا علامةً بارعًا في أصول الفقه وأصول الدين، ماهرًا في النحو والبلاغة والمنطق، مشاركًا في الفقه والتفسير والحديث، كان أول أمره شافعي المذهب، ثم انتقل إلى المذهب الحنفي، من مؤلفاته: الدرر اللوامع شرح جمع الجوامع، وشرح صحيح البخاري، وكشف الأسرار عن قراءة الأئمة الأخيار، توفي سنة ٨٩٣ هـ. انظر ترجمته في: الضوء اللامع للسخاوي (١/ ٢٤١)، ووجيز الكلام له (٣/ ١٠٥٤)، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ ٥٨)، والتاج المكلل للقنوجي (ص/٣٥٢).\n(^٥) انظر: الدرر اللوامع (ص/ ٥٩٤).\n(^٦) انظر: المصدر السابق.\n(^٧) انظر: الآيات البينات للعبادي (٤/ ٣٣٧)، ونثر الورود للشنقيطي (٢/ ٦٤٢).\n(^٨) انظر: الآيات البينات للعبادي (٤/ ٣٣٧).","vol":"1","page":194},{"text":"ويتصلُ باشتراطِ معرفةِ أصولِ الفقهِ مسألةٌ، وهي: هل القولُ بحجيةِ القياسِ مِنْ شروطِ الاجتهادِ؟ فأقول:\nاختلفَ العلماءُ في هذه المسألةِ على أقوالٍ، أهمّها:\nالقول الأول: ليس القولُ بحجيةِ القياسِ مِنْ شروطِ الاجتهادِ.\nنَسَبَ أبو منصورٍ البغدادي (^١) هذا القولَ إلى الجمهورِ (^٢). ونسبه بدرُ الدِّين الزركشي إلى الشافعية (^٣).\nواختاره جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: القاضي عبدُ الوهاب المالكي (^٤)، وشمسُ الدين بنُ القيم (^٥)، وجلالُ الدّينِ السيوطي (^٦).\nالقول الثاني: أنَّ القولَ بحجيةِ القياسِ مِنْ شروطِ الاجتهادِ، فلا يُعَدُّ منكرو القياسِ مِنْ المجتهدين.\nذَهَبَ إلى هذا القولِ جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: القاضي أبو بكرٍ الباقلاني (^٧)، وإمامُ الحرمين الجويني (^٨)، وأحمدُ الكوراني (^٩).\n_________\n(^١) هو: عبد القاهر بن طاهر بن محمد، أبو منصور البغدادي، كان علامةً متفننًا إمامًا بارعًا من أئمة المذهب الشافعي، فقيهًا أصوليًا متكلمًا، ماهرًا في فنون كثيرة، كالنحو والأدب والشعر، درَّس تسعة عشر نوعًا من العلوم، وقد استفاد الناس منه، من مؤلفاته: الفرق بين الفرق، والتحصيل في أصول الفقه، والتفسير، وفضائح المعتزلة، توفي بمدينة إسفراين سنة ٤٢٩ هـ وقد شاخ. انظر ترجمته في: إنباه الرواة للقفطي (٢/ ١٨٥)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٢٠٣)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٥٧٢)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٥/ ١٣٦)، وطبقات الشافعية للإسنوي (١/ ١٩٤)، والبداية والنهاية (١٥/ ٦٧٢)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ١٨٧)، وبغية الوعاة للسيوطي (٢/ ١٠٥).\n(^٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٤٧٣).\n(^٣) انظر: تشنيف المسامع (٤/ ٥٦٦).\n(^٤) انظر: نشر البنود (٢/ ٨٣).\n(^٥) انظر: إعلام الموقعين (٥/ ١٠٣)، و(٥/ ١١١).\n(^٦) انظر: شرح الكوكب الساطع (٤/ ١١٧).\n(^٧) انظر: البرهان (٢/ ٥١٥).\n(^٨) انظر: المصدر السابق.\n(^٩) انظر: الدرر اللوامع (ص/ ٥٩٤).","vol":"1","page":195},{"text":"القول الثالث: أنَّ القولَ بحجيةِ القياسِ الجلي (^١) مِنْ شروطِ الاجتهادِ، فإنْ أنكرَ القياسَ الجليَّ فليس مِن المجتهدين، وإنْ لم ينكرْه فهو من المجتهدين.\nذَهَبَ إلى هذا القولِ جمعٌ من الأصوليين، منهم: ابنُ الصلاحِ (^٢)، وبدرُ الدِّين الزركشي (^٣)، وشمسُ الدين البرماويُّ (^٤).\n• أدلةُ الأقوال:\nدليلُ أصحاب القولِ الأول: أنَّنا لو قلنا بأنَّ منكرَ القياسِ ليس بمجتهدٍ، للزمَ مِنْ ذَلك أنَّ مَنْ أنكرَ حجيةَ الخبرِ المرسلِ، أو كون الأمرِ للوجوبِ، أو أنَّ للعمومِ صيغةً تخصُّه، ونحو ذلك، فليس بمجتهدٍ! ولا يقول بهذا أحدٌ (^٥).\nدليلُ أصحاب القول الثاني: أنَّ المقايسةَ هي طريقُ الاجتهادِ، فمَنْ لم يعرفْها فإنَّه لا يصلحُ للاجتهادِ، فيكون كالعامي الذي لا معرفةَ له (^٦).\n_________\n(^١) القياس الجلي: هو القياس الذي قطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع، أو نص الشارع على علته، أو أجمع العلماء عليها. انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٣)، وشرح الكوكب المنير (٤/ ٤٠٨).\n(^٢) انظر: فتاوى ابن الصلاح (١/ ٢٠٧).\n(^٣) انظر: تشنيف المسامع (٤/ ٥٦٧).\n(^٤) انظر: الفوائد السنية (٣/ ١١٤٧). والبرماوي هو: محمد بن عبد الدايم بن موسى بن عبد الدايم بن فارس بن محمد النعيمي العسقلاني الأصل البرماوي، أبو عبد الله شمس الدين، ولد سنة ٧٦٣ هـ كان إمامًا علامةً فقيهًا أصوليًا، من علماء المذهب الشافعي، موصوفًا بكثرة الحفظ، وقلة الكلام، له مشاركة في عدد من العلوم، تتلمذ لبدر الدين الزركشي، وسراج الدين البلقيني، من مؤلفاته: شرح صحيح البخاري، وألفية في أصول الفقه، والفوائد السنية في شرح الألفية، وشرح العمدة، توفي ببيت المقدس سنة ٨٣١ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٤/ ١٠١)، وإنباء الغمر لابن حجر (٨/ ١٦١)، والضوء اللامع للسخاوي (٧/ ٢٨٠)، ووجيز الكلام له (٢/ ٤٩٩)، وحسن المحاضرة للسيوطي (١/ ٤٠٨)، وشذرات الذهب لابن العماد (٩/ ٢٥٦)، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ ٦٩٧).\n(^٥) انظر: شرح تنقيح الفصول (ص/ ٣٤٢)، والبحر المحيط (٦/ ٤٧٢)، ونشر البنود (٢/ ٨٣).\n(^٦) انظر: شرح تنقيح الفصول (ص/ ٣٤٢)، والبحر المحيط (٦/ ٤٧٢)، وإرشاد الفحول (١/ ٣٨٣).","vol":"1","page":196},{"text":"ويمكن أنْ يُستدلَّ لأصحابِ القولِ الثالثِ: بأنَّ منكرَ القياسِ الجلي يقعُ في أقوالٍ شنيعةٍ، كالقولِ بجوازِ التغوطِ في الماءِ الراكدِ، دونَ التبولِ فيه! وهذه أقوالٌ يردُّها الشرعُ، والعقلُ.\n• الموازنة الترجيح:\nبالنظرِ في المسألةِ بأقوالِها وأدلتِها يظهرُ رجحانُ القولِ الأولِ القائلِ بأنَّ القولَ بحجيةِ القياسِ ليس بشرطٍ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ؛ وذلك للآتي:\nأولًا: هناك مسائلُ أصوليةٌ، أنكرَ بعضُ العلماءِ القولَ بها، ولم يقلْ أحدٌ مِنْ علماءِ أصولِ الفقهِ: إنَّ القولَ بها شرطٌ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ، فكذا الأمرُ في مسألةِ: (حجيةِ القياسِ).\nثانيًا: عملُ الفقهاءِ في مصنفاتِهم، فلم يَزَلِ الفقهاءُ يَعْتَدون برأي الظاهريةِ، فيذكرونه، ويذكرون أدلتهم، ويجيبون عنها، ولو لم يبلغوا درجةَ الاجتهادِ، لما كان لإيرادِ أقوالِهم مسوّغٌ.\nثالثًا: أنَّ القائلَ بعدمِ حجيةِ القياسِ إنَّما قاله عن اجتهادٍ، فكيفَ نطالبُه بمخالفةِ اجتهادِه؟ !\nرابعًا: القولُ بأنَّ المقايسةَ طريقُ الاجتهادِ، هذا صحيحٌ، لكنَّها ليستْ طريقَه الوحيدَ، فهناك مداركُ أخرى للشرعِ تُوصلِ إلى أحكامِ الحوادثِ.\n• نوع الخلاف:\nيبدو أنَّ الخلافَ بين الأقوال خلافٌ معنوي - كما أشار إلى ذلك: جلالُ الدينِ السيوطي (^١) - ويظهرُ أثرُه في الاعتدادِ بخلافِ نفاةِ القياسِ في الإجماعِ:\nفمَنْ لم يشترط القولَ بحجيةِ القياسِ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ، لم يُخْرِجْ نفاةَ القياسِ مِنْ زُمْرةِ المجتهدين، ولا ينعقد الإجماعُ إلا بموافقتِهم.\n_________\n(^١) انظر: شرح الكوكب الساطع (٣/ ١١٧).","vol":"1","page":197},{"text":"ومَنْ اشترطَ القولَ بالقياسِ، أخرجَ نفاةَ القياسِ مِنْ زُمرةِ المجتهدين، وانعقدَ الإجماعُ عنده مع مخالفتِهم.\nواستمعْ إلى ما يقوله إمامُ الحرمين الجويني عن داودَ الظاهري (^١): \"وعندي أنَّ الشافعيَّ لو عاصر داودَ لما عدّه مِن العلماءِ\" (^٢). ويقولُ أيضًا عنه وعن الظاهريةِ: \"ليسوا معدودين مِنْ علماءِ الشريعةِ\" (^٣).\nالشرط السابع: معرفةُ مقاصدِ الشريعةِ الإسلاميةِ (^٤).\nنصَّ أبو إسحاقَ الشاطبيُّ على اشتراطِ معرفةِ مقاصدِ الشريعةِ الإسلاميةِ للمجتهدِ، فقالَ: \"إنَّما تحصلُ درجةُ الاجتهادِ لمَنْ اتصفَ بوصفين: أحدهما: فهمُ مقاصدِ الشريعةِ على كمالِها\" (^٥).\n_________\n(^١) هو: داود بن علي بن خلف الأصبهاني، أبو سليمان البغدادي، المعروف بداود الظاهري، ولد سنة ٢٠٠ هـ وقيل: ٢٠٢ هـ كان رئيس أهل الظاهر، إمامًا علامةً عالمًا ورعًا ناسكًا زاهدًا، من أوعية العلم، بصيرًا بمعاني القرآن، حافظًا للأثر، موصوفًا بالذكاء، انتهت إليه رئاسة العلم ببغداد، من مؤلفاته: الإيضاح، والأصول، والدعاوى، والإجماع، وإبطال القياس، والعموم والخصوص، توفي سنة ٢٧٥ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (٩/ ٣٤٢)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٢/ ٢٥٥)، وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٩٧)، وميزان الاعتدال للذهبي (٢/ ١٤)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٢/ ٢٨٤)، وطبقات المفسرين للداودي (١/ ١٧١).\n(^٢) نقل كلامَ إمام الحرمين الزركشيُّ في: البحر المحيط (٤/ ٤٧٢ - ٤٧٣).\n(^٣) البرهان (٢/ ٥١٥).\n(^٤) ثمة تعريفات لمقاصد الشريعة الإسلامية، منها:\n• تعريف الطاهر بن عاشور في كتابه: مقاصد الشريعة الإسلامية (٣/ ١٦٥): \"المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع، أو معظمها؛ بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة\".\n• تعريف علال الفاسي في كتابه: مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها (ص/ ٧): \"الغاية منها، والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها\".\n• تعريف الدكتور يوسف العالم في كتابه: المقاصد العامة (ص/ ٨٣): \"الغاية التي يرمي إليها التشريع، والأسرار التي وضعها الشارع الحكيم عند كل حكم من الأحكام\".\n• تعريف الدكتور أحمد الريسوني في كتابه: نظرية المقاصد عند الشاطبي (ص/ ٧): \"الغايات التي وضعت الشريعة؛ لأجل تحقيقها لمصلحة العباد\".\n(^٥) الموافقات (٥/ ٤١).","vol":"1","page":198},{"text":"ويقولُ تقيُّ الدّينِ السبكي: \"اعلمْ أنَّ كمالَ رُتبةِ الاجتهادِ تتوقّفُ على ثلاثةِ أشياء: ... الثالث: أنْ يكون له مِن الممارسةِ والتتبعِ لمقاصدِ الشريعةِ، ما يكسِبُه قوةً يفهمُ مرادَ الشرعِ مِنْ ذلك، وما يناسب أنْ يكونَ حُكمًا له في ذلك المحلِّ، وإنْ لم يُصَرِّحْ به\" (^١).\nونَقَلَ إمامُ الحرمين الجويني عن الإمامِ الشافعي ما يقررُ اعتبارَ معرفةِ المجتهدِ لمقاصدِ الشريعةِ، يقولُ إمامُ الحرمين: \"ذَكَرَ الشافعيُّ في: (الرسالة) ترتيبًا حسنًا، فقالَ: إذا وقعتْ واقعةٌ، فأحْوجَ المجتهد إلى طلب الحُكم فيها؛ فينظرُ أولًا في: نصوصِ الكتابِ، فإنْ وَجَدَ مَسْلَكًا دالًا على الحُكمِ، فهو المراد ... فإنْ عَدِمَ المطلوبَ في هذه الدرجاتِ، لم يخضْ في القياسِ بَعْدُ، ولكنَّه ينظرُ في كلياتِ الشرعِ، ومصالحها العامّةِ\" (^٢).\nدليلُ اعتبار معرفةِ مقاصدِ الشريعةِ مِنْ شروطِ الاجتهادِ: أنَّ الشريعةَ مبنيةٌ على اعتبارِ المصالحِ، والمصالحُ إنَّما اعتُبِرَتْ؛ لأنَّ الشرعَ بيَّن أنَّها مصالح - وإدراكُ المكلّفِ للمصالحِ يختلفُ باختلافِ الأوقاتِ والأحوالِ - وإذا كانت المصالحُ المعتبرةُ هي المصالحَ التي قرّرها الشارعُ، كان لزامًا على المجتهدِ أنْ يفهمَ عن الشارعِ قصدَه في كلِّ مسألةٍ مِنْ مسائلِ الشرعِ؛ لتتحققَ له معرفةُ الحِكمِ والغاياتِ مِن الشريعةِ، فيَضْبِط اجتهادَه في ضوئِها (^٣).\nوقد تَبعَ أبا إسحاقَ الشاطبيَّ في اعتبارِ معرفةِ مقاصدِ الشريعةِ شرطًا لبلوغِ درجةِ الاجتهادِ جمعٌ مِن المتأخرين، منهم: الشيخُ الطاهرُ بنُ عاشور (^٤)، والشيخُ محمدٌ أبو زهرة (^٥)، والدكتورُ الطيبُ خضري السيد (^٦)،\n_________\n(^١) الإبهاج في شرح المنهاج (٢/ ١٧ - ١٨).\n(^٢) البرهان (٢/ ٨٧٤ - ٨٧٥)، ولم أقف على كلام الإمام الشافعي في: (الرسالة)، ولعله في (الرسالة) القديمة.\n(^٣) انظر: الموافقات (٥/ ٤٢ - ٤٣).\n(^٤) انظر: مقاصد الشريعة (٣/ ٤٠ - ٤١).\n(^٥) انظر: أصول الفقه (ص/ ٣٨٦).\n(^٦) انظر: الاجتهاد فيما لا نص فيه (١/ ٢٨).","vol":"1","page":199},{"text":"وعبدُ الحي بن الصديق (^١)، والدكتورٌ زكريا البري (^٢)، والدكتورُ يوسفُ العالم (^٣).\nالشرط الثامن: معرفة لسان العرب.\nيُشترطُ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ معرفةُ اللسانِ العربي، ومعرفةُ اللغةِ العربيةِ في جانبِ: اللغةِ، والنحوِ، والصرفِ، والبلاغةِ (^٤).\nوقد نصَّ أغلبُ الأصوليين على هذا الشرطِ، وهو شرطٌ متفقٌ عليه.\nدليل اعتبار معرفة اللسان العربي مِن شروط الاجتهاد: أنَّ الشريعةَ الإسلاميةَ عربيةٌ؛ لأنَّها مأخوذةٌ من الكتاب والسنةِ، وقد جاءا بلسانِ العربِ، قالَ الله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (^٥)، وقالَ الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (^٦).\nومَنْ رامَ فهمَ الكتابِ والسنةِ - وقد جاءا بلسانِ العربِ - فلا بُدَّ له مِنْ معرفةِ اللسانِ العربي، وَما لا يتمُّ الواجبُ إلا به، فهو واجَبٌ (^٧).\nيقولُ تقيُّ الدّين بن تيميةَ: \"إنَّ فهمَ الكتابِ والسنةِ فرضٌ، ولا يُفْهَم إلا بفهمِ اللغةِ العربيةِ، وما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ\" (^٨).\nوللإعرابِ والتصريفِ أثرٌ في تغيّرِ المعنى، فاحتيجَ إلى معرفتِهما (^٩).\n_________\n(^١) انظر: نظرية المقاصد عند الشاطبي (ص/ ٣٧٢).\n(^٢) انظر: الاجتهاد في الشريعة وبحوث أخرى (ص/ ٢٤٥).\n(^٣) انظر: المقاصد العامة للشريعة الإسلامية (ص/ ١٠٦).\n(^٤) انظر: العدة (٥/ ١٥٩٤)، والإشارة في معرفة الأصول للباجي (ص/ ٣٢٨)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٣٤)، والبرهان (٢/ ٨٦٩)، وقواطع الأدلة (٥/ ٤)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (١٢/ ٤١٦)، والموافقات (٥/ ٥٢).\n(^٥) من الآية (١٩٥) من سورة الشعراء.\n(^٦) من الآية (٤) من سورة إبراهيم.\n(^٧) انظر: البرهان (٢/ ٨٦٩)، وقواطع الأدلة (٥/ ٤)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٢٤)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (١٢/ ٤١٦).\n(^٨) اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٥٢٧).\n(^٩) انظر: نفائس الأصول (٩/ ٤٠١٩).","vol":"1","page":200},{"text":"وأمَّا معرفةُ البلاغةِ؛ فلأنَّ القرآنَ الكريمَ، والسنةَ النبويةَ في الذِّروةِ العليا مِن الإعجازِ، فلا بُدَّ مِنْ معرفةِ البيانِ وأساليبِه؛ ليتمكن المجتهدُ مِن الاستنباطِ منهما على الوجهِ الأكملِ (^١).\nيقولُ الإمامُ الشافعيُّ: \"القرآنُ نَزَلَ بلسانِ العربِ، دونَ غيرِه؛ لأنَّه لا يَعْلمُ مِنْ إيضاحِ جُمَلِ علمِ الكتاب أحدٌ جَهِلَ سعةَ لسانِ العربِ، وكثرةَ وجوهِه، وجماع معانيه وتفرقها، وَمَنْ عَلِمه انتفتْ عنه الشبهُ التي دخلتْ على مَنْ جَهِلَ لسانَها\" (^٢).\nويقولُ الشوكانيُّ: \"الاستكثارُ مِنْ ممارسةِ لسانِ العربِ، والتوسع في الاطلاعِ على مطولاتِه، ممَّا يزيدُ المجتهدَ قوةً في البحث، وبَصَرًا في الاستخراجِ، وبصيرةً في حصولِ مطلوبِه\" (^٣).\nولا يشترط في هذا المقامِ: معرفةُ غرائبِ اللغةِ (^٤)، وهي: الألفاظُ التي تُخِلُّ بالفصاحةِ؛ لأنَّها لا تُوجدُ في القرآنِ الكريمِ، ولا في السنةِ النبويةِ (^٥).\nويتصلُ باشتراطِ معرفةِ اللسانِ العربي، مسألةٌ، وهي: القدرُ المشترطُ في معرفةِ اللسانِ العربي.\nيحتاجُ المجتهدُ مِن اللسانِ العربي قدرًا يُثْمِرُ له فهمَ خطاب العربِ، وعادتهم في الاستعمالِ إلى حدِّ يُميّز بين صريحِ الكلامِ وظاهرِه، ومجملِه ومفصلِه، وحقيقتِه ومجازِه، وَيعْرِفُ أوضاعَ العربِ في كلامِهم؛ بحيثُ يُمَيّز العبارةَ الصحيحةَ عن الفاسدةِ، والراجحةَ عن المرجوحةِ، ويُمَيّزُ بين دلالاتِ الألفاظِ - مِن المطابقةِ (^٦) والتضمّنِ والالتزامِ - والمفرد والمركب،\n_________\n(^١) انظر: تشنيف المسامع (٤/ ٥٦٩).\n(^٢) الرسالة (ص/ ٥٠).\n(^٣) إرشاد الفحول (٢/ ١٠٣١).\n(^٤) انظر: البرهان (٢/ ٨٦٩)، والمنخول (ص/ ٤٦٣)، والموافقات (٥/ ٥٢).\n(^٥) انظر: تعليق دراز على الموافقات (٥/ ٥٢).\n(^٦) دلالة المطابقة: دلالة اللفظ على تمام مسماه. انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي =","vol":"1","page":201},{"text":"والمترادفِ والمتباين (^١).\nولا يُشتَرطُ أنْ يبلغَ درجةَ الأصمعي (^٢) أو الخليل (^٣) أو المبرد (^٤)، ولا\n_________\n= (١/ ١٥)، وشرح تنقيح الفصول (ص/ ٢٤)، والبحر المحيط (٢/ ٣٧)، ولقطة العجلان للزركشي (ص/ ١٠٤)، وشرح الكوكب المنير (١/ ١٢٦)، وآداب البحث والمناظرة للشنفيطي (ص/٢٠).\n(^١) انظر: المستصفى (٢/ ٣٨٦)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ١٦٣)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٨٢٩).\n(^٢) هو: عبد الملك بن قُريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع الباهلي، أبو سعيد الأصمعي البصري، ولد سنة بضع وعشرين ومائة، أحد أئمة اللغة والنحو والأشعار والغريب والأخبار، كان علامةً حافظًا حجةً في الأدب، ولسان العرب، يتقي أنَّ يفسر الحديث كما يثقي أن يفسر القرآن، قال عنه الإمام الشافعي: \"ما عبَّر أحدٌ عن العرب بأحسن من عبارة الأصمعي\"، من مؤلفاته: غريب القرآن، والنوادر، وخلق الإنسان، والأضداد، توفي سنة ٢١٦ هـ وقيل: ٢١٥ هـ وله ثمانية وثمانون عامًا. انظر ترجمته في: التاريخ الكبير للبخاري (٥/ ٤٣٨)، وتاريخ مدينة السلام للخطيب (١٢/ ١٥٧)، وإنباه الرواه للقفطي (٢/ ١٩٧)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ١٧٠)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ١٧٥)، والبلغة للفيروزابادي (ص/ ١٣٦)، وبغية الوعاة للسيوطي (٢/ ١١٢).\n(^٣) هو: الخليل بن أحمد بن عبد الرحمن الفراهيدي الأزدي البصري، أبو عبد الرحمن، ولد سنة ١٠٠ هـ أحد أئمة اللغة والنحو، وصاحب العربية، ومنشيء علم العروض والقوافي، ومخترع حركات الإعراب، كان رأسًا في العلم، دينًا ورعًا زاهدًا متقشفًا، كبير الشأن، من مؤلفاته: العين - على خلاف في صحة نسبة الكتاب إليه - والعروض، والشواهد، والعوامل، والنغم، توفي سنة ١٧٥ هـ وقيل: سنة ١٧٠ هـ. انظر ترجمته في: نزهة الألباء للأنباري (ص/ ٤٥)، وإرشاد الأديب لياقوت (٣/ ١٢٦٠)، وإنباه الرواة للقفطي (١/ ٣٧٦)، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي (١/ ١٧٧)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٢/ ٢٤٤)، وسير أعلام النبلاء (٧/ ٤٢٩)، والبلغة للفيروزابادي (ص/ ٩٩)، وشذرات الذهب لابن العماد (٢/ ٣٢١).\n(^٤) هو: محمد بن يزيد بن عبد الأكبر بن عميرة بن حسان الأزدي، أبو العباس المبرد، ولد بالبصرة سنة ٢١٠ هـ كان عالمًا بالنحو والأدب، إمام العربية ببغداد، فصيحًا بليغًا مفوهًا، ثقةً إخباريًا علامةً، صاحب نوادر وظرافة، غزير الحفظ، ومن أمثال أهل المغرب التي تدل على علو شأن المبرد: \"من لم يقرأ: (الكامل) فليس بكامل\"، من مؤلفاته: المقتضب، والكامل في اللغة والأدب، ومعاني القرآن، والمقصور والممدود، توفي ببغداد سنة ٢٨٥ هـ ودفن بمقابر الكوفة. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (٤/ ٦٠٣)، وإرشاد الأديب لياقوت (٦/ ٢٦٧٨)، وإنباه الرواة للقفطي (٣/ ٢٤١)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ٣١٣)، وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٥٧٦)، والوافي بالوفيات للصفدي (٥/ ٢١٦)، والبلغة للفيروزابادي (ص/ ٢١٦)، وبغية الوعاة للسيوطي (١/ ٢٦٩).","vol":"1","page":202},{"text":"أنْ يتعمقَ في النحوِ، ولا أنْ يعرفَ جميعَ اللغةِ العربيةِ، بل المشترطُ القدرُ الذي يتعلقُ به فهمُ الكتابِ والسنةِ (^١).\nوقد ذَهَبَ أبو إسحاقَ الشاطبيُّ إلى اشتراطِ أنْ يبلغَ المجتهدُ في العربيةِ درجةَ الاجتهادِ، كالأئمةِ فيها، كالخليلِ وسيبويه والأخفش (^٢).\nوقد أبدى الشاطبيُّ أنَّ ما قاله في القدرِ المشترطِ غيرُ مخالفٍ لكلامِ الأصوليين، بلْ هو موافقٌ لهم (^٣).\nتلك هي أهمُّ الشروطِ المتعلقةِ بالجانبِ العلمي للمجتهدِ.\nوممَّا يتصلُ بالجانبِ العلمي، ذكرُ ثلاثةِ علومٍ وَقَعَ خلافُ الأصوليين في اشتراطِها لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ، وهي:\nأولًا: معوفةُ علمِ الكلامِ (^٤).\n_________\n(^١) انظر: التلخيص في أصول الفقه للجويني (٣/ ٤٥٩)، والمستصفى (٢/ ٣٨٦)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ١٦٣)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (١٢/ ٤١٦)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٨٢٩)، والإبهاج في شرح المنهاج (٨/ ٢٩٠٠)، والفوائد شرح الزوائد للأبناسي (٢/ ١٢٣٣).\n(^٢) هو: سعيد بن مسعدة، أبو الحسن، المشهور بالأخفش، مولى بني مجاشع بن دارم، من أهل بلخ، قرأ النحو على سيبويه، وكان أسن منه، من مشاهير علماء النحو واللغة، وقد زاد في العروض بحر الخبب، كان من أعلم الناس بعلم الكلام، وأحذقهم بالجدل، معتزلي المعتقد؛ يقول بالقدر، من مؤلفاته: الأوسط في النحو، ومعاني القرآن، والمقاييس في النحو، والاشتقاق، توفي سنة ٢١٦ هـ وقيل: سنة ٢١٥ هـ وقيل: ٢٢١ هـ، انظر ترجمته في: نزهة الألباء للأنباري (ص/ ١٠٧)، وإنباه الرواة للقفطي (٢/ ٣٦)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٢/ ٣٨٠)، والبلغة للفيروزابادي (ص / ١٠٤)، وبغية الوعاة للسيوطي (١/ ٥٩٠)، وشذرات الذهب لابن العماد (٣/ ٧٣).\n(^٣) انظر: الموافقات (٥/ ٥٣ - ٥٧). وقارن بوسائل الإصلاح للخضر حسين (٢/ ١١٣ - ١١٤). وانظر في قول أبي إسحاق الشاطبي: الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه للدكتور سيد الأفغاني (ص ١٧٠ - ١٧١)، والاجتهاد والتقليد عند الإمام الشاطبي للدكتور وليد الودعان (١/ ٢٨٠ - ٢٩٥)، والاجتهاد وضوابطه عند الإمام الشاطبي للدكتور عمار علوان (ص/ ٧٩ - ٨١).\n(^٤) علم الكلام: هو العلم الذي يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج، ودفع الشبه. انظر: المواقف في علم الكلام للإيجي (ص/ ٧)، وشرح العقائد النسفية للتفتازاني (ص/ ١٢).","vol":"1","page":203},{"text":"ثانيًا: معرفةُ علمِ المنطقِ (^١).\nثالثًا: معرفةُ الفروعِ الفقهيةِ.\nأولًا: معرفةُ علمِ الكلامِ.\nلقد اختلفَ العلماءُ في اشتراطِ معرفةِ المجتهدِ لعلمِ الكلامِ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ على أقوال، أشهرها:\nالقول الأول: أنَّ معرفةَ علمِ الكلامِ، والتبحّرَ فيه شرطٌ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ.\nوهذا قولُ القاضي أبي بكرٍ الباقلاني (^٢)، وهو مذهب القدرية (^٣).\nالقول الثاني: أنَّ معرفةَ أصولِ الاعتقادِ شرطٌ مِنْ شروطِ الاجتهادِ.\nوقد نَسَبَ أبو القاسمِ الرافعي هذا القولَ إلى بعضِ الشافعيةِ (^٤)، ونسبه\n_________\n(^١) تعددت تعريفات العلماء لعلم المنطق، ومن أشهرها: علم بقوانين تعصم مراعاتها الذهن عن الوقوع في الخطأ. انظر: التذهيب للخبيصي (ص/ ٦٣)، والسلم المرونق للأخضري (ص/ ٤٦).\n(^٢) انظر: التلخيص في أصول الفقه للجويني (٣/ ٤٦٠).\n(^٣) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٠٤). والقدرية: هي المعتزلة؛ إذ من أوصاف المعتزلة أنهم قدرية، والمعتزلة إحدى الفرق المشهورة، وتسمى بالوعيدية، والعدلية، وبأصحاب العدل والتوحيد، وتنسب هذه الفرقة إلى واصل بن عطاء حينما اعتزل مجلس الحسن البصري، فسمي أتباعه بالمعتزلة، وللمعتزلة طوائف كثيرة منها: الواصلية، والعمروية، والهذلية، والنظامية والبشرية، من أشهر رجال المعتزلة: عمرو بن عبيد، والهذيل بن محمد، والنظام، وبشر بن المعتمر، والجبائي وابنه أبو هاشم، والقاضي عبد الجبار، وأبو الحسين البصري، ومن أقوال المعتزلة: نفي صفات الله تعالى، والقول باستحالة رؤية الله تعالى في الآخرة، ونفي القدر، والقول: بأن العبد يخلق فعله،، وأن مرتكب الكبيرة في منزلة بين منزلة المؤمن ومنزلة الكافر، لا مؤمن ولا كافر، هذا في الدنيا، أما في الآخرة فهو مخلد في النار. انظر: مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري (١/ ٢٣٥)، والفرق بين الفرق للبغدادي (ص/ ١١٢)، والفصل في الملل والأهواء لابن حزم (٤/ ١٩٢)، والملل والنحل للشهرستاني (١/ ٦١)، وطبقات المعتزلة للمرتضى (ص/ ٢)، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/ ٧٦)، ورسائل ودراسات في الأهواء للدكتور ناصر العقل (٢/ ٣٤٩).\n(^٤) انظر: العزيز في شرح الوجيز (١٢/ ٤١٧).","vol":"1","page":204},{"text":"تاجُ الدِّينِ بنُ السبكي إلى الشافعيةِ (^١).\nوهناك قولٌ لبعضِ العلماءِ تتفقُ حقيقتُه مع القولِ الثاني، وهو اشتراطُ صحةِ الإسلامِ فقط، أمَّا تفاريعُ الكلامِ، وطُرُقُه، والأدلةُ عليه، فليستْ بشرطٍ (^٢).\nوهذا قولُ أكثرِ العلماءِ؛ ونسبه إمامُ الحرمين الجويني إلى الفقهاءِ قاطبةً (^٣). ونسبه الأستاذُ أبو إسحاقَ (^٤) إلى أكثرِ أصحابِ كتبِ الحديثِ والفقه (^٥). ونسبه بدرُ الدّينِ الزركشي (^٦)، والمرداويُّ (^٧) إلى الأصوليين.\nواختاره جمعٌ مِن المحققين، منهم: إمامُ الحرمين الجويني (^٨)، وأبو حامدٍ الغزالي (^٩)، وأبو الخطابِ (^١٠)، وأبو الوفاءِ بنُ عقيلٍ (^١١)، والآمديُّ (^١٢)، وصفيُّ الدِّينِ الهندي (^١٣)، وتاجُ الدِّينِ بنُ السبكي (^١٤)،\n_________\n(^١) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٩٠٢).\n(^٢) انظر: المصدر السابق.\n(^٣) انظر: التلخيص في أصول الفقه (٣/ ٤٦١).\n(^٤) هو: إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران، ركن الدين الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني الخراساني، أحد أئمة المذهب الشافعي، كان إمامًا في علم الكلام والأصول والفقه والعربية، عارفًا بالكتاب والسنة، عابدًا ورعًا زاهدًا، اتفق الأئمة على تبجيله، وأقروا له بالتقدم والفضل، بُنيت له مدرسة مشهورة بنيسابور، من مؤلفاته: الجامع في أصول الدين والرد على الملحدين، ومسائل الدور، وتعليقة في أصول الفقه، وأدب الجدل، توفي بنيسابور سنة ٤١٨ هـ. انظر ترجمته في: تبيين كذب المفتري لابن عساكر (ص/ ٢٤٣)، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي (٢/ ١٦٩)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (١/ ٢٨)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٣٥٣)، والوافي بالوفيات للصفدي (٦/ ١٠٤)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٤/ ٢٥٦)، وطبقات الشافعية للإسنوي (١/ ٥٩).\n(^٥) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٠٤).\n(^٦) انظر: تشنيف المسامع (٤/ ٥٧٣).\n(^٧) انظر: التحبير (٨/ ٣٨٧٩).\n(^٨) انظر: التلخيص في أصول الفقه (٣/ ٤٦٠).\n(^٩) انظر: المستصفى (٢/ ٣٨٦).\n(^١٠) انظر: التمهيد في أصول الفقه (٤/ ٣٩١).\n(^١١) انظر: الواضح في أصول الفقه (٥/ ٤٥٦).\n(^١٢) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ١٦٣).\n(^١٣) انظر: نهاية الوصول (٨/ ٣٨٣٠).\n(^١٤) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٩٠١).","vol":"1","page":205},{"text":"وجمالُ الدّينِ الإسنوي (^١).\nالقول الثالث: أنَّ علمَ الكلام ليس بشرطٍ في بلوغ رتبةِ الاجتهادِ مطلقًا.\nوهذا القولُ هو ظاهرُ اختيارِ الفخرِ الرازي (^٢)، وهو قولُ عبدِ العزيز البخاري (^٣)، وجلالِ الدّينِ السيوطي (^٤).\nوقد حَمَلَ بدرُ الدّينِ الزركشيُّ قولَ الرازي على القولِ الثاني، فقالَ: \"وأطلق الرازيُّ عدمَ اشتراطِ علمِ الكلامِ، وفصّلَ الآمديُّ، فَشَرَطَ الضرورياتِ؛ كالعلمِ بوجودِ الربِّ سبحانه، وصفاته ... ولا يُشترطُ علمُه بدقائقِ الكلامِ، وكلامُ الرازي محمولٌ على هذا التفصيلِ\" (^٥).\nوكلُّ مَنْ لم يرَ مشروعيةِ علمِ الكلام، فإنَّه يقولُ بعدمِ اشتراطِه لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ (^٦).\n• أدلةُ الأقوال:\nدليل أصحاب القول الأول: لم أقفْ - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادر - على دليلٍ للقائلين باشتراطِ معرفةِ علمِ الكلامِ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ، ويظهرُ لي بتأمّلِ الحالةِ العلميةِ للقرنِ الرابع الذي كان فيه القاضي أبو بكرٍ الباقلاني (ت: ٤٠٣ هـ) مدى الصراعِ الكلامي بينِ المعتزلةِ والأشاعرةِ، والذي امتدَّ أثرُه إلى المسائلِ الأصوليةِ، فَظَهَرَ الفكرُ الكلامي على هيئة علم مستقلٍّ، ولعل هذا هو ما دَفَعَ بأصحابِ القولِ الأولِ إلى القولِ باشتراطِ معرفةِ علمِ الكلامِ، والاعتدادِ به لبلوغِ مرتبةِ الاجتهادِ (^٧).\n_________\n(^١) انظر: نهاية السول (٤/ ٥٥٣).\n(^٢) انظر: المحصول في علم أصول الفقه (٦/ ٢٥).\n(^٣) انظر: كشف الأسرار (٤/ ١٦).\n(^٤) انظر: شرح الكوكب الساطع (٤/ ١٢٥).\n(^٥) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٠٤).\n(^٦) انظر: إحياء علوم الدين للغزالي (١/ ١٦٣)، ودرء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (٧/ ١٤٥ وما بعدها).\n(^٧) انظر: أدوات النظر الاجتهادي المنشود للدكتور قطب سانو (ص/ ٤٥ - ٤٧).","vol":"1","page":206},{"text":"أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: أنَّ الأئمةَ المجتهدين مِن الصحابةِ - ﵃ - والتابعين ومَنْ بعدهم، حازوا رتبةَ الاجتهادِ، مع عدمِ معرفتِهم بعلمِ الكلامِ (^١).\nويمكن مناقشة الدليل الأول: بأن ما ذكروه دالٌّ على عدمِ اشتراطِ علمِ الكلامِ مطلقًا، وليس فيه اشتراطُ قدرٍ منه للدخولِ في الإسلامِ.\nالدليل الثاني: أنَّ المجتهدَ يمكنُه استنباطُ أحكامِ الحوادثِ مِن الأدلةِ الشرعيةِ مع جهلِه بعلمِ الكلامِ (^٢).\nويمكن مناقشة الدليل الثاني: بما نوقش به الدليل الأول.\nدليل أصحاب القول الثالث: ما تقدم من أدلةٍ لأصحاب القول الثاني صالحٌ لأنْ يستدلَ به أصحابُ القولِ الثالثِ.\n• الموازنة والترجيح:\nبتأمّلِ المسألةِ بأقوالِها وأدلتِها، يظهرُ لي رجحانُ القولِ الثالثِ القائلِ: إنَّ معرفةَ علمِ الكلامِ ليستْ بشرطٍ مِنْ شروطِ الاجتهادِ، وذلك للأسبابِ الآتية:\nالأول: انتفاءُ الدليلِ المشترِطِ معرفة علمِ الكلامِ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ.\nالثاني: أنَّ بعضَ الأئمةِ المجتهدين المتفق على اجتهادهم، قد حذَّروا مِنْ علمِ الكلامِ، ومِنْ ذلك: قولُ الإمامِ الشافعي: \"حُكمي في أهلِ الكلامِ\n_________\n(^١) انظر: التلخيص في أصول الفقه للجويني (٣/ ٤٦١)، والمستصفى (٢/ ٣٨٦).\n(^٢) انظر: المحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٢٥)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٨٣٠)، والإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٩٠١)، ونهاية السول (٤/ ٥٥٣)، وشرح الكوكب الساطع للسيوطي (٤/ ١٢٥).","vol":"1","page":207},{"text":"أنْ يُضْرَبوا بالجريدِ والنعالِ ... \" (^١). وقولُ الإمامُ أحمدَ: \"لا يُفْلِحُ صاحبُ كلامٍ أبدًا، ولا تَكادُ تَرَى أحدًا نَظَرَ في الكلامِ، إلا وفي قلبِه دَغَلٌ (^٢) \" (^٣).\nفكيفَ يُقالُ: إنَّ معرفةَ علمِ الكلامِ شرطٌ مِنْ شروطِ الاجتهادِ؟ !\nالثالث: أنَّ الأئمةَ المجتهدين مِن الصحابةِ - ﵃ - والتابعين وأئمةِ المذاهبِ المتبوعةِ، متفقٌ على بلوغِهم رتبة الاجتهادِ المطلقِ في الشريعةِ، مع عدمِ معرفتِهم بعلمِ الكلامِ.\nالرابع: أنَّ ما استدلَّ به أصحابُ القولِ الثاني، لا يُؤَيّدُ قولَهم.\nوتحسنُ الإشارةُ إلى أنَّ معرفةَ المجتهدِ لمسائلِ الاعتقادِ مِنْ ضرورةِ منصبِ الاجتهادِ؛ لما يشتمل عليه القرآنُ الكريمُ مِنْ تقريرِ مسائلِ العقيدةِ (^٤).\n• نوع الخلاف:\nيظهرُ لي أنَّ الخلافَ بين أصحابِ القولِ الثاني والقول الثالثِ خلافٌ لفظيٌّ؛ لأنَّ سببَ اشتراطِ أصحابِ الَقولِ الثاني قدرًا مِنْ علمِ الكلامِ؛ ليدخلَ به صاحبُه الإسلامَ (^٥)؛ واشتراطُ إسلامِ المجتهدِ متفقٌ عليه بين القولين، والقدرُ الزائدُ عنه غيرُ مشروطٍ عند الفريقين.\nويبقى النظرُ في نوعِ الخلافِ بين هؤلاءِ، وبين أصحابِ القولِ الأولِ\n_________\n(^١) ذكر قولَ الإمام الشافعي: البيهقيُّ في: مناقب الشافعي (١/ ١٦٢)، والبغداديُّ في: شرف أصحاب الحديث (ص/ ١٦٨).\n(^٢) الدَّغَل: الفساد. انظر: مجمل اللغة، مادة: (دغل)، (١/ ٣٢٨)، والقاموس المحيط، مادة: (دغل)، (ص/ ١٢٩١).\n(^٣) ذكر قولَ الإمام أحمد: ابنُ عبد البر في: جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٤٢)، وتقيُّ الدين بن تيمية في: درء تعارض العقل والنقل (٧/ ١٤٧).\n(^٤) قارن بالمستصفى (٢/ ٣٨٦).\n(^٥) مع العلم أنَّ قول سلف الأمة عدم اشتراط ما يذكره المتكلمون من أنَّ أول واجب على المكلف أهو النظر، أم المعرفة؟ انظر: الاستقامة لابن تيمية (١/ ١٤٢)، ودرء تعارض العقل والنقل له (٧/ ٣٥٢ وما بعدها)، وفتح الباري لابن حجر (١/ ٧٠).","vol":"1","page":208},{"text":"(المشترطين لعلم الكلام)، فأقولُ: يصعبُ الجزمُ بنوعِ الخلافِ؛ لعدمِ وقوفي على أدلةِ المشترطين؛ مع أنَّ الظاهرَ أنَّ الخلافَ بينهما خلافٌ معنوي؛ لأنَّ إمامَ الحرمين الجويني (ت: ٤٧٨ هـ) لما عَرَضَ كلامَ أبي بكرٍ الباقلاني (ت: ٤٠٣ هـ) - وهو قريب من زمنه - لم يُشْرِ إلى ما قد يُفهمُ منه أنَّ الخلافَ لفظي، بل ردَّ إمامُ الحرمين قولَ القاضي الباقلاني؛ لمخالفتِه للدليلِ.\n• سبب الخلاف:\nأشارَ ابنُ رشدٍ (^١) إلى ما يُمكنُ جعلُه سببًا للخلافِ، فقالَ: \"وقد اشترطوا مع هذا أنْ يكونَ عالمًا بعلمِ الكلامِ ... وهذا إنَّما يلزمُ على رأي مَنْ يرى أنَّ أولَ الواجباتِ النظرُ والاستدلالُ، وأمَّا مَنْ لا يرى ذلك، فيكفيه الإيمانُ بمجرّدِ الشرعِ، دونَ نَظَرِ العقلِ\" (^٢).\nفمَنْ قال: إنَّ أولَ واجبٍ على المكلّفِ هو النظرُ، أَوْجَبَ على المجتهدِ معرفةَ علمِ الكلامِ، وهذا ما اتجه إليه أصحابُ القولِ الثاني.\nومَنْ قال: ليس أول واجبٍ على المكلفِ النظرَ، وإنَّما يُقررُ أنَّ أولَ واجبٍ هو الشهادتان، لم يُوجِبْ على المكلّفِ معرفةَ علمِ الكلامِ، وهذا ما اتجه إليه أصحابُ القولِ الثالثِ.\n_________\n(^١) هو: محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد، أبو الوليد القرطبي، المعروف بابن رشد الحفيد، ولد سنة ٥٢٠ هـ كان مالكي المذهب، علامةً بارعًا في الفقه والأصول والعربية والحكمة وعلوم الأوائل والطب، فيلسوفًا، متميزًا بالذكاء وصحة النظر، وجودة التأليف، متواضعًا، خافضًا لجناحه، يفزع إلى قوله في الطب كما يفزع إليه في الفقه، وكان قاضي الجماعة بقرطبة، من مؤلفاته: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، والضروري في أصول الفقه، والكليات في الطب، توفي بمراكش سنة ٥٩٥ هـ. انظر ترجمته في: الغنية للقاضي عياض (ص/ ٥٤)، وبغية الملتمس للضبي ص/ ٥٤)، والتكملة لوفيات النقلة للمنذري (١/ ٣٢١)، وسير أعلام النبلاء (٢١/ ٣٠٧)، والوافي بالوفيات للصفدي (٢/ ١١٤)، والديباج المذهب لابن فرحون (٢/ ٢٥٧)، وشذرات الذهب لابن العماد (٦/ ٥٢٢).\n(^٢) الضروري في أصول الفقه (ص/ ١٣٨).","vol":"1","page":209},{"text":"أمَّا المشترطون لعلمِ الكلامِ؛ فلعل ذلك مِنْ أثرِ الحالةِ العلميةِ في عصرِهم؛ إذ بَلَغَ علمُ الكلامِ منزلةً رفيعةً، فَغَلَبَ النظرُ الكلامي بين المدارسِ العلميةِ، وامتزجَ بالمسائلِ الأصوليةِ، الأمر الذي أضفى على علمِ الكلامِ في ذلك الوقتِ صبغةً مرتبطةً بتكوينِ المجتهدِ.\nثانيًا: اشتراطُ معرفةِ علمِ المنطقِ.\nذَهَبَ بعضُ الأصوليين إلى اشتراطِ معرفةِ علمِ المنطقِ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ، وقبل سوقِ الخلافِ في اشتراطِ معرفةِ علمِ المنطقِ للاجتهادِ، أُبيّنُ خلافَ العلماءِ في حُكمِ تعلّمِ المنطقِ ودراستِه:\nاختلفَ العلماءُ في حُكمِ تعلمِ المنطقِ على أقوالٍ، أشهرها:\nالقول الأول: تحريمُ دراسةِ المنطق.\nوهذا قولُ ابنِ الصلاحِ (^١)، وجلالِ الدّينِ السيوطي (^٢).\nالقول الثاني: جوازُ دراسةِ المنطقِ، وفق ضوابط معيةٍ.\nوهذا قولُ الأخضري (^٣).\nالقول الثالث: الحثُّ على تعلّمِ المنطقِ.\nوهذا قولُ أبي حامدٍ الغزالي (^٤).\nوبَدَهِيٌّ أنْ لا يشترطَ أصحابُ القولِ الأولِ معرفةَ المنطقِ لبلوغِ رتبةِ\n_________\n(^١) انظر: فتاوى ابن الصلاح (ص/ ٣٥).\n(^٢) انظر: الحاوي للفتاوى (١/ ٢٥٥).\n(^٣) انظر: السلم المورونق بشرح الأخضري (ص/ ٢٤). والأخضري هو: عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن عامر الأخضري النطيوسي المغربي، من أهل بسكره بالجزائر، ولد سنة ٩١٨ هـ من علماء المذهب المالكي، منطقي مشهور، وعالم مشارك في عدد من العلوم، من مؤلفاته: السلم في علم المنطق، والجوهر المكنون في ثلاثة فنون، ومختصر في العبادات على مذهب مالك، والدرة البيضاء، توفي في الجزائر سنة ٩٨٣ هـ. انظر ترجمته في: شجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٢٨٥)، والأعلام للزركلي (٣/ ٣٣١)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٢/ ١١٦).\n(^٤) انظر: المستصفى (١/ ٤٥).","vol":"1","page":210},{"text":"الاجتهادِ، فالخلافُ في اشتراطه منحصرٌ بين أصحابِ القولين: الثاني، والثالثِ.\nوسأنسبُ حينَ عرضِ الأقوال في اشتراطِ معرفةِ علمِ المنطقِ القولَ لبعضِ القائلين بتحريمِ دراستِه؛ لنصِّهم على حكمِ مسألةِ: (اشتراط معرفة المنطق لبلوغ رتبة الاجتهاد) بعينِها.\nاختلفتْ أنظارُ الأصوليين في هذه المسألةِ على قولين:\nالقول الأول: أنَّ معرفةَ علمِ المنطقِ ليستْ بشرطٍ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ.\nوهذا قولُ أكثرِ الأصوليين؛ إذ إنَّ أغلبَهم لم يذكرْ معرفةَ المنطقِ في شروطِ الاجتهادِ.\nواختارَ هذا القولَ ابنُ دقيقٍ العيد (^١)، وتقيُّ الدّينِ بنُ تيميةَ (^٢)، والطوفيُّ (^٣)، وجلالُ الدّينِ السيوطي (^٤).\nومقتضى قولِ ابنِ القيم أنَّ علمَ المنطقِ ليس بشرطٍ لرتبةِ الاجتهادِ؛ إذ وصفه بأنَّ باطلَه أضعاف حقِّه (^٥).\nوإنْ كان الطوفيُّ (ت: ٧١٦ هـ) لم يشترطْه، إلا أنَّه حبّذَ للمجتهدِ معرفتَه، خصوصًا في زمنِه الذي اشتهر فيه علمُ المنطقِ (^٦).\nيقولُ تقيُّ الدينِ بنُ تيمية: \"مَنْ قال مِن المتأخرين: إنَّ تعلّمَ المنطقِ مِنْ شروطِ الاجتهادِ؛ فإنَّه يدلُّ على جهلِه بالشرعِ! وجهلِه بفائدةِ المنطقِ\" (^٧).\nويقولُ جلالُ الدّينِ السيوطي في معرض حديثِه عن شروطِ المجتهدِ: \"أمَّا علمُ المنطقِ، فأقلُّ وأذلُّ مِنْ أنْ يُذْكَرَ\" (^٨).\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٠٢).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (٩/ ١٧٢).\n(^٣) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٥٨٣).\n(^٤) انظر: تيسير الاجتهاد (ص / ٤١).\n(^٥) انظر: مفتاح دار السعادة (١/ ٤٤٩) ط/ دار ابن حزم.\n(^٦) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٥٨٣).\n(^٧) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٩/ ١٧٢) بتصرف يسير.\n(^٨) تيسير الاجتهاد (ص/ ٤١).","vol":"1","page":211},{"text":"القول الثاني: أنَّ معرفةَ المنطقِ شرطٌ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ.\nفيشترطُ أنْ يعرفَ المجتهدُ كيفيةَ النظرِ، ونَصْبَ الأدلةِ، وشروطَها التي بها تصيرُ البراهينُ والأدلةُ منتجةً.\nوهذا قولُ أبي حامدٍ الغزالي (^١)، والفخرِ الرازي (^٢)، والقاضي البيضاوي (^٣)، وشهاب الدين القرافي (^٤)، وصفيِّ الدينِ الهندي (^٥)، وتاجِ الدين بنِ السبكي (^٦)، وجمالِ الدينِ الإسنوي (^٧).\nويبيّنُ صفيُّ الدّينِ الهندي القدرَ المطلوبَ مِن المجتهدِ، فيقول: \"عِلْمُ شرائطِ الحدِّ والبرهانِ، والمتكفلُ ببيانِ ذلك هو المنطقُ؛ ولا يُشترَطُ في ذلك أنْ يكون بالغًا إلى الغايةِ القصوى ... بل يكفي أنْ يكونَ في المرتبةِ الوسطى مِنْ ذلك\" (^٨).\n• أدلة القولين:\nأدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: أنَّ أئمةَ السلفِ بلغوا رتبةَ الاجتهادِ بالاتفاق، ولم يَعرفوا علمَ المنطقِ، فضلًا عن أنْ يخوضوا فيه ويدرسوه (^٩).\nالدليل الثاني: أنَّ أئمةَ المسلمين قد حذّروا مِن المنطقِ، وزجروا\n_________\n(^١) انظر: المستصفى (٢/ ٣٨٥).\n(^٢) انظر: المحصول في علم أصول الفقه (٦/ ٢٤).\n(^٣) انظر: منهاج الوصول (٢/ ١٥٧٥) مع شرحه السراج الوهاج.\n(^٤) انظر: شرح تنقيح الفصول (ص/ ٤٣٧).\n(^٥) انظر: نهاية الوصول (٨/ ٣٨٢٨).\n(^٦) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٨٩٩).\n(^٧) انظر: نهاية السول (٤/ ٥٥١).\n(^٨) نهاية الوصول (٨/ ٣٨٢٨).\n(^٩) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٥٨٣)، والبحر المحيط (٦/ ٢٠٢)، والفوائد شرح الزوائد للأبناسي (٢/ ١٢٣٣).","vol":"1","page":212},{"text":"الناسَ عن تعلّمِه وتعليمه؛ فكيفَ يُقالُ باشتراطِه لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ؟ ! (^١).\nمناقشة الدليل الثاني: أنَّ المنطقَ الذي حذَّر منه علماءُ الإسلام، هو المنطقُ المشوبُ بعقائدَ فاسدةٍ؛ فيكونُ تعلّمُه مدعاةً للوقوعِ في تلك العقائد، أمَّا المنطقُ السالمُ مِنْ هذه العقائدِ، فلا يقعُ عليه تحذيرُ علماءِ المسلمين، إذا كان متعلمُه ذا إدراكٍ جيّدٍ، وعقيدةٍ راسخةٍ (^٢).\nالدليل الثالث: أنَّ علمَ أصولِ الفقهِ يُغني عن علمِ المنطقِ؛ لأنَّه يُعنى بطرقِ الاستنباطِ مِن الأدلةِ، وسلامتِها ممَّا يقدحُ فيها (^٣).\nدليل أصحاب القول الثاني: يتعيّنُ على المجتهدِ أنْ يتعلّمَ مِنْ علمِ المنطقِ ما يعلمُ بهْ كيفيةَ النظرِ الصحيحِ - فيعلم شروطَ الحدِّ والبرهان والأدلة المنتجة - ليأمنَ الخطأَ في نظرِه، ويكونَ على بصيرةٍ.\nولمزيدِ البيانِ: فإنَّ التصوراتِ (^٤) تُضْبَطُ بالحدودِ، فمَنْ علمَ ضابطَ شيءٍ، فهو مستضيءٌ به، فأيّ محلٍّ صَدَقَ الضابطُ عليه، قَضَى بأنَّه تلك الحقيقة، وما لا يصدقُ عليه ذلك الضابطُ، قَضَى بأنَّه مغايرٌ لتلك الحقيقةِ، فمَنْ لا يعرفُ صحةَ الضابطِ مَنْ سُقْمِه، فلن يَعرفَ كيفَ يستضيءُ به.\nوكذلك فيما يتعلقُ بالبراهينِ؛ يحتاجُ المجتهدُ إلى معرفةِ شروطِها؛ لأنَّه لا بُدَّ له مِنْ دليلٍ يدلُّه على الحُكمِ، والدليلُ له شروطٌ محررةٌ في علمِ\n_________\n(^١) انظر: تيسير الاجتهاد (ص/ ٤١).\n(^٢) انظر: آداب البحث والمناظرة للشنقيطي (ص/ ٦)، والتعليم والإرشاد لمحمد النعساني (ص/ ٤١).\n(^٣) انظر: تيسير الاجتهاد للسيوطي (ص/ ٤١).\n(^٤) التصورات: جمع تصور، والتصور عند المناطقة: إدراك الماهية مِنْ غيرِ حكم عليها. أو هو: إدراك معنى المفرد (إدراك خالي عن الحكم). انظر: التذهيب للخبيصي (ص/ ٢٩)، وتحرير القواعد المنطقية لقطب الدين الرازي (ص/ ٧)، ولقطة العجلان وبلة الظمآن للزركشي (ص/ ٩٢)، والتعريفات للجرجاني (ص/ ١٢٣)، والتوقيف على مهمات التعريف للمناوي (ص/ ١٨٠)، وشرح الكوكب المنير (١/ ٥٨)، وضوابط المعرفة لعبد الرحمن الميداني (ص/ ١٨)، وطرق الاستدلال ومقدماتها للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٣٣).","vol":"1","page":213},{"text":"المنطقِ، متى أَخْطَأَ شرطًا منها، فَسَدَ عليه الدليلُ، وهو يعتقدُه صحيحًا (^١).\n• الموازنة والترجيح:\nيظهرُ لي مِنْ خلالِ تأمّلِ القولين، وأدلتهم الآتي:\nأولًا: عدمُ طردِ القولِ باشتراطِ معرفةِ علمِ المنطقِ للمجتهدِ، أو عدمِ اشتراطِ معرفتِه، بل الأمرُ عائدٌ إلى استغناءِ المجتهدِ عنه مِنْ عدمِه: فإنْ كان المجتهدُ يعرفُ كيفيةَ نصبِ الأدلةِ ودلالتها على المطلوبِ بالدّربةِ مثلًا، فلا تُشترطُ معرفةُ المنطقِ في حقِّه حينئذٍ؛ لاستغنائِه عنه.\nأمَّا إنْ لم يعرف المجتهدُ كيفيةَ نصبِ الأدلةِ، ودلالتها على المطلوبِ، فتُشترطُ معرفةُ المنطق في حقِّه حينئذٍ؛ لينضبطَ نظرُه.\nثانيًا: أنَّ الأَولى بالمجتهدِ تعلّم المنطقِ، وإنْ لم يحتجْ إليه؛ لما يحققه مِن فوائد متعددةٍ، تعود على المجتهدِ، فضلًا عن عصمةِ ذهنِه عن الوقوعِ في الخطأِ (^٢).\nوأمَّا ما ذُكِرَ مِنْ بلوغِ أئمةِ المسلمين رتبةَ الاجتهادِ، مع عدمِ معرفتِهم بالمنطقِ، فيقال: إنَّ أئمةَ السلفِ، وإن لم يتعلموا المنطقَ، فإنَّهم يعرفون الأمور التي يتحققُ بها نصب الدليل، وتقرير مقدماته، ووجه إنتاجِه المطالب، فهم أصلًا غيرُ محتاجين إليه (^٣)؛ ولذا قررتُ آنفًا أنَّ مَن استغنى عنه مِن المجتهدين، لم يُشترطْ في حقِّه معرفتُه، ومَنْ لم يستغنِ عنه، اشتُرطتْ عليه معرفتُه.\nوقد يُقالُ: إنَّ أئمةَ المسلمينَ كانوا عارفين بعلمِ المنطقِ، غير أنَّهم لم يكونوا يعرفونَ العباراتِ الخاصة والاصطلاحاتِ الموجودة بعدهم (^٤).\n_________\n(^١) انظر: نفائس الأصول (٩/ ٤٠١٩ - ٤٠٢٠)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٥٨٣)، ونهاية السول (٤/ ٥٥١).\n(^٢) انظر: آداب البحث والمناظرة للشنقيطي (ص/ ٨ - ٩).\n(^٣) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٥٨٣).\n(^٤) انظر: الفوائد شرح الزوائد للأبناسي (٢/ ١٢٣٣).","vol":"1","page":214},{"text":"• نوع الخلاف:\nلم أقفْ - فيما رجعتُ إليه مِن مصادر - على مَنْ نصَّ على نوعِ الخلافِ في المسألةِ، والظاهرُ أنَّ الخلافَ خلافٌ معنوي، يظهر أثرُه فيمَنْ لم يستغنِ عن معرفةِ المنطقِ:\nفالقائلون بعدمِ اشتراطِ معرفةِ المنطقِ في المجتهدِ، لا يُؤثّرُ جهلُه به في بلوغِ رتبةِ الاجتهادِ.\nوعند المشترطين لمعرفة المنطق، لا تحصلُ له درجةُ الاجتهادِ.\nأمَّا مَن استغنى عن علم المنطق، فيظهرُ لي أنَّ الخلافَ لفظيٌّ، أو يكادُ أنْ يكونَ لفظيًا؛ لأنَّ المشترطين لمعرفةِ علم المنطق؛ إنَّما اشترطوه؛ لصحةِ نظرِ المجتهدِ، وهي متحققةٌ له دونَ تَعَلّمِ لعلمِ المنطق، فالغاية مَن الشرطِ متحققةٌ، فلا وجهَ لسلبِ وصفِ الاجتهادِ عنه في هذه الحالةِ.\n• سبب الخلاف:\nيظهرُ أنَّ الخلافَ عائدٌ إلى أحدِ السببين الآتيين:\nالسبب الأول: حكمُ تعلّمِ علمِ المنطقِ؟\nفمَنْ حرَّمَ تعلمَه، لم يجعلْه شرطًا للاجتهادِ، وهذا ما ذهبَ إليه أصحابُ القولِ الأول.\nومَنْ لم يحرّمْه، فقد اختلفتْ أقوالُهم في اعتبارِه شرطًا للاجتهادِ.\nالسبب الثاني: هل يمكنُ أنْ تتحققَ الغايةُ مِنْ علمِ المنطقِ - وهي عصمةُ الذّهنِ عن الوقوعِ في الخطأ - دونَ تعلمِه؟\nمَنْ قال بإمكانِ تحققِها دونَ تعلّمِ علم المنطق، لم يجعله شرطًا للاجتهاد، وهذا ما ذهبَ إليه أصحابُ القولِ الأولِ.\nومَنْ قال بعدمِ إمكانِ تحققها في الغالب إلا بدراسةِ علمِ المنطقِ، اشترطَ معرفتَه، وهذا ما ذهبُ إليه أصحابُ القوَلِ الثاني.","vol":"1","page":215},{"text":"ثالثًا: اشتراطُ معرفةِ الفروعِ الفقهيةِ.\nمِن شروطِ الاجتهادِ التي وَقَعَ فيها خلافٌ بين الأصوليين: معرفةُ الفروع الفقهيةِ، فهل يُشترطُ في العالم لوصفِه بالاجتهادِ أنْ يتعلمَ الفروعَ الفقهيةَ؟\nاختلفَ الأصوليون في اعتبارِ معرفةِ الفروع الفقهيةِ شرطًا لبلوغ رتبةِ الاجتهادِ على قولين:\nالقول الأول: أنَّ معرفةَ الفروع الفقهيةِ ليستْ بشرطٍ لبلوغ رتبةِ الاجتهادِ.\nوهذا قولُ جمهورِ الأصوليين، وممَّنْ ذَهَبَ إليه: أبو حامدٍ الغزالي (^١)، والفخرُ الرازي (^٢)، والموفقُ ابنُ قدامة (^٣)، وصفيُّ الدينِ الهندي (^٤)، والطوفيُّ (^٥)، وعبدُ العزيز البخاري (^٦)، وتاجُ الدّينِ بنِ السبكي (^٧)، وبدرُ الدينِ الزركشي (^٨)، وجمالُ الدينِ الإسنوي (^٩)، ومحمدٌ البابرتيُّ (^١٠)، والمرداويُّ (^١١)، وابنُ النجارِ (^١٢).\nالقول الثاني: أنَّ معرفةَ الفروعِ الفقهيةِ شرطٌ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ.\nونُسبَ هذا القولُ إلى الأستاذِ أبي إسحاقَ (^١٣)، وأبي منصور\n_________\n(^١) انظر: المستصفى (٢/ ٣٨٨).\n(^٢) انظر: المحصول في علم أصول الفقه (٦/ ٢٥).\n(^٣) انظر: روضة الناظر (٣/ ٩٦٣).\n(^٤) انظر: نهاية الوصول (٨/ ٣٨٣١).\n(^٥) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٥٨٢).\n(^٦) انظر: كشف الأسرار (٤/ ١٦).\n(^٧) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٩٠٢).\n(^٨) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٥٥).\n(^٩) انظر: نهاية السول (٤/ ٥٥٤).\n(^١٠) انظر: التقرير لأصول فخر الإسلام (٦/ ٢٦٣).\n(^١١) انظر: التحبير (٨/ ٣٨٧٨).\n(^١٢) انظر: شرح الكوكب المنير (٤/ ٤٦٦).\n(^١٣) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٩٠٢)، والبحر المحيط (٦/ ٢٠٥)، والتحبير (٨/ ٣٨٧٨).","vol":"1","page":216},{"text":"البغدادي (^١). ونسبه ابنُ مفلحٍ إلى بعضِ الحنابلةِ، وبعضِ الشافعيةِ (^٢).\nوقد مالَ إليه: شهابُ الدينِ القرافي (^٣)، وابنُ حمدان (^٤).\nوقد أوّلَ تاجُ الدينِ بنُ السبكي قولَ أبي إسحاقَ، فقال: \"لعله أرادَ ممارسةَ الفقهِ\" (^٥).\nولم يرتضِ الزركشيُّ تاويلَ تاجِ الدينِ بنِ السبكي؛ لصراحةِ قولِ أبي إسحاقَ في اشتراطِ معرفةِ الفروعِ الفقهيةِ (^٦).\n• أدلة القولين:\nدليل أصحاب القول الأول: الفروعُ الفقهيةُ مِنْ نتاجِ الاجتهادِ، فهي مولَّدة مِن المجتهدين بعدَ حيازتهم منصبَ الاجتهادِ، ولو اشتُرِطَتْ معرفتُها في الاجتهادِ، للزم الدّورُ؛ لتوقفِ الاجتهادِ على فرعِه الذي هو الفروعُ الفقهيةُ (^٧).\nدليل أصحاب القول الثاني: لا ريبَ في أنَّ معرفةَ أصولِ الفقهِ شرطٌ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ، والفروعُ الفقهيةُ يُحتاجُ إليها في أصولِ الفقهِ في أمرين:\nالأول: تصورُها؛ لأنَّ أصولَ الفقهِ أدلةٌ مضافةٌ للفقهِ، ومعرفةُ المضافِ فرعُ معرفةِ المضافِ إليه.\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٠٥).\n(^٢) انظر: أصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٣٢).\n(^٣) انظر: نفائس الأصول (٩/ ٤٠١٧ - ٤٠١٨).\n(^٤) انظر: صفة الفتوى (ص/ ١٦).\n(^٥) الإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٣٨٧٨). وانظر: لمع اللوامع لابن رسلان، القسم الثاني (٢/ ٦١٠).\n(^٦) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٠٥).\n(^٧) انظر: المستصفى (٢/ ٣٨٨)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٢٥)، وروضة الناظر (٣/ ٩٦٣)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٥٨٢)، والإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٩٠٢)، وكشف الأسرار للبخاري (٤/ ١٦).","vol":"1","page":217},{"text":"الثاني: التمثيلُ بالفروعِ، والاستشهادُ بها، والاحتجاجُ لها، والنقضُ على الخصومِ وعلى الأدلةِ.\nفإذا كان منصبُ الاجتهادِ متوقفًا على أصولِ الفقهِ، وأصولُ الفقهِ متوقفةٌ على الفروعِ - من الوجهين المتقدمين - لَزمَ توقفُ منصبِ الاجتهادِ على الفروعِ (^١).\nويمكن مناقشة الدليل: بأنَّ ما ذُكِرَ مسلَّمٌ به؛ لكنْ لا يلزمُ منه معرفةُ الفروعِ الفقهيةِ، بلْ يكفي لتحقيقِه أمثلةٌ مِن الفروعِ على المسألةِ الأصوليةِ.\n• الموازنة والترجيح:\nيَظهرُ لي رجحانُ القولِ الأولِ القائلِ بأنَّه لا تُشترطُ معرفةُ الفروعِ الفقهيةِ؛ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ، وذلك للآتي:\nأولًا: كيفَ نجعلُ ثمرةَ الاجتهادِ، وهي: الفروعُ الفقهيةُ شرطًا لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ؟ ! فلا يكونُ مجتهدًا حتى يعرفَ الفروعَ، ولا يُولّدُ الفروعَ حتى يجتهد!\nثانيًا: تتابعُ أكثرِ الأصوليين على القولِ بعدمِ اشتراطِ معرفةِ الفروع الفقهيةِ لبلوغِ درجةِ الاجتهادِ.\nومَعَ القولِ بعدمِ الاشتراطِ، إلا أنَّ الواقعَ العلميّ يدلُّ على أنَّ العالمَ لا ينالُ منصبَ الاجتهادِ إلا بالتدرجِ في العلمِ، وممارسةِ الفقه؛ ومطالعةِ ما ولّده المجتهدون مِنْ قبلُ، ومعرفةِ مداركِهم، ومآخذِ أقوالِهم، وهذا طريقُ تحصيلِ الدّربةِ فيه، كما نبّه إلى ذلك أبو حامدٍ الغزالي (^٢).\nيقولُ ابنُ حمدان: \"وقيل: لا يُشترطُ حفظُه لفروعِ الفقهِ؛ لأنَّه فرعُ الاجتهادِ، وفيه بُعْدٌ\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: نفائس الأصول (٩/ ٤٠١٧ - ٤٠١٨).\n(^٢) انظر: المستصفى (٢/ ٣٨٨).\n(^٣) صفة الفتوى (ص / ١٦).","vol":"1","page":218},{"text":"ولعلَّ البعدَ الذي أشارَ إليه ابنُ حمدان، مِنْ جهةِ ما يشهدُ به الواقعُ العلميُّ مِنْ أنَّ نيلَ رتبةِ الاجتهادِ بالتدرجِ في الفقهِ.\nويقولُ الشيخُ محمد الخضر حسين: \"التحقيق أنَّ معرفةَ المذاهب، ودَرْسَ أحكامِ الفقهِ مربوطةٌ بأصولِها، ممَّا يخطو بالعالمِ في سبيلِ الاجتهَادِ خطوات سريعة، لولا دراسةُ الفقهِ على هذا الوجهِ، لأنْفَقَ في بلوغِها مجهودًا كبيرًا، وزمنًا طويلًا\" (^١).\n• نوع الخلاف:\nيظهرُ لي أنَّ الخلاف ليس له أثرٌ في الواقعِ العلمي؛ إذ يبعدُ أنْ يبلغَ العالمُ رتبةَ الاجتهادِ، دونَ أنْ يَسْبِقَ ذلك معرفةٌ بالفروعِ الفقهيةِ.\nفالقائلون بعدمِ اشتراطِ معرفةِ الفروعِ، كالمقرّينَ بأنَّ ممارسةَ الفقهِ أمرٌ لا بُدَّ منه للوصولِ إلى رتبةِ الاجتهادِ.\n• سبب الخلاف:\nيحتمل أنَّ سببَ الخلافِ في مسألة: (اشتراط معرفة الفروع الفقهية لبلوغ رتبة الاجتهاد)، عائدٌ إلى لزومِ الدّورِ.\nفمَنْ رأى لزومَ الدورِ مِن القولِ باشتراطِ معرفةِ الفروعِ الفقهيةِ، مَنَعَ الاشتراط، وهذا ما ذَهَبَ إليه أصحابُ القولِ الأولِ.\nومَنْ لم يرَ لزوم الدور مِن القولِ باشتراطِ معرفةِ الفروعِ الفقهيةِ، اشترط معرفتها، وهذا ما ذَهَبَ إليه أصحابُ القولِ الثاني.\nوفي ختامِ الحديثِ عن شروطِ المجتهدِ، أرى مِن المناسبِ سوق كلامٍ موجزٍ للشيخِ محمد الطاهر ابنِ عاشور، يتضمّنُ خلاصةً مفيدةً في بابِها، يقولُ: \"مرجعُ هذه الشرائطِ إلى أربعةِ أشياء:\nالأول: الإدراكُ، وإليه يرجعُ البلوغُ والعقلُ.\n_________\n(^١) رسائل الإصلاح (٢/ ١١٥).","vol":"1","page":219},{"text":"الثاني: العلمُ، وإليه يرجعُ ما اشتُرِطَ علمُه به ممَّا يفيدُه ملكةً يَفهمُ بها مقصدَ الشارعِ مِنْ أقوالِه وتصرفاتِه. وذلك بعلمِ الشريعةِ والإحاطةِ بمعظم قواعدِها، وما يعين على ذلك مِنْ علمِ اللغةِ، سواء كان ذلك اكتسابًا بممارسةِ كلامِ العربِ واستعمالِهم، أو ممارسة علومِ العربيةِ، أو كان له سجيةٌ، كعلمِ مجتهدي الصحابةِ ومَنْ يليهم.\nالثالث: الفهمُ، وهو أنْ يكون له فقهُ نفسٍ بطريقِ الفهمِ والجدلِ، وملكةٌ بها يُدركُ العلومَ النظريةَ، سواء اكتسب ذلك بممارسةِ علومِ المنطقِ والجدلِ، أم كان له فطرة في سلامةِ طبعٍ، وربّما كان التضلعُ في أساليب الاستعمالِ كافيًا عن ذلك، كما كان يكفى مجتهدي الصحابةِ ومَنْ يليهم.\nالرابع: الثقةُ في إخبارِه عمَّا بَلَغَ إليه اجتهادُه، وإليه يرجعُ شرطُ العدالةِ على القول باشتراطِها، والجمهورُ على عدمِه\" (^١).\n* * *\n_________\n(^١) التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح (٢/ ٢١٠ - ٢١١). وقد بينت وجهة نظري في اشتراط العدالة في المجتهد فيما سبق.","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>المسألة الثالثة: طرق إثبات أقوال إمام المذهب</span>\nوفيه ثمانية فروع:\nالفرع الأول: القول\nالفرع الثاني: مفهوم القول\nالفرع الثالث: الفعل\nالفرع الرابع: السكوت\nالفرع الخامس: التوقف\nالفرع السادس: القياس على قول الإمام\nالفرع السابع: لازم قول الإمام\nالفرع الثامن: ثبوت الحديث","vol":"1","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>توطئة</span>\nلقد اهتمَّ أتباعُ الأئمةِ بما جاءَ عن أئمتِهم، ونظرًا لانحصار ما جاءَ عن الأئمةِ مِنْ أقوال، ولكثرةِ النوازلِ التي تحتاجُ إلى بيانِ حكمِها - ممَّا لم يَرِدْ بشانِه نصٌّ عن الأئمةِ - فقد اتجه كثير مِن الأتباعِ إلى استخراجِ أقوالِ أئمتِهم بطرقِ متعددةٍ؛ لتفي بنوازلِ عصرِهم.\nوقد تحصَّل لديَّ مِنْ فعلِ أربابِ المذاهبِ ثمانية طوقٍ - وفي بعضِها خلافٌ - لإثباتِ قولِ الإمام، وهي:\nالطريقُ الأول: القول.\nالطريقُ الثاني: المفهوم.\nالطريقُ الثالث: الفعل.\nالطريقُ الرابع: السكوت.\nالطريقُ الخامس: التوقف.\nالطريقُ السادس: القياس على القول.\nالطريقُ السابع: لازم القول.\nالطريقُ الثامن: الحديث الصحيح.\nوسأعرضُ الطرقَ الثمانية في الفروعِ الآتيةِ:","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>الفرع الأول: القول</span>\nتشحُّ كتاباتُ الأصوليين - عدا ما دوّنه علماءُ الحنابلةِ - في الحديثِ عن هذا الفرعِ؛ ولعلَّ ذلك عائدٌ إلى أنّه لا يكادُ يختلف أحدٌ في إثباتِ مذهبِ الإمامِ عَنْ طريقِ قولِه، بلْ إنَّه الطريقُ الأصيلُ في نقلِ أقوالِ الإمامِ.\nيقولُ أبو إسحاقَ الشاطبي: \"أمَّا الفتوى بالقولِ؛ فهو الأمرُ المشهورُ، ولا كلامَ فيه\" (^١). ويقولُ تقيُّ الدِّينِ بنُ تيميةَ: \"مذاهبُ الأئمةِ تُؤْخَذُ مِنْ أقوالِهم\" (^٢).\nولم يزل الناسُ ينسبون إلى غيرِهم أقوالَهم الثابتةَ عنهم.\nوالمرادُ بالقولِ هنا: قولُ إمامِ المذهبِ الذي كتبه، أو أملاه، أو تلفَّظَ به، ونُقِلَ عنه (^٣).\nوالنظرُ إلى قولِ الإمامِ مِن جهتين:\nالجهة الأولى: ثبوتُ القولِ عن إمامِ المذهبِ.\nالجهة الثانية: دلالةُ قولِ إمام المذهبِ.\nالجهة الأولى: ثبوتُ القولِ عن إمامِ المذهبِ.\nقبلَ النظرِ في دلالةِ قولِ الإمامِ، لا بُدَّ أولًا مِن النظرِ في ثبوتِ القولِ عنه.\nتصلُ أقوالُ إمامِ المذهبِ إلينا مِنْ طريقين:\nالطريق الأول: مؤلفاتُ إمامِ المذهبِ.\n_________\n(^١) الموافقات (٥/ ٢٥٨).\n(^٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٩/ ١٥٢).\n(^٣) انظر: المسودة (٢/ ٩٤٨)، والمدخل المفصّل إلى فقه الإمام أحمد (١/ ٢٣٧).","vol":"1","page":224},{"text":"الطريق الثاني: ذِكرُ التلاميذِ قولَ إمامِ مذهبِهم، وتفسيرُهم له (^١).\nالطريق الأول: مؤلفاتُ إمامِ المذهبِ.\nيقولُ أبو الحسين البصري متحدثًا عنْ مؤلفاتِ الأئمةِ: \"أو ما يذكرُه - أيْ: المجتهد - في تصنيفِه، لأنَّ العلماءَ أجروا ما يُوْجَدُ في التصنيفِ مجرى ما يظهرُ بالقولِ في بابِ الإضافةِ إلى صاحبِ المذهبِ\" (^٢).\nويُعَدُّ هذا الطريق أفضل طريقٍ لثبوتِ رأي إمامِ المذهبِ (^٣).\nوإذا ألَّفَ إمامُ المذهب كتابًا، فإنَّ ما يذكرُه فيه مِنْ أقوالِه التي كتبها، تصحُّ نسبتها إليه، بالإجماعِ (^٤).\nوإذا أوردَ إمامُ المذهبِ قولًا في مؤلَّفِه، فهنا أربعة أنواع:\nالنوع الأول: إذا صرَّحَ إمامُ المذهبِ باختيارِ القولِ، أو ترجيحِه، أو تصحيحِه، فهذا قولُه.\nالنوع الثاني: إذا ساقَ إمامُ المذهبِ قولًا واحدًا في المسألةِ؛ فما ذكره يُعَدُّ قولًا له.\nالنوع الثالث: إذا ساقَ إمامُ المذهب أقوالًا، وأوردَ أدلتها، وأجابَ عنها، وسَلِمتْ منها أدلةُ قولٍ مِنْ تلكَ الأقوالِ، فالقولُ السالمُ مِن الاعتراضِ هو قولُه الذي يُنسبُ إليه.\nالنوع الرابع: إذا نَقَلَ إمامُ المذهبِ عن غيرِه مِن العلماءِ قولًا، فهنا تفصيلٌ، ويمكنُ ذكرٌ ثلاثِ حالاتٍ تحت النوعِ الرابع:\n_________\n(^١) انظر: مالك - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ١٨٣)، وتحرير المقال للدكتور عياض السلمي (ص/ ١٩)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٢٠٠ - ٢٠٣).\n(^٢) شرح العمد (٢/ ٣٣٤) بتصرف يسير.\n(^٣) انظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٢٠٠)، والمدخل المفصّل إلى فقه الإمام أحمد (١/ ٢٣٩).\n(^٤) انظر: المصدرين السابقين.","vol":"1","page":225},{"text":"الحالة الأولى: أنْ ينقلَه، ويختارَه، فهو قولُه، وتصحُّ نسبتُه إليه.\nالحالة الثانية: أنْ ينقلَه، وَيردَّه، فليس المنقولُ قولَه.\nالحالة الثالثة: أنْ ينقلَه دونٍ تصريحٍ باختيارٍ أو ردٍّ، فهذه الحالةُ تحتملُ صحةَ نسبةِ القولِ إليه، وعدمَها:\nفيُنظرُ في مؤلفاتِ الإمامِ الأخرى، أو فيما نقلَه عنه طلابُه، أو فيما حرره محققو مذهبه:\nفإنْ وُجِدَ فيها ما يدلُّ على اختيارِ القولِ، نُسب إليه.\nوإنْ وُجِدَ فيها ما يدلُّ على تضعيفِ القولِ، لم ينسبْ إليه (^١).\nوإنْ لم يُوجدْ على ما يُرَجّحُ أحد الاحتمالين، فإنَّه ينسبُ إليه، وهذا هو ظاهرُ إطلاقِ المرداوي؛ إذ يقولُ: \"وما دوّنه في كتبِه، ولم يَرُدّه، ولم يُفْتِ بخلافِه، فهو مذهبُه\" (^٢).\nوذَهَبَ الدكتورُ عياض السلمي إلى أنَّه مسكوتٌ عنه (^٣).\nالطريق الثاني: ذكرُ التلاميذِ قولَ إمامِ مذهبِهم، وتفسيرُهم له.\nالطريق الثاني لثبوتِ قولِ الإمامِ: ما يذكرُه تلامذتُه مِنْ أقوالِه التي قالها - إمَّا بنصِّها، وإمَّا بحكايتِها - أو إجاباتِه عن الأسئلةِ التي سُئِلَ عنها، أو تفسيرِهم لأقوالِه.\nوينقسمُ الطريقُ الثاني ثلاثةَ أقسام:\nالقسم الأول: نقلُ التلاميذِ قولَ إمامِهم.\nالقسم الثاني: حكايةُ التلاميذِ قولَ إمامِهم.\n_________\n(^١) انظر: تحرير المقال للدكتور عياض السلمي (ص/ ١٩)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٢٠٠ - ٢٠١).\n(^٢) الإنصاف (١٢/ ٢٥٠).\n(^٣) انظر: تحرير المقال (ص/ ١٩).","vol":"1","page":226},{"text":"القسم الثالث: تفسيرُ التلاميذِ قولَ إمامِهم (^١).\nالقسم الأول: نقلُ التلاميذِ قولَ إمامِهم.\nيُعدُّ نقلُ التلاميذِ قول إمامِهم مِنْ أفضلِ الطرقِ بعدَ مؤلفاتِ الإمامِ إنْ لم يكنْ أفضلها؛ لأنَّ ملازمةَ التلاميذِ لإمامِهم، وتدوينَهم ما صَدَرَ عنه مْنْ أقوالٍ وفتاوى وإجاباتٍ، تجعلُ هذا الطريقَ صحيحًا للتّعرفِ على قولِ إمامِ المذهبِ (^٢).\nويندرجُ تحتَ القسمِ الأولِ حالتان:\nالحالة الأولى: أنْ يتفقَ تلاميذُ الإمامِ على النقلِ عنه.\nالحالة الثانية: أنْ يختلفَ تلاميذ الإمامِ في النقلِ عنه.\nالحالةُ الأُولى: أنْ يتفقَ تلاميذُ الإمامِ على النقلِ عنه.\nإذا اتفقَ تلاميذُ الإمامِ على النقلِ عنْ إمامِهم دونَ اختلافٍ بينهم، فالمنقولُ قولُ الإمامِ الذي تصحُّ نسبتُه إليه (^٣)؛ وذلك لعدمِ تَطرّقِ الشكِّ إلى نقلِهم (^٤).\nولم أقفْ على مَنْ تكلَّمَ عنْ هذه المسألةِ مِن المتقدمين - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادر - ولعلَّ إغفالَهم الحديث عنها عائدٌ إلى صحةِ نسبةِ القولِ المنقولِ حينئذٍ.\nوتحسنُ الإشارةُ إلى مسألةٍ، وهي: إذا انفردَ أحدُ تلاميذِ الإمامِ بنقلِ قولِه، فهل ينسبُ القولُ إلى إمامِ المذهبِ؟\n_________\n(^١) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٩٦)، والإنصاف (١٢/ ٢٥٤)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٢٠٤)، والمدخل المفصّل إلى فقه الإمام أحمد (١/ ٢٤٠).\n(^٢) انظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٢٠٣).\n(^٣) انظر: تحرير المقال للدكتور عياض السلمي (ص/ ٢٠)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص / ٢٠٤)، والمدخل المفصّل إلى فقه الإمام أحمد (١/ ٢٣٩).\n(^٤) انظر: المصادر السابقة.","vol":"1","page":227},{"text":"في الحقيقةِ لم أقفْ على مَنْ تكلَّم عن هذه المسألةِ على وجهِ الخصوصِ - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادر - ولا يظهرُ لي مانعٌ مِنْ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ في هذه الحالةِ، إذا كان التلميذُ عدلًا، ولا سيما أنَّ علماءَ المذهبِ الحنبلي - ولهم قَصَبُ السبقِ في الحديثِ عنْ مسألةِ: (صحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ في ضوءِ ما نقله التلاميذُ) - لم يشترطوا في التلميذِ الناقلِ قول إمامِهم أنْ يوافقَه غيرُه في نقلِه.\nويمكنُ أنْ يستدلَّ على ذلك: بأنَّ قولَ النبيّ - ﷺ - يثبتُ بنقلِ الواحدِ إذا كانَ الناقلُ عدلًا، وإذا ثَبَتَ قولُ النبيّ - ﷺ -، وهو أجلُّ قدرًا مِنْ غيرِه؛ فمِنْ بابٍ أولى أنْ يثبتَ قولُ الإمامِ بنقلِ الواحدِ عنه.\nالحالة الثانية: أنْ يختلفَ تلاميذُ الإمامِ في النقلِ عنه.\nإذا نَقَلَ التلاميذُ قولَ إمامِهم، ولم يتفقوا في نقلِهم عنه، بل اختلفوا فيه، فالأمرُ في هذه الحالةِ لا يخلو مِنْ صورتين:\nالصورة الأولى: أنْ يختلفَ التلاميذُ في النقلِ عن الإمامِ، وليس أحدُهم منفردًا بالاختلافِ.\nالصورة الثانية: أنْ يختلفَ التلاميذُ في النقلِ عن الأمامِ بانفرادِ أحدِهم بالاختلافِ.\nالصورة الأولى: أنْ يختلفَ التلاميذُ في النقلِ عن الإمامِ، وليس أحدُهم منفردًا بالاختلافِ.\nإذا نَقَلَ التلاميذُ قولًا لإمامِهم، واختلفوا فيه، دونَ أنْ ينفردَ أحدُهم بالمخالفةِ، فمذهبُ الإمامِ لا يخرجُ عنْ نقلِهم.\nويبقى النظرُ في الترجيحِ بين تلك الأقوالِ؛ ليُنْسَبَ إلى الإمام واحدٌ منها (^١)، وستأتي مسالةُ: (الترجيح بين أقوال الإمام) في مطلبٍ مستقلٍّ.\n_________\n(^١) انظر: تحرير المقال للدكتور عياض السلمي (ص/ ٢٠)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٢٠٤).","vol":"1","page":228},{"text":"الصورة الثانية: أنْ يختلفَ التلاميذُ في النقلِ عن الإمامِ بانفرادِ أحدِهم بالاختلافِ.\nإذا نَقَلَ التلاميذُ قولَ الإمامِ، وانفردَ أحدُهم بنقلٍ يخالفُ ما نَقَلَه الباقون، فهلْ يُنْسَبُ قولُ المنفرِد إلى الإمامِ؟\nلقد تكلَّم علماءُ الحنابلةِ عن هذه الصورةِ، والذي تحصَّلَ لديَّ مِنْ خلالِ تأمّلِ كلامِهم فيها، أنَّ الأمرَ لا يخلو مِنْ حالتين:\nالحالة الأولى: أنْ ينفردَ التلميذُ بقولٍ عن الإمامِ، وليس للقولِ دليلٌ قوي.\nالحالة الثانية: أنْ ينفردَ التلميذُ بقولٍ عن الإمامِ، وللقولِ دليلٌ قوي.\nالحالة الأولى: أنْ ينفردَ التلميذُ بقولِ عن الإمامِ، وليس للقولِ دليلٌ قوي.\nإذا انفردَ أحدُ تلاميذِ الإمامِ بنقلٍ عنه، وليس للقولِ دليلٌ قوي، فالظاهرُ في هذه الحالةِ عدمُ صحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ.\nوهذا هو ظاهرُ مذهبِ الحنابلةِ؛ لأنَّ خلافَهم - في حالِ انفرادِ أحدِ التلاميذِ بنقلٍ عن الإمامِ مخالفًا لبقيتِهم - منصبٌّ على ما إذا كانَ هناك دليلٌ قوي (^١).\nومفهومُ هذا القيدِ: أنْ لا يُنْسَبَ القولُ إلى الإمامِ إذا لم يكنْ للقولِ المنفرد دليلٌ قويٌّ.\nالحالة الثانية: أنْ ينفردَ التلميذُ بقولٍ عن الإمامِ، وللقولِ دليلٌ قوي.\nإذا نَقَلَ تلاميذُ الإمامِ قولًا عنْ إمامِهم، وانفردَ أحدُهم بالمخالفةِ فنَقَلَ\n_________\n(^١) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٩٦)، والفروع لابن مفلح (١/ ٤٧)، والإنصاف (١٢/ ٢٤٧)، وتصحيح الفروع للمرداوي (١/ ٤٨).","vol":"1","page":229},{"text":"قولًا يخالفُ بقيتَهم، وللقولِ المنفرِدِ دليلٌ قوي، فهل تصحُّ نسبةُ القول الذي انفردَ به التلميذُ إلى إمامِه في هذه الحالةِ؟\nاختلفَ العلماءُ في صحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمام في هذه الحالةِ على قولين:\nالقول الأول: يُنْسَبُ القولُ إلى الإمامِ.\nوهذا القولُ وجهٌ عند الحنابلةِ (^١). واختاره: الحسنُ بنُ حامدٍ (^٢)، والمرداويُّ (^٣).\nالقول الثاني: لا يُنْسَبُ القولُ إلى الإمامِ.\nوهذا القولُ وجهٌ عند الحنابلة (^٤). ونَسَبَه ابنُ حمدان إلى أكثر الحنابلةِ (^٥). واختاره: الخلالُ (^٦)،\n_________\n(^١) انظر: الفروع لابن مفلح (١/ ٤٧).\n(^٢) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٩٦)، والإنصاف (١٢/ ٢٤٦). والحسن بن حامد هو: الحسن بن حامد بن علي بن مروان البغدادي، أبو عبد الله، ويعرف بالوراق، كان إمام المذهب الحنبلي في وقته، وأحد أصولي مذهبه، تولى التدريس والإفتاء، وكان يكثر من حج بيت الله الحرام، من مؤلفاته: تهذيب الأجوبة، وأصول الفقه، والجامع في المذهب، وشرح مختصر الخرقي، توفي وهو راجع من مكة سنة ٤٠٣ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (٨/ ٢٥٩)، وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٣/ ٣٠٩)، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص/ ٦٨٩)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٠٣)، والوافي بالوفيات للصفدي (١١/ ٤١٥)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (١/ ٣١٩)، والمنهج الأحمد للعليمي (٢/ ٤١٣)، والدر المنضد له (١/ ١٨٢).\n(^٣) انظر: الإنصاف (١٢/ ٢٥٠)، وتصحيح الفروع (١/ ٤٨).\n(^٤) انظر: الفروع لابن مفلح (١/ ٤٧).\n(^٥) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٩٧).\n(^٦) انظر: المصدر السابق، والإنصاف (١٢/ ٢٤٧)، وتصحيح الفروع للمرداوي (١/ ٤٨).\nوالخلال هو: أحمد بن محمد بن هارون، أبو بكر البغدادي، المعروف بالخلال، ولد سنة ٢٣٤ هـ أحد الأعلام المعروفين عند الحنابلة، حافظ فقيه، أخذ الفقه عن خلق كثير، ونقل عن الإمام أحمد بن حنبل أقوالًا كثيرة، من أقوال الخلال: \"ينبغي لأهل العلم أن يتخذوا للعلم المعرفة له، والمذاكرة به، ومع ذلك كثرة السماع، وتعاهده، والنظر\"، من مؤلفاته: الجامع، والسنة، والعلل، وأدب أحمد، توفي سنة ٣١١ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام=","vol":"1","page":230},{"text":"وغلامُه (^١).\n• أدلةُ القولين:\nأدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: أنَّ لدى المنفردِ بالنقلِ زيادةَ علمٍ على بقيةِ الناقلين، والزيادةُ مِن العدلِ مقبولةٌ في الحديثِ النبوي (^٢)، وإذا قُبِلَت الزيادةُ في الحديثِ النبوي، فقبولُها في غيرِه مِنْ بابٍ أولى (^٣).\nالدليل الثاني: أنَّ الراوي عن الإمامِ ثقةٌ، وخبيرٌ بما نَقَلَه، وهذا الوصفُ كافٍ في صحةِ نسبةِ ما نَقَلَه إلى الإمامِ (^٤).\nدليلُ أصحابِ القولِ الثاني: أنَّ نسبةَ الخطإِ إلى الواحدِ أولى مِنْ\n_________\n= للخطيب (٦/ ٣٠٠)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ١٦٠)، وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٣/ ٢٣)، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص / ٦١٨)، وسير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٩٧)، والوافي بالوفيات للصفدي (٨/ ٩٩)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (١/ ١٦٦)، والمنهج الأحمد للعليمي (٢/ ٣١٤)، وشذرات الذهب لابن العماد (٢/ ٢٦١)\n(^١) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٩٧)، والإنصاف (١٢/ ٢٤٧)، وتصحيح الفروع للمرداوي (١/ ٤٨).\nوغلام الخلال هو: عبد العزيز بن جعفر بن أحمد بن يزداد بن معروف، أبو بكر، ويعرف بغلام الخلال؛ لملازمته شيخه أحمد بن محمد الخلال، ولد سنة ٢٨٥ هـ برع في الفقه والأصول، كان ذا دين وورع، علامةً بارعًا في مذهب الإمام أحمد بن حنبل، معظمًا في النفوس، مقدمًا عند السلطان، من مؤلفاته: الشافي، والمقنع، وزاد المسافر، والخلاف مع الشافعي، توفي سنة ٣٦٣ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (١٢/ ٢٢٩)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ١٦١)، وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٣/ ٢١٣)، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص/ ٦٢٢)، وسير أعلام النبلاء (١٦/ ١٤٣)، والوافي بالوفيات للصفدي (١٨/ ٤٦٩)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ١٦٢)، والمنهج الأحمد للعليمي (٢/ ٢٧٤)، والدر المنضد له (١/ ١٧٦).\n(^٢) انظر: العدة (٣/ ١٠٠٤)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٣/ ١٥٣)، والتحبير (٥/ ٢٠٩٨).\n(^٣) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٩٦ - ٩٧)، وتصحيح الفروع للمرداوي (١/ ٤٨).\n(^٤) انظر: المصدرين السابقين.","vol":"1","page":231},{"text":"نسبتِه إلى الجماعةِ، والأصلُ في نقلِ التلاميذِ اتحادُ المجلسِ (^١).\nمناقشةُ دليلِ أصحاب القولِ الثاني: قولُكم باتحاد المجلس مجرّدُ دعوى، ليس عليها دليلٌ، بل المقامُ يحتملُ اتحادَ المجلسِ، وعدمَه، وانفرادُ التلميذِ بالنقلِ يُرجّحُ تعددَ المجلسِ، وعدمَ اتحادِه، والأصلُ في الراوي الثقةِ عدمُ الغفلةِ (^٢).\n• الموازنة والترجيح:\nبتأمّلِ القولين، وما استدلوا به، يظهرُ لي التفصيلُ الآتي:\nأولًا: إذا ظهرتْ قرينةٌ ترجِّحُ تعددَ المجلسِ، نُسِبَ نقلُ التلميذِ المنفردِ إلى الإمامِ.\nثانيًا: إذا ظهرتْ قرينةٌ تدلُّ على اتحادِ المجلسِ، لم يُنْسبْ نقلُ التلميذِ المنفردِ إلى الإمامِ؛ لترجّحِ غفلتِه حينئذٍ.\nثالثًا: إذا لم تظهر قرينةٌ مُرجحةٌ لتعددِ المجلسِ، أو اتحادِه، نُسِبَ النقلُ إلى الإمامِ، لأنَّ الأصلَ في التلميذِ أنْ يكونَ عارفًا بمعاني كلامِ إمامِه.\nرابعًا: إذا كانَ التلميذُ المنفردُ بالنقلِ كثيرَ الانفرادِ في نقلِه عنْ إمامِه، مخالفًا لما ينقلُه الباقون، فهنا يُتَوقفُ في نقلِه، فلا يُقبلُ؛ لكثرةِ مفاريدِه المخالفةِ لما ينقله البقيةُ، الموجبة للريبِ في ضبطِه وحفظِه.\nيقولُ ابنُ القيمِّ - في حديثِه عنْ تفردِ حنبلٍ (^٣) بالنقلِ عن الإمامِ\n_________\n(^١) انظر: المصدرين السابقين.\n(^٢) انظر: تصحيح الفروع للمرداوي (١/ ٤٨)، والإنصاف (١٢/ ٢٤٨).\n(^٣) هو: حنبل بن إسحاق بن حنبل الشيباني، أبو علي، ولد قبل المائتين، كان أحد الحفاظ والمحدثين، وهو ابن عم الإمام أحمد بن حنبل، وتلميذه، وأحد كبار أصحابه، وقد سمع المسند منه في بيته، قال عنه الخطيب البغدادي: \"كان ثقةً ثبتًا\"، وقال عنه الدارقطني: \"كان صدوقًا\"، وقال عنه أبو بكر الخلال: \"جاء بمسائل أجاد فيها الرواية، وأغرب بشيءٍ منها\"، من مؤلفاته: كتاب التاريخ، وكتاب الفتن، وكتاب المحنة، توفي سنة ٢٧٣ هـ وقد قارب الثمانين عامًا. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (٩/ ٢١٧)، وطبقات الفقهاء =","vol":"1","page":232},{"text":"أحمدَ -: \"فإنَّ حنبلًا تفرّدَ بها عنه - أيْ: عن الإمامِ أحمدَ - وهو كثيرُ المفاريدِ المخالفةِ للمشهورِ مِنْ مذهبِه، وإذا تفرّدَ بما يخالفُ المشهورَ: فالتحقيقُ أنَّها روايةٌ شاذةٌ مخالفةٌ لجادّةِ مذهبِه\" (^١).\nويقولُ أيضًا: \"أصحابُ أحمدَ إذا انفردَ راوٍ عنه بروايةٍ تكلموا فيها، وقالوا: تفردَ بها فلانٌ، ولا يكادون يجعلونها روايةً؛ إلا على إغماضٍ، ولا يجعلونها معارضةً لروايةِ الأكثرين عنه، وهذا موجودٌ في كتبِهم\" (^٢).\nوأمَّا القول بأنَّ انفرادَ التلميذِ بالنقلِ يُعَدُّ مِنْ قبيلِ الزيادةِ، فلا يظهرُ لي هذا الاستدلالُ؛ لأنَّ التلميذَ لم يتفردْ بزيادةٍ، وإنَّما انفردَ بنقلٍ مخالفٍ لما نَقَلَه البقيةُ، فهم يقولونَ مثلًا: قالَ الإمامُ: إنَّه حرام، وهو يقولُ: قال الإمامُ: إنَّه مباح، وهذه مخالفةُ، وليس بزيادةٍ.\n• سبب الخلاف\nيظهرُ أنَّ الخلافَ عائد إلى احتمالِ الخطأِ في نقلِ التلميذِ:\nفمَنْ رجَّحَ احتمالَ الصواب على الخطأِ في النقلِ، صحّحَ نسبةَ القولِ إلى الإمامِ، وهذا ما سارَ عليه أصَحابُ القولِ الأولِ.\nومَنْ رجّحَ احتمالَ الخطأِ، لم يُصححْ نسبةَ القولِ إلى الإمامِ، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الثاني.\nويتصلُ بالقسمِ الأولِ: (نقلُ التلاميذِ قولَ إمامِهم) مسألتانِ، وهما:\nالمسألة الأولى: إذا أجابَ إمامُ المذهبِ بآيةٍ أو حديثٍ أو بقولِ\n_________\n= للشيرازي (ص/ ١٥٩)، وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/ ٣٨٣)، وطبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي (٢/ ٣٠٠)، وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٥١)، والوافي بالوفيات للصفدي (٤/ ٢٩٦)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (١/ ٣٦٥)، والمنهج الأحمد للعليمي (١/ ٢٦٤)، والدر المنضد له (١/ ٦٣).\n(^١) مختصر الصواعق المرسلة (٣/ ١٢٣٥) تصرف.\n(^٢) الفروسية المحمدية (ص/ ٢٢٣).","vol":"1","page":233},{"text":"صحابيٍّ، فهل يُنسب إليه ما أورده في جوابِه؟\nالمسألة الثانية: إذا سُئِلَ إمامُ المذهبِ، فأجابَ بقولِ فقيهٍ، فهل يُنسب إليه ما أورده في جوابِه؟\nالمسألة الأولى: إذا أجابَ إمامُ المذهبِ بآيةٍ أو حديثٍ أو بقولِ صحابيٍّ، فهل ينسبُ إليه ما أورده في جوابِه؟\nيمكنُ تفصيلُ الحديثِ في هذه المسألةِ على النحو الآتي:\nأولًا: إذا أجابَ إمامُ المذهبِ بآيةٍ مِن القرآنِ الكريمِ.\nإذا سُئِلَ إمامُ المذهبِ عن مسألةٍ ما، فأجابَ عن السؤالِ بتلاوةِ آيةٍ، كان قولُه في المسألة هو ما دلّتْ عليه الآيةُ.\nوهذا هو مذهبُ الحنابلةِ (^١).\nالأدلةُ على اعتبارِ قولِ الأمامِ ما دلَّتْ عليه الآيةُ:\nالدليل الأول: أنَّ الإجابةَ بالآيةِ الكريمةِ، وجعلَها بمنزلةِ القولِ والبيانِ، هو منهجُ النبي - ﷺ - (^٢)، ويشهدُ لذلك عدّةُ وقائع، منها:\nالأولى: حادثةُ اللعانِ (^٣)، لمَّا جاءَ إلى النبي - ﷺ - الرجلُ يقذفُ زوجتَه، فقالَ له النبيُّ - ﷺ -: (البينةُ، وإلا حدٌّ في ظهرِك). فأنزَلَ الله آيةَ اللعانِ، فدعاه النبيُّ - ﷺ -، فَقَرَأَ عليه الآية (^٤).\nالثانية: قصةُ المجادلةِ، لمَّا جاءت المرأةُ إلى النبي - ﷺ -، تخبرُه أنَّ\n_________\n(^١) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٣٢١)، وصفة الفتوى (ص/ ٩٧).\n(^٢) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٣٢٤ - ٣٢٨).\n(^٣) اللعان: شهادات مؤكدات بأيمان من الزوجين، مقرونة باللعن والغضب، قائمة مقام حد قذف في جانب الزوج، وحد زنا في جانب الزوجة. انظر: عقد الجواهر الثمينة لابن شاس (٢/ ٥٥١)، والمبدع لابن مفلح (٨/ ٧٣)، والتوضيح للشويكي (٣/ ١٠٩١).\n(^٤) أخرج الحديث: البخاريُّ في: صحيحه، كتاب: الشهادات، باب: إذا ادعى أو قذف (ص/ ٥٠٨)، برقم (٢٦٧١) من حديث ابن عباس، - ﵄ -.","vol":"1","page":234},{"text":"زوجَها قد ظاهرَ (^١) منها، فأنزلَ الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (^٢) .. فدعاها النبيُّ - ﷺ -، وزوجَها، فَقَرَأَ عليهما الآيةَ (^٣).\nالدليل الثاني: إذا سُئِلَ إمامُ المذهبِ عن مسألةٍ، فإنَّ الجوابَ متعيّنٌ عليه، فإذا تلا الآيةَ، كان جوابُه بتلاويها بيانًا لحكمِ المسؤول عنه (^٤).\nثانيًا: إذا أجابَ إمامُ المذهبِ بالحديثِ النبوي.\nإذا أجابَ إمامُ المذهبِ بالحديثِ النبوي، كان قولُه في هذه الحالةِ\n_________\n(^١) الظهار: أنَّ يشبه الرجلُ امرأتَه - أو عضوًا منها - بظهر من تحرم عليه على التابيد. انظر: عقد الجواهر الثمينة لابن شاس (٢/ ٥٦٤)، ومنهاج الطالبين للنووي (٢/ ٥٧٧)، والدر النقي لابن المبرد (٣/ ٦٨٩)، والتوضيح للشويكي (٣/ ١٠٨١).\n(^٢) من الآية رقم (١) من سورة المجادلة.\n(^٣) جاء الحديث من طريق خويلة بنت مالك - ﵄ - في حديث طويل، وأخرجه: أبو داود في:\nسننه، كتاب: الطلاق، باب: الظهار (ص/ ٣٣٦)، برقم (٢٢١٤)؛ وابن الجارود في: المنتقى، باب: في الظهار (٣/ ٦٥)، برقم (٧٤٦)؛ والطبراني في: المعجم الكبير (١/ ٢٢٥)، برقم (٦١٦)؛ والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: الظهار، باب: من له الكفارة بالصيام (٧/ ٣٨٩).\nوصحح الحديثَ ابنُ حبان، كما نقله عنه ابن حجر في: فتح الباري (١٣/ ٣٧٤).\nوجاء الحديث من حديث عائشة ﵂، ولفظه: (الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت خولة إلى رسول الله - ﷺ - تشكو زوجها، فكان يخفى عليَّ كلامها، فأنزل الله ﷿: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾) [من الآية (١) من سورة المجادلة]، وأخرجه: البخاري معلقًا في: صحيحه، كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [من الآية ١٣٤ من سورة النساء]؛ والنسائي في: المجتبى، كتاب: الطلاق، باب: الظهار (ص/ ٥٣٦)، برقم (٣٤٦٠)؛ وابن ماجه في: سننه، كتاب: الطلاق، باب: الظهار (ص/ ٣٥٦)، برقم (٢٠٦٣)؛ وأحمد في: المسند (٤٠/ ٢٢٨)، برقم (٢٤٢٩٥)؛ وابن جرير في: جامع البيان (٢٢/ ٤٥٤)؛ والحاكم في: المستدرك، كتاب: التفسير، تفسير سورة المجادلة (٢/ ٦٠١)، برقم (٣٧٩١)، وصححه، وواففه الذهبي؛ والبيهقي في: معرفة السنن والآثار (١١/ ١١٥)، برقم (١٤٩٦٩)؛ وفي: الأسماء والصفات (٢/ ٥٠١)، برقم (٣٩١).\nوقال ابن حجر في: فتح الباري (١٣/ ٣٧٤) عن حديث عائشة - ﵂ -: \"هذا أصح ما ورد في قصة المجادلة، وتسميتها\".\nوصحح الألبانيُّ في: إرواء الغليل (٧/ ١٧٥) الحديثَ بشواهده.\n(^٤) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٣٢٤).","vol":"1","page":235},{"text":"هو ما دلّ عليه الحديثُ.\nوهذا مذهبُ الحنابلةِ (^١)، يقولُ الحسنُ بنُ حامدٍ: \"هذا مذهبُ أصحابِنا كافّةً، لا أعلمُ بينهم فيه خلافًا\" (^٢).\nأمثلة للإجابة بالحديثِ النبوي:\nالمثال الأول: قال أبو الحارث (^٣): قلتُ لأبي عبدِ الله أحمدَ بن حنبل: صدقةُ الخيلِ والرقيقِ؟ فقال: حديثُ النبيّ - ﷺ -: (ليس على الرجلِ في عبدِه، ولا فرسِه صدقةٌ) (^٤).\nالمثال الثاني: قال الأثرمُ (^٥): قلتُ للإمامِ أحمدَ: الرجلُ انقطعَ\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (١/ ٣٤٣)، والمسودة (١/ ٩٤٤)، وصفة الفتوى (ص/ ٩٧)، والإنصاف (١٢/ ٢٥٠).\n(^٢) تهذيب الأجوبة (١/ ٣٤١).\n(^٣) هو: أحمد بن محمد بن عبد الله الصائغ، أبو الحارث، من أصحاب الإمام أحمد بن حنبل، وكان الإمام أحمد يأنس به، ويكرمه ويقدمه، وكان عنده بموضع جليل، وقد روى أبو الحارث مسائل كثيرة عن الإمام أحمد، وجودها. انظر ترجمته في: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/ ١٧٧)، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص/ ١٢٧)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (١/ ١٦٣)، والمنهج الأحمد للعليمي (١/ ٢٦٣)، والدر المنضد له (١/ ٧٣).\n(^٤) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٣٣٤). وأخرج الحديثَ بهذا اللفظ: مسلم في: صحيحه، كتاب: الزكاة، باب: لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه (١/ ٤٣٦)، برقم (٩٨٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٥) هو: أحمد بن محمد بن هانئ الطائي - ويقال: الكلبي - الأثرم الإسكافي، أبو بكر، ولد في خلافة هارون الرشيد، كان أحد الحفاظ في وقته، إمامًا فقيهًا، جليل القدر، كان عنده تيقظ عجيب، حتى إن يحيى بن معين قال عنه: \"إن أحد أبويه جني! \"، وقد لزم الأثرمُ الإمامَ أحمد، وروى عنه، يقول الأثرم: \"كنت أحفظ الفقه والاختلاف، فلما صحبت أحمد بن حنبل تركتُ ذلك كله\"، من مؤلفاته: السنن، والتخريج والعلل، والناسخ والمنسوخ، توفي بإسكاف في حدود سنة ٢٦٠ هـ وكان من المعمرين. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (٦/ ٢٩٥)، وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/ ١٦٢)، وتهذيب الكمال للمزي (١/ ٤٧٦)، وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٦٢٣)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (١/ ١٦١)، والمنهج الأحمد للعليمي (١/ ٢٤٠)، والدر المنضد له (١/ ٦٠).","vol":"1","page":236},{"text":"شسعُ (^١) نعلِه، أيمشي في الأخرى؟ فقال: لا؟ حديث النبيّ - ﷺ -: (إذا انقطعَ شسعُ أحدِكم فلا يمشِ في الأخرى حتى يصلحها) (^٢).\nالأدلةُ على اعتبارِ قولِ الإمامِ ما دلَّ عليه الحديثُ النبوي:\nالدليل الأول: أنَّ الجوابَ بالحديثِ كالجوابِ بالآيةِ؛ لأنَّ كلًّا منهما حجةٌ، وتصحُّ نسبةُ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على إجابتِه بالآيةِ - كما تقدمَ قبل قليلٍ - فكذلك إجابتُه بالحديثِ النبوي (^٣).\nالدليل الثاني: أنَّ مِنْ نهجِ الصحابةِ - ﵃ - الإفتاءَ والجوابَ بالحديثِ النبوي (^٤)، فمِنْ ذلك:\nأولًا: في حادثةِ قتالِ مانعي الزكاةِ الذين قاتلهم أبو بكر الصديق - ﵃ - قال له عمرُ بن الخطاب - ﵁ - كيفَ تقاتلُ، وقد قال - ﷺ -: (أُمرتُ أنْ أقاتلَ الناسَ حتى يقولوا: لا إله إلا الله)؟ (^٥).\n_________\n(^١) الشسع: أحد سيور النعال، وهو الذي يدخل بين الأصبعين، ويدخل طرفه في الثقب الذي في صدر النعل المشدود في الزمام، والزمام هو السير الذي يعقد فيه الشسع. انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١٤/ ٧٤)، والصحاح، مادة: (شسع)، (٣/ ١٢٣٧)، والقاموس المحيط، مادة: (شسع)، (ص/ ٩٤٧).\n(^٢) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٣٣٣ - ٣٣٤).\nولعل لفظة: \"لا\" الواردة في كلام الإمام أحمد من إضافة الناسخ لتهذيب الأجوبة؛ لأنه بإثباتها يصبح إيراد الحديث من باب الاستدلال، ونسبة الوهم إلى الناسخ أولى من نسبته إلى ابن حامد، لا سيما والكاب مطبوع عن نسخة واحدة.\nوأخرج الحديث: مسلم في: صحيحه، كتاب: اللباس والزينة، باب: إذا انتعل فليبدأ باليمن، (٢/ ١٠٠٨)، برقم (٢٠٩٨) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٣) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٣٤١).\n(^٤) انظر: المصدر السابق.\n(^٥) أخرج الحديث: البخاري في: صحيحه، كتاب: الإيمان، باب: فإن تابوا وأقاموا الصلاة (ص/ ٢٨)، برقم (٢٥) من حديث ابن عمر - ﵄ -؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله (١/ ٣١)، برقم (٣٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":237},{"text":"ثانيًا: لما اختلفَ الصحابة - ﵃ - في مسألةِ: (إيجاب الغسلِ بالإيلاجِ دونَ إنزالٍ)، وسالَ الصحابةُ - ﵃ - عائشةَ - ﵂ -، فقالتْ: علىَ الخبيرِ سقطت، قالَ - ﷺ -: (إذا جَلَسَ بين شعبِها الأربع، ومسَّ الختانُ الختانَ، فقد وَجَبَ الغُسلُ) (^١).\nالدليل الثالث: أنَّ إجابةَ إمامِ المذهب بالحديثِ إعلامٌ وبيانٌ أنَّ مدلولَ الحديثِ قولُه، ولو لم يتبيّنْ له مدلولُ الحَديثِ، لما أجابَ به (^٢).\nيبقى أنْ أقولَ: إنَّ ابنَ حامدٍ (ت: ٤٠٣ هـ) أشارَ إلى قولٍ آخر في المسألةِ، وهو عدمُ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ، وقد وَصَفَه بأنَّه شذوذٌ مِنْ بعضِ المتأخرين (^٣).\nثالثًا: إذا أجابَ إمامُ المذهبِ بقول صحابي.\nإذا أجابَ الإمامُ بقولِ صحابي، فقوله كقولِ الصحابي الذي ذكره في جوابِه (^٤).\nأمثلةُ للإجابةِ بقولِ الصحابي:\nالمثال الأول: قالَ المرّوذيُّ (^٥): قلتُ للإمامِ أحمدَ: يُؤَذّنُ وهو قاعدٌ؟\n_________\n(^١) أخرج الحديث - بهذا اللفظ -: مسلمٌ في: صحيحه، كتاب: الحيض، باب: نسخ الماء من الماء ووجوب الغسل بالتقاء الختانين (١/ ١٦٧)، برقم (٣٤٩).\n(^٢) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٣٤٣).\n(^٣) انظر: المصدر السابق.\n(^٤) انظر: المصدر السابق (١/ ٣٥٥)، وصفة الفتوى (ص/ ٩٧)، والمسودة (٢/ ٩٤٤)، والإنصاف (١٢/ ٢٥٠).\n(^٥) هو: أحمد بن محمد بن الحجاج بن عبد العزيز، المروذي أبو بكر، كانت أمه مروذية، وأبوه خوارزميًا، من أشهر أصحاب الإمام أحمد، وهو المقدَّم منهم؛ لورعه وفضله، وكان الإمام أحمد يأنس به، وينبسط إليه، وقد لزم الإمامَ أحمد إلى أنْ مات، وقد تولى إغماض عين الإمام أحمد، وغسله، وقد حمل الأثرم عنه علمًا كثيرًا، وروى عنه مسائل كثيرة، وروى عنه كتاب الورع، توفي سنة ٢٧٥ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (٦/ ١٠٤)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ١٥٩)، والطبقات لابن أبي يعلى (١/ ١٣٧)، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص/ ٦١١)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (١/ ١٥٦)، والمنهج الأحمد للعليمي (١/ ٢٧٢)، والدر المنضد له (١/ ٦٣).","vol":"1","page":238},{"text":"قالَ: \"قد رُويَ عنْ رجلٍ مِنْ أصحابِ النبي - ﷺ -\" (^١).\nالمثال الثاني: قالَ صالح بنُ أحمدَ (^٢): قلتُ لأبي: صلاةُ الجماعةِ؟ فقالَ: أخشى أنْ تكونَ فريضةٌ، ولو ذَهَبَ الناسُ يجلسون عنها، لتعطلت المساجدُ، ويروى عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ: (مَنْ سمعَ النداءَ فلم يجبْ، فلا صلاة له) (^٣).\n_________\n(^١) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٣٥٢). وجاء أنَّ أبا زيد - ﵁ - صاحب رسول الله - ﷺ - وكانت رجله أصيبت في سبيل الله - يؤذن وهو قاعد، وأخرجه: ابن سعد في: الطبقات الكبرى (٧/ ٢٧)؛ وابن أبي شيبة في: المصنف، كتاب: الأذان، باب: في الرجل يؤذن وهو جالس (٢/ ٣٤٠)، يرقم (٢٢٣٠).\nوجاء في أثر آخر: عن الحسن بن محمد قال: دخلت على أبي زيد الأنصاري، فأذَّن وأقام، وهو جالس، وأخرجه: البيهقيُّ في: السنن الكبرى، كتاب: الصلاة، باب: الآذان راكبًا وجالسًا (١/ ٣٩٢).\nوقال الألبانيُّ في: إرواء الغليل (١/ ٢٤٢) عن إسناد البيهقي: \"هذا إسنادٌ حسنٌ - إن شاء الله تعالى - رجاله كلهم ثقات معروفون، غير الحسن بن محمد، وهو العبدري ... ارتفعت جهالة عينه، وذكره ابن حبان في: الثقات (١/ ١٥)، وهو تابعي، وقد روى أمرًا شاهده، فالنفس تطمئن إلى مثل هذه الرواية\".\n(^٢) هو: صالح بن الإمام أحمد بن حنبل، أبو الفضل، ولد سنة ٢٠٣ هـ أكبر أبناء الإمام أحمد، وكان الإمام أحمد معتنيًا بتنشئته، محبًا له، وكان صالح ثقةً صدوقًا، فقيهًا محدثًا، كريمًا سخي النفس، وقد تولى قضاء أصبهان، وسمع من أبيه مسائل كثيرة، من مؤلفاته: مسائل الإمام أحمد، توفي سنة ٢٦٦ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (١٠/ ٤٣٣)، وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/ ٤٦٢)، وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٢٩)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (١/ ٤٤٤)، والمنهج الأحمد للعليمي (١/ ٢٥١)، والدر المنضد له (١/ ٦١)، وشذرات الذهب لابن العماد (٢/ ١٤٩).\n(^٣) انظر: مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح (٢/ ٣٤)، وتهذيب الأجوبة (١/ ٣٤٦).\nوجاء أثر علي بن أبي طالب - ﵁ - بلفظ: (من سمع النداء فلم يأته لم تجاوز صلاته رأسه إلا من عذر)، وأخرجه: عبد الرزاق في: المصنف، كتاب: الصلاة، باب: من سمع النداء (١/ ٤٩٧)، برقم (١٩١٤)؛ وسعيد بن منصور في: السنن، كما ذكره ابن القيم في كتابه: الصلاة (ص/ ١٢٦)؛ وابن أبي شيبة في: المصنف، كتاب: الصلاة، باب: من قال: إذا سمع المنادي فلم يجب (٣/ ١٩٥)، برقم (٣٤٨٨)؛ وأحمد كما في: مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح (٢/ ٣٥ - ٣٦)، برقم (٥٧٥)؛ وابن المنذر في: الأوسط (٤/ ١٣٦)، برقم (١٩٠١).=","vol":"1","page":239},{"text":"الأدلةُ على اعتبارِ إجابةِ إمامِ المذهبِ بقولِ الصحابي أنَّها قولُه:\nالدليل الأول: أنَّ مقامَ الجوابِ مقامُ بيانٍ، ولا يَسَعُ إمام المذهبِ أنْ يجيبَ إلا بقولِه، ولا يفتي إلا بما يصحُّ له، إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ إجابةَ إمامِ المذهبِ بقولِ الصحابي بيانٌ مِنْه للحُكم، وظاهرُه أنَّه موافقٌ للصحابي الذي أوردَ قولَه (^١).\n_________\n= وفي إسناد سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة وأحمد: الحسنُ البصري، وقد عنعنه.\nوجاء أثر علي - ﵁ - بلفظ: (لاصلاة لجار المسجد إلا في المسجد)، قيل له: ومن جار المسجد؟ قال: (من أسمعه المنادي)، وأخرجه: عبد الرزاق في: المصنف، الموضع السابق (١/ ٤٩٧)، برقم (١٩١٥)؛ وابن أبي شيبة في: المصنف، الموضع السابق (٣/ ١٩٥ - ١٩٦)، برقم (٣٤٨٨)؛ وأحمد كما في: مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح (٢/ ٣٤)، برقم (٥٧٤)؛ وابن المنذر في: الأوسط (٤/ ١٣٧)، برقم (١٩٠٧)؛ والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في التشديد في ترك الجماعة من غير عذر (٣/ ٥٧)، وباب: وجوب الجمعة (٣/ ١٧٤).\nوصحح إسنادَ هذا الأثر: ابن حزم - كما نقله الزيلعي في: تخريج أحاديث الكشاف (١/ ٨٩)، وابنُ حجر في: الكافي الشافي (١/ ٣٣٠).\nولفظ أثر عبد الله بن مسعود - ﵁ -: (من سمع المنادي، ثم لم يجب من غير عذر، فلا صلاة له)، وأخرجه: ابن أبي شيبة في: المصنف، الموضع السابق (٣/ ١٩٤)، برقم (٣٤٨٦)؛ وأحمد كما في: مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح (٢/ ٣٦ - ٣٧)، برقم (٥٧٧)؛ وابن المنذر في: الأوسط (٤/ ١٣٦)، برقم (١٩٠٢).\nوقال محقق كتاب مسائل الإمام أحمد لصالح (٢/ ٣٧)، حاشية (٣): \"وفي إسناده أبو موسى الهلالي، وهو مقبول، يعني: عند المتابعة، وهي لم توجد فيما أعلم\".\nولفظ أثر ابن عباس ﵄: (سمع المنادي، ثم لم يجب من غير عذر، فلا صلاة له)، وقد روي عنه مرفوعًا، وموقوفًا عليه، وأخرج الموقوف: عبد الرزاق في: المصنف، الموضع السابق (١/ ٤٩٧)، برقم (١٩١٤)؛ وابن أبي شيبة في: المصنف، الموضع السابق (٣/ ١٩٤)، برقم (٣٤٨٣)؛ وأحمد كما في: مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح (٢/ ٣٨)، برقم (٥٧٩)؛ وابن المنذر في: الأوسط (٤/ ١٣٦)، برقم (١٨٩٩)؛ والطبراني في: المعجم الكبير (١٢/ ١٥)، برقم (١٢٣٤٤)؛ والبيهقي في: السنن الكبرى، في: الموضعين السابقين، وصحح وقفه.\nوذكر السيوطيُّ في: الدر المنثور (٧/ ٢٥٨) أنَّ ابن مردوية أخرج أثر ابن عباس.\nوصحح عبدُ الحق الإشبيلي في: الأحكام الوسطى (١/ ٢٧٤) أثرَ ابن عباس ﵄.\nوانظر: المحلى لابن حزم (٤/ ٢٧٥).\n(^١) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٣٥٥).","vol":"1","page":240},{"text":"الدليل الثاني: أنَّ الجوابَ بقولِ الصحابي كالجواب بالآيةِ والحديثِ؛ لأنَّ كلًّا منها حجةٌ، وتصحُّ نسبةُ القولِ إلى الإمامِ بناءً على إجابتِه بالآيةِ والحديثِ - كما تقدم - فكذلك إجابتُه بقولِ الصحابي.\nالمسألة الثانية: إذا سُئِلَ إمام المذهب، فأجاب بقول فقيه، فهل يُنسب إليه ما أورده في جوابِه؟\n• تحرير محل النزاع:\nأولًا: إذا صرَّحَ إمامُ المذهب في جوابِه باختيارِ القولِ، أو إذا اقترنَت بجوابِه قرينةٌ دالةٌ على موافقتِه له: نَسِبَ القولُ إليه.\nثانيًا: إذا صرَّحَ إمامُ المذهب في جوابِه بردِّ القولِ، أو إذا اقترنَت بجوابِه قرينةٌ دالةٌ على ردَّه له: لم يُنسَب القولُ إليه.\nثالثًا: إذا تجرّدَ جوابُ إمامِ المذهب عنْ تصريحٍ باختيارِ القول أو ردِّه، وعن قرينةٍ دالةٍ على موافقتِه، أو ردَّه لَما حكاه، فهذا محلُّ النزاعِ (^١).\n• الأقوال في المسالة:\nاختلفُ العلماءُ في نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ على قولين:\nالقول الأول: يُنْسَبُ القولُ إلى إمامِ المذهبِ.\nوهذا القولُ وجةٌ عند الحنابلةِ (^٢). واختاره: ابن حامدٍ (^٣)، والمرداويُّ (^٤).\nالقول الثاني: لا يُنْسَبُ القولُ إلى إمامِ المذهبِ، وإنَّما يُنسبُ إليه أنَّه أَخبَرَ عن غيرِه.\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (١/ ٥٢٢).\n(^٢) انظر: صفة الفتوى (ص / ١٠١)، والمسودة (٢/ ٩٤٦)، والفروع لابن مفلح (١/ ٤٧)، وتصحيح الفروع للمرداوي (١/ ٤٧).\n(^٣) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٥٢٢).\n(^٤) انظر: تصحيح الفروع للمرداوي (١/ ٤٧).","vol":"1","page":241},{"text":"وهذا القول وجهٌ عند الحنابلةِ (^١). ونَسَبَه ابنُ حامدٍ إلى بعض الحنابلة (^٢). واختاره: ابنُ حمدان (^٣).\n• أدلة القولين:\nأدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: أنَّ السؤالَ يقتضي جوابًا مِن المسؤولِ، ومتى ما صَدَرَ جوابٌ مِن الإمامِ - سواءٌ أكان آيةً أم حديثًا أم قولَ فقيهٍ - فإنَّه يُنسبُ إليه؛ إذْ لو لم يُنْسب القولُ إليه، لما عُدَّ مجيبًا عن السائلِ، ولَمَا اقتصرَ في الجوابِ عليه (^٤).\nالدليل الثاني: تواترَ عن الإمامِ أحمدَ نهيُه عن التقليدِ (^٥)، فيَتَعيَّنُ حملُ ما جاءَ عنه في إجاباتِه بأقوالِ الفقهاءِ على أنَّه أفتى بقولِ الفقيهِ، وذَكَرَ الإمامُ قولَه؛ لموافقتِه له (^٦).\nالدليل الثالث: لا تخلو إجابةُ إمامِ المذهبِ بقولِ الفقيه مِنْ ثلاثِ حالاتٍ:\nالحالة الأولى: أنْ يحكي إمامُ المذهبِ الإجابةَ، ويرى صحتها.\nالحالة الثانية: أنْ يحكي إمامُ المذهبِ الإجابةَ، ويرى فسادَها.\nالحالة الثالث: أنْ يحكي إمامُ المذهب الإجابةَ، ولا يعلم صحتها، ولا فسادَها.\n_________\n(^١) انظر: صفة الفتوى (ص/ ١٠١)، والمسودة (٢/ ٩٤٦)، والفروع لابن مفلح (١/ ٤٧)، وتصحيح الفروع للمرداوي (١/ ٤٧).\n(^٢) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٥٢٥).\n(^٣) انظر: صفة الفتوى (ص/ ١٠١).\n(^٤) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٥٢٧ - ٥٢٨)، وصفة الفتوى (ص/ ١٠١).\n(^٥) انظر أقوال الإمام أحمد في: مسائل أحمد رواية أبي داود (ص/ ٢٧٧)، وإعلام الموقعين (٣/ ٤٦٩).\n(^٦) انظر: تصحيح الفروع للمرداوي (١١/ ٤٧).","vol":"1","page":242},{"text":"فالحالة الثانية: (أنْ يحكي إمامُ المذهبِ الإجابةَ، ويرى فسادَها) باطلةٌ؛ لوجهين:\nالوجه الأول: أنَّ المذهبَ الفاسدَ لا تجوزُ حكايتُه عن أحدٍ، ولا إنشاؤه ابتداءً.\nالوجه الثاني: أنَّ الواجبَ على الحاكي، حين يَرَى فسادَ القولِ أنْ لا يسكتَ عن بيانِ بطلانِه.\nوالحالة الثالثة: (أنْ يحكي إمامُ المذهب الإجابةَ، ولا يعلم صحتها، ولا فسادها) باطلةٌ أيضًا؛ لأنَّ الجوابَ إنَّما يكون عن علمٍ، ولا يجوزُ أنْ يجيبَ بشيءٍ لا يَعْلمُ صحتَه ولا فسادَه.\nفإذا بَطَلَت الحالتانِ: الثانية والثالثة، لم تبقَ إلا الحالةُ الأولى: (أنْ يحكي إمامُ المذهبِ الإجابةَ، ويرى صحتها)، وهذا هو المطلوبُ (^١).\nأدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: قد يحكي إمامُ المذهبِ في بعض إجاباته قولَ فقيهٍ، ثمَّ في موضعٍ آخر يذهبُ إلى غيرِ القول الذي حكاه (^٢)، وقد وَقَعَ هذا الأمرُ للإمامِ أحمدَ بن حنبل، فمن ذلك: أنَّ الإمامَ أحمدَ سُئِلَ عمَّنْ نسي مسحَ رأسِه، أيجزئه بلَلُ لحيتِه؟ فقالَ: \"قد قالَ بذلك قومٌ\".\nوليس هذا مذهب الإمامِ أحمدَ (^٣).\nمناقشة الدليل الأول: إن ما يذكره الإمامُ عن غيرِه منسوبٌ إليه، إلا إذا جاءَ موجبٌ ينقلنا عن جوابِه بمقالةِ غيرِه.\nوأمَّا ما ذكرتموه في دليلِكم عن الإمامِ أحمد، فقد جاءَ عنه ما ينقلُ\n_________\n(^١) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٥٢٨ - ٥٢٩).\n(^٢) انظر: صفة القوى (ص / ١٠١).\n(^٣) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٥٢٦)، والمغني لابن قدامة (١/ ١٨)، والإنصاف (١/ ٣٥).","vol":"1","page":243},{"text":"عنْ جوابِه بقولِ الفقيه، ونحنُ لا ننكرُ أنَّ ما حكاه عن غيرِه قد ينتقلُ عنه إلى قولٍ آخر، فإذا وُجِدَت حكايةٌ خالفَها قولٌ، صرنا إلى القولِ (^١).\nالدليل الثاني: إذا أجابَ الإمامُ بأنَّ الناسَ اختلفوا في المسألةِ، فمِنْ غيِر الممكنِ جعل الاختلافِ قولَه، فكذلك إذا أجابَ بقولِ فقيهٍ، لا نجعلُ الجوابَ قولَه (^٢).\nمناقشة الدليل الثاني: هناك فرقٌ بين إجابةِ الإمام باختلافِ الناسِ، وإجابتِه بقولِ فقيهٍ؛ لأنَّ في إجابتِه باختلافِ الناسِ دليلًا على توقّفِه وعدم جزمِه برأي محددٍ، بخلافِ إجابتِه بقولِ فقيهٍ واحدٍ؛ إذ في اقتصارِه عليه دليلٌ على جزمِه بالقولِ (^٣).\n• الموازنة والترجيح:\nمِنْ خلالِ تأمّلِ القولين، وما استدلا به، يظهرُ لي رجحانُ القولِ الأولِ القائلِ بنسبةِ القولِ إلى الإمامِ إذا أجابَ بقولِ فقيهٍ، وذلك للآتي:\nأولًا: الأصلُ نسبةُ الأقوال التي تصدرُ عنْ إمامِ المذهبِ إليه، وحينَ يذكرُ الإمامُ رأيَ فقيهٍ، فالظاهرُ رجحانُه عنده.\nثانيًا: جاءَ عن الأئمةِ نهيُهم عن التقليدِ، والأخذِ برأي الرجالِ، فلو حملنا ما يذكرُه الإمامُ في إجابته بقولِ الفقيهِ على عدمِ اختيارِه، لارتكبَ ما نهى الناسَ عنه، فيتعيّنُ حملُه على أنَّه اختارَ هذا القولَ.\n• سبب الخلاف:\nيظهرُ أنَّ الخلافَ عائدٌ إلى ترجّح احتمالِ موافقةِ الإمام لقولِ الفقيهِ مِنْ عدمِها:\n_________\n(^١) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٥٣٠ - ٥٣٣).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (١/ ٥٢٦ - ٥٢٧).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (١/ ٥٣٣).","vol":"1","page":244},{"text":"فمَنْ رأى أنَّ إجابةَ الإمامِ بقولِ فقيهٍ، واقتصاره عليه، قرينةٌ ترجحُ جانبَ الموافقةِ، ذَهَبَ إلى صحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ، وهذا ما سارَ عليه أربابُ القولِ الأولِ.\nومَنْ رأى أن إجابةَ الإمامِ بقولِ فقيهٍ، واقتصاره عليه، ليس بقرينةٍ، لم يُرجّحْ جانبَ الموافقةِ، وقال بعدمِ صحةِ نسبةِ قولِ الفقيهِ إلى الإمامِ، وهذا ما سارَ عليه أربابُ القولِ الثاني.\nالقسم الثاني: حكايةُ التلاميذِ رأيَ إمامِهم.\nإذا أخبرَ التلميذُ برأي إمامِه، وحكاه عنه لا بنصِّه، ولكن بمعناه، فهل تُعَدُّ هذه الحكاية بمنزلةِ قولِ الإمامِ نفسِه؟\nاختلفَ العلماءُ في هذه المسألةِ على قولين:\nالقول الأول: أن حكايةَ التلميذِ مقبولة، وتكون كنصِّ الإمامِ، وينسبُ القولُ إليه.\nهذا القولُ وجهٌ عند الحنابلةِ (^١). واختاره جمعٌ مِنْ أهلِ العلم، منهم: ابنُ حامدٍ (^٢)، وابنُ مفلحٍ (^٣). وهو قياسُ قولِ أبي القاسم الخرقي (^٤).\n_________\n(^١) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٩٦)، والإنصاف (١٢/ ٢٥٤).\n(^٢) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٤٠٢).\n(^٣) انظر: الفروع (١/ ٤٧).\n(^٤) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٤٠٨)، وصفة الفتوى (ص/ ٩٦)، والإنصاف (١٢/ ٢٥٥).\nوأبو القاسم الخرقي هو: عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد الخرقي، أبو القاسم، ولد ببغداد، أحد أعيان الحنابلة في وقته، كان بارعًا في الفقه، ذا دين وورع، صنف تصانيف عدة، واحترقت ما عدا مختصره الفقهي المشهور، وقد أخذ العلمَ عن أبي بكر المروذي، وحرب الكرماني، وصالح وعبد الله ابني الإمام أحمد، من مؤلفاته: المختصر في الفقه، توفي سنة ٣٣٤ هـ بسبب أنه أنكر منكرًا بدمشق، فضُرِب، فكان موته بذلك. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (١٣/ ٨٧)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ١٦١)، والأنساب للسمعاني (٥/ ٩٧)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٤٤١)، وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٣٦٣)، وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٣/ ١٤٧)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٢٩٨)، والمنهج الأحمد للعليمي (٢/ ٢٦٦)، والدر المنضد له (١/ ١٧٥)، وشذرات الذهب لابن العماد (٢/ ٣٣٦).","vol":"1","page":245},{"text":"واختاره من المعاصرين: فضيلةُ الدكتور يعقوب الباحسين (^١)، والدكتورُ عياض السلمي (^٢).\nالقول الثاني: أنَّ حكايةَ التلميذِ غيرُ مقبولةٍ، ولا ينسبُ القولُ إلى الإمامِ بناءً على هذه الحكاية.\nوهذا القولُ وجهٌ عند الحنابلةِ (^٣). واختاره جمعٌ مِنْ أهلِ العلمِ، منهم: الخلالُ (^٤)، وغلامُه (^٥).\n• أدلة القولين:\nأدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: أنَّ ما ينقله الصحابةُ - ﵃ - عن النبي - ﷺ - بغيرِ لفظِه، يُعْزَى إليه - ﷺ -، ويكون بمنزلةِ لفظِه، وإذا ثَبَتَ هذا في السنةِ النبويةِ المطهرةِ - وهي المصدرُ الثاني مِنْ مصادرِ التشريعِ - فما دونَها مِنْ بابٍ أولى (^٦).\nالدليل الثاني: إذا كان التلميذُ ظاهرَ العدالةِ، فإنَّه لنْ ينسبَ إلى إمامِه قولًا، إلا وهو جازمٌ بذلك، والتلميذ مِنْ أعرفِ الناسِ بما يقولُه إمامُه، ومِنْ أفهمِهم لمقاصدِ كلامِه (^٧).\nدليلُ أصحاب القولِ الثاني: أنَّ ما يحكيه التلميذُ عن إمامِ مذهبِه لا يعدو أن يكون ظنًّا وتخمينًا، ويجوزُ أنْ يعتقدَ الإمامُ خلافَ ما حكاه عنه التلميذُ (^٨).\n_________\n(^١) انظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين (ص/ ٢٠٦).\n(^٢) انظر: تحرير المقال (ص/ ٢١).\n(^٣) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٩٦)، والإنصاف (١٢/ ٢٥٤).\n(^٤) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٤٠٧ - ٤٠٨)، وصفة الفتوى (ص/ ٩٦).\n(^٥) انظر: المصدرين السابقين.\n(^٦) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٤٠٨ - ٤٠٩).\n(^٧) انظر: المصدر السابق (١/ ٤٠٩).\n(^٨) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٩٦).","vol":"1","page":246},{"text":"ويمكن مناقشة دليل أصحاب القول الثاني: بأنَّ ما ذكروه مدفوعٌ بما يُعرفُ عن التلميذِ مِنْ حرصِ على ما يلقيه إمامُه، مع ما يصاحبُ ذلك مِنْ كون التلميذِ - بسبب ملازمتِه لإمامِه - أقدرَ مِنْ غيرِه على فهمِ كلامِ إمامِ المذهبِ، فيبعدُ احتمَالُ الخطأِ والتخمين، ويترجّحُ جانبُ الإصابةِ.\n• الموازنة والترجيح:\nبتأمّلِ القولين وما استدلا به، يظهرُ لي رجحانُ القولِ الأولِ القائلِ بصحةِ نسبةِ القولِ إلى إمام المذهبِ بناءً على ما يحكيه التلميذُ عنه؛ وذلك لما عُرِفَ عن تلامذةِ الأئمةِ مِنْ حرصِ على فهمِ أقوالِ أئمتهم، ولملازمتهم لهم، بحيثُ أصبحوا أقدر مِنْ غيرِهم على فهمِ كلامِ أئمتِهم.\n• سبب الخلاف:\nيظهرُ أنَّ الخلافَ عائدٌ إلى السببين الآتيين:\nالسبب الأول: احتمالُ الخطأِ أو الوهمِ فيما يحكيه التلميذُ عنْ إمامِه.\nفمَنْ رجَّح احتمالَ الخطأِ أو الوهمِ، لم يقبلْ حكايةَ التلميذِ، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الثاني.\nومَنْ لم يرجّحْ جانبَ الخطأِ أو الوهمِ، قَبِلَ حكايةَ التلميذِ، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الأولِ.\nالسبب الثاني: صحةُ قياسِ حالِ التلميذِ مع إمامِه، بحالِ الصحابةِ - ﵃ - مع النبي - ﷺ -:\nفمَنْ صححَ القياسَ، قَبِلَ حكايةَ التلميذِ رأي إمامِه، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الأولِ.\nومَنْ لم يُصحح القياسَ، لم يقبلْ حكايةَ التلميذِ رأي إمامِه، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الثاني.","vol":"1","page":247},{"text":"القسم الثالث: تفسير التلاميذ مذهب إمامهم.\nإذا فسَّرَ التلميذُ قولَ إمامِ المذهبِ، أو ذَكَرَ له قيدأ، أو مخصصًا (^١)، فهل يُنسب ما فعلَه التلميذُ إلى إمامِه؟\nاختلفَ العلماءُ في هذه المسألةِ على قولين:\nوالخلاف في هذا القسمِ كالخلافِ في القسمِ الثاني: (حكايةُ التلاميذِ رأيَ إمامِهم)؛ إذ عَرَضَ جمعٌ مِن العلماءِ الخلافَ والأدلةَ في القسمين: الثاني والثالث في سياقٍ واحدٍ.\nيقولُ ابنُ حامدٍ: \"باب: البيانُ عن نسبةِ المذهبِ إليه مِنْ حيثُ تفسيرُ أصحابِه، وإخبارُهم عنْ رأيه\" (^٢)، ثم ساقَ الاختلافَ سياقًا واحدًا للقسمين.\nويقولُ ابنُ حمدان: \"وصيغةُ (^٣) الواحدِ مِنْ أصحابه، ورواته في تفسيرِ مذهبِه، وإخبارِهم عنْ رأيه، كنصه في: أحدِ الوجهين\" (^٤).\nفما ذُكِرَ في القسمِ الثاني مِن الأقوالِ والأدلةِ والترجيحِ، يُذكرُ هنا.\nوبذلك أكونُ قد أنهيتُ الجهةَ الأُولى المتعلقة بقولِ الإمامِ، ويبقى النظرُ في الجهةِ الثانيةِ، وهي: دلالةُ قولِ إمامِ المذهبِ.\nينقسمُ قولُ إمامِ المذهبِ باعتبارِ دلالتِه ثلاثةَ أقسام:\nالقسم الأول: القولُ الصريحُ في مدلولِه الذي لا يحتملُ غيرَه.\nالقسم الثاني: القولُ الظاهرُ في مدلولِه الذي يحتملُ غيرَه.\nالقسم الثالث: القولُ المحتملُ لشيئين، أو أكثر على السواءِ (^٥).\n_________\n(^١) انظر: تحرير المقال للدكتور عياض السلمي (ص/ ٢٠)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٢٠٤).\n(^٢) تهذيب الأجوبة (١/ ٤٠٢).\n(^٣) في صفة الفتوى (ص/ ٩٦): \"وصفة\"، وهي تحريف، ولعل المثبت هو الصواب؛ كما أوردها المرداوي في: الإنصاف (١٢/ ٢٥٤).\n(^٤) صفة الفتوى (ص/ ٩٦).\n(^٥) انظر: المصدر السابق (ص/ ٨٥، ٨٩)، والتحبير (٨/ ٣٩٦٣)، والإنصاف (١/ ٩)، و(١٢/ ٢٤٠)، وشوح الكوكب المنبر (٤/ ٤٩٦).","vol":"1","page":248},{"text":"القسم الأول: القولُ الصريحُ في مدلولِه الذي لا يحتملُ غيرَه.\nإذا قال إمامُ المذهبِ قولًا صريحًا، ولا معارضَ له، نُسِبَ إليه (^١).\nمثال ذلك: ما جاءَ في مسائلِ عبدِ الله بن أحمدَ (^٢)، قالَ: سمعتُ أبي سُئل عن العبدِ، كم يتزوجُ؟ قال: \"اثنتين\" (^٣).\nويعبِّرُ الحنابلةُ عن هذا القسمِ بقولِهم: نصَّ عليه، أو المنصوص عنه (^٤).\nالقسم الثاني: القولُ الظاهرُ في مدلولِه الذي يحتملُ غيرَه.\nإذا قالَ إمامُ المذهبِ قولًا ظاهرًا في مدلولِه، نُسِبَ إليه، إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه (^٥)، ويجوزُ تأويلُه، بدليلٍ أقوى منه (^٦).\nمثالُ الظاهرِ الذي لم يَرِدْ له معارضٌ أرجحُ منه: قولُ الإمامِ أحمدَ بن حنبل في روايةِ المروذي: \"إذا اختلفَ الصحابةُ، يُنْظَر إلى أقربِ القولين\n_________\n(^١) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٨٥).\n(^٢) هو: عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل، أبو عبد الرحمن، ولد سنة ٢١٣ هـ لم يكن أحد من الناس أروى عن أبيه منه، كان ملازمًا له، وقد طلب الحديث في حداثة سنه، كان كثير الحياء، صالحًا دينًا ثقةً ثبتًا فَهِمًا، حافظًا محدثًا جهبذًا ناقدًا، روى عن أبيه المسند - وله عليه زيادات - والزهد؛ وفضائل الصحابة، من مؤلفاته: الزوائد على مسند الإمام أحمد، والزوائد على كتاب الزهد للإمام أحمد، وكتاب السنة، ومسائل الإمام أحمد، توفي سنة ٢٩٠ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (١١/ ١٢)، وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٢/ ٥)، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص/ ٣٨٣)، وطبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي (٢/ ٣٧٧)، وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٥١٦)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (٢/ ٦٦٥)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٥)، والمنهج الأحمد للعليمي (١/ ٣١٣)، والدر المنضد له (١/ ٦٨).\n(^٣) انظر: مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله (٣/ ١٠٣١).\n(^٤) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٤١٩)، وصفة الفتوى (ص/ ٨٥)، والإنصاف (١/ ٩).\n(^٥) انظر: العدة (١/ ١٤١)، وصفة الفتوى (ص/ ٨٩)، والإنصاف (١٢/ ٢٤٧).\n(^٦) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٨٩).","vol":"1","page":249},{"text":"إلى الكتابِ والسنةِ\" (^١).\nفظاهرُ القولِ أنَّ الصحابةَ - ﵃ - إذا اختلفوا على قولين، وأجمعَ التابعون على أحدِهما، فإنَّ الخلافَ لا يرتفعُ؛ لأنَّه رَجَعَ إلى موافقةِ الدليلِ، ولم يرجعْ إلى إجماعِ التابعين على أحدِ القولين (^٢).\nمثالُ الظاهرِ الذي خالفه ما هو أقوى منه: قولُ الإمامِ أحمدَ بن حنبل في رواية المروذي: \"كيفَ يجوزُ للرجلِ أنْ يقولَ: أجمعوا؟ ! إذا سمعتَهم يقولون: أجمعوا، فاتَّهمهم، لو قال: إنِّي لم أعلمْ لهم مخالفًا، جازَ\" (^٣).\nفظاهرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ أنَّه يمنعُ صحةَ انعقادِ الإجماعِ.\nيقولُ القاضي أبو يعلى: \"وليس ذلك على ظاهرِه، وإنَّما قال ذلك على طريقِ الورعِ، نحوَ أنْ يكونَ هناك خلافٌ لم يبلغْه، أو قال هذا في حقِّ مَنْ ليس له معرفة بخلافِ السلفِ؛ لأنَّه أطلقَ القولَ بصحةِ الإجماعِ في روايةِ عبدِ الله، وأبي الحارثِ\" (^٤).\nالقسم الثالث: القولُ المحتملُ لشيئين، أو أكثر على السواء.\nإذا كانَ اللفظُ الواردُ في كلامِ إمامِ المذهب محتملًا لمعنيينِ أو أكثر، ولا مُرجّحَ لأحدِ المعنيين، فلا يُنسب مدلولُ القوَلِ إليه؛ لأن اللفظَ مجملٌ، ولا يسوغُ أخذُ الحكمِ مِن لفظٍ مجملٍ (^٥)، وتتوقفُ نسبةُ مدلول القول على ورودِ البيانِ (^٦).\nفلو قالَ إمامُ المذهب مثلًا: تَعْتَدُّ المطلقةُ بالأقراء، فإنَّنا نثبتُ له القولَ - وهو اعتداد المرأة بَالأقراء - ونتوقفُ في مرادِه بالقُرْء.\n_________\n(^١) نقل قولَ الإمام أحمد الحسنُ بن حامد في: تهذيب الأجوبة (١/ ٤٤٥)، والقاضي أبو يعلى في: العدة (٤/ ١١٠٥).\n(^٢) انظر: العدة (٤/ ١١٠٦).\n(^٣) نقل أبو يعلى قولَ الإمام أحمد في: المصدر السابق (٤/ ١٠٦٠).\n(^٤) المصدر السابق.\n(^٥) انظر: فتاوى البرزلي (١/ ١٠٨).\n(^٦) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٩٠).","vol":"1","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>الفرع الثاني: مفهوم القول</span>\nقبلَ الحديثِ عن نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ عن طريقِ المفهومِ، أُمهدُ ببيانِ أقسامِ المفهومِ.\nينقسمُ المفهومُ (^١) قسمين:\nالقسم الأول: مفهوم الموافقة (^٢).\nالقسم الثاني: مفهوم المخالفة (^٣).\nوبناءً على تقسيمِ المفهومِ؛ فإنَّه يندرجُ تحتَ الفرعِ الثاني قسما المفهوم:\nالقسم الأول: مفهوم الموافقة.\nتحسنُ الإشارةُ إلى أنَّ مفهومَ الموافقةِ حجةٌ عند جماهيرِ العلماءِ، عدا الظاهرية (^٤).\n_________\n(^١) المفهوم هو: ما فهم من اللفظ في غير محل النطق. وقيل: ما دل عليه اللفظ في غير محل النطق. انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدى (٣/ ٦٦)، ومختصر منتهى السول لابن الحاجب (٢/ ٩٢٤).\n(^٢) مفهوم الموافقة هو: فهم غير المنطوق به من المنطوق بدلالة سياق الكلام ومقصوده. وقيل: أن يكون المسكوت موافقًا للمنطوق في الحكم. انظر: المستصفى (٢/ ١٩٥)، ومختصر منتهى السول لابن الحاجب (٢/ ٩٣٤).\n(^٣) مفهوم المخالفة هو: إثبات نقيض حكم المنطوق للمسكوت عنه. وقيل: ما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت مخالفًا لمدلوله في محل النطق. انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٣/ ٦٩)، وشرح تنقيح الفصول (ص/ ٥٣).\n(^٤) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٧/ ٢)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٢/ ٢٢٦)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٣/ ٦٧)، وشرح الكوكب المنير (٣/ ٤٨٣).","vol":"1","page":251},{"text":"ومن الأصوليين مَنْ حكى الإجماعَ على حجيةِ مفهومِ الموافقةِ (^١)؛ لضعفِ خلافِ الظاهريةِ.\nونظرًا لقوةِ مفهومِ الموافقةِ؛ فالذي يظهرُ صحةُ نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على مفهومِ كلامِه الموافقِ (^٢).\nوممَّنْ صرَّحَ بصحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمام بناءً على مفهومِ الموافقةِ أبو عبد الله المقَّريُّ (^٣)، والدكتور يعقوبُ الباحسين (^٤)، والدكتورُ عياض السلمي (^٥).\nولم أقفْ - فيما رجعتُ إليه من مصادر - على مَنْ مَنَعَ نسبةَ القولِ إلى الإمامِ، بناءً على مفهومِ الموافقةِ.\nالقسم الثاني: مفهوم المخالفة.\nقبلَ الدخولِ في الحديثِ عن صحةِ نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على مفهومِ كلامِه المخالف، أُمهد ببيانِ أقوالِ الأصوليين في حجيةِ مفهومِ المخالفةِ في نصوصِ الشارعِ، فاقولُ:\nاختلفَ الأصوليون في حجيةِ مفهوم المخالفةِ في نصوصِ الشارع على قولين:\n_________\n(^١) انظر: كشف الأسرار للبخاري (١/ ٧٤)، والبحر المحيط (٤/ ١٢).\n(^٢) انظر: التحبير (٨/ ٣٩٦٤).\n(^٣) انظر: المعيار المعرب (٦/ ٣٧٧). وأبو عبد الله المقري هو: محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن عبد الرحمن القرشي التلمساني، أبو عبد الله الشهر بالمقَّري، كان فقيهًا علامة محققًا أصوليًا حجة نظارًا عابدًا، من فحول المذهب المالكي، وقد تولى قضاء الجماعة بفاس وتلمسان، وحمدت سيرته فيه، من مؤلفاته: القواعد، وحاشية على مختصر ابن الحاجب الفروعي، والحقائق والرقائق في التصوف، توفي سنة ٧٥٦ هـ. انظر ترجمته في: الإحاطة بأخبار غرناطة لابن الخطيب (٢/ ١٩١)، ونيل الابتهاج للتنبكتي (ص/ ٤٢٠)، ونفح الطيب للمقري (٥/ ٢٥٣)، وشذرات الذهب لابن العماد (٨/ ٣٣٢)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٢٣٢).\n(^٤) انظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين (ص/ ٢١١).\n(^٥) انظر: تحرير المقال (ص/ ٢٤).","vol":"1","page":252},{"text":"القول الأول: أن مفهومَ المخالفةِ حجةٌ. وهذا مذهبُ جمهورِ العلماءِ (^١).\nالقول الثاني: أنَّ مفهومَ المخالفةِ ليس بحجةٍ. وهذا مذهبُ الحنفيةِ (^٢).\nولستُ بصددِ عرضِ المسألةِ مفصَّلةً، فهذا خارجٌ عن البحثِ، وإنَّما القصدُ معرفةُ الخلافِ في حجيةِ مفهومِ المخالفةِ.\nإذا جاءَ نصٌّ عن إمامِ المذهب، وكان له مفهومُ مخالفةٍ، فهلْ تصحُّ نسبةُ القولِ إلى الإمامِ بناءً على المفهَومِ؟\nاختلفَ العلماءُ في هذه المسألة، وقبل ذكر أقوالهم، أوردُ مثالًا لهذا القسم:\nجاءَ في: (مسائل الإمام أحمد بن حنبل) لابنِ هانئ (^٣): أنَّ ابنَ هانئ سألَ الإمامَ أحمدَ عن رجلٍ ادَّعى على رجلٍ مالًا، والمدَّعى عليه ليس عنده شيءٌ، هل يسعُ المدعي أنْ يقدّمَه إلى الحاكمِ؟ فقال الإمامُ أحمدُ: \"إنْ كان يعلمُ أنَّ عنده مالًا ما، يؤدي إليه حقَّه، فأرجو أنْ لا يأثمَ\" (^٤).\nومفهومُ كلامِ الإمامِ أحمدَ: أنَّه يأثمُ إذا لم يعلمْ أن عنده مالًا (^٥).\n_________\n(^١) انظر: العدة (٢/ ٤٤٨)، وإحكام الفصول (ص/ ٥١٥)، والتبصرة (ص/ ٢٧٠)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٣/ ١٠٣)، والتحبير (٦/ ٢٩٠٦).\n(^٢) انظر: أصول السرخسي (١/ ٢٥٥)، وكشف الأسرار للبخاري (٢/ ٢٥٣)، وتيسير التحرير (١/ ١٠١).\n(^٣) هو: إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري، أبو يعقوب، ولد ببغداد سنة ٢١٨ هـ من أصحاب الإمام أحمد، وقد نقل عنه مسائل كثيرة، كان فقيهًا ورعًا دينًا من العلماء العاملين، وقد خدم الإمام أحمد وهو ابن تسع سنين، من مؤلفاته: مسائل الإمام أحمد، توفي ببغداد سنة ٢٧٥ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/ ٢٨٤)، وسير أعلام النبلاء (١٣/ ١٩)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (١/ ٢٤١)، والمنهج الأحمد للعليمي (١/ ٢٧٤)، والدر المنضد له (١/ ٦٣).\n(^٤) انظر: مسائل الإمام أحمد رواية ابن هانئ (٢/ ٣٥) بتصرف يسير.\n(^٥) انظر: تهذيب الأجوبة (٢/ ٨٣٢).","vol":"1","page":253},{"text":"• الأقوال في المسألة:\nاختلفَ العلماءُ في نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ على قولين:\nالقول الأول: صحةُ نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ.\nوهذا قولُ الحنفيةِ (^١)، وهو وجهٌ عند الحنابلةِ (^٢). ونسبه ابنُ حامدٍ إلى عامّةِ الحنابلةِ (^٣)، وقال المرداويُّ عنه: \"إنَّه الصحيحُ مِن المذهبِ\" (^٤).\nواختاره جمعٌ مِنْ أهلِ العلمِ، منهم: إبراهيمُ الحربي (^٥)، وأبو القاسمِ الخرقي (^٦)، وابنُ حامدٍ (^٧)، وأبو الحسنِ اللخمي (^٨)،\n_________\n(^١) انظر: شرح السير الكبير للسرخسي (١/ ١٧٨)، وتبيين الحقائق للزيلعي (١/ ٢٦)، والتحرير لابن الهمام (١/ ١٠١) مع شرحه تيسير التحرير، وشرح عقود رسم المفتي لابن عابدين (ص/ ١٣٧)، ورد المحتار على الدر المختار له (١/ ٣٦٧).\n(^٢) انظر: المسودة (٢/ ٩٤٦)، وصفة الفتوى (ص / ١٥٢)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٠٩).\n(^٣) انظر: تهذيب الأجوبة (٢/ ٨٣٣).\n(^٤) التحبير (٨/ ٣٩٦٤).\n(^٥) انظر: صفة الفتوى (ص/ ١٠٢). د إبراهيم الحربي هو: إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن بشير بن عبد الله بن ديسم، أبو إسحاق الحربي البغدادي، أصله من مرو، ولد سنة ١٩٨ هـ كان علامة بارعًا إمامًا في العلم، رأسًا في الزهد، عارفًا بالففه، بصيرًا بالأحكام، حافظًا للحديث، مميزًا لعلله، قيمًا بالأدب، جماعةً للغة، من أصحاب الإمام أحمد بن حنبل، وقد نقل عنه مسائل كثيرة جدًّا، من مؤلفاته: غريب الحديث، ودلائل النبوة، وسجود القرآن، وذم الغيبة، والمناسك، توفي سنة ٢٨٥ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (٦/ ٥٢٢)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ١٦٠)، وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/ ٢١٨)، وطبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي (٢/ ٢٨١)، وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٥٦)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (١/ ٢١١)، والمنهج الأحمد للعليمي (١/ ٣٥٢)، والدر المنضد له (١/ ٦٧).\n(^٦) انظر: تهذيب الأجوبة (٢/ ٨٣٤)، وصفة الفتوى (ص / ١٠٢).\n(^٧) انظر: تهذيب الأجوبة (٢/ ٨٢٨).\n(^٨) انظر: القواعد للمقري (١/ ٣٤٩)، وفتاوى البرزلي (١/ ١٠٨). وأبو الحسن اللخمي هو: =","vol":"1","page":254},{"text":"وابنُ رشدٍ (^١)، وابنُ عرفةَ (^٢)، وابنُ مفلحٍ (^٣)، وابنُ المبرد (^٤).\nولقائل أنْ يقولَ: لِمَ احتجَّ علماءُ الحنفيةِ بمفهومِ المخالفةِ في نصوصِ الأئمةِ، ولم يحتجوا به في نصوصِ الشارعِ؟\nأجابَ عن هذا ابنُ عابدين (^٥)، فقالَ: \"لأنَّ التنصيصَ على الشيءِ في\n_________\n= علي بن محمد الربعي، أبو الحسن القيرواني، المعروف باللخمي، نزيل صفاقس، كان فقيهًا مالكيًا فاضلًا دينًا متفننًا، ذا حظ من الأدب والحديث، جيد النظر والفهم، حسن الفقه، تفقه به جماعة من الطلاب من أهل صفاقس، وقد حاز ريالة الفقه في إفريقية جُملةً في وقته، من مؤلفاته: التبصرة، وهو تعليق كبير على المدونة، توفي بصفاقس سنة ٤٧٨ هـ. انظر ترجمته في: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٨/ ١٠٩)، والديباج المذهب لابن فرحون (٢/ ١٠٤)، والوفيات لابن قنفذ (ص/ ٢٥٨)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ١١٧)، والفكر السامي للحجوي (٤/ ٢١٥).\n(^١) انظر: فتاوى البرزلي (١/ ١٠٨).\n(^٢) انظر: المصدر السابق. وابن عرفه هو: محمد بن محمد بن محمد بن عرفة الورغمي التونسي، أبو عبد الله، ولد بتونس سنة ٧١٦ هـ كان علامةً إمامًا فقهيًا أصوليًا مالكيًا، ومفسرًا لكتاب الله، وأحد المقرئين، من أهل الرسوخ في العلم، عالمًا بالمنطق والبيان والعربية، مشتغلًا بالعلم، حافظًا للمذهب، ضابطًا لقواعده، زاهدًا ورعًا عابدًا، ونعته ابن حجر بأنَّه شيخ الإسلام بالمغرب، من مؤلفاته: مختصر الفقه، والحدود الفقهية، توفي سنة ٨٠٣ هـ. انظر ترجمته في: الديباج المذهب لابن فرحون (٢/ ٣٣١)، وإنباء الغمر لابن حجر (٤/ ٣٣٦)، والمعجم المؤسس له (٢/ ٤٦٠)، والضوء اللامع للسخاوي (٩/ ٢٤٥)، وبغية الوعاة للسيوطي (١/ ٢٢٩)، وشذرات الذهب لابن العماد (٩/ ٦١)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٢٢٧)، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ ٧٧٣).\n(^٣) انظر: الفروع (١/ ٤٦).\n(^٤) انظر: شرح غاية السول (ص/ ٤٣٥).\n(^٥) هو: محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز الدمشقي، المعروف بابن عابدين، ولد في دمشق سنة ١١٩٨ هـ ونشأ بها، واشتغل بالعلم، فأمسى من أئمة المذهب الحنفي في زمانه، ومفتي الديار الشامية، كان فقيهًا أصوليًا مقرئًا، شيخ القراء في بلده، له اليد الطولى في العلوم النقلية والعقلية، كان أول أمره يتفقه على المذهب الشافعي، فلزم الشيخ شاكر العقاد، وألزمه بالانتقال إلى المذهب الحنفي، من مؤلفاته: رد المحتار على الدر المختار، وشرح عقود رسم المفتي، والعقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية، ونسمات الأسحار على شرح المنار، وحواشٍ على تفسير البيضاوي، توفي في دمشق سنة ١٢٥٢ هـ. انظر ترجمته في: منتخبات التواريخ الدمشقية لمحمد أديب (٢/ ٦٨٠)، والأعلام للزركلي (٦/ ٤٢)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ١٤٥).","vol":"1","page":255},{"text":"كلام الشارعِ لا يلزمُ منه أنْ تكونَ فائدتُه النفيَ عمَّا عداه؛ لأنَّ كلامَه معدِنُ البلاغةِ، فقد يكونُ مرادُه غيرَ ذلك، وأمَّا في كلامِ الناسِ: فهو خالٍ عن هذه المزيّةِ، فيُستدلُّ بكلامِهم على المفهومِ؛ لأنَّه المتعارفُ بينهم\" (^١).\nالقول الثاني: لا تصحُّ نسبةُ القولِ إلى إمام المذهب بناءً على مفهوم المخالفةِ.\nوهذا القولُ وجهٌ عند الحنابلةِ (^٢)، وهو قولُ بعضِ الشافعيةِ (^٣). ونسبه أبو عبدِ الله المقَّري إلى المحققين (^٤). واختاره: الخلالُ (^٥)، وأبو عبد الله المقَّري (^٦).\n• أدلةُ القولين:\nدليلُ أصحابِ القولِ الأولِ: أنَّ الأئمةَ يعرفون اللغةَ العربيةَ، ويميّزون بين ألفاظِها، فتخصيصهم لشيءٍ بالذِّكرِ، لا بُدَّ له مِنْ فائدةٍ، وليس له فائدةٌ إلا اختصاص المنطوقِ بالحُكمِ، ونفيه عن المسكوتِ، ولو لم نقلْ ذلك، لأدَّى إلى أنْ يكونَ تخصيصُ الأئمةِ للشئِ بالذكرِ دونَ غيرِه عبثًا ولغوًا، وهذا بعيدٌ عن مقامِ الأئمةِ (^٧).\nأدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: قد يكونُ المفهومُ غيرَ مرادٍ لإمامِ المذهبِ؛ إمَّا لمجيءِ\n_________\n(^١) شرح عقود رسم المفتي (ص/ ١٣٨) بتصرف يسير.\n(^٢) انظر: المسودة (٢/ ٩٤٦)، وصفة الفتوى (ص / ١٠٢)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٠٩).\n(^٣) انظر: البحر المحيط (٤/ ١٥)، وإرشاد الفحول (٢/ ١٤٣).\n(^٤) انظر: القواعد (١/ ٣٤٨).\n(^٥) انظر: تهذيب الأجوبة (٢/ ٨٣٤)، وصفة الفتوى (ص / ١٠٣)، والتحبير (٨/ ٣٩٦٤).\n(^٦) انظر: القواعد (١/ ٣٤٨).\n(^٧) انظر: تهذيب الأجوبة (٢/ ٨٣٩)، وصفة الفتوى (ص / ١٠٣)، وفتاوى البرزلي (١/ ١٠٨).","vol":"1","page":256},{"text":"كلامِه جوابًا لسؤالِ سائلٍ، وإمَّا لخروجِه مخرجَ الغالب، وإمَّا لغفلتِه عن المفهومِ، ولهذه الاحتمالاتِ وغيرِها لا يكون المفهوَمُ طريقًا إلى إثباتِ القولِ إلى الإمامِ (^١).\nالدليل الثاني: إنْ قَصَد الإمامُ مفهومَ كلامِه ففي الغالبِ، أنَّه سيبينه نصًّا في مقامٍ آخر، فإذا لم يَرِدْ للمفهومِ نصٌّ يُقرره، لم ننسبْه إليه (^٢).\n• الموازنة والترجيح:\nمِنْ خلالِ تأمّلِ القولين، وما استدلوا به، يظهرُ لي:\n- صحةُ نسبةِ القولِ إلى إمام المذهب بناءً على مفهومِ المخالفةِ متى ما احتفتْ قرينةٌ تدلُّ على اختصاصِ المذكورِ بالحُكمِ (^٣).\n- عدمُ صحةِ نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ، إذا خلا الكلامُ عن قرينةٍ دالةٍ على اختصاصِ المذكورِ بالحُكمِ.\nوقد رجّحتُ ما سَبَقَ للآتي:\nأولًا: أنَّ الأخذَ بمفهومِ المخالفةِ بإطلاقِ في نصوصِ إمام المذهبِ، لا يخلو مِنْ نوعٍ مجازفةٍ، وإنزالٍ للإمامٍ فوقَ منزلتِه.\nثانيًا: أنَّ القرينةَ لها اعتبارٌ في الشرعِ وفي كلامِ الناسِ، لذا اعتبرتُها في الترجيحِ.\n• نوع الخلاف:\nيظهرُ أن الخلافَ بين القولين خلافٌ معنوي، وقد أشار أبو عبد الله المقَّري إليه، وبيَّن أنَّه يظهرُ أثرُه في المسألتين الآتيتين:\n_________\n(^١) انظر: صفة الفتوى (ص/ ١٠٣)، والقواعد للمقري (١/ ٣٤٨).\n(^٢) انظر: صفة الفتوى (ص/ ١٠٣).\n(^٣) انظر: تحرير المقال للدكتور عياض السلمي (ص/ ٢٧)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٢١٨).","vol":"1","page":257},{"text":"المسألة الأولى: تقليدُ إمامِ المذهب في قولِه المأخوذِ مِنْ طريقِ مفهومِ المخالفةِ (^١).\nفمَنْ قال بصحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ، جوَّزَ لغيرِ المجتهدِ تقليدَه فيه؛ لأنَّه قولُه الثابتُ عنه.\nومَنْ قال بعدمِ صحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ، لم يجوّزْ تقليدَ الإمامِ في مفهومِ كلامِه؛ لانتفاءِ نسبتِه إليه.\nالمسألة الثانية: الاعتدادُ بالقولِ المأخوذِ مِنْ مفهومِ المخالفةِ في الخلافِ (^٢).\nإنْ قلنا بصحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ، صارَ المفهوم قولًا له، وينظرُ إليه كنصِّ الإمامِ، فيذكرُ في الخلافِ.\nوإنْ قلنا بعدمِ صحةِ نسبةِ القولِ إلى إمام المذهبِ بناءً على مفهوم المخالفة، لم نعتد به، ولم يذكرْ في الخلاف.\n• سبب الخلاف:\nقد يظنُّ الناظرُ أن الخلافَ عائدٌ إلى القولِ بحجيةِ مفهومِ المخالفةِ في نصوصِ الشرعِ (^٣)، فمَنْ نفى حجيةَ مفهومِ المخالفةِ، نفى القولَ بصحتِه في نصوصِ الأئمةِ.\nومَنْ قال بحجيته في نصوصِ الشرعِ، اختلفَ قولُهم في اعتباره طريقًا لنسبةِ القولِ إلى الأئمةِ.\nلكنْ يُعكّرُ على هذا موقفُ علماءِ الحنفيةِ القائلين بعدمِ حجيةِ مفهومِ المخالفةِ في نصوصِ الشرعِ، وصحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمام بناءً على مفهوم المخالفةِ.\n_________\n(^١) انظر: القواعد (١/ ٣٤٨ - ٣٤٩).\n(^٢) انظر: المصدر السابق.\n(^٣) انظر: فتاوى البرزلي (١/ ١٠٨).","vol":"1","page":258},{"text":"ويتصلُ بنسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ مسألةٌ، وهي: على القولِ بصحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ، إذا عارضَ المفهومَ منطوقٌ للإمامِ في موضع آخر، فهل تبطلُ دلالةُ مفهوم المخالفةِ حينئذٍ؟\nمحلُّ الحديثِ في هذه المسألةِ عند القائلين بصحة نسبة القول إلى إمام بناءً على مفهوم المخالفة.\nمثال ذلك: جاءَ عن الإمامِ أحمدَ بن حنبل، أنَّه سُئِلَ عن الرجلِ إذا ملكَ أخاه، هل يعتقُ؟ فقال: \"إذا ملكَ أباه عَتَقَ\" (^١).\nفمفهوم هذه الروايةِ أنَّ الرجلَ إذا ملك أخاه لا يعتقُ.\nوجاءتْ روايةٌ أخرى عن الإمامِ أحمدَ، تدلَّ على عتقِ الأخِ بالملكِ (^٢).\nفمنطوقُ الروايةِ الثانيةِ يعارضُ مفهومَ الروايةِ الأُولى.\n• الأقوال في المسألة:\nاختلفَ العلماءُ في إبطالِ دلالةِ مفهومِ المخالفةِ إذا عارضها منطوقٌ على قولين:\nالقول الأول: أنَّ دلالةَ المفهومِ تبطل حينئذٍ.\nوهذا القول وجهٌ عند الحنابلةِ (^٣). ومال إليه ابنُ حامدٍ - ولم يصرحْ باختياره (^٤) - واختاره: ابنُ عابدين (^٥).\n_________\n(^١) انظر: تهذيب الأجوبة (٢/ ٨٤٣)، وصفة الفتوى (ص / ١٠٣).\n(^٢) انظر: المصدرين السابقين.\n(^٣) انظر: صفة القوى (ص/ ١٠٣)، والمسودة (٢/ ٩٤٦)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٠٩).\n(^٤) انظر: تهذيب الأجوبة (٢/ ٨٤٤).\n(^٥) انظر: شرح عقود رسم المفتي (ص/ ١٣٩).","vol":"1","page":259},{"text":"القول الثاني: لا تبطلُ دلالةُ المفهومِ إن عارضها منطوق، بلْ تُقَرّ كلتا الدلالتين إنْ جُعل أول قولي إمامِ المذهبِ في مسألةٍ واحدةٍ مذهبًا له، ويكونُ للإمامِ قولان: أحدهما بالمنطوق، والآخر بالمفهوم.\nوهذا القول وجه عند الحنابلة (^١).\n• أدلة القولين:\nدليل أصحاب القول الأول: أن المنطوقَ أقوى مِن المفهومِ، فإذا تعارضا، قُدِّمَ المنطوقُ؛ لقوتِه (^٢).\nدليل أصحاب القول الثاني: أنَّ مفهومَ المخالفةِ كالنصِّ في إفادتِه الحكم، لذا اعتبرناه حجةً في صحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ، فإذا عارضَ المفهومَ منطوقٌ، قلنا بتقريرِهما؛ لأنَّ كلًّا منهما حجةٌ (^٣).\nمناقشة دليل أصحاب القول الثاني: إنْ سلمنا لكم أن المفهومَ حجةٌ، فهو حجةٌ لكنْ بشرطِ عدمِ مخالفتِه للمنطوقِ؛ وهذا هو المعمولُ به في النصوصِ الشرعيةِ (^٤).\n• الموازنة والترجيح:\nيظهرُ لي رجحانُ القولِ الأولِ القائلِ ببطلانِ دلالةِ مفهومِ المخالفةِ إنْ عارضها منطوقٌ؛ وذلك للآتي:\nأولًا: أنَّ دلالةَ المنطوقِ أقوى مِن دلالةِ مفهومِ المخالفةِ، ومِن المقررِ أنَّ الأقوى مقدَّمٌ على غيرِه.\nثانيًا: أنَّ نصَّ الإمامِ على خلافِ مفهومِ المخالفةِ قرينةٌ دالةٌ على عدمِ إرادتِه ما دلَّ عليه المفهوم.\n_________\n(^١) انظر: صفة الفتوى (ص / ١٠٣)، والمسودة (٢/ ٩٤٦)، والتحبير (٨/ ٣٩٦٥)، والإنصاف (١٢/ ٢٥٤).\n(^٢) انظر: صفة الفتوى (ص/ ١٠٣).\n(^٣) انظر: المصدر السابق.\n(^٤) انظر: البحر المحيط (٤/ ١٨).","vol":"1","page":260},{"text":"• نوع الخلاف:\nالخلافُ بين القولين خلافٌ معنوي، ويظهرُ أثرُه في المسألتين اللتين ذكرتُهما في أثرِ الخلافِ في صحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على مفهومِ\nالمخالفةِ.\n• سبب الخلاف:\nأشارَ ابنُ حامدٍ إلى ما يمكنُ اعتبارُه سببًا للخلافِ في المسألةِ، فقالَ: \"فأصلُ هذه المسألةِ - تعارض المفهوم والمنطوق - ونظائرها، متعلقٌ بتبنيةِ كلامِ إمامِنا بعضِه على بعضٍ\" (^١).\nفعلى القولِ ببناءِ كلامِ الإمامِ بعضِه على بعضٍ - كردِّ عامِّه إلى خاصِّه، ومطلقِه إلى مقيدِه - لا يُعملُ بمفهومِ المخالفةِ إذا عارضَ المنطوقَ.\nوعلى القولِ بعدمِ البناءِ يعملُ بكلتا الدلالتين: دلالة المنطوقِ، ودلالة مفهوم المخالفة.\n* * *\n_________\n(^١) تهذيب الأجوبة (٢/ ٨٤٤).","vol":"1","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>الفرع الثالث: الفعل</span>\nمِن المعلومِ أنَّ إمامَ المذهبِ تصدرُ عنه أقوالٌ، وتصدرُ عنه أفعالٌ أيضًا، فإذا فَعَلَ عبادةً، فهل يُنسبُ إليه القولُ بمشروعيتِها، إما على سبيلِ الندبِ أو الوجوبِ؟ (^١)، وإذا فَعَلَ أمرًا ليس بعبادةٍ، فهلْ ينسبُ إليه القولُ بجوازِه؟\n• تحرير محل النزاع:\nأولًا: إذا خَرَجَ الفعلُ مخرجَ البيانِ للقولِ، فإنَّه يُنْسَبُ إلى إمام المذهبِ (^٢)، كأنْ يُقالَ للإمامِ مثلًا: اشرحْ لنا القدرَ المجزئَ في الوضوءِ، فيغسلُ وجهَه، ولا يتمضمض ولا يستنشق، ويتمّ بقيةَ الوضوءِ، ففي هذه الحالةِ تصحُّ نسبةُ القولِ بعدمِ وجوبِ المضمضةِ والاستنشاقِ إلى الإمامِ (^٣)؛ إذ مثل هذا لا يحتملُ الخلاف.\nثانيًا: محلُّ الخلافِ في نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على فعلِه، إذا لم يخرج الفعلُ مخرجَ البيانِ (^٤).\n• الأقوال في المسألةِ:\nاختلفَ العلماءُ في صحةِ نسبةِ القولِ إلى إمام المذهبِ بناءً على فعلِه على قولين:\nالقول الأول: صحةُ نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على فعلِه.\n_________\n(^١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٩/ ١٥٣).\n(^٢) انظر: الموافقات (٥/ ٢٥٨، ٢٦٢).\n(^٣) انظر: تحرير المقال للدكتور عياض السلمي (ص/ ٣٧).\n(^٤) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٩/ ١٥٣).","vol":"1","page":262},{"text":"وهذا القولُ وجهٌ عند الحنابلةِ (^١). ونسبه ابنُ حامدٍ إلى عامّةِ الحنابلةِ (^٢). ووصفه المرداويُّ بأنَّه الصحيحُ مِن المذهبِ (^٣).\nواختاره جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: ابنُ حامدٍ (^٤)، وابنُ حمدانَ (^٥)، وأبو إسحاقَ الشاطبي (^٦)، وابنُ مفلحٍ (^٧)، وابنُ المبردِ (^٨).\nويقولُ صدرُ الدّينِ السلمي (^٩): \"لم أرَ التصريحَ به - أيْ: بنسبةِ القولِ إلى الشافعي بناءً على فعلِه - لأصحابِنا، ولكنْ مقتضى ما قلنا في الفرعِ قبله - إذا نصَّ على حكمٍ، ونُقِلَ عنه أنَّه عمل بخلافِه - أنْ يُجعل ذلك مذهبًا له\" (^١٠).\nوظاهرُ قولِ تقيِّ الدينِ بنِ تيميةَ أنَّه يرى صحةَ النسبةِ عن طريقِ الفعلِ\n_________\n(^١) انظر: المسودة (٢/ ٩٤٦)، وصفة الفتوى (ص/ ١٠٣)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٩/ ١٥٢)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٠٩).\n(^٢) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٤١٢).\n(^٣) انظر: التحبير (٨/ ٣٩٦٤).\n(^٤) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٤١٠).\n(^٥) انظر: صفة الفتوى (ص/ ١٠٣).\n(^٦) انظر: الموافقات (٥/ ٢٦٢).\n(^٧) انظر: الفروع (١/ ٤٧).\n(^٨) انظر: شرح غاية السول (ص/ ٤٣٥).\n(^٩) هو: محمد بن إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن السلمي المناوي، صدر الدين أبو المعالي، ولد بمصر سنة ٧٤٢ هـ أخذ العلم عن شيوخ بلده، وكان شافعي المذهب، فقهيًا أصوليًا، مهابًا شهمًا، درَّس في عدد من المدارس، وولي الإفتاء بدار العدل، والقضاء بالديار المصرية، من مؤلفاته: كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح، وفرائد الفوائد وتعارض القولين لمجتهد واحد، توفي غريقًا في نهر الزاب بالقرب من الموصل، سنة ٨٠٣ هـ. انظر ترجمته في: إنباء الغمر لابن حجر (٤/ ٣١٥)، والدليل الشافي لابن تغري بردي (٢/ ٥٧٧)، والضوء اللامع للسخاوي (٦/ ٢٤٩)، وشذرات الذهب لابن العماد (٧/ ٣٤)، وحسن المحاضرة للسيوطي (٢/ ١٥٥).\n(^١٠) فرائد الفوائد (ص/ ٤٥). تنبيه: جعل الدكتور عياض السلمي في: تحرير المقال (ص/ ٣١)، والدكتور يعقوب الباحسين في: التخريج عند الفقهاء والأصوليين (ص/ ٢٢٥) القولَ الأول وجهًا للشافعية، أخذًا من كلام تقي الدين بن تيمية في مجموع الفتاوى (١٩/ ١٥٣).\nوهذا محل نظر؛ لأن سياق المسألة عند تقي الدين بن تيمية فيما إذا تعارض الفعل مع القول، فللشافعية في هذه الحالة وجهان.","vol":"1","page":263},{"text":"إنْ غَلَبَ على إمامِ المذهبِ التقوى والورعُ (^١).\nالقول الثاني: عدمُ صحةِ نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على فعلِه.\nوهذا القولُ وجهٌ عند الحنابلةِ (^٢). ونسبه ابنُ حامدٍ إلى طائفةٍ مِن الحنابلةِ (^٣). واختاره: شمسُ الدّين بنُ القيّمِ (^٤).\n• أدلة القولين:\nأدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: قول النبي - ﷺ -: (إنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ) (^٥).\n_________\n(^١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٩/ ١٥٢ - ١٥٣).\n(^٢) انظر: صفة الفتوى (ص/ ١٠٣)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٩/ ١٥٢)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٠٩)، والتحبير (٨/ ٣٩٦٤).\n(^٣) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٤١٢).\n(^٤) انظر: إعلام الموقعين (٥/ ٨٤).\n(^٥) جاء هذا اللفظ قطعة من حديث أبي الدرداء - ﵁ -، وأول الحديث: (من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا ...)، وأخرجه: أبو داود في: سننه، كتاب: العلم، باب: الحث على طلب العلم (ص/ ٥٥١)، برقم (٣٦٤١)؛ والترمذي في: جامعه، كتاب: العلم عن رسول الله - ﷺ -، باب: ما جاء في فضل الفقه على العبادة (ص / ٦٠٤)، برقم (٢٦٨٢)؛ وابن ماجه في: سننه، في: المقدمة، باب: فضل العلماء والحث على طلب العلم (ص/ ٥٦)، برقم (٢٣٣)؛ وأحمد في: المسند (٣٦/ ٤٥٠٤٦)، برقم (٢١٧١٥)؛ والدارمي في: السنن، في: المقدمة، باب: فضل العلم والعالم (١/ ٣٦١ - ٣٦٢)، برقم (٣٥٤)؛ والفسوي في: المعوفة والتاريخ (٣/ ٥٠٣)؛ والطحاوي في: شرح مشكل الآثار، باب: بيان مشكل حديث النبي في تركه أخذ ميراث مولاه الذي سقط من نخله فمات ... (٣/ ١٠)، برقم (٩٨٢)؛ وابن حبان في: صحيحه، كتاب: العلم، باب: ذكر وصف العلماء الذين لهم الفضل (١/ ٢٨٩)، برقم (٨٨)، وقال: \"في هذا الحديث بيانٌ واضحٌ أنَّ العلماء الذين لهم الفضل الذي ذكرنا: هم الذين يعلِّمون علم النبي، دون غيره من سائر العلوم\". والبيهقي في: شعب الإيمان، فصل: في فضل العلم وشرف مقداره (٤/ ٣٢٦ - ٣٢٩)، بالرقمين (١٥٧٣، ١٥٧٤)؛ وابن عبد البر في: جامع بيان العلم وفضله (١/ ١٦٠ - ١٧١)، بالأرقام (١٦٩ - ١٧٩)؛ والخطيب البغدادي في: الرحلة في طلب الحديث (ص/ ٧٧ - ٨٢)، بالأرقام (٤ - ٦)؛ والبغوي في: شرح السنة، باب: فضل العلم (١/ ٢٧٥)، برقم (١٢٩)، وقال: \"هذا حديث غريب، لا يعرف إلا من حديث عاصم بن رجاء بن حيوة\". =","vol":"1","page":264},{"text":"وجه الدلالة من الحديث: أنَّ وراثةَ الأنبياءِ تكون في: العلمِ والتبليغِ والهدايةِ والاتباعِ، والوراثةُ تقتضي أنْ لا يأتي الإمامُ بما لا دليلَ له عليه (^١).\nيقولُ ابنُ حامدٍ: \"مقاماتُ العلماءِ بمثابةِ مقاماتِ صاحب الشريعةِ\" إذ لا يجوزُ لعالمٍ أنْ يأتي في عملِه كلِّه شيئًا إلا مِنْ حيثُ الدليلُ شقيق الحقِّ المبين\" (^٢).\nويقولُ أبو إسحاقَ الشاطبيُّ: \"إذا ثَبَتَ أنَّ المفتي قائمٌ مقامَ النبي، نائبٌ منابَه، لزمَ مِنْ ذلك أنَّ أفعالَه محل للاقتداءِ أيضًا، لأنه وارثٌ، وقد كان المورِّثُ قدوةً بقولِه وفعلِه، فكذلك الوارثُ، وإلا لم يكنْ وارثًا على الحقيقةِ\" (^٣).\nمناقشة الدليل الأول: ليس في الحديثِ دلالةٌ على نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهب أخذًا مِنْ فعلِه، ولا على التسويةِ بين أفعالِ النبي - ﷺ -، وأفعالِ الأئمةِ المجتهدين، وغايةُ ما دلَّ عليه الحديثُ أنَّ العلماءَ ورثوا العلمَ عن الأنبياءِ، والوراثةُ تعني بصيرتَهم بأحكامِ الشريعةِ (^٤).\n_________\n= وذكر البخاريُّ الحديثَ في: صحيحه، في كتاب: العلم، بعد باب: العلم قبل القول والعمل. ويقول ابن حجر في: فتح الباري (١/ ١٦٠) عن الحديث: \"حسَّنه حمزةُ الكناني، وضعفه غيرهم باضطراب في سنده، لكن له شواهد يتقوى بها، ولم يفصحْ المصنفُ - أي: البخاري - بكونه حديثًا؛ لذا لا يُعدُّ في تعاليقه، لكن إيراده له في الترجمة يشعر بأنَّ له أصلًا ... \".\nوحسن الحديثَ ابنُ القيم في: مفتاح دار السعادة (١/ ٢٠٣)، والألباني في: تعليقه على السنن في المواطن السابقة.\nوقال الألبانيُّ في: صحيح الترغيب والترهيب (١/ ١٣٩)، حاشية (١): \"مدار الحديث على داود بن جميل عن كثير بن قيس، وهما مجهولان، لكن أخرجه أبو داود من طريق أخرى عن أبي الدرداء بسندٍ حسنٍ\". وقارن بالتوضيح لابن الملقن (٢/ ٣٢٢ - ٣٢٤).\n(^١) انظر: صفة الفتوى (ص/ ١٠٣ - ١٠٤).\n(^٢) تهذيب الأجوبة (١/ ٤١٤) بتصرف يسير.\n(^٣) الموافقات (٥/ ٢٦٢) بتصرف.\n(^٤) انظر: تحرير المقال للدكتور عياض السلمي (ص/ ٣٥)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٢٢٨). وانظر للاستزادة في معنى الحديث: مفتاح دار السعادة لابن القيم (١/ ١٩٣) ط/ ابن حزم.","vol":"1","page":265},{"text":"الدليل الثاني: لم يَزَل العلماءُ ينسبون أقوالَ الصحابةِ - ﵃ - إليهم، بناءً على الفعلِ الصادرِ منهم (^١).\nمناقشة الدليل الثاني: لا يُسلَّم بأنَّ ما ذكروه هو منهج العلماءِ في الفعلِ الصادرِ مِن الصحابةِ - ﵃ -، وما ذكروه داخلٌ في محل النزاع؛ وهو دعوى تحتاجُ إلى دليلٍ (^٢).\nالدليل الثالث: أنَّ في طبائعِ البشرِ التأسيَّ بفعلِ مَنْ يعظمونه، لا يقدرون على الانفكاكِ عنه بوجهِ، وقد ظَهَرَ هذا في عهدِ النبي - ﷺ -، حين دعا قومَه إلى الإيمانِ، كان بعضُ مَنْ كَفَرَ قد تمسَّكَ بالتأسيِ بالآباءِ، كما قالَ الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (^٣).\nوكذلك الصحابةُ - ﵃ - اقتدوا بفعلِه - ﷺ -، بلْ رُبَّما تَرَكَ الصحابةُ - ﵃ - قولَه لفعلِه، كما جاءَ هذا لما نهاهم عن الوصالِ (^٤)، فلم ينتهوا، واحتجوا بأنَّه - ﷺ - يواصل (^٥)، فكانوا يبحثون عن أفعالِه - ﷺ -، كما يبحثون عن أقواله.\nوإذا كانَ هذا شأنُ الفعلِ؛ فيستبعد على العالم أنْ تُقْدِمَ على فعلِ، ويرى الناسَ حولَه يقتدون بفعلِه، ولا يكون فعلُه موافقًا لرأيه (^٦).\n_________\n(^١) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٤١٤).\n(^٢) انظر: تحرير المقال للدكتور عياض السلمي (ص/ ٣٦)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٢٢٨ - ٢٢٩).\n(^٣) من الآية (٢١) من سورة لقمان.\n(^٤) الوصال: أن لا يفطر الصائم بين اليومين. انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٢/ ٧٩)، والبحر الرائق لابن نجيم (٢/ ٢٧٨)، وكشاف القناع للبهوتي (٥/ ٣٣٩).\n(^٥) أخرج حديث وصال النبي - ﷺ - ونهيه للصحابة - ﵃ -: البخاري في: صحيحه، كتاب: الصوم، باب: بركة السحور من غير إيجاب (ص/ ٣٦٤)، برقم (١٩٢٢)؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: الصيام، باب: النهي عن الوصال في الصوم (١/ ٤٩٠)، برقم (١١٢) من حديث ابن عمر - ﵄ -.\n(^٦) انظر: الموافقات (٥/ ٢٦٢ - ٢٦٥)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٢٢٧)، ونظرية التخريج للدكتور نوار بن الشلي (ص/ ١٣١).","vol":"1","page":266},{"text":"مناقشة الدليل الثالث: أنَّ ما ذكروه لا يكفي لأنْ يكونَ دليلًا شرعيًا على شرعيةِ التأسي بالمفتي، إذا لم يَقْصِد البيانَ بفعلِه (^١).\nويمكنْ أنْ يضافَ وجهٌ آخر في المناقشة، وهو: أنَّ ما ذكروه حثٌّ للعالمِ على أنْ لا يصدرَ منه فعلٌ إلا وهو يرى إباحتَه أو مشروعيته، وليس فيه ما يدلّ على أنَّ العالمَ لا يَقَعُ منه إلا ما يرى إباحته أو مشروعيته.\nأدلةُ أصحابِ القولِ الثانى: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: أنَّ إمامَ المذهب بشرٌ، وهو غيرُ معصوم، يجوز عليه السهوُ والنسيانُ والجهلُ والتهاونُ، فلعله فعلَ الشيءَ نسيانًا أو ذهولًا، أو كانَ غيرَ متأمّلٍ ولا ناظرٍ (^٢).\nمناقشة الدليل الأول: ما ذكرتموه مِن الاحتمالاتِ في فعلِ إمامِ المذهب، تَرِدُ أيضًا في قولِه، فيمكن فيه الخطأُ والنسيانُ والغفلةُ؛ لأنَّ القائلَ لَيس بمعصومٍ، وإذا لم تُعْتَبرْ هذه الاحتمالات في القولِ، لم تكن معتبرة في الفعلِ (^٣).\nالجواب عن المناقشة: هناك فرقٌ بين القولِ والفعلِ؛ وذلك من وجهين:\nالوجه الأول: بالمشاهدةِ، فكثيرٌ من المنتصبين للفتيا يَزِنون أقوالَهم وزنًا تامًّا، مع أنَّ أفعالَهم قد يكون فيها شيءٌ مِن مخالفةِ ما يُفتونَ به الناسَ؛ ترخصًا لأنفسِهم، ولا سيما في بابِ المندوباتِ والمكروهاتِ (^٤).\nالوجه الثاني: أنَّ احتمالَ الخطأِ في الفعلِ أكثرُ منه في القولِ؛ لأن\n_________\n(^١) انظر: تعليق دراز على الموافقات (٥/ ٢٦٢).\n(^٢) انظر: صفة الفتوى (ص/ ١٠٤)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٩/ ١٥٢)، وإعلام الموقعين (٥/ ٨٤).\n(^٣) انظر: الموافقات (٥/ ٢٦٥).\n(^٤) انظر: تعليق دراز على الموافقات (٥/ ٢٦٥).","vol":"1","page":267},{"text":"الإنسانَ قد ينساقُ إلى الفعلِ بطبعِه دونَ انتباهٍ إلى إباحةٍ أو عدمِها (^١).\nوإذا ثَبَتَ الفرقُ بين القولِ والفعلِ، ساغَ التفريقُ بينهما في الحكمِ.\nالدليل الثاني: أنَّ أفعالَ النبي - ﷺ - ليستْ كلها على سبيلِ الوجوب، بلْ لها أحكامٌ مختلفةُ المراتبِ؛ وهذا يدلُّ على ضعفِ دلالةِ الفعلِ (^٢).\nمناقشة الدليل الثاني: أن أفعالَ النبي - ﷺ -، وإن اختلفتْ مراتبُها، لكنها لا تخرج عن أنْ تكون دِيْنًا، ونحن نريدُ إثباتَ الجوازِ؛ وهذا يتحققُّ بمجرّدِ الفعلِ (^٣).\n• الموازنة والترجيح:\nمِنْ خلالِ النظرِ في القولين، وما استدلوا به، يظهرُ لي أنَّ الفعلَ إذا اقترنتْ به قرينةٌ دالةٌ لي أنَّ ما فعلَه إمامُ المذهب هو رأيه، نُسِبَ القولُ إليه بناءً على فعلِه؛ وإذا تجرَّد الفعلُ عن القرينةِ لمَ ينسبْ إليه؛ وذلك لتطرّقِ الاحتمالِ إلى الفعلِ المجرّدِ عن القرينةِ، إذْ يحتملُ أنَّ الإمامَ فعله نسيانًا أو سهوًا أو غفلة، ونحو ذلك، أمَّا إذا احتفتْ بالفعلِ قرينةٌ، فإنَّ هذه الاحتمالاتِ تُعَدُّ احتمالات مرجوحة.\nمثالُ القرينةِ التي تحتفّ بالفعلِ: تكررُ الفعلِ مِن الإمامِ المعروفِ بالتقوى والورعِ، فإن تكررَ الفعلِ من الإمامِ، وتقواه قرينتان دالتان على نسبةِ القولِ إليه بناءً على فعلِه (^٤).\nومثالُ الفعلِ الذي لم تحتف به قرينةٌ: إذا فَعَلَ الإمامُ أمرًا مرةً واحدةً، دونَ قرينةٍ، فلا ينسبُ القولُ إليه بناءً على فعلِه.\n_________\n(^١) انظر: تحرير المقال للدكتور عياض السلمي (ص/ ٣٦).\n(^٢) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٤١٣)، وتحرير المقال للدكتور عياض السلمي (ص/ ٣٤)، ونظرية التخريج للدكتور نوار بن الشلي (ص/ ١٣٣).\n(^٣) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٤١٥).\n(^٤) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٩/ ١٥٢).","vol":"1","page":268},{"text":"• نوع الخلاف:\nالخلافُ بين القولين خلافٌ معنوي، ويظهرُ أثره في المسألتين اللتين ذكرتُهما في أثرِ الخلافِ في صحةِ نسبة القولِ إلى الإمامِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ.\n* * *","vol":"1","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>الفرع الرابع: السكوت</span>\nمِن الطرقِ التي قد يُنسب بها القولُ إلى إمامِ المذهبِ السكوتُ، وللسكوتِ صورتان:\nالصورة الأولى: أنْ يُفعلَ أمرٌ عند إمامِ المذهب، ويسكتَ عن إنكارِه، فهلْ يُعَدُّ سكوتُه إقرارًا منه على جوازِ الفعلِ؟ (^١).\nالصورة الثانية: أنْ يفتي إمامُ المذهبِ بحُكم، ثم يعترض عليه معترضٌ، فيسكت الإمامُ عن الجواب، فهلْ يُعَدُّ سكوتُه رجوعًا عنْ قولِه؟ (^٢).\nونظرًا لتقاربِ أدلةِ الصورتين، فإنَّني ساسوقُ الكلام فيهما في سياقٍ واحدٍ.\n• الأقوال في المسألة:\nاختلفَ العلماءُ في سكوتِ إمامِ المذهبِ عمَّا يقعُ أمامَه، هل يُعَدُّ إقرارًا له؟ وفي سكوتِه بعد الاعتراضِ على جوابِه، هلْ يُعَدُّ رجوعًا؟ على قولين:\nالقول الأول: لا يُعَدّ سكوتُ إمام المذهب إقرارًا للفعلِ، ولا رجوعًا عن القولِ.\nهذا القولُ وجهٌ عند الحنابلةِ (^٣). ونسبه ابنُ حامد إلى أكثرِ الحنابلة (^٤)،\n* * *\n_________\n(^١) انظر: الموافقات (٥/ ٢٦٥).\n(^٢) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٤٢٣)، وصفة الفتوى (ص/ ٩٥)، والمسودة (٢/ ٩٤٥)، والإنصاف (١٢/ ٢٥١).\n(^٣) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٤٢٣)، وصفة الفتوى (ص/ ٩٥)، والفروع لابن مفلح (١/ ٤٩).\n(^٤) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٤٢٥).","vol":"1","page":270},{"text":"ونسبه ابنُ حمدان إلى بعضِهم (^١). واختاره: المرداويُّ (^٢)، وابنُ المبرد (^٣).\nالقول الثاني: أنَّ سكوتَ إمامِ المذهب إقرارٌ على الفعلِ، ورجوعٌ عن القولِ في حالة ما إذا اعتُرضَ عليه فسكت.\nصرَّح بانَّه إقرارٌ على جوازِ الفعلِ: أبو إسحاقَ الشاطبيُّ (^٤). وصرَّح بأنَّه رجوعٌ عن القولِ في حالةِ ما إذا اعترضَ عليه فسكت: ابنُ حامدٍ (^٥).\nوهذا القولُ وجهٌ عند الحنابلةِ (^٦). ونسبه ابنُ حامدٍ إلى أكثرِ الحنابلةِ (^٧).\n* أدلة القولين:\nأدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: قد يسكتُ إمامُ المذهبِ لعدّةِ احتمالات؛ فقد يكون في مرحلةِ النظرِ، أو أنَّه لم يتبيّنْ له رأي، أو أنَّه كَرِهَ الكلامَ في المسألةِ؛ لوجودِ شُبهةٍ، أو لخوفِ فتنةٍ تترتبُ على إنكارِه، أو أنَّ قولَه مشتهرٌ فلا حاجةَ إلى إعادتِه، إلى غير تلك الاحتمالاتِ التي لا يكونُ معها السكوتُ دالًا على الإقرارِ والموافقةِ، وإذا ئَبَتَ هذا، فليس السكوتُ طريقًا إلى إثباتِ قولِ الإمامِ (^٨).\nمناقشة الدليل الأول: ما ذكرتموه مِن الاحتمالاتِ واردةٌ، لكنَ الظاهرَ والأرجحَ منها: أنَّ السكوتَ لأجلِ الرضا والموافقةِ (^٩).\n_________\n(^١) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٩٥).\n(^٢) انظر: تصحيح الفروع (١/ ٥٠).\n(^٣) انظر: شرح غاية السول (ص/ ٤٣٥).\n(^٤) انظر: الموافقات (٥/ ٢٦٥).\n(^٥) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٤٢٥)، وصفة الفتوى (ص/ ٩٦).\n(^٦) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٩٥)، والفروع لابن مفلح (١/ ٤٩).\n(^٧) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٤٢٥).\n(^٨) انظر: المصدر السابق (١/ ٤٢٥ - ٤٢٦)، وصفة الفتوى (ص/ ٩٥)، ونظرية التخريج للدكتور نوار بن الشلي (ص/١٣٧).\n(^٩) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٤٣٦ - ٤٣٧).","vol":"1","page":271},{"text":"ويمكن الجواب عن المناقشة: بأنَّ ما ذكرتموه مِنْ أنَّ الأرجحَ مِن تلك الاحتمالاتِ هو الرِّضا، ادِّعاءٌ لا دليلَ عليه؛ وليس للرِّضا ما يميّزه عن غيرِه مِن الاحتمالاتِ المذكورةِ في الدليلِ، فلا تُسلّم لكم المناقشة.\nالدليل الثاني: عملُ الفقهاءِ دالٌّ على أنَّ السكوتَ ليس برضا، فالفقيهُ يرى غيرَه يأتي في صلاتِه مثلًا بما يخالفُه ولا يرتضيه، ومع ذلك لا يردُّ عليه، ولا يخاصمه في رأيه، وإذا ثَبَتَ هذا، فإن السكوتَ ليس بطريقٍ لإثباتِ قولِ الإمامِ (^١).\nمناقشة الدليل الثاني: ما ذكرتموه في الدليلِ يختلفُ القولُ فيه تَبَعًا لمَنْ يتوجّه إليه الإنكارُ، والناسُ في هذا المقامِ ثلاثةُ أقسام:\nالقسم الأول: العامّةُ، ولا يلزمُ الفقيه الإنكارُ عليهم، وله السكوتُ، إذا أتوا مذهبًا متبعًا، وإنْ بيّنَ لهم، فهو أفضلُ.\nالقسم الثاني: فقهاء على غيرِ مذهبِه، فهؤلاءِ لا يلزمُه الإنكارُ عليهم، وله السكوتُ؛ لأنَّهم في الغالبِ لا يرجعون عن قولِهم إلى قولِه.\nالقسم الثالث: فقهاء على مذهبِه، فيلزمه الإنكارُ عليهم، وليس له السكوتُ، إلا على يقينٍ مِنْ جوازِ فعلِهم.\nوإذا تقرر هذا، كان السكوتُ حينئذٍ طريقًا لإثباتِ قولِ الإمامِ (^٢).\nأدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: إذا سَكَتَ النبيُّ - ﷺ - عن الشيءِ، دلَّ سكوته على إقرارِه والرضا به، والعلماءُ ورثةُ النبي - ﷺ -، كما قالَ - ﷺ -: (إنَّ العلماء ورثة الأنبياء) (^٣)، وإذا ثَبَتَ أنَّ السكوتَ دليلٌ على الإقرارِ في حقِّ النبي - ﷺ -،\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (١/ ٤٢٦).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (١/ ٤٣٧ - ٤٣٨).\n(^٣) تقدم تخريج الحديث في: (ص/ ٢٦٤).","vol":"1","page":272},{"text":"فإنَّه يثبتُ في حقِّ ورثتِه (^١).\nمناقشة الدليل الأول: تقدمَ لنا تفسيرُ معنى الوراثةِ المذكورةِ في الحديثِ، وهناك فرقٌ بين النبي - ﷺ - وبقيةِ الناسِ، فالنبيُّ - ﷺ - معصومٌ عن الخطأِ، ولا يُقَرُّ عليه، بخلافِ غيرِه.\nالدليل الثاني: دَأَبَ الأئمةُ على إنكارِ المنكرِ إذا رَأَوه، وعلى إنكارٍ القولِ الفاسدِ إذا سمعوا به، وإذا ثبتتْ مبادرتُهم بالإنكارِ، وَجَبَ أنْ يكون سكوتُهم دليلًا على الموافقةِ والرِّضا (^٢).\nمناقشة الدليل الثاني: قد يسكتُ الإمامُ عمَّا يراه، مع عدمِ الرِّضا والموافقةِ، إمَّا لأنَّ سكوتَه لعارضِ اقتضى السكوت، وإمَّا أن غيرَه قد كفاه، وإمَّا لأنَّه لم يتبيّنْ له رأيٌ فيما رآه أو سمعه، وإمَّا لسببٍ خفي لم نطلعْ عليه، فدلالةُ السكوتِ على الموافقةِ احتمالٌ، ليس له ما يرجّحُه (^٣).\n* الموازنة والترجيح:\nمِنْ خلالِ النظرِ في القولين، وما استدلوا به، يظهرُ لي رجحانُ القولِ الأولِ القائلِ بأنَّ السكوتَ ليس بطريقِ لإثباتِ قولِ الإمامِ في الصورتين:\nالصورة الأولى: أنْ يُفعلَ أمرٌ عند إمامِ المذهب، ويسكتَ عن إنكارِه، فهلْ يُعَدُّ سكوتُه إقرارًا منه على جوازِ الفعلِ؟\nوالصورة الثانية: أنْ يفتي إمامُ المذهب بحُكمِ، ثم يعترض عليه معترضٌ، فيسكت الإمامُ عن الجوابِ، فهلْ يُعَدُّ سكوتُه رجوعًا عنْ قولِه؟\nوذلك للأسبابِ الآتيةِ:\n_________\n(^١) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٤٢٧)، والموافقات (٥/ ٢٦٥ - ٢٦٦)، ونظرية التخريج للدكتور نوار بن الشلي (ص/ ١٣٦).\n(^٢) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٤٢٧)، والموافقات (٥/ ٢٦٦).\n(^٣) انظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٢٣٥)، والمدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد (١/ ٢٥٩).","vol":"1","page":273},{"text":"الأول: الاحتمالاتُ المتعددةُ للسكوتِ، والتي يصعبُ معها الجزمُ بأرجحيةِ احتمالِ الرِّضا والموافقةِ على بقيةِ الاحتمالاتِ.\nالثاني: أنَّ السكوتَ المجرَّدَ لا يدل على شيءِ، ومِن القواعدِ المقررةِ أنَّه لا ينسبُ لساكتِ قولٌ (^١).\nالثالث: قد تكونُ المسالةُ التي سَكَتَ إمامُ المذهب عنها مسألةً اجتهاديةً، والمسائلُ الاجتهاديةِ يَعذِرُ فيها إمامُ المذهب مخالفَه؛ فلا يُنكرُ عليه.\n* سبب الخلاف:\nمِنْ خلالِ تأمّلِ المسألة يظهرُ لي أنَّ الخلافَ عائدٌ إلى أحدِ السببين الآتيين:\nالسبب الأول: قياسُ إمامِ المذهبِ على النبي - ﷺ - في جعلِ سكوتِه دليلًا على الموافقةِ.\nفمَنْ مَنَعَ من القياسِ لم يجعل السكوتَ دالًا على الموافقةِ، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الأولِ.\nومَنْ ألحقَ إمامَ المذهبِ بالنبي - ﷺ -، جَعَلَ السكوتَ دليلًا على الموافقةِ، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الثاني.\nالسبب الثاني: ترجيحُ احتمالِ الموافقةِ على غيرِه من الاحتمالاتِ في حال سكوتِ إمامِ المذهبِ.\nفمَنْ لم يرجِّح احتمالَ الموافقةِ على غيرِه مِن الاحتمالاتِ، لم يجعل السكوتَ دالًا على الموافقةِ، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الأولِ.\n_________\n(^١) انظر قاعدة: (لا ينسب لساكت قولٌ) في: التمهيد في تخريج الفروع على الأصول للإسنوي (ص/ ٤٥١)، والمنثور في القواعد للزركشي (٢/ ٢٠٦)، والأشباه والنظائر للسيوطي (١/ ٣١٩)، والأشاه والنظائر لابن نجيم (ص/ ١٥٤)، وشرح المجلة للأتاسي (١/ ١٨١).","vol":"1","page":274},{"text":"ومَنْ رجَّحَ احتمالَ الموافقةِ على غيرِه مِن الاحتمالاتِ، جَعَلَ السكوتَ دليلًا على الموافقةِ، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الثاني.\n* نوع الخلاف:\nالخلافُ بين القولين خلافٌ معنوي، ويظهرُ أثرُه في المسألتين اللتينِ ذكرتُهما في أثرِ الخلافِ في صحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ.","vol":"1","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>الفرع الخامس: التوقف</span>\nإذا توقّفَ (^١) إمامُ المذهب في مسألةٍ مِن المسائلِ، فهل يُعدُّ توقفُه قولًا، بحيثُ تصحُّ نسبتُه إليه؟\nقبلَ ذكرِ الأقوالِ؛ تحسنُ الإشارةُ إلى<span data-type=\"title\" id=toc-79> طُرقِ معرفةِ توقّفِ إمامِ المذهبِ</span>.\n\nطرق معرفة توقف إمام المذهب:\nيُعْرَفُ توقفُ إمامِ المذهبِ بطُرقٍ، منها:\nالطريق الأول: تصريحُ إمامِ المذهبِ نفسِه بالتوقفِ.\nقد يصرِّحُ إمامُ المذهبِ في مسألةٍ ما بأنَّه متوقفٌ فيها، فيُعلم توقفُه في هذه الحالةِ بنصِّه الصريحِ.\nمثال ذلك: سُئِلَ الإمامُ أحمد بن حنبل عن الإكراه بالتوعّدِ بغيرِ ضربٍ؟ فقالَ: \"لا أقولُ فيها شيئًا، قد اختلف الناسُ فيها\" (^٢).\nالطريق الثاني: إجابةُ إمامِ المذهبِ التي يُفهم منها التوقّف (^٣).\nقد يُسألُ إمامُ المذهبِ، فيجيب بإجابةٍ يُفْهَمُ منها أنه متوقفٌ في المسألةِ، ويُفْهَمُ التوقفُ بأمورٍ، منها:\n_________\n(^١) عرَّف تقيُّ الدين بنُ تيمية في: المسودة (٢/ ٩٤٨) التوقف بأنه: ترك الأخذ بالأول والثاني، والنفي والإثبات، إن لم يكن فيها قول؛ لتعارض الأدلة وتعادلها. وانظر تعريفات أخرى في: شرح مختصر الروضة (١/ ٣٩١)، والحدود الأنيقة للأنصاري (ص/ ٧٥)، والمدخل المفصَّل إلى مذهب الإمام أحمد (١/ ٢٦٠).\n(^٢) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٥٣٥).\n(^٣) انظر: المدخل المفصَّل إلى مذهب الإمام أحمد (١/ ٢٦٢). وأنبه إلى أن بعض الألفاظ المذكورة - التي يفهم منها التوقف - محل خلاف بين العلماء في إفادتها للتوقف، وسيأتي الحديث عن بعضها.","vol":"1","page":276},{"text":"أولًا: جوابُ الإمام بلفظٍ مشعرٍ بالتوقّفِ؛ كقولِه مثلًا: أجبنُ عنه، أو: لا أجرُؤ عليه، أو: أَتهيبُه، أو: أتوقاه (^١).\nفهذه الألفاظُ ونحوها وإنْ لم تكن صريحةً في توقّفِ الإمامِ؛ إلا أنَّها مشعرةٌ به، وهنا عددٌ مِن الأمثلةِ:\nالمثال الأول: سألَ إسحاقُ بنُ منصورٍ (^٢) الإمامَ أحمدَ بنَ حنبل: عن الرجلِ إذا قال: إنْ اشتريتُ فلانًا، فهو حرٌّ؟ فقالَ: \"إنِّي أجبنُ عنه بعضَ الجبنِ\". وقالَ إسحاقُ بنُ راهويه (^٣): \"وأنا أجبنُ عنه\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: تهذيب الأجوبة (٢/ ٦٨٠)، وصفة الفتوى (ص/ ٦٢)، والإنصاف (٢/ ٤٨٢)، والمدخل إلى أصول الإمام أحمد للدكتور عبد الله التركي (ص/ ٧١٥)، ومفاتيح الفقه الحنبلي للدكتور سالم الثقفي (٢/ ٣٠).\n(^٢) هو: إسحاق بن منصور بن بهرام الكوسج، أبو يعقوب المروزي، ولد بمرو، كان أحد الأعلام الثقات، فقيهًا حافظًا حجةً ثقةً مأمونًا، روى عن الإمام أحمد عددًا من المسائل، وشاركه في الأخذ عن بعض شيوخه، توفي بنيسابور سنة ٢٥١ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (٧/ ٣٨٥)، وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/ ٣٠٣)، وتهذيب الكمال للمزي (٢/ ٤٧٤)، وطبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي (٢/ ٢٠١)، وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٢٥٨)، والوافي بالوفيات للصفدي (٨/ ٤٢٦)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (١/ ٢٥٣)، والمنهج الأحمد للعليمي (١/ ٢١٢)، والدر المنضد له (١/ ٥٧)، وشذرات الذهب لابن العماد (٢/ ١٢٣).\n(^٣) هو: إسحاق بن إبراهيم بن مخلد التميمي الحنظلي المروزي، أبو يعقوب المعروف بابن راهويه، ولد سنة ١٦١ هـ أحد الأئمة الكبار، وشيخ علماء المشرق، وسيد الحفاظ، جمع بين الفقه والحديث، عابدٌ زاهدٌ ثقةٌ مأمون، قال عن نفسه: \"ما سمعتُ شيئًا إلا حفظته، ولا حفظتُ شيئًا قط فنسيته\"، وقال أيضًا: \"أحفظ سبعين ألف حديث عن ظهر قلب\"، وقال عنه الإمام أحمد: \"إسحاق عندنا إمامٌ\"، من مؤلفاته: المسند، والتفسير، توفي بنيسابور سنة ٢٤٣ هـ. انظر ترجمته في: الثاريخ الكبير للبخاري (١/ ٣٧٩)، وحلية الأولياء لأبي نعيم (٩/ ٢٣٤)، وتاريخ مدينة السلام للخطيب (٧/ ٣٦٢)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (١/ ١٩٩)، وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/ ٢٨٦)، وتهذيب الكمال للمزي (٢/ ٣٧٣)، وطبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي (٢/ ٨٥)، وسير أعلام النبلاء (١١/ ٣٥٨)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (٢/ ٤٣٣)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٢/ ٨٣)، وطبقات المفسرين للداودي (١/ ١٠٣).\n(^٤) مسائل الإمام أحمد وإسحاق برواية إسحاق بن منصور (٨/ ٤٢٨٦).","vol":"1","page":277},{"text":"المثال الثاني: سُئلَ الإمامُ أحمدُ بنُ حنبل عن الضفدعِ، والسلحفاةِ؟ فقالَ: \"ما أجترِئُ عليه، ولا بأسَ بأكلِ السلحفاةِ\" (^١).\nثانيًا: جوابُ الإمامِ بتعارضِ الأدلةِ، أو باختلافِ الصحابةِ أو باختلافِ الناسِ، دونَ بيانِ مذهبِه، فيُحكم بتوقّفِه في المسألةِ (^٢).\nيقولُ ابنُ حامدٍ: \"قد يتخرَّجُ في المسألةِ - جواب الإمامِ باختلافِ الصحابةِ - وجهٌ آخر، وهو أنَّه لا يُنسبُ إليه في ذلك مذهبٌ بحالٍ\" (^٣).\nويقولُ - أيضًا -: \"المذهبُ عندي فيما كان هذا طريقُه - أيْ: جواب الإمامِ باختلافِ العلماءِ - لم يقارِن ذلك في مكانٍ مِنْ مذهبِه تفسيرٌ منه: يُكْسِبُنا التوقّفَ\" (^٤).\nأمثلة ذلك:\nالمثال الأول: سألَ صالحٌ الإمامَ أحمدَ بن حنبل عن رجلٍ ماتتْ امرأتُه، هل يجوزُ له أنْ ينظرَ إلى شيءٍ مِنْ محاسنِها؟ فقالَ: \"الناسُ يختلفون في هذا، وقد رُويَ عنْ عمرَ أنَّه قال في امرأةٍ لمَّا تُوفيتْ فقال (^٥) لأوليائها: (أنتم أحقُّ به) (^٦)، ورُوي عن أبي بكرةَ (^٧)\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله (١/ ٥ - ٦).\n(^٢) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٤٤٤، ٥٠٠، ٥٣٤ - ٥٣٦)، وصفة الفتوى (ص/ ١٠٠).\n(^٣) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٤٤٤).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (١/ ٥٣٦).\n(^٥) هكذا ورد في المطبوع من مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (١/ ٢٧١)، وقد ساق ابنُ حامد المسالة في تهذيب الأجوبة (١/ ٤٣٩) دون لفظة: \"فقال\".\n(^٦) لفظ أثر عمر بن الخطاب - ﵁ -: عن مسروقٍ قال: ماتت امرأة لعمر، فقال: (أنا كنت أولى بها إذ كانت حية، أما الآن، فأنتم أولى بها)، وأخرجه: ابن أبي شيبة في: المصنف، كتاب: الجنائز، باب: في الزوج والأخ، أيهما أحق بالصلاة؟ (٧/ ٤٢٤)، برقم (١٢٠٨٤).\nوأخرجه عبد الرزاق في: المصنف، كتاب: الجنائز، باب: من أحق بالصلاة على الميت؟ (٣/ ٤٧٢)، برقم (٦٣٧٣) بلفظ: (الوليّ أحق بالصلاة عليها).\n(^٧) هو: نفيع بن الحارث - وقيل: ابن مسروق - بن كلدة بن عمر بن علاج بن أبي سلمة، أبو بكرة، مشهور بكنيته، مولى رسول الله - ﷺ -، نزل إلى رسول الله - ﷺ - من حصن الطائف، فأسلم في غلمان من غلمان أهل الطائف، وأعلَمَ النبيَّ - ﷺ - أنه عبدٌ، فأعتقه - ﷺ -، كان أبو بكرة =","vol":"1","page":278},{"text":"أنَّه واثب (^١) إخوة امرأتِه حتى أدخلها القبرَ\" (^٢).\nالمثال الثاني: سألَ صالحٌ الإمامَ أحمدَ بن حنبل: الرجلُ يُغسّل امرأته؟ فقالَ: \"فيه اختلافٌ\" (^٣).\nالمثال الثالث: سُئل الإمام أحمد بن حنبل عن شهادةِ العبدِ؟ فقالَ: \"فيها اختلافٌ\" (^٤).\nثالثًا: إطلاقُ الإمام القولين في وقتٍ واحدٍ مِنْ غيرِ ترجيحٍ؛ كأنْ يقولَ: في المسألةِ قولان (^٥).\n_________\n= يقول: (أنا مولى رسول الله - ﷺ -)، وقيل: إن رسول الله - ﷺ - كناه بأبي بكرة؛ لأنه تعلق ببكرة من حصن الطائف، فنزل إلى رسول الله - ﷺ -، روى عنه - ﷺ - جملةً من الأحاديث، وكان من فقهاء الصحابة - ﵃ - وفضلائهم، سكن البصرة، وكان أولاده أشرافًا بالولايات والعلم، وله عقب كثير، توفي - ﵁ - بالبصرة سنة ٥١ هـ وقيل: سنة ٥٢ هـ وقد أوصى أن يصلي عليه أبو برزة الأسلمي. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٧/ ١٥)، والاستيعاب لابن عبد البر (ص/ ٧٨٢)، وتهذيب الكمال للمزي (٣٠/ ٥)، وسير أعلام النبلاء (٣/ ٥)، والعقد الثمين للفاسي (٧/ ٣٤٧)، والإصابة لابن حجر (٦/ ٤٦٧).\n(^١) واثب: لهذه الكلمة عدة معانٍ، أنسبها للمقام معنى: طالَب، أو بادر وسارع. انظر: شمس العلوم للحميري، مادة: (وثب)، (١١/ ٧٠٦٧)، والمغرب في ترتيب المعرب للمطرزي، مادة: (وثب)، (٢/ ٣٤١)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (وثب)، (ص/ ٥٣١).\n(^٢) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (١/ ٢٧١).\nولفظ أثر أبي بكرة - ﵁ -: عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: ماتت امرأة لأبي بكرة، فجاء إخوتها ينازعونه في الصلاة عليها.\nفقال أبو بكرة: (لولا أني أحق بالصلاة عليها ما نازعنكم في ذلك).\nقال: فتقدَّم، فصلى عليها، ثم دخل القبر ...)، وأخرجه: عبد الرزاق في: المصنف، كتاب: الجنائز، باب: من أحق بالصلاة على الميت؟ (٣/ ٤٧٣)، برقم (٦٣٧٤).\nوأخرجه ابن أبي شيية في: المصنف، كتاب: الجنائز، باب: في الزوج والأخ، أيهما أحق بالصلاة؟ (٧/ ٤٢٥)، برقم (١٢٥٩١) مقتصرًا على قول أبي بكرة: (لولا أني أحقكم بالصلاة عليها ما صليت عليها).\n(^٣) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٤٤٠)، ولم أعثر على هذه المسألة في مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح.\n(^٤) انظر: مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (٢/ ٣١٣).\n(^٥) انظر: نهاية السول (٤/ ٤٣٩)، والإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٧١١). وسيأتي مزيد كلام عن مسألة: (إطلاق القولين) في مسألة: (عمل المتمذهب إذا تعددت أقوال إمامه).","vol":"1","page":279},{"text":"يقولُ تاجُ الدّينِ بنِ السبكي: \"إذا نُقِلَ عن مجتهدٍ واحدٍ في مسألةٍ واحدةٍ، قولان، ولم يُعقبْ بما يشعرُ بترجيحِ أحدِهما: فيدلُّ على توقّفِه في المسألةِ؛ لعدمِ ترجيحِ دليلِ أحدِ الحُكمين في نظرِه\" (^١).\nمثال ذلك: قولُ الإمامِ الشافعي: \"فإنْ خَطَبَ - أي: الجمعة - بأربعين، ثمَّ كبَّر بهم، ثمَّ انفضوا مِنْ حوله: ففيها قولان ... \". (^٢).\nرابعًا: إعراضُ الإمامِ عن المسألةِ، بقولِه مثلًا: دعها، أو: لا أعرفُها، أو: لا أدري، أو: ما سمعتُ (^٣)، أو: لا أقولُ فيها شيئًا (^٤).\nيقولُ ابنُ حامدٍ تحتَ باب: (البيان عن مذهبِه إذا صَدَرَ منه الجوابُ بأنْ يَدَعَ عنه السؤال): \"ظاهرُ جوابِه بهذا يُؤْذِنُ بأنَّه متوقفٌ عن القطعِ في الحالِ\" (^٥). وقال أيضًا: \"إذا صَدَرَ الجوابُ مِنْ أبي عبدِ الله بـ: ما سمعتُ، ولا أعرفُ، فذلك لا يكسبُ قطعًا بتحريمٍ ولا تحليلٍ، بلْ يقتضي ذلك الوقف لا غير\" (^٦).\nويقولُ ابنُ عابدين: \"توقّف فيه - أيْ: فيما لو حَلَفَ لا يكلمه دهرًا، هل هو للأبد؟ - أبو حنيفةَ، وقال: لا أدريْ ما هو\" (^٧).\nأمثلة ذلك:\nالمثال الأول: سأل إسحاقُ بن منصور الإمامَ أحمدَ بن حنبل عن الصبي إذا أمَّ قبلَ أنْ يحتلمَ؟ فقالَ: \"دعْها\" (^٨).\n_________\n(^١) الإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٧٠٥) بتصرف.\n(^٢) الأم (٢/ ٣٨٠).\n(^٣) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٥٠٤، ٥٧٣)، و(٢/ ٦٧٤، ٦٩٤، ٧٠٥، ٧٢٨)، وشرح العمدة لابن تيمية، كتاب الطهارة (ص/ ٤٥٦)، والإنصاف (٢/ ١٧٧).\n(^٤) انظر: المغني لابن قدامة (١٤/ ٥٨٩).\n(^٥) تهذيب الأجوبة (١/ ٥٧٤).\n(^٦) المصدر السابق (٢/ ٦٧٤) بتصرف يسير.\n(^٧) رد المحتار على الدر المختار (١١/ ٥١٤).\n(^٨) مسائل الإمام أحمد وإسحاق برواية إسحاق بن منصور (١/ ٧٠٤).","vol":"1","page":280},{"text":"المثال الثاني: سُئِلَ الإمامُ أحمدُ بن حنبل عن السَلَمِ (^١) في الفاكهةِ؟ فقالَ: \"ما أدري\" (^٢).\nالمثال الثالث: قولُ أبي حنيفة في الخنثى المشكلِ: \"لا أدري ما أقولُ في هذا\" (^٣).\nالطريق الثالث: حكايةُ تلاميذِ الإمامِ أو أصحابِه عنه أنَّه متوقفٌ (^٤).\nكما ينقلُ تلامذةُ وأصحابُ الإمامِ أقوالَه وأفعالَه، فإنَّهم أيضًا ينقلون توقفاته، ويُعَدُّ هذا طريقًا لمعرفةِ توقفِ إمامِ المذهبِ.\nأمثلة ذلك:\nالمثال الأول: يقول ابن مفلحٍ: \"هل صلاةُ مَنْ أذَّن لصلاتِه بنفسِه أفضلُ؟ ... أم يُحتمل أنَّها وصلاةُ مَنْ أُذنَ له سواء؟ ... ذَكَرَ القاضي أنَّ أحمدَ توقّفَ\" (^٥).\nالمثال الثاني: يقولُ المرداويُّ: \"لو أدّاها - أيْ: الشهادة - بخطِّه: فقد توقّفَ الإمامُ أحمدُ، ﵀\" (^٦).\nفإذا توقَّف الإمامُ في حكمِ مسألةٍ، فهل يُعَدُّ توقفُه قولًا، بحيث تصحُّ نسبتُه إليه؟\n* تحرير محل النزاع:\nأولًا: إذا توفف الإمامُ، ثم تبيّنَ له رأيٌّ محددٌ، فليس متوقفًا (^٧).\n_________\n(^١) السَلَم: بيع شيءٍ موصوفٍ في الذمّة، ببدلٍ يعطى عاجلًا. انظر: نهاية المطلب للجويني (٦/ ٥)، والبيان للعمراني (٥/ ٣٩٤)، ومنهاج الطالبين للنووي (٢/ ٧١)، وشرح المهذب للسبكي (١٣/ ٩٤)، وأسنى المطالب للأنصاري (٢/ ١٢٢).\n(^٢) مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (٣/ ٦٤).\n(^٣) البناية في شرح الهداية للعيني (١٢/ ٦٦٥).\n(^٤) انظر: المدخل المفصَّل إلى مذهب الإمام أحمد (١/ ٢٦٣).\n(^٥) الفروع (٢/ ٧).\n(^٦) الإنصاف (١٢/ ٣٩).\n(^٧) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٤٤٣، ٥٠٨)، وصفة الفتوى (ص/ ١٠١)، والإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٧٠٥).","vol":"1","page":281},{"text":"ثانيًا: إذا ثَبَتَ توقّفُ الإمامِ، ولم يأْتِ ما يدلُّ على قولِه، فهذا محلُّ النزاعِ.\n* الأقوال في المسألة:\nاختلفَ العلماءُ في هذه المسألةِ على قولين:\nالقول الأول: أنَّ التوقفَ قولٌ، فتصحُّ نسبتُه إلى إمامِ المذهبِ.\nوهذا قولُ أبي الوفاءِ بنِ عقيل (^١)، والمرداوي (^٢)، وابنِ النجار (^٣).\nوقال عنه المرداويُّ: \"هو المعمولُ به عندَ العلماءِ\" (^٤).\nالقول الثاني: أنَّ التوقفَ ليس بقولٍ، فلا تصحُّ نسبتُه إلى إمامِ المذهبِ.\nوهذا قولُ أبي حامدٍ الغزالي (^٥)، وابنِ رشدٍ (^٦)، والفخرِ الرازي (^٧)، ومحمدٍ الدسوقي (^٨).\nوذَكَرَ القولَ الثاني: أبو الوفاءِ ابنُ عقيلٍ (^٩)، وابنُ مفلحٍ (^١٠)، ولم ينسباه إلى أحدٍ.\n* أدلة القولين:\nدليلُ أصحاب القولِ الأول: أنَّ المتوقفَ يفتي بقولِه، ويدعو إليه ويقرره، ويناظرُ لنصَرتِه، وما كان هذا شأنه، فإنَّه قولٌ، وإذا ثَبَتَ أنَّه قولٌ، صحّتْ نسبتُه إلى الإمامِ (^١١).\n_________\n(^١) انظر: الواضح في أصول الفقه (١/ ٣١ - ٣٢).\n(^٢) انظر: التحبير (٢/ ٨١٢).\n(^٣) انظر: شرح الكوكب المنير (١/ ٣٤٤).\n(^٤) انظر: التحبير (٢/ ٨١٢).\n(^٥) انظر: المستصفى (٢/ ٧٢).\n(^٦) انظر: الضروري في أصول الفقه (ص/ ١٤٢).\n(^٧) انظر: المحصول في علم أصول الفقه (٥/ ٣٩١).\n(^٨) انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٥٦).\n(^٩) انظر: الواضح في أصول الفقه (١/ ٣١).\n(^١٠) انظر: أصول الفقه (١/ ١٨٤).\n(^١١) انظر: الواضح في أصول الفقه (١/ ٣١)، والتحبير (٢/ ٨١٢).","vol":"1","page":282},{"text":"دليلُ أصحابِ القولِ الثاني: أنَّ حقيقةَ التوقفِ خروجٌ عن الأقوالِ، وتعطيلٌ لها، وإذا كانت تلك حقيقةُ التوقفِ، فإنَّه لا يُعَدُّ قولًا (^١).\n* الموازنة والترجيح:\nمِنْ خلالِ النظرِ في القولين، وما استدلوا به، يظهرُ لي أنَّ الراجحَ في المسألةِ هو التفصيلُ الآتي:\n- إنْ كان سببُ التوقفِ تعارضَ الأدلة، مع عدمِ المرجّحِ، فالتوقفُ حينئذٍ قولٌ.\n- إنْ كان سببُ التوقفِ عدمَ النظرِ في المسألةِ ابتداءً، أو عدمَ استكمالِه، فلا يُعَدّ التوقف حينئذٍ قولًا.\n* سبب الخلاف:\nبيّن عبدُ الله العلوي أنَّ الخلافَ في المسألةِ عائدٌ إلى الشكِّ، أهو حكمٌ أم لا؟\nفإنْ قلنا: الشكُّ حكمٌ، كان التوقفُ حينئذٍ قولًا، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الأولِ.\nوإنْ قلنا: الشكُّ ليس بحُكمٍ، لم يكن التوقفُ حينئذٍ قولًا، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الثاني (^٢).\nوهناك قولٌ ثالثٌ في المسألةِ، وهو أنَّ الشاكَّ إنْ نَشَأَ شكُّه عن تعارضِ الأدلةِ، فهو حاكمٌ بالترددِ، وإنْ نَشَأَ شكُّه؛ لعدمِ النظرِ، فهو غيرُ حاكمٍ، وهذا يتفقُ مع ما رجحتُه (^٣).\n_________\n(^١) انظر: الواضح في أصول الفقه (١/ ٣١).\n(^٢) انظر: نشر البنود (١/ ٦٣). وتبع عبد الله العلوي في ذكر سبب الخلاف: المرابط في: مراقي السعود (ص/ ٨٨)، ومحمد الأمين الشنقيطي في: نثر الورود (١/ ٤٨).\n(^٣) انظر: المصادر السابقة.","vol":"1","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>الفرع السادس: القياس على القول</span>\nمِن الطرقِ التي يُتَوصّلُ بها إلى معرفةِ قولِ إمام المذهب: قياسُ (^١) ما سَكَتَ عنه على ما نصَّ عليه.\nويسمي بعضُ أهلِ العلمِ القياسَ على القولِ بالتخريجِ (^٢).\nوقبلَ الدخولِ في تفاصيلِ مسألةِ: (القياسِ على قولِ إمامِ المذهب)، أُوْرِدُ بعضَ الأمثلةِ عليها:\nالمثال الأول: صحةُ وصايةِ الصبي (^٣).\nذَهَبَ بعضُ علماءِ الحنابلةِ إلى أنَّ قولَ الإمامِ أحمد بن حنبل في مسألةِ: (وصياية الصبي)، الصحةُ؛ وطريقُ ثبوتِ القولِ هو القياسُ على قولِ الإمامِ أحمدَ بصحّةِ وكالةِ الصبي، وجوازِ بيعِه إذا كان مأذونًا له فيه (^٤).\nالمثال الثاني: وجوب الزكاة في الأشنانِ (^٥)،\n_________\n(^١) عرف القاضي البيضاوي في: منهاج الوصول (٢/ ٨٤٦) مع شرحه السراج الوهاج القياسَ بأنه: إثبات مثل حكم معلوم، في معلوم آخر، لاشتراكهما في علة الحكم، عند المثبت.\nوانظر تعريفات أخرى للقياس في: العدة (١/ ١٧٤)، وإحكام الفصول (ص/ ٥٢٨)، وشرح اللمع (٢/ ٧٥٥)، والبرهان (٢/ ٤٨٧)، وأصول السرخسي (٢/ ١٤٣)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (١/ ٢٤)، وكشف الأسرار للبخاري (٣/ ٢٦٨).\n(^٢) سأتحدث بصورة مفصلة عن التخريج في مسألة: (مصطلحات نقل المذهب).\n(^٣) الوصاية عند الحنابلة: جعل التصرف لغيره بعد موته فيما كان له التصرف فيه. انظر: المغني لابن قدامة (٦/ ١٤٢).\n(^٤) انظر: المغي لابن قدامة (٦/ ٥٧)، والقواعد لابن اللحام (١/ ٧٢).\n(^٥) الأشنان - بضم الهمزة، وكسرها، وعند بعض أهل اللغة أن الضم أعلى -: لفظٌ فارسيٌّ معرَّب، وهو الحُرُض، يستعمله الناسُ للجَرَبِ والحكِّة، وغسل الأيدي على إثر الطعام، وغسل الثياب.\nوجاء في: المعجم الوسيط، مادة: (أشن)، (ص/ ١٩): \"الأشنان: شجر من الفصيلة الرمرامية، ينبت في الأرض الرملية، يستعمل هو، أو رماده في غسل الثياب والأيدي\".=","vol":"1","page":284},{"text":"والكلِأ (^١).\nذَهَبَ بعضُ علماءِ الحنابلة إلى أنَّ قولَ الإمامِ أحمدَ وجوبُ الزكاةِ في الأشنانِ والكلِأ، وطريقُ ثبوتِ القولِ هو القياسُ على إيجابِ الإمامِ أحمدَ الزكاةَ في العسلِ (^٢).\nالمثال الثالث: إبطالُ إلاعتكافِ بلمسِ المرأةِ.\nسُئِلَ ابنُ القاسمِ (^٣) عن المعتكفِ إذا قبّلَ أو لمسَ، أيفسِدُ ذلك اعتكافَه؟ فقال: نعم، بلغني عن مالكِ في القُبِلة أنَّه قالَ: \"ينتقضُ اعتكافُه\"، واللمسُ عندي مثلُ القُبْلةِ (^٤).\n* تحرير محل النزاع:\nأولًا: إنْ كانَ الفرعُ الذي سكتَ عنه إمامُ المذهبِ في معنى ما نصَّ عليه، فحكمُه مثلُ حكمِ ما نصَّ عليه، نحو: أنْ ينصَّ على أنَّ الشفعةَ (^٥)\n_________\n= وانظر: تهذيب اللغة، مادة: (أشن)، (١١/ ٤١٦)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (أشن)، (ص/ ٤٢)، والمطلع على أبواب المقنع للبعلي (ص/ ٣٥)، والقاموس المحيط، مادة: (أشن)، (ص/ ١٥١٧)، والدر النقي لابن المبرد (١/ ٢٦٩)، وتاج العروس، مادة: (حرض)، (١٨/ ٢٨٧)، ومادة: (أشن)، (٣٤/ ١٨٠).\n(^١) الكلأ: العُشْبُ رطبه ويابسه. انظر: القاموس المحيط، مادة: (كلأ)، (ص/ ٦٤).\n(^٢) انظر: الإنصاف (٣/ ٩٩).\n(^٣) هو: عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العُتَقي مولاهم المصري، أبو عبد الله، ولد سنة ١٣٢ هـ أحد أصحاب الإمام مالك والملازمين له، صحبه عشرين سنة، وكان عالم الديار المصرية ومفتيها، فقيهًا عابدًا زاهدًا ورعًا، قال عنه الإمامُ مالك: \"مثله كمثل جراب مملوءٍ مسكًا\"، وقد روى عن الإمام مالك المدونة، توفي بمصر سنة ١٩١ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ١٤١)، وترتيب المدارك للقاضي عياض (٣/ ٢٤٤)، وفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ١٢٩)، وتهذيب الكمال للمزي (١٧/ ٣٤٤)، وسير أعلام النبلاء (٩/ ١٢٠)، والديباج المذهب لابن فرحون (١/ ٤٦٥)، والمقفى الكبير للمقريزي (٤/ ٤٨)، وحسن المحاضرة للسيوطي (١/ ٢٧٩).\n(^٤) انظر: المدونة (١/ ٢٢٧).\n(^٥) الشفعة هي: استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه المنتقلة عنه، من يد من انتقلت إليه. =","vol":"1","page":285},{"text":"لجارِ الدكانِ، فيُعلم مِنْ نصِّه أنَّ الشفعةَ لجارِ الدارِ؛ لأنَّه لا فرقَ بين الدكانِ والدارِ (^١).\nثانيًا: إنْ كان القائسُ الذي يريدُ إلحاقَ الفرعِ الذي سكتَ عنه إمامُ المذهبِ بما نصَّ عليه، ممَّنْ لا معرفةَ له بالقياسِ وأحكامِه معرفةً جيدةً: فلا يصحُّ قياسُه (^٢).\nثالثًا: إنْ كان هناك فرقٌ مؤثّرٌ بين الفرعِ المسكوتِ عنه، وما نصَّ عليه إمامُ المذهبِ، امتنع الإلحاقُ؛ لأنَّ الفارقَ بين الفرعِ والأصلِ مؤثرٌ في القياسِ في نصوصِ الشارعِ، وغيرُها ملحقٌ بها (^٣).\nرابعًا: محل الخلافِ إذا كان القائسُ ذا معرفةٍ بالقياسِ وأحكامِه، ولم يجدْ فرقًا مؤثّرًا بين ما سَكَتَ عنه إمامُه، وما نصَّ عليه، وليس ما سَكَتَ عنه في معنى ما نصَّ عليه، فهل يثبتُ للمسكوتِ عنه مثلُ حكمِ المنصوص على حكمِه؟\n* الأقوال في المسألة:\nاختلفَ العلماءُ في نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهب عن طريقِ القياسِ على أقوال:\nالقول الأول: جوازُ قياسِ ما سَكَتَ عنه إمامُ المذهبِ على ما نصَّ عليه، وصحةُ نسبةِ حُكمِ الفرعِ المسكوتِ عنه إلى الإمامِ.\n_________\n= انظر: المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي، مادة: (شفع)، (١/ ٤٤٨)، والمطلع على أبواب المقنع للبعلي (ص/٢٧٨).\n(^١) انظر: المعتمد (٢/ ٨٦٥)، والتبصرة (ص/ ٥١٧)، والغياثي للجويني (ص/ ٤٢١).\n(^٢) انظر: الغياثي للجويني (ص/ ٤٢٤)، والفروق للقرافي (٢/ ٢٠٢)، والإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام له (ص/ ٢٤٣)، وضوء النهار للحسن الجلال (١/ ١٤١)، ومراقي السعود للمرابط (ص/ ٤٤٨).\n(^٣) انظر: الفروق للقرافي (٢/ ٢٠٢)، والإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام له (ص/ ٢٤٣)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٦٤١)، ونهاية السول (٤/ ٤٤٣)، والبحر المحيط (٦/ ١٢٧)، وسلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٤٤٣).","vol":"1","page":286},{"text":"وهذا قولُ أكثرِ المالكية (^١). ونسبه أبو إسحاقَ الشيرازي إلى بعضِ الشافعيةِ (^٢)، وقال عنه صدرُ الدينِ السلمي: \"إنَّه الأشبه بفعلِ الأصحابِ\" (^٣).\nوهو وجهٌ عند الحنابلةِ (^٤)، وقال عنه ابنُ مفلحٍ: \"إنَّه الأشهرُ\" (^٥)، وقال عنه المرداوي: \"إنَّه الصحيحُ مِن المذهبِ\" (^٦).\nوذَهَبَ إلى هذا القول: ابنُ القاسمِ (^٧)، والأثرمُ (^٨)، وأبو القاسمِ الخرقي (^٩). ونُسِبَ هذا القولُ إلى ابنِ حامدٍ (^١٠). ونَسَبَه إمامُ الحرمين الجويني إلى القاضي أبي بكرٍ الباقلاني (^١١).\nوهو قولُ أبي إسحاقَ التونسي (^١٢)، وإمامِ الحرمين الجويني (^١٣)، وابنِ رشدٍ (^١٤)، وأبي عبدِ الله المازري (^١٥)،\n_________\n(^١) انظر: نشر البنود (٢/ ٣٣٤).\n(^٢) انظر: شرح اللمع (٢/ ١٠٨٤).\n(^٣) فرائد الفوائد (ص/ ١٠٦).\n(^٤) انظر: أصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٠٩).\n(^٥) الفروع (١/ ٤٢).\n(^٦) تصحيح الفروع (١/ ٤٣).\n(^٧) انظر: المدونة (١/ ٢٢٧).\n(^٨) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٣٨٣)، والمسودة (٢/ ٩٣٨)، وصفة الفتوى (ص/ ٨٨).\n(^٩) انظر: المصادر السابقة.\n(^١٠) انظر: المسودة (٢/ ٩٣٨)، وصفة الفتوى (ص/ ٨٨)، وتصحيح الفروع للمرداوي (١/ ٤٣). وسيأتي مزيد بيان فيما يتعلق بنسبة هذا القول إلى ابن حامد.\n(^١١) انظر: البرهان (٢/ ٨٨٥).\n(^١٢) انظر: نشر البنود (٢/ ٣٣٤). وأبو إسحاق التونسي هو: إبراهيم بن حسن بن يحيى المعافري، أبو إسحاق التونسي، كان رجلًا جليل القدر، صالحًا متبتلًا، مجاب الدعوة، أحد فقهاء المذهب المالكي، عارفًا بالحديث والأصول، لم يُرَ مثله في فقهاء قطره وزمنه وقارًا وسمتًا، من مؤلفاته: تعاليق على المدونة، وتعاليق على كتاب ابن المواز، توفي بالقيروان سنة ٤٤٣ هـ. انظر ترجمته في: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٨/ ٥٨)، والديباج المذهب لابن فرحون (١/ ٢٦٩)، والوفيات لابن قنفذ (ص/ ٢٤٤)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ١٠٨).\n(^١٣) انظر: الغياثي (ص/ ٤٢٥).\n(^١٤) انظر: نشر البنود (٢/ ٣٣٤).\n(^١٥) انظر: المصدر السابق. وأبو عبد الله المازري هو: محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي، أبو محبد الله المازَري، ولد سنة ٤٥٣ هـ أحد أعلام المذهب المالكي، ومن أكابر علماء زمانه، وأحد الموصوفين بالذكاء والتيحر في العلوم، كان فقيهًا أصوليًا، بصيرًا =","vol":"1","page":287},{"text":"وابنِ الصلاح (^١)، والطوفي (^٢)، وخليلٍ المالكي (^٣)، وبدرِ الدين الزركشي (^٤)، وابنِ عرفةَ (^٥)، ومحمد الخضري (^٦).\nواختارَ هذا القول بشرطِ نسبتِه إلى الإمامِ مقيّدًا بقولِنا: \"قياسُ قولِه\": تقيُّ الدين بنُ تيمية (^٧)، وابنُ عابدين (^٨)، والشيخُ محمد المطيعي (^٩).\nالقول الثاني: منْعُ قياسِ ما سَكَتَ عنه إمامُ المذهبِ على ما نصَّ عليه، فلا تصحُّ نسبةُ القولِ إلى الإمامِ بناءً على القياسِ.\nوهذا القولُ وجه عند الحنابلةِ (^١٠). ونَسَبَه ابنُ حامدٍ إلى عامّةِ شيوخِه،\n_________\n= بالحديث، دقيق النظر، متبحرًا في العلوم، لم يكن في عصره للمالكية في أقطار الأرض أفقه منه ولا أقوم لمذهبهم، وكان قلمه في العلم أبلغ من لسانه، من مؤلفاته: شرح التلقين، والمعلم بفوائد صحيح مسلم، وإيضاح المحصول من برهان الأصول، توفي سنة ٥٣٦ هـ.\nانظر ترجمته في: الغنية للقاضي عياض (ص/ ٦٥)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ٢٨٥)، وسير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٠٤)، والوافي بالوفيات للصفدي (٤/ ١٥١)، والديباج المذهب لابن فرحون (٢/ ٢٥٠)، ورياض الأزهار للمقري (٣/ ١٦٥)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ١٢٧).\n(^١) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٧).\n(^٢) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٤١).\n(^٣) انظر: مختصر خليل (٦/ ٩٢) مع شرحه مواهب الجليل. وخليل هو: خليل بن إسحاق بن موسى بن شعيب، المعروف بالجندي، ضياء الدين، من أشهر علماء المذهب المالكي في عصره، اشتغل بالتدريس والإفتاء والتاليف، كان علامةً فهامةً صدرًا في علماء القاهرة، مجمعًا على فضله وديانته، ثاقب الذهن، أصيل البحث، مشاركًا في فنون العربية والحديث، من مؤلفاته: شرح مختصر ابن الحاجب الفروعي، والمختصر في الفقه، ومنسك للحج، وشرح على المدونة، لم يكتمل، توفي سنة ٧٧٦ هـ وقيل: سنة ٧٦٧ هـ وقيل: سنة ٧٤٩ هـ.\nانظر ترجمته في: الديباج المذهب لابن فرحون (١/ ٣٥٧)، والدرر الكامنة لابن حجر (٢/ ٨٦)، ودرة الحجال لابن القاضي (١/ ٢٥٧)، ونيل الابتهاج للتنبكتي (ص/ ١٦٨)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٢٢٣).\n(^٤) انظر: البحر المحيط (٥/ ٨٥).\n(^٥) انظر: مواهب الجليل (٦/ ٩٢).\n(^٦) انظر: أصول الفقه (ص/ ٤٧٢).\n(^٧) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٣٥/ ٢٨٩).\n(^٨) انظر: شرح عقود رسم المفتي (ص/ ٨٤).\n(^٩) انظر: سلم الوصول (٤/ ٤٤٣).\n(^١٠) انظر: أصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٠٩).","vol":"1","page":288},{"text":"وإلى سائرِ مَنْ شاهده (^١)، وإلى الخلالِ، وغلامِه، وأبي علي بنِ الصواف (^٢)، وإبراهيمَ الحربي (^٣).\nواختاره جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: أبو إسحاقَ الشيرازيُّ (^٤)، والحلوانيُّ (^٥)، وابنُ العربي المالكى (^٦)، وابنُ رشدٍ - وعدَّه بدعةً وضلالًا (^٧) - والعزّ بنُ عبد السلام (^٨)،\n_________\n(^١) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٣٨٢).\n(^٢) هو: محمد بن أحمد بن الحسن بن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله البغدادي، أبو علي، ويعرف بابن الصواف، ولد سنة ٢٧٠ هـ كان إمامًا محدثًا ثقة حجةً مأمونًا، مترجم له في طبقات الحنابلة، قال عنه الدارقطني: \"ما رأت عيناي مثل أبي علي بن الصواف\"، توفي سنة ٣٥٩ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (٢/ ١١٥)، وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٣/ ١١٩)، وسير أعلام النبلاء (١٦/ ١٨٤)، والوافي بالوفيات للصفدي (٢/ ٤٤)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٣٣٩)، والمنهج الأحمد للعليمي (٢/ ٢٥٨)، وشذرات الذهب لابن العماد (٣/ ٢٨).\n(^٣) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٣٨٢)، والمسودة (٢/ ٨٣٧)، وصفة الفتوى (ص/ ٨٨).\n(^٤) انظر: شرح اللمع (٢/ ١٠٨٤).\n(^٥) انظر: المسودة (٢/ ٩٣٨). والحلواني هو: محمد بن علي بن محمد بن عثمان بن المراق الحلواني، أبو الفتح، ولد سنة ٤٣٩ هـ أحد علماء الحنابلة، صحب القاضي أبا يعلى مدةً يسيرة، وتفقه على القاضي أبي علي، والشريف أبي جعفر، تولى التدريس والإفتاء، كان فقيهًا زاهدًا عابدًا مشهورًا بالورع والديانة، من مؤلفاته: كفاية المبتدي، ومختصر العبادات، وكتاب في أصول الفقه، توفي سنة ٥٠٥ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٣/ ٤٧٦)، والوافي بالوفيات للصفدي (٤/ ١٤٩)، والذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب (١/ ٢٤٦)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٤٧٢)، والمنهج الأحمد للعليمي (٣/ ٤٦)، والدر المنضد له (١/ ٢٣٠).\n(^٦) انظر: أحكام القرآن (٣/ ١٢١٢).\n(^٧) انظر: الضروري في أصول الفقه (ص/ ١٤٥).\n(^٨) انظر: كشف النقاب لابن فرحون (ص/ ١٠٧). والعز بن عبد السلام هو: عبد العزيز بن عبد السلام بن القاسم بن الحسن بن محمد بن المهذب، أبو محمد السلمي الدمشقي المصري، ويُعرف بالعز بن عبد السلام، ويلقب بسلطان العلماء؛ لسعة علمه، ولد سنة ٥٧٧ هـ وقيل: ٥٧٨ هـ كان علامة فقيهًا أصوليًا، قويًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر زاهدًا، انتهت إليه رئاسة المذهب الشافعي، من مؤلفاته: فواعد الأحكام في مصالح الأنام، ومختصر قواعد الأحكام، والإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز، والإمام في بيان أدلة الأحكام، والتفسير، واختصار النهاية، توفي سنة ٦٦٠ هـ. انظر ترجمته في: طبقات =","vol":"1","page":289},{"text":"وأبو عبد الله المقَّريُّ (^١)، وأحمدُ الوزير (^٢).\nونسبه أحمدُ الوزير إلى القاسمِ بن محمد (^٣).\nالقول الثالث: جوازُ قياسِ ما سَكَتَ عنه إمامُ المذهبِ على ما نصَّ عليه، إنْ نصَّ على العلةِ أو أومَأَ إليها، سواء أقالَ الإمامُ بتخصيصِ العلةِ أم لا، وتصحُّ نسبةُ القولِ إليه؛ والمنعُ مِن القياسِ على قولِ الإمامِ، إنْ لم ينصَّ على العلةِ، ولم يومِئْ إليها.\nذَهَبَ إلى هذا التفصيلِ جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: ابنُ حامدٍ (^٤)، وأبو الحسينِ البصري (^٥)، ومحمد بنُ يحيى (^٦)،\n_________\n= الشافعية الكبرى لابن السبكي (٨/ ٢٠٩)، وطبقات الشافعية للإسنوي (٢/ ٨٤)، والبداية والنهاية (١٧/ ٤٤١)، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي (٧/ ١٨٢)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ١٠٩)، وطبقات الشافعية لابن هداية الله (ص/ ٢٢٢)، وشذرات الذهب لابن العماد (٧/ ٥٢٢).\n(^١) انظر: القواعد (١/ ٣٤٨).\n(^٢) انظر: المصفى في أصول الفقه (ص/ ٨٣٢).\n(^٣) انظر: المصدر السابق. والقاسم بن محمد هو: القاسم بن محمد بن علي بن محمد الرشيد، الإمام الأعظم المنصور بالله، ولد سنة ٩٦٧ هـ اشتغل بطلب العلم على شيوخ عصره، وبرع في فنون الشريعة، وكانت اليمن في سنة ١٠٠٦ هـ تشتعل من الدولة التركية اشتعالًا، فدعا الناسَ إلى مبايعته، وجرت بينه وبين الأتراك حروب وخطوب، وكانت العاقبة له، كان فصيِح العبارة، سريع الاستحضار للأدلة، كثير الحلم، صابرًا على المكاره، فارسًا شجاعًا، وشاعرًا مجيدًا، من مؤلفاته: كتاب الاعتصام - كتاب في الحديث - والأساس - كتاب في أصول الدين - والإرشاد، توفي سنة ١٠٢٩ هـ. انظر ترجمته في: خلاصة الأثر للمحبي (٣/ ٢٨٢)، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ ٥٦٦)، والأعلام للزركلي (٥/ ١٨٢)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٢/ ٦٥٢).\n(^٤) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٣٨٥).\n(^٥) انظر: المعتمد (٢/ ٨٦٦)، وشرح العمد (٢/ ٣٣٤).\n(^٦) انظر: فرائد الفوائد (ص/ ١٠٦)، والبحر المحيط (٥/ ٨٥).\nومحمد بن يحيى هو: محمد بن يحيى بن منصور النيسابوري، أبو سعيد، أو أبو سعد، ولد بطريثيث من خراسان سنة ٤٧٦ هـ كان إمامًا علامةً بارعًا في الفقه، زاهدًا ورعًا واسع العلم، شافعي المذهب، انتهت إليه رئاسة المذهب بنيسابور، وقصده الفقهاء من النواحي، وبَعُد صيته، من مؤلفاته: المحيط في شرح الوسيط، والانتصاف في مسائل الخلاف، توفي مقتولًا سنة ٥٤٨ هـ. انظر ترجمته في: تهذيب الأسماء واللغات للنووي (١/ ٩٥)، ووفيات الأعيان =","vol":"1","page":290},{"text":"وأبو المظفرِ السمعاني (^١)، وأبو الخطاب (^٢)، والموفقُ بنُ قدامةَ (^٣)، وابنُ حمدان (^٤)، والأميرُ محمد الصنعاني (^٥) - وقَصَرَ الجوازَ على ما إذا نصَّ الإمامُ على العلةِ فحسب - والشيخُ محمد الأمين الشنقيطي (^٦).\nفلو قالَ الإمامُ مثلًا: النيةُ واجبةٌ في التيممِ؛ لأنَّه طهارةٌ عن حَدَثٍ، كان قولُه: أنَّ النيةَ تجبُ في الوضوءِ وغُسْلِ الجنابةِ والحيضِ؛ لأنَّه اعتقدَ وجوبَ النيةِ؛ لكونِها طهارةً عن حدثٍ، فيجبُ أنْ يشملَ ذلك طهارةَ كلِّ حَدَثٍ (^٧).\nوفيما يتصلُ بقولِ ابنِ حامدٍ: فمِنْ علماءِ الحنابلة مَنْ نَسَبَ إليه القولَ الأولَ (^٨)، مع أنَّ ظاهرَ اختيارِه في المسألةِ هو التفصيل.\nولعل سببَ الاختلافِ في قولِه عائدٌ إلى النظرِ إلى ما اختاره، وإلى ما استدلَّ به؛ إذ إنَّ ابنَ حامدٍ لمَّا عَرَضَ القولين: الأول والثاني، صرَّح بما اختاره قائلًا: \"والمأخوذُ به أنْ نُفصَّلَ: فما كانَ مِنْ جوابٍ له في أصلٍ يحتوي مسائل، خَرَجَ جوابُه على بعضِها، فإنَّه جائزٌ أنْ يُنسبَ إليه بقيةُ مسائلِ ذلك الأصلِ مِنْ حيثُ القياسُ\" (^٩).\nوقولُه ظاهرٌ في عدمِ إطلاقِ القولِ بجوازِ القياسِ في نصوصِ الأئمةِ، لكنَ ابنَ حامدٍ حينَ عَرَضَ الأدلةَ، انساقَ في عرضِها مع القائلين بالجوازِ.\nفلعل مَنْ نَسَبَ إلى ابنِ حامدٍ القولَ بالجوازِ مطلقًا، اتجه نظرُه إلى الأدلةِ التي استدلَّ بها.\n_________\n= لابن خلكان (٣/ ٣٥٩)، وسير أعلام النبلاء (٢٠/ ٣١٢)، والوافي بالوفيات للصفدي (٥/ ١٩٧)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٧/ ٢٥)، وطبقات الشافعية للإسنوي (٢/ ٥٥٩)، وطبقات الشافعية لابن هداية الله (ص/ ٢٠٥).\n(^١) انظر: قواطع الأدلة (٥/ ٨٩).\n(^٢) انظر: التمهيد في أصول الفقه (٤/ ٣٦٦).\n(^٣) انظر: روضة الناظر (٣/ ١٠١٢).\n(^٤) انظر: صفة الفتوى (ص/٨٨).\n(^٥) انظر: إجابة السائل (ص/ ٤٠٠).\n(^٦) انظر: مذكرة أصول الفقه (ص/ ٤٨٨).\n(^٧) انظر: المعتمد (٢/ ٨٦٦)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٦٦ - ٣٦٧).\n(^٨) انظر: المسودة (٢/ ٩٣٨)، وصفة الفتوى (ص/ ٨٨)، وتصحيح الفروع للمرداوي (١/ ٤٣).\n(^٩) تهذيب الأجوبة (١/ ٣٨٥ - ٣٨٦).","vol":"1","page":291},{"text":"وأنبّه إلى أنَّ ابنَ حمدان اختارَ القولَ الثالث، وبيَّن أنَّ العلةَ إنْ لم تكن منصوصةً أو مومأً إليها، لكنْ شهدتْ أقوالُ الإمامِ وأفعالُه، أو أحوالُه للعلةِ المستنبطةِ بالصحّةِ والتعيينِ، فإنَّها تُلحقُ بالعلةِ المنصوصةِ (^١).\nالقول الرابع: جوازُ قياسِ ما سَكَتَ عنه إمامُ المذهبِ على ما نصَّ عليه، إنْ كانَ الإمامُ ممَّنْ يجوّزُ تخصيصَ العلةِ، والمنعُ مِن القياسِ إنْ كان الإمامُ ممَّنْ لا يجوّزُ تخصيصَ العلةِ.\nكذا ذَكَرَ هذا القولَ: ابنُ حمدان (^٢)، والمرداويُّ (^٣)، ولم ينسباه إلى أحدٍ.\nولعل عكسَ قولِهم هو الأنسب للمقام؛ فإذا رأى الإمامُ تخصيصَ العلةِ لم يصحَّ الإلحاقُ، وإنْ لم يرَ تخصيصَ العلةِ ساغَ الإلحاقُ.\nويرجِّح هذا التعقيب: ما أورده المرداويُّ نفسُه في كتابه: (الإنصاف) (^٤) - ومقتضاه عكس القول الذي ذكره: ابنُ حمدان (^٥)، والمرداويُّ في كتابيه: (التحبير) (^٦)، و(تصحيح الفروع) (^٧) - بقوله: \"وقيل: إنْ جازَ تخصيصُ العلةِ، وإلا فهو مذهبُه\" (^٨).\n* أدلةُ الأقوال:\nأدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: أنَّ القياسَ جائزٌ في نصوصِ الكتاب والسنةِ، وإذا ساغَ القياسُ فيهما - بجعلِ ما سَكَتَ عنه القرآنُ والسنةُ ملحقًا بالمنصوصِ عليه -\n_________\n(^١) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٨٨).\n(^٢) انظر: المصدر السابق.\n(^٣) انظر: التحبير (٨/ ٣٩٦٧)، وتصحيح الفروع (١/ ٤٤).\n(^٤) انظر: (١٢/ ٣٤٤).\n(^٥) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٨٨).\n(^٦) انظر: (٨/ ٣٩٦٧).\n(^٧) انظر: (١/ ٤٤).\n(^٨) الإنصاف (١٢/ ٢٤٤).","vol":"1","page":292},{"text":"وهما أصلُ الدِّينِ، فجوازُ القياسِ في غيرِهما مِنْ بابٍ أولى (^١).\nيقولُ إمامُ الحرمين الجويني: \"فالذي أحاطَ بقواعدِ مذهبِ الشافعي مثلًا، وتدرَّبَ في مقاييسه، يُنزّلُ في الإلحاقِ بمنصوصاتِ الشافعي منزلةَ المجتهدِ الذي يتمكنُ بطُرقِ الظنونِ إلحاقَ غيرِ المنصوصِ عليه في الشرعِ بما هو منصوصٌ عليه.\nولعلَّ الفقيهَ المستقل بمذهب إمامٍ أقدرُ على الإلحاقِ بأصولِ المذهبِ الذي حواه، مِن المجتهدِ في محاوَلتِه الإلحاق بأصولِ الشريعةِ\" (^٢).\nمناقشة الدليل الأول، نوقش الدليل من وجهين:\nالوجه الأول: أنَّا قلنا بصحةِ القياسِ على نصوصِ الكتاب والسنةِ؛ لورودِ البيانِ مِن الشرعِ بالأمرِ بالقياسِ وإقرارِه؛ وقد تعبَّدَنا الشارَعُ بذلك، بخلافِ الأئمةِ، فلم يَرِدْ عنهم أمرٌ بالقياسِ على أقوالِهم (^٣).\nالوجه الثاني: أنَّ ما يقتضيه القياسُ على القرآنِ والسنةِ، يقال له: دينُ الله ودين رسوله - ﷺ -، ولا يُقالُ فيه: قول الله ولا قول رسوله - ﷺ -.\nولا تصحُّ مثلُ هذه الإضافةِ إلى الأئمةِ، فلا يُقالُ في قياسِ قولِ الشافعي أو مالكٍ: دين الشافعي أو دين مالك (^٤).\nالدليل الثاني: اتفقَ العلماءُ على صحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على القياسِ، وجَرَى عملُهم على وفقِ هذا الاتفاق، فمِنْ ذلك: أنَّهم ينقلون عن بعضِ الصحابةِ - ﵃ - اختلافَ قولِهم في الجدِّ في بابِ الفرائضِ، ويفرعون على قولِهم في مسائل أخر ما جانسه (^٥)، وإذا ثَبَتَ هذا الاتفاقُ، لم يُعَوَّلْ على ما جاءَ من الاختلاف؛ لتقدّمِ الاتفاقِ عليه.\n_________\n(^١) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٣٩٢ - ٣٩٣).\n(^٢) الغياثي (ص/ ٤٢٥ - ٤٢٦) بتصرف يسير.\n(^٣) انظر: المعتمد (٢/ ٨٦٧)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٦٨).\n(^٤) انظر: التبصرة (ص/ ٥١٧)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٨٤).\n(^٥) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٣٩٣ - ٣٩٦)، وأصول الفقه للخضري (ص/ ٤٧٢).","vol":"1","page":293},{"text":"مناقشة الدليل الثاني: إنَّ دعوى الاتفاقِ غيرُ مسلَّمةٍ، وخلافُ العلماءِ في صحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمام بناءً على القياسِ قادحٌ في صحتها (^١).\nالدليل الثالث: أنَّه لا خلافَ في صحةِ قياسِ الدارِ على الدكانِ، فيما إذا أثبتَ الإمامُ الشفعةَ لجارِ الدكانِ، وإذا صحَّ القياسُ دونَ خلافٍ في هذه الصورةِ، فليصحَّ فيما عداها (^٢).\nمناقشة الدليل الثالث: هناك فرقٌ بين الصورةِ التي هي محلُّ اتفاقٍ، وغيرِها مِن الصورِ؛ لأنَّ الفرعَ المسكوتَ عنه في الصورةِ الأُولى في معنى المنصوصِ عليه؛ فلا فرقَ بين ما نصَّ الإمامُ على حكمِه، وما سَكَتَ عنه، بخلافِ ما نحن فيه؛ إذ ليس ما سَكَتَ عنه الإمامُ في معنى ما نصَّ عليه (^٣).\nالدليل الرابع: يترتبُ على تركِ القياسِ على قولِ الإمامِ خلوُّ كثيرٍ مِن الحوادثِ عن الأحكامِ الشرعيةِ، وهذه مفسدةٌ، ودفعُها بالأخذِ بالقياسِ على أقوالِ الإمامِ (^٤).\nويمكن مناقشةُ الدليلِ الرابعِ: بأنَّا لا نسلِّم أنَّ تركَ القياسِ على أقوالِ الإمامِ يؤدي إلى خلوِّ كثيرٍ مِن الحوادثِ عن الأحكامِ؛ لأنَّ كلَّ عصرٍ لا يخلو عن قائمٍ لله بالحجةِ، يُبَيّن حكمَ الله تعالى في الحوادثِ.\nواستدلَّ مَنْ جوَّزَ - مِنْ أصحابِ القولِ الأولِ - القياسَ على قولِ الإمامِ، بشرطِ نسبتِه إليه مقيدًا، بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: أنَّ في نسبةِ القولِ إلى الإمامِ مقيَّدًا تفريقًا بين قولِه المنصوصِ، وقولِه المخرَّجِ؛ لئلا يحصلَ اللبْسُ (^٥).\n_________\n(^١) انظر: تحرير المقال للدكتور عاض السلمي (ص/ ٥٧).\n(^٢) انظر: التبصرة (ص/ ٥١٧)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٨٤).\n(^٣) انظر: المصدرين السابقين.\n(^٤) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٣٩٣).\n(^٥) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٣٥/ ٢٨٩)، وسلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٤٤٣).","vol":"1","page":294},{"text":"الدليل الثاني: ليس قولُ الإمامِ المنصوصِ، وقولُه المقيس عليه في منزلةٍ واحدةٍ، فاحتيجَ إلى التفريقِ بينهما بالتقييدِ في نسبةِ القولِ المقيس (^١).\nأدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: قالَ الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (^٢).\nوجه الدلالة: أنّ نسبةَ القولِ إلى إمامِ المذهبِ عنْ طريقِ القياسِ، مِنْ قبيلِ القولِ بلا علمٍ، وقد نهتْ عنه الآيةُ الكريمةُ (^٣).\nمناقشة وجه الدلالة: لا نُسَلِّمُ شمولَ النهي في الآيةِ لحالةِ القياسِ على قولِ الإمامِ، إذا نصَّ على العلةِ، أو أومَأَ إليها؛ لأنَّ النصَّ على العلةِ يجعلها كاللفظِ العامِّ.\nالدليل الثاني: أنَّ مذهبَ الإمامِ هو ما نصَّ عليه، أو دلَّ عليه بما يجري مجرى نصِّه، وليس القياسُ على قولِه بنصٍّ، ولا يجري مجراه، فمَنْ نَسَبَ إلى إمامِ المذهب شيئًا بناءً على القياسِ، كان كمَنْ نَسَبَ إلى ساكتٍ قولًا (^٤).\nمناقشة الدليل الثاني، نوقش الدليل من وجهين:\nالوجه الأول: أنَّ السكوتَ على ضربين:\nالضرب الأول: سكوت في أصلِ الأشياءِ، كمَنْ لا جوابَ له، ولا فتوى عنه.\nالضرب الثاني: سكوتٌ عن نطقٍ.\n_________\n(^١) انظر: المصدرين السابقين.\n(^٢) من الآية (٣٦) من سورة الإسراء.\n(^٣) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٣٩١)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٢٥٧)، ونظرية التخريج للدكتور نوار بن الشلي (ص/ ١٩١).\n(^٤) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٣٩١)، والتبصرة (ص/ ٥١٧)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٨٤).","vol":"1","page":295},{"text":"فالضربُ الأولُ: لا يُنسبُ إليه قولٌ بحالٍ مِن الأحوالِ.\nوالضربُ الثاني: مُسْتَحقٌّ أنْ يُنسبَ إليه ما في معناه، ممَّا وافقه في علتِه (^١).\nالوجه الثاني: أنَّ ما نصَّ إمامُ المذهبِ على علتِه ليس مِنْ قبيلِ المسكوتِ عنه؛ بلْ هو جارٍ مجرى النصِّ؛ لقوتِه (^٢).\nالدليل الثالث: أنَّ أقوالَ الأئمةِ عبارةٌ عمَّا يعتقدونها ويتديّنون بها، ولا يصحُّ لنا القطعُ بأنَّ الأئمةَ متدينون بحُكمِ الفرعِ المقيسِ على أقوالِهم (^٣).\nويمكن مناقشة الدليل الثالث: بأنَّ ما قالوه صادقٌ على حالِ عدمِ نصِّ الإمامِ على العلةِ، أمَّا إذا نصَّ عليها، فإنَّنا نظنُّ أنَّه يتدينُ بما ثبتْ على قولِه قياسًا.\nالدليل الرابع: لو قلنا بصحةِ نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على القياسِ؛ لأدَّى بنا إلى أنْ ننسبَ قولَ الإمامِ أبي حنيفةَ مثلًا إلى الإمامِ أحمدَ، وهذا لا يصحُّ (^٤).\nمناقشة الدليل الرابع: لا يُوجدُ مانعٌ مِنْ جعلِ قولِ الإمامِ موافقًا لقولِ غيرِه مِن الأئمةِ، متى ما صحَّ القياسُ على قولِه (^٥).\nأدلةُ أصحابِ القولِ الثالثِ:\nيتألف قولهم مِنْ شقين:\nالشق الأول: جوازُ القياسِ على قولِ الإمامِ، إذا نصَّ على العلةِ أو أومأَ إليها، سواءٌ قلنا بتخصيصِ العلةِ أم لا، وأدلته:\n_________\n(^١) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٣٩٩).\n(^٢) انظر: تحرير المقال للدكتور عياض السلمي (ص/ ٥٧ - ٥٨)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٢٦١ - ٢٦٢).\n(^٣) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٣٩٩).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (١/ ٣٩١).\n(^٥) انظر: المصدر السابق (١/ ٤٠٠).","vol":"1","page":296},{"text":"الدليل الأول: إذا نصَّ الإمامُ على حكمٍ، وبيّن علتَه، ثم وُجِدَتْ مسائلُ تُوجدُ فيها تلك العلةِ، فقولُه فيها كقولِه في المنصوصِ؛ لأنَّ الحكمَ يتبعُ العلةَ، فيُوجدُ حيثُ وُجِدَتْ (^١).\nالدليل الثاني: إذا بين الإمامُ علةَ الحكمِ، كان كلامُه حينئذٍ كاللفظِ العائم، يؤيدُ ذلك: أنَّ ما نصَّ الشارعُ على علتِه، يجوزُ نسخُه والنسخُ به؛ إذ حكمُه في هذه الحالةِ أنَّه كاللفظِ العامِّ، ولو لم تُذكَرْ علتُه لمَا نسَخَ، ولمَا نُسِخَ به (^٢).\nالدليل الثالث: إنْ قلنا بتخصيصِ العلةِ؛ فيصخُ القياسُ على قولِ الإمامِ؛ لأنَّ العلةَ المنصوصةَ كاللفظِ العامِّ، فلا تُخَصصُ إلا بدليلٍ، فإذا لم يُوْجَدْ في كلامِ الإمام مُخَصِّصٌ، فإن العلةَ باقيةٌ على عمومِها (^٣).\nالشق الثاني: عدمُ جوازِ القياسِ على قولِ الإمامِ إذا لم ينصَّ على العلة، ولم يومئ إليها، وأدلته:\nالدليل الأول: لا يصحُّ إلحاقُ الفرعِ المسكوتِ عنه بما نصَّ الإمامُ على حكمِه، إذا لم تكن العلةُ منصوصةً ومومأً إليها؛ لأمرين:\nالأمر الأول: أنَّ القياسَ في هذه الحالةِ بغيرِ جامعٍ؛ والقياسُ دونَ جامعٍ، لا يصحُّ.\nالأمر الثاني: يجوزُ أنْ يظهرَ فارقٌ مؤثرٌ في الحُكمِ، فيما لو عُرِضَ الفرعُ على الإمامِ؛ ولهذا الاحتمالِ لا يصحُّ القياسُ (^٤).\nالدليل الثاني: ما تقدّمَ مِنْ أدلةٍ لأصحابِ القولِ الثاني، فإنَّها صالحةٌ\n_________\n(^١) انظر: روضة الناظر (٣/ ١٠١٢)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٦٣٨).\n(^٢) انظر: التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٦٧)، وروضة الناظر (٣/ ١٠١٢).\n(^٣) انظر: التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٦٧)، والمسودة (٢/ ٩٣٨).\n(^٤) انظر: المعتمد (٢/ ٨٦٦)، وقواطع الأدلة (٥/ ٩٠)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٦٧)، وروضة الناظر (٣/ ١٠١٢)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٦٣٩ - ٦٤٠).","vol":"1","page":297},{"text":"لأنْ يَسْتَدِلَ بها أصحابُ القولِ الثالثِ في حالةِ عدمِ نصِّ الإمامِ على العلةِ.\nدليل أصحاب القول الرابع: إنْ كان الإمامُ يجوّزُ تخصيصَ العلةِ، فلا يصحُّ قياسُ ما سَكَتَ عنه على ما نصَّ عليه؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ ما سَكَتَ عنه مخصَّصًا بحُكمِ يخالفُ ما نصَّ عليه.\nوإنْ كانَ لا يجوِّزُ تخصيصَ العلةِ، فيصحُّ القياسُ؛ لاطرادِ العلةِ عنده في هذه الحالةِ، وينتفي احتمالُ اختصاصِ ما سَكَتَ عنه بحُكمٍ آخر (^١).\nمناقشة دليل أصحاب القول الرابع: إذا نصَّ الإمامُ على العلةِ، فإنَّ المحذورَ - وهو اختصاصُ المسكوتِ بحُكمٍ يخالفُ المنصوصَ - ينتفي؛ لأنَّ العلةَ المنصوصةَ كاللفظِ العامِّ، لا تُخَصّصُ إلا بدليلٍ، سواءٌ أقلنا بتخصيصِ العلةِ أم لا (^٢).\n* الموازنة والترجيح:\nمِنْ خلالِ النظرِ في الأقوالِ، وأدلتِها، وما ورد عليها من مناقشات، يظهرُ لي الآتي:\nأولًا: صحةُ القياسِ على قولِ إمامِ المذهبِ، إذا نصَّ على علةِ الحكمِ، وصحةُ نسبةِ القولِ إليه حينئذٍ.\nثانيًا: صحةُ القياسِ على قولِ إمامِ المذهبِ، إذا لم ينصَّ على علةِ الحُكمِ، ولم يُومِئ إليها، لكنْ يُنسبُ القولُ إليه مقيدًا، كقولنا مثلًا: قياس قولِه كذا، مع ذكرِ الأصلِ المقيسِ عليه.\nوقد رجحتُ ما سَبَقَ للآتي:\nأولًا: أنَّ للنصِّ على علةِ الحكمِ مِن القوةِ، ما يجعلها كاللفظِ العامِّ،\n_________\n(^١) انظر: التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٦٧)، وتحرير المقال للدكتور عياض السلمي (ص/٥٤).\n(^٢) انظر: المصدرين السابقين.","vol":"1","page":298},{"text":"يؤيد هذا: إذا نصَّ الشارعَ على علةِ الحكمِ، فإنَّه يُعامل معاملة اللفظِ العامِّ، فينسخُ ويُنسخ به، بخلافِ الحُكمِ الذي لم ينصَّ على علتِه (^١).\nثانيًا: أنَّ نصَّ إمامِ المذهب على العلةِ قرينةٌ قويةٌ دالةٌ على أنَّ قولَ الإمامِ هو ما تحققتْ فيه تلك العلَةُ.\nثالثًا: ضعفُ أدلةِ الأقوالِ الأخرى؛ بما وَرَدَ عليها مِنْ مناقشاتٍ.\nأمَّا في حالةِ ما إذا لم ينصَّ إمامُ المذهب على العلةِ، فالقولُ بصحةِ القياسِ مطلقًا، قولٌ لا يخلو مِنْ نوعِ مجازفةٍ؛ لكنْ لتتابعِ أربابِ المذاهبِ على القياسِ على قولِ إمامِهم، كان القولُ بصحة القياسِ حينئذٍ متجهًا؛ بشرطين:\nالشرط الأول: تقييدُ القولِ المنسوب إلى إمامِ المذهبِ بقولنا مثلًا: قياسُ قولِه كذا؛ تفريقًا بينه، وبين قولِه المنَصوصِ.\nالشرط الثاني: ذكرُ الأصلِ المقيسِ عليه، فيُذكر قول الإمامِ المنصوصُ.\n• نوع الخلاف:\nالخلافُ بين الأقوال خلافٌ معنوي، ويظهرُ أثرُه في المسألتينِ اللتينِ ذكرتُهما في أثرِ الخلافِ في صحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على المفهومِ، ويظهرُ أثرُه أيضًا في وصفِ القولِ المخرَّجِ:\nفعلى قولِ المجوزين يكون القولُ المخرَّجُ روايةً مخرَّجةً.\nوعلى قولِ المانعين يكون القولُ المخرَّجُ وجهًا لمَنْ خرَّجه (^٢).\nويتصل بالقياس على قول الإمام مسألتان، وهما:\n_________\n(^١) انظر: شرح اللمع (١/ ٤٩٠)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٣/ ٢٣١)، وروضة الناظر (١/ ٣٣٢).\n(^٢) انظر: التحبير (٨/ ٣٩٦٩)، وتصحيح الفروع (١/ ٤٣).","vol":"1","page":299},{"text":"المسألة الأولى: هل يصحُّ قياسُ الأوْلى على قولِ إمام المذهبِ؟\nالمسألة الثانية: النقلُ والتخريجُ.\nالمسألة الأولى: هل يصحُّ قياسُ الأَوْلى على قولِ إمامِ المذهبِ؟\nإذا نصَّ إمامُ المذهبِ على حكمٍ، وكان المسكوتُ عنه أولى بالحُكمِ مِن المنصوص، فهل يصحُّ القياسُ في هذه الحالةِ؟\nمثال ذلك: سُئِلَ ابنُ القاسم هل كان مالكٌ يكرَه للمُحْرِمةِ، وغيرِ المحرمة لبس القَبَاء (^١)؟ فقال: نعم كان يكرَه لبسَ القَبَاءِ للجواري؛ لأنَّه يصفُ أعجازِهن.\nفلما سُئِلَ: هل كان مالكٌ يكرهه للنساءِ الحرائرِ؟ قال: قد أخبرتُك بقولِ مالكٍ في الإماءِ، فإذا كرهه مالكٌ للإماءِ، فهو للحرائرِ أشدّ كراهيةً عند (^٢).\nتأخذُ هذه المسألة حكمَ المسألة السابقة، وهي: (نسبةُ القولِ إلى إمامِ المذهبِ عنْ طريقِ مفهومِ الموافقةِ)، وقد تقدّمَ الحديثُ عنها فيما سَبَقَ.\nالمسألة الثانية: النقلُ والتخريجُ.\nعلى القولِ بجوازِ القياسِ على قولِ الإمامِ - إمّا مطلقًا وإمّا بشرطٍ (^٣) - إذا نصَّ الإمامُ على حُكمِ مسألةٍ، ونصَّ مسألةٍ أخرى تشبه الأُوْلى على حُكمٍ مخالفٍ للحُكمِ الأول، فهل ينقلُ جوابُ الإمامِ مِن المسألةِ الأُولى إلى المسألةِ الثانية، ومِن المسألةِ الثانيةِ إلى المسألةِ الأُولى؛\n_________\n(^١) القَبَاء: ثوبٌ ضيق الكمين والوسط، مشقوق من الخلف، يلبسه الرجال فوق الثياب، ويلبس عادة في السفر والحرب؛ لأنه أعون على الحركة. انظر: فتح الباري لابن حجر (١٠/ ٢٦٩)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٤٩)، والمعجم الوسيط، مادة: (قبا) (٢/ ٧١٣).\n(^٢) انظر: المدونة (١/ ٢٢٢).\n(^٣) انظر: تصحيح الفروع للمرداوي (١/ ٤٣).","vol":"1","page":300},{"text":"ليكون له في كلتا المسألتين قولانِ: أحدهما بالنصِّ، والثاني بالنقلِ والتخريجِ؟ (^١).\nويحسنُ قبلَ عرضِ المسألةِ ذكرُ بعضِ الأمثلةِ للنقلِ والتخريجِ:\nالمثال الأول: نصَّ الإِمامُ الشَّافعي على أنَّ المتيممَ إِذا وَجَدَ الماءَ أَثْنَاءَ صلاتِه، فإِنَّه يبني عليها، وأنَّ المستحاضةَ إِذا انقطع دمُها أَثْنَاءَ الصلاةِ، لم يجزْ لها البناءُ.\nاتجه بعضُ الشافعيةِ إِلى النقلِ والتخريجِ بين المسألتين، فأصبحَ للإِمامِ الشَّافعي في كلِّ مسألةٍ قولان: أحدهما بالنصِّ، والآخر بالنقلِ والتخريجِ (^٢).\nفالقولُ الأولُ المنصوصُ في مسألةِ: (التيممِ): هو البناءُ، والقولُ الثاني: عدمُ البناءِ في الصلاةِ؛ بالنقلِ والتخريجِ.\nوالقولُ الأولُ المنصوصُ في مسألةِ: (المستحاضةِ): عدمُ البناءِ، والقولُ الثاني: البناءُ في الصلاةِ؛ بالنقلِ والتخريجِ.\nفي حين فرّقَ بعضُ الشافعيةِ بين المسألتينِ، يقولُ أبو محمدٍ الجويني (^٣): \"والفرقُ بينهما: أنَّ الحدثَ الَّذي تيممُّ له المتيممُ، ما زادَ، وما تجدّدَ، ولكنَّه مستدامٌ على صفتِه الأُولى؛ أمَّا المستحاضةُ فقد تجددَ عليها\n_________\n(^١) انظر: المعتمد (٢/ ٨٦٣)، والتبصرة (ص / ٥١٦)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٦٨)، وفرائد الفوائد للسلمي (ص/ ١٠٥).\n(^٢) انظر: الجمع والفرق للجويني (١/ ١٧٤)، والمجموع شرح المهذب للنووي (٢/ ٣١١، ٥٣٩).\n(^٣) هو: عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن حيويه الجويني الطائي، أبو محمد، كان شيخ الشافعية في وقته، فقيهًا مدققا، إِمامًا في التفسير والأصول والنحو والعربية والأدب، زاهدًا فاضلًا، متحليًا بالخصال الحميدة، مجتهدًا في العبادة، صاحب جد ووقار وسكينة، تصدر للإِفتاء والإِفادة، من مؤلفاته: الجمع الفرق، وشرح الرسالة، والتذكرة، والمحيط، توفي سنة ٤٣٨ هـ. انظر ترجمته في: تبيين كذب المفتري لابن عساكر (ص/ ٢٥٧)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٤٧)، وسير أعلام النُّبَلاء (١٧/ ٦١٧)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٥/ ٧٣)، وطبقات الشافعية لابن هداية الله (ص/ ٤٨).","vol":"1","page":301},{"text":"بعد الوضوءِ حدثٌ حادثٌ - وهو الدم الَّذي سال منها - وهي لم تتطهرْ للحدثِ الحادثِ؛ لأنَّ الطهارةَ لا تسبقُ الحدثَ، وإِنَّما تطهّرتْ للحدثِ السابق، والحدثُ المقارِنُ بحالِه وهو الحدثُ اللاحق، فإِذا استيقنتْ في حال الصلاةِ الشفاءَ مِنْ تلك العلةِ، والتمكن مِن الطهارةِ، لزمها الاستئنافُ\" (^١).\nالمثال الثاني: نصَّ الإِمامُ أحمدُ بنُ حنبل على إِعادةِ صلاةِ مَنْ صلَّى في ثوبٍ نجسٍ؛ لعدمِ وجودِ غيرِه، ونصَّ على عدمِ إِعادةِ صلاةِ مَن صلَّى في موضعٍ نجسٍ، لا يمكنه الخروج منه (^٢).\nجَعَلَ بعضُ الحنابلةِ للإِمامِ أحمدَ قولين في كلتا المسألتين: قولًا بالنصِّ، والقول الآخر بالنقلِ والتخريجِ (^٣).\nفالقولُ الأولُ المنصوصُ في مسألةِ: (الصلاةِ في الثوبِ النجسِ) الإِعادةُ، والقولُ الثاني: عدمُ إِعادةِ الصلاةِ؛ بالنقلِ والتخريجِ.\nوالقولُ الأولُ المنصوصُ في مسألةِ: (الصلاةِ في الموضعِ النجسِ) عدمُ الإِعادةِ، والقول الثاني: إِعادةُ الصلاةِ؛ بالنقلِ والتخريجِ.\nفي حين فرَّقَ بعضُ علماءِ الحنابلةِ بين المسألتين؛ مِنْ جهةِ أنَّ المصلي لا يقدرُ على مفارقةِ المكانِ والخروجِ منه، بخلافِ الثوبِ، فبإِمكانِه تركُه، والصلاةُ عُريانًا (^٤).\nالمثال الثالث: سُئل الإِمام أحمد بن حنبل عن الرجلِ يموت، وتُوْجَدُ له وصيةٌ تحتَ رأسِه، مِنْ غيرِ أنْ يكونَ أشهدَ عليها، هل يجوزُ إِنفاذ ما فيها؟ قالَ: \"إِنْ كان عَرَفَ خطَّه، وكان مشهورَ الخطِّ: فإِنَّه ينفذ ما فيها\" (^٥).\n_________\n(^١) الجمع والفرق (١/ ١٧٥) بتصرف يسير.\n(^٢) انظر: الإِنصاف (١/ ٤٦٠).\n(^٣) انظر: المصدر السابق.\n(^٤) انظر: حاشية ابن قندس على الفروع (٢/ ٥١).\n(^٥) انظر: المغني لابن قدامة (٨/ ٤٧٠)، ومطالب أولي النهى للرحيباني (٤/ ٤٤٥).","vol":"1","page":302},{"text":"ونصَّ فيمَنْ كَتَبَ وصيتَه، وقال: اشهدوا عليَّ بما فيها، أنَّهم لا يشهدون، إِلَّا أنْ يسمعوها منه، أو تُقْرَأَ عليه، فيُقرُّ بها (^١).\nذَهَبَ بعضُ الحنابلةِ إِلى النقلِ والتخريجِ بين المسألتين، فجعلوا للإِمامِ أحمدَ في كلتا المسألتين قولين: أحدهما بالنصِّ، والآخر بالنقلِ والتخريجِ (^٢).\nومِنْ علماءِ الحنابلةِ مَنْ فرَّق بين المسألتين، يقولُ تقيُّ الدين بنُ تيميةَ - كما نقله عنه ابنُ القيّمِ -: \"الفرقُ: أنَّه إِذا كتَبَ وصيتَه، وقال: اشهدوا عليَّ بما فيها، فإِنَّهم لا يشهدون؛ لجوازِ أنْ يزيدَ في الوصيةِ وينقصَ ويغيّرَ، وأمَّا إِذا كَتَبَ وصيتَه، ثُمَّ مات، وعُرفَ خطُّه، فإِنَّه يشهدُ به؛ لزوالِ هذا المحذورِ\" (^٣).\nالمثال الرابع: نصَّ الإِمامُ الشَّافعي على بيعِ مسكنِ المفلسِ وخادمِه، وإِنْ كان محتاجًا إِلى مَنْ يخدمُه؛ لكبرِه، أو لمنصبِه، ونصَّ في الكفارةِ المرتبة على أنَّه يعدلُ إِلى الصيامِ، وإِنْ كان له مسكنٌ وخادمٌ، ولا يلزم صرفُهما إِلى الإِعتاقِ (^٤).\nذَهَبَ بعضُ علماءِ الشافعيةِ إِلى أنَّ للإِمامِ الشَّافعي في كلتا المسألتين قولين: أحدهما بالنصِّ، والثاني بالنقلِ والتخريجِ (^٥).\nوفرَّق آخرون بين المسألتين من وجهين:\nالوجه الأول: أنَّ الكفارةَ لها بدلٌ، بخلافِ الحقِّ الثابتِ على المفلسِ.\n_________\n(^١) انظر: مسائل الإِمام أحمد رواية أبي داود (ص/ ٢٨٧).\n(^٢) انظر: المحرر في الفقه للمجد (١/ ٣٧٦)، والمغني لابن قدامة (٨/ ٤٧١).\n(^٣) الطرق الحكمية (٢/ ٥٤٩).\n(^٤) انظر: روضة الطالبين للنووي (٤/ ١٤٥)، و(٨/ ١٤٥).\n(^٥) انظر: المصدر السابق، والقواعد للحصني (٣/ ٣٨٦).","vol":"1","page":303},{"text":"الوجه الثاني: أنَّ بيعَ مسكنِ المفلسِ وخادمِه؛ لتعلقِه بحقِّ الآدمي، بخلافِ الكفارةِ (^١).\n• تحرير محل النزاع في مسألةِ: (النقل والتخريج):\nأولًا: ظَهَرَ لي مِن خلالِ النظرِ في مسألةِ: (النقل والتخريج) أنَّه إِذا وجِدَ مانعٌ مِن النقلِ والتخريجِ، لم يجز القيامُ به، كما لو أفضى النقلُ والتخريجُ بين المسألتين إِلى خرقِ الإِجماع، أو مخالفةِ نصٍّ مِن الكتاب أو السنةِ (^٢).\nثانيًا: محلُّ الخلافِ إِذا لم يكن ثمةَ مانعٌ مِن النقلِ والتخريجِ.\n• الأقوال في المسألة:\nقبلَ عرضِ الأقوالِ، أبيّن أنَّ المانعين للقياسِ على قولِ الإِمامِ في المسألة السابقة يمنعون النقلَ والتخريجَ؛ لأنَّ مَنْ مَنَعَ قياسَ ما سَكَتَ عنه الإِمامُ على ما نصّ عليه، فإِنَّه يمنعُ قياسَ ما نصَّ عليه على ما نصَّ عليه، في حكمٍ آخر، مِنْ بابٍ أَولى.\nاختلفَ العلماءُ في صحةِ نسبةِ القولِ إِلى الإِمام بناءً على النقلِ والتخريجِ على ثلاثةِ أقوال:\nالقول الأول: عدمُ جوازِ النقلِ والتخريجِ.\nوهذا القولُ وجهٌ عند الحنابلةِ (^٣). ونَسَبَه صدرُ الدّينِ السلمي إِلى محققي الشافعيةِ (^٤). ونسبه ابنُ حامدٍ إِلى بعضِ الحنابلةِ (^٥). وقال المرداويُّ عنه: \"إِنَّه الصحيحُ مِن المذهبِ\" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: القواعد للحصني (٣/ ٣٨٦).\n(^٢) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٨٩)، وتصحيح الفروع للمرداوي (١/ ٤٣).\n(^٣) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٨٨).\n(^٤) انظر: فرائد الفوائد (ص/ ١٠٥).\n(^٥) انظر: تهذيب الأجوبة (٢/ ٨٧٠).\n(^٦) الإِنصاف (١٢/ ٢٤٥).","vol":"1","page":304},{"text":"ونَسَبَه صدرُ الدِّينِ السلمي إِلى القاضي أبي بكرٍ الباقلاني (^١).\nواختاره جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: ابنُ حامدٍ (^٢)، وأبو الحسين\nالبصري (^٣)، وأبو إِسحاقَ الشيرازي (^٤)، وأبو الخطابِ (^٥)، والموفقُ بنُ قدامة (^٦)، وتقيُّ الدين بنُ تيمية (^٧).\nالقول الثاني: جوازُ النقلِ والتخريجِ.\nوهذا القولُ وجهٌ عند الحنابلةِ (^٨). ونسَبَه أبو إِسحاقَ الشيرازي إِلى بعضِ الشافعيةِ (^٩). ونسبه ابنُ حامدٍ إِلى بعضِ الحنابلةِ (^١٠)، ونسبه المرداويُّ إِلى كثيرٍ مِن متقدمي الحنابلةِ ومتأخريهم (^١١).\nواختاره جمعٌ مِنْ أهلِ العلم، منهم: ابنُ الحاجبِ (^١٢)، وابنُ سريجٍ (^١٣)،\n_________\n(^١) انظر: فرائد الفوائد (ص / ١٠٥).\n(^٢) انظر: تهذيب الأجوبة (٢/ ٨٧٢).\n(^٣) انظر: المعتمد (٢/ ٨٦٣).\n(^٤) انظر: التبصرة (ص/ ٥١٦)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٨٣). وقد ذكرت قول أبي إِسحاق الشيرازي وإِن كان من مانعي القياس على قول الإِمام؛ لأنَّه نصَّ على حكم المسألة بعينها.\n(^٥) انظر: التمهيد في أصول الفقه (٤/ ٣٦٨).\n(^٦) انظر: روضة الناظر (٣/ ١٠١٢).\n(^٧) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإِسلام (٢٥/ ٥٨).\n(^٨) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٨٨)، والفروع لابن مفلح (١/ ٤٢).\n(^٩) انظر: التبصرة (ص/ ٥١٦).\n(^١٠) انظر: تهذيب الأجوبة (٢/ ٨٧٠)، والمسودة (٢/ ٩٤٠).\n(^١١) انظر: الإِنصاف (١/ ٤٦١).\n(^١٢) انظر: كشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/ ١٠٥).\n(^١٣) انظر: الجمع والفرق للجويني (١/ ١٧٤). وابن سريج هو: أحمد بن عمر بن سريج البغدادي، أبو العبَّاس، لُقب بالباز الأشهب؛ لقوة حجته، ولد ببغداد سنة ٢٤٩ هـ أحد فقهاء المذهب الشَّافعي، ومن البارعين فيه، والناصرين له، انتهت إِليه رئاسة مذهبه، كان زاهدًا ورعًا، قال عنه أبو إِسحاق الشيرازي: \"كان يفضل على جميع أصحاب الإِمام الشَّافعي حتى المزني\"، وولي القضاء بشيراز، ويُعَدُّ من المكثرين من التأليف، ويقال: إِنها بلغت أربعمائة مصنف، يقول تاج الدين بن السبكي: \"ولم نقف إِلَّا على القليل منها\"، وقد قام ابن سريج بنشر المذهب الشَّافعي في الآفاق، من مؤلفاته: الرد على ابن داود في إِبطال القياس، والرد على داود في مسائل اعترض بها الشَّافعي، والخصال، والودائع لمنصوص الشرائع، توفي =","vol":"1","page":305},{"text":"والطوفي (^١) - ونصَّ على اشتراطِ البحثِ عن الفرقِ والجدِّ في طلبِه - والمرداويُّ (^٢)، وتبعَ الشيخُ عبد القادرِ بنُ بدران الطوفيَّ في اختيارِه (^٣).\nالقول الثالث: التفصيل في المسألة، فلا يخلو الأمرُ من حالتين:\nالحالة الأولى: أنْ يعلمَ تاريخَ قولِ الإمامِ في المسألتين.\nالحالة الثانية: أنْ يجهلَ التاريخَ.\nالحالة الأولى: أنْ يعلمَ تاريخَ قولِ الإِمام في المسألتين.\nإِنْ علمَ تاريخَ قولِ الإِمامِ في المسألتين، فلا يخلو: إِمَّا أنْ يقربَ الزمنُ بين قولي الإِمام، أو أنْ يبعدَ:\n- فإِنْ قربَ الزمنُ بين قوليه، لم يجز النقلُ والتخريجُ.\n- وإِنْ بَعُدَ الزمنُ بين قولي الإِمامِ: نُقِلَ حكمِ الثانيةِ إِلى الأُولى في الأقيس، ولا يُنقل حكمِ الأُولى إِلى الثانيةِ، إِلَّا أنْ نجعلَ أولَ قوليه في مسألةٍ واحدةٍ مذهبًا له، مع معرفةِ التاريخِ.\nالحالة الثانية: أن يجهلَ التاريخ.\nإِنْ جهل تاريخ قولي الإِمام في المسألتين: جازَ نقلُ حكمِ أقرب المسألتين مِن الكتاب أو السنةِ أو الإِجماعِ أو الأثرِ أو قواعد الإِمامِ وأصولَه في الأقيسِ، دون العَكسِ، إِلَّا أنْ نجعلَ أولَ قوليه في مسألةٍ واحدةٍ مذهبًا له مع معرفةِ التاريخِ، فتنقل حكم المرجوحةِ إِلى الراجحةِ.\n_________\n= ببغداد سنة ٣٠٦ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السَّلام للخطيب (٥/ ٤٧١)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ١٠٥)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (١/ ٦٦)، وسير أعلام النُّبَلاء (١٤/ ٢٠١)، وطبقات المعتزلة للمرتضى (ص/ ١٢٩)، وطبقاث الشافعية الكبرى لابن السبكي (٣/ ٢١)، وطبقات الشافعية للإِسنوي (٢/ ٢٥).\n(^١) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٤١).\n(^٢) انظر: تصحيح الفروع (١/ ٤٢). وأنبه إِلى أن المرداوي ذكر في بعض المواضع تصحيح القول الأول، ومراده الصحيح في المذهب؛ بدليل: أنَّه في موضع واحد صحح القول الأول، وصوّب القول الثاني.\n(^٣) انظر: المدخل إِلى مذهب الإِمام أحمد (ص/ ٣٨٢).","vol":"1","page":306},{"text":"وذَهَبَ إِلى هذا التفصيلِ ابنُ حمدان (^١).\nوقريبٌ مِن اختيارِ ابنِ حمدان ما ذَهَبَ إِليه شمسُ الدّينِ البعلي (^٢)؛ إِذ اختارَ جوازَ النقل والتخريجِ بين المسألتينِ ما لم يفرّقْ بينهما، أو يقرب الزمنُ (^٣).\n* أدلة الأقوال:\nأدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: أنَّ مغايرةَ الإِمامِ بين المسألتين في الحُكم، وإِنْ تشابهتا في الظَّاهر، يدلُّ على وجودِ فرقٍ بينهما، لم يتفطنْ له الناظرُ فيهما.\nيؤيّدُ ذلك: أنَّ كثيرًا مِن المسائلِ الَّتي ادُّعِيَ فيها انتفاءُ الفارقِ المؤثرِ بين المسألتين، وقيل فيهما بالنقلِ والتخريجِ، وُجِدَ بينهما فرقٌ مَنَعَ التسوية بينهما في الحكمِ (^٤).\nالدليل الثاني: أنَّ نقلَ الجواب عن مكانِه بمثابةِ إِحداثِ جوابٍ مبتدأٍ؛ ولمَّا لم يجزْ إِحداثُ جوابٍ مبتدأٍ، لم يجزْ نقلُ جوابِه إِلى مسألةٍ له فيها\n_________\n(^١) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٨٨ - ٨٩).\n(^٢) هو: محمد بن أبي الفتح بن أبي الفضل بن مركان البعلي، شمس الدين أبو عبد الله، ولد ببَعْلَبَك سنة ٦٤٥ هـ ونشأ بها، كان إِمامًا ففيهًا محدثًا نحويًا لغويًا، متعبدًا صالحًا متواضعًا، على طريقة السلف، حسن الشمائل، حنبلي المذهب، وكانت له عناية بالمعاني والرجال، وقد قرأ العربية واللغة على ابن مالك، ولازمه، وصنف كتبًا كثيرة، منها: المطلع على أبواب المقنع، وشرح الجرجانية، وشرح ألفية ابن مالك، ومختصر روضة الناظر، توفي بالقاهرة سنة ٧٥٩ هـ. انظر في ترجمته: تذكرة الحفاظ للذهبي (٤/ ١٥٠١)، والذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب (٤/ ٣٧٢)، والدرر الكامنة لابن حجر (٤/ ١٤٠)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٤٨٥)، وبغية الوعاة للسيوطي (١/ ٢٠٧)، والمنهج الأحمد للعليمي (٤/ ٣٧٩)، والدر المنضد له (٢/ ٤٥٧)، وشذرات الذهب لابن العماد (٨/ ٣٨).\n(^٣) انظر: المطلع على أبواب المقنع (ص/ ٤٦١).\n(^٤) انظر: المعتمد (٢/ ٨٦٣).","vol":"1","page":307},{"text":"قولٌ يخالفُ القولَ المنقولَ (^١).\nالدليل الثالث: إِذا لم نجعلْ قولَ الإِمامِ فيما نصَّ على حكمِه قولَه فيما سَكَتَ عنه، فمِنْ بابٍ أولى أنْ لا نجعله قولَه فيما نصَّ على خلافِه (^٢).\nالدليل الرابع: أنَّ مذهبَ الإِمامِ هو: ما قاله، أو دلَّ عليه بما جَرَى مجرى القولِ، فإِذا لم يقلْه، ولم يدلَّ عليه، بلْ نصَّ على خلافِه، لم تجزْ نسبتُه إِليه (^٣).\nالدليل الخامس: إِذا نصَّ الشارعُ على حكمين مختلفين في مسألتين متشابهتين، لم يجزْ نقل إِحداهما إِلى الأخرى، فكذا الأمرُ في أقوالِ الأئمةِ، لا يجوزُ نقلُ حكمِ إِحدى المسألتين إِلى الأخرى (^٤).\nالدليل السادس: إِذا نصَّ الإِمامُ على التفريقِ بين المسألتين، لم يجزْ قياسُ إِحداهما على الأخرى، فكذلك إِذا فرَّق بينهما في الحكمِ (^٥).\nأدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: أنَّ المسألتين اللتين اختلف جوابُ الإِمامِ فيهما، مِنْ جنسٍ واحدٍ؛ فمعناهما متحدٌ أو متقاربٌ، وهذا يُوْجِبُ أنْ يكونَ جوابُ الإِمام في إِحداهما جوابًا له في الأخرى، ولذا قلنا بالنقلِ والتخريجِ بينهما (^٦).\n_________\n(^١) انظر: تهذيب الأجوبة (٢/ ٨٧٤).\n(^٢) انظر: روضة الناظر (٣/ ١٠١٣)، ويستدل بهذا الدليل من لم يجوّز قياس ما سكت عنه على ما نص عليه.\n(^٣) انظر: التبصرة (ص/ ٥١٦)، وشرح اللمع (٢/ ١٥٨٣)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٦٨)، وروضة الناظر (٣/ ١٠١٣).\n(^٤) انظر: أصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٠٩)، والتحبير (٨/ ٣٩٦٧).\n(^٥) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٨٨)، والتحبير (٨/ ٣٩٦٨).\n(^٦) انظر: تهذيب الأجوبة (٢/ ٨٧٣)، وصفة الفتوى (ص/ ٨٨).","vol":"1","page":308},{"text":"مناقشة الدليل الأول: إِنَّ تشابه المسألتينِ وتقاربَ معناهما، وكونَهما مِنْ جنسٍ واحدِ، لا يُوْجِبُ أنْ يكونَ جوابُ الإِمامِ في إِحداهما جوابًا له في الأخرى؛ إِذ ليس كلُّ ما ثَبَتَ في مسألةٍ مِنْ مسائلِ الصلاةِ - وهي جنسٌ واحدٌ - ينقل إِلى بقيةِ مسائلِها، فلا يصحُّ نقلُ جواب الإِمامِ فيمَنْ صلَّى قاعدًا مريضًا إِلى مسألة: مَنْ صلى قاعدًا قادرًا صحيحًا، بالاتفاقِ (^١).\nالدليل الثاني: إِذا اختلفَ جوابُ الإِمامِ في مسألتين متشابهتين، قلنا بالنقلِ والتخريجِ بينهما، قياسًا على نصوصِ الشارعِ؛ أَلَا تَرَى أنَّ الله تعالى لما نصَّ في كفارةِ القتلِ على إِيمانِ الرقبةِ المعتَقةِ، وأطلقها في كفارةِ الظهارِ، قسنا إِحداهما على الأخرى، وشَرَطْنَا الإِيمانَ في كفارةِ عتقِ الرقبةِ في الظهارِ، فكذلك في مسألتِنا، نقيسُ كلًّا من المسألتين على الأخرى (^٢).\nمناقشة الدليل الثاني: قياسُ مسألةِ: (النقلِ والتخريجِ) على ما أوردتموه في دليلِكم، قياسٌ مع الفارقِ، وببان ذلك: أنَّ الله تعالى صرَّحَ بالإِيمانِ في كفارةِ القتلِ، وسَكَتَ عنه في كفارةِ الظهارِ، فقسنا ما سَكَتَ عنه على ما نصَّ عليه.\nوفي مسألتِنا: صرَّحَ الإِمامُ في كلتا المسألتين بقولٍ يخالفُ قولَه في المسألةِ الأخرى، فلا يجوزُ حمل إِحداهما على الأخرى، فنظيرُ مسألتِنا: الصيامُ في كفارةِ الظهارِ، وكفارةِ التمتعِ، فاعَتَبر الشارعُ تتابع الصيامِ في كفارةِ الظهارِ في قولِه تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ (^٣)، واعتبرَ التفريقَ في صيام كفارةِ التمتع في قولِه تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (^٤)، ولم يجزْ نقلُ حكمِ كلٍّ منهما إِلى الأخرى (^٥).\n_________\n(^١) انظر: تهذيب الأجوبة (٢/ ٨٧٥ - ٨٧٦).\n(^٢) انظر: التبصرة (ص/ ٥١٦)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٨٣)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٦٩).\n(^٣) من الآية (٤) من سورة المجادلة.\n(^٤) من الآية (١٩٦) من سورة البقرة.\n(^٥) انظر: التبصرة (ص/ ٥١٦)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٨٣)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٦٩).","vol":"1","page":309},{"text":"الدليل الثالث: لو قال إِمامُ المذهبِ: الشفعةُ لجارِ الدارِ، لوجبتْ لجارِ الدكانِ؛ لأنَّه لا فرقَ بينهما، وحقيقةُ الأمر، نقلُ حكمِ مسألةٍ إِلى نظيرتِها، وكذلك فيما إِذا نصَّ الإِمامُ على حكمين مختلفين في مسألتين متشابهتين، فننقل حكمَ كلِّ واحدةٍ منهما إِلى الأخرى (^١).\nمناقشة الدليل الثالث، نوقش الدليل من وجهين:\nالوجه الأول: ليس قولُ الإِمام: الشفعةُ لجارِ الدارِ، نظيرًا لمسألتنا؛ لأنَّ حكمَ الدكانِ مسكوتٌ عنه، ونظيرُ مسألتنا أنْ يقولَ الإِمامُ: الشفعةُ لجارِ الدارِ، ويقولَ في موطنٍ آخر: لا شفعةَ لجارِ الدكانِ.\nوفي هذا المقام لا يُنقلُ قولُ الإِمامِ في كلِّ مسألةٍ إِلى الأخرى (^٢).\nالوجه الثاني: أنَّنا ألحقنا جارَ الدكانِ بجارِ الدارِ؛ لأنَّهما بمعنى واحد، ويسوغُ النقلُ والتخريجُ فيما كان هذا شأنُه مِن المسائل؛ لأنَّه لا يمكنُ الفصلُ بينها (^٣).\nدليل أصحاب القول الثالث: أنَّنا نمنعُ النقلَ والتخريجَ بين المسألتينِ المتشابهتينِ اللتينِ اختلفَ قولُ الإِمامِ فيهما في حالةِ قرب الزمنِ بينهما؛ لأنَّ الظنَّ بالإِمام أنَّه ذاكرٌ لقولِه الأولِ حين أفتى في المسَألةِ الثانيةِ، وأنَّه لم يفرِّقْ بين المسَألتين في الحكمِ إِلَّا لفرقٍ مؤثرٍ بينهما (^٤).\nوأمَّا في حالةِ البُعدِ الزمني بين قولي الإِمامِ في المسألتينِ: فمِن المحتملِ استواء المسألتينِ عنده، ولذا ننقل حكمَ المسألةِ الثانيةِ إِلى المسألةِ الأُولى، دون العكسِ، إِلَّا على القولِ بجوازِ نسبةِ قولين إِلى الإِمامِ في مسألةِ واحدةٍ، مع معرفةِ التاريخِ (^٥).\n_________\n(^١) انظر: التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٧٠).\n(^٢) انظر: المصدر السابق.\n(^٣) انظر: شرح اللمع (٢/ ١٠٨٣).\n(^٤) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٨٨ - ٨٩).\n(^٥) انظر: المصدر السابق، وتحرير المقال للدكتور عياض السلمي (ص/ ٦٦)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٢٧٧).","vol":"1","page":310},{"text":"مناقشة دليل أصحاب القول الثالث: أنَّ مؤدى هذا القولِ هو المنعُ مِن النقلِ والتخريجِ في حالةِ معرفةِ التاريخِ، والقرب الزمني بين الجوابين، وجوازُ نقلِ حكم الثانيةِ إِلى الأُولى في حالةِ البُعدِ الزمني بين الجوابين؛ ويُشكلُ عليه: أنَّ حقيقةَ النقلِ في هذه الحالةِ إِلغاءُ قولِ الإِمامِ المنصوصِ عليه في جوابِه الأولِ، بالقياسِ على جوابِه في المسألةِ الثانيةِ، ولا يجوزُ إِلغاءُ النصِّ بالقياسِ (^١).\n• الموازنة والترجيح:\nمِنْ خلالِ النظرِ والتأمّلِ في الأقوالِ وأدلتِها، وما وَرَدَ على بعضِها مِن مناقشات، يظهرُ لي رجحانُ القولِ الأولِ المانع مِنْ نسبةِ القولِ إِلى الإِمامِ بناءً على النقلِ والتخريجِ، وذلك للأسبابِ الآتية:\nالأول: أنَّ اختلافَ جواب الإِمامِ بين المسألتين، قرينةٌ دالةٌ على وجودِ فرقٍ مؤثرٍ بينهما، مَنَعَ التسَويةَ بينهما في الحكمِ.\nالثاني: لو دققنا النظرَ في كثيرٍ مِن المسائلِ الَّتي ادُّعِيَ فيها انتفاءُ الفارقِ المؤثّرِ بين المسألتين، وقيلَ بالنقلِ والتخريجِ بينهما، لوجدنا أنَّ التفريقَ بين المسألتين في الحكمِ أنسبُ مِن التسويةِ بينهما.\nيقولُ صدرُ الدّينِ السلمي: \"تجدُ في عامّة هذه المسائل - الَّتي قيل فيها بالنقلِ والتخريجِ - الصحيح فيها تقرير النصين، والفرْق\" (^٢).\nالثالث: أنَّ في النقلِ والتخريجِ تقويلًا للإِمامِ بما يخالف نصَّه.\nالرابع: ليس لمنْ قالَ بنسبةِ القولِ إِلى الإِمامِ بناءً على النقلِ والتخريجِ دليلٌ ينهضُ به؛ إِذ وَرَدَ على أدلتِهم مناقشاتٌ تُضعفها.\n_________\n(^١) انظر: تحرير المقال للدكتور عياض السلمي (ص/ ٦٨)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٢٧٩).\n(^٢) فرائد الفوائد (ص/ ١٠٥).","vol":"1","page":311},{"text":"الخامس: فيما يتصل بالقولِ الثالثِ، ممَّا يشكل عليه في حالِ النقلِ والتخريجِ عند الجهلِ بالتاريخِ - إِضافةً إِلى عدمِ الدليلِ الدالِّ على القولِ - أن نقلَ أَقربِ الجوابين إِلى الكتاب أو السنةِ أو قواعد الإِمام وأصولِه، إِلى المسألةِ الأخرى، دون العكس، لَا يصحّ؛ لأنَّ هذه الطريقةَ مخالفة لأسسِ الترجيحِ وقواعِده عند العلماءِ (^١).\nلكنْ إِنْ كانت المسألتانِ اللتانِ اختلفَ جوابُ الإِمامِ فيهما، بمعنى واحد، بحيث لا يمكن الفصلُ بينهما بوجهٍ:\nفإِنْ عُلِمَ التاريخُ كان جوابُ الإِمام الثاني رجوعًا عن الأولِ في الظاهرِ (^٢)، وإِنْ جُهِلَ التاريخ، فيكون حكفَهما حكمَ مسألةٍ واحدةٍ اختلفَ قولُ الإِمامِ فيها (^٣).\n• أثر الخلاف:\nالخلافُ بين الأقوال خلافٌ معنوي، ويظهرُ أثره فيما تقدمت الإِشارة إِليه في أثرِ الخلافِ في مسألةِ: (نسبة القول إِلى الإِمامِ بناءً على المفهومِ)، وفي وصفِ القولِ المنقولِ إِلى المسألة الأخرى:\nفعلى قولِ المانعين مِن النقلِ والتخريجِ - وهم أصحابُ القولِ الأول - يكون القولُ المنقولُ وجهًا لمن خرَّجه.\nوعلى قولِ المجيزين للنقلِ والتخريجِ - وهم أصحابُ القولِ الثاني - يكون القولُ المنقولُ روايةً مخرجةً (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٢٧٩).\n(^٢) انظر: تحرير المقال للدكتور عياض السلمي (ص/٦٨).\n(^٣) انظر: شرح اللمع (٢/ ١٠٨٣).\n(^٤) انظر: التحبير (٨/ ٣٩٦٩)، وتصحيح الفروع للمرداوي (١/ ٤٣).","vol":"1","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>الفرع السابع: لازم القول</span>\nتحسنُ الإِشارةُ قبلَ بيانِ المرادِ باللازمِ - في مقامِ نسبةِ القولِ إِلى الإِمامِ - إِلى بيانِ أنَّ اصطلاحَ المناطقةِ في المرادِ بالازمِ يختلفُ عن اصطلاحِ الأصوليين:\nفاللازمُ عند المناطقةِ: ما يمتنعُ انفكاكُه عن الشيءِ (^١).\nأمَّا عند علماءِ الأصولِ، فمعناه أوسعُ؛ إِذ إِنَّهم يطلقون اللازمَ على اللازمِ العقلي الَّذي لا يمكنُ تخلفه عن ملزومِه - وهذا موافقٌ للازمِ عند المناطقةِ - وعلى اللازمِ الذي قد يتخلفُ عن ملزومِه.\nفجَعَلَ الأصوليون مِن أنواعِ الملازمةِ - إِضافةً إِلى العقليةِ - الملازمةَ الشرعية، والملازمةَ العادية (^٢).\nلا يخرجُ تحديدُ اللازمِ في مقامِ نسبةِ القولِ إِلى الإِمامِ عمَّا قرره الأصوليون.\nوقد وُجد مِنْ بعضِ العلماءِ المعاصرين مَنْ بيَّن المرادَ بقولِ الأصوليين: لازم المذهبِ، هل يُعَدُّ مذهبًا؟\nيقولُ الدكتورُ عياض السلمي في بيانِه للمسألةِ: \"ما يلزمُ مِنْ ثبوتِ القولِ ثبوتُه عقلًا، أو شرعًا، أو لغةً، ولم يُذكرْ في الكلامِ\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: التعريفات للجرجاني (ص / ٢٧٠)، والتوقيف لمهمات العاريف للمناوي (ص/ ٦١٥)، وطرق الاستدلال ومقدماتها للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٦١). وراجع: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (١٠/ ١٢٠).\n(^٢) انظر: التحبير (١/ ٣٣٠)، وشرح الكوكب المنير (١/ ١٣٠)، وتحرير المقال للدكتور عياض السلمي (ص/ ٨٨)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٢٨٣)، وطرق الاستدلال ومقدماتها له (ص / ٦٤).\n(^٣) تحرير المقال (ص/ ٨٨).","vol":"1","page":313},{"text":"وذَكَرَ فضيلةُ الشيخِ بكر أبو زيد صورةَ المسألةِ، فقالَ: \"إِذا قالَ المجتهدُ قولًا في مسألةٍ خلافيةٍ، فهل يلزمُه ما تولَّدَ عن هذا الخلافِ مِنْ لازمِ قولِه، وثمرةِ خلافِه؟ فيكون له حكمان في مسألتين: حكمٌ قاله، وحكمٌ يلزمه على أثرِ قولِه، فيكون بمثابةِ ما قاله\" (^١).\nوبالنقلين المتقدمين تتضحُ صورةُ المسألةِ، ويمكنُ القولُ بأنَّ المرادَ باللازمِ هوفيما إِذا قالَ إِمامُ المذهب قولًا، ولَزِمَ منه لازمٌ عقليٌّ، أو شرعيٌّ، أو عاديٌّ، فهل تصحُّ نسبةُ القولِ باللازمِ إِلى الإِمامِ؟\nوأحبُّ أنْ أشيرَ إِلى أنَّ جمالَ الدينِ الإِسنوي قد نصَّ على المرادِ باللازمِ فقالَ: \"إِذا لم نعرف القولَ المنسوبَ إِلى الشَّافعي في القولينِ المطلقينِ، وعرفنا قولَه في نظيرِ تلك المسألةِ: فإِنْ كانَ بين المسألتينِ فرقٌ يجوزُ أنْ يذهبَ إِليه ذاهبٌ، لم نحكمْ بأنْ قولَه في المسألةِ كقولِه في نظيرِها؛ لجوازِ أنْ يكون قد ذَهَبَ إِلى الفرقِ.\nوإِنْ لم يكنْ بينهما فرقٌ البته، فالظاهرُ أن يكونَ قولُه في إِحدى المسألتينِ قولًا له في الأخرى، وهذه المسألةُ هي المعروفة بأنَّ لازمَ المذهبِ هل هو مذهبٌ أم لا\" (^٢).\nوما ذكره الإِسنوي مشكلٌ؛ ففرقٌ بين القياسِ على قولِ الإِمامِ، ولازمِ قولِه، وقد أَوَّلَ الشيخُ محمد المطيعي قولَ الإِسنوي، فقالَ: \"يريدُ الخلاف في هذه المسألةِ مبني على الخلافِ في تلك المسألةِ، فمَنْ قالَ: إِنَّ لازمَ المذهب ليس بمذهبٍ، قال: لا يكون قولُ الشَّافعي في إِحدى المسألتين قولًا لهَ في الأخرى ... ومَنْ قالَ: إِنَّ لازمَ المذهب مذهبٌ، قالَ: يكون قولُه في إِحدى المسألتين قولًا له في الأخرى مطلقًا\" (^٣).\n_________\n(^١) المدخل المفصل (١/ ٢٨٤).\n(^٢) نهاية السول (٤/ ٤٤٣).\n(^٣) سلم الوصول (٤/ ٤٤٣ - ٤٤٤). وانظر: نظرية التخريج للدكتور نوار الشلي (ص/ ٢٣٦ - ٢٣٧).","vol":"1","page":314},{"text":"ويعلق الدكتور عياضٌ السلمي على كلامِ جمالِ الدين الإِسنوي قائلًا: \"والواقعُ أنَّ مسألةَ: (لازم المذهب، هل هو مذهبٌ؟) أعمُّ ممَّا ذكره، وليست مقصورةً عليه\" (^١).\nوسأذكرُ بعضَ الأمثلةِ للازم القولِ قبلَ الشروعِ في المسألةِ:\nالمثال الأول: ما يدركه المسبوفُ في صلاةِ الجماعةِ، أهو آخر صلاتِه، أم أولها؟\nيترتب على القولِ بأنَّ ما يدركه المسبوقُ آخر صلاته، لوازم:\nمنها: أنَّ الاستفتاحَ في أولِ ركعةٍ يقضيها، والاستعاذةَ إِذا قامَ إِلى القضاءِ، وإِذا سُبِقَ ببعضِ تكبيراتِ الجنازةِ، تابعَ الإِمامَ في الذِّكرِ الَّذي هو فيه، ثُمَّ يقرأُ الفاتحةَ في أولِ تكبيرةٍ يقضيها.\nويترتب على القولِ بأنَّ ما يدركه المسبوقُ أول صلاتِه، لوازم:\nمنها: أنَّ الاستفتاح والاستعاذة في أولِ ركعةٍ يدركها، وإِذا سُبِقَ ببعضِ تكبيراتِ الجنازةِ، قَرَأَ الفاتحةَ في التكبيرةِ الَّتي دَخَلَ فيها مع الإِمامِ (^٢).\nفإِذا قال إِمامُ المذهبِ: إِنَّ ما يدركه المسبوقُ آخر صلاتِه، فهل تنسبُ إِليه لوازمُ قولِه؟ وإِذا قال: ما يدركُه المسبوقُ أول صلاتِه، فهل تنسبُ إِليه لوازمُ قولِه؟\nالمثال الثاني: الإِقالةُ (^٣) أهي فسخٌ، أم بيعٌ؟\n_________\n(^١) تحرير المقال (ص/ ٨٩). وقد استعمل ابن القيم لفظ القياس والمراد به اللازم، انظر: الطرق الحكمية (١/ ٤٣٦).\n(^٢) انظر - للمزيد من اللوازم -: تقرير القواعد لابن رجب (٣/ ٢٧٥ - ٢٧٤).\n(^٣) الإِقالة هي: فسخ البيع من البائع والمشتري. انظر: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي للأزهري (ص/ ٣٢٨)، والمغني لابن قدامة (٤/ ٩٦)، وطلبة الطلبة للنسفي (ص/ ٢٩٦).\nوقيل: ترك المبيع لبائعه بثمنه. انظر: التاج والأكليل للمواق (٦/ ٤٢٥)، والشرح الصغير للدردير (٣/ ٢٥٨).","vol":"1","page":315},{"text":"يترتبُ على القولِ بأنَّ الإِقالةَ فسخٌ لوازم:\nمنها: لا يشترطُ للإِقالةِ شروطُ البيع، وتصحُّ بلفظِ: المصالحةِ، ولا يثبتُ فيها خيارُ المجلسِ.\nويترتبُ على القولِ بأنَّ الإِقالةَ بيعٌ لوازم:\nمنها: يُشترَطُ لها شروطُ البيع، ولا تصحُّ بلفظِ: المصالحة، ويثبتُ فيها خيارُ المجلسِ (^١).\nفإِذا قالَ الإِمامُ: الإِقالةُ فسخٌ، فهل تُنْسبُ إِليه لوازم قولِه؟\nوإِذا قالَ الإِمامُ: الإِقالةُ بيعٌ، فهل تنسبُ إِليه لوازمُ قولِه؟\nالمثال الثالث: نفقةُ الحامل، أهي واجبةٌ لها، أم لحملِها؟\nيترتبُ على القولِ بأنَّ نفقةَ الحاملِ لأجلِها لوازم:\nمنها: وجوبُ النفقةِ حالَ عسرِ الزوجِ، وسقوطُ النفقةِ فيما لو نَشَزَتْ (^٢)، وإِذا ماتَ الزوجُ لم يلزمْ أقاربه نفقتها، وإِذا غابَ عنها الزوجُ ثبتتُ نفقتُها في ذمتِه، فلا تسقط بمضي الزمانِ.\nويترتبُ على القولِ بأنَّ نفقةَ الحاملِ للحملِ لوازم:\nمنها: عدمُ وجوبِ النفقةِ حالَ عُسر الزوجِ، وعدمُ سقوطِ نفقتِها إِذا نَشَزَتْ، وإِذا ماتَ الزوجُ لَزِمَ أقاربه النفقة، وإِذا غابَ عنها سقطت النفقةُ بمضي الزمانِ (^٣).\n_________\n(^١) انظر - للمزيد من اللوازم -: تقرير القواعد لابن رجب (٣/ ٣٠٩ - ٣٣٢).\n(^٢) النشوز في أصله: كراهية كل واحد من الزوجين صاحبه، وسوء عشرته. انظر: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي للأزهري (ص/ ٤٣٠)، والمطلع على أبواب المقنع للبعلي (ص/ ٣٢٩)، وأنيس الفقهاء للقونوي (ص / ١٥٨).\nأمَّا النشوز المسقط للنفقة، فهو معصية الزوجة زوجها فيما يجب عليها - مما أوجبه الشرع بسبب النكاح - كما لو امتنعت من فراشه، أو من الانتقال معه إِلى مسكن مثلها، أو أبت السفر معه، إِن لم تشترط بلدها. انظر: الشرح الكبير لابن قدامة (٢١/ ٣٢٧).\n(^٣) انظر - للمزيد من اللوازم -: تقرير القواعد لابن رجب (٣/ ٣٩٨ - ٤٠٦).","vol":"1","page":316},{"text":"فإِذا قالَ الإِمامُ: نفقةُ الحاملِ؛ لأجلِ المرأةِ، فهلْ تنسبُ إِليه لوازمُ قولِه؟\nوإِذا قالَ: نفقةُ الحاملِ؛ لأجلِ الحملِ، فهل تنسبُ إِليه لوازمُ قولِه؟\n• تحرير محل النزاع في المسألة:\nأولًا: إِذا نصَّ الإِمامُ على التزامِ لوازمِ قولِه، صحَّتْ نسبتُها إِليه.\nثانيًا: إِذا نصَّ الإِمامُ على عدمِ التزامِ لوازمِ قولِه، فلا تنسبُ إِليه (^١).\nثالثًا: إِذا نصَّ الإِمامُ على حكم يخالفُ لازمَ قولِه، فلا ينسبُ اللازم إِليه (^٢).\nرابعًا: محلُّ النزاعِ، إِذا لَزِمَ مِنْ قولِ الإِمامِ لازمٌ، ولم ينصّ على التزامِه، ولا على عدمِ التزامه، بلْ سَكَتَ عنه، ولم يصرِّحْ بخلافِه، فهل يُسْبُ إِليه؟\n* الأقوال في المسألة:\nاختلفَ العلماءُ في المسألةِ على أقوال:\nالقول الأول: أنَّ لازمَ المذهبِ ليس بمذهبِ.\nنَسَبَ أبو إِسحاقَ الشاطبيُّ هذا القولَ إِلى شيوخِه مِن البجائين والمغاربةِ، وإِلى المحققين (^٣). ونسبه الأميرُ الصنعاني إِلى المحققين (^٤).\nواختاره جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: ابنُ حزمِ (^٥)، والعزُّ بنُ عبد السلام (^٦)، وابنُ القيمِ (^٧)، وبدرُ الدين الزركشي (^٨)، وأبو المواهبِ\n_________\n(^١) انظر: القواعد الكلية لابن تيمية (ص/ ٢٥٥).\n(^٢) انظر: قواعد الأحكام (١/ ٣٠٦)، ومجموع فتاوى شيخ الإِسلام (٢٠/ ٢١٧).\n(^٣) انظر: الاعتصام (٢/ ٣٨٨).\n(^٤) انظر: إِجابة السائل (ص / ٤٠٣).\n(^٥) انظر: الفِصَل والملل (٣/ ٢٥٠).\n(^٦) انظر: قواعد الأحكام (١/ ٣٥٦).\n(^٧) انظر: إِعلام الموقعين (٥/ ٢٤٠).\n(^٨) انظر: البحر المحيط (١/ ٣٩١)، وسلاسل الذهب (ص/ ١٧٠).","vol":"1","page":317},{"text":"اليوسى (^١).\nوفي مواضع مِنْ كلام تقي الدين بن تيميةَ تصريحٌ باختيارِ هذا القولِ (^٢).\nالقول الثاني: أنَّ لازمَ المذهب مذهبٌ، فتصخ نسبةُ القولِ إِلى إِمام المذهبِ بناءً عليه.\nوهو قولُ بعضِ الحنابلةِ (^٣).\nوذَكَرَ هذا القولَ أبو إِسحاقَ الشاطبيُّ (^٤)، وبدرُ الدين الزركشيُّ (^٥)، ولم ينسباه إِلى أحدٍ.\nالقول الثالث: أنَّ لازمَ قولِ الإِنسانِ نوعان:\nالنوع الأول: لازمُ قولِه الحقّ، فيجبُ عليه أنْ يلتزمَه، وتصحُّ نسبتُه إِليه.\nالنوع الثاني: لازمُ قولِه الَّذي ليس بحقٍّ، فلا يجبُ عليه أنْ يلتزمَه، ولا تصحُّ نسبتُه إِليه.\nوهذا قولُ تقي الدين بنِ تيمية (^٦).\n_________\n(^١) انظر: البدور اللوامع في شرح جمع الجوامع (٣/ ٣٢٣). وأبو المواهب اليوسي هو: الحسن بن مسعود بن محمد بن عليّ بن يوسف بن أحمد، نور الدين اليوسي، أبو المواهب وأبو عليّ وأبو السعود، ولد بفركلة إِحدى مدن المغرب سنة ١٠٤٠ هـ تلقى العلم على طائفة من شِيوخٍ عصره، وقد ظهرت عليه بوادر النبوغ في وقت مبكر، كان فقيهًا أصوليًا لغويًا إِخباريًا أديبًا شاعرً عابدًا عالمًا عاملًا، حمل راية نشر العلم، وقصده الطلابُ، وتتلمذوا له، انتهت إِليه رئاسة العلم في وقته، من مؤلفاته: البدور اللوامع في شرح جمع الجوامع، ونيل الأماني بشرح الهاني، وقانون في جمع العلوم، توفي سنة ١١٠٢ هـ. انظر ترجمته في: فهرس الفهارس والأثبات للكتاني (٢/ ١١٥٤)، والفكر السامي للحجوي (٤/ ٢٨٤)، والأعلام للزركلي (٢/ ٢٢٣)، ومقدمة تحقيق البدور اللوامع (١/ ٣٠).\n(^٢) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإِسلام (٥/ ٣٠٦)، و(٢٠/ ٢١٧).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (٣٥/ ٢٨٨ - ٢٨٩).\n(^٤) انظر: الاعتصام (٢/ ٣٨٨).\n(^٥) انظر: البحر المحيط (١/ ٣٩١)، وسلاسل الذهب (ص/ ١٧٠).\n(^٦) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإِسلام (٢٩/ ٤١ - ٤٢)، والقواعد النورانية له (ص/ ١٩٣) ط/ ابن الجوزي.","vol":"1","page":318},{"text":"* أدلة الأقوال:\nأدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: لو قلنا: إِنَّ لازمَ المذهبِ مذهبٌ، لأدَّى هذا إِلى تكفيرِ عددٍ مِن العلماءِ، كتكفيرِ مَنْ نفى استواءَ الله على العرشِ مثلًا؛ لأنَّ لازمَ قولِه، أنْ لا يكونَ شيءٌ مِنْ أسماءِ الله أو صفاته حقيقةً، وهذا القولُ يستلزمُ قولَ الملاحدةِ المعطلين (^١).\nالدليل الثاني: يحتمل أنْ لا يتنبه إِمامُ المذهب إِلى لازمِ قولِه - وهذا مِنْ طبيعةِ البشرِ - فكيفَ ننسبُ إِليه أمرًا قد يَغْفَلُ عنهَ؟ ! (^٢).\nدليل أصحاب القول الثاني: أنَّنا نقولُ بأنَّ لازمَ المذهبِ مذهبٌ؛ لئلا يقعَ الإِمامُ في التناقضِ؛ إِذ الأصلُ في أقوالِه الاطرادُ، وعدمُ التناقضِ (^٣).\nمناقشة دليل أصحاب القول الثاني: أنَّ الإِمامَ غيرُ معصومٍ مِن التناقف، بلْ ثَبَتَ وقوعُ التناقفمِنْ بعضِ العلماءِ، ولم يُعصمْ منه إِلَّا الأنبياءُ ﵈ (^٤).\nدليل أصحاب القول الثالث: أنَّ لازمَ القولِ الحقِّ حقٌّ، فتجوزُ نسبتُه إِليه؛ لعدمِ ترتبِ ضررٍ على القائلِ.\nأمَّا لازمُ القولِ غيرِ الحقِّ، فلا تجوزُ نسبتُه إِليه؛ لأنَّ نسبتَه إِليه قد\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (٢٠/ ٢١٧). والملاحدة: جمع ملحد، والملحد: هو الَّذي ينكرون وجود الله ﷾. انظر: المعجم الفلسفي (ص / ٢٠، ١٧٤، ١٩٢)، وصراع مع الملاحدة للميداني (ص/ ٦١)، والموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب (٢/ ٨٠٣).\n(^٢) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإِسلام (٣٥/ ٢٨٨)، والقواعد النورانية له (ص / ١٩٣) ط/ ابن الجوزي، وإعلام الموقعين (٥/ ٢٤٠).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى شيخ الإِسلام (٥/ ٣٠٦)، وتحرير المقال للدكتور عياض السلمي (ص / ٩٠).\n(^٤) انظر: مجموع الفتاوى شيخ الإِسلام (٢٩/ ٤٢).","vol":"1","page":319},{"text":"تؤدي إِلى تكفيرِ القائل (^١).\n• الموازنة والترجيح:\nمِنْ خلالِ تأمّلِ الأقوالِ في المسألةِ، وما استدلوا به، يظهرُ لي ضيقُ دائرةِ الخلافِ بين الأقوالِ، إِذا طبقنا اللازمَ في مسائلِ الفقهِ؛ ذلك أنَّ غالبَ مَنْ لم يجعلْ لازمَ المذهب مذهبًا، إِنَّما أَوردَ المنعَ عند حديثِهم عن مسألةٍ عقديةٍ (^٢)، وأساسُ اعتمادَهم على المحاذيرِ الَّتي يؤدي إِليها القولُ باللازمِ، وتتحققُ تلك المحاذير في الأخذِ باللازمِ في أصولِ الدّينِ.\nأمَّا في الفقه والفروعِ، فيظهرُ لي اختلافها عن أصولِ الدّينِ، وذلك لعدمِ لحوقِ المفاسدِ الكبرى المترتبةِ على الأخذِ باللازمِ.\nومع ما سَبَقَ، فإِنَّ اللازمَ في الفروعِ على نوعين:\nالنوع الأول: اللازمُ البعيدُ، الَّذي يغلبُ على الظنِّ غفلة القائلِ عنه، وقد يظهرُ منه إِنكارُه، فهذا لا يُنسبُ إِلى إِمامِ المذهب، ولا سيما أنَّه قد ينازعُ المتكلمُ في أنَّه لازمُ قولِه (^٣).\nالنوع الثاني: اللازمُ غيرُ البعيدِ، الَّذي نظنُّ عدمَ غفلةِ قائلِه عنه، فهذا ينسبُ إِلى إِمامِ المذهبِ مقيَّدًا، كقولنا: مقتضى قولِه كذا، أو لازمُ قولِه كذا؛ إِذ ليس اللازمُ في منزلةِ القولِ المنصوصِ، ولا في منزلةِ ما ليس بلازمِ قولِه، بلْ هو في منزلةٍ بينهما (^٤).\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق، والقواعد النورانية لابن تيمية (ص/ ١٩٣) ط/ ابن الجوزي.\n(^٢) انظر على سبيل المثال: الفِصَل والملل لابن حزم (٣/ ٢٥٠)، وقواعد الأحكام للعز بن عبد السلام (١/ ٣٥٦)، ومجموع فتاوى شيخ الإِسلام (٥/ ٣٥٦)، و(٢٠/ ٢١٧)، والاعتصام للشاطبي (٢/ ٣٨٨)، والبحر المحيط (١/ ٣٩١)، وسلاسل الذهب (ص / ١٧٠).\n(^٣) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإِسلام (٣٥/ ٢٨٨).\n(^٤) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإِسلام (٣٥/ ٢٨٩)، ودرء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (١٠/ ١٢١). وقارن بسلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٤٤٤).","vol":"1","page":320},{"text":"• نوع الخلاف:\nالخلافُ بين الأقوالِ خلافُ معنوي، ويظهرُ أثرُه في المسألتين اللتين ذكرتُهما في أثرِ الخلافِ في صحةِ نسبةِ القولِ إِلى الإِمامِ بناءً على المفهومِ.\n* * *","vol":"1","page":321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>الفرع الثامن: ثبوت الحديث</span>\nلا شكَّ في أنَّ المصدرين الأساسين للأحكامِ الشرعيةِ هما: الكتابُ الكريمُ، والسنةُ النبويةُ، وقد حَرَصَ الأئمةُ على موافقةِ اجتهاداتهم لما دلَّ عليه الكتابُ والسُّنَّة (^١)، بلْ أمروا بردِّ أقوالهم متى ما خالفت الحديثَ الصحيحَ، وجعلِ أقوالِهم موافقةً لما دلتْ عليه السنةُ الصحيحةُ:\nجاء عن الإِمامِ أبي حنيفةَ أنَّه قال: \"إِذا صحَّ الحديثُ فهو مذهبي\" (^٢). وقال أيضًا: \"إِذا قلتُ قولًا يخالفُ كتابَ الله، وخبرَ الرسول - ﷺ -، فاتركوا قولي\" (^٣).\nوقال الإِمامُ مالكٌ: \"إِنَّما أَنا بشرٌ أخطئُ وأصيبُ، فانظروا في رأيي، فكلُّ ما وافق الكتابَ والسنةَ، فخذوا به؛ وكل ما لم يوافق الكتابَ والسنةَ، فاتركوه\" (^٤).\nوقالَ الإِمامُ الشَّافعي: \"كلُّ حديثٍ عن النبي - ﷺ - فهو قولي، وإِنْ لم تسمعوه منّي\" (^٥). وقالَ أيضًا: \"إِذا صحَّ الحديثُ، فهو مذهبي\" (^٦). وقالَ\n_________\n(^١) انظر: جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (٢/ ١٠٨٠).\n(^٢) ذكر قولَ الإِمام أبي حنيفة: ابنُ عابدين في: رد المحتار على الدر المُخْتَار (١/ ٢٢١)، وصالحٌ الفلاني في: إيقاظ همم أولي الأبصار (ص/ ١٧٨) ط/ دار الفتح.\n(^٣) ذكر قولَ الإِمام أبي حنيفة: صالحٌ الفلاني في: إِيقاظ همم أولي الأبصار (ص/ ١٧٨) ط/ دار الفتح.\n(^٤) أخرج قول الإِمام مالك: ابن عبد البر في: جامع بيان العلم وفضله (١/ ٧٧٥)، برقم (١٤٣٥).\nوانظر: معنى قول الإِمام المطلبي لتقي الدين السبكي (ص/ ١٢٥)، وإيقاظ همم أولي الأبصار لصالح الفلاني (ص/ ١٩٦) ط/ دار الفتح.\n(^٥) أخرج قول الإِمام الشَّافعي: ابن أبي حاتم في: آداب الشَّافعي (ص/ ٤).\nوانظر: مناقب الإِمام الشَّافعي لابن كثير (ص/ ١٢٥).\n(^٦) ذكر قولَ الإِمام الشَّافعي محيي الدين النوويُّ في: المجموع شرح المهذب (١/ ٦٣).","vol":"1","page":322},{"text":"أيضًا: \"إِذا وجدتُم عن رسولِ الله - ﷺ - سنةً خلافَ قولي، فخذوا السنةَ، ودعوا قولي؛ فإِنَّي أقولُ بها\" (^١).\nفإِذا ثَبَتَ الحديثُ عن النبي - ﷺ -، فهل يُنسبُ ما دلَّ عليه الحديثُ إِلى إِمامِ المذهبِ؟\nلهذه المسألةِ أربعُ صورٍ:\nالصورة الأولى: إِذا روى الإِمامُ الحديثَ، أو صححه، ولم يرُدَّه، ولم ينقلْ عنه خلافُ ما دلَّ عليه الحديث.\nالصورة الثانية: إِذا روى الإِمامُ الحديثَ، وخالفه.\nالصورة الثالثة: إِذا ثَبَتَ الحديثُ مِنْ غيرِ مروي الإِمامِ، وخالفه.\nالصورة الرابعة: إِذا ثَبَتَ الحديث مِنْ غيرِ مروي الإِمام، ولم ينقلْ عنه قولٌ بخلافِه.\nالصورة الأولى: إِذا روى الإِمامُ الحديثَ، أو صححه، ولم يرُدَّه، ولم ينقلْ عنه خلافُ ما دلَّ عليه الحديثُ.\nإِذا روى الإِمامُ بسندِه حديثًا عن النبي - ﷺ -، ولم يردّه، ولم يقلْ بنسخِه، ولم يُنقل عنه قولٌ يخالفُ ما دلَّ عليه الحديثُ، فهل تدلُّ روايةُ الإِمامِ للحديثِ على قولِه؟\nومثلُ هذه المسألة: ما لو صحّحَ الإِمامُ حديثًا، ولم يُنقلْ عنه قولٌ مخالفٌ لما دلَّ عليه الحديثُ، فهل يُنسب إِليه مدلولُ الحديثِ؟\nاهتمَّ الحنابلةُ - على وجه الخصوص - بهذه الصورةِ، واختلفوا فيها على قولين:\n_________\n(^١) أخرج قول الإِمام الشافعي: البيهقي في: مناقب الشافعي (١/ ٤٧٢)؛ وفي: المدخل إِلى السنن الكبرى (١/ ٢٢٤)، برقم (٢٤٩)؛ والبغدادي في: الفقيه والمتفقه (١/ ٣٨٩)، برقم (٤٠٦)؛ والسمعاني في: أدب الإِملاء (٢/ ٤٤٣) برقم (٣٢١).\nوانظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٤٧٧).","vol":"1","page":323},{"text":"القول الأول: أنَّ روايةَ الإِمامِ للحديثِ تدلُّ على قولِه.\nوهذا القولُ وجهٌ عند الحنابلةِ (^١). ونسبه ابنُ حامدٍ إِلى عامّةِ شيوخِه (^٢).\nواختاره جمعٌ مِن الحنابلةِ، منهم: الأثرمُ (^٣)، وصالحُ بنُ أحمد (^٤)، والمروذيُّ (^٥)، وعبدُ الله بن أحمد (^٦)، وابنُ حامدٍ (^٧).\nالقول الثاني: أنَّ روايةَ الإِمامِ للحديثِ لا تدلُّ على قولِه.\nوهذا القول وجهٌ عند الحنابلةِ (^٨). ونسبه ابنُ حامدٍ إِلى طائفة مِن الحنابلةِ (^٩).\nواختاره المرداويُّ في حالةِ ما إِذا دوّن الإِمامُ الحديثَ ولم يصححه، ولم يحسنه (^١٠).\n• أدلة القولين:\nأدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: أنَّ مِنْ أصولِ الإِمامِ أحمدَ بن حنبل الأخذَ بالكتابِ والسنةِ، كما جاءَ عنه: \"إِذا كان الكتابُ والسنةُ، فهو الأمرُ\" (^١١).\n_________\n(^١) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٩٧)، والفروع لابن مفلح (١/ ٤٧)، وتصحيح الفروع للمرداوي (١/ ٤٩).\n(^٢) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٣٥٧).\n(^٣) انظر: المصدر السابق، وصفة الفتوى (ص/ ٩٨)، والإِنصاف (١٢/ ٢٥١)، وتصحيح الفروع للمرادوي (١/ ٤٨).\n(^٤) انظر: المصادر السابقة.\n(^٥) انظر: المصادر السابقة.\n(^٦) انظر: المصادر السابقة.\n(^٧) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٣٥٦).\n(^٨) انظر: صفة الفتوى (ص ٩٧)، والفروع لابن مفلح (١/ ٤٧)، وتصحيح الفروع للمرداوي (١/ ٤٩).\n(^٩) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٣٦٠).\n(^١٠) انظر: تصحيح الفروع (١/ ٤٩).\n(^١١) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٣٥٦).","vol":"1","page":324},{"text":"فإِذا روى حديثًا، فلا يُظَنُّ أنَّه سيخالفُه (^١).\nالدليل الثاني: لو سُئِلَ الإِمامُ عن مسألةٍ، فأجابَ بنصِّ حديثٍ نبويٍّ، نُسِبَ إِليه القولُ بمدلولِ الحديثِ، فكذا الحالُ فيما إِذا روى الحديثَ، فإنَّه يُنسبُ إِليه القولُ بمدلولِ الحديثِ (^٢).\nويمكن مناقشة الدليل الثاني: بأنَّ هناك فرقًا بين مقامِ الإِفتاءِ، ومقامِ الروايةِ؛ فمقامُ الإِفتاءِ مقامُ بيانِ الحكمِ للمستفتي، ودلالةٍ له على حكمِ الشرع، لذا كان جوابُ الإِمامِ بالحديثِ إِيذانًا بأنَّه قولُه، بخلافِ الروايةِ.\nأدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها؟\nالدليل الأول: لو صحَّتْ نسبةُ القولِ إِلى إِمامِ المذهب بناءً على روايةِ الحديثِ، للزم مِنْ ذلك نسبة مَنْ صنَّف في الحديثِ أنَّه بالفقهِ مختصٌ، وبمدلولِ الحديثِ قائلٌ، وهذا لا يصحُّ (^٣).\nالدليل الثاني: أنَّ الإِمامَ حين روى الحديثَ ساكتٌ عن مدلولِه، ولا ينسبُ إِلى ساكتٍ قولٌ (^٤).\nمناقشة الدليل الثاني: أنَّ السكوتَ في معرضِ البيانِ كالنطقِ، فسكوتُه حالَ روايةِ الحديثِ، كنطقِه بمدلولِ الحديثِ (^٥).\nالدليل الثالث: جاءَ عن الإِمامِ أحمدَ بن حنبل أنَّه صحح بعضَ الأحاديثِ، والمذهبُ الحنبلي بخلافِها، مِنْ ذلك: روايتُه لحديثِ سهلِ بنِ\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (١/ ٣٦٣ - ٣٦٦)، وصفة الفتوى (ص/ ٩٨).\n(^٢) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٣٦٦).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (١/ ٣٦٠)، وصفة الفتوى (ص/ ٩٧).\n(^٤) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٣٦٠).\n(^٥) انظر: المصدر السابق (١/ ٣٦٦ - ٣٦٧).","vol":"1","page":325},{"text":"سعدٍ (^١) في النكاحِ على آياتٍ مِن القرآنِ (^٢)، مع أنَّ المذهبَ الحنبليَّ عدمُ الصحةِ (^٣)، وروى الإِمامُ مالكٌ حديثَ خيارِ المجلس (^٤)، ولم يعملْ به (^٥).\nمناقشة الدليل الثالث: أنَّا لم ننسبْ إِلى الإِمامِ القولَ بناءً على روايتِه للحديثِ في هذه المسألةِ وأمثالِها؛ لمجيءِ قولٍ عنه على خلافِ ما دلَّ عليه الحديثُ الَّذي رواه، فقابل هذا الحديثَ ما هو أقوى منه في بيانِ رأي الإِمامِ (^٦).\nالدليل الرابع: قد يتركُ الإِمامُ العملَ بالحديثِ، وإِنْ رواه أو صححه؛\n_________\n(^١) هو: سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة، الخزرجي الأنصاري الساعدي، أبو العبَّاس، وكناه بعضهم بأبي يحيى، من مشاهير صحابة رسول الله - ﷺ -، كان اسمه حَزَنًا، فغيَّر الرسول - ﷺ - اسمه إِلى سهل، روى عنه - ﷺ - عدةَ أحاديث، وهو آخر من مات من الصحابة بالمدينة، وقد ناهز المائة، جاء عنه أنَّه قال: \"لو متُّ لم تسمعوا أحدًا يقول: قال رسول الله - ﷺ -، توفي بالمدينة سنة ٩١ هـ وقيل: سنة ٨٨ هـ. انظر ترجمته في: المعرفة والتاريخ للفسوي (١/ ٣٣٨)، والاستيعاب لابن عبد البر (ص / ٣٠٨)، وتهذيب الكمال للمزي (١٢/ ١٨٨)، وسير أعلام النُّبَلاء (٣/ ٤٢٢)، والإِصابة لابن حجر (٣/ ٢٠٠)، وتهذيب التهذيب له (٢/ ١٢٤).\n(^٢) أخرج الحديثَ: أحمد في: المسند (٣٧/ ٤٥٨) برقم (٢٢٧٩٨).\nوالحديث أخرجه: البخاري في: صحيحه، كتاب: الوكالة، باب: وكالة المرأة الإِمام في النكاح (ص/ ٤٣٣) برقم (٥١٥٥)؛ ومسلم في: صحيحيه، كتاب: النكاح، باب: الصداق وجواز كونه تعليم القرآن (١/ ٦٤٣ (برقم (١٤٢٥).\n(^٣) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٣٦١ - ٣٦٢)، وصفة الفتوى (ص/ ٩٧ - ٩٨). وانظر - قول الحنابلة في مسألة جعل تعليم القرآن صداقًا - في: الكافي لابن قدامة (٣/ ٣٢٩)، والإِنصاف (٨/ ٢٣٢).\n(^٤) أخرجه مالك في الموطأ بلفظ: (المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا)، في كتاب: البيوع، باب: بيع الخيار (٢/ ٢٥١)، برقم (١٩٥٨) من حديث ابن عمر - ﵄ -.\nوأخرجه بلفظ: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) من حديث حكيم بن حزام - ﵁ -: البخاري في: صحيحه، كتاب: البيوع، باب: إِذابين البيعان ولم يكتما (ص/ ٣٩٨)، برقم (٢٠٧٩)؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: البيوع، باب: الصدق في البيع والبيان (٢/ ٧١٣)، برقم (١٥٣٢).\n(^٥) انظر: الموطأ (٢/ ٢٠١).\n(^٦) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٣٦٩).","vol":"1","page":326},{"text":"لمعارضٍ أقوى أو لتأويلٍ صارفٍ له عن ظاهرِه أو ناسخٍ له، ومع هذه الاحتمالات، لا تسوغُ نسبةُ القولِ إِلى إِمامِ المذهبِ بناءً على الروايةِ (^١).\n• الموازنة والترجيح:\nمِنْ خلالِ تأمّلِ القولين، وما استدلوا به، يظهرُ لي عدمُ صحةِ نسبةِ القولِ إِلى الإِمامِ بناءً على مجردِ روايتِه للحديثِ؛ وذلك للسببين الآتيين:\nالأول: قد يروي الإِمامُ الحديثَ، ويرى تركَ العملِ به؛ إِمَّا لمعارضٍ أرجح وإِمَّا لصارفٍ وإِمَّا لناسخٍ، ومع هذه احتمالات تضعف نسبةُ القولِ إِلى الإِمامِ لمجرّدِ الروايةِ.\nالثاني: قد يروي الإِمامُ الحديثين المتعارضين فإِلى أيّهما ينسبُ القول بناءً على الروايةِ؟\nلكن إِن اقترنَ بروايةِ الإِمامِ للحديثِ قرينةٌ دالةٌ على أخذِه بمروّية، ساغَ القولُ بنسبةِ القولِ إِليه، بناءً على روايتِه للحديث؛ لوجودِ القرينةِ، مثل: أنْ يُبَوِّبَ على الحديثِ تبويبًا دالًا على اختيارِه، أو ينقل تلميذُه قولَه بناءً على روايته؛ لقرينةِ فهمِ التلميذِ مراد إِمامِه بروايتِه، أو يصححَ الحديثَ، فيفهم منه العملُ بمدلولِه.\nوأيضًا: إِذا روى الإِمامُ الحديثَ، ولم يروِ ما يعارضه ساغتْ نسبةُ القولِ إِليه مقيّدًا، كقولنا: وهذا قولُه؛ لأنَّه روى الحديثَ.\nالصورة الثانية: إِذا روى الإِمامُ الحديثَ، وخالفه.\nإِذا روى الإِمامُ بسندِه حديثًا، وخالفه، فهل تسوغُ نسبةُ القولِ إِليه بناءً على روايتِه؟\nمَنْ قال في الصورةِ الأولى بعدمِ نسبةِ القولِ إِلى الإِمامِ بناءً على روايتِه للحديث، فمِنْ بابٍ أولى أنْ يذهبَ إِلى عدمِ نسبةِ ما دلَّ عليه\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (١/ ٣٦٠)، وصفة الفتوى (ص/ ٩٧).","vol":"1","page":327},{"text":"الحديثُ إِلى الإِمامِ في الصورةِ الثانيةِ؛ لأنَّه إِذا لم يُنسبْ إِلى الإِمامِ ما دلَّ عليه الحديثُ، مع عدمِ وجودِ قولٍ له، فمِنْ باب أولى أنْ لا ينسبَ إِليه ما دلَّ عليه الحديثُ، مع وجودِ قولٍ له.\nأمَّا عند القائلين بنسبةِ القولِ إِلى الإِمامِ بناءً على روايتِه، فنصَّ بعضُهم على عدمِ نسبةِ القولِ حينئذٍ إِلى إِمامِ المذهب، يقولُ الحسنُ بنُ حامدٍ: \"إِنْ وُجِدَ عن الإِمامِ في الحادثةِ الَّتي فيها الخبرُ، جوابٌ كافٍ، لا يلتفتُ إِلى غيرِ جوابِه\" (^١).\nولأنَّ مخالفةَ الحديثِ، وتركَ العمل به تدلُّ على أن الإِمامَ يطعنُ في صحتِه، أو يرى معارضتَه لما هو أرجح منه، أو يرى نسخَه (^٢).\nولأنَّ رواية الإِمامِ للحديثِ - عند مِنْ يقولُ بنسبةِ القول إِلى الإِمامِ بناءً عليها - مِنْ باب الدلالةِ، وقد عارضها تصريحٌ، والقاعدةُ المقررة: لا عبرةَ للدلالةِ في مقابلَةِ التصريحِ (^٣).\nبقي أنْ أقول: إِنَّ محلَّ مخالفةِ الحديثِ في الصورة الثانية بعدَ الروايةِ، فلو فُرِضَ تأخرُ الرواية عن رأي الإِمامِ المتقدمِ، فمِن المحتملِ أنْ يقولَ مَن يُصحح نسبةَ القولِ إِلى الإِمامِ بناءً على روايتِه، بتقديم الروايةِ المتأخرةِ، لأنَّها الَّتي استقرَّ عليها قولُ الإِمامِ (^٤).\nالصورة الثالثة: إِذا ثَبَتُ الحديثُ مِنْ غيرِ مروي الإِمامِ، وخالفه.\nإِذا ثَبَتَ حديثٌ عن النبي - ﷺ -، وذَهَبَ الإِمامُ إِلى خلافِ ما دلَّ عليه\n_________\n(^١) تهذيب الأجوبة (١/ ٣٧٠).\n(^٢) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٩٨).\n(^٣) انظر قاعدة: (لا عبرةَ للدلالةِ في مقابلةِ التصريح) في: شرح مجلة الأحكام للآتاسي (١/ ٣٨)، وشرح القواعد الفقهية لأحمد الزرقا (ص/ ١٤١)، والمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (٢/ ٩٨٥).\n(^٤) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٩٨).","vol":"1","page":328},{"text":"الحديثُ، فهلْ يسوغُ إِلغاءُ قولِه، ونسبةُ ما دلَّ عليه الحديثُ إِليه؛ لأنَّ الحديثَ صحيحٌ؟\nوحديثي هنا عن نسبةِ القولِ فحسب، أمَّا عن صنيعِ المتمذهبِ، أيعملُ بالحديثِ أم لا؟ فمسألةٌ أخرى، سيأتي الحديثُ عنها إِنْ شاءَ الله تعالى في مبحثٍ مستقلٍّ.\nلقد اهتمَّ علماءُ الشافعيةِ على وجهِ الخصوصِ بهذه المسألةِ؛ وذلك لشهرةِ مقولةِ الإِمامِ الشَّافعي: \"إِذا صحَّ الحديثُ، فهو مذهبي\"، مع أنَّ هذه العبارةَ وما في معناها ورادةٌ عن أئمةٍ آخرين، كما تقدّمَ في صدرِ الفرعِ.\nاختلفَ العلماءُ في صحةِ نسبةِ القولِ إِلى إِمامِ المذهبِ فيما إِذا ثَبَتَ الحديثُ مِنْ غيرِ مرويّه، وخالفه، على قولين:\nالقول الأول: عدمُ نسبةِ القولِ إِلى الإِمامِ.\nوهذا قولُ ابنِ دقيق العيد (^١)، وابنِ الصلاح (^٢)، ومحيي الدين النووي (^٣).\nواختاره مِن المعاصرين: فضيلةُ الدكتورُ يعقوب الباحسين (^٤)، والدكتورُ عياض السلمي (^٥)، وفضيلةُ الشيخِ بكر أبو زيد (^٦).\nالقول الثاني: يُنسبُ ما دلّ عليه الحديثُ إِلى الإِمامِ، ويُنفى قولُه المخالفُ للحديثِ.\nنَسَبَ ابنُ الصلاحِ هذا القولَ إِلى كثيرٍ مِنْ أئمةِ الشافعية (^٧).\n_________\n(^١) انظر: إِحكام الأحكام (ص/ ٣٠٦ - ٣٠٧).\n(^٢) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٢١).\n(^٣) انظر: المجموع شرح المهذب (١/ ١٦٠).\n(^٤) انظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين (ص/ ٢٤١).\n(^٥) انظر: تحرير المقال (ص/ ١٠٢).\n(^٦) انظر: المدخل المفصل إِلى فقه الإِمام أحمد (١/ ٢٥٤).\n(^٧) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١١٨).","vol":"1","page":329},{"text":"وهو قولُ أبي الوليدِ بن أبي الجارود (^١)، وابنِ بَرهان (^٢)، وأبي شامةَ المقدسي (^٣)، وابنِ القيّمِ (^٤)، وبدرِ الدين الغزي (^٥).\nوهو ظاهرُ قولِ أبي الحسنِ الماوردي (^٦)؛ إِذ نَسَبَ للإِمام الشَّافعي قولًا، لثبوتِ الحديثِ البنوي، مع أنَّ للشافعيّ نفسِه قولًا بخلافِه (^٧).\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (ص/ ١١٩). وأبو الوليد بن أبي الجارود هو: موسى بن أبي الجارود أبو الوليد المكي، كان فقيهًا جليلًا، ثقةً صدوقًا، يفتي بمكة بمذهب الإِمام الشَّافعي، ويرجع إِليه عند اختلاف الرواية عن الشَّافعي، روى عن سفيان بن عيينة ويحيى بن معين، وروى عن الشَّافعي كتبًا، منها: كتاب الأمالي، وأبو الوليد من طبقة الإِمام أحمد بن حنبل (ت: ٢٤١ هـ). انظر ترجمته في: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ٩٩)، والثقات لابن حبَّان (٩/ ١٦٢)، وتهذيب الكمال للمزي (٢٩/ ٤١)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٢/\n١٦١)، وتهذيب التهذيب لابن حجر (٤/ ١٧٢).\n(^٢) انظر: الوصول إِلى الأصول (٢/ ٣٥٨).\n(^٣) انظر: خطبة الكتاب المؤمل للرد إِلى الأمر الأول (ص/ ١٤٩).\n(^٤) انظر: إِعلام الموقعين (٦/ ١٦١).\n(^٥) انظر: الدر النضيد (ص/١٩٨). وبدر الدين الغزي هو: محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن بدر بن عثمان بن جابر الغزي العامري القرشي، بدر الدين أبو البركات، ولد سنة ٩٠٤ هـ كان شافعي المذهب، إِمامًا في العلم، علامةً مدققًا بحرًا في العلوم، برع وأفتى في حياة شيوخه، من مؤلفاته: الدر النضيد في أدب المفيد والمستفيد، وأسباب النجاح في آداب النكاح، وفصل الخطاب في وصل الأصحاب، توفي بدمشق سنة ٩٨٤ هـ. انظر ترجمته في: الكواكب السائرة للغزي (٢/ ٣٠)، وشذرات الذهب لابن العماد (١٠/ ٥٩٣)، ومنتخبات التواريخ الدمشقية لمحمد أديب (٢/ ٥٨٩)، والأعلام للزركلي (٧/ ٥٩).\n(^٦) هو: عليّ بن محمد بن حبيب الماوردي البصري، أبو الحسن، ولد بالبصرة سنة ٣٦٤ هـ كان إِمامًا علامةً، عالم الشافعية في زمانه، حافظًا لمذهبه، فقيهًا أصوليًا أديبًا، عظيم القدر، حليمًا وقورًا صالحًا، وقد ولي القضاء في بلدان كثيرة، ووصفه أبو إِسحاق الشيرازي بأنه أقضى القضاة، وقد أخذ الفقه عن أبي القاسم الصيمري بالبصرة، وعن أبي حامد الإِسفراييني ببغداد، من مؤلفاته: الحاوي الكبير، والنكت والعيون، والإِقناع، والأحكام السلطانية، وأدب الدنيا والدين، توفي ببغداد سنة ٤٥٠ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (١٣/ ٥٨٧)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص / ١٢٥)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٢٨٢)، وسير أعلام النُّبَلاء (١٨/ ٦٤)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٥/ ٢٦٧)، وطبقات الشافعية للإِسنوي (٢/ ٣٨٧)، والبداية والنهاية (١٢/ ٨٥)، وطبقات ابن هداية الله (ص/١٥١).\n(^٧) انظر: الحاوي (٢/ ٨).","vol":"1","page":330},{"text":"وقدْ ذَكَرَ بعضُ القائلين بالقولِ الثاني ضوابطَ لصحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ:\nالأول: أنْ يكونَ الناظرُ مِنْ أهلِ الاجتهادِ في المذهبِ.\nالثاني: أنْ يغلبَ على ظنِّه أنَّ إمامَه لم يطلعْ على الحديثِ، أو لم يعلمْ صحتَه، ويتحققُ هذا الظن بمطالعةِ كتبِ الإمامِ كلِّها، وكتبِ أصحابِه الآخذين عنه (^١).\nفلو تبيَّن أنَّ الإمامَ قد اطلعَ على الحديثِ، وخالفِه؛ لاعتقادِ نسخِه مثلًا، فلا ينسبُ إليه مدلولُ الحديثِ (^٢).\nالثالث: انتفاءُ المعارضِ عن الحديثِ (^٣).\n• أدلة القولين:\nدليل أصحاب القول الأول: قد يصحُّ الحديثُ عند الإمامِ، ولا يعملُ به، لكونِه منسوخًا، أو لمعارضٍ أرجح، وقد وَقَعَ مثلُ ذلك - كما ذكره ابنُ الصلاح (^٤) - فقد نَسَبَ أبو الوليد بن أبي الجارود إلى الإمام الشافعي القولَ بأنَّ الحجامةَ تُفطرُ الصائمَ؛ أخذًا مِنْ حديثِ: (أفطر الحاجم والمحجوم) (^٥).\n_________\n(^١) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٢١).\n(^٢) انظر: إعلام الموقعين (٦/ ١٦٢).\n(^٣) انظر: شرح تنقيح الفصول (ص/ ٤٥٠).\n(^٤) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١١٩).\n(^٥) جاء حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) عن عدد من الصحابة - ﵃ -، فمن هذا: أولًا: طريق ثوبان - ﵁ -، وأخرج حديثه: أبو داود في: سننه، كتاب: الصوم، باب: في الصائم يحتجم، (ص / ٣٦٠)، برقم (٢٣٦٧)؛ والنسائي في: سننه الكبرى، كتاب: الصيام، باب: الحجامة للصائم (٣/ ٣١٨ - ٣١٩)، بالأرقام (٣١٢٠ - ٣١٢٥)؛ وابن ماجه في: سننه، كتاب: الصيام، باب: ما جاء في الحجامة للصائم (ص/ ٢٩٤)، برقم (١٦٨٠)؛ والطيالسي في: مسنده (٢/ ٣٣٠)، برقم (١٠٨٢)؛ وعبد الرزاق في: مصنفه، كتاب: الصيام، باب: الحجامة للصائم (٤/ ٢٠٩)، برقم (٧٥٢٢)؛ وابن أبي شيبة في: مصنفه، كتاب: الصيام، باب: من كره أن يحتجم الصائم (٦/ ٢٠٩)، برقم (٩٣٩٣)؛ والدارمي في: مسنده، كتاب: الصوم، باب: الحجامة تفطر الصائم (٢/ ١٠٨٠)، برقم (١٧٧٢)؛ وابن الجارود=","vol":"1","page":331},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= في: المنتقى، كتاب الصيام (٢/ ٣٦)، برقم (٣٨٦)؛ والروياني في: مسنده (١/ ٤١٢)، برقم (٦٣٣)؛ وابن خزيمة في: صحيحه، كتاب الصيام، باب: ذكر البيان أن الحجامة تفطر (٣/ ٢٢٧) بالرقمين (١٩٦٢ - ١٩٦٣)؛ والطحاوي في: شرح معاني الآثار، كتاب: الصيام، باب: الصائم يحتجم (٢/ ٩٨)؛ وابن حبان في: صحيحه، كتاب: الصوم، باب: حجامة الصائم (٨/ ٣٠١)، برقم (٣٥٣٢)؛ والحاكم في: المستدرك، كتاب: الصوم (١/ ٥٦١)، برقم (١٥٥٨)، وقال: \"الحديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه\". والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: الصيام، باب: الحديث الذي روي في الإفطار بالحجامة (٤/ ٢٦٥).\nوصحح حديثَ ثوبان - ﵁ - البخاريُّ - كما نقله الحافظ ابنُ حجر في: التلخيص الحبير (٣/ ١٤١٥) - والإمام أحمد، كما نقله عنه ابنُ أبي يعلى في: طبقات الحنابلة (٢/ ٧٥).\nثانيًا: طريق شداد بن أوس - ﵁ -، وأخرجه: أبو داود في: سننه، كتاب: الصوم، باب: في الصائم يحتجم (ص / ٣٦٠)، برقم (٢٣٦٩)؛ والنسائي في: السنن الكبرى، كتاب: الصيام، باب: الحجامة للصائم (٣/ ٣١٩)، برقم (٣١٢٦)؛ وابن ماجه في: سننه، كتاب: الصيام، باب: ما جاء في الحجامة للصائم (ص/ ٢٩٤)، برقم (١٦٨١)؛ والطيالسي في: المسند (٢/ ٤٤٢)، برقم (١٢١٤)؛ والشافعي في: المسند (٢/ ١٠٦٩)، برقم (٨٩١)؛ وعبد الرزاق في: مصنفه، كتاب: الصيام، باب: الحجامة للصائم (٤/ ٢٠٩)، بالأرقام (٧٥١٩ - ٧٥٢١)؛ وابن أبي شيبة في: مصنفه، كتاب: الصيام، باب: من كره أن يحتجم الصائم (٦/ ٢٠٨)، بالأرقام (٩٣٩٠ - ٩٣٩٢)؛ وأحمد في: المسند (٢٨/ ٣٣٥)، برقم (١٧١١٢)؛ والدارمي في: السنن، كتاب: الصوم، باب: الحجامة تفطر الصائم (٢/ ١٠٧٩)، برقم (١٧٧١)؛ والطحاوي في: شرح معاني الآثار، كتاب: الصيام، باب: الصائم يحتجم (٢/ ٩٩)؛ وابن حبان في: صحيحه، كتاب: الصوم، باب: حجامة الصائم (٨/ ٣٥٢ - ٣٠٤)، بالرقمين (٣٥٣٣ - ٣٥٣٤)؛ والطبراني في: المعجم الكبير (٧/ ٢٧٦ - ٢٧٨)، بالأرقام (٧١٢٥ - ٧١٣٢)؛ والحاكم في: المستدرك، كتاب: الصوم (١/ ٥٦٣)، برقم (١٥٦٣)، ونقل عن إسحاق بن إبراهيم أنه قال: \"هذا إسناد صحيحٌ يقوم به الحجة، وهذا الحديث قد صحَّ بأسانيد\". والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: الصيام، باب: الحديث الذي روي في الإفطار بالحجامة (٤/ ٢٦٥).\nوممن صحح حديثَ شداد - ﵁ -: الإمام أحمد - كما نقله عنه ابنُ أبي يعلى في: طبقات الحنابلة (٢/ ٧٥) - وإسحاقُ بن راهوية، كما في: تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي (٣/ ٢٥٣).\nثالثًا: طريق رافع بن خديج - ﵁ -، وأخرجه: الترمذي في: جامعه، أبواب الصيام، باب: كراهية الحجامة للصائم (ص/ ١٩٠)، برقم (٧٧٤)، وقال: \"وفي الباب: عن علي، وسعد، وشداد بن أوس، وأسامة بن زيد، وعائشة، ومعقل بن سنان - ويقال: ابن يسار - وأبي هريرة، وابن عباس، وأبي موسى، وبلال، وحديث رافع بن خديج حديث حسن صحيحٌ، وذكر عن أحمد بن حنبل أنه قال: أصح شيءٍ في الباب حديثُ رافع بن خديج، وذُكر عن =","vol":"1","page":332},{"text":"وردَّ عليه علماءُ الشافعيةِ، بأنَّ الإمامَ الشافعي تَرَكَ الحديثَ مع صحتِه؛ لأنَّه يرى نسخَه (^١).\nدليل أصحاب القول الثاني: جاءَ عن بعضِ الأئمةِ الأمرُ بالأخذِ بالحديثِ النبوي، فإنْ خالفوا الحديثَ، فقولهم هو ما دلَّ عليه الحديثُ (^٢).\n• الموازنة والترجيح:\nلعلَّ الأقربَ في المسألةِ عدمُ نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ، بناءً على\n_________\n= علي بن عبد الله أنه قال: أصح شيء في هذا الباب حديثُ ثوبان وشداد بن أوس\".\nوعبد الرزاق في: المصنف، كتاب: الصيام، باب: الحجامة للصائم (٤/ ٢١٠)، برقم (٧٥٢٣)؛ وأحمد في: المسند (٢٥/ ١٤٨)، برقم (١٥٨٢٨)؛ وابن خزيمة في: صحيحه، كتاب: الصيام، باب: ذكر البيان أن الحجامة تفطر (٣/ ٢٢٧) برقم (١٩٦٤)، ونقل عن علي بن المديني أنه قال: \"لا أعلم في: (أفطر الحاجم والمحجوم) حديثًا أصح من ذا\". وابن حبان في: صحيحه، كتاب: الصوم، باب: حجامة الصائم (٨/ ٣٠٦)، برقم (٣٥٣٥)؛ والحاكم في: المستدرك، كتاب: الصوم (١/ ٥٦٣)، برقم (١٥٦١)، وقال: \"الحديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه\". ونقل الحاكم في: المصدر السابق (١/ ٥٦٦) عن عثمان الدارمي أنه قال: \"قد صح عندي حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم)؛ لحديث ثوبان، وشداد بن أوس\". وتعقب ابنُ عبد الهادي في: تنقيح التحقيق (٣/ ٢٥١) تصحيحَ الحاكم للحديث على شرط الشيخين، وظاهر كلامه أنه صحيح على شرط مسلم.\nوأخرجه أيضًا: البيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: الصيام، باب: الحديث الذي روي في الإفطار بالحجامة (٤/ ٢٦٥)، ونقل البيهقي في: المصدر السابق (٤/ ٢٦٧) بالأسانيد عن الإمام أحمد، علي المديني، وغيرهما تصحيح حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم).\nونقل ابن عبد الهادي في: تنقيح التحقيق (٣/ ٢٥٥): عن بعض الحفاظ قولهم عن الحديث: \"الحديث في هذا متواتر\"، ثم قال: \"وليس ما قاله ببعيد\".\nوصحح الألبانيُّ الحديثَ في: إرواء الغليل (٤/ ٦٥).\nوهناك من ضعف الحديث، وللاطلاع على مزيد في تخريج الحديث، انظر: تنقيح التحقيق لا بن عبد الهادي (٣/ ٢٥٠ - ٢٧١)، ونصب الراية للزيلعي (٢/ ٤٧٢ - ٤٧٧)، والبدر المنير لابن الملقن (٥/ ٦٧١ - ٦٧٣)، والتلخيص الحبير لابن حجر (٣/ ١٤١٤ - ١٤١٨)، وإرواء\nالغليل للألباني (٤/ ٦٥ - ٧٥)، وتحقيق الكلام في احتجام الصوام لفريح البهلال (ص/ ٩٧ وما بعدها).\n(^١) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٢٠).\n(^٢) انظر: خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول لأبي شامة (ص/ ١٤٩).","vol":"1","page":333},{"text":"ثبوتِ الحديثِ، مع مخالفتِه له؛ لأنَّ ثبوتَ الحديثِ فقط غيرُ كافٍ للقولِ بمدلوله، مِنْ جهةِ احتمالِ الحديثِ للنسخِ وللتخصيصِ وللتأويلِ وللمعارضِ الراجح.\nولأنَّ في نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على الحديثِ إلغاءً لقولِه المنصوصِ.\nوفيما يتعلقُ بما وَرَدَ عن بعضِ الأئمةِ مِنْ أنَّ قولَهم ما وافق السنةَ النبوية، فالظاهر لي أنَّ المقصدَ مِنْ هذه العباراتِ والباعثَ عليها، هو تعظيمُ السنةِ في النفوسِ، وحثُّ التلاميذِ على اتباعها، وتركُ قولِ مَنْ خالفها، وإن كان مِنْ علماءِ الأمةِ.\nالصورة الرابعة: إذا ثَبَتَ الحديثُ مِنْ غيرِ مروي الإمامِ، ولم ينقلْ عنه قولٌ بخلافِه.\nإذا ثَبَتَ حديثٌ عن النبي - ﷺ -، ولم يُنقلْ عن الإمامِ قولٌ يخالفُ الحديثَ، فهلْ تسوغُ نسبةُ ما دلَّ عليه الحديثُ إلى الإمامِ؛ لأنَّ الحديثَ صحيحٌ؟\nتختلفُ هذه الصورةُ عن التي قبلها في عدمِ وجودِ قولٍ لإمامِ المذهبِ، فالخطبُ فيها أيسرُ؛ إذ مَنْ نَسَبَ القولَ إلى إمامِه بناءً على الحديثِ، لم يقع في إلغاء قولٍ منصوصٍ لإمامِه.\nوقد توجه كلامُ أغلب مَنْ تكلّمَ عنْ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على ثبوتِ الحديثِ إلى الصورةَ الثالثة، أمَّا الصورةُ الرابعة، فالكلامُ فيها - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادر - أقلُّ، وممَّنْ تكلّمَ عنها من المتقدمين: أبو شامةَ المقدسي (^١)، وتقيُّ الدين السبكي (^٢)، وقد نصَّا على نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ.\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق.\n(^٢) انظر: معنى قول الإمام المطلبي (ص/ ١٣٣).","vol":"1","page":334},{"text":"يقولُ أبو شامةَ المقدسي: \"ما صحَّ مِنْ حديثِه - ﷺ -، ودلَّ على حكمٍ لا نصَّ للشافعي على خلافِه، فهو مذهبُه، لا شكَّ فيه؛ أخذًا مِنْ قولِه، وممَّا أَمَرَ به\" (^١).\nوقد قال الإمامُ الشافعي: \"كلُّ حديثٍ عن النبي - ﷺ -، فهو قولي، وإنْ لم تسمعوه مني\" (^٢).\nويمكنُ القولُ: إنَّ مَنْ قالَ في الصورةِ الثالثةِ: بأنَّ قولَ الإمامِ ما وافق الحديثَ، فسيقولُ في الصورةِ الرابعةِ بنسبةِ ما دلَّ عليه الحديثُ إلى الإمامِ مِنْ بابٍ أولى.\nأمَّا المانعون في الصورةِ الثالثةِ، فقد اختلفَ قولُهم في الصورةِ الرابعةِ على قولين:\nالقول الأول: لا يُنسب القولُ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على ثبوتِ الحديثِ.\nصرَّح بهذا القولِ فضيلةُ الدكتور يعقوب الباحسين (^٣).\nالقول الثاني: يُنسب القولُ إمامِ المذهبِ بناءً على الحديثِ.\nصرَّح بهذا القولِ فضيلةُ الشيخِ بكر أبو زيد (^٤).\nأمَّا المانعون في الصورةِ الثالثةِ الذين لم يصرِّحوا باختيارِهم في الصورة الرابعة، فالظاهرُ لي أنَّهم يمنعون مِنْ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ في الصورةِ الرابعةِ؛ لوجود الاحتمال؛ إذ قد يطعنُ الإمامُ في سندِ الحديثِ أو متنِه، أو يراه مرجوحًا أو منسوخًا أو مؤولًا، فلا يُنسبُ إليه القولُ؛ لهذه الاحتمالات.\n_________\n(^١) انظر: خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول (ص/ ١٤٩).\n(^٢) تقدم توثيقه في صدر الفرع.\n(^٣) انظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين (ص/ ٢٣٦).\n(^٤) انظر: المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد (١/ ٢٥٣).","vol":"1","page":335},{"text":"والأقربُ عندي أنه إذا لم يَرِدْ قولٌ عن إمامِ المذهب في المسألةِ، وقد صحَّ الحديثُ فيها، ومِنْ أصولِه القولُ بالحديثِ، وأَنَّه مذهبُه: فإنَّه تصحُّ نسبةُ القولِ إلى الإمامِ، مع توضيح ذلك، وتقييد النسبةِ.\n* * *","vol":"1","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>المطلب الثاني: المتمذهب</span>\nوفيه ست مسائل:\nالمسألة الأولى: تعريف المتمذهب\nالمسألة الثانية: شروط المتمذهب\nالمسألة الثالثة: العلاقة بين المتمذهب والمخرج\nالمسألة الرابعة: العلاقة بين المتمذهب والفروعي\nالمسألة الخامسة: تمذهب المجتهد\nالمسألة السادسة: مذهب العامي","vol":"1","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>توطئة</span>\nيُعدُّ المتمذهبُ ركنًا في التمذهب؛ إذ لا تُوجدُ حقيقةُ التمذهبِ بدونِه؛ لأنَّ التمذهبَ التزامٌ، ولا يُوجد التَزامٌ دونَ ملتزِمٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>المسألة الأولى: تعريف المتمذهب</span>\nإذا أردنا تعريفَ المتمذهب، فيمكنُ - أخذًا مِنْ تعريفِ التمذهب السابقِ في أولِّ الكتابِ - القولُ بَأنَّ المتمذهبَ هو: مَنْ يلتزمُ مذهبًا معيّنًا، في الأصولِ والفروعِ، أو في أحدِهما، أو ينتسبُ إلى مذهب معيَّنٍ.\nأو نقولُ في تعريفِه: هو الشخص الذي خاصّتُه التمذهب (^١).\nوقد يبلغُ المتمذهبُ درجةَ الاجتهادِ في المذهبِ، وقد يبلغُ درجةَ الاجتهادِ المطلق في الشرعِ، لكن مع بلوغِه هذه الدرجة يبقى منتسبًا إلى مذهبِ إمامِه، دونَ أنْ تُؤثرَ هذه النسبةُ على آرائِه واجتهاداتِه، فهو متمذهبٌ مِنْ هذه الجهةِ فحسب.\nوجُملة القولِ: إنَّ المتمذهب هو: \"مَنْ ينتحلُ مذهبًا\" (^٢)، إمَّا على سبيلِ الالتزام، وإمَّا على سبيلِ الانتسابِ.\nومِن الأسماءِ التي تطلقُ على المتمذهبين: أتباعُ المذاهبِ، والأصحابِ (^٣).\n_________\n(^١) قارن بالشرح الكبير على الورقات للعبادي (٢/ ٥٢٤).\n(^٢) التحبير (٨/ ٣٨٨١)، والشرح الكبير على الورقات للعبادي (٢/ ٥٢٨).\n(^٣) يقول الفيومي في: المصباح المنير، مادة: (صحب)، (ص/ ٢٧٣) عن لفظ صاحب: =","vol":"1","page":339},{"text":"يُعدُّ المتمذهبُ الركيزةَ المهمّةَ في التمذهب، كما قلتُه آنفًا؛ لأنَّ المجتهدَ إذا لم يُوجد له أتباعٌ على مذهبِه، يقومون بخدمةِ إمامِهم في آرائه وأقوالِه، ويحققون أصولَه، ويخرّجون أحكام النوازل على أصولِه وفروعِه: فلنْ يتحققَ لمذهبِه البقاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>المسألة الثانية: شروط المتمذهب</span>\nهناك شروطٌ لا بُدَّ مِنْ توافرِها في الشخصِ لصحةِ وصفِه بالتمذهبِ، ويمكنُ تقسيمُها إلى قسمين:\nالقسم الأول: الشروط العامة.\nالقسم الثاني: الشروط الخاصة.\nالقسم الأول: الشروط العامة.\nهناك شروطٌ للمتمذهبِ يتعيّنُ اتصافه بها، لكنَّها غيرُ مختصةٍ بالتمذهبِ، فقد تُشترطُ في أشخاص في مسائل أخرى، وهي:\nالشرط الأول: العقل.\nيتعيّنُ أنْ يكونَ المتمذهبُ عاقلًا سليمَ الإدراكِ، فغيرُ العاقلِ لا يُتصورُ منه التمذهبُ، وقد تقدّمَ ذكرُ دليلِ هذا الشرطِ في مسألةِ: (شروط إمام المذهب).\nالشرط الثاني: البلوغ.\nيُشترطُ في المتمذهبِ أنْ يكونَ بالغًا؛ إذ غيرُ البالغِ غيرُ مكتملِ العقلِ؛ فلا يتهيأ للتمذهب، وقد تقدّم تقريرُ دليلِ هذا الشرطِ في مسألةِ: (شروط إمام المذهب).\n_________\n= \"يطلق مجازًا على مَنْ تمذهب بمذهبٍ من مذاهب الأئمة، فيقال: أصحاب الشافعي، وأصحاب أبي حنيفة\". وانظر: المذهب الحنبلي للدكتور عبد الله التركي (١/ ١٦٣).","vol":"1","page":340},{"text":"الشرط الثالث: الإسلام.\nلا بُدَّ أنْ يكونَ المتمذهبُ مسلمًا، فلا يصحُّ التمذهبُ مِن الكافرِ، وهذا الشرطُ معلومٌ بداهةً، وقد تقدم تقريرُ دليلِه في مسألةِ: (شروط إمام المذهب).\nالقسم الثاني: الشروط الخاصة.\nهناك شروطٌ خاصةٌ بالمتمذهب، وقد حاولتُ رسمَها على الصورةِ السليمةِ؛ إذ ليس المتمذهبون على درجةٍ واحدةٍ، بلْ هم طبقاتٌ - كما سيأتي الحديثُ عنهم - لكنْ يجمعُ هذه الطبقاتِ وصف أربابِها بالتمذهب، فهناك شروطٌ مشتركةٌ لصحةِ الوصفِ بالتمذهب، كما أنَّ هناك شروَطًا لأربابِ كلّ طبقةٍ، ومحلُّ حديثي هنا عن الشروَطِ المشتركةِ التي تُؤهلُ الشخص لوصفِه بالتمذهبِ.\nفي البدءِ أحبُّ أنْ أنبّه إلى أنَّي لم أقفْ على مَنْ ذَكَرَ شروطَ المتمذهبِ على وجهِ الخصوصِ، ولذا اجتهدتُ في تحديدِها، وتبيّن لي أنَّ للمتمذهبِ شرطينِ، وهما:\nالشروط الأول: أنْ يكونَ الشخصُ متهيئًا - أو متأهلًا - للتمذهبِ.\nيُشترطُ في الشخصِ لصحةِ وصفِه بالتمذهب التهيؤُ - أو التأهل - للتمذهبِ، سواء أكان تمذهبُه في أصولِ المذهبِ، أَم في فروعِه، أم فيهما، فليس كلُّ أحدٍ يصحُّ التمذهبُ منه.\nوعبَّر بعضُ العلماءِ عن التهيؤ بفقهِ النفسِ، كما ذكره: إمامُ الحرمين الجويني (^١)، وابنُ الصلاحِ (^٢)، ومحيي الدين النوويُّ (^٣)، وابنُ حمدان (^٤)، وتقيُّ الدّينِ بن تيميةَ (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الغياثي (ص/ ٤١٧ وما بعدها).\n(^٢) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٠١).\n(^٣) انظر: المجموع شرح المهذب (١/ ٤٤).\n(^٤) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٢٣).\n(^٥) انظر: المسودة (٢/ ٩٦٨).","vol":"1","page":341},{"text":"يقولُ إمامُ الحرمين الجويني: \"لا يستقلُّ بنقلِ مسائلِ الفقهِ مَنْ يعتمدُ الحفظَ، ولا يرجعُ إلى كيسٍ وفطنةٍ وفقه طبعٍ، فإنَّ تصويرَ مسائلها أولًا، وإيرادَ صورِها على وجوهِها لا يقومُ بها إلا فقيهٌ\" (^١).\nويقولُ ابنُ الصلاحِ: \"إنَّ تصويرَ المسائلِ على وجهِها، ونقلَ أحكامِها بعد استتمامِ تصويرِها - جلياتها وخفياتها - لا يقومُ به إلا فقيهُ النفسِ\" (^٢).\nويكون التهيؤُ - أو فقه النفس - بجودةِ الحفظِ، وشدّةِ الفهمِ (^٣).\nيقولُ ابنُ القيّمِ: \"أما مَنْ لم يتأهلْ لذلك - أيْ: لمعرفة المذهب - البتة، بلْ قال: أنا شافعي، أو حنبلي، أو غير ذلك، لم يصرْ كذلك بمجرَّد قولِه، كما لو قال: أنا فقيهٌ أو نحوي أو كاتبٌ، لم يصر كذلك بمجرّدِ قولِه\" (^٤).\nفمَنْ لم يكنْ متهيئًا للتمذهبِ، لا يصحُّ منه التمذهبُ، ولو ادَّعاه.\nفإنْ كان محلُّ التمذهب في الأصولِ، فلا بُدَّ مِنْ أهليةِ إدراكِ أصولِ المذهبِ: تصورًا وتقريرًا، وإن كان محلُّ التمذهب في الفروع، فلا بُدَّ مِنْ أهليةِ إدراكِ الفروعِ: تصورًا وتقريرًا.\nالشرط الثاني: أنْ يعرفَ مذهبَ إمامِه في الأصولِ والفروع، أو في أحدِهما.\nلا بُدَّ أنْ يعرفَ المتمذهبُ أصولَ مذهبِ إمامِه، وفروعَه، ومردُّ هذا الشرطِ إلى حقيقةِ التمذهب؛ فحقيقةُ التمذهبِ هي التزامُ مذهب مجتهدٍ معيّنٍ، فإذا لم يعرف المتمذهبُ مذهبَ إمامِه، كيفَ يمكنه التزامه؟ !\n_________\n(^١) الغياثي (ص/ ٤١٧).\n(^٢) أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٠٠).\n(^٣) انظر: الفروق للقرافي (٢/ ١٩٨)، وتقريب الوصول لابن جزي (ص/ ٤٢٧)، ونشر البنود (٢/ ٣٢٣)، ومراقي السعود للمرابط (ص/ ٤٤١).\n(^٤) إعلام الموقعين (٦/ ٢٠٣).","vol":"1","page":342},{"text":"والقدرُ المشترطُ في المعرفةِ هو استحضارُ أكثرِ المذهبِ، مع القدرةِ على مطالعةِ بقيتِه قريبًا.\nيقولُ ابنُ الصلاحِ: \"ينبغي أن يُكتفى في حفظِ المذهب ... بأن يكونَ المعظمُ على ذهنِه، ويكون؛ لدربتِه متمكنًا مِن الوقوفِ على الباقي بالمطالعةِ - أو ما يلحق بها - على القُرْبِ\" (^١).\nومحلُّ الالتزامِ بالمذهبِ أصولُ المذهبِ وفروعُه، ولا يعتبرُ الخروجُ عن المذهبِ في بعضِ المسائلِ منافيًا للتمذهبِ، إذا كان الخروجُ لمسوّغٍ، كما تقدمَت الإشارةُ إليه عند تعريفِ التمذهبِ في الاصطلاحِ.\nهذانِ هما شرطا المتمذهبِ اللذانِ لا بُدَّ مِن اجتماعِهما؛ ليتحققَ وصفُ الشخصِ بالتمذهبِ، وأُحبُ أنْ أنبه هنا إلى ثلاثة أمور:\nالأمر الأول: أنَّ ما لا يُشترطُ في المجتهدِ لا يشترطُ في المتمذهب، فكما لا يشترطُ في المجتهدِ: الذكورية، والحريةُ، والعدالةُ، فكَذا المتمذهبِ، لا تُشترطُ فيه هذه الأوصافُ.\nويُستثنى شرطٌ واحدٌ، وهو: معرفةُ الفروعِ، فإنَّه لا يشترطُ في المجتهدِ، وهو شرطٌ في المتمذهبِ إنْ كانَ تمذهبُه في الفروعِ.\nالأمر الثاني: هناك شروطٌ خاصةٌ ببعضِ المتمذهبين بالنظرِ إلى الطبقةِ التي ينتمي إليها، وسأُوْضِحُ شروطَ كلِّ طبقةٍ حين أذكرُ طبقاتِ المتمذهبين.\nالأمر الثالث: أنَّ الشرطين السابقين هما للمتمذهب الذي لم يبلغْ رتبةَ الاجتهادِ، أمَّا العالم الذي بَلَغَ رتبةَ الاجتهاد، وانتسَبَ إلى مذهبِ إمامٍ معيّنٍ، فهو مجتهدٌ حقيقةٌ، وإنْ سُمّيَ متمذهبًا على سبيلِ المسامحةِ.\n_________\n(^١) أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٠٠). وانظر: صفة الفتوى (ص/ ٢٣)، والتحبير (٨/ ٣٨٨٤).","vol":"1","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>المسألة الثالثة: العلاقة بين المتمذهب والمخرِّج</span>\nيتعينُ قبلَ ذكرِ العلاقةِ بين المتمذهبِ والمخرّجِ، بيان المراد بهما:\nتقدَّمَ لنا في المسألةِ الأُولى أنَّ المتمذهبَ هو: الذي يلتزمُ مذهبًا معينًا في الأصولِ والفروعِ، أو في أحدِهما، أو ينسبُ نفسَه إنْ كانَ مجتهدًا إلى مذهبٍ معيّنٍ.\nأمَّا المخرِّجُ فتعريفُه مستفادٌ مِنْ تعريفِ التخريجِ؛ ولذا يمكنُ القولُ إنَّ المخرِّجَ، هو: المتمذهبُ الذي يُبينُ رأيَ إمامِ مذهبِه في مسألةٍ لم يردْ عنه فيها قولٌ، بإلحاقِها بما يشبهها مِن الفروعِ المنصوصةِ عنْ إمامِه، أو بتخريجِها على أصولِه (^١).\nويُسمَّى المخرِّجُ بمجتهدِ المذهبِ (^٢)، وبصاحبِ الوجوهِ والطرقِ (^٣).\nيقول ابنُ الصلاحِ: \"تخريجُه تارةً يكونُ مِنْ نصٍّ معيَّنٍ لإمامِه في مسألةٍ معينةٍ، وتارةً لا يجدُ نصًّا معينًا يخرِّج منه، فيخرِّج على وِفقِ أصولِه، بأن يجدَ دليلًا مِنْ جنسِ ما يحتجُّ به إمامُه، وعلى شرطِه، فيُفتي بموجبِه\" (^٤).\nويقولُ البنانيُّ متحدثًا عن وظيفةِ المخرِّج: \"معنى تخريجِ الوجوهِ على النصوصِ: استنباطُها منها، كأنْ يقيسَ ما سَكَتَ عنه على ما نصَّ عليه؛\n_________\n(^١) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (١٢/ ٤٢٢)، وأدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٤)، وروضة الطالبين للنووي (١١/ ١٠١)، والمجموع شرح المهذب له (١/ ٤٣)، والبحر المحيط (٦/ ٢٠٥)، والتحبير (٨/ ٣٨٨١)، وشرح الكوكب المنير (٤/ ٤٦٨)، وأبو حنيفة - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٩٣، ٣٩٥)، وتخريج الفروع على الأصول لعثمان شوشان (١/ ٣٧٧ وما بعدها).\n(^٢) انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٣٦).\n(^٣) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٥)، وصفة الفتوى (ص/ ٢٢)، وسيأتي تعريف الوجوه والطرق في فروع خاصة.\n(^٤) أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٧).","vol":"1","page":344},{"text":"لوجودِ معنى ما نصَّ عليه فيما سَكَتَ عنه ... أو يستخرج حكمَ المسكوتِ عنه مِنْ دخولِه تحتَ عمومٍ ذَكَرَه، أو قاعدةٍ قررها ... وقد يستنبطُ أصحابُ الوجوهِ مِنْ نصوصِ الشارعِ، لكنْ يتقيدون في استنباطِهم منها بالجري على طريقِ إمامِهم في الاستدلالِ، ومراعاةِ قواعدِه وشروطِه فيه\" (^١).\nأمَّا عن بيان العلاقةِ بين المتمذهبِ والمخرّجِ، فأقول: إنَّ كلًّا مِن المتمذهبِ والمخرّج يشتركانِ في الالتزامِ بمذهبِ إمامٍ معيّنٍ في أصولِه، أو فروعِه.\nلكنَّ المخرِّجَ يتصفُ بأمورٍ تجعله أخص، فالمخرِّجُ متمذهبٌ يمارسُ وظيفةً معينةً، وهي: بيانُ رأي إمامِه في الحوادثِ التي لم يَرِدْ عنه قولٌ بشأنِها، فيخرِّج رأيًا لإمامِه، أخذًا ممَّا نصَّ عليه، أو بتخريجِ حكمِ النازلةِ على أصولِ مذهبِه.\nفالمخرِّجُ داخلٌ تحتَ طبقةٍ مِنْ طبقاتِ المتمذهبين.\nثمَّ إنَّ المخرِّجَ يُوصفُ بالاجتهادِ المقيّدِ - الاجتهاد المذهبي - أمَّا المتمذهب، فلا يُشترطُ فيه بلوغُ رتبةِ الاجتهادِ المذهبي.\nيقولُ إمامُ الحرمينِ الجويني: \"الذي أحاطَ بقواعد مذهبِ الشافعي مثلًا، وقدربَ في مقاييسه، وتهذبَ في أنحاءِ نظرِه، وسبيلِ تصرفاتِه، يُنزلُ في الإلحاقِ بمنصوصاتِ الشافعي منزلةَ المجتهدِ الذي يتمكنُ بطُرق الظنونِ إلحاقَ غيرِ المنصوصِ عليه في الشرع بما هو منصوصٌ عليه\" (^٢).\nوجُملةُ القولِ: إنَّ المخرِّجَ يُمثلُ قمةَ الهرمِ للمتمذهبين، والنسبةُ بينهما هي العمومُ والخصوصُ المطلقُ، فكلُّ مخرِّجٍ متمذهبٌ، دون العكسِ.\nيقولُ أحمدُ الوزير: \"مسألةُ التخريجِ تولدتْ مِن التمذهبِ، لمَّا استفحل\n_________\n(^١) حاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٣٨٥ - ٣٨٦).\n(^٢) الغياثي (ص/ ٤٢٥ - ٤٢٦).","vol":"1","page":345},{"text":"شأنُه، وفرضتْ نفسَها على علمِ الأصولِ\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>المسألة الرابعة: العلاقة بين المتمذهب والفروعي</span>\nسأبيّنُ المرادَ بالفروعي قبلَ الدخولِ في بيانِ العلاقةِ بينه وبين المتمذهبِ؛ ليتسنى لنا معرفة العلاقةِ بينهما.\nالفروعي هو: الشخصُ الحافظ لأحكام الفروع، مِنْ غير معرفةٍ بالأصولِ.\nوهذا تعريفُ الموفقِ بنِ قدامة (^٢)، والآمدي (^٣).\nوقريبٌ منه ما ذكره عبدُ العزيز البخاري، إذ عرَّفه بأنه مَنْ يحفظُ أحكامَ الفروعِ، ولا معرفةَ له بأصولِ الفقهِ (^٤).\nوقريبٌ مِنْ هذين التعريفين تعريفُ أبي علي الشوشاوي (^٥)، إذ عرفَّه بأنَّه: العالمُ بالفروعِ خاصة، دونَ الأصولِ (^٦).\nوهذه التعريفات جميعُها تسير في اتجاهٍ واحدٍ، وتجعلُ للفروعي سمتين:\nالأُولى: حفظُ أحكامِ فروعِ المذهب، بمعنى أنَّه يتصورُ المسألةَ، ويعرفُ حكمَها فقط، دونَ أنْ يعرفَ دليلَ الَفرعِ (^٧).\n_________\n(^١) المصفى في أصول الفقه (ص/ ٤٤).\n(^٢) انظر: روضة الناظر (٢/ ٤٥٤).\n(^٣) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٢٢٨).\n(^٤) انظر: كشف الأسرار (٣/ ٢٤٠).\n(^٥) هو: حسين بن علي بن طلحة الرجراجي الوصيلي الشوشاوي، أبو علي، من علماء القرن التاسع، كان مالكي المذهب، أشعري العقيدة، صالحًا تقيًا، مشهورًا بالعلم والدين واتباع السنة، من مؤلفاته: رفع النقاب عن تنقيح الشهاب، والأنوار السواطع على الدرر اللوامع، ونوازل في الفقه المالكي، والفوائد الجميلة على الآيات الجليلة، توفي بتاردنت من سوس آخر القرن التاسع سنة ٨٩٩ هـ. انظر ترجمته في: درة الحجال لابن القاضي (١/ ٢٤٤)، ونيل الابتهاج للتنبكتي (ص/ ١٦٣)، وكشف الظنون لحاج خليفة (٢/ ١٢٩٦)، وطبقات الحضيكي (١/ ١٨٩)، ومقدمة تحقيق رفع النقاب (١/ ١٧).\n(^٦) انظر: رفع النقاب (٤/ ٦٦٧).\n(^٧) انظر: قواطع الأدلة (٣/ ٣٤٤).","vol":"1","page":346},{"text":"والتعريفات وإن لم تنصَّ على أنَّ الفروعَ التي يعرفُها الفروعي داخلةٌ تحتَ مذهبٍ معيّنٍ، إلا أنَّ واقعَ الفروعيين أنَّهم يقتصرون في معرفةِ الفروع على مذهبِ إمامٍ معيَّنٍ.\nالثانية: عدمُ معرفةِ الفروعي بأصولِ الفقهِ.\nوقد أطلقَ بعضُ الأصوليين على الفروعي لفظ: (الفقيه)، ومِنْ هؤلاءِ: أبو حامدٍ الغزالي (^١)، والموفق بن قدامة (^٢)، والآمدي (^٣).\nورَفَضَ جمعٌ آخر مِن الأصوليين إطلاقَ لفظِ: (الفقيه) على الفروعي، ومِنْ هؤلاءِ: العبدري (^٤)، والعزُّ بنُ عبد السلام (^٥)، وابنُ الهمام الحنفي (^٦)، وأمير باد شاه (^٧).\nيقولُ العبدريُّ: \"وإنَّما هي - أيْ: المسائلُ المدونةُ في كتب الفقهِ - نتائجُ الفقهِ، والعارفُ بها فروعي، وإنَّما الفقيه هو: المجتهد الَذي ينتجُ تلك الفروع عن أدلةٍ صحيحةٍ، فيتلقاها منه الفروعي تقليدًا، ويدوِّنُها، ويحفظُها\" (^٨).\n_________\n(^١) انظر: المنخول (ص/ ٣١١).\n(^٢) انظر: روضة الناظر (٢/ ٤٥٤).\n(^٣) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٢٢٨).\n(^٤) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٣). والعبدري هو: محمد بن محمد بن محمد العبدري الفارسي، أبو عبد الله، المعروف بابن حاج المالكي، كان فقهيًا عالمًا زاهدًا، متمكنًا من معرفة مذهبه، اشتهر بالخير والصلاح، تفقه بالمغرب، ثم سمع الموطأ بالقاهرة، صحب جماعة من المتصوفة، وتخلق بأخلاقهم، وأخذ عنهم الطريقة الصوفية، من مؤلفاته: الأزهار الطيبة النشر، وبلوغ القصد والمنى في خواص أسماء الله الحسنى، والفوائد المنتحلة - وقد وصفه ابن فرحون بأنه كتاب حفيل، جمع فيه علمًا غزيرًا - والمدخل إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات والتنبيه على كثير من البدع المحدثة، توفي سنة ٧٣٧ هـ وقد بلغ الثمانين عامًا أو تجاوزها. انظر ترجمته في: الديباج المذهب لابن فرحون (٢/ ٣٢١)، والدرر الكامنة لابن حجر (٤/ ٢٣٧)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٢١٨)، والأعلام للزركلي (٧/ ٣٥).\n(^٥) انظر: البحر المحيط (١/ ٢٣).\n(^٦) انظر: التحرير (٤/ ١٧٩) مع شرحه تيسير التحرير.\n(^٧) انظر: تيسير التحرير (٤/ ١٧٩).\n(^٨) نقل كلامَ العبدري الزركشيُّ في: البحر المحيط (١/ ٢٣).","vol":"1","page":347},{"text":"ويظهر لي أنَّ الأقربَ عدمُ إطلاقِ لفظِ: (الفقيه) على الفروعي؛ ولعل مَنْ أطلق عليه لفظ: (الفقيه) اتجه نظرُه إلى حفظِ الفروعي للمسائلِ الفقهيةِ، فناسَبَ مِنْ هذه الجهةِ تسميته بالفقيه؛ لحفظِه للفقه، والمسألةُ - كما هي ظاهرة - لفظيةٌ اصطلاحيةٌ، ولا مشاحةَ في الاصطلاح.\nويمكنُ القول في بيانِ العلاقة بين المتمذهب والفروعي: إنَّ المتمذهبَ والفروعي يجتمعان في أنَّ كلًّا منهما يلتزمُ أقوالَ إمامٍ معيّنٍ في الفروعِ.\nوالفرق بينهما يظهر في أنَّ الفروعي يمثلُ طبقةً مِنْ طبقاتِ المتمذهبين - وهي الطبقةُ الدُنيا - إذ المتمذهبون طبقاتٌ، وأدنى هذه الطبقات مَن اكتفى بحفظِ فروعِ مذهبِه مجردةً عن أدلتِها، دونَ معرفةٍ بأصولِ الفقهِ.\nوبناءً على ما تقدم آنفًا، فكلُّ فروعي متمذهبٌ، دونَ العكسِ، والنسبة بينهما هي العمومُ والخصوصُ المطلقُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>المسألة الخامسة: تمذهب المجتهد</span>\nمِن المعلوم أن رتبةَ الاجتهادِ أعلى مِن التمذهبِ، والمجتهدُ أعلى قدرًا مِن المتمذهبِ، لكنْ إذا بَلَغَ العالمُ رتبةَ الاجتهادِ المطلقِ في الشرعِ، فهل له أنْ يتمذهبَ بمذهبٍ معيَّنٍ؟\nيمكن القولُ بأنَّ لتمذهبِ المجتهدِ ثلاث حالاتٍ:\nالحالة الأولى: أنْ ينتسبَ المجتهدُ إلى مذهبٍ معينٍ، دون أنْ يكونَ لهذه النسبةِ أثرٌ في اجتهادِه.\nالحالة الثانية: أنْ ينتسبَ المجتهدُ إلى مذهبٍ معينٍ، ويأخذ بقولِ إمامِه في بعضِ المسائلِ على سبيلِ الاتباعِ.\nالحالة الثالثة: أنْ ينتسبَ المجتهدُ إلى مذهبٍ معينٍ، ويأخذ بقولِ إمامِه في بعضِ المسائلِ على سبيلِ التقليدِ.","vol":"1","page":348},{"text":"الحالة الأولى: أنْ ينتسبَ المجتهدُ إلى مذهبٍ معينٍ، دون أنْ يكونَ لهذه النسبةِ أثرٌ في اجتهادِه.\nقد يبلغُ العالمُ رتبةَ الاجتهادِ في الشريعة، ومع بلوغِه هذه الرتبة، إلا أنَّه ينتسب إلى مذهبِ إمامٍ معيَّنٍ، دون أنْ يكون لهذه النسبةِ أثرٌ في اجتهادِه، فهو متمذهبٌ بالاسمِ فقط، دون الحقيقةِ، ولهذه الحالةِ صورتان:\nالصورة الأولى: أنْ ينتسبَ المجتهدُ إلى مذهبٍ معيَّنٍ، دون أنْ يكونَ لهذه النسبةِ أثرٌ في اجتهادِه، ولا يذكر أقوالَ إمامِه فيما يختاره مِن المسائلِ.\nالصورة الثاني: أنْ ينتسبَ المجتهدُ إلى مذهبٍ معيَّنٍ، دونَ أنْ يكونَ لهذه النسبةِ أثرٌ في اجتهادِه، ولا يذكر أقوالَ إمامِه فيما يختارُه مِن المسائلِ.\nالصورة الأولى: أنْ ينتسبَ المجتهدُ إلى مذهبٍ معيَّنٍ، دون أنْ يكونَ لهذه النسبةِ أثرٌ في اجتهادِه، ولا يذكر أقوالَ إمامِه فيَما يختاره مِن المسائلِ.\nالذي يظهرُ لي في حكمِ التمذهب في هذه الصورةِ، أنَّه لا محذور فيه؛ لانتفاءِ تأثيرِه في الاجتهادِ.\nلكنْ يبقى النظرُ في استحباب انتساب المجتهدِ إلى مذهبٍ معيَّنٍ مِنْ عدمِه، عائدًا إلى ما يحققه الانتسابُ مِنْ أَثرٍ إيجابي للمجتهدِ نفسِه، فقد ينشأُ المجتهدُ بين أناسٍ اعتادوا النسبةَ المذهبيةَ، ولا يُؤثر عندهم إغفالها، بلْ قد يكونُ إغفالُ المجتهدِ لها سببًا في عدمِ قبولِ الناسِ منه، فالأفضلُ للمجتهدِ في هذه الحالة الانتسابُ إلى المذهب؛ لئلا يردّ الناسُ ما يأتي به من أقوال، والعكسُ بالعكسِ.\nيقولُ تقيُّ الدينِ بنُ تيمية: \"فأمَّا الانتسابُ الذي يُفَرّق بين المسلمين، وفيه خروجٌ عن الجماعةِ والائتلافِ إلى الفرقة، فهذا ممَّا يُنْهَى عنه\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (١١/ ٥١٤).","vol":"1","page":349},{"text":"الصورة الثاني: أنْ ينتسبَ المجتهدُ إلى مذهب معيَّنٍ، دونَ أنْ يكونَ لهذه النسبةِ أثرٌ في اجتهادِه، ويذكر أقوالَ إمامِه فيما يختارُه مِن المسائلِ.\nإذا بَلَغَ العالمُ رتبةَ الاجتهادِ في الشريعةِ، وانتسبَ إلى مذهب معيَّنٍ، واجتهدَ في مسألةٍ مِن المسائلِ، وتوصَّلَ فيها إلى رأي وافقَ فيه قولَ إمامِه، ومع ذلك فإنَّه ينسبُ قولَه إلى إمامِه، كأنْ يقول مثلًا: هذا قول إمامي، أو: هذا مذهب الأصحاب، مع أنَّه لم يذهبْ إليه إلا بعدَ اجتهادٍ ونظرٍ، وكذلك لو أَخَذَ بأصولِ مذهبِه وقواعدِه بعد قناعتِه بها: فالذي يظهرُ لي في حكم هذه الصورةِ أنَّه لا محذورَ فيها؛ لأنَّه لا أثرَ لجعلِ ما يختارُه المجتهدُ قولَ إمامه أو مذهب أصحابه؛ وذلك لتحققِ الاجتهاد منه، ولأنَّه لم يذكرْ قولًا يخالفُ ما تقرر عنده.\nيقولُ أبو إسحاقَ الإسفراييني: \"الصحيحُ الذي ذَهَبَ إليه المحققون، ما ذَهَبَ إليه أصحابُنا، وهو أنَّهم - أيْ: أصحاب الشافعي - صاروا إلى مذهبِ الشافعي - ﵀ - لا على جهةِ التقليدِ له، ولكنْ لمَّا وجدوا طريقَه في الاجتهادِ والفتاوى أسدَّ الطرقِ وأولاها، ولم يكنْ لهم بُدٌّ مِن الاجتهادِ، سلكوا طريقَه في الاجتهادِ، وطلبوا معرفةَ الأحكامِ بالطريقِ الذي طلبها الشافعيُّ به\" (^١).\nالحالة الثانية: أنْ ينتسبَ المجتهدُ إلى مذهبٍ معيَّنٍ، ويأخذ بقولِ إمامِ المذهبِ في بعضِ المسائلِ على سبيل الاتباعِ.\nقد يطَّلعُ المجتهدُ المنتسبُ إلى مذهب معيَّنٍ على دليلِ قولِ إمامِه، ولا يعرفُ له معارضًا، لكنَّه لم يستكمل النظرَ في المسألةِ، فيقول فيها بقولِ إمامِه؛ للدليلِ الدالِّ عليه.\nوالذي يظهرُ لي في حكمِ هذه الحالة جوازُ التمذهب؛ لانتفاءِ المحذورِ، وهو القولُ بلا دليلٍ، لكنَّ الأفضلَ للمجتهدِ استكمالُ النظرِ في المسألةِ فيما لو أرادَ العملَ، أو الإفتاءَ.\n_________\n(^١) نقل كلام أبي إسحاق ابنُ الصلاح في: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٢).","vol":"1","page":350},{"text":"الحالة الثالثة: أنْ ينتسبَ المجتهدُ إلى مذهبٍ معينٍ، ويأخذ بقولِ إمامِه في بعضِ المسائل على سبيلِ التقليدِ.\nقد يبلغُ العالمُ رتبةَ الاجتهادِ في الشريعةِ، ومع بلوغِه تلك المنزلة العلمية، إلا أنَّه ينسبُ نفسَه إلى مذهبِه - الذي تخرَّج فيه - ومع بلوغِه رتبةَ الاجتهادِ، قد يأخذُ بقولِ إمامِه في بعضِ المسائلِ على سبيلِ التقليدِ، أي: أنَّ المجتهدَ في هذه الحالةِ أَخَذَ بالقولِ؛ لأنَّ إمامَه قال به، فما حكمُ التمذهبِ في هذه الحالةِ؟\nيُبْنَى الحكمُ في هذه الحالةِ على ما حرره الأصوليون في مسألةِ: (تقليد المجتهدِ لغيرِه مِن المجتهدين)؛ ولذا سأعرضُ هذه المسألةَ، ثم أُبيّنُ القولَ الراجحَ فيها، والذي ينطبقُ على الحالةِ الثالثةِ.\nوقبلَ الدخولِ في تفاصيلِ مسألةِ: (تقليد المجتهدِ لغيرِه مِن المجتهدين)، أنبّه إلى أنَّ الأقوالَ فيها كثيرةٌ، وسأقتصرُ في عرضِها على أهمِّها ممَّا له علاقةٌ مباشرةٌ بمسألتنِا، أمَّا الأقوالُ التي لا تُؤثر في مسألتنا - كالقولِ بجوازِ تقليدِ الصحابةِ فقط، أو جوازِ تقليدِ الصحابةِ والتابعين - فلن أعرضَ لها؛ لعدمِ تأثيرِها في مسألتِنا.\n• صورة المسألة:\nهل يجوزُ للمجتهدِ أنْ يقلَّد مجتهدًا آخر في مسألةِ مِن المسائلِ، دونَ معرفةِ دليلِ قولِه؟\n• تحرير محل النزاع:\nيمكنُ تحريرُ محلِّ النزاعِ في ضوءِ الآتي:\nأولًا: اتفقَ العلماءُ على أن المجتهدَ إذا توصَّلَ إلى رأي محددٍ في مسألةٍ مِن المسائل، فلا يجوزُ له أنْ يقلِّدَ فيها مجتهدًا آخر.\nحكى الاتفاقَ جمعٌ مِن المحققين، منهم: أبو المظفرِ السمعاني (^١)،\n_________\n(^١) انظر: قواطع الأدلة (٥/ ١٦٨).","vol":"1","page":351},{"text":"وأبو حامدٍ الغزالي (^١)، والفخرُ الرازي (^٢)، والموفقُ بنُ قدامة (^٣)، والآمديُّ (^٤)، وابنُ الحاجبِ (^٥)، وسراجُ الدينِ الأرموي (^٦)، وشهابُ الدين القرافيُّ (^٧)، وصفيُّ الدينِ الهندي (^٨)، والطوفيُّ (^٩)، وبدرُ الدين الزركشي (^١٠)، وابنُ الهمامِ (^١١)، وابنُ مفلحٍ (^١٢)، وابنُ عبد الشكور (^١٣)، وعبدُ العلي الأنصاري (^١٤)، ومحمد الأمين الشنقيطي (^١٥).\n_________\n(^١) انظر: المستصفى (٢/ ٤٥٧).\n(^٢) انظر: المحصول في علم أصول الفقه (٦/ ٨٣).\n(^٣) انظر: روضة الناظر (٣/ ١٠٠٨).\n(^٤) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ٢٠٤).\n(^٥) انظر: مختصر منتهى السول (٢/ ١٢٣٥).\n(^٦) انظر: التحصيل من المحصول (٢/ ٣٠٥). وسراج الدين الأرموي هو: محمود بن أبي بكر بن أحمد بن حامد الأرموي، سراج الدين أبو الثناء الأذربيجاني الدمشقي، ولد في مدينة أرمية سنة ٥٩٤ هـ كان قاضي القضاة في زمانه، وقد برع في عدة فنون، وحاز قصب السبق في المعقول والمنقول، فكان منطقيًا حكيمًا، مفسرًا جدليًا أصوليًا فقيهًا، متكلمًا، شاعرًا، من مصنفاته: التحصيل من المحصول، ومطالع الأنوار، ومقاصد العقول من معاقد المحصول، توفي بمدينة قونية سنة ٦٨٢ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الشافعية لابن السبكي (٨/ ٣٧١)، وطبقات الشافعية للأسنوي (١/ ١٥٥)، وهدية العارفين للبغدادي (٢/ ٤٥٦)، والأعلام للزركلي (٧/ ١٦٦)، ومقدمة محقق كتاب التحصيل من المحصول (١/ ١٥).\n(^٧) انظر: شرح تنقيح الفصول (ص/ ٤٤٣).\n(^٨) انظر: الفائق في أصول الفقه (٥/ ١٠٦).\n(^٩) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٢٩).\n(^١٠) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٨٥).\n(^١١) انظر: التحرير (٤/ ٢٢٧) مع شرحه تيسير التحرير.\n(^١٢) انظر: أصول الفقه (٤/ ١٥١٥).\n(^١٣) انظر: مسلم الثبوت (٢/ ٣٩٢) مع شرحه فواتح الرحموت.\n(^١٤) انظر: فواتح الرحموت (٢/ ٣٩٢). وعبد العلي الأنصاري هو: عبد العلي محمد بن نظام الدين محمد بن عبد الحليم الأنصاري اللكنوي الهندي، أبو العياش، ولد بمدينة لكنو، ونشأ بها، كان علامةً عالمًا فقهيًا أصوليًا منطقيًا، حنفي المذهب، معدوم النظير في زمانه، اشتغل بالتدريس والإفادة، من مؤلفاته: فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت، وتنوير المنار شرح منار الأنوار، توفي بمِدْراس سنة ١٢٢٥ هـ. انظر ترجمته في: هدية العارفين للبغدادي (١/ ٥٨٦)، ونزهة الخواطر لعبد الحي الحسني (٧/ ١٠٢١)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٦٦٩).\n(^١٥) انظر: أضواء البيان (٧/ ٥٢٠).","vol":"1","page":352},{"text":"الأدلة على عدم جواز التقليد في هذه الحالة، ما يأتي:\nالدليل الأول: أنَّ ظنَّ المجتهدِ لا يساوي الظنَّ المستفادَ مِنْ غيرِه، والعملُ بأقوى الظنين واجبٌ (^١).\nيقولُ الشيخُ محمد بخيت المطيعي: \"إنَّما حرُم ذلك - أيْ: تقليد المجتهد لغيره - ووَجَبَ عليه العملُ بظنّه؛ لأنَّ ظنَّه الحاصلَ له باجتهادِه أقوى؛ لعلمِه بكيفيةِ استنتاجِه، وأمَّا غيرُه، فيحتمل أنَّ في كيفيةِ استنتاجِه خللًا عنده لو اطَّلعَ عليه، وكيفَ يجوزُ التقليدُ مِنْ بعدِ الاجتهادِ، وحصولِ الظنِّ؟ ! وكلُّ مجتهدٍ يعتقدُ أنَّ ما استدلَّ به وأَخَذَ به الحُكمَ دليلٌ، وما أَخَذَ به مخالفُه شبهةُ دليلٍ، فكيفَ يجوزُ أن يتركَ ما يقتضيه الدليلُ إلى ما تقتضيه شبهةُ دليل؟ ! \" (^٢).\nالدليل الثاني: أنَّ ما علمَه المجتهدُ باجتهادِه هو ما يعتقده حكمًا لله، فلا يتركُه لقولِ أحدٍ (^٣).\nلكنْ يُشكلُ على حكايةِ الاتفاقِ السابقِ أمران:\nالأمر الأول: ما ذكرُه أبو بكرٍ الجصاص، وأبو عبد الله الصيمري (^٤) عن الإمامِ أبي حنيفةَ، مِنْ أنَّ المجتهدَ إذا اجتهدَ، وتوصَّلَ إلى رأي، فله أنْ يأخذَ باجتهادِه، وله أنْ يقلَّدَ غيرَه إذا كانَ أعلمَ منه.\nيقولُ أبو بكرٍ الجصاص: \"وقد اختلفَ أصحابُنا فيمَنْ كان مِنْ أهلِ\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٨٥).\n(^٢) سلم الوصول (٤/ ٥٨٧ - ٥٨٨).\n(^٣) انظر: فواتح الرحموت (٢/ ٣٩٢).\n(^٤) هو: الحسين بن علي بن محمد، أبو عبد الله الصيمري، كان علامةً فقيهًا أصوليًا، صدوقًا، وافر العقل، حسن المعشر، عارفًا حقوق العلماء، حسن العبارة، جيد النظر، من كبار علماء الحنفية، ومن كبار الفقهاء المناظرين، ولي قضاء المدائن، من مؤلفاته: مسائل الخلاف، توفي سنة ٤٣٦ هـ وله إحدى وثمانون سنة. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (٨/ ٦٣٤)، والأنساب للسمعاني (٨/ ١٢٨)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٦١٥)، والبداية والنهاية (١٥/ ٦٩٣)، والجواهر المضية للقرشي (٢/ ١١٦)، والفوائد البهية للكنوي (ص/ ٨٧).","vol":"1","page":353},{"text":"الاجتهادِ، هل يجوزُ له تقليدُ مَنْ هو أعلمُ منه؟ ... وذَكَرَ أبو الحسن (^١) أنَّه قول أبي حنيفةَ: إنَّ له تقليدَه، وأنَّ له أنْ يعملَ برأيه\" (^٢).\nويقولُ أبو عبد الله الصيمري: \"عند أبي حنيفةَ: أن للعالمِ أنْ يقلِّد غيرَه مِن العلماءِ، وَيدَعَ قولَ نفسِه، وإنْ عملَ على رأيه جازَ له\" (^٣).\nوأمامنا تجاه ما جاءَ عن الإمامِ أبي حنيفةَ أمورٌ:\nالأول: أنْ نردَّ الاتفاقَ المحكيَّ في المسألةِ؛ لوجودِ الخلافِ المنقولِ عن الإمامِ أبي حنيفةَ.\nوفي هذا الأمرِ بُعدٌ؛ لتتابعِ محققي الأصوليين - ومنهم علماءُ مِن المذهب الحنفي - على حكايةِ الاتفاقِ، دونَ أدنى إشارةٍ إلى ما وَرَدَ عن الإمامِ أَبي حنيفةَ.\nالثاني: أنْ نضعّفَ ثبوتَ ما وَرَدَ عن الإمامِ أبي حنيفةَ، فنجعل القولَ المذكورَ غيرَ ثابتٍ عنه.\nالثالث: أنْ نؤولَ كلامَ الإمامِ أبي حنيفةَ بحملِه على ما إذا كان رأيُ المجتهدِ مخالفًا لقولِ صحابي، فحينئذٍ يُخيَّر (^٤).\n_________\n(^١) المقصود بأبي الحسن هو أبو الحسن الكرخي، وهو: عبيد الله بن الحسين بن دلال البغدادي الكرخي، أبو الحسن، ولد سنة ٢٦٠ هـ كان إمامًا فقيهًا أصوليًا كبير القدر، زاهدًا قانعًا، متعففًا عابدًا، دينًا خيّرًا فاضلًا، انتهت إليه رئاسة المذهب الحنفي، واشتهر اسمه، وبَعُد صيته، رماه أبو الحسن بن الفرات بالاعتزال، ونعته شمس الدين الذهبي بأنه رأس في الاعتزال، من مؤلفاته: الجامع الكبير، والجامع الصغير، والأشربة، توفي سنة ٣٤٠ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (١٢/ ٧٤)، وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٤٢٦)، والبداية والنهاية (١٥/ ٢٠٩)، والجواهر المضية للقرشي (٢/ ٤٩٣)، وتاج التراجم لقطلوبغا (ص / ٢٠٠)، ولسان الميزان لابن حجر (٥/ ٣٢١)، والفوائد البهية للكنوي (ص/ ١٣٩).\n(^٢) الفصول في الأصول (٤/ ٢٨٣).\n(^٣) مسائل الخلاف في أصول الفقه (ص/٣٧٨).\n(^٤) قارن بالمسودة (٢/ ٨٦٢).","vol":"1","page":354},{"text":"الرابع: أنْ نؤولَ كلامَ الإمامِ أبي حنيفة بحملِه على أنَّ للمجتهدِ أنْ يأخذَ بقولِ نفسِه، وله أنْ يقلدَ غيرَه، إذا وَجَدَ في رأي غيرِه قوةً.\nويدلُّ على الرابعِ: ما ذكره أبو بكرٍ الجصاص، وأبو عبد الله الصيمري عند استدلالهم لقولِ الإمامِ أبي حنيفة، يقول أبو بكرٍ الجصاص: \"فلم يخلُ في تقليدِه - أيْ: المجتهد - إياه - أي: المجتهد المقلَّد - مِنْ أنْ يكونَ مستعملًا لضربٍ مِن الاجتهادِ، يُوجبُ عنده رجحان قولِ مَنْ قلَّده على قولِه\" (^١).\nويقولُ أبو عبد الله الصيمري: \"إذا رأى اجتهادَ غيرِه أقوى مِنْ اجتهادِه، كان ذلك ضربًا مِن الاجتهادِ، فلمَّا جازَ أنْ يأخذَ بما يؤدي إليه اجتهادُه، جازَ له أن يأخذَ بقولِ غيرِه\" (^٢).\nولعل الأمرَ الرابع هو أقرب شيءٍ يُمكنُ أنْ يُقالَ في شأنِ ما وَرَدَ عن الإمامِ أبي حنيفةَ، وبناءً عليه يبقى الاتفاقُ المحكي سالمًا.\nالأمر الثاني: ساقَ أبو الخطاب حين عَرَضَ الأقوالَ في المسألةِ قولًا مفادُه أنَّ للمجتهدِ إنْ لم يجتهدْ أنْ يقَلِّد غيرَه مِن المجتهدين على الإطلاقِ، وإن اجتهد، فلا يجوزُ له التقليدُ (^٣).\nوظاهرُ هذا التفصيلِ يدلُّ على أنَّ المجوزين جوَّزوا التقليدَ على الإطلاقِ، سواء أكان قبلَ اجتهادِ المجتهدِ، أم بعد اجتهادِه (^٤).\nوقدْ أجابَ عن هذا الإشكالِ تقيُّ الدين بنُ تيمية، بقولِه: \"وهذا الذي ذكره أبو الخطابِ يدل على أنَّ المجيزين على الإطلاقِ جوَّزوا التقليدَ بعدَ الاجتهادِ، حيثُ جَعَلَ التفصيلَ قولًا، ثمَّ ذَكَرَ أبو الخطابِ في أثناءِ\n_________\n(^١) الفصول في الأصول (٤/ ٣٨٤).\n(^٢) مسائل الخلاف في أصول الفقه (ص/٣٧٨).\n(^٣) انظر: التمهيد في أصول الفقه (٤/ ٤٠٩).\n(^٤) انظر: المسودة (٢/ ٨٦٢).","vol":"1","page":355},{"text":"المسألةِ: أن المجتهدَ لو اجتهدَ، فأدّاه اجتهادُه إلى خلافِ قولِ مَنْ هو أعلمُ منه، لم يجزْ تركُ رأيه والأخذ برأي ذلك الغيرِ، فَوَجَبَ أنْ لا يجوزَ، وإنْ لم يجتهدْ، لأنَّه لا يأمن (^١) لو اجتهدَ أنْ يؤديه اجتهادُه إلى خلافِ ذلك القول (^٢)، فقد جَعَلَ المنعَ مِنْ تقليدِه بعدَ الاجتهادِ محل وفاقٍ\" (^٣).\nثانيًا: اتفقَ الأصوليون على أنَّ للمجتهدِ إذا اجتهدَ، وتوصّلَ إلى رأي محددٍ، تَرْكَ قولِ الأعلمِ.\nيقولُ أبو حامدٍ الغزالي: \"وله - أيْ: المجتهد إذا توصّلَ إلى رأي - أنْ يأخذَ بظنِّ نفسِه وفاقًا، ولم يلزمْه تقليدُه - أي: الأعلم - لكونِه أعلم\" (^٤).\nويقولُ أبو الخطاب: \"لا خلافَ أنَّه يجوزُ تركُ قولِ الأعلم باجتهادِه\" (^٥).\nوقد حكى ابنُ مفلحٍ (^٦)، وأمير باد شاه (^٧) الاتفاقَ على هذا الأمرِ.\nثالثًا: حكى بعضُ الأصوليين الاتفاقَ على أنَّه يجوزُ للمجتهدِ أنْ يقلِّد غيرَه مِن المجتهدين عند ضيقِ الوقتِ، وعُسرِ الوصولِ إلى الحكمِ.\nيقولُ أبو حامدٍ الغزالي: \"وقد اتفقوا على جوازِ التقليدِ عند ضيقِ الوقتِ، وعُسْرِ الوصولِ إلى الحكمِ بالاجتهادِ والنظرِ\" (^٨).\nويقولُ الشيخُ محمد بخيت المطيعي: \"وكل ما حُكي مِنْ هذه الأقوالِ - وغيرِها ممَّا لم يحكَ هنا - إنَّما هو عند تمكّنِ المجتهدِ مِن الاجتهادِ، وأمَّا إذا لم يتمكنْ بأنْ مَنَعَه مانعٌ، أو خاف فوتَ الحادثةِ، فلا خلافَ في\n_________\n(^١) في: المصدر السابق (٢/ ٨٦٢): \"يأس\"، وصححتها من التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٢).\n(^٢) انظر: التمهيد في أصول الفقه (٤/ ٤١٢).\n(^٣) المسودة (٢/ ٨٦٢).\n(^٤) المستصفى (٢/ ٤٦١).\n(^٥) التمهيد في أصول الفقه (٤/ ٤١٢). وانظر: المسودة (٢/ ٨٦٣).\n(^٦) انظر: أصول الفقه (٤/ ١٥١٧).\n(^٧) انظر: تيسير التحرير (٤/ ٢٢٩).\n(^٨) المنخول (ص/ ٤٧٧).","vol":"1","page":356},{"text":"جوازِ تقليدِه مجتهدًا آخر\" (^١).\nوما حكاه الغزاليُّ، والمطيعيُّ محلُّ نظرٍ؛ لوجودِ المخالفِ في تقليدِ المجتهدِ لغيرِه مِن المجتهدين حتى عند ضيقِ الوقتِ؛ يقولُ أبو إسحاقَ الشيرازي: \"فأمَّا العالمُ فلا يجوزُ له تقليدُ غيرِه في شيءٍ مِن الشرعيات، سواء خَشِيَ فواتَ الوقتِ، أو لم يخشَ الفواتَ\" (^٢).\nثمَّ إنَّ أبا حامد الغزاليَّ لم يحكِ هذا الاتفاق في كتابِه: (المستصفى) حين تكلّمَ عن المسألةِ (^٣).\nويمكنُ حملُ ما حكاه الغزاليُّ والمطيعيُّ على أنَّ الأَوْلى أنْ لا يقعَ في هذه الحالةِ خلافٌ، فيُحمل كلامُهما على الأولويةِ، وقد صرَّح بها ابنُ الهمامِ الحنفي (^٤).\nأو يُحملُ كلامُهما على بعضِ الصورِ الجزئيةِ التي يترتبُ على الاجتهادِ فيها تفويتُ مصلحةٍ كبرى، كما لو قلَّد المجتهدُ في القبلةِ - وكان مِنْ أهلِ الاجتهادِ فيها - مجتهدًا آخر إذا ضاق الوقتُ، وخافَ فوات الصلاةِ فيما لو اشتغلَ بالاجتهادِ (^٥).\nرابعًا: محل الخلافِ في المجتهدِ قبلَ أنْ يتوصلَ إلى رأي محددٍ - سواء اجتهدَ فلم يتوصلْ إلى شيء، أو لم يجتهدْ أصلًا - هل له أنْ يقلِّدَ مجتهدًا آخر؟\n• الأقوال في المسألة:\nاختلفَ العلماءُ في هذه المسألةِ على أقوال كثيرة، أهمّها:\nالقول الأول: المنعُ مِنْ تقليدِ المجتهدِ لغيرِه مِن المجتهدين مطلقًا، سواءٌ مع ضيقِ الوقتِ أو مع سعتِه، وسواء أكان المقلَّدُ أعلمَ أم لا.\n_________\n(^١) سلم الوصول (٤/ ٥٩٢).\n(^٢) شرح اللمع (٢/ ١٠١٢).\n(^٣) انظر: المستصفى (٢/ ٤٥٧ - ٤٦١).\n(^٤) انظر: التحرير (٤/ ٢٢٨) مع شرحه تيسير التحرير.\n(^٥) انظر: البرهان (٢/ ٨٧٦).","vol":"1","page":357},{"text":"هذا القولُ هو إحدى الروايتين عن الإمامِ أبي حنيفةَ (^١). ونَسَبَه أبو الحسنِ الكرخي إلى أبي يوسفَ، ومحمد بن الحسن (^٢)، ونَسَبَه أبو عبد الله الصيمري إلى أبي يوسف أيضًا (^٣). ونَسَبَه ابنُ القصار (^٤) إلى الإمامِ مالكٍ، وجماعةٍ مِن الفقهاءِ (^٥)، وجعلَ أبو الوليد الباجي هذا القولَ هو الأشبه بقولِ الإمامِ مالكٍ (^٦).\nوهذا القولُ هو ظاهرُ قولِ الإمامِ الشافعي (^٧). ونَسَبَه أبو الوفاءِ بنُ عقيل إلى إسحاقَ بن راهويه (^٨)\n_________\n(^١) انظر: المعتمد (٢/ ٩٤٢).\n(^٢) انظر: الفصول في الأصول للجصاص (٤/ ٢٨٣). ومحمد بن الحسن هو: محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني مولاهم الكوفي، أبو عبد الله، ولد بواسط بالعراق سنة ١٣٢ هـ وقيل: سنة ١٣١ هـ نشأ بالكوفة، كان محدثًا فقهيًا عالمًا صدوقًا، وأحد أئمة المذهب الحنفي، وأشهر أصحاب الإمام أبي حنيفة، تفقه بأبي حنيفة وأبي يوسف، وكتب عن الإمام مالك كثيرًا، وقد انتهت إليه رئاسة الفقه في العراق بعد أبي يوسف، ولي القضاء للرشيد، وكان يُضرب بذكائه المثل، من مؤلفاته: الأصل، والجامع الصغير، والجامع الكبير، والزيادات، والسير الصغير، والسير الكبير، توفي بالري سنة ١٨٩ هـ وقال الرشيد: \"دفنت الفقه بالري\". انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (٢/ ٥٦١)، والانتقاء في فضائل الأئمة لابن عبد البر (ص/ ٣٣٧)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص / ١٢٨)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ١٨٤)، وسير أعلام النبلاء (٩/ ١٣٤)، والجواهر المضية للقرشي (٣/ ١٢٢)، وتاج التراجم لقطلوبغا (ص/ ٢٣٧).\n(^٣) انظر: مسائل الخلاف في أصول الفقه (ص/ ٣٧٨)، والعدة (٤/ ١٢٣٠).\n(^٤) هو: علي بن عمر بن أحمد البغدادي، أبو الحسن، المعروف بابن القصار، من كبار تلامذة القاضي أبي بكر الأبهري، كان فقيهًا أصوليًا نظارًا علامةً ثقةً، من كبار علماء المذهب المالكية في وقته، قليل الحديث، ولي قضاء بغداد، قال عنه أبو ذر الهروي: \"هو أفقه من رأيت من المالكيين\"، من مؤلفاته: المقدمة في أصول الفقه، وعيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار، توفي سنة ٣٩٨ هـ وقيل: ٣٩٧ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (١٣/ ٣٩٦)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص / ١٥٧)، وترتيب المدارك للقاضي عياض (٧/ ٧٠)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ١٠٧)، والديباج المذهب لابن فرحون (٢/ ١٠٠)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٩٢).\n(^٥) انظر: مقدمة في أصول الفقه (ص/ ١٤٠ - ١٤١).\n(^٦) انظر: إحكام الفصول (ص / ٧٢١).\n(^٧) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٨٥).\n(^٨) انظر: الواضح في أصول الفقه (٥/ ٢٤٤).","vol":"1","page":358},{"text":"وهو ظاهرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ بن حنبل (^١).\nونَسَبَه أبو الحسين البصري (^٢)، والآمديُّ (^٣)، وتاجُ الدينِ بنُ السبكي (^٤) إلى أكثر الفقهاءِ. ونَسَبَه الباجيُّ إلى أكثرِ المالكيةِ البغداديين (^٥). ونَسَبَه الفخرُ الرازي إلى أكثرِ الشافعيةِ (^٦). ونَسَبَه شهابُ الدين القرافي (^٧)، وابنُ جزي المالكي (^٨) إلى أكثرِ أهلِ السنةِ.\nواختاره جمعٌ مِن محققي الأصوليين، منهم: القاضي أبو بكرٍ الباقلاني (^٩)، وأبو إسحاقَ الإسفراييني (^١٠)، والقاضي أبو يعلى (^١١)، وأبو الوليد الباجي (^١٢)، وأبو إسحاقَ الشيرازي (^١٣)، وأبو الخطاب (^١٤)، وأبو الوفاءِ بن عقيلٍ (^١٥)، والفخرُ الرازي (^١٦)، والآمديُّ (^١٧)، وابنُ الحاجبِ (^١٨)، ومحيي الدين النووي (^١٩)، والقاضي البيضاوي (^٢٠)،\n_________\n(^١) انظر: العدة (٤/ ١٢٢٩)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤٠٨)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ٢٤٤).\n(^٢) انظر: المعتمد (٢/ ٩٤٢).\n(^٣) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ٢٠٤).\n(^٤) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٩٥٢).\n(^٥) انظر: إحكام الفصول (ص/ ٧٢١).\n(^٦) انظر: المحصول في علم أصول الفقه (٦/ ٨٣).\n(^٧) انظر: شرح تنفيح الفصول (ص/ ٤٤٣)،\n(^٨) انظر: تقريب الوصول (ص/ ٤٥٦).\n(^٩) انظر: إحكام الفصول (ص / ٧٢١)، والمنخول (ص/ ٤٧٦)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٠٤).\n(^١٠) انظر: شرح اللمع (٢/ ١٠١٢)، والمنخول (ص/ ٤٧٦).\n(^١١) انظر: العدة (٤/ ١٢٢٩).\n(^١٢) انظر: إحكام الفصول (ص/ ٧٢١).\n(^١٣) انظر: التبصرة (ص/ ٤٠٣)، وشرح اللمع (٢/ ١٠١٢).\n(^١٤) انظر: التمهيد في أصول الفقه (٤/ ٤٠٨).\n(^١٥) انظر: الواضح في أصول الفقه (٥/ ٢٤٤).\n(^١٦) انظر: المحصول في علم أصول الفقه (٦/ ٨٤).\n(^١٧) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ٢٠٤).\n(^١٨) انظر: مختصر منتهى السول (٢/ ١٢٣٢).\n(^١٩) انظر: روضة الطالبين (١/ ١٠٠).\n(^٢٠) انظر: منهاج الوصول (٢/ ١٠٨٧) مع شرحه السراج الوهاج.","vol":"1","page":359},{"text":"والطوفي (^١).\nالقول الثاني: يجوزُ للمجتهدِ أنْ يُقلِّدَ مجتهدًا آخر مطلقًا، سواء مع ضيقِ الوقتِ أو سعتِه، وسواءٌ أكان أعلمَ منه أم لا.\nنَسَبَ أبو عبدِ الله الصيمريُّ هذا القول إلى الإمامِ أبي حنيفةَ، ومحمد بن الحسن (^٢)، ونَسَبَه أبو الوليدِ الباجي إلى بعضِ أصحاب الإمامِ أبي حنيفةَ (^٣). ونَسَبَه الباجي (^٤) أيضًا، وأبو إسحاقَ الشيرازي (^٥)، وأبو حامدٍ الغزالي (^٦)، والفخرُ الرازي (^٧)، والآمديُّ (^٨)، وتاجُ الدينِ بنِ السبكي (^٩) إلى الإمامِ أحمدَ بن حنبل، وإسحاقَ بنِ راهويه، وسفيانَ الثوري.\nواختاره المزنُّي (^١٠) مِن الشافعيةِ (^١١).\nوقد تعقَّبَ جمعٌ مِنْ محققي الحنابلةِ نسبةَ القولِ بالجوازِ مطلقًا إلى\n_________\n(^١) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٢٩).\n(^٢) انظر: مسائل الخلاف في أصول الفقه (ص/٣٧٨). وتبع الصيمريَّ في نسبة القول بعضُ الحنفية. انظر: تيسير التحرير (٤/ ٢٢٨)، وفواتح الرحموت (٢/ ٣٩٣).\n(^٣) انظر: إحكام الفصول (ص/ ٧٢١).\n(^٤) انظر: المصدر السابق.\n(^٥) انظر: التبصرة (ص/ ٤٠٣)، وشرح اللمع (٢/ ١٠١٣).\n(^٦) انظر: المستصفى (٢/ ٤٥٨).\n(^٧) انظر: المحصول في علم أصول الفقه (٦/ ٨٣).\n(^٨) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ٢٠٤).\n(^٩) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٩٥٣).\n(^١٠) هو: إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو، أبو إبراهيم المزني المصري، ولد سنة ١٧٥ هـ كان أحد أئمة مذهب الإمام الشافعي، وناصر مذهبه، فقيهًا أصوليًا زاهدًا ورعًا متقللًا من الدنيا حافظًا صدوقًا، جبلًا في العلم، مناظرًا محجاجًا، قال الإمامُ الشافعي في وصفه: \"لو ناظر الشيطان لغلبه\"، وكان قليل الرواية، لكنه رأس في الفقه، من مؤلفاته: الجامع الكبير، والجامع الصغير، والمختصر، والمنثور، والترغيب في العلم، توفي بمصر سنة ٢٦٤ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ٩٧)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (١/ ١٩٦)، وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٩٢)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٢/ ٩٣)، وطبقات الشافعية لابن هداية الله (ص/ ٢٠)، وشذرات الذهب لابن العماد (٢/ ١٤٨).\n(^١١) انظر: التلخيص في أصول الفقه للجويني (٣/ ٤٤٨).","vol":"1","page":360},{"text":"الإمامِ أحمدِ؛ يقولُ أبو الخطاب: \"وحَكَى أبو إسحاقَ الشيرازي أنَّ مذهبَنا: جوازُ تقليدِ العالمِ للعالمِ.\nوهذا لا نعرفه عن أصحابِنا! وقد بينّا كلامَ صاحبِ مقالتِنا\" (^١).\nومقالةُ الإمامِ أحمدَ هي: \"لا تقلِّدْ دينك الرجالِ؛ فإنَّهم لن يسلموا أنْ يغلطوا\" (^٢).\nويقول الطوفيُّ: \"ما حكاه - أيْ: الآمدي - عن أحمدَ مِنْ جوازِ تقليدِ العالمِ للعالمِ مطلقًا، غيرُ معروفٍ عندنا، وإنَّما المشهورُ عنه الأخذ بقولِ الصحابي، لا تقليدًا له، بلْ بنوعِ استدلالٍ\" (^٣).\nويقولُ تقيُّ الدينِ بنُ تيمية: \"حَكَى بعضُهم هذا - أيْ: جواز تقليدِ العالمِ للعالمِ - عن أحمدَ، كما ذكره أبو إسحاقَ في: (اللمع).\nوهو غلطٌ على أحمدَ؛ فإنَّ أحمدَ إنَّما يقولُ هذا في أصحابه (^٤) فقط - على اختلافٍ عنه في ذلك - وأمَّا مِثْل مالكٍ والشافعي وسفيانَ، ومثل إسحاقَ بن راهويه وأبي عبيد، فقد نصَّ في غيرِ موضعٍ على أنَّه لا يجوزُ للعالمِ القادرِ على الاستدلالِ أنْ يقلِّدَهم\" (^٥).\nونسبَ بعضُ الأصوليين القولَ الثاني إلى جماعةٍ مِن الظاهريين! (^٦).\nوقد نَسَبَ الطوفيُّ في كتابِه: (مختصر الروضة) (^٧) القولَ الثاني إلى\n_________\n(^١) التمهيد في أصول الفقه (٤/ ٤٠٩ - ٤١٠).\n(^٢) نقل كلام الإمام أحمد أبو يعلى في: العدة (٤/ ١٢٢٩ - ١٢٣٠)، وأبو الخطاب في: التمهيد في أصول الفقه (٤/ ٤٠٨).\n(^٣) شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٣١).\n(^٤) هكذا في المطبوع من مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/ ٢٢٥): \"أصحابه\"، ولعل الصواب \"الصحابة\".\n(^٥) المصدر السابق (٢٠/ ٢٢٥ - ٢٢٦). وانظر: منهاج السنة النبوية (٢/ ٢٤٤).\n(^٦) انظر: السراج الوهاج للجاربردي (٢/ ١٠٨٨).\n(^٧) انظر: (٣/ ٦٢٩) مع شرحه.","vol":"1","page":361},{"text":"الظاهريةِ، ثمَّ قالَ في شرحِه: \"قلتُ هذا عن الظاهريةِ، لا أعلمُ الآن مِنْ أين نقلتُه في المختصر؟ ولم أرَه في: (الروضةِ)، ولا أحسبُه إلا وهمًا ممَّنْ نقلتُه عنه، أو في النسخةِ التي كان منها الاختصارُ؛ فإنَّ الظاهريةَ أشدُّ الناسِ في منعِ التقليدِ لغيرِ ظواهرِ الشرعِ\" (^١).\nالقول الثالث: يجوزُ للمجتهدِ أنْ يقلِّد مَنْ هو أعلمُ منه مطلقًا، ولا يجوزُ له أنْ يقلِّدَ مَنْ هو مثلُه، أو دونه في العلمِ.\nجَعَلَ أبو الحسين البصري هذا القولَ إحدى الروايتين عن الإمامِ أبي حنيفةَ (^٢). ونسبه أبو الحسين (^٣)، وأبو بكرِ الجصاص (^٤)، وأبو الوليدِ الباجي (^٥)، وأبو إسحاقَ الشيرازي (^٦) إلى محمد بن الحسن.\nوهذا القول روايةٌ عن ابنِ سريج (^٧).\nوقد قيّدَ أبو الحسينِ البصري (^٨)، والآمديُّ (^٩) قولَ ابنِ سريجٍ لجوازِ تقليدِ الأعلمِ بتعذرِ الاجتهادِ علي المجتهدِ.\nواختار هذا القولَ: أبو الحسنِ الكرخي (^١٠)، وابنُ رشدٍ (^١١).\nالقول الرابع: يجوزُ للمجتهدِ أنْ يقلِّدَ مجتهدًا آخر، إذا خافَ فوات وقتِ الحادثةِ.\nنَسَبَ أبو الوليدِ الباجي هذا القولَ إلى القاضي عبدِ الوهاب\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٣٠).\n(^٢) انظر: المعتمد (٢/ ٩٤٢).\n(^٣) انظر: المصدر السابق.\n(^٤) انظر: الفصول في الأصول (٤/ ٢٨٣).\n(^٥) انظر: إحكام الفصول (ص/ ٧٢١).\n(^٦) انظر: التبصرة (ص/ ٤٠٣)، وشرح اللمع (٢/ ١٠١٣).\n(^٧) انظر: التمهيد في أصول الفقه (٤/ ٤٠٩)، والتحبير (٨/ ٣٩٩٠).\n(^٨) انظر: المعتمد (٢/ ٩٤٢).\n(^٩) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ٢٠٤).\n(^١٠) انظر: الفصول في الأصول للجصاص (٤/ ٢٨٤)، والتقرير والتحبير (٣/ ٣٣٠).\n(^١١) انظر: الضروري في أصول الفقه (ص/ ١٤٤).","vol":"1","page":362},{"text":"المالكي (^١).\nونسبه إلى ابنِ سريجٍ جمعٌ من الأصوليين، منهم: القاضي أبو يعلى (^٢)، وأبو الوليد الباجي (^٣)، وأبو إسحاقَ الشيرازي (^٤)، وأبو الخطاب (^٥)، وأبو الوفاءِ بن عقيلٍ (^٦)، والفخرُ الرازي (^٧)، ومحيي الدين النووي (^٨)، وبدرُ الدين الزركشي (^٩).\nوقيَّد الرازيُّ والنوويُّ والزركشيُّ قولَ ابنِ سريجٍ بأنَّه يجوزُ للمجتهدِ أنْ يقلِّد مجتهدًا آخر مع ضيقِ الوقتِ فيما يخصُّه.\nالقول الخامس: يجوزُ للمجتهدِ أنْ يقلِّد غيرَه فيما يخصُّه ليعملَ به، ولا يجوزُ للمجتهدِ في إفتائه أن يقلِّد غيرَه.\nذكرَ هذا القولَ أبو إسحاقَ الشيرازيُّ (^١٠)، والفخرُ الرازي (^١١)، وشهابُ الدين القرافي (^١٢) ولم ينسبوه إلى أحدٍ.\nوحكاه ابنُ القاصِّ (^١٣)\n_________\n(^١) انظر: إحكام الفصول (ص / ٧٢١).\n(^٢) انظر: العدة (٤/ ١٢٣١).\n(^٣) انظر: إحكام الفصول (ص/ ٧٢١).\n(^٤) انظر: التبصرة (ص/ ٤١٢)، وشرح اللمع (٢/ ١٠١٢).\n(^٥) انظر: التمهيد في أصول الفقه (٤/ ٤٠٩).\n(^٦) انظر: الواضح في أصول الفقه (٥/ ٢٤٤).\n(^٧) انظر: المحصول في علم أصول الفقه (٦/ ٨٤).\n(^٨) انظر: روضة الطالبين (١١/ ١٠٠).\n(^٩) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٨٧).\n(^١٠) انظر: شرح اللمع (٢/ ١٠١٣).\n(^١١) انظر: المحصول في علم أصول الفقه (٦/ ٨٤).\n(^١٢) انظر: شرح تنقيح الفصول (ص/ ٤٤٣).\n(^١٣) هو: أحمد بن أبي أحمد الطبري ثم البغدادي، أبو العباس، كان إمام الشافعية في وقته، فقيهًا أصوليًا، زاهدًا ورعًا، تتلمذ لأبي العباس بن سريج، وقد أخذ أهل طبرستان الفقه عنه، من مؤلفاته: أدب القاضي، والتلخيص في الفقه، والمفتاح، ودلائل القبلة، توفي مرابطًا بطرسوس سنة ٣٣٥ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ١٠٧)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (١/ ٨٦)، وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٣٧١)، والوافي بالوفيات للصفدي =","vol":"1","page":363},{"text":"عن ابنِ سريجٍ (^١). ونَسَبَه الآمديُّ (^٢)، والطوفيُّ (^٣)، وجمالُ الدِّينِ الإسنويُّ (^٤) إلى بعضِ أهلِ العراقِ. ونَسَبَه أمير باد شاه إلى أهلِ العراقِ (^٥).\nالقول السادس: يجوزُ للمجتهدِ أنْ يقلِّدَ مجتهدًا آخر، إذا عَجَزَ عن الاجتهادِ.\nوهذا قولُ تقيّ الدينِ بن تيمية (^٦)، ومثّل للعجزِ عن الاجتهادِ بتكافؤِ الأدلةِ، وضيقِ الوقتِ عن الاجتهادِ، وعدمِ ظهورِ دليلٍ للمجتهدِ (^٧).\n• أدلة الأقوال:\nأدلةُ أصحاب القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ (القائلون بمنع المجتهد من تَقليد غيره مطلقًا) بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: عمومُ الأدلةِ الدالةِ على المنعِ مِن التقليدِ في أصلِه، وعمومُ الأدلةِ الموجبةِ للنظرِ في الأدلةِ (^٨)، والمجتهدُ داخلٌ تحتَ عمومِها دخولًا أوليًا.\nالدليل الثاني: قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (^٩).\nوجه الدلالة: أنَّ الله تعالى أَمَرَ بردِّ المتنازَعِ فيه إليه وإلى رسولِه - ﷺ -،\n_________\n= (٦/ ٢٢٧)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٣/ ٥٩)، وطبقات الشافعية للإسنوي (٢/ ٢٩٧)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ١٠٦).\n(^١) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٨٦ - ٢٨٧).\n(^٢) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ٢٠٤).\n(^٣) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٣٠).\n(^٤) انظر: نهاية السول (٤/ ٥٨٩).\n(^٥) انظر: تيسير التحرير (٤/ ٢٢٨).\n(^٦) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإِسلام (٢٠/ ٢٥٤).\n(^٧) انظر: المصدر السابق.\n(^٨) انظر: التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٠).\n(^٩) انظر: من الآية (٥٩) من سورة النساء.","vol":"1","page":364},{"text":"ويكون الردُّ بالرجوعِ إلى الكتابِ والسنةِ، وأخذُ المجتهدِ قولَ مجتهدٍ آخر تقليدًا له ليس واحدًا ممَّا ذُكِرَ في الآيةِ (^١).\nمناقشة وجه الدلالة: أنَّ المجتهدَ إذا قلَّدَ مجتهدًا آخر، فقد ردَّ الحكمَ إلى الله تعالى وإلى رسولِه - ﷺ -؛ لأنَّ المجتهدَ المقلَّدَ عالمٌ بطرقِ الاجتهادِ، ولا يفتي إلا بحكمِ الله تعالى (^٢).\nالجواب عن المناقشة: أنَّ المجتهدَ مأمورٌ باتباعِ الكتابِ والسنةِ، وبالردِّ إليهما، فإذا تَرَكَ ذلك، وقلَّدَ مجتهدًا آخر، فقد تَرَكَ ما أُمر به مِن اتباعِ الكتابِ والسنةِ، وعَمِل بغيرِهما (^٣).\nالدليل الثالث: قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (^٤).\nوجه الدلالة: أنَّ المجتهدَ مأمورٌ بالاعتبارِ، فإذا قلَّد غيرَه لم يأتِ بالاعتبارِ المأمورِ به في الآيةِ، فيكون تاركًا للمأمورِ (^٥).\nمناقشة وجه الدلالة: يلزمُ مِن استدلالكم بالآيةِ الكريمةِ أمرُ العامي بالاجتهادِ، ومنعُه مِن التقليدِ، وأنتم لا تقولون بهذا (^٦).\nالجواب عن المناقشة: خَرَجَ العاميُّ مِنْ عموم الأمرِ في الآيةِ؛ لعجزِه عن الاجتهادِ؛ فيبقى عمومُ الأمرِ في حقِّ المجتهدِ (^٧).\n_________\n(^١) انظر: مقدمة في أصول الفقه لابن القصار (ص/ ١٤٢)، والعدة (٤/ ١٢٣١)، والتبصرة (ص/ ٤٠٤)، وشرح اللمع (٢/ ١٠١٥)، والتبصرة (٤/ ٤١٠)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ٢٤٥).\n(^٢) انظر: التبصرة (ص/ ٤٠٤)، وشرح اللمع (٢/ ١٠١٥)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٠)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ٢٤٥).\n(^٣) انظر: المصادر السابقة.\n(^٤) من الآية (٩) من سورة الحشر.\n(^٥) انظر: المحصول في علم أصول الفقه للرازى (٦/ ٨٤)، والإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٩٥٥).\n(^٦) انظر: المصدرين السابقين.\n(^٧) انظر: المصدرين السابقين.","vol":"1","page":365},{"text":"الدليل الرابع: قال الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (^١).\nوجه الدلالة: أنَّ اللهَ أَمَرَ بردِّ ما اخْتُلِفَ فيه إليه سبحانه، وهذا يدلُّ على أنَّ المجتهدَ لا يقلِّدُ غيرَه مِن المجتهدين؛ لأنَّ في التقليدِ في هذه الحالةِ تركًا لحكمِ الله تعالى (^٢).\nالدليل الخامس: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (^٣).\nوجه الدلالة: أنَّ المجتهدَ إذا قلَّدَ غيرَه فقد أَخَذَ بما لا علمَ له به، وهذا ما نهى اللهُ عنه في الآيةِ الكريمةِ (^٤).\nالدليل السادس: حديثُ معاذٍ (^٥) - ﵁ - حين بعثه النبيُّ - ﷺ - إلى اليمنِ، فقال له - ﷺ -: (كيف تقضي إذا عَرَضَ لك قضاءٌ؟). فقال: أقضي بما في كتاب الله. قال - ﷺ -: (فإنْ لم يكنْ في كتابِ الله؟). قال: فبسنةُ رسولِ الله - ﷺ -: (فإنْ لم يكن في سنةِ رسولِ الله؟). قال: أجتهدُ رأيي، ولا آلو (^٦).\n_________\n(^١) من الآية (١٠) من سورة الشورى.\n(^٢) انظر: العدة (٤/ ١٢٣١)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٠)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٠٩).\n(^٣) من الآية (٣٦) من سورة الإسراء.\n(^٤) انظر: التبصرة (ص/ ٤٠٤)، وشرح اللمع (٢/ ١٠١٦)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٠)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ٢٤٥).\n(^٥) هو: معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الرحمن المدني، شهد بدرًا، وما بعدها من المشاهد، كان من أعلم الصحابة بالحلال والحرام، وأحد السبعين الذين شهدوا بيعة العقبة، بعثه النبي - صلي الله عليه وسلم - إلى اليمن قاضيًا ومعلمًا، ولم يرجع إلا في خلافة أبي بكر - ﵁ -، قال عنه عمر بن الخطاب - ﵁ -: (من أراد الفقه فليأتِ معاذ بن جبل)، توفي - ﵁ - بالشام سنة ١٨ هـ وقيل: سنة ١٧ هـ. انظر ترجمته في: الاستيعاب لابن عبد البر (ص/ ٦٥٠)، وتهذيب الكمال للمزي (٢٨/ ١٠٥)، وسير أعلام النبلاء (١/ ٤٤٣)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (١/ ١٩)، والإصابة لابن حجر (٣/ ٤٢٦).\n(^٦) معنى قوله: \"لا آلو\" أي: لا أقصّر في الاجتهاد، ولا أترك بلوغ الوسع فيه. انظر: معالم السنن للخطابي (٥/ ٢١٢)، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ٣٦ - ٣٧).","vol":"1","page":366},{"text":"فقال - ﷺ -: (الحمدُ لله الذي وفّقَ رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسولَ الله) (^١).\n_________\n(^١) جاء هذا الحديث من طريق الحارث بن عمرو عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ عن معاذ - ﵁ -، وأخرجه: أبو داود في: سننه، كتاب: الأقضية، باب: اجتهاد الرأي في القضاء (ص/ ٥٤٤)، برقم (٣٥٩٣)؛ والترمذي في: جامعه، كتاب: الأحكام عن رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، باب: ما جاء في القاضي كيف يقضي؟ (ص / ٣١٤)، برقم (١٣٢٨)، وقال: \"وليس إسناده عندي بمتصل\". وعلَّق ابن حجر في: النكت الظراف (٨/ ٤٢١ - ٤٢٢) على قول الترمذي، فقال: \"أراد بنفي الاتصال المشي على اصطلاح من يرى أنَّ الإسناد إذا كان فيه مبهمٌ - لم يسم - يكون منقطعًا، وإلا فالجمهور على أنه متصل، في سندِه مبهمٌ\".\nوأخرجه أيضًا: عبد بن حميد في: المنتخب (١/ ١٥١)، برقم (١٢٤)؛ والطيالسي في: المسند (١/ ٤٥٤)، برقم (٥٦٠)؛ وابن سعد في: طبقات الكبرى (٢/ ٣٤٧)؛ وأحمد في: المسند (٣٦/ ٣٣٣)، برقم (٢٢٠٠٧)، و(٣٦/ ٤١٦)، برقم (٢٢١٠٠)؛ والدارمي في: سننه، في: المقدمة، باب: الفتيا وما فيه من الشرط (١/ ٢٦٧) برقم (١٧٠)؛ والعقيلي في: الضعفاء (١/ ٥٥٤)؛ والطبراني في: المعجم الكبير (٢٠/ ١٧٠)، برقم (٣٦٢)؛ وابن حزم في: الإحكام في أصول الأحكام (٦/ ٢٦، ٣٥)، و(٧/ ١١١)، وقال في: (٧/ ١١٢): \"هذا حديثٌ ساقطٌ\". والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: آداب القاضي، باب: ما يقضي به القاضي ويفتي به المفتي (١٠/ ١١٤)؛ وفي: معرفة السنن والآثار، باب: الاجتهاد (١/ ١٧٣)، برقم (٢٩١)؛ والخطيب البغدادي في: الفقيه والمتفقه (١/ ٣٩٧) برقم (٤١٣)؛ وابن عبد البر في: جامع بيان العلم (٢/ ٨٤٥) برقم (١٥٩٣)؛ وابن الجوزي في: العلل المتناهية، كتاب: الأحكام والقضايا، باب: حديث في كيفية الحكم والقضاء (٢/ ٢٧٢)، برقم (١٢٦٤)، وقال في: (٢/ ٢٧٣): \"هذا حديث لا يصح، وإن كان الفقهاء كلهم يذكرونه في كتبهم، ويعتمدون عليه، ولعمري إن كان معاه صحيحًا، وإنما ثبوته لا يعرف؛ لأنَّ الحارث بن عمرو، مجهولٌ، وأصحاب معاذ من أهل حمص لا يعرفون، وما هذا طريقه، فلا وجه له\". والمزي في: تهذيب الكمال (٥/ ٢٦٦).\nوجاء الحديث مرسلًا عن أصحاب معاذ - ﵁ - عن النبي - صلي الله عليه وسلم -، وأخرجه: أبو داود في: سننه، كتاب: الأقضية، باب: اجتهاد الرأي في القضاء (ص/ ٥٤٤)، برقم (٣٥٩٢)؛ والترمذي في: جامعه، كتاب: الأحكام عن رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، ياب: ما جاء في القاضي كيف يقضي؟ (ص/ ٣١٣)، برقم (١٣٢٧)؛ وأحمد في: المسند (٣٦/ ٣٨٢)، برقم (٢٢٠٦١)؛ والعقيلي في: الضعفاء (١/ ٥٥٦).\nواختلف العلماء في تصحيح الحديث وتضعيفه:\nفأكثر المحدثين على تضعيفه، وممن ضعفه: البخاري في: التاريخ الكبير (٢/ ٢٧٧)، والترمذي - كما تقدم - والدارقطني في: العلل (٦/ ٨٩)، وعبد الحق الإشبيلي في: الأحكام الوسطى (٣/ ٣٤٢)، وابن الملقن في: البدر المنير (٩/ ٥٣٤) ط: هجر، وابن حجر في: التلخيص الحبير (٦/ ٣١٦٣)، والألباني في: سلسلة الأحاديث الضعيفة (٢/ ٢٧٣). =","vol":"1","page":367},{"text":"وجه الدلالة: أنَّ النبيَّ - ﷺ - لم يذكرْ لمعاذٍ - ﵁ - تقليدَ غيرِه مِن المجتهدين (^١).\nيمكن أن يناقش الدليل السادس: بأنَّ في الحديثِ ضعفًا، فلا تقومُ به الحجةُ.\nالدليل السابع: قولُ النبي - صلي الله عليه وسلم -: (اجتهدوا، فكلٌّ ميسرٌ لما خُلِقَ له) (^٢).\nوجه الدلالة: أنَّ قوله - ﷺ -: (اجتهدوا) أمرٌ، والأمرُ للوجوبِ، ويلزمُ\n_________\n= ويقول الجوزقاني في: الأباطيل والمناكير (١/ ١٠٦): \"أعلم أنني تفحصت عن هذا الحديث في: المسانيد الكبار والصغار، وسألتُ مَنْ لقيته من أهل العلم بالنقل عنه، فلم أجد له طريقًا غبر هذا، والحارث بن عمرو هذا مجهول، وأصحاب معاذ من أهل حمص لا يعرفون، وبمثل هذا الإسناد لا يعتمد عليه في أصل من أصول الشريعة\".\nوانظر: التلخيص الحبير لابن حجر (٦/ ٣١٦٤).\nوقال ابن الملقن في: البدر المنير (٩/ ٥٣٤): \"هذا الحديث كثيرًا ما يتكرر في كتب الفقهاء والأصول والمحدثين، ويعتمدون عليه، وهو حديث ضعيف بإجماع أهل النقل، فيما أعلم\".\nوذهب بعضُ العلماء إلى تصحيح الحديث أو تحسينه، منهم: ابن العربي في: عارضة الأحوذي (٦/ ٧٢ - ٧٣)، والذهبي في: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٧٢)، وابن كثير في: تفسيره (١/ ٧)، وابن القيم في: إعلام الموقعين (٢/ ٣٤٤)، والشوكاني في: فتح القدير (٣/ ٢٢٧).\nيقول الخطيب البغدادي في: الفقيه والمتفقه (١/ ٤٧٢): \"فإن اعترض المخالف بأنْ قال: لا يصح هذا الخبر؛ لأنه يروى عن أناس من أهل حمص لم يُسموا، فهم مجاهيل، فالجواب: أن قول الحارث بن عمرو: \"عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ\" يدل على شهرة الحديث، وكثرة رواته، وقد عرف فضل معاذ وزهده، والظاهر من حال أصحابه الدينُ والثقةُ والزهدُ والصلاحُ\".\nويقول ابن عبد البر في: جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٨٩٤): \"حديث معاذ صحيح مشهور، رواه الأئمة العدول\".\nويقول تقي الدين بن تيمية في: مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٦٤): \"وهذا الحديث في المسانيد والسنن بإسناد جيد\".\nونقل الزركشيُّ في: المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج (ص/ ٦٦ - ٦٩) كلام بعض العلماء في تصحيح الحديث.\n(^١) انظر: الفصول في الأصول للجصاص (٤/ ٢٨٥).\n(^٢) لم أقف على هذا الحديث بهذا اللفظ، والذي وجدته:\nأولًا: حديث علي بن أبي طالب - ﵁ -، ولفظه: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، وأخرجه: =","vol":"1","page":368},{"text":"مِنْ تقليدِ المجتهدِ لمجتهدِ آخر ترك الاجتهادِ المأمورِ به في الحديثِ (^١).\nمناقشة الدليل السابع: نوقش الدليل من وجهين:\nالوجه الأول: عدمُ ثبوتِ الحديثِ بلفظِ: (اجتهدوا فكلٌّ ميسر ...).\nالوجه الثاني: لو صحتْ روايةُ: (اجتهدوا)، لَمَا صحَّ حملُها على خصوصِ الاجتهادِ في استنباطِ الأحكامِ مِن الأدلةِ؛ فإنَّه اصطلاحٌ حادثٌ (^٢).\nالدليل الثامن: لو جازَ للمجتهدِ تقليدُ غيرِه مِن المجتهدين، لجازَ للصحابةِ - ﵃ - تقليدُ بعضِهم بعضًا، ولو جازَ ذلك لما كان لمناظراتهم فائدةٌ، ولم يُنقلْ عن أحدٍ منهم أنَّه قلَّدَ غيرَه، وهذا إجماعٌ منهم (^٣).\nمناقشة الدليل الثامن: نوقش الدليل من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: أنَّ سببَ مناظرةِ الصحابةِ - ﵃ - بعضهم لبعضِ؛ كونُ العملِ على الاجتهادِ أولى مِن التقليدِ، ولأنَّ للاطلاعِ على المأخذِ؛ بسببِ المناظرةِ تقويةً للظنّ بالحكمِ (^٤).\n_________\n= البخاري في: صحيحه، كتاب: التفسير، باب: فسنيسره للعسرى (ص/ ٩٨١)، برقم (٤٩٤٩)؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: القدر، باب: كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه، وكتابة رزقه وأجله ... (٢/ ١٢٢٢)، برقم (٢٦٤٧).\nثانيًا: حديث عمران بن حصين - ﵁ -، ولفظه: (كلٌّ يعمل لما خلق له)، وأخرجه: البخاري في: صحيحه، كتاب: القدر، باب: جف القلم على علم الله (ص/ ١٢٦١)، برقم (٦٥٩٦)، واللفظ له؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: القدر، باب: كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه، ومتابة رزقه وأجله ... (٢/ ١٢٢٢)، برقم (٢٦٤٩).\n(^١) انظر: التبصرة (ص/ ٤٠٤)، وشرح اللمع (٢/ ١٠١٦)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٠)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ٢٤٥)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٧٩)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٠٩).\n(^٢) انظر: تعليق الشيخ عبد الرزاق عفيفي على: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٠٩).\n(^٣) انظر: المعتمد (٢/ ٩٤٣)، وقواطع الأدلة (٥/ ١٠٤)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١١)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٠٥)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٩١٣).\n(^٤) انظر: المعتمد (٢/ ٩٤٣)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١١)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٩١٣).","vol":"1","page":369},{"text":"الجوب عن الوجه الأول: أنَّ الدليلَ الذي دلَّ على أنَّ الاجتهادَ أولى مِن التقليدِ، هو الذي مَنَعَ مِن التقليدِ (^١).\nالوجه الثاني: أنَّ الوثوقَ باجتهادِ الصحابي؛ لمشاهدتِه الوحي والتنزيل، ومعرفتِه التأويل، والاطلاع على أحوالِ النبي - صلي الله عليه وسلم -، وزيادة اختصاصه بالتّشددِ في البحثِ عنْ قواعدِ الدين، وعدمُ تسامحهم فيها أشدُّ مِن غيرِهم، وعلى هذا، فلا يلزمُ مِنْ جوازِ تقليدِ غيرِ الصحابي للصحابي تقليدُ الصحابي للصحابي (^٢)، وتقليدُ غيرِ الصحابي لغيرِ الصحابي.\nالوجه الثالث: لم ينقلْ عن بعضِ الصحابةِ، كطلحةَ (^٣) والزبيرِ بنِ العوام (^٤) وعبدِ الرحمن بنِ عوفٍ (^٥)، وهم مِنْ أهلِ الشورى، نظرٌ في\n_________\n(^١) انظر: التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١١).\n(^٢) انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦).\n(^٣) هو: طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة القرشي التيمي، أبو محمد، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد السابقين إلى الإِسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر - ﵁ -، وقد أوذي في الله وصبر، ولما قدم المدينة آخى رسولُ الله - ﷺ - بينه وبين كعب بن مالك، لم يشهد طلحة غزوة بدر؛ لأنه كان بالشام في تجارة، وقد أسهم له رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بسهمٍ، وشهد أحدًا وما بعدها، وقد أبلى في غزوة أحدٍ بلاءً حسنًا، ووقى رسولَ الله - ﷺ - بنفسه، واتقى النُّبل عنه بيده حتى شلت يده، وهو أحد الستة الذين جعل عمر بن الخطاب فيهم الشورى، قتل - ﵁ - وهو ابن ستين سنة، وقيل: ابن اثنتين وستين سنة، يوم الجمل سنة ٣٦ هـ. انظر ترجمته في: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٤/ ٤٧١)، وحلية الأولياء لأبي نعيم (١/ ٨٧)، والاستيعاب لابن عبد البر (ص/ ٣٥٩)، وتهذيب الكمال للمزي (١٣/ ٤١٢) وسير أعلام النبلاء (١/ ٢٣)، والإصابة لابن حجر (٣/ ٥٢٩).\n(^٤) هو: الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى القرشي، أبو عبد الله المدني، صاحب رسول الله - صلي الله عليه وسلم - وحواريه، وابن عمته صفية، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، أسلم وهو ابن ست عشرة سنة، شهد بدرًا والمشاهد مع رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، ولم يتخلف عن غزواته - ﷺ -، قتل يوم الجمل سنة ٣٦ هـ. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٣/ ١٠٠)، وحلية الأولياء لأبي نعيم (١/ ٨٩)، والاستيعاب لابن عبد البر (ص/ ٢٦١)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٢٥٥)، وتهذيب الكمال للمزي (٩/ ٣١٩)، وسير أعلام النبلاء (١/ ٤١)، والإصابة لابن حجر (٢/ ٥٥٣).\n(^٥) هو: عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف، أبو محمد القرشي الزهري - ﵁ -، ولد بعد عام =","vol":"1","page":370},{"text":"الأحكامِ، مع ظهورِ الخلافِ، والظاهرُ أنَّهم أخذوا بقولِ غيرِهم تقليدًا، فلا تستقيمُ لكم دعوى الإجماعِ (^١).\nالجواب عن الوجه الثالث: أنَّ تركَ بعضِ الصحابةِ - ﵃ - للفتيا، بسببِ اكتفائهم بغيرِهم في الفتوى، أمَّا عملهم في حقّ أنفسِهم فكان على سبيلِ الاجتهادِ (^٢).\nالدليل التاسع: أنَّ المجتهدَ متمكنٌ مِن الاجتهادِ؛ لتكاملِ الآلةِ له، فلم يجزْ مع تمكنِه مِن العملِ باجتهادِه أنْ يصيرَ إلى قولِ غيرِه تقليدًا، كما لم يجزْ له أنْ يصيرَ إلى قولِ غيرِه في العقلياتِ؛ لتمكنِه مِن النظرِ والاستدلالِ (^٣).\nمناقشة الدليل التاسع: نوقش الدليل من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: أنَّا لا نُسلّمُ إلحاقَ المسائل الاجتهادية بالعقلياتِ؛ لأنَّ المطلوبَ في العقلياتِ العلمُ، والعلمُ لا يحصلُ بالتقليدِ، والمطلوبُ في المسائلِ الاجتهاديةِ العملُ التابعُ للظنِّ؛ وقد يحصلُ الظنُّ بتقليدِ المجتهدِ (^٤).\n_________\n= الفيل بعشر سنوات، صاحب رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، ومن السابقين إلى الإِسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أهل الشورى، هاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، وصلى النبي - صلي الله عليه وسلم - وراءه في سفره، كان اسمه عبد عمرو فغيّره النبي - صلي الله عليه وسلم - إلى عبد الرحمن، توفي - ﵁ - سنة ٣٢ هـ ودفن بالبقيع، وصلى عليه عثمان بن عفان - ﵁ -. انظر ترجمته في: التاريخ الكبير للبخاري (٥/ ٢٤٠)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٥/ ٢٤٧)، والاستيعاب لابن عبد البر (ص/ ٤٤٢)، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي (١/ ٣٠)، وتهذيب الكمال للمزي (١٧/ ٣٢٤)، وسير أعلام النبلاء (١/ ٦٨)، والإصابة لابن حجر (٥/ ٣٤٦).\n(^١) انظر: المستصفى (٢/ ٤٦٠)، وروضة الناظر (٣/ ١٠١١).\n(^٢) انظر: المصدرين السابقين.\n(^٣) انظر: المعتمد (٢/ ٩٤٣ - ٩٤٤)، والعدة (٤/ ١٢٣٢)، والتبصرة (ص / ٤٠٤)، وشرح اللمع (٢/ ١٠١٦)، وقواطع الأدلة (٥/ ١٦٨)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١١)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٨٥)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٠٤).\n(^٤) انظر: المعتمد (٢/ ٩٤٤)، والعدة (٤/ ١٢٣٢)، والتبصرة (ص / ٤٠٤)، وشرح اللمع (٢/ ١٠١٦)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١١)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٨٥).","vol":"1","page":371},{"text":"الجواب عن الوجه الأول: أنَّا أوجبنا على المكلَّفِ تحصيلَ العلم في العقلياتِ؛ لأنَّه قادرٌ عليه، والدليلُ حاضرٌ؛ وهذا المعنى حاصلٌ في مسألتِنا؛ لأنَّ المجتهدَ قادرٌ، والدليلُ المعيِّنُ للظنِّ حاصلٌ، فَوَجَبَ تحصيلُه (^١).\nالوجه الثاني: ما ذكرتموه في دليلِكم منقوضٌ بقضاءِ القاضي على المجتهدِ، فإنَّه لا يجوزُ خلافُ ما قضى به القاضي، وإنْ كانَ المجتهدُ قد يرى خلافَه (^٢).\nالجواب عن الوجه الثاني: أنَّ قبولَ المجتهدِ لحُكمِ الحاكمِ - وإنْ كانَ يرى خلافَ ما قضَى به - ليس بتقليدٍ؛ فإنَّ التقليدَ ما يلزمُ قبولُه واعتقادُه، ولا يجبُ على المجتهدِ أنْ يقبلَ ما حَكَمَ به الحاكمُ، ولا أنْ يعتقدَ صحتَه، وإنَّما تلزمُه طاعتُه فيما ألزمه بالحكم، وذلك ليس بتقليدٍ (^٣).\nالوجه الثالث: أنَّ ما ذكرتموه في دليلِكم منقوضٌ بمَنْ دنا مِن النبي - صلي الله عليه وسلم -، فإنَّه متمكنٌ مِن الوصولِ إلى الحكمِ بالأخذِ مِن النبي - صلي الله عليه وسلم -، مع أنَّه يجوزُ له أنْ يسألَ مَنْ أخبرَ عن رسولِ الله - ﷺ - (^٤).\nالجواب عن الوجه الثالث، أجيب عنه من وجهين:\nالوجه الأول: لا نُسلِّمُ جوازَ الاكتفاءِ بسؤالِ غيرِ النبي - صلي الله عليه وسلم - عند القدرةِ على سؤالِه - ﷺ - (^٥).\nالوجه الثاني: على فرضِ التسلمِ لكم، فإنَّ ما ذكرتموه عدولٌ عن\n_________\n(^١) انظر: المحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٨٥).\n(^٢) انظر: التبصرة (ص/ ٤٠٥)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٨٥).\n(^٣) انظر: المصدرين السابقين، وشرح اللمع (٢/ ١٠١٦).\n(^٤) انظر: المصادر السابقة.\n(^٥) انظر: المحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٨٦).","vol":"1","page":372},{"text":"طريقٍ إلى طريقٍ، وذلك جائزٌ؛ لأنَّ في الحالين جميعًا أخذًا لحكمِ النبي - صلي الله عليه وسلم -، ونظيرُه في مسألتنا: أنْ يقفَ المجتهدُ على دليلٍ يقتضي حكمًا، ثم يظهرُ له طريقٌ آخر يقتضي الحكمَ نفسَه، فيجوزُ والحالُ هذه أنْ يعدلَ عن الأولِ إلى الثاني؛ لأنَّ الحكمَ في الحالين واحدٌ، وإنَّما اختلفَ الطريقانِ؛ بخلافِ مسألتِنا، فإنَّ المقتضي للحكمِ هو اجتهادُ المجتهدِ، وقد تَرَكَه إلى اجتهادٍ يقتضي حكمًا آخر، ونظيرُه - من مناقشتكم - أنْ يتركَ المجتهدُ نصًّا عن رسولِ الله - ﷺ - إلى حكمٍ يخالفُه (^١).\nالدليل العاشر: لو أدَّى اجتهادُ المجتهدِ إلى خلافِ قولِ مَنْ هو أعلمُ منه، لما جازَ للمجتهدِ تركُ رأيه، والأخذُ بقولِ الأعلمِ، فَوَجَبَ أنْ لا يجوز له الأخذُ بقولِ غيرِه مِن المجتهدين، وإنْ لم يجتهدْ؛ لأنَّه لا يأمن أنْ لو اجتهدَ أنْ يؤديه اجتهادُه إلى خلافِ ذلك القولِ (^٢).\nمناقشة الدليل العاشر: نوقش الدليل من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: أنَّه لا يمتنعُ أنْ تكونَ مصلحةُ المجتهدِ إذا اجتهدَ العملَ على ما يؤديه إليه اجتهادُه، وتكون مصلحةُ المجتهدِ إنْ لم يجتهدْ الأخذ بما يختارُه مِن أقاويل السلفِ (^٣).\nالوجه الثاني: أنَّ ثمة فرقًا بين حالِ ما إذا اجتهدَ المجتهدُ، ثمَّ توصّلَ إلى رأي محددٍ، وحالِ ما إذا لم ينظرْ في المسألةِ أصلًا؛ لأنَّ وثوقَ المجتهدِ برأيه واجتهادِه أتمُّ مِنْ وثوقِه بما يقلِّدُ فيه غيرَه؛ لأنَّه مع مساواة اجتهادِه لاجتهادِ غيرِه، يحتملُ أنْ لا يكونَ غيرُه صادقًا فيما أخبرَ به عن اجتهادِه، والمجتهدُ لا يكابرُ نفسَه فيما أدَّى إليه اجتهادُه، وقبل أنْ يجتهدَ لم يحصلْ له الوثوقُ بحكمٍ ما، فلا يلزمُ مِن امتناعِ التقليدِ مع الاجتهادِ\n_________\n(^١) انظر: التبصرة (ص/ ٤٠٥)، وشرح اللمع (٢/ ١٠١٧).\n(^٢) انظر: المعتمد (٢/ ٩٤٤)، والعدة (٤/ ١٢٣٢)، وقواطع الأدلة (٥/ ١٦٨)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٢)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٠٥).\n(^٣) انظر: المعتمد (٢/ ٩٤٤).","vol":"1","page":373},{"text":"امتناعُه مع عدمِه (^١).\nيقولُ صفيُّ الدينِ الهندي: \"الفرقُ ظاهرٌ - أيْ: بين الحالِ التي توصّلَ المجتهدُ فيها إلى رأي، والحالِ التي لم يجتهدْ فيها - وهو: أنَّ بعدَ الاجتهادِ حَصَلَ له الظنُّ القوي بالحكمِ، فلا يجوزُ له العدولُ عنه إلى الظنِّ الضعيفِ، بخلافِ ما قبلَ الاجتهادِ؛ فإنّه لم يحصلْ له هذا الظنُّ، وانْ كانت القدرة عليه حاصلةً\" (^٢).\nالوجه الثالث: يلزم مِنْ دليلِكم عدمُ جوازِ التقليدِ للعامي؛ فإنَّه لا يأمن لو تفقّه أنْ يؤديه اجتهادُه إلى خلافِ ما أفتاه به العالمُ، مع أنَّ العاميَّ يجوزُ له التقليدُ في هذه الحالةِ (^٣).\nالجواب عن الوجه الثالث: أنَّ ثمة فرقًا بين المجتهدِ والعامي؛ فالعاميُّ ليس معه آلةُ الاجتهادِ أصلًا، ولو أرادَ أنْ يتعلمَ علومَ الاجتهادِ لخَرَجَ وقتُ الحادثةِ، وانقطع عن مصالحِ دنياه، ثم بعد ذلك رُبَّما وصلَ إلى رتبةِ الاجتهادِ، ورُبَّما لم يصلْ، بخلافِ المجتهدِ (^٤).\nالدليل الحادي عشر: لا يجوزُ للمجتهدِ بعد اجتهادِه وتوصّلِه إلى رأي محددٍ أنْ يقلِّدَ أحدًا، فكذلك لا يجوزُ له التقليدُ قبلَ الاجتهادِ؛ لوجودِ الجامعِ بين الحالين، وهو الاتصافُ بالاجتهادِ (^٥).\nمناقشة الدليل الحادي عشر: نوقش الدليل بالوجهِ الثاني في مناقشةِ الدليلِ العاشرِ.\nالدليل الثاني عشر: أنَّ المجتهدَ في القِبلةِ لا يقلِّدُ غيرَه في تحديدِها؛\n_________\n(^١) انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٤٠٥).\n(^٢) نهاية الوصول (٨/ ٣٩١٣).\n(^٣) انظر: المعتمد (٢/ ٩٤٤)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٢).\n(^٤) انظر: التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٢).\n(^٥) انظر: تيسير التحرير (٤/ ٢٢٩)، وفواتح الرحموت (٢/ ٣٩٣).","vol":"1","page":374},{"text":"لأنَّه عالمٌ بأدلتِها، فكذلك المجتهدُ في الشرعِ، لا يجوزُ له التقليدُ في الفروعِ؛ لأنَّه عالمٌ بأدلتِها (^١).\nالدليل الثالث عشر: أنَّ المجتهدَ يتمكنُ مِن الوقوفِ على الحكمِ باجتهادِه، فلم يجزْ له العدولُ عن الوقوفِ على الحُكمِ باجتهادِه إلى ما هو أنقص منه، كما لا يجوزُ للمتمكنِ مِن العلمِ العدولُ إلى الظنِّ (^٢).\nمناقشة الدليل الثالث عشر: نوقش هذا الدليل من وجهين:\nالوجه الأول: أنَّ العقلَ لا يمنعُ مِنْ أنْ تكونَ مصلحةُ المتمكِّنِ مِن العلمِ العملَ على ظنِّه، فالأصلُ في قياسِكم غيرُ مسلَّمٍ (^٣).\nويمكن الجواب عن الوجه الأول: بأنَّ المستقرَّ في العقلِ أنَّ اتباعَ الإنسانِ الطريقَ الموثوقَ به أرجحُ ممَّا هو أقلُّ وثوقًا.\nالوجه الثاني: يلزمُ مِنْ دليلِكم عدمُ جوازِ التقليدِ للعامي إذا تمكّنَ مِن التفقه (^٤).\nويجاب عن الوجه الثاني: بالجواب المتقدمِ عن المناقشةِ الثالثةِ في الدليلِ العاشرِ.\nالدليل الرابع عشر: أنَّ المجتهدَ متعبَّدٌ باجتهادِه وبعملِه بما توصّل إليه؛ لأنَّه بذلك يكونُ مطيعًا لله تعالى؛ لأنَّ اللهَ تعالى أرادَ مِن المجتهدين أنْ يجتهدوا في أدلةِ الشرعِ، وليس بعضُ المجتهدين أولى بذلك مِنْ بعضٍ، ولا يصحُّ إثباتُ بَدَلٍ لما أرادَه اللهُ مِن المجتهدين إلا لدلالةٍ سمعيةٍ أو عقليةٍ، ولا دليلَ يدلُّ عليها، فَوَجَبَ نفيُه (^٥).\n_________\n(^١) انظر: أدب القاضي للماوردي (١/ ٦٤٨)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٣).\n(^٢) انظر: المعتمد (٢/ ٩٤٥)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٢).\n(^٣) انظر: المعتمد (٢/ ٩٤٥).\n(^٤) انظر: المصدر السابق.\n(^٥) انظر: المعتمد (٢/ ٩٤٥)، وقواطع الأدلة (٢/ ١٦٩)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٢).","vol":"1","page":375},{"text":"الدليل الخامس عشر: لو جازَ للمجتهدِ تقليدُ غيرِه مِن المجتهدين، لوَجَبَ أنْ لا يجوزَ له العملُ على اجتهادِه؛ لأنَّ الحادثةَ إذا اشتبهتْ بعلتين، وكان شبهُها بأحدِ الأصلين أقوى، لم يجزْ ردّها إلى الأصلِ الآخر (^١).\nالدليل السادس عشر: القولُ بجوازِ التقليدِ للمجتهدِ حكمٌ شرعي، ولا بُدَّ له مِنْ دليلٍ، والأصلُ عدمُ ذلك الدليل، فمَن ادَّعاه احتاجَ إلى بيانِه (^٢).\nمناقشة الدليل السادس عشر: يُعارضُ دليلكم بأنَّ عدمَ جوازِ تقليدِ المجتهدِ حكمٌ شرعيٌ، فلا بُدَّ له مِنْ دليلٍ، والأصلُ عدمُه (^٣).\nالجواب عن المناقشة: أنَّ عدمَ الجوازِ نفي، والنفي يكفي فيه انتفاءُ دليلِ الثبوتِ، بخلافِ الثبوتِ، فلا يكفي فيه انتفاءُ دليلِ النفي (^٤).\nالدليل السابع عشر: أنَّ الاجتهادَ أصلٌ في الأحكامِ الاجتهاديةِ، كالوضوءِ في الطهارةِ، والتقليدُ بدلٌ عن الاجتهادِ، كالتيممِ عن الوضوءِ، ولا يُصارُ للبدلِ مع إمكانِ المبدلِ، فلا يختارُ المجتهدُ التقليدَ إلا عند تعذّرِ الاجتهادِ (^٥).\nمناقشة الدليل السابع عشر: نوقش الدليل من وجهين:\nالوجه الأول: لا نُسلّمُ أنَّ التقليدَ بدلٌ، بلْ كلٌّ مِن الاجتهادِ والتقليدِ أصلٌ للعملِ (^٦).\n_________\n(^١) انظر: مسائل الخلاف في أصول الفقه للصيمري (ص/ ٣٨٢).\n(^٢) انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٠٦)، ومختصر منتهى السول لابن الحاجب (٢/ ١٢٣٥)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٩١٤)، وتيسير التحرير (٤/ ٢٢٨ - ٢٢٩).\n(^٣) انطر: بيان المختصر للأصبهاني (٣/ ٣٣٠)، ورفع الحاجب (٤/ ٥٦٤)، وتيسير التحرير (٤/ ٢٢٩).\n(^٤) انظر: المصادر السابقة.\n(^٥) انظر: تيسير التحرير (٤/ ٢٢٩)، وفواتح الرحموت (٢/ ٣٩٣).\n(^٦) انظر: المصدرين السابقين.","vol":"1","page":376},{"text":"الوجه الثاني: على فرضِ التسليمِ بما ذكرتُم في دليلِكم، فإنَّه يدلُّ على جوازِ التقليدِ للمجتهدِ عند تعذّرِ الاجتهادِ، وأنتم لا تقولون به.\nأدلةُ أصحاب القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني (القائلون بجواز تقليد المجتهَد لغيره من المجتهدين مطلقًا) بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^١).\nوجه الدلالة: أنَّ المجتهدَ قبلَ اجتهادِه لا يعلمُ هذا الحكمَ بخصوصِه، فيتناوله عمومُ الآية، فجازَ له التقليدُ، كالعامي (^٢).\nمناقشة وجه الدلالة: نوقش وجه الدلالة من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: ليس في الآيةِ ما يدلُّ على قولِكم، بلْ هي دالةٌ على خلافِه؛ لأنَّها شَرَطَتْ أنْ لا يعلمَ، والمجتهدُ عالمٌ بطُرقِ الاجتهادِ، وبطرقِ الأدلةِ (^٣).\nالوجه الثاني: أنَّ الآيةَ واردةٌ في العامي، والخطابُ فيها متوجّه إليه، ويدلُّ عليه أمران:\nالأمر الأول: أن اللهَ تعالى أَوجبَ السؤالَ - كما في الآية - والمجتهدُ لا يجبُ عليه السؤالُ، فتعيّن أنْ يكونَ الخطابُ فيها للعامي؛ لأنَّه هو الذي\n_________\n(^١) وردت الآية في موضعين في القرآن: الأول: من الآية (٤٣) من سورة النحل. والثاني: من الآية (٧) من سورة الأنبياء.\n(^٢) انظر: التبصرة (ص/ ٤٠٦)، وشرح اللمع (٢/ ١٠١٧)، وقواطع الأدلة (٥/ ١٠٢)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٣)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ٢٤٨)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٨٦)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٠٦)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٩١٤)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٦٣٣).\n(^٣) انظر: التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٣).","vol":"1","page":377},{"text":"يجبُ عليها السؤال (^١).\nالأمر الثاني: أن قولَه تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٢) يقتضي أنْ يكونَ المخاطَبُ ليس مِنْ أهلِ الذِّكرِ؛ لأنَّ اللهَ جعل الناسَ فريقين - كما في الآية - فَوَجَبَ أنْ يكونَ أحدُهما غيرَ الآخرِ (^٣).\nالوجه الثالث: على فرضِ التسليمِ بدخولِ المجتهدِ تحتَ عمومِ الآيةِ، فإنَّ تقديرَ السؤالِ في حقِّه: سلو؛ لتعلموا، أيْ: اسألوا عن الدليلِ؛ لتحصيلِ العلمِ (^٤).\nالدليل الثاني: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (^٥).\nوجه الدلالة: أنَّ المرادَ بأولي الأمرِ في الآية هم العلماءُ (^٦)، وقد أَمَرَ الله بطاعتِهم، وذلك بتقليدِهم فيما يخبرون به عن الشرعِ، والخطابُ عامٌّ للمؤمنين، ويتناول المجتهدَ وغيرَه (^٧).\n_________\n(^١) انظر: التبصرة (ص/ ٤٠٦)، وشرح اللمع (٢/ ١٠١٧)، وقواطع الأدلة (٥/ ١٠٥)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٣)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ٢٥٠)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٦٣٤).\n(^٢) وردت الآية في موضعين في القرآن: الأول: من الآية (٤٣) من سورة النحل. والثاني: من الآية (٧) من سورة الأنبياء.\n(^٣) انظر: التبصرة (ص/ ٤٠٦)، وشرح اللمع (٢/ ١٠١٧)، وقواطع الأدلة (٥/ ١٠٥)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٣)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ٢٥٠)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٦٣٤).\n(^٤) انظر: المستصفى (٢/ ٤٥٩).\n(^٥) من الآية (٥٩) من سورة النساء.\n(^٦) انظر أقوال المفسرين في تفسير أولي الأمر في: جامع البيان للطبري (٧/ ١٧٦ - ١٨٤)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٦/ ٤٢٨ - ٤٣٢)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (٤/ ١٣٦ - ١٣٧)، والدر المنثور للسيوطي (٤/ ٥٠٤ - ٥١٤).\n(^٧) انظر: التبصرة (ص/ ٤٠٧)، وشرح اللمع (٢/ ١٠١٩)، والتمهيد في أصول الفقه لأبى الخطاب (٤/ ٤١٤)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٨٦)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٠٦)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٩١٥)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٦٣٣)، والإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٩٥٧).","vol":"1","page":378},{"text":"مناقشة وجه الدلالة: نوقش وجه الدلالة من وجهين:\nالوجه الأول: أنَّ المرادَ بأولي الأمرِ في الآيةِ الأمراءُ والولاةُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أوجبَ طاعتَهم، ولا يجبُ على المجتهدِ اتباع المجتهلِه، وإذا كانَ أولو الأمرِ هم الأمراءُ، فطاعتُهم في أمورِ الدنيا مِنْ تدبيرِ الممالك وتجهيزِ العساكرِ وغيرِهما، ويدلُّ على ذلك: أنَّ الطاعةَ تُستعملُ في أمرِ السلاطين، فأمَّا في فتوى المجتهدِ، فلا يُقال لها: طاعةٌ (^١).\nالوجه الثاني: سلمنا لكم أنَّ المرادَ بأولي الأمرِ هم العلماء، لكنَّ المأمورَ بطاعتِهم هم العوام، لا المجتهدون؛ لأنَّ طاعةَ المجتهدِ على المجتهدِ غيرُ واجبةٍ، فلا تكون مرادةً مِن الآيةِ (^٢).\nالدليل الثالث: قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ (^٣).\nوجه الدلالة: أنَّ المرادَ بأولي الأمرِ في الآيةِ هم المجتهدون، ويكونُ الردُّ إليهم مِنْ قِبَل العامةِ والمجتهدين؛ إذ الآيةُ عامّةٌ، ولم تفصِّلْ.\nمناقشة وجه الدلالة: أنَّ الخطابَ في الآيةِ متوجهٌ إلى العامةِ، لا إلى المجتهدين؛ بدليلِ قولِ الله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (^٤)؛ لأنَّ المجتهدَ مِنْ أهل الاستنباطِ، فَظَهَرَ أنَّ الخطابَ موجهٌ إلى العامةِ، لا إلى أهلِ الاستنباطِ (^٥).\nالدليل الرابع: قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) انظر: المصادر السابقة، والمستصفى (٢/ ٤٥٩).\n(^٢) انظر: المستصفى (٢/ ٤٥٩ - ٤٦٠)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٩١٥ - ٣٩١٦)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٦٣٤).\n(^٣) من الآية (٨٣) من سورة النساء.\n(^٤) من الآية (٨٣) من سورة النساء.\n(^٥) انظر: العدة (٤/ ١٢٣٢).\n(^٦) من الآية (١٢٢) من سورة التوبة.","vol":"1","page":379},{"text":"وجه الدلالة: أنَّ الله تعالى أوجب قبولَ ما ينذر به الفقهاءُ إذا رجعوا إلى أهلِهم، ولم يفرِّقْ بين أنْ يكون أهلُهم من العامة، أو من مجتهدين (^١).\nمناقشة وجه الدلالة: نوقش وجه الدلالة من وجهين:\nالوجه الأول: لا نُسلِّمُ دخولَ المجتهدِ تحتَ الآيةِ، بل الآيةُ متوجهةِ إلى العوامِّ (^٢).\nالوجه الثاني: أنَّ المرادَ مِن الآيةِ قبولُ ما سمعه المجتهدُ مِنْ أخبارِ النبي - صلي الله عليه وسلم - وسننِه، فتكونُ الآيةُ متوجهةً إلى الروايةِ، دونَ الفتوى (^٣).\nالدليل الخامس: انعَقَدَ إجماعُ الصحابةِ - ﵃ - على جوازِ تقليدِ المجتهدِ لغيرِه مِن المجتهدين (^٤) ويدلُّ على هذا الإجماعِ ما يأتي:\nأولًا: قولُ عبدِ الرحمن بن عوف - ﵁ - لعثمانَ بنِ عفان - ﵁ -: (أبايعك على كتابِ الله، وسنةِ رسول الله، وسيرةِ الشيخين)، فبايعه عثمان (^٥).\nفحينَ قَبِلَ عثمانُ بن عفان - ﵁ - ذلك، مع أنَّه مِنْ أهلِ الاجتهادِ،\n_________\n(^١) انظر: التبصرة (ص/ ٤٠٧)، وشرح اللمع (٢/ ١٠١٩)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٨٦)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٩١٥).\n(^٢) انظر: المصادر السابقة، وقواطع الأدلة (٥/ ١٠٥).\n(^٣) انظر: المصادر السابقة.\n(^٤) انظر: الفصول في الأصول للجصاص (٤/ ٢٨٣)، والمعتمد (٢/ ٩٤٦)، ومسائل الخلاف للصيمري (ص/ ٣٧٨)، والعدة (٤/ ١٢٣٣)، والتبصرة (ص / ٤٠٧)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٢٠)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٨٦)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٠٧)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٩١٦)، والإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٩٥٧).\n(^٥) أخرج قصة البيعة بهذا اللفظ: أحمد في: المسند (١/ ٥٦٠)، برقم (٥٥٧). وسندها ضعيف، انظر: تعليق محققي المسند.\nوأخرج الحادثةَ: البخاريُّ في: صحيحه، كتاب: الأحكام، باب: كيف يبايع الإمام الناس؟ (ص/ ١٣٧٥)، برقم (٧٢٠٧) بسياق طويل، وفيها قول عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -: (أبايعك على سنة الله، ورسوله، والخليفتين من بعده).\nوانظر: فتح الباري لابن حجر (١٣/ ١٩٨).","vol":"1","page":380},{"text":"وكان ذلك بمحضرِ الصحابةِ - ﵃ -، ولم يُنكرْ عليه أحدٌ، دلَّ على انعقادِ الإجماعِ على جوازِ تقليدِ المجتهدِ لغيرِه مِن المجتهدين (^١).\nثانيًا: قولُ عمر بن الخطاب - ﵁ -: (إنِّي كنتُ رأيتُ في الجدِّ رأيًا، فإنْ رأيتم أنْ تتبعوه، فاتبعوه). فقال له عثمانُ بن عفان: (إنْ نتبعْ رأيَك، فرأي رُشْدٍ، وإنْ نتبعْ رأي الشيخِ فنِعْمَ ذو الرأي كان) (^٢).\nوجه الدلالة: أنَّ عمرَ بن الخطاب - ﵁ - دعا الناسَ - وفيهم: المجتهدون، والعوام - إلى اتباعِ رأيه، وتقليدِه فيه، وأقرّه عثمانُ بن عفان - ﵁ - على ذلك (^٣).\nثالثًا: أن عمرَ بن الخطاب - ﵁ - أرسلَ إلى امرأةٍ مُغَيّبةٍ، كان يُدخل عليها، فقيل لها: أجيبي عمر. فقالت: يا ويلها، ما لها ولعمرَ. فَبَيْنَا هي في الطريقِ، فَزِعَتْ، فضربها الطلْقُ، فدخلتْ دارًا، فألقتْ ولدَها، فصاحَ الصبي صيحتين، ثمْ ماتَ.\nفاستشار عمرُ الصحابةَ - ﵃ -، فقالَ عثمانُ بن عفان وعبدُ الرحمن بن عوف: (إنَّما أنتَ مودبٌ، ولا شيءَ عليك)، وعليٌّ ساكتٌ. فقالَ له عمرُ: (ما\n_________\n(^١) انظر: المصادر المذكورة في توثيق صدر الدليل الخامس، وفتح الباري لابن حجر (١٣/ ١٩٨).\n(^٢) أخرج أثر عمر بن الخطاب - ﵁ -: عبد الرزاق في: المصنف، كتاب: الفرائض، باب: فرض الجد (١٠/ ٢٦٣)، بالرقمين (١٩٠٥١ - ١٩٠٥٢)؛ والدارمي في: السنن، في: المقدمة، باب: اختلاف الفقهاء (١/ ٤٩٠)، برقم (٦٥٥)، وفي: كتاب: الفرائض، باب: قول عمر في الجد (٤/ ١٩١٦)، برقم (٢٩٥٩)؛ والحاكم في: المستدرك، كتاب: الفرائض (٤/ ٤١٨)، برقم (٧٩٨٣)، وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي؛ وابن حزم في: المحلى (١٠/ ٣٧٣)، وقال عن إسناده في: (١٠/ ٣٩٣): \"أصح إسناد\". والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: الفرائض، باب: من لم يورث الإخوة مع الجد (٦/ ٢٤٦).\nوإسناد أثر عمر بن الخطاب - ﵁ - صحيح. انظر: التحجيل لعبد العزيز الطريفي (١/ ٣٢٣).\n(^٣) انظر: التبصرة (ص/ ٤٠٧)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ٢٤٨).","vol":"1","page":381},{"text":"تقولُ يا أبا الحسنِ؟). فقالَ: (إنْ كانوا قالوا برأيهم، فقد أخطأَ رأيُهم، وإنْ كان قالوا في هواك، فلم ينصحوا لك، أرى أنْ ديته عليك، فإنَّك أفزعتها ...). فأَمَرَ عمرُ عليًا أنْ يقسمَ عقلَه (^١) على قريشٍ (^٢).\nوجه الدلالة: أن عمرَ بن الخطاب - ﵁ - وهو مِنْ أهلِ الاجتهادِ قلَّد عليًا - ﵁ - (^٣)، ولم يُنكر عليه أحدٌ، فكانَ إجماعًا (^٤).\nرابعًا: ما جاءَ مِنْ أنَّ عمرَ بن الخطاب - ﵁ - سأل عبدَ الله بن مسعود - ﵁ - عن مسألةٍ في الصرفِ؟ فأجابَ فيها بأنَّه لا بأسَ به. فقال عمر: (لكنّي أكرهُه). فقال ابنُ مسعود: (قد كرهتُه إذ كرهتَه) (^٥).\nوجه الدلالة: أنَّ عبدَ الله بن مسعود - ﵁ - وهو مِنْ أهلِ الاجتهادِ، تَرَكَ قولَه تقليدًا لعمرَ - ﵁ - (^٦).\nمناقشة الدليل الخامس: لا نُسلّمُ انعقادَ إجماعِ الصحابةِ - ﵃ - على\n_________\n(^١) العقل: الدية. انظر: القاموس المحيط، مادة: (عقل)، (ص/ ١٣٣٦).\n(^٢) جاء أثر عمر بن الخطاب - ﵁ - من طريق الحسن، وأخرجه: عبدُ الرزاق في: المصنف، كتاب: العقول، باب: من أفزعه السلطان (٩/ ٤٥٧)، برقم (١٨٠١٠)؛ والبيهقيُّ في: السنن الكبرى، كتاب: الإجارة، باب: الإمام يضمن والمعلم يغرم (٦/ ١٢٣).\nوالأثر منقطع، يقول ابن الملقن في: البدر المنير (٨/ ٤٩٤): \"هذا منقطع؛ الحسن لم يدرك عمر\".\nوانظر: التلخيص الحبير لابن حجر (٥/ ٢٦٧٤).\nوذكر البيهقي في: السنن الكبرى، كثاب: الأشربة والحد فيها، باب: الشارب يضرب زيادة على الأربعين (٨/ ٣٢٢) أنَّ الإمام الشافعي بلغه عن عمر بن الخطاب - ﵁ -، فذكر الأثر.\n(^٣) انظر: العدة (٤/ ١٢٣٤).\n(^٤) انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٠٧).\n(^٥) ذكر أثر عبد الله بن مسعود - ﵁ - عدد من الأصوليين - كما سيأتي توثيقه في حاشية وجه الدلالة منه - ولم أقف عليه مسندًا - فيما رجعت إليه من مصادر - ولم أقف على ذكر له في غير كتب أصول الفقه، ويغني في الاستدلال عنه قول ابن مسعود - ﵁ -: (إنَّ عمر كره الصلاة بعد العصر، وإني أكره ما كره عمر). وسيأتي تخريج هذا الأثر.\n(^٦) انظر: الفصول في الأصول للجصاص (٤/ ٢٨٤)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٥)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٤/ ٣٣٦).","vol":"1","page":382},{"text":"جوازِ تقليدِ المجتهدِ لغيرِه مِن المجتهدين، وما ذكرتموه مِن الوقائع، لكلٍّ منها مناقشةٌ:\nأولًا: مناقشة ما جاء عن عبد الرحمن بن عوف، نوقش من أربعة أوجه:\nالوجه الأول: أنَّ عليًّا - ﵁ - خالفَ عثمانَ بن عفان - ﵁ -، ولم يقبلْ ما قاله عبدُ الرحمن بن عوف - ﵁ - (^١)، فلا تصحُّ دعوى الإجماعِ (^٢).\nالجواب عن الوجه الأول: كونُ علي بن أبي طالب - ﵁ - لم يقبل ذلك، لا يدلُّ على عدمِ جوازِ قبولِه، بلْ على عدمِ وجوب قبولِه، ونحن نقول: إنَّه غيرُ واجبِ القبولِ، بلْ هو جائزُ القبولِ (^٣).\nالوجه الثاني: المرادُ بسيرةِ الشيخين: أبي بكر وعمر - ﵄ -، سيرتُهما في حراسةِ الإِسلام، والذبِّ عنه وحمايتِه، والدعوةِ إليه، وسياسةِ الرعيّةِ والعدلِ بينهم، لا أَقوالهما الفقهية؛ يدلُّ عليه: أنَّ سيرةَ الشيخين في النوازلِ والحوادثِ مختلفةٌ، فلكلِّ واحدٍ منهما أقوالٌ تخالفُ الآخر، فتعيّنَ حملُه على ما ذُكِرَ (^٤).\nالوجه الثالث: المرادُ بسيرةِ الشيخين طريقتُهما في الاجتهادِ، والبحثِ عن الدليلِ، لأنَّ في سيرةِ أبي بكرٍ وعمر - ﵄ - الاجتهادَ وطلبَ الدليلِ، والحكمَ بما يقتضيه الاجتهادُ، لا تقليدهما في أعيانِ المسائلِ (^٥).\n_________\n(^١) فقال علي - ﵁ - لما عرض عليه عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - البيعة: (فيما استطعت). وتقدم في: (ص/ ٣٨٠) تخريج الحادثة.\n(^٢) انظر: العدة (٤/ ١٢٣٤)، والتبصرة (ص / ٤٠٨)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٢١)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٨٧).\n(^٣) انظر: المحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٨٧)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٩١٧)، وفتح الباري لابن حجر (١٣/ ١٩٨).\n(^٤) انظر: أدب القاضي للماوردي (١/ ٦٤٨)، والعدة (٤/ ١٢٣٤)، والتبصرة (ص / ٤٠٨)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٢٠)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٥)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ٢٥٠).\n(^٥) انظر: المصادر السابقة.","vol":"1","page":383},{"text":"الوجه الرابع: يحتملُ أنَّ عثمانَ بن عفان - ﵁ - أجابَ عبدَ الرحمن بن عوف في قولِه، أخذا مِنْ قولِه - ﷺ -: (اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكرٍ وعمرَ) (^١)،\n_________\n(^١) جاء الحديث عن حذيفة بن اليمان - ﵁ - بهذا اللفظ، وبلفظ: (إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم، فاقتدوا باللذين من بعدي)، وأشار إلى أبي بكر وعمر - ﵄ - وأخرجه: الترمذي في: جامعه، كتاب: المناقب عن رسول الله - صلي الله عليه وسلم -، باب: مناقب أبي بكر وعمر - ﵄ - كليهما (ص/ ٨٣٢)، برقم (٣٦٦٢)، وقال: \"حديث حسن\". وابن ماجه في: سننه، في: المقدمة، باب: فضائل أصحاب رسول الله - ﷺ - (ص/ ٦٤)، برقم (٩٧)؛ والحميدي في: مسنده (١/ ٤١٣)، برقم (٤٥٤)؛ وابن سعد في: الطبقات الكبرى (٢/ ٣٣٤)؛ وابن أبي شيبة في: المصنف، كتاب: الفضائل، باب: ما ذكر في أبي بكر الصديق - ﵁ - (١٧/ ٣٥)، برقم (٣٢٦٠٥)؛ وأحمد في: المسند (٣٨/ ٢٨٠)، برقم (٢٣٢٤٥)، و(٣٨/ ٣٠٩)، برقم (٢٣٢٧٦)، و(٣٨/ ٣٩٩)، برقم (٢٣٣٨٦)، (٣٨/ ٤١٨)، برقم (٢٣٤١٩)؛ وفي: فضائل الصحابة (١/ ٢٢٨)، برقم (١٩٨)، و(١/ ٤٠٦)، برقم (٤٧٨)؛ وابن أبي عاصم في: السنة، باب: في ذكر خلافة الراشدين المهديين (٢/ ٧٧٤) برقم (١١٨٢)؛ والفسوي في: المعرفة والتاريخ (١/ ٤٨٠)؛ وابن أبي عاصم في: السنة، باب: في ذكر خلافة الراشدين (ص/ ٥٣١)، بالرقمين (١١٤٨ - ١١٤٩)؛ والبزار في: مسنده (٧/ ٢٤٨ - ٢٥١)، بالأرقام (٢٨٢٧ - ٢٨٢٩)؛ والروياني في: مسنده (٣/ ١٠٣) - المستدرك من النصوص الساقطة - برقم (٧٩)؛ والخلال في: السنة، باب: جامع أمر الخلافة بعد رسول الله - صلي الله عليه وسلم - (١/ ٢٧٤ - ٢٧٥) برقم (٣٣٥ - ٣٣٦)؛ والطحاوي في: شرح مشكل الآثار، باب: بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - في أمره للناس بالاقتداء بأبي بكر وعمر (٣/ ٢٥٦ - ٢٥٩) بالأرقام (١٢٢٤ - ١٢٣٣)؛ والعقيلي في: الضعفاء (٢/ ٥٥٩)؛ وابن حبان في: صحيحه، كتاب: مناقب الصحابة - ﵁ -، باب: ذكر أمر المصطفى المسلمين بالاقتداء بأبي بكر وعمر بعده (١٥/ ٣٢٧)، برقم (٦٩٠٢)؛ والطبراني في: الأوسط (٥/ ٣٤٤)، برقم (٥٥٠٣)؛ وأبو بكر الآجري في: الشريعة (٤/ ١٨٧١ - ١٨٧٣)، بالأرقام (١٣٤١ - ١٣٤٣)؛ والحاكم في: المستدرك، كتاب: معرفة الصحابة (٣/ ٩١)، وصححه؛ وأبو نعيم في: حلية الأولياء (٩/ ١٠٩)؛ والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: قتال أهل البغي، باب: ما جاء في تنبيه الإمام على من يراه أهلًا للخلافة بعده (٨/ ١٥٣)؛ وابن عبد البر في: جامع بيان العلم باب: الحض على لزوم السنة والاقتصار عليها (٢/ ١١٦٥ - ١١٦٧) بالأرقام (٢٣٠٧ - ٢٣٠٩)، وقال عنه في: (٢/ ١١٦٥): \"حديثُ حذيفة حديثٌ حسنٌ\". والخطيب البغدادي في: تاريخ مدينة السلام (٥/ ٥٦٩)، و(١٣/ ٤٦٧)؛ والبغوي في: شرح السنة، باب: في فضل أبي بكر وعمر - ﵄ - (١٤/ ١٠١)، بالرقمين (٣٨٩٤ - ٣٨٩٥).\nوقال العقيلي عن الحديث في: الضعفاء (٥/ ٣١٤ - ٣١٥): \"يروى عن حذيفة عن النبي بإسنادٍ جيدٍ ثابتٍ\".=","vol":"1","page":384},{"text":"فحَمَلَ الحديثَ على عمومِه (^١).\nثانيًا: مناقشة الاستدلال بقول عمر بن الخطاب - ﵁ - في الجدِّ:\nالمرادُ بقولِه: \"فاتبعوني\": اتباعُه في الدليلِ، وذلك كما يدعو العلماءُ غيرَهم إلى ما يرونه مِن الأقوالِ، بالدليلِ، دونَ التقليدِ (^٢).\nوالمرادُ بقولِ عثمانَ بنِ عفان - ﵁ - \"رأي رشد\"، أيْ: في هذا الدليلِ، ورأيُ أبي بكر - ﵁ - في دليله نِعْم الرأي (^٣).\nيقولُ أبو الخطاب: \"إنَّ هذا - أيْ: ما جاء عن الصحابة - ﵃ - لا يدلُّ على التقليدِ، لكنْ يدلُّ على أنَّ بعضَهم تنبّه على الدليلِ بقولِ البعضِ، وهذا كما يتردد الإنسانُ بين رأيين في الحرب - لم يصمّمْ على أحدِهما - فيقولُ له قائلٌ: ليس هذا بصوابٍ، بل الصوَابُ كذا وكذا، فيقول له: صدقتَ، فيعلم الحاضرون لذلك إنَّما صدّقه ليتنبه (^٤) على وجهِ الرأي والمصلحةِ؛ لأن (^٥) قول ذلك عنده أصوب مِنْ رأيه\" (^٦).\n_________\n= وقال الخليلي في: الإرشاد (١/ ٣٧٨) عن الحديث: \"والحديث صحيح معلول\"، ولعله يقصد أنَّ الحديث أعل بعلةٍ غيرِ قادحة.\nوقال ابن الملقن في: البدر المنير (٩/ ٥٧٨) عن الحديث: \"هذا الحديث حسن\".\nوصحح الألبانيُّ الحديثَ في: تخريجه كتاب السنة لابن أبي عاصم (ص/ ٥٣١).\nوذهب ابن حزم في: الإحكام في أصول الأحكام (٦/ ٨٠) إلى عدم صحة الحديث؛ لأن الحديث مروي عن مولى لرِبْعي، وهو مجهول، وعن المفضل الضبي، وليس بحجة.\nوقد أجاب ابنُ الملقن في: البدر المنير (٩/ ٥٨١) عما أورده ابنُ حزمٍ بان للحديث طريقًا أخرى يثبت بها ليس فيها مولى رِبْعِي، ولا يعلم أنَّ المفضل الضبي ورد في طرف الحديث.\n(^١) انظر: العدة (٤/ ١٢٣٤).\n(^٢) انظر: التبصرة (ص/ ٤٠٧)، وشرح اللمع (١٠٢٢)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٦)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ٢٥١).\n(^٣) انظر: العدة (٤/ ١٢٣٥)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٦).\n(^٤) هكذا في المطبوع في: التمهيد في أصول الفقه (٤/ ٤١٦)، ولعل الصواب: \"للتنبيه\".\n(^٥) هكذا في المطبوع في: المصدر السابق \"لأن\"، ولعل الصواب: \"لا أنَّ\".\n(^٦) التمهيد في أصول الفقه (٤/ ٤١٥ - ٤١٦).","vol":"1","page":385},{"text":"ثالثًا: مناقشة الاستدلال بقصة قضاء عمر بن الخطاب - ﵁ - في المرأة المغيّبة:\nأنَّ أَخْذَ عمر - ﵁ - قولَ علي - ﵁ -؛ لأنَّ اجتهادَه أدَّى إلى صحةِ ما قاله علي - ﵁ - في المسألةِ، فكان ذلك عملًا بالدليلِ، لا بالتقليدِ (^١).\nرابعًا: مناقشة الاستدلال بقول عبد الله بن مسعود في الصرف، نوقش من وجهين:\nالوجه الأول: أنَّ ما قاله ابنُ مسعودٍ - ﵁ - محمولٌ على اجتهادِه، أيْ: أنَّه إذ كرهه عمرُ - ﵁ - بانَ لي وجهُ الكراهةِ، فكرهتُ ذلك (^٢).\nالوجه الثاني: يحتملُ أنَّ أخذَ ابنِ مسعود - ﵁ - قول عمر - ﵁ -؛ لقولِ النبي - صلي الله عليه وسلم -: (اقتدوا باللَّذَيْن من بعدي أبي بكرٍ وعمرَ) (^٣)، فحَمَلَ الحديثَ على عمومِ الأقوالِ.\nالدليل السادس: أنَّ المجتهدَ يجوزُ له أنْ يقلِّدَ الرسولَ - ﷺ -، وأنْ يقلِّدَ الصحابيَّ، ويتركَ اجتهادَه، فكذلك يجوزُ له أنْ يُقلِّدَ مجتهدًا آخر (^٤).\nمناقشة الدليل السادس: أنَّ أخذَ المجتهدِ بقولِ النبي - صلي الله عليه وسلم -، وبقولِ الصحابي لا يُسمَّى تقليدًا، بلْ هو أخذٌ بالحجةِ - هذا على القولِ بأنَّ قولَ الصحابي حجةٌ، وأمَّا على القولِ بعدمِ حجيتِه، فلا يجوزُ تقليدُه - ويدلُّ على الفرقِ بين الأخذِ بقولِ النبي - ﷺ - وقولِ الصحابي، والأخذِ بقولِ المجتهدِ: أنَّه يجبُ على المجتهدِ تركُ اجتهادِه، والأخذ بقولِ الرسولِ - ﷺ -، وبقولِ الصحابي، ولا يجبُ عليه تركُ اجتهادِه، وتقليدُ غيرِه، فَظَهَرَ الفرقُ (^٥).\n_________\n(^١) انظر: العدة (٤/ ١٢٣٥)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٦)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٠٨).\n(^٢) انظر: التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٦).\n(^٣) تقدم تخريج الحديث في: (ص/ ٣٨٤).\n(^٤) انظر: التبصرة (ص/ ٤٠٩)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٦).\n(^٥) انظر: المصدرين السابقين.","vol":"1","page":386},{"text":"الدليل السابع: إذا جازَ للمجتهدِ تقليدُ المجمعين فيما أفتوا به، وأجمعوا عليه، وإنْ لم يعلم الطريقَ الذي أفتوا عنه، جازَ له تقليدُ آحادِ العلماءِ، وإنْ لم يعلم الطريقَ الذي أفتى عنه العالمُ (^١).\nمناقشة الدليل السابع: جوازُ الأخذِ بقولِ المجمعين - وإن لم يُعلمْ طريقُ اجتهادِهم - للأدلةِ الدالةِ على عصمةِ إجماعِ الأمّةِ، فالإجماعُ حجةٌ في الشرعِ، ولذا لا يجوزُ للمجتهدِ العملُ على اجتهادِه، وتركُ الإجماعِ، والواحدُ مِن العلماءِ يجوزُ عليه الخطأُ، وليس قولُه حجةً، فلم يجزْ للمجتهدِ قبولُه، وتركُ اجتهادِ نفسِه (^٢).\nالدليل الثامن: لو كانَ تقليدُ المجتهدِ لغيرِه مِن المجتهدين غيرَ جائزٍ؛ لجوازِ الخطأِ على مَنْ يقلِّدُه، لجازَ أنْ يُمنعَ مِنْ قبولِ خبرِ الواحدِ؛ لجوازِ الخطأِ على ناقلِه، ولَّما بَطَلَ هذا في قبولِ الأخبارِ، بَطَلَ في تقليدِ المجتهدِ لغيرِه مِن المجتهدين (^٣).\nمناقشة الدليل الثامن: نوقش الدليل من وجهين:\nالوجه الأول: أنَّ ما ذكرتموه في دليلِكم غيرُ لازمٍ، فإنَّ خبرَ الواحدِ ظَهَرَ مِنْ غيرِ نكيرٍ، فهو بمنزلةِ قولِ الواحدِ مِن الصحابة إذا انتشرَ مِنْ غيرِ خلافٍ، وفي مسألتِنا، اختلفَ العلماءُ وتعددتْ أقوالُهم، فقياسُ مسألتنا ممَّا ذكرتُم: أنْ يُروى خبرانِ متعارضانِ، فلا يجوزُ المصيرُ إلى واحدٍ منهما قبلَ النظرِ والاجتهادِ (^٤).\nالوجه الثاني: أنَّا لو أوجبنا على المجتهدِ البحثَ عن الرواةِ، والنظرَ في جميعِ أحوالِ الإسنادِ حتى يساوي الراوي في طريقِه، لأدَّى إلى مشقةٍ\n_________\n(^١) انظر: التبصرة (ص/ ٤٠٩)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٢٤)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ٢٤٩).\n(^٢) انظر: المصادر السابقة.\n(^٣) انظر: المصادر السابقة، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٧)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٩١٨).\n(^٤) انظر: التبصرة (ص/ ٤٠٩ - ٤١٥)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٢٤)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ٢٥٢).","vol":"1","page":387},{"text":"عظيمةٍ، ورُبَّما تعذّرَ عليه ذلك بتعذّرِ الطريقِ بينه وبين المروي عنه، أو بموتِه، فَسَقَطَ عنه ذلك، كما سَقَطَ الاجتهادُ عن العامي، بخلافِ مسألتنا، فإنَّه لا مشقةَ على المجتهدِ في إدراكِ الحكمِ باجتهادِه (^١).\nالدليل التاسع: أنَّ قولَ المجتهدِ صوابٌ؛ لأنَّ كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ، وكلُّ قولٍ وُصِفَ بالصوابِ يجوزُ الأخذُ به، وتقليدُه (^٢).\nمناقشة الدليل التاسع: لا نُسلّمُ لكم أنَّ كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ، بل الصوابُ أنَّ الحقَّ واحدٌ (^٣)، وبناءً عليه، لا يصحُّ لكم الاستدلالُ بهذه القاعدةِ (^٤).\nالدليل العاشر: أنَّ الحُكْمَ الذي يقلِّدُ المجتهدُ فيه غيرَه، حُكْمٌ يسوغُ فيه الاجتهادُ، فجازَ لمَنْ لم يكنْ عالمًا به تقليدُ مَنْ علمَه، كالعامي، والجامعُ حصولُ الظنِّ بقولِ المفتي (^٥).\nمناقشة الدليل العاشر: نوقش الدليل من وجهين:\nالوجه الأول: أن ثمة فرقًا بين المجتهدِ والعامي؛ فالعاميُّ ليس معه آلةٌ يتوصّلُ بها إلى معرفةِ الحكمِ، فكانَ فرضُه التقليد، بخلافِ المجتهدِ؛ إذ عنده الآلةُ التي يتوصلُ بها إلى معرفةِ حكمِ الحادثةِ، لذا لا يجوزُ له التقليدُ (^٦).\n_________\n(^١) انظر: المصادر السابقة، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٧).\n(^٢) انظر: المعتمد (٢/ ٩٤٧)، وقواطع الأدلة (٥/ ١٧٢)، وقواعد الأحكام للعز بن عبد السلام (٢/ ٢٧٦).\n(^٣) انظر مسألة: (تصويب المجتهدين وتخطئتهم) في: الفصول في الأصول للجصاص (٤/ ٣٧٥ وما بعدها)، والعدة (٥/ ١٥٤٠ وما بعدها)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٤٣ وما بعدها)، والبرهان (٢/ ٨٥٩)، وقواطع الأدلة (٥/ ١١ وما بعدها)، والمنخول (ص/ ٤٥١)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٠٧ وما بعدها)، وشرح تنقيح الفصول (ص/ ٤٣٨).\n(^٤) انظر: المعتمد (٢/ ٩٤٧)، وقواطع الأدلة (٥/ ١٧٢).\n(^٥) انظر: التبصرة (ص/ ٤٠٨)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٢٢)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٦)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٨٧ - ٨٨)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٩١٧).\n(^٦) انظر: المصادر السابقة.","vol":"1","page":388},{"text":"الوجه الثاني: أنَّه يجبُ التقليدُ على العاميّ، ولو كان المجتهدُ مثله لَوَجَبَ عليه التقليدُ، ولمّا قلتم: لا يجبُ على المجتهدِ التقليد، بلْ هو بالخيارِ، دلَّ ذلك على بطلانِ دليلِكم (^١).\nالدليل الحادي عشر: أنَّ مطلوبَ المجتهدِ في اجتهادِه حصولُ الظنِّ، وتقليدُ المجتهدِ فيما ذَهَبَ إليه مفيدٌ للظنِّ، والظن معمولٌ به في الشريعةِ، فكان تقليدُه جائزًا (^٢).\nمناقشة الدليل الحادي عشر: أنَّ ظنَّ المجتهدِ حين يقلِّدُ غيرَه مِن المجتهدين أضعفُ مِنْ ظنِّه بالحكمِ حين يجتهدُ، وهذا أمرٌ معلومٌ، ولا يجوزُ العملُ بالظنِّ الضعيفِ مع القدرةِ على الظنِّ القوي (^٣).\nالدليل الثاني عشر: أنَّ الاجتهادَ مِنْ فروضِ الكفايات، كالجهادِ، ويجوزُ في الجهادِ الاتكالُ ممَّنْ له آلةُ الجهادِ، واجتمعتْ فيه شروطُه، على قيامِ آخرين به، فكذا الاجتهادُ يجوزُ للمجتهدِ الاتكالُ على غيرِه في اجتهادِه (^٤).\nمناقشة الدليل الثاني عشر: لا نسَلِّم أنَّ الاجتهادَ فرضُ كفايةٍ لمَنْ حصلتْ له أهليةُ الاجتهادِ، ونزلتْ به نازلةٌ، ولم يكنْ حكمُها معلومًا عنده، بل الاجتهادُ في هذه الحالةِ فرضُ عينٍ على المجتهدِ، ونظيرُه في الجهادِ، أنْ يحضرَ العدوُّ، ويقربَ مِنْ موضعِه، فيكون الجهاد حينئذٍ فرضَ عينٍ (^٥).\n_________\n(^١) انظر: المصادر السابقة.\n(^٢) انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٠٧)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٩١٧)، وتيسير التحرير (٤/ ٢٣٠)، وفواتح الرحموت (٢/ ٣٩٤).\n(^٣) انظر: المصادر السابقة، ما عدا الإحكام في أصول الأحكام للآمدي.\n(^٤) انظر: التبصرة (ص/ ٤١٠)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٢٦)، وقواطع الأدلة (٥/ ١٠٢، ١٠٧)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٨)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ٢٤٩، ٢٥٣).\n(^٥) انظر: المصادر السابقة.","vol":"1","page":389},{"text":"الدليل الثالث عشر: أنَّ الأصلَ جوازُ التقليدِ؛ لامتناعِ حصولِ شروطِ الاجتهادِ في كلِّ أحدٍ عادةً، تُرِك هذا الأصل فيمَن اجتهدَ، وظنَ الحكمَ؛ لظهورِ الصواب له بالفعلِ، فيبقى مَنْ عداه على الأصلِ، وهو جوازُ التقليدِ (^١).\nمناقشة الدليل الثالث عشر: قولكم: \"الأصل جواز التقليد\"، غيرُ مسلّمٍ؛ لأنَّ التقليدَ أخذٌ بغيرِ دليلٍ.\nوقولكم: \"لامتناع حصول شروط الاجتهاد في كل أحد عادة\"، لا يجيزُ التقليدَ للمجتهدِ، ثمَّ الكلامُ فيمَن اجتمعتْ فيه شروطُ الاجتهادِ (^٢).\nأدلةُ أصحاب القول الثالث: استدلَّ أصحابُ القول الثالث (القائلون بجواز تقليد المجتهد للأعلم فقط، دون المساوي والأدون) بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٣).\nوجه الدلالة: أنَّ المجتهدَ قبلَ اجتهادِه لا يعلمُ الحُكْمَ، ومَنْ لا يعلمُ الحكمَ يسألُ أهلَ الذّكرِ، وهم المجتهدون، ولا يسأل مَنْ يساويه في العلمِ، فضلًا عمَّنْ هو دونه؛ لأنَّه لا مزيةَ للمساوي عليه، بلْ يسألُ مَنْ هو أعلمُ منه؛ لزيادةِ علمِه.\nمناقشة وجه الدلالة: تقدمتْ مناقشةُ الاستدلالِ بهذه الآية الكريمة في أدلةِ أصحابِ القول الثاني.\nالدليل الثاني: قولُ عبدِ الرحمن بن عوف لعثمانَ بن عفان - ﵄ -:\n_________\n(^١) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٣٣).\n(^٢) انظر: المصدر السابق.\n(^٣) وردت الآية في موضعين في القرآن: الأول: من الآية (٤٣) من سورة النحل. والثاني: ومن الآية (٧) من سورة الأنبياء.","vol":"1","page":390},{"text":"(أبايعك كتابِ الله، وسنةِ رسولِ الله، وعلى سيرةِ الشيخين)، فبايعه عثمان، ولم يفعلْ علي بن أبي طالب - ﵃ -، وقال: (أقضي بالكتابِ والسنةِ، وأجتهدُ رأيي) (^١).\nوجه الدلالة: أنَّ عثمانَ وعبد الرحمن - ﵄ - قلَّدا أبا بكرٍ وعمرَ - ﵄ -؛ لأنَّهما أعلمُ منهما، وتَرَكَ عليٌّ - ﵁ - تقليدَ أبي بكرٍ وعمر؛ لأنَّه مساوٍ لهما في العلمِ (^٢).\nمناقشة الدليل الثاني: تقدمت مناقشةُ الاستدلالِ بما جاءَ عن عبدِ الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان - ﵄ - في أدلةِ أصحابِ القولِ الثاني.\nويضاف هنا وجه آخر، وهو: مِنْ أينَ لكم أنَّ امتناع علي - ﵁ - عن المبايعةِ على سيرةِ الشيخين؛ لأنَّه اعتقدَ أنَّه مثلهما في العلمِ؟ ! إذ يحتملُ أنَّه امتنعَ، وهو يرى أنّه دونهما في العلمِ؛ لأنَّه يمنعُ المجتهدَ مِن تقليدِ غيرِه (^٣).\nالدليل الثالث: ما جاءَ أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ - ﵁ - سألَ عبدَ الله بنَ مسعود - ﵁ - عن مسألةٍ في الصرفِ؟ فأجابَ فيها بأنَّه لا بأسَ به. فقال عمر: (لكنَّي أكرهه). فقالَ ابنُ مسعود: (قد كرهتُه إذ كرهتَه) (^٤).\nوجه الدلالة: أنَّ عبدَ الله بن مسعود - ﵁ - تَرَكَ رأيه تقليدًا لعمر؛ لأنَّه لا يمكن أنْ يكون قد اجتهدَ في انتقالِه عن قولِه الأول؛ إذ لم يكنْ بين القولين مدةٌ يمكنُه معها النظرُ والاستدلالُ (^٥).\n_________\n(^١) لم أقف على من أخرج قول علي بن أبي طالب - ﵁ - بهذا اللفظ، وقد أورده بعض الأصوليين باللفظ المذكور - كما سيأتي في توثيق وجه الدلالة - وقد تقدم تخريج حادثة البيعة في: (ص/ ٣٨٠).\n(^٢) انظر: الفصول في الأصول للجصاص (٤/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، ومسائل الخلاف للصيمري (ص/ ٣٧٨)، وقواطع الأدلة (٥/ ١٠٣)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ٢٥٣).\n(^٣) انظر: شرح اللمع (٢/ ١٠٢٩).\n(^٤) تقدم بيان حال الأثر في: (ص/ ٣٨٢).\n(^٥) انظر: الفصول في الأصول للجصاص (٤/ ٢٨٤).","vol":"1","page":391},{"text":"مناقشة الدليل الثالث: تقدمتْ مناقشةُ الاستدلالِ بقولِ ابنِ مسعودِ - ﵁ - في أدلةِ أصحابِ القولِ الثاني.\nالدليل الرابع: أنَّ تقليدَ المجتهدِ لمنْ هو أعلمُ منه ضربٌ مِن الاجتهادِ في تقويةِ رأي الأعلمِ، فإذا كان للمجتهدِ أنْ يحكمَ في الحادثةِ باجتهادِه، كان له أنْ يقلِّدَ مَنْ هو أعلمُ منه؛ لأنَّ اجتهادَ الأعلمِ أوثقُ عنده مِن اجتهادِ نفسِه (^١).\nمناقشة الدليل الرابع: نوقش الدليل من وجهين:\nالوجه الأول: لو جوَّزنا للمجتهدِ تقليدَ الأعلمِ؛ لأنَّ اجتهادَ الأعلمِ أقوى، للزمَ منه أنْ لا يعملَ المجتهدُ باجتهادِه، ولا يترك تقليدَ الأعلمِ في جميعِ الحوادثِ، ولا أحدَ يقولُ بهذا (^٢).\nالوجه الثاني: لا تصحُّ تسميتكم تقليد المجتهدِ للأعلمِ ضربًا مِن الاجتهادِ؛ لأن هذا الضربَ مِن الاجتهادِ هو اجتهادٌ فيمَنْ يقلِّدُه، لا اجتهاد يعتمدُ على النظرِ في الأدلةِ (^٣).\nثم إنْ قلتُم: إنَّه لا يخلو عن اجتهادٍ في مأخذِ قولِ المجتهدِ خَرَجْتُم عن محلِّ الخلافِ، ولم نسمِّ فعلَ المجتهدِ حينئذٍ تقليدًا.\nالدليل الخامس: إذا كانَ المجتهدُ أعلمَ مِنْ غيرِه فله مزيةٌ، وهي كثرةُ علمِه، وحسنُ بصيرتِه بطرقِ الاجتهادِ، وأمَّا اجتهادُ الإنسانِ نفسِه، فله مزيةٌ مِنْ وجهٍ آخر، وهي أنَّه على ثقةٍ مِن اجتهادِه، ومِنْ إحاطتِه بالدليلِ، وليس المجتهدُ على ثقةٍ وإحاطةٍ مِن اجتهادِ الأعلمِ، فإذا اجتمعا - أي: الأعلم ومن هو دونه - تساويا، فخُيّرَ بينهما (^٤).\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق، ومسائل الخلاف للصيمري (ص/ ٣٧٨)، والعدة (٤/ ١٢٣٥).\n(^٢) انظر: العدة (٤/ ١٢٣٥).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (٤/ ١٢٣٦).\n(^٤) انظر: التبصرة (ص/ ٤١٠)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٢٩)، وقواطع الأدلة (٥/ ١٠٣)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٨)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ٢٥٣).","vol":"1","page":392},{"text":"مناقشة الدليل الخامس: نوقش الدليل من وجهين:\nالوجه الأول: يبطلُ دليلُكم بالأمرين الآتيين:\nالأمر الأول: مَنْ طالتْ صحبتُه مِن الصحابةِ - ﵃ - للنبي - ﷺ - مع مَنْ لم تطلْ صحبتُه؛ إذ لمَنْ طالتْ صحبتُه مزيةٌ بطولِ الصحبةِ، وكثرةِ السماعِ مِن النبي - ﷺ -، ومع ذلك لا يجوزُ لمَنْ لم تطلْ صحبتُه تقليدَ مَنْ طالتْ صحبتُه، إذا تساويا في العلم، ولا يُقال: إنَّ له مزيةً بطولِ الصحبةِ وكثرةِ السماعِ، ولاجتهادِ مَنْ لم تطلْ صحبتُه مزيةٌ بالثقةِ فيه، فَوَجَبَ أنْ يتخيّرَ من لم تطلْ صحبتُه بينهما! فكذلك في مسألتِنا (^١).\nالأمر الثاني: التابعيُّ مع الصحابي إذا تساويا في العلمِ، فإنَّ للصحابي مزيةَ الصحبةِ، والمشاهدةِ للنبي - ﷺ -، والسماعِ منه - ﷺ -، وهذه الصفاتُ غيرُ موجودةٍ في التابعي، ثمَّ لا يجوزُ القولُ بأنَّ للتابعي تقليدَ الصحابي لهذه المزيةِ، فكذلك في مسألتِنا (^٢).\nالوجه الثاني: لا تصحُّ التسويةُ بين اجتهادِ المجتهدِ، وتقليدِ الأعلم؛ لأنَّ المجتهدَ إذا عمل باجتهادِ نفسِه، كان عالمًا بما يعملُ به، وإذا قلّد غيرَه كان جاهلًا، ولا يتساوى حالُ العلمِ مع الجهلِ، ومِن المعلومِ أنَّ التقليدَ مِنْ عملِ الجُهّالِ، والاجتهادَ مِنْ عملِ العلماءِ، ولا يجوزُ أنْ يُقال للمجتهدِ: لك أنْ تتركَ عملَ العلماءِ إلى عملِ الجُهالِ (^٣).\nثمَّ إنَّ الإحاطةَ في حالِ اجتهادِ المجتهدِ، لا يوازيها زيادةُ علمِ المجتهدِ الآخر؛ لأنَّ المجتهدَ على يقينٍ مِنْ اجتهادِ نفسِه، وشكٍّ مِنْ اجتهادِ الأعلمِ؛ هل اجتهدَ على الوجهِ الصحيح؟ والشكُّ لا يساوي العلمَ (^٤).\n_________\n(^١) انظر: التبصرة (ص/ ٤١٠ - ٤١١)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٢٩ - ١٠٣٠)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ١٠٨)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ٢٥٣).\n(^٢) انظر: المصادر السابقة.\n(^٣) انظر: التبصرة (ص/ ٤١١)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٣٠)، وقواطع الأدلة (٥/ ١٠٨).\n(^٤) انظر: التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٩).","vol":"1","page":393},{"text":"الدليل السادس: ما تقدم مِن أدلةِ أصحابِ القولِ الثاني الدالةِ على جوازِ تقليدِ المجتهدِ لغيرِه - ممَّا لم يُذكرْ في الأدلةِ الآنفةِ الذكر - إلا أنَّ أصحابَ القولِ الثالث يخصونها بالأعلمِ، دونَ المساوي والأدون؛ لأنَّ الظاهرَ أنَّ اجتهادَ الأعلمِ أقربُ إلى الصوابِ (^١).\nوقد تقدمت مناقشة أدلة أصحاب القول الثاني.\nأدلةُ أصحاب القول الرابع: استدلَّ أصحابُ القولِ الرابع (القائلون بجواز التقليد للمجتهد عند ضيق الوقت) بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٢).\nوجه الدلالة: إذا ضاقَ الوقتُ على المجتهدِ، فإنَّه - والحالةُ هذه - غيرُ عالمٍ، وإذا كان غيرَ عالمٍ جازَ له سؤالُ غيرِه مِن العلماءِ (^٣).\nمناقشة وجه الدلالة: تقدمتْ مناقشةُ الاستدلالِ بهذه الآيةِ في أدلةِ أصحابِ القولِ الثاني.\nالدليل الثاني: إذا ضاقَ الوقتُ على المجتهدِ فإنه لنْ يتمكنَ مِن التوصّل إلى معرفةِ الحكمِ عن طريقِ الاجتهادِ، فكان له التقليدُ، قياسًا على العامي (^٤).\n_________\n(^١) انظر: شرح تنقبح الفصول (ص / ٤٤٤)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٦٣٦ - ٦٣٧)، ورفع النقاب للشوشاوي (٦/ ١٦٣).\n(^٢) وردت الآية في موضعين في القرآن: الأول: من الآية (٤٣) من سورة النحل. والثاني: من الآية (٧) من سورة الأنبياء.\n(^٣) انظر: شرح اللمع (٢/ ١٠١٤)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٩ - ٤٢٠)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ٢٥٥).\n(^٤) انظر: العدة (٤/ ١٢٣٧)، وشرح اللمع (٢/ ١٠١٤)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٩ - ٤٢٠)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ٢٥٥).","vol":"1","page":394},{"text":"مناقشة الدليل الثاني: هناك فرقٌ واضحٌ بين المجتهدِ والعامي؛ إذ العامي عاجزٌ عن الاجتهادِ؛ لفقدِه آلته، بخلافِ المجتهدِ، فإنَّه متمكنٌ مِن الاجتهادِ، وبناءً عليه لا يصحُّ إلحاقُ المجتهدِ بالعامي، ونظيرُهما مَنْ لم يجدْ ماءً ولا سترةً، لا يُلْحَقُ به مَنْ يقدرُ على الماءِ والسترةِ، لكنَّه يخافُ فوات الوقتِ لمن استعملهما (^١).\nوقولُكم عن المجتهد: \"لا يتمكن من الوصول إلى الحكم\"، غيرُ مسلّمٍ؛ بلْ للمجتهدِ قدرةٌ على الاجتهادِ، وهذه القدرةُ توصلُه إلى تحصيلِ الحُكمِ (^٢).\nالدليل الثالث: أنَّ المجتهدَ في حالِ ضيقِ الوقتِ مضطرٌ إلى التقليدِ؛ فإنَّه لو اجتهدَ فاتته العبادةُ، وأخرّها عن وقتِها، وهذا لا يجوز؛ فساغَ له التقليدُ (^٣).\nمناقشة الدليل الثالث: إذا كانت العبادةُ مِن العبادات التي يجوزُ تأخيرُها لعذرٍ، صار عدمُ اجتهادِ المجتهدِ عذرًا له في التأخيرِ، وإنْ كانت العبادةُ مِن العباداتِ التي يجوزُ تأخيرُها عن وقتِها، أدّاها على حسب حالِه، ثم يعيدُها إذا اجتهدَ، فلا تُوجدُ ضرورةٌ إلى التقليدِ (^٤).\nيقولُ أبو الوفاءِ بنُ عقيلٍ: \"أمَّا دعواهم أنَّه - أي: المجتهد - مضطرٌ إلى التقليدِ، فغيرُ صحيح؛ لأنَّه إذا نَظَرَ وصدقَ الاجتهاد، هَجَمَ به على الحكمِ، فلا ضرورةَ إلى ما تشيرُ إليه مِنْ ضيقِ الوقتِ.\nوالوقتُ ظرفٌ، والاجتهادُ شرطٌ، فلا يسقط الشرطُ؛ لضيقِ الظرفِ،\n_________\n(^١) انظر: المصادر السابقة.\n(^٢) انظر: الواضح في أصول الفقه (٥/ ٢٥٦).\n(^٣) انظر: التبصرة (ص/ ٤١٣)، وشرح اللمع (٢/ ١٠١٤)، وقواطع الأدلة (٥/ ١٠٩)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤٢٠)، وشرح تنقيح الفصول (ص/ ٤٤٤)، ورفع النقاب (٦/ ١٦٣).\n(^٤) انظر: المصادر السابقة.","vol":"1","page":395},{"text":"كسائرِ العباداتِ المؤقتةِ، لا يجوزُ تركُ شروطِها؛ لخوفِ فواتِها، ولأن يُجعل الإشكالُ في الدليلِ عذرًا مبيحًا للتأخيرِ، أولى مِنْ أن يُجعلَ عذرًا لإسقاطِ الاجتهادِ، والرجوعِ إلى التقليدِ\" (^١).\nوأجيب عن تجويزِهم أداء العبادةِ في وقتِها مع عدمِ التقليدِ: بأنَّه لا يجوزُ أداءُ العبادةِ مع الجهلِ، مع إمكانيةِ حصولِ أدنى ظنٍّ بحكمِها، فإذا أدَّى المجتهدُ العبادةَ بتقليدِ غيرِه، فقد حصّلَ أدنى ظنٍّ بحكمِها، وهذا خيرٌ مِنْ أدائِها مع الجهلِ (^٢).\nالدليل الرابع: في تقليدِ المجتهدِ لغيرِه مِن المجتهدين مع ضيقِ الوقتِ، تحصيلٌ للعملِ في الوقتِ المحددِ بقولِ مجتهدٍ ما، وهذا أولى مِنْ إخلاءِ الوقتِ عن وظيفتِه؛ لتوقّعِ ظهورِ الحكمِ بالاجتهادِ (^٣).\nأدلة أصحاب القول الخامس: استدلَّ أصحابُ القولِ الخامسِ (القائلون بجواز تقليد المجتهد لغيره من المجتهدين فيما يخصه، دون ما يفتي فيه) بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: يجوزُ للمجتهدِ التقليدُ في الأمورِ التي تخصّه؛ لأنَّه محتاجٌ إلى التقليدِ؛ ليعملَ، أمَّا في الفتوى، فهو غيرُ محتاجٍ إلى التقليدِ، فلا تجوزُ له الفتوى بناءً على التقليدِ، لأنَّ له أنْ يحيلَ على غيرِه (^٤).\nمناقشة الدليل الأول: لا نُسلّمُ لكم أنَّ المجتهدَ محتاجٌ إلى التقليدِ فيما إذا عملَ؛ بلْ هو محتاج إلى معرفةِ الحكمِ الشرعي، وتحصلُ معرفةُ الحكمِ بالاجتهادِ، لا بالتقليدِ (^٥).\n_________\n(^١) الواضح في أصول الفقه (٥/ ٢٥٦).\n(^٢) انظر: أصول الفقه عند القاضي عبد الوهاب للدكتور عبد المحسن الريس (ص/ ٥٨٢).\n(^٣) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٣٦).\n(^٤) انظر: شرح اللمع (٢/ ١٠٣٠)، وشرح تنقيح الفصول (ص/ ٤٤٤)، ورفع النقاب (٦/ ١٦٣).\n(^٥) انظر: شرح اللمع (٢/ ١٠٣٠).","vol":"1","page":396},{"text":"الدليل الثاني: أنَّ غرضَ المستفتي للمجتهدِ الأخذُ برأي المجتهدِ نفسِه، لا رأي غيرِه، وما دام المسؤولُ ليس عنده رأي في المسألةِ، فليس له أنْ يفتيَ فيها برأي غيرِه؛ لعدمِ السؤالِ عنه.\nأمَّا في خاصة نفسِه، فله أنْ يقلِّدَ مَنْ شاء؛ لوثوقِه به (^١).\nويمكن مناقشة الدليل الثاني: بأنَّه لا فرقَ بين الحالين: عمل المجتهدِ، وإفتائه؛ لأنَّ القولَ إنْ كان راجحًا يجوزُ الأخذُ به للعملِ وللإفتاءِ، وإنْ كان مرجوحًا لم يجز العمل به، ولا الإفتاءُ (^٢).\nأدلةُ أصحاب القولِ السادس: استدلَّ أصحابُ القولِ السادسِ (القائلون بجواز تقلَيد المجتهد لغيره من المجتهدين عند تعذر الاجتهاد) بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: أنَّ الواجبَ في الشرعِ يسقطُ بالعجزِ عنه، وهنا المجتهدُ عاجزٌ عن الاجتهادِ، فينتقلُ إلى بدلِه، وهو التقليد، ويكونُ حالُ المجتهدِ كحالِ مَنْ عَدِم الماءَ ينتقلُ إلى التيمم (^٣).\nالدليل الثاني: أنَّ المجتهدَ في حالِ عجزِه عن الاجتهادِ - لأي سبب - بمنزلةِ العامي، فيجوزُ له التقليدُ (^٤).\n• الموازنة والترجيح:\nبعد عرضِ أهمِّ الأقوالِ في المسألة وأدلتها، وما وَرَدَ عليها مِنْ مناقشاتٍ، يظهرُ لي رجحانُ القولِ السادسِ، وهو منعُ المجتهدِ مِنْ تقليدِ\n_________\n(^١) انظر: نزهة المشتاق شرح اللمع (ص/ ٧٨٧)، بواسطة: التقليد في الشريعة لعبد الله الشنقيطي (ص/١١٧).\n(^٢) انظر: التقليد في الشريعة لعبد الله الشنقيطي (ص / ١١٧).\n(^٣) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/ ٢٠٤).\n(^٤) انظر: أصول الفقه للدكتور عياض السلمي (ص/ ٤٨٥).","vol":"1","page":397},{"text":"غيرِه مِن المجتهدين إلا إذا تعذَّرَ عليه الاجتهادُ تعذرًا حقيقًا؛ لأي سببٍ كان، إذا ظنَّ أنَّه لنْ يتوصلَ إلى رأي راجحٍ في المسألة، لكنْ لا بُدَّ أن تطمئنَ نفسُه إلى القولِ الذي قلَّدَ فيه المجتهدَ الآخر.\nوقد رجحتُ ما سبقَ للآتي:\nأولًا: عمومُ الأدلةِ الدالةِ على المنعِ مِن التقليدِ، وأَوْلى مَنْ تتوجه إليه تلك الأدلة هو المجتهدُ، واستثني مِنْ هذا العموم المجتهدُ إذا تعذَّر عليه الاجتهادُ.\nثانيًا: أنَّ أهمَّ ما يتميز به المجتهدُ عن غيرِه مِن العلماء الذين لم يبلغوا رتبةَ الاجتهادِ، والعوامِّ، هو: إمكانيةُ التوصلِ إلى الحكمِ الشرعي بطريقٍ صحيحٍ، فإذا تَرَكَ الاجتهادَ في الشرع، ورَكَنَ إلى التقليدِ، فقد تَرَكَ أهمَّ خصلةٍ تُميزه عن غيرِه.\nثالثًا: أنَّ المجتهدَ عالمٌ بالحكِم الشرعي، وإنْ لم يجتهدْ في المسألةِ؛ وذلكَ بالقوةِ القريبةِ مِن الفعلِ؛ لاجتماعِ شروطِ الاجتهادِ وأدواتِه فيه (^١)، وبناءً عليه، فعلى المجتهدِ الاجتهاد، ما لم يتعذرْ عليه.\nرابعًا: أنَّ الاجتهادَ كمالٌ، والتقليدَ نقصٌ، والأَولى بالمجتهدِ الأخذ بالكمالِ ما استطاع، وترك ما فيه نقصٌ.\nخامسًا: في منعِ المجتهدِ مِن التقليدِ إثراءٌ للشريعةِ الإسلاميةِ؛ بتعددِ الاجتهاداتِ في المسألةِ الواحدةِ، الأمر الذي يؤدي إلى تعددِ الاستدلالاتِ، والجوابِ عن الأدلةِ الضعيفةِ، وكل ذلك يؤدّي إلى نماءِ الفقهِ وازدهارِه.\nسادسًا: أنَّ فرضَ المجتهدِ الاجتهادُ، والفرضُ يسقطُ بالعجزِ عنه، وعدمِ القدرةِ عليه (^٢)؛ يقول الله ﵎: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (^٣)،\n_________\n(^١) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٣٥).\n(^٢) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٦/ ٢٤٣).\n(^٣) من الآية (١٦) من سورة التغابن.","vol":"1","page":398},{"text":"فهذه الآيةُ تدلُّ على أنَّ كلَّ واجبٍ عَجَزَ عنه المكلّفُ، فإنَّه يسقطُ عنه (^١).\nيقولُ شمسُ الدين بنُ القيّمِ: \"إنَّ ما أوجبه اللهُ ورسولُه ... مقيّدٌ بحالِ القدرةِ؛ لأنَّها الحال التي يُؤْمرُ فيها به، وأمَّا في حالِ العجزِ، فغيرُ مقدورٍ ولا مأمورٍ\" (^٢).\nوبناءً على ما تقدم آنفًا، فإن العالم إذا بلغَ رتبةَ الاجتهادِ، ونَسَبَ نفسَه إلى مذهب أحدِ الأئمةِ، ولعل يقلِّدْ مذهبَه، إلا أنَّه التزمَ الأخذَ بقولِ إمامِه - في الجَملة - فيما إذا تعذَّر عليه الاجتهاد، فإنَّ تمذهبَه في هذه الحالةِ جائزٌ.\n• سبب الخلاف:\nبتأمّلِ المسألة بأقوالها وأدلتها، يظهرُ أنَّ للخلافِ عدةَ أسباب:\nالسبب الأول: تعارضُ عموماتِ الأدلةِ الشرعيةِ، فقد وَرَدَت في الكتابِ الكريمِ، والسنةِ المطهرةِ عموماتٌ دالةٌ على المنعِ مِن التقليدِ، وأخرى جاءت دالة على إباحتِه.\nفمَنْ نَظَرَ إلى عموماتِ الأدلةِ المانعةِ، قالَ بمنعِ المجتهدِ مِن تقليدِ غيرِه مِن المجتهدين.\nومَنْ نَظَرَ إلى عموماتِ الأدلةِ المبيحةِ للتقليدِ قالَ بإباحةِ التقليدِ للمجتهدِ.\nومَنْ فصَّلَ في المسألةِ، أَخَذَ بعموماتِ الأدلةِ المانعةِ أو المبيحة، وفضلَ، أو استثنى؛ لأدلةٍ خاصةٍ.\nالسبب الثاني: الترددُ في إلحاقِ المجتهدِ الذي لم ينظرْ في المسألةِ أصلًا، أو لم يتوصلْ فيها إلى رأي محددٍ، بالمجتهدين، أو بالعوامِّ:\n_________\n(^١) انظر: تيسير الكريم الرحمن لابن سعدي (٤/ ١٨٤١).\n(^٢) تهذيب السنن (١/ ١١٨ - ١١٩).","vol":"1","page":399},{"text":"فمَنْ نَظَرَ إلى اجتماعِ شروطِ الاجتهادِ في المجتهدِ، وتوافر آلةِ الاجتهادِ فيه، ألحقه بالمجتهدين، وألزمه بالاجتهادِ، ومنعَه مِن التقليدِ.\nومَنْ نَظَرَ إلى عدمِ علمِ المجتهدِ بحكمِ المسألةِ، ألحقه بالعوامِّ، وأباح له التقليدَ، ولم يمنعْه منه.\nيقولُ الطوفيُّ: \"المسألةُ المتنازَعُ فيها واسطةٌ بين طرفين؛ فتجاذباها، وذلك؛ لأنَّ العاميَّ يقلِّدُ باتفاقٍ، والمجتهدُ إذا ظنَّ الحكمَ باجتهادٍ لا يقلِّد باتفاقٍ.\nأمَّا المجتهدُ الذي لم يجتهدْ في الحكمِ، ولم يظهرْ له، فهو مترددٌ بين الطرفين:\nفبالنظرِ إلى أنَّه لم يحصلْ له ظنُّ الحكمِ يُلحقُ بالعامي، وبالنظرِ إلى أنَّ فيه أدواتِ الاجتهادِ - وهو قادرٌ على معرفةِ الحكمِ بقوتِه القريبةِ مِن الفعلِ - يُلحقُ بالمجتهدِ الذي ظنَّ الحكمَ، في عدمِ جوازِ التقليدِ\" (^١).\nالسبب الثالث: هل كلُّ مجتهدٍ مصيبٌ؟\nتُعدُّ مسألة: (التصويب والتخطئة) إحدى المسائلِ الأصوليةِ التي طالَ الحديثُ والخلافُ فيها، ولها أثرٌ في عددٍ مِن المسائلِ الأصوليةِ، ويمكن ردُّ الخلافِ في مسألةِ: هل للمجتهد أنْ يُقلِّدَ غيرَه من المجتهدين؟ إليها.\nفمَنْ قال: الحقُّ واحدٌ، وليس كلّ مجتهدٍ مصيبًا، مَنَعَ مِنْ تقليدِ المجتهدِ لغيرِه مِن المجتهدين.\nومَنْ قال: الحقُّ متعددٌ، وكلّ مجتهدٍ مصيبٌ، جوّز للمجتهدِ أنْ يقلِّد غيرَه مِن المجتهدين؛ لأنَّ المجتهدين جميعَهم مصيبون.\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٣٥).","vol":"1","page":400},{"text":"يقول بدرُ الدين الزركشي: \"في جوازِ تقليدِ المجتهدِ لمجتهدِ آخر خلافٌ ... وينبغي التفاتُ الخلافِ على الخلافِ في أنَّ كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ، أم لا؟ \" (^١).\nالسبب الرابع: مدى اعتبارِ حالةِ المجتهدِ إذا ضاق عليه الوقتُ، أو تعذّر عليه الاجتهادُ حالة حاجةٍ أو ضرورةٍ؛ ليقلِّدَ غيرَه.\nفمَنْ لم يعتبرْ حالةَ المجتهدِ إذا ضاقَ عليه الوقتُ، أو تعذّر عليه الاجتهادُ حالةَ حاجةٍ أو ضرورةٍ، مَنَعَ المجتهدَ مِنْ تقليدِ غيرِه.\nومَن اعتبرَ حالةَ المجتهدِ إذا ضاقَ عليه الوقتُ، أو تعذَّر عليه الاجتهادُ حالةَ حاجةٍ أو ضرورةٍ، أباحَ للمجتهدِ تقليدَ غيرِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>المسألة السادسة: مذهب العامي</span>\nالمرادُ بالمسألةِ: هل للعامي مذهب؟ بحيثُ يصحُّ تمذهبُه به.\nوالمرادُ بالعامي في مسألتنا: العاميُّ الصِرْفُ، الذي لم يحصّلْ شيئًا مِن العلومِ المعتبرةِ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ (^٢)، ويخرجُ بذلك:\nأولًا: المجتهد.\nثانيًا: العالم الذي ارتفع عن رتبةِ العامي الصرفِ؛ بتحصيلِ بعضِ العلومِ المعتبرةِ، ولم ينلْ رتبةَ الاجتهادِ، وهو على مراتب متفاوتة (^٣).\n• الأقوال في المسألة:\nإذا تقرر ما تقدم، فإنَّ العلماءَ قد اختلفوا في العامي هل له مذهب؟ على قولين:\n_________\n(^١) سلاسل الذهب (ص/ ٤٤٦).\n(^٢) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٩٤٧)، والبحر المحيط (٦/ ٢٨٣ - ٢٨٤).\n(^٣) انظر: المصدرين السابقين، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (١٢/ ٤٢٢).","vol":"1","page":401},{"text":"القول الأول: أنَّ العافي لا مذهبَ له.\nوهذا القول وجهٌ عند الشافعيةِ (^١)، وعند الحنابلةِ (^٢). ونقل أبو القاسمِ الرافعي أنَّ أبا الفتحِ الهروي (^٣) نسبه إلى عامةِ الشافعيةِ (^٤).\nواختاره جمعٌ مِنْ أهلِ العلم، منهم: ابنُ القيم (^٥)، وجلالُ الدينِ السيوطي (^٦)، وشاه ولي الدهلوي (^٧)، وصالحٌ الفلاني (^٨)، وابنُ عابدين (^٩)، ومحمدٌ الباني (^١٠)،\n_________\n(^١) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٦١)، وروضة الطالبين للنووي (١١/ ١١٧).\n(^٢) انظر: المسودة (٢/ ٨٥٥).\n(^٣) هو: نصر بن سيار بن صاعد بن سيار، أبو الفتح شرف الدين الكناني الهروي، ولد بهراة سنة ٤٧٥ هـ كان مسند خراسان، فقهيًا حنفيًا، مناظرًا متدينًا متواضعًا فاضلًا حسن السيرة، تاركًا للتكلف، سليم الجانب، تولى منصب القضاء، توفي بهراة سنة ٥٧٢ هـ. انظر ترجمته في: المنتخب من معجم الشيوخ للسمعاني (٣/ ١٧٨٩)، وسير أعلام النبلاء (٢٠/ ٥٤٥)، والعبر في خبر من غبر للذهبي (٤/ ٢١٦)، والجواهر المضية للقرشي (٣/ ٥٤١)، وشذرات الذهب لابن العماد (٦/ ٤٠٤).\n(^٤) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (١٢/ ٤٢٢)، والبحر المحيط (٦/ ٣٢٠).\n(^٥) انظر: إعلام الموقعين (٦/ ٢٠٣).\n(^٦) انظر: جزيل المواهب (ص/ ٤٢).\n(^٧) انظر: حجة الله البالغة (١/ ٤٨٤)، وعقد الجِيْد (ص/ ٣٠). وشاه ولي الله الدهلوي هو: أحمد بن عبد الرحيم الفاروقي الدهلوي، أبو عبد العزيز شاه ولي الله، ولد سنة ١١١٠ هـ فقيه حنفي، ومحدّث مسنِد، ومن المهتمين بالجمع بين الحديث النبوي والفقه، وبالحديث عن حِكَم الشرع وأسراره، قال الكتاني عنه: \"أحيا الله به وبأولاده وأولاد بنته وتلاميذهم الحديث والسَنة بالهند بعد مواتهما\"، اشتغل بالتدرش نحوًا من اثنتي عشرة سنة، من مؤلفاته: حجة الله البالغة، والفوز الكبير في أصول التفسير، والإنصاف في بيان أسباب الاختلاف، توفي سنة ١١٧٦ هـ. انظر ترجمته في: أبجد العلوم للقنوجي (ص/ ٧٠٧)، وفهرس الفهارس والأثبات للكتاني (١/ ١٧٨)، و(٢/ ١١١٩)، وإيضاح المكنون للبغدادي (١/ ٦٥)، والأعلام للزركلي (١/ ١٤٩)، ومعجم المؤلفين لكحالة (١/ ١٦٨).\n(^٨) انظر: إيقاظ همم أولي الأبصار (ص/ ٧٤).\n(^٩) انظر: حاشية ابن عابدين (١/ ١٦١).\n(^١٠) انظر: عمدة التحقيق (ص/ ٣٢). ومحمد الباني هو: محمد سعيد بن عبد الرحمن بن محمد الباني الدمشقي، ولد بدمشق سنة ١٢٩٤ هـ من العاملين للاستقلال في العهد العثماني، تفقه على علماء بلده، ودرَّس بالمدرسة الأميرية، واتصل بالشيخ طاهر الجزائري، كان إضافةً إلى طلبه للعلم الشرعي عارفًا باللغة والأدب، وقد تولى منصب الإفتاء في دمشق، وتنقل في =","vol":"1","page":402},{"text":"ومحمد بخيت المطيعي (^١)، وأحمد بن الصديق الغماري (^٢)، ومحمد السنهوري (^٣)، والدكتور محمد مدكور (^٤)، والدكتور وهبة الزحيلي (^٥)، والدكتور يوسف القرضاوي (^٦)، والدكتور سليمان الأشقر (^٧).\nوالقول الأول هو ظاهر قول أبي الفتح الشهرستاني (^٨).\n_________\n= بعض الأعمال الحكومية، ثم اعتزل العمل الحكومي إلى أن توفي، قال عنه الشيخُ علي الطنطاوي: \"هو عالم لم يعرف الناس قدره، وكثير منهم نسي اسمه، مع أني أكاد أفضله في مصنفاته على علماء عصره، حتى الشيخ جمال الدين القاسمي\"، من مؤلفاته: عمدة التحقيق في التقليد والتلفيق، والكوكب الدري المنير في أحكام الفضة والذهب والحرير، وتنوير البصائر بسيرة الشيخ طاهر، توفي بدمشق سنة ١٣٥١ هـ. انظر ترجمته في: منتخبات التواريخ الدمشقة لمحمد أديب (٢/ ٨٦٥)، والأعلام للزركلي (٦/ ١٤٣)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٣١٩)، وذكريات علي الطنطاوي (٢/ ٢٢١)، وتاريخ علماء دمشق لمحمد مطيع (١/ ٤٦٥).\n(^١) انظر: سلم الوصول (٤/ ٥٧٨)، ورسالة في بيان الكتب التي يعول عليها (ص/ ٥٠).\n(^٢) انظر: درة الغمام الرقيق لعبد الله التليدي (ص/ ٣٦). وأحمد الغماري هو: أحمد بن محمد بن الصديق بن أحمد الحسني الغماري الأزهري، أبو الفيض، ولد بالمغرب بقرية بني سعيد سنة ١٣٢٠ هـ كان أحد كبار المحدثين، ومن العلماء البارزين، مكثرًا من التأليف، له اطلاعٌ واسع، وذكاء مفرط، وحافظة قوية، وقوة حجة، كان أول أمره مالكي المذهب، ثم انتقل إلى المذهب الشافعي، ثم ترك المذاهب بالكية، وقد عُرف عنه التصوف، وله أقوال تناقض توحيد العبادة، وله كلام يدل على قوله بوحدة الوجود، من مؤلفاته: المداوي لعلل المناوي، وحصول التفريج بأصول العزو والتخريج، والإسهاب في المستخرج على مسند الشهاب، وتخريج أحاديث الشفا، والهداية في تخريج أحاديث البداية، توفي بالقاهرة سنة ١٣٨٠ هـ.\nانظر ترجمته في: مقدمة الهداية في تخريج أحاديث البداية (١/ ٤٧)، والأعلام للزركلي (١/ ٢٥٣)، ودر الغمام لعبد الله التليدي (ص/ ٧)، وتزيين الألفاظ لمحمود سعيد (ص/ ١٠١)، وصحيفة سوابق لمحمد بو خبزة (ص/ ١٠٦، ١٤٩)، وصديقون للمختار التمسماني (ص/ ٢٤٢).\n(^٣) انظر: التلفيق بين أحكام المذاهب، مجلة البحوث الإسلامية بالأزهر (١/ ٧٥).\n(^٤) انظر: مناهج الاجتهاد في الإسلام (ص/ ٤٣٨)، والمدخل للفقه الإسلامي (ص / ٣١٩).\n(^٥) انظر: أصول الفقه الإسلامي (٢/ ١١٣٨) حاشية رقم (١).\n(^٦) انظر: كيف نتعامل مع التراث؟ (ص/ ٨٢).\n(^٧) انظر: المدخل إلى دراسة المذاهب (ص/ ٢٥٩).\n(^٨) انظر: الملل والنحل (١/ ٤٧٢). وأبو الفتح الشهرستاني هو: محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني، ولد بشهرستان سنة ٤٦٧ هـ كان شافعي المذهب إمامًا مبرزًا، فقيهًا بارعًا، =","vol":"1","page":403},{"text":"القول الثاني: أن للعامي مذهبًا.\nوهذا القولُ وجهٌ عند الشافعيةِ (^١)، وعند الحنابلةِ (^٢).\nواختاره: القفالُ المروزي الشاشي (^٣)، وأبو القاسمِ الرافعي (^٤)، ومحيي الدين النووي (^٥)، وابنُ رسلان الرملي (^٦).\n• أدلة القولين:\nأدلةُ أصحاب القول الأول: استدلَّ أصحابُ القول الأول بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: أنَّ المذهبَ إنَّما يكونُ لمَنْ يعرفُ الأدلةَ، ويكونُ له نوعُ نظرٍ واستدلالٍ، وبصرِ بالمذهبِ، أو لمنْ قَرَأَ كتابًا في فروعِ المذهبِ، وعَرَفَ فتاوى إمامِه، ومَنْ لم تكنْ له الأهليةُ، وقال: أنا على مذهبِ أحمدَ مثلًا، لم يصرْ كذلك بمجردِ قولِه (^٧).\nالدليل الثاني: لو قال العاميُّ: أنا نحوي، أو فقيهٌ، أو أصولي، لم يصر كذلك بمجردِ قولِه، فكذا الأمرُ فيما إذا قال: أنا حنبلي مثلًا، لم يصرِ كذلك بمجردِ قولِه (^٨).\n_________\n= متكلمًا على مذهب أبي الحسن الأشعري، وواعظًا يستمع له الناس، وقد اتهم بميله إلى أهل الزيغ، وتخبطه في الاعتقاد، من مؤلفاته: الملل والنحل، ونهاية الإقدام في علم الكلام، توفي بشهرستان سنة ٥٤٨ هـ. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ٢٧٣)، والوافي بالوفيات للصفدي (٣/ ٢٧٨)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٦/ ١٢٨)، وطبقات الشافعية للإسنوي (٢/ ١٠٦)، وطبقاث الفقهاء الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٣١١).\n(^١) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٦١)، وروضة الطالبين للنووي (١١/ ١١٧).\n(^٢) انظر: المسودة (٢/ ٨٥٥).\n(^٣) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٦١).\n(^٤) انظر: العزيز شرح الوجيز (١٢/ ٤٢٢).\n(^٥) انظر: روضة الطالبين (١١/ ١٠١).\n(^٦) انظر: لمع اللوامع، القسم الثاني (٢/ ٦٧٠).\n(^٧) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٦١)، وروضة الطالبين للنووي (١١/ ١١٧)، وصفة الفتوى (ص/ ٧١)، وإعلام الموقعين (٦/ ٢٠٣)، والدر الفريد لأحمد الحموي (ص/ ١١٢).\n(^٨) انظر: إعلام الموقعين (٦/ ٢٠٣).","vol":"1","page":404},{"text":"دليلُ أصحاب القول الثاني: أنَّ العاميَّ اعتقدَ أنَّ المذهبَ الذي انتسب إليه هو الحقّ، ورجّحه على غيرِه، فصحَّ ثبوتُ المذهبِ له، وعليه الوفاءُ بموجبِ اعتقادِه (^١).\nمناقشة دليل أصحاب القول الثاني: لا قيمةَ لاعتقادِ العامي أنَّ مذهبَه هو الحقّ؛ إذا لم تكن لديه أهليةُ معرفةِ المذهبِ الذي نَسَبَ نفسَه إليه.\nثم يلزم مِنْ قولِكم لوازم فاسدة، منها: تحريمُ استفتاءِ العامي علماء غيرِ المذهبِ الذي انتسب إليه، وتحريمُ أخذِه بقولٍ أرجح مِنْ مذهبِ إمامِه (^٢).\n• الموازنة والترجيح:\nمِنْ خلالِ تأمّل القولين، وما استدلوا به، يظهرُ لي رجحانُ القولِ الأولِ القائلِ إنَّ العاميَّ لا مذهبَ له؛ وذلك للآتي:\nأولًا: أن قولَ العامي: أنا حنبلي أو حنفي مثلًا، مجرّدُ قولٍ، لا قيمةَ له، وليس له أيّ أثرٍ؛ تمامًا كما لو قال: أنا نحوي، لا قيمة لقولِه، إلا إنْ كان بصيرًا بعلمِ النحوِ.\nثانيًا: أنَّ حقيقةَ قولِ العامي: أنا حنبلي أو شافعي، زعمٌ أنَّه متبعٌ لذلك الإمامِ، سالك طريقَه، وهذا إنَّما يصحُّ، إذا سَلَكَ سبيلَه في العلمِ والفقهِ والاستدلالِ، فأمَّا مع جهلِه، وبعدِه عن العلمِ، فلا تصحُّ له دعوى الانتسابِ إلى المذهبِ (^٣).\n• نوع الخلاف:\nيظهرُ أنَّ الخلافَ بين القولين خلافٌ معنوي، ويظهرُ أثرُه في مسألةٍ\n_________\n(^١) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٦١)، وصفة الفتوى (ص/ ٧١)، والتقرير والتحبير (٣/ ٣٥٠).\n(^٢) انظر: إعلام الموقعين (٦/ ٢٠٣).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (٦/ ٢٠٣ - ٢٠٤).","vol":"1","page":405},{"text":"أصوليةٍ، وهي: إن انتسب العاميُّ إلى مذهبٍ، فهل له أنْ يقلّد غيرَ المذهب الذي انتسب إليه؟ (^١).\nعلى قول مَنْ قال: إنَّ العاميَّ لا مذهبَ له، له أنْ يقلّدَ، ويستفتي غيرَ المذهبِ الذي انتسبَ إليه.\nوعلى قولِ من قال: للعامي مذهبٌ، ليس له أنْ يقلِّدَ، ولا يستفتي غيرَ مذهبِه الذي انتسب إليه؛ لأنَّه يعتقده أرجح مِنْ غيرِه، فعليه الوفاءُ بموجبِ اعتقادِه (^٢).\nهذا مِنْ حيثُ الأصلُ، وقد بيّن أبو الفتح الشهرستاني أنَّ أربابَ القولين كليهما قد ذهب إلى أنَّ العامي ليس له أن يأخذَ بغيرِ مذهبِه الذي انتسبَ إليه؛ خروجًا مِن تخبطِ العامي في الأحكامِ وخلطِه فيها (^٣).\n_________\n(^١) انظر مسألة: (إن انتسب العاميُّ إلى مذهبٍ، فهل له أنْ يقلّد غيرَ المذهب الذي انتسب إليه؟) في: الوصول إلى الأصول لابن برهان (٢/ ١٩ - ٣٠)، والملل والنحَل للشهرستاني (١/ ٤٧٣ - ٤٧٢)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٣٨)، والبحر المحيط (٦/ ٣٢٠).\n(^٢) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٦١)، والمسودة (٢/ ٨٥٥)، وروضة الطالبين للنووي (١١/ ١١٧)، وصفة الفتوى (ص/ ٧١)، وإعلام الموقعين (٦/ ٢٠٤)، وسلاسل الذهب (ص / ٤٥٤).\n(^٣) انظر: الملل والنحل (١/ ٤٧٢ - ٤٧٣).","vol":"1","page":406},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>المطلب الثالث: المذهب (المتمذهب فيه)</span>\nوفيه ست مسائل:\nالمسألة الأولى: تعريف المذهب في اللغة والاصطلاح\nالمسألة الثانية: محل التمذهب\nالمسألة الثالثة: شروط نقل المذهب\nالمسألة الرابعة: صور الخطأ في نقل المذهب\nالمسألة الخامسة: ألفاظ نقل المذهب\nالمسألة السادسة: تفضيل مذهب من المذاهب","vol":"1","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>المسألة الأولى: تعريف المذهب في اللغة والاصطلاح</span>\nتقدَّمَ لنا في أوائلِ البحثِ الحديثُ عن تعريفِ المذهبِ في: اللغةِ، والاصطلاحِ، فأغنى عن إعادتِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>المسألة الثانية: محل التمذهب</span>\nالمرادُ بمحلِّ التمذهبِ - أو مجال التمذهب -: المسائلُ التي يُمكنُ الأخذُ بها على سبيلِ التمذهبِ، منسوبةً إلى مذهبِ إمامٍ معيَّنٍ.\nمِنْ خلالِ تأمّلِ حقيقةِ التمذهب، يظهرُ لي أنَّ محلَّه هو: المسائلُ الأصوليةُ والفقهيةُ ممَّا يصحُّ فيه الاجتهَادُ.\nوذلك لأنَّ التمذهبَ فرعٌ عن الاجتهادِ، فإذا لم يُوجد اجتهادٌ لم يُوجدْ تمذهبٌ.\nيقولُ الشيخُ محمد الأمين الشنقيطي: \"المذهبُ: ما يصحُّ فيه الاجتهادُ خاصّةً\" (^١).\nومِن المسائل الشرعيةِ العلميةِ والعمليةِ ما هو مقطوعٌ بها، ومنها ما هو مظنونٌ، ومحلُّ التمذهبِ - سواء أكان في الأصولِ، أم في الفروعِ - الأحكامُ المظنونةُ.\nوقبلَ ذكرِ المسائلِ التي تدخلُ تحتَ التمذهبِ - في ضوءِ ما قرره الأصوليون في مجالِ الاجتهادِ - أُحِبُّ أن أشيرَ إلى أنّ العلماءَ قد اختلفوا، هل في أصولِ الفقه ما هو ظني؟ (^٢).\n_________\n(^١) أضواء البيان (٧/ ٥١٧).\n(^٢) انظر مسألة: (هل في أصول الفقه ما هو ظني؟) في: التلخيص في أصول الفقه للجويني (١/ ١٠٦)، والبرهان (١/ ٧٩)، والإحكام في أصول الإحكام للآمدي (٤/ ٥٠)، والمحصول =","vol":"1","page":409},{"text":"ولنْ أتعرضَ إلى الخلافِ في المسألةِ، لكنَّي سأسيرُ في ضوءِ الاتجاه القائلِ إنَّ مِنْ أصولِ الفقه ما هو ظني؛ لأنَّ هذا هو ما يتفقُ وواقعَ المؤلفاتِ الأصوليةِ حينَ ننظرُ في الخلافِ المذكورِ في بعضِ المسائلِ، والذي يبعدُ معه كونُ كلِّ مسائلِ أصولِ الفقه قطعية.\nوقد نصَّ غيرُ واحدٍ مِن الأصوليين على إدخالِ أصولِ الفقهِ في المجتَهَدِ فيه، يقول بدرُ الدين الزركشي: \"المجتَهَد فيه: كلُّ حُكْمٍ شرعي عملي أو علمي - يُقصد به العلم - ليس فيه دليلٌ قطعي ...\nوالمراد بالعلمي: ما تضمنّه علمُ الأصولِ مِن المظنوناتِ التي يستندُ العملُ إليها\" (^١).\nويقولُ الطوفيُّ: \"أحكامُ الشريعةِ ... أقسامٌ ... منها: أنْ يستندَ إلى دليلٍ ظني - يحتمل النقيضَ احتمالًا قويًا - فهو اجتهادي، كأحكامِ الفروعِ الفقهيةِ، وأكثرِ أصولِ الفقهِ\" (^٢).\nويقولُ أبو الوفاءِ بنُ عقيلٍ: \"إنَّ أصولَ الفقهِ لا يُطلبُ لها القطعيات مِن الأدلة؛ إذ كانتْ إلى إثباتِ الأحكامِ أقرب، وعن أصولِ الدينِ أبعد\" (^٣).\nوحين عَرَض جمعٌ مِن الأصوليين مسألة: (المجتَهَد فيه)، أغفلوا قيدَ: (عملية)؛ بحيثُ تدخلُ المسائلُ العلميةُ - كأصولِ الفقهِ - التي ثبتتْ بدليلٍ غيرِ قاطعٍ في المجتَهَدِ فيه، ومن هؤلاءِ: أبو حامدٍ الغزالي (^٤)، والفخرُ\n_________\n= في علم أصول الفقه للرازي (١/ ٨٠)، ونفائس الأصول (١/ ٤٧)، ونهاية الوصول للهندي (٧/ ٢٨٢٧)، ومنهاج السنة النبوية لابن تيمية (٥/ ٩١)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٩/ ٢٢٨)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٦١٦)، والموافقات (١/ ١٧).\n(^١) البحر المحيط (٦/ ٢٢٧).\n(^٢) شرح مختصر الروضة (٣/ ٦١٦).\n(^٣) الواضح في أصول الفقه (٥/ ٣٣١)، وانظر منه: (٤/ ١٨٢).\n(^٤) انظر: المستصفى (٢/ ٣٩٠).","vol":"1","page":410},{"text":"الرازي (^١)، والآمديُّ (^٢)، وصفيُّ الدين الهندي (^٣).\nوقد يُقالُ: إنَّ بعضَى هؤلاءِ صرَّحَ في موطنٍ آخر بأنَّ أصولَ الفقهِ قطعيةٌ.\nوبعد هذا أقول: محلُّ التمذهبِ هو أصولُ الفقهِ والفقهُ (^٤)، ممَّا لم يقمْ عليه دليلٌ قاطعٌ. وهذا يشملُ أمورًا:\nأولًا: مسائلُ أصولِ الفقهِ التي لم يقمْ عليها دليلٌ قاطعٌ (^٥).\nممَّا هو محلٌّ للاجتهادِ مسائلُ أصولِ الفقهِ التي لم يقمْ عليها دليلٌ قاطعٌ، وبناءً عليه، فهي محلٌّ للتمذهبِ.\nوهذا التقريرُ آنفُ الذكرِ بناءً على أنَّ مِنْ أصولِ الفقهِ ما هو ظني، كحجيةِ القراءةِ الشاذةِ وعملِ أهلِ المدينةِ (^٦) ومفهومِ المخالفةِ وحجيةِ\n_________\n(^١) انظر: المحصول في علم أصول الفقه (٦/ ٢٧).\n(^٢) انظر: الإحكام في أصول الإحكام (٤/ ١٦٤).\n(^٣) انظر: نهاية الوصول (٨/ ٣٧٨٧).\n(^٤) لم أدخل مسائل أصول الدين التي ثبتت بدليل ظني؛ لأنها خارجة عن مجال بحثي.\n(^٥) انظر: الاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ٨٦)، والاجتهاد في الشريعة الإسلامية للدكتور محمد فوزي (ص / ٢٠)، وأبحاث معاصرة في الفقه الإسلامي وأصوله للدكتور محمد منصور (ص/ ٤٠).\n(^٦) أوضح الدكتور عبد الرحمن الشعلان في كتابه: أصول الإمام مالك (٢/ ١٠٣٩) أنَّ متقدمي أهل العلم لم يعرَّفوا مصطلح عمل أهل المدينة.\nوقد ذكر عددٌ من الباحثين تعريفات لعمل أهل المدينة، منها:\nالتعريف الأول: ما نقله أهل المدينة من سُننٍ نقلًا مستمرًا عن زمن النبي - ﷺ -، أو ما كان رأيًا واستدلالًا لهم. وهذا تعريف الدكتور أحمد نور سيف في كتابه: عمل أهل المدينة (ص/ ٤٤٣ - ٤٤٤).\nالتعريف الثاني: عمل أهل المدينة عبارة عن أقاويل أهل العلم بالمدينة، بعضه أُجمع عليه عندهم، وبعضه عمل به بعضُ الولاة والقضاة حتى اشتهر، وكله سمي إجماع أهل المدينة، وأنَّ منه ما كان أصله سنة عن النبي - ﷺ -، ومنه ماكان سنة خلفائه الراشدين - ﵃ -، ومنه ما كان اجتهادًا ممن بعدهم. وهذا تعريف الدكتور حسان فلمبان في كتابه: خبر الواحد إذا خالف عمل أهل المدينة (ص/٩٩ - ١٠٠). =","vol":"1","page":411},{"text":"الاستحسانِ (^١).\nويُلحقُ بالأصولِ القواعدُ والضوابطُ الفقهيةُ التي لم يقمْ عليها دليلٌ قاطعٌ؛ كقاعدة: (الغالبُ كالمحققِ)، و(الحوالةُ بيعٌ).\nيقولُ الطوفيُّ حين مثّلَ للظنيات: \"وبعضُ المسائلِ الأصوليةِ، كقولِنا: الأمرُ للوجوبِ والفورِ ونحوِه؛ فإنَّ قائلَ ذلك لا يقطعُ به، بل يترجحُ عند\" (^٢).\n_________\n= التعريف الثالث: ما اتفق عليه أهل المدينة من الصحابة والتابعين، وعملوا به، سواءٌ كان توقيفًا، أو رأيًا واستدلالًا لهم. وهذا تعريف الباحث موسى إسماعيل في كتابه: عمل أهل المدينة (ص/ ٢٣٨).\nالتعريف الرابع: ما اتفق عليه العلماء والفضلاء بالمدينة كلهم، أو أكثرهم، في زمن مخصوص، سواء أكان سنده نقلًا، أم اجتهادًا. وهذا تعريف الدكتور عبد الرحمن الشعلان في كتابه: أصول الإمام مالك (ص/ ١٠٤٢).\n(^١) عُرِّف الاستحسان بعدة تعريفات، منها:\nالتعريف الأول: دليل ينقدح في نفس المجتهد، تعسر عبارته عنه. ذكر هذا التعريف عددٌ من الأصوليين منسوبًا إلى بعض الحنفية، منهم: أبو حامد الغزالي في: المستصفى (١/ ٤١٣)، والآمديُّ في: الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ١٥٧)، والزركشي في: البحر المحيط (٦/ ٩٣)، والمرداوي في: التحبير (٨/ ٣٨٢٥).\nالتعريف الثاني: تخصيص القياس بأقوى منه. ذكر هذا التعريف الأسمنديُّ في: بذل النظر (ص/ ٦٤٧)، والآمديُّ في: الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ١٥٨).\nالتعريف الثالث: العدول في مسألة عن مثل ما حُكِم به في نظائرها إلى خلافه؛ لوجهٍ هو أقوى. وهذا تعريف أبي الحسن الكرخي، كما نسبه إليه جمعٌ من الأصوليين، منهم: أبو إسحاق الشيرازي في: شرح اللمع (٢/ ٩٦٩)، وأبو حامد الغزالي في: المستصفى (١/ ٤١٤)، والأسمنديُّ في: بذل النظر (ص/ ٦٤٧)، والآمديُّ في الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ١٥٨).\nوللتوسع في تعريفات الاستحسان، وما ورد عليها من مناقشات انظر: نظرية الاستحسان في التشريع للدكتور محمد الفرفور (ص/ ٦٠ - ٦٤)، ونظرية الاستحسان لأسامة الحموي (ص/ ٢٥ - ٣١، ٤٩ - ٥٢، ٧٠ - ٧٢)، ورأي الأصوليين في المصالح المرسلة والاستحسان للدكتور زين العابدين محمد النور (٢/ ١٣ - ١٦٧)، والاستحسان للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ١٤ - ٤١)، والمصلحة المرسلة والاستحسان للدكتور عبد اللطيف العلمي (ص/ ١٣٤ - ١٤١).\n(^٢) شرح مختصر الروضة (١/ ١٧٤). وقد وصف الآمدي عددًا من المسائل الأصولية بأنها ظنية، انظر على سبيل المثال: الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٢٢٨)، و(٢/ ٨٠ و١١٧).","vol":"1","page":412},{"text":"ويقولُ الشيخُ محمد الطاهر بن عاشور عن الأصوليين: \"لم نرَهم دوّنوا في أصولِ الفقهِ أصولًا قواطع يُمكنُ توقيف المخالفِ عند جريه على خلافِ مقتضاها، كما فعلوا في أصولِ الدّينِ، بلْ لم نجد القواطعَ إلا نادرةً! مثلُ: ذكر الكليات الضرورية ... وما عدا ذلك فمعظمُ أصولِ الفقهِ مظنونةٌ\" (^١).\nويقولُ الدكتورُ محمدٌ الدسوقي: \"مِن المعروفِ أنَّ لبعضِ المذاهب الفقهيةِ أصولًا فقهيةً، يعوَّلُ عليها في استنباطِ الأحكامِ، فالأحنافُ لهَم أصولٌ تختلفُ في بعضِها عن غيرِهم مِن الفقهاءِ، وللإمامِ مالكٍ بعضُ القواعدِ التي يقومُ عليها مذهبُه، كعملِ أهلِ المدينةِ، فضلًا عن أنَّ الفقهاءَ يختلفون حولَ طرقِ الاجتهادِ: كالقياسِ والاستحسانِ ... فمثلُ هذه القضايا الأصولية ظنيةٌ، وليست قطعيةً، ومِنْ ثمَّ اختلفتْ حولها الآراءُ، وكانت مجالًا للاجتهادِ\" (^٢).\nثانيًا: المسائلُ الفقهيةُ التي ثبتتْ بدليلٍ نقلي ظني، وهي على ثلاثةِ أنواعِ:\nالنوع الأول: المسائلُ الفقهيةُ التي ثبتتْ بدليلٍ ظني الثبوتِ، ظني الدلالةِ (^٣).\nإذا ثبتَ حكمُ مسألةٍ فقهيةٍ؛ بدليلٍ ظني الثبوتِ، كخبرِ الواحدِ الذي لم تحتفَّ به قرائنُ، وظني الدلالةِ، كالعموم: فإنَّ الحكمَ المستفادَ مِن\n_________\n(^١) مقاصد الشريعة الإسلامية (٣/ ١٨). وانظر: الاجتهاد في الشريعة الإسلامية للدكتور يوسف القرضاوي (ص/ ٧٠)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ٨٩).\n(^٢) الاجتهاد والتقليد (ص/ ٨٦). وانظر: الاجتهاد في الشريعة الإسلامية للدكتور محمد فوزي (ص/٢٠).\n(^٣) انظر: الفصول في الأصول للجصاص (٤/ ١٣)، والبحر المحيط (٦/ ٢٤٠)، وأصول الفقه لعبد الوهاب خلاف (ص/ ٢١٦ - ٢١٧)، والاجتهاد فيما لا نص فيه للدكتور الطيب خضري (١/ ١٦)، وأصول التشريع الإسلامي للشيخ علي حسب الله (ص/ ٨٧)، وأصول الفقه للدكتور محمد مدكور (ص/ ٣٤٣)، ومناهج الاجتهاد في الإسلام له (ص/ ٣٤٥)، والمدخل للفقه الإسلامي له (ص/ ٢٩٤)، وأصول الفقه للدكتور زكي الدين شعبان (ص/ ٣٣٤)، =","vol":"1","page":413},{"text":"الدليلِ يعتبرُ محلًا للاجتهادِ في جانبي: الثبوتِ والدلالةِ، وبناءً عليه يكونُ محلًا للتمذهبِ.\nوذلك مثلُ: قولِ النبي - ﷺ -: (لا صلاةَ لمن لم يقرأْ بفاتحةِ الكتابِ) (^١)، فالحديثُ مِنْ جهةِ ثبوتِه ظني، لأنَّه خبرٌ واحدٍ، وكذلك الأمر مِنْ جهةِ دلالتِه على إيجابِ قراءةِ الفاتحةِ على المصلي.\nالنوع الثاني: المسائلُ الفقهيةُ التي ثبتتْ بدليلٍ ظني الثبوتِ، قطعي الدلالةِ (^٢).\nتكونُ المسائلُ الفقهيةُ الثابتةُ بدليلٍ ظني الثبوتِ، قطعي الدلالةِ، محلًا للاجتهادِ في جانبِ الثبوتِ فحسب، ويكونُ الحكمُ المستفادُ مِن الدليلِ الظني محلًا للتمذهبِ.\nمثال ذلك: قولُ النبي - ﷺ -: (ليس فيما دونَ خمسِ ذَوْدٍ (^٣) صدقةٌ) (^٤)،\n_________\n= والاجتهاد ومقتضيات العصر لمحمد الأيوبي (ص/ ٤٦)، والوجيز في أصول الفقه للدكتور محمد الزحيلي (ص/ ٣١٤)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقى (ص/ ٨٨)، ودراسات في الاجتهاد للدكتور عبد المجيد السوسوة (ص/ ٤٠).\n(^١) جاء الحديث عن عبادة بن الصامت - ﵁ -، وأخرجه: البخاريُّ في: صحيحه، كتاب: الأذان، باب: وجوب القراءة للإمام والمأموم (ص/ ١٥٧)، برقم (٧٥٦)؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: الصلاة، باب: وجوب القراءة في كل ركعة (١/ ١٨٤)، برقم (٣٩٤).\n(^٢) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٤٠)، وأصول الفقه لعبد الوهاب خلاف (ص/ ٢١٦ - ٢١٧)، والاجتهاد فيما لا نص فيه للدكتور الطيب خضري (١/ ١٧)، وأصول التشريع الإسلامي للشيخ علي حسب الله (ص/ ٨٧)، وأصول الفقه للدكتور محمد مدكور (ص/ ٣٤٣)، والمدخل للفقه الإسلامي له (ص/ ٢٩٤)، وأصول الفقه للدكتور زكي الدين شعبان (ص/ ٣٣٥)، والاجتهاد ومقتضيات العصر لمحمد الأيوبي (ص/ ٤٦)، والاجتهاد في الشريعة الإسلامية للدكتور محمد فوزي (ص/ ١٨)، والوجيز في أصول الفقه للدكتور محمد الزحيلي (ص/٣١٤).\n(^٣) الذَّوْد: من الإبل ما بين الثنتين إلى التسع، وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر، واللفظة مؤنثة.\nانظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، مادة: (ذود)، (ص/ ٣٣٢)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (ذود)، (ص/ ١٧٧)، والقاموس المحيط، مادة: (ذود)، (ص/ ٣٥٩).\n(^٤) هذا الحديث قطعة من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -، وأخرجه: البخاريُّ في: صحيحه، =","vol":"1","page":414},{"text":"فالحديثُ مِنْ جهةِ ثبوتِه ظني؛ لأنَّه غيرُ متواترِ، لكنَّه قطعي في دلالتِه، لأنَّ لفظَ العددِ مِن ألفاظِ النصِّ على الحكمِ، ويكون الحكمُ مجالًا للاجتهادِ في ثبوتِه فقط، دونَ دلالتِه.\nالنوع الثالث: المسائلُ الفقهيةُ التي ثبتتْ بدليلٍ قطعي الثبوت، ظني الدلالة (^١).\nما ثَبَتَ مِن المسائلِ الفقهيةِ بدليلٍ قطعي الثبوت، ظني الدلالة محلٌّ للاجتهادِ في جانبِ الدلالةِ فقط، ويكونُ الحكمُ المستفادُ مِن الدليلِ محلًا للتمذهبِ.\nأمثلة ذلك:\nالمثال الأول: عدّةُ المطلقةِ، أهي بالحيضِ، أم بالطهرِ؟ ومردُّ الخلافِ إلى تفسيرِ القُرءِ في قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (^٢).\nالمثال الثاني: الخلافُ في مقدارِ ما يمسحُ مِن الرأسِ في قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (^٣).\n_________\n= كتاب: الزكاة، باب: ما أدي زكاته فليس بكنز (ص/ ٢٧٤)، برقم (١٤٠٥)؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: الزكاة (١/ ٣٤٥)، برقم (٩٧٩).\n(^١) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٤٠)، وأصول الفقه لعبد الوهاب خلاف (ص/ ٢١٦ - ٢١٧)، والاجتهاد فيما لا نص فيه للدكتور الطيب خضري (١/ ١٧)، وأصول التشريع الإسلامي للشيخ علي حسب الله (ص/ ٨٧)، وأصول الفقه للدكتور محمد مدكور (ص/ ٣٤٣)، والمدخل للفقه الإسلامي له (ص/ ٢٩٤)، وأصول الفقه للدكتور زكي الدين شعبان (ص/ ٣٣٥)، والاجتهاد ومقتضيات العصر لمحمد الأيوبي (ص/ ٤٦)، والاجتهاد في الشريعة الإسلامية للدكتور محمد فوزي (ص/ ١٨)، والوجيز في أصول الفقه للدكتور محمد الزحيلي (ص/٣١٤).\n(^٢) من الآية (٢٢٨) من سورة البقرة.\n(^٣) من الآية (٦) من سورة المائدة.","vol":"1","page":415},{"text":"ثالثًا: المسائلُ التي لم يَرِدْ فيها دليلٌ نقلي أصلًا (^١).\nمِن النوازلِ ما لم يَرِدْ بشأنِه دليلٌ مِن الكتاب، ولا مِن السنةِ، ولا مِن الإجماعِ، فيُطلبُ حكمُها مِن الأدلةِ الأخرى، كالقياس والاستحسان ونحوهما، ويكونُ الحكمُ المستفادُ مجالًا للاجتهادِ، وبناءً عليه يكون محلًا للتمذهبِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>المسائل التي ليست مجالًا للتمذهب:</span>\nهناك عددٌ مِن المسائلِ ليست مجالًا للتمذهبِ، وهي:\nأولًا: القواعدُ والأصولُ التي ثبتتْ بالدليلِ القاطعِ (^٢).\nما كان مِن الأصولِ والقواعدِ ثابتًا بدليلٍ قطعي، فليس محلًا للاجتهادِ، وذلك مثل: حجيةِ القرآنِ الكريمِ في إثباتِ الأحكامِ الشرعيةِ، وقاعدةِ: (الأمور بمقاصدها)، وبناءً عليه ليستْ الأصول والقواعد القطعية محلًا للتمذهبِ، فلا يصحُّ أنْ يُقالَ مثلًا: مذهبُ مالكٍ أنَّ القرآنَ حجةٌ (^٣).\nوأنبّه إلى أنَّ القاعدةَ الأصوليةَ، والقاعدةَ الفقهيةَ قد تكونانِ قاطعتينِ - فلا تكونانِ مجالًا للتمذهبِ - لكنْ في ضمنِ مسائلهما ما هو غيرُ قطعي، فيكون مجالًا للتمذهبِ.\n_________\n(^١) انظر: أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف (ص/ ٢١٦ - ٢١٧)، ومصادر التشريع الإسلامي له (ص ٩، ١٢)، والاجتهاد فيما لا نص فيه للدكتور الطيب خضري (١/ ١٧)، وأصول التشريع الإسلامي للشيخ علي حسب الله (ص/ ٨٧)، وأصول الفقه للدكتور محمد مدكور (ص/ ٣٤٤)، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور له (ص/ ٢٩٤)، وأصول الفقه للدكتور زكي الدين شعبان (ص/ ٣٣٥)، والاجتهاد لمحمد الأيوبي (ص/ ٤٧)، والاجتهاد في الشريعة الإسلامية للدكتور محمد فوزي (ص/ ٢٠)، والوجيز في أصول الفقه للدكتور محمد الزحيلي (ص/ ٣١٥).\n(^٢) انظر: الموافقات (١/ ١٨)، والبحر المحيط (٦/ ٢٤٠)، والاجتهاد في الشريعة الإسلامية للدكتور محمد فوزي (ص/ ١٨)، وأبحاث معاصرة في الفقه الإسلامي وأصوله للدكتور محمد منصور (ص/ ٤٣).\n(^٣) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٤٠).","vol":"1","page":416},{"text":"يقولُ الدكتورُ محمد الدسوقي: \"القواعدُ الكليةُ التي أُخذتْ مِن الشريعة بنصٍّ صريحٍ، أو استُنبِطَتْ مِنْ نصوصِ الكتابِ والسنةِ بطريقِ استقراءِ الأحكامِ الواردةِ فيهما، أو استُنْبطَت مِنْ عمومِ العلةِ التي رُبطَ بها بعضُ الأحكامِ، ويُمثل للأُولى بقاعدةِ: (لا ضرر ولا ضرار (^١» (^٢)، وقاعدةِ:\n_________\n(^١) اختلف العلماء في المقصود بالضرر، والضرار على أقوال، أشهرها:\nالقول الأول: أنَّ الضرر: ما تضر به غيرك، وتنتفع به، والضرار: ما تضر به غيرك، دون أنْ تنتفع به.\nالقول الثاني: أن الضرر: إيقاع ضرر بشخصٍ لم يضرك، والضرار: إيقاع الضرر بمن أضرك على غير وجه جائز.\nانظر: التمهيد لابن عبد البر (١٨/ ٤١٥) - ضمن موسوعة شروح الموطأ - وجامع العلوم والحكم لابن رجب (٢/ ٢١٩)، والمجموع المذهب للعلائي (٢/ ٣٧٦)، والقواعد للحصني (١/ ٣٣٤).\n(^٢) أصل هذه القاعدة حديث نبوي، وقد جاء الحديث عن عدد من الصحابة - ﵃ -، ومن أشهر من جاء عنهم:\nأولًا: حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -، وأخرجه: الدينوري في: المجالسة (٧/ ٢٥٩)، برقم (٣١٦٠)؛ والدارقطني في: السنن، كتاب: الأقضية والأحكام، باب: الشفعة (٥/ ٤٠٨)، برقم (٤٥٤١)؛ والحاكم في: المستدرك، كتاب: البيوع (٢/ ٧٥ - ٧٦)، برقم (٢٣٤٥)، وقال: \"هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم، ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي، وقال ابن عبد الهادي في: تنقيح التحقيق (٥/ ٦٨) عن تصحيح الحاكم: \"وفي قوله نظر\".\nوأخرجه أيضًا: البيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: الصلح، باب: لا ضرر ولا ضرار (٦/ ٦٩ - ٧٠).\nوقال النووي: \"وهو حديث حسن\" الأربعين النووية (٢/ ٢١٥) مع جامع العلوم.\nوأخرج الحديثَ مرسلًا عن يحيى المازني: مالكٌ في: الموطأ، كتاب: الأقضية، باب: القضاء في المرفق (٢/ ٢٩٠)، برقم (٢١٧١)؛ والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: آداب القاضي، باب: ما لا يحتمل القسمة (١٠/ ١٣٣).\nثانيًا: حديث عبادة بن الصامت - ﵁ -، وأخرجه: ابن ماجه في: سننه، كتاب: الأحكام، باب: من بنى في حقه ما يضر بجاره (ص/ ٤٠٠)، برقم (٢٣٤٠)؛ والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: آداب القاضي، باب: ما لا يحتمل القسمة (١٠/ ١٣٣).\nوقال ابن عساكر عن هذه الرواية: \"وأظن إسحاق لم يدرك جده\"، نقله الزركشي في: المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج (ص/ ٢٣٥).\nثالثًا: حديث عبد الله بن عباس - ﵄ -، وأخرجه: ابن ماجه في: سننه، كتاب: الأحكام، باب: من بنى في حقه ما يضر بجاره (ص/ ٤٠٠)، برقم (٢٣٤١)؛ وأحمد في: =","vol":"1","page":417},{"text":"(البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر) (^١) ... ويمثل للنوع الثاني مِن\n_________\n= المسند (٥/ ٥٥) برقم (٢٨٦٥)؛ وأبو يعلى في: المسند (٤/ ٣٩٧) برقم (٢٥٢٠)؛ والطبراني في: المعجم الكبير (١١/ ٢٤٠)، برقم (١١٨٠٦)؛ وفي: المعجم الأوسط (٤/ ١٢٥)، برقم (٣٧٧٧)؛ والدارقطني في: السنن، كتاب: الأقضية والأحكام، باب: الشفعة (٥/ ٤٠٨)، برقم (٤٥٤٠)؛ وابن عبد البر في الاستذكار (٢٢/ ٢٢٣ - ٢٢٤)، برقم (٢٥١٨).\nرابعًا: حديث عائشة - ﵂ -، وأخرجه: الطبراني في: المعجم الأوسط (١/ ٩٠)، برقم (٢٦٨)، و(١/ ٣٠٧)، برقم (١٠٣٣) بإسنادين ضعيفين، كما قاله ابن رجب في: جامع العلوم والحكم (٢/ ٢١٥)؛ والدارقطني في: السنن، كتاب: الأقضية والأحكام، باب: الشفعة (٥/ ٤٠٧)، برقم (٤٥٣٩) وفي إسناده الواقدي، قال ابن رجب في: جامع العلوم والحكم (٢/ ٢١٥): \"وهو متروك\".\nخامسًا: حديث أبي هريرة - ﵁ -، وأخرجه: الدارقطني في: السنن، كتاب: الأقضية والأحكام، باب: الشفعة (٥/ ٤٠٨)، برقم (٤٥٤٢). وقال الزركشي في: المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج (ص/ ٢٣٧): \"في إسناده: ابن عياش، وهو مختلف فيه\"، وضعفه ابن رجب في: جامع العلوم والحكم (٢/ ٢١٦).\nوقد قوَّى الحديث بشواهد وطرقه: ابنُ الصلاح - كما نقله عنه ابنُ رجب في: جامع العلوم والحكم (٢/ ٢١٨) - والعلائيُّ - كما نقله عنه المناوي في: فيض القدير (٦/ ٤٣٢) - وابنُ رجب في: جامع العلوم والحكم (٢/ ٢١٧)، وصححه الألباني في: إرواء الغليل (٣/ ٤٠٨). ويقول ابن عبد البر في: التمهيد (١٨/ ٤١٢) - ضمن موسوعة شروح الموطأ -: \"أما معنى الحديث فصحيح في الأصول\".\n(^١) أصل هذه القاعدة حديث نبوي، وقد جاء فيها حديثان:\nأولًا: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ولفظه: (البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه)، وأخرجه: الترمذي في: جامعه، كتاب: الأحكام عن رسول الله - ﷺ -، باب: ما جاء في أنَّ البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه (ص / ٣١٦)، برقم (١٣٤١)، وقال: \"هذا حديث في إسناده مقالٌ، ومحمد بن عبيد الله العزرمي يضعف في الحديث من قبل حفظه، ضعفه ابنُ المبارك، وغيرُه\". وعبد الرزاق في: المصنف، باب: البيعان يختلفان (٨/ ٢٧١)، برقم (١٥١٨٤)، ولفظه: (المدعى عليه أولى باليمين إذا لم تكن بينة)؛ والدارقطني في: السنن، كتاب: الحدود والديات (٤/ ١١٤)، برقم (٣١٩١)، وفي: كتاب: الأقضية والأحكام، باب: إحياء الموات (٥/ ٣٨٩)، برقم (٤٥٠٨)، وزاد فيه: (إلا في القسامة)؛ والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: القسامة، باب: أصل القسامة والبداية فيها مع اللوث بأيمان المدعي (٨/ ١٢٣)، باللفظ الذي أخرجه الدارقطني؛ وفي: السنن الكبرى، كتاب: الدعوى والبينات، باب: المتداعيين يتداعيان شيئًا في يد أحدهما (١٠/ ٢٥٦) باللفظ الذي أخرجه عبد الرزاق؛ وابن عبد البر في: التمهيد (٢١/ ٣٧٢) - ضمن موسوعة شروح الموطأ - باللفظ الذي أخرجه الدارقطني، وقال: \"هذا الحديث وإن كان في إسناده لينٌ، فإنَّ الآثار =","vol":"1","page":418},{"text":"القواعدِ التي استُنْبِطَت مِن النصوصِ بقاعدةِ: (المشقة تجلب التيسير)، كما يُمثلُ للنوعِ الثالثِ مِن القواعدِ التي استُنْبِطَت مِن عمومِ العلةِ بقاعدة: (اليقين لا يزول بالشك).\nفهذه الأنواعُ الثلاثةُ مِن الأحكامِ قطعيةٌ، وليستْ مجالًا للاجتهادِ\" (^١).\nثانيًا: ما عُلِمَ مِن الدّينِ بالضرورةِ (^٢).\nالأحكامُ الشرعيةُ المعلومةُ مِن الدّينِ بالضرورةِ، كوجوب الصلاةِ والصيامِ، وتحريمِ الربا والخمرِ، ونحوها، ليستْ محلًا للاجتهَادِ، وبناءً\n_________\n= المتواترة في حديث هذا الباب تعضده\".\nوبيَّن ابن عبد الهادي في: تنقيح التحقيق (٥/ ٧٤) ضعف الحديث، وأنَّ زيادة الاستثناء فيه منكرة.\nوضعف ابنُ حجر في: التلخيص الحبير (٦/ ٣٢٤٧) حديث عبد الله بن عمرو.\nثانيًا: حديث عبد الله بن عباس - ﵄ -، وأصله في الصحيحين بلفظ: (لو يعطى الناس بدعواهم، لادَّعى ناس دماءَ رجالٍ وأموالَهم، ولكن اليمين على المدعى عليه)، وأخرجه: البخاري في: صحيحه، كتاب: التفسير، باب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ﴾ [من الآية ٧٧ من سورة آل عمران]، (ص / ٨٦١)، برقم (٤٥٥٢)؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: الأقضية، باب: اليمين على المدعى عليه (٢/ ٨١٨)، برقم (١٧١١).\nوفي رواية: (لو يعطى الناس ... ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر)، وأخرجها: البيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: الدعوى والبينات، باب: البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه (١٠/ ٢٥٢).\nوقال الترمذيُّ في: جامعه (ص/ ٣١٦): \"والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم أنَّ البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه\".\nوأشار ابنُ رجب في: جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٣٦) إلى أنَّ الإمام أحمد وأبا عبيد قد استدلا بلفظ رواية البيهقي، وهذا يدل على صحتها عندهما.\nوحسَّن ابنُ الصلاح روايةَ البيهقي - كما نقله عنه ابنُ رجب في: المصدر السابق (٢/ ٢٣٦) - وقال النووي في: شرح صحيح مسلم (١٢/ ٣) عنها: \"وجاء في رواية البيهقي وغيرِه بإسنادٍ حسن أو صحيح\".\nوحسَّنها ابن رجب في: جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٣٦)، وصححها ابنُ حجر في: بلوغ المرام (ص/ ٥٠٦).\n(^١) الاجتهاد والتقليد (ص/ ٨١ - ٨٢).\n(^٢) انظر: المستصفى (٢/ ٣٩٠)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٩٨)، =","vol":"1","page":419},{"text":"عليه ليستْ مجالًا للتمذهبِ (^١).\nولا تصحُّ في هذه الأحكامِ النسبةُ المذهبيةُ، فلا يُقال مثلًا: مذهبُ الإمامِ أحمد بن حنبل وجوبُ الصلواتِ الخمسِ.\nيقولُ شهابُ الدّينِ القرافي: \"لو قال قائل: وجوبُ الخمسِ الصلواتُ في كلِّ يوم، هو مذهبُ مالكٍ، لَنَبَا عنه السمعُ، ونَفَرَ منه الطبعُ، ونُدْرِكُ بالضرورةِ فرقًا بين هذا القولِ، وبين قولِنا: وجوبُ التدليكِ في الطهاراتِ مذهبُ مالكٍ، ووجوبُ الوترِ مذهبُ أبي حنيفةَ\" (^٢).\nويقولُ الشيخ محمدٌ الحجوي (^٣): \"لا يُقال في نحوِ وجوبِ\n_________\n= والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٢٧)، والإحكام في أصول الإحكام للآمدي (٤/ ١٦٤)، وكشف الأسرار للبخاري (٤/ ١٤)، وتقريب الوصول لابن جزي (ص/ ٤٣٩)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٣٩)، والبحر المحيط (٦/ ٢٨٣)، والتحبير (٨/ ٤٠٢٩)، ومناهج الاجتهاد في الإسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ٣٤٤)، والمدخل للفقه الإسلامي له (ص/ ٢٩٣)، وأصول الفقه للدكتور زكي الدين شعبان (ص/ ٣٣٤)، والاجتهاد في الشريعة للدكتور وهبة الزحيلي (ص/ ١٨٦)، والاجتهاد في الشريعة الإسلامية للدكتور محمد فوزي (ص/ ١٧)، والوجيز في أصول الفقه للدكتور محمد الزحيلي (ص/ ٣١٢).\n(^١) انظر: المعتمد (٢/ ٩٤١)، وتقريب الوصول لابن جزي (ص/ ٤٣٩)، والبحر المحيط (٦/ ٢٤٠).\n(^٢) الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام (ص / ١٩٤ - ١٩٥).\n(^٣) هو: محمد بن الحسن بن العربي بن محمد الحجوي الثعالبي الفاسي، ولد بفاس سنة ١٢٩١ هـ من رجال العلم والحُكْم، ومن فقهاء المالكية المتأخرين، يتمتع بحصافة عقل ونباهة فكر ممتازة، درَّس بالقيروان وفاس والرباط ومراكش، قال عن نفسه: وإنَّ عقيدته سلفية\"، أسندت إليه سفارة المغرب في الجزائر، وتقلب في عدة مناصب في عهد الحماية الفرنسية، فنفر عنه كبار مواطنيه، وابتعدوا عنه، من مؤلفاته: الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، والتعاضد المتين بين العقل والعلم والدين، والنظام في الإسلام، والعروة الوثقى، والمحاضرة الرباطية في إصلاح تعليم الفتيات في الديار المغربية، توفي بالرباط سنة ١٣٧٦ هـ ودفن بفاس. انظر ترجمته في: الفكر السامي للحجوي (٤/ ٣٧٦)، والأعلام للزركلي (٦/ ٩٦)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٢١٦)، وتراجم ستة من فقهاء العالم الإسلامي لعبد الفتاح أبو غدة (ص/ ١٣٧)، والفكر الإصلاحي في المغرب للدكتور سعيد العلوي (ص/ ٤٥).","vol":"1","page":420},{"text":"الزكاةِ ...: إنَّه مذهبُ مالكٍ والشافعى مثلًا، فالسمعُ يمجُّ ذلك ... \" (^١).\nثالثًا: المسائلُ التي ثبتتْ بالإجْماعِ القاطعِ (^٢).\nالأحكامُ الشرعيةُ الثابتةُ بإجماع قاطعٍ ليستْ محلًا للاجتهادِ، وبناءً عليه لا تكونُ مجالًا للتمذهبِ؛ لأن الحكمَ المستفادَ مِن الدليلِ حكمٌ قطعي.\nمثال ذلك: توريثُ الجدةِ السدس (^٣)، وبطلانُ نكاحِ المسلمةِ بالكافر (^٤).\nرابعًا: المسائلُ الفقهيةُ التي ثبتتْ بدليلٍ قطعي الثبوتِ، قطعي الدلالةِ (^٥).\nمِن الأحكامِ الفقهيةِ أحكامٌ ثَبَتَتْ بدليلٍ قطعي في ثبوتِه، قطعي في دلالتِه، فهذه الأحكامُ ليست محلًا للاجتهادِ، وبناءً عليه، لا تكونُ محلًا للتمذهبِ.\n_________\n(^١) الفكر السامي (٤/ ٤١٦).\n(^٢) انظر: المعتمد (٢/ ٩٨٨)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٤٦)، والمستصفى (٢/ ٣٩٠)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٢٧)، وكشف الأسرار للبخاري (٤/ ١٤)، وتقريب الوصول لابن جزي (ص/ ٤٤٠)، ومصادر التشريع الإسلامي لعبد الوهاب خلاف (ص/ ٩، ١١ - ١٢)، ومناهج الاجتهاد للدكتور محمد مدكور (ص/ ٣٤٥)، والمدخل للفقه الإسلامي له (ص/ ٢٩٣)، وأصول الفقه للدكتور زكي الدين شعبان (ص/ ٣٣٤)، والاجتهاد ومقتضيات العصر لمحمد الأيوبي (ص/ ٤٦)، والوجيز في أصول الفقه للدكتور محمد الزحيلي (ص/ ٣١٣).\n(^٣) انظر: الإجماع لابن المنذر (ص/ ٩٥)، والمغني لابن قدامة (٩/ ٤٥)، والإقناع في مسائل الإجماع لابن القطان (٣/ ١٤٣١).\n(^٤) انظر: المغني لابن قدامة (٩/ ٣٧٧)، والممونة للقاضي عبد الوهاب (٢/ ٥٨٦).\n(^٥) انظر: الفصول في الأصول للجصاص (٤/ ١٣)، وأصول الفقه لعبد الوهاب خلاف (ص/ ٢١٦)، ومصادر التشريع الإسلامي له (ص/ ٩، ١١)، وأصول الفقه للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ٤٧٥)، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور محمد مدكور (ص/ ٢٩٣)، وأصول الفقه للدكتور زكي الدين شعبان (ص/ ٣٣٤)، والاجتهاد في الشريعة للدكتور وهبة الزحيلي (ص/ ١٨٦)، والوجيز في أصول الفقه للدكتور محمد الزحيلي (ص/ ٣١١).","vol":"1","page":421},{"text":"مثال ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (^١)، دلت الآيةُ الكريمةُ على حكمٍ مقطوعٍ به، وهو الجلدُ ثمانين جلدةً لمَنْ يرمي المحصناتِ (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>المسأله الثالثة: شروط نقل المذهب</span>\nحَوَت المذاهبُ الفقهيةُ عددًا كبيرًا مِن المؤلفاتِ المحتويةِ على كمٍّ هائلٍ مِن المسائلِ المنسوبةِ إلى المذهبِ، وإذا أراد الناظرُ معرفةَ المذهب ونقلَه، فلهذا طرقٌ، ولكلِّ طريقٍ منها شروطٌ تخصّه، وإليكَ بيانها:\nالطريق الأول: ما صنّفه إمامُ المذهبِ.\nالطريق الثاني: ما نقله تلاميذُ إمامِ المذهبِ، ومعاصروه.\nالطريق الثالث: ما دوّنه أربابُ المذهب في مؤلفاتِهم الأصوليةِ والفقهية.\nالطريق الأول: ما صنّفه إمامُ المذهبِ.\nتقدَّم لنا الحديثُ عمّا صنّفه إمامُ المذهبِ باعتبارِه أحد الطرقِ الدالة على قولِه، وعن أحوالِ ما يذكرُه إمامُ المذهبِ باعتبارِ دلالتِه على قولِه.\nيقولُ ابنُ الهمامِ الحنفي: \"طريقُ نقلِه - أيْ: المفتي - عن المجتهدِ أحدُ أمرين: إمَّا أنْ يكونَ له فيه سندٌ إليه، أو يأخذَه مِنْ كتابِ معروفٍ\" (^٣).\nوحديثي هنا عن الشروطِ الواجبِ توافرها لنقلِ مذهبِ الإمامِ مِنْ كتابِه.\n_________\n(^١) من الآية (٤) من سورة النور.\n(^٢) انظر: دراسات في الاجتهاد للدكتور عبد المجيد السوسوة (ص/ ٣٧).\n(^٣) فتح القدير (٦/ ٣٦٠).","vol":"1","page":422},{"text":"ينبغي أنْ تكونَ نسبةُ القولِ إلى إمامِ المذهبِ دقيقةً؛ لما يترتبُ على ثبوتِها مِنْ آثار شرعيةٍ في الأخذُ بالقولِ، والاعتداد به في الخلافِ (^١).\nويشترطُ لنسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على ما ألَّفه الشروطُ الآتيةُ:\nالشرط الأول: ثبوتُ نسبةِ الكتابِ إلى إمامِ المذهبِ (^٢).\nيُشترطُ لمنْ أرادَ أنْ يأخذَ أقوالَ إمامِ المذهبِ مِنْ مؤلَّفٍ له أنْ تثبتَ نسبةُ المؤلَّفِ إليه، أمَّا إذا لم تصحَّ نسبةُ الكتاب إليه، فلا يسوغُ أخذُ ما فيه، ونسبتُه إلى إمامِ المذهبِ؛ لأنَّه لا يصحُّ أنَّ ننسبَ أقوالًا بناءً على كتابٍ منحولِ النسبةِ.\nوتأتي أهميةُ هذا الشرطِ؛ نظرًا لوجودِ مؤلفات منسوبةٍ إلى بعضِ الأئمةِ لا تصحُّ نسبتُها إليهم.\nأمثلة للكتب المنحولة النسبة:\nالمثال الأول: رسالةُ أحمدَ بن جعفر الاصطخري (^٣) المنسوبة إلى الإمامِ أحمدَ بن حنبل (^٤):\nضعّفَ جمعٌ مِن المحققين نسبةَ هذه الرسالةِ إلى الإمامِ أحمدَ، منهم:\n_________\n(^١) انظر: منهج البحث في الفقه للدكتور عبد الوهاب أبو سليمان (ص/ ١٦٨).\n(^٢) انظر: المحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٧٢)، وأدب المفتي والمستفتي (ص/ ١١٥)، والتحصيل من المحصول (٢/ ٣٠١)، ونهاية السول (٤/ ٥٨٠)، والإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٩٤٥)، ورسالة في بيان الكتب التي يعول عليها لمحمد المطيعي (ص/٦٧)، والإمام زيد - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٢٤١).\n(^٣) هو: أحمد بن جعفر بن يعقوب بن عبد الله، أبو العباس الفارسي الاصطخري، روى عن الإمام أحمد بن حنبل أشياء، منها: الرسالة المشهورة، والمعلومات المذكورة في مصادر الترجمة شحيحة. انظر ترجمته في: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/ ٥٤)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (١/ ٨٤)، والمنهج الأحمد للعليمي (٢/ ٤٦)، والدر المنضد له (١/ ١١٨).\n(^٤) انظر: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/ ٥٤ - ٧٤).","vol":"1","page":423},{"text":"شمسُ الدين الذهبي (^١)، وابنُ الوزيرِ (^٢)، فلا تصحُّ نسبة قولٍ إلى الإمامِ أحمدَ بناءً على ما جاءَ في هذه الرسالةِ.\nالمثال الثاني: رسالة الصلاةِ المنسوبة إلى الإمامِ أحمدَ بن حنبل (^٣).\nضعّفَ نسبةَ رسالةِ الصلاةِ إلى الإمامِ أحمدَ جمعٌ مِن المحققين، منهم: شمسُ الدينِ الذهبي (^٤)، والشيخُ محمد ناصر الدين الألباني (^٥).\n_________\n(^١) انظر: سير أعلام النبلاء (١١/ ٣٠٢). والذهبي هو: محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز التركماني، أبو عبد الله شمس الدين الذهبي، ولد بدمشق سنة ٦٧٣ هـ كان من كبار محدثي عصره، حافظًا لا يجارى، ولافظًا لا يبارى، أعرف أهل زمانه بعلم الحديث وعلله، وبالتاريخ والسير، لا يدانيه أحدٌ في معرفته برجال الحديث وعلوم الجرح والتعديل، يقول عنه تاج الدين بن السبكي: \"كأنَّما جُمِعَت الأمة في صعيد واحد، فنظرها، ثم أخذ يخبر عنها إخبار من حضرها\"، تفقه على المذهب الشافعي، وكان جيد الفهم، ثاقب الذهن، له مؤلفات مشهورة، منها: سير أعلام النبلاء، وتاريخ الإسلام، وميزان الاعتدال، توفي بدمشق سنة ٧٤٨ هـ. انظر ترجمته في: الوافي بالوفيات للصفدي (٢/ ١٦٣)، وفوات الوفيات لابن شاكر (٣/ ٣١٥)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٩/ ١٠٠)، وطبقات الشافعية للإسنوي (١/ ٥٥٨)، والدرر الكامنة لابن حجر (٣/ ٣٣٦)، وشذرات الذهب لابن العماد (٨/ ٢٦٤)، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ ٦٢٦).\n(^٢) انظر: العواصم والقواصم (٣/ ٣١٢). وابن الوزير هو: محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن المفضل بن المنصور اليماني، المعروف بابن الوزير، ولد بهجرة الظهراوين باليمن سنة ٧٧٥ هـ كان أحد كبار العلماء في وقته، وقد قرأ على أكابر المشايخ في بلده وفي مكة، وتبحر في جميع العلوم، وفاق الأقران، واشتهر صيته، وبَعُد ذكره، وطار علمه في الأقطار، كان من الداعين إلى نبذ التقليد المذهبي الذي كان عليه أرباب قطره، ومن الناصرين للاجتهاد المطلق، جرت بينه وبين علماء بلده من الزيدية عدوات ومحن، وكان يصاولهم ويجاولهم بالحجة، وبعد ذلك آثر العزلة، وأقبل على العبادة، من مؤلفاته: العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، والروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - ﷺ -، وإيثار الحق على الخلق، وتنقيح الأنظار في علوم الآثار، والبرهان القاطع في معرفة الصانع، توفي سنة ٨٤٠ هـ. انظر ترجمته في: الضوء اللامع للسخاوي (٦/ ٢٧٢)، وترجمة ابن الوزير لمحمد الهادي الوزير (١/ ٢٢) مطبوعة في مقدمة تحقيق الروض الباسم، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ ٥٩٩)، وأبجد العلوم للقنوجي (ص/ ٦٧٧)، والأعلام للزركلي (٥/ ٣٠٠).\n(^٣) انظر: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٢/ ٤٣٧ - ٤٧٥).\n(^٤) انظر: سير أعلام النبلاء (١١/ ٢٨٧).\n(^٥) انظر: صفة صلاة النبي - ﷺ - (ص/٣٣).","vol":"1","page":424},{"text":"وليس المقامُ مقامَ تحقيقِ نسبةِ هاتين الرسالتين، بل المقصودُ التمثيلُ فحسب.\nوإذا ثبتتْ صحةُ نسبةِ الكتابِ إلى إمامِ المذهبِ، ساغَ أخذُ أقوالِه منه.\nولا يشترطُ للنقلِ عن كتبِ الأئمةِ وجودُ إسنادٍ إليها.\nيقولُ أبو بكرٍ الجصاص: \"أمّا ما يُوْجَدُ مِنْ كلامِ رجلٍ ومذهبِه في كتابٍ معروفٍ به، قد تناولته النسخُ، فإنَّه جائزٌ لمنْ نَظَرَ فيه أنْ يقولَ: قالَ فلانٌ كذا، ومذهبُ فلانٍ كذا، وإنْ لم يسمعْه مِنْ أحدٍ ... لأنَّ وجودَ ذلك على هذا الوصفِ بمنزلةِ خبرِ التواترِ والاستفاضةِ، لا يحتاجُ مثلُه إلى إسنادٍ ... ولو لم يكنْ هذا هكذا، لما جازَ لأحدٍ أنْ يقولَ لموطأ مالكٍ، أو كتابِ أبي يوسفَ: هذا كتابُ فلانٍ، وهذا كتابُ فلانٍ، إذا لم يكنْ قد سمعه بإسنادٍ\" (^١).\nويقولُ جلالُ الدين السيوطي: \"قال الزركشيُّ في جزءٍ له: وحكى الأستاذُ أبو إسحاقَ الإسفراييني الإجماعَ على جوازِ النقلِ مِن الكتبِ المعتمدةِ، ولا يُشترطُ اتصالُ السندِ إلى مصنفيها.\nوذلك شاملٌ لكتبِ الحديثِ، والفقهِ\" (^٢).\nالشرط الثاني: سلامةُ الكتابِ مِن التحريفِ والتصحيفِ (^٣).\nلا بُدَّ أنْ يكونَ الكتابُ خاليًا مِن التحريفِ والتصحيفِ؛ ليأمنَ الناظرُ فيه مِن الوقوعِ في الخطأ؛ نتيجةً لسوءِ النسخةِ التي وَقَفَ عليها.\nالشرط الثالث: أنْ يدلَّ كلامُ إمامِ المذهبِ على المسألةِ.\n_________\n(^١) الفصول في الأصول (٣/ ١٩٢).\n(^٢) الأشباه والنظائر (٢/ ٥٤٨). وانظر: تدريب الراوي للسيوطى (١/ ٢٢٠).\n(^٣) انظر: المحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٧٢)، ونفائس الأصول (٩/ ٤١١١)، وسلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٢٦)، والمدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد (١/ ١٢٣).","vol":"1","page":425},{"text":"وهذا الشرطُ بيّنُ الظهورِ؛ وقد تقدّم لنا الحديثُ عنْ أحوالِ ما يُورده الإمامُ في مؤلفاتِه مِنْ حيثُ دلالتُه على قولِه واختيارِه.\nالشرط الرابع: معرفةُ اصطلاحِ الإمامِ، ومراتبِ ألفاظِه (^١).\nقد يَرِدُ في كلام إمامِ المذهبِ مصطلحٌ يدلُّ على معنى معيّنٍ، شائعٍ في وقتِه، ويخالفه المتأخرون في معناه، ويأتي الخطأُ مِنْ حملِ معنى المصطلحِ الواردِ في كلامِ الإمامِ على ما اصطلحَ عليه المتأخرون، دونَ انتباهٍ إلى اختلافِ الاصطلاحِ.\nوذلك مثلُ مصطلحِ: (الكراهة) (^٢)، فإنَّه يطلقُ في اصطلاحِ المتقدمين على المكروه تنزيهًا، وعلى المحرّمِ، فمَنْ لم يعرف اصطلاحَهم وَهِمَ في نسبةِ القولِ إلى الأئمةِ.\nالشرط الخامس: عدمُ رجوعِ إمامِ المذهبِ عن قولِه.\nممَّا هو معلومٌ أنَّ إمامَ المذهب قد يُجددُ اجتهادَه في بعضِ المسائلِ، وقد ينشأُ عنه رجوعُه عن قولِه الأولِ، وانتقاله إلى قولٍ آخر.\nفإذا وَقَفَ الناظرُ على قولٍ لأحدِ الأئمةِ مدوَّنٍ في مؤلَّفِه، واحتملَ رجوعُ الإمامِ عنْ قولِه، فلا بُدَّ مِنْ أنْ يتأكدَ مِنْ بقائِه على القولِ، وعدمِ رجوعِه عنه؛ إذ لو رَجَعَ عن القولِ لما صحّتْ نسبتُه إليه (^٣)، وهذا التقريرُ بناءً على أنَّ القولَ المرجوعَ عنه لا يُنسبُ إلى قائلِه، وسيأتي الحديثُ عن هذه المسألةِ في مطلبٍ مستقلٍّ.\nويتصلُ بهذا الشرطِ: ما إذا كان لإمامِ المذهبِ أكثرُ مِنْ مؤلَّفٍ، فممَّا يتأكدُ في هذه الحالةِ النظرُ في بقيةِ مؤلفاتِه؛ ليأمنَ عدمَ رجوعِ إمامِه عنْ قولِه.\n_________\n(^١) انظر: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٢/ ٢٢)، وبلوغ السول لمحمد مخلوف (ص/ ٩٦).\n(^٢) انظر: إعلام الموقعين (٢/ ٧٥).\n(^٣) انظر: الواضح في أصول الفقه (٢/ ٢٢٤).","vol":"1","page":426},{"text":"الطريق الثاني: ما نقله تلاميذُ إمامِ المذهبِ، ومعاصروه.\nتقدم الحديثُ عن أحوالِ ما ينقله تلاميذُ إمامِ المذهب وما يحكونه عنه، وعن حكمِ تفسيرِهم لأقوالِه مِنْ حيثُ صحةُ نسبتِها إليه.\nوالحديثُ هنا عن الشروطِ الواجبِ اجتماعها في الناقلِ عن إمام المذهبِ - سواء أكان تلميذًا له أو معاصرًا - وفي المنقولِ؛ لتثبتَ نسبةُ القولِ إلى إمامِ المذهبِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>شروطُ الناقلِ عن إمامِ المذهبِ:</span>\nيُشترطُ في ناقلِ قولِ إمامِ المذهب ما يُشترطُ في الراوي لأحاديثِ النبي - ﷺ - (^١)؛ لأنَّ المقصدَ في شروطِ الرَاوي لأحاديثِ النبي - ﷺ - أنْ يكونَ صدُقه، وضبطُه راجحًا على كذبِه، وخطئِه (^٢).\nوهذا المقصدُ مراعى هنا؛ إذ المقصدُ مِنْ شروطِ الناقلِ عن الإمامِ أنْ يكونَ صدقُ الناقلِ، وضبطُه راجحًا على كذبِه، وخطئِه (^٣).\nيقولُ تقيُّ الدينِ بنُ تيمية: \"إنَّ الناسَ في نقلِ مذاهبِ الأئمةِ قد يكونون بمنزلتِهم في نقلِ الشريعةِ ... وقد تختلفُ الروايةُ في النقلِ عن الأئمةِ، كما يختلف بعضُ أهلِ الحديثِ في النقلِ عنْ النبي - ﷺ -\" (^٤).\nالشرط الأول: الإسلام.\nيُشترطُ في ناقلِ قولِ الإمامِ أنْ يكونَ مسلمًا (^٥)، فلا يثبتُ القولُ بنقلِ\n_________\n(^١) انظر: نهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٦٦٨)، ونهاية السول (٤/ ٥٧٩)، والإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٩٤٥)، وتيسير التحرير (٤/ ٢٤٩).\n(^٢) انظر: المحصول في علم أصول الفقه للرازي (٤/ ٣٩٣)، والإبهاج في شرح المنهاج (٥/ ١٨٩١).\n(^٣) انظر: المحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٧٢)، والحاصل من المحصول (٢/ ١٠٢٢)، والتحصيل من المحصول (٢/ ٣٠١)، ونفائس الأصول (٩/ ٤١١١).\n(^٤) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٤/ ١٦٨). وانظر: الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام للقرافي (ص/ ٢٤٤)، وسلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٦٢٣).\n(^٥) انظر: أصول السرخسي (١/ ٣٤٦)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٣/ ١٠٥)، =","vol":"1","page":427},{"text":"الكافرِ؛ وذلك للآتي:\nأولًا: أنَّ الكافرَ لا يتحرجُ مِن الكذب في نقلِه، فهو مُتهمٌ فيما ينقلُه (^١).\nثانيًا: إذا لم يُقبلْ نقلُ الفاسقِ اتفاقًا، فالكافرُ مِنْ بابٍ أولى (^٢).\nالشرط الثاني: العقل.\nيُشترطُ في الناقلِ عن الإمامِ أنْ يكونَ عاقلًا (^٣)، فلا يصحُّ الاعتمادُ على ما ينقلُه غيرُ العاقلِ؛ لعدمِ قدرته على ضبطِ ما يسمعُه، ولتمكنِ الخللِ في نقلِه؛ إذ العقلُ أصلُ الضبطِ (^٤).\nيقولُ أبو بكرٍ السرخسي: \"أمَّا اشتراطُ العقلِ؛ فلأنَّ الخبرَ الذي يرويه كلامٌ منظومٌ، له معنى معلومٌ، ولا بُدَّ مِن اشتراطِ العقلِ في المتكلمِ مِن العبادِ؛ ليكون قولُه كلامًا معتبرًا، فالكلامُ المعتبرُ شرعًا: ما يكون عن تمييزٍ وبيانٍ، لا عن تلقينٍ وهذيانٍ، أَلا ترى أنَّ مِن الطيورِ مَن يُسمعُ منه حروفٌ\n_________\n= والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٤/ ٣٩٥)، وروضة الناظر (١/ ٣٨٣)، والإحكام في أصول الإحكام للآمدي (٢/ ٨٣)، وشرح تنقيح الفصول (ص / ٣٥٩)، وكشف الأسرار للبخاري (٢/ ٣٩٢)، وأصول الفقه لابن مفلح (٢/ ٥١٨)، والإبهاج في شرح المنهاج (٥/ ١٨٩٩)، والبحر المحيط (٤/ ٢٧٣)، وفتح المغيث للسخاوي (٢/ ١٥٨)، وتوضيح الأفكار للصنعاني (٢/ ١١٥).\n(^١) انظر: أصول السرخسي (١/ ٣٤٦)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٣/ ١٠٦)، وروضة الناظر (١/ ٣٨٣)، والإحكام في أصول الإحكام للآمدي (٢/ ١٧٣).\n(^٢) انظر: الإحكام في أصول الإحكام للآمدي (٢/ ١٧٣).\n(^٣) انظر: العدة (٣/ ٩٢٤)، وأصول السرخسي (١/ ٣٤٥)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٣/ ١٠٦)، والمحصول في أصول الفقه للرازي (٤/ ٣٩٣)، وروضة الناظر (١/ ٣٨٥)، والإحكام في أصول الإحكام للآمدي (٢/ ٧١)، وشرح تنقيح الفصول (ص / ٣٥٩)، وشرح مختصر الروضة (٢/ ١٤٣)، وأصول الفقه لابن مفلح (٢/ ٥١٦)، والإبهاج في شرح المنهاج (٥/ ١٨٩١)، واختصار علوم الحديث لابن كثير (١/ ٢٨٠) مع شرحه الباعث الحثيث، وفتح المغيث للسخاوي (٢/ ١٥٨)، وتوضيح الأفكار للصنعاني (٢/ ١١٥).\n(^٤) انظر: شرح اللمع (٢/ ٦٣٠)، والإحكام في أصول الإحكام للآمدي (٢/ ٧١)، وشرح تنقيح الفصول (ص/ ٣٥٩)، والإبهاج في شرح المنهاج (٥/ ١٨٩١).","vol":"1","page":428},{"text":"منظومةٌ، ويُسمَّى ذلك لحنًا، لا كلامًا، وكذلك إذا سُمعَ مِنْ إنسانٍ صوتُه بحروفٍ منظومةٍ، لا يدلُّ على معنى معلوم، لا يُسمَّى ذلك كلامًا، فعرفنا أنَّ معنى الكلامِ في الشاهدِ: ما يكون مميّزًا بين أسماء الأعلامِ، فما لا يكون بهذه الصفةِ يكون كلامًا صورةً لا معنى ... فكانَ العقلُ شرطًا في المخبِرِ؛ لأنَّ خبرَه أحدُ أنواعِ الكلامِ، فلا يكون معتبرًا إلا باعتبارِ عقلِه\" (^١).\nالشرط الثالث: البلوغ.\nيُشترطُ في الناقلِ عن الإمامِ أنْ يكونَ بالغًا (^٢)؛ وذلك للآتي:\nأولًا: أنَّ غيرَ البالغِ لا يَحْذَرُ الكذبَ (^٣).\nثانيًا: انعَقَدَ الإجماعُ على عدمِ قبولِ روايةِ الفاسقِ؛ لاحتمالِ كذبِه، مع أنَّه يخافُ الله؛ لكونِه مكلَّفًا، واحتمالُ الكذبِ مِن الصبي مع أنَّه لا يخافُ الله تعالى؛ لعدمِ تكليفِه، أظهرُ مِن احتمالِ الكذبِ في حقِّ الفاسقِ، فكان نقلُ غيرِ البالغِ أولى بالردِّ (^٤).\nوهذا الشرطُ معتبرٌ في أداءِ النقلِ، دونَ تحمّلِه، لكنْ لا بُدَّ أنْ يكونَ الراوي مميزًا وقتَ التحمّلِ (^٥).\n_________\n(^١) أصول السرخسي (١/ ٣٤٥).\n(^٢) انظر: العدة (٣/ ٩٤٩)، وشرح اللمع (٢/ ٦٣٠)، وأصول السرخسي (١/ ٣٤٧)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٣/ ١٠٥)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٤/ ٣٩٣)، والإحكام في أصول الإحكام للآمدي (٢/ ٧١)، وشرح تنقيح الفصول (ص / ٣٥٩)، وشرح مختصر الروضة (٢/ ١٤٣)، واختصار علوم الحديث لابن كثير (١/ ٢٨٥) مع شرحه الباعث الحثيث، والتحبير (٤/ ١٨٥٢)، وفتح المغيث للسخاوي (٢/ ١٦٠)، وتوضيح الأفكار للصنعاني (٢/ ١١٤).\n(^٣) انظر: العدة (٣/ ٩٤٩)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٣/ ١٠٥).\n(^٤) انظر: الإحكام في أصول الإحكام للآمدي (٢/ ٧١ - ٧٢).\n(^٥) انظر: العدة (٣/ ٩٤٩)، وشرح اللمع (٢/ ٦٣٥)، وأصول السرخسي (١/ ٣٤٧)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ١٠٦)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٤/ ٣٩٥).","vol":"1","page":429},{"text":"الشرط الرابع: العدالة.\nيُشترطُ في ناقلِ قولِ الإمامِ أنْ يكونَ عدلًا (^١)؛ وذلك للآتي:\nأولًا: يقولُ الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ (^٢).\nوجه الدلالة: أنَّ اللهَ تعالى أَمَرَنا بالتثبّتِ مِنْ خبرِ الفاسقِ (^٣)؛ لأنَّ الغالبَ فيه عدمُ مطابقتِه للواقعِ.\nثانيًا: أنَّ الفاسقَ لا يُؤْمَنُ عليه الكذبُ، والتساهلُ في نقلِ ما ليس له أصلٌ (^٤).\nوضابط العدالة: أنَّ كلَّ مَنْ لا يُؤمَنُ منه الجرأةُ على الكذب، فليس بعدلٍ، ومَنْ أُمنتْ منه الجرأةُ على الكذبِ، فهو عدلٌ (^٥).\nيقولُ شهابُ الدين القرافيُّ: \"الأصلُ أنْ لا تجوزَ الفتيا إلا بما يرويه العدلُ عن العدلِ عن المجتهدِ الذي يقلِّدُه المستفتي، حتى يصحَّ ذلك عند المفتي\" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: المعتمد (٢/ ٦١٦)، والعدة (٣/ ٩٢٥)، وإحكام الفصول (ص/ ٣٦٢)، وشرح اللمع (٢/ ٦٣١)، وأصول السرخسي (١/ ٣٤٥)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٣/ ١٠٦)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٤/ ٣٩٨)، والإحكام في أصول الإحكام للآمدي (٤/ ٧٦)، وأصول الفقه لابن مفلح (٢/ ٥٢٩)، والإبهاج في شرح المنهاج (٥/ ١٩٠٢)، واختصار علوم الحديث لابن كثير (١/ ٢٨٠) مع شرحه الباعث الحثيث، والتحبير (٤/ ١٨٥٧)، وفتح المغيث للسخاوي (٢/ ١٥٨)، وتوضيح الأفكار للصنعاني (٢/ ١١٦)، ورسالة في الكتب التي يعول عليها امحمد المطيعي (ص/ ٧٥).\n(^٢) من الآية (٦) من سورة الحجرات.\n(^٣) انظر: التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٣/ ١٠٨)، وشرح مختصر الروضة (٢/ ١٤٣).\n(^٤) انظر: المعتمد (٢/ ٦١٦)، والعدة (٣/ ٩٢٥)، وإحكام الفصول (ص/ ٣٦٦)، وشرح اللمع (٢/ ٦٣١)، وأصول السرخسي (١/ ٣٤٥ - ٣٤٦).\n(^٥) انظر: المحصول في علم أصول الفقه للرازي (٤/ ٣٩٩)، والإبهاج في شرح المنهاج (٥/ ١٩٥٣).\n(^٦) الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام (ص/ ٢٤٤).","vol":"1","page":430},{"text":"الشرط الخامس: الضبط.\nيُشْتَرطُ في ناقلِ قولِ الإمامِ أنْ يكونَ ضابطًا لما ينقلُه، متقنًا له (^١)؛ لأنَّ مَنْ لم يكنْ حالَ سماعِه ضابطًا؛ ليؤدي ما يسمعه على الوجهِ الصحيحِ، لا تحصلُ الثقةِ بقولِه، ويحتملُ أنْ يغيّرَ اللفظَ والمعنى (^٢).\nوضابطُ الضبطِ: أنْ يكونَ ضبطُ الراوي وإتقانُه لما يسمعُه أرجحَ مِنْ عدمِ ضبطِه وإتقانِه، وذكرُه لما يسمعُه أرجحُ مِنْ سهوِه عنه (^٣).\nتلك هي الشروطُ التي لا بُدَّ مِنْ اجتماعِها في ناقلِ قولِ الإمامِ، والغالبُ أنَّ نقلةَ أقوالِ الأئمةِ مِنْ تلامذتِهم، وغالبُهم رواةٌ ثقاتٌ، وفقهاءُ أثباتٌ، وحفاظٌ مؤتمنون، ولا يقدحُ فيهم ما يَقَعَ مِنْ بعضِهم مِنْ إغرابٍ في بعضِ نقولاتِه (^٤).\nويشترطُ في القولِ المنقولِ عن إمامِ المذهبِ - إضافةً إلى ما يُشترط في الناقلِ عنه - شرطانِ، وهما:\nالشرط الأول: انتفاءُ الشذوذِ عن القولِ المنقولِ.\nالشرط الثاني: انتفاءُ العلةِ عن القولِ المنقولِ.\nالشرط الأول: انتفاءُ الشذوذِ عن القولِ المنقولِ.\nيُشْتَرطُ في القولِ المنقولِ عنْ إمامِ المذهبِ؛ ليُنسبَ إليه: خلوُّه عن الشذوذِ، فإذا كان في النقلِ عنه شذوذٌ، لم تسغْ نسبتُه إليه.\n_________\n(^١) انظر: العدة (٣/ ٩٤٨)، وأصول السرخسي (١/ ٣٤٤)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٣/ ١٠٦)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٤/ ٤١٣)، وروضة الناظر (١/ ٣٨٧)، وشرح مختصر الروضة (٢/ ١٤٤)، وكشف الأسرار للبخاري (٢/ ٥٠)، وأصول الفقه لابن مفلح (٢/ ٥٢٧)، والإبهاج في شرح المنهاج (٥/ ١٩٣٣)، واختصار علوم الحديث لابن كثير (١/ ٢٨٠) مع شرحه الباعث الحثيث، والتحبير (٤/ ١٨٥٤)، وفتح المغيث للسخاوي (٢/ ١٥٦)، وتوضيح الأفكار للصنعاني (٢/ ١١٦)، وفواتح الرحموت (٢/ ١٤٢).\n(^٢) انظر: روضة الناظر (١/ ٣٨٧)، وأصول الفقه لابن مفلح (٢/ ٥٢٧).\n(^٣) انظر: الإحكام في أصول الإحكام للآمدي (٢/ ٧٥).\n(^٤) انظر: المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد (٢/ ٦٥٢).","vol":"1","page":431},{"text":"ويحصلُ الشذوذُ في النقلِ بأمورٍ، منها:\nأولًا: انفرادُ أحدِ الرواةِ عن الإمامِ بنقلٍ يخالفُ فيه ما نقله غيرُه.\nوقد تقدَّمَ الحديثُ عن تفرّدِ الراوي بنقلٍ عن الإمامِ.\nيقولُ الشيخُ محمدٌ المطيعي في معرضِ حديثِه عن الرواياتِ الغريبةِ في المذاهبِ: \"وأمَّا الرواياتُ الغريبةُ التي يتفردُ بنقلها آحادُ المصنفين مِنْ أهلِ القرونِ المتأخرةِ: فلا يُعتدُّ بها، ولا يعتمدُ عليها، ولا بصاحبِها، لا سيما إذا خالفَ فيما قاله الأصولَ، وباينَ المنقولَ والمعقولَ\" (^١).\nأمثلة ذلك:\nالمثال الأول: يقولُ بدرُ الدين الزركشي: \"المجنونُ ليس بمكلَّفٍ إجماعًا ... وعن أحمدَ روايةٌ بوجوبِ قضاءِ الصومِ على المجنونِ، نصَّ عليها في روايةِ حنبلٍ، وضعّفها محققو أصحابِه\" (^٢).\nالمثال الثاني: ذَكَرَ شمسُ الدينِ بنُ القيمِ الأحكامَ المترتبةَ على ملاعنةِ الزوجِ لزوجه، وذَكَرَ أنَّ الفُرْقَةَ بين المتلاعنين تُوجبُ تحريمًا مؤبدًا، ثمَّ قال: \"وعنْ أحمدَ روايةٌ أخرى: أنَّه - أي: الزوج - إنْ أكذبَ نفسَه حلَّتْ له، وعادَ فراشُه بحالِه، وهي روايةٌ شاذةٌ! شذ بها حنبلٌ عنه.\nقال أبو بكر (^٣): لا نعلمُ أحدًا رواها غيرُه\" (^٤).\nالمثال الثالث: يقولُ الحافظ ابنُ رجبٍ: \"روى الخضرُ بنُ أحمد الكندي (^٥) عن عبدِ الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه، قال: إذا كان عليه - أيْ: الحاج - تكبيرٌ وتلبيةٌ، بدأَ بالتكبيرِ، ثم بالتلبيةِ.\n_________\n(^١) رسالة في الكتب التي يعول عليها (ص/ ٧٢).\n(^٢) البحر المحيط (١/ ٣٤٩ - ٣٥٠). وانظر: العدة (١/ ٣١٥)، والقواعد لابن اللحام (١/ ٤٦).\n(^٣) المقصود أبو بكر الخلال.\n(^٤) زاد المعاد (٥/ ٣٩٢).\n(^٥) هكذا جاء اسمه في: (فتح الباري) لابن رجب، والذي في كتب الحنابلة: الخضر بن مثنى الكندي، ولعله المقصود؛ لأنه ممن نقل عن عبد الله بن الإمام أحمد، وقصارى ما وقفت =","vol":"1","page":432},{"text":"قال أبو بكرٍ بن جعفر (^١): لم يروِها غيرُه.\nقلتُ: الخضرُ هذا غيرُ مشهورٍ، وهو يروي عن أحمدَ المناكيرَ التي تخالفُ رواياتِ الثقات عنه\" (^٢).\nثانيًا: أنْ يخالفَ القولُ المنقولُ عن الإمامِ أقوالَه المعروفةَ.\nقد يُنقلُ عن إمامِ المذهبِ قولٌ، لكنْ يَرِدُ الشذوذُ إليه مِنْ جهةِ مخالفتِه لما عُرِفَ واشتهر عن الإمامِ مِنْ أقوال تخالفُ ما نُقِلَ عنه، ولذا فلا يُنسبُ ذلك القولُ المنقولُ إلى الإمامِ؛ لشذوذه.\nأمثلة ذلك:\nالمثال الأول: قال عبدُ الله بن أحمد بن حنبل: \"سألتُ أبي عمَّنْ ذَبَحَ للزُّهرة؟ قال: لا يعجبني أكلُه. قلتُ لأبي: أحرامٌ أكلُه؟ قال: لا أقولُ: حرام، ولكنْ لا يعجبني\" (^٣).\nقالَ الشيخُ عبدُ العزيز بن باز معلِّقًا على هذه الروايةِ: \"في صحةِ هذه الروايةِ نظرٌ؛ لأنَّ الذبحَ للكواكبِ - وغيرها من المخلوقات - شركٌ بلا ريب، فلا يليقُ بالإمامِ أحمدَ ﵀ أنْ يتوقفَ في ذلك\" (^٤).\n_________\n= عليه من أخباره أنه روى عن عبد الله بن أحمد أشياء، منها: كتاب الرد على الجهمية للإمام أحمد، وقد تكلم فيه ابنُ رجب كما في: الصلب، ونقل ابنُ القيم عن بعض العلماء أنه وصف الخضر بالجهالة، وردَّ ابنُ القيم هذا الوصف؛ لأنَّ الخلالَ عرفه، وروى عنه. انظر ترجمته في: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٣/ ٨٦)، واجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم (ص / ٢٠٩)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (١/ ٣٧٢)، والمنهج الأحمد للعليمي (٢/ ٢٦٤)، والدر المنضد له (١/ ١٧١).\n(^١) هو: عبد العزيز بن جعفر، أبو بكر غلام الخلال.\n(^٢) فتح الباري لابن رجب (٩/ ٢٣).\n(^٣) مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله (٣/ ٨٧٣ - ٨٧٤).\n(^٤) نقل كلامَ سماحة الشيخ ابن بازٍ زهير الشاويش في: تعليقه على مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله (ص/ ٢٦٦)، طبعة المكتب الإسلامي، بواسطة: الملتقط في دفع ما ذكر عن الإمام أحمد لعلي أبو الحسن وزميله (ص/ ١٥٦).","vol":"1","page":433},{"text":"وقد نَقَلَ أبو بكرٍ الخلال عدةَ نصوصٍ عن الإمامِ أحمدَ تدلُّ على المنعِ مِن الأكلِ ممَّا ذُبِحَ لغيرِ الله، مِنْ ذلك قولُ الإمامِ أحمد: \"كلُّ شيءٍ ذُبِحَ على الأصنامِ لا يُؤْكَلْ\" (^١).\nالمثال الثاني: نسبةُ القولِ بجوازِ تقليدِ المجتهدِ لغيرِه مِن المجتهدين مطلقًا إلى الإمامِ أحمدَ.\nوقد تقدم الحديثُ عنها.\nالمثال الثالث: يقولُ أبو عبدِ الله المازري: \"مَنَعَ الشافعيُّ مِن التيممِ ما لم يخفِ التلفَ، ورُوى ذلك عن ماللغ روايةٌ شاذةٌ ... \" (^٢).\nالشرط الثاني: انتفاءُ العلة عن القولِ المنقولِ.\nمِنْ الشروطِ المهمّةِ لثبوتِ النقلِ عن إمامِ المذهب انتفاءُ العلةِ عن القولِ المنقولِ، فإنْ كان خاليًا مِن العلةِ، تحققَ الشرطُ، وإنْ لم يكن خاليًا منها، لم يثْبت النقلُ (^٣).\nولإعلالِ النقلِ صورٌ متعددةٌ، منها:\nأولًا: أنْ يُعل النقلُ بأنَّ إمامَ المذهبِ قد رَجَعَ عن القولِ المنقولِ.\nقد يثبتُ قولٌ عن إمامِ المذهبِ، لكنَّه يرجعُ عن قولِه، دون أنْ يَعْلَمَ مَنْ نَسَبَ إليه القولَ - بناءً على النقلِ - رجوعَ الإمامِ عنه، فيُعلّ النقلُ برجوعِ قائله عنه، وهذا الإعلالُ بناءً على أنَّ القولَ المرجوعَ عنه لا يُنسبُ إلى قائلِه.\nمثال ذلك: يقولُ الحافظ ابنُ رجبٍ: \"مَنْ كان عليه صلاةٌ فائتةٌ، وقد ضاقَ وقتُ الصلاةِ الحاضرةِ عن فعلِ الصلاتين: فأكثر العلماءِ على أنَّه يبدأ\n_________\n(^١) كتاب أهل الملل والردة من الجامع للخلال (٢/ ٤٤٦).\n(^٢) شرح التلقين (١/ ٢٧٨). وللاستزادة من الأمثلة انظر: رياض الأفهام للفاكهاني (١/ ٢٠١).\n(^٣) انظر: رسالة في بيان الكتب التي يعول عليها لمحمد المطيعي (ص/ ٧٥).","vol":"1","page":434},{"text":"بالحاضرةِ فيما بقي مِنْ وقتِها، ثمَّ يقضي الفائتةَ بعدَها .. .\nوقالتْ طائفةٌ: بلْ يبدأُ بالفائتةِ، ولا يسقطُ الترتيبُ بذلك ... وهو روايةٌ عنْ أحمدَ، اختارها: الخلالُ ... وأنكرَ ثبوتَها القاضي أبو يعلى، وذَكَرَ أنَّ أحمدَ رَجَعَ عنها\" (^١).\nثانيًا: أنْ يُعلَّ النقلُ بأنَّ ناقلَ كلامِ إمامِ المذهبِ قد خَلَطَ بين كلامِ الإمامِ، وكلامِ غيرِه مِن الأئمةِ.\nقد ينقلُ أحدٌ قولَ الإمامِ في واقعةٍ معيَّنةٍ، لكنَّه يخلطُ بين كلامِ إمامِه، وكلامِ غيرِه، فيُعلّ نقلُه مِنْ هذه الجهة، وكذلك الأمرُ فيما لو فهمَ أحدٌ قولًا بناءً على خلطِه بين الكلامين.\nولا يخفى أنَّ إعلالَ النقلِ بخلطِ الناقلِ بين الكلامين مرتقى صعبٌ، لا يقولُه إلا مَنْ خَبَرَ كلامَ إمامِه، أو وَقَفَ على نصِّ الروايةِ التي نُسِبَ القولُ فيها إلى الإمامِ بناءً عليها، فظَهَرَ له خلطُ الكلامين.\nمثال ذلك: جاء في: (مسائل الإمام أحمد برواية إسحاق بن منصور): \"قلت: رجلٌ باع ثوبًا، فجاءَ رجلٌ، فأقامَ البينةَ أنَّه اشتراه بمائةٍ، وأقامَ الآخرُ البينةَ أنَّه اشتراه بمائتين، والبائعُ يقولُ: بعتُه بمائتين، والثوبُ في يدِ البائعِ بعدُ؟ قالَ: المتبايعانِ بالخيارِ، إنْ شاءَ أحدُهما أخذَ النصفَ بمائة، والآخرُ النصفَ بخمسين، وإنْ شاءا رداه ... قالَ أحمدُ: ليس قولُ البائعِ بشيءٍ، يُقْرَعُ بينهما، فمَنْ أصابتُه القرعةُ، فهو له بالذي ادَّعى أنَّه اشتراه به.\nقلت: فإنْ كان الثوبُ في يدِ أحدِهما، ولا يُدري أيّهما اشتراه أول؟ قال: لا ينفعه ما في يديه، إذا كان مقرًا أنَّه اشتراه مِنْ فلانٍ، يُقرَعُ بينهما\" (^٢).\n_________\n(^١) فتح الباري لابن رجب (٥/ ١٢٤ - ١٢٥).\n(^٢) مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه برواية إسحاق بن منصور (٦/ ٢٩٣٣ - ٢٩٣٤).","vol":"1","page":435},{"text":"يقولُ الحافظ ابنُ رجبٍ: \"والعجبُ أنَّ القاضي (^١) في: (المجرد) حكى هذا النصَّ عنْ أحمدَ، وذَكَرَ أنَّه أجابَ بقسمةِ الثوبِ بينهما نصفين، ثم تأوّله على أنه كان في أيديهما، وإنَّما أجابَ أحمدُ فيه بالقرعةِ - كما ذكرنا - وإنَّما المجيبُ بالقسمةِ سفيانُ الثوري؛ فإنَّ إسحاقَ بن منصور يذكرُ لأحمدَ أولًا المسألة، وجوابَ سفيانَ فيها، فيجيبه أحمدُ عنها بعد ذلك بالموافقةِ، أو بالمخالفةِ، فرُبَّما يشتبه جوابُ أحمدَ بجواب سفيانَ، وقد وَقَعَ ذلك للقاضي كثيرًا! فليُتَنَبّه لذلك\" (^٢).\nثالثًا: أنْ يُعَلَّ النقلُ بعدمِ فهمِ الناقلِ لمصطلحاتِ إمامِ المذهبِ.\nقد يكونُ لإمامِ المذهب اصطلاحٌ في بعضِ الألفاظِ يخالفُه فيه غيرُه، وهذا أمرٌ لا إشكالَ فيه؛ لأنَّهَ لا مشاحةَ في الاصطلاحِ، لكنْ يَرِدُ الخطأ إلى مَنْ ينقلُ عنْ إمامِه قولًا مُنْزِلًا ألفاظَ إمامِه على اصطلاحِ مَنْ بعده.\nيقولُ شمسُ الذينِ بنُ القيمِ: \"وقد غَلِطَ كثيرٌ مِن المتأخرين مِنْ أتباعِ الأئمةِ على أئمتِهم بسببِ ذلك - أيْ: عدم معرفةِ مرادِهم بالألفاظِ التي يستخدمونها - حيثُ تورّع الأئمة عنْ إطلاقِ لفظِ: التحريمِ، وأطلقوا لفظَ: الكراهةِ، فنفى المتأخرون التحريمَ عمَّا أطلقَ عليه الأئمةُ الكراهةَ، ثم سهلُ عليهم لفظ: الكراهةِ، وخفَّتْ مؤنتُه عليهم، فحَمَلَه بعضُهم على التنزيه ... فحصلَ بسببِه غلطٌ عظيمٌ على الشريعةِ، وعلى الأئمةِ\" (^٣).\nمثال ذلك: جاء في: (مسائل الإمام أحمد برواية إسحاق بن منصور): \"قلت: الجمعُ بين الأختين المملوكتين، تقول: إنَّه حرامٌ؟ قال: لا أقول: إنَّه حرامٌ، ولكنْ يُنْهَى عنه\" (^٤).\n_________\n(^١) هو: القاضي أبو يعلى.\n(^٢) تقرير القواعد وتحرير الفوائد (٣/ ٢٥٦ - ٢٥٧).\n(^٣) إعلام الموقعين (٢/ ٧٥).\n(^٤) مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهوية برواية إسحاق بن منصور (٤/ ١٥٥٠ - ١٥٥١).","vol":"1","page":436},{"text":"يقولُ ابنُ اللحام: \"قال القاضي: ظاهرُ هذا - أيْ: ما جاءَ عن الإمامِ أحمدَ في روايةِ إسحاقَ - أنَّه لا يحرمُ الجمعَ، وإنَّما يُكره.\nقالَ أبو العباسِ (^١): الإمامُ أحمد لم يقلْ: ليس هذا حرامًا، وإنَّما قال: لا أقولُ: هو حرام، وكانوا يكرهون فيما لم يَرِدْ فيه نصُّ تحريمٍ أنَّ يُقَالَ: هو حرامٌ، ويقولون: يُنهى عنه ... وهذا الأدبُ في الفتوى مأثورٌ عن جماعةٍ مِن السلفِ؛ وذلك إمَّا لتوقّفٍ في التحريمِ، أو تهيبٍ لهذه الكلمةِ ... وأَمَّا أنْ يُجْعَلَ عن أحمدَ أنَّه لا يحرم، ابلْ يَكرَه، فهذَا غلطٌ عليه؛ ومأخذه: الغفلةُ عن دلالةِ الألفاظِ، ومراتبِ الكلامِ\" (^٢).\nرابعًا: أنْ تُعلَّ نسبةُ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بالاشتباه في المرادِ باللفظِ.\nقد ينسبُ أحدُ العلماءِ إلى أحدِ الأئمةِ قولًا؛ بناءَ على ما نُقِلَ عنه، لكنْ يشتبه عليه معنى لفظةٍ بمعنى لفظةٍ أخرى، كان يَرِد في كلامِ الإمامِ: \"التكبيرُ\"، فيحملُه على التكبيرِ في الصلاةِ، ومرادُ الإمامِ به التكبيرُ في أيام العيدِ.\nمثال ذلك: قالَ الإمامُ أحمد: \"يُروى عن ابنِ عمرَ - ﵄ - أنَّه كان لا يُكَبِّر إذا صلَّى وحده ... وأَحبُّ إلي أنْ يُكَبّر، وأمَّا التطوع فلا\" (^٣).\nحَمَلَ الحافظ ابنُ عبدِ البر ما جاءَ عن الإمامِ أحمدَ على التكبيرِ في الصلاةِ - عدا تكبيرة الإحرام - فلا تفسدُ الصلاةُ بتركِ التكبيرِ؛ لأنَّه سنةٌ،\n_________\n(^١) هو: تقي الدين بن تيمية.\n(^٢) الأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية (ص/ ٣٠٦).\n(^٣) مسائل الإمام أحمد رواية إسحاق بن منصور (٩/ ٤٨٠٦ - ٤٨٠٧). أما قول عبد الله بن عمر - ﵄ -، فجاء عنه ما يدل على عدم التكبير إذا صلى وحده في أثرين:\nالأول: أنَّ ابنَ عمر كان إذا صلى وحده في أيام التشريق لم يكبر دبر الصلاة، وأخرجه: الطبراني في: المعجم الكبير (١٢/ ٢٠٨)، برقم (١٣٠٧٤)، وإسناده صحيح. انظر: التحجيل لعبد العزيز الطريفي (١/ ١٠٧).=","vol":"1","page":437},{"text":"ونَسَبَ إلى الإمامِ أحمدَ القولَ باستحبابِ تكبيراتِ الانتقالِ؛ بناءً على النقلِ السابقِ (^١).\nيقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية معلِّقًا على صنيعِ ابن عبد البر: \"وغلط ابنُ عبد البر فيما فَهِمَ مِنْ كلامِ أحمد؛ فإن كلامَه إنَّما كان في التكبيرِ دبرَ الصلاةِ أيام العيدِ الأكبر، لم يكن (^٢) التكبير في الصلاةِ، ولهذا فرّق أحمدُ بين الفرضِ والنفلِ ... ولم يكن أحمدُ ولا غيرُه يفرِّقون في تكبيرِ الصلاةِ بين الفرضِ، والنفلِ\" (^٣).\nخامسًا: أنْ يُعَل النقلُ عن إمامِ المذهبِ بتغلطِ الناقلِ عنه، أو بتوهيمه فيه.\nممَّا لا شكَّ فيه أنَّ النقلَ عن إمامِ المذهبِ مِنْ باب الرواية، ويتطرقُ الخطأُ حينئذٍ إلى النقلِ بغلطِ الناقلِ، أو بتوهمه - ولا يُخلّ الغلطُ والوهمُ في ضبطِ الناقل، إذا كان يسيرًا - وكما قلتُ مِنْ قبل: إنَّ إعلالَ النقلِ يحتاج إلى طولِ خبرةِ، ومزيدِ بَصَرِ مِن المُعلِّ بنصوصِ إمامِ المذهبِ.\nأمثلة ذلك:\nالمثال الأول: ما ذكره ابنُ رجبٍ، بقولِه: \"نقلَ صالحُ بنُ أحمد عن\n_________\n= الثاني: أنَّ ابن عمر كان في أيام التشريق إذا لم يصلْ في الجماعة لم يكبر أيام التشريق، وأخرجه: ابن المنذر في: الأوسط (٤/ ٣٠٥)، برقم (٢٢١٢) بسند فيه: الإمام أحمد بن حنبل؛ والخطيب البغدادي في: تاريخ مدينة السلام (٧/ ١٨٩).\nوانظر قول ابن عمر - ﵄ - في: مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح (٣/ ٥٥)، ومسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله (٢/ ٣٤٤)، ومسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (ص/ ٨٩)، والمغني لابن قدامة (٣/ ٢٩١)، وفتح الباري لابن رجب (٩/ ٢٧).\n(^١) انظر: التمهيد (٤/ ١٩٣ - ١٩٤) ضمن موسوعة شروح الموطأ.\n(^٢) هكذا في المطبوع من مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٢/ ٥٨٩)، ولعل الصواب إضافة لفظة: \"في \"بعد قوله: \"يكن\".\n(^٣) المصدر السابق.","vol":"1","page":438},{"text":"أبيه في المستحاضة: لا تطوفُ بالبيتِ، إلا أنْ تطولَ بها الاستحاضةُ (^١).\nقالَ أبو حفصٍ العكبري (^٢): لعلَّها غلطٌ مِن الراوي؛ فإنَّ الصحيحَ عن أحمدَ أنَّ المستحاضةَ بمنزلةِ الطاهرِ، تطوفُ بالبيتِ، قال في روايةِ الميموني (^٣): المستحاضةُ أحكامُها أحكامُ الطاهرةِ في عِدَّتِها، وصلاتِها، وحجِّها، وجميعِ أمرها.\nونَقَلَ عنه ابنُ منصور: تطوفُ بالبيتِ (^٤).\nوأمَّا ما وَقَعَ في روايةِ صالحٍ: \"أنَّها لا تطوفُ، إلا أنْ تطولَ بها\"، فلعله اشتبه على الراوي الطوافُ بالوطءِ؛ فإن ابنَ منصور نَقَلَ عن أحمدَ ذلك في الوطءِ (^٥)، وصالحٌ وابنُ منصورٍ متفقانِ في المسائلِ عن أحمدَ في الغالبِ\" (^٦).\n_________\n(^١) لم أقف على هذه المسألة في مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح، بعد البحث عنها في مظانها.\n(^٢) هو: عمر بن إبراهيم بن عبد الله، أبو حفص العكبري، المعروف بابن المسلم، فقيه أصولي، ومعرفته بمذهب الحنابلة معرفة قوية، سمع من أبي علي بن الصواف، وأبي بكر النجاد، وغيرهما، وأكثر من ملازمة ابن بطة، ولأبي حفص اختيارات في بعض المسائل المشكلات، من مؤلفاته: المقنع، وشرح الخرقي، والخلاف بين أحمد ومالك، توفي سنة ٣٨٧ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٣/ ٢٩١)، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص/ ٦٢٥)، والوافي بالوفيات للصفدي (٢٣/ ٤١٠)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٢٩١)، والمنهج الأحمد للعليمي (٢/ ٣٠٥)، والدر المنضد له (١/ ١٨٠).\n(^٣) هو: عبد الملك بن عبد الحميد بن عبد الحميد بن مهران الميموني الرقي، أبو الحسن، أحد كبار تلاميذ الإمام أحمد، كان عالم الرقة ومفتيها في زمانه، جليل القدر، ثقةً حافظًا فقيهًا، وكان الإمام أحمد يكرمه، ويفعل معه ما لا يفعله مع غيره، وكان الميموني كثير الأسئلة للإمام أحمد، توفي سنة ٢٧٤ هـ وعمره دون المائة. انظر ترجمته في: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٢/ ٩٢)، وتهذيب الكمال للمزي (١٨/ ٣٣٤)، وطبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي (٢/ ٣٠٣)، وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٨٩)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ١٤٢)، والمنهج الأحمد (١/ ٢٦٩).\n(^٤) مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية برواية إسحاق بن منصور (٣/ ١٣٠٤ - ١٣٠٥).\n(^٥) انظر: المصدر السابق.\n(^٦) فتح الباري لابن رجب (٢/ ٨٠ - ٨١).","vol":"1","page":439},{"text":"المثال الثاني: جاءَ عن الإمامِ أحمد بن حنبل في رواية مُهنّا (^١) أنَّ المرأةَ لا تنقضُ شعرَها إذا اغتسلتْ مِن الجنابة، وأنَّ المرأةَ تنقضُه إذا اغتسلتْ مِن الحيضِ؛ لحديثِ أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ الصديق - ﵂ - (^٢) عن النبي - ﷺ - أنَّه قال: (تنقضه) (^٣).\nيقولُ الحافظ ابنُ رجب معلِّقًا على جعل الدليلِ على نقضِ شعرِ المرأةِ لغسلِها مِن الحيضِ حديثَ أسماء: \"فهذا لعَلّه وهمٌ مِنْ مُهنّا، أو ممَّنْ روى عنه؛ ولا يُعرفُ لأسماء بنت أبي بكر في هذا البابِ حديثٌ بالكلية؛\n_________\n(^١) هو: مهنا بن يحيى السلمي، أبو عبد الله الشامي، من أكبر أصحاب الإمام أحمد، وأكثرهم ملازمةً له، وقد لازم الإمام أحمد إلى وفاته، قال عن نفسه: \"لزمت أبا عبد الله ثلاثًا وأربعين سنةً\"، وقد رحل معه إلى عبد الرزاق الصنعاني، وكان يلح على الإمام أحمد في أسئلته حتى يضجره، ويستجرئ عليه ما لم يستجرئ عليه أحد غيره، وكان الإمام أحمد يحتمله، يقول مهنا: \"صحبتُ أبا عبد الله، فتعلمت منه العلم والأدب\"، من مؤلفاته: مسائل الإمام أحمد.\nانظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (١٥/ ٣٥٨)، وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٢/ ٤٣٢)، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص / ١٤٢)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (٣/ ٤٣)، والمنهج الأحمد للعليمي (٢/ ١٦٢).\n(^٢) انظر ما جاء عن الإمام أحمد برواية مهنا في: المغني لابن قدامة (١/ ٢٩٨)، وشرح العمدة لابن تيمية، كتاب الطهارة، (ص/ ٣٧٣)، وفتح الباري لابن رجب (٢/ ١٠٩)، ومسائل الإمام أحمد بن حنبل الفقهية رواية مهنا لإسماعيل مرحبا (١/ ١١٨ - ١١٩).\nوأسماء بنت أبي بكر هي: أسماء بنت أبي بكر الصديق، أم عبد الله القرشية التيمية المكية، ثم المدنية، كانت أسن من عائشة - ﵂ - ببضع عشرة سنة، وهي زوج الزبير بن العوام، وأم عبد الله بن الزبير، أسلمت في بدء أمر الإسلام، وكانت تلقب بذات النطاقين، توفيت ﵂ بمكة سنة ٧٣ هـ وكانت آخر المهاجرات وفاة، وقد عُمّرت دهرًا. انظر ترجمتها في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٨/ ١٩٦)، وحلية الأولياء لأبي نعيم (٢/ ٥٥)، والاسيعاب لابن عبد البر (ص/ ٨٧١)، وأسد الغابة لابن الأثير (٦/ ٩)، وسير أعلام النبلاء (٢/ ٢٨٧)، والإصابة لابن حجر (٨/ ٧).\n(^٣) لفظ حديث أسماء - ﵂ - في غسل دم الحيض من الثوب الذي أشار إليه ابن رجب - في كلامه الآتي في الصلب -: أنها قالت: جاءت امرأة إلى النبي - ﷺ -، فقالت: إحدانا يصيب ثوبَها من دم الحيضة، كيف تصنع به؟ قال: (تحتّه، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه)، وأخرجه: البخاري في: صحيحه، كتاب: الوضوء، باب: غسل الدم (ص/ ٦٦)، برقم (٢٢٧)؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: الطهارة، باب: نجاسة الدم وكيفية غسله (١/ ١٤٧)، برقم (٢٩١).","vol":"1","page":440},{"text":"إنَّما حديثُها في غَسلِ دم الحيض مِن الثوبِ\" (^١).\nالمثال الثالث: يقول ابنُ رجب: \"وقد أجمعت الأمةُ على صحةِ الصفِّ المستطيلِ مع البُعْدِ عن الكعبةِ، وكلّما كَثُرَ البُعْدُ قلَّ التقوسُ ... ومَنْ حكى عن الإمامِ أحمدَ روايةً بوجوب التقوسِ لطرفي الصفِّ الطويلِ، فقد أخطأَ، وقال عليه ما لم يقلْه، بلْ لوَ سمعه لبادرَ إلى إنكارِه\" (^٢).\nسادسًا: أنْ يُعلَّ النقلُ عن إمايم المذهبِ بغرابتِه، أو بُعْدِ ثبوتِه.\nقد ينقلُ ناقلٌ عن إمامِ المذهب قولًا، ولا يتطرقُ القدحُ إلى الناقلِ، لكنْ يَبْعُدُ أنْ يقولَ الإمامُ بما نُسِبَ إَليه؛ وذلك إمَّا لغرابةِ القولِ المنقولِ، وإمَّا لغيره من الأسبابِ التي يَبْعُدُ معها نسبةُ النقلِ إلى إمامِ المذهبِ.\nمثال ذلك:\nالمثال الأول: يقولُ ابنُ رجبٍ: \"إنْ كان المصلي قد ابتدأَ بالتطوعِ قبلَ الإقامةِ، ثمَّ أقيمت الصلاة؟ ففيه قولان: أحدهما: أنه يتمُّ ... والثاني: يقطعها ... وحُكِيَ روايةٌ عنْ أحمدَ - حكاها أبو حفصٍ - وهي غريبةٌ\" (^٣).\n_________\n(^١) فتح الباري لابن رجب (٢/ ١٠٩). وهنا فائدة: وهي: أنَّ تقيَّ الدين بن تيمية في: شرح العمدة، كتاب الطهارة (ص/ ٣٧٤) وجّه الاستدلال بحديث أسماء بنت أبي بكر - ﵂ - على نقض الشعر بأنه وَرَدَ في حديث أسماء ذكرُ السدر، والسدر إنما يستعمل مع نقض الشعر.\nولفظ حديث أسماء: عن عائشة - ﵂ - أنَّ أسماء سألت النبي - ﷺ - عن غسل المحيض؟ فقال: (تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فتطهّر، فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها، فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء ...) الحديث، وأخرجه: مسلم في: صحيحه، كتاب: الحيض، باب: استحباب استعمال المغتسلة من الحيض فرصة من مسك في موضع الدم (١/ ١٦١)، برقم (٣٣٢).\nوأصل الحديث في: صحيح البخاري، كتاب: الحيض، باب: دلك المرأة نفسها إذا تطهرت من الحيض (ص/ ٨٢)، برقم (٣١٤)، ولم يذكر فيه بدء الحديث، ولا اسم السائله.\n(^٢) فتح الباري لابن رجب (٣/ ٦٨). وانظر مثالًا آخر في تغليط الناقل في: الطرق الحكمية لابن القيم (١/ ٤٧٢ وما بعدها).\n(^٣) المصدر السابق (٦/ ٦٢).","vol":"1","page":441},{"text":"المثال الثاني: يقولُ ابنُ رجبٍ - أيضًا -: \"فأمَّا الصلاةُ في غيرِ موضعِ صلاةِ العيدِ، كالصلاةِ في البيتَ أو في المسجدِ إذا صليت العيد في المصلى: فقال أكثرُهم: لا تكره الصلاةُ فيه قبلها ولا بعدها ... وقالتْ طائفةٌ: لا صلاةَ يومَ العيدِ حتى تزولَ الشمسُ ... واختار هذا القولَ أبو بكرٍ الآجري (^١)، وأنَّه تُكره الصلاةُ يومَ العيدِ حتى تزول الشمسُ، وحكاه عن أحمدَ، وحكايتُه عن أحمدَ غريبةٌ\" (^٢).\nسابعًا: أنْ يُعلَّ النقلُ بأنَّ إمامَ المذهبِ قد صرَّح بعدمِ الأخذِ به.\nقد يُنْسَبُ قولٌ ما إلى إمامِ المذهب، ويكون ذلك أثناء حياتِه، ثمَّ يُصرِّح الإمامُ نفسُه بأنَّه لم يذهبْ إليه، فحينئذٍ لا يُنسبُ القول إليه؛ لتصريحِه بعدمِ الأخذِ به.\nمثال ذلك: سأل صالحٌ الإمامَ أحمدَ بن حنبل عن الرجلِ يأتي امرأتَه فيما دونَ الفرجِ، هل يجبُ عليه الغُسْلُ؟ قال: لا، إلا أنْ يُنزلَ، فإذا التقى الختانان وَجَبَ الغُسل، إذا توارت الحشفةُ. قلت: وكنتَ تذهب (^٣) إلى أنَّ الماءَ من الماءِ؟ قال: لا، مَنْ يكذب عليّ في هذا أكثرُ مِنْ ذلك (^٤).\n_________\n(^١) هو: محمد بن الحسين بن عبد الله البغدادي، أبو بكر الآجُرِّي، ولد ببغداد كان إمامًا محدثًا فقيهًا قدوةً ثقةً صدوقًا خيِّرًا عابدًا، صاحب سُنة واتِّباع، وكان شيخ الحرم الشريف، كانت بينه وبين ابن بطة مكاتبات، وقد اختلف في مذهبه الفقهي: فقال تقي الدين بن تيمية: إنه مالكي المذهب، وقال العليمي الحنبلي عنه: \"من أكابر الأصحاب\"، وقد ذكر ابن خلكان أنه كان شافعي المذهب، وذكره تاج الدين السبكي، وجمال الدين الإسنوي في طبقات الشافعية، وقد صنَّف في الفقه والحديث كثيرًا، من مؤلفاته: الشريعة، وأخلاق العلماء، والرؤية، وصفة الغرباء من المؤمنين، والأربعين حديثًا، توفي بمكة سنة ٣٦٠ هـ وكان عمره ثمانين سنة. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ٢٩٢)، وسير أعلام النبلاء (١٦/ ١٣٣)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (٣/ ٩٣٦)، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٣/ ١٤٩)، وطبقات الشافعبة للأسنوي (١/ ٧٩)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٣٨٩)، والمنهج الأحمد للعليمي (٢/ ٢٧٠)، وشذرات الذهب لابن العماد (٤/ ٣١٦).\n(^٢) فتح الباري لابن رجب (٩/ ٩٣ - ٩٤).\n(^٣) تصحفت في المطبوع من: مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح (١/ ١٣٠) إلى: \"تهذب\".\n(^٤) المصدر السابق (١/ ١٣٠ - ١٣١).","vol":"1","page":442},{"text":"الطريق الثالث: ما دوّنه أربابُ المذهبِ في مؤلفاتِهم الأصولية والفقهية.\nاهتمَّ أتباعُ المذاهبِ بالتأليفِ في فقهِ إمامِهم وأصولِه، وكثرتْ مؤلفاتُهم في هذا البابِ، فتجدُ في كلِّ مذهبٍ العددَ الكبيرَ مِن المؤلفاتِ الأصوليةِ والفقهيةِ، وتجدُ التفاوت فيما بينها في حُسنِ العرضِ، والاهتمامِ بالدليلِ، وتحريرِ القولِ.\nلكنْ هلْ يُنسب كلُّ ما في هذه المدوّناتِ إلى إمامِ المذهبِ؟ وهلْ كلُّ ما فيها تصحُّ نسبتُه إلى المذهبِ؟\nيقولُ شمسُ الدين بنُ القيّمِ متحدثًا عن واقعِ كتب المذاهب الفقهيةِ: \"والمتأخرون يتصرّفون في نصوصِ الأئمةِ، وَيبْنُوْنَها علىَ ما لم يكن لأصحابِها ببالٍ، ولا جَرَى لهم في مقالٍ، ويتناقله بعضُهم عن بعضٍ، ثم يلزمهم مِنْ طردِه لوازمُ لا يقولُ بها الأئمةُ، فمِنْهم مَنْ يطردها، ويلتزم القولَ بها، ويضيفُ ذلك إلى الأئمةِ، وهم لا يقولون به! فيروجُ بين الناسِ؛ بجاهِ الأئمةِ، ويُفْتَى به، ويُحكمُ به، والإمامُ لم يقلْه قط، بلْ يكون نصَّ على خلافِه! \" (^١).\nويقولُ أيضًا: \"ولا يحلُّ أنْ يَنْسبَ إليه - أيْ: إلى إمامِه - القولَ، ويطلقَ عليه أنَّه قولٌ بمجرّدِ ما يراه في بعضِ الكتب التي حَفِظَها أو طالعها مِنْ كتب المنتسبين إليه، فإنَّه قد اختلطتْ أقوالُ الأئمةِ وفتاويهم بأقوالِ المنتسبيَن إليهم واختياراتهم، فليس كلُّ ما في كتبِهم منصوصًا عن الأئمةِ، بلْ كثيرٌ منه يخالفُ نصوصَهم! ... فلا يحلُّ لأحدٍ أنْ يقولَ: هذا قولُ فلانٍ ومذهبُه، إلا أنْ يعلمَ يقينًا أنه قولُه ومذهبُه\" (^٢).\nوقبلَ بيانِ أحوالِ ما يورده أربابُ المذاهب في مؤلفاتِهم، أُحِبُّ أنْ أبيّنَ أنَّ للتأليف في المذهبِ أساليبَ متعددة، مِنَ ذلك:\n_________\n(^١) الطرق الحكمية (٢/ ٦٠٨ - ٦٠٩).\n(^٢) إعلام الموقعين (٦/ ٧٣ - ٧٤)، وانظر منه: (٦/ ١٠١).","vol":"1","page":443},{"text":"أولًا: مؤلفاتٌ كُتبتْ على قولٍ واحدٍ - في الجملة - دونَ إشارةٍ إلى بقيةِ الأقوالِ في المسألةِ، وقد يستدلُّ مصنفو هذه الكتبِ لمذهبِهم، وقد يغفلون ذكرَ الدليلِ.\nثانيًا: مؤلفاتٌ تعرِضُ أقوالًا متعددةً في المسألةِ الواحدةِ، إنْ كانتْ محلَّ خلافٍ، وهي على نوعين:\nالنوع الأول: مؤلفاتٌ تَعْرِضُ الخلافَ في ضوءِ المذهبِ فحسب، دونَ ذكرِ المخالفين مِن أربابِ المذاهب الأخرى.\nالنوع الثاني: مؤلفاتٌ تَعرِضُ خلافَ المذهب مع غيرِه مِن المذاهب، والغالبُ في هذا النوع عرضُ المسألةِ مقرونةً بأدلتِهَا.\nويمكنُ تقسيمُ ما يورده أربابُ المذاهب مِن الأقوالِ المنسوبةِ إلى المذهبِ إلى خمسةِ أقسام:\nالقسم الأول: ما تصحُّ نسبتُه إلى إمامِ المذهبِ.\nالقسم الثاني: ما لا تصحُّ نسبتُه إلى إمامِ المذهبِ، وقد نُفيت النسبةُ عنه.\nالقسم الثالث: ما لا تصحُّ نسبتُه إلى إمامِ المذهبِ، وقد نُسِبَ إليه.\nالقسم الرابع: ما خرّجه أتباعُ المذهبِ على فروعِ إمامِهم، أو أصولِه.\nالقسم الخامس: ما زاده أتباعُ المذهبِ على مذهبِ إمامِهم فقهًا منهم، وهذا القسم على نوعين:\nالنوع الأول: أنْ تتفقَ الزيادةُ مع أصولِ المذهبِ وقواعدِه، وهذا النوعُ على صورتين:\nالصورة الأولى: أن يَنْسِبَ القولَ الذي زاده أتباع المذهب إلى إمامِ المذهبِ.\nالصورة الثانية: أنْ لا ينسبَ القولَ الذي زاده أتباع المذهب إلى إمامِ المذهبِ، بلْ ينسبُه إلى المذهب.","vol":"1","page":444},{"text":"النوع الثاني: أنْ لا تتفقَ الزيادةُ مع أصولِ المذهبِ وقواعده (^١).\nومحلُّ الإشكالِ مِن الأقسامِ السابقةِ: القسمُ الثالثُ، والنوعُ الثاني مِن القسمِ الخامسِ.\nفإذا أرادَ أحد أنْ ينقلَ مذهبَ إمامٍ مِن الأئمةِ اعتمادًا على الكتبِ المؤلَّفةِ في مذهبِه، فما الذي يُشترطُ في هذا المقامِ؟\nلا يخلو الأمرُ مِنْ حالتين:\nالحالة الأولى: أنْ ينقلَ قولَ إمامِ المذهبِ اعتمادًا على الكتبِ المؤلفةِ في المذهبِ.\nالحالة الثانية: أنْ ينقلَ المذهبَ اعتمادًا على الكتبِ المولّفةِ في المذهبِ.\nالحالة الأولى: أنْ ينقلَ قولَ إمامِ المذهبِ اعتمادًا على الكتبِ المؤلّفةِ في المذهبِ.\nإذا أرادَ شخصٌ ما أنْ ينقلَ قولَ إمامِ المذهبِ اعتمادًا على الكتبِ المؤلفةِ مِنْ قِبَلِ أربابِ المذهبِ، فيُشترطُ الآتي:\nالشرط الأول: صحةُ نسبةِ الكتابِ إلى مؤلِّفِه (^٢).\nيتعيّنُ على مَنْ أرادَ الأخذَ مِنْ كتابٍ معيَّنٍ أنْ يكونَ الكتابُ صحيحَ النسبةِ إلى مؤلّفِه؛ لئلا يأخذَ شيئًا معتمدًا على ما لمؤلفِه مِنْ مكانةٍ، والحالُ أنَّ الكتابَ ليس مِنْ تأليفِه.\nمثال ذلك: كتاب: (المخارج والحيل)، نُسِبَ إلى القاضي أبي يوسفَ، والذي بيّنه علماءُ الحنفيةِ أنَّ الكتابَ منحولٌ، لا تصحُّ نسبتُه\n_________\n(^١) انظر: المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد (١/ ٧٥).\n(^٢) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١١٥)، وصفة الفتوى (ص/ ٣٦)، والاختلاف الفقهي في المذهب المالكي لعبد العزيز الخليفي (ص/ ٢٢١).","vol":"1","page":445},{"text":"إليه (^١).\nوليس معنى هذا الشرط أنْ لا يأخذَ معلومةً مِنْ كتابٍ حتى يقطعَ بنسبتِه إلى مؤلفِه، بل المقصودُ أنْ يتثبّتَ مِنْ نسبةِ الكتاب إلى مؤلفِه، إنْ كانَ ثمة إشكالٌ في صحةِ النسبةِ، أمَّا الكتب المشهورةُ، فلا تحتاجُ إلى تأكّدٍ وتثبّتٍ؛ لاستفاضةِ نسبتِها إلى مؤلفيها.\nيقولُ العزُّ بن عبد السلام: \"أمَّا الاعتمادُ على كتبِ الفقهِ الصحيحةِ الموثوقِ بها، فقد اتفق العلماءُ في هذا العصرِ على جوازِ الاعتمادِ عليها، والاستنادِ إليها؛ لأنَّ الثقةَ قد حصلتْ بها، كما تحصلُ بالروايةِ، ولذلك اعتمدَ الناسُ على الكتبِ المشهورةِ في النحوِ واللغةِ والطبِّ وسائرِ العلومِ؛ لحصولِ الثقةِ بها، وبُعدِ التدليسِ\" (^٢).\nولا يحتاجُ الناقلُ مِنْ كتابٍ أنْ يكونَ متصلَ الإسنادِ إلى مؤلفه، كما تقدم.\nوقد تقدَّمتْ حكايةُ الأستاذِ أبي إسحاقَ الإسفراييني الإجماعَ على جوازِ النقلِ مِن الكتبِ، وأنَّه لا يشترطُ اتصالُ السندِ إلى مؤلفيها.\nالشرط الثاني: سلامةُ الكتابِ مِن التحريفِ والتصحيفِ (^٣).\nلا بُدَّ أنْ يكونَ الكتابُ سالمًا مِن التحريفِ والتصحيفِ؛ ليأمن مِن الوقوعِ في الخطأِ؛ إذ النسخةُ التي يكثرُ فيها التحريفُ تكون محلًا للخلطِ في نسبةِ القولِ، وعدمِ فهمِ المرادِ على الوجهِ الصحيحِ، ويمكنُ التأكّدُ مِنْ سلامةِ الكتابِ بالرجوعِ إلى الكتبِ الأخرى في المذهبِ، ولا سيما الكتبُ المهتمة بتحريرِ أقوالِ المذهبِ.\n_________\n(^١) انظر: أصول الإفتاء للعثماني (ص/ ٣٧٠) مع شرحه المصباح في رسم المفتي.\n(^٢) نقل كلامَ العز بن عبد السلام ابنُ فرحون في: تبصرة الحكام (١/ ٨١)، والسيوطيُ في: الأشباه والنظائر (٢/ ٥٨٤)، والونشريسيُّ في: المعيار المعرب (١٠/ ٤٢).\n(^٣) انظر: نفائس الأصول (٩/ ٤١١١)، وسلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٢٦)، والمدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد (١/ ١٢٣).","vol":"1","page":446},{"text":"مثال ذلك: يقولُ تقيُّ الدينِ بنُ تيمية: \"السنةُ أنْ يرميَها - أيْ: جمرة العقبة - مِنْ بطنِ الوادي ... هذا هو المذهبُ المعروفُ المنصوصُ ... وقال حربٌ (^١): سألتُ أحمدَ، قلتُ: فإنْ رمى الجمرةَ مِنْ فوقِها؟ قال: لا، ولكنْ يرميها مِنْ بطنِ الوادي ... وذَكَرَ القاضي عن حربٍ عن أحمدَ: لا يرمي الجمرةَ مِنْ بطنِ الوادي، ولا يرمي مِنْ فوقِ الجمرةِ.\nوهذا غلطٌ على المذهبِ؛ منشاه الغلطُ في نقلِ الروايةِ ... ولعل سببَه أنَّ النسخةَ التي نَقَلَ منها روايةَ حربٍ كان فيها غلطٌ، فإني نقلتُ روايةَ حربٍ مِنْ أصلٍ متقنٍ قديمٍ مِنْ أصحِّ الأصولِ\" (^٢).\nالشرط الثالث: معرفةُ اصطلاحِ المؤلِّفِ في كتابِه، إنْ كان له اصطلاحٌ.\nمِن المؤلفين مَنْ له اصطلاحٌ خاصٌ به - والغالب أنَّه سيوضحه في مقدمةِ كتابِه - قد يغايرُ فيه غيرَه مِن المؤلفين، وإذا كان الأمرُ كذلك، فلا بُدَّ مِنْ معرفةِ اصطلاحِ المؤلِّف؛ ليأمنَ الناظرُ فيه مِن الوقوعِ في الغلطِ في نسبةِ القولِ، وليتحققَ له فهمُ مرادِ المؤلِّفِ على الوجهِ الصحيحِ.\nالشرط الرابع: معرفةُ اصطلاحاتِ المذهبِ في نقلِ مذهبِهم.\nتختلفُ اصطلاحاتُ المذاهب في تحديدِ المرادِ في بعضِ المصطلحات، ولذا كان مِن اللازمِ علىَ الناظرِ في كتبِ المذهبِ، إنْ أرادَ\n_________\n(^١) هو: حرب بن إسماعيل بن خلف الحنظلي الكرماني، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله، كان رجلًا جليل القدر، فقيهًا حافظًا، علامةً، ابتدأ حياته سالكًا مسلك المتزهدين في عصره، ولذا تأخر في لقاء الإمام أحمد، فلم يلقه إلا في سن متقدمة، وقد نقل حربٌ عن الإمام أحمد فقهًا كثيرًا، من مؤلفاته: كتاب مسائل الإمام أحمد، قال عنه شمس الدين الذهبي: \"من أنفس كتب الحنابلة، وهو كبير في مجلدين\"، توفي سنة ٢٨٠ هـ وقد عُمّر وقارب التسعين. انظر ترجمته في: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/ ٣٨٨)، وطبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي (٢/ ٣١٣)، وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٤٤)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (١/ ٣٥٤)، والمنهج الأحمد للعليمي (٢/ ٩٥).\n(^٢) شرح العمدة، كتاب الحج (٢/ ٥٣٠ - ٥٣١).","vol":"1","page":447},{"text":"أنْ ينسبَ قولًا إلى إمامِ المذهبِ أنْ يعرفَ اصطلاحَهم؛ ليأمنَ الوقوع في الخطأِ.\nوبمعرفةِ اصطلاحِ المذهبِ يحصلُ للناظرِ في الكتب المذهبيةِ التفريقُ بين ما في كتب المذهب مرويًا عن الإمامِ، وما كان مخرَّجًا مِنْ قِبَلِ أربابِ المذهبِ على قولِه أو أصَلِه، وما كان فقهًا لأربابِ المذهبِ مِنْ غيرِ التزامٍ بقواعدِ المذهب (^١)، فإذا قال المؤلفُ مثلًا: هذا القولُ روايةٌ مخرّجةٌ أو وجهٌ أو احتمالَ، ولم يكنْ للناظرِ بَصَرٌ بالاصطلاحِ: غَلِطَ، ونَسَبَ ما نفاه المؤلّفُ بالاصطلاحِ إلى إمامِ المذهبِ.\nالشرط الخامس: الأخذُ مِن الكتبِ المعتمدةِ في المذهبِ، وتركِ الكتبِ المنتَقَدةِ والغريبةِ وغيرِ المحررةِ.\nتتفاوتُ الكتبُ المؤلفةُ في المذاهب مِنْ حيثُ الاعتمادُ عليها، فهناك كتبٌ معتمدةٌ؛ لأنَّ الغالبَ فيها الصحةُ، وهناك كتبٌ مُنْتَقَدَةٌ؛ لأنَّ الغالبَ فيها مجافاةُ الصوابِ، ثمَّ هناك كتبٌ غريبةٌ، غيرُ معروفةٍ عند علماءِ المذهب، فعلى الناظرِ في كتب المذهبِ الاتجاه صوْب الكتبِ المعتمدةِ، وترك الَكتبِ المُنْتَقَدَةِ والغريبةِ (^٢).\nيقولُ شهابُ الدينِ القرافيُّ: \"ينبغي أنْ يُحذَّرَ ممَّا وَقَعَ في زمانِنا مْنِ تساهلِ بعضِ الفقهاءِ بالفتوى مِن الكتب الغريبةِ التي ليس فيها روايةُ المفتي عن المجتهدِ بالسندِ الصحيحِ، ولا قَامَ مقام ذلك شهرةٌ عظيمةٌ تمنعُ مِن التصحيفِ والتحريفِ؛ بسببِ الشهرةِ\" (^٣).\nوقد مثلَ القرافيُّ للكتبِ التي لا يُوْثَقُ بها بكتبِ الحواشي (^٤).\n_________\n(^١) انظر: المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد (١/ ١١٨).\n(^٢) انظر: شرح عقود رسم المفتي لابن عابدين (ص/ ٤٥ - ٤٦)، ورسالة في بيان الكتب التي يعول عليها لمحمد المطيعي (ص/ ٦٠)، وأصول الإفتاء للعثماني (ص/ ٣٥٧ وما بعدها) مع شرحه المصباح في رسم المفتي.\n(^٣) نفائس الأصول (٩/ ٤١١١). وانظر: المعيار المعرب للونشريسي (٢/ ٤٧٩).\n(^٤) انظر: الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام (ص/ ٢٤٤ - ٢٤٥).","vol":"1","page":448},{"text":"وعلَّقَ القاضي ابنُ فرحون (^١) على هذا قائلًا: \"ومراده - أيْ: القرافي - إنْ كانت الحواشي غريبةَ النقلِ، وأمَّا إذا كان ما فيها موجودًا في الأمهاتِ، أو منسوبًا إلى محلِّه، وهي بخطٍ يُوْثَقُ به، فلا (^٢) فرقَ بينها، وبين سائرِ التصانيف، ولم تَزَلِ العلماءُ وأئمةُ المذهب ينقلون ما على حواشي كتبِ الأئمةِ الموثوقِ بعلمِهم، المعروفة خطوطهمَ ... وأمَّا حيثُ يجهلُ الكاتبَ، ويكونُ النقلُ غريبًا، فلا شكَّ فيما قاله القرافيُّ، رحمه الله تعالى\" (^٣).\nوإذا كانَ الكتابُ المذهبيُّ يُورِدُ الرواياتِ والأقوالَ الضعيفة، ولا يميّزُ بينها، وبين الأقوالِ المعتمدةِ، فلا يجوزُ الاعتمادُ على نقلِه، إذا لم تكنْ لدى الناظرِ فيه أهليةُ معرفةِ القولِ الضعيفِ (^٤).\nوالتعويلُ في معرفةِ الكتبِ المعتمدةِ مِنْ غيرِها على ما قاله محققو المذهبِ نفسِه (^٥).\nالشرط السادس: أنْ لا يخالفَ القولُ المذكورُ في الكتابِ نصوصَ الإمامِ، وأصولَه.\n_________\n(^١) هو: إبراهيم بن علي بن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن فرحون اليعمري المدني، أبو الوفاء برهان الدين، ولد بالمدينة، ونشأ بها، كان إمامًا فقيهًا مالكيًا أصوليًا محققًا، ونحويًا بارعًا، جامعًا للفضائل، فريد وقته، واسع العلم، فصيح القلم، ذا معرفة بالوثائق والرجال وطبقاتهم، تولى القضاء بالمدينة، وأظهر مذهب الإمام مالك بعد خموله، من مؤلفاته: تبصرة الحكام في الأقضية ومناهج الأحكام، والديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، وكشف النقاب الحاجب عن مصطلح ابن الحاجب، توفي سنة ٧٩٩ هـ وعمره نحو من سبعين عامًا. انظر ترجمته في: الدرر الكامنة لابن حجر (١/ ٤٨)، وإنباء الغمر له (٣/ ٣٣٨)، وشذرات الذهب لابن العماد (٨/ ٦٥٨)، ودرة الحجال لابن القاضي (١/ ١٨٢)، ونيل الابتهاج للتنبكتي (ص/ ٣٣)، وشجرة النور الزكية لمخلوت (١/ ٢٢٢).\n(^٢) في المطبوع من تبصرة الحكام (١/ ٨٢): \"فلان\"، وهو تحريف ظاهر.\n(^٣) المصدر السابق. وانظر: الفتاوى الكبرى الفقهية لابن حجر الهيتمي (٢/ ٩١).\n(^٤) انظر: شرح عقود رسم المفتي لابن عابدين (ص/ ٤٦)، والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (ص/ ٤٤٦)، وأصول الإفتاء للعثماني (ص/ ٣٦٤ وما بعدها) مع شرحه المصباح في رسم المفتي.\n(^٥) انظر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (ص/ ٤٤٦).","vol":"1","page":449},{"text":"قد يوجدُ في بعضِ الكتبِ المذهبيةِ - ولا سيما الكتب المذهبية المتأخرة - أقوالٌ منسوبةٌ إلى إمامِ المذهب، ويقفُ الناظرُ على نصٍّ للإمامِ يخالفُ هذه النسبةَ، أو يعرفُ الناظرُ أنَّ أَصولَ الإمام تَرُدُّ القولَ المنسوبَ إليه.\nلا يخلو ما يجدُه الناظرُ في كتبِ المذهبِ مخالفًا لمنصوصِ الإمامِ مِنْ ثلاثِ حالات:\nالحالة الأولى: أنْ يكونَ القولُ المنسوبُ إلى الإمام منصوصًا عنه، وليس مخرَّجًا.\nفهنا يقعُ التعارضُ بين قولي الإمام، وسيأتي في مطلبٍ مستقلٍّ الحديثُ عن هذه المسألة.\nالحالة الثانية: أنْ يكونَ القولُ المنسوبُ إلى الإمامِ قولًا مخرّجًا على نصِّه.\nفالتعويلُ على ما نصَّ عليه، ويبقى النظرُ في القولِ المخرّج، أخرّج بطريقٍ صحيحٍ، أم لا؟\nفإن كانْ التخريجُ بطريقِ صحيحٍ بحيثُ يقوى على معارضةِ ما نصَّ عليه، كأنْ يكونَ في معنى ما نصَّ عليه، أو دلَّ عليه بمفهومِ الموافقةِ: وَقَعَ التعارضُ بين قولي الإمامِ، وسيأتي في مطلبٍ مستقلٍّ بحثُ هذه المسألةِ.\nوإنْ كان التخريجُ بطريقٍ غيرِ صحيحِ، أو بطريقٍ صحيحٍ، لكن مِنْ شرطِ التخريجِ أنْ لا يخالفَ ما نصَّ عليه: لم تصحَّ نسبةُ القولِ المخرجِّ إلى الإمامِ، والتعويلُ في هذه الحالةِ على ما نصَّ عليه.\nالحالة الثالثة: أنْ يكونَ القولُ المنسوبُ إلى الإمامِ غيرَ محدد المصدرِ، كأنْ يقولَ: وعن الإمام: كذا، أو: في روايةٍ عنه، ونحو ذلك من الألفاظ.","vol":"1","page":450},{"text":"في هذه الحالة لا تصحُّ نسبةُ القولِ إلى إمامِ المذهبِ اعتمادًا على ما في الكتابِ، وعلى الناظرِ أنْ يحققَ قولَ الإمامِ بمراجعةِ مؤلفاتِه، وما يُقرره محققو مذهبِه.\nيقولُ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة حين تحدّثَ عن التخريجِ في المذهبِ الشافعي: \"الآراء التي تعدُّ خارجة عن المذهبِ - وهي التي يكون المخرَّجُ قد خالفَ فيها نصًّا للشافعي حَكَمَ به في واقعةٍ مِن الوقائعِ، أو خالفَ فيها قاعدةً مِن القواعدِ الأصوليةِ - فإنَّ هذه لا تحتسبُ مِنْ مذهبِ الشافعي؛ لمخالفتِها رأيه، أو لمنافاتِها في الاجتهادِ و(^١) لأصلِه؛ إذ لا يُنسبُ إلى مذهب الشافعي ما يكون ضدَّ رأيه، ولا يُعدُّ مِنْ مذهبِه ما جَرَى على غيرِ أصولِهَ، وخُرَّجَ على غيرِ قواعدِه\" (^٢).\nأمثلة ذلك:\nالمثال الأول: يقولُ تقيُّ الدينِ بنُ تيمية: \"إنَّ المتأخرين أحدثوا حِيَلًا لم يصحَّ القولُ بها عن أحدٍ مِن الأئمةِ، ونسبوها إلى مذهبِ الشافعي وغيرِه، وهم مخطئون في نسبتِها إليه - على الوجهِ الذي يدّعونه - خطأ بيّنًا؛ يَعْرِفُه مَنْ عَرَفَ نصوصَ كلامِ الشافعي ... بلْ هو يكرهها، وينهى عنها ... وكثيرٌ مِن الحيلِ، أو أكثر الحيلِ المضافة إلى مذهبِه مِنْ تصرفاتِ بعضِ المتأخرين مِنْ أصحابِه\" (^٣).\nالمثال الثاني: يقولُ المرداويُّ: \"لا يُستحبُ تمسحُه بقبرِه - عليه أفضلُ الصلاةِ والسلامِ - على الصحيح من المذهب.\nقال في: (المستوعب) (^٤): بلْ يُكْرَه؛ قال الإمامُ أحمدُ: أهلُ العلمِ كانوا لا يمسّونَه.\nنقلَ أبو الحارثِ: يدنو منه، ولا يتمسح به، بلْ يقومُ حذاءه، فيُسَلّمُ.\n_________\n(^١) لعل الأقرب حذف الواو.\n(^٢) الشافعي - حياته وعصره (ص/ ٣٢١).\n(^٣) بيان الدليل (ص/ ١٦١).\n(^٤) انظر: (٤/ ٢٧٤).","vol":"1","page":451},{"text":"وعنه: يتمسح به! \" (^١).\nالمثال الثالث: سُئِلَ تقيُّ الدين بنِ تيمية عن الدعاءِ عقيب الصلاةِ، أهو سنةٌ، أم لا؟ فأجابَ: \"الحمدُ لله، لم يكن النبيُّ - ﷺ - يدعو هو والمأمومون عقيب الصلوات الخمس ... ومَنْ نَقَلَ عن الشافعي أنَّه استحب ذلك فقد غَلِطَ عليه، ولفظُه الموجودُ في كتبِه ينافي ذلك\" (^٢).\nالشرط السابع: التثبّتُ مِنْ صحةِ التخريجِ إنْ كانَ القولُ المنسوبُ إلى الإمامِ قولًا مخرَّجًا، إنْ أمكنَ ذلك.\nيُوجدُ في مدوّناتِ المذاهبِ أقوالٌ مخرجةٌ لأئمتِهم، وفي بعضِها تصريحٌ بطريقِ التخريجِ؛ وهذا التصريحُ يعطي الناظرَ في القولِ المخرّجِ إمكانيةِ التثبتِ مِنْ صحةِ التخريجِ، ومِنْ صحةِ طريقِه.\nفإنْ لم يتمكنْ مِنْ ذلك، نَسَبَ القولَ إلى الإمام كما في وَرَدَ في الكتابِ، محيلًا عليه؛ ليبرأَ مِنْ العهدةِ.\nالشرط الثامن: خلوُّ القولِ المنسوبِ إلى إمامِ المذهبِ مِنْ العلةِ القادحةِ.\nلا شكَّ في أنَّ لعلماءِ المذهبِ جهودًا في تحقيقِ أقوالِ إمامِهم، وتمييز ما تصحّ نسبته إليه ممَّا لا تصح، لكنْ قد يُوجد في بعضِ الكتبِ نسبةُ قولٍ إلى إمامِ المذهبِ، وتكونُ فيها غرابةٌ، فحينئذٍ لا ينسبُ القول إلى الإمامِ.\nمثال ذلك: يقولُ تقيُّ الدينِ بنُ تيمية: \"هذه الحيلُ التي هي محرّمةٌ في نفسِها، لا يجوز أنْ تُنسبَ إلى إمامٍ أنَّه أَمَرَ بها، فإنَّ ذلك قدحٌ في إمامتِه، وذلك قدحٌ في الأُمّةِ؛ حيثُ ائتموا بمَنْ لا يصلحُ للإمامةِ، وفي\n_________\n(^١) الإنصاف (٤/ ٥٣).\n(^٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٢/ ٥١٢).","vol":"1","page":452},{"text":"ذلك نسبةٌ لبعضِ الأئمةِ إلى تكفيرٍ أو تفسيقٍ! وهذا غيرُ جائزٍ، ولو فُرِضَ أنَّه حُكِيَ عن واحدٍ منهم الأمرُ ببعضِ هذه الحيلِ المجمع على تحريمِها:\nفإمّا أنْ تكونَ هذه الحكايةُ باطلةً، أو يكونَ الحاكي لم يضبط الأمرَ، فاشتبه عليه إنفاذُها بإباحتِها ... وإنْ لم يُحْمل الأمرُ على ذلك، لَزِمَ: إمَّا الخروجُ عن إجماعِ الأمةِ، أو القولُ يفسقِ بعضِ الأئمة أو كفرِه، وكلا هذين غيرُ جائزٍ\" (^١).\nالحالة الثانية: أنْ ينقلَ المذهبَ اعتمادًا على الكتبِ المؤلفةِ في المذهبِ.\nإذا كانَ الناظرُ في كتب المذهبِ سينسبُ القولَ إلى المذهبِ، لا إلى إمامِه، فيُشترطُ فيه ما تقدمَ آنفًا مِن الشروطِ ممَّا يصحُّ في هذا المقام، وهي:\nالشرط الأول: صحّةُ نسبةِ الكتابِ إلى مؤلِّفِه.\nالشرط الثاني: سلامةُ الكتابِ مِن التحريفِ والتصحيفِ.\nالشرط الثالث: معرفةُ اصطلاحِ المؤلِّفِ، إنْ كان له اصطلاحٌ.\nالشرط الرابع: معرفةُ اصطلاحاتِ المذهبِ.\nالشرط الخامس: الأخذُ مِن الكتبِ المعتمدةِ في المذهبِ، وتركُ الكتبِ المنتقدةِ والغريبةِ، وغيرِ المحررةِ.\nالشرط السادس: أنْ لا يخالفَ القولُ المنسوبُ إلى المذهبِ أصولَ المذهبِ وقواعدَه.\nفقد يُوجدُ في بعضِ المؤلفاتِ المذهبيةِ أقوالٌ مخرّجةٌ مِنْ أربابِ المذهبِ، وفي بعضِها مخالفةٌ لأصولِ المذهبِ، وحينئذٍ لا تصحُّ نسبتها إلى المذهبِ؛ لمخالفتِها لأصولِه وقواعدِه (^٢).\n_________\n(^١) بيان الدليل (ص / ١٤٢). وانظر: إعلام الموقعين (٥/ ٩٨ - ٩٩).\n(^٢) انظر: الشافعي - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٢١).","vol":"1","page":453},{"text":"أمثلة ذلك:\nالمثال الأول: يقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية: \"مَنْ قال مِن الفقهاءِ مِنْ أصحابِنا وغيرِهم: إنَّ الهدنةَ لا تصحُّ إلا مؤقتةً، فقولُه مع أنَّه مخالفٌ لأصولِ أحمدَ، يردُّه القرآنُ، وتردُّه سنةُ رسولِ الله - ﷺ - في أكثرِ المعاهدين\" (^١).\nالمثال الثاني: يقولُ الشيخُ محمد الأمين الشنقيطي: \"فهذا الكلام - أي: قول بعض المالكية - يقتضي قبحَ صومِ يوم المولد، وجعلَه كيومِ العيدِ، مِنْ غيرِ استنادٍ إلى كتاب الله ولا سنةِ رسوله - ﷺ - ... الذي أدخله بعضُ المتأخرين في مذهبِ مالكٍ، ومالكٌ برئٌ منه براءة الشمسِ مِن اللمسِ، ولم يجرْ على أصولِ مذهبِه\" (^٢).\nالمثال الثالث: يقولُ الشيخُ بكر أبو زيد: \"تقريرُ بعضِ الأصحابِ مشروعية شدَّ الرحالِ إلى قبرِ النبي - ﷺ - في أواخرِ كتابِ: الحجَّ، فلا روايةَ في هذا عن الإمامِ أحمدَ، ولا يُخرّجُ على مذهبِه، وإنَّما هو تفقه الصاحبِ، وهو غلطٌ ... ومنه قولُهم في كتابِ: الوقفِ بنفوذِ الوقفِ على بعضِ الأمورِ المبتدعةِ، مثل: الوقف على بناءِ القبابِ، وتشييدِ المشاهدِ عليها، وهذا لا روايةَ فيه عن أحمدَ، ولا يُخرّج على شيءٍ مِنْ مذهبِه\" (^٣).\nوالتعويل في تحقيقِ هذا الشرطِ على ما قامَ به محققو المذهبِ مِنْ تنقيحٍ للأقوالِ الموجودةِ في مدوّناتهم المذهبية، وتمييزِ ما كان منها مخالفًا لأصولِ المذهبِ.\nالشرط السابع: أنْ يكونَ القولُ المنسوبُ إلى المذهبِ مِن الأقوالِ المعتمدةِ.\n_________\n(^١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٩/ ١٤٠).\n(^٢) أضواء البيان (٧/ ٦١٢).\n(^٣) المدخل المفصل إلى مذهب الإمام أحمد (١/ ٥١ - ٥٢).","vol":"1","page":454},{"text":"لا شكَّ أنَّ في الكتبِ المؤلفةِ في المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعةِ أقوالًا غيرَ معتمدةٍ عند أصحاب المذهبِ أنفسِهم، ومثلُ هذه الأقوالِ لا تجوز نسبتُها إلى المذهبِ، إلا مَع الإشارةِ إلى ضعفِها فيه.\nوتمكن معرفةُ الأقوالِ التي لا يُعتمد عليها في المذهبِ بالاصطلاحاتِ الدارجةِ في المذهبِ، والتي يُعرفُ مِنْ خلالِها القولُ المعتمدُ مِنْ غيرِه (^١)، وبالرجوعِ إلى الكتبِ المعتمدةِ في المذهبِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>المسألة الرابعة: صور الخطأ في نقل المذهب</span>\nليس كلُّ قولٍ وُجدَ منسوبًا إلى مذهبٍ مِن المذاهبِ، أو إلى إمامٍ مِن الأئمةِ تصحُّ نسبتُه إليهما، بلْ هناك شروطٌ للنقلِ - وقد سَبَقَ بيانُها - وهناك صورٌ عديدةٌ لنقلِ المذهبِ يَعْتريها الخطأ؛ لعدمِ اكتمالِ شروطِ النقلِ.\nوسأعرضُ في هذه المسألةِ أهمَّ صور الخطأِ وأبرزِها، مردفًا كلّ صورة بمثالٍ ما أمكنني ذلك:\nالصورة الأولى: أنْ يُنسبَ قولٌ إلى إمامِ المذهبِ، أو إلى مذهبه، والحالُ أنَّه لم يقلْ بهذا القول.\nيوجدُ في بعضِ الكتبِ نسبةُ أقوالٍ إلى إمام المذهبِ، أو إلى مذهبِه، وتكون هذه النسبةُ نسبةً غيرَ صحيحةٍ.\nوتُعدّ هذه الصورة مِن الصورِ الشائعةِ في الخطأ في نقلِ المذهبِ، ولذا تجدُ العلماءَ المحققين يُفنَّدون النسبةَ الخاطئةَ، ويبيّنونَ الصوابَ فيها.\nيقولُ تقيُّ الدينِ بنُ تيمية: \"المنحرفون مِنْ أتباعِ الأئمةِ في الأصولِ والفروعِ ... انحرافهم أنواع: أحدها: قولٌ لم يقلْه الإمامُ، ولا أحدٌ مِن\n_________\n(^١) انظر: شرح عقود رسم المفتي لابن عابدين (ص/ ٤٤)، وأصول الإفتاء للعثماني (ص/ ٣٦٤ وما بعدها) مع شرحه المصباح في رسم المفتي.","vol":"1","page":455},{"text":"المعروفين مِنْ أصحابِه بالعلمِ\" (^١).\nوقد تقدم في المسألةِ الثالثةِ التمثيلُ بخطأِ الحافظِ ابن عبد البرِ حين نسَبَ إلى الإمامِ أحمدَ القولَ باستحبابِ تكبيراتِ الانتقالِ.\nالصورة الثانية: نسبةُ قولٍ إلى إمامِ المذهبِ لم يقلْه، وحقيقتُه أنَّه قولُ أحدِ أربابِ مذهبِه.\nقد ينسبُ أحدٌ قولًا ما إلى إمامِ المذهبِ نفسِه، ويكون صوابُ النسبةِ أنَّه قولٌ لأحدِ أتباعِه (^٢).\nيقولُ ابنُ أبي العزَّ الحنفيُّ: \"كثيرًا ما يكون ذلك النصّ - أيْ: نصّ الإمام - مِنْ كلامِ بعضِ الأصحاب في الفتاوى، ولم يكن لذلك الإمامِ في تلك المسألةِ قولٌ منقولٌ\" (^٣).\nمثال ذلك: يقولُ أبو عبدِ الله المازري: \"قد رأيتُ بعضَ مَنْ صنّف مسائل الخلافِ ذَكَرَ أنَّ مالكًا يقول: إذا انفضّوا عنه - أيْ: انفض المأمومون عن إمامِ الجمعة - بعدما صلَّى ركعةً بسجدتين أنَّها جمعةٌ ... ولم أقف لمالكٍ على هذا، ولعلَّ هذا الحاكي وَقَفَ على مذهبِ أشهب (^٤)،\n_________\n(^١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/ ١٨٤).\n(^٢) انظر: المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد (١/ ١٢٢).\n(^٣) الاتباع (ص/ ٣١).\n(^٤) هو: أشهب - ويقال: اسمه مسكين، ولقبه أشهب - بن عبد العزيز بن داود بن إبراهيم القيسي العامري الجعدي المصري، أبو عمرو، يعرف بأشهب، ولد سنة ١٤٠ هـ وقيل: ١٥٠ هـ انتهت إليه رئاسة المذهب المالكي بمصر بعد وفاة ابن القاسم، كان إمامًا علامةً فقيهًا نبيلًا كبير القدر، حسن الرأي والحجة، من محققي المالكية، قال عنه الإمام الشافعي: \"ما أخرجت مصر أفقه من أشهب\"، من مؤلفاته: كتاب في الفقه، رواه عنه سعيد بن حسان، توفي بمصر سنة ٢٠٤ هـ. انظر ترجمته في: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٣/ ٢٦٢)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (١/ ٢٣٨)، وتهذيب الكمال للمزى (٣/ ٢٩٦)، وسير أعلام النبلاء (٩/ ٥٠٠)، والديباج المذهب لابن فرحون (١/ ٣٠٧)، وشذرات الذهب لابن العماد (٣/ ٢٤)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٥٩).","vol":"1","page":456},{"text":"فظنَّ أنَّه مذهبُ مالكٍ؛ لكونِ أشهبَ مِنْ أصحابِه\" (^١).\nالصورة الثالثة: نسبةُ قولٍ إلى أحدِ أتباعِ إمامِ المذهبِ لم يقلْه، وحقيقتُه أنَّه قول إمامِ المذهبِ (^٢).\nالصورة الرابعة: أنْ يقولَ إمامُ المذهب قولًا، فيزاد عليه، أو يجعل كلامه عامًا أو مطلقًا، وليس الأمر كذلك (^٣)، أو يضاف إلى كلامه قيدٌ لم يذكرْه، ثم ينسب جميعه إليه (^٤).\nالصورة الخامسة: عدمُ التفريقِ بين قولِ إمامِ المذهبِ المنصوصِ عنه، وقولِه المخرَّجِ.\nلا شكَّ في أنَّ القولَ المخرَّجَ أقلُّ درجةً مِن القولِ المنصوصِ في الجملةِ، ولذا فإنَّ نسبةَ القولِ المخرَّج بإطلاقٍ، دونَ إشارةٍ إلى كونِه مخرَّجًا، يُوقعُ في اللبسِ، أهو منصوصُ، أم مخرَّج؟ وكم مِنْ قولٍ نُسبَ إلى إمامِ المذهبِ بإطلاق، وكان مخرَّجًا (^٥).\nيقولُ شاه ولي الله الدَهْلوي: \"منها - أيْ: مِن المسائل التي يُنبَّه عليها -: أنِّي وجدتُ بعضَهم يزعمُ أنَّ جميعَ ما يوجدُ في هذه الشروحِ الطويلةِ، وكتب الفتاوى الضخمةِ هو قول أبي حنيفةَ وصاحبيه، ولا يفرِّق بين القولِ المخَرَّجِ، وبين ما هو قولٌ في الحقيقةِ، ولا يحصِّل معنى قولِهم: على تخريجِ الكرخي كذا، وعلى تخريجِ الطحاوي (^٦) كذا، ولا يميِّز بين\n_________\n(^١) شرح التلقين (٣/ ٩٦٥).\n(^٢) انظر: المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد (١/ ١٢٢).\n(^٣) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/ ١٨٥).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (٢٤/ ١٠٤)، والمدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد (١/ ١٢٢).\n(^٥) انظر: شرح عقود رسم المفتي لابن عابدين (ص/ ٨٤).\n(^٦) هو: أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي المضري، أبو جعفر الطحاوي، ولد سنة بطحا بصعيد مصر ٢٣٩ هـ وقيل: سنة ٢٣٨ هـ كان أحد الأئمة الكبار، ومحدث الديار المصرية، وفقيهها، إمامًا ثقةً ثبتًا دينًا، عالمًا بالخلاف، جليل القدر، كان أول أمره على المذهب الشافعي، =","vol":"1","page":457},{"text":"قولِهم: قال أبو حنيفةَ: كذا، وبين قولِهم: جوابُ المسألةِ على مذهبِ أبي حنيفةَ، أو على أصلِ أبي حنيفةَ: كذا، ولا يصغي إلى ما قاله المحققون مِن الحنفيين ... \" (^١).\nالصورة السادسة: الاعتمادُ في نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ على قولٍ رَجَعَ عنه (^٢).\nلا ريبَ في أنَّ أقوالَ الإمام قد تتغيّرُ مِنْ وقت لآخر؛ نتيجةَ تجديدِ اجتهادِه، وهذا أمرٌ لا إشكال فيه، ويردُ الخطأُ إلى مَنْ يجعل القولَ الذي رَجَعَ عنه الإمامُ هو قوله المعتمد، ويُغْفِلُ ذكرَ رجوعِه عن القول، وسيأتي الحديثُ عن هذه المسألةِ بعينها.\nالصورة السابعة: إبداءُ مأخذٍ بعيدٍ لقولِ إمامِ المذهبِ.\nقد يَرِد عن إمامِ المذهب أقوالٌ مجرّدة، لم يُشِرْ إلى عللها، فيأتي أتباعُه، فيجتهدون في البحثِ عمّا يمكنُ أنْ يكونَ مأخذًا لقولِ إمامهم، ويأتي الخطأ إلى مَنْ يبدي مأخذًا لقولِ إمامِه فيه بُعدٌ عن الصوابِ.\nويترتبُ على هذا الأمرِ عدمُ فهمِ كلامِ الإمامِ على وجهِه (^٣)، والإلحاقُ على قولِه؛ بناءً على المأخذِ البعيدِ، فيُنْسَبُ إلى الإمامِ ما لم يُرِدْه.\n_________\n= ثم انتقل إلى التمذهب بالمذهب الحنفي، وانتهت إليه رئاسة المذهب الحنفي بمصر، برز في علم الحديث والفقه، من مؤلفاته: أحكام القرآن، واختلاف العلماء، وشرح معاني الآثار، وشرح مشكل الآثار، والعقيدة المشهورة بالعقيد الطحاوية، توفي سنة ٣٢١ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ١٣٣)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (١/ ٧١)، وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٧)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (٣/ ٨٠٨)، والوافي بالوفيات للصفدي (٨/ ٩)، والجواهر المضية للقرشي (١/ ٢٧١)، وتاج التراجم لقطلوبغا (ص / ٢١)، والفوائد البهية للكنوي (ص/ ٤١).\n(^١) حجة الله البالغة (١/ ٤٨٨). وانظر: شرح عقود رسم المفتي لابن عابدين (ص/ ٨٤).\n(^٢) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٢٨)، والمدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد (١/ ١٢٢).\n(^٣) انظر: الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة لابن رجب (ص/ ٤٢).","vol":"1","page":458},{"text":"والذي يحدّدُ بُعْدَ المأخذِ عن الصوابِ، أو قربِه منه هم محققو المذهبِ، ممَّنْ لهم مزيدُ عنايةٍ وبَصَرٍ بأقوالِ إمامِهم، ومعرفة مآخذِها وعللها المنصوصة، الأمر الذي يساعدُهم في معرفةِ المآخذِ المسكوتِ عنها.\nيقولُ ابنُ رجبٍ: \"مَنْ تأمّلَ كلامَه - أي: كلام الإمام أحمد - في الفقه، وفَهِم مأخذَه ومدركه فيه، عَلِمَ قوةَ فهمِه، واستنباطِه.\nولدقَّة كلامِه في ذلك، رُبَّما صَعُب فهمُه على كثيرٍ مِنْ أئمةِ أهلِ التصنيفِ ممَّنْ هو على مذهبِه، فيَعْدِلون عن مآخذِه الدقيقةِ إلى مآخذ أخر ضعيفة، يتلقّونها عن غيرِ أهلِ مذهبِه، ويَقَعُ بسببِ ذلك خللٌ كثيرٌ في فهمِ كلامِه، وحملِه على غيرِ محاملِه\" (^١).\nالصورة الثامنة: بناءُ فرعٍ مذهبي على غيرِ قاعدتِه.\nيوجد في مدوّناتِ المذاهبِ الفقهيةِ فروعٌ فقهيةٌ لم تُحددْ قواعدُها الأصوليةُ التي يمكن إدراجها تحتها، وقد يجتهدُ بعضُ أرباب المذهبِ في رَدَّ الفروعِ إلى قواعدِها الأصوليةِ، ويأتي الخطأُ في نقلِ المَذهب إلى مَنْ يَرُدّ الفرعَ المذهبيَّ إلى غيرِ قاعدِته، فليس الخطأُ في حكمِ الفَرعِ؛ لأنَّ حكمَه معلومٌ، بل الخطأ في بنائه على غيرِ أصلِه.\nمثال ذلك:\nالمثال الأول: ذَكَرَ ابنُ اللحامِ فروعًا فقهيةً مخرَّجةً على مسألةِ: (هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟)، فقال: \"منها: المرتدُّ إذا أسلمَ، فهلْ يلزمُه قضاءُ ما تَرَكَ مِنْ العباداتِ زَمَنَ الردةِ؟ على روايتين: المذهبُ: عدمُ اللزومِ. بناهما ابنُ الصيرفي (^٢)، والطوفيُّ على القاعدةِ، وليس بناءً جيدًا مِنْ وجهين:\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) هو: يحيى بن أبي منصور بن أبي الفتح بن رافع بن علي بن إبراهيم الحراني، جمال الدين أبو زكريا، يعرف بابن الصيرفي، وبابن الحُبَيْشي، ولد بحران سنة ٥٨٣ هـ رحل إلى دمشق وإلى =","vol":"1","page":459},{"text":"أحدهما: أنَّ المذهبَ عدمُ لزومِ القضاء والمذهب: تكليفُ الكفارِ بالفروعِ.\nالثاني: أنَّ الروايتين إنَّما هما في المرتدَّ، وأمّا الأصلي فلا يلزمُه قضاءٌ بالإجماعِ.\nلكن قد يتخرَّج لزومُ القضاءِ على قولِ مَنْ يقولُ: المرتدُّ مكلّفٌ بالفروعِ، دونَ الأصلي\" (^١).\nالمثال الثاني: ما ذكره ابنُ اللحامِ - أيضًا - تحتَ مسألةِ: (هل الواو العاطفة تفيد الترتيب؟)، فقالَ: \"ومنها: ما قاله بعضُهم: إنَّ وجوبَ الترتيبِ في الوضوءِ، والبُداءةِ بالصفا، بناءً على أنَّ الواوَ للترتيبِ.\nوليس بناءً جيدًا؛ لأنَّ المذهبَ الصحيحَ أنَّها ليستْ للترتيبِ، والمذهبُ الصحيحُ: وجوبُ الترتيب، والبُداءةُ بالصفا، وإنَّما ثبت هذا بأدَلةٍ غيرِ الواوِ\" (^٢).\nويلتحق بهذه الصورةِ: الاستدلالُ للمذهبِ بأدلةٍ مأخوذةٍ مِن المذاهب الأخرى؛ نظرًا لاتفاقِ المذهبين في الرأي، دونَ مراعاةٍ لاختلافِ أصولِ المذهبينِ، فما يستقيمُ الاستدلالُ به لمذهبٍ مِن المذاهبِ قد لا يستقيمُ الاستدلالُ به عند غيرِهم، وإن اتفقوا على الحكمِ، ويكون مردُّ ذلك إلى اختلافِ أصولِ المذهبين.\nالصورة التاسعة: نسبةُ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على ما مثّلَ به،\n_________\n= بغداد وسمع من علمائهما، كان من الشيوخ والفقهاء المتعبدين والمعتبرين في المذهب الحنبلي، كثير الديانة والتعبد وقيام الليل، قويًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد انتفع الناس به، وتخرج به الأصحاب، أخذ عنه تقي الدين بن تيمية، من مؤلفاته: نوادر المذهب، وانتهاز الفرص فيمن أفتى بالرخص، وعقوبات الجرائم، وجزء في آداب الدعاء، توفي سنة ٦٧٨ هـ. انظر ترجمته في: معجم الشيوخ للذهبي (٢/ ٣٧٨)، والذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب (٤/ ١٤٩)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (٣/ ٨٧)، والمنهج الأحمد للعليمي (٤/ ٣١١)، والدر المنضد له (١/ ٤٢٠)، وشذرات الذهب لابن العماد (٥/ ٣٦٣).\n(^١) القواعد (١/ ١٧٥ - ١٧٦).\n(^٢) المصدر السابق (١/ ٤٤١).","vol":"1","page":460},{"text":"أو على ما ساقه في غيرِ مساقِه الأصلي (^١)، أو على فتواه دونَ مراعاةِ خصوصيتها.\nقد يوردُ إمامُ المذهبِ في تضاعيف حديثِه عن مسألةٍ ما حكمَ فرعٍ فقهيٍّ ساقه مساقَ التنظيرِ والتمثيلِ فحسب، أو في سياقِ الإلزامِ للمخالفِ، فلم يُرِدْ تقريرَ حكمِه - وإنَّما قَصَدَ التمثيلَ أو الإلزامَ ونحوهما - لذا فنسبةُ القولِ إليه اعتمادًا على ما مثَّلَ به غيرُ جيّدةٍ.\nيؤكّدُ ما سَبَقَ: أنَّ بعضَ المصنفين ينصُّ على عدمِ تحقيقِ الكلامِ على أمثلةِ المسألةِ، لأنَّ المقامَ مقامُ تمثيلٍ، وليس مقام تحقيقٍ (^٢).\nوكذلك إذا أفتى بفتيا قد يكون فيها مراعاةٌ لحالِ السائلِ، وخصوصية للحالةِ الواقعةِ، فينبغي التثبّتُ في مثلِ هذا الأمرِ.\nيقولُ تقيُّ الدينِ السبكي: \"نَجِدُ في فتاوى بعضِ المتقدمين ما ينبغي التوقّفُ في التمسكِ به في الفقهِ، ليس لقصورِ ذلك المفتي - معاذ الله - بلْ لأنَّه قد يكون في الواقعةِ التي سُئِلَ عنها ما يقتضي ذلك الجوابَ الخاص، فلا يطّردُ في جميعِ صورِها\" (^٣).\nالصورة العاشرة: نقلُ المذهبِ في مسألةٍ بُنِيَ الحكمُ فيها على العُرفِ (^٤)،\n_________\n(^١) انظر: جزء في كيفية النهوض في الصلاة للدكتور بكر أبو زيد (ص/٢٢٧) ضمن: الأجزاء الحديثية.\n(^٢) انظر: المصفى في أصول الفقه (ص/٣٧).\n(^٣) فتاوى تقي الدين السبكي (٢/ ١٢٣).\n(^٤) عُرَّف العُرف بعدة تعريفات، منها: التعريف الأول: ما استقرَّ في النفوس من جهة العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول. وهذا تعريف حافظ الدين النسفي - كما نقله عنه الدكتور أحمد أبو سنة في كتابه: العرف والعادة (ص/ ٢٨) - والكفوي في: الكليات (ص/ ٦١٧).\nوقريب منه: - تعريف علي الجرجاني في كتابه: التعريفات (ص/ ٢٢٥)، وتعريف زكريا الأنصاري في: رسالته: الحدود الأنيقة (ص/ ٣٧)؛ إذ عرَّفا العرف بأنه: ما استقرت عليه النفوس بشهادة العقول، وتلقته الطباع بالقبول.=","vol":"1","page":461},{"text":"مع عدم مراعاةِ اختلافِ الأعرافِ (^١).\nيُوْجَدُ في مُدوّناتِ المذاهب الفقهيةِ أحكامٌ مبنيةٌ على العُرفِ، والعُرفُ - كما هو معلومٌ - يتغيّرُ ويتبدلُ، ويأتي الخطأُ إلى مَنْ ينقلُ المذهبَ دونَ انتباهٍ إلى بناءِ الحكمِ فيه على العُرفِ، الأمر الذي يجعلُ المذهبَ تابعًا لتغيّرِ العُرفِ.\nيقولُ شهابُ الدّينِ القرافي: \"إيّاكَ أنْ تقولَ: أَنَا لا أفهمُ منه - أيْ: من قول القائل: أنتِ عليَّ حرام - إلا الطلاقَ؛ لانَّ مالكًا - ﵀ - قاله، أو لأنَّه مسطورٌ في كتبِ الفقهِ؛ لأنَّ ذلك غَلَط، بلْ لا بُدّ أنْ يكونَ ذلك الفهمُ حاصلًا لك مِنْ جهةِ الاستعمالِ والعادةِ، كما يحصلُ لسائرِ العوامّ - كما في لفظِ: الدابةِ والبحرِ والروايةِ - فالفقيهُ والعامي في هذه الألفاظِ سواءٌ في الفهمِ، لا يسبقُ إلى أفهامِهم إلا المعاني المنقول إليها، هذا هو الضابط، لا فهم ذلك مِنْ كتبِ الفقهِ ... بل المسطّرُ في الكتب تابعٌ لاستعمالِ الناسِ، فافهمْ ذلك\" (^٢).\n_________\n= - وتعريف الشيخ أحمد المنقور في كتابه: الفواكه العديدة (١/ ١٣٥)؛ إذ عرف العرف بأنه: ما استقر من الأمور في العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول.\nالتعريف الثاني: ما تعارفه الناسُ، وساروا عليه من قولٍ، أو فعلٍ، أو تركٍ. وهذا تعريف الأستاذ عبد الوهاب خلاف في كتابه: علم أصول الفقه (ص/ ٨٩)، واختاره الدكتور عمر الأشقر في كتابه: الأعراف البشرية (ص/ ١٥).\nالتعريف الثالث: عادةُ جمهور قوم في قولٍ، أو فعلٍ. وهذا تعريف الأستاذ مصطفى الزرقا في كتابه: المدخل الفقهي العام (١/ ١٤١).\nالتعريف الرابع: ما غلب على الناس من قولٍ، أو فعلٍ، أو ترك. وهذا تعريفُ الشيخِ محمد الطاهر بن عاشور في كتابه: التوضيح والتصحيح (ص/ ٢٢٣) - ونقله عنه الدكتورُ السيد عوض في كتابه: أثر العرف في التشريع (ص/ ١٣٩) - وأحمدَ الرجراجي في كتابه: منار السالك (ص/ ٤٩)، والباحث عادل قوته في كتابه: العرف (١/ ٩٨).\nوراجع الحاشية رقم (٣) من المصدر السابق، فقد ذكر الباحث عادل قوته عددًا من العلماء الذين ذكروا هذا التعريف.\n(^١) انظر: الفروق للقرافي (١/ ٣٨٤)، وإعلام الموقعين (٤/ ٤٧٠)، وشرح عقود رسم المفتي لابن عابدين (ص/ ٨٤).\n(^٢) الفروق (١/ ١٣٨)، وانظر منه: (١/ ١٤١).","vol":"1","page":462},{"text":"ويقولُ - أيضًا -: \"قد غَفَلَ كثيرٌ مِن الفقهاءِ، ووَجَدُوا الأئمةَ الأُول قد أفتوا بفتاوى بناءً على عوائد لهم، وسطّروها في كتبِهم؛ بناءً على عوائدِهم، ثمَّ المتأخرون وَجَدُوا تلك الفتاوى، فأفتوا بها، وقد زالتْ تلك العوائدُ، فكانوا مخطئين خارقين للإجماعِ؛ فإنَّ الفتيا بالحكمِ المبني على مُدْرَكٍ، بعدَ زوالِ مُدْرَكِه خلافُ الإجماعِ، ومِنْ ذلك: لفظُ: الحرام والخَلِيّة ... مسطورٌ لمالكٍ أنَّه يُلزِمُ به الطلاق الثلاث؛ بناءً على عادةٍ كانتْ في زمانِه، فأكثر المالكيةِ اليومَ يفتي بلزومِ الطلاقِ الثلاثِ؛ بناءً على المنقولِ في الكتبِ عن مالكٍ، وتلك العوائدُ قد زالتْ\" (^١).\nولذا نبّه جمعٌ مِن المحققين إلى ضرورةِ مراعاةِ عُرفِ المتكلمِ في ألفاظِه في الأيمانِ والأقارير ونحوِهما؛ لئلا يقعَ الخطأُ في فهمِ مرادِه؛ نتيجةَ اختلافِ عُرْفِ بلدِه (^٢).\nويلحق بهذه الصورةِ: ما في المذهب مِنْ أقوال مبنيّةٍ على مصلحةٍ أو ضرورةٍ، ثمَّ اختلفَ الحالُ بعدَ زمنٍ، فتغيّرت المصلحةُ، وانتفَت الضرورةُ؛ فإنَّ هذه الأقوالَ المسطّرةَ في المذهبِ لا تبقى حينئذٍ، بلْ تتغيّر؛ لتغيِّر مُدْرَكِ الحكمِ (^٣).\nالصورة الحادية عشرة: تخريجُ قاعدةٍ أصوليةٍ للمذهبِ بناءً على استقراء فروعٍ مذهبيةٍ قليلةٍ.\nاتجه بعضُ علماءِ المذاهبِ إلى تخريجِ قواعد مذهبِهم الأصولية بناءً على الفروعِ الفقهيةِ المنقولةِ عن أئمتِهم، ويتطرقُ الخطأُ إلى مَن يُخرِّجُ\n_________\n(^١) المصدر السابق (٣/ ٢٨٣). وانظر: الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام (ص / ٢١٨ - ٢٢٦)، وتعليق ابن القيم على كلام القرافي في: إعلام الموقعين (٤/ ٤٧٠).\n(^٢) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١١٥)، وصفة الفتوى (ص/ ٣٦).\n(^٣) انظر: إغاثة اللهفان لابن القيم (١/ ٣٣١)، وشرح عقود رسم المفتي لابن عابدين (ص/ ٤٧ وما بعدها)، والفقه المالكي بين التدليل والتجديد لمحمود الغرياني (٦/ ٤٣٨) مطبوع ضمن بحوث القاضي عبد الوهاب، وتوصيف الأقضية لعبد الله الخنين (١/ ٤٢٨ - ٤٢٩).","vol":"1","page":463},{"text":"قاعدةً أصوليةً لمذهبِه بناءً على فروعٍ فقهيةٍ قليلةٍ، أو على فرعٍ فقهي واحدٍ! دونَ استقراء لبقيةِ فروعِ المذهبِ (^١).\nوللوقوعِ في الصورِ السابقةِ أسبابٌ، منها:\nالسبب الأول: نسبةُ قولٍ إلى إمامِ المذهب بناءً على نقلٍ لا يصحُّ، أو مِنْ كتابٍ لا تصحُّ نسبتُه إليه.\nوردتْ أقوالٌ عن بعضِ الأئمةِ بنقلِ الناقلين، وقد يوجدُ في أسانيدِ بعضِها ما يجعلُ النقلَ غيرَ ثابتٍ، كنقلِ غيرِ الثقةِ مثلًا، أو عدم اتصالِ السندِ (^٢).\nوكذلك الحالُ فيما يتصلُ بنسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ اعتمادًا على كتابٍ لا تصحُّ نسبتُه إليه، وقد تقدم تقرير هذا الأمرِ في المسألةِ الثالثةِ.\nالسبب الثاني: نقلُ قولِ إمامِ المذهبِ بناءً على ما انفردَ به أحدُ الرواةِ عنه (^٣).\nوقد تقدم الحديثُ عن هذا.\nالسبب الثالث: نسبةُ قولٍ إلى إمامِ المذهبِ مخالفٍ لأقوالِه، أو لأصولِه (^٤).\nوقد تقدم الحديث عن هذا.\nالسبب الرابع: نسبةُ جميعِ ما في كتبِ المذهبِ مِنْ أحكامٍ إلى إمامِ المذهبِ.\nحَوَتْ مدوّنات المذاهبِ الفقهيةِ عددًا كبيرًا مِن الفروعِ والأحكامِ المذهبيةِ، وكما هو معلومٌ، فإنَّ مِن هذه الفروعِ ما نصَّ إمامُ المذهبِ على\n_________\n(^١) انظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٤٤ - ٤٦).\n(^٢) انظر: صفة الفتوى (ص / ١٠٩)، والإنصاف (١٢/ ٢٧١).\n(^٣) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٩٦ - ٩٧)، والمسودة (٢/ ٩٤٣).\n(^٤) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٩/ ١٠)، وشرح العمدة لابن تيمية، كتاب الحج (٢/ ٥٤١)، وأضواء البيان (٧/ ٦١٢).","vol":"1","page":464},{"text":"حكمِه، ومنها: ما خُرِّجَ على قولِه أو على أصلِه، ومنها: ما هو تفقّه مِنْ أربابِ مذهبه، ولذا فلا ينسب كلُّ ما في المذهب مِنْ أحكامٍ إلى إمامِه.\nوحين لا يَعْلمُ الناظرُ في كتابٍ مِنْ كتبٍ المذهبِ قولَ الإمامِ على وجهِ التعيين، فليس له أنْ ينسبَه إليه، بناءً على ما في كتَبِ المذهبِ، لكنْ له أنْ ينسبَ الحكمَ إلى المذهبِ في ضوءِ الشروطِ المبَيّنةِ في المسألةِ الثالثةِ.\nوقد تقدم لنا كلامُ ابنِ القيّمِ في المسألةِ الثالثةِ في بيانِ حالِ بعضِ المدوناتِ المذهبيةِ مِنْ جهةِ اشتمالِها على أقوال مخالفةٍ لأقوالِ إمامِ المذهب.\nيقولُ ابنُ حجرٍ الهيتمي (^١): \"لا يجوزُ أنْ يُقالَ في حكمٍ: هذا مذهبُ الشافعي، إلا إنْ عَلِمَ كونَه نصَّ على ذلك بخصوصه، أو كونه مخرَّجًا مِنْ نصوصِه، على الخلافِ في نسبةِ القولِ المخرَّجِ إليه\" (^٢).\nويقولُ الشيخُ محمد الأمين الشنقيطي: \"يجبُ على المرءِ أنْ يتنبَّه تَنَبُّهًا تامًّا للفرقِ بين أقوالِ الإمامِ التي قالها حقًّا، وبين ما أُلحق بعدَه على قواعد مذهبِه، وما زاده المتأخرون وقتًا بعدَ وقتٍ ... فنسبةُ جميعِ ذلك للإمامِ مِن\n_________\n(^١) هو: أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي الأنصاري المكي، شهاب الدين أبو العباس، ولد بمحلة أبي الهيتم من أقليم الغربية بمصر سنة ٩٠٩ هـ كان شافعي المذهب، ومن كبار علمائه المحققين فيه، بل كان من أعظم علماء عصره فقهًا، بحرًا زاخرًا، زاهدًا متقللًا، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، أُذن له بالتدريس والإفتاء وهو دون العشرين، برع في علومٍ كثيرة، واستقر بمكة، لذا فأهل مكة يقدَّمون قوله على قول غيره من متأخري الشافعية، وفي سلوكه تصوف، وله أقوال شنيعة في تقي الدين بن تيمية، من مؤلفاته: تحفة المحتاج في شرح المنهاج، والفتاوى الكبرى الفقهية، والفتاوى الفقهية والحديثية، توفي بمكة سنة ٩٧٣ هـ. انظر ترجمته في: شذرات الذهب لابن العماد (١٠/ ٥٤١)، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ ١٢٤)، وأبجد العلوم للقنوجي (ص/ ٦٦١)، وجلاء العينين للألوسي (ص/ ٤٠)، وفهرس الفهاس والأثبات للكتاني (١/ ٣٣٧)، والأعلام للزركلي (١/ ٢٣٤)، ومعجم المؤلفين لكحالة (١/ ٢٩٣).\n(^٢) الفتاوى الكبرى الفقهية (٤/ ٣٠٠).","vol":"1","page":465},{"text":"الباطلِ الواضحِ\" (^١).\nالسبب الخامس: تنزيلُ أقوالِ إمام المذهبِ واصطلاحاتِه على اصطلاحِ المتأخرين (^٢).\nوقد تقدمَ الحديثُ عن هذا.\nالسبب السادس: عدمُ معرفةِ مصطلحاتِ المذهبِ.\nوقد تقدم الحديث عن ضرورة معرفة مصطلحات المذهب.\nالسبب السابع: تخريجُ قولٍ لإمامِ المذهبِ عن طريقٍ غيرِ صحيحٍ.\nوقد تقدمَ لنا الحديثُ عن طرقِ تخريج أقوالِ إمامِ المذهبِ، ومنها ما لا يصحُّ التخريجِ عن طريقِه.\nالسبب الثامن: تخريجُ قولٍ لإمامِ المذهبِ عن طريقٍ صحيحٍ، دونَ استكمالِ شروطِ التخريجِ.\nقد يخرَّجُ أحدُ أتباعِ المذهب قولًا لإمامِه عن طريقٍ صحيحٍ، لكنْ يَعْتَور تخريجَه خطأ مِنْ جهةِ عدمِ اسَتكمالِ شروطِه، فمِن الخطأِ نسبةُ القولِ إلى الإمامِ بناءً على هذا التخريجِ.\nالسبب التاسع: نقلُ المذهب مِن الكتب المذهبيةِ غيرِ المعتمدةِ أو الغريبةِ أو غيرِ المحررةِ.\nوقد تقدم الحديثُ عن هذا.\nالسبب العاشر: أخذُ أقوالِ المذهبِ الفقهيةِ مِنْ غيرِ كتبِه الفقهيةِ، وأخذُ أقوال المذهبِ الأصوليةِ مِنْ غيرِ كتبِه الأصوليةِ.\nلا شكَّ في أنَّ محلَّ تحريرِ أحكامِ المذهبِ في الفروعِ الفقهيةِ هو كتب الفقهِ المذهبيةِ، ومحلَّ تحرير المسائلِ الأصولية هو كتب المذهبِ\n_________\n(^١) أضواء البيان (٧/ ٦١٠).\n(^٢) انظر: إعلام الموقعين (٢/ ٧٥).","vol":"1","page":466},{"text":"الأصوليةِ، ومِن الخطإِ في نقلِ المذهبِ الاعتمادُ على غيرِ كتبِه الفقهيةِ والأصوليةِ.\nوقد ينسبُ بعض الناسِ إلى مذهبِ الحنفيةِ مثلًا قولًا اعتمادًا على ما أورده أحدُ علمائِهم في كتابٍ ألّفه في الحديثِ، أو في القواعد الفقهية، ونحوهما، وهذا خطأٌ؛ لوجهين:\nالوجه الأول: وجودُ الكتبِ المعتمدةِ في الفقهِ وأصولِه، وهي تُغني عن غيرِها.\nالوجه الثاني: وجودُ الخطأِ في نسبةِ المذهبِ في بعضِ الكتبِ التي لم تُؤلّفْ في الفقهِ والأصولِ (^١).\nالسبب الحادي عشر: نسبةُ قولٍ إلى المذهبِ اعتمادًا على كتبِ المذاهبِ الأخرى.\nالأصلُ في نقلِ المذاهبِ أنْ تؤخذَ مِنْ مؤلفاتِ أتباعِها، فلكلَّ مذهبٍ مصادرُه ومدوّناته المعتمدة.\nيقولُ محيي الدين النووي: \"لا نأخذُ مذهبَنا عن المخالفين\" (^٢).\nونقلُ المذهبِ مِنْ غيرِ مؤلفاتِ أربابِه خطأٌ؛ لوجهين:\nالوجه الأول: وجودُ كتبِ المذهبِ المعتمدةِ وتوافرها، فليس هناك حاجةٌ إلى الاعتمادِ على كتبِ غيرِهم.\nالوجه الثاني: وجودُ الخطأِ في ذكرِ أقوالِ المذهبِ في مؤلفاتِ المذاهبِ الأخرى، ولا سيما أنَّ بعضَ متعصبةِ المذاهب أَعْمَاهم التعصبُ، فعمدوا إلى تحريفِ آراء مخالفيهم، فقوّلوهم ما لَم يقولوه، فجاءَتْ حكايتُهم لآراء غيرِهم مغلوطةً (^٣).\n_________\n(^١) انظر: أصول الإفتاء للعثماني (ص/ ٣٧٢) مع المصباح في رسم المفتي.\n(^٢) المجموع شرح المهذب (١/ ١٥٠).\n(^٣) انظر: منهج البحث في الفقه الإسلامي للدكتور عبد الوهاب أبو سليمان (ص/ ١٥١).","vol":"1","page":467},{"text":"يقول أبو شامةَ المقدسي: \"إذا كانَ الخللُ قد وَقَعَ منهم - أيْ: مِنْ أربابِ المذهبِ - في نقلِ نصوصِ إمامِهم، فما الظنُّ بما ينقلونه مِنْ نصوصِ باقي المذاهبِ؟ ! فترى في كتبِهم أشياءَ ينكرها أصحابُ تلك المذاهبِ\" (^١).\n* * *\n_________\n(^١) خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول (ص/ ١١٩).","vol":"1","page":468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>المسألة الخامسة: ألفاظ نقل المذهب</span>\nوفيه تسعة عشر فرعًا:\nالفرع الأول: الرواية\nالفرع الثاني: التنبيه\nالفرع الثالث: القول\nالفرع الرابع: الوجه\nالفرع الخامس: الاحتمال\nالفرع السادس: التخريج\nالفرع السابع: النقل والتخريج\nالفرع الثامن: الصحيح\nالفرع التاسع: المعروف\nالفرع العاشر: الراجح\nالفرع الحادي عشر: قياس المذهب\nالفرع الثاني عشر: المشهور من المذهب\nالفرع الثالث عشر: ظاهر المذهب\nالفرع الرابع عشر: الضعيف\nالفرع الخامس عشر: المنكر.\nالفرع السادس عشر: الشاذ\nالفرع السابع عشر: الطرق\nالفرع الثامن عشر: الإجراء\nالفرع التاسع عشر: التوجيه","vol":"1","page":469},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>توطئة</span>\nلقد اهتمَّ أتباعُ المذاهبِ بما جاءَ في مدوّناتِ مذهبِهم مِنْ مسائلَ، فأجروا اصطلاحات خاصة لتمييزِ المسائلِ المذكورةِ فيها.\nوقبل إيرادِ مصطلحات المذاهبِ، أنبّه إلى الآتي:\nالأول: لا ضيرَ في اختلافِ الاصطلاحِ في نقلِ المذهبِ؛ لأنّه لا مشاحةَ في الاصطلاحِ، فمِن السائغِ أنْ يصطلحَ علماءُ الشافعيةِ على معنى خاص للفظٍ معيّنٍ، في حين يصطلح علماءُ المالكيةِ على معنى آخر لذلك اللفظِ، فلا يُوجدُ في هذا المقامِ ترجيحٌ بين اصطلاحاتِ المذاهبِ، وإنَّما المقامُ مقامُ بيانِها.\nيقولُ شمسُ الدينِ البعلي: \"كلُّ ذلك - أيْ: معاني ألفاظ نقل المذاهب - اصطلاحٌ، لا حجرَ على الناسِ فيه\" (^١).\nالثاني: قد يختلفُ علماءُ المذهبِ الواحدِ في تحديدِ معنى المصطلحِ.\nالثالث: أغفلتْ بعضُ المذاهبِ تعريفَ بعضِ المصطلحاتِ؛ وذلك إمَّا لعدمِ ورودِها في كتبِهم، وإمَّا لأنَّهم لم يَخْرجوا في استعمالِهم لها عن معناها اللغوي (^٢).\nالرابع: - وهو متمّم للثالثِ - وردتْ بعضُ المصطلحاتِ في مذهبِ أو في عددٍ مِن المذاهبِ، في حين أنَّها لم تَرِدْ عند مذهبٍ آخر.\nالخامس: سأوردُ تعريفاتِ المذاهبِ الفقهيةِ الأربعةِ، مبتدئًا بالمذهبِ الحنفي، فالمالكي، فالشافعي، فالحنبلي - إلا إذا لم أقفْ للمذهبِ على اصطلاحٍ، فإنِّي أُغفلُ ذكرَه - مُتبِعًا اصطلاح كلِّ مذهبٍ بأمثلةٍ مِن كتبِه.\n_________\n(^١) المطلع على أبواب المقنع (ص/ ٤٦٠).\n(^٢) قارن بالموسوعة الفقهية الكويتية (٢٩/ ٢٦٢).","vol":"1","page":471},{"text":"السادس: قد تدلُّ بعضُ المصطلحاتِ على درجةِ القولِ في المذهبِ قوةً وضعفًا، ومدى إمكانِ الاعتمادِ عليه، وهذا ما يُؤكّدُ أهمية معرفةِ معاني المصطلحاتِ عند المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعة؛ لئلا يقعَ الخطأُ في نقل أقوالِهم.\nالسابع: قد يتصلُ بالمصطلحِ الواحدِ مصطلحٌ مرتبطٌ به، كمصطلح: (الأصحِّ) مع (الصحيحِ)، و(الأشهر) مع (المشهورِ)، وحينئذٍ سأذكرُ المصطلحَ، وما يتصلُ به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>الفرع الأول: الرواية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>أولًا: التعريف اللغوي للرواية:</span>\nالرِّوايةُ: مصدرٌ مِن الفعلِ رَوَى، يُقالُ: رَوَى فلانٌ الحديثَ يَرْوِيه رِوَايةً، فهو راوٍ (^١).\nوتطلقُ الرِّوايةُ باعتبارِها مصدرًا، ويُراد بها اسم المفعولِ، فهي روايةٌ بمعنى مَرْوّيةٍ (^٢).\nيقولُ ابنُ فارسٍ: \"الراءُ والواو والياءُ أصلٌ واحدٌ، ثم يُشتقُ منه، فالأصلُ: ما كان خلافَ العطشِ، ثمَّ يُصرّفُ في الكلامِ لحاملِ ما يروى منه.\nفالأصل رَوَيْتُ مِن الماء رِيًّا ... ثم شُبَّه به الذي يأتي القومَ بعلمٍ أو خبرٍ، فيرويه، كأنَّه أتاهم برِيّهم مِنْ ذلك\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: تهذيب اللغة، مادة (روي)، (١٥/ ٣١٣)، والصحاح، مادة: (روي)، (٦/ ٢٣٦٤)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (روي)، (ص/ ٢٠٤)، والقاموس المحيط، مادة: (روي)، (ص/ ١٦٦٥).\n(^٢) انظر: المطلع على أبواب المقنع للبعلي (ص/ ٤٦٠).\n(^٣) مقاييس اللغة مادة: (روي)، (٢/ ٤٥٣).","vol":"1","page":472},{"text":"يُقال: رَوّيتُه الشِّعْرَ تَرْوِيةً، أي: حملتُه على رِوايَتِه (^١)، وروَّى فلانٌ فلانًا شعرًا، إذا رواه له حتى حَفِظَه؛ ليرويه عنه (^٢)، ويقال: فلانٌ راويةٌ للحديثِ أو للشِّعرِ، أي: راوٍ، والهاءُ للمبالغةِ (^٣).\nوالرَّاويةُ: المزادةُ فيها الماء، ويُسمّى البعيرُ والبغلُ والحمارُ الذي يُستقى عليه راوية (^٤)، والراويةُ: الرجلُ المستقي لأهلِه (^٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للرواية:</span>\nيأتي مصطلح: (الرواية) في وصفِ المذهبِ مطلقًا، ومقيّدًا بقولهم: روايةٌ مخرَّجةٌ، وسوف أبيّن معناهما في الآتي:\nأولًا: الروايةُ المطلقةُ غيرُ المقيدةِ:\nوَرَدَ مصطلح: (الرواية) مطلقًا غير مقيّدٍ عند الفقهاء، واستعملوه مفردًا، ومثنى، ومجموعًا (^٦)، وإليك بيان معناه عندهم:\nأولًا: الرواية عند الحنفية:\nلم أقفْ على تعريفٍ محدّدٍ لمصطلح: (الرواية) عند الحنفيةِ - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادرهم - وقد وَرَدَت (الروايةُ) في تضاعيف مؤلفاتهم، ويظهرُ أنَّ معناها عندهم: القولُ المنقولُ عن أئمتِهم (^٧).\n_________\n(^١) انظر: الصحاح، مادة: (روي)، (٦/ ٢٣٦٤).\n(^٢) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (روي)، (١٥/ ٣١٣ - ٣١٤)، والصحاح، مادة: (روي)، (٦/ ٢٣٦٤)، والقاموس المحيط، مادة: (روي)، (ص/ ١٦٦٥).\n(^٣) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (روي)، (١٥/ ٣١٣)، والصحاح، مادة: (روي)، (٦/ ٢٣٦٥)، وشمس العلوم للحميري، مادة: (روي)، (٤/ ٢٦٧٥)، والقاموس المحيط، مادة: (روي)، (ص/ ١٦٦٥).\n(^٤) انظر: الصحاح، مادة: (روي)، (٦/ ٢٣٦٤)، والقاموس المحيط، مادة: (روي)، (ص/ ١٦٦٥)، وتاج العروس، مادة: (روي)، (٣٨/ ١٩٢).\n(^٥) انظر: الصحاح، مادة: (روي)، (٦/ ٢٣٦٤)، وتاج العروس، مادة: (روي)، (٣٨/ ١٩٨).\n(^٦) انظر: المطلع على أبواب المقنع للبعلي (ص/ ٤٦٠).\n(^٧) انظر: الطبقات السنية للغزي (١/ ٣٤ - ٣٦)، وشرح عقود رسم المفتي لابن عابدين =","vol":"1","page":473},{"text":"ويوكّدُ هذا الأمر: ما ذكره شمسُ الدينِ البعلي، بقولِه: \"وهي - أي: الرواية - الحكمُ المرويُّ عن الإمامِ أحمدَ ... وكذا هي في اصطلاحِ أصحابِ أبي حنيفةَ ومالكِ.\nوالشافعي (^١) يعبّرون عن ذلك بالقولِ، فيقولون: فيها قولٌ، وقولانِ، وأقوالٌ للشافعي\" (^٢).\nويصطلحُ علماءُ الحنفيةِ على أنَّ قولَهم: \"وعنه\" يدلُّ على الروايةِ (^٣).\nأمثلة الرواية عند الحنفية:\nالمثال الأول: يقولُ أبو بكرٍ السرخسي: \"لو نَذَرَ صلاةً بغيرِ قراءةٍ، لا يلزمه شيءٌ، إلا في روايةٍ عن أبي يوسفَ، - ﵀ -\" (^٤).\nالمثال الثاني: يقولُ أبو بكرٍ السرخسي - أيضًا -: \"إذا تذكَّرَ القنوتَ - أيْ: قنوت الوتر - وهو راكعٌ: ففيه روايتان: في إحداهما: يعودُ ... وفي الروايةِ الأخرى: لا يعودُ للقنوتِ\" (^٥).\nالمثال الثالث: يقولُ ابنُ عابدين لمَّا ذَكَرَ مَنْ يجبُ عليه الغُسْل: \"أو وَلَدَتْ ولم تَرَ دمًا، هذا قولُ الإمامِ، وبه أَخَذَ أكثرُ المشايخِ. وعند أبي يوسفَ، وهو روايةٌ عن محمدٍ: لا غُسلَ عليها\" (^٦).\nثانيًا: الرواية عند المالكية:\nجاءَ مصطلح: (الرواية) عند المالكيةِ في مدوّناتهم المذهبيةِ، وقد أبانوا عن معناه، والغالبُ في إطلاقِ الروايةِ عندهم، أنَّها: القولُ المنقولُ عن الإمامِ مالكٍ نفسِه.\n_________\n= (ص / ٦٠ - ٦٣)، ورد المحتار على الدر المختار له (١/ ٢٢٥)، وأصول الإفتاء للعثماني (ص/ ٢٤٤ - ٢٤٩) مع المصباح في رسم المفتي.\n(^١) لعل الصواب: \"والشافعية\".\n(^٢) المطلع على أبواب المقنع (ص/ ٤٦٠).\n(^٣) انظر: عمدة الرعاية للكنوي (ص/ ١٧).\n(^٤) المبسوط (١/ ١٨٢).\n(^٥) المصدر السابق (١/ ٢٣٤).\n(^٦) رد المحتار على الدر المختار (١/ ٥٥٩).","vol":"1","page":474},{"text":"يقولُ القاضي ابنُ فرحون: \"الرواياتُ: أقوالُ مالكٍ، - ﵀ -\" (^١).\nومَا ذكره القاضي ابنُ فرحون هو الأغلبُ عندَ المالكيةِ؛ إذ قد يُطلقُ مصطلح: (الرواية) على أقوالِ غيرِ الإمامِ مالكٍ ممَّنْ هم على مذهبِه، ولذا عبَّرَ الحطابُ حينَ عرَّفَ مصطلحَ: (الروايةِ) بالأغلبيةِ، فقالَ: \"الروايات غالبًا: أقوالُ مالكٍ\" (^٢).\nأمثلة الرواية عند المالكية:\nالمثال الأول: يقولُ ابنُ شاس (^٣): \"الجلدُ المدبوغُ طاهرٌ ظاهرًا وباطنًا، وجائزٌ بيعُه على إحدى الروايتين ... والأخرى - وهي المشهورةُ مِن المذهبِ -: أنَّه طاهرٌ طهارة مخصوصة، يجوزُ بها استعمالُه في اليابساتِ، وفي الماءِ وحده ... ولا يجوزُ بيعُه\" (^٤).\nالمثال الثاني: يقولُ ابنُ الحاجبِ: \"النفاسُ: الدمُ الخارجُ للولادةِ.\nوفي تحديدِ أكثرِه بستين، أو بالعادةِ، وإليه رَجَعَ - أيْ: الإمام مالك -: روايتانِ\" (^٥).\nالمثال الثالث: يقولُ ابنُ شاس تحتَ مسألةِ: (موانع الحج):\n_________\n(^١) كشف النقاب الحاجب (ص/١٢٨).\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٤٠). وانظر: منار أصول الفتوى للقاني (ص/ ٣٤٧).\n(^٣) هو: عبد الله بن نجم بن شاس بن نزار بن عشائر الجذامي السعدي، جلال الدين أبو محمد، أحد أعيان مذهب المالكية وشيوخه بمصر، أقبل على تعلم السنة النبوية والاشتغال بها، كان علامةً فقهيًا فاضلًا عارفًا بمذهبه وبقواعده، غايةً في الورع والتحري، تولى منصب الإفتاء والتدريس بمدرسة المالكية، وتخرج به عدد من علماء المالكية، له عدة مؤلفات، منها: عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة، توفي مرابطًا بثغر دمياط سنة ٦١٦ هـ وقيل: ٦١٠ هـ.\nانظر ترجمته في: التكملة لوفيات النقلة للمنذري (٢/ ٤٦٨)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٦١)، وسير أعلام النبلاء (٢٢/ ٩٨)، والديباج المذهب لابن فرحون (١/ ٤٤٣)، والوفيات لابن قنفذ (ص / ٣٠٦)، وشذرات الذهب لابن العماد (٧/ ١٢٣)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ١٦٥)، والفكر السامي للحجوي (٤/ ٢٣٠).\n(^٤) عقد الجواهر الثمينة (١/ ٣١).\n(^٥) جامع الأمهات (ص/ ٧٩).","vol":"1","page":475},{"text":"\"الخامس: الأبوّةُ، فللأبوين منعُ الولدِ مِنْ التطوعِ بالحجِّ، ومِنْ تعجيلِ الفرضِ على إحدى الروايتين\" (^١).\nثالثًا: الرواية عند الشافعية:\nلم أقفْ على تعريفٍ محدّدٍ للروايةِ عند الشافعيةِ - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادرِهم - ويقلُّ استعمالُهم في نقلِ المذهبِ لهذا المصطلح؛ ولعلَّ مردَّ هذا الأمر عائدٌ إلى استغنائِهم عنه بمصطلحي: (القول القديم)، و(القول الجديد) في نقلِ أقوالِ إمامِهم، وقد تقدّمَ كلامُ شمسِ الدين البعلي قبلَ قليلٍ.\nرابعًا: الرواية عند الحنابلة:\nجاءَ مصطلح: (الرواية) كثيرًا في مؤلفاتِ علماءِ الحنابلةِ، وقد سَبَقُوا غيرَهم مَن المذاهب في كثرةِ استعمالِهم له، ولعل مردَّ هذا الأمر عائدٌ إلى طبيعةِ المذهب الحنَبلي؛ لأنَّه مذهبٌ قائمٌ على ما نُقلَ عن الإمامِ أحمدَ مِنْ رواياتٍ، فالعمدةُ في المذهبِ الحنبلي على ما جاءَ عن إمامِهم مِنْ رواياتٍ منقولةٍ.\nوالرواية عند الحنابلةِ هي: نصُّ الإمامِ أحمدَ المنقول عنه (^٢).\nيقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية: \"قال ابنُ حمدانَ: الرواياتُ المطلقةُ: نصوصٌ للإمامِ أحمدَ\" (^٣).\nويصطلحُ علماءُ الحنابلةِ على أنَّ قولَهم: \"وعنه\" يدلُّ على الروايةِ المتقدَّم بيانها (^٤).\nيقولُ شمسُ الدينِ البعلي: \"قولُه - أي: ابن قدامة - بعدَ ذكرِ المسألةِ:\n_________\n(^١) عقد الجواهر الثمينة (١/ ٤٤٦).\n(^٢) انظر: المسودة (٢/ ٩٤٦).\n(^٣) المصدر السابق. ولم أقف على قول ابن حمدان في (صفة الفتوى)، وانظر: ابن حنبل - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٣٦).\n(^٤) انظر: المسودة (٢/ ٩٤٦).","vol":"1","page":476},{"text":"\"وعنه\" عبارةٌ عن روايةٍ عن الإمامِ، والضميرُ فيه له، وإنْ لم يتقدمْ له ذكرٌ؛ لكونِه معلومًا، فهو كقولِه تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ (^١)، والضميرُ للقرآنِ، مَعَ عدمِ ذكرِه لفظًا، فـ \"عنه\" جارٌّ ومجرورٌ متعلقٌ بمحذوفِ، أيْ: نَقَلَ ناقلٌ عنه، أو نَقَلَ أصحابُه عنه، وفَعَل ذلك المتأخرون اختصارًا، وإلا فالأصلُ أنْ يُقالَ: نَقَلَ عبدُ الله عن الإمامِ كذا\" (^٢).\n\nأمثلة الرواية عند الحنابلة:\nالمثال الأول: يقولُ الموفقُ بنُ قدامةَ في صفةِ الصلاةِ: \"ثمَّ يقولُ: أعوذُ بالله مِن الشيطانِ الرجيمِ، ثمَّ يقرأُ: بسم الله الرحمنِ الرحيمِ، وليستْ مِن الفاتحةِ، وعنه: أنَّها منها\" (^٣).\nالمثال الثاني: يقولُ ابنُ النجارِ: \"وعن أحمدَ - رحمه الله تعالى - روايةٌ أخرى: أنَّ الفرضَ آكدُ\" (^٤)، أيْ: آكدُ مِن الواجبِ.\nالمثال الثالث: يقولُ المرداويُّ: \"شهادةُ العبدِ لا تخلو: إمَّا أنْ تكونَ في الحدودِ والقصاصِ، أو في غيرِهما: فإن كانتْ في غيرِهما: قُبِلتْ على الصحيحِ مِن المذهبِ.\nونَقَلَ أبو الخطابِ روايةً: يُشترطُ في الشهادةِ الحريَّةُ\" (^٥).\nثانيًا: الرواية المخرَّجة:\nوَرَدَ مصطلح: (الرواية المخرَّجة) عند علماءِ المالكيةِ والحنابلة، ولم أقفْ على استعمال هذا المصطلح عند علماءِ الحنفيةِ والشافعيةِ، فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادر.\nأولًا: الرواية المخرَّجة عند المالكية:\nيقلُّ استعمالُ علماء المالكيةِ لمصطلح: (الرواية المخرَّجة)، ولم أقفْ\n_________\n(^١) من الآية رقم (١) من سورة القدر.\n(^٢) المطلع على أبواب المقنع (ص/ ٤٦٠).\n(^٣) المقنع (٣/ ٤٢٩ - ٤٣٣) مع الإنصاف والشرح الكبير.\n(^٤) شرح الكوكب المنير (١/ ٣٥٢).\n(^٥) الإنصاف (١٢/ ٦٠).","vol":"1","page":477},{"text":"لهم على تعريفٍ محددٍ لها، فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادرهم.\nومَنْ خلالِ تأمَّلِ الموضعِ الذي وردَ فيه مصطلح: (الرواية المخرّجة)، ظَهَرَ لي أنَّ معناها عندهم أنَّها: الرواية المقيسة على ما نصَق عليه الإمامُ مالكٍ.\n\nمثال الرواية المخرَّجة عند المالكية:\nيقولُ الجلابُ (^١): \"ومَنْ نَذَرَ اعتكافَ يومٍ بعينِه، فمَرِضَه، فإنَّها تتخرَّجُ على روايتين:\nإحداهما: أنَّ عليه القضاءَ. والأخرى: أنَّه ليس عليه القضاءُ، وهذه مخرَّجةٌ على الصيامِ، إذا نَذَرَ صومَ يومٍ بعينِه، فمَرِضَه أو حاضت المرأةُ ... لا قضاءَ عليه\" (^٢).\nثانيًا: الروايةُ المخرَّجةُ عند الحنابلة:\nاستعمل علماءُ الحنابلةِ مصطلحَ: (الرواية المخرّجة)، وعرَّفتْ بأنَّها المقيسةُ على ما نصَّ عليه الإمامُ أحمدُ، على القولِ بنسبةِ ما قيسَ على كلامِ الإمامِ إليه (^٣).\nيقولُ المرداويُّ: \"وإنْ كان - أيْ: قول بعضِ أصحابِ الإمامِ أحمد - مأخوذًا مِنْ نصوصِ الإمامِ أحمدَ - رضي الله تعالى عنه - ومخرَّجًا منها، فهي رواياتٌ مخرَّجةٌ له، ومنقولةٌ مِنْ نصوصِه إلى ما يشبهها مِن المسائلِ،\n_________\n(^١) هو: أبو القاسم بن الجلاب، وقد اختلف في اسمه، فقيل: عبيد الله بن الحسين بن الحسن، وقيل: عبيد الله بن الحسين، وقيل: الحسين بن الحسن، تفقه بأبي بكر الأبهري المالكي، كان من شيوخ المذهب المالكي في بغداد، علامةً فقيهًا أصوليًا حافظًا، من مؤلفاته: كتاب في مسائل الخلاف، والتفريع، توفي كهلًا وهو راجع من الحج سنة ٣٧٨ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ١٥٧)، وترتيب المدارك للقاضي عياض (٧/ ٧٦)، وسير أعلام النبلاء (١٦/ ٣٨٣)، والديباج المذهب لابن فرحون (١/ ٤٠٦)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٩٢).\n(^٢) التفريع (١/ ٣١٣).\n(^٣) انظر: المسودة (٢/ ٩٤٦).","vol":"1","page":478},{"text":"إنْ قلنا: ما قيسَ على كلامِه مذهبٌ له\" (^١).\nويتفقُ معنى الروايةِ المخرَّجةِ عند علماءِ المالكيةِ والحنابلةِ مَعَ القولِ المخرَّجِ عند الشافعيةِ، كما سيأتي بيانُه.\nوغالبُ الرواياتِ المخرَّجةِ في مذهبِ الحنابلةِ لا تُذكرُ معها الروايةُ المنصوصةُ عن الإمامِ أحمدَ التي هي الأصلُ في القياسِ، يقولُ المرداويُّ: \"إطلاقُ الروايةِ المخرَّجةِ مِنْ غيرِ ذكرِ التخريجِ كثيرٌ في كلامِ الأصحابِ\" (^٢).\nأمثلة الرواية المخرَّجة عند الحنابلة:\nالمثال الأول: يقولُ المرداويُّ: \"ظاهرُ كلامِ المصنَّفِ - أي: ابن قدامة - جوازُ الاستجمارِ بالمغصوبِ ونحوِه ... وهو روايةٌ مخرَّجةٌ\" (^٣).\nالمثال الثاني: يقول ابنُ مفلحٍ: \"وتَجِبُ - أي: زكاة الفطر - على كلِّ مسلمٍ، حرٍّ، ومكاتبٍ ... وقيل: لا تجبُ على غيرِ مخاطبٍ بالصومِ. وعنه رواية مخرَّجةٌ: تجبُ على مرتدٍّ\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>الفرع الثاني: التنبيه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>أولًا: التعريف اللغوي للتنبيه:</span>\nالتَّنْبِيه: مصدرٌ مِن الفعلِ نَبَّه، يُقالُ: نَبَّه يُنَبَّه تَنْبِيهًا، بناءً على القاعدةِ الصرفيةِ فيما إذا كان الفعلُ على وزن: (فَعَّل)، وكان صحيحًا، فمصدره على وزن: (تَفْعِيْل) (^٥).\n_________\n(^١) الإنصاف (١٢/ ٢٥٦).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٧).\n(^٣) الإنصاف (١/ ١٠٩).\n(^٤) الفروع (٤/ ٢١٠ - ٢١١).\n(^٥) انظر: شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك (٢/ ١١٩)، والتصريح بمضمون التوضيح لخالد الأزهري (٣/ ٣٢٣).","vol":"1","page":479},{"text":"وتدلُّ مادة: (نبه) على ارتفاعٍ وسموِّ، كما بيّنه ابنُ فارسٍ (^١).\nيُقالُ: رجلٌ نَبِيهٌ، ونَبهٌ - مثلثة الباء -: إذا كان معروفًا شريفًا (^٢)، ويُقال: نَبِه للأمرِ نَبَهًا - من باب: تَعِب - فهو نُبْه.\nويتعدّى الفعلُ (نبه) بالهمزِ، والتضعيفِ (^٣).\nوالنُبه: القيامُ، والانتباه مِن النومِ، يقال: نَبَّهَه، وأَنْبَهه مِن النومِ، فَتَنَبّه، وانْتَبَه (^٤).\nيقولُ ابنُ منظورٍ: \"انتبه مِن نومٍ: استيقظَ، والتنبيه مِثْلُه\" (^٥).\nويُقالُ: نَبِهتُ للأمرِ، إذا فطنتُ، وهو الأمرُ تنساه، ثُمَّ تَتَنَبّه له (^٦). ونَبَّهَه مِن الغفلةِ، فانْتَبَه، وتَنَبَّه: أيْقَظَه (^٧). ونَبَهْتُه على الشيءِ: أوقفتُه عليه، فَتَنَبّه عليه (^٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للتنبيه:</span>\nوَرَدَ مصطلحُ: (التنبيه) في نقلِ المذهبِ عند علماءِ الحنابلةِ على وجهِ الخصوصِ (^٩)، فلم أقفْ له على ذكرٍ عند غيرِهم مِن المذاهبِ، فيما رجعتُ إليه مِن مصادر.\nوالمرادُ بالتنبيه عند الحنابلةِ: قولُ الإمامِ أحمدَ الذي لم يُنْسبْ إليه\n_________\n(^١) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (نبه)، (٥/ ٣٨٤).\n(^٢) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (نبه)، (٦/ ٣٢٧)، ومقاييس اللغة، مادة: (نبه)، (٥/ ٣٨٤)، ولسان العرب، مادة: (نبه)، (١٣/ ٥٤٧)، والقاموس المحيط، مادة: (نبه)، (ص/ ١٦١٩).\n(^٣) انظر: المصباح المنير للفيومي، مادة: (نبه)، (ص/ ٤٨٣).\n(^٤) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (نبه)، (٦/ ٣٢٧)، ولسان العرب، مادة: (نبه)، (١٣/ ٥٤٧).\n(^٥) لسان العرب، مادة: (نبه)، (١٣/ ٥٤٦). وانظر: تهذيب اللغة، مادة: (نبه)، (٦/ ٣٢٧)، والصحاح، مادة: (نبه)، (٦/ ٢٢٥٢٢).\n(^٦) انظر: المصادر السابقة.\n(^٧) انظر: المصادر السابقة.\n(^٨) انظر: المصادر السابقة.\n(^٩) انظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٣٤٧).","vol":"1","page":480},{"text":"بعبارةٍ صريحةٍ دالةٍ عليه، بلْ يُفْهَمُ منه أنَّه قولُه، ممَّا تُوحي إليه العبارةُ، ويدلُّ عليه السياقُ (^١).\nوعرفه الدكتورُ ناصر الميمان بأنَّه قولُ الإمامِ الذي لم ينسبْ إليه بعبارةٍ صريحةٍ دالةٍ عليه، بل يفهم فهمًا ممَّا توحي إليه العبارةُ، ويدلُ عليه السياقُ (^٢).\nوذلك مثلُ سياقِ الإمام حديثًا يدلُّ على حكمٍ ما، يسوقُه ويُحسّنه (^٣).\nويعبِّرُ علماءُ الحنابلةِ في مدوّناتِهم عن التنبيه بقولِهم: أَومأَ إليه، أو: أشارَ إليه، أو: دلَّ كلامُه عليه، أو: توقّف فيه، ونحو ذلك (^٤).\nيقولُ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة: \"وهي - أيْ: التنبيهات - في حكمِ المنصوصِ عليه، وإنْ لم يكنْ منصوصًا عليه بصريحِ اللفظِ، أو بدلالةِ العبارةِ، بلْ بلازمِ النصِّ، أو بالإشارةِ\" (^٥).\n\nأمثلة للمراد بالتنبيه عند الحنابلة:\nالمثال الأول: يقولُ الموفقُ بنُ قدامة: \"وإنْ كَثُر ذلك - أيْ: سكوت المصلي أثناءَ قراءةِ الفاتحة - اسْتأنفَ قراءتَها، إلا أنْ يكونَ السكوتُ مأمورًا به، كالمأمومِ يَشرعُ في قراءةِ الفاتحةِ، ثمَّ يَسْمعُ قراءةَ الإمام، فينصتُ له، فإذا سَكَت الإمامُ أتمَّ قراءتها، وأجزأتُه، أَوما إليه أحمدُ\" (^٦).\nالمثال الثاني: يقولُ المرداويُّ: \"قولُ التابعي: أُمِرنا، أو: نُهِينا، أو: مِن السنةِ، كقولِ الصحابي ذلك عند أصحابِنا، وأومأَ إليه أحمدُ في: \"من السنة\"، لكنَّه كالمرسلِ\" (^٧).\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق، وابن حنبل - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٣٦).\n(^٢) انظر: مقدمة تحقيق التوضيح للشويكي (١/ ١١٣).\n(^٣) انظر: ابن حنبل - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٣٦).\n(^٤) انظر: المسودة (٢/ ٩٤٦)، والإنصاف (١٢/ ٢٤١).\n(^٥) ابن حنبل - حياته وعصره (ص/ ٣٣٦).\n(^٦) المغني (٢/ ١٥٦).\n(^٧) التحبير (٥/ ٢٠٢٧).","vol":"1","page":481},{"text":"المثال الثالث: يقولُ المرداويُّ - أيضًا -: \"قال ابنُ عقيلٍ: إنْ نسيها - أيْ: الفاتحة - في ركعةٍ أَتَى بها فيما بعدها مرتين، ويَعْتدّ بها، ويسجدُ للسهوِ، قال في: (الفنون): وقد أشارَ إليه أحمدُ\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>الفرع الثالث: القول</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>أولًا: التعريف اللغوي للقول:</span>\nالقَوْلُ: مصدرٌ مِن الفعلِ قالَ، يُقالُ: قال يَقُول قَوْلًا، وقِيْلًا، وقَوْلَةً، ومَقَالَةً، ومَقَالًا (^٢).\nوذَهَبَ بعضُ اللغويين إلى أنَّ القِيْلَ والقالَ اسمانِ، وليسا مصدرينِ (^٣).\nويجمع القول على أقوال، وجمعُ الجمعِ: أقاويل (^٤).\nومعنى القولِ: الكلامُ والنطقُ (^٥)، أو كلُّ لفظٍ مَذَلَ (^٦) به اللسانُ تامًّا، أو ناقصًا (^٧).\nوقال بعضُ أهلِ اللغةِ: يُستعملُ القولُ في الخيرِ، وفي الشر، أمَّا\n_________\n(^١) الإنصاف (٢/ ١١٢).\n(^٢) انظر: جمهرة اللغة لابن دريد، مادة: (قول)، (٢/ ٩٧٦)، ولسان العرب، مادة: (قول)، (١١/ ٥٧٣)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (قول)، (ص/ ٤٢٤)، والقاموس المحيط، مادة: (قول)، (ص/ ١٣٥٨).\n(^٣) انظر: المصباح المنير للفيومي، مادة: (قول)، (ص/ ٤٢٤).\n(^٤) انظر: جمهرة اللغة لابن دريد، مادة: (قول)، (٢/ ٩٧٦)، ولسان العرب، مادة: (قول)، (١١/ ٥٧٣)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (قول)، (ص/ ٤٢٤)، والقاموس المحيط، مادة: (قول)، (ص/ ١٣٥٨).\n(^٥) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (قول)، (٩/ ٣٠١)، ولسان العرب، مادة: (قول)، (١١/ ٥٧٣)، والقاموس المحيط، مادة: (قول)، (ص/ ١٣٥٨)، وتاج العروس، مادة: (قول)، (٣٠/ ٢٩٣).\n(^٦) المذل: الإفشاء. انظر: القاموس المحيط، مادة: (مذل)، (ص/ ١٣٦٦).\n(^٧) انظر: لسان العرب، مادة: (قول)، (١١/ ٥٧٢)، والقاموس المحيط، مادة: (قول)، (ص/ ١٣٥٨).","vol":"1","page":482},{"text":"القالُ والقيلُ والقالةُ، ففي الشرِّ (^١).\nوقد رُدَّت التفرقةُ بمجيءِ القيل والقال في الخيرِ (^٢)، قالَ تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ (^٣)، وقالَ تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^٤).\nويُستعملُ القولُ على أوجهٍ، حكاها الراغبُ الأصفهاني، منها:\nالأول: المركبُ مِن الحروفِ المبْرَز بالنطقِ، مفردًا أو جملة، فالمفردُ، كقولِك: زيدٌ، والجملةُ، كقولك: زيدٌ منطلقٌ.\nالثاني: للمتصوَّرِ في النفسِ قبلَ الإبرازِ باللفظِ، تقول: في نفسي قولٌ لم أُظهرْه.\nالثالث: الاعتقادُ، نحو قولك: فلانٌ يقولُ بقولِ أبي حنيفةَ (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للقول:</span>\nوَرَدَ مصطلح: (القول) عند بعضِ المذاهبِ الفقيهة المتبوعة (^٦):\nأولًا: القول عند المالكية:\nجاءَ مصطلح: (القول) و(الأقوال) عند علماءِ المالكيةِ، وأرادوا به: أقوالُ أصحابِ الإمامِ مالكٍ وآرائِهم، ومَنْ بعدهم مِن المتأخرين (^٧).\n_________\n(^١) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (قول)، (٩/ ٣٠٤)، ولسان العرب، مادة: (قول)، (١١/ ٥٧٣)، والقاموس المحيط، مادة: (قول)، (ص/ ١٣٥٨)، وتاج العروس، مادة: (قول)، (٣٠/ ٢٩٣).\n(^٢) انظر: تاج العروس، مادة: (قول)، (٣٠/ ٢٩٣). ولم أقف على شاهد لكلمة \"القال\" في الخير.\n(^٣) من الآية (١٢٢) من سورة النساء.\n(^٤) من الآية (٨٨) من سورة الزخرف.\n(^٥) انظر: مفردات ألفاظ القرآن، مادة: (قول)، (ص/ ٦٨٨).\n(^٦) استعمال القول عند المذاهب التي لم تنص على معنى محددٍ له هو بمعناه اللغوي. انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (٢٩/ ٢٦٢).\n(^٧) انظر: كشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/ ١٢٨)، ومواهب الجليل للحطاب (١/ ٤٠)، ومنار أصول الفتوى للقاني (ص/ ٣٤٧).","vol":"1","page":483},{"text":"وقد مَثّلَ الحطابُ (^١)، وإبراهيم اللقانيُّ (^٢) للمتأخرين بابنِ رشدٍ، وأبي عبدِ الله المازري.\nوإطلاقُ القولِ على أقوالِ أتباعِ الإمامِ مالكٍ هو الإطلاقُ الغالبُ عند المالكيةِ، وإلا فقد يُسمي المالكيةُ ما جاءَ عن الإمامِ مالكٍ قولًا (^٣).\nيقولُ القاضي ابنُ فرحون: \"أمَّا نسبةُ القولينِ إلى الأصحاب، فهو الغالبُ\" (^٤).\nوهنا تنبيه، وهو: أنَّ لخليلٍ المالكي اصطلاحَه الخاص في القولين والأقوال - دون القول - فمرادُه حينَ يُعبّر بالقولين أو بالأقوالِ أنَّه لم يطلعْ في الفرعِ على أرجحيةٍ منصوصةٍ عند علماءِ المالكيةِ (^٥).\n\nالفرق بين الروايةِ، والقولِ عند المالكيةِ:\nمِنْ خلالِ ما سَبَقَ مِنْ تعريفِ مصطلح: (الروايةِ)، ومصطلحِ: (القولِ) عند المالكيةِ، يمكنُ بيانُ الفرقِ بينهما: بأنَّ الغالبَ في اصطلاحِ (الرواية) إطلاقُه على ما رُويَ عن الإمامِ مالكٍ خاصةً، أمَّا مصطلح: (القول)، فالغالبُ إطلاقُه على ما جاءَ عنْ أصحابِ الإمامِ مالكٍ، وقد يطلقُ على ما جاءَ عن الإمامِ مالكٍ (^٦)، ولذا فكلُّ روايةٍ قولٌ، دونَ العكسِ.\n\nأمثلة القول عند المالكية:\nالمثال الأول: يقولُ ابنُ الحاجبِ: \"والجمعُ بينهما - أي: بين الماءِ والحجارةِ في إزالةِ الخارجِ مِن الإنسانِ - أَوْلى، فإنْ انتشرَ، فالماءُ باتفاقِ،\n_________\n(^١) انظر: مواهب الجليل (١/ ٤٠).\n(^٢) انظر: منار أصول الفتوى (ص/ ٣٤٧).\n(^٣) انظر: كشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/ ١٢٩)، ومنار أصول الفتوى للقاني (ص/ ٣٤٧).\n(^٤) كشف النقاب الحاجب (ص/ ١٣٠).\n(^٥) انظر: مختصر خليل (ص/٨).\n(^٦) انظر: البحث الفقهي للدكتور إسماعيل عبد العال (ص/ ١٩٠).","vol":"1","page":484},{"text":"وإنْ كان قريبًا جدًّا: فقولانِ\" (^١).\nالمثال الثاني: يقولُ خليلٌ المالكي: \"هل الأفضلُ كثرةُ السجودِ، أو طول القيامِ؟ قولانِ\" (^٢).\nالمثال الثالث: يقولُ ابنُ شاس: \"وإنْ أفطرَ في القضاءِ متعمِّدًا، فهل يجبُ عليه قضاءُ الأصلِ فقط، أو قضاؤه وقضاء القضاءِ؟ قولانِ\" (^٣).\n\nثانيًا: القول عند الشافعية:\nانتشرَ في مدوَّناتِ الشافعيةِ مصطلح: (القول)، ويختلفُ اصطلاحهم في استعمالِه عن اصطلاحِ المالكيةِ، فالمرادُ بالقولِ أو بالأقوالِ عند الشافعيةِ هو: آراءُ الإمامِ الشافعي فقط (^٤).\nيقولُ المرتضى الزَبِيدي: \"أمَّا القولُ، فما كان مصرَّحًا به مِن الإمامِ\" (^٥).\n\nأقسام مصطلح: (القول) عند الشافعية:\nيُقسِّمُ علماءُ الشافعيةِ مصطلح: (القول) إلى قسمين:\nالقسم الأول: القولُ القديمُ.\nالقسم الثاني: القولُ الجديدُ.\nالقسم الأول: القولُ القديمُ.\nجاءَ في مدوّناتِ المذهبِ الشافعي مصطلحُ: (القول القديم)، ويعنون\n_________\n(^١) جامع الأمهات (ص/ ٥٢).\n(^٢) مختصر خليل (ص/ ٣٤).\n(^٣) عقد الجواهر الثمينة (١/ ٣٦٧).\n(^٤) انظر: المجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٦٥)، والابتهاج في اصطلاح المنهاج للعلوي (١/ ٨٢) مطبوع مع النجم الوهاج للدميري، وسلم المتعلم المحتاج للأهدل (١/ ١٢٠) مطبوع مع النجم الوهاج للدميري.\n(^٥) إتحاف السادة المتقين (١/ ٢٨٥).","vol":"1","page":485},{"text":"به: ما قاله الإمامُ الشافعي بالعراقِ، أو قبلَ انتقالِه إلى مصر (^١).\nوالغالبُ رجوعُ الإمامِ الشافعي عن أقوالِه القديمةِ (^٢).\nومِن رُواة القولِ القديم عن الإمام الشافعي: الإمامُ أحمدُ بن حنبل، والزعفراني (^٣)، والكرابيسي (^٤)، وأبو ثور (^٥).\n_________\n(^١) انظر: المجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٦٨)، والاستغناء في الفرق والاستثناء للبكري (١/ ٢٦٤)، وفرائد الفوائد للسلمي (ص/ ١٢٥)، ونهاية المحتاج للرملي (١/ ٤٣)، وتحفة المحتاج للهيتي (١/ ٥٤)، ومختصر الفوائد المكية للسقاف (ص/ ١١١)، والابتهاج في اصطلاح المنهاج للعلوي (١/ ٨٢) مطبوع مع النجم الوهاج للدميري، وسلم المتعلم المحتاج للأهدل (١/ ١٢٠) مطبوع مع النجم الوهاج للدميري.\n(^٢) انظر: المصادر السابقة.\n(^٣) هو: الحسن بن محمد بن الصبّاح الزعفراني البغدادي، أبو علي، ولد سنة بضع وسبعين ومائة، كان علامةً إمامًا فقيهًا محدثًا ثقةً ثبتًا جليلًا عالي الرواية، فصيحًا بليغًا، روى عن الإمام الشافعي مذهبه القديم، وهو أثبت من رواه عنه، توفي بغداد سنة ٢٦٠ هـ وهو في عشر التسعين. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (٨/ ٤٢١)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ٩٩)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٢/ ٧٣)، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي (١/ ١٦٠)، وتهذيب الكمال للمزي (٦/ ٣١٠)، وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٢٦٢)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٢/ ١١٤).\n(^٤) هو: الحسين بن علي بن يزيد الكرابيسي البغدادي، أبو علي، كان إمامًا فقهيًا أصوليًا علامةً متكلمًا جليلًا، جامعًا بين الحديث والفقه، ذكيًا فطنًا فصيحًا، من بحور العلم، تفقه أولًا على مذهب أهل الرأي، ثم تفقه للإمام الشافعي، وهو أحد رواة مذهب الإمام الشافعي القديم، من مؤلفاته: أسماء المدلسين، وكتاب الإمامة، وكتاب الشهادات، وكتاب في المقالات، توفي سنة ٢٤٨ هـ وقيل: ٢٤٥ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (٨/ ٦١١)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ١٠١)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٢/ ١٣٢)، وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٧٩)، وميزان الاعتدال للذهبي (١/ ٥٤٤)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٢/ ١١٧)، وطبقات الشافعية لابن هداية الله (ص/ ٢٦).\n(^٥) انظر: المجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٦٨)، والاستغناء في الفرق والاستثناء للبكري (١/ ٢٦٤)، ونهاية المحتاج للرملي (١/ ٤٣)، وتحفة المحتاج للهيتمي (١/ ٥٤)، ومختصر الفوائد المكية للسقاف (ص/ ١١١).\nوأبو ثور، هو: إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي، أبو ثور وأبو عبد الله، ولد في حدود سنة ١٧٠ هـ ممن لازم الإمام الشافعي، وروى عنه قوله القديم، كان فقهيًا جليلًا حافظًا ورعًا فاضلًا خيّرًّا ثقةً مأمونًا، أحد شافعية بغداد، قال عنه الإمام أحمد: \"أعرفه بالسُّنة =","vol":"1","page":486},{"text":"وقد يُعبّرُ بعضُ علماءِ الشافعيةِ بالقديمِ، ومرادُهم به القولُ القديمُ (^١).\nأمثلة القول القديم عند الشافعية:\nالمثال الأول: يقولُ محيي الدين النوويُّ: \"القول القديم: إنَّ مسحَ أسفلِ الخفِّ الذي لصقتْ به نجاسةٌ كافِ في جوازِ الصلاةِ فيه، مع أنَّه نَجِسٌ عُفِيَ عنه\" (^٢).\nالمثال الثاني: يقولُ أبو الحسين العمراني (^٣): \"إذا أصابت الأرضَ نجاسةٌ ذائبةٌ، فطلعتْ عليها الشمسُ، وهبَّتْ عليها الريحُ، حتى ذَهَبَ لونُها وأثرُها وريحُها، ففيه قولانِ: قالَ في القديم: تطهرُ ... \" (^٤).\nالمثال الثالث: يقولُ محيي الدين النووي: \"ويبقى - أيْ: وقت المغرب - حتى يغيبَ الشفقُ الأحمرُ في القديمِ\" (^٥).\nالقسم الثاني: القول الجديد:\nجاءَ في مدوّناتِ المذهب الشافعي مصطلحُ: (القول الجديد)، ويعنون\n_________\n= منذ خمسين سنة، هو عندي في مسلاخ سفيان الثوري\"، توفي سنة ٢٤٠ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (٦/ ٥٧٦)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ٨٩)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (١/ ٢٦)، وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٧٢)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٢/ ٧٤).\n(^١) انظر: منهاج الطالبين للنووي (١/ ٧٦)، وسلم المتعلم المحتاج للأهدل (١/ ١٢٠) مطبوع مع النجم الوهاج للدميري.\n(^٢) المجموع شرح المهذب (١/ ٩٧).\n(^٣) هو: يحيى بن أبي الخير بن سالم بن سعيد بن عبد الله بن محمد بن موسى بن عمران العمراني اليماني، ولد سنة ٤٨٩ هـ كان شيخ الشافعية باليمن، إمامًا زاهدًا ورعًا خيرًا، مشهور الاسم، بعيد الصيت، عارفًا بالفقه والأصول والخلاف والكلام والنحو، وكان يحفظ مهذب الشيرازي، رحل إليه الطلاب للدراسة عليه، من مؤلفاته: البيان - شرح فيه المهذب للشيرازي - وغرائب الوسيط، ومقاصد اللمع، ومناقب الإمام الشافعي، توفي سنة ٥٥٨ هـ. انظر ترجمته في: طبقات فقهاء اليمن للجعدي (ص/ ١٧٤)، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي (٢/ ٢٧٨)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٧/ ٣٣٦)، وطبقات الشافعية للإسنوي (١/ ٢١٢)، وطبقات الشافعية لابن هداية الله (ص/ ٢١٠).\n(^٤) البيان في مذهب الإمام الشافعي (١/ ٤٤٦).\n(^٥) منهاج الطالبين (١/ ١٤١).","vol":"1","page":487},{"text":"به: ما قاله الإمامُ الشافعي بمصر، تصنيفًا أو إفتاءً (^١).\nومنْ رواةِ القولِ الجديدِ عن الإمام الشافعي: البويطي (^٢)، والمزنيُّ، والربيعُ المرادي (^٣).\nوقد يُعبّرُ بعضُ علماءِ الشافعيةِ بالجديدِ، ومرادُهم به القولُ الجديدُ (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الاستغناء في الفرق والاستثناء للبكري (١/ ٢٦٤)، ونهاية المحتاج للرملي (١/ ٥٠)، ومغني المحتاج للشربيني (١/ ١٣)، ومختصر الفوائد المكية للسقاف (ص/ ١١١)، وسلم المتعلم المحتاج للأهدل (١/ ١٢٠) مطبوع مع الجم الوهاج للدميري.\n(^٢) هو: يوسف بن يحيى البويطي، أبو يعقوب المصري، من أصحاب الإمام الشافعي، لازمه مدة، وتخرج به، وفاق الأقران، وقد حبس في فتنة خلق القرآن ولم يُجبْ، كان من أهل الدين والعلم والفهم والعمل، علامةً زاهدًا عابدًا، إمامًا ربانيًا، يَردّ على أهل البدع، حسن النظر، قال عنه الإمام الشافعي: \"ليس في أصحابي أحدٌ أعلم من البويطي\"، من مؤلفاته: المختصر الكبير، والمختصر الصغير، والفرائض، توفي بالعراق سنة ٢٣١ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (١٦/ ٤٣٩)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ٩٧)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٧/ ٦٠)، وتهذيب الكمال للمزي (٨/ ٢٠٢)، وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٨)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٢/ ١٦٢)، وشذرات الذهب لابن العماد (٣/ ١٤٣).\n(^٣) انظر: الاستغناء في الفرق والاستثناء للبكري (١/ ٢٦٤)، ونهاية المحتاج للرملي (١/ ٥٠)، ومغني المحتاج للشربيني (١/ ١٣)، ومختصر الفوائد المكية للسقاف (ص/ ١١١).\nوالربيع المرادي، هو: الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل المرادي مولاهم، أبو محمد، ولد سنة ١٧٤ هـ صاحب الإمام الشافعي، وراوي كتبه، كان إمامًا محدثًا فقيهًا كبيرًا، سليم الصدر، ثقة ثبتًا، وقال عنه الشافعي: \"إنه أحفظ أصحابي\"، وقال أيضًا: \"الربيع راويتي\"، كان مؤذن المسجد الجامع بفسطاط مصر، طال عمره، وازدحم عنده أصحاب الحديث، قيل عنه: إنه بطيء الفهم، توفي بمصر سنة ٢٧٠ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ٩٧)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٢/ ٥٢)، وتهذيب الكمال للمزي (٩/ ٨٧)، وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٨٧)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (٢/ ١٤٨)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٢/ ١٣٢)، وطبقات الشافعية للإسنوي (١/ ٣٩)، وطبقات الشافعية لابن هداية الله (ص/ ٢٤).\n(^٤) انظر: منهاج الطالبين للنووي (١/ ٧٦)، وسلم المتعلم المحتاج للأهدل (١/ ١٢٠) مطبوع مع النجم الوهاج للدميري.","vol":"1","page":488},{"text":"أمثلة القول الجديد عند الشافعية:\nالمثال الأول: يقولُ محيي الدين النوويُّ: \"مَنْ لم يجدْ ماءً ولا ترابًا لزمه في الجديدِ: أنْ يصلي الفرضَ، ويُعيدَ\" (^١).\nالمثال الثاني: يقولُ إمامُ الحرمينِ الجويني: \"وممَّا نذكرُه ... أنَّ الرجلَ إذا انفردَ بنفسِه في الصلاةِ، وكان ذلك في موضعٍ لم يَنْتَه إليه صوتُ مؤذنٍ، فظاهرُ المذهبِ: أنَّه يُؤذنُ ويقيمُ، وهو المنصوص عليه في الجديدِ\" (^٢).\nالمثال الثالث: يقولُ أبو القاسمِ الرافعي: \"لو اعتكفت المرأةُ في مسجدِ بيتِها، وهو المعْتزَلُ المهيأُ للصلاةِ، هل يصحّ؟ فيه قولانِ: الجديد - وبه قالَ مالكٌ وأحمدُ -: لا\" (^٣).\nثالثًا: القول عند الحنابلة:\nالمرادُ بالقولِ عند الحنابلةِ: ما قاله علماءُ المذهب الحنبلي منسوبًا إلى الإمامِ أحمدَ (^٤).\nيقولُ المرداويُّ: \"القولُ يشمل: الوجهَ، والاحتمالَ، والتخريجَ، وقد يشملُ الروايةَ - وهو كثيرٌ في كلامِ المتقدمين، كأبي بكرٍ وابنِ أبي موسى (^٥)، وغيرِهما - والمصطلحُ الآن على خلافِه\" (^٦).\n_________\n(^١) منهاج الطالبين (١/ ١٣٠).\n(^٢) نهاية المطلب (٢/ ٤٥).\n(^٣) العزيز في شرح الوجيز (٣/ ٢٦٢).\n(^٤) انظر: مقدمة تحقيق شرح الزركي على مختصر الخرقي (١/ ٦٧)، ومقدمة تحقيق الانتصار في المسائل الكبار (١/ ١٨٣)، والاصطلاحات الفقهية عند الحنابلة للدكتور عبد الكريم اللاحم (ص/ ٢٣١)، ومقدمة تحقيق التوضيح للشويكي (١/ ١١٨).\n(^٥) هو: محمد بن أحمد بن أبي موسى، أبو علي الهاشمي، ولد سنة ٣٤٥ هـ من أعيان المذهب الحنبلي، كان سامي الذكر، عالي القدر، محدثًا فقهيًا أصوليًا، كانت له حلقة بجامع المنصور يفتي بها، وقد تولى منصب القضاء، من مؤلفاته: الإرشاد إلى سبيل الرشاد، توفي سنة ٤٢٨ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٣/ ٣٣٥)، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص/ ٦٩١)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٣٤٢)، والمنهج الأحمد للعليمي (٢/ ٣٣٦)، والدر المنضد له (١/ ١٩٢)، وشذرات الذهب لابن العماد (٥/ ١٣٨).\n(^٦) الإنصاف (١/ ٦ - ٧). وانظر: مقدمة تحقيق التوضيح للشويكي (١/ ١١٨)","vol":"1","page":489},{"text":"ويتبين مِنْ كلامِ المرداوي، أنَّ ما يطلقُ عليه مصطلح: (القول) عند متقدمي الحنابلةِ أوسعُ مما يطلقُ عليه في اصطلاح مَنْ بعدهم؛ إذ يشملُ (القولُ) عند متقدمي الحنابلة: ما قاله الإمامُ، وأصحابُه، أمَّا ما استقرَّ عليه اصطلاحُ متأخري الحنابلةِ، فالقولُ: ما قاله علماؤهم، دونَ ما قاله الإمامُ.\nويتحدثُ تقيُّ الدينِ بنُ تيميةَ عن القولينِ، فيقول: \"أمَّا القولانِ هنا، فقد يكونُ الإمامُ نصَّ عليهما - كما ذكره أبو بكرٍ عبد العزيز في: (زاد المسافر) - أو نصَّ على أحدِهما وأَومأَ إلى الآخر، وقد يكون مع أحدِهما: وجهٌ أو تخريجٌ أو احتمالٌ بخلافِه\" (^١).\nويحتملُ أنَّ ما ذكره تقيُّ الدينِ اصطلاحٌ خاصٌّ بـ (القولين)، ويحتملُ حملُه على اصطلاحِ متقدمي علماءِ الحنابلةِ.\nأمثلة القول عند الحنابلة:\nالمثال الأول: يقولُ المرداويُّ أثناءَ حديثِه عن أذانِ الجنبِ: \"إنْ كان أذانُه في مسجدٍ: فإن كانَ مع جوازِ اللبّثِ ... صحَّ، ومع تحريمِ اللبثِ، فهو كالأذانِ والزكاةِ في مكان غَصْبٍ، وفي ذلك: قولانِ\" (^٢).\nالمثال الثاني: يقولُ ابنُ مفلحٍ: \"هلْ لمَنْ له الحضانةُ أنْ يسقطَها وَينْزلَ عنها؟ على قولينِ\" (^٣).\nوما سيأتي مِنْ أمثلةٍ: للوجهِ، والاحتمالِ، والتخريجِ صادقةٌ على مصطلحِ: (القولِ) عند الحنابلةِ.\n_________\n(^١) المسودة (٢/ ٩٤٧).\n(^٢) الإنصاف (١/ ٤١٥).\n(^٣) الفروع (٩/ ٣٤٢).","vol":"1","page":490},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>الفرع الرابع: الوجه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>أولًا: التعريف اللغوي للوجه:</span>\nالوجهُ: في أصلِه: الجارحةُ المعروفةُ (^١)، ويطلقُ على مستقبلِ كلِّ شيءٍ (^٢)؛ إذْ لمَّا كان الوجهُ أولَ ما يُستقبلُ، وأشرفَ ما في ظاهرِ البدنِ، استعملَ في مستقبلِ كل شيءٍ، وأشرفِه (^٣).\nيُقال: أَتَيْتُه وَجْه النهارِ، أيْ: في أولي (^٤)، ووَجُهَ الرجلُ، أيْ: صارَ ذا جاهٍ وقدْرٍ (^٥)، ووجُوه البلدِ: أشرافُه (^٦).\nيقولُ ابنُ فارسٍ: \"الواو والجيم والهاءُ أصلٌ واحدٌ، يدلُّ على مقابلةِ الشيءِ، والوجه: مستقبل لكل شيءٍ\" (^٧).\nويجمعُ وجه على: أوجهٍ، ووجوهٍ (^٨).\nومن معاني الوجه:\nأولًا: نفسُ الشيءِ، وذاته (^٩)، فيُعبَّر عن الذاتِ بالوجهِ، تقولُ: وجهي\n_________\n(^١) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (وجه)، (٦/ ٣٥١)، والصحاح، مادة: (وجه)، (٦/ ٢٢٥٤)، ومفردات ألفاظ القرآن للأصبهاني، مادة: (وجه)، (ص/ ٨٥٥).\n(^٢) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (وجه)، (٦/ ٣٥١)، ومقاييس اللغة، مادة: (وجه)، (٦/ ٨٨)، ولسان العرب، مادة: (وجه)، (١٣/ ٥٥٥).\n(^٣) انظر: المصادر السابقة، والقاموس المحيط، مادة: (وجه)، (ص/ ١٦٢٥).\n(^٤) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (وجه)، (٦/ ٣٥٣).\n(^٥) انظر: الصحاح، مادة: (وجه)، (٦/ ٢٢٥٥).\n(^٦) انظر: لسان العرب، مادة: (وجه)، (١٣/ ٥٥٦).\n(^٧) مقاييس اللغة، مادة: (وجه)، (٦/ ٨٨).\n(^٨) انظر: الصحاح، مادة: (وجه)، (٦/ ٢٢٥٥)، والقاموس المحيط، مادة: (وجه)، (ص/ ١٦٢٠).\n(^٩) انظر: القاموس المحيط، مادة: (وجه)، (ص/ ١٦٢٥)، وتاج العروس، مادة: (وجه)، (٣٦/ ٥٣٦).","vol":"1","page":491},{"text":"إليكَ، أي: ذاتي (^١).\nثانيًا: القليلُ مِن الماءِ (^٢).\nوالوجهُ والجهةُ بمعنى واحدٍ، والهاءُ عوضٌ مِن الواوِ (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للوجه:</span>\nذَكَرَ علماءُ الشافعيةِ، وعلماءُ الحنابلةِ تعريفَ مصطلحِ: (الوجه)، وسأعرضُ اصطلاحَهما بدءًا بالمذهبِ الشافعي.\nأولًا: الوجه عند الشافعية:\nاستعملَ الشافعيةُ مصطلحَ: (الوجه) مفردًا، ومثنى، ومجموعًا.\nومنْ أوائلِ مَن بيَّن اصطلاحَ الشافعيةِ في: (الوجه) ابنُ الصلاح (^٤) فيما ظَهَرَ لي - فيما رجعتُ إليه من مصادر الشافعية - وحاصلُ قولِه أنَّ الوجهَ: تخريجُ حكمِ المسألةِ التي لا نصَّ فيها عن الإمامِ الشافعي، ببنائِها على أصولِ الإمامِ الشافعي (^٥).\nويمكنُ تعريفُ مصطلح: (الوجه) أو (الأوجه) بأنَّها: آراءُ أصحابِ الإمامِ الشافعي المخرَّجةُ على أصولِه، والمستنبطةُ مِنْ قواعدِه (^٦).\nيقولُ الدكتورُ علي القره داغي: \"الوجوه: وهي الآراءُ التي استنبطها أصحابُ الإمامِ الشافعي المنتسبون إليه، مِن الأصولِ العامةِ للمذهبِ،\n_________\n(^١) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (وجه)، (٦/ ٨٨)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (وجه)، (ص/ ٥٣٢).\n(^٢) انظر: المصدرين السابقين.\n(^٣) انظر: الصحاح، مادة: (وجه)، (٦/ ٢٢٥٤)، ولسان العرب، مادة: (وجه)، (١٣/ ٥٥٦).\n(^٤) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٧).\n(^٥) انظر: المصدر السابق.\n(^٦) انظر: المصدر السابق، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٦٥)، والبحر المحيط (٦/ ٢٨)، وفرائد الفوائد للسلمي (ص / ١٠٤)، وإتحاف السادة المتقين للزبيدي (١/ ٢٨٥)، والابتهاج في اصطلاح المنهاج للعلوي (١/ ٨٢) مطبوع مع النجم الوهاج للدميري.","vol":"1","page":492},{"text":"بتخريجها على ضوءِ القواعدِ التي رَسَمها لهم الإمامُ الشافعيُّ.\nوبعبارةٍ أخرى: ما أدَّى إليه اجتهادُهم على ضوءِ قواعدِ المذهبِ، ولا يخرجُ عن نطاقِ المذهبِ\" (^١).\nوإن اتفق تخريجُ أصحاب المذهب الشافعي على حُكمِ الفرعِ، عبّروا عنه بالوجهِ، وإن اختلفوا في حُكمِه علَى قولين، عبّروا عنهما بالوجهين، وإن اختلفوا في حُكمِه على أكثر مِنْ قولين، عبَّروا عنها بالأوجهِ (^٢).\n\nالفرق بين مصطلح: (القول)، ومصطلح: (الوجه) عند الشافعية:\nفرَّقَ الشافعيةُ بين مصطلحي: (القول)، و(الوجه): مِنْ جهةِ أنَّ (القولَ) هو رأي الإمامِ الشافعي في حكمِ الفرعِ الفقهي، أمَّا (الوجه)، فللفرعِ الذي لم يَرِدْ عن الإمامِ الشافعي بيانُ حكمِه، لكنَّ أصحابَ الإمامِ بنوا الحكمَ فيه على قواعدِ إمامِهم وأصولِه (^٣).\nيقولُ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة: \"هناك آراء تُعدّ مِن مذهب الشافعي، وإنْ لم يُؤْثرْ عن الشافعي نصٌّ فيها، تلك الآراءُ التي تُعدُّ مخرَّجةً على أصولِ الشافعي، ولم تكنْ مخالفةً لرأي له، فإن هذه تُعدُّ مِنْ مذهب الشافعي بلا خلافٍ، وللدِّقة في القولِ لا يقولُ العلماءُ: إنَّها أقوالٌ للشَافعي، ولكن يقولون: إنَّها أوجه في مذهبِه؛ لأنَّه لم يقلْها، وإنْ خُرِّجتْ على أصولِه وصارت على قواعدِه\" (^٤).\nوقد ذَكَرَ تقيُّ الدينِ السبكي اتفاقَ الشافعيةِ على عدمِ جوازِ نسبةِ (الوجهِ) إلى الإمامِ الشافعي، وإنَّما يُقال: مقتضى قولِ الإمامِ الشافعي، أو: مِنْ مذهبِه، بمعنى: قولُ أهلِ مذهبِه (^٥).\n_________\n(^١) مقدمة تحقيق الوسيط في المذهب للغزالي (١/ ٢٣٨).\n(^٢) انظر: المجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٦٦)، وفرائد الفوائد للسلمي (ص/ ١٠٤).\n(^٣) انظر: إتحاف السادة المتقين للزبيدي (١/ ٢٨٥).\n(^٤) الشافعي - حياته وعصره (ص/ ٣٢١).\n(^٥) انظر: قضاء الأرب في أسئلة حلب (ص/٤١٣ - ٤١٤).","vol":"1","page":493},{"text":"وألحقَ محيي الدين النوويُّ اجتهاداتِ الشافعية التي لم تُؤخذْ منْ أصولِ الإمام الشافعي بمصطلحِ: (الوجه)، يقولُ مقررًا هذا: \"الأوجه: لأصحابِه - أَيْ: لأصحاب الإمام الشافعي - المنتسبين إلى مذهبِه، يخرِّجونها على أصولِه، ويستنبطونها مِنْ قواعدِه، ويجتهدون في بعضِها، وإنْ لم يأخذوه مِنْ أصلِه\" (^١).\nولم يرتضِ تاجُ الدينِ بن السبكي إطلاقَ النووي، وفصّل في الأمر على النحو الآتي:\n- ما كان مِن اجتهاداتِ علماءِ المذهب الشافعي، ولم يأخذوا بأصلِه، فإنَّه لا يُعدُّ مِن المذهبِ الشافعي إذا نافى قواعدَ المذهبِ.\n- وإذا لم ينافِ قواعدَ المذهبِ، وناسبها فإنَّه يُعدُّ منه.\n- وإذا لم ينافِ قواعدَ المذهبِ، ولم يناسبْها ففي إلحاقِه بالمذهبِ تَرَدّدٌ (^٢).\nوتفصيلُ تاجُ الدينِ بن السبكي تفصيلٌ جيّدٌ.\nوقد نصَّ تقيُّ الدين السبكي على أن رأيَ الواحدِ مِنْ أصحابِ الإمامِ الشافعي إذا قاله لدليل قامَ عنده، ولم ينتهضْ على قواعد المذهبِ الشافعي، فإنَّه ينبغي أَنْ لا يُعدَّ وجهًا، ونبَّه إلى أنَّ هذا قلَّ أنْ يَقَعَ لأصحابِه، بلْ لا يَعرفُ لهم وقوعَ مثلِه (^٣).\n\nأمثلة الوجه عند الشافعية:\nالمثال الأول: ذَكَرَ محيي الدين النووي شروطَ خطبةِ الجمعةِ، فقالَ: \"السادس: رفعُ الصوتِ ... والشرطُ أنْ يُسْمِع أربعين مِنْ أهلِ الكمالِ، فلو رَفَعَ صوتَه قدرَ ما يَبْلغُ، ولكنْ كانوا كلّهم، أو بعضهم صُمًّا:\n_________\n(^١) المجموع شرح المهذب (١/ ٦٥).\n(^٢) انظر: طبقات الشافعية الكبرى (٢/ ١٠٤).\n(^٣) انظر: قضاء الأرب في أسئلة حلب (ص/ ٣١٠).","vol":"1","page":494},{"text":"فوجهانِ\" (^١).\nالمثال الثاني: يقولُ أبو القاسمِ الرافعي في مفطرات الصومِ: \"ولو أَخْرَجَ لسانَه، وعليه الريقُ، ثم رَدَّه، وابتلعَ ما عليه، ففيه وجهانِ: أظهرهما: ... أنَّه لا يبطلُ صومُه\" (^٢).\nالمثال الثالث: يقولُ ابنُ الصلاحِ: \"في جوازِ تقليدِ الميتِ: وجهان: أحدهما: لا يجوز ... والذي عليه العمل: الجوازُء .. \" (^٣).\nثانيًا: الوجه عند الحنابلة:\nاستعملَ علماءُ الحنابلةِ مصطلحَ: (الوجه) في مدوناتِهم المذهبية، وقد وَرَدَ عندهم مفردًا، ومثنى، ومجموعًا.\nوعرَّفَ شمسُ الدّينِ البعلي الوجهَ بأنَّه: الحكمُ المنقولُ في المسألةِ لبعضِ أصحاب الإمامِ المجتهدين فيه ممَّنْ رآه، فمَنْ بعدَهم، جاريًا على قواعدِ الإمامِ (^٤).\nوعرَّف تقيُّ الدينِ بنُ تيمية الأوجه، بأنَّها: أقوالُ الأصحاب وتخريجاتُهم، إنْ كانت مأخوذةَ مِنْ قواعدِ الإمامِ أحمدَ، أو إيمائه، أوَ دليلِه، أو تعليلِه، أو سياقِ كلامِه وقوتِه (^٥).\nوقريبٌ مِنْ تعريفِ تقي الدين ما ذكره محمدٌ السفارينيُّ (^٦)\n_________\n(^١) روضة الطالبين (٢/ ٣٨).\n(^٢) العزيز شرح الوجيز (٣/ ١٩٨).\n(^٣) أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٦٠).\n(^٤) المطلع على أبواب المقنع (ص/ ٤٦٠).\n(^٥) المسودة (٢/ ٩٤٦). وانظر: الإنصاف (١٢/ ٢٥٦).\n(^٦) هو: محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني، شمس الدين أبو العون - وقال بعضهم: أبو عبد الله - ولد بسفارين من قرى نابلس سنة ١١١٤ هـ نشأ في مسقط رأسه، ثم قصد دمشق، وطلب العلم فيها مشمرًا عن ساق الجد والاجتهاد، فكان أحد أعيان المذهب الحنبلي في وقته، فقيهًا محدثًا حافظًا، بحرًا في العلم عالمًا عاملًا علامةً متفوقًا جليلًا نحريرًا، صاحب سمت ووقار ومهابة، جسورًا على رح الظالمين، مكثرًا من التأليفات، وقد انتفع به خلقٌ كثير من النجديين والشاميين، من مؤلفاته: شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد، وكشف اللثام في شرح عمدة الأحكام، ونتائج الأفكار في شرح حديث سيد الاستغفار، =","vol":"1","page":495},{"text":"بقوله: \"الوجه: استنباطُ الحكمِ مِنْ مفهومِ كلامِ الإمامِ، أو نحوِ ذلك\" (^١).\nويظهرُ لي أن السفارينيَّ أرادَ تقريبَ معنى مصطلح: (الوجه)، لا تعريفه تعريفًا محددًا؛ بدليلِ العبارةِ الواردةِ في آخر كلامِه: \"أَو نحو ذلك\".\nوتعريفُ شمسِ الدينِ البعلي أضيقُ دائرةً مِنْ تعريفِ تقيّ الدّينِ بنِ تيميةَ؛ إذ قَصَرَ البعليُّ الوجهَ على الفرع المخرَّج على قواعدِ المذهب، أمَّا تقيُّ الدين بن تيمية، فجعَلَ مصطلحَ: (الوجه) شاملًا لتخريجِ الفرعِ على قواعدِ المذهبِ، ولتخريجِ الفرعِ مِنْ إيماءِ الإمامِ، أو تعليلِه، أو سياقِ كلامِه، ولعل مَرَدَّ ذلك إلى الخلافِ في نسبةِ ما قِيسَ على كلامِ الإمامِ إليه؟\nفمَنْ قالَ: ينسبُ ما قِيسَ على كلامِ الإمامِ إليه، جَعَلَ ما قيس على كلامِه منسوبًا إليه، وسمَّى ما أُخذَ مِنْ قواعدِه بالوجه.\nومَنْ قالَ: لا ينسبُ ما قِيسَ على كلامِ الإمامِ إليه، جَعَلَ ما قيسَ على كلامِه وجهًا لمن خرَّجَه، فوسّعَ دائرةَ الوجه؛ ليشملَ ما قِيسَ على كلامِ الإمامِ، وما ما بُنيَ على قواعدِه وأصولِه.\nيقولُ المرداويُّ: \"إنْ قلنا: لا - أيْ: لا ينسب ما أخذ من نصوص الإمام إلى ما يشبهها إليه - فهي أوجه لمَنْ قاسها وخرَّجَها\" (^٢).\nويلحقُ بالوجهِ عند الحنابلةِ: ما إذا خرَّجَ أحدُ علماءِ المذهب حكمَ الفرعِ على خلافِ قواعدِ الإمامِ أحمدَ، لكنْ عَضَدَه الدليلُ (^٣).\n_________\n= والتحقيق في بطلان التلفيق، توفي بنابلس سنة ١١٨٩ هـ. انظر ترجمته في: سلك الدرر للمرادي (٤/ ٣٩)، والنعت الأكمل للغزي (ص / ٣٠١)، والسحب الوابلة لابن حميد (٢/ ٨٣٩)، وفهرس الفهارس والأثبات للكتاني (٢/ ١٠٠٢)، والأعلام للزركلي (٦/ ١٤)، وتسهيل السابلة لابن عثيمين (٣/ ١٦١٩).\n(^١) كذاء الألباب (١/ ٣٩).\n(^٢) الإنصاف (١٢/ ٢٥٦). وانظر: نشر البنود (٢/ ٣٢٣). وقارن بالتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٣٤٨) حاشية (٣).\n(^٣) انظر: المطلع على أبواب المقنع للبعلي (ص/ ٤٦٠)، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي (١/ ١٥).","vol":"1","page":496},{"text":"وجَعَلَ شمسُ الدين البعليُّ مِنْ أحكامِ الوجهِ، أنَّه مجزومٌ بالفتيا به (^١).\nولم يرتضِ المرداويُّ هذا الإطلاق، وأعقبَه بقوله: \"مِنْ حيثُ الجملةُ، وهذا - أي: كلام البعلي - على إطلاقِه فيه نظرٌ\" (^٢).\nوبيّن المرداويُّ إنَّ الإشكالَ الواردَ على كلامِ البعلي، مِنْ جهةِ تحريمِ الفتوى والحكمِ بالوجهِ مِنْ غيرِ نظرِ في الترجيحِ، بالإجماع (^٣).\nأمثلةُ الوجه عند الحنابلة:\nالمثال الأول: يقولُ الموفقُ بنُ قدامة: \"إذا اجتمعَ ماءٌ مستعملٌ إلى قلتين غير مستعملٍ، صار الكلُّ طهورًا ... وإن انضمَّ مستعملٌ إلى مستعملٍ، ولم يبلغ القلتين، فهو باقٍ على المنعِ، وإنْ بَلَغَ قلتين: ففيه وجهانِ\" (^٤).\nالمثال الثاني: يقولُ ابنُ مفلحٍ مُعددًا نواقض الوضوء: \"الخامس: لمسُه أنثى لشهوةٍ ... وفي الميتةِ والصغيرةِ والعجوزِ والمَحْرَمِ: وجهانِ\" (^٥).\nالمثال الثالث: يقولُ المرداويُّ: \"وأمَّا إذا كان الماءُ مع عبدِه، ولم يعلمْ به السيدُ، ونَسِيَ العبدُ أنْ يُعْلِمَه حتى صلَّى بالتيممِ: فقيل: لا يعيد ... وقيل: هو كنسيانِه.\nقالَ في: (الفائق): يعيدُ إذا جهلَ الماءَ في أصحِّ الوجهين\" (^٦).\nالمثال الرابع: يقولُ ابنُ رجبٍ: \"قاعدة: مَنْ سُومحَ في مقدارٍ يسيرٍ، فزادَ عليه، فهلْ تنتفي المسامحةُ فيَ الزيادةِ وحدها، أو في الجميعِ؟ فيه وجهانِ\" (^٧).\n_________\n(^١) انظر: المطلع على أبواب المقنع (ص/ ٤٦١).\n(^٢) الإنصاف (١/ ٦).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (١١/ ١٧٩).\n(^٤) المغني (١/ ٣٦).\n(^٥) الفروع (١/ ٢٣٠).\n(^٦) الإنصاف (١/ ٢٧٩).\n(^٧) تقرير القواعد (١/ ٢٢٠).","vol":"1","page":497},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>الفرع الخامس: الاحتمال</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>أولًا: التعريف اللغوي للاحتمال:</span>\nالاحتمالُ: مصدرٌ مِن الفعلِ احْتَمَلَ، يُقالُ: احْتَمَلَ يَحْتَمِلُ احْتِمَالًا؛ لأنَّ مصدرَ ما أوله همزةُ وصلٍ من الفعلِ الماضي الخماسي: أنْ يُكسرَ ثالثُه، ويُزادَ قبلَ آخرِه ألفًا (^١).\nواحْتَمَله، أيْ: حَمَلَه (^٢)، وحَمَلَه على الأمرِ، فانْحَمَلَ: أغْرَاه به (^٣)، يُقالُ: أَدلَّ عليَّ، فَحَمَلْتُ إدلالَه، واحتَمَلت إدلالَه، بمعنى واحدٍ (^٤).\nويُقالُ: احتملَ فلانٌ فلانًا، أيْ: أغضى له عنه (^٥)، واحتملَ الصنعة: تَقَلّدَها وشَكَرَها (^٦).\nيقول ابنُ فارسٍ: \"الحاءُ والميمُ واللامُ أصلٌ واحدٌ، يدلُّ على إقلالِ الشيءِ\" (^٧).\nومِنْ معاني الاحتمالِ: الغضبُ، يُقالُ: احتُمِلَ، إذا غَضِبَ (^٨).\nواحتملَ الكلامُ معنى كذا، إذا ساغَ فيه التأويلُ (^٩).\n_________\n(^١) انظر: شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك (٢/ ١٢١)، والتصريح بمضمون التوضيح لخالد الأزهري (٣/ ٣١٥).\n(^٢) انظر: شسم العلوم للحميري، مادة: (حمل)، (٣/ ١٥٨٩).\n(^٣) انظر: القاموس المحيط، مادة: (حمل)، (ص/ ١٢٧٦).\n(^٤) انظر: الصحاح، مادة: (حمل)، (٤/ ١٦٧٧)، ومقاييس اللغة، مادة: (حمل)، (٢/ ١٠٦).\n(^٥) انظر: شمس العلوم للحميري، مادة: (حمل)، (٣/ ١٥٨٩).\n(^٦) انظر: القاموس المحيط، مادة: (حمل)، (ص/ ١٢٧٦).\n(^٧) مقاييس اللغة، مادة: (حمل)، (٢/ ١٠٦).\n(^٨) انظر: المصدر السابق، وشمس العلوم للحميري، مادة: (حمل)، (٣/ ١٥٨٩).\n(^٩) انظر: شمس العلوم للحميري، مادة: (حمل)، (٣/ ١٥٨٩).","vol":"1","page":498},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للاحتمال:</span>\nشاعَ استعمالُ مصطلحِ: (الاحتمال) في نقلِ المذهبِ عند فقهاءِ الحنابلةِ على وجهِ الخصوصِ، وكَثُرَ استخدامُهم له في مدوّناتِهم المذهبيةِ، ولم أقفْ على مَن استخدمه عند غيرِ الحنابلةِ، فيما رجعتُ إليه من مصادر (^١).\n\nتعريف الاحتمال عند الحنابلة:\nالاحتمالُ: قابليةُ المسألةِ لأنْ يُقَالَ فيها بحكم غيرِ الحكم الذي قِيل فيها؛ لدليلٍ مرجوحٍ بالنسبةِ إلى دليلِ الحكمِ الأولِ، أو مساوٍ له (^٢).\nفإذا قيل عنْ حُكمِ الفرعِ: \"فيه احتمال\"، فيكون المعنى: أنَّ هذا الحكمَ قابلٌ ومتهيئٌ لأنْ يُقالَ فيه بخلافِ الحكمِ المذكورِ (^٣).\nيقولُ المرداويُّ: \"الاحتمالُ الذي للأصحاب، قد يكون لدليلٍ مرجوحٍ بالنسبةِ إلى ما خالفه، أو لدليلٍ مساوٍ له\" (^٤).\nوالاحتمالُ في معنى مصطلح: (الوجهِ)، إلا أنَّ الوجهَ مجزومٌ بالفتيا به (^٥) - وقد تقدمت الإشارة إلى هذا - فالاحتمالُ تبيينُ أنَّ ذلك الحكم صالحٌ لأنْ يكونَ وجهًا (^٦)، فإذا اختارَ بعضُ علماءِ المذهبِ الحنبلي الاحتمالَ صار وجهًا لمَن اختارَه (^٧).\n_________\n(^١) يقول الفيوميُّ في: المصباح المنير، مادة: (حمل)، (ص/ ١٣٢): \"لاحتمال في اصطلاح الففهاء والمتكلمين، يجوز استعماله بمعنى الوهم والجواز، فيكون لازمًا؛ وبمعنى الاقتضاء والتضمّن، فيكون متعديًا، مثل: احتمل أن يكون كذا، واحتمل الحال وجوهًا كثيرة\".\n(^٢) انظر: الاصطلاحات الفقهية عند الحنابلة للدكتور عبد الكريم اللاحم (ص/ ٢٣٣)، ومقدمة تحقيق التوضيح للشويكي (١/ ١١٢).\n(^٣) انظر: المطلع على أبواب المقنع للبعلي (ص/ ٤٦١).\n(^٤) الإنصاف (١٢/ ٢٥٧). وانظر: معونة أولي النهى لابن النجار (٩/ ٥٨٤).\n(^٥) انظر: المطلع على أبواب المقنع (ص/ ٤٦١)، والإنصاف (١/ ٦)، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي (١/ ١٥).\n(^٦) انظر: المصادر السابقة.\n(^٧) انظر: الإنصاف (١٢/ ٢٥٧).","vol":"1","page":499},{"text":"ولا يكونُ الاحتمال في الحكمِ إلا إذا فُهِم المعنى (^١).\n\nأمثلة الاحتمال عند الحنابلة:\nلم أجدْ فيما ذكره الحنابلةُ في مدوناتِهم المذهبية - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادِرهم - بيانًا لدرجةِ الاحتمالِ، أهو احتمالٌ لدليلٍ مساوٍ، أم مرجوح، وإنَّما يذكرون الاحتمالَ دونَ بيانِ درجتِه.\nالمثال الأول: يقولُ الموفقُ بنُ قدامةَ: \"وفي رطوبةِ فرجِ المرأةِ احتمالان: أحدهما: أنَّه نجسٌ. والثاني: طهارتُه\" (^٢).\nالمثال الثاني: يقولُ المرداويُّ: \"إنْ كانت الجبيرةُ مِنْ حريرٍ أو غصبٍ: ففي جوازِ المسحِ عليها احتمالان: أحدهما: لا يصحُّ المسحُ عليها ... والاحتمال الثاني: يصُّح المسحُ عليها ... \" (^٣).\nالمثال الثالث: يقولُ ابنُ مفلحٍ: \"تلزمُ - أيْ: الصلاة - مَنْ زالَ عقلُه بمُحَرّمٍ ... فلو جُنَّ متصلًا، ففي زمنِ جنونِه: احتمالانِ، (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>الفرع السادس: التخريج</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>أولًا: التعريف اللغوي للتخريج:</span>\nالتَّخْرِيجُ: مصدرٌ مِن الفعلِ خرَّجَ، يُقالُ: خرَّجَ يُخَرِّجُ تَخْرِيجًا (^٥)؛ بناءً على القاعدةِ الصرفيةِ فيما كان على وزنِ: (فعَّل)، فمصدرُه: (تَفْعِيل) (^٦).\nوتدلُّ مادةُ: (خرج) على معنيين:\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (١/ ٦).\n(^٢) المغني (٢/ ٤٩١).\n(^٣) الإنصاف (١/ ١٩٠).\n(^٤) الفروع (١/ ٤٠٩).\n(^٥) انظر: لسان العرب، مادة: (خرج)، (٢/ ٢٥٠)، والقاموس المحيط، مادة: (خرج)، (ص/ ٢٣٧).\n(^٦) انظر: شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك (٢/ ١١٩)، والتصريح بمضمون التوضيح لخالد الأزهري (٣/ ٣٢٣).","vol":"1","page":500},{"text":"المعنى الأول: النفاذُ عن الشيءِ (^١).\nومَنْ هذا الأصلِ، . قولُنا: خَرَجَ يَخْرُجُ خُرُوْجًا (^٢)، والخَرْجُ والخَرَاجُ: الإتاوةُ؛ لأنَّه مالٌ يُخْرِجُه المعطي، ويُجْمَعُ على أَخْرَاج، وأَخَارِيْج، وأَخْرِجَةٍ (^٣).\nوالخارجيُّ: الذي يخرجُ ويَشْرُفُ بنفسِه، مِنْ غيرِ أنْ يكونَ له قديمُ شرفي، فكأنَّه خَرَجَ بنفسِه (^٤).\nويقالُ: فلانٌ خِرِّيجُ فلانٍ، إذا كان يتعلّمُ منه، كأنَّه هو الذي أخرجَه مِنْ حدِّ الجهلِ (^٥)، ويُقالُ: خَرَجَ فلانٌ في العلمِ والصناعةِ خُرُوْجًا، إذا نَبَغَ، وهذا على سبيل المجازِ (^٦)، ويُقالُ أيضًا: خَرَّجَه في الأدبِ، فتَخرَّجَ (^٧).\nالمعنى الثاني: اختلافُ لونين (^٨).\nيُقالُ: أرضٌ مُخَرَّجةٌ ذاتُ لونين؛ لكونِ النباتِ في مكانٍ، دونَ\n_________\n(^١) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (خرج)، (٢/ ١٧٥).\n(^٢) انظر: المصدر السابق.\n(^٣) انظر: المصدر السابق، والصحاح، مادة: (خرج)، (١/ ٣٠٩)، والقاموس المحيط، مادة: (خرج)، (ص/ ٢٣٧).\n(^٤) انظر: المصادر السابقة، وتهذيب اللغة، مادة: (خرج)، (٧/ ٥٠)، ولسان العرب، مادة: (خرج)، (١/ ٢٥٠).\n(^٥) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (خرج)، (٧/ ٥٠)، والصحاح، مادة: (خرج)، (١/ ٣٠٩)، ومقاييس اللغة، مادة: (خرج)، (٢/ ١٧٥)، ولسان العرب، مادة: (خرج)، (١/ ٢٥٠)، والقاموس المحيط، مادة: (خرج)، (ص/ ٢٣٧).\n(^٦) انظر: أساس البلاغة للزمخشري، مادة: (خرج)، (ص/ ١٥٧).\n(^٧) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (خرج)، (٧/ ٥٠)، والصحاح، مادة: (خرج)، (١/ ٣٠٩)، ومقاييس اللغة، مادة: (خرج)، (٢/ ١٧٥)، ولسان العرب، مادة: (خرج)، (١/ ٢٥٠)، والقاموس المحيط، مادة: (خرج)، (ص/ ٢٣٧).\n(^٨) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (خرج)، (٢/ ١٧٦).","vol":"1","page":501},{"text":"مكانٍ (^١). والخَرَجُ: لونانِ مِنْ بياضٍ وسوادٍ (^٢). والخَرْجَاءُ: الشاةُ تَبْيَضُّ رجلاها إلى خاصرتِها (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للتخريج:</span>\nشاعَ استعمالُ مصطلحِ: (التخريج) بين المذاهب الفقهيةِ المتبوعةِ، وعرَّفتْ غالبُ المذاهبِ مصطلح: (التخريج)، ومنهم مَنْ أغفلَ تعريفَه.\nوالذي يظهرُ لي تقاربُ معنى: (التخريج) عند المذاهب الفقهية، ويظهرُ مِن استعمالِ مَنْ لم يعرِّفْه موافقتُه للمعنى المصطلحِ عليه عندَ غيره.\nأولًا: التخريج عند علماء الحنفية:\nلم أقفْ - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادر المذهبِ الحنفي - على مَنْ عرَّفَ مصطلح: (التخريج) أو بيَّنَ المرادَ منه، مع ورودِه في مدوّناتِهم الفقهيةِ.\nوقبلَ بيانِ معناه عندهم أشيرُ إلى أن علماءَ الحنفيةِ لا يلجؤون إلى التخريجِ إلا حين لا يجدون قولًا لإمامِهم، ولا لأحدِ أصحابِه المشهورين.\nيقولُ أحمدُ الحموي: \"خرَّج أربابُ التخريجِ؛ لعدمِ وجدانِهم الرواية عن الإمامِ، وأصحابِه\" (^٤).\nومِنْ خلالِ تأمَّلِ عددٍ مِن المواضع التي جاءَ فيها مصطلحُ: (التخريج) في مدوناتِ المذهبِ الحنفي، ظَهَرَ لي أنَّهم يطلقُونه على الأمرين الآتيين:\nالأمر الأول: إلحاقُ فرعٍ لم يَنصَّ الإمامُ على حكمِه، بفرعٍ نصَّ على حكمِه.\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق، وتهذيب اللغة، مادة: (خرج)، (٧/ ٥١)، ومفردات ألفاظ القرآن للأصبهاني، مادة: (خرج)، (ص/ ٢٧٩)، وأساس البلاغة للزمخشري، مادة: (خرج)، (ص/١٥٧).\n(^٢) انظر: المصادر السابقة.\n(^٣) انظر: المصادر السابقة.\n(^٤) غمز عيون البصائر (٣/ ١٤٧).","vol":"1","page":502},{"text":"الأمر الثاني: إدراجُ فرعٍ لم ينصَّ الإمامُ على حكمِه تحتَ قاعدةٍ مِنْ قواعدِ المذهبِ (^١).\n\nأمثلة التخريج عند الحنفية:\nأولًا: مثال النوع الأول: (إلحاقُ فرعٍ لم ينصَّ الإمامُ على حكمِه، بفرعٍ نصَّ على حكمِه):\nيقولُ ابنُ نجيم (^٢): \"أمَّا الوقفُ إذا سَكَنَه أحدُهما - أيْ: أحد الشريكين - بدونِ أذنِ الآخر، سواءٌ كان موقوفًا للسكنى، أو للاستغلالِ: فإنَّه يجبُ الأجرُ، ويُستثنى مِنْ مالِ اليتيمِ مسألةٌ: سكنتْ أُمُّه مع زوجِها في دارِه بلا أجرٍ، ليس لهما ذلك، ولا أجر عليهما\" (^٣).\nنَقَلَ أحمدُ الحمويُّ تعليقًا لبعضِ الحنفيةِ على الفرعِ المذكورِ، وهو قوله: \"يُمْكنُ أنْ يكونَ ... عدمُ وجوب الأجرِ - كما نقله المصنّفُ في المسألةِ المستثناة - مخرَّجةً على القَولِ بعدمِ وجوبِ الأجرِ بسكنى دارِ اليتيمِ\" (^٤).\nثانيًا: أمثلة النوع الثاني: (إدراجُ فرعٍ لم ينصَّ الإمامُ على حكمِه تحت قاعدةٍ مِنْ قواعد المذهبِ):\nالمثال الأول: يقولُ ابنُ نجيمٍ: \"هنا مسألتانِ لم أَرَهما الآن يمكنُ تَخْرِيجهما على أنَّ المعروفَ كالمشروطِ:\n_________\n(^١) انظر: شرح عقود رسم المفتي لابن عابدين (ص/ ٨٥).\n(^٢) هو: زين الدين بن إبراهيم بن محمد بن محمد، المعروف بابن نجيم، ولد سنة ٩٢٦ هـ كان من محققي المذهب الحنفي، علامةٌ بحرًا فهامةً، بارعًا في الفقه والأصول، مدققًا في عدة علوم، ليس له نظير في زمنه، اشتغل بالإفتاء والتدريس والتصنيف، من مؤلفاته: الأشباه والنظائر، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق، وفتح الغفار في شرح المنار، توفي سنة ٩٧٠ هـ.\nانظر ترجمته في: الطبقات السنية للغزي (٣/ ٢٧٥)، وشذرات الذهب لابن العماد (١٠/ ٥٢٣)، والكواكب السائرة للغزي (٣/ ١٥٤)، ومعجم المؤلفين لكحالة (١/ ٧٤٠).\n(^٣) الأشباه والنظائر (ص / ٣٤٠).\n(^٤) غمز عيون البصائر (٢/ ٤٥٠).","vol":"1","page":503},{"text":"منها: لو جَرَتْ عادةُ المقترضِ بردِّ أزيد ممَّا اقترضَ، هل يحرمُ إقراضُه؛ تنزيلًا لعادتِه بمنزلةِ الشرطِ؟\nومنها: لو بارزَ كافرٌ مسلمًا، واطردت العادةُ بالأمانِ للكافرِ، هلْ يكونُ بمنزلةِ اشتراطِ الأمانِ له، فيَحْرُمُ على المسلمين إعانةُ المسلم عليه\" (^١).\nالمثال الثاني: ذَكَرَ الحمويُّ عدةَ فروعٍ، منها:\n- إذا اختلطَ موتى المسلمين بالكفارِ، يجبُ غسلُ الجميع، والصلاةُ عليهم.\n- إذا اختلطَ الشهداءُ بغيرِهم، يجبُ غسلُ الجميعِ، والصلاةُ عليهم.\n- المضطر يجبُ عليه أكلُ الميتةِ، وإنْ كانت حرامًا.\n- الهجرةُ على المرأةِ مِنْ بلادِ الكفارِ واجبةٌ، وإنْ كان سفرُها وحدها حرامًا.\nثم قال بعد هذه الفروعِ: \"وخرَّج أئمتُنا هذه المسائل على قاعدةِ: (ما إذا تعارض المانع والمقتضي) \" (^٢).\nثانيًا: التخريج عند المالكية:\nوَرَدَ مصطلحُ: (التخريج) في مدوَّناتِ المذهبِ المالكي، وبينوا معناه.\nفعرَّفه القاضي ابنُ فرحون بأنَّه: عبارةٌ عمَّا تدلُّ أصولُ المذهب على وجودِه، ولم ينصّوا عليه (^٣).\nوعرَّفَه عبدُ الله العلوي بأنَّه: عبارةٌ عن إلحاقِ ما سَكَتَ عنه الإمامُ بنظيرِ ما نصَّ على حكمِه (^٤).\n_________\n(^١) الأشباه والنظائر (ص/ ١٠٨).\n(^٢) غمز عيون البصائر (١/ ٣٠١).\n(^٣) كشف النقاب الحاجب (ص/٩٩).\n(^٤) انظر: مراقي السعود (٢/ ٥٩٤)، مع شرحها نثر الورود.","vol":"1","page":504},{"text":"وقد وافقَ عبدَ الله العلوي في تعريفِه: محمدٌ الأمين الجكني (^١)، ومحمدٌ الأمين الشنقيطي (^٢).\nوعرَّفَ الدكتورُ محمد رياض التخريجَ: بأنْ ينظرَ مجتهدُ المذهبِ في مسألةٍ غيرِ منصوصٍ عليها، فيقسَها على مسألةٍ منصوصٍ عليها في المذهبِ، مع مراعاةِ ضوابطِ التخريجِ مِنْ علةٍ وغيرِها (^٣).\nومع كونِ التعريفِ الذي أورده الدكتورُ محمدٌ رياض قاصرٌ على صورةٍ واحدةٍ للتخريجِ، إلا أنَّه حين ذَكَرَ أنواعَ التخريجِ ذَكَرَ منها: أنْ يُستخرجَ حكمُ المسكوتِ عنه مِنْ دخولِه تحتَ عمومٍ ذَكَرَه إمامُ المذهبِ، أو دخولِه تحتَ قاعدةٍ قررها (^٤).\nوما ذكره غيرُ داخلٍ في تعريفِه!\nوقد بيَّن القاضي ابنُ فرحون أنواعَ التخريجِ عند المالكيةِ، فَذَكَرَ ثلاثةَ أنواعٍ:\nالنوع الأول: استخراجُ حكمِ مسألةٍ ليس فيها حكمٌ منصوصٌ عن إمامِ المذهبِ مِنْ مسألةٍ منصوصةٍ.\nالنوع الثاني: أنْ يكونَ في المسألةِ حكمٌ منصوصٌ عن إمامِ المذهبِ، فيُخرَّج فيها مِنْ مسألةٍ أخرى قولٌ له بخلافِه.\n_________\n(^١) انظر: مراقي السعود إلى مراقي السعود (ص/ ٤١٥). ومحمد الأمين الجكني هو: محمد الأمين بن أحمد زيدان بن محمد بن المختار الجكني الشنقيطي، ولد ببادية موريتانيا سنة ١٢٢٩ هـ تقريبًا، طلب العلم في قطره، وبلغ فيه مبلغًا كبيرًا، وطار ذكره في بلاده، وأقبل إليه طلاب العلم، كان علامة فقهيًا أصوليًا زاهدًا ورعًا مجتهدًا في العبادة، من مؤلفاته: منظومة في آداب التلاوة، والمنهج إلى المنهج إلى أصول المذهب المبرج، ومراقي السعود إلى مراقي السعود، ورسالة في النكاح، توفي سنة ١٣٢٥ هـ. انظر ترجمته في: مقدمة محقق كتاب مراقي السعود إلى مراقي السعود (ص/ ١٦)، ومقدمة محقق المنهج إلى المنهج إلى أصول المذهب المبرج (ص/ ٧).\n(^٢) انظر: نثر الورود (ص/ ٥٩٤).\n(^٣) أصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي (ص/٥٧٧).\n(^٤) انظر: المصدر السابق.","vol":"1","page":505},{"text":"النوع الثالث: أنْ يُوجدَ النصُّ في مسألةٍ على حكمٍ، ويُوجد نصُّ في مثلِها على ضدِّ ذلك الحكمِ، ولا يُوجد فارقٌ بينهما، ينقلون النصَّ مِن إحدى المسألتين، ويخرِّجونه في الأخرى؛ فيكون لإمامِ المذهبِ في كلِّ واحدةٍ منهما: قولٌ منصوصٌ، وقولٌ مخرَّجٌ (^١).\nووافقَ إبراهيمُ اللقاني ابنَ فرحون في الأنواعِ الثلاثةِ التي ذَكَرَها (^٢).\nومِنْ خلالِ تأمّلِ الأنواعِ الثلاثةِ يتبيَّن الآتي:\nأولًا: أنَّ تعريفَ ابنِ فرحون غيرُ متلائمٍ مع الأنواعِ التي ذَكَرَها؛ إذ التعريفُ مقصورٌ على الفرعِ الذي لم يُنصَّ على حكمِه، بتخريجِه على أصولِ المذهبِ، وفي أنواع التخريج التي أوردها تخريجُ فروع نصَّ الإمامُ على حكمِها.\nثانيًا: أن تعريفَ عبدِ الله العلوي - ومَنْ تبعه - وتعريفَ الدكتورِ محمد رياض، غيرُ جامعين لأنواعِ التخريجِ في المذهبِ المالكي.\nثالثًا: سعةُ مصطلحِ: (التخريج) عن المالكية.\nأمثلة التخريج عند المالكية:\nأولًا: أمثلة النوع الأول: (استخراجُ حكمِ مسألةٍ ليس فيها حكمٌ منصوصٌ عن إمامِ المذهبِ مِنْ مسألةٍ منصوصةٍ).\nالمثال الأول: يقولُ الحطّابُ في مسألةِ: (حكم السجود على اليدين): \"إنَّ في وجوب السجودِ على اليدين قولينِ مخرَّجينِ على قولينِ ذكرَهما بعضُ المالكَيةِ في بطلانِ صلاةِ مَنْ لم يرفعْ رأسَه ويديه مِن السجدتين، فعلى القولِ بالبطلانِ يكون السجودُ عليهما واجبًا؛ وإلا فلا\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: كشف النقاب الحاجب (ص/ ١٠٤ - ١٠٥).\n(^٢) انظر: منار أصول الفتوى (ص/ ٢٨٠).\n(^٣) مواهب الجليل (١/ ٥٢١)، بتصرفٍ يسير.","vol":"1","page":506},{"text":"المثال الثاني: قول الجلابُ المتقدّم في الفرعِ الأولِ.\nثانيًا: أمثلة النوع الثاني: (أنْ يكونَ في المسألةِ حكمٌ منصوصٌ عن إمامِ المذهبِ، فيُخرَّج فيها مِنْ مسألةٍ أخرى قولٌ له بخلافِه).\nالمثال الأول: يقولُ ابنُ الحاجب: \"الجسدُ في النضحِ كالثوبِ على الأصحِّ، وفيها - أيْ: في المدونة -: \"وَلا يَغْسِل أنثييه من المذي، إلا أنْ يخشى إصابتهما\"، فأَخَذَ منه الغسل\" (^١).\nقالَ خليلٌ في شرحِه: \"أي: أنَّ الأصحَّ في الجسدِ أنَّه كالثوب ... ومقابل الأصحّ: أنَّ الجسدَ يُغْسَلُ؛ لعدمِ فسادِه، واستُقرِئ مِن (المدوَنةِ)، مِنْ قولِه: \"ولا يغسلُ أنثييه من المذي، إلا أنْ يخشى إصابتهما\"، فإنَّ ظاهرَه: أنهَّ إذا خَشِيَ، يغسلُهما\" (^٢).\nالمثال الثاني: جاءَ في: (المدونة) النصُّ في البيوعِ الفاسدةِ على مَنْعِ جمعِ الرَجُلين سلعتيهما في البيعِ (^٣)، يقولُ ابن فرحون: \"ويتخرَّجُ مِن الشفعةِ، ومِنْ كتابِ التجارةِ إلى أرضِ الحربِ: الجوازُ\" (^٤).\nثالثًا: مثال النوع الثالث: (أنْ يُوجدَ النصُّ في مسألةٍ على حكمٍ، ويُوجدَ نصٌّ في مثلِها على ضدِّ ذلك الحكم، ولا يوجد فارقٌ بينهما، وإنقل النصُّ مِنْ إحدى المسألتين، ويخرِّج في الأَخرى):\nيقولُ ابن الحاجب: \"ويستترُ العُرْيان - أي: في الصلاة - بالنجسِ وبالحريرِ، ونصَّ ابن القاسم، وأشهب في الحرير: يصلي عريانًا.\nفإن اجتمعا: فالمشهور لابنِ القاسم: بالحريرِ، وأصبغ (^٥): بالنجسِ.\n_________\n(^١) جامع الأمهات (ص/ ٣٩).\n(^٢) التوضيح (ص / ١٤٨ - ١٤٩).\n(^٣) انظر: المدونة (٣/ ١٨٩).\n(^٤) كشف النقاب الحاجب (ص/ ١٠٥).\n(^٥) هو: أصبغ بن الفرج بن سعيد بن نافع المصري، أبو عبد الله، ولد بعد ١٥٠ هـ من موالي عبد العزيز بن مروان، كان إمامًا ثقةً فقيهًا أصوليًا محدثًا، من أعيان المالكية، ومفتي الديار المصرية، طلب العلم وهو شاب، ففاته الأخذ عن مالك والليث، وقد رحل إلى المدينة؛ ليسمع من الإمام مالك، فدخلها يوم مات، فأخذ عن: ابن وهب وابن القاسم وأشهب، كان =","vol":"1","page":507},{"text":"فخرَّج - في الجميعِ -: قولانِ\" (^١).\nثالثًا: التخريجُ عند الشافعية:\nوَرَدَ مصطلحُ: (التخريج) عند علماءِ الشافعيةِ، يقولُ تقي الدّين السبكي: \"قد يؤخذ - أي: الحُكم - مِنْ نصٍّ معيَّن في مسألةٍ معينةٍ، فيخرّجُ منها إلى مثلِها المساوية لها مِنْ غيرِ فرقٍ، ولا نصّ يعارضُه، وهذا أقوى ما يكون مِن التخريجِ\" (^٢).\nوقد بيَّنَ بدرُ الدينِ الزركشيُّ المرادَ بالقولِ المخرَّجِ، بأنَّه إذا لم يُعرفْ للمجتهدِ قولٌ في المسألةِ، لكنْ له قولٌ في نظيرِها، ولم يُعلمْ بينهما فرقٌ، فهو قولُه المخرَّجُ فيها (^٣).\nوعرَّفَ علوي السقاف (^٤) التخريجَ بـ: أنْ ينقلَ فقهاءُ المذهبِ الحكمَ\n_________\n= عارفًا بأقوال مالك، من مؤلفاته: كتاب في الأصول، وتفسير غريب الموطأ، وآداب القضاء، توفي بمصر سنة ٢٢٥ هـ. انظر ترجمته في: المعرفة والتاريخ للفسوي (١/ ٢٠٧)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٢/ ٣٢١)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (١/ ٢١٧)، وترتيب المدارك للقاضي عياض (٤/ ١٧)، وتهذيب الكمال للمزي (٣/ ٣٠٤)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٥٦)، والمقفى الكبير للمقريزي (٢/ ٢١٤)، والديباج المذهب لابن فرحون (١/ ٢٩٩)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٦٦).\n(^١) جامع الأمهات (ص/ ٩٠). وقد نقل الونشريسي في: المعيار المعرب (١/ ١٨٧) عن بعض المالكية توضيحًا لهذه المسألة، فذكر ما ملخصه: العريان إذا لم يجد إلا ثوبًا نجسًا استتر به للصلاة، هذا هو المنصوص، ومقابله قولٌ مخرّج يصلي عريانا أخذًا من القول: إنْ وجد العريان ثوب الحرير خاصة يصلي عريانًا.\nوإذا وجد العريان ثوب الحرير خاصة، فالمنصوص: يصلي عريانًا، ومقابله أنه يصلي بالحرير، وهو مخرج من التي قبلها.\n(^٢) قضاء الأرب في أسئلة حلب (ص/ ٤١١).\n(^٣) البحر المحيط (٦/ ١٢٧).\n(^٤) هو: علوي بن أحمد بن عبد الرحمن السقاف، ولد بمكة سنة ١٢٥٥ هـ من أعيان علماء الشافعية في وقته، كان فقيهًا وأديبًا، ولي نقابة العلويين بمكة، سافر إلى الحج سنة ١٣١١ هـ وانتفع به الطلاب هناك، وأقام بها إلى سنة ١٣٢٧ هـ ثم رجع إلى مكة، وبقي بها إلى أن توفي، من مؤلفاته: الفوائد المكية فيما يحتاجه طلبة الشافعية، ومختصر الفوائد المكية، وفتح=","vol":"1","page":508},{"text":"مِنْ نصِّ إمامِهم في صورةٍ، إلى صورةٍ مشابهةٍ (^١).\nوظاهرٌ مِنْ كلامِهما أنَّ التخريجَ بمعنى القياسِ على الفرعِ المنصوصِ، فهما متفقانِ في الحقيقةِ.\nأمَّا ابنُ الصلاحِ - وهو متقدمٌ على الزركشي والسقاف - فَجَعَلَ التخريجَ على صورتين:\nالصورة الأولى: أنْ يُنقلَ حكمُ الفرعِ الذي نصَّ عليه إمامُ المذهبِ، إلى فرعٍ مشابهٍ له لم ينصَّ على حكمِه (^٢).\nويتفقُ الزركشيُّ والسقافُ مع ابنِ الصلاحِ في هذه الصورةِ.\nالصورة الثانية: أنْ يُخرَّجَ في فرعٍ نصَّ إمامُ المذهب على حكمِه قولٌ بخلافِه، مِنْ نصّ آخرَ له في فرعٍ مشابهٍ للأولِ (^٣).\nوتبعَ ابنَ الصلاحِ على هذا المعنى جمعٌ من الشافعيةِ، منهم: محيي الدين النووي (^٤)، وابنُ حجرٍ الهيتمي (^٥)، والخطيبُ الشربيني (^٦).\n_________\n= العلام بأحكام السلام، والقول الجامع النجيح في أحكام صلاة التسابيح، توفي بمكة سنة ١٣٣٥ هـ. انظر ترجمته في: الأعلام للزركلي (٤/ ٢٤٩)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٢/ ٣٨٥).\n(^١) الفوائد المكية (ص/ ٤٢ - ٤٣).\n(^٢) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٧).\n(^٣) انظر: المصدر السابق.\n(^٤) انظر: المجموع شرح المهذب (١/ ٤٣ - ٤٤).\n(^٥) انظر: تحفة المحتاج (١/ ٥٣).\n(^٦) انظر: مغني المحتاج (١/ ١٢). والخطيب الشربيني هو: محمد بن أحمد الشربيني، الخطيب شمس الدين، من أهل القاهرة، وأحد فقهاء المذهب الشافعي، ومن المعروفين بتفسير كتاب الله، كان علامة فقيهًا إمامًا في العلم، زاهدًا ورعًا، كثير العبادة، درَّس وأفتى في حياة أشياخه، وانتفع به خلق كثيرون، واتفق أهل مصر على صلاحه، من مؤلفاته: مغني المحتاج في شرح المنهاج، والسراج المنير، والإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، توفي سنة ٩٧٧ هـ. انظر ترجمته في: الكواكب السائرة للغزي (٣/ ٧٩)، وشذرات الذهب لابن العماد (١٠/ ٥٦١)، والأعلام للزركلي (٦/ ٦)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٦٩).","vol":"1","page":509},{"text":"واصطلحَ بعضُ العلماءِ - ومنهم بعضُ الشافعيةِ كما سيأتي بعد قليلٍ - على تسميةِ الصورةِ الثانية التي ذكرها ابنُ الصلاح، ومنْ تبعَه بالنقلِ والتخريجِ.\n\nالفرقُ بين مصطلح: (الوجه)، ومصطلح: (القول المخرَّج) عند الشافعية:\nذَكَرَ بدرُ الدين الزركشيُّ الفرقَ بين مصطلح: (الوجه)، ومصطلح: (القول المخرَّج)، مِنْ جهةِ: أنَّ الوجهَ مخرَّجٌ مِن قواعد عامةِ في المذهبِ، أمَّا القولُ المخرج، فإنه مخرَّج مِنْ صورةٍ خاصةٍ (^١).\n\nأمثلة التخريج عند الشافعية:\nلنْ أذكرَ أمثلةً للصورةِ الثانيةِ الذي ذكرها ابنُ الصلاح للتخريجِ (النقل والتخريج)؛ لأنَّني سأتحدث عنه في فرعٍ مستقلٍّ؛ وسأكتفي بالتمثيل للصورة الأولى:\nالمثال الأول: يقولُ ابنُ القاصِّ: \"كذلك لو أَمَرَ رجلًا فيممه - أيْ: لا يصح تيممه - قلتُه تخريجًا\" (^٢).\nيقولُ محيي الدين النووي معلقًا على قولِ ابنِ القاصِّ: \"وهذه المسألةُ خرّجها مِن التي بعدها، وهي مسألةُ: الرِّيحِ\" (^٣).\nالمثال الثاني: نَقَلَ محيي الدين النوويُّ عن بعضِ الشافعيةِ قولَه: \"إذا أُغْمِيَ عليه - أي: على المعتكفِ - في الاعتكافِ، فإنْ لم يخرجْ مِن المسجدِ، فأفاقَ: فاعتكافُه باقٍ لا يبطلُ ... والمذهبُ أنَّ زمانَ الإغماءِ محسوبٌ مِن الاعتكافِ ... وفيه وجهٌ: أنَّه لا يُحسبُ ذلك الزمان عن\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٢٨).\n(^٢) التلخيص (ص/١٠٦).\n(^٣) المجموع شرح المهذب (٢/ ٢٣٥). وذكر ابن القاص في: التلخيص (ص / ١٠٦) مسألةَ الريح، فقال: \"وكذلك لو وقف على وجه الريح حتى سفت على وجهه التراب، فمسح بيديه على وجهه لم يجز ... قاله نصًا\".","vol":"1","page":510},{"text":"الاعتكافِ؛ تخريجًا مِنْ قولِنا في الصائمِ إذا أُغْمِيَ عليه: يبطلُ\" (^١).\nرابعًا: التخريج عند الحنابلة:\nوَرَدَ مصطلحُ: (التخريج) في كتبِ الحنابلةِ، وقد عرّفه طائفةٌ منهم، مِنْ هؤلاءِ:\nالتعريف الأول: عرَّفَ شمسُ الدينِ البعليّ مصطلح: (التخريجَ) بقولِه: \"إذا أفتى المجتهدُ في مسألتينِ متشابهتينِ بحكمينِ مختلفينِ، في وقتينِ، نُقِلَ حُكمُ كلِّ واحدةٍ منها إلى الأخرى\" (^٢).\nوتَبعَ البعليَّ في تعريفه: منصورٌ البهوتي (^٣)، لكنه جَعَلَ التخريجَ مِنْ إحدى المسألتين فقط، فقالَ: \"التخريجُ: نقلُ حُكمِ إحدى المسألتين المتشابهتين إلى الأخرى، ما لم يُفرِّقْ، أو يقرُب الزمنُ\" (^٤).\nواصطلحَ بعضُ علماءِ الحنابلةِ على تسميةِ ما ذكره شمسُ الدين البعلي بالنقلِ والتخريج، وسيأتي في الفرعِ القادمِ بيانُه.\nالتعريف الثاني: نقلُ حكمِ مسألةٍ إلى ما يشبهها، والتسويةُ بينهما فيه.\nوهذا تعريفُ تقيِّ الدين بنِ تيمية (^٥).\n_________\n(^١) المجموع شرح المهذب (٦/ ٥١٧).\n(^٢) المطلع على أبواب المقنع (ص/ ٤٦١).\n(^٣) هو: منصور بن يونس بن صلاح الدين بن حسن البهوتي المصري، أبو السعادات، ولد سنة ١٠٠٠ هـ من أعيان الحنابلة المتأخرين، وشيخ الحنابلة بمصر، كان علامةً عالمًا فقيهًا أصوليًا عاملًا ورعًا، متبحرًا في العلوم، صارفًا أوقاته في تحرير المسائل الفقهية، وقد انتهت إليه رئاسة الإفتاء والتدريس، ورحل الناس إليه من الآفاق لأخذ مذهب الإمام أحمد عنه، قال عنه ابن حميد: \"وبالجملة، فهو مؤيد المذهب ومحرره، وموطد قواعده ومقرره، والمعول عليه، والمتكفل بإيضاح خافيه، جزاه الله أحسن الجزاء\"، من مؤلفاته: كشاف القناع عن الإقناع، والروض المربع شرح زاد المستنقع، وشرح منتهى الإرادات، وعمدة الطالب لنيل المآرب، توفي بصر سنة ١٠٥١ هـ. انظر ترجمته في: خلاصة الأثر للمحبي (٤/ ٤١٤)، والنعت الأكمل للغزي (ص/ ٢١٠)، وعنوان المجد لابن بشر (٢/ ٢٢٤)، والسحب الوابلة لابن حميد (٣/ ١١٣١)، والأعلام للزركلي (٧/ ٣٠٧).\n(^٤) شرح منتهى الإرادات (١/ ١٥).\n(^٥) انظر: المسودة (٢/ ٩٤٨).","vol":"1","page":511},{"text":"وتَبعَ تقيَّ الدين جمعٌ من الحنابلةِ، منهم: المرداويُّ (^١)، وابنُ النجار (^٢)، ومحمدٌ السفاريني (^٣).\nويشملُ التعريفُ صورةَ الفرعِ الذي لم يَرِدْ بشأنِه نصٌّ إمامِ المذهبِ، فيحلق بما يشبهه، وصورةَ الفرعِ الذي نصَّ إمامُ المذهب على حكمِه، فيلحقُ بما يشبهُه مِن الفروعِ التي تحالفُه في الحكم.\nالتعريف الثالث: بيانُ حكمِ الفرعِ بإدراجِه تحتَ القواعدِ الكليةِ للإمامِ المذهب، أو الشرعِ، أو العقل.\nوهذا تعريفُ الطوفي (^٤)، ولم يذكر التخريجَ مِن نصوصِ الإمامِ.\nوقد مثَّل له بقولِ القائلِ: لا يصحُّ التيممُ لفرضٍ قبلَ وقتِه، ولا لنفلٍ في وقتِ المنعِ منه، ويبطلُ التيممُ بخروجِ الوقتِ، ولا يصلي به حتى يجدد (^٥)، ويتخرَّجُ ذلك كله بناءً على أنَّ التيممَ يرفعُ الحدثَ، وهو قاعدةٌ مِنْ قواعد التيممِ (^٦).\nوما ذكره مُتعقَّبٌ؛ فما وَرَدَ في عباراتِ علماءِ الحنابلةِ المتقدمةِ آنفًا، وما أوردوه في مصنفاتِهم تخدش ما قرره الطوفي.\nأمثلة التخريج عند الحنابلة:\nلنْ أذكرَ أمثلةً للتخريجِ بالمعنى الذي ذكره شمسُ الدينِ البعلي (النقل والتخريج)؛ لأنَّني سأتحدثُ عنه في فرعٍ مستقلٍّ، وسأُمثل للتخريجِ بالمعنى الذي ذكره تقيُّ الدّينِ بنُ تيميةَ، والبهوتيُّ:\nالمثال الأول: يقولُ الحافظ ابنُ رجبٍ تحت قاعدة: (مَنْ عليه فرضٌ، هل له أنْ يَتَنَفَّلَ قبلَ أدائِه بجنسِه؟): \"إذا تصرَّفَ بها - أي: التصرفات\n_________\n(^١) انظر: الإنصاف (١/ ٦)، و(١٢/ ٢٥٧).\n(^٢) انظر: معونة أولي النهى (٩/ ٥٨٥).\n(^٣) انظر: غذاء الألباب (١/ ٣٩).\n(^٤) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٤٤).\n(^٥) وقع في المطبوع من المصدر السابق: \"يحدث\"، وهو تصحيف.\n(^٦) انظر: المصدر السابق.","vol":"1","page":512},{"text":"المالية، كالعتقِ والوقفِ والصدقةِ - وعليه دَيْنٌ، ولم يكنْ حُجِرَ عليه: فالمذهب: صحةُ تَصرّفِه، وإن استغرقَ مالَه في ذلك.\nواختار الشيخُ تقيُّ الدين ﵀ أنَّه لا ينفذُ شيءٌ مِنْ ذلك مع مطالبةِ الغرماءِ .. .\nويمكنُ تخريجُه في المذهبِ مِنْ أصلين:\nأحدهما: ما نصَّ عليه أحمدُ ﵀ في روايةِ حنبلٍ، فيمَنْ تبرعَّ بمالِه بوقفٍ أو صدقةٍ، وأبواه محتاجان: أنَّ لهما رَدَّه ...\nوالثاني: أنَّه نصَّ في روايةٍ أخرى على أن مَنْ أوصى لأجانب، وله أقارب محتاجون أنَّ الوصيةَ تُرَدُّ عليهم.\nفتخرَّج مِنْ ذلك أن مَنْ تبرّعَ، وعليه نفقةٌ واجبةٌ لوارثٍ، أو دينٌ ليس له وفاء: أنَّه يُرَدّ\" (^١).\nالمثال الثاني: يقولُ ابنُ مفلحٍ: \"مَن ائتمَّ بمقيمٍ ... أَتَمَّ ... ويتوجّه تخريجٌ مِنْ صلاةِ الخوفِ: يقصرُ مطلقًا\" (^٢).\nالمثال الثالث: يقولُ ابنُ مفلحٍ - أيضًا -: \"لو أَرادَ وطأها - أيْ: وطء زوجتِه - فادَّعتْ حيضًا، وأمكن: قُبِلَ، نصَّ عليه ... ويتوجّه تخريجٌ مِن الطلاقِ\" (^٣).\nوقد علَّق ابنُ قندس (^٤) على تخريجِ ابنِ مفلحٍ قائلًا: \"أي: إذا علَّق\n_________\n(^١) تقرير القواعد (١/ ٦٩ - ٧١).\n(^٢) الفروع (٣/ ٩٠).\n(^٣) المصدر السابق (١/ ٣٥٦).\n(^٤) هو: أبو بكر بن إبراهيم بن يوسف البعلي، ثم الدمشقي الصالحي، تقي الدين أبو الصدق، المعروف بابن قُنْدُس، ولد ببعلبك قريبًا من سنة ٨٠٩ هـ ونشأ بها، كان شيخ الحنابلة في زمانه، وإمامهم، ومفتيهم، وقد لزم الإقبال على العلوم حتى تفنن وصار متبحرًا في الفقه وأصوله، والتفسير والحديث، والعربية، والمنطق، والمعاني والبيان، مع الذكاء المفرط، واستقامة الفهم، وقوة الحفظ، والفصاحة والطلاقة، والزهد، من مؤلفاته: حاشية على كتاب الفروع لابن مفلح، وحاشية على المحرر للمجد بن تيمية، توفي بدمشق سنة ٨٦١ هـ، وقيل: =","vol":"1","page":513},{"text":"طلاقَها على حيضِها، وقالت: حِضْتُ، فيه روايةٌ: لا يقبلُ قولُها، فخرَّجها المصنّفُ هنا\" (^١).\nوهذا المثالُ يصلحُ التمثيلُ به للتخريجِ على ما ذكره تقيُّ الدين بنُ تيمية - ومن تبعه - ومنصورٌ البهوتي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>الفرع السابع: النقل والتخريج</span>\nجاءَ في استعمالات بعضِ الفقهاءِ عند بعضِ المذاهب مصطلحُ: (النقل والتخريج)، وقد تقدّم لنا الحديثُ عن معناه في مسألةِ: (طرق إثبات قول الإمام)، وسأبيّنُ حديث أرباب المذاهب التي تكلمتْ عنه.\nأولًا: النقل والتخريج عند المالكية:\nلم يستعمل المالكيةُ مصطلحَ: (النقل والتخريج) - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادر - وأشيرُ إلى أن بعضَ المالكيةِ قد استعملَ مصطلح: (النقل والتخريج) بمعناه دونَ لفظِه، وجعلوه داخلًا تحت مصطلحِ: (التخريج)، كما في كلامِ القاضي ابنِ فرحون المتقدم، حين جَعَلَ التخريجَ ثلاثةَ أنواع، فحقيقةُ النوعِ الثالثِ الذي أورده تتفقُ مع ما قرره الشافعيةُ والحنابلةُ في مصطلح: (النقل والتخريج).\nيقولُ عبد الله العلوي: \"إنَّ المجتهدَ قد ينصُّ في المسألةِ على شيءٍ، وفي نظيرِها، أي: ما يشابهها، على ما يعارضه، أي: يخالفُه، مع خفاءِ الفرقِ بينهما: فمِنْ أهلِ المذهبِ مَنْ يُقرر النصين في محلِّهما، ويفرِّق\n_________\n= سنة ٨٦٢ هـ. انظر ترجمته في: المقصد الأرشد لابن مفلح (٣/ ١٥٤)، والضوء اللامع للسخاوي (٦/ ١٤)، والمنهج الأحمد للعليمي (٥/ ٢٤٧)، والدر المنضد له (٢/ ٦٥١)، وشذرات الذهب لابن العماد (٩/ ٤٤٠)، والسحب الوابلة لابن حميد (١/ ٢٩٥)، وتسهيل السابلة لابن عثيمين (٣/ ١٣٦٧)\n(^١) حاشية ابن قندس على الفروع (١/ ٣٥٧).","vol":"1","page":514},{"text":"بينهما، ومنهم مَنْ يُخرِّجُ نصَّ كلِّ في الأخرى؛ فيحكي في كلِّ قولين: منصوصًا، ومخرَّجًا\" (^١).\nوتبِعَ عبدَ الله العلويَّ بعضُ المالكية، منهم: محمدٌ الأمين الجكني (^٢)، ومحمدٌ الأمين الشنقيطي (^٣).\nثانيًا: النقل والتخريج عند الشافعية:\nوَرَدَ مصطلحُ: (النقل والتخريج) في كتب الشافعيةِ، وقد كَشَف أبو القاسمِ الرافعي عن معناه بقولِه: \"إذا وَرَدَ نصَّانِ عن صاحب المذهبِ مختلفانِ، في صورتينِ متشابهتينِ، ولم يظهرْ بينهما ما يصَلحُ فارقًا: فالأصحابُ يخرِّجونَ نصَّه في كلِّ واحدةٍ مِن الصورتين في الصورةِ الأخرى؛ لاشتراكِهما في المعنى، فيحصلُ في كل واحدةٍ مِن الصورتين قولانِ: منصوصٌ، ومخرَّجٌ، المنصوصُ في هذه هو المخرَّجُ في تلك، والمنصوصُ في تلك هو المخرَّجُ في هذه، فيقولون: فيهما قولانِ: بالنقلِ والتخريجِ\" (^٤).\nووافق أبا القاسمِ الرافعيَّ في تقريرِ حقيقةِ مصطلحِ: (النقل والتخريج) عددٌ مِنْ علماءِ الشافعيةِ، منهم: تقيُّ الدين السبكي (^٥)، وبدرُ الدين الزركشي (^٦)، وصدرُ الدّينِ السلمي (^٧)، وابنُ الملقنِ (^٨).\n_________\n(^١) نشر البنود (٢/ ٢٧٨).\n(^٢) انظر: مراقي السعود على مراقي السعود (ص/ ٤١١).\n(^٣) انظر: نثر الورود (٢/ ٥٩٤).\n(^٤) العزيز شرح الوجيز (١/ ٢٠٠).\n(^٥) انظر: قضاء الأرب في أسئلة حلب (ص/ ٤١١).\n(^٦) انظر: خبايا الزوايا (ص/ ٥٠٤ - ٥٠٦).\n(^٧) انظر: فرائد الفوائد (ص/ ١٠٥).\n(^٨) انظر: الأشباه والنظائر (١/ ٢٩٥). وابن الملقن هو: عمر بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصاري المصري، سراج الدين أبو حفص، المعروف بابن الملقن، وابن النحوي، ولد بالقاهرة سنة ٧٢٣ هـ أصل أبيه من الأندلس، كان ابن الملقن عالمًا عاملًا حافظًا متقنًا، عمدة المحدثين في وقته، فقيهًا مناظرًا، شافعي المذهب، أشعري المعتقد، تولى الإفتاء دهرًا، ودرَّس في عدد من المدارس، من مؤلفاته: الأشباه والنظائر، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام، وإنجاز الوعد الوفي في شرح جامع الترمذي، والبدر المنير في تخريج أحاديث =","vol":"1","page":515},{"text":"وقد جاءَ المصطلحُ في تضاعيف كلامِ أبي محمدٍ الجويني (^١)، ومحيي الدين النووي (^٢)، وتقيّ الدينِ الحصني (^٣).\nويحتملُ قولُهم بـ (النقل) في مصطلح: (النقل والتخريج) معنيين:\nالمعنى الأول: أنْ يكونَ بمعنى نقلِ الحكمِ المنصوصِ عليه مِنْ قِبَلِ إمامِ المذهبِ في هذا الفرعِ إلى الفرعِ الآخر، والعكس.\nالمعنى الثاني: أنْ يكونَ بمعنى الروايةِ، ويكون المعنى: في كلِّ واحدٍ مِن الفرعين قولٌ منقولٌ، أيْ: مروي عن إمامِ المذهبِ، وقولٌ مخرَّجٌ (^٤).\n\nأمثلة النقل والتخريج عند الشافعية:\nذكرتُ عددًا مِن أمثلةِ النقل والتخريج عند علماءِ الشافعيةِ في مسألةِ: (طرق إثبات قول الإمام)، فأغنى عن ذكرِ أمثلةٍ هنا.\n_________\n= الشرح الكبير، وتحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج، توفي سنة ٨٠٤ هـ. انظر ترجمته في: درر العقود الفريدة للمقريزي (٤/ ٤٢٩)، وإنباء الغمر لابن حجر (٢/ ٢١٦)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٥/ ٤١)، والضوء اللامع للسخاوي (٦/ ١٠٠)، ووجيز الكلام له (١/ ٣٦٢)، وشذرات الذهب لابن العماد (٩/ ٧١)، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ ٥٠٩).\n(^١) انظر: الجمع والفرق (١/ ١٧٤).\n(^٢) انظر: المجموع شرح المهذب (٢/ ٣١١).\n(^٣) انظر: القواعد (٣/ ٣٨٦). وتقي الدين الحصني هو: أبو بكر بن محمد بن عبد المؤمن بن حَرِيز بن معلى الدمشقي، تقي الدين الحصني، من نسل علي بن أبي طالب - ﵁ -، ولد عام ٧٥٢ هـ من أعيان المذهب الشافعي، وشيخ الشافعية بدمشق، كان فقيهًا بارعًا عالمًا زاهدًا متقشفًا، أشعري المعتقد، كثير الحط على تقي الدين بن تيمية، بل كان يجهر بتكفيره! من مؤلفاته: شرح أسماء الله الحسنى، وشرح صحيح مسلم، والقواعد، وتلخيص المهمات، توفي عام ٨٢٩ هـ. انظر ترجمته في: درر العقود الفريدة للمقريزي (١/ ١٤٢)، وإنباء الغمر لابن حجر (٨/ ١١٠)، والضوء اللامع للسخاوي (١١/ ٨)، وشذرات الذهب لابن العماد (٩/ ٢٧٣)، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ ١٨٢).\n(^٤) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (١/ ٢٠٠ - ٢٠١).","vol":"1","page":516},{"text":"ثالثًا: النقل والتخريج عند الحنابلة:\nلا يختلفُ معنى مصطلحِ: (النقل والتخريج) عندَ الحنابلةِ عمَّا قرره علماءُ الشافعيةِ (^١).\nيقولُ الطوفيُّ: \"لو نصَّ المجتهدُ في مسألتين متشابهتينِ على حكمين مختلفين، لم يجزْ أنْ يُجعلَ فيهما روايتان: بالنقلِ والتخريجِ\" (^٢).\nويقولُ في موضعٍ آخر: \"وقد وَقَعَ النقلُ والتخريجُ في مذهبنا\" (^٣).\n\nأمثلة النقل والتخريج عند الحنابلة:\nذكرتُ عددًا مِن أمثلةِ النقلِ والتخريج عند علماءِ الحنابلةِ في مسألةِ: (طرق إثبات قول الإمام)، فأغنى عن ذكرِ أَمثلةٍ هنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>الفرع الثامن: الصحيح</span>\nاستعملَ فقهاءُ المذاهبِ مصطلحي: (الصحيح)، و(الأصح)، وكان لكلِّ مذهبٍ - في الجملةِ - اصطلاحُه الخاصُّ، بلْ كان للعالمِ الواحدِ في بعضِ المذاهبِ اصطلاحُه الخاص به الذي يخالفُ فيه غيرَه مِنْ علماءِ مذهبِه.\nأولًا: التعريف اللغوي للصحيح:\nالصحيح: على وزن (فَعِيْل)، مأخوذةٌ مِن الصحة، يُقالُ: صَحَّ يَصِحُّ صِحَّةً، فهو صحيح (^٤).\n_________\n(^١) انظر: تهذيب الأجوبة (٢/ ٨٦٧ وما بعدها)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٦٨)، والمسودة (٢/ ٩٤٧)، والتحبير (٨/ ٣٩٦٧)، وشرح الكوكب المنير (٤/ ٥٠٠).\n(^٢) شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٤٠).\n(^٣) المصدر السابق (٣/ ٦٤١).\n(^٤) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (صح)، (٣/ ٤٠٤)، ولسان العرب، مادة: (صح)، (٢/ ٥٠٧)، والقاموس المحيط، مادة: (صح)، (ص/ ٢٩١).","vol":"1","page":517},{"text":"وللصحة عدة معان في اللغةِ، منها:\nالمعنى الأول: ذهابُ المرضِ والسقمِ (^١).\nالمعنى الثاني: البراءةُ مِنْ كلِّ عَيْبٍ وريبٍ (^٢).\nالمعنى الثالث: الاستواء، ومنه: الصَحْصَحُ، والصَحْصَاح، والصَحْصَحَان، وهو ما استوى مِن الأرضِ (^٣).\nيقولُ ابنُ فارسٍ: \"الصادُ والحاءُ أصلٌ يدلُّ على: البراءةِ مِن المرضِ والعيبِ، وعلى الاستواءِ\" (^٤).\nالمعنى الرابع: الاشتدادُ، ومنه: صَحَاحُ الطريق، وهو ما اشتدَّ، ولم يسهلْ (^٥).\nومِن الاستعمالاتِ المجازيةِ للصحةِ، قولُهم: صَحَّ عندَ القاضي حقُّه، وصَحَّتْ شهادتُه، ومذهبُ فلانٍ هو المذهبُ الصحيحُ (^٦).\nيقولُ أبو بكرٍ السمرقندي عن استعمالِ الصحيح في اللغةِ: \"يُستَعمل الصحيحُ في الجماداتِ، فيما استوى تركيبُه الخاصّ، وفيه صلابةٌ وشدةٌ، يُقالُ: ... هذا كُوْزٌ صحيحٌ، وكُوْزٌ منكسرٌ، إذا كان فيه نوعُ نقصان.\nويستعملُ في الحيواناتِ فيما اعتدلتْ طبيعتُه، واستكملَ قوتَه، مع انتفاءِ أسباب الهلاكِ والنقصانِ عن المعاني الباطنةِ، يُقالُ: رجلٌ صحيحٌ ... ومصحاحٌ\" (^٧).\n_________\n(^١) انظر: المصادر السابقة، والصحاح، مادة: (صح)، (١/ ٣٨١).\n(^٢) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (صح)، (٣/ ٢٨١).\n(^٣) انظر: المصدر السابق، وتهذيب اللغة، مادة: (صح)، (٣/ ٤٠٤)، والقاموس المحيط، مادة: (صح)، (ص/ ٢٩١).\n(^٤) مقاييس اللغة، مادة: (صح)، (٣/ ٢٨١).\n(^٥) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (صح)، (٣/ ٤٠٤)، والصحاح، مادة: (صح)، (١/ ٣٨١)، والقاموس المحيط، مادة: (صح)، (ص/ ٢٩١).\n(^٦) انظر: أساس البلاغة للزمخشري، مادة: (صح)، (ص/ ٣٤٨).\n(^٧) ميزان الأصول (١/ ١٣٩).","vol":"1","page":518},{"text":"ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للصحيح:\nأولًا: الصحيح عند الحنفية.\nلم يهتمَّ علماءُ الحنفيةِ كثيرًا بتحديدِ معنى مصطلحي: (الصحيح)، و(الأصح) في مذهبهم، وإنَّما اكتفوا ببيانِ ما يقابلُ كلّ واحدٍ من اللفظين، وبكونِ مصطلحِ: (الأصح) مِنْ ألفاظِ الترجيحِ في مذهبِهم (^١).\nيقابلُ ما حَكَمَ عليه علماءُ الحنفيةِ بالصحةِ: الضعيفُ أو الفاسدُ، ويقابلُ ما حَكَمَ عليه علماؤهم بالأصحِّ: الصحيحُ (^٢).\nيقولُ داماد أفندي (^٣): \"مقابل الفاسد، والأصحُّ: مقابل الصحيحِ\" (^٤).\nوما تقرر مِنْ أنَّ مقابلَ الأصحِّ هو الصحيح هو الأمرُ الغالبُ عندَ الحنفيةِ، وإلا فَقَدْ يقابلُ الأصحَّ غيرُ صحيحٍ، كالشاذِّ مثلًا (^٥).\nوهنا مسألة: أيّهما يُقدمُ عند الحنفيةِ الصحيحُ، أم الأصحّ؟\nاختلف علماءُ الحنفيةِ في أيّهما يُقدّمُ الصحيح، أم الأصح؟ وقبل ذكر خلافهم، أُبيِّنُ أنَّ الحنفيةَ اتفقوا على حالتين:\n_________\n(^١) انظر: شرح عقود رسم المفتي لابن عابدين (ص/ ١٢٠)، وأصول الإفتاء للعثماني (ص/ ٣٠٥) مع المصباح في رسم المفتي.\n(^٢) انظر: الفتاوى الخيرية للرملي (٢/ ٢٣٠)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (١/ ٢٣٩)، وشرح عقود رسم المفتي له (ص/ ١٢٠ - ١٢١).\n(^٣) هو: عبد الرحمن بن محمد بن سليمان، المعروف بشيخ زاده، وبداماد، من أهل كليبولي بتركيا، أحد فقهاء المذهب الحنفي، وأحد المفسرين لكتاب الله، ولي قضاء الجيش بالروم إيلي، من مؤلفاته: حاشية على تفسير البيضاوي، ومجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر، والكواكب الدرية في مدح خير البرية، توفي سنة ١٠٧٨ هـ. انظر ترجمته في: هدية العارفين للبغدادي (١/ ٥٤٩)، والأعلام للزركلي (٣/ ٣٣٢)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٢/ ١١١).\n(^٤) مجمع الأنهر (١/ ٧ - ٨).\n(^٥) انظر: شرح عقود رسم المفتي لابن عابدين (ص/ ١٢١)، ورد المحتار على الدر المختار له (١/ ٢٣٩)، وأصول الإفتاء للعثماني (ص/ ٩٥) مع المصباح في رسم المفتي.","vol":"1","page":519},{"text":"الحالة الأولى: إذا كانَ واصفُ القولِ بأنَّه صحيحٌ، وأصحّ شخصٌ واحدٌ، فالأصحُّ أولى بالتقديمِ باتفاقِ الحنفيةِ (^١).\nالحالة الثانية: إذا استُعْمِلَ لفظِ: الأصح في ترجيحِ صحيحٍ على آخر، فالأصحُّ مقدَّمٌ باتفاقِ الحنفيةِ (^٢).\nواختلفَ علماءُ الحنفيةِ فيما عدا هاتين الحالتين على قولين:\nالقول الأول: يُقَدَّم الأصحُّ على الصحيحِ.\nوهذا قولُ بعضِ الحنفيةِ (^٣). ونُسِبَ إلى جمهورِ الحنفيةِ (^٤). واختاره: خيرُ الدّينِ الرملي (^٥).\nتوجيه القول الأول: أنَّ لفظَ (الأصحِّ) مشتملٌ على زيادة في معنى الصحةِ؛ لأنَّه على وزنِ (أفعل) التفضيلِ (^٦).\nالقول الثاني: يُقدمُ الصحيحُ على الأصحِّ.\nوهذا قولُ بعضِ الحنفية (^٧)\n_________\n(^١) انظر: مجمع الأنهر لداماد (١/ ٨)، وشرح عقود رسم المفتي لابن عابدين (ص/ ١٢٥)، وأصول الإفتاء للعثماني (ص/ ٣٠٩) مع المصباح في رسم المفتي.\n(^٢) انظر: المصادر السابقة.\n(^٣) انظر: أصول الإفتاء للعثماني (ص/ ٣٠٩) مع المصباح في رسم المفتي.\n(^٤) انظر: شرح عقود رسم المفتي لابن عابدين (ص/ ١٢٣).\n(^٥) انظر: الفتاوى الخيرية (٢/ ٢٣١). وخير الدين الرملي هو: خير الدين بن أحمد بن نور الدين علي بن زين الدين بن عبد الوهاب الأيوبي العليمي الفاروقي الرملي، ولد بالرملة سنة ٩٩٣ هـ ونشأ بها، من أعيان مذهب الحنفية في زمنه، كان إمامًا فقيهًا مفسرًا محدثًا مسندًا، لغويًا صرفيًا عروضيًا، من مؤلفاته: حاشية على منح الغفار، وحاشية على الأشباه والنظائر لابن نجيم، وحاشية على كنز الدقائق، والفوز والغنم في مسألة الشرف من الأم، والفتاوى الخيرية لنفع البرية، توفي بالرملة سنة ١٠٨١ هـ. انظر ترجمته في: مقدمة الفتاوى الخيرية (١/ ٢)، وخلاصة الأثر للمحبي (٢/ ١٣١)، وهدية العارفين للبغدادي (٢/ ٣٥٨)، وفهرس الفهارس والأثبات للكتاني (١/ ٣٨٦)، والأعلام للزركلي (٢/ ٣٢٧)، ومعجم المؤلفين لكحالة (١/ ٦٩٤).\n(^٦) انظر: أصول الإفتاء للعثماني (ص/ ٣٠٩) مع المصباح في رسم المفتي.\n(^٧) انظر: مجمع الأنهر لداماد (١/ ٨)، وشرح عقود رسم المفتي لابن عابدين (ص/ ١٢٢)، وأصول الإفتاء للعثماني (ص/ ٣٠٩) مع المصباح في رسم المفتي.","vol":"1","page":520},{"text":"واختاره: داماد أفندي (^١)، ومحمد تقي العثماني (^٢).\nتوجيه القول الثاني: أنَّ مقابلَ (الصحيحِ) فاسدٌ أو ضعيفٌ، ومقابلَ (الأصح) صحيحٌ، وما كان مقابلُه فاسدًا أو ضعيفًا، آكدُ ممَّا كان مقابلُه صحيحًا (^٣).\nأمثلة: الصحيح، والأصح عند الحنفية:\nالمثال الأول: يقولُ داماد أفندي، تحتَ باب: (مصرف الزكاة): \" (ومنقطع الغزاة) الذين عجزوا عن اللحوقِ بجيشِ الإسلامِ؛ لنفرهم (^٤)، فَتَحِلُّ لهم الصدقةُ، وإنْ كانوا كاسبين؛ إذ الكسبُ يُقْعِدُهم عن الجهادِ ... (عند أبي يوسف)، وفي روايةٍ عن محمدٍ، وهو الصحيحُ، وهو المراد في سبيلِ الله\" (^٥).\nالمثال الثاني: سُئِل خيرُ الدينِ الرملي الحنفي عن مسألةِ: الإخفاء والجهر بالقراءةِ في الصلاةِ، واختلافِ الأقوالِ فيها؟ وما هو الأرجحُ؟ فأجابَ: \"اختلفوا في حدِّ الجهرِ والإخفاءِ ... الجهرُ: أنْ يُسمِعَ غيرَه. والمخافتة: أنْ يُسْمِعَ نفسَه. وقالَ الكَرْخي: الجهرُ: أنْ يُسْمِعَ نفسَه، والمخافتةُ: تصحيحُ الحروفِ ... والأولُ أصحُّ\" (^٦).\nثانيًا: الصحيح عند المالكية.\nجاءَ في كتبِ المالكيةِ مصطلحا: (الصحيح)، و(الأصح)، وقد أبانَ علماءُ المالكيةِ عن معناهما بذكرِ ما يقابلهما.\n_________\n(^١) انظر: مجمع الأنهر (١/ ٨).\n(^٢) انظر: أصول الإفتاء للعثماني (ص/٣٠٩) مع المصباح في رسم المفتي.\n(^٣) انظر: شرح عقود رسم المفتي لابن عابدين (ص/ ١٢٢)، وأصول الإفتاء للعثماني (ص/ ٣٠٩) مع المصباح في رسم المفتي.\n(^٤) هكذا في: مجمع الأنهر (٢/ ٢٢١)، ولعل الصواب: \"لفقرهم\".\n(^٥) المصدر السابق.\n(^٦) الفتاوى الخيرية (١/ ١٢).","vol":"1","page":521},{"text":"يقابلُ الصحيح عند المالكية: الفاسدُ.\nوهذا ما سارَ عليه ابنُ الحاجبِ في: (مختصرِه الفقهي) - في الجملةِ (^١) - ولم يطَّردْ عنده، فقد يقابلُ الصحيح: الشاذ، فيكون الصحيحُ بناءً على هذا المعنى مرادفًا للمشهورِ، على ما سيأتي بيانُه.\nوقد يقابلُ الصحيح: ما هو مشهورٌ في المذهبِ (^٢).\nوإذا كانت الأفضليةُ في: (الأصحِّ) راجعةً إلى قوّةِ الدليلِ (^٣)، ومقابلُ: (الأصح) هو الصحيح - كما سيأتي قريبًا - فيمكن القولُ بأنَّ الصحيحَ عند المالكيةِ هو: القولُ الذي قويَ دليلُه.\nيقولُ القاضي ابنُ فرحون: \"الغالب أنَّه - أي: الصحيح - يجري مجرى المشهورِ\" (^٤).\nولخليلٍ المالكي اصطلاحُه الخاص، فيما يتصل بلفظ: (صُحِّحَ) - بالبناءِ للمجهولِ - ومرادُه به أنَّ أحدًا مِنْ علماءِ المالكيةِ عدا اللخمي، وابن يونس (^٥)، وابن رشد، والمازري قد صَحَّح القولَ (^٦).\nأما لفظ: (الأَصحِّ)، فعند بعضِ المالكيةِ أنَّ الصحةَ في: (الأصح)\n_________\n(^١) انظر: كشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/ ٩٤ - ٩٥).\n(^٢) انظر: المصدر السابق.\n(^٣) انظر: المصدر السابق (ص/ ٩٠)، ومقدمة تحقيق مسائل لا يعذر فيها بالجهل على مذهب الإمام مالك (ص/ ١٤).\n(^٤) كشف النقاب الحاجب (ص/ ٩٥).\n(^٥) هو: محمد بن عبد الله بن يونس التميمي الصقلي، أبو بكر، ويقال: عبد الله، المعروف بابن يونس، أحد أئمة المذهب المالكي، وأحد الأربعة الذين اعتمدهم خليل المالكي في مختصره، كان فقيهًا فرضيًا حاسبًا مجاهدًا، من مؤلفاته: الجامع لمسائل المدونة والأمهات، وكتاب في الفرائض، توفي سنة ٤١٥ هـ. انظر ترجمته في: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٨/ ١١٤)، والديباج المذهب لابن فرحون (٢/ ٢٤٠)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ١١١)، والفكر السامي للحجوي (٤/ ٢١٠)، وجمهرة تراجم الفقهاء المالكية للدكتور قاسم سعد (١/ ١١٣٢).\n(^٦) انظر: مختصر خليل (١/ ٤) مع شرحه جواهر الإكليل.","vol":"1","page":522},{"text":"راجعةٌ إلى قوّةِ الدليل (^١)، فإذا جيءَ بالأصحِّ، فالمعنى \"يكون كلُّ واحدٍ من القولين صحيحًا، وأَدلة كلِّ واحدٍ منهما قويةٌ، إلا أنَّ الأصحَّ مرجَّحٌ على الآخر بوجهٍ مِنْ وجوه الترجيحِ\" (^٢)، فيكون المقابلُ للأصحِّ هو الصحيح؛ إذ التعبيرُ بالأصحِّ مشعرٌ بصحةِ مقابلِه؛ لأنَّه على وزنِ: (أفعل) التفضيل (^٣).\nوليس كونُ مقابلِ الأصحِّ صحيحًا بقاعدةٍ مطردةٍ عند المالكيةِ، فقد يقابلُه الشاذ - فينزّلُ الأصحُ منزلةَ المشهور (^٤) - وقد يقابلُه إجراءٌ - وسيأتي بيانُ معناه - أو اختيارٌ لبعضِ المتأخرين (^٥)، وقد يقابلُه قولٌ مخرَّجٌ (^٦).\nأمثلة: الصحيح، والأصح عند المالكية:\nالمثال الأول: يقولُ الحطّابُ: \"لا يؤكلُ الخَشَاش (^٧) على الصحيحِ مِن المذهبِ، إلا بذكاةٍ\" (^٨).\nالمثال الثاني: يقولُ ابنُ الحاجبِ: \"المؤلفةُ كفارٌ يعطونَ؛ ترغيبًا في الإسلامِ ... والصحيحُ: بقاءُ حكمِهم، إن احتيجَ إليهم\" (^٩).\nالمثال الثالث: يقولُ خليلٌ: \"سُنَّ لعيدٍ ...: خروجٌ بعدَ الشمسِ، وتكبيرٌ فيه حينئذٍ، لا قبله، وصُحِّحَ خلافُه\" (^١٠).\n_________\n(^١) انظر: كشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/ ٩٠)، ومقدمة تحقيق مسائل لا يعذر فيها بالجهل على مذهب الإمام مالك (ص/ ١٤).\n(^٢) كشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/ ٩١).\n(^٣) انظر: مقدمة تحقيق مسائل لا يعذر فيها بالجهل على مذهب الإمام مالك (ص/ ١٤).\n(^٤) انظر: كشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/ ٩١).\n(^٥) انظر: المصدر السابق (ص/ ٩٣).\n(^٦) انظر: المصدر السابق (ص/ ٩٢).\n(^٧) الخشاش: دواب الأرض من الحشرات والهوام. أو هو: ما لا دماغ له من دواب الأرض. انظر: المصباح المنير للفيومي، مادة: (خشش)، (ص/ ١٤٥)، والقاموس المحيط، مادة: (خشش)، (ص/ ٧٦٤).\n(^٨) مواهب الجليل (١/ ٨٧).\n(^٩) جامع الأمهات (ص/ ١٦٤ - ١٦٥).\n(^١٠) مختصر خليل (١/ ١٠٣) مع شرحه جواهر الإكليل.","vol":"1","page":523},{"text":"المثال الرابع: يقولُ الدرديرُ (^١): \"إنْ أذِنَ السيدُ لرقيقِه في الإحرامِ - أيْ: الإحرام بالحجِّ - فأفسدَه، لم يلزمْه إذنٌ ثانٍ للقضاءِ، على الأصحِّ\" (^٢).\nالمثال الخامس: يقولُ ابنُ شاس: \"وهو - أيْ: المسح على الخفين - مشروعٌ، رخصته للرجالِ والنساءِ، في السفرِ وفي الحضرِ ... قال القاضي أبو محمد (^٣): وهو - أي: إجازة المسح في السفر والحضر - أصحُّ\" (^٤).\nثالثًا: الصحيح عند الشافعية:\nجاءَ مصطلحا: (الصحيح)، و(الأصح) في مدوّناتِ المذهبِ الشافعي، وجرى خلافٌ بين علمائِهم في بيانِ المرادِ بهما.\nمصطلح: (الصحيح) عند الشافعية:\nاستعملَ محققو المذهبِ الشافعي مصطلحَ: (الصحيح)، وظَهَرَ اتجاهانِ في تحديدِ معناه:\nالاتجاه الأول: أنَّ الصحيح هو: القولُ أو الوجهُ الراجحُ مِن الأقوالِ، أو الوجوه.\nوهذا ما سارَ عليه: أبو حامدٍ الغزالي (^٥).\n_________\n(^١) هو: أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي حامد العدوي الأزهري الخلوتي، الشهير بالدردير، أبو البركات، ولد ببني عدي سنة ١١٢٧ هـ دَرَس في الجامع الأزهر، وانتفع بعلمائه، وأصبح أحد أعلام المذهب المالكي، وكبار محققيه في عصره، كان علامةً فهامةً، وحيد عصره، وشيخ علماء مذهبه، معروفًا بالتصوف، وقد تولى منصب الإفتاء، من مؤلفاته: أقرب المسالك لمذهب الإمام مالك، وشرح أقرب المسالك المسمى بالشرح الصغير، والشرح الكبير على مختصر خليل، توفي سنة ١٢٠١ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ عجائب الآثار للجبرتي (٢/ ٣٢)، وفهرس الفهارس والأثبات للكتاني (١/ ٣٩٣)، وجامع كرامات الأولياء للنبهاني (١/ ٥٤٦)، وشجر النور الزكية لمخلوف (١/ ٣٥٩)، والأعلام للزركلي (١/ ٢٤٤)، ومعجم المؤلفين لكحالة (١/ ٢٤٢).\n(^٢) الشرح الكبير (٢/ ٩٨).\n(^٣) هو القاضي عبد الوهاب المالكي.\n(^٤) عقد الجواهر الثمينة (١/ ٨٣).\n(^٥) انظر: مقدمة تحقيق الوسيط في المذهب للغزالي (١/ ٢٣٩).","vol":"1","page":524},{"text":"ويقابلُ الصحيح: رأي ضعيفٌ، أو فاسدٌ (^١).\nالاتجاه الثاني: أنَّ الصحيح: هو الراجحُ مِن الوجهين، أو الوجوه.\nوهذا ما سار عليه محيي الدين النووي في كتابِه: (منهاج الطالبين)، يقول في مقدمتِه: \"حيثُ أقول: الأصحُّ أو الصحيحُ، فمن الوجهين أو الأوجه، فإنْ قوي الخلافُ، قلتُ: الأصحُّ، وإلا فالصحيحُ\" (^٢).\nوجَعَلَ أحمدُ العلوي الشافعي (^٣) معنى كلامِ النووي، أنَّه حينَ يُعبِّرُ بالأصحِّ، أو بالصحيح، فأحدهما كائنٌ مِن الوجهين، أو الأوجه (^٤).\nويظهر لي أنَّ تعبيرَ النووي بالصحيحِ، أو بالأصحِّ يدلُّ على أنَّ الآراء أو الرأيين مِن الأوجهِ، أو الوجهين.\nومقابلُ الصحيحِ عند محيي الدين النووي: الوجهُ الفاسدُ (^٥).\nوحين يُعبرُ عن قولٍ بأنَّه صحيحٌ أشعر هذا بأنَّ الخلافَ ضعيفٌ، وأنَّ مقابلَه فاسدٌ (^٦).\nوقد بيَّنَ بعضُ شراحِ كتاب: (منهاج الطالبين) أنَّ النوويَّ لم يستعمل مصطلحَ: (الصحيح) في أقوالِ الإمامِ الشافعي؛ تأدبًا مِنْ أنْ يصفَ قولَه الآخر بالفسادِ (^٧).\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق.\n(^٢) منهاج الطالبين (١/ ٧٦).\n(^٣) هو: أحمد بن أبي بكر بن سميط العلوي الحضرمي، ولد سنة ١٢٧٧ هـ من فقهاء الشافعية بحضرموت، وأحد المتصوفة، من مؤلفاته: الابتهاج في بيان اصطلاح المنهاج، ومنهل الوراد في فيض الإمداد، توفي سنة ١٣٤٣ هـ. انظر ترجمته في: معجم المؤلفين لكحالة (١/ ١١١)، ومقدمة تحقيق النجم الوهاج للدميري (١/ ٧٧).\n(^٤) انظر: الابتهاج في بيان اصطلاح المنهاج (١/ ٨٥) مطبوع مع النجم الوهاج للدميري.\n(^٥) انظر: مغني المحتاج للشربيني (١/ ١٢)، ونهاية المحتاج للرملي (١/ ٤٨).\n(^٦) انظر: الابتهاج في بيان اصطلاح المنهاج للعلوي (١/ ٨٩) مطبوع مع النجم الوهاج للدميري.\n(^٧) انظر: النجم الوهاج للدميري (١/ ٢٠٨)، ومغني المحتاج للشربيني (١/ ١٢)، ونهاية المحتاج للرملي (١/ ٤٨)، والابتهاج في بيان اصطلاح المنهاج للعلوي (١/ ٨٩) مطبوع مع النجم الوهاج للدميري.","vol":"1","page":525},{"text":"ويستفادُ مِنْ تعبيرِ علماءِ المذهب الشافعي عن حكمٍ بأنَّه الصحيحُ أمورٌ، وهي:\nأولها: أنَّ المسألةَ خلافيةٌ.\nثانيها: أنَّ في المسألةِ قولًا راجحًا، وقولًا مرجوحًا.\nثالثها: فسادُ المقابلِ.\nرابعها: كونُ الخلافِ وجهًا لعلماءِ الشافعيةِ (^١)، وهذا حينَ يستعملُ النوويُّ مصطلح: (الصحيح) فحسب، دون أبي حامدٍ الغزالي.\n\nمصطلح: (الأصح) عند الشافعية:\nظَهَرَ اتجاهان لدى علماءِ الشافعيةِ في تحديدِ المقصودِ بمصطلحِ: (الأصح):\nالاتجاه الأول: أنَّ الأصحَّ هو القولُ المختارُ، سواءٌ أكان مِن أقوالِ الإمام الشافعي، أم مِنْ أوجه علماءِ مذهبِه.\nوهذا ما سار عليه: أبو حامدٍ الغزالي (^٢)، والقاضي البيضاوي (^٣)، ومتقدمو الشافعيةِ (^٤).\nيقولُ القاضي البيضاوي في مقدمةِ كتابه: (الغاية القصوى) (^٥): \"أنبّه على القولِ المختارِ بـ: أنَّ الأصحَّ كذا\".\nالاتجاه الثاني: أن الأصحَّ هو الأرجح مِن الوجهين أو الوجوه فقط.\nوهذا ما سار عليه: محيي الدينِ النووي في كتابِه: (منهاج الطالبين) (^٦)، كما تقدم في كلامِه السابقِ.\n_________\n(^١) انظر: سلم المتعلم المحتاج للأهدل (١/ ١١٨) مطبوع مع النجم الوهاج.\n(^٢) انظر: الوجيز في المذهب (١/ ٣٠) مع شرحه العزيز.\n(^٣) انظر: الغاية القصوى (١/ ١٧٤).\n(^٤) انظر: مقدمة تحقيق الوجيز للغزالي (١/ ٢٣٩).\n(^٥) (١/ ١٧٤).\n(^٦) انظر: منهاج الطالبين (١/ ٧٦)، وروضة الطالبين (١/ ٦).","vol":"1","page":526},{"text":"وعلى كلا الاتجاهين، فمقابلُ الأصحِّ: صحيحٌ (^١).\nويقررُ الشافعيةُ أنَّ الأصحَّ أقوى مِن الصحيحِ (^٢).\nويستفادُ مِنْ تعبيرِ علماءِ المذهب الشافعي عن حكمٍ بأنَّه الأصحّ أمورٌ، وهي:\nأولها: أنَّ المسألةَ خلافيةٌ.\nثانيها: أنَّ في المسألةِ قولًا راجحًا، وقولًا مرجوحًا.\nثالثها: صحةُ المقابلِ؛ لقوةِ الخلافِ بقوةِ دليلِ المقابلِ.\nرابعها: كونُ الخلافِ وجهًا لأصحابِ الإمام الشافعي، وهذا حين يستعملُ النووي مصطلحَ: (الأصح) فحسب، دون أبي حامدٍ الغزالي ومَنْ معه (^٣).\nوهنا سؤالٌ، وهو: ما العملُ إذا تعارضَ تعبيرُ الغزالي أو النووي في وصفِ حكمِ مسألةِ بقولِه مرة بأنَّه: \"صحيح\" في موضع، وبأنه: \"أصح\" في موضع آخر؟\nأجابَ عن هذا السؤالِ الفقيهُ أحمدُ الأهدل الشافعي (^٤) بقولِه: \"ويُوجد منه - أي: النووي - التعبيرُ في: (الروضة): بالأصح، وفي: (المنهاج): بالصحيحِ، في حكمٍ واحدٍ؛ وهذا منشأه اختلاف الاجتهادِ في الأرجحية؛ فعند التعارض يُرجَعُ إلى تأمّلِ المدركِ\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: مغني المحتاج للشربيني (١/ ١٢)، ونهاية المحتاج للرملي (١/ ٤٨)، ومقدمة تحقيق الغاية القصوى (١/ ١٧٤).\n(^٢) انظر: المصادر السابقة.\n(^٣) انظر: سلم المتعلم للأهدل (١/ ١١٨) مطبوع مع النجم الوهاج للدميري.\n(^٤) هو: أحمد ميقري شميلة الأهدل، من علماء المذهب الشافعي المتأخرين، من مؤلفاته: سلم المتعلم المحتاج إلى معرفة رموز المنهاج، توفي سنة ١٣٩٠ هـ. انظر ترجمته في: مقدمة تحقيق النجم الوهاج للدميري (١/ ٩٧).\n(^٥) سلم المتعلم المحتاج (١/ ١٣٢) مطبوع مع النجم الوهاج للدميري.","vol":"1","page":527},{"text":"ويكون العمدةُ في وصفِ حكمِ المسألةِ بأنَّه الصحيح أو الأصح على ما قاله في مُصَنَّفه المتأخِر.\nأمثلة: (الصحيح)، و(الأصح) عند الشافعية:\nالمثال الأول: يقولُ أبو حامدٍ الغزالي: \"ثمَّ هذا كله - أي: نقض الوضوء بمسِّ الذكرِ - في المسِّ بالكفِّ، فإنْ كان برأسِ الأصابع: فوجهانِ ... وإنْ كان بما بين الأصابعِ: فالصحيح أنَّه لا ينتقضُ\" (^١).\nالمثال الثاني: يقولُ القاضي البيضاوي: \"نَقَلَ البخاريُّ (^٢) أنَّه ﵇ عدَّ: (بسم الله الرحمن الرحيم) آية منها - أي: منْ سورة الفاتحة - والأصحُّ أنَّه آية مِنْ سائرِ السورِ أيضًا، وإلا لم تُكتبْ، كآمين\" (^٣).\nالمثال الثالث: يقولُ محيي الدين النووي: \"لو اشتبه ماءٌ طاهرٌ بنجسٍ اجتهد ... أو ماءٌ وبولٌ لم يجتهد على الصحيحِ، بلْ يخلطانِ، ثمَّ يتيممُ\" (^٤).\nالمثال الرابع: يقولُ محيي الدين النوويُّ - أيضًا -: \"يَحْرمُ على المحدثِ جميعُ أنواعِ الصلاةِ - .. ويَحْرمُ مسُّ الجلدِ على الصحيحِ، والغلافُ والصندوقُ والخريطةُ إذا كان فيهنَّ المصحفُ على الأصحِّ، ولو قلَّبَ أوراقَه بعُوْدٍ، حَرُم على الأصحِّ\" (^٥).\nرابعًا: الصحيح عند الحنابلة:\nلم تخلُ مدوَّنات المذهبِ الحنبلي مِنْ ورود مصطلحي: (الصحيح)، و(الأصح)، وقد بيَّنَ علماؤهم المرادَ بهما.\n_________\n(^١) الوسيط في المذهب (١/ ٤١٣)، تحقيق الدكتور علي القره داغي.\n(^٢) انظر تعقب البيضاوي في أن البخاري روى أنه ﵊ عدَّ: (بسم الله الرحمن الرجم) آية من الفاتحة في: كلام محقق الغاية القصوى (١/ ٢٩٦)، حاشية رقم (٤).\n(^٣) الغاية القصوى (١/ ٢٩٦).\n(^٤) منهاج الطالبين (١/ ٨٢).\n(^٥) روضة الطالبين (١/ ٧٩).","vol":"1","page":528},{"text":"إذا جاءَ مصطلحُ: (الصحيح) عند الحنابلةِ، فمرادهم به: إمَّا الصحيح عن الإمامِ أحمدَ، وإمَّا الصحيحُ عن بعضِ أصحابِه (^١).\nوكذلكَ القولُ فيما يتصلُ بالأصحِّ (^٢)، يُستعملُ للأرجحِ لمَا وَرَدَ عن الإمامِ أحمدَ، أو عن أصحابِه.\nوقد تكونُ الأفضليةُ في الأصحِّ راجعةً إلى شهرةِ القولِ، أو إلى قوةِ النقلِ، أو إلى الدليلِ.\nوقد يكونُ الأصحُّ عند القائلِ، بمعنى أنَّه اختارَ القولَ (^٣).\nوقد سارَ الموفقُ ابنُ قدامةَ على التعبيرِ بأصحِّ الروايتين، وأصحِّ الوجهين، يقولُ المرداويُّ عن هذا الاستعمالِ: \"لا تكادُ تجد ذلك إلا المذهب، وقد يكونُ المذهبُ خلافَه، ويكونُ الأصحَّ عند المصنِّفِ، أي: ابن قدامة\" (^٤).\nوذَهَبَ بعضُ الحنابلةِ في مؤلفاتهم المذهبيةِ إلى التفرقةِ بين قولِهم: (على الأصحِّ)، وقولِهم: (في الأصحِّ):\nفإذا قالوا: (على الأصحِّ)، فالمقصود: على أصحِّ الروايتين، وإذا قالوا: (في الأصحِّ)، فالمقصود: في أصحِّ الوجهين.\nوقد سار على هذه التفرقةِ: ابنُ مفلحٍ في كتابِه: (الفروع) (^٥)، وأبو بكرٍ الجراعي (^٦)\n_________\n(^١) انظر: صفة الفتوى (ص/١١٣ - ١١٤)، والإنصاف (١٢/ ٢٦٦).\n(^٢) انظر: المصدرين السابقين.\n(^٣) انظر: المصدرين السابقين.\n(^٤) الإنصاف (١/ ٧ - ٨).\n(^٥) انظر: (١/ ٦).\n(^٦) هو: أبو بكر بن زيد بن أبي بكر بن زيد بن عمر الحسني، تقي الدين الجُراعي الصالحي، ولد بجراع من أعمال نابلس سنة ٨٢٥ هـ تقريبًا، تلقى العلم عن عدد من العلماء، كان علامةً فقيهًا من أعيان الحنابلة المتأخرين، ومن أهل الدين، وممن انتفع به: ابن قندس؛ إذ لازمه وتخرج به، وقرأ عليه في الفقه وأصوله، والفرائض والعربية والبلاغة، ولزم الجراعيُّ الاشتغال بالعلم حتى برع، ولي قضاء دمشق، وألف عددًا من الكتب المفيدة، منها: غاية المطلب في=","vol":"1","page":529},{"text":"في كتابِه: (غاية المطلب) (^١)، كما نصضَّا عليه في مقدمةِ كتابهما.\nوهذا اصطلاحٌ منهما، ولا مشاحةَ فيه، كما هو معلومٌ.\nيقولُ المرداويُّ عن (الأصح) عند ابنِ مفلحٍ: \"ذِكْرُه - أي: ابن مفلح - للخلافِ بهذه الصيغة - ومنها: الأصح - يقتضي قوتَه مِن الجانبين، وإنْ كان المذهبُ، أو المشهورُ أحدَهما\" (^٢).\n\nأمثلة الصحيح، والأصح عند الحنابلة:\nالمثال الأول: يقولُ المرداويُّ: \"إذا وقعتْ نجاسةٌ فيه - أي: في الماء - وشكَّ هلْ هو قلتان، أو دونهما؟ ففي نجاستِه وجهانِ ... أحدهما: هو نجسٌ، وهو الصحيحُ ... والوجه الثاني: هو طاهرٌ\" (^٣).\nالمثال الثاني: يقولُ ابنُ مفلحٍ: \"يحرم نمصٌ (^٤)، ووشْر (^٥)، ووشم (^٦)\n_________\n= معرفة المذهب، وتحفة الراكع والساجد، وحلية الطراز في مسائل الألغاز، توفي بدمشق سنة ٨٨٣ هـ. انظر ترجمته في: الضوء اللامع للسخاوي (١١/ ٣٢)، والمنهج الأحمد للعليمي (٥/ ٢٨٢)، والدر المنضد له (٢/ ٦٧٩)، وشذرات الذهب لابن العماد (٧/ ٣٣٧)، والسحب الوابلة لابن حميد (١/ ٣٠٤)، والأعلام للزركلي (٢/ ٦٣).\n(^١) انظر: (ص/ ٢٩).\n(^٢) تصحيح الفروع (١/ ٩ - ١٠).\n(^٣) المصدر السابق (١/ ٩١).\n(^٤) النَّمص: نتف الشعر من الوجه. وقيل: نتف شعر الحاجبين خاصة. انظر: الفائق في غريب الحديث للزمخشري، مادة: (نمص)، (٤/ ٢٨)، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير، مادة: (نمص)، (ص/ ٩٤٣)، والقاموس المحيط، مادة: (نمص)، (ص/ ٨١٧)، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي (١/ ٨٩)، وكشاف القناع له (١/ ١٨٢)، والموسوعة الفقهية الكويتية (١٤/ ٨٠).\n(^٥) الوشر: برْد الأسنان لتحدد وتفلج وتحسن. انظر: الفائق في غريب الحديث للزمخشري، مادة: (نمص)، (٤/ ٢٨)، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير، مادة (وشر)، (ص/ ٩٧٣)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (وشر)، (ص/ ٥٤٢)، والقاموس المحيط، مادة: (وشر)، (ص/ ٦٣٣)، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي (١/ ٨٩)، وكشاف القناع له (١/ ١٨٢).\n(^٦) الوشم: غرز الجلد بإبرةٍ، ثم حشوه كحلًا، ليزرق أثرُه أو يخضر. انظر: الفائق في غريب الحديث للزمخشري، مادة: (نمص)، (٤/ ٢٨)، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير، مادة: (وشم)، (ص/ ٩٧٤)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (وشم)، (ص/٥٤٢ - ٥٤٣)، =","vol":"1","page":530},{"text":"في الأصحِّ\" (^١).\nالمثال الثالث: يقولُ ابنُ مفلحٍ - أيضًا -: \"يجبُ على الأصحِّ (هـ) غَسْلُ اللحيةِ، ومسْتَرسلِها\" (^٢).\nالمثال الرابع: يقول المرداويُّ: \"صلاةُ العيدِ فرضٌ على الكفايةِ، هذا المذهبُ.\nقالَ ابنُ تميمٍ (^٣): فرضُ كفايةٍ على الأصحِّ\" (^٤).\nالمثال الخامس: يقولُ أبو بكرٍ الجراعي: \"يحرمُ على ولي الصبي إلباسُه حريرًا، أو ذهبًا على الأصحِّ\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>الفرع التاسع: المعروف</span>\nجاءَ مصطلحُ: (المعروف) عند بعضِ المذاهبِ الفقهيةِ، وسأذكرُ تعريفه اللغوي، ثمَّ أذكرُ تعريفه عند من استعمله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>أولًا: التعريف اللغوي للمعروف:</span>\nالمعْرُوفُ: اسمُ مفعولٍ من الفعل عُرِفَ، وهو مأخوذٌ مِن العُرْفِ.\nوالمعروفُ: ضدُّ المنكرِ، والعُرْفُ: ضدُّ النُكرِ، يُقالُ: أولاه عُرفًا،\n_________\n= والقاموس المحيط، مادة: (وشم)، (ص/ ١٥٠٦)، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي (١/ ٨٩)، وكشاف القناع له (١/ ١٨٢).\n(^١) الفروع (١/ ١٥٨).\n(^٢) المصدر السابق (١/ ١٧٧).\n(^٣) هو: محمد بن تميم الحراني، أبو عبد الله، الفقيه، قال ابن رجب: \"بلغني أن ابن حمدان ذكر عنه أنه سافر أظنه إلى ناصر الدين البيضاوي؛ ليشتغل عليه، فأدركه أجلُه هناك شابًا، ولم أقف على تاريخ وفاته\"، من مؤلفاته: كتاب المختصر في الفقه، وصل فيه إلى الزكاة، وذكر ابن مفلح أن وفاته كانت سنة ٦٧٥ هـ تقريبًا. انظر ترجمته في: الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب (٤/ ١٣١)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٣٨٦)، والمنهج الأحمد للعليمي (٤/ ٣٠٦)، والدر المنضد له (١/ ٤١٧)، وتسهيل السابلة لابن عثيمين (٢/ ٨٦٥).\n(^٤) الإنصاف (٢/ ٤٢٠).\n(^٥) غاية المطلب (ص/ ٧٩).","vol":"1","page":531},{"text":"أيْ: معروفًا (^١).\nوالعُرْفُ، والعِرْفُ: الصبرُ (^٢)، والعُرْفُ والمعروفُ: الجُودُ (^٣).\nوتدلُّ مادةُ: (عرف) على معنيين:\nالمعنى الأول: تتابعُ الشيءِ متصلًا بعضه ببعضٍ (^٤). ومن هذا المعنى: عُرْفُ الفرسِ، سُمّي بذلك لتتابعِ الشعرِ عليه، والعُرْفَةُ، وجمعها عُرَفٌ، وهي أرضٌ منقادةٌ مرتفعةٌ بين مرحلتين، تَنْبُتُ كأنَّها عُرفُ فرسٍ (^٥).\nالمعنى الثاني: السكونُ والطمأنينةُ (^٦). ومِن المعنى الثاني: المَعْرِفَةُ والعِرْفَان، تقول: عَرَفَ فلانٌ فلانًا عِرْفَانًا ومَعْرِفَةً، وهذا أمرٌ معروفٌ، وهذا يدلُّ على سكونِه إليه؛ لأنَّ مَنْ أنكرَ شيئًا توحّشَ منه، ونَبَا عنه (^٧)، فتسمية المعروفِ معروفًا؛ لسكونِ النفوسِ إليه (^٨)، قال الشاعر (^٩):\nأبى الله إلا عدلَه ووفاءَه ... فلا النُّكر معروف ولا العُرف ضائع\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>ثانيًا: المعروف في الاصطلاح:</span>\nجاءَ مصطلحُ: (المعروف) في مدوَّناتِ المذهبِ المالكي على وجهِ الخصوصِ، ولم أقفْ على اصطلاحٍ محددٍ له عندَ غيرهم - فيما رجعتُ إليه من مصادر - ومعناه عندهم: الروايةُ الثابتةُ عن الإمامِ مالكٍ، أو القولُ الثابتُ عن أحدِ علماءِ المذهبِ (^١٠).\n_________\n(^١) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (عرف)، (٢/ ٣٤٨)، والصحاح، مادة: (عرف)، (٤/ ١٤٠١)، ومقاييس اللغة، مادة: (عرف)، (٤/ ٢٨١)، ولسان العرب، مادة: (عرف)، (٩/ ٢٣٩).\n(^٢) انظر: لسان العرب، مادة: (عرف)، (٩/ ٢٣٨).\n(^٣) انظر: المصدر السابق.\n(^٤) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (عرف)، (٤/ ٢٨١).\n(^٥) انظر: المصدر السابق، والقاموس المحيط، مادة: (عرف)، (ص/ ١٠٨٠).\n(^٦) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (عرف)، (٤/ ٢٨١).\n(^٧) انظر: المصدر السابق، والقاموس المحيط، مادة: (عرف)، (ص/ ١٠٨٠).\n(^٨) انظر: المصدرين السابقين.\n(^٩) هذا البيت من شعر النابغة الذبياني، انظر: ديوان النابغة (ص/ ٣٩).\n(^١٠) انظر: كشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/ ١١٠)، وحاشية المدني على كنون (١/ ٢١٧) بواسطة: المذهب المالكي لمحمد المامي (ص/ ٥١١).","vol":"1","page":532},{"text":"ومقابلُ المعروفِ عندهم: المنكرُ، وسيأتي بيانُ مصطلح: (المنكر) إنْ شاءَ الله تعالى.\n\nأمثلة القول المعروف عند المالكية:\nالمثال الأول: يقولُ ابنُ الحاجبِ: \"الرِّبْحُ يُزكَّى لحولِ الاصلِ على المعروف، كالنتاجِ، لا كالفوائدِ\" (^١).\nالمثال الثاني: يقولُ الحطّابُ عند قولِ خليل: \"ودَمْعُه وعَرَقُه\": \"هذا هو المعروفُ مِن المذهبِ، قال في: (المدونة): وعَرَقُ الدوابِّ، وما يخرجُ مِن أنوفِها طاهرٌ\" (^٢).\nالمثال الثالث: يقولُ ابنُ شاسٍ في مسألةِ: (أسباب جمع الصلاة): \"الأول: السفرُ، فيجوزُ الجمعُ بين الصلاتين المشتركتي الوقت على المعروفِ مِن المذهبِ\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>الفرع العاشر: الراجح</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>أولًا: التعريف اللغوي للراجح:</span>\nالراحجُ: اسمُ فاعلِ مِن الفعلِ رَجَحَ، يُقالُ: رَجَحَ يَرْجحُ - مثلثة الجيم - رُجُوْحًا، ورُجْحَانًا (^٤).\nوترجعُ مادةُ: (رجح) إلى معنى واحدٍ، يشيرُ إليه ابنُ فارسٍ بقولِه: \"الراءُ والجيمُ والحاءُ أصلٌ واحدٌ يدلُّ على رَزَانةٍ وزيادةٍ\" (^٥).\n_________\n(^١) جامع الأمهات (ص/ ١٤٥).\n(^٢) مواهب الجليل (١/ ٩١).\n(^٣) عقد الجواهر الثمينة (١/ ٢١٧).\n(^٤) انظر: الصحاح، مادة: (رجح)، (١/ ٣٦٤)، والقاموس المحيط، مادة: (رجح)، (ص/ ٢٧٩).\n(^٥) مقاييس اللغة، مادة: (رحج)، (٢/ ٤٨٩).","vol":"1","page":533},{"text":"ويطلقُ الرجحانُ على: الحِلْم، ومنه: الرَّجَاحةُ (^١)، يُقالُ: قومٌ رُجَّحٌ، ورُجُحٌ، ومَراجِيح، ومراجِح، أيْ: حلماء (^٢).\nوالحِلْمُ الراجحُ: الذي يَزِنُ بصاحبِه، فلا يُخِفُّه شيءٌ (^٣).\nويطلقُ الرجحان - أيضًا - على: المَيْلِ، يقال: رَجَحَ الميزانُ: إذا مالَ (^٤)، وأَرْجَحْتُ الميزانَ، أي: أثقلتُه حتى مالَ (^٥)، وتَرَجَّحَت الأرجوحةُ بالغلامِ، أيْ: مالت به (^٦)، والميلُ نتيجةَ الثقلِ والقوةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للراجح:</span>\nلم يكن استعمالُ الراجحِ مقتصرًا على علمٍ مِن العلومِ، فضلًا عنْ مذهبٍ مِن المذاهبِ، فقد استعملَ العلماءُ مصطلحَ: (الراجح) في علومٍ مختلفةٍ، وأرادوا به القولَ القويَّ، أو الذي له أدلةٌ قويةٌ، إلا أنَّ المذهبَ المالكي قد نصَّ على معنى مصطلحِ: (الراجح)، وسوف أعرض ما قالوه، ثم أورد أمثلةً مِنْ بقيةِ المذاهبِ الفقهية.\n\nالراجح عند المالكية:\nتميّزَ مذهبُ المالكيةِ بذكرِ معنى مصطلحِ: (الراجح) في مذهبِهم، وجاءَ فيه مصطلحا: (الراجح) و(الأرجح).\n\nمصطلح: (الراجح) عند المالكية:\nاختلفَ علماءُ المالكيةِ في معنى: (الراجح) في مذهبِهم على قولين:\n_________\n(^١) انظر: لسان العرب، مادة: (رجح)، (٢/ ٤٤٤).\n(^٢) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (رجح)، (٤/ ١٤٢)، والصحاح، مادة: (رجح)، (١/ ٣٦٤)، ولسان العرب، مادة: (رجح)، (٢/ ٤٤٤).\n(^٣) انظر: لسان العرب، مادة: (رجح)، (٢/ ٤٤٤).\n(^٤) انظر: الصحاح، مادة: (رجح)، (١/ ٣٦٤)، والقاموس المحيط، مادة: (رجح)، (ص/ ٢٧٩).\n(^٥) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (رجح)، (٤/ ١٤٢)، ولسان العرب، مادة: (رجح)، (٢/ ٤٤٤).\n(^٦) انظر: الصحاح، مادة: (رجح)، (١/ ٣٦٤)، والقاموس المحيط، مادة: (رجح)، (ص/ ٢٧٩).","vol":"1","page":534},{"text":"القول الأول: أنَّه القولُ الذي قويَ دليلُه.\nذَكَرَ هذا القولَ محمد الدسوقيُّ (^١)، وأحمد الصاوي (^٢). واختاره: أبو عبد الله الفاسي (^٣).\nالقول الثاني: أنَّه ما كَثُر قائلُه.\nذَكَرَ هذا القولَ أبو عبدِ الله الفاسي (^٤).\nورجَّحَ جمعٌ مِنْ علماءِ المالكيةِ القولَ الأولَ؛ وذلك للأسبابِ الآتيةِ:\nأولًا: أنَّ الدسوقيَّ والصاوي وهما مالكيان اقتصرا على ذكرِ المعنى الأولِ فحسب، ولم يذكرا المعنى الثاني.\n_________\n(^١) انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٢٠).\n(^٢) انظر: بلغة السالك (١/ ٢٢). والصاوي هو: أحمد بن محمد بن محمد الخلوتي، الشهير بالصاوي، ولد سنة ١١٧٥ هـ تلقى الفقه عن الدردير، ومحمد الدسوقي، وأصبح أحد فقهاء المالكية المبرزين، والمفسرين لكتاب الله، كان شيخ الطريقة الخلوتية الصوفية، من مؤلفاته: حاشية على تفسير الجلالين، وحاشية على أنوار التنزيل للبيضاوي، وبلغة السالك لأقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك، توفي بالمدينة، وقيل: توفي بمصر سنة ١٢٤١ هـ. انظر ترجمته في: شجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٣٦٤)، وجامع كرامات الأولياء للنبهاني (١/ ٦٥٦)، والأعلام للزركلي (١/ ٢٤٦)، ومعجم المؤلفين لكحالة (١/ ٢٦٩)، والموسوعة الميسرة في ترجم أئمة التفسير (١/ ٣٨٧).\n(^٣) انظر: رفع العتاب والملام (ص/ ١٩). وأبو عبد الله الفاسي هو: مَحمد بن قاسم بن محمد بن عبد الحفيظ بن هاشم القادري الحسني الفاسي، من نسل الشيخ عبد القادر الجيلاني، ولد سنة ١٢٩٥ هـ كان فقيهًا مالكيًا أصوليًا علامةً ماركًا في عدد من الفنون، من أعيان علماء فاس، أقبل إليه التلاميذ، درَّس لهم الفقه والأصول والحديث والكلام والنحو، وكان كثير التنزل معهم، لا يستنكف من مراجعتهم له، وبحثهم معه، قال عنه محمد الحجوي: \"الإمام النحرير النقاد، والعلم الذي تتضاءل له الأطواد، الفقيه الأصولي المعقولي المشارك في العلوم، وقد تسنم منها الذرى الذي تقصر عنه الفهوم\"، من مؤلفاته: رفع العتاب والملام عمن قال العمل بالضعيف اختيارًا حرام، وتأليف في إيمان المقلد، وحاشية على شرح الشيخ الطيب بن كيران على توحيد المرشد المعين، وحاشية على شرح الشيخ جسوس على الشمائل، توفي فاجأة بفاس سنة ١٣٣١ هـ. انظر ترجمته في: فهرس الفهارس والأثبات للكتاني (٢/ ٩٣٥)، والفكر السامي للحجوي (٤/ ٣١٧)، والأعلام للزركلي (٧/ ٩)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٥٩٧).\n(^٤) انظر: رفع العتاب والملام (ص/ ١٩).","vol":"1","page":535},{"text":"ثانيًا: أنَّ أبا عبد الله الفاسي قد اختار القولَ الأولَ وصوبه (^١)، ولم أقفْ - فيما رجعتُ عليه مِنْ مصادر - على اختيارٍ لأحدٍ من المالكيةِ للقول الثاني.\nثالثًا: أنَّ القولَ الأول هو قولُ أكثرِ المالكيةِ (^٢).\nويشملُ مصطلحُ: (الراجح) عند المالكيةِ بحسب القول الأول: الأصحَّ، والصحيحَ، والظاهرَ، والمفتى به، وما عليه العملُ (^٣).\nويقابلُ الراجح: المرجوح، وهو الضعيفُ (^٤)، على ما سيأتي بيانُه.\n\nمصطلح: (الأرجح) عند المالكية:\nيتصلُ مصطلحُ: (الأرجح) بمصطلح: (الراجح) عند المالكية، وقد بيَّنوا معناه، فالأرجح عندهم هو: القولُ الأقوى - دليلًا (^٥).\nويقابلُ الأرجح: الراجح (^٦).\n\nأمثلة الراجح، والأرجح عند المالكية:\nالمثال الأول: يقولُ الدرديرُ: \"النفاسُ: هو الدمُ الخارجُ مِنْ قُبُلِ المرأةِ عند ولادتِها، مع الولادةِ، أو بعدَها.\nوأمَّا ما خَرَج قَبْلَها: فالراجح أنَّه حيضٌ؛ فلا يُحسبُ مِن الستين يومًا\" (^٧).\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق.\n(^٢) انظر: منار السالك إلى مذهب الإمام مالك للرجراجي (ص/ ٤٤)، ونظرية الأخذ بما جرى به العمل في المغرب لعبد السلام العسري (ص/ ٣٨)، وأصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي للدكتور محمد رياض (ص/ ٤٧٤)، والمذهب المالكي لمحمد المامي (ص/ ٥٠٨).\n(^٣) انظر: نظرية الأخذ بما جرى به العمل في المغرب لعبد السلام العسري (ص/ ٣٨)، وأصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي للدكتور محمد رياض (ص/ ٤٧٤)، والاختلاف الفقهي في المذهب المالكي لعبد العزيز الخليفي (ص/ ١٥٢).\n(^٤) انظر: حاشية الدسوقي على الرح الكبير (١/ ٢٠)، ورفع العتاب والملام للفاسي (ص/ ٢٠).\n(^٥) انظر: بلغة السالك (١/ ٢٢).\n(^٦) انظر: المصدر السابق (١/ ٢١).\n(^٧) الشرح الصغير (١/ ١٧٧) مع بلغة السالك.","vol":"1","page":536},{"text":"المثال الثاني: يقولُ الحطّابُ: \"هل الإعادةُ - أي: إعادة الصلاة فيما لو صلَّى وعليه نجاسةٌ - في الوقتِ واجبةٌ، أو مستحبةٌ؟ فيه خلاف، والراجحُ أنَّها على وجهِ الاستحبابِ، فلو لم يُعِدْ حتى خَرَجَ الوقتُ، فلا إعادة\" (^١).\nالمثال الثالث: يقولُ الدرديرُ: \"كُرِه ... تشبيكُ أصابع في الصلاةِ فقط، وفَرْقَعَتُها فيها، لا في غيرِها، ولو في المسجدِ، على الأرجحِ\" (^٢).\nالمثال الرابع: يقولُ الحطّابُ: \"أمَّا الوطءُ: فيحرمُ في الفيافي والصحاري مِنْ غيرِ ساترٍ، ويجوزُ في المنزلِ إذا كان ساترٌ، ويختلفُ فيه في السطوحِ مِنْ غيرِ ساترٍ، وفي الفيافي بساترٍ، والجوازُ أرجحُ\" (^٣).\nأمثلة الراجح عند بقية المذاهب:\nأولًا: المذهب الحنفي:\nالمثال الأول: يقولُ محمد بن علي الحصكفي (^٤) لما تحدثَ عن الماءِ المستعملِ: \"ليس بطهورٍ لحدثٍ، بلْ لخَبَثٍ على الراجحِ المعتمدِ\" (^٥).\nالمثال الثاني: يقولُ ابنُ نجيم: \"الراجحُ في المذهبِ وجوبُ صلاةِ الجماعةِ\" (^٦).\nثانيًا: المذهب الشافعي:\nيقولُ محيي الدين النوويُّ: \"قال بعضُهم - أيْ: بعضُ الخراسانيين -:\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ١٤٠).\n(^٢) الشرح الكبير (١/ ٢٥٢، ٢٥٤).\n(^٣) مواهب الجليل (١/ ٢٨١).\n(^٤) هو: محمد بن علي بن محمد بن علي الدمشقي، علاء الدين الحصكفي، ولد بدمشق سنة ١٢٠٥ هـ من فقهاء المذهب الحنفي، كان فقيهًا أصوليًا مفسرًا محدثًا نحويًا، كثير الحفظ، فصيح العبارة، جيد التقرير والتحرير، فاضلًا عالي الهمة، تولى التدريس، ومنصب إفتاء الحنفية بدمشق، من مؤلفاته: الدر المختار في شرح تنوير الأبصار، والدر المنتقى شرح ملتقى الأبحر، وإفاضة الأنوار في شرح المنار، وتعليق على صحيح البخاري، وتعليق على تفسير البيضاوي، توفي بدمشق سنة ١٠٨٨ هـ. انظر ترجمته في: خلاصة الأثر للمحبي (٤/ ٦٣)، والأعلام للزركلي (٦/ ٢٩٤)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٥٤٣).\n(^٥) الدر المحتار (١/ ٦٦٨) مع رد المحتار.\n(^٦) البحر الرائق (٢/ ٧٨).","vol":"1","page":537},{"text":"هل تَثْبُت النجاسةُ بغلبةِ الظن؟ قولانِ، الراجحُ المختارُ في هذا كلِّه طريقةُ العراقيين: وهي القطعُ بطهارةِ كلِّ هذا\" (^١).\nثالثًا: المذهب الحنبلي:\nالمثال الأول: يقولُ ابنُ مفلحٍ: \"لا يسقطُ دمُ المجاوزةِ - أيْ: مجاوزة الميقات - بخروجِه (^٢)، والمرادُ على الراجحِ\" (^٣).\nالمثال الثاني: نَقَلَ المرداويُّ عن تقي الدينِ بنِ تيمية قوله: \"الراجحُ في مذهبِ الإمامِ أحمدَ ﵀ أنَّ النظرَ إلى وجهِ الأجنبيةِ مِنْ غيرِ حاجةٍ لا يجوزُ\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>الفرع الحادي عشر: قياس المذهب:</span>\nجاءَ مصطلحُ: (قياس المذهب) عند بعضِ المذاهبِ، وقبل بيانِ معناه عندهم، سأذكر التعريفَ اللغوي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>أولًا: التعريف اللغوي للقياس:</span>\nالقياسُ: مصدرٌ، إمَّا مِن الفعلِ قَاسَ، يُقالُ: قَاسَ يَقِيسُ قَيْسًا، وقِيَاسًا (^٥)، وقال بعضُ اللغويين: قَاسَ يَقُوسُ قَوْسًا لغةٌ فيها (^٦)؛ وإمَّا مصدرٌ مِن الفعلِ قَايَسَ، يُقالُ: قَايَسَ يُقَايِسُ قِيَاسًا (^٧)؛ بناءً على القاعدةِ الصرفيةِ فيما كان على وزنِ: (فَاعَل)، فمصدره: (الفِعَال) (^٨).\n_________\n(^١) المجموع شرح المهذب (١/ ٢٠٦).\n(^٢) هكذا في الفروع (٥/ ٣٠٨)، ولعل الصواب: \"برجوعه\".\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) الإنصاف (٨/ ٢٩).\n(^٥) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (قوس)، (٩/ ٢٢٥)، والصحاح، مادة: (قوس)، (٣/ ٩٦٧)، ومقاييس اللغة، مادة: (قوس)، (٥/ ٤٠)، ولسان العرب، مادة: (قوس)، (٦/ ١٨٦).\n(^٦) انظر: المصادر السابقة.\n(^٧) انظر: الصحاح، مادة: (قوس)، (٣/ ٩٦٧)، ولسان العرب، مادة: (قوس)، (٦/ ١٨٧).\n(^٨) انظر: شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك (٣/ ١٢٢).","vol":"1","page":538},{"text":"ومعنى مادةِ: (قوس): التقديرُ (^١)، يُقالُ: هذه خشبةٌ قيسُ أصبعٍ، أيْ: قدرُ أصبعٍ، وبينهما قِيسُ رمحٍ، أيْ: قدرُ رمحٍ (^٢)، وقاسَ الطبيبُ قعرَ الجُرحِ، أيْ: مقداره (^٣).\nومنه: المقياسُ، وهو المقدار (^٤)، والقَوْسُ: الذراعُ؛ سُمِّيتْ بذلك؛ لأنَّه يُقَدَّرُ بها المذروعُ (^٥).\nيقولُ ابنُ فارسٍ: \"القافُ والواو والسينُ أصلٌ واحدٌ يدلُّ على تقديرِ شيءٍ بشيءٍ، ثمَّ يصرَّف، فتقلب واوه ياءً، والمعنى في جميعِه واحدٌ\" (^٦).\nوقد ذَكَرَ الأصوليون عدةَ معانٍ لغويةٍ للقياسِ (^٧)، منها: المساواةُ، يُقالُ: قِسْتُ الثوبَ بالثوبِ، إذا ساويتُه به (^٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>ثانيًا: التعريف الاصطلاحي لقياس المذهب:</span>\nكَثُرَ استعمالُ مصطلحِ: (قياس المذهب) في مدوَّناتِ الفقهِ الحنبلي؛ ولعل مردَّ هذا الأمر عائدٌ إلى طبيعةِ تكوينِ المذهبِ الحنبلي القائمِ على مروياتِ الإمام أحمدَ، والقياسِ عليها؛ يؤيد ذلك: أنَّ الأثرمَ - وهو أحدُ أصحابِ الإمام أحمد - لما سأله الإمامُ أحمدُ عمَّا دوّنه عنه مِنْ مسائل، فقالَ الإمامُ أحمد: \"إيْ، هذا مِن كلامي، وهذا ليس مِنْ كلامي! \". فقيل للأثرمِ؟ فقالَ: \"إنَّما أقيسُه على قولِه\" (^٩).\n_________\n(^١) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (قوس)، (٩/ ٢٢٥)، والصحاح، مادة: (قوس)، (٣/ ٩٦٧)، ومقاييس اللغة، مادة: (قوس)، (٥/ ٤٠)، ولسان العرب، مادة: (قوس)، (٦/ ١٨٦).\n(^٢) انظر: المصادر السابقة، والقاموس المحيط، مادة: (قوس)، (ص/ ٧٣٣).\n(^٣) انظر: المصادر السابقة.\n(^٤) انظر: المصادر السابقة.\n(^٥) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (قوس)، (٥/ ٤٠).\n(^٦) المصدر السابق.\n(^٧) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج لتقي الدين السبكي (٢/ ١٥).\n(^٨) انظر: البحر المحيط (٥/ ٦)، وتيسير التحرير (٣/ ٢٦٣)، ونبراس العقول لعيسى منون (ص/ ٩ وما بعدها).\n(^٩) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٣٨٤ - ٣٨٥).","vol":"1","page":539},{"text":"وهذا يدلُّ على ظهورِ القياس على قول الإمامِ في أوائلِ نشأةِ المذهبِ الحنبلي.\nولا يَعْني ما سبقَ عدمُ وجودِ مصطلح: (قياس المذهب) في كتبِ المذاهبِ الأخرى، كلا، هو موجودٌ، ولكن ليس بالكثرةِ التي في مذهبِ الحنابلةِ.\n\nقياس المذهب عند الحنابلة:\nلم أقفْ على تعريفِ مصطلح: (قياس المذهب) عند متقدمي الحنابلة، وقد عرَّفه بعضُ المعاصرين، فمِنْ هذه التعريفات، أنَّه: تخريجُ فرعٍ غيرِ منصوصٍ عن الإمامِ على فرعٍ منصوصٍ عنه؛ لعلةٍ جامعةٍ.\nوهذا تعريف الشيخِ بكر أبو زيدٍ (^١).\nويظهرُ اتفاقُ مصطلحِ: (قياس المذهب) مع مصطلحِ: (التخريج) المتقدّمِ تقرير معناه.\nوما ذكره الشيخُ بكرٌ أبو زيد صحيحٌ؛ ويؤيّدُ ما قاله: تَتَبّع عددٍ مِن المواطنِ التي وَرَدَ فيها مصطلحُ: (قياس المذهب).\nلكنْ لا يظهرُ لي أنَّ مَنْ عبَّر بقياسِ المذهب التزمَ أنْ يكونَ حكمُ المقيس عليه منصوصًا عليه مِنْ قِبَل الإمامِ، بل يكتَفي بأنْ يكونَ منصوصًا عليه في المذهبِ.\nولا يظهرُ لي أيضًا ما يمنعُ مِنْ إطلاقِ مصطلحِ: (قياس المذهب) على ما خُرِّجَ مِن الفروعِ الفقهيةِ على الضوابطِ المذهبيةِ، ولا سيما تلك الضوابط التي تشتملُ على علّةِ الحكمِ في المذهبِ.\nويظهر لي أيضًا عدمُ اختلافِ بقيةِ المذاهبِ في معنى مصطلحِ: (قياس المذهب).\n_________\n(^١) المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد (١/ ٢٧٥).","vol":"1","page":540},{"text":"أمثلة قياس المذهب عند المذاهب:\nأولًا: المذهب الحنفي:\nالمثال الأول: يقولُ الكاسانيُّ (^١) في مسألةِ: (المُحْصَر الذي يَقْدر على إدراكِ الحجِّ، ولا يقدرُ على إدراكِ الهدي): \"قياسُ مذهبِ أبي حنيفةَ في هذا الوجه أنَّه: يلزمُه المضي، ولا يجوزُ له التحللُ\" (^٢).\nالمثال الثاني: يقولُ ابنُ الهمامِ: \"لو قال: \"عليَّ عهدُ الله وأمانتُه وميثاقُه\"، ولا نيةَ له، فهو يمينٌ عندنا، ومالك وأحمد ... وحكُي عن مالكٍ يجبُ عليه بكلِّ لفظٍ كفارةٌ ... وهو قياسُ مذهبِنا إذا كرر الواوَ، كما في: والله والرحمنِ والرحيمِ ... \" (^٣).\nثانيًا: المذهب المالكي:\nالمثال الأول: نَقَلَ أبو الوليد الباجي عن بعضِ المالكيةِ قولَه: \"مِثْل الثعلب - في جزاءِ الصيد - على قياسِ المذهبِ: شاةٌ\" (^٤).\nالمثال الثاني: نَقَلَ الحطّابُ عن بعضِ المالكيةَ قولَه: \"لو أتى بأسبوعٍ - أي: طواف حول البيت - ثالثٍ أو رابعٍ، فإنَّه يأتي لكلِّ أسبوعٍ بركعتين، ويجزِئُه، وقياسُ المذهبِ أنَّ ذلك طُوْل يحولُ بينه وبين إصلاحِ الأولِ، ويُوجِبُ عليه الاستئناف\" (^٥).\n_________\n(^١) هو: أبو بكر بن مسعود بن أحمد، علاء الدين الكاساني، يلقب بملك العلماء، من كبار علماء المذهب الحنفي، كان له وجاهة وشجاعة وكرم، تفقه على عدد من أجلة الحنفية، منهم: علاء الدين السمرقندي، من مؤلفاته: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، والسلطان المبين في أصول الدين، توفي عام ٥٨٧ هـ. انظر ترجمته في: الجواهر المضية للقرشي (٤/ ٢٥)، وتاج التراجم لقطلوبغا (ص/ ٣٢٧)، والفوائد البهية للكنوي (ص/ ٦٩)، والأعلام للزركلي (٢/ ٦٤).\n(^٢) بدائع الصنائع (٢/ ١٨٣).\n(^٣) فتح القدير (٤/ ٣٦١ - ٣٦٢).\n(^٤) المنتقى (٢/ ٢٥٤).\n(^٥) مواهب الجليل (٣/ ١١٤).","vol":"1","page":541},{"text":"ثالثًا: المذهب الشافعي:\nالمثال الأول: يقولُ محيي الدين النوويُّ: \"فرعٌ: قالَ الرويانيُّ (^١): لو نَوى أنْ يصلي بوضوئِه صلاةً لا يُدْركُها، بأنْ نوى بوضوئِه في رجب صلاةَ العيدِ، قال: قال والدي (^٢): قياسُ المذهبِ: صحةُ وضوئِه، ويصلي به كلَّ الصلواتِ؛ لأنَّه نوى ما لا يباحُ إلا بوضوءٍ\" (^٣).\nالمثال الثاني: يقولُ الخطيبُ الشربيني في مسألةِ: (سقوطُ فرضيةِ صلاةِ الجنازةِ إذا صلَّى عليها النساءُ، وهناك رجالٌ): \"وإنْ صلَّى - أي: الخنثى - سَقَطَ الفرضُ عنه وعن النساءِ، وإذا صلت المرأةُ سَقَطَ الفرضُ عن النساءِ، وأمَّا عن الخنثى: فقياسُ المذهبِ يأبى ذلك\" (^٤).\nرابعًا: المذهب الحنبلي:\nالمثال الأول: يقولُ ابنُ قدامةَ في مسألةِ: (جوازِ المسحِ على الخفِّ\n_________\n(^١) هو: عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد الرُّويَاني، أبو المحاسن الطبري، الملقب بفخر الإسلام، ولد سنة ٤١٥ هـ كان إمامًا في المذهب الشافعي، وشيخ الشافعية في عصره، علامةً مناظرًا عالمًا بالخلاف والفقه واللغة والبيان، جامعًا بين العلم بالحديث والعلم بالفقه، ذا جاهٍ عريض، وحشمةٍ وافرة، وقبول تام، من مؤلفاته: البحر في المذهب، والكافي، ومناصيص الشافعي، وحقيقة القولين، والفروق، توفي سنة ٥٠١ هـ وقيل: ٥٠٢ هـ. انظر ترجمته في: تهذيب الأسماء واللغات للنووي (٢/ ٢٧٧)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ١٩٨)، وسير أعلام النبلاء (١٩/ ٢٦٠)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٧/ ١٩٣)، وطبقات الشافعية للإسنوي (١/ ٢٧٧).\n(^٢) هو: إسماعيل بن أحمد أبي العباس بن محمد بن أحمد الرُّويَاني، له تصانيف في الفقه، ويحكي فخر الإسلام في كتاب: (البحر في المذهب) عن والده إسماعيل كثيرًا، يقول عنه جمال الدين الإسنوي: \"لم أتف له على وفاة\"، ويقول ابن قاضي شهبة - وقد جعله من طبقة الذين كانوا في العشرين الرابعة من المائة الخامسة -: \"الظاهر أنه أسن من الشيخ أبي إسحاق\"، وقد ولد الشيرازي سنة ٣٣٩ هـ وتوفي سنة ٤٧٦ هـ والمعلومات المذكورة عن والد الروياني - فيما رجعت إليه من مصادر - غير وافية. انظر ترجمته في: طبقات الفقهاء الشافعية لابن الصلاح (١/ ٤٢٨)، وطبقات الشافعية للإسنوي (١/ ٥٦٥)، وطبقات الشافعية لابن كثير (٢/ ٤٩٧)، وطبقات الفقهاء الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٢٢٣)، وطبقات الشافعية لابن هداية الله (ص/١٨٨).\n(^٣) المجموع شرح المهذب (١/ ٣٣٧).\n(^٤) مغني المحتاج (١/ ٣٤٥).","vol":"1","page":542},{"text":"إنْ كان خشبًا أو حديدًا): \"قال القاضي: قياسُ المذهبِ جوازُ المسحِ عليهما؛ لأنَّه خفٌ ساترٌ يُمكنُ المشي فيه، أشبهَ الجلودَ\" (^١).\nالمثال الثاني: نَقَلَ ابنُ مفلحٍ عن بعضِ الحنابلة قولَه: \"إنْ نَذَرَ صلاةً مطلقةً، أو في وقتٍ فاتَ، فقياسُ المذهبِ: يجوزُ فعلُها وقتَ النهي؛ لأنَّ أحمدَ أجازَ صومَ النذرِ في أيامِ التشريقِ في إحدى الروايتين، مع تأكيدِ الصيامِ ... فقد أجازَ صومَها مع النذرِ، فكذا يجبُ في الصلاةِ\" (^٢).\nالمثال الثالث: يقولُ ابنُ رجبٍ: \"لو كانَ له - أي: لشخصٍ ما - ابنتانِ، اسمهما واحدٌ، فَوَهَبَ لإحداهما شيئًا، أو أقرَّ لها، ثم ماتَ، ولم يُبَيِّن؟\nفقال القاضي - في بعض تعاليقِه -: قياسُ المذهب: إخراجُ المُسْتَحَقة منهما بالقرعةِ؛ كما لو أقرَّ أنَّه زوَّج إحدى بناتِه، ثمَّ مَات، ولم يُبَيِّنْ\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>الفرع الثاني عشر: المشهور من المذهب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>أولا: التعريف اللغوي للمشهور:</span>\nالمشهور: اسم مفعولٍ من الفعلِ شُهِرَ، يُقالُ: شَهَرْتُ الأمرَ أشْهَرُه شَهْرًا، وشُهْرَةً، فاشْتَهَر، أيْ: وَضُحَ (^٤)، وشَهَّره، واشتَهَرَه، فاشْتَهَرَ (^٥).\nوالشَهْرُ: واحدُ الشهورِ (^٦)، وسُمّي شَهْرًا؛ لشُهْرَتِه وبيانِه (^٧). والشَهْرُ:\n_________\n(^١) المغني (١/ ٣٧٣).\n(^٢) الفروع (٢/ ٤١٦).\n(^٣) تقرير القواعد (٢/ ٤٣٠).\n(^٤) انظر: الصحاح، مادة: (شهر)، (٢/ ٧٠٥).\n(^٥) انظر: القاموس المحيط، مادة: (شهر)، (ص/ ٥٤٠).\n(^٦) انظر: الصحاح، مادة: (شهر)، (٢/ ٧٠٥).\n(^٧) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (شهر)، (٦/ ٧٩).","vol":"1","page":543},{"text":"القمرُ، وسُمّي بذلك؛ لشهرتِه وظهورِه (^١).\nيقولُ ابنُ فارسٍ: \"الشينُ والهاءُ والراءُ أصلٌ صحيحٌ، يدلُّ على وضوحٍ في الأمرٍ، وإضاءةٍ\" (^٢).\nويطلقُ المشهورُ والشهيرُ على: المعروفِ المكانِ، والمذكورِ، والنبيهِ (^٣).\nوالشُهْرَةُ: وضوحُ الأمرِ (^٤)، يُقال: شَهَرَ سيفَه يشْهَرُه شَهْرًا، إذا سلَّه وانْتَضاه مِنْ غِمْدِه، فيرفعه على الناسِ (^٥).\nوقالَ بعضُ اللغويين: الشُهْرةُ: ظهورُ الشيءِ في شُنْعَةٍ (^٦) حتى يُشَهِّره الناسُ (^٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للمشهور من المذهب:</span>\nوَرَدَ مصطلح: (المشهور مِن المذهبِ) عند المذاهبِ الفقهيةِ الأربعة، وإليك بيانها:\nأولًا: المشهور عند الحنفية:\nوَرَدَ: (المشهور من المذهب)، و(الأشهر) في كتبِ المذهبِ الحنفي، وسأتحدثُ عنهما مبتدئًا بالمشهور مِن المذهبِ.\n_________\n(^١) انظر: لسان العرب، مادة: (شهر)، (٤/ ٤٣١).\n(^٢) مقاييس اللغة، مادة: (شهر)، (٣/ ٢٢٢).\n(^٣) انظر: لسان العرب، مادة: (شهر)، (٤/ ٤٣٢)، والقاموس المحيط، مادة: (شهر)، (ص/ ٥٤٠).\n(^٤) انظر: الصحاح، مادة: (شهر)، (٢/ ٧٠٥)، ومقاييس اللغة، مادة: (شهر)، (٣/ ٢٢٢).\n(^٥) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (شهر)، (٦/ ٧٩)، والصحاح، مادة: (شهر)، (٢/ ٧٠٥).\n(^٦) الشُنْعَة: الأمر القبيح. انظر: مقاييس اللغة، مادة: (شنع)، (٣/ ٢١٨)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (شنع)، (ص/ ٢٦٦).\n(^٧) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (شهر)، (٦/ ٧٩)، ولسان العرب، مادة: (شهر)، (٤/ ٤٣١)، والقاموس المحيط، مادة: (شهر)، (ص/ ٥٤٠).","vol":"1","page":544},{"text":"مصطلح: (المشهور) عند الحنفية:\nلم أقفْ على تعريفٍ محددٍ لمصطلحِ: (المشهور) عند علماءِ الحنفيةِ - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادر - مع أنَّ لهم اهتمامًا بمصطلح: (المشهور) في علمِ مصطلحِ الحديثِ، إلا أنَّه لم يظهرْ لهم اصطلاحٌ خاصٌ للمشهورِ في المذهبِ.\nومِنْ خلالِ تأمُّلِ عددٍ مِن المواضمعِ التي ورد فيها مصطلحُ: المشهور من المذهب في كتب المذهب الحنفي، ظهرَ لي أنَّ مرادهم به هو معناه اللغوي.\n\nأمثلة المشهور عند الحنفية:\nالمثال الأول: يقولُ أبو بكرٍ السرخسي: \"المشهورُ عن محمدٍ ﵀ أنَّه لمَّا سُئِلَ عن هذا؟ أيْ: تقدير الماءِ الكثيرِ. فقال: إنْ كان مثل مسجدي هذا، فهو كبيرٌ.\nفلمَّا قامَ، مسحوا مسجدَه، فرُوِي أنَّه كان ثمانيًا في ثمانٍ، وروي اثني عشر\" (^١).\nالمثال الثاني: يقولُ فخرُ الدينِ الزيلعي (^٢): \"إذا امتنعَ المسحُ على أحدِهما بجمعِ الخروق المتفرقةِ، امتنع المسحُ على الآخر؛ لما عُرِفَ، حتى يَلْبَس مكان المتخرقِ ما يجوزُ المسحُ عليه، وهذا الحكمُ المذكورُ هو المشهورُ مِن المذهبِ\" (^٣).\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ٧١).\n(^٢) هو: عثمان بن علي بن محجن بن يونس الزيلعي، فخر الدين أبو محمد - وفي بعض المصادر: أبو عمرو - من أعيان المذهب الحنفي، كان علامةً مشهورًا بمعرفة الفقه والنحو والفرائض، قدم القاهرة سنة ٧٠٥ هـ ودرَّس بها وأفتى وصنف ونشرَ الفقه، وانتفع الناس به، من مؤلفاته: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، وشرح الجامع الكبير، توفي بالقرافة سنة ٧٤٣ هـ. انظر ترجمته في: الجواهر المضية للقرشي (٢/ ٥١٩)، وتاج التراجم لقطلوبغا (ص/ ٢٠٤)، وحسن المحاضرة للسيوطي (١/ ٤٤٠)، والفوائد البهية للكنوي (ص/ ١٥٠).\n(^٣) كنز الدقائق (١/ ١٨٥) مع البحر الرائق.","vol":"1","page":545},{"text":"مصطلح: (الأشهر) عند الحنفية:\nلم أقفْ على اصطلاحٍ محدد للأشهرِ عند الحنفية - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادرِهم - والظاهرُ إرادةُ المعنى اللغوي المتبادر مِنْ كونِ القولِ أكثرَ شهرةً مِن القولِ الآخر.\nوالظاهرُ مِن إطلاقِ الحنفيةِ للأشهرِ أنَّ مقابلَه عندهم قولٌ أقلّ منه شُهْرَةً.\n\nأمثلة الأشهر عند الحنفية:\nالمثال الأول: يقولُ الكاسانيُّ: \"اختلفَ المشايخُ فيه - أي: فيما لو أوصى بقميصٍ، ثمَّ نقضه، فجعله قَبَاءً، هل يُعدُّ رجوعًا؟ - والأشهرُ: أنَّه ليس برجوعٍ؛ لأنَّ العينَ بعدَ النقضِ قائمةٌ تصلحُ لما كانت تصلحُ له قبلَ النقضِ\" (^١).\nالمثال الثاني: يقولُ برهانُ الدّينِ المرغيناني (^٢): \"لغيرِ العصباتِ مِن الأقاربِ ولايةُ التزويجِ عند أبي حنيفةَ ... وقال محمد: لا تثبتُ ... وهو روايةٌ عن أبي حنيفةَ، وقول أبي يوسف في ذلك مضطربٌ، والأشهرُ أنَّه مع محمدٍ\" (^٣).\nثانيًا: المشهور عند المالكية:\nكَثُرَ عند علماءِ المالكيةِ وصفُ بعضِ الأقوالِ في مذهبِهم بأنَّها\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (٧/ ٣٧٩).\n(^٢) هو: علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني، أبو الحسن برهان الدين المرغيناني، ولد سنة ٥٣٠ هـ من مشاهير علماء المذهب الحنفي، ومن المحققين فيه، كان من أوعية العلم، وشيخ علماء ما وراء النهر في وقته، علامةً محققًا، أقر له أهل عصره بالتقدم والفضل، وقد نشر المذهب الحنفي، وتفقه عليه الجم الغفير، من مؤلفاته: بداية المبتدي، والهداية في شرح بداية المبتدي، والجامع الصغير، وكفاية المنتهي، ومناسك الحج، توفي سنة ٥٩٣ هـ. انظر ترجمته في: الجواهر المضية للقرشي (٢/ ٦٢٧)، وسير أعلام النبلاء (٢١/ ٢٣٢)، وتاج التراجم لقطلوبغا (ص/ ٤٢)، والأعلام للزركلي (٥/ ٧٣).\n(^٣) الهداية شرح بداية المبتدي (٣/ ١٨١ - ١٨٢) مع فتح القدير.","vol":"1","page":546},{"text":"المشهورُ مِن المذهبِ، ولم يكنْ تمييزُ المشهورِ في مذهب المالكيةِ واضحًا ميسورًا قبلَ أبي عبدِ الله المازري (ت: ٥٣٦ هـ)؛ إذ كان المذَهبُ كثيرَ الروايةِ، كثيرَ الأقوالِ؛ بحيثُ يبقى المقلِّدُ حائرًا في القضاءِ والفتوى وغيرِهما، إلى أن جاء المازريُّ، فاعتنى ببيانِ المشهورِ في مذهبِه؛ ليسهلَ المذهبُ على أتباعِه (^١).\nوقد اختلفَ متأخرو المالكيةِ في تحديدِ مصطلحِ: (المشهور) في مذهبهم على أقوال:\nالقول الأول: أنَّه ما قويَ دليلُه.\nحَكَى هذا القولَ: ابنُ بشيرٍ (^٢)، وابنُ خويز منداد (^٣)، والدسوقيُّ (^٤). واختاره: ابنُ خويز منداد (^٥)، وابنُ بشيرٍ (^٦)، وأبو الحسنِ التسولي (^٧).\n_________\n(^١) انظر: مقدمة تحقيق فتاوي قاضي الجماعة الأندلسي (ص/ ٦١ - ٦٢).\n(^٢) انظر: كشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/ ٦٢). وابن بشير هو: إبراهيم بن عبد الصمد بن بشير التنوخي، أبو طاهر، ويعرف بابن بشير، كان فقيهًا مالكيًا متقنًا، وعالمًا فاضلًا جليلًا، وأصوليًا بارزًا نبيلًا، له معرفة بالعربية والحديث، تفقه بأبي الحسن اللخمي وابن رشد الحفيد، وتعقبه في كثير من مسائله في كتابه: (التبصرة)، وقد اعتبره ابن فرحون ممن ترفع عن درجة التقليد إلى رتبة الاختيار والترجيح، من مؤلفاته: التنبيه، والتذهيب على التهذيب، وكتاب المختصر، والأنوار البديعة إلى أسرار الشريعة، وقد قتله قطاع طريق، ولم أقف على سنة وفاته، إلا أنه كان حيًا سنة ٥٢٦ هـ. انظر ترجمته في: الديباج المذهب لابن فرحون (١/ ٢٦٥)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ١٢٦).\n(^٣) انظر: كشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/ ٦٢).\n(^٤) انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٢٠).\n(^٥) انظر: كشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/٦٣)، والتحفة في شرح البهجة للتسولي (١/ ٢١)، وفتح العلي المالك لعليش (١/ ٨٣).\n(^٦) انظر: تبصرة الحكام لابن فرحون (١/ ٧٥).\n(^٧) انظر: البهجة في شرح التحفة (١/ ٢١). وأبو الحسن التسولي هو: علي بن عبد السلام التسولي، أبو الحسن، من أهل فاس بالمغرب، فقيه مالكي، حامل لواء المذهب، والمطلع على أسراره، والمتبحر فيه، كان علامةً محققًا، ومتفننًا متقنًا، وقد عُرف بالصلاح والزهد والورع، وقد تولى منصب القضاء بفاس وتطوان، من مؤلفاته: البهجة في شرح التحفة، وشرح كتاب الشامل لبهرام، وحاشية على شرح الشيخ التاودي على لامية الزقاق، توفي سنة=","vol":"1","page":547},{"text":"ووصف محمد عليش المالكي (^١) هذا القولَ بأنَّه القولُ المشهورُ في تفسيرِ مصطلحِ: (المشهورِ) (^٢).\nوعلى هذا القولِ لا فرقَ بين المشهورِ، والراجحِ.\nوتعقَّبَ ابنُ راشد القفصي (^٣) هذا القولَ بأنَّه يُعَكِّرُ عليه أنَّ الأشياخَ رُبَّما قالوا عن قولِ: إنَّه المشهور، ويقولون عن القولِ الآخر: إنه الصحيح؛ فإذا كانَ القولُ المشهورُ ما قوي دليلُه، فكيفَ يكون القولُ الآخرُ في المسألةِ صحيحًا؟ ! (^٤).\nوقد أجابَ القاضي ابنُ فرحون عمَّا قاله القفصي، بقولِه: \"ليس في هذا إشكالٌ؛ لأنَّ المشهورَ هو مذهبُ المدونةِ، وقد يَعْضِدُ القولَ الآخر\n_________\n= ١٢٥٨ هـ. انظر ترجمته في: شجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٣٩٧)، والفكر السامي للحجوي (٤/ ٢٩٩)، والأعلام للزركلي (٤/ ٢٩٩)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٢/ ٤٥٨).\n(^١) هو: محمد بن أحمد بن محمد عليش المصري، أبو عبد الله، ولد سنة ١٢١٧ هـ عالم أزهري مالكي المذهب، كان إمامًا كبيرًا، وعَلَمًا منيرًا، جامعًا بين العلم والعمل، شيخ المالكية ومفتيهم في قطره، درَس عليه في الأزهر جمعٌ غفير، من مؤلفاته: منح الجليل شرح مختصر خليل، وفتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، وحاشية على أقرب المسالك، توفي بمصر سنة ١٢٩٩ هـ. انظر ترجمته في: شجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٣٨٥)، والفكر السامي للحجوي (٢/ ٣٠١)، والأعلام للزركلي (٦/ ١٩)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ١٠٤).\n(^٢) انظر: فتح العلي المالك (١/ ٨٣).\n(^٣) هو: محمد بن عبد الله بن راشد البكري القفصي، أبو عبد الله، ولد بقفص، ونزل تونس، يعرف بابن راشد، من أعيان المذهب المالكي، كان فقهيًا فاضلًا، وأصوليًا متمكنًا، له معرفة بالعربية والأدب والحساب وتعبير الرؤى، أخذ العلم عن علماء تونس، ورحل إلى الإسكندية والقاهرة واستفاد من علمائهما، وقد ولي قضاء قفصة، من مؤلفاته: تلخيص المحصول في علم الأصول، واللباب في الفقه، والفائق في معرفة الأحكام والوثائق، والمذهب في ضبط مسائل المذهب، ونخبة الواصل في شرح الحاصل في أصول الفقه، توفي بتونس سنة ٧٣٦ هـ. انظر ترجمته في: الديباج المذهب لابن فرحون (٢/ ٣٢٨)، والوفيات لابن قنفذ (ص/ ٣٤٦)، ونيل الابتهاج للتنبكتي (ص/ ٣٩٢)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٢٠٧).\n(^٤) انظر: تبصرة الحكام لابن فرحون (١/ ٧٥)، وكشف النقاب الحاجب له (ص/ ٦٣)، والتحفة في شرح البهجة للتسولي (١/ ٢١).","vol":"1","page":548},{"text":"حديثٌ صحيحٌ ... فيقول: والصحيح كذا؛ لقيام الدليل، وصحةِ الحديثِ\" (^١).\nالقول الثاني: أنَّه ما كَثُر قائلُه.\nحَكَى هذا القولَ: ابنُ بشيرٍ (^٢)، وابنُ خويز منداد (^٣)، وأبو الحسنِ التسولي (^٤)، ومحمد عليش المالكي (^٥). واختاره: أحمد الهلالي (^٦)، وأبو عبدِ الله الفاسي (^٧). وجعله الدسوقيُّ القولَ المعتمدَ (^٨).\nواختارَ القولَ الثاني عددٌ من المعاصرين، منهم: عبد العزيز الخليفي (^٩)، وعبد السلام العسري (^١٠)، ومحمد المامي (^١١).\nوذَكَرَ القاضي ابنُ فرحون أنَّه بناءً على القولِ الثاني لا بُدَّ أنْ يزيدَ النقلةُ عن ثلاثةٍ (^١٢).\nوالظاهرُ أنَّ مرادَ ابنِ فرحون أنْ يزيدَ القائلون عن ثلاثةٍ (^١٣).\nوتعقَّبَ ابنُ راشد القفصي هذا القولَ بأنَّه يُعَكِّر عليه أنَّ بعضَ المسائلِ\n_________\n(^١) تبصرة الحكام (١/ ٧٥).\n(^٢) انظر: المصدر السابق، وكشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/ ٦٢).\n(^٣) انظر: كشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/ ٦٢).\n(^٤) انظر: البهجة في شرح التحفة (١/ ٢١).\n(^٥) انظر: فتح العلي المالك (١/ ٨٣).\n(^٦) انظر: نور البصر (ملزمة ١٠، ص/٣) - بواسطة: الاختلاف الفقهي في المذهب المالكي لعبد العزيز الخليفي (ص/ ١٧٤) - والبحث الفقهي للدكتور إسماعيل عبد العال (ص/ ٢٠٦).\n(^٧) انظر: رفع العتاب والملام (ص/ ١٧).\n(^٨) انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٢٠).\n(^٩) انظر: الاختلاف الفقهي في المذهب المالكي (ص/ ١٨٥).\n(^١٠) انظر: نظرية الأخذ بما جرى به العمل في المغرب (ص/٣٩).\n(^١١) انظر: المذهب المالكي (ص/ ٥٠٩).\n(^١٢) انظر: كشف النقاب الحاجب (ص/ ٦٢ - ٦٣)، وفتح العلي المالك لعليش (١/ ٨٣)، ورفع العتاب والملام للفاسي (ص/ ١٧).\n(^١٣) انظر: رفع العتاب والملام للفاسي (ص/ ١٧).","vol":"1","page":549},{"text":"القولُ المشهورُ فيها: المنعُ، وعملُ المتأخرين على الجوازِ (^١).\nوقد أجابَ القاضي ابنُ فرحون عن تعقبِ القفصي، بقولِه: \"إنَّ لشيوخِ المذهبِ المتأخرين، كأبي عبد الله بن عتَّاب (^٢)، وأبي الوليد بنِ رشدٍ ... وأبي بكر بن العربي اختياراتٍ، وتصحيح (^٣) لبعضِ الرواياتِ والأقوالِ، عَدَلوا فيها عن المشهورِ، وجَرَى باختيارِهم عَمَلُ الحكّامِ والفتيا؛ لما اقتضتُه المصلحةُ وجَرَى به العُرفُ، والأحكامُ تجري مَعَ العرفِ والعادةِ\" (^٤).\n\nالفرق بين (الراجح)، و(المشهور) عند أصحاب القول الثاني:\nالفرق بين (الراجح)، و(المشهور) عند أصحاب القول الثاني، هو أنَّ الراجحَ نَشَأَت قوتُه مِن الدليلِ ذاتِه، مِنْ غيرِ نظرٍ إلى قائلِه، أمَّا المشهورُ، فَنَشَأتْ قوتُه مِنْ كثرةِ القائلين به (^٥).\nالقول الثالث: أنَّه قول ابن القاسم في: (المدوَّنة).\nحَكَى هذا القولَ محمدٌ الدسوقيُّ (^٦)، وأبو عبدِ الله الفاسي (^٧). وهو ظاهرُ اختيارِ القاضي ابنِ فرحون في كتابِه: (تبصرة الحكام) (^٨)، مع أنَّه لم يذكر القولَ الثالثَ أصلًا في كتابِه: (كشف النقاب الحاجب).\n_________\n(^١) انظر: كشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/ ٦٥)، وتبصرة الحكام له (١/ ٧٥).\n(^٢) هو: محمد بن عبد الله بن عتاب القرطبي، أبو عبد الله، يعرف بابن المقري، ولد سنة ٣٨٣ هـ كان فقيهًا حافظًا محدثًا عالمًا زاهدًا ثقة مأمونًا، من خيار فقهاء المذهب المالكي، وقد تتلمذ لابن الفخار، وانتفع به أهل الأندلس، وقد أوذي من بني عبيد، وأحرقوا كتبه؛ لتمسكه بالسنة، توفي سنة ٤٦٢ هـ. انظر ترجمته في: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٧/ ٩٠)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ١١٩).\n(^٣) هكذا في: كشف النقاب الحاجب (ص/ ٦٦)، ولعل الصواب: \"تصحيحات\".\n(^٤) المصدر السابق (ص/ ٦٥ - ٦٦).\n(^٥) انظر: نور البصر (ملزمة ١٠، ص/ ٣) بواسطة: الاختلاف الفقهي في المذهب المالكي لعبد العزيز الخليفي (ص/ ١٧٦).\n(^٦) انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٢٠).\n(^٧) انظر: رفع العتاب والملام (ص/ ١٧).\n(^٨) انظر: (١/ ٧٥).","vol":"1","page":550},{"text":"يقولُ ابن فرحون: \"فتقرر - بما ذكرناه - أنَّ قولَ ابنِ القاسم هو المشهورُ في المذهبِ إذا كان في: (المدونة) \" (^١).\nوانتقد أحمدُ الهلاليُّ القولَ الثالثَ بأنَّه قاصرٌ؛ لأنَّ مِنْ مقتضاه، أنَّه إذا لم يكن الحُكمُ مذكورًا في: (المدوَّنة)، وكان مذكورًا في غيرِها، وقالَ فيه الإمامُ وأصحابُه قولًا، وشَذَّ بعضُهم، فقالَ مقابله قولًا آخر: أنْ لا يُسمَّى القول الأول مشهورًا، ولا يُظَنَّ أنَّ أحدًا ينفي عنه اسمَ المشهورِ (^٢).\nويعتذرُ أحمد الهلاليُّ لأربابِ القول الثالث، بقولِه: \"لعلَّ قائله قَصَدَ التعريفَ بالأخصِّ على مذهبِ مَنْ جوَّزه، وكان على وجهِ التمثيلِ للمشهورِ، ولم يقصدْ قَصْرَه عليه\" (^٣).\nفيكون قولُ ابنِ القاسمِ في: (المدوّنة) فردًا مِنْ أفرادِ المشهورِ عند المالكيةِ (^٤).\nوقد ذَكَرَ بعضُ مَن اختارَ القولَ الثاني أسبابًا لترجيحِه (^٥):\nأولًا: أنَّ تفسيرَ مصطلحِ: (المشهور) الذي ذكره أصحابُ القولِ الثاني مناسبٌ للمعنى اللغوي (^٦).\n_________\n(^١) تبصرة الحكام (١/ ٧٥).\n(^٢) انظر: نور البصر (ملزمة ١٠، ص/ ٣)، بواسطة: الاختلاف الفقهي في المذهب المالكي لعبد العزيز الخليفي (ص/ ١٨٤).\n(^٣) نور البصر (ملزمة ١٠، ص/ ٣)، بواسطة: الاختلاف الفقهي في المذهب المالكي لعبد العزيز الخليفي (ص/ ١٨٤).\n(^٤) انظر: منار السالك إلى مذهب الإمام مالك للرجراجي (ص/ ٤٤)، وأصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي للدكتور محمد رياض (ص/ ٤٩٥).\n(^٥) أول من ذكر هذه المرجحات - في ضوء ما رجعت إليه من مصادر - هو أحمد الهلالي، وقد نقلها عنه أبو عبد الله الفاسي في: رفع العتاب والملام (ص/ ١٧ - ١٨).\n(^٦) انظر: المصدر السابق، ومنار السالك إلى مذهب الإمام مالك للرجراجي (ص/ ٤٤)، وأصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي للدكتور محمد رياض (ص/ ٥٠٢)، ونظرية الأخذ بما جرى به العمل في المغرب لعبد السلام العسري (ص/ ٣٩)، والمذهب المالكي لمحمد المامي (ص/ ٥٠٩).","vol":"1","page":551},{"text":"ثانيًا: أنَّ مذهبَ جمعٍ مِن العلماءِ تقديمُ الراجحِ على المشهورِ عند تعارضِهما، فلو كان المشهورُ والراجحُ مترادفين، لما قيلَ بتقدِيم أحدِهما على الآخر، ولمَا وَقَعَ التعارضُ بينهما (^١).\nثالثًا: لو كانَ المشهورُ: ما قوي دليلُه، لم يَتَأَتَّ في القولِ الواحدِ أنْ يكونَ مشهورًا وراجحًا، وقد وَرَدَ عن بعضِ المالكيةِ وصفُ القولِ الواحدِ بالشُهْرةِ والرجحانِ، وذلك مثل: تحريمِ الاستماعِ إلى آلاتِ اللهوِ، فإنَّه محرَّمٌ على المشهورِ؛ لكثرةِ مَنْ قال بتحريمِه، وحرامٌ على الراجحِ؛ لقوةِ دليلِه (^٢).\nويقابلُ المشهور عند المالكيةِ: الشاذّ (^٣)، وسيأتي الكلام عليه في فرعٍ مستقلٍّ.\n\nأمثلة المشهور عند المالكية:\nالمثال الأول: يقولُ ابنُ الحاجب: \"يتيمَّمُ المسافرُ ... وكذلك الحاضرُ الصحيحُ، يخشى فواتَ الوقتِ على المَشهورِ، ولا يُعِيدُ\" (^٤).\nالمثال الثاني: يقولُ ابنُ شاس: \"ثمَّ الوترُ ركعةٌ واحدةٌ ... ويمتدُّ وقتُها الضروري إلى أنْ يصلي الصبحَ على المشهورِ مِن المذهبِ\" (^٥).\nالمثال الثالث: سُئِل أبو القاسمِ بن سراج الأندلسي (^٦) عن بكرٍ\n_________\n(^١) انظر: المصادر السابقة.\n(^٢) انظر: المصادر السابقة.\n(^٣) انظر: التوضيح على جامع الأمهات لخليل (ص/ ٥٨)، وكشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/ ٧٤)، والبهجة في شرح التحفة للتسولي (١/ ٢١)، والنوازل الصغرى للوزاني (٢/ ٢٢٥).\n(^٤) جامع الأمهات (ص/ ٦٥).\n(^٥) عقد الجواهر الثمنية (١/ ١٨٥).\n(^٦) هو: محمد بن محمد بن سراج الأندلسي الغرناطي، أبو القاسم، كان فقيهًا مالكي المذهب، حاملًا لواء مذهبه، علامةً حافظًا، فهامةً جليل القدر، جامعًا للفنون، محصلًا للعلوم، وقد أخذ العلم عن شيوخ بلده، وتصدى للقضاء والإفتاء والتدريس بغرناطة، وقد انتفع بعلمه طائفة من طلبة الأندلس، من مؤلفاته: شرح كبير على مختصر خليل المالكي، ومجموعة من الفتاوى، توفي في غرناطة سنة ٨٤٨ هـ. انظر ترجمته في: الضوء اللامع للسخاوي (٧/ ٢٤٨)، ودرة الحجال لابن القاضي (٣/ ٢٨٢)، ونيل الابتهاج للتنبكتي (ص/ ٥٢٦)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٢٤٨)، والفكر السامي للحجوي (٤/ ٢٥٧).","vol":"1","page":552},{"text":"تزوجتْ، ثمَّ أتتْ بولدٍ لشهرين مِنْ تاريخ العقد، وثبتْ ذلك، وفُسِخَ النكاحُ بغيرِ طلاقٍ، ثمَّ أرادَ تزوجها، ورَدَّها لملكه؟ فأجابَ: \"المشهورُ: أنَّه لا تَحِلُّ لزوجها أبدًا؛ لأنَّه تزوجها في استبراءِ الزنا، فهي بمنزلةِ مَنْ تزوجتْ في العدةِ\" (^١).\n\nمصطلح: (الأشهر) عند المالكية:\nاستعملَ علماءُ المالكيةِ مصطلح: (الأشهر)، والخلافُ بينهم في بيانِ المرادِ منه كالخلافِ في مصطلحِ المشهورِ.\nفعلى قولِ مَنْ يقولُ: المشهور: ما قوي دليلُه، فالأشهر: ما كانتْ أفضليتُه راجعةً إلى زيادةِ قوةِ اشتهارِ دليلِه (^٢).\nوعلى قول مَنْ يقولُ: المشهور: ما كثر قائلُه، فالأشهر: ما كانت أفضليتُه راجعةً إلى زيادةِ اشتهارِ القائلين به، وكثرتِهم (^٣).\nومقابلُ الأشهرِ عند المالكية: مشهورٌ دونَه في الشُهْرة؛ لدلالةِ صيغةِ: (أفعل) على التفضيلِ (^٤).\nوذَهَبَ ابنُ راشد القفصي إلى أنَّ الأَشْهَر عند ابنِ الحاجبِ هو المشهورُ نفسُه، وإنَّما استعملَ عبارةَ الأشهرِ؛ لرشاقتِها وقِلَّة حروفِها (^٥).\nوذَهَبَ بعضُ المالكية إلى أنَّ معنى الأشهرِ عند ابنِ الحاجبَ، هو أنَّ ابنَ الحاجب نفسَه هو مَنْ وَصَفَ القولَ بالشُهْرةِ (^٦).\n_________\n(^١) فتاوى قاضي الجماعة الأندلسي (ص/ ١٣٩).\n(^٢) انظر: كشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/ ٩٠).\n(^٣) انظر: المصدر السابق.\n(^٤) انظر: التوضيح على جامع الأمهات لخليل (ص/ ٥٨)، وكشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/ ٨٨)، والتحفة في شرح البهجة للتسولي (١/ ٢١)، والنوازل الصغرى للوزاني (٢/ ٢٢٥).\n(^٥) انظر كشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/٨٨).\n(^٦) انظر: المصدر السابق.","vol":"1","page":553},{"text":"وردَّ ابنُ فرحون القولين كليهما بقولِه: \"وكلاهما بعيدٌ؛ لأنَّه - أي: ابن الحاجب - لو قَصَدَ هذه العبارة - أيْ: الأشهر - لرشاقتِها وقِلَّة حروفها؛ لاقتصرَ عليها، ولم يذكر المشهورَ، أو كان يأتي بها غالبًا، والأمرُ بالعكسِ.\nوالمحملُ الثاني بعيدٌ أيضًا؛ لأنَّ المؤلِّفَ كان مِنْ أَوْرَع الناسِ، ولم تَجْرِ عادتُه بالدخولِ في عُهْدَةِ التشهيرِ، وإنَّما هو ناقلٌ عن غيرِه\" (^١).\n\nمثال الأشهر عند المالكية:\nالمثال الأول: يقول ابنُ الحاجبِ: \"والمَرْهمُ النَجِسُ يُغَسلُ على الأشهرِ\" (^٢).\nالمثال الثاني: يقولُ ابنُ الحاجبِ - أيضًا - في باب: (صلاة الخوف): \"صلاةُ الخوفِ نوعان: ... الثاني: عند الخوفِ مِنْ مَعَرَّتِه (^٣) - أي: العدو - لوصلوا بأجمعهم، كالسفرِ، والحضرِ على الأشهرِ\" (^٤).\n\nالفرق بين (الأصح)، و(الأشهر) عند المالكية:\nفرَّقَ بعضُ علماءِ المالكية بينَ (الأصح)، و(الأشهر) بأنَّ الأفضليةَ في: (الأصحِّ) راجعةٌ إلى زيادةِ قوةِ الدليلِ، وأمَّا: (الأشهر)، فأفضليته راجعةٌ إلى زيادةِ قوةِ اشتهارِ دليلِه، أو إلى زيادةِ اشتهارِ القائلين به، على الخلافِ في معنى المشهورِ (^٥).\nثالثًا: المشهور عند الشافعية:\nاستعملَ عددٌ مِنْ - علماءِ الشافعية مصطلحَ: (المشهور)، وأبانوا عن معناه، وظَهَرَ في ذلك اتجاهانِ:\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص/ ٨٩).\n(^٢) جامع الأمهات (ص/ ٣٧ - ٣٨).\n(^٣) المعرة: الإصابة. انظر: المصباح المنير للفيومي، مادة: (عرا)، (ص/ ٣٣١).\n(^٤) جامع الأمهات (ص/ ١٢٦).\n(^٥) انظر: كشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/ ٩٠).","vol":"1","page":554},{"text":"الاتجاه الأول: أنَّه القولُ أو الوجه الذي اشْتُهر، بحيثُ يكون ما يقابلُه رأيًا غريبًا.\nوهذا ما سار عليه أبو حامدٍ الغزالي (^١).\nالاتجاه الثاني: أنَّه القولُ الذي اشْتُهرَ، بحيثُ يكونُ ما يقابلُه رأيًا غريبًا، أو ضعيفًا.\nوهذا ما سارَ عليه محيي الدين النووي في كتابِه: (منهاج الطالبين) (^٢).\nوقد يكونُ القولانِ جديدينِ، أو قديمينِ، أو أحدُهما جديدًا والآخرُ قديمًا، وقد يقولهما الإمام الشافعي في وقتينِ، أو في وقتٍ واحدٍ (^٣).\nويستفادُ من تعبيرِ علماءِ الشافعية بمصطلحِ: (المشهور) أمورٌ:\nأولها: أنَّ المسألةَ خلافيةٌ.\nثانيها: أنَّ في المسألةِ قولًا راجحًا، وقولًا مرجوحًا.\nثالثها: ضعفُ المقابلِ وغرابتُه.\nرابعها: كونُ الخلافِ قوليًا، أي: بين قولي - أو أقوال - الإمامِ الشافعي، لا مِنْ أوجهِ أصحابِه (^٤).\nوالرابع يصدقُ على اصطلاحِ النووي الذي قَصَرَ التعبيرَ بالمشهورِ على أقوالِ الإمامِ الشافعي، دونَ اصطلاحِ الغزالي الذي لم يقصره على أقوالِ الإمامِ الشافعي.\nومقابلُ المشهورِ عند الغزالي: قولٌ أو وجهٌ غريبٌ أو ضعيفٌ؛\n_________\n(^١) انظر: مقدمة تحقيق الوسيط في المذهب (١/ ٢٤٠).\n(^٢) انظر: منهاج الطالبين (١/ ٧٦)، ونهاية المحتاج للرملي (١/ ٤٨)، ومغني المحتاج للشربيني (١/ ١٢)، ومقدمة تحقيق الغاية القصوى (١/ ١١٩)، والمدخل إلى مذهب الإمام الشافعي للدكتور أكرم القواسمي (ص/ ٥٠٧).\n(^٣) انظر: نهاية المحتاج للرملي (١/ ٤٨).\n(^٤) انظر: سلم المتعلم المحتاج للأهدل (١/ ١١٧)، مطبوع مع النجم الوهاج للدميري.","vol":"1","page":555},{"text":"لضعفِ مدركِه (^١)، ومقابله عند النووي: قولٌ غريبٌ أو ضعيفٌ؛ لضعفِ مدركِه (^٢).\n\nأمثلة المشهور عند الشافعية:\nالمثال الأول: يقولُ أبو حامدٍ الغزالي: \"المُحْدِث إذا أدخلَ يدَه في الإناءِ بعدَ غَسْلِ الوجه، وكان قد نَوَى رَفْعَ الحدثِ، صار الماءُ مستعملًا إذا انفصلت اليدُ مِن الماءِ.\nفطريقه: أنْ يقصدَ الاغترافَ والتنحيةَ؛ حتى لا يصير مستعملًا؛ فإنْ غَفَلَ عن نيةِ رفعِ الحدثِ، وعنْ قصدِ الاغترافِ: فالمشهورُ أنَّه يصيرُ مستعملًا\" (^٣).\nالمثال الثاني: يقولُ أبو القاسمِ الرافعي: \"منها - أيْ: من مبيحات التيمم -: التيممُ لشدّةِ البردِ ... وإن اتفق في الحضرِ: فالمشهورُ وجوب الإعادةِ\" (^٤)، أيْ: إعادة الصلاة.\nالمثال الثالث: يقولُ محيي الدين النوويُّ: \"يُسْتَثْنَى ميتةٌ لا دمَ لها سائل، فلا تُنَجِّسُ مائعًا على المشهورِ\" (^٥).\n\nمصطلح: (الأشهر)، عند الشافعية:\nجاءَ مصطلحُ: (الأشهر) في كتبِ المذهبِ الشافعي، ويعنون به: القول الذي زادتْ شهرتُه على القولِ الآخر (^٦).\nوليس القولُ المذكورُ في التعريفِ هو القولَ المصطلحَ عليه عند الشافعيةِ، بل المرادُ به الرأي.\n_________\n(^١) انظر: مقدمة تحقيق الوسيط في المذهب (١/ ٢٤٠).\n(^٢) انظر: نهاية المحتاج للرملي (١/ ٤٨)، ومغني المحتاج للشربيني (١/ ١٢).\n(^٣) الوسيط في المذهب (١/ ١٢٧).\n(^٤) العزيز شرح الوجيز (١/ ٢٦٥).\n(^٥) منهاج الطالبين (١/ ٨١).\n(^٦) انظر: مقدمة تحقيق الغاية القصوى (١/ ١١٩).","vol":"1","page":556},{"text":"وَيعُوْدُ التفضيلُ في الشهرةِ إلى شهرةِ ناقلِه، أو مكانته عند المنقولِ عنه، أو اتفاقِ الجميعِ على أنَّه منقولٌ عنه (^١).\nوكما تقدّمَ لنا الحديثُ عنْ توسيعِ دائرةِ مصطلحِ المشهورِ عند الشافعية، ففي ضوئِه يظهرُ الاتجاهانِ في توسيع مصطلحِ: الأشهر، ليشملَ أقوالَ الإمامِ الشافعي وأوجهَ علماءِ مذهبِه، أوَ يُقصرَ على الترجيحِ بين أقوالِ الإمامِ الشافعي فحسب.\nومقابلُ الأشهرِ عند أبي حامدٍ الغزالي: قولٌ عن الإمامِ الشافعي أو وجهٌ عنْ بعضِ أصحابِه أقلُّ شهرةً (^٢)؛ لدلالةِ صيغةِ التفضيلِ على هذا.\nومقابلُ الأشهر عند محيي الدين النووي في كتابِه: (منهاج الطالبين): قولٌ للإمامِ الشافعي أقل شهرةً (^٣)؛ لدلالةِ صيغةِ التفضيلِ على هذا.\n\nأمثلة الاشهر عند الشافعية:\nالمثال الأول: يقول محيي الدّينِ النوويُّ عن حكمِ الماءِ المشمَّسِ: \"الرابع - أيْ: القول الرابع في المسألة -: يُكرَه في البلادِ الحارةِ في الأواني المنطبعة، وهي المطرقة، ولا يشترطُ القصدُ، ولا تغطيةُ الإناءِ، وهذا هو الأشهرُ عند الخراسانيين\" (^٤).\nالمثال الثاني: يقولُ شمسُ الدّينِ الرملي بعد ذكرِ شروطِ التمتعِ: \"ومعلومٌ أنَّ هذه الشروط المذكورة معتبرةٌ لوجوبِ الدمِ؛ والأشهرُ: أنَّها غيرُ معتبرةٍ في تسميتِه تمتعًا (^٥).\nرابعًا: المشهور عند الحنابلة:\nذَهَبَ أبو بكرٍ الجراعي إلى اصطلاحٍ خاصٍّ به في كتابِه: (غاية\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (١/ ١١٩).\n(^٢) انظر: مقدمة تحقيق الوسيط في المذهب (١/ ٢٤٠).\n(^٣) انظر: منهاج الطالبين (١/ ٧٦)، وتحفة المحتاج للهيتمي (١/ ٥٠).\n(^٤) المجموع شرح المهذب (١/ ٨٨).\n(^٥) نهاية المحتاج (٣/ ٣٢٧).","vol":"1","page":557},{"text":"المطلب)؛ إذ قَصَرَ مصطلحَ: (المشهور) على ما اختاره ابنُ حمدان على وجهِ الخصوصِ (^١).\nويظهر لي مِنْ خلالِ تأمُّلِ عددٍ مِن المواضعِ التي ورد فيها (المشهور) في مدوَّناتِ المذهب الحنبلي - عدا ما ورد في كتاب: (غاية المطلب) للجراعي - أنَّ استعمالَهم للمشهورِ بمعناه اللغوي، يويَّد ذلك: عدمُ نصِّ علمائهم على معنى خاصٍّ له، وقصارى ما وجدتُه هو أن المشهورَ إمَّا أنْ يكونَ عن الإمامِ أحمدَ، وإمَّا أنْ يكونَ عن بعضِ أصحابِه (^٢).\nوقد عرَّف الدكتورُ ناصر الميمان مصطلحَ: (المشهور) عند الحنابلةِ بأنَّه: القولُ المعروفُ عن الإمامِ عند معظمِ الأصحابِ، ورجحه أكثرُهم (^٣).\nأمثلة المشهور عند الحنابلة:\nالمثال الأول: يقولُ الموفقُ بنُ قدامة: \"المضمضةُ والاستنشاقُ واجبانِ في الطهارتينِ جميعًا: الغُسلِ والوضوءِ، فإنَّ غَسْلَ الوجهِ واجبٌ فيهما، هذا المشهورُ في المذهبِ\" (^٤).\nالمثال الثاني: يقولُ الزركشيُّ الحنبليُّ (^٥) عند قولِ الخرقي: \"فإنْ تيممَ في أولِ الوقت، وصلَّى، أجزأه، وإنْ أصابَ الماءَ في الوقتِ\": \"هذا هو المذهبُ المشهورُ\" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: غاية المطلب (ص/ ٣٠).\n(^٢) انظر: صفة الفتوى (ص/١١٣ - ١١٤).\n(^٣) انظر: مقدمة تحقيق التوضيح للشويكي (١/ ١١٨).\n(^٤) المغني (١/ ١١٦).\n(^٥) هو: محمد بن عبد الله بن محمد الزركشي المصري، شمس الدين أبو عبد الله، كان علامةً محققًا عالمًا فقيهًا حنبليًا متقنًا، من مؤلفاته: شرح مختصر الخرقي - وهو أشهر كتبه - وشرح قطعة من المحرر، وشرح قطعة من الوجيز، توفي بمصر سنة ٧٧٢ هـ. انظر ترجمته في: المقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٤٢٦)، والمنهج الأحمد للعليمي (٥/ ١٣٧)، والدر المنضد له (٢/ ٥٤٩)، وشذرات الذهب لابن العماد (٨/ ٣٨٤)، والسحب الوابلة لابن حميد (٣/ ٩٦٦)، والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (ص/ ٤١٩).\n(^٦) شرح الزركشي على مختصر الخرقي (١/ ٣٣٤).","vol":"1","page":558},{"text":"المثال الثالث: يقول أبو بكرٍ الجراعي: \"هلْ يجوزُ لمَنْ عليه صومُ فرضٍ أنْ يتطوعَ، أم لا؟\nروايتان، الأقوى: عدمُ الجوازِ، وهو المشهورُ\" (^١).\nمصطلح: (الأشهر) عند الحنابلة:\nيرادُبـ (الأشهر) عند الحنابلةِ: ما كان أكثرَ شهرةً عن الإمامِ أحمدَ، أو عن بعضِ أصحابِه (^٢).\nوبناءً عليه، فمقابلُ الأشهر عند الحنابلة: قولٌ إمَّا عن الإمامِ أحمدَ أو عن بعضِ أصحابِه أقل شهرةً.\nيقولُ المرداويُّ عن صنيعِ ابنِ مفلحٍ في كتابِه: (الفروع): \"لكنَّ ذكرَه للخلافِ بهذه الصيغةِ - ومنها: صيغة: الأشهر - يقتضي قوتَه مِن الجانبين\" (^٣).\nومقابلُ الأشهرِ أقوى مِنْ مقابلِ المشهورِ.\nوذَهَبَ أبو بكرٍ الجراعي إلى اصطلاحٍ خاصٍّ به، نصَّ عليه في مقدمةِ كتابِه: (غاية المطلب)، إذ جَعَلَ المرادَ بمصطلح: (الأشهر) مختلفًا بحسبِ تجردِه أو اقترانِه بحرفِ الجرِّ:\n- فـ \"الأشهر\" هو القولُ الذي رجّحَه الأكثرُ، أو جماعةٌ مِن الحنابلةِ (^٤).\n- و\"على الأشهر\" للروايةِ التي اختارها تقيُّ الدين بنُ تيميةَ (^٥).\n- و\"في الأشهر\" للوجهِ الذي اختاره تقيُّ الدينِ بن تيميةَ (^٦).\n- و\"في أشهر\" لاختيارِ تقيِّ الدين بنِ تيميةَ (^٧).\n_________\n(^١) غاية المطلب (ص/ ١٧٩).\n(^٢) انظر: صفة الفتوى (ص/١١٣ - ١١٤).\n(^٣) تصحيح الفروع (١/ ٩ - ١٠).\n(^٤) انظر: غاية الطلب (ص/٣٠).\n(^٥) انظر: المصدر السابق.\n(^٦) انظر: المصدر السابق.\n(^٧) انظر: المصدر السابق.","vol":"1","page":559},{"text":"أمثلة الأشهر عند الحنابلة:\nالمثال الأول: يقولُ ابنُ قدامةَ: \"فأمَّا ما يمكن نَزْحُه، إذا بلغَ قلتين، فلا يَتَنَجَّسُ بشيءٍ مِن النجاساتِ، إلا ببولِ الآدميين، أو عذرتِهم المائعةِ، فإنَّ فيه روايتين عنْ أحمدَ، أشهرهما: أنَّه يَتَنَجَّسُ بذلك\" (^١).\nالمثال الثاني: يقولُ المرداويُّ: \"يُكرَه النداءُ بالصلاةِ بعد الأذانِ، والأشهرُ في المذهبِ: كراهةُ نداءِ الأمراء بعد الأذانِ، وهو قولُه: \"الصلاةَ يا أميرَ المؤمنين\"، ونحوه\" (^٢).\nالمثال الثالث: يقولُ أبو بكر الجراعيُّ: \"تباحُ - أي: الضبَّة - مِنْ فضةٍ، إنْ قَلَّتْ، لحاجةٍ، وإنْ كَثُرتْ أو قَلَّتْ لغيرِها: فوجهانِ: الأشهرُ في الأُوْلى: التحريم، وهو الأَوْلى في الثانيةِ\" (^٣).\nالمثال الرابع: يقولُ أبو بكرٍ الجراعي: \"لمسُ أنثى مطلقًا - أي: لا ينقض الطهارة - على الأشهرِ\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>الفرع الثالث عشر: ظاهر المذهب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>أولًا: التعريف اللغوي للظاهر:</span>\nالظاهرُ: اسم فاعلٍ مِن الفعلِ ظَهَرَ، يُقالُ: ظَهَرَ الشيءُ يَظْهَرُ ظَهْرًا وظُهُوْرًا (^٥)، فهو ظاهرٌ (^٦)، وظَهِرَ الرجلُ يَظْهَرُ ظَهَرًا (^٧).\n_________\n(^١) المغني (١/ ٥٦).\n(^٢) الإنصاف (١/ ٤١٤).\n(^٣) غاية الطلب (ص/ ٣٧).\n(^٤) المصدر السابق (ص/ ٤١). وانظر مثال قوله: \"في الأشهر\" في: المصدر السابق (ص/ ٦٣)، ومثال قوله: \"في أشهر\" في: المصدر السابق (ص/ ١٢٧).\n(^٥) انظر: لسان العرب، مادة: (ظهر)، (٤/ ٥٢١).\n(^٦) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (ظهر)، (٣/ ٤٧١).\n(^٧) انظر: الصحاح، مادة: (ظهر)، (٢/ ٧٣٢).","vol":"1","page":560},{"text":"وتدلُّ مادة: (ظهر) على القوّةِ والبروزِ. يقولُ ابنُ فارس: \"الظاءُ والهاءُ والراءُ أصلٌ صحيحٌ واحدٌ يدلُّ على قوّةٍ وبروزٍ، مِنْ ذلك: ظَهَرَ الشيءُ يَظْهَرُ ظُهُوْرًا، فهو ظَاهِرٌ، إذا انكشفَ وبَرَزَ\" (^١).\nومِنْ هذا المعنى: تسميةُ وقتِ الظُهْرِ والظَهِيْرَةِ؛ لأنَّه أظهرُ الأوقاتِ وأضوؤها (^٢)، ويقالُ: هذا أمرٌ ظاهرٌ عنك عارُه، أيْ: زائلٌ، كأنَّه إذا زالَ فقد صارَ وراءَ ظهرِك (^٣).\nوالظُهُورُ: بُدُو الشيءِ الخَفِيِّ، والظَفَرُ بالشيءِ، والاطلاع عليه (^٤).\nوالظاهرُ: خلافُ الباطنِ (^٥)، وظَهَرَ الشيءُ ظُهُورًا، أيْ: تَبَيّنَ (^٦)، وظَهَرْتُ على الرجلِ، أيْ: غلبتُه (^٧)، وظَهَرْتُ البيتَ، أيْ: علوتُه (^٨).\nوظَهْرُ الإنسانِ: خلافُ بطنِه؛ لأنَّه يجمعُ البروزَ والقوةَ (^٩)، ومنه قولُهم: لا تجعلْ حاجتي بظهرٍ، أي: لا تنْسَها (^١٠).\n_________\n(^١) مقاييس اللغة، مادة: (ظهر)، (٣/ ٤٧١). وانظر: المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي، مادة: (ظهر)، (٢/ ٣٧).\n(^٢) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (ظهر)، (٣/ ٤٧١).\n(^٣) انظر: المصدر السابق.\n(^٤) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (ظهر)، (٦/ ٢٥٤)، ومقاييس اللغة، مادة: (ظهر)، (٣/ ٤٧١)، والمغرب في ترتيب المعرب للمطرزي، مادة: (ظهر)، (٢/ ٣٧).\n(^٥) انظر: الصحاح، مادة: (ظهر)، (٢/ ٧٣١)، ولسان العرب، مادة: (ظهر)، (٤/ ٥٢٠)، والقاموس المحيط، مادة: (ظهر)، (ص/ ٥٥٧).\n(^٦) انظر: الصحاح، مادة: (ظهر)، (٢/ ٧٣٠)، ولسان العرب، مادة: (ظهر)، (٤/ ٥٢٦)، والقاموس المحيط، مادة: (ظهر)، (ص/ ٥٥٧).\n(^٧) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (ظهر)، (٦/ ٢٥٥)، والصحاح، مادة: (ظهر)، (٢/ ٧٣٠)، ومقاييس اللغة، مادة: (ظهر)، (٣/ ٤٧١)، ولسان العرب، مادة: (ظهر)، (٤/ ٥٢٦).\n(^٨) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (ظهر)، (٦/ ٢٥٧)، والصحاح، مادة: (ظهر)، (٢/ ٧٣٠)، ولسان العرب، مادة: (ظهر)، (٤/ ٥٢٦).\n(^٩) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (ظهر)، (٣/ ٤٧١).\n(^١٠) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (ظهر)، (٦/ ٢٤٤)، والصحاح، مادة: (ظهر)، (٢/ ٧٣٠)، ومقاييس اللغة، مادة: (ظهر)، (٣/ ٤٧١)، ولسان العرب، مادة: (ظهر)، (٤/ ٥٢٢، ٥٢٠).","vol":"1","page":561},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>ثانيًا: التعريف الاصطلاحي لظاهر المذهب:</span>\nوَرَدَ مصطلحُ: (ظاهر المذهب) في كتب المذاهبِ الفقهيةِ، وقد ذَكَرَتْ بعضُ المذاهب تعريفًا له، ويتصلُ بمصطلحِ: (الظاهر) مصطلح: (الأظهر)، وسأعرضُ المصَطلحين عند المذاهب الفقهية:\nأولًا: ظاهر المذهب عند الحنفية:\nجاءَ في مدوّناتِ المذهبِ الحنفي مصطلحا: (ظاهر المذهب)، و(الأظهر)، وسأبيّنُ معناهما مبتدئًا بمصطلحِ: (ظاهر المذهب):\nمصطلح: (ظاهر المذهب) عند الحنفية:\nاستعملَ علماءُ الحنفيةِ مصطلح: (ظاهر المذهب)، وهو بمعنى ظاهر الرواية (^١).\nوظاهرُ الروايةِ عند الحنفيةِ هي: المسائلُ المنقولةُ عن الإمامِ أبي حنيفةَ، وأبي يوسفَ، ومحمد بن الحسن (^٢).\nوقد يكون مِنْ معاني الظاهرِ عند الحنفيةِ الحكمُ المتوافقُ مَعَ ما عُرِفَ مِنْ فروعِ المذهبِ وأصولِه.\nأمثلة ظاهر المذهب عند الحنفية:\nالمثال الأول: يقولُ ابنُ عابدين: \"قوله - أي: الحصكفي -: لا قراءةَ قنوتٍ - أيْ: لا تكره للجنب -: هذا ظاهرُ المذهب، وعن محمدٍ أنَّه يُكرَه\" (^٣).\nالمثال الثاني: يقولُ أبو بكرٍ السرخسي: \"ظاهرُ المذهب في بيانِ حدِّ المِصْرِ الجامع: أنْ يكونَ فيه سلطانٌ أو قاضٍ لإقامةِ الحَدودِ، وتنفيذِ الأحكامِ\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: عمدة الرعاية للكنوي (ص/ ١٧)، وناظورة الحق للمرجاني (ص/ ٤٩)، والمذهب الحنفى لأحمد نقيب (١/ ٣٥٩).\n(^٢) انظر: المصادر السابقة.\n(^٣) رد المحتار على الدر المختار (١/ ٥٨٦).\n(^٤) المبسوط (٢/ ٢٣).","vol":"1","page":562},{"text":"المثال الثالث: يقول الكاساني: \"لو كان مريضًا لا يَضُرُّه استعمال الماءِ لكنَّه عاجزٌ عن الاستعمالِ بنفسِه، وليس له خادمٌ، ولا مال يستأجرُ به ...: أجزأه التيمّمُ ... وهو ظاهرُ المذهبِ\" (^١).\nمصطلح: (الأظهر) عند الحنفية:\nلم أقفْ - فيما رجعت إليه من مصادر المذهب الحنفي - على تعريفٍ محددٍ للأظهرِ، ومِنْ خلالِ تأمّلِ عددٍ مِن المواضعِ التي استعملَ الحنفيةُ فيها لفظ: الأظهر، ظَهَرَ لي احتمالُ إرادتهم به الأظهر في المذهبِ، أو الأظهر دليلًا.\nأمثلة: (الأظهر) عند الحنفية:\nالمثال الأول: يقولُ أبو بكرٍ السرخسي: \"اختلفت الرواياتُ في: الضيافةِ، هل تكون عذرًا؟ - أيْ: في الفطر - فرُوِي عن محمدٍ أنَّه عذرٌ مبيحٌ للفطرِ ... وعن أبي حنيفةَ أنَّه لا يكون عذرًا ... وعن أبي حنيفةَ أنَّه يكون عذرًا، وهو الأظهرُ ... لما رُوي أنَّ رسولَ الله - ﷺ - قال: (إذا دعاك أخوك فأفطر، واقضِ يومًا مكانه) \" (^٢).\n_________\n(^١) بدائع الصنائع (١/ ٤٨).\n(^٢) المبسوط (٣/ ٧٠)، بتصرف يسير. ولم أقف على الحديث الذي ذكره باللفظ المذكور، وأقرب ما وجدته حديث أبي سعيد الخدري - ﷺ - قال: صنع رجلٌ طعامًا ودعا رسول الله - ﷺ - وأصحابَه، فقال رجلٌ: إني صائم، فقال رسول الله - ﷺ -: (أخوك صنع طعامًا ودعاك، أفطرْ، واقض يومًا مكانه)، وأخرج الحديث: الطيالسي في: المسند (٣/ ٦٥٥)، برقم (٢٣١٧)؛ وأحمد بن منيع كما في: المطالب العالية لابن حجر، كتاب: الأطعمة والأشربة، باب: الفطر للصائم المتطوع إذا دعي (١٠/ ٧٨٠)، برقم (٢٤٢٤)؛ والطبراني في: المعجم الأوسط (٣/ ٣٠٦)، برقم (٣٢٤٠)، ولفظه: (دعاكم أخوكم، وتكلف لكم، ثم تقول: إني صائم؟ ! أفطرْ، ثم صم يومًا مكانه إن شئت)، وقال: \"لا يُرويى هذا الحديث عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد، تفرد به: حمادُ بن أبي حميد\". والدارقطني في: السنن، كتاب: الصيام، باب: ما جاء في صيام التطوع والخروج منه قبل تمامه (٣/ ١٤٠)، برقم (٢٢٣٩)، وقال: \"هذا مرسل\". وقال البيهقيّ في: مختصر الخلافيات (٣/ ١٠٠) عن إسناد رواية الدارقطني: \"هذا إسنادٌ مظلمٌ، ومحمد بن أبي حميد ضعيف الحديث، قال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث\". وأخرجه أيضًا: البيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: الصيام، =","vol":"1","page":563},{"text":"المثال الثاني: يقولُ الكاسانيُّ: \"لو قال: عُمُرًا - أيْ: حلف لا يكلمه عُمُرًا -: فعن أبي يوسفَ روايتانِ: في روايةٍ: يقعُ على يومٍ، وفي روايةٍ: يقع على ستةِ أشهرٍ، كالحينِ، وهو الأظهرُ\" (^١).\nثانيًا: ظاهر المذهب عند المالكية:\nوَرَدَ في مدوَّنات الفقهِ المالكي مصطلحا: (ظاهر المذهب)، و(الأظهر)، وسأبيّن معنى المصطلحين مبتدئًا بمصطلحِ: (ظاهر المذهب):\nظاهر المذهب عند المالكية:\nالمرادُ بظاهرِ المذهبِ عند المالكيةِ: المسألةُ التي ليس فيها نصٌّ عن\n_________\n= باب: التخيير في القضاء إن كان صومه تطوعًا (٤/ ٢٧٩)، وفي: كتاب: الصداق، باب: من استحب الفطر إن كان صومه غير واجب (٧/ ٢٦٤)، وقال: \"ورواه ابن أبي فديك عن ابن أبي حميد، وزاد فيه: (إنْ أحببت)، يعني: القضاء، وابن أبي حميد يقال له: محمد - ويقال له: حماد - وهو ضعيف\".\nوذكر ابن الملقن في: البدر المنير (٨/ ٢٨)، وابن حجر في: التلخيص الحبير (٥/ ٢٤٠٤) أنَّ ابن السكن صحح حديث أبي سعيد الخدري، وتعقباه فيما قال.\nوقال ابن حجر في: فتح الباري (٩/ ٢٤٨) عن الحديث برواية الطيالسي والطبراني: \"في إسناده راوٍ ضعيف، لكنه توبع\".\nوحسن الحديثَ: ابنُ حجر في: فتح الباري (٤/ ٢١٠)، والألبانيُّ في: إرواء الغليل (٧/ ١١).\nوجاء حديث آخر في المعنى نفسه عن جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: صنع رجلٌ من أصحاب النبي - ﷺ - طعامًا، فدعا النبي - ﷺ - وأصحابًا له، فلما أتى بالطعام تنحى أحدهم، فقال له النبي - ﷺ -: (مالك؟) فقال: إني صائم، فقال له النبي - ﷺ -: (تكلف لك أخوك، وصنع، ثم تقول: إني صائم! كُلْ، وصم يومًا مكانه)، وأخرجه: الدارقطني في: السنن، كتاب: الصيام، باب: ما جاء في صيام التطوع والخروج منه قبل تمامه (٣/ ١٤٠)، برقم (٢٢٤١).\nوقال ابن حجر في: التلخيص الحبير (٥/ ٢٤٠٤) عن حديث جابر - ﵁ -: \"رواه ابن عدي، وابن حبان في: الضعفاء ... وفيه عمرو بن خليف، وهو وضاع\". وانظر: البدر المنير لابن الملقن (٨/ ٢٨).\nوقال البيهقي في: مختصر الخلافيات (٣/ ١٠٠) عن الحديث: \"وروي - أي: حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - بإسنادٍ أوهى من هذا، رواه عمرو بن خليف بن إسحاق ... وعمرو بن خليف كان يضع الحديث\".\n(^١) بدائع الصنائع (٣/ ٥٢).","vol":"1","page":564},{"text":"الإمامِ، ويُبْنَى حكمُها على قواعدِ المذهبِ (^١).\nأمَّا إذا وردتْ عبارةُ: الظاهر فقط، فتحتملُ أحد أمرين:\nالمعنى الأول: أنَّها الظاهرُ مِن المذهبِ.\nالمعنى الثاني: أنَّها الظاهرُ مِن الدليلِ (^٢).\nأمثلة ظاهر المذهب عند المالكية:\nالمثال الأول: يقولُ ابنُ شاسٍ بعد ذكرِ أحكامِ إزالةِ النجاسةِ عن الثوبِ: \"حُكْمُ الجَسَدِ في النضح حكمُ الثوبِ في ظاهرِ المذهبِ\" (^٣).\nالمثال الثاني: يقولُ ابنُ الحاجب: \"فإنْ أُقِيمتْ - أيْ: صلاة الجماعة - وهو في المسجدِ، فالظاهرُ لزومُها\" (^٤).\nمصطلح: (الأظهر) عند المالكية:\nاختلفَ علماءُ المالكيةِ في المرادِ بالأظهرِ على قولين:\nالقول الأول: أنَّه ما اتَّضحَ دليلُه وظَهَرَ، بحيثُ لم يبقَ فيه شبهةٌ، كظهورِ الشمسِ وقتَ الظهيرةِ.\nوهذا قولُ بعضِ المالكيةِ (^٥).\nالقول الثاني: أنَّه ما اتضحَ دليلُه وظَهَرَ، واشتهرَ بين الأصحابِ.\nوهذا قولُ بعضِ المالكيةِ (^٦).\nفعلى القولِ الأولِ هناك فرقٌ بين (الأظهر)، و(الأشهر)؛ وعلى القولِ الثاني لا فرقَ بينهما (^٧).\n_________\n(^١) انظر: كشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/ ٩٦).\n(^٢) انظر: المصدر السابق.\n(^٣) عقد الجواهر الثمينة (١/ ٢٤).\n(^٤) جامع الأمهات (ص/ ١٠٧).\n(^٥) انظر: كشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/٩٧).\n(^٦) انظر: المصدر السابق.\n(^٧) انظر: المصدر السابق.","vol":"1","page":565},{"text":"ويقابلُ الأظهر - في الغالب -: قولٌ دونَه في الظهورِ (^١).\nأمثلة الأظهر عند المالكية:\nالمثال الأول: يقولُ ابنُ الحاجبِ في: باب (صلاة العيدين): \"المسبوقُ بالتكبيرِ قبلَ الركوعِ يكبّرها - أي: التكبيرات الزوائد - ... ثمَّ إنْ كانت الثانيةُ - أي: الركعة الثانية - ... بعد ركوعِها: يقضي الأُولى بستِّ - أي: تكبيرات - على الأظهرِ\" (^٢).\nالمثال الثاني: يقولُ ابنُ الحاجبِ: \"إذا استودعه مَنْ ظَلَمَه بمثلِها؛ فثالثها: الكراهةُ، ورابعُها: الاستحباب.\nوقال الباجي: والأظهرُ: الإباحةُ؛ لحديثِ هندٍ (^٣) \" (^٤).\nثالثًا: ظاهر المذهب عند الشافعية:\nورد مصطلحا: (ظاهر المذهب)، و(الأظهر) في مدونات المذهب الشافعية، وقد اختلف اصطلاحُ علمائهم فيهما:\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق.\n(^٢) جامع الأمهات (ص/ ١٢٨).\n(^٣) لفظ الحديث: عن عائشة - ﵂ - قالت: دخلت هند بنت عتبة - امرأة أبي سفيان - على رسول الله - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله إنَّ أيا سفيان رجلٌ شحيحٌ، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بنيَّ، إلا ما أخذت من ماله بغير علمه، فهل علي في ذلك من جناحٍ؟ فقال رسول الله - ﷺ -: (خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك)، وأخرجه: البخاري في: صحيحه، كتاب: النفقات، باب: إذا لم ينفق الرجل (ص/١٠٦٢)، برقم (٥٣٦٤)؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: الأقضية، باب: قضية هند (٢/ ٨١٩)، برقم (٥٣٦٤)؛ واللفظ له.\nوهند هي: هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشية، إحدى الصحابيات، وهي أم معاوية - ﵂ -، شهدت أحدًا وهي كافرة مع زوجها أبي سفيان بن حرب، كانت تُؤلّب على المسلمين، أسلمت عام الفتح بعد إسلام زوجها أبي سفيان، وأقرهما رسول الله - ﷺ - على نكاحهما، توفيت في خلافة عمر بن الخطاب - ﵁ - في اليوم الذي توفي فيه والد أبي بكر الصديق أبو قحافة - ﵃ -، وقيل: إنها توفيت في خلافة عثمان بن عفان - ﵁ -. انظر ترجمتها في: الاستيعاب لابن عبد البر (ص/ ٩٤٢)، وأسد الغابة لابن الأثير (٦/ ٢٩٢)، والإصابة لابن حجر (٨/ ١٥٥).\n(^٤) جامع الأمهات (ص/ ٤٠٦).","vol":"1","page":566},{"text":"مصطلح: (ظاهر المذهب) عند الشافعية:\nجاءَ مصطلحُ: (ظاهرِ المذهبِ) عند علماءِ الشافعيةِ، وظَهَرَت عدةُ اتجاهاتٍ في تحديدِ معناه الاصطلاحي:\nالاتجاه الأول: أنَّه القول أو الوجهُ الراجحُ.\nوهذا ما سارَ عليه أبو حامدٍ الغزالي (^١).\nالاتجاه الثاني: أنَّه القولُ الراجحُ.\nوهذا ما سارَ عليه أبو إسحاقَ الشيرازي (^٢)، ومحيي الدين النووي (^٣).\nالاتجاه الثالث: أنَّه الوجهُ الراجحُ.\nوهذا ما سارَ عليه القاضي البيضاوي (^٤).\nويقابلُ الظاهر: قولٌ أو وجهٌ غريبٌ، على الخلافِ آنفِ الذكرِ في توسيعِ دائرةِ مصطلحِ: (الظاهر)، أو قَصْرِه على أقوالِ الإمامِ، أو أوجهِ علماءِ المذهبِ (^٥).\nأمثلة الظاهر عند الشافعية:\nالمثال الأول: يقول أبو حامدٍ الغزالي: \"وفي موضعِ التحذيفِ (^٦) - أيْ: في حدِّ الوجهِ في الوضوء - خلافٌ، وظاهرُ المذهبِ أنَّه مِن\n_________\n(^١) انظر: مقدمة تحقيق الوسيط في المذهب (١/ ٢٤٠).\n(^٢) انظر: مقدمة تحقيق المهذب في فقه الإمام الشافعي (١/ ٣١).\n(^٣) يفهم هذا مما قرره النووي في تعريف الأظهر، كما سيأتي بعد قليل.\n(^٤) يفهم هذا مما قرره البيضاوي في تعريف الأظهر، كما سيأتي بعد قليل. وانظر: مقدمة تحقيق الغاية القصوى (١/ ١١٨).\n(^٥) انظر: المصدر السابق، ومقدمة تحقيق الوسيط في المذهب (١/ ٢٣٩).\n(^٦) التحذيف: الشعر الداخل في الوجه ما بين انتهاء العذار والنزعة. انظر: المغني لابن قدامة (١/ ١٦٣)، وروضة الطالبين للنووي (١/ ٥١)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (حذف)، (ص/ ٣٢٥).=","vol":"1","page":567},{"text":"الوجهِ\" (^١).\nالمثال الثاني: يقولُ أبو إسحاقَ الشيرازيُّ: \"يجوزُ أنْ يصلي على جنائز بتيمّمٍ واحدٍ، إذا لم يتعيّنْ عليه ... وإنْ تعينتْ عليه: ففيه وجهان: ... الثاني: يجوزُ، وهو ظاهرُ المذهبِ\" (^٢).\nمصطلح: (الأظهر) عند الشافعية:\nكما اختلفت اتجاهاتُ الشافعيةِ في تحديدِ مصطلحِ: (الظاهر)، فإنَّ اتجاهاتهم السابقة قد ظَهَرَ أثرُها في تحديد مصطلح: (الأظهر)، فهو كالظاهرِ مِنْ جهةِ شمولِه للقولِ والوجهِ، أو قصرِه على أحدِهما:\nالاتجاه الأول: أنَّه الأرجحُ مِن الأقوالِ أو الوجوهِ.\nوهذا ما سار عليه أبو حامدٍ الغزالي (^٣).\nالاتجاه الثاني: أنَّه القولُ الذي يزيدُ ظهورًا على القولِ الآخرِ مِنْ قولي، أو أقوالِ الإمامِ الشافعي، وبعبارةٍ أخرى: هو الأرجحُ مِن أقوالِ الإمامِ الشافعي (^٤).\nوهذا ما سارَ عليه أبو إسحاقَ الشيرازي (^٥)، ومحيى الدين النووي (^٦).\nيقولُ النوويُّ في مقدمةِ كتابِه: (منهاج الطالبين) (^٧): \"حيثُ أقولُ: في\n_________\n= والعذار: الشعر الذي على العظم الناتئ الذي هو سمت صماخ الأذنيين (الشعر النازل على اللحية). انظر: المغني لابن قدامة (١/ ١٦٢)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (حذف)، (ص/ ٣٢٥).\nوالنزعة: ما انحسر عنه الشعر من الرأس متصاعدًا في جانبي الرأس. انظر: المغني لابن قدامة (١/ ١٦٣)، وروضة الطالبين للنووي (١/ ٥١)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (نزع)، (ص/٤٩١).\n(^١) الوسيط في المذهب (١/ ٢٥٨).\n(^٢) المهذب في فقه الإمام الشافعي (١/ ١٣٧).\n(^٣) انظر: مقدمة تحقيق الوسيط في المذهب (١/ ٢٣٩).\n(^٤) انظر: المدخل إلى مذهب الإمام الشافعي للدكتور أكرم القواسمي (ص/ ٥٠٦).\n(^٥) انظر: مقدمة تحقيق المهذب للشيرازي (١/ ٣١).\n(^٦) انظر: منهاج الطالبين للنووي (١/ ٧٦)، ومقدمة تحقيق الغاية القصوى للبيضاوى (١/ ١١٨).\n(^٧) (١/ ٧٦).","vol":"1","page":568},{"text":"الأظهر ... فمِن القولين - أو الأقوال - فإنْ قويَ الخلافُ، قلتُ: الأظهرُ\".\nالاتجاه الثالث: أنَّه الوجه المرجّحُ المنقاسُ.\nوهذا ما سارَ عليه القاضي البيضاوي (^١)؛ يقولُ في مقدمةِ كتابِه: (الغاية القصوى) (^٢): \"وأنبّه ... على الوجهِ المرجّحِ المنقاسِ، بأنَّ الأظهرَ ذا\".\nومقابلُ الأظهر: قولٌ أو وجه - على حسب الخلاف السابق - يشاركُه في الظهورِ، لكنَّ الأظهرَ أشدُّ منه ظهورًا (^٣).\nيقولُ أحمدُ العلوي الشافعي: \"فالحاصل أنَّه - أيْ: النووي - إنْ عبَّرَ بالأظهرِ، عُلمَ أنَّ مقابلَه قولٌ قويٌ - أو أقوالٌ قويةٌ - للإمامِ؛ إلا أنَّ العملَ على الراجحِ الذي وَصفَه بالأظهريةِ\" (^٤).\nويستفاد من تعبيرِ الشافعيةِ بالأظهر أمورٌ، منها:\nأولها: أنَّ المسألةَ خلافيةٌ.\nثانيها: أنَّ في المسألةِ قولًا راجحًا، وقولًا مرجوحًا.\nثالثها: أنَّ المقابلَ ظاهرٌ في نفسِه.\nرابعها: أنَّ الخلافَ بين أقوالِ الإمامِ الشافعي (^٥)، وهذا على اصطلاحِ الشيرازي والنووي، أو بينَ أوجهِ أصحابه، وهذا على اصطلاحِ القاضي البيضاوي، أمَّا على اصطلاحِ الغزالي، فالأَظهرُ يشملُ أقوالَ الإمامِ الشافعي وأوجهَ أصحابِه.\n_________\n(^١) انظر: مقدمة تحقيق الغاية القصوى (١/ ١١٨).\n(^٢) (١/ ١٧٤).\n(^٣) انظر: مقدمة تحقيق الغاية القصوى للبيضاوي (١/ ١١٨).\n(^٤) الابتهاج في بيان اصطلاح المنهاج (١/ ٨٣) مطبوع مع النجم الوهاج للدميري.\n(^٥) انظر: سلم المتعلم المحتاج للأهدل (١/ ١١٧) مطبوع مع النجم الوهاج للدميري.","vol":"1","page":569},{"text":"أمثلة الأظهر عند الشافعية:\nالمثال الأول: يقولُ أبو حامدٍ الغزالي: \"إذا موَّه الإناءَ بالذهبِ لم يحرُمْ، على أظهرِ المذهبين ... وفيه وجهٌ آخر: أنَّه يحرمُ\" (^١).\nالمثال الثاني: يقولُ محيي الدين النوويُّ: بعد ذكرِ رخصةِ جمعِ الصلاةِ: \"والأظهرُ تخصيصُ الرخصةِ بالمصلّي جماعةً بمسجدٍ بعيدٍ، يتأذى بالمطرِ في طريقِه\" (^٢).\nالمثال الثالث: يقولُ القاضي البيضاوي: \"الثاني - من أركان الصلاة -: التكبير: الله أكبر ... لو زاد ما لم يُغيِّر المعنى، مثل: الله الأكبر، جازَ، وكذا: الله الجليلُ أكبر، على الأظهرِ\" (^٣).\nرابعًا: ظاهر المذهب عند الحنابلة:\nوَرَدَ مصطلحا: (ظاهر المذهب)، و(الأظهر) عند مذهبِ الحنابلةِ، وسأبيّنُ معناهما مبتدئًا بظاهر المذهب:\nمصطلح: (ظاهر المذهب) عند الحنابلة:\nعرَّفَ الحنابلةُ ظاهرَ المذهب بأنَّه المشهورُ مِن المذهبِ (^٤)، سواءٌ أكانَ روايةً عن الإمامِ أحمدَ، أو وجهًا لأحدِ علماءِ مذهبِه، أو غيرهما (^٥).\nولا تقالُ هذه العبارة إلا وثَمَّ خلافٌ، إمَّا عن الإمامِ أحمدَ، وإمَّا في المذهبِ (^٦).\nيقولُ شمسُ الدّينِ البعلي: \"الظاهرُ: البائنُ الذي ليس يخفى أنَّه\n_________\n(^١) الوسيط في المذهب (١/ ٢٤١).\n(^٢) منهاج الطالبين (١/ ٢٦٢).\n(^٣) الغاية القصوى (١/ ٢٩٢).\n(^٤) انظر: الإنصاف (١/ ٧)، والمطلع على أبواب المقنع للبعلي (ص/ ٤٦١).\n(^٥) انظر: المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد (١/ ١٧٦).\n(^٦) انظر: الإنصاف (١/ ٧)، والمطلع على أبواب المقنع للبعلي (ص/ ٤٦١)، ومقدمة تحقيق الانتصار في المسائل الكبار لأبي الخطاب (١/ ٨٥).","vol":"1","page":570},{"text":"المشهورُ في المذهبِ؛ كنقضِ الوضوءِ بأكلِ لحمِ الجزورِ، ولمس الذَّكرِ، وعدمِ صحةِ الصلاةِ في الدارِ المغصوبةِ.\nولا يكاد يُطلَقُ إلا على ما فيه خلافٌ عن الإمامِ أحمدَ\" (^١).\nوهنا أمرٌ: وهو أنَّه يكثرُ في مدوَّناتِ الفقهِ الحنبلي قولُهم: ظاهرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ كذا، فهل هناك فرقٌ بين هذه العبارة، وقولِهم: ظاهرُ المذهبِ؟\nيظهرُ لي أنَّ نَظَرَ العلماءِ في العبارةِ الأُولى: (ظاهر كلام الإمام أحمد) اتجّه إلى دلالةِ كلامِ الإمامِ أحمدَ على الحكم، لا إلى شهرةِ الرأي الذي فُسِّرَ به ظاهر المذهبِ.\nأمثلة الظاهر عند الحنابلة:\nالمثال الأول: يقولُ الموفقُ بنُ قدامةَ: \"ولبنُ الميتةِ وإنفحتُها (^٢): نجسٌ في ظاهرِ المذهبِ\" (^٣).\nالمثال الثاني: يقولُ منصور البهوتيُّ: \"والبَغْلُ والحمارُ نجسانِ في ظاهرِ المذهبِ\" (^٤).\nمصطلح: (الأظهر) عند الحنابلة:\nمعنى الأظهرِ عند الحنابلةِ - بناءً على ما تقدم قبلَ قليلٍ في معنى الظاهرِ -: الأشهرُ في المذهبِ.\n_________\n(^١) المطلع على أبواب المقنع للبعلي (ص/ ٤٦١).\n(^٢) الإنْفَحة - وتشدد الحاء: شيء يستخرج من بطن الجدي الرضيع، أصفر، فيعصر في صوفةٍ في اللبن، فيغلظ كالجبن. انظر: المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي، مادة: (نفح)، (٢/ ٣١٦)، والمطلع على أبواب المقنع للبعلي (ص/ ١٠ - ١١)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (نفح)، (ص/ ٥٠٤)، والقاموس المحيط، مادة: (نفح)، (ص/ ٣١٤).\n(^٣) المقنع (١/ ١٧٥) مع الشرح الكبير والإنصاف.\n(^٤) كشاف القناع (٢/ ٢٢٣).","vol":"1","page":571},{"text":"ومقابلُ الأشهر: قولٌ دونَه في الشُهْرةِ.\nولأبي بكرٍ الجراعي اصطلاحُه الخاص في كتابِه: (غاية المطلب)، وخلاصته:\n- يقول: \"على الأظهر\"، أو: \"على أظهرها\"، للترجيحِ بين الرواياتِ فحسب.\n- ويقولُ: \"في الأظهر\"، أو: \"في أظهرها\"، للترجيحِ بين الوجوهِ فحسب.\n- ويقولُ: \"الأظهر\"، لما صححه الموفقُ بنُ قدامةَ، أو قدَّمَه (^١).\nأمثلة الأظهر عند الحنابلة:\nالمثال الأول: يقولُ ابنُ مفلحٍ: \"وعنه: لا ينقضُ - أي: الوضوء - بمسِّ الدبرِ، اختاره جماعةٌ، وهي أظهر\" (^٢).\nالمثال الثاني: يقولُ المرداويُّ: \"لو اقتصَرَ - أيْ: الخطيب في خطبةِ الجمعةِ - على قوله: أطيعوا الله، واجتنبوا معاصيه: فالأظهرُ: لا يكفي \" (^٣).\nالمثال الثالث: يقول أبو بكرٍ الجراعي: \"يُكْرَه - في الأذان - كلامٌ، وسكوتٌ يسيرٌ بلا حاجةٍ على الأظهرِ؛ كإقامةٍ؛ ويبطلُ بيسيرِ كلامٍ محرَّم في الأظهرِ\" (^٤).\nالمثال الرابع: يقولُ أبو بكرٍ الجراعي: \"هل يُكره لُبْثُه فوقَ حاجتِه - أي: عند قضاء الحاجة - أم يحرم؟ فيه: روايتانِ، الأظهرُ الأشهرُ: الكراهةُ\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: غاية المطلب (ص/ ٢٩ - ٣٠).\n(^٢) الفروع (١/ ٢٢٦).\n(^٣) الإنصاف (٢/ ٣٨٩).\n(^٤) غاية المطلب (ص/ ٧٠).\n(^٥) المصدر السابق (ص/ ٤٥).","vol":"1","page":572},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>الفرع الرابع عشر: الضعيف</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>أولًا: التعريف اللغوي للضعيف:</span>\nالضَعِيْف: على وزنِ: (فَعِيْل)، وهو مِنْ أوزانِ المبالغةِ (^١)، يُقال: ضَعُفَ يَضْعُفُ ضُعْفًا، على لغة قريشٍ، مِنْ بابِ: قَرُب قُرْبًا، ويُقالُ: ضَعَفَ يَضْعَفُ ضَعْفًا، على لغةِ تميمٍ، مِنْ بابِ: قَتَل قَتْلًا (^٢).\nوفرّقَ بعضُ اللغويين بين الضمِّ والفتحِ، بأنَّ الضَعفَ في العقلِ والرأي، والضُعفَ في الجسدِ (^٣). يقولُ أبو منصورٍ الأزهريُّ متعقِّبًا التفريق: \"قلتُ: هما عند جماعةِ أهلِ البَصَرِ باللغةِ، لغتانِ جيِّدتانِ مستعملتانِ في ضعفِ البدنِ والرأي\" (^٤).\nولمادة (ضعف) معنيانِ، وهما:\nالمعنى الأول: خلافُ القوةِ. الضَعْفُ والضُعْفُ: خلافُ القوةِ (^٥)، يُقالُ: فلانٌ ضَعِيفٌ (^٦)، وفَعِيلُ هنا بمعنى فاعل (^٧)، وقومٌ ضِعَافٌ، وضُعَفاء، وضَعَفَةٌ (^٨).\n_________\n(^١) انظر: شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك (٢/ ١٠٧).\n(^٢) انظر: المصباح المنير للفيومي، مادة: (ضعف)، (ص/ ٢٩٥).\n(^٣) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (ضعف)، (١/ ٤٨٢)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (ضعف)، (ص/ ٢٩٥)، والقاموس المحيط، مادة: (ضعف)، (ص/ ١٠٧٢).\n(^٤) تهذيب اللغة، مادة: (ضعف)، (١/ ٤٨٢). انظر: المصباح المنير للفيومي، مادة: (ضعف)، (ص/٢٩٥).\n(^٥) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (ضعف)، (١/ ٤٨٢)، والصحاح، مادة: (ضعف)، (٤/ ١٣٩٠)، ومقاييس اللغة، مادة: (ضعف)، (٣/ ٣٦٢)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (ضعف)، (ص/ ٢٩٥)، والقاموس المحيط، مادة: (ضعف)، (ص/ ١٠٧٢).\n(^٦) انظر: الصحاح، مادة: (ضعف)، (٤/ ١٣٩٠)، ومقاييس اللغة، مادة: (ضعف)، (٣/ ٣٦٢).\n(^٧) انظر: المصباح الفير للفيومي، مادة: (ضعف)، (ص/ ٢٩٥).\n(^٨) انظر: الصحاح، مادة: (ضعف)، (٤/ ١٣٩٠)، ومقايس اللغة، مادة: (ضعف)، (٣/ ٣٦٢).","vol":"2","page":573},{"text":"المعنى الثاني: المِثْل، وما زادَ (^١). يُقالُ: هذا ضِعْفُ هذا، أي: مثلُه (^٢)، وأَضْعَفتُ الشيءَ إضْعَافًا، وضَعَّفْتُه تَضْعِيْفًا (^٣).\nثانيًا: التعريف الاصطلاحي للضعيف:\nتقدّم لنا أنَّ الضعيفَ مقابل للراجحِ، وإذا كان الراجحُ هو القولُ (^٤) الذي قوي دليلُه، فإنَّ الضعيفَ هو القولُ الذي لم يقوَ دليلُه (^٥).\nوقد وَرَدَ مصطلحُ: (الضعيف) في مدوّناتِ المذاهب - كما سيأتي في التمثيلِ له - لكنَّ علماءَ المالكيةِ على وجهِ الخصوصِ قعّدوا للمصطلح، وسأذكرُ اصطلاحَهم، ثم اتْبِعُه بذكرِ أمثلة الضعيفِ عند بقيةِ المذاهبِ.\nالضعيفُ عند المالكية:\nقسَّمَ علماءُ المالكيةِ الضعيفَ إلى قسمين:\nالقسم الأول: الضعيف النسبي.\nالقسم الثاني: ضعيف المدرك.\nالقسم الأول: الضعيف النسبي.\nالمرادُ بالضعيفِ النسبي: ما عارضَه ما هو أقوى منه، فيكون ضعيفًا بالنسبةِ لما هو أقوى منه (^٦).\n_________\n(^١) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (ضعف)، (٣/ ٣٦٢).\n(^٢) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (ضعف)، (١/ ٤٨٠)، والصحاح، مادة: (ضعف)، (٤/ ١٣٩٠)، والقاموس المحيط، مادة: (ضعف)، (ص/ ١٠٧٢).\n(^٣) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (ضعف)، (٣/ ٣٦٢).\n(^٤) ليس المراد بالقول هنا القول المصطلح عليه، بل المراد به الرأي.\n(^٥) انظر: رفع العتاب والملام للفاسي (ص/ ٢٠)، ونظرية الأخذ بما جرى به العمل في المغرب لعبد السلام العسري (ص/ ٤٤)، ومصطلحات المذاهب الفقهية لمريم الظفيري (ص/ ٢٠٤).\n(^٦) انظر: رفع العتاب والملام للفاسي (ص/ ٢٠)، ومنار السالك إلى مذهب الإمام مالك للرجراجي (ص/ ٤٥)، والاختلاف الفقهي في المذهب المالكي لعبد العزيز الخليفي (ص/ ١٧٢)، ونظرية الأخذ بما جرى به العمل في المغرب لعبد السلام العسري (ص/ ٤٤)، ومصطلحات المذاهب الفقهية لمريم الظفيري (ص/ ٢٠٤).","vol":"2","page":574},{"text":"القسم الثاني: ضعيف المدرك.\nالمرادُ بضعيفِ المدرك: ما خالفَ الإجماعَ، أو النصَّ، أو القواعدَ، أو القياسَ الجلي، فيكونُ ضعيفًا في نفسِه (^١).\nوهنا سوالٌ، وهو: هل يدخلُ في مصطلحِ: (الضعيف) القولُ الذي ليس له دليلٌ؟\nلم أقف على جوابٍ لهذا السؤالِ - فيما رجعت إليه من مصادر - والأمرٌ محتملٌ؛ لأنَّه إذا كان عدُّ القولِ الذي لم يقوَ دليلُه ضعيفًا، فمِنْ بابٍ أَوْلى القول الذي ليس له دليلٌ.\nوحين نستقرئُ عددًا مِن الأقوالِ الفقهيةِ التي وُصِفت بالضعفِ، نجدُ أنَّ مِن العلماءِ مَنْ يُبينُ وجهَ ضعفِ القولِ، ومنهم مَنْ يقتصرُ على التضعيفِ، دونَ بيانِ وجهِ الضعفِ.\nأمثلة الضعيف عند المالكية:\nالمثال الأول: يقولُ محمدٌ الدسوقيُّ في مسألةِ: (العفو عن النجاسة وأثرها): \"قولُه - أي: الدردير -: \"لا ما فوق الدرهم ولو أثَّرَ\"، أي: خلافًا للباجي، القائل: إنَّ الأثرَ معفوٌ عنه مطلقًا، ولو فَوْقَ درهمٍ، فهو قولٌ ضعيفٌ\" (^٢).\nالمثال الثاني: يقولُ الدرديرُ: \"قولُ الرسالةِ: وقليلُ الماءِ ينجّسُه قليلُ النجاسةِ، وإنْ لم تُغيِّرْه، ضعيفٌ، وإنْ كانَ هو قول ابنِ القاسمِ\" (^٣).\nأمثلة الضعيف عند بقيةِ المذاهبِ الفقهيةِ:\nأولًا: أمثلة الضعيف عند الحنفية:\nالمثال الأول: يقولُ أبو بكرٍ السرخسي: \"يقولُ أبو يوسفَ: إذا تقطَّعَ\n_________\n(^١) انظر: المصادر السابقة.\n(^٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٧٣).\n(^٣) الشرح الصغير (١/ ٣٨) مع بلغة السالك.","vol":"2","page":575},{"text":"- أيْ: الضفدع والسمك والسرطان - في الماءِ، أفسده؛ بناءً على قولِه: إنَّ دمَه نجسٌ.\nوهو ضعيفٌ؛ فإنَّه لا دمَ في السمكِ، إنَّما هو ماءٌ آجنٌ (^١) \" (^٢).\nالمثال الثاني: يقولُ أبو بكرٍ السرخسي - أيضًا -: \"رُوِيَ عن محمدٍ - رحمه الله تعالى - أنَّ المرأةَ إذا تذكّرت الاحتلامَ والتلذذَ، ولم ترَ شيئًا، فعليها الغُسْل؛ لأنَّ منيَّها يتدفقُ في رحمِها، فلا يظهرُ. وهو، ضعيفٌ\" (^٣).\nالمثال الثالث: يقولُ ابنُ عابدين: \"قوله - أي: الحصكفي -: \"ونبيذُ تمرٍ\"، أي: على القولِ الضعيفِ بجوازِ الوضوءِ به؛ فهو كالتيمّمِ؛ لأنَّه بدلٌ عن الماءِ\" (^٤).\nثانيًا: أمثلة الضعيف عند الشافعية:\nالمثال الأول: يقول محيي الدين النووي: \"إذا اشتبه لبنُ بقرٍ ولبنُ أتانٍ، وقلنا بالمذهبِ: إنَّه نجسٌ، أو اشتبه خَلٌّ وخمرٌ ... فالمذهبُ في الجميعِ: منعُ الاجتهادِ، وبه قَطَعَ العراقيون، وللخراسانيين وجه ضعيف أنَّه يجتهدُ\" (^٥).\nالمثال الثاني: يقولُ المغربي الرشيدي (^٦): \"وسماعُها - أيْ: خطبة\n_________\n(^١) الآجن: الماء المتغير الطعم واللون. انظر: القاموس المحيط، مادة: (أجن)، (ص/ ١٥١٦).\n(^٢) المبسوط (١/ ٥٧).\n(^٣) المصدر السابق (١/ ٧٠).\n(^٤) رد المحتار على الدر المختار (١/ ٣٥٧).\n(^٥) المجموع شرح المهذب (١/ ١٩٥).\n(^٦) هو: أحمد بن عبد الرزاق بن محمد بن أحمد، شهاب الدين، المعروف بالمغربي الرشيدي، أصله من المغرب، وولد برشيد بمصر، ولم أقف على تاريخ مولده، كان فقيهًا شافعيًا محررًا نقادًا متفننًا فاضلًا شاعرًا، ذا فصاحة وبراعة في العلوم النقلية والعقلية، أقرَّ له علماء بلده بفضله وعلمه، وصار شيخ الشافعية في رشيد، وقد تولى التدريس وإفادة الطلاب، من مؤلفاته: حاشية على نهاية المحتاج للرملي، ومنظومة تيجان العنوان، وحسن الصفا والابتهاج بذكر من ولي إمارة الحاج، توفي برشيد سنة ١٠٩٦ هـ. انظر ترجمته في: خلاصة الأثر للمحبي (١/ ٢٦٥)، والأعلام للزركلي (١/ ١٤٥)، ومعجم المؤلفين لكحالة (١/ ١٦٩).","vol":"2","page":576},{"text":"الجمعة - واجبٌ ... فجازت المسامحةُ في نقصانِ العددِ في الصلاة على القولِ الضعيفِ\" (^١).\nثالثًا: أمثلة الضعيف عند الحنابلة:\nالمثال الأول: يقولُ المرداويُّ فيما إذا عَلِمَ المصلّي بالنجاسةِ في أثناءِ صلاتِه: \"أمَّا إذا لم تَزُل - أي: النجاسة - إلا بعملٍ كثيرٍ، أو في زمنٍ طويلٍ: فالمذهبُ: تبطلُ الصلاةُ. وقيل: يُزِيلها، ويَبْني. قلتُ: وهو ضعيفٌ\" (^٢).\nالمثال الثاني: يقولُ المرداويُّ - أيضًا -: \"المذهبُ أنَّ تركَ الدواءِ أفضلُ ... ووجوبُ المداواةِ قولٌ ضعيفٌ\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>الفرع الخامس عشر: المنكر</span>\nأولًا: التعريف اللغوي للمنكر:\nالمُنْكَر: اسمُ مفعولِ مِن الفعلِ أَنْكَرَ، يُقالُ: أَنْكَرَ يُنْكِرُ نُكْرًا، فهو مُنْكِرٌ، وأمرٌ مُنْكَرٌ.\nوالمُنْكَرُ: ضدُّ المعروفِ (^٤). يقولُ ابنُ فارسٍ: \"النونُ والكافُ والراءُ أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على خلافِ المعرفةِ التي يسكنُ إليها القلبُ، ونَكَرَ الشيءَ، وأنكرَه: لم يقبلْه قلبُه، ولم يعترفْ به لسانُه\" (^٥).\nوالنَكْرُ والنَكَارَةُ والنُكْرُ: الدهاءُ والفطنةُ (^٦)، والنُكُرُ: المُنْكَر، والأمرُ\n_________\n(^١) حاشية المغربي الرشيدي على نهاية المحتاج (٢/ ٣٠٨ - ٣٠٩)، بتصرف يسير.\n(^٢) الإنصاف (١/ ٤٧٨).\n(^٣) المصدر السابق (٩/ ٤١١).\n(^٤) انظر: لسان العرب، مادة: (نكر)، (٥/ ٢٣٣)، والقاموس المحيط، مادة: (نكر)، (ص/ ٦٢٧).\n(^٥) مقاييس اللغة، مادة: (نكر)، (٥/ ٤٧٦).\n(^٦) انظر: المصدر السابق، وتهذيب اللغة، مادة: (نكر)، (١٠/ ١٩١)، والصحاح، مادة: (نكر)، (٢/ ٨٣٧).","vol":"2","page":577},{"text":"الشديدُ (^١)، والإنكارُ: خلافُ الاعترافِ (^٢).\nتانيًا: التعريف الاصطلاحي للمنكر:\nتقدم لنا في الفرعِ التاسعِ أن مقابلَ المعروف: منكرٌ، وقد جاءَ مصطلحُ: (المنكر) في مدوناتِ المذهب المالكي على وجه الخصوصِ، ولم أقفْ على هذا المصطلحِ عند غيرِ المَالكيةِ - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادر - والمنكرُ عندهم: الروايةُ التي لم تثبتْ عن الإمامِ مالكِ، أو القولُ الذي لم يثبتْ عن أحدِ علماءِ المذهبِ المالكي (^٣).\nوليس المرادُ بوصفِ القولِ بأنَّه منكرٌ عدمَ وجودِه في المذهبِ، بلْ إنكارُ نسبتِه إلى الإمامِ، أو إلى أحدِ علماءِ المذهبِ (^٤).\nأمثلة القول المنكر عند المالكية:\nالمثال الأول: نَقَلَ ابنُ الحاجب عن بعضِ المالكيةِ قولَه: \"لا اشتراكَ - أي: بين آخر وقت صلاةِ الظهرِ وأوَل وقتِ صلاةِ العصرِ - وأنكره ابنُ أبي زيدٍ (^٥) \" (^٦)، أيْ: أنكرَ أنْ يكونَ القولُ بالاشتراكِ قولًا لمالكٍ، أو لاحدِ\n_________\n(^١) انظر: المصادر السابقة، والقاموس المحيط، مادة: (نكر)، (ص/ ٦٢٦).\n(^٢) انظر: المصادر السابقة.\n(^٣) انظر: كشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/ ١١٠ وما بعدها).\n(^٤) انظر: المصدر السابق.\n(^٥) هو: عبد الله بن أبي زيد عبد الرحمن القيرواني النَّفْزِيّ، أبو محمد، ولد سنة ٣١٠ هـ سكن القيروان، كان إمام المالكية في وقته، وجامع مذهب الإمام مالك، وشارح أقواله، حتى سمي بمالك الصغير، كان واسع العلم، كثير الحفظ والرواية، ورعًا صالحًا، كثير البذل للفقراء والغرباء وطلبة العلم، من مؤلفاته: الرسالة، والنوادر والزيادات على ما في من غيرها من الأمهات، والنهي عن الجدل، والنهي عن الشذوذ عن العلماء، توفي في القيروان سنة ٣٨٦ هـ وقيل: ٣٨٩ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ١٥٠)، وترتيب المدارك للقاضي عياض (٥/ ٢١٥)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ١٠)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (٣/ ١٠٢١)، والديباج المذهب لابن فرحون (١/ ٤٢٧)، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي (٤/ ٢٠٠)، وشذرات الذهب لابن العماد (٤/ ٤٧٧)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٩٦).\n(^٦) جامع الأمهات (ص/ ٨٠).","vol":"2","page":578},{"text":"أصحابِه (^١).\nالمثال الثاني: ذَكَرَ ابنُ الحاجب في بابِ: الحيضِ مسألةَ: (المرأة المعتادة إذا تمادى بها الدم خمسة عشر يومًا)، وذَكَرَ في المسألةِ أقوالًا لبعض المالكية، منها: \"استظهار (^٢) ثلاثة أيام، وأنكره سحنون (^٣) \" (^٤)، أي: أنكر نسبته إلى الإمامِ مالكٍ، ولم ينكر كونه قولًا لبعضِ المالكية (^٥).\nالمثال الثالث: يقول ابنُ الحاجب - أيضًا - في: باب القصر: \"قال ابنُ الماجشون (^٦): إنْ قَصَرَ في ستة وثلاثين ميلًا أجزأه، وأُنْكِر\" (^٧)، أي: أُنْكِرَ أنْ يكونَ قولًا لابنِ القاسمِ (^٨).\n_________\n(^١) انظر: كشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/ ١١٢).\n(^٢) الاستظهار: تحري الشيء، والأخذ بالاحتياط. انظر: المصباح المنير للفيومي، مادة: (ظهر)، (ص/٣١٦).\n(^٣) هو: عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي القيرواني، أبو سعيد، المعروف بسحنون، ولد سنة ١٦٠ هـ أحد أشهر علماء المذهب المالكي، كان رأس الفقهاء، جمع بين العلم والفقه والورع والزهد والقوة في الحق، والشدة على أهل البدع، وقد سلم له أهل عصره بإمامته، وإليه يرجع الفضل في إخراج المدونة بصورتها الأخيرة، من مؤلفاته: المختلطة، ومختصر المناسك، توفي سنة ٢٤٠ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ١٤٧)، ورياض النفوس لابن العربي (١/ ٣٤٥)، وترتيب المدارك للقاضي عياض (٤/ ٤٥)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ١٨٠)، وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٦٣)، والوافي بالوفيات للصفدي (١٨/ ٤٢٥)، والديباج المذهب لابن فرحون (٢/ ٣٠)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٦٩).\n(^٤) جامع الأمهات (ص/ ٧٦). وانظر: التوضيح على جامع الأمهات لخليل (ص/ ٤٠٩ - ٤١٠).\n(^٥) انظر: كشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/ ١١٢).\n(^٦) هو: عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة ميمون الماجشون، أبو عبد الله المدني، كان أحد علماء الأثبات، إمامًا عالمًا ثقةً صدوقًا كثير الحديث، فقيهًا ورعًا متابعًا لمذاهب أهل الحرمين، ذابًا عنهم، قدم بغداد ونزلها، يقول ابن وهب: \"حججتُ سنة ١٨٤ هـ وصائح يصيح: لا يفتي الناسَ إلا مالك، وعبد العزيز بن أبي سلمة\"، توفي ببغداد سنة ١٦٤ هـ. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٧/ ٣٢٣)، وتاريخ مدينة السلام للخطيب (١٢/ ١٩٤)، وتهذيب الكمال للمزي (١٨/ ١٥٢)، وسير أعلام النبلاء (٧/ ٣٠٩).\n(^٧) جامع الأمهات (ص/١١٧).\n(^٨) انظر: كشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/ ١١٢).","vol":"2","page":579},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>الفرع السادس عشر: الشاذ</span>\nأولًا: التعريف اللغوي للشاذة\nالشاذُّ: اسمُ فاعلٍ مِن الفعلِ شَذَّ، يُقالُ: شَذَّ يَشِذُّ ويشُذُّ شَذًّا وشُذُوذًا (^١)، فهو شَاذٌّ.\nومعنى شَذَّ: نَدَرَ عن الجمهورِ (^٢)، وانفردَ عن غيرِه (^٣).\nيقولُ ابنُ فارسٍ: \"الشينُ والذالُ يدلُّ على الانفرادِ والمفارقةِ\" (^٤).\nيُقالُ: أَشَذَّ فلانٌ، وأَشْذَذَ، إذا جاء بقولٍ شاذٍّ (^٥)، وشُذَّاذُ الناسِ: الذين ليسوا في قبائلِهم، ولا منازلِهم (^٦).\nثانيًا: التعريف الاصطلاحي للشاذ:\nوَرَدَ مصطلحُ: (الشاذّ) في عددِ مِن العلومِ، فهناك الشاذُّ عند المحدثين، والشاذُّ عند علماءِ القراءات، والشاذُّ عند الفقهاء.\nومرادي بالشاذِّ هنا، الشاذُّ الذي يُوصفُ به ما في المذهبِ مِنْ الآراءِ.\nعرَّفَ المالكيةُ مصطلحَ: (الشاذ)، وعرَّفَ الشافعيةُ مصطلحَ: (الوجه الشاذ)، في حين أغفلتْ بقيةُ المذاهبِ تعريف المصطلح، مع استعمالِهم له في مدوناتِهم المذهبيةِ.\n_________\n(^١) انظر: الصحاح، مادة: (شذذ)، (٢/ ٥٦٥)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (شذذ)، (ص/ ٢٥٢)، والقاموس المحيط، مادة: (شذذ)، (ص/ ٤٢٧).\n(^٢) انظر: لسان العرب، مادة: (شذذ)، (٣/ ٤٩٤)، والقاموس المحيط، مادة: (شذذ)، (ص/ ٤٢٧).\n(^٣) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (شذ)، (١١/ ٢٧١)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (شذذ)، (ص/٢٥٢).\n(^٤) مقاييس اللغة، مادة: (شذّ)، (٣/ ١٨٠).\n(^٥) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (شذ)، (١١/ ٢٧١)، ولسان العرب، مادة: (شذذ)، (٣/ ٤٩٤)، والقاموس المحيط، مادة: (شذذ)، (ص/ ٤٢٧).\n(^٦) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (شذ)، (١١/ ٢٧١)، والصحاح، مادة: (شذذ)، (٢/ ٥٦٥).","vol":"2","page":580},{"text":"ويظهرُ لي أنَّ معنى الشاذّ عند الحنفيةِ والشافعيةِ والحنابلةِ: هو ما ينفردُ به أحدُ أتباعِ المذهبِ عن بقيةِ علماءِ مذهبِه، مع مخالفتِه لهم (^١).\nفلا بُدَّ مِن الانفرادِ، ومِن المخالفةِ؛ ليوصفَ القول بالشذوذِ.\nوقد يكون وصفُ القولِ بأنَّه شاذٌّ في مذهبِ، غيرَ أنَّه ليس بشاذٍّ في مذهبٍ آخر.\nأولًا: الشاذ عند المالكية:\nالشاذُّ عند المالكية هو: القولُ الذي يقابلُ المشهورُ (^٢).\nويُعرَّفُ الشاذ - بناءً على الخلافِ في تعريفِ المشهور - بأنَّه: ما ضعفَ دليلُه (^٣).\nأو: القولُ الذي لم يصدرْ عن جماعةٍ (^٤).\nأو: القولُ الذي لم يكثرْ قائلوه (^٥).\nوقد فرَّق بعضُ المالكيةِ بين مصطلحي: (الضعيف)، و(الشاذ)، بأنَّ الضعيفَ يُعتبرُ مرجوحًا حين موازنةِ الأدلةِ، أمَّا الشاذُّ فقد يكون دليلُه قويًا، إلا أنَّ صفةَ التفردِ لم تقوَ أمامَ مقابلِه، وهو المشهورُ (^٦).\nأمثلة الشاذ عند المالكية:\nالمثال الأول: يقولُ الدسوقيُّ: \"يُكْرَه لشخصٍ أنْ يؤجرَ نفسَه في عملِ طاعةٍ مِن الطاعاتِ، سواء كان حجًا، أو غيره ... والقولُ الشاذُ: جوازُ ذلك\" (^٧).\n_________\n(^١) انظر: المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي، مادة: (شذذ)، (ص/ ٢٤٦)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (شذذ)، (ص/ ٢٥٢).\n(^٢) انظر: التوضيح على جامع الأمهات لخليل (ص/ ٥٨)، ورفع العتاب والملام للفاسي (ص/ ٢٠).\n(^٣) انظر: كشف النقاب الحاجب (ص/ ٧٤)\n(^٤) انظر: رفع العتاب والملام للفاسي (ص/ ٢٠)، والبهجة في شرح التحفة للتسولي (١/ ٢٠).\n(^٥) انظر: أصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي للدكتور محمد رياض (ص/٥٤٣).\n(^٦) انظر: المصدر السابق.\n(^٧) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٢/ ١٨).","vol":"2","page":581},{"text":"المثال الثاني: يقولُ الحطَّابُ: \"في كلامِ ... ابنِ بشيرٍ ما يقتضي أنَّ مَنْ تَرَك الأذانَ عامدًا، لا إعادةَ عليه في الوقتِ، ولا بعده - وهو كذلك - إلا ما وقع في كلامِ ابنِ عبد السلام مِنْ حكايةِ القولِ الشاذِّ بالإعادةِ في الوقتِ\" (^١).\nالمثال الثالث: يقولُ الصاوي: \"لا خلافَ عندنا أن الصومَ لا يجزئُ إلا إذا تقدمت النيةُ على سائرِ أجزائِه، فإنْ طَلَعَ الفجرُ، ولم ينوه، لم يُجْزِه في سائرِ أنواعِ الصيامِ إلا يوم عاشوراء، ففيه قولانِ: المشهورُ مِن المذهب أنَّه كالأول، والشاذ اختصاصُ يومِ عاشوراء بصحةِ الصومِ\" (^٢).\nثانيًا: الشاذ عند الشافعية:\nلم أقفْ على تعريفٍ محددٍ للشاذِّ عند الشافعية - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادرِهم - والذي وجدتُه في مدوناتهم مصطلح: (الوجه الشاذ)، ويطلقونه على الوجهِ الذي خرَّجَه أحدُ الأصحابِ، واستنبطَه باجتهادِه على غيرِ قواعدِ الإمامِ ونصوصِه (^٣).\nأمثلة الشاذ عند الشافعية:\nالمثال الأول: يقولُ محيي الدين النووي: \"أمَّا الكثير - أي: الماء الكثير - فينجسُ بالتغيّرِ بالنجاسةِ؛ للإجماع ... سواءٌ كانت النجاسةُ الملاقيةُ مخالطةً، أم مجاورةً، وفي المجاورةِ وجهٌ شاذٌّ: أنَّها لا تُنَجّسِه\" (^٤).\nالمثال الثاني: يقولُ النوويُّ - أيضًا -: \"حَكَى الرافعي قولًا شاذًا أنَّ دعاءَ الاستفتاحِ يكونُ بعد هذه التكبيراتِ\" (^٥)، أيْ: تكبيراتِ الركعةِ الأُولى مِنْ صلاةِ العيدِ.\n_________\n(^١) مواهب الجليل (١/ ٤٦٢).\n(^٢) بلغة السالك لأقرب المسالك (١/ ٥٢١).\n(^٣) انظر: منهج البحث في الفقه الإسلامي للدكتور عبد الوهاب أبو سليمان (ص/ ٢٥٣)، حاشية (٢).\n(^٤) ضحة الطالبين (١/ ٢٠).\n(^٥) المجموع شرح المهذب (٥/ ١٧).","vol":"2","page":582},{"text":"أمثلة الشاذ عند الحنفية:\nالمثال الأول: يقولُ أبو بكرٍ السرخسي: \"ثمَّ حاصلُ المذهبِ أنَّ الدمَ إذا سألَ بقوةِ نفسِه حتى انحدرَ، انتقضَ به الوضوءُ؛ وإنْ لم ينحدرْ، ولكنَّه علا فصارَ أكثرَ مِنْ رأسِ الجُرْح، لم تنتقضْ به الطهارةُ، إلا في روايةٍ شاذةٍ عن محمدٍ، رحمه الله تعالى\" (^١).\nالمثال الثاني: يقولُ أبو بكرٍ السرخسي - أيضًا -: \"لو صلَّى - أيْ: التراويح - عشر ركعاتٍ، فهو عن التسليماتِ الخمسِ في روايةٍ شاذَّةٍ عن أبي حنيفةَ - رحمه الله تعالى - إلا أنَّها مكروهةٌ؛ لأنَّها خلافُ الظاهرِ\" (^٢).\nأمثلة الشاذ عند الحنابلة:\nالمثال الأول: نَقَلَ ابنُ مفلحٍ عن بعضِ الحنابلة قولَه: \"ولا الإشهاد على أذنِها - أيْ: لا يُشترطُ في النكاحِ الإشهاد على إذن المرأة - ... وفي المذهبِ خلافٌ شاذٌّ: يُشترطُ الإشهادُ على إذنِها\" (^٣).\nالمثال الثاني: يقولُ المرداويُّ في الأحكامِ المترتبة عن لعانِ الزوجين: \"الثالثُ: التحريمُ المؤبّدُ ... وعنه: إنْ أَكْذَبَ - أيْ: الزوج - نفسَه حلَّت له ... قال المصنّفُ والشارحُ: هي روايةٌ شاذةٌ، شَذَّ بها حنبلٌ عن أصحابِه\" (^٤).\nالمثال الثالث: يقولُ ابنُ اللحام: \"إنْ توضأَ، ولم يَنْوِ، فإنَّه لا يصحُّ إلا على وجهٍ شاذٍّ أنَّه لا يعتبرُ لطهارةِ الحدثِ نيةٌ\" (^٥).\n_________\n(^١) المبسوط (١/ ٧٧).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ١٤٧).\n(^٣) الفروع (٨/ ٢٣٤ - ٢٣٥).\n(^٤) الإنصاف (٩/ ٢٥٢).\n(^٥) القواعد (١/ ١٣٦).","vol":"2","page":583},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>الفرع السابع عشر: الطرق</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>أولًا: التعريف اللغوي للطرق:</span>\nالطُرُقُ: جمعٌ مفردُه طريقٌ، وجمعُ الجمعُ: طُرُقُاتٌ (^١)، يُقالُ: طَرَقَ يَطْرُق طَرْقًا، مِنْ بابِ: قَتَلَ قَتْلًا (^٢).\nولمادة: (طرق) معانٍ في اللغةِ، منها:\nالمعنى الأول: الإتيانُ مساءً (^٣). ومنه: الطُّرُوقُ، قيل في معناه: إنَّه إتيانُ المنزلِ ليلًا (^٤)، ويُقالُ رجلٌ طُرَقَةٌ، إذا كان يسوي حتى يأتي أهلَه ليلًا (^٥).\nالمعنى الثاني: الضَرْبُ (^٦)، أو الضربُ بالحصى (^٧). يُقالُ: طَرَقَ يَطْرُقُ طَرْقًا، أيْ: ضَرَبَ، والشيءُ مِطْرَقٌ ومِطْرَقةٌ (^٨)؛ لأنَّه يَطْرِقُ بها (^٩).\nالمعنى الثالث: استرخاءُ الشيءِ (^١٠). ومِنْ هذا المعنى: المُطْرِقُ:\n_________\n(^١) انظر: المصباح المنير للفيومي، مادة: (طرق)، (ص/ ٣٠٣)، والقا موس المحيط، مادة: (طرق)، (ص/١١٦٦).\n(^٢) انظر: المصدرين السابقين.\n(^٣) انظر: الصحاح، مادة: (طرق)، (٤/ ١٥١٥)، ومقاييس اللغة، مادة: (طرق)، (٣/ ٤٤٩)، ولسان العرب، مادة (طرق)، (١٠/ ٢١٨)، والقاموس المحيط، مادة: (طرق)، (ص/ ١١٦٦).\n(^٤) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (طرق)، (٣/ ٤٤٩).\n(^٥) انظر: الصحاح، مادة: (طرق)، (٤/ ١٥١٥)، ومقاييس اللغة، مادة: (طرق)، (٣/ ٤٤٩).\n(^٦) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (طرق)، (٣/ ٤٤٩).\n(^٧) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (طرق)، (١٦/ ٢٢٤)، والصحاح، مادة: (طرق)، (٤/ ١٥١٥)، ولسان العرب، مادة: (طرق)، (١٠/ ٢١٥)، والقاموس المحيط، مادة: (طرق)، (ص/ ١١٦٦).\n(^٨) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (طرق)، (٣/ ٤٥٠).\n(^٩) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (طرق)، (١٦/ ٢٢٤)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (طرق)، (ص/٣٠٣).\n(^١٠) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (طرق)، (١٦/ ٢٣٣)، ومقاييس اللغة، مادة: (طرق)، (٣/ ٤٤٩)، والقاموس المحيط، مادة: (طرق)، (ص/ ١١٦٦).","vol":"2","page":584},{"text":"المسترخي العين (^١). ويقولُ إسماعيل الجوهريُّ: \"المُطْرِق: المسترخي العين خِلْقَةً\" (^٢).\nالمعنى الرابع: خَصْفُ شيءٍ على شيءٍ (^٣). ومِنْ هذا المعنى قولُهم: نَعْلٌ مُطَارَقةٌ، أي: مخصوفةٌ (^٤)، والطِرْق، وهو الشحم والقوة (^٥)، سُمّيَ بذلك؛ لأنَّه كأنَّه خُصِفَ به، يُقالُ: ما به طِرْقٌ، أيْ: قوةٌ (^٦)، ومنه: الطريقُ، وهو السبيلُ.\nيقولُ ابنُ فارسٍ: \"وليسَ ببعيدٍ أنْ يكونَ مِنْ هذا القياسِ الطريقُ؛ وذلك أنَّه شيءٌ يعلو على الأرضِ، فكأنَّها قد طُورِقتْ به وخُصِفتْ به\" (^٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للطرق:</span>\nجاءَ في مدوَّناتِ بعضِ المذاهبِ الفقهيةِ استعمالُ مصطلحِ: (الطرق) في نقلِ المذهبِ، فلقد استعمله علماءُ المالكيةِ والشافعيةِ والحنابلةِ، ولم أقفْ على استعماله في مذهب الحنفيةِ، فيما رجعتُ إليه مِن مصادرهم.\nأولًا: الطرق عند المالكية:\nاستعملَ المالكيةُ مصطلحَ: (الطرق) في نقلِ مذهبِهم، وعرفوها بأنَّها: اختلافُ الشيوخِ أو الأصحابِ في حكايةِ المذهبِ (^٨).\n_________\n(^١) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (طرق)، (٣/ ٤٥١).\n(^٢) الصحاح، مادة: (طرق)، (٤/ ١٥١٦).\n(^٣) انظر: المصدر السابق، ومقاييس اللغة، مادة: (طرق)، (٣/ ٤٤٩)، ولسان العرب، مادة: (طرق)، (١٠/ ٢١٩)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (طرق)، (ص/ ٣٠٣).\n(^٤) انظر: الصحاح، مادة: (طرق)، (٤/ ١٥١٦)، ومقاييس اللغة، مادة: (طرق)، (٣/ ٤٥٢)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (طرق)، (ص/ ٣٠٣).\n(^٥) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (طرق)، (١٦/ ٢٣٥)، والصحاح، مادة: (طرق)، (٤/ ١٥١٤)، ولسان العرب، مادة: (طرق)، (١٠/ ٢١٥)، والقاموس المحيط، مادة: (طرف)، (ص/ ١١٦٦).\n(^٦) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (طرق)، (٣/ ٤٥٢).\n(^٧) المصدر السابق.\n(^٨) انظر: التوضيح على جامع الأمهات لخليل (ص/ ٩٣)، وكشف النقاب الحاجب لابن فرحون =","vol":"2","page":585},{"text":"يقولُ خليلٌ المالكي: \"اعلمْ أن الطريقَ عبارةٌ عنْ شيخٍ، أو شيوخٍ يرونَ أنَّ المذهبَ كلَّه على ما نقلوه، فالطرقُ عبارةٌ عن: اختلافِ الشيوخِ في كيفيةِ نقلِ المذهبِ\" (^١).\nفحين يختلفُ علماءُ المذهب في مسألةٍ ما، أهي على قولٍ واحدٍ، أم على قولين، أم على أكثر؟ يُوصفُ الاختلافُ بالطرقِ (^٢).\nوعند المالكيةِ أنَّ الأَوْلى الجمعُ بين الطرقِ ما أمكنَ، والطريقةُ التي فيها زيادةٌ راجحةٌ على غيرِها؛ لأنَّ الجميعَ ثقاتٌ، وحاصلُ دعوى النافي شهادةٌ على نفي (^٣).\nوهنا سوال، وهو: هل يجوزُ أنْ يُقال في طريقٍ مِن الطرقِ: هذا مذهبُ الإمامِ مالكٍ؟\nبيَّنَ ابنُ عرفةَ المالكي جوابَ السؤالِ بما حاصلُه، أنَّ مَنْ له معرفةٌ بقواعدِ المذهبِ، ومشهورِ قولِه والترجيحِ والقياسِ: يجوز له ذلك، بشرطِ: أنْ يبذلَ وسعَه في تذكرِ محفوظِه مِنْ قواعدِ المذهبِ؛ ومَنْ لم يكن كذلك، لا يجوزُ له ذلك إلا أنْ يَعْزُوَه إلى مَنْ قاله قبلَه (^٤).\nأمثلة الطرق عند المالكية:\nالمثال الأول: يقولُ ابنُ الحاجبِ: \"في إزالةِ النجاسةِ ثلاثُ طرقٍ:\nالأولى: لابنِ القصارِ، والتلقينِ، والرسالةِ: واجبةٌ مطلقًا ...\nالثانية: للجلابِ، وشرح الرسالةِ: سنةٌ ...\n_________\n= (ص/ ١٤٧)، ومنار أصول الفتوى للقاني (ص/ ٢٨٦)، ومواهب الجليل للحطاب (١/ ٣٨)، ومقدمة مسائل لا يعذر فيها بالجهل على مذهب الإمام مالك (ص/١٣).\n(^١) التوضيح على جامع الأمهات (ص/٩٣).\n(^٢) انظر: المصدر السابق، وكشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/ ١٤٧).\n(^٣) انظر: المصدرين السابقين.\n(^٤) انظر: جامع مسائل الأحكام للبرزلي (١/ ١٠٧)، ومواهب الجليل للحطاب (١/ ٣٨ - ٣٩). =","vol":"2","page":586},{"text":"الثالثة: للخمي وغيره: ثلاثة أقوال في: (المدونة): واجبةٌ مع الذكرِ والقدرةِ ...\nالثاني: واجبةٌ مطلقًا، لابن وهب (^١) الثالث: سنةٌ ... \" (^٢).\nالمثال الثاني: يقولُ خليل: \"أمَّا الدمُ ... غير المسفوحِ، كالجاري في العروقِ: نَقْلُ المصنفُ - أي: ابن الحاجب -: فيه طريقتانِ:\nالأولى: أنَّه طاهرٌ، بلا خلافٍ فيه.\nالثانية: أنَّ فيه قولان (^٣)، أيْ: قول بالطهارةِ، وقول بالنجاسةِ، وهذه طريقة ابنِ شاس\" (^٤).\nثانيًا: الطرق عند الشافعية:\nلا يختلفُ اصطلاحُ علماءِ الشافعيةِ عن اصطلاحِ علماءِ المالكيةِ في معنى مصطلح: (الطرق).\nيقولُ محيي الدين النوويُّ: \"أمَّا الطرقُ، فهي: اختلافُ الأصحابِ في حكايةِ المذهب، فيقول بعضُهم مثلًا: في المسألةِ قولانِ، أو وجهانِ، ويقولُ الآخرُ: لا يجوزُ قولًا واحدًا، أو وجهًا واحدًا؛ أو يقول أحدُهما:\n_________\n(^١) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي الفهري بالولاء، أبو محمد المصري، ولد بمصر سنة ١٢٥ هـ كان أول أمره مشتغلًا بالعبادة، ثم طلب العلم، فكان يصل الليل بالنهار في طلبه، مع الزهد والورع، كان من أوعية العلم، إمامًا فقيهًا حافظًا عالمًا عاملًا، وقد لقي بعض صغار التابعين، وروى عن أربعمائة عالم، وهو من أصحاب الإمام مالك الآخذين عنه، قال عنه الإمام مالك: \"ابن وهب إمام عالم\"، وقال عنه الإمام أحمد: \"ما أصح حديثه، وأعرفه بالأسامي\"، وقال أيضًا: \"ابن وهب عالم صالحٌ، كثير العلم\"، من ملؤلفاته: الجامع في الحديث، والمغازي، وتفسير غريب الموطأ، توفي بمصر سنة ١٩٧ هـ وقيل: سنة ١٩٦ هـ.\nانظر ترجمته في: المعرفة والتاريخ للفسوي (٢/ ١٨٣)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٥/ ١٨٩)، وترتيب المدارك للقاضي عياض (١/ ٤٢٠)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٣٦)، وتهذيب الكمال للمزي (١٦/ ٢٧٧)، وسير أعلام النبلاء (٩/ ٢٢٣)، وميزان الاعتدال للذهبي (٢/ ٥٢١)، والديباج المذهب لابن فرحون (١/ ٤١٣).\n(^٢) جامع الأمهات (ص/ ٣٦).\n(^٣) هكذا في: التوضيح على جامع الأمهات، والجادة: \"قولين\".\n(^٤) المصدر السابق.","vol":"2","page":587},{"text":"في المسألةِ تفصيلٌ، ويقول الآخر: فيها خلافٌ مطلقٌ\" (^١).\nويُطلقُ الشافعيةُ الطُّرقَ على اختلافِ علماءِ مذهبِهم في مرادِ الإمامِ الشافعي بكلامِه، يقولُ صدرُ الدين السلمي: \"إنْ كانَ الاختلافُ - أي: بين الأصحاب - في المسألةِ؛ لاختلافِ الأصحابِ في مرادِ الشافعي بلفظِه، فالتعبيرُ عن هذا النوعِ بالطريقين هو الأظهرُ، وقد يُعبَّرُ عنه بالوجهين، لكن الأولَ هو الأكثرُ\" (^٢).\nوقد وجدتُ عددًا مِنْ الشافعيةِ عرَّفَ الطرقَ بما قاله محيي الدين النووي (^٣).\nوقد تُطلقُ: (الطرق)، ويُرادُ بها: الوجوه، وكذلك العكس، ولا سيما عند متقدمي الشافعيةِ، كأبي إسحاقَ الشيرازي (^٤).\nولعلَّ مردَّ التساهلِ في الإطلاقِ هو اشتراكُ الطُّرقِ والوجوهِ في كونهما مِنْ كلامِ أتباعِ المذهبِ (^٥).\nأمثلة الطرق عند الشافعية:\nالمثال الأول: يقولُ أبو إسحاقَ الشيرازي: \"فإنْ كانت النجاسةُ - أي: التي في الماء - ممَّا لا يدركُها الطَرْفُ: ففيه ثلاث طرق:\nمِن أصحابِنا مَنْ قال: لا حكمَ لها ... ومنهم مَنْ قال: حكمُها حكمُ سائرِ النجاساتِ ... ومنهم مَنْ قال: فيه قولان: أحدهما: لا حكمَ لها،\n_________\n(^١) المجموع شرح المهذب (١/ ٦٦).\n(^٢) فرائد الفوائد (ص/ ١٠٥).\n(^٣) انظر: تحفة المحتاج للهيتمي (١/ ٤٥)، والابتهاج في بيان اصطلاح المنهاج للعلوي (١/ ٩٠) مطبوع مع النجم الوهاج للدميري، والبحث الفقهي للدكتور إسماعيل عبد العال (ص/ ٢٢٤)، ومقدمة تحقيق الوسيط في المذهب للغزالي (١/ ٢٣٩)، ومقدمة تحقيق الغاية القصوى للبيضاوي (١/ ١١٧)، والمدخل إلى مذهب الإمام الشافعي للدكتور أكرم القواسمي (ص/٥٠٨ - ٥٠٩).\n(^٤) انظر: المجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٦٦)، ومقدمة تحقيق الغاية القصوى للبيضاوي (١/ ١١٧).\n(^٥) انظر: المصدرين السابقين.","vol":"2","page":588},{"text":"والثاني: لها حكمٌ\" (^١).\nالمثال الثاني: يقولُ محيي الدين النوويُّ: \"الرابعة - أي: من سنن الوضوء -: المضمضةُ والاستنشاقُ ... وفي الأفضلِ طريقانِ: الصحيح: أنَّ فيه قولين: أظهرهما: الفصلُ بين المضمضةِ والاستنشاقِ أفضلُ، والثاني: الجمعُ بينهما أفضلُ. والطريق الثاني: الفَصْلُ أفضلُ قطعًا\" (^٢).\nثالثًا: الطرق عند الحنابلة:\nوَرَدَ مصطلحُ: (الطرق) في عددٍ مِن المواطنِ في مدوَّناتِ المذهبِ الحنبلي، ولم أقفْ على تحديدِ معناها عندهم - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادر - ويظهرُ لي أنَّ معناه عندهم في ضوءِ استعمالهم له لا يخرجُ عن اصطلاحِ علماءِ المالكيةِ والشافعيةِ المتقدمِ تقريرِه آنفًا، وهو اختلافُ علماءِ المذهبِ في حكايةِ المذهبِ.\nأمثلة الطرق عند الحنابلة:\nالمثال الأول: يقولُ المرداويُّ: \"قوله - أي: ابن قدامه -: \"وهل يستفتحُ ويستعيذُ فيما يجهرُ فيه الإمامُ؟ على روايتين\" ... اعلم أنَّ للأصحابِ في محلِّ الخلافِ طُرقًا: أحدها: أنَّ محلَّ الخلافِ: في حالِ سكوتِ الإمامِ، فأمَّا في حالِ قراءتِه، فلا يستفتحُ ولا يستعيذُ، روايةً واحدةً، وهي طريقةُ المصنّفِ في: (المغني)، والشارحِ ...\nالطريق الثاني: أنَّ محلَّ الروايتين: يختصُّ حالَ جهرِ الإمامِ وسماعِ المأمومِ له، دونَ حالة سكتاته، وهي طريقةُ القاضي في: (المجرد)، و(الخلاف) ...\nالطريق الثالث: أنَّ الخلافَ جارٍ في حالِ جهرِ الإمامِ وسكوتِه، وهو ظاهر كلام المصنف هنا - أيْ: في: (المقنع) - وأبي الخطاب ... \" (^٣).\n_________\n(^١) المهذب (١/ ٤٥).\n(^٢) روضة الطالبين (١/ ٥٨).\n(^٣) الإنصاف (٢/ ٢٣٢ - ٢٣٣).","vol":"2","page":589},{"text":"المثال الثاني: نَقَلَ المرداويُّ عن تقي الدينِ بنِ تيمية قولَه: \"تحرر لأصحابِنا في تزويجِ الأمةِ على الحرةِ ثلاثُ طرقٍ: أحدها: المنع، روايةً واحدةً ... الطريق الثاني: إذا لم تُعِفَّه، ففيه روايتانِ .. الطريق الثالث: في الجمعِ روايتانِ ... \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>الفرع الثامن عشر: الإجراء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>أولًا: التعريف اللغوي للإجراء:</span>\nالإجراء: مصدرٌ مِن الفعلِ أَجْرَى، يُقالُ: أَجْرَى يُجْرِي إجْرَاءً، بناءً على القاعدةِ الصرفيةِ فيما كان على وزن: (أَفْعَل) فمصدره على وزن: (إفْعَال) (^٢).\nويقالُ: جَرَى الماءُ يَجْرِي جِرْيَةً، وجَرْيًا، وجَرَيَانًا، وأنا أَجْرَيْتُه (^٣).\nومعنى مادة: (جري): انسياحُ الشيءِ. يقولُ ابنُ فارسٍ: \"الجيمُ والراءُ والياءُ أصلٌ واحدٌ، وهو انسياحُ الشيءِ\" (^٤).\nيُقالُ: جَرَى الماءُ، إذا سال (^٥)، والجَرِيُّ: الوكيلُ؛ لأنَّه يَجْرِى مَجْرَى موكلِّه (^٦)، والجِرَايةُ: الجاري مِن الوظائفِ (^٧)، وجَرَت الشمسُ:\n_________\n(^١) المصدر السابق (٨/ ١٤٤).\n(^٢) انظر: شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك (٢/ ١٢١).\n(^٣) انظر: الصحاح، مادة: (جري)، (٦/ ٢٣٠١)، ومقاييس اللغة، مادة: (جري)، (١/ ٤٤٨)، ولسان العرب، مادة: (جرا)، (١٤/ ١٤٠)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (جري)، (ص/ ٨٩)، والقاموس المحيط، مادة: (جري)، (ص/ ١٦٣٩).\n(^٤) مقاييس اللغة، مادة: (جري)، (١/ ٤٤٨).\n(^٥) انظر: المصباح المنير للفيومي، مادة: (جري)، (ص/ ٨٩).\n(^٦) انظر: الصحاح، مادة: (جري)، (٦/ ٢٣٠٢)، ومقاييس اللغة، مادة: (جري)، (١/ ٤٤٨)، ولسان العرب، مادة: (جرا)، (١٤/ ١٤٢)، والقاموس المحيط، مادة: (جري)، (ص/ ١٦٣٩).\n(^٧) انظر: الصحاح، مادة: (جري)، (٦/ ٢٣٠١)، ولسان العرب، مادة: (جرا)، (١٤/ ١٤٢).","vol":"2","page":590},{"text":"سارتْ مِن المشرقِ إلى المغربِ (^١)، ولذا تُسمَّى الشمسُ بالجاريةِ (^٢).\nيقولُ الفيوميُّ (^٣): \"جَرَيتُ إلى كذا جَرْيًا وجِرَاءً، أيْ: قصدتُ وأسرعتُ، وقولُهم: جرى في الخلافِ كذا، يجوزُ حملُه على هذا المعنى\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للإجراء:</span>\nانفردَ علماءُ المالكيةِ باستعمالِ مصطلحِ: (الإجراء)، فلم أقفْ على استخدامٍ له عند غيرِهم مِن المذاهبِ، فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادر.\n\nمصطلح: (الإجراء) عند المالكية:\nالإجراءُ عند المالكيةِ مِنْ باب القياسِ (^٥)، ومرادهم به: أنَّ القواعدَ تقتضي أنْ يُجْرَى في المسألةِ مثلُ الحَكمِ المذكورِ في مسألةٍ أخرى (^٦).\nوحقيقةُ الإجراءِ موجودةٌ عند المذاهبِ الأخرى، لكنْ بغيرِ لفظِ الإجراءِ، وإنَّما بمعناه، ولعلَّ استغناءهم عنه بغيرِه مِن المصطلحاتِ هو السبب في عدمِ حاجتِهم إلى استعمالِه.\n_________\n(^١) انظر: لسان العرب، مادة: (جرا)، (١٤/ ١٤٠)، والقاموس المحيط، مادة: (جري)، (ص/ ١٦٣٩).\n(^٢) انظر: الصحاح، مادة: (جري)، (٦/ ٢٣٠٢)، ومقاييس اللغة، مادة: (جري)، (١/ ٤٤٨)، ولسان العرب، مادة: (جرا)، (١٤/ ١٤٠).\n(^٣) هو: أحمد بن محمد الفيومي، ثم الحموي، شهاب الدين أبو العباس، ويُعرف بابن ظهير، كان شافعي المذهب، وقد نشأ بالفيوم بمصر، واشتغل بتحصيل العربية حتى مهر وتميز، واجتمع بأبي حيان النحوي، وارتحل إلى حماة واستوطنها، وخطب في جامع الدهشة سنة ٧٢٧ هـ، من مؤلفاته: المصباح المنير في غريب الجامع الكبير، ونثر الجان في تراجم الأعيان، وشرح عروض ابن الحاجب، توفي سنة نيف وسبعين وسبعمائة. انظر ترجمته في: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ٣٣٥)، والدرر الكامنة لابن حجر (١/ ٣١٤)، والضوء اللامع للسخاوي (١٠/ ١٢٩)، وبغية الوعاة للسيوطي (١/ ٣٨٩)، والأعلام للزركلي (١/ ٢٢٤).\n(^٤) المصباح المنير، مادة: (جري)، (ص/ ٨٩).\n(^٥) انظر: كشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/ ١٠٨)، ومنار أصول الفتوى للقاني (ص/ ٢٨٣).\n(^٦) انظر: كشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/ ١٠٩).","vol":"2","page":591},{"text":"أمثلة الإجراء عند المالكية:\nالمثال الأول: يقولُ ابنُ الحاجبِ: \"لو قالَ - أيْ: الزوج -: إنْ خالعتُك فأنتِ طالقٌ ثلاثًا، ثم خالعها: فالمنصوصُ: يَرُدُّ ما أَخَذَ، وأجراه اللخْميُّ على الشاذِّ في: إنْ بِعتُكَ فأنتَ حرٌّ\" (^١).\nالمثال الثاني: نقل البُرْزُليُّ (^٢) عن أبي عبد الله المازري قولَه: \"اختلفَ المذهبُ في المرتدِّ إذا باعَ واشترى أو وَهَبَ قبلَ التحجيرِ عليه:\nفقيل (^٣) هو ماضٍ حتى يحجرَ عليه، أو هو كالمحجورِ عليه بنفسِ الردّةِ، وهذا إنْ قُتِلَ على ردّتِه ... وهذه كمسألةِ: (مستغرقِ الذّمةِ)، والجامعُ: أنَّ ما بأيديهما النظرُ فيه للإمامِ، وأنَّه مالُ الله تعالى، لا يُوْرَث عن أحدٍ منهما، فانظرْ، هل يتخرجُ فيه مِن الخلافِ ما في المرتدِّ في عتقِه وهبتِه وصدقتِه، أم لا؟ قلتُ - أي: البُرْزُلي -: هذا الإجراءُ أشارَ إليه التونسي (^٤) \" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>الفرع التاسع عشر: التوجيه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>أولًا: التعريف اللغوي للتوجيه:</span>\nالتوجيه: مصدرٌ مِن الفعلِ وَجَّه، يُقالُ: وَجَّه يُوَجِّه تَوْجِيهًا؛ بناءً على القاعدة الصرفية فيما إذا كان الفعلُ على وزن: (فَعَّل)، وكان صحيحًا،\n_________\n(^١) جامع الأمهات (ص/ ٢٩١).\n(^٢) هو: أبو القاسم بن أحمد بن محمد المعتل البلوي القيرواني، ثم التونسي، المعروف بالبُرزُلي، ولد بالقيروان في حدود ٧٤٠ هـ كان فقيهًا مالكيًا، حافظًا لمذهبه، علامةً بارعًا نظارًا، ذا مكانة عالية عند الناس، وقد تولى منصب الإفتاء، ومشيخة المدرسة الشماعية بتونس، قام بعدة رحلات للمشرق العربي، من مؤلفاته: جامع مسائل الأحكام لما نزل من القضايا بالمفتين والحكام، توفي بتونس سنة ٨٤١ هـ وقيل: ٨٤٤ هـ وقيل: ٨٤٣ هـ. انظر ترجمته في: الضوء اللامع للسخاوي (١١/ ١١٣)، ونيل الابتهاج للتنبكتي (ص/٣٦٨)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٢٤٥).\n(^٣) هكذا في: جامع مسائل الأحكام (٥/ ١٣٨)، ولعل الصواب: \"هل\".\n(^٤) هو: أبو إسحاق إبراهيم التونسي.\n(^٥) جامع مسائل الأحكام (٥/ ١٣٨).","vol":"2","page":592},{"text":"فمصدرُه على وزن: (تَفْعِيْل) (^١).\nوقد تقدم ذكرُ المعنى اللغوي لمادةِ: (وجه) عند تعريفي لمصطلحِ الوجه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للتوجيه:</span>\nيَرِدُ التوجيه لمعانٍ متعددةٍ، كما لو قالَ قائلٌ: توجيه القولِ كذا، وليس هذا هو المرادُ هنا، بل المرادُ معنى أخصّ في نقلِ المذاهب، وقد انفردَ المذهبُ الحنبلي بإيرادِ بعضِ علمائِه مصطلح: (التوجيه)، ولَم أجدْه عند غيرِهم مِن المذاهبِ الفقهيةِ، فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادر.\n\nمصطلح: (التوجيه) عند الحنابلة:\nاستعملَ ابنُ مفلح مصطلحَ: (التوجيه) في نقلِ المذهبِ الحنبلي في كتابِه: (الفروع)، بقولِه: \"ويتوجه كذا\" (^٢).\nيقولُ المرداوي: \"زادَ في: (الفروع): التوجيهَ\" (^٣).\nفالتوجيه عندَ ابنِ مفلحٍ، هو: استنباطُ ابنِ مفلحٍ نفسِه حكمَ مسألةٍ، لم يردْ بشأنِها نصٌّ عن إمامِ المذهب وأصحابِه، مِنْ مسألةٍ تشبهها؛ لجامعٍ بين المسألتين (^٤).\nوفي ضوءِ ما سَبَقَ يكون التوجيهُ بمعنى: التخريجِ مِنْ نصوصِ الإمامِ، ويتفق مَعَ بعضِ المصطلحاتِ المتقدمةِ كمصطلحِ: (الإجراء).\nوحقيقةُ التوجيه موجودةٌ عند بقيةِ المذاهبِ الأخرى، لكنْ بغيرِ لفظِه، وإنَّما بمعناه؛ ولعل استغناءهم عنه بغيرِه مِن المصطلحاتِ هو السبب في عدمِ حاجتِهم إلى استعمالِه.\n_________\n(^١) انظر: شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك (٢/ ١١٩)، والتصريح بمضمون التوضيح لخالد الأزهري (٣/ ٣٢٣).\n(^٢) انظر: الفروع (١/ ٦).\n(^٣) الإنصاف (١٢/ ٢٥٦).\n(^٤) انظر: تصحيح الفروع للمرداوي (١/ ٣٧)، ومصطلحات المذاهب الفقهية لمريم الظفيري (ص/٣٥٣).","vol":"2","page":593},{"text":"أمثلة التوجيه عند الحنابلة:\nالمثال الأول: يقولُ ابنُ مفلحٍ: \"إنْ قدَّمَ الوصيُّ غيرَه - أيْ: في الصلاةِ على الميت -: فوجهانِ، ومَنْ قدَّمه وليٌّ بمنزلتِه.\nقالَ أبو المعالي (^١): فإنْ غابَ الأقربُ بمكانٍ تفوتُ الصلاةُ بحضورِه، تحوَّلتْ للأبعدِ، فله منعُ مَنْ قُدِّمَ بوكالةٍ ورسالةٍ.\nكذا قال ... ويتوجه: لا؛ كنكاحٍ، ويتوجّه فيه تخريجٌ مِنْ هنا\" (^٢).\nالمثال الثاني: يقولُ ابنُ مفلحٍ: \"إنْ قَصَدَ في طوافِه بالبيتِ غريمًا، وقَصَدَ معه طوافًا بنيّة حقيقيةٍ، لا حكميةٍ، توجّه: الإجزاء في قياسِ قولِهم، ويتوجه احتمالٌ؛ كعاطسٍ قَصَدَ بحمدِه قراءةً\" (^٣).\nالمثال الثالث: يقولُ المرداويُّ: \"ظاهرُ كلامِ ابن قدامةَ أنَّه يُكَبّرُ - أي: أن المصلي يُكبّرُ التكبيرَ المقيّدَ - إذا لم يُحْدِثْ، ولم يخرجْ مِن المسجدِ، ولو طالَ الفصلُ، وهو ظاهرُ كلامِ جماعةٍ مِن الأصحاب، قاله في (الفروعِ)، وجَعَلَ القولَ به توجيهَ احتمالٍ، وتخريج مِن عنده\" (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) هو: أسعد - ويسمى: محمد - بن المنجى بن بركات بن المؤمل التنوخي المعري، ثم الدمشقي، أبو المعالي وجيه الدين، ولد سنة ٥١٩ هـ تفقه ببغداد على مذهب الإمام أحمد مدة، وبرع فيه، كان شيخًا جليلًا علامةً شاعرًا، له المعرفة التامة، وحدَّث بدمشق، وقد ولي قضاء حران في دولة الملك نور الدين، من مؤلفاته: الخلاصة في الفقه، والعمدة، والنهاية في شرح الهداية، توفي سنة ٦٠٦ هـ ودفن بسفح قاسيون. انظر ترجمته في: التكملة لوفيات النقلة للمنذري (٢/ ١٧٦)، وسير أعلام النبلاء (٢١/ ٤٣٦)، والذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب (٣/ ٩٨)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (١/ ٢٧٩)، والمنهج الأحمد للعليمي (٤/ ٨١)، والدر المنضد له (١/ ٣٢٨).\n(^٢) الفروع (٣/ ٣٣١).\n(^٣) المصدر السابق (٦/ ٣٨).\n(^٤) الإنصاف (٢/ ٤٣٩).","vol":"2","page":594},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>المسألة السادسة: تفضيل مذهب من المذاهب</span>\nسأطرُق مسألةَ: (تفضيل مذهبٍ مِن المذاهبِ) في ضوءِ الفقرتين الآتيتينِ:\nالفقرة الأولى: هل يجوزُ تفضيلُ مذهبٍ على غيرِه؟\nالفقرة الثانية: نماذجُ مِنْ أقوالِ بعضِ العلماءِ في تفضيلِ مذهبِهم على غيرِه.\nالفقرة الأولى: هلْ يجوزُ تفضيلُ مذهبٍ على غيرِه؟\nلا شكَّ في أنَّ الاختلافَ الأصولي والفقهي واقعٌ بين المذاهبِ المتبوعةِ، ويبعدُ اتفاقُ أقوالِ مذهبٍ مع مذهب آخر في جميعِ المسائل أو غالبِها، ولذا فالمذاهبُ تختلفُ بحسب قربِهَا أو بُعدِها مِن الصوابِ في المسائلِ، لكنْ هلْ يجوزُ تفضيلُ مذهبٍ عَلى غيرِه؟\nتعددتْ أقوالُ العلماءِ في الحديث عن تفضيلِ مذهبِهم على مذهب غيرِهم، ويظهرُ لي أن الأَوْلى عدمُ الخوضِ في تفضيلِ مذهبٍ بعينِه؛ لأنَّ الحديثَ عن تفضيلِ المذهب قد يكونُ طريقًا إلى الحطِّ مِنْ قدر أئمةِ المذاهب وعلمائها، وطريقًا إلى التعصَّبِ لها، والتمسكِ بها، وإنْ خالفت الصوابَ.\nوسأبيّنُ حكمَ تفضيل مذهبٍ على مذهبٍ في ضوءِ الآتي:\nأولًا: إنْ كانَ الباعثُ على الحديثِ عن فضلِ المذهبِ ومزيتِه، التعصّبَ له، وإيجابَ التزامِه في جميعِ المسائلِ وتحريم الخروجِ عنه، حتى ولو خالفَ الدليلَ: فإنَّه لا يجوز.\nثانيًا: إنْ كانَ للحديثِ عن تفضيل مذهبٍ على غيرِه مدخلٌ في التعصبِ والتفرقِ والاختلافِ: فهو مذمومٌ (^١).\n_________\n(^١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/ ٢٩٣).","vol":"2","page":595},{"text":"يقولُ ابنُ أبي العزِّ الحنفي: \"ومِنْ مِثْلِ هذا الاستدلالِ - أي: الاستدلال على تفضيل المذهب - نَشَأَ الافتراقُ في الأُمّةِ\" (^١).\nويقولُ - أيضًا -: \"أمَّا تفضيلُ شخصٍ على شخصٍ مِن العلماءِ، فليس منصوصًا عليه، ولا مجمعًا عليه، وغالبُ الخائضين فيه إنَّما يتكلمون بهوىً وتعصّبٍ\" (^٢).\nثالثًا: إنْ تضمّنَ الحديثُ عن تفضيلِ المذهبِ الحطَّ مِنْ قدرِ أئمةِ المذاهبِ الأخرى، أو ذكر مثالبِهم والطعن فيهم: فإنَّه لا يجوزُ (^٣).\nمع أنَّنا نجدُ أن مَنْ يَحُطَّ مِنْ قدرِ علماءِ المذاهب التي تخالفُه، يثبتُ أقوالَهم في المسائلِ الخلافيةِ، وينظرُ في أدلتِهم.\nوالعجبُ أنْ يقعَ في هذا المزلقِ الخطيرِ بعض العلماءِ الذين لهم قدمٌ راسخةٌ في العلمِ.\nيقولُ أبو إسحاقَ الشاطبي: \"إن الترجيحَ بين أمرين إنَّما يقعُ في الحقيقةِ بعدَ الاشتراكِ في الوصفِ الذي تفاوتا فيه ... وإنْ كانَ كذلك، فالخروجُ في ترجيحِ بعضِ المذاهبِ على بعضٍ إلى القدحِ في أصلِ الوصفِ بالنسبةِ إلى أحدِ المتصفين خروجٌ عن نَمَطٍ إلى نَمَطٍ آخر مخالفٍ له، وهذا ليس مِنْ شَأْنِ العلماءِ، وإنَّما الذي يليقُ بذلك الطعن والقدح في حصولِ ذلك الوصف لمَنْ تعاطاه، وليس مِنْ أهلِه، والأئمةُ المذكورون بُرَءاءُ مِنْ ذلك\" (^٤).\nوقد أفاضَ الشاطبيُّ - بما لا مزيدَ عليه - في ذكرِ السلبياتِ المترتبةِ على ترجيحِ مذهبٍ بالطعنِ في المذاهبِ الأخرى (^٥).\nرابعًا: إنْ كانَ الحديثُ عن تفضيلِ المذهبِ بذكرِ خصائصِ المذهبِ\n_________\n(^١) الاتباع (ص/٢٨).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) انظر: الموافقات (٥/ ٢٨٦).\n(^٤) المصدر السابق.\n(^٥) انظر: المصدر السابق (٥/ ٢٨٦ - ٢٩١).","vol":"2","page":596},{"text":"ومزاياه في أصولِه، وموافقتِه للدليلِ، وذكرِ مناقب إمامِه ومناقبِ أصحابِه، ونحو هذا، مع الخلو مِنْ شائبةِ التعصبِ: فلا يظهَرُ لي مانعٌ منه؛ لأنه أشبه بالتعريفِ بالمذهبِ، بشرطِ: أنْ لا يتضمّنَ حديثُه سلبَ مزايا غيرِه مِن المذاهبِ (^١).\nيقولُ أبو إسحاقَ الشاطبيُّ: \"إذا وَقَعَ الترجيحُ بذكرِ الفضائلِ والخواصِّ والمزايا الظاهرةِ التي يشهدُ بها الكافّةُ: فلا حَرَجَ فيه، بلْ هو ممَّا لا بُدَّ منه في هذه المواطن، أعني: عند الحاجةِ إليه\" (^٢).\nثمَّ ساقَ الشاطبيُّ عددًا مِن الأدلةِ الدالةِ بعمومِها على التفضيلِ بذكرِ المزايا والخواص (^٣)، كما في قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (^٤).\nخامسًا: لا يتأتَّى الحديثُ عنْ تفضيلِ مذهبٍ ما إلا مِنْ عالم ضليعٍ في علومِ الشريعةِ الإسلامية؛ لأنَّه هو القادر على معرفةِ خصائصِ المَذاهبِ ومزاياها على الوجهِ الأمثلِ.\nيقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية: \"ولا يَعْرِفُ هذا التفاضل إلا مَنْ خاضَ في تفاصيلِ العلمِ\" (^٥).\nسادسًا: لو قيل: إنَّ الأفضلَ لمَنْ يريدُ التفقه بدراسةِ مذهب إمامٍ معيَّنٍ أنْ يتمذهبَ بالمذهبِ المنتشرِ في قُطْرِه وإقليمِه؛ لأنَّه أدْعى إلىَ ضبطِ العلم؛ لوجودِ العلماءِ الذين نخلوا مذهبَهم، فيقصرُ بهم الطريقُ على المتفقَّه: لما كان بعيدًا (^٦).\n_________\n(^١) انظر: المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد (١/ ١٣٧).\n(^٢) الموافقات (٥/ ٢٩١).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (٥/ ٢٩١ - ٢٩٨).\n(^٤) من الآية (٥٥) من سورة الإسراء.\n(^٥) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/ ٢٩٣).\n(^٦) انظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ٩١ - ٩٢). وجاء في: المسودة (٢/ ٩٥٩): \"أن فقيهًا قصد القاضي أبا يعلى؛ ليقرأ عليه مذهب أحمد، فسأله عن بلده؟ فأخبره، فقال له: إن أهل بلدك =","vol":"2","page":597},{"text":"سابعًا: لا يُوجدُ مذهبٌ مِن المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعةِ متمحِّضٌ في الصوابِ ولا في الخطأ، بلْ أيّ مذهبٍ يصيبُ في بعضِ المسائلِ، ويخطئُ في بعضِها الآخر (^١)، وبناءً عليه: فترجيحُ مذهبٍ برُمّتِه على مذهبٍ آخر لا يخلوُ مِنْ كثيرٍ مِن الحيفِ.\nالفقرة الثانية: نماذجُ مِنْ أقوالِ بعضِ العلماءِ في تفضيل مذهبهم على غيره.\nسأذكرُ نماذج لبعضِ العلماءِ الذين تحدثوا عنْ تفصيلِ مذهبِهم:\nيقولُ القاضي عبدُ الوهاب المالكي: \"وأمَّا ترجيحنا إيَّاه - أيْ: مذهب الإمام مالك - على غيرِه من المذاهبِ؛ فلقولِه: (يوشكُ أنْ يضربَ الناسُ أكبادَ الإبلِ في طلبِ العلمِ، فلا يجدون عالمًا أعلم مِنْ عالمِ المدينةِ) (^٢)، فالدلالةُ في هذا مِنْ موضعين:\n_________\n= كلهم يقرؤون مذهب الشافعي، فلماذا عدلت أنت عنه إلى مذهبنا؟ فقال له: إنما عدلت عن المذاهب رغبةً فيك أنت. فقال له: إن هذا لا يصلح؛ فإنك إذا كنت في بلدك على مذهب أحمد، وباقي أهل البلدة على مذهب الشافعي، لم تجد أحدًا يعيد معك ولا يدارسك، وكنت خليقًا أن تثير خصومة وتوقع نزاعًا! بل كونك على مذهب الشافعي حيث أهل بلدك على مذهبه أولى، ودلَّه على الشيخ أبي إسحاق، وذهب إليه\".\n(^١) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٨٤)، والتحبير (٨/ ٤١٤٨)، وشرح الكوكب المنير (٤/ ٦٢٤).\n(^٢) جاء الحديث من طريق أبي هريرة - ﵁ -، وأخرجه: الترمذي في: جامعه، كتاب: العلم عن رسول الله - ﷺ -، باب: ما جاء في عالم المدينة (ص/ ٦٠٤)، برقم (٢٦٨٠)، وقال: \"هذا حديث حسن\". والنسائي في: السنن الكبرى، كتاب: المناسك، باب: فضل عالم أهل المدينة (٤/ ٢٦٣)، برقم (٤٢٧٧)؛ والحميدي في: مسنده (٢/ ٢٨٣)، برقم (١١٨١)؛ وأحمد في: المسند - وجاء فيه عن أبي هريرة إن شاء الله عن النبي - ﷺ - (١٣/ ٣٥٨)، برقم (٧٩٨٠)؛ والطحاوي في: شرح مشكل الآثار، باب: بيان مشكل ما روي عن رسول الله - ﷺ - من قوله: (يوشك أن يضرب الناس ..) (١٠/ ١٨٦ - ١٨٨)، بالأرقام (٤٠١٦ - ٤٠١٨)؛ وابن أبي حاتم في: الجرح والتعديل (١/ ١١ - ١٢)؛ وابن حبان في: صحيحه، كتاب: الحج، باب: فضل المدينة (٩/ ٥٣)، برقم (٣٧٣٦)؛ والحاكم في: المستدرك، كتاب: العلم (١/ ١٢٠)، برقم (٣٠٧)، وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي؛ والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: الصلاة، باب: ما يستدل به على ترجيح قول أهل الحجاز وعلمهم (١/ ٣٨٦)؛ وفي: معرفة السنن والآثار، باب: من توقى رواية أهل =","vol":"2","page":598},{"text":"أحدهما: إخبارُه بأنَّ مَنْ ينطبقُ عليه هذا الاسم أعلمُ أهلِ وقتِه، ولم هذا في غيرِه، ولا موصوفًا به سواه ... والثاني: تأويل الأئمةِ ذلك منهم: ابن جريجٍ (^١) وابنُ عيينةَ (^٢) ... مِنْ غيرِ خلافٍ عليهم في\n_________\n= العراق (١/ ١٥٤)، برقم (٢١٥)؛ والخطيب البغدادي في: تاريخ مدينة السلام (٣/ ٢٤١)، و(٧/ ٤٠٥)؛ والذهبي في: سير أعلام النبلاء (٨/ ٥٥)، وقال: \"هذا حديث نظيف الإسناد، غريب المتن\".\nوقد أشار الإمام أحمد - كما في: المنتخب من العلل لابن قدامة (ص/ ١٣٦) - إلى إعلال الحديث بالوقف على أبي هريرة ﵁ -.\nوضعف الحديثَ ابنُ حزم في: الإحكام في أصول الأحكام (٦/ ١٣٥) بتدليس أبي الزبير، والألبانيُّ في: سلسلة الأحاديث الضعيفة (١/ ق ١/ ٣٨٣)، وأعله بعنعنة ابن جريج، وأبي الزبير، فإنهما مدلسان.\nويشهد للحديث ما جاء عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (يخرج الناسُ من المشرق إلى المغرب في طلب العلم، يضرب إليه بأكباد الإبل، فلا يجدون أعلم من عالم المدينة)، وأخرجه: ابن عدي في: الكامل في الضعفاء (١/ ٨٩). وفي سنده انقطاع، انظر: تحقيق مؤسسة الرسالة لمسند الإمام أحمد (١٣/ ٣٦٠)\n(^١) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيجٍ الأموي مولاهم، أبو خالد وأبو الوليد المكي، ولد سنة ٨٠ هـ أصله روميُّ، كان إمامًا حافظًا علامةً، من أوعية العلم، صاحب تعبد وتهجد، وما زال يطلب العلم حتى كبر وشاخ، وهو أول من دون العلم بمكة، وكان شيخ الحرم المكي، وقيل عنه: سيد شباب أهل الحجاز، سمع من عطاء بن أبي رباح، ونافع، توفي سنة ١٤٩ هـ وقيل: سنة ١٥٠ هـ وقيل: سنة ١٥١ هـ. انظر ترجمته في: الجرح والتعديل للرازي (٥/ ٣٥٦)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ٦٦)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ١٦٣)، وتهذيب الكمال للمزي (١٨/ ٣٣٨)، وسير أعلام النبلاء (٦/ ٣٢٥)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (١/ ١٦٩)، وميزان الاعتدال له (٢/ ٦٥٩)، وطبقات المفسرين للداودي (١/ ٣٥٨).\n(^٢) هو: سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي، أبو محمد الكوفي، مولى محمد بن مزاحم، ولد سنة ١٠٧ هـ كان إمامًا كبيرًا، حافظ عصره، ومحدِّث الحرم، وقد طلب الحديث وهو حَدَث، ولقي الكبار، وحمل عنهم علمًا جمًا، وأتقن وجود، وجمع وصنَّف، وانتهى إليه علو الإسناد، ورُحل إليه من البلاد، قال الإمام الشافعي: \"لولا مالك وسفيان بن عيينة لذهب علم الحجاز\"، وقال عبد الله بن وهب: \"لا أعلم أحدًا أعلم بتفسير القرآن من ابن عيينة\"، روى عن أبي إسحاق السبيعي، والأسود بن قيس، والزهري، من مؤلفاته: جوابات القرآن، توفي سنة ١٩٨ هـ. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٥/ ٤٩٧)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (١/ ٣٩١)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (١/ ٢٦٢)، وسير أعلام النبلاء (٨/ ٤٥٤)، وتهذيب التهذيب لابن حجر (٤/ ١٠٤)، وطبقات المفسرين للداودي (١/ ١٩٦)، وشذرات الذهب لابن العماد (٢/ ٤٦٦).","vol":"2","page":599},{"text":"ذلك\" (^١).\nويقولُ إمامُ الحرمين الجويني: \"فإذا نَظَرَ الناظرُ إلى منصبِ الإمامِ الشافعي عَرَفَ أنَّه أعلمُ الأئمةِ بكتابِ الله تعالى، فإنَّه عربيٌّ مبينٌ، والشافعيُّ تفقأتْ عنه بيضة قريش، ولا يخفى تميّزه عنْ غيرِه\" (^٢)، ثمَّ يقول: \"فمَنْ نَظَرَ إلى الأصولِ، ثم نَظَرَ نَظَرًا كليًّا إلى الفروعِ، لم يخفَ عليه مَنْ يكون أولى بالاتِّباعِ.\nوإنْ قَصُرَ نَظَرُ بعضِ المستفتين عن فهمِ ما ذكرناه، فلا عليه لو احتذى بقولِ النبي ﵇: (الأئمةُ مِنْ قريشٍ) \" (^٣).\n_________\n(^١) المعونة على مذهب عالم المدينة، مطبوع ما يتعلق بأصول الفقه مع المقدمة لابن القصار (ص/ ٢٤٩ - ٢٥٠). وانظر تعليق ابن حزم على استدلال المالكية بحديث: (يوشك أن يضرب ..) في: الأحكام في أصول الأحكام (٦/ ١٣٣ - ١٣٦). وانظر في تفضيل مذهب الإِمام مالك: الذخيرة للقرافي (١/ ٣٤)، والقوانين الأحكام الشرعية لابن جزي (ص/ ٢)، والموافقات (٥/ ٣٣٣)، والديباج المذهب لابن فرحون (١/ ٥٧ - ٨١)، وانتصار الفقير السالك للراعي (ص/ ١٢٣ وما بعدها، و١٩٩ وما بعدها)، ومناهج التحصيل للرجراجي (١/ ٧١ - ٧٦)، ونشر البنود (٢/ ٣٤٣ - ٣٤٤)، ومراقي السعود إلى مراقي السعود (ص/ ٥٣، ٤٥٦)، ونشر الورود للشنقيطي (٢/ ٦٧٥ - ٦٧٦)، وتطور المذهب المالكي في الغرب الإسلامي لمحمد شرحبيلي (ص/ ١١٥ - ١٥٥)، والمذهب المالكي مذهب المغاربة المفضل للأستاذ محمد الناصري (١/ ٦٧ وما بعدها)، مطبوع ضمن ندوة الإمام مالك، والانتصار لمذهب مالك للدكتور عبد الكبير المدغري (٢/ ١٩١ وما بعدها)، مطبوع ضمن ندوة الإمام مالك، وأصول الفتوى والقضاء للدكتور محمد رياض (ص/ ١٠٤ - ١٠٨)، وسيأتي بعد قليل كلام القاضي عياض في تفضيل مذهب الإمام مالك.\n(^٢) البرهان (٢/ ٧٤٥ - ٧٤٦).\n(^٣) البرهان (٢/ ٧٤٧)، أما عن حديث: (الأئمة من قريش)، فقد جاء عن عدد كبير من الصحابة - ﵁ -، يبلغون الأربعين كما قاله ابنُ حجر في: التلخيص الحبير (٦/ ٢٦٩٨)، ومن أبرز من ورد عنهم:\nأولًا: حديث أنس بن مالك - ﵁ -، وأخرج حديثه: البخاري في: التاريخ الكبير (٢/ ١١٢، ١١٣)، و(٤/ ٩٩)، ولفظه: (الأمراء من قريش)؛ والنسائي في: السنن الكبرى، كتاب: القضاء، باب: (دون ترجمة) (٥/ ٤٥٠)، برقم (٥٩٠٩)؛ والطيالسي في: المسند (٣/ ٥٩٥)، برقم (٢٢٤٧)؛ وابن أبي شيبة في: المصنف، كتاب: الفضائل، باب: ما ذكر في فضل قريش (١٧/ ٢٨٤)، برقم (٣٣٠٥٥)؛ وأحمد في: المسند (١٩/ ٣١٨)، برقم =","vol":"2","page":600},{"text":"ثُمَّ يقولُ عن الإِمامِ أبي حنيفةَ بعدما وصفه بأنَّه مِن الموالي!: \"أمَّا أبو حنيفةَ: فلا نُنْكِرُ اتِّقادَ فطنتِه، وجودةَ قريحتِه في دَرَكِ عرفِ المعاملاتِ\n_________\n= (١٢٣٠٧)؛ وابن أبي عاصم في: السنَّة (ص / ٥١٧)، برقم (١١٢٠)؛ والبزار في: مسنده (١٢/ ٣٢١)، برقم (٦١٨١)، وقال: \"لا نعلم أسند سعد عن أنس إِلَّا هذا الحديث\"، وقال وابن الملقن في: البدر المنير (٨/ ٥٣٢) عن إِسناد البزار: \"رجاله رجال الصحيح\". وأبو يعلى في: المسند (٦/ ٣٢١)، برقم (٣٦٤٤)؛ والطَّبراني في: المعجم الكبير (١/ ٢٥٢)، برقم (٧٢٥)؛ وفي: المعجم الأوسط (٦/ ٣٥٧)، برقم (٦٦١٠)، وقال: \"لم يرو هذا الحديث عن فضيل بن عياض إِلَّا أحمدُ بن يونس\". وفي: الدعاء (٣/ ١٦٤٩ - ١٦٥٠)، بالأرقام (٢١٢٠ - ٢١٢٢)؛ والحاكم في: المستدرك، كتاب: الفتن والملاحم (٤/ ٥٠١)، وقال: (صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه\". وأبو نعيم في: حلية الأولياء (٣/ ١٧١)، وقال: \"هذا حديث مشهور ثابت من حديث أنس\". والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: قتال أهل البغي، باب: الأئمة من قريش (٨/ ١٤٣ - ١٤٤).\nوصحح الألبانيُّ الحديثَ في: إِرواء الغليل (٢/ ٢٩٨).\nثانيًا: حديث أبي برزة الأسلمي - ﵁ -، وأخرج حديثه: الطيالسي في: المسند (٢/ ٢٤٠)، برقم (٩٦٨)؛ وأحمد في: المسند (٣٣/ ٢١)، برقم (١٩٧٧٧)، وقال الهيثمي في: مجمع الزوائد (٥/ ١٦٣): \"رجال أحمد رجال الصحيح، خلا سكين، وهو ثقة\". وابن أبي عاصم في: السنة (ص / ٥١٨)، برقم (١١٢٥)؛ والبزار في: المسند (٩/ ٣٥٨)، برقم (٣٨٥٧)، ولفظه: (الأمراء من قريش)، وقال: \"هذا الحديث لا نعلمه يروى إِلَّا عن أبي برزة بهذا الإِسناد، وسكين رجل مشهور من أهل البصرة\". وأبو يعلى في: المسند (٦/ ٣٢٣)، برقم (٣٦٤٥)، ولفظه: (الأمراء من قريش)؛ والروياني في: المسند (٢/ ٢٥ - ٢٧)، بالرقمين (٧٦٤، ٧٦٨).\nوحسَّن ابنُ حجر في: التلخيص الحبير (٦/ ٢٦٩٨) إِسنادَ رواية ابن أبي عاصم، وحسَّن الألبانيّ الحديثَ في: تعليقه على السنة لابن أبي عاصم (ص/ ٥١٩).\nوللاستزادة في روايات الحديث وطرقه، انظر: البدر المنير لابن الملقن (٨/ ٥٤٢ - ٥٣٠)، والتلخيص الحبير لابن حجر (٦/ ٢٦٩٧ - ٢٦٩٩)، وإرواء الغليل للألباني (٢/ ٢٩٨ - ٣٠١).\nيقول ابن الملقن في: البدر المنير (٨/ ٥٣٥): \"ويعضد هذه الطرق أحاديث في الصحيح دالة على أنَّ الأئمة من قريش\".\nومن الأحاديث الَّتي تشهد لحديث: (الأئمة من قريش) حديث عبد الله بن عمر - ﵄ -: (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان)، وأخرجه: البخاريُّ في: صحيحه، كتاب: المناقب، باب: مناقب قريش (ص/ ٦٧٣)، برقم (٣٥٠١)؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: الإمارة، باب: الناس تبع لقريش والخلافة في قريش (٢/ ٨٨٢)، برقم (١٨٢٠).\nوانظر تعليق أبي العبَّاس القرطبي على استدلال الشافعية بالحديث على تفضيل مذهب الإمام الشَّافعي في: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٤/ ٧).","vol":"2","page":601},{"text":"ومراتب الحكوماتِ ... لكنَّه غيرُ خبيرٍ بأصولِ الشريعةِ، وهي في حقِّه منقسمةٌ إِلى أصلِ جهلِه! أو أَغْفَلَه وذَهَلَ عنه، وإِلى آخر تمسك به وما راعاه! ... وأَمَّا الإِمامُ مالكٌ، فلا يُشَقُّ غبارُه في ضبطِ ما يصحُّ مِن الأخبارِ والآثارِ والأقضيةِ ووقائع الصحابةِ ... لكنَّه يَنْحَلُّ بعض الانحلالِ في الأمورِ الكليةِ! ... وأمَّا الشَّافعي، فإِنَّه أعرفُ خلقِ الله بأصولِ الشريعةِ، وأضبطُهم لها، وأشدُّهم كيسًا واتِّقادًا في مآخذِها وتنزيلها منازلِها ... \" (^١).\nوأنتَ ترى كيفَ أنَّ إِمامَ الحرمين الجويني على سعةِ علمِه وجلالةِ فضلِه، لم يسلمْ مِن الحطِّ مِن شأنِ أئمةِ المذاهبِ المخالفةِ لمذهبِه.\nويقولُ أبو بكرِ السرخسي: \"أمَّا الشَّافعي - ﵀ - حينَ لم يجوِّز العملَ بالمراسيلِ، فقد تَرَكَ كثيرًا مِن السننِ، وحين لم يقبلْ روايةَ المجهولِ، فقد عطَّل بعضَ السُنّة أيضًا ... ثمَّ جوَّزَ العملَ بقياسِ الشبهِ ... وتبيَّن أنَّ أصحابَنا هم القدوةُ في أحكامِ الشرعِ: أصولها وفروعها، وأنَّ بفتواهم اتَّضحَ الطريقُ للناسِ ... \" (^٢).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢/ ٧٤٧ - ٧٤٩). وانظر في تفضيل مذهب الإِمام الشَّافعي: معرفة السنن والآثار للبيهقي (١/ ٢١٣)، وقواطع الأدلة (٥/ ١٧٤ وما بعدها)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٥/ ٣٩٣ وما بعدها)، وإِرشاد الطالبين إِلى المنهج القويم له (ص / ٤١٩ وما بعدها)، وأدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٦٣ - ١٦٤)، ومنع الموانع لابن السبكي (ص/ ٤٤٣)، والإِبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٧١٥ وما بعدها)، وفرائد الفوائد للسلمي (ص/ ١٢٠)، والعقد الفريد للسمهودي (ص/ ١٤١)، والدر النضيد في أدب المفيد للغزي (ص/ ٢١٧)، ومقدمة تحقيق الرسالة لأحمد شاكر (ص/ ٥).\nوقد أكْثَرَ أبو حامد الغزالي في: المنخول (ص/ ٤٩٥ وما بعدها) من الحط من قدر الإِمام أبي حنيفة - ﵀ - واتهمه بكثرة الخبط والتخليط والوقوع في المناقضات، وقلب ظهر الشريعة!\nوهذه زلة من أبي حامد - ﵀ - والظاهر لي أن أبا حامد قد رجع عن قوله في الإِمام أبي حنيفة؛ لأنَّه أثنى عليه في علمه ودينه في كتابه: إِحياء علوم الدين (١/ ٤٧ - ٤٨).\n(^٢) أصول السرخسي (٢/ ١١٣). وانظر في تفضيل مذهب الإِمام أبي حنيفة: أصول البزدوي (١/ ١٥ - ١٨) مع شرحه كشف الأسرار، وكشف الأسرار للبخاري (١/ ١٥ - ١٨)، والطبقات السنية للغزي (١/ ١١٥ وما بعدها)، وفواتح الرحموت (٢/ ١٥٤)، ورد المحتار على الدر المختار (١/ ١٧٦ وما بعدها)، والرفع والتكميل للكنوي (ص/ ٦٩)، وفقه أهل العراق =","vol":"2","page":602},{"text":"وقد عَقَدَ القاضي عياضٌ المالكي (^١) بابًا في ترجيحِ مذهبِ الإِمام مالكٍ، والحجةِ في وجوبِ تقليدِه وتقديمِه على غيرِه مِن الأئمةِ، وقالَ فيه: \"وها نحنُ نُبيِّنُ أنَّ مالكًا - رحمه الله تعالى - هو ذاكَ أي: أولى الأئمة بالاتباعِ والتقليدِ - لجمعِه أدواتِ الإِمامةِ، وتحصيلِه درجةَ الاجتهادِ، وكونه أعلم القومِ، بلْ أهل زمانِه\" (^٢).\nواستمعْ إِليه وهو يتحدثُ عن أئمةِ المذاهبِ الأخرى، فيقول: \"أمَّا أبو حنيفةَ والشافعي، فيُسَلَّم لهما حسن الاعتبارِ، وقدقيق النظرِ والقياسِ، وجودة الفقهِ والإِمامة فيه، لكن ليس لهما إِمامةٌ في الحديثِ، ولا معرفة به، ولا استقلال بعلمِه ... وقد ضعفهما فيه أهلُ الصنعةِ! \" (^٣). ويقولُ أيضًا: \"أمَّا أحمد وداود، فإِنَّهما سلكا اتباعَ الآثارِ، ونَكَّبَا عنْ طريقِ الاعتبارِ، لكنَّ داودَ غلا في ذلك، فترك القياسَ جُملةً ... \" (^٤)، ثُمَّ ساقَ أدلةً مِن النقلِ، ومِن الاعتبارِ والنظرِ تؤيدُ تقديمَ التمذهبِ بمذهبِ الإِمامِ مالكٍ على غيره من المذاهبِ (^٥).\n_________\n= للكوثري (ص/ ٦٦ وما بعدها)، وتأنيب الخطيب له (ص/ ١٤ وما بعدها)، ومقدمة إِعلاء السنن - أبو حنيفة وأصحابه - للتهانوي (١/ ١١ وما بعدها).\n(^١) هو: عياض بن موسى بن عياض اليحصبي الأندلسي، أبو الفضل، ولد بسبتة سنة ٤٧٦ هـ من أعيان مذهب المالكية، كان عالم أهل المغرب، فقيهًا أصوليًا علامةً فاضلًا، وأحد أئمة التفسير والحديث في وقته، زاهدًا ورعًا، عارفًا باللغة وكلام العرب وأنسابهم، شاعرًا مجيدًا، وقد ولي القضاء مدةً، من مؤلفاته: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، وإكمال المعلم في شرح صحيح مسلم، وترتيب المدارك وتقريب المسالك، توفي بمراكش سنة ٥٤٤ هـ. انظر ترجمته في: الصلة لابن بشكوال (٢/ ٤٢٩)، وإنباه الرواة للقفطي (٢/ ٣٦٣)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٤٨٣)، وسير أعلام النُّبَلاء (٢٠/ ٢١٢)، والديباح المذهب لابن فرحون (٢/ ٤٦)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ١٤٠)، والفكر السامي للحجوي (٤/ ٢٢٣).\n(^٢) ترتيب المدارك (١/ ٥٩ - ٦٧).\n(^٣) المصدر السابق (١/ ٨٥).\n(^٤) المصدر السابق (١/ ٩١).\n(^٥) انظر: المصدر السابق (١/ ٦٨ - ١٥٤). وانظر تعليق الذهبي على كلام القاضي عياض في: سير أعلام النُّبَلاء (٨/ ٩٠ وما بعدها).","vol":"2","page":603},{"text":"ويقولُ ابنُ حمدان: \"لمَّا كان مِن اللازمِ الالتزامُ بأهلِ الدينِ وعلماءِ الشريعةِ المبرزين، وأكابرِ الأئمةِ المتبوعين ... وكان الإِمامُ العالمُ السالكُ الناسكُ الكاملُ أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل - ﵁ - قد تأخّر عنْ أئمةِ المذاهبِ المشهورةِ، ونَظَرَ في مذاهبِهم ومذاهبِ مَنْ قبلهم، وأقاويلهم وسَبَرَها وخَبَرَها وانْتَقَدَها، واختار أرجحَها وأصحَّها، ووَجَدَ مَنْ قبله قد كفاه مؤنة التصويرِ والتأصيلِ والتفصيلِ، فتفرَّغَ للاختيارِ والترجيحِ، والتنقيحِ والتكميلِ ... ثُمَّ لم يُوجدْ بَعْدَه مَنْ بَلَغَ محلَّه في ذلك، كان مذهبُه أولى مِنْ غيرِه بالاتباعِ والتقليدِ، وهذا طريقُ الإِنصافِ والسلامةِ مِن القدحِ في بعضِ الأئمةِ ... \" (^١).\nوقد جاءَ عن بعضِ العلماءِ المحققين كلامٌ رصينٌ في بيانِ حالِ مَنْ يُسْرِفُ في الحديثِ عن تفضيلِ مذهبِه، يقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية: \"أمَّا ترجيحُ بعضِ الأئمةِ والمشايخِ على بعضٍ، مثل: مَنْ يرجّحُ إِمامَه الَّذي تفقّه على مذهبِه، أو يُرجّحُ شيخَه الَّذي اقتدى به على غيرِه ... فهذا أكثرُ الناسِ يتكلمون فيه بالظنِّ، وما تهوى الأنفسُ؛ فإِنَّهم لا يعلمون حقيقةَ مراتبِ الأئمةِ والمشايخِ، ولا يقصدون اتباعَ الحقِّ المطلقِ! بلْ كلُّ إِنسانٍ تهوى نفسُه أنْ يرجِّحَ متبوعَه، فيرجّحه بظنٍّ ظنّه، وإِنْ لم يكنْ معه برهانٌ على ذلك، وقد يفضي إِلى تحاجِّهم وقتالِهم وتفرقهم، وهذا ممَّا حرّمَ اللهُ ورسولُه ... وأمَّا مَنْ ترجح عنده فضلُ إِمامٍ على إِمامٍ، أو شيخٍ على شيخٍ بحسبِ اجتهادِه، كما تنازع المسلمون أيّهما أفضل الترجيعُ في الأذان، أو تركه؟ .. فمَنْ ترجّحَ عنده تقليدُ الشَّافعي لم ينكرْ على مَنْ ترجّح عنده تقليدُ مالكٍ ... ولا أحدَ في الإِسلامِ يجيبُ المسلمين كلَّهم بجوابٍ عامٍّ: إِنَّ فلانًا أفضل مِنْ فلانٍ، فيقبل منه هذا الجواب؛ لأنَّه مِن المعلَومِ أنَّ كلَّ\n_________\n(^١) صفة الفتوى (ص/ ٧٤). وانظر في تفضيل مذهب الإمام أحمد: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/ ٩ وما بعدها)، ومناقب الإِمام أحمد لابن الجوزي (ص / ٦٦٠ - ٦٦٨)، ومجموع فتاوى شيخ الإِسلام (٢٠/ ٢٩)، والرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة لابن رجب (ص/ ٣٩ - ٤٩)، والتحبير (٨/ ٤١٥٠)، والمدخل إِلى مذهب الإِمام أحمد لابن بدران (ص/ ١٠٣ - ١١١).","vol":"2","page":604},{"text":"طائفةٍ تُرَجِّحُ متبوعَها، فلا تقبلُ جوابَ مَنْ يجيبُ بما يخالفها فيه ... وما مِنْ إِمامٍ إِلَّا له مسائل يترجح فيها قولُه على قولِ غيرِه ... \" (^١).\nويصفُ ابنُ القيّمِ الحالةَ النفسيةَ لمنْ يفضِّلُ مذهبَه على غيرِه مِن المذاهب، فيقول: \"إِنَّ كثيرًا ممَّنْ يتكلمُ في التفضيلِ يَستشعرُ نِسبتَه وتَعَلُّقَه بمَنْ يُفضَّلُه، ولو على بُعْدٍ، ثمَّ يأخذُ في تقريظِه وتفضيلِه، وتكون تلك النسبةُ والتعلّق مُهَيِّجةً له على التفضيلِ والمبالغةِ فيه، واستقصاءِ محاسنِ المفضَّلِ ... ويكون نظرُه في المفضَّلِ عليه بالعكس، ومَنْ تأمَّل كلامَ أكثرِ الناسِ في هذا الباب رأى غالبَه غيرَ سالمٍ مِنْ هذا، وهذا منافٍ لطريقةِ العلمِ والعدلِ الَّتي لا يقبل اللهُ سواها، ولَا يرضي غيرَها، ومِنْ هذا تفضيلُ كثيرٍ مِنْ أصحابِ المذاهبِ والطرائقِ والشيوخ، كلٌّ منهم لمذهبِه أو طريقتِه أو شيخِه ... فإِنْ كان الرجلُ ممَّنْ لا يُشك في علمِه وورعِه، خيفَ عليه مِنْ جهةٍ أخرى، وهو أنَّه يَشْهَد حَظَّه ونفعَه المتعلق بتلك الجهةِ، ويغيب عن نفعِ غيرِه بسواها؛ لأنَّ نفعَه مشَاهدٌ له أقربُ مِنْ علمِه بنفعِ غيرِه، فيُفضّلُ ما كان نفعُه وحظُّه مِنْ جهتِه، باعتبارِ شهودِه ذلك\" (^٢).\nويقولُ أبو إِسحاقَ الشاطبي: \"ورُبَّما انتهت الغفلةُ - أو التغافل - بقومٍ ممَّنْ يُشارُ إِليهم في العلمِ أنْ صيَّروا الترجيحَ بالتنقيصِ - تصريحًا أو تعريضًا - دَأَبَهم، وعَمَرُوا بذلك دواوينهم، وسوّدوا به قراطيسَهم، حتى صار هذا النوعُ ترجمةً مِنْ تراجم الكتبِ المصنّفةِ في أصولِ الفقهِ ... \" (^٣).\nويقولُ في موضع آخر عن الأئمة الأربعةِ: \"وعَيْنُ الإِنصافِ تَرَى أنَّ الجميعَ أئمةٌ فضلاء\" (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٢٩١ - ٢٩٢).\n(^٢) بدائع الفوائد (٣/ ١١٠٥).\n(^٣) الموافقات (٥/ ٢٩٨).\n(^٤) الاعتصام (٣/ ٣٢٠).","vol":"2","page":605},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>المبحث الرابع: أقسام التمذهب</span>\nيُمكنُ تقسيمُ التمذهبِ عدَّةَ أقسامٍ، وذلك باعتباراتِ مختلفةٍ:\nأولًا: ينقسمُ التمذهبُ باعتبارِ محلِّه إِلى ثلاثةِ أقسام:\nالقسم الأول: التمذهبُ في الأصولِ.\nالقسم الثاني: التمذهبُ في الفروعِ.\nالقسم الثالث: التمذهبُ في الأصولِ والفروعِ.\nثانيًا: ينقسمُ التمذهبُ باعتبارِ درجةِ الالتزامِ بالمذهبِ إِلى قسمين:\nالقسم الأول: التمذهبُ في جميعِ المسائلِ، أو أغلبِها.\nالقسم الثاني: التمذهبُ في كثيرٍ مِن المسائلِ، أو بعضِها.\nثالثًا: ينقسمُ التمذهبُ باعتبارِ صفةِ التمذهبِ إِلى قسمين:\nالقسم الأول: التمذهبُ الحقيقيُّ.\nالقسم الثاني: التمذهبُ الاسميُّ.\nرابعًا: ينقسمُ التمذهبُ باعتبارِ معرفةِ الدليلِ إِلى قسمين:\nالقسم الأول: التمذهبُ مع معرفةِ الدليلِ.\nالقسم الثاني: التمذهبُ مع عدمِ معرفةِ الدليلِ.\nأولًا: أقسامُ التمذهبِ باعتبارِ محلِّه:\nينقسمُ التمذهبُ باعتبارِ محلِّه إِلى ثلاثةِ أقسامٍ:","vol":"2","page":606},{"text":"القسم الأول: التمذهبُ في الأصولِ.\nالمرادُ بالأصولِ هنا: أصولُ الفقهِ، وما يتبعها مِن القواعدِ والضوابطِ الفقهيةِ ممَّا يصدقُ عليه أنَّه ظنّي - إِذ ما كان قاطعًا مِنْ أصولِ الفقهِ والقواعدِ والضوابطِ الفقهية، فليس محلًا للتمذهبِ؛ لأنَّه ليس محلًا للاجتهادِ - وقد تقدّمَ الحديثُ عنْ صحةِ التمذهبِ في أصولِ الفقهِ، وأنَّ التمذهبَ يتبعُ الاجتهادَ، فما كان محلًا له، فهو محلٌّ للتمذهبِ.\nويُعنى بالتمذهبُ في الأصولِ: التزامُ المتمذهبِ مذهبَ إِمامِه في المسائلِ الأصوليةِ والقواعدِ والضوابطِ الفقهيةِ الاجتهاديةِ، دونَ تقيّدٍ بفروعِ المذهبِ (^١).\nولا يعني الالتزامُ في الأصولِ عدمَ الخروجِ عن المذهبِ البتة، فقد يكونُ الالتزامُ التزامًا في الجملةِ.\nويكونُ التمذهبُ في الأصولِ: نظريًا، وتطبيقيًا.\n- فالتمذهبُ النظري في الأصولِ يكونُ بالتأليفِ في أصولِ المذهبِ، وقواعدِه وضوابطِه الفقهيةِ، بتقريرِ المذهبِ، والاستدلالِ له، ومناقشةِ المخالفين.\n- والتمذهبُ التطبيقي في الأصولِ يكونُ ببيانِ حكمِ النازلةِ وفقَ قواعدِ المذهبِ الأصوليةِ.\nوالمتمذهبُ في الأصولِ هو: مَن يلتزمُ مذهبَ إِمامِه في أصولِ الفقهِ، والقواعدِ والضوابطِ الفقهيةِ.\nويدخلُ تحتَ هذا القسم: طبقةُ المجتهدين المنتسبين إِلى المذهب (^٢) - وسيأتي التعريفُ بها - ممَّنْ ساروا على قواعدِ إِمامِهم، دونَ التزامِ أقوالِه\n_________\n(^١) انظر: المصفى في أصول الفقه لأحمد بن الوزير (ص/ ٤٠).\n(^٢) انظر: أصول الفقه للدكتور زكي شعبان (ص/ ٣٣٢).","vol":"2","page":607},{"text":"في الفروعِ (^١).\nويمكنُ أنْ يُمَثّلَ لهذا القسمِ - على خلافٍ في بعضِهم -: بأبي يوسفَ (^٢)، ومحمد بنِ الحسن (^٣)، وزُفَرَ (^٤)، وأشهبَ (^٥)، وابنِ القاسمِ (^٦)، والمزني (^٧)، وابنِ سريجٍ (^٨)، وأبي عليّ بنِ أبي موسى (^٩)، والقاضي أبي يعلى (^١٠).\nالقسم الثاني: التمذهبُ في الفروعِ.\nيعدُّ التمذهبُ في الفروعِ قسمًا مِنْ أقسامِ التمذهبِ، فقد يكونُ الشخصُ ملتزمًا مذهبَ إِمامِه في الفروعِ دونَ الأصولِ؛ وذلك إِمَّا لاشتغالِه بعلمِ أصولِ الفقهِ وعدمِ تقيّدِه بمذهبِ أحدٍ فيه، بلْ يحققُ المسائلَ الأصوليةَ في ضوءِ الأدلةِ؛ وإِمَّا لتركِه الاشتغالَ بعلمِ أصولِ الفقهِ بالكليَّةِ، وجهلِه به أصلًا، وعدمِ درايتِه به.\n_________\n(^١) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩١)، وصفة الفتوى (ص/ ١٧)، وشرح الكوكب المنير (٤/ ٤٦٨).\n(^٢) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٣ - ٩٤)، وصفة الفتوى (ص/ ١٧ - ١٨)، وإعلام الموقعين (٦/ ١٢٦).\n(^٣) انظر: المصادر السابقة.\n(^٤) انظر: إِعلام الموقعين (٦/ ١٢٦). وزفر هو: زفر بن الهذيل بن قيس بن سليم بن مكمل التميمي العنبري البصري، أبو الهذيل، ولد سنة ١١٠ هـ من كبار أصحاب الإِمام أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة يفضله، ويقول: \"هو أقيس أصحابي\"، كان فقيهًا حافظًا، ذا عقل ودين وفهم وورع، ثقةً مأمونًا، من بحور العلم، وأذكياء الوقت، جمع بين العلم والعبادة، ولي قضاء البصرة، توفي بالبصرة سنة ١٥٨ هـ. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٦/ ٢٧٥)، والانتقاء في فضائل الأئمة لابن عبد البر (ص/ ٣٣٥)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ١٢٨)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٢/ ٣١٧)، وسير أعلام النُّبَلاء (٨/ ٣٥)، وميزان الاعتدال للذهبي (٢/ ٧١)، والبداية والنهاية (١٣/ ٤٧٥)، والجواهر المضية للقرشي (٢/ ٢٠٧)، وتاج التراجم لقطلوبغا (ص/ ١٦٩)، والطبقات السنية للغزي (٣/ ٢٥٤)، والفوائد البهية للكنوي (ص/ ٩٩).\n(^٥) انظر: إِعلام الموقعين (٦/ ١٢٦).\n(^٦) انظر: المصدر السابق.\n(^٧) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٤).\n(^٨) انظر: المصدر السابق.\n(^٩) انظر: صفة الفتوى (ص/ ١٧)، وإعلام الموقعين (٦/ ١٢٦).\n(^١٠) انظر: المصدرين السابقين.","vol":"2","page":608},{"text":"والعجبُ أنْ يحققَ العالمُ درجةَ عالية في الأصول، ويكتفي في الفروعِ بأدنى درجاتِ التمذهبِ.\nوكما قلتُ في القسم الأولِ: إِنَّ التمذهبَ في الأصولِ لا يعني عدمَ الخروجِ عنْ المذهب مطلقًا، بلْ إِنَّ خروجَ المتمذهب عن مذهبِ إِمامِه في بعضِ المسائلِ لمقتَضى الدليلِ لا ينافي التمذهبَ، فكذا القولُ في شأنِ التمذهبِ في الفروعِ.\nويمكنُ أنْ يُمَثّلَ لهذا القسمِ بأبي إِسحاقَ الشاطبي؛ فإِنَّ أبا إِسحاقَ على جلالةِ قدرِه في الأصولِ، وسعةِ علمِه فيه، وإبداعِه في عرضِ مسائلِه، إِلَّا أنَّه في الفروعِ لا يُفتي الناسَ إِلَّا بالمشهورِ مِنْ مذهبِ الإِمامِ مالكٍ (^١).\nالقسم الثالث: التمذهب في الأصول والفروع.\nقد يكونُ التمذهبُ في الأصولِ والفروعِ معًا، وذلك بأنْ يكونَ المتمذهبُ ملتزمًا بمذهبِ إِمامِه في أصولِه وفروعِه.\nويمكنُ أنْ يمثلَ لهذا القسمِ بأربابِ التخريجِ الذين يقومون بقياسِ ما لم ينصَّ عليه إِمامُهم بما نصَّ عليه؛ فإِنَّهم في الجملةِ متمذهبون في الأصولِ والفروعِ.\nثانيًا: أقسام التمذهب باعتبار درجة الالتزام بالمذهب:\nينقسمُ التمذهبُ باعتبارِ درجةِ الالتزامِ بالمذهبِ إِلى قسمين:\nالقسم الأول: التمذهبُ في جميعِ المسائلِ، أو أغلبِها.\nيرتبطُ التمذهبُ بالالتزامِ بالمذهبِ ارتباطًا وثيقًا؛ إِذْ به تَتَحَقّقُ حقيقةُ التمذهبِ، ولذا فإِنَّ التمذهبَ قد يكونُ بالالتزامِ بالمذهبِ في جميعِ\n_________\n(^١) يقول أبو إِسحاقَ الشاطبيُّ - كما نقل الونشريسيُّ كلامَه في: المعيار المعرب (٩/ ٢٢٩) -: \"وأنا لا أستحل - إِنْ شاءَ الله - في دين الله وأمانته أنْ أجد قولين في المذهب، فأفتي بأحدهما على التخيير، مع أنِّي مقلد؛ بل أتحرى ما هو المشهور والمعمول به، فهو الَّذي أذكره للمستفتي، ولا أتعرض له إِلى القول الآخر، فإنْ أشكل عليَّ المشهور، ولم أرَ لأحدٍ من الشيوخ في أحد القولين ترجيحًا، توقفت\".","vol":"2","page":609},{"text":"المسائلِ، أو أغلبِها، فنجدُ المتمذهبَ لا يخرجُ عن مذهبِه متى ما عَرَفَه إِلَّا على سبيلِ القِلّةِ والندرةِ - سواءٌ أكانَ تمذهبُه في الأصولِ، أم في الفروعِ، أم فيهما - ويكونُ سبيلُ المتمذهب في هذه الحالةِ هو السعي إِلى معرفةِ مذهبِ إِمامِه والراجحِ فيه، وقد يَتْبَعُ ذلك معرفةُ دليلِه.\nيقولُ ابنُ القيّمِ: \"إِذا وَجَدَ - أي: المجتهد في مذهبِه - نصَّ إِمامِه لم يَعْدِل عنه إِلى غيرِه البتة، وهذا شأنُ أكثرِ المصنفين في مذاهبِ أئمتِهم، وهو حالُ أكثرِ علماءِ الطوائفِ، وكثيرٌ منهم يظنّ أنَّه لا حاجةَ به إِلى معرفةِ الكتابِ والسنةِ والعربيةِ؛ لكونِه مجتزيًا بنصوصِ إِمامِه، فهي عنده كنصوصِ الشارعِ، قد اكتفى بها مِنْ كُلْفَةِ التعب والمشقةِ، وقد كفاه الإِمامُ استنباطَ الأحكامِ، ومؤنةَ استخراجِها مِن النَصوصِ، وقد يرى إِمامَه ذَكَرَ حُكْمًا بدليلِه، فيكتفي هو بذلك الدليلِ مِنْ غيرِ بحثٍ عن معارضٍ\" (^١).\nويُمْكِنُ أنْ يُمَثلَ لهذا القسمِ بـ: ابنِ عرفةَ والدردير المالكيين، وابنِ عابدين الحنفي، ومنصورٍ البهوتي ومحمدِ الخلوتي (^٢) الحنبليين، وغيرهم خلق كثير.\nالقسم الثاني: التمذهب في كثيرٍ مِن المسائلِ، أو بعضِها.\nقد يكونُ التزامُ المتمذهب بمذهبِه في كثيرٍ مِنْ أقوالِه، أو بعضِها، مع انتساب المتمذهبِ إِليه، ويكونُ السببُ في تركِه مذهبَه أحدَ أمرين:\n_________\n(^١) إِعلام الموقعين (٦/ ١٢٦).\n(^٢) هو: محمد بن أحمد بن عليّ البهوتي المصري، الشهير بالخلوتي، ولد بمصر، كان أحد علماء الحنابلة المحققين، إِمامًا في المعقول والمنقول، دَرَس الفقه والعلوم العقلية على علماء مصر، ولازم خاله منصور البهوتي، وانتفع به، واختص بالنور الشبراملسي الشَّافعي، فلازم دروسه، كان سديد البحث، مديد التقرير، أكيد التحرير، بديع التدقيق والتحقيق، مخرج الفروع على الأصول، وله تحريرات مهمة في المذهب الحنبلي، تولى التدريس والإِفتاء، من مؤلفاته: حاشية على منتهى الإِرادات، وحاشية على الإِقناع، توفي بمصر سنة ١٠٨٨ هـ. انظر ترجمته في: خلاصة الأثر للمحبي (٣/ ٣٧٦)، والنعت الأكمل للغزي (ص/ ٢٣٨)، والسحب الوابلة لابن حميد (٢/ ٨٦٩)، والمدخل إِلى مذهب الإِمام أحمد لابن بدران (ص/ ٤٤١)، وتسهيل السابلة لابن عثيمين (٣/ ١٥٧٠)، والأعلام للزركلي (٦/ ١٢).","vol":"2","page":610},{"text":"الأمر الأول: بلوغُه رتبةَ الاجتهادِ في الشريعةِ الإِسلاميةِ، وتقليدُه لإِمامِه في بعضِ المسائلِ.\nالأمر الثاني: بلوغُ المتمذهبِ رتبةَ الاجتهادِ في بعضِ المسائلِ - بناءً على القولِ بتجزؤِ الاجتهادِ - فيخرجُ عن مذهبِه؛ لمَّا تبيّنَ له رجحانُ غيرِه.\nثالثًا: أقسام التمذهب باعتبار صفة التمذهب:\nينقسمُ التذهبِ باعتبارِ صفةِ التمذهبِ إِلى قسمين:\nالقسم الأول: التمذهبُ الحقيقي.\nكما تقدم لنا في تعريفِ التمذهبِ أنَّه التزامٌ، فإذا وُجِدَتْ في المنتسبِ إِلى المذهبِ حقيقةُ التمذهبِ، وهي الالتزامُ بالمذهب - سواءٌ أكانت في الأصولِ، أم في الفروعِ، أم فيهما - فهو التمذهبُ الحَقيقي حينئذٍ.\nويدخلُ تحتَ هذا القسمِ جميعُ المتمذهبين الذين لم يبلغوا رتبةَ الاجتهادِ في الشريعةِ الإِسلاميةِ.\nالقسم الثاني: التمذهب الاسمي.\nالمرادُ بالتمذهبِ الاسمي هو: انتسابُ المجتهدِ المطلقِ إِلى مذهب معيّنٍ - دونَ أنْ تُؤَثرَ هذه النسبةُ في آرائِه واختياراتِه - فهو متمذهبٌ بالاسمِ فقط، دون الحقيقة؛ إِذْ حقيقةُ التمذهبِ - وهي الالتزامُ بالمذهبِ - غيرُ موجودةٍ، لكنَّ المجتهدَ يُؤْثِرُ بقاءَ انتسابِه إِلى مذهبِه.\nيقولُ أبو الفرجِ بنُ الجوزي (^١): \"فأَمَّا المجتهد مِنْ أصحابِه - أيْ:\n_________\n(^١) هو: عبد الرَّحمن بن عليّ بن محمد بن عليّ الجوزي القرشي التيمي البكري، أبو الفرج جمال الدين، ولد سنة ٥٠٩ هـ وقيل: ٥١٠ هـ كان شيخ وقته، فقيهًا حنبليًا أصوليًا مفسرًا علامةً حافظًا، أحد أئمة العلم، اشتهر بالوعظ والتذكير، والزهد والورع، من مؤلفاته: زاد المسير إِلى علم التفسير، وتلبيس إِبليس، والتحقيق لأحاديث التعليق، ومناقب الإِمام أحمد بن حنبل، توفي سنة ٥٩٧ هـ. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ١٤٠)، وسير أعلام النُّبَلاء (٢١/ ٣٦٥)، والبداية والنهاية (١٦/ ٧٥٦)، والذيل على طبقات الحنابلة لابن =","vol":"2","page":611},{"text":"أصحاب الإِمام أحمد - فإِنَّه يتَّبعُ دليلَه مِنْ غيرِ تقليدٍ له، ولهذا يميلُ إِلى إِحدى الروايتين عنه دونَ الأخرى، ورُبّما اختارَ ما ليس في المذهب أصلًا؛ لأنَّه تابعٌ للدليلِ، وإِنَّما يُنسبُ هذا إِلى مذهب أحمدَ؛ لميلِه إِلَى عموم أقوالِه\" (^١).\nوقد سبقَ لنا الحديثُ عن مسألةِ: (تمذهب المجتهد) بصورِها المختلفةِ.\nويمكنُ أنْ يمثلَ لهذا القسمِ بـ: تقي الدّينِ بنِ تيمية، وابنِ القيّم، وجلالِ الدّينِ السيوطي (^٢).\nرابعًا: أقسام التمذهب باعتبار معرفة الدليل:\nينقسمُ التمذهب باعتبارِ معرفةِ الدليلِ إِلى قسمين:\nالقسم الأول: التمذهبُ مع معرفةِ الدليلِ.\nيتحقّقُ التمذهبُ الكاملُ مع معرفةِ دليلِ المذهبِ، فيُوجدُ في المتمذهبين مَنْ له معرفةٌ بمذهبِه - في أصولِه وفروعِه، أو في أحدِهما - ومعرفةٌ بأدلتِه في جميعِ المسائلِ، أو بعضِها (^٣)، ولا شكَّ في أنَّ رتبةَ مَنْ عَرَفَ مذهبَه بدليلِه أعلى مِنْ رتبةِ مَنْ عَرَفَ مذهبَه، وجَهَلَ دليلَه.\nوقد تؤدي معرفةُ المتمذهبِ بالدليلِ إِلى مزيدِ تمسكِه بمذهبه؛ لقوةِ دليلِه، وقد تؤدي إِلى تركِ المذهبِ ومخالفتِه؛ لضعفِ دليلِه أمامَ أدلةِ مَنْ خالفَه، وقد لا تُؤَثِّرُ المعرفةُ في زحزحةِ المتمذهبِ عنْ قولِ إِمامِه (^٤).\n_________\n= رجب (٢/ ٤٥٨)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٩٣)، والمنهج الأحمد للعليمي (٤/ ١١)، وطبقات المفسرين للداودي (١/ ٢٧٥).\n(^١) مناقب الإِمام أحمد (ص/ ٦٦٦).\n(^٢) سيأتي في: المبحث الخامس من الباب الثاني: (دعم سبيل الارتقاء إِلى مقام الاجتهاد) التمثيلُ بعدد من المتمذهبين الذين بلغوا درجة الاجتهاد المطلق في الشريعة.\n(^٣) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٨)، وصفة الفتوى (ص/ ٢٢).\n(^٤) انظر: إِعلام الموقعين (٦/ ١٢٦ - ١٢٧).","vol":"2","page":612},{"text":"ويمكنُ أنْ يُمثلَ لهذا القسمِ بالعلماءِ الذين ألّفوا في فقهِ مذهبِهم وأصولِه، مع استدلالِهم له.\nالقسم الثاني: التمذهب مع عدم معرفة الدليل.\nليسَ مِن شرطِ تحققِ التمذهبِ أنْ يعرفَ المتمذهبُ دليلَ مذهبِه؛ إِذ التمذهبُ التزامٌ بالمذهبِ، وليستْ معرفةُ دليلِ المذهبِ مِنْ شرطِ الالتزامِ به.\nوقد يكونُ مردُّ عدمِ معرفةِ دليلِ المذهبِ إِلى التدرجِ العلمي الَّذي يسيرُ عليه المتمذهبُ، فَيَتَدَرّجُ في العلمِ ويرتقي فيه، وأولُ درجاتِ التعلمِ والتفقهِ معرفةُ المذهبِ مجرّدًا عن دليلِه.\nوقد يكونُ مردُّ عدمِ معرفةِ دليلِ المذهبِ إِلى قناعةِ المتمذهبِ بصوابِ رأي إِمامِه، فإِذا كان رأي إِمامِه صوابًا، فما الحاجةُ إِلى معرفةِ دليلِه؟ !\nيقولُ ابنُ القيّمِ واصفًا حالَ بعضِ المتفقهةِ: \"طائفةٌ تفقهتْ في مذاهب مَن انتسبتْ إِليه، وحَفِظَتْ فتاويه وفروعَه، وأقرَّتْ على أنفسِها بالتقليدِ المحضِ مِنْ جميعِ الوجوهِ، فإِنْ ذكروا الكتابَ والسنةَ يومًا ما في مسألةٍ، فعلى وجهِ التبركِ والفضيلةِ\" (^١).\n* * *\n_________\n(^١) المصدر السابق (٦/ ١٢٧).","vol":"2","page":613},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>الفصل الثاني: نشأة التمذهب، وتاريخه</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: نشأة التمذهب\nالمبحث الثاني: تاريخ التمذهب.","vol":"2","page":615},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>المبحث الأول: نشأة التمذهب</span>\nوفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: حالة الناس قبل نشوء المذاهب\nالمطلب الثاني: نشأة المذاهب الفقهية\nالمطلب الثالث: أسباب نشوء المذاهب الفقهية\nالمطلب الرابع: أسباب بقاء المذاهب الفقهية الأربعة","vol":"2","page":617},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>المطلب الأول: حالة الناس قبل نشوء المذاهب</span>\nلا تخلو حالةُ الناسِ قبلِ نشوءِ المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعةِ مِنْ أحدِ ثلاثةِ: إِمَّا عالمٌ، وإِمَّا متعلمٌ، وإِمَّا عامي (^١).\nولمَنْ أرادَ الحديثَ عنْ حالِ الناسِ قبلَ وجودِ المذاهب المتبوعةِ، ومعرفةَ ذلك أنْ ينظرَ فيهم زمنَ النبيّ - ﷺ -، وزمنَ الصحابةِ - ﵃ -، وزمنَ التابعين؛ إِذ إِنَّها الأزمنةُ الرئيسةُ لمَنْ أرادَ أنْ يُلمَّ بأحوالِ الناسِ قبلَ المذاهبِ.\nوالحديثُ في هذا المطلبِ حديثٌ قابلٌ للبسطِ وللإِيجازِ، وسأحاول أنْ يكونَ حديثي موجزًا، مع وفائه بالمقصدِ والغَرَضِ.\nلقد كان النبيُّ - ﷺ - حالَ حياتِه مرجعَ الناسِ في جميعِ أمورِهم الدينيةِ (^٢)، فقد كان - ﷺ - يجيبُ الناسَ عن أسئلتهم ويفتيهم، ويبيُّن الأحكامَ عن طريقِ الوحي (^٣)، وقد تحدّثَ الأصوليون عنْ مسألةٍ متصلةٍ بهذا المقام،\n_________\n(^١) انظر: حجة الله البالغة للدهلوي (١/ ٤٦٨)، والإِنصاف في بيان سبب الخلاف له (ص/ ٢٨).\n(^٢) انظر: مقدمة ابن خَلدون (٣/ ١٠٦١)، والمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ١٦٥)، والمدخل لدراسة الفقه الإِسلامي للدكتور رمضان الشرنباصي (ص/ ٥١)، وتاريخ الفقه الإِسلامي للدكتور ناصر الطريفي (ص/ ٤٧).\n(^٣) انظر: إِعلام الموقعين (١/ ١٧)، والإِنصاف في بيان سبب الخلاف للدهلوي (ص/ ٤)، والفكر السامي لمحمد الحجوي (١/ ١٦٩)، وتاريخ المذاهب الإِسلامية لمحمد أبو زهرة (ص/ ٢٣٩)، وتمهيد لتاريخ الفلسفة لمصطفى عبد الرازق (ص/ ١٥١)، والرأي وأثره في مدرسة المدينة للدكتور إِسماعيل ميقا (ص/ ٥٢)، والرأي وأثره في الفقه للدكتور إِدريس بشير (ص/ ٨٨)، وتاريخ الفقه الإِسلامي لإِلياس دردور (١/ ٩٦ وما بعدها).","vol":"2","page":619},{"text":"وهي: (هل كان للنبيّ - ﷺ - أنْ يجتهدَ في الشريعةِ؟)، وأفاضوا في الحديثِ عنها (^١).\nوسواءٌ أقلنا: كانَ له - ﷺ - أنْ يجتهدَ، أم لم نقلْ ذلك، فإِنَّه - ﷺ - هو المرجعُ للناسِ.\nوقد كان بعضُ الصحابةِ - ﵃ - يُفتي مَنْ سأله مِن الناسِ في حياة النبي - ﷺ -، وقد كان - ﷺ - يُرْسِلُ بعضَ أصحابِه إِلى بعضِ الأقطارِ؛ لتعليمِ الناس وإِرشادِهم (^٢).\n_________\n(^١) انظر مسألة: (اجتهاد النبي - ﷺ - في الشريعة) في: المعتمد (٢/ ٧٦١)، وشرح العمد (٢/ ٣٤٨)، والعدة (٥/ ١٥٨٦) والتبصرة (ص / ٥٢١)، والبرهان (٢/ ٨٨٧)، وأصول السرخسي (٢/ ٩١)، والمنخول (ص/ ٤٦٨)، والمستصفى (٤/ ٢٢)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ٣٩٧)، وروضة الناظر (٣/ ٩٦٩)، ومختصر ابن الحاجب (٢/ ٢٩١) بشرح العضد، وشرح تنقيح الفصول (ص/ ٤٣٦)، وتقريب الوصول لابن جزي (ص/ ٤٢٣)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٤٧٠)، ورفع الحاجب (٤/ ٥٣٣)، ونهاية السول (٤/ ٥٢٩)، والبحر المحيط (٦/ ٢١٤)، والتحبير (٨/ ٣٨٨٩)، وشرح الكوكب المنير (٤/ ٤٧٤)، وتيسير التحرير (٤/ ١٨٣)، وفواتح الرحموت (٢/ ٣٦٦)، والرأي وأثره في الفقه للدكتور إِدريس بشير (ص/ ٤٩ وما بعدها)، واجتهاد الرسول - ﷺ - وصحابته الكرام لأمل جار (ص/ ١٤٥ وما بعدها)، واجتهادات الصحابة لمحمد الخن (ص/ ٣٤ وما بعدها).\n(^٢) انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٣٣٤)، وخطبة الكتاب المؤمل للرد إِلى الأمر الأول لأبي شامة (ص/ ٦٧)، والفكر السامي لمحمد الحجوي (١/ ١٧٠)، ومناهج الاجتهاد في الإِسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ٤٢)، والاجتهاد ومدى حاجتنا إِليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ٢٩)، والرأي وأثره في مدرسة المدينة للدكتور إِسماعيل ميقا (ص/ ٥٨)، والرأي وأثره في الفقه للدكتور إِدريس بشير (ص/ ١١٣ وما بعدها)، والاجتهاد ومقتضيات العصر لمحمد الأيوبي (ص/ ٧٣)، والاجتهاد في الفقه الإِسلامي لعبد السلام السليماني (ص/ ١٠٣)، واجتهادات الصحابة لمحمد الخن (ص/ ٥٩ وما بعدها)، والمذاهب الفقهية للدكتور محمد فيض الله (ص/ ١٤)، والفقه الإِسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ٦٥)، وتاريخ الفقه الإِسلامي للدكتور أحمد حسين (ص/ ٥١)، والمدخل لدراسة الفقه الإِسلامي للدكتور رمضان الشرنباصي (ص/ ٥٦).\nويقول القاسم بن محمد: أكان أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي يفتون الناس على عهد\nرسول الله - ﷺ -، وأخرج قوله: ابن سعد في: الطبقات الكبرى (٢/ ٣٣٥)؛ وابن عساكر في: تاريخ دمشق (٣٩/ ١٨٠). وفي الإسناد: محمد بن عمر الواقدي، وهو متروك الحديث، انظر: تقريب التهذيب لابن حجر (ص/ ٥٨١).","vol":"2","page":620},{"text":"يقولُ ابنُ القيم: \"وقد اجتهدَ الصحابةُ في زمنِ النبي - ﷺ - في كثيرٍ مِن الأحكامِ، ولم يُعنِّفْهم\" (^١).\nولما انتقل النبيُّ - ﷺ - إِلى جوارِ ربِّه، تولّى علماءُ الصحابة - ﵃ - تعليمَ الناس وإِفتاءَهم في جميعِ شؤونِهم (^٢)، وبرزتْ أسماءُ بعضِ الصحابةِ - ﵃ - في هذا المقامِ (^٣).\nوممَّا لا شكَّ فيه أنَّ علماءَ الصحابةِ - ﵃ - سلكوا في أقوالِهم وإِفتائِهم في النوازلِ والحوادثِ طريقَ الاجتهادِ وفقَ أصولٍ مركوزةٍ في نفوسِهم (^٤)\n_________\n(^١) إِعلام الموقعين (٢/ ٣٥٥). وانظر: تاريخ الفقه الإِسلامي لإِلياس دردور (١/ ٩٨).\n(^٢) انظر: الإِنصاف في بيان سبب الخلاف للدهلوي (ص/ ٥)، وتاريخ الفقه الإِسلامي لإِلياس دردور (١/ ١٠٦).\n(^٣) ساق ابنُ حزم في: الإِحكام في أصول الأحكام (٥/ ٩٢ - ٩٤)، وابنُ القيم في: إِعلام الموقعين (٢/ ١٨ - ٢٢) طائفةً من أسماء المفتين من الصحابة - ﵃ -.\n(^٤) انظر: شفاء الغليل للغزالي (ص/ ١٩٠)، وإِعلام الموقعين (٢/ ٣٥٤)، وتاريخ المذاهب الإِسلامية لمحمد أبو زهرة (ص/ ٢٤٤)، وتاريخ التشريع الإِسلامي لمحمد الخضري (ص/ ١١٤)، وأصول الفقه لعبد الوهاب خلاف (ص/ ١٥)، وتعليل الأحكام لمحمد شلبي (ص/ ٣٥)، والاجتهاد ومدى حاجتنا إِليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ٣١)، والاجتهاد في الشريعة الإِسلامية لعلي الخفيف (ص/ ٢٢١) ضمن بحوث الاجتهاد في الشريعة، والمناهج الأصولية للدكتور فتحي الدريني (ص/ ٩)، وأسباب اختلاف الفقهاء للدكتور مصطفى الزلمي (ص/ ٣٦٦، ٣٨٧ - ٣٧٦)، والفكر الأصولي للدكتور عبد الوهاب أبو سليمان (ص / ٢٠)، والشريعة الإِسلامية - تاريخها للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ١٥٢)، وتاريخ الفقه الإِسلامي له (ص/ ٥٢)، وتمهيد لتاريخ الفلسة لمصطفى عبد الرازق (ص/ ١٥٨ وما بعدها)، والمدخل إِلى علم أصول الفقه لمحمد الدواليبي (ص/ ١٤)، وفقه إِمام الحرمين للدكتور عبد العظيم الديب (ص/ ٢٧)، والإِمام محمد بن الحسن للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ٢٤)، والاجتهاد والتقليد له (ص/ ١٤٦)، والاجتهاد الجماعي للدكتور شعبان إِسماعيل (ص/ ٨٣ وما بعدها)، ودراسة تحليلية مؤصلة لتخريج الفروع على الأصول لجبريل ميغا (ص/ ٣١٣ وما بعدها)، والمذاهب الفقهية للدكتور محمد فيض الله (ص/ ١٦)، والفقه الإِسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ٧٠)، ومفهوم الفقه الإِسلامي لنظام الدين عبد الحميد (ص/ ٦٧)، وابن عابدين وأثره في الفقه للدكتور محمد الفرفور (١/ ١١٢)، وتاريخ الفقه الإِسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ٥٦)، وتاريخ الفقه الإِسلامي للدكتور أحمد حسين (ص/ ٨٥)، وتأريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٩٥)، والمدخل للتشريع الإِسلامي للدكتور محمد النبهان (ص/ ١١٢ - ١١٣)، والمدخل لدراسة الفقه الإِسلامي للدكتور رمضان الشرنباصي =","vol":"2","page":621},{"text":"- ولم تكن الأصولُ مدونةً آنذاك، كما هو معلوم (^١) - وقد كان اجتهادُهم لمعرفةِ أحكامِ النوازلِ هو الطابع العامّ لهم (^٢).\nوقد تلقّى عامّةُ الناسِ عن الصحابةِ - ﵃ - ما توصلوا إِليه من اجتهاداتٍ (^٣).\nيقولُ ابنُ القيّم مُبَيِّنًا طريقةَ الصحابةِ - ﵃ - في دراسةِ المسائلِ: \"فالصحابةُ - ﵃ - مثَّلوا الوقاع بنظائرِها، وشبّهوها بأمثالِها، وردُّوا بعضَها إِلى بعضٍ في أحكامِها، وفتحوا للعلماءِ بابَ الاجتهادِ، ونهجوا طريقَه، وبيَّنوا لهم سبيلَه\" (^٤).\nوكان مِن اجتهادِهم ما يصحُّ جعله النواةَ الأُولى للاجتهادِ الجماعي الَّذي وُجِد في عصرنا الحاضر (^٥).\nيقولُ ابنُ حزمٍ: \"لمَّا ماتَ النبيُّ - ﷺ -، ووَليَ أبو بكرِ - ﵁ -، فمِنْ حينئذٍ تفرَّق الصحابةُ للجهادِ ... وإِلى الشامِ والعراق، وبقي بعضُهم بالمدينةِ مع\n_________\n= (ص/ ٥٩)، والمدخل لدراسة الفقه الإِسلامي لمحمد المحبوبي (ص/ ٧٩)، والمدخل لدراسة الفقه الإِسلامي للدكتور إِبراهيم إِبراهيم (ص/ ٦٦)، وتاريخ الفقه الإِسلامي للدكتور ناصر الطريفي (ص/ ٥٩)، وتاريخ الفقه الإِسلامي لإِلياس دردور (١/ ١٢٧).\n(^١) انظر: مناهج الاجتهاد في الإِسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ٧٦)، والاجتهاد ومدى حاجتنا إِليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ٣٧)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/١٥٢).\n(^٢) انظر: مقدمة ابن خَلدون (٣/ ١٠٤٦)، والرأي وأثره في مدرسة المدينة للدكتور إِسماعيل ميقا\n(ص/ ٦٩ وما بعدها)، والمدخل لدراسة الفقه الإِسلامي للدكتور شوقي ضيف (ص/ ٤٤).\n(^٣) انظر: الروض الباسم لابن الوزير (١/ ٢٢٢)، وابن عابدين وأثره في الفقه للدكتور محمد الفرفور (١/ ١١٢).\n(^٤) إِعلام الموقعين (١/ ٣٨٣). وانظر: مقدمة ابن خَلدون (٣/ ١٠٦٢)، وأسباب اختلاف الفقهاء لعلي الخفيف (ص/ ٢٤٨)، وأصول التشريع الإِسلامي للشيخ عليّ حسب الله (ص/ ١٧٧).\n(^٥) انظر: تاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة (ص/ ٢٥٢)، والاجتهاد الجماعي للدكتور عبد المجيد السوسوة (ص/ ٤٨ وما بعدها)، وأسباب اختلاف الفقهاء للدكتور مصطفى الزلمي (ص/ ٣٦٦)، والاجتهاد في الفقه الإِسلامي لعبد السلام السليماني (ص/ ١٢٠ وما بعدها)، والاجتهاد الجماعي للدكتور شعبان إِسماعيل (ص/ ٨٣ وما بعدها)، والاجتهاد الجماعي للدكتور قطب سانو (ص/ ٨٧ وما بعدها)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص ٩٥، ١٠١).","vol":"2","page":622},{"text":"أبي بكرٍ - ﵁ -، فكان إِذا جَاءَت القضيةُ ليس عنده فيها عن النبي - ﷺ - أمرٌ، سأل مَنْ بحضرتِه مِن الصحابةِ عن ذلك؟ فإِنْ وَجَدَ عندهم رَجَعَ إِليه، وإِلَّا اجتهدَ في الحُكمِ، ليس عليه غيرُ ذلك.\nفلمَّا ولي عمرُ - ﵁ -، فُتِحَت الأمصارُ، وزاد تَفَرُّقُ الصحابةِ في الأقطارِ، فكانت الحكومةُ تَنْزِلُ في المدينةِ أو في غيرِها مِن البلادِ، فإِنْ كان عندَ الصحابةٍ الحاضرين لها في ذلك عن النبي - ﷺ - أثرٌ، حَكَمَ به، وإِلَّا اجتهدَ أميرُ تلك المدينةِ في ذلك، وقد يكونُ في تلك القضيةِ حُكمٌ عن النبي - ﷺ - موجودٌ عند صاحب آخر، في بلدٍ آخر، وقد حَضَرَ المدينيُّ ما لم يحْضُر المصريُّ، وحَضَرَ المصريُّ ما لم يحضُر الشاميُّ، وحَضَرَ الشاميُّ ما لم يحضر البصريُّ ... \" (^١).\nواستمرَّ الأمرُ على حالٍ قريبةٍ مِنْ هذه زَمَنَ التابعين، فقدْ تفقّه التابعون على الصحابةِ - ﵃ - (^٢)، كلٌّ في قُطْرِه وبلدِه، وكان التابعون لا يتعدّون في كثيرٍ مِنْ أحوالِهم فتاوى الصحابةِ - ﵃ - (^٣)، فأَخَذَ أتباعُ المدينةِ كثيرًا مَنْ\n_________\n(^١) الإِحكام في أصول الأحكام (٢/ ١٢٦ - ١٢٧). وانظر: صحة أصول مذهب أهل المدينة لابن تيمية (٢٠/ ٣١١ - ٣١٣) ضمن مجموع فتاوى شيخ الإِسلام، والصواعق المرسلة لابن القيم (٢/ ٥٢٨ - ٥٣٠)، وحجة الله البالغة للدهلوي (١/ ٤٠٨ - ٤٠٩)، والفكر السامي لمحمد الحجوي (٢/ ٣١١)، والتشريع الإِسلامي للدكتور محفوظ فرج (ص/ ٨٧).\n(^٢) انظر: إِعلام الموقعين (٢/ ٩)، وحجة الله البالغة للدهلوي (١/ ٤٤٣)، والإِنصاف في بيان سبب الخلاف له (ص/ ٨)، وتاريخ المذاهب الإِسلامية لمحمد أبو زهرة (ص/ ٢٥٧)، وتعليل الأحكام لمحمد شلبي (ص/ ٧٢)، والفكر الأصولي للدكتور عبد الوهاب أبو سليمان (ص/ ٤٥)، والرأي وأثره في مدرسة المدينة للدكتور إِسماعيل ميقا (ص/ ٨٨)، والرأي وأثره في الفقه للدكتور إِدريس بشير (ص/ ٤٨٣)، وتاريخ الفقه الإِسلامي للدكتور محمد موسى (١/ ٩٨)، والاجتهاد في الشريعة الإِسلامية لعلي الخفيف (ص/ ٢٢٢) ضمن بحوث الاجتهاد في الشريعة، والاجتهاد ومدى حاجتنا إِليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ٤١)، وتخريج الفروع على الأصول لعثمان شوشان (١/ ١٢٩)، والفقه الإِسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ٨٢)، والمدخل للتشريع الإِسلامي للدكتور محمد النبهان (ص/ ١٣٤)، ومقدمة في دراسة الفقه للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ١٤٠).\n(^٣) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٢/ ١٢٧).","vol":"2","page":623},{"text":"فتاوى عبدِ الله بنِ عمرَ - ﵄ - وأَخَذَ أتباعُ أهلِ الكوفة كثيرًا مِنْ فتاوى عبدِ الله بنِ مسعود - ﵁ -، وأَخَذَ أتباعُ أهل مكةَ كثيرًا مِنْ فتاوى عبدِ الله بن عبَّاس - ﵄ - (^١).\nوحكى ابنُ حزمٍ حالَ السلفِ في هذه العصورِ، فقالَ: \"كانَ أهلُ هذه القرونِ الفاضلةِ المحمودةِ يطلبون حديثَ النبيّ - ﷺ -، والفقهَ في القرآنِ، وَيَرْحَلُونَ في ذلك إِلى البلادِ، فإِنْ وجدوا حديثًا عنه - ﷺ -، عَمِلُوا به واعتقدوه، ولا يقلّدُ أحدٌ منهم أحدًا البتة\" (^٢).\nوإنْ كان ابنُ حزمٍ يقصدُ بكلامِه علماءَ السلف ومجتهديهم، فمسلّمٌ، وإلَّا فقد وُجِدَ التقليدُ مِن العامةِ لعلماءِ الصحابةِ - ﵃ -.\nوقد نفى ابنُ حزم عن التابعين أنَّهم أخذوا فتاوى الصحابةِ - ﵃ - على سبيلِ التقليدِ (^٣).\nوتبع ابنَ حزم ابنُ القيّمِ؛ إِذ نَقَلَ كلامَه بحذافيره في كتابه: (الصواعق المرسلة) (^٤) مَعْزُوًّا إِليه.\nوما ذكره ابنُ حزم يحتاجُ إِلى ما يعضده، بلْ يمكنُ القولُ: إِنَّ أَخْذَ التابعين عن الصحابةِ - ﵃ - يُعدُّ اللبنةَ الأُولى في طريقِ بناءِ المدارسِ الفقهيةِ - الَّتي استقرتْ إِلى المذاهب الفقهيةِ المتبوعةِ - واللبنةَ الأولى أيضًا في وجودِ شيءٍ مِن التمذهبِ لبعضَ أعيانِ الصحابةِ - ﵃ -.\nويشهد لما قلتُه آنفًا: ما قاله أبو الحسن عليّ بنُ المديني (^٥): \"لم يكنْ\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (٢/ ١٢٨)، والصواعق الموسلة لابن القيم (٢/ ٥٣٤)، ونظرة تاريخية في حدوث المذاهب لأحمد تيمور (ص/ ٤٨).\n(^٢) الإِحكام في أصول الأحكام (٦/ ١٤٢). وانظر: نهاية الوصول للهندي (٧/ ٢٨٢٥)، وإعلام الموقعين (٣/ ٤٨٤ - ٤٨٥)، وحجة الله البالغة للدهلوي (١/ ٤٦٠ - ٤٦٢).\n(^٣) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام (٢/ ١٢٧).\n(^٤) انظر: (٢/ ٥٣٤)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ١٥٥).\n(^٥) هو: عليّ بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي مولاهم، أبو الحسن، المعروف بابن =","vol":"2","page":624},{"text":"في أصحابِ رسولِ الله - ﷺ - منْ له صُحَيبَةٌ، يذهبون مذهبَه، ويُفْتُون بفتواه، ويسلكون طَريقتَه إِلَّا ثلاثةٌ: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت (^١)، وعبد الله بن عبَّاس.\nفأصحابُ عبدِ الله بنِ مسعود الذين يُفْتُون بفتواه، ويقرأون بقراءتِه: علقمةُ بنُ قيسٍ (^٢)، والأسودُ بنُ يزيدَ (^٣) \" (^٤). إِلى أنْ قالَ: \"وأصحابُ ابنِ\n_________\n= المديني، ولد بالبصرة سنة ١٦١ هـ كان إِمامًا حجةً في الحديث وعلله، يلقب بأمير المؤمنين في الحديث، أخذ العلمَ عن جماعةٍ، منهم: سفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وتتلمذ له جمعٌ منهم: البخاري، وأبو حاتم الرَّازي، قال عنه الإِمام أحمد: \"أعلمُنا بالعلل عليّ بن المديني\"، وقال عنه أبو حاتم الرَّازي: \"كان عليّ بن المديني عَلَمًا في الناس في معرفة الحديث والعلل\"، من مؤلفاته: كتاب علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ، والأسماء والكنى، والثقات، توفي بسامراء سنة ٢٣٤ هـ. انظر ترجمته في: التاريخ الكيير للبخاري (٦/ ٢٨٤)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٢/ ٤٩١)، والمعرفة والتاريخ للفسوي (١/ ٢١٠)، وتهذيب الكمال للمزي (٢١/ ٥)، وسير أعلام النُّبَلاء (١١/ ٤١)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٢/ ١٤٥).\n(^١) هو: زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري الخزرجي، أبو سعيد، وقيل: أبو خارجة، استصغر يوم بدر، واختلف في شهوده أحدًا، وشهد ما بعد غزوة أحد، وقد تعلم لغة اليهود بأمر النبي - ﷺ -، وكان أحد كتبة الوحي، ومن علماء الصحابة - ﵃ - وفقهائهم، يقول مسروق عنه: \"قدمتُ المدينة، فوجدتُ زيد بن ثابت من الراسخين في العلم\"، وهو أحد الذين جمعوا القرآن الكريم في خلافة أبي بكر - ﵁ -، وقد استخلف عمر بن الخطاب زيدًا على المدينة ثلاث مرات، توفي سنة ٤٥ هـ وقيل: ٤٢ هـ عن ست وخمسين سنة، وقيل: عمره خمس وخمسون سنة. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٢٧٣)، والتاريخ الكبير للبخاري (٣/ ٣٨٠)، والآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (٤/ ٨٥)، والاستيعاب لابن عبد البر (ص/ ٢٤٥)، وسير أعلام النُّبَلاء (٢/ ٤٢٦)، والإِصابة لابن حجر (٢/ ٥٩٢).\n(^٢) هو: علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك النخعي الكوفي، أبو شبل، ولد في حياة النبي - ﷺ -، وهو معدود من المخضرمين، هاجر في طلب العلم والجهاد، ولزم عبد الله بن مسعود - ﵁ -، كان علقمة فقيه الكوفة وعالمها ومقرئها، إِمامًا حافظًا مجودًا مجتهدًا كبيرًا، توفي سنة ٦١ هـ وقيل: ٦٢ هـ وعمره تسعون سنة. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٦/ ٨٦)، والتاريخ الكبير للبخاري (٧/ ٤١)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ٧٦)، وسير أعلام النُّبَلاء (٤/ ٥٣)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (١/ ٤٥).\n(^٣) العلل (ص/١٠٧ - ١٠٨).\n(^٤) هو: الأسود بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، أبو عمرو، أدرك الجاهلية والإِسلام، كان من كبار التابعين ثقة من أهل الخير، إِمامًا قدوةً، قال عنه الشعبي: \"كان صوامًا قوامًا حجاجًا\"، =","vol":"2","page":625},{"text":"عبَّاس الذين يذهبون مذهبَه، ويسلكون طريقَه: عطاءُ (^١)، وطاووسٌ (^٢)، ومجاهدٌ (^٣) ... وأصحابُ زيدِ بنِ ثابتٍ الذين كانوا يأخذون عنه، ويُفْتُون بفتواه ...: سعيد بن المسيب (^٤)،\n_________\n= وقال عنه شمس الدين الذَّهبي: \"هو نظير مسروق في الجلالة والعلم والثقة والسن، يضرب المثل بعبادتهما\"، توفي بالكوفة سنة ٧٥ هـ وقيل: سنة ٧٤ هـ. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٦/ ٧٠)، والتاريخ الكبير للبخاري (١/ ٤٤٩)، والمعرفة والتاريخ للفسوي (٢/ ٥٥٩)، وتهذيب الكمال للمزي (٣/ ٢٣٣)، وسير أعلام النُّبَلاء (٤/ ٥٠)، والبداية والنهاية (١٢/ ٢٥٥)، وتهذيب التهذيب لابن حجر (١/ ١٧٣).\n(^١) هو: عطاء بن أبي رباح أسلم - وقيل: سالم - بن صفوان القرشي مولاهم، أبو محمد، ولد في خلافة عثمان بن عفان - ﵁ -، ونشأ بمكة، كان أحد أئمة المسلمين الاعلام، فقهيًا عالمًا كثير الحديث، من أعلم الناس بالمناسك، انتهت إِليه الفتوى في مكة، أدرك مائتين من صحابة رسول الله - ﷺ -، توفي سنة ١١٥ هـ وقيل: ١١٤ هـ وعمره ثمان وثمانون سنة. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٨/ ٢٨)، وحلية الأولياء لأبي نُعيم (٣/ ٣١٠)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٢٦١)، وتهذيب الكمال للمزي (٢٠/ ٦٩)، وسير أعلام النُّبَلاء (٥/ ٧٨)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (١/ ٩٨).\n(^٢) هو: طاووس بن كيسان الخولاني الهمداني بالولاء، أبو عبد الرَّحمن الفارسي، كان ثقةً فقيهًا قدوةً، إِمامًا حافظًا، جليل القدر، نبيل الذكر، عالمَ أهل اليمن، وأحد علماء التابعين، أدرك خمسين من أصحاب النبي - ﷺ -، ولزم عبد الله بن عبَّاس - ﵄ -، وكان من كبراء أصحابه، قال عنه ابن عبَّاس: \"أني لأظن طاووسًا من أهل الجنة\"، توفي بمكة سنة ١٠٦ هـ. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٨/ ٩٧)، وحلية الأولياء لأبي نُعيم (٤/ ٣)، ووفيات الاعيان لابن خلكان (٢/ ٥٠٩)، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي (١/ ٢٥١)، وتهذيب الكمال للمزي (١٣/ ٣٥٧)، وسير أعلام النُّبَلاء (٥/ ٣٨)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (١/ ٩٠).\n(^٣) هو: مجاهد بن جبر المكي، أبو الحجاج، ولد سنة ٢١ هـ كان شيخ القراء والمفسرين، واسع العلم، محدثًا فقهيًا، ثقةً كثير الحديث، روى عن ابن عبَّاس - ﵄ -، وأكثر عنه، وقال: \"عرضتُ القرآنَ على ابنِ عبَّاس ثلاثين مرة\"، وقال سفيان الثوري: \"خذوا التفسير عن أربعة: مجاهد ... \"، كان كثير الأسفار، وقد سكن الكوفة بآخرة، توفي سنة ١٠٢ هـ وقيل: سنة ١٠٤ هـ وهو ساجد. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٦/ ١٩)، وحلية الأولياء لأبي نُعيم (٣/ ٢٧٩)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ٦٤)، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي (٢/ ٨٣)، وتهذيب الكمال للمزي (٢٧/ ٢٢٨)، وسير أعلام النُّبَلاء (٤/ ٤٤٩)، وطبقات المفسرين للداودي (٢/ ٣٠٥).\n(^٤) هو: سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ، أبو محمد القرشي المخزومي، ولد بالمدينة لسنتين مضتا من خلافة عمر - ﵁ -، كان عالم المدينة، إِمامًا عَلَمًا، =","vol":"2","page":626},{"text":"وعروةُ بن الزُّبَيْر (^١) \" (^٢).\nوكلامُ عليِّ بنِ المديني محمولٌ فيما ظَهَرَ لي على أولِ أحوالِ هؤلاءِ التابعين في العِلمِ، وعلى معرفتِهم الدقيقةِ بأقوالِ الصحابي، ثمَّ بعدَ أنْ حصّلوا درجةَ الاجتهادِ، اجتهدوا في المسائلِ (^٣)، فما أفتوا فيه بقولِ الصحابي فمِنْ بابِ: موافقةِ العالمِ للعالمِ، لا مِنْ بابِ: التقليدِ.\nيقولُ شاه وليُّ الله الدهلوي عن التابعين: \"صارَ لكلِّ عالمٍ مِنْ علماءِ التابعينَ مذهبٌ على حيالِه، فانتصبَ في كلِّ بلدٍ إِمامٌ ... \" (^٤).\nويقولُ الإِمامُ ابنُ جريرٍ الطبري: \"وقد قِيلَ: إِنَّ ابنَ عمر وجماعةً ممَّنْ\n_________\n= سيد التابعين في وقته، وأحد الفقهاء السبعة، من العلماء العاملين، سمع من عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت - ﵁ -، قال عنه قتادة: \"ما رأيتُ أعلم من سعيد بن المسيب\"، وقال عنه ابنُ المديني: \"هو عندي أجل التابعين\"، توفي سنة ٩٣ هـ. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٥/ ١١٩)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ٥١)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٢/ ٣٧٥)، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي (١/ ٢١٩)، وسير أعلام النُّبَلاء (٤/ ٢١٧)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (١/ ٥١).\n(^١) هو: عروة بن الزُّبَيْر بن العوام بن خويلد، أبو عبد الله القرشي الأسدي المدني، ولد سنة: ٢٣ هـ وقيل: ٢٩ هـ أحد الفقهاء السبعة، وعالم المدينة، كان فقيهًا عالمًا مأمونًا، ثقةً كثير الحديث، قال عنه عمر بن عبد العزيز: \"ما أحدٌ أعلم من عروة بن الزُّبَيْر\"، توفي سنة ٩٣ هـ وقيل: ٩٤ هـ وقيل: سنة ٩٩ هـ. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٥/ ١٧٨)، والتاريخ الكبير للبخاري (٧/ ٣١)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ٥٢)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٢٥٥)، وتهذيب الكمال للمزي (١١/ ٢٥)، وسير أعلام النُّبَلاء (٤/ ٤٢١)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (١/ ٥٨)، وتهذيب التهذيب لابن حجر (٣/ ٩٢).\n(^٢) العلل (ص / ١٢٠ - ١٢٣). وانظر في الموضوع ذاته: المصدر السابق (ص/ ١٣٠ - ١٣٥)، والمعرفة والتاريخ للفسوي (١/ ٣٥٣)، والمدخل إِلى السنن الكبرى للبيهقي (١/ ١٤٩ - ١٥٢)، وخطبة الكتاب المؤمل للرد إِلى الأمر الأول لأبي شامة (ص/ ٦٤ - ٦٧)، وإِعلام الموقعين (١/ ٣٨)، وحجة الله البالغة للدهلوي (١/ ٤٠٩).\n(^٣) انظر: خطبة الكتاب المؤمل للرد إِلى الأمر الأول لأبي شامة (ص/ ٩٩)، وحجة الله البالغة للدهلوي (١/ ٤٥٣).\n(^٤) حجة الله البالغة (١/ ٤٤٣)، والإِنصاف في بيان سبب الخلاف (ص/ ٩). وانظر: مناهج الاجتهاد في الإِسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ٥٧٥)، وتاريخ الفقه الإِسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ١١٩).","vol":"2","page":627},{"text":"عاشَ بعده بالمدينةِ مِنْ أصحاب رسولِ الله - ﷺ - إِنَّما كانوا يُفْتُون بمذاهبِ زيدِ بن ثابت، وما كانوا أخذَوا عنه ممَّا لم يكونوا حفظوا فيه عن رسولِ الله - ﷺ - قولًا\" (^١).\nوما قاله ابنُ جريرٍ محمولٌ مِنْ وجهةِ نظري على ما ظَهَرَ لي مِنْ كلامِ عليّ بنِ المديني.\nثمَّ جاءَ بعدَ التابعين أتباعُهم، وجَرَوْا على الطريقِ الَّتي سار عليها التابعون، فأَخَذَ كلُّ واحدٍ منهم ما عندَ التابعينَ الذين في بلدِه مِنْ علمٍ (^٢)، وقد وُجِدَ في أتباعِ التابعين عددٌ مِن المجتهدين الذين تكوّنتْ لهم فيما بعدُ مذاهب فقهيةٌ قائمةً (^٣).\nيقولُ أبو شامةَ المقدسيُّ: \"ثمَّ كَثُرَت الوقائعُ والنوازلُ، وأفتى فيها مجتهدو الصحابةِ والتابعين وأتباعِهم، وحُفِظَتْ فتاويهم، وسُطِّرَتْ ودُوِّنتْ، ووصلتْ إِلى مَنْ بعدهم مِن الفقهاءِ الأئمةِ\" (^٤).\nولم تكنْ أصولُ الفقه في هذه الحقبةِ مدوّنةً تدوينًا كاملًا، وإنْ كان العلماءُ يسيرون على أصولٍ مركوزةٍ في طرائقِهم الاجتهاديةِ.\nويحكي شاه وليُّ الله الدهلوي حالَ أتباعِ التابعين مع التابعين، فيقول: \"فأظمأَ اللهُ أكبادًا إِلى علومِهم - أي: علوم التابعين - فَرَغِبُوا فيها،\n_________\n(^١) نقل كلامَ ابن جرير ابنُ القيم في: إِعلام الموقعين (١/ ٣٨). وانظر تعليق الشَّيخ محمد أبو زهرة على كلام ابن جرير في: الإِمام الصادق - حياته وعصره (ص/ ١٢٦).\n(^٢) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٢/ ١٢٨)، وإعلام الموقعين (٢/ ٩)، والصواعق المرسلة لابن القيم (٢/ ٥٣٤ - ٥٣٧)، والإِنصاف في بيان سبب الخلاف للدهلوي (ص/ ١٠)، والاجتهاد ومدى حاجتنا إِليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ٤٤ - ٤٥)، والاجتهاد في الشريعة الإِسلامية لعلي الخفيف (ص/ ٢٢٢) ضمن بحوث الاجتهاد في الشريعة، والجدل عند الأصوليين للدكتور مسعود فلوسي (ص/ ٦٥)، وتاريخ الفقه الإِسلامي للدكتور ناصر الطريفي (ص/ ٦٧).\n(^٣) انظر: الحياة العلمية في إِفريقية للدكتور يوسف حواله (١/ ٢٦٣).\n(^٤) خطبة الكتاب المؤمل للرد إِلى الأمر الأول (ص/ ٩٩).","vol":"2","page":628},{"text":"وأَخَذُوا عنهم الحديثَ وفتاوى الصحابةِ وأقاويلهم، ومذاهب هؤلاءِ العلماءِ وتحقيقاتهم مِنْ عندِ أنفسِهم ... ودارتْ بينهم المسائلُ، ورُفِعتْ إِليهم الأقضيةُ ... \" (^١).\nوقد بيّنَ الدهلويُّ صنيعَ أتباعِ التابعين إِذا اختلفتْ عليهم مذاهبُ الصحابةِ والتابعين في مسألةٍ ما، فالمختارُ عند كلِّ عالمٍ منهم مذهبَ أهلِ بلدِه وشيوخِه؛ لأنَّه أعرفُ بصحيحِ أقوالِهم مِنْ سقيمِها، وأدرى بأصولِها، ثم إِنَّ قلبَه أميلُ إِلى أقوالِهم؛ لفضلِهم وتبحرِهم (^٢).\nولقد كان مِنْ أهمِّ أحوالِ السلف الصالح - رحمهم الله تعالى - أنَّهم كانوا \"متفقينَ على الأخذِ بحديثِ النبيّ - ﷺ - إِذا بَلَغَهم، وصحَّ طريقُه\" (^٣)، ويفتي الواحدُ منهم بما ظَهَرَ له أنَّه الصوابُ في مسائلِ الأحكامِ والفروعِ (^٤).\nوجُملةُ القولِ: إِنَّه لم يُوْجَد قبلَ نشأةِ المذاهب الفقهيةِ تمذهبٌ بمعناه المعهود (^٥)، ولا نسبةٌ مذهبيةٌ إِلى أحدٍ مِن المجتهدَين بعينِه، وقُصَارى ما وقفتُ عليه أمورٌ يصحُّ وصفُها بأنَّها مِن اللبناتِ الأُوْلى في طريقِ قسمٍ مِنْ أقسامِ التمذهبِ، وهو التمذهبُ مَعَ معرفةِ الدليلِ.\nوقد وُجِدَتْ بداياتُ المدارسِ الفقهيةِ في هذه الأزمنةِ، وكان منبعُها أقوالَ الصحابة - ﵃ -، وأقوالَ التابعين (^٦)،\n_________\n(^١) حجة الله البالغة (١/ ٤٤٣)، والإِنصاف في بيان سبب الخلاف (ص/ ٩). وانظر: حجة الله البالغة (١/ ٤٤٥ - ٤٤٦).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (١/ ٤٤٧)، والإنصاف في بيان سبب الخلاف (ص/ ١١)، وأصول الإِفتاء لمحمد العثماني (ص/ ١٨٤) مع شرحه: المصباح في رسم المفتي.\n(^٣) الإِحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٢/ ١١٧). وانظر: رفع الملام عن الأئمة الأعلام لابن تيمية (ص/٤).\n(^٤) انظر: الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة لابن رجب (ص/ ٢٦).\n(^٥) انظر: حجة الله البالغة للدهلوي (١/ ٤٦٨)، والإِنصاف في بيان سبب الخلاف له (ص/ ٢٨).\n(^٦) انظر: مناهج الاجتهاد في الإِسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ٤٦).","vol":"2","page":629},{"text":"فَظَهَرَتْ مدرستانِ مشهورتانِ (^١):\nالمدرسة الأُوْلى: تُعنى بالأثر.\nالمدرسة الثانية: تُعنى بالرأي.\nوكان هناك مدارسُ أُخر، جمعتْ بين الأثرِ، والرأي (^٢).\n_________\n(^١) لا يُقصد بالمدرسة البناء الَّذي يتدارس فيه العلم، وإِنَّما يُقْصَدُ بها: الطرقُ أو الاتجاهاتُ الَّتي سلكها الفقهاءُ في استنباط الأحكام مِن الاعتماد على السُنَّةِ أو الرأي - قلةً وكثرةً - والتي أَخَذَتْ تتضح رويدًا رويدًا لدى فقهاء الأمصار. انظر: المدخل للفقه الإِسلامي للدكتور محمد مدكور (ص/ ١١٦)، والرأي وأثره في الفقه للدكتور إِدريس بشير (ص/ ٤٨١)، ومدرسة الإِمام الحافظ أبي عمر بن عبد البر لمحمد بن يعيش (١/ ١٣٥)، والمدخل للتشريع الإِسلامي للدكتور محمد النبهان (ص/ ١٤٠)، والمدخل لدراسة الفقه الإِسلامي للدكتور رمضان الشرنباصي (ص/ ٧٢)، والمدخل لدراسة الفقه الإِسلامي للدكتور شوقي الساهي (ص/ ٦٦)، والمدخل إِلى دراسة المذاهب للدكتور عمر الأشقر (ص/ ١١)، والجديد في تاريخ الفقه للدكتور محمد إِمبابي (ص/ ٧٠).\n(^٢) انظر: المصفى في أصول الفقه لأحمد الوزير (ص/ ٢٢)، وتاريخ التشريع الإِسلامي لمحمد الخضري (ص/ ١٤١ - ١٤٦)، والفكر السامي لمحمد الحجوي (٢/ ٣١٥)، ومناهج الاجتهاد في الإِسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ١٠٠ وما بعدها)، والمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ١٧٨، ١٨٦، ١٩٣ وما بعدها)، والاجتهاد ومدى حاجتنا إِليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ٤٢ - ٤٣)، وفقه إِمام الحرمين للدكتور عبد العظيم الديب (ص/ ٣٢)، والاجتهاد ومقتضيات العصر لمحمد الأيوبي (ص/ ٨٩)، وأمالي الدلالات لابن بيه (ص/ ٣١٢)، والرأي وأثره في الفقه للدكتور إِدريس بشير (ص/ ٥٠٥)، وابن عابدين وأثره في الفقه للدكتور محمد الفرفور (١/ ١٢٥ وما بعدها)، والفقه الإِسلامي بين الأصالة والتجديد للدكتور عبد الله الجبوري (ص/ ٤١ - ٤٢)، والمذاهب الفقهية للدكتور محمد فيض الله (ص/ ٢٥)، وتاريخ الفقه الإِسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ١٢٥ - ١٢٦)، وتاريخ الفقه الإِسلامي للدكتور عمر الأشقر (ص/ ٨٤)، وتاريخ الفقه الإِسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ٩٢ وما بعدها)، والجديد في تاريخ الفقه للدكتور محمد إِمبابي (ص/ ٧٥ وما بعدها)، وتاريخ الفقه الإِسلامي للدكتور أحمد حسين (ص/ ١٢٠ وما بعدها)، والفقه الإِسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ٨٣)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور محمد يوسف (ص/ ٥٢)، والمدخل لدراسة الفقه الإِسلامي للدكتور رمضان الشرنباصي (ص/ ٧٢ وما بعدها)، والمدخل لدراسة الفقه الإِسلامي للدكتور شوقي ضيف (ص/ ٦٦ وما بعدها)، والمدخل لدراسة الفقه الإِسلامي لمحمد محجوبي (ص/ ٨٣)، وضحى الإِسلام لأحمد أمين (٣/ ١٣١)، والمدخل إِلى دراسة الفقه لعبد المجيد الديباني (ص/ ١١٨)، والمنهج الفقهي العام لعلماء الحنابلة للدكتور عبد الملك بن دهيش (ص/١٧).","vol":"2","page":630},{"text":"وسيأتي حديثٌ موجزٌ في المطلبِ القادمِ عن المدرستين الأُوْليين، وإشارةٌ إلى أن الأئمةَ المجتهدين قد تخرجوا فيها.\nيقولُ شاه ولي الله الدهلوي: \"وبعد المائتينِ ظَهَرَ فيهم - أي: في العلماء - التمذهبُ للمجتهدينَ بأعيانِهم، وقلَّ مَنْ كان لا يَعْتَمِدُ على مذهبِ مجتهدٍ بعينِه، وكانَ هذا هو الواجب في ذلك الزمانِ\" (^١).\nهذه لمحةٌ موجزةٌ لما كان عليه الناسُ قبلَ نشأةِ المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعةِ.\n* * *\n_________\n(^١) الإنصاف في بيان سبب الخلاف (ص/ ٢٩). وانظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ١٤٦).","vol":"2","page":631},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>المطلب الثاني: نشأة المذاهب الفقهية</span>\nلم تكنْ نشأة المذاهبِ الفقهيةِ - سواءٌ ما بقي منها، أو ما فَنِيَ - في وقتٍ واحدٍ، وإنَّما نشأَ أكثرُها في وقتٍ متقارب (^١)، وقبلَ الحديثِ في هذا المطلب، أشيرُ إلى أنَّني لا أتحدثُ عن نشأةِ مذهبٍ بعينِه، ولا أكتبُ تاريخًا لَه، وإنَّما الحديثُ عن نشأةِ المذاهبِ الفقهيةِ على جهةِ العمومِ.\nيصحُّ لي في البدءِ أنْ أقولَ: إنَّ نشأةَ المذاهب الفقهيةِ كانت نابعةً مِن المدارسِ الموجودةِ في تلك العصور (^٢)، فأعلامُ المَذاهب وأئمتها تخرجوا فيها (^٣)، ورأسُ المدارسِ الفقهيةِ آنذاك مدرستانِ:\nالمدرسة الأولى: مدرسةُ الأثرِ.\nالمدرسة الثانية: مدرسةُ الرأي (^٤).\nيقولُ الحافظ ابنُ رجبٍ: \"اقتضتْ حِكْمَةُ الله سبحانه أنْ ضَبَطَ الدِّينَ وحفظَه، بأنْ نَصَبَ للناس أئمةً - مجتمعًا على علمِهم ودرايتِهم وبلوغِهم الغايةَ المقصودةَ في مرتبةِ العلمِ بالأحكامِ والفتوى - مِنْ أهلِ الرأي\n_________\n(^١) انظر: الاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ١٧١).\n(^٢) انظر: المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ١٨٦)، والمذاهب الفقهية للدكتور فوزي فيض الله (ص/٢٦).\n(^٣) انظر: المدخل إلى دارسة المذاهب للدكتور عمر الأشقر (ص/ ٤٦).\n(^٤) انظر: المصادر التي ذكرتها في المطلب الأول (ص/ ٦٠٨)، حاشية رقم (٣)، ومعالم السنن للخطابي (١/ ٥)، والملل والنحل للشهرستاني (١/ ٤٧٦)، وتمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية لمصطفى عبد الرازق (ص/ ٢٠٥)، والاجتهاد في الفقه الإسلامي لعبد السلام السليماني (ص/ ١٨٩).","vol":"2","page":632},{"text":"والحديثِ\" (^١).\nويقول الشيخُ محمدٌ أبو زهرة: \"اختلفت الآراءُ الفقهيةُ، وتكوَّنتْ مِنْ هذا الاختلافِ مدارس فقهيةٌ، ثم تَبَلْوَرَت المدارسُ، فصارتْ مذاهبَ فقهية\" (^٢).\nوسأتحدثُ في هذا المطلب عن هاتينِ المدرستينِ بحديثٍ موجزٍ - تاركًا بعضَ الأمورِ المتعلقةِ بهما، وعلى وجهِ الخصوصِ النقد الموجّه إلى مدرسةِ الرأي (^٣) - لأنَّ المذاهبَ الفقهيةَ - والمتبوعةَ منها على وجهِ الخصوصِ - قد نَشَأَتْ عن هاتينِ المدرستينِ.\nوكما أسلفتُ في المطلبِ السابقِ، فإنَّ منبعَ المدرستينِ الفقهيتينِ ونواتَهما كانتْ مِنْ أقوالِ الصحابةِ - ﵃ -، ومِنْ منهجِهم في معالجةِ النوازلِ، ومِنْ أقوالِ تلامذتِهم ومنهجِهم في دراسةِ النوازلِ (^٤)؛ إذ الصحابةُ - ﵃ - تفرقوا في الأمصارِ، فاشتغلتْ طائفةٌ منهم بالعِلم ونَشرِه، فكان لها طلاب عُنوا بأقوالِهم (^٥) - كما سبقت الإشارةُ إليه في كلامِ علي بنِ المديني في المطلب السابقِ - وتولّوا الإفتاءَ بعدهم (^٦)، ونتَجَ عن هذا تعددُ اتجاهاتِ العلماءِ (^٧)، فَظَهَرَتْ بوادرُ اتجاهين:\nالاتجاه الأول: الوقوفُ مع النصّ الشرعي في حدودِه المبينة، دونَ التوغّلِ في علتِه وبواعثِه.\n_________\n(^١) الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة (ص/ ٢٨).\n(^٢) تاريخ المذاهب الإسلامية (ص/ ٣٠١).\n(^٣) انظر على سبيل المثال: تأويل مختلف الحديث لابن قتببة (ص/ ١٣٠ وما بعدها).\n(^٤) انظر: الفقه الإسلامي ومدارسه لمصطفى الزرقا (ص/ ٥٣)، ودراسة تاريخية للفقه وأصوله للدكتور مصطفى الخن (ص/ ٧٥)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور رمضان الشرنباصي (ص/ ٧٣).\n(^٥) انظر: أصول الفقه لمحمد أبو زهرة (ص/ ١١)، ومناهج الاجتهاد في الإسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ٣٥)، والمذاهب الفقهية الإسلامية لمحمد تاجا (ص/ ٥٦)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور إبراهيم إبراهيم (ص/ ٨٥).\n(^٦) انظر: أصول الفقه لمحمد أبو زهرة (ص/ ١١).\n(^٧) انظر: الاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ١٦٢).","vol":"2","page":633},{"text":"الاتجاه الثاني: الوقوفُ مع النصِّ الشرعي، مع البحثِ والنظرِ في علتِه وغرضِ الشارعِ منه (^١).\nومَعَ استمرارِ الزمنِ، أَخَذَ الخلافُ يتعمّقُ بين الاتجاهينِ، واتّسعتْ شُقَّةُ الخلافِ المنهجي بين الفريقينِ، حتى ظَهَرَتْ إثرَ ذلك: مدرسةُ الأثرِ، ومدرسةُ الرأي، فكان لكلِّ واحدةٍ منهما مميزات وخصائص، وطريقةٌ في النظرِ في الأدلةِ والاستدلالِ منها، ظَهَرَ أَثَرُها في أصولِ المذاهب الفقهيةِ التي نشأتْ عنهما (^٢).\nيقولُ الشيخُ محمد أبو زهرةَ: \"كلمَّا اخْتَلَفَت المدارسُ الفقهيةُ كان الاختلاف سببًا في أنْ تتميّزَ مناهجُ الاستنباطِ في كلِّ مدرسةٍ\" (^٣).\nأولا: مدرسة الأثر:\nكان مقرُّ مدرسةِ الأثرِ في الحجازِ، وفي مدينةِ النبي - ﷺ - على وجهِ الخصوصِ (^٤)، ويرجعُ فقهُ هذه المدرسةِ إلى عددِ مِن الصحابةِ - ﵃ -، ومِنْ\n_________\n(^١) انظر: الإمام الصادق - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ١٣٦)، وتاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ١٤٣)، والمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ١٨٦)، والفقه الإسلامي ومدارسه له (ص/ ٥٤)، والشريعة الإسلامية تاريخها للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ١٢٤)، وتاريخ الفقه الإسلامي له (ص/ ٧٦)، والاجتهاد ومقتضيات العصر لمحمد الأيوبي (ص/ ٨٩)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور محمد موسى (١/ ٥٠)، والجديد في تاريخ الفقه للدكتور محمد إمبابي (ص/ ٩٧)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور إبراهيم إبراهيم (ص/ ٨٦).\n(^٢) انظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٤٧٩)، والإمام الصادق - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ١٣٧)، وتاريخ المذاهب الإسلامية له (ص/ ٢٥٩)، ودراسة تاريخية للفقه وأصوله للدكتور مصطفى الخن (ص/ ٧٥).\n(^٣) أصول الفقه (ص/ ١٢). وانظر: أسباب اختلاف وجهات النظر الفقهية للدكتور وهبة الزحيلي (٤/ ٢٢٨) ضمن موسوعة الفقه الإسلامي المعاصر.\n(^٤) انظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٤٧٦)، والمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ١٨٦)، ودراسة تاريخية للفقه وأصوله للدكتور مصطفى الخن (ص/ ٧٦)، ومناهج الاجتهاد في الإسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ١٠٠)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ١٦٣)، ومقدمة في دراسة الفقه له (ص/ ١٥٣)، والرأي وأثره في مدرسة المدينة =","vol":"2","page":634},{"text":"أشهرِهم: عبدُ الله بنُ عمر، وعبدُ الله بنُ عباسٍ، وعائشةُ، وزيدُ بنُ ثابتٍ - ﵃ - (^١).\nوقد اشتهرَ في هذه المدرسةِ عددٌ مِنْ فقهاءِ التابعين وأتباعِهم: كسعيدِ بنِ المسيبِ، وعروةَ بنِ الزبير، ومحمدِ بنِ شهابٍ الزهري (^٢)،\n_________\n= للدكتور إسماعيل ميقا (ص/ ١٥١)، والرأي وأثره في الفقه للدكتور إدريس بشير (ص/ ٤٨٥)، وأسباب اختلاف الفقهاء لمصطفى الزلمي (ص/ ٢٤، ٤٠١)، والاجتهاد في الفقه الإسلامي لعبد السلام السليماني (ص/ ١٨٩)، والشريعة الإسلامية - تاريخها للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ١٢٥)، وتاريخ الفقه الإسلامي له (ص/ ٧٦)، وتمهيد لتاريخ الفلسفة لمصطفى عبد الرازق (ص/ ٢٠٥)، والمدخل إلى علم أصول الفقه لمحمد الدواليبي (ص/ ٢٨٥)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ١٢٥)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور محمد موسى (١/ ٣٦)، و(٢/ ١٣)، والمدخل لدراسة الفقه له (ص/ ٥٣)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عمر الأشقر (ص/ ٨٤)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١١٥)، والجديد في تاريخ الفقه للدكتور محمد إمبابي (ص/ ٨١)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد حسين (ص/ ١٢٠)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ٨٣)، والمذاهب الفقهية الإسلامية لمحمد تاجا (ص/ ٦١)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ٩٣)، والمدخل للتشريع الإسلامي للدكتور محمد النبهان (ص/ ١٥٠)، والمدخل إلى دارسة المذاهب للدكتور عمر الأشقر (ص/ ١٣)، والمدخل الفقهي للدكتور خليفة با بكر وزميليه (ص/ ٢٤٧)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور رمضان الشرنباصي (ص/ ٧٣)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور إبراهيم إبراهيم (ص/ ٨٦). وقارن بالمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ١٩٦ - ١٩٨)، والفقه الإسلامي ومدارسه له (ص/ ٥٩).\n(^١) انظر: الإمام الصادق - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ١٣٩)، ومناهج الاجتهاد في الإسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ١١٤)، والشريعة الإسلامية تاريخها للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ١١٤)، والرأي وأثره في مدرسة المدينة للدكتور إسماعيل ميقا (ص/ ١٥٣)، وأسباب اختلاف الفقهاء لمصطفى الزلمي (ص/ ٢٤)، والاجتهاد الجماعي للدكتور شعبان إسماعيل (ص/ ١٠٠ - ١٠١)، ودراسة تاريخية للفقه وأصوله للدكتور مصطفى الخن (ص/ ٧٦)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ١٢٠)، والجديد في تاريخ الفقه للدكتور محمد إمبابي (ص/ ٨٠)، و(ص/ ١١٨ وما بعدها)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ٩٤)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور شوقي الساهي (ص/ ٦٧).\n(^٢) هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري المدني، أبو بكر، ولد سنة ٥٠ هـ وهو أحد كبار التابعين وأئمتهم، روى عن بعض الصحابة - ﵃ -، كان حافظ عصره، =","vol":"2","page":635},{"text":"وغيرِهم (^١).\nوكان أشهرُ أربابِ هذه المدرسةِ، ولسانُ فقهائِها سعيدَ بنَ المسيب (^٢).\nويتحدثُ الشيخ محمدٌ شلبي عن علماءِ مدرسةِ الأثرِ ومنهجِهم،\n_________\n= ومن أحسن الناس سياقًا لمتون الأخبار، قال عنه الإمام أحمد: \"الزهري أحسن الناس حديثًا، وأجود الناس إسنادًا\"، وفال الزهري عن نفسه: \"ما استودعتُ قلبي شيئًا قط فنسيته\"، وقد بلغ في العلم مبلغًا كبيرًا حتى قيل عنه: إنه أعلم الناس، توفي سنة ١٢٤ هـ. انظر ترجمته في: التاريخ الكبير للبخاري (١/ ٢٢٠)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ١٧٧)، وتهذيب الكمال للمزي (٢٦/ ٤١٩)، وسير أعلام النبلاء (٥/ ٣٢٦)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (١/ ١٠٨).\n(^١) انظر: أصول الفقه لمحمد أبو زهرة (ص/ ١١)، ومناهج الاجتهاد في الإسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ١٠١)، والرأي وأثره في مدرسة المدينة للدكتور إسماعيل ميقا (ص/ ١٥٤)، والرأي وأثره في الفقه للدكتور إدريس بشير (ص/ ٤٨٥ وما بعدها)، والاجتهاد في الفقه الإسلامي لعبد السلام السليماني (ص/ ١٩٣)، والاجتهاد ومقتضيات العصر لمحمد الأيوبي (ص/ ٩١)، والاجتهاد الجماعي للدكتور شعبان إسماعيل (ص/ ١٠١)، والشريعة الإسلامية - تاريخها للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ١٢٥)، ودراسة تاريخية للفقه وأصوله للدكتور مصطفى الخن (ص/ ٧٦)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ١٢٤)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور محمد موسى (١/ ٤٠)، و(٢/ ١٥)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ٩٥، ٩٧)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عمر الأشقر (ص/ ٨٥)، والمدخل للتشريع الإسلامي للدكتور محمد النبهان (ص/ ١٥٠)، والمدخل الفقهي للدكتور خليفة با بكر وزميليه (ص/ ٢٤٨)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور شوقي الساهي (ص/ ٦٧).\n(^٢) انظر: حجة الله البالغة للدهلوي (١/ ٤٤)، والإنصاف في بيان سبب الخلاف له (ص/ ١٠)، وأصول الفقه لمحمد أبو زهرة (ص/ ١١)، وتاريخ المذاهب الإسلامية له (ص/ ٢٦٢)، ومناهج الاجتهاد في الإسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ١٠١)، وأسباب اختلاف الفقهاء لمصطفى الزلمي (ص/ ٢٥)، والاجتهاد في الفقه الإسلامي لعبد السلام السليماني (ص/ ١٨٩)، والاجتهاد الجماعي للدكتور شعبان إسماعيل (ص/ ١٠٣)، والشريعة الإسلامية - تاريخها للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ١٢٥)، وتاريخ الفقه الإسلامي له (ص/ ٧٧)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور محمد موسى (١/ ٣٨)، و(٢/ ١٣)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد حسين (ص/ ١٢١)، والمذاهب الفقهية الإسلامية لمحمد تاجا (ص/ ٦١)، والمدخل للتشريع الإسلامي للدكتور محمد النبهان (ص/ ١٥١)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور إبراهيم إبراهيم (ص/ ٨٦)، والمدخل إلى دراسة الفقه لعبد المجيد الديباني (ص/ ١١٩)، والمذهب الحنبلي للدكتور عبد الله التركي (١/ ١٧).","vol":"2","page":636},{"text":"فيقول: \"رَأَى هؤلاءِ مدينتَهم أغنى البلدانِ بالحديثِ، مهبط الوحي، ومجمع الصحابةِ ... وفيها أقامَ الخلفاءُ وجمهرة الصحابةِ، فافتوا وقضوا، وحَفِظَ الناسُ قضاياهم وفتياهم، فإذا ضممنا إلى ذلك ... بُعْدَ البلادِ عن الحضارةِ وحوادِثِها المتجددة: حَكَمْنَا بكفايةِ هذه الأحكامِ لتلك البلادِ، إلا إذا جدَّ جديدٌ - وهو قليلٌ - فيمكنُ أَخذُ حكمِه بقياسٍ أو بغيرِه\" (^١).\nويتجلى الطابعُ العامُّ لهذه المدرسةِ في أمرينِ:\nالأمر الأول: الوقوفُ مع نصوصِ السنةِ النبويةِ على وجهِ الخصوصِ؛ لوفرةِ الأحاديثِ التي وقفوا عليها، مع عنايتِهم بتحصيلِها، ولقلّةِ النوازلِ التي تحتاجُ إلى أحكامٍ غيرِ منصوصٍ عليها (^٢).\nالأمر الثاني: قلةُ استعمالِ علماءِ مدرسةِ الأثرِ للرأي (^٣).\n_________\n(^١) تعليل الأحكام (ص/ ٧٣). وانظر: دراسة تاريخية للفقه وأصوله للدكتور مصطفى الخن (ص/ ٨٥)، والاجتهاد في الفقه الإسلامي لعبد السلام السليماني (ص/ ١٩٥)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ١٢٠)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد حسين (ص/ ١٢١)، والمذاهب الفقهية الإسلامية لمحمد تاجا (ص/ ٦١)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ٩٣، ٩٥).\n(^٢) انظر: المصادر السابقة، والملل والنحل للشهرستاني (١/ ٤٧٦)، وتاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة (ص/ ٢٦١)، وابن حزم - حياته وعصره له (ص/ ١٨٠)، ومناهج الاجتهاد في الإسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ٩٩)، والشريعة الإسلامية تاريخها للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ١٢٥)، وتاريخ الفقه الإسلامي له (ص/٧٧ - ٧٨)، وتمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية لمصطفى عبد الرازق (ص/ ٢١٧)، والرأي وأثره في الفقه للدكتور إدريس بشير (ص/ ٥١٧)، والمدخل إلى علم أصول الفقه لمحمد الدواليبي (ص/ ٣٦٨)، والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ١٦٥)، وأسباب اختلاف الفقهاء لمصطفى الزلمي (ص/ ٤٠٢)، ودراسة تاريخية للفقه وأصوله للدكتور مصطفى الخن (ص/ ٧٦ - ٧٧)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١١٥)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ٨٣)، والمدخل الفقهي للدكتور خليفة با بكر وزميليه (ص/ ٢٤٩)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور رمضان الشرنباصي (ص/ ٧٣ - ٧٤)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور إبراهيم إبراهيم (ص/ ٨٧)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور شوقي الساهي (ص/ ٦٧ - ٦٨)، والمنهج الفقهي العام لعلماء الحنابلة للدكتور عبد الملك بن دهيش (ص/١٩).\n(^٣) انظر: المصادر السابقة.","vol":"2","page":637},{"text":"ولا يعني هذا أنَّهم لا يعتمدونَ على الرأي ولا يستعملونه، وإنَّما يستعملونه في المسائلِ التي لم يَرِدْ فيها دليلٌ نقليٌّ (^١).\nومِنْ أشهرِ أئمةِ المذاهبِ الفقهيةِ الذين تخزجوا في مدرسةِ الأثرِ: الإمامُ مالك بن أنس (^٢)، والإمامُ الشافعي - مع درايته وتأثره بمدرسة أهل الرأي - والإمامُ أحمدُ بن حنبل (^٣)، وأئمةُ أهلِ الظاهرِ (^٤).\nتانيًا: مدرسة الرأي:\nكان مقرُّ مدرسةِ الرأي في العراقِ، وفي الكوفة على وجهِ\n_________\n(^١) انظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٤٧٦)، وابن حزم - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ١٨١)، ومناهج الاجتهاد في الإسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ١٢١)، وأسباب اختلاف الفقهاء لمصطفى الزلمي (ص/ ٤٠٣)، والمدخل للتشريع الإسلامي للدكتور محمد النبهان (ص/ ١٤٠)، والمدخل الفقهي للدكتور خليفة با بكر وزميليه (ص/ ٢٥٢).\n(^٢) انظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٤٧٦)، والمصفى في أصول الفقه لأحمد الوزير (ص/ ٢٢)، وتاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة (ص/ ٢٦٦)، وتمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية لمصطفى عبد الرازق (ص/ ٢١٣)، والمدخل إلى علم أصول الفقه لمحمد الدواليبي (ص/ ٣٦٣)، والرأي وأثره في مدرسة المدينة للدكتور إسماعيل ميقا (ص/ ٢٤٣)، ودراسة تاريخية للفقه وأصوله للدكتور مصطفى الخن (ص/ ٧٦)، والمذاهب الفقهية الإسلامية لمحمد تاجا (ص/ ٦١)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عمر الأشقر (ص/ ٨٦)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور إبراهيم إبراهيم (ص/ ٨٦)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور محمد يوسف (ص/٥٣).\nوقارن بآفاق فقه مالك لمحمد صالح (٣/ ٣١٠) ضمن ندوة الإمام مالك.\n(^٣) انظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٤٧٦)، وحجة الله البالغة للدهلوي (١/ ٤٥٥)، والمصفى في أصول الفقه لأحمد الوزير (ص/ ٢٢)، وتمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية لمصطفى عبد الرازق (ص/ ٢١٩)، والرأى وأثره في الفقه للدكتور إدريس بشير (ص/ ٥٢٦)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور محمد يوسف (ص/ ٥٣)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور إبراهيم إبراهيم (ص/ ٨٦)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور محمد يوسف (ص/ ٥٣)، وتأريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٢٣٣)، ونشأة الفقه الإسلامي للدكتور وائل حلاق (ص/ ١٧٧).\n(^٤) انظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٤٧٦)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٢٣٣)، والمدخل إلى دراسة الفقه لعبد المجيد الديباني (ص/ ١٢٧)، ونشأة الفقه الإسلامي للدكتور وائل حلاق (ص/ ١٧٧).","vol":"2","page":638},{"text":"الخصوصِ (^١)، ووَرِثَتْ هذه المدرسةُ عِلْمَ عددٍ من الصحابة - ﵃ -، وعلى رأسِهم: عمرُ بنُ الخطاب، وعبدُ الله بن مسعود، وعليّ بن أبي طالبٍ - ﵃ - في فتاويهم وأقضيتِهم (^٢).\n_________\n(^١) انظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٤٧٨)، والمدخلَ الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ١٨٦)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ١٦٣)، والاجتهاد الجماعي للدكتور شعبان إسماعيل (ص/ ١٠١)، والاجتهاد في الفقه الإسلامي لعبد السلام السليماني (ص/ ١٨٩)، والشريعة الإسلامية - تاريخها للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ١٠٦، ١٢٦)، وتاريخ الفقه الإسلامي له (ص/ ٧٨)، وتمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية لمصطفى عبد الرازق (ص/ ١٥٨)، والرأي وأثره في مدرسة المدينة للدكتور إسماعيل ميقا (ص/ ٢١٩)، والرأي وأثره في الفقه للدكتور إدريس بشير (ص/ ٤٩٧)، والمدخل إلى عليم أصول الفقه لمحمد الدواليبي (ص/ ٢٨٥)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ١٢٦)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور محمد موسى (٢/ ١٣٣)، والمدخل لدراسة الفقه له (ص/ ٥٣)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١١٦)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد حسين (ص/ ١٢١)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عمر الأشقر (ص/ ٨٦)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ٨٣)، والمذاهب الفقهية الإسلامية لمحمد تاجا (ص/ ٦٥)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ٩٣، ٩٨)، والمدخل للتشريع الإسلامي للدكتور محمد النبهان (ص/ ١٥٢)، والمدخل الفقهي للدكتور خليفة با بكر وزميليه (ص/ ٢٥٠)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور رمضان الشرنباصي (ص/ ٧٤)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور إبراهيم إبراهيم (ص/ ٨٧)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور شوقي الساهي (ص/ ٦٩)، والمدخل إلى دراسة الفقه لعبد المجيد الديباني (ص/ ١٣١)، والمذهب الحنبلي للدكتور عبد الله التركي (١/ ١٦). وقارن بالمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ١٩٦ - ١٩٨)، والفقه الإسلامي ومدارسه له (ص/٥٩).\n(^٢) انظر: الإمام الصادق - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ١٣٩)، وتاريخ المذاهب الإسلامية له (ص/ ٢٦٢)، والمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ١٧٥، ١٨٧)، والمدخل إلى علم أصول الفقه لمحمد الدواليبي (ص/ ٣٦٤)، ومناهج الاجتهاد في الإسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ١١٤)، وأسباب اختلاف الفقهاء لمصطفى الزلمي (ص/ ٢٥)، والاجتهاد الجماعي للدكتور شعبان إسماعيل (ص/ ١٠٢ - ١٠٣)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ٧٨)، ودراسة تاريخية للفقه وأصوله للدكتور مصطفى الخن (ص/ ٧٤ - ٧٥، ٨٠)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ١٢٠)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ٧١)، والجديد في تاريخ الفقه للدكتور محمد إمبابي (ص/ ٩٨ وما بعدها)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد حسين (ص/ ١٢٢)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عمر الأشقر (ص/ ٨٦)، والمذاهب الفقهية الإسلامية لمحمد تاجا =","vol":"2","page":639},{"text":"وقد اشتهرَ في هذه المدرسة عددٌ مِنْ فقهاءِ التابعين وأتباعِهم، منهم: علقمةُ بنُ قيسٍ، والأسودُ بنُ يزيدَ، وإبراهيمُ النخعي (^١)، وغيرُهم (^٢).\nوكما كان سعيدُ بنُ المسيب أشهرَ رجالاتِ مدرسةِ الأثرِ، فإنَّ إبراهيمَ النخعي كان حاملَ لواءِ مدرسةِ الرَأي (^٣).\n_________\n= (ص/ ٦٥)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ٩٨)، والمدخل للتشريع الإسلامي للدكتور محمد النبهان (ص/ ١٥٢ - ١٥٣)، والمدخل الفقهي للدكتور خليفة با بكر وزميليه (ص/ ٢٥٠)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور شوقي الساهي (ص/ ٦٩)، والمدخل إلى دراسة الفقه لعبد المجيد الديباني (ص/ ١٣١).\n(^١) هو: إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي اليماني، ثم الكوفي، أبو عمران، كان إمامًا حافظًا، ورجلًا صالحًا، وفقيهًا متوقيًا، قليل التكلف، عالم أهل العراق، وأحد أئمة التابعين المجتهدين، بصيرًا بفقه عبد الله بن مسعود - ﵁ -، كبير الشأن، كثير المحاسن، توفي سنة ٩٦ هـ وقيل: سنة ٩٥ هـ وهو ابن نيف وخمسين سنةً. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٨/ ٣٨٨)، وحلية الأولياء لأبي نعيم (٤/ ٢١٩)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ٧٩)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (١/ ٢٥)، وتهذيب الكمال للمزي (٢/ ٢٣٣)، وسير أعلام النبلاء (٤/ ٥٢٠)، وتهذيب التهذيب لابن حجر (١/ ٦٨).\n(^٢) انظر: حجة الله البالغة للدهلوي (١/ ٤٤)، والإنصاف في بيان سبب الخلاف له (ص/ ١٠)، وأصول الفقه لمحمد أبو زهرة (ص/ ١١)، وتاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ١٤٣)، وأسباب اختلاف الفقهاء لمصطفى الزلمي (ص/ ٢٥)، والاجتهاد الجماعي للدكتور شعبان إسماعيل (ص/ ١٠٣)، والشريعة الإسلامية - تاريخها للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ١٢٦)، وتاريخ الفقه الإسلامي له (ص/ ٧٨)، ودراسة تاريخية للفقه وأصوله للدكتور مصطفى الخن (ص/ ٧٥)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ١٢٥)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١١٦)، والجديد في تاريخ الفقه للدكتور محمد إمبابي (ص/ ١٠٩ وما بعدها)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ٩٩)، والمدخل للتشريع الإسلامي للدكتور محمد النبهان (ص/ ١٥٤ - ١٥٥)، والمدخل الفقهي للدكتور خليفة با بكر وزميليه (ص/ ٢٥٠)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور شوقي الساهي (ص/ ٦٩).\n(^٣) انظر: أصول الفقه لمحمد أبو زهرة (ص/ ١١)، وتاريخ المذاهب الإسلامية له (ص/ ٢٦٢)، وتمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية لمصطفى عبد الرازق (ص/ ١٥٨)، والاجتهاد في الفقه الإسلامي لعبد السلام السليماني (ص/ ١٨٩)، والاجتهاد الجماعي للدكتور شعبان إسماعيل (ص/ ١٠٣)، والشريعة الإسلامية - تاريخها للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ١٢٦)، ودراسة تاريخية للفقه وأصوله للدكتور مصطفى الخن (ص/ ٨٠)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد حسين (ص/ ١٢٢)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ٩٩)، والمدخل للتشريع الإسلامي للدكتور محمد النبهان (ص/ ١٥٥)، والمدخل لدراسة الفقه =","vol":"2","page":640},{"text":"ويتحدثُ الشيخُ محمدٌ شلبي عن مدرسةِ الرأي وشيوخِها، فيقول: \"ذهبوا إلى أن الشريعةَ جاءتْ لحِكَمٍ ومَقَاصِد، وبُنِيتْ على أسبابٍ وعللٍ، وأنَّها معقولةُ المعنى، وليس شيءٌ منها قُصِدَ به التَّعَبّدُ إلا اليسير - وهو بابُ العباداتِ - فقعَّدوا القواعدَ العامةَ، وضبطوا عللَها، ثُمَّ وضعوها في الموضعِ اللائقِ بها في نظرِهم، حكّموها في بعضِ النصوصِ، فردّوها؛ لمخالفتِها أو مجيئِها على غيرِ مَهْيَعها (^١)، ظَهَرَ ذلك جليًّا في بعضِ أخبارِ الآحادِ ... \" (^٢).\nوتظهر السمةُ البارزةُ لمدرسةِ الرأي في أمرين:\nالأمر الأول: كثرةُ استعمالِ علماءِ المدرسةِ للرأي (^٣).\nيقولُ أبو الفتحِ الشهرستاني: \"وإنَّما سُمّوا أصحاب الرأي؛ لأنَّ أكثرَ\n_________\n= الإسلامي للدكتور إبراهيم إبراهيم (ص/ ٨٧)، والمذهب الحنبلي للدكتور عبد الله التركي (١/ ١٧).\n(^١) المَهْيَع: الطريق الواضح. انظر: مقاييس اللغة، مادة: (هيع)، (٦/ ٢٥).\n(^٢) تعليل الأحكام (ص/ ٧٣). وانظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٤٧٨)، وأصول الفقه لمحمد أبو زهرة (ص/ ١٢)، وأسباب اختلاف الفقهاء لمصطفى الزلمي (ص/ ٤٠٢)، والاجتهاد في الفقه الإسلامي لعبد السلام السليماني (ص/ ١٩٠)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ١٢١، ١٢٦)، والجديد في تاريخ الفقه للدكتور محمد إمبابي (ص/ ٨٣، ٨٥)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد حسين (ص/ ١٢٢)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ٩٣، ٩٩).\n(^٣) انظر: المصادر السابقة، وتاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة (ص/ ٢٦١)، وابن حزم - حياته وعصره له (ص/ ١٨١)، ومناهج الاجتهاد في الإسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ٩٩)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ١٦٣)، والشريعة الإسلامية - تاريخها للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ١٢٦)، وتاريخ الفقه الإسلامي له (ص/ ٧٩)، ودراسة تاريخية للفقه وأصوله للدكتور مصطفى الخن (ص/ ٨١)، والرأي وأثره في الفقه للدكتور إدريس بشير (ص/ ٥١٧)، والمدخل إلى علم أصول الفقه لمحمد الدواليبي (ص/ ٣٦٢، ٣٦٥ - ٣٦٦)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١١٦)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ٨٣)، والمدخل إلى دراسة الفقه لعبد المجيد الديباني (ص/ ١٣٨ - ١٣٦)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور رمضان الشرنباصي (ص/ ٧٣، ٧٥)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور إبراهيم إبراهيم (ص/ ٨٨)، والمذهب الحنبلي للدكتور عبد الله التركي (١/ ١٧)، والمنهج الفقهي العام لعلماء الحنابلة للدكتور عبد الملك بن دهيش (ص/١٨).","vol":"2","page":641},{"text":"عنايتِهم بتحصيل وجهِ القياسِ، والمعنى المستنبطِ مِن الأحكام، وبناءِ الحوادثِ عليها\" (^١).\nالأمر الثاني: قلّةُ استدلالِ علماءِ المدرسةِ بالأحاديثِ النبويةِ، فقد تشدّدوا في قبولِها؛ لكثرةِ الوضاعين في وقتِهم، وبُعْدِهم عن المصدرِ المكاني للسُنَّةِ النبويةِ، إضافةً إلى كثرةِ النوازلِ التي لم يُنَصَّ على حكمِها (^٢).\nومِنْ أشهرِ أئمةِ المذاهبِ الفقهيةِ الذين تخرّجوا في مدرسةِ الرأي: الإمامُ أبو حنيفة النعمان (^٣).\nيقولُ ابنُ خَلدون متحدثًا عن مدرستي: الحديث، والرأي: \"انقسم الفقهُ إلى طريقتين:\n_________\n(^١) الملل والنحل (١/ ٤٧٨).\n(^٢) انظر: تاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة (ص/ ٢٦١)، وابن حزم - حياته وعصره له (ص/ ١٨١)، ومناهج الاجتهاد في الإسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ٩٩)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ١٦٣)، والشريعة الإسلامية تاريخها للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ١٢٦)، وتاريخ الفقه الإسلامي له (ص/ ٧٩)، ودراسة تاريخية للفقه وأصوله للدكتور مصطفى الخن (ص/ ٨١)، والمدخل إلى علم أصول الفقه لمحمد الدواليبي (ص/ ٣٦٢، ٣٦٥ - ٣٦٦)، وأسباب اختلاف الفقهاء لمصطفى الزلمي (ص/ ٤٠٣)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١١٦)، والمدخل للتشريع الإسلامي للدكتور محمد النبهان (ص/ ١٥٥ - ١٥٦)، والمنهج الفقهي العام لعلماء الحنابلة للدكتور عبد الملك بن دهيش (ص/ ١٧).\n(^٣) انظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٤٧٨)، وتمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية لمصطفى عبد الرازق (ص/ ١٥٨)، والمدخل إلى علم أصول الفقه لمحمد الدواليبي (ص/ ٣٦٣)، والرأي وأثره في مدرسة المدينة للدكتور إسماعيل ميقا (ص/ ٢٢٣)، والمذاهب الفقهية الإسلامية لمحمد تاجا (ص/ ٦٥)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ٩٩)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٢٣٣)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور محمد يوسف (ص/٥٣).\nوقد أسرف شاه ولي الله الدهلوي في: حجة الله البالغة (١/ ٤٥٠) فذكر أن الإمام أبا حنيفة كان ألزم الناس بمذهب إبراهيم النخعي وأقرانه، لا يتجاوزه إلا في مسائل قليلة! وانظر: الإمام محمد بن الحسن للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ٤٢)، والمصباح في رسم المفتي لمحمد الراشدي (ص/ ١٨٧ وما بعدها).","vol":"2","page":642},{"text":"طريقةِ أهلِ الرأي والقياسِ، وهم أهل العراقِ؛ وطريقة أهلِ الحديثِ، وهم أهلُ الحجازِ.\nوكان الحديثُ قليلًا في أهلِ العراقِ ... فاستكثرَ الناسُ مِن القياسِ ومَهَرُوا فيه، فلذلك قيل: أهل الرأي، ومقدَّم جماعتِهم الذي استقرَ المذهبُ فيه وفي أصحابِه: أبو حنيفة.\nوإمامُ أهلِ الحجازِ: مالك بن أنس، والشافعي مِنْ بعدِه\" (^١).\nولقد ظَهَرَت المناهجُ الأصوليةُ بصورةٍ أوضح في عصورِ الأئمةِ المجتهدين (^٢)، يقولُ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة: \"إذا تجاوزنا عَصْرَ التابعين ووَصَلنا إلى عَصْرِ الأئمةِ المجتهدين، نَجِد المناهجَ تتميّزُ بشكلٍ أوضحَ، ومَعَ تمييز المناهج تتبيّنُ قوانينُ الاستنباطِ، وتَظْهَرُ معالمُها، وتظهرُ على ألسنةِ الأئمةِ في عباراتٍ صريحةٍ واضحةٍ دقيقةٍ\" (^٣).\nويقولُ الدكتورُ محمد مدكور: \"كان هناك موازينُ للاجتهادِ في أذهانِ الصحابةِ والتابعين، أَخَذَتْ تَتَّضِحُ شيئًا فشيئًا، حتى وضحتْ ناصعةً في عَصْرِ الأئمةِ، وبَدَأَ الشافعيُّ في إبرازِها، وتدوينِها\" (^٤).\nلقد انتشر في الأمصارِ الإسلاميةِ في القرنين: الأول والثاني الهجريين فقهاءُ مجتهدون، كانت لهم آراء وأقوال، ومنهم مَنْ بقي مذهبُه إلى وقتنا، ومنهم مَن اندثرَ مذهبُه (^٥).\nوممَّا تحسنُ الإشارةُ إليه: أنَّ المجتهدين الذين صارت لهم مذاهب مستقلةٌ - سواء أبقيت إلى الآن، أم فنيت - لم يجعلوا مِنْ آرائِهم وأقوالِهم\n_________\n(^١) مقدمة ابن خَلدون (٣/ ١٠٤٦ - ١٠٤٧).\n(^٢) انظر: أصول الفقه لمحمد أبو زهرة (ص/ ١٢).\n(^٣) أصول الفقه (ص/ ١٢).\n(^٤) مناهج الاجتهاد في الإسلام (ص/٤١٣).\n(^٥) انظر: أسباب اختلاف الفقهاء لعلي الخفيف (ص/٢٥٣).","vol":"2","page":643},{"text":"مذاهبَ؛ ليعتنقَها تلامذتُهم، أو لتَرْسِمَ لهم طريقَ سلوكِهم، فضلًا عن دعوةِ الناسِ إليها، أو إلزامِهم بها، وإنَّما كانتْ أقوالُهم عبارةً عن آراء لهم فيما عُرِضَ عليهم، أو عَرَضُوا له مِن المسائلِ في مؤلفاتِهم (^١)، ثمَّ تكوَّن مِن اجتهاداتِهم فِقْهٌ، ومِنْهَاجٌ سار عليه مَنْ تلاهم مِنْ تلامذتهم (^٢)، فرسموا مذهبًا قائمًا لأئمتِهم ولم يُلْزَم الناسُ في هذه العصورِ بمذهب مجتهدٍ واحدٍ، بحيثُ لا يأخذون بأقوالِ غيرِه من المجتهدين، بلْ كانَ للناسِ - العامي منهم، والمتعلم الذي لم يبلغْ درجةَ الاجتهادِ - أنْ يستفتوا مَنْ شاءوا مِن المجتهدين (^٣).\nوقد وفّق الله تعالى الأئمةَ الأربعةَ بوجودِ طلابٍ قاموا بالبذلِ لقيامِ مذهبِ إمامِهم، وألَّفوا في مذاهبِهم أصولًا وفروعًا، وخرّجوا أحكامَ النوازلِ في ضوءِ مذاهب أئمتِهم، فنَهَجُوا نَهْجَهم في الاستنباطِ، واستشهدوا بأقوالِهم وآرائِهم، وتحمّسَ آخرون منهم، فقاموا بنشرِ مذهب إمامِهم والذبِّ عنه (^٤)، إلى أنْ تتابعتْ هذه الجهودُ وأنجبتْ عبرَ السنينَ مذاهبَ قائمةً بأصولِها وفروعِها.\nوكان هؤلاءِ المتمذهبون على قَدْرٍ كبيرٍ مِن العلمِ، أمَّا ما قاله الإمام محمدٌ الشوكاني عن المذاهب الأربعة: إنَّه أحدثها عوامُّ المقلِّدة لأنفسِهم، مِنْ دون أنْ يأذنَ بها إمامٌ مِن الأئمةِ المجتهدين (^٥).\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (ص/ ١٢، ٢٥٠)، والإمام محمد بن الحسن للدكتور محمد الدسوقي (ص/٢٩٤).\n(^٢) انظر: تقديم محمد أبو زهرة لنظرة تاريخية في حدوث المذاهب لأحمد تيمور (ص/ ١٧).\n(^٣) انظر: إعلام الموقعين (٣/ ٤٨٤)، وأسباب اختلاف الفقهاء لعلي الخفيف (ص/ ٢٥٠).\nوسيأتي مزيد توثيق للاستدلال بحال الناس في مسألة: (حكم التمذهب بأحد المذاهب الأربعة).\n(^٤) التمذهب - دراسة تأصيليلة واقعية للدكتور عبد الرحمن الجبرين، مجلة البحوث الإسلامية، العدد: ٨٦ (ص/ ١٥٣).\n(^٥) انظر: القول المفيد (ص/ ١٢٣).","vol":"2","page":644},{"text":"فلا يُسلَّم له أنَّهم مِنْ عوائم المقلّدة، لأنَّ عوامَّ المقلدةَ ليس عندهم قدرةٌ على إنشاءِ مذهبٍ، فضلًا عن السيرِ عليه.\nأمَّا أنَّ الأئمةَ لم يأذنوا، فمُسَلّمٌ على أساسِ أنَّهم لم يدعوا أحدًا إلى قولِهم، ولم يلزموا الناسَ به.\n* * *","vol":"2","page":645},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>المطلب الثالث: أسباب نشوء المذاهب الفقهية</span>\nلقد تهيأتْ بعضُ الظروفِ التي أسهمتْ وساعدتْ في نشأةِ المذاهب الفقهيةِ، وبالنظرِ والتأمّلِ في المذاهب، فقد ظَهَرَ لي عددٌ مِن الأسباب التيَ يمكنُ القولُ إنَّها أسبابٌ لنشوئها.\nالسبب الأول: اختلافُ الأصولِ والمناهج التي سار عليها المجتهدون.\nفالأدلةُ المستَدَّلُ بها، وطُرُقُ الاستنباطِ منها، والمنهجُ المتبعُ عند تعارضِها، أمورٌ تختلفُ مِنْ مجتهدٍ إلى آخر، ومِنْ مدرسةٍ فقهيةٍ إلى أخرى (^١) - وإنْ كان هناك نوعُ تقاربٍ بين بعض المجتهدين - الأمر الذي يدعو إلى تمايزِ مناهجِ المجتهدين، ولَفْتِ نَظَرِ تلامذتِهم إليه، وهو داع إلى استقلالِ المجتهدِ بمذهبٍ، له أصولُه وفروعُه المستقلةُ.\nفمثلًا: إذا كان المجتهدُ يحتجُّ بالحديثِ المرسلِ (^٢) وفقَ شروطٍ معينةٍ\n_________\n(^١) انظر: تأريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٢٣٤)، والجديد في تاريخ الفقه للدكتور محمد إمبابي (ص/ ١٤٠).\n(^٢) المرسل عند الأصوليين: أنْ يقول غيرُ الصحابي قال: رسول الله - ﷺ - كذا. انظر: الحدود للباجي (ص/ ٦٣)، وتقريب الوصول لابن جزي (ص/ ٣٠٥)، وشرح الكوكب المنير (٢/ ٥٧٤)، وفواتح الرحموت (٢/ ١٧٤)، ونشر البنود (٢/ ٦٠).\nوعند المحدثين: ما سقط منه مِن منتهاه ذكر الصحابي، كأنْ يقول التابعي: قال رسول الله - ﷺ - كذا. انظر: الاقتراح في بيان الاصطلاح لابن دقيق العيد (ص/ ٢٠٨)، والمعيار في الأحاديث الضعيفة والموضوعة لتاج الدين التبريزي (١/ ١٨)، ونزهة النظر لابن حجر (ص/ ١٠٩ - ١١٠)، وفتح الميث للسخاوي (١/ ٢٣٨)، وتوضيح الأفكار للصنعاني (١/ ٢٨٣).","vol":"2","page":646},{"text":"- ومجتهدٌ آخر لا يرى الاحتجاجَ به، فإنَّ مِنْ شأنِ هذا الاختلافِ أنْ تنشأَ عنه مذاهبُ عدّةٌ؛ نظرًا لاختلافِ أصولِ الاستنباطِ، وطرائقِ الاجتهادِ.\nفإذا كانتْ مناهجُ الاستنباطِ متمايزة، فَأمْرٌ طَبَعي أنْ تتكونَ مذاهبُ متعددةٌ؛ لاختلافِ أنظارِ المجتهدين (^١).\nالسبب الثاني: اختلافُ المجتهدين في الفروعِ، وتشعّبُ آرائِهم، وكثرةُ أقوالِهم في كثيرٍ مِن المسائلِ الفرعيةِ (^٢)، ومِنْ أهمّ أسبابِه، ولا سيما في عصورِ نشأةِ المذاهبِ:\n- اختلافُ المجتهدين في الأصولِ والمناهج المعتمدةِ في الاستنباطِ.\nفلا يخفى على أحدٍ مِنْ أهلِ العلمِ أنَّ مِنْ أهمِّ أسباب الاختلافِ بين المجتهدين هو اختلافهم في أصولِ الفقهِ، كطُرُقِ الاستدلَالِ، والاستنباطِ مِن النصوصِ.\n- اختلافُ المجتهدين في حظوظِهم مِن العلمِ والفهمِ وسعةِ الإدراكِ (^٣).\n- اختلافُ الأمصارِ التي يعيشُ فيها المسلمون، مِنْ حيثُ أنماطُ حياةِ الناسِ، وتباينُ أحوالِهم.\nوهذا مِنْ شَأْنِه أنْ يجعلَ حالةَ الفقهِ في قُطرٍ تختلفُ عن حالتِه في بقيةِ الأقطارِ (^٤).\n- عدمُ الاطلاعِ على الحديثِ.\nفتدوينُ السنةِ لم يكتملْ، فقد يُفتي المجتهدُ بخلافِ ما جاءتْ به\n_________\n(^١) انظر: المذاهب الاجتهادية لمحمود بزال (ص/ ٥١).\n(^٢) انظر: الفتوى - نشأتها وتطورها للدكتور حسين الفلاح (ص/ ٣٠٤).\n(^٣) انظر: أسباب اختلاف الفقهاء لعلي الخفيف (ص/٢٤٨).\n(^٤) انظر: الجديد في تاريخ الفقه للدكتور محمد إمبابي (ص/ ١٤٠).","vol":"2","page":647},{"text":"السُنّةُ؛ لعدمِ معرفتِه بها، أو لعدمِ ثبوتِها عنده (^١).\nومِنْ شأنِ الاختلافِ أنْ تنشأَ عنه اختلافاتٌ علميةٌ، وثروةٌ فقهيةٌ مؤدّيةٌ إلى تعددِ أقوالِ المجتهدين، وتدعو إلى جمع ما تناثرَ عن الواحدِ منهم في مذهبٍ مستقلٍّ.\nالسبب الثالث: اتِّباعُ التلاميذِ لشيوخِهم، وجمعُهم ما تناثرَ عمَّن بَرَزَ مِنْ مجتهدي عصرِهم، وتدوينُه، والعنايةُ به؛ بحيثُ يتكوّنُ مِنْ صنيعِهم مذهبٌ مستقلٌّ (^٢).\nوممَّا دَفَعَ بالتلاميذِ إلى العنايةِ بعلومِ الأئمةِ، واكتفائِهم بها، وعدمِ الرغبةِ في تجاوزها: إعجابُ التلاميذِ بشيوخِهم.\nالسبب الرابع: ضعفُ الهمَّةِ عندَ بعضِ تلاميذِ الأئمةِ، فإذا ضَعفتْ الهمّةُ، قَعَدَتْ بصاحبِها عن تَطلّب درجةِ الاجتهادِ في الشريعةِ، وأورثته البقاءَ على ما عَرَفَه وعَلِمَه مِنْ علومِ شيوخِه، دونَ رغبةِ في الوصولِ إلى رتبةٍ أعلى ممَّا هو عليها.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: رفع الملام عن الأئمة الأعلام لابن تيمية (ص/ ٥، ١٩)، والمدخل إلى دراسة الفقه لعبد المجيد الديبانى (ص/ ١٨٦)، واجتهادات الصحابة لمحمد الخن (ص/ ١٣٨ وما بعدها).\n(^٢) انظر: تاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٠٢)، ومقدمة في دراسة الفقه للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ١٩١).","vol":"2","page":648},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>المطلب الرابع: أسباب بقاء المذاهب الفقهية الأربعة</span>\nلم تخلُ الأمصارُ الإسلاميةُ في القرونِ الأُولى مِنْ وجودِ العلماءِ المجتهدين، فقد كان هناك مذاهبُ قائمةٌ لبعضِ المجتهدين، في حينِ أنَّ عددًا ليس بالقليلِ مِنْ هذه المذاهبِ لم يكتبْ لها البقاءُ، وبات الأمرُ على وجودِ المذاهب الفقهيةِ الأربعةِ المشهورةِ: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذَهب الشافعي، والمذهب الحنبلي (^١).\nيقولُ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة عن المذاهبِ الأربعةِ: \"وهذه كما يعبِّرُ الفقهاءُ: (مذاهب الأمصار)، أي: أنَّها التي انتشرتْ في الأمصارِ الإسلاميةِ، ولا يخلو مِصْرٌ منها، فلا يمكنُ أنْ يوجد مِصْرٌ إسلاميٌّ خالٍ منها، وقد يخلو مِنْ بعضِها، ولا يخلو مِنْ كلِّها\" (^٢).\nوسوف أعرضُ في هذا المطلبِ عددًا مِن الأسباب التي توافرتْ لهذه المذاهبِ، فأسهمتْ في بقائِها عقودًا، بلْ قرونًا متطاولةً إلى وقتنِا الحاضرِ.\nوليس بخافٍ أنَّ الأسبابَ التي سأذكرُها قد تتوافرُ جميعُها لمذهبٍ واحدٍ، وقد يتوافرُ بعضُها لمذهبٍ آخر.\n_________\n(^١) انظر: محاضرات في تاريخ المذهب المالكي للدكتور عمر الجيدي (ص/ ٩).\n(^٢) تقديم محمد أبو زهرة لنظرة تاريخية في حدوث المذاهب لأحمد تيمور (ص/ ٢٢ - ٢٣).\nوانظر: مقدمة ابن خَلدون (٣/ ١٠٥٠)، والفوائد البهية للكنوي (ص/ ٩)، والفكر السامي لمحمد الحجوي (٣/ ٦٥)، والفقه الإسلامي ومدارسه لمصطفى الزرقا (ص/ ٧٣)، والاجتهاد ومدى حاجتنا إليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ٥٧)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي لمحمد محجوبي (ص/١١٧ - ١١٨).","vol":"2","page":649},{"text":"وتجدرُ الإشارةُ قبلَ الشروعِ في ذكرِ الاسبابِ إلى أمرين:\nالأمر الأول: أنَّ مِن الأسبابِ التي سأذكرها ما يكون سببًا في بقاءِ المذهبِ، وهو أيضًا في الوقتِ ذاتِه سببٌ في شيوعِه وانتشارِه.\nالأمر الثاني: سيكونُ حديثي مركّزًا على بيانِ أسبابِ بقاءِ المذاهبِ الأربعةِ، ولن أتحدثَ عن أسبابِ فناءِ المذاهبِ المندثرةِ، وإنْ ذُكِرَ شيءٌ منها، فعلى سبيلِ التتميمِ لأسبابِ بقاءِ المذاهبِ الأربعةِ.\n\nأسبابُ بقاءِ المذاهبِ الأربعةِ:\nالسبب الأول: التلاميذ النجباء (^١).\nلقد كانَ لبعضِ الائمةِ المجتهدين تلاميذُ نجباءُ، أُعجِبوا بهم، وتأثّروا بمنهجِهم، فحملوا علمَهم، وأسّسوا لهم مذهبًا، وأخذوا أقوالَهم وآراءَهم فنشروها، ودوّنوها، وبثّوها في مؤلفاتِهم، وساروا على طريقتِهم في الفقهِ وأصولِه (^٢)، بلْ كانَ الأمرُ عند بعضِ التلاميذِ في مؤلفاتِهم ومناظراتِهم ولقاءاتِهم المختلفة أنْ عارضوا أقوالَ الأئمةِ المجتهدين بقولِ إمامِهم (^٣).\nوقد أَدْرَكَ الأئمةُ المجتهدون أنفسُهم قيمةَ وجودِ التلاميذ لهم في بقاءِ\n_________\n(^١) انظر: تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٢٦)، والفقه الإسلامي ومدارسه لمصطفى الزرقا (ص/ ٧٢ - ٧٣)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ٩٦)، والتقليد والإفتاء لعبد العزيز الراجحي (ص/ ٩٦)، والمدرسة البغدادية للمذهب المالكي للدكتور محمد العلمي (ص/ ١٣٢)، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور عبد الله الدرعان (ص/ ١٢٦).\n(^٢) انظر: تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٢٦)، وأسباب اختلاف الفقهاء لعلي الخفيف (ص/ ٢٥٧)، والتقليد والإفتاء لعبد العزيز الراجحي (ص/ ٩٦)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ١١١)، والإمام الأوزاعي لعبد الستار الشيخ (ص/ ٢٦٣)، والمذاهب الفقهية لمحمد حمَّان (ص/ ٧٠) ضمن كتاب: الاجتهاد الفقهي، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور حسين حسان (ص/ ٨٩).\n(^٣) انظر: المدرسة المالكية بالأندلس لمصطفى الهروس (ص/ ٤٨)، والإمام الشافعي للدكتور وهبة الزحيلي (٧/ ٦١) ضمن موسوعة الفقه الإسلامي المعاصر.","vol":"2","page":650},{"text":"علمِهم بعد موتِهم، فقد قالَ الشعبيُّ (^١) لإبراهيمَ النخعي: \"أَمَا إنِّي أفقه منك حيًّا، وأنتَ أفقهُ منّي مَيْتًا؛ وذاك أنَّ لك أصحابًا يلزمونك، فيُحْيون علمَك\" (^٢).\nوممَّا يشهدُ لأهميةِ وجودِ التلاميذِ في حفظِ أقوالِ المجتهدِ والعنايةِ بها:\n- ما قاله الإمامُ الشافعيُّ عن الليثِ بنِ سعدٍ (^٣): \"الليثُ بنُ سعدٍ أفقهُ مِنْ مالكٍ! إلا أنَّ أصحابَه لم يقوموا به\" (^٤).\n- وما قاله أحدُ معاصري تلامذة الإمامِ الأوزاعي (^٥): \"ما لكم لا\n_________\n(^١) هو: عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كبار الهمداني، أبو عمر الشعبي، ولد سنة ٢٠ هـ وقيل ٢١ هـ سمع من عدد من كبار صحابة النبي - ﷺ -، منهم: سعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر - ﵃ -، كان من أفقه أهل زمانه، علامةً حجةً، قال ابنُ سيرين لأبي بكر الهذلي: \"الزم الشعبي؛ فلقد رأيته يُستفتى وأصحاب النبي - ﷺ - بالكوفة\"، توفي سنة ١٠٤ هـ وقيل: ١٠٧ هـ. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٨/ ٣٦٥)، وأخبار القضاة لوكيع (٢/ ٤١٣)، وتاريخ مدينة السلام للخطيب (١٤/ ١٤٣)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ٧٨)، وسير أعلام النبلاء (٤/ ٢٩٤).\n(^٢) نقل كلامَ الشعبي شمسُ الدين الذهبيُّ في: سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٢٦).\n(^٣) هو: الليث بن سعد بن عبد الرحمن، أبو الحارث المصري، ولد بقلقشندة سنة ٩٢ هـ وقيل: ٩٤ هـ كان فقيه النفس، إمامَ أهل مصر، ثقةً ثبتًا كثير الحديث، يحفظ الشعر، وقد اشتغل بالفتوى في مصر، وهو من الكرماء الأجواد النبلاء، توفي سنة ١٧٥ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (١٤/ ٥٢٤)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ١٢٧)، وتهذيب الكمال للمزي (٢٤/ ٢٥٥)، والكاشف للذهبي (٣/ ١٣)، وسير أعلام النبلاء (٨/ ١٣٦)، والجواهر المضية للقرشي (٢/ ٧٢٠)، وحسن المحاضرة للسيوطي (١/ ٢٧٨).\n(^٤) نقل قولَ الإمام الشافعي: ابنُ خلكان في: وفيات الأعيان (٤/ ١٢٧)، وشمسُ الدين الذهبيُّ في: سير أعلام النبلاء (٨/ ١٥٦)، وتقيُّ الدين بن تيمية في: مجموع الفتاوى (٤/ ١٧٨).\nويقول الشيخ محمد الخضري في: تاريخ التشريع (ص/ ٣٢٩) مُوْضِحًا كلامَ الإمام الشافعي: \"ومعنى عدم قيامهم به: أنَّهم لم يُعنوا بتدوين آرائه، وبثّها في الجمهور، كما قاموا هم أنفسهم بتدوين آراء مالك\". وانظر: مقدمة محمد أبو زهرة لنظرة تاريخية في حدوث المذاهب لأحمد تيمور (ص/ ٢٠)، والتقليد والإفتاء لعبد العزيز الراجحي (ص/ ٩٧)، والفتوى - نشأتها وتطورها للدكتور حسين الملاح (ص/ ٢٧٩).\n(^٥) القائل: سعيد بن عبد العزيز. والأوزاعي هو: عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الشامي الأوزاعي، أبو عمرو، ولد ببعلبك سنة ٨٨ هـ وقيل: ٩٣ هـ كان إمام أهل الشام في زمانه في =","vol":"2","page":651},{"text":"تجتمعون؟ ! ما لكم لا تتذاكرون؟ ! \" (^١).\nويقولُ الشيخُ محمدٌ الخضري: \"وقد وُفّقَ هؤلاءِ الأئمةُ المشهورون الذين بقيتْ مذاهبُهم إلى أنْ يكونَ لهم أرفعُ التلاميذ شَأنًا، وأَبْيَنُهم حجةً، وأعلاهم كعبًا في نظرِ شعوبِهم وملوكِهم، فدوَّنوا ما تلقّوه عن إمامِهم مِن الأحكامِ، وأَخَذَهَا عنهم العددُ الكثيرُ مِنْ تلاميذِهم، فبثّوها بين الناسِ الذين اتَّبعوها؛ ثقةً منهم بمَنْ يفتيهم ... \" (^٢).\nوقد أدركَ بعضُ الأئمةِ ما لتلامذتِهم مِنْ جهدٍ في إظهارِ أقوالِهم، فها هو الإمامُ الشافعيُّ يقولُ عن تلميذِه المزني: \"المزنيُّ ناصرُ مذهبي\" (^٣).\nومِن الأهميةِ بمكانٍ أنْ يكونَ التلاميذُ نجباءَ؛ إذ إن التلميذَ غيرَ النجيبِ، وغيرَ القوي في العلمِ غيرُ كافٍ في نشرِ المذهبِ والسعي في بقائِه.\nيقولُ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة عن سببِ عدمِ بقاءِ مذاهب بعض المجتهدين: \"إنَّه لم يكنْ له تلاميذُ أقوياء ينشرون في الأقاليم آراءَهم (^٤)، ويخدمونها بالتدوينِ أو الفحصِ والجمعِ والروايةِ ... \" (^٥).\nووجودُ العلماءِ المحققين المتمذهبين الذين لهم إسهامٌ وبروزٌ في الفقهِ\n_________\n= الحديث والفقه، وجمع بين العلم والعبادة والتواضع، حتى قيل عنه: عالم الأمة، قال عنه عبد الرحمن بن مهدي: \"ما كان أحد بالشام أعلم بالسنة من الأوزاعي\"، توفي ببيروت سنة ١٥٧ هـ مرابطًا. انظر ترجمته في: التاريخ الكبير للبخاري (٥/ ٣٢٦)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ٧١)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ١٢٧)، وسير أعلام النبلاء (٧/ ١٠٧)، وتهذيب التهذيب لابن حجر (٢/ ٥٣٧).\n(^١) تاريخ أبي زُرعة الرازي (١/ ٣٦١).\n(^٢) تاريخ التشريع الإسلامي (ص/ ٣٢٦).\n(^٣) نقل قولَ الإمام الشافعي شمسُ الدين الذهبي في: العبر في خبر من غبر (١/ ٣٧٩)، وتاجُ الدين بن السبكي في: طبقات الشافعية الكبرى (٢/ ٩٤)، وابنُ كثيرٍ في: طبقات الشافعية (١/ ١٣٠).\n(^٤) لعل الصواب: \"آراءه\".\n(^٥) تقديم محمد أبو زهرة لنظرة تاريخية في حدوث المذاهب لأحمد تيمور (ص/ ٢١).","vol":"2","page":652},{"text":"وأصولِه، ممَّا يُعززُ بقاءَ المذهبِ، ويدعو إلى عدمِ اندثارِه (^١).\nوتعدَّى الأمرُ عند بعضِ تلامذةِ الأئمةِ وأربابِ مذاهبِهم خدمةَ المذهب والعنايةَ به، فأضحى كثيرٌ منهم يسعى في نشرِ مذهبِ إمامِه في الأقطارَ والأمصارِ التي يذهبُ إليها، ويستقرُّ فيها (^٢).\nوإليك بعض الأمثلةِ لبعضِ العلماءِ الذين قاموا بنشرِ مذهبِ إمامِهم:\n- يحيى بنُ يحيى (^٣) تلميذُ الإمامِ مالكٍ، جاءَ في ترجمتِه أنَّه مِن الناشرين لمذهبِ الإمامِ مالكٍ (^٤).\n- عبدان بنُ محمد بن عيسى (^٥)، جاءَ في بعضِ الكتبِ التي ترجمتْ\n_________\n(^١) انظر: الإمام الصادق - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٤٢٨).\n(^٢) انظر: مالك - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٤٣)، والشافعي حياته وعصره له (ص/ ٣٣٦)، والإمام زيد حياته وعصره له (ص/ ٤٩١)، وتاريخ المذاهب الإسلامية له (ص/ ٥٣٥)، والاختلاف الفقهي لعبد العزيز الخليفي (ص/ ١٠٣)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور محمد موسى (ص/١٦٣).\n(^٣) هو: يحيى بن يحيى بن كثير الليثي البربري الأندلسي المالكي، أبو محمد، ويعرف بابن أبي عيسى، ولد سنة ١٥٢ هـ كان إمامًا محدثًا فقيهًا حسن الرأي عالمًا زاهدًا ورعًا، من أكابر أصحاب الإمام مالك، وراوي موطئه، وناشر مذهبه في الأندلس، وكان الإمام مالك يسميه بعاقل الأندلس، وقد قدم يحيى إلى الأندلس بعلم كثير، فدارت الفتيا عليه بعد عيسى بن دينار، وانتهت إليه رئاسة الفقه بالأندلس، ولم يكن له بصر بالحديث، وكان يُشبه في سمته بسمت الإمام مالك بن أنس، توفي سنة ٢٣٤ هـ وقيل: سنة ٢٣٣ هـ. انظر ترجمته في: الانتقاء في فضائل الأئمة لابن عبد البر (ص/ ١٠٥)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ١٤٣)، وجذوة المقتبس للحميدي (ص/ ٥٦٦)، وترتيب المدارك للقاضي عياض (٣/ ٣٧٩)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٦/ ١٤٣)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٥١٩)، وتاريخ الإسلام للذهبي (٥/ ٩٧٢)، والديباج المذهب لابن فرحون (٢/ ٣٥٢).\n(^٤) انظر: جذوة المقتبس للحميدي (ص/ ٥٦٧)، وترتيب المدارك للقاضي عياض (٣/ ٣٨١)، ونفح الطيب للمقري (٢/ ١٠)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور محمد موسى (ص/ ١٦٤).\n(^٥) هو: عبد الله بن محمد بن عيسى، أبو محمد المروزي الجُنُوجِرْدي، المعروف بعبدان، ولد سنة ٢٢٠ هـ يقول السمعاني: \"اسمه عبد الله، ولقبه: عبدان\"، كان عبدان ثقةً حافظًا صالحًا زاهدًا، وأحد الذين أظهروا مذهب الشافعية بخراسان، مرجوعًا إليه في الفتوى والمعضلات بعد أحمد بن سيار، وإمامَ أصحاب الحديث في عصره بمرو، موصوفًا بالبراعة في مذهبه، =","vol":"2","page":653},{"text":"له: أنَّه نَشَرَ مذهبَ الإمامِ الشافعي في خراسان (^١).\n- أبو الفرجِ عبدُ الواحدِ بنُ محمد المقدسي (^٢)، جاءَ في ترجمته أنَّه: \"قَدِم الشامَ، فَسَكَنَ بيتَ المقدس، فَنَشَرَ مذهبَ الإمامِ أحمدَ فيما حوله، ثمَّ أقامَ بدمشقَ، فَنَشَرَ المذهبَ\" (^٣)، وقال عنه بعضُ الحنابلة: \"كان أبو الفرجِ ناصرًا لمذهبنا، متجرِّدًا لنشرِه\" (^٤).\n- القاضي أبو زُرعة الثقفي (^٥)، جاءَ في ترجمتِه: \"أنَّه الذي أدخل مذهبَ الشافعي إلى دمشقَ، وأنَّه كان يَهَبُ لمَنْ يحفظُ مختصرَ المزني مائة دينارٍ\" (^٦).\n_________\n= وبالحفظ وبالزهد، قال عنه بعض العلماء: \"اجتمع في عبدان أربعة أنواع من المناقب: الفقه، والإسناد، والورع، والاجتهاد\"، وكان يضرب المثل بسمه في الحفظ والزهد، من مؤلفاته: الموطأ، توفي سنة ٢٩٣ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (١٢/ ٤٤٧)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (٢/ ٢٣١)، وسير أعلام النبلاء (١٤/ ١٤)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٢/ ٢٩٧)، وطبقات الشافعية للإسنوي (٢/ ٢٠٢)، وطبقات الشافعية لابن كثير (١/ ١٧٢).\n(^١) انظر: طبقات الشافعية لابن كثير (١/ ١٧٢ - ١٧٣).\n(^٢) هو: عبد الواحد بن محمد بن علي بن أحمد الشيرازي الأصل، أبو الفرج الأنصاري، ولد بحران، كان إمامًا أصوليًا فقيهًا، من أعيان الحنابلة، وشيخ علماء الشام في وقته، ومن كبار أئمة الإسلام، تخرج به الأصحاب، واشتهر أمره، وحصل له القبول التام، كل ذلك مع الزهد والورع والعبادة، وكان ناصرًا لمذهب السلف، وجرت بينه وبين الأشاعرة وقعات في مجلس السلاطين، ظهر عليهم بالحجة، من مؤلفاته: المبهج، والإيضاح، والتبصرة في أصول الدين، ومختصر في أصول الفقه، توفي سنة ٤٨٦ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٣/ ٤٦١)، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص/ ٦٩٨)، وسير أعلام النبلاء (١٩/ ٥١)، والذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب (١/ ١٥٣)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ١٧٩)، والمنهج الأحمد للعليمي (٣/ ٧)، والدر المنضد له (١/ ٢١٦)\n(^٣) الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب (١/ ١٥٦ - ١٥٧).\n(^٤) المنهج الأحمد للعليمي (٣/ ٩).\n(^٥) هو: محمد بن عثمان بن إبراهيم بن زرعة الثقفي مولاهم، أبو زرعة الدمشقي، تولى القضاء في دمشق ومصر، وهو أول من حكم بالمذهب الشافعي بالشام، كان رجلًا رئيسًا كبيرًا، عدلًا ثقةً عفيفًا، شديد التوقف في إنفاذ الأحكام، توفي بدمشق سنة ٣٠٢ هـ. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٣١)، والوافي بالوفيات للصفدي (٤/ ٨٢)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٣/ ١٩٦)، والبداية والنهاية (١٤/ ٧٩٠).\n(^٦) طبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين السبكي (٣/ ١٩٧). وانظر: طبقات الشافعية للإسنوي =","vol":"2","page":654},{"text":"- القاضي ابنُ فرحون المالكي، جاءَ في ترجمتِه: أنَّه \"تولَّى القضاءَ بالمدينةِ ... فسار فيها سيرةً حسنةً ... وأظَهَرَ مذهبَ مالكٍ بها بعدَ خمولِه\" (^١).\nويتصلُ بالسببِ الأول: (التلاميذ النجباء) ما يقومُ به أربابُ المذاهبِ ورجالُه مِنْ خدمةِ مذهبِهم بأمرين مهمّين لهما الأثرُ البالغُ في بقاءِ المذهبِ:\nالأمر الأول: التدوين.\nالأمر الثاني: التخريج الفقهي.\nالأمر الأول: التدوين.\nإنَّ تدوينَ المذهب في أصولِه وفروعِه وبيانَ أدلته - سواءٌ أكان التدوينُ مِنْ قِبَل إمامِ المذَهب، أم مِنْ قِبَل تلامذتِه وأتباعِه - مساعدٌ ومسهمٌ في حفظِ المذهبِ، وبقائِه وانتشارِه (^٢)، ومقرِّب له عند عمومِ الناسِ (^٣).\n_________\n= (٢/ ٥١٩)، والفكر السامي لمحمد الحجوي (٣/ ١٢٦)، والشافعي - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٣٤).\n(^١) نيل الابتهاج للتنبكتي (ص/٣٣).\n(^٢) انظر: حجة الله البالغة للدهلوي (١/ ٤٦٧)، والمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٠٥)، والفقه الإسلامي ومدارسه له (ص/ ٧٢)، والإمام محمد بن الحسن للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ٣٥٢)، والإمام الشافعي للدكتور وهبة الزحيلي (٧/ ٦١) ضمن موسوعة الفقه الإسلامي المعاصر، والمذهب الحنبلي للدكتور عبد الله التركي (١/ ٢٣٢)، وابن رشد وعلوم الشريعة للدكتور حمادي العبيدي (ص/ ١٦٩)، والمدرسة الفقهية المالكية للدكتور عبد المنعم التمسماني (١/ ٤١١ وما بعدها) ضمن بحوث الملتقى الأول للقاضي عبد الوهاب، والمدرسة المالكية العراقية للدكتور عبد الفتاح الزنيفي (١/ ٥٥٥) ضمن بحوث الملتقى الأول للقاض عبد الوهاب، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور عبد الله الدرعان (ص/ ١٢٥).\n(^٣) انظر: تقديم محمد أبو زهرة لنظرة تاريخية في حدوث المذاهب لأحمد تيمور (ص/ ٢١)، وتاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٢٩)، والتقليد والإفتاء لعبد العزيز الراجحي (ص/ ٩٧)، والاجتهاد في الفقه الإسلامي لعبد السلام السليماني (ص/ ٣٢٢)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ١١١)، والمذهب الحنفي لأحمد نقيب (١/ ١١٢، ١٠٩).","vol":"2","page":655},{"text":"وغيرُ خافٍ على أحدٍ أهميةُ التدوينِ، إذ وجودُ الثروةِ المذهبيةِ مؤذن بوجودِ حلولٍ لأكثر المسائل (^١)، وكم مِنْ مذهبٍ اندثرَ، ولا يُعْلَم ما له مِنْ مدوّناتٍ.\nالأمر الثاني: التخريجُ الفقهي (^٢).\nممَّا هو معلومٌ أنَّ النوازلَ والحوادثَ لا تنتهي، ولا يُمكنُ لأحدٍ مِن الأئمةِ أنْ يُقرّرَ أحكامًا لكل الحوادثِ التي ستقعُ (^٣)، فإذا كان في المذهب مَنْ يقومُ ببيانِ أحكامِ النوازلِ في ضوءِ مذهبِه بالتخريجِ على فروع مذهبِه أوَ على أصولِه: نَمَا المذهبُ، ونموُّه يكفلُ بقاءَه واستمرارَه (^٤).\nيقولُ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة: \"إذا كان الاجتهادُ بالتخريجِ ... لا ينقطع أبدًا؛ لأنَّ الفتوى لا تنقطعُ - وهو شرطها - فإنَّ المذهبَ الذي يُقررُ فقهاؤه ذلك في نماءٍ مستمرٍ، واتصالٍ بالحياةِ دائم\" (^٥).\nوممَّا له صلةٌ بالتخريجِ الفقهي: أنْ يكونَ في التخريجِ سهولةٌ ومرونةٌ بحيثُ لا يلقى المتمذهبُ عَنَتًا ومشقةً أثناءَ قيامِه بتخريجٍ أحكامِ النوازلِ في مذهبِه.\nوكذلك تخريجُ أصولِ المذهبِ مِنْ فروعِه، فقد قامَ بعضُ التلاميذِ النجباءِ بتخريجِ أصولِ مذهبِهم مِن الفروعِ الفقهيةِ المنقولةِ عن أئمةِ المذهبِ، ولوجودِ أصولٍ للمذهبِ أثرٌ بالغٌ في بقائِه واستمرارِه.\n_________\n(^١) انظر: تاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٠٣).\n(^٢) انظر: أبو حنيفة - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٩٧)، وتخريج الفروع على الأصول لعثمان شوشان (١/ ٩٠)، وابن عابدين وأثره في الفقه للدكتور محمد الفرفور (١/ ١٧٢)، والمذهب الحنبلي للدكتور عبد الله التركي (١/ ٢٣١).\n(^٣) انظر: الشافعي - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٢٠).\n(^٤) انظر: أبو حنيفة - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٨٤ وما بعدها)، ومالك - حياته وعصره له (ص/ ٣٥٠).\n(^٥) مالك - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٥٧). وانظر: الموافقات (٥/ ١٢).","vol":"2","page":656},{"text":"السبب الثاني: تمذهبُ الدولةِ بالمذهبِ (^١).\nلقد اهتمتْ دولٌ كثيرةٌ في الماضي والحاضرِ ببيانِ المذهبِ الفقهي الذي تنتمي إليه، فكانَ لكثيرٍ منها مذهبٌ رسمي مِنْ أحدِ المذاهبِ الفقهيةِ الأربعةِ (^٢).\nوقد تَبعَ هذا الأمر عند كثير مِن الدولِ العنايةُ بالمذهبِ، والقيامُ برعايتِه ونشرِه، وتحاكم رعيتها إليه (^٣)، بلْ تعدَّى الأمرُ عند بعضِ الولاةِ في عصورٍ سابقةٍ إلى محاربةِ المذاهبِ الأخرى، ولا سيما المذاهبُ التي لها شوكةٌ (^٤).\nيقولُ ابن حزمٍ في هذا الصددِ: \"مذهبانِ انتشرا في بدءِ أمرِهما بالرياسةِ\n_________\n(^١) انظر: المعيار المعرب للونشريسي (١/ ١٦٩، ٣٣٢ - ٣٣٣)، ومالك - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٦٦)، وابن حنبل - حياته وعصره له (ص/ ٣١٦، ٣٥٠)، ومدارك الشريعة الإسلامية لمحمد الخضر حسين (ص/٣٩)، وأسباب اختلاف الفقهاء لعلي الخفيف (ص/ ٢٥٧)، وأسباب اختلاف الفقهاء للدكتور مصطفى الزلمي (ص/ ٣٠)، والإمام الأوزاعي لعبد الستار الشيخ (ص/ ٢٦٤)، ومقدمة في دراسة الفقه للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ١٩٢)، والمدرسة المالكية الأندلسية لمصطفى الهروس (ص/ ٥٠، ٨٥ وما بعدها)، ونشأة المدرسة المالكية بالمغرب للدكتور إبراهيم القادري (١/ ٢٩٤) ضمن بحوث الملتقى الأول للقاضي عبد الوهاب، والمدخل الفقهي للدكتور خليفة با بكر وزميليه (ص/ ٣٥١)، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور عبد الله الدرعان (ص/ ١٢٦)، وبدعة التعصب المذهبي لمحمد عباسي (ص/ ٢١٧ وما بعدها).\n(^٢) انظر: المصقول في علم الأصول لمحمد زاده (ص/ ١٥٩)، وابن حزم - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٠).\n(^٣) انظر: المصقول في علم الأصول لمحمد زاده (ص/ ١٥٩ - ١٦٠)، والشافعي - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٣٨)، والفتوى - نشأتها وتطورها للدكتور حسين الملاح (ص/ ٢٨٠)، وتطور المذهب المالكي في الغرب الإسلامي لمحمد شرحبيلي (ص/ ١٥٥ - ١٥٧)، وابن رشد وعلوم الشريعة للدكتور حمادي العبيدي (ص/ ١٧٧)، ومدرسة المغرب الأقصى في الفقه المالكي للدكتور مصطفى أحمد (١/ ٣٦٣) ضمن بحوث الملتقى الأول للقاضي عبد الوهاب.\n(^٤) انظر: ابن حزم - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٤٤٦ - ٤٤٨)، وصمود المذهب المالكي للدكتور عبد العزيز فارح (٧/ ٤٥٧) ضمن بحوث الملتقى الأول للقاضي عبد الوهاب.","vol":"2","page":657},{"text":"والسلطانِ: مذهبُ أبي حنيفةَ ... ومذهبُ مالكٍ عندنا بالأندلسِ\" (^١).\nوللسببِ الثاني: (تمذهب الدولة بالمذهب) بروزٌ في عدة ميادين، مِنْ أهمِّها ميدانانِ:\nالميدان الأول: تعيينُ القضاةِ مِنْ مذهبٍ فقهي معيَّنٍ.\nالميدان الثاني: توليةُ منصبِ الإفتاءِ مِنْ فقهاءِ مذهبٍ فقهي معيّنٍ.\nالميدان الأول: تعيينُ القضاةِ مِنْ مذهبٍ فقهي معيَّنٍ (^٢).\nللقضاءِ المكانةُ الكبرى عند الناسِ، فهو ميزانُ العدلِ، وقد كانَ القضاةُ في عهدِ الصحابةِ - ﵃ - وعهدِ التابعين غيرَ متقيّدين بمذهبِ أحدٍ، بلْ يقضي الواحدُ منهم بما أدّاه إليه اجتهادُه (^٣).\n_________\n(^١) نقل كلامَ ابن حزم أبو عبد الله الحميدي في: جذوة المقتبس (ص/ ٥٦٧)، وأحمدُ المقري في: نفح الطيب (٢/ ١٠). وانظر: العبر في خبر من غبر للذهبي (٢/ ٣٠٣)، وجامع مسائل الأحكام للبُرزلي (٦/ ٣٧٤ - ٣٧٥)، وتتمة شجرة النور الزكية لمحمد مخلوف (٢/ ١٢٩)، ومالك - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٦٧)، والشافعي - حياته وعصره له (ص/ ٣٣٥)، والمذاهب الفقهية للدكتور فوزي فيض الله (ص/ ٦٧)، ومدرسة المغرب الأقصى في الفقه المالكي للدكتور مصطفى أحمد (١/ ٣٧٦) ضمن بحوث الملتقى الأول للقاضي عبد الوهاب.\nوقارن بمحاضرات في تاريخ المذهب المالكي للدكتور عمر الجيدي (ص/ ٣٥ - ٣٦)، والمدرسة المالكية بالأندلس لمصطفى الهرس (ص/ ٨٧ وما بعدها).\n(^٢) انظر: تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٢٧)، وأسباب اختلاف الفقهاء لعلي الخفيف (ص/ ٢٥٧)، والمدخل الففهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٠٤)، والتقليد والإفتاء لعبد العزيز الراجحي (ص/ ٩٦)، والاجتهاد في الفقه الإسلامي لعبد السلام السليماني (ص/ ٣٢١)، والإمام الشافعي للدكتور وهبة الزحيلي (٧/ ٦١) ضمن موسوعة الفقه الإسلامي المعاصر، ومقدمة في دراسة الفقه للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ١٩٢)، والمدرسة المالكية الأندلسية لمصطفى الهروس (ص/ ٢٠٥)، ومدرسة الإمام الحافظ أبي عمر ابن عبد البر لمحمد بن يعيش (٢/ ٣٩٧)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور رمضان الشرنباصي (ص/ ٩٠).\n(^٣) انظر: تاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٠٢)، وتاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٢٧)، والاجتهاد في الفقه الإسلامي لعبد السلام السليماني (ص/ ٣٢١)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ١١١)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور رمضان الشرنباصي (ص/ ٩٠).","vol":"2","page":658},{"text":"وقد ولّى كثيرٌ مِن الخلفاءِ القضاءَ عددًا مِنْ علماءِ المذاهبِ، الأمر الذي عزّز مِنْ بقاءِ المذهب في المِصْرِ الذي يتولى أربابُه القضاءَ فيه (^١)، فكان فيه عونٌ عظيمٌ للمتَمذهبين في بقاءِ مذهبِهم (^٢)؛ وترسيخ جذورِه، وتوسيع قاعدتِه (^٣).\nوقد كانَ لبعضِ المتمذهبين مكانةٌ عند الولاةِ، فكانوا يُشيرونَ عليهم باختيارِ قضاةٍ مِنْ أربابِ مذهبِهم (^٤).\nيقولُ الشيخُ محمد الخضري: \"إذا هُيئَ لمذهبٍ مِن المذاهب مَلِكٌ، أو سلطانٌ يقلِّدُه، ويَقْصِرُ توليةَ القضاءِ على متبعيه: كان ذلك سببًا عظيمًا في انتشارِه، وازديادِ العلماءِ الذين يقومون به وبنشرِه\" (^٥).\nومِنْ أشهرِ الأمثلةِ لهذا السببِ:\n- تولي أبي يوسفَ - صاحب الإمام أبي حنيفة - القضاءَ أيامَ الدولةِ العباسيةِ (^٦)، فقد جاءَ في ترجمتِه أنَّه كانت إليه توليةُ القضاءِ في الآفاقِ مِن\n_________\n(^١) انظر: طبقات الشافعية لابن كثير (١/ ٢٢٥)، ونفح الطيب للمقري (٢/ ٢١)، وتاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٠٢)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ١١١)، والفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد للدكتور عبد الله الجبوري (ص/ ٤٥)، والمنهج الفقهي العام لعلماء الحنابلة للدكتور عبد الملك بن دهيش (ص/ ٦٨)، والمدرسة المالكية العراقية للدكتور عبد الفتاح الزنيفي (١/ ٥٥٢) ضمن بحوث الملتقى الأول للقاضي عبد الوهاب.\n(^٢) انظر: الفكر السامي لمحمد الحجوي (٤/ ١٦٩)، ومالك - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٦٦)، وابن حنبل - حياته وعصره له (ص/ ٣١٦)، وابن حزم - حياته وعصره له (ص/ ٢٣٤)، ومراحل تأسيس المدرسة الفقهية للدكتور مختار نصيرة (٢/ ١٣) ضمن بحوث الملتقى الأول للقاضي عبد الوهاب.\n(^٣) انظر: الاختلاف الفقهي لعبد العزيز الخليفي (ص/ ١٠٤).\n(^٤) انظر: نفح الطيب للمقري (٢/ ١٠)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور ناصر الطريفي (ص/ ١٥١).\n(^٥) تاريخ التشريع (ص/ ٣٢٨). وانظر: التقليد والإفتاء لعبد العزيز الراجحي (ص/ ٩٧).\n(^٦) يقول ابن عبد البر في: الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة (ص/ ٣٣١): \"كان أبو يوسف قاضي =","vol":"2","page":659},{"text":"الشرقِ إلى الغرب، فلا يُعَيّنُ قاضٍ إلا بمشورتِه وموافقتِه، وكان يُعَيِّن القضاةَ مِنْ أربابِ المذهبِ الحنفي (^١).\n- يحيى بن يحيى - تلميذ الإمام مالك - يقولُ ابنُ حزمٍ عنه: \"كان مَكِينًا عند السلطانِ، مقبولَ القولِ في القضاةِ، وكان لا يلي قاضٍ في أقطارِ بلادِ الأندلسِ إلا بمشورتِه واختيارِه، ولا يشيرُ إلا بأصحابِه ومَنْ كان على مذهبِه ... على أنَّ يحيى لم يلِ القضاءَ قطُّ\" (^٢).\nالميدان الثاني: توليةُ منصبِ الإفتاءِ مِنْ فقهاءِ مذهبٍ فقهي معيّنٍ (^٣).\nمِن الميادين المهمّةِ التي غززتْ مِنْ بقاءِ المذاهبِ، وكان لها الأثرُ الكبيرُ في استمرارِه إسنادُ منصبِ الإفتاءِ إلى أرباب مذهبٍ فقهي معيّنٍ؛ إذ حين يتولَّى أحدُ علماءِ المذهبِ منصبَ الإفتاءِ في قَطرِه ومِصرِه، فإنَّه سيفتي بمذهبِ إمامِه، وفي الغالبِ سيسعى في تولّي أصحابِه منصبَ الإفتاءِ، فيشيع المذهبُ بين الناسِ، وتقوى حياتُه (^٤).\n_________\n= القضاة، قضى لثلاثة من الخلفاء: ولي القضاء في بعض أيام المهدي، ثم الهادي، ثم الرشيد، وكان الرشيد يكرمه ويُجله، وكان عنده حظيًّا مكينًا\".\n(^١) انظر: نفح الطيب لابن المقري (٢/ ١٠)، والجواهر المضية للقرشي (٣/ ٦١٣)، والشافعي - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٣٥)، والمذهب الحنفي لأحمد نقيب (١/ ١٠٨)، والفقه الإسلامي ومدارسه لمصطفى الزرقا (ص/ ٧٦).\n(^٢) نقل كلامَ ابن حزم أبو عبد الله الحميدي في: جذوة المقتبس (ص/ ٥٦٧)، وأحمدُ المقري في: نفح الطيب (٢/ ١٠). وقارن بالمدرسة المالكية الأندلسية لمصطفى الهروس (ص/ ٨٨ - ٩٠).\n(^٣) انظر: تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي (٢/ ٢٢٢)، والانتقاء في فضائل الأثمة الثلاثة لابن عبد البر (ص/ ١٠٦)، ومدارك الشريعة الإسلامية لمحمد الخضر حسين (ص/ ٣٩)، وأسباب اختلاف الفقهاء لعلي الخفيف (ص/ ٢٥٧)، والمدرسة المالكية بالأندلس لمصطفى الهرس (ص/ ٥٠)، والإمام الشافعي للدكتور وهبة الزحيلي (٧/ ٦١) ضمن موسوعة الفقه الإسلامي المعاصر، والمدرسة المالكية الأندلسية لمصطفى الهروس (ص/ ٢٤٣)، ومدرسة الإمام الحافظ أبي عمر بن عبد البر لمحمد بن يعيش (٢/ ٤٠١)، ونشأة المدرسة المالكية بالمغرب للدكتور إبراهيم القادري (١/ ٢٩٥) ضمن بحوث الملتقى الأول للقاضي عبد الوهاب.\n(^٤) انظر: المعيار المعرب للونشريسي (١٢/ ٢٦)، ونفح الطيب للمقري (١/ ١٠)، والإمام الأوزاعي لعبد الستار الشيخ (ص/ ٢٦٥).","vol":"2","page":660},{"text":"وممَّا يدلُّ على أثرِ القضاءِ وغيرِه مِن المناصب في بقاءِ المذهبِ: ما قاله أبو الوفاءِ بنُ عقيلٍ عن علماءِ المذهب الحنبَلي: \"هذا المذهبُ إنَّما ظَلَمَه أصحابُه! لأنَّ أصحابَ أبي حنيفةَ والشَافعي إذا بَرِعَ واحدٌ منهم في العلمِ، تولَّى القضاءَ وغيرَه مِن الولاياتِ، فكانت الولايةُ سببًا لتدريسِه واشتغالِه بالعلمِ، فأمّا أصحابُ أحمدَ، فإنَّه قلَّ فيهم مَنْ تعلّقَ بطَرَفٍ مِن العلمِ إلا ويخْرِجُه ذلك إلى التعبّدِ والتزهُّدِ؛ لغَلَبَةِ الخيرِ على القومِ، فينقطعون عن التشاغلِ بالعلمِ\" (^١).\nويقولُ شاه ولي الله الدهلوي: \"أيُّ مذهبٍ كان أصحابُه مشهورين، وسُدَّ إليهم القضاءُ والإفتاءُ، واشتهرتْ تصانيفُهم في الناسِ، ودرسوا درسًا ظاهرًا: انتشرَ في أقطارِ الأرضِ، ولم يزل ينتشر كلِّ حينٍ، وأيُّ مذهبٍ كان أصحابُه خاملين، ولم يُولَّوا القضاءَ والإفتاءَ، ولم يرغبْ فيهم الناسُ: اندرس مذهبُهم بعد حينٍ\" (^٢).\nوقد كان بعضُ الناسِ يرغبُ في المذهب الذي أُسنِد إلى أربابِه منصبُ الإفتاءِ؛ طمعًا في أمثالِ هذه المناصبِ، ويَبيّن الشيخُ عبدُ القادر ابن بدران إعراضَ بعضِ المتمذهبين عن المذهبِ الذي لا تُوجد له مواردُ مالية، كالمذهبِ الحنبلي في وقتِه، فيقول: \"أصابَ هذا المذهبَ ما أصاب غيرَه مِنْ تشتتِ كتبِه حتى آلتْ إلى الاندراسِ، وأكبَّ الناسُ على الدنيا، فنظروا فيها، فإذا هو - أي: المذهب الحنبلي - منهلُ سُنّةٍ، وفقهٌ صحيحٌ، لا مورد مالٍ، فهجره كثير ممَّنْ كان متبعًا له؛ رجاءَ قضاءٍ أو وظيفةٍ ... \" (^٣).\nويقولُ الشيخُ محمدٌ الحجوي: \"كم مِنْ عالمٍ في الشامِ وغيرِها أُريد\n_________\n(^١) نقل كلامَ ابن عقيل ابنُ رجب في: الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ٣٤٨)، وابنُ بدران في: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد (ص/ ١١٠). وانظر: المدخل لدراسة الفقه الإسلامي لمحمد محجوبي (ص/ ٢١٢)، والمدخل إلى دراسة المذاهب للدكتور عمر الأشقر (ص/ ٢٠٤).\n(^٢) حجة الله البالغة (١/ ٤٦٧).\n(^٣) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد (ص/ ٤٥).","vol":"2","page":661},{"text":"توظيفُه في بلدٍ أهلُها حنابلةٌ في الفتوى مثلًا، فيلزم أنْ يَنْتَقِلَ مِنْ مذهبِه الأصلي، كالشافعي، ويصير حنبليًا؛ كي يكون مفتيًا، مع أنَّ هذا سهلٌ لا بأسَ به\" (^١).\nوكلامُ الشيخِ الحجوي شاهدٌ ناطق على أنَّ للإفتاءِ مدخلًا في التمذهبِ؛ إذ لم يؤثر الإفتاءُ في بقاءِ المذهب فحسب، بلْ في انتقالِ علماءِ المذاهبِ الأُخْرَى إليه.\nالسبب الثالث: المدارسُ المذهبيةُ.\nلقد اهتمتْ بعضُ المذاهبِ الفقهيةِ بتدريسِ علومِ الشريعةِ - ويأتي على رأسِها: أصول المذهب وفروعه - في مدارس مستقلةٍ، يدرِّسُ فيها الفقهاءُ والعلماءُ.\nومِنْ شأنِ وجودِ هذه المدارس أنْ تطيلَ عمرَ المذهبِ، وأنْ يستمرَ وجودُه ما دامتْ أحكامُه الأصولية والفقهية تُدرَّسُ.\nوليس بخافٍ على أحدٍ ما للمدارسِ مِنْ دورِ كبيرٍ في الحفاظِ على المذهبِ، والإبقاءِ عليه على مرِّ العصورِ.\nيقول العزُّ بنُ عبد السلام: \"علوم المدارسِ: المذهبُ، والجدلُ، والخلافُ، وأصولُ الفقهِ، وعلمُ الكلامِ، وأَوْلاها: المذهبُ وأصولُه، ثمَّ الخلاف، ثمَّ الجدلُ ... \" (^٢).\nويبدو أنَّ بعضَ المدارسِ كانت تُسمّى بإمامِ مذهبِها أو بأحدِ علماءِ مذهبِه\nالمتميزين، يقول الوزيرُ ابنُ هبيرة (^٣): \"أمَّا تعيين المدارسِ بأسماء\n_________\n(^١) الفكر السامي (٤/ ٤٤٨).\n(^٢) القواعد الكبرى (٢/ ٢٣٥).\n(^٣) هو: يحيى بن محمد بن هبيرة بن سعيد بن الحسن الشيباني العراقي، عون الدين أبو المظفر، ويُعرف بالوزير ابن هبيرة، ولد بقرية بني أوقر من الدُّور أحد أعمال الدجيل سنة ٤٩٩ هـ كان =","vol":"2","page":662},{"text":"فقهاء مُعَينين، فإنَّه لا أرى به بأسًا\" (^١).\nوقد أسهمَ بعضُ الخلفاءِ في بناءِ المدارسِ المذهبيةِ، ومِنْ أمثلةِ هذا: ما فعله صلاحُ الدين الأيوبي (^٢) في مصر، إذ أنشأَ فيها مدرستين: مدرسةً للمالكيةِ، والأخرى للشافعيةِ (^٣).\nالسبب الرابع: الأوقافُ على أربابِ المذهبِ.\nعُني بعضُ الموسرين بإقامةِ الأوقافِ على أرباب مذهبٍ معيّنٍ، بُغْيَةَ الأجرِ مِن الله تعالى، وما مِنْ شكٍّ في أنَّ الوقفَ على المذهب ورجالِه مِنْ أهمِّ الأسباب المعينةِ على بقاءِ المتمذهبين متمسكين بمذهبِهم، الأمر الذي يكفلُ بقاءَ المَذهبِ على مرِّ العصورِ (^٤).\n_________\n= من كبار علماء الحنابلة في وقته، إمامًا عالمًا عادلًا دينيًا خيرًا متعبّدًا، عاقلًا وقورًا متواضعًا، جزل الرأي، بارًا بالعلماء، كبير الشأن، متشددًا في اتباع السنة، وسِيَر السلف، وقد اشتغل بالوزارة، من مؤلفاته: الإفصاح عن معاني الصحاح، ومختصر إصلاح المنطق لابن السكيت، والعبادات الخمس، توفي سنة ٥٦٠ هـ. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان لابن خلكان (٦/ ٢٣٠)، وسير أعلام النبلاء (٢٠/ ٤٢٦)، والذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب (٢/ ١٠٧)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (٣/ ١٠٥)، والمنهج الأحمد للعليمي (٣/ ١٧٧)، وشذرات الذهب لابن العماد (٦/ ٣١٩).\n(^١) نقل كلامَ ابن هبيرة تقيُّ الدين بنُ تيمية في: المسودة (٢/ ٩٥٩).\n(^٢) هو: يوسف بن الأمير نجم الدين أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب الدويني، ثم التكريتي، أبو المظفر صلاح الدين الأيوبي، السلطان الكبير، والملك العادل، فاتح الفتوح، ولد بتكريت سنة ٥٣٢ هـ تلقى العلم على أبي طاهر السِّلفي، والفقيه علي ابن بنت أبي سعد، قال عنه تاج الدين بن السبكي: \"كان فقهيًا، يقال: إنه كان يحفظ القرآن، و(التنبيه) في الفقه، و(الحماسة) في الشعر\"، قام الاستيلاء على القاهرة، فدانت له العساكر، ومحا دولة بني عبيد، ثم قام بتوسيع دائرة دولته، كان رجلًا مهيبًا شجاعًا حازمًا، مجاهدًا كثير الغزو، عالي الهمة، يملأ العيون روعةً، والقلوب محبةً، كانت دولته نيفًا وعشرين سنة، يقول عنه شمس الدين الذهبي: \"محاسن صلاح الدين جمة، لاسيما الجهاد، فله فيه اليد البيضاء ببذل الأموال والخيل المثمنة لجنده، وله عقل جيد، وفهمٌ وحزمٌ وعزمٌ\"، توفي بقلعة دمشق سنة ٥٨٩ هـ. انظر ترجمته في: التكملة لوفيات النقلة للمنذري (١/ ١٨٣)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٦/ ١٣٩)، وسير أعلام النبلاء (٢١/ ٢٧٨)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٧/ ٣٣٩).\n(^٣) انظر: طبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين السبكي (٧/ ٣٥٦).\n(^٤) انظر: فقه السنة لسيد سابق (١/ ١٣).","vol":"2","page":663},{"text":"ويدلُّ على هذا السببِ: ما حكاه الحافظ ابنُ رجبٍ عن بعضِ المتمذهبين الذين يظهرون الانتسابَ إلى مذهبٍ معيّنٍ في الظاهرِ، وهم في باطنِ الأمرِ منتسبون إلى مذهبٍ آخر؛ والباعث لهم على فعلِهم: أخذُ الأموالِ المختصةِ بأصحابِ ذلك الإمام مِن الأوقافِ ونحوِها (^١).\nوإنْ كان ابنُ رجبٍ لم ينصَّ على أنَّ الأوقافَ سببٌ مِنْ أسبابِ بقاءِ المذهبِ، إلا أنَّ فيما حكاه ما هو أشدُّ، وهو الانتقالُ إلى المذهبِ، أو إظهارُ التمذهبِ به بُغْيَةَ ريعِ الأوقافِ، وفي هذا الأمرِ ما يدعو إلىَ بقاءِ المذهبِ، وعدمِ فنائِه.\nالسبب الخامس: تفرقُ المذهب في الأقاليم (^٢).\nمِن الأسبابِ المعينةِ على بقاءِ المذهب على مرِّ العصور والدهور انتشارُ المذهبِ وتفرق أربابِه في عدةِ أقاليم، فلو فُرِضَ اندثارُه في إقليمٍ ما، فإنَّ وجودَ أربابِه في أقاليم أُخر يكفلُ بقاءَ المذهبِ واستمرارَه.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة (ص/ ٣٤ - ٣٥)، والفكر السامي لمحمد الحجوي (٤/ ٤٤٨).\n(^٢) انظر: الإمام الصادق - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٤٢٧).","vol":"2","page":664},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>المبحث الثاني: تاريخ التمذهب</span>\nوفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: التمذهب من نشأته إلى نهاية القرن الثالث الهجري\nالمطلب الثاني: التمذهب من القرن الرابع الهجري إلى نهاية القرن السابع الهجري\nالمطلب الثالث: التمذهب من القرن الثامن الهجري إلى منتصف القرن الرابع عشر الهجري\nالمطلب الرابع: التمذهب من منتصف القرن الرابع عشر الهجري إلى العصر الحاضر.","vol":"2","page":665},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>تمهيد</span>\nسأُحاولُ في هذا المبحثِ رصدَ تاريخٍ للحالةِ المذهبيةِ عبرَ القرونِ السابقةِ إلى وقتِنا الحاضر، وتجدرُ الإشارةُ إلى عدَّةِ أمورٍ:\nالأمر الأول: سأذكرُ في المبحثِ السِّمَةَ الرئيسةَ للعصرِ أو للحُقْبَةِ الزَّمنيةِ التي أتحدثُ عنها، دونَ الغوصِ في تفاصيلِ أحوالِ العصرِ.\nالأمر الثاني: قد أَذْكُرُ مَعَ تاريخِ التمذهبِ شيئًا مِن الأحوالِ الاجتهاديةِ، وذكري لها على سبيلِ التتميم للحديثِ عن تاريخ التمذهب، والتكميلِ له.\nالأمر الثالث: لا أقومُ في هذا المبحثِ بكتابةِ تاريخ للمذاهبِ الأربعةِ، ولا لمذهبٍ منها، ولا أقصدُ كتابةَ تاريخٍ عن الحالةِ المذهبيةِ لإقليمٍ أو قُطْرٍ، وما قد يَرِدُ في تضاعيف حديثي مِنْ ذكرِ تاريخِ بعضِ المذاهبِ فعلى سيبلِ التتميمِ لتاريخِ التمذهبِ.\nالأمر الرابع: أغفلتُ ذكرَ الأمورِ السياسيةِ التي كان لها أثرٌ على الحياةِ العِلمِية؛ حرصًا منِّي على تركيزِ الحديثِ على التمذهبِ، وما له صلةٌ به؛ ولئلا يطولَ الحديثُ في المبحثِ، ويتشعبَ.\nالأمر الخامس: ذكرتُ في أكثرِ مطالب المبحثِ الثاني عددًا مِن علماءِ المذاهبِ البارزين، ولم أستقصِ، ولمَ ألتزمْ ذكرَ كلِّ المتميزين، وذكرتُ أيضًا عددًا مِن العلماءِ الذين عُرِفُوا بمهاجمةِ التمذهبِ أو التقليدِ المذهبي، ولم أذكرْ مَنْ له مشاركةٌ في محاربةِ التعصب المذهبي؛ لكثرتِهم، ولأنَّ حديثي عن التمذهبِ لا عن التعصبِ.","vol":"2","page":666},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>المطلب الأول: التمذهب من نشأته إلى نهاية القرن الثالث الهجري</span>\nسَبَقَ وأنْ بينتُ في المبحثِ السابقِ أنَّ اللبناتِ الأُولى للتمذهبِ كانت موجودةً في زمنِ تلامذةِ الصحابةِ - ﵃ -.\nوقد بدأت نشاةُ التمذهبِ مع تلامذةِ الأئمةِ، إذْ هم الذين أسسوا المذاهبَ، وأقاموا أصولَها وفروعها.\nويمكنُ القول بأنَّ التمذهبَ كان موجودًا في عصورِ الأئمةِ؛ فبعض متمذهبي المالكيةِ (^١) قد التقى بالإمامِ الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ)، وحصلت بينهما مساجلاتٌ علميةٌ (^٢).\nواللافتُ للنظرِ وقوعُ التعصبِ لبعضِ الأئمةِ في أوائلِ القرنِ الثالثِ الهجري (^٣).\nيقول ابنُ حزمٍ بعد استنكارِه لأحوالِ المتمذهبين: \"وليَعلمْ مَنْ قَرَأ كتابَنا أنَّ هذه البدعةَ العظيمةَ، نعني: التقليدَ، إنَّما حدثتْ في الناسِ، وابتُدِئ بها بعد الأربعين ومائة مِنْ تاريخِ الهجرةِ، وبعد أزيد مِنْ مائةِ عامٍ وثلاثين عامًا بعد وفاة رسول الله ... \" (^٤).\nولن أقف مع كلامِ ابنِ حزم فيما يتصل بحكمِ التمذهبِ - الذي يسميه\n_________\n(^١) هو: فتيان بن أبي السمح المالكي.\n(^٢) انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٣/ ٢٧٩).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (٣/ ٢٨٠)،\n(^٤) الإحكام في أصول الأحكام (٦/ ١٤٦). وقارن بملخص إبطال القياس والرأي لابن حزم (ص/ ٥، ٥٢).","vol":"2","page":667},{"text":"بالتقليدِ - فللحديثِ عنه مسألةٌ مستقلةٌ، وهي: (حكمُ التمذهب بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ).\nلقد وُجِدَ عددٌ مِن العلماءِ المتمذهبين في القرنِ الثالثِ الهجري، وكان منهم متحمسون لمذهبِهم، فسعوا في نشرِه في الإقليم الذي يقطنونه (^١).\nيقولُ شاه ولي الله الدهلوي: \"وبعد المائتين ظَهَرَ فيهم - أي: في العلماء - التمذهبُ للمجتهدين بأعيانِهم، وقلَّ مَنْ كانَ لا يعتمدُ على مذهبِ مجتهدٍ بعينِه، وكان هذا هو الواجب في ذلك الزمانِ\" (^٢).\nبلْ قد وُجد بعضُ المتمذهبين في أواخر القرن الثاني الهجري، يدلُّ على ذلك أمورٌ، منها:\n- ما ذُكِرَ أنَّ أحدَ أمراءِ الأندلس (^٣) أَخَذَ جميعَ الناس بإلزامِهم بمذهب الإمام مالكٍ، وصيَّر القضاءَ والفتيا عليه، وكان ذلك في عشرِ السبعيَن ومائةٍ مِن الهجرةِ، وكان حالَ حياةِ الإمامِ مالك، وقريبًا من موته (^٤)، وكان أهلُ الأندلسِ قبلَ تمذهبِهم بمذهب الإمام مالكٍ على مذهب الإمامِ الأوزاعي! (^٥).\n_________\n(^١) انظر: العبر في خبر من غبر للذهبي (١/ ٣٧٩)، وسير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٠١)، وطبقات الشافعية لابن كثير (١/ ٢٢٥)، وطبقات الفقهاء الشافعية لابن فاضي شهبة (١/ ٤٧).\n(^٢) الإنصاف في بيان سبب الاختلاف (ص/ ٢٩). وانظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ١٤٦).\n(^٣) هو: هشام بن عبد الرحمن بن معاوية.\n(^٤) انظر: المعيار المعرب للونشريسي (٦/ ٣٥٦)، ونيل الابتهاج للتنبكي (ص/ ٢٩٤)، ومالك - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٦٦)، والمدرسة المالكية الأندلسية لمصطفى الهروس (ص/ ٣٥ وما بعدها)، والمدرسة الظاهرية للدكتور توفيق الإدريسي (ص/ ٩٥).\nويقول محمد الحميدي في: جذوة المقتبس (ص/ ٣١٤) عن زياد بن عبد الرحمن (ت: ١٩٣ هـ): \"وهو أول مَنْ أدخل الأندلس فقه مالك بن أنس، وكانوا قبل ذلك على مذهب الأوزاعي\". وانظر: الحياة العلمية في عصر الخلافة في الأندلس للدكتور سعد البشري (ص/ ٣٦ وما بعدها).\nويقول محمد مخلوف في: شجرة النور الزكية (ص/ ٤٤٩) عن مذهب الإمام مالك: \"ومذهبه ظهر بالمدينة المنورة، ثم انتشر في حياته، وبعد وفاته في أقاليم كثيرة، وأقطار متعددة ... \".\n(^٥) انظر: نفح الطيب للمقري (٢/ ٢٦١)، والفكر السامي لمحمد الحجوي (٣/ ٦٥)، والإمام الأوزاعي لعبد الستار الشيخ (ص/ ٢٦٥ وما بعدها).","vol":"2","page":668},{"text":"- وما جاء في ترجمةِ شعيب بن إسحاق (ت: ١٨٩ هـ) (^١): أنَّه \"روى عن ... أبي حنيفةَ، وتمذهبَ له\" (^٢).\nفهذانِ الأمرانِ يدلانِ على وجودِ التمذهبِ قبلَ تصرّمِ القرنِ الثاني الهجري.\nوقد بَرَزَ في هذه الحقبةِ الزمنيةِ - إضافةً إلى أسماءِ الأئمةِ المجتهدين - عددٌ مِن العلماءِ البارزين مِنْ تلاميذِ الأئمة وأتباعِهم ممَّنْ ساروا على طريقتِهم، منهم على سبيلِ المثالِ: عبدُ الرحمن بن القاسم (ت: ١٩١ هـ)، وأشهب (ت: ٢٠٤ هـ)، وعبدُ الملك بن الماجشون (ت: ٢١٢ هـ)، وعيسى بنُ أبان (ت: ٢٢١ هـ) (^٣)، ويوسفُ البويطي (ت: ٢٣١ هـ)، وسحنون (ت: ٢٤٠ هـ)، وإسماعيلُ المزني (ت: ٢٦٤ هـ)، وأبو بكرٍ الأثرم (ت: ٢٦٠ هـ)، وأبو العباسِ بن سريجٍ (ت: ٣٠٣ هـ)، وأبو بكرٍ الخلال (ت: ٣١١ هـ).\n_________\n(^١) هو: شعيب بن إسحاق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن راشد الدمشقي الأموي، أبو محمد مولى رملة بنت عثمان، أصله من البصرة، ولد سنة ١١٨ هـ روى عن أبيه، وعن أبي حنيفة، والأوزاعي، وروى عنه: داود بن رشيد، والحكم بن موسى، وإسحاق بن راهويه، قال عنه الإمام أحمد: \"ثقةٌ، ما أصح حديثه\"، وكان الأوزاعي يقربه ويدنيه، قال عنه المزي: \"كان يذهب مذهب أبي حنيفة\"، توفي سنة ١٨٩ هـ. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٧/ ٤٧٢)، وتهذيب الكمال للمزي (١٢/ ٥٠١)، وسير أعلام النبلاء (٩/ ١٠٣)، وتهذيب التهذيب لابن حجر (٢/ ١٧١).\n(^٢) تهذيب التهذيب لابن حجر (٢/ ١٧١). وانظر: الديباج المذهب لابن فرحون (١/ ٦٢).\n(^٣) هو: عيسى بن أبان بن صدقة بن موسى البصري، أبو موسى، أحد كبار علماء المذهب الحنفي، كان فقيهًا أصوليًا، ذا معرفة بالحديث، موصوفًا بالذكاء المفرط، والسخاء الزائد، وسعة العلم، ولي قضاء البصرة، من مؤلفاته: كتاب خبر الواحد، والجامع، والحجة، وإثبات القياس، واجتهاد الرأي، توفي بالبصرة سنة ٢٢١ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (١٢/ ٤٧٩)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٤٠)، والجواهر المضية للقرشي (٢/ ٦٧٨)، وتاج التراجم لقطلوبغا (ص/ ٢٢٦)، والفوائد البهية للكنوي (ص / ١٩٦).","vol":"2","page":669},{"text":"وقد وُجِدَ في القرنِ الثالثِ الهجري شيءٌ مِن التعصّبِ المذهبي (^١)، فقد جَرَى على الإمامِ بقي بنِ مخلدٍ (ت: ٢٧٦ هـ) (^٢) حين دَخَلَ الأندلسَ شيءٌ مِن التعصبِ، إذ هجره بعضُ المالكيةِ، وهضموا جانبَه (^٣).\nويظهرُ لي أنَّ بدءَ انتشارِ التمذهبِ بمذهب معيَّنٍ في صفوفِ العلماءِ والمنتسبين إلى العلمِ، والميلِ إلى إمامِ المذهبُ وأصحابِه بصورة أوضح، كان مع نهايةِ القرنِ الثاني الهجري، وأوائل القرنَ الثالثِ الهجري (^٤).\nويدلُّ على هذا: ما خطّتُه أقلامُ المترجِمين لعلماءِ المذاهب مِن التراجمِ لعلماء مِنْ هذين القرنين (^٥).\nوممَّا ذُكِرَ في هذا المقامِ: أنَّ أحدَ البارعين في مذهبِ المالكيةِ (^٦)\n_________\n(^١) انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٣/ ٢٨٠).\n(^٢) هو: بقي بن مخلد بن يزيد القرطبي الأندلسي، أبو عبد الرحمن، ولد سنة ٢٠١ هـ كان إمامًا مجتهدًا صالحًا ربانيًا صادقًا رأسًا في العلم والعمل، عديم النظير، ورعًا فاضلًا زاهدًا، من حفاظ الحديث، وأئمة الدين، ومن المجاهدين في سبيل الله، رحل إلى المشرف في طلب العلم، فلقي جماعةً من المحدثين، وكبار المسندين، ثم رجع إلى الأندلس، فملأها عِلمًا جمًا، كان يفتي بالأثر، على خلاف علماء الأندلس الذين يفتون بما جاء عن مالك، من مؤلفاته: تفسير القرآن، والمسند، والمصنف، توفي سنة ٢٧٦ هـ وقيل: سنة ٢٧٣ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي (١/ ١٤٣)، وجذوة المقتبس للحميدي (ص/ ٢٥١)، وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/ ٣٢٠)، وإرشاد الأريب لياقوت (٢/ ٧٤٦)، وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٨٥)، وتاريخ الإسلام للذهبي (١٣/ ٢٨٥)، والوافي بالوفيات للصفدي (١٠/ ١٨٢)، والمنهج الأحمد للعليمي (١/ ٢٥٨)، ونفح الطيب للمقري (٣/ ٢٧٢).\n(^٣) انظر: الاعتصام للشاطبي (٣/ ٣٢٠)، وابن حزم - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٢٣٢).\n(^٤) انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (١/ ٢٥)، ومقدمة المحقق محمد بن طاهر للإشراف للقاضي عبد الوهاب (١/ ٢٦ - ٢٧)، والمناظرة في أصول التشريع لمصطفى الوضيفي (ص/ ٢٥)، والحياة العلمية في صقلية للدكتور علي الزهراني (ص/ ١٢٩ وما بعدها)، والحياة العلمية في إفريقية للدكتور يوسف حواله (١/ ٢٦١)، ودور الفقهاء في الحياة السياسية للدكتور خليل الكبيسي (ص/٣١).\n(^٥) انظر: الفكر السامي لمحمد الحجوي (٣/ ١٤١).\n(^٦) هو: سعيد بن محمد بن صبيح، أبو عثمان الإفريقي (ت: ٣٠٢ هـ).","vol":"2","page":670},{"text":"لمَّا مالَ إلى مذهب الشافعيةِ، واستخفَّ بمذهبِه، هَجَرَه علماءُ المذهبِ المالكي، وكانت هَذه الحادثةُ في نهايةِ القرنِ الثالثِ الهجري تقريبًا (^١).\nوهذا يعطي صورةً لما كان عليه جماعةٌ مِن الناسِ في تلك العصورِ.\nوقولُ شاه ولي الله الدهلوي: \"اعلم أنَّ الناسَ كانوا قبل المائةِ الرابعةِ غيرُ مجمعين على التقليدِ الخالصِ لمذهب بعينِه\" (^٢)، وقولُه أيضًا: \"غيرَ أنَّ أهلَ المائةِ الرابعةِ لم يكونوا مجتمعين على التقليدِ الخالصِ على مذهبٍ واحدٍ، والتفقه له، والحكاية لقولِه؛ كما يظهر بالتتبع\" (^٣): إنْ كان يقصدُ بقولِه التقليدَ المذهبيَّ الذي انتشرَ في القرونِ التاليةِ لهذه العصور، فمسلَّمٌ، وإلا فقد وُجِدَ التمذهبُ بمذاهبِ الأئمةِ، والدعوة إليها، والقيام بنشرِها في نهايةِ القرنِ الثاني، وأوائل القرنِ الثالثِ الهجريين.\nويؤكّدُ ما ذكرتُه آنفًا: أنَّ الدهلويَّ نفسَه قرر في كتابِه: (الإنصاف في بيان سبب الاختلاف) (^٤) أنَّ الناسَ في المائةِ الأُولى والمائةِ الثانيةِ غيرُ مجمعين على التقليدِ لمذهبٍ واحدٍ بعينِه.\nويقولُ الشيخُ محمدٌ الحجوي واصفًا الحالةَ العلمية في القرنِ الثالثِ الهجري: \"إذا أَمْعَنْتَ النظرَ في تراجمِ هؤلاء الرجالِ، عَلِمْتَ صدقَ ما قلناه مِنْ دخولِ الفقهِ مدةَ القرنين: الثالث والرابع في طورِ الكهولةِ\" (^٥).\nوقد بَرَزَ في القرنين: الثاني والثالثِ الهجريين أمورٌ، مِنْ أهمِّها:\nالأمر الأول: نشأةُ المذاهبِ الفقهيةِ بعدَ منتصفِ القرنِ الثاني الهجري\n_________\n(^١) انظر: العبر في خبر من غبر للذهبي (١/ ٤٤٣)، و(٢/ ٣٨، ٧٥، ٧٦).\n(^٢) حجة الله البالغة (١/ ٤٦٨).\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) انظر: (ص/ ٢٨).\n(^٥) الفكر السامي (٣/ ١٤١).","vol":"2","page":671},{"text":"تقريبًا، وقد اندرسَ بعضُها، فلم يكتبْ لها البقاءُ، وبقي منها المذاهبُ الفقهيةُ الأربعةُ المشهورةُ (^١).\nالأمر الثاني: شيوعُ التمذهب بالمذاهبِ الفقهيةِ الأربعةِ المشهورةِ في أصولِها وفروعِها في القرنِ الثالثِ الهجري، واضمحلالُ الاجتهادِ المطلقِ شيئًا فشيئًا (^٢)، وشيوعُ ظهورِ بعضِ صورِ التعصبِ للمذاهبِ (^٣).\nوتَبعَ ذلك تمركزُ بعض المذاهبِ الفقهيةِ في عددٍ ليس بالقليلِ في الأقطارِ والأقاليمِ الإسلامية (^٤).\n_________\n(^١) انظر: المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ١٩٩)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ١٧٠)، والشريعة الإسلامية - تاريخها للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ١٤٢)، وأسباب اختلاف الفقهاء لمصطفى الزلمي (ص/٢٨)، والاجتهاد الجماعي للدكتور شعبان إسماعيل (ص/ ١١١)، والإمام محمد بن الحسن للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ٢٩٢)، وابن عابدين وأثره في الفقه للدكتور محمد الفرفور (١/ ١٣٠)، والجدل عند الأصوليين للدكتور مسعود فلوسي (ص/ ٧٤)، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور محمد مدكور (ص/ ٩٢)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي لمحمد محجوبي (ص/ ٩٢)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور محمد موسى (٢/ ١٦٩)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١٢٩)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ٢١٤)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ١٠٥)، والمدخل الفقهي للدكتور خليفة با بكر وزميليه (ص/ ٢٥٩، ٢٩٧)، والمدخل في التعريف بالفقه للدكتور عبد المجيد مطلوب (ص/ ١١٠)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور شوقي الساهي (ص/ ٩١)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور إبراهيم إبراهيم (ص/ ١٥٥)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور حسين حسان (ص/ ٨٨)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور محمد يوسف (ص/ ٥٩)، والمنهج الفقهي العام لعلماء الحنابلة للدكتور عبد الملك بن دهيش (ص/ ٢٠)، ونشأة الفقه الإسلامي للدكتور وائل حلاق (ص/ ٢٣٠)، والسلطة المذهبية له (ص/ ٢٤).\n(^٢) انظر: الفكر السامي لمحمد الحجوي (٣/ ١٤١)، وظهر الإسلام لأحمد أمين (٢/ ٤٥)، والاجتهاد ومدى حاجتنا إليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ٩١)، والاجتهاد في الشريعة الإسلامية لعلي الخفيف (ص/ ٢٢٦) ضمن بحوث الاجتهاد في الشريعة، وأسباب اختلاف الفقهاء لمصطفى الزلمي (ص/ ٣٠)، والمدخل للتشريع الإسلامي للدكتور محمد النبهان (ص/ ٢٢٣)، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور محمد مدكور (ص/ ٩٣)، ومقدمة في دراسة الفقه للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ٢٣٠).\n(^٣) انظر: تاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ٨٩).\n(^٤) انظر: الفكر السامي لمحمد الحجوي (٣/ ٦٥)، والمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا =","vol":"2","page":672},{"text":"الأمر الثالث: بدءُ التدوينِ في أصولِ الفقهِ، وكان ذلك على يدِ الإمامِ الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ) في كتابِه: (الرسالة) (^١)، ثم تَبعَ ذلك بدءُ التدوينِ في الفقهِ والأصولِ تدوينًا علميًا مذهبيًا (^٢).\nالأمر الرابع: ظهورُ المصطلحاتِ الأصوليةِ والفقهيةِ ذاتِ الدلالةِ على معانٍ محددةٍ؛ نتيجةً لظهورِ النشاطِ الفقهي في المذهبِ، وظهورِ الخلافِ بين الأئمةِ (^٣).\n_________\n= (١/ ٢٠٣)، وتاريخ الفقه الإسلامى للدكتور محمد موسى (٢/ ١٦٨)، والاجتهاد في الفقه لعبد السلام السليماني (ص/ ٣٢٠).\n(^١) انظر: تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٢٢٠)، والمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٠١ - ٢٠٢)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ١٧٧)، والشريعة الإسلامية - تاريخها للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ١٤١)، وتمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية لمصطفى عبد الرازق (ص/ ٢٣٢)، وفقه إمام الحرمين للدكتور عبد العظيم الديب (ص/ ٣٦)، وابن عابدين وأثره في الفقه للدكتور محمد الفرفور (١/ ١٢٧)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ٢١٤)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد حسين (ص/ ١٣٩)، والمدخل للتشريع الإسلامي للدكتور محمد النبهان (ص/ ١٨٤، ٢١٣)، والمدخل الفقهي للدكتور خليفة با بكر وزميليه (ص/ ٢٩٧)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي لمحمد محجوبي (ص/ ١١٢)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور حسين حسان (ص/ ٨٧).\n(^٢) انظر: المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٠١)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ١٧٠)، وأسباب اختلاف الفقهاء لمصطفى الزلمي (ص/ ٢٨، ٣٠)، والاجتهاد في الفقه لعبد السلام السليماني (ص/ ٣٢٢)، والاجتهاد الجماعي للدكتور شعبان إسماعيل (ص/ ١١١)، والجدل عند الأصوليين للدكتور مسعود فلوسي (ص/ ٧٤)، والاختلاف الفقهي لعبد العزيز الخليفي (ص/ ٨٧)، والمدرسة المالكية بصقلية لسعد بن يحيى (١/ ٣١٦) ضمن بحوث الملتقى الأول للقاضي عبد الوهاب، والمذاهب الفقهية للدكتور محمد فيض الله (ص/ ٣٣)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد حسين (ص/ ١٣٧)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٢١٥ وما بعدها)، والمدخل في التعريف بالفقه للدكتور عبد المجيد مطلوب (ص/ ١٠٩).\n(^٣) انظر: تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٢٢٧)، والمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٠٢)، وفقه إمام الحرمين للدكتور عبد العظيم الديب (ص/ ٣٦)، والمذاهب الفقهية للدكتور محمد فيض الله (ص/ ٣٣)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ٩٨)، والمدخل في التعريف بالفقه للدكتور عبد المجيد مطلوب (ص/ ١١١).","vol":"2","page":673},{"text":"الأمر الخامس: كثرةُ المناظراتِ والجدلِ بين العلماءِ، ثمَّ انتشارهما بعدَ استقرارِ المذاهبِ الفقهيةِ بين أربابِ المذاهب؛ بُغْيَة بيانِ أدلةِ المذهبِ، ونُصرتِه (^١).\nوسيأتي في البابِ الثاني إنْ شاءَ اللهُ مزيدُ حديثٍ عن المناظراتِ والجدلِ.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: الفكر السامي لمحمد الحجوي (٣/ ١٤٥، ١٤٧)، والاجتهاد في الفقه لعبد السلام السليماني (ص/ ٣٢٢)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١٣٢)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ٢١٢)، والجديد في تاريخ الفقه للدكتور محمد إمبابي (ص/ ٢٣٨)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ١١١)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد حسين (ص/ ١٣١)، والمدخل في التعريف بالفقه للدكتور عبد المجيد مطلوب (ص/ ١٠٥)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور رمضان الشرنباصي (ص/ ٧٩).","vol":"2","page":674},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>المطلب الثاني: التمذهب من القرن الرابع الهجري إلى نهاية القرن السابع الهجري</span>\nلقد ظَهَرَ التمذهبُ للأئمةِ في القرنِ الرابع الهجري، وفيما بعده من القرونِ بصورةٍ أوضح مما كانتْ عليه مِنْ قبلُ، ويمكنُ القولُ: إنَّ التمذهبَ قد حلَّ مكانَ الاجتهادِ الذي كان موجودًا في القرونِ السابقةِ.\nلقد سرتْ في نهايةِ القرنِ الرابعِ الهجري وفيما بعده مِن القرونِ روحُ التمذهبِ للأئمةِ، وظَهَرَ في صفوفِ العلماءِ الانتسابُ إليهم، والأخذ بمناهجِهم (^١).\nيقول الشيخُ محمدٌ الخضري: \"بعد أنْ كان مُرِيدُ الفقهِ يشتغلُ أولًا بدراسةِ الكتاب، وروايةِ السُنَّة - اللذينِ هما أساسُ الاستنباطِ - صار في هذا الدورِ يتلقَّى كُتُبَ إمامٍ معيَّنٍ، ويدرسُ طريقتَه التي استنبطَ بها ما دوّنه مِن الأحكامِ، فإذا أتمَّ ذلك صارَ مِن العلماءِ الفقهاءِ\" (^٢).\nوانتشرتْ في هذه القرونِ الكتابةُ في فقهِ إمامِ المذهبِ وأصولِه - إمَّا بالتأليفِ ابتداءً، وإمَّا بالاختصارِ لكتاب مؤلِّفٍ سابقٍ، وإمَّا بالشرحِ لمختصرٍ - واتَّسَمَ التأليفُ بالتنظيمِ والترتيبِ والتحقيقِ للمذهبِ (^٣).\n_________\n(^١) انظر: الفكر السامي لمحمد الحجوي (٣/ ٤٤)، وتاريخ الفقه الإسلامي لإلياس دردور (١/ ٦٣٩).\n(^٢) تاريخ التشريع الإسلامي (ص/ ٣٢٣ - ٣٢٤). وانظر: تاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ٩٤)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١٧٤).\n(^٣) انظر: تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٢٤)، وأسباب اختلاف الفقهاء =","vol":"2","page":675},{"text":"يقول الشيخُ مصطفى الزرقا (^١) عن علماءِ هذه القرون: \"تخرَّج في كلِّ مذهبٍ فقهاءُ عظام تناولوا المذهبَ بالتدوينِ والتنقيحِ والترتيبِ\" (^٢).\nوقد نبغ في هذه الحقبةِ الزمنية علماءُ محققون في مختلف المذاهب الفقهية (^٣)، مِنْ هؤلاءِ: أبو جعفر الطحاوي (ت: ٣٢١ هـ)، وأبو القاسمِ الخرقي (ت: ٣٣٤ هـ)، وأبو الحسنِ الكرخي (ت: ٣٤٠ هـ)، وأبو بكرٍ القفال الكبير (ت: ٣٦٥ هـ) (^٤)، وأبو بكرٍ الجصاص (ت: ٣٧٠ هـ)، وأبو بكرٍ الأبهري\n_________\n= للدكتور مصطفى الزلمي (ص/ ٣١)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١٧٤)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ١٨٣ - ١٨٤)، وتخريج الفروع على الأصول لعثمان شوشان (١/ ١٥٥)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٣٠٠)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ١١٥)، ومقدمة المحقق الدكتور عبد العزيز القايدي لتهذيب الأجوبة (١/ ٤٨)، والفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد للدكتور عبد الله الجبوري (ص/ ٤٤)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور شوقي الساهي (ص/ ١٠٥)، وتاريخ الفقه الإسلامي لإلياس دردور (٢/ ٧٨٦).\n(^١) هو: مصطفى بن أحمد بن محمد الزرقا، ولد في حلب سنة ١٣٢٥ هـ (الموافق ١٩٠٧ م) حفظ القرآن في الكتاب، والتحق بالمدرسة الفرنسية، ثم التحق بالمدرسة الخسروية الشرعية، تفقه على والده - وكان كثير النقاش معه في المسائل الفقهية - وعلى الشيخ محمد أبو زهرة، والشيخ محمد الخضر حسين، طالع كتب الأدب، وعُني بحل المشكلات اللغوية، كان من كبار الفقهاء المعاصرين، علامة فقيهًا حنفيًا، شاعرًا ضليعًا في اللغة والأدب، من مؤلفاته: المدخل الفقهي العام، وشرح القانون المدني السوري، وديوان قوس قزح، وقد جمعت فتاواه، توفي سنة ١٤٢٠ هـ. انظر ترجمته في: مقدمة فتاوى الزرقا (ص/ ٢١)، وعلماء ومفكرون عرفتهم للمجذوب (٢/ ٣٤٣)، وذيل الأعلام لأحمد العلاونة (٢/ ١٩٠)، وعلماء دمشق للدكتور أباظة (ص/ ٤٠٧).\n(^٢) المدخل الفقهي العام (١/ ٢٠٣). وانظر: المدخل للفقه الإسلامي للدكتور محمد مدكور (ص/ ٩٧).\n(^٣) انظر: تاريخ التشريع لمحمد الخضري (ص/ ٣٤٦)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ٩٦)، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور محمد مدكور (ص/ ٩٥)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٣٢١).\n(^٤) هو: محمد بن علي بن إسماعيل، أبو بكر القفال الشاشي الكبير، ولد سنة ٢٩١ هـ كان علامةً إمام عصره بلا مدافع، فقهيًا أصوليًا مفسرًا محدثًا لغويًا شاعرًا، متمكنًا من العلوم، من كبار علماء المذهب الشافعي، وهو أول من صنف في الجدل الحسن من الفقهاء، قال عنه الحاكم: \"كان أعلم أهل ما وراء النهر بالأصول، وأكثرهم رحلةً في طلب الحديث\"، =","vol":"2","page":676},{"text":"(ت: ٣٧٥ هـ) (^١)، وابن بطة الحنبلي (ت: ٣٨٧ هـ) (^٢)، وأبو سليمان الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) (^٣)، وأبو الحسن بن القصار (ت: ٣٩٨ هـ)، والحسن بن حامد الحنبلي (ت: ٤٠٣ هـ)، وأبو زيد الدبوسي (ت: ٤٣٠ هـ)، وأبو عبد الله الصيمري\n_________\n= من مؤلفاته: محاسن الشريعة، وشرح الرسالة للإمام الشافعي، وكتاب في أصول الفقه، والتقريب، ودلائل النبوة، توفي بالشاش سنة: ٣٦٥ هـ وقيل: سنة ٣٣٦ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ١٠٨)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ٢٠٠)، وسير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٨٣)، والوافي بالوفيات للصفدي (٣/ ١١٢)، وطبقات الشافعية للإسنوي (٢/ ٤)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ١٤٨)، وطبقات الشافعية لابن هداية الله (ص/ ٨٩).\n(^١) هو: محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح الأبهري التميمي، أبو بكر، ولد قبل سنة ٢٨٩ هـ من علماء المذهب المالكي، وقد انتهت إليه رئاسة مذهبه في بغداد، كان عالمًا فقهيًا مقرئًا عارفًا بوجوه القراءات والتجويد، محدثًا ثقةً مأمونًا صالحًا خيّرًا ورعًا، عاقلًا نبيلًا، معظمًا عند سائر علماء وقته، من مؤلفاته: الرد على المزني، وإثبات حكم القافة، والأصول، وإجماع أهل المدينة، توفي ببغداد سنة ٣٧٥ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (٣/ ٤٩٢)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ١٥٦)، وترتيب المدارك للقاضي عياض (٦/ ١٨٣)، وسير أعلام النبلاء (١٦/ ٣٣٢)، والوافي بالوفيات للصفدي (٣/ ٣٠٨)، والمقفى الكبير للمقريزي (٦/ ١٠٧)، والديباج المذهب لابن فرحون (٢/ ٢٠٦)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٩١).\n(^٢) هو: عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان، أبو عبد الله العكبري، المعروف بابن بطة، ولد سنة ٣٠٤ هـ كان من أعيان الحنابلة في عصره، إمامًا قدوةً محدثًا فقيهًا أصوليًا شيخًا صالحًا مستجاب الدعوة، أمّارًا بالمعروف، لكنه مع فضله له أوهام وأغلاط في الحديث، يقول شمس الدين الذهبي: \"ومع قلة إتقان ابن بطة في الرواية، كان إمامًا في السنة، إمامًا في الفقه\"، من مؤلفاته: الإبانة الكبرى، والإبانة الصغرى، وإبطال الحيل، توفي بعكبرا سنة ٣٨٧ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (١٢/ ١٠٠)، وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٣/ ٢٥٦)، وسير أعلام النبلاء (١٦/ ٥٢٩)، وميزان الاعتدال للذهبي (٣/ ١٥)، والوافي بالوفيات للصفدي (١٩/ ٤١١)، ولسان الميزان لابن حجر (٥/ ٣٤٢)، والمنهج الأحمد للعليمي (٢/ ٢٩١)، والدر المنضد له (١/ ١٧٩).\n(^٣) هو: حمْد - وفي بعض المصادر: أحمد - بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي، أبو سليمان الخطابي، يرجع نسبه إلى زيد بن الخطاب، ولد سنة ٣١٩ هـ تفقه على مذهب الإمام الشافعي، وأخذه عن أبي بكر القفال الشاشي، وأصبح من كبار العلماء في وقته، إمامًا علامةً حجة حافظًا محدثًا صدوقًا، ولغويًا، وأحد الزهاد والورعين، من مؤلفاته: معالم السنن، وأعلام الحديث، وشأن الدعاء، والعزلة، توفي ببست سنة ٣٨٨ هـ. انظر ترجمته في: إرشاد الأريب لياقوت (٢/ ٤٨٦)، وإنباه الرواة للقفطي (١/ ١٢٥)، ووفيات الأعيان لابن خلكان =","vol":"2","page":677},{"text":"الحنفي (ت: ٤٣٦ هـ)، والقاضي أبو الحسن الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ)، والقاضي أبو يعلى الفراء (ت: ٤٥٨ هـ)، وأبو الوليد الباجي (ت: ٤٧٤ هـ)، وأبو إسحاقَ الشيرازي (ت: ٤٧٦ هـ)، وإمام الحرمين الجويني (ت: ٤٧٨ هـ)، وأبو المظفرِ السمعاني (ت: ٤٨٩ هـ)، وأبو بكرٍ السرخسي (ت: ٤٩٠ هـ)، وأبو حامد الغزالى (ت: ٥٠٥ هـ)، وأبو الخطاب الكلوذاني (ت: ٥١٠ هـ)، وأبو محمدٍ البغوي (ت: ٥١٦ هـ) (^١)، وأبو بكرٍ بن العربي (ت: ٥٤٣ هـ)، وأبو القاسم الرافعي (ت: ٦٢٤ هـ)، وابن الصلاح (ت: ٦٤٣ هـ)، وابن الحاجب (ت: ٦٤٦ هـ)، ومجد الدين أبو البركات بن تيمية (ت: ٦٥٢ هـ) (^٢)، ومحيي الدين النووي (ت: ٦٧٦ هـ)، وشهاب الدين القرافي (ت: ٦٨٤ هـ).\n_________\n= (٢/ ٢١٤)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٣)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٣/ ٢٨٢)، وطبقات الشافعية للإسنوي (١/ ٤٦٧).\n(^١) هو: الحسين بن مسعود بن محمد الفراء البغوي، أبو محمد محيي السنة وركن الدين، ولد في حدود منة ٤٣٦ هـ ببغشور، وقيل: بمدينة بغ، كان أحد العلماء الربانيين، وأحد أئمة الحديث والفقه والتفسير، ذا قدرٍ عالٍ في الدين والعلم، متسع الدائرة نقلًا وتحقيقًا، بحرًا في العلوم، إمامًا علامة حافظًا، زاهدًا قانعًا باليسير ورعًا، شافعي المذهب، رُزِقَ القبول في مصنفاته، من مؤلفاته: شرح السنة، والتهذيب في الفقه، ومعالم التنزيل، ومصابيح السنة، توفي بمرو الروذ - مدينة من مدن خراسان - سنة ٥١٦ هـ. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان لابن خلكان (٢/ ١٣٦)، وسير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٣٩)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (٤/ ١٢٥٧)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٧/ ٢٧٥)، وطبقات الشافعية للإسنوي (١/ ٢٠٥).\n(^٢) هو: عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن تيمية، مجد الدين أبو البركات الحراني، ولد بحران سنة ٥٩٠ هـ تقريبًا، كان أحد أعلام المذهب الحنبلي، ففيهًا أصوليًا مفسرًا مقرئًا محدثًا حافظًا نحويًا، عديم النظير في زمانه، وقد اشتهر اسمه، وبعد صيته، وانبهر منه علماء بغداد لذكائه وفضائله، قال عنه ابنُ مالك: \"أُلين للشيخ المجد الفقه، كما ألين لدواد الحديد\"، وقال عنه حفيدُه تقيُّ الدين: \"كان جدنا عجبًا في حفظ الأحاديث وسردها بلا كلفةٍ، وحفظ مذاهب الناس\"، من مؤلفاته: المحرر في الفقه، والمنتقى في الحديث، والمسودة - التي جمعها وبيضها أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الغني - توفي سنة ٦٥٢ هـ. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٢٩١)، وفوات الوفيات لابن شاكر (٢/ ٣٢٣)، والوافي بالوفيات للصفدي (١٨/ ٤٢٨)، والذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب (٤/ ١)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ١٦٢)، والمنهج الأحمد للعليمي (٤/ ٢٦٥)، والدر المنضد له (١/ ٣٩٤)، ومقدمة محيي الدين عبد الحميد للمسودة (ص/ ٢).","vol":"2","page":678},{"text":"ومِن الأمورِ المهمّةِ التي برزتْ في هذه الحقبةِ الزمنيةِ: نضوجُ الاتجاهين الرئيسين في الكتابةِ في أصولِ الفقهِ، والاتجاهان هما:\nالاتجاه الأول: الكتابةُ الأصوليةُ الخالصةُ التي لم تخالطْ أكثر مسائلها الفروعُ الفقهية.\nواشتهرت هذه الطريقة باسم: طريقة المتكلمين، أو طريقة الشافعية (^١).\nالاتجاه الثاني: الكتابةُ الأصوليةُ المتأثرةُ في أكثر مسائلها بالفروع الفقهية.\nواشتهرت هذه الطريقة باسم: طريقة الحنفيةِ (^٢).\nوقد ظَهَرَتْ في هذه القرونِ بعضُ الأعمالِ العلميةِ المذهبيةِ التي قامَ بها كثيرٌ مِنْ متمذهبي المذاهب، ومِنْ أهمِّها:\nأولًا: القيامُ ببيانِ عِلَلِ الأحكامِ التي استنبطها إمامُ المذهبِ وإظهارِها (^٣).\n_________\n(^١) انظر: مقدمة ابن خَلدون (٣/ ١٠٦٥ - ١٠٦٦)، والشافعي - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص / ٣٠٦ - ٣٠٧، ٣١٠)، وتخريج الفروع على الأصول لعثمان شوشان (١/ ١٦٧)، والمدخل إلى أصول الفقه لموسى الإبراهيم (ص/ ٢٢ - ٢٣).\n(^٢) انظر: المصادر السابقة.\n(^٣) انظر: تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٣٠)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ٩٧)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١٧٧)، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور محمد مدكور (ص/ ٩٦)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٦٧)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ١٨٣)، والاجتهاد ومقتضيات العصر لمحمد الأيوبي (ص/ ١٣٣)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٣١٢)، ومقدمة المحقق محمد بن طاهر للإشراف للقاضي عبد الوهاب (١/ ٢١)، ومقدمة المحقق الدكتور عبد العزيز القايدي لتهذيب الأجوبة (١/ ٤٨)، وبلوغ الأماني للدكتور الحسن العلمي (ص/ ١٦٨)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ٢١٨)، والمنهج الفقهي العام لعلماء الحنابلة للدكتور عبد الملك بن دهيش (ص/ ٢٣)، وتاريخ الفقه الإسلامي لإلياس دردور (١/ ٦٤٦).","vol":"2","page":679},{"text":"لم يكن التمذهبُ عائقًا أمامَ الاستزادة مِن العلمِ، بلْ كان دافعًا إلى النظرِ والتنقيب، ولا سيما في تراثِ إمامِ المذهب، وقد عُني كثيرٌ مِن المتمذهبين بالنظرِ فيما أطلقَ إمامُ المذهبِ الحكَمَ فيه، فأظهروا عللَ المسائلِ التي كَشَفَ إمامُهم عن أحكامِها؛ بُغْيَةَ إلحاقِ الفروع المشابهةِ لها بما نصَّ على حكمِه (^١).\nوبيانُ العللِ يفتحُ أمامَ المتمذهبين بابَ الفتيا فيما ليس فيه نصٌّ عن إمامِهم متى ما عُرِفتْ علةُ ما نصَّ عليه، وقد سُمِّي مَنْ يعمل ذلك بالمخرِّج، أو بمجتهدِ التَّخْرِيج (^٢).\nومِن الطبعي أنْ يقعَ بين مخرّجي المذهب الواحدِ اختلافٌ في حكم الحادثةِ (^٣)؛ لاختلافِهم في الفرع المخرَّجِ عليَه، وفي علتِه، وهذا مؤذنٌ باتساعِ دائرةِ الأقوالِ في المذهبِ (^٤).\nوكذلك اهتمَّ بعضُ المتمذهبين، ولا سيما مِنْ أرباب المذهبِ الحنفي ببيانِ أصولِ مذهبِهم مِنْ خلالِ الفروعِ المرويّةِ عن أئمةِ الَمذهب، وتمحيصِ النظرِ فيها؛ طلبًا للأصلِ الذي ساروا عليه (^٥).\n_________\n(^١) انظر: تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٣٠)، والمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٠٣، ٢٠٥)، والمدخل في الفقه الإسلامي للدكتور محمد شلبي (ص/ ١٣٩)، والفكر الأصولي للدكتور عبد الوهاب أبو سليمان (ص/ ١٠٦)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ٩٧)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٣١٢)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ١٢٣ - ١٢٤)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد حسين (ص/ ١٤٧)، وتاريخ التشريع للدكتور محمود عثمان (ص/ ٢٧٧)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوى (١/ ١١٢ - ١١٣)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور شوقي الساهي (ص/ ١٠٧).\n(^٢) انظر: المصادر السابقة.\n(^٣) انظر: المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٠٩).\n(^٤) انظر: المصدر السابق.\n(^٥) انظر: تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٣٠)، والمدخل في الفقه الإسلامي للدكتور محمد شلبي (ص/ ١٣٩)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ٩٧)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١٧٧ - ١٧٨)، والمدخل للفقه الإسلامي =","vol":"2","page":680},{"text":"يقولُ الشيخُ محمدٌ الخضري عن علماءِ الحنفيةِ في تلك القرون: \"كان كثيرٌ مِن الاحكامِ التي رَوَوْها عن أئمتِهم غيرَ معللةٍ، فاجتهدوا في بيانِ الأصولِ التي جَرَى عليها الأئمةُ في استنباطِهم، وقد يختلف العلماءُ في تخريج هذه العللِ ... ووضعوا عند ذلك ما سمَّوه بأصولِ الفقه؛ اجتهادًا منهم أَنَّ هذه أصولُ أئمتِهم التي بنوا عليها استنباطَهم\" (^١).\nثانيًا: القيامُ بالترجيحِ بين الآراء المختلفةِ في المذهبِ (^٢).\nاهتمتْ طائفةٌ مِن أربابِ المذهبِ بالترجيحِ بين الأقوالِ داخل المذهبِ، فكانتْ لها عنايةٌ بهذا الأمرِ، وقد وَقَعَ الترجيحُ على نوعين:\nالنوع الأول: الترجيحُ مِنْ جهةِ الرواية.\nالنوع الثاني: الترجيحُ مِن جهةِ الدراية (^٣).\n_________\n= للدكتور محمد مدكور (ص/ ٩٦)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ١٢٤)، والمنهج الفقهي العام لعلماء الحنابلة للدكتور عبد الملك بن دهيش (ص/٢٣).\n(^١) تاريخ التشريع الإسلامي (ص/ ٣٣٠).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (ص/ ٣٣١)، والمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٠٥)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ٩٧)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١٧٨)، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور محمد مدكور (ص/ ٩٦)، والفكر الأصولي للدكتور عبد الوهاب أبو سليمان (ص/ ١٠٦)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٦٧)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ١٨٣)، والاجتهاد ومقتضيات العصر لمحمد الأيوبي (ص/ ١٣٧)، وتخريج الفروع على الأصول لعثمان شوشان (١/ ١٥٥)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٣١٥)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ١٢٤)، وتاريخ التشريع للدكتور محمود عثمان (ص/ ٢٧٨)، وبلوغ الأماني للدكتور الحسن العلمي (ص / ١٦٨)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ٢١٨)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور شوقي الساهي (ص/ ١٠٧)، وتاريخ الفقه الإسلامي لإلياس دردور (١/ ٦٤٦).\n(^٣) انظر: تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٣١)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ٩٧)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١٨٧)، والفكر الأصولي للدكتور عبد الوهاب أبو سليمان (ص/ ١٠٦)، والاجتهاد ومقتضيات العصر لمحمد الأيوبي (ص/ ١٣٧)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص / ٣١٦ - ٣١٧)، ومقدمة المحقق الدكتور عبد العزيز القايدي لتهذيب الأجوبة (١/ ٤٨)، وتاريخ الفقه الإسلامي =","vol":"2","page":681},{"text":"النوع الأول: الترجيحُ مِنْ جهةِ الرواية.\nقد يختلفُ النقلُ في بعضِ المسائلِ عن أئمةِ المذاهبِ؛ إذ الناقلون عن الأئمة كُثُرٌ، وقد يحصلُ الاختلافُ بينهم - لأيِّ سببٍ: كتجدّدِ الاجتهادِ، وخطأِ الناقلِ، ونحو ذلك - فكان مِنْ عملِ بعضِ علمَاءِ المذهبِ قيامُهم بالترجيح بين الرواياتِ المختلفةِ عن إمامِهم، فرجَّحوا ما اطمأنتْ أنفسُهم إليه، كأنْ يُرَجَّح ما نَقَلَه واحدٌ بعينِه مِنْ علماءِ المذهبِ على غيرِه مِنْ أرباب مذهبِه؛ لمزيَّةٍ فيه، أو يُرَجّح ما نَقَلَه الراوي الأكثر ثقةً على سائرِ الرواة فيمَا لو خالفوه (^١).\nالنوع الثاني: الترجيحُ مِنْ جهةِ الدراية.\nممَّا هو واقعٌ في أغلب المذاهبِ - إنْ لم يكن في جميعِها - أنْ يُنْقَلَ عن إمامِ المذهب في مسألةٍ وَاحدةٍ أكثرُ مِنْ قولٍ، أو أنْ يختلفَ قولُ الإمامِ مع قولِ بعضِ أرَبابِ مذهبِه، ففي مثلِ هذه الأحوالِ تقومُ طائفةٌ مِنْ علماءِ المذهب العارفين بأصولِه، وطرقِ الاستنباطِ فيه، بالترجيحِ بين هذه الاختلافَاتِ في ضوءِ ما يتفق وأصولَ مذهبِهم (^٢).\nوقد ظَهَرَ نتيجةَ للترجيحِ بين الأقوالِ رواياتٌ وأقوالٌ وأوجهٌ ضعيفةٌ،\n_________\n= للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ١٢٤ - ١٢٥)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ١١٣).\n(^١) انظر: المصادر السابقة، ومعالم السنن للخطابي (١/ ٨)، والمدخل في الفقه الإسلامي للدكتور محمد شلبي (ص/ ١٣٩)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد حسين (ص/ ١٤٨)، وتاريخ التشريع للدكتور محمود عثمان (ص/ ٢٧٨)، والمنهج الفقهي العام لعلماء الحنابلة للدكتور عبد الملك بن دهيش (ص/ ٢٣).\n(^٢) انظر: تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٣٢)، والمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٠٩)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ٩٨)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١٧٩)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٣١٧)، وتاريخ التشريع للدكتور محمود عثمان (ص/ ٢٧٩)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ١١٤).","vol":"2","page":682},{"text":"وأخرى قويةٌ يُعْتَمد عليها (^١).\nومِن المتوقّعِ أنْ يحصلَ الاختلافُ بين المرجِّحين في القولِ الذي يتفقُ وأصولَ المذهب (^٢)، وكان في هذا مدعاةٌ إلى تشعّبِ الآراءِ في المذهبِ، واتساعِ دائرتِه (^٣).\nثالثًا: القيامُ بالانتصارِ للمذهبِ.\nحَرَصَ جمعٌ مِن المتمذهبين على الانتصارِ لمذهبِهم، وبيانِ أدلتِه، وقوةِ أصولِه، وكان ذلك على صورتين:\nالصورة الأُولى: الانتصارُ للمذهبِ ونصرتُه جُمْلَةً، وذلك ببيانِ مناقبِ إمامِ المذهبِ، ولا سيما سعة علمِه، واتباعه للكتابِ والسنةِ، وجودة استنباطِه، ومزيد ورعِه وزهدِه، والحثّ على التمذهبِ بمذهبِه (^٤).\nوقد يُوغِلُ بعضُ المتمذهبين فيتعصبُ لمذهبِه، ويقدحُ في أئمةِ\n_________\n(^١) انظر: المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٠٩).\n(^٢) انظر: تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٣٢)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ٩٨)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١٧٩)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٣١٧).\n(^٣) انظر: المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٠٩).\n(^٤) انظر: تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٣٣)، والفكر السامي لمحمد الحجوي (٤/ ١٧٨)، والمدخل في الفقه الإسلامي للدكتور محمد شلبي (ص/ ١٣٦)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو الجنين (ص/ ٩٨)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١٧٩)، والفكر الأصولي للدكتور عبد الوهاب أبو سليمان (ص/ ١٠٦)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٦٧)، وفقه إمام الحرمين للدكتور عبد العظيم الديب (ص/ ٣٧)، وتخريج الفروع على الأصول لعثمان شوشان (١/ ١٥٥)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٣٠٨)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ١٢١)، وتاريخ التشريع للدكتور محمود عثمان (ص/ ٢٨٠)، وبلوغ الأماني للدكتور الحسن العلمي (ص/ ١٦٩)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ٢٢٠)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ١١٤)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور شوقي الساهي (ص/ ١٠٩)، وتاريخ الفقه الإسلامي لإلياس دردور (١/ ٦٤٨).","vol":"2","page":683},{"text":"المذاهبِ الأخرى، ويحطُّ مِنْ شَأنِهم (^١).\nالصورة الثانية: الانتصارُ للمذهبِ على سبيلِ التفصيلِ، وذلك بذِكرِ حُجَجِ الإمامِ وأصحابِه في المسائلِ الخلافيةِ بين الأئمةِ، وتفنيدِ أدلةِ معارضيه، وقد صنّفَ المتمذهبون في ذلك كُتُبًا، عُرِفَت بكُتُب الخلاف (^٢).\nولم تخلُ بعضُ هذه الانتصاراتِ مِنْ بعضِ الممارساتِ السلبيةِ، كالتكلّفِ في الاستدلالِ للمذهبِ، وفي المناقشةِ لأدلةِ المخالفين (^٣)، وكتركِ أدلةِ المخالفين القويّةِ وإغفالِ ذكرِها.\nلقد اتسمتْ تلك القرون وخاصةً القرن السادس والقرن السابع بكثرةِ العلمِ، فقد كانت المعلوماتُ كثيرةً جدًّا، وقد اهتمَّ بها الدارسون، فعَكَفوا عليها، لكنَّ هذه الكثرةَ لم يأتِ ما يناسبها من جودةِ النقدِ والترجيحِ لدى طائفةٍ كبيرةٍ من المتمذهبين؛ لإصرارِهم على الالتزام بالمذهب، وتعصّبِهم له (^٤).\nوممَّا بَرَزَ في القرون: الرابع الهجري وما بعده إلى القرن السابعِ الهجري:\nالأمر الأول: انتشارُ ظاهرةِ التمذهبِ للأئمةِ، بحيثُ أصبحتْ هي\n_________\n(^١) انظر: تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٣٣)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ٩٨).\n(^٢) انظر: المصدرين السابقين، والإنصاف في بيان سبب الاختلاف للدهلوي (ص/ ٣٨)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ١٨٣)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١٨٠)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ١٢٦)، وتاريخ التشريع للدكتور محمود عثمان (ص/ ٢٨٠)، وبلوغ الأماني للدكتور الحسن العلمي (ص/ ١٦٩)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ٢٢٠)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ١١٤)، وتاريخ الفقه الإسلامي لإلياس دردور (١/ ٦٤٩).\n(^٣) انظر: تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٣٣)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ٩٨)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١٨٠).\n(^٤) انظر: ابن حزم - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ١٢٧).","vol":"2","page":684},{"text":"السّمةَ الباوؤةَ للحياةِ العلميةِ (^١).\nوتضاعفُ الأمرُ عند بعضِ المتمذهبين، فقرروا المنعَ مِن الخروجِ من المذهب؛ لئلا يقعَ الناسُ في تتبّعِ الرخصِ (^٢).\nوحلَّ الاجتهادُ المذهبي محلَّ الاجتهادِ المطلقِ (^٣)، فكان كثيرٌ مِنْ محققي المذاهبِ في تلك القرونِ يقومون ببيانِ حكمِ النوازلِ عن طريقِ الاجتهادِ المذهبي المقيَّدِ (^٤).\nيقولُ الشيخُ محمدٌ الحجوي: \"لم يبقَ في جُلِّ الرابعِ مجتهدٌ مطلقٌ ... وإنْ ادَّعاه أحدٌ أنكرَ عليه، ونُوزع فيه\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: إعلام الموقعين (٢/ ١١)، والفكر السامي لمحمد الحجوي (٣/ ٤٨)، و(٤/ ١٧٨)، والاجتهاد ومدى حاجتنا إليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ٩٣)، وأسباب اختلاف الفقهاء للدكتور مصطفى الزلمي (ص/ ٣١)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ٩٤)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١٧٤)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ١٠٩)، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور محمد مدكور (ص/ ٩٥)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٢٩٨)، وبلوغ الأماني للدكتور الحسن العلمي (ص/ ١٦٤)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور شوقي الساهي (ص/ ١٠٦)، وعلم أصول الفقه من التدوين إلى نهاية القرن الرابع الهجري للدكتور أحمد الضويحي (٢/ ٦٩٨).\n(^٢) انظر: جامع مسائل الأحكام للبُرزلي (١/ ٨٦).\n(^٣) انظر: إمام الكلام للكنوي (ص/ ٣٦)، والمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٠٨)، ومضات فكر لمحمد الفاضل بن عاشور (ص/ ١٤٤)، ومناهج الاجتهاد في الإسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ٤١٤)، والاجتهاد في الشريعة الإسلامية للدكتور وهبة الزحيلي (ص/ ١٧٤) ضمن بحوث الاجتهاد في الشريعة، ومقدمة المحقق محمد بن طاهر للإشراف للقاضي عبد الوهاب (١/ ٢١)، والفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد للدكتور عبد الله الجبوري (ص/ ٤٥)، ومعالم تجديد المنهج الفقهي لحليمة بوكروشة (ص/ ٣٦).\n(^٤) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٥)، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٤٣)، والشافعي - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٢٨ - ٣٢٩)، والمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٠٩).\n(^٥) الفكر السامي (٣/ ١٤١). وانظر: الاجتهاد في الشريعة الإسلامية لعلي الخفيف (ص/ ٢٢٦) ضمن بحوث الاجتهاد في الشريعة.","vol":"2","page":685},{"text":"وتَبعَ شيوع التمذهبِ للأئمةِ:\n- تمركزُ بعضِ المذاهب في عددٍ من الأقاليم والأقطارِ الإسلاميةِ بصورةٍ أوضح ممَّا كانت عليه (^١).\n- وجودُ المدارٍ التي تُعْنَى بالعلمِ الشرعي، وكان منها: المدارسُ المذهبيةُ التي تقومُ على نشْرِ علومِ المذهبِ ورعايتها (^٢).\nيقولُ شمسُ الدينِ الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ) بعدما ذَكَرَ عددًا مِنْ مجتهدي أوائل القرن الرابع: \"ثمَّ بعدَ هذا النَمَطِ تَنَاقَصَ الاجتهادُ، ووُضِعَتْ المختصراتُ، وأخلدَ الفقهاءُ إلى التقليدِ، مِنْ غيرِ نظير في الأعلمِ، بلْ بحسبِ الاتفاقِ والتشهي والتعظيمِ والعادةِ والبلدِ\" (^٣).\nويقول الشيخُ مصطفى الزرقا عن الحالةِ العلميةِ في تلك الحقبةِ الزمنيةِ: \"ركدتْ حركةُ الاجتهادِ، وأخلدَ الراغبونَ في الفقهِ إلى العكوتِ على مذاهبِ أولئك المجتهدين السابقين، وخاصةً منهم الأربعة\" (^٤).\nوكانتْ جهودُ كثيرٍ من الفقهاءِ في هذه القرونِ محصورةً في دائرةِ مذهبِ إمامِهم، فلا يكادون يحيدون عنه (^٥).\nالأمر الثاني: القولُ بإقفالِ بابِ الاجتهادِ المطلقِ في الشريعةِ\n_________\n(^١) انظر: المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٠٣)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور شوقي الساهي (ص/ ١٠٥).\nوقد نقل تاج الدين السبكي (ت: ٧٧١ هـ) في: طبقات الشافعية الكبرى (٨/ ٣٢٠) كلامًا غير علمي في هذا الصدد، لكنه يدلُّ على ظاهرةِ تمركز المذاهب، فيقول: \"قال أهل التجربة: إنَّ هذه الأقاليم: المصرية والشامية والحجازية، متى كان البلدُ فيها لغير الشافعية خَرِبَت، ومتى قدَّم سلطانُها غيرَ أصحاب الشافعي زالتْ دولتُه سريعًا، وكأنَّ هذا السرَّ جعله الله في هذه البلاد، كما جعل مثله لمالكٍ في بلاد المغرب، ولأبي حنيفة فيما وراء النهر\".\n(^٢) انظر: ابن تيمية - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ١٢٧ - ١٢٨).\n(^٣) سير أعلام النبلاء (٨/ ٩١).\n(^٤) المدخل الفقهي العام (١/ ٢٠٣).\n(^٥) انظر: المدخل للفقه الإسلامي للدكتور محمد مدكور (ص/ ٩٥).","vol":"2","page":686},{"text":"الإسلاميةِ (^١).\nدعا بعضُ المتمذهبين في أواخرِ القرنِ الرابعِ الهجري تقريبًا إلى القولِ بإقفالِ بابِ الاجتهادِ في الشريعةِ (^٢).\nوكانت هناك عدةُ بواعث للقولِ بإقفالِ باب الاجتهادِ، وسيأتي في البابِ الثاني إنْ شاءَ الله مزيدُ حديثٍ عن هذه المسأَلة.\nالأمر الثالث: خدمةُ المذهب بالتأليفِ فيه، وقد سبقت الإشارة إلى هذا الأمرِ عند حديثي عن أعمالِ المتمذهبين في هذه القرونِ (^٣).\nالأمر الرابع: اتّساعُ علمِ أصولِ الفقهِ على أيدي كبارِ رجالِ المذاهبِ الأربعةِ، وتحريرُ مسائلِه، والعنايةُ به (^٤).\n_________\n(^١) انظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ٩٠)، والعواصم والقواصم لمحمد الوزير (٢/ ١٢٤)، والمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٠٣)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ٩٥)، ومناهج الاجتهاد في الإسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ٤١٥)، والمدخل للفقه الإسلامي له (ص/ ٩٦)، والاجتهاد في الشريعة الإسلامية لعلي الخفيف (ص/ ٢٢٧) ضمن بحوث الاجتهاد في الشريعة، والفكر الأصولي للدكتور عبد الوهاب أبو سليمان (ص/ ١٠٦)، ودراسة تحليلية مؤصلة لتخريج الفروع على الأصول لجبريل ميغا (ص/ ٣٥٣)، والفتوى - نشأتها وتطورها للدكتور حسين الملاح (ص/ ٣٣٨، ٣٤٠)، ومقدمة المحقق محمد بن طاهر للإشراف للقاضي عبد الوهاب (١/ ٢١)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ١٢٢)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ٢١٦)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور ناصر الطريفي (ص/ ١٤٨)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ١١٦).\n(^٢) انظر: المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٠٣)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ٩٥)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١٧٥)، وبلوغ الأماني للدكتور الحسن العلمي (ص/ ١٦٩).\n(^٣) انظر: المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩)، وسيأتي مزيد حديث عن بيان خدمة المذهب في الباب الثاني حين أتحدث عن ازدهار النشاط التأليفي.\n(^٤) انظر: المصدر السابق (١/ ٢٠٩)، والفكر الأصولي للدكتور عبد الوهاب أبو سليمان (ص/ ١٠٧)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ١٨٣)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٢٩١، ٣١٤)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد حسين (ص/ ١٤٩)، والإمام الشهاب القرافي للصغير الوكيلي (٢/ ٢٥١)، علم أصول الفقه من التدوين إلى نهاية القرن الرابع الهجري للدكتور أحمد الضويحي (٢/ ٧٠٠).","vol":"2","page":687},{"text":"يقولُ الشيخُ مصطفى الزرقا معلِّلًا توسّعَ العلماءِ في أصولِ الفقهِ: \"كان اتساعُه؛ نتيجةً لازمةً لتلك التوسعاتِ المذهبيةِ التي يجبُ أنْ تستندَ إليه\" (^١).\nويُبيّنُ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة عنايةَ العلماءِ بأصولِ الفقهِ في القرونِ التي قيل: إنَّ بابَ الاجتهاد قد أُقْفِلَ فيها، فيقول: \"وَجَدَت العقولُ القويّةُ المتجهةُ إلى الفحصِ والبحثِ والدراسةِ في أصولِ الفقهِ بابًا لرياضةِ فقهيّةٍ، مِنْ غيرِ أنْ تتورطَ في استنباطِ أحكامٍ تُخالفُ ما قرره المذهبُ الذي ينتمون إليه، وإنَّ المتعصبين لمذاهبِهم وجدوا في بحوثِ علمِ الأصولِ والاستفاضةِ فيها ما يمكن أنْ يؤيدوا به مذهبَهم، ويوثقوا الاستدلالَ له\" (^٢).\nالأمر الخامس: استمرارُ انتشارِ المناظراتِ بين أتباعِ المذاهب، وتَبعَ هذا الأمر اهتمامُ بعض المتمذهبين بتقعيدِ علمِ الجدلِ وتأصيلِه (^٣).\nفقد شاعَت المناظراتُ بين أرباب المذاهب أكثر ممَّا سَبَقَ، فخاضوا مَعَامِعَهَا، وجالوا في مَيَادِينِها، وكان الدافعُ في كثيرٍ منها الانتصارَ للمذهب، وترجيحَ التمذهبِ به على سائرِ المذاهب (^٤).\n_________\n(^١) المدخل الفقهي العام (١/ ٢٠٩).\n(^٢) أصول الفقه (ص/ ١٨). وانظر: الفكر الأصولي للدكتور عبد الوهاب أبو سليمان (ص/ ١٠٨ - ١٠٩).\n(^٣) انظر: الإنصاف في بيان سبب الاختلاف للدهلوي (ص/ ٣٨)، وتاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٣٣)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ٩٨)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١٧٦، ١٨٠)، والمدخل للفقه الأصلامي للدكتور محمد مدكور (ص/ ٩٦)، والاجتهاد في الشريعة الإسلامية لعلي الخفيف (ص/ ٢٢٦) ضمن بحوث الاجتهاد في الشريعة، وتخريج الفروع على الأصول لعثمان شوشان (١/ ١٥٤)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ١١٤)، وعلم أصول الفقه من التدوين إلى نهاية القرن الرابع الهجري للدكتور أحمد الضويحي (٢/ ٦٩٨).\n(^٤) انظر: مقدمة ابن خَلدون (٣/ ١٠٥٢ - ١٠٥٣)، وتاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٣٤)، والمدخل في الفقه الإسلامي للدكتور محمد شلبي (ص/ ١٤٠)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ٩٩)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس =","vol":"2","page":688},{"text":"يقولُ الشيخُ مصطفى الزرقا: \"كانتْ هناك منافساتٌ ومناقشاتٌ ومناظراتٌ واسعةٌ بين رجالِ المذاهب ... تسودها صبغةُ العصبيةِ المذهبيةِ أكثر مِن الغَرَضِ العلمي\" (^١).\nالأمر السادس: شيوعُ التعصبِ للمذاهبِ، وقيامُ الصراعاتِ بينها (^٢).\nلقد قصرتْ نظرةُ بعضِ أربابِ المذاهبِ في فَهْمِ التمذهب، فأوغلوا في الدفاعِ عن مذهبِهم، وعن آثارِ إمامِهم، فتعصّبوا له، وادّعَوا صوابَ مذهبِهم كلِّه، وحاربوا غيرَهم مِنْ أرباب المذاهب (^٣)، ولم يجعلوا مِنْ الاختلافاتِ القائمةِ بين المذاهبِ رحمة وعذرًا للمخالفِ، بلْ جعلوها مدخلًا للوقوعِ في التعصبِ بشتَّى ألوانِه وصورِه، فسمَّوا المخالفَ\n_________\n= (ص/ ١٨٠)، والفكر الأصولي للدكتور عبد الوهاب أبو سليمان (ص/ ١٠٦)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٣٠٥)، ومقدمة المحقق الدكتور عبد العزيز القايدي لتهذيب الأجوبة (١/ ٥٢ وما بعدها)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد حسين (ص/ ١٤٩ - ١٤٨)، وتاريخ التشريع للدكتور محمود عثمان (ص/ ٣٧٤)، وبلوغ الأماني للدكتور الحسن العلمي (ص/ ١٦٥)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور شوقي الساهي (ص/١١١).\n(^١) المدخل الفقهي العام (١/ ٢٠٩).\n(^٢) انظر: إعلام الموقعين (٢/ ١١)، وتاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٤٣)، وأسباب اختلاف الفقهاء للدكتور مصطفى الزلمي (ص/ ٣١)، والمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٠٥، ٢٠٩)، والفكر الأصولي للدكتور عبد الوهاب أبو سليمان (ص/ ١٠٥)، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور محمد مدكور (ص/ ٩٥، ٤١٤)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١٧٤)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ٢١٦)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ١٨٣)، وفقه إمام الحرمين للدكتور عبد العظيم الديب (ص/ ٤٠)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٣٠٥)، ومقدمة المحقق الدكتور عبد العزيز القايدي لتهذيب الأجوبة (١/ ٥٠)، ودراسة تحليلية مؤصلة لتخريج الفروع على الأصول لجبريل ميغا (ص/ ٣٥٣)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ١١٩)، وتاريخ التشريع للدكتور محمود عثمان (ص/ ٢٧٣)، وبلوغ الأماني للدكتور الحسن العلمي (ص/ ١٦٤)، وعلم أصول الفقه من التدوين إلى نهاية القرن الرابع الهجري للدكتور أحمد الضويحي (٢/ ٦٩٩).\n(^٣) انظر: المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٠٩ - ٢١٠).","vol":"2","page":689},{"text":"خصمًا (^١)، مع العلمِ أنَّ جُلَّ المسائلِ الخلافيةِ بين أرباب المذاهبِ مسائلُ اجتهادية، وقد كان أئمةُ المذاهب أنفسُهم وسائرُ المجتهدين يعذرون المخالفَ فيها (^٢).\nيقولُ ابنُ حزمٍ (ت: ٤٥٦ هـ) عن مالكيةِ الأندلسِ: \"وأمَّا أهلُ بلدِنا، فليسوا ممَّنْ يتعنَّى بطلب دليلٍ على مسائلِهم ... فيَعْرِضُون كلامَ الله تعالى، وكلامَ الرسول - ﷺ - عَلى قولِ صاحبهم ... فإنْ وافقَ قولُ الله وقولُ رسولِه ﵇ قولَ صاحبِهم أخذوه، وإنْ خالفاه تركوا قولَ الله تعالى جانبًا، وقولَه ﵇ ظهريًا\" (^٣).\nويقولُ ابنُ الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ): \"رأيتُ جماعةً مِن المنتسبين إلى العلمِ، يعملون عَمَلَ العوامِّ، فإذا صلَّى الحنبليُّ في مسجدٍ شافعي، ولم يجهرْ، غَضَبَت الشافعيةُ، وإذا صلَّى شافعيُّ في مسجدٍ حنبلي، وجَهَرَ، غَضَبَت الحنابلةُ، وهذه مسألةٌ اجتهاديةٌ، والعصبيةُ مجرّدُ هوى يمنعُ منه العلمُ\" (^٤).\nوقرّرَ بعضُ المتمذهبين عدمَ صحةِ الصلاةِ خلفَ المخالف في الفروع (^٥)، بلْ تعدّى الأمرُ في أوائلِ المائةِ السادسةِ إلى وجودِ أربعةِ\n_________\n(^١) انظر: الإنصاف في بيان سبب الاختلاف للدهلوي (ص/ ٤١ - ٤٢)، وتاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٤٤)، والمدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد (١/ ١٠٦ - ١٠٧).\n(^٢) انظر: الإنصاف في بيان سبب الاختلاف للدهلوي (ص/ ٤٢).\n(^٣) الإحكام في أصول الأحكام (٦/ ١١٧ - ١١٨). وانظر: خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول لأبي شامة (ص/ ٩٩ - ١٠٠، ١٤٠)، وإعلام الموقعين (٤/ ١٢).\n(^٤) نقل كلامَ ابن الجوزي ابنُ مفلحٍ في: الفروع (٣/ ٢٢)، ومصطفى الرحيباني في: مطالب أولي النهى (١/ ٦٦٣).\n(^٥) انظر: الفروع لابن مفلح (٣/ ٢١)، والقول السديد للمُلّا فرُّوخ (ص/ ١٧٠)، وتاريخ الجدل لمحمد أبو زهرة (ص/ ٢٩٩)، وتاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٤٤)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ٩٩)، وبين متبع ومقلد أعمى للدكتور عامر الزيباري (ص/ ٧٧، ٧٨).=","vol":"2","page":690},{"text":"مقاماتٍ للمذاهبِ الأربعةِ في المسجدِ الحرامِ؛ ليؤدي أربابُ كلِّ مذهبٍ صلاتهم على حدة (^١).\nولتصورِ مدى التعصب المذهبي واستفحالِ أمرِه في تلك القرون، أذكرُ ما جرى لأبي المظفرِ السمَعاني (ت: ٤٨٩ هـ) لمَّا انتقلَ إلى المذهبِ الشافعي وترك المذهبَ الحنفي، إذ اضطربَ الناسُ في إقليمِه، وماجت العوامُّ، وقَامَت الحربُ على ساقٍ! وظَهَرَتْ بوادرُ فتنةٍ بين أرباب المذهبين: الحنفي والشافعي، ووَرَدَ كتابٌ مِن السلطان إلى أبي المظفر يُشَدّدُ عليه بالرجوعِ إلى المذهبِ الحنفي، لكنَّ أبا المظفرِ لم يرجعْ إلى المذهبِ الحنفي، وانتقلْ إلى بلدٍ آخر (^٢).\nبلْ بَلَغَ التعصبُ المذهبي مِنْ بعضِ المنتسبين إلى المذاهبِ في تلك القرون أنْ يقول أحدُ أرباب المذهب الحنفي (^٣): \"لو كان لي أمرٌ لأخذتُ الجزيةَ مِن الشافعيةِ\"! (^٤).\nوللتعصبِ صورٌ سآتي عليها في البابِ الثاني، إنْ شاءَ الله تعالى.\n_________\n= يقول محيي الدين النووي في: روضة الطالبين (١/ ٣٤١): \"ولو كان بقربه مسجدٌ قليل الجمع، وبالبعد مسجد كثير الجمع، فالبعيد أفضل، إلا في حالتين: ... والثاني: أنْ يكون إمام البعيد مبتدعًا - كالمعتزلي وغيره - قال المحاملي وغيرُه: وكذا لو كان الإمام حنفيًا؛ لأنه لا يعتقد وجوب بعض الأركان، بلْ قال أبو إسحاق: الصلاة منفردًا أفضل من الصلاة خلف الحنفي.\nوهذا تفريع على صحة الصلاة خلف الحنفي ... \".\nوانظر: جامع المسائل لابن تيمية (المجموعة الثامنة/ ٤٣٤ وما بعدها، و٤٤٣ وما بعدها) فهو مهم.\n(^١) انظر: المعيار المعرب للونشريسي (١/ ٢٠٠)، والاتباع لابن أبي العز الحنفي (ص/ ٩٢)، والنوازل الجديدة الكبرى للوزاني (٢/ ٢٦٢).\n(^٢) انظر هذه الحادثة في: سير أعلام النبلاء (١٩/ ١١٦)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٥/ ٣٤٠)، وطبقات الشافعية للإسنوي (٢/ ٢٩ - ٣٥)، وطبقات الففهاء الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٢٥٧ - ٢٥٨).\n(^٣) هو: محمد بن موسى البلاساغوني الحنفي، قاضي دمشق.\n(^٤) انظر: ميزان الاعتدال للذهبى (٤/ ٥٢)، ولسان الميزان لابن حجر (٧/ ٥٤١).","vol":"2","page":691},{"text":"الأمر السابع: وجودُ عددٍ مِن العلماءِ الذين بيّنوا خطرَ التقليدِ المذهبي.\nلمَّا استفحلَ أمرُ التمذهبِ عند بعضِ المتمذهبين، ورَكَنُوا إلى التقليدِ المذهبي، وأَعْرَضُوا عن النظرِ في الأدلةِ، قامَ بعضُ العلماءِ بالتحذيرِ مِنْ هذا الفعلِ، والنصيحةِ لمَنْ وَقَعَ فيه، وبيانِ أنَّ الواجبَ هو النظرُ في الأدلةِ، ويأتي على رأس هؤلاء العلماء: ابنُ حزمٍ الأندلسي (ت: ٤٥٦ ص) (^١) - وموقفه من المتمذهبين مشهورٌ - وابن عبد البر المالكي (ت: ٤٦٣ هـ) - وسيأتي بيانُ قولهما في الفصلِ الثالثِ، إن شاءَ الله تعالى - وأبو شامةَ المقدسي (ت: ٦٦٥ هـ).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٤٥).","vol":"2","page":692},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>المطلب الثالث: التمذهب من القرن الثامن الهجري إلى منتصف القرن الرابع عشر الهجري</span>\nلقد ازدادَ تمسكُ العلماءِ بالمذاهب الفقهيةِ مع بدءِ القرنِ الثامنِ الهجري، فأضحى التمذهبُ بكافّة ألوانِه طاغيًا مِنْ حيثُ الجملةُ على الحياةِ العلميةِ في الفقهِ وأصولِه، بلْ مع كلِّ أسفٍ جَعَلَ كثيرٌ من المتمذهبين مِنْ تمذهبِهم سبيلًا إلى تقهقرِ الفقهِ، وجمودِ أصولِه؛ لتركِهم تطبيقَ القواعدِ الأصوليةِ على نصوصِ الكتابِ والسنةِ.\nوأيضًا: فقد جَعَلَ المتمذهبون مذاهبَهم مهيمنةً عليهم، وازداد تبعًا لهذا الأمرِ الجمودُ على المذاهبِ (^١)، والتمسكُ بها (^٢).\nويتحسر شمسُ الدينِ الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ) على الحالةِ العلميةِ المنتشرةِ في عصرِه، فيقول: \"صارَ علماءُ العصرِ في الغالبِ عاكفين على التقليدِ في الفروعِ مِنْ غيرِ تحريرٍ لها ... واسْتَحْكَمَت الأهواءُ، ولاحتْ مبادئُ رفعِ العلمِ، وقبضِه مِن الناسِ ... \" (^٣).\n_________\n(^١) الجمود المذهبي: هو الوقوف عند حدِّ المنقولات عن الآخرين، وترديدها، دون استنادٍ في قول إلى دليل، بل مجرد محاكاة غيره. انظر: بحوث فقهية مقارنة للدكتور محمد الدريني (١/ ٧٥).\n(^٢) انظر: العَلَم الشامخ لصالح المقبلي (ص/ ٨٠)، ومناهج الاجتهاد في الإسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ٩٨)، والفتوى - نشأتها وتطورها للدكتور حسين الملاح (ص/ ٣٢٩)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ١١٨)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور ناصر الطريفي (ص/١٦٤).\n(^٣) تذكرة الحفاظ (٢/ ٥٣٠).","vol":"2","page":693},{"text":"وقد انتشرَ تقيّدُ أربابِ المذاهب في هذه الحُقبِ الزمنيةِ بمذاهبِهم، فلا يحيدون عنها، وقد حكىَ شمسُ الدين الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ) أنَّ أكثرَ علماءِ زمانِه متقيدون بمذاهبِهم (^١).\nوممَّا يُؤَكّدُ انتشار الصبغة المذهبية في هذه القرونِ أنَّ عددًا مِن المتمذهبين مَنَعُوا التلفيقَ بين المذاهبِ، وأَوْجَبَتْ طائفة منهم التمذهبَ بمذهبِ إمامِهم (^٢).\nوقد ازدادَ في هذه القرونِ التعصبُ للمذاهب الفقهيةِ بصورةٍ أشدّ مما كانت عليه مِنْ قبلُ (^٣).\nويصف الحافظ ابنُ رجبٍ (ت: ٧٩٥ هـ) حالَ أكثرِ الناسِ في زمنِه بأنَّهم لم يبلغوا الغايةَ في العلمِ، ولا ارتقوا إليها، وما زالوا في بدءِ أمرِهم، مع ادِّعاء كثيرٍ منهم الوصولَ إلى الغاياتِ، والانتهاءَ مِن النهاياتِ (^٤).\nوقد أوضحَ ابنُ خَلدون (ت: ٨٠٨ هـ) أن حالَ محصِّلي الفقه في عصرِه أمسى في نقلِ المذاهبِ، والعملِ بمذهبِ إمامِهم (^٥).\nويقولُ الشيخُ مصطفى الزرقا عن هذه القرونِ: \"ففي هذا العصرِ سادَ الفكرُ التقليديُّ المغلقُ، وانصَرَفَت الأفكارُ عن تَلَمّسِ العللِ والمقاصدِ الشرعيةِ في فقهِ الأحكامِ إلى الحفظِ الجافِّ، والاكتفاءِ بتقبّلِ كلِّ ما في الكتبِ المذهبيةِ، دونَ مناقشةٍ\" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: سير أعلام النبلاء (١٤/ ٤٩١).\n(^٢) انظر: مقدمة ابن خَلدون (٣/ ١٠٥١)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/٢٢١).\n(^٣) انظر: إيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ١٩٣ وما بعدها) ط/ دار الفتح، والبدر الطالع للشوكاني (ص / ٦٥٠)، وأدب الطلب له (ص/ ١٣٨)، وإمام الكلام للكنوي (ص/ ٣٦)، والفوائد البهية له (ص/ ٦٥ - ٦٦).\n(^٤) انظر: الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة (ص/ ٣٩).\n(^٥) انظر: مقدمة ابن خَلدون (٣/ ١٠٥١).\n(^٦) المدخل الفقهي العام (١/ ٢١١).","vol":"2","page":694},{"text":"وكان قدرٌ ليس بالقليل مِن النشاط التأليفي لأرباب المذاهب منصرفًا إلى الاختصارِ للمؤلفاتِ السابقة، فكانَ كثيرٌ منها إعَادةً لما قالَه السابقون، وقد اتسمتْ هذه المؤلفات بالطَابَعِ التقليدي في التأليفِ؛ إذ يمثّلُ أكثرُها الجمودَ المذهبي على ما كتبه السابقون (^١)، إضافة إلى عدمِ اعتناءِ كثيرٍ مِن المؤلِّفين بذكرِ أدلةٍ لمذاهبهم، واكتفائهم بتقريرِ الحكمِ مجرّدًا عنها (^٢).\nوقد تفنّن العلماءُ في الإيجازِ، بحيثُ يَجْمَعون الفروعَ الكثيرةَ في الألفاظِ القليلةِ (^٣)، وأضحتْ هذه المختصرات بالألغازِ أشبه (^٤)، وأمسى الدارسُ لا يفهمُ هذه العباراتِ الموجزةَ إلا بمراجعةِ الشروحِ والحواشي؛\n_________\n(^١) انظر: الفكر السامي لمحمد الحجوي (٤/ ١٦٣)، والمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢١١)، وتاريخ الفقه الإسلامي لبدران أبو العينين (ص/ ١٠٠)، ومناهج الاجتهاد في الإسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ٩٧)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ١٨٤)، والفتوى - نشأتها وتطورها للدكتور حسين الملاح (ص/ ٣٣٠)، والاجتهاد في الفقه الإسلامي لعبد السلام السليماني (ص/ ٣٢٣)، ومعالم تجديد المنهج الفقهي لحليمة بوكروشة (ص/ ٣٩)، وتاريخ التشريع للدكتور محمود عثمان (ص/ ٢٩١)، والفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد للدكتور عبد الله الجبوري (ص/ ٤٦)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ٢٢٥)، وتأريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٣٥١)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ١١٩)، والمدخل في التعريف بالفقه للدكتور عبد المجيد مطلوب (ص/ ١٢٤)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور شوقي الساهي (ص/ ١٢٣)، والمدخل الفقهي للدكتور خليفة با بكر وزميليه (ص/ ٣٤١)، والمنهج الفقهي العام لعلماء الحنابلة للدكتور عبد الملك بن دهيش (ص/ ٢٤).\n(^٢) انظر: معالم تجديد المنهج الفقهي لحليمة بوكروشة (ص/ ٣٨).\n(^٣) انظر: تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٦٩)، والفكر السامي لمحمد الحجوي (٤/ ١٦٣)، ومضات فكر لمحمد الفاضل بن عاشور (ص/ ١٤٥)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١٨٤)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ٢٢٥)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ١١٨).\n(^٤) انظر: تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٦٩)، ومناهج الاجتهاد في الإسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ٩٧)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ٨٤)، وتأريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٣٥١)، والمدخل في التعريف بالفقه للدكتور عبد المجيد مطلوب (ص/ ١٢٤).","vol":"2","page":695},{"text":"ليتوصّلَ إلى مراداتِ مؤلفيها (^١).\nيقول الإمامُ محمد الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ) عن علماء هذه القرونِ: \"لا ريبَ أنَّ في سائرِ الديارِ المصريةِ والشاميةِ مِن العلماءِ الكبارِ مَنْ لا يبلغُ غالبُ أهلِ ديارِنا إلى رتبتِه، ولكنَّهم لا يفارقون التقليدَ الذي هو دَأَب مَنْ لا يعقلُ حججَ الله ورسولِه، ومَنْ لم يفارق التقليدَ، لم يكنْ لعلمِه كثيرُ فائدةٍ، وإنْ وُجِدَ مَنْ يعمل بالأدلة، ويَدَعُ التعويلَ على التقليدِ، فهو القليلُ النادرُ، كابنِ تيمية، وأمثالِه\" (^٢).\nولم يكتفِ بعضُ المتمذهبين بتركِ النظرِ في نصوصِ الكتابِ والسنةِ، بلْ تعدَّى الأمرُ إلى تَرْكِ النظرِ في كُتُب إمامِ المذهب ومتقدمي أصحابِه، والاكتفاءِ بما قرّره متأخرو علماءِ الَمذهب، بلْ بَلَغَ الأمرُ عند بعضِ المتمذهبين إلى أن الواحدَ منهم لو أراد النظَرَ في كتبِ إمامِه أو مؤلفاتِ أصحابِه المتقدمين، لسَخِرَ منه بعضُ أرباب مذهبه، وقالوا عنه: إنَّه يرى نفسَه أهلًا لمعرفةِ قولِ الإمام! (^٣).\nويبيّنُ الشيخُ محمدُ بنُ عبد الوهاب (ت: ١٢٠٦ هـ) حالَ بعضِ المتمذهبين في عصرِه، فيقول: \"قالوا: القرآن لا يجوزُ العملُ به لنا ولأمثالنا (^٤)، ولا بكلامِ الرسولِ، ولا بكلامِ المتقدمين، ولا نطيع إلا ما ذكره\n_________\n(^١) انظر: تاريخ الفقه الإسلامي لبدران أبو العينين (ص/ ١٠٠)، ومناهج الاجتهاد في الإسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ٩٧)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١٨٤)، والفتوى - نشأتها وتطورها للدكتور حسين الملاح (ص/ ٣٣٠)، وتاريخ التشريع الإسلامي لمناع القطان (ص/ ٣٩٧)، وتاريخ التشريع للدكتور محمود عثمان (ص/ ٢٩١)، وبلوغ الأماني للدكتور الحسن العلمي (ص/ ١٧٧)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ٢٢٥)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ١١٩)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور حسين حسان (ص/ ١١٧)، والمدخل الفقهي للدكتور خليفة با بكر وزميليه (ص/ ٢٤١).\n(^٢) البدر الطالع (ص/ ٦٠٢).\n(^٣) انظر: العَلَم الشامخ لصالح المقبلي (ص/ ٤٢٢)، ورسالة في: الاجتهاد والتقليد لحمد بن معمر (ص/ ٩٣ - ٩٥)، ومعالم تجديد المنهج الفقهي لحليمة بوكروشة (ص/ ٣٩)، وبلوغ الأماني للدكتور الحسن العلمي (ص/ ١٧٧).\n(^٤) في المطبوع من الدرر السنية (١/ ٧٣): \"ولا مثالنا\"، وهو تصحيف، ولعل المثبت هو الصواب.","vol":"2","page":696},{"text":"المتأخرون\" (^١).\nويقولُ الشيخُ محمدٌ الخضري: \"قلَّما تَجِدُ عالمًا يُعْنى بدراستِها - أي: كتب متقدمي المذاهب - أو الاطلاعِ عليها، بلْ تجدُ كبارَ العلماءِ لا يَسْمَعُون بأسمائِها ... \" (^٢).\nولتوضيحِ الحالةِ المذهبيةِ في تلك القرونِ في بعضِ الأقاليم أذكر ما نقله أحمدُ الونشريسي (ت: ٩١٤ هـ) (^٣) عن بعضِ فقهاءِ عصرِه في وصفِ الحالةِ العلميةِ والمذهبيةِ لبلادِ المغرب، فيقول: \"إنَّ اتّباعَ أهلِها لمذهب مالكِ - ﵃ -، والتزامَهم الأخذَ بقولِه وقولِ أصحابِه، ومَنْعَ ملوكِها وأمرائَها الناسَ مِن الخروجِ عنه، أمرٌ هو مِن الشُّهرةِ بحيثُ لا يحتاجُ إلى استشهادٍ عليه، حتى إنَّه لم يُحْفَظْ عن أحدٍ مِن أهلِ العلم بالمغرب الخروجُ مِنْ مذهب مالكٍ! ولا الأخذُ بغيرِه مِن المذاهب، وكلُّ مَنْ رام شَيئًا مِن ذلك، أو جَنَحَ إليه، لقيَ مِن الإنكارِ لعلمِه، والتسفيهِ لحِلمِه ما لم يكن له به قِبَل ... \" (^٤).\nوقد بَرَزَ في هذه الحقبةِ الزمنيةِ عددٌ من محققي المذاهب، منهم من عُنِيَ بتحقيقِ مذهبِه، ومنهم مَنْ أضافَ إليه العنايةَ بالنظرِ في الأدلةِ، ومِن هؤلاءِ: تقيُّ الدّينِ السبكي الشافعي (ت: ٧٥٦ هـ)، وجمالُ الدّينِ الزيلعي\n_________\n(^١) نقل كلامَ الشيخ محمد بن عبد الوهاب ابنُ قاسم في: المصدر السابق، وكلام الشيخ محمد وإن كان في أمور الاعتقاد، إلا أنَّ ما ذكره على لسان مخالفيه صالح للمقام الذي أتحدثُ عنه.\n(^٢) تاريخ التشريع الإسلامي (ص/ ٣٦٨).\n(^٣) هو: أحمد بن يحيى بن محمد بن عبد الواحد الونشريسي، أبو العباس، ولد بونشريس بالجزائر سنة ٨٣٤ هـ من علماء المالكية المبرزين، كان فقيهًا أصوليًا علامةً محققًا ورعًا زاهدًا، فصيح اللسان والقلم، أحاط بمذهبه، وحمل لواءه، وقد أكب على تدريس المدونة، ومختصر ابن الحاجب الفروعي، من مؤلفاته: المعيار المعرب، وعدة البروق في جمع ما في المذهب من الجموع والفروق، وإيضاح المسالك إلى قواعد مذهب الإمام مالك، والفائق في أحكام الوثائق، توفي بفاس سنة ٩١٤ هـ. انظر ترجمته في: درة الحجال لابن القاضي (١/ ٩١)، ونيل الابتهاج للتنبكتي (ص/ ١٣٥)، وفهرس الفهارس والأثبات للكتاني (٢/ ١١٢٢)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٢٧٤).\n(^٤) المعيار المعرب (٢/ ١٦٩).","vol":"2","page":697},{"text":"الحنفي (ت: ٧٦٢ هـ) (^١)، وشمسُ الدّينِ محمد بن مفلح (ت: ٧٦٣ هـ)، وجمالُ الدّينِ الإسنوي (ت: ٧٧٢ هـ)، وخليلٌ المالكي (ت: ٧٧٦ هـ)، وسراجُ الدّينِ البلقيني (ت: ٨٠٥ هـ) (^٢)، وابنُ الهمامِ الحنفي (ت: ٨٦١ هـ)، وأكملُ الدّينِ محمد البابرتي (ت: ٧٨٦ هـ)، وعلاء الدين المرداوي الحنبلي (ت: ٨٨٥ هـ).\nوقد كَثُرَتْ في هذه القرونِ التطبيقاتُ الفقهيةُ المذهبيةُ، إذ سُجِّلتْ فتاوى عددٍ مِن المتمذهبين، وكُتِبَتْ في مُؤَلَّفاتٍ مرتبةٍ على أبوابِ الفقهِ، وقد جاءَ في تضاعيفِ بعضِ هذه المؤلفات مباحثُ أصوليةٌ، وقد عُرِفَ كثيرٌ منها باسم: الفتاوى (^٣).\nيقولُ الشيخُ مصطفى الزرقا: \"أسلوبُ الفتاوى يجري غالبًا على طريقةِ\n_________\n(^١) هو: عبد الله بن يوسف بن محمد بن أيوب بن موسى الزيلعي أبو محمد جمال الدين، كان فقيهًا حنفيًا بارعًا، ومحدثًا ناقدًا، لازم مطالعة كتب الحديث، حتى صار من أكابر المحدثين الحفاظ، أخذ عن فخر الدين الزيلعي، والعلاء بن التركماني، وقد كان الزيلعي وولي الدين العراقي يتعاونان في مطالعة الكتب وتخريج الأحاديث، من مؤلفاته: نصب الراية بتخريج أحاديث الهداية، وتخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف، توفي بالقاهرة سنة ٧٦٢ هـ. انظر ترجمته في: الدرر الكامنة لابن حجر (٢/ ٣١٠)، وحسن المحاضرة للسيوطي (١/ ٣٣٢)، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي (١١/ ١٠)، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ ٤٠٧).\n(^٢) هو: عمر بن رسلان بن نصير بن صالح الكناني، أبو حفصٍ سراج الدين البلقيني، ولد ببلقين بمصر سنة ٧٢٤ هـ كان بارعًا في التفسير والأصول والفقه والحديث والنحو والمنطق والجدل، وكان عالم المائة الثامنة، أعجوبة زمانه حفظًا واستحضارًا، وقد انتهت إليه رئاسة المذهب الشافعي، ورئاسة الإفتاء، وقد وصفه غير واحد ببلوغ رتبة الاجتهاد، تولى التدريس في عدة مدارس، من مؤلفاته: شرح صحيح البخاري، وشرح الترمذي، وحواشي الروضة، ومحاسن الاصطلاح، وحواشي الكشاف للزمخشري، توفي بالقاهرة سنة ٨٠٥ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ٢٧٥)، وإنباء الغمر لابن حجر (٥/ ١٠٧)، والدليل الشافي لابن تغري بردي (١/ ٤٩٧)، والضوء اللامع للسخاوي (٦/ ٨٥)، وبهجة الناظرين للغزي (ص/ ٢٩)، وحسن المحاضرة للسيوطي (١/ ٣٠٤)، وشذرات الذهب لابن العماد (٩/ ٨٠).\n(^٣) انظر: المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢١٤)، والمدخل في الفقه الإسلامي للدكتور محمد شلبي (ص/ ١٤٢)، وتاريخ الفقه الإسلامي لبدران أبو العينين (ص/ ١٠٢)، ومناهج الاجتهاد في الإسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ٩٧)، وتاريخ التشريع للدكتور =","vol":"2","page":698},{"text":"ذكرِ السؤالِ، وإردافِه بالجواب مع النصوصِ المذهبيةِ التي يستندُ الجوابُ إليها، وقد يُقْتَصَرُ فيها على سرَدِ أحكامِ الوقائعِ، دونَ الأسئلةِ\" (^١).\nوهذا النوعُ مِن التأليف في تلك القرونِ مع ما وَصَلَت إليه الحالةُ المذهبيةُ مِن التقليدِ المذهبي الصِرْف، شاهدٌ ناطقٌ على أن المتمذهبين لم يقفوا أمامَ الحوادثِ دونَ بيانِ حكمِها، بلْ أوجدوا لها الحلولَ في ضوءِ فروعِ مذهبِهم، وأصولِه (^٢).\nوقد بدأت الصورةُ المذهبيةُ القاتمةُ مِن القرن العاشر الهجري تقريبًا (^٣)، واستمرتْ إلى منتصفِ القرن الرابع عشر الهجري تقريبًا، وقد وَصفَ الشيخُ مصطفى الزرقا (ت: ١٤٢٠ هـ) فِكْرَ كثيرٍ مِن متمذهبي المذاهبِ الأربعةِ في القرونِ المتأخرةِ بأنَّه فكرٌ عاميٌّ! وليس بفكرٍ علمي (^٤).\n_________\n= عبد الفتاح الشيخ (ص/ ٢٣٧)، والفتوى - نشأتها وتطورها للدكتور حسين الملاح (ص/ ٣٣١)، وتاريخ التشريع للدكتور محمود عثمان (ص/ ٢٩٢)، وبلوغ الأماني للدكتور الحسن العلمي (ص/ ١٧٩)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ١٥٢)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ١٣٠)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٣٥٤)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ١٢٤)، والفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد للدكتور عبد الله الجبوري (ص/ ٤٦)، والمدخل في التعريف بالفقه للدكتور عبد المجيد مطلوب (ص/ ١٢٧)، والمدخل للتشريع الإسلامي للدكتور محمد النبهان (ص/ ٣٤٩ - ٣٥٠)، والمنهج الفقهي العام لعلماء الحنابلة للدكتور عبد الملك بن دهيش (ص/ ٢٥)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور ناصر الطريفي (ص/ ١٥٤).\n(^١) المدخل الفقهي العام (١/ ٢١٤).\n(^٢) انظر: المدخل في الفقه الإسلامي للدكتور محمد شلبي (ص/ ١٤٣ - ١٤٤)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ١٣١)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الفتاح الشيخ (ص/ ٢٣٧)، وتأريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٣٥٥)، والفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد للدكتور يوسف القرضاوي (ص/ ١٩)، والفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد للدكتور عبد الله الجبوري (ص/ ٤٦).\n(^٣) انظر: تاريخ التشريع للدكتور محمود عثمان (ص/ ٢٩٠).\n(^٤) انظر: المدخل الفقهي العام (١/ ٢١١). وانظر: العَلَم الشامخ لصالح المقبلي (ص/ ٢٨٧ - ٢٨٨)، وخطط الشام لمحمد كرد علي (٤/ ٥٤).","vol":"2","page":699},{"text":"وقد بيَّن أحدُ علماءِ المذهب الشافعي في القرن الحادي عشر الهجري (^١) أنَّ الغالبَ على الناسِ في إقليمه (الأحساء)، التزامُ ترجيح مذهبِ إمامٍ معيَّنٍ بدءًا مِنْ كتاب: الطهارةِ إلى نهايةِ أبوابِ الفقهِ، والباعثُ عليه هو التقليدُ المذهبي المحضُ (^٢).\nوقد غَلَبَ على كثيرٍ من المتمذهبين الاعتمادُ على الكتبِ المختصرةِ، والاكتفاءُ بها (^٣).\nوقد بَزَرَ في القرونِ المتأخرة عددٌ من محققي المذاهب، مثل: أبي الحاسن بن المبرد الحنبلي (ت: ٩٠٩ هـ)، وابنِ نجيمٍ الحنفي (ت: ٩٦٩ هـ)، وشمسِ الدّينِ الرملي الشافعي (ت: ١٠٠٤ هـ)، ومنصور البهوتي الحنبلي (ت: ١٠٥١ هـ)، وأحمد الدردير المالكي (ت: ١٢٠١ هـ)، ومحمد بن عابدين الحنفي (ت: ١٢٥٢ هـ)، والشيخِ عبد الحي اللكنوي (ت: ١٣٠٤ هـ) (^٤)، والشيخِ خير الدين الألوسي (ت: ١٣١٧ هـ) (^٥)،\n_________\n(^١) هو: الشيخ عمر بن عبد الرحيم الأحسائي (ت: ١٠٣٧ هـ). انظر: فتاوى علماء الأحساء (١/ ١٠٧).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (١/ ١٥٥).\n(^٣) انظر: تاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ٢٢٧)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور شوقي الساهي (ص/ ١١٩).\n(^٤) هو: محمد عبد الحي بن محمد عبد الحليم بن محمد أمين الله بن محمد أكبر اللكنوي الهندي، أبو الحسنات، ولد في باندا بالهند سنة ١٢٦٤ هـ كان أحد علماء الحنفية المحققين، فقهًا أصوليًا، ذكيًا فطنًا حاد الذهن، متبحرًا في العلوم النقلية والعقلية، مطلعًا على دقائق الشرع وغوامضه، محررًا للمسائل، قويًا في المناظرة، عارفًا بالأنساب والأخبار، وقد انفرد في الهند بالفتوى، كان من المكثرين من التأليف، وقد عُني بالتقييد والجمع والمطالعة، من مؤلفاته: الإنصاف في حكم الاعتكاف، والسعاية شرح الوقاية، وشرح مختصر الجرجاني - في مصطلح الحديث - والفوائد البهية في تراجم الحنفية، وإمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام، توفي في لكهنو سنة ١٣٠٤ هـ. انظر ترجمته في: التعليقات السنية للكنوي (ص/ ٣٣٧)، ونزهة الخواطر لعبد الحي الحسني (٨/ ١٢٦٨)، وفهرس الفهارس والأثبات للكتاني (٢/ ٧٢٨)، والأعلام الشرقية لزكي مجاهد (١/ ٣٨٧)، ومقدمة تحقيق الرفع والتكميل (ص/ ١٨)، ومقدمة تحقيق الأجوبة الفاضلة (ص/ ١٢).\n(^٥) هو: نعمان بن محمود بن عبد الله، أبو البركات خير الدين الألوسي، ولد ببغداد في شهر =","vol":"2","page":700},{"text":"والشيخ أحمد الزرقا (ت: ١٣٥٧) (^١).\nوقد بَرَزَ في القرنِ الثامنِ الهجري إلى منتصفِ القرنِ الرابع عشر الهجري أمورٌ (وهي في مجملِها مثل ما في مميزاتِ القرونِ: الرابع الهجري إلى نهاية القرن السابع الهجري)، مِنْ أهمِّها:\nالأمر الأول: تمكّنُ روحِ التقليد المذهبي الصِرْف في نفوسِ كثيرٍ مِن العلماءِ (^٢)، وغلبتْ هذه الروحُ ولا سيما في القرن العاشر الهجري وما بعده مِن القرونِ على ظاهرةِ الاجتهادِ المذهبي المقيَّد (^٣).\n_________\n= محرم سنة ١٢٥٢ هـ كان فقيهًا واعظًا باحثًا سلفيًا، من أعلام الأسرة الألوسية في العراق، ولي القضاء في العراق، ثم تركه، وعكف بعده على التدريس والتصنيف إلى أن مات، كان عقله أكبر من علمه، وعلمه أبلغ من إنشائه، جوادًا وفيًا، من مؤلفاته: جلاء العينين في محاكمة الأحمدين، وغالية المواعظ، والجواب الفسيح لما لفقه عبد المسيح، وشقائق النعمان في رد شقائق ابن سليمان، توفي سنة ١٣١٧ هـ. انظر ترجمته في: التاج المكلل للقنوجي (ص/ ٥٠٩)، والمسك الأذفر لمحمود الآلوسي (ص/ ١١٠)، وأعلام العراق لمحمد الأثري (ص/ ٦٠)، والأعلام الشرقية لزكي مجاهد (١/ ٤١٩)، والأعلام للزركلي (٨/ ٤٢)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٤/ ٣٤).\n(^١) هو: أحمد بن محمد بن عثمان الزرقا، ولد في حلب حوالي سنة ١٢٨٥ هـ نشأ في حجر والده - وكان والده أحد كبار علماء الحنفية - وتفقه عليه، وانتفع به، وتلقى تعليمه في المساجد والمدارس، وكان يتتبع الدروس بنهم شديد، وله ولع بتحقيق الأحكام والوصول فيها إلى الغاية تمحيصًا واستدلالًا وتعليلًا، مع حرصه على تلمس الفروق بين المسائل الفقيهة، وقد اتصف بالذكاء والفطنة، وفاق أقرانه بسرعة، وارتوى من العلوم الشرعية، وأصبح من كبار علماء المذهب الحنفي، ومن المبرزين فيه، تولّى التدريس بعد والده، وانتفع به الطلاب، من مؤلفاته: شرح القواعد الفقهية، توفي في حلب سنة ١٣٥٧ هـ. انظر ترجمته في: مقدمة شرح القواعد الفقهية (ص/ ١٧)، وتراجم ستة من فقهاء العالم الإسلامي لعبد الفتاح أبو غدة (ص/ ٨٣).\n(^٢) انظر: إعلام الموقعين (٢/ ١٢)، والقول المفيد للشوكانى (ص/ ١٢٦ - ١٢٨)، وتاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٦٥)، وتاريخ الفقه الإسلامي لبدران أبو العينين (ص/ ٩٩)، والمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢١١)، وبلوغ الأماني للدكتور الحسن العلمي (ص/ ١٧٦)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور حسين حسان (ص/ ١١٧)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٣٤٨)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ١٢٠).\n(^٣) انظر: تاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ١٥٠)، وتأريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٣٥١)، والمدخل في التعريف بالفقه للدكتور عبد المجيد مطلوب (ص/١٢٤).","vol":"2","page":701},{"text":"يقولُ الشيخُ محمدٌ الحجوي: \"فغالبُ العلماءِ مِن المائة الثامنة إلى الآن، لم يُحْفَظْ لهم كبيرُ اجتهادٍ، ولا لهم أقوالٌ تعتبرُ في المذهبِ أو في المذاهبِ، وإنَّما هم نقَّالون اشتغلوا بفتحِ ما أغلقه ابنُ الحاجب، ثم خليلٌ، وابنُ عرفة، وأهلُ القرونِ الوسطى مِن المذاهبِ الفقهيةِ\" (^١).\nويقولُ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة عن حالِ علماءِ بعضِ المذاهب بعدَ تقهقرِهم في الاجتهادِ المذهبي: \"بعد أن انقضى دورُ التخريجِ جَمَدَ الَعلماءُ على المنقولِ، لا يتجاوزونه، وامتنعوا عن التصرّفِ، وصاروا يرجّحون ما ترجِّحُ الكتبُ، ويزَيّفون ما تُزيّف، وليس لهم فكرٌ إلا في استخراجِ العلمِ مِنْ بين دِفَّاتِها ... \" (^٢).\nوازداد الأمر سوءًا مِنْ أوائلِ القرنِ العاشرِ الهجري، فـ \"الحالُ قد تبدلتْ، والمعالمُ قد تغيرتْ، وأُعْلِنَ أنَّه لا يجوز لفقيهٍ أن يختارَ ولا أن يرجّحَ، وأنَّ زَمَنَ ذلك قد فاتَ، وحِيلَ بين الناسِ، وبين كتب المتقدمين\" (^٣)، وأُصيبَت العلومُ بالانحطاطِ (^٤).\nيقولُ الشيخُ صالحٌ الفلاني (ت: ١٢١٨ هـ): \"لقد طُفتُ مِنْ أقصى المغرب، ومِنْ أقصى السودان إلى الحرمين الشريفين، فلم ألقَ أحدًا يُسأل عن نازَلةٍ، فيرجع إلى كتاب ربّ العالمين وسنةِ سيّدِ المرسلين وآثارِ الصحابةِ والتابعين، إلا ثلاثَةَ رجالٍ، وكلُّ واحدٍ منهم مقموعٌ محسودٌ، يبغضه جميعُ مَنْ في بلدِه مِن المتفقهين ... وموجِبُ العداوةِ والحسدِ تمسّكهم بالكتابِ وسنةِ إمامِ المتقين ... \" (^٥).\n_________\n(^١) الفكر السامي (٤/ ٣٩٢). وانظر: تاريخ الفقه الإسلامي لبدران أبو العينين (ص / ١٠٤).\n(^٢) الشافعي - حياته وعصره (ص/ ٣٣١).\n(^٣) تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٦٦).\n(^٤) انظر: خطط الشام لمحمد كرد علي (٤/ ٥١).\n(^٥) إيقاظ همم أولي الأبصار (ص/ ٩٢) ط/ دار الفتح.","vol":"2","page":702},{"text":"وكان غالبُ نشاطِ كثيرٍ من المتمذهبين منحصرٌ في العملِ على تحريرِ المذهبِ، والتمييزِ بين الأقوالِ الضعيفةِ والقويةِ فيه (^١).\nالأمر الثاني: ازدادَ التعصبُ المذهبي بين صفوفِ كثيرٍ مِن المتمذهبين (^٢).\nيقول الشيخُ صديقٌ حسن خان (ت: ١٣٠٧ هـ) عن ظاهرةِ التعصّبِ المذهبي في عصرِه: \"فهذا النوعُ مِن الافتراقِ في هذا العصرِ موجودٌ ومشاهدٌ بكثرةٍ في بلادِ الهندِ، لعلك شاهدتَ أنَّ المقلِّدين للمذهبِ الحنفي لا يُصَلّون خلف مَن يجهر بـ: آمين، ويرفع اليدين في مسجدٍ واحدٍ، ويحسبون المتبعَ أسوأ مِنْ المقلِّد، حتى انفصلت المساجدُ، وتباينت المذاهبُ، وتوزَّع أهلُ المذاهب إلى طوائف ... ووَصَلَ التفرقُ والخلافُ إلى حدِّ تجاوز التبديعَ إلى أن يُكفرَ بعضُهم بعضًا\" (^٣).\nويقولُ الشيخ محمد رشيد رضا (ت: ١٣٥٤ هـ) (^٤): \"بَلَغَ مِنْ إيذاءِ بعضِ المتعصبين لبعضٍ في طرابلس الشام في آخر القرنِ الثالث عشر الهجري، أنْ ذَهَبَ بعضٌ شيوخِ الشافعيةِ إلى المفتي - وهو رئيس العلماء - وقالَ له: اقسم المساجدَ بيننا وبين الحنفيةِ؛ لأنَّ فلانًا من فقهائهم يعتبرنا كأهل\n_________\n(^١) انظر: مناهج الاجتهاد في الإسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ٩٧).\n(^٢) انظر: القول المفيد للشوكاني (ص / ١٤٤)، وأدب الطلب ومنتهى الأرب له (ص/ ١٣٨، ٢٤٨)، والمدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد (١/ ١٠٧).\n(^٣) دليل الطالب على أرجح المطالب (ص/ ١٩٤).\n(^٤) هو: محمد رشيد بن علي رضا بن محمد بن محمد القلموني البغدادي الأصل الحسيني، ولد بقلمون في الشام سنة ١٢٨٢ هـ ونشأ بها، كان مائلًا إلى التزهد والتصوف، ثم رحل إلى مصر سنة ١٣١٥ هـ ولزم الأستاذ محمد عبده وتتلمذ له، وقد أصدر مجلة المنار بمصر، كان مهتمًا بالتفسير والحديث والتاريخ والأدب، من مؤلفاته: تفسير المنار، والوحي المحمدي، توفي سنة ١٣٥٤ هـ. انظر ترجمته في: الأعلام للزركلي (٦/ ١٢٦)، وإخاء أربعين سنة لشكيب أرسلان (ص/ ٢٠)، والمعاصرون لمحمد كرد علي (ص/ ٣٣٤)، ومشاهير علماء نجد للآل الشيخ (ص/ ٤٨٦)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٢٩٣)، والموسوعة الميسرة في تراجم أئمة التفسير (٣/ ٢٥٣٨).","vol":"2","page":703},{"text":"الذِّمة ... ! \" (^١).\nالأمر الثالث: تشربتْ كثيرٌ مِن النفوسِ القول بإغلاقِ باب الاجتهادِ، وازْدَادَت الحيلولةُ عنه؛ بدليل: ندرة مَنْ دعا إليه مِنْ أربابِ المذَاهب (^٢).\nالأمر الرابع: الانغلاقُ والانحباسُ في المذهب، بحيثُ لا يكادُ يَعْرِفُ بعضُ المتمذهبين غيرَ مذهبِهم؛ لأنَّهم يرون أنَّ الَحقَّ منحصرٌ فيه (^٣)، وتَبعَ ذلك إعراضُ كثيرٍ مِنهم عن النظرِ في الأدلةِ.\nوقد جعل الشيخُ عبدُ الحي اللكنوي (ت: ١٣٠٤ هـ) هذا الأمرَ عامًّا عند أربابِ المذاهبِ من الحنفيةِ والشافعيةِ والمالكيةِ والحنبليةِ (^٤).\nيقول الشيخُ محمدٌ الخضري عن الحالةِ العلميةِ في القرونِ المتأخرةِ: \"لا نسمعُ باسم عالمٍ كبيرٍ، أو فقيهٍ عظيمٍ، أو مؤلِّفٍ مجيدٍ، بلْ نَجِدُ قومًا غَلبتْ عليهم القناعةُ في الفقهِ، فقلَّما نَجِدُ مَنْ يشتغلُ بغيرِ مذهبِه، وإذا اشتغلَ بمذهبِه اقتصرَ على تلك الكتب التي اشتدَّ بها الاختصار، حتى كأنَّها ما ألفتْ لتُفْهَم! \" (^٥).\nالأمر الخامس: شيوعُ تصنيفِ المختصراتِ الفقهية، وكُتُبِ الفتاوى، وانقطاعُ الصلةِ بكتبِ المتقدمين (^٦)، وقد سبقت الإشارةُ إلى هذا الأمرِ.\n_________\n(^١) ما لا يجوز الخلاف فيه (ص/ ١٣٥)، بواسطة: المدخل إلى الشريعة والفقه للدكتور عمر الأشقر (ص/ ٣١٦).\nوانظر: المقلِّدون والأئمة الأربعة لسعيد معشاشة (ص/ ٨٢)، والمذاهب الإسلامية والتعصب لمحمد تاجا (ص / ١٦٥ - ١٦٦).\n(^٢) انظر: تاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ٢٢٧)، وتاريخ الفقه الإسلامي لبدران أبو العينين (ص/ ١٠٤)، وبلوغ الأماني للدكتور الحسن العلمي (ص/ ١٧٦)، و(ص/ ١٧٩)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور حسين حسان (ص/ ١١٥).\n(^٣) انظر: إمام الكلام للكنوي (ص/ ٣٦ - ٣٧).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (ص/ ٣٧).\n(^٥) تاريخ التشريع الإسلامي (ص/ ٣٦٦).\n(^٦) انظر: المصدر السابق (ص/ ٣٦٧)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الفتاح الشيخ (ص/ ٢٣٦)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١٨٥)، والمدخل في التعريف بالفقه للدكتور عبد المجيد مطلوب (ص/ ١٢٦)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور رمضان الشرنباصي (ص/ ٩٨).","vol":"2","page":704},{"text":"الأمر السادس: وجودُ عددٍ مِن العلماءِ الذين بيّنوا خطرَ التقليدِ المذهبي (^١).\nفقد وُجِدَ في هذه القرونِ عددٌ مِن العلماءِ الذين دَعَوْا إلى النظرِ في الأدلةِ، وترجيحِ ما يرجحه الدليلُ، دون التقيّدِ بما في المذهب، ودعوا أيضًا إلى عدمِ الجمودِ على المذاهبِ، فمِنْ هؤلاءِ: تقي الدين بن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ)، وشمسُ الدين الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ)، وشمسُ الدين بن القيم (ت: ٧٥١ هـ)، والشيخ محمد بن الوزير اليماني (ت: ٨٤٠ هـ) (^٢)، والشيخ صالح المقبلي (ت: ١١٠٨ هـ) (^٣)، والشيخ محمد المعين السندي (ت: ١١٦١ هـ) (^٤)،\n_________\n(^١) انظر: تاريخ الفقه الإسلامي لبدران أبو العينين (ص/ ١٠١)، ومناهج الاجتهاد في الإسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ٩٨)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ١٨٥)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ٢٢٦)، والفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد للدكتور عبد الله الجبوري (ص/ ٤٧)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور رمضان الشرنباصي (ص/ ٩٥).\n(^٢) انظر: القول المفيد للشوكاني (ص/ ١٣٩)، وأدب الطلب ومنتهى الأرب له (ص/ ٩٦)، والبدر الطالع له (ص/ ٦٠٢)، والمصفى في أصول الفقه لأحمد الوزير (ص/ ٨١٢).\n(^٣) انظر: العَلَم الشامخ لصالح المقبلي (ص/ ٤٤٦ - ٤٥٠)، وأدب الطلب ومنتهى الأرب للشوكاني (ص/ ٩٧)، والبدر الطالع له (ص/ ٢٩٩)، والمصفى في أصول الفقه لأحمد الوزير (ص/ ٨١٢).\nوصالح المقبلي هو: صالح بن مهدي بن علي بن عبد الله بن سليمان المَقبلي ثم الصنعاني ثم المكي، ولد بقرية مقبل سنة ١٠٤٠ هـ وقيل: ١٠٣٨، وقيل: ١٠٤٧ هـ أخذ العلم عن جماعة من كبار علماء اليمن، نشأ زيدي المذهب، واتجه إلى الاجتهاد في الشريعة دون التقيد بمذهبه، جرت بينه وبين علماء قطره مناظرات، وأوذي، وسافر بسببه إلى مكة، واستقر بها إلى أن مات، كان بارعًا فيما يتصل بعلوم الكتاب والسنة، وحقق أصول الفقه والعربية والبلاغة، وكان إذا تمسك بالدليل، فإنه لا يبالي بمن يخالفه، من مؤلفاته: العلم الشامخ في تفضيل الحق على الآباء والمشايخ، ونجاح الطالب على مختصر ابن الحاجب، والأبحاث المسددة في فنون متعددة، توفى بمكة سنة ١١٠٨ هـ. انظر ترجمته في: البدر الطالع للشوكاني (ص/ ٢٩٩)، والتاج المكلل للقنوجي (ص/ ٣٦٨)، والأعلام للزركلي (٣/ ١٩٧)، والشيخ صالح المقبلي لأحمد المليكي (ص/ ٦٠).\n(^٤) هو: محمد المعين بن محمد الأمين بن طالب الله التتوي السندي، ولد في السند، ونشأ في بيئة صالحة، وهو سليل علماء ومشايخ، دَرَسَ العلوم في بلدة تته، وأول العلماء الذين استفاد =","vol":"2","page":705},{"text":"والأمير محمد الصنعاني (ت: ١١٨٢ هـ) (^١)، والشيخ الحسين بن مهدي النُعْمي (ت: ١١٨٧ هـ) (^٢)، والشيخ صالح بن محمد الفُلاني (ت: ١٢١٨ هـ) (^٣)، والشيخ محمد الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ) (^٤)، والشيخ صديق حسن خان (ت: ١٣٠٧ هـ) - وكان شديد التأثر بالشوكاني - والشيخ نور الحسن القنوجي (ت: ١٣٣٦ هـ) (^٥).\n_________\n= منهم: والده محمد، الذي حرص على تهذيبه وتربيته وتعليمه، دَرَسَ علم الحديث عن محدث السند الحافظ محمد هاشم بن عبد الغفور السندي، وتتلمذ لشاه ولي الله الدهلوي، كان مفرط الذكاء، جيد القريحة، وقد جمع محمد المعين فنونًا عدةَ، وعرف عنه محاربته للتقليد المذهبي، وانتصاره للأخذ بالحديث، وكان متصوفًا، وفيه ميل للتشيع، ومن القائلين بإباحة السماع والغناء الصوفي، كان معاديًا لقي الدين بن تيمية، بل من القائلين بتكفيره! من مؤلفاته: تحفة الكرام، ومقالات الشعراء، ودراسات اللبيب في الأسوة بالحبيب، وطريقة العون في حقيقة الكون، توفي سنة ١١٦١ هـ في حالة سماع وتواجد. انظر ترجمته في: نزهة الخواطر لعبد الحي الحسني (٦/ ٨٣٧)، وكلمة عن دراسات اللبيب لمحمد النعماني (ص/ ٥٦٥).\n(^١) انظر: أدب الطلب ومنتهى الأرب للشوكاني (ص/ ٩٧)، والبدر الطالع له (ص/ ٦٥٠)، والمصفى في أصول الفقه لأحمد الوزير (ص/ ٨١٢).\n(^٢) انظر: معارج الألباب (١/ ٤١٠)، و(٢/ ٥١١). والشيخ الحسين النعمي هو: الحسين بن مهدي بن عز الدين بن علي بن الحسن النُعْمي التهامي ثم اليمني، أبو محمد، ولد بصبيا سنة ١١٣٩ هـ ولما قارب سن التكليف رحل إلى صنعاء، وشغف بالعلم منذ صغره، فجد واجتهد، وأقبل عليه إقبالًا كبيرًا، ونال منه منالًا وافرًا جسيمًا، وقد برع في العلوم العقلية والنقلية، ورحل إليه الطلبة من أقاصي البلدان، وفاق أقرانه، وأضحى عظيم الشأن، كان سلفي المعتقد، ناصرًا للسنة، من مؤلفاته: مدارج العبور على مفاسد القبور، ومعارج الألباب في مناهج الحق والصواب، والنجم الزاهر في تحقيق الانتساب إلى طريق الآل الأطاهر، والجواب على الطليعة في فضل الشيعة، توفي سنة ١١٨٧ هـ. انظر ترجمته في: خلاصة العسجد للبهلكي (ص/ ٢٨٢)، وهجر العلم ومعاقله في اليمن للأكوع (٢/ ٦٣٩)، ومقدمة معارج الألباب (ص/ ١٧) ط/ الفقي، ومقدمة تحقيق معارج الألباب (١/ ٤١).\n(^٣) انظر: إيقاظ همم أولي الأبصار (ص/ ١٠٧) ط/ دار الفتح.\n(^٤) انظر: البدر الطالع (ص / ٦٠٣)، وأدب الطلب (ص/ ٨٨ - ٨٩)، والمصفى في أصول الفقه لأحمد الوزير (ص/ ٨١٢)، والإمام الشوكاني - حياته وفكره للدكتور عبد الغني الشرجي (ص/ ٢٨٠)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ١٣٤).\n(^٥) هو: نور بن حسن بن علي الحسيني البخاري القنوجي، أبو الخير، ولد ببهوبال سنة ١٢٧٨ هـ=","vol":"2","page":706},{"text":"وهؤلاءِ متفاوتون في موقفِهم مِن المذاهبِ أو مِن التمذهبِ، فبعضُهم حاربَ التقليدَ المذهبي مِن القادرِ على الاستدلالِ، ومنهم مَن حاربَ التمذهبَ على سبيلِ العمومِ.\nويدلُّ على وجودِ ظاهرةِ منافرةِ التقليدِ للمذاهبِ: ما قاله الشيخُ عبدُ الله بن محمد بن عبد الوهاب (ت: ١٢٤٢ هـ): \"بعضُ إخوانِنا في هذا الزمانِ، إذا خالفه بعضُ إخوانِه في مسألةٍ يسوغُ فيها الاجتهادُ، نَسَبَه إلى التقليدِ، أو ذَكَرَ له كلامَ بعضِ الفقهاء، تغيَّر وجهُه، وقال: هؤلاءِ المقلِّدة وأهل الرأي المتمذهبة\" (^١).\nالأمر السابع: ظهورُ عددٍ مِن الدعواتِ في العالم الإسلامي، ينادي كثيرٌ منها بالعودةِ إلى الكتاب والسنةِ (^٢)، ومِنْ أهمّها: دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ت: ١٢٠٦ هـ)، وَأتباعُ هذه الدعوةِ متمذهبون بالمذهبِ الحنبلي، دونَ تعصبٍ له، فمتى لاح الدليلُ لقولٍ أخذوا به، مع تأثرهم باختياراتِ تقي الدين بن تيمية، وتلميذه ابنِ القيم (^٣).\nالأمر الثامن: صدورُ (مجلة الأحكام العدلية)، ذات الصفة القانونية (^٤).\n_________\n= كان عالمًا صالحًا ومحدثًا سنيًا، قرأ مختصراتٍ كثيرة في علوم الآلة، وله عناية تامة بالعمل بما في الأمهات الحديثية، مع اطراحه للتقليد، وكان من نوادر الرجال في الجود والكرم، ورقة الشعور، ودماثة الخلق، من مؤلفاته: الطريقة المثلى في ترك التقليد واتباع ما هو أولى، والنهج المقبول من شرائع الرسول، توفي بمدينة لكنهو سنة ١٣٣٦ هـ. انظر ترجمته في: التاج المكلل للقنوجي (ص/ ٥٢٩)، وأبجد العلوم له (ص/ ٧٣٠)، ونزهة الخواطر لعبد الحي الحسني (٨/ ١٣٩٥).\n(^١) نقل كلامَ الشيخ عبد الله بن محمد ابنُ قاسم في: الدرر السنية (٤/ ٣٩٠). وانظر: الاجتهاد في الفقه الإسلامي لعبد السلام السليماني (ص/ ٣٢٤ - ٣٢٥).\n(^٢) انظر: ومضات فكر لمحمد الفاضل بن عاشور (ص/ ١٥٢)، وتاريخ الفقه الإسلامي لإلياس دردور (٢/ ١٣٣٢).\n(^٣) انظر: التمذهب دراسة تأصيلية واقعية للدكتور عبد الرحمن الجبرين، مجلة البحوث الإسلامية، العدد: ٨٦ (ص/ ١٦٤ - ١٦٥).\n(^٤) انظر: المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٢٥)، وومضات فكر لمحمد الفاضل =","vol":"2","page":707},{"text":"صدر في أواخر القرن الثالث عشر الهجري عام (١٢٦٨ هـ) مِنْ لجنةٍ علميةٍ مجلةٌ عُرِفَتْ باسم: (مجلة الأحكام العدلية)، منتقاة مِنْ قسمِ المعاملاتِ مِنْ فقهِ المذهب الحنفي (^١)، ورُتبَت مباحثُها على الكتب والأبوابِ الفقهية المعهودةِ، لكنَها فصلت الأحكامَ بمواد متسلسلةٍ؛ ليسهلَ الرجوعُ إليها، وقد أخذ القائمون عليها ببعضِ الأقوالِ المرجوحةِ في المذهبِ الحنفي؛ لأمورٍ تقتضي العملَ بها، كالمصلحةِ ونحوِها (^٢).\n* * *\n_________\n= ابن عاشور (ص/ ١٥١)، وتاريخ الفقه الإسلامي لبدران أبو العينين (ص/ ١٠٤)، والشريعة الإسلامية - تاريخها له (ص/ ١٥٨)، والمدخل في الفقه الإسلامي للدكتور محمد شلبي (ص/ ١٥٨)، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور محمد مدكور (ص/ ١٠٩)، والمدخل في التعريف بالفقه للدكتور عبد المجيد مطلوب (ص/ ١٢٩)، والمدخل للتشريع الإسلامي للدكتور محمد النبهان (ص/ ٣٥٠)، والاجتهاد في الفقه الإسلامي لعبد السلام السليماني (ص/ ٣٣٠)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ١٤٧)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد حسين (ص/ ١٥٧)، وتاريخ التشريع للدكتور محمود عثمان (ص/ ٣٠١)، والمدخل إلى الشريحة والفقه للدكتور عمر الأشقر (ص/ ٣٥٢)، وتاريخ التشريع للدكتور أحمد العليان (ص/ ٢٨٨)، والمنهج الفقهي العام لعلماء الحنابلة للدكتور عبد الملك بن دهيش (ص/ ٢٥)، وتاريخ الفقه الإسلامي لإلياس دردور (٢/ ١٢٦٠)، ومنهج البحث والفتوى لمصطفى الطرابلسي (ص/ ٣٧).\nوللتوسع في معرفة ما يتعلق بمجلة الأحكام العدلية، انظر: المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٣٨ وما بعدها)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص / ٤٣٠)، ودراسة موجزة عن مجلة الأحكام العدلية للدكتور شامل شاهين (ص/ ١١ - ٨٧)، ومجلة الأحكام العدلية - مصادرها وأثرها للدكتور سامر القبَّج (ص/ ٤٧ وما بعدها)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور شوقي الساهي (ص/ ١٣٥)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي لمحمد محجوبي (ص/ ٢٥١)، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور حسن الشاذلي (ص/ ٣٥٩)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (٢/ ٧ وما بعدها)، ومسيرة الفقه الإسلامي المعاصر للدكتور شويش المحاميد (ص/ ٤٦٤ وما بعدها).\n(^١) انظر: المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٢٦).\n(^٢) انظر: المصدر السابق.","vol":"2","page":708},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>المطلب الرابع: التمذهب من منتصف القرن الرابع عشر الهجري إلى العصر الحاضر</span>\nلم يختلفْ حالُ الناسِ مِنْ حيثُ التمسكُ بالمذاهب في منتصفِ القرنِ الرابع عشر الهجري عمَّا سبق، فالعكوفُ على المذاهبَ، واكتفاءُ أربابِها بمذهبِهم كانت الصورةَ المهيمنةَ على الحالةِ العلميةِ، وقدَ ظَهَرَ لي أنَّ اهتمامَ كثيرٍ مِنْ المتمذهبين منصّبٌ على الفروعِ وتقريرِها، وكان هذا الاهتمامُ على حسابِ اهتمامِهم بأصولِ الفقهِ.\nإضافةً إلى استمرارِ التعصبِ المذهبي في صفوفِ كثيرين مِنْ أربابِ المذاهبِ، وقد بيَّن الشيخُ عليٌّ بن حسن القنوجي (توفي قريبًا من منتصف القرن الرابع عشر) (^١) أنَّ حالَ الناسِ في غالبِ الأقاليمِ في زمنِه على الأخذِ بما قاله إمامُ المذهب، بل إنَّ بعضَهم يعدُّ مَنْ خالفه خارجًا عن الشريعة المطهرة! (^٢).\nوقد ذَكَرَ الشيخُ محمد الطاهر بن عاشور (ت: ١٣٩٤ هـ) أنَّ أحدَ\n_________\n(^١) هو: علي بن حسن بن علي الحسيني البخاري القنوجي، أبو النصر، ولد ببهوبال سنة ١٢٨٣ هـ ونشأ في مسقط رأسه، وقرأ مختصرات في علوم الآلة، وأخذ عن جماعةٍ من أعيان بلده، كان مهتمًا بعلم الحديث، بارعًا في الشعر الفارسي والهندي، قال عنه والده الشيخ صديق: \"هو أحبُّ أولادي إلي، وإنْ كان قليل الاعتناء بالعلم، وبما لديَّ، لكن أرجو ربي أنْ يجعله من أهل العلم\"، من مؤلفاته: الإقليد في رد التقليد، وله حواشٍ على مؤلفات أبيه، لم أقف على تاريخ وفاته، والذي يظهر لي أنه توفي قريبًا من منتصف القرن الرابع عشر الهجري.\nانظر ترجمته في: التاج المكلل لصديق القنوجي (ص/ ٥٣١)، وأبجد العلوم له (ص/ ٧٣١).\n(^٢) انظر: القول السديد في أدلة الاجتهاد والتقليد (ص/ ٦٣).","vol":"2","page":709},{"text":"المالكيةِ في زمنِه قَبَضَ يديه في الصلاةِ، فأفتى العلماءُ بتضليلِه! وطلبوا مِنْ أميرِ بلادِهم أنْ يسجنَه أو يقتلَه! (^١).\nإلا أنَّ ما ذكرتُه آنفًا عن الحالةِ العلميةِ قد بَدَأَ بالاختلافِ مِنْ منتصفِ القرنِ الرابع عشر الهجري تقريبًا؛ إذ ظَهَرَتْ كتابات لا تنحصرُ في مذهبٍ فقهيّ معيّنٍ، بلْ تستفيدُ ممَّا عند المذاهبِ الأخرى، دون أنْ تدعو إلى محاربةِ المذاهبِ، أو إلى تركِها، فانقلبَ الأمرُ عمَّا كان عليه مِنْ قبل (^٢).\nوقد وُجِدَتْ في العصرِ الحاضرِ دعوات تُحذِّرُ مِن المذاهب، وأخرى تُحذِّرُ مِن التقليدِ المذهبي، ومِن الإعراضِ عن الأدلةِ.\nوقد بَرَزَ في منتصفِ القرنِ الرابع عشر، والقرنِ الخامس عشر الهجريين عددٌ مِن المتمذهبين البارعين في مذاهبهم، منهم: الشيخ عبد الله العنقري (ت: ١٣٧٣ هـ) (^٣)، والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (ت: ١٣٨٩ هـ) (^٤)،\n_________\n(^١) انظر: أليس الصبح بقريب (ص/ ١٨٠).\n(^٢) انظر: الاجتهاد في الشريعة الإسلامية لعلي الخفيف (ص/ ٢٢٩) ضمن بحوث الاجتهاد في الشريعة، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ١٠٦).\n(^٣) هو: عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن محمد العنقري التميمي النجدي، أبو عبد العزيز، ولد في ثرمداء سنة ١٢٨٧ هـ وقيل: ١٢٩٠ هـ كان عالمًا نجيبًا فاضلًا، فقيهًا حنبلبًا، محققًا مدققًا، من كبار علماء عصره، تميز بقوة الحافظة، ويقظة الذهن، والذكاء والصبر على التعلم، انتهى إليه التدريس في إقليم سدير، وتخرج به كثير من الطلبة، وتولى القضاء بأمر الملك عبد العزيز آل سعود، من مؤلفاته: حاشية الروض المربع، والتعليقات على النونية لابن القيم، وملخص الفواكه العديدة، توفي سنة ١٣٧٣ هـ. انظر ترجمته في: تراجم لمتأخري الحنابلة لابن حمدان (ص/ ١١٤)، ومشاهير علماء نجد لآل الشيخ (ص/ ٣٨١)، وعلماء نجد لابن بسام (٤/ ٢٦٥)، وتسهيل السابلة لابن عثيمين (٣/ ١٨٢٥).\n(^٤) هو: محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، ولد في الرياض سنة ١٣١١ هـ كان رئيس القضاة، ومفتي الديار السعودية، فقيهًا حنبليًا قويًا في الحق، له المكانة الكبيرة في نفوس الناس، تخرج به عدد كبير من العلماء والمفتين، له مشاركة في عدد من العلوم، وقد جمعت فتاوى الشيخ محمد ورسائله بعد وفاته، توفي بالرياض سنة ١٣٨٩ هـ. انظر ترجمته في: مشاهير علماء نجد لآل الشيخ (ص / ١٦٩)، والأعلام للزركلي =","vol":"2","page":710},{"text":"والشيخ عبد الرحمن السعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) (^١)، والشيخ عيسى منون (ت: ١٣٧٦ هـ) (^٢)، والشيخ محمد الطاهر بن عاشور (ت: ١٣٩٤ هـ).\nوقد بَرَزَتْ في هذين القرنينِ أمورٌ، منها:\nالأمر الأول: بدءُ انحسارِ الصبغةِ المذهبيةِ القاتمةِ التي كانت مهيمنةً على الحياةِ العلميةِ في القرونِ السابقةِ تدريجيًا بعدَ منتصفِ القرنِ الرابع عشر الهجري تقريبًا في كثيرٍ من الأقاليمِ والأقطارِ.\n_________\n= (٥/ ٣٠٦)، وروضة الناظرين للقاضي (٢/ ٣١٦)، وعلماء نجد لابن بسام (١/ ٢٤٢)، ومقدمة فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم لابن قاسم (١/ ٩)، وتحفة الإخوان للشيخ ابن باز (ص/ ٤٩)، وتراجم ستة من فقهاء العالم الإسلامي لعبد الفتاح أبو غدة (ص/ ٢٥٥).\n(^١) هو: عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ولد بعنيزة سنة ١٣٠٧ هـ كان من كبار فقهاء الحنابلة في وقته، علامةً فقيهًا أصوليًا بارعًا، جليل القدر محققًا، كريم الخلق زاهدًا ورعًا، وقد صنف كتبًا في الفقه والأصول والقواعد والتفسير، وجلس للتدريس وعمره ثلاث وعشرون سنة، وكان يُعلم ويتعلم، وفي سنة ١٣٥٠ هـ انتهت إليه رئاسة العلم في القصيم، واشتهر أمره، وارتفع قدره، من مؤلفاته: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ومنهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين، والفروق والتقاسيم البديعة النافعة، ومنظومة في القواعد الفقهية، توفي سنة ١٣٧٦ هـ. انظر ترجمته في: الأعلام للزركلي (٣/ ٣٤٠). ومشاهير علماء نجد لآل الشيخ (ص/ ٣٩٢)، وعلماء نجد لابن بسام (٣/ ٢١٨)، وروضة الناظرين للقاضي (١/ ٢٢٠).\n(^٢) انظر: المدخل إلى مذهب الإمام الشافعي للدكتور أكرم القواسمي (ص/ ٤٩٦). والشيخ عيسى منون هو: عيسى منون الشامي ثم المصري، ولد في بلدة عين كارم من ضواحي بيت المقدس سنة ١٣٠٨ هـ وقيل: ١٣٠٦ هـ تلقى مبادئ العلوم في بلده، وفي سنة ١٣٢٢ هـ سافر إلى مصر، فدرس في الجامع الأزهر على أيدي كبار العلماء، كان شافعي المذهب، علامةً فقيهًا أصوليًا محققًا، له شهرة عالية في تمكنه في علم أصول الفقه، وقد تولى التدريس عدة سنوات، ونال عضوية هيئة كبار العلماء سنة ١٩٣٩ م، وفي سنة ١٩٤٤ م اختير عميدًا لكلية أصول الدين، وفي سنة ١٩٤٦ م عُين شيخًا لكلية الشريعة، وقد عكف الشيخ في بيته بعد تقاعده على كتبه ومكتبة العامرة، من مؤلفاته: نبراس العقول في تحقيق القياس عند علماء الأصول - واستحق به عضوية كبار العلماء - ومحاضرات في التوحيد وأصول الفقه، ورسالة في مناسك الحج، توفي سنة ١٣٧٦ هـ. انظر ترجمته في: الفتح المبين للمراغي (٣/ ٢٠٩)، وتراجم ستة من فقهاء العالم الإسلامي لعبد الفتاح أبو غدة (ص/ ٢١٧).","vol":"2","page":711},{"text":"الأمر الثاني: استمرارُ التعصبِ المذهبي في بعضِ الأقطارِ والأقاليمِ إلى أواخرِ القرنِ الرابع عشر الهجري تقريبًا (^١).\nثمَّ بعد هذا أَسْفَرَ نورُ انقشاعِ التعصبِ المذهبي بين صفوفِ أرباب المذاهبِ في الجملةِ في أواخر القرنِ الرابع عشر الهجري تقريبًا إلى العصَرِ الحاضرِ (^٢).\nيقول الشيخُ محمدٌ أبو زهرة (ت: ١٣٩٤ هـ) عن التعصبِ المذهبي: \"لا زالَ إلى الآن أثارةٌ قليلةٌ مِن التعصب بين أهلِ المذاهب، نرجو أنْ تزيلَها سعةُ العقول والأفهامِ\" (^٣).\nويقول الشيخُ مصطفى الزرقا (ت: ١٤٢٠ هـ) عن التعصبِ المذهبي: \"فهو - بحمد الله - في هذا العصرِ آخذٌ في الاضمحلال؛ إذ أصبحَ الانفتاحُ على المذاهبِ جميعًا مِنْ سماتِ الفقيه المعاصر\" (^٤).\nالأمر الثالث: ضعفُ الاهتمامِ بعلمِ أصول الفقهِ في غالب عقودِ القرنِ الرابع عشر الهجري، ثم بدء الاهتمامِ به في العصرِ الحاضرِ، وظهور كتاباتٍ أصوليةٍ متخصصةٍ.\nالأمر الرابع: وجودُ المحافلِ العلميةِ، والمجامعِ الفقهيةِ التي يُعْنى\n_________\n(^١) انظر: النوازل الجديدة الكبرى للوزاني (١/ ٣١٦ - ٣١٧، ٣٢٤ وما بعدها)، والانحرافات العقدية والعلمية لعلي الزهراني (ص/ ٧٠٠).\n(^٢) انظر: تاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد حسين (ص/ ١٥٤)، والفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد للدكتور عبد الله الجبوري (ص/ ٤٧)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الفتاح الشيخ (ص/ ٢٣٨)، ومقدمة تحقيق إرشاد المقلدين للشنقيطي (ص/ ٥٣)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ١٣٨)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد حسين (ص/ ١٥٤)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ١٥٣)، والمدخل في التعريف بالفقه للدكتور عبد المجيد مطلوب (ص/ ١٢٩).\n(^٣) تاريخ الجدل (ص/ ٢٩٩). وقارن بالمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٥٢)، والمذاهب الاجتهادية لمحمود بزال (ص/ ٥٤ - ٦١).\n(^٤) فتاوى مصطفى الزرقا (ص/ ٣٧٠).","vol":"2","page":712},{"text":"القائمون عليها بالنظرِ في النوازلِ التي تنزل بالمسلمين؛ لمعالجتِها في ضوءِ الأدلةِ الشرعيةِ، مع عدمِ إغفالِهم لما دوّنه فقهاءُ المذاهبِ الفقهيةِ (^١).\nوقد بَرَزت في هذه المجامع ظاهرةُ الاجتهادِ الجماعي، فَفُتِحَ بذلك بابُ الاجتهادِ في الشريعة الإسلامية (^٢).\nوقد عدَّ الشيخُ مصطفى الزرقا التقاءَ العلماءِ في هذه المحافلِ لدراسةِ النوازلِ بعثًا للاجتهادِ مِنْ مرقدِه في صورةِ جماعيةٍ (^٣).\nوقد تحقّقَ في هذه المجامعِ توثيقُ الصلةِ بين أربابِ المذاهبِ،\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (ص/ ٣٧٣)، والمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٤٨)، والفقه الإسلامي ومدارسه له (ص/ ١١٣ - ١١٥)، والاجتهاد في الشريعة الإسلامية لعلي الخفيف (ص/ ٢٣١) ضمن بحوث الاجتهاد في الشريعة، والوجيز في أصول الفقه للدكتور محمد الزحيلي (ص/ ٣٠٩)، وأمالي الدلالات لابن بيه (ص/ ٣١٦)، ومنهج الإفتاء عند ابن القيم لأسامة الأشقر (ص/ ٩١)، وبحوث مقارنة للدكتور فتحي الدريني (١/ ٦٩)، والاجتهاد في الفقه الإسلامي لعبد السلام السليماني (ص/ ٣٤٠)، والفتوى - نشأتها وتطورها للدكتور حسين الملاح (ص/ ٣٩٢)، والفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد للدكتور عبد الله الجبوري (ص/ ٤٨)، وتاريخ التشريع الإسلامي لمناع القطان (ص/ ٤٠٥)، والمدخل إلى مذهب الإمام الشافعي للدكتور أكرم القواسمي (ص/ ٤٨٠ وما بعدها)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الفتاح الشيخ (ص/ ٢٤٢)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ١٣٩)، وبلوغ الأماني للدكتور الحسن العلمي (ص/ ١٨١)، وتاريخ التشريع للدكتور محمود عثمان (ص/ ٣٠٥)، وتاريخ التشريع للدكتور أحمد العليان (ص/ ٢٩١)، والمدخل إلى الشريعة والفقه للدكتور عمر الأشقر (ص/ ٣٦٤ وما بعدها)، والمدخل الفقهي للدكتور خليفة با بكر وزميليه (ص/٣٥٨)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (٢/ ١١٦ وما بعدها)، ومسيرة الفقه الإسلامي المعاصر للدكتور شويش المحاميد (ص/ ٣٤٠ وما بعدها)، والمدخل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة للدكتور أحمد حوى (ص/ ١٠٩)، وتاريخ الفقه الإسلامي لإلياس دردور (٢/ ١٢٨٥)، ومنهج البحث والفتوى لمصطفى الطرابلسي (ص/٣٩).\n(^٢) انظر: الوجيز في أصول الفقه للدكتور محمد الزحيلي (ص/ ٣٠٨)، والمدخل إلى مذهب الإمام الشافعي للدكتور أكرم القواسمي (ص/ ٤٧٩)، وتاريخ التشريع الإسلامي لمناع القطان (ص/ ٤٢٢)، والاجتهاد الفقهي الحديث للدكتور وهبة الزحيلي (٤/ ٨٠) ضمن موسوعة الفقه الإسلامي المعاصر.\n(^٣) انظر: المدخل الفقهي العام (١/ ٢٥١).","vol":"2","page":713},{"text":"واطلاعهم على ما لدى غيرِهم، والاهتمامُ بمذاهبِ المجتهدين ممَّنْ دُوّنتْ أقوالهم، واندرست مذاهبُهم (^١).\nويلتحقُ بالأمرِ الرابعِ: الندواتُ واللقاءاتُ العلميةُ التي تُنَاقشُ موضوعاتٍ فقهيةً وأصوليةً (^٢).\nالأمر الخامس: طُبِعَ في الوقتِ الحاضرِ كثيرٌ مِنْ كتب أصولِ الفقهِ والفقهِ والقواعدِ والضوابطِ الفقهية، وقد طُبعَ عددٌ منها على أُسسٍ ومناهج علميةٍ (^٣).\nفأصبح بذلك أمامَ الدارسِ للمذهب الواحدِ عددٌ مِنْ المؤلفاتِ المذهبيةِ المختلفةِ في مناهجِها (^٤).\nالأمر السادس: الغالبُ في الدراساتِ التي تُعْنى بالفقه وأصولِه عدمُ انطوائِها تحتَ مسمَّى مذهبٍ بعينِه (^٥)، وإنْ كانت تعتمدُ على الكتبِ المذهبيةِ المتنوعةِ.\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (١/ ٢٥٢)، والفقه الإسلامي ومدارسه لمصطفى الزرقا (ص/ ١٢٠)، والوجيز في أصول الفقه للدكتور محمد الزحيلي (ص/ ٣٠٨)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ١١٤).\n(^٢) انظر: المدخل للفقه الإسلامي للدكتور حسن الشاذلي (ص/ ٣٦٨)، والمدخل الفقهي للدكتور خليفة با بكر وزميليه (ص/ ٣٦٢)، والمدخل إلى الشريعة والفقه للدكتور عمر الأشقر (ص/ ٣٦٧)، وتاريخ التشريع للدكتور محمود عثمان (ص/ ٣١٠)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (٢/ ١٢٦).\n(^٣) انظر: المدخل إلى مذهب الإمام الشافعي للدكتور أكرم القواسمي (ص/ ٤٨٦ - ٤٨٨)، وتاريخ التشريع للدكتور محمود عثمان (ص/ ٣١٠)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (٢/ ١٠٥)، والمدخل إلى الشريعة والفقه للدكتور عمر الأشقر (ص/ ٣٤٩)، ومسيرة الفقه الإسلامي المعاصر للدكتور شويش المحاميد (ص/ ١٦٣ وما بعدها).\n(^٤) انظر: تاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٥٠٩ - ٥١٠).\n(^٥) انظر: تاريخ التشريع للدكتور عبد الفتاح الشيخ (ص/ ٢٣٩)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد حسين (ص/ ١٥٥)، وتاريخ التشريع للدكتور محمود عثمان (ص/ ٣١٠)، والمدخل في التعريف بالفقه للدكتور عبد المجيد مطلوب (ص/ ١٣١)، والمدخل الفقهي للدكتور خليفة با بكر وزميليه (ص/ ٣٥٧).","vol":"2","page":714},{"text":"فقد كَثُرَتْ في نهايةِ القرنِ الرابع عشر الهجري إلى وقتنِا الحاضر الدراساتُ العلميةُ المتخصصةُ التي لا تقتصرُ على مذهب فقهيٍّ واحدٍ، بلْ تستفيدُ مِنْ كافّةِ المذاهبِ المتبوعة (^١) - سواء ما كان منهًا مقدمًا لنيلِ درجةٍ علميةٍ، أو ما كان منها منشورًا في مجلةٍ علميةٍ محكمةٍ (^٢) - وحصَلَ بسببِ هذا ازدهارٌ للدراساتِ الأصوليةِ والفقهيةِ.\nوممَّا ظَهَرَ في العصرِ الحاضرِ: كتابةُ الفقهِ على طريقةِ النظرياتِ (^٣)، فقد عُني بعضُ المعاصرين بالكتابةِ في موضوعاتٍ فقهيةٍ محددةٍ، وعرضها بطريقةٍ مرتبةٍ، بحيثُ يكون للموضوعِ شروطٌ وأركانٌ وأحكامٌ عامة (^٤)، ويقرر المؤلِّفُ في النظريةِ ما يراه راجحًا، دون تقيّدٍ بمذهبِه (^٥).\nوقد اطَّرَحَتْ كثيرٌ مِن المؤلفاتِ الفقهيةِ والأصوليةِ المعاصرة التعقيداتِ اللفظيةَ، ووشاحَ التعصبِ المذهبي (^٦)، والاكتفاءَ بالمذهبِ، وبَرَزَ الاهتمامُ بالموازنةِ بين المذاهبِ الفقهية؛ بُغْيَةَ الترجيحِ بينها في ضوءِ\n_________\n(^١) انظر: المدخل للفقه الإسلامي للدكتور محمد مدكور (ص/ ١٠٥)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٥٠٨)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور رمضان الشرنباصي (ص/ ١٠٢)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (٢/ ١٠٦).\n(^٢) انظر: مسيرة الفقه الإسلامي المعاصر للدكتور شويش المحاميد (ص/ ٢١٤).\n(^٣) النظريات: هي المفاهيم الكبرى التي يُؤلف كلّ منها على حدة نظامًا حقوقيًا موضوعيًا، منبثًا في الفقه، ومتحكمًا في كل ما يتصل بموضوعه، كنظرية العقد والملكية. انظر: التنظير الفقهي للدكتور جمال عطية (ص/ ٩)، والقواعد الفقهية للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ١٤٣ وما بعدها)، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور محمد مدكور (ص/ ١٨٧)، والمدخل إلى الشريعة والفقه للدكتور عمر الأشقر (ص/ ٣٦٠)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (٢/ ١٠٩).\n(^٤) انظر: المصادر السابقة، والفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد للدكتور عبد الله الجبوري (ص/ ١٤٧)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور رمضان الشرنباصي (ص/ ١٠٤)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور ناصر الطريفي (ص/ ١٧٢).\n(^٥) انظر: تاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ١١٤).\n(^٦) انظر: المدخل في الفقه الإسلامي للدكتور محمد شلبي (ص/ ١٥٦)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور شوقي الساهي (ص/ ١٤٥)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور رمضان الشرنباصي (ص/ ١٠٢)، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور حسن الشاذلي =","vol":"2","page":715},{"text":"الأدلةِ (^١).\nالأمر السابع: عملتْ بعضُ الهيئاتِ العلميةِ في العصرِ الحاضرِ على إصدارِ موسوعةٍ فقهيةٍ وأخرى أصولية مستمدةٍ من المذاهب الفقهيةِ، وقد تمّتْ بعضُ هذه الموسوعات (^٢).\n_________\n= (ص/ ٣٦٣)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (٢/ ١٠٦)، والتمذهب دراسة تأصيلية واقعية للدكتور عبد الرحمن الجبرين، مجلة البحوث الإسلامية، العدد: ٨٦ (ص/ ١٦٥).\n(^١) انظر: المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٥٢)، والفقه الإسلامي ومدارسه له (ص/ ١٢٠)، والوجيز في أصول الفقه للدكتور محمد الزحيلي (ص/ ٣٠٨)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ١٠٦)، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور محمد مدكور (ص/ ١٠٣)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ٢٠٣)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ١٣٨)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد حسين (ص/ ١٥٥)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ١٥٣)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور شوقي الساهي (ص/ ١٤٢)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور رمضان الشرنباصي (ص/ ١٠٣)، والمدخل في التعريف بالفقه للدكتور عبد المجيد مطلوب (ص/ ١٣١)، والمدخل الفقهي للدكتور خليفة با بكر وزميليه (ص/ ٣٥٧)، ومسيرة الفقه الإسلامي المعاصر للدكتور شويش المحاميد (ص/ ٥٠٦).\n(^٢) انظر: المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٥٤ - ٢٥٥)، والفقه الإسلامي ومدارسه له (ص/ ١٣٣ - ١٣٤)، وفتاوى مصطفى الزرقا (ص / ٣٧٠)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الفتاح الشيخ (ص/ ٢٤٢)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٤٧٩ وما بعدها)، وأمالي الدلالات لابن بيه (ص/ ٣١٦)، والفتوى - نشأتها وتطورها للدكتور حسين الملاح (ص/ ٣٩١)، وتاريخ التشريع الإسلامي لمناع القطان (ص/ ٤٠٦ وما بعدها)، والمدخل إلى مذهب الإمام الشافعي للدكتور أكرم القواسمي (ص/ ٤٨٨ - ٤٩٠)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ١٤٠ - ١٤٢)، وبلوغ الأماني للدكتور الحسن العلمي (ص/ ١٨٢)، وتاريخ التشريع للدكتور محمود عثمان (ص/ ٣٠٧)، وتاريخ التشريع للدكتور أحمد العليان (ص/ ٢٩٤)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور ناصر الطريفي (ص/ ١٧٤)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ١٦١)، و(٢/ ٦٩)، والمدخل إلى الشريعة والفقه للدكتور عمر الأشقر (ص/ ٣٥٧)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور شوقي الساهي (ص/ ١٤٧ وما بعدها)، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور حسن الشاذلي (ص/ ٣٦٥)، والمدخل الفقهي للدكتور خليفة با بكر وزميليه (ص/ ٣٥٩ - ٣٦١)، ومسيرة الفقه الإسلامي المعاصر للدكتور شويش المحاميد (ص/ ٥٩١)، وتاريخ الفقه الإسلامي لإلياس دردور (٢/ ١٢٦٨)، ومنهج البحث والفتوى لمصطفى الطرابلسى (ص/ ٣٨).","vol":"2","page":716},{"text":"وكتابة الموسوعاتِ الفقهية والأصولية نمطٌ تجديدي في مجالِ الدراساتِ الفقهيةِ والأصوليةِ للمذاهب (^١).\nالأمر الثامن: وُجِدَ في منتصفِ القرن الرابع عشر، والقرن الخامس عشر الهجريين عددٌ مِن العلماءِ الذين عُرفوا بالتحذير من التمذهب، ومن التقليدِ المذهبي الصِرفِ، والدعوةِ إلى النظرِ في الأدلةِ دونَ التقيّد بمذهبٍ بعينِه، منهم: الشيخ محمد سلطان المعصومي (ت: ١٣٨٠ هـ)، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ)، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني (ت: ١٤٢٠) (^٢)، والشيخ أحمد الوزير (كان حيًّا سنة ١٤١٧ هـ) (^٣).\nوهم متفاوتون في درجةِ التحذيرِ، فقد يُحَذِّرُ أحدُهم من التقليدِ المذهبي أو مِن الالتزامِ التامِّ بالمذهب مع الإعراض عن الأدلة، دونَ محاربةٍ للمذاهبِ والانتسابِ إليها، وقد يُعَمّمُ آخرون، فيحاربون المذاهبَ؛ بحجّةِ مخالفةِ عددٍ مِنْ أربابِها للأدلة وإعراضِهم عنها.\nوقد وُجِدَت في عصرِنا الحاضر فئتان ممّن تناهض التمذهب:\nالفئة الأولى: تُحَارِبُ التمذهبَ، وتنتصرُ للأخذِ بالحديثِ، ويجعلون المذهبَ الفقهيَّ مصادمًا لاتباعِ الدليلِ.\n_________\n(^١) انظر: الاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ١٩٦).\n(^٢) انظر: السلفية لعمرو سليم (ص/ ٩٣)، والتمذهب دراسة تأصيلية واقعية للدكتور عبد الرحمن الجبرين، مجلة البحوث الإسلامية، العدد: ٨٦ (ص/ ١٦٦).\nوسار جمعٌ من المعاصرين في التحذير من التمذهب - منهم: المعتدل، ومنهم: المبالغ - فمن هؤلاء: مقبل بن هادي الوادعي في: تحفة المجيب (ص/ ١٢٠)، والأستاذُ محمد عيد عباسي في: بدعة التعصب المذهبي (ص/ ٨٨)، وسعيدُ معشاشة في: المقلدون والأئمة الأربعة (ص/ ١٤)، وغالبُ تلامذة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني.\nوبعض تلاميذ الشيخ الألباني، مع تحذيرهم من التمذهب، فإنهم ينتصرون لأقوال الشيخ الألباني، كما ينتصر المتمذهبون لأقوال إمامهم، ويعترضون على مخالفيه، فكانهم وقعوا فيما حذر الشيخُ الألباني منه.\n(^٣) انظر: المصفى في أصول الفقه (ص/ ٤٤).","vol":"2","page":717},{"text":"الفئة الثانية: تُحَارِبُ التمذهبَ والأخذَ مِن الكتبِ التراثيةِ عمومًا، وتدعو إلى الاجتهاد المطلق مِنْ كلِّ قيدٍ، مع ضعفٍ فيها في العلمِ الشرعي، وتمجيدٍ للعقلِ البشري (^١).\nالأمر التاسع: مع كل ما سبق بيانُه عن العصر الحاضر، فإنَّ التمذهب بالمذاهب الفقهية ما زال باقيًا في الأقاليم الإسلامية (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: منهج المدرسة العقلية الحديثة للدكتور فهد الرومي (ص/ ٢٥٧)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور ناصر الطريفي (ص/ ١٧٢)، والموقف المعاصر من المنهج السلفي للدكتور مفرح القوسي (ص/ ٢٥٠)، والعصرانيون لمحمد الناصر (ص/ ٢٥٧ وما بعدها)، والتحسين والتقبيح العقليان للدكتور عائض الشهراني (٣/ ١٨٩ وما بعدها).\n(^٢) انظر: الفقه الإسلامي ومدارسه لمصطفى الزرقا (ص/ ٩٧ - ٩٩)، والفقه المالكي بين التدليل والتجريد لمحمود الغرياني (٦/ ٤٢١ وما بعدها) ضمن بحوث الملتقى الأول للقاضي عبد الوهاب، والمدخل الفقهي للدكتور خليفة با بكر وزميليه (ص/ ٣٥٤).","vol":"2","page":718},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>الفصل الثالث: حكم التمذهب</span>\nوفيه: تمهيد، وثلاثة مباحث:\nتمهيد في: حكم تقليد الميت\nالمبحث الأول: التمذهب بمذهب الصحابي والتابعي\nالمبحث الثاني: التمذهب بأحد المذاهب الأربعة الفقهية المشهورة\nالمبحث الثالث: التمذهب بغير المذاهب الأربعة","vol":"2","page":719},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>تمهيد: في تقليد الميت</span>\nللتمذهبِ علاقةٌ واضحةٌ بمسألةِ: (تقليد الميت)؛ مِنْ جهةِ أنَّ عملَ المتمذهب، وإِفتاءَه في الغالبِ بقولِ إِمامِه، وهو مجتهدٌ ميتٌ، سواءٌ أكان أخذُه لقولَ إِمامِه تقليدًا محضًا، أو بعد معرفةِ مأخذِه.\nيقولُ أبو القاسمِ الرافعي: \"اعلمْ أنَّ الذين يُقال لهم: أصحاب الشَّافعي وأصحاب أبي حنيفةَ ومالك - ﵏ - ثلاثةُ أصنافٍ ... وتقليدُهم إِيَّاهم مفرَّعٌ على جوازِ تقليدِ الميتِ\" (^١).\nفأثرُ مسألةِ: (تقليد الميت) على مسألة: (حكم التمذهب) (^٢)، و(حكم إِفتائِه بمذهبِه) (^٣)، واضحٌ جليٌ.\n• صورة المسألة:\nأنْ يكونَ للمجتهدِ الميتِ قولٌ منصوصٌ ثابتٌ عنه، كالقولِ بالإِباحةِ أو بالتحريمِ مثلًا (^٤)، فهل يجوزُ لغيرِ المجتهدِ تقليدُه فيه؟ (^٥).\nهذه هي صورةُ المسألةِ، وقبلَ الدخولِ في تفاصيلها يحسنُ إِيرادُ مثالٍ\n_________\n(^١) العزيز شرح الوجيز (١٢/ ٤٢٢). وانظر: روضة الطالبين للنووي (١١/ ١٥١).\n(^٢) هذا بناءً على توسيع دائرة مصطلح التقليد بحيث يشمل ما عدا الاجتهاد.\n(^٣) انظر: نهاية السول (٤/ ٥٨٣).\n(^٤) انظر: تيسير التحرير (٤/ ٢٤٩).\n(^٥) انظر: مقدمة في أصول الفقه لابن القصار (ص/ ١٧٠)، والمنخول (ص/ ٤٨٠)، والمسودة (٢/ ٨٥٧)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٨٨٣)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥١٤)، والبحر المحيط (٦/ ٢٩٧)، وفواتح الرحموت (٢/ ٤٠٧).","vol":"2","page":721},{"text":"لها، ويمكنُ أنْ يمثّل بمسألةِ: (اشتراط الطهارةِ لسجودِ التلاوةِ)، فقد ذَهَبَ عبد الله بن عمر - ﵄ -، والإِمامُّ البخاري إِلى عدمِ اشتراطِ الطهارةِ لسجودِ التلاوةِ (^١)، فهلْ يسوغُ تقليدُهما فيما ذَهَبا إِليه؟\n• تحرير محل النزاع:\nأولًا: مسألةُ: (تقليد الميت) محلُّ خلافِ بين القائلين بجوازِ التقليدِ عمومًا، أمَّا مَنْ مَنَع التقليدَ جُمْلَةً، فإِنَّه يمنعُ تقليدَ الحيّ والميتِ (^٢).\nثانيًا: قيَّد بعضُ الأصوليين المسألةَ بما إِذا لم يُوجدْ مجتهدٌ، أمَّا إِذا وُجِدَ في الأحياءِ مجتهدٌ، فلا يجوزُ تقليدُ الميتِ اتفاقًا (^٣)، وممَّنْ قيّدَ المسألةَ بهذا الاتفاقِ أبو الوفاءِ بن عقيل (^٤).\nوحكايةُ الاتفاقِ آنفِ الذكرِ محلُّ نظرٍ؛ للأمورِ الآتيةِ:\nالأمر الأول: أنَّ أكثرَ مَنْ عَرَضَ المسألةَ مِن الأصوليين لم ينصّوا على هذا القيدِ (^٥).\nالأمر الثاني: نصَّ بعضُ الأصوليين على أنَّ الخلافَ في المسألةِ يشملُ ما لو وُجِدَ مجتهدٌ، أو لم يُوْجدْ (^٦).\nالأمر الثالث: مِن الأقوال في المسألةِ - كما سيأتي بعد قليلِ - التفريقُ بين ما لو وُجِدَ مجتهدٌ، فلا يجوزُ تقليدِ الميت، وبين ما لو لم يُوجدْ مجتهدٌ، فيجوز تقليدُ الميتِ.\n_________\n(^١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإِسلام (٢١/ ٢٧٠)، و(٢٣/ ١٦٥).\n(^٢) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٩٧).\n(^٣) انظر: المصدر السابق.\n(^٤) انظر: الواضح في أصول الفقه (٥/ ٢٢٧).\n(^٥) انظر على سبيل المثال: المنخول (ص/ ٤٨٠)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٧١)، ومنتهى الوصول والأمل لابن الحاجب (ص/ ٢٢١)، ومختصره (٢/ ١٢٦٠)، والتحصيل من المحصول (٢/ ٣٠١)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٨٨٣)، وأدب المفتي والمستفتي (ص / ١٦٠)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥١٤)، والتحبير (٨/ ٩٣٨٣).\n(^٦) انظر: لمع اللوامع لابن رسلان، القسم الثاني (٢/ ٦٥٦)، وحاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٣٩٦).","vol":"2","page":722},{"text":"وهذا يدلُّ على دخولِ حالة ما إِذا كان هناك مجتهدٌ في خلافِ المسألةِ.\nثالثًا: تشملُ مسألةُ: (تقليد الميت) مَنْ عدا المجتهد المطلق، هل له تقليدُ الميت؟ فيدخل في الخلاف: مجتهدُ المذهبِ، ومَنْ دونه مِن المتمذهبين، والعاميُّ الصرف (^١).\nيقولُ الشيخُ محمد بخيت المطيعي: \"مرادُ الإِسنوي بالمقلّد غيرُ المجتهدِ المطلقِ، فيشملُ: مجتهدَ المذهبِ، ومجتهدَ الفتوى، ومَنْ هو دونهما\" (^٢).\nويتلخص ممَّا سَبَقَ أنَّ محل النزاعِ هو: أنْ يُوجدَ لمجتهدٍ ميتٍ قولٌ تصحُّ نسبتُه إِليه (^٣)، فهلُ يسوغُ تقليدُه في الحالةِ؛ سواء أكان في الأحياءِ مجتهدٌ أم لا.\n• الأقوال في المسألة:\nاختلفَ العلماءُ في مسألةِ تقليدِ المجتهدِ الميتِ على أقوال:\nالقول الأول: أنَّ تقليدَ الميتِ جائزٌ مطلقًا.\nوهذا القولُ أصحُّ الوجهين عند الشافعيةِ (^٤)، وهو الوجه الصحيح عند الحنابلة (^٥).\n_________\n(^١) انظر: النقود والردود للبابرتي (٢/ ٧٢٨)، وشرح الكوكب المنير (٤/ ٥١٣).\n(^٢) سلم الوصول (٤/ ٥٨١).\n(^٣) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٣٦).\n(^٤) انظر: حلية العلماء للشاشي (١/ ٦٤)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (١٢/ ٤٢٥)، وأدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٦٥)، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٥٥)، وروضة الطالبين له (١١/ ٩٩)، والآيات البينات للعبادي (٤/ ٣٦٩).\n(^٥) انظر: المسودة (٢/ ٩٣٤)، وإعلام الموقعين (٦/ ٢٠١)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥١٤)، والتحبير (٨/ ٣٩٣٨)، والإِنصاف (١١/ ١٩٣).","vol":"2","page":723},{"text":"ونَسَبَه المرداويُّ (^١)، وابنُ النجارِ (^٢) إِلى جمهورِ العلماءِ. ونسبه الرويانيُّ - كما نقله عنه بدرُ الدِّين الزركشي - إِلى أكثرِ الشافعيةِ (^٣). وذَهَبَ إِليه بعضُ الحنفيةِ (^٤).\nوقد اختاره جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: أبو بكر الشاشي (^٥)، والأسمندي (^٦)، وأبو القاسمِ الرافعي (^٧)، وابنُ الصلاحِ (^٨)، ومال إِليه: ابن التلمسانيُّ (^٩)،\n_________\n(^١) انظر: التحبير (٨/ ٣٩٨٣).\n(^٢) انظر: شرح الكوكب المنير (٤/ ٥١٣).\n(^٣) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٩٧).\n(^٤) انظر: أصول الفقه للامشي (ص/ ٢٠١)، وتيسير التحرير (٤/ ٢٥٠)، وفواتح الرحموت (٢/ ٤٠٧).\n(^٥) انظر: حلية العلماء (١/ ٦٤). وأبو بكر الشاشي هو: محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر الشاشي تركي الأصل، فخر الإِسلام أبو بكر، ولد بميَّافارفين سنة ٤٢٩ هـ كان إِمامًا علامة جليلًا، حافظًا لمعاقد مذهب الشافعية، زاهدًا ورعًا متواضعًا، وكان يلقب في حداثة سنه بالجنيد؛ لشدة ورعه ودينه، انتهت إِليه رئاسة المذهب الشَّافعي بعد وفاة شيخه أبي إِسحاق الشيرازي، تولى التدريس في عدد من المدارس، وتخرج به عدد من علماء الشافعية، من مؤلفاته: حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء - الملقب بالمستظهري - والترغيب في المذهب، والشافي شرح الشامل لابن الصباغ في عشرين مجلدًا، توفي سنة ٥٠٧ هـ. انظر ترجمته في: تبيين كذب المفتري لابن عساكر (ص/ ٣٠٦)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٣٥٦)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (٤/ ١٢٤١)، وسير أعلام النُّبَلاء (١٩/ ٣٩٣)، والوافي بالوفيات للصفدي (٢/ ٧٣)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٦/ ٧٠)، وطبقات الشافعية للإِسنوي (٢/ ٨٦)، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي (٥/ ٢٠٦).\n(^٦) انظر: بذل النظر (ص/ ٦٩٣).\n(^٧) انظر: العزيز شرح الوجيز (١٢/ ٤٢١).\n(^٨) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٦٠).\n(^٩) انظر: شرح المعالم (٢/ ٤٥٤). وابن التلمساني هو: عبد الله بن محمد بن عليّ الفهري المصري، أبو محمد شرف الدين، ويُعْرَفُ بابن التلمساني، ولد سنة ٥٦٧ هـ كان أحد أئمة المذهب الشافعي، فقيهًا أصوليًا متكلمًا دينًا خيرًا، ذكيًا فصيحًا، من علماء الديار المصرية ومحققيهم، تصدر لإِقراء مذهبه، وانتفع به الناص، من مؤلفاته: شرح المعالم في أصول الفقه، وشرح المعالم في أصول الدين، والمغني في شرح التنبيه، وإرشاد المسالك إِلى أبين المسالك، توفي سنة ٦٥٨ هـ وقيل: ٦٤٤ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٨/ ١٦٠)، وطبقات الشافعية للإِسنوي (١/ ٣١٦)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٤٢٦)، وحسن المحاضرة للسيوطي (١/ ٣٨٣).","vol":"2","page":724},{"text":"واختاره أيضًا: محيي الدين النووي (^١)، والقاضي البيضاوي (^٢)، وابنُ حمدان (^٣)، وتقيُّ الدين بن تيمية (^٤)، وتاجُ الدين بن السبكي (^٥)، وبدرُ الدين الزركشي (^٦)، ومحبُّ الله بن عبد الشكور (^٧).\nوقد بيَّن جمالُ الدين الإِسنويُّ أنَّ الفخر الرازيَّ مالَ إِلى هذا القولِ (^٨).\nويلحقُ باربابِ هذا القولِ: كل مَنْ جوَّز إِفتاءَ غيرِ المجتهد بقول إِمامِه مطلقًا، كما سيأتي قولهم في مسألةِ: (إِفتاء المتمذهب بمذهب إِمامه).\nالقول الثاني: أنَّ تقليدَ الميتِ ممنوعٌ مطلقًا.\nوهذا القولُ وجهٌ عند الشافعيةِ (^٩)، ووجهٌ عند الحنابلةِ (^١٠). وحكى أبو حامدٍ الغزالِيُّ إِجماعَ الأصوليين عليه (^١١). ونعتَه ابن التلمساني بأنَّه القولُ المشهورُ (^١٢).\nوهو قولُ بعضِ المعتزلةِ (^١٣). واختاره جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: أبو\n_________\n(^١) انظر: المجموع شرح المهذب (١/ ٥٥).\n(^٢) انظر: منهاج الوصول (٢/ ١٠٨٥) مع شرحه السراج الوهاج.\n(^٣) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٧٠).\n(^٤) انظر: المسودة (٢/ ٩٣٤).\n(^٥) انظر: جمع الجوامع (٢/ ٣٢٦) مع شرح المحلي وحاشية البناني.\n(^٦) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٩٧)، وسلاسل الذهب (ص/ ٤٤٨).\n(^٧) انظر: مسلم الثبوت (٢/ ٤٠٧) مع شرحه فواتح الرحموت.\n(^٨) انظر: نهاية السول (٤/ ٥٨٤).\n(^٩) انظر: حلية العلماء للشاشي (١/ ٦٤)، وأدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٦٠)، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٥٥)، وروضة الطالبين له (١١/ ٩٩).\n(^١٠) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٧٠)، وإِعلام الموقعين (٦/ ٢٠١)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥١٤)، والتحبير (٨/ ٣٩٨٣)، وشرح الكوكب المنير (٤/ ٥١٤).\n(^١١) انظر: المنخول (ص/ ٤٨٠)، وسيأتي تحرير هذا الإِجماع عند مناقشة أدلة أصحاب القول الثاني.\n(^١٢) انظر: شرح المعالم في أصول الفقه (٢/ ٤٥٤).\n(^١٣) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٩٨).","vol":"2","page":725},{"text":"الحسين البصري (^١)، وأبو الخطابِ (^٢)، والفخر الرَّازي (^٣)، وتاجُ الدينِ الأرموي (^٤)، وسراجُ الدين الأرموي (^٥).\nوقد وَصَفَ محيي الدين النوويُّ (^٦)، والمرداويُّ (^٧) هذا القولَ بأنَّه ضعيفٌ.\nالقول الثالث: يجوزُ تقليدُ المجتهدِ الميتِ إِنْ فُقِدَ المجتهد، فإِنْ كان في الأحياء مجتهدٌ، فلا يجوزُ تقليدُ الميتِ.\nذَهَبَ إِلى هذا القولِ: ابنُ بَرهان (^٨). ونسبه بدرُ الدين الزركشيُّ إِلى إِلكيا الهراسي (^٩)، وإِلى العز بنِ عبد السلام (^١٠).\nوقد حَمَلَ أحمدُ الكوراني كلامَ الفخرِ الرَّازي على هذا القولِ؛ إِذ\n_________\n(^١) انظر: المعتمد (٢/ ٩٣٣).\n(^٢) انظر: التمهيد في أصول الفقه (٤/ ٤١٥)، وقارن منه بـ (٤/ ٣٩٤).\n(^٣) انظر: المحصول في أصول الفقه (٦/ ٧١). يقول بدرُ الدين الزركشيُّ في: تشنيف المسامع (٤/ ٦١٠): \"من تأمل كلام المحصول عَلِمَ أنَّ الإِمامَ - الرَّازي - يمنع التقليد مطلقًا - أي: تقليد الميت - ومَنْ فَهِمَ عنه خلاف ذلك، وعزاه إِليه، فقد غلط\". وانظر: الآيات البينات للعبادي (٤/ ٣٦٩، ٣٧١).\n(^٤) انظر: الحاصل من المحصول (٢/ ١٠٢١).\n(^٥) انظر: التحصيل من المحصول (٢/ ٣٠١).\n(^٦) انظر: المجموع شرح المهذب (١/ ٥٥).\n(^٧) انظر: الإِنصاف (١١/ ١٩٣).\n(^٨) انظر: نفائس الأصول (٩/ ٤١٥٦)، والبحر المحيط (٦/ ٢٩٩).\n(^٩) هو: عليّ بن محمد بن عليّ الطبري، أبو الحسن عماد الدين، وشمس الإِسلام، المعروف بإلكيا الهراسي، ولد سنة ٤٥٠ هـ كان علامةً عالمًا كبيرًا، فقيهًا أصوليًا جدليًا فصيحًا جهوري الصوت، حافظًا للحديث، شيخ المذهب الشَّافعي في وقته، تفقه على إِمام الحرمين الجويني إِلى أن برع، وقال عنه: \"البيان للكيا\"، وتولى التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد إِلى أن توفي، من مؤلفاته: أحكام القرآن، وكتاب في الرد على مفرادت الإمام أحمد بن حنبل، قال الذَّهبي عنه: \"لم يُنْصِفْ\"، توفي ببغداد سنة ٥٠٤ هـ. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٢٨٦)، وسير أعلام النُّبَلاء (١٩/ ٣٥٠)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٧/ ٢١٣)، وطبقات الشافعية للإِسنوي (٢/ ٢٩٢)، والبداية والنهاية (١٦/ ٢١٠).\n(^١٠) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٩٩ - ٣٠٠)، وسلاسل الذهب (ص/ ٤٤٨).","vol":"2","page":726},{"text":"كيفَ يكون الرازيُّ شافعيَّ المذهب، ولا يجوِّز تقليدَ الميتِ؟ ! (^١)؛ وحينَ عرضَ الرازيُّ المسألةَ، ذَكَرَ في أوَلها القولَ بالمنع مِنْ تقليدِ الميتِ، ثمَّ ذَكَرَ في آخرِها الإِجماعَ على جوازِ العملِ بالفتوى المنقولةِ عن المجتهدِ الميتِ؛ لانقطاعِ المجتهدين، فجمعًا بين الكلامين يُحمل قولُه على المنعِ مِن تقليدِ الميتِ إِنْ وُجِدَ مجتهدٌ (^٢).\nالقول الرابع: يجوزُ تقليدُ المجتهدِ الميتِ إِذا كان حاكي مذهبِه مجتهدًا فيه، مطَّلِعًا على ماخذِه، أهلًا للنَّظَرِ والتفريعِ، فإِنْ لم يكنْ حاكي المذهب بهذه الصفةِ، فلا يجوزُ تقليدُ الميت.\nوهذا قولُ الآمدي (^٣)، وابنِ الحاجبِ (^٤)، وصفي الدينِ الهندي (^٥).\nونَقَلَ بدرُ الدين الزركشي عن تاجِ الدينِ بنِ السبكي أنَّ هذا القولَ خارجٌ عن محلِّ النزاعِ؛ لأنَّ الكلامَ فيما إِذا ثَبَتَ أنَّه مذهبُ الميت، فإِنْ فُرِضَ أنَّ الناقلَ لا يُوْثقُ بنقلِه فهمًا وإِنْ وُثقَ به نقلًا، تَطَرَّقَ عدمُ الوثوقِ بفهمِه إِلى عدمِ الوثوقِ بنقلِه، وصارَ عدمُ قبولِه؛ لعدمِ صحةِ المذهبِ عن المنقولِ إِليه، لا لأنَّ الميتَ لا يُقَلَّد، فليس تفصيلُ القولِ الرابعِ واقعًا في محلِّ النزاع (^٦).\nثمَّ إِنَّ القائلين بهذا القولِ ساقوا قولَهم في مسألةِ: (إِفتاء غيرِ المجتهدِ بقولِ أحدِ المجتهدين)، ولم يسوقوه في مسألةِ: (تقليد الميت) (^٧).\n_________\n(^١) انظر: الدرر اللوامع (ص/ ٦١٠).\n(^٢) انظر: المصدر السابق.\n(^٣) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام (٤/ ٢٣٦).\n(^٤) انظر: منتهى الوصول والأمل (ص/ ٢٢١)، ومختصره (٢/ ١٢٦٠).\n(^٥) انظر: نهاية الوصول (٨/ ٣٨٨٥).\n(^٦) انظر: تشنيف المسامع (٤/ ٦١١)، وستأتي مسألة: (إِفتاء المتمذهب بمذهب إِمامه)، وفيها مزيد بيان للقائلين بهذا القول.\n(^٧) ممن ساق القول الرابع في مسألة: (تقليد الميت): صفيُّ الدين الهندي في: نهاية الوصول (٨/ ٣٨٨٤)، وتاجُ الدين السبكي في: جمع الجوامع (٢/ ٣٩٦) مع شرح المحلي وحاشية البناني، ولدرُ الدين الزركشي في: تشنيف المسامع (٤/ ٦١٠)، وولي الدين العراقي في: الغيث الهامع (٣/ ٧٩٨). =","vol":"2","page":727},{"text":"• أدلة الأقوال:\nأدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ (القائلين بجواز تقليد الميت مطلقًا):\nاستدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: انعقادُ الإِجماعِ على مرِّ العصورِ على أنَّ قولَ الميتِ باقٍ، ويُعْمَلُ به، والإِجماعُ حجةٌ (^١).\nيقولُ ابنُ القيِّمِ: \"وعليه عَمَلُ جميعِ المقلدين في جميعِ أقطارِ الأرضِ، وخيارُ ما بأيديهم مِن التقليدِ تقليدُ الأمواتِ\" (^٢).\nمناقشة الدليل الأول: إِنَّ حقيقةَ الإِجماعِ: اتفاقُ المجتهدين، والاتفاقُ المذكورُ في الدليلِ إِنَّما هو اتفاقُ المقلِّدين، ولا عبرةَ باتفاقِهم (^٣).\nالجواب عن المناقشة: على فَرْضِ أنَّ الإِجماعَ صادرٌ مِنْ أهلِ العصرِ الذين يقلِّدون الميتَ، فإِجماعُهم حجةٌ في مثل هذا؛ لإِلجاء الضرورةِ إِليه، مع ما يتمتعون به مِن العلمِ، وأهليةِ النظرِ في الجملةِ، فهم ليسوا عوامًا، بلْ هم مجتهدون في مسألةِ: (تقليد الميت)، وإنْ لم يكونوا مجتهدين في\n_________\n= يقول محيي الدين النووي في: روضة الطالبين (١١/ ٩٩) بعدما ذكر وجهين للشافعية في مسألة: تقليد الميت: \"وبنوا على هذين الوجهين: أن من عرف مذهب مجتهد، وتبحر فيه، لكن لم يبلغ رتبة الاجتهاد، هل له أن يفتي ويأخذ بقول ذلك المجتهد؟ فعلى الصحيح: يجوز ... \".\n(^١) انظر: المحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٧١ - ٧٢)، وشرح المعالم لابن التلمساني (٢/ ٤٥٤)، والتحصيل من المحصول (٢/ ٣٠١)، ومنهاج الوصول للبيضاوي (٢/ ١٠٨٥) مع شرحه السراج الوهاج، والإِبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٩٤٦)، ونهاية السول (٤/ ٥٨٤)، والبحر المحيط (٦/ ٢٩٧)، والتحبير (٨/ ٣٩٨٣)، والآيات البينات للعبادي (٤/ ٣٦٩)، وكشاف القناع للبهوتي (١٥/ ٥٥)، وفواتح الرحموت (٢/ ٤٠٧).\n(^٢) إِعلام الموقعين (٦/ ١٢٩).\n(^٣) انظر: نهاية الوصول للساعاتي (٢/ ٦٩٤)، والسراج الوهاج للجاربردي (٢/ ١٠٨٧)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٨٨٥)، ونهاية السول (٤/ ٥٨٤)، والإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٩٤٦)، والبحر المحيط (٦/ ٢٩٩)، وتيسير التحرير (٤/ ٢٤٩ - ٢٥٠)، والآيات البينات للعبادي (٤/ ٣٦٩).","vol":"2","page":728},{"text":"أعيانِ المسائلِ الَّتي يَقَعُ فيها التقليدُ (^١).\nالدليل الثاني: إِنَّ تصنيفَ الكتب الفقهيةِ مع فناءِ أصحابِها، ونقلَ الفقهاءِ لخلافاتِ العلماءِ، دليلٌ على جوازِ تقليدِ الميتِ؛ إِذْ لو لم يجز الأخذُ بها، لما كان لذكرِها فائدةٌ (^٢).\nيقولُ ابنُ القيمِ: \"لو بَطَلَتْ بموتِهم - أي: لو بطلت المذاهب بموتِ المجتهدين - لبَطَلَ ما بأيدي الناسِ مِن الفقهِ عن أئمتِهم، ولم يسغْ لهم تقليدُهم، والعملُ بأقوالِهم\" (^٣).\nمناقشة الدليل الثاني: إِن تصنيفَ الكتبِ الفقهيةِ مع فناءِ مؤلفيها، ليس لاعتمادِها في التقليدِ، وإِنَّما لها فائدتانِ:\nالفائدة الأولى: استفادةُ طريقِ الاجتهادِ؛ لمعرفةِ حكمِ النازلةِ مِنْ عملِ الفقهاءِ وتصرفِهم في النوازلِ، وكيفية معرفةِ حكمِها ببناءِ النازلةِ على الفروعِ (^٤).\nالفائدة الثانية: معرفةُ المسائلِ المتفقِ عليها بن المذاهبِ مِن المسائلِ الَّتي هي محلّ خلافِ (^٥).\nالجواب عن المناقشة: قولُكم في الفائدةِ الثانيةِ: \"معرفة المسائل المتفق عليها من المختلف فيها\": إِن كان مقصودُكم بمعرفةِ المسائلِ المتفقِ\n_________\n(^١) انظر: الآيات البينات للعبادي (٤/ ٣٧٥).\n(^٢) انظر: المحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٧١)، وشرح المعالم لابن التلمساني (٢/ ٤٥٤)، والفائق في أصول الفقه (٥/ ٨٨)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٨٨٤)، ونهاية السول (٤/ ٥٨٤)، والبحر المحيط (٦/ ٢٩٨).\n(^٣) إِعلام الموقعين (٦/ ٢٠٢).\n(^٤) انظر: المحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٧١)، وشرح المعالم لابن التلمساني (٢/ ٤٥٤)، والتحصيل من المحصول (٢/ ٣٥١)، والحاصل من المحصول (٢/ ١٥٢١)، والفائق في أصول الفقه (٥/ ٨٨)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٨٨٤)، ونهاية السول (٤/ ٥٨٤)، والبحر المحيط (٦/ ٢٩٩)، وشرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٣٩٦) بحاشية البناني.\n(^٥) انظر: المصادر السابقة.","vol":"2","page":729},{"text":"عليها؛ لئلا يخالفَها؛ لأنَّها خرقٌ للإِجماعِ، فإِنَّ هذا ينافي دعواكم؛ إِذ حُرْمةُ المخالفةِ فرعُ بقاءِ القولِ (^١).\nوأجيب عن الجواب: بأنَّ ما ذكرناه مِن الفائدة لا ينافي ما ادعيناه مِن المنعِ مِنْ تقليدِ الميتِ؛ لأنَّه لا يلزمُ مِن الاعتدادِ بقولِه مع غيرِه مِن المجتهدين، الاعتداد بقولِه وحده (^٢).\nويمكن أنْ يُضاف وجهٌ ثانٍ في الجواب عن مناقشةِ الدليلِ الثاني: بأنَّ ما ذكرتموه مسلَّمٌ، ولكنْ لا مانعَ مِنْ أنْ نقوَلَ: إِن تصنيفَ الكتبِ الفقهيةِ له ثلاثُ فوائد: الفائدتانِ اللتانِ ذُكِرَتا في المناقشةِ، والفائدة الثالثة: تقليدُ الميتِ، ولا سيما أنَّ عملَ الفقهاءِ وصنيعهم يدلُّ على هذه الفوائد.\nالدليل الثالث: أن المجتهدَ إِذا قالَ قولًا، ثُمَّ ماتَ، فإِنَّ قولَه لا يبطلُ بموتِه (^٣)؛ يقولُ الإِمامُ الشَّافعي: \"المذاهبُ لا تموتُ بموتِ أربابِها، ولا بفقدِ أصحابِها\" (^٤).\nويدلُّ على ما سبق: اختيارُ كثيرٍ مِن الأصوليين أنَّ اتفاقَ أهلِ العصرِ اللاحقِ على أحدِ قولي أهلِ العصرِ السابقِ لا يُعَدُّ إِجماعًا تَحْرُم مخالفتُه؛ لتقدّمِ الخلافِ، فالقولُ لا يموتُ بموتِ قائلِه (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الآيات البينات للعبادي (٤/ ٣٧٤).\n(^٢) انظر: المصدر السابق.\n(^٣) انظر: البرهان (٢/ ٨٨٤ - ٨٨٥)، والمنخول (ص / ٤٨٠)، وبذل النظر للأسمندي (ص/ ٦٩٣)، وصفة الفتوى (ص/ ٧٠)، ومجموع فتاوى شيخ الإِسلام (٢٠/ ٥٨٥)، والمسودة (٢/ ٥٣٩)، وإعلام الموقعين (٦/ ٢٠٢).\n(^٤) انظر: البرهان للجويني (١/ ٤٥٦)، وأدب المفتى والمستفتي (ص/ ١٦٥)، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٥٥)، والبحر المحيط (٦/ ٢٩٧)، وتشنيف المسامع (٤/ ٦٠٩)، وسلاسل الذهب (ص/ ٤٤٨)، وشرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٣٩٦) بحاشية البناني، وشرح الكوكب المنير (٤/ ٥١٣)، والعقد الفريد للسمهودي (ص/ ٧٤).\n(^٥) انظر: التبصرة (ص/ ٣٧٨)، والمنخول (ص / ٣٢٠)، وروضة الناظر (٢/ ٤٨٦)، والإِحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ٢٧٥)، وأدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٦٠)، وشرح المعالم لابن التلمساني (٢/ ٤٥٤)، وصفة الفتوى (ص/ ٧٠).","vol":"2","page":730},{"text":"ثُمَّ إِنَّ الحاكمَ إِذا حَكَمَ بحكمٍ، ثُمَّ ماتَ، فإِنَّ حكمَه لا يبطلُ بموتِه، والشاهدَ إِذا أَدَّى شهادتَه، ثُمَّ ماتَ، فإِنَّ شهادتَه لا تبطلُ بموتِه، ولا تبطلُ الوصيةُ بموتِ الموصي، وكذلك الراوي إِذا روى خبرًا عن النبي - ﷺ -، ثمَّ ماتَ، فإِنَّ روايته لا تبطلُ بموتِه، فكذلك المجتهد إِذا قالَ قولًا، ثمَّ ماتَ، فإِنَّ قولَه لا يبطلُ بموتِه (^١).\nالدليل الرابع: يؤدّى القولُ بالمنعِ مِنْ تقليدِ الميتِ - لأنَّه لا قولَ له - إِلى إِبطالِ الإِجماعاتِ المنعقدة مِن المجتهدين في العصورِ السابقةِ؛ لأنَّ قولَهم بَطَلَ بعدَ موتِهم، وتصير المسألةُ المجمعُ عليها مسألةً لا يُحكى فيها الإِجماع! وهذا ظاهرُ البطلانِ (^٢).\nيقولُ أبو القاسمِ الرافعي: \"لو بَطَلَ قولُ القائلِ بموتِه، لبَطَلَ الإِجماعُ بموتِ المجمعين، ولصارت المسألةُ اجتهاديةً\" (^٣).\nالدليل الخامس: لو منعنا الناسَ مِنْ تقليدِ الأمواتِ، لبقوا في حيرةٍ وحرج، ولوَقَعَ عليهم الضررُ عند فَقْدِ المجتهدِ، فلا بُدَّ لهم مِنْ تقليدِ الأمواتِ (^٤).\n_________\n(^١) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (١٢/ ٤٢١)، وأدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٦٥)، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٥٥)، وروضة الطالبين له (١١/ ٩٩)، والمسودة (٢/ ٩٣٥)، وإعلام الموقعين (٦/ ٢٠٢)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥١٤)، ونهاية السول (٤/ ٤٨٥)، والبحر المحيط (٦/ ٢٩٧)، والتحبير (٨/ ٣٩٨٣)، وشرح الكوكب المنير (٤/ ٥١٣)، والآيات البينات للعبادي (٤/ ٣٦٩)، وشرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٣٩٦) بحاشية البناني.\n(^٢) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (١٢/ ٤٢١)، وشرح المعالم لابن التلمساني (٢/ ٤٥٤)، وإعلام الموقعين (٦/ ٢٠٢)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥١٤)، وشرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٣٩٦) بحاشية البناني.\n(^٣) العزيز شرح الوجيز (١٢/ ٤٢١).\n(^٤) انظر: المصدر السابق، وأدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٦٠)، وروضة الطالبين للنووي (١١/ ٩٩)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٨٨٦)، ونهاية السول (٤/ ٥٨٤ - ٥٨٥)، والبحر المحيط (٦/ ٢٩٨)، وتيسير التحرير (٤/ ٢٥٠).","vol":"2","page":731},{"text":"ويمكن أنْ يناقشَ الدليل الخامس من وجهين:\nالوجه الأول: بعدمِ التسليمِ بوقوعِ الضررِ على الناسِ إِذا لم يقلدوا الأمواتِ؛ إِذ لا يخلو العصرُ مِنْ قائمٍ لله بالحجةِ.\nالوجه الثاني: هذا الدليلُ يدلُّ على جوازِ تقليدِ الميتِ إِذا لم يُوجدْ مجتهدٌ، أمَّا إِذا وُجدَ مجتهدٌ، فإِن الحيرةَ الحرجَ مندفعان.\nأدلةُ أصحابِ القولِ الثاني (القائلين بمنع تقليد الميت مطلقًا):\nاستدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: لو قُدِّرَ أنَّ المجتهدَ الميتَ لا يزال حيًا، فإِنَّ قولَه قد يتغيرُ إِذا عُرِضَتْ عليه المسألةُ مرةً أخرى؛ لتجديدِ نظرِه فيها، وعلى تقديرِ تجديدِ اجتهادِ المجتهدِ، يحتملُ رجوعُه عنْ قولِه، فيكون تقليدُه والحالةُ هذه بناءً على وهمٍ وترددٍ، وهذا غيرُ جائزٍ (^١).\nمناقشة الدليل الأول: إِنَّ الأصلَ بقاءُ المجتهدِ على قولِه الَّذي ماتَ عليه، واحتمالُ تغيّر قولِه بناءً على تجديدِ الاجتهادِ، مخالفٌ للأصلِ (^٢).\nالدليل الثاني: ذَكَرَ بدرُ الدينِ الزركشي (^٣)، وأحمدُ الوزير (^٤) أنَّ أبا حامدٍ الغزالي حكى إِجماعَ علماءِ الأصولِ على منعِ تقليدِ الميتِ، والإِجماعُ حجةٌ يجبُ المصيرُ إِليه.\nيقولُ أبو حامدٍ الغزالي: \"قد قالَ الفقهاءُ: يُقَلِّده وإنْ ماتَ ... وأجمعَ علماءُ الأصولِ على أنَّه لا يفعلُ ذلك\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: المعتمد (٢/ ٩٣٣)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٩٤)، وبذل النظر للأسمندي (ص/ ٦٩٣)، وصفة الفتوى (ص / ٧٠)، وإعلام الموقعين (٦/ ٢٠٢)، والإِبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٩٤٥)، والبحر المحيط (٦/ ٢٩٨).\n(^٢) انظر: بذل النظر للأسمندي (ص/ ٦٩٣)، وصفة الفتوى (ص / ٧١).\n(^٣) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٩٨)، وتشنيف المسامع (٤/ ٦١٠).\n(^٤) انظر: المصفى في أصول الفقه (ص/ ٨٢٩).\n(^٥) المنخول (ص/ ٤٨٠).","vol":"2","page":732},{"text":"ويمكن أنْ يناقش الدليل الثاني: بأنَّ الظاهرَ أنَّ مرادَ الغزالي حينَ حكى إِجماعَ الأصوليين على منعِ تقليدِ الميتِ، المنعُ مِنْ تقليدِ المجتهدِ الَّذي لم يثبتْ قولُه، أو لم يتحررْ، أمَّا تقليدُ مَنْ ثَبَتَ قولُه، وتحررَ المرادُ منه، فيجوزُ. يدلُّ على هذا: ما قاله الغزالِيُّ بعد حكايتِه للإِجماعِ: \"ولو اتَّبعَ الآن عاميٌّ مذهبَ أبي بكر، مُعْرِضًا عن سائرِ المذاهبِ، لا يجوزُ له ذلك؛ فإِن الصحابةَ كانوا لا يَعْتَنُون بنخلِ المسائلِ وتهذيبها، وإِنَّما اعتنى به المتأخرونَ\" (^١).\nفكلامُ أبي حامد واضحٌ في تحديد المرادِ بالإِجماعِ الَّذي حكاه.\nالدليل الثالث: أنَّ المجتهدَ لا قولَ له بعدَ موتِه، بدليلِ: أنَّ الإِجماعَ لا ينعقدُ مع خلافِه إِذا كان حيًّا، وينعقدُ مع موتِه، ويدل هذا على موتِ القولِ بموتِ قائلِه، وإِذا لم يكنْ للمجتهدِ قولٌ، لم يجزْ تقليدُه (^٢).\nمناقشة الدليل الثالث، نوقش الدليل مِن وجهين:\nالوجه الأول: لا نُسلمّ أنَّ اتفاقَ أهلِ العصرِ اللاحقِ على أحدِ قولي أهلِ العصرِ السابقِ إِجماعٌ صحيحٌ (^٣)؛ إِذ المسألةُ محلّ خلافٍ بين الأصوليين، وكثيرٌ مِنْ محققيهم يرونَ أنَّه ليس بإِجماعٍ (^٤).\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (١٢/ ٤٢٠)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٧١)، وشرح المعالم لابن التلمساني (٢/ ٤٥٤)، والحاصل من المحصول (٢/ ١٥٢١)، ومنهاج الوصول للبيضاوي (٢/ ١٠٨٥) مع شرحه السراج الوهاج، والفائق في أصول الفقه (٥/ ٨٧)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٨٨٤)، والإِبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٩٤٥)، ونهاية السول (٤/ ٥٨٤)، والبحر المحيط (٦/ ٢٩٨)، وشرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٣٩٦) بحاشية البناني.\n(^٣) انظر: نهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٨٨٥)، والفائق في أصول الفقه (٥/ ٨٧)، والتقرير والتحبير (٣/ ٣٤٧)، وفواتح الرحموت (٢/ ٤٠٧).\n(^٤) انظر: شرح اللمع (٢/ ٧٢٦)، والتبصرة (ص/ ٣٧٨)، والمنخول (ص / ٣٢٠)، وروضة الناظر (٢/ ٤٨٦)، والإِحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ٢٧٥)، ومختصر منتهى السول ابن الحاجب (١/ ٤٩١).","vol":"2","page":733},{"text":"الوجه الثاني: سلّمْنا أنَّ اتفاقَ أهلِ العصرِ اللاحقِ على أحدِ قولي أهلِ العصرِ السابقِ يُعَدّ إِجماعًا، لكنْ لا يلزم مِنْ ذلك عدمُ جوازِ تقليدِ الميتِ؛ إِذ عدمُ مانعيةِ قولِ الميتِ انعقاد الإِجماع لا تستلزم أنْ لا يكون مثلَ قولِ الحي في جوازِ تقليدِه عند عدمِ الإِجماعِ على خلافه (^١).\nالدليل الرابع: أنَّ المجتهدَ بعد موتِه خَرَجَ عن أهليّةِ الاجتهادِ، فيكون حالُه كحالِ المجتهدِ إِذا فَسَقَ (^٢).\nمناقشة الدليل الرابع: هناك فرقٌ بين الفسقِ، والموتِ، يبينُ هذا: أنَّ الشاهدَ لو شَهَدَ عند الحاكمِ، ثمَّ ماتَ، فإِنَّ الحاكمَ يحكمُ بشهادتِه، ولا يُؤَثِّرُ موتُه في ردِّ شهادتِه، بخلافِ ما لو شَهِدَ عند الحاكمِ، ثُمَّ فَسَقَ الشاهدُ، فإِنَّ الحاكمَ لا يحكمُ بتلك الشهادةِ، للفسقِ.\nوإِذا ثَبَتَ الفرقُ بين الفسقِ والموتِ، لم يصحَّ إِلحاقُ الموتِ بالفسقِ (^٣).\nثمَّ إِنَّ الموتَ وإِنْ أزالَ التكليفَ عن المجتهدِ، إِلَّا أنَّه أُمِنَ معه عدمُ رجوعِ المجتهدِ عن قولِه، لأنَّه لن يعيدَ النظرَ في اجتهادِه (^٤).\nأدلةُ أصحابِ القولِ الثالثِ: يتألفُ قولهم من شقين:\nالشق الأول: المنعُ مِنْ تقليدِ الميتِ إِنْ وُجِدَ مجتهدٌ، واستدلوا بالآتي:\nأولًا: أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني المانعين مِنْ تقليدِ الميتِ مطلقًا.\n_________\n(^١) انظر: تيسير التحرير (٤/ ٢٥٠).\n(^٢) انظر: المعتمد (٢/ ٩٣٣)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (١٢/ ٤٢٠)، وأدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٦٠)، وصفة الفتوى (ص/ ٧٠)، وإعلام الموقعين (٦/ ٢٠٢)، والبحر المحيط (٦/ ٢٩٨).\n(^٣) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٦٠)، وصفة الفتوى (ص/ ٣٢٥).\n(^٤) انظر: المعتمد (٢/ ٩٣٣)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٩٤).","vol":"2","page":734},{"text":"وقد سبقتْ مناقشتُها.\nثانيًا: أن تقليدَ المجتهدَ الحي أولى مِنْ تقليدِ المجتهدِ الميتِ (^١).\nالشق الثاني: جوازُ تقليدِ الميتِ إِنْ لم يُوجدْ مجتهدٌ ودليلهم:\nإِنْ لم يُوْجَد المجتهدُ، فإِنّنا نُجَوِّزُ تقليدَ الميتِ؛ للضرورةِ، إِذ كيفَ يستقيمُ حالُ الناسِ إِنْ لم يُوجدْ مجتهدٌ إِلَّا بتقليدِ الميتِ؟ ! فلو لم يُقلَّد الميتُ والحالة هذه، لضاعت الشريعةُ (^٢).\n• الموازنة والترجيح:\nمِنْ خلالِ النظرِ في الأقوالِ وما استدلوا به، وما وَرَدَ عليها مِن مناقشاتٍ، يظهرُ لي رجحانُ القولِ الأولِ القائلِ بجوازِ تقليدِ الميتِ مطلقًا، وقبلَ ذكرِ أسبابِ الترجيحِ أنبّه إِلى الأمرين الآتيين:\nالأمر الأول: ليسَ للعامي أنْ يُقَلِّدَ المجتهدَ الميت ابتداءً؛ لأنَّ فرضَه إِذا نزلتْ به نازلةٌ سؤالُ العالمِ.\nالأمر الثاني: لزومُ النظرِ فيما أفتى فيه المجتهدُ الميت، أو نُقِلَ قولُه فيه، مِنْ جهةِ غلبةِ الظنِّ هلْ لتغيّرِ العصرِ مدخلٌ في تغيّرِ قولِه؟\nفإِنْ غَلَبَ على الظنِّ أنَّه لا مدخلَ للعصرِ في تغيّرِ قولِ الميتِ، فلا بأسَ بتقليدِه.\nوإن غَلَبَ على الظنِّ أنَّ للعصر مدخلًا في تغيّرِ قولِ المجتهدِ الميتِ - مثل: أنْ يُبْنَي قولُه على العرفِ القائم في وقتِه - فينبغي التَّريث في تقليدِه، حتى نعلم مأخذَ قولِه ومقصدِه منه (^٣).\n_________\n(^١) انظر: نفائس الأصول (٩/ ٤١٥٦)، وسلاسل الذهب (ص/ ٤٤٨ - ٤٤٩).\n(^٢) انظر: شرح المعالم لابن التلمساني (٢/ ٤٥٤)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٨٨٥)، وشرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٣٩٦) بحاشية البناني، وتيسير التحرير (٤/ ٢٥٠).\n(^٣) انظر: أصول الفقه للدكتور عياض السلمي (ص/٤٨٨).","vol":"2","page":735},{"text":"وقد رجحتُ ما سبق؛ للأسبابِ الآتية:\nالأول: قوةُ أدلةِ أصحابِ القولِ الأولِ، ولا سيَّما الإِجماع الَّذي ذكروه، فلم يَزَلْ أتباعُ الأئمةِ في عهدِ أئمةِ الإِسلام ينقلون أقوالَ المجتهدين الأموات، ويقررونها، ويناظرونَ لنصرتِها، دون أنْ يُنْكِرَ عليهم أحدٌ.\nالثاني: عملُ الفقهاءِ في مصنفاتِهم، فتجد فيها أقوالَ المجتهدين الأموات، تُقَرّر، ويُسْتَدلُّ لها، ويُعْتَرضُ عليها، ولو ماتتْ أقوالُهم بموتِهم، لكان ذكرهُم لها ضربًا مِن ضروبِ العبثِ.\nالثالث: حاجةُ الناسِ إِلى تقليدِ المجتهدِ الميتِ، ولا سيما مع ندرةِ المجتهدين (^١).\nيقولُ ابنُ الصلاحِ عن أثرِ القولِ الثاني المانعِ مِن تقليدِ الميت: \"يجرُّ خَبطًا في الأعصارِ المتأخرةِ\" (^٢).\nويقولُ صفيُّ الدين الهندي: \"لو لم نجوِّز هذا - أيْ: العمل بقول الميت - لأدَّى ذلك إِلى أنَّ الشريعةَ غيرُ وافيةٍ ببيانِ أكثر الوقائعِ الحادثةِ، ومعلومٌ أنَّ هذا يؤدِّي إِلى التهارجِ وفسادِ أحوالِ الناسِ\" (^٣).\nالرابع: ضعفُ أدلةِ الأقوالِ الأخرى؛ بما وَرَدَ عليها مِنْ مناقشاتٍ.\n• نوع الخلاف:\nمالَ البنانيُّ إِلى أنَّ الخلافَ في مسألةِ: (تقليد الميت) خلافٌ لفظي (^٤)، يقول: \"قد يُقَالُ: مَنْعُه له - أي: منع الرَّازي لتقليدِ الميت - إِنَّما هو مِنْ حيثُ كونُه عن الميتِ، وإِلَّا فَيُعْمَل به عنده مِنْ حيثُ نقلُ الثقةِ له\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٨٨).\n(^٢) أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٦٠). وانظر: المجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٥٥).\n(^٣) نهاية الوصول (٨/ ٣٨٨٦).\n(^٤) انظر: حاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٣٩٦).","vol":"2","page":736},{"text":"عن الميتِ المجتهدِ، وليس هذا مِنْ تقليدِ الميتِ عنده، وإنَّما هو عملٌ بالظنِّ، وبهذا يصيرُ الخلافُ بينه وبين القومِ لفظيًا؛ فإِنَّهم يقولون: للميتِ قولٌ لم يمتْ، فليقلَّدْ، وهو يقول: لا قولَ للميتِ، ولكنَّ الحكايةَ عنه تُغَلِّبُ ظنَّ أنَّ هذا حكمُ الله\" (^١).\nوما ذكره البنانيُّ، وإِنْ كان وجيهًا، إِلَّا أنَّه محلُّ نظرٍ؛ لأنَّ القائلين بمنعِ تقليدِ الميتِ يقولون: إِنَّ المجتهدَ إِذا ماتَ، بَطَلَ قولُه، ويؤكّدُ هذا: قولهم: إِنَّ اتفاقَ أهلِ العصرِ اللاحقِ على أحدِ قولي أهل العصرِ السابقِ، إِجماعٌ صحيحٌ (^٢).\nوالذي يظهرُ لي أن الخلافَ في المسألةِ خلافٌ معنوي، له أثرُه في المسائلِ الأصوليةِ، والمسائلِ الفقهيةِ.\nفمن المسائل الأصولية:\nالمسألة الأولى: إِذا انقسمَ أهلُ العصرِ إِلى قسمين، ثمَّ ماتَ أحدُهما، فهلْ يكون قولُ الباقين إِجماعًا؟\nيتخرَّج الخلافُ في المسألة على الخلافِ في مسألةِ: (تقليد الميت) (^٣).\nالمسألة الثانية: التمذهبُ بمذهب المجتهدِ الميتِ (^٤). وسيأتي الحديثُ عن هذه المسألةِ استقلالًا.\nالمسألة الثالثة: إِفتاءُ غيرِ المجتهدِ بقولِ المجتهدِ الميتِ (^٥). وسيأتي الحديثُ عن هذه المسألةِ استقلالًا.\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق.\n(^٢) انظر: المحصول في علم أصول الفقه للرازي (٤/ ١٣٨)، والحاصل من المحصول (٢/ ٧٠١)، والتحصيل من المحصول (٢/ ٦١).\n(^٣) انظر: نفائس الأصول (٦/ ٢٧٨٦).\n(^٤) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (١٢/ ٤٢٢)، والوصول إِلى قواعد الأصول للتمرتاشي (ص/ ٢٨٨).\n(^٥) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٣٦)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٨٨٣)، =","vol":"2","page":737},{"text":"المسألة الرابعة: إِذا سألَ العاميُّ مجتهدًا، فأفتاه، ثُمَّ ماتَ المجتهدُ قبلَ عملِ العامي بفتوى المجتهدِ، فهل يسوغُ للعامي العملُ بالفتيا حينئذٍ؟\nإِنْ قلنا: يجوزُ تقليدُ الميتُ، ساغَ العملُ بالفتيا.\nوإنْ قلنا: لا يجوزُ تقليدُ الميت، لم يسغ العملُ بالفتيا (^١).\nوأثرُ الخلافِ في المسائلِ الفقهيةِ ظاهرٌ في أبوابِ الفقهِ جميعِها،\nولا سيما في المسائل الَّتي انفردَ بها أحدُ المجتهدين.\n• سبب الخلاف:\nمِنْ خلالِ عرضِ المسألةِ بأقوالها وأدلتها، يظهرُ أنَّ الخلافَ راجعٌ إِلى السببين الآتيين:\nالسبب الأول: بقاءُ قولِ المجتهدِ بعد موتِه، فإِذا قالَ المجتهدُ قولًا، ثُمَّ ماتَ، فهلْ نقولُ ببقاءِ قولِه؟\nإِنْ قلنا: إِنَّ قولَ المجتهد لا يبقى، بلْ يموتُ بموتِه، منعنا تقليدَه.\nوإِنْ قلنا: إِنَّ قولَ المجتهدِ يبقى، ولا يموتُ بموتِه، جوّزنا تقليدَه.\nالسبب الثاني: لزومُ تجديدِ الاجتهادِ إِذا سُئلَ المجتهدُ عن المسألةِ مرةً ثانية.\nفإِذا أوجبنا تجديدَ الاجتهادِ، فقد يقولُ قائلٌ بالمنعِ مِنْ تقليدِ الميتِ؛ لأنَّه لا يمكنُ منه تجديدُ الاجتهادِ.\nوإِذا لم نوجبْ تجديدَ الاجتهادِ، جوّزنا تقليدَ الميت.\n_________\n= والإِبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٩٤٥)، ونهاية السول (٤/ ٥٨٣)، والعقد الفريد للسمهودي (ص/ ٧٩).\n(^١) انظر: المسودة (٢/ ٩٣٢).","vol":"2","page":738},{"text":"يقولُ بدرُ الدين الزركشي: \"قيل: الخلافُ هنا - أيْ: في مسألةِ: (تقليد الميت) - مخرّجٌ مِن الخلافِ في إِعادةِ الاجتهادِ عند حدوثِ الحادثةِ مرةً أخرى\" (^١).\n* * *\n_________\n(^١) البحر المحيط (٦/ ٣٠٠).","vol":"2","page":739},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>المبحث الأول: التمذهب بمذهب الصحابي (^١)، والتابعي </span>(^٢)\nلا شكَّ في مكانةِ الصحابةِ - ﵃ - في الإِسلامِ، وفي سبقِهم في نشرِه ونقلِه، واهتمامِهم بالتفقهِ في دينِ الله.\nوقد كانَ مِنْ الصحابةِ - ﵃ - مَنْ بَلَغَ رتبةَ الاجتهادِ، فأفتوا الناسَ وأرشدوهم وعلَّموهم، وكان منهم: المقلُّ، والمكثرُ (^٣).\n_________\n(^١) تعددت تعريفات العلماء للصحابي، وأشهرها تعريفان:\nالتعريف الأول: أنَّ الصحابي هو: مَنْ رأى النبيّ - ﷺ - مؤمنًا به، ومات على الإِيمان، وإنْ لم يختص به اختصاص المصحوب، ولم يروِ عنه الحديث. ذهب إِلى هذا الإِمامُ أحمد، كما نقله عنه أبو يعلى في: العدة (٣/ ٩٨٧)، وأبو الخطاب في: التمهيد في أصول الفقه (٣/ ١٧٢)، ونسبه الآمدي في: الإِحكام في أصول الأحكام (٢/ ٩٢) إِلى أكثر الشافعية، ونسبه أبو المظفر السمعاني في: قواطع الأدلة (٢/ ٤٨٨) إِلى أصحاب الحديث، ونسبه السخاوي في: فتح المغيث (٤/ ٨) إِلى جمهور المحدِّثين.\nالتعريف الثاني: أنَّ الصحابي هو: مَنْ صحب النبي - ﷺ - مؤمنًا به، ومات على الإِيمان، واختص به اختصاص المصحوب، وطالت صحبته، وإنْ لم يروِ عنه. جزم بهذا التعريف: ابنُ الصباغ، كما نقله عنه السخاوي في: فتح المغيث (٤/ ١٩)، واختاره: الصيمريُّ في: مسائل الخلاف في أصول الفقه (ص/ ٣٠١)، وجعله أبو المظفر السمعاني في: قواطع الأدلة (٢/ ٤٨٧) طريق الأصوليين. وذكر التعريفَ الثاني الآمديُّ في: الإِحكام في أصول الأحكام (٢/ ٩٢) ولم ينسبه إِلى أحد.\n(^٢) تعددت تعريفات العلماء للتابعي، وأشهرها تعريفان:\nالتعريس الأول: أنَّ التابعي هو: مَنْ لقي أحدًا من صحابة رسول الله - ﷺ -، سواء أسمع منه، أم لا. وهذا التعريف يسير ضمن وجهة أصحاب التعريف الأول للصحابي. انظر: البحر المحيط (٤/ ٣٠٧)، وفتح المغيث للسخاوي (٤/ ٩٤).\nالتعريف الثاني: أنَّ التابعي هو: مَنْ لقي أحدًا من صحابة رسول الله - ﷺ -، واختص به. وهذا التعريف يسير ضمن وجهة أصحاب التعريف الثاني للصحابي. انظر: المصدرين السابقين.\n(^٣) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٥/ ٩٢ وما بعدها)، وجامع بيان العلم وفضله =","vol":"2","page":740},{"text":"وللصحابةِ - ﵃ - مكانةٌ رفيعةٌ عند المسلمين، ويتحدّثُ ابنُ القيّمِ عن مكانتهم، فيقول: \"لمَّا كان التلقي عنه - ﷺ - على نوعين: نوع بواسطة، ونوع بغيرِ واسطةِ، و(^١) كان التلقي بلا واسطةٍ حظَّ أصحابِه الذين حازوا قصباتِ السِّباقِ، واستولوا على الأَمَد، فلا مَطْمَعَ لأحدٍ مِن الأُمّةِ بعدَهم في اللحاقِ ... فأيّ خصلةِ خيرٍ لم يسبقوا إِليها؛ ! وأيّ خطةِ رُشْدٍ لم يستولوا عليها؟ ! الله لقد وَرَدُوا رأسَ الماءِ مِنْ عينِ الحياةِ عذبًا صافيًا زلالًا\" (^٢).\nويقول - أيضًا -: \"ثمَّ قامَ بالفتوى بعده - أيْ: بعد النبي - ﷺ - بَرْكُ (^٣) الإِسلامِ، وعصابةُ الإِيمانِ، وعسكرُ القرآنِ، وجندُ الرَّحمنِ، أولئك أصحابه - ﷺ -، أبر الأمةِ قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأحسنها بيانًا، وأصدقها إِيمانًا ... \" (^٤).\nويُبَيِّن أبو إِسحاقَ الشاطبيُّ احتفاءَ السلفِ وأربابِ المذاهب حين توافق أقوالُهم أقوال الصحابة - ﵃ -، فيقول: \"إِنَّ السلفَ والخلفَ - مِنْ التابعين ومَنْ بعدهم - يهابون مخالفةَ الصحابةِ، ويتكثّرون بموافقتِهم، وأكثر ما تجدُ هذا المعنى في علومِ الخلافِ الدائرِ بين الأئمةِ المعتبرين، فتجدهم إِذا عيَّنوا مذاهبَهم قووها بذكرِ مَنْ ذَهَبَ إِليها مِن الصحابةِ، وما ذاك إِلَّا لما اعتقدوا في أنفسِهم وفي مخالفيهم مِنْ تعظيمهم، وقوّةِ مآخذهم دونَ غيرِهم، وكبر شأنِهم في الشريعةِ ... \" (^٥).\nوقد نَقَلَ الصحابةُ - ﵃ - علمَهم إِلى التابعين - كما سَبَقَ بيانُه في الفصلِ الثاني - فكانوا أقربَ الناسِ بعد الصحابةِ إِلى مشكاةِ النبوةِ.\n_________\n= لابن عبد البر (٢/ ٨٥٨ وما بعدها)، وإِعلام الموقعين (٢/ ١٨ وما بعدها).\n(^١) هكذا في: إِعلام الموقعين (٢/ ٨) بإثبات الواو، ولعل الأقرب حذفها؛ لتتم جملة الشرط.\n(^٢) المصدر السابق. وانظر: هداية الحيارى لابن القيم (ص/ ٢٧٥ وما بعدها).\n(^٣) للبَرْك عدة معان، أنسبها للسياق معنى: الصدر. انظر: مقاييس اللغة، مادة: (برك)، (١/ ٢٨٨)، والقاموس المحيط، مادة: (برك)، (ص / ١٢٠٤).\n(^٤) إِعلام الموقعين (٢/ ١٧ - ١٨).\n(^٥) الموافقات (٤/ ٤٥٧).","vol":"2","page":741},{"text":"ولقد أَسْهَبَ الأصوليون في الحديث عن مسألةِ: (حجية قولِ الصحابي)، وحديثي هنا عن مسألةِ: (التمذهب بمذهب الصحابي والتابعي)، وبين المسألتين فرقٌ؛ فإِن مَنْ يَعُدُّ قول الصحابي حجةً لا يعتبرُ أخذَ قولِه تقليدًا ولا تمذهبًا، بلْ هو أخذٌ بالدليلِ والحجةِ، أمَّا عند القائل: إِنَّ قولَ الصحابي ليس بحجةٍ، فإِنَّ مسألةَ: (التمذهب بمذهبِ الصحابي) تَرِد عنده.\n• صورة المسألة:\nهلْ لأحدٍ أنْ يتمذهبَ بمذهب واحدٍ مِن الصحابةِ أو مِن التابعين، بحيثُ يلتزمُ مذهبَه في جميعِ أحوالِه، أو أكثرِها؟\n• تحرير محل النزاع:\nيمكنُ تحريرُ محلِّ النزاعِ في المسألةِ في ضوء الآتي:\nأولًا: اتفقَ العلماءُ على عدمِ وجوبِ التمذهبِ بمذهبِ الصحابي والتابعي.\nهذا ما ظَهَرَ لي أَثْنَاءَ بحثِ المسألةِ، ويؤكدُه أمرانِ:\nالأمر الأول: عدمُ وقوفي على قولٍ يُوجبُ التمذهبَ بمذهبِ الصحابي، والتابعي.\nالأمر الثاني: ليس في سياقِ المسألةِ وأدلتِها ما يدلُّ على الوجوبِ، وإِنَّما الحديثُ هنا عن امتناعِ التمذهبِ بمذهبِ الصحابي والتابعي، أو تجويزِه (^١).\nثانيًا: محل الخلافِ في الصحابي والتابعي البالغِ رتبة الاجتهادِ، أمَّا مَنْ لم يبلغْ هذه الرتبة منهم، فلا خلافَ حينئذٍ في عدم جوازِ أخذِ أقوالِه، إِنْ كان له أقوالٌ (^٢).\n_________\n(^١) انظر: الفصول في الأصول للجصاص (٣/ ٣٦٤)، والتقرير والتحبير (٣/ ٣٥٤)، وتيسير التحرير (٤/ ٢٥٦).\n(^٢) انظر: منع الموانع لابن السبكي (ص/ ٤٥١).","vol":"2","page":742},{"text":"وإِضافةُ: \"مذهب\" إِلى الصحابي والتابعي مشعرةٌ ببلوغِهما درجة الاجتهادِ؛ لأنَّ غيرَ المجتهدِ لا مذهبَ له (^١).\nثالثًا: مَنْ قالَ: قولُ الصحابي ليس بحجةٍ، وقولُ التابعي ليس بحجةٍ، فإِنَّ مسألةَ التمذهبِ بمذاهبِهم تَرِدُ عنده.\nأمَّا مَنْ قال: قولُ الصحابي حجةٌ، فلا يُوجدُ عنده تمذهبٌ؛ لأنَّ أخذَ قولِ الصحابي حينئذٍ أخذٌ بالدليلِ، وقد سبقت الإِشارةُ إِلى هذا قبلَ قليلٍ.\nرابعًا: الحديثُ هنا عن تمذهب مَنْ لم يبلغْ درجةَ الاجتهادِ المطلقِ مِنْ غير العامةِ، أمَّا تمذهبُ المجتهدِ بمذهب الصحابي أو التابعي، فقد تقدمَ الحديث عن: (تمذهب المجتهدِ) في مسألةٍ مستقلةٍ.\nخامسًا: محلُّ الخلافِ هو في التزام غيرِ العامي الَّذي لم يبلغْ درجةَ الاجتهادِ مذهب واحدٍ بعينه مِن الصحابة، أَو التابعين.\nسادسًا: نفى الآمديُّ الخلافَ في جوازِ تقليدِ العامي للصحابي (^٢)، ومراده بالعامي: مَنْ عدا المجتهد.\nوما ذكره مشكلٌ؛ ولا سيما أنَّ إِمامَ الحرمين الجويني حَكَى الإِجماعَ على خلافِ ما ذكره الآمديُّ - كما سيأتي بعد قليلِ - ويمكنُ حملُ كلامِ الآمدي على عوامّ الصحابةِ والتابعين.\nويؤكّدُ هذا: ما ذكره الآمديُّ نفسُه بعد نفيه للخلافِ في شأنِ العامي؛ إِذْ ذَكَرَ حكمَ تقليدِ المجتهدِ من التابعين للصحابي (^٣)، فالظاهر أنَّه أرادَ بالعامي في كلامِه العامي في عصرِ الصحابة - ﵃ -.\n• الأقوال في المسألة:\nاختلفَ العلماءُ في مسألةِ التمذهبِ بمذهبِ الصحابي والتابعي على قولين:\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق.\n(^٢) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام (٤/ ١٥٦).\n(^٣) انظر: المصدر السابق.","vol":"2","page":743},{"text":"القول الأول: المنع مِن التمذهبِ بمذهبِ الصحابي والتابعي.\nذَهَبَ إِلى هذا القولِ جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: ابنُ حزمٍ (^١)، وإمامٌ الحرمين الجويني (^٢)، وأبو حامدٍ الغزالي (^٣)، وابنُ بَرْهان - كما نقله عنه: شهابُ الدين القرافي (^٤)، وبدرُ الدين الزركشي (^٥) - وابنُ الصلاحِ (^٦)، ومحيي الدين النووي (^٧)، وابنُ حمدان (^٨)، وهو ظاهرُ اختيارِ تقي الدين بنِ تيمية - إِذ نَقَلَ كلامَ ابنِ الصلاح في المنعِ، ولم يتعقبه (^٩) - وهو أيضًا ظاهرُ اختيارِ جمالِ الدين الإِسنوي - إِذ نَقَلَ كلامَ إِمامِ الحرمين وابنِ الصلاح دونَ تعقبٍ (^١٠) - واختاره: بدرُ الدين الزركشي (^١١)، وابن رجبٍ الحنبلي (^١٢)، ومحمد بن الوزير (^١٣)، وابنُ رسلان الرملي (^١٤)، وابنُ الهمام الحنفي (^١٥)، ومحمد التمرتاشي (^١٦)، وعبدُ الله العلوي (^١٧)، ومحمد الأمين\n_________\n(^١) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام (٦/ ٨٧ - ٨٨، ١٣٣)، والنبذ في أصول الفقه (ص / ١١٦).\n(^٢) انظر: البرهان (٢/ ٧٤٤)، والغياثي (ص/ ٤١٠ وما بعدها).\n(^٣) انظر: المنخول (ص/ ٤٩٤).\n(^٤) انظر: نفائس الأصول (٩/ ٤١٤٩).\n(^٥) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٩٠).\n(^٦) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٦٢).\n(^٧) انظر: المجموع شرح المهذب (١/ ٥٥).\n(^٨) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٧٢ - ٧٣).\n(^٩) انظر: المسودة (٢/ ٨٥٦).\n(^١٠) انظر: نهاية السول (٤/ ٦٣٠ - ٦٣٢).\n(^١١) انظر: البحر المحيط (٦/ ٧١)، وسلاسل الذهب (ص/ ٤٥٠).\n(^١٢) انظر: الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة (ص/ ٣٤).\n(^١٣) انظر: العواصم والقواصم (٢/ ٤١٨).\n(^١٤) انظر: لمع اللوامع، الفسم الثاني (٢/ ٦٧١).\n(^١٥) انظر: التحرير (٣/ ٣٥٤) مع شرحه التقرير والتحبير.\n(^١٦) انظر: الوصول إِلى قواعد الأصول (ص/ ٢٩٠). ومحمد التمرتاشي هو: محمد بن عبد الله بن أحمد الخطيب بن محمد الخطيب التمرتاشي الغزي، ولد في غزة سنة ٩٣٩ هـ كان حنفي المذهب، ورأس الفقهاء في عصره، إِمامًا فاضلًا، وأصوليًا متكلمًا، حسن السمت، قوي الحافظة، كثير الاطلاع، وقد أخذ العلم عن عدد من علماء عصره، وتلقى عنه العلم عددٌ من الطلاب، وتولى منصب الإِفتاء بغزة هاشم، من مؤلفاته: الوصول إِلى قواعد الأصول، وتنوير الأبصار وجامع البحار، توفي بغزة بعد سنة ١٠٠٤ هـ. انظر ترجمته في: خلاصة الأثر للمحبي (٤/ ١٩)، والأعلام للزركلي (٦/ ٢٣٩)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٤٢٨)، ومقدمة محقق الوصول إِلى قواعد الأصول (ص/ ٧٩).\n(^١٧) انظر: نشر البنود (٢/ ٢٥٦، ٣٥٢).","vol":"2","page":744},{"text":"ابن أحمد الجكني (^١)، ومحمد حسنين مخلوف (^٢).\nالقول الثاني: جوازُ التمذهبِ بمذهبِ الصحابي والتابعي.\nنَسَبَ أبو الحسنِ الماورديُّ هذا القولَ إِلى بعضِ أصحابِ الحديث، وبعضِ الفقهاءِ (^٣).\nواختاره الشيخُ محمد ناصر الدين الألباني؛ إِذ علَّق على كلامِ ابن حمدان لمَّا مَنَعَ التمذهبَ بمذهب أحدٍ مِن الصحابةِ والتابعين، بقولِه: \"فإِنَّ التمذهبَ بمذهب أحدٍ مِن الصحَابةِ - ولا سيما الخلفاء الراشدين منهم - بعدَ صحتِه أحقُّ مَا تمذهبَ به المسلمُ بعد كتابِ الله وسنةِ رسوله - ﷺ -\" (^٤).\nويظهرُ لي أنَّ مقصدَ الشيخِ الألباني هو الأخذُ بأقوالِ الصحابةِ وتقديمِها على غيرِها، دونَ حقيقةِ التمذهب الَّتي هي التزامُ أقوالِ عالمٍ بعينِه؛ لما عُرِفَ عن الشيخِ الألباني مِنْ شدّةِ مَحاربتِه للتمذهبِ بالمذاهبِ.\nواختارَ القولَ الثاني: محمد المختار الشنقيطي (^٥).\n• أدلة القولين:\nأدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: عن عدي بن حاتمٍ - ﵁ - (^٦)، قال: أتيتُ النبيَّ - ﷺ - وفي\n_________\n(^١) انظر: مراقي السعود (ص/ ٤٠٢).\n(^٢) انظر: بلوغ السول (ص/ ٥٠).\n(^٣) انظر: أدب القاضي (١/ ٢٧٠).\n(^٤) انظر: تعليقه على صفة الفتوى (ص/٧٣)، حاشية رقم (١).\n(^٥) انظر: تعليق المحقق: محمد الشنقيطي على سلاسل الذهب (ص/ ٤٥١)، حاشية رقم (١).\n(^٦) هو: عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس الطائي، أبو طريف، ولد الجواد المشهور، أحد صحابة رسول الله - ﷺ -، قدم عليه سنة سبع، فأكرمه النبيُّ - ﷺ - واحترمه، كان نصرانيًا وأسلم سنة تسع، وقيل: سنة عشر، كان سيدًا شَريفًا في قومه، خطيبًا حاضر الجواب، فاضلًا كريمًا، جاء عنه أنَّه قال: \"ما دخل وقت صلاة قط إِلَّا وأنا أشتاق إِليها\"، =","vol":"2","page":745},{"text":"عنقي صليبٌ مِنْ ذهبٍ، فقالَ: (يا عدي، اطرح عنك هذا الوثنَ)، وسمعتُه يقرأُ في سورةِ براءة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (^١) قال: قُلتُ: يا رسولَ الله، إِنَّا لسنا نعبدهم! فقال: (أليس يحرّمون ما أحلَّ اللهُ فتحرمونه، ويحلّون ما حرَّم اللهُ فتستحلونه؟). قُلتُ: بلى. قال: (فتلك عبادتهم) (^٢).\n_________\n= شهد فتح العراق، ونزل الكوفة، وسكنها، وشهد الجمل مع عليّ بن أبي طالب - ﵁ -، وفُقئت عينه، وشهد مع عليّ أيضًا صفين والنهروان، توفي - ﵁ - بالكوفة سنة ٦٨ هـ وقيل: سنة ٦٩ هـ، وهو ابن مائة وعشرين عامًا، وقيل: ابن مائة وثمانين عامًا. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٦/ ٢٢)، والتاريخ الكبير للبخاري (٧/ ٤٣)، وتاريخ مدينة السلام للخطيب (١/ ٥٤٦)، والاستيعاب لابن عبد البر (ص/ ٥٧٧)، وتهذيب الكمال للمزي (١٩/ ٤٢٥)، وسير أعلام النُّبَلاء (٣/ ١٦٣)، والإِصابة لابن حجر (٤/ ٤٦٩).\n(^١) من الآية (٣١) من سورة (التوبة).\n(^٢) أخرج حديث عدي بن حاتم - ﵁ -: البخاري في: التاريخ الكبير (٧/ ١٠٦)؛ والترمذي في: جامعه، كتاب: تفسير القرآن عن رسول الله - ﷺ -، باب: ومن سورة التوبة (ص/ ٦٩٤)، برقم (٣٠٩٥)، وقال: \"هذا حديث غريب، لا نعرفه إِلَّا من حديث عبد السَّلام بن حرب، وغطيفُ بن أعين ليس بمعروف في الحديث\". والطبري في: جامع البيان (١١/ ٤١٧ - ٤١٨)؛ والطَّبراني في: المعجم الكبير (١٧/ ٩٢)، بالرقمين (٢١٨ - ٢١٩)؛ والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: آداب القاضي، باب: ما يقضي به القاضي ويفتي به المفتي (١٠/ ١١٦)؛ وفي: المدخل إِلى السنن الكبرى، باب: ترك الحكم بتقليد أمثاله من أهل العلم (١/ ٢٣٣ - ٢٣٤)، برقم (٢٦١).\nوعزاه السيوطي في: الدر المنثور (٧/ ٢٣٢) إِلى ابنِ سعد، وعبدِ بن حميد، وابنِ المنذر، وابنِ أبي الشَّيخ، وابنِ مردويه.\nوحسَّن الحديثَ تقي الدين بن تيمية في: الإِيمان (ص/ ٦٤)، والألباني في: صحيح الترمذي (ص/ ٦٩٤).\nوللحديث شواهد موقوفةٌ بمعنى حديث عدي - ﵁ -: منها: أثر عن حذيفة بن اليمان - ﵁ -، وأخرجه: الطبري في: جامع البيان (١١/ ٤١٨ - ٤١٩)؛ والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: آداب القاضي، باب: ما يقضي به القاضي ويفتي به المفتي (١٠/ ١١٦)؛ وابن عبد البر في: جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٧٧)، برقم (١٨٦٤)؛ وابن حزم في: الإِحكام في أصول الأحكام (٦/ ١٧٩ - ١٨٠).\nوعزاه السيوطي في: الدر المنثور (٧/ ٢٣٢) إِلى عبد الرزاق، والفريابي، وابن المنذر، وأبي حاتم، وأبي الشيخ.","vol":"2","page":746},{"text":"وجه الدلالة من الحديث: أنَّ النبيَّ - ﷺ - سمَّى اتِّباعَ مَنْ دونه في التحليلِ والتحريمِ عبادةً، وكلُّ مَنْ قلَّد عالمًا، وتمذهبَ بمذهبِه - والعالمُ يخطئُ ويصيبُ - فلا بُدَّ له ضرورةً أنْ يستحلَّ حرامًا، ويحرِّمَ حلالًا (^١)، فيُنهى عنه، والتمذهبُ داخلٌ تحتَ الصورةِ المنهي عنها (^٢).\nيقولُ الشيخُ محمد صديق القنوجي: \"إِنَّ طاعةَ المتمذهبِ لمنْ يقتدي بقولِه، ويستن بسنتِه مِنْ علماءِ هذه الأُمّةِ، مع مخالفتِه لما جاءَت به النصوصُ ... هو كاتخاذِ اليهودِ والنصارى للأحبارِ والرهبانِ أربابًا مِنْ دون الله؛ للقطع بأنَّهم لم يعبدوهم، بلْ أطاعوهم، وحرّموا ما حرموا، وحللوا ما حللوا\" (^٣).\nمناقشة الدليل الأول: يمكنُ أنْ يُناقش الاستدلالُ بالحديثِ: بأنَّ الصورةَ الَّتي يصدقُ عليها وصفُ العبادةِ هي: إِمَّا أَخْذُ قولِ عالمِ في تحليلِ ما حرَّمه اللهُ تعالى، والآخذُ يَعْلَمُ حرمتَه، أو أخذُ قولِ العالمِ في تحريمِ ما أحلَّه الله، والآخذُ يعلمُ حلَّه، وإِمَّا أخذُ قولِ عالمِ مع إِضمارِ الآخذِ في نفسِه عدم تركِ قولِ العالمِ، وإنْ ظَهَرَ الدليلُ على خلافِه.\nلأنَّ في هاتين الصورتين تقديمًا لرأي العالم على حكمِ الله القاطعِ؛ كما لو قلَّدَ المجتهدُ شخصًا في حكمٍ يقطعُ المجتهدُ بخطئِه (^٤).\nأمَّا صورةُ أخذِ أقوالِ عالمٍ فيما لا يُعلمُ خطؤه ومخالفتُه لحكمِ الله تعالى، فلا يظهرُ دخولها تحتَ معنى العبادةِ.\n_________\n(^١) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ١٣٣، ١٤٤، ١٤٨)، وإيقاظ أولي الأبصار لصالح الفلاني (ص/ ٣٤)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ١١٢)، وعون الباري له (١/ ١٦٣).\n(^٢) ليس كل أرباب القول الأول يستدل بهذا الدليل، وإنما يستدل به من يرى المنع من التمذهب عمومًا.\n(^٣) الدين الخالص (٤/ ١١٢). وانظر: فتح القدير للشوكاني (٢/ ٣٥٣).\n(^٤) انظر: حجة الله البالغة للدهلوي (١/ ٤٧٦).","vol":"2","page":747},{"text":"ويدلُّ على ما سَبَقَ: أنَّا لو أخذنا بعمومِ الاستدلالِ لمنعنا تقليدَ العامي الصِرْفِ للمجتهدِ، وجماهيرُ العلماءِ على القولِ بجوازِه (^١)، بلْ حَكَى بعضُهم الإِجماعَ عليه (^٢).\nوالمتمذهبُ اتَّبعَ عالمًا يظنه أنَّه مصيبٌ في حكمِه، ولم يتَّبعه محادَّة لله تعالى ولرسولِه - ﷺ - (^٣).\nالدليل الثاني: إِجماعُ المحققين على منعِ غيرِ المجتهدين مِنْ أخذِ أقوالِ الصحابةِ - ﵃ -، حكاه إِمامُ الحرمين الجويني، فقالَ: \"أَجَمَعَ المحققونَ على أنَّ العوامَّ ليس لهم أنْ يتعلقوا بمذاهب أعيانِ الصحابةِ - ﵃ -، بلْ عليهم أن يتبعوا مذاهبَ الأئمةِ الذين سبروا (^٤) وَنظروا، وبوّبوا الأبوابَ، وذكروا أوضاعَ المسائلِ، وتعرضوا للكلامِ على مذاهبِ الأولين\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر مسألة: (تقليد العامي للمجتهد) في: شرح العمد (٢/ ٣٠٣)، والمعتمد (٢/ ٩٣٤)، والعدة (٤/ ١٢٢٥)، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (٢/ ٩٨٩)، وإِحكام الفصول (ص/ ٧٢٩)، وشرح اللمع (٢/ ١٠١٠)، وقواطع الأدلة (٥/ ٩٩)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٩٦)، والمحصول في أصول الفقه لابن العربي (ص / ١٥٤)، وميزان الأصول (٢/ ٩٥٠)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٧٣)، وروضة الناظر (٣/ ١٠١٨)، والإِحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٢٨)، ومنتهى الوصول لابن الحاجب (ص/ ٢٢٥)، ومختصره (٢/ ١٢٥٢)، وشرح تنقيح الفصول (ص/ ٤٤٤)، وتقريب الوصول لابن جزي (ص/ ٤٤٥)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٣٩)، والإِبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٩٤٧)، ورفع الحاجب (٤/ ٥٩٢)، ونهاية السول (٤/ ٥٨٦)، والبحر المحيط (٦/ ٢٨٥)، وتشنيف المسامع (٤/ ٦٠٣)، وتيسير التحرير (٤/ ٢٤٦)، وفواتح الرحموت (٢/ ٤٠٢)، وأضواء البيان (٧/ ٥١٩).\n(^٢) انظر: جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (٢/ ٩٨٩)، وقواطع الأدلة (٥/ ١٦٢)، وروضة الناظر (٣/ ١٠١٨)، والإِحكام في أصول الأحكام للآمدى (٤/ ٢٢٩)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٦٥٢)، والبحر المحيط (٦/ ٢٨٣)، وأضواء البيان (٧/ ٥١٩).\n(^٣) انظر: حجة الله البالغة للدهلوي (١/ ٤٧٧).\n(^٤) يقول أمير بادشاه في: تيسير التحرير (٤/ ٢٥٥) عن المقصود بكلمة: \"سبروا\" الواردة في كلام إِمام الحرمين: \"السبر عند الأصوليين: حصرُ الأوصاف الصالحة للعليّة في عدد، ثم إِبطال بعضها ... فإِنْ أراد هذا، كان إِشارةً إِلى كمالهم في باب القياس، والأظهر أنْ يراد ما هو أعم من ذلك من التعمق والتحقيق\".\n(^٥) البرهان (٢/ ٧٤٤). وانظر: غياث الأمم (ص/ ٤١٠ - ٤١١)، والمنخول (ص/ ٤٩٥). =","vol":"2","page":748},{"text":"ثمَّ ساقَ إِمامُ الحرمين الشواهدَ على ترجيحِ الأخذِ بمذهبِ الإِمامِ الشَّافعي (^١).\nوقد نَقَلَ الإِجماعَ الَّذي حكاه إِمامُ الحرمين الجويني جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: جمالُ الدين الإِسنويّ (^٢)، وبدرُ الدين الزركشيّ (^٣)، وابنُ الهمام الحنفي (^٤)، ومحمد التمرتاشيُّ (^٥)، وعبدُ الرؤوف المناوي (^٦)، وإبراهيمُ اللقانيُّ (^٧).\nوقد حَمَلَ أبو عبد الله المازريُّ (^٨)، وابنُ الوزير (^٩) الإِجماعَ الَّذي حكاه إِمامُ الحرمين على منعِ التمذهبِ بمذهبِ الصحابي، لا مطلق تقليدِه.\n_________\n(^١) انظر: البرهان (٢/ ٧٤٤). وقد قرر إِمام الحرمين ترجيح مذهب الإِمام الشَّافعي في كتابه: غياث الأمم (ص/ ٤١٠ - ٤١١).\n(^٢) انظر: التمهيد في تخريج الفروع على الأصول (ص/ ٥٢٧).\n(^٣) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٨٨)، وسلاسل الذهب (ص / ٤٥٠).\n(^٤) انظر: التحرير (٣/ ٣٥٢) مع شرحه التقرير والتحبير.\n(^٥) انظر: الوصول إِلى قواعد الأصول (ص/ ٢٩٠).\n(^٦) انظر: شرح عماد الرضا ببيان آداب القضا (١/ ٢٩٣). وعبد الروؤف المناوي هو: عبد الرؤوف - وفي بعض المصادر: محمد عبد الرؤف - بن تاج الدين بن عليّ بن زين الدين المناوي القاهري، يلقب بزين الدين الحدادي، ولد سنة ٩٥٢ هـ كان إِمامًا كبيرًا، حجةً ثبتًا، فقيهًا أصوليًا، فاضلًا زاهدًا عابدًا، من أعيان الشافعية في زمنه، ومن أعلم أهل عصره بالحديث، وصفه المحبي بـ \"صاحب التصانيف السائرة، وأجل عصره من غير ارتياب\"، وقد أخذ ببعض الطرق الصوفية، من مؤلفاته: فيض القدير شرح الجامع الصغير، والتيسير بشرح الجامع الصغير، والتوقيف على مهمات التعاريف، واليواقيت والدرر شرح نخبة الفكر، توفي بالقاهرة سنة ١٠٣١ هـ وقيل: ١٠٢٩ هـ. انظر ترجمته في: خلاصة الأثر للمحبي (٢/ ٤٠٠)، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ ٣٦٥)، وفهرس الفهارس والأثبات للكتاني (٢/ ٥٦٠)، والأعلام للزركلي (٦/ ٢٠٤)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٢/ ١٤٣).\n(^٧) انظر: منار أصول الفتوى (ص/ ٢٠٤).\n(^٨) نقل محمدُ بن الوزير قولَ المازري في: العواصم والقواصم (٢/ ٤١٨). ولم أقف على تفسير المازري للإِجماع الَّذي حكاه إِمام الحرمين في كتابه: (إِيضاح المحصول من برهان الأصول)؛ إِذ أبواب الاجتهاد غير موجودة فيه.\n(^٩) انظر: العواصم والقواصم (٢/ ٤١٨).","vol":"2","page":749},{"text":"مناقشة الدليل الثاني، نوقش الدليل من أربعة أوجه:\nالوجه الأول: ليس مرادُ إِمامِ الحرمين الجويني بالإِجماعِ الَّذي حكاه الإِجماعَ الَّذي هو حجةٌ، بلْ مرادُه ما يكون مختارًا عند أحدٍ مِن العلماءِ، وتكون الجماعة متفقة عليه، فيقالُ عنه: أَجَمعَ المحققونَ على كذا.\nويدلُّ على هذا: أنَّ هناك إِجماعًا على خلافِ ما ذكره إِمامُ الحرمين - كما سيأتي بعد قليل - فلئلا نَقَعَ في مخالفةِ إِجماعٍ سابقٍ، أَوَّلنا ما ذكره إِمامُ الحرمينِ الجويني (^١).\nالوجه الثاني: لا يلزمُ مِنْ سَبْرِ الأئمةِ الأربعةِ مذاهبَهم وجوبُ أخذِها؛ لأنَّا لو قلنا بهذا، للزمَ الأخذُ بمذاهبِ مَنْ بعد الأئمةِ الأربعةِ؛ لأنَّه وُجدَ فيمَنْ بعدهم مَنْ جَمَعَ سَبْرًا أكثر منهم (^٢).\nالوجه الثالث: أنَّ التبويبَ وذكرَ أوضاعِ المسائلِ لا مدخلَ له في التقليدِ، فكيفَ نمنعُ تقليدَ الصحابةِ؛ لأنّضهم لم يُبَوَّبوا؟ ! (^٣).\nويمكن الجواب عن الوجه الثالث: بأن للتبويبِ وذكرِ أوضاعِ المسائلِ أثرًا في التمذهبِ بمذهب الصحابي والتابعي؛ إِذ إِنَّه يقرِّبُ التمذهبَ، ويُيسر الالتزامَ بالمذهبِ، ولعَلَّ ما ذكره إِمامُ الحرمين مِن الإِشارةِ إِلى التبويبِ وذكرِ المسائلِ قرينةٌ دالةٌ على إِرادتِه بالإِجماعِ الَّذي حكاه الإِجماع على منعِ التمذهبِ بمذهبِ الصحابي، لا مطلق تقليدِه.\nالوجه الرابع: يبطلُ الإِجماعُ المذكورُ في الدليل بإِجماعين سابقين، وهما:\nالأول: إِجماعُ العلماءِ على أنَّ مَنْ أسلمَ، فله أنْ يقلِّد مَنْ شاءَ مِن العلماءِ.\n_________\n(^١) انظر: فواتح الرحموت (٢/ ٤٠٧).\n(^٢) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٨٩)، والتقرير والتحبير (٣/ ٣٥٤).\n(^٣) انظر: فواتح الرحموت (٢/ ٤٠٧).","vol":"2","page":750},{"text":"الثاني: إِجماعُ الصحابةِ - ﵃ - على أنَّ مَنْ استفتى أبا بكرٍ وعمر - ﵄ -، فله أنْ يستفتي غيرَهما (^١).\nيقولُ عبدُ العلي الأنصاري: \"فقد بَطَلَ بهذين الإِجماعين قولُ الإِمامِ\" (^٢).\nويمكن الجواب عن الوجه الرابع: بأنَّ مرادَ إِمامِ الحرمين الجويني منعُ التمذهبِ بمذهبِ الصحابي بعدَ استقرارِ المذاهبِ، لا مطلق تقليدِه، وبهذا يَسلمُ الإِجماعُ مِنْ معارضةِ الإِجماعات الأخرى.\nوقد علَّقَ شهابُ الدين القرافي على ما ذكره إِمامُ الحرمين بأنَّ كلامَه يخلو مِن الأدبِ مع الصحابةِ - ﵃ - (^٣).\nواشتدَّ غَضَبُ ابنِ القيّمِ على ما ذكره إِمامُ الحرمين الجويني، فقال متعقبًا له - دونَ أنْ يصرِّحَ ابنُ القيمِ باسمِ إِمام الحرمين -: \"بلْ قد صرَّحَ بعضُ غلاتِهم في بعضِ كتبِه الأصوليةِ أنَّه لا يجوزُ تقليدُ أبي بكرٍ وعمر، ويجبُ تقليدُ الشَّافعي! فيا لله العجب الَّذي أَوْجَبَ تقليدَ الشَّافعي، وحرَّم عليكم تقليدَ أبي بكرٍ وعمر ... ونحمدُ اللهَ على أنْ عافانا ممَّا ابتلى به مَنْ حرَّمَ تقليدَهما، وأوجبَ تقليدَ متبوعِه مِن الأئمةِ\" (^٤).\nالدليل الثالث: أنَّ الصحابةَ - ﵃ - والتابعين - وإِنْ كانوا أعلم وأعلى درجة ممَّنْ بعدَهم - لم يتفرغوا لتدوينِ العلمِ، وضبطِ أصولِه وفروعِه، وليس لأحدٍ منهم مذهبٌ محرّرٌ مقرّرٌ مستوعبٌ للأصولِ والفروعِ، ولم يقرروا لأنفسِهم أصولًا تفي باحكامِ الحوادثِ، وإِنْ وُجِدَ لبعضِهم أصولٌ، فإِنَّها لا تفي بجميعِ الحوادثِ - بلْ إِنَّ بعضَها لم يثبتْ حق الثبوتِ - وإِنَّما قامَ بذلك مَنْ جاءَ بعدهم مِن الأئمةِ الناخلين لمذاهبِ الصحابةِ والتابعين، القائمين\n_________\n(^١) انظر: شرح تنقيح الفصول (ص/ ٤٣٢ - ٤٣٣)، ونفائس الأصول (٩/ ٤١٤٧ - ٤١٤٨)، وفواتح الرحموت (٢/ ٤٥٧).\n(^٢) فواتح الرحموت (٢/ ٤٠٧).\n(^٣) انظر: نفائس الأصول (٩/ ٤١٥١).\n(^٤) إِعلام الموقعين (٣/ ٥٢٣).","vol":"2","page":751},{"text":"بتمهيدِ أحكام الوقائعِ قبلَ وقوعِها، وظَهَرَ في مذاهبِهم تقييدُ مطلقِها، وتخصيصُ عامِّها، وشروطُ فروعِها، فما أطلقوا حكمَه في موضعٍ، وُجِد تكميلُه في موضع آخر، ولذا فليس لأحدٍ أنْ يتمذهبَ بمذهبِ أحدٍ من الصحابةِ والتابعين (^١).\nوخلاصةُ هذا الدليل: أنَّ الصحابةَ - ﵃ - والتابعين لم يتفرغوا لضبطِ العلمِ - أصولًا وفروعًا - ولم يَأْتِ أحدٌ يقومُ على خدمةِ أقوالهم؛ لتظهرَ في منظومةٍ مذهبيةِ متكاملةٍ.\nمناقشة الدليل الثالث: إِنَّ قولَكم: \"ليس لأحد منهم مذهب محرر مستوعب للأصول والفروع\"، مسلَّمٌ.\nوأمَّا قولكم إِنَّه لم يُوْجَدْ مَنْ يعتني ويخدم أقوالَ الصحابةِ والتابعين، فيلزمُ منه تعذّر نقل أقوالِ الصحابةِ والتابعين في جميعِ المسائلِ، ويلزمُ منه أحدُ أمرين:\nالأمر الأول: عدمُ جوازِ نقلِ أقوالِ الصحابةِ - ﵃ - والتابعين؛ لعدمِ انضباطِها.\nالأمر الثاني: جوازُ نقلِ أقوالِ الصحابةِ - ﵃ - التابعين؛ لضبطِها، مع جوازِ أخذِها والعملِ بها.\nأمَّا مَنْعُ العملِ بها؛ لتوهم عدمِ ضبطِ شروطِ تلك المسائلِ، فهذا يَمْنَعُ النقلَ عنهم (^٢)، وواقعُ الأمرِ أنَّ العلماءَ ينقلون أقوالَ الصحابةِ والتابعين، فَظَهَرَ بهذا ضعفُ دليلِكم.\n_________\n(^١) انظر: المنخول (ص/ ٤٩٥)، والوصول إِلى الأصول لابن برهان (٢/ ٣٦٧)، وأدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٦٢ - ١٦٣)، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٥٥)، ونفائس الأصول (٩/ ٤١٥٠)، وصفة الفتوى (ص/ ٧٣)، والمسودة (٢/ ٨٥٦)، ومنع الموانع لابن السبكي (ص/ ٤٤٠)، والبحر المحيط (٦/ ٧١، ٢٩٠)، ولمع اللوامع لابن رسلان، القسم الثاني (٢/ ٦٧١)، والتقرير والتحبير (٣/ ٣٥٣)، وكشاف القناع للبهوتي (١٥/ ٥٥ - ٥٦)، ونشر البنود (٢/ ٣٥٢)، ومراقي السعود (ص / ٤٠٢)، وسلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٦٣١).\n(^٢) انظر: نفائس الأصول (٩/ ٤١٥١).","vol":"2","page":752},{"text":"الجواب عن المناقشة: أجابَ شهابُ الدّينِ القرافي عن المناقشةِ، فقالَ: \"إِنَّ أمرَ النقلِ خفيفٌ بالنسبةِ إِلى العملِ؛ فإِنَّه قد يكونُ المقصودُ منه الاطلاعَ على وجوه الفقهِ، والتنبيه (^١) اللمداركِ، وعدم الوفاقِ، فيوجب ذلك التوقّف عن أمورٍ، والحثّ على أمورٍ\" (^٢).\nالدليل الرابع: أنَّ في التمذهبِ بمذهبِ الصحابي والتابعي وقوعًا في التلفيقِ بين المذاهب، والانتقال بين أكثر مِنْ مذهبٍ، وهو ممنوعٌ؛ ذلك أنَّ أقوالَ الصحابي والتابعي لم تستوعبْ جميعَ الفروعِ، فليس للواحدِ منهم مِن النصوصِ ما يكفي مَنْ يُرِيدُ التمذهبَ بمذهبِه، فلا يتأتَّى الاكتفاءُ به، الأمر الَّذي يؤدّي بالمتمذهب بمذهبِ الصحابي والتابعي إِلى انتقالِه في المسائلِ الَّتي لم يجدْ فيها قولًا عنهم - وهي كثيرةٌ - إِلى غيرِه مِن المذاهبِ، وهو أمرٌ ممنوعٌ (^٣).\nويمكن أن يناقش الدليل الرابع: بعدمِ التسليمِ بالمنع مِن الانتقالِ مِن المذهب إِلى غيرِه؛ ولا سيما عند وجودِ ما يدعو إِليه، فالمسَألةُ محلُّ خلافٍ بين الأَصوليين.\nالدليل الخامس: لو كُلِّفَ الناسُ بالتمذهب بمذهبِ الصحابي أوالتابعي لوقعتْ عليهم مشقةٌ عظيمةٌ؛ إِذ يترتبُ عليه تعطيل معاشِهم، لذا سَقَط عنهم الأخذُ بمذهبِ الصحابي والتابعي (^٤).\nويمكن أن يناقش الدليل الخامس: بأنَّ المشقةَ إِنَّما تحصلُ فيما لو قِيلَ بوجوبِ التمذهبِ بمذهبِ الصحابي والتابعي، ونحنُ لم نقلْ بالوجوبِ، ثمَّ كلامنا في غيرِ العامي الصِرْفِ.\n_________\n(^١) في المصدر السابق: \"والمبنية\"، وهو تصحيف، ولعل المثبت هو الصواب.\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) انظر: المصدر السابق، ونهاية السول (٤/ ٦٣٠)، والتمهيد في تخريج الفروع على الأصول للإِسنوي (ص/ ٥٢٧)، والبحر المحيط (٦/ ٢٩٠)، والعواصم والقواصم لابن الوزير (٢/ ٤١٨).\n(^٤) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٨٩)، والتقرير والتحبير (٣/ ٣٥٤).","vol":"2","page":753},{"text":"الدليل السادس: يتطرقُ إِلى مذهبِ الصحابي والتابعي عدةُ احتمالاتٍ لا يتمكنُ معها العامي مِن الأخذِ به، فضلًا عن التزامِ جميعِ أقوالِه، منها: قوةُ عبارةِ الصحابي والتابعي، وصعوبتُها على فهمِ العامي، واحتمالُ رجوعِ الصحابي والتابعي عن قولِه، وأنْ يكون الإِجماعُ منعقدًا بعد قولِ الصحابي والتابعي على قولٍ آخر، وأنْ لا يثبتَ القولُ عن الصحابي أو التابعي. فلهذه الاحتمالاتِ مَنَعْنَا الأخذَ بقولِهما (^١).\nمناقشة الدليل السادس: نوقش الدليل من وجهين:\nالوجه الأول: إِنْ أردتم بالعامي في دليلِكم العامي الصِرْف، فليس كلامُنا فيه؛ لأنَّ العاميَّ لا مذهبَ (^٢) - كما تقدم تقريرُه مِنْ قبلُ - وإنْ أردتم بالعامي مَنْ عدا المجتهد، فقد يُسلَّمُ لكم بعضُ الاحتمالات المذكورةِ.\nالوجه الثاني: ما ذكرتموه مِن الاحتمالات، هي احتمالاتٌ عقليةٌ لم يقمْ عليها دليلٌ، وكلُّها واردةٌ في التمذهبِ بالمذاهبِ الأربعةِ (^٣).\nأدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: ما رُوي عن النبي - ﷺ -: (أصحابي كالنجومِ بأيّهم اقتديتم اهتديتم) (^٤).\n_________\n(^١) انظر: المصدرين السابقين.\n(^٢) انظر: سلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٦٣٢).\n(^٣) انظر: المصدر السابق.\n(^٤) جاء الحديث عن جابر بن عبد الله - ﵁ -، وورد في معناه أحاديث عن بعض الصحابة - ﵁ -، وسأورد أهمها:\nأولًا: حديث جابر بن عبد الله - ﵁ -، وأخرجه: الدَّارقطني في: غرائب مالك بنحو اللفظ - كما في: تخريج أحاديث الزَّمخشري للزيلعي (٢/ ٢٣٠)، والتلخيص الحبير لابن حجر (٦/ ٣١٨٨) - وقال الدَّارقطني: \"هذا لا يثبت عن مالك، ورواته عن مالك مجهولون\"، وضعف ابنُ حجر في: التلخيص الحبير (٦/ ٣١٨٨) رواية الدَّارقطني؛ وفي: المؤتلف والمختلف (٣/ ١٧٧٨)، وقال ابنُ طاهر عن إِسناد الدَّارقطني - كما نقله عنه الزيلعي في: تخريج أحاديث =","vol":"2","page":754},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الزَّمخشري -: \"هذه الرواية معلولة بسلام المدائني، وهو ضعيف\". وابن عبد البر في: جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٢٥)، برقم (١٧٦٠)، وقال: \"هذا إِسناد لا تقوم به حجة؛ لأنَّ الحارث بن غصين مجهول\". وابن حزم في: الإِحكام في أصول الأحكام (٦/ ٨٢ - ٨٣)، وقال عنه: \"سلام بن سليمان يروي الأحاديث الموضوعة، وهذا منها بلا شك، فهذه رواية ساقطة من طريق ضعيفٍ إِسنادها\".\nوحكم الألبانيُّ في: سلسلة الأحاديث الضَّعيفة (١/ ١٤٤) على حديث جابر بالوضع.\nثانيًا: حديث عبد الله بن عمر - ﵄ -، ولفظه: (إِنَّما مَثَلُ أصحابي مَثَل النجوم، فأيهم أخذتم بقوله اهتديتم)، وأخرجه: عبد بن حميد في: المنتخب (٢/ ٣٠)، برقم (٧٨١)؛ وابن عدي في: الكامل في الضعفاء (٣/ ٣٧٦ - ٣٧٧)؛ والدارقطني في: فضائل الصحابة - كما في: تخريج أحاديث الزَّمخشري للزيلعي (٢/ ٢٣١)، والبدر المنير لابن الملقن (٩/ ٥٨٥)؛ وابن بطة في: الإِبانة عن شريعة الفرقة الناجية (الكتاب الأول: الإِيمان/ ٢/ ٥٦٣)، برقم (٧٠١)؛ وابن عبد البر في: جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٢٤)، برقم (١٧٥٩) معلَّقًا، وقال: \"هذا إِسناد لا يصح\".\nويقول ابنُ طاهر عن أحدِ رجال سند الحديث - كما نقله عنه الزيلعيُّ في: تخريج أحاديث الزَّمخشري (٢/ ٢٣١) -: \"حمزة النصيبي كذاب\".\nوضعف حديثَ عبد الله بن عمر: ابنُ الملقن في: البدر المنير (٩/ ٥٨٥)، وابن حجر في: التلخيص الحبير (٦/ ٣١٨٨)، وفي: المطالب العالية (١٧/ ٦٥) بحمزة النصيبي. وانظر: ميزان الاعتدال للذهبي (١/ ٦٠٦).\nوقال ابن حزم في: الصادع على من قال بالقياس (ص/٥٦٣) عن حديث ابن عمر - ﵄ -: \"هو مما يقطع أنَّه كذب موضوع\".\nوحكم الألبانيُّ في: سلسلة الأحاديث الضَّعيفة (١/ ١٤٩) على حديث عبد الله بن عمر بالوضع.\nثالثًا: حديث عبد الله بن عبَّاس - ﵄ - ولفظه: (إِنَّ أصحابي بمنزلة النجوم في السماء، فأيها أخذتم به اهتديتم)، وأخرجه: البيهقي في: المدخل إِلى السنن (١/ ١٤٦)، برقم (١٥٢)؛ والخطيب البغدادي في: الكفاية في معرفة أصول الرواية (١/ ١٨٤)، برقم (١٠١)؛ وابن عساكر في: تاريخ دمشق (٢٢/ ٣٥٩).\nوقال الزركشي في: المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج (ص/ ٨٣) عن إِسناد الحديث: \"هذا الإِسناد فيه ضعفاء\".\nوقال ابن الملقن في: البدر المنير (٩/ ٥٨٦) عن رجال الحديث: \"جويبر متروك، والضحاك ضعيف، وهو مع ذلك منقطع\".\nوأخرج ابن بطة في: الإِبانة عن شريعة الفرقة الناجية (الكتاب الأول: الإِيمان/ ٢/ ٥٦٤)، برقم (٧٠٢) حديثَ ابن عبَّاس من طريق آخر، وفي سنده: حمزة النصيبي، وهو متروك، كما =","vol":"2","page":755},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= تقدم في: تخريج حديث عبد الله بن عمر - ﵄ -.\nوحكم الألباني في: سلسلة الأحاديث الضَّعيفة (١/ ١٤٧) على حديث عبد الله بن عبَّاس بالوضع.\nرابعًا: حديث أبي هريرة - ﵁ -، ولفظه: (أصحابي كالنجوم، من اقتدى بشيء منها اهتدى)، وأخرجه: القضاعي في: المسند (٢/ ٢٧٥)، برقم (١٣٤٦). وفي إِسناده: جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، يقول الزيلعي في: تخريج أحاديث الكشاف للزمخشري (٢/ ٢٣١): (وهو معلول بجعفر بن عبد الواحد\".\nويقول ابنُ الملقن في: البدر المنير (٩/ ٥٨٥) عن جعفر: \"جعفر هذا واهٍ، قال أبو زرعة: حدَّث بأحاديث لا أصل لها\".\nونقل الذَّهبيُّ في: ميزان الاعتدال (١/ ٤١٢) عن الدَّارقطني أنَّه قال فيه: \"يضع الحديثَ\".\nوعدَّ الذهبيُّ في: المصدر السابق (١/ ٤١٣) حديثَ أبي هريرة - ﵁ - من بلايا جعفر بن عبد الواحد.\nوانظر: التلخيص الحبير لابن حجر (٦/ ٣١٨٨ - ٣١٨٩).\nوحكم الألبانيُّ في: سلسلة الأحاديث الضَّعيفة (١/ ٦٣١) على حديث أبي هريرة بالوضع.\nخامسًا: حديث عمر بن الخطاب - ﵁ -، ولفظه: (سألتُ ربي ﷿ فيما يختلف فيه أصحابي من بعدي، فأوحى الي: يا محمد إِنَّ أصحابك عندي بمنزلة النجوم في السماء بعضها أضوأ من بعض، فمَنْ أخذ بشيء مما هم عليه من اختلافهم فهو عندي على هدى)، وأخرجه: ابن عدي في: الكامل في الضعفاء (٣/ ٢٠٠)، وقال: \"هذا الحديث منكر المتن\". وابن بطة في: الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية (الكتاب الأول: الإِيمان/ ٢/ ٥٦٣)، برقم (٧٠٠)؛ والبيهقي في: المدخل إِلى السنن (١/ ١٤٦)، برقم (١٥١)؛ والخطيب البغدادي في: الكفاية في معرفة أصول الرواية (١/ ١٨٥)، برقم (١٠٢)؛ وفي: الفقيه والمتفقه (١/ ٤٤٣)، برقم (٤٦٦)؛ وابن عساكر في: تاريخ دمشق (١٩/ ٣٨٣). وابن حجر في: موافقة الخبر الخبر (١/ ١٤٦ - ١٤٧)، وقال: \"حديث غريب\".\nوحديث عمر بن الخطاب - ﵁ - ضعيفٌ، وممن ضعفه: ابنُ عبد البر في: جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٢٤)، وابنُ الجوزي في: العلل المتناهية (١/ ٢٨٤)، والزيلعيُّ في: تخريج أحاديث كتاب الكشاف للزمخشري (٢/ ٢٣٢)، وابنُ كثير في: مسند الفاروق (٣/ ١٤٨)، والزركشيُّ في: المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج (ص/ ٨٠).\nوللحديث علتان أوضحهما ابنُ الملقن في: البدر المنير (٢٤/ ٩٣ - ٩٤) - ط: دار العاصمة - فقال: \"هذا ضعيف، ومنقطع؛ فإنَّ سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر شيئًا، وعبد الرحيم - أي: عبد الرحيم بن زيد العمي - ووالده ضعيفان\".\nوحكم الألبانيُّ في: سلسلة الأحاديث الضَّعيفة (١/ ١٤٧) على حديث عمر بن الخطاب بالوضع. =","vol":"2","page":756},{"text":"وجهُ الدلالةِ مِن الحديثِ: أنَّ الحديثَ ظاهرٌ في تجويزِ التمذهبِ بمذهبِ صحابي بعينِه دونَ غيرِه، وأنَّ الاقتداءَ به مِنْ سبيلِ الهدايةِ (^١).\nمناقشة الدليل الأول: نوقش الدليل من وجهين:\n_________\n= وممن ضعف الحديث: (أصحابي كالنجوم ...) برواياته:\n- الإِمامُ أحمد، وقال عنه - كما في: المنتخب من العلل لابن قدامة (ص/ ١٤٣) -: \"لا يصح هذا الحديث\".\n- والبزارُ، وقال - كما نقل كلامه ابن عبد البر في: جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٢٤)، وابنُ\nالملقن في: البدر المنير (٩/ ٥٨٧)، وابنُ حجر في: التلخيص الحبير (٦/ ٣١٨٩) -: \"هذا الكلام لا يصح عن النبي - ﷺ - ... والكلام - أيضًا - منكر عن النبي - ﷺ -.\n- والبيهقيُّ في: المدخل إِلى السنن (١/ ١٤٩)، ويقول: \"هذا حديث متنه مشهور، وأسانيده ضعيفة، لم يثبت في هذا إِسناد\".\n- وابن القيم، وقال في: إِعلام الموقعين (٣/ ٥٤٣) عن طرق الحديث: \"لا يثبت شيء منها\".\n- والعلائي في: إِجمال الإصابة (ص/ ١٥٧)، وقال عن الحديث: \"رُوي من طرق في كلها مقال\".\nويقول ابن الملقن في: البدر المنير (٩/ ٥٨٤) عن الحديث: \"هذا الحديث غريب، لم يروه أحدٌ من أصحاب الكتب المعتمدة\"، ويقول أيضًا في: (٩/ ٥٨٧): \"فتلخص من هذا ضعف جميع هذه الطرق\".\nوعدَّ الألباني في: سسلة الأحاديث الضَّعيفة (١/ ١٤٤) الحديثَ حديثًا موضوعًا.\nوقد قوَّى الزركشيُّ الحديثَ، فقال في: المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج (ص/ ٨٤): \"لكن يتقوى طرقه بعضها ببعض، لاسيما وقد احتج به الإِمام أحمد، واعتمد عليه في فضائل الصحابة، كما رواه عنه الخلالُ في: كتاب السنة، قال القاضي أبو يعلى: واحتجاجه به يدلُّ على صحته عنده\".\nوقد رجعت إِلى كلام القاضي أبي يعلى في: العدة (٤/ ١١٠٧ - ١١٠٨)، وفيه أن الإِمام أحمد ذكره بلفظه دون نسبته إِلى النبي - ﷺ -، فلا يترك كلامه الَّذي نفى فيه صحة الحديث، لهذا الكلام الصادر منه، إِذ قد يرى صحة معنى الحديث، دون صحة سنده، وعلى فرض أنَّه دال على تصحيحه، فلا يلغى ما ورد عنه في نفي الصحة عن الحديث، وينظر في كلامه في الموضعين أيهما المتأخر. انظر: تعليق محقق المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج للزركشي (ص/ ٨٤)، حاشية (١).\nومن جهة أخرى: فإنَّ الطرقَ إِذا تعددت، وكان في سندها متروكٌ أو وضاع لا يقوي بعضها بعضًا؛ إِذ الضعف فيها ضعف شديد أوصل بعضها إِلى درجة الوضع.\n(^١) انظر: الفصول في الأصول للجصاص (٤/ ٣٦٣)، ومسائل الخلاف في أصول الفقه للصيمري (ص/ ٣٦٥).","vol":"2","page":757},{"text":"الوجه الأول: أنَّ الحديثَ ضعيفٌ، فلا يقوى على إِثباتِ ما ادَّعيتموه (^١).\nالوجه الثاني: على فرضِ التسليمِ بقبولِ الحديثِ، فإِنَّ المرادَ بالاقتداءِ بالصحابةِ في الحديثِ؛ إِمَّا الاقتداءُ بهم فيما نقلوه عن النبي - ﷺ -، وشهدوا به عليه، فكلهم ثقةٌ مؤتمنٌ على ما جاءَ به (^٢)؛ وإِمَّا أنْ يكونَ المرادُ بالاقتداءِ بهم الجريَ على طريقتِهم في طلبِ الصوابِ في الأحكامِ، وقد كانتْ طريقتُهم العملَ بالاجتهادِ، ويؤكّد هذا: أنَّ الحديثَ شبَّه الصحابةَ - ﵃ - بالنجومِ، وإِنَّما يُهْتَدى بالنجمِ مِنْ حيثُ الاستدلالُ به على الطريقِ بما يدلّ عليه، لا أنَّ النجمَ نفسَه يُوجبُ ذلك (^٣).\nالدليل الثاني: عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (خيرُ الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ...) (^٤).\nوجه الدلالة من الحديث: أنَّ النبيّ - ﷺ - أثبتَ الخيّريةَ لقرنِه - وهم الصحابة - ثم للذين يلونهم - وهم التابعون - وإذا كانوا هم خير الأُمّةِ، جازَ التمذهبُ بمذاهبِهم؛ لثبوتِ الخيريةِ لهم (^٥).\nمناقشة الدليل الثاني: إِنَّ المرادَ بالخيريةِ في الحديثِ هي الخيريةُ\n_________\n(^١) انظر: جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (٢/ ٨٩٨)، وإعلام الموقعين (٣/ ٥٤٣).\n(^٢) انظر: جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (٢/ ٩٢٣).\n(^٣) انظر: أصول السرخسي (٢/ ١٠٧)، وإعلام الموقعين (٣/ ٥٥٤).\n(^٤) أخرج الحديثَ: مسلمٌ في: صحيحه، كتاب: فضائل الصحابة - ﵃ -، باب: فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (٢/ ١١٧٨)، برقم (٢٥٣٣).\nوأخرج الحديث بلفظ: (خيركم قرني ...) من حديث عمران بن حصين - ﵁ -: البخاري في: صحيحه، كتاب: الشهادات، باب: لا يشهد شهادة جور إِذا أُشْهد (ص/ ٥٠٢)، برقم (٢٦٥١)؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: فضائل الصحابة - ﵃ -، باب: فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (٢/ ١١٧٨)، برقم (٢٥٣٥).\n(^٥) انظر: المنخول (ص/ ٤٧٤)، والصحابي وموقف العلماء من الاحتجاج بقوله للدكتور عبد الرَّحمن الدرويش (ص/ ١٠٩ - ١١٠).","vol":"2","page":758},{"text":"في السيرةِ والفَضْلِ، وهذا لا يدلُّ على تفضيلِ تقليدِهم، أو التمذهب لهم (^١).\nالدليل الثالث: إِذا جازَ التمذهبُ بمذهبِ أحدٍ مِنْ الأئمةِ الأربعةِ، فجوازه للصحابي والتابعي البالغِ رتبة الاجتهادِ مِنْ بابٍ أولى؛ لمزيتهم عن سائرِ المجتهدين (^٢).\nويمكن أن يناقش الدليل الثالث: بأنَّ ما ذكرتموه مِنْ أنَّ مجتهدي الصحابةِ - ﵃ - والتابعين أولى مِن الأئمةِ الأربعةِ، أمرٌ مسلَّمٌ، فهم أعلى شأنًا ممَّنْ بعدهم، لكنَّنا نمنعُ التمذهبَ بمذاهبِهم؛ لأمرٍ خارجٍ، وهو عدمُ اكتمالِ المنظومةِ المذهبيةِ لهم، فليسَ لأحدِهم مذهبٌ محررٌ مكتملُ الأصولِ والفروعِ، ولم يأتِ لهم أتباعٌ يقومون بذلك.\n* الموازنة والترجيح:\nمِنْ خلالِ النظرِ في القولين، وما استدلوا به، يظهرُ لي أنَّ الراجحَ في مسألةِ: (التمذهب بمذهب الصحابي والتابعي) هو جوازُ التمذهبِ بمذاهبِهم - وهذا على سبيل التنظير - لأنَّه إِذا جازَ التمذهبُ بمذهبْ أحدٍ مِن الأئمةِ الأربعةِ، فإِنَّه يجوزُ التمذهبُ بمذهبِ الصحابي والتابعي؛ لأنَّهم مجتهدون.\nويبقى النظرُ في إِمكانِ التمذهب بمذهب الصحابي والتابعي، والذي يظهرُ لي عدم إِمكانِه إِلَّا بمشقةٍ بالغةٍ؛ ذلك أن التمذهبَ عبارةٌ عن منظومةٍ متكاملةٍ، ومدرسةٍ فقهيةٍ أصوليةٍ، تشملُ القواعدَ والأصولَ والفروعَ؛ ليتمكنَ المتمذهبُ مِن الالتزامِ بالمذهبِ، والسيرِ على أصولِه، وبيانِ حكم الحوادث في ضوءِ أصولِ مذهبِه وفروعِه، وهذه المنظومةُ المتكاملةُ مفقودةٌ\n_________\n(^١) انظر: المصدرين السابقين.\n(^٢) انظر: منع الموانع لابن السبكي (ص / ٤٥٠)، والبحر المحيط (٦/ ٢٨٨)، والفتاوى الكبرى الفقهية للهيتمي (٤/ ٣٠٧)، وتعليق محقق سلاسل الذهب (ص/ ٤٥١)، حاشية رقم (١).","vol":"2","page":759},{"text":"في جانبِ الصحابةِ - ﵃ - والتابعين - وليس معنى هذا أنهم يفتون دونَ أصولٍ، كلا، بل المرادُ أنَّ أصولَهم غيرُ محررةٍ ولا مدونة لمنْ بعدهم - وإِيجادُها في مذهبِ الواحدِ منهم فيه مِن المشقةِ ما فيه.\nومن جهة أخرى: فإِنَّ الفائدةَ المرجوةَ مِنْ إِبرازِ أصولِ الواحدِ مِن الصحابة والتابعين وقواعده قد تكونُ قليلةً؛ لأنَّ الغالبَ موافقةُ المذاهبِ الأربعةِ لأصولِ الصحابةِ والتابعين، في الجملة؛ إِذ أصولُ المذاهبِ الأربعةِ مستقاةٌ مِن مدارس الصحابةِ وتلامذتِهم.\nوما ذكرتُه آنفًا لا يُقللُ مِنْ شأنِ أقوالِ الصحابة - ﵃ - ولا مِنْ شأنِ أقوالِ التابعين، فإِنَّ أخذَ أقوالهم مسألةٌ أخرى تختلفُ عمَّا أتحدثُ عنه.\n• سبب الخلاف:\nبتأمَّلِ المسألةِ بأقوالها وأدلتِها، يظهرُ لي أنَّ للخلافِ فيها عدةَ أسباب:\nالسبب الأول: حكمُ التمذهبِ بمذهبِ عالمٍ على سبيلِ العمومِ؟\nفمَنْ قال: إِنَّ التمذهبَ - بغضِّ النظرِ عن إِمامِ المذهب - ممنوعٌ منه، مَنَعَ التمذهبَ بمذهب الصحابي والتابعي، وهذا ما سارَ عليهَ بعضُ أصحاب القولِ الأولِ.\nومَنْ قال: إِنَّ التمذهبَ جائزٌ، اختلفوا في التمذهب بمذهب الصحابي والتابعي: فمنهم مَنْ أجازه، ومنهم مَنْ مَنَعَه؛ لعدمِ إِمكَانِ تطبيقَ التمذهب على الوجهِ الحقيقي.\nالسبب الثاني: هلْ يجوزُ الانتقالُ بين المذاهبِ؟\nفمَنْ قال: لا يجوزُ الانتقالُ بين المذاهب، مَنَعَ التمذهبَ بمذهب الصحابي والتابعي، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الأولِ.","vol":"2","page":760},{"text":"ومَنْ قال: يجوزُ الانتقالُ بين المذاهب، لم يمنعْ من التمذهبِ بمذهبِ الصحابي والتابعي، وهذا ما سارَ عليه أَصحابُ القولِ الثاني.\nوقد ذَكَرَ هذا السببَ جمالُ الدّينِ الإِسنوي (^١).\nيقولُ ابنُ بَرْهان: \"تقليدُ الصحابةِ - ﵃ - يتخرَّجُ على جوازِ الانتقالِ في المذاهبِ:\nفمَنْ مَنَعَه، قال: مذاهبُ الصحابةِ لم يكثرْ فروعها حتى لا يمكنُ الاكتفاءُ بها، فيؤديه ذلك إِلى الانتقالِ، وهو ممنوعٌ، ومذاهبُ المتأخرين تمهدتْ، فيكفي المذهبُ الواحدُ المكلَّفَ طولَ عمرِه\" (^٢).\nوجعَلَ ابنُ بدران السببَ الثاني سببًا للخلافِ بالنسبةِ إِلى العامةِ فقط (^٣).\nولم يرتضِ الشَّيخ محمدٌ المطيعي سببَ الخلافِ الَّذي ذكره ابنُ برهان (^٤).\nالسبب الثالث: هلْ مذاهبُ الصحابةِ - ﵃ - والتابعين محرَّرةٌ؟ (^٥).\nفمَنْ قالَ: إِنَّها غيرُ محرَّرةٍ على الوجهِ الأمثلِ، وفيها ما يشكُّ في\n_________\n(^١) انظر: التمهيد في تخريج الفروع على الأصول (ص/ ٥٢٧).\n(^٢) نقل كلامَ ابن برهان القرافيُّ في: نفائس الأصول (٩/ ٤١٥١)، والزركشيُّ في: البحر المحيط (٦/ ٢٩٠)، وفي: سلاسل الذهب (ص/ ٤٥٠)، وإِبراهيمُ اللقاني في: منار أصول الفتوى (ص / ٢٠٥).\nوأشار إِلى كلام ابن برهان: الإِسنويُّ في: نهاية السول (٤/ ٦٣٠)، وفي: التمهيد في تخريج الفروع على الأصول (ص/ ٥٢٧)، وانظر: العقود الياقوتية لابن بدران (ص/ ١٢٦). وظاهرٌ أنّ مراد ابن برهان حين عبَّر بالتقليد، التمذهبُ؛ فتتمة الكلام تؤيد هذا.\n(^٣) انظر: العقود الياقوتية (ص/ ١٢٦).\n(^٤) انظر: سلم الوصول (٤/ ٦٣٠).\n(^٥) انظر: منع الموانع لابن السبكي (ص/ ٤٥١)، ونهاية السول (٤/ ٦٣٠)، والرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة لابن رجب (ص/ ٣٤)، وسلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٦٣٠).","vol":"2","page":761},{"text":"صحتِه، مَنَعَ التمذهبَ بمذاهبِهم، وهذا ما سار عليه أصحابُ القولِ الأولِ.\nومَنْ قالَ: إِنَّها محرَّرةٌ سوَّغ التمذهبَ بمذاهبِهم، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الثاني.\nالسبب الرابع: هل يتحققُ لأحدٍ مِن الصحابة - ﵃ - والتابعين مذهبٌ مكتملٌ مدوَّنٌ مشتملٌ على الأصولِ والفروعِ، والقواعد والضوابطِ؟ (^١).\nفمَنْ رأى أنَّه لا يتحققُ لأحدِ مِن الصحابةِ والتابعين مذهبٌ مكتملٌ مِنْ جهة الأصولِ والفروعِ، مَنَعَ التمذهبَ بمذاهبِهم، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الأول.\nومَنْ رأى أنَّه قد يتحققُ لأحدِ مِن الصحابة والتابعين مذهبٌ مكتملٌ مِنْ جهة الأصولِ والفروعِ، سوَّغ التمذهب بمذاهبِهم، وهذا ما سار عليه أصحابُ القولِ الثاني.\nبقي أنْ أقول: إِنَّ ابنَ بدران أشارَ إِلى سبب آخر للخلافِ، وهو أنَّ مرد الخلافِ في شأنِ تمذهب غير العامي بمذهبَ الصحابي والتابعي إِلى جوازِ خلوِّ العصرِ عن مجتهدٍ (^٢)، ولم يفضلْ في وجهِ كونه سببًا للخلافِ.\nولعل وجه تأثير مسألةِ: (جواز خلو العصر عن مجتهد) في مسألتنا: أنَّ مَنْ قالَ بعدمِ جوازِ خلوّ العصرِ عن مجتهدٍ، لم يجوّز أخذَ أقوالِ الصحابي أو التابعي؛ للاستغناءِ عن أقوالِهما بوجودِ المجتهدِ.\nومَنْ قالَ بجوازِ خلو العصرِ عن مجتهدٍ، جوَّزَ أخذ أقوالِ الصحابي أو التابعي في حال خلوِ العصرِ عن المجتهدِ؛ لأنَّهم أولى مِن أُخذتْ أقوالهم.\n_________\n(^١) انظر: نهاية السول (٤/ ٦٣٠)، وسلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٦٣٠).\n(^٢) انظر: العقود الياقوتية (ص/ ١٢٦).","vol":"2","page":762},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>المبحث الثاني: التمذهب بأحد المذاهب الأربعة الفقهية المشهورة</span>\nانتهت المدارسُ الفقهيةُ إِلى أربعةِ مذاهب فقهية مشهورة، وهي: المذهبُ الحنفي، والمذهبُ المالكي، والمذهبُ الشَّافعي، والمذهبُ الحنبلي (^١)، وبقيتْ هذه المذاهبُ عبرَ قرون طويلةٍ، وتعلقَ الناسُ بها إِلى زمانِنا الحاضرِ.\nوتُعدُّ مسألة: (حكم التمذهبِ بأحدِ المذاهب الأربعة الفقهية المشهورة) كبرى مسائلِ التمذهبِ الَّتي دار فيها جَدلٌ بين العَلماءِ قديمًا وحديثًا.\nوقبلَ الحديثِ عن تحريرِ محلِّ النزاعِ في المسألةِ، أُمهدُ لها بالنقاطِ الآتيةِ:\nالأولى: لا خلافَ بنين العلماءِ في قَبولِ وجودِ المذاهبِ الفقهيةِ الأربعةِ.\nهذا ما ظَهَرَ لي أَثْنَاءَ بحثِ المسألةِ؛ إِذ لم أقفْ على مَنْ دعا إِلى إِلغاءِ المذاهبِ الفقهيةِ، أو إِلى تركِ كتبِ الفقهاءِ، والاكتفاءِ بالرجوعِ إِلى الأدلةِ الشرعية مباشرةً.\nوأيضًا: فالتمذهبُ لا يتعارضُ مع اتباعِ الأدلةِ، والنظرِ فيها.\nولذا فأيُّ دعوةٍ إِلى إِلغاءِ المذاهب الفقهية، فهي دعوةٌ مردودةٌ (^٢).\n_________\n(^١) انظر: الجواهر المضية للقرشي (٤/ ٥٤٤).\n(^٢) لذا فقول زايد محمد طالب في كتابه: خطيئة المذاهب (ص/ ١٢) - بواسطة رسالة: الانسلاخ من المذاهب الفقهية لمليكة صوالح (ص/ ٢٤) -: \"فالعلاجُ الحاسم والشفاءُ الدائم =","vol":"2","page":763},{"text":"الثانية: اتفقَ العلماءُ المجيزون للتمذهبِ على أنَّ المتمذهبَ المتأهلَ إِذا خالفَ مذهبَه وخَرَجَ عنه؛ لرجحانِ غيرِه مِن المذاهبِ، فقد أحسن.\nيقولُ تقيُّ الدينِ بنُ تيمية: \"إِذا كانَ الرجلُ متبعًا لأبي حنيفةَ أو مالك أو الشَّافعي أو أحمد، ورأى في بعضِ المسائلِ أنَّ مذهبَ غيرِه أقوى، فاتَّبعه، كانَ قد أحسن في ذلك، ولم يقدحْ ذلك في دينِه ولا عدالتِه، بلا نزاعٍ\" (^١).\nولم تزل المذاهب الفقهية حافلةً بالعلماءِ المحققين الذين يرجِّحون ما خالفَ مذهبَهم؛ لموافقةِ الدليلِ.\nالثالثة؛ أنَّ التمذهب يشملُ الفقهَ وأصولَه - كما تقدّمَ تقريرُه - ومع هذا، فإِنَ جُل كلامِ العلماء في مسألةِ: (التمذهب بالمذاهب الفقهية الأربعة) منصبٌّ على الفقهِ، دونَ أصولِه.\nولعلَّ السبب في هذا عائدٌ إِلى أنَّ صورة التمذهبِ الَّتي حذّرَ منها المانعون أكثر ما تُوجدُ في الفروعِ؛ ولأنَّ الفتوى تقع في الفروعِ، لا في الأصولِ، ومِنْ أسبابِ قيامِ الاختلافِ بين المتمذهبين وغيرهم هو ما يصدر عنهم من فتاوي.\nثُمَّ ارتباط الفروعِ بالعملِ يجعلُ أثرَ التمذهب في الفقهِ ظاهرًا، بخلافِ أصولِ الفقهِ.\nالرابعة: محلُّ الكلامِ هنا عن تمذهبِ غيرِ المجتهدِ، أمَّا تمذهبُ\n_________\n= للمسلمين من الضلال والخيال لا يكون إِلَّا باقتلاع جميعِ المذاهب! والأحزاب، والاعتصام بالكتاب والسنة\"، وقوله أيضًا في (ص/ ٢٤٠): \"ولا يحسبن قليل العلم قاصر الفهم أن مصيبة المذاصب قاصرة على تلك المذاهب الأربعة\": قولٌ مردودٌ لا يسمع.\nوانظر: التجديد في الفقه الإِسلامي للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ١٧١).\n(^١) مجموع فتاوى شيخ الإِسلام (٢٢/ ٢٤٨). وانظر: الفروع لابن مفلح (١١/ ٣٤٦)، والإِنصاف (١١/ ١٩٥)، وتحفة الأنام للسندي (ص/ ٤٦)، وهداية السلطان إِلى مسلمي بلاد اليابان للمعصومي (ص/ ٧٣)، واللامذهبية للدكتور محمد البوطي (ص/ ٣٤).","vol":"2","page":764},{"text":"المجتهدِ، فقد أفردتُ له مسألةً مستقلةً، وقد تقدمَ الحديثُ عنها.\nالخامسة: لا يدخلُ في حديثي في هذه المسألةِ العاميُّ الصِرْفُ؛ لأنَّ العاميَّ لا مذهبَ - كما تقدّمَ تقريرُه - وقد يُعَبِّر بعضُ العلماءِ بالعامي، ومرادهم به: مَنْ عدا المجتهد المطلق (^١)، فيدخل فيه: المتمذهبون الذين لم يبلغوا رتبةَ الاجتهادِ المطلقِ، ممَّن ارتفعوا عن العوامِّ، وهم درجاتٌ متفاوتة.\n• تحرير محل النزاع:\nلا بُدَّ مِنْ تحريرِ محلِّ النزاع؛ لتحديد النقطةِ الَّتي وَقَعَ الخلافُ فيها، ولتحريرِ محلِّ النزاعِ في هذه المسَألةِ أهميةٌ بالغةٌ؛ لئلا يستغلَ بعضُ الناسِ ما قد يُوجدُ عند بعضِ العلماءِ مِن التحذيرِ مِنْ عملِ بعضِ المتمذهبين، فيجعل المرادَ به محاربة المذاهبِ على وجهِ العمومِ.\nأولًا: قد يكونُ التمذهبُ عبارةً عن ملازمةِ مدرسةٍ فقهيةٍ أصوليةٍ يتخرَّجُ فيها المتمذهبُ، مترقيًا في العلمِ، مع عنايتِه بالدليلِ، وطلبِ القولِ الراجحِ، والتفقه في مذهبِه في ضوءِ الكتابِ والسنةِ.\nويظهرُ لي أنَّ هذه الحالة لا خلافَ في جوازِها، ويشهدُ لهذا: ما وَقَعَ في زمنِ صدرِ الصحابةِ - ﵁ - مِنْ نشرِ العلمِ عن طريقِ التلاميذ الملازمين للصحابة - ﵃ -، الذين كانوا كالمدرسةِ الفقهيةِ، يقول ابنُ القيم: \"الدِّينُ والفقهُ والعلمُ انتشر في الأمةِ عن أصحاب ابنِ مسعود، وأصحابِ زبد بن ثابت، وأصحابِ عبد الله بن عمر، وأصَحاب عبد الله بن عبَّاس، فعِلْمُ الناسِ عامّته عن أصحابِ هؤلاء الأربعة ... أَمَّا عائشة فكانتْ مقدَّمةً في العلمِ بالفرائضِ والأحكامِ، والحلالِ والحرامِ، وكان مِن الآخذين عنها الذين لا\n_________\n(^١) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٦٢)، وصفة الفتوى (ص/ ٧٢)، وسلاسل الذهب (ص/ ٤٥٥)، وغاية الوصول للأنصاري (ص/ ١٥٢)، والشرح الكبير على الورقات للعبادي (٢/ ٥٥٢)، ونثر الورود للشنقيطي (٢/ ٥٧٦).","vol":"2","page":765},{"text":"يكادون يتجاوزون قولَها المتفقهين: القاسمُ بن محمد (^١) \" (^٢).\nوسيأتي في الموازنةِ الترجيحِ أقوالُ بعضِ معارضي التمذهب في إِقرارهم التلقي عن طريقِ المذاهبِ، لكنْ مع معرفةِ الدليلِ.\nثانيًا: إِذا أَخَذَ المتمذهبُ قولَ إِمامِه مع قناعتِه برجحانِه - بعد نظرِه في أدلتِه وأدلةِ مَنْ خالفه - لكنَّه ينسب القولَ إِلى مذهبِه، لا إِلى اختيارِه: فيظهرُ لي أنَّه لا خلافَ في جوازِ فعلِه حينئذٍ؛ لأمرين:\nالأمر الأول: إِذا كان المتمذهبُ متأهلًا للنظرِ في الأدلةِ، فقد أدَّى ما عليه في هذه الحالةِ.\nالأمر الثاني: لم أقفْ على مَنْ مَنَعَ مِنْ فعلِ المتمذهب، بل المانعون يحثّون المتمذهبين على النظرِ في الأدلةِ؛ إِذ هم مَنَعُوا التَقليدَ المذهبي، وسيأتي بيانُ مرادِهم في المسألةِ بعد قليلٍ.\nثالثًا: يسوغُ للشخصِ أنْ يتمذهبَ بمذهب أحدِ الأئمةِ الأربعةِ إِذا عَجَزَ عن معرفةِ الشرعِ مِنْ غيرِ جهةِ المذهبِ؛ لأنَّ حالتَه حالةُ ضرورةٍ (^٣).\nرابعًا: إِذا كانَ التمذهبُ على سبيلِ الالتزامِ أو الانتساب، وتَبِعَه موالاةٌ المتمذهب لمنْ هم على مذهبِه، ومعاداته لمَنْ لم يكنْ مِنْ أربابِ\n_________\n(^١) هو: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، أبو محمد أو أبو عبد الرَّحمن القرشي المدني، ولد في خلافة عليّ بن أبي طالب - ﵁ -، كان أحد الفقهاء السبعة، إِمامًا حافظًا حجةً محدثًا، من أعلم أهل زمانه، ومن خيار التابعين، ومن أعلم الناس بحديث عائشة - ﵂ -، قال عنه يحيى بن سعيد: \"ما أدركنا بالمدينة أحدًا نفضله على القاسم\"، توفي سنة ١٠١ هـ وقيل: ١٠٢ هـ. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٥/ ١٨٧)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٧/ ١١٨)، وحلية الأولياء لأبي نُعيم (٢/ ١٨٣)، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي (٢/ ٥٥)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ٥٩)، وتهذيب الكمال للمزي (٢٣/ ٤٢٧)، وسير أعلام النُّبَلاء (٥/ ٥٢)، وتهذيب التهذيب لابن حجر (٣/ ٤١٩).\n(^٢) إِعلام الموقعين (٢/ ٣٨).\n(^٣) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإِسلام (٢٠/ ٢٠٩، ٢٢٥)، و(١١/ ٥١٤)، والإِنصاف في بيان سبب الاختلاف للدهلوي (ص/ ٣٤)، وأضواء البيان (٧/ ٥٧٨ - ٥٨٨).","vol":"2","page":766},{"text":"مذهبِه، فهذا الفعلُ مذمومٌ؛ لأنَّه تعصبٌ (^١).\nيقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية: \"الأسماءُ الَّتي قد يسوغُ التسمي بها، مثل: انتسابِ الناس إِلى إِمامٍ، كالحنفي والمالبهي والحنبلي ... لا يجوز لأحدٍ أنْ يمتحنَ الناسَ بها، ولَا يوالي بهذه الأسماءِ، ولا يعادي عليها\" (^٢).\nخامسًا: محلُّ الخلاف في التمذهبِ بالمذاهبِ الفقهيةِ الأربعة في صورٍ ثلاث:\nالصورة الأولى: التزامُ المتمذهبِ بمذهبِ إِمامِه، واكتفاؤه به، بحيثُ لا يخرج عنه، أو التزامُه بمذهبِه، مع عدمِ معرفتِه بدليلِه.\nالصورة الثانية: إِعراضُ المتمذهبِ المتأهلِ عن النظرِ في الأدلةِ.\nالصورة الثالثة: التزامُ المتمذهبِ بالمذهبِ مع مخالفتِه للدليلِ.\nوسيكون الحديثُ هنا عن الصورةِ الأولى فقط؛ لأنَّها ألصقُ ما تكون بحقيقةِ التمذهبِ، أمَّا الصورة الثالثة، فسيأتي الحديثُ عنها في مسألةِ مستقلةٍ، وأمَّا الصورةُ الثانيةُ، فهي أثرٌ مِنْ آثارِ التمذهب، هذا مِنْ جهةٍ، ومِنْ جهةٍ أخرى: فسيأتي الحديثُ عنها في مسألةٍ مستقلةٍ.\nسادسًا: هناك كلامٌ لبعضِ العلماءِ الذين اشتُهِرَ عنهم محاربة التقليدِ المذهبي - كابنِ حزمٍ، وابنِ عبدِ البر، وابنِ تيمية، وابنِ القيِّم - يُحَدّد في ضوئِه محل الخلافِ والنزاعِ، وسأسوقُ عددًا مِن النقولِ عن العالمِ الواحدِ؛ ليكونَ الناظرُ في المسألةِ على بصيرةٍ بالصورة الَّتي هي محلُّ الخلافِ، ولنفهمَ كلام هؤلاءِ العلماءِ على وجهِ الخصوصِ على الوجهِ الصحيحِ.\n١ -: ما جاء عن أبي محمد بن حزم:\nأولًا: حدَّد ابنُ حزمٍ التقليدَ الَّذي حاربه في عددٍ مِن المواضعِ في\n_________\n(^١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإِسلام (١١/ ٥١٢).\n(^٢) المصدر السابق (٣/ ٤١٦).","vol":"2","page":767},{"text":"كتبِه، مِنْ ذلك قولُه: \"فإِنَّهم - أيْ: أهل التقليد لإِمامِهم - ما داموا آخذين بالقولِ؛ لانَّ فلانًا قاله، دونَ النبي - ﷺ -، فهم عاصون\" (^١).\nويقولُ أيضًا: \"إِمَّا أنْ يكونَ اعتقده - أيْ: اعتقد المرء شيئًا بغيرِ برهان - لأنَّ بعضَ مَنْ دون النبي - ﷺ - قاله، وهذا هو التقليدُ\" (^٢).\nويقولُ أيضًا: \"الشيءُ الَّذي يأمرُ به اللهُ ليس تقليدًا ... والتقليدُ إِنَّما هو اتِّباع مَنْ لم يأمرْنا - ﷿ - باتباعِه، وإنَّما التقليدُ الَّذي نخالفهم فيه: هو أَخْذُ قولِ رجلٍ ممَّنْ دونَ النبي - ﷺ -، لم يأمرْنا ربُنا باتباعِه، بلا دليلٍ يصحّحُ قولَه، لكنْ لأنَّ فلانًا قاله فقط\" (^٣).\nوهذا الكلامُ مهمٌّ في تحديدِ التقليدِ الَّذي عابَه ابنُ حزم على المتمذهبين، فما كانَ دون دليلٍ، فهو تقليدٌ، وما كان عن دليلٍ فليس \"بتقليدٍ\".\nثانيًا: انتقدَ ابنُ حزم بشدّةٍ موقفَ بعضِ المتمذهبين تجاه الأدلةِ النقليةِ، فقال: \"أمَّا أهلُ بلادِنا، فليسوا ممَّنْ يتعنّى بطلب دليلٍ على مسائلِهم، وطالبُه منهم في الندرةِ، إِنَّما يطلبُه كما ذكرنا آنفًا (^٤)، فيَعْرِضون كلامَ الله تعالى، وكلامَ الرسول - ﷺ - على قول صاحبِهم - وهو مخلوقٌ مذنبٌ، يخطئُ ويصيبُ - فإِنْ وافق قولُ الله وقولُ رسوله - ﷺ - قولَ صاحبِهم، أخذوا به، وإِنْ خالفاه تركوا قولَ الله تعالى جانبًا وقوله - ﷺ - ظهريًا، وثبتوا على قولِ صاحبِهم\" (^٥).\nويقولُ أيضًا: \"مَنْ اتخذ رجلًا إِمامًا، يَعْرِض عليه قولَ ربه تعالى، وقولَ نبيه - ﷺ -، فما وافق فيه قولَ ذلك الرجل قَبِلَه، وما خالفه تَرَكَ قولَ ربِّه\n_________\n(^١) الإِحكام في أصول الأحكام (٦/ ٦٠).\n(^٢) المصدر السابق، وانظر منه: (٦/ ١١٦).\n(^٣) المصدر السابق (٦/ ٦٩ - ٧٠).\n(^٤) الَّذي قاله قبل كلامه: \"فإِنَّهم - أي: مقلدي الأئمة - إِنَّما يأخذون من الحِجَاج ما وافق مذهبهمِ - وإِن كان خبرًا موضوعًا، أو شغبًا فاسدًا - ويتركون ما خالفه، وإن كان نص قرآن، أو خبرا مسندًا من نقل الثقات\". المصدر السابق (٦/ ١١٧).\n(^٥) المصدر السابق (٦/ ١١٧ - ١١٨).","vol":"2","page":768},{"text":"تعالى وقول نبيه - ﷺ -، وهو يُقِرّ أنَّ هذا قول الله - ﷿ - وقول رسول الله - ﷺ -، والتزم قول إِمامه: فقد اتخذ دونَ الله تعالى وليًّا\" (^١).\nثالثًا: انتقدَ ابنُ حزمٍ بشدّةٍ عَمَلَ بعضَ المتمذهبين تجاه أقوال إِمامٍ مذهبِهم الَّتي لايحيدون عنها، فقالَ: \"إِنَّ العجبَ ليطول ممَن اختارَ أخذ أقوالِ إِنسانٍ بعينِه لم يصحبْه مِن الله - ﷿ - معجزةٌ، ولا ظهرتْ عليه آيةٌ\" (^٢).\nويقولُ - أيضًا -: \"فاتَّبع ضعفاءُ أصحابِ أبي حنيفةَ أبا حنيفةَ، وأصحابُ مالكٍ مالكًا، ولم يلتفتوا إِلى حديثٍ يخالفُ قولَهما، ولا تفقهوا في القرآنِ والسننِ، ولا بَالَوا بهما\" (^٣).\nويقولُ - أيضًا -: \"فكيفَ بهم - أيْ: بالصحابةِ - لو شاهدوا ما نشاهده مِن المصائب الهادمةِ للإِسلامِ ... مِن الانتماءِ إِلى مذهبٍ فلان وفلان، والإِقبالِ على أقوالِ مالكٍ وأبي حنيفة والشافعي؟ ! .. \" (^٤).\nويقولُ أيضًا: \"المنعُ مِنْ أنْ يقصدَ منهم - أيْ: من الصحابة والتابعين - أحدٌ إِلى قولِ إِنسانٍ منهم، أو ممَّنْ قبلهم، فيأخذه كلّه، فليَعْلَم مَنْ أَخَذَ بجميع قولِ أبي حنيفةَ أو جميعِ قولِ مالكٍ أو جميع قولِ الشافعي أو جميع قولِ أَحمدَ بن حنبل - ﵃ -، ممَّنْ يتمكنُ مِن النظرِ، ولم يتركْ مَنْ اتَّبعه منهم إِلى غيره: أنَّه قد خالف إِجماعَ الأُمّةِ\" (^٥).\nرابعًا: جاءَ عن ابنِ حزمٍ ثناءٌ على مَنْ تَرَكَ مذهبَ إِمامِه، لمخالفتِه الدليل، فيقول: \"أمَّا أفاضل أصحاب أبي حنيفةَ ومالك، فما قلَّدوهما، فإِن خلافَ ابنِ وهبٍ وأشهبَ وابنِ الماجَشون والمغيرةَ (^٦)\n_________\n(^١) المصدر السابق (٦/ ١٢٤)، وانظر منه: (٦/ ١٠٣).\n(^٢) المصدر السابق (٦/ ١٣٠).\n(^٣) المصدر السابق (٦/ ١٤٣).\n(^٤) المصدر السابق (٦/ ١٧٥).\n(^٥) النبذ في أصول الفقه (ص/ ١١٦).\n(^٦) هو: المغيرة بن عبد الرَّحمن بن الحارث بن عبد الله القرشي المخزومي المدني، أبو هاشم، وقيل: أبو هشام، ولد سنة ١٢٤ هـ كان إِمامًا في العلم، روى عن الإِمام مالك بن أنس، وأفتى في حياته، كان أفقه أهل المدينة بعد مالك، عرض علية الخليفة الرشيد قضاء المدينة، =","vol":"2","page":769},{"text":"وابنِ أبي حازم (^١) لمالكِ، أشهرُ مِنْ أنْ يتكلّف إِيرادُه، وقد خالفه ابنُ القاسمِ، وكذلك خلافُ أبي يوسفَ وزفر ومحمد والحسن بن زياد (^٢) لأبي حنيفةَ أشهر مِنْ أنْ يُتكلّفَ إِيرادُه. وكذلك خلافُ أبي ثور والمزني للشافعي، ﵀. وكذلك خالف أصبغ وسحنون ابنَ القاسم، وكذلك خالف الطحاويُّ أيضًا أبا حنيفةَ وأصحابه\" (^٣).\nوامتداحُ ابنِ حزمٍ لبعضِ المتمذهبين حين خالفوا مذهبَهم؛ لا لأنَّهم\n_________\n= فامتنع، له مؤلفات، لكن لم أقف على من سماها، توفي سنة ١٨٦ هـ وقيل: ١٨٨ هـ. انظر ترجمته في: التاريخ الكبير للبخاري (٧/ ٣٢١)، والانتقاء في فضائل الأئمة لابن عبد البر (ص/ ١٠٠)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ١٣٨)، وترتيب المدارك للقاضي عياض (٣/ ٢)، وتهذيب الكمال للمزي (٢٨/ ٣٨١)، والديباج المذهب لابن فرحون (٢/ ٣٤٣)، والوفيات لابن قنفذ (ص/ ١٤٨)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٥٦)، والفكر السامي للحجوي (١/ ٤٤٤).\n(^١) هو: عبد العزيز بن أبي حازم سلمة بن دينار المدني، أبو تمام، وقيل: أبو عبد الله الأسلمي مولاهم، يعرف بابن أبي حازم، ولد سنة ١٠٧ هـ كان إِماما في العلم، فقيهًا عابدًا ثقة صدوقًا، سمع من الإِمام مالك، وقال عنه: \"إِنه لفقيه\"، وقال عنه الإِمام أحمد: \"لم يكن أحد بالمدينة بعد مالك أفقه من عبد العزيز بن أبي حازم\"، توفي وهو ساجد بالمسجد النَّبويّ سنة ١٨٤ هـ. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٥/ ٢٤٢)، والمعرفة والتاريخ للفسوي (١/ ٤٢٩)، وترتيب المدارك للقاضي عياض (٣/ ٩)، وتهذيب الكمال للمزي (١٨/ ١٢٠)، وسير أعلام النُّبَلاء (٨/ ٣٦٣)، وميزان الاعتدال للذهبي (٢/ ٦٢٦)، والديباج المذهب لابن فرحون (٢/ ٢٣).\n(^٢) هو: الحسن بن زياد الؤلؤي الكوفي، أبو عليّ، فقيه العراق، تتلمذ للإمام أبي حنيفة وصاحبيه، كان علامةً يقظًا حافظًا للروايات عن أبي حنيفة، رأسًا في الفقه، تولى قضاء الكوفة، ولم يخرّج له أصحاب الكتب الستة؛ لضعفه، وكان الحسن يقول: \"كتبتُ عن ابن جريج اثني عشر ألف حديث، كلها يحتاج إِليها الفقهاء\"، وقد كذَّبه ابنُ معين، وقال عنه يحيى بن آدم: \"ما رأيت أفقه من الحسن بن زياد\"، من مؤلفاته: المقالات، وأدب القاضي، والخراج، ومعاني الإِيمان، توفي سنة ٢٠٤ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السَّلام للخطيب (٨/ ٢٧٥)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ١٢٩)، وسير أعلام النُّبَلاء (٩/ ٥٤٣)، وميزان الاعتدال للذهبي (١/ ٤٩١)، والجواهر المضية للقرشي (٢/ ٥٦)، ومختصر الكامل للمقريزي (ص/ ٢٦٧)، وتاج التراجم لقطلوبغا (ص/ ١٥٠)، وشذرات الذهب لابن العماد (٣/ ٢٥).\n(^٣) الإِحكام في أصول الأحكام (٦/ ١٤٣)، وانظر منه: (٦/ ١٥٢).","vol":"2","page":770},{"text":"خالفوا مذهبَهم لمجردِ المخالفةِ، بلْ لأنَّ المخالفةَ قرينةٌ دالةٌ على أنَّ المخالفَ اتَّبع الدليلَ لما ظَهَرَ له ضعفُ مذهبِه.\nويمكن أنْ نستخلص ممَّا سبق إِيراده من كلام ابن حزم الآتي:\nالأول: أنَّ التقليدَ الَّذي حاربه ابنُ حزمٍ هو ما كان أخذًا لقولِ عالمٍ دونَ معرفةِ دليلِ قولِه، وإِنَّما أَخَذَه؛ لأنَّ فلانًا قاله.\nويترتب على هذا: أنَّ مَنْ أَخَذَ قولَ عالمٍ؛ لظهورِ رجحانِه، أو لمعرفةِ دليلِه، فليس الآخذُ مقلِّدًا عند ابنِ حزمٍ، ولا يسمّي فعله تقليدًا، فلا يتوجه انتقادُ ابنِ حزمٍ إِلى مثلِ هؤلاءِ.\nويدلُّ على ما سَبَقَ: أنَّ ابنَ حزم نصَّ على ذمّ مَنْ أَخَذَ قولَ إِمامٍ بلا دليلٍ يُصححُ قولَه (^١)، وهو قيدٌ مهمٌّ؛ يخرجُ به مَنْ أَخَذَ قولَ إِمامِه بدليلٍ يصححُ قولَه، فلا يدخلُ فيما ذمّه ابنُ حزمٍ.\nالثاني: أنَّ تحذيرَ ابنِ حزمٍ انصبَّ على حالةِ المتمذهب الَّذي يأخذُ أقوالَ إِمامِه في جميعِ المسائلِ، ويقتصر على مذهبِه - ولا يلتَفت إِلى غيرِه البتة، مِنْ مخالفٍ أو دليلٍ - ويلتزمُ مذهبَ إِمامِه، والدليلُ على خلافِه.\nالثالث: لم أقفْ على كلامٍ لابنِ حزمٍ دعا فيه إِلى تركِ المذاهبِ الفقهيةِ، وإنَّما ذمَّ صنيعَ بعضِ المتمذهبين في الحالةِ السابقةِ.\nالرابع: لم يفصّل ابنُ حزم حين مَنَعَ التقليدَ المذهبي بين المتمذهبِ المتأهلِ للنظرِ في الأدلةِ، والمتمذهبِ الَّذي لم يتأهلْ.\nلكنْ في كلام ابن حزمٍ في بعض المواطنِ إِشارةٌ إِلى توجّه كلامِه إِلى المتمكنِ مِن النظرِ (^٢).\nوالذي يظهرُ لي أنَّ ابنَ حزمٍ يمنعُ التزام المذهبِ، سواءٌ أكان\n_________\n(^١) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام (٦/ ٦٩ - ٧٠).\n(^٢) انظر: النبذ في أصول الفقه (ص / ١١٦).","vol":"2","page":771},{"text":"المتمذهبُ متمكنًا مِن النظر أم لا، لأنَّ أكثرَ أدلته فيها عموماتٌ تشملُ كلَّ الملتزمين بمذهبِهم (^١)، ولأنَّه قد يؤدي إِلى تغليب قولِ الإِمام على قولِ الله تعالى وقولِ رسوله - ﷺ -.\nثُمَّ إِنَه يرى أنَّ التزامَ أقوالِ عالمٍ بعينِه - كما سيأتي في أدلةِ أصحاب القولِ الرابعِ - مِن البدعِ، وهذا يدلُّ على المنعِ مِنْ الالتزامِ مطلقًا.\nوأيضًا: لئلا يكونَ عدمُ تأهّلِ المتمذهبِ ذريعةً له في بقائِه على مذهبِه.\n٢ -: ما جاء عن أبي عمر ابن عبد البر:\nجاءَ عن ابنِ عبد البر عباراتٌ شديدةٌ في التحذيرِ مِن التقليدِ المذهبي، وسأحررُ قولَه في ضوءِ الآتي:\nأولًا: تعريف التقليد عند ابنِ عبد البر:\nبيَّنَ ابنُ عبد البر التقليدَ بقولِه: \"يُقالُ لمَنْ قالَ بالتقليدِ: ما حجتك في تقليدِ بعضِ العلماءِ دونَ بعضٍ، وكلّهم عالمٌ؟ ولعل الَّذي رغبتَ عن قولِه أعلم مِن الَّذي ذهبتَ إِلى مذهبِه. فإنْ قال: قلَّدتُه، لأنِّي علمتُ أنَّه صوابٌ. قيل له: علمتَ ذلك بدليلٍ مِن كتابٍ أو سنةٍ أو إِجماعٍ؟ فإنْ قالَ: نعم، فقد أبطلَ التقليدَ، وطُولب بما ادّعاه مِن الدليلِ\" (^٢).\nويقولُ أيضًا: \"التقليد: أنْ تقولَ بقولِه - أيْ: القائل - وأنتَ لا تعرفُ وجهَ القولِ، ولا معناه (^٣)، وتأبى سواه، أو يتبين لك خطؤُه، فتتّبعه؛ مهابةَ خلافِه، وأنتَ قد بان لك فسادُ قولِه\" (^٤).\nوكلامُ ابنِ عبد البر مِن الوضوح بمكانٍ في تحديدِ مصطلح التقليدِ، وأنَّه يشمل حالتين:\n_________\n(^١) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام (٦/ ٨٦، ١٢٤، ١٢٥، ١٦٤، ١٧٥).\n(^٢) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٤٤).\n(^٣) لعل المقصود: \"بالمعنى\": العلة والتوجيه.\n(^٤) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٧٨٧).","vol":"2","page":772},{"text":"الحالة الأولى: أخذُ القولِ دونَ معرفةِ دليلِه.\nالحالة الثانية: أخذُ القولِ مع ظهورِ خطئِه.\nوأنَّ مَنْ أَخَذَ قولَ عالمٍ مع معرفةِ دليلِه، فليس بمقلِّدٍ.\nويقصدُ ابنُ عبد البر بكلامِه الَّذي حذَّر فيه مِن التقليدِ مَنْ عدا العامي؛ لأنَّ فرضَ العامي سؤالُ العالمِ وتقليدُه، وقد حكى الإِجماعَ عليه (^١).\nإِذًا فابن عبد البرِ يحاربُ أدنى درجاتِ التمذهبِ لمنْ هو أهلٌ للنظرِ في الأدلةِ.\nثانيًا: أن ابنَ عبد البر نفسَه ألَّف كتابًا في الفقهِ المالكي، ولو كان يحاربُ التمذهبَ بكافَّةِ أحوالِه وألوانِه لما ألَّف كتابًا في فقهِ مذهبِه.\nيقولُ في مقدمةِ كتابِه: (الكافي في فقه أهل المدينة المالكي) (^٢): \"فإِنَّ بعضَ إِخوانِنا مِنْ أهلِ الطلبِ والعنايةِ والرغبةِ في الزيادةِ مِن التعلّمِ، سألني أنْ أجمعَ له كتابًا مختصرًا في الفقهِ ... فرأيتُ أنْ أجيبَه إِلى ذلك ... واعتمدتُ فيه على علمِ أهلِ المدينةِ، وسلكتُ فيه مسلكَ مذهبِ الإِمامِ أبي عبدِ الله مالك بن أنس ﵀ لما صحَّ له مِنْ جمعِ مذاهبِ أسلَافِه مِنْ أهلِ بلدِه ... واقتطعتُه مِنْ كتبِ المالكيين، ومذهبِ المدنيين ... \".\nثالثًا: نَسَبَ ابنُ عبد البر نفسَه إِلى المذهب المالكي، وصرَّح بأنَّ المالكيةَ أصحابُه، يقولُ في موضعٍ مِنْ كتبِه: \"زَعَمَ بعضُ أصحابِنا\" (^٣).\nوكتابُه: (الكافي في فقه أهل المدينة المالكي) خيرُ شاهدٍ على نسبتِه المذهبيةِ.\nوكذلك ترجم له مَنْ كَتَبَ في طبقاتِ المالكيةِ: كالقاضي عياض (^٤)،\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (٢/ ٩٨٩).\n(^٢) (١/ ١٣٦ - ١٣٨).\n(^٣) التمهيد (٩/ ٥٨) مع موسوعة: شروح الموطأ.\n(^٤) انظر: ترتيب المدارك (٨/ ١٢٧).","vol":"2","page":773},{"text":"والقاضي ابنِ فرحون (^١).\nولما ألَّف كتابَه: (الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي)، بَدَأَ بالإِمامِ مالكٍ؛ ولعلَّ مردّ ذلك إِلى كونه مالكي المذهبِ.\nومِنْ أقوى ما يدلُّ على نسبتِه المذهبية إِلى المالكية ترجيحَه للمتعلمِ أنْ يتفقه على مذهبِ الإِمامِ مالكٍ، يقول في هذا الصددِ: \"الاختيارُ له - أيْ: للمتعلم - أنْ يجعلَ إِمامَه في ذلك إِمامَ أهلِ المدينةِ، دار الهجرة، ومعدِن السُنّةِ\" (^٢).\nوجاءَ هذا الكلامُ في كتابِه: (جامع بيان العلم وفضله) الَّذي حذَّر فيه مِن التقليدِ.\nويتلخص أمران ممَّا سَبَقَ:\nالأمر الأول: أنَّ مرادَ ابنِ عبد البر بالتقليدِ هو أخذُ المتمذهب قولَ عالمٍ، دونَ معرفةِ دليلِه، وأخذُه القول مع ظهورِ خطئِه.\nالأمر الثاني: أن ابنَ عبد البر لم يحارب التمذهبَ بكافّةِ صورِه، بلْ حاربَ التقليدَ المذهبيَّ، فلم يحارب المذاهبَ الفقهيةَ، ولم يحارب مجتهدي المذاهبِ.\n٣ -: ما جاء عن تقي الدين بن تيمية:\nجاءَ عن تقي الدينِ بنِ تيمية كلامٌ في التمذهبِ والتقليدِ، وسأبينُ الأمورَ الأساسية في كلامِه؛ لتتضحَ الصورةُ الَّتي عارضها، وحذّر منها:\nأولًا: خبرةُ تقي الدين بنِ تيميةَ الواسعةُ، ومعرفتُه القويّةُ بمذهبِ الحنابلةِ، وهذا أمرٌ لا يحتاجُ إِلى إِقامةِ دليلٍ عليه، وخبرتُه خبرة مَنْ بَلَغَ النهايةَ في معرفةِ المذهبِ الحنبلي.\n_________\n(^١) انظر: الديباج المذهب (٢/ ٣٦٧).\n(^٢) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١١٣٤).","vol":"2","page":774},{"text":"ولو كان لا يرى التمذهبِ بكافّة أحوالِه؛ لما اشتغلَ بالمذهبِ مدةً ليستْ باليسيرةِ مِنْ عمرِه.\nثانيًا: تعبيرُه عن علماءِ الحنابلة بقوله: \"أصحابنا\" (^١)، قرينةٌ قويةٌ على انتسابِه إِلى المذهبِ الحنبلي.\nثالثًا: حدّد تقيُّ الدين التقليدَ المحرّمَ بـ \"أنْ يتّبعَ غيرَ الرسولِ فيما خالفَ فيه الرسول\" (^٢).\nفمتى ما كان المقلّدُ في تقليدِه يَعْلَم معارضةَ قولِ إِمامِه لقولِ الله تعالى ولقولِ رسولِه - ﷺ -، فهذا هو التقليدُ المحرّمُ عند ابنِ تيمية (^٣).\nرابعًا: سُئل تقيُّ الدين عن طريقِ معرفةِ الصحيحِ في مذهب الإِمامِ أحمدَ، مع كثرةِ الرواياتِ والأوجه في مذهبِه؛ فأجابَ بإِحالةِ السَائلِ إِلى كتبِ المذهبِ الَّتي تُعْنَى بذكرِ الراجحِ (^٤)، وخَتَمَ ذلك بقولِه: \"مَنْ كان خبيرًا بأصولِ أحمدَ ونصوصِه عَرَفَ الراجحَ في مذهبِه في عامّةِ المسائلِ\" (^٥).\nفلم ينه عن كتب الفقهاءِ، ولو كان يَرَى أنَّ كتبَ الفقهاءِ تصدُّ عن معرفةِ الكتابِ والسنةِ وَأقوالِ الصحابةِ، لما أرشدَ إِليها.\nخامسًا: ذَكرَ ابنُ القيمِ أنَّ رجلًا حنفيَّ المذهب جاءَ إِلى تقي الدين بنِ تيميةَ، يستشيرُه في الانتقالِ عن مذهبِه؛ لكثرةِ مخالفتِه للأحاديثِ الصحيحةِ، فأجابَه بقولِه: \"اجعل المذهبَ ثلاثةَ أقسام:\n• قسمٌ: الحق فيه ظاهرٌ بيّنٌ موافقٌ للكتابِ والسنةِ، فاقضِ به، وأنتَ طيبُ النفسِ، منشرح الصدرِ.\n_________\n(^١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإِسلام (٢٠/ ٢٠٢)، والصارم المسلول (٢/ ٢٣)، و(٣/ ٥٦٥، ٨٢٦، ١٠٠٨).\n(^٢) مجموع فتاوى شيخ الإِسلام (١٩/ ٢٦٠).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (١٩/ ٢٦٢).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (٢٠/ ٢٢٧ - ٢٣٠).\n(^٥) المصدر السابق (٢٠/ ٢٢٨).","vol":"2","page":775},{"text":"• وقسمٌ: مرجوحٌ، ومخالفُه معه الدليلُ، فلا تُفْتِ به، ولا تحكمْ به، وادفعه عنك.\n• وقسم: مِنْ مسائل الاجتهادِ الَّتي الأدلةُ فيها متجاذبةٌ، فإِنْ شئتَ أنْ تُفْتِي به، وإِنْ شئتَ أنْ تدفعَه عنك\" (^١).\nوهذه الإِجابةُ ظاهرةٌ في تقديرِ ابنِ تيمية للمذاهبِ الفقهيةِ ومدوّناتها، فلم يُرْشِد السائلَ إِلى الانتقالِ عن مذهبِه إِلى مذهب آخر، ولم يأمرْه بتركِ المذاهبِ بالكليةِ، وإِنَّما أجابَه بإِجابةٍ صالحةٍ ونافعةٍ لكلِّ متمذهب يريدُ اتباعَ الكتابِ والسنةِ.\nسادسًا: جاءَ عن ابنِ تيميةَ ما يدلُّ على أن اتِّباعَ الإِمامِ في كلِّ ما قاله مِنْ أمرٍ أو نهي، وإِيجابَ طاعتِه على كل الناس، والدعوة إِلى ذلك: فعلٌ غيرُ جائزٍ، يقولُ تقيُّ الدّينِ: \"مَنْ نَصَب إِمامًا، فأَوْجَبَ طاعتَه مطلقًا - اعتقادًا أو حالًا - فقد ضلَّ في ذلك ... وكذلك مَنْ دعا إِلى اتِّباع إِمامٍ مِنْ أئمةِ العلمِ في كلِّ ما قاله وأَمَرَ به، ونهي عنه مطلقًا، كالأئمةِ الأربَعةِ\" (^٢).\nويقولُ - أيضًا -: \"مَنْ يتعصب لمالك أو الشَّافعي أو أحمد أو أبي حنيفة، ويرى أنَّ قولَ هذا المعيَّن هو الصواب الَّذي ينبغي اتباعُه، دونَ الإِمامِ الَّذي خالفه، فمَنْ فَعَلَ هذا كان جاهلًا ضالًا، بلْ قد يكون كافرًا! \" (^٣).\nوكلامُه آنفُ الذكرِ يدلُّ على أنَّ مِنْ أنزلَ إِمامَ مذهبِه منزلةً فوق الَّتي يستحقها، فإِنَّ فعلَه ضلالٌ مُبِينٌ، لأنَّه غلوٌ في التعصبِ.\nسابعًا: جاء عن ابنِ تيميةَ الثناءُ على أصحاب الأئمةِ الذين خالفوا أئمتَهم حين اتضحَ لهم ضعفُ قولِ إِمامِهم، فيقول. \"لهذا كانَ الأكابرُ مِنْ\n_________\n(^١) إِعلام الموقعين (٦/ ١٦٦).\n(^٢) مجموع فتاوى شيخ الإِسلام (١٩/ ٦٩ - ٧٠).\n(^٣) المصدر السابق (٢٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩).","vol":"2","page":776},{"text":"أتباعِ الأئمةِ الأربعةِ لا يزالون إِذا ظَهَرَ لهم دلالةُ الكتابِ أو السنةِ على ما يخالفُ قولَ متبوعهم، اتَّبَعُوا ذلك\" (^١).\nويقولُ في موضعٍ آخر: \"وهذا أبو يوسفَ ومحمدٌ أَتْبَعُ الناسِ لأبي حنيفةَ، وأعلمهم بقولِه، وهما قد خالفاه في مسائل لا تكادُ تحصى؛ لما تبيَّنَ لهما مِن السنةِ والحجةِ ما وَجَبَ عليهما اتباعه\" (^٢).\nثامنًا: محلُّ النقدِ عند ابنِ تيميةَ في ضوءِ ما سَبَقَ: أنْ يأخذَ المتمذهبُ أقوالَ إِمامِه كلّها - فلا يحيد عنها - أو أنْ يأخذَ قولًا لإِمامِه مع مخالفتِه للدليلِ.\nخلاصة ما سبق:\nأنَّ تقيَّ الدينِ بنَ تيمية لم يحذّرْ مِن المذاهبِ الفقهيةِ، ولا مَنْ اتَّبعها إِذا لم يخالف الدليلَ، وإِنَّما حذر مِنْ عملِ بعضِ المتمذهبين في بعضِ صورِ التزامِهم بمذاهبِهم.\n٤ -: ما جاء عن أبي عبد الله بن القيم الجوزية:\nكانَ لابنِ القيمِ كلماتٌ كثيراتٌ في التحذيرِ مِن التقليدِ المذهبي - قد يفهمُ منها بعضُ الناسِ التحذيرَ مِن التمذهبِ ومن المذاهبِ على وجهِ العمومِ - وبتأمّلِ كلامِه ظَهَرَ لي أنَّ ابنَ القيمِ حارب صورًا مِن التمذهبِ، ولم يحارب التمذهبَ الَّذي لا يتعارضُ مع الأخذِ بالدليلِ، ولم يحارب المذاهبَ الفقهية القائمة في عصرِه، ولا كتبَ الفقهاءِ، يقولُ في هذا الصددِ مبينًا كيدَ الشيطانِ لبعضِ المنتسبين إِلى العلمِ: \"وكذلك قصّرَ بقومٍ حتى منعهم قبولَ أقوالِ أهل العلمِ والالتفات إِليها بالكليةِ، وتجاوز بآخرين حتى جعلوا الحلالَ ما حللوه والحرامَ ما حرموه، وقدَّموا أقوالهم على سنةِ رسول الله - ﷺ - الصحيحة الصريحة\" (^٣).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢٠/ ١٠ - ١١).\n(^٢) المصدر السابق (٢٢/ ٣٥٢ - ٢٥٣).\n(^٣) إِغاثة اللهفان (١/ ٢٠٤) ط / عالم الفوائد.","vol":"2","page":777},{"text":"وسأبينُ موقفَ ابنِ القيمِ في ضوءِ الآتي:\nأولًا: حدّدَ ابنُ القيمِ التقليدَ الَّذي حذَّر منه في مواضع متعددةٍ مِنْ مؤلفاتِه، بأنَّه: المعرفةُ الحاصلةُ دونَ دليل (^١)، فقالَ: \"العجبُ أنَّ كلَّ طائفةٍ مِن الطوائف، وكلَّ أمةٍ مِن الأممِ تدّعي أنَّها على حقٍّ، حاشا فرقة التقليدِ؛ فإِنَّهم لا يدَّعون ذلك - ولو ادَّعوه لكانوا مبطلين - فإِنَّهم شاهدون على أنفسِهم بأنَّهم لم يعتقدوا تلك الأقوال لدليلٍ قادهم إِليه، وبرهانٍ دلّهم عليه، وإِنَّما سبيلُهم محضُ التقليدِ\" (^٢).\nونصَّ في موضعٍ آخر على أنَّ الشخصَ إِذا أقامَ الدليلَ على ما ادَّعاه، فإِنَّه قد انتقلَ مِنْ منصبِ التقليدِ إِلى منصبِ الاستدلالِ (^٣).\nوبناءً على ما سَبَقَ، متى كانَ أخذُ القولِ عن دليلٍ، فإِنَّه ليس بتقليدٍ.\nثانيًا: بيّنَ ابنُ القيمِ الصورةَ المذهبيةَ القاتمة الَّتي كانت في عصرِه، والتي حذَّرَ منها، فقالَ: \"ثُمَّ كلٌّ منهم - أيْ: مَنْ يقلِّدُ إِمامَه - يَعْرِفُ مِنْ نفسِه أنَّه مقلِّد لمتبوعِه، لا يفارقُ قولَه، ويترك له كل ما خالفه مِنْ كتابٍ أو سنةٍ أو قولٍ صاحبٍ، نعلم بالضرورةِ أنَّه لم يكنْ في عصرِ الصحابةِ رجلٌ واحدٌ اتخذ رجلًا منهم يقلِّده في جميع أقوالِه، فلم يسقطْ منها شيئًا، وأَسْقَطَ أقوالَ غيرِه، فلم يأخذْ منها شيئًا\" (^٤).\nويقولُ في موطنٍ آخر مبيّنًا حالَ بعضِ المتمذهبين المقلِّدين لأئمتِهم: \"على أيِّ شيءٍ كان الناسُ قبلَ أنْ يولدَ فلانٌ وفلانٌ الذين قلّدتموهم، وجعلتُم أقوالَهم بمنزلةِ نصوصِ الشارعِ؟ ! \" (^٥).\nويقولُ في سياقٍ آخر: \"هل في هذا - أيْ: في تقليدِ عمر لأبي بكرٍ - ﵄ - في مسألةٍ واحدةٍ - دليل على جوازِ اتخاذِ أقوالِ رجلٍ بعينِه بمنزلةِ\n_________\n(^١) انظر: إِعلام الموقعين (٢/ ١١)، وانظر منه: (٣/ ٤٦٢).\n(^٢) المصدر السابق (٣/ ٤٨٤).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (٣/ ٤٨٦، ٥٢٧).\n(^٤) المصدر السابق (٣/ ٤٨٤).\n(^٥) المصدر السابق (٣/ ٤٨٧).","vol":"2","page":778},{"text":"نصوصِ الشارعِ، لا يُلتفتُ إِلى قولٍ مَنْ سواه، بلْ ولا إِلى نصوصِ الشارعِ، إِلَّا إِذا وافقتْ قولَه؟ ! \" (^١).\nثالثًا: عابَ ابنُ القيمِ على المتمذهبين أمرين:\nالأمر الأول: التعصّب لقولِ إِمامِ المذهبِ إِذا خالفَ الدليلَ.\nالأمر الثاني: إِعراضُ المتمذهبِ المتأهلِ عن النظرِ في نصوصِ الكتابِ والسنةِ.\nيقولُ واصفًا حالَ بعضِ المتمذهبين: \"إِذا خالفَ قولُ متبوعِهم نصًّا عن الله ورسولِه، فالواجبُ التمحّل والتكلّفُ في إِخراجِ ذلك النصِّ عن دلالتِه ... ومِنْ عجيبِ أمرِكم أيّها المقلدون، أنَّكم اعترفتُم وأقررتم على أنفسِكم بالعجزِ عن معرفةِ الحقِّ بدليلِه مِنْ كلامِ الله وكلامِ رسولِه، مع سهولتِه، وقربِ مأخذِه\" (^٢).\nويقولُ في موضع آخرٍ: \"مَنْ عَدَلَ عن الكتابِ والسنةِ وأقوالِ الصحابة، وعن معرفةِ الحقِّ بالدليلِ، مع تمكّنه منه، إِلى التقليدِ: فهو كمَنْ عَدَلَ إِلى الميتةِ مع قدرتِه على المذكّى\" (^٣).\nويقولُ أيضًا: \"إِنَّ اللهَ سبحانه ذمَّ مَنْ أعرضَ عمّا أنزله إِلى تقليدِ الآباء ... وأمَّا تقليد مَنْ بَذَلَ جُهْدَه في اتباع ما أنزلَ اللهُ، وخفي عليه بعضُه، فقلَّد فيه مَنْ هو أعلمُ منه، فهذا محمود غيرُ مذمومٍ\" (^٤).\nويقولُ في موضعٍ آخر: \"الفرق بين تقليدِ العالمِ في كلِّ ما قال، وبين الاستعانةِ بفهمِه والاستضاءَةِ بنورِ علمِه: فالأول: يأخذُ قولَه مِنْ غيرِ نظرٍ فيه، ولا طلبٍ لدليلِه مِن الكتابِ والسنةِ، بلْ يجعلُ ذلك كالحبلِ الَّذي يلقيه في عنقِه يقلَّد به، ولذلك سُمّيَ تقليدًا، بخلافِ مَن استعانَ بفهمِه واستضاءَ\n_________\n(^١) المصدر السابق (٣/ ٥٣٢).\n(^٢) المصدر السابق (٣/ ٤٩٠)، وانظر منه (٣/ ٤٩١، ٥٩١).\n(^٣) المصدر السابق (٣/ ٥٧٤).\n(^٤) المصدر السابق (٣/ ٤٤٨).","vol":"2","page":779},{"text":"بنورِ علمِه في الوصولِ إِلى الرسولِ - ﷺ -، فإِنَّه يجعلهم بمنزلةِ الدليل إِلى الدليلِ ... \" (^١).\nوفي كلام ابنِ القيّمِ آنف الذكر إِشارةٌ إِلى أنَّ كلامَه موجهٌ إِلى المتمذهبين المتأهلين للنظرِ في الأدلةِ المعرضينَ عن النظرِ فيها إِلى الأخذِ بقولِ إِمامِهم.\nويقررُ ابنُ القيّمِ أنَّ مَنْ اتَّبع إِمامًا؛ لظنه أنَّه لا يقولُ إِلَّا ما هو حقٌّ، وهو عاجزٌ عن معرفةِ الحقِّ بنفسِه - لم يتأهلْ للنظرِ في الأدلةِ - فهو معذورٌ، بخلافِ مَنْ قَدِرَ على الوصولِ إِلى الحكمِ بالدليلِ، وتَرَكَ النظرَ في الأدلةِ إِعراضًا عنها، فهو غيرُ معذورٍ (^٢).\nفمَنْ تأهّلَ مِن المتمذهبين للنظرِ في الأدلةِ، ولم ينظرْ مع قدرتِه، فهو مذمومٌ عند ابنِ القيّمِ، وإِنْ نَظَرَ في الأدلةِ، ثمَّ توصّلَ إِلى حكمٍ - سواء أوافق إِمامه، أم لا - فهو غيرُ مذمومِ عنده؛ لأنَّه اتبعَ الدليلَ.\nأمَّا إِذا أَخَذَ المتمذهبُ الَّذي لم يتأهلْ للنظرِ أقوالَ إِمامِه، فلا يلحقُه ذمٌّ عنده.\nوإِن كانْ في بعضِ الأدلةِ الَّتي ساقها ابنُ القيم عموماتٌ تشملُ المتمذهبَ المتأهلَ للنظرِ في الأدلةِ، والمتمذهبَ الَّذي لم يتأهلْ (^٣)، ولا سيما أنَّ ابنَ القيم نفسَه يرى أنَّ التزامَ أقوالِ إِمامٍ بعينِه مِن البدعِ المحدِّثةِ (^٤).\n• الأقوال في المسألة:\nاختلفَ العلماءُ في حكم التمذهب بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ المشهورةِ على أقوالٍ:\n_________\n(^١) الروح (٢/ ٧٦٨ - ٧٦٩).\n(^٢) انظر: مدارج السالكين (١/ ١٦٤ - ١٦٥).\n(^٣) انظر: إِعلام الموقعين (٣/ ٤٤٨ - ٤٤٩، ٤٥٣، ٥٢٢ - ٥٢٤، ٥٢٨ - ٥٢٩).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (٣/ ٤٨٤ - ٤٨٥).","vol":"2","page":780},{"text":"القول الأول: جوازُ التمذهبِ بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ.\nوقد يُعبَّرُ عن هذا القولِ بعدمِ لزومِ التمذهبِ.\nوهذا القولُ مذهبُ الحنفية (^١)، وقولُ بعضِ المالكيةِ (^٢)، وهو وجهٌ عند الشافعيةِ (^٣)، ووجهٌ عند الحنابلةِ (^٤)، ونعته ابنُ مفلحٍ (^٥) وتبعه المرداويُّ (^٦) - بأنَّه الوجه الأشهر عند الحنابلةِ، وجَعَلَ ابنُ مفلحٍ هذا القولَ أحدَ الوجهين عند المالكيةِ (^٧).\nونَسَبَه أبو المحاسنِ عبدُ الحليم بنُ تيميةَ (^٨)، وتقي الدين بن تيمية إلى\n_________\n(^١) انظر: رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (١/ ٢٤٦).\n(^٢) انظر: شرح تنقيح الفصول (ص/ ٤٣٢).\n(^٣) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٦١)، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٥٥)، وتشنيف المسامع (٤/ ٦١٩)، والبحر المحيط (٦/ ٣١٩)، وسلاسل الذهب (ص/ ٤٥٤).\n(^٤) انظر: المسودة (٢/ ٩٢١)، وصفة الفتوى (ص/ ٧٢)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/ ٢٢٢)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٦٢)، والآداب الشرعية له (١/ ٢٢٦)، والمختصر في أصول الفقه لابن اللحام (ص/ ١٦٨)، والأخبار العلمية له (ص/ ٤٨٢)، وشرح الكوكب المنير (٤/ ٥٧٤).\n(^٥) انظر: أصول الفقه (٤/ ١٥٦٢)، والفروع (١١/ ٣٤٥).\n(^٦) انظر: التحبير (٨/ ٤٠٨٧).\n(^٧) انظر: الفروع (١١/ ٣٤٥)، ونثر البنود (٢/ ٣٥٢).\n(^٨) انظر: المسودة (٢/ ٩٢١). وأبو المحاسن بن تيمية هو: عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن الخضر بن تيمية الحراني، شهاب الدين أبو المحاسن، ولد بحران سنة ٦١٧ هـ قرأ المذهب الحنبلي على والده حتى أتقنه، كان إمامًا محققًا، كثير الفوائد، جيد المشاركة في العلوم، له اليد الطولى في الفرائض والحساب، دينًا متواضعًا حسن الأخلاق جوادًا، تولى التدريس والإفتاء، وصار شيخ بلده بعد أبيه، قال ابن رجب عنه: \"له تعاليق وفوائد، وصنف في علوم عديدة\"، من مؤلفاته: المسودة - التي جمعها وبيضها أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الغني - توفي بدمشق سنة ٦٨٢ هـ. انظر ترجمته في: الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب (٤/ ١٨٥)، والوافي بالوفيات للصفدي (١٧/ ٦٩)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ١٦٦)، والمنهج الأحمد للعليمي (٤/ ٣٢٤)، والدر المنضد له (١/ ٤٢٥)، وشذرات الذهب لابن العماد (٧/ ٦٥٦)، ومقدمة محيي الدين عبد الحميد للمسودة (ص/ ٢).","vol":"2","page":781},{"text":"الأكثرِ (^١). ونسبه تقي الدين بن تيمية إلى جماهير العلماء (^٢). ونسبه الأميرُ الصنعاني إلى الجمهورِ (^٣).\nوهذا القولُ - عدم لزوم التمذهب بمذهب محددِ - هو ظاهرُ قولِ الإمامِ مالكٍ - كما ذكره بدرُ الدّينِ الزركشي (^٤) - وظاهرُ قولِ الإمامِ أحمدَ (^٥).\nوذَهَبَ إليه جمعٌ مِنْ أهلِ العلمِ، منهم: أبو الحسين القدوري (^٦)،\n_________\n(^١) انظر: جامع المسائل، المجموعة الثامنة (ص/ ٤٣٨).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (ص/ ٤٣٩).\n(^٣) انظر: إجابة السائل (ص / ٤١٠).\n(^٤) انظر: البحر المحيط (٦/ ٣١٩). وقد أَخَذَ الزركشيُّ قولَ الإمام مالك لما رام بعضُ الخلفاء زمن الإمام مالك حملَ الناس في الآفاق على مذهب الإمام مالك، فمنعه الإمامُ مالك؛ لأنَّ الله فرّق العلم في البلاد بتفريق العلماء فيه.\nوقد جاءت قصة الإمام مالك مع أحد الولاة بألفاظ عدة، واختلف العلماءُ في تحديد الوالي الذي عرض عليه هذا الأمر. انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (١/ ٢٩)، وحلية الأولياء لأبي نعيم (٦/ ٣٣٢)، والانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة لابن عبد البر (ص / ٨٠ وما بعدها)، وترتيب المدارك للقاضي عياض (١/ ١٠١ - ١٠٢)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام (٣٠/ ٧٩)، وسير أعلام النبلاء (٨/ ٧٩).\n(^٥) انظر: العدة (٤/ ١٢٢٦). وذلك أخذًا ممَّا جاء عن الإمام أحمد لما سأله أحدُ أصحابه عن مسألة في الطلاق؟ فقال: إنْ فعل حنث. فقال له: فإن أفتاني إنسان؟ يعني: أن لا أحنث. فقال الإمام أحمد: تعرف حلقة المدنيين؟ فقال: فإن أفتوني أدخل؟ [وفي بعض المصادر كالتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤٠٤)، وروضة الناظر (٣/ ١٠٢٧) \"حل\"]، قال: نعم. انظر ما جاء عن الإمام أحمد في: العدة (٤/ ١٢٢٦)، وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/ ٣٨١).\n(^٦) انظر: المسودة (٢/ ٩٢١)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٦٣)، وتيسير التحرير (٤/ ٢٥٥). وأبو الحسين القدوري هو: أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان، أبو الحسين القدوري البغدادي، ولد سنة ٣٦٢ هـ تفقه على أبي عبد الله محمد الجرجاني، وقد روى الحديث وكان صدوقًا، وانتهت إليه رئاسة المذهب الحنفي بالعراق، وقد عظم قدره عند العراقيين، وارتفع جاهه، وكان حسن العبارة في المناظرة، جريء اللسان، مديمًا لتلاوة كتاب الله، من مؤلفاته: مختصر في الفقه، والتجريد، والتقريب في مسائل الخلاف، توفي ببغداد سنة ٤٢٨ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (٦/ ٣١)، والأنساب للسمعاني (١٠/ ٧٦)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (١/ ٧٨)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٥٧٤)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (٣/ ١٠٨٦)، والوافي بالوفيات للصفدي (٧/ ٣٢٠)، والجواهر المضية للقرشي (١/ ٢٤٧)، وتاج التراجم لقطلوبغا (ص/ ٩٨)، والطبقات السنية للغزي (٢/ ١٩).","vol":"2","page":782},{"text":"وهو مقتضى قولِ أبي يعلى (^١)، وأبي إسحاقَ الشيرازي (^٢) - إذ جوّزا تقليدَ المفضولِ مع وجودِ الفاضلِ - ونسبه بدرُ الدّينِ الزركشي إلى ابنِ بَرْهان (^٣)، وهو قولُ الوزيرِ ابنِ هبيرةَ (^٤)، والآمدي (^٥)، وظاهر قولِ ابنِ الحاجبِ - إذ أوجبَ التقليدَ على من عدا المجتهدِ وإنْ كان عالمًا، ثمَّ جوّز تقليدَ مجتهدٍ آخر في حادثةٍ أخرى (^٦) - وهو قول محيي الدّينِ النووي (^٧)، وظاهرُ قولِ شهابِ الدّينِ القرافي (^٨)، وهو - أيضًا - قولُ أبي البركاتِ النسفي (^٩)، وصفي الدّينِ الهندي (^١٠)، وشمس الدّينِ الذهبي (^١١)، ومحمد البابرتي في كتابِه: (النقود والردود) (^١٢)، وابنِ جزي المالكي (^١٣)، وبدرِ الدين الزركشي (^١٤)، وابنِ نور الدّينِ (^١٥)،\n_________\n(^١) انظر: العدة (٤/ ١٢٢٦).\n(^٢) انظر: شرح اللمع (٢/ ١٠١١)، والتبصرة (ص/ ٤١٥).\n(^٣) انظر: البحر المحيط (٦/ ٣١٩).\n(^٤) انظر: المسودة (٢/ ٣٤٣).\n(^٥) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ٢٣٨).\n(^٦) انظر: مختصر منتهى السول (٢/ ١٢٥٢، ١٢٦٤).\n(^٧) انظر: روضة الطالبين (١١/ ١١٧).\n(^٨) انظر: نفائس الأصول (٩/ ٤١٤٧ وما بعدها).\n(^٩) انظر: كنز الدقائق (٦/ ٢٩٢) مع شرحه: البحر الرائق لابن نجيم.\n(^١٠) انظر: نهاية الوصول (٨/ ٣٩١٩ - ٣٩٢٠).\n(^١١) انظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ٩٠).\n(^١٢) انظر: (٢/ ٧٣٢).\n(^١٣) انظر: تقريب الوصول (ص/ ٤٤٧).\n(^١٤) انظر: البحر المحيط (٦/ ٣١٩).\n(^١٥) انظر: الاستعداد لرتبة الاجتهاد (٢/ ١١٧٢). وابن نور الدين هو: محمد بن علي بن عبد الله بن إبراهيم بن أحمد بن أبي بكر الخطيب الموزعي، جمال الدين، المعروف بابن نور الدين، ولد في مَوْزع في اليمن، وتلقّى العلم عن علماء بلده، واحتل مكانة رفيعة في العلم، وحظي بقبول الناس، كان فقيهًا أصوليًا، بارزًا في النحو والمعاني واللغة، زاهدًا ورعًا صالحًا، متفرغًا للعلم وتحصيله، وأحد الداعين إلى العمل بالسنة، والمحاربين لكتب ابن عربي الصوفي، وجرت بينه وبين الصوفية أمورٌ بان فيها فضله، وقد وقع ابن نور الدين في التفويض في باب الأسماء والصفات، من مؤلفاته: تيسير البيان لأحكام القرآن، والاستعداد لرتبة الاجتهاد، وجامع الفقه - بلغ فيه إلى باب صدقة الفطر - وكنوز الخبايا في قواعد الوصايا، توفي سنة ٨٢٥ هـ وقيل: بعد سنة ٨١٠ هـ. انظر ترجمته في: الضوء اللامع للسخاوي (٨/ ٢٢٣)، والأعلام للزركلي (٦/ ٢٨٧)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٥٢٠)، وهجر العلم ومعاقله لإسماعيل الأكوع (٤/ ٢١٥٥)، ومقدمة تحقيق الاستعداد لرتبة الاجتهاد =","vol":"2","page":783},{"text":"وابنِ الهمام الحنفي (^١)، وابنِ أمير الحاج (^٢)، وابنِ قاوان الكيلاني (^٣)، وابنِ نجيم (^٤)، وابنِ النجار الفتوحي (^٥)، وأمير باد شاه (^٦)، ومحمد الملا فروخ (^٧)، وأحمد الحموي (^٨)، وابن عبد الشكور (^٩)، وعبد العلي الأنصاري (^١٠)، وشاه ولي الدهلوي (^١١)، والشيخ محمد سعيد الباني (^١٢)، والشيخ محمد بخيت المطيعي (^١٣)، والشيخ عبد الله أبا بطين (^١٤)، والشيخ\n_________\n= (١/ ٤١).\n(^١) انظر: التحرير (٣/ ٣٥٠) مع شرحه التقرير والتحبير.\n(^٢) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٥٠).\n(^٣) انظر: التحقيقات في شرح الورقات (ص/ ٦٤٤). وابن قاوان الكيلاني هو: الحسين بن أحمد بن محمد بن أحمد البدر الكيلاني، شهاب الدين، المعروف بابن قاوان، ولد بكيلان بفلسطين سنة ٨٤٢ هـ طلب العلم في مسقط رأسه، وقرأ عددًا من كتب الشافعية على والده وعلى علماء عصره، ورحل إلى مكة، وأخذ العلم عن عدد من العلماء المحققين، كابن الهمام وإمام الكاملية، وقد تعلم النحو والصرف والحديث والتفسير والكلام والبلاغة، كان مبدعًا في مؤلفاته، مدققًا فيها، منها: التحقيقات في شرح الورقات، وشرح الأربعين النووية، وشرح القواعد الصغرى، توفي بمكة سنة ٨٨٩ هـ. انظر ترجمته في: الضوء اللامع للسخاوي (٣/ ١٣٥)، ومعجم المؤلفين لكحالة (١/ ٦٠٣).\n(^٤) انظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٦/ ٢٩٢).\n(^٥) انظر: شرح الكوكب المنير (٤/ ٥٧٤).\n(^٦) انظر: تيسير التحرير (٤/ ٢٥٣).\n(^٧) انظر: القول السديد (ص/ ١١٠).\n(^٨) انظر: الدر الفريد (ص/ ١٢٩).\n(^٩) انظر: مسلم الثبوت (٢/ ٤٠٦) مع شرحه فواتح الرحموت.\n(^١٠) انظر: فواتح الرحموت (٢/ ٤٠٦).\n(^١١) انظر: حجة الله البالغة (١/ ٤٧٣).\n(^١٢) انظر: عمدة التحقيق (ص/ ٨١).\n(^١٣) انظر: سلم الوصول (٤/ ٦٢٤).\n(^١٤) انظر: الدرر السنية (٤/ ٦٥، ٦٨). والشيخ عبد الله أبا بابطين هو: عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز أبا بُطين العائذي النجدي، ولد بروضة سدير سنة ١١٩٤ هـ نشأ في طلب العلم، ودرس الفقه الحنبلي، وارتحل إلى الشام، وقرأ على الشيخ محمد السفاريني، ثم رحل إلى شقراء وقرأ على علمائها، كان قوي الحفظ، يستحضر المسائل استحضارًا عجيبًا، وحمل لواء الدعوة السلفية في الدور الثاني لحكام آل سعود، كان فقيه الديار النجدية في القرن الثالث عشر، ألَّف عدة كتب، منها: حاشية على شرح منتهى الإرادات، وتعليقات على الروض المربع، وتأسيس التقديس في كشف شبهات ابن جرجيس، ومختصر بدائع الفوائد لابن القيم، ومختصر إغاثة اللهفان لابن القيم، توفي بشقراء سنة ١٢٨٢ هـ قال ابن حميد: \"وبموته فُقد التحقيق في مذهب الإمام أحمد، فقد كان فيه آيةً، وإلى تحقيقه النهاية، =","vol":"2","page":784},{"text":"محمد بن إبراهيم آل الشيخ (^١)، والدكتور محمد مدكور (^٢)، والدكتور بدران أبو العينين (^٣)، ومحمد زكريا البرديسي (^٤)، والدكتور وهبة الزحيلي (^٥)، والدكتور محمد الزحيلي (^٦)، والدكتور محمد حنفي (^٧)، والدكتور محمد الحفناوي (^٨)، والدكتور عبد الكريم زيدان (^٩)، والدكتور زكي الدين شعبان (^١٠)، والدكتور عياض السلمي (^١١).\nواختارَ ابنُ دقيق العيد جوازَ التمذهب بشرطين، وتبعه تقيُّ الدّينِ السبكي (^١٢):\nالشرط الأول: أنْ لا يكونَ في المسألةِ التي يريدُ أنْ يأخذَ فيها بالمذهبِ حديثٌ صحيحٌ يقتضي خلافَ مذهبِ إمامِه.\nالشرط الثاني: أنْ ينشرحَ صدرُه لذلك، ولا يعتقدَ أنَّه متساهلٌ (^١٣).\nوالظاهرُ مِنْ حالِ المجوزين للتمذهب موافقتهم لابنِ دقيق العيد وتقي الدين السبكي في هذينِ الشرطينِ.\nولتقي الدينِ بنِ تيمية كلامٌ يدلُّ على أنَّه لا يرى لزومَ التمذهبِ (^١٤)، لكنَّه صرَّحَ في موضع آخر بالمنعِ، كما سيأتي بعدَ قليلٍ.\n_________\n= فقد وصل فيه الغاية\". انظر ترجمته في: السحب الوابلة لابن حميد (٢/ ٦٢٦)، والأعلام للزركلي (٤/ ٩٧)، وتراجم لمتأخري الحنابلة (ص/ ٨٨)، ومشاهير علماء نجد لآل الشيخ (ص/٢٣٥)، وتسهيل السابلة لابن عثيمين (٣/ ١٧٠٢)، وعلماء نجد لابن بسام (٤/ ٢٢٥).\n(^١) انظر: فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم (٢/ ١٧).\n(^٢) انظر: مناهج الاجتهاد في الإسلام (ص/ ٤٣٨)، وأصول الفقه له (ص/ ٣٥٠)، والمدخل للفقه الإسلامي له (ص/٣١٩).\n(^٣) انظر: أصول الفقه الإسلامي (ص/ ٤٨٩).\n(^٤) انظر: أصول الفقه (ص/ ٤٤٨).\n(^٥) انظر: الفقه الإسلامي وأدلته (١/ ٩٠).\n(^٦) انظر: الوجيز في أصول الفقه (ص/ ٣٧٠).\n(^٧) انظر: المدخل لدراسة الفقه (ص/ ٣٠٠).\n(^٨) انظر: تبصير النجباء (ص/٢٣٧).\n(^٩) انظر: الوجيز في أصول الفقه (ص / ٤١١).\n(^١٠) انظر: أصول الفقه الإسلامي (ص/ ٣٣٩).\n(^١١) انظر: أصول الفقه (ص/ ٤٨٣).\n(^١٢) انظر: السيف المسلول (ص/ ٣٨٩).\n(^١٣) انظر: المصدر السابق (ص/ ٣٨٨)، والشرح الكبير على الورقات للعبادي (٢/ ٥٥٦).\n(^١٤) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/ ٢٠٩).","vol":"2","page":785},{"text":"ويُلحقُ بأربابِ هذا القول فريقان:\nالفريق الأول: مَنْ ألَّفَ في فقهِ مذهبِه، وانتسبَ إليه، ولم يَرِدْ عنه قولٌ بوجوبِ التمذهبِ، أو استحبابِه، أو تحريمِه، فظاهرُ صنيعِه يدلُّ على أنَّ أقلَّ ما يراه في حكمِ التمذهبِ هو الجوازُ والإباحةُ.\nالفريق الثاني: مَنْ قال: لا يلزمُ الأخذُ بقولِ الفاضلِ، وللمستفتي الأخذُ بقولِ المفضولِ، فإنَّ ممَّا يقضيه قولُهم عدم إيجابِ التمذهبِ.\nالقول الثاني: وجوبُ التمذهبِ بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ.\nوقد يُعبّرُ عن هذا القولِ بلزومِ التمذهبِ بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ.\nوقد ذَهَبَ إلى هذا القولِ بعضُ الحنفيةِ (^١)، وبعضُ المالكيةِ (^٢). وهو وجهٌ عند الشافعيةِ (^٣)، ووجهٌ عند الحنابلةِ (^٤)، وجَعَلَ ابنُ مفلحٍ هذا القولَ أحدَ الوجهين عند المالكيةِ (^٥).\nونَسَبَه محيي الدين النوويُّ إلى أصحابِه الشافعيةِ (^٦)، ونسبه تاجُ الدين بن السبكي إلى محققي الشافعيةِ (^٧). ونسبه الأميرُ الصنعاني إلى الأقلِّ (^٨).\n_________\n(^١) انظر: فوائد في علوم الفقه لحبيب الكيرواني (ص/ ٢٩٠).\n(^٢) انظر: جامع مسائل الأحكام للبرزلي (١/ ٦٧)، والمعيار المعرب للونشريسي (١٢/ ٤٣)، وفتح العلي المالك لعليش (١/ ٩٠)، ونشر البنود (٢/ ٣٤٨).\n(^٣) انظر: أدب المفتي والمسثفتي (ص/ ١٦٢)، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٥٥)، وروضة الطالبين له (١١/ ١١٧)، وتشنيف المسامع (٢/ ٦١٩)، والبحر المحيط (٦/ ٣١٩)، وسلاسل الذهب (ص/ ٤٥٤).\n(^٤) انظر: المسودة (٢/ ٩٢١)، وصفة الفتوى (ص/ ٧٢)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/ ٢٢٢)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٦٢)، والآداب الشرعية له (١/ ٢٢٦)، والمختصر في أصول الفقه لابن اللحام (ص/ ١٦٨)، والأخبار العلمية له (ص/ ٤٨٢)، وشرح الكوكب المنير (٤/ ٥٧٤).\n(^٥) انظر: الفروع (١١/ ٣٤٥).\n(^٦) انظر: روضة الطالبين (١١/ ١١٧)، وفتاوى ابن حجر الهيتمي (٤/ ٣٠٥).\n(^٧) انظر: رفع الحاجب (٤/ ٦٠٧).\n(^٨) انظر: إجابة السائل (ص/ ٤١٠).","vol":"2","page":786},{"text":"ويقولُ محمد السفاريني: \"قَطَعَ الكبارُ بلزومِ التمذهبِ بمذهبٍ\" (^١).\nويقولُ عبد الله العلوي: \"وَقَعَ الإجماعُ اليومَ على وجوبِ تقليدِ المذاهبِ الأربعةِ\" (^٢).\nويقولُ الشيخُ محمد الأمين الشنقيطي: \"متأخرو الأصوليين مِنْ جميعِ المذاهبِ مطبقون كلّهم على وجوبِه\" (^٣)، أيْ: على وجوبِ التمذهب.\nوذَهَبَ إلى هذا القولِ جمعٌ، منهم: إمامُ الحرمين الجويني (^٤)، وإلكيا الهراسي (^٥)، وأبو المظفرِ السمعاني (^٦)، وأبو حامدٍ الغزالي (^٧)، وهو ظاهرُ قولِ أبي عبدِ الله المازري (^٨)، وهو قولُ ابنِ المنيِّر (^٩)، وتاجِ الدينِ ابنِ\n_________\n(^١) لوامع الأنوار البهية (٢/ ٤٦٥).\n(^٢) نشر البنود (٢/ ٣٥٢). وانظر: مراقي السعود إلى مراقي السعود (ص/ ٤٦٣)، وحكاية عبد الله العلوي الإجماع على وجوب التمذهب محل نظر؛ لأن كثيرًا من العلماء لم يذهب إلى الوجوب.\n(^٣) الرحلة إلى إفريقيا (ص/ ١٥١).\n(^٤) انظر: البرهان (٢/ ٧٤٥)، ومنع الموانع لابن السبكي (ص/ ٤٤٣).\n(^٥) نسب جمعٌ من الشافعية القول بوجوب التمذهب إلى إلكيا. انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٦٢)، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٥٥)، وروضة الطالبين له (١١/ ١١٧)، وتشنيف المسامع (٢/ ٦١٩)، والبحر المحيط (٦/ ٣١٩)، وسلاسل الذهب (ص/ ٤٥٤).\n(^٦) انظر: قواطع الأدلة (٥/ ١٧٦).\n(^٧) انظر: المنخول (ص/ ٤٩٤ - ٥٠٤)، ومنع الموانع لابن السبكي (ص/ ٤٤٣).\n(^٨) انظر: الموافقات (٥/ ٩٦ وما بعدها)، وفتح العلي المالك لعليش (١/ ٧٤).\n(^٩) انظر: البحر المحيط (٦/ ٣١٩). وابن المنيّر هو: أحمد بن محمد بن منصور بن أبي القاسم بن المختار القاضي، أبو العباس ناصر الدين الجذامي الجروي الإسكندري، المعروف بابن المنيِّر، ولد سنة ٦٢٠ هـ كان عالمًا مالكيًا فاضلًا متفننًا، بارعًا في الفقه وأصوله، راسخًا فيهما، له الباع الطويل في التفسير والقراءات، واليد الطولى في العربية والأدب والبلاغة، ولي قضاء الإسكندرية، وكان خطيبًا مصقعًا مفوهًا فصيحًا، من مؤلفاته: البحر الكبير في نخب التفسير، وتأليف على تراجم صحيح البخاري، والانتصاف من الكشاف، وتفسير حديث الإسراء، توفي سنة ٦٨٣ هـ. انظر ترجمته في: فوات الوفيات لابن شاكر (١/ ١٤٩)، والديباج المذهب لابن فرحون (١/ ٢٤٣)، والمقفى الكبير للمقريزي (١/ ٦٥٣)، وحسن المحاضرة للسيوطي (١/ ٢٩٣)، ودرة الحجال لابن القاضي (١/ ٩)، وشذرات الذهب لابن العماد (٥/ ٣٨١)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ١٨٨).","vol":"2","page":787},{"text":"السبكي (^١)، ومحمدٍ البابرتي - كما نقله عنه ابنُ أبي العز الحنفي (^٢) - وهو ظاهرُ قولِ أبي إسحاقَ الشاطبي (^٣)، وهو قولُ ابنِ رجبٍ (^٤)، وابنِ رسلان الرملي (^٥)، وجلالِ الدين المحلي (^٦)، وزكريا الأنصاري (^٧)، وبدرِ الدين الغزي (^٨)، وعبدِ الرؤوف المناوي (^٩)، ومحمدٍ السفاريني (^١٠)، وعبدِ الله العلوي (^١١)، ومحمد الأمين الجكني (^١٢)، وعلوي السقاف (^١٣)، ومحمد الخضر الشنقيطي (^١٤)، ومحمد زاهد الكوثري (^١٥)،\n_________\n(^١) انظر: جمع الجوامع (٢/ ٤٠٠) مع شرح المحلي وحاشية البناني.\n(^٢) انظر: الاتِّباع (ص/ ٢٤).\n(^٣) انظر: الموافقات (٥/ ٩٦ وما بعدها)،\n(^٤) انظر: الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة (ص/ ٢٧ وما بعدها).\n(^٥) انظر: لمع اللوامع، القسم الثاني (٢/ ٦٧٠ - ٦٧١).\n(^٦) انظر: البدر الطالع في حل جمع الجوامع (٢/ ٤٠٦).\n(^٧) انظر: غاية الوصول (ص/ ١٥٢).\n(^٨) انظر: الدر النضيد في أدب المفيد والمستفيد (ص/ ٢١٩).\n(^٩) انظر: فيض القدير (١/ ٢١٠).\n(^١٠) انظر: لوامع الأنوار البهية (٢/ ٤٦٣).\n(^١١) انظر: نشر البنود (٢/ ٣٤٨، ٣٥٢).\n(^١٢) انظر: مراقي السعود على مراقي السعود (ص/ ٤٦٣).\n(^١٣) انظر: مختصر الفوائد المكية (ص/ ٣٧).\n(^١٤) انظر: قمع أهل الزيغ والإلحاد (ص/ ٨٨). ومحمد الخضر الشنقيطي هو: محمد الخضر بن مايابي الجكني الشنقيطي، ولد بشنقيط بموريتانيا، ونشأ بها، ثم انتقل إلى المدينة النبوية، وأصبح مفتي المالكية بها، كان أصوليًا ومحدثًا ومتكلمًا، من مؤلفاته: مشتهي الخارف الجاني في رد زلفات التيجاني، وقمع أهل الزيغ والإلحاد عن الطعن في تقليد أئمة الاجتهاد، والدعوة إلى الإصلاح، واستحالة المعية بالذات وما ضاهاها من متشابه الصفات، توفي سنة ١٣٥٣ هـ. انظر ترجمته في: الأعلام الشرقية لزكي مجاهد (١/ ٣٨٢)، والأعلام للزركلي (٦/ ١١٣)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٢٧٤).\n(^١٥) انظر: لزوم اتباع مذاهب الأئمة للحامد (ص/ ١٩). ومحمد زاهد الكوثري هو: محمد زاهد بن الحسن بن علي الرضا الكوثري، جركسي الأصل، ولد بقرية الحاج حسن شرقي الآستانة سنة ١٢٩٦ هـ من علماء المذهب الحنفي، وله اشتغال بعلم الحديث وعلم الكلام والأدب والسير، ويعرف اللغات: العربية والفارسية والتركية والجركسية، كان ماتريدي المعتقد، وقد تولى رئاسة مجلس التدريس ووكالة المشيخة الإسلامية بدار الخلافة العثمانية، وقد استقر بمصر، وعُرف عنه شدة التعصب لمذهبه، والوقيعة في بعض علماء الأمة، ولا سيما من كان منهم سلفي المعتقد، بل لم يسلم منه بعض الصحابة - ﵃ -، ويعد الكوثري من رؤوس المبتدعة =","vol":"2","page":788},{"text":"ومحمد الحامد (^١)، والدكتور محمد البوطي (^٢)، وهو ما يفهم من كلام محمد تقي العثماني (^٣)، واختاره الدكتور محمد حسن هيتو (^٤)، ومحمد كمال الراشدي (^٥).\nويقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية: \"أمَّا كثيرٌ مِنْ أتباعِ أئمةِ العلمِ ومشايخِ الدِّينِ، فحالُهم وهواهُم أيضًا هي حالُ مَنْ يوجبُ متبوعَه، لكنْ لا يقولُ ذلك بلسانِه، ولا يعتقده علمًا، فحالُه يخالفُ اعتقادَه\" (^٦).\nويشترطُ بعضُ أصحابِ القولِ الثاني: أنْ يعتقدَ المتمذهبُ رجحانَ مذهبِه (^٧).\nونصَّ بعضُهم على لزومِ تركِ المذهبِ إنْ ظَهَرَت مخالفتُه للدليلِ (^٨).\nويظهر لي أنَّ أكثرَ أصحابِ هذا القول يرون تركَ المذهبِ إنْ خالفَ الدليلَ.\nالقول الثالث: استحبابُ التمذهبِ بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ.\n_________\n= المتأخرين، من مؤلفاته: تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب، والاستبصار في التحدث عن الجبر والاختيار، وحسن التقاضي في سيرة أبي يوسف القاضي، وإحقاق الحق بإبطال الباطل في مغيث الخلق، توفي بالقاهرة سنة ١٣٧١ هـ. انظر ترجمته في: أعلام وعلماء لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣١٧)، والأعلام للزركلي (٦/ ١٢٩)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٣٠٢)، ومقدمات الإمام الكوثري (ص/ ١١)، وتاريخ علماء دمشق لمحمد مطيع وزميله (٣/ ٢٣١).\n(^١) انظر: لزوم اتباع مذاهب الأئمة للحامد (ص/ ١٩).\n(^٢) انظر: اللامذهبية (ص/ ٧٠).\n(^٣) انظر: أصول الإفتاء (ص/ ٢٠٦ - ٢٠٧) مع شرحه: المصباح في رسم المفتي.\n(^٤) انظر: الوجيز في أصول التشريع (ص/ ٥١٨).\n(^٥) انظر: المصباح في رسم المفتي (ص/ ٢٠٧).\n(^٦) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٩/ ٧٠).\n(^٧) انظر: جمع الجوامع (٢/ ٤٠٠) مع شرح المحلي وحاشية البناني، ولمع اللوامع لابن رسلان، القسم الثاني (٢/ ٦٧٠ - ٦٧١)، والمعيار المعرب للونشريسي (١٢/ ٤٣)، والبدر الطالع في حل جمع الجوامع للمحلي (٢/ ٤٠٦)، وغاية الوصول للأنصاري (ص/ ١٥٢).\n(^٨) انظر: اللامذهبية للدكتور محمد البوطي (ص/ ٧٠).","vol":"2","page":789},{"text":"وهذا قولُ ابنِ الصلاحِ (^١)، ونَقَلَ محيي الدين النوويُّ كلامَ ابن الصلاح في كتابِه: (المجموع شرح المهذب) (^٢)، دونَ تعقبٍ، وهو قولُ ابنِ حمدان (^٣).\nوذهبَ إليه بعضُ الزيدية (^٤).\nويظهرُ لي أنَّ مرادَ أربابِ هذا القولِ أحد أمرين:\nالأمر الأول: أنَّهم يجوّزون التمذهبَ، لكنَّهم يرجِّحون ويستحبون التمذهبَ بمذهبِ إمامِهم، فهم متفقون مع أصحابِ القولِ الأولِ.\nالثاني: أنَّهم يوجبونَ التمذهبَ، لكنَّهم يرجِّحون ويستحبون التمذهبَ بمذهبِ إمامِهم، فهم متفقون مع أصحابِ القولِ الثاني.\nوعلى كلٍّ فأربابُ القولِ الثالثِ متفقون مع القولينِ السابقينِ على تجويزِ التمذهبِ بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ.\nالقول الرابع: منعُ التمذهبِ بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ.\n_________\n(^١) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٦٣ - ١٦٤).\n(^٢) انظر: (١/ ٥٥).\n(^٣) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٧٥ - ٧٦).\n(^٤) انظر: ضوء النهار للحسن الجلال (١/ ١٢٢ - ١٢٣). والزيدية: إحدى فرق الشيعة، وهم أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وسموا بالزيدية نسبة إليه، وقد افترقوا عن الإمامية حينما سُئل زيد بن علي عن أبي بكر وعمر؟ فترضى عنهما، فرفضه قوم فسموا رافضة؛ لرفضهم إياه، وسمي من لم يرفضه من الشيعة زيدية؛ لانتسابهم إليه، وذلك في سنة ١٢١ هـ ومن رجال الزيدية: نعيم بن اليمان، والحسن بن صالح بن حي، وسليمان بن جرير الزيدي، ومقاتل بن سليمان، ومن آراء الزيدية: الإمامة في أولاد فاطمة - ﵂ -، ولا يجوز ثبوت الإمامة في غيرهم، وقد جوزوا أن يكون كل فاطمي عالم زاهد ئسجاع سخي خرج بالإمامة إمامًا واجب الطاعة، سواء من أولاد الحسن، أو من أولاد الحسين، وجوزوا إمامة المفضول مع وجود الفاضل، وتوافق الزيدية المعتزلة في الاعتقاد، ويقولون بأن أصحاب الكبائر معذبون في النار خالدون فيها، ويرون السيف والخروج على أئمة الجور، ولا يرون الصلاة خلف الفاجر، ويرفضون التصوف، ويفضلون علي بن أبي طالب - ﵁ - على سائر الصحابة، يقول الذهبي عن الزيدية: \"وللزيدية مذهب في الفروع بالحجاز وباليمن، لكنه =","vol":"2","page":790},{"text":"ذَهَبَ إلى هذا القولِ: ابنُ خويز منداد (^١)، وابنُ حزمٍ (^٢)، وتقيُّ الدين بن تيميةَ (^٣)، وابنُ القيم (^٤)، وابنُ أبي العز الحنفي (^٥)، وصالحٌ المقبلي (^٦)، ومحمد حياة السندي (^٧)، ومحمد الأمير الصنعاني (^٨)، وصالحٌ الفُلاني (^٩)، والشوكاني (^١٠)، وصديق حسن القنوجي (^١١)، وعلي بن حسن القنوجي (^١٢)،\n_________\n= معدود في أقوال أهل البدع، كالإمامية\"، وقد طَعَن أكثر الزيدية في الصحابة - ﵃ -، وفي الزيدية المتأخرين من يترضى عنهم، وللزيدية فرق، منها: الجارودية، والسليمانية، والبترية. انظر: مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري (١/ ١٣٦)، والفرق بين الفرق للبغدادي (ص/ ٣٩)، والملل والنحل للشهرستاني (١/ ٣٠٢)، وسير أعلام النبلاء (٨/ ٩٢)، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/ ٨٥)، والزيدية نشأتها ومعتقداتها لإسماعيل الأكوع (ص/ ١١)، ومسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة للدكتور ناصر القفاري (١/ ١٥٩)، والموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب (١/ ٧٦).\n(^١) نقل ابنُ عبد البر كلامَ ابن خويز في: جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٩٣).\n(^٢) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (٦/ ٦٥، ٧٥).\n(^٣) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٣٥/ ١٢١)، والأخبار العلمية للبعلي (ص/ ٤٨٢).\n(^٤) انظر: إعلام الموقعين (٣/ ٥٢٣، ٥٣٢)، و(٦/ ٢٠٣).\n(^٥) انظر: الاتباع (ص/ ٧٩ - ٨٠).\n(^٦) انظر: العلم الشامخ (ص/ ٨٠)، والأبحاث المسددة (ص/ ٥٥، ١٥٧).\n(^٧) انظر: تحفة الأنام للسندي (ص/ ٥٦ - ٥٧)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ٥٧، ٧٠)، وهداية السلطان إلى مسلمي بلاد اليابان للمعصومي (ص/ ٨٦).\nومحمد السندي هو: محمد حياة بن إبراهيم السندي المدني، ولد في السند، كان علامةً محدثًا فهامةً، ورعًا منعزلًا عن الناس، إلا في وقت قراءة الدروس، من العلماء الربانيين، أقام بالمدينة النبوية، وحمل لواء السنة بها، والتقى به الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب، من مؤلفاته: شرح الترغيب والترهيب، ومقدمة في العقائد، وشرح الحكم العطائية، وحاشية على صحيح البخاري، توفي بالمدينة النبوية سنة ١١٦٣ هـ وقيل: ١١٦٥ هـ. انظر ترجمته في: سلك الدرر للمرادي (٤/ ٤٣)، والرسالة المستطرفة للكتاني (ص/ ١٣٦)، وعنوان المجد لابن بشر (١/ ٣٥)، وأبجد العلوم للقنوجي (ص/ ٦٦٥)، والأعلام للزركلي (٦/ ١١١).\n(^٨) انظر: إرشاد النقاد (ص/ ١٥٧)، وإجابة السائل (ص/ ٤١١).\n(^٩) انظر: إيقاظ همم أولي الأبصار (ص/ ٣٤، ٩٤).\n(^١٠) انظر: القول المفيد (ص/ ١٠١ وما بعدها).\n(^١١) انظر: الدين الخالص (٤/ ١٠٦)، ودليل الطالب (ص/ ٢١٣).\n(^١٢) انظر: القول السديد (ص/ ١٦).","vol":"2","page":791},{"text":"ومحمد رشيد رضا (^١)، ومحمد سلطان المعصومي (^٢)، وأحمد بن الصديق الغماري (^٣)، ومحمد الأمين الشنقيطي (^٤)، ومحمد ناصر الدين الألباني (^٥)، وأحمد بن حجر آل بوطامي (^٦)، ومقبل بن هادي الوادعي (^٧)، ومحمد عيد عباسي (^٨).\n• أدلة الأقوال:\nأدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ (القائلين بجواز التمذهب) (^٩):\n_________\n(^١) انظر: تفسير المنار (٢/ ١٠٨)، و(٨/ ٢٨٨)، و(٩/ ٥٧٠).\n(^٢) انظر: هداية السلطان إلى مسلمي بلاد اليابان (ص/ ٥٥).\n(^٣) انظر: درة الغمام الرقيق لعبد الله التليدي (ص/ ٣١).\n(^٤) انظر: أضواء البيان (٧/ ٥١٩).\n(^٥) انظر: صفة صلاة النبي - ﷺ - (ص/ ٦٩)، وبدعة التعصب المذهبي العباسي (ص/ ١١٠)، والسلفية لعمرو سليم (ص/ ١٢٤).\nوسار على خطى الشيخ الألبانيّ بعضُ تلاميذه. انظر: الجماعات الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة لسليم الهلالي (ص/ ٢٩٠).\n(^٦) انظر: حكم التقليد والتمذهب (ص/ ٨٩).\n(^٧) انظر: تحفة المجيب (ص/ ١٢٣، ١٤٠). ومقبل الوادعي هو: مقبل بن هادي الهمداني الوادعي، ولد بدماج في اليمن سنة ١٣٥٢ هـ وقد حبب إليه العلم واشتغل به في اليمن وفي المملكة العربية السعودية، درس في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، وتخرج فيها، وحصل على درجة الماجستير، وكان سلفي المعتقد، ومن علماء الحديث المبرزين في العصر الحاضر، وقد أنشأ دارًا للحديث باليمن، وأقبل إليه الطلاب في بلده، وانتفعوا به، من مؤلفاته: المخرج من الفتنة، والصحيح المسند من أسباب النزول، والجامع الصحيح في القدر، ورجال الحاكم في المستدرك، توفي بجدة سنة ١٤٢٢ هـ لمرض ألم به. انظر ترجمته في: ذيل الأعلام لأحمد العلاونة (٢/ ١٩٤).\n(^٨) انظر: بدعة التعصب المذهبي (ص/ ٨٩). وقد أشار محمد عباسي في كتابه: بدعة التعصب المذهبي (ص/ ٥٢)، حاشية (٣) إلى أنَّ كلامه موجه إلى الذين يستطيعون البحث والنظر.\nوهذا قيد مهم، وكان الأولى بالمؤلف إبرازه في كتابه؛ لتضيق دائرة الخلاف بينه وبين مخالفيه.\n(^٩) فيما استدل به أصحابُ القول الأول أدلةٌ لا تدلُّ على جواز التمذهب بعينه، لكنَّها تدل على جواز التقليد، وقد ذكرتها لأمرين:\nالأمر الأول: أنَّ الصورة التي وقع فيها خلاف - في ضوء ما ظهر لي - هي: التقليد المذهبي، وهذه الصورة يصلح الاستدلال لها بأدلة التقليد. =","vol":"2","page":792},{"text":"استدلَّ أصحابُ القولِ الأول بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: قالَ الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^١).\nوجه الدلالة: أنَّ الله تعالى أَمَرَ مَنْ لا علمَ له أنْ يسألَ مَنْ هو أعلمُ منه (^٢)، ونحنُ امتثلنا الأمرَ، فأخذنا بقولِ إمامِنا، وإذا جازَ هذا في مسألةٍ واحدةٍ، جازَ فيما سواها من المسائلِ، فإذا جازَ لغيرِ المجتهدِ تقليدُ مَنْ شاءَ مِن العلماءِ جازَ له أنْ يختارَ واحدًا منهم، فيقلِّده دونَ غيرِه؛ لثقتِه في علمِه وعدالتِه (^٣).\nمناقشة الدليل الأول: نوقش الاستدلال بالآية من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: أنَّ الآيةَ واردةٌ في غيرِ محلِّ النزاعِ؛ فالآيةُ نزلتْ ردًّا على المشركين لمَّا أنكروا كونَ الرسولِ - ﷺ - بشرًا (^٤)، فليس فيها ما يدلُّ على سؤالِ العالمِ (^٥).\n_________\n= الأمر الثاني: أنَّ مَنْ منع التزام أقوال عالم بعينه في جميع المسائل، ساق أدلة جواز التقليد على ألسنة المخالفين له.\n(^١) وردة الآية في موضعين: الأول: من الآية ٤٣ من سورة النحل، والثاني: من الآية ٦ من سورة الأنبياء.\n(^٢) انظر: الإحكام في أصول الإحكام لابن حزم (٦/ ١١٩)، وإعلام الموقعين (٣/ ٤٧٠)، والتمهيد في تخريج الفروع على الأصول للإسنوي (ص/ ٥٢٦)، وإرشاد النقاد للصنعاني (ص/ ١٥٧)، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني (٢/ ٤٦٤)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ٣٠١) ط/ دار الفتح، والقول المفيد للشوكاني (ص/ ٩٩)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ١٤٠)، والقول السديد لعلي القنوجي (ص/ ١٩)، وبلوغ السول لمحمد مخلوف (ص / ١٦ - ١٧)، والرحلة إلى إفريقيا للشنقيطي (ص / ١٥١)، وأضواء البيان (٧/ ٥٣٣)، وسبيل الجنة لأحمد آل بوطامي (ص/ ٥٣)، والاجتهاد في الشريعة لعبد الوهاب خلاف (ص/ ٦٤)، واللامذهبيةة للدكتور محمد البوطي (ص/ ٧١)، وأصول الفقه للدكتور زكي شعبان (ص/ ٣٣٩).\n(^٣) انظر: أصول الفقه للدكتور عياض السلمي (ص/ ٤٨٣).\n(^٤) انظر: جامع البيان لابن حرير (١٤/ ٢٢٦ - ٢٢٨).\n(^٥) انظر: إيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص / ٤٠ - ٤١)، والقول المفيد للشوكاني (ص/ ١٠٠)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ١٤١)، والقول السديد لعلي القنوجي (ص/ ١٩).","vol":"2","page":793},{"text":"ويمكن الجواب عن الوجه الأول بالآتي:\nأولًا: أنَّ العبرةَ بعمومِ اللفظِ لا بخصوصِ السببِ، كما هو قولُ جمهورِ العلماءِ (^١)، فالآيةُ وإنْ نزلتْ ردًّا على المشركين المنكرين لنبوةِ محمدٍ - ﷺ -، إلا أنَّ لفظَها عامٌّ.\nثانيًا: أنَّ القائلين بهذا الوجهِ - وهم الشيخُ صالح الفلاني ومَنْ تبعه - لم يطردْ أصلَه فيما استدلَّ به مِنْ آيات وَرَدَتْ في شأنِ المشركين لمّا احتجوا بتقليدِ آبائِهم (^٢)، فقد أقامَ هذه الآياتِ - وقد نزلتْ في شأنِ المشركين - على الاستدلالِ لنقضِ التقليدِ المذهبي، فاعتبرَ خصوصَ السببِ دونَ عمومِ اللفظِ في آيةِ سؤالِ أهلِ الذكرِ، واعتبرَ عمومَ اللفظِ دونَ خصوصِ السببِ في الآياتِ التي وردتْ في شأنِ المشركين لمَّا احتجوا بتقليدِ آبائِهم (^٣)، وهذا تناقضٌ منهم.\nالوجه الثاني: أنَّ اللهَ تعالى أَمَرَنا أنْ نسألَ أهلَ العلم عمَّا حَكَمَ اللهُ تعالى به في المسألةِ، وما رُوِيَ عن رسولِه - ﷺ - فيها، ولمَ يأمرْنا أنْ نسألَ عمَّا قاله إمامُ المذهب (^٤)، فالآيةُ آمرةٌ بسؤالِ أهلِ القرآنِ والحديثِ عنهما، ليخبروا بحكمِهما (^٥).\n_________\n(^١) انظر: بلوغ السول لمحمد مخلوف (ص/ ٣٥)، ومقدمة تحقيق القول المفيد للشوكاني (ص/ ٥٧). وانظر مسألة: (هل العبرة بعموم اللفظ؟) في: المعتمد (١/ ٣٠٣)، والعدة (٢/ ٥٥٦)، وإحكام الفصول (ص/ ٢٦٩)، والتبصرة (ص / ١٤٤)، وأصول السرخسي (١/ ٢٧٢)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٢/ ١٦١)، وروضة الناظر (٢/ ٦٩٣)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٢/ ٢٣٨)، ونهاية السول (٢/ ١٥٩)، والبحر المحيط (٣/ ٢٠٢)، والخبير (٥/ ٢٣٩١).\n(^٢) انظر: بلوغ السول لمحمد مخلوف (ص/ ٣٥)، ومقدمة تحقيق القول المفيد للشوكاني (ص/ ١٠٠).\n(^٣) انظر: بلوغ السول لمحمد مخلوف (ص/ ٣٥)، حاشية رقم (١).\n(^٤) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ١٥٠ - ١٥١)، والقول المفيد للشوكاني (ص/ ١٠١)، وسبيل الجنة لأحمد آل بوطامي (ص/ ٥٣).\n(^٥) انظر: إرشاد النقاد للصنعاني (ص/ ١٦٩)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ١٤١)، وأضواء البيان (٧/ ٥٤٤).","vol":"2","page":794},{"text":"يقولُ ابنُ القيّمِ: \"ما ذكرتُم بعينِه حجةٌ عليكم! فإنَّ اللهَ سبحانه أَمَرَ بسؤالِ أهلِ الذّكرِ، والذكرُ: هو القرآنُ والحديثُ - الذي أمر اللهُ نساءَ نبيه أنْ يَذْكُرْنَه بقولِه: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (^١) - فهذا هو الذكرُ الذي أَمَرَنا اللهُ باتباعِه، وأَمَر مَنْ لا علم عنده أنْ يسألَه أهله، وهذا هو الواجب على كلِّ أحدٍ أنْ يسألَ أهلَ العلمِ بالذكرِ الذي أنزله على رسولِه؛ ليخبروه به، فإذا أخبروه به لم يسعه غيرُ اتباعِه، وهذا كانَ شأنُ أئمةِ أهلِ العلمِ، لم يكنْ لهم مقلَّدٌ معيّنٌ يتبعونه في كلِّ ما قالَ\" (^٢).\nالجواب عن الوجه الثاني: مِنْ أينَ لكم أنَّ المرادَ بالآيةِ الكريمةِ ما قلتُم؟ إنْ كان مِنْ منطوقِ الآية، فممنوعٌ، وإنْ كان مِنْ مفهومِها فممنوعٌ أيضًا، ومجرّدُ بيانِ الذّكرِ لا يفيدُ ما قلتُم.\nوأيضًا: لم يلتزم الأئمةُ ذكر أدلةٍ على أقوالِهم إذا سُئلوا عن حكمِ مسألةٍ ما (^٣)، ولو كان المرادُ بالآيةِ ما ذكرتم؛ لقالَ: فاسألوا عن الذِّكرِ (^٤).\nوإذا كانَ السائلُ لأهلِ الذكرِ ممَّنْ يجوزُ له التقليدُ - كالمتمذهبِ الذي ليس لديه أهليةُ النظرِ في الأدلةِ، والمتمذهب المتأهل الذي لم يتمكنْ مِن النظرِ - فله أنْ يسألَ عن رأي عالمٍ ما يرى أنَّه إنْ أَخَذَ بقولِه فقد اتَّبعَ الشرعَ، وفي هذه الحالِ لا لومَ عليه لو أَخَذَ أقوالَ إمامِه؛ لقناعتِه بعلمِه وفضلِه.\nالوجه الثالث: أنَّ الآيةَ الكريمةَ متوجهٌ إلى العامي الصِرْفِ الذي لا يعرفُ معاني النصوصِ وتأويلاتها، أمَّا العالمُ بمعاني النصوصِ، العارفُ بالأدلةِ، فلا تتوجه الآيةُ إليه (^٥).\nيقولُ الشيخُ محمد الأمين الشنقيطي: \"إنْ كانت الآيةُ تدلُّ على نوعِ\n_________\n(^١) من الآية (٣٤) من سورة الأحزاب.\n(^٢) إعلام الموقعين (٣/ ٥٢٩).\n(^٣) انظر: بلوغ السول لمحمد مخلوف (ص/ ٣٦، ٤١).\n(^٤) انظر: فوائد في علوم الفقه لحبيب الكيرواني (ص/ ٢٤).\n(^٥) انظر: إرشاد النقاد للصنعاني (ص/ ١٦٩)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ٣٨).","vol":"2","page":795},{"text":"تقليدٍ في الجملةِ، فهي لا تدلُّ إلا على التقليدِ الذي قدمنا أنّه لا خلافَ فيه بين المسلمين، وهو تقليدُ العامي الذي تنزلُ به نازلةٌ عالمًا مِن العلماءِ، وعمله بما أفتاه به، مِنْ غيرِ التزامٍ منه لجميعِ ما يقولُه ذلك العالمُ، ولا تركه لجميعِ ما يقولُه غيرُه\" (^١).\nالدليل الثاني: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (^٢).\nوجه الدلالة: أنَّ المرادَ بأولي الأمرِ هم العلماءُ، وقد أَمَرَ اللهُ بطاعتِهم، وتكون طاعتُهم بأخذِ أقوالِهم فيما يخبرونَ به عن الشرعِ (^٣).\nمناقشة الدليل الثاني: نوقش الاستدلال بالآية من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: أنَّ المرادَ بأولي الأمرِ في الآيةِ الأمراءُ والولاةُ، كما سَبَقَ بيانُه في مسألةِ: (تمذهب المجتهد).\nالوجه الثاني: أنَّ اللهَ تعالى أَمَرَ بطاعةِ أولي الأمرِ، وهم العلماءُ، فيما نقلوه إلينا عن الله تعالى ورسولِه - ﷺ -، فيطاعون في طاعةِ الله إذا أمروا بأمرِ الله تعالى ورسولِه - ﷺ -، فيكون العلماءُ مبلغين لأمرِ الله وأمرِ رسوله - ﷺ -، فتجبُ طاعتُهم؛ لطاعةِ الله ورسولِه - ﷺ - (^٤).\nالوجه الثالث: أنَّ اللهَ تعالى أَمَرَ بطاعةِ جميعِ العلماءِ، لا بعضهم؛ لأنَّ الله لم يقلْ: بعض أولي الأمرِ، وبناءً عليه تكونُ الآيةُ دالةً على أنَّ العلماءَ إذا أجمعوا على أمرٍ ما، فالواجبُ اتباعُهم؛ للآيةِ (^٥).\n_________\n(^١) أضواء البيان (٧/ ٥٤٤).\n(^٢) من الآية (٥٩) من سورة النساء.\n(^٣) انظر: إعلام الموقين (٣/ ٤٧٤)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ٣٠٣) ط/ دار الفتح، والقول المفيد للشوكاني (ص/ ١١٤)، وأضواء البيان (٧/ ٥٣٤).\n(^٤) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ٧٩)، وإعلام الموقعين (٣/ ٥٤١)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ١٥٣)، والقول المفيد للشوكاني (ص/ ١١٤ - ١١٥)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ١٢٢)، وأضواء البيان (٧/ ٥٥١).\n(^٥) انظر: الأحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ٧٩ - ٨٠).","vol":"2","page":796},{"text":"ويمكن أن يضاف إلى المناقشةِ وجه رابع: على فرضِ التسليم بأنَّ أولي الأمرِ هم العلماء، فالآيةُ متوجهةٌ إلى العامي، وليستْ متوجهةً إلى المتمذهبِ المتأهلِ للنظرِ في الأدلةِ.\nالدليل الثالث: قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (^١).\nوجه الدلالة: أنَّ اللهَ تعالى أوجبَ على الناسِ قبولَ نذارةِ المنذرِ إليهم، وهذا أمرٌ بتقليدِ العالمِ (^٢)، ويدخلُ تحتَ الأمرِ كلُّ مَنْ لم يبلغْ درجةَ الاجتهادِ في الشريعةِ.\nمناقشة الدليل الثالث: إنَّ الله تعالى لم يأمر الناسَ بقبولِ ما يقولُه المنذرُ مطلقًا، وإنَّما أَمَرَ بقبولِ ما أنذرهم به مِن الوحي الذي ينزلُ في غيبتِهم عن النبي - ﷺ - في الجهادِ، والإنذارُ إنَّما يكونُ بالحجةِ والوحي، والنذيرُ: مَنْ أقامَ الحجةَ.\nويدلُّ على هذا المعنى: ما ذكره الله تعالى عن خزنةِ النارِ: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ (^٣)، وما جاءَ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ (^٤)، ومَنْ لم تقمْ عليه حجةٌ لم يكنْ قد أُنذِر، فالآية متوجهةٌ إلى الروايةِ، وليس فيها ما يدلُّ على قَبولِ رأي العالمِ (^٥)، وقوله تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ (^٦) يدلُّ\n_________\n(^١) من الآية (١٢٢) من سورة التوبة.\n(^٢) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ١١٦)، وإعلام الموقعين (٣/ ٤٨٠)، والبحر المحيط (٦/ ٢٨٢)، وإرشاد النقاد للصنعاني (ص/ ١٧٩)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ٣٢٩)، وأضواء البيان (٧/ ٥٣٤)، واللامذهبية للدكتور محمد البوطي (ص/ ٧١)، والمقلدون والأئمة الأربعة لمعشاشة (ص/ ١٠٩).\n(^٣) من الآية (٨) من سورة الملك.\n(^٤) من الآية (٤٥) من سورة الأنبياء.\n(^٥) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ١١٧)، وإعلام الموقعين (٣/ ٥٦٥)، وإرشاد النقاد للصنعاني (ص/ ١٧٩)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ٣٢٩)، وأضواء البيان (٧/ ٥٦٠)، والمقلدون والأئمة الأربعة لمعشاشة (ص/ ١٠٩).\n(^٦) من الآية (١٢٢) من سورة التوبة.","vol":"2","page":797},{"text":"على أنَّهم ينذرون بما تفقهوا فيه مِن الدِّينِ، وليس التفقه في الدِّينِ إلا علم الكتابِ والسنةِ (^١).\nالدليل الرابع: أتى رجلٌ مِن الأعراب رسولَ الله - ﷺ -، فقالَ: يا رسولَ الله أنشدك الله إلا قضيتَ لي بكتابِ الله. فقالَ الخصمُ الآخر - وهو أفقه منه -: نعم، فاقضِ بيننا بكتابِ الله، وائذنْ لي. فقال رسول الله - ﷺ -: (قل). قال: إنَّ ابني كان عسيفًا (^٢) عَلى هذا، فزنا بامرأتِه، وإنِّي أُخْبِرتُ أنَّ على ابني الرجم، فافتديت منه بمائةِ شاةٍ ووليدة، فسألتُ أهلَ العلمِ، فأخبروني أنَّما على ابني جلد مائةٍ، وتغريب عام، وأنَّ على امرأةِ هذا الرجمَ. فقالَ رسولُ الله - ﷺ -: (والذي نفسي بيده لأقضينَّ بينكما بكتابِ الله ...) الحديث (^٣).\nوجه الدلالة: دلَّ الحديثُ على أنَّ الناسَ كانوا يفتون في عهدِ الرسولِ - ﷺ -، ولم ينكرْ - ﷺ - على السائلِ تقليدَه مَنْ هو أعلمُ منه (^٤)، وإذا ساغَ التقليدُ في واقعةٍ واحدةٍ ساغَ فيما عداها.\nمناقشة الدليل الرابع: نوقش الدليل من وجهين:\nالوجه الأول: لا يدلُّ الدليلُ على دعواكم؛ لأنَّ السائلَ إنَّما سألَ عن حكمِ الله تعالى، وأَخْبَرَه أهلُ العلمِ بسنةِ الرسول - ﷺ - في الزاني البكرِ، ولم\n_________\n(^١) انظر: أضواء البيان (٧/ ٥٦٠).\n(^٢) العسيف: الأجير. انظر: القاموس المحيط، مادة: (عسف)، (ص/ ١٠٨٢).\n(^٣) أخرج الحديث: البخاري في: صحيحه، كتاب: الصلح، باب: إذا اصطلحوا على صلح جور، فالصلح مردود (ص/ ٥١٤)، برقم (٢٦٩٥)؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: الحدود، باب: من اعترف على نفسه بالزنا (٢/ ٨١١)، برقم (٦٩٧١ - ١٦٩٨)، كلاهما من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وزيد بن خالد الجهني - ﵁ -.\n(^٤) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ١٠٠)، وإعلام الموقعين (٣/ ٤٧٢)، وإرشاد النقاد للصنعاني (ص/ ١٧١)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ١٢١)، والقول المفيد للشوكاني (ص/ ١٠٢)، وأضواء البيان (٧/ ٥٣٣)، وسبيل الجنة لأحمد آل بوطامي (ص/ ٥٥).","vol":"2","page":798},{"text":"يسألهم عن رأيهم ومذاهبِهم (^١).\nيقولُ الشوكانيُّ: \"فهو - أيْ: والد العسيف - إنَّما سألَ علماءَ الصحابةِ عن حكم مسألةٍ مِنْ كتابِ الله وسنةِ رسولِه - ﷺ -، ولم يسألهم عن رأيهم ومذاهبِهم\" (^٢).\nالجواب عن الوجه الأول: الظاهرُ مِن الحالِ أنَّ أهلَ العلمِ أخبروه بالحكمِ الشرعي، ولم يحدثوه حديثًا على جهةِ الروايةِ، ولم ينكر النبيُّ - ﷺ - على والدِ العسيفِ أخذ قولِهم (^٣).\nالوجه الثاني: هذا الدليل يدلُّ على خلافِ قولِكم؛ لأنَّ المفتين لما اختلفوا في عقوبةِ العسيفِ، ووَقَعَ التنازعُ، رُدَّ الأمرُ إلى رسولِ الله - ﷺ -، ولم يُرَدَّ إلى رأي فلانٍ وفلانٍ (^٤).\nالدليل الخامس: حديثُ جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: خرجنا في سفرٍ،\nفأصابَ رجلًا منا حجرٌ، فشجّه (^٥) في رأسِه، ثمَّ احتلمَ، فسالَ أصحابَه: هل تجدون لي رخصةً في التيممِ؟ فقالوا: ما نجد لك رخصةً وأنتَ تقدرُ على الماءِ، فاغتسلَ، فماتَ، فلمَّا قدمنا على النبي - ﷺ - أُخبِر بذلك، فقالَ: (قتلوه قتلهم اللهُ، ألا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإنَّما شفاءُ العيّ السوالُ) (^٦).\n_________\n(^١) انظر: المصادر السابقة، عدا إعلام الموقعين، فانظره: (٣/ ٥٢٩)، وأضواء البيان (٧/ ٥٤٥).\n(^٢) القول المفيد (ص/ ١٠٣).\n(^٣) انظر: فوائد في علوم الفقه لحبيب الكيرواني (ص/٢٧).\n(^٤) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ١٠٠ - ١٠١).\n(^٥) الشجة: الجرح في الوجه، والرأس. انظر: المصباح المنير للفيومي، مادة: (شجج)، (ص/ ٢٥٠)، والدر النقي لابن المبرد (٣/ ٧٣٤)، وأنيس الفقهاء للقونوي (ص/ ٢٨٩).\n(^٦) أخرج الحديث من طريق الزبير بن خريق عن عطاء عن جابر بن عبد الله - ﵁ -: أبو داود في: سننه، كتاب: الطهارة، باب: في الجروح تيمم (ص/ ٥٩)، برقم (٣٣٦)، وقال ابن حجر في: بلوغ المرام (ص/ ٦٤) عن إسناد رواية أبي داود: \"فيه ضعف، وفيه اختلاف على رواته\". والدارقطني في: سننه، كتاب: الطهارة، باب: جواز التيمم لصاحب الجرح (١/ ٣٤٩)، برقم (٧٢٩)، وذكر عن أبي بكر بن أبي داود قوله: \"هذه سنة تفرد بها أهل مكة، وحملها أهل الجزيزة، ولم يروه عن عطاء عن جابر غيرُ الزبير بن خريق، وليس بالقوي، خالفه الأوزاعي، فرواه عن عطاء عن ابن عباس، واختلف فيه على الأوزاعي: فقيل: عنه عن عطاء. وقيل: =","vol":"2","page":799},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عنه بلغني عن عطاء، وأرسل الأوزاعي آخره عن عطاء عن النبي - ﷺ -، وهو الصواب\". والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: الطهارة، باب: المسح على العصائب والجبائر (١/ ٢٢٧ - ٢٢٨)، وقال عنه: \"وليس بالقوي\". وفي: معرفة السنن والآثار، كتاب: الطهارة، باب: المسح على الجبائر (٢/ ٤١)، برقم (١٦٦١)؛ وفي الخلافيات (٢/ ٤٨٩)، برقم (٨٣٤)، ونقل عن أبي بكر بن أبي داود (٢/ ٤٩٢) قوله السابق ذكره؛ والبغوي في: شرح السنة، كتاب: الطهارة، باب: كيفية التيمم (٢/ ١٢٠)، برقم (٣١٣).\nونقل الحافظ ابنُ حجر في: التلخيص الحبير (١/ ٣٩٩) تصحيحَ ابن السكن للحديث، وحسَّن الألبانيُّ الحديثَ في تعليقه على سنن أبي داود في الموضع السابق.\nوخالف الأوزاعيُّ الزبيرَ، فرواه عن عطاء عن ابن عاس - ﵄ -، ولفظه: (قتلوه قتلهم الله، أو لم يكن شفاء العيّ السؤال)، وأخرجه: البخاريُّ في: التاريخ الكبير (٨/ ٢٢٨) معلقًا؛ وأبو داود في: سننه، كتاب: الطهارة، باب: في الجروح تيمم (ص/ ٦٠)، برقم (٣٣٧)؛ وابن ماجه في: سننه، كتاب: الطهارة وسننها، باب: في التيمم ضربتين (ص/ ١١٢ - ١١٣)، برقم (٥٧٢)؛ وعبد الرزاق في: المصنف، كتاب: الطهارة، باب: إذا لم يجد الماء (١/ ٢٢٣)، برقم (٨٦٧)؛ وأحمد في: المسند (٥/ ١٧٣)، برقم (٣٠٥٦)؛ والدارمي في: السنن، كتاب: الطهارة، باب: المجروح تصيبه الجنابة (١/ ٥٨٥)، برقم (٧٧٩)؛ وأبو يعلى في: المسند (٤/ ٣٠٩)، برقم (٢٤٢٠)؛ وابن الجارود في: المنتقى، كتاب: الطهارة، باب: التيمم (١/ ١٣١)، برقم (١٢٨)؛ وابن خزيمة في: صحيحه، كتاب: الوضوء، باب: الرخصة للتيمم للمجدور والمجروح (١/ ١٣٨)، برقم (٢٧٣)، وقال: \"شكّ في ابن عباس، ثم أثبته بعد\"، ولعله يقصد عطاء؛ والطبراني في: المعجم الكبير (١١/ ١٥٥)، برقم (١١٤٧٢)؛ والدارقطني في: السنن، كتاب: الطهارة (١/ ٣٥١)، برقم (٧٣٠)، وصحح إرسال الحديث عن عطاء عن النبي - ﷺ - مرسلًا؛ والحاكم في: المستدرك، كتاب: الطهارة (١/ ٢٢٠)، برقم (٥٨٥)، وصححه، ووافقه الذهبي، و(١/ ٢٣٥)، برقم (٦٢٠)، وقال: \"صحيح على شرط الشيخين\". وأبو نعيم في: حلية الأولياء (٣/ ٣١٧ - ٣١٨)، وقال: \"هذا حديث غريب، لا تحفظ هذه اللفظة من أحد من الصحابة إلا من حديث ابن عباس، ولا عنه إلا من رواية عطاء، حدَّث به الوليدُ بن مسلم\". والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: الطهارة، باب: الجرح إذا كان في بعض جسده دون بعض (١/ ٢٢٧)؛ وابن عبد البر في: جامع بيان العلم وفضله (١/ ٣٧٥)، برقم (٥٢٦)، وقال: \"هكذا رواه عبد الحميد بن أبي العشرين عن الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس، ورواه عبد الرزاق عن الأوزاعي عن رجل عن عطاء عن ابن عباس مثله، وعبد الرزاق أثبت من عبد الحميد\".\nوقال ابن المنذر في: الأوسط (٢/ ٢٢) عن الحديث: \"في إسناده مقال\". وقال البيهقي في: السنن الكبرى (١/ ٢٢٨): عن حديث عطاء: \"ليس بالقوي\". وحسَّن الألبانيُّ في: تعليقه على صحيح ابن خزيمة (١/ ١٣٨) الحديث بمجموع طرقه.","vol":"2","page":800},{"text":"وجه الدلالة: أنَّ النبيَّ - ﷺ - أرشد مَنْ أرادَ معرفةَ الحكمِ إلى السؤالِ، وهذا هو تقليدُ العالمِ بعينِه (^١).\nمناقشة الدليل الخامس: دلَّ الحديثُ على أنَّ الإفتاءَ بعلمٍ طريقٌ صحيحٌ لمعرفةِ الحكمِ الشرعي، ويكونُ العلمُ صحيحًا، إنْ كانت الفتيا عن معرفةٍ للحكم بدليلِه، فالنبيُّ - ﷺ - أرشدَ المفتين لصاحب الشجّة إلى السؤالِ عن حكمِه - ﷺ - وسنتِه، لا عن مذاهب الناسِ، وقولُه - ﷺ -: (ألا سألوا)، أي: سألوا عن حكمِ الله وحكمِ رسولِه - ﷺ -. ويدلُّ على هذا: أنَّ النبيَّ - ﷺ - دعا على مَنْ أفتى بغيرِ علمٍ (^٢).\nالدليل السادس: عن ابنِ أبي ليلى (^٣) قال: حدثنا أصحابُنا أنَّهم كانوا إذا صلوا مع النبي - ﷺ -، فدَخَلَ الرجلُ، أشاروا إليه، فقَضَى ما سُبِق به، فكانوا ما بين قائمٍ وراكعٍ وقاعدٍ ومصلٍّ مع رسولِ الله - ﷺ -، حتى جاءَ معاذٌ، فقالَ: لا أراه على حالٍ إلا كنتُ عليها. فقالَ رسولُ الله - ﷺ -: (إنَّ معاذًا قد سنَّ لكم سنة، فكذلك فافعلوا) (^٤).\n_________\n(^١) انظر: إعلام الموقعين (٣/ ٤٧٠)، والبحر المحيط (٦/ ٢٨٢)، وإرشاد النقاد للصنعاني (ص/ ١٧١)، ومنحة الغفار له (١/ ٩٤)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ١٢١)، وأضواء البيان (٧/ ٥٣٣).\n(^٢) انظر: إعلام الموقعين (٣/ ٥٢٩)، وإرشاد النقاد للصنعاني (ص/ ١٧١)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ٣٥٧) ط/ دار الفتح، والقول المفيد للشوكاني (ص/ ١٠٢ - ١٠٣)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ١٨٦)، وأضواء البيان (٧/ ٥٤٥)، وسبيل الجنة لأحمد آل بوطامي (ص/ ٥٤).\n(^٣) هو: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أبو عبد الرحمن الأنصاري الأوسي الكوفي، ولد سنة نيّف وسبعين، كان علامةً إمامًا فقيهًا، صاحب سنةٍ، مفتي الكوفة وقاضيها، ونظيرًا للامام أبي حنيفة في الفقه، لكنه كان ضعيفًا عند علماء الجرح والتعديل؛ لسوء حفظه، وفحش خطئه، يقول سفيان الثوري: \"فقهاؤنا ابن أبي ليلى، وابن شبرمة\"، توفي سنة ١٤٨ هـ.\nانظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٦/ ٣٥٨)، والتاريخ الكبير للبخاري (١/ ١٦٢)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٧/ ٣٢٢)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ١٧٩)، وتهذيب الكمال للمزي (٢٥/ ٦٢٢)، وسير أعلام النبلاء (٦/ ٣١٠)، وميزان الاعتدال للذهبي (٣/ ٦١٣)، وتهذيب التهذيب لابن حجر (٣/ ٦٢٧).\n(^٤) هذا اللفظ قطعةٌ من حديث طويل، وأخرجه: أبو داود في: سننه، كتاب: الصلاة، باب: =","vol":"2","page":801},{"text":"وجه الدلالة: أنَّ النبيَّ - ﷺ - بيّنَ جوازَ تقليدِ الصحابة - ﵃ - لمعاذِ - ﵁ - في فعلِه حينَ أخّرَ قضاءَ الصلاةِ إلى ما بعد سلامِ الإمامِ (^١).\nمناقشة الدليل السادس: نوقش الدليل من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: أنَّ في الحديث ضعفًا (^٢).\nالوجه الثاني: على فرضِ صحةِ الحديثِ، فليس فيه ما يدلُّ على جوازِ التقليدِ؛ إذ فِعلُ معاذٍ - ﵁ - لم يصرْ سنةً إلا حينَ أَمَرَ به رسولُ الله - ﷺ -، وليس فعلُ معاذٍ - ﵁ - سنةً بمجردِه، ويكون معنى الحديثِ: إنَّ معاذًا فَعَلَ فعلًا جَعَلَه الله لكم سنةً (^٣).\nويدلُّ على أنَّ مجردَ فعلِ معاذ - ﵁ - ليس بسنةٍ إلا إذا أقره النبيُّ - ﷺ -: ما جاءَ في تطويلِ معاذٍ لصلاةِ العشاءِ، وغَضَب النبي - ﷺ - منه، ونهيه عن التطويلِ (^٤).\n_________\n= بدء الأذان (ص/ ٨٥)، برقم (٥٠٦)؛ وأحمد في: المسند (٣٦/ ٤٣٦)، برقم (٢٢١٢٤)؛ وابن حزم في: الإحكام في أصول الأحكام (٦/ ٧٠ - ٧١)، وقال عنه في: (٦/ ٧٢): \"لم يذكر ابن أبي ليلى من حدثه به\"، وقال في: (٦/ ٨٠): \"حديث لا يصح سنده\". والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: الصلاة، باب: المسبوق ببعض صلاته يصنع ما يصنع الإمام (٢/ ٢٩٦)، وأعل الحديثَ بالانقطاع بين ابن أبي ليلى ومعاذ - ﵁ -، فقال: \"رواه شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن: حدثنا أصحابنا قال: كان الرجل إذا جاء ... فذكر معناه، وذلك أصح؛ لأنَّ عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يدرك معاذًا\". وفي: كتاب: الصلاة، باب: من كره أن يفتتح لنفسه، ثم يدخل مع الإمام (٣/ ٩٣ - ٩٤).\nوقال ابنُ حجر في: التلخيص الحبير (٢/ ٥٦٦) عن الحديث: \"هذا حديث ظاهر الانقطاع\".\nوانظر: إتحاف المهرة له (١٣/ ٢٦٥).\n(^١) انظر: إيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ١٢١)، وأضواء البيان (٧/ ٥٣٤).\n(^٢) راجع تخريج الحديث في الحاشية السابقة.\n(^٣) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ٧٢)، وإعلام الموقعين (٣/ ٥٤٠)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ١٥٣)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ١٩٤)، وأضواء البيان (٧/ ٥٥٠)، والمقلدون والأئمة الأربعة لمعشاشة (ص/ ٩٩).\n(^٤) أخرج الحديث: البخاري في: صحيحه، كتاب: الأذان، باب: إذا طول الإمام وكان للرجل حاجة فخرج يصلي (ص/ ١٤٨)، برقم (٧٠١)؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: الصلاة، باب: القراءة في العشاء (١/ ٢١٥) برقم (٤٦٥).","vol":"2","page":802},{"text":"الوجه الثالث: على فرضِ التسليم بصحةِ الاستدلالِ بالحديثِ على جوازِ تقليدِ معاذ - ﵁ -، فليس فيه ما يدلُّ على جوازِ تقليدِ الأئمةِ الأربعةِ؛ للفرقِ الواضحِ بين مقامِ الصحابي، ومقامِ مَنْ جاءَ بعده (^١).\nالدليل السابع: أنَّ الصحابةَ - ﵃ - جوّزوا التقليدَ، وعملوا به، وهناك عددٌ مِن الوقائعِ تدلُّ على ذلك، منها:\nالأولى: أنَّ أبا بكرٍ الصديق - ﵁ - قال في الكلالة (^٢) (أقضي فيها، فإنْ يكن صوابًا فمِن الله، وإنْ يكن خطأ فمني ومن الشيطانِ، والله منه بريءٌ، هو ما دون الوالد والولد). فقالَ عمرُ بنُ الخطاب - ﵁ -: (إنِّي لأستحيي مِن الله أنْ أخالف أبا بكرٍ) (^٣).\nوجه الدلالة: الأثرُ ظاهرٌ في تقليدِ عمر - ﵁ - لأبي بكرٍ - ﵁ -، وإقرار مَنْ حَضَرَ مِن الصحابةِ - ﵁ - له، وإذا جازَ لعمرَ - ﵁ - أنْ يقلِّدَ، فيجوز لغيرِه مِن بابٍ أولى.\n_________\n(^١) انظرة الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ٧٢).\n(^٢) الكلالة: كل ميت لم يرثه ولد أو أب. وقيل: الكلالة الورثة ما خلا الوالد. وقيل: الذين يرثون الميت مَن عدا ولده ووالده. انظر: جامع البيان لابن جرير (٦/ ٤٧٥ - ٤٨١)، والمصباح المير للفيومي، مادة: (كلل)، (ص/ ٤٣٨)، وأنيس الفقهاء للقونوي (ص/ ٢٩٩).\n(^٣) أخرج الأثر: عبد الرزاق في: المصنف، كتاب: الفرائض، باب: الكلالة (١٠/ ٣٠٤)، برقم (١٩١٩١)؛ وسعيد بن منصور في: السنن، في تفسير سورة النساء (٣/ ١١٨٥)، برقم (٥٩١)؛ والدارمي في: السنن، كتاب: الفرائض، باب: الكلالة (٤/ ١٩٤٤)، برقم (٣٠١٥)؛ وابن جرير في: جامع البيان (٦/ ٤٧٥)؛ والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: الفرائض، باب: حجب الإخوة والأخوات من كانوا بالأب والابن (٦/ ٢٢٤). وذكر السيوطيُّ في: الدر المنثور (٥/ ١٤٩) الأثرَ، وعزاه إلى عبدا لرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والدارمي، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي.\nوالذي أخرجه ابن أبي شيبة في: المصنف، كتاب: الفرائض، باب: في الكلالة، من هم؟ (١٦/ ٣٧٠)، برقم (٣٢٢٥٥) هو قول أبي بكر فحسب.\nوضعّف ابنُ حزم في: المحلى (١٠/ ٣٩٢) الأثرَ؛ لأنَّه منقطع؛ فالشعبي لم يدرك أبا بكر - ﵁ -. وانظر: تعليق محقق سنن سعيد بن منصور (٣/ ١١٨٦).","vol":"2","page":803},{"text":"الثانية: أنَّ عمرَ بن الخطاب - ﵁ - ألزم مَنْ يُطَلِّقُ زوجتَه ثلاثًا بالطلقاتِ الثلاثِ (^١)، ومَنَعَ بيعَ أمهاتِ الأولادِ (^٢)، وقد وافقه الصحابةُ - ﵃ - على هذا.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في: صحيحه، كتاب: الطلاق، باب: طلاق الثلاث (٢/ ٦٧٧) برقم (١٤٧٢) عن ابن عباس قال: كان الطلاقُ على عهد رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: (إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كان لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم)، فأمضاه عليهم.\n(^٢) جاء ما يدل على أنَّ عمر بن الخطاب - ﵁ - منع بييع أمهات الأولاد، فمن ذلك:\nأولًا: عن جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: (بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر، فلما كان عمر نهانا، فانتهينا)، وأخرجه: أبو داود في: سننه، كتاب: العتق، باب: في عتق أمهات الأولاد (ص / ٥٩٣)، برقم (٣٩٥٤)؛ وابن حبان في: صحيحه، كتاب: العتق، باب: ذكر البيان أنَّ عمر بن الخطاب هو الذي نهى عن بيع أمهات الأولاد (١٠/ ١٦٦)، برقم (٤٣٢٤)؛ والحاكم في: المستدرك، كتاب: البيوع (٢/ ٢٥)، برقم (٢١٨٩)، وقال: \"حديثٌ صحيحٌ على شرط مسلم، ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي؛ والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: عتق أمهات الأولاد، باب: الخلاف في أمهات الأولاد (١٠/ ٣٤٧).\nوصحح الألبانيُّ في: إرواء الغليل (٦/ ١٨٩) الحديثَ على شرط مسلم.\nثانيًا: ما جاء عن عبيدة السلماني قال: سمعت عليًا يقول: [اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أنَّ لا يبعن). قال: (ثم رأيت بعدُ بيعهن). قال: عبيدة: فقلت له: فرأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلي من رأيك وحدك في الفرقة. فضحك علي، وأخرجه: عبد الرزاق في: المصنف، باب: بيع أمهات الأولاد (٧/ ٢٩١)، برقم (١٣٢٢٤)، وقال ابنُ حجر في: التلخيص الحبير (٦/ ٣٢٩٤) عن إسناد عبد الرزاق: \"هذا الإسناد معدود في أصح الأسانيد\". وسعيد بن منصور في: السنن، باب: ما جاء في بيع أمهات الأولاد (٢/ ٨٧)، برقم (٢٠٤٧)، وقال الألباني في: إرواء الغليل (٧/ ١٩٠) عن إسناد رواية سعيد: \"هذا سندٌ صحيحٌ على شرط الشيخين\". والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: عتق أمهات الأولاد، باب: الخلاف في أمهات الأولاد (١٠/ ٣٤٨)، وقال ابن الملقن في: البدر المنير (٩/ ٧٦١) عن إسناد رواية البيهقي: \"إسنادٌ جيّد\".\nوقال ابن الملقن في: المصدر السابق (٩/ ٧٦١): \"هذا الأثر مشهور\".\nوللاستزادة من طرق أثر عمر بن الخطاب - ﵁ - انظر: المصنف لعبد الرزاق، باب: بيع أمهات الأولاد (٧/ ٢٧٨ وما بعدها).\nوأمهات الأولد: جمع أم ولد، وهي: الأمة التي حملت من سيدها، فوضعت منه ما تبين فيه بعض خلق الإنسان. انظر: الإنصاف (٧/ ٤٩٠)، وتحفة المحتاج للهيتمي (١٠/ ٤٢١)، وشرح منتهى الإرادات للبهوتي (٥/ ٨٦).","vol":"2","page":804},{"text":"وجه الدلالة: أنَّ الصحابةَ - ﵃ - أخذوا قولَ عمرَ - ﵁ - تقليدًا له (^١).\nالثالثة: جاءَ في كتابِ عمر بن الخطاب - ﵁ - إلى شريحٍ (^٢): (أن اقضِ بما في كتابِ لله، فإنْ لم يكنْ في كتابِ الله، فبسنةِ رسول الله - ﷺ -، فإنْ لم يكن في سنةِ رسول الله - ﷺ -، فاقضِ بما قَضَى به الصالحون) (^٣).\nوجه الدلالة: أنَّ عمرَ بن الخطاب - ﵁ - أرشدَ إلى تقليدِ الصالحين، وهذا منه إذنٌ في تقليدِ العلماءِ.\nالرابعة: أنَّ عبدَ الله بن مسعود - ﵁ - كان يأخذُ بقولِ عمر بن الخطاب - ﵁ -.\n_________\n(^١) انظر: إعلام الموقعين (٣/ ٤٧٩)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص / ٣٠٤) ط/ دار الفتح.\n(^٢) هو: القاضي شريح بن الحارث، وقيل: ابن شراحيل بن قيس بن الجهم الكندي الكوفي، أبو أمية، تابعي جليل، أسلم في حياة النبي - ﷺ -، ولم يره، وانتقل إلى اليمن في خلافة أبي بكر الصديق - ﵁ -، وولي القضاء ستين سنة للخلفاء: عمر وعثمان وعلي ومعاوية - ﵁ - إلى أيام الحجاج، فاستعفاه، فأعفاه، كان ثقة ذا عقلٍ وذكاءٍ وفطنةٍ، فقيهًا شاعرًا عالمًا زاهدًا ورعًا، ومن أعلم الناس بالقضاء، توفي سنة ٨٠ هـ وقيل: ٧٨ هـ. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٨/ ٢٥٢)، والتاريخ الكبير للبخاري (٤/ ٢٢٨)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٤/ ٣٣٢)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٢/ ٤٦٠)، والاستيعاب لابن عبد البر (ص/ ٣٣٢)، وتهذيب الكمال للمزي (١٢/ ٤٣٥)، وسير أعلام النبلاء (٤/ ١٠٠)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٦/ ١٨٢).\n(^٣) أخرج أثر عمر بن الخطاب - ﵁ -: النسائي في: المجتبى، كتاب: آداب القضاة، باب: الحكم باتفاق أهل العلم (ص/ ٨١١)، برقم (٥٣٩٩)؛ وفي: السنن الكبرى، كتاب: القضاء، باب: الحكم بما اتفق عليه أهل العلم (٥/ ٤٠٦)، برقم (٥٩١١)؛ والدارمي في: السنن، باب: الفتيا وما فيه من الشدة (١/ ٢٦٥)، برقم (١٦٩)؛ وابن حزم في: الإحكام في أصول الأحكام (٦/ ٢٩ - ٣٠؛ وابن عبد البر في: جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٨٤٦)، برقم (١٥٩٥)؛ والخطيب البغدادي في: الفقيه والمتفقه (١/ ٤٢١)، برقم (٤٤٤)، و(١/ ٤٩١)، برقم (٥٣٢)؛ والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: آداب القاضي، باب: موضع المساواة (١٠/ ١١٠).\nوصحح الألباني الحديث في: صحيح النسائي (ص/ ٨١١). ورجال إسناد النسائي رجال الصحيح. انظر: ذخيرة العقبى في شرح المجتبى للأثيوبي (٣٩/ ٢٥٩).","vol":"2","page":805},{"text":"وقد صححَ ابنُ القيمِ هذا الأخذ (^١)، ومِنْ ذلك: قولُ ابنِ مسعودٍ - ﵁ -: (إنَّ عمرَ كَرِهَ الصلاةَ بعد العصرِ، وإنِّي أَكْرَه ما كَرِه عمرُ) (^٢).\nوهذا تقليدٌ مِنْ ابنِ مسعودٍ - ﵁ - لعمرَ بنِ الخطابِ - ﵁ -.\nالخامسة: يقولُ عبدُ الله بنُ مسعودٍ - ﵁ -: (مَنْ كان منكم مستنًا فليستن بمَنْ قد مات، فإنَّ الحيَّ لا تؤمن عليه الفتنةُ، أولئك أصحاب محمد أبرّ الأمة قلوبًا، وأعمقهًا علمًا) (^٣).\nويقولُ ابنُ مسعودٍ - ﵁ - أيضًا: (أَلا لا يقلدنَّ رجلٌ رجلًا دينه، إنْ آمنَ آمنَ، وإنْ كفَرَ كفَرَ، فإنْ كانْ مقلّدًا لا محالة، فليقلد الميتَ، وبترك الحيَّ؛ فإنَّ الحيَّ لا تؤمن عليه الفتنةُ) (^٤).\n_________\n(^١) انظر: إعلام الموقعين (٣/ ٤٧٣). ونقل تصحيحَ ابنِ القيم صالح الفلانيُّ في: إيقاظ همم أولي الأبصار (ص/ ١٢١)، ومحمد الأمين الشنقيطي في: أضواء البيان (٧/ ٥٣٤).\n(^٢) أخرج أثر عبد الله بن مسعود - ﵁ -: ابن أبي شيبة في: المصنف، كتاب: الصلاة، باب: من قال: لا صلاة بعد الفجر (٥/ ١١٥)، برقم (٧٤١٠)؛ والطحاوي في: شرح مشكل الآثار، كتاب: الصلاة، باب: الركعتين بعد العصر (١/ ٤٠٤)؛ والطبراني في: المعجم الكبير (٩/ ١٦٨)، برقم (٨٨٣٤)، وإسناد الطبراني على شرط الصحيح. وانظر: تعليق محقق إعلام الموقعين (٣/ ٤٧٣).\n(^٣) جاء أثر عبد الله بن مسعود - ﵁ - من طريق قتادة عنه، وأخرجه: ابن عبد البر في: جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٤٧)، برقم (١٨١٠)؛ وأبو إسماعيل الهروي في: ذم الكلام وأهله (٤/ ٣٨)، برقم (٧٥٨).\nوذكر الخطيب التبريزي في: مشكاة المصابيح، كتاب: الإيمان، باب: الاعتصام بالكتاب والسنة (١/ ٦٧ - ٦٨)، برقم (١٩٣) أنَّ رزينًا أخرج أثر ابن مسعود - ﵁ -.\nوالأثر منقطع الإسناد؛ إذ لم يثبت سماع قتادة عن ابن مسعود - ﵁ -. انظر: تعليق الألباني على مشكاة المصابيح (١/ ٦٨).\nوأخرج أبو نعيم في: حلية الأولياء (١/ ٣٠٥ - ٣٠٦) بنحو أثر ابن مسعود - ﵁ - عن عبد الله بن عمر - ﵄ -، لكن في سنده عمر بن نبهان، وهو ضعيف، كما في: التقريب لابن حجر (ص/ ٤٨٦).\n(^٤) أخرج أثر عبد الله بن مسعود - ﵁ -: اللالكائي في: شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٠٤ - ١٠٥)، برقم (١٣٠)؛ وأبو نعيم في: حلية الأولياء (١/ ١٣٦)؛ وابن حزم في: الإحكام في أصول الأحكام (٦/ ٩٧)، وقال عنه: \"هذا باطل\". والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: آداب القاضي، باب: ما يقضي به القاضي ويفتي به المفتي (١٠/ ١١٦).","vol":"2","page":806},{"text":"وهذانِ الأثرانِ يدلانِ على أنَّ ابنَ مسعودٍ - ﵁ - يرى جوازَ أخذ أقوال العالمِ تقليدًا له.\nالسادسة: يقولُ مسروق (^١): (كان ستةٌ مِنْ أصحابِ النبي - ﷺ - يفتون الناسَ: ابن مسعود، وعمر بن الخطاب، وعلي، وزيد بن ثابت، وأُبيّ بن كعب (^٢)، وأبو موسى الأشعري (^٣)، وكان ثلاثةٌ منهم يَدَعُون قولَهم لقولِ\n_________\n= وجاء الأثر بلفظ آخر: (لا يقلدن أحدكم دينه رجلًا إن آمن آمن، وإن كفر كفر؛ فإنَّه لا أسوة في الشر)، وأخرجه: الطبراني في: المعجم الكبير (٩/ ١٥٢) برقم (٨٧٦٤)، وقال الهيثمي في: مجمع الزوائد (١/ ١٨٠) عن إسناد رواية الطبراني: \"رجاله رجال الصحيح\".\n(^١) هو: مسروق بن الأجدع بن مالك بن أمية بن عبد الله، أبو عائشة الوادعي الهمداني الكوفي، سُرق وهو صغير، ثم وُجد فسُمي مسروقًا، كان إمامًا قدوةً عَلَمًا ثقةً، من كبار التابعين، ومن المخضرمين الذين أسلموا في حياة النبي - ﷺ -، معروفًا بالفتوى وبالعبادة، كان يصلي حتى تتورم قدماه، ومن أقواله: \"لأن أفتي يومًا بعدلٍ وحقٍ، أحب إليَّ من أن أغزو سنة\"، توفي سنة ٦٢ هـ وقيل: ٦٣ هـ. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٦/ ٧٦)، والتاريخ الكبير للبخاري (٨/ ٣٥)، وحلية الأولياء لأبي نعيم (٢/ ٩٥)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ٧٦)، وتاريخ مدينة السلام للخطيب (١٥/ ٣١١)، وسير أعلام النبلاء (٤/ ٦٣)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (١/ ٤٦).\n(^٢) هو: أبي بن كعب بن قيس بن عبيد الأنصاري الخزرجي النجاري، أبو المنذر المدني - ﵁ -، سيد القراء، وأحد فقهاء الصحابة - ﵃ -، من أصحاب العقبة الثانية، شهد بدرًا، وما بعدها، وحفظ القرآن في عهد النبي - ﷺ -، وكان عمر بن الخطاب - ﵁ - يسميه بسيد المسلمين، توفي سنة ٢٢ هـ وقيل: ٣٢ هـ. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٣/ ٣٧٨)، والآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (٣/ ٤٢٤)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (٢/ ١٦٣)، والاستيعاب لابن عبد البر (ص/ ٤٢)، وأسد الغابة لابن الأثير (١/ ٦١)، وسير أعلام النبلاء (١/ ٣٨٩)، والإصابة لابن حجر (١/ ٢٧).\n(^٣) هو: عبد الله بن قيس بن سُليمٍ بن حضار بن حرب بن عامر، أبو موسى الأشعري، صاحب رسول الله - ﷺ -، كان فقيهًا مقرئًا، قدم على النبي - ﷺ - بالمدينة بعد فتح خيبر، وجاهد معه - ﷺ -، وكان من المهاجرين إلى الحبشة، وحمل عن النبي - ﷺ - علمًا كثيرًا، كان من أحسن الصحابة صوتًا بالقرآن، ومعدودًا ممن قرأ على النبي - ﷺ -، وقد أقرأَ أهلَ البصرة، وفقَّههم في الدين، واستعمله النبي - ﷺ - على زبيد وعدن، وولي إمرة البصرة زمن عمر بن الخطاب، وولي الكوفة لعمان بن عفان - ﵁ -، وكان أحد الحكمين بصفين، ثم اعتزل الفريقين، توفي - ﵁ - بالكوفة، وقيل: بمكة سنة ٤٢ هـ وقيل: سنة ٤٤ هـ وعمره نيف وستون سنةً. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٣٤٤)، والتاريخ الكبير للبخاري (٥/ ٢٢)، والجرح والتعديل لابن =","vol":"2","page":807},{"text":"ثلاثة: كان عبدُ الله يَدَعُ قولَه لقولِ عمر، وكان أبو موسى يَدَعُ قولَه لقولِ علي، وكان زيد يَدَعُ قولَه لقولِ أُبيّ بن كعب) (^١).\nالسابعة: يقول الشعبي: إنَّ جندبًا (^٢) ذُكِر له قولٌ في مسألةٍ من الصلاةِ لابنِ مسعود - ﵁ -، فقالَ جندبٌ: (أنَّه لرجلٌ، ما كنت لأدعَ قولَه لقولِ أحدٍ مِن الناسِ) (^٣).\n_________\n= أبي حاتم (٥/ ١٣٨)، والاستيعاب لابن عبد البر (ص/ ٤٣٢)، وأسد الغابة لابن الأثير (٣/ ٢٦١)، وتهذيب الكمال للمزي (١٥/ ٤٤٦)، وسير أعلام النبلاء (٢/ ٣٨٠)، والإصابة لابن حجر (٤/ ٢١١).\n(^١) أخرج قول مسروق: ابن سعد في: الطبقات الكبرى (٢/ ٣٥١)؛ وابن حزم في: الإحكام في أصول الأحكام (٦/ ٦٧)، وضعّف ثبوته؛ لأنَّ في سنده جابر الجعفي، وهوضعيف. وانظر: التقريب لابن حجر (ص/ ١٦٩).\nوجاء لفظ قريب من اللفظ السابق عن مسروق قال: (شاممت أصحاب محمد - ﷺ -، فوجدت علمهم انتهى إلى ستة، إلى: عمر، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وأبي الدرداء، وزيد بن نابت، ثم شاممت الستة، فوجدت علمهم انتهى إلى علي، وعبد الله)، وأخرجه: ابن سعد في: الطبقات (٢/ ٣٥١)؛ والفسوي في: المعرفة والتاريخ (١/ ٤٤٤ - ٤٤٥)؛ والطبراني في: المعجم الكبير (٩/ ٩٤)، برقم (٨٥١٣)، وقال ابن حجر الهيثمي في: مجمع الزوائد (٩/ ١٦): \"ورجاله رجال الصحيح، غير القاسم بن معين، وهو ثقة\". والبيهقي في: المدخل إلى السنن (١/ ١٤١ - ١٤٣)، بالأرقام (١٤٥ - ١٤٨).\nوأخرج أبو خيثمة في: العلم (ص/ ٣٩)، برقم (٩٤)، والبيهقي في: المدخل إلى السنن (١/ ١٤٣)، برقم (١٤٩) نحو قول مسروق عن الشعبي.\n(^٢) لم يتبين لي جندب على وجه التحديد، والأقرب فيما أظن أنه: جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي العلقي، أبو عبد الله، له صحبة ليست بالقديمة، ينسب تارة لأبيه، وتارة إلى جده، سكن الكوفة، ثم صار إلى البصرة، وقد روى عنه أهل المصرين، وروى عنه من أهل الشام شهر بن حوشب، من وصاياه: \"أوصيكم بتقوى الله، وأوصيكم بالقرآن، فإنه نور بالليل المظلم، وهدى بالنهار، فاعملوا به ما كان من جهد وفاقة، فإن عَرَضَ بلاءٌ، فقدّم مالك دون دينك ... \"، وقد عاش إلى حدود سنة سبعين. انظر ترجقه في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٦/ ٣٥)، والاستيعاب لابن عبد البر (ص / ١١٢)، وتاريخ مدينة السلام للخطيب (٨/ ١٧٨)، وتهذيب الكمال للمزي (٥/ ١٣٧)، وسير أعلام النبلاء (٣/ ١٧٤)، والوافي بالوفيات للصفدي (١١/ ١٩٣)، والإصابة لابن حجر (١/ ٥٠٩).\n(^٣) أخرج الأثر ابن حزم في: الأحكام في أصول الأحكام (٦/ ٦٧)، وفي سنده: جابر الجعفي، وهو ضعيف. انظر: التقريب لابن حجر (ص/ ١٦٩).","vol":"2","page":808},{"text":"وهذا الأثر يدلُّ على تقليدِ جندب لابنِ مسعود - ﵁ -.\nفهذه الوقائعُ وغيرها تدلُّ على تقليدِ الصحابةِ - ﵃ - لبعضِهم، وتجويزهم لهذا.\nمناقشة الدليل السابع: لا نُسلمُ لكم أنَّ الصحابةَ - ﵃ - جوزوا التقليدَ، أو وقعوا فيه، وما ذكرتموه مِنْ وقائع لكل منها مناقشةٌ مستقلةٌ:\nأولًا: مناقشة ما جاء عن عمر - ﵁ -: (إنِّي لأستحيي من الله أن أخالف أبا بكرٍ)، نوقش الأثر من ثمانيةِ أوجه:\nالوجه الأول: أنَّ الأثرَ لا يصحُّ. يقولُ ابنُ حزمٍ: \"هذا حديثٌ مكذوبٌ محذوفٌ لا يصحُّ منفردًا هذا اللفظُ\" (^١).\nوفيما قاله ابنُ حزمٍ نظرٌ؛ لعدمِ وجودِ كذّاب أو متروكٍ في سندِه، بلْ في الأثرِ انقطاعٌ - كما تقدم في تخريجه - إلا إذا أرادَ بقولِه أنَّه مكذوب أنَّ مَن استدلَّ به على دعوى التقليدِ، فقد كَذَبَ.\nالوجه الثاني: على فرضِ صحةِ الأثرِ، فإنَّ معناه: أنَّ عمر - ﵁ - استحيا مِنْ مخالفة أبي بكرِ - ﵁ - في اعترافِه بجوازِ الخطأِ عليه، وأنَّ كلامَه كلَّه ليس صوابًا مأمونًا عليه الخطأُ.\nويدلُّ على هذا المعنى: أنَّ عمرَ - ﵁ - أقرَّ عند موتِه أنَّه لم يقضِ في الكلالةِ بشيءٍ، وأنَّه لم يفهمْها (^٢).\n_________\n(^١) الإحكام في أصول الأحكام (٦/ ٦٥).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (٦/ ١٢٧ - ١٢٨)، وإعلام الموقعين (٣/ ٥٣٠)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ١٤٨)، والقول المفيد للشوكاني (ص/ ١٠٤)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ١٨٧)، وأضواء البيان (٧/ ٥٤٥ - ٥٤٦)، والمقلدون والأئمة الأربعة لمعشاشة (ص/٩٥).\nوأخرج ما جاء عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه لم يفهم الكلالة: عبد الرزاق في: المصنف، كتاب: الفرائض، باب: الكلالة (١٠/ ٣٠٥)، برقم (١٩١٩٤)؛ وسعيد بن منصور في: السنن (٣/ ١١٧٨)، برقم (٥٨٧)، كلاهما من طريق طاووس أنَّ عمر - ﵁ - قال: فذكر الأثر.","vol":"2","page":809},{"text":"الجواب عن الوجه الثاني: إنَّ اعترافَ عمر - ﵁ - بعدمِ القضاءِ في الكلالةِ بشيءٍ، وأنَّه لم يفهمْها، دليلٌ على تقليدِه لأبي بكرٍ - ﵁ - فيها، وليس دليلًا على عدمِ التقليدِ (^١).\nالوجه الثالث: أنَّ مخالفةَ عمر - ﵁ - لأبي بكرٍ - ﵁ - مشهورةٌ، فمِنْ ذلك: أنَّ عمرَ - ﵁ - أوقفَ الأرضَ المفتوحةَ عنوةً، وكان أبو بكرٍ - ﵁ - يقسمها (^٢)، وكانَ عمرُ - ﵁ - يفاضلُ في العطاءِ، وأبو بكرٍ - ﵁ - يساوي فيه (^٣)، وغير هذا ممَّا يدلُّ على بطلانِ قولِ مَنْ يقولُ: إنَّ عمرَ - ﵁ - لا يخالفُ أبا بكرٍ - ﵁ - (^٤).\n_________\n= وطاووس لم يلق عمر، فالأثر منقطع.\nوأخرجه عبد الرزاق في: المصنف، الموضع السابق (١٠/ ٣٠٥)، برقم (١٩١٩٥) عن طاووس عن أبيه عن عمر - ﵁ -، ورجاله ثقات. انظر: تعليق محقق السنن لسعيد بن منصور (٣/ ١١٨٩).\nوجاء عن سعيد بن المسيب عن عمر - ﵁ - أنه قال: (ما أرني أعلمها - أي: الكلالة - أبدًا ...)، وأخرجه: إسحاق بن راهويه، كما في: المطالب العالية لابن حجر (٨/ ١٧)، برقم (١٥٣٧)، وقال عنه ابن حجر: \"صحيح إن كان ابن المسيب سمعه من حفصة، - ﵁ -\". وابن مردويه كما في: الدر المنثور للسيوطي (٥/ ١٤٣)، وفي: كنز العمال للمتقي (١١/ ٧٩). وصحح الأثرَ بلفظه الآخر المتقيُّ في: كنز العمال (١١/ ٧٩). ورجال إسناد إسحاق بن راهويه ثقات، وهو صحيح على شرط مسلم. انظر: تعليق محقق المطالب العالية (٨/ ١٨)، وبيَّن المحققُ إمكان اللقاء بين حفصة، وسعيد بن المسيب.\n(^١) انظر: التقليد والإفتاء لعبد العزيز الراجحي (ص / ٤٨).\n(^٢) يقول عمر بن الخطاب - ﵁ -: \"لولا آخر المسلمين ما فتحتُ قريةً إلا قسمتها بين أهلها، كما قسم النبي - ﷺ - خيبر)، وأخرجه: البخاري في: صحيحه، كتاب: المزارعة، باب: أوقاف أصحاب النبي - ﷺ - وأرض الخراج ومزارعهم ومعاملتهم (ص/ ٤٣٩)، برقم (٢٣٣٤).\n(^٣) أخرج البخاري في: صحيحه، كتاب: المغازي، بابٌ (دون ترجمة)، (ص/ ٧٦٢)، برقم (٤٠٢٢) من حديث قيس، قال: كان عطاء البدريين خمسة آلاف، خمسة آلاف، وقال عمر: \"لأفضلنهم على من بعدهم\".\n(^٤) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ٦٦)، وإعلام الموقعين (٣/ ٥٣٠ - ٥٣١)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ١٤٩)، والقول المفيد للشوكاني (ص/ ١٠٤)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ١٨٧)، وأضواء البيان (٧/ ٥٤٦)، والمقلدون والأئمة الأربعة لمعشاشة (ص/ ٩٥).","vol":"2","page":810},{"text":"الوجه الرابع: لو صحَّ الاستدلالُ بهذا الأثرِ على جوازِ التقليدِ في كل واقعةٍ، فليس فيه حجةٌ على التمذهبِ بأحدِ المذاهب الأربعةِ؛ لأنَّ الأئمةَ ليسوا ممَّنْ يداني الصحابةَ - ﵁ - أو يقاربهم، فلا يصحُّ إِلحاقُ غيرِ الصحابةِ بهم (^١).\nالوجه الخامس: لو صحَّ أنَّ عمر بن الخطاب - ﵁ - كان يرى جوازَ التقليدِ في واقعةٍ، فإِنَّا نَرُدُّ قولَه إِلى الكتابِ والسنةِ، وقد شَهِدَ النصُّ بردِّ قولِ مَنْ يقولُ بجوازِ التقليدِ، إِضافةً إِلى أنَّ قولَ الصحابي ليس بحجةٍ (^٢).\nويمكن الجواب عن الوجه الخامس: بأنَّه مناقشةٌ بمحلِّ النزاعِ، فالمجوّزون يقولون: دلَّ النصُّ على جوازِ التقليدِ، وأنتم تمنعونه، ثمَّ لا نُسلّم أنّ قولَ الصحابي ليس بحجةٍ.\nالوجه السادس: أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ - ﵁ - استحيا مِنْ مخالفةِ أبي بكرٍ الصديق - ﵁ -، وأنتم تستدلون بهذا الأثرِ، لكنَّكم لا تستحيون من مخالفةِ أبي بكرٍ - ﵁ -، وتقدِّمون أقوالَ إِمامِكم عليه، فأنتم تحتجون بما تخالفونه! (^٣).\nالوجه السابع: أنَّ غايةَ ما في الأثرِ أن عمرَ - ﵁ - قلَّد أبا بكرٍ - ﵁ - في مسألةٍ واحدةٍ، خَفِيَ الصوابُ فيها على عمر، وليس فيه دليلٌ على جوازِ اتخاذِ أقوالِ إِمامٍ بعينِه بمنزلةِ نصوصِ الشارعِ، لا يُخرجُ عنها، ولا يُلتفتُ إِلى سواها (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ٦٧)، وإِعلام الموقعين (٣/ ٥٣٢)، وإِيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ١٤٩)، والقول المفيد للشوكاني (ص/ ١٥٧)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ١٨٨).\n(^٢) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ٦٧)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ١٨٨).\n(^٣) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ٦٧)، وإِعلام الموقعين (٣/ ٥٣٢)، وإِيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ١٤٩)، والمقلدون والأئمة الأربعة لمعشاشة (ص/ ٩٥).\n(^٤) انظر: إِعلام الموقعين (٣/ ٥٣٢)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ٣٥٩) ط/ دار الفتح، والقول المفيد للشوكاني (ص/ ١٠٦)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ١٨٨).","vol":"2","page":811},{"text":"الوجه الثامن: ليس في الأثرِ ما يدلُّ على قولِكم؛ لأنَّ الأثرَ يستدلُّ به مَنْ يرى جوازَ تقليد المجتهدِ لغيرِه من المجتهدين، إِذا عَجَزَ عن الاجتهادِ (^١)، وتقليدُ المجتهدِ لغيرِه مِن المجتهدين مسألةٌ أخرى تختلفُ عمَّا نحنُ بصدده.\nويمكن الجواب عن الوجه الثامن: بأنَّه إِذا جازَ للمجتهدِ أنْ يقلِّدَ مجتهدًا آخر، فمِنْ باب أولى يجوزُ التقليدِ لمَنْ لم يكن مجتهدًا.\nثانيًا: مناقشة ما جاء أنَّ الصحابة - ﵃ - قلَّدوا عمر بن الخطاب - ﵁ - حين ألزم المطلِّق ثلاثًا بوقوع الطلقات ثلاثًا، ومنع بيع أمهات الأولاد: نوقش من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: أنَّ الصحابةَ - ﵃ - الذين أخذوا بقولِ عمرَ - ﵁ - لم يقلَّدوه، وإنَّما أداهم إِليه اجتهادُهم؛ فلم ينقلْ عن أحدٍ منهم أنَّه قال: إِنِّي رأيتُ هذا؛ تقليدًا لعمرَ (^٢).\nالوجه الثاني: هناك مِن الصحابة مَنْ خالفَ عمر - ﵃ -، فعبدُ الله بن عبَّاس - ﵄ - خالفه في الإِلزامِ بالطلاقِ، فجاءَ عنه ما يدلُّ على أنَّ الطلاقَ الثلاثَ لا يقعُ إِلَّا واحدةً (^٣)، وابنُ مسعودٍ - ﵁ - خالفَ عمرَ - ﵁ - في بيعِ\n_________\n(^١) انظر: القول المفيد للشوكاني (ص/ ١٠٦)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ١٨٨).\n(^٢) انظر: إِعلام الموقعين (٣/ ٥٦١)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ١٦١)، وأضواء البيان (٧/ ٥٥٧)، والمقلدون والأئمة الأربعة لمعشاشة (ص/ ١٠٧).\n(^٣) اختلف الروايات عن ابن عبَّاس - ﵄ -، فجاء عنه أنَّه أوقع التطليقات الثلاث طلقة واحدة، وأخرجه: أبو داود في: السنن، كتاب: الطلاق، باب: في نسخ الراجعة بعد التطليقات الثلاث (٣/ ٦٧ ط/ مؤسسة الريان)، برقم (٢١٨٠)، ويقول أبو داود في: السنن، كتاب: الطلاق، باب: نسخ الراجعة بعد التطليقات الثلاث (ص/ ٣٣٤): \"قول ابن عبَّاس هو أن طلاق الثلاث تبين من زوجها مدخولًا بها، وغير مدخول بها: لا تحل حتى تنكح زوجًا غيره، وهذا مثل خبره في الصرف، قال فيه، ثم إِنه رجع عنه، يعني: ابن عبَّاس\". وأحمد في: المسند (٤/ ٢١٥)، برقم (٢٣٨٧)؛ والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: الخلع والطلاق، باب: من جعل الثلاث واحدة، وما ورد في خلاف ذلك (٧/ ٣٣٩)، وقال: (هذا الإِسناد لا تقوم به الحجة مع ثمانية رووا عن ابن عبَّاس - ﵄ - فتياه بخلاف ذلك\"، أي: أن الطلاق الثلاث يقع ثلاثًا. =","vol":"2","page":812},{"text":"أمهاتِ الأولادِ (^١)، وإِذا اختلفَ الصحابةُ في شيءٍ، فالمعوَّلُ عليه هو الحجةُ (^٢).\nالوجه الثالث: على فرضِ التسليمِ بأنَّ الصحابةَ - ﵃ - قلَّدوا عمر - ﵁ - في هاتين المسألتين، فليس فيهما ما يسوِّغُ تقليد مَنْ هو دونَ عمر - ﵁ - بكثيرٍ في كلِّ ما يصدرُ عنه، وترك أقوال غيرِه ممَّنْ هم مثله، أو أعلم منه (^٣).\nثالثًا: مناقشة ما جاء في كتاب عمر بن الخطاب - ﵁ - إِلى شريح: نوقش من وجهين:\nالوجه الأول: أنَّ قولَ عمر - ﵁ - حجةٌ عليكم، لا لكم؛ فإِنَّه أَمَرَ شريحًا أنْ يعملَ بالكتابِ، فيقدمه على غيرِه، ثمَّ بالسنةِ، فإِنْ لم يجدْ قَضَى بما قضى به الصالحون، وهل أنتم تفعلون ما أرشد إِليه عمرُ - ﵁ - إِذا نزلت بكم نازلةٌ؟ ! وحالكم أنَّكم اقتصرتم على قولِ إِمامِكم، فلم تلتفتوا إِلى غيرِه، ولم تنظروا في دليلِه (^٤).\n_________\n= وضعف الحديثَ الخطابيُّ في: معالم السنن (٣/ ٢٣٦).\nوصحح ما جاء عن ابن عبَّاس تقيُّ الدين بن تيمية في: الفتاوى الكبرى (٣/ ٢٢)، وابنُ القيم في: زاد المعاد (٥/ ٢٦٣)، وبين ابن القيم في: تهذيب السنن (٢/ ٩١٦) أنَّ الإِمام أحمد صحح إِسناده.\n(^١) ذهب عبد الله بن مسعود - ﵁ - إِلى أنَّ أم الولد تعتق من نصيب ولدها، وأخرج قوله: عبد الرزاق في: المصنِّف، باب: بيع أمهات الأولاد (٧/ ٢٨٩)، برقم (١٣٢١٥)؛ وابن أبي شيبة في: المصنِّف، كتاب: البيوع والأقضية، باب: في بيع أمهات الأولاد (١١/ ٢٠٨)، برقم (٢٢٠١٢)؛ وابن حزم في: الإِحكام في أصول الأحكام (٦/ ٦١)، وقال عن إِسناده: (٦/ ٦٢): \"هذا السند العجيب الَّذي لا مغمز فيه\". والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: عتق أمهات الأولاد، باب: الخلاف في أمهات الأولاد (١٠/ ٣٤٨).\n(^٢) انظر: إِعلام الموقعين (٣/ ٥٦٢)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ١٦١)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ٣٢٦)، والمقلدون والأئمة الأربعة لمعشاشة (ص/ ٩٥).\n(^٣) انظر: المصادر السابقة.\n(^٤) انظر: إِعلام الموقعين (٣/ ٥٥٧)، وإرشاد النقاد للصنعاني (ص/ ١٧٨)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ١٥٨)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ٣٢٢)، وأضواء البيان (٧/ ٥٥٧)، والمقلدون والأئمة الأربعة لمعشاشة (ص/ ١٠٥).","vol":"2","page":813},{"text":"الوجه الثاني: على فرضِ التسليمِ بما ذكرتم، فإِنَّ هذا قول عمر - ﵃ -، وقولُه ليس بحجةٍ (^١).\nويمكن الجواب عن الوجه الثاني: بأنَّ كتابَ عمر - ﵁ - كتابٌ مشهورٌ، ولم ينكرْه أحدٌ من الصحابةِ - ﵃ -، فيكون حجةً.\nويمكن أن يضاف إِلى المناقشة وجه ثالث: أن قولَ عمر - ﵁ -: (واقضِ بما قضى به الصالحون)، يريد به الإِجماعَ، وهو أحدُ الأدلةِ المعتبرةِ، وإِذا فسرنا ما جاء عنه بالإِجماع لم يبقَ فيه متمسكٌ لمن حَمَلَه على التقليدِ.\nرابعًا: مناقشة الاستدلال بأنَّ عبد الله بن مسعود - ﵁ - كان يأخذ بقول عمر بن الخطاب - ﵁ -، نوقش من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: أنَّ أخذ ابنِ مسعود - ﵁ - لقولِ عمرَ - ﵁ - مِنْ باب موافقةِ العالمِ للعالمِ في الرأي والاستدلال، لا مِنْ بابِ التقليدِ له، يؤكدُ هذا أمران:\nالأمر الأول: أنَّ عبدَ الله بنَ مسعودٍ - ﵁ - خالفَ عمرَ بنَ الخطابِ - ﵁ - في مسائلَ كثيرةٍ (^٢).\nالأمر الثاني: أنَّ عبدَ الله بن مسعود - ﵁ - نفسَه حذّر مِنْ أن يكون المسلمُ إِمّعةً (^٣)، فقال: (وهو - أي: الإِمعة - فيكم: المُحْقِب (^٤) دينه\n_________\n(^١) انظر: إِرشاد النقاد للصنعاني (ص/ ١٧٩).\n(^٢) ساق ابنُ حزم في: الإِحكام في أصول الأحكام (٦/ ٦١ - ٦٤)، وابنُ القيم في: إِعلام الموقعين (٣/ ٥٣٤ - ٥٣٧) عددًا من المسائل الَّتي خالف فيها عبد الله بن مسعود - ﵁ - عمر - ﵁ -.\n(^٣) الإِمّعة: الرجل الَّذي يتابع كل أحدِ على رأيه، فلا يثبت على شيء. انظر: الصحاح، مادة: (أمع)، (٣/ ١١٨٣)، والفائق في غريب الحديث للزمخشري، مادة: (أمع)، (١/ ٥٦)، والقاموس المحيط، مادة: (أمع)، (ص/ ٩٠٥).\n(^٤) المُحْقِب: المقلِّد الَّذي جعل دينه تابعًا لدين غيره بلا رويّةٍ ولا برهانٍ، وهو مأخوذ من الإِرداف على حقيبة الرحل. انظر: الفائق في غريب الحديث للزمخشري، مادة: (أمع)، (١/ ٥٦)، وغريب الحديث لابن الأثير (ص/ ٢٢٠)، ولسان العرب، مادة: (حقب)، (١/ ٣٢٧)، وتاج العروس، مادة: (أمع)، (٢٠/ ٢٩٩).","vol":"2","page":814},{"text":"الرجال) (^١).\nالوجه الثاني: أنَّ المستدلَّ بهذا الأثرِ لا يرى تقليدَ عمرَ بنِ الخطابِ - ﵁ - ولا ابنَ مسعودٍ - ﵁ - في كل أقوالهما، بلْ تقليدُ مَنْ بعدهما من الأئمةِ أحبُّ إِليه، وآثرُ عنده (^٢).\nالوجه الثالث: لو سُلِّمَ الاستدلال بهذا الأثرِ على مطلوبِكم، فإِنَّه يكونُ متمسكًا لمنْ قالَ: يجوزُ تقليدُ المجتهدِ لمجتهدٍ آخر، وهذه مسألةٌ أخرى غير مسألتنا (^٣).\nويمكن الجواب عن الوجه الثالث: بأنَّه إِذا جازَ للمجتهدِ أنْ يقلَّدَ مجتهدًا آخر، فمِنْ بابٍ أولى يجوزُ لمن لم يكن مجتهدًا أنْ يقلِّد أحدَ المجتهدين.\nخامسًا: مناقشة ما جاء عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -:\n_________\n(^١) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ٦١، ٦٨)، وإِعلام الموقعين (٣/ ٥٣٨)، والقول المفيد للشوكاني (ص/ ١٠٨ - ١٠٩)، وإِيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ١٥١)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ١٩٠)، وأضواء البيان (٧/ ٥٤٨ - ٥٤٩)، والمقلدون والأئمة الأربعة لمعشاشة (ص/ ٩٧).\nوأخرج أثر عبد الله بن مسعود - ﵁ -: الطَّبراني في: المعجم الكبير (٩/ ١٥٣)، برقم (٨٧٦٦)؛ وأبو نُعيم في: حلية الأولياء (١/ ١٣٧)؛ وابن حزم في: الإِحكام في أصول الأحكام (٦/ ٦٨)؛ والبيهقي في: المدخل إِلى السنن، باب: فضل العلم (١/ ٣٤١)، برقم (٣٧٨)؛ والحنائي في: فوائده (١/ ٥٨٩)، برقم (١٠٠)، وحسَّن محقق الكتاب (١/ ٥٩٠) إِسناد الحنائي؛ وابن عبد البر في: جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٨٣)، برقم (١٨٧٤، ١٨٧٦).\nوأخرج الطَّبراني في: المعجم الكبير (٩/ ١٥٢)، برقم (٨٧٦٥) أثرَ عبد الله بن مسعود - ﵁ - بلفظ: (لا يكون أحدكم إِمعة). قالوا: وما الإِمعة يا أبا عبد الرَّحمن؟ قال: (يقول: إِنَّما أنا مع الناس، إن اهتدوا اهتديت، وإن ضلوا ضللت، ألا ليوطن أحدكم نفسه على إنْ كفر الناس أن لا يكفر). وضعف ابنُ حجر الهيثمي في: مجمع الزوائد (١/ ١٨١) إِسناد الطَّبراني.\n(^٢) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ٦٢)، وإِعلام الموقعين (٣/ ٥٣٧)، وإِيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ١٥١)، والقول المفيد للشوكاني (ص/ ١٠٩)، وأضواء البيان (٧/ ٥٤٩).\n(^٣) انظر: القول المفيد للشوكاني (ص/ ١٠٦).","vol":"2","page":815},{"text":"الأول: مناقشة أثر عبد الله بن مسعود - ﵁ -: (من كان منكم مستنًا ...)، نوقش الأثر من ثلاثةِ أوجه:\nالوجه الأول: أن عبد الله بن مسعود - ﵁ - عيَّن المستنَ بهم، وهم الصحابةُ - ﵃ -، والمستدلُّ بهذا الأثرِ يُقَدِّم قولَ إِمامِه على من عداه (^١).\nالوجه الثاني: يكونُ الاستنانُ بالصحابةِ - ﵃ - بالاقتداءِ بهم، بحيثُ يأتي المقتدي بمثلِ ما أتوا به، ويفعل كما فعلوا.\nويدلُّ على التفريقِ بين الاستنانِ والتقليدِ: أنَّ ابنَ مسعودٍ نفسَه نَهَى عن أنْ يكونَ المرءُ إِمعةً - أي: مقلدًا كما تقدم - وأَمَرَ بالاستنانِ (^٢)، وهذا يدلُّ على تفريقه بينهما، فلا يصحُّ حملُ ما جاءَ عنه في الاستنانِ على معنى التقليدِ (^٣).\nالوجه الثالث: أنَّ ابنَ مسعود - ﵁ - نهى عن الاستنانِ بالأحياءِ، وأنتم تقلِّدون الأحياءَ، فلا يستقيمُ لكم الاستدلالُ بهذا الأثرِ (^٤).\nالثاني: مناقشة أثر عبد الله بن مسعود - ﵁ -: (ألا لا يقلدن، رجل رجلًا ...): نوقش الأثر من وجهين:\nالوجه الأول: أنَّ الأثرَ غيرُ ثابتٍ (^٥).\nالوجه الثاني: أنَّ في متن الأثرِ نكارةً، أوضحها ابنُ حزم، بقولِه: \"مَعَ أنَّه - أي: ما نسب إِلى ابنِ مسعود - كلامٌ فاسدٌ؛ لأنَّ الميتَ أيضًا لا تُؤمَنُ عليه الفتنةُ إِذا أفتى بما أفتى، ولا فرقَ بينه، وبين الحي في هذا\" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: إِعلام الموقعين (٣/ ٥٥٥)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ١٥٧)، والمقلدون والأئمة الأربعة لمعشاشة (ص/ ١٠٢).\n(^٢) انظر: إِعلام الموقعين (٣/ ٥٧٣).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (٣/ ٥٥٥)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ١٥٧)، والمقلدون والأئمة الأربعة لمعشاشة (ص/ ١٠٢).\n(^٤) انظر: إِيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ١٥٧).\n(^٥) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ٩٨).\n(^٦) المصدر السابق (٦/ ٩٨).","vol":"2","page":816},{"text":"ويمكن أنْ يُضاف إِلى المناقشة وجهان آخران:\nالوجه الثالث: أنَّ مقتضى الأثرِ إِنْ صحَّ منعُ تقليدِ الحي، والمستدلُّ به لا يقولُ بمقتضاه.\nالوجه الرابع: عارضَ أثرَ عبدِ الله بنِ مسعودٍ - ﵁ -، مع ضعفِه ما جاءَ عنه مِنْ نهيه عن أنْ يكونَ المرءُ إِمّعةً (^١).\nسادسًا: مناقشة قول مسروق: (كان ستة من أصحاب النبي - ﷺ - يفتون الناس ...)، نوقش من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: أن الأثرَ ضعيفٌ لا تقومُ به حجةٌ (^٢).\nالوجه الثاني: على فرضِ صحةِ الأثرِ، فإِنَّ المذكورين فيه لم يكونوا يَدَعُون ما يعرفون مِن السنةِ المطهرةِ تقليدًا لهؤلاءِ الثلاثة، بلْ إِذا ظَهَرَتْ لهم السنةُ لم يكونوا يَدَعُونها لقولِ أحدٍ كائنًا مَنْ كان، فهذا عبدُ الله بن عبَّاس - ﵄ - حين أنكرَ على مَنْ خالفَ السنة بقولِه: (قال: أبو بكرٍ وعمر)، وقال: (أراهم سيهلكون؛ أقولُ: قالَ النبيُّ - ﷺ -، ويقولون: نهى أبو بكرٍ وعمرُ) (^٣).\n_________\n(^١) تقدم تخريج الأثر في: (ص/ ٨٠٦).\n(^٢) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ٦٧)، والمقلدون والأئمة الأربعة لمعشاشة (ص/ ٩٨).\n(^٣) انظر: إِعلام الموقعين (٣/ ٥٣٨ - ٥٣٩)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص / ١٥٢)، والقول المفيد للشوكاني (ص/ ١٠٩)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ٣١٣)، وأضواء البيان (٧/ ٥٥٠)، والمقلدون والأئمة الأربعة لمعشاشة (ص/ ٩٥).\nوأخرج أثر عبد الله بن عبَّاس - ﵄ -: أحمد في: المسند (٤/ ١٣٢)، برقم (٢٢٧٧)، و(٥/ ٢٢٨)، برقم (٣١٢١)، وصحح أحمد شاكر في: تخريجه مسند أحمد (٥/ ٤٨) إِسناد رواية أحمد في الموضع الثاني؛ وابن حزم في: حجة الوداع (ص/ ٥٦٤)؛ وابن عبد البر في: جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٢١٠)، برقم (٢٣٧٨، ٢٣٨١)؛ والخطيب البغدادي في: الفقيه والمتفقه (١/ ٣٧٦ - ٣٧٧)، برقم (٣٧٩). وفي سنده شريك بن عبد الله، وهو صدوق يخطئ كثيرًا، كما في: التقريب لابن حجر (ص/٣١٧). =","vol":"2","page":817},{"text":"وإِنَّما كانوا يَدَعُون أقوالَهم لأقوالِ هؤلاءِ؛ لأنَّهم يقولون قولًا، ويقولُ هؤلاءِ قولًا مخالفًا لهم، ويكون الدليلُ معهم، فيرجعون إِليهم، ويَدَعُون أقوالَهم، وهذا عكس ما يفعلُه بعضُ المتمذهبين؛ إِذ لا يَدَعُون أقوالَ إِمامِهم وإِنْ خالفت الدليلَ (^١).\nالوجه الثالث: لو سلمنا أنَّ الأثرَ يدلُّ على أنَّ الثلاثةَ المذكورين فيه يقلِّدون الثلاثةَ الآخرين، فليس فيه حجةٌ على تقليدِ الأئمةِ الأربعةِ؛ لأنَّ المقلَّدين في الأثرِ هم أَجِلَّةُ الصحابةِ - ﵃ -، ومَنْ جاءَ بعدَهم لا يداينهم ولا يقربُ منهم، فإِلحاقُه بهم فيه نظرٌ بيِّنٌ (^٢).\nثامنًا: مناقشة قول جندب: (إِنَّه لرجل، ما كنتُ لأدع قوله: ...):\nنوقش بالأوجه الثلاثة الَّتي نوقش بها أثر مسروق آنف الذكر (^٣).\nالدليل الثامن: إِجماعُ الصحابةِ - ﵃ - على جوازِ استفتاءِ العامي أكثر\n_________\n= وحَسَّن الأثرَ ابنُ مفلح في: الآداب الشرعية (٢/ ١٦٤).\nويشهد للأثر السابق ما جاء عن ابن عباس - ﵄ - قال: (والله ما أراكم منتهين حتى يعذبكم الله؛ نحدثكم عن رسول الله - ﷺ -، وتحدثونا عن أبي بكر وعمر)، وأخرجه: الطحاوي في: شرح معاني الآثار (٢/ ١٨٩)؛ والطَّبراني في: المعجم الأوسط (١/ ١١)، برقم (٢١)، وحسَّن ابنُ حجر الهيثمي في: مجمع الزوائد - ط/ دار الفكر - (٣/ ٥٢٦) إِسنادَ رواية الطَّبراني؛ وابن حزم في: حجة الوداع (ص/ ٥٦٥)؛ وابن عبد البر في: جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٢٠٩)، برقم (٢٣٧٧)؛ والخطيب البغدادي في: الفقيه والمتفقه (١/ ٣٧٧)، برقم (٣٨٠).\nوقد ساق تقيُّ الدين بن تيمية في: مجموع الفتاوى (٢٠/ ٢١٦)، وفي: رفع الملام عن الأئمة الأعلام (ص/ ٤٨)، وابنُ القيم في: إِعلام الموقعين (٣/ ٥٣٩) - وتبعهما آخرون - أثرَ ابن عباس - ﵄ - بلفظ: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله - ﷺ -، وتقولون: قال: أبو بكر وعمر). ولم أقف عليه مسندًا فيما رجعت إِليه من مصادر.\n(^١) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ٦٨)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ٣٦٤) ط/ دار الفتح.\n(^٢) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ٦٨).\n(^٣) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ٦٨)، وإعلام الموقعين (٣/ ٥٣٩)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ٣١٤).","vol":"2","page":818},{"text":"مِنْ عالمٍ فيما يعرضُ له مِن المسائلِ، وإِذا لم يلزم مَنْ عدا المجتهد في عصرِ أوائل الأُمَة أنْ يختصَ بعالمٍ معيّنٍ، فكذا ما بعده مِن العصورِ (^١).\nوقد حكى الإِجماعَ جمعٌ من الأصوليين، منهم: الآمديُّ (^٢)، والعزّ بن عبد السلام (^٣)، وشهابُ الدين القرافيُّ (^٤)، وصفيُّ الدين الهندي (^٥).\nوهذا الدليلُ يدلّ على جوازِ التمذهبِ، ويدفعُ القولَ بوجوبِه.\nالدليل التاسع: أنَّه لم ينقلْ عن أحدٍ مِن الصحابةِ - ﵃ - أنَّهم كانوا يلزمون أحدًا بالتقيّدِ بمذهبِ أحدِ مجتهدي عصرِهم، ولو كان عدمُ التقيدِ بمذهبٍ معيَّنٍ غيرَ جائزٍ لما جازَ لهم السكوتُ عنه، وعدمُ إِنكارِه (^٦).\nالدليل العاشر: أنَّ الله تعالى لم يُوْجِبْ على أحدٍ مِن الناسِ أن يتقيّدَ بمذهبِ أحدِ الأئمة الأربعة، بحيثُ لا يخرجُ عنه، ولا أوجبه رسولُه - ﷺ -، ولا واجبَ إِلَّا ما أوجبه للهُ تعالى أو رسولُه، ولذا فالتمذهب غيرُ واجبٍ (^٧).\n_________\n(^١) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٦١)، ومختصر منتهى السول لابن الحاجب (٢/ ١٦٤)، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٥٥)، وصفة الفتوى (ص/ ٧٢)، والبحر المحيط (٦/ ٣١٩)، وتيسير التحرير (٤/ ٢٥٣).\n(^٢) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام (٤/ ٢٣٨).\n(^٣) نقل القرافيُّ حكايةَ العز بن عبد السلام الإِجماع في: نفائس الأصول (٩/ ٤١٤٧). وانظر: الفتاوى المصرية للعز بن عبد السلام (ص/ ٥٢).\n(^٤) انظر: شرح تنقيح الفصول (ص/ ٤٣٢).\n(^٥) انظر: نهاية الوصول (٨/ ٣٩٢٠)، والتقرير والتحبير (٣/ ٣٥٠)، وأصول الفقه للدكتور زكي شعبان (ص/ ٣٣٩).\n(^٦) انظر: نهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٩٢٠)، والبحر المحيط (٦/ ٣١٩)، والاستعداد لرتبة الاجتهاد لابن نور الدين (٢/ ١١٧٢)، والتقرير والتحبير (٣/ ٣٥١)، وأصول الفقه للدكتور وهبة الزحيلي (٢/ ١١٣٨)، وأصول الفقه الإِسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ٤٨٩)، والوجيز في أصول الفقه للدكتور محمد الزحيلي (ص/ ٣٧٥)، وأصول الفقه للدكتور زكي شعبان (ص/ ٣٣٩).\n(^٧) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإِسلام (٢٠/ ٢٥٩ - ٢١٥)، وإعلام الموقعين (٦/ ٢٠٣)، =","vol":"2","page":819},{"text":"الدليل الحادي عشر: انعقدَ الإِجماعُ على جوازِ التمذهبِ بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ (^١).\nيقولُ القاضي عياضٌ: \"وَقَعَ إِجماعُ المسلمين في أقطارِ الأرض على تقليدِ هذا النمطِ، واتباعهم - أي: الأئمة الأربعة - ودَرْس مذاهبِهم\" (^٢).\nويقولُ الوزيرُ ابن هبيرة واصفًا المذاهب الأربعة: \"الَّتي اجتمعت الأمةُ على أنَّ كلًّا منها يجوزُ العمل به\" (^٣).\nويقولُ ابنُ فرحون المالكي عن المذاهب الفقهية: \"هؤلاءِ الذين وَقَعَ إِجماعُ الناسِ على تقليدِهم، مع الاختلافِ في أعيانِهم، واتفاق العلماءِ على اتباعِهم، والاقتداء بمذاهبِهم، ودَرْس كتبهم، والتفقه على مآخذِهم ... \" (^٤).\n_________\n= والتقرير والتحبير (٣/ ٣٥٠)، والقول السديد لمحمد فروخ (ص/ ١٠٦)، وضوء النهار للحسن الجلال (١/ ١٢٣)، وعمدة التحقيق للباني (ص/ ٨١)، والوجيز في أصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان (ص/ ٤١١)، وأصول الفقه الإِسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ٤٨٩)، وأصول الفقه للدكتور زكي شعبان (ص/ ٣٣٩)، والمدخل للفقه الإِسلامي للدكتور محمد مدكور (ص/ ٣١٩)، والمدخل في التعريف بالفقه للدكتور عبد المجيد مطلوب (ص/٢٤٤).\n(^١) انظر: رسالة الاجتهاد والتقليد لحمد بن معمر (ص/ ٧٦)، والقول السديد لعلي القنوجي (ص/ ١٦)، وفتاوى سماحة الشيخ محمد بن إِبراهيم (٢/ ١٧)، واللامذهبية للدكتور محمد البوطي (ص/ ٧٩)، وأصول الفقه للدكتور وهبة الزحيلي (٢/ ١١٣٨).\nوقد نسب الشَّيخ حمد بن معمر في: رسالة الاجتهاد والتقليد (ص/ ٧٦) إِلى المتأخرين أنهم يستدلون بالإِجماع الَّذي حكاه ابن هبيرة، الآتي بعد قليل.\nوادَّعى ابن أبي القاسم اليماني الزيدي - كما نقله عنه محمد الوزير في: العواصم والقواصم (٣/ ١٢٨)، وفي: الروض الباسم (١/ ٢٢٠) - انعقاد إِجماع الصحابة - ﵃ - والتابعين على وجوب التزام مذهب إِمام معين؛ لأنَّه لم يعلم أن أحدًا كان يأخذ بقول أبي بكر في مسألة وبقول عمر في مسألة أخرى.\nوقد ردَّ عليه محمدُ الوزير في: العواصم والقواصم (٣/ ١٢٨ - ١٣٣)، وفي: الروض الباسم (١/ ٢٢٨ - ٢٢١).\n(^٢) ترتيب المدارك (١/ ٦٣).\n(^٣) الإفصاح (٢/ ٣٤٣). وانظر: المسودة (٢/ ٩٥٨).\n(^٤) الديباج المذهب (١/ ٦٣).","vol":"2","page":820},{"text":"ويقولُ شاه ولي الله الدهلوي: \"المذاهبُ الأربعةُ المدوَّنةُ المحررةُ قد اجتمعت الأمةُ - أو مَنْ يعتدّ به منها - على جوازِ تقليدِها إِلى يومِنا هذا\" (^١).\nفالتمذهبُ قديمٌ، وقد أَدركَ الناسُ شيوخَهم عليه (^٢).\nمناقشة الدليل الحادي عشر: نوقش الدليل من وجهين:\nالوجه الأول: انعدامُ قيمةِ الإِجماع المذكورِ في الدليل؛ لأنَّ المجمعين هم المقلِّدون المذهبيون الذين لم يتأهلوا للنظرِ في الأدلةِ (^٣).\nويمكن الجواب عن الوجه الأول: بأنَّه لا يُسلَّم لكم أنَّ المجمعين هم مِنْ المتمذهبين الذين لم يتأهلوا إِلى النظرِ في الأدلةِ، والاستنباطِ منها، بلْ أربابُه مِن المتأهلين إِلى النظرِ في الأدلةِ، ومعرفةِ القولِ الراجحِ بدليلِه.\nالوجه الثاني: نختلفُ معكم في تفسيرِ كلامِ بعضِ من أوردتم حديثه، فليس مرادُ ابنِ هبيرةَ - على وجهِ الخصوصِ - بالإِجماعِ الَّذي حكاه الإِجماعَ على جوازِ تقليدِ الأئمةِ الأربعةِ، وإِنَّما مرادُه الردُّ على مَن اشترطِ في القاضي أنْ يكون مجتهدًا، وأنَّ المقلِّدَ لا ينفذُ قضاؤه، وحَمَلَ كلامَ مَن اشترطَ في القاضي أنْ يكون مجتهدًا على ما كانت عليه الحالُ قبلَ استقرارِ المذاهب الأربعةِ، وأمَّا بعد استقرارها، فيجوزُ تولية المقلِّدِ لها، وينفذُ قضاؤه (^٤).\nويدلُّ على هذا: سياقُ كلامِ ابنِ هبيرةَ؛ إِذ يقولُ: \"اتفقوا على أنَّه لا يجوزُ أنْ يولَّى القضاء مَنْ ليس مِنْ أهلِ الاجتهادِ، إِلَّا أبا حنيفةَ، فإِنَّه قال: يجوزُ ذلك.\n_________\n(^١) حجة الله البالغة (١/ ٤٧٣).\n(^٢) انظر: الاتباع لابن أبي العز (ص/ ٨٧)، والقول المفيد للشوكاني (ص/ ١٢٣).\n(^٣) انظر: العواصم والقواصم لابن الوزير (٣/ ١٣١)، والروض الباسم له (١/ ٢٢٤)، والقول المفيد للشوكاني (ص/ ١٢٤)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ٢٥٥)، وسبيل الجنة لأحمد آل بوطامي (ص/ ٥٤).\n(^٤) انظر: رسالة في الاجتهاد والتقليد لحمد بن معمر (ص/ ٧٦ - ٧٧).","vol":"2","page":821},{"text":"قال الوزير: والصحيحُ في هذه المسألةِ، أنَّ قولَ من قال: لا يجوزُ تولية قضاءٍ حتى يكون مِنْ أهلِ الاجتهادِ، فإِنَّه إِنَّما عَنى به ما كانت الحال عليه قبلَ استقرارِ ما استقر مِنْ هذه المذاهب الَّتي اجتمعت الأُمَّةُ على أنَّ كلًّا منها يجوزُ العملُ به؛ لأنَّه مستندٌ إِلى أَمرِ رسولِ الله - ﷺ - وإلى سنته، فالقاضي في هذا الوقتِ وإِنْ لم يكنْ مِنْ أهلِ الاجتهادِ ... فإِنَّ ذلك ممَّا قد فُرغَ له منه غيرِه، ودأب له فيه سواه، وانتهى الأمرُ مِنْ هؤلاءِ الأئمة المجتهدين إِلى ما أراحوا فيه مَنْ بعدهم، وانحصرَ الحقُّ في أقاويلهم ... فإِذا عَمَلَ القاضي في أقضيتِه بما يأخذُه عنهم، أو عن الواحدِ منهم، فإِنَّه في معنى مَنْ كان أدّاه اجتهادُه إِلى قولٍ قاله\" (^١).\nويمكن أن يضاف إِلى المناقشة وجه ثالث: أنَّ الإِجماعَ المذكورَ إِنْ حُمِلَ على جوازِ التمذهبِ بهذه المذاهب بحيثُ تكون طريقًا للتفقه، ومعرفةِ الأدلةِ، والراجحِ بدليلِه، فهذا مسلَّم؛ لأنَّه لا يظهرُ لي جريان الخلافِ في هذه الحالةِ.\nوإِنْ حُمِلَ على جوازِ التقليدِ المذهبي للمتأهلِ لمعرفةِ الأدلةِ والنظرِ فيها والاستنباطِ منها، فحكايةُ الإِجماعِ حينئذٍ محلُّ نظرٍ؛ لوجودِ الخلافِ في هذه الحالةِ.\nالدليل الثاني عشر: أنَّ العلماءَ اتفقوا على عدم الإِنكارِ في مسائلِ الاجتهادِ، ولا ريبَ أن أقلَّ ما يُقالُ عن المذاهب الأربعةِ: إِنَّها مِنْ هذا القبيلِ (^٢).\nيقولُ سفيانُ الثوري: \"إِذا رأيتَ الرجلَ يعملُ العملَ الَّذي اختُلِف فيه، وأنتَ ترى تحريمَه، فلا تنهه\" (^٣).\n_________\n(^١) الإِفصاح (٢/ ٤٠٧).\n(^٢) انظر: الطريقة المثلى لعلي القنوجي (ص/ ١٣١)، والتمذهب - دراسة تأصيلية واقعية للدكتور عبد الرَّحمن الجبرين، مجلة البحوث الإِسلامية، العدد: ٨٦ (ص / ١٧٦ - ١٧٧).\n(^٣) انظر: إِعلام الموقعين (٣/ ٤٨١). ومن استدل بقول سفيان الثوري ذكره ضمن الدليل الثالث عشر، ولم أورده تحته، وذكرته ضمن الدليل الثاني عشر؛ لمناسبته.","vol":"2","page":822},{"text":"ويقولُ تقيُّ الدينِ بنُ تيمية: \"مسائلُ الاجتهادِ مَنْ عَمِلَ فيها بقولِ بعضِ العلماءِ لم يُنْكَرْ عليه، ولم يُهجرْ، ومَنْ عَمِلَ بأحدِ القولين لم يُنكرْ عليه، وإِذا كانَ في المسألةِ قولان، فإِنْ كانَ الإِنسانُ يظهر له رجحانُ أحدِ القولين، عَمِلَ به، وإِلَّا قلَّدَ بعض العلماءِ الذين يعتمدُ عليهم في بيانِ أرجحِ القولينِ\" (^١).\nويمكن أنْ يناقش الدليل الثاني عشر: بأنَّ ما جاء عن سفيانَ الثوري لا يدلُّ على ما ذكرتم، وإِنَّما هو مِنْ بابِ السعةِ على المخالفِ في المسائلِ الاجتهاديةِ.\nالدليل الثالث عشر: جاءَ عن الأئمةِ المجتهدين التصريحُ بجوازِ التقليدِ، ومنهم مَنْ جوَّزه للمجتهدِ، وإِذا جازَ للمجتهدِ جازَ لغيرِه ممَّنْ لم يبلغْ درجةَ الاجتهادِ مِنْ بابٍ أولى.\nوإِذا جازَ تقليدُ الأئمة، فإِنَّه يجوزُ أنْ يُقْتَصَرَ على تقليدِ واحدٍ منهم بعينِه (^٢).\nومِن الأقوالِ الواردةِ عن الأئمةِ في هذا الشأنِ:\nقولُ محمد بن الحسن: يجوزُ للعالمِ تقليد مَنْ هو أعلمُ منه (^٣).\nوكان الإِمامُ مالكٌ لا يخرجُ عن عملِ أهلِ المدينة، كما هو مشهورُ مذهبِه (^٤).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى شيخ الإِسلام (٢٠/ ٢٠٧).\n(^٢) انظر: إِعلام الموقعين (٣/ ٤٨١)، وإِيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص / ١٢٣)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ٣٣٨)، وأضواء البيان (٧/ ٥٣٧)، وأصول الفقه للدكتور عياض السلمي (ص/ ٤٨٣)، والمقلدون والأئمة الأربعة لمعشاشة (ص/ ١١٧).\n(^٣) انظر: الفصول في الأصول للجصاص (٤/ ٢٨٤)، والمعتمد (٢/ ٩٤٢)، ومسائل الخلاف في أصول الفقه للصيمري (ص/٣٧٨)،\n(^٤) انظر: إِحكام الفصول (ص/ ٤٨٢)، وترتيب المدارك للقاضي عياض (١/ ٤٣)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ٣٠٨) ط/ دار الفتح، وعمل أهل المدينة للدكتور أحمد نور =","vol":"2","page":823},{"text":"وجاءَ عن الإِمامِ الشَّافعي أنَّه قلَّدَ غيرَه (^١).\nمناقشة الدليل الثالث عشر، نوقش الدليل من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: إِنْ كانَ مرادُكم في الدليلِ أنَّ جميعَ الأئمةِ جوّزوا التقليدَ، فهذه الدعوى محلُّ نظرٍ؛ إِذ جاءَ عن بعضِ الأئمةِ النهيُّ عنه (^٢).\nالوجه الثاني: أنَّ مَنْ يستدل بهذا الدليلِ يُنْكِر نسبةَ التقليد إِلى إِمامِه؛ وقد اضطربَ بعضُ الشافعية في تفسيرِ ما جاءَ عن الإِمام الشَّافعي مِن القولِ بالتقليدِ، فالدليلُ في أصلِه غيرُ مسلَّم عند بعضِ المستدلين به (^٣).\nالوجه الثالث: أنَّ ما جاءَ عن الأئمةِ مِن العملِ بالتقليدِ إِنَّما كان في مسائل يسيرةٍ، لم يقفوا فيها على دليلٍ من الكتابِ ولا من السنةِ، وبناءً عليه، فلا يصحُّ جعل ما نُقِلَ عنهم في هذه المسائل القليلة دليلًا على جوازِ التقليدِ المذهبي الَّذي لا يُخرجُ فيه عن أقوالِ إِمام المذهب في الأعمِّ الأغلبِ (^٤).\nويمكن أن يضاف إِلى المناقشة وجه رابع: أنَّ ما جاء عن الإِمام مالك مِنْ أخذه بعمل أهل المدينة لا يعدُّ تقليدًا، وإنَّما هو أخذ بالدليلِ.\nوما جاءَ عن الإِمامِ الشَّافعي أنَّه قلَّد غيره، فليس مرادُه بالتقليدِ التقليدُ المصطلح عليه، بلْ مرادُه به الاتّباعُ (^٥).\n_________\n= سيف (ص/ ١١٣ وما بعدها)، وخبر الواحد إِذا خالف عمل أهل المدينة للدكتور حسان فلمبان (ص/ ٥٨ وما بعدها)، وأصول الإِمام مالك النقلية للدكتور عبد الرَّحمن الشعلان (٢/ ١٠٥١ وما بعدها)، وعمل أهل المدينة لموسى إِسماعيل (ص/ ٢٨٥ وما بعدها).\n(^١) انظر: الأم (٨/ ٢٢٥)، وإعلام الموقعين (٣/ ٤٨١)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ٣٠٨) ط/ دار الفتح.\n(^٢) انظر: إِعلام الموقعين (٣/ ٥٧٢ - ٥٧٣)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ٣٣٨).\n(^٣) انظر: المصدرين السابقين.\n(^٤) انظر: إِعلام الموقعين (٣/ ٥٧٤)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ٣٤١).\n(^٥) انظر: إِعلام الموقعين (٥/ ٥٥٤)، والمدخل المفضل إِلى فقه الإمام أحمد (١/ ٦٤) حاشية رقم (١).","vol":"2","page":824},{"text":"الدليل الرابع عشر: أنَّ الأئمةَ الأربعة على هدىً، فاتْبَاعُهم على هدىً قطعًا؛ لأنَّهم ساروا وراءَهم (^١).\nمناقشة الدليل الرابع عشر: إِن الهدى الَّذي كان الأئمةُ عليه هو اتِّباعهم للدليلِ، والعملُ بالكتاب والسنةِ، وهذا هو طريقهم، فمَنْ سارَ عليه، فاتَّبع الدليلَ، وانقادَ إِليه، فهو على هدىً، أمَّا اتخاذُ أقوالِ واحدٍ منهم، وجعلها بمنزلةِ نصوصِ الشرعِ الَّتي لا محيدَ عنها، فليس هذا مِنْ هديهم (^٢).\nويمكن الجواب عن مناقشة الدليل الرابع عشر: بأنَّ السيرَ على طريقِ الأئمةِ إِنَّما يتمُّ لمنْ بَلَغَ رتبةَ الاجتهادِ، أو كانت لديه أهليةُ النظرِ في الأدلةِ، والاستنباط منها، أمَّا مَنْ تمذهبَ، ولم يتأهلْ للنظرِ في الأدلةِ، فله السيرُ على أقوالِ إِمامِه.\nيقولُ الشيخُ حمدُ بن معمَّر: \"مَنْ كان محصلًا لبعضِ العلومِ، وقد تفقه في مذهبٍ مِن المذاهبِ، وتبصَّرَ في كتبِ متأخري الأصحابِ ... ولكنَّه قاصرُ النظرِ عن معرفةِ الدليلِ، ومعرفةِ الراجح مِنْ كلامِ العلماءِ: فهذا له التقليدُ أيضًا؛ إِذ لا يجبُ عليه إِلَّا ما يقدرُ عليه\" (^٣).\nالدليل الخامس عشر: إِنَّ صوابَ المتمذهب في تقليدِ إِمامِه أقربُ مِنْ صوابِه في اجتهادِه لو أرادَ طلبَ الحقِّ بنفسِه، وَيكون حالُه كمَنْ أرادَ شراءَ سلعةٍ لا خبرةَ له بها، فإِنَّه إِذا قلَّدَ عالمًا بتلك السلعةِ خبيرًا بها ناصحًا، كان صوابُه وحصولُ غرضِه أقربَ مِنْ اجتهادِ نفسِه (^٤).\nمناقشة الدليل الخامس عشر: نوقش الدليل من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: مقتضى دليلِكم أنَّه لا يمكنُ أن يخفى على إمامِ\n_________\n(^١) انظر: إِعلام الموقعين (٣/ ٤٤٩).\n(^٢) انظر: المصدر السابق.\n(^٣) رسالة في الاجتهاد والتقليد (ص/ ٤٤ - ٤٥)، والدرر السنية لابن قاسم (٤/ ٢٧ - ٦٤).\n(^٤) انظر: إِعلام الموقعين (٣/ ٤٨٣)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ٣٥١)، والمقلدون والأئمة الأربعة لمعشاشة (ص/ ١٢٢).","vol":"2","page":825},{"text":"المذهب دليلٌ مِن الأدلةِ الشرعيةِ النقليةِ، وهذا ما لا يقولُه أحدٌ؛ فإِنَّ أجلةَ الَصحابةِ - ﵃ - مع قرب عهدِهم مِن النبي - ﷺ - خفيتْ عليهم بعضُ السننِ (^١).\nوإِذا سُلِّم أنَّ إِمامَ المذهبِ قد تخفى عليه بعضُ السننِ، لم يكن القولُ بأنَّ تقليدَه في كلِّ حالٍ ولكلِّ شخصٍ أسلمُ، مسلَّمًا.\nالوجه الثاني: قولكم: \"إِنَّ صواب المتمذهب ... \" دعوى غير مسلَّمةٍ؛ فإِنَّ المتمذهبَ إِذا قلَّد إِمامَه، وخالفَ إِمامَه غيرُه مِن العلماءِ - ممَّنْ هم مثله أو أعلم منه - لم يدرِ المتمذهبُ أهو على صوابٍ، أم على خطأٍ؟\nوإِنَّما يكونُ المتمذهبُ أقربَ إِلى الصوابِ، إِذا عَرَفَ أنَّ الصوابَ مع إِمامِه دونَ غيرِه، وحينئذٍ لا نُثَرِّبُ فعله؛ لأنَّه عَرَفَ الدليلَ (^٢).\nويمكن أن يجاب على الوجه الثاني: بأنَّ ما ذكرتموه في مناقشتِكم مُسلَّم لمنْ لديه أهليةُ النظرِ في الأدلةِ، أمَّا إِنْ كانَ المتمذهبُ غيرَ متأهلٍ للنظرِ فيها - إِمَّا لتدرجِه في العلمِ وإِمَّا لضعفِ علمِه - فلا يُسلَّمُ لكم إِيجاب النظر عليه في الأدلةِ؛ لفقدِه الآلة.\nالوجه الثالث: إِنَّ ما مثلتم به في دليلِكم حجةٌ عليكم! فإِنَّ مَنْ أرادَ شراءَ سلعةٍ إِذا اختلفَ عليه اثنانِ، وكلٌّ منهما يأمرُ بخلافِ ما يأمره به الآخرُ، فإِنَّه لا يُقْدِمُ على تقليدِ أحدِهما، بلْ يطلبُ الصوابَ مِنْ أقوالهما،\n_________\n(^١) ساق تقيُّ الدين بن تيمية في: رفع الملام عن الأئمة الأعلام (ص/ ٧ - ١٧)، ابنُ القيم في: إِعلام الموقعين (٤/ ١٩ - ٢٨)، والشنقيطي في: أضواء البيان (٧/ ٥٦٨ - ٥٧٠) شواهد على عدم اطلاع بعض أجلة الصحابة - ﵃ - على بعض سنن النبي - ﷺ -. وانظر: الاستذكار لابن عبد البر (١/ ١٨٨).\nوهناك رسالة علمية بعنوان: (استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن - جمعًا ودراسة) للدكتور سليمان الثنيان، وقد طبعت في الجامعة الإِسلامية، عام ١٤٢٩ هـ.\n(^٢) انظر: إِعلام الموقعين (٤/ ٢٨ - ٢٩)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ٣٥٦)، والمقلدون والأئمة الأربعة لمعشاشة (ص/ ١٢٤).","vol":"2","page":826},{"text":"ولو أَخَذَ بقولِ أحدِهما تقليدًا عُدّ مخاطرًا مذمومًا، ولم يُمْدَحْ، بلْ عليه أنْ يطلبَ الصوابَ مِنْ خارجٍ؛ ليتبيّنَ له المصيبُ (^١).\nويمكن أن يضاف إِلى المناقشة وجه رابع: إِنْ كان المتمذهبُ متأهلًا للنظرِ في الأدلةِ، والترجيحِ بينها، فلا يُسلَّمُ لكم أنَّ صوابَه في تقليدِ إِمامِه أقربُ مِنْ صوابِه مِن اجتهادِه، بلْ لو نَظَرَ المتمذهبُ المتأهلُ في الأدلةِ، فأخطأَ الحكمَ، فهو خيرٌ ممَّا لو قلَّدَ إِمامَه فأصابَ؛ لأنَّه باجتهادِه قد أدَّى ما عليه - وهو أخذ الحكمِ مِنْ دليلِه - وخطؤه مغفورٌ له.\nالدليل السادس عشر: قياسُ التمذهبِ بأحدِ المذاهب الأربعةِ والاقتصار على واحدٍ منها على الاقتصارِ على إِحدى القراءاتِ السَبعِ، فإِذا جازَ للمسلمِ أنْ يقرأَ القرآنَ بإِحدى القراءاتِ السبعِ مقتصرًا عليها (^٢)، فيجوزُ له أنْ يتمذهبَ بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ (^٣).\nمناقشة الدليل السادس عشر: إِنَّ القياسَ المذكورَ في دليلِكم غيرُ صحيحٍ؛ للفارقِ البيّنِ بين القراءاتِ السبعِ، والمذاهب الفقهيةِ، ووجه الفرقِ: أنَّ القراءات متواترةٌ عن النبي - ﷺ - نفسِه، وقد قَرَأ بها تسهيلًا على الناسِ، فكلُّها حقٌّ، بخلافِ المذاهبِ الفقهيةِ، فأكثرُ مسائلِها آراء، تحتملُ الصوابَ والخطأَ، ولا يمكنُ القولُ بأنَّها كلها صوابٌ (^٤).\nوأيضًا: فالقراءاتُ وإن اختلفتْ في اللفظِ إِلَّا أنَّ المعنى واحدٌ، أو متقاربٌ (^٥)، بخلافِ المذاهبِ الفقهيةِ، فبينها اختلافٌ معنوي في كثيرٍ مِن المسائلِ.\n_________\n(^١) انظر: المصادر السابقة.\n(^٢) انظر: إِعلام الموقعين (٦/ ٢٠٥).\n(^٣) انظر: الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة لابن رجب (ص/ ٢٠ وما بعدها)، واللامذهبية للدكتور محمد البوطي (ص/ ٧٨)، والمقلدون والأئمة الأربعة لمعشاشة (ص/ ١١١).\n(^٤) انظر: بدعة التعصب المذهبي لعبَّاسي (ص/ ٩٥)، والمقلدون والأئمة الأربعة لمعشاشة (ص/ ١٠٩).\n(^٥) انظر: الرد على من اتَّبع غير المذاهب الأربعة لابن رجب (ص/ ٣١ - ٣٢).","vol":"2","page":827},{"text":"وأمر آخر: وهو أنَّه يحصلُ المقصودُ بواحدةٍ من القراءاتِ، بخلافِ آراءِ المذاهب الفقهيةِ، فقد يكون القولُ الراجحُ خارجًا عن المذهبِ؛ فلا تحصلُ للمقتَصرِ على مذهبٍ واحدٍ معرفةُ الراجحِ في بعضِ المسائلِ إِلَّا إِذا اطَّلعَ على غيرِه مِن المذاهبِ.\nالدليل السابع عشر: قياسُ تقليدِ أحدِ الأئمةِ الأربعةِ وأخذِ أقوالِه على قَبولِ روايةِ الراوي، فالراوي سَمِعَ بأذنِه ما رواه، فأدَّى مسموعَه، والعالم عَقِلَ بقلبِه ما سمعه، فأدَّى معقوله (^١).\nمناقشة الدليل السابع عشر: إِنَّ القياسَ المذكورَ في دليلِكم غيرُ صحيحٍ؛ إِذ ثمّةَ فرقٌ بين الرأي والروايةِ، وذلك مِن وجهين:\nالوجه الأول: أنَّ اتِّباعَ الراوي واجبٌ؛ لأنَّ الله أَمَرَ بقبولِ خبرِه، ولأنَّه انفرد بعلمِ ما أَخبَرَ به، بخلافِ اتِّباعِ العالمِ، فغيرُ واجبٍ؛ لأنَّ الله لم يأمرْ به، ولإِمكانِ أنْ يعلمَ الناظرُ مِنْ حيثُ عَلِمَ العالمُ.\nالوجه الثاني: أنَّ الغلطَ في الروايةِ قليلٌ؛ لأنَّ ضبطَها سهلٌ، بخلافِ الرأي، فالغلطُ فيه ليس بالقليلِ؛ لدقَّةِ طرقِه، وكثرتِها (^٢).\nالدليل الثامن عشر: قياسُ أخذِ أقوالِ العالمِ على أخذِ أقوالِ المقوِّمين للمتلفاتِ، والقائفين (^٣) والمترجمين والمعرِّفين والمعدِّلين، وعلى قَبولِ الأعمى لمنْ يَدُلُّه على القِبلةِ، وهذا كلُّه تقليدٌ محضٌّ (^٤).\n_________\n(^١) انظر: إِعلام الموقعين (٣/ ٤٨٣)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ١٩٨).\n(^٢) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإِسلام (٢٠/ ١٧)، وإعلام الموقعين (٤/ ١٧ - ١٨).\n(^٣) القائف: الَّذي يعرف الآثار، ويعرف النَسَب بالشبه. انظر: طلبة الطلبة للنسفي (ص/ ٢٧٨)، والمطلع على أبواب المقنع للبعلي (ص/ ٢٨٤)، والقاموس المحيط، مادة: (قوف)، (ص/ ١٠٩٥).\n(^٤) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ٦٩، ٩٨)، وإعلام الموقعين (٣/ ٤٨٠ - ٤٨١)، وإرشاد النقاد للصنعاني (ص/ ١٨٠)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ٣٠٦) ط/ دار الفتح، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ١٩٩، ٣٣٢)، وأضواء البيان (٧/ ٥٣٤)، والمقلدون والأئمة الأربعة لمعشاشة (ص/ ١١٢).","vol":"2","page":828},{"text":"مناقشة الدليل الثاني عشر: هناك فرق بين قَبولِ رأي العالمِ، وما ذكرتموه في قياسِكم، وبيان ذلك: أنَّ قَبولَ قولِ المقوِّمِ والقائفِ وسائر مَنْ ذكرتُم في المقيسِ عليه مِنْ بابِ قبولِ قولِ المخبرِ الَّذي أَمَرَ للهُ بقَبولِ خبرِه إِنْ كانَ عدلًا صادقًا، وليس مِنْ بابِ قبولِ الفتيا في الدِّينِ مِنْ غيرِ قيامِ دليلٍ على صحتِها (^١).\nأدلة أصحاب القول الثاني (القائلين بوجوب التمذهب):\nاستدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها:\nيستدلُ أصحابُ القولِ الثاني بأكثر أدلةِ أصحابِ القولِ (^٢)، لكنَّهم يضيفون إِليها أدلةً ترتقي بالقولِ بالجوازِ إِلى القولِ بالوجوبِ:\nالدليل الأول: يجبُ التمذهبُ على غيرِ المجتهدِ مِنْ غيرِ العامةِ (^٣)؛ لئلا يفضي عدمُ تمذهبِه إِلى التقاطِ رخصِ المذاهب، واتِّباعِ الهوى، فيأخذ في عدّةِ مسائل بالمذهبِ القائلِ بالإِباحةِ، ويتركَ المذهبَ القائلَ بالمنعِ، وفي هذا مفسدةٌ ظاهرةٌ، تضرُّ بالدِّينِ، وتؤدي إِلى الانحلالِ عن التكليفِ، ولذا قلنا: بوجوبِ التمذهب بمذهبِ معيَّنٍ (^٤).\nيقولُ أبو عبدِ الله المازري: \"لستُ ممَّنْ يحملُ الناسَ على غيرِ المعروفِ المشهورِ مِن مذهبِ مالكٍ وأصحابِه؛ لأنَّ الورعَ قلَّ، بلْ كاد\n_________\n(^١) انظر: المصادر السابقة، ما عدا إِعلام الموقعين، فانظر: (٣/ ٥٦٧ - ٥٦٨)، وأضواء البيان (٧/ ٥٦٣ - ٥٦٢).\n(^٢) عدا الدليل الثامن، والدليل التاسع، والدليل العاشر.\n(^٣) تقدم لنا في مسألة مستقلة أنَّ الأقرب أن العامي لامذهب له، ولا يصح منه التمذهب.\n(^٤) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٦٢)، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٥٥)، وصفة الفتوى (ص/ ٧٢)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٩١٩)، ولمع اللوامع لابن رسلان، القسم الثاني (٢/ ٦٧١)، وضوء النهار للحسن الجلال (١/ ١٢٢)، وإجابة السائل للصنعاني (ص/ ٤١٠)، وأصول الإِفتاء للعثماني (ص/ ٢٥٧) مع شرحه المصباح في رسم المفتي، والوجيز في أصول التشريع للدكتور محمد هيتو (ص/ ٥١٩)، والتمذهب دراسة تأصيلية واقعية للدكتور عبد الرَّحمن الجبرين، مجلة البحوث الإِسلامية، العدد: ٨٦ (ص/ ١٧٣).","vol":"2","page":829},{"text":"يُعْدمُ! والتحفّظُ على الدياناتِ كذلك؛ وكثرت الشهواتُ، وكَثُرَ مَنْ يَدَّعي العلمَ، ويتجاسرُ على الفتوى فيه، فلو فُتِحَ لهم بابٌ في مخالفةِ المذهبِ لاتّسعَ الخرقُ على الراقعِ، وهتكوا حجابَ هيبةِ المذهب، وهذا مِن المفسدات الَّتي لا خفاءَ بها\" (^١).\nمناقشة الدليل الأول: نوقش الدليل من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: ما ذكرتموه في دليلِكم منقوضٌ بعصرِ الإِسلامِ الأَوَّل، فلم يُلْزِم الصحابةُ - ﵃ - ولا التابعون أحدًا بالتمذهبِ بمذهبٍ معيَّنٍ؛ لئلا يقعَ الناسُ في الأخذِ بالرخصِ (^٢).\nالجواب عن الوجه الأول: إِنَّ المذاهبَ لم تكنْ مدوّنةً ولا محررةً في العصرِ الأول، وهذا يجعل المقلِّدين يسألون مَنْ وجدوه حين تَعْرِضُ لهم المسألةُ، لذا لم نقلْ بوجوب التمذهب بمذهب معيّنٍ، بخلافِ العصورِ اللاحقةِ، فالمذاهبُ قد دُوِّنَتْ ومُهِّدَتْ وأُصِّلَتْ (^٣).\nالوجه الثاني: ما ذكرتموه في دليلِكم مسلَّمٌ، إِنْ كان الخروجُ لغيرِ مقتضٍ شرعي، أمَّا إِن التزمَ بالمذهب، وخَرَجَ عنه؛ لتبيّنِ رجحانِ غيرِه مِن المذاهبِ، فهذا ممَّا يُمدحُ فاعلُه، ولَا يُذمّ (^٤).\nيقولُ تقيُّ الدينِ بنُ تيمية: \"مَنْ التزم مذهبًا معينًا، ثم فَعَلَ خلافَه، مِنْ غير تقليدٍ لعالمٍ آخر أفتاه، ولا استدلال بدليلٍ يقتضي خلافَ ذلك، ومِنْ غيرِ عذرٍ شرعي يبيحُ له ما فعله، فإِنَّه يكون متبعًا لهواه، وعاملًا بغيرِ اجتهادٍ ولا تقليدٍ ... فهذا مُنْكَرٌ ... وأمَّا إِذا تبين له ما يُوجبُ رجحان قولٍ على قولٍ، إِمَّا بالأدلةِ المفصلةِ، إِنْ كان يعرفها ويفهمها، وإِمَّا بأنْ يرى أحد\n_________\n(^١) نقل الشاطبي كلامَ أبي عبد الله المازري في: الموافقات (٥/ ١٠١).\n(^٢) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٦٢)، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٥٥)، وصفة الفتوى (ص/ ٧٢).\n(^٣) انظر: المصادر السابقة، وأصول الفقه للدكتور عياض السلمي (ص/ ٤٨٣).\n(^٤) انظر: المسودة (٢/ ٩٢١).","vol":"2","page":830},{"text":"الرجلين أعلم بتلك المسألةِ مِن الآخرِ، وهو أتقى لله فيما يقوله، فيرجع عن قولٍ إِلى قولٍ لمثل هذا: فهذا يجوزُ، بلْ يجبُ\" (^١).\nالوجه الثالث: أنَّ إِيجابَ الالتزامِ بالمذهب، مع اشتمالِه على أقوال مرجوحةٍ أمرٌ لا تقرُّه الشريعةُ (^٢)، وتكون المَفسدةُ حينئذٍ في القولِ بالإِيجابِ.\nالدليل الثاني: أنَّ قصرَ الناسِ على مذهب معيّنٍ مِن المذاهبِ الأربعةِ، يحققُ مصالحَ عدة، كضبطِ الناسِ في عباداتِهم ومعاملاتِهم، وانضباطِ أقضيةِ الحكّامِ.\nومِنْ حكمةِ الله تعالى أنْ ضَبَطَ الدّينَ وحفظه بأنْ نَصَبَ للناسِ أئمةً اجتمعُ الناسُ على علمِهم ودرايتهم، فصارَ الناسُ يعولون عليهم، وعلى مذاهبِهم المحررةِ.\nوأيضًا: فالتمذهبُ يحققُ مصلحةَ إِسكاتِ كلِّ مَنْ لم يكنْ أهلًا للاجتهادِ (^٣).\nيقولُ ابنُ رجبٍ: \"ولولا ذلك - أيْ: وجود المذاهب الأربعة - لرأى الناسُ العجبَ العجاب مِنْ كلِّ أحمقٍ متكلِّفٍ مُعْجَبٍ برأيه جريءٍ على الناسِ\" (^٤).\nالدليل الثالث: أنَّ مَن اعتقدَ أنَّ مذهبَه هو الحقّ، وَجَبَ عليه العملُ بموجبِ اعتقادِه (^٥).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى شيخ الإِسلام (٢٠/ ٢٢١).\n(^٢) انظر: التمذهب - دراسة تأصيلية واقعية للدكتور عبد الرَّحمن الجبرين، مجلة البحوث الإِسلامية، العدد: ٨٦ (ص/ ١٧٣).\n(^٣) انظر: الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة لابن رجب (ص/ ٢٧ وما بعدها)، وحجة الله البالغة للدهلوي (١/ ٤٧٣).\n(^٤) الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة (ص/ ٢٨).\n(^٥) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٥٠)، وتيسير التحرير (٤/ ٢٥٣)، والتقليد في الشريعة الإِسلامية لعبد الله الشنقيطي (ص/ ١٤٤).","vol":"2","page":831},{"text":"الدليل الرابع: أنَّ الاجتهادَ قد انقطعَ بعد الأئمةِ الأربعةِ (^١)، وإِذا لم يُوْجَدْ مجتهدٌ تعيَّنَ تقليد أحدِ هؤلاءِ الأئمةِ (^٢).\nمناقشة الدليل الرابع: لا يُسَلّم لكم القولُ بانقطاعِ الاجتهادِ، فلا يخلو عصرٌ عن مجتهدٍ (^٣)، ثمَّ إِنَّكم لم تلتزموا أقوالَ هؤلاءِ الأئمة، بل قلدتم متأخري علماءِ مذهبِكم (^٤).\nالدليل الخامس: أنَّ إِمامَ المذهبِ قد اطَّلعَ على معاني كتاب الله جميعِها، ولم يفته منها شيءٌ، وعلى جميعِ سنةِ رسولِ الله - ﷺ -، ولمَ يفته منها شيءٌ، ولذا اتبعناه؛ لكمالِ علمِه (^٥).\nمناقشة الدليل الخامس: قولكم: إِن إِمامَ المذهبِ أحاطَ بجميعِ الأدلةِ، قولٌ مردودٌ؛ فإِنَّ أجلّةَ الصحابةِ - ﵃ - مع قُربِ عهدهم مِن النبي - ﷺ - خفيت عليهم بعضُ السننِ (^٦)، والأئمةُ أنفسُهم معترفون بعدمِ الإِحاطةِ بمعاني نصوص الكتاب والسنة (^٧)، وما مِنْ شكٍّ أنَّه يفوتُ الواحد منهم بعضُ الأحاديثِ الَّتي لم يطلعْ عليها، وهو معذورٌ في تركِ العملِ بها؛ لعدمِ اطلاعِه (^٨).\n_________\n(^١) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩١)، وصفة الفتوى (ص/ ١٧).\n(^٢) انظر: سبيل الجنة لأحمد آل بوطامي (ص/ ٦٥)، وتنزيه السنة والقرآن له (ص/ ١٣٩)، والصوارم والأسنة لمحمد الشنقيطي (ص/ ٣١٤)، ودرة الغمام الرقيق لعبد الله التليدي (ص/ ٥٥).\n(^٣) انظر مسألة: (خلو العصر عن مجتهد) في: البرهان (٢/ ٨٨٠)، والمنخول (ص/ ٤٨٤)، ومجموع فتاوى شيخ الإِسلام (٢٠/ ٢٠٤)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٥٢)، والتحبير (٨/ ٤٠٥٩)، وشرح الكوكب المنير (٤/ ٥٦٤)، وإرشاد الفحول (٢/ ١٠٤١).\n(^٤) انظر: سبيل الجنة لأحمد آل بوطامي (ص/ ٥٧، ٧٠)، والصوارم والأسنة لمحمد الشنقيطي (ص / ٣١٦).\n(^٥) انظر: أضواء البيان (٧/ ٥٦٧)، ودرة الغمام الرقيق لعبد الله التليدي (ص/ ٥٥).\n(^٦) انظر: إِعلام الموقعين (٤/ ١٩ - ٢٨).\n(^٧) انظر: أضواء البيان (٧/ ٥٦٧)، ودرة الغمام الرفيق لعبد الله التليدي (ص/ ٥٥).\n(^٨) انظر: أضواء البيان (٧/ ٥٦٧).","vol":"2","page":832},{"text":"الدليل السادس: أنَّنا نعملُ بنصوصِ إِمامِ المذهب ونلتزم مذهبَه؛ لأنَّه لا قدرةَ لنا على معرفةِ نصوصِ الكتابِ والسنةِ، فإِذا لمَ نقلِّدْ إِمامَنا بقينا في حيرةٍ (^١).\nمناقشة الدليل السادس: لا يجوزُ الإِعراضُ عن نصوصِ الكتابِ والسنةِ، بل الواجبُ تعلّمهما، وادِّعاؤكم أنَّ معرفةَ الكتاب والسنةِ غيرُ مقدورٍ عليه، قولٌ مردودٌ، فالله تعالى أَمَرَ الناسَ بتدبُّرِ القرآنِ الكريمِ (^٢).\nيقولُ ابنُ حزمٍ مخاطبًا أصحاب هذا الدليل: \"فليتَ شعري كيفَ قصرتْ عقولُكم عن فهمِ ما افترض الله تعالى عليكم تدبره والأخذ به، واتّسعتْ عقولُكم للفهمِ عن الشَّافعي ومالكٍ وأبي حنيفةَ؟ ! وما أمركم الله تعالى قطُّ بالسماعِ منهم خاصة دونَ سائرِ العلماءِ، ولا ضمن لكم ربُّكم تعالى قط العونَ على فهمِ كلامِهم، كما ضمن لكم في فهمِ كلامِه\" (^٣).\nأدلة أصحاب القول الثالث (القائلين بالاستحباب):\nتقدمت الإِشارةُ إِلى أن قولَ أصحابِ القول الثالث يرجعُ إِمَّا إِلى القولِ الأول، وإِمَّا إِلى القولِ الثاني.\nأدلة أصحاب القول الرابع (القائلين بالمنع من التمذهب):\nاستدلَّ أصحابُ القولِ الرابعِ بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ١٣١)، وأضواء البيان (٧/ ٥٨٤).\n(^٢) انظر: إِعلام الموقعين (٣/ ٤٩٠)، وأضواء البيان (٧/ ٥٧٦).\n(^٣) الإِحكام في أصول الأحكام (٦/ ١٣٢).\n(^٤) الآية (٤١) من سورة العنكبوت.","vol":"2","page":833},{"text":"وجه الدلالة: أنَّ مَنْ اتخذَ عالمًا إِمامًا له يعرضُ عليه نصوصَ الكتابِ والسنةِ، فما وافقَ قولَ إِمامِه قَبِلَه، وما خالفه تركه، مع أنَّه يُقر بأنَّ هذا قول الله وقول رسوله - ﷺ -: فقد اتخذ إِمامَه مِنْ دونِ الله وليًا (^١).\nمناقشة الدليل الأول: يمكن أن يناقش وجه الدلالة من وجهين:\nالوجه الأول: أنَّ ما ذُكرَ في وجه الدلالةِ هو التعصّب لأقوالِ الإِمامِ، وليس هذا ما نتحدثُ عنه.\nالوجه الثاني: لا يصح تنزيلُ الآيةِ على مَنْ يعتقدُ أنَّ الحلالَ هو ما أحلَّه الله ورسولُه - ﷺ -، وأنَّ الحرامَ هو ما حرَّمه اللهُ ورسولُه - ﷺ -، لكن لما قَصُرَ علمُه وفهمُه عمَّا قاله النبيّ - ﷺ -، وضعفَ إِدراكُه عن بلوغِه، ولم يكنْ عنده علمٌ بطرقِ الجمعِ بين الأدلةِ: اتَّبع عالمًا يغلبُ على ظنِّه أنَّه متبعٌ للكتاب والسنةِ - وإنْ علم مِنْ إِمامِه مخالفةً للدليلِ تَرَكَ قولَه - فإِنَّ مثلَ هذا لا يلحَقه لومٌ، ولا تتوجه إِليه هذه الآيات (^٢).\nالدليل الثاني: قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ (^٣).\nوجه الدلالة: أنَّه لا وليجةَ أعظم ممَّنْ جَعَل أقوالَ عالمٍ بعينِه عيارًا (^٤) على كلامِ الله تعالى، وكلامِ رسولِه - ﷺ - (^٥).\nمناقشة الدليل الثاني: الَّذي يأخذُ قولَ إِمامِه؛ لاعتقادِه أنَّ قولَه كاشفٌ عن مرادِ الله ومرادِ رسولِه - ﷺ - لا أنَّه اختارَ قولَ إِمامِه وقدّمه على قولِ الله\n_________\n(^١) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ١٢٤).\n(^٢) انظر: حجة الله البالغة للدهلوي (١/ ٤٧٧)، والدرر السنية لابن قاسم (٤/ ٧٢).\n(^٣) من الآية (١٦) من سورة التوبة.\n(^٤) العيار: الوِزَان، تقول: عيّر الدنانير، أي: وزنها واحدًا بعد واحدِ. انظر: لسان العرب، مادة: (عير)، (٤/ ٦٢٣)، والقاموس المحيط، مادة: (عير)، (ص/ ٥٧٥).\n(^٥) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ١٢٤)، وإعلام الموقعين (٣/ ٤٤٨ - ٤٤٩).","vol":"2","page":834},{"text":"وقولِ رسوله - ﷺ - لم يتخذْ إِمامَه وليجةً (^١).\nالدليل الثالث: قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (^٢).\nوجه الدلالة: أنَّ مَنْ تمذهبَ بمذهبِ أحدِ الأئمةِ، ووَجَدَ قولًا لإِمامِه يخالفُ الكتابَ أو السنة، فإِنَّه يأبى قبولَ الدَّليلِ، ويتّبعُ ما عليه آباؤه (^٣).\nمناقشة الدليل الثالث: يمكن أن يناقش وجه الدلالة بما نُوقش به الدليلُ الأولُ.\nالدليل الرابع: قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (^٤).\nوجه الدلالة: أنَّ اللهَ تعالى خصَّ بالفلاحِ مَنْ دعا إِلى الخيرِ، والداعون إِلى الخيرِ هم الداعون إِلى كتابِ الله، وسنةِ رسولِه - ﷺ -، لا الداعون إِلى رأي فلانٍ وفلانٍ (^٥).\nمناقشة الدليل الرابع: يمكن أن يناقش وجه الدلالة: بأنَّ دلالةَ الآيةِ على ما ذكرتموه ليست دلالةً ظاهرةً بحيثُ يُلزم المخالف لقولِكم بتركِ قولِه، وكون الدعوة إِلى الكتابِ والسنةِ مِن الفلاحِ أمرٌ لا مِرْيَةَ فيه، لكنْ قد يكونُ الأخذُ بمذهبِ أحدِ الأئمة طريقًا إِلى معرفةِ الكتابِ والسنةِ، إِذا قَصَدَه المتمذهبُ.\n_________\n(^١) انظر: فوائد في علوم الفقه لحبيب الكيرواني (ص/ ١٥).\n(^٢) الآية (١٧٠) من سورة البقرة.\n(^٣) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ١٢٥)، ومجموع فتاوى شيخ الإِسلام (٢٠/ ١٥)، وإِعلام الموقعين (٣/ ٤٤٧)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ١٠٤).\n(^٤) الآية (١٠٤) من سورة آل عمران.\n(^٥) انظر: إِعلام الموقعين (٣/ ٥٢٤)، وإِيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ١٤٤)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ٣٠٢).","vol":"2","page":835},{"text":"الدليل الخامس: حديث عدي بن حاتم المتقدم.\nوقد تقدم الاستدلال به، ومناقشةِ وجه الدلالة في المبحثِ الأولِ مِنْ هذا الفصلِ.\nالدليل السادس: أنَّ اللهَ تعالى لم يأمرْ بالتمذهبِ بمذهب أحدٍ مِن الأئمةِ الأربعةِ، ولا أَمَرَ به رسولُه - ﷺ -، فمِنْ أينَ لكم اتباعُ عالمٍ بعينِه دون غيرِه من العلماءِ؟ ! (^١).\nمناقشة الدليل السادس: يمكن أن يناقش الدليل: بأنَّه يُسلَّمُ لكم أنَّ اللهَ تعالى لم يأمرْ بالتمذهبِ، ولذا لم نقلْ بوجوبِه، لكنَّ الله أجازَ لمَنْ لم يبلغْ درجةَ الاجتهادِ أنْ يأخذَ أقوالَ العلماءِ، وإذا جازَ أخذُ أقوالِ العلماءِ، جازَ الاقتصارُ على أخذِ أقوالِ واحدٍ منهم.\nالدليل السابع: أنَّ المتمذهبين بمذهبِ إِمامٍ معيّنٍ خالفوا أمرَ الله تعالى وأمرَ رسولِه - ﷺ -، وارتكبوا ما نهاهم عنه إِمامُهم، وسلكوا ضدَّ طريقِ أهلِ العلمِ، وبيان هذا: أنَّ اللهَ أَمَرَ بردِّ ما تنازع فيه المسلمون إِليه، وإلى رسولِه - ﷺ -، وذلك في قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (^٢)، والمقلِّدون لإِمامِهم ردّوا ما تنازعَ الناسُ فيه إِلى إِمامِهم.\nوأَمَرَ رسولُ الله - ﷺ - عند الاختلافِ بالأخذِ بسنتِه، وسنةِ خلفائِه الراشدين، والمقلِّدون لإِمامِهم أخذوا بقولِ إِمامِهم وتمسّكوا به.\nوخالفوا إِمامَهم؛ فالأئمة نَهَوا عن تقليدِهم، وحذروا منه، كما سيأتي بعد قليل.\nوسلكوا ضدَّ طريقِ أهلِ العلمِ؛ فإنَّ طريقَهم طلبُ أقوالِ العلماءِ،\n_________\n(^١) انظر: جامع المسائل لابن تيمية (المجموعة الثامنة/ ٤٣٩)، وإعلام الموقعين (٣/ ٥٢٨ - ٥٢٩)، والرحلة إِلى إِفريقيا للشنقيطي (ص / ١٥١)، ونثر الورود له (٢/ ٦٨٦)، وتبصير النجباء للدكتور محمد الحفناوي (ص/ ٢٣٦).\n(^٢) من الآية (٥٩) من سورة النساء.","vol":"2","page":836},{"text":"وعرضها على القرآنِ والسنةِ الثابتةِ وأقوالِ الصحابةِ - ﵁ -، فما وافقها أخذوا به، وما خالفها ردّوه، والمقلدون قصروا الحقَّ في أقوالِ إِمامِهم (^١).\nمناقشة الدليل السابع: يمكن أن يناقش الدليل: بأنَّ ما ذكرتموه مسلَّمٌ إِنْ تحققتْ للمتمذهب درجةُ الاجتهادِ، أو تأهلَ إِلى النظرِ في الأدلةِ، وأمكنه النظرُ، ثمَّ تَركه، وقلَّد إِمامَه.\nأمَّا إِنْ كان المتمذهبُ غيرَ متأهلٍ للنظرِ في الأدلةِ، واقتصر على قولِ إِمامِه - الَّذي يظن أنَّه متبعٌ للقرآنِ والسنةِ، ولم يظهرْ له أنَّه خالفهما - فلا يتوجه إِليه أنَّه قد خالفَ أمرَ الله وأمرَ رسوله - ﷺ - وارتكبَ ما نهاه عنه إِمامُه.\nالدليل الثامن: إِجماعُ الصحابةِ والتابعين كلهم على المنعِ مِنْ أنْ يقصدَ أحدٌ إِلى أقوالِ أحدِ العلماءِ، فيأخذها كلّها، ولا يلتفتْ إِلى غيرِها، حكاه ابنُ حزمٍ، فقالَ: \"قد صحَّ إِجماعُ الصحابةِ - ﵃ - أولهم عنْ آخرِهم، وإِجماعُ جميعِ التابعين أولهم عنْ آخرِهم على الامتناعِ والمنعِ مِنْ أنْ يقصدَ منهم أحدٌ إِلى قولِ إِنسانٍ - منهم أو ممَّنْ قبلهم - فيأخذَه كله.\nفليَعْلَم مَنْ أَخَذَ بجميعِ قولِ أبي حنيفةَ، أو جميع قولِ مالكٍ، أو جميعِ قولِ الشَّافعي، أو جميعِ قولِ أحمدَ بن حنبل - ﵁ - ممَّنْ يتمكنُ مِن النظرِ، ولم يتركْ مَنْ اتَّبعه منهم إِلى غيره: أنَّه قد خالفَ إِجماعَ الأمّةِ كلّها عن آخرها، واتّبعَ غيرَ سبيلِ المؤمنين\" (^٢).\nوحكى الإِجماعَ أيضًا تقِيُّ الدينِ بنُ تيميةَ (^٣).\nوحكى ابنُ القيّمِ إِجماعَ الأمةِ على تحريمِ اتخاذِ أقوالٍ رجلٍ بعينِه،\n_________\n(^١) انظر: إِعلام الموقعين (٣/ ٥٢٢ - ٥٢٣)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص / ١٤٣)، وهداية السلطان إِلى مسلمي بلاد اليابان للمعصومي (ص/ ٩٨)، وسبيل الجنة لأحمد آل بوطامي (ص/ ٦٢).\n(^٢) النبذ في أصول الفقه (ص/ ١١٦). وانظر: الإِحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ٧٩).\n(^٣) انظر: الأخبار العلمية للبعلي (ص/ ٤٨٢).","vol":"2","page":837},{"text":"وجعلها بمنزلةِ نصوصِ الشارعِ، فلا يلتفتُ إِلى نصوصِ الكتابِ والسنةِ (^١).\nمناقشة الدليل الثامن: يمكن أن يناقش الدليل: بأن دعوى الإِجماعِ المذكورة محلُّ نظرٍ؛ وتحتاجُ إِلى إِثبات، ولم يورد ابنُ حزمٍ قولًا لأحدٍ الصحابةِ - ﵃ - أو التابعين دالًا على المنعِ.\nلكن إِنْ كان قَصْدُ مَنْ حكى الإِجماعَ عدمَ التزام مَنْ كان متأهلا للنظرِ في الأدلة (^٢) - إِمَّا لبلوغِه درجة الاجتهادِ، وإِمَّا لتحققِ وصف الاجتهاد الجزئي فيه في بعضِ المسائلِ، وفي كلامِ ابنِ حزمٍ السابق إِشارةٌ إِلى قيدِ التمكن مِن النظرِ - بأقوالِ عالم، مع تمكنِه مِن الوصولِ إِلى الحكمِ الشرعي، وتَرَكَه إِعراضًا عن الأدلةً؛ أو مَعَ نظرِه فيها، وتوصله إِلى رأي، وترَكَ ما ترجَّحَ عنده، وبقي على قولِ إِماِمه: فتُسلَّم لهم حكايةُ الإِجماعِ - ويكون صنيعُ المتمذهبِ حينئذٍ تعصبًا مذهبيًا ممقوتًا - لأنَّ حالَ الصحابةِ - ﵃ - والتابعين أنَّهم يعملون بما ترجّحَ عندهم.\nالدليل التاسع: أنَّ التزامَ أقوالِ عالمٍ بعينِه دونَ غيرِه، بحيثُ لا يخرجُ عنها بدعةٌ محدثةُ لم تكنْ موجودةً في صدرِ الإِسلامِ الأول، فلم يكن الصحابةُ منقسمين إِلى مذاهب علمائهم، وبناءً عليه لا يجوزُ التمذهبُ بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ (^٣).\nيقول ابنُ حزمٍ: \"إِنَّ تقليدَ الآراءِ لم يكن قطُّ يومًا في قرنِ الصحابةِ - ﵃ - ولا في قرنِ التابعين ولا في قرنِ تابعي التابعين - وهذه القرونُ الَّتي أثنى\n_________\n(^١) انظر: إِعلام الموقعين (٣/ ٥٣٢).\n(^٢) انظر: حجة الله البالغة للدهلوي (١/ ٤٧٥).\n(^٣) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ١٤٦، ١٧٥)، وإرشاد النقاد للصنعاني (ص/ ١٦٨)، وإِيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ١٢٥)، والقول المفيد للشوكاني (ص/ ١٢٣)، وهداية السلطان إِلى مسلمي بلاد اليابان للمعصومي (ص/ ٧٠ - ٧١)، وأضواء البيان (٧/ ٥٢١)، ودرة الغمام الرقيق لعبد الله التليدي (ص/ ٣٤)، وبدعة التعصب المذهبي لعباسي (ص/ ٩١ - ٩٢).","vol":"2","page":838},{"text":"النبيُّ عليها - وإِنَّما حدثتْ هذه البدعةُ في القرنِ الرابعِ المذموم على لسان النبي - ﷺ -، وأنَّه لا سبيلَ إِلى وجودِ رجلٍ واحدٍ في القرونِ الثلاثةِ المتقدمةِ قلَّدَ صاحبًا أو تابعًا أو إِمامًا أخذ عنه في جميعِ أقوالِه، فأخذه كما هو، وتديّن به وأفتى به الناسَ\" (^١).\nويقولُ ابنُ القيّم: \"إِنَّا نعلمُ بالضرورةِ أنَّه لم يكنْ في عصرِ الصحابةِ رجلٌ واحد اتَّخذَ رجلًا منهم يقلِّدُه في جميعِ أقوالِه، فلم يُسقطْ منها شيئًا، وأسقطَ أقوالَ غيرِه، فلم يأخذ منها شيئًا، ونعلم بالضرورةِ أن هذا لم يكنْ في عصرِ التابعين، ولا تابعي التابعين ... وإِنَّما حدثت هذه البدعةُ في القرنِ الرابعِ ... \" (^٢).\nمناقشة الدليل التاسع: نوقش الدليل من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: قولكم: \"إِنَّ أخذَ أقوالَ عالمٍ بعينه لم يكن موجودًا في الصدر الأول\"، لا يمكنُ لكم أنْ تقيموا الدليلَ عليه، فقد يكون هناك التزامٌ مِنْ بعضِ الناسِ بما يصدرُ عن أحدِ علماءِ الصحابةِ - ﵃ - بعينِه من فتاوى، ولم تتطلعوا عليه (^٣).\nبلْ هناك ما يدلُّ على وجودِ شيءٍ من الالتزامِ بأقوالِ العالم، فقد كان المنادي في الحجِّ يصيحُ: \"لا يُفتي الناسَ إِلَّا عطاءُ بن أبي رباح\" (^٤).\nوقد تقدّمَ في الفصلِ الثاني كلامُ عليّ بن المديني بشأنِ حال التابعين مع علماءِ الصحابة - ﵃ -.\nولو قلتم لم يُوْجَدْ في الصدرِ الأول النّسبُ المذهبية - كبكري وعمري - لسلِّمَ لكم.\n_________\n(^١) التلخيص لوجوه التخليص (ص/ ١٣٥ - ١٣٦). وانظر منه: (ص/ ١٣٧).\n(^٢) إِعلام الموقعين (٣/ ٤٨٤ - ٤٨٥).\n(^٣) انظر: أصول الفقه للدكتور عياض السلمي (ص/ ٤٨٣).\n(^٤) انظر: اللامذهبية للدكتور محمد البوطي (ص/ ٧٩). وانظر مقولة: \"لا يفتي الناس إِلَّا عطاء\" في: تاريخ دمشق لابن عساكر (٤٠/ ٣٨٥)، وسير أعلام النُّبَلاء (٥/ ٨٢)، والبداية والنهاية (١٣/ ٧٠).","vol":"2","page":839},{"text":"الوجه الثاني: لو سُلِّم أنَّه لم يكن في الصدرِ الأولِ للإِسلامِ التزامٌ لأقوالِ عالمٍ بعينه، فإِن عدمَ وجودِه لا يدلُّ على تحريمِه (^١)، ولا سيَّما في شأنِ المتمذهَبِ الَّذي لم يتأهلْ للنظرِ، والمتمذهب المتأهلِ الَّذي لم يتمكنْ مِن النظرِ.\nالوجه الثالث: إِنَّ السببَ في عدم الالتزام بأقوالِ عالم في الصدرِ الأولِ هو أنَّه لم يكنْ ثمّةَ مذاهب محررةٌ مدونةٌ، يمكنُ معها التزامُ مذهب عالمٍ بعينِه (^٢)، فكانَ العلماءُ يعلِّمون طلابَهم العلم، ويفتون الناسَ، ولم تكن مذاهبُهم مدونةً، وعدمُ تدوينِ أقوالِ العلماء في تلك العصورِ صارفٌ عن التمذهبِ بها.\nالدليل العاشر: أنَّ الأئمةَ الأربعةَ، وإنْ كانوا مجتهدين، فهم بَشَرٌ، يصيبون ويخطئون، وقد يخفى عليهم شيءٌ مِن السننِ الواردةِ عن النبي - ﷺ -، فكيفَ يجوزُ تقليدُهم؟ ! (^٣).\nيقولُ ابنُ عبد البر: \"إِذا ثَبَتَ وصحَّ أنَّ العالمَ يخطئُ وَيزِلُّ، لم يجزْ لأحدِ أنْ يفتي، ويَدِين بقولٍ لا يعرِفُ وجهه\" (^٤).\nويقول ابنُ القيِّم: \"إِنَّ العالمَ قد يَزِل ولا بُدّ؛ إِذ ليس بمعصومٍ، فلا يجوزُ قَبولُ كل ما يقولُه، وينَزلُ قوله منزلةَ قولِ المعصومِ\" (^٥).\nوإذا ثَبَتَ أنَّ العالمَ يخطئُ، فكيفَ يجوزُ للمتمذهبِ أنَّ يُحلِّلَ ويُحرّمَ،\n_________\n(^١) انظر: أصول الفقه للدكتور عياض السلمي (ص/ ٤٨٣).\n(^٢) انظر: المصدر السابق.\n(^٣) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ٨٦)، وخطبة الكتاب المؤمل لأبي شامة (ص/ ١٤٢)، ومجموع فتاوى شيخ الإِسلام (١٩/ ٦٩)، و(٥/ ٢١٠)، وإِيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ٣٥ - ٣٦)، وهداية السلطان إِلى مسلمي بلاد اليابان للمعصومي (ص/ ٨٦)، والتقليد وأحكامه للدكتور سعد الشثري (ص/ ١٤٤).\n(^٤) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٨٣).\n(^٥) إِعلام الموقعين (٣/ ٤٥٣).","vol":"2","page":840},{"text":"ويريقَ الدماءَ، ويبيحَ الفروجَ، ويُملّكَ الدُّور بقولِ مَنْ يُقرُّ المتمذهبُ نفسُه بجوازِ كونِه مخطئًا؟ ! (^١).\nمناقشة الدليل العاشر: يمكن أن يناقش الدليل: بالتسليمِ لما قالوه فيما إذا كان المتمذهبُ متأهلًا للنظرِ في الأدلةِ عارفًا بدلالات الألفاظِ، وأمكنه الوصولُ إلى الحكمِ (^٢).\nأمَّا إنْ كان المتمذهبُ غيَر متأهلٍ، فلا يُسلّمُ لهم؛ لأنَّ فرضَه التقليدُ وسؤالُ العلماءِ، وإذا جازَ له التقليدُ لأيّ عالم، جازَ له أنْ يقتصرَ على واحدٍ منهم؛ لقناعتِه بعلمِه وفضلِه، فيقتصر على أقوالِه.\nالدليل الحادي عشر: جاءَ عن عمرَ بنِ الخطاب - ﵁ - قولُه: (إنَّ حديثَكم شرُّ الحديثِ، إنَّ كلامَكم شرُّ الكلامِ؛ فإنَّه قد حدثّتم الناسَ حتى قيل: قال فلانٌ، وقال فلانٌ، ويُتْرَك كتاب الله، مَنْ كان منكم قائمًا فليقم بكتاب الله، وإلا فليجلسْ) (^٣).\nوجه الدلالة: أنَّ عمر بن الخطاب - ﵁ - وصف مَنْ يقولُ: قالَ فلان، إذا كان تاركًا لكتابِ الله، بأنَّ كلامَه شرُّ الكلامِ، وكان هذا في عصرِه القريبِ مِن عصرِ النبوةِ، فكيفَ بالعصورِ التي بعده؟ ! وكلامُه صادقٌ على مَنْ تَرَكَ الأدلةَ مِن الكتابِ والسنةِ، وأَقبلَ إلى ما قاله إمامُه (^٤).\nالدليل الثاني عشر: جاءَ عن عبدِ الله بن عباس - ﵄ - قوله: (ويلٌ للأتباعِ مِن عثراتِ العالمِ). قيل له: وكيفَ ذلك؟ قال: (يقول العالمُ شيئًا\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (٣/ ٤٨٦ - ٤٨٧).\n(^٢) انظر: اللامذهبية للدكتور محمد البوطي (ص/ ٤٧).\n(^٣) أخرج أثر عمر بن الخطاب - ﵁ -: أبو زرعة الدمشقي في: تاريخه (١/ ٥٤٣)، برقم (١٤٧٠)؛ وابن حزم في: الإحكام في أصول الأحكام (٦/ ٩٧)؛ وأبو إسماعيل الهروي في: ذم الكلام وأهله (٤/ ٥)، برقم (٧١٧).\n(^٤) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ٩٨)، وإعلام الموقعين (٣/ ٤٥٨ - ٤٥٩).","vol":"2","page":841},{"text":"برأيه، ثم يجدُ مَنْ هو أعلم منه برسول الله - ﷺ -، فيترك قولَه ذلك، ثم تمضي الأتباعُ) (^١).\nوجه الدلالة: أنَّ عبد الله بن عباس - ﵄ - بيَّن أنَّ الويلَ لكاتب رأي العالمِ والآخذِ به؛ لأنَّ العالمَ قد يُغيّرُ رأيه إذا بلغَه دليلٌ يخالفُ قولَه الأولَ، وقد يبقى بعضُ أتباعِه على رأيه الأولِ المخالفِ للدليلِ (^٢).\nالدليل الثالث عشر: يقولُ عبدُ الله بن مسعودِ - ﵁ -: (لا يقلدنَّ أحدُكم دينَه رجلًا إنْ آمنَ آمنَ، وإنْ كَفَرَ كَفَرَ؛ فإنَّه لا أسوةَ في الشرِّ) (^٣).\nمناقشة الدليل الثالث عشر: أنَّ في أثرِ عبد الله بن مسعود - ﵁ - ضعفًا (^٤).\nويمكن أن يضاف إلى المناقشة وجهان آخران:\nالوجه الثاني: وَرَدَ الأثرُ بلفظٍ آخر - وقد تقدم ذكرُه في أدلةِ أصحابِ القولِ الأول - دالٍّ على خلافِ قولِكم.\nالوجه الثالث: على فرضِ التسليمِ بالأثرِ؛ فإنَّ قولَه - ﵁ - موجّه إلى المجتهدين، فلا يجوزُ لهم التقليدُ؛ لقدرتِهم على معرفةِ الحكمِ بالنظرِ في الأدلةِ.\nالدليل الرابع عشر: يقولُ عبدُ الله بن مسعود - ﵁ -: \"الإمعةُ فيكم\n_________\n(^١) أخرج أثر عبد الله بن عباس - ﵄ -: ابن حزم في: الإحكام في أصول الأحكام (٦/ ٩٩)؛ وابن عبد البر في: جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٨٤)، برقم (١٨٧٧)؛ والخطيب البغدادي في: الفقيه والمتفقه (٢/ ٢٧)، برقم (٦٤٧)؛ والبيهقي في: المدخل إلى السنن، باب: ما يخشى من زلة العالم في العلم أو العمل (٢/ ٢٨٨ - ٢٨٩)، برقم (٨٣٥ - ٨٣٦).\n(^٢) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ١٠٠)، وجامع بيان العبم وفضله لابن عبد البر (٢/ ٩٨٤)، وإعلام الموقعين (٣/ ٤٥٥)، وإيقاظ همم أولى الأبصار للفلاني (ص/ ٣٧).\n(^٣) تقدم تخريج أثر ابن مسعود - ﵁ - في: (ص / ٨٠٦).\n(^٤) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ٩٧).","vol":"2","page":842},{"text":"المُحْقِب دينه الرجال) (^١).\nوجه الدلالة: أنَّ ابنَ مسعود - ﵁ - بيّنَ أن الإمعةَ هو المقلِّدُ، الذي يجعل دينَه تابعًا لغيرِه (^٢).\nمناقشة الدليل الرابع عشر: يمكن أن يناقش الدليل: بالوجهِ الثالثِ المذكورِ في مناقشةِ الدليلِ الثالثِ عشرِ.\nالدليل الخامس عشر: جاءَ عن الأئمةِ الأربعةِ وغيرِهم النهيُّ عن تقليدِهم، وذمُّ مَنْ أَخَذَ أقوالَهم دونَ معرفةِ أدلتِها، فمَنْ قلَّدَهم فقد عصاهم (^٣)، وبناءً عليه: يكونُ تقليدُ المتمذهبِ لإمامِه محرِّمًا عليه تقليدَه! لأنَّ إمامَه نهاه عنه، فإنْ كان مقلِّدًا لجميعِ مذهبِه - والمنعُ مِنْ تقليدِه مِنْ مذهبِه - فهّلا أَخذَ بهذا النهي؟ ! (^٤).\nيقولُ الإمامُ أبو حنيفةَ: \"لا يحلُّ لمنْ يفتي مِنْ كتبي أنْ يفتي حتى يعلم مِنْ أينَ قلتُ؟ \" (^٥).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في: (ص/ ٨٤٢).\n(^٢) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ٦٨)، وإعلام الموقعين (٣/ ٥٣٨، ٥٧٣)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ٣٦ - ٣٧).\n(^٣) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ١٢٣)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/ ١٢١١ - ٢١٢)، وإعلام الموقعين (٣/ ٤٦٩، ٤٨٤)، وتحفة الأنام للسندي (ص/ ١٦٩)، وإرشاد النقاد للصنعاني (ص/ ١٤٢ وما بعدها)، ومنحة الغفار له (١/ ١٢٤)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ١٢٦)، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ١٣٥، ٢١٦)، وهداية السلطان إلى مسلمى بلاد اليابان للمعصومي (ص / ٥٩ - ٦٠)، وأضواء البيان (٧/ ٥٧٣ - ٥٧٦)، وحياة الألباني لمحمد الشسباني (١/ ٤١٨)، وبدعة التعصب المذهبي لعباسي (ص/ ٥٥ - ٥٨، ٩٧ - ١٠٠)، والمدخل في الفقه الإسلامي للدكتور محمد شلبي (ص / ٢٠٧ - ٢٠٩).\n(^٤) انظر: إعلام الموقعين (٣/ ٤٨٦ - ٤٨٧)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ٣١٦) ط/ دار الفح، والدين الخالص للقنوجي (٤/ ٢٨١).\n(^٥) ذكر ابن عبد البر قول الإمام أبي حنيفة مسندًا في: الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة (ص/ ٢٦٧). ونقل قول الإمام أبي حنيفة ابنُ القيم في: إعلام الموقعين (٣/ ٤٨٨)، وصالحٌ الفلاني في: إيقاظ همم أولي الأبصار (ص/ ١٥٣ - ١٥٤)، (ص/ ٣١٧) ط/ دار الفتح.","vol":"2","page":843},{"text":"ويقولُ أبو يوسفَ: \"لا يحلُّ لأحدٍ أنْ يقولَ بقولِنا حتى يعلم مِنْ أين قلناه؟ \" (^١).\nوقال الهيثم بن جميل (^٢) للإمامِ مالكٍ: إنَّ عندنا قومًا وضعوا كتبًا، يقولُ أحدُهم: حدثنا فلانٌ عن فلانٍ عن عمر بن الخطاب بكذا، وحدثنا فلانٌ عن إبراهيم بكذا، ونأخذُ بقولِ إبراهيمَ. قالَ مالكٌ: \"صحَّ عندهم قولُ عمر؟ \". قلتُ: إنَّما هي روايةٌ كما صحَّ عندهم قولُ إبراهيمَ. قال مالكٌ: \"هؤلاء يستتابون! \" (^٣).\nويقولُ الإمامُ الشافعي: \"مَثَلُ الذي يطلبُ العلمَ بلا حجّةٍ كمَثَلِ حاطبِ ليلٍ، يحمل حُزمةَ حطبٍ، وفيه أفعى تلدغه، وهو لا يدري\" (^٤).\nويقولُ المزنيُّ في مقدمةِ مختصرِه في الفقهِ الشافعي: \"اختصرتُ هذا مِنْ علمِ الشافعي من معنى قولِه؛ لأُقَرِّبَه على مَنْ أرادَه، مع إعلامِيه نهيه عن تقليدِه، وتقليدِ غيرِه\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرج البيهقيُّ قولَ أبي يوسف في: المدخل إلى السنن (١/ ٢٣٥) برقم (٢٦٢). ونقل ابنُ القيم قول أبي يوسف في: إعلام الموقعين (٣/ ٤٧٠).\n(^٢) هو: الهيثم بن جميل البغدادي، أبو سهل الأنطاكي، كان إمامًا كبيرًا، حافظًا ثبتًا ثقة صاحب سنة صالحًا، جاء في ترجمته: أنه أفلس في طلب الحديث مرتين، تحول إلى أنطاكية، فاستقر بها، قال عنه الإمام أحمد: \"كان من أصحاب الحديث ببغداد ... \"، أخذ الحديث عن جماعة منهم: الإمام مالك، والليث بن سعد، توفي سنة ٢١٣ هـ. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٧/ ٤٩٠)، وتهذيب الكمال للمزي (٣٠/ ٣٦٥)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٩٦)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (١/ ٣٦٣)، وشذرات الذهب لابن العماد (٣/ ٦١).\n(^٣) أخرج قولَ الإمام مالك: ابنُ حزم في: الإحكام في أصول الأحكام (٦/ ١٢٠ - ١٢١).\n(^٤) أخرج قولَ الإمام الشافعي: ابنُ أبي حاتم في: آداب الشافعي (ص/ ١٠٠)؛ وأبو نعيم في: حلية الأولياء (٩/ ١٢٥)؛ والبيهقيُّ في: المدخل إلى السنن (١/ ٢٣٥ - ٢٣٦) برقم (٢٦٣).\nوقد وقد نقل أبو نعيم في: حلية الأولياء (٩/ ١٢٥) تفسير الربيع لقول الشافعي، فقال: \"يعني: الذين لا يسألون عن الحجة أين؟ يَكْتُب العلم، وهو لا يدري على غير فهم، فيكتب عن الكذاب، وعن الصدوق، وعن المبتدع، وغيره، فيَحْمِل عن الكذاب والمبتدع الأباطيلَ، فيصير ذلك نقصًا لإيمانه، وهو لا يدري\".\nوعلى هذا التفسير لا يحمل كلام الإمام الشافعي على من قلد إمامًا دون معرفة دليله.\n(^٥) مختصر المزني (١/ ١٢٢) مع شرحه الحاوي. ولما نقل ابنُ حزم في: الإحكام في أصول =","vol":"2","page":844},{"text":"ويقولُ الإمامُ أحمدُ: \"لا تُقلّدْ دينك أحدًا مِنْ هؤلاءِ ... \" (^١)، ويقولُ أيضًا: \"لا تقلدني، ولا تقلد مالكًا ولا الثوري ولا الأوزاعي، وخُذْ مِنْ حيثُ أخذوا\" (^٢).\nوهذا الكلامُ موجّهٌ إلى مَنْ لم يبلغْ رتبةَ الاجتهادِ؛ لعدمِ احتياجِ المجتهدِ إلى قولِهم (^٣).\nمناقشة الدليل الخامس عشر: لا شكَّ في أن هؤلاءِ الأئمة ممَّنْ يعظّمُ الكتابَ والسنةَ، ويوجبُ اتباعَهما، ولا ريبَ في أن على كلِّ طالب علمٍ أنْ يهتمَّ بالكتابِ والسنةِ، وأنْ يشتغلَ بتعلّمِهما، لكنَّ هذه الأقوالَ الَواردةً عن الأئمةِ مُوجّه إلى المجتهدين؛ لتمكنِهم مِنْ معرفةِ الحكمِ بدليلِه، وإلى مَنْ تأهلِ إلى النظرِ في الأدلةِ - وإنْ لم يرتقِ إلى درجةِ الاجتهادِ في الشريعةِ - لقدرتِه على استنباطِ الحكمِ مِن الكتابِ والسنةِ.\nأمَّا مَنْ لم يبلغْ هذه الدرجة، فإنَّ كلامَهم لا يتوجّه إليه البتة (^٤)؛ بدليل: أن كلامَهم موجهٌ إلى تلامذتِهم - وقد بلغ بعضُهم رتبةَ الاجتهادِ، وتأهّلَ كثيرٌ منهم إلى النظرِ في الأدلةِ - لحثِّهم على النظرِ في أقوالِهم،\n_________\n= الأحكام (٦/ ١٢٣) عبارة المزني تصرف فيها فجعل نهي الإمام الشافعي موجهًا إلى الناس.\nوقد اختلف علماء الشافعية في عود الضمائر في قوله: \"إعلاميه نهيه عن تقليده\". انظر: الحاوي للماوردي (١/ ١٣٨ - ١٣٩)، وخطبة الكتاب المؤمل لأبي شامة (ص/ ١١٠).\n(^١) نقل أبو داود قول الإمام أحمد في: مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (ص/ ٣٦٩). وانظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/ ٢١٢).\n(^٢) نقل قولَ الإمام أحمد: تقيُّ الدين بن تيمية في: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/ ٢١١ - ٢١٢)، وابنُ القيم في: إعلام الموقعين (٣/ ٤٦٩)، وفي: الروح (٢/ ٧٧٤)، وصالحٌ الفلاني في: إيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ٢٨١) ط/ دار الفتح.\n(^٣) انظر دراسات اللبيب لمحمد معين (ص/٩٣)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ٥٠).\n(^٤) انظر: حجة الله البالغة للدهلوي (١/ ٤٧٥)، والدرر السنية لابن قاسم (٤/ ٢١)، وشرح عقود رسم المفتي لابن عابدين (ص/ ٨٢)، وعمد التحقيق للباني (ص/ ٤٠)، وبلوغ السول لمحمد مخلوف (ص/ ٩٣)، ولزوم اتباع مذاهب الأئمة للحامد (ص/ ١٥).","vol":"2","page":845},{"text":"والبحثِ عن مآخذِها، ليأخذوا العلمِ عن بصيرةٍ (^١).\nيقولُ بدرُ الدّينِ الزركشي: \"إنَّما نهوا المجتهدَ خاصّةً عن تقليدِهم، دونَ مَنْ لم يبلغْ هذه الرتبة\" (^٢).\nويقولُ ابنُ رجب: \"مَنْ عَرَفَ ذلك - أيْ: الكتاب والسنة - وبَلَغَ النهايةَ مِنْ معرفتِه ... فهذا لا حجرَ عليه، ولا يتوجّه الكلامُ فيه، إنَّما الكلامُ في منعِ مَنْ لم يبلغْ هذه الغاية، ولا ارتقى إلى هذه النهايةِ، ولا فهم مِنْ هذا إلا النزرَ اليسير، كما هو حالُ أكثرِ أهلِ هذا الزمانِ\" (^٣).\nالدليل السادس عشر: يُقالُ للمتمذهبِ المقلِّدِ لإمامِه: هل لك حجّةٌ فيما ذهبتَ إليه في تقليدِك قول إمامِك؟ فإن قال: نعم، فقد أَبْطَلَ التقليدَ؛ لقيامِ الحجةِ على القولِ. وإنْ قال: لا. قيل له: فَلِمَ أرقتَ الدماءَ وأبحتَ الفروجَ دونَ حجةٍ؟ فإنْ قال: أنَا أعلمُ أنِّي مصيبٌ، وإنْ لم أعرف الحجةَ؛ لأنِّي قلَّدتُ إمامًا، وهو لا يقولُ قولًا إلا بحجةٍ خفيتْ عليَّ. قيل له: إذا جازَ تقليدُ معلمِك؛ لأنَّه لا يقولُ إلا بحجةٍ خفيتْ عليك، فتقليدُ معلّم معلّمِك أولى؛ لأنَّه لا يقولُ إلا بحجّةٍ خفيتْ على معلمِك، كما لم يقلْ معلمُك إلا بحجةٍ خفيتْ عليك. فإنْ قال: نعم، تَرَكَ تقليدَ معلّمِ معلّمِه، ومَنْ هو أعلى حتى ينتهي إلى أصحاب النبي - ﷺ -. وإن قال: لا. قيل له: كيفَ يجوزُ تقليدُ مَنْ هو أصغرُ وأقلُّ عِلْمًا، ولا يجوزُ تقليدُ مَنْ هو أكبرُ وأكثرُ علمًا؟ ! هذا تناقض. فإنْ قال: معلّمي وإنْ كانَ أصغر، فقد جَمَعَ عِلْمَ مَنْ هو فوقه إلى علمِه، فهو أبصرُ بما علمَ، وأعلم بما تَرَكَ. قيل له: وكذلك مَنْ تعلّمَ مِن معلمِك، فقد جَمَعَ عِلْم معلّمِك، وعلمَ مَنْ فوقه إلى علمِه، فيلزمك تقليده، وترك معلمِك (^٤).\n_________\n(^١) انظر: بلوغ السول لمحمد مخلوف (ص/ ٩٣)، وابن حزم - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٢٣٧ - ٢٣٨).\n(^٢) البحر المحيط (٦/ ٢٨٠). وانظر: العقد الفريد للسمهودي (ص/ ٥٧).\n(^٣) الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة (ص/ ٣٨ - ٣٩).\n(^٤) جاءت هذه المحاجة عن المزني، وقد ذكرها الخطيب البغدادي مسندة إلى المزني في: الفقيه =","vol":"2","page":846},{"text":"الدليل السابع عشر: أن هؤلاءِ المتمذهبين في أمورِ دنياهم لا يقلَّدون أحدًا، ولا يجرون معاملةً حتى يتأمّلونها، ويتقون الغبنَ فيها، وإذا كان هذا صنيعُهم في أمورِ دنياهم، فإنَّ أمورَ دينهم أولى أنْ لا يقلدوا فيها أحدًا (^١).\nالدليل الثامن عشر: أن التمذهبَ يؤدّي إلى مفاسد عدةٍ، منها:\n• التعصّبُ لقولِ إمامِ المذهب، والدفاعُ عنه بشتى السبل، وإذا خالفَ قولُ الإمامِ نصًّا مِن الكتاب أوَ السنةِ، انبرى أتباعُه في التكلَّفِ في ردِّ النصِّ، وإخراجِه عن دلالتِه، وَتحيلوا لدفعِه؛ ليصحَّ قولُ إمامِهم (^٢).\n• الوقوعُ في التفرقِ والاختلافِ في الدّينِ، وهذا التفرقُ هو شأنُ أتباعِ المذاهبِ (^٣).\n• عدمُ معرفةِ الأدلةِ التي تدلُّ على خلافِ مذهبِ الإمامِ؛ وذلك لاكتفائِهم به واقتصارِهم عليه، وتقليدهم إيّاه في كلِّ ما قالَ، وعدم النظرِ في الأدلةِ.\nيقولُ الفخرُ الرازي: \"قد شاهدتُ جماعةً مِن مقلّدةِ الفقهاءِ، قرأتُ عليهم آياتٍ كثيرةً مِنْ كتاب الله تعالى في بعضِ المسائلِ، وكانت مذاهبُهم بخلافِ تلك الآياتِ، فلمَ يقبلوا تلك الآيات، ولم يلتفتوا إليها، وبقوا\n_________\n= والمتفقه (٢/ ١٣٦ - ١٣٧). وانظر: جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (٢/ ٩٩٢ - ٩٩٣)، وإعلام الموقعين (٣/ ٤٦٢ - ٤٦٣)، وأضواء البيان (٧/ ٥٣٠).\n(^١) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ١٣٠)، وإعلام الموقعين (٤/ ٢٩).\n(^٢) انظر: إعلام الموقعين (٣/ ٤٩٠ - ٤٩١)، وإرشاد النقاد للصنعاني (ص/ ١٦٣ وما بعدها)، ودرة الغمام الرقيق لعبد الله التليدي (ص/ ٣١)، وسبيل الجنة لأحمد آل بوطامي (ص/ ٩٠ وما بعدها)، وبدعة التعصب المذهبي لعباسي (ص/ ٩٤)، والتقليد وأحكامه للدكتور سعد الشثري (ص/١٤٤).\n(^٣) انظر: إعلام الموقعين (٣/ ٥٢٤)، وتحفة الأنام للسندي (ص/ ٧١)، ودليل الطالب للقنوجي (ص/ ١٩٢)، وهداية السلطان إلى مسلمي بلاد اليابان للمعصومي (ص/ ٧٩)، وبدعة التعصب المذهبي لعباسي (ص/ ٩٤)، والتقليد وأحكامه للدكتور سعد الشثري (ص/ ١٤٤)، والتمذهب لليافعي (ص/ ١٣٨).","vol":"2","page":847},{"text":"ينظرون إليَّ! كالمتعجبِ، يعني: كيفَ تعملُ بظاهرِ هذه الآياتِ مع أن الروايةَ عن سلفنا وردتْ عَلى خلافِها؟ ! \" (^١).\nمناقشة الدليل الثامن عشر: إنَّ ما ذكرتموه مِن المفاسد هي مِن التعصّب المذهبي، وهذا ما نمنعُه، أمَّا التمذهب، فليس ما ذكرتم مِنْ لازمِه (^٢) - وإنْ كانَ أثرًا مِن آثارِه جاءَ مِنْ تطبيقِه على وجهٍ خاطئ - وبناءً عليه: فإنَّا لا نمنعُ التمذهبَ لوجودِ التعصبِ والافتراقِ، بلْ فمنعُ التعصبَ والافتراقَ، ونميّزُ بينه وبين التمذهبِ (^٣).\nومِنْ جهةٍ أخرى: فإنَّه لو وَقَعَ الافتراقُ والاختلافُ بين متبعي الدليلِ؛ لأيّ سببٍ، فهلْ يمكنُ لأحدٍ أنْ يمنعَ اتِّباعَ الدليلِ؛ لتفرقِ أصحابِه الذين يدّعون اتَباعَه؟ ! بالطبعِ لنْ يمنعَ، وإنَّما الذي يتوجه إليه المنعُ هو التفرقُ والاختلافُ فحسب.\nالدليل التاسع عشر: يُقالُ لأتباعِ المذاهب المقلدين لها: أكانَ الناسُ قبلَ أنْ يولدَ إمامُكم على هدىً، أم على ضلَالةٍ؟ ولا بُدَّ أن تُقِروا أنَّهم كانوا على هدى. فيُقال لكم: فما الذي كانوا عليه سوى اتِّباعِ القرآنِ والسنةِ، وتقديمها على كلِّ ما يخالفها؟ وإذا كان هذا هو الهدى، فليس ما عداه إلا الضلال. فإنْ قلتم: إنَّ إمامَنا سارَ على طريقِ الهدى، وسَلَكَ منهجَ السابقين. قيل لكم: مَنْ عداه مِن الأئمةِ، أشاركَ إمامكم في السيرِ على طريقِ الهدى، أم أن إمامَكم انفردَ بسلوكِ الطريقِ؟ فإنْ قلتم بالثاني، فهذا ضلالٌ مبينٌ. وإنْ قلتم بالأولِ، فكيفَ لكم قبول أقوالِ إمامِكم، وردّ أقوالِ غيرِه، حتى كأنَّ الصوابَ معه وحده؟ ! (^٤).\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب (١٦/ ٣٧). وقارن بإرشاد الطالبين إلى المنهج القويم للرازي (ص/ ٣٩٢).\n(^٢) انظر: أصول الفقه للدكتور عياض السلمي (ص/ ٤٨٣)، والتمذهب لليافعي (ص/ ١٣٩).\n(^٣) انظر: إمام الكلام للكنوي (ص/ ٣٤ - ٣٧).\n(^٤) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ١٤٢ - ١٤٣)، وإعلام الموقعين (٣/ ٤٨٧ - ٤٨٨)، وهداية السلطان إلى مسلمي بلاد اليابان للمعصومي (ص/ ٩٧).","vol":"2","page":848},{"text":"ويمكن أن يناقش الدليل التاسع عشر: بأنَّ هذا الدليلَ يدفعُ القولَ بوجوبِ التمذهبِ، ولا يقوى على منعِه إنْ كانَ المتمذهبُ غير متأهلٍ للنظرِ في الأدلةِ ومعرفةِ الراجحِ مِن الأقوالِ.\nالدليل العشرون: أنّ عدمَ التمذهبِ بمذهبِ واحدٍ هو الأصلُ، وهو الأيسرُ والأقربُ إلى الفهمِ (^١)، وفي التمذهبِ وقوعٌ في الحرجِ والشدةِ (^٢).\nالدليل الحادي والعشرون: أن التمذهبَ بمذهبٍ واحدٍ يجزُ إلى اتباعِ المجتهدين دونَ ذكرِ دليلِ قولِهم (^٣).\nالدليل الثاني والعشرون: أن في التمذهبِ انغلاقًا على علمِ مجتهدٍ واحدٍ، وتركًا لعلمِ غيرِه (^٤).\nالدليل الثالث والعشرون: أن في التمذهبِ بمذهبِ إمامٍ معيّنٍ إلحاقًا لغيرِ المعصومِ بالمعصومِ، وهذا لا يجوزُ؛ لأنَّ مَن تَبع مذهبًا فإنَّه يسوّي في واقعِ الأمرِ بينَ اتِّباعِ النبي - ﷺ - المعصومِ، واتِّباعِ الفقيه غير المعصومِ (^٥).\n• الموازنة والترجيح:\nتُعدُّ مسألة: (حكم التمذهبِ بأحدِ المذاهبِ الفقهيةِ الأربعةِ) مِنْ أعظمِ\n_________\n(^١) انظر: بدعة التعصب المذهبي لعباسي (ص/ ٩١)، والتقليد وأحكامه للدكتور سعد الشثري (ص / ١٤٣)، والاجتهاد والتقليد للدكتورة نادية العمري (ص/ ٣٢٢)، والتمذهب دراسة تأصيلية واقعية للدكتور عبد الرحمن الجبرين، مجلة البحوث الإسلامية، العدد: ٨٦ (ص/ ١٧٠).\n(^٢) انظر: أصول الفقه للدكتور وهبة الزحيلي (٢/ ١١٣٨)، والوجيز في أصول الفقه للدكتور محمد الزحيلي (ص / ٣٧٠)، وتبصير النجباء للدكتور محمد الحفناوي (ص/ ٢٣٦ - ٢٣٧)، وأصول الفقه للدكتور زكي شعبان (ص/ ٣٣٩).\n(^٣) انظر: التقليد وأحكامه للدكتور سعد الشثري (ص/ ١٤٣).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (ص/ ١٤٤).\n(^٥) انظر: جامع المسائل لابن تيمية، المجموعة الثامنة (ص/ ٤٣٩)، والتقليد وأحكامه للدكتور سعد الشثري (ص/ ١٤٣)، وبدعة التعصب المذهبي العباسي (ص/ ٩١)، والتمذهب دراسة تأصيلية واقعية للدكتور عبد الرحمن الجبرين، مجلة البحوث الإسلامية، العدد: ٨٦ (ص/ ١٧٠).","vol":"2","page":849},{"text":"المسائلِ التي حَصَلَ فيها نزاعٌ بين العلماءِ قديمًا وحديثًا، وأرى صعوبةً كبيرةً في إطلاقِ القولِ بترجيحِ أحدِ الأقوالِ في المسألةِ؛ لأنَّ المتمذهبين ليسوا على درجةٍ واحدةٍ، هذا من جهة.\nومِنْ جهةٍ أخرى: فإنَّ للتمذهبِ معنى واسعًا، قد يضيقُ عند بعضِ الناسِ؛ فيحارب المذاهبَ؛ بحجةِ محاربةِ التقليدِ المذهبي.\nوسأذكرُ الراجحَ في ضوءِ النقاطِ الآتيةِ، (وممَّا يجدرُ التنبيه إليه أن بعضَ النقاطِ التي سأذكرُها قد لا يكون لها تعلقٌ مباشرٌ بالمسألةِ، وقد ذكرتُها؛ لأهميتِها):\nالأولى: أن أيَّ دعوةٍ إلى نَبْذِ المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعةِ، أو نَبْذِ كتبِ الفقهِ وأصولِه؛ بحجّةِ أنَّها آراء علماء، وأنَّها تربي على تقديمِ الأقوالِ على الأدلةِ: دعوى مردودةٌ؛ إذ ليس كلُّ كتبِ الفقهِ وأصولِه بهذه الحالة، بلْ إنَّ كتبَ المذاهب الأساسية - إلا ما قلَّ - لا تخلو مِنْ ذكرِ الأدلةِ؛ فكتبُ المذاهب طريقٌ إلى معرفةِ أدلةِ المسائلِ (^١)، فالمذاهبُ الفقهيةُ مدارس فقهيةٌ لتفسيرِ النصوصِ الشرعيةِ، واستنباطِ الأحكامِ منها (^٢).\nيقولُ أبو إسحاقَ الشاطبي: \"إذا ثَبَتَ أن الحقَّ هو المعتبرُ، دونَ الرجالِ، فالحقُّ أيضًا لا يُعْرَف دونَ وساطتهم، بلْ بهم يُتوصلُ إليه، وهم الأدلةُ على طريقِه\" (^٣).\nالثانية: أن أيسرَ طريقٍ لتعلمِ الفقهِ وأصولِه هو التمذهبُ بأحدِ المذاهبِ الفقهية المتبوعة؛ لأنَّه أجمعُ الطرقِ وأحكمها، وأيسرها في\n_________\n(^١) من نماذج الدعوة إلى ترك كتب الفقهاء، وعدم الإفادة منها، ما يقوله مؤلِّف رسالة: (البيان والتفصيل في وجوب معرفة الدليل) (ص/ ١٥٦): \" ... نكتفي ببعض كتب الحنابلة التي خدع الكثير بالعكوف عليها والتفقه فيها، وأهملوا التفقه في السنة الصحيحة\".\n(^٢) انظر: سبيل الجنة لأحمد آل بوطامي (ص/ ٧٦)، والوجيز في أصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان (ص/ ٤١١).\n(^٣) الاعتصام (٣/ ٣٣٨).","vol":"2","page":850},{"text":"تحصيل هذين العلمين، فقد خَدَمَ أربابُ المذاهبِ مذاهبهم خدمةً فائقةً، وألَّفوا فيها كتبًا تختصرُ الطريقَ أمامَ الطالبِ، مع عنايتِهم بتحريرِ المسائلِ، والتفريقِ بين المتشابهاتِ، فمَنْ سَلَكَ طريقَ التمذهبِ، فقد ارتقى الدرجةَ الأُولى في العلمِ (^١).\nثمَّ يتدرجُ في العلمِ، ويجعل مسائل المذهب على ثلاثةِ أقسام كما ذَكَرَ ذلك تقيُّ الدين بن تيمية في نصيحتِه لمنْ جاءَه مريدًا ترك مذهبِه، وقد ذكرتُها في صدرِ المبحثِ.\nالثالثة: يمكنُ القولُ: إنَّ التمذهبَ سلاحٌ ذو حدين، فالتمذهبُ طريقٌ للتفقهِ والترقّي في العلمِ، وقد يصلُ بصاحبِه إلى درجةِ الاجتهادِ في الشريعةِ.\nوقد يكونُ التمذهبُ طريقًا إلى الانغلاقِ في دائرةٍ مذهبيةٍ ضيقةٍ، بعيدةٍ عن معرفةِ الأدلةِ، مقتصرةٍ على التقليدِ والجمودِ المذهبي.\nيقولُ القاضي عياض: \"يلزمُ طالب العلم في بدايتِه في درسِ ما أصّله الأعلمُ مِنْ هؤلاءِ - أي: المجتهدين - وفرّعه، وحفظُه ما ألَّفه وجمعه، والاهتداء بنظرِه في ذلك، والميل معه حيثُ مالَ ... فسبيله أنْ يقلِّدَ مَنْ\n_________\n(^١) انظر: بدعة التعصب المذهبي لعباسي (ص/ ١١٢ - ١١٣) فقد نقل عن الشيخ الألباني أن دراسة الفقه تكون بتعلمه عن طريق أحد المذاهب الأربعة، ثم يتدرج في العلم، واستثنى من توفر لهم المناخ الصحي العلمي، كسلفي دمشق، فلا حاجة لهم إلى دراسة الفقه عن طريق أحد المذاهب الأربعة.\nويقول الشيخ مقبل الوادعي في: تحفة المجيب (ص/ ٢٣٨ - ٢٣٩): \"أما الرجوع إلى زاد المستقنع، فأرى أن يرجع إلى كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ - ... وفرق كبير وبون شاسع بين كتاب ربنا وسنة نبينا محمد - ﷺ - وبين عبارات زاد المستقنع أو غيره من كتب الفقه! ... \". وكلام الشيخ مقبل وإن كان الباعث عليه الغيرة على نصوص الكتاب والسنة، إلا أن فيه تطويلًا للطريق أمام الطالب في سبيل تحصيل العلم.\nوانظر: بدعة التعصب المذهبي لعباسي (ص/ ٦٢) فقد قرر عدم منعه من دراسة الفقه على الطريقة المذهبية، بشرط عدم التعصب للمذهب، وفي: (ص/ ١٩٩) بيّن أن الكتب الفقهية المذهبية تحوي الانحرافات والعيوب والمآخذ والأخطاء والسخافات والحماقات!\nوكان الواجب عليه أن لا يعمم حكمه على كتب المذاهب، وأن يشير إلى خلو عدد منها من الانتقادات التي ذكرها.","vol":"2","page":851},{"text":"يُعرفُه أنَّ هذا هو الحقّ، حتى إذا أَدركَ مِن العلمِ ما قُيِّضَ له، وحصَّلَ منه ما قَسَمَ لله له، وأفلحَ وكان فيه محلٌ للنظرِ والاجتهادِ: انتقل إلى ذلك وأدركه\" (^١).\nالرابعة: أنَّ الذين حاربوا التمذهبَ، توجه كلامُهم في الأساسِ إلى محاربةِ التقليدِ المذهبي، والتقليدُ عندهم: أخذُ القولِ دونَ معرفةِ دليلِه.\nالخامسة: التعصّبُ المذهبي بكافّةِ صورِه وألوانِه غيرُ جائزٍ، والواجبُ الحذرُ منه، والتحذيرُ مِن الوقوعِ فيه، ولا بُدَّ مِن التفريقِ بينه وبين التمذهبِ.\nومَنْ أعطى إمامَه فوقَ المنزلةِ التي يستحقها، وجَعَلَ أقوالَه حاكمةً على الكتابِ والسنةِ، فقد وَقَعَ في التعصّبِ المذهبي المقيتِ (^٢).\nوليس يصحُّ المنعُ مِن التمذهبِ بحجةِ أنَّه تعصبٌ.\nالسادسة: أنَّ المصلحةَ لها أثرٌ في الترجيحِ في هذه المسألةِ - فالمصلحةُ دليلٌ مِن الأدلةِ - فقد يكون مِن المصلحةِ في قُطرٍ مِن الأقطارِ الإبقاءُ على التمذهبِ، وعلى قولِ إمامِ المذهبِ - أو ما استقر عليه المذهبُ - وذلك لتحقيقِ مصلحةٍ راجحةٍ في أقضيةِ الناسِ، وعدم خروجِهم إلى تتبعِ الرخصِ.\nويلحقُ بهذا، ما إذا كانَ العلماءُ في قطرٍ ما لم يطلعوا على المذاهبِ الأخرى، لعدمِ وصولِ مؤلفاتِ أربابِها إليهم، فيرونَ الإبقاء على ما عرفوه مِنْ مذهبِهم ممَّا لم يخالفْ دليلًا.\nيقولُ عبد الله العلوي: \"الظاهرُ أنَّ مذهبَ مالكٍ يتعيّن على جُل أهلِ المغربِ! إذ لا يكادُ يُوجدُ فيه أحدٌ يعرفُ فقهَ غيرِه مِن المذاهبِ الثلاثةِ الأخرى، ولا كتابَ مؤلِّفٍ في ذلك، وكذا يتعيّنُ مذهبُ أبي حنيفةَ في\n_________\n(^١) ترتيب المدارك (١/ ٦٣).\n(^٢) انظر: خطبة الكتاب المؤمل لأبي شامة (ص / ١٢٧)، وإمام الكلام للكنوي (ص/ ٣٤ - ٣٧)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ٢٠٧).","vol":"2","page":852},{"text":"أرضِ الرومِ؛ لما ذكِرَ\" (^١).\nويقولُ شاه ولي الله الدهلوي: \"إذا كان إنسانٌ جاهلٌ في بلادِ الهند أو بلادِ ما وراء النهرِ، وليس هناك عالمٌ شافعي ولا مالكي ولا حنبلي، ولا كتابٌ مِنْ كتبِ هذه المذاهبِ، وَجَبَ عليه أنْ يُقلِّدَ مذهبَ أبي حنيفةَ، وَيحْرُم عليه أنْ يخرجَ عن مذهبِه؛ لأنَّه حينئذٍ يخلعُ ربقةَ الشريعةِ، ويبقى سُدًا مُهْمَلًا\" (^٢).\nالسابعة: وهي متصلة بالسادسة: إذا كان لدى المتمذهب أهليةُ النظرِ في الأدلةِ، ومعرفة القولِ الراجحِ، لكنَّه نَشَأَ في بيئةٍ يغلبُ على أهلِها الالتزامُ بالمذهبِ، ومحاربةُ مَنْ يخرجُ عنه، ورأى أن المصلحةَ تقضي عدمَ معارضةِ أربابِ مذهبِه: فعليه الأخذُ بما ترجّحَ عنده، ثمَّ يسعى إلى تخريجِ الرأي الذي توصّلَ إليه على أصولِ مذهبِه أو فروعِه ما أمكن؛ لتتحققَ له مصلحتانِ: اتباعُ القولِ الراجحِ، وعدمُ مخاصمةِ أربابِ مذهبِه.\nالثامنة: إذا ترقّى المتمذهبُ في العلمِ، وتأهل إلى النظرِ في الأدلةِ، ومعرفةِ القولِ الراجح، أو تحقق له الاجتهَادُ الجزئي في بعضِ المسائلِ: فالواجبُ عليه اتباعُ ما ترجّح عنده في المسائلِ التي تَنْزِلُ به، أو التي يُستفتى عنها، أمَّا فيما عداهما فهو في فسحةٌ مِنْ أمرِه، إذا لم يكن هناك نصٌّ في المسألةِ، ولم يظهرْ له خطأٌ إمامِه (^٣).\nوإذا تبيّنَ للمتمذهب الذي لم يتأهلْ للنظرِ في الأدلةِ خطأ إمامِ مذهبِه، فعليه تركُ قولِه، واتباع الصوابِ الذي بانَ له (^٤).\n_________\n(^١) نشر البنود (٢/ ٣٥٢). وانظر: مراقي السعود إلى مراقي السعود (ص/ ٤٦٣)، ونثر الورود للشنقيطي (٢/ ٦٨٧ - ٦٨٨).\n(^٢) الإنصاف في بيان سبب الاختلاف (ص/ ٣٤).\n(^٣) انظر: منهاج السنة النبوية (٢/ ٢٤٤).\n(^٤) انظر: التمذهب - دراسة تأصيلية واقعية للدكتور عبد الرحمن الجبرين، مجلة البحوث الإسلامية، العدد: ٨٦ (ص/ ١٧٨).","vol":"2","page":853},{"text":"يقولُ الشيخُ محمد أبو زهرة: \"إنَّ أهلَ النظرِ والإدراكِ، ومَنْ توفرت عندهم أدواتُ الاجتهادِ، لا يسوغ لهم أنْ يقلّدوا إمامًا في كل ما يقولُه - أو كلّ ما قالَ وقرر - مِنْ غيرِ ترجيحٍ بدليلٍ على دليلٍ ... مَنْ يتبع ذلك الاتباع، فقد خالفَ الأئمةَ الأربعةَ في أقوالِهم؛ لأنَّهم دعوا إلى عدم الأخذِ بأقوالهم مِنْ غيرِ معرفةِ أدلتِهم\". (^١).\nالتاسعة: يسوغُ للمتمذهب إذا لم يتأهلْ إلى النظرِ في الأدلةِ، أو كانت عنده الأهليةُ، لكنَّه لم يتمَكن مِن النظرِ، أو نَظَرَ ولم يتوصلْ إلى الراجِحِ، أو ضاقَ عليه الوقتُ، أو غمضتْ عليه سبلُ الاستنباطِ (^٢): أنْ يأخذ بقولِ إمامِه - سواءٌ أعرفَ دليلَه أم لا - وذلك لجوازِ التقليدِ له في هذه الحالةِ.\nولشمسِ الدّينِ الذهبي كلامٌ جيّدٌ متصلٌ بمسألتنا، يقول: \"مَنْ بَلَغَ رتبةَ الاجتهادِ، وشَهِدَ له بذلك عدّةٌ من الأئمةِ، لم يسغ له أنْ يُقلّدَ، كما أن الفقيهَ المبتدئَ والعاميَّ الذي يحفظُ القرآنَ - أو كثيرًا منه - لا يسوغُ له الاجتهادُ أبدًا؛ فكيفَ يجتهدُ؟ ! وما الذي يقولُ؟ ! وعلامَ يبني؟ وكيفَ يطيرُ ولمَّا يُرَيّش؟ !\nوالقسم الثالث: الفقيهُ المنتهي اليقظُ الفَهِمُ المحدّثُ الذي قد حَفِظَ مختصرًا في الفروعِ، وكتابًا في قواعدِ الأصولِ، وقَرَأَ النحوَ، وشارك في الفضائلِ، مع حفظِه لكتابِ الله وتشاغلِه بتفسيرِه ... فهذه رتبةُ مَنْ بَلَغَ الاجتهادَ المقيّد، وتأهلَ للنظرِ في دلائل الأئمةِ، فمتى وَضَحَ له الحقُّ في مسألةٍ، وثبت فيها النصُّ، وعملَ به أحدُ الأئمةِ ... فليتبعْ فيها الحقَّ ... ولا يسعه فيها بعد قيامِ الحجةِ عليه تقليدٌ\" (^٣).\n_________\n(^١) ابن حزم - حياته وعصره (ص/ ٢٣٧ - ٢٣٨).\n(^٢) انظر: عمدة التحقيق للباني (ص/ ٦٧).\n(^٣) سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٩١).","vol":"2","page":854},{"text":"العاشرة: أن حصولَ أهليةِ النظرِ في الأدلةِ يتوقّفُ على وجودِ شروطِ الاجتهادِ الرئيسة (^١).\nالحادية عشرة: القولُ بوجوبِ التمذهبِ محلُّ نظرٍ؛ لعدمِ قيامِ الدليلِ المُوْجِبِ، ولقيامِ الإجماعِ على عدمِ لزومِ أخذِ أقوالِ مفتٍ واحدٍ في زمنِ الصدرِ الأولِ مِن الإسلامِ.\nالثانية عشرة: جُمْلةُ القولِ: إن التمذهبَ جائزٌ في الجملةِ.\nالثالثة عشرة: أنَّ وطأةَ الخصومةِ والنزاعِ بين المجوزين أو الموجبين للتمذهبِ، والمانعين منه تخفُّ في المسائلِ التي لم يَرِدْ فيها نصٌّ مِن الشارعِ؛ ذلك أن كثيرًا مِنْ أدلة المانعين للتمذهبِ تتكئُ على مخالفةِ المتمذهبِ للأدلةِ النقلية مِن الكتابِ والسنةِ، ويُشدّدون على مَنْ خالفها، أو أعرضَ عنها؛ اكتفاءً بما في مذهبِه.\nوهذا ما يدعو إلى ضرورةِ التفريقِ بين الشرعِ المنزَّلِ (^٢)، والشرعِ المؤوَّلِ (^٣)؛ فيجبُ على المتمذهبِ في الشرعِ المنزَّلِ أنْ يعرفَ حكمَ الله تعالى بدليلِه، فمتى وَجَدَ نصًّا مِن كتَابِ الله وسنةِ رسوله - ﷺ -، فهو المقدّمُ.\nأمَّا الشرعُ المؤوَّلُ، فالأمرُ فيه أخفُّ - كما لو يكن في المسألةِ نصٌّ أو كان ظاهرُ النصوصِ التعارض (^٤) - لأنَّه ممَّا يسوغُ اتباعُه، ولا يجب (^٥).\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢١٠)، والعقود الياقوتية لابن بدران (ص/ ١٥٩).\n(^٢) الشرع المنزَّل: هو الذي أنزله الله تعالى على رسوله - ﷺ -، فهو حكمه الذي لا حكم له سواه.\nانظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٢/ ٢٤٨)، والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان له (ص / ١٩٢)، والروح لابن القيم (٢/ ٧٧٤)، والطرق الحكمية له (١/ ٢٦٣).\n(^٣) الشرع المؤوَّل: أقوال المجتهدين المختلفة، التي لم يقولوا عنها: هذا حكم الله الذي يجب اتباعه. انظر: المصادر السابقة.\n(^٤) انظر: الرحلة إلى إفريقيا للشنقيطي (ص/ ١٥٢).\n(^٥) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٢/ ٢٤٨)، والروح لابن القيم (٢/ ٧٧٤).","vol":"2","page":855},{"text":"وفي نصيحةِ تقي الدّينِ بنِ تيميةَ المتقدمةِ لمنْ أرادَ تركَ مذهبِه ما يشهدُ لما ذكرتُه آنفًا.\nالرابعة عشرة: أن أخذَ قولِ العالمِ موجودٌ في زمنِ الصحابة - ﵃ -، يدلُّ عليه: قول طاووس: (إنِّي رأيتُ سبعين مِن أصحابِ رسول الله - ﷺ - إذا تدارؤوا في شيءٍ صاروا إلى قولِ ابنِ عباس) (^١).\nوفي أثرِ ابن عباس المتقدم، قول عروة له - وكان ابنُ عباس قد خالفَ أبا بكرٍ وعمر لثبوتِ سنةِ النبي - ﷺ - عنده -: (هما كانا أتبعَ لرسولِ الله - ﷺ - وأعلمَ منك).\nالخامسة عشرة: لا يتعارضُ ما قررتُه في حكمِ التمذهبِ في ضوءِ التفصيلِ السابقِ مع دعوةِ أهلِ العلمِ إلى الرجوعِ إلى المصدرين الرئيسين: الكتاب والسنةِ؛ لأنَّ التمذهبَ لا يتعارضُ مع معرفةِ الأدلةِ، وتركِ مذهب الإمامِ متى ما ظَهَرَ للمتمذهبِ رجحانُ غيرِه.\nيقولُ الشيخُ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: \"نحنُ في الفروعِ على مذهبِ الإمامِ أحمدَ بن حنبل، ولا ننكرُ على مَنْ قلَّدَ أحدَ الأئمةِ الأربعةِ ... إلا أنَّنا في بعض المسائل، إذا صحَّ لنا نصٌّ جليٌّ مِنْ كتابٍ أو سنةٍ غيرُ منسوخٍ ولا مخصص ولا معارض بأقوى منه، وقالَ به أحدُ الأئمةِ الأربعةِ: أخذْنا به، وتركنا المذهبَ\" (^٢).\nالسادسة عشرة: أن إيجابَ اتباع عالم بعينه، والدعوةَ إليه، وتحريمَ الخروجِ عن أقوالِه مِن التعصبِ المذهبي المذموم (^٣).\nالسابعة عشرة: أنَّ مَنْ تمذهبَ بمذهبٍ واحدٍ، واقتصرَ عليه، فإنَّه\n_________\n(^١) أخرج ابنُ سعد الأثرَ في: الطبقات الكبرى (٢/ ٣٦٧) بسند لا بأس به. وذكر قولَ طاووس: ابنُ الأثير في: أسد الغابة (٣/ ٢٩٣)، وابنُ حجر في: الإصابة (٤/ ١٤٨).\n(^٢) نقل كلامَ الشيخ عبد الله بن محمد: ابنُ قاسم في: الدرر السنية (١/ ٢٢٧).\n(^٣) انظر: الاتباع لابن أبي العز (ص/ ٧٩).","vol":"2","page":856},{"text":"يفوّتُ على نفِسه الاطلاعَ والإفادةَ من جهودِ العلماءِ المحققين مِن المذاهبِ الأخرى (^١).\n• سبب الخلاف:\nيظهرُ أن للخلافِ في المسألةِ عدة أسباب، وهي:\nالسبب الأول: حكمُ تقليدِ المجتهدِ الميت.\nولم أرَ لهذا السببِ أثرًا في أدلةِ المسألةِ، فلم يتكئْ عليه المانعون للتمذهبِ - في ضوءِ ما وقفتُ عليه من مصادر - إلا أن مَنْ تكلّم عن أثرِ الخلافِ في مسألةِ: (تقليد الميت) ذَكَرَ مسألة: التمذهب مِنْ جملةِ آثارِ الخلافِ، وقد تقدّم بيان ذلك في مسألةِ: (تقليد الميت) (^٢).\nالسبب الثاني: أيلحقُ المتمذهبُ بالمجتهدين، أم بالعوامِّ؟\nمَنْ رأى إلحاقَ المتمذهبِ بالمجتهدين مَنَعَه مِن التمذهبِ - التقليد المذهبي - وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الرابعِ.\nومَنْ رأى إلحاقَ المتمذهبِ بالعوامِّ جوّزَ له - أو أوجب عليه - التمذهبَ، وهذا ما سار عليه أصحابُ القولِ الأولِ، والقولِ الثاني (^٣).\nيقولُ أبو إسحاقَ الشاطبي: \"الثالث: - أي: من أحوال المكلفين - أنْ يكونَ غيرَ بالغٍ مبلغ المجتهديىن، لكنَّه يفهمُ الدليلَ وموقعَه، ويصلحُ فهمُه للترجيحِ بالمرجحاتِ المعتبرةِ في تحقيقِ المناطِ ونحوِه، فلا يخلو أنْ يُعْتَبر ترجيحُه ونظرُه، أو لا؟\nفإن اعتبرناه، صارَ مثلَ المجتهدِ ... والمجتهدُ إنَّما هو تابع للعلمِ الحاكمِ، ناظرٌ نحوه، متوجّهٌ شطره، فالذي يُشْبِهه كذلك.\nوإنْ لم نعتبرْه، فلا بُدَّ مِنْ رجوعِه إلى درجةِ العامي، والعاميُّ إنَّما\n_________\n(^١) انظر: بدعة التعصب المذهبي لعباسي (ص / ١٥٧).\n(^٢) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (١٢/ ٤٢٢)، وبلوغ السول لمحمد مخلوف (ص/ ٢٠).\n(^٣) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (١٢/ ٤٢٢).","vol":"2","page":857},{"text":"اتبع المجتهدَ مِنْ جهةِ توجهه إلى صوب العلمِ الحاكمِ، فكذلك مَنْ نُزِّلَ منزلتَه\" (^١).\nالسبب الثالث: هلْ يدخلُ المتمذهبُ في عموم الأدلةِ الدالةِ على جوازِ التقليدِ؟\nمَنْ رأى أن المتمذهبَ يدخلُ في عمومِ أدلةِ جوازِ التقليدِ، جوّزَ - أو أوجبَ - التمذهبَ، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الأولِ، وأصحابُ القولِ الثاني.\nومَن رأى عدمَ دخولِ المتمذهبِ في عمومِ أدلةِ جوازِ التقليدِ، مَنَعَ التمذهبَ، وقَصَرَ الأدلةَ على العامي الصرفِ، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الرابعِ.\nالسبب الرابع: هلْ أخذُ أقوالِ العالمِ دونَ معرفةِ دليل قولِه مِن التعصّبِ؟\nمَنْ رأى أن أخذَ أقوالِ العالمِ دونَ معرفةِ دليلِ قولِه ليس مِنْ قبيلِ التعصب، جوَّزَ - أو أوجبَ - التمذهبَ، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الأَول، وأصحابُ القولِ الثاني.\nومَنْ رأى أنَّ أخذَ أقوالِ العالمِ دونَ معرفةِ دليلِ قولِه مِن التعصبِ، مَنَعَ التمذهبَ، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الرابع (^٢).\nيقولُ شمسُ الدّينِ الذهبي: \"ما يتقيّد بمذهبٍ واحدٍ إلا مَنْ هو قاصرٌ في التمكنِ مِن العلمِ - كأكثرِ علماءِ زمانِنا - أو مَنْ هو متعصّبٌ\" (^٣).\nالسبب الخامس: هلْ في عدمِ الخروجِ عن أقوالِ إمامِ المذهبِ تنزيلٌ\n_________\n(^١) الاعتصام (٣/ ٣١٤ - ٣١٥).\n(^٢) انظر: التمذهب لليافعي (ص/ ١٤٠).\n(^٣) سير أعلام النبلاء (١٤/ ٤٩١). وانظر: خطبة الكتاب المؤمل لأبي شامة (ص / ١٣٨ وما بعدها).","vol":"2","page":858},{"text":"له فوقَ منزلتِه، ورفعٌ له إلى درجةِ الأنبياءِ؟\nمَنْ رأى أنَّه ليس في عدمِ الخروجِ عن أقوالِ إمامِ المذهبِ تنزيلٌ له فوقَ منزلتِه، ورفعٌ له إلى درجةِ الأنبياءِ، جوّزَ - أو أوجبَ - التمذهبَ، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الأولِ، وأصحابُ القولِ الثاني.\nومَنْ رأى أن في عدمِ الخروح عن أقوالِ إمامِ المذهب تنزيلًا له فوقَ منزلتِه، ورفعًا له إلى درجةِ الأنبياءِ، مَنَعَ التمذهبَ، وهذَا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الرابعِ (^١).\nيقولُ محمد حياة السندي: \"إنْ لم يقدرْ - أي: على معرفةِ القرآنِ والسنةِ - فعليه أنْ يُقلّدَ العلماءَ مِنْ غيرِ التزامِ مذهبٍ؛ لأنَّه يُشْبِه اتخاذه نبيًا\" (^٢).\nالسبب السادس: واقعُ بعضِ المتمذهبين مِنْ تعصّبِهم المقيتِ لأقوالِ إمامِهم، وردّ النصوصِ مِن الكتابِ والسنةِ؛ لمخالفتِها المذهبِ، وعدم الالتفاتِ إلى الأدلةِ الشرعيةِ إلا علَى سبيلِ الندرةِ (^٣)، وترك ردِّ ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنةِ (^٤)، والقول بإغلاقِ باب الاجتهادِ (^٥)، وغير ذلك من صور التعصبِ، الأمر الذي أورث عند بعضِ العلماءِ موقفًا شديدًا ضدّ هؤلاءِ المتمذهبين المتعصبين.\nالسبب السابع: هل كل مجتهد مصيب؟\nتُعدُّ مسألة: (التصويب والتخطئة) إحدى المسائلِ الأصوليةِ التي طال\n_________\n(^١) انظر: العلم الشامخ للمقبلي (ص/ ٣٨٩)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ٧٠)، وإيقاظ الوسنان لمحمد الحسني (ص/ ١١٦)، وبدعة التعصب المذهبي لعباسي (ص/ ٢٩٢، ٩١).\n(^٢) نقل كلامَ محمد السندي صالحٌ الفلاني في: إيقاظ همم أولي الأبصار (ص/ ٧٠).\n(^٣) انظر: بدعة التعصب المذهبي لعباسي (ص/ ٥٤).\n(^٤) انظر: قواعد الأحكام لابن عبد السلام (٢/ ٢٧٥).\n(^٥) انظر: العلم الشامخ للمقبلي (ص / ١٠٨).","vol":"2","page":859},{"text":"الحديثُ والخلافُ فيها، ولها أثرٌ في عددٍ مِن المسائلِ الأصوليةِ، ويمكن ردُّ الخلافِ في مسألةِ: (حكم التمذهب بأحد المذاهب الفقهية المتبوعة) إليها (^١)، وأشيرُ إلى أن هذا السببَ متمسكٌ لبعضِ العلماءِ، وإلا فإنَّ بعضَ القائلينَ بالتخطئةِ قد اختلفوا في مسألةِ: حكمِ التمذهبِ.\n• نوع الخلاف:\nيظهرُ أن الخلافَ بين الأقوالِ خلافٌ معنويٌّ، ويظهرُ أثرُه في نشوءِ مسألة أخرى، وهي: (الانتقال عن المذهب).\nفمَنْ رأى التمذهبَ - جوازًا أو وجوبًا - تحدّثَ عن مسألةِ: (الانتقال عن المذهب)، وبيَّنَ أحكامَها.\nومَنْ منعَ التمذهبَ ولم يره، فليس هناك ما يدعوه إلى الحديثِ عن مسألةِ: (الانتقال عن المذهبِ)؛ لأنَّه لا يرى التمذهبَ أصلًا.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: شرح غاية السول لابن المبرد (ص/ ٤٤٣).","vol":"2","page":860},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>المبحث الثالث: التمذهب بغير المذاهب الأربعة</span>\nتقدَّم لنا في المبحثِ السابقِ الحديثُ عن التمذهب بأحدِ المذاهبِ الفقهيةِ الأربعة، وقد ذكرتُ أنَّها التي كُتِبَ لها البقاءُ مِن الَمذاهبِ السنيةِ.\nوقد وُجِدَت على مرِّ العصورِ مذاهبُ فقهية لم يُكْتَبْ لها البقاءُ، بل اندثرتْ (^١)، ولم يبقَ مِنْ ذكرِها إلا ما دوّنه فقهاءُ المذاهب من أقوالِ أئمتها، وما نقلتُه بعض المصنفاتِ التي تُعْنَى بذكرِ أقوال السلفِ، وقد وُجِدَ لبعضِ أئمةِ هذه المذاهبِ مدوّناتٌ أسهمتْ في حفظِ أقوالِهم.\nوقد وُجِدَ أيضًا مذاهبُ فقهية أخرى باقية إلى يومِنا هذا، لكنَّها تنتسبُ إلى بعض الفرقِ التي شاب اعتقادَها كثيرٌ مِن البدعِ (^٢)، وهم بينَ مقلٍّ ومستكثرٍ.\n_________\n(^١) انظر: التشريع الإسلامي للدكتور عمر الجيدي (ص/ ٧٥).\n(^٢) تطلق البدعة في اللغة على معنين:\nالمعنى الأول: ابتداء الشيء وصنعه، لا عن مثال، ومنه قولهم: أَبْدَعْتُ الشيءَ فعلًا، أو قولًا، إذا ابتدأته لا عن سابق مثال.\nالمعنى الثاني: الانقطاع والكَلال، ومنه قولهم: أُبْدِعَت الراحلةُ، إذا كلَّت وعطبت. انظر: مقاييس اللغة، مادة: (بدع)، (١/ ٢٠٩ - ٢١٠)، والقاموس المحيط، مادة: (بدع)، (ص/ ٩٠٦).\nأما البدعة في الاصطلاح: فقد عُرِّفت بعدة تعريفات، منها:\n١ - تعريف أبي إسحاق الشاطبي في: الاعتصام (١/ ٤٧)، ذكر تعريفين للبدعة: التعريف الأول (على رأي من يرى أن البدعة تدخل العبادات والعادات): طريقةٌ في الدين مخترعةٌ، تضاهي الشريعة، يُقْصَد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية.\nالتعريف الثاني (على رأي من يرى اختصاص البدعة بالعبادات): طريقةٌ في الدين مخترعةٌ، تضاهي الشريعة، يُقْصَد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد. =","vol":"2","page":861},{"text":"في ضوءِ ما سَبَقَ، يمكنُ تقسيمُ التمذهبِ بالمذاهبِ الفقهيةِ - عدا المذاهب الأربعة المشهورة - إلى ثلاثةِ أقسام:\nالقسم الأول: التمذهب بمذهب مندثر.\nالقسم الثاني: التمذهب بالمذهب الظاهري.\nالقسم الثالث: التمذهب بمذهب فقهي لإحدى الفرق المبتدعة (^١).\nالقسم الأول: التمذهبُ بمذهبِ مندثرٍ.\nأشرتُ قبلَ قليلٍ إلى وجودِ مذاهب فقهية كانتْ قائمةً في عصرٍ مِن العصورِ، وكان لها أتباعٌ، إلا أنَّها اندثرتْ مع مرورِ الزمنِ، ولم يبقَ مِنْ ذكرِها إلا ما يُنقلُ مِن أقوال عن أئمتِها.\nوقبلَ حديثي عن حكمِ التمذهبِ بمذهبِ مندثرٍ أُنبّه إلى أمرين:\nالأمر الأول: حديثي هنا عن التمذهبِ بمذهبِ فقهي مندثرٍ، وليس عن تقليدِ إمامِ مذهبِ مندثرٍ في مسألةٍ مِن المسَائلِ.\nالأمر الثاني: لا يدخل في حديثي هنا: المجتهدُ؛ فقد أفردتُ لتمذهبِه مسألةً مستقلةً، وقد تقدمَ الحديثُ عنها.\nويحسنُ قبلَ الحديثِ عن حكمِ التمذهب بمذهب مندثرٍ ذكرُ أمثلةٍ لبعض المذاهبِ المندثرةِ، فمنها:\nأولًا: مذهب الإمام الأوزاعي.\nكان المذهبُ الأوزاعيُّ منتشرًا في الشامِ، وفي الأندلسِ، ولمَّا ظَهَرَ\n_________\n= ٢ - تعريف ابن رجب في: جامع العلوم والحكم (٢/ ١١٨): ما أُحْدِث ممَّا لا أصل له في الشريعة يدل عليه.\nوللتوسع في تعريف البدعة في الاصطلاح، انظر: حقيقة البدعة وأحكامها لسعيد الزهراني (١/ ٢٣٩ - ٢٨٢، ٣٥٢ - ٣٧٧)، وموقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء للدكتور إبراهيم الرحيلي (١/ ٨٩ - ٩٣)، والمبتدعة وموقف أهل السنة منهم للدكتور محمد يسري (ص / ١٦ - ٢٠).\n(^١) انظر: المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ١٩٠ - ١٩١).","vol":"2","page":862},{"text":"المذهبُ الشافعيُّ في الشامِ، انتقل أهلُه إليه، ولمَّا ظَهَرَ المذهبُ المالكي في الأندلسِ، انتقلَ أهلُه إليه (^١).\nولم يدوِّن الإمامُ الأوزاعيُّ مذهبَه، ولم يدوّن تلاميذُه آراءَه، ولم يهتموا بنشرِ مذهبِه (^٢)، ولذا لم يُكتبْ لمذهبِه البقاءُ (^٣).\nيقولُ القاضي عياض: \"غَلَبَ مذهبُ الأوزاعي على الشامِ، وعلى جزيرةِ الأندلس أولًا، إلى أنْ غَلَبَ عليها مذهبُ مالكٍ بعد المائتين، فانقطعَ منها\" (^٤).\nويقولُ تقيُّ الدين بن تيمية: \"ما زالوا - أيْ: أهل الشام - على مذهبِه - أي: مذهب الأوزاعي - إلى المائةِ الرابعة، بلْ أهلُ المغربِ كانوا على مذهبِه قبلَ أنْ يدخلَ إليهم مذهبُ مالكٍ\" (^٥).\nويقولُ شمسُ الدّينِ الذهبي: \"كان أهلُ الشامِ، ثمَّ أهلُ الأندلسِ على مذهب الأوزاعي مدةً مِن الدهرِ، ثمَّ فَنِيَ العارفون به، وبقي منه ما يُوجدُ في كتَبِ الخلافِ\" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (١/ ٦٤)، والديباج المذهب لابن فرحون (١/ ٦٢)، والفكر السامي لمحمد الحجوي (١/ ٣٦٦)، وتاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٢٦٦)، وفلسفة التشريع لمحمصاني (ص/ ٦٦)، والتشريع الإسلامي للدكتور عمر الجيدي (ص/ ٧٥)، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور محمد مدكور (ص/ ١٦٤)، والمدخل في الفقه الإسلامي للدكتور محمد شلبي (ص/ ٢٠٥)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ١٧٠)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور محمد موسى (ص/ ١٧٨)، والمذاهب الفقهية للدكتور محمد فوزي (ص/ ١٩٣)، والمدخل إلى التشريع الإسلامي للدكتور كامل موسى (ص/ ١٦٤)، والمدخل إلى دراسة الفقه للدكتور عبد الله الصالح (ص/ ١٨٨).\n(^٢) انظر: المدرسة الظاهرية للدكتور توفيق الإدريسي (ص/ ٩٧).\n(^٣) انظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ٩٢)، والمدخل الفقهي للدكتور خليفة با بكر وزملائه (ص/ ٢٩٥).\n(^٤) ترتيب المدارك (١/ ٦٦).\n(^٥) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/ ٥٨٣).\n(^٦) تذكرة الحفاظ (١/ ١٨٢). وانظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ٩٢)، والشريعة الإسلامية - تاريخها للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ٢٣٤)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور محمد موسى (ص/ ١٧٨).","vol":"2","page":863},{"text":"ثانيًا: مذهب الإمام سفيان الثوري.\nيقولُ ابنُ العمادِ (^١) عن سفيان الثوري: \"كانَ صاحبَ مذهبٍ\" (^٢).\nويقولُ القاضي عياضٌ عن مذهبِ الثوري: \"لم يكثرْ أتباعُ مذهبِه، ولم يَطُلْ تقليدُه، وانقطعَ عن قريبٍ\" (^٣).\nولعل القاضي يقصدُ إقليمًا مِن الأقاليمِ، أو بحسبِ ما انتهى إليه علمُه، إذ يقولُ تقيُّ الدّينِ بنُ تيميةَ (ت: ٧٢٨ هـ) عن مذهبِ الثوري: \"له مذهبٌ باقٍ اليومَ بأرضِ خراسانَ\" (^٤).\nويقولُ ابنُ رجبٍ: \"وُجِدَ في آخر القرنِ الرابعِ سفيانيون\" (^٥).\nوكان مذهبُه في الكوفة (^٦).\nوقد نُقِلَت بعضُ أقوال الثوري في كتبِ الخلافِ وفي الكتبِ التي\n_________\n(^١) هو: عبد الحي بن أحمد بن محمد العكري الدمشقي الصالحي، أبو الفلاح، المعروف بابن العماد، ولد في دمشق سنة ١٠٣٢ هـ أخذ العلم عن أعيان عصره من أهل دمشق والقاهرة وغيرهما، ورحل في سبيل الاستزادة منه، كان فقيهًا حنبليًا، أديبًا مؤرخًا منصفًا متفننًا، مائلًا إلى نظم الشعر، اشتغل بالتدريس، وانتفع به كثيرٌ من أهل عصره، من مؤلفاته: بغية أولي النهى في شرح غاية المنتهى، وشذرات الذهب في أخبار من ذهب، ومعطية الأمان من حنث الأيمان، توفي في مكة سنة ١٠٨٩ هـ. انظر ترجمته في: خلاصة الأثر للمحبي (٢/ ٣٣١)، والنعت الأكمل للغزي (ص/ ٢٤٠)، والسحب الوابلة لابن حميد (٢/ ٤٦٠)، والأعلام للزركلي (٣/ ٢٩٠)، وتراجم لمتأخري الحنابلة لابن حمدان (ص/ ١٤٤)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٢/ ٦٧)، وتسهيل السايلة لابن عثيمين (٣/ ١٥٧١).\n(^٢) شذرات الذهب (٢/ ٢٧٥).\n(^٣) ترتيب المدارك (١/ ٦٦). وانظر: الديباج المذهب لابن فرحون (١/ ٦٢)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ١٧١)، والتشريع الإسلامي للدكتور عمر الجيدي (ص/ ٧٦)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور محمد موسى (ص/ ١٧٩).\n(^٤) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/ ٥٨٣).\n(^٥) نقل ابنُ العماد قولَ ابن رجب في: شذرات الذهب (٢/ ٢٧٥). وانظر: إتحاف السادة المتقين للزبيدي (١/ ١٩١).\n(^٦) انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (١/ ٦٤)، والديباج المذهب لابن فرحون (١/ ٦٠).","vol":"2","page":864},{"text":"تُعنى بذكرِ أقوالِ الأئمةِ (^١).\nثالثًا: مذهب الإمام الليث بن سعد.\nعاصرَ مذهبُ الإمامِ الليث بن سعد مذهبَ الإمامِ الشافعي في مصر (^٢)، لكنْ لم يُكتب البقاءُ لمذهبِ الليثِ؛ وذلك لقلِّةِ أتباعِه، وعدمِ اهتمامِهم بنشرِ آراء إمامِهم (^٣).\nيقولُ الإمامُ الشافعي: \"الليثُ بن سعد أفقه مِنْ مالكٍ! إلا أن أصحابَه لم يقوموا به\" (^٤).\nرابعًا: مذهب الإمام محمد بن جرير الطبري.\nتلقَّى الإمامُ محمد بن جرير الطبري في بدءِ أمرِه مذهبَ الإمامِ الشافعي، وأَخَذَ أيضًا عن مذهبِ الإمامِ مالكٍ، ثمَّ انتحى لنفسِه مذهبًا (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الفكر السامي لمحمد الحجوي (١/ ٣٦٨)، والتشريع الإسلامي للدكتور عمر الجيدي (ص/ ٧٧)، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور محمد مدكور (ص/ ١٦٥)، والمدخل في الفقه الإسلامي للدكتور محمد شلبي (ص/ ٢٠٦)، والشريعة الإسلامية - تاريخها للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ٢٣٤)، والمذاهب الفقهية للدكتور محمد فوزي (ص/ ٢٠١)، والمدخل إلى دراسة الفقه للدكتور عبد الله الصالح (ص/ ١٨٨)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٢٨٣)، والمدخل إلى الفقه للدكتور محمود الطنطاوي (ص/ ٢٣٦).\n(^٢) انظر: المدخل لدراسة الفقه للدكتور محمد موسى (ص/ ١٧٩).\n(^٣) انظر: الفكر السامي لمحمد الحجوي (١/ ٣٦٩)، وتاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٢٧٢)، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور محمد مدكور (ص/ ١٦٥)، والمدخل في الفقه الإسلامي للدكتور محمد شلبي (ص/ ٢٠٥)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ١٧٣)، والشريعة الإسلامية - تاريخها له (ص/ ٢٣٧ - ٢٣٩)، والمذاهب الفقهية للدكتور محمد فوزي (ص/ ١٩٩)، والمدخل إلى الفقه للدكتور محمود الطنطاوي (ص/ ٢٣٦).\n(^٤) نقل قولَ الإمام الشافعي الذهبيُّ في: سير أعلام النبلاء (٨/ ١٥٦)، وتقيُّ الدين ين تيمية في: مجموع الفتاوى (٤/ ١٧٨).\n(^٥) انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (١/ ٦٤)، وسير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٧٥)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٧١٢). وانظر الخلاف في الإمام الطبري أهو مجتهد مستقل، أم مجتهد منتسب إلى المذهب الشافعي؟ في كتاب: الإمام الطبري شيخ المفسرين للدكتور محمد الزحيلي (ص/ ١٥٦ - ١٦٨).","vol":"2","page":865},{"text":"وقد انتشرَ مذهبُه في بغدادَ (^١)، وكان له أتباعٌ، لكنَّهم لم يكثروا، ولم تَطُلْ مدةُ مذهبِه (^٢)، واستمرَّ إلى منتصفِ القرنِ الخامسِ الهجري تقريبًا (^٣).\nيقولُ القاضي عياضٌ عن المذهبِ الطبري: \"انقطعَ أتباعُ الطبري بعدَ أربعمائة\" (^٤).\nوممَّا ميّزَ مذهبَ الإمامِ الطبري بقاءُ عددٍ مِن مؤلفاتِ إمامِه.\nوهناك مذاهبُ أخرى لم يُكتبْ لها البقاءُ، كمذهبِ الإمام النخعي، ومذهبِ الإمامِ عبد الله بن شبرمة (^٥)، ومذهبِ الإمامِ إسحاقَ بنِ راهويه (^٦).\nحكم التمذهب بمذهب مندثر:\nسأُبيّنُ حكمَ التمذهبِ بمذهبٍ مندثرٍ في ضوءِ الآتي:\n_________\n(^١) انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (١/ ٦٤).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (١/ ٦٦)، والديباج المذهب لابن فرحون (١/ ٦١).\n(^٣) انظر: الديباج المذهب لابن فرحون (١/ ٦٢)، والفكر السامي لمحمد الحجوي (١/ ٣٦٨)، وتاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٢٧١)، والتشريع الإسلامي للدكتور عمر الجيدي (ص/ ٧٦)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ١٧٢)، والشريعة الإسلامية - تاريخها له (ص/ ٢٣٤)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور محمد موسى (ص/ ١٨٢)، والمذاهب الفقهية للدكتور محمد فوزي (ص/ ١٤٧)، والمدخل الفقهي للدكتور خليفة بابكر وزملائه (ص/ ٢٩٦)، والمدخل إلى التشريع الإسلامي للدكتور كامل موسى (ص/ ١٦٥)، والمدخل إلى الفقه للدكتور محمود الطنطاوي (ص/ ٢٣٨).\n(^٤) ترتيب المدارك للقاضي عياض (١/ ٦٦). وانظر: الديباج المذهب لابن فرحون (١/ ٦٢).\n(^٥) هو: عبد الله بن شُبرمة بن الطفيل بن حسان بن المنذر الضبي الكوفي، أبو شبرمة، كان تابعيًا إمامًا في الفقه علامةً عالمًا ثقةً، عفيفًا شاعرًا كريمًا صارمًا، فقيه أهل العراق، وقاضي الكوفة، لم يكن مكثرًا من الحديث، توفي سنة ١٤٤ هـ. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٦/ ٣٣٧)، والتاريخ الكبير للبخاري (٥/ ١١٧)، وتهذيب الكمال للمزي (١٥/ ٧٦)، وسير أعلام النبلاء (٦/ ٣٤٧)، وميزان الاعتدال للذهبي (١/ ٢٥٢).\n(^٦) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/ ٤٠٢)، وسير أعلام النبلاء (٨/ ٩٢)، والفكر السامي لمحمد الحجوي (١/ ٣٦٨)، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور محمد مدكور (ص/ ١٦٥)، والمذاهب الفقهية للدكتور محمد فوزي (ص/ ١٤٤ وما بعدها)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٢٨٣)، والمدخل إلى أصول الفقه لموسى إبراهيم (ص/ ١٦٢)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور شوقي الساهي (ص/ ٢٠٧ وما بعدها).","vol":"2","page":866},{"text":"أولًا: مَنْ مَنَعَ التمذهبَ بأحدِ المذاهبِ الأربعةِ، فإنَّه يمنعُ التمذهبَ بمذهب مندثرٍ؛ لعدمِ الفرقِ بين المذهبِ القائمِ، والمذهبِ المندثرِ، هذا مِنْ جهةٍ.\nومِنْ جهةٍ أخرى: فإنَّ الأدلةَ التي استدلوا بها تعمُّ التمذهبَ بأيّ مذهبٍ دونَ استثناءٍ.\nثانيًا: لم أقفْ - فيما رجعتُ إليه مِن مصادر - على قولٍ نصَّ على جوازِ التمذهبِ بأحدِ المذاهبِ المندثرةِ.\nثالثًا: لم أقفْ لهذه المذاهبِ المندثرةِ على أصول فقهيةٍ مدوَّنةٍ في عصورٍ مبكرةٍ (^١).\nرابعًا: لا يختلفُ تقريرُ الحكمِ هنا عمّا قررتُه في مسألةِ: (التمذهب بمذهبِ الصحابي والتابعي)؛ لأنَّه إذا جوزنا التمذهبَ بمذهب مجتهدٍ ما، فإنَّه يجوزُ التمذهبُ بمذهبِ مجتهدٍ آخر؛ لعديم الفرقِ بينهما، فَهما مشتركانِ في وصفِ الاجتهادِ، فإذا جازَ التمذهبُ بمذهبِ الإمامِ مالكٍ مثلًا، فإنَّه يجوزُ التمذهبُ بمذهبِ الإمامِ الليثِ بنِ سعدٍ (^٢).\nيقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية: \"ليس في الكتابِ والسنةِ فرقٌ في الأئمةِ\n_________\n(^١) هناك بعض المحاولات الحديثة لإبراز أصول بعض الأئمة المندثرة مذاهبهم، منها:\n١ - أصول مذهب الإمام الأوزاعي من واقع فقهه وآثاره للدكتور علي الضويحي. والكتاب في أصله رسالة علميّة تقدم بها المؤلف إلى قسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، لنيل درجة الماجستير، بإشراف فضيلة الدكتور صبري معارك. وقد طبع الكتاب عام ١٤٢٥ هـ عن مؤسسة الرسالة، في مجلد واحد يقع في (٤٩٦) صفحة.\n٢ - فقه الحسن البصري ومنهجه الأصولي للدكتور حوري ياسين الهيتي. والكتاب في أصله رسالة علمّة تقدم بها المؤلف إلى كلية الفقه وأصوله، بالجامعة الإسلامية ببغداد، لنيل درجة الدكتوراه، بإشراف فضيلة الأستاذ الدكتور خالد الجميلي. وقد طبع الكتاب عام ١٤٢٩ هـ عن دار الكتب العلمة، في مجلد واحد، يقم في (٤٨٠) صفحة.\n(^٢) انظر: عمدة التحقيق للباني (ص/ ٨٦).","vol":"2","page":867},{"text":"المجتهدين بين شخصٍ وشخصٍ، فمالكٌ والليثُ بن سعد والأوزاعيُّ والثوريُّ، هؤلاءِ أئمةٌ في زمانِهم، وتقليدُ كلِّ منهم كتقليدِ الآخر\" (^١).\nخامسًا: لو أرادَ شخصٌ أن يتمذهبَ بمذهبٍ مندثرٍ، فإنَّه سيواجه صعوبةً كبيرةً؛ وذلك لعدمِ تدوينِ أصولِ هذه المذاهب، ولعدمِ وجودِ ثروةٍ فقهيةٍ مدوّنةٍ فيها، بحيثُ تنتظمُ منظومةً مذهبيةً متكاملةً.\nيقولُ شمسُ الدّينِ الذهبي عن المذاهب المندثرةِ: \"لم يبقَ اليومَ إلا هذه المذاهبُ الأربعةُ، وقلَّ مَنْ ينهضُ بمعرفتِها كما ينبغي، فضلًا عن أنْ يكونَ مجتهدًا\" (^٢).\nسادسًا: أغلبُ أقوالِ أئمةِ المذاهبِ المندثرةِ، أو كثيرٌ منها، موافقةٌ لأقوالِ المذاهبِ الأربعةِ؛ ولعلَّ مردّ هذا إلى تخرّجِ أئمةِ المذاهبِ - الباقية والمندثرة - مِنْ مدارس فقهيةٍ متقاربةٍ.\nوقد نَقَلَ تقيُّ الدّينِ بن تيميةَ عن أبي الحسنِ الكَرَجِي (^٣) - أحد أئمةِ الشافعيةِ مِن كتابِه: (الفصول في الأصول)، ولم يتعقبه - قولَه: \"ثمَّ اندرجتْ مذاهبُهم الآخرة - أي: المذاهب المندثرة - تحتَ مذاهبِ الأئمةِ المعتبرةِ، وذلك أن ابنَ عيينة كان قدوةً، ولكنْ لم يُصنّفْ في الذي كان يختارُه مِن الأحكامِ، وإنَّما صنّف أصحابُه: وهم الشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، فاندرج مذهبُه تحتَ مذاهبِهم.\n_________\n(^١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٠/ ٥٨٤)، و(٢٣/ ٣٩٨) فقد ورد نص كلامه في الموضعين.\n(^٢) سير أعلام النبلاء (٨/ ٩٢).\n(^٣) هو: محمد بن أبي طالب عبد الملك بن محمد الكرجي، أبو الحسن، ولد سنة ٤٥٨ هـ كان من فضلاء وقته، فقيهًا محدثًا مفتيًا، أديبًا شاعرًا، ثقةً زاهدًا ورعًا، أفنى عمره في جمع العلم ونشره، صنف تصانيف في التفسير وفي مذهب الشافعية، منها: الذرائع في علم الشرائع، والفصول في اعتقاد الأئمة الفحول، توفي سنة ٥٣٢ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الفقهاء الشافعية لابن الصلاح (١/ ٢١٥)، والعبر في خبر من غبر للذهبي (٢/ ٤٤٣)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٦/ ١٣٧)، وطبقات الشافعية للإسنوي (٢/ ٣٤٨)، وطبقات الشافعية لابن كثير (٢/ ٥٧١)، وشذرات الذهب لابن العماد (٦/ ١٦٥).","vol":"2","page":868},{"text":"وأمَّا الليث بن سعد، فلم يقمْ أصحابُه بمذهبِه ... إلا أن قولَه يوافق قولَ مالكٍ، أو قول الثوري لا يخطئهما، فاندرجَ مذهبُه تحتَ مذاهبِهم.\nوأمَّا الأوزاعي، فلا نَرى له في أعمِّ المسائلِ قولًا إلا ويوافقُ قولَ مالكٍ، أو قول الثوري، أو قول الشافعي، فاندرجَ اختيارُه أيضًا تحتَ اختيارِ هؤلاءِ، وكذلك اختيارُ إسحاق يندرجُ تحتَ مذهبِ أحمدَ؛ لتوافقِهما.\nفإنْ قيل: فمِنْ أينَ وقعتَ على هذا التفصيلِ والبيانِ في اندراجِ مذاهبِ هؤلاءِ تحتَ مذاهبِ الأئمةِ؟\nقلتُ: مِن التعليقةِ للشيخِ أبي حامدٍ الإسفراييني (^١)، التي هي ديوانُ الشرائعِ وأُمُّ البدائعِ في بيانِ الأحكامِ ومذاهب العلماءِ الأعلامٍ، وأصول الحجج العظام، في المختلف والمؤتلف ... وسمعتُ محمدَ بنَ طاهرٍ الحافظ (^٢) يقولُ: استنبط البخاريُّ في الاختيارات مسائلَ موافقةً لمذهبِ\n_________\n(^١) هو: أحمد بن ابي طاهر محمد بن أحمد الإسفراييني، ويعرف بابن أبي طاهر، ولد بإسفرايين بخراسان سنة ٣٤٤ هـ كان إمامًا في العلم، وبحرًا من بحوره، وأحد أعلام المذهب الشافعي وحفاظه، وشيخ مذهبه في زمانه، وإمام طريقة الشافعية العراقيين، فقيهًا أصوليًا، حسن النظر، جيد الفقه، عظيم الجاه عند الملوك والعوام، انتهت إليه الرئاسة ببغداد، وأربى على المتقدمين، من مؤلفاته: تعليقة في الفقه، وشرح مختصر المزني، وكتاب في الأصول، توفي سنة ٤٠٦ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (٦/ ٢٠)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ١١٧)، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي (٢/ ٢٠٨)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (١/ ٧٢)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ١٩٣)، والوافي بالوفيات للصفدي (٧/ ٣٥٧)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٤/ ٦١)، وطبقات الشافعية للإسنوي (١/ ٥٧)، والبداية والنهاية (١٥/ ٥٦٤)، وطبقات الشافية لابن هداية الله (ص/ ٤٢).\n(^٢) هو: محمد بن طاهر بن علي بن أحمد الشيباني أبو الفضل القيسراني المقدسي، ولد ببيت المقدس سنة ٤٠٨ هـ كان إمامًا حافظًا صدوقًا عالمًا محدثًا عارفًا بالصحيح والسقيم، حسن المعرفة برجال الحديث، رحالةً ظاهري المذهب، متصوفًا، ذا تصانيف، كَتَبَ ما لا يوصف كثرةً بخطه السريع، وصنف وجمع، وله أوهام في تصانيفه، من مؤلفاته: صفة التصوف، والمؤتلف والمختلف، وأطراف أحاديث مالك، والحجة على تارك المحجة، وتصحيح العلل، توفي سنة ٥٠٧ هـ. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ٢٨٧)، وسير أعلام النبلاء (١٩/ ٣٦١)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (٤/ ١٢٤٢) وميزان الاعتدال له (٣/ ٥٨٧)، والوافي بالوفيات للصفدي (٣/ ١٦٦)، ولسان الميزان لابن حجر (٧/ ٢١١)، وشذرات الذهب لابن العماد (٦/ ٣٥).","vol":"2","page":869},{"text":"أحمدَ وإسحاقَ\" (^١).\nوإنْ كان يعتري هذا الاستقراء ما يعتري أيّ استقراءٍ ناقصٍ، إلا أنَّه يُعطي معلومةً مهمةً.\nسابعًا: لم يأتِ مَنْ يقومُ على خدمةِ المذاهبِ المندثرةِ بتحريرِ أقوالِها، وتمييزِ ما ثَبَتَ عنِ إمامها، وما لم يثبتْ عنه، وما قاله ورَجَعَ عنه، ولم تجمع المسائل المنقولة عنه في أبواب، ولم تنقحْ ولم تهذبْ (^٢).\nوقد تقدمَ كلامُ شمسِ الدين الذهبي قبلَ قليلٍ.\nويقولُ ابنُ الصلاحِ: \"ليس له التمذهبُ بمذهبِ أحدٍ مِنْ أئمةِ الصحابةِ، وغيرِهم مِن الأولين، وإنْ كانوا أعلم وأعلى درجة ممَّنْ بعدهم؛ لأنَّهم لم يتفرغوا لتدوينِ العلمِ، وضبطِ أصولِه وفروعِه، وليس لأحدٍ منهم مذهبٌ مهذبٌ محرّرٌ مقرّرٌ\" (^٣).\nوما علّل به إمامُ الحرمين الجويني حينَ مَنَعَ التمذهبَ بمذهبِ الصحابي صادقٌ على المذاهبِ المندثرةِ (^٤).\nويدلُّ التعليلُ بعدمِ تحريرِ وتهذيبِ المذاهبِ المندثرة على أن منعَ التمذهبِ بها؛ لأمرٍ عرضي، وليس لأمرٍ ذاتي (^٥).\n_________\n(^١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٤/ ١٧٧ - ١٧٨).\n(^٢) انظر: عمدة التحقيق للباني (ص/ ٨٥).\n(^٣) أدب المفتي والمستفتي (ص / ١٦٢ - ١٦٣). وانظر الحديث عن عدم تحرير المذاهب المندثرة في: المجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٥٥)، وصفة الفتوى (ص/ ٧٢ - ٧٣)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/ ٥٨٤)، والتمهيد في تخريج الفروع على الأصول للإسنوي (ص/ ٥٢٧)، والرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة لابن رجب (ص/ ٣٤)، ونهاية المراد لعبد الغني النابلسي (ص/ ١٥)، وشرح عماد الرضا ببيان آداب القضا للمناوي (١/ ٢٩٣)، ونشر البنود (٢/ ٣٥٢)، ومراقي السعود إلى مراقي السعود (ص/ ٤٦٣)، ومختصر الفوائد المكية للسقاف (ص/ ٣٨)، ونثر الورود للشنقيطي (٢/ ٦٨٧).\n(^٤) انظر: البرهان (٢/ ٧٤٤)، والغياثي للجويني (ص/ ٤١٠ - ٤١١)، والمنخول (ص/ ٤٩٥).\n(^٥) انظر: عمدة التحقيق للباني (ص/ ٨٥).","vol":"2","page":870},{"text":"وأنبّه إلى أن بعضَ العلماءِ علّلَ عدمَ أخذِ أقوالِ المذاهب المندثرةِ بأنَّها نُقِلَت إلينا بطريقِ الآحادِ، ولا تحصلُ الطمأنينةُ بهذا النقلِ (^١).\nوهذا التعليلُ بمفردِه فيه نظرٌ؛ إذ أقوالُ النبي - ﷺ - تثبتْ بنقلِ الواحدِ، فكيفَ يُقالُ بثبوتِ قولِ النبي - ﷺ - بطريقِ الآحادِ - وهو أعظم شأنًا - وبعدمِ ثبوتِ قولِ العالمِ إذا نُقِلَ بطريقِ الآحادِ؟ !\nثامنًا: نصَّ غيرُ واحدٍ من الأصوليين على انحصارِ الحقِّ في أقوالِ المذاهب الأربعةِ - وليس حديثي هنا عن مسألةِ انحصارِ الحقّ فيها - ويرتبطُ القولُ بانحصارِ الحقّ في المذاهب الأربعةِ بمسألةِ: (حكم التمذهبِ بمذهبِ مندثرٍ)؛ لأنَّ القائلَ بانحصارِ الحَقِّ فيها لا يَرَى حاجةً إلى الأخذِ بقولِ إمامِ مذهبِ مندثرٍ، فضلًا عن التمذهبِ بمذهبِه والتزامه.\nيقولُ بدرُ الدّينِ الزركشي: \"وقد وَقَعَ الاتفاقُ بين المسلمين على أن الحقَّ منحصرٌ في هذه المذاهب - أي: المذاهب الأربعة - وحينئذٍ، فلا يجوزُ العملُ بغيرِها\" (^٢).\n_________\n(^١) انظر: نهاية المراد لعبد الغني النابلسي (ص/ ١٥).\n(^٢) البحر المحيط (٦/ ٢٠٩). وانظر: الإفصاح لابن هبيرة (٢/ ٣٤٣)، ورسالة الاجتهاد والتقليد لحمد بن معمر (ص/٨٢).\nوحكاية الاتفاق على انحصار الحق في المذاهب الأربعة محلَّ نظر؛ لوجود مَنْ قال بعدم انحصار الحق فيها، يقول تقي الدين بن تيمية في: منهاج السنة النبوية (٣/ ٤١٢): \"إنَّ أهل السنة لم يقلْ أحدٌ منهم: إنَّ إجماعَ الأئمة الأربعة حجةٌ معصومةٌ، ولا قال: إنَّ الحق منحصر فيها، وإنَّ ما خرج عنها باطل، بلْ إذا قال مَنْ ليس مِنْ أتباع الأئمة - كسفيان والأوزاعي والليث بن سعد ومَنْ قبلهم ومَنْ بعدهم من المجتهدين - قولًا يخالف قول الأئمة الأربعة: رُدَّ ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله\".\nوأنبه إلى أن أحمد الصاوي قال في: حاشيته على تفسير الجلالين (٣/ ٩) قولًا شنيعًا، وحاصله أنَّه لا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة، ولو وافق قولَ الصحابي والحديثَ الصحيح والآيةَ! فالخارج عن المذاهب الأربعة ضال مضل! وربما أداه إلى الكفر؛ لأنَّ الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر!\nوقد ردّ على الصاوي قوله الشنيع ودعواه الباطلة الشيخُ محمد الأمين الشنقيطي في: أضواء البيان (٧/ ٤٦٧ - ٤٧٦)، والشيخ أحمدُ آل بوطامي في: تنزيه السنة والقرآن (ص/ ١٧١ - ١٨٣).","vol":"2","page":871},{"text":"ويقولُ الحافظ ابنُ رجبٍ مستدلًا على لزومِ حصرِ الناسِ في المذاهبِ الأربعةِ: \"فإنَّ قالَ أحمق متكلِّفٌ: كيفَ يُحصرُ الناسُ في أقوال علماء مُعَينِين (^١)، ويُمْنَعُ مِن الاجتهادِ أو مِنْ تقليدِ غيرِ أولئك مِنْ أئمةِ الدَّينِ؟\nقيلَ له: كما جَمَعَ الصحابةُ - ﵃ - الناسَ على حرفٍ واحدٍ مِنْ حروفِ القرآنِ، ومنعوا الناسَ مِن القراءةِ بغيرِه في سائرِ البلدانِ؛ لمَّا رأوا أن المصلحةَ لا تتمُّ إلا بذلك، وأنَّ الناسَ إذا تُرِكوا يقرؤون على حروفٍ شتّى وقعوا في أعظمِ المهالكِ\" (^٢).\nوقد بيّن شمسُ الدّينِ الذهبي شأنَ اتفاقِ أئمةِ المذاهبِ الأربعةِ على حُكمٍ، فقالَ: \"لا يكادُ يُوجدُ الحقُّ فيما اتفق أئمةُ الاجتهادِ الأربعةِ على خلافِه، مع اعترافنا بأنَّ اتفاقَهم على مسألةٍ لا يكون إجماعَ الأمةِ، ونهابُ أنْ نجزمَ في مسألةٍ اتفقوا عليها بأنَّ الحقَّ في خلافِها\" (^٣).\nتاسعًا: يُفهمُ مِنْ كلامِ العلماءِ آنف الذِّكرِ أنَّ تركَ التمذهبِ بمذهبٍ مندثرٍ؛ لأمرين:\nالأمر الأول: أن المذهبَ المندثرَ لم يُحَرّرْ ولم يُهَذبْ ولم يُنَقحْ.\nالأمر الثاني: أن القولَ الراجحَ في الغالبِ لا يَعْدو المذاهبَ الأربعةَ.\nفي ضوءِ ما سَبَقَ، فالأَوْلى عدمُ التمذهب بمذهبٍ مندثرٍ؛ وأنَّ المرءَ إذا أرادَ أنْ يتمذهبَ بمذهبٍ فقهي، فالأَولىَ له أنْ يختارَ أحدَ المذاهب الأربعةِ؛ لتوافر العلماءِ على خدمتِها، بحيثُ يصبحُ المتمذهبُ بأحدِها على بصيرةٍ مِنْ أمرِ مذهبِه في الأصولِ والفروعِ.\n_________\n(^١) في المطبوع من: الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة (ص/ ٣٠): \"متعينين\"، وأثبت ما في نسخة أخرى كما في حاشية الكتاب.\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) سير أعلام النبلاء (٧/ ١١٧).","vol":"2","page":872},{"text":"القسم الثاني: التمذهب بالمذهب الظاهري.\nيعدُّ بعضُ الباحثين المذهبَ الظاهري مِن المذاهبِ المندثرةِ (^١)، فقدْ كانَ موجودًا في القرنين: الثالثِ والرابع الهجريين، بلْ كان رابعَ المذاهب الأربعة في المشرقِ حتى حلَّ محلَّه المذهبُ الحنبلي (^٢)، وقد استمرَّ المذهبُ الظاهري في المشرقِ إلى منتصفِ القرنِ الخامسِ الهجري تقريبًا (^٣).\nوازدهرَ آخر القرنِ السادسِ الهجري، وأول القرنِ السابع الهجري في شمالِ إفريقيا (^٤)، ثمَّ بَدَأَ بالاضمحلالِ (^٥)، وانقرضَ في القرنِ الثامنِ الهجري تقريبًا (^٦).\n_________\n(^١) انظر: تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٢٦٧)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ١٦٧)، والشريعة الإسلامية له (ص/ ٢٢١)، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور محمد مدكور (ص/ ١٦٣)، والمذاهب الفقهية للدكتور محمد فوزي (ص/ ١٩٠)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور محمد موسى (ص/ ١٨١)، والمدخل لدراسة الشريعة للدكتور عبد الكريم زيدان (ص/ ١٤٩)، والمدخل لدراسة الفقه لمحمد محجوبي (ص/ ٢١٣)، والمدخل للشريعة الإسلامية للدكتور أحمد الشافعي (ص/ ١٥٤)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور إبراهيم إبراهيم (ص/ ١٢٣)، والمدخل إلى الفقه للدكتور محمود الطنطاوي (ص/ ٢٣٧).\n(^٢) انظر: تاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة (ص/ ٥٣٥)، وابن حزم - حياته وعصره له (ص/ ٢٣١)، ومناهج الاجتهاد للدكتور محمد مدكور (ص/ ٧٠٢)، والمدخل للفقه الإسلامي له (ص/ ١٦١)، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور حسن الشاذلي (ص/ ٤٢٢)، والمدخل لدراسة الفقه لمحمد محجوبي (ص/ ٢١٦).\n(^٣) انظر: تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٢٦٨)، والتشريع الإسلامي للدكتور عمر الجيدي (ص/ ٧٦)، والمدرسة الظاهرية للدكتور أحمد بكير (ص/ ٦٦)، والمدخل إلى التشريع الإسلامي للدكتور كامل موسى (ص/ ١٦٤).\n(^٤) انظر: ابن حزم - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٤٤٦).\n(^٥) انظر: تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٢٦٨)، والمدرسة الظاهرية للدكتور أحمد بكير (ص/ ٦٦)، والمدخل إلى التشريع الإسلامي للدكتور كامل موسى (ص/ ١٦٤).\n(^٦) انظر: التشريع الإسلامي للدكتور عمر الجيدي (ص/ ٧٦)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ١٦٧)، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور محمد شلبي (ص/ ٢٠٦)، والمدخل إلى الفقه للدكتور محمود الطنطاوي (ص/ ٢٣٨).","vol":"2","page":873},{"text":"ويقولُ أبو محمدٍ القرشي الحنفي (ت: ٧٧٥ هـ) (^١) عن داودَ الظاهري: \"له أصحابٌ ينتحلونَ مذهبَه خَلَفًا عن سلفٍ إلى يومِنا هذا\" (^٢).\nويقولُ ابنُ خَلدون (ت: ٨٠٨ هـ): \"دَرَسَ مذهبُ أهلِ الظاهرِ اليومَ بدروسِ أئمتِه وإنكارِ الجمهورِ على منتحلِه، ولم يبقَ إلا في الكتبِ المجلّدةِ، ورُبَّما يعكفُ كثيرٌ مِن الطالبين - ممَّنْ تكلّفُ بانتحالِ مذهبِهم - على تلك الكتب، يَرُومُ أخذَ فِقْهِهم منها ومذهبهم، فلا يحلو بطائلٍ! ويصيرُ إلى مخالفةِ الجَمهورِ، وإنكارِهم عليه\" (^٣).\nوقد أثنى شمسُ الدّينِ الذهبي على مذهب داود الظاهري، فقالَ: \"لا بأسَ بمذهب داود، وفيه أقوالٌ حسنةٌ، ومتابعةٌ للنصوصِ، مع أن جماعةً مِن العلماءِ لَا يعْتَدّون بخلافِه\" (^٤).\n_________\n(^١) هو: عبد القادر بن محمد بن محمد بن نصر الله بن سالم بن أبي الوفاء، أبو محمد محيي الدين القرشي، ولد سنة ٦٩٦ هـ سمع وهو كبير، كان عالما حنفيًا فاضلًا جامعًا للعلوم، لازم الاشتغال بالفقه، فبرع فيه، تولى التدريس والإفتاء، من مؤلفاته: العناية في تخريج أحاديث الهداية، وشرح معاني الآثار، والجواهر المضية في طبقات الحنفية، والبستان في فضائل النعمان، وترتيب تهذيب الأسماء واللغات للنووي، توفي سنة ٧٧٥ هـ. انظر ترجمته في: إنباء الغمر لابن حجر (١/ ٨٦)، والدرر الكامنة له (٢/ ٣٩٢)، وتاج التراجم لقطلوبغا (ص/ ١٩٦)، والطبقات السنية للغزي (٤/ ٣٦٦)، وشذرات الذهب لابن العماد (٨/ ٤٠٩)، والفوائد البهية للكنوي (ص/ ١٢٨).\n(^٢) الجواهر المضية (٤/ ٥٤٧).\n(^٣) مقدمة ابن خلدون (٣/ ١٠٤٧ - ١٠٤٨).\n(^٤) سير أعلام النبلاء (٨/ ٩٢).\nونقل ابن حجر في: الدرر الكامنة (٤/ ٣٠٤) عن أبي حيان الأندلسي قوله: \"محال أن يرجع عن مذهب الظاهر من علق بذهنه\".\nوقد علق الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ) على كلام أبي حيان في: البدر الطالع (ص/ ٨٠٨)، فقال: \"ولقد صدق في مقاله؛ فمذهب الظاهر أول الفكر آخر العمل عند من مُنح الإنصاف، ولم يرد على فطرته ما يغيرها عن أصلها، وليس هو مذهب داود الظاهري وأتباعه فقط، بل هو مذهب أكابر العلماء المتقيدين بنصوص الشرع من عصر الصحابة إلى الآن، وداود واحد منهم، وإنما اشتهر عنه الجمود في مسائل وقف فيها على الظاهر، حيث لا ينبغي الوقوف، وأهمل من أنواع القياس ما لا ينبغي لمنصفٍ إهماله. وبالجملة فمذهب الظاهر هو العمل بظاهر الكتاب والسنة بجميع الدلالات، وطرح التعويل على محض الرأي الذي لا يرجع =","vol":"2","page":874},{"text":"ومع كلِّ ما سَبَقَ، فإنّي لم أجعل المذهبَ الظاهري ضَمنَ القسمِ الأول؛ وذلك للأسبابِ الآتية:\nالسبب الأول: انفرادُ المذهبِ الظاهري بتدوينِ فروعِه، وتدوينِ أصولِه على وجه الخصوصِ في وقتِ مبكرٍ، الأمر الذي ميّزَ المذهبَ الظاهري عن سائرِ المذاهب المندثرةِ بأصولِه وفروعِه المدونةِ.\nوقد كان هذا التدوين على يدِ الإمامِ ابنِ حزمٍ، إذ ألَّفَ عددًا مِن الكتب الأصوليةِ (^١): كـ (الإحكامِ في أصولِ الأحكامِ)، و(النبذِ في أصولِ فقهِ الظاهرية)، و(الصاح في الردِّ على مَنْ قال بالقياسِ) (^٢)، وكذلك ألَّفَ في فروعِ الظاهريةِ، كـ (المحلى)، وقد كان تطبيقُ أصولِ المذهبِ على فروعِه ظاهرًا (^٣).\nولا يخفى ما لتدوينِ أصولِ المذهبِ وفروعِه مِنْ أثرٍ في بقاءِ أقوالِه على مرِّ العصورِ (^٤).\nالسبب الثاني: انفرادُ المذهبِ الظاهري عن سائرِ المذاهبِ بآراء\n_________\n= إليهما بوجه من الوجوه، وأنت إذا أمعنت النظر في مقالات أكابر المجتهدين المشتغلين بالأدلة، وجدتها من مذهب الظاهر بعينه، بل إذا رزقت الإنصاف وعرفت العلوم الاجتهادية كما ينبغي، ونظرت في علوم الكتاب والسنة حق النظر: كنت ظاهريًا! أي: عاملًا بظاهر الشرع منسوبًا إليه لا إلى داود الظاهري، فإن نسبتك ونسبته إلى الظاهر متفقة، وهذه النسبة هي مساوية للنسبة إلى الإيمان والإسلام وإلى خاتم الرسل عليه أفضل الصلوات والتسليم ... \". وأنبه إلى أمرين: أولهما: في النص السابق أخطاء وزيادات فيه أصلحتها من فروقات النسخ الواردة في طبعة دار ابن كثير.\nثانيهما: فيما قاله الشوكاني في كلامه السابق ما يحتاج إلى دراسة مستقلة عن المذهب الظاهري، لينظر فيما ادعاه أيطابق واقع أكابر العلماء من عهد الصحابة إلى وقته؛ وإن كان يغلب على ظني بُعدما قاله.\n(^١) انظر: تاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة (ص/ ٥٧٨).\n(^٢) وكلها مطبوعة.\n(^٣) انظر: المدخل لدراسة الفقه لمحمد محجوبي (ص/ ٢١٤)\n(^٤) انظر: المدخل للفقه الإسلامي للدكتور محمد مدكور (ص/ ١٦١).","vol":"2","page":875},{"text":"أصوليةٍ، كقولِهم: بالأخذِ بظواهرِ النصوصِ، وعدمِ مشروعيةِ القياسِ (^١).\nالسبب الثالث: وجود أفرادٍ قليلين في العصر الحديثِ ينتحلون المذهبَ الظاهري (^٢).\nويمكن بيان حكم التهذهب بالمذهب الظاهري في ضوء الآتي:\nأولًا: للتمذهبِ بالمذهبِ الظاهري صورتانِ:\nالصورة الأولى: التزامُ أقوالِ الظاهريةِ: الأصولية والفروعية، وعدمُ الخروجِ عنها في الجملةِ، وقد يصحبُ الالتزامَ معرفة الدليلِ في بعضِ المسائلِ.\nوهذه الصورة مِن الالتزامِ لا تُقرّها أصولُ المذهبِ الظاهري، ولا يجوّزها أئمتُه، ويكون الملتزمُ بالمذهبِ الظاهري في هذه الحالةِ مرتكبًا لما نهاه عنه أئمةُ مذهبِه، ومناقضًا لأصلٍ مِنْ أصولِه، وهو منعُ التزامِ أقوال مذهبٍ بعينِه.\nيقولُ ابنُ حزمٍ: \"أمَّا أصحابُ الظاهر، فهم أبعدُ الناسِ مِن التقليدِ، فمَنْ قلّدَ أحدًا ممنْ يدّعي أنَّه منهم، فليسَ منهم! ولم يُعْصمْ أحدٌ مِن الخطأِ\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: المدرسة الظاهرية للدكتور أحمد بكير (ص/ ٢٢ وما بعدها).\n(^٢) انظر: تاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٢٨٥). ومن الظاهرية المعاصرين: أبو تراب الظاهري، وأبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري، ومحمد شويل، ومحمد المنتصر الكتاني، وسعيد الأفغاني. انظر: ابن حزم خلال ألف عام لابن عقيل الظاهري (١/ ١٥٣)، وتحرير بعض المسائل على مذهب الأصحاب له (ص/ ١٠٤)، والمدرسة الظاهرية للدكتور توفيق الإدريسي (ص/ ٩١٣ وما بعدها).\n(^٣) الإحكام في أصول الأحكام (٢/ ١٢٠). ويقول أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري في كتابه: ظاهري بالفطرة (ص/ ٩) حاشية (٢): \"الانتساب إلى الظاهرية - أو أهل الظاهر - تقليد؛ لأنه انتساب إلى إمام بعينه ... والانتساب إلى الظاهر العقلي واللغوي المأخوذ من خطاب الشرع انتساب إلى أصول معيارية يُقِرُّها العقل الإنساني المشترك، فيوزن بها كل مذهب\". وانظر: تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٤٥).","vol":"2","page":876},{"text":"وإنْ كانَ ظاهرُ حالِ من يلتزمُ المذهبَ الظاهري، أنَّه ظاهري؛ إلا أن أصولَ المذهبِ تردُّ نسبته إليهم.\nالصورة الثانية: التزامُ أصولِ المذهب الظاهري - وأهمّها القولُ بالظاهرِ، وعدم تعليلِ نصوصِ الكتاب والسنةِ، ونفي القياسِ - مَعَ القناعةِ برجحانها عن حُجَّةٍ وبرهانٍ، ثمّ تطبيقَ هذه الأصول على الفروعِ الفقهيةِ، سواءٌ أوافقَ علماء المذهبِ الظاهري، أم خالفَهم.\nوهذه الصورة هي التي يُسمّى صاحبُها ظاهريًا، وما سأذكرُه في النقاطِ الآتيةِ منصبٌ على الصورةِ الثانيةِ.\nثانيًا: إنْ كانَ سببُ الأخذِ بالمذهب الظاهري هو النظرُ والاجتهادُ والقناعةُ به، فلا ملامةَ في هذه الحالِ؛ لأنَّ الواجبَ أنْ يتبعَ العالمُ ما ترجّحَ عنده.\nثالثًا: جاءَ عن بعضِ الظاهريةِ أقوالٌ شنيعة في بعضِ المسائلِ الفقهيةِ نفرَّت العلماءَ عن مذهبِهم (^١)، بلْ نقل القاضي عياضٌ عن بعضِ العلماءِ أن مذهبَ داود بدعةٌ ظَهَرَتْ بعدَ المائتين! (^٢).\nوأيًّا كان الدافعُ لهذا القولِ، إلا أنَّ فيه محاربةً قويةً للمذهبِ الظاهري.\nوقد نَقَلَ ابنُ حجر (^٣)\n_________\n(^١) انظر: العواصم من القواصم لابن العربي (ص/ ٢٥٧ وما بعدها)، وتاريخ المذاهب الإسلامية لأبي زهرة (ص/ ٥٣٠، ٥٣٢).\n(^٢) انظر: المعيار المعرب للونشريسي (٢/ ٤٩١). وقد يكون سبب وصف داوود الظاهري بالبدعة ما جاء عنه مِنْ قولِه: \"إن لفظي بالقرآن مخلوق\". انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٣/ ٤١٠)، وميزان الاعتدال للذهبي (٢/ ١٤)، وسير أعلام النبلاء (١٣/ ١٠٠)، ولسان الميزان لابن حجر (٣/ ٤٠٦).\n(^٣) هو: أحمد بن علي بن محمد بن حجر الكناني العسقلاني، أبو الفضل شهاب الدين، المعروف بابن حجر، ولد بمصر سنة ٧٧٣ هـ كان علامةً إمامًا في علم الحديث، وأحد كبار =","vol":"2","page":877},{"text":"عن ابنِ أبي حاتمٍ الرازي (^١) قولَه عن داودَ إمامِ الظاهريةِ: \"نَفَى القياسَ، وألَّف في الفقهِ على ذلك كتبًا شَذَّ فيها عن السلفِ، وابتدعَ طريقةً هَجَرَه أكثرُ أهلِ العلمِ عليها ... رأيُه أضعفُ الآراءِ، وأبعدُها عن طريقِ الفقهِ، وأكثرها شذوذًا\" (^٢).\nويقولُ تقيُّ الدّينِ بنُ تيمية عن ابنِ حزمِ: \"وأبو محمد مع كثرةِ علمِه وتبحّرِه، وما يأتي به من الفوائدِ العظيمةِ، له مِن الأقوالِ المنكرةِ الشاذّةِ ما يعجبُ منه، كما يعجب ممَّا يأتي به من الأقوالِ الحسنةِ الفائقةِ\" (^٣).\nرابعًا: كل مَنْ لا يرى جوازَ الخروجِ عن المذاهبِ الأربعةِ، وأنَّ الحق منحصرٌ فيها، فإنَّه لا يجوّزُ التمذهبَ بالمذهبِ الظاهري.\nخامسًا: جاءَ عن بعضِ العلماءِ النصُّ على عدمِ الاعتدادِ بخلافِ\n_________\n= حفاظ زمانه، عالمًا بالرجال، بارعًا في الجرح والتعديل، وحامل لواء السنة النبوية، شافعي المذهب، وقد تولى القضاء والتدريس، وانتفع به الناس، وله مصنفات كثيرة مشهورة، من مؤلفاته: فتح الباري شرح صحيح البخاري، والتلخيص الحبير، وتهذيب التهذيب، ولسان الميزان، والإصابة في تمييز الصحابة، توفي سنة ٨٥٢ هـ. انظر ترجمته في: الضوء اللامع للسخاوي (٢/ ٣٦)، ووجيز الكلام له (٢/ ٦٢٢)، والذيل على رفع الأصر له (ص/ ٧٥)، ودرة الحجال لابن القاضي (١/ ٦٤)، وشذرات الذهب لابن العماد (٩/ ٣٩٥)، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ ١٠٣).\n(^١) هو: عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران الحنظلي الغطفاني التميمي، أبو محمد، ولد سنة ٢٤٠ هـ وقيل: ٢٤١ هـ كان علامةً حافظًا ثقةً بحرًا لا تكدره الدلاء، بلغ الغاية في معرفة علل الحديث ورجاله، كساه الله نورًا وبهاءً، يَسُرُّ من نظر إليه، رحل في طلب الحديث إلى البلدان مع والده، من مؤلفاته: الجرح والتعديل، والرد على الجهمية، والتفسير، والعلل، والسنة، وآداب الشافعي ومناقبه، توفي بالري سنة ٣٢٧ هـ.\nانظر ترجمته في: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٣/ ١٠٣)، وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٦٣)، وتذكر الحفاظ للذهبي (٣/ ٨٢٩)، وفوات الوفيات لابن شاكر (٢/ ٢٨٧)، والوافي بالوفيات للصفدي (١٨/ ٢٢٨)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٣/ ٣٢٤)، وطبقات الشافعية للإسنوي (١/ ٤١٦)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ١٠٥).\n(^٢) لسان الميزان (٣/ ٤٠٧). ولم أقف على كلام ابن أبي حاتمٍ في ترجمته لداود في: الجرح والتعديل (٣/ ٤١٠).\n(^٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٤/ ٣٩٦).","vol":"2","page":878},{"text":"المذهبِ الظاهري (^١)، وفي هذا إشارةٌ إمَّا إلى عدمِ جوازِ التمذهبِ به، وإمَّا إلى أن الأَوْلى عدم التمذهبِ به.\nسادسًا: لا أستطيعُ القول بمنعِ التمذهب بالمذهب الظاهري، ولا سيما لمَنْ كان على مذهب ما، ثمَّ انتقلَ إليه؛ لأنِّي لم أطَلع على مَنْ مَنَعَ صراحةً التمذهبَ به (^٢)، ولأنَّ الآخذَ بأصولِ الظاهريةِ أَخَذَها مع قناعتِه برجحانِها، ومَنْ أرادَ أنْ يحذرَ مِنْ أقوالِ المذهبِ الظاهري، فعليه البيانُ بالحجّةِ والبرهانِ.\nويؤكّدُ ما سَبَقَ: أنَّه على الرُّغم مِنْ أن المذهبَ الظاهري كان موجودًا عقودًا مِن الزمنِ، فإنَّه لم ينصَّ أحدٌ في عصرٍ متقدمٍ على مَنعِ التمذهبِ به.\nيقولُ شمسُ الدّينِ الذهبي معلّقًا على قولِ إمامِ الحرمين الجويني لما قررَ عدمَ الاعتدادِ بالظاهريةِ، وألحقهم بالعوام: \"وندري بالضرورةِ أنَّ داود كان يُقْرِئ مذهبَه، ويناظرُ عليه، ويفتي به في مثلِ بغدادَ، وكَثُرَ الأئمةُ بها وبغيرِها، فلم نَرَهم قاموا عليه، ولا أنكروا فتاويه، ولا تدريسه، ولا سَعَوْا في منعِه مِنْ بثِّه\" (^٣).\nسابعًا: الأَوْلى بالشخصِ أنْ لا يتمذهبَ بالمذهبِ الظاهري؛ وذلك للأمرينِ الآتيينِ:\nالأمر الأول: أنَّ مِنْ أصول الظاهريةِ القولَ بعدمِ مشروعيةِ القياسِ، وترك تعليلِ نصوصِ الكتابِ والسنةِ، وعدمِ الاحتجاجِ بالمصالحِ\n_________\n(^١) انظر: الفصول في الأصول للجصاص (٤/ ٢٩٧)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال (١/ ٣٥٢)، والعواصم من القواصم لابن العربي (ص/ ٢٥٧)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي (١/ ٥٤٣)، والتعيين في شرح الأربعين للطوفي (ص/ ٤٤)، وطبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين بن السبكي (٢/ ٢٨٩)، والبحر المحيط (٤/ ٤٢٧).\n(^٢) الذي وقفت عليه منع أبي إسحاق الإسفراييني تولية الظاهرية القضاءَ بين الناس. انظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ١٠٤).\n(^٣) المصدر السابق (١٣/ ١٠٥).","vol":"2","page":879},{"text":"والاستحسانِ وسدِّ الذرائعِ، وعدم الالتفاتِ إلى مقاصدِ الشارعِ، وترك العملِ بقواعدِ الشريعةِ العامةِ، ومنعِ جميعِ الشروط الجعلية في العقودِ إلا ما نصَّ الشارعُ على جوازِه (^١)، الأمر الذي يوقعُ الظاهريَّ إذا أرادَ معالجة نازلةٍ مِن النوازل في حرجٍ وضيقٍ شديدين.\nإضافةً إلى أن عدمَ اعتمادِ المذهب الظاهري على الأدلةِ الاجتهاديةِ سَلَبَ فقهَه المرونةَ والقابليةَ للتطورِ (^٢).\nيقول شمسُ الدينِ بن القيّم عن ابنِ حزمٍ وأصحابِه: \"لكنْ أبو محمدٍ وأصحابُه سدوا على نفوسِهم بابَ اعتبارِ المعاني والحِكَمِ التي علَّقَ بها الشارعُ الحُكمَ، ففاتهم بذلك حظٌّ عظيمٌ مِن العلمِ ... \" (^٣).\nالأمر الثاني: أن الظاهريةَ مخطئون فيما انفردوا به عنْ سائر علماء الأمةِ مِن أقوال.\nيقولُ تقيُّ الدين بن تيمية: \"كذلك أهل الظاهر، كلُّ قولٍ انفردوا به عن سائر الأمة، فهو خَطأٌ\" (^٤)\nوما قاله تقيُّ الدّين بن تيمية وإنْ كان صادقًا على كل المذاهبِ - بلْ إنَّه نصَّ قبلَ كلامِه السابق على أنَّ ما انفرد به أيُّ مذهب عن سائر علماء الأمة، فهو خطأٌ (^٥) - إلا أنَّ انفرادَ الظاهريةِ عن سائرِ العلماءِ الأمةِ أكثرُ مِنْ غيرِهم مِن المذاهبِ، وفي مسائل ليستْ بالقليلةِ.\nالقسم الثالث: التمذهب بمذهب فقهي لإحدى الفرق المبتدعة.\nوُجِدَ في بعضِ الفرقِ المخالفةِ لأهلِ السنةِ والجماعةِ اهتمامٌ بالفقهِ وأصولِه، فكان لها إضافةً إلى آرائِها العقدية آراء فقهيةٌ وأصوليةٌ.\n_________\n(^١) انظر: تاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة (ص/ ٥٦٧ - ٥٦٩، ٥٧٥)، والعلم لمحمد العثيمين (ص/ ١٩١)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور محمد موسى (ص/ ١٨١).\n(^٢) انظر: المدخل لدراسة الفقه للدكتور إبراهيم إبراهيم (ص/ ١٢٣).\n(^٣) الطرق الحكمية (١/ ٣٢٣).\n(^٤) منهاج السنة النبوية (٥/ ١٧٨).\n(^٥) انظر: المصدر السابق.","vol":"2","page":880},{"text":"فهناك مذهبُ الإمامية (^١)، ومذهبُ الزيدية، ومذهبُ الإباضية (^٢)، وغيرها من المذاهبِ المخالفةِ لأهل السنة والجماعةِ.\nتختلفُ هذه المذاهب في مدى توغلِ البدعةِ في معتقداتِها، فقد تصلُ البدعةُ في بعضِ الفرقِ إلى الكفرِ والخروجِ مِن الملةِ.\nوأيضًا: تختلفُ هذه المذاهب في مدى قربِها مِن المذاهبِ السنيةِ أصولًا وفروعًا.\nوسأبيّنُ الحكمَ في النقاطِ الآتيةِ، دونَ تعرضٍ إلى مذهبٍ بعينِه إلا في\n_________\n(^١) الإمامية: إحدى فرق الشيعة، ومن رجالها: عبد الله بن عمرو بن حرب، وبيان بن سمعان، ويقولون بإمامة علي بن أبي طالب - ﵁ - بالنص المعيِّن، وأن النبي - ﷺ - نصَّ على استخلاف علي باسمه، وأظهره وأعلنه، وقد وقعوا في كبار الصحابة إما بالطعن والتكفير، وإما بالظلم والعدوان، واتفقوا على سَوْقِ الإمامة إلى جعفر بن محمد الصادق، واختلفوا في المنصوص عليه بعده؛ إذ كان له خمسة أولاد، يقول عنهم أبو الفتح الشهرستاني: \"وكانوا في الأول على مذهب أئمتهم في الأصول، ثم لما اختلفت الرواية عن أئمتهم، وتمادى الزمان، اختارت كل فرقةٍ منهم طريقة، فصارت الإمامية بعضها معتزلة، إما وعيدية: وإما تفضيلية، وبعضها إخبارية: إما مشبهة، وإما سلفية\"، والإمامية فرق متعددة، منها: القطعية، والكيسانية، والحربية. انظر: مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري (١/ ٨٨)، والفردق بين الفرق للبغدادي (ص/ ٦٠)، والفصل في الملل والأهواء لابن حزم (٤/ ١٨١)، والملل والنحل للشهرستاني (١/ ٣٢٤)، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/ ٨٥)، والموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب (١/ ٥١).\n(^٢) الإباضية: إحدى فرق الخوارج، وتنسب إلى مؤسسها عبد الله بن إباض التميمي، الذي خرج في أيام مروان بن محمد، ومن رجال الإباضية: أبو عبيدة مسلمة بن أبي كريمة، والربيع بن حبيب الفراهيدي، والحارث بن تليد، وسلمة بن سعد، ومن آراء الإباضية: إنكار رؤية الله في الآخرة، وتعطيل الله تعالى عن صفاته، والقول بخلق القرآن، وأن مخالفهم من أهل القبلة كفار غير مشركين، ومناحكتهم جائزة، وموارثتهم حلال، وقالوا: إن دار مخالفينا من الأهل الإسلام دار توحيد، إلا معسكر السلطان، فإنه دار بغي، ومرتكب الكبيرة موحد لا مؤمن، وأفعال العباد مخلوقة لله إحداثًا ابداعًا، ومكتسبة للعبد حقيقة لا مجازًا، وقالوا: إنَّ المنافقين في عهد رسول الله - ﷺ - كانوا موحدين، إلا أنهم ارتكبوا كبائر، فكفروا بالكبيرة، لا بالشرك، وللإباضية فرق، منها: الحفصية، والحارثية. انظر: مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري (١/ ١٨٣)، والملل والنحل للشهرستاني (١/ ٢٤٤)، والموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب (١/ ٥٨).","vol":"2","page":881},{"text":"القليل؛ لأنَّ تعيينَ مذهبٍ بعينِه تستلزمُ دراسةَ أقوالِه العقدية، وأصولِه الفقهية، وهذا خارجٌ عن بحثي:\nأولًا: مَنْ مَنَعَ التمذهبَ بأحدِ المذاهب الفقهيةِ الأربعة، فإنَّه يمنعُ التمذهبَ بمذهبٍ فقهي للفرق المبتدعة؛ لأنَّ الأدلةَ التي استدلوا بها تعمُّ التمذهبَ بأيِّ مذهب دون استثناءٍ (^١).\nثانيًا: كلُّ مَنْ لا يجوّز التمذهبَ بغيرِ المذاهبِ الفقهيةِ الأربعة - إمَّا لأنَّ الحق لا يعدوها، وإمَّا لأن أئمة المذاهب الأربعة هم الذين حفظوا فقه الصحابة، دون غيرِهم (^٢) - فإنَّه لا يجوّزُ التمذهبَ بالمذاهبِ الفقهيةِ لفرقِ المبتدعةِ.\nثالثًا: يمكنُ تقسيمُ المذاهبِ في القسم الثالث قسمين:\nالقسم الأول: مذاهب واقعة في بدعة مكفرة.\nالقسم الثاني: مذاهب واقعة في بدعة مفسقة غير مكفرة.\nالقسم الأول: مذاهب واقعة في بدعة مكفرة.\nلا يجوزُ التمذهبُ بمذهبٍ يقرّرُ بدعة مكفرة، والقولُ بعدمِ الجوازِ أمرٌ بدهي؛ لخروجِها عن دائرةِ الإسلامِ، ولانتفاءِ وصفِ الأمةِ المسلمةِ عنها (^٣).\n_________\n(^١) لا أدري ما إذا كان الأمير الصنعاني ومحمد الشوكاني سيجوزان التمذهب بالمذهب الزيدي على وجه الخصوص - دون موافقتهما لممارسة متمذهبي الزيدية - لأن من أصول المذهب الدعوة إلى الاجتهاد، والتنفير من التقليد.\n(^٢) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص / ١٦٢ - ١٦٣)، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٥٥)، وصفة الفتوى (ص/٧٢ - ٧٣)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٠/ ٥٨٤)، والتمهيد في تخريج الفروع على الأصول للإسنوي (ص/ ٥٢٧)، والرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة لابن رجب (ص/ ٣٤)، ونهاية المراد لعبد الغني النابلسي (ص/ ١٥)، ونشر البنود (٢/ ٣٥٢)، ومراقي السعود إلى مراقي السعود (ص/ ٤٦٣)، ومختصر الفوائد المكية للسقاف (ص/ ٣٨)، ونثر الورود للشنفيطي (٢/ ٦٨٧).\n(^٣) انظر: البحر \"المحيط (٤/ ٤٦٧)، فقد قرر الزركشيُّ أن المجتهد المبتاع إذا كُفِّر ببدعته، فإنه لا يعتد بقوله في الإجماع بلا خلاف.","vol":"2","page":882},{"text":"القسم الثاني: مذاهب واقعة في بدعة مفسقة غير مكفرة.\nأصحابُ هذا القسمِ متفاوتون، وهم على مراتب عدة، وذلك بالنظرِ إلى درجةِ البدعِ التي يعتقدونها، ويمكنُ جعل أربابِ هذا القسم على نوعين:\nالنوع الأول: مذاهب تدعو إلى البقاءِ على أقوالِها، وتحرّمُ الأخذَ بمذاهبِ أهلِ السنةِ، بل تكفرهم! وتعطي أئمتها حقَّ التحليلِ والتحريمِ، وتصفُهم بالعصمةِ (^١).\nهذا النوعُ من المذاهب يحرمُ التمذهبُ به؛ لأنَّه مذهبٌ صادٌّ عن الحقِّ، موغلٌ في الباطلِ، وعلَى المتمذهبِ به ترك مذهبه جملةً وتفصيلًا.\nالنوع الثاني: مذاهبُ لا تدعو إلى البقاءِ على أقوالِها، ولا تحرِّمُ الأخذَ بمذاهبِ أهلِ السنةِ.\nوما سيأتي مِن كلام في بيانِ حكمِ التمذهبِ منصبٌّ على النوع الثاني.\nرابعًا: إذا كانَ الشخصُ ناشئًا في بيئةٍ يغلبُ عليها مذهبٌ مِن المذاهبِ المنحرفةِ، وكان مِن أصولِها الدعوةُ إلى الاجتهادِ، ونبذُ الجمودِ المذهبي (^٢) - وبدعةُ المذهبِ في مجال الاعتقادِ ليستْ بالشديدةِ -: فإن كانَ بمقدور المتمذهب معرفةُ الراجحِ بالنظرِ في الأقوالِ وأدلتِها، فله في هذه الحالةِ البقاءُ على انتسابِه إلى مذهبِه الفقهي، إنْ رأى مصلحةً في هذا - ولا بُدَّ مِن تركِ مذهبِه العقدي، وما يُبنى عليه - لكنَّه يتبعُ الراجحَ والصوابَ في الفقه والأصول، ويسعى في الردِّ على ما في مذهبِه مِن أقوال مرجوحةٍ (^٣).\n_________\n(^١) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية (١/ ٥٧)، و(٦/ ٤٣٠)، ومسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة للدكتور ناصر القفاري (١/ ٢٥٤)، وأصول مذهب الشيعة له (٢/ ٥٨٧، ٩٠٥)، والفكر التكفيري عند الشيعة لعبد الملك الشافعي (ص/ ١٩ - ٤٥).\n(^٢) انظر: الزيدية لإسماعيل الأكوع (ص/ ٤٥).\n(^٣) انظر: العلم الشامخ للمقبلي (ص/ ١٢)، واختلاف المفتين للدكتور حاتم العوني (ص/ ٢٢١).","vol":"2","page":883},{"text":"أمَّا إنْ كان المتمذهبُ غيرَ متأهلٍ لمعرفةِ الراجح، فعليه ترك مذهبه بالكليةِ.\nخامسًا: لو أرادَ شخصٌ أنْ يتمذهبَ بمذهب فقهي لإحدى الفرقِ المبتدعةِ، فلتمذهبِه صورتان:\nالصورة الأولى: أنْ يأخذَ بالمذهبِ، بحيثُ يعتقدُ ما يعتده أربابُ المذاهبِ من البدعة.\nفهذا لا ريبَ في منعِه وتحريمِه.\nالصورة الثاني: أنْ يأخذَ بالمذهب، وهو تاركٌ لاعتقاداتِهم، ويكتفي بالفقهِ وأصولِه.\nوسأبيّن حكم هذه الصورة بعد قليلٍ.\nسادسًا: لم أقفْ - فيما رجعتُ إليه من مصادر - على من نصَّ على حكمِ التمذهب بالمذاهب الفقهيةِ لفرق المبتدعةِ؛ ولعل السبب في عدم اهتمامِ العلماءَ ببيانِ حكمَ التمذهبِ بها هو أن اهتمامَهم منصب على الردِّ على عقائدِهم المنحرفةِ، وفي هذا غُنْيَةٌ عن الحديثِ عن حكمِ التمذهب بمذاهبِهم الفقهيةِ؛ لأنَّه إذا بَطَلَتْ آراءُ المذهبِ العقديةِ، فبطلانُ الفقَهِ وأصولِه تبعٌ.\nسابعًا: أنبّه إلى أمير مهمٍ، وهو أنَّه قد يُفْهَم مِنْ صنيعِ بعضِ المتأخرين الذي دعو إلى التقريبِ بين أهلِ السنةِ والشيعةِ، إقرارهم جوازَ التمذهبِ بمذاهبِهم (^١).\nثامنًا: الذي يترجح عندي في الصورة الثانية هو المنعُ وعدمُ الجوازِ؛ وذلك للآتي:\n_________\n(^١) لمعرفة بعض الداعين إلى التقريب بين أهل السنة والشيعة، انظر: مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة للدكتور ناصر القفاري (٢/ ١٣٥ - ١٩٩)، والتقريب بين أهل السنة والشيعة للدكتور أحمد علي (ص / ١٠١ - ١١٣)","vol":"2","page":884},{"text":"الأول: أنَّ في الأخذِ بالمذهب الفقهي لفرق المبتدعةِ - حتى لو فُرِضَ أنَّ الشخصَ يدّعي اتباعَ الراجحِ وترَكَ المرجوحِ، ومخالفتهم في الاعتقادِ - تكثيرًا لسوادِ المذهبِ البدعي؛ وفي هذا مِنْ المفسدةِ ما لا يخفى على ذي لُبّ.\nالثاني: أن هناك مسائلَ أصولية مبنية على مسائل عقدية، قد يغفلُ عنها المتمذهبُ، فيقعُ في مأخذٍ عقدي مِنْ حيثُ لا يشعرُ.\nإضافةً إلى كثرةِ وجودِ البدعِ العمليةِ لدى هذه المذاهبِ.\nالثالث: قررَ جمعٌ من الأصوليين عدمَ الاعتدادِ بخلافِ المجتهدِ المبتدعِ (^١)، وفي عدمِ الاعتدادِ بقولِه إشارةٌ إلى ضعفِ أقوالِه.\nالرابع: أن محققي المذاهب الأربعة المشهورة لا يكادون يذكرونَ الأقوالَ الفقهيةَ والأصوليةَ لمذاهب أهلِ الأهواءِ، وإنْ ذُكِرَتْ، فعلى سبيلِ التنبيه، أو للردِّ عليها، فأقوالهم وَخلافُهم من بابِ الخلافِ الذي لا يُلتفتُ إليه.\nيقولُ الخطيبُ البغدادي: \"أمَّا الرافضةُ الذين يشتمونَ الصحابةَ، ويسبون السلفَ الصالحَ، فإنَّ فتاويهم مرذولةٌ، وأقاويلهم غيرُ مقبولةٍ\" (^٢).\nويقولُ شمسُ الدين الذهبي: \"كالشيعةِ في الفروع، لا نَلْتَفِتُ إلى أقوالِهم، ولا ننصبُ معهم الخلافَ، ولا يُعتنى بتحصيلِ كتبِهم، ولا ندُلُّ مستفتيًا مِن العامةِ عليهم، وإذا تظاهروا بمسألةٍ معلومةٍ البطلانِ، كمسحِ الرجلين، أدَّبْنَاهم وعزرناهم، وألزمناهم بالغَسلِ جزمًا\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: الفصول في الأصول للجصاص (٣/ ٢٩٣)، والعدة (٤/ ١١٣٩ وما بعدها)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٣/ ٢٥٢ وما بعدها)، والبحر المحيط (٤/ ٤٦٨)، والتحبير (٤/ ١٥٥٨ وما بعدها)، وتيسير التحرير (٣/ ٢٩٣).\n(^٢) الفقيه والمتفقه (٢/ ٣٣٣).\n(^٣) سير أعلام النبلاء (١٣/ ١٠٤ - ١٠٥).","vol":"2","page":885},{"text":"ويقولُ أبو إسحاقَ الشاطبي: \"إنَّ كلَّ خلافٍ واقعٍ لا يستمر أنْ يُعَدّ في الخلافِ؛ لما تقدم من أن الفرقَ الخارجة عن السنةِ حين لم تجمعْ بين أطرافِ الأدلةِ، تشابهتْ عليها المآخذُ، فضلّتْ، وما ضلّتْ إلا وهي غيرُ معتبرةِ القولِ فيما ضلّتْ فيه، فخلافُها لا يُعَدُّ خلافًا، وهكذا ما جَرَى مجراها في الخروجِ عن الجادّةِ\" (^١).\nالخامس: دعوى اتصالِ فقهِ هذه المذاهبِ بالسلفِ، واتباعهم لإمامٍ من أئمةِ السلفِ، دعوى مردودة.\nفمثلًا: يقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية عن المذهبِ الرافضي: \"مبنى مذهبِ القومِ على الجهلِ والكذبِ والهوى، وهم وإنْ كانوا يدّعون اتِّباع الأئمةِ الاثنى عشر في الشرائعِ\" (^٢).\nويقولُ أيضًا عنهم: \"وقد اتفقَ عقلاءُ المسلمين على أنَّه ليس في طائفةٍ مِنْ طوائف أهلِ القِبلةِ أكثرُ جهلًا وضلالًا وكذبًا وبِدَعًا، وأقربُ إلى كلِّ شرٍّ، وأبعد عن كلِّ خيرٍ مِن طائفتِه\" (^٣)، يعني: طائفةَ ابن مطهر الحلي (^٤)، وهي: الرافضة.\n_________\n(^١) الموافقات (٣/ ٣٢٠).\n(^٢) منهاج السنة النبوية (٢/ ٢٤٣). وقد نبه محقق الكتاب في الحاشية رقم (٦) على أن تقي الدين لم يذكر جواب الشرط في كلامه، وبيّن معناه بناء على سياق الكلام بـ: \"أن القوم مع دعواهم اتباع أئمة أهل البيت قد اختلفوا عليهم وافتروا ما لم يقولوا به\".\n(^٣) المصدر السابق (٢/ ٦٠٧)، وانظر منه: (٧/ ٤١٥ - ٤١٦).\n(^٤) هو: حسن - وقيل: حسين - بن يوسف بن مطهر الحلي العراقي، أبو منصور جمال الدين، ولد سنة ٦٤٨ هـ كان شيخ الروافض في العراق، لزم نصير الدين الطوسي، واشتغل في العلوم العقلية، فبرع فيها، له مصنفات كثيرة، منها: نظم البراهين في أصول الدين، وتلخيص المرام في معرفة الأحكام، ومنهاج الهداية في علم الكلام، والاستقامة في إثبات الإمامة - وقد رد عليه تقي الدين بن تيمية في كتابه: منهاج السنة النبوية - وشرح مختصر ابن الحاجب في أصول الفقه - وقال عنه ابن كثير: \"وليس بذاك الفائق\" - توفي سنة ٧٢٦ هـ. انظر ترجمته في: البداية والنهاية (١٨/ ٢٧١)، والدرر الكامنة لابن حجر (٢/ ٧١)، والدليل الشافي لابن تغري بردي (١/ ٢٧٧)، والأعلام للزركلي (٢/ ٢٤٤)، والفتح المبين للمراغي (٢/ ١٣٢).","vol":"2","page":886},{"text":"ويقولُ الشيخُ علوي السقاف عن المذهب الزيدي: \"إنَّما ارتفعت الثقةُ بمذهبِه - أي: مذهب الإمام زيد بن علي (^١) - لعدمِ اعتناءِ أصحابِه بالأسانيد، فلم يُؤْمَنْ على مذهبِه التحريفُ والتبديلُ ونسبةُ ما لم يقلْه إليه\" (^٢).\nففي القائمين على خدمةِ المذهب مَنْ رُمِي بالكذب والوضعِ (^٣) فكيفَ تحصلُ الثقةُ بمذاهبِهم؟ !\nويقولُ الشيخ محمد أبو زهرة: \"لا نستطيعُ أنْ نقول: إنَّ كلَّ ما نُسِبَ إلى الإمامِ جعفر الصادق (^٤)\n_________\n(^١) هو: زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - ﵁ -، أبو الحسين الهاشمي العلوي المدني، روى عن أبيه زين العابدين، وأخيه الباقر، وأبان بن عثمان، رأى جماعةً من الصحابة - ﵃ -، كان ذا علم وجلالة وصلاح، يقول شمس الدين الذهبي: \"هَفَا، وخَرَجَ، فاستُشهد\"، إلى أن قال: \"خرج متأولًا، وقُتل شهيدًا، وليته لم يخرج! \"، جاءت إليه الرافضة، فقالوا: تبرأْ من أبي بكر وعمر؛ حتى ننصرك، فقال: بلْ أتولاهما، قالوا: إذن نرفضك، فمن ثم قيل لهم الرافضة، عاش اثنتين وأربعين سنة، وقتل بالكوفة سنة ١٢٢ هـ وقيل: ١٢٠ هـ.\nانظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٥/ ٣٢٥)، والتاريخ الكبير للبخاري (٣/ ٤٠٣)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٥/ ١٢٢)، وتهذيب الكمال للمزي (١٠/ ٩٥)، وسير أعلام النبلاء (٥/ ٣٨٩)، وشذرات الذهب لابن العماد (٢/ ٩٢).\n(^٢) مختصر الفوائد المكية (ص/ ٣٨). وانظر: الدرر السنية لابن قاسم (١/ ٢٢٧).\nوقد قدح جمع من المحققين في نسبة مسند الإمام زيد إليه؛ لأنَّ في سنده أبا خالد عمرو بن خالد الواسطي، وهو معروف بالكذب. انظر: تهذيب الكمال للمزي (٢١/ ٦٠٥ - ٦٠٦)، وكتب حذّر منها العلماء لمشهور آل سلمان (٢/ ٢٧٢ وما بعدها)، ورافضة اليمن لمحمد الإمام (ص / ١١٨)، ومقدمة في دراسة الفقه للدكتور محمد الدسوقي (ص ١٨٢/ - ١٨٣).\nومثالٌ آخر: وهو مسند الربيع بن حبيب الإباضي - الذي يقول عنه عبد العزيز العوضي في رسالته: الفقه الإباضي (ص/ ١٥٠): \"هو أصح كتاب بعد كتاب الله\"! - لا يُعْرَفُ مؤلفه، يقول الشيخُ الألباني - كما نقله مشهورٌ آل سلمان في كتابه: كتب حذّر منها العلماء (ص/ ٢٩٥ - ٢٩٦) -: \"الربيع هذا ليس إمامًا من أئمتنا، وإنَّما هو إمام لبعضِ الفرقِ الإسلامية من الخوارج، وهو نكرة، لا يُعْرَفُ هو، ولا مسنده عند علمائنا\".\n(^٣) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية (١/ ٥٧).\n(^٤) هو: جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - ﵁ -، الإمام الصادق، أبو عبد الله القرشي العلوي المدني، ولد سنة ٨٠ هـ رأى بعض الصحابة، وكان ثقةً مأمونًا، =","vol":"2","page":887},{"text":"مِنْ آراء في هذا صحيحُ النسبةِ إليه\" (^١).\nالسادس: أن أصولَ المذاهب الفقهيةِ تختلفُ اختلافًا جذريًا عن أصولِ مذاهبِ أهلِ السنةِ في مصادرِ التشريعِ، وطرقِ الاستنباطِ (^٢).\nالسابع: أن أكثرَ هذه المذاهب مقطوعةُ الصلةِ عن المصدرين الرئيسين: الكتاب والسنةِ، وخاصةً السنة النبوية، فلا يكادون يرجعون إلى المصنفاتِ فيها التي عُنِيَ العلماءُ بها (^٣).\nيقولُ تقيُّ الدّينِ بنُ تيميةَ: \"أمَّا الحديثُ، فهم - أيْ: الرافضة - أبعدُ الناسِ عن معرفتِه: لا إسناده ولا متنه، ولا يعرفون الرسولَ وأحوالَه، ولهذا إذا نقلوا شيئًا مِن الحديثِ كانوا مِنْ أجهلِ الناسِ به\" (^٤).\nويقول أيضًا: \" يتبينُ أن الرافضة أمةٌ ليس لها عقلٌ صريحٌ، ولا نقلٌ صحيحٌ، ولا دينٌ مقبولٌ، ولا دنيا منصورةٌ\" (^٥)\nوينقلُ القاضي إسماعيل الأكوع عن بعضِ علماءِ فرقةِ الزيديةِ قولَه: \"ولهم - أي: أهل السنة - كتابانِ يسمونهما بالصحيحينِ: (صحيح البخاري\n_________\n= ويغضب من الرافضة ويمقتهم إذ علم أنهم يتعرضون لجده أبي بكر الصديق - ﵁ -، وقد حدّث عن أبيه وعروة بن الزبير والزهري، قال عنه ابن معين: \"ثقة مأمون\"، ولما سئل جعفر عن أبي بكر وعمر؟ قال: \"إنك لتسألني عن رجلين قد أكلا من ثمار الجنة\"، ومن أقواله: \"لا يتم المعروف إلا بثلاثة: بتعجيله، وتصغيره، وستره\"، توفي سنة ١٤٨ هـ. انظر ترجمته في: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٢/ ٤٨٧)، وحلية الأولياء لأبي نعيم (٣/ ١٩٢)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (١/ ٣٢٧)، وتهذيب الكمال للمزي (٥/ ٧٤)، وسير أعلام النبلاء (٦/ ٢٥٥)، وتاريخ الإسلام للذهبي (٣/ ٨٢٨)، والوافي بالوفيات للصفدي (١١/ ١٢٦).\n(^١) الإمام الصادق - حياته وعصره (ص/ ١١).\n(^٢) لمعرفة اختلاف أصول المذهب الإمامي مثلًا، انظر: أصول مذهب الشيعة للدكتور ناصر القفاري (١/ ١٥٣ - ٥٠٣)، ومع الاثني عشرية في الأصول والفروع للدكتور علي السالوس (٤/ ١٣ - ٣١)، ومصادر التلقي وأصول الاستدلال العقدية لإيمان العلواني.\n(^٣) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية (١/ ٥٧)، والعواصم والقواصم لابن الوزير (٨/ ٢٨١).\n(^٤) منهاج السنة النبوية (٦/ ٣٧٩ - ٣٨٠).\n(^٥) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٤/ ٤٧١).","vol":"2","page":888},{"text":"وصحيح مسلم) ولعمري إنَّهما عن الصحةِ خاليان! \" (^١).\nويقولُ الدكتور عمرو خليفة: \"لم يعتمد الفقهُ الإباضي - خلال تاريخِه الطويلِ - إلا على مواد إباضية مرويةٍ من قِبَل علماء إباضيين، أمَّا مجموعات الأحاديث السنية الأخرى، فلم تستخدمْ في أيّةِ مرحلةٍ ... وكان الإباضيون لا يزالون يُثَبِّطُون استخدامَ مجموعات الأحاديثِ السنية ... فإن النظامَ الفقهيَّ الإباضي كان قائمًا على مواد ترويها المصادرُ الإباضيةُ فقط، وتطور خلال تاريخِه في إطارِ هذه المواد\" (^٢).\nالثامن: إذا كان اعتقادُ المرءِ على الوجهِ الصحيحِ، فإنَّ في تمذهبِه بمذهبٍ فقهي لأحدى الفرقِ المبتدعة تناقضًا بيّنًا (^٣)، فكيفَ يكونُ المرءُ سنيًا في اعتقادِه في حين أنَّه في الفقهِ وأصولِه على مذهبٍ غيرِ سني؟ !\nفجوازُ التمذهبِ بالمذهبِ الفقهي مفرَّعٌ على جوازِ الأخذِ بأقوالِهم في الاعتقادِ.\nالتاسع: أنَّ في المذاهبِ الفقهيةِ لفرقِ المبتدعةِ قلّةَ فقهٍ، وضعفَ نَظَرٍ.\nيقولُ تقي الدين بنُ تيمية عن الرافضة: \"أمَّا الفقه، فهم مِنْ أبعدِ الناسِ عن الفقهِ\" (^٤).\nالعاشر: تضمنت بعضُ المذاهبِ أقوالًا خطيرةً وشنيعةً، مثلُ: القولِ بالتَّقِيَّة (^٥)،\n_________\n(^١) الزيدية (ص/ ٣٥).\n(^٢) دراسات عن الإباضية (ص/ ١٣١).\n(^٣) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٤/ ١٧٧).\n(^٤) منهاج السنة النبوية (٦/ ٣٧٩ - ٣٨٠).\n(^٥) انظر: المصدر السابق (١/ ٦٩). والتَّقِيَّة عند الرافضة: الإظهار باللسان خلاف ما ينطوي عليه القلب؛ للخوف على النفس، إذا كان ما يبطنه هو الحق. انظر: التبيان في تفسير القرآن للطوسي (٢/ ٤٣٤)، بواسطة: التقريب بين أهل السن والشيعة للدكتور أحمد علي (ص/ ٣١٣).\nوالتعريف المذكور لا ينطبق على حالات التقية عندهم، فهم يقولون بالتقية في غير مجال الضرورة والحاجة، ويطبقوها بعضهم بإظهار موافقته لأهل السنة - الذي يراه باطلًا وكتمان مذهبهم، الذي يرونه الحق، والتُقْيَة تعد ركيزة في بنية المذهب الرافضي. انظر: مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة للدكتور ناصر القفاري (١/ ٣٣٠ وما بعدها)، وأصول مذهب =","vol":"2","page":889},{"text":"والجمع بين الصلاتين دونَ عذرٍ (^١)، والقولِ ببدعيةِ صلاةِ الضحى (^٢)، وغير هذه الأقوال، الأمر الذي يجعلُ المتمذهبَ بها مُتَلَبِّسًا بالمخالفاتِ والبدعِ العملية لا يكادُ ينفكُّ عنها.\nالحادي عشر: تعتبرُ هذه المذاهب مذاهب أهلِ الأهواءِ، وقد حذَّر العلماءُ مِنْ مجالسةِ أهلِ الأهواءِ ومخالطتهم ومناكحتهم (^٣)، فكيف بالتمذهبِ بمذاهبِهم؟ !\nلهذه الأمور رجحتُ ما سبق، وهو منعُ التمذهبِ بالمذاهب الفقهية للفرقِ المبتدعةِ.\n* * *\n_________\n= الشيعة له (٢/ ٩٧٧ - ٩٩٥)، ومع الاثني عشرية في الأصول والفروع للدكتور علي السالوس (١/ ٣٢٠)، وموقف الأئمة الأربعة وأعلام مذهبهم من الرافضة للدكتور عبد الرزاق عبد المجيد (١/ ١٠٧ وما بعدها).\n(^١) انظر: الخلاف لمحمد الطوسي (١/ ٥٨٨) - بواسطة: التقريب بين أهل السنة والشيعة للدكتور أحمد علي (ص/ ٥٣٣) - ومنهاج السنة النبوية (١/ ٣٧).\n(^٢) انظر: الصراط المستقيم للبياضي (٣/ ١٨٥)، بواسطة: موقف الأئمة الأربعة وأعلام مذهبهم من الرافضة للدكتور عبد الرزاق عبد المجيد (٢/ ٧٣١).\n(^٣) للاطلاع على نصوص السلف في التحذير من مخالطة أهل الأهواء، انظر: الشريعة للآجري (٥/ ٢٥٤٠ وما بعدها)، والإبانة لابن بطة (كتاب الإيمان)، (٢/ ٤٧٣ وما بعدها)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/ ١٢٨ وما بعدها)، وموقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء للدكتور إبراهيم الرحيلي (١/ ٣٧٣ - ٣٨٦)، و(٢/ ٥٢٩ - ٥٦٣)، وموقف الأئمة الأربعة وأعلام مذهبهم من الرافضة للدكتور عبد الرزاق عبد المجيد (١/ ٣٩٨ - ٤٣٨).","vol":"2","page":890},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>الفصل الرابع الأحكام المترتبة على التمذهب</span>\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: طبقات المتمذهبين\nالمبحث الثاني: الانتقال عن المذهب\nالمبحث الثالث: تتبع الرخص\nالمبحث الرابع: التلفيق بين المذاهب","vol":"2","page":891},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>المبحث الأول: طبقات المتمذهبين</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: أبرز مناهج المتقدمين في تقسيم طبقات المتمذهبين\nالمطلب الثاني: أبرز مناهج المتأخرين في تقسيم طبقات المتمذهبيبن\nالمطلب الثالث: الموازنة بين التقسيمات","vol":"2","page":893},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>المطلب الأول أبرز مناهج المتقدمين في تقسيم طبقات المتمذهبين</span>\nوفيه أربع مسائل:\nالمسألة الأولى: تقسيم ابن الصلاح\nالمسألة الثانية: تقسيم ابن حمدان\nالمسألة الثالثة: تقسيم ابن القيم\nالمسألة الرابعة: تقسيم ابن كمال باشا","vol":"2","page":895},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>تمهيد</span>\nقبلَ الحديثِ عن مطالب المبحثِ الأولِ، أُحِبُّ أنْ أُبيّن أن مَنْ قسّمَ المفتين - أو العلماء - إلى طَبقات لم يحصرْ تقسيمَه في درجةٍ معينةٍ مِن الاجتهادِ، بلْ ذَكَرَ طبقاتِ العلماءِ بدءًا بالدرجةِ العُليا، وهي درجةُ الاجتهادِ في الشريعةِ، وانتهاءً بأدنى الدرجاتِ، وهي التقليدُ المذهبي.\nونظرًا لأنَّ حديثي هنا عن المتمذهبين، فإنَّ ذكري للدرجةِ الأولى - وهي: درجةُ الاجتهادِ - سيكون على سبيلِ تتميمِ الطبقات.\nوغيرُ خافٍ على أحدٍ أهمية معرفةِ طبقاتِ العلماءِ؛ لتنزّلَ أقوالهم منازلها، ويُعطى العالمُ ما يستحقُّه مِنْ مكانةٍ.\n* * *","vol":"2","page":897},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>توطئة</span>\nكان لبعضِ أهلِ العلمِ المتقدمين إسهامٌ في بيانِ طبقاتِ المفتين - أو العلماء - التي يصدقُ على أكثرِها أنَّها طبقاتٌ للمتمذهبين المشتغلين بمذهبِ إمامٍ بعينِه، وكانَ مِنْ أبرزِ جهودِ العلماءِ المتقدمين مِنْ وجهةِ نظري أربعةُ مناهج، وهي: تقسيمُ ابنِ الصلاحِ، وتقسيمُ ابنِ حمدان، وتقسيمُ ابنِ القيّمِ، وتقسيمُ ابنِ كمال باشا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>المسألة الأولى: تقسيم ابن الصلاح</span>\nيعدُّ ابنُ الصلاحِ مِنْ أوائل العلماءِ الذين قسّموا الفقهاءَ - أو المفتين كما أسماهم - إلى طبقاتٍ، ومجموع ما ذكره خمسُ طبقاتِ، تندرجُ تحتَ قسمين رئيسين (^١)، وهما:\nالقسم الأول: المفتي المستقل.\nالقسم الثاني: المفتي غير المستقل (^٢).\nومحلُّ حديثي هنا هو القسم الثاني؛ إذ أربابُ القسمِ الأول غيرُ داخلين أصلًا في المتمذهبين.\nوقبلَ الولوجِ في ذكرِ طبقاتِ القسم الثاني، أذكرُ ما قاله ابنُ الصلاحِ عن القسمِ الأولِ؛ ليكونَ الحديثُ مكتملًا.\n_________\n(^١) انظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٣١١).\n(^٢) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٨٦ - ٨٧).","vol":"2","page":898},{"text":"يقولُ ابنُ الصلاح: \"المجتهدُ المستقلُّ: هو الذي يستقلُّ بإدراكِ الأحكام الشرعيةِ مِن الأَدلةِ الشرعيةِ مِنْ غيرِ تقليدٍ وتقيّدٍ بمذهبِ أحدٍ\" (^١).\nويقولُ أيضًا: \"مُنْذُ دهرٍ طويل طُوِي بساطُ المفتي المستقلّ المطلق - والمجتهد المطلق - وأفضى أَمرُ الفتوى إلى الفقهاءِ المنتسبين إلى أئمةِ المذاهبِ المتبوعةِ ... \" (^٢).\nأعودُ إلى القسمِ الثاني، فأقول: جَعَلَ ابنُ الصلاحِ القسمَ الثاني أربعَ طبقات - أو حالات، يصدق عليها أنَّها طبقات المتمذهبين - وهي:\nالطبقة الأولى: يُمَثلها مَنْ لم يكنْ مقلِّدًا لإمامِه لا في المذهب، ولا في دليلِه؛ لكونِه جَمَعَ الأوصاف والعلوم المشترطة في المجتهدِ المستَقلِّ (^٣).\nوالمجتهدُ في هذه الطبقة يُنْسَبُ إلى مذهبِ إمامِه؛ لكونِه سَلَكَ طريقَه في الاجتهادِ، ودعا إلى سبيلِه (^٤).\nونَقَلَ ابنُ الصلاح عن الأستاذِ أبي إسحاقَ الإسفراييني أنَّه ادَّعى هذه الصفة لأئمةِ الشافعيةِ، وأصحاب مالكٍ وأحمدَ وداود الظاهري، وأكثرِ أصحاب أبي حنيفةَ (^٥)، يقول الأستَاذُ أبو إسحاقَ: \"الصحيحُ الذي ذَهَبَ إليه المحققون ما ذَهَبَ إليه أصحابُنا، وهو أنَّهم صاروا إلى مذهب الشافعي ﵀ لا على جهةِ التقليدِ له، ولكنْ لمَّا وجدوا طريقَه في الاجتهادِ والفتاوى أسدَّ الطرقِ وأولاها، ولم يكنْ لهم بُدٌّ مِن الاجتهادِ: سلكوا طريقَه في الاجتهادِ، وطلبوا معرفةَ الأحكامِ بالطريقِ الذي طلبها الشافعيُّ به\" (^٦).\nولا يصدق التمذهبُ على أهلِ هذه الطبقةِ في ضوءِ ما قرره الأستاذُ\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص/ ٨٧).\n(^٢) المصدر السابق (ص/ ٩١).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (ص/ ٩١).\n(^٤) انظر: المصدر السابق.\n(^٥) انظر: المصدر السابق (ص/ ٩٢).\n(^٦) نقل كلامَ الأستاذ أبي إسحاق ابنُ الصلاح في: المصدر السابق (ص/ ٩٢).","vol":"2","page":899},{"text":"أبو إسحاقَ؛ لأنَّهم أخذوا أصولَ إمامِهم عن نظرٍ وقناعةٍ، فأخذهم لها من بابِ موافقةِ العالمِ للعالمِ، ويبقى النظرُ في اتصافِهم بالتمذهبِ الاسمي باعتبارِ انتسابِهم إلى إمامِ مذهبِهم.\nلكنَّ ابنَ الصلاحِ لم يؤيّدْ ما أطلقه الأستاذُ أبو إسحاقَ، ونازعه فيما قالَ، ورأى أن دعوى انتفاءِ التقليدِ عن أرباب هذه الطبقةِ مطلقًا مِنْ كل وجهٍ لا تستقيم، إلا أنْ يكونوا أحاطوا بشروطَ الاجتهادِ المطلقِ، وهذا لا يلائم المعلوم مِنْ أحوالِهم، أو أحوالِ أكثرِهم (^١).\nويمكنُ القولُ: إنَّ أهلَ هذه الطبقة - في ضوءِ ما قرره ابنُ الصلاحِ في تعقّبِه آنف الذكر - متمذهبون في الأصولِ، في الجملةِ - إمَّا في جميع الأصول، وإمَّا في بعضها - دونَ الفروعِ؛ إذ إنَّهم ساروا على طريقةِ إمامِهم في الأصولِ، دونَ تقيّدٍ بأقوالِه في الفروع، ويكون تمذهبُهم في الفروع تمذهبًا بالاسمِ فقط.\nفإنْ بَلَغَ العالمُ في هذه الطبقة درجةَ الاجتهادِ في الشريعةِ، وبقي على النسبةِ المذهبيةِ، فهو متمذهبٌ بالانتسابِ.\nثمَّ نبَّه ابنُ الصلاحِ إلى أنَّ مِنْ أهلِ هذه الطبقة مَنْ يتحققُ له الاجتهادُ في بابٍ مِن الفقهِ؛ بناءً على تجزؤ منصبٍ الاجتهادِ (^٢).\nوهنا سوال، وهو: أَلا يتعارضُ ما قرره ابنُ الصلاح في صدرِ الطبقةِ - مِنْ جمعِهم شروط المجتهدِ المستقلِّ - مع اتصافِهمَ أحيانًا في بعضِ المسائلِ بالاجتهادِ الجزئي؟\nوقد سمَّى جلالُ الدين السيوطيُّ العالمَ في هذه الطبقة بالمجتهدِ المطلقِ (^٣).\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (ص/ ٩٣).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (ص/ ٩٤).\n(^٣) انظر: الرد على من أخلد إلى الأرض (ص/ ٩٧).","vol":"2","page":900},{"text":"الطبقة الثانية: يُمَثلها مِنْ كان مجتهدًا مقيدًا في مذهبِ إمامِه، مستقلًا بتقريرِ مذهبِه بالدليلِ، غيرَ أنَّه لا يتجاوزُ في أدلتِه أصولَ إمامِه وقواعده (^١).\nوقد يتحققُ لأهلِ هذه الطبقة الاجتهادُ الجزئي في بعضِ المسائلِ (^٢).\nوبيَّن ابنُ الصلاحِ شروطَ أهلِ هذه الطبقةِ، فذَكَرَ الآتي:\n١ - أنْ يكونَ عالمًا بالفقه.\n٢ - أنْ يكونَ خبيرًا بأصولِ الفقه (^٣).\n٣ - أنْ يكونَ عارفًا بأدلةِ الأحكامِ تفصيلًا.\n٤ - أنْ يكونَ بصيرًا بمسالكِ الأقيسةِ والمعاني.\n٥ - أنْ يكونَ تامَّ الارتياضِ في التخريجِ والاستنباطِ، قيّمًا بإلحاقِ ما ليس بمنصوصٍ عليه في مذهبِ إمامِه بأصولِه وقواعدِه (^٤).\nثم بيّنَ ابنُ الصلاحِ أنَّ الفقيهَ مِنْ أهلِ هذه الطبقة لا يَعْرى عن شوبٍ مِن التقليدِ لإمامِه؛ لإخلالِه ببعضِ شروطِ الاجتهادِ، مثل: الإخلال بعلمِ الحديثِ، أو بعلمِ اللغة العربيةِ (^٥).\n_________\n(^١) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٤).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (ص/ ٩٦).\n(^٣) الظاهر لي أن مراده بالفقه وأصوله هنا فقهُ مذهب إمام بعينه وأصوله (الفقه والأصول المذهبية).\n(^٤) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٥). ويقول الدكتور عبد المعز حريز في بحثه: شروط الاجتهاد بين النظرية والتطبيق (ص/ ٢٤٢)، (مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الكويت، العدد: الخمسون) مُوْضِحًا هذا الشرط: \"أنْ يتدرب على تخريج الأحكام، واستنباطها وفق أصول الإمام، حتى يكون ماهرًا فيها، قادرًا على إلحاق ما ليس فيه نصٌّ في مذهبه وعن إمامه، بما ورد فيه نصٌّ، وفق أصول مذهبه وقواعده؛ والسبب في هذا الشرط: أنَّ التخريج وفق أصول الإمام مِنْ أهم أعمال المجتهد في هذه الرتبة، لذا كان لزامًا عليه أن يكون ذا دربةٍ في تخريج الأحكام، ولا يتأتى هذا الخريج إلا بالتدريب، والتطبيق العملي المستمر\".\n(^٥) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٥).","vol":"2","page":901},{"text":"ويتخذُ أهلُ هذه الطبقةِ نصوصَ إمامِهم أصولًا يستنبطون منها، كما يفعلُ المجتهدُ المستقلُّ بنصوصِ الشارعِ (^١).\nفإنْ قالَ قائلٌ: كيفَ يُمكنُ للمتمذهبِ في هذه الطبقةِ التخريجُ على أقوالِ إمامِه، مَعَ إخلالِه بعلمِ اللغةِ العربيةِ؟\nيمكن الجواب: بأنَّه ليس المرادُ بالإخلالِ عدمَ المعرفةِ بالكليةِ، بل المعرفةُ حاصلةٌ له، لكنَّها لا تبلغ بصاحبِها المعرفة التي بلغها المجتهدُ المطلقُ.\nوقد ذَكَرَ ابنُ الصلاحِ أنَّ الفقيهَ مِنْ أهلِ هذه الطبقة رُبَّما مرَّ به الحكمُ، وقد ذكره إمامُه بدليلِه، فيكتفي بذلك، ولا يبحثُ عن معارضٍ لهذا الدليلِ (^٢).\nثمَّ قالَ ابنُ الصلاحِ: \"وهذه صفةُ أصحابِ الوجوهِ والطُرُقِ في المذهبِ\" (^٣).\nثمَّ بيّنَ أنَّ على هذه الطبقة أئمةَ الشافعيةِ، أو أكثرهم (^٤).\nوقد سمَّى تاجُ الدين بنُ السبكي المتمذهبَ في هذه الطبقةِ بمجتهدِ المذهبِ (^٥)، وسمَّاه جلالُ الدين السيوطيُّ بالمجتهدِ المقيّدِ، وبمجتهدِ التخريجِ (^٦).\nالطبقة الثالثة: يُمَثلها مَنْ كان فقيهَ النفسَ، حافظًا لمذهبِ إمامِه، عارفًا بأدلتِه، قائمًا بتقريرِها وبنصرتِها، يصوّرُ ويحرّرُ، ويمهّدُ ويقرّرُ، ويزيّفُ ويرجّحُ، لكنَّه قَصرَ عن درجةِ أربابِ الطبقةِ الثانيةِ: (أصحاب الوجوه والطرق)؛ إمَّا لكونِه لم يبلغْ مبلغَهم في حفظِ المذهبِ، وإمَّا لكونِه لم\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق.\n(^٢) انظر: المصدر السابق.\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) انظر: المصدر السابق (ص/ ٩٥).\n(^٥) انظر: جمع الجوامع (٢/ ٣٨٤)، مع شرحه البدر الطالع لجلال الدين المحلي.\n(^٦) انظر: الرد على من أخلد إلى الأرض (ص/٩٧).","vol":"2","page":902},{"text":"يرتضِ في التخريجِ والاستنباطِ كارتياضهم، وإمَّا لكونِه غيرَ متبحِّرٍ في أصولِ الفقهِ - غير أنَّ الفقيه في هذه الطبقة لا يخلو من معرفةٍ بالقواعدِ الأصوليةِ في ضمن ما يحفظه من الفقهِ، ويعرفه مِنْ أدلتِه (^١) - وإمَّا لكونِه مقصّرًا في غير ذلك مِن العلومِ التي هي مِنْ شروطِ الاجتهادِ المذهبي الحاصلِ لأصحابِ الوجوهِ والطرقِ (^٢).\nيقولُ ابنُ الصلاحِ: \"هذه صفةُ كثيرٍ مِن المتأخرين - إلى أواخر المائة الخامسة مِن الهجرةِ - المصنِّفين، الذين رتَّبوا المذهبَ، وحرروه، وصنفوا فيه تصانيفَ بها معظمُ اشتغالِ الناسِ اليومَ، ولم يلحقوا بأربابِ الحالةِ الثانيةِ\" (^٣).\nويمكنُ جعل ما ذكره ابنُ الصلاحِ في صدرِ الطبقةِ شروطًا مستقلةً لأهلِها.\nوقد يقومُ أهلُ هذه الطبقةِ بالتَّخْرِيج، فيقيسون غيرَ المنقولِ والمسطورِ في مذهبِهم على المنقولِ والمسطورِ فيه (^٤).\nيقولُ ابنُ الصلاحِ عن فتاوى أهلِ هذه الطبقةِ: \"فيهم مَنْ جُمِعَت فتاويه وأُفْرِدَتْ، ولا يبلغُ في التحاقِها بالمذهبِ مبلغ أصحابِ الوجوهِ، ولا تقوى كقوتِها\" (^٥).\nوقد بيَّنَ ابنُ الصلاحِ المرادَ بحفظِ المذهبِ، بقولِه: \"أنْ يكونَ معظمُ الفقهِ على ذهنِه، ويكونَ؛ لدُرْبتِه متمكنًا مِن الوقوفِ على الباقي بالمطالعةِ - أو ما يلتحقُ بها - على القُرْبِ\" (^٦).\n_________\n(^١) في: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٨): \"أداته\"، وأثبتُ ما في نسخة أخرى كما في حاشية المحقق رقم (٦).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (ص/ ٩٨).\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) انظر: المصدر السابق (ص/ ٩٩).\n(^٥) المصدر السابق.\n(^٦) المصدر السابق (ص/ ١٠٠).","vol":"2","page":903},{"text":"وظاهرُ كلامِ تاجِ الدينِ بنِ السبكي في كتابِه: (جمع الجوامع) (^١) أنَّه يُسمّي أهل هذه الطبقة بمجتهدي الفتيا؛ إذ يقولُ: \"ودونَه - أيْ: دون مجتهدِ المذهب - مجتهدُ الفتيا، وهو: المتبحرُ المتمكنُ مِنْ ترجيحِ قولٍ على آخر\" (^٢).\nيؤكّدُ ما بينتُه آنفًا أنَّ جلالَ الدينِ السيوطي لمَّا شَرَحَ نظمه لجمعِ الجوامعِ قرّرَ أنَّ مجتهدَ الفتيا هو ما ذكره ابنُ الصلاحِ في الطبقةِ الثالثةِ (^٣).\nويمكنُ القولُ: إن تاجَ الدين بن السبكي سمَّى أربابَ هذه الطبقة، وأربابَ الطبقة الرابعة الآتية بعد قليلٍ بمجتهدي الفتيا؛ لأنَّ بدرَ الدين الزركشي قال عن مجتهدِ الفتيا: \"وهذا أدنى المراتبِ، وما بقي بعده إلا العاميُّ ومَنْ في معناه\" (^٤).\nأمَّا جلالُ الدينِ السيوطيُّ فسمَّى أهلَ هذه الطبقةِ بمجتهدي الترجيحِ (^٥).\nالطبقة الرابعة: مَنْ يقومُ بحفظِ المذهبِ، ونقلِه وفهمِه في واضحِ المسائلِ ومشكلاتها، غير أن عنده ضعفًا في تقريرِ أدلتِه، وتحريرِ أقيستِه (^٦).\nيقولُ ابنُ الصلاحِ عن فقيه هذه الطبقةِ: \"إنَّ هذا الفقيه لا يكونُ إلا فقيه النفسِ؛ لأنَّ تصويرَ المسائلِ على وجهِها، ثم نقلَ أحكامها بعد استتمامِ تصويرها - جلياتها وخفياتها - لا يقومُ به إلا فقيهُ النفسِ، ذو حظٍّ مِن الفقهِ\" (^٧).\n_________\n(^١) انظر: جمع الجوامع (٢/ ٣٨٤)، مع شرحه البدر الطالع لجلال الدين المحلي.\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) انظر: شرح الكوكب الساطع (٤/ ١٢٨ - ١٢٩).\n(^٤) تشنيف المسامع (٤/ ٥٧٥).\n(^٥) انظر: الرد على من أخلد إلى الأرض (ص/٩٨).\n(^٦) انظر: أدب المفتي والمستفتى (ص/ ٩٩).\n(^٧) المصدر السابق (ص/ ١٠٠).","vol":"2","page":904},{"text":"والمرادُ بحفظِ المذهبِ في هذه الطبقةِ هو: المعنى ذاته المذكورُ في الطبقةِ الثالثةِ، كما نصَّ عليه ابنُ الصلاحِ (^١).\nوهلْ لأهلِ هذه الطبقة أنْ يخرِّجوا حكمَ ما لم ينصَّ عليه إمامُهم؟\nيجيبُ ابنُ الصلاح عن السؤالِ، فيقول: \"وأمَّا ما لا يجده منقولًا في مذهبِه:\nفإنْ وَجَدَ في المنقولِ ما هذا في معناه، بحيثُ يدركُ مِنْ غيرِ فَضْلِ فكرٍ وتأمّلٍ أنَّه لا فارقَ بينهما - كما في الأَمةِ بالنسبةِ إلى العبدِ المنصوصِ عليه في إعتاقِ الشريكِ (^٢) -: جازَ له إلحاقُه به، والفتوى به، وكذلك ما يَعْلَم اندراجه تحتَ ضابطٍ منقولٍ وممهّدٍ في المذهبِ.\nوما لم يكن كذلك، فعليه الإمساكُ عن الفتيا به\" (^٣).\nوسمَّى جلالُ الدّين السيوطيُّ أهلَ هذه المرتبةِ بمجتهدي الفتيا (^٤).\nولعلَّ وجه نعتِ السيوطي لهم بالاجتهادِ المذهبي، هو قيامُهم بالتخريجِ على فروعِ المذهبِ في أحوال معينةٍ.\nوقد تَبِعَ محيي الدّينِ النوويُّ (^٥)، وتقيُّ الدّين بنُ تيمية (^٦)، وبرهانُ\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق.\n(^٢) في كلام ابنِ الصلاح إشارةٌ إلى حديث عبد الله بن عمر - ﵄ -، عن النبي - ﷺ - قال: (مَنْ أعتق شِرْكًا له في عبدٍ، فكان له مالٌ يبلغ ثمن العبد، قؤم العبد عليه قيمة عدل، فأعطي شركاءه حصصهم، وعتق عليه، وإلا فقد عتق منه ما عتق)، والحديث أخرجه: البخاري في: صحيحه، كتاب: العتق، باب: إذا أعتق عبدًا بين اثنين، أو أمة بين الشركاء (ص/ ٤٧٧)، برقم (٢٥٢١)، واللفظ له؛ ومسلم في: صحيحيه، كتاب: العتق (٢/ ٧٠٠) برقم (١٥٠١).\nوالِشِرْك: النصيب. انظر: المصباح المنير للفيومي، مادة: (شرك)، (ص/ ٢٥٦).\n(^٣) أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٩ - ١٠٠).\n(^٤) انظر: الرد على من أخلد إلى الأرض (ص/ ٩٨).\n(^٥) انظر: المجموع شرح المهذب (١/ ٤٢ - ٤٤).\n(^٦) انظر: المسودة (٢/ ٩٦٦ - ٩٦٩)، والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (ص/ ٣٧٤).","vol":"2","page":905},{"text":"الدين الأبناسيُّ (^١)، وجلالُ الدّين السيوطيُّ (^٢)، والدكتور محمد حسن هيتو (^٣) ابنَ الصلاحِ فيما ذكره مِنْ أقسام، وتبعه - أيضًا - جمالُ الدينِ القاسمي (^٤)، إلا أنَّه لم يذكر الطبقتين: الثالثة والرابعة؛ لقلّةِ جدواهما، ولأنَّهما فُرِّعتا لزمنٍ غيرِ هذا الزمنِ الذي يعيش فيه (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>المسألة الثانية: تقسيم ابن حمدان</span>\nكانَ لابنِ حمدان كلامٌ في تقسيمِ المجتهدين - ومن ضمنِهم\n_________\n(^١) انظر: الفوائد شرح الزوائد (٢/ ١٢٤٢ - ١٢٤٥). وبرهان الدين الأبناسي هو: أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن أيوب الأبناسي ثم القاهري، ولد سنة ٧٢٥ هـ أخذ العلم عن جماعة من علماء عصره، منهم: جمال الدين الإسنوي، وزين الدين العراقي، يعد الأبناسي زاهدًا ورعًا، من كبار علماء الشافعية في عصره، تصدى للتدريس والإفتاء دهرًا، يقول عنه السخاوي: \"كان أكثر فضلاء الطلبة بالقاهرة من تلاميذه\"، وكان على معتقد الأشاعرة، من مؤلفاته: الفوائد شرح الزوائد، وشرح ألفية ابن مالك، والشذا الفياح في مختصر ابن الصلاح، وتوفي سنة ٨٠٢ هـ. انظر ترجمته في: الضوء اللامع للسخاوي (١/ ١٧٢)، والمنهل الصافي (١/ ١٧٩)، وإنباء الغمر لابن حجر (٤/ ١٤٤)، والدليل الشافي لابن تغري بردي (١/ ٢٩)، والأعلام للزركلي (١/ ٧٥).\n(^٢) انظر: الرد على من أخلد إلى الأرض (ص/ ٩٤ - ٩٨).\n(^٣) انظر: الاجتهاد وطبقات مجتهدي الشافعية (ص/٣٧ - ٥١).\n(^٤) انظر: الفتوى في الإسلام (ص/ ٥٢ - ٥٥). وجمال الدين القاسمي هو: محمد بن محمد سعيد بن قاسم بن صالح بن إسماعيل، جمال الدين أبو الفرج القاسمي، ولد بدمشق سنة ١٢٨٣ هـ كان علامةً نظارًا مفسرًا فقيهًا أصوليًا شافعيًا، تلقى مبادئ العلوم الشرعية والعربية على والده، وجلس للتدريس في حياة والده، فانتفع به الطلبة، سافر إلى مصر أواخر حياته واجتمع بالأستاذ محمد عبده، من مؤلفاته: الإسراء والمعراج، والفتوى في الإسلام، وإصلاح المساجد من البدع والعوائد، وتاريخ الجهمية والمعتزلة، وقواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، ومحاسن التأويل، توفي بدمشق سنة ١٣٣١ هـ وقيل: ١٣٣٢ هـ.\nانظر ترجمته في: منتخبات التواريخ الدمشقية لمحمد أديب (٢/ ٧١٦)، وحلية البشر للبيطار (١/ ٤٣٥)، والأعلام الشرقية لزكي مجاهد (١/ ٢٩٥)، والأعلام للزركلي (٢/ ١٣٥)، ومعجم المؤلفين لكحالة (١/ ٥٠٤)، وتاريخ علماء دمشق لنزار أبظه (١/ ٢٩٨)، وجمال الدين القاسمي للدكتور نزار أباظة (ص/ ٩٣).\n(^٥) انظر: الفتوى في الإسلام (ص/ ٥٥).","vol":"2","page":906},{"text":"المتمذهبون - وقد قسّمهم إلى أربعةِ أقسام، ضَمَّنَ القسمَ الثاني أربع طبقات:\nالقسم الأول: المجتهد المطلق.\nالقسم الثاني: المجتهد في مذهب إمامه.\nالقسم الثالث: المجتهد في نوع من العلم.\nالقسم الرابع: المجتهد في مسألة، أو مسائل (^١).\nوقبلَ بيانِ الطبقاتِ التي ذكرها ابنُ حمدان أنبّه إلى تأثرِه الواضحِ بمنهجيةِ عرضِ ابنِ الصلاحِ في تقسيمِه لطبقات المفتين، كما لا يخفى على مَنْ قارنَ بينهما، بلْ إنَّ ابنَ حمدان نَقَلَ كثيرًا مِنْ عباراتِ ابنِ الصلاحِ (^٢).\nومحلُّ حديثي هنا هو القسم الثاني فحسب؛ وسأُعرّجُ على القسمين: الثالث والرابع.\nأمَّا القسمُ الأولُ فغيرُ داخلٍ معنا؛ لأنَّ أربابَه غيرُ متمذهبين أصلًا، ولا ينتسب أحدٌ منهم إلى مذهبٍ معيَّنٍ.\nيقولُ ابنُ حمدان عن القسمِ الأولِ: \"مُنْذُ دهرٍ طويلٍ عُدِم المجتهدُ المطلقُ، مع أنَّه الآن أيسرُ منه في الزمنِ الأولِ ... \" (^٣).\nالقسم الثاني: المجتهد في مذهب إمامه.\nجَعَلَ ابنُ حمدان القسمَ الثاني أربعَ طبقات:\nالطبقة الأولى: يُمثلها مَنْ كان غيرَ مقلِّد لإمامِه في الحكمِ، ولا في الدليلِ، لكنَّه سَلَكَ طريقَه في الاجتهادِ والفتوى، ودعا إلى مذهبِه، وقَرَأَ كثيرًا منه على أهلِه، فوجده صوابًا، وأولى مِنْ غيرِه (^٤).\n_________\n(^١) انظر: صفة الفتوى (ص/ ١٦).\n(^٢) انظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٣١٥).\n(^٣) صفة الفتوى (ص/ ١٦).\n(^٤) انظر: المصدر السابق.","vol":"2","page":907},{"text":"يقولُ ابنُ حمدان: \"وقد ادَّعى هذا منَّا: القاضي أبو علي بن أبي موسى الهاشمي في: (شرح الإرشاد) الذي له، والقاضي أبو يعلى، وغيرُهما، ومِن الشافعيةِ خلقٌ كثيرٌ ... \" (^١).\nوما قلتُه عن الطبقةِ الأُولى في تقسيمِ ابنِ الصلاحِ مِنْ جهةِ تمذهبِ أهلِ هذه الطبقةِ في الأصولِ، وانتسابهم إلى إمامِ مذهبِهم، يُقالُ هنا.\nالطبقة الثانية: يُمثلها مَنْ كان مجتهدًا في مذهبِ إمامِه، مستقلًا بتقريرِه بالدليلِ، لكن لا يتعدّى أصولَ مذهبِه وقواعدَه (^٢).\nوقد ذَكَرَ ابنُ حمدان شروطَ أرباب الطبقة الثانية، وهي:\n١ - أنْ يكونَ متقنًا للفقه.\n٢ - أنْ يكونَ متقنًا لأصولِ الفقه (^٣).\n٣ - أنْ يكونَ متقنًا لأدلةِ مسائلِ الفقه.\n٤ - أنْ يكون عارفًا بالقياسِ ونحوه (^٤)، تام الرياضةِ.\n٥ - أنْ يكونَ قادرًا على التخريجِ والاستنباطِ، وإلحاقِ الفروعِ بالأصولِ والقواعدِ المذهبيةِ (^٥).\nيقولُ ابنُ حمدان: \"قيل: وليس مِنْ شرطِه معرفةُ هذا علم الحديثِ، واللغةِ العربيةِ\" (^٦)، ثمَّ قالَ بعده بقليلٍ: \"والظاهرُ معرفتُه بما يتعلق بذلك - أيْ: بأخذ الأحكام من نصوصِ إمامِه - مِنْ حديثٍ ولغةٍ ونَحْوٍ\" (^٧).\nويجعلُ فقيهُ أهلِ هذه الطبقة نصوصَ إمامِه كنصوصِ الشارع في استنباطِ الأحكامِ (^٨).\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) انظر: صفة الفتوى (ص/ ١٨).\n(^٣) الظاهر لي أنَّ مراده بالفقه وأصوله هنا فقهُ مذهب إمام بعينه وأصوله (الفقه والأصول المذهبية).\n(^٤) لعل ابن حمدان يقصد بنحو القياس الأدلة القريبة منه، كالاستقراء.\n(^٥) انظر: صفة الفتوى (ص/ ١٨ - ١٩).\n(^٦) المصدر السابق (ص/ ١٩).\n(^٧) المصدر السابق.\n(^٨) انظر: المصدر السابق.","vol":"2","page":908},{"text":"وقد نَعَتَ ابنُ حمدان أهلَ هذه الطبقةِ بأصحابِ الأوجهِ والطرقِ في المذهبِ (^١).\nوإذا رأى الفقيهُ مِنْ أهلِ هذه الطبقةِ حُكْمًا ذَكَرَه إمامُه بدليلٍ، فإنَّه يكتفي بذلك، ولا يبحثُ عن معارضٍ أو غيرِه، يقولُ ابنُ حمدان بعدَما قرّر هذا: \"وهو بعيدٌ\" (^٢).\nولعل سبب البُعْدِ هو اجتماع شروطِ الاجتهادِ الرئيسةِ لأهلِ هذه الطبقةِ التي تؤهِلُهم للنظرِ في الأدلةِ، وما يعارضها.\nالطبقة الثالثة: يُمثلها مَنْ كان فقيهَ النفسِ، حافظًا لمذهبِ إمامِه، عارفًا بأدلتِه، قائمًا بتقريرِ مذهبِه ونصرتِه، يصوّرُ ويحررُ (^٣)، ويقررُ ويزيّفُ، ويرجّحُ (^٤)، لكنَّه قَصُرَ عن رتبةِ أهلِ الطبقةِ الثانيةِ: (أصحاب الوجوه والطرق)؛ إمَّا لأنَّه لم يبلغْ في حفظِ المذهب مبلغهم، وإمَّا لعدمِ تبحّرِه في أصولِ الفقهِ ونحوه - غير أن الفقيه في هَذه الطبقة لا يخلو مِنْ معرفةِ القواعدِ الأصولية في ضمن ما يحفظه مِن الفقهِ، ويعرفُه مِنْ أدلتِه - وإمَّا لتقصيرِه في العلومِ المشترطةِ في أصحابِ الوجوهِ والطرقِ (^٥).\nويقولُ ابنُ حمدان عن أهلِ هذه الطبقةِ: \"وهذه صفةُ كثيرٍ مِن المتأخرين الذين رتَّبوا المذاهبَ، وحرروها، وصنفوا فيها تصانيف بها يشتغلُ الناسُ اليومَ غالبًا\" (^٦).\nوفتاوى أهلِ هذه الطبقةِ مقبولةٌ، لكنَّها لا تبلغُ درجةَ فتاوى أصحابِ الوجوه (^٧)، ورُبَّما تطرّق أهلُ هذه الطبقةِ إلى تخريجِ قولٍ، أو استنباطِ وجهٍ واحتمالٍ (^٨).\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق.\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) في: المصدر السابق (ص/ ٢٢): \"يجوز\"، وهو تصحيف، والمثبت من الطبعة التي حققها الدكتور أحمد حسون (ص/ ٢٨٤) ضمن مجموع: الموسوعة في آداب الفتوى.\n(^٤) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٢٢).\n(^٥) انظر: المصدر السابق.\n(^٦) المصدر السابق.\n(^٧) انظر: المصدر السابق.\n(^٨) انظر: المصدر السابق.","vol":"2","page":909},{"text":"ويمكنُ جعلُ ما ذكره ابنُ حمدان في صدرِ الطبقةِ شروطًا مستقلةً لأهلِها.\nالطبقة الرابعة: يمثلها مَنْ يقومُ بحفظِ المذهبِ وفهمِه ونقلِه (^١).\nوهل لأهلِ هذه الطبقةِ أن يخرِّجوا حكمَ ما لم ينصَّ عليه إمامُهم؟\nيجيبُ ابنُ حمدان عن السؤالِ، فيقول: \"وأمَّا ما (^٢) يجده منقولًا في مذهبِه: فإنْ وَجَدَ في المنقولِ ما هذا في معناه، بحيثُ يدركُ مِنْ غيرِ فَضْلِ فكرٍ وتأمّلٍ أنَّه لا فارقَ بينهما - كما في الأَمةِ بالنسبة إلى العبدِ المنصوصِ عليه في إعتاقِ الشريكِ (^٣) -: جازَ له إلحاقُه به، والفتوى به، وكذلك ما يُعلم اندراجُه تحتَ ضابطٍ و(^٤) منقولٍ وممهدٍ في المذهبِ.\nوما لم يكنْ كذلك فعليه الإمساكُ عن الفتيا به\" (^٥).\nولا يكون الشخصُ في هذه الطبقةِ إلا فقيهَ النفسِ؛ لأنَّ تصويرَ المسائلِ على وجهِها، ونَقْلَ أحكامِها لا يقومُ به إلا فقيهُ النفس.\nويكفي استحضارُ أكثرِ المذهبِ، مع قدرتِه على مطالعةِ بقيتِه (^٦).\nوهنا سؤال، وهو: ما وجّه عدّ أرباب الطبقة الرابعةِ ضمن القسم الثاني: (المجتهدين في مذهب الإمام)؟\nيمكن الجواب: بأنَّ إدراجَ أهلِ هذه الطبقة ضمن القسم الثاني: (المجتهدين في مذهب إمام المذهب): إمّا على سبيلِ المسامحةِ، وإمَّا لقيامِهم بالتخريجِ على فروعِ مذهبِهم في أحوال معينة.\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (ص/ ٢٣).\n(^٢) هكذا في: المصدر السابق، والصواب: \"ما لا يجده\".\n(^٣) في كلام ابن حمدان إشارةٌ إلى حديث: (من أعتق شِرْكًا له ...)، وقد تقدم تخريجه في المسألة الأولى.\n(^٤) هكذا لإضافة الواو في: صفة الفتوى (ص/ ٢٣)، والأقرب حذفها.\n(^٥) المصدر السابق.\n(^٦) انظر: المصدر السابق.","vol":"2","page":910},{"text":"هذه هي الطبقاتُ الأربع التي ذكرها ابنُ حمدان تحت القسم الثاني، وسأُعرجُ على ذكرِ القسمين: الثالث والرابع.\nالقسم الثالث: المجتهد في نوعٍ من العلم (^١).\nمَنْ عَرَفَ القياسَ وما يتصلُ به، جازَ له أنْ يُفتي في مسألةٍ قياسيةٍ، لا تتعلقُ بالحديثِ، ومَنْ عَرَفَ الفرائضَ، فله أنْ يُفتي فيها، وإنْ جَهلَ أحاديثَ النكاحِ مثلًا (^٢).\nالقسم الرابع: المجتهد في مسألة، أو مسائل (^٣).\nمَنْ كان مجتهدًا في مسألةٍ أو مسائل، فليس له الفتوى في غيرِ ما اجتهدَ فيه.\nأمَّا فتواه في المسألةِ التي اجتهدَ فيها، فالأظهرُ عند ابنِ حمدان: جوازُ إفتائِه (^٤)، وقالَ بعده: \"ويحتملُ المنعُ؛ لأنَّه مظنّةُ القصورِ والتقصيرِ\" (^٥).\nوما أورده ابنُ حمدان في القسمين: الثالث، والرابع يمكنُ دخولُه في الطبقاتِ المندرجةِ تحتَ القسمِ الثاني (^٦)؛ بدليلِ: ما قال ابنُ حمدان نفسُه عن الطبقةِ الثانيةِ: \"يُوجَد مِن المجتهدِ المقيّد استقلالٌ بالاجتهادِ والفتوى في مسألةٍ خاصةٍ، أو بابٍ خاص، فيجوزُ له أنْ يفتي فيما لم يجدْه مِنْ أحكامِ الوقائعِ منصوصًا عليها عن إمامِه لما يخرّجه على مذهبِه، وعلى هذا العملُ\" (^٧).\nوقد تَبعَ المرداويُّ (^٨)،\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق.\n(^٢) انظر: المصدر السابق.\n(^٣) انظر: المصدر السابق.\n(^٤) انظر: المصدر السابق.\n(^٥) المصدر السابق.\n(^٦) انظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٣١٦).\n(^٧) صفة الفتوى (ص/ ١٩).\n(^٨) انظر: التحبير (٨/ ٣٨٨١ - ٣٨٨٤)، والإنصاف (١٢/ ٢٥٨ - ٢٦٤).","vol":"2","page":911},{"text":"وابنُ النجارِ (^١)، وابنُ منقورٍ (^٢) ابنَ حمدان في التقسيمِ الذي أورده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>المسألة الثالثة: تقسيم ابن القيم</span>\nتطرَّقَ ابنُ القيّمِ إلى الحديثِ عن طبقاتِ الفقهاء - أو المفتين - ومِنْ ضمنِهم المتمذهبون، فقسّمهم إلى أربعِ طبقات:\nالطبقة الأولى: العالمُ بكتابِ لله، وسنةِ رسوله - ﷺ -، وأقوالِ الصحابة - ﵃ -، المجتهدُ في أحكامِ النوازلِ، الذي يقصدُ موافقةَ الأدلة الشرعية حيثُ كانتْ، ولا ينافي اجتهادُه تقليدَ غيرِه أحيانًا (^٣).\nوأهل هذه الطبقة غيرُ داخلين في حديثي هنا؛ لانتفاءِ وصفِ التمذهبِ عنهم.\nالطبقة الثانية: مجتهدٌ مقيّدٌ في مذهبِ مَنْ ائتمَّ به (^٤).\nالفقيه مِنْ أهلِ هذه الطبقة مجتهدٌ في معرفةِ فتاوي إمامِه وأقوالِه، ومآخذِه وأصولِه، عارفٌ بها، متمكّنٌ مِن التخريجِ عليها، وقياس ما لم ينصَّ إمامُه على حكمِه على ما نصَّ عليه، مِنْ غير أنْ يكونَ مقلِّدًا لإمامِه في الحكمِ، ولا في الدليلِ، لكنْ سَلَكَ طريقَه في الاجتهادِ والفتيا، ودعا\n_________\n(^١) انظر: شرح الكوكب المنير (٤/ ٤٦٧ - ٤٧١).\n(^٢) انظر: الفواكه العديدة (٢/ ١٧١ - ١٧٥). وابن منقور هو: أحمد بن محمد بن أحمد بن حمد المنقور التميمي، ولد بحوطة سدير سنة ١٠٦٧ هـ كان عالمًا حنبليًا بارعًا ورعًا، وقد تولى إفتاء الناس، مهر في الفقه على وجه الخصوص مهارة تامة، من مؤلفاته: الفواكه العديدة في المسائل المفيدة، ومناسك الحج، وتاريخ نجد، توفي بحوطة سدير سنة ١١٢٥ هـ. انظر ترجمته في: السحب الوابلة لابن حميد (١/ ٢٥٢)، وتاريخ نجد لابن بشر (١/ ١٨١)، والأعلام للزركلي (١/ ٢٤٠)، وتراجم لمتأخر الحنابلة لابن حمدان (ص/ ٥٣)، وروضة الناظرين للقاضي (١/ ٦٢)، وتسهيل السابلة لابن عثيمين (٣/ ١٥٩٣)، وعلماء نجد لابن بسام (١/ ٥١٧).\n(^٣) انظر: إعلام الموقعين (٦/ ١٢٥).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (٦/ ١٢٥).","vol":"2","page":912},{"text":"إلى مذهبِه، ورتَّبَه وقرَّره، فهو موافقُ له في مقصدِه وطريقِه معًا (^١).\nيقولُ ابنُ القيّمِ عن هذه الطبقةِ: \"وقد ادعى هذه المرتبة مِن الحنابلةِ القاضي أبو يعلى، والقاضي أبو علي ابن أبي موسى في: (شرح الإرشاد) الذي له، ومِنْ الشافعيةِ خلقٌ كثيرٌ\" (^٢).\nثمَّ ذَكَرَ خلافَ العلماءِ في أبي يوسفَ، ومحمد بن الحسن، وزفر، وأشهب، وابنِ عبدِ الحكم (^٣)، وابنِ القاسم، وابنِ وهب، والمزني، وابنِ سريجٍ، وابنِ المنذرِ، ثمَّ قالَ: \"ومَنْ تَأمَّل أحوالَ هؤلاءِ وفتاويهم واختياراتهم، عَلِمَ أنَّهم لم يكونوا مقلِّدين لأئمتِهم في كلِّ ما قالوه، وخلافُهم لهم أظهرُ مِنْ أنْ يُنْكَر، وإنْ كان منهم المستقلُّ والمستكثرُ، ورتبةُ هؤلاءِ دون رتبةِ الأئمةِ في الاستقلالِ بالاجتهادِ\" (^٤).\nالطبقة الثالثة: مجتهدٌ في مذهبِ إمامِه، مقررٌ له بالدليلِ، متقنٌ لفتاويه، عالمٌ بها، لا يتعدى أقوالَ إمامِه، ولا يخالفها، وإذا وَجَدَ نصَّ إمامِه لم يعدلْ عنه إلى غيرِه البتة (^٥).\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (٦/ ١٢٥ - ١٢٦).\n(^٢) المصدر السابق (٦/ ١٢٦).\n(^٣) هو: محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن الليث المصري، أبو عبد الله، ولد سنة ١٨٢ هـ سمع من ابن وهب وأشهب، وصحب الإمام الشافعي وتفقه به، ودُعي إلى القول بخلق القرآن، فلم يجب، كان إمامًا ثقة فقيهًا مالكيًا متواضعًا، تولى إفتاء الناس، وانتهت إليه الرئاسة بمصر، قال عنه ابن خزيمة: \"ما رأيتُ في فقهاء الإسلام أعرف بأقاويل الصحابة والتابعين من محمد بن عبد الله بن عبد الحكم\"، من مؤلفاته: أحكام القرآن، والرد على الشافعي، وتوفي سنة ٢٦٨ هـ وقيل: ٢٦٩ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ٩٨)، وترتيب المدارك للقاضي عياض (٤/ ١٥٧)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ١٩٣)، وتهذيب الكمال للمزي (٢٥/ ٤٩٧)، وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٩٧)، والوافي بالوفيات للصفدي (٣/ ٣٣٨)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٢/ ٦٧)، وطبقات الشافعية للإسنوي (١/ ٢٩)، والديباج المذهب لابن فرحون (٢/ ١٦٣)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٦٧).\n(^٤) إعلام الموقعين (٦/ ١٢٦).\n(^٥) انظر: المصدر السابق.","vol":"2","page":913},{"text":"يقولُ ابنُ القيِّمِ: \"هذا شأنُ أكثرِ المصنفين في مذاهبِ أئمتِهم، وهو حالُ أكثرِ علماءِ الطوائفِ، وكثيرٌ منهم يظنُّ أنَّه لا حاجةَ به إلى معرفةِ الكتاب والسنةِ والعربيةِ؛ لكونِه مجتزيًا بنصوصِ إمامِه ... وقد يَرَى إمامَه ذَكَرَ حُكْمًا بدليلِه، فيكتفي هو بذلك الدليلِ مِنْ غيرِ بحثٍ عن معارضٍ له، وهذا شأنُ كثيرٍ مِن أصحابِ الوجوه والطرقِ، والكتب المطولَّةِ والمختصرةِ، وهؤلاءِ لا يدَّعون الاجتهادَ، ولا يُقِرونَ بالتقليدِ\" (^١).\nثم بيّنَ ابنُ القيّمِ أنَّ كثيرًا مِنْ أصحابِ هذه المرتبة مِنْ مختلفِ المذاهب يقولون: اجتهدنا في المذاهب، فرأينا أقربَها للحقِّ مذهبَ إمامِنا! (^٢).\nالطبقة الرابعة: طائفةٌ تَفَقّهَتْ في مذهب مَن انتسبتْ إليه، وحفظتْ فتاويه وفروعَه، وأقرَّتْ على أنفسِها بالتقليدِ المَحضِ مِنْ جميعِ الوجوه (^٣).\nوقد رَمى ابنُ القيّمِ بعضَ أربابِ هذه الطبقةِ بالتعصب لأقوالِ إمامِهم، فَذَكَرَ بعضَ صورِ التعصبِ التي وقعوا فيها (^٤).\nوقد تَبعَ ابنُ القيّمِ ابنَ الصلاحِ في منهجِه في تقسيمِ الطبقات، لكنَّه طوى طبقةَ أهلِ التخريجِ - أصحاب الوجوه والطرق - وطبقةَ أهلِ الترجيحِ في طبقةٍ واحدة، وهي الطبقةُ الثالثةُ: (المجتهد في مذهب من انتسب إليه) (^٥).\nوتَبعَ الدكتورُ عبدُ العزيز الربيعة ابنَ القيّمِ فيما ذَكَرَه مِن الطبقاتِ (^٦).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٦/ ١٢٦ - ١٢٧).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (٦/ ١٢٧)، وراجع تعقب ابن القيم لهذه الدعوى.\n(^٣) انظر: المصدر السابق.\n(^٤) انظر: المصدر السابق.\n(^٥) انظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٣١٧).\n(^٦) انظر: المفتي في الشريعة الإسلامية (ص/ ١٤ - ١٦).","vol":"2","page":914},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>المسألة الرابعة: تقسيم ابنه كمال باشا</span>\nاشتهرَ تقسيمُ ابنِ كمال باشا (^١) عند علماءِ الحنفيةِ الذين أتوا بعده، وكان منهم المؤيّدُ، ومنهم المعارضُ، ولا يبعدُ القولُ بأنَّ تقسيمَ ابن كمال أشهرُ التقسيماتِ عند علماءِ الحنفيةِ.\nيقولُ الدكتورُ محمد أحمد علي عن تقسيمِ ابنِ كمال: \"هذا التقسيمُ أوسعُ انتشارًا، وأكثرُ قبولًا\" (^٢).\nوقد جَعَلَ ابنُ كمال باشا الطبقاتِ سبعًا بما في ذلك طبقة المجتهدين، وسأُوردُ الطبقات، ثمَّ أعقبها بما أُورد عليها مِن اعتراضات.\nالطبقة الأولى: المجتهدون في الشرع (^٣).\nومثَّلَ ابنُ كمال لهذه الطبقة بالأئمةِ الأربعةِ، ومَنْ سَلَكَ مسلكَهم في تأسيسِ قواعدِ الأصولِ، واستنباطِ أحكامِ الفروعِ عن الأدلةِ الأربعةِ: الكتاب والسنة والإجماع والقياس على حسبِ تلك القواعدِ، مِنْ غيرِ تقليدٍ لأحدٍ في الفروعِ، ولا في الأصولِ (^٤).\n_________\n(^١) هو: أحمد بن سليمان بن كمال باشا التركي، شمس الدين، المشهور بابن كمال باشا، كان إمامًا عالمًا علامةً رُحلةً فهامةً، فقيهًا أصوليًا، دقيق النظر، أحد أعيان المذهب الحنفي في زمنه، اشتغل بالعلم وهو شاب، وتفنن في عدد من العلوم، كالتفسير والحديث والنحو والصرف والبلاغة والمنطق، درّس في عدة مدارس، ثم ولي القضاء مدينة أدرنة، وصار في آخر عهده مفتيًا في القسطنطينية، من مؤلفاته: تفسير القرآن العزيز - لم يكمل - وتجريد التجريد في علم الكلام، وحواشٍ على التلويح، وتغيير التنقيح في الأصول، توفي سنة ٩٤٠ هـ. انظر ترجمته في: الطبقات السنية للغزي (١/ ٣٥٥)، وشذرات الذهب لابن العماد (١٠/ ٣٣٥)، والكواكب السائرة للغزي (٢/ ١٠٧)، والأعلام للزركلي (١/ ١٣٣).\n(^٢) المذهب عند الحنفية (ص/٥٨).\n(^٣) انظر: طبقات المجتهدين لابن كمال باشا (ص/٢٧٧)، وطبقات الفقهاء لطاش زاده (ص/ ٨)، والطبقات السنية للتميمي (١/ ٣٣)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (١/ ٢٥٣)، وشرح عقود رسم المفتي له (ص/٣٨).\n(^٤) انظر: المصادر السابقة.","vol":"2","page":915},{"text":"وأهلُ هذه الطبقة غيرُ داخلين في طبقاتِ المتمذهبين؛ للقطعِ بانتفاءِ وصفِ التمذهبِ عنهم.\nالطبقة الثانية: طبقةُ المجتهدين في المذهبِ (^١).\nومثَّل ابنُ كمال للطبقةِ الثانيةِ بأبي يوسفَ ومحمدِ بنِ الحسن وسائر أصحابِ أبي حنيفةَ القادرين على استخراج الأحكامِ عن الأدلةِ على مقتضى القواعدِ التي قررها إمامُهم أبو حنيفةَ، وإنْ خالفوه في بعضِ أحكامِ الفروعِ، لكنهم يقلِّدونه في قواعدِ الأصولِ (^٢).\nوبتمذهب أهلِ هذه الطبقة في الأصولِ فارقوا أئمةَ المذاهبِ الأخرى، كالإمامِ مالكٍ والإمامِ الشافعي والإمامِ أحمدَ المخالفين لأبي حنيفةَ في الأصولِ والفروعِ (^٣).\nوأهلُ هذه الطبقة، بناءً على ما قرره ابنُ كمال باشا - بغضِّ النظرِ عمَّنْ مثّلَ بهم - متمذهبون في الأصولِ دونَ الفروع، وتمذهبُهم في الفروعِ تمذهبٌ بالاسمِ فقط.\nالطبقة الثالثة: المجتهدون في المسائلِ التي لا روايةَ فيها عن أصحابِ المذهبِ (^٤).\nومثل ابنُ كمال لهذه الطبقة بالخصَّافِ (^٥) وأبي جعفرٍ الطحاوي وأبي\n_________\n(^١) انظر: المصادر السابقة.\n(^٢) انظر: المصادر السابقة.\n(^٣) انظر: طبقات المجتهدين لابن كمال باشا (ص/٢٧٨)، وطبقات الفقهاء لطاش زاده (ص/ ٨)، والطبقات السنية للتميمي (١/ ٣٣)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (١/ ٢٥٤)، وشرح عقود رسم المفتي له (ص/٣٨).\n(^٤) انظر: المصادر السابقة.\n(^٥) هو: أحمد بن عمرو - وقيل: ابن مهر - بن مهير، أبو بكر الشيباني، المعروف بالخصاف، كان علامةً فقيهًا فرضيًا كبيرًا في العلم، فاضلًا صالحًا، زاهدًا ورعًا، يأكل من كسب يده، من علماء الحنفية المبرزين في وقته،، مقدمًا عند الخليفة المهتدي، من مؤلفاته: الخراج، والحيل والمخارج على مذهب أبي حنيفة، وأدب القاضي، وأحكام الوقوف، والرضاع، توفي ببغداد سنة ٢٦١ هـ وقد قارب الثمانين سنة. انظر ترجمته في: طبقات الفقهاء للشيرازي =","vol":"2","page":916},{"text":"الحسنِ الكرخي وشمسِ الأئمةِ الحلواني (^١) وأبي بكرِ السرخسي وفخرِ الدين البزدوي وفخرِ الدّينِ قاضي خان (^٢)، وأمثالِهم؛ فإنَّهم لا يقدرونَ على المخالفةِ لشيخٍ لا في الأصولِ، ولا في الفروعِ، ولكنَّهم يستنبطون الأحكامَ في المسائلِ التي لا نصَّ عنه فيها، حسب أصولِ قررها، ومقتضى قواعد بَسَطَها (^٣).\nيقولُ الشيخُ محمد أبو زهرة معلِّقًا على أهلِ هذه الطبقةِ: \"هذه الطبقةُ هي التي خَدَمت الفقهَ الحنفي؛ إذ هي التي وَضَعَت الأسسَ لنموِه، والتخريج عليه، والبناء على أقوالِه، وهي التي وَضَعَتْ أُسسَ الترجيحِ فيه، والمقايسة بين الآراء، وتصحيح بعضِها وتضْعِيف الآخر، وهي التي ميزت الكيانَ الفقهي للمذهبِ الحنفي\" (^٤).\n_________\n= (ص/ ١٣٢)، وسير أعلام النبلاء (١٣/ ١٢٣)، والوافي بالوفيات للصفدي (٧/ ٢٦٦)، والجواهر المضية للقرشي (١/ ٢٣٠)، وتاج التراجم لقطلوبغا (ص/ ٩٧)، والطبقات السنية للغزي (١/ ٤١٨)، والفوائد البهية للكنوي (ص/ ٣٩).\n(^١) هو: عبد العزيز بن أحمد بن نصر بن صالح، أبو محمد شمس الأئمة الحلواني، كان علامةً إمام الحنفية في وقته ببخارى، عالمًا بأنواع العلوم، معظِّمًا للحديث، غير متساهل في روايته، وقد أخذ العلم عن جماعة من علماء عصره، وحدّث عن أبي عبد الله غنجار، من مؤلفاته: المبسوط، والنوادر، توفي ببخارى سنة ٤٤٨ هـ وقيل: سنة ٤٤٩ هـ. انظر ترجمته في: الأنساب للسمعاني (٤/ ١٩٤)، وسير أعلام النبلاء (١٨/ ١٧٧)، والجواهر المضية للقرشي (٢/ ٤٢٩)، وتاج التراجم لقطلوبغا (ص/ ١٨٩)، والطبقات السنية للغزي (٤/ ٣٤٥)، والفوائد البهية للكنوي (ص/ ١٢٢).\n(^٢) هو: الحسن بن منصور بن أبي القاسم محمود بن عبد العزيز الفرغاني، فخر الدين أبو المحاسن المعروف بقاضي خان، كان إمامًا كبيرًا، علامةً بحرًا في العلوم، فهامةً غواصًا في المعاني الدفيقة، حنفي المذهب، أخذ العلم عن جماعة من أهل العلم، منهم: ظهير الدين المرغيناني، وله مصنفات عديدة، منها: الفتاوى، وشرح الجامع الصغير، وشرح أدب القضاء للخصاف، توفي سنة ٥٩٢ هـ. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (٢١/ ٢٣١)، والجواهر المضية للقرشي (٢/ ٩٣)، وتاج التراجم لقطلوبغا (ص/ ١٥١)، والطبقات السنية للغزي (٣/ ١١٦)، والفوائد البهية للكنوي (ص/ ٨٤).\n(^٣) انظر: طبقات المجتهدين لابن كمال باشا (ص/ ٢٧٨)، وطبقات الفقهاء لطاش زاده (ص/ ٨)، والطبقات السنية للتميمي (١/ ٣٣)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (١/ ٢٥٤)، وشرح عقود رسم المفتي له (ص/ ٣٨).\n(^٤) أبو حنيفة - حياته وعصره (ص/ ٣٨٦).","vol":"2","page":917},{"text":"الطبقة الرابعة: أصحابُ التخريجِ من المقلِّدين (^١).\nومثَّلَ ابنُ كمال لهذه الطبقة بالرازي وأمثالِه؛ فإنَّهم لا يقدرون على الاجتهادِ أصلًا، لكنَّهم؛ لإحاطتِهم بالأصولِ، وضبطهم للمآخذِ يقدرون على تفصيلِ قولٍ مجملٍ ذي وجهين، وحُكمٍ مُبْهَم (^٢) محتملٍ لأمرين، منقولٍ عن صاحبِ المذهب، أو عن واحدٍ مِنْ أصحابِه المجتهدين، برأيهم ونَظَرِهم في الأصولِ وَالمقايسة على أمثالِه ونظرائه مِن الفروعِ، وقولُ بعضِ الحنفيةِ: \"كذا في تخريجِ الكرخي، وتخريجِ الرازي\"، مِنْ هذا القبيلِ (^٣).\nالطبقة الخامسة: أصحابُ الترجيحِ مِن المقلِّدين (^٤).\nومثَّلَ ابنُ كمال لهذه الطبقةِ بأبي الحسين القدوري وصاحب الهداية (^٥)، وأمثالِهما، وشَأْنُهم تفضيلُ بعضِ الرواياتِ على بعضٍ، بقولِهم: هذا أولى (^٦)، وهذا أصحُّ روايةً، وهذا أرفق للناسِ (^٧).\nالطبقة السادسة: المقلِّدون القادرون على التمييزِ بين الأقوى والقوي\n_________\n(^١) انظر: طبقات المجتهدين لابن كمال باشا (ص/ ٢٧٨)، وطبقات الفقهاء لطاش زاده (ص/ ٩)، والطبقات السنية للتميمي (١/ ٣٤)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (١/ ٢٥٤)، وشرح عقود رسم المفتي له (ص/ ٤٠ - ٤١).\n(^٢) وقع في: الطبقات السنية للتميمي (١/ ٣٣): \"مهم\"، وهو تصحيف.\n(^٣) انظر: طبقات المجتهدين لابن كمال باشا (ص/٢٧٨)، وطبقات الفقهاء لطاش زاده (ص/ ٩)، والطبقات السنية للتميمي (١/ ٣٤)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (١/ ٢٥٤)، وشرح عقود رسم المفتي له (ص/ ٤٠ - ٤١).\n(^٤) انظر: طبقات المجتهدين لابن كمال باشا (ص/٢٧٨ - ٢٧٩)، وطبقات الفقهاء لطاش زاده (ص/ ٩)، والطبقات السنية للتميمي (١/ ٣٤)، ورد المحتار على الدر المختار (١/ ٢٥٦)، وشرح عقود رسم المفتي (ص/ ٤٢ - ٤٣).\n(^٥) مؤلف الهداية هو المرغيناني.\n(^٦) جاء في: طبقات المجتهدين لابن كمال باشا (ص/ ٢٧٩): \"أدنى\"، وهو تصحيف.\n(^٧) انظر: المصدر السابق (ص/ ٢٧٨ - ٢٧٩)، وطبقات الفقهاء لطاش زاده (ص/ ٩)، والطبقات السنية للتميمي (١/ ٣٤)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (١/ ٢٥٦)، وشرح عقود رسم المفتي له (ص/ ٤٢ - ٤٣).","vol":"2","page":918},{"text":"والضعيف، وظاهرِ المذهبِ وظاهرِ الروايةِ والروايةِ النادرةِ (^١).\nومثَّلَ ابنُ كمال لهذه الطبقةِ بأصحاب المتونِ المعتبرةِ مِن المتأخرين، مثل: صاحب الكنزِ (^٢) وصاحبِ المختارِ (^٣) وصاحب الوقايةِ (^٤) وصاحبِ المجمعِ (^٥)، وشَأْنُهم أنْ لا ينقلوا في كتبِهم الأقوالَ المردودةَ، والرواياتِ الضعيفةَ (^٦).\nالطبقة السابعة: المقلِّدون الذين لا يقدرون على ما ذُكِرَ، ولا يُفرّقون بين الغثِّ (^٧) والسمين، ولا يميّزون بين الشمالِ واليمينِ، بلْ يجمعونَ ما يجدون، كحاطبِ ليلٍ، فالويلُ لهم، ولمنْ قلَّدهم كلّ الويلِ (^٨).\n_________\n(^١) انظر: المصادر السابقة.\n(^٢) مؤلف كنز الدقائق هو: أبو البركات النسفي.\n(^٣) مؤلف المختار للفتوى: هو عبد الله الموصلي، وهو: عبد الله بن محمود بن مودود بن محمود الموصلي، أبو الفضل مجد الدين، ولد بالموصل سنة ٥٩٩ هـ كان فقيهًا عالمًا فاضلًا حنفيًا عارفًا بمذهبه، من أفراد الدهر في معرفة الفروع، ولي قضاء الكوفة، ثم عزل، وذهب إلى بغداد ودرَّس بها، تولى إفتاء الناس، من مؤلفاته: المختار للفتوى، والاختيار لتعليل المختار، والمشتمل على مسائل المختصر، توفي ببغداد سنة ٦٨٣ هـ. انظر ترجمته في: الجواهر المضية للقرشي (٢/ ٣٤٩)، وتاج التراجم لقطلوبغا (ص/ ١٧٦)، والطبقات السنية للغزي (٤/ ٢٣٩)، والفوائد البهية للكنوي (ص/ ١٣٧).\n(^٤) مؤلف الوقاية: هو محمود المحبوبي، وهو: محمود بن عبيد بن محمود - وقيل: اسمه: محمود بن أحمد بن عبيد الله بن إبراهيم - المحبوبي، تاج الشريعة، كان عالمًا فاضلًا حبرًا زاخرًا تحريرًا، من أعيان الحنفية، من مؤلفاته: الكفاية شرح الهداية، والوقاية مختصر الهداية، ولم أقف في ترجمته على أكثر من هذا، والذي يمكن أن يقال: إنه عاش بعد القرن السادس؛ لأنه شرح الهداية للمرغيناني (المتوفى سنة ٥٩٣ هـ). انظر ترجمته في: الجواهر المضية للقرشي (٤/ ٣٦٩)، وتاج التراجم لقطلوبغا (ص/ ٢٩١)، والفوائد البهية للكنوي (ص/ ٢٧٢).\n(^٥) مؤلف مجمع البحرين هو: أحمد بن علي بن تغلب الساعاتي.\n(^٦) انظر: طبقات المجتهدين لابن كمال باشا (ص/٢٧٨ - ٢٧٩)، وطبقات الفقهاء لطاش زاده (ص/ ٩)، والطبقات السنية للتميمي (١/ ٣٤)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (١/ ٢٥٦)، وشرح عقود رسم المفتي له (ص/ ٤٢ - ٤٣).\n(^٧) الغثُّ هو: المهزول. انظر: القاموس المحيط، مادة: (غثث)، (ص/ ٢٢١).\n(^٨) انظر: طبقات المجتهدين لابن كمال باشا (ص/ ٢٧٩)، وطبقات الفقهاء لطاش زاده =","vol":"2","page":919},{"text":"يقولُ الشيخُ محمد أبو زهرة عن الطبقةِ السابعةِ: \"إنَّ هذا الصنفَ ... قد كَثُرَ في العصورِ الأخيرةِ، فهم يتعبَّدون بعبارةِ الكتبِ لا يتجاوزن ما فيها، ولا يميزون بين الأدلةِ، ولا الأقوالِ والراوياتِ\" (^١).\nهذه هي طبقاتُ الفقهاءِ التي أوردها ابنُ كمال باشا، وقد تباينت مواقفُ العلماءِ - وخاصةً علماء الحنفية - تجاه هذا التقسيمِ، فكان هناك موقفان:\nالموقف الأول: موقفُ المؤيدين - أو المعتمدين - لتقسيم ابن كمال باشا.\nالموقف الثاني: موقف المنتقدين لتقسيم ابن كمال باشا.\nالموقف الأول: موقفُ المؤيدين - أو المعتمدين - لتقسيم ابن كمال باشا.\nأيّدَ بعضُ العلماءِ تقسيمَ ابنِ كمال باشا، بلْ نصَّ بعضُهم على استحسانِه، وأورده آخرون دونَ اعتراضٍ عليه، وذكره آخرون دونَ إشارةٍ إلى نسبتِه إلى ابنِ كمال باشا.\nفممّنْ ذَكَرَ تقسيمَ ابنِ كمال باشا: طاش كبري زاده (^٢)، والكفويُّ (^٣) -\n_________\n= (ص/ ١٠)، والطبقات السنية للتميمي (١/ ٣٤)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (١/ ٢٥٦)، وشرح عقود رسم المفتي له (ص/ ٤٣).\n(^١) أصول الفقه (ص/ ٣٩٨).\n(^٢) انظر: طبقات الفقهاء (ص/ ٧ - ١٠).\n(^٣) نقل تقسيمَ الكفويِّ اللكنويُّ في: عمدة الرعاية (١/ ٧ - ٩)، لكنَّ الكفويَّ اقتصر على خمس طبقات من هذه السبع، فلم يذكر الطبقة الأولى، والطبقة السابعة.\nوالكفوي هو: أيوب بن موسى الحسيني القريمي، أبو البقاء الكفوي، ولد في كفا بالقرم سنة ١٠٢٨ هـ كان عالمًا ثقة دينًا ورعًا، من قضاة المذهب الحنفي، ولي القضاء في تركيا والقدس وبغداد، من مؤلفاته: الكليات، وشرح بردة البوصيري، توفي باسطنبول سنة ١٠٩٤ هـ. انظر ترجمته في: إيضاح المكنون للبغدادي (٢/ ٣٨٠)، والأعلام للزركلي (٢/ ٣٨)، ومعجم المؤلفين لكحالة (١/ ٤١٨)، ومقدمة تحقيق الكليات للكفوي (ص/ ٧).","vol":"2","page":920},{"text":"دونَ إشارةٍ منهما إلى ابن كمال باشا - وتقيُّ الدّينِ التميمي (^١)، وقالَ عنه: \"تقسيمٌ حسنٌ جدًّا\" (^٢)، وابنُ عابدين (^٣)، وعلوي بن أحمد السقاف (^٤)، ومحمدٌ حسنين مخلوف المالكي (^٥)، والدكتورُ محمد شلبي (^٦)، والدكتورُ بدران أبو العينين - ونسب التقسيمَ إلى ابن عابدين (^٧) - والدكتورُ محمد أحمد علي (^٨)، ومحمدٌ تقي العثماني (^٩)، والدكتورُ محمد محروس المدرس، دون إشارة منه إلى ابن كمال باشا (^١٠).\nيقولُ الشيخُ محمد تقي العثماني بعدما ذَكَرَ طبقاتِ ابنِ كمال باشا: \"إنَّ بعضَ الناسِ يزعمون أنَّ هذه الطبقات السبعة أقسامٌ متباينةٌ لا تجتمعُ في شخصٍ واحدٍ، فمَنْ كان مِنْ أهلِ الترجيحِ لا يكون مِنْ أهلِ التخريجِ، ومَنْ كان مِنْ أهلِ التخريجِ لا يكون مجتهدًا في المسائل.\nلكن الذي ظَهَرَ لهذا العبدِ الضعيفِ - عفا اللهُ عنه - هو أنَّ هذه الأقسامَ للوظائفِ، لا للأشخاصِ، والمراد أنَّ وظائفَ الفقهاءِ تنقسم إلى\n_________\n(^١) هو: تقي الدين بن عبد القادر التميمي الغزي المصري، ولد سنة ٩٥٠ هـ كان حنفي المذهب عالمًا عاملًا فاضلًا، مقبلًا على التعبد والتزهد، أديبًا مؤرخًا، وقد جال في البلاد، ودخل بلاد الروم، واشتغل بالقضاء في مصر، من مؤلفاته: الطبقات السنية في تراجم الحنفية، وحاشية على شرح الألفية لابن مالك، والسيف البراق في عنق الولد العاق، ومختصر يتيمة الدهر للثعالبي، توفي بمصر سنة ١٠٠٥ هـ وقيل: سنة ١٠١٠ هـ. انظر ترجمته في: خلاصة الأثر للمحبي (١/ ٥٢٧)، ومعجم المؤلفين لكحالة (١/ ٤٥٧)، ومقدمة تحقيق الطبقات السنية للغزي (١/ ح).\n(^٢) الطبقات السنية (١/ ٣٤).\n(^٣) انظر: رد المحتار على الدر المختار (١/ ٢٥٣ - ٢٥٦)، وشرح عقود رسم المفتي (ص/ ٣٩ - ٤٤).\n(^٤) انظر: الفوائد المكية (ص/ ٦٨ - ٦٩).\n(^٥) انظر: بلوغ السول (ص/ ١٨٠).\n(^٦) انظر: المدخل في الفقه الإسلامي (ص/ ١٤٤ - ١٤٦).\n(^٧) انظر: تاريخ الفقه الإسلامي (ص/ ١٠٥ - ١٠٦)، والشريعة الإسلامية - تاريخها (ص/ ١٥٩ - ١٦٠).\n(^٨) انظر: المذهب عند الحنفية (ص/ ٥٨ - ٥٩).\n(^٩) انظر: أصول الإفتاء (ص/ ٢٤٢)، مع المصباح في رسم المفتي.\n(^١٠) انظر: مشايخ بلخ من الحنفية (١/ ١٧٥ - ١٧٦).","vol":"2","page":921},{"text":"هذه الأقسام السبعة، ولا يستلزمُ مِنْ ذلك أنْ لا يكون الرجلُ يتولى جميع هذه الوظائف، أو بعضها في وقتٍ واحدٍ ... لذا ذكروا أبا جعفر الطحاوي ﵀ أهل (^١) الاجتهاد في المسائل، ثم عدّه بعضُهم مِنْ أصحابِ التخريجِ\" (^٢).\nومع وجاهة ما قاله الشيخ محمد العثماني، إلا أنَّ بعضَ النقدِ - كما سيأتي بعد قليل - موجَّه إلى تداخلِ بعضِ الطبقاتِ، هذا من جهة.\nومن جهة أخرى: فإنَّ ابنَ كمال باشا قد نَعَتَ جملةً مِن الفقهاءِ بأنّ مِنْ شأنِهم كذا، ولا يقدرون على كذا (كما في الطبقةِ السابعة) ممَّا يعني أنَّهم عنده مِنْ أهلِ تلك الطبقةِ، دونَ غيرِها مِن الطبقاتِ (^٣).\nالموقف الثاني: موقف المنتقدين لتقسيم ابن كمال باشا.\nانتقدَ جمعٌ مِنْ علماءِ المذهبِ الحنفي تقسيمَ ابنِ كمال، ومِنْ هؤلاءِ: شهابُ الدّينِ المرجاني (^٤)، فقد جَرَحَ التقسيمَ، وعلَّق على ثناءِ تقيّ الدين التميمي على التقسيم بأنَّه \"تقسيمٌ حسنٌ جدًّا\" (^٥)، فقالَ: \"بلْ هو بعيدٌ عن الصحةِ بمراحل، فضلًا عن حسنِه جدًّا، فإنَّه تحكماتٌ باردةٌ، وخيالاتٌ\n_________\n(^١) هكذا وردت العبارة في: أصول الإفتاء (ص/ ٢٤٢)، مع المصباح في رسم المفتي، ولعل الأقرب: \"مِنْ أهل\".\n(^٢) المصدر السابق (ص/ ٢٤١ - ٢٤٢).\n(^٣) انظر: المذهب الحنفي لأحمد نقيب (١/ ١٨٥).\n(^٤) هو: هارون بن بهاء الدين المرجاني، شهاب الدين، ولد في مرجان من قرى قازان بروسيا سنة ١٢٣٣ هـ كان فقيهًا أصوليًا حنفي المذهب، مشاركًا في بعض العلوم، تلقَّى العلم على والده، ثم رحل إلى سمرقند وبخارى، جاء في ترجمته أنه \"كانت له صولات وجولات في العلم، وبعض الشذوذ في الفهم، ولا يتقيد في اللغة بالمسموع، بل كان يطلق عنان قلمه كما يشاء\"، من مؤلفاته: ناظورة الحق في فرضية العشاء وإن لم يغب الشفق، وحزمة الحواشي لإزالة الغواشي - وهي حاشية على التوضيح لصدر الشريعة - توفي في مرجان سنة ١٣٠٦ هـ.\nانظر ترجمته في: الأعلام الشرقية لزكي مجاهد (١/ ٤٢١)، والأعلام للزركلي (٨/ ٥٩)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٤/ ٤٩).\n(^٥) الطبقات السنية (١/ ٣٤).","vol":"2","page":922},{"text":"فارغةٌ، وكلماتٌ لا روحَ لها، وألفاظٌ غيرُ محصِّلةِ المعنى، ولا سلفَ له في ذلك المدَّعى، ولا سبيل له في تلك الدعوى\" (^١).\nوانتقد تقسيمَ ابنِ كمال أيضًا: عبدُ الحي اللكنوي (^٢)، ومحمد بخيت المطيعي (^٣)، ومحمد الكوثري (^٤)، ومحمد أبو زهرة (^٥)، والدكتور يعقوب الباحسين (^٦).\nوالنقدُ الموجه إلى طبقاتِ ابن كمالِ باشا يسير في اتجاهين:\nالاتجاه الأول: النقدُ الموجّه إلى تقسيمِ الطبقاتِ، وترتيبِها.\nالاتجاه الثاني: النقدُ الموجّه إلى توزيعِ الفقهاءِ على الطبقات (^٧).\nالاتجاه الأول: النقدُ الموجّه إلى تقسيمِ الطبقاتِ، وترتيبِها.\nوجّه عددٌ مِن علماءِ الحنفيةِ نقدَهم إلى تقسيمِ طبقاتِ ابن كمال باشا، فذكروا الآتي:\n_________\n(^١) ناظورة الحق (ص/ ١٠٤)، ملحق بكتاب حسن التقاضي للكوثري. وانظر: إرشاد أهل الملة لمحمد المطيعي (ص/٢٤٩)، ورسالة في بيان الكتب التي يعول عليها له (ص/٨٨).\nويتعقب الدكتور يعقوب الباحسين في: التخريج عند الفقهاء والأصوليين (ص/ ٣٠٧) العبارات التي استخدمت في نقد طبقات ابن كمال باشا، فيقول: \"لكنَّ الأسلوب الذي اتبع، والعبارات التي استخدمت لا تليق بالنقد العلمي\".\n(^٢) انظر: الفوائد البهية (ص/ ١٠)، وعمدة الرعاية (١/ ٧ وما بعدها).\n(^٣) انظر: إرشاد أهل الملة (ص/ ٢٤٩).\n(^٤) انظر: حُسْن التقاضي (ص/ ٢٩).\n(^٥) انظر: أبو حنيفة - حياته وعصره (ص/ ٣٨٨)، وتاريخ المذاهب الإسلامية (ص / ٣٣١ وما بعدها).\n(^٦) انظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين (ص/ ٣٠٦ - ٣٠٧).\n(^٧) انظر: حسن التقاضي للكوثري (ص/ ٢٩)، والوجيز في أصول الاستنباط للدكتور محمد الفرفور (٢/ ٥٩٧)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٣٠٦)، والمذهب الحنفي لأحمد نقيب (١/ ١٧٠).\nوقولُ الدكتور محمد أحمد علي في كتابه: المذهب عند الحنفية (ص/ ٥٩) عن تقسيم ابن كمال باشا: \"فالتقسيم في حدِّ ذاته، كقاعدة عامة مقبولٌ لدى الفقهاء الحنفية، والاعتراض منصبٌ على انطباق القاعدة والتقسيمات على الأفراد المدرجين في كل طبقة، أو عدم انطباقها\": قولٌ غيرُ دقيقٍ.","vol":"2","page":923},{"text":"أولًا: يرى الشيخُ محمدٌ أبو زهرة أنَّ عدَّ أبي يوسفَ، ومحمد بن الحسن، وزفر مِنْ أهلِ الطبقةِ الثانيةِ، محلُّ نظرٍ - كما سيأتي بعد قليلٍ - وبناءً عليه، فإذا كان لا يُوجَد في الطبقة الثانيةِ إلا هم وأمثالهم، فليس لهذه الطبقةِ وجودٌ في المذهبِ الحنفي؛ لأنَّ أبا يوسف ومحمدًا، وأمثالهما مجتهدون مستقلون كلّ الاستقلالِ، ولهم مِثْلُ ما لشيخهم أبي حنيفةَ مِنْ آراء، وإنْ كان له فضلُ السبقِ والتعليمِ (^١).\nثانيًا: انتقدَ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة - أيضًا - الفَصْلَ بين الطبقتين: الثالثة والرابعة، وعلّلَ لذلك، فقالَ: \"إنَّ الفرقَ بين الطبقةِ الرابعةِ، وسابقتها دقيقٌ لا يكادُ يستبين، ومَنْ عدَّهما طبقةً واحدةً لا يعدو الحقيقة؛ لأنَّ الترجيحَ بين الآراءِ على مقتضى الأصولِ لا يقل وزنًا عن استنباطِ أحكامِ فروعٍ لم تُؤْثَر لها أحكامٌ عن الأئمةِ\" (^٢).\nفأصحابُ التخريجِ الذين عدّهم ابنُ كمال باشا الطبقة الرابعة، هم المجتهدون في المسائل التي لا روايةَ فيها عن إمام المذهب الذين عدّهم طبقةً ثالثةً.\nثالثًا: لمَّا ذَكَرَ ابنُ كمال الطبقةَ الرابعةَ: (أصحاب التخريج)، جَعَلَ عملَهم تفصيلَ قولٍ مجملٍ ذي وجهين، وحُكمٍ مُبْهَم محتمل لأمرين ... وانتقد جمعٌ مِن العلماءِ صنيعَه؛ لأنَّ عملَ أهلِ الطبقةِ الرابعة على هذا الوصفِ، لا يتضحُ معه الفرقُ بينهم، وبين عملِ أهلِ الطبقةِ الخامسةِ: (أصحاب الترجيح)؛ لأنَّ عملَ أهلِ الطبقةِ الرابعةِ مِنْ قبيلِ الترجيحِ (^٣).\nيقولُ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة: \"إنَّه لكي تكون الأقسامُ متميزةً غيرَ متداخلة، يجب حذفُ طبقةٍ مِنْ هذه الطبقات الثلاث، وهي: الثالثةُ والرابعةُ\n_________\n(^١) انظر: أبو حنيفة - حياته وعصره (ص/ ٣٨٦).\n(^٢) المصدر السابق (ص/ ٣٨٧).\n(^٣) انظر: أبو حنيفة - حياته وعصره (ص/ ٣٨٧)، والوجيز في أصول الاستنباط للدكتور محمد الفرفور (٢/ ٥٩٧)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٣٠٦).","vol":"2","page":924},{"text":"والخامسةُ، واعتبارهما طبقتين اثنتين: إحداهما: طبقة المخرِّجين ... والثانية: طبقة المرجِّحين ... \" (^١).\nلكنْ يمكنُ التفريقُ بين الطبقتين: الرابعةِ والخامسةِ، وبيانُ ذلك: أنَّ وظيفةَ أرباب الطبقةِ الرابعةِ هي توضيح قولٍ واحدٍ فقط، أمَّا الطبقة الخامسة، فوظَيفةُ أهلِها هي الترجيحُ بين عدّةِ أقوال.\nرابعًا: لا يتضحُ فرقٌ ظاهرٌ بين الطبقةِ الخامسةِ، والطبقةِ السادسةِ؛ لأنَّ أصحابَ الطبقةِ السادسةِ إذا كانوا قادرين على التمييزِ بين الأقوى والقوي والضعيفِ، وظاهرِ المذهب والروايةِ النادرةِ، فهم مِنْ أهل الترجيحِ الذين عدَّهم ابنُ كمال باشا في الطَبقةِ الخامسةِ (^٢).\nلكنَّ الشيخَ محمدًا أبو زهرة قرّر الفرقَ بين الطبقتين - فلا يَرِدُ الإشكالُ بناءً على تفريقِه بينهما - إذ جَعَلَ أهلَ الطبقةِ السادسةِ: (الذين لا يرجحون بين الأقوالِ والرواياتِ) على علمٍ بما رجّحَه السابقون، واختاروه، وبيّنوا أنَّه الأقوى، ومعرفةُ ما رجَّحه العلماءُ، والموازنة بين ترجيحِ المرجِّحين مِنْ حيثُ قوةُ الدليلِ، أو كثرةُ العددِ أمرٌ سهلٌ، فعملُ الطبقةِ السادسةِ ليس الترجيحِ، ولكنْ معرفةُ ما رُجِّحَ، وترتيب درجاتِ الترجيحِ (^٣).\nخامسًا: عقّبَ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة على وصفِ أهلِ الطبقةِ السابعةِ بأنَّهم لا يُفرّقون بين الغثِّ والسمين، ولا يميزون بين الشمالِ واليمين ... بقولِه: \"لستُ أدري إذا كان هؤلاءِ على ذلك الوصفِ، فكيفَ يُعدون مِن الفقهاء؟ ! إنَّهم نقلة، إنْ أردنا أنْ نرفقَ بهم في الاسمِ\" (^٤).\n_________\n(^١) أبو حنيفة - حياته وعصره (ص/ ٣٨٧).\n(^٢) انظر: ناظورة الحق للمرجاني (ص/ ١١٢)، ملحق بكتاب حسن التقاضي للكوثري، وإرشاد أهل الملة لمحمد المطيعي (ص/ ٢٥١)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٣٠٦).\n(^٣) انظر: أبو حنيفة - حياته وعصره (ص/ ٣٨٨).\n(^٤) المصدر السابق. وانظر: تاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٣٨).","vol":"2","page":925},{"text":"ويمكنُ القول بأنَّ مرادَ ابن كمال باشا بالفقهاءِ ما يشملُ كلَّ مِن انتسبَ إلى الفقهِ؛ وأهلُ الطبقةِ السابعة ممَّنْ ينتسبُ إلى الفقهِ.\nالاتجاه الثاني: النقدُ الموجه إلى توزيعِ الفقهاءِ على الطبقاتِ.\nلمَّا ذَكَرَ ابنُ كمال باشا طبقاتِ الفقهاءِ أَرْدَفَ أغلبَها بذكرِ أمثلةٍ لها مِنْ علماءِ المذهبِ الحنفي، ورأى بعضُ علماءِ الحنفيةِ أنَّ بعضَ علمائهم أُنزِلوا في طبقةٍ دونَ التي يستحقونها.\nوسأوجزُ الحديثَ هنا؛ لأنَّه لا يعدو أنْ يكونَ اختلافًا في وجهاتِ النظرِ إلى بعضِ العلماءِ، إضافةً إلى قلِّةِ الثمرةِ المرجوةِ وراءه.\nأولًا: عدَّ ابنُ كمال باشا أبا يوسفَ ومحمدًا وسائرَ أصحاب أبي حنيفة مقلِّدين للإمامِ أبي حنيفةَ في أصولِه.\nولم يُسلِّمْ لابنِ كمال جمعٌ مِنْ علماءِ الحنفيةِ؛ لأنَّ لبعضِ أصحابِ الإمامِ أبي حنيفةَ أصولًا مختصة بهم، تفردوا بها عن الإمامِ أبي حنيفة، وخالفوه فيها (^١)، ومَنْ يدرسُ حياتهم العلميةَ سيجدُ أنَّه يبعدُ وصفُهم بالتقليدِ لإمامِهم في أصولِه، فبعضُهم لم يكتفِ بالإمامِ أبي حنيفة، بلْ دَرَسَ على غيرِه مِن الأئمةِ (^٢)، مع العلمِ أن الأصولَ لم تحرّرْ تحريرًا كاملًا في عهدِ الإمامِ أبي حنيفة، حتى يُقال: إنَّ أصحابَه تلقوها عنه، واتَّبعوه فيها، وإنَّما كانت الأصولُ تراعى عند الاستنباطِ، ولا تُلقى إلقاءً (^٣).\nيقولُ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة: \"إنَّ أبا يوسف ومحمدًا وزفرَ - وغيرَهم\n_________\n(^١) انظر: ناظورة الحق للمرجاني (ص/ ١٠٥)، ملحق بكتاب حسن التقاضي للكوثري، والتعليقات السنية على الفوائد البهية للكنوي (ص/ ٤١)، وعمدة الرعاية له (١/ ٨)، وإرشاد أهل الملة لمحمد المطيعي (ص/ ٢٥٠ وما بعدها)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٣٠٦)، وأصول الإفتاء للعثماني (ص/ ٢١٨ وما بعدها)، مع المصباح في رسم المفتي.\n(^٢) انظر: تاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٣١ - ٣٣٢).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (ص/ ٣٣٢).","vol":"2","page":926},{"text":"من الأصحاب - كانوا مستقلين في تفكيرِهم الفقهي كلّ الاستقلالِ، وما كانوا مقلِّدينَ لشيخِهم بأيّ نحوٍ مِن نواحي التقليدِ.\nوكونهم درسوا آراءَه، أو تلقوها عليه، وتثقفوا في أُوْلى دراساتِهم عليه، لا يمنعُ استقلالَ تفكيرِهم، وحريةَ اجتهادِهم؛ وإلا لكانَ مَنْ يتلقى على شخصٍ لا بُدَّ أنْ يكونَ مقلِّدًا له، وتنتهي القضيةُ لا محالةَ إلى أنْ تنزلَ بأبي حنيفةَ نفسِه عن مرتبةِ المجتهدين المستقلين؛ فإنَّه ابتدأَ دراساته بتلقي فقه إبراهيمَ النخعي على شيخِه حماد بنِ أبي سليمان (^١)، وكانَ كثيرَ التخريجِ عليه ... وإذا كانت الأصولُ التي بُنِيَ عليها الاستنباطُ عند هؤلاءِ التلاميذِ وشيخِهم متحدةً في أكثرِها، فليستْ متحدةً في كلِّها، وحسبهم تلك المخالفة؛ لتَثْبُتَ لهم صفةُ الاستقلالِ\" (^٢).\nثانيًا: جعل ابنُ كمال الخصَّافَ، والطحاويَّ، والكرخيَّ مِنْ أهلِ الطبقةِ الثالثةِ.\nولم يؤيّدْ هذا التوزيع بعضُ علماءِ الحنفيةِ، وعدّوه بخسًا لقدرِ هؤلاءِ الفقهاءِ (^٣)؛ إذ لهم اختياراتٌ في الأصولِ والفروعِ خالفوا فيها إمامَهم أبا حنيفةَ (^٤).\n_________\n(^١) هو: حماد بن أبي سليمان مسلم، أبو إسماعيل، أصله من أصبهان، مولى إبراهيم بن أبي موسى الأشعري، تتلمذ لإبراهيم النخعي، واختص به، فكان أنبل أصحابه، كان علامة من فقهاء الكوفة، بل فقيه العراق، صادق اللهجة ثقة ذكيًا كريمًا، ذا لسانٍ سؤول، وقلب عقول، وقد رُمي بالإرجاء، قال معمر: ما رأيت مثل حماد، توفي سنة ١٢٠ هـ وقيل: ١١٩ هـ. انظر ترجمته في: التاريخ الكبير للبخاري (٣/ ١٨)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ٨٠)، وتهذيب الكمال للمزي (٧/ ٢٦٩)، وسير أعلام النبلاء (٥/ ٢٣١)، والجواهر المضية للقرشي (٢/ ١٥٠)، والطبقات السنية للغزي للتميمي (٣/ ١٨٦)، وشذرات الذهب لابن العماد (٢/ ٨٩).\n(^٢) أبو حنيفة - حياته وعصره (ص/ ٣٨٤ - ٣٨٥). وانظر: رسالة في بيان الكتب التي يعول عليها لمحمد المطيعي (ص/ ٨٨ وما بعدها)، وأصول الفقه لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٩٠)، وتاريخ المذاهب الإسلامية له (ص/ ٣٣١).\n(^٣) انظر: ناظورة الحق للمرجاني (ص/ ١٠٩)، ملحق بكتاب حسن التقاضي للكوثري، وإرشاد أهل الملة لمحمد المطيعي (ص/ ٢٥٤).\n(^٤) انظر: المصدرين السابقين، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/٣٠٧).","vol":"2","page":927},{"text":"يقولُ شهابُ الدّينِ المرجاني: \"إنَّ قولَه - أي: ابن كمال باشا - في الخصَّافِ والطحاويّ والكرخيّ: إنَّهم لا يقدرون على مخالفةِ أبي حنيفةَ لا في الأصولِ، ولا في الفروعِ: ليس بشيءٍ؛ فإنَّ ما خالفوه فيه مِن المسائل لا يعدُّ ولا يحصى، ولهم اختياراتٌ في الأصولِ والفروعِ، وأقوالٌ مستنبطةٌ بالقياسِ\" (^١).\nويقولُ عبد الحي اللكنوي: \"عدَّه - أي: الطحاوي - ابنُ كمال باشا، وغيرُه مِن طبقةِ مَنْ يقدرُ على الاجتهادِ في المسائلِ التي لا روايةَ فيها، ولا يقدرُ على مخالفةِ المذهبِ لا في الفروعِ ولا في الأصولِ، وهو منظورٌ فيه؛ فإنَّ له درجةً عاليةً، ورتبةً شامخةً، قد خالفَ بها صاحبَ المذهبِ في كثيرٍ مِنْ الأصولِ والفروعِ، ومَنْ طَالعَ: (شرحَ معاني الآثار)، وغيرَه مِنْ مصنفاتِه، يجدْه يختارُ خلافَ ما اختاره صاحبُ المذهب كثيرًا، إذا كان الدليلُ عليه قويًّا، فالحقُّ أنَّه مِن المجتهدين المنتسبين\" (^٢).\nثالثًا: اعتيرَ بعضُ الحنفيةِ عدَّ ابن كمال باشا الجصاص الرازيَّ مِن المقلِّدين الذين لا يقدرون على الاجتهادِ أصلًا، تنزيلًا له عن مكانتِه الرفيعةِ، فإنَّ باعَه ممتدةٌ في الفقهِ وأصولِه، ومؤلفاتُه الفقهيةُ والأصوليةُ شاهدةٌ على هذه المكانةِ (^٣).\nوقد التمسَ شهابُ الدّينِ المرجاني عذرًا لابنِ كمال في ذلك؛ بأنَّه\n_________\n(^١) ناظورة الحق للمرجاني (ص/ ١٠٩)، ملحق بكتاب حسن التقاضي للكوثري. وانظر: رسالة في بيان الكتب التي يعول عليها لمحمد المطيعي (ص/٩٣).\n(^٢) التعليقات السنية على الفوائد البهية (ص/ ٤١ - ٤٢). وانظر: المصدر السابق (ص/ ١٤٠)، وعمدة الرعاية للكنوي (١/ ٩).\n(^٣) انظر: ناظورة الحق للمرجاني (ص/ ١١٠)، ملحق بكتاب حسن التقاضي للكوثري، والتعليقات السنية على الفوائد البهية للكنوي (ص/ ٣٦)، وعمدة الرعاية له (١/ ٩)، وإرشاد أهل الملة لمحمد المطيعي (ص/ ٢٥٤ - ٢٥٥)، ورسالة في بيان الكتب التي يعول عليها له (ص/ ٩٤)، وأبو حنيفة - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٨٧)، والوجيز في أصول الاستنباط للدكتور محمد الفرفور (٢/ ٥٩٧).","vol":"2","page":928},{"text":"وَجَدَ في مؤلفاتِ الحنفيةِ قولَهم: \"كذا في تخريجِ الرازي\"، فَفَهِمَ مِنْه ابنُ كمال أنَّ وظيفةَ الرازي هي التخريجُ فقط (^١).\nرابعًا: جَعَلَ ابنُ كمال باشا أبا الحسين القدوري، والمرغيناني (صاحب الهداية) مِن الطبقةِ الخامسةِ: (طبقة أصحاب الترجيح من المقلِّدين).\nوتُعُقِّب ذلك، بأنَّ أبا الحسين القدوري أعلى كعبًا في الفقهِ، وأطول باعًا مِنْ بعضِ مَنْ ذكرهم ابنُ كمال في الطبقةِ الثالثةِ - كالسرخسي والبزدوي وقاضي خان - فكيفَ يُعدّ هؤلاءِ مِن المجتهدين في المسائلِ، ولا يعدُّ القدوري منهم؟ ! (^٢).\nوكذلك المرغيناني (صاحب الهداية) كيفَ تنزلُ مرتبته عن مرتبةِ قاضي خان؟ ! مع أنَّ المرغينانيَّ أقدرُ على الاجتهادِ منه (^٣).\nيقولُ عبدُ الحي اللكنوي عن المرغيناني: \"له في نقدِ الدلائلِ، واستخراجِ المسائل شأنٌ أفي شأنٍ، فهو أحقُّ بالاجتهادِ في المذهبِ، وعدُّه من المجتهدين في المذهبِ إلى العقلِ السليمِ أقربُ\" (^٤).\nخامسًا عدَّ ابنُ كمال أبا البركات النسفي (صاحب الكنز) من الطبقةِ السادسةِ (المقلِّدين القادرين على التمييز بين الأقوى والقوي والضعيفِ، وظاهرِ المذهبِ وظاهرِ الروايةِ والروايةِ النادرةِ ...).\n_________\n(^١) انظر: ناظورة الحق للمرجاني (ص/ ١١١)، ملحق بكتاب حسن التقاضي للكوثري، وإرشاد أهل الملة لمحمد المطيعي (ص/ ٢٥٦)، ورسالة في بيان الكتب التي يعول عليها له (ص/ ٩٦).\n(^٢) انظر: المصادر السابقة، والتعليقات السنية على الفوائد البهية للكنوي (ص/ ٤٠).\n(^٣) انظر: ناظورة الحق للمرجاني (ص/ ١١٢)، ملحق بكتاب حسن التقاضي للكوثري، وإرشاد اهل الملة لمحمد المطيعي (ص/٢٥٦ - ٢٥٧).\n(^٤) التعليقات السنية على الفوائد البهية (ص/ ١٨٢).","vol":"2","page":929},{"text":"وقد تُعُقِّب في هذا، فدرجةُ أبي البركات مِن المجتهدين في المذهبِ (^١).\nتلك هي أبرز الانتقادات التي وُجِّهَتْ إلى تقسيم ابن كمال باشا لطبقات الفقهاء، وبعضُ من انتقد ابن كمال اقترح تقسيمًا آخر سيأتي ذكره، إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (ص/ ١٣٠).","vol":"2","page":930},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>المطلب الثاني: أبرز مناهج المتأخرين في تقسيم طبقات المتمذهبين</span>\nوفيه ثلاثة مسائل:\nالمسألة الأولى: تقسيم شاه ولي الله الدهلوي\nالمسألة الثانية: تقسيم محمد أبو زهرة\nالمسألة الثالثة: تقسيم الدكتور محمد الفرفور","vol":"2","page":931},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>توطئة</span>\nلم يقتصر الاهتمامُ بذكرِ طبقاتِ العلماءِ - ومِن ضمنهم المتمذهبون - على مَنْ تقدّمَ مِنْ أهلِ العلمِ، فقد وُجِدَ لبعضِ العلماءِ المتأخرين والمعاصرين اهتمامٌ بذكرِ الطبقات، وكانتْ بعضُ هذه الجهود ناشئةً مِنْ نقدِ الطبقاتِ التي ذكرها ابنُ كمال باشا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>المسألة الأولى: تقسيم شاه ولي الله الدهلوي</span>\nقسَّمَ شاه ولي الله الدهلويُّ الفقهاءَ إلى أربعِ طبقات، ولا يُوصف أرباب بعض الأقسام المندرجةِ تحتَ الطبقاتِ بالتمذهبِ، وقد آثرتُ ذكرها موجزةً؛ ليكون الحديثُ مكتملًا.\nالطبقة الأولى: المجتهدون اجتهادًا مطلقًا.\nوهذه الطبقة على قسمين:\nالقسم الأول: المجتهد المستقل.\nالقسم الثاني: المجتهد المنتسب إلى مجتهد مستقل (^١).\nالقسم الأول: المجتهدُ المستقل.\nويُمَثّل لهذا القسمِ بالأئمةِ الأربعةِ، وللمجتهدِ في هذا القسمِ إضافةً إلى اجتماعِ شروطِ الاجتهادِ فيه، خصالٌ يمتازُ بها غيرِه من المجتهدين، وهي:\n_________\n(^١) انظر: الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف (ص/ ٣٤)، وعِقْد الجِيْد (ص/ ٥).","vol":"2","page":933},{"text":"الخصلة الأولى: التّصرفُ في الأصولِ والقواعدِ التي بَنَى عليها اجتهادَه وفقهَه.\nالخصلة الثانية: جمعُ الآياتِ والأحاديثِ والآثارِ؛ لمعرفةِ الأحكامِ التي دلّتْ عليها، وسُبِق بالجواب فيها، وللتنبيه على مآخذِ الفقهِ منها، ولجمعِ مختلفها، ولترجيحِ بعضِها على بعضٍ.\nالخصلة الثالثة: الكلامُ في المسائلِ النازلةِ التي لم يُسْبَقْ بالجواب فيها، أخذًا مِن الأدلةِ.\nالخصلة الرابعة: أنْ يَنْزِلَ له القبولُ مِن الله تعالى، فيُقْبِل إلى عِلْمِه جماعاتٌ مِن العلماءِ مِن المفسرين والمحدثين والأصوليين والفقهاءِ، ويمضي على ذلك القبول (^١).\nولا يدخلُ أربابُ هذا القسمِ في المتمذهبين؛ لانتفاءِ وصفِ التمذهب عنهم، واستقلالِهم بالاجتهادِ.\nالقسم الثاني: المجتهدُ المنتسبُ إلى مجتهدٍ مستقل (^٢).\nالمجتهدُ في هذا القسم سلَّمَ لشيخِه الخصلةَ الأُولى، وجرى مجراه في الخصلةِ الثانيةِ (^٣).\nيقولُ شاه ولي الله الدهلوي: \"المنتسب: مَنْ سلَّمَ أصولَ شيخِه، واستعانَ بكلامِه كثيرًا في تتبعِ الأدلةِ، والتنبيهِ للمآخذِ، وهو مع ذلك مستيقن (^٤) الأحكام مِنْ قِبَلِ أدلتِها، قادرٌ على استنباطِ المسائلِ منها، قلَّ ذلك منه أو كَثُرَ\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف (ص/ ٣٤ - ٣٥)، وعِقْد الجِيْد (ص/ ٥)، ولم يذكر في: عِقد الجِيْد إلا ثلاث خصال.\n(^٢) انظر: الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف (ص/ ٣٥)، وعِقد الجِيْد (ص/ ٥، ١٧).\n(^٣) انظر: الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف (ص/ ٣٥).\n(^٤) هكذا في: عِقْد الجِيْد (ص/ ٥)، ولعل الصواب: \"مستفيد\".\n(^٥) المصدر السابق.","vol":"2","page":934},{"text":"ويقولُ - أيضًا -: \"انقرضَ المجتهدُ المطلقُ المنتسبُ في مذهبِ الإمامِ أبي حنيفةَ بعد المائة الثالثة\" (^١).\nوظاهرُ صنيعِ الدهلوي حينَ مثّلَ للقسمِ الأولِ بالأئمةِ الأربعةِ، أنَّه يرى اندراجَ أصحاب الإمامِ أبي حنيفةَ في القسمِ الثاني - وقد مثّل لهذا القسمِ بكبارِ العلماءِ مِن الشافعيةِ (^٢) - فمن انتقدَ ابنَ كمال باشا حين عدَّ أصحاب الإمام أبي حنيفة، كأبي يوسفَ ومحمد بن الحسن وزفر مِن المجتهدين المقلِّدين له في أصولِه، فإنَّ نقدَه يتوجّه إلى الدهلوي (^٣).\nويعدُّ المجتهدُ في القسيم الثاني مِن المتمذهبين في الأصولِ دونَ الفروعِ، وتمذهبُه في الفروعِ تمذهبٌ اسمي.\nالطبقة الثانية: المجتهدُ في المذهبِ (^٤).\nالمجتهدُ في هذه الطبقةِ سلَّمَ لشيخِه الخصلتين: الأُولى والثانية المتقدم ذكرهما قبلَ قليل، وجَرَى مجراه في التفريعِ على منهاجِ تفاريعه (^٥)، فهو مقيّدٌ بالمذهبِ متَّبعٌ لإمامِه في جُلِّ ما يجدُ فيه نصَّه، حافظٌ لأصولِه وفروعِه (^٦).\nوقد سمَّى الدهلويُّ المجتهدَ في هذه الطبقةِ بالمخرِّجِ (^٧)، وقالَ عنه: \"هو مقلِّدٌ لإمامِه فيما ظَهَرَ فيه نصُّه، لكنَّه يَعْرِفُ قواعدَ إمامِه، وما بَنَى عليها مذهبه، فإذا وقعتْ حادثةٌ لم يَعْرِفْ لإمامِه نَصًّا فيها، اجتهد على مذهبِه، وخرَّجها مِنْ أقوالِه، وعلى منوالِه\" (^٨).\n_________\n(^١) الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف (ص/ ٣٦).\n(^٢) انظر: عِقْد الجِيد (ص/ ١٧).\n(^٣) انظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٣٠٨).\n(^٤) انظر: الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف (ص/ ٣٥)، وعِقْد الجِيْد (ص/ ٥).\n(^٥) انظر: الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف (ص/ ٣٥).\n(^٦) انظر: المذهب الحنفي لأحمد نقيب (١/ ١٨٧).\n(^٧) انظر: عِقْد الجِيْد (ص/١٧).\n(^٨) المصدر السابق (ص/ ٥).","vol":"2","page":935},{"text":"والواجبُ على المجتهدِ في هذه الطبقةِ:\nأولًا: أنْ يحصِّلَ مِنْ عِلْمِ السننِ والآثارِ ما يحترزُ به مِنْ مخالفةِ الحديثِ الصحيحِ، واتفاقِ السلفِ (^١).\nثانيًا: أنْ يحصِّلَ مِنْ دلائلِ الفقه ما يُعِيْنُه على معرفةِ مآخذِ أصحاب مذهبِه في أقوالِهم (^٢).\nوالمجتهدُ في هذه الطبقةِ إلى جانب ممارستِه للتخريج في مذهبِه، فإنّه يختارُ مِنْ أقوالِ الإمام أبي حنيفةَ وأصحَابه المجتهدين ممَّا اختلفوا فيه، ما هو أقوى دليلًا، وأقيسُ تعليلًا، وما كان أرفقَ بالناس (^٣).\nالطبقة الثالثة: مجتهد الفتيا (^٤).\nوهو الذي حَفِظَ المذهبَ وأتقنه، وتبحَّر فيه، وتمكن مِنْ تَرْجِيحِ قولٍ على آخر، ووجهِ مِنْ أوجهِ الأصحابِ على غيرِه (^٥).\nوالشروطُ الواجبُ اجتماعها على المجتهدِ في هذه الطبقة:\n١ - أنْ يكونَ صحيحَ الفهمِ.\n٢ - أنْ يكونَ عارفًا بالعربيةِ وأساليبِ الكلامِ.\n٣ - أن يكونَ عارفًا بمراتبِ الترجيحِ.\n٤ - أنْ يكونَ متفطنًا لمعاني كلامِ علماءِ مذهبِه، بحيثُ لا يخفى عليه غالبًا تقييدُ ما يكون مطلقًا في الظاهر، والمرادُ منه المقيّد، وإطلاقُ ما يكون مقيّدًا في الظاهرِ، والمراد منه المطلق، ونحو هذا (^٦).\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (ص/ ١٨).\n(^٢) انظر: المصدر السابق.\n(^٣) انظر: عِقْد الجِيْد (ص/ ٢٠)، وذِكْرُ الدهلوي للإمام أبى حنيفة من قبيل التمثيل.\n(^٤) انظر: المصدر السابق (ص/ ٥).\n(^٥) انظر: المصدر السابق (ص/ ٥، ١٧).\n(^٦) انظر: المصدر السابق (ص/ ٢١).","vol":"2","page":936},{"text":"الطبقة الرابعة: المقلِّدُ الصِرْفُ (^١).\nوهو من لم يبلغْ درجةَ الطبقة الثالثة، وإنَّما يعملُ بفتوى علماءِ مذهبِه (^٢).\nهذه هي الطبقات التي أوردها شاه ولي الله الدهلوي، والتي تدخلُ منها في دائرة التمذهب: القسمُ الثاني من الطبقة الأولى، والطبقات: الثانية، والثالثة، والرابعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>المسألة الثانية: تقسيم محمد أبو زهرة</span>\nكانَ للشيخِ محمد أبو زهرة جهدٌ واضحٌ في نقدِ الطبقاتِ التي ذَكَرَها ابنُ كمال باشا - وإنْ كانَ نقدُ الشيخ أبو زهرة متوجهًا إلى ما ذكره ابنُ عابدين، فلعله لم يطلعْ على ما قاله ابنُ كمال باشا - وقد انتهى نقدُه إلى أن تكونَ طبقاتُ العلماء - ومن ضِمنهم المتمذهبون - خمسًا؛ إذ إنَّه حَذَفَ الطبقةَ السابعةَ، ودَمَجَ الطبقاتِ: الثالثة والرابعة والخامسة، وجعلها في طبقتين، ولذا قد يوجد شيءٌ من التكرار مع ما ذكرتُه في المسألةِ الرابعةِ من المطلبِ الأولِ.\nالطبقة الأولى: المجتهدونَ المستقلونَ في الاجتهادِ (^٣).\nأهلُ هذه الطبقةِ يستخرجون الأحكامَ من مصادرِها، كالكتابِ والسنةِ وسائرِ الأدلة التي يَرَوْنَها، وليسوا تابعين لأحدٍ، ويرسمون المناهجَ لأنفسِهم، ويفرِّعون عليها الفروعَ التي يرونها (^٤).\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص/ ١٧).\n(^٢) انظر: المصدر السابق.\n(^٣) انظر: أصول الفقه لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٨٩)، وتاريخ المذاهب الإسلامية له (ص/ ٣٣٠)، وأبو حنيفة - حياته وعصره (ص / ٣٨٤).\n(^٤) انظر: المصادر السابقة.","vol":"2","page":937},{"text":"ويُمَثّل لهذه الطبقة بـ: الأئمةِ الأربعةِ، والإمامِ الأوزاعي، والإمامِ الليث بن سعد، وتلاميذِ الإمامِ أبي حنيفةَ (^١).\nولا يدخلُ أهلُ هذه الطبقةِ في دائرةِ التمذهبِ؛ لتحققِ وصفِ الاجتهادِ لهم، إلا ما يكون مِنْ انتساب بعضِهم إلى إمامِه، فيكونون متمذهبين بالاسمِ، دونَ الحقيقةِ.\nالطبقة الثانية: المجتهدون المنتسبون (^٢).\nوهم الذين اختاروا ما قرره إمامُهم بالنسبةِ إلى أصولِ الاستنباطِ، وخالفوه في الفروعِ، فقد ينتهي المجتهدُ في هذه الطبقة إلى خلافِ ما قرره إمامُه، وإنْ كان الغالبُ على الأحكامِ التي توصل إليها مشابهتَها إلى ما توصّلَ إليه إمامُه (^٣).\nوأهلُ هذه الطبقة في الغالبِ هم ممَّن لهم صحبةٌ وملازمةٌ للإمامِ (^٤).\nويمثل لهذه الطبقة مِن المذهب الحنفي: بخالد بن يوسف السمني (^٥)، والحسن بن زياد اللؤلؤي، ومن المذهب الشافعي: بالمزني، ومن المذهب المالكي: بابنِ القاسمِ، وأشهب، وابنِ وهبٍ (^٦).\n_________\n(^١) انظر: أصول الفقه لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٨٩ وما بعدها)، وتاريخ المذاهب الإسلامية له (ص / ٣٣٥)، وأبو حنيفة - حياته وعصره له (ص / ٣٨٤، ٣٨٧).\n(^٢) انظر: تاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٣٤).\n(^٣) انظر: المصدر السابق.\n(^٤) انظر: المصدر السابق.\n(^٥) هو: خالد بن يوسف السمتي - وفي بعض المصادر: السمني - البصري، أبو الربيع، أحد أئمة المذهب الحنفي، تفقه على أبيه، كان ضعيفًا في الحديث، قال عنه ابن حبان: \"يعتبر حديثه من غير روايته عن أبيه\"، توفي سنة ٢٤٩ هـ. انظر ترجمته في: الثقات لابن حبان (٨/ ٢٢٦)، والأنساب للسمعاني (٧/ ٢١٣)، وميزان الاعتدال للذهبي (١/ ٦٤٨)، والجواهر المضية للقرشي (٢/ ١٦٥)، ولسان الميزان لابن حجر (٣/ ٣٥٥)، والطبقات السنية للغزي (٣/ ١٩٩).\n(^٦) انظر: تاريخ المذاهب الإسلامية (ص/ ٣٣٤).","vol":"2","page":938},{"text":"وخَتَمَ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة حديثَه عن هذه الطبقةِ قائلًا: \"الخلاصةُ أن هذه الطبقةَ تتقيّدُ بالمنهاجِ المذهبي، وتجتهدُ في الفروعِ، وتخالفُ فيها الإمامَ أو توافقه، فتجتهدُ فيما اجتهدَ فيه، وما لم يجتهدْ، وسُمِّي هؤلاءِ منتسبين؛ لأنَّهم منتسبون لمذهبٍ معيَّنٍ، وإنْ لم يتقيدوا بفروعِه\" (^١).\nوأهلُ هذه الطبقة متمذهبون في الأصولِ، دونَ الفروعِ، وتمذهبُهم في الفروعِ تمذهبٌ اسمي.\nالطبقة الثالثة: المخرِّجون (^٢).\nيتبعُ أهلُ هذه الطبقةِ إمامَ المذهبِ فيما أُثِرَ عنه مِنْ فروعٍ وأصولٍ، فلا يخالفونه فيهما، ويتبعون ما انتهى إليه، وليس لهم أنْ يجتهدوا في المسائلِ التي نصَّ عليها في المذهبِ، إلا في حدودٍ معينةٍ (^٣).\nويطبِّقُ أهلُ هذه الطبقةِ العللَ والقواعدَ فيما لم يعرضْ له السابقون مِن مسائل (^٤)، ويخرِّجون حكمَ المسائل التي لا روايةَ فيها عن صاحبِ المذهبِ (^٥).\nوخلاصةُ عملِ أهلِ هذه الطبقةِ يتكوّن مِنْ عنصرين:\nأحدهما: استخلاصُ القواعدِ العامةِ التي يلتزمها الأئمةُ السابقون مِن\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) انظر: أصول الفقه لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٩٧)، وتاريخ المذاهب الإسلامية له (ص/ ٣٣٥)، وأبو حنيفة - حياته وعصره له (ص/ ٣٨٧).\n(^٣) انظر: تاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٣٠). فقد يخرِّج أهل هذه الطبقة حكم مسألةٍ نص عليها إمامهم؛ ويكون من أسباب ذلك أنَّ الحكمَ في المسالةِ مبنيٌّ على العرف، وقد تغيَّر العرفُ، فيتغيّر الحكم تبعًا له. انظر: أبو حنيفة - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٩٦).\n(^٤) انظر: أصول الفقه لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٩٧)، وتاريخ المذاهب الإسلامية له (ص/ ٣٣٥)، وأبو حنيفة - حياته وعصره له (ص/ ٣٨٧).\n(^٥) انظر: تاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٣٠)، وأصول الفقه له (ص/ ٣٩٥)، وأبو حنيفة - حياته وعصره له (ص/ ٣٨٦).","vol":"2","page":939},{"text":"الفروعِ المرويّةِ عنهم (^١)، واستخلاصُ الضوابطِ الفقهيةِ العامةِ التي تتكوّن مِنْ علل الأقيسةِ التي استخرجها الأئمةُ (^٢).\nثانيهما: استنباطُ الأحكامِ التي لم يَنُصَّ عليها الأئمةُ السابقون بالبناءِ على تلك القواعد، حتى لا يحيدوا عن المذهبِ (^٣).\nوأهلُ هذه الطبقة هم المجتهدون في المذهبِ (^٤).\nوخَتَمَ الشيخُ محمد أبو زهرة حديثَه عن الطبقةِ قائلًا: \"هي التي حررت الفقهَ المذهبيَّ، ووضعتْ الأسُسَ لنموِّ المذاهب، والتخريج عليها، وهي التي وضعتْ أسسَ الترجيحِ والموازنةِ بين الآراء؛ لتصحيحِ بعضِها وتضعيف الآخر، وهي التي ميّزت الكيانَ الفقهيَّ لكلِّ مذهبِ\" (^٥).\nالطبقة الرابعة: المجتهدون المرجِّحون بين الرواياتِ والأقوالِ المختلفةِ (^٦).\nيرجِّح أهلُ هذه الطبقةِ بين الرواياتِ المرويَّةِ عن إمامِهم والأقوالِ المختلفةِ بوسائل الترجيحِ التي ضَبَطَها لهم أصحابُ الطبقةِ الثانية، ويُبَيّنُون أقوى الرواياتِ، ويميزون أصحَّ الأقوالِ، أو أقربها إلى السنةِ أو إلى القياسِ الصحيحِ أو أرفقها بالناسِ (^٧)، ونحو ذلك ممَّا لا يُعَدُّ استنباطًا\n_________\n(^١) انظر: أبو حنيفة - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٨٦).\n(^٢) انظر: المصدر السابق، وأصول الفقه لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٩٥)، وتاريخ المذاهب الإسلامية له (ص/ ٣٣٥).\n(^٣) انظر: المصادر السابقة.\n(^٤) انظر: أصول الفقه لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٩٥)، وتاريخ المذاهب الإسلامية له (ص/ ٣٣٥)، وأبو حنيفة - حياته وعصره له (ص/ ٣٨٦ - ٣٨٧).\n(^٥) تاريخ المذاهب الإسلامية (ص/ ٣٣٠).\n(^٦) انظر: المصدر السابق (ص/ ٣٣٥)، وأصول الفقه لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٩٧)، وأبو حنيفة - حياته وعصره (ص/ ٣٨٧).\n(^٧) انظر: المصادر السابقة.","vol":"2","page":940},{"text":"جديدًا، مستقلًا أو غير مستقلٍّ (^١).\nويختمُ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة حديثَه قائلًا: \"الفرقُ بين هذه الطبقةِ، وسابقتِها دقيقٌ، وقد عدَّهما بعضُ الأصوليين طبقةً واحدة، وليس ذلك ببعيدٍ عن الحقيقةِ؛ لأنَّ الترجيحَ بين الآراءِ بمقتضى الأصولِ لا يقلّ وزنًا عن استنباطِ أحكامِ الفروعِ التي لم تَرِدْ فيها أحكامٌ عن الأئمةِ، وإنَّ النوويَّ في: مقدمةِ (المجموع) (^٢) ذكرهما على أنَّهما طبقةٌ واحدةٌ، وابنَ عابدين في: (شرح رسالة رسم المفتي) (^٣) عدَّهما طبقتين، وقولُ النووي أدقُّ\" (^٤).\nالطبقة الخامسة: المميزون بين الترجيحاتِ (^٥).\nأهلُ هذه الطبقةِ هم مِن المقلِّدين الذين يحفظون أكثرَ أحكامِ المذهب ورواياته، وهم حجةٌ في النقلِ، دونَ الاجتهادِ (^٦)، ولا يُرَجِّحون بين الأقوالِ والرواياتِ، لكنْ لهم عِلْمٌ بترجيحاتِ السابقين (^٧)، فيَعْرِفون ما رُجِّحَ، وترتيبَ درجاتِ الترجيح على حسبِ ما قامَ به المرجِّحون (^٨).\nوقد يؤدِّي ذلك إلى الحُكمِ بين المرجِّحِين، حين يرجِّحُ بعضُهم رأيًا، ويرجِّحُ الآخرُ غيرَه، فيختارُ صاحبُ هذه الطبقة مِنْ أقوالِ المرجّحين أقواها\n_________\n(^١) انظر: تاريخ المذاهب الإسلامية له (ص/ ٣٣٥).\n(^٢) انظر: (١/ ٤٣).\n(^٣) انظر: (ص/٣٩ - ٤٠).\n(^٤) تاريخ المذاهب الإسلامية له (ص/ ٣٣٦). وقد ذكر في: المصدر السابق: طبقةَ المستدلين، الذين لا يرجحون قولًا على قولٍ، ولكن يستدلون للأقوال ويبينون ما اعتمدت عليه، ويوازنون بين الأدلة، ثم قرَّر الشيخ أبو زهرة حذف هذه الطبقة؛ لعدم وضوح الفرق بينها، وبين الطبقة الرابعة.\n(^٥) انظر: أصول الفقه لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٩٨)، وأبو حنيفة - حياته وعصره له (ص/ ٣٨٨).\n(^٦) انظر: تاريخ المذاهب الإسلامية (ص/ ٣٣٧).\n(^٧) انظر: المصدر السابق، وأصول الفقه لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٩٨)، وأبو حنيفة - حياته وعصره له (ص/ ٣٨٨).\n(^٨) انظر: المصادر السابقة.","vol":"2","page":941},{"text":"ترجيحًا، وأكثرِها اعتمادًا في الترجيحِ على أصولِ المذهبِ، وغير هذا مِنْ أنواعِ المرجحاتِ (^١).\nوخَتَمَ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة حديثَه، قائلًا: \"يظهرُ أنَّ ترتيبَهم - أيْ: أهل الطبقات - الوجودي يتفق مع الترتيبِ الذي ذكرناه؛ فالطبقةُ الأُولى: وهم المجتهدون المُطْلَقُون هم أبو حنيفةَ وأصحابه، ثمَّ الذين يلونهم هم المخرِّجون (^٢) الذين أفتوا فيما لم يُؤْثَرْ عنهم بمقتضى قواعدِهم وأصولِهم، وبالقياسِ على فروعِهم، ثمَّ الذين يلونهم هم المرجِّحون بين الأقوالِ المختلفة، ثمَّ جاءَ مَنْ بعدهم مَنْ لهم قدرةٌ على معرفةِ ما رجَّحه سابقوهم، وليس لهم الحقُّ في أنْ يرجِّحوا هم ما لم يؤثر ترجيحُه عمَّنْ سَبَقَهم\" (^٣).\nوأنبّه إلى أن بعضَ الباحثين نَقَدَ الشيخَ محمدًا أبو زهرة بأنَّه اطَّرحَ الطبقةَ الثانية التي ذكرها ابنُ كمال باشا وخَفِي مع اطراحِها المجتهدون المطلقون المنتسبون إلى أئمتِهم الذين يسيرون على أصولِهم الفقهية، دون تقيّدٍ بالفروع، الذين لم يصلوا إلى درجةِ الاجتهادِ المستقل، وارتفعوا عن درجةِ المخرِّجين (^٤).\nوما قاله صحيحٌ، إلا أنَّ الشيخَ أبو زهرة قد صرّح بهذه الطبقةِ في كتابه: (تاريخ المذاهب الإسلامية) (^٥)، فيكمّل به ما قاله في كتبِه الأخرى التي كان سياقُ الكلامِ فيها منصبًّا على نقدِ طبقاتِ ابنِ كمال باشا.\n_________\n(^١) انظر: المصادر السابقة.\n(^٢) أضاف أبو زهرة في: تاريخ المذاهب الإسلامية (ص/ ٣٣٤) طبقةَ مجتهدي المذهب بعد طبقة المجتهدين المطلقين.\n(^٣) أبو حنيفة - حياته وعصره (ص/ ٣٨٨ - ٣٨٩).\n(^٤) انظر: المذهب الحنفي لأحمد نقيب (١/ ١٩٢).\n(^٥) انظر: (ص/ ٣٣٤).","vol":"2","page":942},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>المسألة الثالثة: تقديم الدكتور محمد الفرفور</span>\nكان للدكتورِ محمد الفرفور إسهامٌ في نقدِ تقسيمِ طبقاتِ ابنِ كمالِ باشا (^١)، وقد اقترحَ تقسيمًا آخر، وَصَفَه بأنَّه لم يُسْبَقْ إليه مجتمعًا، وإنْ كانتْ عناصرُه مسبوقةً مِنْ قِبَل الفقهاءِ السابقين (^٢)، فجعل الطبقات ثلاثًا:\nالطبقة الأولى: طبقةُ المجتهدين (^٣).\nوتنقسم هذه الطبقة إلى قسمين:\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>القسم الأول: المجتهدون اجتهادًا مطلقًا في الشرع</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>القسم الثاني: المجتهدون المقيَّدون بالمذهبِ </span>(^٤).\n\nالقسم الأول: المجتهدون اجتهادًا مطلقًا في الشرعِ.\nبعضُ المجتهدين في هذا القسمِ مجتهدٌ مستقل غير منتسبٍ، كالأئمةِ الأربعة (^٥)، فلا يدخلون معنا في طبقات المتمذهبين، وبعضهم مجتهدٌ مستقلٌّ منتسبٌ، كأبي يوسفَ ومحمد بن الحسن، وإنْ أخذوا بأصلٍ مِنْ أصول إمامِهم، فعلى سبيلِ الموافقةِ والاقتناع به (^٦)، وهؤلاءِ متمذهبون بالاسمِ، دونَ الحقيقةِ.\n\nالقسم الثاني: المجتهدون المقيّدون بالمذهبِ.\nويُسَمَّى أربابُ هذا القسم بمجتهدي المذهب (^٧).\nوتدخلُ تحت القسم الثاني: طبقةُ المخرِّجين، وطبقةُ مجتهدي\n_________\n(^١) انظر: الوجيز في أصول الاستنباط (٢/ ٥٩١ وما بعدها).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (٢/ ٦٠٥).\n(^٣) انظر: المصدر السابق.\n(^٤) انظر: المصدر السابق (٢/ ٦٠٦ - ٦٠٧).\n(^٥) انظر: المصدر السابق (٢/ ٦٠٦).\n(^٦) انظر: المصدر السابق (٢/ ٦٠٧).\n(^٧) انظر: المصدر السابق.","vol":"2","page":943},{"text":"المسائلِ اللتانِ ذكرهما ابنُ كمال باشا (^١).\nالطبقة الثانية: المتَّبعون (^٢).\nوتدخلُ تحتَ طبقةِ: المتَّبِعين الطبقتانِ اللتانِ ذكرهما ابنُ كمال باشا، وهما: الطبقةُ الرابعةُ: (أصحاب التخريج من المقلدين ...)، والطبقةُ الخامسةُ: (أصحاب الترجيح من المقلدين ...) (^٣).\nفأهلُ الطبقةِ الثانيةِ لا يستنبطون أحكامَ المسائلِ التي لا يُعرفُ حكمُها، ولكنَّهم يرجِّحون بين الآراءِ المرويةِ بوسائل الترجيحِ، ويستطيعون الموازنةَ بين أقوالِ المذهبِ، فيُفَضِّلون بعضَ الرواياتِ على بعضِ (^٤).\nالطبقة الثالثة: طبقةُ المقلِّدين (^٥).\nوهؤلاءِ مقلِّدون لا يرجِّحون بين الأقوالِ والرواياتِ، ولكنَّهم على علمِ بما رجّحه السابقون واختاروه (^٦).\nوتدخلُ تحتَ طبقةِ المقلدين: الطبقةُ السادسة: (المقلِّدون القادرون على التمييز ...) من الطبقات التي ذكرها ابنُ كمال باشا (^٧).\nوما ذكره الدكتور محمد الفرفور مستفادٌ مِن ابنِ كمال باشا - كما أشرتُ إلى ذلك في صدرِ المسالةِ - في ضوءِ ما قرره الشيخُ محمدٌ أبو زهرة، إلا أنَّ الدكتور محمدًا الفرفور عدّل في تسميةِ بعضِ الطبقاتِ.\n_________\n(^١) انظر: طبقات المجتهدين لابن كمال باشا (ص/٢٧٨).\n(^٢) انظر: الوجيز في أصول الاستنباط (٢/ ٦٥٨). وقد عرَّف الدكتورُ محمد الفرفور الاتِّباعَ في: المصدر السابق (٢/ ٦٠٦) بقوله: \"سلوكُ التابعِ طريقَ المتبوع، وأخذ الحكم مِن الدليل بالطريق التي أخذها بها متبوعه\".\n(^٣) انظر: طبقات المجتهدين لابن كمال باشا (ص/٢٧٨ - ٢٧٩).\n(^٤) انظر: الوجيز في أصول الاستنباط (٢/ ٦٠٨ - ٦٥٩).\n(^٥) انظر: المصدر السابق (٢/ ٦٠٩).\n(^٦) انظر: المصدر السابق (٢/ ٦٠٩ - ٦١٠).\n(^٧) انظر: طبقات المجتهدين لابن كمال باشا (ص/٢٧٩).","vol":"2","page":944},{"text":"وأرى أنَّ الإبقاءَ على تسميةِ الطبقاتِ بوظيفةِ أهلِها، وبما عُرِفَتْ به - إنْ لم يكنْ ثمّةَ خطأٌ - أولى مِن الإتيان بأسماء أخرى لا تَدلُّ على وظيفةِ أهل الطبقة، فمثلًا: تسميةُ الطبقةِ الثانية من الطبقات التي ذكرها الدكتور الفرفور، بالمميزين بين الترجيحات أوضحُ وأدلُّ على وظيفتِهم من تسميتِهم بالمتَّبعين.\n* * *","vol":"2","page":945},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>المطلب الثالث: الموازنة بين التقسيمات</span>\nيمكنُ القولُ بأنَّ أبرزَ التقسيمات السابقة هي: تقسيم ابنِ الصلاحِ، وتقسيم ابنِ كمال باشا؛ لأن أغلبَ مَنْ جاءَ بعدهما قد تأثّر بمنهجِهما - سواء أصرَّح بذلك، أم لم يصرّحْ - ويمكنُ القولُ أيضًا بأنَّ هذينِ التقسيمينِ يسيرانِ في اتجاهينِ متقاربينِ، وسوف أُجْرِي موازنةَ بين الطبقاتِ التي ذكراها، وقد استفدتُ ممَّا قرره فضيلةُ الدكتور يعقوب الباحسين في موازنته بين التقسيمين (^١)، وسأذكرُ الطبقةَ في تقسيمِ ابنِ الصلاح، وأبيّنُ ما يماثلها في تقسيمِ ابنِ كمال باشا.\nالقسم الأول الذي ذكره ابنُ الصلاحِ: (المجتهد المستقل) (^٢)، يُمثلُ الطبقة الأُولى التي ذكرها ابنُ كمال باشا: (المجتهدون في الشرعِ) (^٣).\nوكلاهما لا يدخلُ ضمن المتمذهبين؛ لانتفاءِ التمذهب عنهم، كما نبهتُ عليه مِنْ قبل.\nوالطبقةُ الأُولى مِن القسمِ الثاني التي ذكرها ابنُ الصلاح: (أنْ لا يكون مقلِّدًا لإمامِه لا في المذهبِ، ولا في دليلِه؛ لتوفر أوصافِ المجتهدِ المستقلِ ...) (^٤)، تُمثل الطبقةَ الثانية التي ذكرها ابنُ كمال باشا: (طبقة المجتهدين في المذهب) (^٥).\n_________\n(^١) انظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين (ص/ ٣١٣ - ٣١٤).\n(^٢) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٨٧).\n(^٣) انظر: طبقات المجتهدين لابن كمال باشا (ص/ ٢٧٧)\n(^٤) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩١).\n(^٥) انظر: طبقات المجتهدين لابن كمال باشا (ص/٢٧٧).","vol":"2","page":946},{"text":"ويمكنُ أنْ يفرَّقَ بين منهجِ ابنِ الصلاحِ، ومنهجِ ابنِ كمال بأنَّ ابنَ الصلاح يَعُدُّ أربابَ هذه الطبقة مِن المجتهدين اجتهادًا مطلقًا، في حين أنَّ ابنَ كمال باشا يَعُدُّهم مِن المجتهدين في المذهبِ (^١).\nوالطبقةُ الثانيةُ مِن القسمِ الثاني التي ذكرها ابنُ الصلاح: (أنْ يكونَ مجتهدًا مقيَّدًا في مذهبِ إمامِه، وهم أصحابُ الوجوه والطرق) (^٢)، تُمثلُ الطبقةَ الثالثةَ التي ذكرها ابنُ كمال باشا: (المجتهدون في المسائل التي لا روايةَ فيها عن أصحابِ المذهبِ) (^٣).\nوالطبقةُ الثالثةُ مِن القسمِ الثاني التي ذَكَرَها ابنُ الصلاحِ: (مَنْ كان فقيهَ النفسِ، حافظًا لمذهبِ إمامِه، عارفًا بأدلتِه، لكنَّه قصرَ عن درجةِ أصحابِ الوجوهِ والطرقِ) (^٤)، تُمثلُ الطبقات الآتية: الطبقة الرابعة: (أصحاب التخريج من المقلِّدين) (^٥)، والطبقة الخامسة: (أصحاب الترجيح من المقلدين) (^٦)، والطبقة السادسة: (المقلِّدون القادرون على التمييز بين الأقوى والقوي والضعيف، وظاهر المذهب وظاهر الرواية والرواية النادرة) (^٧) من الطبقات اللاتي ذكرها ابنُ كمال باشا.\nوقد سمَّى جلالُ الدينِ السيوطي أربابَ الطبقةِ الثالثةِ التي ذكرها ابنُ الصلاحِ بمجتهدي الترجيحِ (^٨)، فوَصَفَهم بالاجتهادِ، أما ابنُ كمال باشا فوصفهم بالتقليدِ.\n_________\n(^١) انظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٣١٣).\n(^٢) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٤).\n(^٣) انظر: طبقات المجتهدين لابن كمال باشا (ص/٢٧٨).\n(^٤) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٨).\n(^٥) انظر: طبقات المجتهدين لابن كمال باشا (ص/٢٧٨).\n(^٦) انظر: المصدر السابق (ص/ ٢٧٨ - ٢٧٩).\n(^٧) انظر: المصدر السابق.\n(^٨) انظر: الرد على من أخلد إلى الأرض (ص/٩٨).","vol":"2","page":947},{"text":"والطبقةُ الرابعةُ مِن القسمِ الثاني التي ذكرها ابنُ الصلاحِ: (مَنْ يقومُ بحفظِ المذهب، ونقلِه، وفهمِه، غير أنَّ عنده ضعفًا في تقريرِ أدلتِه، وتحرير أقيستِه) (^١)، يَمكنُ أنْ تمثلَها الطبقةُ السابعةُ التي ذكرها ابنُ كمال باشا: (المقلِّدون الذين لا يَقْدِرون على التمييزِ بين الأقوالِ، ولا يفرقون بين الغثِّ والسمينِ) (^٢)، وإلا فالطبقةُ الرابعةُ عند ابنِ الصلاحِ أرفعُ مِن الطبقةِ السابعةِ التي ذكرها ابنُ كمال باشا.\nويصعبُ القولُ بأنَّ تقسيمًا من التقسيماتِ المتقدمِ ذكرها في المطلبينِ السابقينِ أرجحُ مِنْ غيرها؛ إذ مبنى التقسيمِ على سبرِ أحوالِ الفقهاءِ، ثمَّ تقسيمهم على وظائفِهم، لكنَّ المهمَّ أنْ يكونَ التقسيمُ حاصرًا لوظائفِ الفقهاءِ، وأنْ لا يكونَ ثمة تداخلٌ بين الطبقاتِ.\nيقولُ الدكتورُ سيد الأفغاني: \"إنَّ الذين كَتَبوا في هذا الموضوعِ - أي: الطبقات - يظهرُ مِنْ كتاباتِهم أنَّهم رتَّبوا طبقاتِ المجتهدين والفقهاءِ مِنْ خلالِ مطالعتِهم أحوالَهم، وتسجيلهم ما امتاز (^٣) كل طبقةٍ عن طبقةٍ أخرى، فلذلك نجدهم يقولون: يُفْهَمُ مِنْ تَتَبّعِ أحوالِ هذه الطبقةِ أنها قادرةٌ على كذا ... ولذلك اختلفوا في إلحاقِ بعضِ العلماءِ ببعضِ الطبقاتِ، واختلفوا في بيانِ أوصافِ ما اعتنوا بها مِن الطبقاتِ أيضًا\" (^٤).\nوالعبرةُ في إدخالِ الشخصِ في طبقةٍ من طبقاتِ المتمذهبين باجتماع شروط الطبقة فيه، وبالأعمِّ الأغلبِ مِنْ حالِه، فقد يخرِّجُ المجتهدُ المطلقُ أحيانًا، ولا يقدحُ في وصفِه بالاجتهادِ (^٥).\nوسوفَ أَذْكُرُ طبقاتِ المتمذهبين في ضوءِ ما ورد في المطلبينِ السابقينِ، وقد جَعَلْتُ الطبقاتِ أربعًا، ثلاثًا للمجتهدين - الأُولى للمجتهدِ\n_________\n(^١) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٩).\n(^٢) انظر: طبقات المجتهدين لابن كمال باشا (ص/٢٧٩).\n(^٣) لو قال: \"ما امتازت به\"، لكان أوضح.\n(^٤) الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه (ص/ ٣٦٩ - ٣٧٠).\n(^٥) انظر: المصدر السابق.","vol":"2","page":948},{"text":"المطلقِ المنتسبِ، والثانية والثالثة للمجتهدِ المذهبي - وواحدةً للمقلدين المذهبيين.\nالطبقة الأولى: المجتهدُ المطلقُ المنتسبُ إلى مذهبٍ معيّنٍ.\nالطبقة الثانية: المجتهدُ المقيّدُ في مذهبِ إمامٍ معيّنٍ.\nالطبقة الثالثة: مجتهدُ الترجيحِ.\nالطبقة الرابعة: حافظُ المذهبِ.\nالطبقة الأولى: المجتهدُ المطلقُ المنتسبُ إلى مذهبٍ معيّنٍ.\nتحققتْ للمجتهدِ في هذه الطبقة شروطُ الاجتهادِ، ولا يقلِّدُ إمامَه في الفروع - لا في الحكمِ، ولا في دليلِه - لكنَّه استنبطَ الحكمَ مِنْ دليلِه في ضوءِ أصولِ إمامِ مذهبِه (^١)، وانتسبَ إليه، فلمْ يُؤسسْ لنفسِه قواعد ومناهجَ للاستنباطِ (^٢).\nوإنْ كان سيرُ المجتهدِ مِنْ أهلِ هذه الطبقةِ على قواعدِ إمامِه عن قناعةٍ بها، وعلمٍ برجحانها، فهو موافق لإمامِه في قواعدِه، ويصبح متمذهبًا بالاسمِ فقط.\nوإنْ كان سيرُه على قواعدِ إمامِه على سبيلِ التلقي والتقليد، فهو متمذهبٌ في الأصولِ، أمَّا في الفروعِ، فهو مجتهدٌ متمذهبٌ بالاسمِ فقط.\nالطبقة الثانية: المجتهدُ المقيّدُ في مذهبِ إمامٍ معيّنٍ.\nالمجتهد المقيّد: هو مَنْ يبذلُ وسعَه في تخريجِ الوجوهِ والأحكامِ على نصوصِ إمامِه، ويتقيدُ بأصولِه وقواعدِه (^٣)، فلا يخرجُ عنها ولا يخرجُ عن فروعِه.\n_________\n(^١) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩١)، وصفة الفتوى (ص/ ١٧)، وسلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٥٧٩).\n(^٢) انظر: الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ٣٥٧).\n(^٣) انظر: سلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٥٧٩)، وبلوغ السول لمحمد مخلوف (ص/ ١٧٠ - ١٧١)، والتشريع الإسلامي للدكتور عمر الجيدي (ص/ ٢١٦)، وأصول الفقه للدكتور وهبة الزحيلي (٢/ ١٠٨٠).","vol":"2","page":949},{"text":"والاجتهادُ في هذه الطبقة داخلٌ حدودِ مذهبٍ معيّنٍ (^١).\nولا يجتهدُ المخرِّجُ إلا فيما لم يَرِدْ بشأنِه نصٌّ عن إمامِه، أما ما وَرَدَ فيه عنْ إمامِه نصٌّ، فلا يَسَعه إلا الأخذ بقولِ إمامِه، وبهذا خالفوا أربابَ الطبقةِ الأُولى، فإنهم يجتهدون فيما اجتهدَ فيه إمامُهم، وقد يخالفونه (^٢).\nومِنْ شأنِ المجتهدِ في هذه الطبقة أنْ يكونَ مطلِّعًا على قواعدِ إمامِه، محيطًا بأصولِه، مستوعبًا لها، عارفًا بمآخذِه التي يستند إليها (^٣)، قادرًا على إقامةِ الأدلةِ على أقوالِه (^٤)، وهو وإنْ لم يبلغْ رتبةَ المجتهدين اجتهادًا مطلقًا، إلا أنَّه ليس بمقلِّدٍ تقليدًا محضًا، بل هو صاحبُ نظرٍ واستدلالٍ وبَصَرٍ في الأصولِ، وخبرةٍ تامَّةٍ في الفروعِ، وله محلٌّ رفيعٌ في العلمِ، وقَدَمٌ راسخةٌ في المذهبِ (^٥).\nويُسَمّى أربابُ هذه الطبقة بالمجتهدين في المذهبِ (^٦)، وبالمخرَّجين (^٧).\nويبيّنُ الشريفُ التلمسانيُّ (^٨) عملَ فقيه هذه الطبقة بمثالٍ توضيحي،\n_________\n(^١) انظر: الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ٣٧١).\n(^٢) انظر: تخريج الفروع على الأصول لعثمان شوشان (١/ ٣٩٠ - ٣٩١).\n(^٣) انظر: المعيار المعرب للونشريسي (١١/ ٣٦٥)، ومختصر الفوائد المكية للسقاف (ص/ ٤٣).\n(^٤) انظر: الاختلاف الفقهي لعبد العزيز الخليفي (ص/ ١٢٩).\n(^٥) إرشاد أهل الملة لمحمد المطيعي (ص/٢٤٨).\n(^٦) انظر: جمع الجوامع (٢/ ٣٨٤)، مع شرحه البدر الطالع لجلال الدين المحلي، وسلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٥٧٩)، والاجتهاد ومدى حاجتنا إليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ٣٦٧).\n(^٧) انظر: عِقْد الجِيْد للدهلوي (ص/ ١٧).\n(^٨) هو: محمد بن أحمد بن علي بن يحيى بن محمد الشريف الإدريسي الحسني، أبو عبد الله، ويُعْرَف بالشريف التلمساني، ولد سنة ٧١٠ هـ وقيل: ٧١٦ هـ كان علامةً فقيهًا محققًا نظارًا أصوليًّا متفننًا، ذا وجاهة وقدر ومهابة، أمينًا مأمونًا، إمام مالكية في وقته، له اليد الطولى في معرفة الخلافيات، وقد وصفه الخطيبُ ابنُ مرزوق بالاجتهاد المطلق، تولى قضاء غرناطة، من مؤلفاته: مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول، ومثار الغلط في الأدلة، وشرح =","vol":"2","page":950},{"text":"فيقول: \"أمَّا ابنُ القاسمِ، فكانَ إذا سُئِلَ عن مسألةٍ، يقولُ: سمعتُ مالكًا يقول فيها: كذا، وإنْ لم يكنْ سَمِعَ مِنْ مالكٍ شيئًا، قال: لم أسمعْه منه، ولكنْ بلغني عنه كذا، فإنْ لم يكنْ بَلَغَه، قال: لم يبلغني، ولكن قال في المسألةِ الفلانيةِ: كذا، ومسألتُك هذه مثلها، فهذه رتبةُ الاجتهادِ المذهبي\" (^١).\nوالشروطُ الواجبةُ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ المذهبي هي الشروط التي ذكرها ابنُ الصلاحِ، وابنُ حمدان، وقد تقدمَ ذكرُها.\nالطبقة الثالثة: مجتهدُ الترجيحِ.\nمجتهد الترجيح، هو: المتبحِّرُ في مذهب إمامِه، العارفُ بأدلتِه، القائمُ بتقريرِها وتصويرِها وتحريرِها، المتمكنُ مِن الترجيحِ بين أقوالِ المذهب (^٢)، لكنَّه قصرَ عن رتبةِ الطبقةِ الثانيةِ؛ لقصوره في بعضِ العلومِ التي تُشترطُ في مجتهدِ المذهبِ، كما تقدم ذلك في كلامِ ابنِ الصلاحِ، وابنِ حمدان.\nويُسَمّى مجتهدُ الترجيحِ بمجتهدِ الفتيا (^٣).\nويُشترطُ فيه الشروط التي ذكرها ابنُ الصلاح، وابنُ حمدان، وشاه ولي الله الدهلوي كما تقدّمَ ذكرها في المطلبين السابقين.\n_________\n= جمل الخونجي، توفي بغرناطة سنة ٧٧١ هـ. انظر ترجمته في: المعيار المعرب للونشريسي (١٢/ ٢٢٤)، ودرة الحجال لابن القاضي (٢/ ٢٦٩)، ونيل الابتهاج للتنبكتي (ص/ ٤٣٠)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٢٣٤)، والفتح المبين للمراغي (٢/ ١٨٩)، والفكر السامي للحجوي (٤/ ٢٤٦)، والأعلام للزركلي (٥/ ٣٢٧).\n(^١) نقل الونشريسيُّ كلامَ الشريف التلمسانيّ في: المعيار المعرب (١١/ ٣٦٥).\n(^٢) انظر: نشر البنود (٢/ ٣٢٣)، وسلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٥٧٩)، وبلوغ السول لمحمد مخلوف (ص/ ١٧١).\n(^٣) انظر: جمع الجوامع (٢/ ٣٨٤)، مع شرحه البدر الطالع لجلال الدين المحلي، وسلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٥٧٩)، والاجتهاد ومدى حاجتنا إليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ٣٦٨)، والاختلاف الفقهي لعبد العزيز الخليفي (ص/ ١٣٠)، والتشريع الإسلامي للدكتور عمر الجيدي (ص/ ٢١٦).","vol":"2","page":951},{"text":"وليسَ مِنْ شَأْنِ الفقيه في هذه الطبقةِ استنباطُ حُكْمِ ما لم يَرِدْ به نصٌّ عن إمامِ مذهبِه (^١)؛ لأنَّه يقدرُ على الترجيحِ، دونَ الاستنباطِ والتخريجِ (^٢).\nوقد يخرِّجُ الفقيه في هذه الطبقة في بعضِ المسائلِ؛ لأنَّ الاجتهادَ المذهبي يَتَجَزّأ، فرُبَّما يتصّف به بعضُ أربابِ هذه الطبقة، أو مَنْ دونها (^٣).\nالطبقة الرابعة: حافظ المذهب.\nالفقيهُ في هذه الطبقة لا يعدو أنْ يحفظَ مذهبَه كلَّه أو أكثره، ويفهمَ مسائلَه الواضحة والمشكلة، لكنَّه لا يرتقي إلى درجةِ الطبقةِ الثالثةِ؛ لضعفِه في تقريرِ أدلةِ مذهبِه، وتحريرِ أقيسته (^٤)، فهو حامل فقهٍ (^٥).\nولا يُوصف بالاجتهادِ المذهبي، وإنَّما يُوصفُ بالتقليدِ المذهبي، لكن قد يتصفُ بالاجتهادِ المذهبي في بعضِ المسائلِ، كما أشرت إلى هذا قبل قليلٍ.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: تخريج الفروع على الأصول لعثمان شوشان (١/ ٣٩٠ - ٣٩١).\n(^٢) انظر: مختصر الفوائد المكية للسقاف (ص/ ٥٥)، والاختلاف الفقهي لعبد العزيز الخليفي (ص/١٣٠).\n(^٣) انظر: حجة الله البالغة للدهلوي (١/ ٤٨١)، وحاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٣٨٦).\n(^٤) انظر: نشر البنود (٢/ ٣٢٣).\n(^٥) انظر: الفوائد المكية للسقاف (ص/ ٦٦).","vol":"2","page":952},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>المبحث الثاني: الانتقال عن المذهب</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: الانتقال عن المذهب إلى الاجتهاد\nالمطلب الثاني: الانتقال عن التمذهب بمذهب معين إلى التمذهب بمذهب آخر\nالمطلب الثالث: الخروج عن المذهب في بعض المسائل","vol":"2","page":953},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>تمهيد:</span>\nمِنْ المعلومِ أنَّ حقيقةَ التمذهب ومبناه هي التزام مذهبِ إمامٍ معيَّنٍ - كما تقدم تقريرها - وقد يحصلُ انتَقالٌ عن المذهبِ بالكلية، أو خروجٌ عنه في بعضِ المسائلِ.\nوالانتقالُ عن التمذهبِ لا يخلو من حالتين:\nالحالة الأولى: الانتقالُ عن التمذهبِ إلى الاجتهادِ.\nالحالة الثانية: الانتقالُ عن التمذهبِ بمذهبٍ معيّنٍ إلى التمذهبِ بمذهبٍ آخر.\nوسيكون الحديثُ عن الانتقالِ عن التمذهبِ والمذهبِ في المطالبِ الآتيةِ:\nالمطلب الأول: الانتقال عن التمذهب إلى الاجتهاد\nالمطلب الثاني: الانتقال عن التمذهب بمذهب معين إلى التمذهب بمذهب آخر\nالمطلب الثالث: الخروج عن المذهب في بعض المسائل","vol":"2","page":954},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>المطلب الأول: الانتقال عن المذهب إلى الاجتهاد</span>\nوفيه مسألتان:\nالمسألة الأولى: الانتقال عن التمذهب إلى الاجتهاد المستقل\nالمسألة الثانية: الانتقال عن التمذهب إلى الاجتهاد المطلق","vol":"2","page":955},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>توطئة</span>\nقد يصلُ المتمذهبُ إلى درجةِ الاجتهادِ في الشريعةِ الإسلامية، وكما هو معلوم، فإنَّ الاجتهادَ المطلقَ في الشريعةِ الإسلامية على قسمين.\nالقسم الأول: الاجتهاد المستقل.\nالقسم الثاني: الاجتهاد المنتسب.\nوفي ضوءِ تقسيمِ الاجتهادِ سرتُ في هذا المطلبِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>المسألة الأولى: الانتقال عن التمذهب إلى الاجتهاد المستقل</span>.\nتقدّم لنا في كلامِ ابنِ الصلاحِ في المبحثِ الأولِ تعريفُ المجتهدِ المستقلِّ، وأنَّه الذي يستقل بإدراكِ الأحكامِ الشرعيةِ مِن الأدلةِ مِنْ غيرِ تقليدٍ وتقيّدٍ بمذهبِ أحدٍ (^١).\nومِن المعلوم، فإنَّ للمجتهدِ المستقلِّ التصرفَ في أصولِه وقواعدِه الاستنباطيةِ، دونَ تقيّد بمذهبِ أحدٍ مِن العلماءِ، في ضوءِ ما يترجحُ عنده.\nيقولُ جلالُ الدِّينِ السيوطي: \"المستقلُّ: هو الذي استقلَّ بقواعد لنفسِه، بَنَى عليها الفقهَ، خارجًا عن قواعد المذاهبِ المقررةِ\" (^٢).\n_________\n(^١) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٨٧).\n(^٢) الرد على من أخلد إلى الأرض (ص/ ٩٣).","vol":"2","page":957},{"text":"وكلامي في هذه المسألةِ عن وصولِ المتمذهبِ إلى درجةِ الاجتهادِ المستقلِّ؛ بحيثُ ينتقلُ عن التمذهبِ إلى درجةِ أئمةِ المذاهبِ المستقلين باجتهاداتهم، وسأبيِّنُ الحكمَ في هذه المسألة في النقاطِ الآتيةِ:\nالأولى: المتمذهبُ الذي لم تجتمع فيه شروطُ الاجتهادِ في الشريعةِ، ليس له ادّعاءُ بلوغِه؛ لفقدِه شروطه، وهذا أمرٌ معلومٌ لا يحتاجُ إلى إقامةِ الدلائل عليه.\nالثانية: لا خلافَ في جوازِ الوصولِ إلى درجةِ الاجتهادِ المستقل في عصورِ الاجتهادِ التي كانتْ قبلَ استقرارِ أصولِ المذاهبِ.\nهذا ما يُفهمُ مِنْ كلام أبي حامد الغزالي (^١)، وأبي القاسم الرافعي (^٢)، وابنِ الصلاحِ (^٣)، وابنِ حمدان (^٤)، حيثُ نصّوا على إغلاقِ بابِ الاجتهادِ المستقل، والقولُ بإغلاقِه يدلُّ على أنَّه كان مفتوحًا لمَنْ تحققتْ فيه الشروطُ.\nويؤكّدُ ما سَبَقَ: أن الأئمةَ الذين اتفق الناسُ على اتصافهم بالاجتهادِ المستقل، كانوا قبلَ بلوغِهم درجته غير مجتهدين.\nالثالثة: نصَّ غيرُ واحدٍ مِنْ أهلِ العلمِ على إغلاقِ بابِ الاجتهادِ المستقلِّ، منهم: أبو حامد الغزالي (^٥)، وأبو القاسم الرافعي (^٦)، وابن الصلاح (^٧)، وابن حمدان (^٨)، وجلال الدين السيوطي (^٩)، فليس لأحدٍ أنْ يحدث مذهبًا جديدًا بأصول وقواعد جديدة.\n_________\n(^١) انظر: الوسيط في المذهب (٧/ ٢٩١).\n(^٢) انظر: العزيز شرح الوجيز (١٢/ ٤١٨).\n(^٣) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩١).\n(^٤) انظر: صفة الفتوى (ص/ ١٧).\n(^٥) انظر: الوسيط في المذهب (٧/ ٢٩١).\n(^٦) انظر: العزيز شرح الوجيز (١٢/ ٤١٨).\n(^٧) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩١).\n(^٨) انظر: صفة الفتوى (ص/ ١٧).\n(^٩) انظر: الرد على من أخلد إلى الأرض (ص/ ٩٣).","vol":"2","page":958},{"text":"الرابعة: لم أقفْ - في ضوءِ ما اطلعت عليه مِنْ مصادر - على دليلٍ يدلُّ على إغلاقِ باب الاجتهادِ المستقل، إلا أن مِن القائلين بإغلاقه مَنْ رأى في القولِ به حمايةً لأصولِ الشريعةِ الإسلاميةِ مِنْ أنْ يأتي من يُغَيّر فيها؛ مدعيًّا أنه مجتهد (^١).\nالخامسة: لو أرادَ المتمذهبُ الانتقالَ عن التمذهب إلى درجةِ الاجتهادِ المستقلّ؛ لاجتماعِ شروطِ الاجتهادِ فيه، فالذي يَظهرُ لي أنَّ لانتقالِه صورتين:\nالصورة الأولى: أنْ يكوِّنَ لنفسِه أصولًا وقواعد يسيرُ عليها، مخالفةً لما استقرتْ عليه أصولُ المذاهبِ.\nالصورة الثانية: أنْ لا يكوِّنَ لنفسِه أصولًا وقواعد مخالفةً لما استقرت عليه أصول المذاهب، بلْ يسير على الأصولِ المدوّنة، لكنَّه يأخذ بما ترجَّحَ عنده مِنْها، دونَ التزامِ أصولِ مذهبٍ معيّنٍ.\nالصورة الأولى: أنْ يكوِّنَ لنفسِه أصولًا وقواعد يسيرُ عليها مخالفةً لما استقرتْ عليه أصولُ المذاهبِ.\nالذي يظهرُ لي في هذه الصورة هو المنعُ وعدمُ الجوازِ؛ لأنَّ الأصولَ والقواعد مدوَّنةٌ، ولا يمكن أنْ يكون هناك أصولٌ صحيحةٌ خَلَتْ عنها المذاهبُ الفقيهةُ طوال قرون متطاولة.\nيقول ابنُ بَرهان: \"أصولُ المذاهب وقواعدُ الأدلةِ منقولةٌ عن السلفِ، فلا يجوزُ أنْ يُحدثَ في الأعصارِ خلافُهَا\" (^٢).\nويقولُ ابنُ المنيِّرِ المالكي: \"أتباعُ الأئمةِ الآن حازوا شروطَ الاجتهادِ، مجتهدون ملتزمون أنْ لا يحدثوا مذهبًا، أمَّا كونهم مجتهدون؛ فلأنَّ الأوصافَ قائمةٌ بهم، وأما كونهم ملتزمين أن لا يحدثوا مذهبًا؛ فلأنَّ\n_________\n(^١) انظر: سد باب الاجتهاد لعبد الكريم الخطيب (ص/١٣٧).\n(^٢) نقل السيوطيُّ كلامَ ابن برهان في: الرد على من أخلد إلى الأرض (ص/ ٩٣).","vol":"2","page":959},{"text":"إحداثَ مذهبٍ زائدٍ بحيث يكونُ لفروعِه أصولٌ وقواعد مباينة لسائرِ قواعد المتقدمين، متعذرُ الوجودِ؛ لاستيعابِ المتقدمين سائر الأساليبِ\" (^١).\nويقول الشيخُ محمدٌ بخيت المطيعي: \"المجتهدُ المطلقُ الذي يُنْشِئُ مذهبًا خارجًا عن جميعِ مذاهبِ مَنْ تقدمه مِنْ المجتهدين في الأصولِ والفروعِ، وذلك متعذرٌ، بلا شبهةٍ\" (^٢).\nولهذا نصَّ غيرُ واحدٍ على طيِّ بساطِ الاجتهادِ المستقلِّ، كما تقدمت الإشارةُ قبلَ قليلٍ.\nالصورة الثانية: أنْ لا يكوِّن لنفسِه أصولًا وقواعد مخالفةً لما استقرتْ عليه أصول المذاهب، بلْ يسيرُ على الأصولِ المدوّنة، لكنّه يأخذ بما ترجَّحَ عنده منها، دونَ التزامِ أصولِ مذهبٍ معيَّنٍ.\nالذي يظهرُ لي في هذه الصورة هو الجواز، بشرطِ: أنْ لا يدَّعي لنفسِه مذهبًا قائمًا بأصولِه وقواعده الخاصةِ؛ وذلك لانتفاءِ المحذورِ، وهو الإتيانُ بأصول جديدةٍ غيرِ مسبوقٍ إليها.\nوأمَّا اشتراط أنْ لا يدَّعي لنفسِه مذهبًا قائمًا؛ فلخلوِّ هذه الدعوى عن حقيقتِها، وهي الإتيان بمذهبٍ جديدٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>المسألة الثانية: الانتقال عن التمذهب إلى الاجتهاد المنتسب</span>\nمِنْ المعلومِ أنَّ حقيقةَ التمذهبِ، وهي الالتزامُ، تنافي الاجتهادَ؛ إذ مبنى الاجتهادِ على بذلِ الجهدِ للوصولِ إلى الحكمِ الشرعي عنِ طريقِ الأدلةِ، وكما ذكرتُ مِنْ قبلُ أنَّ التمذهبَ قد يصلُ بالمتمذهبِ إلى درجةِ الاجتهادِ المطلق المنتسبِ، فما حكم انتقالِ المتمذهبِ إلى هذه الدرجةِ؟\n_________\n(^١) نقل كلامَ ابن المنيِّر الزركشيُّ في: البحر المحيط (٦/ ٢٨٥)، والسيوطي في: الرد على من أخلد إلى الأرض (ص/ ٩٣ - ٩٤).\n(^٢) إرشاد أهل الملة (ص/ ٢٢٠).","vol":"2","page":960},{"text":"سأُبيّنُ الحكمَ هنا في النقاطِ الآتيةِ:\nالأولى: المتمذهب الذي لم تجتمع فيه شروطُ الاجتهاد، ليس له ادّعاء مرتبته؛ لفقدِه شروطه.\nالثانية: إذا اجتمعتْ شروطُ الاجتهادِ في الشخصِ المتمذهب، فإنَّ الواجبَ عليه تركُ التمذهبِ، والانتقالُ إلى الاجتهادِ، وعلى هذا الأمَر كثيرٌ مِن المتمذهبين الذين بلغوا رتبةَ الاجتهادِ المطلق (^١).\nولعل مِنْ أبرز مَنْ ادَّعى بلوغ رتبة الاجتهادِ المطلقِ المنتسب إلى مذهب معيّنٍ، ونَفَى عن نفسِه بلوغَ درجةِ الاجتهادِ المستقلِّ: جلالُ الدينَ السيوطي، إذ يقولُ: \"وإنَّما جاءَ الغلطُ لأهلِ عصرنا مِنْ ظنّهم ترادف المطلق والمستقل، وليس كذلك ... والذي ادعيناه هو الاجتهاد المطلق، لا الاستقلال، بلْ نحنُ تابعون للإمامِ الشافعي - ﵁ -، وسالكون طريقَه في الاجتهادِ؛ امتثالًا لأمرِه، ومعدودون مِنْ أصحابِه، وكيفَ يُظَنُّ أنَّ اجتهادَنا مقيّدٌ؟ ! والمجتهدُ المقيّدُ إنَّما ينقصُ عن المطلقِ بإخلالِه بالحديثِ والعربيةِ، وليس على وجهِ الأرضِ مِنْ مشرقِها إلى مغربِها أعلم بالحديثِ والعربيةِ منّي! \" (^٢).\nالثالثة: لو قيل: إنَّ الأَولى بالمتمذهب الذي لديه القدرةُ على تحصيلِ شروطِ الاجتهادِ، أنْ يكون قصدُه في سلوكِ التمذهبِ بلوغَ درجةِ الاجتهادِ في الشريعةِ، لكان قولًا جيّدًا.\nالرابعة: لا يعني ما تقدم آنفًا أنَّ الاجتهادَ ميسورٌ لكلّ شخصٍ أراد بلوغه، بل له شروطٌ متعددةٌ، يتعين اتصافُ الشخصِ بها؛ ليوصفَ بالاجتهاد (^٣).\n_________\n(^١) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (١٢/ ٤٣٣)، وأدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٢).\n(^٢) الرد على من أخلد إلى الأرض (ص/ ٩٨)، وفي النصِّ تصحيفات صححتها من طبعة دار الكتب العلمية التي حققها الشيخ خليل الميس (ص/١٦).\n(^٣) انظر: شرح الكوكب الساطع للسيوطي (٤/ ١٢٣). وقارن بالعواصم والقواصم لابن الوزير (١/ ٢٧٢ وما بعدها).","vol":"2","page":961},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>المطلب الثاني: الانتقال عن التمذهب بمذهب معين إلى التمذهب بمذهب آخر</span>\nمِنْ المعلومِ أنَّ المذاهبَ الفقهيةَ المتبوعةَ متعددةٌ، وقد يَرَى المتمذهبُ تركَ مذهبِه برُمَّتِه، والانتقالَ عنه إلى التمذهبِ بمذهبٍ آخر، فمثلًا قد يكون شخصٌ متمذهبًا بالمذهب الحنفي، ويرى بعد ذلَك تركَ التمذهب به، والانتقالَ إلى التمذهبِ بالمذَهبِ الشافعي، فحديثي هنا عن تركِ المذهبِ بالكليةِ، والانتقال إلى التمذهبِ بمذهبٍ آخر (^١).\nويمكنُ بيانُ حكمِ الانتقال مِنْ مذهبٍ إلى آخر فيما يأتي:\nأولًا: الأصلُ في الانتقالِ مِن التمذهب بمذهبٍ معيّنٍ إلى التمذهب بمذهبٍ آخر هو الجوازُ (^٢)؛ وذلك للأمورِ الآتية:\nالأمر الأول: انتفاءُ الدليلِ الموجِبِ اتِّباع مذهبِ إمامٍ بعينِه (^٣).\nالأمر الثاني: أنَّ الانتقالَ مِنْ مذهبٍ إلى مذهبٍ، كالانتقالِ مِنْ قولِ إلى قولٍ، وهو سائغٌ (^٤).\n_________\n(^١) انظر: المعيار المعرب للونشريسي (١٢/ ٤٦).\n(^٢) انظر: نشر البنود (٢/ ٣٥٠)، والتعليقات السنية على الفوائد البهية للكنوي (ص/ ٤٢)، ومراقي السعود إلى مراقي السعود (ص/ ٤٦٠)، ونثر الورود للشنقيطي (٢/ ٦٨٤)، وأصول الفقه للدكتور زكي الدين شعبان (ص/ ٣٣٩)، وتغيّر الاجتهاد للدكتور وهبة الزحيلي (ص/ ١٨).\n(^٣) انظر: إرشاد أهل الملة لمحمد المطيعي (ص/ ٢٢٩)، وأصول الفقه للدكتور زكي الدين شعبان (ص/ ٣٣٩).\n(^٤) انظر: النظائر لبكر أبو زيد (ص/ ٧٧).","vol":"2","page":962},{"text":"الأمر الثالث: إذا ساغَ التمذهبُ بمذهب معيَّنٍ ابتداءً، فإنَّه يسوغُ الانتقالُ إليه مِنْ مذهب آخر؛ لعدمِ الفرقِ بين الحالين.\nثانيًا: وُجِدَ عند بعضِ المتمذهبين أقوالٌ في التشديدِ في الانتقالِ عن مذهبِهم إلى غيرِه مِن المذاهب فمثلًا، يقولُ بعضُهم: يجوزُ لغيرِ الحنفي أنْ يتحولَ حنفيًّا، ولا يجوزُ للحنفي أنْ يتحولَ شافعيًّا أو مالكيًّا (^١)، أو يقولُ بعضهم: يجبُ التمذهبُ بمذهبِ إمامِنا على الناسِ كافة، ويحرمُ تركُ مذهبِه.\nوهذه الأقوالُ ونحوها أقوالٌ مردودةٌ، ينبغي أنْ لا يُلْتَفَتُ إليها، ومنشأها تعصبٌ مذهبي محضٌ (^٢)، ولم يزلْ كثيرٌ مِن المحققين مِنْ مختلفِ المذاهبِ ينتقلون مِنْ مذهبِهم إلى مذهبٍ آخر (^٣).\nيقول عبدُ الحي اللكنوي: \"أما ... ما في بعضِ الفتاوي أنَّه يجوزُ للشافعي أنْ يكون حنفيًّا، ولا يجوز العكس، فتعصّبٌ لائحٌ، وتشددٌ واضحٌ، لا يُلْتَفَتُ إليه\" (^٤).\nولو فُرِضَ وجودُ كلام لبعضِ العلماءِ في التشديدِ في الانتقالِ عن المذهبِ، فإنَّه محمولٌ على مَنْ كان غرضُه مِن الانتقالِ دنيويًّا، ولعل مِنْ أسبابِ تشديدِهم في الانتقالِ هو ما وجدوه مِن بعضِ المتمذهبين الذين تركوا مذاهبَهم، وانتقلوا إلى غيرِها؛ لغرضٍ دنيوي (^٥).\n_________\n(^١) انظر: فواتح الرحموت (٢/ ٤٠٦)، وجزيل المواهب للسيوطي (ص/ ٤٤).\n(^٢) انطر: جزيل المواهب للسيوطي (ص/ ٤٤)، وإرشاد أهل الملة لمحمد المطيعي (ص/ ٢٢٩).\n(^٣) للاطلاع على بعض العلماء الذين انتقلوا من مذهبهم إلى مذهب آخر، انظر: جزيل المواهب للسيوطي (ص/ ٥٣ وما بعدها)، ونشر البنود (٢/ ٣٥٥)، وإرشاد أهل الملة لمحمد المطيعي (ص/ ٢٣٠)، والنظائر لبكر أبو زيد (ص/ ٩٥ وما بعدها).\n(^٤) التعليقات السنية على الفوائد البهية (ص/ ٤٢).\n(^٥) انظر: إرشاد أهل الملة لمحمد المطيعي (ص/ ٢٢٩)، ورسالة في بيان الكتب التي يعول عليها له (ص/٥٢ - ٥٣).","vol":"2","page":963},{"text":"ثالثًا: إنْ كان الغرضُ مِن الانتقالِ مِن مذهبٍ إلى مذهبٍ آخر هو النفعَ الدنيوي، منْ مالٍ أو جاهٍ، أو قربٍ عند الواليَ أو عند أهلِ الدنيا، أو اتباع الهوى، كالتعصّبِ للمذهب المنتقل إليه، أو لشهواتِ النفس: فإنَّ الانتقالَ مذمومٌ، ولا يحمدُ المنَتقل على انتقالِه؛ وذلك لسوءِ غرضِه ونيتِه (^١).\nوقد صرَّح عبد الله العلوي بالمنع هنا (^٢).\nوإنْ كانَ المذهبُ الذي انتقل إليه خيرًا مِنْ مذهبِه الأول، فإنَّ الذمَّ يلحقُ المنتقل أيضًا؛ وذلك لسوءِ قصدِه، ويكون حالُه كحالِ مَنْ لا يسلِّم على غيرِه إلا لغرضٍ دنيوي (^٣).\nيقولُ جلالُ الدّينِ السيوطي عمَّنْ ينتقل لهذا الغرضِ، وهو فقيه في مذهبِه الأول: \"هذا أمرُه أشدّ، وعندي أنَّه يصلُ إلى حدِّ التحريمِ؛ لأنَّه تلاعبٌ بالأحكامِ الشرعيةِ؛ لمجرَّدِ غرضِ الدنيا\" (^٤).\nوذَهَبَ الشيخُ علوي السقاف إلى جوازِ الانتقالِ مِنْ مذهبٍ إلى مذهبٍ آخر، ولو بمجرَّدِ التشهي (^٥).\nولعله أرادَ صحةَ الانتقالِ، وجواز الالتزامِ بالمذهبِ المنتقل إليه، ولم يُرِدْ الحكمَ على نيةِ المتمذهبِ.\nرابعًا: إنْ كانَ الغرضُ مِن الانتقالِ مِنْ مذهبٍ إلى مذهبٍ دينيًا، كظهورِ رجحانِ أصولِ المذهبِ المنتقَل إليه، وقوةِ مداركِه (^٦)، أو ظهور\n_________\n(^١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/ ٢٢٢)، والعَلَم الشامخ للمقبلي (ص/ ٣٦٨)، ومراقي السعود إلى مراقي السعود (ص/ ٤٦١)، وإرشاد أهل الملة لمحمد المطيعي (ص/ ٢٣٠)، ونثر الورود للشنقيطي (٢/ ٦٨٥).\n(^٢) انظر: نشر البنود (٢/ ٣٥١).\n(^٣) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/ ٢٢٢).\n(^٤) جزيل المواهب (ص/ ٤٢).\n(^٥) انظر: مختصر الفوائد المكية (ص/ ٣٩).\n(^٦) انظر: نشر البنود (٢/ ٣٥١).","vol":"2","page":964},{"text":"رجحانِ أكثرِ فروعِه: فإن الانتقالَ سائغٌ (^١)، ولا بأسَ به، بلْ هو ممَّا يُثاب عليه (^٢)؛ وذلك للأمرين الآتيين:\nالأمر الأول: لم يزلْ كثيرٌ مِن العلماءِ المحققين مِنْ مختلفِ المذاهبِ الفقهيةِ على مرِّ العصورِ ينتقلون مِنْ مذهبٍ إلى مذهبِ، والظاهرُ أنَّ الباعثَ لهم عليه أمرٌ ديني (^٣).\nالأمر الثاني: أنَّ المذاهبَ الفقهيةَ المتبوعةَ كلَّها طريقٌ إلى الفقهِ في الدِّينِ في أصولِه وفروعِه (^٤).\nومِن العلماءِ مَنْ قالَ بوجوبِ الانتقالِ في هذه الحالِ (^٥).\nويظهرُ لي أنَّ الخلافَ بين القائلين بالجوازِ، والقائلين بالوجوبِ خلافٌ لفظي؛ إذ يمكن حَمْلُ كلامِ المجوِّزين للانتقالِ على الانتقالِ في أصلِه، ويحمل كلام الموجبين له على أخذِ المتمذهبِ بما ترجّحَ عنده.\nخامسًا: إنْ كانَ انتقالُ المتمذهب مِنْ مذهبٍ إلى آخر مجرَّدًا عن الغرضِ الدنيوي، والغرضِ الديني، فهذا لَه ثلاثُ حالات:\nالحالة الأولى: إنْ كانَ المتمذهبُ قد تمكَّنَ مِنْ مذهبِه، وأتقنه.\nفهذا ممَّا لا ينبغي معه الانتقالُ - ويكونُ حكمُ انتقالِه دائرًا بين الكراهةِ، والمنعِ (^٦) - لأنَّه يحتاجُ إلى زمنٍ آخر لتحصيلِ المذهبِ المنتقَلِ\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (٢/ ٣٥٠)، ومراقي السعود إلى مراقي السعود (ص/ ٤٦٠)، وإرشاد أهل الملة لمحمد المطيعي (ص/ ٢٣٠)، ورسالة في بيان الكتب التي يعول عليها له (ص/ ٥٣).\n(^٢) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/ ٢٢٣)، والآداب الشرعية لابن مفلح (١/ ٢٢٦).\n(^٣) انظر: نشر البنود (٢/ ٣٥٠)، ومراقي السعود إلى مراقي السعود (ص/ ٤٦٠)، وإرشاد أهل الملة لمحمد المطيعي (ص/ ٢٣٠)، ونثر الورود للشنقيطي (٢/ ٦٨٤).\n(^٤) انظر: نشر البنود (٢/ ٣٥٠)، ونثر الورود للشنقيطي (٢/ ٦٨٤).\n(^٥) انظر: نشر البنود (٢/ ٣٥١)، ونثر الورود للشنقيطي (٢/ ٦٨٥).\n(^٦) انظر: جزيل المواهب للسيوطي (ص/ ٤٣)، ونشر البنود (٢/ ٣٥١)، ومراقي السعود إلى مراقي السعود (ص/ ٤٦٢)، ونثر الورود للشنقيطي (٢/ ٦٨٦).","vol":"2","page":965},{"text":"إليه، وهذا يشغِلُه عمَّا هو أهمّ، مِنْ العمل بما تعلمه، وقد ينقضي عمرُه قبلَ حصولِ تفقهِه في المذهبِ المنتقَلِ إليه (^١).\nالحالة الثانية: إنْ كانَ المتمذهبُ قد اشتغلَ بمذهبِه، فلم يحصلْ منه على شيءٍ يُذْكَرُ، ووَجَدَ مذهبَ غيرِه سهلًا عليه، بحيثُ يمكنه إدراكُه وفهمُه، ويمكنُه الإحاطةُ به: فهنا يجبُ عليه الانتقالُ، ولا يجوزُ له البقاءُ على مذهبِه (^٢)؛ لأنَّ التفقهَ على مذهب أحدِ الأئمةِ الأربعةِ، وفهمه خيرٌ مِن الاستمرارِ على مذهبٍ ما مَعَ الجهلِ بَأكثرِ مسائلِه (^٣).\nيقولُ جلالُ الدّينِ السيوطي: \"رُبَّ شخصٍ يُفتَحُ عليه في علمٍ دون علمٍ، وفي مذهبٍ دونَ مذهبٍ، وهي قسمةٌ مِن الله\" (^٤).\nالحالة الثالثة: إنْ كانَ المتمذهبُ لمَّا يتمكن مِنْ مذهبه بعدُ، ولم يمضِ عليه زمنٌ كبيرٌ.\nفالظاهرُ أنَّ له الانتقالَ؛ لأنَّ حالَه كحال المبتدئِ، والمبتدئُ له التمذهبُ بأيِّ مذهبٍ أرادَ.\nسادسًا: يراعى في مسائل الانتقالِ ما ذكرتُه في مسألةِ: (تفضيل مذهب من المذاهب)، مِنْ أن الأَولى بالمتمذهب البقاء على المذهبِ السائدِ في قُطْرِه وإقليمه؛ لأنَّه أدعى إلى ضبطِ العَلمِ، لوجودِ العلماءِ الناخلين لمذاهبِهم العارفين بها.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: المصادر السابقة.\n(^٢) انظر: جزيل المواهب للسيوطي (ص/ ٤٣)، ونشر البنود (٢/ ٣٥١)، ومراقي السعود إلى مراقي السعود (ص/ ٤٦١).\n(^٣) انظر: جزيل المواهب للسيوطي (ص/ ٤٣).\n(^٤) المصدر السابق (ص/ ٤٤).","vol":"2","page":966},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>المطلب الثالث: الخروج عن المذهب في بعض المسائل</span>\nمِنْ المعلومِ أنَّ مبنى التمذهبِ على الالتزامِ بالمذهبِ، وهذا يعني أنَّ الأصلَ فيه عدمُ الخروجِ عنه في أصولِه وفروعِه، لكن قد يخرجُ المتمذهبُ عن مذهبِه في بعضِ المسائلِ لأيّ سببٍ كان، فما حكمُ خروجِه؟\nمِنْ خلالِ تأمّلي لهذه المسألةِ، ظَهَرَ لي أنَّ لخروجِ المتمذهبِ عن المذهبِ ثلاثَ صورٍ:\nالصورة الأولى: أنْ يأخذَ المتمذهبُ بقولٍ أو أقوالٍ خارجةٍ عن مذهبِه في بابٍ، أو أبوابٍ متفرقة (^١).\nالصورة الثانية: أنْ يأخذَ المتمذهبُ بقولٍ خارجٍ عن مذهبه في مسألةٍ واحدةٍ ذاتِ أجزاء مترابطة (كوسائل المسالة ومقدماتها وأَحكامها)، كالشافعي إذا توضأَ، فمسحَ بعضَ شعرِه؛ أخذًا بمذهبِه، ثم مسَّ امرأةً دون شهوةٍ، ولم يجعل المسَّ ناقضًا؛ أخذًا بمذهبِ الحنفيةِ، ثم صلّى، فإنَّ صلاتَه غيرُ صحيحةٍ على مذهب الشافعيةِ؛ لانتقاضِ الطهارةِ بمس المرأةِ، وغيرُ صحيحةٍ على مذهبِ الحنفَية؛ لاقتصارِه على مسحِ بعضِ شعرِه (^٢).\nالصورة الثالثة: أنْ يأخذَ المتمذهبُ بقولٍ أو أقوالٍ خارجةٍ عن مذهبِه على سبيلِ تتبعِ الرخصِ.\n_________\n(^١) انظر: التلفيق في الاجتهاد والتقليد للدكتور ناصر الميمان، مجلة وزارة العدل، العدد: الحادي عشر (ص/ ١٦).\n(^٢) انظر: مناهج الاجتهاد للدكتور محمد مدكور (ص/ ٤٤٤)، والتلفيق في الاجتهاد والتقليد للدكتور ناصر الميمان، مجلة وزارة العدل، العدد: الحادي عشر (ص/ ١٦).","vol":"2","page":967},{"text":"وسأتحدثُ في هذا المطلبِ عن الصورةِ الأُولى، وسيأتي الحديثُ عن الصورةِ الثانيةِ، والصورة الثالثةِ في مبحثٍ مستقلٍّ لكلٍّ منهما.\nوأنبّه إلى أنَّ هناك مَنْ أطلقَ مصطلحَ: (التلفيق) على الصورة الأُولى (^١)، يقولُ الدكتورُ عياضٌ السلمي: \"يُطلقُ التلفيقُ على أعمِّ مِنْ هذا المعنى - أي: الصورة الثانية - عند بعضِ العلماءِ، حيثُ أدخلوا فيه أخذَ المقلِّدِ في مسألةٍ بمذهب إمامٍ، وفي مسألةٍ أخرى بمذهب إمام آخر، حتى لو لم يكن بين المسألتينَ تلازمٌ\" (^٢).\nومع أن حقيقةَ الصورة الأُولى قد تكون داخلةً في التلفيق، إلا أنِّي آثرتُ الفصلَ بينها، وبين الصورةِ الثانيةِ؛ للآتي:\nأولًا: أنَّ كثيرًا ممَّنْ تحدّث عن التلفيقِ - من المتأخرين (^٣)، والمعاصرين (^٤) - قَصَرَ الحديثَ على الصورةِ الثانيةِ.\nثانيًا: إقرارُ بعضِ مَنْ أدرجَ الصورةَ الأُولى في التلفيقِ بأنَّ الخلافَ قد اشتدَّ في الصورةِ الثانيةِ، يقولُ الدكتورُ ناصر الميمان: \"قد قام النزاعُ ... واشتد في الصورةِ الثالثة (^٥) \" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: التلفيق وموقف الأصوليين منه للدكتور محمد الدويش (ص/ ١٥٠)، والتلفيق في الاجتهاد والتقليد للدكتور ناصر الميمان، مجلة وزارة العدل، العدد: الحادي عشر (ص/ ١٦).\n(^٢) أصول الفقه (ص/ ٤٨٩).\n(^٣) انظر مثلًا: التحقيق في بطلان التلفيق للسفاريني (ص/ ١٥٩ وما بعدها)، وعمدة التحقيق للباني (ص/ ٩١ وما بعدها).\n(^٤) انظر مثلًا: مناهج الاجتهاد للدكتور محمد مدكور (ص/ ٤٤٤)، والأخذ بالرخص الشرعية للدكتور وهبة الزحيلي، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (١/ ٦٤)، والأخذ بالرخصة وحكمه للدكتور عبد الله محمد عبد الله، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (١/ ١١٦)، والتلفيق لخليل الميس، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (١/ ١٦١)، والأخذ بالرخص وحكمه لمجاهد القاسمي، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (١/ ٣٣١)، والأخذ بالرخص وحكمه للدكتور عبد العزيز خياط، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (١/ ٣٦٦).\n(^٥) الصورة الثالثة عند الدكتور ناصر الميمان هي الصورة الثانية عندي.\n(^٦) التلفيق في الاجتهاد والتقليد، مجلة وزارة العدل، العدد: الحادي عشر (ص/ ١٦).","vol":"2","page":968},{"text":"ثالثًا: وجودُ مَنْ ينازعُ في إدراجِ الصورةِ الأُولى تحتَ مصطلح: (التلفيق)، جاء في: (الموسوعة الفقهية الكويتية): \"التلفيقُ المقصودُ هنا: هو ما كانَ في المسألةِ الواحدةِ ... أمَّا الأخذُ بأقوالِ الأئمةِ في مسائل متعددة فليس تلفيقًا، وإنَّما هو تنقّلٌ بين المذاهبِ، أو تخيّرُ منها\" (^١).\nثم إنَّ المسالةَ اصطلاحيةٌ لفظيةٌ، فالخَطْبُ فيها يسيرٌ.\nالصورة الأولى: أنْ يأخذَ المتمذهبُ بقولٍ أو أقوالٍ خارجةٍ عن مذهبه الذي التزمه في بابٍ، أو أبوابٍ متفرقةٍ، كما لو أَخَذَ الحنبليُّ في بابِ الطهارةِ بمذهب الشافعية في نواقضِ الطهارةِ، ولا يكون هناك تأثرٌ بين مسائل البابين، وَكما لو أَخَذَ الحنفيُّ بمذهبِ الحنابلة في أبوابِ المعاملاتِ.\n• صورة المسألة:\nهلْ للمتمذهب الخروجُ عن مذهبِه في بعضِ المسائلِ، فيخالف مذهبَ إمامِه، ويأخذ بقولِ مجتهدٍ آخر؟ (^٢).\n• تحرير محل النزاع:\nأولًا: ظَهَرَ لي مِنْ خلالِ بحثِ المسألةِ أنَّه لا يدخلُ في الحديثِ فيها ما إذا ترجَّحَ للمتمذهبِ غيرُ مذهبِه؛ لأنَّ خروجَه عنه لمقتضٍ (^٣).\nثانيًا: حكى عددٌ مِن العلماءِ الاتفاقَ على أنَّه ليس للمقلِّدِ الخروجُ عن مذهبِه في الأحكامِ التي عملَ بها إلى غيرِه من المذاهبِ، منهم:\n_________\n(^١) الموسوعة الفقهية الكويتية (١٣/ ٢٩٤).\n(^٢) انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٣٨)، والبحر المحيط (٦/ ٣٢٠).\n(^٣) يقول تقي الدين بن تيمية في جامع الرسائل، المجموعة الثامنة (ص/ ٤٣٩ - ٤٤٠): \"فالرجل إذا اتبع قول بعض الأئمة في مسألة، وقول آخر في مسالة أخر؛ إما لظهور دليل ذلك له، وإما لترجيح بعض العلماء الذين يسوغ له تقليدهم قول هذا في هذه وقول هذا في هذه: لم يكن فاعل ذلك ملامٌ\". وانظر: كشاف القناع للبهوتي (١٥/ ٤٨).","vol":"2","page":969},{"text":"الآمديّ (^١)، والشريفُ التلمساني (^٢)، وابنُ الحاجبِ (^٣)، وصفيُّ الدين الهندي (^٤)، وأبو الثناءِ الأصفهاني (^٥)، وتاجُ الدينِ بن السبكي (^٦)، وجمالُ الدين الإسنوي (^٧)، وأبو زكريا الرهوني (^٨)، وابنُ الهمام الحنفي (^٩).\nونازعَ في حكاية الاتفاقِ تقيُّ الدين السبكي (^١٠)، وبدرُ الدين الزركشي (^١١).\n_________\n(^١) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ٢٣٨).\n(^٢) انظر: فتاوى البرزلي (١/ ٨١).\n(^٣) انظر: مختصر منتهى السول (٢/ ١٢٦٤).\n(^٤) انظر: نهاية الوصول (٨/ ٣٩١٩).\n(^٥) انظر: بيان المختصر (٣/ ٣٦٩). وأبو الثناء الأصفهاني هو: محمود بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن أبي بكر بن علي، شمس الدين أبو الثناء الأصفهاني، ولد في أصبهان سنة ٦٧٤ هـ كان فقيهًا شافعيًّا، أصوليًّا محققًا، مفسرًا لكتاب الله، إمامًا بارعًا في العقليات، عارفًا بالأصلين، محبًّا لأهل الخير والصلاح، منقادًا لهم، مُطَّرِحًا للتكلف، من مؤلفاته: بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب، وشرح مطالع الأنوار، وشرح منهاج الوصول إلى علم الأصول، وتشييد القواعد في شرح تجريد العقائد، توفي بالقاهرة سنة ٧٤٩ هـ بمرض الطاعون. انظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (١٠/ ٣٨٣)، وطبقات الشافعية للأسنوي (١/ ١٧٢)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ١٤٤)، والدرر الكامنة لابن حجر (٤/ ٣٢٧)، وبغية الوعاة للسيوطي (٢/ ٢٧٨)، وشذرات الذهب لابن العماد (٨/ ٢٨١)، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ ٨١٦).\n(^٦) انظر: رفع الحاجب (٤/ ٦٠٦).\n(^٧) انظر: نهاية السول (٤/ ٦١٧).\n(^٨) انظر: تحفة المسؤول (٤/ ٣٠٣). وأبو زكريا الرهوني هو: يحيى بن موسى - وفي بعض المصادر: ابن عبد الله - الرهوني، أبو زكريا، كان فقهيًا مالكيًّا حافظًا يقظًا متفننًا، إمامًا في أصول الفقه والمنطق وعلم الكلام، أديبًا بليغًا، صدر العلماء في وقته، وقد حاز الرياسة والحظوة عند الخاصة والعامة، ذا دين وورع، ثاقب الذهن، بارع الاستنباط، تولى التدريس في المدرسة المنصورية، من مؤلفاته: تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول، وتقييد على تهذيب المدونة للبراذعي، اختلف في سنة وفاته، فقيل: توفي سنة ٧٧٤ هـ وقيل: توفي سنة ٧٧٥ هـ. انظر ترجمته في: الديباج المذهب لابن فرحون (٢/ ٣٦٢)، والدرر الكامنة لابن حجر (٤/ ٤٢١)، وإنباء الغمر له (١/ ٣٦)، ودرة الحجال لابن القاضي (٣/ ٣٣٣)، وشذرات الذهب لابن العماد (٨/ ٣٩٤).\n(^٩) انظر: التحرير (٣/ ٣٥٠)، مع شرحه التقرير والتحبير.\n(^١٠) انظر: فتاوى تقي الدين السبكي (١/ ١٤٨).\n(^١١) انظر: البحر المحيط (٦/ ٣٢٤).","vol":"2","page":970},{"text":"يقولُ بدرُ الدِّينِ الزركشي: \"ادَّعى الآمديُّ، وابنُ الحاجب أنَّه (^١) يجوزُ قبلَ العملِ، لا (^٢) بعده بالاتفاقِ، وليس كما قالا! ففي كلامِ غيرِهما ما يقتضي جريان الخلافِ بعد العملِ أيضًا\" (^٣).\nوحَمَلَ الشيخُ علويّ السقاف الاتفاقَ المحكي آنفًا على ما إذا بَقِيَ مِنْ آثارِ القول ما يلزمُ منه مع الثاني تركيبُ حقيقةٍ واحدةٍ مركبةٍ لا يقولُ بها كلٌّ مِنْ الإمامين (^٤).\nوالظاهرُ اختصاصُ الاتفاقِ - على فرضِ التسليمِ به - بالعامي (^٥)؛ لأنَّ المتمذهبَ قد يظهرُ له رجحانُ غيرِ مذهبِه، بخلافِ العامي، فليس لديه أهليةُ معرفةِ الراجحِ (^٦).\nوأيضًا: فمِن الأقوالِ في المسألةِ قولُ مَنْ يجعلُ المتمذهبَ كالعامي، فيجوزُ له الخروج من مذهبِه قبلَ العملِ، لا بعده.\n• الأقوال في المسألة:\nاختلفَ الأصوليون في خروجِ المتمذهبِ عن مذهبِه على أقوال، أشهرها:\nالقول الأول: لا يجوزُ للمتمذهبِ أنْ يأخذَ بغيرِ مذهبِه.\nنَسَبَ أبو المحاسنِ بنُ تيميةَ هذا القولَ إلى بعضِ الحنابلةِ، وبعضِ الشافعيةِ (^٧).\n_________\n(^١) وقع في: المصدر السابق: \"أنه لا يجوز\"، وإضافة \"لا\" خطأٌ يخل بالمعنى.\n(^٢) وقع في: المصدر السابق: \"ولا بعده\"، وإضافة الواو خطأٌ يخل بالمعنى.\n(^٣) المصدر السابق. وانظر: الدر الفريد لأحمد الحموي (ص/ ١٠٠ - ١٠٢).\n(^٤) انظر: الفوائد المكية (ص/ ٨٥).\n(^٥) انظر: تشنيف المسامع (٤/ ٦٢٠).\n(^٦) انظر: البحر المحيط (٦/ ٣٢٤).\n(^٧) انظر: المسودة (٢/ ٨٦٥). ومن أعجب ما وقفت عليه من القائلين بهذا القول، ما نقله صالح المقبلي في: العَلَم الشامخ (ص/٢٨٨) عن بعض المفتين من أهل مكة أن المنتقل عن مذهبه بحجة وبرهان يجب تعزيره! فكيف المنتقل بلا حجة وبرهان؟ !\nومنشأ هذا القول التعصب المذهبي الشديد، وينبغي أنْ لا يلتفت إليه.","vol":"2","page":971},{"text":"وجَزَمَ الجيلي (^١) بهذا القولِ - كما نقله عنه بدرُ الدين الزركشي في كتابِه: (البحر المحيط) (^٢) - واختاره: إمامُ الحرمين الجويني (^٣)، وابنُ حمدان (^٤)، وتقيُّ الدِّينِ بنُ تيميةَ (^٥)، وابنُ أبي القاسم اليماني (^٦)، كما نسبه إليه ابنُ الوزيرِ (^٧).\nوذَكَرَ هذا القولَ دونَ نسبةٍ إلى أحدٍ كلٌّ مِنْ: ابنِ بَرْهان (^٨)،\n_________\n(^١) هو: عبد العزيز بن عبد الكريم بن عبد الكافي الهمامي الجيلي، صائن الدين، كان حيًّا في سنة ٦٢٩ هـ أحد مشاهير المذهب الشافعي، يقول تاج الدين السبكي عنه: \"الرجل ممن لا ينبغي الاعتماد على ما تفرد به من النقل، بل تُراجع كتب أصحابنا، فإن وجد ما نقله فيها، والا فيضرب عنه صفحًا\"، وقد شرح التنبيه للشيرازي بشرحين أحدهما: الموضح في شرح التنبيه، وحجمه صغير، وهو المشهور عند الشافعية، وهو شرح معروف مفيد، والثاني: كبير الحجم، يقول تاج الدين السبكي عن شرح التنبيه: \"كلامه كلام عارفٍ بالمذهب، غير أنَّ في شرحه غرائب، من أجلها شاع بين الطلبة أن في نقله ضعفًا\"، ويقول جمال الدين الإسنوي: \"سمعت بعض المشايخ الصلحاء يحكي أنَّ الشرح المذكور لما برز، حسده عليه بعضهم، فدسَّ عليه أشياء أفسده به، وهذا هو الظاهر؛ إذ يبعد صدور ذلك عن عالمٍ خصوصًا في تصنيف\"، من مؤلفاته: الكتابان السابقان، وشرح الوجيز، وكتاب الإعجاز في الإلغاز، وشرح مشكلات المهذب. انظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٨/ ٢٥٦)، وطبقات الشافعية للإسنوي (١/ ٣٧٣)، والمهمات في شرح الروضة له (١/ ١٢٧)، والوافي بالوفيات للصفدي (١٨/ ٥٢٣)، ولسان الميزان لابن حجر (٥/ ٢١٢)، والإعلام للزركلي (٤/ ٢١).\n(^٢) انظر: (٦/ ٣٢٠).\n(^٣) انظر: البرهان (٢/ ٨٨٥)، ومغيث الخلق (ص/ ١٦).\n(^٤) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/ ٢٢٢).\n(^٥) انظر: المصدر السابق.\n(^٦) هو: علي بن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن جعفر بن محمد بن الناصر بن الهادي يحيى بن الحسين، ولد سنة ٧٦٩ هـ كان علامةً من كبار علماء الزيدية، وكان يقريء الطلبة في جميع علوم الإجتهاد، وسائر كتب التفسير، وقد كتب رسالة إلى تلميذه محمد بن إبراهيم الوزير، كانت سببًا لأن يصنف ابن الوزير كتابه (العواصم والقواصم) في الرد على رسالة شيخه، من مؤلفاته: تجريد الكشاف، وتفسير القرآن، وشرح على كافية ابن الحاجب موسوم بالبرود الصافية والعقود الوافية، توفي سنة ٨٣٧ هـ. انظر في ترجمته: مطلع البدور لابن أبي الرجال (٣/ ٣١٠)، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ ٤٨٦)، والأعلام للزركلي (٥/ ٨)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٢/ ٥٢١).\n(^٧) انظر: العواصم والقواصم (٣/ ١٢٨).\n(^٨) انظر: الوصول إلى الأصول (٢/ ٣٧٠).","vol":"2","page":972},{"text":"والآمديّ (^١)، وابنِ الحاجبِ (^٢)، وشهابِ الدين القرافيّ (^٣)، وصفيّ الدين الهندي (^٤)، وأبي الثناءِ الأصفهاني (^٥)، وتاجِ الدين بن السبكي (^٦)، وجمالِ الدين الإسنوي (^٧)، وأبي زكريا الرهوني (^٨)، وبدرِ الدّينِ الزركشي في كتابه: (تشنيف المسامع) (^٩)، وابنِ الهمامِ الحنفي (^١٠)، وابنِ أمير الحاج (^١١)، وأحمدَ الحموي (^١٢).\nونَسَبَ عبد الله العلوي هذا القول إلى أبي عبدِ الله المازري، وأبي حامدٍ الغزالي (^١٣).\nويمكن أنْ يُلْحَقَ بأرباب هذا القولِ القائلون بوجوبِ التمذهبِ بمذهبِ إمامٍ معيّن دونَ سائرِ الأئمةِ.\nالقول الثاني: يجوزُ للمتمذهبِ أنْ يأخذَ بغيرِ مذهبِه.\nنسب أبو المحاسنِ بن تيمية هذا القولَ إلى جمهورِ الحنابلةِ، وإلى سائرِ العلماءِ (^١٤). ونسبه ابن النجارِ إلى الأكثرِ (^١٥). ونسبه أبو زكريا الرهوني إلى بعضِ المتأخرين مِن المغاربةِ (^١٦).\nواختاره جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: ابن الحاجبِ (^١٧)، والعزُّ ابن\n_________\n(^١) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ٢٣٨).\n(^٢) انظر: مختصر منتهى السول (٢/ ١٢٦٥).\n(^٣) انظر: نفائس الأصول (٩/ ٤١٤٦).\n(^٤) انظر: نهاية الوصول (٨/ ٣٩٢١).\n(^٥) انظر: بيان المختصر (٣/ ٣٧٠).\n(^٦) انظر: رفع الحاجب (٤/ ٦٠٦).\n(^٧) انظر: نهاية السول (٤/ ٦٢٦).\n(^٨) انظر: تحفة المسؤول (٤/ ٣٠٤).\n(^٩) انظر: (٤/ ٦٢٠).\n(^١٠) انظر: التحرير (٣/ ٣٥٠)، مع شرحه التقرير والتحبير.\n(^١١) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٥٠).\n(^١٢) انظر: الدر الفريد (ص/ ١٠٦).\n(^١٣) انظر: نشر البنود (٢/ ٣٤٨)، ووقع فيه: \"الحازري\"، بدلًا عن: \"المازري\"، وهو تصحيف.\n(^١٤) انظر: المسودة (٢/ ٨٦٥).\n(^١٥) انظر: شرح الكوكب المنير (٤/ ٥٧٧).\n(^١٦) انظر: تحفة المسؤول (٤/ ٣٠٣).\n(^١٧) انظر: مختصر منتهى السول (٢/ ١٢٦٤).","vol":"2","page":973},{"text":"عبد السلام (^١)، ويحيى الزناتي (^٢)، وأمير باد شاه (^٣)، وأحمدُ الحموي (^٤)، وجلالُ الدين السيوطي (^٥)، وعبدُ العلي الأنصاري (^٦)، وقيّدَ السيوطيُّ والأنصاريُّ القولَ بالجوازَ بأنْ لا يتتبع الرخصَ.\nوذَكَرَ هذا القول دون نسبةٍ إلى أحدٍ كلٌّ مِن: ابن بَرْهان (^٧)، والآمديّ (^٨)، وشهاب الدّينِ القرافيّ (^٩)، وصفيّ الدِّين الهندي (^١٠)، وأبي الثناء الأصفهاني (^١١)، وتاجِ الدين بنِ السبكي (^١٢)، وجمالِ الدين الإسنوي (^١٣)، وابنِ الهمام الحنفي (^١٤)، وابنِ أمير الحاج (^١٥)، وإبراهيم\n_________\n(^١) انظر: قواعد الأحكام (٢/ ٢٧٤).\n(^٢) انظر: شرح تنقيح الفصول (ص/ ٤٣٢).\nولم أقف ليحيى الزناتي على ترجمة فيما رجعت إليه من مصادر، وقد مال الدكتور عبد الرحمن الجبرين في تعليقه على كتاب: رفع النقاب للشوشاوي (٦/ ٤٩ - ٥٠) إلى أنَّه أبو عمران، موسى بن عمران الزناتي المالكي، صاحب شرح الرسالة (ت: ٧٠٢ هـ أو ٧٠٨ هـ)، وبيَّن الدكتور عبد الرحمن أن الإشكال لا يزال قائمًا.\nوالذي يظهر لي أنَّ هناك عالمًا مالكيًّا اسمه يحيى الزناتي، بدليل: وروده في بعض كتب المالكية، مثل: شرح تنقيح الفصول للقرافي (ص/ ٤٣٢)، ومواهب الجليل للحطاب (٢/ ١١٠)، وفتح العلي المالك لعليش (١/ ١٣٥).\nويبقى النظر في ترجمته، فأقول: لم أقف له على ترجمة، وأميل إلى أنَّ يحيى الزناتي قريب من عصر أبي بكر الطرطوشي (ت: ٥٣٠)، أو معاصر له؛ بدليل: ما جاء من أنهما لم يصليا خلف إمام المالكية بالمسجد الحرام؛ لأنه يصلي المغرب والعشاء في شهر رمضان في وقت واحد، كما جاء في: مواهب الجليل للحطاب (٢/ ١١٠)، وفتح العلي المالك لعليش (١/ ١٣٤)، وأظن أن زمن وقوع مثل هذه الحادثة قصير، لم يستمر عقودًا أو قرنًا. والله أعلم.\n(^٣) انظر: تيسير التحرير (٤/ ٢٥٣).\n(^٤) انظر: الدر الفريد (ص/ ١٠٦).\n(^٥) انظر: الحاوي للفتاوي (٢/ ٥).\n(^٦) انظر: فواتح الرحموت (٢/ ٤٠٦).\n(^٧) انظر: الوصول إلى الأصول (٢/ ٣٧٠).\n(^٨) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ٢٣٨).\n(^٩) انظر: نفائس الأصول (٩/ ٤١٤٦).\n(^١٠) انظر: نهاية الوصول (٨/ ٣٩٢١).\n(^١١) انظر: بيان المختصر (٣/ ٣٧٠).\n(^١٢) انظر: رفع الحاجب (٤/ ٦٠٦).\n(^١٣) انظر: نهاية السول (٤/ ٦٢٦).\n(^١٤) انظر: التحرير (٣/ ٣٥١)، مع شرحه التقرير والتحبير.\n(^١٥) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٥٠).","vol":"2","page":974},{"text":"اللقاني (^١)، وعبدِ الله العلوي (^٢).\nوقال عنه بدرُ الدّين الزركشي: \"وهو الأصحُّ في الرافعي\" (^٣).\nويلحقُ بأربابِ هذا القول مَنْ فصَّلَ الحكمَ: فأجازَ للمتمذهبِ الخروجَ عن مذهبِه إذا لم تكن المسألةُ الثانيةُ التي سيخالف مذهبَه فيها متصلةً بعملِ المتمذهب بالمسألةِ الأُولى، أمَّا إنْ كانت - المسألةُ الثانيةُ متصلةً بعملِ المتمذهبِ بالمسألةِ الأولى، فليس له الخروج عن مذهبِه.\nوقد ذَهَبَ إلى هذا التفصيلِ جمعٌ من العلماءِ، منهم: الآمدي (^٤)، وشهابُ الدين القرافي (^٥)، وأبو زكريا الرهوني (^٦)، وإبراهيمُ اللقاني (^٧).\nالقول الثالث: أنَّ المتمذهبَ كالذي لم يلتزم مذهبًا، ليس له الخروجُ عن مذهبِه في الأحكامِ التي عملَ بها إلى غيرِه مِن المذاهبِ، وكلُّ مسألةٍ لم يعملْ فيها بمذهبِه، فلا مانعَ مِن الأخذِ بغيرِه.\nاختارَ هذا القولَ تاجُ الدين السبكي (^٨)، وعبدُ الله العلوي (^٩)، ومالَ إليه ابنُ الهمامِ الحنفي (^١٠).\nوذَكَرَ القولَ الثالثَ دونَ نسبةٍ إلى أحدٍ: أبو الثناء الأصفهاني (^١١)، وبدرُ الدين الزركشي (^١٢)، وأبو القاسم البرزلي (^١٣)، وابنُ الهمام الحنفي (^١٤).\n_________\n(^١) انظر: منار أصول الفتوى (ص/ ٢٠٩).\n(^٢) انظر: نشر البنود (٢/ ٣٤٨).\n(^٣) تشنيف المسامع (٤/ ٦٢٠). وانظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (١٢/ ٤٢٧)، والتقرير والتحبير (٣/ ٣٥٠).\n(^٤) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ٢٣٨).\n(^٥) انظر: نفائس الأصول (٩/ ٤١٤٧).\n(^٦) انظر: تحفة المسؤول (٤/ ٣٠٤).\n(^٧) انظر: منار أصول الفتوى (ص/ ٢٠٩).\n(^٨) انظر: رفع الحاجب (٤/ ٦٠٦).\n(^٩) انظر: نشر البنود (٢/ ٣٤٨).\n(^١٠) انظر: التحرير (٣/ ٣٥١)، مع شرحه التقرير والتحبير.\n(^١١) انظر: بيان المختصر (٣/ ٣٧٠).\n(^١٢) انظر: تشنيف المسامع (٤/ ٦٢٠).\n(^١٣) انظر: فتاوى البرزلي (١/ ٨١).\n(^١٤) انظر: التحرير (٣/ ٣٥١)، مع شرحه التقرير والتحبير.","vol":"2","page":975},{"text":"القول الرابع: يجوزُ للتمذهبِ أنْ يخرجَ عن مذهبِه في بعضِ المسائل، إنْ غَلَبَ على ظنِّه أن غيرَ مذهبِه هو الأقوى.\nنَسَبَ بدرُ الدين الزركشي هذا القولَ إلى أبي الحسين القدوري (^١).\nويظهرُ لي أنَّ هذا القولَ لا يخرجُ في مجملِه عن القولِ الثاني؛ لأن مَنْ يجوّزُ الخروجَ عن المذهبِ، فإنَّه يجوّز الخروجَ إنْ غَلَبَ على ظنِّ المتمذهبِ رجحانُ غيرِ مذهبِ إمامِه؛ من بابٍ أولى.\n• أدلةُ الأقوال:\nأدلةُ أصحابِ القولِ الأول: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: انعقدَ الإجماعُ على عدمِ جوازِ التنقلِ بين المذاهبِ؛ إذ لم يُعلمْ أنَّ أحدًا مِن المقلِّدين يترددُ بين مذاهبِ علماءِ الإسلامِ المتقدمين منهم والمتأخرين، فلم يُوجدْ مَنْ يقلِّدُ أبا بكرٍ - ﵁ - في مسألةٍ، ويقلِّدُ في أخرى عمر - ﵁ -، ولا مَنْ كان حنفيًا في مسألةٍ، شافعيًا في أخرى.\nوقد حكى الإجماعَ ابنُ أبي القاسم اليماني، كما نقله عنه محمد الوزير (^٢).\nمناقشة الدليل الأول: نوقش الدليل من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: لا نُسلِّم صحةَ الإجماعِ المذكورِ في الدليلِ، بلْ قد انعقد الإجماعُ على خلافِ ما ذُكِرَ في الدليلِ (^٣)، كما سيأتي الاستدلالُ به بعدَ قليلٍ.\nالوجه الثاني: أنَّ المستدلَّ بالإجماعِ عوَّل في انعقادِه على المقلِّدين\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط (٦/ ٣٢١).\n(^٢) انظر: العواصم والقواصم (٣/ ١٢٨)، والروض الباسم (١/ ٢٢٠).\n(^٣) انظر: المصدرين السابقين.","vol":"2","page":976},{"text":"العوام، ومِن المعلومِ أنَّه لا عبرةَ بهم مع المجتهدين، فكيفَ بهم وحدهم؟ ! (^١).\nالوجه الثالث: لو سُلِّمُ انعقادُ الإجماعِ لما كانَ فيه دلالةٌ على وجوبِ الالتزامِ بالمذهبِ في جميعِ المسائلِ، وتحريمِ الخروجِ عنه؛ لأنَّه فعلٌ، وليس بقولٍ، وفعلُ الأُمَّة دليلٌ على الجوازِ، لا على الوجوبِ؛ لأنَّها عُصِمَت عن الحرامِ، لا عن المباحِ (^٢).\nالدليل الثاني: أن المتمذهبَ التزمَ مذهبَه كلَّه، فليس له أنْ يأخذَ بخلافِه (^٣).\nالدليل الثالث: قياسُ حالِ المتمذهب في هذه الصورة على مَنْ أَخَذَ بقولِ إمامِه وعَمِلَ به، فليس له الرجوعُ عنه (^٤).\nالدليل الرابع: لو لم نقلْ بمنعِ الخروجِ عن المذهب، لأدَّى ذلك إلى أنْ يأخذَ المتمذهبُ مِنْ أقوالِ العلماءِ ما هو أيسرُ عليه، وفي هذا مفسدةٌ ظاهرةٌ، فقلنا بالمنعِ؛ سدًّا للذريعةِ (^٥)، وحفظًا على مصلحةِ التدين (^٦).\nالدليل الخامس: أنَّ المتمذهبَ اعتقدَ أنَّ مذهبَه هو الصواب، فعليه الوفاءُ بموجَبِ اعتقادِه (^٧).\n_________\n(^١) انظر: العواصم والقواصم (٣/ ١٣١)، والروض الباسم (١/ ٢٢٤).\n(^٢) انظر: العواصم والقواصم (٣/ ١٣٢)، والروض الباسم (١/ ٢٢٥).\n(^٣) انظر: الوصول إلى الأصول لابن برهان (٢/ ٣٧٠)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٣٨)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٩٢١)، والتقرير والتحبير (٣/ ٣٥٥)، ونشر البنود (٢/ ٣٤٨)، ونثر الورود للشنقيطي (٢/ ٦٨٢).\n(^٤) انظر: المصادر السابقة، وتحفة المسؤول للرهوني (٤/ ٣٠٤)، وتشنيف المسامع (٤/ ٦٢٠)، وتيسير التحرير (٤/ ٢٥٣).\n(^٥) انظر: مغيث الخلق للجويني (ص/ ١٦)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٩١٩)، والبحر المحيط (٦/ ٣٢٠)، وسلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٦١٩).\n(^٦) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (١٢/ ٤٢٧).\n(^٧) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٥٠)، وتيسير التحرير (٤/ ٢٥٣)، والدر الفريد لأحمد الحموي (ص/ ١٠٦)، وفواتح الرحموت (٢/ ٤٠٦).","vol":"2","page":977},{"text":"مناقشة الدليل الخامس: لم ينشأ الاعتقادُ المذكورُ في دليلِكم عن دليلٍ شرعي، حتى يُلزم المتمذهب بالاستمرار عليه (^١).\nالدليل السادس: أن مَنْ خَرَجَ عن مذهبِه مِنْ غيرِ مسوّغٍ، ولا استدلالٍ يقتضي خلافَ مذهبِه، ولا عذرٍ يبيحُ له ما فعله، فإنَّه يكونُ متبعًا لهواه، واتباعُ الهوى غيرُ جائزٍ (^٢).\nأدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: لا فرقَ بين أقوالِ أئمةِ المذاهبِ بالنظرِ إلى اعتبارِها شرعًا، فليس هناك فرقٌ بينهم، وإذا لم يكن ثمّةَ فرقٌ، جازَ للمتمذهبِ بمذهبِ إمامٍ معيّنٍ أنْ يخرجَ عن مذهبِه إلى مذهب غيرِه مِن الأئمةِ، والتزامُ المتمذهبِ بمذهبِ إمامِه لا يُخْرِجُ أقوال الأَئمةِ الآخرين عن كونِها معتبرةً (^٣).\nالدليل الثاني: أنَّ التزامَ المتمذهبِ بمذهبِ إمامِه غيرُ ملزمٍ له أنْ لا يفارقَه، فلا يحرمُ عليه الخروجُ عنه (^٤).\nالدليل الثالث: لم يَزَل الناسُ منذُ عهدِ الصحابةِ - ﵃ - إلى ظهورِ المذاهبِ الأربعةِ يأخذون بقولِ مَنْ اتفق مِن العلماءِ، ولم يُنْكِرْ عليهم أحدٌ، فكان هذا إجماعًا، ولو كانَ الواجبُ التزامَ أقوال عالمٍ بعينِه، لأنكرَ العلماءُ فعلَ الناسِ، وإذا أَخَذَ الشخصُ بمذهبٍ معيّنٍ وَجَبَ أنْ يبقى هذا التخييرُ\n_________\n(^١) انظر: فواتح الرحموت (٢/ ٤٠٦)، وسلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٦١٨).\n(^٢) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/ ٢٢٢).\n(^٣) انظر: الوصول إلى الأصول لابن برهان (٢/ ٣٧٠)، والبحر المحيط (٦/ ٣٢٠).\n(^٤) انظر: الوصول إلى الأصول لابن برهان (٢/ ٣٧٠)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٣٨)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٩٢١)، وتشنيف المسامع (٤/ ٦٢٠)، وتيسير التحرير (٤/ ٢٥٣)، والدر الفريد لأحمد الحموي (ص/ ١٠٦)، ومنار أصول الفتوى للقاني (ص / ٢٠٩)، ونشر البنود (٢/ ٣٤٨)، ونثر الورود للشنقيطي (٢/ ٦٨٢).","vol":"2","page":978},{"text":"المجمعُ عليه، حتى يحصل دليلٌ على رفعِه (^١).\nالدليل الرابع: لم يُوجب الله تعالى ولا رسولُه - ﷺ - على الناسِ أنْ يأخذوا بمذهب أحدٍ في جميعِ أمورِهم، ولم يحرِّم الله تعالى ولا رسولُه - ﷺ - على الناسِ الخَروجَ عن مذاهبِهم (^٢).\nأدلةُ أصحابِ القولِ الثالثِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الثالثِ بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: انتفاءُ الدليل الشرعي الموجِبِ والملزِمِ على المتمذهب اتباع مذهبِه فيما لم يعملْ به (^٣)، وما لم يوجبْه الشرعُ فهو باطلٌ؛ لأنَّ التشريعَ بالرأي حرام (^٤).\nمناقشة الدليل الأول: لا يشملُ دليلُكم حالةَ ما إذا عَمِلَ المتمذهبُ بمذهبِه، فهو مقتصرٌ على بعضِ قولِكم (^٥).\nالدليل الثاني: إذا لم يجرْ للعامي الرجوعُ فيما عمل اتفاقًا، فالمتمذهبُ الملتزمُ مذهبًا معيّنًا أولى بعدمِ الجوازِ (^٦).\nمناقشة الدليل الثاني: لا نُسلّم الاتفاق على أنَّه ليسَ للعاميّ الرجوعُ فيما عمل، وقد تقدمَ بيانُ هذا في صدرِ المسألةِ.\n_________\n(^١) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (١٢/ ٤٢٧)، وقواعد الأحكام للعز بن عبد السلام (٢/ ٢٧٤)، ونفائس الأصول (٩/ ٤١٤٦، ٤١٤٨)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٩٢٠)، وبيان المختصر للأصبهاني (٣/ ٣٧٠)، والبحر المحيط (٦/ ٣٢٠)، ورفع النقاب للشوشاوي (٦/ ٦٧).\n(^٢) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٥٠)، وتيسير التحرير (٤/ ٢٥٣)، والدر الفريد لأحمد الحموي (ص/ ١٠٦)، وفواتح الرحموت (٢/ ٤٠٦).\n(^٣) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٥١)، وتيسير التحرير (٤/ ٢٥٤).\n(^٤) انظر: فواتح الرحموت (٢/ ٤٠٦).\n(^٥) انظر: المصدر السابق، وسلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٦١٨).\n(^٦) انظر: نشر البنود (٢/ ٣٤٨).","vol":"2","page":979},{"text":"• الموازنة والترجيح:\nيرتبطُ الترجيحُ في هذه المسألةِ - مِنْ وجهةِ نظري - بالترجيحِ في مسألةِ: (حكم التمذهبِ بأحدِ المذاهبِ الأربعة) (^١) المتقدّم بحثُها، ولأنِّي رجّحتُ جوازَ التمذهب في الجملةِ، فالذي يظهرُ لي في مسألتنا بعدَ النظرِ في الأقوالِ وأدلتها، رَجحانُ القولِ الثاني المجوِّز للمتمذهبِ الخروج عن مذهبه، إذا اطمأنتْ نفسُ المتمذهب إلى القولِ الذي ذَهَبَ إليه، وخلا الخروجُ عن قصدِ التلهي والتشهي؛ وذَلك سدًّا لذريعةِ الخروجِ مِنْ تكليفاتِ الشرعِ.\nويتأكدُ الجوازُ إنْ كانَ خروجُ المتمذهب عن مذهبِه لمسوِّغ أو للاحتياطِ (^٢)، أمَّا إنْ ظَهَرَ له رجحانُ مذهبِه، فليسَ له الخروجُ عنه (^٣).\nوقد رجّحتُ ما سبق؛ للآتي:\nأولًا: سلامةُ الإجماعِ الذي استدلَّ به أصحابُ القولِ الثاني، والذي يدلُّ على أنَّ الأصلَ عدمُ لزومِ الاستمرارِ على مذهبِ مجتهدٍ واحدٍ.\nثانيًا: لا فرقَ بين المذاهب الفقهيةِ مِنْ جهةِ جوازِ التمذهبِ بها، وبناءً عليه، فإن الأصلَ في الانتقالَ عنها والخروجِ منها هو الجوازُ.\nثالثًا: أنَّ التزامَ المتمذهبِ بمذهبِه غيرُ ملزِمٍ له؛ لانتفاءِ الدليلِ الشرعي الذي يُلْزِم المتمذهب بالبقاءِ على مذهبِه والاستمرارِ عليه.\nرابعًا: لا يبعدُ أنْ يكونَ القولُ بمنعِ المتمذهبِ من الخروجِ عن مذهبِه عند بعضِ القائلين به ناشئًا من التعصبِ المذهبي.\nيقولُ الدكتورُ عياض السلمي عن حكمِ المسألةِ: \"هذا لا يمكنُ منعه،\n_________\n(^١) انظر: المعيار المعرب للونشريسي (١٢/ ٤٥).\n(^٢) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٣٩)، وسير أعلام النبلاء (٨/ ٩٠).\n(^٣) انظر: فتاوى تقي الدين السبكي (١/ ١٤٧).","vol":"2","page":980},{"text":"إلا على قولِ مَنْ يُوجِبُ على المقلّدِ الالتزام بمذهبٍ واحدٍ في جميعِ ما يفعلُ أو يترك، وهو قولٌ فاسدٌ لا دليلَ عليه، أوقعَ فيه الإفراطُ في التقليدِ\" (^١).\nخامسًا: أن اتباعَ الراجحِ هو الأصل، فإذا خَرَجَ المتمذهبُ عن مذهبِه؛ لظهورِ رجحانِ غيرِه، فقد أدَّى ما عليه.\nسادسًا: أنَّ الأدلةَ التي استدلَّ بها أصحابُ القولِ الأول لا تقوى على القولِ بمنعِ المتمذهب من الخروجِ عن مذهبِه، وهي معَارَضةٌ بما هو أقوى منها.\n\n• أثر الخلاف:\nالخلافُ بين الأقوالِ خلافٌ معنوي، وقد ذَكَرَ جمالُ الدين الإسنوي أثرًا له في مسألة: إذا تولَّى مقلِّدٌ القضاءَ؛ للضرورةِ، فحَكَمَ بمذهب غيرِ مقلَّده: فإنْ قلنا: لا يجوزُ له الخروجُ عن مذهبِه، نُقِض حكمُه.\nوإنْ قلنا: يجوزُ له الخروجُ عن مذهبِه، لم يُنْقَضْ حكمُه (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) أصول الفقه (ص/ ٤٨٩).\n(^٢) انظر: التمهيد في تخريج الفروع على الأصول (ص/٥٢٨).","vol":"2","page":981},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>المبحث الثالث: تتبع الرخص</span>\nوفيه خمسة مطالب:\nالمطلب الأول: تعريف التتبع\nالمطلب الثاني: تعريف الرخصة في اللغة والاصطلاح\nالمطلب الثالث: تعريف تتبع الرخص\nالمطلب الرابع: الفرق بين الرخصة من العالم وبين زلة العالم\nالمطلب الخامس: حكم تتبع الرخص","vol":"2","page":983},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>توطئة</span>\nإذا التزمَ المتمذهبُ مذهبَه، وأرادَ أنْ يأخذَ برخصةٍ مِنْ رُخَصِ المذاهبِ الأخرى، فهلْ له ذلك؟\nتُعَدُّ مسألة: (تتبع الرخص) مِنْ المسائلِ المهمةِ التي كَثُرَ فيها كلامُ العلماءِ، ولا سيما مِنْ قِبَلِ المتأخرين والمعاصرين؛ وذلك لكثرةِ وقوعِ الناسِ فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>المطلب الأول: تعريف التتبع</span>\nالتَّتَبُّعُ: مصدرٌ مِن الفعلِ تَتَبَّعَ، يُقالُ: تتَبَّعَ يَتَتَبَّعُ تَتَبُّعًا (^١).\nوجعل الأخفشُ، والليثُ تَبعَ، واتَّبَعَ بمعنى واحد (^٢).\nوفرَّقَ بينهما بعضُ أهلِ اللغةِ، فجعل تَبعَ بمعنى: مشى معه، تقولُ: تَبِعْتُ الرجلَ، إذا مشيتَ معه، واتَّبَعَ بمعنى: مشى خلفَه؛ ليلحقَه (^٣).\nيقولُ الليثُ: \"أمَّا التَّتَبُّع: فأنْ يتَتبَّعَ في مهلةٍ شيئًا بعدَ شيءٍ\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: لسان العرب، مادة: (تبع)، (٨/ ٢٧).\n(^٢) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (تبع)، (٢/ ٢٨٢)، والصحاح، مادة: (تبع)، (٣/ ١١٩٠)، ولسان العرب، مادة: (تبع)، (٨/ ٢٧).\n(^٣) انظر: جمهرة اللغة لابن دريد، مادة: (تبع)، (١/ ٢٥٤).\n(^٤) نقل قولَ الليث الأزهريُّ في: تهذيب اللغة، مادة: (تبع)، (٢/ ٢٨٢). وانظر: لسان العرب، مادة: (تبع)، (٨/ ٢٨).","vol":"2","page":985},{"text":"ويقولُ ابنُ فارسٍ: \"التاءُ والباءُ والعين أصلٌ واحدٌ لا يشذُّ عنه مِن البابِ شيءٌ، وهو التُّلُوّ والقفْو\" (^١).\nويقولُ الجوهريُّ: \"تتبَّعْتُ الشيءَ تتبُّعًا، أيْ: تطلَّبْتُه مُتَتَبِّعًا له\" (^٢).\nومِنْ إطلاقاتِ هذا المعنى:\nالأول: التُّبُّعُ: وهو الظلُّ (^٣)؛ لأنَّه تابع أبدًا للشخصِ (^٤)، وعلّل ابنُ دريد (^٥) تسميةَ الظلِّ بالتُّبُّع؛ بانَّه يتبعُ الشمسَ (^٦).\nالثاني: التَّبِيْعُ: وهو ولدُ البقرة إذا تَبعَ أمَّه (^٧).\n_________\n(^١) مقاييس اللغة، مادة: (تبع)، (١/ ٣٦٢).\n(^٢) الصحاح، مادة: (تبع)، (٣/ ١١٩٠). وانظر: لسان العرب، مادة: (تبع)، (٨/ ٢٧)، والقاموس المحيط، مادة: (تبع)، (ص/ ٩١٢).\n(^٣) انظر: جمهرة اللغة لابن دريد، مادة: (تبع)، (١/ ٢٥٤)، وتهذيب اللغة، مادة: (تبع)، (٢/ ٢٨٦)، والصحاح، مادة: (تبع)، (٣/ ١١٩٠)، ومجمل اللغة، مادة: (تبع)، (١/ ١٥٣)، ولسان العرب، مادة: (تبع)، (٨/ ٣٥)، والقاموس المحيط، مادة: (تبع)، (ص/ ٩١١).\n(^٤) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (تبع)، (١/ ٣٦٣).\n(^٥) هو: محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية بن حنتم الأزدي البصري، أبو بكر، ولد بالبصرة سنة ٢٢٣ هـ كان علامةً أديبًا شاعرًا، قرأ على علماء البصرة، ثم صار إلى عمان، ثم تنقل في فارس وجزائر البحر يطلب الآدابَ، ولسانَ العرب، والنحوَ، وقد فاق أهل زمانه في العلم وحفظ اللغة والأنساب، وسكن بغداد، وكان آية من آيات الله في قوة الحفظ، وكان يقال عنه: أعلم الشعراء، وأشعر العلماء، وقد تُكُلِّم في دينه بأمورٍ تاب منها، من مؤلفاته: الجمهرة، والاشتقاق، والمقتبس، وكتاب الخيل، توفي سنة ٣٢١ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (٢/ ٥٩٤)، ونزهة الألباء للأنباري (ص/ ١٩١)، وإنباه الرواة للقفطي (٣/ ٩٢)، وإرشاد الأريب لياقوت (٦/ ٢٤٨٩)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ٣٢٣)، وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٩٦)، والوافي بالوفيات للصفدي (٢/ ٣٣٩)، والبلغة للفيروزابادي (ص/ ١٩٣)، وبغية الوعاة للسيوطي (١/ ٧٦).\n(^٦) انظر: جمهرة اللغة، مادة: (تبع)، (١/ ٢٥٤).\n(^٧) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (تبع)، (٢/ ٢٨٣)، والصحاح، مادة: (تبع)، (٣/ ١١٩٠)، ومقاييس اللغة، مادة: (تبع)، (١/ ٣٦٣)، ومجمل اللغة، مادة: (تبع)، (١/ ١٥٣)، ولسان العرب، مادة: (تبع)، (٨/ ٢٨).","vol":"2","page":986},{"text":"الثالث: التَّبِيْعُ: النصيرُ؛ لأنه يَتْبَعُه نصرُه (^١).\nالرابع: التَّبِيْع: الذي لك عليه مال، فأنتَ تَتْبَعُه (^٢).\nالخامس: التَّبِيْعُ: الذي له عليك مالٌ، يُتَابِعُك به، أيْ: يطالبك (^٣).\nفالتَّتَبُّعُ معناه في اللغةِ: تَطلّبُ الشيءِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>المطلب الثاني: تعريف الرخصة في: اللغة، والاصطلاح</span>\nللرخصةِ معنى لغوي، ومعنى في اصطلاحِ الأصوليين، وسوفُ أعرضهما مبتدئًا بالمعنى اللغوي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>أولًا: تعريف الرخصة في اللغة:</span>\nالرُّخْصَة - وِزَان غُرْفَة (^٤)، وتضمُّ الخاء (^٥) -: مصدرٌ، يُقالُ: رَخُصَ - بالضم وبالفتح - يَرْخَصُ رُخْصًا (^٦)، ورُخْصَةً، والجمع: رُخَص، ورُخُصَات، كغُرَف، وغُرُفات (^٧).\nومعنى مادةِ (رخص): اللّينُ، وخلافُ الشّدةِ، يقولُ ابن\n_________\n(^١) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (تبع)، (١/ ٣٦٣)، ومجمل اللغة، مادة: (تبع)، (١/ ١٥٣)، ولسان العرب، مادة: (تبع)، (٨/ ٢٩).\n(^٢) انظر: الصحاح، مادة: (تبع)، (٣/ ١١٩٠)، ومقاييس اللغة مادة: (تبع)، (١/ ٣٦٣)، ومجمل اللغة، مادة: (تبع)، (١/ ١٥٣)، ولسان العرب، مادة: (تبع)، (٨/ ٢٩).\n(^٣) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (تبع)، (٢/ ٢٨٣)، ولسان العرب، مادة: (تبع)، (٨/ ٣٠).\n(^٤) انظر: المصباح المنير للفيومي، مادة: (رخص)، (ص/ ١٨٦).\n(^٥) انظر: لسان العرب، مادة: (رخص)، (٧/ ٤٠)، والقاموس المحيط، مادة: (رخص)، (ص/٨٠٠).\n(^٦) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (رخص)، (٧/ ١٣٤)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (رخص)، (ص/ ١٨٦).\n(^٧) انظر: المصباح المنير للفيومي، مادة: (رخص)، (ص/ ١٨٦).","vol":"2","page":987},{"text":"فارسٍ: \"الراءُ والخاءُ والصادُ أصلٌ يدلُّ على لينٍ، وخلافِ الشدةِ\" (^١).\nوالفعلُ رَخُصَ، ورَخَصَ فعلٌ لازمٌ، ويتعدَّى بالهمزةِ، فيُقالُ: أرخصَ للهُ السعرَ (^٢)، يقولُ الفيومي: \"وتعديتُه بالتضعيفِ، فيُقالَ: رخَّصَه للهُ، غيرُ معروفٍ\" (^٣).\nومِنْ إطلاقاتِ الرُّخْصَةِ، والرُّخُصةِ:\nأولًا: التسهيلُ وخلافُ التشديدِ (^٤)، وترخيصُ الله للعبدِ فيما يُخَفّفه عليه (^٥).\nثانيًا: النّوبةُ في الشربِ (^٦).\nثالثًا: ضدُّ الغلاءِ (^٧)، يُقالُ: رَخُصَ السعرُ، وأرخصه لله، فهو رخيصٌ (^٨).\nوالرَخْصُ: الرطبُ الناعمُ (^٩)، يُقالُ: رَخْصُ الجسدِ بيِّنُ الرُخُوصةِ\n_________\n(^١) مقاييس اللغة مادة: (رخص)، (٢/ ٥٠٠).\n(^٢) انظر: المصباح المنير للفيومي، مادة: (رخص)، (ص/ ١٨٦).\n(^٣) المصباح المنير، مادة: (رخص)، (ص/ ١٨٦).\n(^٤) انظر: الصحاح، مادة: (رخص)، (٣/ ١٠٤١)، ومقاييس اللغة، مادة: (رخص)، (٢/ ٥٠٠)، ومجمل اللغة، مادة: (رخص)، (١/ ٤٢٥)، ولسان العرب، مادة: (رخص)، (٧/ ٤٠)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (رخص)، (ص/ ١٨٦)، والقاموس المحيط، مادة: (رخص)، (ص/٨٠٠).\n(^٥) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (رخص)، (٧/ ١٣٤)، والقاموس المحيط، مادة: (رخص)، (ص/٨٠٠).\n(^٦) انظر: القاموس المحيط، مادة: (رخص)، (ص/ ٨٠٠).\n(^٧) انظر: الصحاح، مادة: (رخص)، (٣/ ١٠٤١)، ومقاييس اللغة، مادة: (رخص)، (٢/ ٥٠٠)، ومجمل اللغة، مادة: (رخص)، (١/ ٤٢٥)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (رخص)، (ص/ ١٨٦)، والقاموس المحيط، مادة: (رخص)، (ص/ ٨٠٠).\n(^٨) انظر: الصحاح، مادة: (رخص)، (٣/ ١٠٤١).\n(^٩) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (رخص)، (٧/ ١٣٤)، والصحاح، مادة: (رخص)، (٣/ ١٠٤١)، ومجمل اللغة، مادة: (رخص)، (١/ ٤٢٥)، ولسان العرب، مادة: (رخص)، (٧/ ٤٠)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (رخص)، (ص/ ١٨٧).","vol":"2","page":988},{"text":"والرَخَاصةِ (^١)، وامرأةٌ رَخْصَةُ البدنِ، إذا كانت ناعمةَ الجسمِ (^٢)، والرَّخِيْصُ: الثوبُ الناعمُ (^٣).\nفالرخصةُ معناها في اللغة: السهولةُ واليسرُ، وخلافُ التشديدِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>ثانيًا: تعريف الرخصة في الاصطلاح:</span>\nعرَّفَ الأصوليون الرُّخْصةَ المقابلةَ للعزيمةِ بعدةِ تعريفاتٍ، وسأذكرُ عددًا منها دونَ ذكرِ الاعتراضاتِ الواردةِ عليها؛ وذلك لأنَّ المقصدَ معرفةُ ما ذكره الأصوليون، دون حاجةٍ إلى تحقيق التعريفِ السالم مِنْ الاعتراضات.\nالتعريف الأول: جوازُ الفعلِ مع قيامِ المقتضي للمنعِ. وهذا تعريفُ الفخرِ الرازي في ضوءِ تقسيمه للفعلِ الذي يجوزُ للمكلَّفِ الإتيانُ به (^٤).\nالتعريف الثاني: استباحةُ المحظورِ مع قيامِ الحاضرِ. وهذا تعريفُ الموفقِ ابن قدامة (^٥).\nالتعريف الثالث: ما شُرِعَ مِن الأحكامِ لعذرٍ، مع قيامِ السببِ المحرِّمِ. وهذا تعريفُ الآمدي (^٦).\nالتعريف الرابع: المشروعُ لعذرٍ، مع قيامِ المحرِّم لولا العذرُ. وهذا تعريفُ ابنِ الحاجبِ (^٧)، وهو قريبٌ مِن تعريفِ الآمدي (^٨).\n_________\n(^١) انظر: الصحاح، مادة: (رخص)، (٣/ ١٠٤١)، ومجمل اللغة، مادة: (رخص)، (١/ ٤٢٥)، ولسان العرب، مادة: (رخص)، (٧/ ٤٠).\n(^٢) انظر: جمهرة اللغة لابن دريد، مادة: (رخص)، (١/ ٥٨٦).\n(^٣) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (رخص)، (٧/ ١٣٥)، ولسان العرب، مادة: (رخص)، (٧/ ٤٠).\n(^٤) انظر: المحصول في علم أصول الفقه (١/ ١٢٠).\n(^٥) انظر: روضة الناظر (١/ ٢٥٩).\n(^٦) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (١/ ١٣٢).\n(^٧) انظر: مختصر منتهى السول (١/ ٣٤٤).\n(^٨) انظر: الرخص الشرعية وإثباتها بالقياس للدكتور عبد الكريم النملة (ص/ ٢١).","vol":"2","page":989},{"text":"التعريف الخامس: جوازُ الإقدامِ على الفعلِ، مع اشتهارِ المانعِ منه شرعًا. وهذا تعريفُ شهابِ الدين القرافي (^١).\nالتعريف السادس: ما ثَبَتَ على خلافِ دليلٍ شرعي لمعارضٍ راجحٍ. وهذا تعريفُ الطوفي (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>المطلب الثالث: تعريف تتبع الرخص</span>\nقبلَ بيانِ المرادِ بتتبعِ الرُّخصِ، لا بُدَّ أولًا مِنْ بيانِ المقصودِ بالرخْصةِ في قولنا: تتبع الرخص:\nالمقصودُ بالرخصةِ في مسألتِنا هو الرُّخصةُ بمعناها اللغوي: السهولةُ واليسرُ الواقعةُ في المذاهبِ الفقهيةِ (^٣)، دونَ الرخصةِ المقابلةِ للعزيمةِ (^٤).\nيقولُ البنانيُّ: \"الرخصةُ هنا بمعناها اللغوي: وهي السهولةُ، سواءٌ انطبقَ عليها حدُّ الرخصةِ اصطلاحًا، أم لا\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: شرح تنقيح الفصول (ص/ ٨٥).\n(^٢) انظر: شرح مختصر الروضة (١/ ٤٥٩). وللاستزادة من التعاريفات وما ورد عليها من اعتراضات، انظر: الرخص الشرعية وإثباتها بالقياس للدكتور عبد الكريم النملة (ص/ ١٢ - ٤٤)، والحكم الوضعي عند الأصوليين للدكتور سعيد الحميري (ص / ٣١٠ - ٣٢٠)، والرخصة الرعية للدكتور عمر كامل (ص/ ٣٢ - ٤٣)، والدرر البهية في الرخص الشرعية لأسامة الصلابي (ص/ ٣٣ - ٣٦).\n(^٣) انظر: مدارج السالكين لابن القيم (٣/ ٧٨)، وعمدة التحقيق للباني (ص / ١١٤)، والأخذ بالرخص الشرعية وحكمه للدكتور وهبة الزحيلي، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (١/ ٦١)، والأخذ بالرخص وحكمه للشيخ الطيب سلامة، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (١/ ٥٣٠).\n(^٤) انظر: التقليد في الشريعة الإسلامية لعبد الله الشنقيطي (ص/١٤٧)، وتبصير النجباء للدكتور محمد الحفناوي (ص/ ٢٨٥) حاشية رقم (١).\n(^٥) حاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٤٠٠).","vol":"2","page":990},{"text":"ويقولُ ابنُ حجرٍ الهيتمي: \"هل المرادُ بالرُّخصِ هنا - أيْ: في مسألةِ: (تتبع الرخص) - الأمور السهلة، أو الَّتي ينطبقُ عليها ضابطُ الرخصةِ عند الأصوليين؟\nمحلُّ نظرٍ، ولم أرَ مَنْ نبَّه عليه، ومقتضى تعبيرِ أصلِ: (الروضةِ) بالأهونِ عليه (^١) الأول، وليسَ ببعيدٍ\" (^٢).\nوقد عرَّفَ أعضاءُ مجمعِ الفقهِ الإِسلامي الرّخَص بأنَّها: ما جاءَ مِن الاجتهاداتِ المذهبيةِ مبيحًا لأمرٍ، في مقابلةِ اجَتهادات أخرى تَحْظُرُه (^٣). وهو تعريفٌ جيدٌ.\nوقد ذَكَرَ الأصوليون عدة تعريفاتٍ لتَتبعِ الرخصِ، منها:\nالتعريف الأول: اختيارُ المكلّفِ مِنْ كلّ مذهبٍ ما هو الأهونُ عليه.\nذَكَرَ هذا بدرُ الدّينِ الزركشيُّ، ولم ينصَّ على كونِه تعريفًا، وإِنَّما صدَّرَ الحديثَ عن تفسيقِ المتتبعِ للرخصِ بقولِه: \"فلو اختار مِنْ كلِّ مذهبٍ ما هو الأهون عليه\" (^٤).\nولعل ما ذكره الزركشيُّ مستفادٌ ممَّا قرره أبو القاسمِ الرافعي؛ إِذْ ذَكَرَ حُكْمَ مَنْ أَخَذَ مِنْ كلِّ مذهبٍ ما هو الأهون عليه، دونَ أنْ يُسمّي الأخذَ بتَتَبّعِ الرخصِ (^٥).\nوتَبعَ بدرَ الدين الزركشيَّ فيما قالَ عددٌ مِنْ أهل العلمِ، منهم: جلالُ\n_________\n(^١) انظر: العزيز شرح - الوجيز للرافعي - أصل الروضة - (١٢/ ٤٢٧)، وروضة الطالبين للنووي (١١/ ١٠٨).\n(^٢) الفتاوى الكبرى الفقهية (٤/ ٣٠٥).\n(^٣) مجلة مجمع الفقه الإِسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإِسلامي بجدة، العدد: الثامن (١/ ٦٣٩). وانظر: القول الشاذ للدكتور أحمد المباركي (ص/ ١٣٣)\n(^٤) البحر المحيط (٦/ ٣٢٥). وانظر: تشنيف المسامع (٤/ ٦٢٠ - ٦٢١).\n(^٥) انظر: العزيز شرح - الوجيز (١٢/ ٤٢٧)، وروضة الطالبين للنووي (١١/ ١٠٨)","vol":"2","page":991},{"text":"الدين السيوطيُّ (^١)، وبدرُ الدّينِ الغزي (^٢)، وشمسُ الدّينِ الرملي (^٣)، وعبدُ الرؤوف المناوي (^٤)، والدكتور محمد الحفناوي (^٥).\nوقريبٌ ممَّا ذكره بدرُ الدين الزركشيّ تعريفُ جلالِ الدين المحلي؛ إِذ عرَّفَ تتبعَ الرخصِ بـ: أنْ يأخذَ المكلّفُ مِنْ كلِّ مِن المذاهب ما هو الأهون فيما يَقَعُ مِن المسائلِ (^٦).\nوتبعَ جلالَ الدِّينِ المحلي في تعريفِه: ابنُ أمير الحاج (^٧)، وأمير باد شاه (^٨)، وعبدُ الله العلوي (^٩)، ومحمد عليش المالكي (^١٠)، والدكتورُ محمد مدكور (^١١)، وعبد العزيز الخليفي (^١٢)، والدكتور إِبراهيم إِبراهيم (^١٣).\nوتَبعَ جلالَ الدّين أيضًا: الدكتورُ عبد العزيز القايدي، إِلَّا أنَّه أبدلَ كلمةَ: \"المسائل\" بـ \"الأحداثِ\" (^١٤).\nوقريبٌ مِنْ تعريفِ جلال الدين المحلي تعريفُ الدكتور وهبة الزحيلي، إِذ عرَّفَ تتبعَ الرخصِ بـ \"أنْ يأخذَ الشخصُ مِنْ كلِّ مذهبٍ ما هو أهونُ عليه وأيسر، فيما يَطْرَأ عليه مِن المسائلِ\" (^١٥).\n_________\n(^١) انظر: شرح الكوكب الساطع (٤/ ١٧٦).\n(^٢) انظر: الدر النضيد في أدب المفيد والمستفيد (ص/ ٢١٩).\n(^٣) انظر: فتاوى الرملي (٤/ ٣٧٨).\n(^٤) انظر: فيض القدير (١/ ٢١٠).\n(^٥) انظر: تبصير النجباء (ص/ ٢٨٥).\n(^٦) انظر: شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٤٠٠) مع حاشية البناني.\n(^٧) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٥١).\n(^٨) انظر: تيسير التحرير (٤/ ٢٥٤).\n(^٩) انظر: نشر البنود (٢/ ٣٥٠).\n(^١٠) انظر: فتح العلي المالك (١/ ٦٥).\n(^١١) انظر: مناهج الاجتهاد في الإِسلام (ص/ ٤٤٧).\n(^١٢) انظر: الاختلاف الفقهي في المذهب المالكي (ص/١٥٣).\n(^١٣) انظر: المدخل لدراسة الفقه الإِسلامي (ص/ ٢٢٤).\n(^١٤) انظر: مقدمة تحقيق تهذيب الأجوبة (١/ ٢٦٧ - ٢٦٨).\n(^١٥) انظر: أصول الفقه (٢/ ١١٥٣)، والأخذ بالرخص الشرعية وحكمه، مجلة مجمع الفقه الإِسلامي، العدد: الثامن (١/ ٦١).","vol":"2","page":992},{"text":"التعريف الثاني: أنْ يعملَ العاميُّ بكلِّ رُخْصةٍ وَجَدَها، ولا يعملُ بغيرِها في ذلك المذهبِ.\nوهذا مستفادٌ مِن كلامِ المرداوي؛ إِذ يقولُ في سياقِه للمسألةِ: \"وهو - أيْ: العامي -: أنَّه كلما وَجَدَ رخصةً في مذهبٍ عَمِلَ بها، ولا يعملُ بغيرِها في ذلك المذهب\" (^١).\nوتبع ابنُ النجار المرداويَّ فيما قالَ (^٢).\nالتعريف الثالث: أنْ يأخذَ المكلّفُ مِنْ كلِّ مذهبٍ بالأسهلِ.\nوهذا تعريفُ إِبراهيمَ اللقاني (^٣)، وهو مستفادٌ ممَّا ذكره بدرِ الدين الزركشي، كما هو ظاهرٌ.\nووافق اللقانيَّ في تعريفِه: علويٌّ السقاف (^٤)، ومحمدُ بن عثمان الحكيم (^٥).\nالتعريف الرابع: رفعُ مشقةِ التكليفِ باتّباعِ كلِّ سهلٍ.\nوهذا تعريفُ بعضِ المالكيةِ، كما نقله محمدٌ الدسوقي (^٦)، وأحمدُ الصاوي (^٧).\nالتعريف الخامس: اختيارُ الشخصِ لما يراه مناسبًا وملائمًا مِن الأحكامِ في المذاهب؛ لميلِ نفسِه، لسهولتِه عليها، ولكونِه أخفَّ تطبيقًا عنده ممَّا لو طبّقَ عليهَا غيرُه.\n_________\n(^١) التحبير (٨/ ٤٠٩٠).\n(^٢) انظر: شرح الكوكب المنير (٤/ ٥٧٧).\n(^٣) انظر: منار أصول الفتوى (ص/ ٢١٣).\n(^٤) انظر: مختصر الفوائد المكية (ص/ ٤٠).\n(^٥) انظر: فتاوى علماء الأحساء (١/ ٣٧٧). ومحمد الحكيم هو: محمد بن عثمان بن جلال الحكيم، أحد كبار علماء الشافعية بالأحساء، أخذ العلم عن الشَّيخ إِبراهيم بن حسن المفتي الحنفي، والشيخ عبد الله بن ناصر، وقد انتفع بعلمه خلق كثير، تصدر للإِفتاء والتدريس، له بعض الفتاوى والرسائل، توفي في الأحساء سنة ١٠٩٥ هـ تقريبًا. انظر ترجمته في: فتاوى علماء الأحساء (١/ ٣٦٧)، حاشية رقم (١).\n(^٦) انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٢٠).\n(^٧) انظر: بلغة السالك لأقرب المسالك (١/ ٢٢).","vol":"2","page":993},{"text":"وهذا تعريفُ عبدِ الله الشنقيطي (^١)، وفي تعريفِه طولٌ مِنْ غيرِ حاجةٍ، ثم إِنَّه عادَ فعرَّفَ تتبع الرخص بـ: \"تَطلّب السهولةِ واليسر في الأحكامِ\" (^٢).\nالتعريف السادس: أخذ المقلِّدِ أسهل وأخف أقوالِ العلماءِ عليه في المسائلِ.\nوهذا تعريفُ الدكتور سعد الشثري (^٣)، ولو حذف إِحدى اللفظتين: أسهل، أو أخف؛ لئلا يكونَ في التعريفِ تكرارٌ.\nالتعريف السابع: الأخذُ بأخفِّ الأقوالِ في المسائلِ الخلافيةِ.\nوهذا تعريفُ الدكتور عياض السلمي (^٤)، وقد نصَّ على أنَّ تتبعَ الرخص قد يقعُ مِن المجتهدِ، ومِن المقلِّدِ (^٥).\nالتعريف الثامن: الأخذُ بالاجتهاداتِ المذهبيةِ لأمرٍ في مقابلةِ اجتهاداتٍ أخرى تَحْظُره؛ لمسوِّغٍ شرعي.\nوهذا تعريفُ الشيخِ عبد الله آل خنين (^٦).\nوهو مستمدٌ مِنْ تعريفِ أعضاءِ مجمعِ الفقهِ الإِسلامي للرخصِ، إِلَّا أنَّه أضاف في آخره قيدًا، وهو \"لمسوّغٍ شرعي\".\nوأرى أنَّ إِضافةَ هذا القيدِ محلُّ نظرٍ، لأنَّ كلامَ العلماءِ في المسألةِ يشملُ تتبعَ الرخصِ دونَ مسوّغٍ شرعي.\nوغالبُ التعريفاتِ السابقةِ تسيرُ في اتجاهٍ واحدٍ، ويمكنُ تعريف تتبع الرخصِ بـ: أنْ يأخذَ المكلَّفُ فيما يَقَعُ له مِن المسائلِ بأخفِّ الأقوالِ، دونَ اعتبارٍ للقولِ الراجحِ.\n_________\n(^١) انظر: التقليد في الشريعة الإِسلامية (ص/ ١٤٧).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) انظر: التقليد وأحكامه (ص/ ١٥٣).\n(^٤) انظر: أصول الفقه (ص/ ٤٩٢).\n(^٥) المصدر السابق.\n(^٦) انظر: توصيف الأقضية في الشريعة (١/ ٣٨٣)، والفتوى في الشريعة الإِسلامية (١/ ٣٤١).","vol":"2","page":994},{"text":"وقبلَ أنْ أنتقلَ إِلى المطلبِ الرابعِ أنبّه إِلى أمرين:\nالأمر الأول: أن أخذَ الرخصةِ المذهبيةِ لا يُسمّى تَتَبّعًا إِلَّا إِذا كان متكررًا؛ لدلالةِ المعنى اللغوي لكلمة (التتبع) عليه (^١).\nالأمر الثاني: قد تكونُ الرخصةُ خارجَ المذهب، وقد تكون مِنْ الأقوالِ والرواياتِ الموجودةِ في المذهبِ، وأكثرُ كلامِ الَعلماءِ في الرخصةِ الخارجةِ عن المذهبِ، كما تدلُّ عليه بعضُ التعريفاتِ السابقة (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>المطلب الرابع: الفرق بين الرخصة من العالم، وزلة العالم</span>\nتقدّمَ لنا في المطلب الثالثِ بيانُ أنَّ المرادَ بالرخصِ في مسألةِ: (تتبع الرخص) هي الرُّخص المَذهبيةُ، وقد جاءَ عن بعضِ العلماءِ التحذيرُ مِن الأخذِ بزلةِ العالمِ (^٣)، فهلْ تدخلُ زلةُ العالمِ في الرّخصِ؟\nقبلَ الحديثِ عن الفرقِ بين الرخصةِ مِن العالمِ، وزلتِه، لا بُدَّ مِنْ بيانِ المرادِ بزلةِ العالمِ؛ ليتسنى لنا معرفة الفوق بينهما.\n\nالمراد بزلة العالم:\nكانَ لبعضِ العلماءِ حديثٌ عن عصمةِ الأنبياءِ عليهم الصلاةُ والسلامُ، وذكروا فيه المرادَ بالزلةِ، يقولُ أبو بكرٍ السرخسي: \"أمَّا الزَّلةُ، فإِنه لا يُوْجَد فيها القصدُ إِلى عينِها أيضًا، لكن يُوجدُ القصدُ إِلى أصلِ الفعلِ ... \" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: منار أصول الفتوى للقاني (ص / ٢١٣)، والنوازل الصغرى للوزاني (١/ ٣٨٤)، وأصول الفقه للدكتور عياض السلمي (ص/ ٤٩٢).\n(^٢) انظر: غذاء الألباب للسفاريني (١/ ٢٢٥).\n(^٣) انظر: المدخل إِلى السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٨٣ وما بعدها)، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (٢/ ٩٧٩ وما بعدها)، وإِعلام الموقعين (٣/ ٤٥٤ وما بعدها).\n(^٤) أصول السرخسي (٢/ ٨٦). وانظر: كشف الأسرار للبخاري (٣/ ٢٠٠).","vol":"2","page":995},{"text":"ويقولُ حسامُ الدين السغناقي (^١): \"الفرقُ بين الزّلةِ، والمعصيةِ: أنَّ الزَّلةَ اسمٌ لفعلٍ حرامٍ غيرِ مقصود في عينِه، والمعصيةَ: اسمٌ لفعلٍ حرامٍ مقصودٍ بعينِه\" (^٢).\nوعرَّفَ الشيخُ محمد الباني زلةَ العالم بأنَّها: الأقوالُ الشاذّةُ (^٣).\nويقولُ أبو إِسحاقَ الشاطبيُّ: \"إِنَّها - أيْ: زلة العالم - موضوعةٌ على المخالفةِ للشرعِ؛ ولذلك عُدَّتْ زلّةً .. كما أنَّه لا ينبغي أنْ يُنسبَ صاحبُها إِلى التقصيرِ ... \" (^٤).\nويقولُ - أيضًا - في معنى الزّلةِ: \"وزَلَلُ العالمِ ... يحتملُ وجهين:\nأحدهما: زلَلُه في النّظرِ، حتى يُفتي بما خَالفَ الكتابَ والسنةَ، فيُتَابَع عليه، وذلك الفُتْيَا بالقولِ.\nوالثاني: زلَلُه في العملِ بالمخالفاتِ، فيُتَابَع - أيضًا - عليها على التأويلِ، وهو في الاعتبارِ قائمٌ مقامَ الفُتْيَا بالقولِ\" (^٥).\nويقولُ أيضًا: \"لهذا تُسْتَعْظمُ شرعًا زلةُ العالمِ، وتصير صغيرتُه كبيرةً ...\n_________\n(^١) هو: الحسين - وقيل: الحسن - بن علي بن حجاج بن علي، حسام الدين السغناقي، نشأ محبًا للعلم والعلماء، فتفقه على حافظ الدين محمد بن محمد البخاري، ورحل إِلى بغداد، وأخذ عن علمائها، وتوجه إِلى دمشق، واجتمع بعلمائها، كان علامةً فقهيًا حنفيًا متقدمًا، أصوليًا ماهرًا جدليًا، نحويًا، ماتريدي المعتقد، من مؤلفاته: الكافي شرح أصول البزدوي، وشرح التمهيد لقواعد التوحيد، وشرح مختصر الطحاوي، والمنتخب في شرح مختصر الإِخسكيثي، اختلف العلماء في سنة وفاته، فقيل: توفي سنة ٧١٠ هـ وقيل: سنة ٧١١ هـ وقيل: سنة ٧١٤ هـ. انظر ترجمته في: الجواهر المضية للقرشي (٢/ ١١٤)، والدرر الكامنة لابن حجر (٢/ ٦٠)، وتاج التراجم لقطلوبغا (ص/ ١٦٠)، والطبقات السنية للغزي (٣/ ١٥٠)، وبغية الوعاة للسيوطي (١/ ٥٣٧)، والفوائد البهية للكنوي (ص/ ٨٠)، والأعلام للزركلي (٢/ ٢٤٧).\n(^٢) الوافي في أصول الفقه (٣/ ١٢٤٨ - ١٢٤٩).\n(^٣) عمدة التحقيق (ص/ ١٢٠).\n(^٤) الموافقات (٥/ ١٣٦).\n(^٥) الاعتصام (٢/ ٤٨١). وانظر: الموافقات (٥/ ١٣٦ وما بعدها).","vol":"2","page":996},{"text":"فإِذا زلَّ حُمِلَتْ زلتُه عنه - قولًا كانت أو فعلًا - لأنَّه موضوع منارًا يُهتدى به، فإِنْ عَلِمَ كونَ زلتِه زلةً صغرت في أعينِ الناسِ ... وتوهموا فيها رخصةً ... \" (^١).\nوألفاظُ أبي إِسحاقَ الأخيرة مشعرةٌ بالتفريقِ بين الرخصةِ، والزلةِ.\nويقولُ ابنُ القيِّم: \"إِذا عُرِفَ أنَّها زلةٌ لم يجزْ له أنْ يَتَّبِعَه فيها باتفاقِ المسلمين؛ فإِنَّه اتباعٌ لَلخطأِ على عمدٍ\" (^٢).\nومِنْ خلالِ تأمَّلِ المواطنِ الَّتي وَرَدَ فيها التحذيرُ مِنْ زلةِ العالمِ، ومِنْ بيانِ بعضِ العلماءِ للمقصودِ بالزّلةِ في باب عصمةِ الأنبياءِ، ومِنْ خلالِ تأمّلِ كلامِ الشاطبي وابنِ القيّم، يظهرُ لي أنَّ الَمقصودَ بزلةِ العالمِ: القولُ الصادرُ عن المجتهدِ، الَّذي أخطأ فيه عن غيرِ قصدٍ.\nومِن الألفاظِ المرادفةِ لزلةِ العالم: عثرةُ العالمِ؛ وقد جاءَ عن ابنِ عبَّاس - ﵄ - التحذير مِنْ عثراتِ العلماءِ، وجاءتْ رواية أخرى عنه، ولفظها: (ويلٌ للأتباعِ مِنْ زلةِ العالمِ). قيل له؛ وكيفَ ذلك؟ قال: (يقولُ العالمُ الشيءَ برأيه، فيلقى مَنْ هو أعلمُ برسولِ الله - ﷺ - منه، فيخبره، ويرجع، ويقضي الأتباعُ بما حَكَمَ) (^٣).\n\nالفرق بين زلة العالم، والرخصة:\nبناءً على ما تقدم قبل قليل، فإِنَّه يمكنُ القولُ بأنَّ زلةَ العالم، والرخصةَ يجتمعانِ في أنَّ كلًّا منهما توصفُ به أقوالُ المجتهدِ.\nويفترقانِ في أنَّ الزّلةَ هي القولُ الَّذي أخطًا فيه المجتهدُ، سواءٌ أكانَ قولًا ثقيلًا، أم خفيفًا.\nأمَّا الرخصةُ، فهي القولُ السهلُ اليسير، سواءٌ أزلَّ فيه المجتهدُ، أم لا، وسواءٌ أأخطأَ فيه، أم لا.\n_________\n(^١) الموافقات (٤/ ٨٨).\n(^٢) إِعلام الموقعين (٣/ ٤٥٤).\n(^٣) تقدم تخريج الأثر في: (ص/ ٨٤٢).","vol":"2","page":997},{"text":"ثمَّ إِنَّ الغالبَ انفرادُ المجتهدِ بالقولِ الَّذي زلَّ فيه.\nأمَّا الرخصةُ، فقد ينفردُ المجتهدُ بالقولِ بها، وقد يوافقه غيرُه مِن المجتهدين.\nولذا فإِنَّ القولَ الَّذي يوصفُ بأنَّه زلةٌ أخطرُ مِن القولِ الَّذي يُوصف بانَّه رخصةٌ؛ إِذ الزّلةُ أشدّ، يقولُ ابنُ عبدِ البرِ: \"شبّه العلماءُ زلةَ العالمِ بانكسارِ السفينةِ؛ لأنَّها إِذا غَرِقَتْ غرقَ معها خلقٌ كثيرٌ\" (^١).\nويمكنُ القولُ: إِنَّ النسبةَ بين الرخصةِ مِن العالمِ، والزَّلةِ منه: هي العمومُ والخصوصُ الوجهي، فيجتمعانِ في القولِ الَّذي زلَّ العالمُ فيه، وفيه رخصةٌ وسهولةٌ.\nوتنفردُ الرخصة بالقولِ السهلِ الَّذي لا يُقْطَعُ فيه بخطأِ المجتهدِ.\nوتنفردُ الزّلةُ بالقولِ الَّذي أخطأَ فيه المجتهدُ، وليس فيه تسهيلٌ على الناسِ.\nوبناءً على ما سَبَقَ، يمكنُ القولُ أيضًا: إِن الرّخصَ درجاتٌ، فمنها ما يكونُ قولًا غريبًا شاذًّا لا يلتفتُ إِليه، ومنها ما تكونُ قولًا غير شاذٍّ (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>المطلب الخامس: حكم تتبع الرخص</span>\nاختلفتْ أنظارُ العلماءِ في مسألةِ: (حكم تتبع الرخص)، ومن اللازمِ قبلِ عرضِ أقوالهم في المسألةِ أنْ أُحرر محلَّ النزاعِ.\n\n• تحرير محل النزاع:\nأولًا: لا يَبعدُ القولُ: إِنَّ العلماءَ متفقون على منعِ تتبعِ الرخصِ إِذا\n_________\n(^١) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٨٢). وانظر: الموافقات (٤/ ٩٠).\n(^٢) انظر: عمدة التحقيق للباني (ص/ ١٢٠).","vol":"2","page":998},{"text":"كان أَخْذُها على سبيلِ التلهي، كلعبِ الحنفي بالشِّطرنجِ (^١) على رأي الشافعيةِ؛ قصدًا إِلى اللهوِ.\nيقولُ عبدُ العلي الأنصاري عن الحالةِ السابقةِ: \"ولعل هذا حرامٌ بالإِجماعِ؛ لأنَّ التلهيَّ حرامٌ بالنصوصِ القاطعةِ\" (^٢).\nويؤكِّدُ المنعَ السابق: أنَّه لا حاجةَ - فضلًا عن الضرووةِ - إِلى التلهي؛ ليترخصَ المكلّفُ بأقوالِ العلماءِ.\nوالظاهرُ مِنْ حكايةِ الاتفاقِ شموله لتتبعِ الرخصِ للتلهي، وللأخذِ برخصةٍ واحدةٍ؛ للتلهي.\nثانيًا: اتفقَ العلماءُ على أنَّه ليسَ لأحدٍ أنْ يعتقدَ الشيءَ واجبًا أو حرامًا، ثمَّ يعتقدَ أنَّه غيرُ واجبٍ أو غير حرامٍ؛ كل ذلك بمجرّدِ الهوى والتشهي (^٣).\nيقولُ ابنُ حزمٍ: \"اتفقوا على أنَّه لا يحلُّ لمفتٍ ولا لقاضٍ أنْ يحكمَ بما يشتهي ... في قصةٍ (^٤)، وبما اشتهى ممَّا يخالفُ ذلك الحكم في أخرى مثلِها، وإِنْ كانَ كلا القولينِ ممَّا قالَ به جماعةٌ مِن العلماءِ، ما لم يكنْ ذلك لرجوعٍ عن خطأٍ لاحَ له إِلى صوابٍ بانَ له\" (^٥).\nويقولُ أيضًا: \"اتفقوا على أنَّ طلبَ رُخَصِ كلِّ تأويلٍ بلا كتابٍ ولا سنةٍ فسقٌ، لا يحلُّ\" (^٦).\n_________\n(^١) الشِّطْرَنْج - بكسر الشين، وبفتحها، وكسرها أجود، والسيق لغة فيه -: لعبة معروفة، مأخوذة من الشِّطارة، أو من التشطير، أو هي لفظ فارسي معرَّب. انظر: لسان العرب، مادة: (شطر)، (٢/ ٣٠٨)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (شطر)، (ص/ ٢٥٧)، والقاموس المحيط، مادة: (شطر)، (ص/ ٢٥٠)، وتاج العروس، مادة: (شطر)، (٦/ ٦٣).\n(^٢) فواتح الرحموت (٢/ ٤٠٦). وانظر: سلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٦١٩).\n(^٣) انظر: الموافقات (٥/ ٩١)، ومعيد النعم ومبيد النقم لابن السبكي (ص/ ١٠٢)، والتحفة في شرح البهجة للتسولي (١/ ٢١ - ٢٢).\n(^٤) لعل الصواب: \"قضية\".\n(^٥) مراتب الإِجماع (ص/ ٨٧).\n(^٦) المصدر السابق (ص/ ٢٧١). وانظر: الموافقات (٥/ ٨١).","vol":"2","page":999},{"text":"ويقولُ المرداويُّ: \"أمَّا الحكمُ بالتشهي، فلا نعلمُ أحدًا مِنْ أصحابِ الإِمامِ أحمدَ، بلْ ولا مِنْ غيرِهم قالَ به؛ فإِنَّ ذلك يفضي إِلى الإِباحةِ والتحريمِ بالتشهي، وهذا ممَّا لا يسوغُ في دينِ الإِسلامِ\" (^١).\nويقولُ تقيُّ الدين بن تيمية: \"وقد نصَّ أحمدُ على أنَّه ليس لأحدٍ أنْ يعتقدَ الشيءَ واجبًا أو حرامًا، ثمَّ يعتقده غير واجبٍ ولا حرامٍ؛ بمجرّدِ هواه، مثل: أنْ يكونَ طالبًا لشفعةِ الجوارِ، فيعتقدها أنَّها حقّ له، ثم إِذا طُلِبَتْ منه شفعةُ الجوارِ اعتقدها أنَّها ليست ثابتًا، أو مثل مَنْ يعتقد إِذا كان أخًا مع جدٍّ أنَّ الإِخوةَ تقاسمُ الجدَّ، فإِذا صارَ جدًّا مع أخٍ، اعتقدَ أنَّ الجدَّ لا يُقاسمُ الإِخوة\" (^٢).\nثالثًا: إِذا ألجأت الضرورةُ إِلى الأخذِ بالرخصِ، فالظاهرُ الجوازُ؛ لحالِ الاضطرارِ (^٣).\nرابعًا: اتفقَ العلماءُ على أنَّ الواجبَ على المجتهدِ أنْ يأخذَ بما أدّاه إِليه اجتهادُه (^٤)، وبناءً عليه، لا يجوزُ له تتبعُ الرخصِ في عملِه ولا في إِفتائِه، لغيرِ مسوّغٍ.\nلكنْ لو أدَّى اجتهادُ المجتهدِ إِلى الأخذِ بالرخصةِ، فله ذلك (^٥)؛ لأنَّ أخذَه بالرخصةِ في هذه الحالة بناءً على اجتهادِه، وليس منْ بابِ تتبعِ الرخصِ، ويظهر لي أنَّه لا خلافَ في هذا الأمرِ.\n_________\n(^١) نقل كلام المرداوي محمدٌ السفاريني في: غذاء الألباب (١/ ٢٢٥).\n(^٢) مجموع فتاوى شيخ الإِسلام (٢٠/ ٢٢٠).\n(^٣) انظر: فتاوى تقي الدين السبكي (١/ ١٤٧)، والموافقات (٥/ ٩٩). وقيَّد تقيُّ الدين السبكي الجواز بأن لا يعتقد الآخذ بالرخصة رجحانَ مذهب إِمامه، فإن اعتقد رجحانه فليس له أخذها.\n(^٤) انظر: قواطع الأدلة (٥/ ١٦٨)، والمستصفى (٢/ ٤٥٧)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٨٣).\n(^٥) انظر: غذاء الألباب للسفاريني (١/ ٢٢٥).","vol":"2","page":1000},{"text":"خامسًا: يظهرُ لي أنَّه لا يدخلُ في النزاعِ ما إِذا ترجّحتْ للمتمذهب إِذا كانتْ لديه أهليةُ النظرِ في الأدلةِ رخصةٌ مِن الرخصِ، وله الأخذُ بها، كالمجتهدِ.\nسادسًا: يظهرُ لي أيضًا أنَّه لا يدخلُ في النزاعِ ما إِذا أَخَذَ المتمذهبُ بِرُخَصِ إِمامِه؛ لأنَّ أخذه بها في هذه الحالةِ مِنْ بابِ التمذهبِ، لا مِنْ باب تَتَبّع الرخصِ (^١).\nسابعًا: يُفْهَم مِنْ كلامِ بعضِ الأصوليين أنَّ محلَّ النزاع فيمَنْ كان شأنُه الأخذ برخصِ المذاهبِ، لا مَنْ أَخَذَ برخصةٍ مِنْ غيرِ تتبعٍ (^٢).\nثامنًا: حكى أبو عبد الله الفاسي (^٣)، والدكتورُ محمد مدكور (^٤)، والدكتور إِبراهيم إِبراهيم (^٥)، والباحثُ صالح سندي (^٦) اتفاقَ العلماءِ على المنعِ مِنْ تَتَبّع الرخصِ إِذا كان مفضيًا إِلى ما ينقضُ به حكم الحاكم من مخالفةِ نصٍّ أوَ قياسٍ جليٍّ.\nومَعَ وجاهةِ ما ذكروه، إِلَّا أنِّي لم أقفْ - فيما رجعتُ إِليه من مصادر - على ما يدلُّ على الاتفاقِ المحكي.\nفيما عدا ما سبق، ما حكم تتبع الرخص؟\n• الأقوال في المسألة:\nاختلفَ العلماءُ في حكمِ تتبعِ الرخصِ على أقوال، أشهرها:\n_________\n(^١) انظر: المسودة (٢/ ٩٣١)، وبيان الدليل لابن تيمية (ص/ ١٥٢)، ورفع العتاب والملام للفاسي (ص/ ٧٧).\n(^٢) انظر: منار أصول الفتوى للقاني (ص / ٢١٣)، والنوازل الصغرى للوزاني (١/ ٣٨٤)، وأصول الفقه للدكتور عياض السلمي (ص/ ٤٩٢).\n(^٣) انظر: رفع العتاب والملام (ص/ ٧٥).\n(^٤) انظر: مناهج الاجتهاد في الإِسلام (ص/٤٤٧).\n(^٥) انظر: المدخل لدراسة الفقه الإِسلامي (ص/ ٢٢٤).\n(^٦) انظر: مراعاة الخلاف (ص/ ٢١١).","vol":"2","page":1001},{"text":"القول الأول: أنَّ تتبعَ الرخصِ محرَّمٌ.\nوهذا القولُ هو الصحيحُ عند الحنفيةِ (^١)، والأصحُّ عند المالكيةِ (^٢)، وهو مذهبُ الشافعيةِ (^٣)، ومذهبُ الحنابلةِ (^٤).\nيقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية: \"الَّذي يدلُّ عليه كلامُ أصحابِنا وغيرِهم أنَّه لا يجوزُ له - أيْ: للعامي - يَتَتَبَّع (^٥) الرخص مطلقًا\" (^٦).\nونَسَبَ الأميرُ الصنعانيُّ هذا القولَ إِلى جمهورِ العلماءِ (^٧).\nواختاره جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: أبو المظفرِ السمعاني (^٨)، وأبو حامدٍ الغزالي (^٩)، وابنُ الصلاحِ (^١٠)، ومحيي الدين النووي (^١١)، وابنُ حمدان (^١٢)، ويحيى الزناتي (^١٣)، وتقيُّ الدين بنُ تيمية (^١٤)، وابنُ جزي المالكي (^١٥)، وشمسُ الدين الذَّهبي (^١٦)، وابنُ القيم (^١٧)، وتقيُّ الدين السبكي (^١٨)، وابنُ مفلحٍ (^١٩)، وتاج الدين السبكي (^٢٠)، وأبو إِسحاقَ\n_________\n(^١) انظر: رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ٥٢٨).\n(^٢) انظر: فتح العلي المالك (١/ ٦٠).\n(^٣) انظر: فتاوى الرملي (٤/ ٣٧٨).\n(^٤) انظر: أصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٦٣)، وكشاف القناع للبهوتي (١٥/ ٦٠).\n(^٥) لعل الصواب: \"تتبع\".\n(^٦) المسودة (٢/ ٩٢٩).\n(^٧) انظر: إِجابة السائل (ص/ ٤١٣).\n(^٨) انظر: قواطع الأدلة (٥/ ١٣٤).\n(^٩) انظر: المستصفى (٢/ ٤٦٩)، والمعيار المعرب (١١/ ١٦٣ - ١٦٤).\n(^١٠) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١١١).\n(^١١) انظر: فتاوى الإِمام النووي (ص/ ٢٥٨).\n(^١٢) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٣٢).\n(^١٣) انظر: شرح تنقيح الفصول (ص/ ٤٣٢).\n(^١٤) انظر: المسودة (٢/ ٩٢٩).\n(^١٥) انظر: تقريب الوصول (ص/ ٤٤٩).\n(^١٦) انظر: سير أعلام النُّبَلاء (٨/ ٩٠).\n(^١٧) انظر: إِعلام الموقعين (٦/ ١٤٢، ٢٠٥)، ومدارج السالكين (٢/ ٧٨).\n(^١٨) انظر: فتاوى تقي الدين السبكي (١/ ١٤٧)، وقضاء الأرب في أسئلة حلب (ص/٢٦٨).\n(^١٩) انظر: أصول الفقه (٤/ ١٥٦٣).\n(^٢٠) انظر جمع الجوامع (٤/ ٦٢٠) مع شرحه تشنيف المسامع، ومعيد النعم ومبيد النقم (ص/ ١٠٢).","vol":"2","page":1002},{"text":"الشاطبي (^١)، وبدرُ الدين الزركشي (^٢)، والمرداوي (^٣)، وأبو علي الشوشاوي (^٤)، وابنُ المبرد (^٥)، وجلال الدين السيوطي (^٦)، وابنُ النجار (^٧)، وابنُ حجر الهيتمي (^٨)، وبدرُ الدين الغزي (^٩)، وعبد الرؤوف المناوي - وقيّدَ المنعَ بأنْ يُؤدي تتبعُ الرخصِ إِلى انحلالِ رِبْقَة التكليفِ مِنْ عنقِه (^١٠) - ومرعيُّ الحنبلي (^١١)، وإِبراهيمُ اللقاني (^١٢) ومحمد بنُ عثمان الحكيم (^١٣)، ومحمدٌ السفاريني (^١٤)، والبناني (^١٥)، وأبو عبد الله الفاسي (^١٦).\nونَقَلَ علوي السقاف القولَ بمنعِ تتبع الرخصِ، دونَ تعقبٍ (^١٧).\nوذَهَبَ إِلى القولِ الأولِ جمعٌ مِن المعاصرين، منهم: عبدُ العزيز\n_________\n(^١) انظر: الموافقات (٥/ ٨٢، ٩٧).\n(^٢) انظر: تشنيف المسامع (٤/ ٦٢١).\n(^٣) انظر: التحبير (٨/ ٤٠٩٠).\n(^٤) انظر: رفع النقاب (٦/ ٥٤).\n(^٥) انظر: شرح غاية السول (ص/ ٤٤٤).\n(^٦) انظر: شرح الكوكب الساطع (٤/ ١٧٦).\n(^٧) انظر: شرح الكوكب المنير (٤/ ٥٧٧).\n(^٨) انظر: الفتاوى الكبرى الفقهية (٤/ ٣٠٥).\n(^٩) انظر: الدر النضيد في أدب المفيد والمستفيد (ص/ ٢١٩).\n(^١٠) انظر: فيض القدير (١/ ٢١٠)، وشرح عماد الرضا ببيان آداب القضا (١/ ٢٩٤).\n(^١١) انظر: فتيا لمرعي الحنبلي (ص/ ١٦٩) مطبوعة مع التحقيق في بطلان التلفيق للسفاريني.\nومرعي الحنبلي هو: مرعي بن يوسف بن أبي بكر بن أحمد بن أبي بكر الكرمي المقدسي، ثم المصري، أحد أكابر علماء المذهب الحنبلي بمصر، كان فقيهًا محدثًا ذا اطلاع واسع على نقول الفقه، ودقائق الحديث، منهمكًا على تحصيل العلم انهماكًا كليًا، اشتغل بالتدريس والتصنيف وتحقيق المسائل، من مؤلفاته: غاية المنتهى في الجمع بين الإِقناع والمنتهى، ودليل الطالب لنيل المطالب، ومقدمة الخائض في علم الفرائض، والقول البديع في علم البديع، توفي بمصر سنة ١٠٣٣ هـ. انظر ترجمته في: خلاصة الأثر للمحبي (٤/ ٣٥٨)، والنعت الأكمل للغزي (ص/ ١٨٩)، والسحب الوابلة لابن حميد (٣/ ١١١٨)، وعنوان المجد لابن بشر (٢/ ٣٠٨)، والأعلام للزركلي (٨/ ٨٨)، وتسهيل السابلة لابن عثيمن (٣/ ١٥٤٨).\n(^١٢) انظر: منار أصول الفتوى (ص/ ٢١٣).\n(^١٣) انظر: فتاوى علماء الأحساء (١/ ٣٧٧).\n(^١٤) انظر: التحقيق في بطلان التلفيق (ص/ ١٧١)، ولوامع الأنوار البهية (٢/ ٤٦٦).\n(^١٥) انظر: حاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٤٠٠).\n(^١٦) انظر: رفع العتاب والملام (ص/ ٧٦).\n(^١٧) انظر: الفوائد المكية (ص/ ٨٥)، ومختصرها (ص/ ٤٠).","vol":"2","page":1003},{"text":"الراجحي (^١)، والدكتورُ محمد الدسوقي (^٢)، والدكتورُ عياض السلمي (^٣)، والدكتورُ سعد الشثري (^٤)، والدكتورُ حسين الملاح (^٥).\nوذَهَبَ محمدٌ حياة السندي إِلى أنَّ الأحسنَ عدمُ أخذِ الرخصِ لغيرِ المضطرِ (^٦).\nوقد جاءَ عن بعضِ السلفِ التحذيرُ مِن الأخذِ بالرخصِ، وأنَّ مَنْ فعلَ ذلك فقد اجتمعَ فيه الشرُّ، مِنْ هؤلاءِ: يحيى القطان (^٧)، وسليمانُ التيمي (^٨)،\n_________\n(^١) انظر: التقليد والإِفتاء (ص / ١٦٧)\n(^٢) انظر: الاجتهاد والتقليد (ص/ ٢٣٦).\n(^٣) انظر: أصول الفقه (ص/ ٤٩٢).\n(^٤) انظر: التقليد وأحكامه (ص/ ١٥٧).\n(^٥) انظر: الفتوى (ص/ ٦٢٨).\n(^٦) نقل قولَ محمد السندي صالحٌ الفلانيُّ في: إيقاظ همم أولي الأبصار (ص/ ١٩٢) ط / دار الفتح.\n(^٧) انظر: المسودة (٢/ ٩٢٩). وبحيى القطان هو: يحيى بن سعيد بن فروخ القطان البصري التميمي بالولاء، أبو سعيد، ولد سنة ١٢٠ هـ إِمام في الجرح والتعديل، وأحد كبار المحدِّثين، كان حافظًا ثقة حجةً مأمونًا زاهدًا عابدًا ورعًا دينًا، وهو الَّذي مفد لأهل العراق الحديث، وقد عُني بعلم الحديث وعلله أتم عناية، ورحل فيه وساد الأقران، وانتهى إِليه الحفظ، وتخرج به الحفاظ، قال عنه علي بن المديني: \"ما رأيتُ أحدًا أعلم بالرجال من يحيى بن سعيد\"، له كتاب في الضعفاء، توفي سنة ١٩٨ هـ. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٧/ ٢٩٣)، والتاريخ الكبير للبخاري (١/ ٢٧٦)، وحلية الأولياء لأبي نُعيم (٨/ ٣٨٠)، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي (٢/ ١٥٤)، وتهذيب الكمال للمزي (٣١/ ٣٢٩)، وطبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي (١/ ٤٣١)، وسير أعلام النُّبَلاء (٩/ ١٧٥).\n(^٨) أخرج قولَ سليمان التيمي: أبو القاسم البغوي في: الجعديات (١/ ٣٧٨)، برقم (١٣٢٦)؛ وأبو نُعيم في: حلية الأولياء (٣/ ٣٢)؛ وابن عبد البر في: جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٢٧)، برقم (١٧٦٦، ١٧٦٧)؛ وابن حزم في: الإِحكام في أصول الأحكام (٦/ ١٧٩).\nوانظر: المسودة (٢/ ٩٣٠).\nوسليمان التيمي هو: سليمان بن طرخان التيمي، أبو المعتمر البصري، نزل عند نبي تيم، فنسب إِليهم، كان من خيار أهل البصرة، إِمامًا حافظًا ثقةً، عابدًا زاهدًا، مكثرًا من الحديث، مع ضبطه له، قال عنه شعبة: \"ما رأيتُ أحدًا أصدق من سليمان التيمي؛ كان إِذا حدَّث عن النبي - ﷺ - تغير لونه\"، توفي بالبصرة سنة ١٤٣ هـ عن سبعة وتسعين عامًا. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٧/ ١٨٨)، والتاريخ الكبير للبخاري (٤/ ٢٠)، وتهذيب الكمال =","vol":"2","page":1004},{"text":"والإِمامُ الأوزاعي (^١).\nالقول الثاني: أنَّ تتبعَ الرخصِ جائزٌ.\nنَسَبَ تاجُ الدين بن السبكي (^٢)، والأميرُ الصنعاني (^٣)، وعبدُ الله العلوي (^٤) هذا القولَ إِلى أبي إِسحاقَ المروزي (^٥).\nوتعقبَ نسبةَ تاجِ الدّينِ السبكي: بدرُ الدين الزركشيُّ (^٦)، ووليُّ الدين العراقيُّ (^٧)، وجلالُ الدين المحلي (^٨)، وجلالُ الدين السيوطي (^٩)؛ وذلك لاطلاعِهم على نسبةِ القولِ بتفسيقِ متتبعِ الرخصِ إِلى أبي إِسحاقِ، وإِذا ذَهَبَ أبو إِسحاقَ إِلى تفسيقِ متتبعِ الرخصِ، فكيفَ يُنسبُ إِليه القولُ بجواز تتبعها؟ !\n_________\n= للمزي (١٢/ ٥)، وطبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي (١/ ٢٣٥)، وسير أعلام النُّبَلاء (٦/ ١٩٥)، وميزان الاعتدال للذهبي (٢/ ٢١٢).\n(^١) أخرج قول الأوزاعي: البيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: الشهادات، باب: ما تجوز به شهادة أهل الأهواء (١٠/ ٢١١). وانظر: سير أعلام النُّبَلاء (٧/ ١٢٥).\n(^٢) انظر: جمع الجوامع (٤/ ٦٢٠) مع تشنيف المسامع.\n(^٣) انظر: إِجابة السائل (ص/ ٤١٣).\n(^٤) انظر: نشر البنود (٢/ ٣٥٠).\n(^٥) هو: إِبراهيم بن أحمد بن إِسحاق المروزي، أبو إِسحاق، كان إِمامًا جليلًا بارعًا في الفقه وأصوله، زاهدًا ورعًا، من أعيان المذهب الشَّافعي، انتهت إِليه رئاسة المذهب بالعراق بعد ابن سريج، تولى الإِفتاء والتدريس ببغداد دهرًا طويلًا، ثم ارتحل إِلى مصر، من مؤلفاته: شرح مختصر المزني، والسنة، والتوسط بين الشَّافعي والمزني، والخصوص والعموم، توفي بمصر سنة ٣٤٠ هـ وقد قارب السبعين سنة. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السَّلام للخطيب (٦/ ٤٩٨)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (١/ ٢٦)، وسير أعلام النُّبَلاء (١٥/ ٤٢٩)، وطبقات الشافعية لسنوي (٢/ ٣٧٥)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٧٧)، وشذرات الذهب لابن العماد (٤/ ٢١٧)، وطبقات الشافعية لابن هداية الله (ص/ ٦٦).\n(^٦) انظر: تشنيف المسامع (٤/ ٦٢١). وراجع: العزيز شرح الوجيز للرافعي (١٢/ ٤٢٧)، والبحر المحيط (٦/ ٣٢٥).\n(^٧) انظر: الغيث الهامع (٣/ ٩٠٦).\n(^٨) انظر: شرح جمع الجوامع (٢/ ٤٤١) مع حاشية العطار.\n(^٩) انظر: شرح الكوكب الساطع (٤/ ١٧٨).","vol":"2","page":1005},{"text":"وتوسّطَ المرداويُّ هنا، فقال: \"ويحمل (^١) أنْ يكون للمروزي قولانِ\" (^٢).\nوالقولُ بجوازِ تتبعِ الرخصِ هو ظاهرُ قولِ العزِّ بن عبد السَّلام (^٣).\nونازعَ ابنُ حجرٍ الهيتمي (^٤)، وإِبراهيمُ اللقاني (^٥) في نسبةِ القولِ إِلى العز بن عبد السَّلام؛ لأنَّه لم يُعَبّرْ بالتتبعِ، وإنَّما عَبّرَ بالعملِ برخصِ المذاهبِ، وليسَ العملُ برخصِ المذاهبِ مقتضيًا جوازَ تتبع الرخصِ؛ لصدقِ الأخذِ بها مع الأخذِ بالعزائمِ.\nوما قالاه وجيهٌ.\nواختارَ القولَ الثاني: ابنُ الهمام الحنفي (^٦)، وابنُ أمير الحاج (^٧) - واشترط في موضعٍ آخر: عدمَ اعتقادِ المتتبع للرخصِ كونه متلاعبًا بالدّينِ متساهلًا فيه (^٨) - وأحمدُ الحموي (^٩)، ومحبُ الله بن عبد الشكور (^١٠)، وعبدُ العلي الأنصاري (^١١)، وهو ظاهرُ قولِ الأمير الصنعاني (^١٢)، وهو قولُ الدكتورِ زكي الدين شعبان (^١٣).\nونَسَبَ الدكتور وهبة الزحيلي هذا القول إِلى أكثرِ أصحاب الشَّافعي! (^١٤).\n_________\n(^١) لعل الصواب: \"يحتمل\".\n(^٢) التحبير (٨/ ٤٠٩٣).\n(^٣) انظر: فتاوى العز بن عبد السلام (ص/ ٢٨٨)، وجامع مسائل الأحكام للبرزلي (١/ ١١٨)، والفتاوى الكبرى الفقهية للهيتمي (٤/ ٣٠٥)، وفيض القدير للمناوي (١/ ٢١٠)، والدر الفريد لأحمد الحموي (ص/ ١١٢)، وإِجابة السائل للصنعاني (ص/ ٤١٣)، ورفع العتاب والملام للفاسي (ص / ٧٦).\n(^٤) انظر: تحفة المحتاج في شرح المنهاج (١٠/ ١١٢).\n(^٥) انظر: منار أصول الفتوى (ص/ ٢١٣).\n(^٦) انظر: التحرير (٤/ ٢٥٤) مع تيسير التحرير.\n(^٧) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٥١).\n(^٨) انظر: المصدر السابق (٣/ ٣٥٢).\n(^٩) انظر: الدر الفريد (ص/ ١٠٧).\n(^١٠) انظر: مسلم الثبوت (٢/ ٤٠٦) مع فواتح الرحموت.\n(^١١) انظر: فواتح الرحموت (٢/ ٤٠٦).\n(^١٢) انظر: إِجابة السائل (ص/ ٤١٣).\n(^١٣) انظر: أصول الفقه (ص/ ٣٤٠).\n(^١٤) انظر: أصول الفقه (٢/ ١١٥٤).","vol":"2","page":1006},{"text":"ويقولُ الأميرُ الصنعاني: \"وهو - أيْ: جواز تتبع الرخص - الظاهرُ ممَّنْ لم يُوجب الالتزامَ\" (^١). وهذا محلُّ نظرٍ؛ فإِنَّ ممَّنْ لم يُوجب الالتزام مَنْ قال بمنعِ تتبعِ الرخصِ.\nوجوّزَ محمدٌ الأمين الجكني، وبعضُ المتأخرين تتبعَ الرخصِ للموسوسِ (^٢).\nواختارَ بعضُ المالكيةِ القولَ بجوازِ تتبعِ الرخصِ، إِلَّا أنَّه ينبغي أنْ لا يتتبعَ الرخصَ في أبوابِ النكاحِ (^٣).\nالقول الثالث: يجوزُ تتبعُ الرخصِ بضوابط معينةٍ، وقد اختلفَ أصحابُ هذا القولِ في تحديدِ الضوابط على اتجاهاتٍ متعددةٍ:\nالاتجاه الأول: ضابطُ جوازِ تتبعِ الرخصِ أنْ لا يترتبَ على تتبّعِها ما ينقضُ فيه قضاء القاضي، والذي ينقض فيه قضاء القاضي: ما خالفَ الإِجماعَ، أو القواعدَ، أو النصَّ الَّذي لا يحتملُ التأويل، أو القياسَ الجليَّ.\nوهذا قولُ شهابِ الدين القرافي (^٤)، وبعضِ المالكيةِ (^٥).\nالاتجاه الثاني: يجوزُ تتبع الرخصِ بشرط: أنْ لا يخالفَ المتتبعُ أمرًا مجمعًا عليه.\nوهذا قول ابنُ نور الدين (^٦).\n_________\n(^١) إِجابة السائل (ص/ ٤١٣).\n(^٢) انظر: مراقي السعود (ص/ ٤٦٠)، وشرح عماد الرضا ببيان آداب القضا للمناوي (١/ ٢٩٥).\n(^٣) انظر: بلغة السالك لأقرب المسالك لأحمد الصاوي (١/ ٢٢).\n(^٤) انظر: نفائس الأصول (٩/ ٤١٩٤).\n(^٥) انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٢٠).\n(^٦) انظر: الاستعداد لرتبة الاجتهاد (٢/ ١١٧٢).","vol":"2","page":1007},{"text":"الاتجاه الثالث: يجوزُ تتبعِ الرخصِ بشرطِ عدمِ اعتقادِ كونِ المتتبعِ لها متلاعبًا بالدينِ متساهلًا فيه.\nوهذا قولُ ابنِ أمير الحاج (^١)، وأحمدَ الوزير (^٢).\nالاتجاه الرابع: يجوزُ تتبعُ الرخصِ وفق الضوابط الآتيةِ:\nالأول: أنْ يراعي ما اعتبره المجتهدُ في المسألةِ الَّتي وَقَعَ فيها التقليدُ ممَّا يتوقفُ عليه صحتُها.\nالثاني: أنْ يكونَ تتبعُ الرخصِ في المسائلِ المدوّنةِ للمذاهبِ الأربعةِ، دونَ مَنْ عداهم.\nالثالث: أنْ لا يتركَ المتتبعُ للرخصِ العزائمَ رأسًا.\nوهذا قولُ العطارِ (^٣).\nالاتجاه الخامس: ضابطُ جوازِ تتبعِ الرخصِ: أنْ لا يترتب على تتبعها تلفيقُ حقيقةٍ لا يقولُ بها كلٌّ مِن المذهبين.\nوهذا قولُ علويّ السقاف (^٤)، ومحمد مخلوف (^٥)، والدكتور بدران أبو\n_________\n(^١) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٥٢).\n(^٢) انظر: المصفى في أصول الفقه (ص/ ٨٣٦).\n(^٣) انظر: حاشية العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٤٤٢). والعطار هو: حسن بن محمد بن محمود العطار، أبو السعادات، ولد بالقاهرة سنة ١١٩٠ هـ وقيل: ١١٨٠ هـ عالم مصري من أصل مغربي، أخذ العلم عن كبار علماء الأزهر، وأصبح من كبار علماء الشافعية في وقته، وولي مشيخة الأزهر سنة ١٢٤٦ هـ له مشاركة في عدد من العلوم، كان شاعرًا وأديبًا، وممن يحسن عمل المزاول الليلية والنهارية، أقام زمنًا في دمشق، ثم عاد إِلى مصر، وكان محمد علي الخديوي يكرمه ويجله، من مؤلفاته: حاشية على شرح المحلي على جمع الجوامع، وحاشية على شرح المقولات، وكيفية العمل بالاسطرلاب، توفي بالقاهرة سنة ١٢٥٠ هـ وقيل: في حدود ١٢٣٥ هـ. انظر ترجمته في: حلية البشر للبيطار (١/ ٤٨٩)، والأعلام للزركلي (٢/ ٢٢٠)، ومعجم المؤلفين لكحالة (١/ ٥٨٧).\n(^٤) انظر: الفوائد المكية (ص/ ٨٥)، ومختصرها (ص/ ٣٩).\n(^٥) انظر: بلوغ السول (ص/ ١٠٥).","vol":"2","page":1008},{"text":"العينين (^١).\nالاتجاه السادس: يجوز الأخذُ بالرخصِ وفق الضوابط الآتيةِ:\nالأول: أنْ تكونَ أقوالُ الفقهاءِ الَّتي يُترخصُ بها معتبرةً شرعًا، ولم توصفْ بأنَّها مِنْ شواذِّ الأقوالِ.\nالثاني: أنْ تقومَ الحاجةُ إِلى الأخذِ بالرخصةِ؛ دفعًا للمشقةِ سواءٌ أكانت حاجة عامة للمجتمعِ، أم خاصة، أم فردية.\nالثالث: أنْ يكونَ الآخذُ بالرخصِ ذا قدرةٍ على الاختيارِ، أو أنْ يعتمدَ على مَنْ هو أهل لذلك.\nالرابع: أنْ لا يترتبَ على الأخذِ بالرخصِ الوقوعُ في التلفيقِ الممنوعِ.\nالخامس: أنْ لا يكون الأخذُ بذلك القولِ ذريعةً للوصولِ إِلى غرضٍ غيرِ مشروعٍ.\nالسادس: أنْ تطمئنَ نفس المترخصِ للأخذِ بالرخصةِ.\nوهذا ما صدر به قرارُ مجمعِ الفقه الإِسلامي التابع لمنظمةِ المؤتمرِ الإِسلامي (^٢).\nالاتجاه السابع: يجوزُ تتبع الرخص بشرطِ أنْ لا يُفْضِي ذلك إِلى إِضرارٍ بالغيرِ أو وقوعٍ في محظورٍ متفق عليه أو يؤدّي إِلى عملٍ بضعيفٍ مرجوحٍ.\nوهذا قول عبد الله بن عمر الشنقيطي (^٣).\n• أدلة الأقوال:\nأدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ (القائلين بتحريمِ تتبعِ الرخصِ):\n_________\n(^١) انظر: أصول الفقه (ص/ ٤٩١).\n(^٢) انظر: مجلة مجمع الفقه الإِسلامي، العدد: الثامن (١/ ٦٣٩ - ٦٤٠).\n(^٣) انظر: التقليد في الشريعة الإِسلامية (ص / ١٥٠ - ١٥١).","vol":"2","page":1009},{"text":"استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: إِجماعُ أهلِ العلمِ على تحريمِ تتبعِ الرخصِ، حكاه ابنُ عبد البر، فقالَ: \"هذا - أيْ: المنع مِنْ تتبعِ الرخصِ - إِجماعٌ، لا أعلمُ فيه خلافًا\" (^١).\nوقد نَقَلَ حكايةَ ابنِ عبد البر كلٌّ مِنْ: تقي الدّينِ بن تيميةَ (^٢) وابنِ القيّمِ (^٣)، وابنِ مفلح (^٤)، والمرداوي (^٥)، وأبي علي الشوشاوي (^٦) وابنِ النجارِ (^٧).\nوقد حَكَى ابنُ حزمٍ الإِجماعَ على أن تتبّعَ الرخصِ فسقٌ، لا يحلُّ، كما سَبَقَ نقلُه في تحريرِ محل النزاعِ.\nوقد نَقَلَ حكايةَ ابنِ حزمٍ كل مِنْ: أبي إِسحاق الشاطبي (^٨)، وابنِ حجر الهيتمي (^٩)، وإبراهيمَ اللقاني (^١٠)، ومحمد عليش المالكي (^١١)، وأبي عبد الله الفاسي (^١٢).\nويتأيّد هذا الإِجماع بما وَرَدَ عن بعضِ السلفِ في وقتٍ مبكرٍ مِن التحذيرِ مِن تتبعِ الرُّخصِ.\nمناقشة الدليل الأول: نوقشت حكاية ابن عبد البر للإِجماع من ثلاثة أوجه:\n_________\n(^١) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٢٧).\n(^٢) انظر: بيان الدليل (ص / ١٥٥).\n(^٣) انظر: إِعلام الموقعين (٥/ ٢٣٧).\n(^٤) انظر: أصول الفقه (٤/ ١٥٦٣).\n(^٥) انظر: التحبير (٨/ ٤٠٩١).\n(^٦) انظر: رفع النقاب (٦/ ٥٤).\n(^٧) انظر: شرح الكوكب المنير (٤/ ٥٧٨).\n(^٨) انظر: الموافقات (٥/ ٨٢)، وجامع مسائل الأحكام للبرزلي (١/ ١١٧).\n(^٩) انظر: تحفة المحتاج في شرح المنهاج (١٠/ ١١٢).\n(^١٠) انظر: منار أصول الفتوى (ص / ٢١٣)، والنوازل الصغرى للوزاني (١/ ٣٨٤).\n(^١١) انظر: فتح العلي المالك (١/ ٧٤، ٧٧).\n(^١٢) انظر: رفع العتاب والملام (ص/ ٧٦).","vol":"2","page":1010},{"text":"الوجه الأول: لا نُسَلِّمُ صحةَ ما نُسِبَ إِلى ابنِ عبد البرِ مِنْ حكايته للإجماعِ (^١).\nويمكن الجواب عن الوجه الأول: بأنَّ ما ذكرتموه مِن التشكيكِ في نسبةِ حكايةِ الإِجماعِ إِلى ابنِ عبدِ البر مردودٌ؛ وحكايةُ الإِجماعِ ثابتةٌ عنه، فقد ذَكَرَها في كتابِه: (جامع بيان العلم وفضله) (^٢).\nالوجه الثاني: لا نُسلِّمُ صحةَ الإِجماعِ المحكي في دليلِكم؛ إِذ هناك مَنْ خالفَ في المسألةِ، ففي تفسيقِ متتبعِ الرخصِ عن الإِمامِ أحمدَ روايتانِ (^٣)، وذَهَبَ ابنُ أبي هريرةَ (^٤) إِلى عدمِ تفسيقِه (^٥)، وجاءَ عن العزِّ بنِ عبدِ السلام ما يدلُّ على جوازِ تتبعِ الرخصِ (^٦).\n_________\n(^١) انظر: تيسير التحرير (٤/ ٢٥٤)، وأصول الفقه للدكتور وهبة الزحيلي (٢/ ١١٥٥).\n(^٢) انظر: (٢/ ٩٢٧). والعجب أن يَرِد هذا الاعتراض من الدكتور وهبة الزحيلي، وكتاب (جامع بيان العلم وفضله) يسهل الوصول إِليه.\n(^٣) انظر: المسودة (٢/ ٩٣٠)، وأصول ابن مفلح (٤/ ١٥٦٤)، والتحبير (٨/ ٤٠٩٣). يقول ابن مفلح في كتابه: أصول الفقه (٤/ ١٥٦٤): \"ذكر بعضُ أصحابنا في فسق من أخذ بالرخص روايتين، وإنْ قوي الدليل أو كان عاميًا، فلا، كذا قال\".\n(^٤) هو: الحسن بن الحسين بن أبي هريرة، أبو علي البغدادي، كان إِمامًا جليلًا، وأحد شيوخ المذهب الشَّافعي، انتهت إِليه رئاسة مذهبه، تفقه بابن سريج ثم بأبي إِسحاق الشيرازي، كان معظمًا عند السلاطين والرعايا، تولى منصب القضاء، قال عنه أبو القاسم الرافعي: \"إِن ابن أبي هريرة زعيم عظيم للفقهاء\"، من مؤلفاته: شرح مختصر المزني، والمسائل في الفقه، توفي سنة ٣٤٥ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السَّلام للخطيب (٨/ ٢٥٣)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٢/ ٧٥)، وسير أعلام النُّبَلاء (١٥/ ٤٣٠)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٣/ ٢٥٦)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ١٢٦)، وشذرات الذهب لابن العماد (٤/ ٢٤٠).\n(^٥) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٥١)، وتيسير التحرير (٤/ ٢٥٤)، وفواتح الرحموت (٢/ ٤٠٦)، وإرشاد المقلدين للشنقيطي (ص/ ٢٥٩)، وأصول الفقه للدكتور وهبة الزحيلي (٢/ ١١٥٥)، والأخذ بالرخص الشرعية له، مجلة مجمع الفقه الإِسلامي، العدد: الثامن (١/ ٦٣).\nوانظر قول ابن أبي هريرة في: العزيز شرح الوجيز للرافعي (١٢/ ٤٢٧)، وتشنيف المسامع (٤/ ٦٢١)، والبحر المحيط (٦/ ٣٢٥).\n(^٦) انظر: جامع مسائل الأحكام للبرزلي (١/ ١١٨)، والفتاوى الكبرى الفقهية للهيتمي (٤/ ٣٠٥)، والدر الفريد لأحمد الحموي (ص/ ١١٢)، وإجابة السائل للصنعاني (ص/ ٤١٣).","vol":"2","page":1011},{"text":"الجواب عن الوجه الثاني: أجيب عنه من وجهين:\nالأول: أنَّ للإِجماعِ المذكورِ مستندًا مِنْ أقوالِ السلفِ، أمَّا ما جاءَ عن العز بنِ عبد السلام - على فرضِ ثبوتِ القولِ بالجوازِ عنه - فإِنَّه لم يبيّنْ مستندًا لقولِه (^١).\nوأيضًا: هو محجوجٌ بالإِجماعِ المنعقدِ قبلَ قولِه (^٢).\nالثاني: لا يستلزمُ عدمُ تفسيقِ متتبع الرخصِ القول بجوازِ تتبّعِ الرخصِ؛ ويكون حالُه كحالِ مرتكبِ الصغيرةِ (^٣).\nالوجه الثالث: يُحْمَلُ الإِجماعُ المحكي على منعِ تتبعِ الرخصِ مِنْ غيرِ تقليدٍ لمَنْ قالَ بها، أو على الرّخصِ المركبه في الفعلِ الواحدِ الَّذي لا يقولُ بمجموعِه مجتهدٌ (^٤).\nويمكن الجواب عن الوجه الثالث: بانَّ ما ذكروه في مناقشتِهم صَرْفٌ للإِجماعِ عن ظاهرِه بلا قرينةٍ، وهذا مردودٌ.\nالدليل الثاني: أن للهَ تعالى أَمَرَ بالردِّ إِليه وإِلى رسولِه - ﷺ -، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (^٥)، وتتبعُ الإِنسانِ للرخصِ مضادٌّ للرجوع إِلى الله تعالى وإِلى رسولِه - ﷺ - (^٦).\n_________\n(^١) انظر: المعيار المعرب للونشريسي (١٢/ ٣١)، وفتح العلي المالك لعليش (١/ ٧٩).\n(^٢) انظر: فتح العلي المالك لعليش (١/ ٧٩).\n(^٣) انظر: حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج للرملي (١/ ٧٤)، وحاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٤٠٠).\n(^٤) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٥١)، وفواتح الرحموت (٢/ ٤٠٦)، وحاشية العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٤٤٢).\n(^٥) من الآية (٥٩) من سورة النساء.\n(^٦) انظر: الموافقات (٥/ ٨٢)، والتقليد والإِفتاء لعبد العزيز الراجحي (ص / ١٦٧)، وأصول الفقه للدكتور وهبة الزحيلي (٢/ ١١٥٤)، والأخذ بالرخص الشرعية له، مجلة مجمع الفقه الإِسلامي، العدد: الثامن (١/ ٦١).","vol":"2","page":1012},{"text":"الدليل الثالث: أن تتبعَ الرُّخَصِ مؤدٍ إِلى إِسقاطِ التكليفِ في كل مسألةٍ مختَلَفٍ فيها؛ لأنَّ المتتبّعَ للرخصِ سيفعلُ ما يشاءُ، ويختارُ ما يشاءُ، ممَّا تشتهيه نفسُه، وهذا عينُ إِسقاطِ التكليفِ (^١)، وفي هذا مناقضةٌ لمقصدِ الشارعِ مِنْ إِنزالِ التكاليفِ.\nالدليل الرابع: أنَّ حقيقةَ تتبعِ الرخصِ هي ميلٌ مع أهواءِ النفسِ، وجاءَ الشرعُ بالنهي عن اتّباعِ الهوى؛ قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى﴾ (^٢)، وتتبّع الرخصِ مضادٌّ لهذا الأَصلِ (^٣).\nالدليل الخامس؛ يترتّبُ على تتبعِ الرخصِ جملةٌ عظيمةٌ مِن المفاسدِ، منها:\nالمفسدة الأولى: الانسلاخُ مِن الدّينِ بتركِ اتباعِ الدليلِ إِلى اتباعِ الخلافِ.\nالمفسدة الثانية: الاستهانةُ بالدِّينِ، وذهابُ هيبتِه، وعدم الاكتراثِ به، والتهربُ مِن التكاليفِ، والتساهلُ فيها، إِذ يصيرُ الدينُ سيّالًا مَعَ كلِّ رخصةٍ.\n_________\n(^١) انظر: الموافقات (٥/ ٨٣)، والمعيار المعرب للونشريسي (١٢/ ٢٩، ٣١)، والفتاوى الحديثية للهيتمي (ص/ ٢٠٠)، وفيض القدير للمناوي (١/ ٢١٠)، ومنار أصول الفتوى للقاني (ص / ٢١٣)، وفتاوى علماء الأحساء (١/ ٣٧٧)، وحاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٤٠٠)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ٢٣٦)، وأصول الفقه للدكتور عياض السلمي (ص/ ٤٩٢)، ومقاصد المكلفين للدكتور فيصل الحليبي (ص/ ٨٩٣).\n(^٢) من الآية (١٣٥) من سورة النساء.\n(^٣) انظر: فتاوى تقي الدين السبكي (١/ ١٤٧)، والموافقات (٥/ ٩٩)، ومناهج الاجتهاد في الإِسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ٤٤٧)، والتقليد والإِفتاء لعبد العزيز الراجحي (ص/ ١٦٧)، وأصول الفقه للدكتور وهبة الزحيلي (٢/ ١١٥٤)، والأخذ بالرخص الشرعية له، مجلة مجمع الفقه الإِسلامي، العدد: الثامن (١/ ٦١)، وأصول الفقه للدكتور عياض السلمي (ص/٤٩٢).","vol":"2","page":1013},{"text":"المفسدة الثالثة: انخرامُ قانون السياسةِ الشرعيةِ (^١) بتركِ الانضباطِ إِلى أمرٍ معروفٍ.\nالمفسدة الرابعة: إِفضاءُ تتبّعِ الرخصِ إِلى القولِ بتلفيقِ المذاهبِ على وجهٍ يخرقُ إِجماعَها (^٢).\nالدليل السادس: أنَّه لا يقولُ أحدٌ مِنْ علماءِ المسلمين بإباحةِ جميعِ الرخص، فإِنَّ القائلَ بالرخصةِ في مسألةٍ لا يقولُ بالرخصةِ في مسألةٍ أخرى (^٣).\nأدلةُ أصحابِ القولِ الثاني (القائلين بجواز تتبع الرخص):\nاستدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول الآياتُ والأحاديثُ الدالةُ على التيسيرِ: كقولِ الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (^٤)، وكقولِ النبي - ﷺ -: (يسروا ولا تعسروا) (^٥).\nوإِذا أخذنا بأهونِ الأقوالِ في المسألةِ كنَّا قد أخذنا بالأيسرِ (^٦).\n_________\n(^١) يقول الشَّيخ دراز في: تعليقه على الموافقات (٥/ ١٠٣) موضحًا المراد بقانون السياسة الشرعية: (هي الطرق العادلة الَّتي تخرج الحق من الظلم، وتدفع كثيرًا من المظالم، وإهمالها يضيع الحقوق، ويعطل الحدود، ويجرئ أهل الفساد ... \".\n(^٢) انظر: الموافقات (٥/ ١٠٢ - ١٠٣)، ورفع النقاب للشوشاوي (٦/ ٥٤)، والتحقيق في بطلان التلفيق للسفاريني (ص/ ١٧١)، والنوازل الصغرى للوزاني (١/ ٣٨٤)، ومناهج الاجتهاد في الإِسلام للدكتور محمد مدكور (ص / ٤٤٧، ٤٥١)، والتقليد والإِفتاء لعبد العزيز الراجحي (ص / ١٦٦)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ٢٣٦)، والتقليد وأحكامه للدكتور سعد الشثري (ص/ ١٥٤).\n(^٣) انظر: التقليد وأحكامه للدكتور سعد الشثري (ص/ ١٥٤).\n(^٤) من الآية (١٨٥) من سورة البقرة.\n(^٥) أخرج الحديث من طريق أنس بن مالك - ﵁ -: البخاري في: صحيحه، كتاب: العلم، باب: ما كان النبي - ﷺ - يتخولهم بالموعظة والعلم (ص/ ٣٩)، برقم (٦٩)؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: الجهاد والسير، باب: في الأمر بالتيسير وترك التنفير (٢/ ٨٣٠)، برقم (١٧٣٤).\n(^٦) انظر: فتح العلي المالك لعليش (١/ ٦٣)، وزجر السفهاء عن تتبع رخص الفقهاء للدوسري =","vol":"2","page":1014},{"text":"مناقشة الدليل الأول: نُسَلِّمُ لكم أنَّ التيسيرَ مِنْ مقاصدِ الشريعةِ الإِسلاميةِ، والنصوصُ مِن الكتابِ والسنةِ متضافرةٌ على هذا الأمرِ، لكنَّ المرادَ به هو أنَّ حوائجَ البشرِ تسيرُ مع تعاليمِ الشرعِ، دونَ مشقةٍ عليهم، وليس المرادُ تركَ تعاليم الشرعِ؛ لرخصِ المذاهبِ، وبناءً عليه لا نُسلّمُ لكم أنَّ مِنْ مقتضى التيسير تتبّعَ الرخصِ (^١).\nالدليل الثاني: عن جابرِ بنِ عبد الله - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: (بُعِثتُ بالحنيفيةِ السمحةِ، أو السهلة) (^٢).\n_________\n= (ص/ ٢٣)، والدرر البهية في الرخص الشرعية للصلابي (ص/ ٨٧)، والتقليد في الشريعة الإِسلامية لعبد الله الشنقيطي (ص/ ١٥١)، وتبصير النجباء للدكتور محمد الحفناوي (ص/ ٢٨٨)، والتقليد وأحكامه للدكتور سعد الشثري (ص/ ١٥٦)، والأخذ بالرخص الشرعية للدكتور وهبة الزحيلي، مجلة مجمع الفقه الإِسلامي، العدد: الثامن (١/ ٦٢)، والتلفيق في الفتوى للدكتور سعد العنزي، مجلة الشريعة والدراسات الإِسلامية، العدد: الثامن والثلاثون (ص / ٢٩٥)، ومقاصد المكلفين للدكتور فيصل الحليبي (ص / ٨٨٨).\n(^١) انظر: الاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ٢٣٦)، والتقليد وأحكامه للدكتور سعد الشثري (ص/ ١٥٧).\n(^٢) أخرج الحديث بهذا اللفظ: الخطيب البغدادي في: تاريخ مدينة السَّلام (٨/ ١١٧)؛ وابن النجار في: ذيل تاريخ بغداد (٣/ ٦٠٥).\nوفي سنده: مسلم بن عبد ربه، قال عنه الذَّهبي في: ميزان الاعتدال (٤/ ١٠٥): \"ضعفه الازدي، ولا أدري مَنْ ذا\". ويقول ابن حجر في: لسان الميزان (٨/ ٥٢): \"هو الطالقاني\".\nويقول المناوي في: فيض القدير (٣/ ٢٠٣) عن حديث جابر - ﵁ -: \"له طرق ثلاث ليس يبعد أنْ لا ينزل بسببها عن درجة الحسن\".\nوللحديث شواهد يرتقي بها إِلى درجة الحسن، منها:\nأولًا: حديث أبي أمامة - ﵁ - مرفوعًا، ولفظه: (إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية، ولكني بعثت بالحنيفية السمحة)، وأخرجه: أحمد في: المسند (٣٦/ ٦٢٣)، برقم (٢٢٢٩١)، وقال ابن رجب في: فتح الباري (١/ ١٤٩) عن إِسناد رواية أحمد: \"إِسناد ضعيف\". والطَّبراني في: المعجم الكبير (٨/ ٢١٦)، برقم (٧٨٦٨)؛ والخطيب البغدادي في: الفقيه والمتفقه (٢/ ٤٣٠)، برقم (١٢١٨).\nثانيًا: حديث ابن عباس - ﵄ - مرفوعًا: (أحب الدين إِلى الله الحنيفية السمحة): ذكر الحديثَ البخاريُّ مجردًا عن راويه في: صحيحه معلّقًا، كتاب: الإِيمان، باب: الدين يسر (ص/ ٣١). ويقول ابن حجر في: فتح الباري (١/ ٩٤): \"هذا الحديث المعلق لم يسنده المؤلف في هذا الكتاب؛ لأنَّه ليس على شرطه، نعم وصله في كتاب: الأدب المفرد\"، وانظر: فتح الباري لابن رجب (١/ ١٤٨). =","vol":"2","page":1015},{"text":"وجه الدلالة: أنَّ قولَه - ﷺ -: (بُعثتُ بالحنيفيةِ السمحة) يقتضي جوازَ تتبعِ الرخصِ؛ إِذ في الرخصةِ سهولةٌ، والأَخْذ بالرخصِ فيه سماحةٌ، وقد\n_________\n= وفي لفظ: سئل النبي - ﷺ -: أي الأديان أحب إِلى الله ﷿؟ قال: (الحنيفية السمحة)، وأخرجه: البخاريُّ في: الأدب المفرد، باب: حسن الخلق إِذا فقهوا (ص/ ١٠٨)، برقم (٢٨٧)؛ وعبد بن حميد في: المنتخب (١/ ٤٤٥)، برقم (٥٦٧)؛ وأحمد في: المسند (٤/ ١٦ - ١٧)، برقم (٢١٠٧)؛ والطَّبراني في: المعجم الأوسط (١/ ٣٠٠)، برقم (١٠٠٦).\nوضعف ابنُ رجب في كتابه: فتح الباري (١/ ١٤٨) الحديثَ، وحسَّنه إِسناده ابن حجر في: فتح الباري (١/ ٩٤).\nولم يرتض الألبانيُّ في: سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٥٤١) تحسين ابن حجر للحديث؛ لأنَّ في إِسناده ابن إِسحاق، وهو مدلس، وقد عنعنه، لكن للحديث شواهد، ولذا رأى الألباني في: المصدر السابق (٢/ ٥٤١)، و(٦/ ق ٢/ ١٠٢٤)، وفي: صحيح الأدب المفرد (ص/ ١٢٢) أن حديث ابن عبَّاس حسن لغيره.\nوقد أُعلَّ حديث ابن عبَّاس بأن رواية داود بن الحصين عن عكرمة ضعيفة. انظر: فتح الباري لابن رجب (١/ ١٤٨)، وتقريب التهذيب لابن حجر (ص/ ٢٣٨)، وزوائد تاريخ بغداد للدكتور خلدون الأحدب (٥/ ٥٢٨).\nويشهد لحديث ابن عبَّاس: مرسل عمر بن عبد العزيز قال: سئل النبي - ﷺ -: أي الدين أفضل؟ فقال: (الحنيفية السمحة)، وأخرجه: عبد الرزاق في: المصنِّف، باب: الرخص في الأعمال والقصد (١١/ ٢٩٢)، برقم (٢٠٥٧٤).\nوقال ابن حجر في: تغليق التعليق (٢/ ٤٢) عن مرسل عمر بن عبد العزيز: \"مرسلٌ صحيحٌ\".\nثالثًا: حديث عائشة ﵂ مرفوعًا، وفيه: (إني أرسلت بحنيفية سمحة)، وأخرجه: أحمد في: المسند (٤١/ ٣٤٩)، برقم (٢٤٨٥٥)؛ والحميدي بنحوه في: المسند (١٢٨٦)، برقم (٢٥٦).\nوحسَّن إِسنادَه ابنُ حجر في: تغليق التعليق (٢/ ٤٣)، والسخاويُّ في: المقاصد الحسنة (ص/ ١٥٩)، والألباني في: سلسلة الأحاديث الصحيحة (٦/ ق ٢/ ١٠٢٤). وانظر: تعليق محققي المسند (٤١/ ٣٤٩) حاشية رقم (١).\nرابعًا: مرسل أبي قلابة، ولفظه: قال رسول الله - ﷺ -: (بعثت بالحنيفية السمحة)، وأخرجه: ابن سعد في: الطبقات الكبرى (١/ ١٩٢)، و(٣/ ٣٩٥).\nوصحح ابن حجر في: تغليق التعليق (٢/ ٤٢) إِسناده، وقال في: المصدر السابق (٢/ ٤٤): \"وفي الباب: عن أبي بن كعب، وجابر، وابن عمر، وأبي أمامه، وأبي هريرة، وأسعد بن عبد الله الخزاعي، وغيرهم\".\nوبعض هؤلاء الصحابة - ﵃ - خرجتُ حديثه، وللاستزادة انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (٦/ ق ٢/ ١٠٢٢ - ١٠٢٧).","vol":"2","page":1016},{"text":"بُعِثَ النبيُّ - ﷺ - بها (^١).\nمناقشة الدليل الثاني: لا نُسَلّمُ لكم أن تتبعَ الرخصِ داخلٌ في مدلولِ الحنيفيةِ السمحةِ؛ لأنَّ السماحةَ المرادة في الحديثِ ما كانتْ مقيدةً بما هو جارٍ على أصولِ الشريعةِ، وليسَ تتبعُ الرخصِ بجارٍ على أصولِها (^٢).\nالدليل الثالث: عن عائشةَ - ﵁ - قالتْ: (ما خُيِّرَ رسولُ الله - ﷺ - بين أمرين إِلَّا أَخَذَ أيسرَهما) (^٣)، وهذا يدلُّ على تجويزِ اتباعِ القولِ الأخفِّ (^٤).\nمناقشة الدليل الثالث: إِنَّ للحديثِ تتمةً تردُّ استدلالكم، وهي قولها: (ما لم يكنْ إِثمًا) (^٥)، ونحنُ نَرَى أنَّ في تتبعِ الرخصِ إِثمًا.\nالدليل الرابع: ليس مِنْ مقاصدِ الشريعةِ إِلزامُ الناسِ بالمشاقِّ، ولم تَرِد الشريعةُ به، بلْ وَرَدَتْ بتحصيلِ مصالِحهم الخاصة والعامة (^٦)، وإِذا لم تكن المشاقُّ مقصودةً، فليسَ في تركِها إِلى الرخصِ حرجٌ.\nالدليل الخامس: أنَّ اختلافَ المذاهبِ الفقهيةِ رحمةٌ، ويجوزُ أخذُ\n_________\n(^١) انظر: نفائس الأصول (٩/ ٤١٩٤)، ونشر البنود (٢/ ٣٥٠)، وفتح العلي المالك لعليش (١/ ٦٣)، والتقليد في الشريعة الإِسلامية لعبد الله الشنقيطي (ص/ ١٥١)، والتقليد والإِفتاء لعبد العزيز الراجحي (ص/ ١٦٦)، وأصول الفقه للدكتور وهبة الزحيلي (٢/ ١١٥٤)، والأخذ بالرخص الشرعية له، مجلة مجمع الفقه الإِسلامي، العدد: الثامن (١/ ٦١).\n(^٢) انظر: الموافقات (٥/ ٩٩)، ومقاصد المكلفين للدكتور فيصل الحليبي (ص/ ٨٨٩).\n(^٣) أخرج الحديث: البخاري في: صحيحه، كتاب: المناقب، باب: صفة النبي - ﷺ - (ص/ ٦٨٢)، برقم (٣٥٦٠)؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: الفضائل، باب: في مباعدته - ﷺ - للآثام، واختياره من المباح أسهله (٢/ ١٠٩٧)، برقم (٢٣٢٧).\n(^٤) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٥١)، وتيسير التحرير (٤/ ٢٥٤)، وفواتح الرحموت (٢/ ٤٠٦)، والتقليد في الشريعة الإِسلامية لعبد الله الشنقيطي (ص/ ١٥١)، وتبصير النجباء للدكتور محمد الحفناوي (ص/ ٢٨٨)، والتقليد والإِفتاء لعبد العزيز الراجحي (ص / ١٦٦)، وأصول الفقه للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ٤٩١)، وأصول الفقه للدكتور وهبة الزحيلي (٢/ ١١٥٤).\n(^٥) انظر: التقليد وأحكامه للدكتور سعد الشثري (ص/ ١٥٧).\n(^٦) انظر: نفائس الأصول (٩/ ٤١٩٤)، والتقليد والإِفتاء لعبد العزيز الراجحي (ص/ ١٦٦)، والانتصار لمذهب مالك للدكتور عبد الكبير المدغري، ندوة الإِمام مالك (٢/ ١٩٤).","vol":"2","page":1017},{"text":"الرحمةِ وتتَبّعها، والرخصُ مِن الرحمةِ، فيجوزُ تتبّعُها (^١).\nمناقشة الدليل الخامس: المرادُ بأنَّ الخلافَ رحمةٌ هو: أنَّه فَتَحَ للمجتهدين بابَ النظرِ والاجتهادِ، ولا يُراد به أنْ يختارَ الناسُ رُخصَ المذاهبِ، لأنَّها رحمةٌ (^٢).\nالدليل السادس: أنَّ المذاهبَ طرقٌ إِلى الجنةِ، فمَنْ سَلَكَ طريقًا أوْصَله إِليها، ولا فرقَ بين أنْ يكونَ الطريقُ شديدًا، أو خفيفًا (^٣).\nالدليل السابع: لا يُوجدُ دليلٌ شرعي، ولا عقلي يمنعُ الإِنسانَ مِنْ أخذِ ما هو أخفُّ على نفسِه مِنْ أقوالِ المجتهدين الذين يسوغُ لهم الاجتهادُ (^٤).\nمناقشة الدليل السابع: لا يُسلَّمُ لكم انتفاءُ الدليلِ الشرعي الدالِّ على تحريمِ تتبعِ الرخصِ، بلْ دلَّ دليلُ الإِجماعِ على منعِ تتبّعِها، كما حكاه ابنُ عبد البر، وابنُ حزمٍ (^٥).\nالدليل الثامن: أنَّ متتبعَ الرخصِ متبعٌ لمجتهدٍ، فجازَ فعلُه؛ لاتباعِه مجتهدًا (^٦).\nمناقشة الدليل الثامن: أنَّ تخييرَ العامي يكون عند اختلافِ المفتين عليه، وليس له ابتداءً تتبع رخصِ المذاهبِ (^٧).\n_________\n(^١) انظر: قضاء الأرب لتقي الدين السبكي (ص/٢٦٨).\n(^٢) انظر: الاجتهاد والتقليد عند الشاطبي لوليد الودعان (١/ ٤٧٥).\n(^٣) انظر: الاستعداد لرتبة الاجتهاد لابن نور الدين (٢/ ١١٧٢).\n(^٤) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٥١)، وتيسير التحرير (٤/ ٢٥٤)، وفواتح الرحموت (٢/ ٤٠٦)، ومناهج الاجتهاد في الإِسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ٤٤٩)، وأصول الفقه للدكتور وهبة الزحيلي (٢/ ١١٥٤).\n(^٥) انظر: منار أصول الفتوى للقاني (ص/ ٢١٣)، وفواتح الرحموت (٢/ ٤٠٦).\n(^٦) انظر: التقليد في الشريعة الإِسلامية لعبد الله الشنقيطي (ص/ ١٥٢)، والتقليد وأحكامه للدكتور سعد الشثري (ص/ ١٥٦)، ومقاصد المكلفين للدكتور فيصل الحليبي (ص/ ٨٨٩).\n(^٧) انظر: التقليد وأحكامه للدكتور سعد الشثري (ص/ ١٥٧).","vol":"2","page":1018},{"text":"الدليل التاسم يلزمُ مِن القولِ بمنعِ تتبعِ الرخصِ لزوم سؤالٍ مفتٍ بعينِه، وهذا مودودٌ (^١).\nواستدلَّ مَنْ أخرجَ أبوابَ النكاحِ مِنْ جوازِ تتبع الرخصِ فيها: بأنَّه يحتاطُ في الفروجِ ما لا يُحتاطُ في غيرِها (^٢).\nأدلةُ أصحابِ القولِ الثالثِ:\nالظاهرُ أنَّ أصحابَ القولِ الثالثِ - على اختلافِ اتجاهاتهم - يستدلون بأدلةِ أصحابِ القولِ الثاني، لكنَّهم يرونَ ضبطَ تتبعِ الرخصِ، إِمَّا دفعًا للتلفيقِ الممنوعِ، وإمَّا دفعًا لانحلالِ ربقةِ التكاليفِ الشرعيةِ، وقد نصَّ بعضُهم على دليلِ قولِه:\nدليلُ الاتجاه الرابع: (قول العطار): إِنَّ اشتراطَ أنْ يراعي الإِنسان ما اعتبره المجتهدُ في المسألةِ الَّتي وَقَعَ فيها التقليد ممَّا يتوقف عليه صحتها؛ كي لا يقعَ في حُكْمٍ مركّبٍ من اجتهادينِ، فيقع في التلفيقِ الممنوعِ.\nويُشترطُ أنْ يكونَ التتبعُ في المسائلِ المدوّنةِ للمذاهبِ الأربعةِ؛ لأنَّ ما عداها مِن المذاهبِ انقرضتْ بموتِ أئمتِها وأصحابِها.\nواشتراط أنْ لا يتركَ العزائمَ؛ لئلا يخرجَ المكلّفُ عن ربقةِ التكاليفِ الشرعيةِ (^٣).\n• الموازنة والترجيح:\nلا بُدَّ مِن التفريقِ بين حالةِ مَنْ يتتبعُ الرخصَ دائمًا، دونَ مسوّغٍ ولا حاجةٍ، وحالةِ مَنْ يأخذُ بالرخصةِ عند وجودِ ما يدعو إِلى الأخذِ بها، فلا تستوي الحالتان.\n_________\n(^١) انظر: فواتح الرحموت (٢/ ٤٠٧).\n(^٢) انظر: بلغة السالك لأقرب المسالك لأحمد الصاوي (١/ ٢٢).\n(^٣) انظر: حاشية العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٤٤٢).","vol":"2","page":1019},{"text":"وجُملة القولِ: إِنَّ الراجحَ في تتبعِ الرخصِ هو التحريمُ، وكذلك الأخذ بالرخصةِ المذهبيةِ لغيرِ مسوّغٍ لا يجوز، أمَّا الأخذُ بالرخصةِ؛ لمسوِّغٍ، فإِنَّه جائزٌ، وقد ذَكَرَ هذا التفصيلَ تقيُّ الدين السبكي (^١).\nولمزيدِ البيان أقولُ: إِنَّ العاميَّ ليس له تتبع الرخصِ، بل الواجبُ عليه سؤالُ أهلِ العلمِ، وليس مِنْ قدرتِه إِدراكُ رخصِ المذاهب؛ لأنَّ معرفتَها إِنَّما تكون لمن لديه نوعُ استدلالٍ ونظرٍ، وفهمٍ لمسائل الفَقهِ (^٢)، لكنْ لو وَقَعَ في الرخصِ من غيرِ قصدٍ - كما لو سألَ عالمًا فأفتاه برخصةٍ، وسألَ عن مسألةٍ أخرى فأفتاه برخصةٍ - فلا حَرَجَ عليه؛ لانتفاءِ قصدِ تتبعِ الرخصِ، ولصعوبةِ تحرزِ العامي عن مثلِ هذا.\nأمَّا المجتهدُ، فالأصلُ أنَّه يتبعُ الأدلة، فليسَ له تتبع الرخصِ، ولا الأخذ بالرخصةِ دونَ مسوَّغٍ، لكنْ إِن احتاجَ إِلى الأخذِ بها، أو احتاجَ مَنْ استفتاه إِليها، فله العملُ والإِفتاءُ بها في ضوءِ الضوابطِ الَّتي قررها مجمعُ الفقه الإِسلامي.\nأمَّا المتمذهبُ، فليسَ له تتبعُ الرخصِ، ولا الأخذ بالرخصةِ دونَ مسوِّغٍ، لكنْ له الأخذُ بها إِن احتاجَ إِليها في ضوءِ الضوابطِ الَّتي قررها مجمعُ الفقهِ الإِسلامي.\nوقد رجّحت ما سَبَقَ، للآتي:\nأولًا: قيامُ الإِجماعِ على مَنعِ تتبعِ الرخصِ، ومهما قيلَ في الجوابِ عنه، إِلَّا أنَّه يبقى معوَّلًا عليه في المنعِ من تتبعِ الرخصِ.\nثانيًا: مآلُ مَنْ يتتبعُ الرخص إِلى انحلالِ التكاليفِ الشرعيةِ عنه، إِذ ما مِنْ مسألةٍ إِلَّا وفيها مَنْ قال بالرخصةِ، فإِنْ أَخَذَ المتتبعُ بها، وبغيرِها انحلتْ عنه أغلبُ التكاليفِ.\n_________\n(^١) انظر: فتاوى تقي الدين السبكي (١/ ١٤٧)، وقضاء الأرب له (ص / ٢٦٨)، وفتح العلي المالك لعليش (١/ ٦٠).\n(^٢) انظر: مناهج الاجتهاد في الإِسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ٤٥٠ - ٤٥١).","vol":"2","page":1020},{"text":"ثالثًا: أنَّ الأدلةَ التي استدلَّ بها المجوزون لتتبعِ الرخصِ لا تقوى على القولِ بجوازِها، وقصارى أمرِها أنَّها تدلُّ على مشروعيةِ التيسيرِ والتخفيفِ، ورفعِ المشاق، ولا يدخلُ جوازُ تتبع الرخصِ فيما ذكروه.\nرابعًا: وجاهةُ الضوابطِ التي ذكرها مجمعُ الفقهِ الإسلامي.\n• أثر الخلاف:\nالخلافُ بين الأقوال خلافٌ معنوي، ويظهرُ أثرُه في المسائل الآتية:\nالمسألة الأولى: هلْ يفسقُ متتبعُ الرخص؟\nمَنْ قال بجوازِ تتبعِ الرخصِ قال: إنَّه لا يفسقُ، وهذا ما ذَهَبَ إليه أصحابُ القولِ الثاني.\nمَنْ قال بمنع تتبع الرخص، اختلفوا في تفسيقه على قولين:\nالقول الأول: أنَّ متتبعَ الرخصِ فاسقٌ. وهذا القولُ هو أحد الوجهين عند الشافعية (^١)، وروايةٌ عن الإمامِ أحمدَ (^٢). واختاره أبو إسحاق المروزي (^٣)، وابنُ القيّم (^٤).\nالقول الثاني: أنّ متتبعَ الرخصِ غيرُ فاسقٍ. وهذا القولُ هو الأوجه عند الشافعيةِ (^٥)، وهو روايةٌ عن الإمامِ أحمدَ (^٦). وذَهَبَ إليه ابنُ أبي هريرة (^٧).\nوذَهَبَ بعضُ الشافعيةِ إلى أنَّ مَنْ تتبع رخصِ غيرُ المذاهب الأربعة فسقٌ، أمَّا مَنْ تتبع رخص المذاهبِ الأربعةِ، فلا يفسقُ (^٨).\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط (٦/ ٣٢٥)، والفتاوى الفقهية الكبرى للهيتمي (٤/ ٣٠٥).\n(^٢) انظر: المسودة (٢/ ٩٣٠)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٦٣)، والتحبير (٨/ ٤٠٩٣)، وكشاف القناع للبهوتي (١٥/ ٦٠).\n(^٣) انظر: البحر المحيط (٦/ ٣٢٥).\n(^٤) انظر: إعلام الموقعين (٦/ ١٤٢).\n(^٥) انظر: نهاية المحتاج للرملي (١/ ٤٧).\n(^٦) انظر: أصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٦٤)، والتحبير (٨/ ٤٠٩٣).\n(^٧) سبق توثيق قول ابن أبي هريرة.\n(^٨) انظر: نهاية المحتاج للرملي (١/ ٤٧).","vol":"2","page":1021},{"text":"المسألة الثانية: هلْ يجوزُ للشافعي أنْ يشهدَ على الخطِّ عند المالكي الذي يَرَى العملَ به؟\nصرَّحَ بدرُ الدين الزركشي بأنَّ المسألةَ متفرعةٌ عن مسألةٍ: (تتبع الرخص) (^١).\nفعلى القولِ الأولِ المانعِ مَنْ تتبعِ الرخصِ، ليسَ له أنْ يشهدَ.\nوعلى القولِ الثاني المجوّز لتتبعِ الرخصِ، له أنْ يشهدَ.\nالمسألة الثالثة: إذا حَكَمَ الحنفيُّ لشافعي بشفعةِ الجوارِ، هلْ يجوزُ له أخذها؟\nصرّحَ بدر الدين الزركشي بأنَّ المسألةَ متفرعةٌ عن مسألةِ: (تتبع الرخص) (^٢).\nفعلى القولِ الأولِ المانعِ مِنْ تتبعِ الرخصِ، ليس له أخذُها.\nوعلى القولِ الثاني المجوّز لتتبعِ الرخصِ، له أخذُها.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط (٦/ ٣٢٧).\n(^٢) انظر: المصدر السابق.","vol":"2","page":1022},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>المبحث الرابع: التلفيق بين المذاهب</span>\nوفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: تعريف التلفيق في اللغة، والاصطلاح\nالمطلب الثاني: صور التلفيق\nالمطلب الثالث: أقسام التلفيق، وحكم كل قسم\nالمطلب الرابع: الفرق بين التلفيق، وتتبع الرخص","vol":"2","page":1023},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>المطلب الأول: تعريف التلفيق في اللغة، والاصطلاح</span>\nوفيه مسألتان:\nالمسألة الأولى: تعريف التلفيق في اللغة\nالمسألة الثانية: تعريف التلفيق في الاصطلاح","vol":"2","page":1025},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>توطئة</span>\nيُعدُّ الحديثُ عن التلفيقِ بين المذاهبِ الفقهيةِ مِنْ أهمِّ المسائلِ الناشئةِ عن القولِ بالتمذهبِ (^١) - وجوبًا أو جوازًا - ولقد اهتمَّ كثيرٌ مِن المتأخرين (^٢)، والمعاصرين بالحديثِ عن التلفيقِ، وأقسامِه، وما يتصل به.\n\nالمطلب الأول: تعريف التلفيق في اللغة، والاصطلاح\nمِن المصطلحاتِ التي اهتمَّ بها كثيرٌ مِن المتأخرين مصطلحُ: (التلفيق)، ومِن المهمِّ قبلَ ذكرِ التعريفِ الاصطلاحي بيانُ التعريفِ اللغوي، ثمَّ الانتقال بعده إلى التعريفِ الاصطلاحي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>المسألة الأولى: تعريف التلفيق في اللغة</span>\nالتلفيقُ: مصدرٌ مِن الفعلِ الثلاثي المضعفِ العين لفَّقَ، والقاعدةُ الصرفيةُ فيه أنَّ مصدرَه على وزن: (التَّفْعِيل) (^٣)، فيُقالُ: لفَّقَ يُلَفِّقُ تَلْفِيْقًا.\nولمادةِ: (لفق) عدّةُ معانٍ، منها:\nالمعنى الأول: الضَمُّ. يُقالُ: لَفَقْتُ الثوبَ أَلْفِقُه لَفْقًا، بمعنى: أنْ\n_________\n(^١) انظر: الفتوى في الإسلام للقاسمي (ص/ ١٤٥).\n(^٢) انظر: التلفيق بين أحكام المذاهب للسنهوري، مجلة البحوث الإسلامية بالأزهر (١/ ٦٧).\n(^٣) انظر: أوضح المسالك لابن هشام (٣/ ٢٣٨).","vol":"2","page":1027},{"text":"تَضُمَّ شقَّه إلى أخرى، فتخيطهما (^١)، ولَفَّقْتُ بين شقتي الثوبِ تَلْفِيقًا، بمعنى: أنْ تَضُمَّ إحدى الشقتين إلى الأخرى، فتخيطهما (^٢).\nويمكنُ أنْ يُلحقَ بهذا المعنى قولُهم: إنَّها أحاديث مُلَفَّقَةٌ، أيْ: مكذوبةٌ مزخرفةٌ (^٣)، ووجه الإلحاقِ: أنَّ معنى المقولةِ: أنَّها أحاديث ضُمَّ بعضها إلى بعضٍ على وجهٍ يكونُ كذبًا (^٤).\nوقد نصَّ الزمخشريُّ (^٥)، والمرتضى الزَّبيديُّ (^٦) على أنَّ هذا الاستعمالَ استعمالٌ مجازيٌّ.\nالمعنى الثاني: عدمُ الافتراق (^٧). يُقالُ للرجلينِ لا يفترقانِ: هما\n_________\n(^١) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (لفق)، (٩/ ١٥٩)، والصحاح، مادة: (لفق)، (٤/ ١٥٥٠)، وأساس البلاغة للزمخشري، مادة: (لفق)، (ص/ ٥٧٠)، ولسان العرب، مادة: (لفق)، (١٠/ ٣٣٠)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (لفق)، (ص/ ٤٥٣)، والقاموس المحيط، مادة: (لفق)، (ص/ ١١٩٠).\n(^٢) انظر: لسان العرب، مادة: (لفق)، (١٠/ ٣٣٠)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (لفق)، (ص/٤٥٣).\n(^٣) انظر: الصحاح، مادة: (لفق)، (٤/ ١٥٥٠)، ولسان العرب، مادة: (لفق)، (١٠/ ٣٣١)، والقاموس المحيط، مادة: (لفق)، (ص/ ١١٩٠).\n(^٤) انظر: شمس العلوم للحميري، مادة: (لفق)، (٩/ ٦٠٨٤).\n(^٥) انظر: أساس البلاغة، مادة: (لفق)، (ص/ ٥٧٠). والزمخشري هو: محمود بن عمر الزمخشري، أبو القاسم جار الله، ولد بزمخشر من أعمال خوارزم سنة ٤٦٧ هـ كان علامةً واسع العلم، كثير الفضل، مفسرًا نحويًا لغويًا أديبًا نسابة، حنفي المذهب، معتزلي المعتقد مجاهرًا بذلك، متفننًا ذكيًا جيد القريحة، تنقل بين عدة بلدان، وجاور بمكة زمنًا، فسمي جار الله، من مؤلفاته: الكشاف عن حقائق التنزيل، ورؤوس المسائل، وأساس البلاغة، والفائق في غريب الحديث، وربيع الأبرار ونصوص الأخبار، توفي بقصبة خوارزم سنة ٥٣٨ هـ. انظر ترجمته في: نزهة الألباء للأنباري (ص/ ٢٩٠)، وإرشاد الأريب لياقوت (٦/ ٢٦٨٧)، وإنباه الرواة للقفطي (٣/ ٢٦٥)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (٤/ ١٢٨٣)، والجواهر المضية للقرشي (٣/ ٤٤٧)، وتاج التراجم لقطلوبغا (ص/ ٢٩١)، وبغية الوعاة للسيوطي (٢/ ٢٧٩)، والفوائد البهية للكنوي (ص/ ٢٠٩).\n(^٦) انظر: تاج العروس، مادة: (لفق)، (٢٦/ ٣٦١).\n(^٧) انظر: لسان العرب، مادة: (لفق)، (١٠/ ٣٣١).","vol":"2","page":1028},{"text":"لفْقَانِ (^١).\nوالمعنى الثاني قريبٌ مِن المعنى الأولِ.\nالمعنى الثالث: ملاءمةُ الأمرِ (^٢). يُقالُ: هذا لِفْقُ هذا، أيْ: يُوائِمه (^٣)، وتلافقَ أمرُهم، إذا تلاءم (^٤)، وتلافق القومُ، أيْ: تلاءمت أمورُهم (^٥).\nالمعنى الرابع: الإصابةُ (^٦). يُقالُ: لَفِقَ الشيءَ، أيْ: أصابَه وأخذَه (^٧).\nالمعنى الخامس: طلبُ الأمرِ وعدمُ إدراكِه (^٨). يُقالُ: لفَقَ فلانٌ، ولفَّقَ، أيْ: طَلَبَ أمرًا، فلم يدركْه (^٩).\nالمعنى السادس: اللَّحاقُ. يُقال: تَلَفَّقتُ به، أيْ: لحقتُه (^١٠).\nومن المعاني المولّدة، قولهم: هذا مُلَفَّقٌ، أيْ: جيّدٌ (^١١).\nوالمعنى الأول هو المناسبُ للمعنى الاصطلاحي.\n_________\n(^١) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (لفق)، (٩/ ١٥٩)، ولسان العرب، مادة: (لفق)، (١٠/ ٣٣١).\n(^٢) انظر: الصحاح، مادة: (لفق)، (٤/ ١٥٥٠)، ومقاييس اللغة، مادة: (لفق)، (٥/ ٢٥٧).\n(^٣) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (لفق)، (٥/ ٢٥٧).\n(^٤) انظر: المصدر السابق.\n(^٥) انظر: الصحاح، مادة: (لفق)، (٤/ ١٥٥٠)، ومجمل اللغة، مادة: (لفق)، (٣/ ٨١٠)، ولسان العرب، مادة: (لفق)، (١٠/ ٣٣١)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (لفق)، (ص/ ٤٥٣).\n(^٦) انظر: القاموس المحيط، مادة: (لفق)، (ص/ ١١٩٠).\n(^٧) انظر: المصدر السابق.\n(^٨) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (لفق)، (٩/ ١٥٩)، ولسان العرب، مادة: (لفق)، (١٠/ ٣٣١)، والقاموس المحيط، مادة: (لفق)، (ص/ ١١٩٠).\n(^٩) انظر: المصادر السابقة.\n(^١٠) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (لفق)، (٩/ ١٥٩)، ولسان العرب، مادة: (لفق)، (١٠/ ٣٣١)، والقاموس المحيط، مادة: (لفق)، (ص/ ١١٩٠)، وتاج العروس، مادة: (لفق)، (٢٦/ ٣٦١).\n(^١١) انظر: تاج العروس، مادة: (لفق)، (٢٦/ ٣٦١).","vol":"2","page":1029},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>المسألة الثانية: تعريف التلفيق في الاصطلاح</span>\nتعددتْ اصطلاحاتُ أرباب العلومِ في استعمالِ مصطلحِ: (التلفيق)، فهناك التلفيقُ عند الفقهاءِ - كالتلفيقِ في بابِ: الحيضِ، وباب: الصلاةِ وغيرِهما (^١) - والتلفيقُ عند المحدثين (^٢)، والمقصودُ في هذا المقامِ هو التلفيق بين المذاهبِ الفقهيةِ.\nوأُحبُّ أنْ أشيرَ في البدءِ إلى عدمِ ورودِ مصطلحِ التلفيقِ بين المذاهبِ في مدوّناتِ العلماءِ المتقدمين، وإنَّما وُجِدَ حديثٌ عنه عند بعضِ المتمذهبين في وقتٍ لاحقٍ (^٣).\nيقولُ الشيخُ محمد السنهوري عن مسألةِ: (التلفيق): \"لم يتناولها - فيما أعلمُ - أحدٌ مِن الأئمةِ المجتهدين، ولا مِن المجتهدين في المذاهبِ، ولا مَنْ هم مِنْ أهلِ التَّخْرِيجِ وأصحابِ الوجوه، وإنَّما تناولها مَنْ هم دونَ ذلك، فبذلوا جهدَهم، ورَأَى كلٌّ منهم ما رأى في نيّةٍ مؤمنةٍ، وإخلاصٍ صادقٍ\" (^٤).\nوقد تعددتْ تعريفات العلماءِ والباحثين لمصطلح: (التلفيق)، وسأسوق عددًا منها:\nالتعريف الأول: أنْ يجمعَ المقلِّدُ بين قولي مجتهدين، بحيثُ يتولّدُ منهما حقيقة مركبة لا يقولُ بها كلّ منهما.\n_________\n(^١) انظر استعمالات الفقهاء لمصطلح التلفيق في: الموسوعة الفقهية الكويتية (١٣/ ٢٨٦ - ٢٩٣).\n(^٢) انظر: مناهج الاجتهاد في الإسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ٤٤١).\n(^٣) انظر: الفتوى في الإسلام للقاسمي (ص/ ١٤٦)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ٢٣١).\n(^٤) التلفيق بين أحكام المذاهب، مجلة البحوث الإسلامية بالأزهر (١/ ٦٧).","vol":"2","page":1030},{"text":"ذَكَرَ هذا إبراهيمُ اللقاني، ولم ينصَّ على كونِه تعريفًا، بلْ سَاقَ حُكْمًا يمكنُ منه أخذُ التعريفِ، فقالَ: \"منها - أيْ: من شروط التقليد - أيضًا: أنْ لا يلفِّقَ بين قولين يتولّد منهما حقيقةٌ مركبةٌ لا يقولُ بها كلٌّ منهما\" (^١)، أيْ: لا يقولُ بصحتها كل من المجتهدين.\nوقريبٌ ممَّا ذكره إبراهيمُ اللقاني ما ذكره علويّ السقاف؛ إذ يفهمُ أيضًا مِنْ سياقِ كلامِه أنَّ حقيقةَ التلفيقِ هي: أنْ يجمعَ المقلِّدُ بين قولي إمامين، تتولّدُ منهما حقيقةٌ واحدةٌ مركبةٌ، لا يقولُ بها كل مِن الإمامين (^٢).\nونبّه علويّ السقافُ إلى أنَّ اتفاقَ الإمامين على بطلانِ نتيجةِ التلفيقِ إنْ كان التلفيقُ في قضيةٌ واحدةٌ، أمَّا إنْ كانَ تركيبُ القولين في قضيتين، فإنَّه لا يقدحُ؛ لعدمِ اتفاقِ الإمامين على البطلانِ (^٣).\nوقد ينازعُ بعضُ العلماءِ السقاف فيما ذكره (^٤).\nوقد ذَكَرَ بعضُ العلماءِ مصطلحَ: (التلفيق)، دونَ ذكرِ تعريفٍ له، وإنَّما أوردوا أمثلةً دالةً على أن مرادَهم به هو أنْ يجمعَ المقلّدُ بين قولي مجتهدين، بحيثُ يتولّدُ منهما حقيقةٌ مركبةٌ لا يقولُ بها كلٌّ مِن المجتهدين.\n_________\n(^١) منار أصول الفتوى (ص/ ٢١٤).\n(^٢) انظر: الفوائد المكية (ص/ ٨٥)، ومختصرها (ص/ ٤٢).\n(^٣) انظر: المصدرين السابقين، والاجتهاد ومدى حاجتنا إليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ٥٥٣).\nونقل علويُّ السقاف في: الفوائد المكية (ص/ ٨٥)، ومختصرها (ص/ ٤٢) عن بعض الشافعية مثالًا يوضح المقصود بالقضية وبالقضيتين، فمثّل لإيضاح القضية الواحدة: بما إذا توضأ شخصٌ، فقلَّد الإمام أبا حنيفة في عدم النقض في مسِّ الفرج، والإمامَ الشافعي في عدم النقض بالفصد، فصلاته باطلة؛ لاتفاق الإمامين على بطلان طهارته.\nومثل للقضيتين: إذا قلّد إمامًا في عدم نقض الطهارة بمسِّ المرأة، وقلَّد إمامًا آخر في طهارة الخبث، فهنا قضيتان؛ لأنَّ الإمامين لم يتفقا على بطلان طهارته.\n(^٤) انظر: الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام للقرافي (ص/ ٢٣٣ - ٢٣٤)، والفتاوى الكبرى الفقهية لابن حجر الهيتمي (٤/ ٧٦).","vol":"2","page":1031},{"text":"ومِنْ هؤلاءِ: ابنُ حجر الهيتمي (^١)، ومرعيُّ الحنبلي (^٢)، ومحمدٌ الملا فروخ (^٣)، ومحمدٌ السفاريني (^٤)، وابنُ عابدين (^٥)، وجمالُ الدين القاسمي (^٦).\nوهناك تعريفاتٌ لبعضِ المعاصرين قريبةٌ مِن التعريفِ الأولِ، منها:\n• تعريف الشيخِ عبد الوهاب خلاف؛ إذ عرَّفَ التلفيقَ بـ \"أنْ يجمعَ المقلِّدُ بين الأخذِ بقولِ إمامٍ فيما يعرضُ له مِن الوقائعِ، والأخذِ بقولِ إمامٍ آخر، أو أئمة آخرين\" (^٧).\nوفي تعريفِه توسيعٌ لدائرةِ مصطلحِ التلفيقِ، وقد سبقت الإشارةُ إلى وجهةِ النظرِ في هذه المسألةِ.\n• تعريف عبد الله الشنقيطي؛ إذ عرَّفَ التلفيقَ بـ \"أنْ يعملَ المقلِّدُ في مسألةٍ واحدةٍ، بأكثر مِنْ مذهبٍ مِن مذاهبِ المجتهدين، بحيثُ ينتهي به ذلك إلى صورةٍ لا يقولُ بها أحدٌ من المجتهدين الذين لفَّق بين آرائِهم\" (^٨).\n• تعريف مجمعِ الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي \"إذ عرفوا التلفيقَ بـ \"أنْ يأتي المقلِّدُ في مسألةٍ واحدةٍ ذات فرعين مترابطين فأكثر، بكيفيةٍ لا يقولُ بها مجتهدٌ ممَّنْ قلَّدهم في تلك المسألةِ\" (^٩).\nوتَبعَ الشيخُ عبد الله آل خنين مجمعَ الفقه الإسلامي (^١٠).\n_________\n(^١) انظر: الفتاوى الكبرى الفقهية (٤/ ٣١٦).\n(^٢) انظر: فتيا له (ص/١٥٩) مطبوعة مع التحقيق في بطلان التلفيق.\n(^٣) انظر: القول السديد (ص/ ١٣٢ وما بعدها).\n(^٤) انظر: التحقيق في بطلان التلفيق (ص/ ١٧٠ وما بعدها).\n(^٥) انظر: رد المحتار على الدر المحتار (١/ ٢٤٤).\n(^٦) انظر: الفتوى في الإسلام (ص/ ١٤٦).\n(^٧) الاجتهاد (ص/ ٦٥).\n(^٨) التقليد في الشريعة الإسلامية (ص/ ١٥٤).\n(^٩) انظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (١/ ٦٤٠).\n(^١٠) انظر: توصيف الأقضية في الشريعة الإسلامية (١/ ٣٦٣)، والفتوى في الشريعة الإسلامية (١/ ٣٢١).","vol":"2","page":1032},{"text":"وهذا التعريفُ قاصرٌ على التلفيقِ في التقليدِ، وإنْ كان كثيرٌ مِن البحوثِ التي عرضها أعضاءُ مجمع الفقه الإسلامي قد ذكرت التلفيقَ في التقليد، وفي الاجتهادِ، وفي التقنينِ (^١).\nالتعريف الثاني: الإتيانُ بكيفيةٍ لا يقولُ بها مجتهدٌ.\nنَقَلَ الشيخُ محمدٌ الباني هذا التعريفَ عن بعضِ العلماءِ مقِّرًا له (^٢)، ويقولُ شارحًا له: \"وذلك أنْ يُلفِّق في قضيةٍ واحدةٍ بين قولين، أو أكثر يتولَّد منها حقيقةٌ مركبةٌ، لا يقولُ بها أحدٌ\" (^٣).\nويظهرُ مِن شرح الشيخِ الباني للتعريفِ اتفاقه في المعنى تقريبًا مَعَ التعريفِ الأولِ؛ إلا أنَّ الأولَ قد قصره على المقلّد.\nوذَكَرَ الشيخُ محمدٌ السنهوري أنَّ منيبًا النابلسي (^٤) عرَّفَ التلفيقَ بـ: أنْ يأتي بكيفيةٍ لا يقولُ بها مجتهدٌ (^٥).\nوقد يكون العالمُ المبهمُ الذي نقل الشيخُ الباني تعريفه هو منيب النابلسي (^٦).\n_________\n(^١) انظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، العدد: الثامن (١/ ٤٧ - ٥٨٣).\n(^٢) انظر: عمدة التحقيق (ص/ ٩١).\n(^٣) المصدر السابق (ص/ ٩١ - ٩٢).\n(^٤) هو: منيب أفندي بن محمود بن مصطفى بن عبد الله بن محمد بن هاشم الجعفري النابلسي، ولد في نابلس سنة ١٢٧٢ هـ نشأ في مسقط رأسه، وتلقى العلم في المدارس الأهلية، ثم سافر إلى مصر، والتحق بالأزهر، وأخذ عن مشاهير علمائه، ثم سافر إلى الآستانة، وتعرّف على علماء المشيخة الإسلامية، كان مفتي نابلس، وتولى القضاء الشرعي غير مرة في عهد الدولة العثمانية، وهو من أجل فقهاء الحنفية، من مؤلفاته: حميد الآثار في نظم تنوير الأبصار، ورسالة في الكسب، وأرجوزة في علم الوضع، والقول السديد في أحكام التقليد، فرغ من تأليفه سنة ١٣٠٧ هـ بالقسطنطينية، توفي سنة ١٣٤٣ هـ. انظر ترجمته في: الأعلام الشرقية لزكي مجاهد (٢/ ٥٢٤)، وعمدة التحقيق للباني (ص/ ١٠٧)، حاشية (١)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٩٢١).\n(^٥) انظر: التلفيق بين أحكام المذاهب، مجلة البحوث الإسلامية بالأزهر (١/ ٧٧).\n(^٦) قارن بالتلفيق وموقف الأصوليين منه للدكتور محمد الدويش (ص/ ١٤٥).","vol":"2","page":1033},{"text":"وهناك تعريفاتٌ لبعضِ المعاصرين قريبةٌ من التعريف الثاني، منها:\n• تعريف الدكتور محمد فيض الله؛ إذ عرَّفَ التلفيقَ بـ \"القيام بعبادةٍ، أو تصرّفٍ على كيفيةٍ لا يقولُ بها أحدٌ مِنْ أهلِ العلمِ\" (^١).\n• تعريف الطيب سلامة؛ إذ عرَّفَ التلفيقَ بـ \"الإتيان بالعملِ الذي صارَ بعدَ تقليدِ المذاهبِ على كيفيةٍ لا يقولُ بها واحدٌ مِن المجتهدين\" (^٢).\n• تعريف الدكتور عياض السلمي؛ إذ عرَّفَ التلفيقَ بـ \"الإتيان في مسألةٍ واحدةٍ بكيفيةٍ لا توافق قولَ أحدٍ من المجتهدين السابقين\" (^٣).\n• تعريف الدكتور محمد قلعه جي؛ إذ عرَّفَ التلفيقَ بـ \"القيام بعملٍ يجمعُ فيه بين عدّةِ مذاهب، حتى لا يمكن اعتبار هذا العمل صحيحًا في أيِّ مذهبٍ\" (^٤).\n• تعريف الدكتور إبراهيم كافي؛ إذ عرَّفَ التلفيقَ بـ \"العمل بالآراء الاجتهاديةِ المتعددة مجتمعةً في مسألةٍ معينةٍ (أو كالمعينةِ في حالةِ العملِ برأي قبل زوال تأثير الآخر) بصورةٍ مركبةٍ لا يقولُ بها أيِّ واحدٍ مِن المجتهدين\" (^٥).\nوقد بيَّن الدكتورُ إبراهيم كافي المرادَ بالتلفيقِ في الاجتهادِ بأنَّه إحداثُ قولٍ ثالثٍ في المسألةِ التي اختلف العلماءُ فيها على قولين (^٦).\nوقد تَبعَ الشيخَ محمدا الباني في تعريفِه جمع - منهم مَنْ نصَّ على نسبةِ التعريفِ إليه، ومنهم مَنْ ذكره دونَ نسبتِه إليه - منهم: الدكتور محمد الدسوقي (^٧)، والدكتور وهبة الزحيلي (^٨)، والدكتور عبد الله محمد\n_________\n(^١) الاجتهاد في الشريعة الإسلامية (ص/ ١٣٢).\n(^٢) الأخذ بالرخص وحكمه، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (١/ ٥٣٨).\n(^٣) أصول الفقه (ص/ ٤٨٩).\n(^٤) معجم لغة الفقهاء (ص/ ١٢٤).\n(^٥) حكم الرخصة وتتبع الرخص، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (١/ ٢٧٦).\n(^٦) انظر: المصدر السابق.\n(^٧) انظر: الاجتهاد والتقليد (ص/ ٢٣٠).\n(^٨) انظر: أصول الفقه (٢/ ١١٤٢)، والفقه الإسلامي وأدلته (١/ ١٠٦). ويقول الدكتور وهبة الزحيلي بعد ذكر التعريف في كتابه: الفقه الإسلامي وأدلته (١/ ١٠٦) \"التلفيق إذًا هو الجمع =","vol":"2","page":1034},{"text":"عبد الله (^١)، وخليل الميس (^٢)، ومجاهد القاسمي (^٣)، والدكتور عبد العزيز الخياط (^٤)، والدكتور محمد الحفناوي (^٥)، والدكتور سعد العنزي (^٦)، ومحمد الراشدي (^٧)، والدكتور عمر كامل (^٨)، وأسامة الصلابي (^٩)، والدكتور عامر الزيباري (^١٠).\nوقد اعتُرض على التعريفِ الثاني بعدةِ اعتراضات، منها:\nالاعتراض الأول: أنَّ التعريفَ بيانٌ لنتيجةِ التلفيقِ، لا لحقيقتِه (^١١)، فما ذُكِر فيه هو ثمرة التلفيقِ.\nوهذا الاعتراض وإنْ كان وجيهًا، إلا أنّه يمكنُ الجوابُ عنه، بأنَّ قولَه: \"الإتيان بكيفيةٍ ... \"، قيدٌ مهمٌ كاشفٌ للتلفيقِ الذي عناه العلماءُ.\nالاعتراض الثاني: أن التعريفَ غيرُ جامعٍ لأفراد المعرَّف؛ إذ مِنْ\n_________\n= بين تقليد إمامين، أو أكثر في فعل له أركان، أو جزئيات لها ارتباط ببعضها، لكل منها حكمٌ خاصٌّ، كان موضع اجتهادهم وتباين آرائهم، فيقلِّد أحدَهم في حكم، ويقلًد آخر في حكم آخر، فيتم الفعل ملفقًا من مذهبين أو أكثر\".\nوانظر: الأخذ بالرخصة وحكمه للدكتور عبد العزيز الخياط، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (١/ ٣٦٦).\n(^١) انظر: الأخذ بالرخصة وحكمه، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (١/ ١١٦).\n(^٢) انظر: التلفيق، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (١/ ١٦١).\n(^٣) انظر: الأخذ بالرخصة وحكمه، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (١/ ٣٣١).\n(^٤) انظر: الأخذ بالرخصة وحكمه، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (١/ ٣٦٦).\n(^٥) انظر: تبصير النجباء (ص/ ٢٦٢).\n(^٦) انظر: التلفيق في الفتوى، مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد: الثامن والثلاثون (ص/٢٥٧).\n(^٧) انظر: المصباح في رسم المفتي (ص/ ٤٦١).\n(^٨) انظر: الرخصة الشرعية (ص/ ٢١٤).\n(^٩) انظر: الدرر البهية في الرخص الفقهية (ص/ ٨٠).\n(^١٠) انظر: مباحث في أحكام الفتوى (ص/ ٥٧).\n(^١١) انظر: التلفيق وموقف الأصوليين منه للدكتور محمد الدويش (ص/ ١٤٦)، والتلفيق في الاجتهاد والتقليد للدكتور ناصر الميمان، مجلة وزارة العدل، العدد: الحادي عشر (ص/ ١٥).","vol":"2","page":1035},{"text":"صورِ التلفيقِ ما يكون أخذًا لأكثرِ من مذهب في عددٍ مِن الأبوابِ (^١).\nوقد سبقت الإشارةُ إلى هذه المسألةِ في المبحثِ الثاني، وأنَّ المسألةَ اصطلاحيةٌ، وأنَّ الأقربَ مِن وجهة نظري قصرُ مصطلحِ: (التلفيق) على الصورةِ الثانيةِ التي سبق بيانُها.\nالاعتراض الثالث: أن التعريفَ غيرُ مانعٍ مِنْ دخولِ أفرادِ غيرِ المعرَّفِ، مثل: البدعة، وتتبع الرخص (^٢)، وليس كل ما لم يقلْ به المجتهدون يُعتبرُ تلفيقًا، فهناك أمورٌ كثيرةٌ لا يقولُ المجتهدون بها، وليس لها علاقةٌ بالتلفيقِ، كإباحةِ المحرماتِ، ونحوِها (^٣).\nوهذه الاعتراضات واردةٌ أيضًا على التعريفِ الأولِ، وآثرتُ ذكرها هنا؛ لأن مَنْ أوردها وجّهها في الأصلِ إلى التعريفِ الثاني.\nالتعريف الثالث: تتبعُ الرخصِ عن هوى.\nوهذا تعريفُ أحدِ علماءِ الحنفيةِ (^٤).\nوهذا التعريفُ محلُّ نظرٍ؛ إذ لا يصحُّ تعريفُ التلفيقِ بتتبع الرخص عن هوى، فإنَّ حقيقةَ التلفيقِ أوسعُ ممَّا ذُكِر.\n_________\n(^١) انظر: المصدرين السابقين.\n(^٢) انظر: التلفيق في الاجتهاد والتقليد للدكتور ناصر الميمان، مجلة وزارة العدل، العدد: الحادي عشر (ص/ ١٥).\n(^٣) انظر: التلفيق وموقف الأصوليين منه للدكتور محمد الدويش (ص/ ١٤٦).\n(^٤) انظر: قواعد الفقه للمجددي البركتي (ص/ ٢٣٦) بواسطة: المصباح في رسم المفتي للراشدي (ص/ ٤٦١).\nوقد عرَّف عبد العزيز الدخيّل - محقق كتاب التحقيق في بطلان التلفيق (ص/ ١٣٥) - التلفيق بتعريفين مختلفين:\nالتعريف الأول - وقد جعل التلفيق مرادفًا لتتبع الرخص -: البحث عن أهون أقوال العلماء في المسائل الخلافية.\nالتعريف الثاني: أنْ يكوّن لنفسه عبادةً من أقوال عدة لأهل العلم، بعضهم يرى صحة العبادة برأي العالم الآخر الذي عُمل بقوله في بعض هذه العبادة؛ لهوى في النفس، ولاستثقال الحكم الوارد.","vol":"2","page":1036},{"text":"التعريف الرابع: التخيّرُ من أحكامِ المذاهبِ الفقهيةِ المعتبرةِ تقليدًا.\nوهذا تعريفُ الشيخِ محمد السنهوري (^١)، والدكتور سيد الأفغانستاني - ولم يشرْ إلى إفادتِه مِن الشيخِ السنهوري (^٢) - وقد نصَّا على أنّه تعريفٌ للتلفيقِ في التقليدِ.\nوقد بيّن الشيخُ محمدٌ السنهوري (^٣)، والدكتورُ سيدٌ الأفغانستاني (^٤) المرادَ بالتلفيقِ في الاجتهادِ بأنَّه الاجتهادُ المركب، وأنه ينطبقُ على مسألتين أصوليتين، وهما:\nالمسألة الأولى: إذا اختلف مجتهدو العصرِ في مسألتين على قولين، فهلْ لمَنْ بعدهم أنْ يأخذَ في إحدى المسألتين بقولِ طائفةٍ، وفي المسألةِ الأخرى بالقولِ الآخر؟\nالمسألة الثانية: إذا اختلف مجتهدو العصرِ في مسألةٍ على قولين، فهلْ يسوغُ إحداثُ قولٍ ثالثٍ؟\nالتعريف الخامس: أَخْذُ جميعِ الأحكامِ والوسائلِ والمقدماتِ المتعلقةِ بمسألةٍ واحدةٍ مِن مذاهب مختلفةٍ.\nوهذا تعريفُ الدكتور محمد مدكور للتلفيقِ في التقليدِ (^٥)، وقد أشارَ بعده إلى أنَّ التلفيقَ قد يُوقعُ المقلِّدَ في أمرٍ يُعتبرُ باطلًا على المذهبين (^٦)، وحينَ مثَّلَ للتلفيقَ اقتصرَ على ما اتفقَ المذهبانِ على القولِ ببطلانِه (^٧).\n_________\n(^١) انظر: التلفيق بين أحكام المذاهب، مجلة البحوث الإسلامية بالأزهر (١/ ٧٦).\n(^٢) انظر: الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه (ص/ ٥٥١).\n(^٣) انظر: التلفيق بين أحكام المذاهب، مجلة البحوث الإسلامية بالأزهر (١/ ٧١).\n(^٤) انظر: الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه (ص/٥٤٨ - ٥٤٩).\n(^٥) انظر: مناهج الاجتهاد في الإسلام (ص/ ٤٤٤).\n(^٦) انظر: المصدر السابق.\n(^٧) انظر: المصدر السابق (ص/ ٤٤٤ - ٤٤٥).","vol":"2","page":1037},{"text":"وقد بيّنَ الدكتورُ محمدٌ مدكور المرادَ بالتلفيقِ في الاجتهادِ، فلم يخرجْ عمَّا قرره الشيخ محمد السنهوري (^١).\nالتعريف السادس: الأخذُ بأقوالِ بعضِ المجتهدين في مذاهب متعددةٍ، سواءٌ أكان ذلك في مسألةٍ واحدةٍ، أم في مسائل متغايرة ممَّا طريقُه الاجتهادُ والنظرُ.\nوهذا تعريفُ الدكتور محمد الدويش (^٢).\nوهو تعريفٌ جيّدٌ؛ إذ إنَّه يشملُ أقسامَ التلفيقِ: (التلفيق في الاجتهاد، والتلفيق في التقليد، والتلفيق في التقنين)، إلا أنّه وسَّع دائرةَ مصطلحِ: (التلفيق) بما يشملُ صورًا متعددةً، قد ينازعُه غيرُ واحدٍ في شمولِ المصطلح لها، وكما قلتُ سابقًا: إنَّ المسألةَ اصطلاحيةٌ، ولا مشاحةَ في الاصطلاح.\nالتعريف السابع: الأخذُ في الأحكامِ الفقهيةِ بقولِ أكثر مِنْ مذهبٍ في أبواب متفرقة، أو بابٍ واحدٍ، أو في أجزاءِ الحكمِ الواحدِ.\nوهذا تعريف الدكتور ناصر الميمان (^٣).\nوهو تعريفٌ جيّدٌ، إلا أنَّه وسّع دائرةَ مصطلحِ: (التلفيق)، وقد أقرَّ الدكتورُ ناصر الميمان بأنَّ الصورةَ الثالثة - وهي التلفيقُ في أجزاءِ الحكمِ الواحدِ - هي التي قامَ فيها النزاعُ واشتدَّ (^٤)، وكما قلتُ سابقًا: إنَّ المسألةَ اصطلاحيةٌ، ولا مشاحةَ في الاصطلاحِ.\nالتعريف الثامن: أَخْذُ صحةِ الفعلِ مِنْ مذهبين معًا بعدَ الحكمِ ببطلانِه على كلِّ واحدٍ منهما بمفردِه.\nوهذا تعريف الموسوعة الفقهية الكويتية (^٥).\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (ص/ ٤٤١ - ٤٤٢)، وأصول الفقه للدكتور محمد مدكور (ص/ ٣٥١).\n(^٢) انظر: التلفيق وموقف الأصوليين منه (ص/ ١٥٠).\n(^٣) انظر: التلفيق في الاجتهاد والتقليد، مجلة وزارة العدل، العدد: الحادي عشر (ص/ ١٥).\n(^٤) انظر: المصدر السابق.\n(^٥) انظر: (١٣/ ٢٩٤).","vol":"2","page":1038},{"text":"التعريف المختار:\nالذي أراه في هذا المقام أن غالبَ التعريفاتِ تسيرُ في اتجاهٍ متقاربٍ، يؤكدُ هذا الأمر: أنَّ أمثلةَ المعرّفين متقاربة في المعنى.\nوحين إرادة تعريفِ التلفيق لا بُدَّ مِن الانتباه إلى دلالةِ التعريفِ على كونِ التلفيقِ في مسألةٍ واحدةٍ، أو مسألتين لهما حكمُ المسألةِ الواحدةِ؛ للتلازم بينهما، والانتباه أيضًا إلى دخولِ أقسامِ التلفيقِ: (التلفيق في الاجتهاد، والتلفيق في التقليد، والتلفيق في التقنين) تحتَ التعريفِ.\nويمكنُ تعريفُ التلفيقِ بين المذاهب بأنَّه: تركيبٌ (^١) كيفيةٍ في مسألةٍ واحدةٍ، ذات فروعٍ مترابطةٍ، أو في مسألتين لهما حُكمِ المسألةِ الواحدةِ، مِنْ قولِ مجتهدَيْنِ أو أكثر، بحيثُ لا يقولُ بصحتها أحدٌ مِن المجتهدين.\nوتكونُ المسألتانِ في حكمِ الواحدةِ إذا كان بينهما تلازمٌ وتأثيرٌ.\nوقبلَ الانتقالِ إلى المطلب الثاني أُشيرُ إلى مسألةٍ مهمةٍ، وهي: هل يدخلُ في التلفيقِ ما إذا ركَّبَ المتمذهبُ في مسألةٍ واحدةٍ - أو مسألتين في حكم الواحدة - تركيبةً مِنْ قولِ إمامِ مذهبِه، وقولِ أحدِ أصحابِه المجتهدين؟\nيتحدثُ الشيخُ محمدٌ السنهوري عن هذه المسألةِ، فيقول: \"ما المرادُ بالمذاهبِ والأئمةِ؟ فهلْ مذاهبُ الأئمةِ المجتهدين وإنْ اجتمعتْ أقوالُهم في مذهبٍ واحدٍ مِن المذاهبِ التي جمعها التدوينُ، كمذهبِ أبي حنيفةَ وأصحابه: أبي يوسف ومحمد وغيرهما، ومذاهب مالك وأصحابه المجتهدين، ومذاهب الشافعي وأصحابه المجتهدين، فيكون التركيبُ بين مذاهبِهم تلفيقًا وإنْ جمعهم مذهبٌ واحدٌ في التدوينِ؟ أو هي المذاهب المستقلة في التدوينِ؟ والإمامُ هو مَنْ يُنْسَب إليه المذهبُ برُمّتِه، فلا يكونُ تركيبُ التقليدِ مِنْ أقوالِه وأقوالِ أصحابِه تلفيقًا\" (^٢).\n_________\n(^١) انظر: الأخذ بالرخصة وحكمه للدكتور أبو بكر دوكوري، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (١/ ٥٨١).\n(^٢) التلفيق بين أحكام المذاهب، مجلة البحوث الإسلامية بالأزهر (١/ ٨٠).","vol":"2","page":1039},{"text":"حقيقةً ليس في المسألةِ مِنْ كلامِ أهلِ العلمِ إلا نزرٌ يسيرٌ عند بعضِ الحنفيةِ (^١)؛ فقد نَقَلَ ابنُ عابدين عن بعضِ علماءِ مذهبِه تسمية هذه الحالة تلفيقًا (^٢)، وقد ذَهَبَ إليه ابنُ نجيمٍ (^٣).\nلكنَّ ابنَ عابدين اختارَ خلافَ ما قرّره بعضُ علماءِ مذهبِه، فَذَهَبَ إلى أنَّ التلفيقَ لا يكونُ إلا بين المذاهبِ الفقهيةِ، ولا يدخلُ فيه تركيبُ كيفيةٍ مِنْ أقوالِ الإمامِ وأصحابِه؟ لأنَّ أقوالَ أصحابِ الإمامِ لا تخرجُ عن مسمَّى المذهبِ، فهي بمنزلةِ أقوالِ الإمامِ، أو هي أقوالٌ مرويةٌ عنه، وإنَّما نُسِبَتْ إلى أصحابِه؛ لاستنباطِهم لها مِنْ قواعدِه، إذ هي مبنيةٌ على أصولِ إمامِهم (^٤).\nيقولُ الدكتورُ محمدٌ الدويش مناقشًا ما علّلَ به ابنُ عابدين: \"هذا مخالفٌ للواقعِ؛ إذ لأولئك - أيْ: أصحاب الإمام أبي حنيفة - آراء لا ترجعُ إلى أقوالِ أبي حنيفة، ولا تتخرّجُ على قواعدِه، وقد تتفق مع أقوالِ آخرين من مذاهب أخرى، فما الفرقُ بين أنْ يخالفَ الإمامَ أبا حنيفةَ أحدُ أصحابِه، أو أحدُ الشافعيةِ أو المالكيةِ أو الحنابلةِ أو غيرهم؟ \" (^٥).\nوقد نَازعَ منيبٌ النابلسي - كما نقله عنه محمدُ الباني - ما قرره ابنُ عابدين، ووَصَفَه بأنَّه \"لا وجهَ له، بل هو تحكّمٌ صِرْفٌ\" (^٦).\nوذَهَبَ الشيخُ محمدٌ السنهوري (^٧)، والدكتور سيّد الأفغانستاني (^٨)، والدكتور محمد الدويش (^٩) إلى أنَّ التلفيقَ كما يكون بين المذاهبِ، فإنَّه\n_________\n(^١) انظر: التلفيق وموقف الأصوليين منه للدكتور محمد الدويش (ص/ ١٧٩).\n(^٢) انظر: تنقيح الفتاوى الحامدية (١/ ١٠٨ - ١٠٩).\n(^٣) انظر: رسائل ابن نجيم (ص/ ٢٤٠).\n(^٤) انظر: تنقيح الفتاوى الحامدية (١/ ١٠٩).\n(^٥) التلفيق وموقف الأصوليين منه (ص/ ١٨١). وانظر: مجلة المنار، المجلد العاشر (٤/ ٣٦٥).\n(^٦) عمدة التحقيق (ص/١٠٨).\n(^٧) انظر: التلفيق بين أحكام المذاهب، مجلة البحوث الإسلامية بالأزهر (١/ ٨٢).\n(^٨) انظر: الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه (ص/ ٥٥٣).\n(^٩) انظر: التلفيق وموقف الأصوليين منه (ص/ ١٨١).","vol":"2","page":1040},{"text":"يكونُ في المذهب الواحدِ؛ لأنَّ هذا مقتضى بلوغِ أصحابِ الإمامِ درجة الاجتهادِ، فيعاملوَن كما يعامل غيرهم مِن المجتهدين (^١)، فيحصل التلفيق بتركيبِ القولِ المستحدثِ مِن أقوالِ المجتهدين ذوي النمطِ الاجتهادي الواحدِ أيضًا (^٢).\nوقد نَسَبَ الشيخُ محمدٌ السنهوري (^٣)، وتبعه الدكتورُ سيد الأفغانستاني (^٤) القولَ بأنَّ التلفيقَ يَقَعُ في المذهبِ الواحدِ إلى أوائلِ الحنفية الذين تحدثوا عن التلفيقِ.\nومع وجاهةِ قولِ مَنْ قالَ بأنَّه يُعَدُّ تلفيقًا، إلا أنَّ أغلبَ كلامِ العلماءِ والباحثين تركّزَ على التلفيقِ بين المذاهبِ، وغضّوا الطرفَ عن التلفيقِ بين أقوالِ علماءِ المذهبِ الواحدِ، فهلْ في هذا إشارةٌ إلى أنَّ التلفيقَ لا يقعُ في المذهبِ الواحدِ؟\nولعلَّ الباعثَ على القولِ بأنَّ التلفيقَ لا يقعُ في المذهبِ الواحدِ؛ هو الخروج مِن الإشكالات التي ستترتب على القولِ بوقوعِه مع القولِ بمنعِ التلفيقِ.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ٥٥٣).\n(^٢) انظر: المصدر السابق.\n(^٣) انظر: التلفيق بين أحكام المذاهب، مجلة البحوث الإسلامية بالأزهر (١/ ٨٢).\n(^٤) انظر: الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه (ص/٥٥٣).","vol":"2","page":1041},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>المطلب الثاني: صور التلفيق</span>\nوفيه مسألتان:\nالمسألة الأولى: التلفيق بين قولين في مسألة وفروعها\nالمسألة الثانية: التلفيق بين أثر القول وقول آخر في مسألة وفروعها","vol":"2","page":1043},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>توطئة</span>\nتقدَّم لنا في تعريفِ التلفيقِ أنّه تركيبُ كيفيةٍ في مسألةٍ واحدةٍ، ذات فروع مترابطة، أو في مسألتين لهما حكمُ المسألةِ الواحدةِ، مِنْ قول مجتهدَيْنِ أو أكثر، بحيثُ لا يقولُ بصحتها أحدٌ من المجتهدين، ولهذا التركيبِ صورتان، سأسوقهما في المسألتين الآتيتين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>المسألة الأولى: التلفيق بين قولين في مسألة وفروعها</span>\nيعدُّ التلفيقُ بين قولين أو أكثر في مسألةٍ واحدةٍ وفروعِها مِنْ أشهرِ صورِ التلفيقِ، وقبلَ ذكرِ أمثلةٍ لهذه الصورة أودُّ أنْ أشيرَ إلى أن المرادَ مِنْ قولِ العلماءِ (^١): \"مسألة واحدة\"، أيْ: مسألة واحدة بفروعِها، كشروطِ الفعلِ ومبطلاتِه وأركانِه (^٢)، ونحو ذلك.\nيقولُ الشيخُ محمدٌ السنهوري: \"إنَّه لا يُوجد حقيقة - أي: للتلفيقِ - إلا إذا اجتمعَ في النازلةِ العمل بالقولين معًا\" (^٣).\nويقولُ الدكتورُ محمدٌ مدكور: \"لا بُدَّ لتحققِ التلفيقِ مِنْ أنْ يجتمعَ في النازلةِ الواحدةِ العملُ بالقولين معًا في حادثةٍ واحدةٍ كمَنْ توضأَ متبعًا في\n_________\n(^١) انظر مثلًا: تعريف عبد الله الشنقطي المتقدم في: (ص/ ١٠٣٢)، وتعريف الدكتور عياض السلمي المتقدم في: (ص/ ١٠٣٤)، وتعريف الدكتور محمد مدكور المتقدم في: (ص/ ١٠٣٧)، وتعريف الدكتور محمد الدويش المتقدم في: (ص/ ١٠٣٨).\n(^٢) انظر: أصول الفقه للدكتور وهبة الزحيلي (٢/ ١١٤٢)، والفقه الإسلامي له (١/ ١٠٦)، وأصول الفقه للدكتور عياض السلمي (ص/ ٤٨٩).\n(^٣) التلفيق بين أحكام المذاهب، مجلة البحوث الإسلامية بالأزهر (١/ ٧٧).","vol":"2","page":1045},{"text":"وضوئِه ونواقضِه اراء بعضِ الأئمةِ في بعضِها، وآراء الآخرين في البعضِ الآخرِ\" (^١).\nوأمثلةُ هذه الصورةِ كثيرةٌ متعددةٌ (^٢) منها:\nالمثال الأول: إذا توضأَ المسلمُ، فقلَّدَ الإمامَ أبا حنيفة في عدمِ النقضِ بمسِّ الفرجِ، وقلَّدَ الإمامَ الشافعي في عدمِ النقضِ بمسِّ المرأةِ، فصلَّى، فإنَّ صلاتَه لا تصحُّ عند الإمامين كليهما؛ لاتفاقهما على بطلانِ الطهارةِ (^٣).\nالمثال الثاني: إذا توضأ المسلمُ، فمَسَحَ بعضَ شعرِ رأسِه؛ مقلِّدًا للإمامِ الشافعي، وبعد الوضوءِ مسَّ أجنبيةً مقلِّدًا للإمامِ أبي حنيفة في عدمِ نقضِ الوضوءِ بمسِّها، فإن وضوءَه على هذه الهيئة حقيقةٌ مركبةٌ لم يقلْ بصحتها كلا الإمامين (^٤).\nالمثال الثالث: أنْ يتركَ المغتسلُ التدليكَ؛ أخذًا بمذهبِ الإمامِ الشافعي، ثمَّ يصلي ويترك البسملةَ في الفاتحةِ؛ أخذًا بمذهبٍ الإمامِ مالك، فإنَّ صلاتَه باطلةٌ عند الإمامين؛ فيبطلها المالكيُّ؛ لبطلَانِ طهارته بتركِ التدليكِ، ويبطلها الشافعيُّ؛ لتركِ البسملةِ (^٥).\nالمثال الرابع: إذا تزوّجَ الرجلُ امرأةً بلا وليّ؛ تقليدًا للإمامِ أبي حنيفةَ، وبلا شهودٍ؛ تقليدًا للإمامِ مالكٍ؛ وبلا صداقٍ؛ تقليدًا للإمامِ\n_________\n(^١) مناهج الاجتهاد في الإسلام (ص/ ٤٤٥). وانظر: الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ٥٥٢).\n(^٢) انظر: عمدة التحقيق للباني (ص/ ٩٢).\n(^٣) انظر: الفوائد المكية للسقاف (ص/ ٨٥)، ومختصرها (ص/ ٤٢).\n(^٤) انظر: القول السديد للملا فروخ (ص/ ١٤٠)، وحاشية العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٤٤٢)، وعمدة التحقيق للباني (ص/ ٩٢)، ومناهج الاجتهاد للدكتور محمد مدكور (ص/ ٤٤٤).\n(^٥) انظر: الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام للقرافي (ص/ ٢٣٣).","vol":"2","page":1046},{"text":"الشافعي، فهذا النكاحُ لا يقولُ بصحتِه أحدٌ مِن العلماءِ الذين قلَّدهم (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>المسألة الثانية: التلفيق بين أثر القول وقول آخر في مسألة وفروعها</span>\nللتلفيقِ صورةٌ ثانيةٌ تختلفُ عن الصورةِ الأولى، وهي: أنْ يعملَ المكلَّفُ في مسألةٍ وفروعِها بقولِ أحدِ المجتهدين، ويكون لقولِه آثارٌ، ثمَّ يعملَ المكلَّفُ بقولِ مجتهدٍ آخر متصل بالمسألةِ وفروعِها، بحيثُ ينتهي المقامُ إلى تركيبِ كيفيةٍ لا يقولُ بصحتها أحدٌ مِن المجتهدين (^٢).\nمثال هذه الصورة: إذا تزوّجَ الرجلُ امرأةً بلا وليٍّ؛ أخذًا بالمذهبِ الحنفي، ثمَّ طلَّقَ الرجلُ زوجتَه بلفظٍ مِن الألفاظِ التي يكونُ الطلاق معها بائنًا بناءً على المذهبِ الحنفي، لكن الزوجَ أَخَذَ بالمذهبِ الشافعي الذي يجعلُ الطلاقَ طلاقًا رجعيًا (^٣)، فهنا حَصَلَ تلفيقٌ بين أثرِ قولِ الإمامِ أبي حنيفة - في تصحيحِه النكاح بلا ولي - وقولِ الإمامِ الشافعي في عدمِ وقوعِ الطلاقِ بائنًا.\nويحسنُ قبلِ الانتهاءِ مِنْ هاتين المسألتين ذِكْرُ بعضِ الصورِ التي قد يظنُّ بعضُ الناظرين أنَّها مِن التلفيقِ، وليستْ منه:\nالصورة الأولى: إذا عَمِلَ المكلَّفُ بالقولين على التعاقبِ، دونَ أنْ يكونَ للقولِ الأولِ أثرٌ، فإنَّ هذا لا يكون مِن التلفيقِ، بلْ رجوعًا عما عَمِلَ به (^٤).\n_________\n(^١) انظر: تنقيح الفتاوى الحامدية لابن عابدين (١/ ١٠٩)، وأصول الفقه للدكتور وهبة الزحيلي (٢/ ١١٤٣).\n(^٢) انظر: التلفيق بين أحكام المذاهب للسنهوري، مجلة البحوث الإسلامية بالأزهر (١/ ٧٧)، والاجتهاد ومدى حاجتنا إليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ٥٥٢).\n(^٣) انظر: التلفيق بين أحكام المذاهب للسنهوري، مجلة البحوث الإسلامية بالأزهر (١/ ٧٧)، ومناهج الاجتهاد في الإسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ٤٤٥).\n(^٤) انظر: المصدرين السابقين، والاجتهاد ومدى حاجتنا إليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ٥٥٣)، وتبصير النجباء للدكتور محمد الحفناوي (ص/ ٢٦٥).","vol":"2","page":1047},{"text":"مثال هذه الصورة: إذا تزوّجَ الرجلُ امرأةً بلا وليٍّ؛ تقليدًا للإمامِ أبي حنيفةَ، ثمَّ طلَّقَ امرأتَه ثلاثًا، فعَمد إلى تقليدِ المذهبِ الشافعي في بطلانِ نكاحِه، وأنَّه لم يصادفْ محلًا، وعَقَدَ عليها عقدًا جديدًا، فإنَّه لا يكون عاملًا بالقولين معًا، بلْ عَملَ بالأولِ، ثمَّ رَجَعَ عنه، وعمل بالثاني (^١).\nالصورة الثانية: إذا عمل المكلَّفُ بالقولين معًا، لكن في حادثتين، فإن فعلَه لا يُعَدُّ تلفيقًا؛ لتعددِ النازلةِ (^٢)، ولاختلافِ المحلِّ (^٣).\nولهذه الصورة أمثلةٌ، منها:\nالمثال الأول: لو قلَّدَ المكلَّفُ الإمامَ أبا حنيفة في نكاحِ امرأةٍ بلا وليٍّ، وقلَّدَ الإمامَ الشافعي في نكاحِ امرأةٍ أخرى، هي بنته مِن الزنا (^٤)، فإنَّ هذا لا يُسمّى تلفيقًا؛ إذْ لم يقع منه عملٌ اتفق الإمامانِ على بطلانِه، فهنا عملان:\nأحدهما: نكاحُ امرأةٍ بلا ولي.\nوالثاني: نكاحُ امرأةٍ أخرى هي بنته مِن الزنا.\nوأيضًا: فإن المكلَّفَ قد وافق كلَّ مَن قلَّده موافقةً كاملةً (^٥).\nالمثال الثاني: إذا طلَّق الرجلُ امرأتَه ثلاثًا بلفظٍ واحدٍ، فأفتاه مفتٍ بأنَّ زوجتَه بانتْ منه بينونةً كبرى، فأمضى الزوجُ ذلك، وفارقها، ثم طلَّق الزوجُ زوجةً أخرى ثلاثًا بلفظٍ واحدٍ، فأفتاه مفتٍ آخر بأنَّه طلاقٌ رجعي،\n_________\n(^١) انظر التلفيق بين أحكام المذاهب لمحمد السنهوري، مجلة البحوث الإسلامية بالأزهر (١/ ٧٧).\n(^٢) انظر: المصدر السابق، ومناهج الاجتهاد في الإسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ٤٤٥)، والاجتهاد ومدى حاجتنا إليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ٥٥٣)، وتبصير النجباء للدكتور محمد الحفناوي (ص/ ٢٦٦).\n(^٣) انظر: دراسات في الاجتهاد للدكتور عبد المجيد السوسوة (ص/ ١٠٥).\n(^٤) انظر: فتاوى الرملي (٤/ ٣٨٩).\n(^٥) انظر: دراسات في الاجتهاد للدكتور عبد المجيد السوسوة (ص/ ١٠٥).","vol":"2","page":1048},{"text":"فراجعها وأمسكها، فليس هذا تلفيقًا؛ لتعددِ النازلةِ (^١).\nالمثال الثالث: إذا توضأ المكلَّفُ، ولمس امرأةً، ولم يجعل لمس المرأةِ ناقضًا، ثمَّ توضأ مرةً أخرى، ولمس امرأةً، فجعلَ اللمس ناقضًا.\nالصورة الثالثة: إذا عمل المكلَّفُ بقولِ إمامِ مذهبِه، وأحدِ أصحابِه المجتهدين المنتسبين إليه في مسألةٍ واحدةٍ.\nوقد سَبَقَ الحديثُ عن الصورةِ الثالثةِ، وأنَّها لا تُعَدُّ تلفيقًا عند ابنِ عابدين.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: التلفيق بين أحكام المذاهب للسنهوري، مجلة البحوث الإسلامية بالأزهر (١/ ٧٧).","vol":"2","page":1049},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>المطلب الثالث: أقسام التلفيق، وحكم كل قسم</span>\nوفيه ثلاث مسائل:\nالمسألة الأولى: التلفيق في الاجتهاد\nالمسألة الثانية: التلفيق في التقليد\nالمسألة الثالثة: التلفيق في التقنين","vol":"2","page":1051},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>تمهيد</span>\nللتلفيقِ عدّةُ أقسام، ولكلِّ قسم حكمُه الذي يخصّه، ومِنْ خلالِ تتبع ما قرره المتأخرون والمعاصرون في مسألةِ: (التلفيق)، ظَهَرَ لي أنَّ أقسامَه ثلاثةٌ:\nالقسم الأول: التلفيق في الاجتهاد.\nالقسم الثاني: التلفيق في التقليد.\nالقسم الثالث: التلفيق في التقنين.\nوسيكون الحديثُ عن كلِّ قسمٍ مِن هذه الأقسامِ في المسائل الثلاثِ الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>المسألة الأولى: التلفيق في الاجتهاد</span>\nتقدَّم لنا في صدرِ المبحثِ تعريفُ التلفيقِ، وأنَّ نتيجتَه إتيانٌ بكيفيةٍ جديدةٍ لا يقولُ بها أحدٌ مِن المجتهدين السابقين.\nوالمقصودُ بالتلفيقِ في الاجتهادِ أنْ يجتهدَ مجتهدٌ في مسألةٍ ما اختلفَ فيها المجتهدون قبله على قولين أو أكثر، ثمَّ يؤديه اجتهادُه إلى الأخذِ مِنْ كلِّ قولٍ ببعضِه، فتكون نتيجةُ اجتهادِه أنْ يقولَ بكيفيةٍ جديدةٍ للمسألةِ، سواءٌ أكانَ قولُه ابتداءً، أو إفتاءً لأحدٍ من الناسِ، فما حكمُ التلفيقِ الواقعِ مِن المجتهدِ في هذه الحالةِ؟ (^١).\n_________\n(^١) انظر: مناهج الاجتهاد في الإسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ٤٤١)، وأصول الفقه له =","vol":"2","page":1053},{"text":"بتصويرِ مسألةِ: (التلفيق في الاجتهاد)، يمكنُ القول بأنَّ خلافَ العلماءِ في مسألةِ: (إحداث قول ثالث) منزّلٌ عليها؛ إذ حقيقةُ فعلِ المجتهدِ في هذا القسم هي إحداث قولٍ ثالثٍ.\nوقد جَعَلَ الشيخُ محمد بخيت المطيعي مسألةَ التلفيق كمسألةِ: (إحداث قول ثالث) (^١).\nويظهرُ أثرُ التلفيقِ في الاجتهادِ عند المانعين مِنْ إحداثِ قولٍ ثالثٍ مطلقًا، وعند المفصِّلين في المسألةِ (^٢)، كما سيأتي في الأقوال بعدَ قليلٍ.\nوقد نصَّ بعضُ العلماءِ (^٣) على أنَّ التلفيقَ في الاجتهادِ له حكمُ المسألتين الأصوليتين الآتيتين:\nالمسألة الأولى: إذا اختلف المجتهدون في مسألةٍ ما على قولين، فهلْ للمجتهدِ بعدهم أنْ يأتي بقولٍ آخر غير القولين السابقين؟\nالمسألة الثانية: إذا اختلفَ المجتهدون في مسألتين على قولين، فَذَهَبَ بعضُهم إلى الجوازِ فيهما، وذَهَبَ الباقون إلى التحريمِ فيهما، فهلْ\n_________\n= (ص/ ٣٥١)، والاجتهاد ومدى حاجتنا إليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ٥٤٨)، وأصول الفقه للدكتور وهبة الزحيلي (٢/ ١١٤٤)، والتلفيق في الاجتهاد والتقليد للدكتور ناصر الميمان، مجلة وزارة العدل، العدد: الحادي عشر (ص/ ٢٦).\n(^١) انظر: سلم الوصول (٤/ ٦٢٩).\n(^٢) انظر: التلفيق وموقف الأصوليين منه للدكتور محمد الدويش (ص/ ٥٠).\n(^٣) انظر: التلفيق بين أحكام المذاهب للسنهوري، مجلة البحوث الإسلامية بالأزهر (١/ ٧١)، وأصول الفقه للدكتور محمد مدكور (ص/ ٣٥١)، ومناهج الاجتهاد له (ص/ ٤٤١)، والاجتهاد ومدى حاجتنا إليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ٥٤٨ - ٥٤٩)، والأخذ بالرخصة وحكمه للدكتور عبد الله محمد، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (١/ ١١٧)، والأخذ بالرخصة وحكمه لمصطفى التازي، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (١/ ٤٦١)، وتبصير النجباء للدكتور محمد الحفناوي (ص/ ٢٧٠)، والتقليد في الشريعة الإسلامية لعبد الله الشنقيطي (ص/ ١٥٦)، والتلفيق وموقف الأصوليين منه للدكتور محمد الدويش (ص/ ٥٠، ١٨٤)، والتلفيق في الاجتهاد والتقليد للدكتور ناصر الميمان، مجلة وزارة العدل، العدد: الحادي عشر (ص/ ٢٦).","vol":"2","page":1054},{"text":"للمجتهدِ بعدهم أنْ يقولَ في إحدى المسألتين بالجوازِ، وفي الأخرى بالتحريمِ؟\nوإطلاقُ القولِ بأنَّ التلفيقَ في الاجتهادِ يأخذُ حكم إحداثِ قولٍ ثالثٍ، محلُّ نظرٍ؛ فليس إحداثُ كلِّ قولٍ ثالثٍ يُعَدّ تلفيقًا، فلا بُدَّ مِنْ أنْ يكونَ القولُ الثالثُ آخذًا مِنْ كل قولٍ ببعضِه، كما في مسألةٍ: (فسخ النكاحِ بالعيوبِ الخمسة) (^١): قال بعضُ العلماءِ يفسخِ النكاحِ بالعيوب الخمسةِ، وقال آخرون: بعدمِ فسخ النكاحِ بها، فإحداثُ قولٍ ثالثٍ بالفسخِ بالبعضِ دونَ البعضِ من التلفيقِ (^٢).\nوقد جَعَلَ بعضُ الأصوليين المسألتين السابقتين في مسألةٍ واحدةٍ (^٣)، وبحثها آخرون فجعلوهما مسألتين (^٤).\nوسوفَ أعرضُ المسألتين في ضوءِ مَنْ جعلهما مسألةً واحدةً؛ لأنَّي مسبوقٌ بهذا الأمر، وأيضًا فقد نصَّ جمالُ الدين الإسنوي على أنَّ المسألةَ الثانية قريبةٌ في المعنى مِن المسألةِ الأُولى (^٥).\nوقبلَ ذكرِ الأقوالِ في مسألةٍ: (إحداث قول ثالث) أنبه إلى أمرين:\nالأمر الأول: لا يقتصرُ الخلافُ في المسألةِ على إحداثِ قولٍ ثالثٍ،\n_________\n(^١) العيوب الخمسة في الزوج: الجنون، والجذام، والبرص، والجب، والعنة؛ وفي الزوجة: الجنون، والجذام، والبرص، والقرن، والرتق. انظر: رفع الحاجب (٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩).\n(^٢) انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ٢٦٨)، ومختصر منتهى السول لابن الحاجب (١/ ٤٨٥)، ورفع الحاجب (٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩).\n(^٣) انظر على سبيل المثال: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ٢٦٨)، ومختصر منتهى السول لابن الحاجب (١/ ٤٨٢)، والتوضيح شرح التنقيح لصدر الشريعة (٢/ ٤٢)، وتيسير التحرير (٣/ ٢٥٠)، وفواتح الرحموت (٢/ ٢٣٥).\n(^٤) انظر على سبيل المثال: الفصول في الأصول للجصاص (٣/ ٣٤٩)، والمعتمد (٢/ ٥٠٨)، والعدة (٤/ ١١١٦)، وإحكام الفصول (ص/ ٤٩٩)، وشرح اللمع (٢/ ٧٤٠)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٣/ ٣١٤)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٤/ ١٣٠)، وشرح تنقيح الفصول (ص/ ٣٢٧)، والبحر المحيط (٤/ ٥٤٤).\n(^٥) انظر: نهاية السول (٣/ ٢٧٥).","vol":"2","page":1055},{"text":"بل الخلافُ يشملُ ما لو اختلفَ المجتهدون على ثلاثةِ أقوالٍ أو أربعةٍ، فهل لمجتهدِ العصرِ اللاحقِ أنْ يحدثَ قولًا رابعًا، أو خامسًا؟ فالتعبير بالقولينِ مِنْ بابِ التمثيلِ (^١).\nالأمر الثاني: أنَّ المسألةَ مقيّدةٌ باستقرارِ الخلافِ على قولين أو أكثر، أمّا إذا كان الخلافُ على القولين غيرَ مستقرٍّ، فالقياسُ جوازُ إحداثِ قولٍ ثالثٍ (^٢).\nيقولُ الشوكانيُّ: \"ثمَّ لا بُدَّ مِنْ تقييدِ هذه المسألةِ بأنْ يكونَ الخلافُ فيها على قولين أو أكثر قد استقر، أمَّا إذا لم يستقرْ فلا وجهَ للمنعِ مِنْ إحداثِ قولٍ آخر\" (^٣).\n• الأقوال في المسألة:\nاختلفَ العلماءُ في مسألةِ: (حكمِ إحداثِ أهلِ العصرِ اللاحق قولًا ثالثًا) على أقوال، أشهرها:\nالقول الأول: لا يجوزُ إحداث قولٍ ثالثٍ في المسألةِ مطلقًا.\nوهذا مذهبُ أكثرِ الحنفيةِ (^٤)، ومذهبُ المالكيةِ (^٥)، والشافعيةِ (^٦)، والحنابلةِ (^٧).\nونَسَبَه إمامُ الحرمين الجويني إلى معظمِ المحققين (^٨). ونَسَبَه أبو حامد الغزالي إلى الجماهيرِ (^٩). ونَسَبَه أبو الخطابِ (^١٠)، وابنُ بَرْهان (^١١) إلى أكثرِ\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط (٤/ ٥٤٣).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (٤/ ٥٤٤). وحين عرضت بعض المصادر الأصولية مسألة: (إحداث قولٍ ثالث) أشارت إلى اعتبار قيد استقرار الخلاف شرطًا للخلاف في المسألة. انظر مثلًا: إحكام الفصول (ص / ٤٩٩)، والتبصرة (ص/ ٣٨٧)، وشرح اللمع (٢/ ٧٣٨)، وقواطع الأدلة (٣/ ٢٦٥)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ١٦٥).\n(^٣) إرشاد الفحول (١/ ٤١٠).\n(^٤) انظر: أصول السرخسي (١/ ٣١٠).\n(^٥) انظر: إحكام الفصول (ص/ ٤٩٧).\n(^٦) انظر: شرح اللمع (٢/ ٧٣٨)، وقواطع الأدلة (٣/ ٢٦٤)، والبحر المحيط (٤/ ٥٤٠).\n(^٧) انظر: العدة (٤/ ١١١٣)، وأصول الفقه لابن مفلح (٢/ ٤٣٧).\n(^٨) انظر: البرهان (١/ ٤٢٥).\n(^٩) انظر: المستصفى (١/ ٣٦٦).\n(^١٠) انظر: التمهيد في أصول الفقه (٣/ ٣١١).\n(^١١) انظر: الوصول إلى الأصول (٢/ ١٠٨).","vol":"2","page":1056},{"text":"العلماءِ، ونَسَبَه الفخرُ الرازي (^١)، وابنُ الحاجبِ (^٢)، وابنُ الهمامِ الحنفي (^٣) إلى الأكثرين. ونَسَبَه الآمديُّ (^٤)، والطوفيُّ (^٥)، وتاجُ الدين بن السبكي (^٦) إلى الجمهورِ.\nالقول الثاني: يجوزُ إحداثُ قولٍ ثالثٍ مطلقًا.\nنَسَبَ أبو الوليد الباجي هذا القولَ إلى المعتزلةِ (^٧).\nوهذه النسبةُ محلُّ نَظَرٍ عندي؛ إذ قرر أبو الحسين البصري المنعَ مِنْ إحداثِ قولٍ ثالثٍ، ونَسَبَه إلى شيوخِه، ولم يذكرْ نسبته إلى المعتزلةِ (^٨).\nومِنْ جهةٍ أخرى: لم يتابعْ أبا الوليد الباجيَّ أحدٌ في هذه النسبةِ - فيما رجعتُ إليه من مصادر - ومِن المحتملِ أنَّ مقصدَ الباجي بالمعتزلةِ أهل الكلامِ.\nونَسَبَ أبو الحسين البصري هذا القول إلى عامّةِ الفقهاءِ (^٩). ونَسَبَه أبو إسحاقَ الشيرازي (^١٠)، وأبو المظفرِ السمعاني (^١١) إلى بعضِ المتكلمين، وبعضِ أصحابِ الإمامِ أبي حنيفةَ.\nونَسَبَه أبو الحسين البصري (^١٢)، وابنُ بَرْهان (^١٣) إلى بعضِ المتكلمين.\n_________\n(^١) انظر: المحصول في علم أصول الفقه (٤/ ١٢٧).\n(^٢) انظر: مختصر منتهى السول (١/ ٤٨٢).\n(^٣) انظر: التحرير (٣/ ٢٥٠) مع تيسير التحرير.\n(^٤) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٢٦٨).\n(^٥) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٨٨).\n(^٦) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج (٥/ ٢٠٧٥).\n(^٧) انظر: إحكام الفصول (ص/ ٤٩٧).\n(^٨) انظر: المعتمد (٢/ ٥٠٥)، وشرح العمد (١/ ٢١٣).\n(^٩) انظر: المصدرين السابقين.\n(^١٠) انظر: التبصرة (ص/ ٣٨٧)، وشرح اللمع (٢/ ٧٣٨).\n(^١١) انظر: قواطع الأدلة (٣/ ٢٦٥).\n(^١٢) انظر: المعتمد (٢/ ٥٠٥)، وشرح العمد (١/ ٢١٢).\n(^١٣) انظر: الوصول إلى الأصول (٢/ ١٠٨).","vol":"2","page":1057},{"text":"ونَسَبَه أبو الحسين البصري (^١)، وأبو المظفرِ السمعاني (^٢)، والآمديُّ (^٣)، والطوفيُّ (^٤) إلى بعضِ أهلِ الظاهرِ. ونَسَبَه أبو حامد الغزالي إلى شذوذِ مِن الظاهريةِ (^٥)، ونَسَبَه أبو الوليد الباجي (^٦)، وأبو الخطابِ (^٧)، والفخر الرازي (^٨)، وأمير باد شاه (^٩) إلى أهلِ الظاهرِ.\nوقالَ أبو الخطابِ: \"وهو قياسُ قولِ أحمدَ، - ﵀ - (^١٠).\nالقول الثالث: التفصيلُ في المسألةِ:\nفإنْ كانَ القولُ الثالثُ رافعًا لما اتفق عليه القولانِ السابقانِ لم يجزْ إحداثُه.\nوإنْ لم يرفع القولُ الثالثُ ما اتفق عليه القولانِ السابقانِ جازَ إحداثُه.\nنَسَبَ تاجُ الدين بن السبكي (^١١)، وبدرُ الدين الزركشي (^١٢) هذا القولَ إلى المتأخرين. ونَسَبَه صفيُّ الدين الهندي إلى المحققين (^١٣).\nواختاره جمعٌ مِن المحققين، منهم: الفخرُ الرازي (^١٤)، والآمديُّ (^١٥)، وابنُ الحاجبِ (^١٦)، وشهابُ الدين القرافي (^١٧)، والقاضي\n_________\n(^١) انظر: المعتمد (٢/ ٥٠٥)، وشرح العمد (١/ ٢١٢).\n(^٢) انظر: قواطع الأدلة (٣/ ٢٦٥).\n(^٣) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٢٦٨).\n(^٤) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٨٨).\n(^٥) انظر: المستصفى (١/ ٣٦٦).\n(^٦) انظر: إحكام الفصول (ص/ ٤٩٧).\n(^٧) انظر: التمهيد في أصول الفقه (٣/ ٣١١).\n(^٨) انظر: المحصول في علم أصول الفقه (٤/ ١٢٧).\n(^٩) انظر: تيسير التحرير (٣/ ٢٥١).\n(^١٠) التمهيد في أصول الفقه (٣/ ٣١١).\n(^١١) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج (٥/ ٢٠٧٦).\n(^١٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٥٤٢).\n(^١٣) انظر: نهاية الوصول (٦/ ٢٥٢٧).\n(^١٤) انظر: المحصول في علم أصول الفقه (٤/ ١٢٨).\n(^١٥) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٢٦٩).\n(^١٦) انظر: مختصر منتهى السول (١/ ٤٨٦).\n(^١٧) انظر: شرح تنقيح الفصول (ص/ ٣٢٦)، والإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام (ص/ ١٣٦).","vol":"2","page":1058},{"text":"البيضاوي (^١)، والطوفيُّ (^٢)، وصفيُّ الدين الهندي (^٣).\nوقد ذَكَرَ أربابُ هذا القول أمثلةً توضح قولهم، وسأقتصر على مثالٍ واحدٍ لكلتا الحالتين:\nمثال للقول الثالث الذي يرفع ما اتفق عليه القولان السابقان:\nمسألة: ميراث الجدِّ والإخوة:\nاختلفَ العلماءُ في ميراثِ الجدِّ والإخوةِ عند اجتماعِهما على قولين:\nالقول الأول: أنَّ المالَ كلَّه للجدِّ (^٤).\nالقول الثاني: أنّ المال يُقسمُ بين الجدِّ والإخوةِ (^٥).\nفهنا اتفاقٌ بين القولين على إعطاءِ الجدِّ نصيبًا مِن الإرثِ، فلو أَحَدَثَ مجتهدٌ في وقتِ لاحقِ قولًا بأن المالَ كلَّه للإخوةِ، كان قولُه رافعًا لما اتفق عليه القولانِ السابقانِ، فيكون مردودًا.\nمثال القول الثالث الذي لا يرفع ما اتفق عليه القولان السابقان:\nمسألة: الأكل من الذبيحة التي ترك ذكر اسم الله عليها:\nاختلفَ العلماءُ في الأكلِ مِن الذبيحةِ التي تُرِكَ ذكرُ اسم الله عليها على قولين:\nالقول الأول: أنَّ متروكَ التسميةِ يحلُّ أكلُه مطلقًا (^٦).\n_________\n(^١) انظر: منهاج الوصول (٢/ ٨١٣) مع شرحه السراج الوهاج.\n(^٢) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٩٣).\n(^٣) انظر: نهاية الوصول (٦/ ٢٥٢٧).\n(^٤) وهذا قول أبي بكر، وأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة - ﵁ -، وهو مذهب أبي حنيفة. انظر: اللباب في الجمع بين السنة والكتاب للمنبجي (٢/ ٧٩٨)، ومغني المحتاج للشربيني (٣/ ٢١).\n(^٥) وهذا قول عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وزيد بن ثابت - ﵃ -، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة. انظر: بداية المجتهد (٤/ ١٥٦٨)، والمغني لابن قدامة (٩/ ٦٦)، والعذب الفائض لإبراهيم الفرضي (١/ ١٠٥).\n(^٦) وهذا مذهب الشافعي، وأحمد في رواية عنه. انظر: المهذب للشيرازي (٢/ ٨٨٥)، والمغني لابن قدامة (١٣/ ٢٩٠).","vol":"2","page":1059},{"text":"القول الثاني: أنَّ متروكَ التسميةِ لا يحلُّ أكلُه مطلقًا (^١).\nفإحداثُ قولٍ ثالثٍ بالتفريق بين تاركِ التسميةِ عمدًا، فلا تُؤكلُ ذبيحتُه، وتاركِ التسميةِ سهوًا، فتؤكلُ ذبيحتُه (^٢): لا يعتبرُ رافعًا لما اتفق عليه القولانِ السابقانِ، فيجوزُ إحداثُه.\n• أدلةُ الأقوال:\nأدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ (القائلين بالمنع مطلقًا):\nاستدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: أنَّ اختلافَ المجتهدين على قولين إجماعٌ منهم في المعنى على إبطالِ كلِّ قولٍ حادثٍ بعدهم (^٣)؛ لأنَّ كلَّ طائفةٍ تُوجبُ الأخذَ بقولِها، أو بقولِ مخالفِها، فيحرمُ الأخذُ بغيرِ أقوالِهم (^٤).\nمناقشة الدليل الأول: إنَّ إجماعَ القولين في المعنى على الأخذِ بأحدِهما مشروطٌ بـ: عدمِ القولِ الثالثِ، فإذا أُحْدِثَ القولُ الثالثُ، فقد زالَ الإجماعُ بزوالِ شرطِه (^٥).\n_________\n(^١) وهذا قول الظاهرية. انظر: المحلى (٨/ ١٠٨).\n(^٢) وهذا قول الحنفية، والمالكية، والحنابلة في المشهور عنهم. انظر: الفقه النافع للسمرقندي (٣/ ٩٦٠)، وبداية المجتهد لابن رشد (٢/ ٨٦٧)، والمغني لابن قدامة (١٣/ ٢٩٠).\n(^٣) انظر: المعتمد (٢/ ٥٠٧)، والعدة (٤/ ١١١٣)، وإحكام الفصول (ص/ ٤٩٧)، والتبصرة (ص/ ٣٨٧)، وشرح اللمع (٢/ ٧٣٨)، وقواطع الأدلة (٣/ ٢٦٦)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٣/ ٣١١)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ١٦٤)، ومختصر منتهى السول لابن الحاجب (١/ ٤٨٧)، وشرح تنقيح الفصول (ص/ ٣٢٦)، ونهاية الوصول للهندي (٦/ ٢٥٣١)، والإبهاج في شرح المنهاج (٥/ ٢٠٧٩)، ونهاية السول (٢/ ٢٩٦).\n(^٤) انظر: المحصول في علم أصول الفقه للرازي (٤/ ١٢٩)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ٢٦٨).\n(^٥) انظر: المعتمد (٢/ ٥٠٧)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٤/ ١٣٠)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ٢٦٩)، وشرح تنقيح الفصول (ص/ ٣٢٦)، ونهاية الوصول للهندي (٦/ ٢٥٣٢)، والإبهاج في شرح المنهاج (٥/ ٢٠٨٠)، والإجماع للدكتور يعقوب الباحسين (ص/١٨٩).","vol":"2","page":1060},{"text":"الدليل الثاني: أنَّ القولَ بجوازِ إحداثِ قولٍ ثالثٍ يفضي إلى نسبةِ الأُمّةِ في العصرِ السابقِ إلى تفويتِ الحقِّ وتضييعِه والغفلةِ عنه، وهذا محالٌ غيرُ جائزٍ، وما أفضى إلى محالٍ فإنَّه لا يجوزُ الذهابُ إليه (^١).\nوقد عبَّر بعضُ الأصوليين عن الدليلِ الثاني بالآتي: لو جازَ إحداثُ قولٍ ثالثٍ، فإنَّه لا يخلو: إمَّا أنْ لا يكون عن دليلٍ، وإمَّا أنْ يكونَ عن دليلٍ: فإن كانَ عن غيرِ دليلٍ، فالقولُ به ممتنعٌ؛ وإن كانَ عن دليلٍ، فهو ممتنعٌ؛ لإفضائِه إلى نسبةِ الأمةِ إلى تضييعِ الحقِّ (^٢).\nأدلةُ أصحابِ القولِ الثاني (القائلين بالجواز مطلقًا):\nاستدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: أنَّ اختلافَ المجتهدين في المسألةِ على قولين أو أكثر، دليلٌ على أنَّها اجتهادية، وأنَّه يسوغ الاجتهادُ فيها، والقولُ الذي قاله المجتهدُ في العصرِ اللاحق نَشَأَ عنْ اجتهادٍ، فكانَ جائزًا (^٣).\nمناقشة الدليل الأول: إنَّ ما ذكرتموه في دليلِكم لا يدلُّ على مطلوبكم - وهو جواز إحداث قول ثالث - وإنَّما يدلُّ على أحدِ أمرين:\nالأمر الأول: أنَّ مجتهدي أهل العصرِ الأول سوغوا الاجتهادَ في\n_________\n(^١) انظر: شرح اللمع (٢/ ٧٣٨)، والتبصرة (ص/ ٣٧٨)، وقواطع الأدلة (٣/ ٢٦٦)، والمستصفى (١/ ٣٦٧)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٤/ ١٢٩)، وشرح تنقيح الفصول (ص/ ٣٢٦)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٨٩).\n(^٢) انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ٢٦٨)، ونهاية الوصول للهندي (٦/ ٢٥٣٠)، وتيسير التحرير (٣/ ٢٥٢).\n(^٣) انظر: المعتمد (٢/ ٥٠٦)، وشرح العمد (١/ ٢١٣)، والعدة (٤/ ١١١٣)، وإحكام الفصول (ص/ ٨٧)، والتبصرة (ص/ ٣٨٨)، وشرح اللمع (٢/ ٧٣٨)، وقواطع الأدلة (٣/ ٢٦٥)، والمستصفى (١/ ٣٦٧)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٣/ ٣١٢)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ١٦٥)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ٢٧١)، ومختصر منتهى السول لابن الحاجب (١/ ٤٨٨)، ونهاية الوصول للهندي (٦/ ٢٥٣٣)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٨٩)، وتيسير التحرير (٣/ ٢٥٣)، وفواتح الرحموت (٢/ ٢٣٧).","vol":"2","page":1061},{"text":"المسألةِ، وطلبَ الحقِّ فيها مِنْ أقوالِهم فقط (^١).\nالأمر الثاني: أنَّ مجتهدي أهلِ العصر الأول سوّغوا الاجتهادَ منهم، لا مِن غيرِهم (^٢).\nالدليل الثاني: إذا استدلَّ مجتهدو العصرِ السابقِ على مسألةٍ ما بدليلين، فإنَّه يجوزُ للمجتهدِ في العصرِ اللاحق أنْ يستدلَّ بدليلٍ ثالثٍ على المسألةِ نفسِها، وإذا جازَ هذا، جازَ له أنْ يُحدثَ قولًا ثالثًا (^٣).\nمناقشة الدليل الثاني: ثمّةَ فروقٌ بين استدلالِ مجتهدٍ في العصرِ اللاحقِ بدليلٍ لم يذكرْه مجتهدو العصرِ الأول، وإحداثِه قولًا جديدًا، وبيانها:\nالفرق الأول: لو استدلَّ مجتهدو العصرِ السابق على مسألةٍ ما بدليلٍ واحدٍ فقط، جازَ لمَنْ بعدهم مِن المجتهدين أنْ يستدلوا بدليلٍ آخر على المسألةِ نفسِها، بخلافِ ما لو اتفق مجتهدو العصرِ الأول على قولٍ واحدٍ، لم يجزْ لأحدٍ مِن المجتهدين اللاحقين أنْ يخالفَ قولَهم (^٤).\nالفرق الثاني: أنَّ استدلالَ المجتهدِ في العصرِ اللاحق بدليل ثالثٍ يؤكدُ ما ذَهَبَ إليه المجتهدون قبله، بخلافِ إحداثِ قولٍ ثالثٍ، فإنَّه يرفعُ اتفاقَ القولين (^٥).\n_________\n(^١) انظر: إحكام الفصول (ص / ٤٩٨)، والتبصرة (ص/ ٣٨٨)، وشرح اللمع (٢/ ٧٣٨)، وقواطع الأدلة (٣/ ٢٦٦)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ١٦٦).\n(^٢) انظر: التبصرة (ص/ ٣٨٧)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ٢٧١)،\n(^٣) انظر: العدة (٤/ ١١١٤)، والتبصرة (ص/ ٣٨٨)، وشرح اللمع (٢/ ٧٣٩)، والمستصفى (١/ ٣٦٧)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٣/ ٣١٤)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ١٦٥)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ٢٧١).\n(^٤) انظر: العدة (٤/ ١١١٣)، وشرح اللمع (٢/ ٧٣٩)، والتبصرة (ص/ ٣٨٨)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٣/ ٣١٤)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ١٦٧)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ٢٧١).\n(^٥) انظر: شرح اللمع (٢/ ٧٣٩)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤٠/ ٣١٣)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ١٦٧).","vol":"2","page":1062},{"text":"الفرق الثالث: ليس مِن الأمورِ المفروضةِ على المجتهدين الاستدلالُ على قولِهم بجميعِ الأدلةِ، بلْ يكفيهم الاستدلالُ بدليلٍ واحدٍ؛ إذ ليس فيه تضييعٌ للحقِّ، بخلافِ إحداثِ قولٍ ثالثٍ، ففيه نسبةُ الأُمّة إلى تضييعِ الحقِّ (^١).\nالدليل الثالث: أنَّ الصحابةَ - ﵃ - اختلفوا في بعضِ المسائلِ على قولين، وأحدثَ بعضُ التابعين فيها قولًا ثالثًا، ولم ينكرْ هذا أحدٌ، ومِنْ عادةِ السلفِ عدمُ السكوتِ عن المنكرِ، فدل سكوتُهم على جوازِه (^٢).\nويشهد لهذا الأمر: اختلافُ الصحابةِ - ﵃ - في قسمةِ إرثِ مَنْ ماتَ عن زوجةٍ وأبوين، ومَنْ ماتتْ عن زوجٍ وأبوين، على قولين:\nالقول الأول: أن للأمِّ ثلثَ التركةِ، سواءٌ أكان الميتُ زوجًا، أو زوجةً. وهذا قولُ عبد الله بن عباس - ﵄ - (^٣).\nالقول الثاني: أنَّ للأمِّ ثلثَ الباقي بعدَ فرضِ الزوجين. وهذا قول بعض الصحابة - ﵃ - (^٤).\n_________\n(^١) انظر: المستصفى (١/ ٣٦٧)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٩١).\n(^٢) انظر: المعتمد (٢/ ٥٠٦)، والعدة (٤/ ١١١٤)، وشرح اللمع (٢/ ٧٣٩)، والتبصرة (ص/ ٣٨٨)، وقواطع الأدلة (٣/ ٢٦٥)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٣/ ٣١٣)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ١٦٥)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ٢٧١)، ومختصر منتهى السول لابن الحاجب (١/ ٤٨٨)، وتيسير التحرير (٣/ ٢٥٣).\n(^٣) أخرج قول ابن عباس - ﵄ -: عبد الرزاق في: المصنف، كتاب: الفرائض (١٠/ ٢٥٤)، برقم (١٩٠٢٠)؛ وابن أبي شيبة في: المصنف، كتاب: الفرائض، باب: في امرأة وأبوين، من كم هي؟ (١٦/ ٢١٩)، برقم (٣١٧٠٥)، وفي باب: في امرأة وأبوين، من كم هي؟ (١٦/ ٢٢٠)، برقم (٣١٧١٠)؛ والدارمي في: سننه، كتاب: الفرائض، بابٌ: في زوج وأبوين، وامرأةٍ وأبوين (٤/ ١٨٩٧)، برقم (٢٩١٨، ٢٩٢٠)؛ والفسوي في: المعرفة والتاريخ (٣/ ١٠٩)؛ وابن حزم في: المحلى (١٠/ ٣٢٦)؛ والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: الفرائض، باب: فرض الأم (٦/ ٢٢٨).\nوانظر: شرح السنة للبغوي (٨/ ٣٤٢).\nوقد صحح ابنُ حجر في: موافقة الخُبْر الخَبَر (١/ ١٦٢) أثر ابن عباس - ﵄ -.\n(^٤) جاءت آثارٌ عن بعض الصحابة - ﵃ - تدل على أن للأم ثلث الباقي سواءٌ أكان الوارث زوجًا، =","vol":"2","page":1063},{"text":"وقد أحدثَ محمد بنُ سيرين (^١) قولًا ثالثًا، فذَهَبَ إلى أن للأم ثلثَ التركةِ إنْ كانَ الميتُ زوجًا، ولها ثلث الباقي إنْ كانَ الميت زوجةً (^٢).\nمناقشة الدليل الثالث: نوقش الدليل مِنْ أربعة أوجه:\nالوجه الأول: أنَّنا لا نقبلُ إحداثَ قولٍ ثالثٍ مِنْ أحدٍ من التابعين إذا كانَ خلافُ الصحابةِ - ﵃ - على القولين مستقرًا؛ وذلك لمخالفةِ التابعين إجماع الصحابةِ - ﵃ - على انحصارِ الحقِّ في أقوالهم (^٣)، وإذا ثَبَتَ في الشاهد المؤيّد لدليلِكم إجماعُ الصحابةِ - ﵃ - لم نقبلْ قولَ التابعي.\nالوجه الثاني: يحتمل أنْ يكونَ إحداثُ القولِ الثالثِ مِن القسمِ الجائز، فقد يكون إحداثُه قبلَ استقرارِ خلافِ الصحابةِ - ﵃ - على قولين؛\n_________\n= أم زوجةً، وقد أخرج عددًا منها: عبد الرزاق في: المصنف، كتاب: الفرائض (١٠/ ٢٥٢ - ٢٥٣)، بالأرقام (١٩٠١٤ - ١٩٠١٨)؛ وابنُ أبي شيبة في: المصنف، كتاب: الفرائض، باب: في امرأة وأبوين، من كم هي؟ (١٦/ ٢١٧ - ٢٢٠)، بالأرقام (٣١٦٩٧ - ٣١٧٠٩)، وفي باب: في زوج وأبوين، من كم هي؟ (١٦/ ٢٢٠ - ٢٢١)، بالأرقام (٣١٧١٠ - ٣١٧١٤)؛ والدارمي في: سننه، كتاب: الفرائض، بابٌ: في زوجٍ وأبوين، وامرأةٍ وأبوين (٤/ ١٨٩٢ - ١٨٩٧) بالأرقام (٢٩٠٧ - ٢٩١٩).\nوأخرج الفسوي في: المعرفة والتاريخ (٣/ ١٠٩) عن إبراهيم النخعي قوله: \"خالف ابنٌ عباس جميعَ أهل الصلاة في: زوج، وأبوين\".\nوانظر: المحلى لابن حزم (١٠/ ٣٢٦).\n(^١) هو: محمد بن سيرين البصري، أبو بكر الأنصاري مولى أنس بن مالك، ولد في خلافة عثمان بن عفان - ﵁ -، سنة ٣٣ هـ من علماء التابعين الأعلام، كان ثقةً حسن العلم بالفرائض والقضاء والحساب، قال عنه عبد الله بن عون: \"كان محمد يحدث بالحديث على حروفه\"، وكانت وفاته سنة ١١٠ هـ. انظر ترجمته في: التاريخ الكبير للبخاري (١/ ٩٠)، وحلية الأولياء لأبي نعيم (٢/ ٢٦٣)، وتاريخ مدينة السلام للخطيب (٣/ ٢٨٣)، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي (١/ ٨٢)، وتهذيب الكمال للمزي (٢٥/ ٣٤٤)، وسير أعلام النبلاء (٤/ ٦٠٦).\n(^٢) أخرج قول محمد بن سيرين: ابن أبي شيبة في: المصنف، كتاب: الفرائض، باب: في امرأة وأبوين، من كم هي؟ (١٦/ ٢١٩)، برقم (٣١٧٠٦)؛ وابن حزم في: المحلى (١٠/ ٣٢٦)؛ والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: الفرائض، باب: فرض الأم (٦/ ٢٢٨).\nوانظر: شرح السنة للبغوي (٨/ ٣٤٢).\n(^٣) انظر: التبصرة (ص/ ٣٨٨)، وشرح اللمع (٢/ ٧٤٠)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ١٦٦).","vol":"2","page":1064},{"text":"ولهذا لم ينكروا على التابعي قولَه (^١).\nالوجه الثالث: أنَّ ابنَ سيرين لم يخالفْ ما أجمعَ عليه الصحابةُ - ﵁ -، بلْ أَخَذَ بكلِّ واحدٍ من القولين في إحدى المسألتين، فصار القولُ الثالثُ غيرَ رافعٍ لاتفاقِ الصحابةِ - ﵃ - (^٢).\nالوجه الرابع: مِن المحتملِ أنَّ بعضَ السلفِ أَنْكَرَ على المخالفِ، ولم ينقلْ إنكارُه، ومَن المحتملِ أنَّ إنكارَه نُقِلَ، لكنَه لم يشتهرْ؛ لأنَّه ممَّا لا تتوافر الدواعي على حكايةِ إنكارِه (^٣).\nالجواب عن الوجه الرابع: يقولُ أمير باد شاه عن الوجه الرابع: \"وفيه تأمّل\" (^٤).\nولعل وجه التأمّلِ هو أنَّ إنكارَ بعضِ السلفِ للفعلِ، وعدم نقل إنكارِهم، أو عدم اشتهاره احتمالٌ لا يعضده ما يدل عليه، فيبقى الدليلُ سالمًا منه.\nدليل أصحاب القول الثالث: أنَّه لا محذور في إحداثِ قولٍ ثالثٍ إنْ لم يرفعْ ما اتفق عليه القولانِ السابقانِ؛ لانتفاءِ خرقِ الإجماعِ، وأمَّا إنْ رَفَعَ القولُ الثالثُ ما اتفق عليه القولانِ السابقانِ، فإنَّنا نمنعُ منه؛ لمخالفتِه للإجماعِ الضمني (^٥).\n_________\n(^١) انظر: العدة (٤/ ١١١٦)، وإحكام الفصول (ص/ ٤٩٩)، والمستصفى (١/ ٣٦٧)، والأحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ٢٧١)، وتيسير التحرير (٣/ ٢٥٣).\n(^٢) انظر: شرح العمد (١/ ٢١٩)، وقواطع الأدلة (٣/ ٢٦٦)، ومختصر منتهى السول لابن الحاجب (١/ ٤٨٩).\n(^٣) انظر: تيسير التحرير (٣/ ٢٥٣).\n(^٤) انظر: المصدر السابق.\n(^٥) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٢٦٩)، ومختصر منتهى السول لابن الحاجب (١/ ٤٨٧)، وشرح مختصر ابن الحاجب للعضد (٢/ ٤٠)، والإجماع للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ١٩٢).","vol":"2","page":1065},{"text":"• الموازنة والترجيح:\nمِنْ خلالِ النظرِ في الأقوالِ وما استدلوا به، يظهر لي رجحان القولِ الثالثِ القائل: إنْ كانَ القولُ الثالث رافعًا لما اتفق عليه القولانِ السابقانِ، لم يجزْ إحداثُه، وإنْ لم يرفع القولُ الثالثُ ما اتفق القولانِ السابقانِ، جازَ إحداثُه؛ وذلك للآتي:\nأولًا: مراعاة هذا القول للإجماعِ الضمني الظنِّي الذي دلَّ عليه اختلافُ أهلِ العصرِ الأولِ.\nثانيًا: أنَّ أدلةَ المانعين لا تقوى على القولِ بمنعِ إحداثِ القولِ الثالثِ، ولا سيما القول الذي لا يرفع ما اتفق عليه أصحاب العصرِ الأولِ.\nثالثًا: أنَّ عملَ بعضِ السلفِ - كابنِ سيرين - مؤيّدٌ للقولِ الثالثِ المفصِّلِ في المسألةِ، إضافةً إلى اختيارِ جمعٍ مِنْ محققي الأصولِ له.\nوأنبّه إلى ضرورةِ التثبّت في ادِّعاءِ أنَّ مجتهدي العصرِ الأول قد اختلفوا في المسألةِ على قولين - أو ثلاثة أقوال - فقط، لأنَّ هذه الدعوى تتضمّن منعَ أهلِ العصرِ اللاحقِ مِنْ مخالفةِ القدرِ المشتركِ بين القولين.\n• سبب الخلاف:\nبالنّظرِ إلى المسألةِ بأقوالِها وأدلتِها، يظهرُ لي أنَّ الخلافَ في مسألةِ: (حكم إحداثِ أهلِ العصرِ اللاحق قولًا ثالث) عائدٌ إلى جعلِ اختلافِ مجتهدي العصرِ على قولين إجماعًا منهم على انحصارِ الصواب في أقوالِهم:\nفمَنْ قال: إنَّ اختلافَ مجتهدي العصرِ على قولين إجماعٌ منهم على انحصارِ الصوابِ في أقوالِهم، مَنَعَ إحداثَ قولٍ ثالثٍ، وهذا ما ذَهَبَ إليه أصحابُ القولِ الأولِ.\nومَنْ قال: ليس في اختلافِ مجتهدي العصرِ على قولين إجماعٌ على انحصارِ الصوابِ في أقوالِهم، جوَّزَ إحداثَ قولٍ ثالثٍ، وهذا ما ذَهَبَ إليه أصحابُ القولِ الثاني.","vol":"2","page":1066},{"text":"ومَنْ قال: إنَّ اختلافَ مجتهدي العصرِ على قولين إجماعٌ منهم على انحصارِ الصواب في القدرِ المشتركِ بين أقوالِهم، مَنَعَ إحداثَ قولٍ ثالثٍ إنْ رَفَعَ ما اتفق عليَه القولانِ السابقانِ، وإنْ لم يرفعْ ما اتفقا عليه، جوَّز القولَ به، وهذا ما ذَهَبَ إليه أصحابُ القولِ الثالثِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>المسألة الثانية: التلفيق في التقليد</span>\nتُعدُّ مسألة: (التلفيق في التقليد) أشهر مسائلِ التلفيقِ، وهي التي كَثُرَ كلامُ العلماءِ فيها، وقد اختلفتْ وجهاتُهم وأقوالُهم في المسألةِ اختلافًا بيّنًا، ويحسن قبلَ الشروعِ فيها التنبيه إلى أنَّ التلفيقَ إنْ أدّى إلى تتبعِ الرخصِ، فله حكمُ مسألةٍ: (تتبع الرخص)، وقد تقدّمَ الحديثُ عنها.\n• صورة المسألة:\nهلْ للمكلَّفُ أنْ يجمعَ بين قولِ مجتهدٍ وقولِ مجتهدٍ آخر في مسألةٍ واحدةٍ - أو كالواحدة - بحيثُ ينتهي جمعُه إلى أنْ تكونَ الهيئةُ التي نتجتْ عن الجمعِ لم يقلْ أحدٌ مِن المجتهدين بصحتِها؟\n• تحرير محل النزاع:\nقبلَ ذكرِ تحريرِ محل النزاعِ يحسنُ القولُ بأنَّ مسائل التلفيق تتعلقُ بما اختلفَ فيه العلماءُ مِن الأمورِ الظنيةِ، أمّا ما عُلِمَ مِن الدّينِ بالضرورةِ، وما يكفرُ جاحدُه، فإنَّ التلفيقَ لا يدخلُ فيه (^١).\nويمكنُ تحريرُ محلِّ النزاعِ في المسألةِ بقول الآتي: اتفق العلماءُ على عدمِ جوازِ التلفيقِ بين المذاهبِ إنْ ترتبَ عليه استباحةُ المحرماتِ.\nيقولُ الشيخُ محمد الباني: \"التلفيقُ الباطلُ لذاتِه، مردودٌ بالاتفاقِ، وينبغي أنْ لا يُعْبَأَ به البتة\" (^٢).\n_________\n(^١) انظر: عمدة التحقيق للباني (ص/١٢٨).\n(^٢) المصدر السابق (ص/ ١٢١). وانظر: تبصير النجباء للدكتور محمد الحفناوي (ص/ ٢٦٦).","vol":"2","page":1067},{"text":"وقد مثلوا للتلفيقِ المتفق على منعِه بقولِ الشاعرِ ابنِ الرومي (^١):\nأحلَّ العراقيُّ النبيذَ وشربَه ... وقال: الحرامانِ المدامةُ والسكرُ\nوقال الحجازيُّ: الشرابانِ واحد ... فحلَّتْ لنا بين اختلافِهما الخمرُ\nسآخذ مِنْ قوليهما طرفيهما ... وأشربها لا فارق الوازرَ الوزرُ (^٢)\nواختلفوا فيما عدا هذه الحالة.\n• الأقوال في المسألة:\nاختلفَ العلماءُ في المسألةِ على أقوال، أشهرها:\nالقول الأول: أنَّ التلفيقَ غيرُ جائزٍ.\nبيّنَ محمد الدسوقيُّ المالكي أنَّ القولَ بالمنع مِن التلفيق هو طريقة\n_________\n(^١) هو: علي بن العباس بن جريج، أبو الحسن، مولى آل المنصور، المعروف بابن الرومي، ولد ببغداد سنة ٢٢١ هـ من مشاهير الشعراء، له النظم العجيب، والتوليد الغريب، يغوص على المعاني النادرة، فيستخرجها من مكامنها، ويبرزها في أحسن صورة، كان رأسًا في الهجاء والمديح، والغزل والأوصاف، توفي ببغداد سنة ٢٨٣ هـ وقيل: ٢٨٤ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (١٣/ ٤٧٢)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٣٥٨)، وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٤٩٥)، والبداية والنهاية (١٤/ ٦٦٦).\n(^٢) انظر: ديوان ابن الرومي (٣/ ٩٨٣ - ٩٨٤). وفى محاضرات الأدباء للراغب الأصبهاني (٢/ ٦١٩ - ٦٢٠):\nفحلَّتْ لنا من بين قوليهما الخمرُ\nوقد نسبت هذه الأبيات إلى أبي نواس. انظر: معيد النعم لتاج الدين السبكي (ص/ ١٠٣)، والتحقيق في بطلان التلفيق للسفاريني (ص/ ١٧٤).\nيقول تاجُ الدين السبكي في: معيد النعم (ص/ ١٠٣) موضحًا وجه التلفيق في الأبيات: \"ومعنى هذا: أن أبا حنيفة - وهو العراقيُّ - أباح النبيذَ إذا لم يسكرْ، وحرَّم المسكرَ مطلقًا - نبيذًا كان أو خمرًا - والخمرَ مطلقًا - مسكرًا كان، أو غير مسكر - وأن الشافعيَّ - وهو الحجازيُّ - قال: الشرابان واحد: النبيذ والخمر، فيحرم قليلُ كلٍّ منهما وكثيره.\nفركّب هو مِنْ بين قوليهما قولًا ثالثًا، لكنَّه رافع للمجمع عليه: وهو وفاق الشافعي على أن الشرابين واحد، لكن لا في الحرمة، بل في الحلِّ، فهو مع أبي حنيفة في تحليل النبيذ غير المسكر، ومع الشافعي في أنَّ المسكرَ والخمرَ مثلُ النبيذ، ومخالف لهما في حرمة المثلَّث؛ فيقول: مثله، لكن في الحل، والشافعي - ﵁ - يقول: مثله، لكن في الحرمة، فهذا أبو نواس لم يقصد إلا نوعًا من المجون\".","vol":"2","page":1068},{"text":"المصريين مِن المالكيةِ (^١).\nوذَكَرَ أحدُ متأخري الشافعيةِ - كما نقله عنه الشيخُ محمد الباني - أنَّ القولَ بمنعِ التلفيقِ هو المعتمد عند الشافعيةِ والحنفيةِ والحنابلةِ (^٢).\nوذَهَبَ إلى القولِ الأول جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: إمامُ الحرمين الجويني - إذ نصَّ على عدمِ جوازِ الخروجِ عن المذهب (^٣) - ويحيى الزناتي (^٤)، وشهابُ الدين القرافي (^٥)، وابنُ دقيق العيد (^٦)، وتقيُّ الدين السبكي (^٧)، وأبو إسحاقَ الشاطبي (^٨)، وقاسم قطلوبغا (^٩)، وابنُ حجر الهيتمي (^١٠)\n_________\n(^١) انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٢٠).\n(^٢) انظر: عمدة التحقيق (ص/ ١١٠).\n(^٣) انظر: مغيث الخلق (ص/١٣).\n(^٤) انظر: شرح تنقيح الفصول (ص/ ٤٣٢). وقد نسب ابن أمير الحاج في: التقرير والتحبير (٣/ ٣٥٢) إلى الروياني القول بمنع التلفيق.\nورجح الشيخ محمد السنهوري في: التلفيق بين أحكام المذاهب، مجلة البحوث الإسلامية بالأزهر (١/ ٨٢) أنَّ هذا تحريف من: \"الزناتي\"؛ إذ لم ينسب أحد علماء الشافعية هذا القول إلى الروياني، وقد ذكر ابن أمير الحاج تعليق القرافي عليه، والقرافي إنما علّق على كلام الزناتي. وما قاله الشيخ محمد السنهوري متجه.\n(^٥) انظر: نفائس الأصول (٩/ ٤١٤٨)، والإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام (ص/ ٢٣٣ - ٢٣٤).\n(^٦) انظر: البحر المحيط (٦/ ٣٢٢).\n(^٧) انظر: فتاوى تقي الدين السبكي (١/ ١٤٧).\n(^٨) انظر: الموافقات (٥/ ١٠٣).\n(^٩) نسب الشيخ محمد السنهوري في: التلفيق بين أحكام المذاهب، مجلة البحوث الإسلامية بالأزهر (١/ ٨٤) القول بالمنع إلى قاسم قطلوبغا.\nوقاسم قطلوبغا هو: قاسم بن قطلوبغا بن عبد الله السودوني الجمالي المصري، زين الدين أبو العدل، ولد بالقاهرة سنة ٨٠٢ هـ كان فقيهًا حنفيًا متقنًا، وأصوليًا متمكنًا، ومحدثًا حافظًا، ومؤرخًا متفننًا، انتهت إليه رئاسة المذهب الحنفي، تصدر للتدريس والإفتاء، من مؤلفاته: تاج التراجم، وتحرير الأنظار في أجوبة ابن العطار، وتخريج أحاديث بداية الهداية، وشرح منظومة ابن الجزي، ونزهة الرائض في أدلة الفرائض، توفي سنة ٨٧٩ هـ. انظر ترجمته في: الضوء اللامع للسخاوي (٦/ ١٨٤)، وشذرات الذهب لابن العماد (٧/ ٣٢٦)، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ ٥٦٤)، وفهرس الفهارس والأثبات للكتاني (٢/ ٩٧٢).\n(^١٠) انظر: الفتاوى الكبرى الفقهية (٤/ ٧٦، ٣٢٦).","vol":"2","page":1069},{"text":"وإبراهيمُ اللقاني (^١)، والحصكفي (^٢)، ومحمدٌ السفاريني (^٣)، وابنُ عابدين (^٤)، وعلويّ السقاف (^٥)، ومحمدُ بنُ عثمان الحكيم (^٦)، والدكتور بدران أبو العينين (^٧).\nوقد نَسَبَ مرعي الحنبلي هذا القولَ إلى كثيرٍ مِن العلماءِ (^٨). ونَسَبَه محمد الملا فرُّوخ إلى فضلاءِ عصرِه (^٩). ونَسَبَه الدكتورُ وهبة الزحيلي إلى أكثرِ المتأخرين (^١٠).\nالقول الثاني: أن التلفيقَ جائزٌ.\nجَعَلَ ابنُ نجيمٍ هذا القولَ هو المذهب عند الحنفيةِ (^١١). ونَسَبَه محمد الملا فرُّوخ إلى أئمةِ الحنفيةِ، وإلى الشافعيةِ (^١٢). وبيّنَ الدسوقيُّ المالكي أنَّ القولَ بجوازِ التلفيقِ هو طريقة المغاربةِ مِن المالكية، وهي المرجَّحةٌ (^١٣).\nوذَكَرَ أحدُ متأخري الشافعية - كما نقله عنه الشيخُ محمد الباني - أنَّ في كلِّ مذهبٍ مِن المذاهبِ قولًا بجوازِ التلفيقِ (^١٤).\n_________\n(^١) انظر: منار أصول الفتوى (ص/ ٢١٤).\n(^٢) انظر: الدر المختار (١/ ٢٤٤) مع رد المحتار.\n(^٣) انظر: التحقيق في بطلان التلفيق (ص/ ١٧١).\n(^٤) انظر: رد المحتار على الدر المختار (١/ ٢٤٤).\n(^٥) انظر: الفوائد المكية (ص/ ٨٥)، ومختصرها (ص/ ٤٢).\n(^٦) انظر: فتاوى علماء الأحساء (١/ ٣٧٦).\n(^٧) انظر: أصول الفقه (ص/ ٤٩٠).\n(^٨) انظر: فتيا له (ص/١٥٩) مطبوعة مع التحقيق في بطلان التلفيق.\n(^٩) انظر: القول السديد (ص/ ١٣٢).\n(^١٠) انظر: الأخذ بالرخص الشرعية وحكمه، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (١/ ٦٦).\n(^١١) انظر: رسائل ابن نجيم (ص/ ٢٤٠)، والقول السديد للملا فروخ (ص/ ١٤٩)، وعمدة التحقيق للباني (ص/ ١٠٨).\n(^١٢) انظر: القول السديد (ص/ ١٤٨).\n(^١٣) انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٢٠).\n(^١٤) انظر: عمدة التحقيق (ص/ ١١٠).","vol":"2","page":1070},{"text":"وذَكَرَ منيبٌ النابلسي - كما نقله عنه الشيخُ محمد الباني - أنَّه وَجَدَ كثيرًا مِنْ علماءِ الحنفيةِ المتأخرين يُفتون بجوازِ التلفيقِ (^١).\nوهذا القول هو ظاهرُ اختيارِ ابنِ الهمامِ الحنفي (^٢)، وذَهَبَ إليه: ابنُ أمير الحاج (^٣)، وابنُ نجيم (^٤)، وأمير باد شاه (^٥)، ومحمد الملا فرُّوخ (^٦)، وجمالُ الدين القاسمي (^٧).\nواختاره أيضًا: بعضُ حنفيةِ خوارزم (^٨)، وبعضُ المالكيةِ (^٩)، وبعضُ الشافعيةِ (^١٠).\nويُلحقُ بأربابِ هذا القولِ مَنْ جوَّز التلفيقَ بشرطِ أنْ لا يقصدَ الملفّقُ تتبعَ الرخصِ؛ إذ كثيرٌ مِنْ أربابِ القولِ الثاني يقولون بمنعِ تتبعِ الرخصِ.\nوممَّنْ جوّزَ التلفيقَ بشرطِ عدمِ تتبعِ الرخصِ: مرعي الحنبلي (^١١)، والشيخُ حسن الشطي (^١٢)\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (ص/ ١٠٧).\n(^٢) انظر: التحرير (٤/ ٢٥٤) مع شرحه تيسير التحرير.\n(^٣) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٥١).\n(^٤) انظر: رسائل ابن نجيم (ص/ ٢٤٠)، والقول السديد للملا فروخ (ص/ ١٤٩).\n(^٥) انظر: تيسير التحرير (٤/ ٢٥٤).\n(^٦) انظر: القول السديد (ص/ ١٣٢).\n(^٧) انظر: الفتوى في الإسلام (ص/ ١٤٥).\n(^٨) انظر: القول السديد للملا فروخ (ص/ ١٣٢)، والفتاوى البزازية (٤/ ٤٤).\n(^٩) انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٢٠)، وعمدة التحقيق للباني (ص/ ١٠٩).\n(^١٠) انظر: عمدة التحقيق للباني (ص/ ١١٠).\n(^١١) انظر: فتيا له (ص/ ١٦٠) مطبوعة مع التحقيق في بطلان التلفيق.\n(^١٢) هو: حسنٍ بن عمر بن معروف بن عبد الله الشطي، أصله من بغداد، ولد بدمشق سنة ١٢٠٥ هـ كان علامة فقيهًا فرضيًا محدثًا مسندًا ثقة ثبتًا ورعًا زاهدَّا، انتهت إليه رئاسة المذهب الحنبلي في قطره، أخذ عن علماء دمشق، وتصدر للتدريس والإفادة في داره، وفي محراب الحنابلة بالجامع الأموي، وتخرج به الطلاب، له حظ وافر من التصوف، من مؤلفاته: منحة مولى الفتح في تجويد زوائد الغاية والفتح، وأقرب المسالك لبيان المناسك على المذهب الحنبلي، وشرح على الكافي في العروض، ورسالة في فسخ النكاح، ورسالة في البسملة، توفي بدمشق =","vol":"2","page":1071},{"text":"- كما نسبه إليه الشيخُ محمد الباني (^١) - والدكتورُ سيد الأفغانستاني (^٢).\nالقول الثالث: التفصيل في المسألة، وهنا عدة اتجاهات:\nالاتجاه الأول: يجوز التلفيقُ في التقليدِ بشرطين:\nالشرط الأول: أنْ لا يستلزمَ التلفيقُ نقضَ حكمِ الحاكمِ.\nالشرط الثاني: أنْ لا يستلزم التلفيقُ الرجوعَ عمَّا عمل به المكلَّفُ تقليدًا، أو عنْ لازمِه الإجماعي.\nوهذا قولُ منيب النابلسي، كما نقله عنه الشيخ محمد الباني (^٣).\nمثال الشرط الثاني:\nأ - مثال التلفيق الذي يستلزم الرجوع عما عمل به المكلف تقليدًا:\nلو قالَ الرجلُ لامرأتِه: أنتِ طالقٌ البتة، وهو يراها ثلاثًا، فأمضى رأيَه فيما بينه وبينها، وعَزَمَ على أنَّها حَرُمَتْ عليه، ثمَّ رأى بعد ذلك أنَّها تطليقةٌ رجعية، أمضى رأيه الذي عَزَمَ عليه، وليس له أنْ يردَّها إلى أنْ تكون زوجته برأي حَدَثَ بعدُ.\nوكذلك لو كان يراها تطليقة واحدة، فعَزَمَ على أنَّها امرأته، ثمَّ رأى بعد ذلك أنَّها ثلاثٌ، لم تحرمْ عليه (^٤).\nويشكلُ على المثالِ الذي مثَّل به أربابُ هذا الاتجاه أنَّ ما عمله\n_________\n= سنة ١٢٧٤ هـ. انظر ترجمته في: حلية البشر للبيطار (١/ ٤٧٨)، وعمدة التحقيق للباني (ص/ ٩٧)، والسحب الوابلة لابن حميد (١/ ٣٥٩)، ومنتخبات التواريخ الدمشقية لمحمد أديب (٢/ ٦٤٧)، والأعلام للزركلي (٢/ ٢٠٩)، والفتح المبين للمراغي (٣/ ١٥٤)، وتسهيل السابلة لابن عثيمين (٣/ ١٦٩٧)، وذيل النعت الأكمل (ص/ ٣٦٧).\n(^١) انظر: عمدة التحقيق (ص/ ١١١).\n(^٢) انظر: الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه (ص/ ٥٥٦).\n(^٣) انظر: عمدة التحقيق (ص/١٠٨، ١٠٩).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (ص/ ١١١، ١٢١).","vol":"2","page":1072},{"text":"المطلِّق مِنْ تغييرِ رأيه ليس مِنْ قبيلِ التقليدِ؛ لأنَّه رأي رآه، ولو عبّروا بالتقليدِ لكانَ مثالُهم سالمًا.\nب - مثال التلفيق الذي يستلزم الرجوع عن التقليد في اللازم الإجماعي:\nلو قلَّد رجلٌ الإمامَ أبا حنيفة في النكاحِ بلا وليٍّ، دَخَلَ في تقليدِه: صحةُ إيقاعِ الطلاقِ؛ لأنَّها لازمةٌ لصحةِ النكاحِ إجماعًا، فلو طلّقَ زوجتَه ثلاثًا، ثمَّ ارادَ تقليدَ الإمامِ الشافعي في عدمِ وقوعِ الطلاقِ؛ لكونِ النكاحِ بلا وليٍّ، فليس له ذلك؛ لكونِه رجوعًا عن التقليدِ في اللازمِ الإجماعي (^١).\nالاتجاه الثاني: يجوزُ التلفيقُ في التقليدِ في أمورِ النكاحِ والأنسابِ بثلاثةِ شروطٍ:\nالشرط الأول: أنْ لا يتتبع الملفّقُ الرخصَ عمدًا.\nالشرط الثاني: أنْ لا يستلزمَ التلفيقُ نقضَ حكمِ الحاكمِ.\nالشرط الثالث: أنْ لا يستلزمَ التلفيقُ الرجوعَ عما عمل به المكلَّفُ تقليدًا، أو عن لازمِه الإجماعي (^٢).\nويجوزُ التلفيقُ إذا كانت المسألةُ مِنْ قبيلِ العباداتِ والتكاليفِ بشرطِ: عدمِ تتبعِ الرُّخصِ.\nوهذا ما ذهب إليه الشيخُ محمدٌ الباني (^٣).\nوقد نصَّ على أنَّ الحاكمَ الذي ينفذُ حكمُه هو القاضي الذي تجتمع فيه شروطُ القاضي، أمَّا إذا لم تجتمع فيه جميعُ شروطِ القاضي أو بعضها، فلا ينفذُ حكمُه، وعليه لا مانعَ مِن التلفيقِ الذي يستلزمُ نقضَ حكمٍ غيرِ نافذٍ شرعًا (^٤).\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (ص/ ١١١، ١٢١ - ١٢٢).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (ص/ ١٢١).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (ص/ ١٢١، ١٢٤ - ١٢٥).\n(^٤) انظر: المصدر السابق.","vol":"2","page":1073},{"text":"وقد أوضحَ الشيخ محمدٌ الباني المرادَ مِن اللازم الإجماعي، فقالَ: \"المرادُ مِن اللازمِ الإجماعي في هذه الصورةِ فيما ظهر لي: أنَّ الإمامَ الشافعي لا يحكمُ ببطلانِ هذا النكاح بعدَ وقوعِه، وإنْ كان يشترطُ الوليَّ في الابتداءِ، بلْ يقرّه؛ لئلا تكونَ أنكحة الأحنافِ باطلةً عنده، وليس كذلك، وإذا كانَ يقرّه بعدَ الوقوعِ يكون الطلاقُ ثلاثًا صحيحًا بإجماعِ الإمامين، فالتلفيقُ في هذه الصورةِ رجوعٌ عن التقليدِ في اللازمِ الإجماعي\" (^١).\nثم أنَّ البانيَّ خَتَمَ حديثَه عن التلفيق بعد صفحات ليست بالقليلة، فقالَ: \"وقد تبيَّنَ ممَّا بسطتُه في فصولِ هذا الكتاب ... أنَّ ضابطَ جوازِ التلفيقِ وعدم جوازه هو: أنَّ كلَّ ما أفضى إلى تقويضِ دعائمِ الشريعةِ والقضاءِ على سياستها وحكمتها: فهو محظورٌ.\nأمَّا إذا كانَ التلفيقُ يؤيّد دعائمَ الشريعة، وما ترمي إليه حكمتُها وسياستُها الكفيلتان بسعادةِ العبادِ في الدارين تيسيرًا عليهم في العباداتِ وصيانةً لمصالِحهم في المعاملاتِ: فهو المطلوبُ\" (^٢).\nوقد تبع الشيخَ محمدًا الباني الدكتورُ وهبة الزحيلي (^٣)، وخليل الميس (^٤)، والدكتور محمد الحفناوي (^٥).\nوقد نَقَلَ الدكتورُ وهبة الزحيلي (^٦)، وخليل الميس (^٧) الضابطَ الذي قرره محمد الباني.\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص/ ١١٢).\n(^٢) المصدر السابق (ص/ ١٣٩).\n(^٣) انظر: الأخذ بالرخص الشرعية وحكمه، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (١/ ٦٩ - ٧١، ٧٣)، وأصول الفقه (٢/ ١١٤٨ - ١١٥٣).\n(^٤) انظر: التلفيق، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (١/ ١٦٨، ١٨٢).\n(^٥) انظر: تبصير النجباء (ص/ ٢٦٧ - ٢٦٨).\n(^٦) انظر: الأخذ بالرخص الشرعية وحكمه، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (١/ ٦٩ - ٧١، ٧٣)، وأصول الفقه (٢/ ١١٤٨ - ١١٥٣).\n(^٧) انظر: التلفيق، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (١/ ١٦٨، ١٨٢).","vol":"2","page":1074},{"text":"الاتجاه الثالث: يجوزُ التلفيقُ بشرطين:\nالشرط الأول: أنْ لا يكونَ الباعثُ عليه الهوى وتتبعُ الرخصِ.\nالشرط الثاني: أنْ يكونَ غيرَ مقصودٍ.\nوهذا ما ذَهَبَ إليه الشيخُ عبدُ الرحمن المعلمي (^١).\nالاتجاه الرابع: أن التلفيقَ ممنوعٌ في الأحوال الآتية:\nالأولى: إذا أدَّى إلى الأخذِ بالرخصِ؛ لمجردِ الهوى.\nالثانية: إذا أدَّى إلى نقضِ حكمِ القضاءِ.\nالثالثة: إذا أدَّى إلى نقضِ ما عمل به تقليدًا في واقعةٍ واحدةٍ.\nالرابعة: إذا أدَّى إلى مخالفةِ الإجماعِ أو ما يستلزمه.\nالخامسة: إذا أدَّى إلى حالةٍ مركبةٍ لا يقرها أحدٌ مِن المجتهدين.\nوهذا ما صَدَرَ به قرارُ مجمعِ الفقه الإسلامي (^٢).\nومؤدّى قولِهم - مِنْ وجهةِ نظري - إلى القولِ بمنعِ التلفيقِ مطلقًا؛ لأنَّ التلفيقَ يؤدي إلى حالةٍ مركبةٍ لا يقرها أحدٌ من المجتهدين، إلا إنْ أرادوا بهذه الحالةِ ما تقدم في تحريرِ محلِّ النزاعِ من ترتب استباحة المحرمات على القولِ بالتلفيقِ.\n_________\n(^١) انظر: التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل (٢/ ٣٨٤). والشيخ عبد الرحمن المعلمي هو: عبد الرحمن بن يحيى بن علي بن أبي بكر المعلمي العتمي اليماني، أبو عبد الله، ولد بالمحاقرة قرية من قرى اليمن سنة ١٣١٣ هـ كان أحد كبار العلماء المحققين، علامةً فقيهًا محققًا محدثًا عارفًا برجال الحديث، وبألفاظ الجرح والتعديل، سلفي المعتقد، تنقل بين عدة مدن، كجيزان ومكة وحيدر أباد، اشتغل بتحقيق الكتب وإخراجها، وفي عام ١٣٧٣ هـ أصبح أمين مكتبة الحرم المكي الشريف، وبقي أمينًا إلى أن مات، وقد لقب بشيخ الإسلام، من مؤلفاته: التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل، وعلم الرجال وأهميته، والأنوار الكاشفة بما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل. والمجازفة، توفي بمكة المكرمة سنة ١٣٨٦ هـ. انظر ترجمته في: الأعلام للزركلي (٣/ ٣٤٢)، ومقدمة تحقيق التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل (١/ ٩)، والشيخ عبد الرحمن المعلمي وجهوده في السنة للسماري (ص/ ٨)، ومقدمة النكت الجياد لإبراهيم الصبيحي (ص/ ١٨).\n(^٢) انظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (١/ ٦٤٠).","vol":"2","page":1075},{"text":"• أدلة الأقوال:\nأدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ (القائلين بمنع التلفيق مطلقًا):\nاستدلَّ أصحابُ القول الأول بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: إجماعُ العلماءِ على القولِ بمنعِ التلفيقِ في التقليدِ؛ إذ لم يقلْ بصحةِ فعلِ الملفق أحد من المجتهدين (^١)، فالحكمُ الملفّقُ باطل بالإجماعِ (^٢).\nيقولُ ابنُ حجرٍ الهيتمي: \"إنَّ كثيرين يقلدون الأئمةَ في بعضِ المسائل، ولا يراعون ذلك - أي: سائر ما يقول به المجتهد الذي قلده - فيقعون في ورطةِ التلفيقِ، فتبطلُ أفعالُهم بالإجماعِ\" (^٣).\nويقول الحصكفي: \"الحكمُ الملفّقُ باطلٌ بالإجماعِ\" (^٤).\nمناقشة الدليل الأول: لا نُسَلّم صحةَ الإجماعِ المذكورِ في الدليلِ، ولا يمكنُ لأحدٍ أنْ يدعيه مع وجودِ المخالفِ في المسألةِ، فقد نَقَلَ الخلافَ فيها جمعٌ مِن العلماءِ (^٥)؛ ولذا قالَ ابنُ عابدين معلِّقًا على دعوى الحصكفي الإجماع: \"على أنَّ في دعوى الاتفاقِ نظرًا\" (^٦).\nويقولُ الشيخُ محمد السنهوري معلِّقًا على دعوى الإجماعِ: \"وهي\n_________\n(^١) انظر: فتاوى تقي الدين السبكي (١/ ١٤٧)، ورفع النقاب للشوشاوي (٦/ ٥٢).\n(^٢) انظر: الدر المختار للحصكفي (١/ ٢٤٤) مع رد المحتار، وعمدة التحقيق للباني (ص/ ١٠٦، ١١٠)، وفتاوى علماء الأحساء (١/ ٣٧٧)، والتلفيق بين أحكام المذاهب للسنهوري، مجلة البحوث الإسلامية بالأزهر (١/ ٨٤)، وموقف الأصوليين من التلفيق للدكتور محمد الدويش (ص/ ٢٢٨)، والأخذ بالرخص الشرعية وحكمه للدكتور وهبة الزحيلي، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (١/ ٦٨).\n(^٣) الفتاوى الكبرى الفقهية (٤/ ٧٦)، وانظر منه: (٤/ ٣٢٦).\n(^٤) الدر المختار (١/ ٢٤٤).\n(^٥) انظر: عمدة التحقيق للباني (ص/ ١٠٨، ١٠٦).\n(^٦) رد المحتار على الدر المختار (١/ ٢٤٦).","vol":"2","page":1076},{"text":"دعوى جريئةٌ؛ فجميعُ مَنْ تكلموا في هذا مِنْ أهلِ العلمِ المقلِّدين، وليس مِنْ بينهم أحد مِنْ أهلِ الإجماعِ، على أنَّ مَنْ تكلموا فيها قد اختلفوا اختلافًا بيّنًا\" (^١).\nويمكن أنْ يضاف وجه آخر في المناقشة: لا يرادُ مِن إطلاقِ الإجماعِ الموجودِ في عباراتِ بعضِ العلماءِ من أصحابِ القولِ الأولِ إجماعُ العلماءِ على القولِ بمنعِ التلفيقِ، بل الظاهرُ إرادتهمَ إجماعَ الإمامين على القولِ ببطلانِ ما صَدَرَ عن الملفّقِ - وبناءً عليه لا فرق بين هذا الدليل والدليل الثاني الآتي بعد قليل - يُؤكّدُ هذا الأمر:\nأولًا: لم تردْ عبارةٌ صريحةٌ - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادر - في ادِّعاء إجماعِ العلماءِ على القولِ بمنعِ التلفيقِ.\nثانيًا: وَرَدَ استعمالُ الإجماعِ مرادًا به إجماع الإمامين فحسب، كما قالَ الشيخُ محمد الباني: \" ... وإذا كان يقرّه بعدَ الوقوعِ يكون الطلاقُ ثلاثًا صحيحًا بإجماعِ الإمامين ... \" (^٢).\nثالثًا: يبعدُ كل البُعْد أنْ يحكي مَنْ عَرَفَ المسألةَ الإجماعَ فيها على قولٍ معيَّنٍ، فالخلافُ فيها مشهور عند المذاهبِ.\nالدليل الثاني: إذا جَمَعَ المكلَّفُ بين قولي مجتهدين في مسألةٍ واحدةٍ، كالطهارةِ مثلًا - وقد تقدم التمثيل بها - فإنَّ كلا المجتهدينِ اللذينِ قلَّدهما المكلَّفُ لو سُئِلَ أحدُهما عن صلاةِ الملفِّقِ التي أدَّها؟ فسيقولُ ببطلانِها (^٣).\n_________\n(^١) التلفيق بين أحكام المذاهب، مجلة البحوث الإسلامية بالأزهر (١/ ٨٣)، وانظر منه: (١/ ٨٦).\n(^٢) المصدر السابق (ص/ ١١٢).\n(^٣) انظر: نفائس الأصول (٩/ ٤١٤٨)، والإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام للقرافي (ص/ ٢٣٤ - ٢٣٣)، وفتيا لمرعي الحنبلي (ص / ١٥٩) مطبوعة مع التحقيق في بطلان التلفيق، والقول السديد لمحمد فروخ (ص/ ١٣٢)، والأخذ بالرخص الشرعية وحكمه للدكتور وهبة الزحيلي، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (١/ ٦٨).","vol":"2","page":1077},{"text":"مناقشة الدليل الثاني: نوقش الدليل الثاني من وجهين:\nالوجه الأول: إنَّما يقولُ المجتهدُ ببطلانِ صلاةِ الملفِّقِ، إذا أخَذَ الملفِّقُ بالأمرِ الذي حَكَمَ المجتهدُ ببطلانِه، أمَّا إنْ قلَّد الملفِّقُ غيرَ هذا المجتهدِ، فلا يحكمُ ببطلانِ صلاتِه حينئذٍ؛ لأنَّه أَخَذَ بقولِ مجتهدٍ آخر.\nوكذلك المجتهد الآخر يقولُ كقولِ المجتهدِ الأولِ، وبناءً عليه تبطلُ دعواكم إن كلا المجتهدين يقولُ ببطلانِ صلاةِ الملفّقِ (^١).\nالجواب عن الوجه الأول: لا نُسلّم لكم أن المجتهدَ يقيّدُ القولَ ببطلانِ الصلاةِ بارتكابِ الملفِّق ما يفسدها، بلْ يطلقُ القولَ ببطلانِها (^٢).\nالرد على الجواب: إنَّ قولَ المجتهدِ ببطلانِ الصلاةِ لا يتوجه إلى المجتهدِ الذي خالفه فيما ذَهَبَ إليه، وكذلك لا يتوجه قولُه إلى مَنْ قلَّدَ هذا المجتهد؛ إذ الملفِّق قد صَنَعَ مثل ما صَنَعَ المجتهد الآخر (^٣).\nالوجه الثاني: القولُ ببطلانِ الصورةِ الملفَّقة عند المجتهدين اللذين قلَّدهما المكلَّفُ، غيرُ مسلَّم؛ فإنَّ الإمامَ مالكًا مثلًا لم يقلْ: إن مَنْ قلَّدَ الشافعيَّ في عدمِ الصداقِ، فنكاحُه باطلٌ؛ وإلا لَزِمَ منه أنْ تكونَ أنكحةُ الشافعيةِ عنده باطلةً، ولم يقل الإمامُ الشافعي: إن مَنْ قلَّد مالكًا في عدمِ الإشهادِ في النكاحِ، فنكاحُه باطلٌ؛ وإلا لَزِمَ منه أنْ تكونَ أنكحةُ المالكيةِ عنده باطلةً (^٤).\nالجواب عن الوجه الثاني: إنَّ القولَ بأنَّ الإمامَ مالكًا والإمام الشافعي لا يبطلانِ نكاحَ مَنْ قلَّدَ أحدَهما واردٌ في حقِّ مَنْ قلَّدَ أحدهما وراعى مذهبَه في جميعِ ما تتوقفُ عليه صحةُ العملِ، أمَّا في التلفيقِ في\n_________\n(^١) انظر: القول السديد لمحمد فروخ (ص/ ١٣٩).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (ص/ ١٤٠).\n(^٣) انظر: المصدر السابق.\n(^٤) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٥٢)، وتيسير التحرير (٤/ ٢٥٤ - ٢٥٥)، والاجتهاد ومدى حاجتنا إليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ٥٥٥).","vol":"2","page":1078},{"text":"التقليدِ، فإنَّ المقلِّدَ قد قلّدهما في شيءٍ، وخالف كلًّا منهما في شيءٍ آخر (^١).\nالرد على الجواب: في صورةِ التلفيق لا يجدُ المجتهدُ جميعَ ما شُرِطَ في صحةِ فعلِ المكلَّفِ، بلْ يجدُ بعضَها دونَ بعضٍ، وهذا الفارق بين الحالتين لا يُوجبُ القولَ بأنَّ المجتهدَ يقولُ ببطلانِ ما صَدَرَ عن المكلَّفِ؛ إذ المخالفةُ في بعضِ الشروطِ أهونُ مِن المخالفةِ في جميعِها، فيلزم الحكم بالصحةِ في الأهونِ؛ بطريقِ الأَوْلى (^٢).\nالاعتراض على الرد: لا نُسَلّمُ أنْ المخالفةَ في بعضِ الشروطِ أهونُ مِن المخالفةِ في جميعِها (^٣).\nالجواب عن الاعتراض: إنه يتمُّ لكم الاعتراض إنْ كانَ معكم أيّها المانعون مِن التلفيقِ دليلٌ - مَنْ نصٍّ أو إجماعٍ أو قياسٍ قوي - ناهضٌ يدلُّ على أنَّ العملَ إذا كانَ له شروطٌ فيجبُ على المقلّدِ اتباع مجتهدٍ واحدٍ في جميعِ ما تتوقف عليه صحةُ العملِ (^٤).\nالدليل الثالث: لو قلنا بجوازِ التلفيقِ في التقليدِ لأدَّى ذلك إلى إفسادِ الشريعةِ، والتلاعبِ فيها (^٥)، واستباحة جُلِّ المحرماتِ! وأيّ بابٍ أفسد مِنْ باب يبيح الزنا؟ ! وَيبيح الخمر؟ ! ووجه التلفيق المؤدي إليه: يمكنُ للرجلِ أنْ يراودَ امرأةً عن نفسِها، فتجيبَه إلى ذلك، فيقلّد الإمامَ أبا حنيفةَ في صحةِ عقدِها على نفسِها، ويقلِّدُ الإمامَ مالكًا في عدمِ اشتراطِ الشهودِ، وفي هذه الحالة أمكن للرجلِ أنْ يزني بامرأةٍ ولا جُرْمَ عليه، وهذا لا يقولُ بجوازِه عاقلٌ، وكلُّ ما أدَّى إلى محظورٍ، فهو محظورٌ (^٦).\n_________\n(^١) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٥٢)، وتيسير التحرير (٤/ ٢٥٥).\n(^٢) انظر: تيسير التحرير (٤/ ٢٥٥).\n(^٣) انظر: المصدر السابق.\n(^٤) انظر: المصدر السابق.\n(^٥) انظر: مقدمة ابن خَلدون (٣/ ١٠٥١).\n(^٦) انظر: التحقيق في بطلان التلفيق للسفاريني (ص/ ١٧١ - ١٧٢).","vol":"2","page":1079},{"text":"مناقشة الدليل الثالث: ما ذكرتموه خارجٌ عن محلِّ النزاعِ، وهو محرَّمٌ بالاتفاقِ، كما تقدم بيانُه في تحريرِ محل النزاعِ (^١).\nأدلةُ أصحابِ القولِ الثاني (القائلين بجواز التلفيق مطلقًا):\nاستدلَّ أصحابُ القول الثاني بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: أن الأصلَ الجوازُ، ولم يقمْ دليلٌ على منعِ التلفيقِ (^٢)، يقولُ محمد الملا فروخ: \"لم أجدْ على امتناعِ ذلك - أي: التلفيق - بُرْهَانًا\" (^٣).\nالدليل الثاني: أنَّه لم يُنقلْ عن أحدِ مِنْ علماءِ الصحابةِ - ﵃ -، ولا عن التابعين - مَعَ كثرتِهم وتباين آرائهم وشدة تورعهم - أنَّه قالَ لمَنْ استفتاه: الواجبُ عليك أنْ تراعي أحكامَ مذهب مَنْ قلَّدته؛ لئلا تَقَعَ في التلفيقِ، بلْ كانَ حالُهم أنَّ الواحدَ منهم يُفْتِي بما يراه صوابًا، ولا يفضل للمستفتي بوجوبِ مراعاةِ قولِه، ولو كان التلفيقُ في التقليدِ غيرَ جائزٍ، لما أهملوا توضيحَه (^٤)، ولم يُؤْثَرْ هذا أيضًا عن الأئمةِ الأربعةِ (^٥)، فكان إجماعًا على جوازِ التلفيقِ (^٦).\nالدليل الثالث: أنَّ القولَ بمنعِ التلفيقِ لم يعرفْه السلفُ، ولا أئمةُ الخلفِ (^٧)، فالذاهبُ إليه مخالفٌ لعملِ السلفِ.\n_________\n(^١) انظر: معيد النعم لابن السبكي (ص/ ١٠٣)، وعمدة التحقيق للباني (ص/ ١٠٤).\n(^٢) انظر: فتيا لمرعي الحنبلي (ص/١٦٨) مطبوعة مع التحقيق في بطلان التلفيق.\n(^٣) القول السديد (ص/ ١٣٢).\n(^٤) انظر: فتيا لمرعي الحنبلي (ص/ ١٦٠) مطبوعة مع التحقيق في بطلان التلفيق، وعمدة التحقيق للباني (ص/ ٩٢)، والأخذ بالرخص الشرعية وحكمه للدكتور وهبة الزحيلي، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (١/ ٦٦).\n(^٥) انظر: عمدة التحقيق للباني (ص/ ٩٢).\n(^٦) انظر: الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ٥٥٦).\n(^٧) انظر: الفتوى في الإسلام للقاسمي (ص/ ١٤٥).","vol":"2","page":1080},{"text":"الدليل الرابع: أنَّ القولَ بمنعِ التلفيقِ يُناقضُ مبدأين مشهورين في الشريعةِ، وهما:\nالمبدأ الأول: اختلافُ الأئمةِ رحمةٌ.\nالمبدأ الثاني: يسرُ الشريعةِ وسماحتها، وحرصُ الشرعِ على رفعِ الحرجِ، ودفعِ المشقةِ (^١).\nالدليل الخامس: أنَّ القولَ بمنعِ التلفيقِ يُؤدي إلى ضررٍ عظيمٍ، وهو القولُ ببطلانِ عباداتِ العوام، ووصفهم بالفسقِ؛ لتلبّسهم بعباداتٍ باطلةٍ، فمثلًا: مَنْ لفَّقَ في وضوئِه بين قولِ الإمامِ أبي حنيفة والإمامِ الشافعي، فإن طهارته لا تصحُّ عند المانعين مِن التلفيقِ، ومؤدّى هذا القولِ إبطالُ صلاةِ كثيرٍ مِن الناسِ، وفي هذا مِن المفاسدِ ما لا يخفى على أحدٍ (^٢).\nوقد استدلَّ القائلُ بجوازِ التلفيقِ بشرطِ: أن لا يتتبعَ الرخصَ: أنَّ الناسَ لا يَسَعُهم إلا القولُ بجوازِ التلفيق في هذه الحال؛ ومنعهم منه يوقعهم في حرجٍ شديدٍ (^٣).\nأدلةُ أصحاب القول الثالث (المفصِّلين في حكم التلفيق):\nذَكَرَ بعضُ أصحابِ الاتجاهات أدلةً على ما ذهبوا إليه، وأغفَلَ آخرون ذكرَ أدلتِهم، ولعَل مَنْ أغفلَ ذكر أدلته نَظَرَ إلى أنَّه تجتمعُ أدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ، وأدلةُ أصحاب القول الثاني في القولِ الذي ذَهَبَ إليه.\n_________\n(^١) انظر: عمدة التحقيق للباني (ص/ ٩٥)، والأخذ بالرخص الشرعية وحكمه للدكتور وهبة الزحيلي، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (١/ ٦٧)، وتعليق محققي القول السديد لملا فروخ (ص/ ٨٠)، ط: دار الدعوة.\n(^٢) انظر: عمدة التحقيق للباني (ص/ ٩٨)، وتعليق محققي القول السديد لملا فروخ (ص/ ٨٠)، ط: دار الدعوة.\n(^٣) انظر: فتيا لمرعي الحنبلي (ص/١٦٧) مطبوعة مع التحقيق في بطلان التلفيق.","vol":"2","page":1081},{"text":"دليل أصحاب الاتجاه الأول:\nيستدلون للشرطِ الأولِ: (أنْ لا يستلزم التلفيقُ نقضَ حكم الحاكم): بمصلحةِ استقرارِ الأحكامِ، ودرءًا للفوضى، ولأنَّ حكمَ الحاكمِ يرفعُ الخلافَ (^١).\nويستدلون للشرطِ الثاني: (أنْ لا يستلزمَ التلفيقُ الرجوعَ عمَّا عمل به المكلَّفُ تقليدًا، أو عن لازمِه الإجماعي): بأنَّنا نمنع التلفيقَ إنْ استلزمَ الرجوعَ عمَّا عمل به المكلَّفُ تقليدًا، أو عن لازمه الإجماعي؛ لأنَّه لا يجوزُ للمقلِّدِ الرجوع عمَّا عملَ به، بخلافِ ما لم يعملْ (^٢).\nأدلة أصحاب الاتجاه الثاني:\nيستدلُّ أصحابُ الاتجاه الثاني فيما فصّلوا فيه بأدلةِ أصحابِ الاتجاه الأول، ويستدلون للشرطِ الأولِ (وهو منع تتبع الرخص): بما تقدم في أدلةِ المانعين مِنْ تتبعِ الرخصِ.\nوأضافَ الشيخُ محمد الباني دليلًا على منعِ التلفيقِ إنْ استلزمَ الرجوع عمَّا عمل به المكلَّفُ تقليدًا، أو عن لازمِه الإجماعي في أبواب النكاح: بأنَّه يُحتاطُ في مسائلِ الفروجِ أكثر ممَّا يُحتاطُ في غيرِها؛ لأنَّ قضايا الفروجِ والأنسابِ لا يسوغُ أنْ تكونَ ألعوبةً بيدِ بعضِ المتفقهةِ الذين يتعاطون ردّ المطلقات بالتلفيقِ مهنةً لهم (^٣).\nفكأنّ القائلَ بهذا الاتجاه يستدل بقاعدةِ سدِّ الذرائعِ.\nأمَّا إذا لم تكن المسالةُ مِنْ أبواب النكاحِ والأنسابِ، فإنَّه يجوزُ التلفيق؛ لأدلةِ أصحابِ القولِ الثاني، ولرفعِ الحرجِ عن الناسِ.\n_________\n(^١) انظر: عمدة التحقيق للباني (ص/ ١٢١).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (ص/ ١٠٨).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (ص/ ١٢٢).","vol":"2","page":1082},{"text":"ويستدل لمنعِ تتبعِ الرخصِ بما تقدم في أدلةِ المانعين منه.\nدليل أصحاب الاتجاه الثالث: يستدلُّ القائلُ به بالدليلِ الثاني لأصحابِ القولِ الثاني - وهو: أنَّه لم يُنقلْ عن أحدٍ مِنْ علماءِ الصحابة - ﵃ -، ولا عن التابعين مَعَ كثرتِهم وتباين آرائهم وشدة تورعهم، أنَّه قالَ لمَنْ استفتاه: الواجبُ عليك أنْ تراعي أحكامَ مذهب مَنْ قلَّدته - ويحمله على أنَّ ما وَقَعَ فيه الناس من التلفيق بين آراء العلماء حين استفتائهم كان غيرَ مقصودٍ، وهذا إجماعٌ مِن السلفِ على جوازِه (^١).\n• الموازنة والترجيح:\nبالنظرِ إلى المسألةِ بأقوالها، وأدلتها، يظهرُ لي أن القولَ الراجح هو التفصيل الآتي:\nأولًا: بالنسبةِ إلى العامي الصِرْفِ، لا يمكن القولُ بمنعِه من التلفيقِ، وذلك لأن الغالبَ أنَّ وقوعَ العامي في التلفيق عن غيرِ قصدٍ؛ ومثلُ هذا لا يمكن منعُه؛ لإفضائِه إلى المشقةِ والحرجِ البالغين.\nإضافةً إلى أنّه لم يُنقلْ عن السلفِ الصالحِ ﵏ أنَّهم كانوا يرشدون العامّةَ إلى مراعاةِ أقوالِهم، لئلا يقعوا في التلفيقِ بين أقوالِ المفتين.\nوإنْ فُرِضَ وقوع العامي في التلفيقِ عن قصدٍ:\nفإنْ قارنه تتبع الرخصِ، فله حكم مسألة: (تتبع الرخص)، وقد تقدّمَ الحديثُ عنها.\nوإنْ خلا عن قصدِ تتبع الرخص، فليس له ذلك؛ لأنَّ الواجبَ عليه سؤالُ أهلِ العلمِ.\nثانيًا: بالنسبةِ للمتمذهبِ الذي لم يبلغْ درجةَ الاجتهادِ:\n_________\n(^١) انظر: التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل للمعلمي (٢/ ٣٨٤).","vol":"2","page":1083},{"text":"فإنْ ترجّح له ما ذَهَبَ إليه، فالقولُ في هذه الحالةِ كالقولِ في التلفيقِ في الاجتهادِ (^١).\nوإنْ قارنَ تلفيقَه تتبعٌ للرخصِ، فله حكمُ مسألةِ: (تتبع الرخص)، وقد تقدَّمَ الحديثُ عنها (^٢).\nأمَّا إنْ خلا عمَّا سبق، فإنْ وَقَعَ في التلفيقِ عن غيرِ قصدٍ، فلا حَرَجَ عليه، وإنْ قَصَدَه فالأحوطُ تركُه؛ خروجًا مِن الخلافِ.\nوقد رجحتُ ما سَبَقَ، للآتي:\nأولًا: القولُ بمنعِ التلفيقِ مطلقًا قولٌ لا يخلو مِنْ ضعفٍ، ولا سيما أنَّ أقوى ما يمكنُ أنْ يستدل به أصحابُ هذا القول هو دعوى الإجماعِ، ولم تسْلَمْ لهم هذه الدعوى.\nثانيًا: أن القولَ بمنعِ التلفيق مطلقًا - إضافةً إلى ضعفِه - أَوْقَعَ الناسَ في محظورٍ آخر، وهو تتبعُ الحيل، والبحث عنها؛ للتخلّصِ ممَّا وقعوا فيه، متورعين عن الوقوعِ في التلفيقِ (^٣)، ولو أنَّ المفتين لم يتحرجوا مِن القولِ بالتلفيقِ إنْ ظَهَرَ لهم رجحانُ القولِ الآخر - الذي لم يقو الدليل على منعه - لما وَقَعَ الناسُ في الحيلِ.\nثالثًا: أنَّ في عدمِ نقلِ منعِ التلفيقِ عن المتقدمين دلالةً على ضعفِ القولِ بمنعِه مطلقًا.\nرابعًا: يظهر لي أنَّ القولَ بمنع التلفيقِ الذي يستلزمُ نقضَ حكمِ الحاكمِ، أو الرجوع عمَّا عمل به المكلّفُ تقليدًا، أو عن لازمِه الإجماعي: خارجٌ عن صورةِ مسألةِ التلفيقِ أصلًا - وإنْ سلمتُ لهم الحكمَ الذي قالوه - إذ ما صَدَرَ عن المكلَّفِ في هذه الحالةِ هو رجوع عمَّا عمل، وليس تلفيقًا.\n_________\n(^١) انظر: فتاوى الإمام محمد رشيد رضا (٦/ ٢٥٧٣).\n(^٢) انظر: المصدر السابق.\n(^٣) انظر: عمدة التحقيق للباني (ص/ ١٤٠).","vol":"2","page":1084},{"text":"ولعلَّ الباعثَ لهم على إخراجِ هذه الصورة مِن الجوازِ؛ خشيةَ أنْ يظنَّ أحدٌ جوازَها؛ لأنَّها تلفيقٌ، وأنَّ أصحاب هذا القول لم ينصوا على منعِها، فمَنَعُوها خشيةً مِنْ ذلك.\nخامسًا: مَنْ جوَّزَ التلفيق بشرطين:\nالشرط الأول: أنْ لا يكون الباعثُ عليه الهوى وتتبع الرخص.\nالشرط الثاني: أنْ يكون غير مقصود.\nفإنَّ الشرط الثاني - فيما يظهر - يغني عن الشرط الأولِ؛ لأنَّ الأولَ لا يَقَعُ إلا عن قصدٍ.\n• نوع الخلاف:\nالخلافُ بين الأقوالِ خلافٌ معنوي، وقد ذَكَرَ جمالُ الدّينِ الإسنوي (^١) أثرَه في مسألة: إذا تزوج شخصٌ بلا وليّ؛ أخذًا بمذهبِ الإمامِ أبي حنيفةَ، وبلا شهودٍ؛ أخذًا بمذهبِ الإمامِ مالكٍ، ووطئ، فهلْ يُقام عليه الحدُّ؟\nمَنْ مَنَعَ التلفيقَ قال بإقامةِ الحدِّ عليه؛ لأنَّ الإمامين اتفقا على بطلانِ النكاحِ، ومَنْ جوّزَ التلفيقَ لم يُقِم الحدَّ عليه.\n• سبب الخلاف:\nيظهرُ لي مِنْ خلالِ تتبع المسألةِ بأقوالِها وأدلتِها أنَّ للخلافِ عدَّةَ أسباب، وأهمها صحة ادِّعاء اتفاقِ الإمامين على القولِ ببطلانِ ما صَدَرَ عن الملفّقِ.\nفإنْ قلنا: إنَّ الإمامين اتفقا على القولِ ببطلانِ ما صَدَرَ عن الملفِّقِ، منعنا التلفيقَ، وهذا ما ذَهَبَ إليه أصحابُ القولِ الأولِ.\n_________\n(^١) انظر: التمهيد في تخريج الفروع على الأصول (ص/ ٥٢٨).","vol":"2","page":1085},{"text":"وإنْ قلنا: إنَّ الإمامين لم يتفقا على القولِ ببطلانِ ما صَدَرَ عن الملفِّقِ، جوّزنا التلفيقَ، وهذا ما ذَهَبَ إليه أصحابُ القولِ الثاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>المسألة الثالثة: التلفيق في التقنين</span>\nمِن المسائلِ التي اهتمَّ بها المعاصرون مسألةَ: (التلفيق في التقنين) (^١) - أو في التشريع كما يسميها بعضُهم - ويتعيّنُ قبل الدخولِ في المسألةِ ذكر المرادِ بالتلفيقِ في التقنين:\nيُقصدُ بالتلفيقِ في التقنينِ: تخيّرُ وليُّ الأمرِ مِنْ أحكامِ مختلفِ المذاهبِ الفقهيةِ المعتبرةِ مجموعةً مِن الأحكامِ؛ لتكونَ قانونًا يُقضَى ويُفتى به بين مَنْ يخضعون له.\nذَكَرَ هذا التعريفَ الشيخ محمد السنهوري (^٢).\nوتبع الشيخَ محمدًا السنهوري في تعريفه عددٌ من الباحثين، منهم:\n_________\n(^١) التقنين: مصدر من الفعل: (قنن) المشدد، يقال: قنّنَ يقنن تقنينًا. والقانون: مقياس كل شيء، وجمعه: قوانين. انظر: القاموس المحيط، مادة: (قنن)، (ص/ ١٥٨٢).\nوبيّن الشيخ مصطفى الزرقا في: المدخل الفقهي العام (ص/ ٣١٣) المقصود بالتقنين بوجه عام فقال: \"جَمْع الأحكام والقواعد التشريعية المتعلقة بمجالِ من مجالات العلاقات الاجتماعية، وتبويبها وترتيبها، وصياغتها بعبارات آمرة، موجزة واضحة في بنود تسمى (مواد) ذات أرقام متسلسلة، ثم إصدارها في صورة قانون - أو نظام - تفرضه الدولة، ويلتزم القضاة بتطبيقه بين الناس\".\nوانظر: تاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ١٤٧)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد حسين (ص/ ١٥٦)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور رمضان الشرنياصي (ص/ ١٠٥)، والمدخل في التعريف بالفقه للدكتور عبد المجيد مطلوب (ص/ ١٣٣)، والمدخل إلى الشريعة والفقه للدكتور عمر الأشقر (ص/ ٣٥٠)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ١٦٤)، ومسيرة الفقه الإسلامي المعاصر للدكتور شويش المحاميد (ص/ ٤٣٦ - ٤٣٧).\n(^٢) انظر: التلفيق بين أحكام المذاهب، مجلة البحوث الإسلامية بالأزهر (١/ ٨٧).","vol":"2","page":1086},{"text":"الدكتور عبد الله محمد عبد الله (^١)، ومصطفى كمال التازي (^٢).\nوقريبٌ ممَّا ذكره الشيخُ محمد السنهوري ما ذكره الدكتورُ سيد الأفغانستاني، فقالَ: \"يُرَاد بالتلفيقِ في التشريعِ: تخيّرُ وليُّ الأمرِ أحكامًا مِنْ مختلفِ المذاهبِ؛ ليجعلَ قانونًا تسيرُ عليه البلادُ الإسلامية\" (^٣).\nوتَبعَ الدكتورُ ناصر الميمان الدكتورَ سيدًا الأفغانستاني في تعريفِه (^٤).\nولقد اهتمَّ المعاصرون بالحديثِ عن مسألةِ: حكم تقنين الفقه على هيئة مواد، ولن أتحدثَ في هذه المسألةِ عن حكمِ التقنين، أمشروع هو، أم لا؟ ولا عن حكم الإلزامِ به؟ فهاتان مسألتانِ خارجتانِ عمَّا أنا بصدده، لأنَّ حديثي عن حكمِ وقوعِ المقنّنِ في التلفيقِ.\nوقبلَ بيانِ صورةِ التلفيقِ في التقنين، وحكمها، أُبيّنُ أن هناك صورةً للتقنين لا تدخل تحتَ التلفيقِ، ولا بُدَّ من الإشارةِ إليها، وهي: أنْ يأخذَ المقنّنُ أحكامَ القانون مِن عدةِ مذاهب على وجهٍ لا يكون بين المسائلِ ارتباطٌ ولا تأثيرٌ (^٥)، كما لو أَخَذَ أبوابَ الجنايات مِن المذهب الحنبلي، وأبواب الحدودِ مِن المذهبِ المالكي مثلًا.\nوهذه الصورةُ تأخذُ حكمَ الخروجِ عن المذهبِ، وقد تقدّم الحديث عنها.\nوإذا كان في فعلِ المقننِ تتبعٌ للرخصِ، فإنَّ الحُكمَ يتبعُ مسالةَ: (تتبع الرخص)، وقد تقدّم الحديثُ عنها.\n_________\n(^١) انظر: الأخذ بالرخصة وحكمه، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (١/ ١٢٤).\n(^٢) انظر: الأخذ بالرخصة وحكمه، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (١/ ٤٧٢).\n(^٣) الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه (ص/ ٥٥٦).\n(^٤) انظر: التلفيق في الاجتهاد والتقليد للدكتور ناصر الميمان، مجلة وزارة العدل، العدد: الحادي عشر (ص/ ١٥).\n(^٥) انظر: التلفيق بين أحكام المذاهب للسنهوري، مجلة البحوث الإسلامية بالأزهر (١/ ٨٨)، والاجتهاد ومدى حاجتنا إليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ٥٥٦).","vol":"2","page":1087},{"text":"أمَّا صورةُ التلفيقِ في التقنينِ، فهي: أنْ يأخذَ المقننُ أحكامَ القانونِ مِنْ عدّةِ مذاهب على وجهٍ يترتبُ عليه التلفيقُ بين أقوالِ المجتهدين في مسألةٍ واحدةٍ، كما لو لفَّقَ المقننُ مسألةً مِنْ بابِ القذفِ مثلًا مِنْ أكثرِ مِنْ مذهبٍ، وكما لو أَخَذَ القولَ القائلَ المقننِ بصحةِ النكاحِ بلا ولي، وأنَّ مَنْ طلَّقَ زوجته ثلاثًا بلفظٍ واحدٍ، فلا يقعُ عليها إلا طلقة واحدة (^١).\nأمَّا عن حكمِ التلفيقِ في التقنينِ، فقد قرر الشيخُ محمد السنهوري جوازَه؛ لأن التلفيقَ وَقَعَ اتفاقًا في جزئيةٍ، ولم يُقْصَدْ إليه بخصوصِه، فكان تلفيقًا جائزًا لا حرجَ فيه حتى عند مَن يمنعون التلفيقَ القادحَ (^٢).\nوتبع الشيخَ السنهوريَّ فيما قرره الدكتور سيّدٌ الأفغانستاني (^٣).\nوقرّر مصطفى كمال التازي جوازَه إذا لم يرَ فيه العلماءُ ما يمسُّ روحَ الشريعةِ الإسلاميةِ ومقاصدها (^٤).\nويظهرُ لي أنَّ كلَّ مَنْ دعا إلى تقنينِ الفقهِ مِنْ مختلفِ المذاهبِ الفقهيةِ (^٥)، ولم ينصَّ على إشكاليةِ التلفيق، فإنَّه يَرَى جوازَ التلفيقِ في التقنين.\nوالذي يظهرُ لي في مسألةِ: (حكم التلفيق في التقنين) أنَّها لا تخرج عن مسألةِ: (التلفيق في الاجتهاد)، ومسألةِ: (التلفيق في التقليد)، ويكون النظرُ فيها إلى المقنّنِ، أهو مِن المجتهدين، أم مِن المقلدين؟\n_________\n(^١) انظر: التلفيق بين أحكام المذاهب للسنهوري، مجلة البحوث الإسلامية بالأزهر (١/ ٨٨).\n(^٢) انظر: المصدر السابق.\n(^٣) انظر: الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه (ص/ ٥٥٦).\n(^٤) انظر: الأخذ بالرخصة وحكمه، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن (١/ ٤٧٢).\n(^٥) انظر مثلًا: المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٣١٣)، ومناهج الاجتهاد للدكتور محمد مدكور (ص/ ٤٥١)، وأصول الفقه للدكتور زكي الدين شعبان (ص/ ٣٤٠)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ٢٣٩)، والاجتهاد في الشريعة الإسلامية للدكتور يوسف القرضاوي (ص/ ١٦٠)، ومدخل لدراسة الشريعة الإسلامية له (ص/ ٣٠١).","vol":"2","page":1088},{"text":"فإنْ كان مِن المجتهدين أَخَذَ حكمَ مسألةِ: (التلفيق في الاجتهاد)، وإنْ كانَ مِن المقلدين أَخَذَ حكمَ مسألةِ: (التلفيق في التقليد).\nوللدكتورِ محمدٍ الدويش كلامٌ محرّرٌ في المسألةِ، يقول: \"لا يظهرُ أنَّ ثمةَ اختلافًا بيّنًا بين هذا النوعِ مِن التلفيق - أيْ: التلفيق في التقنين - وبين ما تقدم ذكرُه - أي: التلفيق في الاجتهاد، والتلفيق في التقليد - فإنْ أُخِذَت الأحكام المرادُ جمعها مِن المذاهب؛ بناءً على أنَّها ممَّا يدخلُ في إطارِ مجتهدي الأمة، دونَ النظرِ فيما استندَ قائلوها إليه فيها: فهذا هو التقليد ...\nوإنْ أُخِذَت تلك الأحكامُ باعتبارِ أولويتها بالأخذِ، ورجحان ما بُنِيتْ عليه: فهذا هو التلفيقُ في الاجتهادِ عينه، وعلى هذا لا يبدو فرقٌ بيّنٌ بينها\" (^١).\nويظهرُ لي أنَّ سببَ عدمِ معارضةِ بعضِ الباحثين للتلفيقِ في التقنين بوجودِ التلفيقِ المختلف فيه، هو ما رأوه مِنْ مصالح كبيرةٍ للتقنين تستوجبُ غضَّ الظرفِ عمَّا ما قد يصاحبُه مِنْ وقوعٍ في التلفيقِ.\n* * *\n_________\n(^١) التلفيق وموقف الأصوليين منه (ص/ ١٩٧).","vol":"2","page":1089},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>المطلب الرابع: الفرق بين التلفيق وتتبع الرخص</span>\nيعدُّ الحديث عن التفرقةِ بين التلفيقِ، وتتبعِ الرخصِ مِن الأمور المهمّةِ المكملةِ لمسائلهما، ولتحريرِ الفرقِ بينهما لا بُدَّ مِن تعيينِ ما يشتركانِ فيه.\nبتأمّلِ تتبعِ الرخصِ والتلفيقِ أجدُ أنَّهما يتفقانِ في أنَّ كلًّا منهما عبارة عن أخذِ قولِ غيرِ إمامِ المذهبِ، والغالب أنَّه مِنْ مذهبٍ آخر.\nوللتفريق بين التلفيقِ، وتتبعِ الرخصِ يتعيّن تحديد وجهةِ النظرِ في معنى التلفيقِ، أهو بالمعنى الواسعِ، أم بالمعنى الضيق؟ وقد اتجهت في حديثي عن التلفيقِ إلى المعنى الثاني.\nمِنْ خلالِ تأمّلِ حقيقةَ تتبعِ الرخصِ، والتلفيقِ يمكنُ التوصل إلى الفروقِ الآتية:\nالأول: أنَّ ضابطَ تتبعِ الرخص هو: الأخذ بأخفِّ الأقوالِ - سواءٌ أتبع الأخذ تلفيق، أم لا (^١) - وضابطَ التلفيقِ هو: تركيبُ كيفيةٍ لا يقولُ أحدٌ من المجتهدين بصحتها، سواءٌ أتضمّن ترخصًا، أم لا.\nالثاني: يصدقُ تتبع الرخص على مَنْ أَخَذَ بالرخصِ مِنْ أبواب مختلفةٍ - كما لو تتبع رخص الطهارة والزكاة مثلًا - بخلافِ التلفيقِ، فلا بُدَّ مِنْ أنْ يكون في مسألةٍ واحدةٍ، أو كالواحدة.\nالثالث: أنَّ تتبعَ الرخصِ في الغالبِ مقصودٌ، أمَّا التلفيق، فقد يكونُ مقصودًا، وقد يَقَعُ اتفاقًا عن غيرِ قصدٍ.\n_________\n(^١) انظر: أصول الفقه للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ٤٩١).","vol":"2","page":1090},{"text":"الرابع: قد يؤدي التلفيقُ إلى مخالفةِ إجماعِ العلماءِ، بخلافِ تتبعِ الرخصِ، فإنَّه أخذُ قولِ أحدِ العلماءِ (^١).\nالخامس: لا ينتجُ عن تتبع الرخصِ إحداثُ قولٍ ثالثٍ في الغالب؛ إذ هو أخذُ رخصةِ أحدِ العلماءِ، أمَّا التلفيق، فهو جمعٌ بين أقوالِ العلماءِ، فقد ينتجُ عنه إحداثُ قول ثالث (^٢).\nالسادس: أنَّ مصطلحَ: تتبع الرخص أسبقُ ظهورًا واستعمالًا مِنْ مصطلحِ: التلفيق.\nالسابع: يصدقُ التلفيق على مَنْ لفَّق حكمَ مسألةٍ واحدةٍ، أمَّا تتبع الرخص، فلا يصدق إلا على مَنْ تكرر منه الأخذُ بالرخصِ.\nوهذه الفروقات عند من يضيق دائرة مصطلح التلفيق، أمَّا مَنْ يوسع دائرته، فالذي يظهر لي أن تتبعَ الرخصِ فرد مِنْ أَفرادِ التلفيقِ، فهو تلفيقٌ بأخذِ الأخفِّ مِن المذاهبِ (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: تتبع الرخص لعبد اللطيف التويجري (ص/ ٢٦).\n(^٢) انظر: المصدر السابق.\n(^٣) انظر: عمدة التحقيق للباني (ص/ ١٢١)، والاجتهاد في الشريعة الإسلامية للدكتور حسن مرعي (ص ١٥٤)، مطبوع مع مجموعة بحوث في الاجتهاد، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ٢٣٤)، وأصول الفقه للدكتور وهبة الزحيلي (٢/ ١١٤٨)، والمصباح في رسم المفتي للراشدي (ص/ ٤٦٢).","vol":"2","page":1091},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>الفصل الخامس: أحكام المتمذهب</span>\nوفيه ثمانية مباحث:\nالمبحث الأول: عمل المتمذهب إذا خالف مذهبه الدليل\nالمبحث الثاني: عمل المتمذهب عند تعدد أقوال إمامه في مسألة واحدة\nالمبحث الثالث: أخذ المتمذهب قولا رجع عنه إمامه.\nالمبحث الرابع: عمل المتمذهب فيما توقف فيه إمامه.\nالمبحث الخامس: الاعتداد بقول المتمذهب في الإجماع.\nالمبحث السادس: عمل المتمذهب إذا خالف أحد أتباع الإمام مذهب الإمام.\nالمبحث السابع: عمل المتمذهب عند اختلاف اصحابه في الترجيح\nالمبحث الثامن: إفتاء المتمذهب","vol":"2","page":1093},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>المبحث الأول: عمل المتمذهب إذا خالف مذهبه الدليل</span>\nإنَّ أيَّ مذهبٍ فقهي مهما بَلَغَ إمامُه في العلمِ من درجاتٍ كبيرةٍ لا يخلو مِنْ أقوال مرجوحةٍ فيه، ومِنْ مسائل خالفَ فيها إمامُ المذهبِ دليلًا مِن الأدلةِ؛ إذ الأئمةُ بشرٌ يصيبون ويخطئون (^١).\nيقولُ الإمامُ الشافعي: \"ما مِنْ أحدٍ إلا وتذهبُ عليه سنةٌ لرسولِ الله - ﷺ - وتعزبُ عنه\" (^٢).\nوغنيٌّ عن القولِ الإشارةُ إلى أنَّ أئمةَ المذاهبِ لم يتعمدوا مخالفةَ الدليلِ الشرعي، فهم مُبَرّؤون مِنْ ذلك (^٣)، وإذا وقعَ واحدٌ منهم في مخالفةِ الدليلِ؛ فلسببٍ من الأسبابِ التي يُعْذَرُ فيها بتركِ العملِ بالدليلِ.\nيقولُ الإمام الشافعي: \"أمَّا أنْ نخالفَ حديثًا عن رسولِ الله ثابتًا عنه، فأرجو أنْ لا يُؤْخَذَ ذلك علينا إنْ شاء الله.\nوليس ذلك لأحدٍ، ولكنْ قد يجهلُ الرجلُ السنةَ، فيكون له قولٌ يخالفها، لا أنَّه عَمَدَ خلافَها\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ١٠٧).\n(^٢) أخرج قولَ الإمام الشافعي: البيهقي في: مناقب الإمام الشافعي (١/ ٥٧٥)؛ وابن عساكر في: تاريخ دمشق (٥١/ ٣٨٩).\nوانظر: خطبة الكتاب المؤمل لأبي شامة (ص/ ١٢٩)، وإعلام الموقعين (٤/ ٤٦)، ومعنى قول الإمام المطلبي لتقي الدين السبكي (ص/ ٧٦ - ٧٧)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ٢٥٢) ط/ دار الفتح.\n(^٣) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ١٠٧).\n(^٤) الرسالة (ص/ ٢١٩).","vol":"2","page":1095},{"text":"ويقولُ تقيُّ الدينِ بنُ تيمية: \"وليُعْلَم أنّه ليس أحدٌ مِنْ الأئمةِ المقبولين قبولًا عامًّا يتعمدُ مخالفةَ رسولِ الله - ﷺ - في شيءٍ مِنْ سنته: دقيقٍ ولا جليلٍ؛ فإنَّهم متفقون اتفاقًا يقينيًا على وجوبِ اتِّباع الرسولِ - ﷺ -، وعلى أن كلَّ أحدٍ مِن الناسِ يُؤْخَذُ مِنْ قولِه ويُتركُ، إلا رسول لله - ﷺ -\" (^١).\nويقولُ ابنُ أبي العز الحنفي: \"مَنْ ظنَّ أن أبا حنيفةَ أو غيرَه مِنْ أئمةِ المسلمين يتعمدُ مخالفةَ الحديثِ الصحيحِ أو غيرِه، أو أنّه إذا قالَ بالقياسِ، ثمَّ ظَهَرَ له النصُّ، لا يرجع إليه: فقد أَخطأَ عليهم\" (^٢).\nويقولُ في موضع آخر: \"لا يجوزُ أنْ يُقْالَ عن أبي حنيفةَ - ولا عمَّنْ دونه مِنْ أهلِ العلمِ - فيما يُوْجَدُ مِن أقوالِه مخالفًا للنصِّ: إنَّه خالفَ الرسولَ قصدًا، بلْ إمَّا أنْ يُقالَ: إنَّ النصَّ لم يبلغْه، أو لم يظهرْ له دليلٌ على ذلك الحكمِ، أو عارضه عنده دليلٌ آخر، أو غير ذلك مِن الأعذارِ\" (^٣).\nوقد ألَّفَ تقيُّ الدّينِ بنُ تيميةَ رسالتَه المشهورة: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام)، وذَكَرَ فيها جملةً مِنْ أسباب مخالفةِ الأئمةِ لحديثِ النبي - ﷺ -.\nومِنْ وجهة نظري: فإن مسألةَ: (عمل المتمذهب إذا خالفَ مذهبُه الدليلَ) مِنْ أهمِّ مسائلِ التمذهب؛ إذ يترتب عليها عملُ المتمذهبين في كثيرٍ مِن المسائلِ العمليةِ التي خالفَ فيها قولُ إمامِهم حديثَ النبي - ﷺ -.\nوقبلَ الولوجِ في هذه المسألةِ، تحسنُ الإشارةُ إلى الآتي:\nأولًا: غالبُ حديثي في هذا المبحثِ، إنْ لم يكنْ كله في مخالفةِ قولِ إمامِ المذهبِ لحديث مِنْ أحاديثِ النبي - ﷺ -؛ والسبب في هذا: أن أحاديثَ النبي - ﷺ - كثيرةٌ، ولم يطَّلع الواحدُ مِن الأئمةِ على جميعِ ما جاءَ عنه - ﷺ -،\n_________\n(^١) رفع الملام عن الأئمة الأعلام (ص/ ٤).\n(^٢) الاتباع (ص/ ٤٠).\n(^٣) المصدر السابق (ص/ ٣٠).","vol":"2","page":1096},{"text":"الأمر الذي يؤدّي إلى مخالفته لحديثٍ ما، لم يَسْمَعْ به، ثمَّ قد لا يَقِفُ الإمامُ على الحديثِ مِنْ طريقٍ صحيحٍ، وهذانِ الأمرانِ منتفيانِ عن القرآنِ الكريمِ.\nثانيًا: قد تكونُ دلالةُ الحديثِ النبوي على الحكمِ دلالةً صريحةً، وقد تكونُ دلالةً غير صريحةٍ، وجُل الكلام في هذه المسألةِ - فيما ظهر لي - في الحديثِ النبوي ذي الدلالةِ الصريحةِ على الحكمِ.\nثالثًا: سيكونُ الحديثُ هنا عن مسألة: عملِ المتمذهبِ إذا خالفَ مذهبُه الحديثَ النبويَّ، أيأخذُ بالحديثِ، أم بمذهبِه؟ ولهذه المسألةِ صلةٌ بمسألةِ: (نسبة القولِ إلى إمامِ لثبوتِ الحديثِ النبوي)، وقد سَبَقَ الحديثُ عنها.\nرابعًا: لا يدخلُ في حديثي في هذا المبحثِ المجتهدُ المنتسبُ إلى مذهبٍ معيَّنٍ؛ لأنَّه لا أثرَ لانتسابِه فيما يتوصلُ إليه من الأحكام؛ إذ هو قادر على الاجتهادِ الكاملِ (^١).\nخامسًا: لا يدخل في حديثي هنا المجتهدُ الجزئي الذي خالف إمامَه في مسألةٍ تحقق له فيها وصفُ الاجتهاد الجزئي؛ لأنَّه في هذه الحالةِ ملحقٌ بالمجتهدِ المطلقِ (^٢).\nسادسًا: مَعَ كونِ ظاهرِ هذه المسألة اختصاصها بغيرِ القائلين بمنعِ التمذهبِ، إلا أنِّي ذكرتُ أقوالَ بعض المانعين؛ لحديثِهم عن المسألةِ بخصوصِها.\nسابعًا: يدخل في المسألةِ تركُ الإمامِ الحديثَ النبوي؛ لعدم علمِه به، وتركُه مع العلمِ به - سواءٌ أذكرَ مستنده في التركِ، أم لا - كما ترَكَ الإمامُ\n_________\n(^١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٠/ ٢١٣).\n(^٢) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٩٥).","vol":"2","page":1097},{"text":"مالكٍ مثلًا العملَ بحديثِ خيارِ المجلسِ (^١)، مع روايتِه له (^٢)؛ لمعارضٍ أرجح عنده، وهو عملُ أهلِ المدينةِ (^٣).\nثامنًا: لا يدخلُ في حديثي في هذا المبحثِ المسائلُ التي تتجاذبها الأدلةُ، فلا يقول أحدٌ عنها: إن مذهبَ الإمامِ قد خالفَ الكتابَ أو السنةَ (^٤)، وكذلك الحديث الذي طُعِنَ في ثبوتِه (^٥).\nتاسعًا: لا يدخل في حديثي هنا العاميُّ الصِرْفُ؛ لأن كلامي عن المتمذهبِ.\nومن جهة أخرى: فإنَّ العاميَّ فاقدٌ لآلةِ النظرِ أصلًا، وفرضُه سؤال أهلِ العلمِ (^٦).\nيقول تقيُّ الدين السبكي: \"إذا كانَ المقلِّدُ مِنْ أهلِ الفهمِ، وأمَّا العامي، فلا كلامَ معه\" (^٧).\nعاشرًا: لهذه المسألةٌ جانبٌ نظري - وهذا ما سأبحثه - وجانبٌ تطبيقي، شأنُها شأن مسائل أصول الفقه، والذي أريدُ الوصولَ إليه: أنَّه قد يُوجدُ اختلافٌ بين ما يقرره عالمٌ في الجانبِ النظري، وما يصنعه في الجانبِ التطبيقي؛ فقد يُقررُ لزومَ اتباعِ الحديثِ النبوي مثلًا، لكنَّه حين يجدُ حديثًا يخالف مذهبَه، فإنَّه يكثرُ مِن التأويلاتِ والاعتراضات التي تُبطل العملَ بالحديثِ؛ لمخالفتِه ما استقرَّ في نفسِه وما اعتادَ عليه (^٨).\n_________\n(^١) تقدم تخريج الحديث في: (ص/ ٣٢٦).\n(^٢) يقول الإمام مالك في: الموطأ (٢/ ٢٠١) بعد حديث خيار المجلس: \"وليس لهذا عندنا حدٌّ معروف، ولا أمر معمولٌ به فيه\".\n(^٣) انظر: شرح تنقيح الفصول (ص / ٤٥٠).\n(^٤) انظر: إعلام الموقعين (٦/ ١٦٦).\n(^٥) انظر: معنى قول الإمام المطلبي لتقي الدين السبكي (ص/١١٨).\n(^٦) انظر: دراسات اللبيب لمحمد السندي (ص/ ٣١).\n(^٧) انظر: معنى قول الإمام المطلبي (ص/ ١٢١).\n(^٨) انظر: التمذهب دراسة تأصيلية واقعية للدكتور عبد الرحمن الجبرين، مجلة البحوث الإسلامية، العدد: ٨٦ (ص/ ١٢٨).","vol":"2","page":1098},{"text":"حادي عشر: يدخلُ في حديثي في هذا المبحثِ ما إذا استقرَّ المذهبُ على خلافِ الدليلِ، سواءٌ استقر على قولِ الإمامِ، أم لا.\nثاني عشر: ذكرتُ في صدرِ المبحثِ أنَّ أيَّ مذهبٍ لا يخلو عن مخالفةٍ للدليل، ولذا أحببتُ ذكرَ مثالٍ مِنْ كلِّ مذهبٍ خالفَ فيه الدليلَ:\nالمثال الأول: ذَهَبَ الإمامُ أبو حنيفةَ وأصحابُه إلى عدمِ الحكمِ بشاهدٍ ويمينٍ (^١).\nوقد ثَبَتَ الحديثُ بالحكمِ بهما في حديثِ عبدِ الله بنِ عباسٍ - ﷺ -: أن رسول لله - ﷺ - قضى بيمينٍ وشاهدٍ (^٢).\nالمثال الثاني: ذَهَبَ الإمامُ مالكٌ إلى عدمِ مشروعيةِ صيامِ ستةِ أيامٍ مِنْ شوال (^٣).\nوقد ثَبَتَ الحديثُ باستحبابِ صومِها في قولِ النبي - ﷺ -: (مَنْ صامَ رمضان، ثمَّ أتبعه ستًا مِنْ شوال كان كصيامِ الدهرِ) (^٤).\nالمثال الثالث: ذهبت الشافعيةُ (^٥)، والحنفيةُ (^٦) إلى نجاسةِ أبوالِ الإبلِ وما يُؤكلُ لحمُه.\n_________\n(^١) انظر: مختصر اختلاف العلماء للجصاص (٣/ ٣٤٢)، وروؤس المسائل للزمخشري (ص/ ٥٣٥)، وبدائع الصنائع للكاساني (٦/ ٢٢٥).\n(^٢) أخرج الحديث: مسلم في: صحيحه، كتاب: الأقضية، باب: القضاء باليمين والشاهد (٢/ ٨١٨)، برقم (١٧١٢).\nوللاستزادة من الأحاديث الواردة في القضاء بشاهد ويمين، انظر: الطرق الحكمية لابن القيم (١/ ١٦٨ وما بعدها).\n(^٣) انظر: موطأ الإمام مالك (١/ ٤١٧).\n(^٤) أخرج الحديث: مسلم في: صحيحه، كتاب: الصيام، باب: استحباب صوم ستة أيام من شوال إتباعًا لرمضان (١/ ٥٢١)، برقم (١١٦٤) من حديث أبي أيوب الأنصاري - ﵁ -.\n(^٥) انظر: حية العلماء للقفال الشاشي (١/ ٣٠٦)، والمجموع شرح المهذب للنووي (٢/ ٥٤٨).\n(^٦) انظر: تبيين الحقائق للزيلعي (١/ ٢٧).","vol":"2","page":1099},{"text":"وقد ثَبَتَ الحديثُ بالأمرِ بالشربِ مِنْ أبوالِ الإبلِ في حديثِ العرنيين؛ إذ قالَ لهم النبيُّ - ﷺ -: (إنْ شئتم أنْ تخرجوا إلى إبلِ الصدقةِ، فتشربوا مِنْ ألبانِها وأبوالِها) (^١).\nالمثال الرابع: ذَهَبَ متأخرو الحنابلةِ إلى عدمِ استحبابِ رفعِ اليدينِ في الصلاةِ حالَ القيامِ مِن التشهدِ الأولِ (^٢).\nوقد ثبتتْ أحاديث دالةٌ على مشروعيةِ رفعِهما في هذا الموطنِ، كحديثِ عبدِ الله بنِ عمرَ - ﵄ - أنَّه إذا قامَ من الركعتين رَفَعَ يديه، ورَفَعَ ابنُ عمر ذلك إلى النبي - ﷺ - (^٣).\nالمثال الخامس: ذهبت الحنفيةُ (^٤)، والمالكيةُ (^٥)، والإمامُ أحمد في روايةِ أبي داود عنه (^٦) إلى عدمِ مشروعيةِ زيادةِ المأمومِ في الصلاةِ على قوله: ربنا ولك والحمد.\nوقد ثبتَ أنَّ رجلًا صلَّى خلفَ النبي - ﷺ -، وقال بعد الرفعِ من الركوعِ: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. فلمَّا انصرفَ النبيُّ - ﷺ - مِنْ صلاتِه قال: (مَن المتكلم؟) قال: أنا. قال - ﷺ -: (رأيتُ بضعةً وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيّهم يكتبها أولُ) (^٧).\n_________\n(^١) أخرج الحديث من طريق أنس بن مالك - ﵁ -: البخاري في: صحيحه، كتاب: الوضوء، باب: أبوال الإبل والغنم والدواب ومرابضها (ص/ ٦٧)، برقم (٢٣٣)؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص، باب: حكم المحاربين والمرتدين (٢/ ٧٩٤)، برقم (١٦٧١)، واللفظ له.\n(^٢) انظر: كشاف القناع للبهوتي (٢/ ٣٨٠)، وشرح منتهى الإرادات له (١/ ٤٠٧).\n(^٣) أخرج الحديثَ: البخاريُّ في: صحيحه، كتاب: الأذان، باب: رفع اليدين إذا قام من الركعتين (ص/ ٧٣٥)، برقم (٧٣٩).\n(^٤) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢٠٩ - ٢١٠).\n(^٥) انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ٢٠٧)، والذخيرة للقرافي (٢/ ٢١٨).\n(^٦) انظر: مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (ص/ ٥١)، والمغني لابن قدامة (٢/ ١٨٩).\n(^٧) أخرج الحديث: البخاريُّ في: صحيحه، كتاب: الأذان، باب: (دون ترجمة) (ص/ ١٦٤)، برقم (٧٩٩) من حديث رفاعة بن رافع الزرقي - ﵁ -.","vol":"2","page":1100},{"text":"ثالث عشر: لا يدخلُ في حديثي هنا ما إذا وَجَدَ المتمذهبُ الحديثَ الذي استند إليه إمامُه ضعيفًا، ولم يقفْ على حديثٍ صحيحٍ في المسألةِ.\n• سورة المسألة:\nإذا وَجَدَ المتمذهبُ حديثًا صحيحًا يخالفُ ما قاله إمامُه، فماذا يصنع؟ أيأخذ بالحديثِ، ويترك قولَ إمامِه؛ أم يأخذ بقولِ إمامِه، ويترك العملَ بالحديثِ؟\n• تحرير محل النزاع:\nيمكنُ تحريرُ محل النزاعِ في ضوء الآتي:\nأولًا: اتفقَ العلماءُ على تحريمِ استحلالِ مخالفةِ النبي - ﷺ -؟ لأنَّه أمرٌ مخرجٌ عن الملةِ.\nيقولُ ابنُ حزمٍ: \"مَنْ يستحل خلافَ رسولِ الله - ﷺ -، فهو كافرٌ مشركٌ؛ لقولِ الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (^١) \" (^٢).\nثانيًا: يظهرُ لي أنَّ العلماءَ متفقون على أنَّ مِنْ شرطِ الاستدلالِ بالدليلِ النصّي كتابًا أو سنةً: معرفةَ أصولِ الفقهِ؛ لأنَّ الجاهلَ بعلمِ أصولِ الفقهِ لا يمكنُه الاستنباطُ مِن الدليلِ النصي على الوجهِ الصحيحِ؛ إذ علمُ أصولِ الفقه هو أهم آلةٍ لفهمِ النصوصِ، واستنباط الأحكامِ منها.\nوبناءً عليه، ليس للمتمذهبِ الذي لا معرفةَ له بأصولِ الفقهِ الاستنباطُ مِنْ نصوصِ الكتابِ والسنةِ (^٣).\nيقولُ شهابُ الدّينِ القرافي: \"مَنْ لم يكنْ عالمًا بأصولِ الفقهِ حَرُمَ عليه القياسُ والتخريجُ على المنصوصاتِ مِنْ قِبَل صاحبِ الشرعِ، بلْ حَرُمَ عليه\n_________\n(^١) الآية (٦٥) من سورة النساء.\n(^٢) الإحكام في أصول الأحكام (٦/ ١٥٥). وانظر: رفع الملام عن الأئمة الأعلام لابن تيمية (ص/٤).\n(^٣) انظر: الاعتصام للشاطبي (٣/ ٣١٨).","vol":"2","page":1101},{"text":"الاستنباطُ مِنْ نصوصِ الشارعِ؛ لأنَّ الاستنباطَ فرعُ معرفةِ أصولِ الفقهِ\" (^١).\nولذا نصَّ بعضُ الأصوليين على أنَّه ليس لغيرِ المجتهدِ - ويدخل فيه المتمذهبُ - العملُ بمعنى القرآنِ والسنةِ؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ له ناسخٌ أو مخصصٌ أو مقيَّدٌ أو معارض أقوى، وقد يحمله على غيرِ المرادِ منه (^٢).\nولعل مقصدهم هو عدم جواز أَخْذِ غيرِ المجتهدِ المطلقِ مِن الدليل مباشرةً، دون نظرٍ ورجوعٍ إلى كلامِ العلماءِ؛ إذ هذا الأمر من وظائفِ المجتهدِ المطلقِ (^٣).\nيقولُ ابنُ حمدان: \"ليس لكلِّ فقيهٍ أنْ يعملَ بما رآه حجةً مِن الحديثِ حتى ينظر، هلْ له معارضٌ أو ناسخٌ أم لا؟ أو يسأل مَنْ يعرف ذلك ويُعْرَفُ به\" (^٤).\nولا يعني ما تقدّم حَصْرُ فهمِ القرآن وتدبّره على مَنْ عَرَفَ أصولَ الفقهِ، بلْ لمَنْ لم يعرفْ أصولَ الفقهِ تدبّر القرآن وطلب فهمِه، لكنْ ليس لغيرِ المجتهدِ استنباطُ الحكمِ مباشرةً دونَ الرجوع إلى عالمٍ مِن العلماءِ؛ لتوقفِ ذلك على معرفةِ الأدلةِ الأخرى ممَّا لها صلةٌ بمحلِّ الاستنباطِ.\nيقولُ الشيخُ محمدٌ الأمين الشنقيطي بعدَ أنْ بيّنَ أنَّ متأخري الأصوليين على منعِ تدبّر القرآنِ وتفهمه: \"الحق الذي لا شك فيه، أن كل مَنْ له قدرةٌ مِن المسلمين على التَّعلمِ والتَّفهمِ وإدراكِ معاني الكتاب والسنة: يجب عليه تعلمهما، والعمل بما علمَ منهما.\n_________\n(^١) الفروق (٢/ ٢٠٤).\n(^٢) انظر: رفع النقاب للشوشاوي (٥/ ٢١٧)، وحاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٣٨٤)، ورسالة في: الاجتهاد والتقليد لحمد المعمر (ص/ ٨٨)، ونشر البنود (٢/ ٢٦٥)، ومراقي السعود إلى مراقي السعود (ص/ ٤٠٢)، ونثر الورود للشنقيطي (٢/ ٥٧٧).\n(^٣) انظر: الاجتهاد والتقليد لحمد المعمر (ص/ ٨٤).\n(^٤) صفة الفتوى (ص/ ٣٨).","vol":"2","page":1102},{"text":"أمَّا العمل بهما مع الجهلِ بما يعملُ به منهما، فممنوعٌ اتفاقًا.\nوأمَّا ما علمه منهما علمًا صحيحًا ناشئًا عن تعلمٍ صحيحٍ، فله أنْ يعملَ به، ولو آيةً واحدةً أو حديثًا واحدًا\" (^١).\nولن يتحققَ العلمُ الصحيحُ إذا كان المقصودُ هو الاستنباط مِن الكتابِ والسنةِ إلا بمعرفةِ أصولِ الفقهِ.\n• الأقوال في المسألة:\nاختلفَ العلماءُ في عملِ المتمذهبِ فيما إذا خالف مذهبُه الدليلَ على أقوال، أشهرها:\nالقول الأول: يلزمُ المتمذهب الأخذ بالحديثِ النبوي.\nوهذا ما صنعه البويطي (^٢)، والمزني (^٣) - صاحبا الإمامِ الشافعي - وأبو القاسم الداركي الشافعي (^٤).\n_________\n(^١) أضواء البيان (٧/ ٤٥٩).\n(^٢) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١١٨)، وخطبة الكتاب المؤمل لأبي شامة (ص/ ١١٢)، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٦٤)، وفرائد الفوائد للسلمي (ص/ ١٠٦).\n(^٣) انظر: خطبة الكتاب المؤمل لأبي شامة (ص / ١١١ - ١١٢).\n(^٤) انظر: فرائد الفوائد للسلمي (ص/ ١٠٦). وقد نقل عن أبي القاسم الداركي ما يفيد تركه للمذهب إذا خالف الحديث النبوي، وأخذه به: ابنُ خلكان في: وفيات الأعيان (٣/ ١٨٩)، والذهبي في: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٤٠٥)، و(١٨/ ١٩١).\nوأبو القاسم الداركي هو: عبد العزيز بن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز الداركي، أبو القاسم، ولد بعد سنة ٣٠٠ هـ أحد أئمة المذهب الشافعي، درّس بنيسابور سنوات، ثم تحول إلى بغداد، وانتهى إليه التدريس بها، وانتفع به خلق كثير، كان ثقةً صدوقًا فقيهًا محصلًا، تفقه على أبي إسحاق المروزي، قال عنه أبو حامد الإسفراييني: \"ما رأيتُ أفقه منه\"، عُرف عنه الأخذ بالحديث إذا خالف مذهبه، توفي سنة ٣٧٥ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (١٢/ ٢٣٦)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص / ١١٢)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٢/ ٣٦١)، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي (٢/ ٢٦٣)، وسير أعلام النبلاء (١٦/ ٤٠٤)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٣/ ٣٣٠)، وطبقات الشافعية لابن هداية الله (ص/٣١).","vol":"2","page":1103},{"text":"وذَهَبَ إليه جمعٌ مِنْ أهلِ العلمِ، منهم: أبو الحسين القدوري (^١)، وابنُ حزمٍ (^٢)، وإلكيا الهراسي (^٣)، وابنُ بَرْهان (^٤)، وهو ظاهرُ صنعِ ابنِ رشدٍ (^٥)، واختاره: أبو شامةَ المقدسي (^٦)، وهو ظاهرُ قولِ العز بن عبد السلام (^٧)، وهو قولُ ابنِ دقيق العيد (^٨)، وتقيّ الدين بن تيمية (^٩)، وابنِ القيّمِ الجوزية (^١٠)، وتقي الدّينِ السبكي (^١١)، وأبي عبد الله المقَّري (^١٢)، وأبي سعيد العلائي (^١٣)،\n_________\n(^١) نسب القول بالأخذ بالحديث إلى القدوري: ابنُ أمير الحاج في: التقرير والتحبير (٣/ ٣٥١)، وأمير باد شاه في: تيسير التحرير (٤/ ٢٥٥). وانظر: البحر المحيط (٦/ ٣٢١).\n(^٢) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (٦/ ١٠٤ وما بعدها).\n(^٣) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١١٨)، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٦٤)، والبحر المحيط (٦/ ٢٩٣)، وفرائد الفوائد للسلمي (ص / ١٠٧).\n(^٤) انظر: الوصول إلى الأصول (٢/ ٣٥٨)، والبحر المحيط (٦/ ٢٩٣).\n(^٥) انظر: البيان والتحصيل (١/ ١١٠).\n(^٦) انظر: خطبة الكتاب المؤمل (ص/ ١١٢).\n(^٧) انظر: قواعد الأحكام (٢/ ٢٧٥).\n(^٨) انظر: السيف الصقيل لتقي الدين السبكي (ص/٣٨٨).\n(^٩) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/ ٢١٣، ٢٥٠)، والأخبار العلمية للبعلي (ص/ ٤٨٣).\n(^١٠) انظر: إعلام الموقعين (٤/ ٤٠٨)، ومدارج السالكين (٢/ ٣٨٤).\n(^١١) انظر: معنى قول الإمام المطلبي (ص/ ١٠٧)، والسيف المسلول (ص/ ٣٨٨).\n(^١٢) انظر: القواعد (٢/ ٣٩٦).\n(^١٣) نسب القول بالأخذ بالحديث إلى أبي سعيد العلائي: ابنُ أمير الحاج في: التقرير والتحبير (٣/ ٣٥١)، وأميرُ باد شاه في: تيسير التحرير (٤/ ٢٥٥). وانظر: إرشاد المقلدين عند اختلاف المجتهدين للشنقيطي (ص/ ١٧٧).\nوأبو سعيد العلائي هو: خليل بن الأمير كيكلدي بن عبد الله العلائي، صلاح الدين أبو سعيد، ولد بدمشق سنة ٦٩٤ هـ كان حافظًا ثبتًا ثقة، عارفًا بأسماء الرجال والعلل والفنون، فقيهًا أصوليًا متكلمًا، نحويًا أديبًا شاعرًا، شافعي المذهب، أشعري المعتقد، تولى التدريس بدمشق وبالقدس، من مؤلفاته: إحكام العنوان لأحكام القرآن، والأحكام الكبرى، وتصحيح حديث القلتين، وإجمال الإصابة في أقوال الصحابة، وتحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد، وتلقيح الفهوم في صيغ العموم، والمجموع المذهب في قواعد المذهب، توفي بالقدس سنة ٧٦١ هـ. انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ للذهبي (٤/ ١٥٠٧)، وطبقات الشافعية =","vol":"2","page":1104},{"text":"وأبي إسحاقَ الشاطبي في كتابِه: (الاعتصام) (^١)، وابنِ أبي العز الحنفي (^٢)، وصدرِ الدين السلمي (^٣)، ومحمد المعين السندي (^٤)، ومحمد حياة السندي (^٥)، والأمير الصنعاني (^٦)، والشيخ محمد بن عبد الوهاب (^٧)، والشيخ صالح الفلاني (^٨)، والشيخ حمد بن معمر (^٩)، والشيخ محمد الشوكاني (^١٠)، والشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (^١١)، والشيخ محمد صديق القنوجي (^١٢)، وأبي محمد باب الشنقيطي (^١٣) - إلا أنَّه عبَّر بأنَّ الأَوْلى هو الأخذ بالدليلِ (^١٤) - والشيخ محمد الأمين الشنقيطي (^١٥)، والشيخ محمد\n_________\n= الكبرى لابن السبكي (١٠/ ٣٥)، وطبقات الشافعية للإسنوي (٢/ ٢٣٩)، والدرر الكامنة لابن حجر (٢/ ٩٠)، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ ٢٥٦).\n(^١) انظر: (٣/ ٣١٦ - ٣١٧).\n(^٢) انظر: الاتباع (ص/ ٣٠)، وإيقاظ همم أولي الأبصار (ص/ ١٥٨) ط/ دار الفتح.\n(^٣) انظر: فرائد الفوائد (ص/ ١١٢ - ١١٣).\n(^٤) انظر: دراسات اللبيب (ص/ ٢٨، ٥٢٥).\n(^٥) انظر: إيقاظ همم أولي الأبصار (ص/ ١١٨) ط/ دار الفتح.\n(^٦) انظر: إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد (ص/ ١٤٤ - ١٤٥).\n(^٧) انظر: الدرر السنية لابن قاسم (١/ ٤٤).\n(^٨) انظر: إيقاظ همم أولي الأبصار (ص/ ١٦٣) ط/ دار الفتح.\n(^٩) انظر: رسالة في: الاجتهاد والتقليد (ص/ ٥٨).\n(^١٠) انظر: القول المفيد في حكم التقليد (ص/١٣٥).\n(^١١) انظر: الدرر السنية لابن قاسم (١/ ٢٢٧).\n(^١٢) انظر: الدين الخالص (٤/ ١١٢).\n(^١٣) هو: باب بن محمد الخليفة بن المختار، أبو محمد الشنقيطي، ولد بشنقيط سنة ١٢٧٧ هـ نشأ في بيئة علمية متدينة، واشتغل بالعلم على علماء بلده، وقد أجازوه في مدة يسيرة في جميع ما تعلم عليهم، كان إمامًا عالمًا جليلًا علامةً فقيهًا أصوليًا، ومحدثًا كبيرًا، سلفي العقيدة ومالكي المذهب، اشتهر بالعلم والتقوى والفضل والكرم، وكان كثير النصح لمخالفيه في العقيدة من الأشاعرة والصوفية، من مؤلفاته: إرشاد المقلدين عند اختلاف المجتهدين، والذكر المشروع وغير المشروع، وتعليق على ألفية ابن مالك، ورسالة في سنية رفع اليدين والقبض في الصلاة، توفي سنة ١٣٤٢ هـ. انظر ترجمته في: مقدمة تحقيق إرشاد المقلدين عند اختلاف المجتهدين (ص/ ٦٨).\n(^١٤) انظر: إرشاد المقلدين عند اختلاف المجتهدين (ص/ ٩٣ - ٩٥).\n(^١٥) انظر: أضواء البيان (٧/ ٥١٧، ٦٠٧).","vol":"2","page":1105},{"text":"ناصر الدين الألباني (^١)، ومحمد تقي العثماني (^٢)، والدكتور محمد البوطي (^٣)، ومحمد عوامة (^٤).\nوهذا القولُ قولُ جماعةٍ مِنْ علماءِ الشافعيةِ (^٥)، وقد نَسَبَ ابنُ الصلاحِ العملَ بالحديثِ النبوي وترك المذهب - سواءٌ أجعل مدلول الحديث مذهب إمامه، أم لا - إلى كثيرٍ مِنْ أئمةِ الشافعيةِ (^٦).\nونَسَبَه محيي الدين النوويُّ إلى متقدمي الشافعيةِ (^٧). ونَسَبَه أبو شامةَ المقدسي إلى \"جماعةٍ مِنْ أهلِ العلمِ والتحقيقِ، والمصنفين على مذهبِ الشافعي ﵏\" (^٨)، وإلى العلماءِ المتمذهبين المتضلعين مِن الحديثِ النبوي: كأبي سليمانَ الخطابي، وأبي بكرٍ البيهقي، وابنِ عبد البر (^٩).\nوهو قولُ جماعةٍ مِنْ متأخري الحنابلةِ (^١٠).\nويُلحقُ بأرباب هذا القول المانعون مِن التمذهب ممَّنْ لم ينصَّ على حكمِ هذه المسألةِ بعَينِها.\nيقولُ محمد المعين السندي: \"إنَّ أَتْبَاع الأئمةِ الأربعةِ مِن المصنفين\n_________\n(^١) انظر: مقالات الألباني (ص/ ٤٠ - ٤٢)، تحت مقالة بعنوان: دعوة إلى السنة.\n(^٢) انظر: أصول الإفتاء (ص/ ٤٧٠) مع شرحه المصباح في رسم المفتي.\n(^٣) انظر: اللامذهبية (ص/ ٨٦).\n(^٤) انظر: أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة (ص/ ١١٣). وقد نصَّ محمد عوامة في: كتابه السابق (ص/ ١١٥) على أن الناظر في المسألة إن كان غير أهل ولا متحلٍ بالإنصاف - كما هو حال هؤلاء المتطاولين المتعالمين المنتهكين لحرمات السلف بزعم الانتساب إليهم، وإنما هو الشرود والمروق والجدال والمراء -: فإنه ينكر عليه الأخذ بالراجح، أو بالحديث.\nوكان بإمكانه بيان الحكم دون التنابز بالألقاب، ومهاجمة مخالفيه.\n(^٥) انظر: معنى قول الإمام المطلبي لتقي الدين السبكي (ص/ ٨٤ - ٩٩).\n(^٦) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١١٨).\n(^٧) انظر: المجموع شرح المهذب (١/ ٦٤).\n(^٨) خطبة الكتاب المؤمل (ص/ ١١٢).\n(^٩) انظر: المصدر السابق، وفرائد الفوائد للسلمي (ص/ ١٠٧).\n(^١٠) انظر: الدرر السنية لابن قاسم (٤/ ١٤، ٣٨).","vol":"2","page":1106},{"text":"المتأخرين اتفقتْ كلمتُهم على أنَّ روايةَ المذاهبِ مِنْ إمامِهم إذا خالفتْ حديثًا صحيحًا يقولون قاطبةً: إن هذا الحديثَ حجةٌ عليه، وهذا لا يخفى في مواضع كثيرةٍ مِنْ كتبِ المذاهبِ الأربعةِ على مَنْ طالعها\" (^١).\nولعله يقصدُ العلماءَ المحققين مِن أربابِ المذاهبِ الأربعةِ.\nويظهرُ لي أنَّ أغلبَ مَنْ ذَهَبَ إلى هذا القولِ - ولا سيما ممَّنْ يرى جوازَ التمذهبِ - يرون اتّباعَ الحديثِ إنْ قالَ بمدلولِه إمامٌ مجتهدٌ، وقد أشارَ بعضهم إلى هذا الأمرِ في أدلتِهم، كما ستأتي بعد قليلٍ.\nالقول الثاني: يأخذُ المتمذهبُ بقولِ إمامِه، ويترك الحديثَ النبوي.\nأشارَ ابنُ حزمٍ إلى هذا القولِ، دونَ نسبتِه إلى أحدٍ بعينه - واقتصرَ على وصفِهم بـ: \"بعضِ مَنْ قوي جهلُه، وضعف عقلُه، ورقَّ دينُه\" (^٢).\nوظاهرُ قولِ أبي الحسنِ الكرخي: \"الأصلُ: أنَّ كلَّ آيةٍ تخالفُ قولَ أصحابِنا، فإنَّها تحملُ على: النسخِ، أو على الترجيحِ، والأَوْلَى أنْ تُحمل على التأويلِ ... الأصل: أن كلَّ خبرٍ يجيء بخلافِ قولِ أصحابِنا، فإنَّه يُحملُ على: النسخِ، أو على أنَّه معارضٌ بمثلِه، ثم صار (^٣) إلى دليل آخر، أو ترجيحٍ فيه بما يحتج به أصحابنا من وجوه الترجيح ... \" (^٤): موافقتُه لأصحابِ هذا القولِ.\nوصنيعُ بعضِ المالكيةِ موافقٌ لهذا القولِ (^٥).\n_________\n(^١) دراسات اللبيب (ص/ ١٠٣).\n(^٢) الإحكام في أصول الأحكام (٦/ ١٠٤).\n(^٣) لعل الصواب: \"يصار\"؛ إذ هو المناسب للسياق.\n(^٤) أصول الكرخي (ص/ ٨٤) مطبوعة مع تأسيس النظر لأبي زيد الدبوسي. وانظر في تفسير كلام الكرخي: تعليل الأحكام للدكتور ضد شلبي (ص/ ٣٤٠)، ونظرية التقعيد الفقهي للدكتور محمد الروكي (ص/ ٢١٨ - ٢٢٠).\n(^٥) انظر: النوازل الجديدة الكبرى للوزاني (١/ ٣١٠ وما بعدها).","vol":"2","page":1107},{"text":"واختارَ أشرف علي التهانوي (^١) القولَ الثاني إنْ كانَ سيترتب على العملِ بالراجحِ فتنة، أو وقوعُ العامةِ في التشويشِ، أو تفريق الكلمةِ بين المسلمين (^٢).\nوذَهَبَ إلى القولِ الثاني بعضُ المتأخرين (^٣).\nوقد نَسَبَ شاه ولي الله الدهلويُّ (ت: ١١٦٧ هـ) - كما نقله عنه محمد المعين السندي (^٤) - إلى بعضِ فقهاءِ عصرِه القولَ بالأخذِ بالمذهبِ، ومنع العملِ بالحديثِ، وقد بيَّنَ أنَّه لم يسمعْ بهذا القولِ ممَّنْ هم في طبقةِ مشايخِه.\nوظاهرُ قولِ ابنِ رجب في رسالتِه: (الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة) (^٥) اختيارُ القول الثاني إذا كان إمامُ المذهبِ محيطًا بالسنةِ.\nلكن الذي يترجّحُ عندي أنَّ ابنَ رجب قَصَدَ بكلامِه المبتدئَ في طلبِ\n_________\n(^١) هو: أشرف علي بن عبد الحق التهانوي، ولد بتهانه سنة ١٢٨٠ هـ قرأ مختصرات الفقه على علماء بلده الحنفيين، ودَرَس المنطق والحكمة وأصول الفقه وبعض الحديث، ثم سافر إلى الحج، أخذ عن بعض الأحناف الطريقه الصوفية، ورجع إلى الهند، ودرّس مدة طويلة في مدرسة جامع العلوم، تنقل بين عدة مدن، وانتهت إليه الرئاسة في تربية المريدين، من مؤلفاته: أنوار الوجود في أطوار الشهود، والتجلي العظيم في أحسن تقويم، وبيان القرآن، وجامع الآثار، توفي سنة ١٣٦٣ هـ. انظر ترجمته في: نزهة الخواطر لعبد الحي الحسني (٨/ ١١٨٧)، ومقدمة إعلاء السنن لظفر التهانوي (١/ ٩)، وأشرف علي التهانوي لمحمد الندوي (ص/٢١).\n(^٢) نقل محمد العثماني قولَ التهانوي في: أصول الإفتاء (ص/ ٤٧٢) مع شرحه المصباح في رسم المفتي.\n(^٣) انظر: مجلة المنار (١/ ٨٣٢) فقد جاء فيها عن بعض شيوخ الأزهر قوله: \"مَنْ تركَ كلامَ فقهاء مذهبه؛ للأخذ بحديث مخالف فهو زنديق\"! !\nوجاء في: (غاية الأماني في الرد على النبهاني) لأبي المعالي الألوسي (١/ ٩٨): \"وقد سمعت من بعض قضاة الأتراك أنَّه قال: إذا رأيتُ نصًّا في: (منية المصلي)، ورأيتُ حديثًا في صحيح الإمام البخاري يخالف ذلك النصَّ، آخذ بما في: (المنية)، وأترك الحديث الصحيح، ولا أعمل به\".\n(^٤) انظر: دراسات اللبيب (ص/ ٧).\n(^٥) انظر: (ص/ ٤٤ - ٤٥).","vol":"2","page":1108},{"text":"العلمِ، أو الذي لم يبلغْ في العلمِ شأوًا كبيرًا، بدليلِ: صنيعه في كتبِه؛ فهو صنيعُ مَنْ يتَّبع الدليلَ.\nوإذا صحَّ ما رجّحتُه آنفًا عن ابنِ رجبٍ، فإنَّه يشترطُ للعملِ بالحديثِ أنْ لا يتفقَ السلفُ على تركِ العملِ به (^١)، ويتفق بذلك قول ابن رجبٍ مع قولِ شمسِ الدّينِ الذهبي الآتي في أربابِ القولِ الثالثِ.\nولبدرِ الدين للزركشي تفصيلٌ طويلٌ في المسألةِ، يؤولُ فما ظَهَرَ لي إلى حالتين:\nالحالة الأولى: إنْ نظرَ المتمذهبُ المتمكنُ مِن النظرِ في المسألةِ، وجمعَ الأقوالَ وأدلتها.\nفهذا يجوزُ له البقاءُ على مذهبِه، والأَوْلى له تقليدُ العالمِ الذي أَخَذَ بالحديثِ، إذا لم يعلم اطلاعَ إمامِه على الحديثِ وتركه له؛ لعلَّةٍ، أو وجودِ ما هو أقوى منه (^٢).\nالحالة الثانية: أنْ لا يجمعَ المتمذهبُ الأقوالَ وأدلتها، لكنَّه يقفُ على حديثٍ صحيحٍ مخالفٍ لقولِ إمامِه، مع جوازِ أنْ يكونَ لإمامِه حجةٌ تسوغُ معها المخالفةَ.\nفالأَوْلى له تتبع المآخذ (^٣)، فإذا لم يتبينْ له ما يخالفُ الحديث مِنْ أدلةِ القرآنِ والسنةِ، فالأخذُ بالحديثِ أَوْلى؛ تقليدًا لمَنْ عملَ به، ويجوزُ بقاءُ المتمذهبِ على مذهبِ إمامِه (^٤).\nوقد يُلحقُ بأرباب القولِ الثاني القائلون باتباعِ الحديث إنْ خالفَ قولَ الإمامِ، لكنهم يشترطون شروطًا يكون مؤداها إلى صعوبةِ الأخذِ بالحديثِ؛\n_________\n(^١) انظر: فضل علم السلف (ص/٥٧).\n(^٢) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٩٥).\n(^٣) لعل الزركشي يقصد بتتبع المآخذ: تتبع أدلة المسألة.\n(^٤) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٩٥ - ٢٩٦).","vol":"2","page":1109},{"text":"للاحتمالاتِ الكثيرةِ المتعلقةِ بسندِ الحديثِ ومتنِه (^١)، إلا أنْ يكونَ قصدُهم بيانَ صعوبةِ هذا المرتقى؛ فليس كلّ أحدٍ أهلًا له.\nالقول الثالث: التفصيلُ في المسألةِ: فإنْ كملتْ للمتمذهب آلةُ الاجتهادِ في مذهبِ إمامِه، أو في ذلك الفرعِ، أو في تلك المسألةِ. فله العملُ بالحديثِ.\nوإنْ لم تكمل له آلةُ النظرِ، ووَجَدَ في قلبِه حزازةً مِنْ مخالفةِ الحديثِ بعد البحثِ، ولم يجدْ عن الحديثِ جوابًا شافيًا، نَظَرَ: فإنْ عملَ بالحديثِ مجتهدٌ، فله الأخذُ بالحديثِ، وتركُ قولِ إمامِه.\nوإنْ لم يعملْ بالحديثِ أحدٌ من المجتهدين، فليسَ له العملُ به.\nذَهَبَ إلى هذا التفصيلِ: ابنُ الصلاحِ (^٢)، ومحيي الدّين النوويُّ - إذ نَقَلَ تفصيلَ ابن الصلاحِ، ثمَّ قال بعده: \"هذا الذي قاله حسنٌ متعيّنٌ\" (^٣) - وابنُ حمدان (^٤)، وابنُ بدران (^٥).\nوقد نَقَلَ كلامَ ابن الصلاح تقيُّ الدين بنُ تيمية في: (المسودة) (^٦)، وشاه ولي الله الدهلويُّ (^٧)، ولم يتعقباه.\n_________\n(^١) انظر على سبيل المثال: لزوم اتباع مذاهب الأئمة لمحمد الحامد (ص/ ٣٤ - ٤٠)، والاجتهاد والمجتهدون (كلمة بقلم: عبد الله خير الله)، (ص/ ٨٣).\n(^٢) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٢١). ولم ينصَّ ابنُ الصلاح على حكم الحالة الأخيرة - وإن لم يعمل بالحديث أحد - بل سكتْ عنها، لكن المفهوم من السياق هو ما أثبته؛ وإلا لم يكن بين هذه الحالة والتي قبلها فرق.\nانظر: معنى قول الإمام المطلبي لتقي الدين السبكي (ص/١٠٧).\n(^٣) المجموع شرح المهذب (١/ ٦٤).\n(^٤) انظر: صفة الفتوى (ص/٣٨). ولم ينصَّ ابنُ حمدان على حكم الحالة الأخيرة - وإن لم يعمل بالحديث أحد - لكنَّ المفهوم من السياق هو ما أثبته؛ وإلا لم يكن بين هذه الحالة والتي قبلها فرق.\n(^٥) انظر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد (ص/ ١٤٠)، فقد نقل كلام ابن حمدان.\n(^٦) انظر: (٢/ ٩٥١ - ٩٥٢).\n(^٧) انظر: حجة الله البالغة (١/ ٤٨٥).","vol":"2","page":1110},{"text":"وقريبٌ مِنْ هذا القول ما اختاره شمسُ الدّينِ الذهبي، إذ قررَ اتباعَ الحديثِ إذا خالفَ المذهبَ بالشروطِ الآتية:\nالشرط الأول: أنْ يقولَ بما دلَّ عليه الحديثُ مجتهدٌ مِنْ نظراءِ الأئمةِ الأربعةِ، كسفيان والأوزاعي.\nالشرط الثاني: أن يكونَ الحديثُ ثابتًا سالمًا مِن العلةِ.\nالشرط الثالث: أنْ لا تكونَ حجةُ إمامِ المذهب حديثًا صحيحًا معارضًا للآخرِ (^١).\nوبناءً عليه، لا يجوزُ أخذُ حديثٍ صحيحٍ تنكّبه سائرُ أئمةِ الاجتهادِ، وقد مثَّلَ شمسُ الدّينِ الذهبيُّ بحديثِ: (فإنْ شرب في الرابعةِ، فاقتلوه) (^٢)،\n_________\n(^١) انظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٤٠٥).\n(^٢) جاء الحديث عن عدد من الصحابة - ﵃ -، وممن ورد عنهم:\nأولًا: حديث معاوية - ﵁ -، ولفظه: (من شرب الخمرَ فاجلدوه، فإنْ عاد في الرابعة فاقتلوه)، وأخرجه: أبو داود في: سننه، كتاب: الحدود، باب: إذا تتابع في شرب الخمر (ص/ ٦٧٠)، برقم (٤٤٨٢)؛ والترمذي في: جامعه، كتاب: الحدود عن رسول الله - ﷺ -، باب: ما جاء من شرب الخمر فاجلدوه ومن عاد في الرابعة فاقتلوه (ص/ ٣٤٢)، برقم (١٤٤٤)، وقال: \"وفي الباب عن أبي هريرة، والشَّريد، وشرحبيل بن أوس، وجرير، وأبي الرمداء البلوي، وعبد الله بن عمرو\"، ثم بيّن أنَّ العملَ على عدم قتل الشارب في المرة الرابعة عند عامة أهل العلم، لا يعلم بينهم اختلافًا في ذلك في القديم والحديث. والنسائي في: السنن الكبرى، كتاب: الحد في الخمر، باب: الحكم فيمن يتتابع في شرب الخمر (٥/ ١٤١)، برقم (٥٢٧٨ - ٥٢٧٩)؛ وابن ماجه في: سننه، كتاب: الحدود، باب: من شرب الخمر مرارًا (ص/ ٤٣٨)، برقم (٢٥٧٣)؛ وعبد الرزاق في: المصنف، باب: حد الخمر (٧/ ٣٨٠)، برقم (١٣٥٥٠)، وفي: كتاب: الأشربة، باب: من حُدَّ من أصحاب النبي - ﷺ - (٩/ ٢٤٧)، برقم (١٧٠٨٧)؛ وأحمد في: المسند (٢٨/ ٦٠)، برقم (١٦٨٤٧)؛ وأبو يعلى في: المسند (١٣/ ٣٤٩)، برقم (٧٣٦٣)؛ والطحاوي في: شرح معاني الآثار، كتاب: الحدود، باب: من سكر أربع مرات ما حده؟ (٣/ ١٥٩)؛ وابن حبان في: صحيحه، كتاب: الحدود، باب: حد الشرب (١٠/ ٢٩٥)، برقم (٤٤٤٦)؛ والطبراني في: المعجم الكبير (١٩/ ٣٦٠)، برقم (٨٤٣ - ٨٤٦)؛ والحاكم في: المستدرك، كتاب: الحدود (٤/ ٤٥٧)، برقم (٨١١٧)، وسكت عنه الحاكم، وصححه الذهبي؛ والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: الأشربة والحد فيها، باب: من أقيم عليه الحد أربع مرات، ثم عاد له (٨/ ٣١٣). =","vol":"2","page":1111},{"text":"وحديثِ: (لعن الله السارقَ، يسرقُ البيضةَ، فتُقْطَع يدُه) (^١).\n• أدلة الأقوال:\nأدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: الآياتُ المحذِّرةُ مِنْ اتِّباعِ الآباءِ والكبراءِ عند ظهورِ\n_________\n= ونقل الترمذي في: جامعه (ص/ ٣٤٢) تصحيح البخاري لحديث معاوية - ﵁ -.\nوصحح الحديثَ - أيضًا - أحمدُ شاكر في: تعليقه على مسند أحمد (٩/ ٤٠) - وانتصر للقول بقتل الشارب في المرة الرابعة - والألبانيُّ في تعليقه على السنن في المواضع السابقة.\nثانيًا: حديث أبي هريرة - ﵁ -، ولفظه: (إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه)، وأخرجه: أبو داود في: سننه، كتاب: الحدود، باب: إذا تتابع في شرب الخمر (ص/ ٦٧٠)، برقم (٤٤٨٤)، واللفظ له؛ والنسائي في: السنن الكبرى، كتاب: الحد في الخمر، باب: الحكم فيمن يتتابع في شرب الخمر (٥/ ١٤١)، برقم (٥٢٧٧)؛ وفي: المجتبى، كتاب: الأشربة، باب: ذكر الروايات المغلظات في شرب الخمر (ص/ ٨٤٩)، برقم (٥٦٦٢)؛ وابن ماجه في: سننه، كتاب: الحدود، باب: من شرب الخمر مرارًا (ص/ ٤٣٨)، برقم (٢٥٧٢)؛ والطيالسي في: المسند (٤/ ٩٨)، برقم (٢٤٥٨)؛ وعبد الرزاق في: المصنف، باب: حد الخمر (٧/ ٣٨٠)، برقم (١٣٥٤٩)؛ وأحمد في: المسند (١٣/ ١٨٣)، برقم (٧٧٦٢)؛ والدارمي في: السنن، كتاب: الأشربة، باب: العقوبة في شرب الخمر (٢/ ١٣٣٦)، برقم (٢١٥١)؛ والطحاوي في: شرح معاني الآثار، كتاب: الحدود، باب: من سكر أربع مرات ما حده؟ (٣/ ١٥٩)؛ وابن حبان في: صحيحه، كتاب: الحدود، باب: حد الشرب (١٠/ ٢٩٧)، برقم (٤٤٤٧)؛ والحاكم في: المستدرك، كتاب: الحدود (٤/ ٤٥٧)، برقم (٨١١٥)، وقال: \"هذا الإسناد صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه\". والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: الأشربة والحد فيها، باب: من أقيم عليه الحد أربع مرات، ثم عاد له (٨/ ٣١٣).\nوصحح الحديثَ الألبانيُّ في: تعليقه على السنن في المواضع السابقة.\nوللحديث شواهد منها: حديث ابن عمر - ﵄ -، وحديث جابر - ﵁ -، وغيرهم، انظر تخريجها في: فتح الباري لابن حجر (١٢/ ٧٨ - ٨٠)، ونصب الراية للزيلعي (٣/ ٣٤٦ - ٣٤٩)، وتحقيق مسند أحمد لأحمد شاكر (٩/ ٤٠ - ٩٠).\n(^١) أخرج الحديث: البخاريُّ في: صحيحه، كتاب: الحدود، باب: لعن السارق إذا لم يسم (ص / ١٢٩٤)، برقم (٦٧٨٣)؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: الحدود، باب: حد السرقة ونصابها (٢/ ٨٠٥)، برقم (١٦٨٧)، كلاهما من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"2","page":1112},{"text":"مخالفتِهم لشرعِ الله تعالى، ومِن الآياتِ الواردةِ في هذا: قولُ الله ﵎: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (^١)، وقولُ الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (^٢)، وقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ (^٣).\nووجه الدلالة: أنَّ هذه الآياتِ نصٌّ في التحذيرِ ممَّنْ يُقدِّمُ رأيَ أحدٍ على حكمِ الله تعالى، يقولُ ابنُ حزمٍ: \"هذا نصُّ ما فَعَلَ خصومُنا بلا تأويلٍ ولا تدبّرٍ، بلْ تُعْرَضُ عليهم الآيةُ والحديثُ الصحيحُ - الذي يقرون بصحتِه - وكلاهما مخالفٌ لمذاهب لهم فاسدةٌ، فيأبون مِنْ قبولِها لا نفارقُ ما وجدنا عليه آباءنا وكبراءنا، فقد أجابهم الله تعالى جوابًا كافيًا\" (^٤).\nويقولُ تقيُّ الدّين بنُ تيميةَ: \"أكثرُ الناسِ إنَّما التزموا المذاهبَ - بل الأديان - بحُكْمِ ما تبيّنَ لهم، فإنَّ الإنسانَ على دينِ أبيه ... كما يتبع الطفلُ في الدّينِ أبويه ... ثمَّ إذا بَلَغَ الرجلُ فعليه أنْ يقصدَ طاعةَ الله ورسولِه حيثُ كانتْ، ولا يكون ممَّنْ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (^٥)، فكلّ مَنْ عَدَلَ عن اتِّباعِ الكتابِ والسنةِ، وطاعة الله والرسولِ إلى عادتِه وعادةِ أبيه وقومِه، فهو مِنْ أهلِ الجاهليةِ ... وكذلك مَنْ تبيَّنَ له في مسألةٍ من المسائل الحقُّ الذي بَعَثَ اللهُ به رسولَه، ثم عَدَلَ عنه إلى عادتِه، فهو مِنْ أهلِ الذمِّ\" (^٦).\nفالعملُ بالآيةِ والحديثِ أسلمُ مِنْ تركِهما والأخذ بقولِ مَنْ ليس معصومًا (^٧).\n_________\n(^١) الآية (١٧٠) من سورة البقرة.\n(^٢) الآية (١٠٤) من سورة المائدة.\n(^٣) من الآية (٢٨) من سورة الأعراف.\n(^٤) الإحكام في أصول الأحكام (٦/ ١٢٥).\n(^٥) من الآية (١٧٠) من سورة البقرة.\n(^٦) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/ ٢٢٤ - ٢٢٥).\n(^٧) انظر: فرائد الفوائد للسلمي (ص/ ١١٢).","vol":"2","page":1113},{"text":"الدليل الثاني: إجماعُ أهلِ العلمِ على أنَّ مَنْ ثبتتْ عنده سنةُ رسولِ الله - ﷺ -، فلا يجوزُ له تركُها، حكاه الإمامُ الشافعي، فقالَ: \"أجمعَ المسلمون على أنَّ مَنْ استبانتْ له سنةُ رسولِ الله - ﷺ - لم يحلَّ له أنْ يدعها لقولِ أحدٍ\" (^١).\nالدليل الثالث: أنَّ عددًا مِن الأئمةِ أمروا غيرَهم عند مخالفةِ أقوالهم لحديثِ رسولِ الله - ﷺ - بالأخذِ بالحديثِ، وتركِ أقوالهم، وقد تقدّمَ ذكرُ بعضِ أقوالهم في مسألةِ: (نسبة القول إلى إمام المذهب بناءً على ثبوتِ الحديثِ)، ومِنْ ذلك: قولُ الإمامِ الشافعي: \"إذا وجدتم عن رسولِ الله - ﷺ - سنةً خلاف قولي، فخذوا السنةَ، ودعوا قولي، فإنِّي أقولُ بها\" (^٢).\nويقولُ الإمامُ الشافعي للربيعِ: \"قد أعطيتُك جملةً تغنيك إنْ شاءَ لله: لا تدع لرسولِ الله - ﷺ - حديثًا أبدًا، إلا أنْ يأتي عن رسولِ الله - ﷺ - خلافه، فتفعل فيه ما قلتُ لك في الأحاديثِ إذا اختلفتْ\" (^٣).\nفإذا كنتم تتبعون إمامَكم فيما يقولُ، فاتبعوه حين أَمَرَ بتركِ قولِه، والأخذِ بالحديثِ النبوي (^٤).\nيقولُ أبو شامةَ المقدسي: \"أمَّا الذين يُظْهِرُون التعصبَ لأقوالِ الشافعي كيفما كانتْ، وإنْ جاءَتْ سنةٌ بخلافِها، فليسوا متعصبين له في الحقيقةِ؛ لأنَّهم لم يمتثلوا ما أَمَرَ به إمامُهم، بلْ دَأَبُهم وديدنهم إذا أُوْرِدَ عليهم حديثٌ صحيحٌ - وهو مذهبُ إمامِهم لو وَقَفَ عليه لقالَ به - أنْ يحتالوا في دفعِه بما لا ينفعهم ... \" (^٥).\n_________\n(^١) نقل كلامَ الإمام الشافعي مستدلًا به: ابنُ القيم في: مدارج السالكين (٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥)، وابنُ أبي العز الحنفي في: الاتباع (ص/ ٢٤). وانظر: بلوغ السول لمحمد مخلوف (ص/ ١٣٠).\n(^٢) تقدم تخريجه في الفرع الثامن: (ثبوت الحديث).\n(^٣) الأم (٨/ ٥٣٥).\n(^٤) انظر: خطبة الكتاب المؤمل لأبي شامة (ص/ ١١٢)، وإعلام الموقعين (٥/ ٢٤٧)، ودراسات اللبيب لمحمد معين (ص/ ١٠٩).\n(^٥) خطبة الكتاب المؤمل (ص/ ١٣٠ - ١٣١).","vol":"2","page":1114},{"text":"ويقولُ أبو إسحاقَ الشاطبي: \"إنَّ كلَّ عالمٍ يُصرِّحُ - أو يعرِّض - بأنَّ اتِّباعه إنَّما يكون على شرطِ أنَّه حاكمٌ بالشريعةِ، لا بغيرِها، فإذا ظَهَرَ أنَّه حاكمٌ بغيرِ الشريعة خَرَجَ عن شرطِ متبوعِه، فلم يكن تابعًا له! فتأمَّلوا كيفَ يخرجُ عن تقليدِ متبوعِه بالتصميمِ على تقليدِه؟ ! \" (^١).\nويقولُ الإمامُ الشوكاني: \"تقرّرَ إجماعُ أئمةِ المذاهبِ الأربعةِ على تقديمِ النصِّ على آرائِهم\" (^٢).\nمناقشة الدليل الثالث: إنَّ كلامَ الأئمةِ موجَّه إلى مَنْ بَلَغَ درجةَ الاجتهادِ في الشريعةِ الإسلاميةِ؛ لتمكّنِهم مِن استباطِ الحكمِ مِن دليلِه (^٣).\nالجواب عن المناقشة: ليسَ ممَّا يقتضيه عملُ السلفِ الصالحِ اشتراطُ رتبةِ الاجتهادِ في الشريعةِ، والتوقف عن العملِ بالحديثِ حتى يصل الناطرُ إلى أقصى غايةٍ في الاجتهادِ، بلْ كلُّ مَنْ كان مِنْ أهلِ العلمِ، فهو مطالبٌ بحسبِ ما تصلُ إليه قدرتُه مِن العلمِ (^٤).\nالدليل الرابع: لا شكَّ في أنَّ الواجبَ العملُ بالدليلِ الشرعي، واتّباعُ سنةِ النبي - ﷺ -، وإذا لم يعملْ إمامُ المذهب بالحديثِ؛ لعذرٍ مِن الأعذارِ، فإنَّ وجوبَ العملِ به لا يرتفعُ عن أصحابِهَ إذا ظفروا به، فهم غيرُ معذورين في تركِه (^٥)، ولا سيما أنَّ تطرّقَ الخطأِ إلى آراء العلماءِ أكثر مِنْ تطرّقِه إلى الأدلةِ الشرعيةِ (^٦).\n_________\n(^١) الاعتصام (٣/ ٣١٧).\n(^٢) القول المفيد في حكم التقليد (ص/ ١٣٥).\n(^٣) انظر: خطبة الكتاب المؤمل لأبي شامة (ص/ ١٥٠)، ومعنى قول الإمام المطلبي لتقي الدين السبكي (ص/ ١٣٦).\n(^٤) انظر: معنى قول الإمام المطلبي لتقي الدين السبكي (ص/ ١٢٠ - ١٢١).\n(^٥) انظر: خطبة الكتاب المؤمل لأبي شامة (ص / ١٢٤ - ١٢٥)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٠/ ٢١٤، ٢٢٣)، وإعلام الموقعين (٤/ ٤٠٨)، و(٥/ ٢٤٧)، وفرائد الفوائد للسلمي (ص/ ١١٢)، والتقرير والتحبير (٣/ ٣٥١)، وتيسير التحرير (٤/ ٢٥٥)، ودراسات اللبيب لمحمد معين (ص/ ٩٠).\n(^٦) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٠/ ٢٥٠).","vol":"2","page":1115},{"text":"يقولُ تقيُّ الدّينِ بنُ تيمية: \"مَنْ تَرَكَ الحديثَ؛ لاعتقادِه أنَّه لم يصحَّ، أو أنَّ راويه مجهولٌ - ونحو ذلك - ويكون غيرُه قد عَلِمَ صحتَه وثقةَ راويه: فقد زَالَ عذرُ ذلك في حقِّ هذا\" (^١).\nالدليل الخامس: إذا جوّزَ المانعون مِن العملِ بالحديثِ النبوي المخالفِ لقولِ إمامِهم مخالفةَ نصِّ إمامِهم في مسألةٍ؛ لنصٍّ له آخر نُقِلَ عنه في المسألةِ نفسِها عَسُرَ عليهم التفريقُ بينهما: فمِنْ بابٍ أولى أنْ يخالفوا نصَّه؛ لمخالفتِه حديثَ النبي - ﷺ - (^٢).\nالدليل السادس: إذا جوّزتم لإمامِ مذهبِكم أنْ يخالفَ غيرَه مِن المجتهدين؛ لدليلٍ ظَفَرَ به، فيلزمكم أنْ تجوّزوا مخالفةَ قولِ إمامِكم إذا ظَهَرَ لكم رجحانُ قولِ غيرِه مِن الأئمةِ؛ لموافقتِهم الدليل (^٣).\nمناقشة الدليل السادس: لا يلزمُ مِنْ تجويزِ مخالفةِ إمامِ المذهب لغيرِه مِن المجتهدين؛ لدليلٍ ظَفَرَ به، أنْ نخالفَه إذا اطّلعنا على دليلٍ على خلافِ قولِه؛ لأنَّه مجتهدٌ كاملُ الآلةِ، ونحن نَظَرُنَا قاصرٌ، فحَصَلَ الفرقُ بين الحالتين (^٤).\nالجواب عن المناقشة: إذا عملتم بالقولِ الذي دلَّ عليه الدليلُ مِنْ كتابٍ أو سنةٍ، وقد عَمِلَ به إمامٌ مِنْ أئمةِ المذاهب المتبوعةِ، فقد وافقتم اجتهادَ عالمٍ كاملِ الآلة، فيتحقق لكم اتّباعُ الدليلِ، وموافقةُ عالمٍ (^٥).\nالدليل السابع: إذا وَجَدَ المتمذهبُ دليلًا نقليًا مِنْ كتابٍ أو سنةٍ يدلُّ على خلافِ قولِ إمامِه، فيتعيَّن عليه الأخذُ بالدليلِ؛ لأنَّ موافقةَ المتمذهبِ لإمامٍ تقاوم إمامَ مذهبِه، وتبقى النصوصُ الشرعيةُ سالمةً في حقِّه عن\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢٠/ ٢١٤).\n(^٢) انظر: خطبة الكتاب المؤمل لأبي شامة (ص/ ١٣٢).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (ص/ ١٤٤).\n(^٤) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٠/ ٢١٣).\n(^٥) انظر: المصدر السابق.","vol":"2","page":1116},{"text":"المعارضِ إذا عملَ بها (^١).\nالدليل الثامن: يلزمُ مِنْ الأخذِ بقولِ إمامِ المذهبِ، وتركِ الدليلِ النقلي الإعراضُ عن الكتابِ والسنةِ، وتركُ أَمْرِ الله تعالى وأَمْرِ رسولِه - ﷺ -، ويكون إمامُ المذهب كالنبي لأتباعِه، وفي هذا مشابهةٌ لما عابَ الله تعالى به النصارى في قولَه تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (^٢).\nالدليل التاسع: إذا خالفَ قولُ إمامِ المذهب دليلًا مِن الكتابِ أو السنةِ، فالمقدَّمُ هو الدليل؛ لأنَّ الأدلةَ هي الحجةُ التي يجبُ الأخذُ بها، بخلافِ رأي إمامِ المذهبِ، فليسَ بحجّةٍ شرعيةٍ (^٣).\nالدليل العاشر: إذا قررتُم أيَّها المانعون مِن العملِ بالحديثِ العذرَ للمتمذهبِ حينَ يتركُ الحديثَ النبويَّ؛ لقولِ إمام مذهبِه، فأولى بالعذرِ مَنْ تَرَكَ قولَ إمامِ مذهبِه؛ لمخالفتِه للحديثِ النبوي (^٤).\nالدليل الحادي عشر: إذا ساغَ للمتمذهبِ الأخذُ بقولِ إمامِه الذي رَجَعَ عنه - كما هو موجودٌ لدى كثيرٍ مِن المتمذهبين (^٥) فما المانعُ مِنْ أخذِ المتمذهبِ بقولِ غيرِ إمامِه، إنْ ظَهَرَتْ له موافقتُه للدليلِ؟ ! (^٦).\nمناقشة الدليل الحادي عشر: هناك فرقٌ بين الحالتين - الحالة الأولى: أخذُ قولِ الإمامِ المرجوعِ عنه، والحالة الثانية: أخذُ قولِ غيرِه مِن الأئمةِ - من جهةْ أنَّ المتمذهبَ في الحالةِ الأُوْلى قد أَخَذ بقولٍ كان مذهبًا\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (٢٠/ ٢١٢ - ٢١٣).\n(^٢) من الآية (٣١) من سورة (التوبة). وانظر الدليل في: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٠/ ٢١٦).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (٢٠/ ٢٥٠).\n(^٤) انظر: مدارج السالكين (٢/ ٣٨٥).\n(^٥) انظر: إعلام الموقعين (٦/ ١٦٨)، فقد ذكر طرفًا من المسائل التي أخذ المتمذهبون فيها بقول إمامهم الذي رجع عنه.\n(^٦) انظر: المصدر السابق.","vol":"2","page":1117},{"text":"لإمامِه مرةً، بخلافِ الحالةِ الثانيةِ، فإمامُ المذهبِ لم يقلْ بالقولِ أصلًا (^١).\nالجواب عن المناقشة: أجابَ ابنُ القيّمِ عن المناقشةِ، فقالَ: \"هذا فرقٌ عديمُ التأثيرِ؛ إذ ما قالَ به، وصرَّحَ بالرجوعِ عنه بمنزلةِ ما لم يقلْه\" (^٢).\nالدليل الثاني عشر: أنَّنا نُوْجِبُ العملَ بالحديثِ النبوي إذا ثَبَتَ عن النبي - ﷺ - دونَ تفصيلٍ؛ إذ لا نعلم أحدًا مِنْ أئمةِ المسلمين البتة قال: لا نعملُ بحديثِ رسولِ الله - ﷺ - حتى نعرفَ مَنْ عملَ به، فإنْ جَهِلَ مَنْ بلغه الحديثُ مَنْ عملَ به، لم يحلَّ له أنْ يعملَ به (^٣).\nويمكن أنْ يناقش الدليل الثاني عشر: بأنَّ ما ذُكِرَ في الدليلِ مِن عدمِ الالتفاتِ إلى أحدٍ إذا ثبتتْ سنةُ النبي - ﷺ - هو مِنْ شأنِ المجتهدِ المطلقِ، أمَّا من عداه، فليس له ذلك؛ إذ قد يعملُ بحديثٍ ظاهره الصحة، لكنْ له علةٌ خفيتْ عليه - ولم تخف على مَنْ قبله؛ إذ لم يعملوا بالحديثِ - فيقع في مخالفةِ السلفِ.\nالدليل الثالث عشر: إذا فَرَضَ المسلمُ نفسَه بين يدي النبي - ﷺ -، وقد سمعَ حديثَه، فهلْ يسعه التأخر عن العملِ بما سَمِعَ؟ ! (^٤)، فكذا الحال إذا نُقِلَ إليه حديثُه - ﷺ -.\nويمكن أنْ يناقش الدليل الثالث عشر من وجهين:\nالوجه الأول: أنَّ قولَ تقيِّ الدين السبكي - وهو المستدلُّ بالدليلِ -: \"ليفرض المسلم نفسه بين يدي النبي - ﷺ -، وقد سمع حديثه ... \" (^٥)، مدفوعٌ بأنَّ تركَ العلماءِ للعملِ بالحديثِ قادحٌ في صحتِه، أو دالٌّ على نسخِه.\nالوجه الثاني: لا تستوي حالة مَنْ سمع من النبي - ﷺ - مباشرةً، وحالة\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (٦/ ١٦٩).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) انظر: المصدر السابق (٦/ ١٨٠).\n(^٤) انظر: معنى قول الإمام المطلبي لتقي الدين السبكي (ص/ ١٠٧).\n(^٥) انظر: المصدر السابق.","vol":"2","page":1118},{"text":"مَنْ نُقلَ إليه الحديثُ؛ وذلك لتطرّقِ احتمالِ غلطِ الراوي وخطئِه إلى الحالةِ الثانيةِ، دونَ الأُولى.\nالدليل الرابع عشر: إذا خالفَ إمامُ المذهبِ الحديثَ النبوي، فإنَّنا نأخذُ بالحديثِ النبوي؛ لأنَّ ما دلَّ عليه الحديثُ هو مذهبُ إمامنا في هذه الحالةِ، فلم نخرجْ عن التزامِ مذهبِه (^١).\nأدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: إذا اختلفَ العلماءُ في مسألةٍ ما على قولين، وكان قولُ إمامِنا مخالفًا للدليلِ الذي مع القولِ الآخر - سواءٌ أكان آيةً أم حديثًا - فإنَّنا نأخذُ بقولِ إمامِنا مع مخالفتِه للدليلِ؛ لأنَّنا مأمورون بتوقيرِ العلماءِ، ونعلم أنَّ العالمَ لو تعمَّدَ مخالفةَ رسولِ الله - ﷺ -، لكانَ مرتكبًا لكبيرةٍ مِن الكبائرِ، وفي براءتِه مِن ارتكابِ الكبيرةِ ما يُوجبُ أنَّه كان عنده علمٌ يُوجبُ له ترك الحديثِ، ورفع حكمِ الآيةِ، لم يكنْ عند العالمِ الذي قالَ بموافقةِ الدليلِ، وبهذا نكون قد قمنا بتوقيرِ كلا العالمين (^٢).\nمناقشة الدليل الأول: نوقش الدليل من أربعة أوجه:\nالوجه الأول: يلزمُ مِنْ دليلِكم لازمٌ باطلٌ لا يقولُ به أحدٌ؛ إذ يلزمُ منه أنْ يأخذَ المتمذهبُ بالأقوالِ التي خالفَ أصحابُها الدليلَ؛ ليوقرَ كلا العالمين، فيقول بمنعِ الجنبِ مِن التيممِ في السفرِ؛ تقليدًا لعمرَ بنِ الخطابِ - ﵁ - (^٣)، وبسقوطِ الكفارةِ عن الواطئِ زوجته في نهارِ رمضان؛\n_________\n(^١) انظر: الوصول إلى الأصول لابن برهان (٢/ ٣٥٨)، والبحر المحيط (٦/ ٢٩٣)، وظاهر ما ذكره الزركشيُّ أنَّ إلكيا الهراسي وابن برهان قد استدلا بهذا الدليل.\n(^٢) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ١٠٤).\n(^٣) جاء عن عمر بن الخطاب - ﵁ - ما يدل على منع الجنب من التيمم في السفر؛ إذ جاءه رجلٌ، فقال: إني أجنبت، فلم أجد الماء؟ =","vol":"2","page":1119},{"text":"تقليدًا لإبراهيمَ النخعي (^١)، بلْ عليه أنْ يتعمدَ الأخذَ بكلِّ قولٍ خالفَ صاحبُه حديثَ النبي - ﷺ -، وهذا لا يفعلُه مسلمٌ (^٢).\nالوجه الثاني: يقتضي دليلُكم أنْ يتركَ المتمذهبُ مذهبَه فيما إذا وافقَ إمامُه الدليلَ فيه، وخالفه غيرُه مِن العلماءِ، وأنتم لا تصنعون ذلك (^٣).\nالوجه الثالث: يلزم مِنْ دليلِكم استحقاقُ إمامِ مذهبِكم لسخطِ الله تعالى؛ لأنَّ إمامَكم في ضوءِ ما قلتُم كاتمٌ لعلمٍ عنده عن رسولِ الله - ﷺ -، ويقول ﵎ متوعِّدًا مَنْ كَتَمَ علمًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ (^٤).\nالوجه الرابع: القولُ بأنَّ إمامَ المذهبِ قد اطَّلعَ على الدليلِ، وخالفَه؛ لأمرٍ يقتضي المخالفةِ، قولٌ غيرُ دقيقٍ؛ فقد يكون واقعُ الأمرِ أن إمامَ المذهب لم يطَّلعْ على الحديثِ أصلًا، أو بَلَغَه فنسيه، أولم ينسه، لكنَّه لم يخَطرْ على بالِه، أو تأوّله بتأويلٍ - من تخصيصٍ أو نسخٍ - لا يصحّ وجهُه (^٥)، ونحو ذلك مِن الأعذارِ التي تُخرج العالم عن\n_________\n= فقال عمر: (لا تصل) ... الأثرَ، وفي رواية: (أما أنا فلم أكن أصلي حتى أجد الماء)، وأخرجه: البخاري في: صحيحه، كتاب: التيمم، باب: المتيمم هل ينفخ فيهما (ص/ ٨٧)، برقم (٣٣٨)؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: الحيض، باب: التيمم (١/ ١٧٣)، برقم (٣٦٨) بسياق أطول.\nوأخرج: ابن أبي شيبة في: المصنف، كتاب: الطهارة، باب: من قال: لا يتيمم حتى يجد الماء (٢/ ١٨٣)، برقم (١٦٧٩)، وابن حزم في: المحلى (٢/ ١٩٥ - ١٩٦) عن عمر - ﵁ - أنه قال في الجنب: (لا يتيمم الجنب وإن لم يجد الماء شهرًا).\n(^١) أخرج قول إبراهيم النخعي: ابنُ حزم في: المحلى (٦/ ٢٧٦) بإسنادٍ وصفه بأنه أصح إسناد.\nوانظر قول إبراهيم في: حلية العلماء للقفال (٣/ ٢٠٠)، والمغني لابن قدامة (٤/ ٣٧٢).\n(^٢) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ١٠٤).\n(^٣) انظر: المصدر السابق.\n(^٤) الآية (١٥٩)، ومن الآية (١٦٠) من سورة البقرة.\n(^٥) للأمثلة على هذه الأعذار، انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ١٠٤ - ١٠٥)، ورفع الملام لابن تيمية (ص/ ٧ وما بعدها).","vol":"2","page":1120},{"text":"ارتكابِ الكبيرةِ (^١).\nالدليل الثاني: يقولُ إبراهيمُ النخعي عن الصحابةِ - ﵃ -: (لو رأيتهم يتوضؤون إلى الكوعين ما تجاورتهما، وأنا أقرأُ: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (^٢» (^٣).\nوجه الدلالة: بيَّنَ إبراهيمُ النخعي أنَّه سيعملُ بقولِ مَنْ أدرك مِن الصحابةِ - ﵃ -، وإنْ خالفوا نصَّ القرآنِ الكريمِ، وإذا جازَ هذا لإبراهيمَ، فمَنْ عداه كذلك.\nمناقشة الدليل الثاني، نوقش الدليل من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: أنَّ الأثرَ المذكور في دليلِكم غير ثابتٍ عن إبراهيمَ النخعي، يقولُ ابنُ حزمٍ: \"هذا كذبٌ على إبراهيمَ\" (^٤).\nالوجه الثاني: لو صحَّ هذا الأثرُ عن إبراهيمَ النخعي، لكان خطأً عظيمًا منه، وليس إبراهيمُ معصومًا عن الخطأِ (^٥).\nالوجه الثالث: عارضَ الأثرَ الذي ذكرتموه عن إبراهيمَ النخعي آثارٌ صحيحةٌ جاءتْ عن إبراهيمَ نفسِه، فتكون هي المقدَّمة؛ لصحتها (^٦)، مِنْ ذلك:\n• قولُ إبراهيم: (لا طاعةَ مفترضة إلا لنبي) (^٧).\n_________\n(^١) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ١٠٤ - ١٠٥).\n(^٢) من الآية (٦) من سورة النساء.\n(^٣) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ١٠٧). ولم أقف على أثر إبراهيم النخعي مسندًا - فيما رجعتُ إليه من مصادر - وقد ذكر ابنُ حزم في: الإحكام في أصول الأحكام (٦/ ١٠٧) أنَّ في سنده أبا حمزة ميمون الأعور القصاب، وقال عنه: \"ساقط جدًّا غير ثقةٍ\".\nوقد ذكر أثر إبراهيم بنحو اللفظ السابق دون إسناد: ابنُ أبي زيد القيرواني في: الجامع في السنن والآداب (ص/ ١٥٠)، وابنُ القيم في: إعلام الموقعين (٦/ ٢٧).\n(^٤) الإحكام في أصول الأحكام (٦/ ١٠٧).\n(^٥) انظر: المصدر السابق.\n(^٦) انظر: المصدر السابق (٦/ ١٠٧ - ١٠٨).\n(^٧) أخرج قول إبراهيم: ابنُ حزم في: الإحكام في أصول الأحكام (٦/ ١٠٧ - ١٠٨)، وصححه. وذكر السيوطي في: الدر المنثور (١/ ٦١٧) أنَّ عبد بن حميد أخرجه.","vol":"2","page":1121},{"text":"• وقالَ سعيدُ بنُ جبير (^١): كان ابنُ عمرَ يدَّهنُ بالزيتِ، فذكرتُه لإبراهيمَ النخعي، فقالَ: (ما تصنع بقوله حدثني الأسود عن عائشة قالت (كأنَّي أنظر إلى وبيصِ (^٢) الطيبِ في مَفْرِق (^٣) رسولِ الله - ﷺ -، وهو مُحْرِمٌ) (^٤).\nيقولُ ابنُ حزمٍ معلِّقًا على قولِ إبراهيمَ: \"فهذا الذي يليقُ بإبراهيمَ - ﵀ - وهو أنْ لا يلتفت إلى قولِ ابنِ عمرَ إذا وَجَدَ عن النبي - ﷺ - خلافَه\" (^٥).\nويمكن أن يضاف وجه رابع في المناقشة: أنَّ قولَ إبراهيمَ النخعي محمولٌ على إجماعِ الصحابةِ - ﵃ -، فإذا أجمعوا على قولٍ مخالفٍ للقرآنِ الكريم، فالمقدَّمُ هو الإجماع، ويكون ما خالفه منسوخًا.\nالدليل الثالث: إذا وجَدْنا الدليلَ على خلافِ قولِ إمامِ مذهبِنا، فلإمامِنا حجةٌ راجحةٌ على الدليلِ لم نطلعْ عليها، أوْ له جوابٌ عنه لم\n_________\n(^١) هو: سعيد بن جبير بن هشام الأسدي مولاهم الكوفي، أبو محمد أو أبو عبد الله، كان أحد أئمة التابعين وأعلامهم، ثقةً إمامًا حافظًا مقرئًا، ومفسرًا للقرآن، روى عن عبد الله بن عباس وأكثر الرواية عنه، وأجادها، قال إسحاق بن شعيب: \"كان يُقال: سعيد بن جبير جهبذ العلماء\"، توفي سنة ٩٥ هـ مقتولًا بسيف الحجاج بن يوسف. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٦/ ٢٥٦)، وحلية الأولياء لأبي نعيم (٤/ ٢٧٢)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٢/ ٣٧١)، وتهذيب الكمال للمزي (١٠/ ٣٥٨)، وسير أعلام النبلاء (٤/ ٣٢١)، وطبقات المفسرين للداودي (١/ ١٨١).\n(^٢) الوبيص: البريق واللُمعة. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، مادة: (وبص)، (ص/ ٩٥٦)، والقاموس المحيط، مادة: (وبص)، (ص/ ٨١٨).\n(^٣) المَفْرِق، ويقال: المِفْرَق: وسط الرأس، وهو الذي يفرق فيه الشعر. انظر: القاموس المحيط، مادة: (فرق)، (ص/ ١١٨٤).\n(^٤) أخرج حديثَ عائشة - ﵂ -: البخاريُّ في: صحيحه، كتاب: الغُسل، باب: من تطيب ثم اغتسل وبقي أثر الطيب (ص/ ٢٦٧)، برقم (٢٧١)؛ ومسلمٌ في: صحيحه، كتاب: الحج، باب: الطيب للمحرم عند الإحرام (١/ ٥٣٤)، برقم (١١٩٠).\nوأخرج قول سعيد لإبراهيم النخعي: البخاريُّ في: صحيحه، كتاب: الحج، باب: من الطيب عند الإحرام (ص/٢٩٨)، برقم (١٥٣٧).\n(^٥) الإحكام في أصول الأحكام (٦/ ١٠٨).","vol":"2","page":1122},{"text":"نعلمْه، فنبقى على قولِه (^١)؛ لأنَّ إمامَنا قد اطّلعَ على جميعِ معاني كتابِ الله تعالى، ولم يفتْه منها شيءٌ، وعلى جميعِ سنةِ رسولِ الله - ﷺ -، فلم يفتْه منها شيءٌ، فكلُّ ما خالفَ قول إمامِنا، فإنَّه قد اطّلعَ عليه، وخالفه؛ لمعارضٍ أقوى منه (^٢).\nيقولُ أبو عيسى الوزاني (^٣): \"أمَّا كون المقلِّد لم يجدْ لضعفِ إمامِه مدفعًا ... فلا يُوْجِبُ انتفاءه؛ إذ قد يكون له مدفعٌ، ولا يعلمُه هذا الفقيه المقلِّد\" (^٤).\nمناقشة الدليل الثالث: الواجبُ على المتمذهبِ تقوى الله تعالى؛ قالَ الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (^٥)، والعملُ بما أَمَرَ به الشارعُ ما استطاع إلى ذلك سبيلًا؛ يقولُ النبيُّ - ﷺ -: (إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم) (^٦)، والذي يستطيعه المتمذهبُ مِن الفقهِ والعلمِ في المسألةِ التي\n_________\n(^١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٠/ ٢١٣)، والرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة لابن رجب (ص/ ٤٤).\n(^٢) انظر: أضواء البيان (٧/ ٥٦٧).\n(^٣) هو: محمد المهدي بن محمد بن محمد بن الخضر بن قاسم بن موسى العمراني الوزاني الفاسي، أبو عيسى، ولد بوزان سنة ١٢٦٦ هـ تلقى مبادئ العلم في بلده، ثم انتقل إلى فاس، ودَرَس على أيدي علمائها، كان من علماء المذهب المالكي، وأحفظ أهل عصره به، عارفًا بالنوازل، دؤوبًا على نشر العلم بدروس عامرة، قال عنه محمد الحجوي: \"هو أكثر من أدركنا بالمغرب تأليفًا وتصنيفًا\"، من مؤلفاته: النوازل الجديدة الكبرى فيما لأهل فاس وغيرهم من البدو والقرى، والمنح السامية في النوازل الفقهية، ورسالة في كراهية القبض في الصلاة، توفي بفاس سنة ١٣٤٢ هـ. انظر ترجمته في: شجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٤٣٥)، والفكر السامي للحجوي (٤/ ٣١٨)، والأعلام للزركلي (٧/ ٣٣٥)، ومعجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٧٤٠)، ومقدمة محقق النوازل الكبرى (١/ ٩).\n(^٤) النوازل الجديدة الكبرى (١/ ٣١٧)\n(^٥) من الآية (١٦) من سورة التغابن.\n(^٦) أخرج الحديثَ: البخاريُّ في: صحيحه، كِتَابُ: الاعْتِصَام، بَابُ: الاقْتِدَاءِ بِسُنَنِ رَسُولِ الله - ﷺ - (ص/ ١٣٨٩)، برقم (٧٢٨٨)؛ ومسلمٌ في: صحيحه، كتاب: الحج، باب: فرض الحج مرة في العمر (١/ ٦٠٨)، برقم (١٣٣٧)، كلاهما من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"2","page":1123},{"text":"وَجَدَ فيها الدليلَ على خلافِ قولِ إمامِه قد دلَّه على أنَّ ما خالف قولَ إمامه هو الراجح، فعليه اتباعه؛ لأنَّ هذا هو ما يستطيعه في تقوى الله.\nفإنْ تبيّنَ له فيما بَعْدُ أنَّ لهذا النصِّ معارضًا راجحًا عادَ إلى قولِ إمامِه، وكان حكمُه حكمَ المجتهدِ إذا تغيَّرَ اجتهادُه، وكان انتقالُه محمودًا؛ لأنَّه انتقالٌ لموافقةِ الحقِّ، بخلافِ إصرارِه على قولِ إمامِه إذا تَبَيّنَتْ مخالفتُه للدليلِ، فإنَّه مذمومٌ (^١).\nثمَّ يبطل ادِّعاؤُكم بأنَّ إمامَ المذهبِ قد أحاطَ بنصوصِ الكتابِ والسنةِ: ما جاءَ عن الأئمةِ أنفسِهم مِنْ نفيهم الإحاطة بجميعِ أحاديثِ النبي - ﷺ -، فها هو الإمامُ الشافعي يقولُ: \"لا نعلمُ رجلًا جمَعَ السننَ فلم يذهبْ منها عليه شيءٌ\" (^٢)، ويقولُ أيضًا: \"قد يجهلُ الرجلُ السنةَ، فيكون له قولٌ يخالفُها\" (^٣).\nوسعةُ علمِ الإمامِ وكثرتُه لا تستلزمُ اطلاعه على جميعِ النصوصِ (^٤).\nالدليل الرابع: إذا خالفَ قولُ إمامِ المذهبِ في مسألةٍ من المسائلِ الدليلَ النقلي مِنْ كتابٍ أو سنةٍ، فالمقدَّمُ عندنا قولُ إمامِنا؛ لأنَّه أعلمُ منا بالشرعِ وأدلتِه (^٥).\nمناقشة الدليل الرابع: معارضتُكم الأخذ بالدليلِ النقلي كتابًا أو سنة: بأنَّ إمامَكم أعلمُ منكم، معارضةٌ فاسدةٌ؛ لأنَّ المخالفَ لإمامِكم نظيرٌ له في معرفةِ الشرع وأدلتِه، وفي معرفةِ المسألة التي وَرَدَ فيها الدليلُ بخصوصِها،\n_________\n(^١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٠/ ٢١٣ - ٢١٤).\n(^٢) الرسالة (ص/ ٤٢).\n(^٣) المصدر السابق (ص/ ٢١٩).\n(^٤) انظر: أضواء البيان (٧/ ٥٦٧ - ٥٦٨). وسبقت الإشارة في المبحث الثاني من الفصل الثالث إلى أنَّ أجلة الصحابة - ﵃ - خفيت عليهم بعض السنن.\n(^٥) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٠/ ٢١٥)، ودراسات اللبيب لمحمد معين (ص/ ٣٣)، ورفع العتاب والملام للفاسي (ص/ ٧٩)، والدرر السنية لابن قاسم (١/ ٤٤).","vol":"2","page":1124},{"text":"وأنتم لستُم أعلم منهما (^١).\nيقولُ تقيُّ الدّينِ بنُ تيميةَ: \"نسبةُ هؤلاءِ إلى (^٢) الأئمةِ كنسب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبيّ ومعاذ ونحوهم من (^٣) الأئمةِ وغيرِهم.\nفكما أنَّ هؤلاءِ الصحابة بعضهم لبعضٍ أكفاء في مواردِ النزاعِ، وإذا تنازعوا في شيءٍ ردّوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسولِ - وإنْ كان بعضُهم قد يكون أعلم في مواضع أخر - فكذلك موارد النزاعِ بين الأئمةِ.\nوقد تَرَكَ الناسُ قولَ عمرَ وابنِ مسعود في مسألةِ: (تيمم الجنب) (^٤)، وأخذوا بقولِ مَنْ هو دونهما، كأبي موسى الأشعري (^٥) وغيرِه؛ لما احتجَّ بالكتابِ والسنةِ ... \" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: المصادر السابقة.\n(^٢) لعل الصواب: \"أي\"؛ إذ بها يستقيم الكلام ويصح.\n(^٣) في المطبوع من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٠/ ٢١٥): \"إلى\"، ويظهر لي أنها تحريف، وقد أثبت: \"من\" من الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٢/ ٤٦٠)؛ إذ وردت رسالة تقي الدين بن تيمية في الكتابين.\n(^٤) تقدم تخريج أثر عمر بن الخطاب - ﵁ - في: (ص/١١١٩). ولفظ أثر عبد الله بن مسعود - ﵁ -: قال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن، أرأيت لو أنَّ رجلًا أجنب، فلم يجد الماء شهرًا، كيف يصنع بالصلاة؟ قال عبد الله: (لا يتيمم وإن لم يجد الماء شهرًا). قال أبو موسى: (فكيف بهذه الآية في: سورة المائدة: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [من الآية ٦ من سورة المائدة] فقال عبد الله: (لو رخص لهم في هذه الآية لأوشك إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد). فقال أبو موسى لعبد الله: (ألم تسمع قول عمار بعثني رسول الله في حاجة، فأجنبت ... الحديث، وأخرجه: البخاري في: صحيحه، كتاب: التيمم، باب: التيمم ضربة (ص/ ٨٩)، برقم (٣٤٧)؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: الحيض، باب: التيمم (١/ ١٧٣)، برقم (٣٦٨)، واللفظ له.\nوجاء عن ابن مسعود أنه رجع عن قوله، كما أخرجه عنه ابن أبي شيبة في: المصنف، الموضع السابق، برقم (١٦٨١).\nوانظر: فتح الباري لابن حجر (١/ ٤٥٧).\n(^٥) تقدم تخريج أثر أبي موسى - ﵁ - في الحاشية السابق، وفيها استدلاله بالكتاب والسنة.\n(^٦) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٠/ ٢١٥).","vol":"2","page":1125},{"text":"الدليل الخامس: إذا وجدنا حديثًا مخالفًا لقولِ إمامِنا فإنَّنا في زمننا لا نتمكن مِنْ معرفةِ صحةِ الحديثِ مِنْ عدمِها؛ لقلَّةِ باعِنا فيه، وقد سَبَقَنا إمامُنا في معرفةِ الأحاديثِ، فنبقى على قولِه (^١).\nمناقشة الدليل الخامس: لا يستقيمُ إطلاق دليلِكم في كلِّ زمنٍ وفي كلِّ قُطْرٍ، بلْ لو فُرِضَ أنَّ أهلَ العلمِ في قُطْرٍ ما وفي زمنٍ ما لم يتمكنوا مِنْ معرفةِ صحةِ الحديثِ، فإنَّ هذا لا يكون في كلِّ الأقطار في زمنهم، فدليلكم إنَّما يستقيمُ لو لم تدوَّنْ علوا الحديثِ وأسانيد السنةِ، ولم يَحْكُمْ عليها أئمةُ المحدثين، وهي بحمد الله مدوَّنةٌ، ومشروحةٌ، ومعتنى بها (^٢).\nالدليل السادس: أنَّ في تركِ المتمذهبِ قولَ إمامه واتباعِه للحديثِ تشويشًا على العامةِ، إذا كانوا لا يعرفون غيرَ قولِ إمامِهم، وفتحًا لبابِ القيل والقال، وإذا كانت المسألةُ اجتهاديةً، فيخفف فيها بجوازِ البقاءِ على قولِ الإمامِ (^٣)، وقد تَرَكَ النبيُّ - ﷺ - بناءَ الكعبةِ على قواعد إبراهيمَ - ﷺ -؛ لأنَّ القومَ كانوا حدثاء عهدٍ بالكفرِ؛ خشيةَ وقوع فتنة بين بعضِ المسلمين (^٤).\nويمكن أنْ يناقشَ الدليل السادس: بأنَّ للمتمذهبِ الأخذَ بالدليلِ دونَ دعوةِ الناسِ إلى قولِه؛ لئلا يترتبَ عليه فتنةٌ حالَ الخشية مِن وقوعِها، وبإمكانِه أنْ يخرِّجَ مدلولَ الحديثِ على أصولِ مذهبِه أو فروعِه (^٥)، ثمَّ ما\n_________\n(^١) انظر: دراسات اللبيب لمحمد معين (ص/٣٨).\n(^٢) انظر: المصدر السابق.\n(^٣) انظر: النوازل الجديدة الكبرى للوزاني (١/ ٣١٣ - ٣١٤)، وأصول الإفتاء للعثماني (ص/ ٤٧٠) مع شرحه المصباح في رسم المفتي.\n(^٤) لفظ الحديث: عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: (لولا حداثة قومك بالكفر لنقضت البيت، ثم لبنيته على أساس إبراهيم ﵇، فإنَّ قريشًا استقصرت بناءه، وجعلت له خلفًا)، وأخرجه: البخاري في: صحيحه، كتاب: الحج، باب: فضل مكة وبنيانها (ص/ ٣٠٧)، برقم (١٥٨٥)، واللفظ له؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: الحج، باب: نقض الكعبة وبنائها (١/ ٦٠٤)، برقم (١٣٣٣).\n(^٥) يقول ابن القيم في: إعلام الموقعين (٦/ ١٦٧): \"إذا ترجَّح عنده - أي: عند المجتهد في مذهب إمامه - قول إمامه؛ بدليل راجح، فلا بُدّ أنْ يخرَّج على أصول إمامه وقواعده؛ =","vol":"2","page":1126},{"text":"ذكرتموه حالةٌ جزئيةٌ خاصةٌ، لا يستقيم أنْ نُعمّمَ الحكمَ بسببِها.\nالدليل السابع: أنَّ في مخالفةِ المتمذهبِ قول إمامِه، وانتصارِه لرأي مقابلِه إساءةَ أدبٍ معه (^١).\nويمكن مناقشة الدليل السابع: بأنَّه دليلٌ ظاهرُ الضعفِ، فليس في تركِ قولِ إمامِ المذهب إساءةُ أدبٍ أصلًا، ثمَّ كيفَ يُقالُ: إنَّ في مخالفتِه إساءةَ أدبٍ، والمخالفُ إنَّما خالفَ قولَ إمامِه؛ لقولِ النبي - ﷺ -؟ ! أفلا قالَ: إنَّ في تركِ الحديثِ النبوي إساءةَ أدبٍ مَعَ النبي - ﷺ -، مع العلمِ أنَّ الأئمةَ أمروا بتركِ أقوالِهم إن خالفتْ حديثَ النبي - ﷺ -.\nالدليل الثامن: إذا عذرتم إمامَ المذهبِ في تركِ العملِ بالحديثِ، وخطئه في قولِه، بلْ قلتُم: له أجرٌ واحدٌ؛ لاجتهادِه، فيلزمكم أنْ تعذرونا في الخطأِ، وتقولوا: إنَّ لنا أجرًا واحدًا إذا أخذنا بقولِ إمامِنا؛ لأنَّنا اتّبعنا مَنْ حكمتم عليه بهذا الحكمِ (^٢).\nمناقشة الدليل الثامن: أجابَ عن الدليلِ الشيخُ محمد الأمين الشنقيطي، فقالَ: \"إنَّ إمامَ المذهبِ الذي قلَّدوه بَذَلَ جهدَه في تعلُّمِ كتابِ الله وسنةِ رسوله وأقوالِ الصحابةِ وفتاويهم ... ومَنْ كان هذا شأنه، فهو جديرٌ بالعُذرِ في خطئِه، والأجرِ في اجتهادِه.\nأمَّا مقلِّدوه، فقد تَرَكُوا النظرَ في كتاب الله وسنةِ رسولِه، وأعرضوا عن تعلمهما إعراضًا كليًا مع يسرِه وسهولتِه، ونزَّلوا أقوالَ الرجالِ الذين يخطئون ويصيبون منزلةَ الوحي المنزَّل مِن لله، فأينَ هؤلاءِ مِنْ الأئمةِ الذين قلَّدوهم؟ !\n_________\n= فإنَّ الأئمةَ متفقةٌ على أصولِ الأحكام، ومتى قال بعضهم قولًا مرجوحًا فأصوله تردُّه وتقتضي القول الراجح، فكلّ قولٍ صحيح يخرَّج على أقوال الأئمة بلا ريب\".\n(^١) انظر: النوازل الجديدة الكبرى للوزاني (١/ ٣١٣).\n(^٢) انظر: أضواء البيان (٧/ ٥٧١ - ٥٧٢).","vol":"2","page":1127},{"text":"وهذا الفرقُ العظيمُ بينهم، وبينهم يدلُّ دلالةً واضحةً على أنَّهم ليسوا مأجورين في الخطأِ في تقليدٍ أعمى ... وليسوا معذورين؛ لأنَّهم تركوا ما يلزمهم تعلمه مِنْ أمرِ الله ونهيه على ضوءِ وحيه المنزّلِ\" (^١).\nأدلةُ أصحابِ القولِ الثالث:\nيمكنُ لأصحابِ القولِ الثالثِ أنْ يستدلوا لتقديمِ الحديثِ النبوي على قولِ إمامِ المذهبِ في الحالةِ التي حددوها بأدلةِ أصحابِ القولِ الأولِ.\nأمَّا قولهم: يقدّم قول الإمامِ عند عدمِ عملِ أحدٍ من المجتهدين بالحديثِ:\nفلم أقفْ لهم على دليلٍ لهذه الحالة، لكنَّ تقيَّ الدين السبكي وجَّه قولَهم، فقال: \"لأنَّ ذلك - أيْ: أن لا يجدَ المتمذهب أحدًا عمل بالحديثِ - إنَّما يكون حيثُ يكون إجماعٌ\" (^٢).\nولابنِ رجبٍ كلامُ يصحُّ لي أنْ أجعلَه دليلًا لهم: أنَّ في اتفاق السلفِ على تركِ العملِ بالحديثِ دليلًا على علمِهم بما يُوجبُ تركَه (^٣).\nوقد أجاب تقيُّ الدين السبكي نفسُه على ما قد يكون مستندًا لهم، فقالَ: \"لكن قد يفرضُ في مسألةٍ لا نقلَ فيها عن غيرِ الشافعي\" (^٤).\nوفي موضعٍ آخر أفادَ تقيُّ الدين بأنَّه \"ليس في الأحاديثِ الصحيحةِ ما أجمعَ العلماءُ على تركِه\" (^٥).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٧/ ٥٧٢). وأنبه إلى أنَّ بدر الدين الزركشي في: البحر المحيط (٦/ ٢٩٦) ذكر دليلًا لأصحاب القول الثاني، مفاده: أننا استقرأنا أحوال الصحابة - ﵃ -، ومقلِّديهم، فوجدنا أنَّهم لم ينكروا على من استفتاهم في مسألة، وسأل غيرهم عن أخرى، ولو كان هذا غير جائز لأمر الصحابيُّ المستفتي بالعود إلى من استفتاه قبل ذلك.\nولم يظهر لي وجه العلاقة بين الدليل، ومسألتنا؛ إذ هذا دليل لمن قال بعدم لزوم التمذهب.\n(^٢) معنى قول الإمام المطلبي (ص/١٠٧).\n(^٣) انظر: بيان فضل علم السلف (ص/٥٧).\n(^٤) معنى قول الإمام المطلبي (ص/ ١٠٧).\n(^٥) المصدر السابق.","vol":"2","page":1128},{"text":"• الموازنة والترجيح:\nبعد النظرِ في المسألةِ وما فيها من أقوال وأدلة، يظهرُ لي الآتي:\nأولًا: القولُ بتقديمِ قولِ إمامِ المذهبِ مطلقًا - كما ذَهَبَ إليه أصحابُ القولِ الثاني - قولٌ ضعيفٌ، وذلكَ لضعفِ أدلتِهم، ولقوةِ أدلةِ مخالفيهم.\nثانيًا: إنْ كان قولُ الإمامِ - أو ما استقرَّ عليه المذهبُ - مخالفًا للحديثِ مخالفةً صريحةً، فهنا ثلاثُ حالات:\nالحالة الأولى: أنْ يقولَ بما دلَّ عليه الحديثُ مذهبٌ مِن المذاهبِ المتبوعةِ.\nفهنا يتّبعُ المتمذهبُ الحديثَ؛ لأنَّه خَرَجَ عن الأخذِ بقولِ إمامِه إلى الأخذِ بقولِ إمامِ آخر.\nالحالة الثانية: أنْ يقولَ بما دلَّ عليه الحديثُ بعضُ السلفِ، دونَ بقيةِ المذاهبِ المتبوعةِ، فهنا:\n* إنْ ثَبَتَ القولُ عن قائلِه: فللمتمذهبِ الأخذُ بالحديثِ، وله الأخذُ بمذهبِ إمامِه؛ لأنَّ الغالب أنْ لا تتفقَ المذاهبُ على تركِ القولِ الراجح - إلا في القليلِ النادرِ - ولذا فينبغي أنْ لا يُقْدِم المتمذهبُ على الأَخذِ بالحديثِ إلا بعد مزيدِ نظرٍ وتأمّلٍ، وجمعٍ لأطرافِ المسألةِ، وليس في هذا تقليلٌ مِنْ شأنِ الحديثِ النبوي، بلْ حرصٌ على أنْ لا يقعَ المتمذهبُ في العمل بحديثٍ تَرَكَه أجلةُ الأئمةِ؛ لعلّةٍ خفيت على المتمذهبِ.\n* وإنْ لم ثبت القولُ عن قائلِه - أو شكّ في ثبوتِه - فليس له الأخذُ بالحديثِ؛ لأنَّ تركَ الأئمةِ وعلماء السلفِ له قادحٌ في ثبوتِه، أو دالٌّ على نسخِه.\nالحالة الثالثة: أنْ لا يقولَ بما دلَّ عليه الحديثُ أحدٌ مِنْ أهلِ العلمِ المعتد بهم.","vol":"2","page":1129},{"text":"فليس للمتمذهب الأخذُ بالحديثِ؛ لأنَّ تركَ الأئمة وعلماء السلف له قادحٌ في ثبوتِه، أو دالٌّ على نسخِه.\nثالثًا: يحسنُ التنبيه على الأمور الآتية:\nالأمر الأول: لا بُدَّ مِنْ ثبوتِ الحديثِ وصحتِه، والاهتمام بهذا؛ إذ تُعَدّ صحةُ الحديثِ اللبنة الأُولى للعملِ به، وبناءً عليه، لا بُدَّ من التريثِ والانتباهِ لتصحيحاتِ مَنْ عُرِفَ بالتساهلِ في تصحيحِ الأحاديثِ.\nالأمر الثاني: يتعيّنُ الانتباه إلى أنَّ هناك بعضَ الأحاديثِ التي ظاهرُ إسنادِها الصحة، ولكنْ أعلَّها متقدمو المحدثين، ثمَّ صححها بعضُ مَنْ جاءَ بعدهم؛ لظاهرِ السندِ، ففي هذه الحالة تُقدّمُ أحكام متقدمي المحدثين على متأخريهم؛ إذ لا تمكن التسوية بين حكمِ البخاري أو مسلمٍ أو الإمام أحمد على حديثٍ، وحكم مَنْ جاءَ بعدهم بقرون ولا سيما ممَّنْ عُرِفَ بالتساهلِ في التصحيحِ.\nالأمر الثالث: ضرورةُ الانتباه إلى درجةِ الزيادةِ التي تجيءُ في بعضِ الأحاديثِ، ولا سيما الزيادة التي يترتب عليها ترجيحٌ بين قولين؛ فليستْ كلُّ الزياداتِ مقبولةً، هذا من جهة.\nومن جهة أخرى: هناك من المحدثين من يتساهلُ في قبولِ زيادةِ الثقةِ، وهذا يدعو إلى ضرورةِ التثبت في قبولِ تصحيحه لها.\nالأمر الرابع: التثبت في الأحاديثِ الخارجةِ عن دواوينِ السنةِ المعروفةِ؛ لكثرةِ الأحاديثِ الغريبةِ والمعلَّةِ فيها، يقولُ أبو شامةَ المقدسي: \"متى رأيتَ حديثًا خارجًا عن دواوين الإسلامِ - كالموطأ ومسندِ أحمدَ والصحيحين وسننِ أبي داود والترمذي والنسائي ونحوها ... - فانظرْ فيه: فإنْ كانَ له نظيرٌ في الصحاحِ أو الحسانِ، قَرُبَ أمرُه.\nوإنْ رأيتَه يُباين الأصولَ وارتبتَ فيه، فتأمّلْ رجالَ إسنادِه، واعتبرْ","vol":"2","page":1130},{"text":"أحوالَهم مِن الكتبِ المصنفةِ في ذلك، وأصعب الأحوال أنْ يكونَ رجالُ الإسنادِ كلُّهم ثقاتٌ، ويكون متنُ الحديثِ موضوعًا عليهم أو مقلوبًا، أو جرى فيه تدليسٌ، ولا يَعْرِفُ هذا إلا النّقادُ مِنْ علماءِ الحديثِ، فإنْ كنتَ مِنْ أهله، وإلا سلْ عنه أهله\" (^١).\nالأمر الخامس: إنْ كانَ إمامُ المذهب مِنْ أئمةِ الحديثِ، وعَلِمَ بالحديثِ، ثمَّ تَرَكَه، فيظهرُ لي أنَّ للمتمذهبِ تركَ العمل بالحديثِ، إن اطمأنتْ نفسُه؛ إذ الظاهرُ أنَّ إمامَه لم يتركْه إلا لعلةٍ مِنْ ضعفٍ أو مخالفةِ ما هو أقوى منه أو نسخٍ، ولا يدلُّ أخذُ المتمذهبِ بقولِ إمامِه على الإعراضِ عن السنةِ الصحيحةِ؛ لأنَّه لم يترك الحديثَ إلا لرجحانِ ضعفِه، تمامًا كما يتركُ المتمذهبُ الحديثَ الذي نصَّ أحدُ أئمةِ الحديثِ على ضعفِه.\nرابعًا: يُلحقُ بهذه المسألةِ ما إذا نَظَرَ المتمذهبُ في مسألةٍ، وجَمَعَ أدلتها، وما قيلَ فيها، وترجّحَ عنده خلافُ قولِ إمامِه (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) خطبة الكتاب المؤمل (ص/ ١٢٦).\n(^٢) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/ ٢٠٥)، والأخبار العلمية للبعلي (ص/ ٤٨٣).","vol":"2","page":1131},{"text":"التَّمَذْهُب\nدِرَاسَة نظريَّة نَقديَّة\nتأليف\nالدكتور خالد بن مساعد بن محمد الرُّوَيتِع\nعضو هيئة التدريس بكلية الشريعة بالرياض\nبجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nالمجلد الثالث\nدار التَّدْمُرِيَّة","vol":"3","page":1132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>المبحث الثاني: عمل المتمذهب عند تعدد أقوال إمامه في مسألة واحدة</span>\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: حكم تعدد أقوال إمام المذهب\nالمطلب الثاني: الترجيح بين أقوال إمام المذهب","vol":"3","page":1133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>توطئة</span>\nتُعدُّ أقوالُ إمامِ المذهبِ مِنْ أهمِّ الأمورِ التي تقومُ عليها حقيقةُ التمذهبِ، والأصلُ أن يكونَ قولُ إمامِ المذهبِ معلومًا عند أربابِ مذهبِه؛ ليصحَّ منهم الالتزامُ به، لكن قد يقفُ المتمذهبُ في بعضِ المسائلِ الفقهيةِ، أو الأصوليةِ على أكثر مِنْ قولٍ لإمامِه في المسألةِ الواحدةِ، فما الذي يصنعه المتمذهبُ في هذه الحالةِ؟ وقبلَ هذا، ما حكمُ تعدد أقوالِ إمامِ المذهبِ في المسألةِ الواحدةِ؟\nلقد اهتمَّ الأصوليون منذ وقتٍ مبكرٍ بالحديثِ عن مسألةِ: (تعدد الأقوال لإمامِ المذهبِ)، فأوضحوا حكمَها، وما المرجَّح منها الذي تصحُّ نسبة القول به إليه، وقد نظمت عقد هذا المبحث في مطلبين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>المطلب الأول: حكم تعدد أقوال إمام المذهب</span>\nإنَّ اختلافَ أقوالِ إمام المذهبِ في المسألةِ الواحدةِ دليلٌ على إخلاصِه في طلبِ الصوابِ (^١)، ويحسنُ التمهيد لهذا المطلبِ ببيانِ بعضِ الأمورِ التي هي محلُّ اتفاقٍ بين الأصوليين:\nأولًا: لا خلافَ بين العلماء في صحةِ اعتقادِ إمامِ المذهبِ الوجوب والتحريم معًا في مسألتين مختلفتين، كاعتقادِ وجوبِ الصلاةِ، واعتقادِ تحريمِ الخمرِ (^٢).\n_________\n(^١) انظر: أبو حنيفة - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٩٢).\n(^٢) انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٠٠)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٦٣٣).","vol":"3","page":1135},{"text":"ثانيًا: لا خلافَ بين العلماءِ في صحةِ اعتقادِ إمامِ المذهبِ الوجوب والتحريم معًا في مسألةٍ واحدةٍ، لكنْ بالنسبةِ إلى حكمينِ مختلفينِ لا منافاةَ بينهما، كاعتقادِ تحريمِ الخمرِ، واعتقادِ وجوبِ إقامةِ الحدِّ فيها (^١).\nثالثًا: لا خلافَ بين العلماءِ في صحةِ اعتقادِ وجوبِ فعلين متضادين على سبيلِ البدلِ، كوجوبِ غسلِ الرجلين، ووجوبِ مسحهما (^٢).\nرابعًا: لا خلافَ بين العلماء في صحةِ اعتقادِ وجوبِ فعلين غير متضادين، كخصالِ كفارةِ اليمين (^٣).\nلكنْ ما حكمُ تعدد أقوالِ إمامِ المذهبِ، بحيثُ يكون له قولانِ أو أكثر، متنافيان في المسألةِ الواحدةِ؟\nسأوضح حكمَ هذه المسألة في ضوءِ الآتي:\nلا يخلو حالُ إمامِ المذهبِ الذي نُقِلَ عنه قولانِ متنافيانِ في مسألةٍ واحدةٍ من القسمين الآتيين:\nالقسم الأول: أنْ يقولَ إمامُ المذهبِ بقولين مختلفين في مسألةٍ واحدةٍ، في وقتٍ واحدٍ.\nالقسم الثاني: أنْ يقولَ إمامُ المذهب بقولين مختلفين في مسألةٍ واحدةٍ، في وقتين.\nالقسم الأول: أنْ يقولَ إمامُ المذهبِ بقولين مختلفين في مسألةٍ واحدةٍ، في وقتٍ واحدٍ.\nإذا نُقِل عن إمامِ المذهب قولانِ متنافيانِ في مسألةٍ واحدةٍ، كأنْ يقولَ: في المسألةِ قولانِ؟ أو يذكر قولينِ متنافيينِ مِنْ غيرِ ترجيحٍ بينهما (^٤)، فما الحكم في هذا القسم؟\n_________\n(^١) انظر: المصدرين السابقين.\n(^٢) انظر: المصدرين السابقين.\n(^٣) انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٠٠).\n(^٤) انظر: المصدر السابق، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٦٣٣).","vol":"3","page":1136},{"text":"لا يجوزُ عقلًا أنْ يعتقدَ أمامُ المذهبِ قولينِ مختلفينِ في وقتٍ واحدٍ، فلا يصحُّ أنْ يعتقدَ أنَّ حكمَ الفعلِ التحريم في وقتٍ معيّنٍ، ومكانٍ معيّنٍ، على وجهٍ معيّنٍ، ويعتقدَ أيضًا أنَّ هذا الفعلَ مباحٌ (^١).\nيقولُ القاضي أبو يعلى: \"لا يجوزُ أنْ يُقْالَ في الحادثةِ الواحدةِ بقولين في وقتٍ واحدٍ\" (^٢).\nوقد نَسَبَ أبو الخطاب (^٣)، وابنُ مفلحٍ (^٤)، وابنُ أمير الحاج (^٥) القولَ بعدمِ الجوازِ إلى عامّةِ العلماءِ.\nونَسَبَه محمد الأسمندي (^٦)، والموفقُ بنُ قدامة (^٧) إلى عامّةِ الفقهاءِ.\nبل الظاهر أنَّ هذا الأمرَ محلُّ اتفاقٍ بين الأصوليين القائلين بأنَّ المصيبَ مِن المجتهدين واحد (^٨)؛ إذ حكى الإجماعَ عليه أبو إسحاقَ الشيرازي، فقالَ: \"إنْ أردتم أنَّه لا يجوزُ أنْ يعتقدَ قولين متضادين على سبيلِ الجمعِ، مثل: أنْ يقولَ: هذا الشيءُ حلالٌ وحرامٌ، فهذا لا يجوزُ بالإجماعِ، ولا يقولُ به أحدٌ\" (^٩).\nوتبع صدرُ الدين السلمي أبا إسحاقَ الشيرازي في حكايةِ الإجماعِ (^١٠).\nلكنْ جاءَ عن الإمامِ الشافعي ذكرُ قولين مختلفين في مسألةٍ واحدةٍ -\n_________\n(^١) انظر: المعتمد (٢/ ٨٦٠)، والتبصرة (ص/ ٥١١)، وقواطع الأدلة (٥/ ٦١)، ومختصر منتهى السول لابن الحاجب (٢/ ١٢٢٧)، وشرح العضد على مختصر المنتهى (٢/ ٢٩٩).\n(^٢) العدة (٥/ ١٦١٠). وانظر: شرح اللمع (٢/ ١٠٧٩)، والمسودة (٢/ ٨٢٩).\n(^٣) انظر: التمهيد في أصول الفقه (٤/ ٣٥٧).\n(^٤) انظر: أصول الفقه (٤/ ١٥٠٥).\n(^٥) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٣٣).\n(^٦) انظر: بذل النظر (ص / ٦٦١).\n(^٧) انظر: روضة الناظر (٣/ ١٠٠٤).\n(^٨) انظر: التبصرة (ص/ ٥١١)، وفرائد الفوائد للسلمي (ص/ ٥٠، ٧٦).\n(^٩) شرح اللمع (٢/ ١٠٧٦).\n(^١٠) انظر: فرائد الفوائد (ص/ ٥٧).","vol":"3","page":1137},{"text":"كما سيأتي التمثيل له بعدَ قليلٍ (^١) - فهلْ يُعكرُ ما جاءَ عن الإمامِ الشافعي على الإجماعِ المحكي؟ وهلْ يمكن أنْ يكونَ قصدُ الإمامِ الشافعي أنَّ له في المسألةِ قولينِ مختلفينِ؟\nالظاهرُ لي أنَّ الإمامَ الشافعي لا يقصدُ بذلك أنَّ له في المسألةِ قولين مختلفينِ، وبناءً عليه تصفو حكايةُ الإجماعِ التي أشرتُ إليها آنفًا؛ ويدلُّ على هذا الأمورُ الآتيةُ:\nالأمر الأول: تواردُ كلمةِ الأصوليين على المنعِ مِنْ قولِ المجتهدِ بقولين مختلفين في مسألةٍ واحدةٍ في وقتٍ واحدٍ (^٢).\nالأمر الثاني: أنَّ قولَ إمامِ المذهبِ بقولين مختلفين في وقتٍ واحدٍ ممتنعٌ عقلًا؛ لأنَّه تناقض (^٣)، فكيفَ يعتقدُ الشيءَ حلالًا حرامًا؟ ! (^٤)، ويستحيل أنْ يكونَ القولان مرادين للقائلِ (^٥).\nيقولُ الآمديُّ: \"أنْ يكون ذلك - أيْ: ما نقل عن الإمام الشافعي مِنْ\n_________\n(^١) يقول أبو المظفر السمعاني في: قواطع الأدلة (٥/ ٦٢) عن قول الإمام الشافعي بقولين مختلفين: \"فأما قول العالم الواحد فيه - أي: في الضرب الذي يسوغ فيه الخلاف - بقولين مختلفين، فلم يُعْلَمْ قبل الشافعي - رحمه الله تعالى - من قال بذلك تصريحًا، وهو ﵀ قد ابتكر هذه العبارة، وذكرها في كتبه\".\n(^٢) انظر على سبيل المثال: شرح العمد (٢/ ٣١٩)، والمعتمد (٢/ ٨٦٠)، ومسائل الخلاف للصيمري (ص/ ٤٩٦)، والعدة (٥/ ١٦١٠)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٥٧)، روضة الناظر (٣/ ١٠٠٤)، وشرح تنقيح الفصول (ص/ ٤١٩)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٦٢١)، والتقرير والتحبير (٣/ ٣٣٣)، وتيسير التحير (٤/ ٢٣٤)، وفواتح الرحموت (٢/ ٣٩٤).\n(^٣) انظر: تيسير التحبير (٤/ ٢٣٤)، وفواتح الرحموت (٢/ ٣٩٤).\n(^٤) انظر: التلخيص في أصول الفقه للجويني (٣/ ٤١١)، وقواطع الأدلة (٥/ ٦٤)، ورفع الحاجب (٤/ ٥٦٠)، ونهاية السول (٤/ ٤٣٩)، والبحر المحيط (٦/ ١١٩)، والتقرير والتحبير (٣/ ٣٣٣).\n(^٥) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٣٤)، والتحبير (٨/ ٣٩٥٥)، ورفع النقاب للشوشاوي (٥/ ٤٨٢ - ٤٨١)، وشرح الكوكب المنير (٤/ ٤٩٢).","vol":"3","page":1138},{"text":"قولِه: فيه قولان - بمعنى: اعتقادِه للقولينِ، وهو محالٌ\" (^١).\nويقولُ شهابُ الدّينِ القرافي: \"أمَّا أنَّه - قول الإمام الشافعي: فيه قولان - جازمٌ بهما، فمحالٌ ضرورةً\" (^٢).\nالأمر الثالث: تأويلُ علماءِ الشافعيةِ لما جاءَ عن الإمامِ الشافعي مِنْ قولِه في مسألةٍ واحدةٍ: فيها قولان، ولولا قناعتُهم بامتناعِ قولِ إمامِهم في مسألةٍ واحدةٍ بقولين مختلفين، لما سارعوا إلى تأويلِ ما جاءَ عن إمامِهم، وبيانِ مرادِه به (^٣).\nوقد نَقَلَ بدرُ الدّينِ الزركشيُّ عن ابنِ كجٍّ (^٤)، وابنِ فورك (^٥) قولَهما أنَّ\n_________\n(^١) الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ٢٠١).\n(^٢) شرح تنقيح الفصول (ص/ ٤١٩).\n(^٣) للاطلاع على أجوبة علماء الشافعية عما ورد عن إمامهم انظر مثلًا: أدب القاضي للماوردي (١/ ٦٦٥ وما بعدها)، والتبصرة (ص / ٥١١ - ٥١٣)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٧٧)، والتلخيص في أصول الفقه للجويني (٣/ ٤١٦ وما بعدها)، وقواطع الأدلة (٥/ ٦٤ وما بعدها)، والوصول إلى الأصول لابن برهان (٢/ ٣٥٧)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٥/ ٣٩١)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٠١)، والحاصل من المحصول (٢/ ٩٦٦)، والتحصيل من المحصول (٢/ ٢٥٥)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٦٣٣ وما بعدها)، والإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٧٠٦ وما بعدها)، ورفع الحاجب (٤/ ٥٦٠)، وتشنيف المسامع (٣/ ٤٨٠)، ولمع اللوامع لابن رسلان، القسم الثاني (٢/ ٤٦٧ وما بعدها).\n(^٤) هو: يوسف بن أحمد بن كَجّ، أبو القاسم الدينوري، كان علامةً إمامًا من أئمة الشافعية، فقيهًا أصوليًا، وقد انتهت إليه الرئاسة في المذهب ببلده، يضرب به المثل في الحفظ، وكان قاضيًا جمع بين الرياسة في الفقه والدنيا، ارتحل إليه الناسُ من الآفاق للاشتغال عليه بالدينور؛ رغبةً في علمه، وجودة نظره، تتلمذ لأبي الحسن ابن القطان، وحضر مجلس الداركي، من مؤلفاته: التجريد - وهو كتاب مطول - توفي سنة ٤٠٥ هـ مقتولًا. انظر ترجمته في: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ١١٣)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٧/ ٦٥)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ١٨٣)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٥/ ٣٥٩)، وطبقات الشافعية للإسنوي (٢/ ٣٤٠)، وطبقات الشافعية لابن هداية الله (ص/ ١٢٦)، وشذرات الذهب لابن العماد (٥/ ٣٥).\n(^٥) هو: محمد بن الحسن بن فُوْرَك، أبو بكر الأصبهاني، كان علامةً إمامًا متكلمًا أصوليًا، أديبًا نحويًا، شافعي المذهب، أشعري المعتقد، درّس بالعراق مدة وبنيسابور، وانتفع به الطلاب وتخرجوا به، من مؤلفاته: الحدود في الأصول، ومقدمة في نكت من أصول الفقه، وأوائل =","vol":"3","page":1139},{"text":"المستَنْكَرَ اعتقادُ القولين معًا في حالة واحدة، كما يستحيلُ كون الشيءِ على ضدين مِن الحدوثِ والقِدَمِ؛ ومعلومٌ أنَّ الإمامَ الشافعي لا يريدُ هذا، ولقولِه مخارج، ثمَّ ساقوا عددًا منها (^١).\nالأمر الرابع: لم يقل الإمامُ الشافعي، ولم يُنقلْ عنه أنَّه قال في مسألةٍ واحدةٍ: لي فيها قولانِ، بل الثابتُ عنه أنَّه يقولُ: في المسألةِ قولانِ، ونحو هذه العبارة (^٢)، وفرقٌ بين العبارتين.\nوقد نَسَبَ مجدُ الدين بنُ تيمية وغيرُه إلى الإمامِ الشافعي القولَ بجوازِ أنْ يقولَ المجتهدُ في شيءٍ واحدٍ ووقتٍ واحدٍ بقولين مختلفين (^٣).\nويظهرُ لي أنَّ نسبةَ هذا القول إلى الإمامِ الشافعي لا تخلو مِنْ نظرٍ ظاهرٍ؛ إذ لم يصرِّح الإمامُ الشافعي بجوازِ قولِ المجتهدِ في مسألةٍ واحدةٍ بقولين مختلفين، وإنَّما قال في بعض المسائل: إنَّ فيها قولين، وهذه العبارةُ محتملةٌ، فلا يصحُّ أنْ يُنسبَ إلى الشافعي أمرٌ محالٌ.\nوقد ذَكَرَ بعضُ الأصوليين أدلةً دالةً على منعِ قولِ إمامِ المذهبِ بقولين مختلفين في مسألةٍ واحدةٍ في وقتٍ واحدٍ، منها:\nالدليل الأول: أنَّ الصحابةَ - ﵃ - تكلموا في الفقهِ، وكثرت المسائلُ المنقولةُ عنهم، ولم يُحكَ عن واحدٍ منهم أنَّه قالَ في مسألةٍ واحدةٍ: فيها قولانِ.\n_________\n= الأدلة في أصول الكلام، ومشكل الحديث وبيانه، وتفسير القرآن العظيم، توفي سنة ٤٠٦ هـ.\nانظر ترجمته في: تبيين كذب المفتري لابن عساكر (ص/ ٢٣٢)، وإنباه الرواة للقفطي (٣/ ١١٠)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ٢٧٢)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٢١٤)، والوافي بالوفيات للصفدي (٢/ ٣٤٤)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٤/ ١٢٧)، وطبقات الشافعية للإسنوي (٢/ ٢٦٦)، وطبقات المفسرين للداوودي (٢/ ١٣٢).\n(^١) انظر: البحر المحيط (٦/ ١١٩).\n(^٢) انظر: حقيقة القولين للغزالي، منشور في: مجلة الجمعية الفقهية السعودية، العدد: الثالث (ص/ ٢٨٢)، والمحصول في أصول الفقه للرازي (٥/ ٣٩٣).\n(^٣) انظر: المسودة (٢/ ٨٢٩).","vol":"3","page":1140},{"text":"فمَنْ قال في مسألةٍ واحدةٍ: فيها قولانِ، فقد خالفَ الإجماعَ (^١).\nمناقشة الدليل الأول: لا نُسلّمُ انعقادَ إجماعِ الصحابةِ - ﵃ - على المنعِ مِنْ قولِ: فيها قولان، في مسألةٍ واحدةٍ؛ إذ اتفاقهم على تركِ العبارةِ السابقةِ، لا يدلُّ على منعِها؛ إذ هم لم يصرحوا بالمنعِ (^٢).\nالدليل الثاني: أنَّ قولَ القائلِ بقولين متنافيين محالٌ عقلًا، وقد سبقت الإشارةُ إلى هذا قبل قليلٍ.\nالدليل الثالث: لا يخلو أمرُ القولين اللذين قالهما إمامُ المذهبِ في وقتٍ واحدٍ مِنْ ثلاثةِ أحوال: إمَّا أنْ يكونا صحيحين، وإمَّا أنْ يكونا فاسدين، وإمَّا أنْ يكون أحدُهما صحيحًا والآخرُ فاسدًا.\nفالأول - أن يكون القولانِ صحيحينِ -: غيرُ جائزٍ؛ لأنَّ الشيءَ الواحدَ لا يجوزُ أنْ يكونَ حلالًا حرامًا؛ لأنَّ الحقَّ واحدٌ، والضدانِ لا يجتمعانِ.\nوالثاني - أنْ يكونَ القولانِ فاسدين -: غيرُ جائزٍ أيضًا؛ لأنَّهما لو كانا عند القائلِ فاسدين لما حكاهما، ولَوَجَبَ عليه أنْ يبيّنَ وجه فسادِهما، فالقولُ بهما حرامٌ.\nوالثالث - أنْ يكونَ أحدُ القولين صحيحًا والآخر فاسدًا -: غيرُ جائرٍ؛ لأنَّه لو كانَ الأمرُ كذلك لبيَّنَ إمامُ المذهبِ أمرَه، أو رجّحه بنوعٍ مِنْ أنواعِ الترجيحِ (^٣)، ثمَّ لا يخلو حال المتكلمِ مِنْ أحدِ أمرين: إمَّا أنْ يعلمَ أنَّ أحدَ القولين صحيحٌ، وإمَّا أنْ لا يعلمَ ذلك.\n_________\n(^١) انظر: العدة (٥/ ١٦١١)، والتلخيص في أصول الفقه للجويني (٣/ ٤١٥)، وقواطع الأدلة (٥/ ٦٣)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٥٨ - ٣٥٩)، وفرائد الفوائد للسلمي (ص/٥٠).\n(^٢) انظر: التلخيص في أصول الفقه للجويني (٣/ ٤١٥).\n(^٣) انظر: التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٥٩)، والتحبير (٨/ ٣٩٥٥ - ٣٩٥٦)، وشرح الكوكب المنير (٤/ ٤٩٢ - ٤٩٢).","vol":"3","page":1141},{"text":"فإنْ عَلِمَ أنَّ أحدَ القولين صحيحٌ، فلا يحلُّ له أنْ يكتمَه؛ للوعيدِ الشديدِ على كتمِ العلمِ؛ كما روى أبو هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (مَنْ سُئِلَ عن علمْ، فكتمه، ألجمه الله بلجامٍ (^١) من نارٍ يومَ القيامةِ) (^٢).\n_________\n(^١) اللِّجَام - ككِتَاب -: فارسي معرَّب، وهو ما تشدُّ به الدابة من السيور والحديدة التي توضع في فمها. انظر: الصحاح، مادة: (لجم)، (٥/ ٢٠٢٧)، والقاموس المحيط، مادة: (لجم)، (ص / ١٤٩٣)، وتاج العروس، مادة: (لجم)، (٣٣/ ٣٩٩).\n(^٢) أخرج حديث أبي هريرة - ﵁ -: أبو داود في: سننه، كتاب: العلم، باب: كراهية منع العلم (ص / ٥٥٤)، برقم (٣٦٥٨)، وحسّن المنذري في: مختصر سنن أبي داود (٥/ ٢٥١ - ٢٥١) إسنادَ رواية أبي داود. والترمذي في: جامعه، كتاب: العلم عن رسول الله - ﷺ -، باب: ما جاء في كتمان العلم (ص/ ٥٩٧)، برقم (٢٦٤٩)، وقال: \"وفي الباب عن جابر، وعبد الله بن عمرو، حديثُ أبي هرير حديثٌ حسنٌ\". وابن ماجه في: سننه، في المقدمة، باب: من سئل عن علم فكتمه (ص/٦٣)، برقم (٢٦١)، وقال ابنُ القيم في: تهذيب السنن (٤/ ١٧٨٤) عن رجال إسناد رواية ابن ماجه: \"كلهم ثقات\". والطيالسي في: المسند (٤/ ٢٦٦)، برقم (٢٦٥٧)؛ وابن أبي شيبة في: المصنف، كتاب: الأدب، باب: في الرجل يكتم العلم (١٣/ ٤٦٧)، برقم (٢٦٩٨٣)؛ وأحمد في: المسند (١٣/ ١٨)، برقم (٧٥٧١)؛ وأبو يعلى في: المسند (١١/ ٢٦٨)، برقم (٦٣٨٣)؛ والعقيلي في: الضعفاء (١/ ٢١٨ - ٢١٩) بعدة أسانيد، وقال عن أحدها: \"إسناد صالح\". وابن حبان في: صحيحه، كتاب: العلم، باب: ذكر إيجاب العقوبة في القيامة على الكاتم العلم (١/ ٢٩٧)، برقم (٩٥)؛ والطبراني في: المعجم الأوسط (٣/ ٣٣٥)، برقم (٣٣٢٢)؛ والحاكم في: المستدرك، كتاب: العلم (١/ ١٣٢ - ١٣٣)، برقم (٣٤٤)، وقال: \"هذا حديث تداوله الناس بأسانيد كثيرةٍ، تجمع ويُذاكر بها، وهذا الإسناد صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه\"، ثم نقل عن شيخه أبي علي الحافظ إعلاله لحديث أبي هريرة - ﵁ -، ثم أجاب الحاكمُ عن إعلال شيخه أبي علي، وبيَّن الحاكمُ أنَّ شيخَه قد تراجع عن إعلال الحديث، ثم ذكر الحاكمُ بعده حديث عبد الله بن عمرو - ﵁ -، وقال عنه: \"ووجدنا الحديث بإسناد صحيح لا غبار عليه عن عبد الله بن عمرو\". والبيهقي في: الجامع لشعب الإيمان، باب: في شح المرء بدينه حتى يكون القذف في النار أحب إليه من الكفر (٤/ ٣٧٣)، برقم (١٦١٣ - ١٦١٤)؛ وابن عبد البر في: جامع بيان العلم (١/ ٢ - ٣)، برقم (١)؛ والبغوي في: شرح السنة، كتاب: العلم، باب: وعيد من كتم علمًا يعلمه (١/ ٣٠١)، برقم (١٤٠)، وقال: \"هذا حديث حسن\".\nوللحديث شواهد عن عددٍ من الصحابة - ﵃ -، كما أشار إليها الترمذيُّ في كلامه السابق.\nويقول المنذري في: مختصر سنن أبي داود (٥/ ٢٥٢ - ٢٥٣): \"وقد روي هذا الحديث أيضًا من رواية عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعلي بن طلق، وفي كلٍّ منها مقالٌ\". =","vol":"3","page":1142},{"text":"وكيفَ يقولُ قولًا فاسدًا يلبِّس فيه على الناسِ؟ !\nوإنْ كان يجهلُ صحةَ القولينِ، فلا يحلُّ له أنْ يحكيَهما؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (^١).\nوهو في هذه الحالِ غيرُ عالمٍ بحكمِ المسألةِ، فليسَ له قولٌ أصلًا، فكيفَ يُقالُ: له فيها قولانِ؟ !\nفلم يبقَ إلا أنَّ القولَ بالقولينِ باطلٌ (^٢).\nالدليل الرابع: قياسُ أقوالِ إمامِ المذهبِ على نصوصِ الشارعِ، فكما أنَّه لا يمكنُ للشارعِ أنْ يقولَ في مسألةٍ واحدةٍ في وقتٍ واحدٍ قولين متنافيين، فكذلك إمامُ المذهبِ لا يجوزُ له ذلك؛ لأنَّه تناقضٌ (^٣).\nويتصلُ بالقسمِ الأول (أنْ يقولَ إمامُ المذهبِ بقولين مختلفين في مسألةٍ واحدةٍ، في وقتٍ واحدٍ) الإشارةُ إلى ما ذَكَرَه علماءُ الشافعيةِ في الجوابِ عمَّا نُقِلَ عن الإمام الشافعي مِنْ قولِه في بعضِ المسائل: فيها قولانِ، فقد ذكروا أجوبةً متعددةً، وأفاضوا في ذكرِها، وردُّوا الاعتراضات الواردة عليهم (^٤)، ولم يخلُ الحديثُ في المسألةِ من الوقيعةِ في بعضِ\n_________\n= وقد صحح الحديثَ: الذهبيُّ في: الكبائر (ص/ ٢٨٧)، والزبيديُّ في: إتحاف السادة المتقين (١/ ١٠٩)، والألبانيُّ في تعليقه على السنن في المواضع السابقة.\nوقال ابنُ كثير في: تفسيره (١/ ٤٧٦) عن الحديث: \"وقد وَرَدَ الحديثُ في: المسند، مِنْ طُرُقٍ يَشدُّ بعضها بعضًا\".\nوقال عنه ابنُ حجر في: القول المسدد (ص/ ٤٥): \"إنْ لم يكن في نهاية الصحة فهو صالح للحجة\".\n(^١) من الآية (٣٦) من سورة الإسراء.\n(^٢) انظر: العدة (٥/ ١٦١٣ - ١٦١٤)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٦٠)، وروضة الناظر (٣/ ١٠٠٥ - ١٠٠٦)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٦٢٢)، والاختلاف الفقهي لعبد العزيز الخليفي (ص/ ٢٤٢).\n(^٣) انظر: تحرير المقال للدكتور عياض السلمي (ص/٧٣).\n(^٤) لعلماء الشافعية في الدفاع عن الإمام الشافعي عدة مؤلفات، منها:\n١ - رسالة بعنوان: (نصرة القولين) لأبي العباس بن القاص. =","vol":"3","page":1143},{"text":"الأئمةِ، وكان الواجبُ عدمَ الوقوعِ في مثلِ هذا المزلق (^١).\nوسأشيرُ إلى بعضِ الأجوبةِ دونَ توسّعٍ، وسأقتصرُ على أجوبتِهم عمَّا قال عنه الإمامُ الشافعي: فيها قولان (^٢)، ولنْ أذكرَ أجوبتَهم عما نُقِل فيه\n_________\n= ٢ - رسالة بعنوان: (حقيقة القولين) لأبي حامد الغزالي. وقال تاج الدين السبكي في: رفع الحاجب (٤/ ٥٦٠) عما صنعه ابن القاص والغزالي وغيرهما ممن صنف في المسألة: \"فيه ما تقرّ عين ناظره\".\n٣ - كتاب بعنوان: (فرائد الفوائد وتعارض القولين لمجتهد واحد) لمحمد بن إبراهيم السلمي المناوي.\n(^١) انظر مثلًا: التبصرة (ص/ ٥١١)، والبرهان (٢/ ٨٩٤)، والوصول إلى الأصول لابن برهان (٢/ ٣٥٦)، وفرائد الفوائد للسلمي (ص/ ٥٥)، والدرر اللوامع للكوراني (ص/ ٥٧٠)، والشافعي - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ١٥٦).\n(^٢) ذكر القاضي الباقلاني - كما في: التلخيص في أصول الفقه للجويني (٣/ ٤١٨) - أنَّ ما وقع للإمام الشافعي منقوله في مسألة واحدة: فيها قولان، لا يكاد يبلغ عشر مسائل. وانظر: رفع الحاجب (٤/ ٥٦٠).\nوذكر القاضي أبو حامد المروزي - كما نقله عنه أبو إسحاق الشيرازي في: التبصرة (ص/ ٥١٢)، وفي: شرح اللمع (٢/ ١٠٧٩) - أنَّه لم يقع للإمام الشافعي أنَّه قال في مسألةٍ واحدةٍ: فيها قولان، إلا في بضعة عشر موضعًا: ستة عشر، أو سبعة عشر.\nوأكثر الأصوليين على ما ذكره القا ضي أبو حامد المروزي، انظر مثلًا: البرهان (٢/ ٨٩٢)، وقواطع الأدلة (٥/ ٨٢ - ٨٣)، وحقيقة القولين للغزالي، منشور في: مجلة الجمعية الفقهية السعودية، العدد: الثالث (ص/ ٢٨٩)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٥٨)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٥/ ٣٩٤)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٠١)، ومختصر منتهى السول لابن الحاجب (٢/ ١٢٢٨)، والتحصيل من المحصول (٢/ ٢٥٦)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٦٢١)، وشرح العضد على مختصر المنتهى (٢/ ٢٩٩)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٠٦)، والإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٧٠٦)، ورفع الحاجب (٤/ ٥٦٠)، وتحفة المسؤول للرهوني (٤/ ٢٧١)، وتشنيف المسامع (٣/ ٤٨١)، والبحر المحيط (٦/ ١٢٠)، وفرائد الفوائد للسلمي (ص/ ٥٠)، ولمع اللوامع لابن رسلان، القسم الثاني (٢/ ٤٧٠)، والتقرير والتحبير (٣/ ٣٣٤)، والتحبير (٨/ ٣٩٥٧ - ٣٩٥٨)، والدرر اللوامع للكوراني (ص/ ٥٦٩)، وشرح الكوكب الساطع للسيوطي (٤/ ٦٠)، وشرح الكوكب المنير (٤/ ٤٩٣)، وتيسير التحبير (٤/ ٢٣٥)، وفواتح الرحموت (٢/ ٣٩٥).\nويقول تاجُ الدين السبكي في: الإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٧٠٧): \"وقد وقع في: (المحصول) بدل القاضي أبي حامد المروزي الشيخُ أبو حامد الإسفراييني؛ وكأنه اشتبه أبو حامد بأبي حامد، ووقع فيه الجزم بأنَّ المواضع سبعة عشر، وهو وهَمٌ\".\nوانظر: البحر المحيط (٦/ ١٢١).","vol":"3","page":1144},{"text":"عن الإمام الشافعي جوابانِ في وقتين؛ لأنَّه خارجٌ عن القسمِ الذي أتحدثُ عنه، هذا من جهةٍ، ولعدمِ الإشكالِ فيه مِن جهةٍ أخرى.\nويحسنُ قبلَ ذكرِ أجوبةِ علماءِ المذهبِ الشافعي إيرادُ مثالينِ لما جاءَ عن الإمامِ الشافعي:\nالمثال الأول: يقولُ الإمامُ الشافعي: \"وإذا غَسَلَهنَّ - أيْ: نجاسة الكلب والخنزير - سبعًا جَعَلَ أولهن، أو آخرهن ترابًا، لا يَطْهُر إلا بذلك، فإنْ كانَ في بحرٍ لا يَجدُ فيه ترابًا، فغسله بما يقومُ مقامَ الترابِ في التنظيفِ من أُشْنَانٍ، أو نُخَالةٍ (^١)، أو بما أشبهه: ففيه قولان: أحدهما، لا يطْهُرُ إلا بأنْ يماسّه الترابُ. والآخر: يطهرُ بما يكون خَلَفًا مِن الترابِ، وأنظف منه، ممَّا وَصَفْتُ\" (^٢).\nالمثال الثاني: يقولُ الإمامُ الشافعي: \"فإنْ خَطَبَ - أيْ: خطبة الجمعة - بأربعين، ثمَّ كبَّر بهم، ثمَّ انفضوا مِنْ حولِه، ففيها قولان: أحدهما: إنْ بقي معه اثنان حتى تكون صلاتُه صلاةَ جماعةٍ تامّةٍ، فصلى الجمعةَ: أجزأته ... والقول الآخر: أنَّها لا تجزؤه بحالٍ حتى يكون معه أربعون (^٣) حين يدخل، ويكمل بهم الصلاة ... \" (^٤).\nأجوبة علماء الشافعية عمَّا جاءَ عن الإمامِ الشافعي:\nمِن الأجوبةِ التي ذكرها علماءُ الشافعيةِ:\nالجواب الأول: أنْ يكونَ ذكرُ الإمامِ الشافعيّ للقولين المختلفين على\n_________\n(^١) النُخَالة: قشر حبِّ الدقيق، وما يبقى في المُنْخُل بعد نخله، والنَّخْل: التصفية والاختيار.\nانظر: الصحاح، مادة: (نخل)، (٥/ ١٨٢٧)، ومقاييس اللغة، مادة: (نخل)، (٥/ ٤٠٧)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (نخل)، (ص/ ٤٨٨)، والقاموس المحيط، مادة: (نخل)، (ص/ ١٣٧١).\n(^٢) الأم (٢/ ١٣ - ١٤).\n(^٣) جاء في النسخة التي رجعت إليها: \"أربعين\"، وقد صححتها من طبعة أخرى.\n(^٤) المصدر السابق (٢/ ٣٨٠).","vol":"3","page":1145},{"text":"سبيلِ التخييرِ بينهما، دونَ الجمعِ، لا أنَّه (^١) اعتقدَ كلَّ واحدٍ منهما كما اعتقدَ الآخرَ، وثَبَتَ عنده أحدُهما كما ثَبَتَ عنده الآخرُ (^٢).\nوممَّنْ أيَّدَ هذا الجوابَ: القاضي عبد الجبار المعتزلي (^٣)، والقاضي أبو بكرٍ الباقلاني (^٤)، وأبو حامدٍ الغزالي (^٥)، وشهابُ الدينِ القرافي (^٦)، وأبو علي الشوشاوي (^٧).\nوقد اعترضَ إمامُ الحرمين على هذا الجواب، فقالَ: \"هذا الذي قاله - أي: القاضي الباقلاني - غيرُ سديدٍ؛ فإنَّ الصحيحَ مِنْ مذهبِ الشافعي أنَّ المصيبَ واحدٌ\" (^٨).\n_________\n(^١) في: شرح العمد (١/ ٣٢٢): \"لأنه\" بدلًا عن: \"لا أنه\"، ولعل الأقرب ما أثبته.\n(^٢) انظر: نصرة القولين لابن القاص (ص/ ١١٥)، والمعتمد (٢/ ٨٦١)، وقواطع الأدلة (٥/ ٨٢).\n(^٣) انظر: شرح العمد (١/ ٣٢٢). والقاضي عبد الجبار هو: عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار بن عبد الجبار بن خليل الهمذاني، أبو الحسن الأسداباذي، الملقب بقاضي القضاة، ولد سنة ٣٥٩ هـ من مشاهير غلاة المعتزلة، وأحد علماء المذهب الشافعي، كان علامةً متكلمًا بارعًا في الأصول والفروع والتفسير، متميزًا بالذكاء، وقد ولي قضاء القضاة بالري، يقول شمس الدين الذهبي: \"تخرج به خلق في الرأي الممقوت\"، من مؤلفاته: العمد، والنهاية، والمغني، وتفسير القرآن، توفي بالري سنة ٤١٥ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (١٢/ ٤١٤)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٤٤)، وميزان الاعتدال للذهبي (٢/ ٥٣٣)، والوافي بالوفيات للصفدي (١٨/ ٣١)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٥/ ٩٧)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ١٨٣)، وطبقات المعتزلة للمرتضى (ص/ ١١٢)، ولسان الميزان لابن حجر (٥/ ٥٤)، وطبقات المفسرين للداودي (١/ ٢٦٢).\n(^٤) انظر: التقريب والإرشاد للباقلاني (ص/ ٣٥) تحقيق/ الدكتور محمد الدويش، والتلخيص في أصول الفقه للجويني (٣/ ٤١٨).\n(^٥) انظر: المستصفى (٢/ ٤٥٢).\n(^٦) انظر: شرح تنقيح الفصول (ص/ ٤١٩).\n(^٧) انظر: رفع النقاب (٥/ ٤٨١).\n(^٨) التلخيص في أصول الفقه (٣/ ٤١٩). وانظر: المحصول في علم أصول الفقه للرازي (٥/ ٣٩١)، والحاصل من المحصول (٢/ ٩٦٥)، والتحصيل من المحصول (٢/ ٢٥٥)، والإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٧٠٦)، ونهاية السول (٤/ ٤٤٠)، وتحفة المسؤول للرهوني (٤/ ٢٧١)، والبحر المحيط (٦/ ١٢٠).","vol":"3","page":1146},{"text":"ومِنْ جهةٍ أخرى: لو صحَّ ما ذكروه في الجوابِ الأولِ لما كانَ للإمامِ الشافعي قولانِ، بلْ قولٌ واحدٌ، وهو التخييرُ (^١).\nالجواب الثاني: أنَّ الإمامَ الشافعيَّ نَظَرَ في المسألةِ، ثمَّ توصَّلَ إلى أنَّ الحكمَ فيها أحدُ هذين القولين، وقَطَعَ بفسادِ ما عداهما مِن الأقوالِ، لكنَّه لا يعلم أيَّ القولين هو الراجح؛ لتعارضِ الأدلةِ مثلًا، فيجوزُ أنْ يكونَ كلُّ واحدٍ مِن القولين هو حُكم المسألةِ (^٢).\nولم يرتضِ إمامُ الحرمين الجويني هذا الجواب؛ لأنَّ مَنْ تدبَّر أصولَ الإمامِ الشافعي عَرَفَ أنَّه لا يقطعُ بتخطئة غيرِه مِن العلماءِ في المسائلِ الاجتهاديةِ (^٣)،\nالجواب الثالث: أنْ يكونَ قصدُ الإمامِ الشافعي مِن القولين الدلالةَ على أنَّ لكلِّ منهما وجهًا في الاجتهادِ، لكنَّه لا يقطعُ بواحدٍ منهما (^٤)، فهو متوقفٌ ومترددٌ في المسألةِ (^٥).\n_________\n(^١) انظر: بذل النظر للأسمندي (ص/ ٦٦٢)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٥/ ٣٩١)، وروضة الناظر (٣/ ١٠٠٦)، والتحصيل من المحصول (٢/ ٢٥٥)، وشرح الكوكب المنير (٤/ ٤٩٣).\n(^٢) انظر: شرح العمد (١/ ٣٢٢ - ٣٢٣)، والمعتمد (٢/ ٨٦١)، وأدب القاضي للماوردي (١/ ٦٧٥)، والتبصرة (ص/ ٥١٣)، وقواطع الأدلة (٥/ ٧١)، وحقيقة القولين للغزالي، منشور في: مجلة الجمعية الفقهية السعودية، العدد: الثالث (ص/ ٢٨٦)، والوصول إلى الأصول لابن برهان (٢/ ٣٥٥)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٦٣٥)، والبحر المحيط (٦/ ١١٩)، وفرائد الفوائد للسلمي (ص/ ٧٢)، والتحبير (٨/ ٣٩٥٨)، ورفع النقاب للشوشاوي (٥/ ٤٨٢).\n(^٣) انظر: التلخيص في أصول الفقه (٣/ ٤١٧).\n(^٤) انظر: أدب القاضي للماوردي (١/ ٦٧٧)، والمستصفى (٢/ ٤٥٢).\n(^٥) انظر: شرح اللمع (٢/ ١٠٧٩)، وقواطع الأدلة (٥/ ٨١)، وحقيقة القولين للغزالي، منشور في: مجلة الجمعية الفقهية السعودية، العدد: الثالث (ص/ ٢٨٧)، والوصول إلى الأصول لابن برهان (٢/ ٣٥٥)، والحاصل من المحصول (٢/ ٩٦٦)، ونهاية السول (٤/ ٤٣٩)، وفواتح الرحموت (٢/ ٣٩٥).","vol":"3","page":1147},{"text":"يقولُ أبو إسحاقَ الشيرازي: \"وهذا - أيْ: ما جاءَ عن الإمامِ الشافعي - لا يدلُّ إلا على غزارةِ العلم وقوةِ الفقهِ، وأنَّ الأصولَ تزاحمتْ عنده، والأشباه ترادفتْ حتى أَوْجَبَ ذلَك توقُّفًا في حكمِ الحادثةِ\" (^١).\nويقولُ إمامُ الحرمين الجويني: \"فالسديدُ إذًا أنْ نقولَ في القسمِ الأخيرِ الذي ختمنا الكلامَ به، وهو أنْ ينصَّ على قولينِ في الجديد، ولا يختارُ أحدَهما: إنَّه ليس له في المسألةِ قولٌ ولا مذهبٌ، وإنَّما ذَكَرَ القولين؛ ليُتَرَدَّد فيهما، وعدمُ اختيارِه لأحدِهما لا يكون ذلك خطأٌ منه، بلْ علو رتبةِ الرجلِ، وتوسعِه في العلمِ\" (^٢).\nورجَّحَ الجوابَ الثالثَ جمعٌ مِنْ علماءِ الشافعيةِ ومحققيهم، منهم: أبو المظفرِ السمعاني (^٣)، والفخرُ الرازي (^٤)، وتاجُ الدين الأرموي (^٥)، وسراجُ الدين الأرموي (^٦)، والقاضي البيضاوي (^٧)، وصفيُّ الدين الهندي (^٨)، وتاجُ الدين بن السبكي (^٩)، وبدرُ الدين الزركشي (^١٠).\nفإنْ قالَ قائلٌ: لا يصحُّ القولُ بناءً على هذا الجوابِ: إنَّ للإمامِ الشافعي في المسألةِ قولين، فليس له قولٌ أصلًا (^١١).\nفالجوابُ: ما ذكره إمامُ الحرمين الجويني، فقالَ: \"هكذا نقولُ - أيْ:\n_________\n(^١) شرح اللمع (٢/ ١٠٧٩).\n(^٢) التلخيص في أصول الفقه (٣/ ٤٢٠ - ٤٢١). وانظر: البرهان (٢/ ٨٩٢).\n(^٣) انظر: قواطع الأدلة (٥/ ٨٤ - ٨٥).\n(^٤) انظر: المحصول في علم أصول الفقه (٥/ ٣٩١).\n(^٥) انظر: الحاصل من المحصول (٢/ ٩٦٦).\n(^٦) انظر: التحصيل من المحصول (٢/ ٢٥٥).\n(^٧) انظر: منهاج الوصول (٧/ ٢٧٠٥) مع شرحه الإبهاج.\n(^٨) انظر: نهاية الوصول (٨/ ٣٦٣٥).\n(^٩) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٧٠٥).\n(^١٠) انظر: تشنيف المسامع (٣/ ٤٨٠).\n(^١١) انظر: التلخيص في أصول الفقه للجويني (٣/ ٤٢١)، وحقيقة القولين للغزالي، منشور في: مجلة الجمعية الفقهية السعودية، العدد: الثالث (ص/ ٢٩٤).","vol":"3","page":1148},{"text":"ليس للشافعي قولٌ - ولا نتحاشى منه، وإنَّما وَجْه الإضافةِ إلى الشافعي ذِكْرُه لهما، واستقصاؤه وجوهَ الأشباه فيهما\" (^١).\nومنهم مَنْ علَّلَ إضافةَ القولين إليه بأنَّ المسألةَ تحتملُ قولين عنده (^٢).\nالجواب الرابع: أنْ يكونَ مقصدُ الإمامِ الشافعي بذكرِ القولينِ حكايتَهما عن غيرِه مِن المجتهدين (^٣)، ولا تُوجبُ الحكايةُ أنْ يكونا قولين له؛ لأنَّ الحاكي مخبرٌ عن معتقدِ غيرِه، كحالِ مَنْ حكى الكفرَ لا يصيرُ كافرًا (^٤).\nوضعَّفَ الجوابَ الرابعَ بعضُ الأصوليين، كأبي الحسين البصري (^٥)، وإمامِ الحرمين الجويني (^٦)؛ لأنَّ الإمامَ الشافعي أضافَ القولين إلى اجتهادِه، ولا تسوغُ معه حكايةُ القولين (^٧).\nومِنْ جهةٍ أخرى: فقد يجعلُ الإمامُ الشافعي المسألةَ على قولين في صورةٍ لا يُؤْثَر فيها عن العلماءِ قبله قولٌ على التنصيصِ (^٨).\nويظهرُ لي أنَّ أقربَ هذه الأجوبة هو الجواب الثالث، مع كونِ بعضِها متجهةٌ أيضًا، وقد يكون لكلِّ مسألةٍ أجابَ فيها الإمامُ الشافعيَّ جوابُها الذي يناسبُها، وذلك بالنظرِ إلى القرائنِ والسياقِ.\n_________\n(^١) التلخيص في أصول الفقه (٣/ ٤٢١).\n(^٢) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٢٣).\n(^٣) انظر: نصرة القولين لابن القاص (ص/ ١٠٩)، والعدة (٥/ ١٦١١)، والتلخيص في أصول الفقه للجويني (٣/ ٤١٦)، وقواطع الأدلة (٥/ ٧٧)، وحقيقة القولين للغزالي، منشور في: مجلة الجمعية الفقهية السعودية، العدد: الثالث (ص/ ٢٨٢)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٠١)، ومختصر منتهى السول لابن الحاجب (٢/ ١٢٢٨)، والحاصل من المحصول (٢/ ٩٦٦)، والتحصيل من المحصول (٢/ ٢٥٦)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٦٣٥)، ونهاية السول (٤/ ٤٣٩)، وتحفة المسؤول للرهوني (٤/ ٢٧١)، وفرائد الفوائد للسلمي (ص/ ٧٦)، والتقرير والتحبير (٣/ ٣٣٤).\n(^٤) انظر: قواطع الأدلة (٥/ ٧٧ - ٧٨).\n(^٥) انظر: شرح العمد (٢/ ٣٢١).\n(^٦) انظر: التلخيص في أصول الفقه (٣/ ٤١٦).\n(^٧) انظر: المصدر السابق.\n(^٨) انظر: شرح العمد (٢/ ٣٢١)، والتلخيص في أصول الفقه للجويني (٣/ ٤١٦).","vol":"3","page":1149},{"text":"ولمَّا اعترضَ بعضُ علماءِ الحنابلةِ على علماءِ الشافعيةِ فيما جاءَ عن الإمامِ الشافعي مِن حكايةِ القولينِ، أورد بعضُ الشافعيةِ على الحنابلةِ إيرادًا، وهو أنَّ الإمامَ أحمدَ صنَعَ مثلما صنَعَ الإمامُ الشافعي، فحكى قولينِ مختلفين في مسألةٍ واحدةٍ (^١)، وأمر آخر، وهو: أنَّ تعددَ الرواياتِ عن الإمامِ أحمدَ كتعددِ القولينِ عن الإمامِ الشافعي (^٢).\nفهلْ يتوجه هذا الإيرادُ على الحنابلةِ؟\nقبلَ ذكرِ أجوبةِ الحنابلة عمَّا نسبه الشافعيةُ إلى الإمامِ أحمدَ، سأورد مثالين لما جاءَ عن الإمامِ أحمدَ:\nالمثال الأول: جاءَ في: (مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح) (^٣) أنَّ صالحًا سألَ الإمامَ أحمدَ عن رجلٍ ماتتْ امرأتُه: \"هل يجوزُ له أنْ ينظرَ إلى شيءٍ مِنْ محاسنِها، ويدخلها القبر؟ فأجابَ: الناسُ يختلفون في هذا، وقد رُوي عن عمر أنَّه قال في امرأتِه لما توفيتْ فقال لأوليائها: أنتم أحقُّ بها (^٤)، وروي عن أبي بكرة أنَّه وَاثبَ إخوة امرأتِه حتى أدخلها القبرَ\" (^٥).\nالمثال الثاني: جاءَ في: (مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود) (^٦): \"قلتُ لأحمدَ: البكرُ إذا استحيضت؟ قال: عندنا فيه قولان: قولٌ أنْ تقعدَ أدنى الحيضِ، ثمَّ تغتسل وتصوم وتصلي، أو تقعد أكثر حِيَض النساءِ ستًا أو سبعًا، فإذا عَرَفَتْ أيامَها، واستقامتْ عليه، قضتْ ما كانتْ صامتْ في هذه الأيامِ، دونَ أيامِ حيضِها\".\n_________\n(^١) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٤٥٣).\n(^٢) انظر: المصدر السابق.\n(^٣) (١/ ٢٧٢ - ٢٧١).\n(^٤) تقدم تخريج أثر عمر بن الخطاب - ﵁ - في: (ص/٢٧٨).\n(^٥) تقدم تخريج أثر أبي بكر - ﵁ - في: (ص/٢٧٩).\n(^٦) (ص/ ٣٣). وقد نقل هذه المسألة: أبو يعلى في: العدة (٥/ ١٦٢١)، وأبو الخطاب في: التمهيد في أصول الفقه (٤/ ٣٦٦) وذكرا لها تتمةً في آخرها: \"قلت لأحمد: فما تختار أنت؟ قال: من قال يومًا فهو احتياط\". وراجع تعليق محقق العدة (٥/ ١٦٢١).","vol":"3","page":1150},{"text":"أجوبة علماء الحنابلة عمَّا نسبه الشافعيةُ إلى الإمام أحمدِ:\nأجابَ الحنابلةُ عمَّا نَسَبَه الشافعيةُ إلى الإمامِ أحمدِ بعدّةِ أجوبةٍ، منها:\nالجواب الأول: أنَّ إجابةَ الإمامِ أحمدَ بالاختلافِ تَخْرُجُ حسبَ ما تحتمله مسألةُ السائلِ، فكلُّ جواباته واردةٌ على سؤالٍ، ولم يقعْ منه جوابٌ بالاختلافِ ابتداءً مِنْ أجلِ قصدِ بيانِ مذهبِه (^١).\nالجواب الثاني: أنَّ عامّةَ أجوبةِ الإمام أحمد التي أجابَ فيها بالاختلافِ تجدُ أنَّها إذا اقتضى السؤالُ جوابًا بالبيانِ عن الإصابةِ، فإنَّ الإمامَ أحمدَ يبيّنُ ويرجِّحُ، بلْ يحتجُّ أيضًا (^٢).\nيقولُ القاضي أبو يعلى: \"أحمدُ ﵀ لم يُطلق القولين حتى يُنْبِئ عن اختيارِه، والصحيحِ منهما\" (^٣).\nالجواب الثالث: أنَّ لجواب الإمام أحمدَ باختلافِ الصحابةِ - ﵃ - فائدةً لا غُنْيَةَ عنها؛ إذ لأقوالِ الصَحابةِ - ﵃ - مِن الفقهِ الذي لا يَسَعُ عالمًا جهلُه به، وهذا يختلفُ عن الجواب بالقولينِ؛ فليس فيه فقهُ الصحابةِ - ﵃ - (^٤).\nالجواب الرابع: أنَّ جوابَ الإمامِ أحمدَ باختلافِ الصحابةِ - ﵃ - يختلفُ عن الجوابِ بالقولينِ؛ إذ الصوابُ حتمًا في القولينِ أو الأقوالِ المنقولةِ عن الصحابَةِ - ﵃ -، بخلافِ الجواب بالقولين دونَ إشارةٍ إلى أنَّها أقوالُ الصحابةِ - ﵃ - (^٥).\nأمَّا الجوابُ عن الأمر الثاني، (وهو الاعتراضُ بكثرةِ الرواياتِ عن\n_________\n(^١) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٤٥٣ - ٤٥٤).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (١/ ٤٥٤).\n(^٣) العدة (٥/ ١٦٢٢). وانظر: التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٦٥).\n(^٤) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٤٥٧ - ٤٥٨).\n(^٥) انظر: المصدر السابق (١/ ٤٥٨).","vol":"3","page":1151},{"text":"الإمامِ أحمدَ في المذهبِ الحنبلي، فيُنْقَل عنه في المسألةِ الواحدةِ عدّةُ رواياتٍ): فهناك فرقٌ بين ما صَنَعَه الإمامُ الشافعي، وما جاءَ عن الإمامِ أحمدَ مِن تعددِ الروياتِ، فإنَّ تعددَ الرواياتِ يَقَعُ لكثيرٍ مِن الأئمةِ المجتهدين، فليس مختصًا بالإمامِ أحمدَ وحده (^١).\nومِنْ جهةٍ أخرى: فإنَّ الإمامَ أحمدَ لم يقلْ بما جاءَ عنه مِن الرواياتِ في وقتٍ واحدٍ، وإنما قالها في أوقات مختلفةٍ (^٢)، وهذا لا تناقضَ فيه (^٣).\nوأيضًا: فإنَّا نقطعُ بأنَّ القولينِ اللذينِ ذكرهما الإمامُ الشافعي قد نصَّ عليهما، أمَّا في اختلافِ الرواياتِ، فقد يكون مردُّ اختلافِها عن الإمامِ إلى الناقلِ لها؛ فقد يغلطُ في سماعِه، أو يخطئُ في فهمِه، وقد يقولُ الإمامُ بقولٍ، ثم يرجعُ عنه إلى قولٍ آخر، ولا يعلمُ الناقلُ رجوعَ إمامِه (^٤).\nفنظيرُ اختلافِ الروياتِ عن الإمامِ أحمدَ - في الجملةِ - هو اختلافُ القولِ القديمِ والقولِ الجديدِ عن الإمامِ الشافعي.\nالقسم الثاني: أنْ يقولَ إمامُ المذهب بقولين مختلفين في مسألة واحدة، في وقتين.\nإذا نُقِلَ عن أحدِ الأئمةِ قولانِ أو أكثر في وقتينِ مختلفينِ، فهذا أمرٌ سائغٌ (^٥) - ومحلُّ الحديثِ عن الترجيحِ بين القولين في المطلبِ القادمِ -\n_________\n(^١) انظر: العدة (٥/ ١٦١٦).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (٥/ ١٦١٦ - ١٦١٧)، والتقرير والتحبير (٣/ ٣٣٤).\n(^٣) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٢٤).\n(^٤) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٢٩)، والتقرير والتحبير (٣/ ٣٣٤)، وتيسير التحير (٤/ ٢٣٥)، وفواتح الرحموت (٢/ ٣٩٤)، وشرح عقود رسم المفتي لابن عابدين (ص/ ٧٤ - ٧٥)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٦)، وسلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٤٤١)، وأبو حنيفة - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٩٠)، وأصول الفقه للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ٤٨٥)، والاجتهاد للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ٤٢٧)، ونظرية الأخذ بما جرى به العمل لعبد السلام العسري (ص/ ٣٢ - ٣٣).\n(^٥) انظر: فرائد الفوائد للسلمي (ص/ ٤٥).","vol":"3","page":1152},{"text":"يقولُ أبو إسحاقَ الشيرازي: \"هذا جائزٌ، لا نزاعَ فيه\" (^١).\nإذ المجتهدُ قد يجتهدُ في وقتٍ، فيؤديه اجتهادُه إلى قولٍ، ثمَّ يجتهدُ في وقتٍ آخر، فيؤديه اجتهادُه إلى قولٍ آخر غير الأولِ، وهذا أمرٌ لا إشكالَ فيه (^٢)؛ لأنَّ اعتقادَ صحةِ القولين في وقتين ليس بمحالٍ عقلًا (^٣).\nيقولُ أبو الحسنِ الماوردي: \"ليس أحدٌ مِنْ الفقهاءِ إلا وقد اختلفتْ عنه الروايةُ في الأحكامِ، فسمَّاها أصحابُهم روايات، وسمَّاها أصحابُ الشافعي أقاويل\" (^٤).\nوتغيّرُ الرأي مأثورٌ عن أكابرِ العلماءِ منذُ عهدِ الصحابةِ - ﵃ - (^٥).\nوقد يعبِّرُ العلماءُ عن هذه الحالة بقولهم: في المسألةِ قولانِ، أو على قولينِ، ويكون مرادهم في وقتينِ (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>المطلب الثاني: الترجيح بين أقوال إمام المذهب</span>\nإذا تعددتْ أقوالُ إمامِ المذهبِ في مسألةٍ مِن المسائل - سواءٌ أكانت المسألةُ أصوليةً، أم فقهيةً - فوَرَدَ عنه في مسألةٍ واحدةٍ أكثرُ مِنْ قولٍ، فما المرجَّحُ منها؟\n_________\n(^١) شرح اللمع (٢/ ١٠٧٧).\n(^٢) انظر: أدب القاضي للماوردي (١/ ٦٧١)، وقواطع الأدلة (٥/ ٦١، ٧٥)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٦٢٤)، والبحر المحيط (٦/ ١١٩).\n(^٣) انظر: شرح الكوكب المنير (٤/ ٤٩٤).\n(^٤) أدب القاضي (١/ ٦٧٣). وانظر: قواطع الأدلة (٥/ ٧٥ - ٧٦)، وفرائد الفوائد للسلمي (ص / ٤٥).\n(^٥) انظر: حقيقة القولين للغزالي، منشور في: مجلة الجمعية الفقهية السعودية، العدد: الثالث (ص/ ٢٨٠).\n(^٦) انظر: المصدر السابق، وتقريرات الشربيني على شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٣٥٩).","vol":"3","page":1153},{"text":"تحدثَ العلماءُ عن هذه المسألةِ بإسهابٍ، وفصَّلوا القولَ فيها، وأرى قبلَ الحديثِ عنها الإشارة إلى النقاطِ الآتيةِ:\nالأولى: محلُّ الحديثِ في هذا المطلبِ عن الترجيحِ (^١) بين أقوالِ إمام المذهبِ إذا تعددتْ في مسألةٍ واحدةٍ فقط، أمَّا إذا تعددت أقوالُه في مسأَلتين، فلا يدخلُ في حديثي هنا، إلا إنْ انتفى الفرقُ بين المسألتين (^٢)؛ لأنَّهما تصيرانِ كالمسألةِ الواحدةِ.\nالثانية: لا بُدَّ مِنْ ثبوتِ صحةِ القولين أو الأقوال عن إمامِ المذهبِ (^٣)، فإنْ لم يثبتْ القولُ فإنَّه لا يقوى على مزاحمةِ الثابتِ.\nالثالثة: قد يَرِدُ عن إمامِ المذهبِ قولانِ مختلفانِ في وقتينِ، وَيردُّ المحققون مِنْ أصحابِه أحدَهما (^٤)؛ لعلةٍ مِن العللِ، ومِثْلُ هذا لا يدخلُ في حديثي.\nالرابعة: يستوي في الحديثِ في هذا المطلبِ ما إذا وَرَدَ عن إمامِ المذهبِ قولانِ متنافيانِ، أو وَرَدَتْ عنه أقوالٌ متنافيةٌ، فالتعبيرُ بالقولينِ عند مَنْ يُعبّرُ به ليس مقصودًا، وإنَّما هو مِنْ باب التمثيلِ، ولعل مردّ غلبة التعبيرِ بالقولين إلى أنَّ وقوعَ التعارضِ بين القولينَ أكثرُ مِنْ وقوعِه بين الأقوالِ.\n_________\n(^١) الترجيح في اللغة: مصدر من الفعل رجَّح، يقال: رَجَّحَ يُرَجِّحُ تَرْجِيْحًا، ومعنى الترجيح: التمييل والتثقيل. انظر: القاموس المحيط، مادة: (رجح)، (ص/ ٢٧٩).\nوفي الاصطلاح: عرفه الرازي في: المحصول في علم أصول الفقه (٥/ ٣٩٧) بـ\"تقوية أحد الطريقين على الآخر؛ ليعلم الأقوى، فيعمل به، ويطرح الآخر\". وانظر: البحر المحيط (٦/ ١٣٠).\n(^٢) انظر: المعتمد (٢/ ٨٦٣)، والوصول إلى الأصول لابن برهان (٢/ ٣٥٥)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٠٢)، ومختصر منتهى السول لابن الحاجب (٢/ ١٢٢٨)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٩/ ٤٠)، وشرح العضد على مختصر ابن الحاجب (٢/ ٢٩٩)، ورفع الحاجب (٤/ ٥٥٩)، وفواتح الرحموت (٢/ ٣٩٤).\n(^٣) انظر: التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٧٠)، وابن حنبل - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ١٧٦).\n(^٤) انظر: الفروسية المحمدية لابن القيم (ص/ ٢٢١).","vol":"3","page":1154},{"text":"الخامسة: يدخلُ في حديثي في هذه المسألةِ ما إذا كانَ قولُ المجتهدِ منقولًا عنه بلفظِه، أو دوَّنه في كتابِه، أو نسبه إليه أحدُ أصحابِه، فقد يتعارضُ ما خطَّه الإمامُ في كتبِه، مع ما نَسَبَه إليه أحدُ أربابِ مذهبِه.\nالسادسة: لهذه المسألةِ حديثٌ تقعيديٌ - وهذا محلُّ حديثي - وحديثٌ مذهبي، فقد تقرِّر بعضُ المذاهبِ ضوابطَ مذهبيةٍ في الترجيحِ عند اختلافِ الأقوالِ في المذهبِ - كالترجيحِ باختيارِ الشيوخِ أو تقديمِ الكتبِ، ونحوِهما - وهذا خارجٌ عن حديثي؛ لخصوصيةِ كلِّ مذهبٍ على حدةِ.\nولعدمِ اطرادِ الضوابطِ المذهبيةِ في جميعِ المسائلِ مِنْ جهةٍ أخرى (^١)؛ لكونِها أغلبية.\nالسابعة: محلُّ حديثي هنا عن الترجيحِ بين أقوالِ إمامِ المذهبِ فحسب، ويُلحقُ به أصحابه الذين بلغوا رتبةَ الاجتهادِ، أو قاربوها، بحيثُ يكون لأقوالِهم مزيةٌ في المذهبِ.\nالثامنة: يستوي في الحديثِ في المسألةِ ما إذا وَرَدَ عن إمامِ المذهبِ قولانِ متنافيانِ، أو إذا بيَّن أنَّ المسألةَ خلافيةٌ.\nالتاسعة: متى ما قيلَ بالترجيحِ بين أقوالِ إمامِ المذهب، فإنَّ مِنْ شرطِ المرجِّحِ أنْ يكونَ أهلًا للترجيحِ في مذهبِ إمامِه (^٢)؛ فلَيسَ بإمكانِ كلِّ متمذهبٍ أنْ يرجِّحَ بين أقوالِ إمامِه.\nفإنْ لم يكن المتمذهبُ أهلًا للترجيحِ، فعليه الرجوعُ إلى المتأهلين له في مذهبِه، أو إلى كتبهم (^٣)، ولعل هذا يقودني إلى الإشارةِ إلى صعوبةِ قيامِ\n_________\n(^١) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٢٧)، والإنصاف (١/ ٥٠)، والمدخل المفصَّل إلى فقه الإمام أحمد (١/ ٢٩٦).\n(^٢) انظر: شرح الكوكب الساطع للسيوطي (٤/ ٥٨)، والمعيار المعرب للونشريسي (١٠/ ٤٦).\n(^٣) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٢٣ - ١٢٤)، وشرح الكوكب الساطع للسيوطي (٤/ ٥٨)، والمدخل المفصَّل إلى فقه الإمام أحمد (١/ ٣٠٤)، وأصول الإفتاء للعثماني (ص/ ٢٩١) مع شرحه المصباح في رسم المفتي.","vol":"3","page":1155},{"text":"المتمذهبِ بالترجيحِ بين أقوالِ أئمةِ المذاهبِ الأخرى دونَ استعانتِه بأهلِ الترجيحِ فيها.\nويتصلُ الحديثُ عن الترجيحِ بين أقوالِ إمامِ المذهبِ في هذا المطلبِ بالمطلبِ الأولِ؛ إذ سيكونُ الحديثُ عن الترجيحِ بين أقوالِ إمام المذهبِ في ضوءِ القسمين اللذين ذكرتُهما في المطلبِ السابقِ، ولهذَا جعلتُ للترجيحِ قسمين رئيسين:\nالقسم الأول: الترجيحُ بين قولي إمامِ المذهبِ اللذين قالهما في وقتٍ واحدٍ.\nالقسم الثاني: الترجيحُ بين قولي إمامِ المذهبِ اللذين قالهما في وقتين.\nالقسم الأول: الترجيحُ بين قولي إمامِ المذهبِ اللذين قالهما في وقتٍ واحدٍ.\nتقدّمَ لنا في المطلبِ الأولِ أنَّه لا يصحُّ أنْ يعتقدَ إمامُ المذهبِ قولين متنافيين في مسألةٍ واحدةٍ في وقتٍ واحدٍ، فإذا وَرَدَ عنه في كتابِه أو جوابِه ذكرُ القولين، فلا يخلو الأمرُ من حالتين:\nالحالة الأولى: أنْ يذكرَ إمامُ المذهب القولين دون أنْ ينصَّ على اختيارِ أحدِهما.\nالحالة الثانية: أنْ يذكرَ إمامُ المذهب القولين مع النصِّ على اختيار أحدهما.\nالحالة الأولى: أنْ يذكرَ إمامُ المذهبِ القولين دونَ أنْ ينصَّ على اختيارِ أحدِهما.\nإذا قال إمامُ المذهبِ في مسألةٍ واحدةٍ قولين مختلفين، ولم يشرْ إلى اختيارِه عند سياقِهما، فلهذه الحالةِ صورتانِ:","vol":"3","page":1156},{"text":"الصورة الأولى: إذا قالَ إمامُ المذهبِ قولين مختلفين، ولم ينصَّ على اختياره، وليس في الكلامِ قرينةٌ دالةٌ عليه.\nالصورة الثانية: إذا قالَ إمامُ المذهبِ قولين مختلفين، ولم ينصَّ على اختيارِه، وفي الكلام قرينةٌ دالةٌ عليه.\nالصورة الأولى: إذا قالَ إمامُ المذهبِ قولين مختلفين، ولم ينصَّ على اختيارِه، وليس في الكلامِ قرينةٌ دالةٌ عليه.\nإذا قالَ إمامُ المذهب قولين مختلفين، ولم ينصَّ على اختيارِه، وليس في الكلام قرينةٌ دالةٌ على اختيارِه، فإنَّ الأمرَ لا يخلو من حالين:\nالحال الأول: أنْ لا يَرِدَ عن إمامِ المذهبِ في موضعٍ آخر ما يدلُّ على اختيارِه.\nالحال الثاني: أنْ يَرِدَ عن إمامِ المذهب في موضعٍ آخر ما يدلُّ على اختيارِه.\nالحال الأول: أنْ لا يَرِدَ عن إمامِ المذهبِ في موضعٍ آخر ما يدلُّ على اختيارِه.\nإذا قالَ إمامُ المذهبِ قولين مختلفين، ولم ينصَّ على اختيارِه، وليس في الكلامِ قرينةٌ دالةٌ على اختيارِه، ثمَّ لم يَرِدْ عنه في موضعٍ آخر ما يدلنا على اختيارِه، فالأقربُ أنَّ الإمامَ متوقفٌ، ومترددٌ (^١).\nوأجوبةُ علماءِ الشافعيةِ التي سقتُها في المطلبِ الأولِ تَرِدُ هنا (^٢)، وقد ذكرتُ أنَّ الأقربَ أنَّ الإمامَ الشافعي متوقفٌ.\nوقد نَسَبَ بدرُ الدّينِ الزركشيُّ إلى الآمدي القولَ بوجوبِ اعتقادِ نسبةِ\n_________\n(^١) انظر: نشر البنود (٢/ ٢٧٥)، ونثر الورود للشنقيطي (٢/ ٥٩٠).\n(^٢) انظر: التلخيص في أصول الفقه للجويني (٣/ ٤١٨)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٠١)، وفرائد الفوائد للسلمي (ص/ ٧٩)، والاجتهاد ومدى حاجتنا إليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ٤٢٢).","vol":"3","page":1157},{"text":"أحدِ القولين إلى إمامِ المذهبِ، ورجوعِه عن الآخر غير معيّنٍ، ولا تصحُّ نسبتهما إليه جميعًا (^١).\nواستحسنَ بدرُ الدّينِ الزركشيُّ ما قاله الآمديُّ، وبيَّن أنَّ عملَ الفقهاءِ على خلافِه (^٢).\nوقد تَبِعَ الزركشيَّ في ذكرِ القولِ، ونسبتِه إلى الآمدي: ابنُ أمير الحاج (^٣)، والمرداويُّ (^٤).\nوذَكَرَ بعضُ الأصوليين أنَّ المتمذهبَ يُرجّحُ بين أقوالِ إمامِه في هذه الحالةِ، ومِنْ هؤلاءِ: ابنُ بَرْهان، إذ ظاهرُ قولِه هو أنَّ علماءَ مذهبِ الإمام يجتهدون في اختيارِ الأشبهِ بمذهبِ إمامِهم، كما يجتهدُ المجتهدُ في أقوالِ النبي - ﷺ - إذا اختلفتْ، ويأخذُ بأقربِها إلى الشرعِ (^٥).\nواختارَ ابنُ الصلاحِ القولَ الذي ذَهَبَ إليه ابنُ بَرْهان، وفصَّل ابنُ الصلاح اختيارَه، فقالَ: \"عليه - أيْ: المتمذهب - البحثُ عن الأرجحِ والأصحَّ منهما، متعرِّفًا ذلك مِنْ أصولِ مذهبِه، غير متجاوزٍ في الترجيحِ قواعدَ مذهبِه إلى غيرِها، هذا إنْ كانَ ذا اجتهادٍ في مذهبِه، أهلًا للتخريجِ عليه.\nفإنْ لم يكنْ أهلًا لذلك، فلينقله عن بعضِ أهلِ التخريجِ مِنْ أئمةِ المذهبِ، وإنْ لم يجد شيئًا مِنْ ذلك، فليتوقفْ\" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٢١)، وتشنيف المسامع (٣/ ٤٨١). ولا يبعد عندي حصول الوهم فيما نسبه بدر الدين الزركشي إلى الآمدي؛ لخلو كتابي الآمدي: (الإحكام في أصول الأحكام)، و(منتهى السول) عن هذا القول في الموطن الذي ذُكِرت فيه المسألة، ويؤكد حصول الوهم أنَّ ما نسبه الزركشي إلى الآمدي هو قوله في الحالة الثانية - كما سيأتي - إلا أن يكون قاله في موضع آخر من كتابيه، أو في كتاب آخر.\n(^٢) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٢١)، وتشنيف المسامع (٣/ ٤٨١).\n(^٣) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٣٤).\n(^٤) انظر: التحبير (٨/ ٣٩٥٦).\n(^٥) انظر: الوصول إلى الأصول (٢/ ٣٥٦ - ٣٥٧).\n(^٦) أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٢٣ - ١٢٤).","vol":"3","page":1158},{"text":"واختلفَ علماءُ الحنابلة فيما إذا حَكَى الإمامُ أحمدُ القولين، أو الخلاف مِنْ غيرِ أقوالِ الصحابةِ - ﵃ -، دون إشارةٍ إلى اختياره - وقد سَبَقَ التمثيلُ لقولِ الإمامِ أحمدَ - على قولين:\nالقول الأول: أنَّ الإمامَ متوقفٌ.\nوهذا ما ذَهَبَ إليه الحسنُ بن حامد؛ إذ يقولُ: \"المذهبُ عندي فيما كان هذا طريقه - أي: إذا أجاب بالقولين أو الخلاف - ولم يقارِنْ ذلك في مكانٍ مِنْ مذهبِه تفسيرٌ منه يُكْسِبُنا التوقفَ، ولا يُنسبُ إليه ما حكاه عن المختلفين قولٌ حتم، ولا يفرد بواحدٍ منها قطعًا، وكذلك لا يُنسب إليه أيضًا أنَّه بالقولين متديّنٌ\" (^١).\nواختاره ابنُ مفلحٍ (^٢).\nالقول الثاني: يُنسبُ إلى الإمامِ القولُ الأشبه بالكتابِ، أو بالسنةِ، أو بالأثرِ.\nاختار هذا القولَ ابنُ حمدان (^٣)، وقال عن القولِ الأولِ: \"فيه بُعْدٌ\" (^٤).\nوالأقربُ مِنْ وجهة نظري هو القولُ الأول؛ ولعل مقصدَ أصحابِ القولِ الثاني هو عملُ المتمذهب، فإذا أرادَ العملَ بأحدِ القولين، فإنَّه يأخذُ بالقولِ الأشبهِ بالكتابِ أو بالسنةِ.\nوأرى مِن الضروري في هذا المقامِ بيانُ آراء الحنابلةِ في الترجيحِ بين أقوالِ الإمامِ أحمد إذا أجابَ بأقوالِ الصحابةِ - ﵃ -؛ إذ ظَهَرَ لي أنَّهم يفرِّقون بينَ جوابِ الإمامِ بأقوالِ الصحابةِ - ﵃ -، وجوابِه باختلافِ الناسِ أو العلماءِ أو التابعين، فيَعُدُّ بعضُهم الإمامَ أحمد متوقفًا إذا أجابَ باختلافِ الناسِ أو العلماءِ أو التابعين؛ لأنَّه يجوزُ أنْ يذهبَ المجتهدُ إلى قولٍ ثالثٍ لا يخرق\n_________\n(^١) تهذيب الأجوبة (١/ ٥٣٦).\n(^٢) انظر: أصول الفقه (٤/ ١٥٠٦).\n(^٣) انظر: صفة الفتوى (ص/ ١٠٠).\n(^٤) المصدر السابق.","vol":"3","page":1159},{"text":"إجماعَهم، بخلافِ الصحابةِ - ﵃ -، فإنَّه يتعيّنُ الأخذُ مِنْ أقوالِهم (^١).\nفإذا أجابَ الإمامُ أحمدُ بأقوالِ الصحابة - ﵃ -، فأي الأقوال يُنسبُ إليه؟\n• الأقوال في المسألة:\nاختلف الحنابلةُ فيما إذا أجابَ الإمامُ أحمدُ بأقوالِ الصحابةِ - ﵃ -، أي الأقوال يُنسبُ إليه على أقوال:\nالقول الأول: يُنْسَبُ إلى الإمامِ أحمدَ القولُ الذي يوافق دليلًا مِن الكتابِ أو من السنةِ.\nوهذا القولُ وجهٌ عند الحنابلةِ (^٢). وذَكَرَه الحسنُ بن حامد، ومالَ إليه (^٣). واختاره ابنُ حمدان (^٤)، وهو ظاهرُ قولِ تقي الدين بنِ تيمية (^٥)، وهو قولُ المرداويّ (^٦).\nالقول الثاني: لا يُنْسَبُ إلى الإمامِ أحمد قولٌ في هذه الصورةِ، بل هو متوقفٌ.\nوهذا القولُ وجهٌ مخرَّجٌ، كما قاله الحسنُ بن حامد (^٧)، وصرَّح بعضُ الحنابلة بأنَّه وجه في مذهبِهم (^٨).\nالقول الثالث: لا يكون للإمامِ أحمدَ قولٌ في المسألةِ.\nذَكَرَ هذا القول دونَ نسبةٍ إلى أحدٍ تقيُّ الدين بن تيمية (^٩)، والمرداويُّ (^١٠).\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (ص/ ٩٨)، والمسودة (٢/ ٩٤٥).\n(^٢) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٩٨).\n(^٣) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٤٤٣).\n(^٤) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٩٨).\n(^٥) انظر: المسودة (٢/ ٩٤٥).\n(^٦) انظر: الإنصاف (١٢/ ٢٥١).\n(^٧) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٤٤٤).\n(^٨) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٩٨)، والمسودة (٢/ ٩٤٥).\n(^٩) انظر: المسودة (٢/ ٩٤٥).\n(^١٠) انظر: الإنصاف (١٢/ ٢٥١).","vol":"3","page":1160},{"text":"ولا يظهر لي فرقٌ مؤثرٌ بين القولينِ: الثاني والثالث، فهما متقاربان.\n• أدلةُ الأقوال:\nأدلةُ أصحابِ القولِ الأول: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: أنَّ مِنْ أصولِ الإمامِ أحمدَ بن حنبل فيما إذا اختلفَ الصحابةُ - ﵃ - على أقوال، الأخذَ بالقولِ الأقربِ أو الأشبهِ بالكتابِ أو بالسنةِ (^١). يقولُ الإمامُ أحمدُ: \"إذا اختلفَ أصحابُ رسولِ الله - ﷺ - نُظِرَ، أيُّ القولين أشبه بالكتابِ والسنةِ؟ فأُخِذَ به، وتُرِكَ الآخر\" (^٢).\nفإذا ساقَ اختلافَ الصحابةِ - ﵃ -، ولم يرجِّحْ، فإنَّنا نُعْمِلُ أصلَه في هذه الحالةِ، ونعتبره في سائر أجوبتِه، ونأخذُ بما كان أقرب إلى الكتابِ أو السنةِ (^٣).\nالدليل الثاني: لو كانَ الإمامُ أحمدُ متوقفًا، لقالَ ما يدلُّ على التوقّفِ، كـ: لا أدري، أو لا شيءَ عندي، ونحوهما، فلمَّا لم يجبْ بهما دلَّ على عدمِ توقّفِه في المسألةِ (^٤).\nويمكن أن يُستدل لهم بدليلٍ ثالث: قياسُ ما إذا أجابَ الإمامُ بأقوالِ الصحابةِ - ﵃ - على مسألةِ: (ما إذا قالَ الإمامُ قولين مختلفين في وقتين، ولم يُعْلَم التاريخُ)، فكما أنَّنا في المسألةِ الثانيةِ نُرَجِّحُ القولَ الذي وافق الكتابَ أو السنة، فكذلكَ في مسألتِنا.\n_________\n(^١) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٤٤٣)، والعدة (٤/ ١١٠٥)، وصفة الفتوى (ص/ ٩٨)، وإعلام الموقعين (٢/ ٥٥).\n(^٢) نقل قول الإمام أحمد الحسنُ بن حامد في: تهذيب الأجوبة (١/ ٤٤٥)، والقاضي أبو يعلى في: العدة (٤/ ١١٠٥).\n(^٣) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٤٤٥ - ٤٤٦).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (١/ ٤٥٠).","vol":"3","page":1161},{"text":"أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القول الثاني بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: أنَّ الإمامَ أحمدَ هو الأعلمُ بأشبه القولين بالكتابِ أو بالسنةِ، فلمَّا لم يذكرْه، ولم يرجّحْ أحدَهما، ولم يَمِلْ إليه، مع معرفتِه بالقولين، دلَّ على أنَّهما عنده سواء، فلا يكونُ أحدُهما مذهبًا له (^١).\nالدليل الثاني: أنَّ نسبةَ أحدِ القولين إلى الإمامِ أحمدَ هو اجتهادٌ ممَّنْ بعده، وهذا فعلٌ لهم، ليس بفعلٍ للإمامِ، فكيفَ ننسبُ إليه أنَّه اختارَ قولًا بفعلِنا ورأينا؟ ! (^٢).\nمناقشة الدليل الثاني، نوقش الدليل من وجهين:\nالوجه الأول: أنَّ ما ذكرتموه مِنْ أنَّ تعيينَ القولِ هو فعلُ مَنْ جاءَ بعده لا يَضُر؛ إذ الشريعةُ كلُّها تنسبُ إلى الله تعالى، والمعوَّلُ عليه فعلُ المجتهدِ مِن الاستدلالِ والنظرِ والقياسِ، ولم تقولوا: إنَّ ذلك ليس بجائزٍ؛ لأنَّه فعلٌ، فكذلك هنا (^٣).\nالوجه الثاني: إذا جازتْ نسبةُ القولِ إلى الإمامِ بناءً على القياسِ - كما مرَّ - وهو فعلٌ لنا، فإنَّ تعيينَ أحدِ القولين بفعلِنا لا يضر (^٤).\nالدليل الثالث: أنَّ اجتهادَنا في معرفةِ أقرب القولين إلى الكتابِ أو السنةِ لا يُطَابِقُ ما عند الإمام أحمدَ، ولا يقاربه، فكيفَ ننسبُ إليه قولًا قوَّاه مَنْ جاءَ بعده؛ بنَظَرِه؟ ! (^٥).\nمناقشة الدليل الثالث: إنَّ ما ذكرتموه مِنْ أنَّ اجتهادَنا لا يطابق اجتهادَ الإمام أحمد لا يضر؛ لأنَّنا اتبعنا طريقَه وأصلَه في المسألةِ (^٦).\n_________\n(^١) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٩٨).\n(^٢) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٤٤٥).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (١/ ٤٥٠ - ٤٥١).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (١/ ٤٥١).\n(^٥) انظر: المصدر السابق (١/ ٤٤٥).\n(^٦) انظر: المصدر السابق (١/ ٤٥١).","vol":"3","page":1162},{"text":"أدلةُ أصحاب القول الثالث: لم أقف لأربابِ القولِ الثالثِ على أدلةٍ - فيما رجعتُ إليهَ من مصادر - وبإمكانِهم الاستدلال بأدلةِ أصحابِ القولِ الثاني؛ ليتوصلوا إلى أنَّه ليس للإمامِ أحمد قولٌ أصلًا.\n• الموازنة والترجيح:\nبالنظر في الأقوالِ، وما استدلوا به، يظهر لي أنَّ الراجح هو القول الثاني، هذا مِنْ جهةِ نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ.\nأمَّا مِنْ جهةِ العملِ، فيعملُ المتمذهبُ بالقولِ الأقرب إلى الكتاب أو السنةِ؛ لأنَّه مِنْ أصولِ الإمامِ أحمدَ، ثمَّ لا بُدّ للمتمذهبِ مِن العملِ، فإذا عمل بما يَرَى أنَّه أقرب إلى دلالةِ الكتابِ أو السنةِ، فقد أدَّى ما عليه.\nولا أرى مانعًا مِنْ نسبةِ المتمذهبِ القول الذي اختاره للعملِ إلى مذهبِه مقيَّدًا، كقوله مثلًا: المذهبُ كذا بناءً على أصلِ الإمامِ، ونحو هذه العبارة.\nوقد رجّحتُ ما سبق؛ للآتي:\nأولًا: صعوبةُ نسبةِ أحدِ القولين إلى الإمامِ، وقد ذَكَرَهما دونَ تعيينِ الراجحِ عنده.\nثانيًا: لا يترتبُ على القولِ الذي اخترتُه تعطيلًا للمتمذهبِ عن العملِ، ولا تقويلًا للإمامِ باختيارٍ لم يصرِّحْ به.\nالحال الثاني: أنْ يَرِدَ عن إمام المذهب في موضع آخر ما يدلُّ على اختياره.\nإذا قالَ إمامُ المذهبِ قولين مختلفين، ولم ينصَّ على اختيارِه، وليس في الكلامِ قرينةٌ دالةٌ عليه، لكنَّه بيَّنَ في موضع آخر القولَ الذي ارتضاه، أو أعادَ المسألةَ، فذَكَرَ قولًا واحدًا، فهل يُنسبُ إليه القولُ الذي اقتصر عليه؟","vol":"3","page":1163},{"text":"• الأقوال في المسألة:\nاختلفَ العلماءُ في هذه المسألةِ على قولين:\nالقول الأول: إذا ذَكَرَ الإمامُ المسألةَ مرةً أُخْرى، فاقتصرَ على قولٍ واحدٍ، فهو قولُه الذي اختاره.\nوهذا القول وجهٌ عند الشافعيةِ (^١). وذَهَبَ إليه بعضُ الشافعيةِ (^٢)، وبعضُ الحنابلةِ (^٣).\nواختاره جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: المزني (^٤)، والحسنُ بن حامد (^٥)، وأبو الطيب الطبري (^٦)، وأبو إسحاقَ الشيرازي (^٧)، ومالَ إليه إمامُ الحرمين الجويني (^٨)، وهو قولُ أبي المظفرِ السمعاني (^٩)، والفخرِ الرازي (^١٠)،\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٢٤).\n(^٢) انظر: شرح اللمع (٢/ ١٠٨٢)، وقواطع الأدلة (٥/ ٨٠، ٨٦).\n(^٣) انظر: صفة الفتوى (ص/ ١٠٠)، والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (ص/ ١٣٣).\n(^٤) انظر: التبصرة (ص/ ٥١٥)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٨٢)، والتلخيص في أصول الفقه للجويني (٣/ ٤١٧)، وقواطع الأدلة (٥/ ٨٦)، والمسودة (٢/ ٩٤٩)، والبحر المحيط (٦/ ١٢٤).\n(^٥) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٥٠٨).\n(^٦) انظر: المسودة (٢/ ٩٤٩)، والبحر المحيط (٦/ ١٢٥). وأبو الطيب الطبري هو: طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر الطبري، أبو الطيب، ولد بآمل سنة ٣٤٨ هـ كان إمامًا علامةً شيخًا ورعًا، عارفًا بالأصول والفروع، محققًا متقنًا، شافعي المذهب، وأحد فقهاء بغداد، وولي قضاء ربع الكرخ بعد القاضي الصيمري، ودرّس وأفتى وأفاد، يقول عنه الشيرازي: \"لم أرَ فيمن رأيتُ أكمل اجتهادًا منه، وأشد تحقيقًا، وأجود نظرًا منه\"، من مؤلفاته: شرح المزني، وله كتب في الخلاف والمذهب والأصول والجدل، توفي سنة ٤٥٠ هـ وله مائة وسنتان، ولم يتغير عقله ولا فهمه في آخر حياته. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (١٠/ ٤٩١)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ١٢١)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٢/ ٥١٢)، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي (٢/ ٢٤٧)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٦٦٨)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٥/ ١٢)، وطبقات الشافعية للإسنوي (٢/ ١٥٧)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٢٠٥)، وطبقات الشافعية لابن هداية الله (ص/ ٥١).\n(^٧) انظر: التبصرة (ص/ ٥١٥).\n(^٨) انظر: التلخيص في أصول الفقه (٣/ ٤١٨)\n(^٩) انظر: قواطع الأدلة (٥/ ٨٦).\n(^١٠) انظر: المحصول في علم أصول الفقه (٥/ ٣٩٣).","vol":"3","page":1164},{"text":"والآمدي (^١)، وسراجِ الدين الأرموي (^٢)، وصفي الدين الهندي (^٣)، وتقي الدين بنِ تيمية (^٤)، وتاجِ الدين بنِ السبكي (^٥)، وجمالِ الدين الإسنوي (^٦)، وبدرِ الدين الزركشي (^٧)، وابنِ أمير الحاج (^٨)، والمرداوي (^٩)، وجلالِ الدين السيوطي (^١٠)، وعبد الله العلوي (^١١)، ومحمد الأمين الشنقيطي (^١٢).\nيقولُ الحسنُ بنُ حامد: \"يُؤخذُ بالبيّنِ المفسَّرِ عنه - أيْ: عن الإمام أحمد - ولا يُلْتَفَتْ إلى ما كان من الرواياتِ بالاختلافِ والتوقّفِ\" (^١٣).\nالقول الثاني: إذا ذَكَرَ الإمامُ المسألةَ مرةً أخرى، فاقتصرَ على قولٍ واحدٍ، فلا يُعدُّ قوله.\nوهذا القولُ وجهٌ عند الشافعيةِ (^١٤). وذَهَبَ إليه بعضُ الشافعيةِ (^١٥)، وبعضُ الحنابلةِ (^١٦). ونَسَبَه إمامُ الحرمين الجويني إلى معظمِ الشافعيةِ (^١٧).\nواختاره أبو إسحاقَ المروزي (^١٨)، وابنُ حمدان (^١٩). وذَكَرَ تقيُّ الدين بنُ تيمية القولَ دونَ نسبةٍ إلى أحدٍ (^٢٠).\n_________\n(^١) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ٢٠١).\n(^٢) انظر: التحصيل من المحصول (٢/ ٢٥٥).\n(^٣) انظر: نهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٦٣٥، ٣٦٣٧).\n(^٤) انظر: المسودة (٢/ ٩٤٥).\n(^٥) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٧٠٥).\n(^٦) انظر: نهاية السول (٤/ ٤٣٩).\n(^٧) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٢٥)، وتشنيف المسامع (٣/ ٤٨٠).\n(^٨) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٣٤).\n(^٩) انظر: الإنصاف (١٢/ ٢٥٢).\n(^١٠) انظر: شرح الكوكب الساطع (٤/ ٦٠).\n(^١١) انظر: نشر البنود (٢/ ٢٧٥).\n(^١٢) انظر: نثر الورود (٢/ ٥٩٠).\n(^١٣) تهذيب الأجوبة (١/ ٥٠٨).\n(^١٤) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٢٤).\n(^١٥) انظر: التبصرة (ص/ ٥١٥)، وقواطع الأدلة (٥/ ٨٠، ٨٦).\n(^١٦) انظر: الإنصاف (١٢/ ٢٥٢)، والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (ص / ١٣٣).\n(^١٧) انظر: التلخيص في أصول الفقه (٣/ ٤١٨)، والبحر المحيط (٦/ ١٢٤).\n(^١٨) انظر: المسودة (٢/ ٩٤٩).\n(^١٩) انظر: صفة الفتوى (ص/ ١٠٠).\n(^٢٠) انظر: المسودة (٢/ ٩٤٥).","vol":"3","page":1165},{"text":"• أدلةُ القولين:\nأدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القول الأول بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: أنَّ دَأَبَ الأئمةِ والعلماءِ في كثيرٍ مِن المسائلِ أنَّهم يتوقفون عند بدءِ النظرِ في المسألةِ؛ ليكملوا النظرَ في أدلتِها، ويسبرونها، ويجمعون بينها، فَهُمْ في مهلةِ النظرِ، فإذا سَلِمَ لهم قولٌ قالوا به على التعيينِ (^١).\nالدليل الثاني: أنَّ الظاهرَ مِنْ حالِ إمامِ المذهبِ أنَّ مذهبَه هو الذي أعاده؛ لأنَّه لو كانَ مقيمًا على القولينِ لذَكَرَهما، فلما أَفْرَدَ أحدَهما دلَّ على أنَّه قولُه الذي يختارُه (^٢).\nدليلُ أصحابِ القول الثاني: يجوزُ أنْ لا يذكرَ الإمامُ القولَ الثاني؛ اكتفاءً بما عُرِف عنه من القولين اللذين نصَّ عليهما أولًا، فلا يدلُّ الاقتصارُ عليه على اختيارِه (^٣).\nمناقشة دليل أصحاب القول الثاني: ما ذكرتموه أمرٌ محتملٌ، لكنَّ الظاهرَ أنَّ ما اقتصرَ عليه إمامُ المذهبِ هو قولُه واختيارُه (^٤).\n• الموازنة والترجيح:\nبالنظرِ في قولي المسألة وأدلتهم يظهرُ لي رجحانُ القولِ الأول القائل: إذا ذَكَرَ إمامُ المذهبِ المسألةَ مرةً أخرى، فاقتصرَ على قولٍ واحدٍ، فهو قولُه الذي اختاره؛ وذَلك لوجاهةِ ما عللوا به، ولكونِ الأظهر في المسألة اعتبار اقتصارِ الإمام على قولٍ اختيارًا له.\n_________\n(^١) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٥٠٨ - ٥٠٩).\n(^٢) انظر: التبصرة (ص / ٥١٥)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٨٢)، وقواطع الأدلة (٥/ ٨٦).\n(^٣) انظر: التبصرة (ص/ ٥١٥)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٨٢)، والمسودة (٢/ ٩٤٩).\n(^٤) انظر: التبصرة (ص/ ٥١٥)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٨٢).","vol":"3","page":1166},{"text":"ومِنْ جهةٍ أخرى: فإنَّ تحديدَ قولٍ لإمامِ المذهبِ خيرٌ من اعتبارِه متوقفًا.\nالصورة الثانية: إذا قال إمامُ المذهبِ قولين مختلفين، ولم ينصَّ على اختيارِه، وفي الكلام قرينةٌ دالةٌ عليه.\nإذا قالَ إمامُ المذهبِ قولين مختلفين، ولم ينصَّ على اختيارِه، وفي الكلامِ قرينةٌ دالةٌ عليه - كما لو فرَّع على أحدِ القولين - فهل يُعدُّ قوله ما دلّت القرينةُ عليه؟\n• الأقوال في المسألة:\nاختلفَ العلماءُ في هذه المسألةِ على قولين:\nالقول الأول: إذا فرَّعَ إمامُ المذهبِ على أحدِ القولين، فإنَّ هذا دالٌ على اختيارِه، وهو قولُه الذي ينسب إليه.\nوالقائلون: إنَّ إمامَ المذهبِ إذا أعادَ المسألة فاقتصرَ على قولٍ واحدٍ يُعَدُّ قولًا له، ذهبوا هنا إلى القولِ الأولِ (^١).\nالقول الثاني: إذا فرَّع إمامُ المذهبِ على أحدِ القولين فإنَّه لا يدلُّ على اختيارِه.\nوالقائلون: إنَّ إمامَ المذهبِ إذا أعادَ المسألةَ، فاقتصر على قولٍ واحدٍ لا يُعَدُّ قولًا له، ذهبوا هنا إلى القولِ الثاني.\n• أدلة القولين:\nدليلُ أصحابِ القول الأول: أنَّ الظاهرَ مِنْ حالِ إمامِ المذهبِ أنَّ مذهبَه هو الذي فرَّع عليه؛ لأنَّه لو كان مقيمًا على القولين لفرَّعَ عليهما، فلمَّا أفردَ أحدَهما دلَّ على أنَّه قولُه الذي يختارُه (^٢).\n_________\n(^١) عدا الحسن بن حامد، فلم أرَه ذكر هذه المسألة في المواطن التي رجعت إليها من كتابه: تهذيب الأجوبة.\n(^٢) انظر: التبصرة (ص / ٥١٥)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٨٢)، وقواطع الأدلة (٥/ ٨٦).","vol":"3","page":1167},{"text":"دليلُ أصحابِ القول الثاني: يحتمل أنَّ إمامَ المذهبِ فرَّعَ على أحدِ القولين؛ لأنَّ التفريعَ على الثاني واضحٌ، فلا يحتاجُ إلى ذكرِه، فلا يدلُّ الاقتصارُ على القولِ الأولِ على اختيارِه (^١).\nمناقشة الدليل: ما ذكرتموه أمرٌ محتملٌ، لكنَّ الظاهرَ أنَّه يُعدُّ اختيارًا له (^٢).\n• الموازنة والترجيح:\nلعل الأقربَ في هذه المسألة هو اعتبارُ تفريعِ إمامِ المذهبِ على قولٍ اختيارًا له؛ لأنَّه قرينةٌ وإنْ كانَ فيها بعضُ الضعفِ، والقرائنُ لها أثرٌ في تحديدِ رأي الإمامِ، ووجودُ رأي محدّد له خيرٌ مِن عدّه متوقفًا في المسألةِ.\nالحالة الثانية: أنْ يذكر إمامُ المذهب القولين مع النصِّ على اختيارِ أحدهما.\nإذا ذَكَرَ إمامُ المذهبِ قولين مختلفين في مسألةٍ واحدةٍ، ونصَّ على اختيارِه، أو ضعّفَ أحد القولين، فإنَّ القولَ الذي اختاره هو قولُه الذي يُنسب إليه.\nوهذا قولُ جمهورِ الأصوليين (^٣)؛ لأنَّ قولَ إمامِ المذهبِ ليس إلا ما\n_________\n(^١) انظر: التبصرة (ص/ ٥١٥)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٨٢)، والمسودة (٢/ ٩٤٩).\n(^٢) انظر: التبصرة (ص/ ٥١٥)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٨٢).\n(^٣) انظر: المعتمد (٢/ ٨٦٣)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٧٨)، وقواطع الأدلة (٥/ ٨٠)، وبذل النظر للأسمندي (ص/ ٦٦٢)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٥/ ٣٩١)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٠١)، وأدب المفتي والمستفتي (ص / ١٢٣)، والمسودة (٢/ ٩٤٩)، والحاصل من المحصول (٢/ ٩٦٦)، والتحصيل من المحصول (٢/ ٢٥٥)، وشرح تنقيح الفصول (ص / ٤١٩)، وصفة الفتوى (ص / ١٠٠)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٦٣٥، ٣٦٣٧)، وتقريب الوصول لابن جزي (ص / ٤٢٤)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٠٧)، والإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٧٠٥)، ونهاية السول (٤/ ٤٣٩)، وتحفة المسؤول للرهوني (٤/ ٢٧١)، وتشنيف المسامع (٣/ ٤٨٠)، والبحر المحيط (٦/ ١٢٠)، ولمع اللوامع لابن رسلان، القسم الثاني (٢/ ٤٦٧)، والتقرير والتحبير (٣/ ٣٣٤)، ورفع النقاب للشوشاوي (٥/ ٤٨١)، وإرشاد الفحول (٢/ ١٠٧٥)، والاجتهاد ومدى حاجتنا إليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ٤٢٢)، والاختلاف الفقهي لعبد العزيز الخليفي (ص/ ٢٤٣).","vol":"3","page":1168},{"text":"رجّحه (^١).\nيقولُ الحسنُ بنُ حامدٍ: \"إذا وَرَدَ - أيْ: عن الإمام أحمد - الجوابُ بالاختلافِ ... فقال بأحدِهما، فإنَّه يصار إلى ما قَطَعَ به منهما، وثُبِّتْ مذهبُه عليه، ولا يُؤثِّرُ الآخرُ شيئًا، ويُقْطَعُ على أنَّ الآخرَ ليس مذهبًا له\" (^٢).\nمثال هذه الحالة: سألَ مُهَنّا الإمامَ أحمد عن رجلٍ قال: أولُ غلامٍ لي يخرجُ فهو حرٌّ، فخَرَجَ غلامانِ، أو كلُّ عبيده؟ فقال الإمام أحمد: \"قد اختلفوا\". قلتُ له: ما تقولُ أنتَ؟ قال: \"يقرعُ بينهم\" (^٣).\nومِنْ وجهةِ نظري: فإنّ مثلَ هذه الحالة لا تحتمل وجود الخلافِ في بيانِ اختيارِ إمامِ المذهبِ؛ وذلك لنصِّه عليه.\nوهنا اعتراض، وهو: إذا كان الصحيحُ عند إمامِ المذهبِ هو القول الذي اختاره، فلِمَ ذَكَرَ القولَ الآخر؟ وأيّ فائدةٍ في ذكرِه؟ (^٤).\nفالجواب: مِن المحتملِ أنَّ الإمامَ وطّأ لقولِه واختيارِه بذكرِ الخلافِ في المسألةِ (^٥)، ثمَّ لذِكْرِ القولِ الآخر الذي لا يختاره عدة فوائد:\nمنها: أنْ يُعْلِمَ الإمامُ أصحابَه وتلاميذَه طُرُقَ الاجتهادِ؛ لاستخراجِ الأحكامِ، والتمييزِ بين الصحيحِ والفاسدِ.\nومنها: أنَّ بعضَ أصحابِ الإمامِ وتلاميذه قد يؤديهم اجتهادُهم إلى رأي ضعيفٍ، ولا يتنبهون إلى ضعفِه، فإذا بيَّنَ الإمامُ اختيارَه تنبهوا إلى ضعفِ غيرِه (^٦).\n_________\n(^١) انظر: المحصول في علم أصول الفقه للرازي (٥/ ٣٩١)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٦٣٥)، والإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٧٠٥)، وتشنيف المسامع (٣/ ٤٨٠)، والبحر المحيط (٦/ ١٢٠).\n(^٢) تهذيب الأجوبة (١/ ٥٠٢).\n(^٣) نقل ابن حامد هذه المسألة في: المصدر السابق (١/ ٥٠٠).\n(^٤) انظر: شرح اللمع (٢/ ١٠٧٨).\n(^٥) انظر: التلخيص في أصول الفقه للجويني (٣/ ٤١٧).\n(^٦) انظر: شرح اللمع (٢/ ١٠٧٨).","vol":"3","page":1169},{"text":"القسم الثاني: الترجيح بين قولي إمام المذهب اللذين قالهما في وقتين.\nإذا جاءَ عن إمامِ المذهبِ قولانِ متنافيانِ في مسألةٍ واحدةٍ، فإنَّ الخطوةَ الأُولى التي يقومُ بها المتمذهبُ هي الجمعُ بين قولي الإمامِ ما أمكن (^١) - وذلك بحملِ المطلقِ على المقيّدِ أو العامِّ على الخاصِّ أو على اختلافِ الأحوالِ أو بحملِ المجمل على المبيّن، ونحو ذلك (^٢) - فإنْ لم يمكن الجمعُ، فلا يخلو الأمر من حالتين:\nالحالة الأولى: أنْ يعلمَ تاريخَ قولي إمام المذهب، فيعلمَ قولَه المتقدِّم مِنْ قولِه المتأخرِ.\nالحالة الثانية: أنْ لا يعلم تاريخَ قولي إمامِ المذهبِ، فلا يعلم قولَه المتقدِّم مِنْ قولِه المتأخرِ.\nالحالة الأولى: أنْ يعلمَ تاريخَ قولي إمام المذهب، فيعلم قولَه المتقدِّم مِنْ قولِه المتأخرِ.\nإذا قالَ إمامُ المذهبِ قولينِ متنافيينِ في مسألةٍ واحدةٍ في وقتين، وعُلِمَ التاريخُ، فتحدد لنا قوله المتقدِّم، وقوله المتأخر: فإنَّ القولَ المتأخر ينسب إليه، وهذا أمرٌ بيّنٌ لا يحتاجُ إلى إقامةِ الأدلةِ عليه.\nوهلْ يُنسبُ إلى إمامِ المذهبِ القولُ المتقدِّم أيضًا؟ سواءٌ أصرَّحَ بالرجوعِ عنه، أم لم يصرِّحْ.\nهذا محلُّ خلافٍ بين العلماءِ، ويظهرُ لي أنَّه لا خلافَ بينهم في نسبةِ\n_________\n(^١) ذكر ابن حمدان في: صفة الفتوى (ص/ ٨٥) أنَّه يصار إلى الجمع بين قولي الإمام إذا لم ينص على رجوعه، فإن نص فلا حاجة إلى الجمع. وما قاله وجيه.\n(^٢) انظر: تهذيب الأجوبة (٢/ ٨٤٨ وما بعدها)، وأدب القاضي للماوردي (١/ ٦٦٨)، وصفة الفتوى (ص/ ٨٦)، ولمع اللوامع لابن رسلان، القسم الثاني (٢/ ٤٦٦)، والتحبير (٨/ ٣٩٥٩).","vol":"3","page":1170},{"text":"القولِ المتقدم له مقيَّدًا بأنَّه القديمُ أو المرجوعُ عنه؛ لأنَّه وصفٌ كاشفٌ عن حالةِ القولِ المتقدّمِ، ويكون المعنى: أنَّه كان قولًا له (^١).\nويحسنُ قبل ذكرِ أقوالِ العلماءِ في هذه الحالة التمثيلُ لها ببعضِ الأمثلةِ:\nالمثال الأول: ذَهَبَ الإمامُ الشافعي في القديمِ إلى المنعِ مِنْ بيعِ جلدِ الحيوانِ بعد دَبْغِه، وذَهَبَ في الجديد إلى جوازِ بيعِ الجلدِ المدبوغِ مِن الحيوانِ الطاهرِ في حالِ الحياةِ (^٢).\nالمثال الثاني: ذَهَبَ الإمامُ أحمدُ إلى أنَّ ديةَ اليهودي والنصراني ثلثُ ديةِ المسلمِ، إلا أنَّه رَجَعَ عنه (^٣)، وقال: \"كنتُ أذهبُ إلى أنَّ ديةَ اليهودي والنصراني أربعةُ آلاف، فأنا اليومَ أذهبُ إلى نصفِ ديةِ المسلمِ ... \" (^٤).\nالمثال الثالث: يقول الإمامُ أحمدُ عمَّنْ صلَّى بالتيممِ، ثمَّ وَجَدَ الماءَ في أثناءِ الصلاةِ: \"إذا رأى الماءَ في الصلاةِ يمضي فيها، ثم تبيّنت، فإذا الأخبارُ: إذا رأى الماءَ يخرجُ مِنْ صلاتِه\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٠١)، والبحر المحيط (٦/ ١٢٣).\n(^٢) انظر: نهاية المطلب للجويني (٢/ ٢٢، ٢٩).\n(^٣) انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين للقاضي أبي يعلى (٢/ ٢٨٢)، والمغني لابن قدامة (١٢/ ٥١).\n(^٤) مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح (٣/ ١٧٢)، وانظر منها: (٣/ ٥٩).\n(^٥) نقل القاضي أبو يعلى في: العدة (٥/ ١٦١٧) هذه المسألة عن الإمام أحمد. وانظر: مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح (١/ ٢٣٨)، والمغني لابن قدامة (١/ ٣٤٧)، والإنصاف (١/ ٢٩٨).\nولعل مقصود الإمام أحمد بالحديث الذي أشار إليه حديثَ أبي ذر - ﵁ -، ولفظه: (إنَّ الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجده فلْيمسه بشره، فإنَّ ذلك خيرٌ)، وأخرجه: أبو داود في: سننه، كتاب: الطهارة، باب: الجنب يتيمم (ص / ٥٨)، برقم (٣٣٢)؛ والترمذي في: جامعه، كتاب: الطهارة عن رسول الله - ﷺ -، باب: التيمم للجنب إذا لم يجد الماء (ص/ ٤٠)، برقم (١٢٤)، وقال: \"حديث حسن صحيح\". والنسائي في: المجتبى، كتاب: الطهارة، باب: الصلوات بتيمم واحد (ص/ ٥٨)، برقم (٣٢٢)، وليس فيه: (فإذا وجده فلْيمسه بشره، فإنَّ ذلك خير). وعبد الرزاق في: المصنف، كتاب: الطهارة، باب: الرجل يعزب عن الماء (١/ ٢٣٨)، برقم (٩١٣)؛ وأحمد في: المسند (٣٥/ ٢٣٠)، =","vol":"3","page":1171},{"text":"• الأقوال في المسألة:\nاختلفَ العلماءُ في نسبةِ القولِ المتقدِّم إلى إمامِ المذهب على أقوال، أشهرها:\nالقول الأول: لا يُنْسَبُ القولُ المتقدّمُ إلى إمامِ المذهبِ، ويُعَدُّ قولًا مرجوعًا عنه، سواءٌ أنصَّ على رجوعِه أم لم ينصَّ.\nوهذا القولُ هو مذهبُ المالكيةِ (^١)، والصحيحُ مِن مذهبِ الحنابلةِ (^٢)، وجعله ابنُ النجارِ الأصحَّ عندهم (^٣).\nوذَهَبَ إليه بعضُ المالكيةِ (^٤)،\n_________\n= برقم (٢١٣٠٤)، و(٣٥/ ٤٤٨)، برقم (٢١٥٦٨)؛ وابن حبان في: صحيحه، كتاب: الطهارة، باب: التيمم (٤/ ١٣٥ - ١٤٠)، بالأرقام (١٣١١ - ١٣١٣)؛ والدارقطني في: السنن، كتاب: الطهارة، باب: في جواز التيمم لمن لم يجد الماء سنين كثيرة (١/ ٣٤٤ - ٣٤٧)، بالأرقام (٧٢١ - ٧٢٥)؛ والحاكم في: المستدرك، كتاب: الطهارة (١/ ٢٣٤)، برقم (٦٢٧)، وقال: \"هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي. والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: الطهارة، باب: غسل الجنب ووضوء المحدث إذا وجد الماء بعد التيمم (١/ ٢٢٠)؛ وفي: معرفة السنن والآثار، كتاب: الطهارة، باب: تيمم الجنب (٢/ ٣١)، برقم (١٦٣٤).\nوقال ابن الملقن في: البدر المنير (٢/ ٦٥٠) عن الحديث: \"حديثٌ جيدٌ\".\nونقل ابنُ حجر في: التلخيص الحبير (١/ ٤١٦) أنَّ أبا حاتم الرازي صحح الحديث، ونقل في: فتح الباري (١/ ٤٤٦) أنَّ الدارقطني صححه.\nوصحح الحديثَ: النوويُّ في: المجموع شرح المهذب (٢/ ٢٢٠، ٢٤٤)، والألبانيُّ في: إرواء الغليل (١/ ١٨١).\nويشهد لحديث أبي - ﵁ - حديثُ أبي هريرة - ﵁ -. وانظر تخريج حديث أبي هريرة - ﵁ - في: نصب الراية للزيلعي (١/ ١٤٩ - ١٥٠)، والبدر المنير لابن الملقن (٢/ ٦٥٦ - ٦٥٧)، والتلخيص الحبير لابن حجر (١/ ٤١٦ - ٤١٧)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (ج ٧/ ق ١/ ٦٤).\n(^١) انظر: نشر البنود (٢/ ٢٧٤).\n(^٢) انظر: التحبير (٨/ ٣٩٦٠)، وتصحيح الفروع للمرداوي (١/ ٤١)، والإنصاف (١٢/ ٢٤١).\n(^٣) انظر: معونة أولي النهى (٩/ ٥٧٤).\n(^٤) انظر: تبصرة الحكام لابن فرحون (١/ ٧٠)، والمعيار المعرب للونشريسي (١٠/ ٤٥).","vol":"3","page":1172},{"text":"وبعضُ الشافعيةِ (^١)، وبعضُ الحنابلةِ (^٢).\nونَسَبَه المرداويُّ (^٣)، وابنُ النجار (^٤) إلى أكثرِ الحنابلةِ. ونَسَبَه صدرُ الدين السلمي إلى بعض المحققين (^٥). ونَسَبَه القاضي أبو يعلى (^٦)، وابنُ حمدان (^٧)، وابنُ مفلحٍ (^٨) إلى الخلالِ، وصاحبِه: عبد العزيز.\nواختاره جمعٌ مِن الأصوليين منهم: أبو الحسين البصري (^٩)، وأبو الطيبِ الطبري (^١٠)، وأبو الحسنِ الماوردي (^١١)، والقاضي أبو يعلى (^١٢)، وأبو إسحاقَ الشيرازي (^١٣)، وإمامُ الحرمين الجويني (^١٤)، وأبو المظفرِ السمعاني (^١٥)، وأبو حامد الغزالي (^١٦)، وابنُ بَرْهان (^١٧)، ومحمد الأسمندي (^١٨)، والفخرُ الرازي - ونصَّ على أنَّ الرجوعَ عن القولِ المتقدم هو الظاهرُ (^١٩) - والموفقُ بنُ قدامة (^٢٠)، والآمديُّ (^٢١)، وابنُ الصلاحِ (^٢٢)،\n_________\n(^١) انظر: شرح اللمع (٢/ ١٠٧٧)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٢/ ١٥٨).\n(^٢) انظر: المسودة (٢/ ٩٤١)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٧٠).\n(^٣) انظر: التحبير (٨/ ٣٩٦٠)، والإنصاف (١٢/ ٢٤١).\n(^٤) انظر: شرح الكوكب المنير (٤/ ٤٩٤).\n(^٥) انظر: فرائد الفوائد (ص/ ٧٥ - ٧٦).\n(^٦) انظر: العدة (٥/ ١٦١٨).\n(^٧) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٨٦).\n(^٨) انظر: أصول الفقه (٤/ ١٥٠٨).\n(^٩) انظر: المعتمد (٢/ ٨٦٣).\n(^١٠) انظر: المسودة (٢/ ٩٤٨ - ٩٤٩)، والبحر المحيط (٦/ ١٢٣).\n(^١١) أدب القاضي (١/ ٦٧١).\n(^١٢) انظر: العدة (٥/ ١٦١٧).\n(^١٣) انظر: التبصرة (ص / ٥١٢، ٥١٤)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٧٧).\n(^١٤) انظر: التلخيص في أصول الفقه (٣/ ٤١٧)، ونهاية المطلب (١/ ٢٩).\n(^١٥) انظر: قواطع الأدلة (٥/ ٦٣، ٧٦، ٨٥).\n(^١٦) انظر: حقيقة القولين، منشور في: مجلة الجمعية الفقهية السعودية، العدد الثالث (ص/ ٢٧٩).\n(^١٧): الوصول إلى الأصول (٢/ ٣٥٤).\n(^١٨) انظر: بذل النظر (ص / ٦٦١).\n(^١٩) انظر: المحصول في علم أصول الفقه (٥/ ٣٩١).\n(^٢٠) انظر: روضة الناظر (٣/ ١٠١٣).\n(^٢١) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ٢٠١).\n(^٢٢) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٢٣).","vol":"3","page":1173},{"text":"وابنُ الحاجبِ - ونصَّ على أنَّ الرجوعَ عن القولِ المتقدم هو الظاهرُ (^١) - وتاجُ الدّين الأرموي (^٢)، ومحيي الدّين النووي (^٣)، وسراجُ الدّين الأرموي - ونصَّ على أنَّ الرجوعَ عن القولِ المتقدمِ هو الظاهرُ (^٤) - وشهابُ الدّين القرافي (^٥)، والقاضي البيضاوي (^٦)، وابنُ حمدان (^٧)، وصفيُّ الدّين الهندي - ونصَّ على أنَّ الرجوعَ عن القولِ المتقدمِ هو الظاهرُ (^٨) - والطوفي (^٩)، وابنُ جزي المالكي (^١٠)، والقاضي عضد الدّين الإيجي (^١١) - ونصَّ على أنَّ الرجوعَ عن القولِ المتقدم هو الظاهرُ (^١٢) - وابنُ مفلحٍ (^١٣)، وتاجُ الدين بنُ السبكي (^١٤)، وجمالُ الدين الإسنوي (^١٥)، وبدرُ الدين الزركشي (^١٦)، وابنُ\n_________\n(^١) انظر: مختصر منتهى السول (٢/ ١٢٢٧).\n(^٢) انظر: الحاصل من المحصول (٢/ ٩٦٦).\n(^٣) انظر: المجموع شرح المهذب (١/ ٦٨).\n(^٤) انظر: التحصيل من المحصول (٢/ ٢٥٥).\n(^٥) انظر: شرح تنقيح الفصول (ص/٤١٨).\n(^٦) انظر: منهاج الوصول (٧/ ٢٧٠٥) مع الإبهاج.\n(^٧) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٨٦).\n(^٨) انظر: نهاية الوصول (٨/ ٣٦٣٤).\n(^٩) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٢٥، ٦٤٦).\n(^١٠) انظر: تقريب الوصول (ص/ ٤٢٤).\n(^١١) هو: عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار الإيجي، عضد الدين، ولد بإيج من نواحي شيراز سنة ٧٠٠ هـ تقريبًا - وقيل: بعد سنة ٦٨٠ هـ - كان إمامًا في المعقولات، فقيهًا أصوليًا محققًا مدققًا متكلمًا، كريمًا جوادًا، شافعي المذهب، وقيل: إنه حنفي المذهب، وقد تولى القضاء والتدريس، وتخرج به تلامذة اشتهروا في الآفاق، مثل: شمس الدين الكرماني، وسعد الدين التفتازاني، من مؤلفاته: المواقف في علم الكلام، وشرح مختصر ابن الحاجب، والفوائد الغياثية، توفي سنة ٧٥٣ هـ وقيل: ٧٥٦ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (١٠/ ٤٦)، وطبقات الشافعية للإسنوي (٢/ ٢٣٨)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ٣٣)، والدرر الكامنة لابن حجر (٢/ ٣٢٢)، والدليل الشافي لابن تغري بردي (١/ ٣٩٧)، وبغية الوعاة للسيوطي (٢/ ٧٥).\n(^١٢) انظر: شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (٢/ ٢٩٩).\n(^١٣) انظر: أصول الفقه (٤/ ١٥٠٨).\n(^١٤) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٧٠٧)، ورفع الحاجب (٤/ ٥٥٩).\n(^١٥) انظر: نهاية السول (٤/ ٤٤١).\n(^١٦) انظر: تشنيف المسامع (٣/ ٤٧٩)، والبحر المحيط (٦/ ١٢٠).","vol":"3","page":1174},{"text":"فرحون (^١)، وتقيُّ الدين الحصني (^٢)، وابنُ الهمام الحنفي (^٣)، وابنُ أمير الحاج (^٤)، وأبو علي الشوشاوي (^٥)، وجلالُ الدين السيوطي (^٦)، وابنُ النجار (^٧)، وأمير باد شاه (^٨)، والشوكانيُّ (^٩)، وابنُ بدران (^١٠)، ومحمد بخيت المطيعي (^١١)، ومحمد الأمين الشنقيطي (^١٢)، والدكتور حسن مرعي (^١٣)، والدكتور سيد الأفغاني (^١٤)، والدكتور عياض السلمي (^١٥).\nومَنْ جَعَلَ قولَ إمامِ المذهب هو المتأخر في الظاهرِ، فالأقربُ أنَّه يعني حالةَ عدمِ نصِّ الإمامِ على رجوعِه، فلو نصَّ عليه، فقولُه المتأخرُ قطعًا (^١٦).\nالقول الثاني: يُنْسَبُ إلى إمامِ المذهبِ القولُ المتقدِّمُ.\nوهذا قولُ بعضِ الشافعيةِ (^١٧)، وبعضِ المالكيةِ (^١٨)، وبعضِ الحنابلةِ (^١٩).\n_________\n(^١) انظر: تبصرة الحكام (١/ ٧١).\n(^٢) انظر: القواعد (٣/ ٣٥٦).\n(^٣) انظر: التحرير (٤/ ٢٣٢) مع تيسير التحرير.\n(^٤) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٣٤).\n(^٥) انظر: رفع النقاب (٥/ ٤٧٩).\n(^٦) انظر: شرح الكوكب الساطع (٤/ ٥٧).\n(^٧) انظر: شرح الكوكب المنير (٤/ ٤٩٤)، ومعونة أولي النهى (٩/ ٥٧٤).\n(^٨) انظر: تيسير التحرير (٤/ ٢٣٢).\n(^٩) انظر: إرشاد الفحول (٢/ ١٠٧٥).\n(^١٠) انظر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد (ص/ ١٢٦).\n(^١١) انظر: سلم الوصول (٤/ ٤٤١).\n(^١٢) انظر: نثر الورود (٢/ ٥٩٠).\n(^١٣) انظر: الاجتهاد في الشريعة الإسلامية (ص/ ١٤٣) ضمن بحوث: الاجتهاد في الشريعة الإسلامية.\n(^١٤) انظر: الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه (ص/ ٤١٩).\n(^١٥) انظر: تحرير المقال (ص/ ٧٨).\n(^١٦) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٢٣)\n(^١٧) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٢/ ١٥٩).\n(^١٨) انظر: جامع فتاوى الأحكام للبرزلي (١/ ١٠٥)، والمعيار المعرب للونشريسي (٦/ ٣٧٤)، و(١٠/ ٤٦٨).\n(^١٩) انظر: روضة الناظر (٣/ ١٠١٣)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٠٨)، والفروع له (١/ ٤٠)، والتحبير (٨/ ٣٩٦٢)، وتصحيح الفروع للمرداوي (١/ ٤١)، والإنصاف (١/ ١٠)، و(١٢/ ٢٤١).","vol":"3","page":1175},{"text":"واختاره مجدُ الدّينِ بنُ تيمية؛ إذ يقول: \"وقد تدبّرتُ كلامَهم - أيْ: علماء الحنابلة - فرأيتُه يقتضي أنْ يُقال بكونِهما مذهبًا له، وإنْ صرَّحَ - أي: الإمام أحمد - بالرجوعِ\" (^١).\nوبعضُ أرباب هذا القول قيَّدَ قولَه بأنْ لا يكونَ رجوعُ إمام المذهب عن قولِه؛ لنصٍّ، فإنْ كان رجوعُه للنصِّ القاطعِ، لم ننسب إليه قولَه المتقدِّمَ (^٢).\nالقول الثالث: يُنْسَبُ إلى إمامِ المذهب القولُ المتقدِّم، إلا إذا صرَّح برجوعِه عنه، فلا ينسبُ إليه.\nوهذا القولُ وجهٌ عند الشافعيةِ (^٣). وذَهَبَ إليه بعضُ الشافعيةِ (^٤)، وبعضُ الحنابلةِ (^٥).\nواختاره صدرُ الدين السلمي (^٦).\nونَسَبَه ابنُ حمدان (^٧)، والمرداويُّ (^٨)، وابنُ النجار (^٩) إلى الحسنِ بن حامد.\nوظاهرُ قولِ الحسن بن حامد في موضعٍ مِنْ كتابِه: (تهذيب الأجوبة) أنَّه يقولُ بالقولِ الثاني (^١٠)، لكنَّه قيَّدَ قولَه في آخرِ كتابِه، فبيَّنَ أنَّ ما صرَّحَ\n_________\n(^١) المسودة (٢/ ٩٤١). وانظر: التحبير (٨/ ٣٩٦٢).\n(^٢) انظر: المعيار المعرب للونشريسي (١٠/ ٤٦٨).\n(^٣) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٢٣).\n(^٤) انظر: التبصرة (ص / ٥١٤)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٧٧)، وقواطع الأدلة (٥/ ٨٥)، والإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٧٠٧)، وتشنيف المسامع (٣/ ٤٧٩)، والبحر المحيط (٦/ ١٢٣)، وفرائد الفوائد للسلمي (ص/ ١٢٨).\n(^٥) انظر: المسودة (٢/ ٩٤١)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٧٠)، وصفة الفتوى (ص/ ٨٦)، والفروع لابن مفلح (١/ ٤٠).\n(^٦) انظر: فرائد الفوائد (ص/ ١٢٩)، وقارن منه: (ص/ ٧٦).\n(^٧) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٨٦).\n(^٨) انظر: التحبير (٨/ ٣٩٦٠)، وتصحيح الفروع (١/ ٤٢).\n(^٩) انظر: شرح الكوكب المنير (٤/ ٤٩٤).\n(^١٠) انظر: (١/ ٥٥١)، و(٢/ ٨٦٤).","vol":"3","page":1176},{"text":"الإمامُ أحمد برجوعِه عنه فليس قولَه (^١).\n• أدلة الأقوال:\nأدلةُ أصحابِ القولِ الأول: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: قياسُ تعارضِ قولي إمامِ المذهب - إذا عُلمَ المتأخرُ منهما مِن المتقدمِ - على نصوصِ النبي - ﷺ -، فكما أَنَّه إذا تعارضَ نصانِ عنه - ﷺ - أخذنا بالمتأخرِ منهما، وجعلناه ناسخًا للمتقدمِ، فكذا الأمرُ في أقوالِ إمامِ المذهبِ (^٢).\nالدليل الثاني: أنَّ قولَ إمامِ المذهبِ المتأخرِ معارضٌ لقولِه المتقدِّم وضدٌّ له، وإذا كانَ كذلك، فإنَّه يُعدُّ مبطلًا للمتقدِّمِ ومفسدًا له، فلا تجوزُ نسبتُه إليه، كما لو صرَّحَ بالرجوعِ عنه؛ إذ لا شيءَ أبلغ في الدلالةِ على رجوعِ الإمامِ عن قولِه مِنْ أنْ يقولَ بضدِّه (^٣).\nالدليل الثالث: أنَّ إمامَ المذهب عَدَلَ عن القولِ المتقدِّمِ إلى القولِ المتأخرِ؛ لتغيّرِ اجتهادِه، فلا ينسب إليهَ ما عَدَلَ عنه (^٤).\nالدليل الرابع: إذا قالَ إمامُ المذهب قولًا، كالإباحةِ مثلًا، ثمَّ عادَ فقالَ بالتحريمِ، فالظاهرُ أنَّه رَجَعَ عن قولِهَ المتقدِّمِ؛ لأنَّ الحقَّ عند الإمامِ\n_________\n(^١) انظر: تهذيب الأجوبة (٢/ ٨٩٥ - ٨٩٧).\n(^٢) انظر: المعتمد (٢/ ٨٦٣)، والتبصرة (ص / ٥١٤)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٧٧)، وقواطع الأدلة (٥/ ٨٥)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٧١)، والوصول إلى الأصول لابن برهان (٢/ ٣٥٤)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٥/ ٣٩١)، والإحكام في أصول الاحكام للآمدي (٤/ ٢٠١)، وأدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٢٣)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٦٢٥)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٠٨)، وفرائد الفوائد للسلمي (ص/ ١٢٨).\n(^٣) انظر: المعتمد (٢/ ٨٦٣)، والتبصرة (ص / ٥١٤)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٧٧).\n(^٤) انظر: قواطع الأدلة (٥/ ٧٦)، وشرح العضد على مختصر ابن الحاجب (٢/ ٢٩٩)، وإرشاد الفحول (٢/ ١٠٧٥).","vol":"3","page":1177},{"text":"واحدٌ، فلا يجوزُ أنْ يُنْسَبَ إليه القولُ المتقدِّمُ والقولُ المتأخرُ معًا (^١).\nالدليل الخامس: (وهو دليل من قيَّد قوله بأنَّ الظاهر رجوع الإمام عن قوله): يُحْتَملُ أنْ يكونَ الراجحُ عند إمامِ المذهبِ هو القول المتقدم، ويكون إبداؤه للقولِ المتأخرِ على وجهِ الاحتمالِ في المسألةِ، وإنْ كان مرجوحًا عنده بالنسبةِ لقولِه المتقدِّمِ، ولذا قلنا: إنَّ القولَ المتأخرَ هو قوله في الظاهرِ؛ لهذا الاحتمالِ (^٢).\nأدلةُ أصحابِ القول الثاني: استدلَّ أصحابُ القول الثاني بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: أنَّ قولَ إمامِ المذهبِ المتقدِّم صَدَرَ عن اجتهادٍ، وقولَه المتأخر صَدَرَ عن اجتهادٍ أيضًا، والقاعدةُ المشهورةُ: أنَّ الاجتهادَ لا يُنْقَضُ بالاجتهادِ، فلا نُبْطِلُ الاجتهادَ الأولَ بالاجتهادِ الثاني (^٣).\nمناقشة الدليل الأول، نوقش الدليل من وجهين:\nالوجه الأول: ما الذي تريدونه بقاعدةِ: الاجتهادُ لا يُنْقَضُ بالاجتهادِ؟\nإنْ أردتم أنَّ إمامَ المذهب لا يتركُ ما أداه إليه اجتهادُه الأولُ باجتهادِه الثاني، فهو باطلٌ قطعًا، فإنَّا نعلمُ أنَّ المفتي مثلًا إذا أفتى في مسألةٍ بحكمٍ، ثمَّ تغيَّرَ اجتهادُه، لم يجزْ له الفتوى بقولِه الأولِ (^٤).\nوإنْ أردتم أنَّ حكمَ القاضي لا يُنْقَضُ إذا تغيَّرَ اجتهادُه - وهذا هو محلُّ القاعدةِ، فإذا حَكَمَ القاضي بحكمٍ بطريقِ الاجتهادِ، ثمَّ تغيَّرَ قولُه، وصارَ إلى قولٍ آخر عن طريقِ الاجتهادِ، فإنَّه لا يُنْقَضُ الحكمُ الأولُ الذي\n_________\n(^١) انظر: التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٧١)، وروضة الناظر (٣/ ١٠١٣).\n(^٢) انظر: نهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٦٣٤).\n(^٣) انظر: روضة الناظر (٣/ ١٠١٣)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٦٤٧)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٠٨)، والتحبير (٨/ ٣٩٦٢)، والإنصاف (١/ ١٠، ٢٩٩).\n(^٤) انظر: روضة الناظر (٣/ ١٠١٤).","vol":"3","page":1178},{"text":"بناه على رأيه الذي رَجَعَ عنه؛ وذلك لمصلحةِ استقرارِ الأحكام، ولذا لا يسوغُ للقاضي نقضُ حُكْم مَنْ قبله إذا خالفه - فليست هذه المسَألةُ نظيرةً لمسألتِنا؛ فإنَّ مسألتنا في قولِ إمامِ المذهبِ، ولا تعلق فيها بحقِّ أحدٍ، فإذا قالَ الإمامُ شيئًا، ثمَّ عادَ، فقالَ بضدِّه مثلًا، علمنا أنَّه تبيّنَ له ضعفُ قولِه الأول، وقوة القول الثاني، فنسبناه إليه (^١).\nالوجه الثاني: يَنْقضُ دليلَكم ما لو صرَّحَ إمامُ المذهبِ بالرجوعِ عن قولِه المتقدِّمِ، فكيفَ تجعلونه قولًا له مع قولِه: رجعتُ عنه، واعتقدتُ بطلانَه؟ ! فلا بُدَّ مِن نقضِ الاجتهادِ بالاجتهاد (^٢).\nالدليل الثاني: تَتَابَعَ الفقهاءُ مِن المذاهب المختلفةِ على حكايةِ أقوالِ أئمتِهم التي عَلِمُوا تقدّمها، ورجوعهم عنها، ولولا صحةُ نسبتِها إليهم لما أبقوها، ولاقتصروا على أقوالِهم اللاحقة (^٣)، بلْ قد ثَبَتَ عن بعضِ الفقهاءِ الأخذُ بأقوالِ أئمتِهم المرجوعِ عنها (^٤).\nمناقشة الدليل الثاني: المفترضُ أنْ لا تُدوَّن الأقوال المرجوع عنها؛ لأنَّه أقرب إلى ضبطِ الشرعِ، وتدوينُ الفقهاءِ لها ليس بدليلٍ على صحةِ نسبتِها إليهم؛ بلْ لتدوينِها فوائدُ متعددةٌ تتحققُ مع عدمِ نسبةِ الأقوالِ المتقدِّمةِ إلى الأئمةِ، ومِنْ تلك الفوائد: الاطلاعُ على مداركِ الأحكامِ، ومعرفةُ اختلافِ الآراء، وأنَّ هذا القولَ كانَ لإمامِ المذهب في وقتٍ مِن الأوقاتِ، فيكون أقربَ للترقي في الاجتهادِ، وهذه مطالبَ مهمّةٌ، لأجلها جُمِعَتْ الأقوال في المذاهبِ (^٥).\n_________\n(^١) انظر: التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٧١ - ٣٧٢)، وروضة الناظر (٣/ ١٠١٤).\n(^٢) انظر: روضة الناظر (٣/ ١٠١٤)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٦٤٨)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٠٨)، والتحبير (٨/ ٣٩٦٢)، والإنصاف (١/ ١٠).\n(^٣) انظر: شرح تنقيح الفصول (ص / ٤١٩)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٦٣٦)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٦٢٦)، وفرائد الفوائد للسلمي (ص/ ١٢٩).\n(^٤) انظر: جامع مسائل الأحكام للبرزلي (١/ ١٠٥).\n(^٥) انظر: شرح تنقيح الفصول (ص / ٤١٩)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٦٣٦)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٦٢٦).","vol":"3","page":1179},{"text":"وعملُ الفقهاءِ ليس بحجةٍ، ولا سيما أنَّ الإجماعَ منتفٍ عن عملِهم، ولعل أخذَ المتمذهبِ للقولِ المتقدمِ لإمامِه؛ لرجحانِه عنده، لا لكونِه قولًا لإمامِه تصحُّ نسبته إليه.\nالدليل الثالث: أنَّ قولَ إمامِ المذهب المتقدّم وقولَه المتأخرَ كانا في وقتين، وليس هذا فاسدًا، ولا تقصير فيهَ ولا شبهة؛ إذ كلا القولين صَدَرَ عن اجتهادٍ تامٍّ، وعلمنا أنَّه قولُه، وإذا كانَ ذلك كذلك، نسبنا إلى الإمامِ كلَّ ما جاءَ عنه (^١).\nأدلةُ أصحاب القول الثالث: استدلَّ أصحابُ القول الثالث بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: إذا جازَ لإمامِ المذهبِ أنْ يجمع في مسألةٍ واحدةٍ بين قولين مختلفين في وقتٍ واحدٍ، ويكونانِ قولينِ له، فكذلك إذا ذَكَرَ القولينِ في وقتينِ، فإنَّهما يُنسبانِ إليه (^٢).\nمناقشة الدليل الأول: لو فرضنا جوازَ نسبةِ القولين اللذين ذَكَرَهما إمامُ المذهبِ في وقتٍ واحدٍ، فهناك فرقٌ بين هذه الحالة، وحالة ما إذا ذَكَرَ القولينَ في وقتين، وبيان هذا: أنَّه لا يمكنُ جعلُ أحدِ القولين اللذين ذَكَرَهما إمامُ المذهب في وقتٍ واحدٍ مرجوعًا عنه؛ إذ ليس أحدُهما أولى مِن الآخرِ - ولذا قلنَا: إنَّه متوقفٌ في المسألةِ - أمَّا مسألتنا فقد ذَكَرَ قولًا بعدَ الآخر، فأمكنَ القولُ بأنَّه قد رَجَعَ عنه.\nويؤكّدُ هذا الأمر: أنَّا لو فرضنا أنَّ الشارع ذَكَرَ قولين مختلفين في وقتٍ واحدٍ، لم نجعلْ أحدَهما ناسخًا للآخر، ولو ذَكَرَ قولين مختلفين في وقتين لجعلنا الثاني ناسخًا للأولِ (^٣).\n_________\n(^١) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٥٥٣)، والإنصاف (١/ ١٠).\n(^٢) انظر: التبصرة (ص / ٥١٤)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٧٨).\n(^٣) انظر: المصدرين السابقين.","vol":"3","page":1180},{"text":"الدليل الثاني: أنَّ القولَ المتقدِّمَ الذي ذَهَبَ إليه إمامُ المذهبِ صَدَرَ عن اجتهادٍ، والقولَ المتأخر صَدَرَ عن اجتهادٍ أيضًا، والقاعدة المشهورة: أنَّ الاجتهادَ لا ينقض بالاجتهاد، فلا نُبْطِلُ الاجتهادَ الأولَ بالاجتهادِ الثاني (^١).\nمناقشة الدليل الثاني: سبقت مناقشة الدليلِ الثاني في أدلةِ أصحابِ القولِ الثاني.\nالدليل الثالث: إذا عُلِمَ رجوعُ إمامِ المذهبِ عن قولِه السابقِ كان في حكم المنسوخِ، أمَّا إذا لم يصرِّحْ برجوعِه فلا تصحُّ دعوى النسخِ، وإنسب القولُ المتأخرُ حينئذٍ إليه (^٢).\nويمكن أن يناقش الدليل الثالث: بأنَّ تصريحَ إمامِ المذهبِ بالرجوعِ عن قولِه ليس الطريقَ الوحيدَ في الدلالةِ على الرجوعِ، فقد يكون الرجوعُ بالذهابِ إلى ضدِّ القولِ السابقِ، فقَصْرُ معرفةِ الرجوعِ على ما صرَّحَ به الإمامُ غيرُ وجيهٍ.\n• الموازنة والترجيح:\nبتأمّلِ المسألةِ وما وَرَدَ فيها مِنْ أقوال، وما استدلوا به، يظهرُ لي رجحانُ القولِ الأولِ القائلِ بعدمِ نسبةِ القولِ المتقدمِ إلى إمامِ المذهبِ، ويُعَدُّ قولًا مرجوعًا عنه، سواءٌ أنصَّ على رجوعِه أم لم ينصَّ، ولا بُدَّ مِنْ بيانِ الآتي:\nأولًا: إذا صرَّحَ إمامُ المذهب بالرجوعِ، أو عُلِمَ رجوعُه، فلا يُنسبُ إليه القولُ المتقدِّمُ قطعًا (^٣)، إلا عَلى سبيلِ الحكايةِ أنَّه قالَ به في وقتٍ\n_________\n(^١) انظر: التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٣٧١)، فقد ساق الدليل لأرباب القول الثالث.\n(^٢) انظر: تحرير المقال للدكتور عياض السلمي (ص/ ٧٧)، وقد صرَّح أنه استدل بالدليل الثالث لأرباب هذا القول.\n(^٣) انظر البحر المحيط (٦/ ١٢٠)","vol":"3","page":1181},{"text":"سابقٍ؛ وذلك للعلمِ بتركِ القولِ المتقدِّمِ، فالقولُ بنسبتِه إليه قولٌ ضعيفٌ.\nثانيًا: إذا لم يصرِّحْ إمامُ المذهب بالرجوعِ عن قولِه، ولم يُعْلَم رجوعُه، فالظاهر رجوعُه عن قولِه المتقدِّمِ، ولا يُقْطَع بذلك؛ للاحتمالِ الذي أشارَ إليه بعضُ أصحابِ القولِ الأولِ في الدليلِ الخامسِ.\nوقد رجّحتُ ما سَبَقَ؛ للآتي:\nالأول: قوةُ أدلةِ أصحابِ القولِ الأولِ.\nالثاني: تتابُع المحققين مِنْ أهلِ العلمِ على القولِ الأولِ.\nالثالث: عدمُ وجاهةِ أدلةِ أصحاب القولين: الثاني والثالث.\n• نوع الخلاف:\nالخلافُ بين الأقوالِ خلافٌ معنوي، وقد أشارَ بعضُ الأصوليين إلى المسائلِ الأصوليةِ التي تترتب على الخلافِ، فمنها:\nالمسألة الأولى: حكمُ الفتوى بقولِ إمامِ المذهبِ المتقدِّمِ؟ (^١).\nمَنْ قال بعدمِ نسبةِ القولِ المتقدِّمِ إلى إمامِ المذهبِ (وهم أصحابُ القولِ الأولِ)، فإنَّهم لا يجوِّزون الفتوى به.\nومَنْ قالَ بنسبةِ القولِ المتقدِّمِ إلى إمامِ المذهبِ (وهم أصحابُ القولِ الثاني)، فإنَّهم يجوِّزون الفتوى به.\nومَنْ قالَ بالتفصيلِ في المسألةِ (وهم أصحاب القول الثالث)، فإنَّهم لا يجوِّزون الفتوى بالقولِ المتقدِّمِ لإمامِ المذهبِ إذا صرَّحَ بالرجوعِ عنه، ويجوِّزون الفتوى به إذا لم يُصرِّحْ بالرجوعِ عنه.\n_________\n(^١) انظر: شرح تنقيح الفصول (ص / ٤١٩)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٦٣٦)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٦٢٥)، وتبصرة الحكام لابن فرحون (١/ ٧٤)، والمعيار المعرب للونشريسي (١٠/ ٣٦٨)، ونشر البنود (٢/ ٢٧٤).","vol":"3","page":1182},{"text":"المسألة الثانية: حكمُ تقليدِ إمامِ المذهبِ في قولِه المتقدِّمِ؟ (^١).\nمَنْ قالَ بعدمِ نسبةِ القولِ المتقدِّمِ إلى إمامِ المذهبِ (وهم أصحاب القولِ الأولِ)، فإنَّهم لا يجوِّزون تقليدَ الإمامِ فيه.\nومَنْ قالَ بنسبةِ القولِ المتقدِّمِ إلى إمامِ المذهبِ (وهم أصحابُ القولِ الثاني)، فإنَّهم يجوِّزون تقليدَ الإمامِ فيه.\nومَنْ قالَ بالتفصيلِ في المسألةِ (وهم أصحابُ القول الثالث)، فإنَّهم لا يُجوِّزون تقليدَ الإمامِ في قولِه المتقدِّم الذي صرَّحَ بالرجوعِ عنه، ويُجوِّزون تقليدَه في قولِه المتقدِّمِ الذي لم يصرَّحْ بالرجوعِ عنه.\nالمسألة الثالثة: إذا عَلِمَ المستفتي بتغيّرِ قولِ المفتي، فهلْ له الاستمرارُ على قولِ المفتي؟ (^٢).\nمقتضى قولِ مَنْ قالَ بعدمِ نسبةِ القولِ المتقدِّمِ إلى إمامِ المذهب (وهم أصحابُ القولِ الأولِ)، أنَّهم يرونَ عدمَ بقاءِ المستفتي على القولِ المَتقدِّم.\nومقتضى قولِ مَنْ قالَ بنسبةِ القولِ المتقدِّمِ إلى إمامِ المذهب (وهم أصحابُ القولِ الثاني)، أنَّهم يرون أنَّ للمستفتي البقاءَ على القولِ المَتقدِّمِ.\nومَنْ قالَ بالتفصيلِ في المسألة (وهم أصحابُ القولِ الثالثِ)، فمقتضى قولِهم أنَّهم لا يرون للمستفتي البقاءَ على قولِ إمامِ المذهبِ المتقدِّم الذي صرَّحَ بالرجوعِ عنه، ويرون له البقاء على قولِ الإمامِ إذا لم يصرحْ بالرجوعِ عنه.\nالمسألة الرابعة: هل يُعدُّ الأخذُ بقولِ إمامِ المذهبِ المتقدِّمِ خروجًا عن المذهبِ؟ (^٣).\n_________\n(^١) انظر: شرح تنقيح الفصول (ص / ٤١٩)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٦٢٥)، والمعيار المعرب للونشريسي (١٠/ ٣٦٨)، ونشر البنود (٢/ ٢٧٤).\n(^٢) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٨٦)، ورفع الحاجب (٢/ ٢٥٥).\n(^٣) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٨٦).","vol":"3","page":1183},{"text":"مَنْ قال بعدمِ نسبةِ القولِ المتقدِّمِ إلى إمامِ المذهبِ (وهم أصحابُ القولِ الأولِ)، فإنَّهم يعدونه الآخذَ به خارجًا عن مذهبِ الإمامِ.\nومَنْ قال بنسبةِ القولِ المتقدِّمِ إلى إمامِ المذهبِ (وهم أصحابُ القولِ الثاني)، فإنَّهم لا يَعُدّون الآخذَ به خارجًا عن مذهبِ الإمامِ.\nومَنْ قالَ بالتفصيلِ في المسألةِ (وهم أصحابُ القولِ الثالثِ)، فإنَّهم يَعُدّون الآخذَ بقولِ الإمامِ المتقدمِ الذي صرَّحَ بالرجوعِ عنه خارجًا عن مذهبِ الإمامِ، ولا يَعُدّونه خارجًا عن مذهبِه إنْ أخذ بالقولِ الذي لم يصرِّحْ بالرجوعِ عنه.\nالمسألة الخامسة: هل يُعدُّ قول إمامِ المذهبِ المتقدمِ مِن الشريعةِ؟ (^١).\nمَنْ قالَ بعدمِ نسبةِ القولِ المتقدِّم إلى إمامِ المذهبِ (وهم أصحابُ القولِ الأولِ)، فإنَّهم لا يَعُدّون القولَ المتقدِّم مِن الشريعةِ.\nومَنْ قالَ بنسبةِ القولِ المتقدِّمِ إلى إمامِ المذهبِ (وهم أصحابُ القولِ الثاني)، فإنَّهم يعدون القولَ المتقدِّم مِن الشريعةِ.\nومَنْ قالَ بالتفصيلِ في المسألةِ (وهم أصحابُ القولِ الثالثِ)، فإنَّهم لا يَعُدّون قولَ إمام المذهب المتقدِّم الذي صرَّحَ بالرجوعِ عنه مِن الشريعةِ، ويَعُدّون قولَه المتقدِّم الذي لَم يصرَّحْ بالرجوعِ عنه مِن الشريعةِ.\nالمسألة السادسة: هلْ للمتمذهبِ أنْ يُفرِّعَ، ويقيسَ على القولِ المتقدِّمِ لإمامِه، على القولِ بأنَّ ما قيسَ على كلامِ الإمامِ هو مذهبُه؟ (^٢).\nمَنْ قالَ بعدمِ نسبةِ القولِ المتقدِّمِ إلى إمامِ المذهبِ (وهم أصحابُ القولِ الأولِ)، فإنَّهم لا يجوِّزون التفريعَ عليه، ولا القياسَ عليه أيضًا.\n_________\n(^١) انظر: شرح تنقيح الفصول (ص / ٤١٩)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٦٢٥).\n(^٢) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٢/ ١٥٩)، وصفة الفتوى (ص/ ٨٦)، وفرائد الفوائد للسلمى (ص/ ١٢٩)، والإنصاف (١/ ١٠).","vol":"3","page":1184},{"text":"ومَنْ قالَ بنسبةِ القولِ المتقدِّمِ إلى إمامِ المذهبِ (وهم أصحابُ القولِ الثاني)، فإنَّهم يجوّزون التفريعَ عليه، والقياسَ عليه أيضًا.\nومَنْ قالَ بالتفصيلِ في المسألةِ (وهم أصحابُ القولِ الثالثِ)، فإنَّهم لا يجوِّزونَ التفريعَ على قولِ إمام المذهب المتقدِّمِ الذي صرَّحَ بالرجوعِ عنه، ولا القياسَ عليه أيضًا، ويجوزون التفَريعَ والقياسَ عليه إنْ لم يُصرحْ الإمامُ بالرجوعِ عنه.\nالمسألة السابعة: إذا خالفَ إمامُ المذهبُ علماءَ عصرِه، ثمَّ قالَ بموافقتهم، فهلْ ينعقدُ الإجماعُ في هذه الحالةِ؟ (^١).\nمقتضى قولِ مَنْ قالَ بعدمِ نسبةِ القولِ المتقدِّمِ إلى إمامِ المذهبِ (وهم أصحابُ القولِ الأولِ) أنَّ الإجماعَ ينعقدُ؛ لانتفاءِ المخالفِ.\nومقتضى قولِ مَنْ قالَ بنسبةِ القولِ المتقدِّمِ إلى إمامِ المذهبِ (وهم أصحابُ القولِ الثاني) أنَّ الإجماعَ لا ينعقدُ؛ لبقاءِ المخالفِ.\nومَنْ قال بالتفصيل في المسألةِ (وهم أصحابُ القولِ الثالثِ)، فمقتضى قولِهم أنَّ الإجماعَ ينعقدُ إذا صرَّحَ إمامُ المذهبِ بالرجوعِ عن قولِه، ولا ينعقد الإجماعُ إذا لم يُصرِّح الإمامُ بالرجوعِ عن قولِه.\nالحالة الثانية: أنْ لا يعلم تاريخ قولي الإمام، فلا يعلم قوله المتقدِّم مِنْ قولِه المتأخر.\nإذا جاءَ عن إمامِ المذهبِ قولانِ مختلفانِ في مسألةٍ واحدةٍ في وقتين، ولم يمكنْ معرفةُ المتقدّمِ منهما مِن المتأخرِ؛ إمَّا للجهل بالتاريخِ، وإمَّا لنسيانِ المتمذهبِ تحديد قولِ إمامِه المتأخر (^٢)، فما القولُ الذي يُنسبُ إلى إمامِ المذهبِ في هذه الحالةِ؟\n_________\n(^١) انظر: شرح عقود رسم المفتي لابن عابدين (ص/٧٧).\n(^٢) انظر: سلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٤٤١).","vol":"3","page":1185},{"text":"وقبلَ الخوضِ في حكمِ الحالةِ الثانية، أُحِبُّ أنْ أشير إلى أمرين:\nالأمر الأول: ظَهَرَ لي أنَّ اهتمامَ العلماءِ بإقامةِ الأدلةِ على الحالةِ الثانيةِ أقلُّ مِن الحالةِ الأولى.\nالأمر الثاني: ألحقَ بعضُ العلماءِ بالحالةِ الثانيةِ: ما إذا عُلِمَ تاريخُ أحد القولين، وجُهِلَ تاريخُ القولِ الآخرِ (^١)، وهذا الإلحاق هو الأصحُّ عند الحنابلةِ (^٢).\nوقبلَ ذكرِ الأقوالِ في الحالةِ الثانية سأذكرُ أمثلةً لها:\nالمثال الأول: جاءَ عن الإمامِ أحمدَ بن حنبل في نقضِ الوضوءِ بمسِّ الذَّكَرِ ثلاثُ رواياتِ: الرواية الأولى: أنَّ مسَّ الذَّكَرِ ناقضٌ، والرواية الثانية: أنَّ مسَّ الذَّكَرِ غيرُ ناقضٍ، والرواية الثالثة: أنَّ مسَّ الذَّكَرِ ناقضٌ إنْ قَصدَ مسَّه (^٣).\nالمثال الثاني: اختلفَ قولُ الإمام مالكٍ في حكمِ المسحِ على الجُرْمُوق (^٤)، فأجازه مرةً، ومنعه مرةُ أخرى (^٥).\nالمثال الثالث: جاء في: (المدونة) (^٦): \"وقد اختلفَ قولُ مالكٍ في صعودِ المؤذنِ المعتكفِ المنارةَ، فقالَ مرةً: لا. ومرةً قالَ: نعم\".\n• الأقوال في المسألة:\nاختلفَ العلماءُ في تحديدِ القولِ الذي يُنسبُ إلى إمامِ المذهبِ في\n_________\n(^١) انظر: شرح الكوكب الساطع للسيوطي (٤/ ٥٧)، وحاشية زكريا الأنصاري على شرح المحلي على جمع الجوامع (٤/ ٥١)، والآيات الينات للعبادي (٤/ ٢٨٠).\n(^٢) انظر: معونة أولي النهى للفتوحي (٩/ ٥٧٥).\n(^٣) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٢٤٠)، والإنصاف (١/ ٢٠٢).\n(^٤) الجُرْمُوق - كعصفور -: لفظ أعجمي معرَّب، وهو ما يلبس فوق الخف، وجمعه: جراميق.\nانظر: المجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٥٠٣)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (جرم)، (ص/ ٨٩)، والقاموس المحيط، مادة: (جرم)، (ص/ ١١٢٥).\n(^٥) انظر: المنتقى شرح الموطأ للباجي (١/ ١٧٥).\n(^٦) انظر: (١/ ٢٣٠).","vol":"3","page":1186},{"text":"الحالةِ الثانيةِ على أقوال، أشهرها:\nالقول الأول: ننسبُ إلى إمامِ المذهبِ القولَ الأشبهَ بأصولِه وقواعدِ مذهبِه، ونكون شاكين في قولِه الثاني.\nوهذا القولُ هو الصحيحُ في مذهبِ الحنابلةِ (^١). وهو قولُ بعضِ المالكيةِ (^٢)، وبعضِ الحنابلةِ (^٣). ونَسَبَه صدرُ الدّين السلمي إلى بعضِ المحققين (^٤).\nوذَهَبَ إليه جمعُ مِن العلماءِ، منهم: أبو المظفرِ السمعاني (^٥)، وأبو الخطابِ (^٦)، وابنُ بَرْهان - إذ عمَّم بأنَّ منتحلي مذهب الإمام الشافعي يجتهدون بالأشبهِ مِن أقوالِه عند اختلافِها بمذهبِه (^٧) - والموفقُ بنُ قدامة (^٨)، وابنُ الصلاحِ (^٩)، وابنُ حمدان (^١٠)، والطوفيُّ (^١١)، وهو ظاهر قولِ تقيّ الدين بنِ تيمية - إذ نَقَلَ كلامَ ابنِ حمدان (^١٢) وابنِ الصلاحِ (^١٣) دونَ تعقبهما - وهو قولُ ابنِ مفلحٍ في كتابه: (الفروع) (^١٤)، وابنِ فرحون (^١٥)، وتقيّ الدين الحصني (^١٦)، والمرداوي (^١٧)، وجلالٍ الدين السيوطي (^١٨)،\n_________\n(^١) انظر: التحبير (٨/ ٣٩٥٩).\n(^٢) انظر: تبصرة الحكام لابن فرحون (١/ ٧١)، والمعيار المعرب للونشريسي (١١/ ٣٦٧).\n(^٣) انظر: المسودة (٢/ ٩٤١)، وابن حنبل - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ١٧٨).\n(^٤) انظر: فرائد الفوائد (ص/ ٧٥ - ٧٦).\n(^٥) انظر: قواطع الأدلة (٥/ ٧٦).\n(^٦) انظر: التمهيد في أصول الفقه (٤/ ٣٧٠).\n(^٧) انظر: الوصول إلى الأصول (٢/ ٣٥٦).\n(^٨) انظر: روضة الناظر (٣/ ١٠١٣).\n(^٩) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٢٣).\n(^١٠) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٨٧).\n(^١١) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٤٧).\n(^١٢) انظر: المسودة (٢/ ٩٤٢ - ٩٤٣).\n(^١٣) انظر: المصدر السابق (٢/ ٩٥٢ - ٩٥٤).\n(^١٤) انظر: (١/ ٤١).\n(^١٥) انظر: تبصرة الحكام (١/ ٧١).\n(^١٦) انظر: القواعد (٣/ ٣٥٦).\n(^١٧): التحبير (٨/ ٣٩٥٩)، والإنصاف (١٢/ ٢٤٢).\n(^١٨) انظر: شرح الكوكب الساطع (٤/ ٥٨).","vol":"3","page":1187},{"text":"وابنِ النجار (^١)، وابنِ بدران (^٢).\nوبعضُ أرباب هذا القولِ - كأبي الخطاب، والموفقِ بنِ قدامة، والطوفي - جعلوا مِن المرجحات للقولِ كونَه أقربَ إلى الحجةِ الشرعيةِ مِن الكتابِ والسنةِ.\nبلْ إنَّ ابنَ حمدان أكثر مِنْ ذكرِ المرجِّحات، فجَعَلَ منها إضافةً إلى ما سَبَقَ: ما كان أقرب إلى الإجماعِ، أو الآثارِ، أو عوائد إمامِ المذهبِ ومقاصدِه وتصرفاتِه (^٣).\nونصَّ ابنُ الصلاحِ (^٤)، وابنُ حمدان (^٥)، وجلالُ الدين السيوطي (^٦) على التوقف عند عدمِ إمكانِ الترجيحِ بين قولي إمامِ المذهبِ.\nومقتضى إطلاقِ القائلين بالقولِ الأولِ أنَّهم يوافقونهم على التوقفِ عن الترجيحِ إذا لم يتمكن المتمذهبُ منه.\nولعل مقصدَ أرباب هذا القول بالشكِّ في القولِ الثاني هو الشكّ في بقاءِ إمامِ المذهبِ على القولِ به، لا أنَّهم يشكون في نسبتِه إليه؛ لثبوتِ النقلِ عنه.\nويمكنُ أنْ يُلْحَقَ بأربابِ هذا القولِ مَنْ ذَهَبَ إلى الترجيحِ بين القولين باعتمادِ المتمذهب على ما يشهدُ له به قلبُه باعتبارِ ما ظَهَرَ عنده مِن الأماراتِ الدالةِ على كونِه أقربَ إلى الصوابِ.\n_________\n(^١) انظر: شرح الكوكب المنير (٤/ ٤٩٥).\n(^٢) انظر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد (ص/ ١٢٧).\n(^٣) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٨٧). ووافق ابنَ حمدان عددٌ من الحنابلة. انظر: المسودة (٢/ ٩٤٣ - ٩٤٢)، والتحبير (٨/ ٣٩٥٩)، والإنصاف (١٢/ ٢٤٢)، ومعونة أولي النهى للمرداوي (٩/ ٥٧٤).\n(^٤) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٢٣ - ١٢٤).\n(^٥) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٨٧)، ومعونة أولي النهى للمرداوي (٩/ ٥٧٤).\n(^٦) انظر: شرح الكوكب الساطع (٤/ ٥٨).","vol":"3","page":1188},{"text":"وقد ذَهَبَ إلى هذا القولِ: ابنُ الهمام الحنفي (^١)، وأمير باد شاه (^٢).\nالقول الثاني: نَنسبُ القولين إلى إمامِ المذهبِ، ولا نحكمُ برجوعِه عن أحدِهما بعينِه.\nوهذا القولُ هو ظاهرُ إطلاقِ الحسنِ بن حامد (^٣)، وهو قولُ القاضي أبي يعلى (^٤)، والفخرِ الرازي (^٥)، وتاجِ الدين الأرموي (^٦)، وسراجِ الدين الأرموي (^٧)، والقاضي البيضاوي (^٨)، وشهابِ الدين القرافي - ونصَّ على عدمِ جوازِ العملِ بأحدِ القولين (^٩) - وصفيّ الدين الهندي - ونصَّ على عدمِ جوازِ العملِ بأحدِ القولين حتى يتبينَ التاريخُ (^١٠) - وابنِ جزي المالكي (^١١)، وابنِ مفلحٍ في كتابِه: (أصول الفقه) (^١٢)، وتاجِ الدين بنِ السبكي (^١٣)، وجمالِ الدين الإسنوي (^١٤)، وبدرِ الدين الزركشيّ - ونصَّ على عدمِ جوازِ العملِ بأحدِ القولين حتى يتبيّن التاريخُ (^١٥) - وابنِ رسلان الرملي (^١٦)، وابنِ أمير الحاج (^١٧)، وأبي علي الشوشاوي (^١٨)، ومحمد بخيت المطيعي (^١٩).\nومحصّل هذا القول هو التوقف عن تعيينِ القولِ الذي رَجَعَ عنه إمامُ المذهبِ (^٢٠).\n_________\n(^١) انظر: التحرير (٤/ ٢٣٢) مع شرحه تيسير التحرير.\n(^٢) انظر: تيسير التحرير (٤/ ٢٣٢).\n(^٣) انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٥٥١).\n(^٤) انظر: العدة (٥/ ١٦١٧)، وابن حنبل - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ١٧٧).\n(^٥) انظر: المحصول في علم وأصول الفقه (٥/ ٣٩١).\n(^٦) انظر: الحاصل من المحصول (٢/ ٩٦٦).\n(^٧) انظر: التحصيل من المحصول (٢/ ٢٥٥).\n(^٨) انظر: منهاج الوصول (٧/ ٢٧٠٥) مع الإبهاج.\n(^٩) انظر: شرح تنقيح الفصول (ص/٤١٨ - ٤١٩).\n(^١٠) انظر: نهاية الوصول (٨/ ٣٦٣٤).\n(^١١) انظر: تقريب الوصول (ص/ ٤٢٤).\n(^١٢) انظر: (٤/ ١٥٠٧).\n(^١٣) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٧٠٨).\n(^١٤) انظر: نهاية السول (٤/ ٤٤٠).\n(^١٥) انظر: تشنيف المسامع (٤/ ٤٧٩)، والبحر المحيط (٦/ ١٢٤).\n(^١٦) انظر: لمع اللوامع، القسم الثاني (٢/ ٤٦٦).\n(^١٧) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٣٤).\n(^١٨) انظر: رفع النقاب (٥/ ٤٨٠).\n(^١٩) انظر: سلم الوصول (٤/ ٤٤١).\n(^٢٠) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٢٤).","vol":"3","page":1189},{"text":"ومَنْ قالَ في الحالةِ الأولى: (إذا علم تاريخ قولي الإمام) بنسبةِ كلا القولين إلى إمامِ المذهبِ، فمِنْ بابٍ أولى أنْ يقولَ بنسبةِ كلا القولين إلى إمامِ المذهبِ في الحالةِ الثانيةِ (^١).\nالقول الثالث: نعتقدُ نسبةَ أحدِ القولين إلى إمامِ المذهب، ورجوعه عن القولِ الآخر، دونَ تعيين أحدِهما.\nوهذا قولُ الآمدي (^٢)، ونصَّ على امتناع العملِ بأحدِ القولين (^٣)، وتَبعَ أبو زكريا الرهوني الآمديَّ في منعِ العملِ بأحدِ قولي إمامِ المذهبِ (^٤). واختارَ هذا القولَ الدكتور عياضٌ السلمي (^٥).\nومحصّل القول الثالث هو التوقّفُ في نسبةِ أحدِ القولين إلى إمامِ المذهبِ، ورجوعه عن الآخر.\n• أدلة الأقوال:\nأدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: قياسُ أقوالِ إمامِ المذهبِ إذا تعارضتْ، فلم يُعْرَفْ المتقدِّمُ منها على أقوالِ النبي - ﷺ -، فكما أنَّ المجتهدَ يجتهدُ في أقوالِ النبي - ﷺ - إذا تعارضتْ، ولم يَعْلم المتقدِّمَ منها، فإنَّه يأخذُ بأقربِها إلى شرعِ الله ودينه، فكذا أتباعُ إمامِ المذهبِ، يجتهدون في معرفةِ الراجحِ مِنْ أقوالِه المتعارضةِ بترجيحِ ما كان أقرب منها إلى أصولِ إمامِ المذهبِ وقواعدِه (^٦).\n_________\n(^١) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٨٧)، والإنصاف (١٢/ ٢٤٢).\n(^٢) انظر: الإحكام في أصول الإحكام (٤/ ٢٠١).\n(^٣) انظر: المصدر السابق.\n(^٤) انظر: تحفة المسؤول (٤/ ٢٧٥).\n(^٥) انظر: تحرير المقال (ص/ ٨٥).\n(^٦) انظر: الوصول إلى الأصول لابن برهان (٢/ ٣٥٦ - ٣٥٧)، وصفة الفتوى (ص/ ٨٧)، والقواعد للحصني (٣/ ٣٥٧).","vol":"3","page":1190},{"text":"مناقشة الدليل الأولك لا يصحُّ إلحاقُ أقوالِ إمامِ المذهبِ بأقوالِ النبي - ﷺ -؛ إذ هناك فرقٌ بينهما، وإذا كان ثمّةَ فرقٌ لم يصحّ القياسُ، وبيانُ الفرقِ: أنَّ الشرعَ أَذِنَ في الاجتهادِ في أقوالِ النبي - ﷺ -، ولذا جازَ الترجيحُ بينها إذا تعارضتْ، ومِنْ أينَ لكم أنَّ إمامَ المذهبِ قد أَذِنَ في الاجتهادِ في أقوالِه إذا تعارضتْ؟ ! (^١).\nالجواب عن المناقشة: إذا بيَّنَ إمامُ المذهبِ أصولَه وقواعدَه، فإنَّ في هذا إذنًا في التفريعِ عليها، إذ الإمام ألزمَ نفسَه بما تقتضيه هذه الأصولُ والقواعدُ (^٢)، والظاهرُ مِنْ حالِه أنَّه يَطْرُدُها في جميعِ المسائلِ (^٣).\nالدليل الثاني: إذا تعارضتْ أقوالُ إمامِ المذهبِ في المسألةِ الواحدةِ، ولم يُعْلَم المتقدِّم منها، فإنَّنا نرجّحُ القولَ الأشبهَ بَأصولِ الإمامِ؛ لاقترانِه بدليل مِنْ مذهبِ الإمامِ نفسِه - وهو موافقة أصل مِنْ أصولِه - فكان هو المرجَّح منها (^٤).\nومِنْ جهةٍ أخرى: يغلبُ على الظنِّ أنَّ القولَ الأشبهَ بأصولِ إمامِ المذهبِ وقواعدِه، قولُه المتأخر (^٥).\nأدلةُ أصحابِ القول الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: ليس تقديمُ أحدِ قولي إمامِ المذهبِ أولى مِنْ تقديمِ القولِ الآخر؛ ولا يسوغُ إهمالُ كلا القولين، فقلنا بإثباتِهما - وجعلنا الحُكْمَ مختلفًا فيه عنده (^٦) - إلى أنْ يَتَبَّينَ لنا أيُّ القولين هو المتأخر؟ فنأخذ به.\n_________\n(^١) انظر: الوصول إلى الأصول لابن برهان (٢/ ٣٥٧).\n(^٢) انظر: المصدر السابق.\n(^٣) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٤٧).\n(^٤) انظر: قواطع الأدلة (٥/ ٧٦ - ٧٧).\n(^٥) انظر: تبصرة الحكام لابن فرحون (١/ ٧١).\n(^٦) انظر: العدة (٥/ ١٦١٧).","vol":"3","page":1191},{"text":"الدليل الثاني: أنَّ كلا القولينِ المختلفينِ في المسألةِ قولٌ ثابتٌ لإمامِ المذهبِ، فنُثْبِتُهما دونَ إبطالٍ لهما؛ لأنَّ الاجتهادَ لا يُنْقَضُ بالاجتهادِ، والقولانِ قالهما إمامُ المذهبِ باجتهادين، فلا ينقض أحدُهما بالآخر (^١).\nمناقشة الدليل الثاني: سبقتْ مناقشةُ الدليلِ الثاني في الحالةِ الأولى.\nالدليل الثالث: إجماعُ العلماءِ على نقلِ أقوالِ السلفِ، وإن اختلفتْ عنهم (^٢)، وليس لنقلِها فائدةٌ إلا نسبتها إليهم، وجواز العملِ بها.\nويمكن أن يناقش الدليل الثالث: بمثلِ مناقشةِ الدليلِ الثاني لأصحابِ القولِ الثاني في الحالةِ الأولى.\nدليل أصحاب القول الثالث: إنَّ تعيينَ أحدِ القولين مذهبًا لإمامِ المذهب ترجيحٌ مِنْ غيرِ مرجِّحٍ، وإذا عمل المتمذهبُ بأحدِ القولين، فيحتمل أنَّه أخَذَ بالقولِ المرجوعِ عنه؛ إذ إنَّنا نجزمُ بأنَّ أحدَ القولين مرجوعٌ عنه. ويؤكّدُ هذا الأمر: أنَّه إذا وَجَدَ المجتهدُ نصين مِن النصوصِ الشرعيةِ، وعَلِمَ أنَّ احدَهما ناسخٌ للآخرِ، ولم يتبينْ له الناسخُ مِن المنسوخِ، فإنَّه يمتنعُ عليه العملُ بكلِّ واحدٍ منهما؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ ما عَمِلَ به هو المنسوخ (^٣).\n• الموازنة والترجيح:\nبالنظرِ في الأقوالِ وما استدلوا به، يظهرُ لي الآتي:\nالأول: مِنْ جهةِ نسبةِ أحدِ القولين إلى إمامِ المذهبِ، فإنَّ الأرجحَ هو القولُ الثالث؛ إذ لا مُرجّحَ بين القولين.\nالثاني: مِنْ جهةِ عملِ المتمذهبِ، فالقولُ الأولُ وجيهٌ في المسألة؛ لأنَّ المتمذهبَ لا بُدَّ له من العملِ والإفتاءِ، فإذا أفتى بالقولِ الأشبهِ بأصولِ إمامِه الذي تعضده الأدلةُ، فقد أدَّى ما عليه.\n_________\n(^١) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٤٧)، والإنصاف (١/ ٢٩٩).\n(^٢) انظر: أصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٠٧)، والتحبير (٨/ ٣٩٦٠).\n(^٣) انظر: الإحكام في أصول الإحكام للآمدي (٤/ ٢٠١)، وشرح تنقيح الفصول (ص/ ٤١٩)، ورفع النقاب للشوشاوي (٥/ ٤٨٠).","vol":"3","page":1192},{"text":"الثالث: لا يبعدُ القولُ عندي أنَّ عملَ كثيرٍ مِن الفقهاءِ ولا سيما علماء الحنابلة على حكايةِ القولين عن إمامِ المذهبِ، ولا يُغْفِلون شيئًا منها، ثم يبقى نظرُ محققيهم في الترجيحِ بينها.\n• نوع الخلاف:\nالخلافُ بين الأقوال خلافٌ معنوي، ويمكنُ القولُ: إنَّ القولَ الثالثَ يقتربُ مِن بعضِ أصحابِ القولِ الثاني ممَّنْ نصَّ على امتناعِ العملِ بأحدِ القولين إلى أنْ يَتبيّنَ المتقَدّم مِن المتأخرِ، بلْ أكادُ أقولُ: إنَّ الخلاف بينهما خلافٌ في العبارةِ فحسب؛ إذ كلا الفريقين ذاهبٌ إلى المنعِ مِن العملِ بقولِه إمامِ المذهبِ، وهذا الحكمُ يُقرِّبُ بينهما في المعنى (^١).\nومِنْ جهةٍ أخرى: فإنَّ أصحابَ القولِ الثاني توقّفوا في تعيينِ القولِ الذي رَجَعَ عنه إمامُ المذهبِ، وأصحابُ القول الثالث توقفوا عن نسبةِ أحدِ القولين إلى إمامِ المذهبِ، ورجوعه عن الآخرِ، فالتقاربُ بين القولين كبيرٌ.\nولا يبعدُ عندي أنْ يكونَ المانعُ مِن العملِ بقولِ إمامِ المذهبِ في هذه الحالة قد وجَّه منعَه إلى رتبةِ المقلِّدين مِن المتمذهبين وغيرِهم، بخلافِ المتمذهبِ الذي بَلَغَ رتبةَ الاجتهادِ المقيَّد في المذهبِ، فلهم أنْ يعملوا باجتهادِهم في أقوالِ إمامِهم (^٢)؛ لأنَّ المجتهدَ المذهبيَّ متأهلٌ للترجيحِ بين أقوالِ إمامِه، بخلافِ المقلِّدين.\nوقد أشارَ بعضُ الأصوليين إلى أثرٍ من آثارِ الخلاف في المسألةِ، فيظهر في مسألةِ: هل يسوغُ العملُ بأحدِ قولي إمامِ المذهبِ في هذه الحالةِ؟ (^٣).\n_________\n(^١) قارن بسلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٤٤١).\n(^٢) انظر: جامع مسائل الأحكام للبرزلي (١/ ١٠٥)، والمعيار المعرب للونشريسي (١١/ ٣٦٩)، وإتحاف السادة المتقين للزبيدي (١/ ٢٨٦).\n(^٣) انظر: الإحكام في أصول الإحكام للآمدي (٤/ ٢٠١).","vol":"3","page":1193},{"text":"فعند أصحابِ القولِ الأول يسوغُ العملُ بالقولِ الأشبه بأصولِ الإمامِ وقواعدِه.\nوأمَّا عند أصحابِ القول الثاني: فمنعَ بعضُهم العملَ، ومقتضى إطلاقِ الآخرين هو تجويز العملِ بكلا القولين.\nوعند أصحابِ القول الثالثِ لا يسوغُ العملُ بأحدِ القولين حتى يتبين الأمرُ.\n* * *","vol":"3","page":1194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>المبحث الثالث: أخذ المتمذهب قولا رجع عنه إمامه</span>\nيتصل الحديثُ في هذا المبحثِ بالمبحثِ السابقِ اتصالًا وثيقًا؛ إذ يترتبُ الحُكْمُ هنا - في الجملةِ - على تقريرِ نسبةِ القولِ المرجوعِ عنه إلى إمامِ المذهبِ.\nوقبلَ الدخولِ في هذا المبحث تحسنُ الإشارةُ إلى أنَّ لمعرفةِ رجوعِ إمامِ المذهبِ عن قولِه طُرُقًا عدّةً، منها:\nالطريق الأول: تصريحُ إمامِ المذهبِ نفسِه برجوعِه عن قولِه، وقد سَبَقَ في المبحثِ الثاني ذكرُ مثال له.\nالطريق الثاني: ما ينقله تلاميذُ إمامِ المذهبِ وأصحابُه عنه مِنْ رجوعِه عن قولِه؛ إذ أعرفُ الناسِ بأقوالِ الإمامِ هم تلامذته الملازمون له (^١).\nالطريق الثالث: ما يُقرره أصحابُ المذهبِ المحققون فيه، فإذا قرّر محققو المذهبِ أنَّ إمامَهم قد رَجَعَ عن قولِه، أو صححوا قولًا في المذهبِ على خلافِ قولِ إمامِهم، فإنَّ تقريرَهم قرينةٌ قويةٌ دالةٌ على رجوعِ إمامِهم عن قولِه (^٢).\nومِن الأمورِ التي قد تترتبُ على هذا الطريقِ حصولُ الاختلافِ بين محققي المذهبِ في تعيينِ القولِ المرجوعِ عنه، أو القولِ المصحّحِ في مذهبِهم (^٣).\n_________\n(^١) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٢٧)، وبدائع الفوائد لابن القيم (٣/ ٩٨٩)، والإنصاف (١/ ١٠).\n(^٢) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٢٧).\n(^٣) انظر: المصدر السابق.","vol":"3","page":1195},{"text":"الطريق الرابع: إذا تعارضَ قولٌ لإمامِ المذهبِ مع قولٍ آخر، وعُلِمَ القولُ المتأخرُ منهما، فالمتقدِّمُ مرجوعٌ عنه، وقد سَبَقَ الحديثُ عن هذا في المبحثِ السابقِ.\nالطريق الخامس: إذا أفتى إمامُ المذهبِ بحكمٍ، واعترضَ عليه أحدٌ، فسَكَتَ، فهل يُعَدُّ سكوتُه حينئذٍ رجوعًا عن قولِه؟\nوقد سبقَ الحديثُ عن هذا الطريق في مسألة: (نسبة القول إلى إمام المذهب عن طريق السكوت).\nولم أقفْ على مَنْ تحدث عن هذا الطريقِ عند غيرِ الحنابلةِ، فيما رجعتُ إليه من مصادر.\nوالطرقُ السابقةُ متفاوتةٌ في بيانِ القولِ المرجوعِ عنه؛ فلا يستوي الطريقُ الأولُ مع بقيتها.\nيقولُ الطوفي عن درجةِ تصحيحاتِ علماءِ الحنابلةِ: \"لكنَّ هؤلاءِ بالغين ما بَلَغُوا لا يحصلُ الوثوقُ مِنْ تصحيحِهم لمذهبِ أحمدَ كما يحصلُ مِنْ تصحيحِه هو لمذهبِه قطعًا\" (^١).\nومحلُّ الحديثِ في هذا المبحثِ عند غيرِ القائلينِ بنسبةِ القولين: المتقدِّم منهما والمتأخر إلى إمامِ المذهبِ؛ لأنَّ الآخذَ بالقولِ المتقدِّمِ عندهم آخذٌ بقولِ الإمامِ الذي تصحُّ نسبتُه إليه، ويجوزُ العمل به (^٢).\nإذا ثَبَتَ عند المتمذهبِ رجوعُ إمامِه عن قولِه، فهلْ يسوغُ للمتمذهبِ أنْ يأخذَ قولَ إمامِه حينئذٍ؟\nلا يخلو الأمرُ عن حالتين:\nالحالة الأولى: أنْ تكونَ المسالةُ بعدَ رجوعِ الأمامِ عن قولِه وفاقيةً.\n_________\n(^١) شرح مختصر الروضة (٣/ ٦٢٧).\n(^٢) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٤٤)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٦٢٥)، والإنصاف (١/ ١٠)، والمصقول في علم الأصول للكوبي (ص/ ١٦٧).","vol":"3","page":1196},{"text":"الحالة الثانية: أنْ تكونَ المسألةُ بعد رجوعِ الإمامِ عن قولِه خلافيةً.\nالحالة الأولى: أنْ تكون المسألةُ بعد رجوعِ الإمامِ عن قولِه وفاقيةً.\nإذا قالَ إمامُ المذهب قولًا انفردَ به عن بقيةِ علماءِ عصرِه، واستقرَّ خلافُهم، ثمَّ رَجَعَ عن قولَه، فهل للمتمذهبِ أنْ يأخذَ قولَ إمامِه في هذه الحالةِ؟\nالذي يظهرُ هو عدمُ جوازِ أخذِ قولِ الإمامِ المرجوعِ عنه؛ وذلك للآتي:\nالأول: أنَّ الإجماعَ ينعقدُ في هذه الحالةِ في مذهبِ جمهورِ العلماءِ (^١)، ولا يسوغُ الأخذُ بقولِ مخالفِ للإجماعِ.\nالثاني: أنَّ الآخذَ بالقولِ المرجوعِ عنه في هذه الحالة آخذٌ بقولٍ لا قائلَ به.\nالثالث: ذَهَبَ كثيرٌ مِنْ أهلِ العلمِ إلى المنعِ مِن الأخذِ بغيرِ المذاهب الأربعة - كما سبقت الإشارة إليه مِنْ قبل - والآخذُ بالقولِ الذي رَجَعَ عنه إمامُ مذهبِه آخذٌ بقولٍ خارجٍ عن المذاهبِ الأربعةِ.\nالرابع: لا يصدقُ على الآخذِ بالقولِ المرجوعِ عنه في هذه الحالة أنَّه متمذهبٌ بمذهبِ إمامِه، ولا مقلِّدٌ لغيرِه.\nوهنا تنبيه، وهو: إذا تحقّقَ للمتمذهبِ وصفُ الاجتهادِ المطلقِ، أو\n_________\n(^١) انظر مسألة: (اتفاق أهل العصر على قولٍ واحدٍ بعد اختلافهم) في: العدة (٤/ ١١١١)، والبرهان (١/ ٤٥٣)، والمنخول (ص / ٣٢١)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٤/ ١٤٥)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ٢٧٨)، ومختصر منتهى السول لابن الحاجب (١/ ٤٩٧)، وشرح تنقيح الفصول (ص/ ٣٢٨)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٩٧)، وشرح العضد على مختصر ابن الحاجب (٢/ ٤٣)، ورفع الحاجب (٢/ ٢٥٤)، والإبهاج في شرح المنهاج (٥/ ٢١٠٤)، والبحر المحيط (٤/ ٥٣٠)، وتشنيف المسامع (٣/ ١١٨)، والتحبير (٤/ ١٦٦٠)، وشرح الكوكب المنير (٢/ ٢٧٦).","vol":"3","page":1197},{"text":"الاجتهاد الجزئي في بعضِ المسائلِ، فله أحكامُ المجتهدين في الشريعةِ.\nالحالة الثانية: أنْ تكونَ المسألةُ بعد رجوعِ الإمامِ عن قولِه خلافيةً.\nإذا قال إمامُ المذهبِ قولًا ما في مسألةٍ خلافيةٍ، ووافقه بعضُ المجتهدين، ثمَّ رَجَعَ إمامُ المذهبِ عن قوْلِه، وبقي مَنْ عداه مِن المجتهدين على أقوالِهم، فهل يجوزُ للمتَمذهبِ في هذه الحالةِ أخذُ قولِ إمامِه المرجوعِ عنه؟\nبتأمَّل الحالةِ الثانيةِ، ظَهَرَ لي التفصيلُ الآتي:\nأولًا: إذا كانَ أَخْذُ المتمذهبِ لقولِ إمامِه المرجوعِ عنه؛ لرجحانِه عنده: فالذي يظهرُ لي هو جوازُ أَخْذِه، إنْ لم أقل بوجوبه (^١)؛ لأنَّ أَخْذَ المتمذهبِ للقولِ في هذه الحالة غيرُ مقصودٍ؛ لأنَّه أَخَذَه لرجحانِه، فوافقَ قولَ إمامِه المرجوعَ عنه تبَعًا (^٢).\nيقولُ الشريفُ التلمساني عن الأخذِ بقولِ الإمامِ مالكٍ المرجوع عنه: \"إنْ كانَ مرجوعًا عنه عنده - أي: عند الإمام مالك - فنحنُ نَأخُذُ به مِنْ حيثُ دليلُه.\nوأيضًا: غالبُ أقوالِ مالكٍ المنقولةِ عنه قد قالَ بها أصحابُه، فليُعملْ بها مِنْ حيثُ اجتهادُهم\" (^٣).\nويدلُّ على جواز الأخذِ بالقول المرجوع عنه في هذه الحالة: أنَّ غالبَ المذاهبِ قد أَخَذَ متمذهبوها بقولٍ لإمامِهم ثَبَتَ رجوعُه عنه؛ لمقتضٍ للأخذِ (^٤).\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط (٦/ ١٢٣).\n(^٢) انظر: إعلام الموقعين (٦/ ١٦٨)، والتقليد والإفتاء لعبد العزيز الراجحي (ص / ١١٧).\n(^٣) نقل الونشريسيُّ قولَ التلمساني في: المعيار المعرب (١١/ ٣٦٥).\n(^٤) انظر: إعلام الموقعين (٦/ ١٦٨)، وجامع مسائل الأحكام للبرزلي (١/ ١٠٥)، والمعيار المعرب للونشريسي (٦/ ٣٧٤)، ومختصر الفوائد المكية للسقاف (ص / ١١٣ - ١١٤)، =","vol":"3","page":1198},{"text":"وقد عللّ ابنُ عابدين للأخذِ بالقولِ المرجوعِ عنه: بأنَّ الإمامَ قد أَمَرَ أصحابَه بأنْ يأخذوا مِنْ أقوالِه بما يتّجه الدليلُ عليه، فإذا أخذوا قولَه المرجوعَ بناءً على أصلِه وقواعدِه التي أسسها لهم، صار ما اختاروه قولًا لإمامِهم (^١).\nولعل منشأ التعليلِ الذي ذكره ابنُ عابدين الحرصُ على نسبةِ كلِّ ما يصدرُ عنه، وعن غيرِه مِنْ أربابِ مذهبِه إلى مذهبِ إمامهم، بحيثُ لا يخرجُ المتمذهبُ عن مذهبِه البتة.\nثانيًا: إذا كان أَخْذُ المتمذهبِ للقولِ الذي رَجَعَ عنه إمامُه؛ بناءً على أنَّه مذهبُ إمامِه: فالذي يظهر لي في هذه الحالة هو عدمُ الجوازِ؛ لأنَّ الأصلَ العملُ بقولِ الإمامِ المتأخرِ المرجوعِ إليه (^٢) ح ولأنَّ القولَ المرجوعَ عنه بمنزلةِ المعدومِ (^٣).\nولأنَّ الباعثَ على أَخْذِ المتمذهبِ للقولِ المرجوعِ عنه هو أنَّه مذهبُ إمامِه، فإذا انتفتْ نسبةُ القولِ المرجوعِ عنه عن الإمامِ، لم يصحَّ أخذُه؛ لأنَّه ليس بقولِ له، إلا إذا صحّحَ أئمةُ المذهبِ القولَ المرجوع عنه؛ لسببٍ ما، فللمتمذهبِ أَخْذُ القولِ في هذه الحالة؛ لاندراجِه تحت مسمّى المذهبِ، بتصحيحِ الأصحابِ له.\nولو أراد المتمذهبُ أخذَه مع العلمِ بأنَّه قولٌ مرجوعٌ عنه، فالحكمُ هنا يبنى على مسألةِ: (الخروج عن المذهب)، وقد تقدَّمَ الحديثُ عنها.\nيقولُ ابنُ الصلاحِ: \"كلُّ مسألةٍ فيها قولان: قديم وجديد، فالجديدُ\n_________\n= والشافعي - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣١٨)، والتقليد والإفتاء لعبد العزيز الراجحي (ص/ ١١٧)، والاختلاف الفقهي لعبد العزيز الخليفي (ص/ ٢٥٤ - ٢٥٥).\n(^١) انظر: شرح عقود رسم المفتي (ص/ ٨١).\n(^٢) انظر: فرائد الفوائد للمناوي (ص/ ١٢٨)، وشرح عقود رسم المفتي لابن عابدين (ص/ ١١٥).\n(^٣) انظر: أصول الإفتاء للعثماني (ص / ٣٢٩) مع المصباح في رسم المفتي.","vol":"3","page":1199},{"text":"أصحُّ، وعليه الفتوى، إلا في نحوِ عشرين مسألةً - أو أكثر - يُفْتَى فيها على القديمِ\" (^١).\nويقولُ أيضًا: \"في هذا - أيْ: في الفتوى بالقولِ القديمِ - إشعارٌ بأنَّ عليه الفتوى، فصاروا - أيْ: أئمة الشافعية - إلى ذلك في ذلك مع أنَّ القديمَ لم يبقَ قولًا للشافعي؛ لرجوعِه عنه، فيكون اختيارُهم إذنْ للقديمِ فيها مِنْ قبيلِ ما ذكرناه مِن اختيارِ أحدِهم مذهب غيرِ الشافعي إذا أدّاه اجتهادُه إليه ... بلْ أَوْلَى؛ لكونِ القديمِ قد كان قولًا له منصوصًا\" (^٢).\nوقد تبع ابنُ حمدان ابنَ الصلاح فيما قرره آنفًا (^٣).\nويقولُ محيي الدين النووي: \"ثمَّ إنَّ أصحابَنا أفتوا بهذه المسائلِ مِن القديمِ، مع أنَّ الشافعيَّ رَجَعَ عنه، فلم يبقَ مذهبًا له ... فإذا عَلِمْتَ حالَ القديمِ، ووجدنا أصحابَنا أفتوا بهذه المسائل على القديمِ، حملنا ذلك على أنَّه أدّاهم اجتهادُهم إلى القديمِ؛ لظهورِ دليلِه، وهُمْ مجتهدون أفتوا به، ولا يلزمُ مِن ذلك نسبتُه إلى الشافعي، ولم يقلْ أحدٌ مِن المتقدمين في هذه المسائل: إنَّها مِن مذهبِ الشافعي\" (^٤).\nفما صححّه أئمةُ المذهبِ مِنْ أقوالِ إمامِهم التي رَجَعَ عنها، لا تُنسبُ إليه (^٥)، لكنَّها مِن المذهبِ باعتبارِ تصحيحِ أصحابِه لها.\n* * *\n_________\n(^١) أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٢٨).\n(^٢) المصدر السابق (ص/ ١٢٩ - ١٣٠). وانظر: إعلام الموقعين (٦/ ١٦٩).\n(^٣) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٤٣ - ٤٤).\n(^٤) المجموع شرح المهذب (١/ ٦٧).\n(^٥) انظر: الاستغناء في الفرق والاستثناء للبكري (١/ ٢٦٧).","vol":"3","page":1200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>المبحث الرابع: عمل المتمذهب فيما توقف فيه إمامه</span>\nقد يجدُ المتمذهبُ إمامَه متوقفًا في بعضِ المسائلِ غيرَ مفصحٍ بحكمٍ فيها - وأسبابُ التوقف متعددةٌ ليس المقامُ متسعًا لذكرها (^١) - وقد سَبَقَ الحديثُ عن نسبةِ القول بالتوقفِ إلى إمامِ المذهب، وذكرتُ فيما سَبَقَ عددًا مِن الطُرُقِ الدَّالةِ على توقّفِ إمامِ المذهبِ في المسَألةِ.\nوحديثي هنا عن عملِ المتمذهب فيما توقفَ فيه إمامُه، أيتوقف عن الحكمِ كما توقفَ إمامُه، أم يخرِّجُ حُكمَ المسألةِ على الأشبهِ بأصولِ مذهبِه وقواعده؟\nيتَعيّنُ على المتمذهبِ أولًا البحثُ فيما جاءَ عن إمامِه - من مؤلفات أو فتاوى ونحوهما - لعلّه يَجِدُ حُكْمَ ما توقفَ فيه إمامُه منصوصًا عليه؛ إذ العالمُ قد يتوقفُ في المسألةِ؛ لسببٍ ما، ثم يَذْهَبُ بعد ذلك إلى قولٍ فيها (^٢).\nوكما هو معلومٌ ليس مِنْ ضرورةِ المتوقِّف عن الحُكْمِ أنْ يبقى دائمًا متوقفًا، بلْ ذهابه إلى قولٍ محدَّدٍ احتمالٌ قوي؛ فقد يَقِفُ على دليلٍ في المسألةِ، أو مرجِّحٍ، ونحو ذلك.\nيقولُ الحسنُ بنُ حامد: \"المذهبُ في جوابِه - أيْ: الإمام أحمد - بـ\n_________\n(^١) للاطلاع على بعض أسباب التوقف انظر: تهذيب الأجوبة (١/ ٥٧٥ وما بعدها)، و(٢/ ٦٩٨ وما بعدها، ٧٢٨ وما بعدها)، ولباب المحصول لابن رشيق (٢/ ٧٢٤).\nولمزيد من التوسع في ذكر الأسباب انظر: التوقف وأثره في اختلاف الفقهاء لمحمود شعبان (ص/ ٧٥ - ٨٨)، والتوقف عند الفقهاء للدكتور قطب الريسوني (ص/ ٤١ - ٥٢).\n(^٢) انظر: تهذيب الأجوبة (٢/ ٦٩٧).","vol":"3","page":1201},{"text":"لا أدري: [إنْ] (^١) تأمَّل المتأمّل مذهبَه، وبَحَثَ عن مسطورِه، وَصَلَ إلى ما قاله في ذلك، وما ذكره من البيانِ فيها\" (^٢).\nفإذا لم يجدْ المتمذهبُ لإمامِه في المسألة التي توقّفَ فيها قولًا محدّدًا، فما الذي يفعله في هذه الحالةِ؟\nلا يبعدُ القولُ: إنَّ للمتمذهب أنْ يتوقفَ في المسألةِ التي توقّفَ فيها إمامُه، إنْ قلنا: إنَّ التوقفَ قولٌ، لكنْ نصَّ علماءُ الحنابلةِ - على وجهِ الخصوصِ - على عَمَلِ المتمذهبِ عندما يتوقف إمامُه، وتحصَّل لدي مِنْ كلامِهم أنَّهم اختلفوا في عملِه في هذه الحالةِ على ثلاثةِ أقوال:\nالقول الأول: على المتمذهبِ النظرُ في المسألةِ، وطلب الصواب فيها، وِفْقًا لأصولِ مذهبِ إمامِه وقواعدِه.\nوهذا ما ذَهَبَ إليه الحسنُ بنُ حامدٍ؛ إذ يقولُ: \"على مَنْ أرادَ الجوابَ اتّباعُ الاجتهادِ لنفسِه، والاعتبارُ بما يوجبُه دليلُ الحادثةِ على أصلِه\" (^٣).\nالقول الثاني: للمتمذهب إلحاقُ المسألةِ بما يشبهها من المسائلِ التي حُكمها أرجح.\nوهذا قولُ ابنِ حمدان (^٤)، وابنِ مفلحٍ (^٥)، والمرداوي (^٦).\nوقد اختلفَ أربابُ القولِ الثاني فيما لو أَشْبَهَت المسألةُ مسالتين مختلفتين في الحُكمِ، فَبِمَ يلحقها؟ على ثلاثةِ آراء (^٧):\n_________\n(^١) أضاف محقق تهذيب الأجوبة هذه اللفظة.\n(^٢) تهذيب الأجوبة (٢/ ٧١٧). وقد ساق الحسن بن حامد في: المصدر السابق (٢/ ٧٠٨ - ٧١٨) طَرَفًا من المسائل التي توقف فيها الإمام أحمد، ثم جاء عنه البتُّ فيها بقولٍ.\n(^٣) تهذيب الأجوبة (١/ ٥٧٥).\n(^٤) انظر: صفة الفتوى (ص/ ١٠٢).\n(^٥) انظر: الفروع (١/ ٥٠).\n(^٦) انظر: الإنصاف (١٢/ ٢٤٦)، وتصحيح الفروع (١/ ٥٠ - ٥١).\n(^٧) أول من ذكر هذه الآراء على أنها أوجه في مذهب الحنابلة هو ابن حمدان في: صفة الفتوى (ص/ ١٠٢)، كما بيَّن هذا تقيُّ الدين بن تيمية في: المسودة (٢/ ٩٤٠).","vol":"3","page":1202},{"text":"الرأي الأول: يُلْحِقُ المتمذهبُ المسألةَ بالحُكْمِ الأخفِّ. وهذا الرأي وجهٌ عند الحنابلةِ (^١). واختاره المرداوي (^٢).\nالرأي الثاني: يُلْحِقُ المتمذهبُ المسألةَ بالحُكْمِ الأشدِّ. وهذا الرأي وجهٌ عند الحنابلةِ (^٣).\nالرأي الثالث: يتخيرُ المتمذهبُ في إلحاقِ المسألةِ بالحُكمِ الأخفِّ، أو الأشدِّ. وهذا الرأي وجهٌ عند الحنابلةِ (^٤)، وجعله ابنُ حمدان (^٥)، والمرداويُّ (^٦) الوجهَ الأظهرَ عندهم.\nواختار ابنُ حمدان أنَّ الأَوْلى العملُ بكلّ مِن الحكمين: الأخف والأثقل لمَنْ هو أصلحُ له (^٧).\nالقول الثالث: يخرِّجُ المتمذهبُ مِن المسألةِ التي توقّفَ فيها إمامُه وجهين.\nوهذا ما يفعلُه بعضُ علماءِ الحنابلة، يقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية: \"مسائلُ الوقفِ يخرِّجها أصحابُه - أي: أصحاب الإمام أحمد - على وجهين\" (^٨).\nوهذه المسألةُ شحيحةُ الأدلةِ، ولعل الأقوال المذكورة أشبه بوجهاتِ النظرِ مِنْ قائليها، ومِن الممكنِ قول الآتي:\n_________\n(^١) انظر: صفة الفتوى (ص/ ١٠٢)، والمسودة (٢/ ٩٤٠)، والفروع لابن مفلح (١/ ٥٠)، والإنصاف (١٢/ ٢٤٦)، وحاشية ابن قندس على الفروع (١/ ٥٠).\n(^٢) انظر: تصحيح الفروع (١/ ٥١).\n(^٣) انظر: صفة الفتوى (ص/ ١٠٢)، والمسودة (٢/ ٩٤٠)، والفروع لابن مفلح (١/ ٥٠)، والإنصاف (١٢/ ٢٤٦)، وحاشية ابن قندس على الفروع (١/ ٥٠).\n(^٤) انظر: الفروع لابن مفلح (١/ ٥٠)، والإنصاف (١٢/ ٢٤٦)، وحاشية ابن قندس على الفروع (١/ ٥٠).\n(^٥) انظر: صفة الفتوى (ص/ ١٠٢)، والمسودة (٢/ ٩٤٠).\n(^٦) انظر: الإنصاف (١٢/ ٢٤٦)، وتصحيح الفروع للمرداوي (١/ ٥١).\n(^٧) انظر: صفة الفتوى (ص/ ١٠٢)، والمسودة (٢/ ٩٤٠)، والإنصاف (١٢/ ٢٤٦)، وتصحيح الفروع للمرداوي (١/ ٥١).\n(^٨) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٣/ ٣٣).","vol":"3","page":1203},{"text":"أولًا: أنَّ القولين: الأول والثاني وجيهانِ؛ إذ أَخْذُ حُكْم المسألةِ مِنْ أصولِ المذهبِ أو مِنْ فروعِه، أقربُ طريقٍ إلى الوصولِ إلى حُكْمٍ قريبٍ مِنْ أحكامِ إمامِ المذهبِ.\nثانيًا: في القولين: الأول والثاني اجتهادٌ مقيَّدٌ مِنْ المتمذهبِ للوصولِ إلى الحُكْمِ، وهذا خيرٌ مِنْ تخريجِ قولين مِنْ توقّفِ الإمامِ دونَ نظرٍ وتأمّلٍ.\nثالثًا: إنْ كان المتمذهبُ أهلًا للتخريجِ على أصولِ إمامِه، أو على نصوصه، فله أَخْذُ الحكمِ مِنْ أحدِ هذينِ الطريقينِ، وإنْ كان عملُ كثيرٍ مِن الفقهاءِ على التخريجِ على نصوصِ الإمام.\nرابعًا: إنْ لم يكن المتمذهبُ أهلًا للتخريجِ، أو لم يتمكن منه؛ لسببٍ مِن الأسباب، فله أَخْذُ الحُكْمِ اعتمادًا على ما يقرره محققو المذهبِ في تخريج حُكْمِ المسألةِ، وله تقليدُ غيرِ إمامِه مِنْ أئمةِ المذاهب الأخرى، إنْ اطمأنَّ إلى قولِه.\nخامسًا: يُطَبّقُ على مَنْ أرادَ إلحاقَ المسألةِ بما يشبهها ما ذكرتُه في مسألةِ: (القياس على أقوال الإمام)، فإنَّ نصَّ الإمامُ على العلّةِ جازَ الإلحاقُ، وإنْ لم ينصَّ عليها جازُ الإلحاقُ، بشرطِ: نسبةِ القولِ إليه مقيَّدًا.\nسادسًا: يظهرُ أنَّ أتباعَ المذاهب في الجملةِ لا يتوقفون عند توقّفِ إمامِهم، بلْ يخرِّجون حُكْمَ المسائل الَتي توقّف فيها، وقد تقدّمَ قبل قليل كلامُ تقي الدين بنِ تيمية.\nسابعًا: لعلَّ السببَ في عدمِ ذكرِ بعضِ المذاهب حُكْمَ مسألةِ: (عمل المتمذهب فيما توقف فيه إمامُه)، أنَّهم قرروا طُرُقًا لمعرفةِ قولِ الإمامِ، كفعلِه أو القياس على قولِه والتخريج على أصلِه، بحيثُ لا يقع المتمذهبُ في حالة يُعْوِزُه فيها معرفة حكمِ المسألةِ داخل مدرسة مذهبِه.\nثامنًا: محلُّ الكلام فيما سبق في غيرِ المتمذهب الذي بلغ درجةَ الاجتهادِ، والمتمذهب الذي تحقق له وصفُ الاجتهادِ الجزئي في المسألةِ التي توقف فيها إمامُه؛ لانتفاءِ أثرِ توقّفِ إمامِهما فيما يرجحانِه مِنْ أقوال.","vol":"3","page":1204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>المبحث الخامس: الاعتداد بقول المتمذهب في الإجماع </span>(^١)\nممَّا هو معلومٌ أنَّ الحوادثَ والوقائعَ لا تنتهي، واهتمامُ العلماءِ ببيانِ حكمِها لا ينقطعُ، ولا يقتصرُ اهتمامُهم ونظرُهم على الحوادثِ فحسب، بلْ ينظرون في المسائلِ التي اختلفَ فيها أهلُ العصرِ السابقِ.\nوليس مِنْ شكَّ في أنَّ للمتمذهبين إسهامًا في معالجةِ أحكامِ المسائل - أصوليةً، أو فقهيةً - وقد ينتهي النظرُ فيها إلى الإجماعِ على حكمِها، إنْ كانت نازلةً، أو الاتفاق على أحد قولي العصر السابق.\nوالمهمُّ عندنا في هذا المبحثِ: هلْ يُعتدُّ بقولِ المتمذهبِ في الإجماعِ، بحيثُ لا ينعقدُ الإجماعُ إلا بموافقتِه؟\n_________\n(^١) الإجماع في اللغة: مصدر من الفعل اجمع، يقال: أجمع يجمع إجماعًا، ويطلق على معنيين: المعنى الأول: العزم على الشيء.\nالمعنى الثاني: الاتفاق على الشيء. انْظر: الصحاح، مادة: (جمع)، (٣/ ١١٩٨ - ١٢٠٠)، والقاموس المحيط، مادة: (جمع)، (ص/ ٩١٧ - ٩١٨).\nأما تعريف الإجماع في الاصطلاح، فقد عرِّف بتعريفات كثيرة، منها: تعريف تاج الدين بن السبكي في: جمع الجوامع (٣/ ٧٥) مع شرحه تشنيف المسامع: اتفاق مجتهدي هذه الأمة بعد زمن النبي - ﷺ - في عصر من الأعصار، على أيِّ أمرٍ مِنْ الأمور.\nولمزيد من التعريفات، انظر: العدة (٤/ ١٠٥٧)، والحدود للباجي (ص/ ٦٣)، وشرح اللمع (٢/ ٦٦٥)، وقواطع الأدلة (٣/ ١٨٨)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٣/ ٢٢٤)، والواضح في أصول الفقه (١/ ٤٢)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٤/ ١٩)، وروضة الناظر (٢/ ٤٣٩)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ١٩٦)، وشرح تنقيح الفصول (ص/ ٣٢٢)، وكشف الأسرار للبخاري (٣/ ٢٢٦)، وأصول الفقه لابن مفلح (٢/ ٣٦٥)، والتقرير لأصول فخر الإسلام للبابرتي (٥/ ٣١٧)، والتحبير (٤/ ١٥٢٢)، وتيسير التحرير (٣/ ٢٢٤)، وفواتح الرحموت (٢/ ٢١١).","vol":"3","page":1205},{"text":"قبلَ الخوضِ في المسألةِ تحسنُ الإشارةُ إلى الآتي:\nأولًا: الحديثُ هنا عند القائلين بحجيةِ الإجماعِ، وإمكانِ انعقادِه.\nثانيًا: لا شك في أن المجتهدين هم أهلُ الإجماعِ، وهذا أمرٌ لا مريةَ فيه، لكنْ أيدخل معهم العوامُّ، فلا ينعقدُ الإجماعُ إلا بموافقتِهم، أم لا؟\nاختلفَ الأصوليون في الاعتدادِ بالعوامِّ في انعقادِ الإجماعِ (^١)، فعلى القولِ بالاعتدادِ بهم، فإنَّ دخولَ المتمذهبين بكافّةِ مراتبِهم مِنْ بابٍ أولى عند القائلين بهذا القولِ (^٢).\nيقولُ الآمديُّ: \"مَنْ قالَ بإدخالِ العوام في الإجماعِ، قالَ بإدخالِ الفقيهِ الحافظِ لأحكامِ الفروع فيه، وإنْ لم يكنْ أصوليًا؛ وبادخالِ الأصولي الذي ليس بفقيهٍ؛ بطريقِ الأَولى؛ لما بينهما وبين العامةِ مِن التفاوتِ في الأهليةِ والنظرِ، هذا في الأحكامِ، وهذا في الأصولِ\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر مسألة: (الاعتداد بالعوام في الإجماع) في: الفصول في الأصول للجصاص (٣/ ٢٨٥)، والعدة (٤/ ١١٣٣)، واحكام الفصول (ص/ ٤٦٠)، والتبصرة (ص/ ٣٧١)، وشرح اللمع (٢/ ٧٢٤)، وقواطع الأدلة (٣/ ٢٣٩)، والمستصفى (١/ ٣٤٠)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٣/ ٢٥٠)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ١٧٦)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٤/ ١٩٦)، وروضة الناظر (٢/ ٤٥١)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ٢٢٦)، ولباب المحصول لابن رشيق (١/ ٣٩٧)، وشرح المعالم لابن التلمساني (٢/ ١٠٣)، والمسودة (٢/ ٦٤٢)، والكاشف عن المحصول للأصفهاني (٥/ ٥٣٤)، والحاصل من المحصول (٢/ ٧٢٣)، والتحصيل من المحصول (٢/ ٨١)، وشرح تنقيح الفصول (ص/ ٣٤١)، ونهاية الوصول للهندي (٦/ ٢٦٤٨)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٣١)، وكشف الأسرار للبخاري (٣/ ٢٣٩)، وتقريب الوصول لابن جزي (ص/ ٣٢٩)، وشرح العضد على مختصر ابن الحاجب (٢/ ٣٣)، وأصول الفقه لابن مفلح (٢/ ٣٩٨)، والإبهاج في شرح المنهاج (٥/ ٢١٢١)، ورفع الحاجب (٢/ ١٧٤)، والتقرير لأصول فخر الإسلام للبابرتي (٥/ ٣٣٨)، والبحر المحيط (٤/ ٤٦١)، وتشنيف المسامع (٣/ ٨٢)، والتحبير (٤/ ١٥٥١)، ورفع النقاب (٤/ ٦٦٣).\n(^٢) انظر: شرح تنقيح الفصول (ص/ ٣٤٢)، ونفائس الأصول (٦/ ٢٨٦٨)، ونهاية الوصول للساعاتي (١/ ٢٨٢)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٣٦)، والبحر المحيط (٤/ ٤٦٥)، وتشنيف المسامع (٣/ ٨٥)، ورفع النقاب للشوشاوي (٤/ ٦٦٨ - ٦٦٩).\n(^٣) الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٢٢٨).","vol":"3","page":1206},{"text":"ويقولُ أبو علي الشوشاوي: \"يلزمُ على قولِ القاضي (^١) المتقدِّم - وهو: الاعتدادُ بقولِ العامي في الإجماع - أنْ يعتبرَ أهل كلِّ فنٍّ في غيرِ فنِّه؛ لأنَّ غايتَهم أنْ يكونوا كالعوامِّ بالنسبةِ إلى غيرِ فنِّهم\" (^٢).\nوحديثي في هذا المبحثِ عند غيرِ القائلين بالاعتدادِ بالعوام في انعقادِ الإجماعِ.\nثالثًا: ذَكَرَ بعضُ الأصوليين قولًا مفاده: أنَّ أهلَ الإجماعِ هم الأئمةُ المستقلون بالاجتهادِ - كالأئمةِ الأربعةِ ونحوهم - فحسب، أمَّا مَنْ لم يبلغْ هذه الدرجةَ فليس مِنْ أهلِه (^٣).\nوعلى هذا القولُ لا يدخلُ المتمذهبون في أهلِ الإجماعِ.\nوحديثي عند غيرِ أربابِ هذا القولِ.\nرابعًا: إذا كان المتمذهبُ بالغًا درجةَ الاجتهادِ، ومنتسبًا إلى مذهبِ إمامِه (متمذهبًا بالاسم فقط)، فيُعْتَدُّ بقولِه في انعقادِ الإجماع؛ لأنَّه مجتهدٌ مطلقٌ، وانتسابُه إلى المذهبِ لا يؤثر على آرائِه الاجتهاديةِ.\nيقولُ ابنُ الصلاحِ عن المتمذهب البالغِ درجة الاجتهادِ المطلقِ في الشريعةِ: \"فتوى المنتسبين في هذه الحالةِ في حُكْمِ فتوى المجتهدِ المستقلِّ المطلقِ، يُعْمَلُ بها، ويُعْتَدُّ بها في الإجماعِ، والخلافِ\" (^٤).\nوبعَد هذا، فقد سَبَقَ وأنْ ذكرتُ أنَّ التمذهبَ يكون في أصولِ الفقه، وفي الفقه، وسأتحدث هنا عن الاعتدادِ بقولِ المتمذهب في الإجماعِ على المسائل الأصوليةِ، وعن الاعتدادِ بقولِه في الإجماعِ على المسائلِ الفقهيةِ، وسأجعلُ الحديثَ في القسمين الآتيين:\n_________\n(^١) هو: القاضي أبو بكر الباقلاني.\n(^٢) رفع النقاب (٤/ ٦٦٦ - ٦٦٧).\n(^٣) انظر: المستصفى (١/ ٣٤٢)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ٢٢٨)، ولباب المحصول لابن رشيق (١/ ٣٨٩)، ونفائس الأصول (٦/ ٢٨٦٨).\n(^٤) أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٤). وانظر: صفة الفتوى (ص/ ١٨).","vol":"3","page":1207},{"text":"القسم الأول: الاعتدادُ بقولِ المتمذهب في الإجماع على المسائلِ الأصوليةِ.\nالقسم الثاني: الاعتدادُ بقولِ المتمذهبِ في الأجماع على المسائلِ الفقهيةِ.\nالقسم الأول: الاعتداد بقول المتمذهب في الإجماع على المسائل الأصولية.\nإذا كان محلُّ النظرِ مسألةً أصوليةً، فهلْ ينعقدُ الإجماعُ دونَ التفاتٍ إلى موافقةِ المتمذهبين؟\nلا شد في أنَّ المعوَّلَ عليه في أهلِ الإجماعِ على المسائل الأصولية هم الأصوليون، وبناءً عليه: إذا كانَ المتمذهبُ عارفًا بأصولِ الفقه، بحيثُ يصدقُ عليه أنَّه أصولي (^١)، فلا ريبَ في الاعتدادِ بقولِه في الإجماعِ حينئذٍ؛ إذ المعتبرُ في كلِّ علمٍ أهلُه المجتهدون فيه (^٢)، والمتمذهبُ الأصولي مِنْ أهلِ الاجتهادِ والنظرِ في علمِ أصولِ الفقهِ، ويكون شأنُه شأنَ أربابِ العلومِ الأخرى - كالحديثِ والتفسيرِ واللغةِ ونحوها - الذين لا ينعقدُ الإجماعُ في مسائلِ العلمِ الذي ينتمون إليه إلا بهم.\nيقولُ بدرُ الدين الزركشي عن الاعتدادِ بقولِ المجمعين: \"لا خلافَ في اعتبارِ قولِ ... الأصولي في الأصولِ\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: شرح اللمع (٢/ ٧٢٤)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٣٧)، وكشف الأسرار للبخاري (٣/ ٢٤٠).\n(^٢) انظر: المحصول في علم أصول الفقه للرازي (٤/ ١٩٨)، والحاصل من المحصول (٢/ ٧٢٤)، ومنهاج الوصول للبيضاوي (٢/ ٨٣١) مع شرحه السراج الوهاج، ونهاية الوصول للهندي (٦/ ٢٦٥١)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٣٦)، وتقريب الوصول لابن جزي (ص/ ٣٣٠)، والإبهاج في شرح المنهاج (٥/ ٢١٢١)، والبحر المحيط (٤/ ٤٦٥)، وتشنيف المسامع (٣/ ٨٤)، ولمع اللوامع لابن رسلان القسم الثاني (١/ ٧)، ورفع النقاب للشوشاوي (٤/ ٦٦٦).\n(^٣) البحر المحيط (٤/ ٤٦٦).","vol":"3","page":1208},{"text":"أمَّا إذا كان المتمذهبُ مقتصرًا على حفظِ الفروعِ، ولا معرفةَ له بأصولِ الفقهِ، أو كان يعرفُ أصولَ الفقه معرفةً فيها ضعفٌ، أو دونَ اهتمامِ بأدلة مسائل الأصولِ: فلا يعتدُّ بقولِه في المجمعين على المسائل الأصولية في هذه الحالةِ (^١).\nويدلُّ على عدمِ الاعتدادِ بقولِ المتمذهبِ الذي هذا حاله الآتي:\nأولًا: أنَّ المتمذهبَ الذي حكيتُ حالَه كالعامي بالنسبةِ إلى أهلِ أصولِ الفقهِ (^٢).\nثانيًا: سيكون قولُ غيرِ الأصولي في أصولِ الفقه عن غير دليلٍ؛ لأنَّه غيرُ عالمٍ بأدلتِه، والقولُ بلا دليلٍ جهلٌ وخطأٌ (^٣).\nيقولُ الطوفيُّ: \"الفقيه الذي لا يعرفُ العربيةَ أو الأصولَ بالنسبةِ إلى النحاةِ والأصوليين، كالفلَّاحِ بالنسبةِ إلى الفقهاءِ\" (^٤).\nوأنبّه إلى أنَّ المرداويَّ قد ذَكَرَ قولًا مفاده أنَّ هناك مَنْ قال بالاعتدادِ بقولِ الفروعي في أصولِ الفقهِ (^٥).\nويظهرُ لي أنَّ المرداويَّ واهمٌ في إطلاقِ القولِ السابقِ؛ إذ لم أقفْ - فيما رجعتُ إليه من مصادر - على مَنْ قالَ أو ذَكَرَ قولًا بالاعتدادِ بقولِ\n_________\n(^١) انظر: المحصول في علم أصول الفقه للرازي (٤/ ١٩٨)، والحاصل من المحصول (٢/ ٧٢٤)، ومنهاج الوصول للبيضاوي (٢/ ٨٣١) مع شرحه السراج الوهاج، ونهاية الوصول للهندي (٦/ ٢٦٥١)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٣٦)، وتقريب الوصول لابن جزي (ص/ ٣٣٠)، والإبهاج في شرح المنهاج (٥/ ٢١٢١)، والبحر المحيط (٤/ ٤٦٥)، وتشنيف المسامع (٣/ ٨٤)، ولمع اللوامع لابن رسلان، القسم الثاني (١/ ٧)، ورفع النقاب للشوشاوي (٤/ ٦٦٦).\n(^٢) انظر: نهاية الوصول للهندي (٦/ ٢٦٥١)، والسراج الوهاج للجاربردي (٢/ ٨٣١)، وتنشيف المسامع (٣/ ٨٤)، ورفع النقاب للشوشاوي (٤/ ٦٦٦)، وسلم الوصول لمحمد المطيعي (٣/ ٣٠٤).\n(^٣) انظر: نهاية السول للإسنوي (٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥)، والبحر المحيط (٤/ ٤٦٥).\n(^٤) شرح مختصر الروضة (٣/ ٣٦).\n(^٥) انظر: التحبير (٤/ ١٥٥٧).","vol":"3","page":1209},{"text":"الفروعي في أصولِ الفقهِ، إلا إنْ كان قصدُ المرداوي فيما ذَكَرَ بناءً على القولِ بالاعتدادِ بالعامي في الإجماعِ، فعند القائلين بهذا القولِ يُعْتَدُّ بقولِ الفروعي في الإجماعِ على المسائل الأصوليةِ مِنْ بابٍ أولى، وقد سَبَقَت الإشارةُ إلى هذا الأمرِ قبلَ قليلٍ.\nالقسم الثاني: الاعتداد بقول المتمذهب في الإجماع على المسائل الفقهية.\nإذا كان محلُّ النظرِ مسألةً فقهيةً، فهل يُعْتَدُّ بقولِ المتمذهبِ في هذه الحالة، بحيثُ لا ينعقدُ الإجماعُ بدونِه؟\nيمكنُ القول: إنَّ للمتمذهبِ في هذا القسم حالتين:\nالحالة الأولى: أن يكونَ المتمذهبُ أصوليًا.\nالحالة الثانية: أن يكونَ المتمذهبُ فقيهًا (^١).\nالحالة الأولى: أنْ يكونَ المتمذهبُ أصوليًا.\nإذا كان الغالبُ على المتمذهبِ اعتناؤه بأصولِ الفقهِ، وتحرير مسائلِه، بحيثُ يطغى ذلك على معرفتِه بالفقهِ وبالفروعِ، فهل يُعْتَدُّ بقولِ المتمذهب الذي هذه صفته في انعقادِ الإجماعِ، بحيثُ لا ينعقدُ الإجماع على مسألَةٍ فقهيةٍ إلا بموافقتِه؟\nاهتمَّ الأصوليون بالحديثِ عن مسألةِ: الاعتدادِ بقولِ الأصولي في الإجماعِ على المسائل الفقهيةِ، ولم تخلُ مؤلفاتهم عن الحديث عنها، وسأعرض المسألة في ضوء الآتي:\n• تحرير محل النزاع:\nحكَى الشيخُ محمد بخيت المطيعي الاتفاقَ على الاعتدادِ بقولِ الأصولي إذا كان متمكنًا مِن الاجتهادِ في الفقهِ، وجَعَلَ محلَّ الخلاف في\n_________\n(^١) ليس المراد بالفقيه في هذا المبحث المجتهد، بل المراد حافظ الفقه، والمجتهد في مذهبه.","vol":"3","page":1210},{"text":"الأصولي الذي هو عامي بالنسبةِ للفقه (^١).\nوما ذكره مِن الاعتدادِ بقولِ الأصولي إذا كان متمكنًا مِن الاجتهادِ في الفقهِ، وجيهٌ، لكنَّ الخلافَ فيما ظَهَرَ لي غيرُ قاصرٍ على الأصولي الذي هو كالعامي في الفقهِ (^٢)، بل يتعداه ليشملَ الأصوليَّ الماهرَ في الفقهِ.\n• الأقوال في المسألة:\nاختلفَ العلماءُ في الاعتدادِ بقولِ الأصولي في الإجماعِ على المسائلِ الفقهيةِ على أقوالٍ، أشهرها قولان:\nالقول الأول: لا يُعْتَدُّ بقولِ الأصولي في الإجماعِ على المسائلِ الفقهيةِ.\nوهذا القولُ وجهٌ عند الشافعيةِ (^٣)، وهو مذهبُ الحنابلةِ (^٤). ونَسَبَه إمامُ الحرمين الجويني (^٥)، ومجدُ الدين بنُ تيمية (^٦)، وتاجُ الدين بنُ السبكي (^٧)، وبدرُ الدين الزركشيُّ (^٨) إلى معظمِ الأصوليين. ونسبه ابنُ مفلحٍ (^٩)، وابنُ اللحامِ (^١٠)، وأمير باد شاه (^١١) إلى الجمهورِ. ونسبه المرداوي إلى أكثرِ العلماءِ (^١٢).\nوهو قولُ الإمامِ أحمدَ (^١٣)، واختاره: أبو الحسنِ الكرخي (^١٤)،\n_________\n(^١) انظر: سلم الوصول (٢/ ٣٠٥).\n(^٢) انظر: تحفة المسؤول للرهوني (٢/ ٢٣٩).\n(^٣) انظر: البحر المحيط (٤/ ٤٦٦).\n(^٤) انظر: أصول الفقه لابن مفلح (٢/ ٣٩٨)، والتحبير (٤/ ١٥٥٦).\n(^٥) انظر: البرهان (١/ ٤٤٠).\n(^٦) انظر: المسودة (٢/ ٦٤٣).\n(^٧) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج (٥/ ٢١٢٦).\n(^٨) انظر: البحر المحيط (٤/ ٤٦٦).\n(^٩) انظر: أصول الفقه (٢/ ٣٩٨).\n(^١٠) انظر: المختصر في أصول الفقه (ص/ ٧٥).\n(^١١) انظر: تيسير التحرير (٣/ ٢٢٤).\n(^١٢) انظر: التحبير (٤/ ١٥٥٦).\n(^١٣) انظر: العدة (٤/ ١١٣٦)، والمسودة (٢/ ٦٤٣)، وأصول الفقه لابن مفلح (٢/ ٣٩٨)، والتحبير (٤/ ١٥٥٦).\n(^١٤) انظر: مسائل الخلاف للصيمري (ص/ ٣٣٦).","vol":"3","page":1211},{"text":"والقاضي أبو يعلى (^١)، وأبو إسحاقَ الشيرازي (^٢)، وإمامُ الحرمين الجويني (^٣)، وفخر الإسلام البزدوي (^٤)، وأبو حامدٍ الغزالي في كتابِه: (المنخول) (^٥)، وأبو الخطاب (^٦)، والموفقُ بن قدامة (^٧)، ومجدُ الدين بنُ تيمية (^٨)، وابنُ الحاجب (^٩)، ومالَ إليه شهابُ الدين القرافي (^١٠)، وهو قولُ جلالِ الدين السيوطي (^١١).\nالقول الثاني: يُعْتَدُّ بقولِ الأصولي في الإجماعِ على المسائلِ الفقهيةِ.\nوهذا القول وجهٌ عند الشافعيةِ (^١٢).\nوهو قولُ المعتزلة (^١٣).\nونَسَبَه القاضي أبو يعلى (^١٤)، وأبو إسحاقَ الشيرازي (^١٥)، وأبو المظفرِ السمعاني (^١٦)، ومجدُ الدين بنُ تيمية (^١٧) إلى قومٍ مِن المتكلمين.\nونَسَبَ أبو إسحاقَ الشيرازي (^١٨)، وإمامُ الحرمين الجويني (^١٩)، وتاجُ الدين السبكي (^٢٠) إلى القاضي أبي بكرٍ الباقلاني الاعتدادَ بقولِ الأصولي المبرزِ في الفقهِ.\n_________\n(^١) انظر: العدة (٤/ ١١٣٦).\n(^٢) انظر: التبصرة (ص/ ٣٧١)، وشرح اللمع (٢/ ٧٢٤).\n(^٣) انظر: البرهان (١/ ٤٤٠).\n(^٤) انظر: أصول البزدوي (٣/ ٢٣٩) مع شرحه كشف الأسرار.\n(^٥) انظر: (ص/ ٣١١).\n(^٦) انظر: التمهيد في أصول الفقه (٣/ ٢٥٠).\n(^٧) انظر: روضة الناظر (٢/ ٤٥٤).\n(^٨) انظر: المسودة (٢/ ٦٤٣).\n(^٩) انظر: مختصر منتهى السول (١/ ٤٤٣).\n(^١٠) انظر: شرح تنقيح الفصول (ص/ ٣٤٢)، ونفائس الأصول (٦/ ٢٨٦٨).\n(^١١) انظر: شرح الكوكب الساطع (٣/ ٢٧٨).\n(^١٢) انظر: البحر المحيط (٤/ ٤٦٦).\n(^١٣) انظر: شرح العمد (١/ ١٦٦).\n(^١٤) انظر: العدة (٤/ ١١٣٦).\n(^١٥) انظر: التبصرة (ص/ ٣٧١).\n(^١٦) انظر: قواطع الأدلة (٣/ ٢٤٠).\n(^١٧) انظر: المسودة (٢/ ٦٤٣).\n(^١٨) انظر: شرح اللمع (٢/ ٧٢٤).\n(^١٩) انظر: البرهان (١/ ٤٤٠).\n(^٢٠) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج (٥/ ٢١٢٦)، ورفع الحاجب (٢/ ١٧٤).","vol":"3","page":1212},{"text":"ونَسَبَ أبو حامدٍ الغزالي إلى القاضي أبي بكر الباقلاني الاعتدادَ بقولِ الأصولي، دون تقييدِه بالمهارةِ والبروزِ في الفقهِ (^١).\nواختارَ القول الثاني: القاضي عبدُ الجبار المعتزلي (^٢)، والقاضي عبدُ الوهاب المالكي - كما نسبه إليه مجدُ الدين بنُ تيمية (^٣) - وأبو حامد الغزالي في كتابِه: (المستصفى) (^٤)، والفخرُ الرازي (^٥)، وابنُ رشيقٍ المالكي (^٦)، وابنُ التلمساني (^٧)، وتاجُ الدّينِ الأرموي (^٨)، وسراجُ الدّينِ الأرموي (^٩)، وصفيُّ الدين الهندي (^١٠)، والطوفيُّ (^١١)، ومحمدٌ الخضري (^١٢).\nوقوَّى المرداويُّ هذا القولَ (^١٣).\n• أدلة القولين:\nأدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدل أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها:\n_________\n(^١) انظر: المنخول (ص/ ٣١١).\n(^٢) انظر: المعتمد (٢/ ٤٩٢)، وشرح العمد (١/ ١٦٦).\n(^٣) انظر: المسودة (٢/ ٦٤٣)، وقارن بشرح تنقيح الفصول (ص/ ٣٤٢).\n(^٤) انظر: (١/ ٣٤٢).\n(^٥) انظر: المحصول في أصول الفقه (٤/ ١٩٨).\n(^٦) انظر: لباب المحصول (١/ ٣٩٩). وابن رشيق المالكي هو: الحسين بن أبي الفضائل عتيق بن الحسين بن عتيق بن رشيق الربعي، أبو علي جمال الدين، ولد بمدينة الإسكندرية بمصر سنة ٥٤٩ هـ تلقى العلم عن شيوخ عصره، كان شيخ المالكية في عصره، إمامًا فقيهًا أصوليًا، عالمًا بأصول الدين والخلاف، صلبًا في دينه، ورعًا متقللًا من الدنيا، صبورًا على إلقاء الدروس ونشر العلم، وقد انتفع الناس به، وكان مدار الفتيا عليه في الديار المصرية، من مؤلفاته: لباب المحصول في علم الأصول - مختصر للمستصفى - توفي بمصر سنة ٦٣٢ هـ انظر ترجمته في: التكملة لوفيات النقلة للمنذري (٣/ ٣٨٧)، وتاريخ الإسلام للذهبي (١٤/ ٦٨)، والوافي بالوفيات للصفدي (١٢/ ٤٢١)، والديباج المذهب لابن فرحون (١/ ٣٣٣)، وحسن المحاضرة للسيوطي (١/ ٤٢٤)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ١٦٦).\n(^٧) انظر: شرح المعالم (٢/ ١٠٦).\n(^٨) انظر: الحاصل من المحصول (٢/ ٧٢٤).\n(^٩) انظر: التحصيل من المحصول (٢/ ٨٢).\n(^١٠) انظر: نهاية الوصول (٦/ ٢٦٥٢).\n(^١١) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٣٩).\n(^١٢) انظر: أصول الفقه (ص/ ٣٤٢).\n(^١٣) انظر: التحبير (٤/ ١٥٥٦).","vol":"3","page":1213},{"text":"الدليل الأول: أنَّ مَنْ لا معرفةَ له بطُرُقِ الاجتهادِ، وأدلةِ الفقهِ التفصيليةِ، وردِّ الفروعِ إلى أدلتِها، فإنَّه يجري في الفقهِ وأحكامِ الشرعِ مجرى العامي؛ لأنَّهما لا يعرفانِ أدلةَ الأحكام على التفصيلِ، والعامي لا يُعْتَدُّ بقولِه، فكذا الأصولي (^١).\nيقولُ أبو إسحاقَ الشيرازي: \"لأنَّه - أي: الأصولي - يَعْرِفُ أنَّ الأمرَ يقتضي الوجوبَ، وله صيغةٌ، وأنَّه قد يقتضي الندبَ، وكذلك يَعْرِفُ استنباطَ العللِ، وما يصحُّ منها وما لا يصحُّ على طريقِ الإجمالِ، وأمَّا إذا سُئِلَ عن مسألة مِنْ مسائلِ الاجتهادِ مِن الفروعِ، فإنَّه لا يَعْلَمُ دليلَ تلك المسألةِ، لا مِنْ جهةِ النطقِ، ولا مِن جهةِ الاستنباطِ\" (^٢).\nمناقشة الدليل الأول: إذا عَرَفَ المتمذهبُ أصولَ الفقه أمكنه ردّ الفروعِ إلى أصولِها (^٣).\nالجواب عن المناقشة: ليس كلُّ مَنْ عَرَفَ أصولَ الفقه أَمْكَنَه أنْ يَرُدَّ الفروعَ إلى أصولِها، بل لا بُدَّ مِنْ معرفةِ معانيها ونظائرِها حتى يقيسَ عليها (^٤).\nالدليل الثاني: أنَّ أهلَ الإجماعِ هم مَنْ كانت معهم آلةُ الاجتهادِ التي يُتَوَصَّلُ بها إلى معرفةِ الحُكْمِ - بأنْ يَعْرِفَ القياسَ وأحكامَ المسائل وعللها حتى يقيس نظائرها عليها - ومَنْ لا يَعْرِفُ أحكامَ الفروعِ، وأدلتها التفصيلية، لا يتمكنُ مِنْ هذا، فلا يكون مِنْ أهلِ الإجماعِ، ويكونُ شأنُه شأنَ مَنْ عَرَفَ اللغةَ والحسابَ وغيرَ هذا مِنْ أنواعِ العلومِ (^٥).\n_________\n(^١) انظر: العدة (٤/ ١١٣٧)، والتبصرة (ص/ ٣٧١)، والمنخول (ص/ ٣١١)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ١٨١)، وشرح المعالم لابن التلمساني (٢/ ١٠٦).\n(^٢) شرح اللمع (٢/ ٧٢٤ - ٧٢٥)\n(^٣) انظر: العدة (٤/ ١١٣٧).\n(^٤) انظر: المصدر السابق.\n(^٥) انظر: المصدر السابق، وشرح اللمع (٢/ ٧٢٤)، وروضة الناظر (٢/ ٤٥٦)، والبحر المحيط (٤/ ٤٦٦)، وتشنيف المسامع (٣/ ٨٤).","vol":"3","page":1214},{"text":"الدليل الثالث: لا يجوزُ تقليدُ الأصولي في النوازلِ؛ إذ إنَّه ليس مِن المفتين، بلْ هو مِن المستفتين، وإذا لم يجزْ تقليدُه لم يُعْتَدَّ بقولِه في الإجماعِ (^١).\nأدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: أنَّ الأدلةَ الدالةَ على حجيةِ الإجماع تتناول الأصوليَّ بعمومِها (^٢)، كقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٣)، وقولِه - ﷺ -: (لا تجتمع أمتي على ضلالةٍ) (^٤)، وغيرهما من النصوصِ العامّةِ التي لم يدخلْها\n_________\n(^١) انظر: شرح العمد (١/ ١٦٧)، والتبصرة (ص/ ٣٧١)، والبرهان (١/ ٤٤٠)، والمنخول (ص/ ٣١١)، ومختصر منتهى السول لابن الحاجب (١/ ٤٤٦)، والإبهاج في شرح المنهاج (٥/ ٢١٢٦)، ورفع الحاجب (٢/ ١٧٥)، والبحر المحيط (٤/ ٤٦٦).\n(^٢) انظر: المعتمد (٢/ ٤٩٢)، والتلخيص في أصول الفقه للجويني (٣/ ٤٢).\n(^٣) من الآية (١١٥) من سورة النساء.\n(^٤) جاء الحديث عن عدد من الصحابة - ﵃ -، فمن هؤلاء:\nأولًا: حديث أنس بن مالك - ﵁ -، ولفظه: (إنَّ أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافًا فعليكم بالسواد الأعظم)، وأخرجه: ابن ماجه في: سننه، كتاب: الفتن، باب: السواد الأعظم (ص/ ٦٥١)، برقم (٣٩٥٠)؛ وعبد بن حميد في: المنتخب (٢/ ٢٤٣)، برقم (١٢١٨)؛ وابن أبي عاصم في: السنة، باب: ما ذكر عن النبي - ﷺ - من أمره بلزوم الجماعة (ص/ ٤١)، برقم (٨٣، ٨٤)؛ واللالكائي في: شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١١٧)، برقم (١٥٣)؛ والخطيب البغدادي في: الفقيه والمتفقه (١/ ٤١٠)، برقم (٤٢٢).\nوضعف ابن مفلح في: أصول الفقه (٢/ ٣٧٨) إسناد الحديث، وضغف الألبانيُّ الحديث في: سلسلة الأحاديث الضعيفة (٦/ ٤٣٥)، وحسَّن في: تعليقه على السنة لابن أبي عاصم (ص/ ٤١) شطرَ الحديث الأول؛ بشواهده.\nوأخرج الحاكم في: المستدرك، كتاب: العلم (١/ ١٥٢)، برقم (٤٠٠) حديثًا عن أنس بمعناه، وضعفه؛ لأنَّ في سنده مبارك بن سحيم، وقال عنه: \"فإنَّه ممن لا يمشي في مثل هذا الكتاب، لكني ذكرته اضطرارًا\".\nثانيًا: حديث أبي مالك الأشعري - ﵁ -، ولفظه: (إنَّ الله أجاركم من ثلاث خلال: ... ولا تجتمعوا على ضلالة)، وأخرجه: أبو داود في: سننه، كتاب: الفتن والملاحم، باب: ذكر الفتن ودلائلها (ص/ ٦٣٣)، برقم (٤٢٥٣)؛ وابن أبي عاصم في: السنة، باب: ما ذكر عن =","vol":"3","page":1215},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= النبي - ﷺ - من أمره بلزوم الجماعة (ص/ ٤٤)، برقم (٩٢)؛ والطبراني في: المعجم الكبير (٣/ ٢٩٢)، برقم (٣٤٤٠)؛ والدارقطني في: سننه، كتاب: الأقضية والأحكام، باب: من الشهادات (٥/ ٤٤٠)، برقم (٤٦٠٧)؛ والخطيب البغدادي في: الفقيه والمتفقه (١/ ٤٠٧)، برقم (٤١٨).\nوالحديث ضعيف؛ وأعله ابنُ القطان في: بيان الوهم والإيهام (٢/ ٥٣٧) بالانقطاع.\nويقول ابن حجر في: التلخيص الحبير (٥/ ٢٢٢٥): \"في إسناده انقطاع\". وانظر: المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج للزركشي (ص/ ٥٨).\nثالثًا: حديث عبد الله بن عمر - ﵄ -، ولفظه: (إنَّ الله لا يجمع أمتي - أو أمة محمد - ﷺ - على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومَنْ شَذَّ شَذَّ في النار)، وأخرجه: الترمذي في: جامعه، كتاب: الفتن عن رسول الله - ﷺ -، باب: ما جاء في لزوم الجماعة (ص/ ٤٩٠)، برقم (٢١٦٧)، وقال: \"هذا حديث غريب من هذا الوجه .. وفي الباب: عن ابن عباس\". وابن أبي عاصم في: السنة، باب: ما ذكر عن النبي - ﷺ - من أمره بلزوم الجماعة (ص/ ٣٩)، برقم (٨٠)؛ والطبراني في: المعجم الكبير (١٢/ ٣٤٠٢)، برقم (١٣٦٢٣)؛ والحاكم في: المستدرك، كتاب: العلم (١/ ١٥٠)، برقم (٣٩٧)، وساق الحاكم الاختلاف الواقع في إسناد الحديث على المعتمر بن سليمان. واللالكائي في: شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١١٨)، برقم (١٥٤)؛ وأبو نعيم في: حلية الأولياء (٣/ ٣٧)؛ والبيهقي في: أسماء الله وصفاته، باب: ما جاء في إثبات اليدين (٢/ ٨٣٤)، برقم (٧٠٧)، وقال: \"أبو سفيان المديني، يقال: إنه سليمان بن سفيان، واختلف في كنيته، وليس بمعروف\". والخطيب البغدادي في: الفقيه والمتفقه (١/ ٤٠٨)، برقم (٤١٩).\nوقال ابن حجر في: التلخيص الحبير (٥/ ٢٢٢٥) عن هذا حديث ابن عمر: \"فيه سليمان بن سفيان المدني، وهو ضعيف، وأخرج الحاكم شواهد له\"، وضعفه ابن حجر في: إتحاف المهرة (٨/ ٥٣١).\nوانظر الاختلاف في إسناد الحديث في: العلل للدارقطني (١٢/ ٣٩٢ - ٣٩٣)، وإتحاف المهرة لابن جحر (٨/ ٥٢٩ - ٥٣١).\nثالثًا: حديث عبد الله بن عباس - ﵄ -، ولفظه: (لا يجمع الله أمتي على ضلالة أبدًا، ويد الله على الجماعة)، وأخرجه: الحاكم في: المستدرك، كتاب: العلم (١/ ١٥٢)، برقم (٣٩٩)، وقال: \"فإبراهيم بن ميمون العدني هذا عدَّله عبدُ الرزاق، وأثنى عليه، وعبد الرزاق إمام أهل اليمن، وتعديله حجة\". والبيهقي في: أسماء الله وصفاته، باب: ما جاء في إثبات اليدين (٢/ ٨٣٥)، برقم (٧٠٧)، وقال: \"تفرد به إبراهيم العدني\".\nوللحديث طرق أخرى عن عدد من الصحابة - ﵃ - ساق بعضَها: ابنُ مفلح في أصول الفقه (٢/ ٣٨٦ - ٣٧٦)، والزركشي في: المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج (٥٨ - ٦٢)، وختم الزركشيُّ تخريج الحديث بقوله: \"واعلم أنَّ طرق هذا الحديث كثيرة، ولا يخلو من علة، وإنما أوردت =","vol":"3","page":1216},{"text":"التخصيصُ (^١).\nمناقشة الدليل الأول: هذه النصوصُ مقصورةٌ على مَنْ هو مِنْ أهل الاجتهاد؛ بدليل: عدمِ إرادةِ العوام (^٢).\nالدليل الثاني: إذا كانَ يُعتبرُ قولُ مَنْ عَرَفَ أصولَ الفرائضِ، وإنْ لم يعرف الغامضَ فيها، فكذلك يُعتبرُ قولُ مَنْ عَرَفَ أصولَ الفقهِ، وإنْ لم يعرف الفقهَ؛ إذ يمكنه ردّ الفرعِ إلى أصلِه (^٣).\nمناقشة الدليل الثاني: لا يصحُّ إلحاقُ مَنْ عَرَفَ أصولَ الفقهِ بمَنْ عَرَفَ أصولَ الفرائضِ؛ وذلك للفرقِ بينهما، ووجه الفرقِ: يمكنُ لمَنْ عَرَفَ أصولَ الفرائضِ بناءُ فروعِها عليها بالحساب ونحوِه، بخلافِ مَنْ عَرَفَ أصولَ الفقهِ، فلا يمكنه بناءُ أحكامِ الفروعِ علَيه؛ لاختصاصِ الفروعِ بأدلةٍ لا يشاركها فيها أصولُ الفقهِ، ولأنَّ مَنْ لا يعرف الأحكامَ والفروعَ لا يمكنه معرفةُ النظيرِ؛ ليقيسَ عليه نظيرَه (^٤).\nالدليل الثالث: أنَّ الأصوليَّ يُضِيءُ لأهلِ الإجماعِ برأيه طُرُقَ\n_________\n= منها ذلك؛ ليتقوى بعضها ببعض\".\nوقال ابن حجر في: التلخيص الحبير (٥/ ٢٢٢٥) عن الحديث: \"هذا حديث مشهور، له طرق كثيرة، لا يخلو واحدٌ منها مِنْ مقالٍ\".\n(^١) انظر: العدة (٤/ ١١٣٨)، والتبصرة (ص/ ٣٧١)، وشرح اللمع (٢/ ٧٢٥)، وقواطع الأدلة (٣/ ٢٤٠ - ٢٤١)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٣/ ٢٥١)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ١٨٢)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٤/ ١٩٧)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ٢٢٨)، وكشف الأسرار للبخاري (٣/ ٢٤٠)، ونهاية السول (٣/ ٣٠٥).\n(^٢) انظر: العدة (٤/ ١١٣٨)، والتبصرة (ص/ ٣٧١)، وشرح اللمع (٢/ ٧٢٥)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٣/ ٢٥١)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ١٨٣)، وكشف الأسرار للبخاري (٣/ ٢٤٠).\n(^٣) انظر: العدة (٤/ ١١٣٨)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٣/ ٢٥٢)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ١٨٢).\n(^٤) انظر: المصادر السابقة.","vol":"3","page":1217},{"text":"الاجتهادِ، فهم يستهدون بنهجِه، وإذا كان ذلك كذلك، فيعتبرُ رأيُه، فإذا خالفَ غيرَه في حُكْمٍ، فإنَّ خلافَه يُشيرُ إلى رأي معتبرٍ، فيُعتدُّ بخلافِه ووفاقِه (^١).\nالدليل الرابع: أنَّ الأصوليَّ متمكنٌ مِن الاجتهادِ، الذي هو طريقُ الاستنباطِ، ودَرْكِ الأحكامِ، وكيفيةِ دلالتِها، وكيفيةِ تلقيها مِنْ منطوقِ الدليلِ ومفهومِه، فهو قريب مِنْ مقصودِ الاجتهادِ وإنْ لم يحفظ الفروعَ، فَوَجَبَ اعتبارُ قولِه في أهلِ الإجماع (^٢).\nمناقشة الدليل الرابع: إنَّ مَنْ يعرف كيفيةَ الاستنباطِ، لكنَّه غيرُ عارفٍ بما يستنبطُ منه، فإنَّه غيرُ متمكنٍ مِن الاستنباطِ، ويكونُ حالُه كحالِ مَنْ يعرف النصوصَ، ولا يدري كيفيةَ تلقّي الأحكام منها (^٣).\nومَنْ لا يعرفُ المسائلَ المتفقَ عليها والمختلفَ فيها، فإنَّه غيرُ متمكنٍ مِن الاجتهادِ؛ إذ مِنْ شرطِه: معرفة المسائلِ المجمعِ عليها (^٤).\n• الموازنة والترجيح:\nيُمكنُ القولُ بأنَّه لا يُعتبرُ قولِ الأصولي الذي ليس له اهتمامٌ ولا معرفةٌ بالفقهِ في الإجماعِ على المسائل الفقهية، لأنَّه في هذه الحالةِ أشبه\n_________\n(^١) انظر: التلخيص في أصول الفقه للجويني (٣/ ٤٢)، والبرهان (١/ ٤٤٠)، والمنخول (ص/ ٣١١)، والإبهاج في شرح المنهاج (٥/ ٢١٢٦).\n(^٢) انظر: المحصول في علم أصول الفقه للرازي (٤/ ١٩٨)، وروضة الناظر (٢/ ٤٥٤ - ٤٥٥)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدى (١/ ٢٢٨)، وشرح المعالم لابن التلمساني (٢/ ١٠٦)، والحاصل من المحصول (٢/ ٧٢٤)، والتحصيل من المحصول (٢/ ٨٢)، ونهاية الوصول للساعاتي (١/ ٢٨٣)، ونهاية الوصول للهندي (٦/ ٢٦٥٢)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٣٩)، وكشف الأسرار للبخاري (٣/ ٢٤٠)، والتقرير لأصول فخر الإسلام للبابرتي (٥/ ٣٤٢)، والبحر المحيط (٤/ ٤٦٦)، وتشنيف المسامع (٣/ ٨٤)، ورفع النقاب للشوشاوي (٤/ ٦٦٨).\n(^٣) انظر: روضة الناظر (٢/ ٤٥٦).\n(^٤) انظر: نفائس الأصول (٦/ ٢٨٦٨).","vol":"3","page":1218},{"text":"بالعامي، ويكون شأنُه كغيرِ الأصولي لا يُعتدّ بقولِه في الإجماعِ على المسائلِ الأصوليةِ.\nيقولُ الطوفيُّ واصفًا حالَ بعضِ الأصوليين: \"ككثيرٍ مِن الأعاجمِ تتوفر دواعيهم على المنطقِ والفلسفةِ (^١) والكلامِ، فيتسلطون به على أصولِ الفقهِ، إمَّا عن قصدٍ، أو استتباعٍ لتلك العلومِ العقليةِ، ولهذا جاءَ كلامُهم فيه عريًّا عن الشواهدِ الفقهيةِ المقرِّبةِ للفهمِ على المشتغلين، ممزوجًا بالفلسفةِ\" (^٢).\nأمَّا إذا كانَ للأصولي اهتمامٌ وبَصرٌ بالفقهِ، لكنَّه غيرُ عالمٍ بتفاصيلِ الفروعِ والأحكامِ، فالأقربُ عندي هو الاعتدادُ بقولِه في الإجماعِ على المسائلِ الفقهيةِ؛ وذلك للآتي:\n_________\n(^١) الفلسفة: لفظ يدل في الأصل اليوناني على محب الحكمة. انظر: الملل والنحل للشهرستاني (٢/ ٧٩٥)، وإغاثة اللهفان لابن القيم (٢/ ١٠٠١)، والمعجم الفلسفي (ص/١٣٨).\nوفي الاصطلاح: عرفت بعدَّة تعريفات، منها:\nالتعريف الأول: دراسة المبادئ الأولى، وتفسير المعرفة عقليًا. انظر: المعجم الفلسفي (ص/ ١٣٨).\nالتعريف الثاني: التشبه بالإله بحسب الطاقة البشرية؛ لتحصيل السعادة الأبدية. وهذا تعريف الجرجانيُّ في كتابه: التعريفات (ص/ ٢٣٧)، وتبعه عبدُ الرؤوف المناوي في كتابه: التوقيف على مهمات التعاريف (ص/ ٥٦٤).\nالتعريف الثالث: البحث عن العلل والمبادئ الأولى للموجودات، وإدراك الحقائق الثابتة للأشياء بقدر الطاقة البشرية. وهذا تعريف الدكتور محمد خليل هراس في كتابه: شرح القصيدة النونية (١/ ١٥٢).\nويقول ابن القيم في كتابه: إغاثة اللهفان (٢/ ١٠٠٢): \"الفلاسفة اسم جنس لمن يُحب الحكمة ويؤثرها. وأخص من ذلك: أنه في عُرْف المتأخرين: اسم لأتباع أرسطو، وهم المشَّاؤون خاصة، وهم الذين هذَّب ابنُ سينا طريقتهم وبسطها وقررها، وهي التي يعرفها - ولا يعرف سواها - المتأخرون من المتكلمين\".\nوللاستزادة من التعريفات انظر: الملل والنحل للشهرستاني (٢/ ٧٩٥ وما بعدها)، وموقف شيخ الإسلام ابن تيمية من آراء الفلاسفة للدكتور صالح الغامدي (ص/ ٦٠ وما بعدها)، وجناية التأويل الفاسد على العقيدة للدكتور محمد لوح (ص/ ٣٩٩ وما بعدها)، والنفي في باب صفات الله ﷿ لأزرقي سعداني (ص/ ٤٢٣ وما بعدها).\n(^٢) شرح مختصر الروضة (٣/ ٣٧).","vol":"3","page":1219},{"text":"أولًا: أن الأصوليَّ يَتَمَلّكُ أهمّ شرطٍ مِنْ شروطِ الاجتهادِ في الفقه، وهو معرفةُ أصولِ الفقهِ، إضافة إلى معرفتِه بالأحكامِ والفروعِ.\nثانيًا: لا يُخْشَى مِن وقوعِ الأصولي في هذه الحالةِ في مخالفةِ الإجماعِ السابقِ، ولا إتيانه بأقوال غريبةٍ.\nيقولُ الطوفيُّ مبينًا أثرَ معرفةِ أصول الفقهِ في عقليةِ الأصولي وفهمِه: \"إنَّ مباحثَ الأصولِ والعربيةِ عقليةٌ، وفيهما مِن القواطع كثيرٌ، فَيَتَنَقّح بها الذهنُ، ويقوى بها استعدادُ النفسِ لإدراكِ التصورات، والتصديقات (^١) حتى يصير لها ذلك ملكةٌ، فإذا توجهتْ إلى الأحكامِ الفقهيةِ أدركتها؛ إذ هي في الغالبِ لا تخالف الأصولَ العقلية إلا بعارضٍ بعيدٍ، أو تخصيصِ علةٍ، ومع ذلك فهو لا يخفى على مَنْ مارسَ المباحثَ الأصوليةَ\" (^٢).\nالحالة الثانية: أن يكون المتمذهب فقيهًا.\nإذا كان المتمذهبُ مشتغلًا بالفقهِ والفروعِ - سواءٌ أبلغ درجةَ الاجتهادِ في المذهبِ، أو كان حافظًا لفروعِ مذهبِه - فهل يُعْتَدُّ بقولِه في الإجماعِ على المسائلِ الفقهيةِ، بحيثُ لا ينعقدُ الإجماعُ دونَ موافقتِه؟\nليس مِن الممكنِ إطلاقُ حُكْمٍ واحدٍ على المتمذهبين بالاعتدادِ بهم في الإجماعِ، أو عدمِه، بلْ لكلِّ طبقةٍ ما يخصها، وسأذكر الطبقةَ، وحكمَ الاعتدادِ بأهلِها في الإجماعِ:\n_________\n(^١) التصديقات: جمع تصديق، والصديق: إدراك الماهية مع الحكم عليها بنفي أو إثبات. أو هو: إدراك النسبة بين مفردين فأكثر (إدراك معه حكم). انظر: التذهيب للخبيصي (ص/ ٢٩)، وتحرير القواعد المنطقية لقطب الدين الرازي (ص/ ٧)، ولقطة العجلان وبلة الظمآن للزركشي (ص/ ٩٢)، والتعريفات للجرجاني (ص/ ١٢٣)، والتوقيف على مهمات التعريف للمناوي (ص/ ١٨٠)، وشرح الكوكب المنير (١/ ٥٨)، وضوابط المعرفة لعبد الرحمن الميداني (ص/ ١٨)، وطرق الاستدلال ومقدماتها للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٣٣).\n(^٢) شرح مختصر الروضة (٣/ ٣٩).","vol":"3","page":1220},{"text":"أولًا: المجتهدُ المقيّدُ في مذهبِ إمامٍ معيّنٍ (المخرِّج):\nإذا كانَ المتمذهبُ بالغًا درجةَ الاجتهادِ المقيدِ في مذهبِه، قادرًا على تخريجِ أقوالٍ لإمامِه فيما لم يَرِدْ عنه فيها قولٌ، فهلْ يُعْتَدُّ بقولِه في الإجماعِ على المسائلِ الفقهيةِ، بحيث لا ينعقدُ الإجماعُ دونَ موافقتِه؟\nيمكن تفصيلُ القولِ في ضوءِ الآتي:\n- إنْ تحققَ للمتمذهب وصفُ الاجتهادِ الجزئي في الشريعةِ في بعضِ المسائلِ، فيُعتدُّ بقولِه فيهَا، ولا ينعقدُ الإجماعُ بدونه؛ ويكون ملحقًا بالمجتهدِ المطلقِ (^١).\nيقولُ ابنُ رشيق المالكي: \"كلُّ مَنْ كان متمكنًا مِن النظرِ في الواقعةِ، إمَّا بمتقدمِ حفظِه لأدلتِها، وإمَّا باطلاعِه الآن على مآخذِها، وتصحيحِ الصحيحِ منها، وإبطالِ الباطلِ: فيُعتدُّ بقولِه، ولا ينعقدُ الإجماعُ دونَه\" (^٢).\n- إنْ لم يتحققْ للمتمذهبِ وصفُ الاجتهادِ الجزئي في المسألةِ محلِّ النظرِ، فهلْ يُعتدُّ بقولِه في انعقادِ الإجماع على المسائلِ الفقهيةِ؟\nبتأمّلِ هذه المسألةِ وأحوالِ أهلِ طبقةِ المخرجين، ظَهَرَ لي أنَّه يُعتدُّ بأربابها في انعقادِ الإجماع؛ وذلك لاجتماعِ شروطِ الاجتهادِ الرئيسة فيهم (^٣)، ومِنْ أهمِّها: معرفةُ أصولِ الفقهِ.\nولأنَّ هناك من قال: إنَّ القولَ التي يتوصلُ إليه المخرِّج هو قولٌ مخرَّج لإمامِه المجتهدِ، فكأنَّ الإمامَ هو مَنْ أفصحَ بالقولِ في المسألةِ (^٤).\nيقول ابن حمدان: \"ثمَّ إنَّ المستفتي فيما يفتيه - أي: المخرِّج - مقلِّدٌ لإمامِه، لا له.\n_________\n(^١) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٦)، وصفة الفتوى (ص/ ١٨).\n(^٢) لباب المحصول (١/ ٣٩٩).\n(^٣) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٤ - ٩٥).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (ص/ ٩٥).","vol":"3","page":1221},{"text":"وقيل: ما يخرِّجه أصحابُ الإمامِ على مذهبِه، هل يجوزُ أنْ يُنسبَ إليه، وأنَّه مذهبُه؟\nفيه - لنا ولغيرنا - خلافٌ وتفصيلٌ\" (^١).\nولعلَّ في قولِ مَنْ قال بتأدي فرضِ الكفايةِ في الفتوى بالمخرِّجِ (^٢) إشارةً إلى الاعتدادِ بالقولِ الذي توصّلَ إليه.\nويُؤكّدُ الاعتداد بقولِ المتمذهب في هذه الحالة: أنَّ العلماءَ ما زالوا على مرِّ العصورِ يُبَيّنون خلافَ المذاهبِ في المسائلِ الفرعيةِ اعتمادًا على الكتبِ المذهبيةِ التي ألّفها مجتهدو المذهبِ.\nولأبي المظفرِ السمعاني كلامٌ محررٌ يمثلُ خُلاصةً جيّدةً يُبَيّنُها بقولِه: \"مَنْ يكونُ حافظًا للأحكامِ والفروعِ بدلائلِها وعللِها، مُشْرِفًا على الأصولِ في ترتيبِها ولوازمِها، عارفًا سُبُلَها، وأدلتها وعللها: فهذا أكملُ الفقهاءِ عِلْمًا، وأصحِّهم اجتهادًا، وهذه الطبقةُ هم الذين يُرجعُ إليهم في الإجماعِ، والاختلافِ.\nوأمَّا مَنْ يكونُ حافظًا للأحكامِ والفروعِ بدلائلِها وعللِها، غير عارفٍ بالأصولِ وترتيبها ولوازمها: فيصحُّ اجتهادُه فيما يقتضيه التعليلُ والشبهُ، ولا يصحُّ اجتهادُه فيما تقتضيه دلائلُ الأصولِ، فما يصحُّ اجتهاده فيه ارتفع الإجماعُ بخلافِه، وما لا يصح اجتهادُه فيه لم يرتفع الإجماعُ بخلافِه\" (^٣).\nثانيًا: مجتهد الترجيح (أو مجتهد الفتيا)، والحافظ لمذهب إمامه (^٤):\nهلْ يُعْتَدُّ بقولِ مجتهدِ الترجيح، وبقولِ الحافظِ لمذهبِ إمامِه في\n_________\n(^١) صفة الفتوى (ص/ ٢٠).\n(^٢) كما ذهب إليه: ابنُ الصلاح في: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٥)، وابنُ حمدان في: صفة الفتوى (ص/ ١٩).\n(^٣) قواطع الأدلة (٣/ ٢٤٤ - ٢٤٥).\n(^٤) جعلت الحديث عن مجتهد الترجيح والحافظ لمذهب إمامه في سياق واحد؛ لاتفاقهما في الأحكام في هذه المسألة.","vol":"3","page":1222},{"text":"الإجماعِ على المسائلِ الفقهيةِ، بحيثُ لا ينعقدُ الإجماعُ إلا بموافقتِهما فيما لو ذكرا قولًا في المسألةِ؟\nيمكنُ بيانُ حالِ مجتهدِ الترجيحِ، والحافظِ لمذهبِ إمامِه في ضوءِ التفصيلِ الآتي:\n- إنْ تحقّقَ لمجتهدِ الترجيحِ، أو لحافظِ المذهب وصفُ الاجتهادِ المقيَّدِ بالتخريجِ على أصولِ مذهبِه وفروعِه في بعضِ المسَائل: فلهما حُكْمُ المجتهدِ المقيَّد فيها؛ والذي يظهرُ لي أنَّه يعتدُّ بقولِهما في الإجماعِ على المسائل التي تحققَ لهما فيها وصفُ الاجتهادِ المقيَّدِ.\n- إنْ لم يتحققْ لمجتهدِ الترجيحِ، أو لحافظِ المذهب وصفُ الاجتهادِ المقيَّدِ، واقتصر مجتهدُ الترجيحِ على الترجيحِ، والحافظُ عَلى حفظِ مذهبِه، مع بروزِهما في الفقهِ، وعدمِ معرفتِهما بأصولِ الفقهِ: فما ذكره الأصوليون في مسألةِ: (الاعتداد بقولِ الفقيه الذي لا معرفةَ له بأصولِ الفقهِ في الإجماعِ على المسائلِ الفقهيةِ)، صادقٌ على حالتهما هنا.\nوقد اختلف الأصوليون في الاعتدادِ بقولِ الفقيه الذي لا معرفةَ له بأصولِ الفقهِ في الإجماعِ على قولين:\nالقول الأول: لا يُعْتَدُّ بقولِ الفقيهِ في الإجماعِ على المسائل الفقهيةِ.\nوهذا القولُ هو مذهبُ الحنابلةِ (^١). ونَسَبَه ابنُ مفلحٍ (^٢)، وابنُ اللحامِ (^٣)، وأمير باد شاه (^٤) إلى الجمهورِ.\nواختاره جمعٌ مِنْ محققي أصول الفقه، منهم: إمامُ الحرمين الجويني (^٥)، وفخرُ الإسلام البزدوي (^٦)، وأبو المظفرِ السمعاني (^٧)، والفخرُ\n_________\n(^١) انظر: أصول الفقه لابن مفلح (٢/ ٣٩٨)، والتحبير (٤/ ١٥٥٦).\n(^٢) انظر: أصول الفقه (٢/ ٣٩٨).\n(^٣) انظر: المختصر في أصول الفقه (ص/ ٧٥).\n(^٤) انظر: تيسير التحرير (٣/ ٢٢٤).\n(^٥) انظر: البرهان (١/ ٤٤١).\n(^٦) انظر: أصول البزدوي (٣/ ٢٣٩) مع شرحه كشف الأسرار.\n(^٧) انظر: قواطع الأدلة (٣/ ٢٤٤).","vol":"3","page":1223},{"text":"الرازي (^١)، والموفقُ بن قدامة (^٢)، وابنُ الحاجبِ (^٣)، وسراجُ الدين الأرموي (^٤)، والطوفيُّ (^٥).\nالقول الثاني: يُعْتَدُّ بقولِ الفقيهِ في الإجماعِ على المسائل الفقهية.\nوهذا قولُ بعضِ الحنابلةِ (^٦). واختاره: أبو حامد الغزالي (^٧).\nوذَكَرَ القولَ دون نسبةٍ إلى أحدٍ جمعٌ مِن الأصوليين، منهم: إمامُ الحرمين الجويني (^٨)، وأبو حامدٍ الغزالي (^٩)، والموفقُ بن قدامة (^١٠)، والآمديُّ (^١١)، وابنُ التلمساني (^١٢)، وابنُ الحاجبِ (^١٣)، وصفيُّ الدين الهندي (^١٤)، والطوفيُّ (^١٥)، وعبدُ العزيز البخاري (^١٦)، وعضدُ الدين الإيجي (^١٧)، وابنُ مفلح (^١٨)، وأبو زكريا الرهوني (^١٩)، ومحمدٌ البابرتي (^٢٠)، وأبو علي الشوشاوي (^٢١).\n_________\n(^١) انظر: المحصول في علم أصول الفقه (٤/ ١٩٨).\n(^٢) انظر: روضة الناظر (٢/ ٤٥٤).\n(^٣) انظر: مختصر منتهى السول (١/ ٤٤٣).\n(^٤) انظر: الحاصل من المحصول (٢/ ٧٢٤).\n(^٥) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٣٩).\n(^٦) انظر: أصول الفقه لابن مفلح (٢/ ٣٩٩).\n(^٧) انظر: المنخول (ص/ ٣١١)، والمستصفى (٢/ ٣٤٢).\n(^٨) انظر: التلخيص في أصول الفقه (٣/ ٤١).\n(^٩) انظر: المستصفى (٢/ ٣٤٢).\n(^١٠) انظر: روضة الناظر (٢/ ٤٥٤).\n(^١١) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٢٢٨).\n(^١٢) انظر: شرح المعالم (٢/ ١٠٦).\n(^١٣) انظر: مختصر منتهى السول (١/ ٤٤٣).\n(^١٤) انظر: نهاية الوصول (٦/ ٢٦٥٢).\n(^١٥) انظر: شرح مختصر الروضة (٣/ ٣٩).\n(^١٦) انظر: كشف الأسرار (٣/ ٢٤٠).\n(^١٧) انظر: شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (٢/ ٣٣).\n(^١٨) انظر: أصول الفقه (٢/ ٣٩٨).\n(^١٩) انظر: تحفة المسؤول (٢/ ٢٣٩).\n(^٢٠) انظر: التقرير لأصول فخر الإسلام (٥/ ٣٤٢).\n(^٢١) انظر: رفع النقاب (٤/ ٦٦٨).","vol":"3","page":1224},{"text":"• أدلة القولين:\nأدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأول بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: مِنْ شرطِ الاجتهادِ معرفةُ أصولِ الفقهِ، وإذا عُدِمَتْ معرفة الأصول فُقِدَ الاجتهادُ، وإذا فُقِدَ الاجتهادُ عُدِمُ الإجماعُ (^١)، ويكون حكمُ الفقيه في هذه الحالةِ حكمَ العامي (^٢).\nالدليل الثاني: أنَّ الحافظَ للأحكامِ غيرُ قادرٍ على إقامةِ الدليلِ (^٣)، فلا يُعْتَدُّ بقولِه؛ وبيان ذلك: أنَّ الحافظَ للأحكامِ؛ لجهلِه بأصولِ الفقهِ لا يمكنُه التمييزُ بين الصواب والخطأِ في الاستدلالِ بالأدلةِ، فكيفَ يُعتبرُ قولُه؟ ! وهو فاقدٌ لأهليةِ التمييزِ بين دلالةِ الأدلةِ (^٤).\nالدليل الثالث: لا يجوز تقليدُ الحافظِ للأحكامِ في النوازلِ، إذ إنَّه ليس من المفتين، بلْ هو من المستفتين، وإذا لم يجزْ تقليدُه لم يُعْتَدَّ بقولِه (^٥).\nأدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: أنَّ الفقيهَ العارفَ بالفقهِ عالمٌ بتفاصيلِ الأحكامِ\n_________\n(^١) انظر: البرهان (١/ ٤٤١)، ورفع النقاب (٤/ ٦٦٩).\n(^٢) انظر: المحصول في علم أصول الفقه للرازي (٤/ ١٩٨)، ونهاية الوصول للهندي (٦/ ٢٦٥٢).\n(^٣) انظر: أصول الفقه لابن مفلح (٢/ ٣٩٩).\n(^٤) انظر: التحصيل من المحصول (٢/ ٨٢)، ونهاية الوصول للساعاتي (١/ ٢٨٢).\n(^٥) انظر: شرح العمد (١/ ١٦٧)، والتبصرة (ص/ ٣٧١)، والبرهان (١/ ٤٤٠)، والمنخول (ص/ ٣١١)، ومختصر منتهى السول لابن الحاجب (١/ ٤٤٦)، والإبهاج في شرح المنهاج (٥/ ٢١٢٦)، ورفع الحاجب (٢/ ١٧٥)، وتحفة المسؤول للرهوني (٢/ ٢٣٩) والتقرير لأصول فخر الإسلام للبابرتي (٥/ ٣٤٢).","vol":"3","page":1225},{"text":"والفروعِ، فيُعْتَبُر قولُه في الإجماعِ (^١).\nالدليل الثاني: أنَّ للفقيهِ العارفِ بالفقه والفروِعِ أهليةً في العِلْم، ومعرفةً بالأحكامِ، وهذه لا وجودَ لها في العامي، فوَجَبَ اعتبارُها (^٢)، ليحصلَ الفرقُ بينه وبين العامي.\nالدليل الثالث: أنَّ الحافظَ للأحكامِ يَعْرِفُ مواقعَ الاتفاقِ والاختلافِ، فمخالفتُه في المسألةِ تدل على تقدم الخلافِ فيها؛ إذ لو كان متّفَقًا على حكمِها لما خَالَف (^٣).\nمناقشة الدليل الثالث: لا نُسلّم ما ذكرتموه في دليلِكم، فقد تكونُ المسألةُ محلُّ النظرِ نازلةً في العصرِ غيرَ واقعةٍ في العصرِ السابقِ، حتى نقول بالحاجةِ إلى موافقةِ الحافظِ للفروعِ.\nثم لو وَقَعَتْ في العصرِ الأول، فقد لا يَعْرِفُ الحافظ للفروعِ الأقوالَ فيها؛ لعدم وصولِها إليه، فلا تدلُّ عدمُ موافقتِه على تقدّمِ الخلافِ، ولذا لا تُعتبرُ موافقتُه في الإجماعِ (^٤).\nويمكنُ أنْ يُستدلَّ لأصحاب القولِ الثاني بالدليلِ الأولِ لأصحاب القولِ الثاني في مسألةِ: (الاعتداد بقول الأصولي).\n• الموازنة والترجيح:\nبالنظرِ في القولين وما استدلوا به، يظهرُ لي رجحانُ القولِ الأولِ القائلِ بعدمِ الاعتدادِ بقولِ الفقيهِ العارفِ لأحكامِ الفروعِ في الإجماعِ على\n_________\n(^١) انظر: كشف الأسرار للبخاري (٣/ ٢٤٠)، ورفع النقاب للشوشاوي (٤/ ٦٦٩).\n(^٢) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٢٢٨)، ونهاية الوصول للهندي (٦/ ٢٦٥٢)، وكشف الأسرار للبخاري (٣/ ٢٤٠)، والتقرير لأصول فخر الإسلام للبابرتي (٥/ ٣٤٢).\n(^٣) انظر: نهاية الوصول للهندي (٦/ ٢٦٥٢)، وتشنيف المسامع (٣/ ٨٥)، وشرح الكوكب الساطع للسيوطي (٣/ ٢٧٩).\n(^٤) انظر: نهاية الوصول للهندي (٦/ ٢٦٥٢ - ٢٦٥٣).","vol":"3","page":1226},{"text":"المسائلِ الفقهيةِ؛ إذ معرفةُ القولِ الراجحِ في المسائلِ الفقهيةِ التي تكلّم عنها أهلُ العصرِ السابقِ، ومعرفةُ حُكْمِ النازلةِ التي وَقَعَتْ في عصرِ الفقيهِ الحافظِ للفروعِ، متوقفةٌ على معرفةِ أصولِ الفقه، فالجاهلُ بهذا العلمِ ليس أهلًا للاعتدادِ بقولِه.\nيقولُ أبو المظفرِ السمعاني عن حالِ المقتصرِ على حفظِ مذهبِ إمامِه: \"إنَّ مَنْ يَعْرِفُ الفروعَ والأحكامَ، ولا يَعْرِفُ دلائلَها وعللَها، فهذا ناقلٌ يُرْجَعُ إلى حفظِه، ولا يعوَّل على اجتهادِه، فلا يَرْتَفِعُ الإجماعُ بخلافِه\" (^١).\nأمَّا لو كان عنده معرفةٌ بأصولِ الفقهِ، بحيثُ يُكسبُه الأصولُ القدرةَ على التمييزِ بين الأدلةِ ودلالتها، فالظاهر الاعتدادُ بقولِه في هذه الحالةِ.\n* * *\n_________\n(^١) قواطع الأدلة (٣/ ٢٤٤).","vol":"3","page":1227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>المبحث السادس: عمل المتمذهب إذا خالف أحدُ أتباع الإمام مذهبَ الإمام</span>\nكان لبعضِ أتباعِ المذاهبِ على اختلافِ مناهجِها وأصولِها اجتهاداتٌ مختصةٌ بهم، وقد تكونُ نتيجةُ هذه الاجتهادات آراء تخالفُ أقوالَ إمامِ المذهبِ، فإذا وَقَفَ المتمذهبُ على مخالفةٍ لأحدِ أتباعِ المذهبِ لإمامِه، فما الذي يصنعُه المتمذهبُ في هذه الحالةِ؟ أيأخذُ بقولِ إمامِه، أم له أنْ يأخذَ بقولِ مَنْ خالفه مِنْ أتباعِه؟\nممَّا لا شك فيه أنَّ المذهبَ عبارةٌ عن الأصولِ والقواعدِ التي سارَ عليها إمامُ المذهب وأتباعُه، وعبارةٌ أيضًا عن آراءِ إمام المذهبِ وأتباعِه واجتهاداتهم، فالمَذهبُ مدرسةٌ فقهيةٌ أصوليةٌ مكتملةٌ، ولذا فنسبةُ أقوالِ الأتباعِ إلى المذهبِ بهذا الاعتبارِ نسبةٌ صحيحةٌ، فإذا قال أحدُ الأتباعِ قولًا في مسألةٍ لم يَرِدْ فيها عن إمامِ المذهبِ قولٌ، فقولُه داخلٌ تحتَ مسمّى المذهبِ، إنْ لم يخالفْ أصولَه وقواعدَه، لكنْ إنْ كانَ قولُ أحدِ أئمةِ المذهبِ مخالفًا لقولِ إمامِه، فما موقفُ المتمذهب في هذه الحالةِ؟\nقبلَ بيانِ عملِ المتمذهبِ تحسنُ الإشارةُ إلى مسألةٍ مهمةٍ، وهي: إذا كان في قولِ أحدِ أتباعِ الإمام خطأٌ أو وهمٌ في نسبةِ القولِ إلى إمامِه، فلا شكَّ في عدم الاعتدادِ بقولِه حينئذٍ؛ لأنَّ مقصودَه بيانُ قول إمامِه، وقد أخطأ في بيانِه (^١).\nويمكن تقسيم القولِ المخالفِ لإمامِ المذهبِ قسمين:\n_________\n(^١) انظر: تهذيب الأجوبة (٢/ ٨٩٨ وما بعدها)، والتمهيد في تخريج الفروع على الأصول للإسنوي (ص/ ٤٢٣ - ٤٢٦).","vol":"3","page":1228},{"text":"القسم الأول: إذا كان قولُ أحد أتباع المذهب المخالف لإمام المذهب غيرَ سائرٍ على أصول المذهب.\nالقسم الثاني: إذا كان قولُ أحد أتباع المذهب المخالف لإمام المذهب سائرًا على أصول المذهب.\nالقسم الأول: إذا كان قولُ أحد اتباع المذهب المخالف لإمام المذهب غيرَ سائرٍ على أصول المذهب.\nإذا اجتهدَ أحدُ أتباعِ إمامِ المذهبِ، فذَهَبَ إلى قولٍ خالفَ فيه إمامَه، فلا تثريبَ فيما ذَهَبَ إليه؛ لأنَّه أدَّى ما عليه، لكنْ إنْ سارَ في اجتهادِه على غيرِ أصولِ مذهبِه، فتوصَّل إلى ترجيحِ قولٍ خارجٍ عن المذهب - كما لو أخذ غيرُ المالكي بعملِ أهلِ المدينةِ، فرخحَ قولَ المالكيةِ في مسألةٍ ما - فإنَّ القول الذي توصّلَ إليه لا يُنسب إلى المذهبِ البتة، وإنَّما يُنْسَبُ إلى قائلِه (^١)؛ لأنَّ في نسبتِه إلى المذهبِ مخالفةً صريحةً لأصولِه وقواعدِه، فنسبته إليه كالكذبِ على المذهبِ.\nفإذا أرادَ المتمذهبُ أَخْذَ القولِ المخالفِ لإمامِه، فتنطبق عليه مسألةُ: (الخروج عن المذهب)، وقد تقدّمَ الحديثُ عنها (^٢).\nالقسم الثاني: إذا كان قولُ أحدِ أتباع المذهب المخالف لإمام المذهب سائرًا على أصول المذهب.\nإذا اجتهدَ أحدُ أتباعِ المذهب في مسألةٍ ما، فأدّاه اجتهادُه إلى قولٍ مخالفٍ لقولِ إمامِه، فلا لومَ عليه وَلا عَتَبَ؛ لأنَّه أَخَذَ باجتهادِه، فإنْ كان اجتهادُه سائرًا على أصولِ المذهب وقواعدِه، فما الذي يفعلُه المتمذهبُ في هذه الحالةِ؟\n_________\n(^١) للاطلاع على مثال على هذا القسم انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٨/ ١٠٩).\n(^٢) انظر: سلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٦٢٤).","vol":"3","page":1229},{"text":"يمكنُ القول \"إنَّه لا ريبَ في عدمِ نسبةِ ما قاله التابعُ لمذهبِه إلى إمامِه (^١).\nوالأصلُ في هذا المقامِ هو قولُ إمامِ المذهبِ، ومع هذا فالقولُ المخالفُ له منسوبٌ إلى المذهب؛ لأنَّه قولٌ مِنْ أحدِ أتباعِه سائر على أصولِه، ولبعضِ المذاهبِ اصطَلاحُها الخاص في تسميةِ اجتهادات الأصحابِ.\nولا شكَّ في تقديم قولِ إمامِ المذهب في هذه الحالةِ (^٢) - إلا إنْ كان مردُّ الاختلافِ إلى تغيّرِ العرفِ أو اختلافَ المصلحةِ مثلًا، فيؤخذُ بالقولِ الذي اعتبرَ العرفَ الحالي والمصلحةَ القائمة (^٣) - ويسوغُ الأخذُ بقولُ الصاحب الذي خالفَ إمامَ مذهبِه؛ لمقتضٍ (^٤).\nيقولُ صدرُ الدين السلمي: \"إذا وَجَدْنا الإمامَ الشافعيُّ - ﵁ - نصَّ على شيءٍ مِن المسائلِ، وحَكَمَ فيها بحكمٍ، ووجدنا واحدًا مِن الأصحابِ، أو كثيرًا منهم أو أكثرهم ممَّنْ يُرْجَعُ إليه في التصحيحِ، ذَكَرَ المسألةَ، وصححَّ فيها خلافَ ما جزمَ به الشافعيُّ - ﵁ -، ولم نجدْ هذا المصحِّح تعرضَ لنصِّ الشافعي، ولا ذَكَرَه، ولا ألمَّ به، ولا أجاب عنه: فالمعتمدُ في الفتوى والعملِ على ما نصَّ عليه\" (^٥).\nويظهرُ أن أربابَ المذاهبِ يَقْبَلون اجتهاداتِ أصحابِهم المخالفةَ لإمامِهم، ولابنِ القيّمِ كلامٌ يشير إلى هذا المعنى، يقول مخاطبًا فئةً مِن\n_________\n(^١) انظر: شرح عقود رسم المفتي (ص/ ٨٤).\n(^٢) انظر: كشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/ ٦٨)، والمعيار المعرب للونشريسي (١٢/ ٢٣)، والفتاوى الفقهية الكبرى للهيتمي (٢/ ٧٢)، ومنار أصول الفتوى للقاني (ص/ ٢٧٤)، وشرح عقود رسم المفتي لابن عابدين (ص/ ٨٦)، وفتح العلي المالك لعليش (١/ ٧٢)، والمصباح في رسم المفتي لمحمد الراشدي (ص/ ٢٦٣).\n(^٣) انظر: الفتاوى البزازية (١/ ٣).\n(^٤) انظر: نشر البنود (٢/ ٣٣٣)، ومراقي السعود إلى مراقي السعود (ص/ ٤٤٧)، ونثر الورود للشنقيطي (٢/ ٦٦١).\n(^٥) فرائد الفوائد (ص/ ١١٤).","vol":"3","page":1230},{"text":"المتمذهبين: \"إذا قالَ بعضُ أصحابِكم ممَّنْ قلدتموه قولًا خلافَ قولِ المتبوع، أو خرَّجه على قولِه جعلتموه وجهًا، وقضيتُم وأفتيتُم به، وألزمتَم بمقتضاه\" (^١).\nويقولُ ابنُ عابدين: \"والحاصلُ أنَّ ما خالفَ فيها - أي: المسائل - الأصحابُ إمامَهم الأعظم لا يخرج عن مذهبِه إذا رجّحه المشايخُ المعتبرون\" (^٢).\nولما سَبَقَ عابَ بعضُ العلماءِ على بعضِ المتمذهبين اقتصارَهم على ما قرره متأخروهم، وعدم التفاتِهم إلى نصوصِ إمامِهم.\nيقولُ الشيخُ محمد بن عبد الوهاب: \"أكثرُ ما في: (الإقناع) (^٣) و(المنتهى) (^٤) مخالفٌ لمذهبِ أحمدَ ونصِّه! \" (^٥).\nويقولُ الشيخُ حمد بن معمر عن حالِ بعضِ المتعصبين لمذهبِهم: \"تجدهم في أكثرِ المسائلِ قد خالفوا نصوصَ أئمتِهم، واتَّبعوا أقوالَ المتأخرينِ مِنْ أهلِ مذهبِهم، فهم يحرصون على ما قاله الآخرُ فالآخرُ، وكلمَّا تأخرَ الرجلُ أخذوا بكلامِه، وهجروا أو كادوا يهجرون كلامَ مَنْ فوقَه\" (^٦).\nوخلاصة الأمر: إذا كان المتمذهبُ متأهلًا للنظرِ في المسألةِ التي اختلفَ فيها قولُ إمامِه وأحدُ أصحاب مذهبِه: نَظَرَ فيها ليتوصلَ إلى القولِ\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٤/ ٣٠).\n(^٢) شرح عقود رسم المفتي (ص/٨٣).\n(^٣) مؤلف الإقناع: شرف الدين موسى الحجاوي.\n(^٤) مؤلف المنتهى: ابن النجار الفتوحي.\n(^٥) نقل كلامَ الشيخ محمد بن عبد الوهاب الشيخُ عبد الرحمن بن قاسم في: الدرر السنية (٤/ ١٠٥)، وفي: حاشية الروض المربع (١/ ١٧). وقارن بالمدخل المفصَّل إلى فقه الإمام أحمد (٢/ ٧٧٤ - ٧٧٥).\n(^٦) رسالة في: الاجتهاد والتقليد (ص/ ٩٣).","vol":"3","page":1231},{"text":"الراجحِ (^١)، وقد سارَ على هذا الأمرِ كثيرٌ من محققي المذاهبِ (^٢).\nوإنْ لم يكنْ متأهلًا للنظرِ في الأدلةِ، أو أرادَ بيانَ ما استقر عليه المذهبُ، فالأصلُ عنده هو قولُ إمامِه، ويستعين بما قاله محققو مذهبِه في الترجيحِ (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: سلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٦٢٤). وهناك كتاب بعنوان: (التوسط بين مالك وابن القاسم في المسائل التي اختلفا فيها من مسائل المدونة)، للفقيه أبي عبيد القاسم بن خلف الجبيري المالكي (ت: ٣٧٨ هـ)، وقد سار فيه مؤلفه بالنظر فيما اختلفا فيه، والترجيح بينهما.\n(^٢) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (٢/ ٦١٠).\n(^٣) انظر: سلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٦٢٤).","vol":"3","page":1232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>المبحث السابع: عمل المتمذهبُ عند اختلاف أصحابه في تعيين المذهب</span>\nقد يقفُ المتمذهبُ في مذهبِه أمامَ بعضِ المسائل - سواءٌ أكانت المسألةُ أصوليةً، أم فقهيةً - على اختلافٍ بين أربابِ مذهبِه في تعيين المذهبِ، إذ قد يقولُ بعضُهم: المذهبُ الإباحةُ مثلًا، ويقول آخرون: المذهبُ الاستحبابُ، فما الذي يصنعه المتمذهبُ في هذه الحالةِ؟\nاهتمّت المذاهبُ الفقهيةُ المتبوعةُ بالحديثِ عن ضوابطِ الترجيحِ في المذهبِ عند حصولِ اختلافٍ بين المتمذهبين في تعيينِه، وسوفَ أشيرُ إلى أبرزِ الطرقِ التي يعتمدُ عليها المتمذهبون في هذه الحالةِ، دونَ خوضٍ في تفاصيلها، كالترجيحِ بالكتبِ واختيارِ شيوخ المذهبِ ونحو هذا؛ وذلك لخصوصيةِ كلِّ مذهبٍ على حِدَةٍ.\nومِنْ جهةٍ أخرى: فإنَّ الضوابطَ التي ذكروها غيرُ مطّردةٍ في كلِّ المسائلِ (^١)، بلْ قد يقعُ في المذهبِ الواحدِ اختلافٌ، فيرجِّح أهلُ قُطْرٍ ما\n_________\n(^١) للاطلاع على نماذج من الضوابط المذهبية في الترجيح، انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٢٦)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/ ٢٢٧ - ٢٢٨)، والذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب (٢/ ٣٥٧ - ٣٥٨)، وكشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/ ٦٨، ٧٠ - ٧٤)، وتبصرة الحكام له (١/ ٧٠ وما بعدها)، وفرائد الفوائد للسلمي (ص/ ٨٥)، وتصحيح الفروع للمرداوي (١/ ٣١ - ٣٢)، والإنصاف (١/ ١٦ - ١٧)، والفتاوى الفقهية الكبرى للهيتمي (١/ ٢٣٤)، والدر النضيد للغزي (ص/ ٢٠٠)، والفوائد المكية للسقاف (ص/ ٦٣، ١٥٥)، ومختصرها (ص/ ٧٢)، وشرح عقود رسم المفتي لابن عابدين (ص/ ٧٠)، والبهجة في شرح التحفة للتسولي (١/ ٢١)، وفتح العلي المالك لعليش (١/ ٧٢)، ودرر الحكام لعلي حيدر (١٦/ ٥٥٠ - ٥٥٣)، والاختلاف الفقهي لعبد العزيز الخليفي (ص/ ٢٥٨)، وأصول الفتوى والقضاء للدكتور محمد رياض (ص/ ٥٢٨ وما بعدها، ٥٥٢ وما بعدها)، ونظرية الأخذ بما =","vol":"3","page":1233},{"text":"قدَّمه كتابٌ معينٌ، ويرجِّح أهل قُطْرٍ آخر ما قدَّمه كتابٌ آخر (^١).\nيقولُ المرداويُّ بعدَ سياقِه عددًا مِن المرجحاتِ المعْتَمِدةِ على كتبِ المذهب وشيوخِه: \"هذا الذي قلتُه مِنْ حيثُ الجملةُ وفي الغالب، وإلا فهذا لا يَطَّرِدُ البته، بلْ قد يكون المذهبُ ما قاله أحدُهم في مسألةٍ، ويكون الصحيحُ مِن المذهبِ ما قاله الآخر أو غيرُه في أخرى، وإنْ كان أدنى منه منزلةً، باعتبارِ النصوص والأدلةِ والعللِ والمآخذِ، والاطلاعِ عليها، والموافقِ من الأصحابِ\" (^٢).\nوجُملة القولِ في هذا المبحث: إذا كان المتمذهبُ متمكنًا مِن الترجيح في المذهب بنفسِه، فإنَّه يذكر ما وَقَفَ عليه مِن اختلافِ أصحابِه (^٣)، ثم المعوَّلُ عليه ما ترجَّح عنده (^٤)؛ لتمكنِه منه.\nأمَّا إنْ لم يكن المتمذهبُ أهلًا للترجيحِ (^٥)، فعليه أنْ يعتمدَ على ما يرجحُه شيوخُ مذهبِه من البالغين درجةَ الاجتهادِ في المذهبِ، وعلى ترجيحِ\n_________\n= جرى به العمل لعبد السلام العسري (ص/ ٤٩ وما بعدها)، والمصباح في رسم المفتي للراشدي (ص/ ٢٩٤ - ٢٩٥، ٣٠٢)، والمدخل المفصَّل إلى فقه الإمام أحمد (١/ ٢٩٤ وما بعدها)، والمذهب الحنفي لأحمد نقيب (١/ ٢٥٠ - ٢٧٨)، والفتوى في الإسلام للدكتور عبد الله الدرعان (ص/ ٤١٢ وما بعدها)، وتوصيف الأقضية لعبد الله بن خنين (١/ ٥٨٩ وما بعدها).\n(^١) انظر مثالًا على الاختلاف في المذهب الواحد في: فتاوى علماء الأحساء (٢/ ٤٥٠ - ٤٥١)، والفوائد المكية للسقاف (ص/ ٦٣، ١٥٥)، ومختصرها (ص/ ٧٤ - ٧٦).\n(^٢) تصحيح الفروع (١/ ٣٢). وانظر: الإنصاف (١/ ١٧)، والاختلاف الفقهي لعبد العزيز الخليفي (ص/٢٥٨)، والمدخل المفصَّل إلى فقه الإمام أحمد (١/ ٢٩٦).\n(^٣) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٩/ ٢٢٨).\n(^٤) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٢٤)، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٦٨)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٨/ ٤٣)، وتبصرة الحكام لابن فرحون (١/ ٧٢)، والمعيار المعرب للونشريسي (٦/ ٣٧٥)، والفتاوى الفقهية الكبرى للهيتمي (٢/ ١١٢)، وفتاوى علماء الأحساء (١/ ١٥٤، ٢٧٥)، والفوائد المكية للسقاف (ص/ ١٥٥)، ومختصرها (ص/ ٧٤)، وفتح العلي المالك لعليش (١/ ٧٢)، وسلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٦٢٤)، وأصول الإفتاء للعثماني (ص/ ٢٩١) مطبوع مع المصباح في رسم المفتي.\n(^٥) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٢٦)، وصفة الفتوى (ص/ ٤٢)، وتصحيح الفروع للمرداوي (١/ ٣٢)، ومنار أصول الفتوى للقاني (ص/ ٢٧٦).","vol":"3","page":1234},{"text":"أربابِ مرتبةِ مجتهدي الترجيحِ (^١)، ولمصطلحاتِ نقلِ المذهبِ دلالةٌ على درجةِ القولِ فيه قوةً وضعفًا (^٢).\nويراعي الناظرُ في اختلافِ أرباب المذهب أنْ لا يكونَ سببُ الاختلافِ هو تغيّرُ العُرْفِ أو اختلافُ المصلحة مثلًا؛ إذ مثل هذا لا يُعَدُّ اختلافًا؛ لأنَّ الحكمَ يتغيّرُ تبَعًا لتغيّرِ العُرْفِ والمصلحةِ (^٣).\nأمَّا المرجحات التي يُرجعُ إليها عند اختلافِ شيوخِ المذهبِ أو مجتهدي الترجيحِ في تعيينِ المذهب، فإنَّها تختلفُ من مذهبٍ إلى مذهبٍ آخر، ولبُّها عائد إلى أنَّ المعوَّلَ عليه في الترجيحِ هو الصفةُ القائمةُ بالقائلِ التي تُوجبُ مزيدَ الثقةِ بقولِه (^٤).\nومِنْ أبرزِ المرجحات التي ذُكرَت، وفي بعضِها خلافٌ:\nأولًا: الترجيحُ بكثرةِ القائلين بالقولِ في المذهبِ (^٥)، وبما اختاره أكثرُ محققيه (^٦).\n_________\n(^١) انظر: فتاوى تقي الدين السبكي (٢/ ١٢)، وتصحيح الفروع للمرداوي (١/ ٣١)، والإنصاف (١/ ١٧)، والمعيار المعرب للونشريسي (٦/ ٣٧٦)، و(١٢/ ١٤ - ١٥)، والفتاوى الفقهية الكبرى للهيتمي (١/ ٢٣٤)، والدر النضيد للغزي (ص/ ١٩٩)، وفتاوى الرملي (٤/ ١٢٨) مطبوع مع الفتاوى الفقهية الكبرى للهيتمي، وفتح العلي المالك لعليش (١/ ٧٢)، والمدخل المفصَّل إلى فقه الإمام أحمد (١/ ٣٠٤).\n(^٢) انظر: شرح عقود رسم المفتي لابن عابدين (ص/ ١٢٦)، والمصباح في رسم المفتي للراشدي (ص/ ٢٩٩).\n(^٣) انظر: منار أصول الفتوى للقاني (ص/ ٢٧٢).\n(^٤) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٢٦)، وصفة الفتوى (ص/ ٤٢)، وكشف النقاب الحاجب لا بن فرحون (ص/ ٧٠)، وتصحيح الفروع للمردوي (١/ ٣٢)، ومنار أصول الفتوى للقاني (ص/ ٢٧٦).\n(^٥) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٢٦)، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٦٨)، وصفة الفتوى (ص/ ٤٢)، وفرائد الفوائد للسلمي (ص/ ٨٧ وما بعدها)، وتصحيح الفروع للمرداوي (١/ ٣٢)، والفتاوى الفقهية الكبرى للهيتمي (٢/ ٧٢)، وسلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٦٢٤)، والمدخل المفصَّل إلى فقه الإمام أحمد (١/ ٢٩٣).\n(^٦) انظر: فرائد الفوائد للسلمي (ص/ ٩٦)، وفتاوى علماء الأحساء (١/ ١٥٤، ٢٧٥)، وفتح العلي المالك لعليش (١/ ٧٢).","vol":"3","page":1235},{"text":"ثانيًا: الترجيحُ باتّصافِ القائلِ بالعلمِ والورعِ (^١).\nفإذا اجتمعتْ صفتا: العلم والورع في شخصٍ فهو المقدَّمُ، وإنْ اختلفَ المرجّحون فيهما، فكان أحدُهما أعلم، والآخرُ أورع، فالمقدَّم المرجِّح الأحرى بالإصابةِ، وهو الأعلمُ (^٢).\nثالثًا: الترجيحُ برجحانِ القولِ في نفسِه (^٣).\nرابعًا: الترجيحُ بموافقةِ أكثرِ المذاهبِ المتبوعةِ، أو أكثرِ العلماءِ (^٤).\nفإنْ لم يقف المتمذهبُ على مرجِّحٍ لأحدٍ، توقّفَ عن الترجيحِ (^٥)، وأطلقَ الخلافَ في المذهبِ (^٦).\nونصَّ بعضُ المتأخرين على تخييرِ المتمذهبِ بين القولين (^٧).\nولعلَّ مقصدهم بالتخييرِ التخييرُ في العملِ، لا في تحديدِ المذهبِ (^٨).\n_________\n(^١) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٢٦)، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٦٨)، وصفة الفتوى (ص/ ٤٢)، وفرائد الفوائد للسلمي (ص/ ٨٦)، والدر النضيد للغزي (ص/ ١٩٩)، ومنار أصول الفتوى للقاني (ص/ ٢٧٦)، والتحفة في شرح البهجة للتسولي (١/ ٢١)، وفتح العلي المالك لعليش (١/ ٧٢)، والمدخل المفصَّل إلى فقه الإمام أحمد (١/ ٢٩٣).\n(^٢) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٢٦)، وصفة الفتوى (ص/ ٤٢)، وكشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/ ٧٠)، وفرائد الفوائد للسلمي (ص/ ٨٦)، والدر النضيد للغزي (ص/ ١٩٩)، ومنار أصول الفتوى للقاني (ص/ ٢٧٦)، والتحفة في شرح البهجة للتسولي (١/ ٢١).\n(^٣) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٢٧)، وصفة الفتوى (ص/ ٤٣).\n(^٤) انظر: المصدرين السابقين، وفرائد الفوائد للسلمي (ص/ ٨٦)، وتصحيح الفروع للمرداوي (١/ ٣٢)، والدر النضيد للغزي (ص/ ٢٠٠).\n(^٥) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٢٣، ١٢٤)، وفتاوى تقي الدين السبكي (٢/ ١٢)،\nوالمعيار المعرب للونشريسي (٩/ ٢٢٩)، والمدخل المفصَّل إلى فقه الإمام أحمد (١/ ٣٠٤).\n(^٦) انظر: كشاف القناع للبهوتي (١/ ٢٤).\n(^٧) انظر: فتاوى علماء الأحساء (١/ ١٥٤، ٢٧٥)، والفوائد المكية للسقاف (ص/ ١٥٦)، ومختصرها (ص/ ٨٠).\n(^٨) قارن بشرح عقود رسم المفتي لابن عابدين (ص/ ٣٧).","vol":"3","page":1236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>المبحث الثامن إفتاء المتمذهب</span>\nوفيه تمهيد ومطلبان:\nتمهيد في: تعريف الإفتاء في: اللغة، والاصطلاح\nالمطلب الأول: إفتاء المتمذهب بمذهب إمامه\nالمطلب الثاني: إفتاء المتمذهب بغير مذهب إمامه","vol":"3","page":1237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>تمهيد في: تعريف الإفتاء في: اللغة، والاصطلاح</span>\nمِن الأمورِ المهمةِ التي قامَ بها كثيرٌ مِن المتمذهبين في عصورِ متتاليةٍ إفتاءُ الناسِ بمذاهبِ أئمتِهم (^١)، وقبلَ الدخولِ في مطلبي المبحث الثامن سأُمهدُ له بتعريفِ الإفتاءِ في: اللغةِ، والاصطلاحِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>أولًا: الإفتاء في اللغة:</span>\nالإفتاءُ: مصدرٌ مِنْ الفعل أَفْتَى، يُقالُ: أَفْتَى يُفْتِي إفْتَاءَ (^٢)، والفَتْوَى - ويُقالُ: الفُتْوَى - والفُتْيَا: اسما مصدرٍ (^٣)، وتُجْمَع الفَتْوَى على فتاوِي.\n_________\n(^١) لمعرفة مكانة منصب الإفتاء في الإسلام وخطورته انظر: الفقيه والمتفقه للبغدادي (٢/ ٣٤٩ وما بعدها)، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (٢/ ١١٢٠ وما بعدها)، وتعظيم الفتيا لابن الجوزي (ص/ ٧٢ وما بعدها)، وأدب المفتي والمستفتي (ص/ ٧٤ وما بعدها، ١٠١)، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٤٠)، والفروق للقرافي (٢/ ٢٠٤، ٢٠٦)، وصفة الفتوى (ص/ ٤)، وإعلام الموقعين (٦/ ٧٢، ١٤١)، وكشاف القناع للبهوتي (١٥/ ٤٤ وما بعدها)، والفتوى في الإسلام لمحمد القاسمي (ص/ ٣٩)، والمفتي في الشريعة الإسلامية للدكتور عبد العزيز الربيعة (ص/ ١٧ وما بعدها)، والفتيا ومناهج الإفتاء للدكتور محمد الأشقر (ص/ ١٣ وما بعدها)، وأصول الإفتاء للعثماني (ص/ ٢٥ وما بعدها) مع المصباح في رسم المفتي، والفتوى - نشأتها وتطورها للدكتور حسين الملاح (ص/ ٦٥٠ وما بعدها)، وصناعة الفتوى لعبد الله بن بيه (ص/٢٣ وما بعدها).\n(^٢) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (فتي)، (١٤/ ٣٢٩)، ولسان العرب، مادة: (فتا)، (١٥/ ١٤٧).\n(^٣) انظر: المصدرين السابقين، والصحاح، مادة: (فتي)، (٦/ ٢٤٥٢)، والقاموس المحيط، مادة: (فتي)، (ص/ ١٧٠٢).\nيقول الدكتور محمد الأشقر في كتابه: الفتيا ومناهج الإفتاء (ص/ ٧): \"لفظ: (الفتيا) أكثر استعمالًا في كلام العرب من لفظ: (الفتوى)؛ فقد وردت (الفتيا) في: كتب السنة التسعة المشهورة في: (١٢) موضعًا - كما في المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي - بينما لم =","vol":"3","page":1239},{"text":"وقيل: يجوزُ أنْ تُجْمَع على فتاوَى؛ للتخفيفِ (^١).\nوترجعُ كلمةُ: (الإفتاء) إلى مادةِ: (فتي) (^٢)، ولهذه المادةِ معنيانِ في اللغةِ:\nالمعنى الأول: الطراوةُ والجدَّةُ (^٣). ومِن هذا المعنى: الفَتيُّ: الطريُّ مِن الإبلِ (^٤)، والأَفْتَاءُ مِن الدوابِّ: خلافُ المسنِّ (^٥)، والفَتَى من الناسِ: واحدُ الفتيان (^٦)، وهو الطريُ مِن الشبابِ (^٧)، والفتاةُ: الشابّةُ (^٨).\nالمعنى الثاني: تبيينُ حُكمٍ (^٩). يُقالُ: أفتى الرجلُ في المسألةِ، واستَفْتَيْتُه، فأفتاني، وأفتيتُ فلانًا في رؤيا رآها، إذا عبَّرتُها له (^١٠).\nيقولُ أبو منصورٍ الأزهري: \"أصلُ الإفتاءِ والفتيا: تبيينُ المشكلِ مِن الأحكامِ، أصلُه مِن الفتى: وهو الشابُّ الحدثُ الذي شبَّ وقوي، فكأنَّه\n_________\n= ترد (الفتوى) فيها ... فَيَحقُّ لنا أنْ ندَّعي أن (الفتيا) أفصح، وإنْ كانت (الفتوى) لفظًا فصيحًا\".\n(^١) انظر: المصباح المنير للفيومي، مادة: (فتا)، (ص/ ٣٧٦).\n(^٢) يقول ابنُ سيده - كما نقله عنه ابنُ منظور في: لسان العرب، مادة: (فتا)، (١٥/ ١٤٨) -: \"إنَّما قضينا على ألف أفتى بالياء؛ لكثرة: ف ت ي، وقلة: ف ت و\".\n(^٣) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (فتي)، (٤/ ٤٧٣).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (٤/ ٤٧٤)، ومجمل اللغة، مادة: (فتي)، (٣/ ٧١١).\n(^٥) انظر: الصحاح، مادة: (فتي)، (٦/ ٢٤٥٢)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (فتا)، (ص/ ٣٧٦).\n(^٦) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (فتي)، (١٤/ ٣٢٧)، والصحاح، مادة: (فتي)، (٦/ ٢٤٥١)، ومقاييس اللغة، مادة: (فتي)، (٤/ ٤٧٤).\n(^٧) انظر: مفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني، مادة: (فتي)، (ص/ ٦٢٥).\n(^٨) انظر: الصحاح، مادة: (فتي)، (٦/ ٢٤٥١)، ولسان العرب، مادة: (فنا)، (١٥/ ١٤٥)، والقاموس المحيط، مادة: (فتي)، (ص/ ١٧٠٢).\n(^٩) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (فتي)، (١٤/ ٣٢٩)، ومقاييس اللغة، مادة: (فتي)، (٤/ ٤٧٣)، وشمس العلوم للحميري، مادة: (فتي)، (٨/ ٥٠٩٣)، وزاد المسير لابن الجوزي (٢/ ٢١٥)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (فتا)، (ص/ ٣٧٦).\n(^١٠) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (فتي)، (١٤/ ٣٢٩).","vol":"3","page":1240},{"text":"يقوي ما أَشْكَلَ بيانُه، فَيَشِّبُ، ويصير فتيًا قويًّا\" (^١).\nفكأنَّ أبا منصور الأزهري يُرْجِعُ المعنى الثاني إلى المعنى الأولِ.\nومِن المعنى الثاني قولُهم: أفتى الفقيهُ في المسألةِ، إذا بيَّنَ حكمَها، واستفتيتَ عالمًا إذا سألتَ عن الحكم (^٢)، ومنه أيضًا: قولُه تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ (^٣)، وقولُه تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (^٤).\nوالمعنى اللغوي المناسبُ للتعريف الاصطلاحي للإفتاءِ هو المعنى الثاني.\nفمعنى الإفتاءِ في اللغةِ: الإبانةُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>ثانيًا: الإفتاء في الاصطلاح:</span>\nتعددتْ تعريفاتُ العلماءِ لمصطلحِ: (الإفتاء) - وفي معناه: الفتيا والفتوى (^٥) - وسأذكرُ أبرزَ التعريفاتِ، دون توسعٍ في ذكرِ المناقشاتِ الواردةِ عليها والإجابة عنها (^٦)؛ إذ المقصودُ التمهيد للمطلبين القادمين.\n_________\n(^١) المصدر السابق. وانظر: مفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني، مادة: (فتي)، (ص/ ٦٢٥)، ولسان العرب، مادة: (فتا)، (١٥/ ١٤٧ - ١٤٨).\n(^٢) انظر: الصحاح، مادة: (فتي)، (٦/ ٢٤٥٣)، ومقاييس اللغة، مادة: (فتي)، (٤/ ٤٧٤)، ومجمل اللغة، مادة: (فتي)، (٣/ ٧١١)، ومفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني، مادة: (فتي)، (ص/ ٦٢٥)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (فتا)، (ص/ ٣٧٦).\nيقول الدكتور محمد الأشقر في: كتابه: الفتيا ومناهج الإفتاء (ص/ ٨): \"بتتبع النصوص اللغوية يتبين أنَّ الإفتاءَ لا يكون إلا عن سؤالِ سائلٍ، ولم نرَ نصًّا استعملت فيه الكلمة للبيان المبتدأ المرسل\".\n(^٣) من الآية (١٢٧) من سورة النساء.\n(^٤) من الآية (١٧٦) من سورة النساء.\n(^٥) انظر: مقدمة تحقيق فتاوى الشاطبي للدكتور محمد أبو الأجفان (ص/ ٦٨).\n(^٦) للتوسع في ذكر التعريفات انظر: أصول الفتوى والقضاء للدكتور محمد رياض (ص/ ١٧٧ - ١٨١)، والمصباح في رسم المفتي لمحمد الراشدي (ص/ ١٩ - ٢١)، والإفتاء عند الإمام ابن =","vol":"3","page":1241},{"text":"التعريف الأول: إخبارٌ عن الله تعالى في إلزامٍ، أو إباحةٍ.\nوهذا تعريفُ شهابِ الدينِ القرافي (^١).\nالتعريف الثاني: إخبارُ المفتي بحكمِ الله تعالى؛ لمعرفتِه بدليلِه.\nذَكَرَ هذا ابنُ حمدان، ولم ينصَّ على كونِه تعريفًا، وإنَّما ساق تعريفًا للمفتي - يمكن منه أخذ تعريفِ الإفتاءِ - فقال: \"المفتي: هو المخبرُ بحكمِ الله تعالى؛ لمعرفتِه بدليلِه\" (^٢).\nالتعريف الثالث: الإخبارُ عن الحكمِ، على غيرِ وجهِ الإلزامِ.\nذَكَرَ هذا التعريفَ إبراهيمُ بن محمد اللقاني (^٣)، والبنانيُّ (^٤).\nواحْتُرِزَ بقيد: \"على غير وجه الإلزام\" عن القضاءِ؛ لأنَّه إلزامٌ (^٥).\nوذَهَبَ بعضُ العلماءِ إلى عدمِ الحاجةِ إلى قيد: \"على غير وجه الألزام\"؛ لخروجِ القضاءِ بالقيدِ الأولِ، وهو \"الإخبار\"؛ فالقضاءُ إنشاءٌ، وليس بإخبارٍ، فهو غيرُ داخلٍ في التعريفِ أصلًا (^٦).\n_________\n= القيم لأسامة الأشقر (ص/ ٥٤ - ٦٣)، والفتوى - نشأتها وتطورها للدكتور حسين الملاح (ص/ ٣٩٧ - ٣٩٨)، والفتيا المعاصرة للدكتور خالد المزيني (ص/ ١٦ - ٢١)، والنهج الأقوى للدكتور أحمد القاضي (ص/ ٦٢ وما بعدها)، والفتوى في الإسلام للدكتور عبد الله الدرعان (ص/١٩).\n(^١) انظر: الفروق (٤/ ١٠٠).\n(^٢) صفة الفتوى (ص/ ٤).\n(^٣) انظر: منار أصول الفتوى للقاني (ص/ ٢٣١). وإبراهيم اللقاني هو: إبراهيم بن محمد بن محمد بن عمر بن يوسف بن عطية اللقاني المصري، مغربي الأصل، أبو إسحاق برهان الدين، ولد أوائل سنة ٨١٧ هـ كان أزهريًا مالكي المذهب، عارفًا بالعربية، قاضي القضاة بمصر، سمع الحديث من الزركشي، وحفظ مختصرَ خليل، وألفيةَ ابن مالك، وقد تصدى للتدريس والإفتاء، وصار عليه المدار في مذهبه بآخرة حياته إفتاءً وقضاءً، توفي سنة ٨٩٦ هـ.\nانظر ترجمه في: الضوء اللامع للسخاوي (١/ ١٦١)، ونيل الابتهاج للتنبكتي (ص/ ٦٥)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٢٥٨).\n(^٤) انظر: حاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٣٩٧).\n(^٥) انظر: منار أصول الفتوى للقاني (ص/ ٢٣١)، ومواهب الجليل للحطاب (١/ ٣٢).\n(^٦) انظر: المصدرين السابقين.","vol":"3","page":1242},{"text":"وبيَّنُ إبراهيمُ اللقاني وجهَ بقاءِ القيدِ الأخيرِ، فقال: \"قد يُقالُ: إنَّه لما أَخَذَ الإخبارُ عن الحكم جنسًا (^١) للمعرَّفِ، وهو صادقٌ بالإخبارِ المحضِ، كالفتوى، وبالإخبارِ المتضمّنِ للإنشاءِ: احتاجَ إلى زيادةِ قيد: \"على غير وجه الإلزام\"؛ قَصْرًا للمعرَّفِ على بعضِ ما صدقات (^٢) ذلك الجنسِ\" (^٣).\nويدخلُ في عمومِ التعريفِ الثالثِ الإخبارُ عن حكمِ اللغوياتِ والعقلياتِ، فلا تتقيّدُ الفتوى بالفقهِ والشرعِ.\nويقولُ إبراهيمُ اللقاني عن دخولِ هذه الأفرادِ في التعريفِ: \"وهو حسنٌ\" (^٤).\nوالذي أراه أنَّ دخولَ هذه الأفرادِ في التعريفِ قادحٌ فيه؛ ويكون التعريفُ تعريفًا غيرَ مانعٍ؛ لأنَّ الكلامَ متوجة إلى تعريفِ الإفتاءِ في الأحكامِ الشرعيةِ، لا مطلق الأحكامِ.\nونَقَلَ الحطَّابُ التعريفَ الثالثَ، وأضافَ إليه قيدًا بعد كلمةِ: (الحكم)، وهو: \"الشرعي\"؛ لإخراج ما عداه، كاللغوي والعقلي ونحوِهما (^٥).\nوساقَ الدكتورُ محمد أبو الأجفان (^٦)، والدكتورُ محمد رياض (^٧)\n_________\n(^١) الجنس في اصطلاح المناطقة: كلي مقول على كثيرين مختلفين في الحقيقة، في جواب: ما هو؟ انظر: تحرير القواعد المنطقية للقطب الرازي (ص/ ٥٠)، والتعريفات للجرجاني (ص/ ١٤١)، والتوقيف على مهمات التعريف للمناوي (ص/ ٢٥٦)، والتذهيب للخبيصي (/ ١٥١)، وآداب البحث والمناظرة للشنقيطي (ص/ ٤٧)، وطرق الاستدلال ومقدماتها للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ١١٢).\n(^٢) الماصدقات في اصطلاح المناطقة: الأفراد التي ينطبق عليها اللفظ الكلي. انظر: المعجم الفلسفي (ص/ ١٦٤)، وعلم المنطق لأحمد خير الدين (ص/ ٣٥)، وضوابط المعرفة لعبد الرحمن الميداني (ص/ ٤٥)، وطرق الاستدلال ومقدماتها للدكتور يعقوب الباحسين (ص/١٢٥).\n(^٣) منار أصول الفتوى (ص/ ٢٣١). وانظر: الفروق للقرافي (٤/ ١٠٠).\n(^٤) منار أصول الفتوى (ص/ ٢٣٣).\n(^٥) انظر: مواهب الجليل (١/ ٣٢).\n(^٦) انظر: مقدمة تحقيق فتاوى الشاطبي (ص/ ٦٨).\n(^٧) انظر: أصول الفتوى والقضاء (ص/ ١٧٧).","vol":"3","page":1243},{"text":"تعريفَ الحطَّابِ.\nوقريبٌ مِنْ تعريفِ الحطَّابِ ما ذكره المرداويُّ (^١)، والحجاويُّ (^٢)؛ إذ عرَّفا المفتي بأنَّه: مَنْ يبيّنُ الحكمَ الشرعي، ويخبرُ به مِنْ غيرِ إلزامٍ.\nالتعريف الرابع: تبيينُ الحكمِ الشرعي للسائلِ عنه.\nوهذا تعريفُ منصور البهوتي (^٣).\nونَقَلَ هذا التعريفَ مصطفى الرحيباني (^٤)، وأضاف إليه في آخرِه: \"والإخبار بلا إلزام\" (^٥).\n_________\n(^١) الإنصاف (١١/ ١٨٦).\n(^٢) الإقناع (١٥/ ٤٠) مع شرحه كشاف القناع. والحجاوي هو: موسى بن أحمد بن موسى بن سالم الحجاوي المقدسي الصالحي، شرف الدين أبو النجا، ولد بقرية حجّه من قرى نابلس سنة ٨٩٥ هـ كان إمامًا علامةً فقيهًا بارعًا محققًا لمذهب الإمام أحمد بن حنبل، زاهدًا ورعًا، وقد أقبل على الفقه إقبالًا كاملًا، وقرأ على شيوخ عصره، ولازم شهاب الدين الشويكي إلى أن تمكن من مذهبه تمكنًا تامًا، وكان مفتي الحنابلة بدمشق، وقد أقبل إليه كثير من الطلاب، وانتفعوا به، من، مؤلفاته: الإقناع لطالب الانتفاع، وزاد المستقنع في اختصار المقنع، ومنظومة الآداب، وشرح المفردات، وحاشية الفروع، توفي سنة ٩٦٨ هـ وقيل: سنة ٩٦٠ هـ.\nانظر ترجمته في: الكواكب السائرة للغزي (٣/ ٢١٥)، وشذرات الذهب لابن العماد (١٠/ ٤٧٢)، والنعت الأكمل للغزي (ص/ ١٢٤)، وعنوان المجد لابن بشر (٢/ ٣٠٤)، والسحب الوابلة لابن حميد (٣/ ١١٣٤)، والأعلام للزركلي (٧/ ٣٢٠).\n(^٣) انظر: شرح منتهى الإرادات (٦/ ٤٥٧).\n(^٤) هو: مصطفى بن سعد بن عَبْدُه السيوطي الرحيباني، ولد في الرحيبة من قرى دمشق سنة ١١٦٠ هـ وقيل: ١١٦٥ هـ كان إمام الحنابلة بالشام، صدرًا نبيلًا ذا همة عالية، ومروءة كاملة، أعجوبةً في استحضار كلام أصحابه، لزم علامة المذهب في وقته أحمد البعلي، وفتح الله عليه في العلم، خصوصًا في علم الفقه، جلس للتدريس، فقصده المتعلمون من أماكن عدة، وتولى الإفتاء والتصنيف، ومشيخة الجامع الأموي ونظارته، وأوقاف الجامع المظفري؛ وذلك لحسن نظره، وسداد فطنته، من مؤلفاته: مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى، وتحفة العباد بما في اليوم والليلة من الأوراد، توفي بدمشق سنة ١٢٤٣ هـ وقيل: ١٢٤٠ هـ.\nانظر ترجمته في: السحب الوابلة لابن حميد (٣/ ١١٢٦)، ومنتخبات التواريخ الدمشقية لمحمد أديب (٢/ ٦٧٨)، والأعلام للزركلي (٧/ ٢٣٤)، وتسهيل السابلة لابن عثيمين (٣/ ١٦٧١)، وملحق النعت الأكمل (ص/ ٣٥٢).\n(^٥) مطالب أولي النهى (٦/ ٤٣٧).","vol":"3","page":1244},{"text":"ومِن سماتِ التعريفِ الرابع نصُّه على أنَّ تبيينَ الحكمِ الشرعي لا يُسمى إفتاءً إلا إذا كان جوابًا عن سؤالٍ سائلٍ، فلو بيَّنَ العالمُ الحكمَ ابتداءً دون سؤالِ سائلٍ، فإنَّ بيانَه حينئذٍ لا يُسمَّى إفتاءً.\nيقولُ الدكتورُ محمد أبو الأجفان: \"يلاحظُ أنَّ الإفتاءَ يكونُ لسائلٍ راغبٍ في معرفةِ الحكمِ الشرعي لما نَزَلَ في واقعةٍ\" (^١).\nوأرى أنَّ إضافةَ هذا القيدِ أمرٌ مهمٌ يكشفُ عن حقيقةِ الفتوى، ولا يبعدُ عندي أنَّ مَنْ أَغْفَلَ ذكرَه ممَّنْ تقدمَ ذكر تعريفاتهم لا يُسمي بيانَ الحكمِ ابتداءً إفتاءً.\nيقولُ الشيخُ محمد أبو زهرة: \"الإفتاءُ أخصُّ مِن الاجتهادِ؛ فإنَّ الاجتهادَ استنباطُ الأحكامِ، سواء أكان سؤالٌ في موضوعها، أم لم يكنْ - كما يفعلُ أبو حنيفة في درسِه عندما يُفرِّع التفريعاتِ المختلفةِ، ويفرض الفروضَ الكثيرة؛ ليختبرَ الأقيسةَ التي يستنبطُ عللَها، ويتعرف صلاحيةَ هذه العلل؛ لتكوين الأقيسة - أمَّا الإفتاءُ، فإنَّه لا يكون إلا إذا كانتْ واقعةٌ وقعتْ، ويتعرَّف الفقيهُ حكمَها\" (^٢).\nالتعريف الخامس: ما يُخبرُ به المفتي جوابًا لسؤالٍ، أو بيانًا لحكمٍ مِن الأحكامِ، وإنْ لم يكنْ سؤالًا خاصًّا.\nوهذا تعريف الدكتور عبد الله التركي (^٣).\nوقد اعتبرَ بيانَ الأحكامِ ابتداءً مِنْ غيرِ سؤالِ سائلٍ مِنْ قبيلِ الإفتاءِ والفتوى.\n_________\n(^١) مقدمة تحقيق فتاوى الشاطبي (ص/٦٨ - ٦٩).\n(^٢) أصول الفقه (ص/ ٤٠١). وقارن بأصول الفتوى والقضاء للدكتور محمد رياض (ص/ ١٨٩ - ١٩٠).\n(^٣) انظر: أصول مذهب الإمام أحمد (ص/ ٧٢٥).","vol":"3","page":1245},{"text":"وقد وافقَ الدكتورَ عبدَ الله التركي على هذا الأمر الدكتورُ علي الحكمي؛ إذ يقول: \"لا يُشترطُ في تسميةِ الفتوى أنْ تكونَ جوابًا لسؤالٍ\" (^١).\nالتعريف السادس: إخبارٌ بحكم الله تعالى عن دليلٍ شرعي، لمنْ سألَ عنه في أمرٍ نازلٍ.\nوهذا تعريف الدكتور محمد الأشقر (^٢).\nومنْ سماتِه: قَصْرُ الإفتاءِ على السؤالِ عنْ أمرٍ نازلٍ.\nوهذا محلُّ نظرٍ؛ إذلو سألَ شخصٌ عالمًا عن حكمٍ لم ينزلْ به، فأفتاه، لسُمِّيَ جوابُه حينئذٍ إفتاءً.\nوبين التعريفاتِ السابقةِ قدرٌ كبيرٌ مِن التقاربِ، ومِن المهمِّ مِنْ وجهةِ نظري: أنْ يُبينَ في التعريفِ أنَّ ما يصدر عن العالمِ لا يُسمَّى إفتاءً إلا إنْ كانَ جوابًا عنْ سؤالِ سائلٍ، فبيانُ الحكمِ ابتداءً لا يسمّى إفتاءً (^٣)، يؤيّدُ هذا: استعمالُ الإفتاءِ في القرآنِ الكريمِ جوابًا لسؤالٍ (^٤).\nوهلْ يُشترطُ أنْ يكونَ الجوابُ في الإفتاءِ ناشئًا عن اجتهادٍ؟\nمَنْ نصَّ في تعريفِه على قيدِ: \"معرفته بدليلِه\"، ففيه إشارةٌ إلى أنَّ الفتوى لا بُد أنْ تكونَ صادرةً عن اجتهادٍ (^٥).\nولا شكَّ في أنَّ تبيينَ المجتهدِ لحكم مسألةِ السائلِ يُسمَّى إفتاءً، وأمَّا المتمذهب، فالأقربُ مِنْ وجهةِ نظري أن ما يصدر عنه مِنْ بيانٍ لمسألةِ\n_________\n(^١) أصول الفتوى (ص/ ٥).\n(^٢) انظر: الفتيا ومناهج الإفتاء (ص/ ٩).\n(^٣) انظر: الفتيا المعاصرة للدكتور خالد المزيني (ص/ ١٦ - ٢٠).\n(^٤) سبق في صدر التمهيد التمثيل من القرآن الكريم. وانظر: أصول الإفتاء للعثماني (ص/ ٢٢ - ٢٣) مع شرحه المصباح في رسم المفتي.\n(^٥) انظر: الفتيا المعاصرة للدكتور خالد المزيني (ص/ ١٧ - ٢٠).","vol":"3","page":1246},{"text":"السائل يُسمَّى إفتاءً، إذا كانت فتياه عبارةً عن تنزيلِ أمرٍ كلي على صورةٍ جزيئةٍ (^١)، أمَّا لو نَقَلَ المتمذهبُ فتوى إمامِه بعينِها إلى السائلِ، فإنَّ هذا لا يُسمَّى إفتاءً، وإنَّما يُسمَّى نقلًا (^٢).\nوالخطبُ يسيرٌ؛ إذ الخلافُ في اللفظِ والعبارةِ فحسب.\nويمكنُ تعريفُ الإفتاءِ بأنَّه: الإخبارُ عن الحكمِ الشرعي للسائلِ عنه، بلا إلزامٍ.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: فتاوى تقي الدين السبكي (٢/ ١٢٢)، وشرح عماد الرضا ببيان أدب القضا للمناوي (١/ ٥٩)، والقوى في الشريعة الإسلامية لعبد الله آل خنين (٢/ ١٠ - ١١).\n(^٢) انظر: أصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٥٨).","vol":"3","page":1247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>المطلب الأول: إفتاء المتمذهب بمذهب إمامه</span>\nممَّا لا شكَّ فيه أنَّ المتمذهبين على مرِّ عصورٍ متتاليةٍ كانوا يَتَوَلَّون مهمةَ إفتاءِ الناسِ، وبيان الحكمِ لما يسألون عنه.\nوقبلَ الحديثِ عن حكمِ إفتاءِ المتمذهبِ بمذهبِه أرى مِن اللازمِ الإشارةُ والتنبيهُ إلى الأمور الآتية:\nالأمر الأول: الأصلُ أنْ يكونَ المفتي بالغًا رتبة الاجتهادِ في الشريعةِ (^١).\nالأمر الثاني: إنْ كانَ المتمذهبُ بالغًا درجةَ الاجتهاد في الشريعةِ (متمذهبًا بالاسم فحسب) (^٢)، أو تحققَ له وصفُ الاجتهاد الجزئي فيما سُئلَ عنه (^٣)، فإنَّه يُفتي بالقولِ الذي ترجّحَ عنده، إنْ كانَ سؤالُ المستفتي عن الحكمِ الشرعي.\nأمَّا إنْ سأل المستفتي عن قولِ إمامِ المذهبِ، فإنَّ المتمذهبَ في هذه الحالةِ يُفتي السائلَ بالقولِ الراجحِ عنده، ويبيِّنُ له قولَ إمامِه الذي سُئِلَ عنه (^٤).\n_________\n(^١) انظر: العدة (٣/ ٨٧٧)، والفقيه والمتفقه للبغدادي (٢/ ٣٣٠)، والغياثي للجويني (ص/ ٣٩٩)، وفتاوى ابن رشد (٣/ ١٢٧٥)، وأدب المفتي والمستفتي (ص/ ٨٦)، وصفة الفتوى (ص/ ٥)، والمسودة (٢/ ٩٢٤ - ٩٢٥)، والإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٩٤٣)، والبحر المحيط (٦/ ٣٠٦)، والتحبير (٨/ ٤٠٧١)، وشرح غاية السول لابن المبرد (ص/ ٤٤١)، والرد على من أخلد إلى الأرض للسيوطي (ص/ ٦٣)، وشرح الكوكب المنير (٤/ ٥٥٧)، وتيسير التحرير (٤/ ٢٥١)، ومنار أصول الفتوى للقاني (ص/ ٣٣٩).\n(^٢) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٤)، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٤٣)، وصفة الفتوى (ص/ ١٨).\n(^٣) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٤)، وصفة الفتوى (ص/ ٢٤).\n(^٤) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٢٢)، وشرح عقود رسم المفتي لابن عابدين (ص/ ١٦١)، والفوائد المكية للسقاف (ص/ ٦٣)، ومختصرها (ص/ ٤٤).","vol":"3","page":1248},{"text":"وليس هذا محل حديثي؛ إذ كلامي في هذا المطلب مقتصرٌ على المتمذهمبِ الذي لم يتحققْ له الاجتهادُ المطلق، هل له أنْ يفتي بمذهبِ إمامِه؟\nالأمر الثالث: نصَّ بعضُ العلماءِ المانعين مِن التمذهمبِ على منعِ المتمذهبِ مِن الإفتاءِ بمذهبِه، إنْ لم يكن عالمًا بحكمِ المسألةِ على وجهِ الخصوصِ بأدلتِها، ويَحْرُمُ على الناسِ سؤالُه، وطلبُ الفتيا منه.\nوممَّنْ صرَّحَ بهذا: ابنُ حزمٍ (^١).\nولا يدخلُ في حديثي في هذا المطلب القائلونَ بهذا القولِ.\nوقريبٌ منه قولُ مَنْ مَنَعَ إفتاءَ غيرِ المجتهدِ بمذهمبِ المجتهد إلا إذا كانت هناك حاجةٌ إلى إفتائِه، كما لو لم يُوجدْ مجتهدٌ في عصرِ مِن العصورِ.\nوقد ذَهَبَ إلى هذا القول بعضُ العلماءِ (^٢)، واختاره: الفخرُ بنُ تيميةَ (^٣)، وابنُ القيَّمِ (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (٥/ ١٢٨).\n(^٢) انظر: مختصر منتهى السول لابن الحاجب (٢/ ١٢٦١)، والفائق في أصول الفقه (٥/ ٨٦)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٨٨٤)، وشرح العضد على مختصر ابن الحاجب (٢/ ٣٠٨)، والإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٩٤٤)، والبحر المحيط (٦/ ٣٠٧)، وشرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٣٩٨) بحاشية البناني، وتيسير التحرير (٤/ ٢٤٩).\n(^٣) انظر: التحبير (٨/ ٤٠٧٢)، والإنصاف (١١/ ١٧٨)، وشرح الكوكب المنير (٤/ ٥٥٨).\nوالفخر بن تيمية هو: محمد بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن تيمية الباجدَّاي، فخر الدين أبو عبد الله الحرَّاني الحنبلي، ولد في حرَّان سنة ٥٤٢ هـ كان عالم حرَّان، وشيخها وخطيبها، إمامًا في التفسير وفي الفقه وفي اللغة، وكان له القبول من أهل بلده، والوجاهة عند ملوكها، وكان حسن الأخلاق، متوددًا، صدوقًا متدينًا، وكانت بينه وبين موفق الدين بن قدامة مراسلات ومكاتبات، من مصنفاته: التفسير الكبير، وبلغة الساغب وبغية الراغب، وديوان الخطب الجمعية، والموضح في الفرائض، توفي بحرَّان سنة ٦٢٢ هـ وقيل سنة ٦٢١ هـ. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ٣٨٦)، وسير أعلام النبلاء (٢٢/ ٢٨٨)، والعبر في تاريخ من غبر للذهبي (٥/ ٩٢)، والذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب (٣/ ٣٢١)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٤٠٦)، والمنهج الأحمد للعليمي (٤/ ١٦٧)، وطبقات المفسرين للداودي (٢/ ١٤٤)، وشذرات الذهب لابن العماد (٧/ ١٧٩).\n(^٤) انظر: إعلام الموقعين (٢/ ٨٦)، و(٣/ ٤٦٢)، و(٦/ ١٠٢).","vol":"3","page":1249},{"text":"الأمر الرابع: تحسنُ الإشارةُ إلى اختلافِ درجاتِ المتمذهبين مِنْ جهةِ معرفتِهم بالأدلةِ، ويمكنُ جعلهم ثلاث طوائف:\nالطائفة الأولى: اعتقدتْ صحةَ مذهب إمامِها بغيرِ دليلٍ، فحفظتْ أقوالَه وأقوالَ أصحابِه في مسائل الفقهِ، دونَ أنْ تتفقه في معانيها، فتميّز الصحيحَ مِن السقيمِ (^١).\nالطائفة الثانية: اعتقدتْ صحةَ مذهبِ إمامِها بما بأنَّ لها مِنْ صحةِ أصولِه، فحفظتْ أقوالَه وأقوالَ أصحابِه في مسائلِ الفقه، وتفقهت في معانيه، فعَلِمَت الصحيحَ الجاري على أصولِه مِن السقيمِ الخارجِ عنها (^٢).\nالطائفة الثالثة: اعتقدتْ صحةَ مذهبِ إمامِها بما بانَ لها مِنْ صحةِ أصولِه، فحفظتْ أقوالَ إمامِها وأقوالَ أصحابِه في مسائل الفقهِ، وتفقهت في معانيه، فعلمت الصحيحَ الجاري على أصولِه مِن السقيمِ الخارجِ عنها، وبلغت درجةَ التحقيقِ باجتماعِ شروطِ الاجتهادِ فيها (^٣).\nولا يدخلُ أربابُ الطائفةِ الثالثةِ في حديثي هنا؛ لتملكهم آلة الفتيا (^٤)، وكلامي مقصورٌ على الطائفتين: الأولى، والثانيةِ.\nيقولُ أبو إسحاقَ الشاطبي: \"وقد قَبِلَ الناسُ أنظارَهم - أيْ: أصحاب الأئمة المجتهدين المنتسبين - وفتاويهم، وعَمِلُوا على مقتضاها، خالفتْ مذهبَ إمامِهم أو وافقته، وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّهم فهموا مقاصدَ الشرع في وضعِ الأحكامِ، ولولا ذلك لم يَحِل لهم الإقدامُ على الاجتهادِ والفتوى، ولا حَلَّ لِمَنْ في زمانِهم - أو مَنْ بعدهم مِنْ العلماءِ - أنْ يُقِرَّهم على ذلك، ولا يسكت عن الإنكارِ عليهم على الخصوصِ\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: فتاوى ابن رشد (٣/ ١٥٠٠ - ١٥٠١)، وفتاوى البرزلي (١/ ٧١)، والمعيار المعرب للونشريسي (١٠/ ٣٢)، ومحاضرات في تاريخ المذهب المالكي للدكتور عمر الجيدي (ص/ ٩٨)، والمدرسة المالكية الأندلسية لمصطفى الهروس (ص/ ٢٣٦ - ٢٣٧).\n(^٢) انظر: المصار السابقة.\n(^٣) انظر: المصادر السابقة.\n(^٤) انظر: فتاوى ابن رشد (٣/ ١٥٠٢).\n(^٥) الموافقات (٥/ ١٢٦ - ١٢٧).","vol":"3","page":1250},{"text":"الأمر الخامس: لا بُدَّ مِنْ صلاحيةِ المتمذهبِ للإفتاءِ ابتداءً، بأنْ يعرفَ أحوالِ الناسِ، ولغاتهم وألفاظهم (^١)، أمَّا إنْ كان غيرَ عالمٍ بهذه الأمور ونحوِها ممَّا يتوقفُ عليه فهمُ سؤالِ السائلِ، لتطبيقِ الحكمِ عليه على الوجهِ الصحيحِ، فليس له الإفتاءُ.\nيقولُ تقيُّ الدينِ السبكي: \"نجدُ كثيرًا مِن الفقهاءِ لا يعرفون أن يفتوا، وإنَّ خاصيةَ المفتي تنزيلُ الفقهِ الكلي على الموضعِ الجزئي، وذلك يحتاجُ إلى تبصّرٍ زائدٍ على حفظِ الفقهِ وأدلتِه ... \" (^٢).\nوهذا يجرُّ إلى ضرورةِ معرفةِ الأحكامِ التي تُبْنَى على العُرْف؛ فإنَّها تتغيَّر تبعًا لتغيّرِه، وقد سبقت الإشارةُ إلى هذا الأمرِ (^٣).\nالأمر السادس: إنْ كان المتمذهبُ فاسقًا فلا تصحّ الفتيا منه؛ لفسقِه (^٤)، وإذا لم يجز قبول فتوى المجتهدِ الفاسقِ، فالمتمذهبُ الفاسقُ مِن بابٍ أولى.\nالأمر السابع: حديثي هنا عن إفتاءِ المتمذهب بمذهبه، وليس عن حكم سؤال العامي للمتمذهبِ (^٥).\nالأمر الثامن: أريدُ بالمذهبِ في قولي: (إفتاء المتمذهب بمذهبه): القول الذي تصحُّ نسبتُه إلى المذهبِ مِن الأقوالِ الراجحةِ فيه أو المعتمدةِ، أو التي نصَّ أربابُ المذهبِ على جوازِ الفتوى بها (^٦).\n_________\n(^١) انظر: عمدة التحقيق للباني (ص/٦٨ - ٦٩).\n(^٢) فتاوى تقي الدين السبكي (٢/ ١٢٣). وانظر: شرح عماد الرضا ببيان أدب القضا للمناوي (١/ ٥٩)، والفتوى في الشريعة الإسلامية لعبد الله آل خنين (٢/ ١٠ - ١١).\n(^٣) انظر: (ص/ ٤٣٣)، والفروق للقرافي (٣/ ٣٧ - ٣٨).\n(^٤) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٠٧)، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٤١)، وصفة الفتوى (ص/ ١٣، ٢٩)، والسراج الوهاج للجاربردي (٢/ ١٠٨٥)، والبحر المحيط (٦/ ٣٠٩)، وكشاف القناع للبهوتي (١٥/ ٤١).\n(^٥) انظر: إعلام الموقعين (٦/ ١٠٢).\n(^٦) انظر: روضة الطالبين للنووي (١١/ ١١١).","vol":"3","page":1251},{"text":"الأمر التاسع: على المتمذهب الانتباهُ إلى تحقيقِ مذهبِه (^١)، ومعرفةِ القولِ الراجحِ فيه، وإن احتاجَ الأَمرُ إلى مزيدِ نَظَرٍ وبحثٍ، فَعَلَ، ولا يكتفي في ذلك - إنْ لم يكن أهلًا للترجيحِ - بمجردِ مطالعةِ كتابٍ أو كتابين في مذهبِه، يقولُ محيي الدين النووي: \"لا يجوزُ لمفتٍ على مذهبِ الشافعي إذا اعتمدَ النقلَ أنْ يكتفي بمصنَّفٍ ومصنَّفين ونحوِهما مِنْ كتبِ المتقدمين وأكثرِ المتأخرين؛ لكثرةِ الاختلافِ بينهم في الجزمِ والترجيحِ؛ لأنَّ هذا المفتي المذكور إنَّما ينقلُ مذهبَ الشافعي، ولا يحصلُ له وثوقٌ بأنَّ ما في المصنَّفينِ المذكورينِ ونحوِهما هو مذهب الشافعي أو الراجح منه؛ لما فيها مِن الاختلافِ ... بلْ قد يجزم نحوُ عشرةٍ مِن المصنفين بشيءٍ، وهو شاذٌّ بالنسبةِ إلى الراجح في المذهبِ، ومخالفٌ لما عليه الجمهورُ، ورُبَّما خالفَ نصَّ الشافعي أَو نصوصًا له! \" (^٢).\nوبعدَ هذا أقولُ: إذا سألَ العاميُّ متمذهبًا عن حكم مسألةٍ ما؟ وأراد المتمذهبُ إفتاءَه بمذهبِ إمامِه - إمَّا بما علمه مِنْ أقوالِه، أو بما نُسِبَ إليه بطريقٍ صحيحٍ (^٣)، أو كان ما سُئِلَ عنه مندرجًا تحتَ ضابطٍ أو قاعدةٍ مِنْ قواعدِه (^٤)، أو بالقولِ المفتى به في مذهبِه (^٥) - فهل له الإفتاءُ في هذه الحالةِ؟\n• تحرير محل النزاع:\nنفَى ابنُ الهمامِ الحنفي الخلافَ عن حالةِ ما إذا كانَ المتمذهبُ ناقلًا لقولِ إمامِه بنصِّه، فيجوزُ إفتاؤه به، إذا استكملَ المتمذهبُ شروطَ الروايةِ\n_________\n(^١) انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٣٦)، وتقريب الوصول لابن جزي (ص/ ٤٥٥)، ونهاية السول (٤/ ٥٨٠)، والفتاوى الكبرى الفقهية لابن حجر الهيتمي (٤/ ٢٩٦).\n(^٢) المجموع شرح المهذب (١/ ٤٧). وانظر: صفة الفتوى (ص/ ٣٦)، وإعلام الموقعين (٦/ ١٠٠ - ١٠١).\n(^٣) انظر: الغياثي للجويني (ص/ ٤٢١، ٤٢٥).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (ص/ ٤٢٣).\n(^٥) انظر: محاضرات في تاريخ المذهب المالكي للدكتور عمر الجيدي (ص/ ١٠١).","vol":"3","page":1252},{"text":"مِن العدالةِ وغيرِها، وجَعَلَ ابنُ الهمام محل الخلافِ فيما يخرِّجه المتمذهبُ على نصوصِ إمامِه، وقواعدِه (^١).\nوتَبعَ ابنَ الهمامِ عددٌ مِن أصولي الحنفية، منهم: أمير باد شاه (^٢)، وابنُ أمير الحاج (^٣)، ومحبُّ الله بن عبد الشكور (^٤)، ومحمد بخيت المطيعي (^٥).\nومَعَ وجاهةِ ما قاله ابنُ الهمام، إلا أن في أدلة المسألةِ ما يشيرُ إلى جريانِ الخلافِ فيما ينقلُه المتمذهبُ عن إمامِه بنصِّه.\n• الأقوال في المسألة:\nاختلفَ العلماءُ في جوازِ إفتاءِ المتمذهبِ بمذهبِه على أقوال، أشهرُها:\nالقول الأول: لا يجوزُ للمتمذهبِ أنْ يفتي بمذهبِه.\nوهذا القول وجهٌ عند الشافعيةِ (^٦)، ووجهٌ عند الحنابلةِ (^٧). ونسبَه ابنُ القيّمِ إلى أكثرِ أصحابِه، وإلى جمهورِ الشافعيةِ (^٨). وذَهَبَ إليه بعضُ الزيديةِ (^٩). ونسبه الآمديُّ (^١٠)، وتاجُ الدين السبكي (^١١) إلى جماعةٍ مِن الأصوليين. ونسبه صفيُّ الدين الهندي إلى جماهيرِ الأصوليين (^١٢).\n_________\n(^١) انظر: التحرير (٣/ ٣٤٧) مع شرحه التقرير والتحبير.\n(^٢) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٤٦ - ٣٤٧).\n(^٣) انظر: تيسير التحرير (٤/ ٢٤٩).\n(^٤) انظر: مسلم الثبوت (٢/ ٤٠٤) مع شرحه فواتح الرحموت.\n(^٥) انظر: سلم الوصول (٤/ ٥٧٩).\n(^٦) انظر: سلاسل الذهب (ص / ٤٥٦).\n(^٧) انظر: إعلام الموقعين (٦/ ١٢٨)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٥٧).\n(^٨) انظر: إعلام الموقعين (٢/ ٨٦).\n(^٩) انظر: إجابة السائل للصنعاني (ص/ ٤١٤).\n(^١٠) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ٢٣٦).\n(^١١) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٩٤٤).\n(^١٢) انظر: نهاية الوصول (٨/ ٣٨٨٤).","vol":"3","page":1253},{"text":"وهو ظاهرُ قولِ ابنِ بطّة (^١)، وذهب إليه: أبو الحسين البصري (^٢)، وهو ظاهر قولِ الفخرِ الرازي (^٣)، وهو قول تاجِ الدينِ الأرموي (^٤).\nالقول الثاني: يجوزُ للمتمذهبِ أنْ يفتي بمذهبِه.\nذَكَرَ الآمديُّ (^٥)، وابنُ الحاجب (^٦) هذا القولَ دونَ نسبةٍ إلى أحدٍ. وهو وجهٌ عند الشافعيةِ (^٧)، ووجهٌ عند الحنابلةِ (^٨). ونَقَلَ ابنُ أمير الحاج عن بعض الحنفية نسبتَهم هذا القول إلى كثيرٍ مِن العلماءِ (^٩).\nواختاره بعضُ الحنفيةِ (^١٠)، وذَهَبَ إليه: أبو إسحاقَ بن شاقلا (^١١)، وابنُ القصارِ (^١٢)،\n_________\n(^١) انظر: العدة (٥/ ١٥٩٧)، وصفة الفتوى (ص/ ٢٦)، والمسودة (٢/ ٩٢٧)، وإعلام الموقعين (٢/ ٨٦)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٥٧)، والتحبير (٨/ ٤٠٧٦).\n(^٢) انظر: المعتمد (٢/ ٩٣٢).\n(^٣) انظر: المحصول في أصول الفقه (٦/ ٧١)، وقارن بنهاية السول (٤/ ٥٨١).\n(^٤) انظر: التحصيل من المحصول (٢/ ٣٠١).\n(^٥) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ٢٣٦).\n(^٦) انظر: مختصر منتهى السول (٢/ ١٢٦١).\n(^٧) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٩٤٥).\n(^٨) انظر: أصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٥٧).\n(^٩) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٤٦ - ٣٤٧)، وتيسير التحرير (٤/ ٢٤٩).\n(^١٠) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٤٦).\n(^١١) انظر: العدة (٥/ ١٥٩٧)، والمسودة (٢/ ٩٢٦ - ٩٢٧)، وإعلام الموقعين (٢/ ٨٥)، و(٦/ ١٠٤)، والتحبير (٨/ ٤٠٧٦)، والإنصاف (١١/ ١٧٨).\nوأبو إسحاق بن شاقلا هو: إبراهيم بن أحمد بن عمر بن حمدان البغدادي البزاز، أبو إسحاق، ويعرف بابن شاقلا، ولد سنة ٣١٥ هـ كان شيخ الحنابلة في وقته، جليل القدر، كثير الرواية، حسن الكلام في الأصول والفروع، رأسًا فيهما، اشتغل بالتدريس والإفتاء والتأليف، كانت له حلقتان: إحداهما بجامع المنصور، والثانية بجامع القصر، من مؤلفاته: شرح مختصر الخرقي، توفي سنة ٣٦٩ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (٦/ ٥٠٧)، وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٣/ ٢٢٧)، وسير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٩٢)، والوافي بالوفيات للصفدي (٥/ ٣١٠)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (١/ ٢١٦)، والمنهج الأحمد للعليمي (٢/ ٢٨٣).\n(^١٢) انظر: مقدمة في أصول الفقه (ص/ ١٧٠ - ١٧١).","vol":"3","page":1254},{"text":"والقفالُ المروزي (^١)، وهو ظاهرُ قولِ إمامِ الحرمين الجويني (^٢)، وظاهرُ قولِ ابنِ الصلاحِ (^٣) - إلا أنَّه قيَّد قولَه، بمَنْ كان حافظًا لمذهبِ إمامِه فله النقلُ، دونَ التخريجِ على قولِه (^٤) - ووافق محيي الدين النوويُّ ابنَ الصلاحِ فيما قرره (^٥)، وقال شهابُ الدينِ القرافيُّ (^٦)، وابنُ حمدان (^٧) بمثلِ تفصيلِ ابنِ الصلاحِ.\nواختارَ القولَ الثاني: القاضي البيضاويُّ (^٨)، وأحمدُ الساعاتيُّ (^٩)، وابنُ جزي المالكي (^١٠)، وبدرُ الدّينِ الزركشيُّ (^١١)، وهو ظاهرُ قولِ ابنِ بدرانِ (^١٢).\nوقيَّد تاجُ الدين السبكي (^١٣)، وبدرُ الدين الزركشيُّ (^١٤) قولَ القائلين بجوازِ الإفتاءِ بما إذا عَرَفَ المتمذهبُ حكمَ المسألةِ بدليلِها.\nويظهرُ لي أنَّ القيدَ الذي ذكراه محلُّ نظرٍ؛ لأنَّ مَنْ ذَكَرَ القول الثاني\n_________\n(^١) انظر: البرهان (٢/ ٨٨٥)، وأدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٠٢)، وسلاسل الذهب (ص/ ٤٥٦)، والبحر المحيط (٦/ ٣٠٧)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٥٩).\n(^٢) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٠٢)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٥٩).\n(^٣) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٤ - ٩٩).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (ص/ ٩٩).\n(^٥) انظر: المجموع شرح المهذب (١/ ٤٣ - ٤٤).\n(^٦) انظر: الفروق (٢/ ١٩٨ - ٢٠٠). واستثنى القرافي في: المصدر السابق (٢/ ٢٠٥) ما إذا كانت فتوى إمام المذهب مخالفةً للإجماع، أو للقواعد، أو النص، أو للقياس الجلي السالم عن المعارض الراجح: فلا يجوز للمتمذهب الإفتاء بها. وما قاله وجيه. وانظر: المعيار المعرب للونشريسي (١٠/ ٣٩). وقارن بالبيان والتحصيل لابن رشد (١٧/ ٣٣١)، وشرح المنهج المنتخب للمنجور (ص/ ٦٢٣).\n(^٧) انظر: صفة الفتوى (ص/ ١٨ - ٢٣).\n(^٨) انظر: منهاج الوصول (٢/ ١٠٨٥) مع شرحه السراج الوهاج، وقارن بالإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٩٤٥).\n(^٩) انظر: نهاية الوصول (٢/ ٦٩٤).\n(^١٠) انظر: تقريب الوصول (ص/ ٤٥٤).\n(^١١) انظر: تشنيف المسامع (٤/ ٦١٤).\n(^١٢) انظر: العقود الياقوتية (ص/ ١٦٧).\n(^١٣) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٩٤٤).\n(^١٤) انظر: البحر المحيط (٦/ ٣٠٦).","vol":"3","page":1255},{"text":"- ممَّن اطلعتُ على كلامِهم - لم يقئدوه بقيدِ معرفةِ دليلِ حكمِ المسألةِ (^١).\nالقول الثالث: إنْ كانَ المتمذهبُ مجتهدًا في مذهبِ إمامِه، بحيثُ يكون مطّلعًا على مأخذِه، قادرًا على التفريعِ على قواعدِه وأقوالِه، متمكنًا مِن الجمعِ والفرقِ والمناظرةِ: جازَ له الإفتاءُ بمذهبِه، وإنْ لم يكن مجتهدًا في مذهبِ إمامِه، لم يجزْ له الإفتاءُ.\nوهذا القولُ هو أصحّ الأوجه عند الشافعيةِ (^٢).\nونسبه تاجُ الدين السبكي (^٣)، وبدرُ الدين الزركشيّ (^٤) إلى الأكثرين. ونسبه المرداويُّ إلى أكثرِ العلماءِ (^٥). ونسبه ابنُ أمير الحاج (^٦)، وأميرُ باد شاه (^٧) إلى كثيرٍ مِن المحققين مِن الحنفيةِ وغيرِهم.\nوذَهَبَ إليه جمعٌ من العلماءِ، منهم: أبو محمد الجويني (^٨)، والآمديُّ (^٩)، وابنُ الحاجبِ (^١٠)، وعبدُ الله الستاري (^١١)، وصفيُّ الدين\n_________\n(^١) انظر: سلم الوصول (٤/ ٥٨٠).\n(^٢) انظر: سلاسل الذهب (ص/ ٤٥٦).\n(^٣) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٩٤٤).\n(^٤) انظر: البحر المحيط (٦/ ٣٠٦).\n(^٥) انظر: التحبير (٨/ ٤٠٧٢).\n(^٦) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٤٦).\n(^٧) انظر: تيسير التحرير (٤/ ٢٤٩).\n(^٨) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٠٢)، والبحر المحيط (٦/ ٣٠٧).\n(^٩) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ٢٣٦).\n(^١٠) انظر: منتهى السول (ص/ ٢٢١)، ومختصره (٢/ ١٢٦٠).\n(^١١) انظر: جامع مسائل الأحكام للبرزلي (١/ ٩٦ - ٩٧)، والرد على من أخلد إلى الأرض للسيوطي (ص/٦٤).\nوعبد الله الستاري هو: عبد الله بن علي بن محمد بن إبراهيم الأنصاري الأندلسي، أبو محمد، ويعرف بابن الستاري - وفي بعض المصادر: ابن الأستاري - ولد سنة ٥٦٥ هـ كان فقهيًا عالمًا محققًا بارعًا أصوليًا مدققًا، عارفًا بالتفسير والقراءات، أخذ عن أبي الحسن الأبياري الأصول والفقه، وتفقه بأبي الحسين بن الفضل المقدسي، وقرأ على ابن الربيع المستصفى للغزالي، ودرَّس الأصول وفقه المالكية بسبتة، وتوفي بها آخر سنة ٦٤٦ هـ وقيل: سنة ٦٤٧ هـ. انظر ترجمته في: تكملة الصلة لابن الأبار (٢/ ٢٩٩)، وتاريخ الإسلام للذهبي (١٤/ ٥٤٨)، والمستملح من كتاب الصلة له (ص/٢٢٧)، ونيل الابتهاج للتنبكتي (ص/ ٢١٤)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ١٨٣).","vol":"3","page":1256},{"text":"الهندي (^١)، وعضدُ الدين الإيجي (^٢)، وابنُ الهمام الحنفي - واستثنى ما إذا كانَ المنقولُ نصَّ قولِ الإمامِ، فالمعتبرُ استكمالُ شروطِ الراوي في الناقلِ (^٣) - وأميرُ باد شاه (^٤)، وأبو العباسِ الونشريسي (^٥)، ومحبُّ الله بن عبد الشكور (^٦).\n• أدلة الأقوال:\nأدلة أصحاب القول الأول: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: عن أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ الله - ﷺ -: (مَنْ أُفْتِي بفتيا غير ثبت (^٧) فإنَّما إثمه على مَنْ أفتاه) (^٨).\n_________\n(^١) انظر: نهاية الوصول (٨/ ٣٨٨٥).\n(^٢) انظر: شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (٢/ ٣٠٨).\n(^٣) انظر: التحرير (٣/ ٣٤٦) مع شرحه التحبير.\n(^٤) انظر: تيسير التحرير (٤/ ٢٤٩).\n(^٥) انظر: المعيار المعرب (١٢/ ١٩).\n(^٦) انظر: مسلم الثبوت (٢/ ٤٠٤) مع شرحه فواتح الرحموت.\n(^٧) يقول أبو الحسن السندي في: حاشيته على مسند الإمام أحمد (٥/ ٤٨٤) معلِّقًا على قوله - ﷺ -: (ثبت): \"بفتحٍ وسكون، وهذا صفة للفتيا، أي: بفتيا غير ثابتة، يقال: رجلٌ ثبْتٌ، أي: ثابت القلب؛ أو بفَتحتين، بمعنى: الصواب، أي: من وقع في خطأ بفتوى عالمٍ، فالإثم على ذلك العالم ... \".\nوالثَبَت: الحجة. انظر: المصباح المنير للفيومي، مادة: (ثبت)، (ص/ ٧٦). والرواية الثانية للحديث - كما سيأتي في تخريج الحديث - مفسِّرة للثبت.\n(^٨) أخرج حديث أبي هريرة - ﵁ -: البخاري في: الأدب المفرد، باب: إثم من أشار على أخيه بغير رشد (ص/ ١٠٠)، برقم (٢٥٩)؛ وأبو داود في: سننه، كتاب: العلم، باب: التوقي في الفتيا (ص/ ٥٥٣ - ٥٥٤)، برقم (٣٦٥٧)، ولفظه: (من أفتي بغير علم ...) الحديث. وابن ماجه في: سننه، في: المقدمة، باب: اجتناب الرأي والقياس (ص/ ٢٣)، برقم (٥٣)؛ وأحمد في: المسند (١٤/ ١٧)، برقم (٨٢٦٦)؛ والدارمي في: السنن، في: المقدمة، باب: الفتيا وما فيه من الشدة (١/ ٢٥٩)، برقم (١٦١)؛ والطحاوي في: شرح مشكل الآثار (١/ ٣٦٥)، برقم (٤١٠ - ٤١١)؛ والحاكم في: المستدرك، كتاب: العلم (١/ ١٣٤)، برقم (٣٥٠)، و(١/ ١٦٥)، برقم (٤٦٣)، وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ولا أعرف له علةً\"، ووافقه الذهبي، وتعقب ابنُ الملقن في: البدر المنير (٩/ ٥٥٤) قولَ الحاكم: إنَّه لا يعرف للحديث علة. والخطيب البغدادي في: الفقيه والمتفقه (٢/ ٣٢٧)، =","vol":"3","page":1257},{"text":"وجه الدلالة: دلَّ الحديثُ على تحريمِ الإفتاءِ بغير ثبتٍ، وإفتاءُ المتمذهبِ بمذهبِه تقليدًا داخلٌ تحتَ ما حذَّر منه النبيُّ - ﷺ - (^١).\nويمكن أنْ يناقش الدليل الأول: بأنَّ الممنوعَ الإفتاءُ بغيرِ علمٍ وبيّنةٍ، وإذا أفتى المتمذهبُ بقولِ إمامِه، فإنَّه أفتى بقولِ عالمٍ توصَّلَ إلى قولِه عن اجتهادٍ وبيّنةٍ.\nالدليل الثاني: حديثُ جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: خرجنا في سفرٍ، فأصابَ رجلًا منا حجرٌ، فشجه في رأسِه، ثمَّ احتلم، فسألَ أصحابَه: هل تجدونَ لي رخصةً في التيممِ؟ فقالوا: ما نجد لك رخصةً وأنتَ تقدرُ على الماءِ، فاغتسلَ، فماتَ.\nفلمَّا قدمنا على النبي - ﷺ - أُخبِر بذلك، فقالَ: (قتلوه قَتَلَهم اللهُ، ألا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإنَّما شفاءُ العيّ السؤال) «^٢).\nوجه الدلالة: أنّ النبيَّ - ﷺ - دعا على مَنْ أفتى بغيرِ علمٍ، وهذا يدلُّ على تحريمِ إفتاءِ المتمذهبِ بقولِ إمامِه تقليدًا له (^٣).\n_________\n= برقم (١٠٤٤)؛ وابن عبد البر في: جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٨٦٠)، برقم (١٦٢٥)، و(٢/ ٩٩١)، برقم (١٨٨٩)؛ والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: آداب القاضي، باب: إثم من أفتى أو قضى بالجهل (١٠/ ١١٦).\nوضعَّف الحديثَ ابنُ القطان في: بيان الوهم والإيهام (٤/ ٦٨ - ٦٩)، وذَكَرَ عِلَلَ إسناد رواية أبي داود.\nوقال ابن مفلح في: الآداب الشرعية (٢/ ١٥٧) عن الحديث: \"حديثٌ جيِّدٌ له طرقٌ\".\nوحسن الألبانيُّ الحديثَ في تعليقه على السنن لأبي داود في الموضع السابق. وانظر: تعليق محققي مؤسسة الرسالة على المسند للإمام أحمد، فقد حسنوا الحديث (١٤/ ١٧ - ١٩)، وحسنه أيضًا محقق السنن للدارمي (١/ ٢٥٩ - ٢٦١).\nوأخرج أحمد في: المسند (١٤/ ٣٨٤)، برقم (٨٧٧٦) الحديثَ عن مسلم بن يسار عن النبي - ﷺ - مرسلًا.\n(^١) انظر: جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (٢/ ٩٩١ - ٩٩٢)، وإعلام الموقعين (٣/ ٤٦٢).\n(^٢) تقدم تخريج الحديث في: (ص/ ٧٩٩).\n(^٣) انظر: إعلام الموقعين (٣/ ٥٢٩).","vol":"3","page":1258},{"text":"ويمكن أن يناقش الدليل الثاني بمثل مناقشةِ الدليلِ الأولِ.\nالدليل الثالث: لو جازت الفتيا عن طريقِ حكايةِ المذهبِ، لجازَ للعامي الإفتاءُ بطريقِ الحكايةِ، بجامعِ: عدمِ بلوغِ رتبةِ الاجتهادِ في كلٍّ منهما، والعاميُّ لا يجوزُ له الإفتاءُ بقولِ أحدٍ مِن الأَئمةِ، فكذا مَنْ عداه (^١).\nمناقشة الدليل الثالث، نوقش الدليل من وجهين:\nالوجه الأول: أنَّ الإجماعَ - الآتي في دليلِ أصحاب القولِ الثالثِ - هو الذي نَهَضَ بالمتمذهب المتبحّرِ في مذهبِه المطَّلعِ على مآخذِه، فجوَّز له الإفتاءَ، والعاميُّ لا دليلَ عَلى جوازِ إفتائِه (^٢).\nالوجه الثاني: هناك فرقٌ واضحٌ بين المتمذهبِ المطَّلعِ على مذهبِ إمامِه ذي الأهليةِ، والعامي، فلا تصحُّ التسوية بينهما، ولذا صحَّ لنا منعُ العامي مِن الإفتاءِ بقولِ أحدٍ مِن الأئمةِ، وتجويزُه للمتمذهبِ البصيرِ بمذهبِ إمامِه؛ إذ يبعدُ عنه الخطأُ (^٣).\nالدليل الرابع: أنَّنا نمنعُ إفتاءَ المتمذهبِ بقولِ إمامِه؛ لأنَّه تقليدٌ\n_________\n(^١) انظر: المعتمد (٢/ ٩٣٢)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٣٦)، ومختصر منتهى السول لابن الحاجب (٢/ ١٢٦١)، ونهاية الوصول للساعاتي (٢/ ٦٩٤)، وصفة الفتوى (ص/ ٢٥)، والفائق في أصول الفقه (٥/ ٨٧)، وبيان المختصر للأصبهاني (٣/ ٣٦٦)، وشرح العضد على مختصر ابن الحاجب (٢/ ٣٠٩)، ورفع الحاجب (٤/ ٦٠٢)، وتحفة المسؤول للرهوني (٤/ ٣٠٠)، والتقرير والتحبير (٣/ ٣٤٧)، وتيسير التحرير (٤/ ٢٥١).\n(^٢) انظر: مختصر منتهى السول لابن الحاجب (٢/ ١٢٦١)، وبيان المختصر للأصبهاني (٣/ ٣٦٦)، وشرح العضد على مختصر ابن الحاجب (٢/ ٣٠٩)، ورفع الحاجب (٤/ ٦٠٢)، وتحفة المسؤول للرهوني (٤/ ٣٠٠)، والتقرير والتحبير (٣/ ٣٤٧).\n(^٣) انظر: مختصر منتهى السول لابن الحاجب (٢/ ١٢٦١)، والفائق في أصول الفقه (٥/ ٨٧ - ٨٨)، وبيان المختصر للأصبهاني (٣/ ٣٦٦)، وشرح العضد على مختصر ابن الحاجب (٢/ ٣٠٩)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٥٨)، ورفع الحاجب (٤/ ٦٠٢)، وتحفة المسؤول للرهوني (٤/ ٣٠٠)، والنقود والردود للبابرتي (٢/ ٧٢٩)، والتقرير والتحبير (٣/ ٣٤٧)، والتحبير (٨/ ٤٠٧٢)، وتيسير التحرير (٤/ ٢٥١).","vol":"3","page":1259},{"text":"لمجتهدٍ ميتٍ، وتقليدُ الميتِ غيرُ جائزٍ (^١).\nمناقشة الدليل الرابع: لا نُسلّمُ لكم منعَ تقليدِ المجتهدِ الميتِ، وقد تقدمَ الحديثِ عن هذه المسألةِ فيما سَبَقَ، وظَهَرَ ضعفُ القولِ المانع مِن تقليدِ المجتهدِ الميتِ.\nأدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها:\nالدليل الأول: إذا ثَبَتَ عند المتمذهبِ - أيًّا كانتْ درجتُه في مذهبِه - قولُ إمامِه، فما المانع مِنْ إفتائِه به على سبيلِ الحكايةِ؟ ! إذ هو ناقلٌ له، ويكون حالُه كحالِ ناقلِ أحاديثِ النبي - ﷺ - (^٢).\nمناقشة الدليل الأول: ليس الخلافُ في نقلِ قولِ المجتهدِ حتى يُقال: إنَّه كنقلِ أحاديثِ النبي - ﷺ -، وإنَّما حديثُنا عن نقلِ قولِه إفتاءً للواحدِ مِن الناسِ، ليعملَ بمقتضاه (^٣).\n_________\n(^١) انظر: المعتمد (٢/ ٩٣٣)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٧١)، والحاصل من المحصول (٢/ ١٠٢١)، والتحصيل من المحصول (٢/ ٣٠١)، وصفة الفتوى (ص/ ١٨)، والفائق في أصول الفقه (٥/ ٨٧)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٨٨٤)، والسراج الوهاج للجاربردي (٢/ ١٠٨٦)، ونهاية السول (٤/ ٥٨٣).\n(^٢) انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٤/ ٢٣٦)، ومختصر منتهى السول لابن الحاجب (٢/ ١٢٦١)، ونهاية الوصول للساعاتي (٢/ ٦٩٤)، والفائق في أصول الفقه (٥/ ٨٨)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٨٨٥)، وبيان المختصر للأصبهاني (٣/ ٣٦٦)، وإعلام الموقعين (٦/ ١٢٨)، وشرح العضد على مختصر ابن الحاجب (٢/ ٣٠٨)، ورفع الحاجب (٤/ ٦٠١)، ونهاية السول (٤/ ٥٨١)، وتحفة المسؤول للرهوني (٤/ ٣٠٠)، وتشنيف المسامع (٤/ ٦١٥)، وشرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٣٩٨) بحاشية البناني، والتقرير والتحبير (٣/ ٣٤٧)، وتيسير التحرير (٤/ ٢٤٩).\n(^٣) انظر: مختصر منتهى السول لابن الحاجب (٢/ ١٢٦١)، وبيان المختصر للأصبهاني (٣/ ٣٦٦)، وشرح العضد على مختصر ابن الحاجب (٢/ ٣٠٨)، ورفع الحاجب (٤/ ٦٠٢)، ونهاية السول (٤/ ٥٨١ - ٥٨٢)، وتحفة المسؤول للرهوني (٤/ ٣٠٠)، وحاشية التفتازاني على شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (٢/ ٣٠٨).","vol":"3","page":1260},{"text":"الدليل الثاني: أنَّ الفتيا الصادرةَ مِن المتمذهب: إِمَّا أنْ تكون نقلًا لفتيا إِمامِه، فهو مبلِّغ، وليس له اجتهادٌ فيها، فيعتبرُ نقَله (^١)، وإِمَّا أنْ تكونَ فتياه تخريجًا على ما نصَّ عليه إِمامُه، فيعتبرُ تخريجُه؛ لأهليتِه (^٢).\nدليل أصحاب القول الثالث: أجمعَ أهلُ كلِّ عصر على قبولِ إِفتاءِ أربابِ المذاهبِ المجتهدين فيها بمذاهبِهم، حكاه الآمدي (^٣).\nوتَبِعَ الآمديَّ في حكايةِ الإِجماعِ جمعٌ مِن الأصوليين منهم: ابنُ الحاجبِ (^٤)، وابنُ دقيق العيد (^٥)، وأبو الثناءِ الأصفهاني (^٦)، وتاجُ الدين السبكي (^٧)، وابنُ الهمام الحنفي (^٨)، وابنُ أمير الحاج (^٩)، وأمير باد شاه (^١٠)، وأحمدُ المنجور (^١١)،\n_________\n(^١) انظر: فتاوى ابن رشد (٣/ ١٢٧٥، ١٥٠١ - ١٥٠٢)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٧٢)، والمسودة (٢/ ٩٢٧).\n(^٢) انظر: الغياثي للجويني (ص/ ٤٢٧).\n(^٣) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام (٤/ ٢٣٦). وراجع: نهاية الوصول للساعاتي (٢/ ٦٩٤)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٨٨٤)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٥٥٨)، والتحبير (٨/ ٤٠٧٢)، والمعيار المعرب للونشريسي (١٢/ ١٩)، وسلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٥٧٩).\n(^٤) انظر: مختصر منتهى السول (٢/ ١٢٦١).\n(^٥) انظر: البحر المحيط (٦/ ٣٠٦ - ٣٠٧)، والتقرير والتحبير (٣/ ٣٤٨).\n(^٦) انظر: بيان المختصر (٣/ ٣٦٦).\n(^٧) انظر: رفع الحاجب (٤/ ٦٠١).\n(^٨) انظر: التحرير (٣/ ٣٤٦) مع شرحه التحبير.\n(^٩) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٤٧).\n(^١٠) انظر: تيسير التحرير (٤/ ٢٤٩).\n(^١١) انظر: شرح المنهج المنتخب (ص/ ٦٢٤). وأحمد المنجور هو: أحمد بن عليّ بن عبد الرَّحمن المنجور الفاسي، أبو العبَّاس، ولد سنة ٩٢٦ هـ وقيل: ٩٢٩ هـ كان فقيهًا مالكيًا حافظًا، وأصوليًا متمكنًا، عارفًا بالمنقول والمعقول، فرضيًا منطقيًا عروضيًا، قوي الإِدراك، ثاقب الذهن، صافي الفهم، حاد الطبع، من أورع الناس، شديدًا في اتباع السنة، انفرد عن علماء زمانه بمعرفته بتاريخ الملوك والسير والعلماء على طبقاتهم، أخذ عنه العلم طلبة قطره وفقهاؤهم، من مؤلفاته: مراقي المجد في آيات السعد، وشرح المنهج المنتخب إِلى قواعد المذهب، وحاشية على شرح الإِمام السنوسي لكبراه في علم الأصول، توفي بفاس سنة ٩٩٥ هـ. انظر ترجمته في: درة الحجال لابن القاضي (١/ ١٦٣)، ونيل الابتهاج للتنبكتي (ص/ ١٤٣)، وفهرس الفهارس والأثبات للكاني (٢/ ٧)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٢٨٧)، والفكر السامي للحجوي (٢/ ٢٧٠)، والأعلام للزركلي (١/ ١٧٤).","vol":"3","page":1261},{"text":"ومحبُّ الله بن عبد الشكور (^١)، ومحمدُ الخضر الشنقيطي (^٢).\nيقولُ عضدُ الدينِ الإِيجي: \"وَقَعَ إِفتاءُ العلماءِ، وإِنْ لم يكونوا مجتهدين في جميعِ الأعصارِ، وتكرر، ولم يُنكرْ، فكان إِجماعًا\" (^٣).\nوحكى بعضُ الأصوليين إِجماعَ أهلِ العصرِ على إِنكارِ إِفتاءِ غيرِ المتبحّرِ في مذهبِه، منهم: ابنُ الحاجب (^٤)، وتاجُ الدين السبكي (^٥)، وابنُ أمير الحاج (^٦)، وأمير باد شاه (^٧).\nمناقشة دليل أصحاب القول الثالث: إِنَّ الإِجماعَ المذكورَ في دليلِكم هو اتفاقُ غير المجتهدين، وحقيقةُ الإِجماعِ اتفاقُ المجتهدين، ولا عبرةَ باتفاقِ غيرِهم (^٨).\nالجواب عن المناقشة، أجيب عنها من وجهين:\nالوجه الأول: لا نُسَلّم أنَّ الاتفاقَ المحكي اتفاقُ غيرِ المجتهدين، بل المتفقون في الإِجماعِ المذكورِ هم مجتهدون في مسألةِ: (جواز إِفتاءِ مجتهدِ المذهبِ بمذهبِ إِمامِه) بخصوصِها؛ إِذ تحققَ لهم الاجتهادُ فيها، وإِنْ لم يكونوا مجتهدين مطلقين، وهذا جائزٌ؛ لجوازِ تجزؤ الاجتهادِ (^٩).\nالجواب عن الوجه الأول: قولكم: إِنَّ مجتهدي المذاهب تحققَ لهم الاجتهادُ في مسألةِ: (إِفتاء مجتهد المذهب بمذهب إِمامه)، مجرَّدُ دعوى؛ لم\n_________\n(^١) انظر: مسلم الثبوت (٢/ ٤٠٤) مع شرحه فواتح الرحموت.\n(^٢) انظر: قمع أهل الزيغ والإِلحاد (ص/ ١٤٢).\n(^٣) شرح العضد على مختصر ابن الحاجب (٢/ ٣٠٨).\n(^٤) انظر: مختصر منتهى السول (٢/ ١٢٦١).\n(^٥) انظر: رفع الحاجب (٤/ ٦٥١).\n(^٦) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٤٧).\n(^٧) انظر: تيسير التحرير (٤/ ٢٤٩، ٢٥٠).\n(^٨) انظر: الفائق في أصول الفقه (٥/ ٨٨)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٨٨٤)، والإبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٩٤٦)، ونهاية السول (٤/ ٥٨٤)، وتحفة المسؤول للرهوني (٤/ ٣٠٠) والتقرير والتحبير (٣/ ٣٤٧)، وتيسير التحرير (٤/ ٢٥٠).\n(^٩) انظر: التقرير والتحبير (٣/ ٣٤٧)، وتيسير التحرير (٤/ ٢٥٠).","vol":"3","page":1262},{"text":"تقيموا الدليلَ عليها، فلا نُسلمها لكم (^١).\nالوجه الثاني: ما ذكرتم مِنْ حقيقةِ الإِجماعِ، وأنَّه اتفاقُ المجتهدين، أمرٌ مسلَّمٌ، ونحنُ لم ندَّعِ اتفاقَ المقلِّدين، وإِنَّما نُثْبِتُ اتفاقَ السابقين مِن المجتهدين على حكمِ أهلِ الزمانِ بجوازِ إِفتاءِ مجتهدي المذاهبِ بمذاهبِهم (^٢).\nيقولُ الشيخُ محمدٌ بخيت المطيعي: \"إِنَّ أصحابَ أبي حنيفةَ كانوا يفتونَ في زمانِ الإِمامِ الشَّافعي والإِمامِ أحمدَ، وغيرِهما مِن المجتهدين، وأنَّهم جميعًا أقروا ذلك بلا نكيرٍ مِنْ أحدٍ، فكانَ هذا إِجماعًا\" (^٣).\nويمكنُ أن يُستدلَ لأصحابِ القولِ الثالثِ بالدليلِ الثاني لأصحابِ القولِ الثاني.\n• الموازنة والترجيح:\nبالنظرِ في المسألةِ بأقوالِها وأدلتها يظهر لي الآتي:\nالأول: أنَّ لمجتهدِ المذهب الإِفتاءَ بمذهبِه (^٤)؛ وذلك لجريانِ العملِ بالاعتدادِ بالأقوالِ الَّتي يتوصَّلُ إِليَها، كما في دليلِ أصحابِ القولِ الثالثِ.\nوقد مالَ تاجُ الدين السبكي إِلى أنَّ لمجتهدِ المذهبِ الإِفتاءَ؛ لظنِّه قيام الإِجماعِ على جوازِ إِفتائِه (^٥).\nويقولُ بدرُ الدين الزركشي عن أربابِ طبقةِ مجتهدي المذهبِ: \"يجوزُ الإِفتاءُ قطعًا\" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: سلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٥٨٢).\n(^٢) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٩٩)، والآيات البينات للعبادي (٤/ ٣٦٩).\n(^٣) سلم الوصول (٤/ ٥٨٥). وانظر منه: (٤/ ٥٨٢)، ومسلم الثبوت (٢/ ٤٠٤).\n(^٤) انظر: الفروق للقرافي (٢/ ٢٠٦).\n(^٥) انظر: رفع الحاجب (٤/ ٦٠٢)، والتقرير والتحبير (٣/ ٣٤٨).\n(^٦) تشنيف المسامع (٤/ ٦١٤).","vol":"3","page":1263},{"text":"فكأنَّ تاجَ الدين السبكي، وبدرَ الدين الزركشيَّ يميلانِ إِلى خروجِ مجتهدِ المذهبِ مِن الخلافِ.\nالثاني: مَنْ كان مِنْ مجتهدي الترجيحِ في مذهبِه (مجتهدي الفتيا)، ولم يبلغْ درجةَ الاجتهادِ المقيَّدِ فيه، فله الإِفتاءُ بما ترجَّحَ عنده في مذهبِه (^١).\nوفي تسميةِ المتمذهبِ بمجتهدِ الفتيا إِشارةٌ إِلى صحةِ إِفتائِه (^٢).\nالثالث: مَنْ كانَ حافظًا لمذهب إِمامِه غيرَ متجاوزٍ لطبقةِ: (حافظ المذهب)، فله الإِفتاءُ فيما نصَّ إِمامُه عَلى حكمِه، إِذا لم يُوْجَد غيرُه ممَّنْ هم أعلى طبقة منه، في مسألةٍ يجزمُ أنَّها مثلُ الَّتي نصَّ عليها إِمامُه (^٣)، وليس له الإِفتاءُ فيما لم يقفْ لإِمامِه على نصٍّ.\nوقد رجحتُ ما سَبَقَ؛ لترجيحي جواز تقليدِ المجتهدِ الميتِ، والقولُ بالجوازِ يقتضي القولَ بجوازِ إِفتاءِ المتمذهبِ بمذهبِ إِمامِه.\nوأيضًا: فإِنْ كان قصدُ السائلِ العملَ بمذهب إِمامٍ معيَّنٍ، فالمتعيّن أنْ تكونَ الفتيا مطابقةً لمذهب الإِمام المسؤولِ عنه (^٤)، والتفصيلُ الَّذي ذكرتُه يحققُ هذا المقصودَ.\nأمَّا إِنْ سألَ السائلُ عن الحكمِ الشرعي: فعلى المتمذهب إِفتاءَه بما يعلمُه في الشرعِ إِنْ كان أهلًا لهذا الأمرِ (^٥)، وإِلَّا أمسكَ عن الَإِفتاءِ، وبيَّنَ للسائلِ قولَ إِمامِه.\n_________\n(^١) انظر: الفروق للقرافي (٢/ ١٩٩ - ٢٠٠)، وسلم الوصول لمحمد المطيعي (٤/ ٥٨٣).\n(^٢) انظر: حاشية العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٤٣٨).\n(^٣) انظر: الفروق للقرافي (٢/ ١٩٨).\n(^٤) انظر: إِعلام الوقعين (٦/ ١٦٥)، والفتاوى الكبرى الفقهية لابن حجر الهيتمي (٤/ ٣١٧)، والقول المفيد للشوكاني (ص/ ١٨٦).\n(^٥) انظر: إِعلام الموقعين (٦/ ٧٤ - ٧٥، ١٢٨، ١٦٥، ١٦٧).","vol":"3","page":1264},{"text":"وقد علَّق تقيُّ الدين بنُ تيمية على كونِ المستفتي يريدُ قولَ إِمامٍ معيّنٍ، فقالَ: \"أكثرُ المستفتين لا يخطرُ بقلبِه مذهبٌ معيّنٌ عند الواقعةِ الَّتي يَسْأَلُ عنها، وإِنَّما سؤالُه عنْ حكمِها، وما يعملُ به فيها\" (^١).\n• نوع الخلاف:\nأشارَ ابنُ الصلاحِ إِلى أنَّ الخلافَ بين الأقوالِ خلافٌ لفظي، فَحَمَل مرادَ المانعين مِن إِفتاءِ المتمذهبِ مطلقًا، والمانعين لغيرِ المجتهد في مذهب إِمامِه على أنَّه ليس له أنْ يُفتي بمذهبِه على أنَّه مِنْ عندِ نفسِه، ويوجبون عليَه إِضافةَ الفتيا إِلى مذهبِ إِمامِه (^٢).\nيقولُ ابنُ الصلاحِ بعدما قرَّر ما ذكرتُه آنفًا: \"فعلى هذا مَنْ عددناه في أصنافِ المفتين (^٣) مِن المقلِّدين ليسوا على الحقيقةِ مِن المفتين، ولكنَّهم قاموا مقامَ المفتين، وأَدُّوا عنهم فعُدّوا معهم، وسبيلهم في ذلك أن يقولوا مثلًا: مذهبُ الشَّافعي كذا وكذا، ومقتضى مذهبِه كذا وكذا، وما أشبه ذلك، ومَنْ تَرَكَ منهم إِضافةَ ذلك إِلى إِمامِه، إِن كان ذلك منه، اكتفاءً بالمعلومِ مِن الحالِ عن التصريحِ بالمقالِ: فلا بأسَ\" (^٤).\n• سبب الخلاف:\nيظهرُ أن الخلافَ في مسألةِ: (إِفتاء المتمذهب بمذهبه) عائدٌ إِلى السببين الآتيين:\nالسبب الأول: حكمُ تقليدِ الميتِ، وقد سبقت الإِشارةُ إِلى هذا حين تحدثتُ عنْ نوعِ الخلافِ في مسألةِ: (حكم تقليد الميت).\n_________\n(^١) نقل ابنُ القيم في: إِعلام الموقعين (٦/ ١٦٧) كلامَ تقي الدين بن تيمية.\n(^٢) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٠٣).\n(^٣) انظر الطبقات الَّتي ذكرها ابن الصلاح في: (ص/ ٨٦٢).\n(^٤) أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٥٣). وانظر: المجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٤٥)، وصفة الفتوى (ص/ ٢٥ - ٢٦).","vol":"3","page":1265},{"text":"يقولُ جمالُ الدين الإِسنوي: \"في الإِفتاءِ بقولِه - أيْ: بقول المجتهد - خلافٌ ينبني على جوازِ تقليدِه\" (^١).\nفمَنْ قال: يجوزُ تقليدُ الميتِ، جوَّز للمتمذهبِ - إِمَّا مطلقًا، وإِمَّا لمجتهدِ المذهبِ - الإِفتاءَ بمذهبِه.\nومَنْ قالَ: لا يجوزُ تقليدُ الميتِ، مَنَعَ المتمذهبَ مِن الإِفتاءِ بمذهبِ إِمامه؛ لأنَّه ميتٌ.\nالسبب الثاني: أتعدُّ الفتيا الصادرة عن المتمذهبِ قولًا له، أم قولًا لإِمامِه؟ (^٢).\nإِنْ قلنا: تعدُّ الفتيا الصادرة عن المتمذهبِ قولًا له، لم نجوِّزْ له الإِفتاءَ؛ لأنَّه غيرُ مجتهدٍ، وهذا ما ذَهَبَ إِليه أصحابُ القولِ الأولِ.\nوإنْ قلنا: تعدُّ الفتيا الصادرة عن المتمذهب قولًا لإِمامِه، جوَّزنا له الإِفتاءَ؛ لأنَّه أفتى بقولِ مجتهدٍ، وهذا ما ذَهَبَ إِليه أصحابُ القولِ الثاني، والقولِ الثالث.\nوقبلَ الانتقالِ إِلى المطلبِ الثاني، أرى مِن المهمِّ الحديثُ عن مسألةٍ متصلةٍ بمسألةِ: (إفتاء المتمذهب بمذهبه)، وهي: هل للمتمذهبِ أن يفتي بقولٍ ضعيفٍ في مذهبِه؟\nوقبل الحديثِ عن الإِفتاءِ بالقولِ الضعيفِ في المذهبِ، أُحِبُّ أنْ أشيرَ إِلى الأمورِ الآتيةِ:\nالأمر الأول: مَن مَنَعَ الإِفتاءَ بالمذهبِ وبقولِ إِمامِه الثابتِ عنه، فإِنَّه يمنعُ الإِفتاءَ بالقولِ الضعيفِ في المذهبِ مِنْ بابٍ أولى.\n_________\n(^١) نهاية السول (٤/ ٥٨٣). وانظر: الإِبهاج في شرح المنهاج (٧/ ٢٩٤٥)، وتحفة المسؤول للرهوني (٤/ ٢٩٩)، وشرح المنهج المنتخب للمنجور (ص/ ٦٢٣).\n(^٢) انظر: سلاسل الذهب (ص / ٤٥٧)، والبحر المحيط (٦/ ٢٧٥، ٣٠٦).","vol":"3","page":1266},{"text":"الأمر الثاني: ليس مرادي بالقولِ الضعيفِ هنا القولَ المرجوحَ مِنْ حيثُ الدليلُ، بل المراد القولُ المضعَّفُ في المذهب أيًا كانتْ درجةُ قوتِه مِنْ حيثُ الدليلُ (^١).\nالأمر الثالث: تتفاوتْ درجةُ ضعفِ القولِ في المذهبِ، فقد يكون القولُ بالغَ الضعفِ في المذهب (^٢) بحيثُ يكون نفيُه عن الذهبِ أقربَ مِنْ نسبتِه إِليه، وقد يكون ضعيفًا ضعفًا يسيرًا، كبعضِ الوجوهِ والطرقِ.\nولذا لا بُدَّ مِنْ ثبوتِ نسبةِ القولِ الضعيفِ إِلى المذهب (^٣)، فلو بيَّنَ محققو المذهب عدمَ صحةِ نسبةِ القولِ الضعيفِ إِلى مذهبِهَم أصلًا، وأن نسبتَه غلطٌ عليه، لما ساغَ الإِفتاءُ به (^٤).\nولشهابِ الدينِ القرافي كلامٌ جيّدٌ في موضوعِ التَّثَبّت في نسبةِ القولِ إِلى المذهبِ، يقولُ فيه: \"ينبغي أنْ يُحْذَرَ ممَّا وَقَعَ في زمانِنا مِنْ تساهلِ بعضِ الفقهاءِ بالفتوى مِن الكتب الغريبةِ التي ليس فيها روايةٌ عن المجتهدِ بالسندِ الصحيحِ، ولا قامَ مقامَ ذلك شهرةٌ عظيمةٌ تمنعُ مِنْ التصحيفِ والتحريفِ بسببِ الشهرةِ.\nوبالغَ بعضهم في التساهلِ حتى صارَ إِذا وَجَدَ حاشيةً على كتابٍ أفتى بها! وهذا عدمُ دينٍ، وبُعْدٌ شديدٌ عن القواعدِ\" (^٥).\nالأمر الرابع: يُعْرَفُ ضعفُ القولِ في المذهب بأقوالِ محققيه، وأهلِ الترجيحِ فيه، وبمصطلحاتِ نقلِه الدالةِ على درجةِ القَولِ (^٦).\n_________\n(^١) انظر: صناعة الفتوى لابن بيه (ص/ ١١٦).\n(^٢) انظر: الفوائد المكية للسقاف (ص/ ٦٤ - ٦٥).\n(^٣) انظر: مطالب أولي النهى للرحيباني (٦/ ٤٤٧)، ونثر الورود للشنقيطي (٢/ ٥٩٣)، وأصول الفتوى والقضاء للدكتور محمد رياض (ص/٥٤٧).\n(^٤) انظر: الفوائد المكية للسقاف (ص/ ٦٥).\n(^٥) نفائس الأصول (٩/ ٤١١١). وانظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١١٥ - ١١٦)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٢٠)، والفوائد المكية للسقاف (ص/ ٦٩).\n(^٦) انظر: أصول الإِفتاء للعثماني (ص/٣٢٨) مع شرحه المصباح في رسم المفتي.","vol":"3","page":1267},{"text":"الأمر الخامس: إِنْ تحققَ للمتمذهب وصفُ الاجتهادِ المطلقِ، أو الاجتهادِ الجزئي فيما سَألَ عنه السائلُ، وَترجَّح عنده القولُ الضعيفُ في المذهبِ، فله الإِفتاءُ به؛ لرجحانِه مِنْ جهةِ الدليلِ (^١)، إِنْ لم يكنْ سؤال العامي عن قولِ إِمامِ المذهبِ.\nوبعد هذا أقولُ: إِذا سأل العاميُّ عن حكمِ مسألةٍ في مذهبِ إِمامِ بعينِه، فالأصلُ الإِفتاءُ بالأقوالِ الصحيحةِ والمعتمدةِ ممَّا تصحُّ الفتوى به في المذهبِ، وعدمُ الإِفتاءِ بقولٍ ضعيفٍ فيه (^٢)، دونَ مسوِّغٍ (^٣).\nفإِنْ كان في القولِ الضعيفِ في المذهب رخصةٌ، وكان هناك حاجةٌ إِلى الأخذِ بها (^٤)، فالحكمُ هنا يتبعُ مسألةَ: (تتبع الرخص) (^٥)، وقد تقدم الحديثُ عنها (^٦).\nوقد جاءَ عن بعضِ العلماءِ - كبعضِ الحنفيةِ (^٧) - المنعُ مِن الإِفتاءِ بالقولِ الضعيفِ.\nوصرَّح جمعٌ مِنْ علماءِ المالكيةِ بمنعِ الإِفتاءِ بغيرِ القولِ المشهورِ في\n_________\n(^١) انظر: الفكر السامي للحجوي (٢/ ٤٠٦)، والاختلاف الفقهي لعبد العزيز الخليفي (ص/ ١٩١).\n(^٢) انظر: رفع العتاب والملام للفاسي (ص/ ٣٣)، والفوائد المكية للسقاف (ص/ ٦٣ - ٦٤)، ومختصرها (ص/ ٤٤)، والعقود الياقوتية لابن بدران (ص/ ١٦٥)، ونشر البنود (٢/ ٢٦٧)، ومراقي السعود إِلى مراقي السعود (ص/ ٤٠٩)، ونثر الورود للشنقيطى (٢/ ٥٩٠)، وأصول الفتوى والقضاء للدكتور محمد رياض (ص/ ٥٤٤).\n(^٣) انظر: الفكر السامي للحجوي (٢/ ٤٠٦)، وأصول الإِفتاء للعثماني (ص/ ٣٢٨) مع شرحه المصباح في رسم المفتي.\n(^٤) انظر: الموافقات (٥/ ١٠٨).\n(^٥) انظر: المعيار المعرب للونشريسي (١٢/ ٤٤)، وشرح عقود رسم المفتي لابن عابدين (ص/ ١٥٧).\n(^٦) للاطلاع على مثال للترخص بالقول الشاذ انظر: شرح عقود رسم المفتي لابن عابدين (ص / ١٥٨ - ١٥٩).\n(^٧) انظر: رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (١/ ٢٤٣)، وأصول الإفتاء للعثمانى (ص/ ٣٢٨ - ٣٢٩) مع شرحه المصباح في رسم المفتي.","vol":"3","page":1268},{"text":"المذهبِ، مِنْ هؤلاءِ: أبو عبد الله المازري (^١)، وأبو إِسحاقَ الشاطبي (^٢)، وأبو العبَّاسِ الونشريسي (^٣) - وقد نسبه الونشريسيُّ إِلى شيوخِه المتأخرين (^٤)، ونسبه محمد الدسوقي إِلى الأشياخِ (^٥) - ومقتضى قولهم المنعُ مِن الإِفتاءِ بالقولِ الضعيفِ في المذهبِ مطلقًا.\nوعللوا لقولِهم بالمفاسدِ الَّتي قد تترتبُ على تركِ الإِفتاءِ بالقولِ المشهورِ في المذهبِ مِنْ تتبع الناسِ للرخص، وللهوى (^٦)، وانحلال عرى المذاهبِ (^٧).\nوفي تعليلهم إِشارةٌ إِلى بناءِ قولِهم على منعِ تتبعِ الرخصِ، ولسدِّ الذريعةِ (^٨).\nوظاهرُ قولِ ابنِ حجر الهيتمي المنعُ مِن الإِفتاءِ بالقولِ الضعيفِ مطلقًا (^٩).\n_________\n(^١) انظر: الموافقات (٥/ ١٠١)، وعدة البروق للونشريسي (ص/ ٥٤١)، والمعيار المعرب له (٤/ ٢٩٣)، و(١٢/ ٢٤)، ورفع العتاب والملام للفاسي (ص/ ٣٤).\n(^٢) انظر: الموافقات (٥/ ١٠١)، وفتاوى الإِمام الشاطبي (ص/ ١٢٧).\n(^٣) انظر: عدة البروق (ص/ ٥٤١).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (ص/ ٥٤١)، وسمى عددًا من شيوخه في: المعيار المعرب (٦/ ٣٢٧)، و(٥/ ١٢، ١٤، ٢٥).\n(^٥) انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٢٠)، والنوازل الصغرى للوزاني (١/ ٣٨٢)، والجواهر الثمينة للمشاط (ص/ ٢٨٨).\n(^٦) انظر: شرح عقود رسم المفتي لابن عابدين (ص/ ٣٦)، والنوازل الصغرى للوزاني (١/ ٣٨٢).\n(^٧) انظر: الموافقات (٥/ ١٠١ - ١٠٣)، وعدة البروق للونشريسي (ص/ ٥٤٢ - ٥٤٣)، والمعيار المعرب له (١١/ ١٠١)، و(١٢/ ٢٦)، والاجتهاد وضوابطه للدكتور عمار علوان (ص/ ١٢٢).\n(^٨) نقل الونشريسيُّ في: المعيار المعرب (١٢/ ٢٥) عن أبي إِسحاق الشاطبي قوله عن أبي عبد الله المازري: \"انظر كيف لم يستجز هذا الإِمام العالم - وهو المتفق على إِمامته وجلالته - الفتوى بغير المشهور من المذهب، ولا بغير ما عُرِفَ منه؟ ! بناءً على قاعدةٍ مصلحيةٍ ضروريةٍ: أنَّ قلة الورع والديانة من كثيرٍ ممن ينتصب لبثِّ العلم والفتوى، فلو فتح لهم هذا الباب؛ لانحلتْ عرى المذهب، بل جميع المذاهب\".\n(^٩) انظر: الفتاوى الكبرى الفقهية (١/ ٨١).","vol":"3","page":1269},{"text":"ويُلْحَق بهؤلاءِ القائلون بجوازِ العملِ بالقولِ الضعيفِ - بشروط معينةٍ - دونَ الإِفتاءِ به، فلا يجوز.\nوممَّنْ ذَهبَ إِلى التفريقِ بين العملِ بالضعيفِ، والإِفتاءِ به: محمد المسناوي المالكي (^١)، وعبد الله العلوي (^٢)، ومحمد الجكني (^٣)، وأبو عبد الله الفاسي (^٤)، ومحمد الأمين الشنقيطي (^٥).\nونَسَبَه محمد الدسوقي إِلى المالكيةِ المغاربةِ (^٦).\nودليلهم: ليس للمتمذهب أنْ يفتي غيرَه بالقولِ الضعيفِ؛ لأنَّ المتمذهبَ لا يمكنه تحقق الضرورة مِنْ غيرِه، لذا لا يفتي بغيرِ المشهورِ مِن المذهبِ؛ سدًّا للذريعةِ (^٧).\nوالذي يظهرُ لي أنَّه يسوغُ الإِفتاءُ بالقولِ الضعيفِ في المذهبِ في بعضِ الأحواِل، وذلك بالضوابط الآتيةِ (^٨):\n_________\n(^١) انظر: نشر البنود (٢/ ٢٧٦)، ومراقي السعود إِلى مراقي السعود (ص / ٤١٠). ومحمد المسناوي هو: محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر البكري الدلائي الفاسي، أبو عبد الله المعروف بالمسناوي، ولد سنة ١٠٧٢ هـ أحد أعلام المالكية المغربيين المبرزين في المعقول والمنقول، كان آيةً في تحصيل العلوم، دؤوبًا على التحصيل، عالي الهمة، منفردًا برئاسة العلم في وقته ومصره، سارت فتاويه في المغرب كالمثل السائر، من شيوخه: والده، وعم أبيه محمد المرابط، وصفه الشَّيخ محمد الكتاني بأنه: شيخ الإِسلام، وعالم الأعلام، خاتمة المحققين، وقدوة الموفقين\"، نُسب إِليه أنَّه ادعى رتبة الاجتهاد، وقد تولى التدريس بالمدرسة العنانية زمانًا، من مؤلفاته: رسالة في نصرة القبض، وصرف الهمة إِلى تحقيق معنى الذمة، والقول الكاشف عن أحكام الاستنابة في الوظائف، توفي بفاس سنة ١١٣٦ هـ. انظر ترجمته في: سلوة الأنفاس للكتاني (٣/ ٥٩)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٣٣٣)، والفكر السامي لمحمد الحجوي (٤/ ٢٨٥)، والأعلام للزركلي (٦/ ١٣).\n(^٢) انظر: در البنود (٢/ ٢٧٦).\n(^٣) انظر: مراقي السعود إِلى مراقي السعود (ص/ ٤١٠).\n(^٤) انظر: رفع العتاب والملام (ص/ ٦٣).\n(^٥) انظر: نثر الورود (٢/ ٥٩٢ - ٥٩٣).\n(^٦) انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٢٠).\n(^٧) انظر: نشر البنود (٢/ ٢٧٦)، ومراقي السعود إِلى مراقي السعود (ص / ٤١٠)، ورفع العتاب والملام للفاسي (ص/ ٦٤، ٧٢)، ونثر الورود للشنقيطي (٢/ ٥٩٣).\n(^٨) أفدت من الشروط الَّتي ذكرها العلوي في: نشر البنود (٢/ ٢٧٦) للعمل بالقول الضعيف، وقد =","vol":"3","page":1270},{"text":"الضابط الأول: أنْ يكونَ المفتي بالقولِ الضعيفِ عارفًا بالمذهبِ ومآخذِه بارعًا فيه (^١).\nيقولُ بدرُ الدين الزركشي تحت مسألةِ: (هل للبارع في المذهب أن يفتي بالوجوه المرجوحة إِذا قوي مدركها؟): \"هذا كلُّه بعدَ تبحّرِ المفتي أو الحاكم في المذهبِ، وإِلَّا فيمتنع قطعًا\" (^٢).\nفإِنْ لم يكن المتمذهبُ بهذه الصفةِ لم يجزْ إِفتاؤه بالقولِ الضعيفِ حينئذٍ.\nالضابط الثاني: أنْ لا يكون القولُ في نفسِه قولًا شاذًّا لم يقلْ به أحدٌ مِن العلماءِ المعتبرين، ولا ضعيفًا ضعفًا شديدًا في المذهبِ (^٣).\nفيتعين أنْ يكونَ القولُ مِن الأقوالِ المقبولةِ الَّتي قوي دليلُها (^٤)، وأن لا يكون مخالفًا لنصٍّ في الكتابِ أو السنةِ (^٥).\nالضابط الثالث: أنْ تكونَ هناك ضرورةٌ أو حاجةٌ داعيةٌ إِلى الإِفتاءِ بالقولِ الضعيفِ (^٦)،\n_________\n= تبع العلويَّ في ذكرها: محمد الأمين الجكني في: مراقي السعود (ص/ ٤١٠)، ومحمد الأمين الشنقيطي في: نثر الورود (٢/ ٥٩٢ - ٥٩٣).\n(^١) انظر: أصول الإِفتاء للعثماني (ص/٣٢٨) مع شرحه المصباح في رسم المفتي.\n(^٢) البحر المحيط (٦/ ٢٩٦).\n(^٣) انظر: نشر البنود (٢/ ٢٦٧)، ونثر الورود للشنقيطي (٢/ ٥٩٢)، وأصول الفتوى والقضاء للدكتور محمد رياض (ص/ ٥٤٧).\n(^٤) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٩٦).\n(^٥) انظر: الفتوى في الشريعة الإِسلامية لعبد الله آل خنين (١/ ٣٣٥).\n(^٦) انظر: مطالب أولي النهى للرحيباني (٦/ ٤٤٧)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (١/ ٢٤٣)، وشرح عقود رسم المفتي له (ص/ ١٥٩ - ١٦٠)، ومختصر الفوائد المكية للسقاف (ص/ ٤٤)، والنوازل الصغرى للوزاني (١/ ٣٧١)، ونشر البنود (٢/ ٢٦٧)، والعقود الياقوتية لابن بدران (ص/ ١٦٧)، والفكر السامي لمحمد الحجوي (٢/ ٤٠٦، ٤٢١)، ونثر الورود للشنقيطي (٢/ ٥٩٢)، وأصول الإفتاء للعثماني (ص/٣٢٨) مع شرحه المصباح في رسم المفتي، وبحوث فقهية لمجاهد القاسمي (ص/٦٨).","vol":"3","page":1271},{"text":"أو مصلحةٌ راجحةٌ تترتبُ على الإِفتاءِ به (^١).\nالضابط الرابع: أنْ لا ينسبَ المتمذهبُ القولَ الضعيفَ الَّذي أفتى به إِلى إِمامِه، ولا سيما إِنْ كان له نصٌّ بخلافِه، ولا يطلق نسبتَه إِلى المذهبِ (^٢)، بلْ الأَولى أنْ يبيِّنَ للمستفتي ضعفَ القولِ في المذهبِ (^٣).\nومحلُّ الضوابطِ السابقةِ إِنْ لم يكن سؤالُ المستفتي عن الحكمِ في المذهبِ بإطلاق، أو عن المعتمدِ أو الراجحِ فيه، فإِنْ سألَ عنه لم يسغ الإِفتاءُ بالضعيفِ في المذهبِ (^٤)، إِلَّا إِذا ترجّحَ عند المتمذهب مِنْ جهةِ الدليلِ، فله الإِفتاءُ به حينئذٍ، مع بيانِ ذلك.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: الفتاوى الكبرى الفقهية لابن حجر الهيتمي (٤/ ٣١٧)، ونشر البنود (٢/ ٣٣٣)، والفكر السامي لمحمد الحجوي (٢/ ٤٢١)، ومراقي السعود إِلى مراقي السعود (ص/ ٤٤٧)، ومقاصد الشريعة الإِسلامية لابن عاشور (٣/ ٤٩٠ - ٤٩١).\n(^٢) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٩٦).\n(^٣) انظر: الفوائد المكية للسقاف (ص/ ٦٣).\n(^٤) انظر: الفتاوى الكبرى الفقهية لابن حجر الهيتمي (٤/ ٣١٧).","vol":"3","page":1272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>المطلب الثاني: إِفتاء المتمذهب بغير مذهب إِمامه</span>\nقد يرى المتمذهبُ حين يُسأل عن مسألةٍ ما أنْ يفتي السائلَ بغيرِ مذهبِه، كانْ يستفتي العاميُّ عالمًا حنبليًا عن حكمِ مسألةٍ ما، فيفتيه بقولِ المالكيةِ مثلًا، فهلْ للمتمذهبِ ذلك؟\nقبلَ الشروعِ في الحديثِ في هذه المطلب، أنبِّه إِلى أنَّه لا يختلفُ الحديثُ في هذه المسألةِ عمَّا قررتُه في مسألةِ: (الخروج عن المذهب)؛ إِذ حقيقةُ الإِفتاءِ بغيرِ المذهبِ أنَّها خروجٌ عنه، وقد تحدثَ جمعٌ مِن العلماءِ عن مسألةِ: (إفتاء المتمذهب بغير مذهبه) بخصوصها.\nوأُحبُّ قبل الحديثِ عن مسألةِ: (إفتاء المتمذهب بغير مذهبه)، التنبيه إِلى عدّةِ أمورِ:\nالأمر الأول: مَنْ قالَ في المطلبِ الأولِ: (إفتاء المتمذهب بمذهبه): لا يجوزُ إِفتاءُ المتمذهبِ بمذهبِ إِمامِه، فإنَّه يمنعُ إِفتاءَه بغيرِ مذهبِه.\nومقتضى قولِ مَنْ قالَ في المطلب الأولِ: يجوز إِفتاء المتمذهب إِن كان مجتهدًا في مذهب إِمامه، وإِنْ لم يَكن مجتهدًا في مذهب إِمامِه، فلا يجوز له الإِفتاءُ: أنَّه يمنعُ إِفتاءَ المتمذهبِ بغيرِ مذهبِه؛ لأنَّ المفتي غيرُ مجتهدٍ في المذهبِ الَّذي يريدُ الإِفتاءِ بقولهم، إِلَّا إِنْ تحققَ له الاجتهادُ المقيَّدُ في المذهبين، فيجوزُ له الإِفتاءُ حينئذٍ، وقد قيلَ عن بعضِ العلماءِ: إِنَّه يفتي على المذهبين (^١).\n_________\n(^١) انظر: طبقات الشافعية للإِسنوي (٢/ ٢٢٨)، والفتاوى الكبرى الفقهية لابن حجر الهيتمي (٤/ ٣١٦)، ومنار أصول الفتوى للقاني (ص/ ٣٤٣)، والفكر السامي لمحمد الحجوي (٤/ ٣٩٢).","vol":"3","page":1273},{"text":"الأمر الثاني: مَنْ مَنَعَ مِنْ الإِفتاءِ بغيرِ المشهورِ مِن المذهبِ - كما ذَهَبَ إِليه بعضُ المالكيةِ كما تقدم - فإِنَّه يمنعُ مِن الإِفتاءِ بغيرِ مذهبِ إِمامِه؛ وذلك سدًّا للذريعةِ.\nيقولُ أبو العبَّاسِ الونشريسيُّ: \"قال بعضُ الشيوخِ: فتحُ البابِ بالفتيا في إِقليمنِا بغيرِ مذهبِ مالكٍ لا يسوغُ ... \" (^١).\nوالحديثُ في هذا المطلبِ عند غيرِ هؤلاءِ.\nويلحقُ بهؤلاءِ الذين يمنعونَ الخروجَ عن المذهب والأخذَ بغيرِه مِن المذاهب مطلقًا.\nالأمر الثالث: محلُّ حديثي هنا عن القولِ الثابتِ في مذهبِ الإِمامِ الآخر، فلا يدخلُ في حديثي الأقوالُ المضعفةِ في المذاهبِ الأخرى.\nالأمر الرابع: إِنْ سألَ المستفتي متمذهبًا عن قولِ إِمامِ مذهبٍ آخر - كانْ يُسأل الحنبليّ عن قولِ الشافعية - فالذي يظهرُ لي أن له الإِفتاءَ إِنْ علمَ - أو ظنَّ - مذهبَ الإِمامِ المسؤولِ عنه، وإِنْ لم يعلمْه، فليسُ له الإِفتاءُ (^٢).\nوبعدَ هذا: يمكنُ القولُ بأنَّ لإِفتاءِ المتمذهبِ بغيرِ مذهبِه ثلاثَ حالاتٍ:\nالحالة الأولى: أنْ يفتي المتمذهبُ بغيرِ مذهبِه؛ لرجحانِه عنده.\nالحالة الثانية: أنْ يفتي المتمذهبُ بفيرِ مذهبِه؛ لكونه الأسهل.\nالحالة الثالثة: أنْ يفتي المتمذهبُ بفيرِ مذهبِه؛ احتياطًا.\nالحالة الأولى: أنْ يفتي المتمذهبُ بغيرِ مذهبِه؛ لرجحانِه عنده.\nإِذا سُئِلَ المتمذهبُ عن حكمِ مسألةٍ ما، وقد ترجَّحَ عنده غيرُ مذهبِه -\n_________\n(^١) المعيار المعرب (١٢/ ٢٦)، وانظر منه: (٤/ ٢٩٣).\n(^٢) انظر: إِعلام الموقعين (٦/ ١٦٥)، والفتاوى الكبرى الفقهية لابن حجر الهيتمي (٤/ ٣١٦)، والفتوى - نشأتها وتطورها للدكتور حسين الملَّاح (ص/ ٦٠٥).","vol":"3","page":1274},{"text":"بأي مرجّحٍ دلَّه على رجحانِه - فالذي يظهرُ لي في هذه الحالةِ هو جوازُ إِفتاءِ المتمذهبِ بغيرِ مذهبِه (^١)؛ لأنَّه أتبعَ السائلَ اجتهادَه (^٢).\nوممَّا يلزمُ المتمذهب أنْ يُبَيّنه للمستفتي بيان مذهبِ إِمامِه، ثُمَّ يذكر له ما ترجَّحَ عنده (^٣)؛ ليكونَ السائلُ على بصيرةٍ مِنْ أمرِه (^٤).\nوأيضًا: فالسائلُ إِنَّما سألَ عن مذهبِ إِمامٍ بعينِه، ويحتملُ إِرادته تقليد إِمامِ المتمذهبِ - ولذا سألَ أربابَ مذهبِه - ومع وجودِ هذا الاحتمال كانَ مِن الأمورِ اللَّازمةِ بيانُ قولِ إِمامِه.\nيقولُ ابنُ حمدان: \"فإِنْ قويَ عنده - أي: عند المجتهد في مذهبِه - مذهبُ غيرِه، أفتى به، وأَعْلَمَ السائلَ مذهب إِمامِه وأنَّه ما أفتاه به.\nفإِنْ كان غرضُ السائلِ مذهبَ إِمامِه لم يفته بغيرِه، وإِنْ قوي عنده\" (^٥).\nويظهرُ لي أنَّ في منعِ المتمذهبِ مِنْ بيانِ رأيه فيما سُئل عنه، مع إِلزامِه ببيانِ قولِ إِمامِه، تضييقًا دونَ ما يسوّغه، وفي إِفتائه بما يراه راجحًا عنده، وبيان قولِ إِمامِه توسُّطٌ جيّدٌ في هذه الحالةِ.\nولابنِ القيمِ كلامٌ سَبَقَ نقلُه - في المبحثِ الأولِ: (عملُ المتمذهبِ\n_________\n(^١) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٢٢)، وصفة الفتوى (ص/ ٣٩)، والمسودة (٢/ ٩٥٢)، والفتاوى الكبرى الفقهية لابن حجر الهيتمي (٤/ ٣١٦)، والدر النضيد للغزي (ص/ ١٩٩)، وكشاف القناع للبهوتي (١٥/ ٤٨)، ومطالب أولي النهى للرحيباني (٦/ ٤٤٨)، والفكر السامي لمحمد الحجوي (٢/ ٤٠٦)، والاختلاف الفقهي لعبد العزيز الخليفي (ص/ ١٩١)، وأصول الإِفتاء للعثماني (ص/ ٤٧٠) مع المصباح في رسم المفتي.\n(^٢) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٢٢)، وصفة الفتوى (ص/ ٣٩)، والمسودة (٢/ ٩٥٢).\n(^٣) انظر: المصارد السابقة، وفتاوى قاضي الجماعة (ص/ ١٢٩)، والدر النضيد للغزي (ص/ ١٩٩)، وكشاف القناع للبهوتي (١٥/ ٤٨).\n(^٤) انظر: كشاف القناع للبهوتي (١٥/ ٤٨)، ومطالب أولي النهى للرحيباني (٦/ ٤٤٨).\n(^٥) نقل كلامَ ابن حمدان تقيُّ الدين بن تيمية في: المسودة (٢/ ٩٣٦)، وفي الطبعة سقط يسير استدركته من طبعة محمد محيي الدين عبد الحميد (ص/ ٥٢٣). وانظر: الفواكه العديدة لابن منقور (٢/ ١٠١).","vol":"3","page":1275},{"text":"إِذا خالفَ مذهبُه الدليلَ) - ومفاده: أنَّ القولَ الراجحَ لا بُدَّ أنْ يخرَّجَ على أصولِ مذهبِ الإِمامِ وقواعدِه؛ لأنَّ كلَّ قولٍ صحيحِ، فهو مخرَّجٌ على أصولِ الأئمةِ (^١).\nوقد سَبَقَ أيضًا كلامُ تقي الدينِ بن تيمية في بيانِ أنَّ أكثرَ المستفتين لا يخطرُ ببالِهم السؤالُ عن مذهبِ إِمامٍ بعينِه.\nالحالة الثانية: أنْ يفتي المتمذهبُ بغيرِ مذهبِه؛ لونِه الأسهل.\nإِذا سُئِل المتمذهبُ عن حكمِ مسألةِ ما، ورأى إِفتاءَ السائل بمذهبٍ آخر؛ لكونِه أسهل مِنْ مذهبِه، فالذي يظهرُ لي في هذه الحالة أنَّ الأصلَ فيها عدمُ الجوازِ؛ لأنَّها كتتبعِ الرخصِ، وقد تقدمَ الحديثُ عن مسألةِ: (تتبع الرخص).\nيقولُ ابنُ الصلاحِ: \"أمَّا إِذا لم يكنْ ذلك - أيْ: إِفتاء المتمذهب بغيرِ مذهبِه - بناءً على اجتهادِ، فإنْ تَرَكَ مذهبَه إِلى مذهبٍ هو أسهلَ عليه وأوسع: فالصحيحُ امتناعُه\" (^٢).\nوقال ابنُ حمدانَ عن حكمِ هذه الحالةِ: \"فالمنعُ أصحُّ\" (^٣).\nويحتملُ وجودُ قولِ آخر في هذه الحالةِ؛ إِذ تعبيرُ ابنِ الصلاحِ وابنِ حمدان مشعرٌ بوجودِ قولٍ ثانٍ فيها.\nوقد يُستثنى مِن الحكم السابقِ بعضُ الحالاتِ الخاصةِ الَّتي يرى فيها المفتي أنَّ في الإِفتاءِ بغيرِ المذهبِ رفعًا لحرجٍ وَقَعَ فيه المكلَّفُ، فيجوزُ له الإِفتاءُ بالأسهلِ (^٤) بشرطِ: أنْ لا يعارضَ القولَ المُفْتَى بها نصًّا صريحًا في\n_________\n(^١) انظر: إِعلام الموقعين (٦/ ١٦٧).\n(^٢) أدب المفتي والمستفتي (ص / ١٢٣). وانظر: الدر النضيد للغزي (ص / ١٩٩)، وأصول الإفتاء للعثماني (ص/٤٦٣) مع المصباح في رسم المفتي.\n(^٣) صفة الفتوى (ص/ ٣٩). وانظر: المسودة (٢/ ٩٥٢).\n(^٤) انظر: أصول الإِفتاء للعثماني (ص/٤٦٣) مع المصباح في رسم المفتي.","vol":"3","page":1276},{"text":"القرآنِ أو السنةِ (^١)، أو إِجماعًا متقدمًا.\nالحالة الثالثة: أنْ يفتي المتمذهبُ بغيرِ مذهبِه؛ احتياطًا.\nإِذا أفتى المتمذهبُ السائلَ بغيرِ مذهبِه؛ لأنَّ في تركِ مذهبِه إِلى مذهب إِمامٍ آخر احتياطًا، فالذي يظهرُ لي هو جوازُ الإِفتاءِ في هذه الحالةِ (^٢)، إِنْ لم يقع المستفتي في حرجٍ ومشقةٍ.\nويظهرُ أن ممَّا يلزم المتمذهب في هذه الحالةِ أنْ يُبينَ للمستفتي مذهبَ إِمامِه، ثمَّ يبيِّن له أنَّ فيما أفتاه به احتياطًا له (^٣)؛ لأنَّ السائلَ إِنَّما سألَ عن قولِ إِمامِ المتمذهبِ، ويحتمل إِرادة السائلِ تقليد إِمامِ المتمذهبِ بعينِه - ولذا سألَ أربابَ مذهبِ الإِمامِ - ومَعَ وجودِ الاحتمالِ كان مِن الأمورِ اللازمةِ بيانُ قولِ إِمامِه.\nوأنبه إِلى أمرٍ مهمٍ، وهو: إِنْ ترتّبَ على إِفتاءِ المتمذهب بغيرِ مذهبِ إِمامِه مفسدة راجحة، فالأَوْلى بالمتمذهبِ مراعاةُ درئها، فَإِنْ أمكنَه أنْ يخرِّجَ القولَ الَّذي ترجّحَ عنده على أصولِ مذهبِه وقواعدِه أو فروعه، فهذا جيّدٌ، وقد تقدّم كلامُ ابن القيّمِ الَّذي يشيرُ إِلى إِمكانِ تخريج الأقوالِ الراجحةِ على أصولِ الأئمةِ (^٤).\nوإِنْ لم يمكنْه، فقد يُقال: إِنَّ الأَوْلى بالمتمذهبِ في هذه الحالةِ عدمُ الإِفتاءِ؛ مراعاةً لدرءِ المفسدةِ (^٥)، وفيمكانِه أنْ يحيلَ السائلَ إِلى غيرِه من المفتين.\n_________\n(^١) انظر: إِعلام الموقعين (٦/ ١٦٩ وما بعدها).\n(^٢) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٢٢ - ١٢٣)، وصفة الفتوى (ص/ ٣٩)، والمسودة (٢/ ٩٥٢)، والدر النضيد للغزي (ص/ ١٩٩).\n(^٣) انظر: المصار السابقة.\n(^٤) انظر: إِعلام الوقعين (٦/ ١٦٧)، والفتاوى الكبرى الفقهية لابن حجر الهيتمي (٤/ ٣١٩).\n(^٥) ذكرت في المبحث الأول: (عمل المتمذهب إذا خالف مذهبه الدليل) أنَّ النبي - ﷺ - ترك بناء الكعبة على قواعد إِبراهيم - ﵇ -؛ لأنَّ القوم كانوا حدثاء عهد بالكفر؛ خشية وقوع فتنة بين بعض المسلمين. وانظر: مجموع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية (٢٤/ ١٩٥)، وأصول الإِفتاء للعثماني (ص/ ٤٧٢ - ٤٧٣) مع المصباح في رسم المفتي.","vol":"3","page":1277},{"text":"فإِنْ كان محلُّ السؤالِ مِن المستحباتِ أو مِن المكروهاتِ، فبإِمكانِه الإِفتاء بخلافِ ما ظَهَرَ له؛ درءًا للمفسدةِ وجلبًا للمصلحةِ.\nيقولُ شمسُ الدين الذَّهبي: \"إِذا تبرهنَ له مذهبُ الغيرِ في مسائل، ولاحَ له الدليلُ، وقامت عليه الحجةُ: فلا يقلِّدْ فيها إِمامَه ... لكنَّه لا يفتي العامةَ إِلَّا بمذهبِ إِمامِه\" (^١)\nولعلَّ كلامَ الذَّهبي محمولٌ على مثلِ الحالةِ الجزئية الَّتي نبَّهتُ إِليها.\n* * *\n_________\n(^١) سير أعلام النُّبَلاء (٨/ ٩٣ - ٩٤).","vol":"3","page":1278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>الفصل السادس: أثر التمذهب في التوصّل إِلى حكم النازلة</span>\nوفيه: تمهيد، ومبحثان:\nتمهيد في: تعريف النازلة في: اللغة، والاصطلاح\nالمبحث الأول: التوصل إِلى حكم النازلة بتخريجها على أصول المذهب\nالمبحث الثاني: التوصل إِلى حكم النازلة بتخريجها على فروع المذهب","vol":"3","page":1279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>توطئة</span>\nلا يخفى على أحدٍ أنَّ النوازلَ الَّتي يحتاجُ المكلَّفون فيها إِلى معرفةِ الحكمِ الشرعي لا تنتهي (^١)، ومنذُ العقودِ الإِسلاميةِ الأُوْلى والمجتهدون يسهمون في بيانِ أحكامِ النوازلِ والحوادثِ المستجدةِ، وقد أسهمَ علماءُ المدارسِ الفقهيةِ في معالجتِها (^٢).\nولمَّا استقرّت المدارسُ الفقهيةُ، وبرزت المذاهبُ الفقهيةُ كان اهتمامُ متمذهبيها بمعالجةِ النوازلِ مستمرًا (^٣)، فأسهموا ببيانِ أحكامِها في ضوءِ مذهبِهم الَّذي ينتمونَ إِليه (^٤).\nوكما هو معلومٌ، لا يمكن القولُ: إِنَّ أقوالَ أحدٍ مِن الأئمةِ قد استوعبتْ أحكامَ كلِّ النوازلِ والحوادثِ، ولا يمكنُ أيضًا أنْ يحويَ مذهبٌ مِن المذاهب أحكامَ جميعِ النوازلِ (^٥)، لذا كان على المتمذهبين في مختلفِ المذاهبِ أنْ يعتمدوا في معالجةِ النوازلِ على مَعِيْنٍ لا يَنْضَبُ، وكان ذلك بتخريجِ حكمِ النازلةِ على أصولِ المذهبِ وفروعِه.\nيقولُ ابنُ خَلدون: \"لمَّا صارَ مذهبُ كلِّ إِمامٍ عَلمًا مخصوصًا عند أهلِ\n_________\n(^١) انظر: الضروري في أصول الفقه (ص/ ١٤٥).\n(^٢) انظر: المدخل المفصَّل إِلى فقه الإِمام أحمد (١/ ٢٦٨)، والمدرسة المالكية العراقية للدكتور حميد لحمر (١/ ٤٩٥) ضمن بحوث الملتقى الأول للقاضي عبد الوهاب المالكي.\n(^٣) انظر: مقدمة ابن خَلدون (٣/ ١٠٥٥ - ١٥٥٦).\n(^٤) انظر: أبو حنيفة - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٩٥)، ومالك - حياته وعصره له (ص/٣٥٠).\n(^٥) انظر: حجة الله البالغة للدهلوي (١/ ٤٦٧)، والشافعي - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٢٠).","vol":"3","page":1281},{"text":"مذهبِه، ولم يكنْ لهم سبيلٌ إِلى الاجتهادِ والقياسِ: احتاجوا إِلى تنظيرِ المسائلِ في الإِلحاقِ، وتفريعِها عند الاشتباهِ بعدَ الاستنادِ إِلى الأصولِ المقررةِ مِنْ مذهبِ إِمامِهم\" (^١).\nولمعرفةِ حكمِ النازلةِ في المذهبِ عدَّةُ طرقٍ، أهمّها طريقان، وهما:\nالطريق الأول: تخريجُ حكمِ النازلة على أصولِ المذهبِ وقواعدِه.\nالطريق الثاني: تخريجُ حكمِ النازلةِ على فروعِ المذهبِ (^٢).\nيقولُ ابنُ الصلاح: \"تخريجُه - أي: مجتهد المذهب - تارةً يكون مِنْ نصّ معيَّنٍ لإِمامِه في مَسألةٍ معينةٍ، وتارةً لا يجدُ لإِمامِه نصًّا معيّنًا يخرِّجُ منه، فيخرِّج على وفقِ أصولِه\" (^٣).\nويقولُ شاه ولي الله الدهلوي: \"وَقَعَ التخريجُ في كلِّ مذهبٍ، وكَثُرَ\" (^٤).\nويقولُ ابنُ عابدين: \"مسائلُ النوازلِ، سُئِلَ عنها المشايخُ المجتهدون في المذهبِ، ولم يجدوا فيها نصًّا، فأفتوا فيها تخريجًا\" (^٥).\nوقد أوضحَ ابنُ الصلاحِ أنَّ مفزعَ المفتين مِنْ مُدَدٍ مديدةٍ هو تخريج حكمِ النازلةِ على أصولِ المذهبِ، وفروعِه (^٦).\n_________\n(^١) مقدمة ابن خلدون (٣/ ١٠٥٦ - ١٠٥٦).\n(^٢) انظر: صفة الفتوى (ص/ ٢٠)، والشافعي - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٢٠)، وأصول الفقه الإِسلامي للدكتور زكي شعبان (ص/ ٣٣٣)، والاختلاف الفقهي لعبد العزيز الخليفي (ص/ ٨٨)، وتخريج الفروع على الأصول لعثمان شوشان (١/ ١٩٣)، والسلطة المذهبية للدكتور وائل حلاق (ص/ ٨٢).\n(^٣) أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٧). وانظر: المسودة (٢/ ٩٦٨).\n(^٤) حجة الله البالغة (١/ ٤٦٧).\n(^٥) رد المحتار على الدر المختار (١/ ١٦٨).\n(^٦) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٦)، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٤٣)، وصفة الفتوى (ص / ١٩)، والمسودة (٢/ ٩٦٧)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٦٢).","vol":"3","page":1282},{"text":"وبيَّنَ أحمدُ الوزير أنَّ التخريجَ على أقوالِ الأئمةِ تولَّدَ مِن التمذهبِ (^١)، وبيَّنَ الدكتورُ يعقوبُ الباحسين أنَّ تخريجَ الفروعِ على الأصولِ إِنَّما نَشَأَ نتيجةَ الخلافاتِ المذهبيةِ (^٢).\nوقد نظمت عِقْدَ هذا الفصل في: تمهيدٍ، ومبحثين.\nوقبلَ الدخولِ في تفاصيلِ الفصلِ، أُحبُّ أنْ أنبه إِلى أنّني لن أتعرضَ فيه إِلى الحديثِ عن علم تخريجِ الفروعِ على الأصولِ، ولا عن علمِ تخريجِ الفروعِ على الفروعِ - وسَأستفيد ممَّا قيل فيهما ممَّا له علاقةٌ ببحثي - وكذلك لن أتعرضَ إِلى منهجِ دراسةِ النوازلِ عند المذاهبِ الفقهيةِ، وكيفيةِ تخريجِ حكمِ النازلةِ (^٣)، فهذه مسائلُ أخرى.\n_________\n= يقول الدكتور محمد رياض في كتابه: أصول الفتوى والقضاء (ص/ ٥٨١): \"تظهر فائدةُ التخريج في إِيجادِ الحلول للأحداث الطارئة، والنوازلِ الجديدة الَّتي يواجهها المفتي\".\nوانظر: المدرسة المالكية العراقية للدكتور عبد الفتاح الزنيفي (١/ ٥٨٣) ضمن بحوث الملتقى الأول للقاضي عبد الوهاب المالكي.\n(^١) انظر: المصفى في أصول الفقه (ص/ ٤٤)، وقد انتقد أحمد الوزير تخريج المتمذهبين، وعدَّ إِدراج بعض مسائله في مباحث أصول الفقه تطفُّلًا.\n(^٢) انظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين (ص/٥٣).\n(^٣) للاطلاع على إِسهام المعاصرين في الحديث عن كيفية معالجة النازلة انظر: المدخل إِلى فقه النوازل للدكتور عبد الناصر أبو البصل (ص/ ١٢٩ - ١٣٣)، بحث منشور في: أبحاث اليرموك، سلسلة: العلوم الإنسانية والاجتماعية، المجلد: الثالث عشر (أ)، وأصول الإِفتاء للعثماني (ص/ ٤٨٠) مع شرحه المصباح في رسم المفتي، وتخريج الفروع على الأصول لعثمان شوشان (١/ ٥٢٧ - ٥٩٠)، ودراسة تحليلية مؤصلة لتخريج الفروع على الأصول لجبريل ميغا (ص/ ٥٩٤ وما بعدها)، ومنهج استنباط أحكام النوازل الفقهية المعاصرة للدكتور مسفر القحطاني (ص / ٢٦٠ - ٥٧١)، وفقه النوازل للدكتور محمد الجيزاني (١/ ٣٨ وما بعدها)، والتكييف الفقهي للدكتور محمد شبير (ص/ ٦٣ - ١٢٠)، والمنهج في استنباط النوازل لوائل الهويريني (ص/ ٣٩٦ - ٤٩٠)، وفقه النوازل عند المالكية للدكتور مصطفى الصمدي (ص/ ٣١٣ - ٣٩٥)، والنوازل الأصولية للدكتور أحمد الضويحي، بحث منشور في: مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، العدد: الرابع والسبعون (ص/ ٧٩ - ٨٤)، ومدخل إِلى فقه النوازل للدكتور عبد الحق حميش، بحث منشور في: مجلة جامعة الإِمام محمد بن سعود (العلوم الشرعية) العدد: العاشر (ص/ ٢٧٧ وما بعدها).","vol":"3","page":1283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>تمهيد في: تعريف النازلة في: اللغة، والاصطلاح</span>\nأولًا: تعريف النازلة في اللغة:\nالنازلةُ: اسمُ فاعل مِن الفعلِ نَزَلَ، يُقالُ: نَزَلَ يَنْزِلُ نُزُوْلًا (^١)، فهو نَازِلٌ، وللمؤنث: نَازِلَةٌ، ويُقالُ: نَزَلَ عليهم، ونَزَلَ بهم، ونَزَلَهم (^٢)، ويقالُ: نَزَلَ عن دابَّتِه نُزُوْلًا، ونَزَلَ المطرُ مِن السماءِ نُزُوْلًا (^٣).\nو(نَزَلَ) فعلٌ لازمٌ، يتعدى بالحرفِ، وبالهمزةِ، وبالتضعيفِ (^٤).\nوترجعُ كلمة: (النازلة) إِلى مادة: (نزل)، ومعناها: هبوطُ شيءٍ، ووقوعُه (^٥)، والانحطاطُ مِنْ علو (^٦).\nوالنازلة: الشديدةُ مِنْ شدائدِ الدهرِ تنزلُ بالقومِ، وجمعها: نوازل (^٧).\n_________\n(^١) انظر: مجمل اللغة، مادة: (نزل)، (٣/ ٨٦٤)، ولسان العرب، مادة: (نزل)، (١١/ ٦٥٦)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (نزل)، (ص/ ٤٩١)، والقاموس المحيط، مادة: (نزل)، (ص/ ١٣٧٢).\n(^٢) انظر: لسان العرب، مادة: (نزل)، (١١/ ٦٥٦)، والقاموس المحيط، مادة: (نزل)، (ص/ ١٣٧٢).\n(^٣) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (نزل)، (٥/ ٤١٧).\n(^٤) انظر: المصباح المنير للفيومي، مادة: (نزل)، (ص/ ٤٩١).\n(^٥) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (نزل)، (٥/ ٤١٧)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (نزل)، (ص ٤٩١).\n(^٦) انظر: مفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني، مادة: (نزل)، (ص/ ٧٩٩).\n(^٧) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (نزل)، (١٣/ ٢١١)، والصحاح، مادة: (نزل)، (٥/ ١٨٢٩)، ومقاييس اللغة، مادة: (نزل)، (٥/ ٤١٧)، ومجمل اللغة، مادة: (نزل)، (٣/ ٨٦٤)، =","vol":"3","page":1284},{"text":"والنَزِيْلُ: الضيف (^١)، والنُّزْلُ، والنُّزُلُ، والنَّزُوْلُ: ما هُيئ للضيفِ مِن الطعامِ (^٢) والمنزلِ (^٣)، يُقالُ: إِن فلانًا لحسن النُّزْلِ، والنُّزُلِ، أيْ: الضيافة (^٤).\nفمعنى النازلةِ في اللغةِ: إِمَّا الأمرُ الشديدُ الَّذي ينزلُ بالقومِ، وإِمَّا: الواقعةُ مِن علو.\nثانيًا: تعريف النازلة في الاصطلاح:\nاستعملَ متقدمو أهلِ العلمِ: (النازلة) بمعناها اللغوي: (الشديدةُ مِن شدائد الدهرِ تنزلُ بالقوم)، وإِنْ لم تكنْ مستجدةً (^٥)، واستعملوها بمعنى الأمرِ الحادثِ والمستجدِ (^٦).\n_________\n= ومفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني، مادة: (نزل)، (ص/ ٨٠١)، والقاموس المحيط، مادة: (نزل)، (ص/ ١٣٧٢)، والكليات للكفوي (ص/ ٩١٠).\n(^١) انظر: الصحاح، مادة: (نزل)، (٥/ ١٨٢٩)، ومقاييس اللغة، مادة: (نزل)، (٥/ ٤١٧)، ومجمل اللغة، مادة: (نزل)، (٣/ ٨٦٤)، والقاموس المحيط، مادة: (نزل)، (ص/ ١٣٧٢).\n(^٢) انظر: المصباح المنير للفيومي، مادة: (نزل)، (ص/ ٤٩١).\n(^٣) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (نزل)، (١٣/ ٢١١)، ومجمل اللغة، مادة: (نزل)، (٣/ ٨٦٤)، ولسان العرب، مادة: (نزل)، (١١/ ٦٥٨)، والقاموس المحيط، مادة: (نزل)، (ص/ ١٣٧٢).\n(^٤) انظر: تهذيب اللغة، مادة: (نزل)، (١٣/ ٢١٥)، ولسان العرب، مادة: (نزل)، (١١/ ٦٥٨).\n(^٥) انظر: منهج استنباط أحكام النوازل الفقهية المعاصرة للدكتور مسفر القحطاني (ص/ ٩١)، والمنهج في استنباط أحكام النوازل لوائل الهويريني (ص/ ١١)، والنوازل الأصولية للدكتور أحمد الضويحي، بحث منشور في: مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، العدد: الرابع والسبعون (ص/ ٧٤).\nومن هذا الاستعمال: قول الإِمام الشَّافعي في: الأم (٢/ ٢٤٢): \"ولا قنوت في شيءٍ من الصلوات إِلَّا الصبح، إِلَّا أنْ تنزل نازلةٌ، فيقنت في الصلوات كلِّهن، إِن شاء الإِمام\". وانظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٥٨٦).\n(^٦) انظر: فقه النوازل للدكتور محمد الجيزاني (١/ ٢٢)، والنوازل الأصولية للدكتور أحمد الضويحي، بحث منشور في: مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، العدد: الرابع والسبعون (ص/٧٥).\nواستعمل عددٌ من الفقهاء لفظ النازلة بهذا المعنى، فمن هذا: قول الإِمام الشَّافعي في: الرسالة (ص/ ٢٠): \"فليستْ تنزل بأحدٍ من أهل دين الله نازلةٌ إِلَّا وفي كتاب الله الدليلُ على سبيل الهدى فيها\". =","vol":"3","page":1285},{"text":"والمقصودُ في هذا المقامِ هو الاستعمالُ الثاني (^١).\nومع استعمالِ متقدمي أهل العلمِ مصطلح: (النازلة)، إِلَّا أنني لم أقفْ - فيما رجعتُ إِليه من مصادر - على مَنْ عرَّفها في الاصطلاحِ (^٢)؛ ولعل مردَّ هذا الأمر عائدٌ إِلى أنَّ وضوحَ معناها عندهم أغنى عن الحاجةِ إِلى تعريفِها (^٣).\n_________\n= ويقول ابن عبد البر في: جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٨٤٤): \"باب: اجتهاد الرأي على الأصول عند عدم النصوص في حين نزول النازلة\".\nويقول محيي الدين النوويُّ في: شرح صحيح مسلم (١/ ٢١٣) عند شرحه حديث: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إِله إِلَّا الله ...): \"وفيه - أي: وفي الحديث - اجتهاد الأئمة في النوازل، وردِّها إِلى الأصول\".\nويقول شهاب الدين القرافيُّ في: الفروق (١/ ٢٨٥) بعد أنْ بيَّن صعوبة تحرير الفرق بين قاعدة: الصغائر وقاعدة الكبائر، والفرق بين أعلى رُتَبِ الصغائر، وأدنى رُتَب الكبائر: (وهذه مواضع شاقة الضبط ... وفيها غوامض صعبةٌ على الفقيه والمفتي عند حلول النوازل في: الفتاوى والأقضية\".\nوانظر: تقريب الوصول لابن جزي (ص/ ٤٤٧)، وإعلام الموقعين (١/ ٥٥٧)، والقواعد للمقري (٢/ ٤٦٧).\n(^١) انظر: فقه النوازل للدكتور محمد الجيزاني (١/ ٢٢).\n(^٢) انظر: منهج استنباط أحكام النوازل الفقهية المعاصرة للدكتور مسفر القحطاني (ص/ ٨٩)، ونوازل الزكاة للدكتور عبد الله الغفيلي (ص/ ٢٧).\n(^٣) انظر: منهج استنباط أحكام النوازل الفقهية المعاصرة للدكتور مسفر القحطاني (ص/ ٨٩ - ٩٠)، ونوازل الزكاة للدكتور عبد الله الغفيلي (ص/ ٢٨)، حاشية (٢).\nوقد التمس الدكتور مسفر القحطاني أسبابًا لعدم تعريف متقدمي أهل العلم لمصطلح النازلة، فذكر الآتي:\nأولًا: أن مصطلح النوازل لم يشتهر ولم ينتشر ويتداول إِلَّا في العصور المتأخرة، وليس عند جميع الفقهاء والأصوليين، بل عند بعضهم.\nثانيا: أن مرادفات مصطلح النوازل - والمصطلحات المقاربة له - لا تقل شأنًا في التداول والشيوع عن مصطلح النوازل، ويظن أنَّ إِهمال تعريفه؛ لدخوله تحت المصطلحات المرادفة له المعروفة والمشهورة عند العلماء، كالاقضية والفتاوى، فلا يحتاج إِلى إِفراده بحدٍّ.\nثالثًا: أن الذين كتبوا في النوازل اهتموا بالجوانب العملية التطبيقية المعالجة للوقائع والفتاوى النازلة بالناس، ولم يهتموا بالجوانب النظرية الَّتي تؤصل وتبيّن مصطلح النوازل، ومنهج استخراج الأحكام فيه.\nوانظر: نوازل الزكاة للدكتور عبد الله الغفيلي (ص/ ٢٨)، حاشية (٢). =","vol":"3","page":1286},{"text":"ولقد اهتمَّ كثيرٌ مِن المعاصرين بتعريفِ (النازلةِ) في الاصطلاحِ، وسوفُ أعرضُ أبرزَ التعريفاتِ الَّتي أوردوها، دونَ توسعٍ في ذكرها، ودونَ توسعٍ - أيضًا - في ذكرِ الاعتراضاتِ والمناقشاتِ الواردة عليها (^١)؛ إِذ المقصودُ بالتعريفِ في هذا المقام التمهيدُ لما بعده.\nوأنبّه إِلى أنَّ بعضَ مَنْ عرَّف النازلةَ عرَّفها بصيغةِ الجمعِ (نوازل)، وعرَّفها آخرون بصيغةِ المفردِ (نازلة)، وسأسوقُ التعريفَ كما ذكره مُعَرِّفُه.\nالتعريف الأول: الوقائعُ والمسائلُ المستجدةُ والحادثةُ، المشهورة بلسانِ العصرِ باسمِ النظرياتِ والظواهرِ.\nوهذا تعريفُ الشَّيخ بكر أبو زيد (^٢).\nويؤخذُ على التعريفِ وجودُ التكرارِ لألفاظ معناها واحد، ولعل الشَّيخ بكرًا أراد توضيحَ مصطلح: النازلة، دون تعريفِه بحدٍّ (^٣).\nوأيضًا: هلْ كلُّ ما اهتمَّ به المعاصرون ممَّا يُسمَّى بالنظريات يُعَدُّ مِنْ قبيلِ النوازلِ؟ !\n_________\n= وما ذكره الدكتور مسفر القحطاني وجيه، إِلَّا الثالث فمحلُّ نظرٍ؛ لأنَّه محل السؤال، فكيف يكون سببًا؟ ! إِلَّا أنْ يكون مقصوده أنَّ انشغال العلماء بالجوانب التطبيقية أشغلهم عن الاهتمام بالجوانب النظرية للنازلة.\n(^١) للتوسع في ذكر تعريفات النازلة، انظر: منهج استنباط أحكام النوازل الفقهية المعاصرة للدكتور مسفر القحطاني (ص/ ٨٧ وما بعدها)، وفقه النوازل للدكتور محمد الجيزاني (١/ ٢٠ وما بعدها)، وفقه النوازل عند المالكية للدكتور مصطفى الصمدي (ص/ ١٣)، وفقه النوازل في سوس للدكتور الحسن العبادي (ص/ ٥٣)، ومعنى النوازل والاجتهاد فيها للدكتور عابد السفياني، بحث منشور في: مجلة: الأصول والنوازل، العدد: الأول (ص/ ١٦)، والمنهج في استنباط أحكام النوازل لوائل الهويريني (ص/ ١١)، ومدخل إِلى فقه النوازل للدكتور عبد الحق حميش، بحث منثور في: مجلة جامعة الإِمام محمد بن سعود (العلوم الشرعية) العدد: العاشر (ص/ ٢٣٦).\n(^٢) انظر: فقه النوازل (١/ ٩).\n(^٣) انظر: نوازل الزكاة للدكتور عبد الله الغفيلي (ص/ ٢٩) الحاشية.","vol":"3","page":1287},{"text":"التعريف الثاني: المسائلُ الجديدةُ الَّتي حدثت في عهدِ المفتي، وسُئِلَ عن حكمِها، ولا يوجدُ لها حكمٌ صريحٌ في متونِ المذهبِ.\nوهذا تعريفُ محمد العثماني (^١).\nالتعريف الثالث: الحادثةُ الَّتي تحتاجُ لحكم شرعي.\nوهذا تعريفُ الدكتور محمد قلعه جي (^٢)، ووافقه الدكتور محمد شبير (^٣).\nوهناك تعريفات أخرى قريبةٌ مِن التعريفِ الثالثِ، منها:\n• تعريف الدكتور عبد الناصر أبو البصل؛ إِذ عرَّف النوازل بأنَّها: \"المسائلُ والوقائعُ الَّتي تستدعي حكمًا شرعيًا\" (^٤).\nثم أوضحَ تعريفَه، فقال عنها: إِنَّها \"حادثةٌ مستجدةٌ لم تُعْرَفْ في السابقِ بالشكلِ الَّذي حدثت فيه الآن\" (^٥).\n• وتعريفُ الدكتور عبد الله الغفيلي؛ إِذ عرَّفَ النازلةَ بأنَّها: \"الحادثةُ الجديدةُ الَّتي تتطلبُ حكمًا شرعيًا\" (^٦).\n• وتعريفُ الدكتور محمد الجيزاني (^٧)، ووافقه الدكتور عابد السفياني (^٨)، إِذ عرَّفا النازلةَ بأنَّها: ما استدعى حكمًا شرعيًا مِن الوقائعِ المستجدةِ.\n_________\n(^١) انظر: أصول الإِفتاء (ص/ ٤٨٠) مع شرحه المصباح في رسم المفتي.\n(^٢) انظر: معجم لغة الفقهاء (ص/ ٤٤١).\n(^٣) انظر: المعاملات المالية المعاصرة (ص/ ١٣).\n(^٤) المدخل إِلى فقه النوازل (ص/ ١٢٤)، بحث منشور في: أبحاث اليرموك، سلسلة: العلوم الإِنسانية والاجتماعية، المجلد: الثالث عشر (١).\n(^٥) المصدر السابق.\n(^٦) نوازل الزكاة (ص/ ٢٨). وانظر: المنهج في استنباط أحكام النوازل لوائل الهويريني (ص/ ١١).\n(^٧) انظر: فقه النوازل (١/ ٢٤).\n(^٨) انظر: معنى النوازل والاجتهاد فيها، بحث منشور في: مجلة الأصول والنوازل، العدد: الأول (ص/ ١٧).","vol":"3","page":1288},{"text":"التعريف الرابع: الوقائعُ الجديدةُ الَّتي لم يسبقْ فيها نصٌّ، أو اجتهادٌ.\nوهذا تعريف الدكتور مسفر القحطاني (^١)، والدكتور عبد الرَّحمن السديس (^٢).\nويظهرُ لي تقاربُ التعريفات السابقةِ مِنْ جهةِ المعنى، والفروقات الَّتي بينها لا تؤثر مِنْ وجهةِ نظري في بيانِ المقصودِ بالنازلةِ، وإِنْ كنتُ أختارُ التعريفَ الثالثَ؛ لاختيارِ كثيرِ مِن الباحثين له، ولوضوحِه وقِصَرِه، وللتعريفِ الثاني مناسبةٌ ظاهرةٌ لموضوعِ التمذهبِ، إِلَّا أن فيه طولًا.\nوقبل الانتقال إِلى المبحثين القادمين أُحِبُّ أنْ أشيرَ إِلى عدَّة أمور:\nالأمر الأول: بيَّنَ بعضُ الباحثين المناسبةَ بين تعريفِ النازلةِ في اللغةِ: (ما كان فيها شدَّة)، وتعريفِها في الاصطلاح؛ بأنَّ الفقهاءَ يعانون الشدةَ في التعرُّفِ على حكمِ النازلةِ (^٣).\nوأيضًا: وَقْعُ النازلةِ على المجتهدِ كوَقْعِ الشدائدِ على الناسِ، مِنْ جهةِ كونِها مفاجئةً له (^٤).\nالأمر الثاني: نصَّ بعضُ الباحثين على ترادفِ مصطلحي: النازلة، والفتوى (^٥).\nويظهر لي أنَّ بينَ النازلةِ والفتوى اختلافًا، مِنْ جهةِ أنَّ النازلةَ واقعةٌ مستجدةٌ في العصرِ، أمَّا الفتوى، فلا يُشترط في المفتى فيه أنْ يكون مستجدًا، فلو سأل أحدٌ عالمًا ما عن حكمِ أمرِ واقعٍ غيرِ مستجدٍ، فأجابه،\n_________\n(^١) انظر: منهج استنباط أحكام النوازل الفقهية المعاصرة (ص/ ٩٥).\n(^٢) انظر: التكييف الأصولي وأثره في النوازل (ص/ ٣٢).\n(^٣) انظر: منهج الإِفتاء عند ابن القيم لأسامة الأشقر (ص/ ٦٩)، وفقه النوازل للدكتور محمد الجيزاني (١/ ٢٣ - ٢٤)، والنهج الأقوى في أركان الفتوى للدكتور أحمد القاضي (ص / ٧٦).\n(^٤) انظر: النوازل الأصولية للدكتور أحمد الضويحي، بحث منشور في: مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، العدد: الرابع والسبعون (ص/ ٧٦).\n(^٥) انظر: منهج الإِفتاء عند ابن القيم لأسامة الأشقر (ص/ ٧٠).","vol":"3","page":1289},{"text":"فإنَّ إجابةَ العالم حينئذِ تُعَدُّ فتيا صادرة منه، ولا يُسَمّى ما وَقَعَ فيه السائلُ نازلة.\nوقد يكون نظرُ القائلِ بهذا القول قد اتجه إلى المؤلفاتِ في النوازلِ والفتاوى، فوَجَدَ ما كُتِبَ فيهما متقاربًا.\nالأمر الثالث: هناك مصطلحاتٌ تقارب مصطلح النازلةِ في معناها - أو تماثلها - مثل: الواقعةِ، والحادثةِ، والقضيةِ المستجدةِ (^١).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٠٦ - ٢٠٧)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (١/ ٢٢٧ - ٢٢٦)، وإتحاف السادة المتقين للزبيدي (١/ ٢٨٨)، والمذهب عند الحنفية للدكتور محمد إبراهيم علي (ص/ ٧٨)، والمدخل إلى فقه النوازل للدكتور عبد الناصر أبو البصل (ص/ ١٢٤)، بحث منشور في: أبحاث اليرموك، سلسلة: العلوم الإنسانية والاجتماعية، المجلد: الثالث عشر (أ)، والمدخل المفصَّل إلى فقه الإمام أحمد (٢/ ٩١٩)، وتخريج الفروع على الأصول لعثمان شوشان (١/ ٨٧)، ودراسة تحليلية مؤصلة لتخريج الفروع على الأصول لجبريل ميغا (ص/ ٢٢٥)، والمعاملات المالية المعاصرة للدكتور محمد شبير (ص/ ١٣)، والتكييف الفقهي له (ص/ ٦٤ - ٦٥)، ومنهج استنباط أحكام النوازل الفقهية المعاصرة للدكتور مسفر الفحطاني (ص/ ٩٢ - ٩٤)، ومنهج الإفتاء عند ابن القيم لأسامة الأشقر (ص/ ٦٩)، ونوازل الزكاة للدكتور عبد الله الغفيلي (ص / ٣١ - ٣٣)، ومدخل إلى فقه النوازل للدكتور عبد الحق حميش، بحث منشور في: مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود (العلوم الشرعية) العدد: العاشر (ص/ ٢٣٩ - ٢٤٠)، والنوازل الأصولية للدكتور أحمد الضويحي، بحث منشور في: مجلة البحوث الفقهة المعاصرة، العدد: الرابع والسبعون (ص/ ٧٧ - ٧٩). وقارن بفقه النوازل للدكتور محمد الجيزاني (١/ ٢٤ - ٢٥)، والنهج الأقوى في أركان الفتوى للدكتور أحمد القاضي (ص/ ٧٧، ٣٠٧ - ٣١٠).\nيقول الشيخ بكر أبو زيد في: المدخل المفصَّل إلى فقه الإمام أحمد (٢/ ٩١٩): \"تُعْرَف كتب الفتاوي ... باسم: الواقعات والحوادث - وشيوعهما لدى الحنفية - وباسم: النوازل - والتعبير به منتشر لدى المالكية - ... ويقال: القضايا المعاصرة - وهو كذلك عند المعاصرين - وباسم: المستجدات\".","vol":"3","page":1290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>المبحث الأول: التوصل إِلى حكم النازلة بتخريجها على أصول المذهب</span>\nكانَ لأتباعِ المذاهبِ الفقهيةِ إِسهامٌ قويٌّ في إِبرازِ الأصولِ والقواعدِ الَّتي سارَ عليها أئمتهم وأتباعُهم (^١)، وكان لجهودِهم أثرٌ في بيانِ حكمِ النوازلِ بتخريجها على أصولِ مذاهبِ الأئمةِ وقواعدِهم (^٢).\n_________\n(^١) يقول محمد الخشني في مقدمة كتابه: أصول الفتيا (ص/ ٤٤): \"فإني جمعت في هذا الكتاب أصولَ الفتيا على مذهب مالك بن أنس والرواة من أصحابه جمعًا محكمًا، فقيدت فيه المعاني المكررة ... ولم أدعْ أصلًا يتفرع منه جياد المعاني، ولا عقدة يستنبط منها حسان المسائل ... إِلَّا أودعتها كتابي\".\nويقول الكاساني في مقدمة كتابه: بدائع الصنائع (١/ ٢): \"ولا يلتئم هذا المراد - أي: تيسير سبيل الوصول إِلى المطلوب وتقريبه إِلى الأفهام - إِلَّا بترتيب تقتضيه الصناعة ... وهو التصفح عن أقسام المسائل وفصولها، وتخريجها على قواعدها وأصولها؛ ليكون أسرع فهمًا، وأسهل ضبطًا ... \".\nويقول بدرُ الدين الزركشيُّ في مقدمة كتابه: المنثور في القواعد (١/ ٦٦): \"هذه قواعد تضبط للفقيه أصول المذهب، وتطلعه من مآخذ الفقه على نهاية المطلب\".\nويقول - أيضًا - عن أنواع الفقه في: المصدر السابق (١/ ٧١): \"العاشر: معرفة الضوابط الَّتي تجمع جموعًا، والقواعد الَّتي تَرُدُّ إِليها أصولًا وفروعًا. وهذا أنفعها وأعمها وأكملها وأتمها، وبه يرتقي الفقيه إِلى الاستعداد لمراتب الاجتهاد، وهو أصول الفقه على الحقيقةِ\".\nويقول ابنُ رجب في مقدمة كتابه: تقرير القواعد (١/ ٤): \"فهذه قواعد مهمّةٌ، وفوائد جمّة، تضبط للفقيه أصول المذهب، وتطلعه من مآخذ الفقه على ما كان عنه قد تغيَّب\".\n(^٢) انظر: تخريج الفروع على الأصول لعثمان شوشان (١/ ١٩٢).\nونقل بدرُ الدين الزركشيّ في: البحر المحيط (٦/ ٢٠٥ - ٢٥٦) عن ابنِ دقيق العيد كلامًا مهمًا في التفريق بين القواعد المذهبية، والقواعد الأصولية العامة، يقول ابن دقيق: \"مَنْ عَرَفَ مأخذَ إِمام، واستقل بإجراء المسائل على قواعده ينقسم إِلى قسمين:\nأحدَهما: أنْ تكون تلك القواعد مما يختص بها ذلك الإِمام وبعض المجتهدين معه: فهذا يمكن فيه الاجتهاد المقيَّد.\nوأمَّا القواعد العامة الَّتي لا تختص ببعض المجتهدين - ككون خبر الواحد، حجة والقياس، =","vol":"3","page":1291},{"text":"ولعلَّ مِنْ أهمِّ الأسبابِ الَّتي ساعدتْ بعضَ المذاهب على البقاءِ والاستمرارِ على مرِّ القرون عنايةَ مجتهديها ومحققيها ببيانِ أَصولِ أئمتِهم وقواعدِهم، وتخريجهم أحكام النوازلِ عليها (^١).\nوالمقصودُ بتخريجِ حكمِ النازلةِ على الأصولِ: أنْ يُبيّنَ المتمذهبُ حكمَ النازلةِ الَّتي لم يَنُصّ إِمامُ مذهبِه عليها بإِلحاقِها بقاعدةٍ أو بأصلٍ مِنْ أصولِه (^٢).\nيقولُ صدرُ الدّينِ السلمي: \"إِذا لم يكنْ للشافعي - ﵁ - في المسألةِ بعينِها نصٌّ، فالأصحابُ يخرِّجونها على أصولِه\" (^٣).\nويقولُ جمالُ الدّينِ الإِسنويُّ في فاتحةِ كتابِه: (التمهيد في تخريج الفروع على الأصول) (^٤) عن الفروعِ المخرَّجةِ إِنْ لم يقفْ فيها على حكمٍ في مذهبِه: \"ما لم أقفْ فيه على نقلٍ بالكُليّةِ، فاذكرُ فيه ما تقضيه قاعدتُنا الأصوليةُ، ملاحظًا أيضًا للقاعدةِ المذهبيةِ، والنظائرِ الفروعية\".\nولم يقتصر اهتمامُ مجتهدي المذهبِ ومحققيه على تخريجِ حكمِ النازلةِ على أصولِ مذهبِهم، بلْ تحدثوا عن صفاتِ المخرِّجِ وشروطِه،\n_________\n= وغير ذلك من القواعد -: فهو محتاج إِلى ما يحتاج إِليه المجتهد المطلق. فتنبه لهذا، وقد استقل قومٌ من المقلِّدين ببناء أحكامٍ على أحاديث غيرِ صحيحةٍ، مع أنَّ تلك الأحكام غير منصوصةٍ لأمامهم، وهم يحتاجون في هذا إِلى ما يحتاج إِليه المجتهد المطلق، فإذا قصروا عنه لم يكن لهم ذلك، ولم يجز أنْ تنسب تلك الأحكام إِلى ذلك الإِمام\".\nوعلَّق بدر الدين الزركشي في: البحر المحيط (٦/ ٢٠٦) على كلام ابن دقيق السابق قائلًا: \"وهذا موضعٌ نفيسٌ ينبغي التفطن له\".\n(^١) انظر: أبو حنيفة - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٩٧)، ومالك - حياته وعصره له (ص/ ٢٠٠)، وتخريج الفروع على الأصول لعثمان شوشان (١/ ٩٠).\n(^٢) انظر: أبو حنيفة - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٩٥)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٥١)، والمدخل المفضل إِلى فقه الإِمام أحمد (١/ ٢٨٠)، والقواعد والضوابط الفقهية القرافيه للدكتور عادل قوته (١/ ٢٢٠)، والفتوى في الشريعة الإِسلامية لعبد الله آل خنين (١/ ٣٥٤ - ٣٥٥)، والتكييف الفقهي للدكتور محمد شبير (ص/ ٢١)، والمعين في تفسير كلام الأصوليين للدكتور عبد الله ربيع (ص/ ١٣١).\n(^٣) فرائد الفوائد (ص/ ١٠٤).\n(^٤) (ص/ ٤٦).","vol":"3","page":1292},{"text":"وشروطِ تخريجِه، وقد سَبَقَ في طبقاتِ المتمذهبين بيانُ شروطِ المخرِّجِ.\nويفتقرُ تخريج حكمِ النازلةِ على أصولِ المذهبِ وقواعدِه إِلى وجودِ أمرين مهمّين:\nالأمر الأول: صحةُ نسبةِ الأصلِ والقاعدةِ إِلى إِمامِ المذهبِ، أو إِلى مذهبِه.\nالأمر الثاني: أنْ يُوْجَدَ في مذهب الإِمامِ مجتهدون مقيَّدون بمذهبِه، يسيرون على طريقتِه، ولديهم قدرةٌ على التخريجِ والإِلحاقِ.\nالأمر الأول: صحةُ نسبةِ الأصل والقاعدةِ إِلى إِمام المذهب أو إِلى مذهبِه (^١).\nلا شكَّ في صحةِ نسبةِ كثيرٍ مِن الأصولِ والقواعدِ المذهبيةِ إِلى إِمامِ المذهبِ، لكنْ على المتمذهبِ الانتباه إِلى أنَّ مِن الأصولِ والقواعدِ المنسوبةِ إِلى إِمامِه ما يحتاجُ إِلى مزيدِ نظرٍ وتأمّلٍ؛ لأنَّ طريقَ إِثباتِها استقراءُ فروعٍ قليلةٍ منقولةٍ عن إِمامِه (^٢)، وهذا يجعلُ تطرُّق الخطأِ وتوجُّه النقدِ إِليها قويًّا (^٣).\nيقولُ أبو إِسحاقَ الشاطبي: \"إِذا ثَبَتَت الأصولُ سَهُلَ - إِنْ شاء الله - المَخْرَجُ مِن النازلةِ\" (^٤).\nالأمر الثاني: أنْ يُوْجَدَ في مذهب الإِمامِ مجتهدون مقيَّدون بمذهبِه، يسيرون على طريقتِه، ولديهم قدرةٌ على التخريجِ والإِلحاقِ (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الشافعي - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٢٠)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ١٠٣).\n(^٢) انظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٤٤).\n(^٣) انظر: الاستقراء وأثره في القواعد الأصولية للطيب السنوسي (ص/ ٥٠٤).\n(^٤) نقل الونشريسيُّ في: المعيار المعرب (٨/ ٣٨٥) قولَ أبي إِسحاق الشاطبي. وانظر: فتاوى الإِمام الشاطبي (ص/ ١٦٤).\n(^٥) انظر: الشَّافعي - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٢٠).","vol":"3","page":1293},{"text":"وقد اجتمعَ هذانِ الأمرانِ في المذاهبِ الأربعةِ المتبوعةِ؛ إِذ أسهمَ متمذهبوها بتخريجِ أحكامِ النوازلِ على أصولِ مذاهبِهم، ومِن المعلومِ أنَّ الفروعَ الَّتي تتخرَّج على أصولِ المذهبِ وضوابطِه كثيرةٌ غيرُ متناهيةٍ (^١).\nومقامُ تخريجِ النازلةِ على أصولِ المذهبِ مقامٌ رفيعٌ، يحتاجُ المتمذهبُ فيه إِلى استيعابِ أصولِ مذهبِه وقواعدِه، والتشبّعِ منهما، ومِنْ المتعيّنِ عليه أنْ يكونَ شديدَ الاستحضارِ لهما؛ ليخرِّجَ النازلة على الأصلِ الَّذي يناسبها (^٢).\nولا بُدَّ مِن انتباه المتمذهب حين يخرِّجُ حكمَ النازلةِ إِلى صحّةِ إِلحاقِها بالأصلِ أو بالقاعدةِ المذهبيةِ (^٣)، وأنْ لا يكون هناك ما يوجبُ انقداحَ فرقٍ بين الصورةِ المخرَّجةِ، والأصلِ المخرَّجِ عليه (^٤)، وهذا يجرُّ إِلى ضرورةِ مراعاةِ المتمذهبِ للمستثنيات مِن القاعدةِ؛ لئلا يُلْحِقَ النازلةَ بقاعدةٍ أو أصلٍ لا يستقيمُ إِلحاقها به.\nيقولُ شهابُ الدين القرافي: \"على الفقيهِ أنْ ينظرَ في ردِّ الفروعِ إِلى أقربِ الأصولِ إِليها، فيعتمد عليه\" (^٥).\nويقولُ أيضًا: \"ينبغي للمفتي إِذا وقعتْ له مسألةٌ غيرُ منصوصةٍ، وأراد تخريجها على قواعدِ مذهبِه: أنْ يمعنَ النظرَ في القواعدِ الإِجماعيةِ والمذهبيةِ، هل فيها ما يوجبُ انقداح فرقِ بين الصورة المخرجةِ، والأصلِ المخرّجِ عليه أم لا؟ فمتى توهَّم الفرقَ وأنَّ ثَمَّ معنى في الأصل مفقود في\n_________\n(^١) انظر: الفروق للقرافي (١/ ١٨٤).\n(^٢) انظر: الإِحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام للقرافي (ص/ ٢٤٣)، ومنار أصول الفتوى للقاني (ص/٣٢٨).\n(^٣) انظر: الفروق للقرافي (٢/ ٢٥٤).\n(^٤) انظر: الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام للقرافي (ص/ ٢٤٣)، ومقدمة ابن خلدون (٣/ ١٥٥٦)، ومنار أصول الفتوى للقاني (ص/٣٢٨).\n(^٥) الذخيرة (١/ ٣٦٩).","vol":"3","page":1294},{"text":"الصورةِ المخرَّجةِ، أمكنَ أنْ يلاحظَ إِمامُه المقرِّرُ لتلك القاعدةِ في مذهبِه: امتنع التخريجُ؛ فإِنَّ القياسَ مع الفرقِ باطلٌ ... \" (^١).\nوفي المعنى السابقِ نفسِه يقولُ تقيُّ الدين بنُ تيميةَ: \"ثُمَّ النظرُ في دخولِ الأعيانِ تحتَ الكليات أو دخولِ نوعٍ خاصٍّ تحت أعمّ منه: لا بُّدَ فيه منِ نظرٍ واجتهادٍ، وقد يصيبُ تارة ويخطئُ أخرى\" (^٢).\nوكما هو معلومٌ، فإِنَّ لتحقيقِ أصولِ المذهب وتمييزِها أهميةً كبرى في معرفةِ أحكامِ الفروعِ والنوازل، يقولُ أبو بكرِ السرخسي: \"مَنْ أَحْكَمَ الأصولَ فَهْمًا ودِرَايَةً، تيسّرَ عليه تخريجها\" (^٣).\nويقولُ شهابُ الدين القرافي: \"مَنْ كان أَعْلَمَ بالأصلِ كان أَعْلَمَ بالفرعِ\" (^٤).\nويقولُ بدرُ الدين الزركشيُّ: \"أمَّا المجتهدُ المقيَّدُ الَّذي لا يَعْدُو مذهبَ إِمامٍ خاصٍّ، فليس عليه غيرُ معرفةِ قواعدِ إِمامِه، وليراعِ فيها ما يراعيه المطلقُ في قوانينِ الشرعِ\" (^٥).\nويتعيَّنُ على المخرِّجِ على قاعدةِ المذهبِ أنْ يكونَ ذا أهليةٍ للتخريجِ (^٦)، ومِنْ أهمِّ الشروطِ الَّتي تؤهلُه إِليه: معرفةُ أصولِ الفقهِ (^٧).\nيقولُ شهابُ الدين القرافي: \"يتعيَّن على مَنْ لا يشتغلُ بأصولِ الفقهِ أنْ\n_________\n(^١) الإِحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام (ص/٢٤٣).\n(^٢) منهاج السنة (٦/ ٤١٤) بتصرف يسير. وانظر: الاستقراء وأثره في القواعد الأصولية للطيب السنوسي (ص/ ٢٢٠ - ٢٢٢).\n(^٣) المبسوط (٣/ ١٨٧).\n(^٤) الذخيرة (١/ ٣٤).\n(^٥) البحر المحيط (٦/ ٢٠٥).\n(^٦) انظر: الإِحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام للقرافي (ص/ ٢٤٣)، ومنار أصول الفتوى للقاني (ص/٣٢٨).\n(^٧) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٥)، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٤٣)، وصفة الفتوى (ص/ ٢١)، ومنار أصول الفتوى للقاني (ص/ ٣٢٨)، ومنهج الخلاف للدكتور عبد الحميد عشاق (١/ ٣٨١).","vol":"3","page":1295},{"text":"لا يخرِّج فرعًا أو نازلةً على أصولِ مذهبِه ومنقولاتِه\" (^١).\nوقد بيَّنَ إِمامُ الحرمين الجويني أن مجتهدَ المذهبِ أقدرُ على الإِلحاقِ بأصولِ مذهبِه الَّذي ينتسبُ إِليه مِن المجتهدِ المستقلِّ في محاولتِه الإِلحاق بأصولِ الشريعة؛ لأنَّ المتمذهبَ يجدُ في أصولِ مذهبِه، وفروعِه مِن التهذيب والترتيبِ والتمهيدِ ما لا يجده المجتهدُ المستقلُّ مع أصولِ الشرعِ (^٢).\nومَعَ أنَّ تخريجَ مجتهدِ المذهبِ لحكم النازلةِ أيسرُ - كما قاله إِمامُ الحرمين - إِلَّا أن هذا لا يمنعُ وقوعَ الخطأِ وَالوهمِ في تخريجِ حكمِها على غيرِ الأصلِ الَّذي يناسبها، كما لو نَظَرَ في النازلةِ دون مراعاةٍ للقرائن والصوارف المحيطةِ بها (^٣).\nوقد أشارَ شهابُ الدين القرافي إِلى أنَّ بعضَ المخرِّجين في مذهبِ الإِمامِ مالكِ وغيرِه مِن المذاهبِ لم يسلموا مِن الوقوعِ في الخطأِ في التخريجِ؛ نتيجةَ لما سَبَقَ (^٤).\nوقد نصَّ ابنُ الصلاحِ على أنَّ مِنْ صورِ تخريجِ النازلةِ على أصولِ المذهب: أنْ يجدَ المتمذهبُ دليلًا مِنْ جنسِ ما يحتجُّ به إِمامُه، وعلى شرطِه، فيفتي بموجبِه (^٥).\nوقد استبعدَ ابنُ حمدان نسبةَ الحكمِ المخرَّج في الصورةِ آنفة الذكرِ إِلى إِمامِ المذهبِ، فقالَ: \"جَعْلُ هذا مذهبًا لإِمامِه بعيدٌ\" (^٦).\n_________\n(^١) الفروق (٢/ ٢٠٣).\n(^٢) انظر: الغياثي للجويني (ص/ ٤٢٦)، وأدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٦)، وصفة الفتوى (ص / ١٩ - ٢٠)، والمسودة (٢/ ٩٦٧)، والإِحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام للقرافي (ص/٢٤٣).\n(^٣) انظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ١٠٣).\n(^٤) انظر: الفروق (١/ ٣١٦).\n(^٥) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٧)، وصفة الفتوى (ص / ٢٠)، والمسودة (٢/ ٩٦٨).\n(^٦) صفة الفتوى (ص/ ٢٠).","vol":"3","page":1296},{"text":"ولم يبيّنْ ابنُ حمدان وجهَ البُعْدِ.\nوإذا أَشْبَهَت النازلةُ أكثرَ مِنْ أصلٍ، وكانَ لكلِّ أصلٍ حكمُه المخالفُ للأصل الآخر، فعلى المتمذهبِ أن يجتهدَ في إِلحاقِها بأكثرِ الأصولِ شَبَهًا (^١).\nيقولُ أبو عبد الله المقّري: \"إِذا اختصَّ الفرعُ بأصل أُجْرِي عليه إِجماعًا، فإِنْ دار بينَ أصلين فأكثر، حُمِلَ على الأَوْلى منهما\" (^٢).\nفإِنْ لم يتمكن المتمذهبُ مِنْ معرفةِ الأصلِ المناسبِ للتخريجِ توقفْ إِلى أنْ يتبينَ له الأمرُ (^٣).\nوقد كان لبعضِ المذاهبِ اصطلاحُها الخاصُّ في تسميةِ الحكمِ الَّذي توصَّلَ إِليه المتمذهبُ عن طريقِ تخريجِ حكمِ النازلةِ على أصولِ المذهبِ، وقد تقدَّمَ في حديثي عن مصطلحات المذاهب بيانُ هذا الأمرِ.\nأمثلة تخريج النازلة على أصول المذهب (^٤):\nالمثال الأول: إِذا قالَ الزوجُ لوكيلِه: لا تُطَلّقْ زوجتي الأُوْلى، ثمَّ قالَ له بعد هذا طلّقْ زوجاتي، فهل للوكيلِ أنْ يوقعَ الطلاقَ على الزوجةِ الأُوْلى؟\nبيَّن جمالُ الدين الإِسنويُّ أنَّه ليس للوكيلِ طلاقُ الزوجةِ الأُوْلى،\n_________\n(^١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإِسلام (٢١/ ٥٤٧)، والأشباه والنظائر لابن السبكي (٢/ ٣٠٤)، وتخريج الفروع على الأصول لعثمان شوشان (١/ ٥١٨)، وأصول الفقه الإِسلامي للدكتور محمد شلبي (ص / ٤٧)، والفتوى في الشريعة الإسلامية لعبد الله آل خنين (١/ ٣٧١).\n(^٢) القواعد (٢/ ٤٩٧ - ٤٩٨).\n(^٣) انظر: الأشباه والنظائر لابن السبكي (٢/ ٣٥٤)، وتخريج الفروع على الأصول لعثمان شوشان (١/ ٥١٨).\n(^٤) الأمثلة الَّتي ذكرتها في مصطلحات نقل المذهب ممَّا خرِّج على أصوله كان النظرُ فيها منصبًّا إِلى ورود المصطلح بلفظه في المثال، أمَّا هنا فأذكر ما يصح أو يمكن جعله تخريجًا للنازلة على أصول المذهب بغض النظر عن تسمية الحكم الَّذي توصَّل إِليه المتمذهب في مذهبه، وورود المصطلح.","vol":"3","page":1297},{"text":"مخرِّجًا الحكمَ على قاعدة: إِذا عارضَ الخاصُّ العامَّ، فيؤخذ بالخاصِّ، تقدَّم أو تأخّر (^١).\nالمثال الثاني: عقوبةُ مَنْ سبَّ النبي - ﷺ -، أهي القتلُ وحده، أم حدّ القذف والقتل؟\nبيَّن تقيُّ الدين السبكي أنَّه يمكنُ تخريجُ حكمِ المسألةِ على إِحدى القاعدتين:\nالقاعدة الأولى: ما أوجبَ أعظمَ الأثرين بخصوصِه، هلْ يوجبُ أهونَهما بعمومِه؟ (^٢).\nالقاعدة الثانية: إِذا اجتمعَ أمرانِ مِنْ جنسٍ واحدٍ، هل يدخلُ أحدُهما في الآخرِ؟ (^٣).\nيقولُ تقيُّ الدين السبكي: \"مسألتُنا يمكنُ تخريجها على القاعدتين، فيقالُ: يجبُ القتلُ وحدَه، ويسقطُ الحدُّ؛ إِمَّا للقاعدة الأُوْلى: فإِنَّ هذا القذفَ الخاص أوجب القتلَ، وهو أعظمُ الأثرين بخصوصِ كونِه في هذا المحلِّ الخاصّ، فلا يوجب أهونَهما - وهو الجلد - بعمومِ كونِه قذفًا. أو يُقال: إِنَّهما وَجَبَا، ولكن دَخَلَ الأصغرُ في الأكبرِ، كما دخل الوضوءُ في الغُسلِ\" (^٤).\nالمثال الثالث: الأصلُ عند محمد بن الحسن فيما إِذا اجتمعت الإِشارةُ والتسميةُ في العقدِ التفصيل الآتي:\n- إِنْ كان المسمَّى مِنْ جنسِ المشارِ إِليه: تعلقَ العقدُ بالمشارِ إِليه؛ لأنَّ المسمَّى موجودٌ فيه ذاتًا، والوصفُ يتبعُه.\n_________\n(^١) انظر: التمهيد في تخريج الفروع على الأصول (ص/ ٤٠٩).\n(^٢) انظر قاعدة: (ما أوجب أعظم الأثرين بخصوصه، هل يوجب أهونهما بعمومه؟) في: الأشباه والنظائر لابن الوكيل (١/ ٣١٨)، والأشباه والنظائر لتاج الدين بن السبكي (١/ ٩٤)، والمنثور في القواعد للزركشي (٣/ ١٣١)، والأشباه والنظائر لابن الملقن (١/ ٢١٦).\n(^٣) انظر: السيف المسلول (ص/ ١٥٨). وانظر قاعدة: (إذا اجتمع أمران من جنس واحد، هل يدخل أحدهما في الآخر؟) في: الأشباه والنظائر لابن السبكي (١/ ٩٥).\n(^٤) السيف المسلول (ص/ ١٥٩).","vol":"3","page":1298},{"text":"- إِنْ كان المسمَّى خلافَ جنسِ المشارِ إِليه: تعلقَ العقدُ بالمسمَّى؛ لأنَّه مثلُ المشارِ إِليه، وليس بتابعٍ له، والتسميةُ أبلغُ في التعريفِ (^١).\nويمكنُ أنْ يخرِّج المتمذهبُ على هذا الأصلِ نوازل عدَّة، يقولُ الدكتورُ يعقوب الباحسين معلِّقًا على أصلِ محمد بن الحسن: \"وعلى هذا الأصل يمكنُنا تخريج كثيرٍ مِن المسائلِ، فلو باعه دَنًّا (^٢) على أنَّه خلٌّ، فإِذا هو دِبْسٌ (^٣)؛ أو باعه فصًّا على أنَّه ياقوت، فإِذا هو زجاجٌ ...: بَطَلَ البيعُ؛ لاختلافِ الجنسِ باختلافِ الأغراضِ.\nولو باعه فصًّا على أنَّه ياقوت أحمر، فإِذا هو ياقوت أصفر؛ أو هذا الثوب المصري، فإِذا هو مغربي: لم يبطل البيعُ، وخُيِّر المشتري؛ لفواتِ الوصفِ\" (^٤).\nالمثال الرابع: حكمُ معاملةِ الدِّلالة؟ (^٥).\nبيَّن الدكتورُ عمر الجيدي أنَّ أصولَ مذهبِ الإِمامِ مالكٍ تقتضي منعَ هذه المعاملةِ (^٦)، ثُمَّ نَقَلَ عن بعضِ فقهاءِ المالكيةِ قولَهم بإِباحتِها؛ للضرورةِ، بسبب قلّةِ الأماناتِ، ومِنْ أصولِ مذهبِ الإِمامِ مالكٍ مراعاةُ الأماناتِ (^٧).\n_________\n(^١) انظر: تبيين الحقائق للزيلعي (٢/ ١٥١ - ١٥٢).\n(^٢) الدَّنّ: الجرّة الضخمة. انظر: المصباح المنير للفيومي، مادة: (دنن)، (ص/ ١٦٩).\n(^٣) الدِّبْس: عصارة الرطب، وعسل التمر. انظر: المصدر السابق، مادة: (دبس)، (ص/ ١٥٩)، والقاموس المحيط، مادة: (دبس)، (ص/ ٧٠٠).\n(^٤) التخريج عند الفقهاء والأصوليين (ص/ ١٠٤).\n(^٥) يقول الدكتور عمر الجيدي في كتابه: العرف والعمل (ص/ ٤٨٦) مبينًا معنى الدَّلالة: \"الدَّلالة في العرف - وهي: السمسرة - والعمل الشائع فيها عند الناس - قديمًا وحديثًا -: أنْ يعطي المرءُ سلعتَه (بضاعته) للسمسار؛ ليصيحَ بها، ويعرضَها للبيع في أسواق عمومية\".\nوجاء في: الموسوعه الفقهية الكويتية (١٠/ ١٥٢): \"السمسرة اصطلاحًا: هي التوسط بين البائع والمشتري. والسمسار هو: الَّذي يدخل بين البائع والمشتري متوسطًا؛ لإِمضاء البيع، وهو المسمَّى الدَّلال؛ لأنَّه يَدلُّ المشتري على السلع، ويَدلُّ البائع على الأثمان\".\n(^٦) انظر: العرف والعمل (ص/ ٤٨٧).\n(^٧) انظر: المصدر السابق.","vol":"3","page":1299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>المبحث الثاني: التوصل إِلى حكم النازلة بتخريجها على فروع المذهب</span>\nمِن الطرقِ الَّتي سارَ عليها كثيرٌ مِن المتمذهبين لبيانِ حكمِ النازلةِ الَّتي لم يَرِدْ عن إِمامِ المذهبِ قولٌ بشأنِها: تخريجُ حكمِها على ما نصَّ الإِمامُ على حكمِه، أو على فروعِ المذهبِ.\nوالمقصودُ بتخريجِ حكمِ النازلةِ على فروعِ المذهبِ: أنْ يبيّنَ المتمذهبُ حكمَ النازلةِ الَّتي لم يَنُصّ إِمامُ مذهبِه عليه بإِلحاقِها بما يشبهها مِنْ فروعِ المذهبِ عند اتفاقِهما في علَّةِ الحكمِ عند المخرِّجِ (^١).\nويفتقر تخريجُ حكمِ النازلةِ على فروعِ المذهب إِلى الأمرين السابقين اللذين ذكرتُهما في: المبحثِ الأولِ، إِلَّا أنَّه يُقالُ في الأمر الأول: أنْ يكونَ الفرعُ المخرَّجُ عليه ثابتَ النسبةِ إِلى إِمامِ المذهبِ، أو إِلى مذهبِه.\nفإِن كانَ في ثبوتِ حكمِ الفرعِ المخرَّجِ عليه في المذهب نظرٌ، فالواجبُ توقّي التخريج عليه (^٢).\nولُبُّ عملِ المتمذهبِ في هذه الحالةِ هو قياسُ النازلةِ على الفرعِ المنصوصِ على حكمِه في المذهب، وقد سبق الحديثُ عن حكمِ نسبةِ القولِ إِلى إِمامِ المذهبِ بناءً على القياسِ على قولِه.\n_________\n(^١) انظر: كشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/ ١٠٤)، والإِنصاف (١/ ٦)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ١٨٧) والمدخل المفضل إِلى فقه الإمام أحمد (١/ ٢٨٠)، وأصول الفتوى والقضاء للدكتور محمد رياض (ص/ ٥٧٧)، وتخريج الفروع على الأصول لعثمان شوشان (١/ ٦٥)، والفتوى في الشريعة الإِسلامية لعبد الله آل خنين (١/ ٣٥٨)، والتكييف الفقهي للدكتور محمد شبير (ص/ ٢١).\n(^٢) انظر: المدخل المفصَّل إِلى فقه الإِمام أحمد (١/ ١٢٠).","vol":"3","page":1300},{"text":"وبما أنَّ عملَ المتمذهب في هذه الحالةِ يحتاجُ إِلى فَهْمِ كلامِ إِمامِه في الفرعِ المنصوصِ عليه على الصوابِ، ومِنْ ثَمَّ التخريجُ والقياسُ عليه: فإِنَّ مِن المتعيِّن عليه معرفةَ أصولِ الفقهِ (^١)، وأهمُّ مباحثِه: القياسُ ومسائله (^٢)؛ لئلا يَقَعَ المتمذهبُ في الخطأِ، كانْ يقيسَ النازلةَ على فرعٍ مع وجودِ الفارقِ بينهما (^٣).\nيقولُ شهابُ الدين القرافي: \"لا يجوزُ التخريجُ حينئذٍ إِلَّا لمن هو عالمٌ بتفاصيلِ أحوالِ الأقيسةِ والعللِ، ورُتَب المصالح، وشروط القواعدِ، وما يصلحُ أنْ يكونَ معارضًا، وما لا يصلحُ، وهذا لا يعرفُه إِلَّا مَنْ عَرَفَ أصولَ الفقهِ معرفةً حسنةً\" (^٤).\nونصَّ القرافيُّ على أن مَنْ لم يحطْ بمداركِ إِمامِه وأدلتِه وأقيستِه وعللِه الَّتي اعتمدَ عليها مفصَّلةً، ورُتَبِ العلل: فليس له التخريجُ على فروعِ إِمامِه (^٥).\nيقولُ ابنُ الصلاحِ: \"فالمجتهدُ في مذهبِ الشَّافعي - مثلًا - المحيطُ بقواعدِ مذهبِه، المتدرِّب في مقاييسِه وسُبُل تصرفاته، متنزِّلٌ ... في الإِلحاق بمنصوصاتِه وقواعد مذهبِه منزلةَ المجتهدِ المستقلِّ في إِلحاقِه ما لم ينصَّ عليه الشارعُ بما نصَّ عليه\" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٥)، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٤٣)، وصفة الفتوى (ص/ ٢١)، ومواهب الجليل للحطاب (٦/ ٩٦)، ومنهج الخلاف للدكتور عبد الحميد عشاق (١/ ٣٨١).\n(^٢) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٥)، والفروق للقرافي (٢/ ٢٠٠، ٢٠٣)، ومواهب الجليل للحطاب (٦/ ٩٦)، ومنهج الخلاف للدكتور عبد الحميد عشاق (١/ ٣٨١).\n(^٣) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٧)، والفروق للقرافي (٢/ ٢٠١)، وصفة الفتوى (ص/ ٢١)، وترتيب فروق القرافي للبقوري (ص/ ٢٢٦)، والمسودة (٢/ ٩٦٨).\n(^٤) الفروق (٢/ ٢٠٢).\n(^٥) انظر: المصدر السابق (٢/ ٢٠٠)، وترتيب فروق القرافي للبقوري (ص/ ٢٢٥).\n(^٦) أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٦). وانظر: صفة الفتوى (ص / ١٩ - ٢٠).","vol":"3","page":1301},{"text":"ولا بُدَّ للمتمذهب إِذا أراد تخريجَ حُكْمِ النازلةِ على فروعِ المذهبِ أنْ يكونَ شديدَ الاستحضارَ للقواعدِ المذهبيةِ والإِجماعيةِ (^١).\nوتخريجُ حكمِ النازلةِ على فروعِ المذهب دونَ مراعاةٍ لأصولِه وقواعدِه مظنةٌ للخروجِ بحكمِ النازلةِ عمَّا تقتضيه أصولُ المذهبِ (^٢).\nوقد ذكرتُ في المبحثِ الأولِ ما أشارَ إِليه شهابُ الدين القرافي مِنْ أنَّ بعضَ المخرِّجين في مذهب الإِمامِ مالك وغيرِه مِن المذاهبِ لم يسلموا مِن الوقوعِ في الخطأِ في التخرَيجِ (^٣).\nوإِذا أَشْبَهَت النازلةُ أكثرَ مِنْ فرعٍ ألحقها المتمذهبُ بالفرعِ الأقرب شَبَهًا، كما إِذا أَشْبَهَت النازلةُ أكثرَ مِنْ أصلٍ ألحاقها بأكثرِ الأصولِ شَبَهًا (^٤).\nوقد ظَهَرَ لي مِنْ خلالِ تأمّلِ عددٍ مِن المواطنِ الَّتي كَشَفَ المتمذهبون فيها عنْ حكمِ النازلةِ، أنَّ تخريجَهم حكم النازلةِ على الفروعِ أكثرُ مِن تخريجهم حكمها على أصولِ المذهبِ.\nوفي كلامٍ لابنِ الصلاحِ يشيرُ فيه إِلى تقديمِ التخريجِ على فروعٍ المذهبِ على التخريجِ على أصوله، يقولُ: \"تخريجه - أي: المخرِّج - تارة يكونُ مِنْ نصٍّ معيِّنٍ لإِمامِه في مسألةٍ معينةٍ، وتارةً لا يجد لإِمامِه نصًّا معينًا يخرِّجُ منه، فيخرِّج على وفقِ أصولِه\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الإِحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام للقرافي (ص/ ٢٤٣)، ومواهب الجليل للحطاب (٦/ ٩٢)، ومنار أصول الفتيا للقاني (ص/ ٣٢٨)، والمدرسة المالكية العراقية للدكتور عبد الفتاح الزنيفي (١/ ٥٨٢) ضمن بحوث الملتقى الأول للقاضي عبد الوهاب المالكي.\n(^٢) انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٨/ ١٠٩)، ومواهب الجليل للحطاب (٦/ ٩٤)، ونشر البنود (٢/ ٣٣٤).\n(^٣) انظر: الفروق (١/ ٣١٦).\n(^٤) انظر: ابن حنبل - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٢١).\n(^٥) أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٧). وانظر: المجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٤٣ - ٤٤)، وصفة الفتوى (ص / ٢٠)، والمسودة (٢/ ٩٦٧ - ٩٦٨).","vol":"3","page":1302},{"text":"ولعلَّ مردّ هذا الأمر عائدٌ إِلى أنَّ احتمالَ الغلطِ في تخريجِ حكمِ النازلةِ على فرعٍ منصوصٍ على حكمِه أقلُ مِن احتمالِه في تخريجِ النازلةِ على أصلٍ مِنْ أصولِ المذهبِ.\nومِنْ جهةٍ أخرى: لعلَّ التخريجَ على فروعِ المذهبِ أيسرُ مِن التخريجِ على أصولِه.\nوبما أنَّ تخريجَ حكمِ النازلةِ على فروعِ المذهبِ قائمٌ على أساسِ قياسِ المخرِّجِ لها على فروعِ المذهبِ، فإِنَّ احتمالَ اختلافِ مخرِّجي المذهبِ الواحدِ في حكمِ النازلةِ احتمالٌ قويٌّ (^١).\nيقولُ الشيخُ محمد أبو زهرة عن عملِ المخرِّجين: \"مِن الطبيعي أنْ يختلفوا في تخريجِهم وأقيستهم، كما اختلفَ أئمةُ المذهبِ في استنباطِهم الأول\" (^٢).\nولعلَّ مِنْ أسباب اهتمامِ بعضِ العلماءِ بذكرِ التنبيهاتِ والضوابط لتخريجِ حكمِ النازلَةِ على فروعِ المذهب ما رأوه مِنْ تساهلِ بعضِ المتمذهبين في إِلحاقِ بعضِ النوازلِ بأيّ مسَألةٍ تشبهها في المذهبِ، دونَ مراعاةٍ لضوابطِ التخريجِ (^٣).\nوممَّا لَفَتَ نظري في هذا المبحث أنَّ الجانبَ النظري لمسألةِ: (تخريج النازلة على فروع المذهب) كأنَّه بمعزلٍ عن الجانبِ التطبيقي لها، بمعنى: أنَّ المذاهبَ حوتْ تخريجَ حكمِ النازلةِ على فروع المذهب، وعالجتْ حكمَها بهذا الطريقِ، دون أنْ يُثرِّبَ على المخرِّجين أَحدٌ، ولمَ يقتصر الأمرُ\n_________\n(^١) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩٨)، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٤٤)، وصفة الفتوى (ص/ ٢٢)، والمسودة (٢/ ٩٦٨).\n(^٢) أبو حنيفة - حياته وعصره (ص/ ٣٩٥). وانظر: مالك - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ٣٦٠).\n(^٣) ذكر محمد الزبيدي في: إِتحاف السادة المتقين (١/ ٢٨٥) شيئًا من تساهل بعض المتمذهبين في التخريج على فروع المذهب، وسمى هؤلاء بحشوية الفروع.","vol":"3","page":1303},{"text":"على هذا الحدِّ، بلْ تجاوزه إِلى مخالفةِ نصِّ إِمامِ المذهبِ بالنقلِ والتخريجِ، في حين أنَّ خلافَ العلماءِ في مسألةِ: (القياس على قول إِمام المذهب) خلافٌ مشهورٌ، والقولُ بالمنعِ - عند عدم النصِّ على العلةِ - قولٌ قويٌّ.\nويشهد لما قلته آنفًا:\n- ما ذكره ابنُ حمدان بقولِه: \"يجوزُ له - أي: للمخرِّج - أنْ يفتي فيما لم يجدْه مِنْ أحكامِ الوقائعِ منصوصًا عليها عن إِمامِه لما يخرِّجه على مذهبِه، وعلى هذا العملُ لا (^١).\n- وما قاله ابنُ عرفة حين ردَّ على مَنْ مَنَعَ تخريجَ النازلة على الفروع: \"إِذا كانَ حكمُ النازلةِ غيرَ منصوصٍ عليه، ولم يجز للمقلِّد المولَّى (^٢) - أي: المولَّى القضاء - القياسُ على قولِ مقلَّدِه في نازلة أخرى: تعطلت الأحكامُ، وبأنَّه - أيْ: عدم تخريجِ النازلةِ على الفروعِ - خلافُ عملِ متقدمي أهلِ المذهبِ\" (^٣).\n- وما قاله المرداويُّ عن النقلِ والتخريجِ عند الحنابلةِ: \"كثيرٌ مِن الأصحاب متقدميهم، ومتأخريهم على جوازِ النقلِ والتخريجِ، وهو كثيرٌ في كلامِهم في المختصراتِ والمطولاتِ\" (^٤).\nوكان للمذاهب الفقهيةِ اصطلاحُها الَّذي يخصّها في تسميةِ الحكمِ الَّذي توصلَ إِليه المخَرِّجُ عن طريقِ تخريجِ حكمِ النازلةِ على فروعِ مذهبِه، وقد سَبَقَ بيانُ هذا الأمر في: مصطلحاتِ نقلِ المذهبِ.\nولقد بالغَ بعضُ المتمذهبين في معالجةِ النوازلِ بالتخريجِ على فروعِ المذهبِ دونَ اهتمامٍ بمحاولةِ طلبِ حكمِها مِن الأدلةِ الشرعيةِ وفق أصولِ\n_________\n(^١) صفة الفتوى (ص/ ١٩).\n(^٢) ذكر ابن عرفة - كما نقل كلامَه الحطابُ في: مواهب الجليل (٦/ ٩٣) - أنَّ ما قاله في القضاء يطَّرد في الفتيا.\n(^٣) نقل الحطابُ كلامَ ابن عرفة في: المصدر السابق (٦/ ٩٢).\n(^٤) الإِنصاف (١/ ٤٦١).","vol":"3","page":1304},{"text":"مذهبِهم في الاستنباط، ولو صُرِفَ شيءٌ مِنْ هذا الجهدِ إِلى طَلَبِ حكمِ النازلةِ بالنظرِ في النصوصِ الشرعيةِ، لكانَ أفضل (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>أمثلة تخريج النازلة على فروع المذهب </span>(^٢):\nالمثال الأول: سُئِلَ تقيُّ الدين السبكي عن حكمِ السَلَمِ في الفحمِ؟ فأجابَ: \"قد نصَّ الشافعيُّ ﵀ على جوازِ السَلَمِ في الطوبِ الأحمرِ الآجر - وهو الصحيحُ عند الأصحابِ - والفحمُ يشبهُه ... \" (^٣).\nالمثال الثاني: سُئِلَ ابنُ حجر الهيتمي عمّن جَلَسَ هو وإِمامُه للتشهدِ الأول، فقام إِمامُه وهو في أثنائِه، هل له أنْ يكملَه، وإِذا أكمله وقامَ، فركعَ الإِمامُ في أثناءِ فاتحتِه، أيكونُ مسبوقًا، أم موافقًا؟ فأجابَ بقولِه: \"قياسُ كلامِهم - أي: علماء الشافعية - في مسألةِ: (ما لو ترك إِمامُه القنوتَ)، حيثُ قالوا: يُسَنّ له الإِتيانُ به إِنْ أدركه قبلَ فراغِه من السجدةِ الأُولى، وفي (المسبوقِ)، حيثُ قالوا: يُسَنُّ له الاشتغالُ بالافتتاحِ إِنْ ظنَّ إِدراكَ الفاتحةِ لو أكمله ولحق الإِمامَ.\nوحينئذٍ: فإِذا أدركَ الإِمامَ في أثناءِ فاتحتِه: فالقياس أنَّه كمسبوقٍ اشتغلَ بنحوِ الافتتاحِ، فركعَ إِمامُه في أثناءِ فاتحته، وحكمُه: أنَّه يجبُ عليه أنْ يتخلفَ بقدرِ ما فوَّتَ، فإِذا قَرَأَ بقدرِه: فإِنْ لم يرفع الإِمامُ مِن الركوعِ رَكَعَ معه، وكان مدركًا للركعةِ، وإلا ... يتابعُه فيما هوفيه، وتفوته الركعةُ ... \" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: إِتحات السادة المتقين للزبيدي (١/ ٢٨٥ وما بعدها)، والمصفى في أصول الفقه لأحمد الوزير (ص/ ٤٥).\n(^٢) الأمثلة الَّتي ذكرتها في مصطلحات نقل المذهب مما خرِّج على فروع المذهب كان النظرُ فيها منصبًّا إِلى ورود المصطلح بلفظه في المثال، أمَّا هنا فأذكر ما يصح - أو يمكن - جعله تخريجًا للنازلة على فروع المذهب بغض النظر عن تسمية الحكم الَّذي توصَّل إِليه المتمذهب في مذهبه، وورود المصطلح.\n(^٣) قضاء الأرب (ص/٣٤٩ - ٣٥٠).\n(^٤) الفتاوى الكبرى الفقهية (١/ ٢٢٥).","vol":"3","page":1305},{"text":"المثال الثالث: صحةُ إِجراءِ العقودِ بآلات الاتصال الحديثةِ.\nإِذا أبرمَ شخصانِ عقدًا مِن العقودِ الماليةِ عن طريقِ آلةِ اتصالٍ حديثةٍ، كالهاتفِ مثلًا، فهل يصحُّ عقدُهما؟\nذَهَبَ الدكتورُ عليّ القره داغي إِلى صحةِ العقدِ؛ لأنَّ الهاتفَ ينقلُ الصوتَ بوضوحٍ، ولا يختلفُ الكلام مِنْ خلالِه عن الكلامِ بدون واسطةٍ سوى عدمِ رؤيةِ أحدِهما الآخر، ووجود فاصل بينهما، وخرَّجَ حكمَ المسألةِ ممَّا ذكره محيي الدين النوويُّ، إِذ قررَ أنَّ المتعاقدين لو تناديا وهما متباعدان، وتبايعا، صحَّ البيعُ بلا خلافٍ (^١).\nالمثال الرابع؛ هلْ يجوزُ التعاملُ في المطاعمِ بالإِطعامِ حتى الإِشباع بمبلغٍ محدَّدٍ، دون تحديدٍ لمقدارِ الطعامِ؟\nأشارَ الدكتورُ محمد الجيزاني إِلى إِمكانيةِ تخريج حكمِ المسألة على الحماماتِ الَّتي أجازها العلماءُ؛ استحسانًا (^٢)، عِلْمًا أنَّ الناسَ يتفاوتون في استهلاكِ المياه، مع كونِ الأجرةِ مقدرةً على الجميعِ (^٣).\n* * **\n_________\n(^١) انظر: حكم إِجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة، بحث منشور في: مجلة مجمع الفقه الإِسلامي، العدد: السادس، (٢/ ٩٢٨ - ٩٢٩). وانظر قول النووي في: المجموع شرح المهذب (٩/ ١٨١).\n(^٢) انظر مسألة: (دخول الحمام) في: الفصول في الأصول للجصاص (٢/ ٤٠)، والمبسوط للسرخسي (١٢/ ١٩٣)، والمغني لابن قدامة (١/ ٣٠٥)، و(٨/ ٢٤)، والإنصاف (٦/ ١٧)، وحاشية العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع (٢/ ٣٩٥).\n(^٣) انظر: فقه النوازل (١/ ٥١).","vol":"3","page":1306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>الباب الثاني: الدراسة النقدية للتمذهب</span>\nوفيه تمهيد وأربعة فصول:\nتمهيد: في الحاجة إِلى المذاهب الفقهية\nالفصل الأول: آثار التمذهب الإِيجابية\nالفصل الثاني: آثار التمذهب السلبية\nالفصل الثالث: أسباب ظهور الآثار السلبية\nالفصل الرابع: مشروع توحيد المذاهب الفقهية.","vol":"3","page":1307},{"text":"تمهيد: في الحاجة إِلى المذاهب الفقهية\nممَّا لا شكَّ فيه أنَّ المذاهبَ الفقهيةَ المتبوعةَ طريقٌ موصلٌ إِلى معرفةِ الشريعةِ الإِسلاميةِ: في أصولِها وفروعِها.\nومَنْ أَحْسَنَ سيرَه في دراسةِ المذهبِ، فإِنَّه سيستفيدُ منه خيرَ فائدةٍ، ومَنْ لم يُحْسِن السيرَ فيه، فسيقع في آثارِ التمذهبِ السلبيةِ.\nووجودُ بعضِ الآثارِ السلبيةِ الَّتي وَقَعَ فيها بعضُ المتمذهبين، نتيجةً للتطبيقِ الخاطئِ للتمذهبِ لا يدعو البتة إِلى تركِ المذاهبِ المتبوعةِ، ولا إِلى اعتبارِ الناسِ غير محتاجين إِليها، ولا أدلَّ على هذا مِن أخْذِ أكثرِ الناسِ بها (^١).\nويمكنُ إِبرازُ الحاجةِ إِلى المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعةِ في ضوءِ الآتي:\nأولًا: أنَّ مجموعَ ما في المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعةِ يُمَثّل فقهَ الشريعةِ الإِسلاميةِ مِنْ حيثُ الجملة (^٢)، فإِنَّ هذه المدوّنات إِضافةً إِلى استيعابها أقوالَ الأئمةِ الأربعةِ وتلامذتهم، فإِنَّها قد استوعبتْ المذاهبَ الَّتي لم يُكتبْ لها البقاءُ، فتمكنُ معرفةُ فقه علماءِ السلفِ في طيِّ هذه المدونات (^٣).\nثانيًا: سيفوتُ مَنْ لم يتفقه في الشريعةِ الإِسلاميةِ عن طريقِ أحدِ مذاهبِها المتبوعةِ خيرٌ كثيرٌ، وسينقصُ علمُه بها بمقدارِ ما فاته مِنْ تَعَلّمِ ما في المذاهبِ (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الفوائد البهية لعبد الحي اللكنوي (ص/ ٩).\n(^٢) انظر: شجرة النور الزكية لمحمد مخلوف (ص/ ٣٧).\n(^٣) انظر: المذهب الحنبلي للدكتور عبد الله التركي (١/ ١٩).\n(^٤) انظر: شجرة النور الزكية لمحمد مخلوف (ص/ ٣٧).","vol":"3","page":1309},{"text":"ثالثًا: يُعَدُّ التفقهُ في الدينِ عن طريقِ التَّرقي في طلبِ العلمِ في المذهبِ الفقهي مِنْ أَسْلَمِ الطُّرقِ وأقصرِها وأفضلِها؛ لأنَّ علماءَ المذهبِ خدموا مذهبَهم بكتابةِ مسائل علمي: الفقهِ وأصولِه على أُسُسٍ منهجيةٍ، تَضْمَنُ لمحصِّلِها الفهمَ الشمولي؛ إِذ رُتِّبَتْ مسائلُ هذينِ العلمينِ في المؤلفاتِ المذهبية ترتيبًا متناسقًا، بحيثُ يسهلُ فهمُها واستيعابُها، ويسهلُ أيضًا الرجوعُ إِليها عند الحاجةِ (^١).\nرابعًا: حَوَتْ مدوَّناتُ المذاهب الفقهيةِ كثيرًا مِن الفروعِ الفقهيةِ، مخدومةً ببيانِ حكمِها، ودليلِها وأصَلِها وقاعدتِها، وفي تركِ هذه الثروةِ الفقهيةِ خسارةٌ كبيرةٌ.\nوأيضًا: ففي هذه الثروةِ العظيمةِ تسهيلٌ للاجتهادِ لدى الفقيهِ، وخاصةً في العصورِ التاليةِ لمراحل اكتمالِ تدوينِ المذاهبِ (^٢).\nخامسًا: بيّنتْ كتبُ المذاهبِ الفقهيةِ طرائقَ الاجتهادِ، وقواعدَ الاستنباطِ مِنْ خلالِ ما كُتِبَ في أصولِ الفقهِ مِنْ وجهاتِ نظرِ كلِّ مذهبٍ (^٣).\nسادسًا: الضرورةُ قائمةٌ لمعرفةِ ما دوَّنه علماءُ المذاهبِ مِنْ أحكام في الفقهِ وأصولِه؛ لئلا يخرجَ الناظرُ في المسألةِ عن أقوالِهم.\nومع أن الحاجةَ إِلى المذاهبِ الفقهيةِ قائمةٌ، فإِنَ هذا لا يَعْنِي عدمَ توجّه النقدِ إِلى تصرفاتِ بعضِ المتمَذهبين بها، ولا يَعْنِي - أيضًا - التسليمَ بكل ما حوته المذاهبُ الفقهيةُ مِن الأحكامِ، وما بثّه علماؤها مِنْ آراء في مصنفاتِهم (^٤).\n_________\n(^١) انظر: المدخل الفقهي للدكتور خليفة با بكر، وزميليه (ص/ ٣٠١).\n(^٢) انظر: المذهب الحنبلي للدكتور عبد الله التركي (١/ ١٩).\n(^٣) انظر: المصدر السابق.\n(^٤) لأبي إِسحاق الشاطبي في كتابه: الموافقات (١/ ١٣٩ - ١٥٤) كلامٌ نافعٌ في بيان أنفع الطرق الموصلة إِلى التفقه في الشريعة، وذَكَرَ بعضَ الانتقادات الموجهة إِلى بعض الكتب المذهبية.","vol":"3","page":1310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>الفصل الأول آثار التمذهب الإيجابية</span>\nوفيه سبعة مباحث:\nالمبحث الأول: ظهور المناظرات الفقهية\nالمبحث الثاني: ازدهار النشاط في مجال التأليف\nالمبحث الثالث: تجنب الآراء الشاذة\nالمبحث الرابع: الإِلمام الشمولي بالمسائل الفقهية، والأصولية\nالمبحث الخامس: دعم سبيل الارتقاء إِلى مقام الاجتهاد\nالمبحث السادس: تجنب التناقض في الاختيار بين الأقوال\nالمبحث السابع: بروز فن الفروق الفقهية، والأشباه والنظائر","vol":"3","page":1311},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>تمهيد</span>\nلقد كان للتمذهبِ آثارٌ إِيجابيةٌ ظَهَرَتْ بين صفوفِ كثيرِ مِن المتمذهبين انعكست بصورةٍ جيِّدةٍ على الحالةِ العلميةِ في العصورِ الَّتي ازدهرت فيها هذه الآثار (^١)، وقبلَ الدخولِ في مباحثِ الفصلِ الأولِ أُحبُّ أن أبيّن أمرين:\nالأمر الأول: أنَّ التمذهبَ أسهمَ في نشأةِ الآثارِ الإِيجابيةِ، بغضِ النظرِ أكان التمذهبُ السببَ الوحيدَ في نشأتِها، أي لا؟\nالأمر الثاني: أنَّ الآثارَ الإِيجابيةَ قد تُوْجَدُ في عصرٍ دون عصرٍ، وفي قُطْرٍ دونَ قُطْرٍ.\n* * *\n_________\n(^١) يقولُ الدكتور عبد الله التركي في كتابه: المذهب الحنبلي (١/ ١٩): \"ارتبطت كلمة: (المذهب) في أذهانِ البعضِ بتلك الآثارِ السلبيةِ الَّتي أورثتها بعضُ التعصباتِ المذهبيةِ لفقهاءِ المسلمين، وحفلت بها بعضُ التراجم والردود والمناظرات والتأليفات المختلفة ... وقد أخفى هذا الارتباطُ ما كان للمذاهبِ الفقهية مِنْ فضلِ على المسلمين، وخدمةٍ لشريعتهم\".","vol":"3","page":1313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>المبحث الأول: ظهور المناظرات الفقهية</span>\nمِن الآثارِ الإِيجابيةِ المهمّةِ للتمذهبِ: ظهورُ المناظراتِ والمساجلاتِ الفقهيةِ والأصوليةِ بين أربابِ المذاهبِ المُختلفةِ؛ بُغْيَةَ الاستدلالِ للمذهبِ والانتصارِ له بإِبرازِ أدلتِه، وإِظهارها (^١).\nوقد عُرِّفَت المناظرةُ في الاصطلاحِ بعدَّة تعريفات، ساقَ طَرَفًا منها إِمامُ الحرمين الجويني في كتابِه: (الكافية في الجدل) (^٢)، وقد انتهى إِلى تعريفِها بأنَّها: \"إِظهارُ المتنازعَينِ مقتضى نظرتِهما على التدافعِ والتنافي في العبارةِ، أو ما يقوم مقامَها مِن الإِشارةِ، والدلالةِ\" (^٣).\nوقد يقول قائلٌ: إِنَّ العلماءَ السابقين جَمَعوا الأدلةَ، وما وَرَدَ عليها مِن الاعتراضاتِ، فليس في المناظرةِ مزيدُ فائدةٍ للاتِّساعِ في الاستدلالِ (^٤).\nأجابَ عن هذا السؤالِ الوزيرُ ابنُ هبيرةَ بما مفاده: على فَرْضِ التسليمِ بأنَّ العلماءَ السابقين جمعوا الأدلةَ، فإنَّ لإِقامةِ المناظرةِ فائدةً للمناظِرِ نفسِه في إِعادةِ محفوظِه، ودراسةِ ما عَلِمَه (^٥).\nوللمناظرةِ فوائدُ أخرى متعددةٌ، وليس المقامُ متَّسِعًا للحديثِ عنها (^٦).\n_________\n(^١) انظر: المنتخل في الجدل للغزالي (ص/ ٣٦٠)، والمدخل في الفقه الإِسلامي للدكتور محمد شلبي (ص/ ١٣٢)، والاجتهاد في الفقه الإِسلامي لعبد السلام السليماني (ص/ ٣٢٢).\n(^٢) انظر: (ص /١٩ - ٢١).\n(^٣) الكافية في الجدل (ص/ ٢١).\n(^٤) انظر: المسودة (٢/ ٩٥٨)، وأصول الفقه لابن مفلح (٣/ ١٤١٣)، والتحبير (٧/ ٣٧٠٢).\n(^٥) انظر: المصادر السابقة.\n(^٦) انظر بعض فوائد المناظرات في: أصول الجدل والمناظرة للدكتور حمد العثمان (ص/ ١٦٥ - ١٨٤).","vol":"3","page":1314},{"text":"ولا شكَّ في أن المناظراتِ مظنةٌ لبيانِ الأدلةِ، والاعتراضِ على الضعيفِ منها، وهذا الأمرُ يجعلُ المتمذهبَ حريصًا على معرفةِ أدلةِ مذهبِه واستقصائِها، وردِّ الاعتراضاتِ الموجّهةِ إِليها، ومعرفةِ أدلةِ مخالفِه، والاعتراضات الموجهة إِليها.\nوقد كانت المناظراتُ قائمةً بين الأئمةِ المجتهدين قَبْلَ استقرارِ المذاهب الفقهيةِ (^١)، وبَعْدَ استقرارِها سارَ أتباعُ الأئمةِ على مناظرةِ مخالفِيهمَ، فأسهموا في شيوعِ المناظرات وكثرتِها (^٢).\nيقولُ ابنُ خَلدون: \"وقاسموا - أيْ: علماء الشافعية - الحنفيةَ في الفتوى والتدريس في جميعِ الأمصارِ، وعَظُمَتْ مجالسُ المناظراتِ بينهم، وشُحِنَتْ كتبُ الخلافيات بأنواعِ استدلالاتِهم\" (^٣).\nويقولُ - أيضًا -: \"جَرَتْ بينهم - أيْ: بين أتباعِ المذاهبِ الأربعةِ - المناظراتُ في تصحيحِ كلٍّ منهم مذهبَ إِمامِه، تجري على أصولٍ صحيحةٍ، وطرائقَ قويمةٍ، يحتجُّ بها كلٌّ على مذهبِه الَّذي قلَّده وتمسَّكَ به\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٢/ ١١٣ - ١٢٩)، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (٢/ ٩٥٣ وما بعدها، ١١٣٧)، والقواعد الكبرى للعز بن عبد السلام (٢/ ٢٧٥)، وتنبيه الرجل العاقل لابن تيمية (١/ ٤)، وسير أعلام النُّبَلاء (١٠/ ١٦ - ١٧)، و(١١/ ١٩٧)، وعلم الجَذَل في علم الجدل للطوفي (ص ٢٠٩/ - ٢٤٠)، والتحبير (٧/ ٣٦٩٨ - ٣٦٩٩)، وتاريخ التشريع الإِسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٣٣)، وتاريخ الفقه الإِسلامي لمحمد السايس (ص/ ١٣٢)، والمدخل للتشريع الإِسلامي للدكتور محمد النبهان (ص/ ٣٨٤)، والجديد في تاريخ الفقه للدكتورمحمد مصطفى (ص/ ٢٣٥ وما بعدها)، والجدل عند الأصوليين للدكتور مسعود فلوسي (ص/ ٥٨ - ٧٩)، والمدخل في التعريف بالفقه للدكتور عبد المجيد مطلوب (ص/ ١٠٥)، ومدخل لدراسة الفقه لمحمد محجوبي (ص/ ٢٤٥).\n(^٢) انظر: الفكر السامي لمحمد الحجوي (٣/ ١٤٤، ١٤٧)، والمدخل في الفقه الإِسلامي للدكتور محمد شلبي (ص/ ١٣٢)، وفقه إِمام الحرمين للدكتور عبد العظيم الديب (ص/ ٥٢١).\n(^٣) مقدمة ابن خلدون (٣/ ١٠٥٣).\n(^٤) المصدر السابق (٣/ ١٠٦٧).","vol":"3","page":1315},{"text":"وقد كان لهذه المناظراتِ تأثيرٌ في حيويةِ الفقهِ، وغزارةِ مسائلِه (^١)، وإِظهارِ الفروقِ بين ما تشابَه مِنْ مسائلِه الَّتي تختلفُ أحكامُها، وتقييدِ بعضِ الأقوالِ المذهبيةِ أو تخصيصِها (^٢).\nيقولُ بدرُ الدّينِ الزركشي عن أحدِ أنواعِ الفقهِ: \"معرفةُ الجمع والفرقِ، وعليه جلُّ مناظراتِ السلفِ، حتى قالَ بعضُهم: الفقهُ: فرقٌ وجمعٌ\" (^٣).\nوقد أسهم المتمذهبون في تأصيلِ علمِ الجَدَلِ، وفصّلوا القولَ في مسائلِه، وفي الاعتراضاتِ الموجهةِ إِلى الأدلةِ، وبِمَ يكون الانقطاع؟ بأمرين:\nالأمر الأول: ما بثَّه العلماءُ في مؤلفاتِهم الأصوليةِ مِنْ حديثٍ عن الجدلِ، وعن الاعتراضاتِ الواردة على الأدلةِ (^٤).\nالأمر الثاني: ما ألّفه العلمَاءُ مِنْ مدوَّناتٍ في آداب المناظرةِ، وعِلم الجدلِ، والاعتراضاتِ على الأدلةِ (^٥).\nوأسهمَ المتناظرون في مناظراتِهم في بيانِ مآخذِ الأئمةِ، وتحريرِ\n_________\n(^١) انظر: الفقه الإسلامي ومدارسه لمصطفى الزرقا (ص/ ١٥٠).\n(^٢) انظر: المدخل في الفقه الإِسلامي للدكتور محمد شلبي (ص/ ١٤٥).\n(^٣) المنثور في القواعد (١/ ٦٩). وانظر: عَلَم الجذل للطوفي (ص/ ٧١).\n(^٤) لا تخلو أكثر الكتب الأصولية من الحديث عن مسألة: (قوادح القياس)، وهناك من تحدث عن الجدل في كتابه الأصولي، وممن ضمَّن كتابه الأصولي حديثًا عن الجدل ومسائلِه: القاضي أبو يعلى في: العدة (١/ ١٨٤)، و(٥/ ١٥٣٥ - ١٥٣٦)، وأبو الخطاب في: التمهيد في أصول الفقه (١/ ٥٨)، وابنُ عقيل الحنبلي في: الواضح في أصول الفقه (١/ ٢٩٨ - ٤٣٢)، وابنُ مفلح في: أصول الفقه (٣/ ١٤١٧ - ١٤٢٨)، وأبو الحسن المرداوي في: التحبير (٧/ ٣٦٩٤ - ٣٧٣٦).\n(^٥) يقول إِمام الحرمين الجويني في فاتحة كتابه: الكافية في الجدل (ص/ ١): \"سألتَ - وفقك الله لطلبِ الحسنات، وأعانك على سبيل الخيرات - أنْ أجمع طَرَفًا من الكلام في النظر لا يُستغنى عنه في مناظرة أهل الزمان ... \". وانظر: مقدمة ابن خلدون (٣/ ١٠٦٨)، وتاريخ الجدل لمحمد أبو زهرة (ص/ ٢٩٩)، وآداب البحث والمناظرة للشنقيطي (ص/ ٣ - ٤)، وآثار اختلاف الفقهاء لأحمد الأنصاري (ص/ ٢٣٥)، وتاريخ التشريع الإِسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٣٤)، والمدخل للفقه الإِسلامي للدكتور حسن الشاذلي (ص / ٣١٢ - ٣١٣)، وبلوغ =","vol":"3","page":1316},{"text":"مواطنِ اتفاقِهم، ومواقع اجتهادِهم (^١).\nولمَّا كانَ كلُّ واحدٍ مِن المتناظرين يُرْسِلُ عِنَانَه في الاحتجاجِ والجواب احتاجوا في مناظراتِهم إِلى معرفةِ القواعدِ الأصوليةِ؛ لإِقامةِ دليلِ المسألةِ عَلى الوجهِ الصحيحِ، والإِجابةِ عن الاعتراضاتِ الموجهةِ إِليها (^٢).\nوقد تكونُ المناظرةُ بين شخصين على الحقيقةِ، وقد تكون كتابيةً، بأنْ يُدوِّنَ المؤلِّفُ قولَه وأدلتَه واعتراضاتِ المخالفِ على هيئةِ المناظرةِ (^٣).\nويتحدث الشيخُ محمدٌ أبو زهرة عن أثرِ المناظراتِ في علمِ أصولِ الفقهِ بكلامٍ جيّدٍ، فيقولُ: \"إِنَّ علمَ أصولِ الفقهِ الَّذي غَرَسَ غرسَه الإِمامُ الشَّافعي، لم يضعفْ بَعْدَه، حتى في عصورِ التقليدِ الَّتي غُلِّقَ فيها بابُ الاجتهادِ، بلْ نَمَا وترعرع! وإِنَّ الشّغفَ بالجدلِ والمناظرةِ في الفقهِ - وقد قُيِّدَ بالمذهبِ عند المقلِّدين في الفروعِ - وَجَدَ مُتَنَفّسًا في أصولِ الفقهِ في تحقيقِ نظرياتِه، وتحريرِ قواعدِه، وتشعيبِ مسائلِه، وكأنَّما الفقهاءُ إِذ قيَّدوا أنفسَهم في الفروعِ، قد أطلقوا لها الحريةَ في الأصولِ\" (^٤).\n_________\n= الأماني للدكتور الحسن العلمي (ص/ ١٦٥)، والفقه الإِسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ١١٥).\nوهناك كتب متعددة تحدثت عن المناظرة، والجدل والاعتراض على الأدلة، منها: التقريب لحد المنطق لابن حزم (في آخره حديثٌ عن المناظر، ص/ ٥٨٦ وما بعدها)، والمنهاج في ترتيب الحجاج لأبي الوليد الباجي، والمعونة في الجدل لأبي إِسحاق الشيرازي، والملخص في الجدل له، والمنتخل في الجدل لأبي حامد الغزالي، والجدل لابن عقيل الحنبلي، والإِيضاح لقوانين الاصطلاح لأبي محمد بن الجوزي، وعلم الجَذَل في علم الجدل للطوفي، وآداب البحث والمناظرة للشنقيطي.\n(^١) انظر: مقدمة ابن خلدون (٣/ ١٠٦٧).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (٣/ ١٠٦٧ - ١٠٦٨)، والمدرسة الفقهية المالكية بالعراق للدكتور عبد المنعم التمسماني، بحوث الملتقى الأول: القاضي عبد الوهاب المالكي (١/ ٤٥٩).\n(^٣) انظر: تاريخ الفقه الإِسلامي للدكتور ناصر الطريفي (ص/ ٨٧).\n(^٤) الشافعي حياته وعصره (ص/ ٣٠٦). وانظر: المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٠٩).","vol":"3","page":1317},{"text":"وتحدّثَ الشيخُ محمدٌ الطاهرُ بنُ عاشور عن أثرِ المناظراتِ والجدلِ على نشأةِ عِلْمِ أصولِ الفقهِ، فقالَ: \"إِن علومَ الشريعةِ لما دُوِّنتْ وهُذِّبَتْ، وظَهَرَ المجتهدون الذين دُوِّنَتْ مذاهبُهم، نَشَأَ الخلافُ والجدلُ في الاحتجاجِ والمناظرةِ بين الفقهاءِ، فتولَّدَ مِن العقولِ قواعدُ نظريةٌ في الجدلِ تفرّعت تدريجيًا حتى صارتْ عِلْمًا يُعَبّرُ عنه بعلمِ أصولِ الفقهِ ... \" (^١).\nوبعدَ استقرارِ قواعدِ أصولِ الفقهِ صارت هذه القواعدُ عمدةً لأصحابِ المناظراتِ\" ليصحّح كلٌّ مِن المتناظرين مذهبَ إِمامِه، وليُثْبِتْ بناءَه على أصولٍ صحيحةٍ، وطرائق قويمةٍ (^٢).\nولم يُؤَثِّر القولُ بإِغلاقِ بابِ الاجتهادِ على شيوعِ المناظراتِ، بلْ إِنَّ الأمرَ سارَ على العكسِ؛ إِذ إِنَّ المناظراتِ قد شاعتْ وانتشرتْ في العصورِ الَّتي قيل فيها بإغلاقِ بابِ الاجتهادِ شيوعًا كبيرًا (^٣).\nوكانت العلومُ الَّتي يتناظرُ فيها العلماءُ متعددة، ويأتي على رأسها: علمُ الفقهِ وعلمُ أصولِ الفقهِ، بمختلفِ مسائل هذين العلمين (^٤).\nوإِذا كان الأصلُ في المناظراتِ أنْ تقومَ بين أرباب المذاهب الفقهيةِ المختلفةِ؛ لأنَّ الدافعَ لها تباينُ المذاهبِ (^٥)، فإِنَّ هذا الأمرَ لم يكَن مانعًا\n_________\n(^١) أليس الصبح بقريب (ص/ ٤٠). وانظر: ظاهرة الانتصار للمذهب عند القاضي عبد الوهاب للدكتور محمد المصلح، بحوث الملتقى الأول: القاضي عبد الوهاب المالكي (٥/ ٣٥٩).\n(^٢) انظر: بلوغ السول لمحمد مخلوف (ص/ ٩).\n(^٣) انظر: تاريخ الجدل لمحمد أبو زهرة (ص/ ٢٩٨)، وتاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٣٤).\n(^٤) انظر: المعيار المعرب للونشريسي (٦/ ٣٨٧ وما بعدها)، وتاريخ الفقه الإِسلامي لمحمد السايس (ص/ ١٣٢)، وتاريخ الفقه الإِسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ٢١١)، ومقدمة تحقيق القواعد للمقري (١/ ٣٨)، والمدرسة الفقهية المالكية بالعراق للدكتور عبد المنعم التمسماني، بحوث الملتقى الأول: القاضي عبد الوهاب المالكي (١/ ٤٥٩)، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور حسن الشاذلي (ص/ ٢٩٠)، وتاريخ التشريع للدكتور أحمد العلياني (ص/ ٢١١).\n(^٥) انظر: المدرسة الظاهرية بالمغرب للدكتور توفيق الإِدريسي (ص/ ٨٤٨).","vol":"3","page":1318},{"text":"مِنْ قيامِ متمذهبي المذهبِ الواحدِ بالمناظرةِ في بعض المسائلِ المبثوثةِ في مذهبِهم، سواءٌ أكانت في الفقهِ، أم في أصولِه (^١)؛ ولعلَ مِن الدوافعِ لهم تحقيقَ القولِ في مذهبِهم.\nوبَلَغَ مِن اهتمامِ أتباعِ المذاهب بإِقامةِ المناظراتِ بينهم أنَّهم كانوا يعقدونها في المساجدِ والبيوتِ، ومجَالسِ الخلفاءِ، وكانوا يُحْيُونَ مواسمَ الحجِّ، وأيامَ العزاءِ بالمناظراتِ الَّتي تدورُ عادةً في الاستدلالِ والدفاعِ عن المذهبِ وإمامِه (^٢).\nوإِذا كان الدافعُ في كثيرٍ مِنْ مناظراتِ أربابِ المذاهبِ ومساجلاتِهم الرغبةَ في إِظهارِ أدلةِ المذهب وحُجَجِه، وبيانِ صحتِها، وتزييفِ أدلةِ المخالفين، مع قصدِ الوصولَ إِلى القول الراجحِ (^٣)، وردِّ المخالفِ إِلى\n_________\n(^١) جاء في: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٥/ ٤) في ترجمة القاضي أبي عمر محمد بن يوسف أنَّه \"كان يتناظر بين يديه أئمة المذهب\".\nوانظر في الموضوع ذاته: المصدر السابق (٦/ ١٨١)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٥/ ٢٠٩)، وطبقات الفقهاء الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٣٦٥)، والمعيار المعرب للونشريسي (٦/ ٣٨٧)، والفكر السامي لمحمد الحجوي (٣/ ٢٤٧ - ٢٤٨)، وتطور المذهب المالكي في الغرب لمحمد بن حسن شرحبيلي (ص/ ٢٦٢ - ٢٦٣)، والمذهب المالكي لمحمد المامي (ص/ ٨١ - ٨٢).\n(^٢) انظر: أبو حنيفة - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص / ١٠)، وتاريخ المذاهب الإِسلامية له (ص/ ٤٦٥)، وتاريخ الجدل له (ص/٢٩٨)، وتاريخ التشريع الإِسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٣٤)، وضحى الإِسلام لأحمد أمين (٣/ ١٣١)، والمدخل في الفقه الإِسلامي للدكتور محمد شلبي (ص/ ١٣٢)، وتاريخ الفقه الإِسلامي لمحمد السايس (ص/ ١٣٢)، وبدعة التعصب المذهبي لمحمد عبَّاسي (ص/ ٢١٠)، والمدخل للفقه الإِسلامي للدكتور حسن الشاذلي (ص/ ٢٩٠)، وتاريخ الفقه الإِسلامي للدكتور أحمد حسين (ص/ ١٣١، ١٤٩).\n(^٣) انظر: شرح ابن ملك على المنار (ص/ ٨٢٥)، وظاهر الانتصار للمذهب عند القاضي عبد الوهاب للدكتور محمد المصلح، بحوث الملتقى الأول: القاضي عبد الوهاب المالكي (٥/ ٣٥٩)، والاجتهاد في الفقه الإِسلامي لعبد السلام السليماني (ص/ ٣٢٢)، والمدخل إِلى الفقه الإِسلامي للدكتور محمود الطنطاوي (ص/ ١٥٣)، وتاريخ الفقه الإِسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ٢١١)، والمدخل إِلى دراسة الفقه لعبد المجيد الديباني (ص/ ١٦٧)، والجديد في تاريخ الفقه للدكتور محمد مصطفى (ص/ ٢٣٥).","vol":"3","page":1319},{"text":"الصوابِ بطريقِ ودليل يعرفه (^١): فإِنَّ هذا لا يَعْني خلوَّ المناظراتِ مِنْ بعضِ التصرفاتِ السلبيةِ (^٢)، فلقد كان يتخلل بعضَها شيءٌ مِن الجمودِ على المذهبِ، والتعصّب له، والقدحِ في المخالفِ، والتمسّكِ بالمذهبِ وإِنْ خالفَ الدليلَ، والمَناظرة في موضوعاتِ قيمتها العلميةُ قليلةٌ، فشوّتْ هذه التصرفاتُ المقصدَ العلميّ مِن المناظراتِ (^٣).\nوكذلك قد يقومُ بالمناظرةِ مَنْ لا يُحْسِن شيئًا في العلمِ (^٤)، وفي دخولِ أمثالِ هؤلاءِ في بابِ المناظرةِ سلبٌ للمناظرةِ مِنْ كثيرٍ مِنْ فوائدِها.\nيقولُ أبو عبدِ الله المقّري: \"لا يجوزُ التعصّبُ إِلى المذاهبِ بالانتصاب للانتصارِ بوضعِ الحِجَاجِ، وتقريبِها على الطُّرُقِ الجدليةِ، مع اعتقادِ الخطأِ، أو المرجوحيةِ عند المجيبِ، كما يفعله أهلُ الخلافِ ... \" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الموافقات (٥/ ٤١٥)، وأدب الدنيا والدين للماوردي (ص/ ٦٨).\n(^٢) انظر: أدب الدنيا والدين للماوردي (ص/ ٧٢).\n(^٣) انظر: أبو حنيفة - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ١٠)، والمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٠٩)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ٢٢٢)، وفقه إِمام الحرمين للدكتور عبد العظيم الديب (ص/ ٥٢١)، والمدخل إِلى دراسة الفقه لعبد المجيد الديباني (ص/ ١٦٩)، وتاريخ الفقه الإِسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص / ٢١١ - ٢١٢)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريفي (ص/ ٣٠٥)، وظاهر الانتصار للمذهب عند القاضي عبد الوهاب للدكتور محمد المصلح، بحوث الملتقى الأول: القاضي عبد الوهاب المالكي (٥/ ٣٥٩)، والجديد في تاريخ الفقه للدكتورمحمد مصطفى (ص/ ٢٣٩)، والمدخل في التعريف بالفقه للدكتور عبد المجيد مطلوب (ص/ ١٢٢)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور شوقي الساهي (ص/ ١١١)، ومدخل لدراسة الفقه لمحمد محجوبي (ص/ ٢٤٥)، وتاريخ الفقه الإِسلامي للدكتور عمر الأشقر (ص/ ١٧٠)، والفقه الإِسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ١١٥).\nولمعرفة هل يثاب المناظر في مناظرته، انظر: قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام (١/ ١٩٦ - ١٩٧).\n(^٤) يقول أبو الحسن الماوردي في: أدب الدنيا والدين (ص/ ١٠٩): \"رأيتُ رجلًا يناظرُ في مجلسِ حفلٍ، وقد استدل الخصمُ عليه بدلالةٍ صحيحةٍ، فكان جوابُه عنها أنْ قال: إِنَّ هذه دلالةٌ فاسدةٌ؛ ووجه فسادها: أنَّ شيخي لم يذكرْها، وما لم يذكرْه الشيخُ فلا خيرَ فيه! فأمسك عنه المستدل تعجبًا ... \".\n(^٥) القواعد (٢/ ٣٩٧). وانظر: الفكر السامي لمحمد الحجوي (٣/ ١٤٥).","vol":"3","page":1320},{"text":"ولم تخلُ بعضُ المناظراتِ التي لم تَسْلَمْ مِنْ داءِ التعصبِ مِنْ فوائد المناظرةِ الأخرى، ومِنْ بعضِ الطرائفِ الفقهيةِ، واللطائفِ العلميةِ (^١).\nيقولُ تاجُ الدين بنُ السبكي: \"إنَّ ما يقعُ في المغالطاتِ والمغالباتِ في مجالسِ النظرِ، يحصلُ به مِنْ تعليمِ إقامةِ الحُجّةِ، ونشرِ العِلْمِ، وبعثِ الهِمَمِ على طلبِه ما يعظم في نظرِ أهلِ الحقِّ\" (^٢).\nويقولُ الشيحُ محمدٌ السايس عن حالِ بعضِ المناظراتِ: \"بَعْدَ أنْ كانَ الجدلُ يُقْصَدُ للوصولِ إلى الحقِّ فحسب، أصبحَ يُستخدم لمجرّدِ التغلبِ على الغير (^٣)، ومعولًا يَهْدِمُ به كلُّ فريقٍ ما يخالفُ مذهبَه، فانحرفَ عن طريقتِه الأُوْلى، وحُشِرَ فيه ما لا يتّصلُ بجوهرِ الموضوعاتِ\" (^٤).\nويمكنُ القولُ: إنَّ الحكمَ على المناظرةِ مدحًا، أو ذمًّا تابعٌ لغَرَضِ المناظِرِ منها:\n• إنْ كان غرضُ المناظِرِ مِن المناظرةِ: إثراءَ الاستدلالِ، وردَّ الاعتراضاتِ عن أدلةِ مذهبِه السالمة منها، وإظهارَ ما ترجّح عنده، فهي ممدوحةٌ.\n_________\n(^١) انظر: أبو حنيفة - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ١٠)، والمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٠٩)، والمدخل في الفقه الإسلامي للدكتور محمد شلبي (ص/ ١٤٠)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ٢٢٢)، ومقدمة في دراسة الفقه له (ص/ ٢٣٠)، وفقه إمام الحرمين للدكتور عبد العظيم الديب (ص/ ٥٢١)، والمدخل إلى دراسة الفقه لعبد المجيد الديباني (ص/ ١٦٩)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ٢١٢ - ٢١١)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٣٠٥)، وظاهر الانتصار للمذهب عند القاضي عبد الوهاب للدكتور محمد المصلح، بحوث الملتقى الأول: القاضي عبد الوهاب المالكي (٥/ ٣٥٩)، والجديد في تاريخ الفقه للدكتور محمد مصطفى (ص/ ٢٣٩)، والمدخل في التعريف بالفقه للدكتور عبد المجيد مطلوب (ص/ ١٢٢)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور شوقي الساهي (ص/ ١١١)، ومدخل لدراسة الفقه لمحمد محجوبي (ص/ ٢٤٥)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عمر الأشقر (ص/ ١٧٠).\n(^٢) طبقات الشافعية الكبرى (٤/ ٦٢).\n(^٣) في المطبوع من تاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١٣٢): \"التغير\"، وهو خطأ مطبعي، ولعل الصواب المثبت.\n(^٤) المصدر السابق (ص/ ١٣٢ - ١٣٣).","vol":"3","page":1321},{"text":"• وإنْ كان غرضُه مِنْ مناظرتِه نصرةَ المذهبِ، وإفحامَ المناظِر، بغضِّ النظرِ عمَّا أيّده الدليلُ ورجَّحه، فهي مذمومةٌ (^١).\nويتحدثُ أبو حامدٍ الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ) عن حالِ بعضِ المتناظرِين في مناظراتِهم في عصرِه، فيقول: \"تَرَكَ الناسُ ... فنونَ العلمِ، وانثالوا (^٢) على المسائلِ الخلافيةِ بين الشافعي وأبي حنيفةَ على وجهِ الخصوصِ، وتساهلوا في الخلافِ مع مالكٍ وسفيانَ وأحمدَ - رحمهم الله تعالى - وغيرِهم، وزعموا أنَّ غرضَهم استنباطُ دقائقِ الشرعِ، وتقريرُ عللِ المذاهبِ، وتمهيدُ أصولِ الفتاوى، وأكئروا فيها التصانيفَ والاستنباطاتِ، ورتّبوا فيها أنواعَ المجادلاتِ والتصنيفاتِ - وهم مستمرون عليه إلى الآن، ولسنا ندري ما الذي يُحْدِثُ اللهُ فيما بعدنا مِن الأعصار؟ ! - فهذا الباعثُ على الإكبابِ على الخلافياتِ والمناظراتِ لا غير ... \" (^٣).\nثمَّ ساقَ أبو حامدٍ ثمانيةَ شروط للحُكمِ على المناظرةِ بأنَّها جائزة (^٤)، وساقَ أيضًا الآفاتِ المترتبة عليها إنْ كان قصدُ المتناظرين الغلبةَ، وإفحامَ\n_________\n(^١) انظر: الكافية في الجدل لإمام الحرمين (ص/ ٢٢ - ٢٣).\n(^٢) انثالوا: انصبّوا. انظر: لسان العرب، مادو: (نثل)، (١١/ ٦٤٥).\n(^٣) إحياء علوم الدين (١/ ٧١). وانظر: الدر النضيد في أدب المفيد للغزي (ص/ ٢٢٦)، وحجة الله البالغة للدهلوي (١/ ٤٦٩ - ٤٧٥)، وإتحاف السادة المتقين للزبيدي (١/ ٢٧٨، ٢٨١)، والفكر السامي لمحمد الحجوي (٣/ ١٤٥)، وتاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٣٤ - ٣٣٥).\n(^٤) انظر: إحياء علوم الدين (١/ ٧٢ - ٧٥). وقد ساق عدد من المؤلفين الشروط التي ذكرها الغزالي، انظر على سبيل المثال: إتحاف السادة المتقين للزبيدي (١/ ٢٨٢ - ٢٩٢)، والفكر السامي لمحمد الحجوي (٣/ ١٤٥ - ١٤٧)، وتاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٣٥ - ٣٣٨)، وبدعة التعصب المذهبي لمحمد عباس (ص / ٢١٠ - ٢١١)، والمذاهب الفقهية الإسلامية لمحمد تاجا (ص/ ١٨٢ - ١٨٣)، والمدخل للتشريع الإسلامي للدكتور محمد النبهان (ص/ ٣٤٨ - ٣٤٩)، والجديد في تاريخ الفقه للدكتور محمد مصطفى (ص/ ٢٣٩)، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور حسن الشاذلي (ص / ٣١٢)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور شوقي الساهي (ص/ ١٢٥)، وبلوغ الأماني للدكتور الحسن العلمي (ص/ ١٦٦)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عمر الأشقر (ص/ ١٧٠).","vol":"3","page":1322},{"text":"الخصمِ (^١).\nوقد حذَّر أبو الوفاءِ بنُ عقيل مِنْ إيرادِ بعضِ الاعتراضات التي لا معنى لها سوى قصدِ فَتْلِ المناظر (^٢)، فقالَ: \"قلَّ أنْ يُفْلِحَ مَنْ تركَ التحقيقَ تعويلًا على أمثالِ هذه التزاويق (^٣) التي لا بقاءَ لها، وقلَّ أنْ ينتهي مَنَ سَلَكَ ذلك إلى مقاماتِ الأئمةِ، والله يكفي غوائلَ الطِّباعِ، وشرورَ النفسِ، وغلباتِ الأهواءِ بمنّه وكرمِه\" (^٤).\nويقولُ الوزير ابنُ هبيرةَ في الموضوعِ ذاتِه: \"أمَّا اجتماعُ الجمعِ منهم - أي: من المتناظرين - متجادلين في مسألةٍ، مع أنَّ كلَّ واحدٍ منهم لا يَطْمَعُ في أنْ يَرْجِعَ خصمُه إليه إنْ ظَهَرَتْ حجّتُه، ولا هو يَرْجِعُ إلى خصمِه إنْ ظَهَرَتْ حجّتُه عليه، ولا فيه عندهم فائدةٌ تَرْجِعُ إلى مؤانسةٍ، ولا إلى استجلاب مَوَدّةٍ، ولا إلى توطِئَةِ القلوب لوعي الحقِّ، بل هو على الضدِّ مِن ذلك: فإنَّه ممَّا قد تكلّمَ فيه العلماءُ، وَأظهروا مِن عوارِه ما أظهروا ... \" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>أمثلة لبعضِ المناظراتِ التي جَرَتْ بين أربابِ المذاهبِ </span>(^٦):\nالمثال الأول: نَقَلَ ابنُ العربي المالكي مناظرةً حضرها، فقالَ: \"وَرَدَ علينا بالمسجد الأقصى سنةَ سبعٍ وثمانين وأربعمائة فقيةٌ مِنْ عظماءِ أصحابِ\n_________\n(^١) انظر: إحياء علوم الدين (١/ ٧٦ - ٨٠). وقد ساق عدد من المؤلفين الآفات التي ذكرها الغزالي، انظر على سبيل المثال: إتحاف السادة المتقين للزبيدي (١/ ٢٩٣، ٣٠٢)، والفكر السامي لمحمد الحجوي (٣/ ١٤٥)، وتاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٣٨ - ٣٤٠).\n(^٢) فتل المناظر: صرفه وليه عن رأيه. انظر: القاموس المحيط، مادة: (فتل)، (ص/ ١٣٤٥).\n(^٣) التزاويق: جمع تزويق، وهو: التزيين والتحسين. انظر: المصدر السابق، مادة: (زوق)، (ص/ ١١٥١).\nومن أمثلة التزاويق التي ذكرها ابن عقيل: بعض الألفاظ التي يُقْصَدُ بها قطعُ المناظر في أول وهلةٍ وأول كلمة.\n(^٤) الواضح في أصول الفقه (١/ ٤٣١ - ٤٣٢).\n(^٥) نقل كلامَ ابن هبيرة تقيُّ الدين بنُ تيمية في: المسودة (٢/ ٩٥٨ - ٩٥٩).\n(^٦) ورد في تراجم علماء المذاهب الفقهية وصفُ بعضهم بالمناظِر، انظر على سبيل المثال: =","vol":"3","page":1323},{"text":"أبي حنيفةَ (^١) ... فحضرنا في حرمِ الصخرةِ المقدسة - طهرها الله - معه، وشهد (^٢) علماءُ البلدِ، فسُئلَ على العادةِ عن قتلِ المسلمِ بالكافرِ؟ فقال: يُقتلُ به قصاصًا. فطولبَ بالدليلِ، فقال: الدليلُ عليه: قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (^٣)، وهذا عامٌ في كلِّ قتيلٍ.\nفانتدبَ معه للكلام فقيهُ الشافعية بها، وإمامهم: عطاءُ المقدسي (^٤)، وقالَ: ما استدلَّ به الشيخُ الإمامُ لا حُجَّةَ له فيه مِنْ ثلاثة أوجه\" (^٥)، وساقَ الأوجهَ، ثم ردَّ الفقية الحنفيُّ على استدلالات مخالفه (^٦).\nالمثال الثاني: ما ذكره ابن العربي - أيضًا - مِنْ مناظراتِه للظاهريةِ في دفاعِه عن موطأِ إمامِه الإمامِ مالكٍ، بقوله: \"إنَّما حَمَلَني على جمعِ هذا المجموعِ - أي: كتابه: (المسالك في شرح موطأ مالك) - بما فيه إنْ\n_________\n= ترتيب المدارك للقاضي عياض (٣/ ٣١٢)، و(٥/ ٢، ٣٤، ٢٥٧، ٢٦٥)، و(٦/ ٢٦٨)، و(٧/ ٢٤٩)، و(٨/ ١٦٤)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ١٩٣)، و(١٨/ ٥٥٠)، و(١٩/ ١١٦)، و(٢١/ ٢٠٨)، و(٢٢/ ١٧٠)، وطبقات الشافعية للإسنوي (١/ ٢٣٩، ٤٥٠)، والجواهر المضية للقرشي (١/ ٩٦)، و(٣/ ٥٤٨)، وطبقات الشافعية لابن كثير (١/ ١٣٠)، و(٢/ ٥٠٩، ٦٠٨، ٦٢٥، ٦٤٧، ٧٧١)، والذيل على طبقات الحنابلة (١/ ٣٢٦، ٣٦٤، ٣٨٨، ٤٢٨، ٤٤٨)، و(٤/ ١٥٠، ٣١١، ٣٢٣، ٤٩٨)، والديباج المذهب لابن فرحون (١/ ١٥٨)، وطبقات الفقهاء الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٣٤٧، ٣٦٥)، و(٢/ ٧٧، ١٥٩، ١٧٨)، وحسن المحاضرة للسيوطي (١/ ٤٤٥)، والمنهج الأحمد للعليمي (٣/ ٧٥، ١٢٦، ١٦٦، ١٧٤)، و(٤/ ٩٨، ٢٤٦، ٢٦٢)، والسحب الوابلة لابن حميد (٣/ ٩٣٣)، والفوائد البهية لعبد الحي الكنوي (ص/ ٢٢٧، ٢٣٦).\n(^١) هو: الزوزني.\n(^٢) شَهِدَ بمعنى: حضر. انظر: القاموس المحيط، مادة: (شهد)، (ص/ ٣٧٢).\n(^٣) من الآية (١٧٨) من سورة البقرة.\n(^٤) هو: عطاء المقدسي أبو الفضل، يقول عنه جمال الدين الإسنوي في: طبقات الشافعية (٢/ ٤١٣): \"ذكره أبو بكر بن العربي في كتابه: (النفيس)، فقال: كان شيخَ الشافعية بالمسجد الأقصى فقهًا وعلمًا، وشيخَ الصوفية طريقةً، وكان موجودًا في حياة الشيخ نصر المقدسي\". ونصر المقدسي كان حيًا سنة ٤٨٠ هـ. انظر: المصدر السابق (٢/ ٣٩٠).\n(^٥) أحكام القرآن (١/ ٦٣).\n(^٦) المصدر السابق (١/ ٦٣ - ٦٤).","vol":"3","page":1324},{"text":"شاءَ الله كفايةٌ وقنوعٌ، أمورٌ ثلاثةٌ؛ وذلك أنَّه ناظرتُ يومًا جماعةً مِنْ أهلِ الظاهرِ الحزمية - الجهلةِ بالعلمِ والعلماءِ، وقلة الفهم: - على موطأِ مالك بن أنس، فكلٌّ عابه، وهَزَأَ به. فقلت لهم: ما السبب الذي عِبْتُمُوه مِنْ أجلِه؟ فقالوا: أمورٌ كثيرةٌ: أحدها: أنَّه خَلَطَ الحديثَ بالرأي. والثاني: أنَّه أدخلَ أحاديثَ كثيرةً صحاحًا، وقال: ليس العملُ على هذه الأحاديثِ.\nوالثالث: أنَّه لم يفرِّق بين المرسلِ مِن الموقوفِ (^١)، والمقطوعِ (^٢) مِن البلاغ (^٣)، وهذا مِنْ إمامٍ - قد صحتْ عندكم إمامته في الفقه والحديث - نقيصةٌ! ... \" (^٤).\nالمثال الثالث: ذَكَرَ عبدُ الله العلوي مناظرةً جَرَتْ لابنِ رشدٍ مع أحدِ\n_________\n(^١) الموقوف: ما أُسند إلى الصحابي مِنْ قوله، أو فعله، أو تقريره، ولا يوجد ما يدلُّ على رفعه.\nانظر: الاقتراح في بيان الاصطلاح لابن دقيق العيد (ص/ ٢٠٩)، والمعيار في الأحاديث الضعيفة والموضوعة لتاج الدين التبريزي (١/ ١٨)، ونزهة النظر لابن حجر (ص/ ١٤٨)، وفتح المغيث للسخاوي (١/ ١٨٧)، وتوضيح الأفكار للصنعاني (١/ ١٢٦).\n(^٢) المقطوع: ما أُسند إلى التابعي من قوله، أو فعله، أو تقريره. انظر: الاقتراح في بيان الاصطلاح لابن دقيق العيد (ص/ ٢٠٩)، والمعيار في الأحاديث الضعيفة والموضوعة لتاج الدين التبريزي (١/ ١٧)، ونزهة النظر لابن حجر (ص/ ١٥٢)، وفتح المغيث للسخاوي (١/ ١٩١)، وتوضيح الأفكار للصنعاني (١/ ٢٦٥).\n(^٣) البلاغ: عبارة يستعملها بعضُ العلماء - ومن أشهرهم: الإمام مالك - في نقلِ حديث رسول الله - ﷺ -، أو آثار الصحابة والتابعين، بأنْ يقول مثلًا: بلغني عن النبي - ﷺ - كذا، بحذف الإسناد. انظر: مناهج المحدثين للدكتور محمد التركي (ص/ ١٩ - ٢٠).\nوالبلاغ من قبيل المعضل، إنَّ كان الساقط راويين، وإلا فهو منقطع. والمعضل: الحديث الذي سقط من إسناده اثنان على التوالي. انظر: الاقتراح في بيان الاصطلاح لابن دقيق العيد (ص/ ٢٠٩)، والمعيار في الأحاديث الضعيفة والموضوعة لتاج الدين التبريزي (١/ ١٧)، ونزهة النظر لابن حجر (ص/ ١١٢)، وفتح المغيث للسخاوي (١/ ٢٨٠)، وتوضيح الأفكار للصنعاني (١/ ٣٢٦).\nوالمنقطع: الحديث الذي لم يتصل إسناده. انظر: الاقتراح في بيان الاصطلاح لابن دقيق العيد (ص/ ٢٠٩)، والمعيار في الأحاديث الضعيفة والموضوعة لتاج الدين التبريزي (١/ ١٧)، ونزهة النظر لابن حجر (ص / ١١٢)، وفتح المغيث للسخاوي (١/ ٢٧٦)، وتوضيح الأفكار للصنعاني (١/ ٣٢٣).\n(^٤) المسالك في شرح موطأ مالك (١/ ٣٣٠).","vol":"3","page":1325},{"text":"علماءِ الحنفية: لمَّا حَضَرَ ابنُ رشدٍ درسَ العالمِ الحنفي، قال المدرسُ الحنفيُّ: الدليل لنا على مالكٍ في المسحِ على العمامةِ: أنَّه مَسْحٌ على حائلٍ أصلُه الشّعر، فإنَّه حائل. فأجابه ابنُ رشدٍ: بأنَّ الحقيقةَ إذا تعذرتْ، انتُقِلَ إلى المجازِ إنْ لم يتعددْ، وإلى الأقرب منه إنْ تعددَ، والشَّعرُ هنا أقربُ، والعمامةُ أَبْعَد، فيتعين الحملُ على الشَعرِ.\nفلم يجد الحنفيُّ جوابًا (^١).\nالمثال الرابع: أوردَ تاجُ الدين السبكي مناظرةً جرت بين القاضي أبي الطيب (^٢)، وأحدِ علماءِ الحنفيةِ (^٣) عن مسألةِ: تقديم الكفارةِ على الحنثِ؟ يقولُ تاجُ الدين: \"فأجابَ - أي: العالم الحنفى - بأنَّ ذلك لا يُجزئُ، وهو مذهبُهم. فسُئِلَ الدليل؟ فاستدلَّ بأنَّه أدَّى الكفارةَ قبل وجوبِها، وقبلَ وجودِ سببِ وجوبِها، فَوَجَبَ ألا تجزِئَه، كما لو أخرجَ كفارةَ الجماعِ بعدَ الصومِ، وقبلَ الجماعِ، وأخرجَ كفارةَ الطّيب واللباسِ بعدَ الإحرامِ، وقبلَ ارتكابِ أسبابِها.\nفكلّمه القاضي أبو الطيبِ، ناصرًا جوازَ ذلك - كما هو مذهبُ الشافعي - وأوردَ عليه فصلين: أحدهما: مانعةُ الوصفِ، فقالَ: لا أُسلّم أنَّه لم يُوْجَد سببُ وجوبِ الكفارة؛ فإنَّ اليمينَ عندي سببٌ؛ فاليمينيةُ مُثْبَتَةٌ في الحالين على هذا الأصلِ.\n_________\n(^١) انظر: نشر البنود (١/ ١٣١). ويقول عبد الله العلوي في: المصدر السابق موضحًا المناظرة: \"فالحقيقة هي جلد الرأس، وقول الحنفي: \"أصله الشَّعر\"، يريد أنَّه مقيس عليه؛ بجامع كون كل منهما حائلًا بين المسح والجلد\".\nويقول الشيخ محمد الشنقيطي في: نثر الورود (١/ ١٣٣): \"قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [من الآية (٦) من سورة المائدة] قالوا - أي: المالكية -: حقيقة المأمور بمسحه جلد الرأس، ولهذه الحقيقة مجازان: أحدهما: أبعد، وهو العمامة. والثاني: أقرب للحقيقة، وهو شعر الرأس. فيجب الأقرب، فيمسح على الشعر، لا على العمامة\".\n(^٢) هو: القاضي أبو الطيب الطبري.\n(^٣) هو: القاضي أبو الحسن الطالقاني، قاضي بلخ.","vol":"3","page":1326},{"text":"والثاني: أنَّه يبطلُ بما إذا أخرجَ كفارةَ القتلِ بعد الجُرحِ وقبل الموتِ، فإنَّه أخرجَها قبلَ وجوبِها، وقبلَ وجودِ سببِ وجوبِها، ثم يجزئه ... \" إلى آخر ما جرى في المناظرةِ (^١).\n* * *\n_________\n(^١) طبقات الشافعية الكبرى (٥/ ٢٤ - ٢٥). وقد ذكر تاج الدين السبكي في: المصدر السابق عددًا من المناظرات التي جرت بين العلماء، انظر مثلًا: مناظرة أبي إسحاق الشيرازي، وأبي عبد الله الدامغاني، وبعضها جرت في عزاء ببغداد (٤/ ٢٣٧ وما بعدها، ٢٤٥ وما بعدها)، ومناظرة أبي الحسين القدوري الحنفي، والقاضي أبي الطيب الطبري (٥/ ٣٦ وما بعدها)، ومناظرة أبي إسحاق الشيرازي وإمام الحرمين الجويني الشافعيين (٥/ ٢٠٩ وما بعدها، ٢١٤ وما بعدها).","vol":"3","page":1327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>المبحث الثاني: ازدهار النشاط في مجال التأليف</span>\nلعلَّ مِنْ أبرزِ الآثارِ الإيجابيةِ الناشئةِ عن التمذهبِ ازدهارَ النشاطِ التأليفي في مختلفِ الموضوعاتِ المتعلقةِ بالفقهِ وأصولِه.\nلقد أسهمَ متمذهبو المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعةِ في خدمةِ مذاهبِهم، وتظافرتْ جهودُهم في هذا المجالَ، وتنوعتْ مؤلفاتُهم، وجميعها يسيرُ في خدمةِ المذهبِ، فكتبوا أكثرَ مؤلفاتِها بلسانِ عصورِ مؤلفيها، وجَعَلَ هذا المجهودُ الذي قامَ به أتباعُ المذاهبِ مِن المذهبِ الواحدِ مدرسةً فقهيةً أصوليةً متكاملةً.\nوكثيرٌ مِنْ المؤلفاتِ التي خلَّفها أولئكَ العلماءُ تنطقُ بألوانٍ مِن المعارفِ والعلومِ، لا يمكنُ معها إلا الجزمُ بالأثرِ الإيجابي للتمذهبِ.\nيقولُ الشيخُ عبدُ القادر بن بدران الحنبلي: \"اعلمْ أنَّ أصحابَنا تفنَّنوا في علومِهم الفقهيةِ فنونًا، وجعلوا لشجرتِها المثمرةِ بأنواعِ الثمراتِ غُصُونًا، وشعَّبوا مِنْ نهرِها جداولَ تروي الصادي (^١) ... ففرَّعوا الفقهَ إلى المسائل الفرعيةِ، وألّفوا فيها كتبًا ... ثمَّ أفردوا لما فيه خلافٌ لأحدِ الأئمة فنًّا، وسمّوه فنَّ الخلافِ .. \" (^٢).\nويمكن لي إبرازُ النشاطِ التأليفي الذي قامَ به متمذهبو المذاهبِ الفقهيةِ بذِكْرِ الفنونِ التي كتبوا فيها، وسأمثل لكلِّ فنٍّ منها ببعضِ\n_________\n(^١) الصادي: العطشان. انظر: المصباح المنير للفيومي، مادة: (صدا)، (ص/ ٢٧٦)، والقاموس المحيط، مادة: (صدى)، (ص/ ١٦٧٩).\n(^٢) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد (ص/ ٤٤٩).","vol":"3","page":1328},{"text":"المؤلفات (^١):\nالأول: التأليف في الفقه المذهبي (^٢).\nحَفِلت المذاهبُ الفقهيةُ المتبوعةُ بمدوّناتٍ في فقهِ مذاهبِهم، فقد عَكَفَ أتباعُ المذاهبِ على تنميةِ فقهِ مذهبِهم، وتحقيقِ القولِ والترجيحِ فيه، ونَتَجَ عن هذه الجهوَدِ تراثٌ فقهيٌّ عزيزُ المثال، يعجز العادُّ عن حصرِه (^٣)، وإثراءٌ للفقهِ بمختلفِ درجاته (^٤).\nوكانت هذه المؤلفاتُ مختلفةَ المناهجِ، فمنها: المبسوطُ، ومنها: المتوسطُ، ومنها: الموجزُ، ومنها: المختصرُ مِنْ غيرِه (^٥).\nيقولُ الدكتورُ محمدٌ أبو الأجفان: \"كُتُبُنَا الفقهيةُ القديمةُ التي تمثلُ ثروةً نفيسةً، ومصدرًا هامًّا، جاءتْ مختلفةً في أسلوبِ عرضِها للمسائل: فمنها: المختصرُ، ومنها: المبسوطُ\" (^٦).\nوأيضًا: فهناك الشروحُ للكتبِ، والحواشي والتقريرات عليها (^٧).\nولابنِ خَلْدون كلامٌ عن جهودِ علماءِ المالكية يتضح منه اهتمامُ\n_________\n(^١) إنَّ كان المؤلَّف مطبوعًا اكتفيت بذكره منسوبًا إلى مؤلِّفه، وإلا وثقته.\n(^٢) انظر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (ص/ ٤٤٩)، والمدخل إلى علم أصول الفقه لمحمد الدواليبي (ص/ ٣٩٢)، والاجتهاد في الفقه الإسلامي لعبد السلام السليماني (ص/ ٣٢٢)، والمدخل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة للدكتور أحمد حوى (ص/ ٣٥٣ وما بعدها).\n(^٣) انظر: المدخل لدراسة الفقه للدكتور محمد موسى (ص/ ٦٥).\n(^٤) انظر: المدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور شوقي الساهي (ص/ ٧٢).\n(^٥) انظر: المجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٢ - ٣)، وتاريخ التشريع الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي (ص/ ٢١)، والفقه الإسلامي للدكتور محمد العروسي (ص/ ٢٥٨)، والمذهب الحنبلي للدكتور عبد الله التركي (١/ ٢٢٠ - ٢٢٢).\n(^٦) مقدمة تحقيق كتاب مختصر كتاب النظر في أحكام النظر للقباب (ص/٩٣).\n(^٧) انظر: المدخل لدراسة الفقه للدكتور محمد موسى (ص/ ٦٥)، والاجتهاد في الفقه الإسلامي لعبد السلام السليماني (ص/ ٣٢٢)، والفقه الإسلامي للدكتور محمد العروسي (ص/ ٢٥٧ - ٢٥٨).","vol":"3","page":1329},{"text":"المتمذهبين بالنشاطِ التأليفي، فيقول: \"عَكَفَ أهلُ القيروان على (المدوّنةِ)، وأهلُ الأندلسِ على (الواضحةِ) و(العتبيةِ) ... ولم تَزَلْ علماءُ المذهب يتعاهدون هذه الأمهاتِ بالشرحِ والإيضاحِ والجمعِ، فكَتَبَ أهلُ إفريقيةَ على (المدوّنةِ) ما شاءَ الله أنْ يكتبوا - مثل: ابنِ يونس واللخمي - ... وكتب أهلُ الأندلس على (العتبية) ما شاءَ الله أنْ يكتبوا، مثل: ابنِ رشد وأمثالِه ... \" (^١).\nولستُ أرى حاجةً إلى التمثيلِ للكتبِ الفقهيةِ؛ لشهرتِها وكثرتِها.\nولم يكن اهتمامُ علماءِ المذاهبِ بالكتابةِ والتأليفِ في فقهِ مذهبِهم عائقًا لهم عن الاهتمامِ بالكتابةِ في بابٍ من أبوابِ الفقهِ، كأبواب الزكاةِ والحجِّ والفرائضِ وغيرِها (^٢).\nومما يمثّل به هذا المقام: (كتاب الأموال) للقاضي إسماعيلَ المالكي (^٣)،\n_________\n(^١) مقدمة ابن خلدون (٣/ ١٠٥٨).\n(^٢) انظر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (ص/ ٤٤٩)، والمذهب الحنبلي للدكتور عبد الله التركي (١/ ٢٢٣).\nوفد جمع الشيخُ بكر أبو زيد في: المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد (٢/ ٨٢٦ - ٨٩٢)، والدكتور عبد الملك بن دهيش في: المنهج الفقهي العام لعلماء الحنابلة (ص/ ٥٥٧ - ٥٦٩) أسماءَ مؤلفات الحنابلة في أبواب الفقه، وجمع الباحثُ أحمد النقيب في: المذهب الحنفي (٢/ ٦٢٣ - ٦٥٥) أسماءَ مؤلفات الحنفية في أبواب الفقه.\n(^٣) انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٤/ ٢٩٢). والقاضي اسماعيل هو: إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد الأزدي مولاهم، أبو إسحاق، ولد سنة ١٩٩ هـ كان إمامًا علامةً حافظًا فقيهًا مفسرًا مقرئًا محدثًا، ثقةً صدوقًا فاضلًا متفننًا، كبير الشأن، جمع علم القرآن والسنة والعربية، وفاق أهل عصره في الفقه، وكان شيخ المالكية في وقته، وقد قام بشرح مذهب الإمام مالك، وتلخيصه، والاحتجاج له، تولى قضاء بغداد، من مؤلفاته: أحكام القرآن، ومعاني القرآن، والموطأ، والمبسوط في الفقه، توفي ببغداد سنة ٢٨٢ هـ.\nانظر ترجمته في: حلية الأولياء لأبي نعيم (١٠/ ٢٥٠)، وتاريخ مدينة السلام للخطيب (٧/ ٢٧٢)، وترتيب المدارك للقاضي عياض (٤/ ٢٦٧)، وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٣٩)، والوافي بالوفيات للصفدي (٩/ ٩١)، والديباج المذهب لابن فرحون (١/ ٢٨٢)، وبغية =","vol":"3","page":1330},{"text":"و(كتاب المناسك) لأبي ذرٍ الهروي (^١)، و(الأشربة) لبكر بن العلاءِ القشيري (^٢)، و(النظر في أحكام النظر) للقطانِ الفاسي (^٣).\n_________\n= الوعاة للسيوطي (١/ ٤٤٣)، وطبقات المفسرين للداودي (١/ ١٠٦)، وشذرات الذهب لابن العماد (٣/ ٣٣٤).\n(^١) انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٧/ ٢٣٢). وأبو ذر الهروي هو: عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصاري، أبو ذر الهروي، ولد سنة ٣٥٥ هـ أو: ٣٥٦ هـ كان ثقةً ثبتًا حافظًا محدثًا فقيهًا مالكيًا متفننًا، زاهدًا ورعًا متقشفًا متقللًا، اشتغل بالفقه والحديث، وغلب عليه الحديث، حتى صار إمامًا فيه، نزل مكة وجاورها أزيد من ثلاثين سنة، واشتهرت نسخته لصحيح البخاري، من مؤلفاته: فضائل مالك بن أنس، ومسانيد الموطأ، والمسند الصحيح المخرج على البخاري ومسلم، توفي بمكة سنة ٤٣٤ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (١٢/ ٤٥٦)، وترتيب المدارك للقاضي عياض (٧/ ٢٢٩)، وتبيين كذب المفتري لابن عساكر (ص/ ٢٥٥)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٥٥٤)، والديباج المذهب لابن فرحون (٢/ ١٣٢)، والوفيات لابن قنفذ (ص/ ٢٤٠)، ونفح الطيب للمقري (٢/ ٧٠)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ١٠٤).\n(^٢) انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٥/ ٢٧). وبكر القشيري هو: بكر بن محمد بن العلاء بن محمد القشيري، أبو الفضل، ينسب إلى جده العلاء، كان إمامًا علامة فقيهًا نظارًا أصوليًا محدثًا، راويةً للحديث، من كبار فقهاء المالكية ومحدثيهم المصريين، تولى منصب القضاء، من مؤلفاته: كتاب الأحكام، وكتاب أصول الفقه، وكتاب القياس، والرد على المزني، توفي بمصر سنة ٣٤٤ هـ وقد جاوز الثمانين عامًا بأشهر. انظر ترجمته في: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٥/ ٢٧٠)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ١٥٥)، وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٣٧)، والوافي بالوفيات للصفدي (١٠/ ٢١٧)، والديباج المذهب لابن فرحون (١/ ٣١٣)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (ص/ ٧٩).\n(^٣) هو: علي بن محمد بن عبد الملك بن يحيى بنن إبراهيم الحميري الكتامي الفاسي، أبو الحسن بن القطان، ولد بفاس سنة ٥٦٢ هـ كان علامةً حافظًا متقنًا ناقدًا فقيهًا راويةً، من أبصر الناس بصناعة الحديث، وأحفظهم لأسماء رجاله، وأشدهم عنايةً بالرواية، من علماء المالكية المبرزين، ورأس طلبة العلم بمراكش، تولى التدريس، وقضاء سجلماسة، من مؤلفاته: الإقناع في مسائل الإجماع، وشيوخ الدارقطني، ومسائل من أصول الفقه التي لم يذكرها الأصوليون في كتبهم، والنزاع في القياس، وبيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام، توفي بسجلماسة سنة ٦٢٨ هـ. انظر ترجمته في: صلة التكملة لابن الأبار (٣/ ٢٥٠)، وطبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي (٤/ ١٩٠)، وسير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٠٦)، وتاريخ الإسلام للذهبي (١٣/ ٨٦٦)، والمستملح من كتاب الصلة له (ص / ٣٤٠)، والوافي بالوفيات للصفدي (٢٢/ ٧٠)، ونيل الابتهاج للتنبكتي (ص/ ٣١٧)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ١٧٩).","vol":"3","page":1331},{"text":"ويلتحقُ بهذا الفنِّ: مؤلفات المتمذهبين في الخلافياتِ (^١)، والفروقِ الفقهيةِ (^٢)، والمفرداتِ المذهبيةِ (^٣)، ولغةِ الفقهاء (^٤)، وما كتبوه مِن الفتاوى (^٥).\nالثاني: التأليف في الألغاز والأحاجي والمطارحات الفقهية (^٦).\nلقد كانَ للتّوسعِ في ميدانِ التأليفِ الفقهي أثرٌ في تنويعِ الكتابةِ فيه، فكَتَبَ بعضُ علماءِ المذهب كُتُبًا في الألغازِ والأحاجي الفقهيةِ، والتي غالبًا ما تكونُ معرفةُ أجوبتِها مرتبطةً بأحكامِ المذهبِ.\nولهذه المؤلفاتِ فوائدُ عدّة تعودُ على المتعلمين، كشحْذِ الذهنِ، وتدارسِ المذهبِ، وطَرْدِ السآمةِ والمللِ في بعضِ الأوقاتِ.\nيقولُ بدرُ الدّينِ الزركشي عن المطارحاتِ الفقهيةِ: \"هي مسائل عويصةٌ؛ يُقْصَدُ بها تنقيحُ الأذهانِ\" (^٧).\n_________\n(^١) انظر: المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد (٢/ ٨٩٩ وما بعدها)، والمدخل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة للدكتور أحمد حوى (ص/ ٣٩١ وما بعدها).\n(^٢) انظر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (ص/ ٤٤٩)، والمدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد (٢/ ٩٢٦ وما بعدها)، والمستوعب لتاريخ الخلاف العالي للدكتور محمد العلمي (١/ ٢٠٩).\n(^٣) انظر: المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد (٢/ ٩٠٨ وما بعدها).\n(^٤) انظر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (ص/ ٤٨٣)، والمدخل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة للدكتور أحمد حوى (ص/٣٩٧).\n(^٥) انظر: المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد (٢/ ٩٢٥)، والاجتهاد في الفقه الإسلامي لعبد السلام السليماني (ص/ ٣٢٢)، والفقه الإسلامي للدكتور محمد العروسي (ص/ ٢٥٥)، والمدخل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة للدكتور أحمد حوى (ص/ ٣٧٥ وما بعدها).\n(^٦) يقول تاج الدين السبكي في: الأشباه والنظائر (٢/ ٣١٠) عن الألغاز الفقهية: \"وهذا بابٌ مليحٌ\". ويقولُ أيضًا في: (٢/ ٣١١): \"فنُّ الألغاز في نفسِه حسنٌ\".\nوقارن بأدب الدنيا والدين للماوردي (ص/ ٨٢ - ٨٤). وانظر: المنثور في القواعد للزركشي (١/ ٧٠ - ٧١)، والفوائد الجنية للفاداني (١/ ١٠٣)، والمدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد (٢/ ٩٢٤).\n(^٧) المنثور في القواعد (١/ ٧٠). وانظر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (ص/ ٤٥٧).","vol":"3","page":1332},{"text":"ومن المؤلفات في الألغاز: (المعاياة) لأبي حاتم القزويني (^١)، و(المعاياة) للجرجاني (^٢)، و(حلية الطراز في حل مسائل الألغاز) لأبي بكر الجراعي.\nولتاج الدّينِ بن السبكي مجموعٌ في الألغاز ضمّنه كتابه: (الأشباه والنظائر) (^٣)، وجَعلَ ابنُ نجيمٍ الحنفي الفنَّ الرابعَ في - كتابِه: (الأشباه والنظائر) (^٤) في الألغازِ.\nالثالث: التأليف في أصول المذهب (^٥).\n_________\n(^١) ذكر كتاب المعاياة ابن السبكي في: الأشباه والنظائر (٢/ ٣١٠). وأبو حاتم القزويني هو: محمود بن الحسن بن محمد بن يوسف الطبري القزويني، أبو حاتم، من علماء المذهب الشافعي، كان علامةً فقيهًا أصوليًا حافظًا للمذهب والخلاف، وصاحب تصانيف متعددة في الفقه وأصوله، دَرَس أصول الفقه على القاضي أبي بكر الأشعري، وتولى التدريس بآمل وببغداد، من مؤلفاته: تجريد التجريد، وكتاب الحيل، توفي بآمل سنة ٤٤٠ هـ وقيل: في حدود سنة ٤٦٠ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ١٢٣)، وتبيين كذب المفتري لابن عساكر (ص/ ٢٦٠)، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي (٢/ ٢٠٧)، وسير أعلام النبلاء (١٨/ ١٢٨)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٥/ ٣١٢)، وطبقات الشافعية للإسنوي (٢/ ٣٠٠)، وطبقات الشافعية لابن هداية الله (ص/ ٤٩).\n(^٢) ذكر كتاب المعاياة ابن السبكي في: الأشباه والنظائر (٢/ ٣١٠). والجرجاني هو: أحمد بن محمد بن أحمد أبو العباس الجرجاني، تتلمذ لأبي إسحاق الشيرازي، من أجلاء علماء زمانه، كان إمامًا في الفقه والأدب، تولى القضاء والتدريس في البصرة، وكان شيخ الشافعية بها، يقول عنه تاج الدين السبكي: \"كان في الفقه إمامًا ماهرًا، وفارسًا مقدامًا، وله تصانيف تُنبئ عن ذلك\"، من ملؤلفاته: الأدباء، والشافي، وكنايات الأدباء وإشارات البلغاء، والتحرير، توفي سنة ٤٨٢ هـ. انظر ترجمته في: طبقات الفقهاء الشافعية لابن الصلاح (١/ ٣٧١)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٤/ ٧٤)، وطبقات الشافعية للإسنوي (١/ ٣٤٠)، وطبقات الشافعية لابن كثير (١/ ٤٥٣)، والوافي بالوفيات للصفدي (٧/ ٣٣١)، وطبقات الشافعية لابن هداية الله (ص/ ١٧٨).\n(^٣) انظر: الأشباه والنظائر (٢/ ٣١١ وما بعدها).\n(^٤) انظر: (ص/ ٤٦٦ - ٤٧٦).\n(^٥) انظر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (ص/ ٤٤٩)، والمدخل إلى علم أصول الفقد لمحمد الدواليبي (ص / ٤٠٤)، والمذهب الحنبلي للدكتور عبد الله التركي (١/ ٢٢٣)، والمدخل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة للدكتور أحمد حوى (ص/ ٣٤٣ وما بعدها)، والمستوعب لتاريخ الخلاف العالي للدكتور محمد العلمي (١/ ٢٠٩).","vol":"3","page":1333},{"text":"لقد اهتمَّ أربابُ المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعةِ منذُ وقتٍ مبكّرٍ بإبرازِ أصولِ مذاهبِهم، فوُجِدَ في كلِّ مذهبٍ فقهي مؤلفاتٌ دوّنها أصوليو المذهبِ.\nولا أرى حاجةً إلى التمثيلِ للكتب الأصوليةِ العامةِ؛ لشهرتِها، وكثرتِها.\nوقد كَتَبَ بعضُ الأصوليين مؤلفاتٍ في موضوعٍ مِن موضوعاتِ الأصول، وممَّا يمثل به في هذا المقام: (كتاب الاحتجاج بالقرآن) للقاضي إسماعيل المالكي (^١)، و(القياس) لبكر بنِ العلاء القشيري (^٢)، و(إجماع أهل المدينة) لأبي بكرٍ الأبهري (^٣)، و(أدب المفتي والمستفتي) لابنِ الصلاحِ، و(صفة الفتوى) لابنِ حمدان.\nويلحق بهذا الفنِّ: ما كتبه علماءُ المذاهبِ في الفروقِ الأصوليةِ (^٤).\nالرابع: التأليفُ في قواعد المذهب وضوابطه الفقهية (^٥).\nلم يكنْ أمرُ التقعيدِ الفقهي مقتصرًا على الكتابةِ الأصوليةِ فحسب، بلْ إنَّ الأمرَ تعدَّاه إلى الاهتمامِ بقواعد المذهبِ وضوابطِه الفقهيةِ، وكان هذا الأمرُ مكمّلًا للتقعيدِ المذهبي، ومنهجِ الاجتهادِ فيه (^٦).\nولا أرى حاجةً إلى التمثيلِ لكتبِ القواعدِ الفقهيةِ؛ لشهرتِها.\n_________\n(^١) انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٤/ ٢٩٢).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (٥/ ٢٧).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (٦/ ١٨٨).\n(^٤) انظر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (ص/ ٤٤٩)، والمدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد (٢/ ٩٢٦ وما بعدها).\n(^٥) انظر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (ص/ ٤٤٩)، والمدخل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة للدكتور أحمد حوى (ص/ ٣٩٥ وما بعدها)، والفقه المالكي بين الدليل والتجديد لمحمود الغرياني، بحوث الملتقى الأول، القاضي عبد الوهاب المالكي (٦/ ٤٤٨).\n(^٦) انظر: المدخل إلى علم أصول الفقد لمحمد الدواليبي (ص/ ٣٨٢).","vol":"3","page":1334},{"text":"الخامس: التأليفُ في بيانِ أدلةِ المذهب (^١).\nكان لبعضِ المتمذهبين عنايةٌ بعلمِ الحديث ومعرفةٌ به، وأسهمتْ هذه المعرفةُ بالتأليفِ في بيانِ أدلةِ المذهبِ النقليةِ مِن الأحاديثِ والآثارِ (^٢)، وكان لهذه المؤلفاتِ أثرُها في إثراءِ المذَهبِ، وفي تخريجِ أحاديثِه.\nومن الأمثلة لهذا الفن: كتاب (الآثار) لمحمد بن الحسن - جمع فيه الآثارَ التي يحتجُ بها أئمةُ الحنفية (^٣) - و(شرح معاني الآثار) لأبي جعفرٍ الطحاوي، و(المنتقى في الأحكام الشرعية) لمجدِ الدّينِ بنِ تيميةَ، و(المحرر في الحديث) لابنِ عبدِ الهادي (^٤)، و(بلوغ المرام) للحافظِ ابنِ حجر، و(إعلاء السنن) لظفر العثماني الحنفي (^٥).\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (ص/ ٣٩٨)، والمدخل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة للدكتور أحمد حوى (ص/ ٣٨٤ وما بعدها).\n(^٢) انظر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (ص/ ٤٥٠).\n(^٣) انظر: تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٠٢).\n(^٤) هو: محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف المقدسي، أبو عبد الله شمس الدين، ولد بالصالحية سنة ٧٠٥ هـ وقيل: سنة ٧٠٦ هـ تلقى العلم عن أعيان عصره، وحفظ المقنع لابن قدامة وهو دون العاشرة على القاضي سليمان بن حمزة، ولزم تقيَّ الدين بنَ تيمية، وجمال الدين المزي، كان فقيهًا مقرئًا محدثًا ناقدًا نحويًا متفننًا، معتنيًا بالرجال وعلل الأحاديث، ومن المبرزين في المذهب الحنبلي، جلس لتدريس الطلبة وإفادتهم، من مؤلفاته: المحرر في الحديث، وتنقيح التحقيق في أحاديث التعليق، وتعليقة على العلل لابن أبي حاتم، والصارم المنكي في الرد على السبكي، وترجمة تقي الدين بن تيمية المعروفة بالعقود الدرية، توفي سنة ٧٤٤ هـ. انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ للذهبي (٤/ ١٥٠٨)، والوافي بالوفيات للصفدي (٢/ ١٦١)، وأعيان العصر له (٤/ ٢٧٣)، والوفيات لابن رافع (١/ ٤٥٧)، والذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب (٥/ ١١٥)، والدرر الكامنة لابن حجر (٣/ ٤٢١)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٢٦٠)، والمنهج الأحمد للعليمي (٥/ ٧٧).\n(^٥) هو: ظفر أحمد بن لطيف العثماني التهانوي، ولد بالهند سنة ١٣١٠ هـ تلقى المذهب الحنفي وبرز فيه، واشتغل بالتأليف، كان فقيهًا محققًا محدثًا أديبًا، تنقل بين عدة بلدان لطلب العلم، وتولى التدريس في بعض مدارس الهند، وقد درَّس الفقه وأصوله والمنطق والفلسفة، ثم بعد ذلك تولى التدريس في إحدى جامعات باكستان، من مؤلفاته: مقدمة إعلاء السنن، وإعلاء السنن، وقواعد في علوم الحديث، توفي سنة ١٣٩٤ هـ. انظر ترجمته في: مقدمة إعلاء السنن (١/ ٢٤)، وإعلاء السنن (١/ ١٩)، ومقدمة تحقيق قواعد في علوم الحديث (ص/ ٧).","vol":"3","page":1335},{"text":"ويُلحق بهذا الفنِّ: ما كتبه علماءُ الحديث مِنْ مؤلفاتٍ في تخريجِ الأحاديثِ والآثارِ الواردةِ في المؤلفاتِ الفقهيةِ والأصوليةِ (^١).\nومما يمثل به: كتاب (التحقيق في أحاديث التعليق) لأبي الفرجِ بنِ الجوزي، و(نصب الراية لأحاديثِ الهداية) لجمالِ الدينِ الزيلعي، و(المعتبرُ في تخريجِ أحاديثِ المنهاج والمختصر) لبدرِ الدينِ الزركشي، و(البدرُ المنيرُ في تخريجِ أحاديث الرافعي الكبير) لسراجِ الدينِ بنِ الملقن، و(التلخيص الحبير) للحافظِ ابنِ حجر.\nالسادس: التأليفُ في الردودِ على مخالفي المذهب (^٢).\nوجّه بعضُ العلماءِ انتقاداتٍ علمية إلى بعضِ المذاهبِ الفقهيةِ في عددٍ من المسائلِ، سواء أكانت منسوبةً إلى إمام المذهب، أم كانت مِن أقوالِ المذهبِ المشهورةِ، وفي الغالبِ ينبري أتباعُ المَذهبِ إلى الدفاعِ عن مذهبِهم، ومِنْ أهمِّ طُرُقِ المدافعةِ عنه التأليفُ في الردِّ على المخالفِ.\nومما يمثل به في هذا المقام: (كتاب الحجة على أهل المدينة) لمحمد بن الحسن، وكتاب (الرد على محمد بن الحسن) للقاضي إسماعيل المالكي (^٣)، وكتاب (الردّ على المزني) لأبي بكرٍ الأبهري (^٤)، وكتاب (الردّ على ابن عُليّة (^٥) فيما أنكره على مالكٍ)\n_________\n(^١) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (ص/ ٤٤٩).\n(^٢) انظر: المدخل إلى علم أصول الفقه لمحمد الدواليبي (ص/ ٣٩٨).\n(^٣) انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٤/ ٢٩٢).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (٦/ ١٨٨).\n(^٥) هو: إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم البصري الأسدي، أبو إسحاق المعروف بابن علية، أحد كبار المتكلمين، وكان على معتقد الجهمية، وممن يقول بخلق القرآن، جرت بينه وبين الإمام الشافعي مناظرات، قال عنه ابن معين: \"ليس بشيء\"، وقال عنه الإمام أحمد: \"هو ضال\"، له مؤلفات في الفقه تشبه الجدل، توفي بمصر - وقيل: ببغداد - سنة ٢١٨ هـ وهو ابن سبع وستين سنة. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (٦/ ٥١٢)، وتاريخ الإسلام للذهبي (٥/ ٢٦٤)، وميزان الاعتدال له (١/ ٢٠)، والمقفى الكبير للمقريزي (١/ ١٠٢)، ولسان الميزان لابن حجر (١/ ٢٤٣).","vol":"3","page":1336},{"text":"لأبي جعفرٍ الأبهري (^١)، و(نقض كتاب الشافعي في ردِّه على مالكٍ) لأحمدَ الدهان البصري (^٢).\nالسابع: التأليف في مناقب إمام المذهب (^٣).\nلقد كان أئمةُ المذاهبِ الفقهيةِ على قدرٍ كبيرٍ مِن التميّزِ والبروزِ العلمي، شأنُهم في ذلك شأنُ سائرِ مجتهدي الأمةِ الإسلاميةِ في عصورِها الأُوْلى.\nوقد كَتَبَ جمعٌ مِن المتمذهبين في مناقبِ أئمتِهم، بلْ تعدَّى الأمرُ إلى كتابةِ بعض المتمذهبين في مناقبِ أئمةِ المذاهب الأخرى، وفي هذا الصنيعِ دلالةٌ على رسوخِ مكانةِ الأئمةِ في نفوسِ كثيرٍ من المتمذهبين مِنْ مختلفِ المذاهبِ.\nوقد يكون الباعثُ على الكتابةِ في مناقبِ الإمامِ عند بعضِ المؤلفين الرغبةَ في انتماءِ الناسِ إلى مذهبِ إمامِه (^٤).\n_________\n(^١) انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٧/ ٧٢). وأبو جعفر الأبهري هو: محمد بن عبد الله أبو جعفر، ويعرف بالأبهري الصغير، وبالوتلي، وبابن الخصاص، كان إمامًا عالمًا بالفقه وأصوله، متفننًا عمدةً، من أهل العراق، ورحل إلى مصر، تفقه بأبي بكر الأبهري، وسمع من أبي زيد المروزي، وتفقه عليه خلق كثير، من مؤلفاته: كتاب في الرد على ابن عليه فيما أنكره على مالك، وكتاب كبير في مسائل الخلاف، وكتاب تعليق المختصر، توفي سنة ٣٦٥ هـ.\nانظر ترجمته في: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ ١٥٦)، وترتيب المدارك للقاضي عياض (٧/ ٧٢)، والديباج المذهب لابن فرحون (٢/ ٢٢٨)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٩١)، وجمهرة تراجم الفقهاء المالكية لقاسم بن سعد (٣/ ١١٣٣).\n(^٢) انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٢/ ٢١٥). وأحمد الدهان هو: أحمد بن محمد بن عمر البصري الدهان، من أئمة المالكية بالمشرق، روى عن ابن شاهين، من مؤلفاته: كتاب في الرد على الشافعي في ستة أجزاء، والمعلومات المذكورة عنه في ترجمته شحيحة. انظر ترجمته في: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٦/ ٢٠٠)، والديباج المذهب لابن فرحون (١/ ١٧٣).\n(^٣) انظر: خطبة الكتاب المؤمل لأبي شامة (ص/ ٧٠)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور رمضان الشرنباصي (ص/ ٩٤).\n(^٤) انظر: المدخل لدراسة الفقه الإسلامي للدكتور رمضان الشرنباصي (ص/ ٩٤).","vol":"3","page":1337},{"text":"وأيًّا كان الباعثُ على الكتابةِ في مناقبِ الأئمةِ، فقد حَفِظَتْ هذه المدوّناتُ عددًا مهمًا مِنْ أقوالِ الأئمةِ وآرائِهم وأحوالِهم.\nومن الكتب المولفة في مناقب الأئمة: (مناقب مالك) لأبي بكرٍ جعفر الفريابي (^١)، و(مناقب أبي حنيفة) لأبي جعفر الطحاوي (^٢)، و(آداب الشافعي ومناقبه) لابنِ أبي حاتم، و(مناقب أحمد) له (^٣)، و(فضائل مالك بن أنس) لأبي ذر الهروي (^٤)، و(مناقب الإمام أحمد) لأبي الفرجِ بنِ الجوزي، و(إرشاد الطالبين إلى المنهج القويم) - كتاب في مناقب الإمام الشافعي - للفخرِ الرازي، و(إرشاد السالك إلى مناقب مالك) لابنِ المبرد الحنبلي، و(الخيرات الحسان في مناقب الإمام أبي حنيفة النعمان) لابنِ حجرٍ الهيتمي الشافعي.\nالثامن: التأليف في طبقات علماء المذهب (^٥).\nلقد كانَ المذهبُ الفقهي مدرسةً ينهلُ منها الدارسُ علومًا وفنونًا عديدةً، وتخرّج فيها عددٌ مِن العلماءِ والمحققين مِن الفقهاءِ والأصوليين، وقد اعتنى أربابُ كلِّ مذهبٍ بتدوينِ تراجمِ علماءِ مذهبِهم بدءًا من إمامِ المذهبِ.\n_________\n(^١) انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٤/ ٣٠١). وأبو بكر الفريابي هو: جعفر بن محمد بن الحسن بن المستفاض، أبو بكر الفريابي، ولد سنة ٢٠٧ هـ كان إمامًا حافظًا متقنًا ثقةً ثبتًا حجةً مأمونًا، أحد أوعية العلم، ومن أهل المعرفة والفهم، من أعيان المذهب المالكي، وتولى القضاء بالدينور، وقد طوّف البلاد شرقًا وغربًا، لقي أعلام المحدثين في كلِّ بلد، من مؤلفاته: كتاب السنن - كتاب كبير - ومناقب مالك، توفي سنة ٣٠١ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (٨/ ١٠٢)، والأنساب للسمعاني (٤/ ٣٧٦)، وترتيب المدارك للقاضي عياض (٦/ ٣٠٠)، وطبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي (٢/ ٤١٢)، وسير أعلام النبلاء (١٤/ ٩٦)، والديباج المذهب لابن فرحون (١/ ٣٢١)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٧٧).\n(^٢) انظر: الجواهر المضية للقرشي (١/ ٢٧٧).\n(^٣) انظر: سير أعلام النبلاء (١١/ ١٧٨).\n(^٤) انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٧/ ٢٣٢).\n(^٥) انظر: المدخل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة للدكتور أحمد حوى (ص/ ٣٩٩).","vol":"3","page":1338},{"text":"يقولُ الشيخُ عبدُ القادر بنُ بدران مبينًا أهميةَ معرفةِ الفقيه بطبقاتِ علماءِ مذهبِه، وحاثًّا مريدَ التفقه على معرفتِها: \"معرفةُ تراجمِ علماءِ مذهبِه، وما لهم مِن المؤلفاتِ، وأنْ يعرفَ طبقاتِهم، وإلا فقد يمرُّ به اسمُ واحدٍ مِن الحنابلةِ فيظنّه حنفيًا، أو مِن الحنفيةِ فيظنّه شافعيًا، أو مِن المتقدمين فيظنه متأخرًا، أو مِنْ أربابِ الأقوالِ والوجوهِ في مذهبِه، فيظنّه مقلِّدًا بحتًا، ومثلُ هذا يقبحُ بالفقيه، وينادي على انحطاطِه عن ذروةِ الكمالِ\" (^١).\nولم تخلُ كثيرٌ مِنْ كتبِ التراجمِ مِن النكاتِ والفرائدِ العلمية (^٢)، ولا سيما إنْ كان مؤلِّفُ الكتاب مِن العلماءِ.\nومما يذكر في هذا المقام: (طبقات الحنابلة) للقاضي ابنِ أبي يعلى الحنبلي (^٣)، و(ترتيب المدارك وتقريب المسالك) للقاضي عياضٍ المالكي، و(طبقات الشافعية الكبرى) لتاجِ الدّينِ بنِ السبكي، و(الجواهر المضبة في طبقات الحنفية) لأبي محمدٍ عبدِ القادر القرشي الحنفي، و(طبقات الشافعية) لابنِ كثيرٍ (^٤)، و(الذيل على طبقات الحنابلة) لابنِ رجبٍ الحنبلي، و(الديباج\n_________\n(^١) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد (ص/ ٤٨٢ - ٤٨٣).\n(^٢) انظر: المعيار المعرب للونشريسي (٢/ ٢٠١).\n(^٣) هو: محمد بن محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفرَّاء، أبو الحسين بن أبي يعلى، ولد في بغداد سنة ٤٥١ هـ كان فقيهًا حنبليًا بارعًا، محدثًا مدرسًا مناظرًا، ثقةً ديِّنًا، حميد السيرة، وقد تولى منصب القضاء والإفتاء، من مؤلفاته: طبقات الحنابلة، والمفردات في أصول الفقه، والتمام لكتاب الروايتين والوجهين، ورؤوس المسائل، والمقنع في النيات، توفي قتيلًا سنة ٥٢٦ هـ. انظر ترجمته في: مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص/ ٧٠٤)، وسير أعلام النبلاء (١٩/ ٦٠٢)، والعبر في تاريخ من غبر للذهبي (٤/ ٧٠)، والوافي بالوفيات للصفدي (١/ ١٥٩)، والذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب (١/ ٣٩١)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٤٩٩)، والمنهج الأحمد للعليمي (٣/ ١٠٦)، والدر المنضد له (١/ ٢٤١).\n(^٤) هو: إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن درع القرشي الدمشقي، أبو الفداء عماد الدين، ولد بقريةٍ من أعمال بصرى سنة ٧٠١ هـ كان إمامًا بارعًا، وفقيهًا متقنًا، ومحدثًا فاضلًا، ومفسرًا نقادًا، ومؤرخًا كبيرًا، من أعيان المذهب الشافعي، وقد تولى إفتاء الناس، ودرّس في عدد من المدارس، وناظر في الفقه والتفسير والنحو، من أحفظ العلماء لمتون الأحاديث، =","vol":"3","page":1339},{"text":"المذهب) للقاضي ابنِ فرحون المالكي، و(الطبقات السنية في تراجم الحنفية) لتقي الدين بن عبد القادر الحنفي.\nوقبلَ الانتقالِ إلى المبحثِ القادمِ أُحِبُّ أنْ أبيّنَ أنَّه يمكن جَعْلُ الدراساتِ المعاصرةِ التي بُنِيَتْ على مذهبٍ فقهي، أو على شخصيةٍ معروفةٍ بالتمذهب - سواء أكانت الدراسة في الفقه أم في أصوله أم في القواعد والضوابط الفقهية - ملحقةً بفنٍّ مِن الفنونِ السابقةِ؛ وذلك لارتباطِ هذه الدراسات بالمذهبِ الفقهي، وخدمتها له.\n* * *\n_________\n= وأعرفهم برجال الإسناد، سارت تصانيفه في البلاد في حياته، وانتفع الناس بها بعد وفاته، منها: تفسير القرآن العظيم، والبداية والنهاية، والفصول في سيرة الرسول - ﷺ -، وطبقات الشافعية، توفي سنة ٧٧٤ هـ. انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ للذهبي (٤/ ١٥٠٨)، والدرر الكامنة لابن حجر (١/ ٣٧٣)، وإنباء الغمر له (١/ ٣٩)، ووجيز الكلام للسخاوي (١/ ١٩٢)، وطبقات المفسرين للداوودي (١/ ١١٠)، وشذرات الذهب لابن العماد (٦/ ٢٣١)، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ ١٦٨).","vol":"3","page":1340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>المبحث الثالث: تجنب الآراء الشاذة</span>\nليس كلّ قولٍ صدَرَ مِنْ أحدِ أهلِ العلمِ يكون قولًا معتبرًا؛ إذ مِن الأقوالِ المنقولةِ عن بعضِهم ما يكون موصوفًا بالشذوذِ.\nولا أقصدُ بالرأي الشاذِّ في هذا المقامِ ما تقدم تقريرُه في مسألةِ: (مصطلحات نقل المذهب)، وإنَّما أعني: القول الذي انفرد به قائلُه، وليس له دليلٌ معتبرٌ، أو القول المخالف للدليلِ (^١).\nإنَّ اهتمامَ العلماءِ والمتمذهبين بمذاهبِهم أضفى على الأقوالِ المذهبيةِ الأصوليةِ منها، والفقهية مزيدًا مِن العنايةِ والتحقيقِ، ولا يعني كلامي آنف الذّكرِ خلوَّ المذاهب المتبوعةِ مِن الأقوالِ الشاذَّةِ، كلا، بلْ لا يكادُ يخلو مذهبٌ مِنْ قولٍ شاذٍّ، وإنَّما أعني أنَّ الأقوالَ الشاذةَ الصادرةَ عن علماءِ هذه المذاهبِ أقلُّ مِن الأقوالِ الشاذةِ المنقولةِ عن بعضِ علماءِ السلف ممَّنْ لم يُكْتَبْ لهَم وجودُ أتباعٍ يسيرون على أقوالِهم ويخدمونها.\nويؤكّد هذا الأمر: عنايةُ أربابِ المذاهبِ بمصطلحاتِ نقلِ مذاهبهم، وفيها مصطلحاتٌ لتضعيفِ القولِ، هذا مِنْ جهةٍ.\nومِنْ جهةٍ أخرى: فإنَّ لمحققي المذاهبِ الفقهيةِ عنايةً بالتنبيهِ على\n_________\n(^١) انظر: المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي، مادة: (شذذ)، (١/ ٤٣٥)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (شذذ)، (ص/ ٢٥٢)، ومنهج البحث في الفقه للدكتور عبد الوهاب أبو سليمان (ص/ ٢٠٣).\nوللتوسع في تعريف القول الشاذ عند الأصوليين انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٥/ ٨٩ - ٨٦)، والكافية في الجدل لإمام الحرمين (ص/ ٥٨)، والبحر المحيط (٤/ ٥١٨)، والقول الشاذ للدكتور أحمد المباركي (ص/ ٧٥).","vol":"3","page":1341},{"text":"الأقوالِ الشاذّةِ الصادرةِ مِنْ بعضِ أتباعِ مذاهبِهم (^١).\nوجُمْلةُ القولِ: إنَّ المتمذهبَ بمذهبٍ فقهي متبوعٍ سيتجنبُ في مُجْمَلِ أحوالِه وأقوالِه الأقوالَ الشاذّةَ التي قام الدليلُ على ردِّها.\nوإذا كان غيرُ المتمذهب بأحدِ المذاهبِ المتبوعةِ قد استقلَّ بنفسِه، وألمَّ بعلومِ الاجتهادِ، فسيكونَ عرضةً لاختيارِ الأقوالِ المهجورةِ والشاذة، وقد يقعُ في مخالفةِ الإجماعِ في بعضِ أقوالِه.\nويرى الناظرُ في أحوالِ بعضِ الخارجين عن المذاهب الفقهيةِ اختياراتٍ في الفقهِ ليس لها مستندٌ وجيةٌ، بلْ وصفها بالشذوذِ ليَس ببعيدٍ، سواءٌ أكانت اختياراتُهم في المسائلِ التي تكلّمَ فيها العلماءُ مِنْ قبلُ، أم كانتْ في المسائلِ النازلةِ (^٢).\nولابنِ وهب المصري كلمةٌ جليلةُ القدرِ تبيّنُ مكانةَ أقوالِ الأئمةِ، يقولُ فيها: \"كلُّ صاحب حديثٍ ليس له إمامٌ في الفقهِ، فهو ضالٌّ! ولولا أنَّ الله أنقذنا بمالكٍ والليثِ لضللنا! \" (^٣).\nوقد بيَّنَ تقيُّ الدين بنُ تيميةَ أنَّ لابنِ حزمٍ - مع سعةِ علمِه وتبحره - أقوالًا منكرةً وشاذةً يعجبُ منها الناظرُ (^٤).\nولعلَّ سببَ وقوعِ ابنِ حزمٍ في مثلِ هذه الأقوال هو سيرُه على أصولِ الظاهريةِ التي لا تخلو مِنْ ضعفٍ.\n_________\n(^١) انظر على سبيل المثال: بداية المجتهد لابن رشد (٢/ ٦١١)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٥/ ٥٨)، و(٧/ ٧٧).\n(^٢) انظر: منهج المدرسة العقلية الحديثة للدكتور فهد الرومي (ص/ ٧٥٢)، والعصرانيون لمحمد الناصر (ص/ ٢٥٧ وما بعدها).\n(^٣) نقل كلمةَ ابن وهب ابنُ أبي زيد القيرواني في: الجامع في السنن والآداب (ص/ ١٥١).\nوانظر: بلوغ السول لمحمد مخلوف (ص/ ١٢٨).\n(^٤) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٤/ ٣٩٦).","vol":"3","page":1342},{"text":"ويقول الحافظ ابنُ رجبٍ: \"ليكن الإنسانُ على حَذَرٍ ممَّا وَقَعَ بعدهم - أي: أئمة السلف - ... وحَدَثَ مَن انتسبَ إلى متابعةٍ السنةِ والحديثِ مِن الظاهريةِ، ونحوِهم، وهو أشدُّ مخالفةً لها؛ لشذوذِه عن الأئمةِ، وانفرادِه عنهم بفهمٍ يفهمه، أو يأخذ ما لم يأخذْ به الأئمةُ مِنْ قبله\" (^١).\nويقولُ الشيخُ محمدٌ العثيمين: \"نَجِدُ أولئك القوم الذين لم يتفقهوا على أيدي العلماءِ، نجد أنَّ عندهم مِن الزَّلاتِ شيئًا كثيرًا؛ لأنَّهم صاروا ينظرون بنظرٍ أقل ممَّا ينبغي أنْ ينظروا فيه، يأخذون مثلًا: (صحيحَ البخاري)، فيذهبون إلى ما فيه مِن الأحاديثِ، مع أنَّ في الأحاديثِ ما هو عامٌّ ومخصصٌ، ومطلقٌ ومقيّدٌ، وشيءٌ منسوخ، لكنَّهم لا يهتدون إلى ذلك، فيحصلُ بهذا ضلالٌ كبيرٌ\" (^٢).\nويقولُ - أيضًا -: \"لا شكَّ أنَّ الإنسانَ ينبغي له أنْ يُرَكّزَ على مذهبٍ معيّنٍ يحفظه، ويحفظ أصولَه وقواعدَه، لكن لا يعني ذلك أنْ نلتزمَ التزامًا بما قاله الإمامُ ... أرى أنَّ الذين أخذوا بالحديثِ، دونَ أنْ يرجعوا إلى ما كتبه العلماءُ في الأحكامِ الشرعيةِ، عندهم شطحاتٌ كبيرةٌ! وإنْ كانوا أقوياءَ في الحديثِ وفي فهمِه؛ لأنَّهم بعيدون عمَّا يتكلمُ به الفقهاءُ، فتَجِدُ عندهم مِن المسائلِ الغريبةِ ما تكادُ تجزمُ بأنَّها مخالفةٌ للإجماعِ، أو يغلبُ على ظنِّك أنَّها مخالفةٌ للإجماعِ\" (^٣).\nوسأذكرُ بعضَ الأمثلةِ للأقوالِ الشاذةِ التي يكادُ ينعقدُ الإجماعُ على خلافِها:\nالمثال الأول: القولُ بعدمِ اشتراطِ الطهارةِ في صلاةِ الجنازةِ.\nذَهَبَ الشعبيُّ إلى عدمِ اشتراطِ الطهارةِ في صلاةِ الجنازةِ (^٤).\nوهذا القولُ قولٌ شاذٌّ. يقول ابنُ عبد البر عن اشتراطِ الطهارةِ لصلاةِ\n_________\n(^١) بيان فضل علم السلف (ص/١٦٩).\n(^٢) كتاب العلم (ص/ ٤٩ - ٥٠).\n(^٣) المصدر السابق (ص/ ١١٤).\n(^٤) انظر: بداية المجتهد لابن رشد (١/ ٨٤).","vol":"3","page":1343},{"text":"الجنازةِ: \"وهو إجماعُ العلماءِ والسلفِ والخَلَفِ، إلا الشعبي، فإنَّه أجازَ الصلاةَ عليها على غيرِ وضوءٍ، فشذَّ عن الجميعِ، ولم يقلْ بقولِه أحدٌ مِنْ أئمةِ الفتوى بالأمصارِ، ولا مِنْ حملةِ الآثارِ\" (^١).\nالمثال الثاني: القولُ بجوازِ إمامةِ المرأةِ للرجالِ في صلاةِ الفرضِ والنفلِ.\nذَهَبَ بعضُ أهل العلمِ إلى القولِ بجوازِ إمامةِ المرأةِ للرجالِ في صلواتِهم، وممَّنْ نُسِبَ إليه هذا القول: أبو ثورٍ (^٢)، وابنُ جريرٍ الطبري (^٣).\nيقول ابنُ رشدٍ: \"شذَّ أبو ثورٍ والطبريُّ، فأجازا إمامتها على الإطلاقِ\" (^٤).\nالمثال الثالث: القولُ بعدمِ وجوبِ زكاةِ الفطرِ على أهلِ العمودِ مِن الباديةِ.\nذهَبَ بعضُ أهلِ العلمِ إلى عدمِ وجوبِ زكاةِ الفطرِ على البدوِ، وممَّنْ قال بهذا القول: الليثُ بنُ سعدٍ (^٥)، وعطاءُ بنُ أبي رباح (^٦).\nيقولُ أبو الحسن الماوردي عن القائلين بهذا القولِ: \"شذّوا بهذا عن الإجماعِ، وخالفوا النصوصَ الصحيحةَ العامة ... \" (^٧).\nويقولُ ابنُ رشدٍ: \"أجمعوا على أنَّ المسلمين مخاطبون بها - أي: بزكاةِ الفطرِ - ... إلا ما شذَّ فيه الليثُ، فقال: ليس على أهلِ العمودِ زكاةُ الفطر\" (^٨).\n_________\n(^١) الاستذكار (٨/ ٢٨٣).\n(^٢) انظر: المغني لابن قدامة (٣/ ٣٣).\n(^٣) انظر: المجموع شرح المهذب للنووي (٤/ ١٥١).\n(^٤) بداية المجتهد (١/ ٢٨٠).\n(^٥) انظر: الاستذكار (٨/ ٥٧٦) ضمن موسوعة شروح الموطأ، وشرح النووي على صحيح مسلم (٧/ ٥٩).\n(^٦) انظر: المغني لابن قدامة (٤/ ٢٨٩)، وشرح النووي على صحيح مسلم (٧/ ٥٩).\n(^٧) نقل كلامَ الماوردي النوويُّ في: المجموع شرح المهذب (٦/ ١١٠).\n(^٨) بداية المجتهد (٢/ ٥٤٨).","vol":"3","page":1344},{"text":"المثال الرابع: القولُ بجوازِ الوضوءِ بماءِ العطور الحديثة (الكولونيا).\nذَهَبَ الأستاذُ محمد عبده (^١) إلى القولِ بأنَّ ماءِ الكولونيا أحسنُ شيءٍ للوضوءِ؛ لأنَّه يمنعُ آثارَ المرضِ (^٢).\nولا يخفى أنَّ القولَ بجوازِ الوضوءِ بماء الكولونيا قولٌ غريبٌ، فكيفَ بالقولِ بأنَّ الوضوءَ به أحسن شيءٍ؟ !\nالمثال الخامس: القولُ بتأخيرِ أداءِ صلاةِ الجمعةِ للمقيمين في الدولِ الغربيةِ إلى يوم الأحدِ.\nاقترحَ بعضُ المقيمين في البلادِ الغربية تأخيرَ أداءِ صلاةِ الجمعةِ إلى يوم الأحد؛ لأنَّه يومُ عطلةٍ وإجازةٍ، وفي تأخيرِ الصلاة إليه تشجيعٌ للمسلمين على الحضور (^٣).\nوهذا قولٌ غريبٌ، لم يقلْ به أحدٌ مِن العلماءِ المعتبرين (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) هو: محمد بن عبده بن حسن بن خير الله، ولد بمصر سنة ١٢٦٦ هـ طلب العلم في الأزهر، وعين مدرسًا للتاريخ في دار العلوم، كان من المتأثرين بدعوة جمال الدين الأفغاني ومنهجه، واشتغل بالشأن السياسي بمصر، وله مشاركة في الكتابة الصحفية، ومن دعواته الدعوة إلى التقريب بين الأديان، من مؤلفاته: رسالة في وحدة الوجود، وتاريخ إسماعيل باشا، وشرح نهج البلاغة، وفلسفة الاجتماع والتاريخ، توفي سنة ١٣٢٣ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ الأستاذ الإمام لرشيد رضا (١/ ١٦)، والفكر السامي لمحمد الحجوي (٤/ ٢٠٠)، والأعلام الشرقية لزكي مجاهد (٢/ ٥١٢)، والأعلام للزركلي (٦/ ٢٥٢)، والمعاصرون لمحمد كرد علي (ص/ ٣٤٣)، وحاضر العالم الإسلامي (١/ ٢٨٣)، ومنهج المدرسة العقلية الحديثة للدكتور فهد الرومي (ص/ ١٢٤).\n(^٢) انظر: تاريخ الأستاذ الإمام لرشيد رضا (١/ ٩٤٤).\n(^٣) انظر: المناسبة الشرعية وتطبيقاتها المعاصرة للدكتور نور الدين الخادمي (ص/ ٣٣٨).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (ص/ ٣٣٩). وللاطلاع على مزيد من الأمثلة انظر: القول الشاذ للدكتور أحمد المباركي (ص/ ١٠٥ وما بعدها).","vol":"3","page":1345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>المبحث الرابع: الإلمام الشمولي بالمسائل الفقهية، والأصولية</span>\nلقد خَدَمَ المتمذهبون مذاهبَهم بالتأليفِ في أصولِها وفروعِها، وتفنَّنوا في هذا الجانبِ أيّما تفننٍ، فجعلوا مؤلّفاتهم مرتبةً على كتبٍ مترابطةٍ، ثمَّ جعلوا تحتَ الكتبِ أبوابًا مترابطةً، بحيثُ يخدمُ الآخرُ منها الأولَ (^١)، فحَصَلَ بهذا تنظيمٌ للمذهب وتقريبٌ له في أصولِه وفروعِه (^٢)، وتوضيحٌ لما قد يكون مجملًا أو غامضًا فيه، وتقييدٌ لأحكامِه، ودعمٌ لها بالأدلةِ (^٣).\nولم تقتصرْ جهودُ المتمذهبين على هذا الأمرِ، بلْ بيّنوا قواعدَ مذهبِهم وضوابطَه الفقهية - إمَّا في مؤلّفاتٍ مستقلةٍ، وإمَّا فيما بثّوه في مدوَّناتهم الفقهية (^٤) - وذكروا التقسيماتِ الحاصرةَ للمسائلِ، بحيثُ يتمكنُ المتمذهبُ مِن الضبطِ لأبوابِ الفقهِ والإلمامِ الشمولي بها (^٥).\nيقولُ ابنُ القيّمِ حاكيًا ضبطَ المتمذهبين لمذاهبِهم: \"أربابُ المذاهبِ يضبطون مذاهبَهم، ويحصرونها بجوامع تحيطُ بما يحلُّ، ويَحْرمُ عندهم\" (^٦).\n_________\n(^١) للاطلاع على ترتيب المذاهب الفقهية الأربعة للموضوعات الفقهية، والمناسبة بينها، انظر: ترتيب الموضوعات الفقهية للدكتور عبد الوهاب أبو سليمان (ص/ ١٥ - ٨٣).\n(^٢) انظر: المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢١١)، والمذهب الحنبلي للدكتور عبد الله التركي (١/ ٢٢٠).\n(^٣) انظر: المدخل في الفقه الإسلامي للدكتور محمد شلبي (ص/ ١٤٠)، ودراسة تحليلية مؤصلة لتخريج الفروع على الأصول لجبريل ميغا (ص/ ٧٢).\n(^٤) انظر: ابن عابدين وأثره في الفقه للدكتور محمد الفرفور (٢/ ٨٨٧ - ٨٩١)، والمدرسة الفقهية المالكية بالعراق للدكتور عبد المنعم التمسماني، بحوث الملتقى الأول: القاضي عبد الوهاب المالكي (١/ ٥٦٨ وما بعدها).\n(^٥) انظر: الطريقة المثلى في تحصيل العلم لصالح آل الشيخ (ص/٤٧).\n(^٦) أعلام الموقعين (٣/ ٩١ - ٩٢).","vol":"3","page":1346},{"text":"ومِنْ جهةٍ أخرى: فإنَّ عنايةَ أربابِ المذاهبِ ببيانِ المسائلِ الفروعيةِ، وبيانِ أحكامها على اختلافِ الأحوالَ والهيئاتِ، عناية منقطعة النظيرِ، يصعبُ وجودُها في غيرِ الكتبِ المذهبيةِ (^١)، ففي دراسةِ الفقهِ وأصولِه على غيرِ الكتبِ المذهبية صعوبةٌ بالغةٌ (^٢).\nوغيرُ خافٍ على ذي لبٍّ أنَّ دراسةَ الفقهِ منظّمًا مرتّبًا أيسرُ مِنْ دراستِه دون ترتيبٍ وتنظيمٍ.\nيقولُ القاضي عياضٌ: \"وكذلك يَلْزَمُ هذا - أي: التمذهب بمذهب إمامٍ - طالب العلمِ في بدايةِ درسِ ما أصّله الأعلمُ مِنْ هؤلاءِ - أي: المجتهدين - وفرّعه، وحفظِه ما ألّفه وجَمَعَه، والاهتداء بنَظَرِه في ذلك، والميل حيثُ مالَ معه\" (^٣).\nثمَّ بيَّن مَغَبَّةَ الرغبةِ في التوسّعِ في الأقوالِ وأدلتِها في بدءِ طلبِ العلمِ، فقالَ: \"إذ لو ابتدأَ الطالبُ في كلِّ مسألةٍ الوقوفَ على الحقِّ منها بطريقِ الاجتهادِ، عَسُرَ عليه ذلك؛ إذ لا يتفقُ جمعُ خصالِه وتناهي كمالِه، وإذا كان بهذه السبيلِ استغنى عن تقليدِ أربابِ المذاهبِ، وكان مِنْ المجتهدين\" (^٤).\nويقولُ شهابُ الدَّين القرافي: \"أنتَ تعلمُ أنَّ الفقهَ وإنْ جَلَّ، إذا كان مفترقًا تبددتْ حكمتُه، وقلَّتْ طلاوتُه، وبَعُدَتْ عند النفوسِ طِلْبَتُه.\nوإذا رُتِّبَت الأحكامُ - مخرّجةً على قواعدِ الشرع، مبنيّةً على مآخذِها - نَهَضَت الهممُ حينئذٍ لاقتباسِها، وأُعْجِبَتْ غايةَ الإعجابِ بتقمّصِ لباسِها\" (^٥).\nويقولُ ابنُ فوحون: \"فحقٌّ على طالبِ العلمِ، ومريدِ تعرُّفِ الصوابِ\n_________\n(^١) انظر: بلوغ السول لمحمد مخلوف (ص/ ١٢٩).\n(^٢) انظر: الإنصاف في بيان سبب الخلاف للدهلوي (ص/ ٢٩).\n(^٣) ترتيب المدارك (١/ ٦٣).\n(^٤) المصدر السابق.\n(^٥) الذخيرة (١/ ٣٦).","vol":"3","page":1347},{"text":"والحقِّ، أنْ يعرفَ أولاهم - أي: أولى المذاهب - بالتقليدِ؛ ليعتمدَ على مذهبِه، ويسلكَ في التفقّه سبيلَه\" (^١).\nوكذلك الأمرُ بالنسبةِ إلى أصولِ الفقهِ، فقد جعلوا الحديثَ عن مسائلِه مترابطًا، بحيثُ إذا أنهى الطالبُ كتابًا في أصولِ فقهِ مذهبهِ حَصَلَ له إلمامٌ ومعرفةٌ بمسائلِ هذا العلمِ.\nويتأكّدُ هذا الأمرُ إذا عَرَفْنا حرصَ علماءِ المذهبِ على تنويعِ الكتابةِ في علمي: الفقه وأصوله؛ ليتمكنَ الطالبُ مِن التّرقي في دراستِهما، بدءًا بالكتبِ المختصرةِ، وانتهاءً بالكتبِ المبسوطةِ التي تُعْنَى بذكرِ الأقوالِ والتوسعِ في الاستدلالِ (^٢)، إضافةً إلى خدمةِ المعتنين بعلمِ الحديثِ بالتصنيفِ في أدلةِ مذهبِهم.\nيقولُ أبو شامةَ المقدسي: \"كان العلماءُ مِنْ قدماءِ أصحابِنا يعتنون بمختصرِ المزني - ﵀ - حفظًا وشرحًا، وبسببِه سهلَ تحصيلُ مذهبِ الشافعي - ﵀ - على طلابِه في ذلك الزمان ... وانتفعَ به أئمةٌ أكابر، وتخرَّجَ به المشايخُ، وتفقّه به معظمُ الأصحابِ\" (^٣).\nولشمسِ الدين الذهبي نصيحةٌ وجهها لمنْ يريدُ التفقهَ، يقول فيها: \"شأنُ الطالبِ أنْ يدرسَ مصنَّفًا في الفقهِ، فإذا حَفِظَه بَحَثَه، وطالعَ الشروحَ.\nفإنْ كانَ ذكيًّا، فقيهَ النفسِ، ورأى حُجَجَ الأئمةِ، فليراقب الله، وليحتطْ لدينِه\" (^٤).\nفدراسةُ الفقهِ وأصولِه عبرَ مذهبٍ مِن المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعةِ\n_________\n(^١) الديباج المذهب (١/ ٦٣).\n(^٢) انظر: (ص/ ١٢٧٤)، وخطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول لأبي شامة (ص/ ١٣٨)، ومقدمة المعتني بكتاب الفكر السامي لمحمد الحجوي (١/ ٤)، والطريق إلى الفقه للدكتور حمد الشتوي (ص/ ٣٥).\n(^٣) خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول (ص/ ١٣٧).\n(^٤) سير أعلام النبلاء (٨/ ٩٠).","vol":"3","page":1348},{"text":"يُحَقّق للدارسِ الوقوفَ والنظرَ على جمهرةِ المسائلِ الفقهيةِ والأصوليةِ، مع تحقيقها؛ إذ هذه المذاهب قد خُدِمتْ مِنْ قِبَلِ عددٍ مِن العلماءِ، فأصّلوا الأصولَ، وقعّدوا القواعدَ، وخرّجوا عليها المسائلَ (^١)، وبيّنوا الأدلةَ والعللَ، ووضعوا لبناتِ المدرسةِ المذهبيةِ المتكاملة (^٢)، بحيثُ يتمكّن الطالبُ مِنْ تحقيقِ اللبنةِ الأُوْلى باستيعاب الفقهِ وأصولِه، وبالإلمامِ بمسائلِهما (^٣)، والتأسيسِ على الوجهِ الصحيحَ، إضافةً إلى تعويدِ الدارسِ في المذهب على الدّقةِ في فهمِ اصطلاحاتِ الفقهاءِ والأصوليين وألفاظِهم (^٤).\nونظرًا لإمكانِ دراسةِ علمِ الفقهِ - على وجهِ الخصوصِ - بطُرُقٍ عدّة غير التفقه المذهبي، فأمامَ الطالب في هذه الحالِ عددٌ مِن الطرقِ، أهمّها طريقان:\nالطريق الأول: دراسةُ الفقهِ عن طريقِ التفقه على كتبِ شروحِ الحديثِ (^٥).\nالطريق الثاني: دراسةُ الفقهِ عن طريقِ التفقهِ على كتبِ الفقهِ للمستقلين عن المذاهب الفقهية (^٦).\nالطريق الأول: دراسةُ الفقهِ عن طريقِ التفقه على كتبِ شروحِ الحديثِ.\nإذا سَلَكَ الطالبُ في دراسةِ الفقهِ التفقه على كتب شروحِ الحديثِ - كشروحِ الكتبِ الستةِ وشروحِ أحاديثِ الأحكامِ - فإنَّ هذا الطريقَ، وإن استفاد سالكُه كثيرًا مِن الفوائد المتناثرةِ، ليس بطريقٍ للتأسيسِ في الفقهِ؛\n_________\n(^١) انظر: دراسة تحليلية مؤصلة لتخريج الفروع على الأصول لجبريل ميغا (ص/ ٧٢).\n(^٢) انظر: مقدمة المعتني بكتاب الفكر السامي للحجوي (١/ ٤).\n(^٣) انظر: مقدمة تحقيق تسهيل المسالك للأحسائي (١/ ١١٢).\n(^٤) انظر: مقدمة المعتني بكتاب الفكر السامي للحجوي (١/ ٨).\n(^٥) انظر: الطريق إلى الفقه للدكتور حمد الشتوي (ص/ ٣٨).\n(^٦) انظر: المصدر السابق (ص/ ٣٦).","vol":"3","page":1349},{"text":"لأنَّه لا يَحْصُل مع دراسةِ الفقهِ عن هذا الطريقِ حصرُ المسائلِ، وتقييدُ أحوالِها، وما يتصل بها من تقسيمات، ونحو ذلك (^١).\nومِنْ جهةٍ أخرى: فإنَّ كثيرًا مِنْ شراحِ كتب الحديثِ قد أخذوا الأحكامَ المبثوثةَ في شروحِهم مِنْ مذاهبِهم الفقهية (^٢).\nوأيضًا: فإنَّ المتّبعَ لهذا الطريقِ سيفوته كثيرٌ مِن المسائل التي لم يذكرْها شراحُ الحديثِ، إمَّا لعدمِ مناسبةِ ذكرِها، وإمَّا طلبًا للاختصارِ.\nيقولُ الشيخ محمدٌ مخلوف: \"إنْ قال قائل: أَمَا نكتفي بكتبِ الحديثِ وشروحِها، وقد تضمنتْ فروعَ الفقهِ؟ فما الحاجةُ إلى كتبِ الفروعِ؟\nقلنا له: ذلك حَسَنٌ، لو أنَّ كتبَ الحديثِ وشروحه متضمّنةٌ لفروعِ الفقهِ على وجهٍ فيه الكفايةُ، وليس كذلك؛ إذ أهلُ الحديثِ لم يُعْنَوا في بيانِ أحاديثِ الأحكامِ بما عُنِيَ به الفقهاءُ مِنْ بذلِ مجهودِهم في شرحِ تلك الأحاديثِ بالنظرِ الأصولي في المآخذِ الشرعيةِ - كتابًا وسنةً - نَظَرًا جاريًا على ما تقتضيه قوانينُ الاجتهادِ ... ولو أنَّ شارحًا مْنِ شُرّاحِ الحديثِ نَظَرَ في متنِه حَسبَ ما تقتضيه علومُ اللغةِ العربيةِ، وأَخَذَ منه حُكمًا شرعيًا، ولم يكن مِن المجتهدين: لا يُعوَّل على أَخْذِه، إلا إذا رَجَعَ إلى كتب الفقهِ؛ ليَعْلَمَ منها ما في هذا الحديثِ مِن الموافقةِ أو المخالفةِ لقواعد الشرَيعةِ\" (^٣).\nالطريق الثاني: دراسةُ الفقهِ عن طريقِ التفقه على كتبِ الفقهِ للمستقلين عن المذاهب الفقهية.\nقد يرغبُ بعضُ الطلاب بدراسةِ الفقه متحررًا مِنْ قيودِ المذاهبِ الفقهيةِ، فيقعُ اختيارُهم على مؤلفاتِ بعضِ العلماء الذين استقلوا عن المذاهبِ المتبوعةِ، فلم ينتسبوا إلى واحدٍ منها.\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (ص/ ٣٨).\n(^٢) انظر: المصدر السابق.\n(^٣) بلوغ السول (ص/ ١٢٩ - ١٣٠).","vol":"3","page":1350},{"text":"ومِنْ أمثلةِ هذا الطريقِ: كتابُ (الدرر البهية في المسائل الفقهية) للإمامِ محمد الشوكاني.\nوحقيقةُ هذا الطريقِ لا تختلفُ عن حقيقةِ التفقه على أحدِ المذاهبِ الأربعة، لكنْ يُرَجِّحُ التفقه عن طريقِ المذاهبِ الفقيهة المتبوعة على هذا الطريقِ أمورٌ، منها:\nالأمر الأول: أنَّ كتبَ المذاهب المتبوعةِ مخدومة خدمةً متكاملةً، مِنْ حيثُ شروحُها، ولغتُها، وأدلتُها، والإجابةُ عما يَرِدُ عليها مِنْ إشكالاتٍ (^١)، وغير ذلك، والكتب المقصودة لأهلِ الطريقِ الثاني: (دراسةُ الفقهِ عن طريقِ التفقه على كتبِ الفقهِ للمستقلين عن المذاهبِ الفقهية) تفتقد هذه الخدمة (^٢).\nالأمر الثاني: وُجِد مَنْ يجيدُ تدريس كتبِ المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعة على أتمِّ وجهٍ، أمَّا كتب الطريق الثاني: (دراسةُ الفقهِ عن طريقِ التفقه على كتبِ الفقهِ للمستقلين عن المذاهبِ الفقهية)، فإنَّها تفتقدُ المدرسين لكتبها، ممَّنْ يتقنُ شرحَها، وفكَّ عبارتِها، وحل مشكلاتِها على الوجهِ الصحيحِ (^٣).\nالأمر الثالث: أنَّ كتبَ المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعةِ يُعْلَم مرادُ مؤلفيها على وجه الدّقةِ، بخلافِ كتب الطريق الثاني: (دراسة الفقهِ عن طريقِ التفقه على كتبِ الفقهِ للمستقلين عَن المذاهبِ الفقهية)، فإنَّ مرادَ مؤلفيها قد لا يُعلم على وجهِ الدّقةِ في عددٍ ليس بالقليلِ مِن المسائل (^٤).\n_________\n(^١) للاطلاع على مثال لعناية العلماء بالإجابة عن الإشكالات الواردة في مذهبهم، انظر: قضاء الأرب في أسئلة حلب لتقي الدين السبكي (ص/ ٢٣٦ وما بعدها، ٢٥٢، ٣٩١).\n(^٢) انظر: الطريق إلى الفقه للدكتور حمد الشتوي (ص/ ٣٧).\n(^٣) انظر: المصدر السابق.\n(^٤) انظر: المصدر السابق. وذكر محقق كتاب: الدرر البهية في المسائل الفقهية للشوكاني (ص/ ٢٧) أنَّ من الانتقادات الموجه إلى الكتاب إجمال الشوكاني الحكم في بعض المسائل الخلافية، وعدم الجزم بحكم بيّنٍ، كقوله: \"وله ... \"، \"وعليه ... \"، \"ويشرع ... \"، بحيث لا تُعلم درجة الحكم على وجه اليقين.","vol":"3","page":1351},{"text":"الأمر الرابع: أنَّ سلوكَ العلمِ عن طريقِ المذاهب الفقهيةِ المتبوعةِ هو طريقةُ أهلِ العلمِ في الجملة (^١)، وهذه شهادةُ صدقٍ علَى صحةِ الطريقِ لمنْ أحسنَ سلوكَه، بخلافِ كتب الطريق الثاني: (دراسة الفقهِ عن طريقِ التفقه على كتبِ الفقهِ للمستقلينَ عن المذاهبِ الفقهية)، فلم يتخرّجْ فيها مَنْ يضاهي أربابَ المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعةِ.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (١/ ٦٣).","vol":"3","page":1352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>المبحث الخامس: دعم سبيل الارتقاء إلى مقام الاجتهاد</span>\nليسَ وصولُ المرءِ إلى درجةِ الاجتهادِ المطلقِ في الشريعةِ أمرًا ميسورًا، وإذا أرادَ أحدٌ الوصولَ إلى هذه المرتبة، فلا بُدَّ له مِنْ سلوكِ طريقٍ يوصله إليها، ويُحَبّذُ له سلوك أقصرِ الطرق، وأيسرها.\nولا يصادمُ التمذهبُ الوصولَ إلى درجةِ الاجتهادِ في الشريعةِ، بلْ بإمكانِ المتمذهبِ إذا كان ذا أهليةٍ وتهيُؤ، وجعلَ مِنْ تمذهبِه درجةً يَعْبُر بها إلى ما فوقها، أنْ يكونَ مِن المجتهدين في الشريعةِ.\nوقد يصلُ المتمذهبُ إلى درجةِ الاجتهادِ المطلقِ، وقد لا يوصف به، لكن يتحققُ له الاجتهادُ الجزئيُّ في عددٍ مِن المسائل.\nولا يَسَعُ المتمذهبُ الذي تحقق له الاجتهادُ الجزئي، فَأَنِسَ مِنْ نفسِه فقهًا، وسَعَة في العلمِ، ومعرفةً بالأصولِ: أنْ يلتزمَ مذهبَ إمامِه في كلِّ أقوالِه؛ لأنَّه قد يترجحُ عنده بالدليلِ مذهبٌ آخر، فعليه العملُ حينئذٍ بما ترجّحَ عنده (^١).\nوإذا أجلنا النظرَ في عددٍ مِن العلماءِ المحققين الذين قيل عنهم: إنَّهم بلغوا رتبةَ الاجتهادِ في الشريعة، وجدنا أنَّ غالبَهم قد تخرّجوا في مذاهب فقهيةٍ، وتَرَقَّوا فيها إلى أنْ بلغوا رتبةَ الاجتهادِ في الشريعةِ.\nوهذا الأمرُ يدلُّ على أنَّ الترقيَ في دراسةِ الفقهِ وأصولِه عن طريق التمذهبِ، مع العنايةِ بالدليلِ والتعليلِ: مِنْ شَأنِ العلماءِ والمحققين منذ\n_________\n(^١) انظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ٩٣ - ٩٤).","vol":"3","page":1353},{"text":"تدوين المذاهبِ واستقرارِها (^١)؛ إذ كان سبيلُ وصولِ كثيرٍ منهم إلى درجةِ الاجتهادِ في الشريعةِ هو الترقي في سُلّمِ المذهبِ (^٢).\nويمكنُ القولُ: إنَّه إذا سارَ المتمذهبُ في مذهبِه متدرجًا مترقيًا فيه، متعلّمًا منه (^٣)، مع اهتمامِه وعنايتِه ببقيةِ أوصافِ الاجتهادِ وشروطِه: كالعلمِ بالعربيةِ ونحوها، وكان مع ذلك مهتمًا بتحقيقِ المسائلِ بأقوالِها وأدلتِها، مع عنايته بالأصولِ، والسيرِ عليها، وكانت لديه قريحةٌ جيدةٌ، وعلوٌّ في الهمةِ: فالغالبُ وصولُه إلى مرتبةِ المجتهدين والتحاقُه بهم (^٤).\nيقولُ القاضي عياض بعدما حثَّ الطالبَ على سلوكِ المذهب في طلب العلمِ: \"فسبيلُه أنْ يُقلِّد مَنْ يُعَرِّفه أنَّ هذا هو الحقّ، حتى إذا أَدْرَكَ مِن العلَمِ ما قُيّض له، وحَصَلَ منه ما قَسَمَ اللهُ له، وأفلح، وكان فيه محلٌّ للنظرِ والاجتهادِ: انتقل إلى ذلك - أي: إلى درجة المجتهدين - وأدركه\" (^٥).\nويقولُ أكملُ الدين البابرتي: \"إنَّما يحصلُ منصبُ الاجتهادِ بممارسةِ تفاريعِ (^٦) في زمانِنا، ولم يكنْ ذلك طريقًا في زمنِ الصحابةِ\" (^٧).\nويقولُ ابنُ مَلَك (^٨) في الموضوعِ ذاتِه: \"منصبُ الاجتهادِ في زمانِنا إنَّما\n_________\n(^١) انظر: مراعاة الخلاف لعبد الرحمن السنوسي (ص/ ١١٥).\n(^٢) انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (١/ ٦٣)، ورسائل الإصلاح لمحمد الخضر حسين (٢/ ١١٥).\n(^٣) انظر: المعيار المعرب للونشريسي (٦/ ٣٥٣).\n(^٤) انظر: المجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٣٩)، والاجتهاد ومدى حاجتنا إليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ٥٤٤).\n(^٥) ترتيب المدارك (١/ ٦٣).\n(^٦) يظهر أنَّ في الكلام كلمةً ساقطة، ولعل الصواب: \"تفاريع الفقه\".\n(^٧) التقرير لأصول فخر الإسلام البزدوي (٦/ ٢٦٣).\n(^٨) هو: عبد اللطيف بن عبد العزيز بن أمين الدين بن فرشتا، الملقب بعز الدين، المعروف بابن ملك - المشهور بابن فرشتا أي: ابن الملك - كان فقيهًا حنفيا، وأصوليًّا متمكنًا، وعالمًا فاضلًا، مبرزًا في حلِّ عويصات العلوم، متصوفًا محبوبًا عند العامة والخاصة، من مؤلفاته: مبارق الأنوار شرح مشارق الأنوار، وشرح المنار، ورسالة في علم التصوف، وشرح مجمع =","vol":"3","page":1354},{"text":"يحصلُ بممارستِه - أي: الفقه - الآن، فهو طريقٌ إليه\" (^١)، أيْ: إلى الاجتهادِ.\nويظهرُ أنَّ مرادَهما بالفقهِ والتفاريعِ الفقهُ المذهبيُّ مع معرفةِ الخلافِ بين الأئمةِ، وأدلةِ أقوالِهم.\nويقولُ شاه ولي الله الدهلوي عن حالِ المشتغل بالفقهِ الذي يريدُ معرفةَ أحكامِ المسائلِ مِنْ أدلتِها: \"هذا أمرٌ جليلٌ، لا يتمّ له إلا بإمامِ يتأسى به، قد كُفِيَ معرفةَ فرشِ (^٢) المسائلِ، وإيرادِ الدلائلِ في كلِّ باب بابٍ، فيستعين به في ذلك، ثمَّ يستقلّ بالنقدِ والترجيح، ولولا هذا الإمامُ صَعُبَ عليه، ولا معنى لارتكابِ أمرٍ صعبٍ مع إمكانِ الأمرِ السهلِ\" (^٣).\nويقولُ الشيخُ محمد العثيمين: \"العلماءُ المحققون، كشيخِ الإسلامِ ابنِ تيمية وغيرِه هم مِنْ هذا النوعِ - أي: دَرَسَ مذهبًا، وانتفع بقواعدِه وضوابطِه، مع ردِّه إلى الكتاب والسنةِ - هم محققون، ولهم مذهبٌ معيَّنٌ، ولكنَّهم لا يخالفون الدليلَ إذا تبيّنَ لهم\" (^٤).\nوليس مِنْ لازمِ التمذهبِ الوصولُ إلى درجةِ الاجتهادِ المطلقِ في الشريعةِ، بلْ لا يبعد القولُ: إنَّ كثيرًا مِن المتمذهبين في عقودٍ خلتْ لم يخطرْ بِبَالِ أحدِهم الوصولُ إلى درجةِ الاجتهادِ، فضلًا عن بلوغِ درجتِه.\nيقولُ الحافظ ابنُ عبد البر: \"مَن اقتصرَ على علمِ إمامٍ واحدٍ، وحَفِظَ ما كان عنده مِن السننِ، ووَقَفَ على غرضِه ومقصِده في الفتوى: حَصَلَ على\n_________\n= البحرين، توفي سنة ٨٨٥ هـ تقريبًا، وقيل: ٨٠١ هـ ورجحه الزركلي. انظر ترجمته في: الضوء اللامع للسخاوي (٤/ ٣٢٩)، وشذرات الذهب لابن العماد (٩/ ٥١٢)، والفوائد البهية للكنوي (ص / ١٣٨)، والفتح المبين للمراغي (٣/ ٥٠)، والأعلام للزركلي (٤/ ٥٩).\n(^١) شرح ابن ملك على المنار (ص/ ٨٢٤).\n(^٢) الفَرْش: البسط. انظر: القاموس المحيط، مادة: (فرش)، (ص/ ٧٧٥).\n(^٣) الإنصاف في بيان سبب الخلاف (ص/٢٩).\n(^٤) العلم (ص/١٥٨).","vol":"3","page":1355},{"text":"نصيبٍ من العلمِ وافر، وحظٍّ منه حسن صالح، فمَنْ قَنعَ بهذا اكتفى، والكفايةُ غيرُ الغنى\" (^١).\nوبإمكاننا أنْ نعرفَ بلوغَ العالمِ درجة الاجتهاد المطلق في الشريعةِ بأحدِ طريقين:\nالطريق الأول: إخبارُ العالم عن نفسِه، إنْ كان عدلًا أنَّه بَلَغَ درجةَ الاجتهادِ (^٢).\nالطريق الثاني: أنْ يصفَ أحدُ العلماءِ المعتبرين العالمَ بالاجتهادِ في الشريعةِ.\nوسأورِدُ أمثلةً لبعضِ العلماء الذين بلغوا درجة الاجتهاد في الشريعة (^٣):\nممَّن بَلَغَ درجةَ الاجتهاد: القاضي عبدُ الوهاب المالكي (^٤)، والقاضي أبو يعلى (^٥)، وأبو نصرٍ الصباغ الشافعي (^٦)،\n_________\n(^١) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١١٣٤).\n(^٢) انظر: تيسير الاجتهاد للسيوطي (ص/ ٤٣).\n(^٣) قد ينازع منازعٌ في بلوغ أحد هؤلاء الأعلام درجة الاجتهاد، وليس المقام مناسبًا لتحقيق القول في كلِّ واحدٍ منهم، بل المقام تمثيل فحسب، وكلُّ مَنْ ذكرتهم قد نصَّ على اجتهاده أحدُ العلماء.\n(^٤) انظر: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٥/ ١٢٣)، والرد على من أخلد إلى الأرض للسيوطي (ص/١٩٤).\n(^٥) انظر: المصدرين السابقين.\n(^٦) انظر: المصدرين السابقين. وأبو نصر الصباغ هو: عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن محمد بن أحمد البغدادي، أبو نصر المعروف بابن الصباغ، ولد سنة ٤٠٠ هـ كان شافعي المذهب، علامةً محققًا بارعًا في الأصول والفقه، ثبتًا حجة دينًا تقيًا صالحًا، انتهت إليه رئاسة المذهب الشافعي، وقد درَّس بالمدرسة النظامية مدةً، من مؤلفاته: العدة في الأصول، والكامل في الخلاف، وكفاية السائل، والشامل، توفي سنة ٤٧٧ هـ. انظر ترجمته في: تهذيب الأسماء واللغات للنووي (٢/ ٢٩٩)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٢١٧)، وسير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٦٤)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٥/ ١٢٢)، وطبقات الشافعية للإسنوي (٢/ ١٣٠).","vol":"3","page":1356},{"text":"والحسينُ البغوي (^١)، وأبو عبد الله المازري (^٢)، وأبو بكرٍ بن العربي (^٣)، وأبو القاسم الرافعي (^٤)، والعزُّ بن عبد السلام (^٥)، وأبو شامةَ المقدسي (^٦)، ومحيي الدين النووي (^٧)، وابنُ دقيقِ العيد (^٨)، وتقيُّ الدين بنُ تيمية (^٩)، وتقيُّ الدين السبكي (^١٠)،\n_________\n(^١) انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي (٤/ ١٢٥٧)، والرد على من أخلد إلى الأرض للسيوطي (ص/ ١٩٣).\n(^٢) انظر: الغنية للقاضي عياض (ص/ ٦٥)، والوافي بالوفيات للصفدي (٣/ ١٥١)، والرد على من أخلد إلى الأرض للسيوطي (ص/ ١٩٥)، ومواهب الجليل للحطاب (٦/ ٨٩).\n(^٣) انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي (٤/ ١٢٩٦)، والرد على من أخلد إلى الأرض للسيوطي (ص/ ١٩٥).\n(^٤) انظر: تيسير الاجتهاد للسيوطي (ص/ ٥٤).\n(^٥) انظر: العبر في خبر من غبر للذهبي (٣/ ٢٩٩)، والبحر المحيط (٦/ ٢٠٩)، والرد على من أخلد إلى الأرض للسيوطي (ص/ ١٩٥)، وتيسير الاجتهاد له (ص/ ٥٥)، والمعيار المعرب للونشريسي (٩/ ٣١٠)، وإرشاد الفحول (٢/ ١٠٣٩)، وحصول المأمول للقنوجي (ص/ ٣٦٩)، وأصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي (٢/ ١٠٧٣).\n(^٦) انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي (٤/ ١٤٦٠)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٨/ ١٥٦)، والرد على من أخلد إلى الأرض للسيوطي (ص/ ١٩٦).\n(^٧) انظر: تيسير الاجتهاد للسيوطي (ص/ ٥٥)، وإرشاد الفحول (٢/ ١٠٣٩).\n(^٨) انظر: الطالع السعيد للإدفوي (ص/ ٥٨١)، وأعيان العصر للصفدي (٤/ ٥٨١)، والبحر المحيط (٦/ ٢٠٩)، وتغليق التعليق لابن حجر (٢/ ٧)، والرد على من أخلد إلى الأرض للسيوطي (ص/ ١٩٨)، وتيسير الاجتهاد له (ص/ ٥٤)، والمعيار المعرب للونشريسي (٩/ ٣١٠)، وحصول المأمول للقنوجي (ص/ ٣٦٩)، وأصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي (٢/ ١٠٧٣).\n(^٩) يقول الصفدي في: أعيان العصر (١/ ٢٣٤) عن تقي الدين بن تيمية: \"تمذهب للإمام أحمد بن حنبل، فلم يكن أحدٌ في مذهبه أنبه منه\". وانظر في وصفه بالاجتهاد: التحبير (٨/ ٤٠٦٩)، والرد على من أخلد إلى الأرض للسيوطي (ص/ ٢٠٠)، وتيسير الاجتهاد له (ص/ ٥٦)، وشرح الكوكب المنير (٤/ ٥٧٠)، والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (ص/ ٣٨٦)، وإمام الحرمين للدكتور عبد العظيم الديب (ص/ ٥٢٤)، وأصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي (٢/ ١٠٧٣).\n(^١٠) انظر: طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (١٠/ ١٤٠)، والغيث الهامع للعراقي (٣/ ٩٠٢)، والتحبير (٨/ ٤٠٦٩)، والرد على من أخلد إلى الأرض للسيوطي (ص/ ١٦٠)، وتيسير الاجتهاد له (ص/ ٤٧، ٥٦)، وشرح الكوكب المنير (٤/ ٥٧٠).","vol":"3","page":1357},{"text":"وتاجُ الدين بن السبكي (^١)، وسراجُ الدين البلقيني (^٢)، ووليُّ الدين العراقي (^٣)، وكمالُ الدين بن الهمام (^٤)، وجلالُ الدين السيوطي (^٥).\nبقي أنْ أقولَ: إنَّ حديثي في هذا المقامِ وإنْ كان عن الاجتهادِ المطلقِ في الشريعةِ الإسلاميةِ، فإنَّ أدنى درجاتِ التمذهب - وهي: التقليد المذهبي - تعدُّ لبنةً في الترقي إلى الاجتهادِ المذهبي (^٦).\n* * *\n* * *\n_________\n(^١) انظر: الرد على من أخلد إلى الأرض للسيوطي (ص/ ٢٠١)، وتيسير الاجتهاد له (ص/ ٥٦)، وحسن المحاضرة له (١/ ٣٠٤).\n(^٢) انظر: الغيث الهامع للعراقي (٣/ ٩٠٢)، والتحبير (٨/ ٤٠٧٠)، والرد على من أخلد إلى الأرض للسيوطي (ص/ ٢٠١)، وتيسير الاجتهاد له (ص/ ٥٤)، وحسن المحاضرة له (١/ ٣٠٤)، وشرح الكوكب المنير (٤/ ٥٧٠).\nيقول ابنُ خَلدون في: مقدمته (٣/ ١٠٥٤) عن سراج الدين البلقيني: \"هو أكبر الشافعية بمصر الآن، غير العلماء، بلْ أكبر العلماء من أهل العصر\".\n(^٣) انظر: الرد على من أخلد إلى الأرض للسيوطي (ص/ ٢٠١)، وتيسير الاجتهاد له (ص/ ٥٧)، وإرشاد الفحول (٢/ ١٠٤٠)، وحصول المأمول للقنوجي (ص/ ٣٦٩)، وأصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي (٢/ ١٠٧٣).\n(^٤) انظر: تيسير الاجتهاد للسيوطي (ص/ ٥٧).\n(^٥) انظر: الرد على من أخلد إلى الأرض للسيوطي (ص/ ٩٨)، وتيسير الاجتهاد له (ص/ ٦١)، وفيض القدير للمناوي (١/ ١١)، وإرشاد الفحول (٢/ ١٠٤٠)، وحصول المأمول للقنوجي (ص/ ٣٧٠)، وإمام الحرمين للدكتور عبد العظيم الديب (ص/ ٥٢٤)، وأصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي (٢/ ١٠٧٣).\n(^٦) انظر: الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه للدكتور سيد الأفغاني (ص/ ٥٤٢ - ٥٤٣).","vol":"3","page":1358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>المبحث السادس: تجنب التناقض في الاختيار بين الأقوال</span>\nلقد كانتْ عنايةُ أتباعِ المذاهبِ الفقهيةِ الأربعةِ بمذاهبِهم عنايةً فائقةً؛ إذ أسسوا أصولَها، وبيَّنوا قواعدَها وضوابطَها.\nولا شكَّ في أنَّ مآخذ (^١) المسائلِ - وإن اختلفتْ أبوابُها - قد تكون متقاربةً أو متحدةً، بحيثُ يكون حكمُ هذه المسائلِ واحدًا.\nوعنايةُ المتمذهبين واهتمامُهم بهذا الجانبِ واضحةٌ جليةٌ في مدوّناتهم المذهبيةِ، ولا سيما ما جاءَ في كتبِ القواعدِ والضوابطِ الفقهيةِ.\nوتُجَنِّبُ مراعاةُ القواعدِ والضوابطِ المذهبيةِ المتمذهبَ مِن الوقوعِ في التناقضِ في أقواله (^٢)، بحيثُ لا يحكم على فرعيين فقهيين - متشابهين في الصورة أو مختلفين - مأخذهما واحدٌ، بحكمينِ مختلفينِ؛ إذ هذه القواعدُ كفيلةٌ بتجنيبِ المتمذهبِ مِن الوقوعِ في التناقضِ.\nومِنْ جهةٍ أخرى: فإنَّ غالبَ الفقهِ المذهبي الذي دوّنه علماءُ المذهبِ سالمٌ مِن الوقوعِ في شَرَكِ التناقضِ.\nوسأضرب مثالًا يتضح منه المقصود: إذا تعارضَ عند المكلّفِ صلاةُ\n_________\n(^١) المآخذ: الأدلة على الشيء، أو علته التي من أجلها كان حكمه. انظر: القواعد الفقهية للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٧٥)، والقواعد والضوابط الفقهية القرافية للدكتور عادل قوته (١/ ٢٨٢)، وعلم القواعد الشرعية للدكتور نور الدين الخادمي (ص/ ٣٣٢)، والميسر في علم القواعد الفقهية له (ص/١٤٧).\n(^٢) انظر: القواعد الفقهية للدكتور علي الندوي (ص/ ٢٩١). وللاطلاع على تناقض بعض من ترك التمذهب انظر: منهج البحث والفتوى لمصطفى الطرابلسي (ص/ ٢٨٩ وما بعدها).","vol":"3","page":1359},{"text":"ركعتين طويلتين، وصلاةُ أربعِ ركعات في زمنٍ واحدٍ، فأيّهما أفضل؟ وأيّهما أفضل: قراءة القرآن بتدبّر وتفكّر، أم قراءة قدرِ أكبر في زمنٍ واحدٍ؟\nمناطُ هاتين المسألتين واحدٌ، وهو: إذا تقابلَ عملانِ أحدُهما ذو شرفٍ ورفعةٍ في نفسِه، وهو واحدٌ، والآخرُ ذو تعددِ في نفسِه وكثرةٍ، فأيّهما أفضل؟ وأيّهما المرجح؟ (^١).\nفإذا عَرَفَ المتمذهبُ قاعدةَ مذهبِه سَلِمَ مِن الوقوع في التناقضِ في أقوالِه.\nوأيضًا: يَتَجَنّبُ المتمذهبُ الحكمَ بحكمِ واحدٍ على فرعين فقهيين متشابهين في الصورة، دون المأخذِ.\nولا يوحي ما بيّنتُه آنفًا أنَّ أقوالَ المذهب - أو اختياراتِ بعضِ المتمذهبين - خاليةٌ مِن التناقضِ، بلْ الأمرُ واردٌ، لَكنْ عنايةُ أتباعِ المذهبِ بالتنبيهِ على أمثالِ هذه المسائلِ، وبيانِ التناقض وكشفِه قائمةٌ (^٢).\n_________\n(^١) انظر القاعدة وأمثلتها في: تقرير القواعد لابن رجب (١/ ١٣٠ - ١٤١).\n(^٢) من الأمثلة على عناية أرباب المذهب بدفع ما يوهم التناقض في مذهبهم: ما قال القرافي في: الأمنية في إدراك النية (ص/ ٣٢ - ٣٣): \"وقع في المذهب إطلاقات متناقضة: قال الأصحاب: صريح الطلاق وغيره غيرُ محتاجٍ للنية اتفاقًا. وقال صاحب المقدمات في كنايات الطلاق: صريح الطلاق مفتقرٌ إلى النية اتفاقًا. وقال اللخمي في الإكراه على الطلاق: في افتقار الصريح إلى النية قولان: أصحهما: أنَّه لابُدَّ في الصريح من النية ... هذه إطلاقات متناقضة، لا يجتمع منها اثنان، بل متى صدق أحد هذه الثلاثة كذب اثنان منها، وتحقيقهما: ... حيث قالوا: الصريح لا يفتقر إلى النية اتفاقًا، معناه: أنَّ الصريح لا يفتقر في إرادة مدلوله إلى نية ... بل ينصرف بصراحته لمدلوله ... ومعنى قولهم: إنَّ الصريحَ يفتقر إلى النية اتفاقًا، أي: لا بُدَّ في الصريح مِن القصدِ إلى إنشاءِ الصيغة؛ حَذرًا ممن يقول: يا طارق، فقال: يا طالق ... فلا تناقض بين اشتراط النية في إرادة النطق، وبين عدم اشتراطها في انصراف اللفظ لمدلوله بعد النطق ... \". (وقع في المطبوع تصحيف، وقد صححته من الطبعة التي اعتنى بها الدكتور محمد المنيع (ص/ ٤٢). وانظر: الفروق للقرافي (٢/ ٢٩٦ - ٢٩٨).\nوقد اعتنى جمال الدين الإسنوي ببيان ما وقع فيه الرافعي والنووي من التناقض في بعض الأحكام - وهي قليلة - فألف كتابًا بعنوان: (جواهر البحرين في تناقض الحبرين)، وقد طبع مختصره.","vol":"3","page":1360},{"text":"وقد أشارَ تقيُّ الدين السبكي إلى المعنى آنف الذكرِ، فقالَ: \"وكم مِنْ واحدٍ متمسكٍ بالقواعد، قليلِ الممارسةِ للفروعِ ومآخذِها، يَزِّلُ في أدنى المسائلِ، وكم مِنْ آخر مستكثرٍ في الفروعِ ومداركِها، قد أفرغ جمامَ ذهنِه فيها، غَفَلَ عن قاعدةٍ كليةٍ، فتخبّطتْ عليه تلك المداركُ، وصارَ حيران ... \" (^١).\nوفي المعنى ذاتِه يشيرُ شهابُ الدين القرافيّ إلى أهميةِ الاستعانةِ بالقواعدِ الكليةِ؛ ليتجنبَ الناظرُ الوقوعَ في التناقضِ، فيقول عنها: \"هذه القواعدُ مهمّةٌ في الفقهِ، عظيمةُ النفعِ، بها يَعْلُو قدرُ الفقيه ... ومَنْ جَعَلَ يخرّجُ الفروعَ بالمناسباتِ الجزئيةِ دونَ القواعدِ الكليةِ، تناقضتْ عليه الفروعُ واختلفتْ، وتزلزلتْ خواطرُه واضطربتْ، وضاقتْ نفسُه لذلك وقَنِطَتْ، واحتاجَ إلى حفظِ الجزئياتِ التي لا تنتهي ... ومَنْ ضَبَطَ الفقهَ بقواعدِه استغنى عن حِفظِ أكثرِ الجزئيات؛ لاندراجِها في الكليات، واتَّحدَ عنده ما تناقضَ عند غيرِه، وتَنَاسَب\" (^٢).\nوإذا صحَّ تَوَجُّه كلام القرافي إلى المتمذهبِ الذي يُعْنَى ببيانِ أحكامِ الجزئياتِ، دون التفاتٍ منه إلى قواعد الفقهِ وضوابطِه، فَتَوَجُّهُه إلى غيرِه ممَّنْ لم يبلغْ درجةَ الاجتهاد من بابٍ أولى.\nويقولُ الحافظ ابنُ رجبٍ عن القواعد والضوابطِ المذهبيةِ في فاتحةِ كتابِه: (تقرير القواعد وتحرير الفوائد) (^٣): \"تضبطُ للفقيهِ أصولَ المذهبِ، وتُطْلِعُه مِنْ مآخذِ الفقهِ على ما كان قد تَغَيّب، وتُنَظّم له منثورَ المسائلِ في سلكٍ واحدٍ، وتقييد له الشواردَ، وتقرّب له كلَّ متباعدٍ\".\nوأيضًا: يَتَجَنّبُ المتمذهبُ الوقوعَ في التناقضِ في تطبيقِ القواعدِ الأصوليةِ، فيسيرُ على أصولِ الاستنباطِ سيرًا مطردًا غيرَ متناقضٍ.\n_________\n(^١) نقل تاجُ الدين السبكي كلامَ والده تقي الدين في: الأشباه والنظائر (١/ ٣٠٩). وانظر: القواعد الفقهية للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ١١٦ - ١١٧).\n(^٢) الفروق (١/ ٦٢ - ٦٣).\n(^٣) (١/ ٤).","vol":"3","page":1361},{"text":"فإذا أَخَذَ المتمذهبُ بقاعدةِ مِنْ قواعدِ مذهبِه الأصوليةِ، كحجيةِ القراءةِ الشاذة مثلًا، وطبّقها على الفروعِ الفقهيةِ، فأنَّه يسلمُ بذاك مِن اضطرابِ الأصولِ حين إرادة الاستنباطِ.\n* * *","vol":"3","page":1362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>المبحث السابع: بروز فن الفروق الفقهية، والأشباه والنظائر</span>\nيحسنُ قبلَ الدخولِ في المبحثِ التمهيد ببيانِ معنى الفروقِ الفقهيةِ، والأشباه والنظائرِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>أولًا: معنى الفروق الفقهية:</span>\nيُقْصَدُ بالفروقِ الفقهيةِ: معرفةُ أوجهِ الاختلاف بين الفروعِ الفقهيةِ المتشابهةِ في الصورة، المختلفةِ في الحكم، وأسبابِها (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>ثانيًا: معنى الأشباه والنطائر:</span>\nيتكون مصطلح: الأشباه والنظائر من لفظتين، لكلٍّ منهما معنى يفيدُه (^٢):\nفالأشباه هي: الفروعُ الفقهيةُ المتشابهةُ في الصورةِ، وتأخذ حكمًا واحدًا (^٣).\n_________\n(^١) انظر: الفروق للسامري (١/ ١١٥)، والأشباه والنظائر للسيوطي (١/ ٥٨)، والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (ص/ ٤٤٩)، والفوائد الجنية للفاداني (١/ ٩٨)، والقواعد الفقهية للدكتور علي الندوي (ص/ ٧٣)، ومقدمة تحقيق الاستغناء في الفرق والاستثناء للبكري (١/ ٧٦)، ومقدمة تحقيق إيضاح الدلائل في الفرق بين المسائل للزَّريراني (١/ ١٩)، والفروق الفقهية والأصولية للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ١٣)، وعلم القواعد الشرعية للدكتور نور الدين الخادمي (ص/ ٣١٤).\n(^٢) عرَّف بعض العلماء مصطلح الأشباه والنظائر بتعريف واحد. انظر: غمز عيون البصائر للحموي (١/ ٥٣)، ومقدمة تحقيق القواعد للحصني (١/ ٢٩).\nوليس المقام مناسبًا للحديث عن هذه المسألة، وما ذكرته من التفريق بين اللفظين هو المشهور عند الباحثين.\n(^٣) انظر: مقدمة تحقيق الأشباه والنظائر لابن الوكيل (١/ ١٦)، ومقدمة تحقيق القواعد للحصني =","vol":"3","page":1363},{"text":"والنظائر هي: الفروعُ الفقهيةُ المتشابهةُ في الصورةِ، والمختلفة في الحكم (^١).\nوبتعريفِ: (النظائرِ) يظهرُ التقارب أو الترادف بينها وبين (الفروق الفقهية) (^٢).\nوبعد بيانِ معنى المصطلحين أقول: لم يكنْ جُهْدُ المتمذهبين وتفننهم قاصرًا على علمي الفقه وأصوله، بلْ تعدّى الأمرُ إلى الاهتمامِ برفعِ ما يُوْهم التعارضَ فيما نُقِلَ عن إمامِ المذهب، وما في مذهبِهم مِنْ أحكامٍ فقهيةٍ لفروعٍ متشابهةٍ في الصورةِ، لكنَّ حكمها مختلفٌ، وذلك ببيانِ الفرقِ بين الفرعين المتشابهين الذي أثّر في اختلافِ حكمِها (^٣).\nويتحدث الشيخُ عبد القادر بنُ بدران عن عنايةِ علماءِ الحنابلةِ - ومثلهم بقية المذاهب المتبوعة - بالتصنيفِ في الفروقِ، وإبداعِهم فيه، فيقول: \"اعلمْ أنَّ أصحابَنا تفنَّنوا في علومِهم الفقهية ... وجعلوا للمسائلِ المشتبهةِ صورةً، المختلفةِ حُكْمًا ودليلًا وعلةً، فنًّا، سموه بالفروق\" (^٤).\nكذلك الأمرُ فيما يتصلُ بالأشباهِ والنظائر، كان اهتمامُ المؤلفين فيها منصبًّا على القواعد والضوابطِ الفقهيةِ، وكثيرٌ منها تختصُّ بالمذهب الفقهي الذي ينتسب المؤلّفُ إليه.\n_________\n= (١/ ٢٩)، والقواعد الفقهية للدكتور علي الندوي (ص/ ٦٨، ٧١)، والقواعد الفقهية للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٩٣)، والقواعد والضوابط الفقهية القرافية للدكتور عادل قوته (٢/ ٢٧٦)، وعلم القواعد الشرعية للدكتور نور الدين الخادمي (ص / ٣٠٤)\n(^١) انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي (١/ ٥٨)، وغمز عيون البصائر للحموي (١/ ٥٣)، ومقدمة تحقيق الأشباه والنظائر لابن الوكيل (١/ ١٦)، والقواعد الفقهية للدكتور علي الندوي (ص/ ٦٨، ٧١) والقواعد الفقهية للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٩٤)، والقواعد والضوابط الفقهية القرافية للدكتور عادل قوته (٢/ ٢٧٦)، وعلم القواعد الشرعية للدكتور نور الدين الخادمي (ص/٣٠٥).\n(^٢) انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي (١/ ٥٨)، والقواعد الفقهية للدكتور علي الندوي (ص/ ٧٤ - ٧٥)، ومقدمة تحقيق الأشباه والنظائر لابن الوكيل (١/ ١٦).\n(^٣) انظر: قواطع الأدلة (٤/ ٩٢).\n(^٤) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد (ص/ ٤٤٩). وانظر: الفروق للسامري (١/ ١١٥).","vol":"3","page":1364},{"text":"ويُؤكّدُ هذا الأمر: أنَّ في عناوين بعض كُتُب الأشباه والنظائر التنصيصَ على أنّها في دائرةِ المذهب (^١)، أمَّا مَنْ لَم ينصَّ عليه، فإنَّ مضمونَ كتابِه شاهدٌ ناطقٌ على حصرِ مؤلِّفِه له في دائرةِ مذهبِه.\nيقولُ ابنُ خَلدون: \"لمَّا صارَ مذهبُ كلِّ إمامٍ عَلَمًا مخصوصًا عند أهلِ مذهبِه، ولم يكنْ لهم سبيلٌ إلى الاجتهادِ والقياسِ: احتاجوا إلى تنظيرِ المسائلِ في الإلحاقِ، وتفريقِها عند الاشتباه، بعد الاستنادِ إلى الأصولِ المقررة مِنْ مذهب إمامِهم، وصار ذلك كله يحتاجُ إلى مَلَكَةٍ راسخةٍ يُقْتَدَرُ بها على ذلك النوعِ مِن التنظيرِ أو التفرقةِ، واتِّباع مذهب إمامِهم فيهما ما استطاعوا\" (^٢).\nويقولُ الدكتورُ يعقوب الباحسين: \"فمِثْلُ هذه الصور المتشابهة، ذات الأحكام المختلفة، أوجدَ الحاجةَ إلى بيانِ الفروقِ بين المسائلِ، توضيحًا وكشفًا عن معانيها، ودفعًا للالتباسِ، وما قد يساور بعضَهم مِنْ وجودِ التناقضِ بين فتاوى العلماءِ\" (^٣).\nومِن الطبعي أنْ يُعْنى أربابُ المذهبِ بما وَرَدَ عن إمامِهم مِن القولِ بحكمين مختلفين في مسألتين متشابهتين بالتوضيحِ والكشفِ عن المعنى المفرّقِ بينها.\nوكان بدءُ التأليفِ في الفروقِ الفقهيةِ على أيدي علماءِ المذاهبِ (^٤).\n_________\n(^١) من الكتب التي نصت على المذهب: (الأشباه والنظائر في الفروع والقواعد) لتاج الدين السبكي - وإن لم يكتب العنوان تامًّا على غلاف الطبعة، فقد ذكر في النسخة الخطية، كما في (ص/ م) - و(الأشباه والنظائر في قواعد وفروع الشافعية) لجلال الدين السيوطي.\n(^٢) مقدمة ابن خلدون (٣/ ١٠٥٥ - ١٠٥٦). وانظر: الفروق الفقهية والأصولية للدكتور يعقوب الباحسين (ص/٦٧).\n(^٣) الفروق الفقهية والأصولية (ص/ ٦٥).\n(^٤) للاطلاع على طائفة من المؤلفات في الفروق الفقهية، انظر: مقدمة تحقيق الاستغناء في الفرق والاستثناء للبكري (١/ ٧٨ - ٨٥)، ومقدمة تحقيق إيضاح الدلائل في الفرق بين المسائل للزَّريراني (١/ ٢٦ - ٤١)، ومقدمة تحقيق الفروق للسامري (١/ ١٢ - ١٩)، والفروق الفقهية والأصولية للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ ٦٨ - ٧٦، ٨٤ - ١١٢).","vol":"3","page":1365},{"text":"يقولُ الدكتور يعقوب الباحسين: \"من الملاحظِ أنَّ طائفةً مِنْ كتبِ الفروقِ كان الغرضُ مِنْ تأليفِها الدفاعَ عن المذهبِ، وإزالةَ ما يُرى فيه من تعارضٍ أو تناقضٍ ... \" (^١).\nوحين قامَ بعضُ العلماءِ بالنقلِ والتخريجِ لما جاءَ عن أئمتهم مِن أحكامٍ مختلفةٍ في مسائل متشابهة، قام آخرون بالبحثِ عن الفارقِ المؤثرِ بين المسائل، وقد تقدمت لنا بعضُ الأمثلةِ لذلك.\nومِن الشواهد الدالةِ على الإسهامِ الجيّدِ للتمذهبِ في تشجيعِ الكتابةِ في الفروقِ الفقهيةِ: ما بيّنه أبو محمد الجويني في مقدمةِ كتابِه: (الجمع والفرق)، إذ رَسَمَ لمتمذهبي الشافعيةِ أحوالَ الفرقِ ومنازلَه، فجعلها ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: أنْ يصادفَ المتمذهبُ مسألتين لم يختلف المذهبُ فيهما، ولا في واحدةٍ منهما، والصورةُ متشابهةٌ، والحكمانِ مختلفانِ، ولا بُدَّ مِنْ فرقٍ بينهما، ولا سبيلَ إلى تخريجِ جوابِ إحداهما مِن الأخرى (^٢).\nالقسم الثاني: أنْ تجتمع مسألتان، والشافعي - ﵁ - قطع قولَه بجوابٍ واحدٍ في إحداهما، وعلَّق قولَه في الأخرى، وامتنع أصحابُه مِنْ تخريجِ قولٍ في المسألةِ التي قَطَعَ قولَه بجواب فيها، فمسّت الحاجةُ إلى فرقٍ بين المسألتين؛ فعُلم أنَّ ذلك لمعنىً أوجبَ قَطْعَ القولِ في إحداهما، وتعليقَ القولِ في الأخرى (^٣).\nالقسم الثالث: أنْ تجتمع مسألتانِ ذَكَرَ مشايخُ الشافعيةِ وجهين في إحداهما، وقطعوا القولَ في الأخرى، فهذا القسم على نوعين:\nالنوع الأول: أنْ يقوى كلُّ واحدٍ من الوجهين، فحكمُه حكم القسم الثاني.\nالنوع الثاني: أنْ يضعفَ أحدُ الوجهين، بدليلِ المسألة التي لم\n_________\n(^١) الفروق الفقهية والأصولية (ص/ ١٦٦).\n(^٢) انظر: الجمع والفرق (١/ ٣٩).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (١/ ٣٩ - ٤٠).","vol":"3","page":1366},{"text":"يختلفوا فيها، فيتعذر الفرقُ الواضحُ، فاشْتَغِلْ بتزييفِ أضعفِ الوجهين وإسقاطِه، ولا تشتغلْ بالتماسِ الفرقِ (^١).\nوهذه الديباجةُ التي خطّتها يراعةُ أبي محمدٍ دليلٌ على أثرِ التمذهبِ في الاهتمامِ بالفروقِ الفقهيةِ.\nومِن الكتب المذهبيةِ التي عُنيت بالفروقِ الفقهيةِ، كتاب: (النكت والفروق لمسائلَ المدونة والمختلطة) للفقيه أبي محمد عبد الحق الصقلي المالكي (^٢)، وعنوانُ كتابِه ناطقٌ بأثرِ التمذهبِ فيه، يقولُ في مقدمته: \"فإنَّ بعضَ أصحابِنا مِنْ طلبةِ العلمِ، سألني العنايةَ بجمعِ ما يَقَعُ لي أنَّ المبتدئَ في طلبِ الفقهِ، ومَنْ لم يتسعْ فيه محتاجٌ إليه في أعيانِ مسائل من (المدونة) و(المختَلطة)، مِنْ نكتةٍ يُحْسُنُ الإتيانُ بها، وتفريقٍ بين مسألتين قد يتعذرُ على الطالبِ معرفةُ اختلافِ حكمها ... \" (^٣).\nويقولُ أبو العباس الونشريسي عن الباعثِ له على تأليفِ كتابِه: (عدة البروق): \"يُسْتَعانُ به على حلِّ كثيرٍ مِن المناقضاتِ الواقعة في (المدونة)، وغيرِها مِنْ أمهات الروايةِ\" (^٤).\nوقد حَفِلَتْ بعضُ الكتب المذهبيةِ المؤلفةِ في الفقه ببيانِ الفرقِ بين المسائلِ المنقولةِ عن إمامِ المذهب، أو عن بعضِ أصحابِه (^٥).\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (١/ ٤٠).\n(^٢) هو: عبد الحق بن محمد بن هارون السهمي القرشي الصقلي، أبو محمد، كان إمامًا فقيهًا مالكيًا حافظًا متفننًا متقنًا، عالم صقلية ومفتيها، بعيد الصيت، صالحًا دينًا، موصوفًا بالذكاء وحسن التصنيف، تلقى العلم عن عدد من العلماء، منهم: أبو عمران الفاسي، وأبو عبد الله بن الأجدابي، وقد لقي القاضي عبد الوهاب وأبا ذر الهروي، وناظر أبا المعالي الجويني، وقد تخرج بأبي محمد عدد من الأئمة، من مؤلفاته: النكت والفروق لمسائل المدونة، وتهذيب الطالب، توفي بالإسكندرية سنة ٤٦٦ هـ. انظر ترجمته في: ترتيب المدارك للقاضي عياض (٨/ ٧١)، وسير أعلام النبلاء (١٨/ ٣٠١)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (٣/ ١١٦٠)، والديباج المذهب لابن فرحون (٢/ ٥٦)، وشجرة النور الزكية (١/ ١١٦).\n(^٣) النكت والفروق (١/ ٢٣).\n(^٤) عدة البروق (ص/ ٧٩).\n(^٥) انظر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (ص/ ٤٥٧).","vol":"3","page":1367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>مثال الفروق الفقهية، والأشباه والنظائر:</span>\nالمثال الأول: يقولُ القاضي عبد الوهاب المالكي: \"لا يجوزُ تفريقُ النيةِ على أعضاءِ الوضوءِ عند بعضِ أصحابِنا، ويجوزُ في الزكاةِ؛ وكلاهما عبادةٌ. الفرق بينهما: أنَّ الوضوءَ عبادةٌ مرتبطٌ بعضُها ببعض، يَفْسدُ أولُها بفسادِ آخرِها، والزكاةُ غير مرتبطِ بعضها ببعضٍ؛ لأنَّه لا يفسد أَولُها بفسادِ آخرِها.\nوأيضًا: فإنَّ الزكاةَ يصحُّ أنْ تؤدّى مجتمعةً ومفرقةً، والنيةُ تصحب ما يُؤَدَّى على حسبِ إرادتِه، والوضوءُ لا يجوز أنْ يؤتى به مفترقًا تفريقًا كثيرًا، فافترقا\" (^١).\nالمثال الثاني: يقولُ جلالُ الدّينِ السيوطي تحتَ قاعدةِ: (الفضيلة المتعلقة بنفسِ العبادةِ أولى مِن المتعلقةِ بمكانِها): \"هذه قاعدةٌ مهمةٌ، صرَّح بها جماعةٌ مِنْ أصحابِنا، وهي مفهومةٌ مِنْ كلامِ الباقين، ويتخرّج عليها مسائل مشهورةٌ:\nمنها: الصلاةُ في جوفِ الكعبةِ أفضلُ مِن الصلاةِ خارجها، فإنْ لم يرجُ فيها الجماعةَ، وكانتْ خارجها، فالجماعةُ أفضلُ.\nومنها: صلاةُ الفرضِ في المسجدِ أفضلُ منه في غيرِه، فلو كان مسجدٌ لا جماعةَ فيه، وهناك جماعةٌ في غيرِه، فصلاتُها مع الجماعةِ خارجة أفضلُ مِن الانفرادِ في المسجدِ ...\nومنها: القُرْبُ مِن الكعبةِ في الطوافِ مستحبٌ، والرَّملُ (^٢) مستحبٌ، فلو منعته الزّحمةُ مِن الجمعِ بينهما، ولم يمكنه الرَّمل مع القُرْب، وأمكنه مع البُعْد، فالمحافظةُ على الرَّملِ مع البُعدِ أولى مِن المحافظةِ عَلى القُرْب بلا رَمَل؛ لذلك\" (^٣).\n_________\n(^١) الفروق الفقهية (ص/ ٧٥ - ٧٦).\n(^٢) الرَّمل: الهرولة. انظر: المصباح المنير للفيومي، مادة: (رمل)، (ص/ ١٩٨)، والقاموس المحيط، مادة: (رمل)، (ص/ ١٣٠٢).\n(^٣) الأشباه والنظائر (١/ ٣٢٨).","vol":"3","page":1368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>الفصل الثاني: آثار التمذهب السلبية:</span>\nلم يكن تطبيق التمذهب عند بعض المتمذهبين تطبيقًا صحيحًا، فترتب على تمذهبهم عددٌ من الآثارِ السلبيةِ، وظهر لي عددٌ منها، وقد نظمتُ عقد مباحث هذا الفصل عليها:\nالمبحث الأول: ظهور التعصب المذهبي\nالمبحث الثاني: دعوى غلق باب الاجتهاد، ومحاربة من يدعيه\nالمبحث الثالث: ظهور الحيل الفقهية\nالمبحث الرابع: عدم الاطلاع على ما لدى المذاهب الأخرى","vol":"3","page":1369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>المبحث الأول: ظهور التعصب المذهبي</span>\nلعل مِنْ أبرزِ الآثار السلبية التي نشأت من التمذهب، وأسوئها ظهورُ التعصب المذهبي بين أرباب المذاهب المختلفة، وسأتحدثُ عنه في المطالب الآتية، وهي:\nالمطلب الأول: الأعراض عن الاستدلال بالكتاب والسنة الثابتة\nالمطلب الثاني: رد دلالة الآيات والأحاديث الثابتة، والتكلف في ذلك\nالمطلب الثالث: الانتصار للمذهب بالأحاديث الواهية\nالمطلب الرابع: الاستدلال بالحديث متى ما وافق المذهب ومخالفة الحديث نفسه في حكم آخر دل عليه لمخالفته المذهب.","vol":"3","page":1371},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>المطلب الأول: الإعراض عن الاستدلال بالكتاب والسنة الثابتة</span>\nلا يخفى على أحدٍ أنَّ أساسَ الأحكامِ الشرعية هما: الكتابُ والسنةُ، وقد عُنِيَ الأصوليون بالحديثِ عن الجانبِ التأصيلي للاستدلالِ بهذينِ الدليلينِ، فقعدوا القواعدَ الأصوليةَ التي تكفلُ لمن التزمها الوصولَ إلى الحكمِ بطريقٍ صحيحٍ.\nوقد حثَّ جمعٌ غفيرٌ مِن العلماءِ الناصحين على النظرِ في الأدلةِ، فمِنْ هؤلاءِ: أبو الوفاءِ بنُ عقيلٍ، فمِنْ كلماتِه: \"الواجبُ النظرُ في الأدلةِ، فما أدّاه الدليلُ إليه كان مذهبُه بحسبِه ... ونعوذُ بالله مِن اعتقادِ مذهبٍ، ثم طَلَب تصحيحِ أصلِه، أو طلب دليلِه، وما ذلك إلا بمثابةِ مَنْ مَضَى في طريقٍ مُظْلمٍ بغيرِ ضياءٍ، ثم طَلَبَ لذلك الطريقِ ضياءً ينظرُ إنْ كان فيه بئرٌ أو سَبُغٌ أو ما شاكل ذلك، أو كان سليمًا، والذي يجبُ أن يكونَ الدليلُ هو المرشدُ إلى المذهبِ\" (^١).\nوما مِنْ شكٍّ في أنّ إعراضَ كثيرٍ مِن المتمذهبين عن النظرِ في الكتابِ والسنةِ النبويةِ المطهرةِ؛ استغناءً بما في المذهب مِنْ أقوالٍ، مِن المصائب والمآسي التي تغلغلتْ في أذهانِ كثيرٍ مِنْ المتمذهبين (^٢)، فظنّوا أنَّ الشريعةَ هي ما في مذهبِهم مِن الأقوالِ فحسب (^٣)، فألبسوا المذهبَ لباسَ الدِّيْنِ.\n_________\n(^١) الواضح في أصول الفقه (١/ ٢٥٩).\n(^٢) انظر: الفوائد لابن القيم (ص/ ١٥٢)، وأضواء البيان (٧/ ٦١٧)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (ج ٦/ ق ٢/ ٧٧٥ - ٧٧٦).\n(^٣) انظر: تاريخ الفقه لمحمد السايس (ص/ ١٧٤).","vol":"3","page":1373},{"text":"ولم يكنْ حالُ المتمذهبين في الاهتمامِ بالأدلةِ الشرعيةِ - والنقلية منها على وجهِ الخصوص - واحدًا، فمنهم؛ المهتمُّ بذكرِ الأدلةِ، ومنهم: التاركُ لها، المعرضُ عنها (^١).\nويتفاوتُ أربابُ المذاهبِ الفقهيةِ المختلفةِ في درجةِ الإعراضِ عن الاستدلالِ بدليلي: الكتاب والسنة، بلْ إنَّ التفاوتَ حاصلٌ بين أربابِ المذهبِ الواحدِ، فالحديثُ في هذا المطلب لا يشملُ قطعًا جميعَ المتمذهبين، بلْ طائفةً منهم، ممَّنْ لهم قدرةٌ على النظرِ في نصوصِ الكتاب والسنةِ، ثمُّ أَعْرَضَوا عنهما.\nوقد يكونُ الأثرُ السلبيُّ موجودًا في مذهبٍ ما، ولكنْ في مرحلةٍ مِنْ مراحلِ بنائِه (^٢)، ولا سيما مع بدءِ الاهتمامِ بالاختصارِ والإيجازِ في المؤلفاتِ المذهبيةِ (^٣).\nويحكي ابنُ عبد البر المالكي حالَ بعضِ مالكيةِ المغرب، فيقول: \"إنَّهم لا يقيمون علةً، ولا يعرفون للقولِ وَجْهًا، وحَسْبُ أحدِهمَ أنْ يقولَ: فيها روايةٌ لفلانٍ، ورواية لفلانٍ، ومَنْ خالفَ عندهم الروايةَ التي لا يقفُ على معناها، وأصلِها وصحةِ وجهِها، فكأنَّه خالفَ نصَّ الكتاب وثابتَ السنةِ\" (^٤).\nولشمسِ الدين بنِ القيّمِ نصيبٌ من رؤيةِ هذا الداءِ، يقولُ مبينًا حالَ بعضِ الناسِ: \"لما أعرضَ الناسُ عن تحكيم الكتابِ والسنةِ والمحاكمةِ إليهما، واعتقدوا عدمَ الاكتفاءِ بهما، وعدلوا إلى الآراءِ والقياسِ\n_________\n(^١) انظر: بلوغ السول لمحمد مخلوف (ص/ ٩٩)، وابن باديس - حياته وآثاره للدكتور عمار الطالبي (٣/ ٢٢٠).\n(^٢) انظر: بلوغ السول لمحمد مخلوف (ص/ ٩٩)، والمتأخرون بين التجريد والتدليل للدكتور الصادف الغرياني، بحوث الملتقى الأول: القاضي عبد الوهاب المالكي (٦/ ٥٢٨).\n(^٣) انظر: الفكر السامي لمحمد الحجوي (٣/ ١٤٦ - ١٤٧).\n(^٤) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١١٣٧).","vol":"3","page":1374},{"text":"والاستحسانِ وأقوال الشيوخ: عرضَ لهم مِنْ ذلك فسادٌ في فطرِهم، وظلمةٌ في قلوبِهم ... \" (^١).\nوفي تركِ الاستدلالِ بنصوصِ الكتابِ والسنةِ تعصبٌ للمذهبِ، مِنْ جهةِ أنَّ الباعثَ لبعضِ المتمذهبين على تركِ الاستدلال بهما، والإعراضَ عنهما هو القناعةُ بعدمِ الحاجةِ إلى معرفةِ دليلِ إمامِ المذهبِ (^٢)؛ لأنَّ أقواله كلَّها صوابٌ.\nيقولُ أبو بكرٍ الطرطوشي (ت: ٥٣٠ هـ) (^٣): \"جمهورُ المقلِّدين في هذا الزمانِ لا تجدُ عندهم مِنْ آثارِ الصحابةِ والتابعين كبير شيءٍ، وإنَّما مصحفُهم (^٤) مذهبُ إمامِهم! \" (^٥).\nويقولُ ابنُ القيّمِ مستنكرًا التعصبَ المذهبيَّ: \"تالله إنَّها فتنةٌ عمَّتْ فأَعْمَتْ، ورَمَت القلوبَ فأصمّتْ، ورَبَى (^٦) عليها الصغيرُ، وهَرِمَ عليها\n_________\n(^١) الفوائد (ص/ ٦٥).\n(^٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (٧/ ٣٣٥)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ٢٤٢) ط/ دار الفتح، وبدعة التعصب المذهبي لمحمد عباسي (ص/ ٨٥).\n(^٣) هو: محمد بن الوليد بن خلف بن سليمان بن أيوب القرشي الفهري الأندلسي، أبو بكر الطرطوشي، ويعرف في زمنه بابن أبي رندقة، ولد سنة ٤٥١ هـ كان أحد أئمة المالكية، ثقة فاضلًا، جليل القدر، عالمًا عاملًا، دينًا متواضعًا، زاهدًا ورعًا، متقللًا من الدنيا، من مؤلفاته: كتاب الحوادث والبدع، وسراج الملوك، وبر الوالدين، والعمد في الأصول، ورسالة في تحريم الجبن الرومي، توفي بالإسكندرية سنة ٥٣٠ هـ. انظر ترجمته في: الغنية للقاضي عياض (ص/ ٦٢)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ٢٦٢)، وسير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٩٠)، والوافي بالوفيات للصفدي (٥/ ١٧٥)، والديباج المذهب لابن فرحون (٢/ ٢٤٤)، ونفح الطيب للمقري (٢/ ٨٥)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ١٢٤).\n(^٤) هكذا وردت اللفظة في: المصدرين اللذين جاء النقل فيهما، وأظن أنَّ اللفظة مصحفة، وصوابها: \"صُحُفُهم\"؛ لأن التعبير بالصحف أنسب للسياق، إذ التعبير بآثار الصحابة والتابعين ينسها التعبير بالصحف، لا المصحف، ولو جاء في الكلام ذكرٌ للآيات والأحاديث، لناسب التعبير بالمصحف، والله أعلم.\n(^٥) نقل كلام أبي بكر الطرطوشي ابنُ فرحون في: تبصرة الحكام (١/ ٣١)، وأبو الحسن التسولي في: البهجة في شرح التحفة (١/ ٢١).\n(^٦) ربى: بمعنى نَشَأَ. انظر: القاموس المحيط، مادة: (ربا)، (ص/ ١٦٥٩).","vol":"3","page":1375},{"text":"الكبيرُ، واتُّخِذَ لأجلِها القرآنُ مهجورًا\" (^١).\nويقولُ أبو شامةَ المقدسي (ت: ٦٦٥ هـ) عن حالِ بعضِ متمذهبي عصرِه: \"ثمَّ تفاقمَ الأمرُ، حتى صارَ كثيرٌ منهم لا يرون الاشتغالَ بعلومِ القرآنِ والحديثِ، ويَعِيبُون مَنْ يعتني بهما، وَيرَوْنَ أنَّ ما هم عليه هو الذي ينبغي المواظبةُ عليه، وتَقْدِمَتُه بين يديه مِن الاحتجاجِ للمذاهب بالآراء، وكثرةِ الجدالِ والمراءِ ... \" (^٢).\nويقولُ الشوكانيُّ: \"تَجِدُ المصنّفين في علمِ الفقهِ يُعَوّلون في كثيرِ مِن المسائلِ على محضِ الرأي، ويُدَوِّنُونه في مصنّفاتِهم، وهم لا يشعرون أنَّ في ذلك سنةً صحيحةَ يعرفُها أقل طالب لعلم الحديثِ، وقد كَثُرَ هذا جدًّا مِن المشتغلين بالفقهِ ... \" (^٣).\nويظهرُ أنَّ زعمَ بعضِ المتمذهبين أنَّ النظرَ في الكتابِ والسنةِ مِنْ خواصِّ المجتهدين، أَوْرَثَ عند كثيرِ منهم إعراضًا عن الاستدلالِ والاشتغالِ بهما؛ بحجةِ أنَّهم غيرُ مجتهدين (^٤).\nيقولُ ابنُ حزمٍ (ت: ٤٥٦ هـ) حاكيًا هذه الشبهةَ: \"قد يقولُ قائلون منهم: نحن لم نُرْزَقْ مِن العقلِ والفهم ما يمكننا أنْ نأخذَ الفقهَ مِن القرآنِ وحديثِ النبي - ﷺ -.\nفأتوا بالتي تملأُ الفمَ! إذ يقو: ﷿: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (^٥) \" (^٦).\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (١/ ١٢).\n(^٢) خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول (ص/ ١٠٠).\n(^٣) أدب الطلب (ص/ ١٣٢).\n(^٤) انظر: العَلَم الشامخ للمقبلي (ص/ ٤٢١ - ٤٢٢)، ورسالة في الاجتهاد والتقليد لحمد المعمر (ص/ ٩٥)، والفكر السامي لمحمد الحجوي (٤/ ٣٩٢)، ومقدمة رشيد رضا لكتاب قواعد التحديث للقاسمي (ص ٢١/)، وأضواء البيان (٧/ ٥٠٩، ٥٨٤)، وتاريخ الفقه لمحمد السايس (ص/ ١٧٤)، وتبيين المسالك للشنقيطي (١/ ٨ - ٩).\n(^٥) الآية (٢٤) من سورة محمد.\n(^٦) الأحكام في أصول الأحكام (٦/ ١٣١).","vol":"3","page":1376},{"text":"ويقولُ في موضعٍ آخر مبينًا حالَ متمذهبي عصرِه وقُطْرِه ممَّن لَقِيَهم: \"فكيفَ بهم - أي: الصحابة - ﵃ - لو شاهدوا ما نشاهدُ مِن المصائبِ الهادمةِ للإسلامِ على مَن امتحنه الله به، مِن الانتماءِ إلى مذهب فلانٍ وفلانٍ، والإقبالِ على أقوالِ مالكٍ وأبي حنيفةَ والشافعي، وتركِ أحكامِ القرآنِ وكلامِ النبي - ﷺ - ظِهْريًّا\" (^١).\nويشهدُ لما بيّنه ابنُ حزمٍ: ما حكاه أبو شامةَ المقدسي عن بعضِ أرباب المذاهبِ الذين قصُرتْ هممُهم، فلم ينظروا في الأصلين: الكتابِ والسنةِ، بلْ أعرضوا عنهما، وجعلوا أقوالَ أئمتِهم كالأدلةِ عندهم (^٢).\nوقد بَلَغَ الحالُ عند بعضِ المتمذهبين في مناظراتِهم أنْ تنقضي المناظرةُ تلو المناظرةِ، ولا تُسمعُ فيها آيةٌ ولا حديثٌ (^٣).\nوفي الموضوعِ ذاتِه، يقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية عن طريقةِ بعضِ المصنفين في الفقهِ والرأي: \"لم يَذْكرْ إلا رأيَ متبوعِه وأصحابِه، وأعرضَ عن الكتاب والسنةِ ... ككثيرٍ مِنْ أتباعِ أبي حنيفةَ ومالكٍ والشافعي وأحمدَ وغيرِهم\" (^٤).\nويشتكي بدرُ الدّينِ الزركشيُّ مِنْ حالِ بعضِ الفقهاءِ في إعراضِهم عن النصوصِ الشرعيةِ، فيقول: \"مِن البليةِ اقتصارُ كثيرٍ مِن الفقهاءِ على الاستدلالِ على القياسِ، وعدمِ بحثِهم عن النصِّ فيها، وهو موجودٌ لو تطلَّبوه\" (^٥).\nويقولُ الشيخُ محمدٌ الأمين الشنقيطي عن بعضِ أتباعِ الأئمةِ: \"تَرَكُوا\n_________\n(^١) المصدر السابق (٦/ ١٧٥)، وانظر منه: (٦/ ٩٨).\n(^٢) انظر: خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول (ص/ ٩٩ - ١٠٠).\n(^٣) انظر: التحقيق في أحاديث التعليق لابن الجوزي (١/ ٣)، وخطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول لأبي شامة (ص/ ١٠٠).\n(^٤) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٠/ ٣٦٧). وانظر: إعلام الموقعين (٦/ ٦٤ - ٦٦)، وتاريخ التشريع الإسلامي لعلي معوض وزميله (٢/ ٢٧٠).\n(^٥) البحر المحيط (٥/ ٢٧).","vol":"3","page":1377},{"text":"النظرَ في كتابِ الله وسنةِ رسولِه، وأعرضوا عن تعلمِهما إعراضًا كليًا ... \" (^١).\nوأمسى اسمُ الفقيه عند بعضِ الناسِ في عصورٍ خلتْ صادقًا على الذي يحفظُ أقوالَ الفقهاءِ: قويَّها وضعيفَها، ويسردها، من غيرِ تمييزٍ لقوتِها (^٢).\nوقد بيّن الشيخُ حمد بن معمر أنَّ كثيرًا مِنْ أتباعِ المذاهبِ الأربعةِ يهجرون كتبَ السنةِ المطهرةِ، ولا يرجعون إليها، ولا يعملون بما تدلُّ عليه، بلْ هي عندهم للتبركِ! (^٣).\nويقولُ الشيخُ محمد مخلوف: \"انعكسَ الحالُ في عهدِ المتأخرين، فقلَّ ذكرُ النصوصِ مع الفتوى، كما انعكس في تدوينِ كتبِ الفروعِ، فإنَّ في كتبِ المتقدمين مِن البسطِ والبيانِ وأدلةِ الأحكامِ ما ليس في كتب المتأخرين التي وَصَلَ بها الاختصارُ والتجرّدُ عن الأدلةِ إلى ما ترى! \" (^٤).\nولقد استغرب الشيخُ محمدٌ الحجوي (ت: ١٣٧٦ هـ) من الحالِ العلميةِ في عصرِه، فالفقهاءُ أعرضوا عن ذكرِ الأدلةِ على مذهبِهم، والأدلةُ يتأكد ذكرُها في هذا البابِ، والنحاةُ اهتموا بذكرِ أدلةٍ على قواعد النّحوِ، فافتعلوا له أدلةً، ولا ضرورةَ إلى إقامةِ أدلةٍ على قواعدِه (^٥).\nوممَّا زادَ مِنْ بُعْدِ كثيرٍ مِن المتمذهبين في بعضِ العصورِ عن النظرِ في الكتابِ والسنةِ، اهتمامُهم وتركيزُهم واقتصارُهم على كتبِ المذهبِ الموجزةِ\n_________\n(^١) أضواء البيان (٧/ ٥٧٢). وانظر: العَلَم الشامخ لصالح المقبلي (ص / ٤٢١)، وبين متبع ومقلد أعمى للدكتور عامر الزيباري (ص/ ٥٢).\n(^٢) انظر: حجة الله البالغة للدهلوي (١/ ٤٧٢).\n(^٣) انظر: رسالة في الاجتهاد والتقليد (ص/ ٩٥). وراجع: عجائب الآثار للجبرتي (٢/ ٥٣)، والسلفية لعمرو سليم (ص/ ١٠١)، وبدعة التعصب المذهبي لمحمد عباسي (ص/ ١٦٥، ١٦٤).\n(^٤) بلوغ السول (ص/ ٩٩). وانظر: الفكر السامي لمحمد الحجوي (٣/ ١٤٦ - ١٤٧).\n(^٥) انظر: المصدر السابق (٤/ ٤٠٢)، والفقه الإسلامي للدكتور سليمان العطوي (١/ ١٢٠ - ١٢١).","vol":"3","page":1378},{"text":"- التي تخلو عادةً مِنْ نصوصِ الوحيين - فصرفوا عنايتَهم إلى حلِّ ألفاظِها، وتفكيكِ عباراتِها، وبيانِ رموزِها، فشُغِلوا بكثيرِ مِن المناقشاتِ اللفظيةِ عن النظرِ في النصوصِ الشرعيةِ (^١).\nويشهدُ لما بيّنتُه آنفًا الآتي:\nأولًا: ما جاءَ عن بعضِ المالكيةِ في بيانِ كيفيةِ الإفتاءِ في النازلةِ: الفتوى على ما ذكره الإمامُ مالكٌ في (الموطأ)، فإنْ لم يجد النازلةَ في (الموطأ)، فبقولِ الإمام في (المدونة)، فإنْ لم يجدْها فيه، فبقولِ ابنِ القاسمِ في (المدونةِ)، فإنْ لم يجدْها، فبقولِ ابنِ القاسمِ في غيرِ (المدونةِ)، فإنْ لم يجدْها فيه فبقولِ غيرِ ابنِ القاسمِ في (المدونةِ)، وإنْ لم يجدْها، فبقولِ أهلِ المذهبِ (^٢).\nثانيًا: ما جاء عن أبي الحسنِ الكرخي الحنفي مِنْ قولِه: \"الأصلُ: أنَّ كلَّ آيةٍ تخالفُ قولَ أصحابنا، فإنَّها تحملُ على: النسخِ، أو على الترجيحِ، والأَوْلَى أنَّ تُحمل على التأويلِ ... الأصل: أنَّ كلَّ خبرٍ يجيء بخلافِ قولِ أصحابِنا، فإنَّه يُحملُ على: النسخِ، أو على أنَّه معارضٌ بمثلِه، ثم صار (^٣) إلى دليل آخر، أو ترجيح فيه بما يحتج به أصحابنا من وجوه الترجيح ... \" (^٤)، فهذا الحَكمُ الكلي يدفعُ السامعَ إلى الإعراضِ عن نصوصِ الوحيينِ، اكتفاءً بما في المذهبِ مِنْ أحكامٍ.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: الفكر السامي لمحمد الحجوي (٤/ ٣٩٣)، وتاريخ الفقه لمحمد السايس (ص/ ١٧٤)، وبدعة التعصب المذهبي لمحمد عباسي (ص/ ١٥٩)، وابن باديس - حياته وآثاره للدكتور عمار الطالبي (١/ ١٠٨).\n(^٢) انظر: المعيار المعرب للونشريسي (١٢/ ٢٣)، والفتاوى الكبرى الفقهي لابن حجر الهيتمي (٣/ ٢٤).\n(^٣) لعل الصواب: \"يصار\"؛ إذ هو المناسب للسياق.\n(^٤) أصول الكرخي (ص/ ٨٤) مطبوعة مع تأسيس النظر لأبي زيد الدبوسي.","vol":"3","page":1379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>المطلب الثاني: ردُّ دلالة الآيات والأحاديث الثابتة، والتكلف في ذلك</span>\nلا شكَّ في أنَّ عمادَ الأحكامِ الشرعيةِ هو اتباع الدليلِ، ويأتي على رأسِ الأدلةِ دليلُ الكتابِ، ودليلُ السنةِ النبويةِ المطهرةِ.\nومهما أوتي المجتهدُ مِنْ حفظٍ للسنةِ النبويةِ ومعرفةٍ بها، فإنَّ احتمالَ مخالفتِه لدليلٍ منها لم يطلعْ عليه احتمالٌ قوي.\nوأيضًا: فقد لا يأخذ المجتهدُ بما دلَّ عليه الحديث؛ لعدم وقوفِه على إسنادٍ صحيحٍ له، في حين أنَّ الحديثَ ثابتٌ مِنْ طريقٍ آخر.\nإذا تقرَّرَ أنَّ احتمالَ مخالفةِ إمامِ المذهبِ لدليلٍ مِن الكتاب والسنةِ - على وجهِ الخصوصِ - احتمالٌ قائمٌ، فإنَّ هذا الأمرَ يجعل العذرَ قائمًا لدى أتباعِه في مخالفةِ إمامِهم فيما ذَهَبَ إليه، واتِّباع مجتهدٍ آخر أَخَذَ بالدليلِ.\nلكنَّ الأمرَ لم يقعْ على هذا النحوِ عند بعضِ المتمذهبين؛ إذ تمسّكَ بعضُهم بما جاءَ عن إمامِهم، وردّوا حُكْمَ الكتاب والحديثِ النبوي بالتكلّفِ في أوجهِ الجوابِ عنهما، كلُّ ذلك؛ لئلا يخالفوَا إمامَهم ومذهبَهم، فجعلوا قولَ إمامِهم ومذهبَهم أصلًا، فما جاءَ به الكتابُ والسنة موافقًا لأصلِهم قبلوه، وما خالفه ردّوه (^١).\nوأنبّه إلى أنَّ حكايةَ الأثرِ السلبي للتمذهب وبيانَه لا يعني بالضرورةِ وقوعَ كافّة المتمذهبين فيه، وتلبّسهم به، بل المقصودُ أنَّ مِنْ المتمذهبين مَنْ وَقَعَ في هذا الأمر، وتلبَّس به في عصرٍ مِن العصورِ.\n_________\n(^١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٠/ ٣٦٧)، وإعلام الموقعين (٦/ ١٢٧).","vol":"3","page":1380},{"text":"لقد كان مِنْ أسوأِ آثارِ التمذهبِ السلبيةِ، إنْ لم يكن أسوأها، وقوعُ بعضِ المتمذهبين في مخالفةِ نصوصِ الكتاب والسنةِ، بُغْيَةَ البقاءِ على المذهبِ، ولزومِه وعدمِ مفارقتِه (^١)، فردّوا الأدلَّةَ الشرعيةَ، لمجرّدِ مخالفتِها المذهب (^٢).\nولقد بَرَزَ الأثرُ السلبيُّ بصورةٍ أوضح في السنةِ النبويةِ؛ لوقوعِ بعضِ أئمةِ المذاهب في مخالفةِ دليلٍ منها، لأي سببٍ من الأسباب التي يُعذر بها الإمامُ.\nيقولُ أبو الوفاءِ بنُ عقيل: \"المذاهب تُؤْخَذُ مِن الأدلةِ، فأمَّا أنْ تُؤْخَذَ الأدلةُ أو تُصَحّح مِن المذاهبِ، فكلا، وهذا يكثرُ مِن الفقهاءِ\" (^٣).\nويقولُ ابنُ أبي العزِّ الحنفي عن بعضِ متعصبةِ مذهبِه: \"إنْ أُورِدَ عليهم نصٌّ مخالفٌ قوله - أي: قول الإمام أبي حنيفة - تأوّلوه على غيرِ تأويلِه؛ ليدفعوه عنهم\" (^٤).\nوقد أشارَ الشوكانيُّ إلى أنَّ المحاماةَ والمدافعةَ عن المذهب، وإيثارَه على السنةِ النبويةِ الصحيحةِ مِنْ \"ثمراتِ التمذهباتِ، وتقليدِ الَرجالِ في مسائلِ الحلالِ والحرامِ\" (^٥).\nولا يخفى أنَّ اللومَ في هذه الحالةِ يقعُ على مَنْ تلبَّسَ بالأثرِ السيئِ، ولا يشملُ جميعَ المتمذهبين ممَّن لم يتلبسْ به.\nوقد بيَّنَ تقيُّ الدين بنُ تيمية أنَّ تأويلَ النصوصِ - الصحيحة أو\n_________\n(^١) انظر: بدعة التعصب المذهبي لمحمد عباسي (ص/ ١٣٩)، وزوابع في وجه السنة لصلاح الدين مقبول (ص/ ٣٨١).\n(^٢) انظر: المتأخرون بين التجريد والتدليل للدكتور الصادق الغرياني، بحوث الملتقى الأول: القاضي عبد الوهاب المالكي (٦/ ٥٢٨).\n(^٣) الواضح في أصول الفقه (١/ ٣٥٨).\n(^٤) الاتباع (ص/ ٣٠).\n(^٥) نيل الأوطار (٦/ ٥٩٦).","vol":"3","page":1381},{"text":"الضعيفة - تأويلًا غيرَ صحيحٍ، خطأٌ وقعتْ فيه طوائفُ مِن المقلّدين والمتفقهين (^١).\nومِن الخطأِ الواضحِ ردُّ الأحاديثِ النبويةِ إلى المذاهبِ وآرائِها، إذ الواجبُ أنْ تُردَّ المذاهبُ إليها؛ لأنَّ الأحاديثَ النبويةَ حجةٌ على مَنْ خالفها (^٢).\nويحكي ابنُ حزمٍ حالَ بعضِ المتعصبين، فيقول: \"يَضْرِبُون عن كل حجةٍ خالفتْ قولَهم، فإنْ كانت آيةً أو حديثًا تأولوا فيهما التأويلاتِ البعيدة، وحرَّفوهما عن مواضعِهما، فدخلوا في قولِه تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (^٣)، فإنْ أعياهم ذلك قالوا: هذا خصوصٌ، وهذا متروكٌ، وليس عليه العملُ\" (^٤).\nويقولُ العزُّ بنُ عبد السلام عن تصرفاتِ بعض المتمذهبين: \"يتحيَّلُ لدفِعِ ظواهرِ الكتاب والسنةِ، ويتأولها بالتأويلاتِ البعيدةِ الباطلةِ؛ نضالًا عن مقلَّدِه! \" (^٥).\nويقولُ - أيضًا -: \"إنَّ أحدَهم يتَبع إمامَه مع بُعْدِ مذهبه عن الأدلةِ؛ مقلّدًا له فيما قالَ، كأنَّه نبي أُرسلَ إليه! \" (^٦).\nلقدْ أضحى التمسكُ بالمذهبِ عند بعضِ المتمذهبين الأصلَ الذي يسيرُ عليه، وصارَ مِن المألوفِ عندهم ردُّ نصوصِ الكتابِ والسنةِ إذا خالفها\n_________\n(^١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٩/ ٧٤)، و(٢٤/ ١٥٤).\n(^٢) انظر: القواعد للمقري (٢/ ٣٩٦).\n(^٣) وردت هذه الآية في موضعين: الأول: من الآية (٤٦) من سورة النساء، الثاني: من الآية (١٣) من سورة المائدة.\n(^٤) الإحكام في أصول الأحكام (٦/ ١١٧).\n(^٥) القواعد الكبرى (٢/ ٢٧٥). وانظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٤/ ١٥٤)، وإرشاد النقاد للصنعاني (ص / ١٦٣، ١٦٦)، وتعليل الأحكام للدكتور محمد شلبي (ص / ٥٤).\n(^٦) القواعد الكبرى (٢/ ٣٧١).","vol":"3","page":1382},{"text":"قولُ إمامِهم (^١).\nولم يكنْ مِن السهلِ على نفوسِ كثيرٍ مِن المتمذهبين أنْ يرى التعصبَ المذهبيَّ المقيتَ بين أربابِ المذاهبِ، فتأسى بعضُ العلماءِ على حالِ أولئك القومِ، وحذَّروا مِنْ صنيعِهم.\nيقولُ أبو شامةَ المقدسي: \"آلَ بهم - أيْ: بكثيرٍ مِن المقلِّدين للمذاهبِ - التعصّبُ إلى أنْ صارَ أحدُهم إذا أُورِدَ عليه شيءٌ مِن الكتابِ والسنةِ الثابتةِ على خلافِ مذهبِه، يجتهد في دفعِه بكلِّ سبيلٍ مِن التأويلِ البعيدِ؛ نصرةً لقولِه، وإعراضًا عمَّا يجبُ عليه الأخذُ به\" (^٢).\nويقولُ في موضعٍ آخر: \"والأمرُ عند المقلِّدين، أو أكثرِهم بخلافِ هذا - أي: تأويل كلام إمام المذهب؛ ليوافقَ الحديث - إنَّما هم يُؤَوّلون الخبرَ؛ تنزيلًا له على نصِّ إمامِهم\" (^٣).\nولابنِ القيمِ كلماتٌ تُؤكِّدُ ما حكاه أبو شامةَ عن حالِ بعضِ المتمذهبين، فيقول: \"كيفَ يكونُ مِنْ ورثةِ الرسولِ - ﷺ - مَنْ يجهدُ ويكدحُ في ردِّ ما جاءَ به إلى قولِ مقلَّدِه ومتبوعِه، ويضَيّعُ ساعاتِ عمرِه في التعصّبِ والهوى، ولا يشعرُ بتضييعه؟ ! \" (^٤).\nويقولُ - أيضًا - في السياقِ ذاته: \"أمَّا المتعصبون ... فنظروا في السنةِ، فما وافقَ أقوالهم منها قَبِلُوه، وما خالفها تحيَّلوا في ردِّه، أو ردِّ دلالته\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ١١٧ - ١١٨)، ونيل الابتهاج للتنبكي (ص/ ٢٩٤)، ورسالة في الاجتهاد والتقليد لحمد بن معمر (ص/ ٨٩)، والدرر السنية لابن قاسم (٤/ ٥٥)، وإمام الكلام للكنوي (ص/ ٣٦ - ٣٧).\n(^٢) خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول (ص/ ١٠٠).\n(^٣) المصدر السابق (ص/ ١٢٧)، وانظر منه: (ص / ١٣٠ - ١٣١، ١٤٣).\n(^٤) إعلام الموقعين (١/ ١١ - ١٢).\n(^٥) المصدر السابق (٢/ ١٤٣)، وانظر منه: (٣/ ٥٢٣).","vol":"3","page":1383},{"text":"ويقولُ في موضعٍ آخر حاكيًا حالَ متعصبي المذاهب: \"فإذا خالفَ قولُ متبوعِهم نصًّا عن الله ورسولِه، فالواجبُ التمحّلُ والتكلّفُ في إخراجِ ذلك النصِّ عن دلالتِه، والتحيّلُ لدفعِه بكلِّ طريقٍ؛ حتى يصحَّ قولُ متبوعِهم\" (^١).\nوجعلَ المتعصبون - كما نبّه إليه ابنُ القيّمِ - مذهبَهم وقولَ إمامهم عيارًا على الكتاب والسنةِ، فهو المحكمُ، ونصوصُ الكتابِ والسنةِ مِن المتشابهِ، فما وافقَ قولَ إمامِهم منهما احتجوا به وقرروه، وما خالفه تأولوه أو فوضوه (^٢)، فأمسى ضابطُ تأويلِ النصوصِ عندهم هو مخالفةُ المذهبِ (^٣).\nوقد صدَّر ابنُ دقيق العيد كتابَه: (شرح الإلمام بأحاديث الأحكام) (^٤) ببيانِ المنهجِ القويمِ مع النصوصِ الشرعيةِ، فقالَ: \"يُجعل الرأيُ هو المؤتمّ، والنصُّ هو الإمام، وتُرَدُّ المذاهبُ إليه، وتُضمُّ الآراءُ المنتشرةُ حتى تقف بين يديه.\nوأمَّا أنْ يُجعلَ الفرعُ أصلًا، بردِّ النصِّ إليه بالتكلّفِ والتحيّلِ، ويُحْمَل على أَبْعَدِ المحاملِ، بلطافةِ الوهم، وسعةِ التخيّلِ، ويرْكَب في تقريرِ الآراءِ الصعب والذَّلول، ويعملُ مِن التأويلاتِ ما تَنْفُر عنه النفوسُ، وتستنكره العقولُ: فذلك عندنا مِنْ أردأِ مذهبٍ، وأسوأِ طريقةٍ ... ومتى يُنْصِفُ حاكمٌ مَلَكَتْه العصبيةُ؟ ! \".\nوإذا كان صدورُ التعصبِ بردِّ الكتاب والسنةِ مِن المتمذهبين الذين لم يتمكنوا مِن العلمِ، غيرَ مقبولٍ ولا سَائغٍ، فكيفَ إذا صَدَرَ مِن بعضِ المتمكنين في علومِ الشريعةِ؟ !\n_________\n(^١) المصدر السابق (٣/ ٤٩٠)، وانظر منه: (٣/ ٥٢٢).\n(^٢) انظر: الفروسية المحمدية (ص/ ٢٨٤ - ٢٨٥)، والصواعق المرسلة (١/ ٢٣٠ - ٢٣١).\nوراجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٤/ ١٥٤)، والاتباع لابن أبي العز (ص/ ٣٠)، وبدعة التعصب المذهبي لمحمد عباسي (ص/ ١٢٧).\n(^٣) انظر: الصواعق المرسلة (١/ ٢٣٢ - ٢٣٣)، ومدارج السالكين (٣/ ١٨٢).\n(^٤) (١/ ٦). وانظر: أضواء البيان للشنقيطي (٧/ ٥٧٢).","vol":"3","page":1384},{"text":"يقولُ أبو عبد الله المقّري: \"تَرَى الرجلَ يبذلُ جهدَه في استقصاءِ المسائلِ، ويستفرغُ وسعَه في تقديرِ الطُرقِ، وتحريرِ الدلائلِ، ثم لا يختارُ إلا مذهبَ مَن انتصرَ له وحدَه؛ لمحضِ التعصّب له، مع ظهورِ الحجةِ الدامغةِ، ثم يَنْكّفُ عن محجّتِها إلى الطرقِ الرائغةِ\" (^١)\nومِن الحيلِ في ردِّ النصوصِ الشرعيةِ التي يصنعها بعضُ المتمذهبين إذا خالفَ مذهبُهم الدليلَ: ادِّعاءُ نسخِ النصِّ بغيرِ دليلٍ يدل عليه؛ يقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية: \"نَجِدُ كثيرًا مِن الناسِ، ممَّنْ يخالفُ الحديثَ الصحيحَ - مِنْ أصحابِ أبي حنيفةَ أو غيرِهم - يقول: هذا منسوخٌ.\nوقد اتخذوا هذا محنةً (^٢)؛ كلُّ حديثٍ لا يوافقُ مذهبَهم يقولون: هو منسوخٌ، مِنْ غيرِ أنْ يعلموا أنَّه منسوخٌ، ولا يُثْبِتُوا ما الذي نَسَخَه؟ \" (^٣).\nويقولُ شمسُ الدِّين بنُ القيمِ: \"وكثيرٌ من المقلدةِ المتعصبين إذا رأوا حديثًا يخالفُ مذهبَهم يتلقونه بالتأويلِ وحملِه على خلافِ ظاهرِه ما وجدوا إليه سبيلًا، فإذا جاءهم مِنْ ذلك ما يغلبهم فزِعوا إلى دعوى الإجماعِ على خلافِه، فإنْ رأوا مِن الخلافِ ما لا يمكنهم معه دعوى الإجماع، فزِعوا إلى القولِ بأنَّه منسوخٌ\" (^٤).\nولقد جرَّتْ صورُ التعصب هذه إلى الجمودِ المذهبي، وعدمِ التزحزح عن المذهبِ مهما كان ضعيفًا (^٥).\nيقولُ العزُّ بنُ عبد السلام حاكيًا حالَ بعضِ المتمذهبين الذين جمدوا\n_________\n(^١) نقل كلامَ أبي عبد الله المقّري الونشريسيُّ في: المعيار العرب (٢/ ٤٨٣).\n(^٢) هكذا وردت اللفظة في: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢١/ ١٥٥)، ويظهر أنها محرفةٌ من: \"مهنة\".\n(^٣) المصدر السابق. وانظر: إعلام الموقعين (٣/ ٥٢٢)، وأدب الطلب للشوكاني (ص/ ٢٣٥ - ٢٣٦).\n(^٤) كتاب الصلاة (ص/ ٢٢١ - ٢٢٢) ط/ دار عالم الفوائد، وانظر: منه (ص/ ٣٩٧).\n(^٥) انظر: منهج ابن تيمية في الفقه للدكتور سعود العطيشان (ص/ ١٥٠).","vol":"3","page":1385},{"text":"على مذهبِهم: \"مِن العجبِ العجيبِ أنَّ الفقهاءَ المقلِّدين يقفُ أحدُهم على ضعفِ مأخذِ إمامِه، بحيثُ لا يجدُ لضعفِه مدفعًا، وهو مع ذلك يقلِّده فيه، ويتركُ مَنْ شَهِدَ الكتابُ والسنةُ والأقيسةُ الصحيحةُ لمذهبِه؛ جمودًا على تقليدِ إمامِه ... وقد رأيناهم يجتمعون في المجالسِ، فإذا ذُكِرَ لأحدِهم خلافُ ما وطَّن نفسَه عليه، تعجّبَ منه غايةَ العجبِ، مِنْ غيرِ استرواحٍ إلى دليلٍ، بلْ لما أَلِفَه مِنْ تقليدِ إمامِه\" (^١).\nويحكي أبو شامةَ المقدسي عن حالِ بعضِ الشافعيةِ بعد التفاتِهم إلى مؤلفاتِ أبي إسحاق الشيرازي، وأبي حامد الغزالي، فيقول: \"كَثُرَ المتعصبون لهما، حتى صار المتبحّر المرتفعُ عند نفسِه يرى أنَّ نصوصَهما كنصوصِ الكتابِ والسنةِ\" (^٢).\nوَيرَى بعضُ المتمذهبين أنَّ كلَّ ما في مذهبِهم مِن الأقوالِ والأصولِ صوابٌ، وأن ما خالفه خطأٌ (^٣)، وأدَّى هذا الأمرُ إلى ركونِ كلِّ أرباب مذهبٍ إلى مذهبِهم، دون تفكيرٍ في تركِ ما في مذهبِهم مِنْ أقوالٍ.\nويلحقُ بهذا اللون مِن التعصّبِ: ما يصنعه بعضُ المتمذهبين بالاختلافِ في استعمالِ القواعدِ الأصوليةِ بناءً على ما فيها مِن الأقوالِ، فإن كانت القاعدةُ الأصوليةُ بناءً على أحدِ الأقوالِ فيها تخدمُ مذهبَهم أخذوا بها، وإنْ كانت القاعدةُ نفسُها تخدمُ المذهبَ بناءً على قولٍ آخر فيها أخذوا بها على القولِ الآخرِ وخالفوا ما صنعوه أولًا.\nيقولُ ابنُ القيّم في هذا الصددِ: \"وممَّا يُقضى منه العجب: أنَّهم - أي: بعض الفقهاء - إذا رأوا الروايةَ عن صاحبٍ مِنْ أصحابِ رسولِ الله - ﷺ - أو غيرِه بخلافِ ما روى توافقُ قولَ مَنْ قلّدوه، قالوا: ما كانَ ليتركَ ما روى\n_________\n(^١) القواعد الكبرى (٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥).\n(^٢) خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول (ص/ ١٤٠).\n(^٣) انظر: إمام الكلام للكنوي (ص/ ٣٦)، وتأريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٣٠٦).","vol":"3","page":1386},{"text":"عن النبي - ﷺ - إلا وهو عنده منسوخٌ، أو لأمرٍ اطلع عليه خفي علينا، وإلا قَدَحَ ذلك في عدالتِه وسقطتْ روايتُه رأسًا، ويبطلُ جميعُ ما رواه. فإذا كانت الروايةُ عنه بفتواه بخلافِ ما روى تخالفُ قولَ مَنْ قلّدوه والحديثُ يوافقُ قولَه، قالوا: الحجةُ فيما روى، ولعله نسي أو تأولَ تأويلًا ظنَّه موجِبًا لترك ما رواه، وليس الأمرُ كذلك في نفسِ الأمرِ ... والميزانُ عندهم هو قولُ مَنْ قلدوه\" (^١).\nمثال للتكلف في ردِّ الدليل: تأويلُ حديثِ عائشةَ - ﵂ - عن النبي - ﷺ - قال: (أيّما امرأة نكحتْ بغيرِ إذن وليها، فنكاحُها باطلٌ باطلٌ باطلٌ) (^٢).\n_________\n(^١) رفع اليدين في الصلاة لابن القيم (ص/١٨٧).\n(^٢) أخرج حديث عائشة ﵂: أبو داود في: سننه، كتاب: النكاح، باب: في الولي (ص / ٣١٦)، برقم (٢٠٨٣)؛ والترمذي في: جامعه، كتاب: النكاح عن رسول الله - ﷺ -، باب: (دون ترجمة)، (ص/ ٢٥٩)، برقم (١١٠٢)، وقال: \"هذا حديث حسن\". والنسائي في: السنن الكبرى، كتاب: النكاح، باب: الثيب تجعل أمرها لغير وليها (٥/ ١٧٩)، برقم (٥٣٧٣)؛ وابن ماجه في: السنن، كتاب: النكاح، باب: لا نكاح إلا بولي (ص/ ٣٢٧)، برقم (١٨٧٩)؛ وسعيد بن منصور في: السنن (ط/ الأعظمي)، باب: من قال لا نكاح إلا بولي (١/ ١٧٥)، بالرقمين (٥٢٨ - ٥٢٩)؛ وعبد الرزاق في: المصنف، كتاب: النكاح (٦/ ١٩٥)، برقم (١٠٤٧٢)؛ والحميدي في: المسند (١/ ٢٧٢)، برقم (٢٣٠)؛ وابن أبي شيبة في: المصنف، كتاب: النكاح، باب: من قال: لا نكاح إلا بولي وسلطان (٩/ ٣٣)، برقم (١٦٧١٦)؛ وأحمد في: المسند (٤٠/ ٢٤٣)، برقم (٢٤٢٠٥)؛ والدارمي في: المسند، كتاب: النكاح، باب: النهي عن النكاح بغير ولي (٣/ ١٣٩٧)، برقم (٢٢٣٠)؛ وأبو يعلى في: المسند (٤/ ٣٨٧)، برقم (٢٥٠٨)؛ والطحاوي في: شرح معاني الآثار، كتاب: النكاح، باب: النكاح بغير ولي عصبة (٣/ ٧)؛ وابن حبان في: الصحيح، كتاب: النكاح، باب: الولي (٩/ ٣٨٤)، برقم (٤٠٧٤)، وقال: \"هذا خبرٌ أوهم مَنْ لم يُحكم صناعة الحديث أنه منقطع أولا أصل له؛ بحكاية حكاها ابنُ علية عن ابن جريج في عقب هذا الخبر ... وليس هذا مما يَهِي الخبرُ بمثله ... \". والدارقطني في: السنن، كتاب: النكاح (٤/ ٣١٣)، برقم (٣٥٢٠)؛ والحاكم في: المستدرك، كتاب: النكاح (٢/ ٢٠٩)، برقم (٢٧٠٦)، وقال: \"هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخين، ولم يخرّجاه\". وأبو نعيم في: حلية الأولياء (٦/ ١٨٨)؛ والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: النكاح، باب: لا نكاح إلا بولي (٧/ ١٠٥)؛ وفي: معرفة السنن والآثار، كتاب: النكاح، باب: لا نكاح إلا بولي (١٠/ ٢٩)، برقم (١٣٥٠٦)، وقال: \"هذا حديث رواه عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، وكلهم ثقات\". والبغوي في: شرح السنة، كتاب: النكاح، باب: رد النكاح بغير =","vol":"3","page":1387},{"text":"دلالةُ الحديثِ على اشتراطِ الولي في عقدِ النكاح دلالةٌ واضحةٌ، ولأنَّ مذهبَ الحنفيةِ لا يتفق مع ما دلَّ عليه الحديثُ، فإن بعضَهم لم يُسلّم بدلالته، وراح يتأوّله بعدّةِ تأويلات.\nيقولُ الطوفي: \"إنَّ الحنفيةَ لما اعتقدوا أنَّ المرأةَ لها أنْ تُزوِّجَ نفسَها بغيرِ أذنِ وليها؛ لأنَّه عقدٌ على بعضِ منافعِها، فاستقلّتْ به، كإجارةِ نفسِها، وكان الحديثُ المذكورُ صريحًا في اشتراطِ أذنِ وليّها، وأنَّه لا يصُّح بدونِه: احتاجوا إلى دفعِه عنهم بالتأويلِ\" (^١).\nفأوَّل عددٌ مِنْ الحنفيةِ الحديثَ بعدة تأويلات، منها (^٢):\nالتأويل الأول: يُحْمَل الحديثُ على الصغيرةِ.\nالتأويل الثاني: يُحْمَلُ الحديث على الأَمَةِ.\nالتأويل الثالث: يُحْمَلُ الحديثُ على المكاتبة (^٣).\n_________\n= ولي (٩/ ٣٩)، برقم (٢٢٦٢)، ونقل تحسين الترمذي.\nوقال ابنُ الجوزي في: التحقيق في أحاديث التعليق (٤/ ٢٨٦) عن إسناد الترمذي: \"رجاله رجال الصحيح\".\nوتعقب ابن عبد الهادي في: تنقيح التحقيق (٤/ ٢٨٧) قول ابن الجوزي؛ لأن في الإسناد سليمان بن موسى، وليس من رجال الصحيح.\nوصحح الحديثَ: ابنُ معين في: التاريخ (٣/ ٢٣٢)، رقم (١٠٨٩)، وأبو عوانة وابن خزيمة - كما نقل الحافظ ابنُ حجر تصحيحهما في: فتح الباري (٩/ ١٩١) - وابنُ الملقن في: البدر المنير (٧/ ٥٥٣)، والألبانيُّ في: إرواء الغليل (٦/ ٢٤٣).\nوللتوسع في الحديث انظر: نصب الراية للزيلعي (٣/ ١٨٣ - ١٩٠)، والبدر المنير لابن الملقن (٧/ ٥٥٣ - ٥٦٢)، والتلخيص الحبير لابن حجر (٥/ ٢٢٧٦ - ٢٢٧٩)، وإرواء الغليل للألباني (٦/ ٢٤٣ - ٢٤٧).\n(^١) شرخ مختصر الروضة (١/ ٥٧٤).\n(^٢) ذكر السرخسي في: أصوله (٢/ ٣) أنَّ الإمام أبا حنيفة، وأبا يوسف لم يعملا بحديث عائشة - ﵄ - لأن أحدَ رواته أنكر روايته. وانظر: شرح معاني الآثار للطحاوي (٣/ ٨ وما بعدها)، وأحكام القرآن للجصاص (٢/ ١٠٣)، وتقويم أصول الفقه لأبي زيد الدبوسي (٢/ ٢٩٥)، والتقرير لأصول فخر الإسلام للبابرتي (٤/ ٣٨٨).\n(^٣) انظر: البرهان (١/ ٣٣٩)، وقواطع الأدلة (٣/ ٤٦)، والمستصفى (٢/ ٥٦)، وإيضاح المحصول للمازري (ص/ ٣٧٨).","vol":"3","page":1388},{"text":"ويعلّقُ الطوفيُّ على التأويل الثالثِ، فيقولُ: \"هذا التأويلُ تعسفٌ، وهو سلوكُ غيرِ الطريقِ المعروفِ؛ لأنَّ النصَّ عامٌّ في غايةِ القوةِ\" (^١).\n* * *\n_________\n= والمكاتبة: الأمة التي تشتري نفسها من سيدها على مالٍ منجم على أوقات معلومة. انظر: الزاهر في غريب ألفاظ الإمام الشافعي للأزهري (ص/ ٥٦١)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (كتب)، (ص/ ٤٢٧).\n(^١) شرح مختصر الروضة (١/ ٥٧٥). وانظر: البرهان (١/ ٣٣٩ وما بعدها)، وقواطع الأدلة (٣/ ٤٦ وما بعدها)، والمستصفى (٢/ ٥٦)، وإيضاح المحصول للمازري (ص/ ٣٧٨ وما بعدها)، والعقد المنظوم للقرافي (٢/ ١٢٦).\nوانظر مثالًا آخر للتكلف في رد الأحاديث المخالفة للمذهب في: رفع اليدين لابن القيم (ص/ ٢٠٧ وما بعدها).","vol":"3","page":1389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>المطلب الثالث: الانتصار للمذهب بالأحاديث الواهية</span>\nلقد حذَّر النبيُّ - ﷺ - مِن الكذب عليه، فقال - ﷺ -: (مَنْ كذب عليَّ متعمدًا، فليتبوأ مقعدَه مِن النارِ) (^١)، وَقد اهتمَّ علماءُ الحديثِ بتَنْقِيَةِ أحاديثِ النبي - ﷺ - ممَّا وضعه الوضاعون، فرسموا المنهجَ الصحيحَ للحُكْمِ على الحديثِ: قبولًا أو ردًّا، فأصَّلوا وقعَّدوا ما يتصلُ بعلومِ الإسنادِ والمتنِ.\nوممَّا تميزتْ به الأمةُ الإسلاميةُ: وجودُ الإسنادِ الذي ضمنَ لها معرفةَ درجةِ ما أُسنِدَ إلى النبي - ﷺ - مِنْ حيثُ الصحةُ والضعفُ.\nومع كلِّ أسفٍ، فإنَّ بعضَ الناسِ سوَّلتْ لهم أنفسُهم الكذبَ على النبي - ﷺ -، وقد تعدّدتْ أغراضُهم في هذا الأمرِ.\nوالذي يهمني في هذا المطلب بيان أمرين:\nالأمر الأول: بيانُ أنَّ بعضَ المتمذهبين وَضَعَ أحاديثَ تؤيّد ما قاله إمامُ مذهبِه.\nالأمر الثاني: بيان أنَّ بعضَ المتمذهبين ينصرون مذهبَهم بأحاديث واهيةٍ.\nوقبلَ الحديثِ عن هذين الأمرين، تحسنُ الإشارةُ إلى أنَّني لا أتكلم في هذا المطلبِ عن الحديثِ الضعيفِ الذي يَرِدُ عند بعضِ فقهاءِ المذاهب\n_________\n(^١) جاء الحديث عن عددِ من الصحابة - ﵃ -، منهم: أبو هريرة - ﵁ -، وأخرج حديثه: البخاري في: صحيحه، كتاب: العلم، باب: إثم من كذب على النبي - ﷺ - (ص/ ٤٦)، برقم (١١٠)؛ ومسلم في: صحيحه، في: المقدمة، باب: في التحذير من الكذب على رسول الله - ﷺ - (١/ ٥)، برقم (٣).\nيقول تاج الدين التبريزي في: المعيار في الأحاديث الضعيفة والموضوعة عن الحديث (١/ ٢٩ - ٢٨): \"يرويه عن رسول الله - ﷺ - العشرةُ المشهود لهم بالجنة، وغيرهم إلى أحد وستين نفسًا من الصحابة\".","vol":"3","page":1390},{"text":"وأصوليهم؛ إذ رأْيُ عددٍ من العلماء جوازُ الاستدلالِ بالحديثِ الضعيفِ بشروطٍ معينةٍ (^١)، وليس المقامُ متَّسعًا للحديثِ عنها.\nالأمر الأول: بيانُ أنَّ بعضَ المتمذهبين وَضَعَ أحاديثَ تؤيّد ما قاله إمامُ مذهبِه.\nلا يختلفُ أحدٌ في مدى قوةِ القولِ إذا أيّده دليلٌ مِنْ سنةِ النبي - ﷺ -، إذ حديثُه - ﷺ - أصلٌ تُبْنَى عليه أقوالُ المذاهبِ (^٢).\nويظهرُ أنَّ الرغبةَ في إظهارِ صحةِ قولِ إمامِ المذهب وقوتِه، أورثتْ عند بعضِ ضعفاءِ أتباعِ الإمامِ وجهلتهم رغبةً في تقويةِ قولَ إمامِهم وتأييدِه بمختلفِ الطُّرُقِ، وشتَّى الوسائلِ (^٣)، فكان مِنْ الوسائلِ اختلاقُ الأحاديثِ المؤيّدةِ والشاهدةِ لمذهبِه في مسألةٍ معيّنةٍ، أو اختلاقُ الأحاديثِ التي تَحُثُّ على الأخذِ بمذهبِ الإمامِ جُملةً، أو تحريف النصوص النبوية لموافقة المذهب (^٤).\nوقد نصَّ ابنُ الجوزي (^٥)، وشهابُ الدين القرافي (^٦) على أنَّ مِنْ\n_________\n(^١) للتوسع في مسألة: (الاحتجاج بالحديث الضعيف في الأحكام)، انظر: الحديث الضعيف للدكتور عبد الكريم الخضير (ص/ ٢٤٩ - ٣٠٠).\n(^٢) انظر: معالم السنن للخطابي (١/ ٥).\n(^٣) انظر: المدخل للفقه الإسلامي للدكتور عبد الله الدرعان (ص/ ١٠٠).\n(^٤) انظر: المعيار في الأحاديث الضعيفة والموضوعة لتاج الدين التبريزي (١/ ٢٦)، وتاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة (ص/ ٢٦٧)، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور عبد الله الدرعان (ص/ ١٠٠)، وآثار اختلاف الفقهاء لأحمد الأنصاري (ص/ ٢٧٦)، والمدخل لدراسة الفقه لمحمد حنفي (ص/٨٧)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص / ١١٠ - ١١١)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ١٢٨)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد حسين (ص/ ١١٨)، والجديد في تاريخ الفقه للدكتور محمد إمبابي (ص/ ٥٥)، وتاريخ التشريع للدكتور محمود عثمان (ص/ ١٦١)، ومدخل لدراسة الفقه لمحمد محجوبي (ص/٨٧ - ٨٨)، وكتب حذر منها العلماء لمشهور آل سلمان (١/ ١٦٧).\n(^٥) انظر: الموضوعات (١/ ٢٠).\n(^٦) انظر: نفائس الأصول (٢/ ٥٤٦).","vol":"3","page":1391},{"text":"دوافعِ الكذبِ ودواعيه على النبي - ﷺ - عندَ بعضِ الناسِ، الرغبةَ في نُصْرَةِ المذهبِ.\nيقولُ الشيخُ عبدُ الرحمنِ المعلميّ عنْ وضعِ الحديثِ لنصرةِ المذهبِ: \"ومِنْ شأنِ الدجالين أنْ يركبَ أحدُهم للحديثِ الواحدِ عدةَ أسانيد؛ تغريرًا للجهال، وأنْ يضعَ أحدُهم فيسرق الآخرُ ويركب سندًا مِنْ عنده، ومنْ شأنِ الجهالِ المتعصبينَ أنْ يتقربوا بالوضعِ والسرقةِ وتركيب الأسانيد ... \" (^١).\nوإنْ كان هذا الأمرُ في متعصبي الفِرَقِ العَقَدِية أظهرَ منه في متعصبي المذاهبِ الفقهيةِ (^٢).\nومن الشواهدِ المؤلمةِ على هذا الأمرِ: ما جاءَ في ترجمةِ: أصبغَ بنِ خليلِ المالكي (^٣) في كتاب: (تاريخ علماء الأندلس) (^٤)، إذ وَرَدَ فيها أنَّه: \"كان حافظًا للرأي على مذهب مالكٍ وأصحابِه، فقيهًا ... دارتْ الفتيا عليه في الأندلسِ خمسين عامًا ... ولم يكنْ له علمٌ بالحديثِ، ولا معرفة بطُرُقِه، بلْ كان يباعدُه، ويطعنُ على أصحابِه، وكان متعصبًا لرأي أصحابِ\n_________\n(^١) التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل (١/ ٤٤٩).\n(^٢) انظر: المدخل لدراسة الفقه لمحمد حنفي (ص/ ٨٧)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١١٠ - ١١١)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ١٢٨)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد حسين (ص/ ١١٨)، والجديد في تاريخ الفقه للدكتور محمد إمبابي (ص/ ٥٥)، وتاريخ التشريع للدكتور محمود عثمان (ص/ ١٦١)، ومدخل لدراسة الفقه لمحمد محجوبي (ص/ ٨٧ - ٨٨).\n(^٣) هو: أصبغ بن خليل، أبو القاسم القرطبي، كان من أعيان المذهب المالكي، حافظًا لمذهبه، فقيهًا في الشروط، بصيرًا في العقود، عارفًا بالوثائق، ولي قضاء بطليوس، وكان معاديًا للآثار، وليس له معرفة بالحديث، شديد التعصب لرأي مالك وأصحابه، حسن القياس والتمييز، توفي سنة ٢٧٣ هـ عن ثمانيةٍ وثمانين عامًا. انظر ترجمته في: جذوة المقتيس للحميدي (ص/ ٢٤٧)، وترتيب المدارك للقاضي عياض (٤/ ٢٠٥)، وبغية الملتمس للضبي (ص/ ٢١٩)، وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٠٢)، وتاريخ الإسلام للذهبي (٦/ ٥١٩)، والديباج المذهب لابن فرحون (١/ ٣٠١)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٧٥).\n(^٤) (١/ ١٢٩ - ١٣٠).","vol":"3","page":1392},{"text":"مالكٍ، ولابنِ القاسم مِنْ بينهم، وبَلَغَ به التعصبُ لأصحابِه أنَّ افتعلَ حديثًا في تركِ رفعِ اليدينِ في الصلاةِ بعد الإحرامِ، ووَقَفَ الناسُ على كذبِه ... \".\nوقد نَقَلَ القاضي عياضٌ عن بعضِ المالكية (^١) تفسيرًا لما صنعه أصبغُ، فقال: \"إنَّ أصبغَ لم يقصد الكذبَ على رسولِ الله - ﷺ -، وإنَّما ظَهَرَ له أنَّه يريدُ تأييدَ مذهبِه\" (^٢).\nمثال لحديثٍ وُضِعَ في تفضيلِ بعض الأئمة، والتنقصِ مِنْ بعضِهم:\nحديثُ أنس بن مالك - ﵁ -: (يكون في أمتي رجلٌ، يقال له: محمد بنُ إدريس، أضرّ على أمتي مِنْ إبليس، ويكون في أمتي رجلٌ يقال له: أبو حنيفة، هو سراج أمتي، هو سراج أمتي) (^٣).\nوالذي يظهرُ لي أنَّ الواقعين في شَرَك الكذب على النبي - ﷺ - بُغْيةَ نصرةِ المذهبِ، قلةٌ قليلةٌ مِن المتمذهبين، ولعلَّ غالبهَم مِن الذين لم يفهموا ولم يتعلموا مِنْ علومِ الشريعةِ قدرًا كبيرًا (^٤).\n_________\n(^١) هو: أحمد بن خالد بن يزيد القرطبي.\n(^٢) ترتيب المدارك (٤/ ٢٥٢).\n(^٣) أخرج الحديث: الجوزجاني في: الأباطيل والمناكير (١/ ٢٨٣)، برقم (٢٦٦)، وقال: \"هذا حديثٌ موضوعٌ باطلٌ، لا أصل له من كلام رسول الله - ﷺ -، ولا أنس بن مالك حدّث به\". وابن الجوزي في: الموضوعات (٢/ ٣٠٤)، برقم (٨٧٠)، وقال: \"هذا حديثٌ موضوعٌ، لعن الله واضعه، وعليه اللعنة\".\nوانظر: كشف الخفاء للعجلوني (١/ ٣٣)، والفوائد المجموعة للشوكاني (ص/ ٢٤٠).\nوللاطلاع على وضع بعض المتمذهبين للحديث بغية الثناء على إمامهم، انظر: التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل لعبد الرحمن المعلمي (١/ ٤٤٦).\nوللاطلاع على تحريف بعض المتمذهبين للحديث بغية موافقة المذهب، انظر: تحريف النصوص من مآخذ أهل الأهواء لبكر أبو زيد (ص/ ٢٥٢ وما بعدها) ضمن مجموع: الردود، وزوابع في وجه السنة لصلاح الدين مقبول (ص/ ٣٢٥ وما بعدها)، وكتب حذر منها العلماء لمشهور آل سلمان (١/ ١٦٥ وما بعدها).\n(^٤) ذكر أبو عبد الله القرطبي في: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي (١/ ١١٥) أنَّ من أرباب أهل الرأي مَنْ أجازَ نسبةَ الحُكمِ الذي دلَّ عليه القياسُ إلى رسولِ الله - ﷺ -، =","vol":"3","page":1393},{"text":"الأمر الثاني: بيانُ أنَّ بعضَ المتمذهبين ينصرون مذهبَهم بأحاديث واهيةٍ.\nبعدَ استقرارِ المذاهبِ والبدءِ في التأليفِ المذهبي، وَقَعَ بعضُ المتمذهبين في التساهلِ في إيرادِ بعضِ الأحاديثِ الواهيةِ والأحاديثِ شديدةِ الضعفِ المؤيّدةِ لمذهبِهم (^١).\nوما مِنْ شكٍّ في أنَّ وجودَ هذا الأمر ممَّا يشوّه المذهبَ ومؤلفاتِه التي تضمّنت هذه الأحاديث.\nويدلُّ على تفشّي تساهل بعضِ الفقهاءِ في الاستدلالِ بالأحاديثِ شديدةِ الضعفِ: ما ذكره أبو عبد الله المقّري في كتابِه: (القواعد) (^٢)؛ إذ ذَكَرَ مِن القواعد ما نصّه: \"قاعدةٌ: حذَّر الناصحون مِنْ أحاديثِ الفقهاءِ\".\nولقد كان انقسامُ العلماءِ إلى طائفتين رئيستين: أهل الحديث والأثر، وأهل الفقه والنظر (^٣)، داعيًا إلى بُعْدِ بعضِ الفقهاءِ عن معرفةِ الحديثِ، وما يتصل بدرجتِه والحكمِ عليه.\nيقولُ أبو سليمان الخطابي حاكيًا حالَ الفقهاءِ في عصرِه: \"أهلُ الفقهِ\n_________\n= فيقول: قالَ رسولُ الله - ﷺ - كذا، وقد علَّق على هذا قائلًا: \"ولذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث مرفوعة تشهد متونها بأنها موضوعة؛ لأنها تشبه فتاوى الفقهاء، ولا تليق بجزالة سيد المرسلين\".\nوقد نقل كلام أبي عبد الله القرطبي جماعة من أهل العلم، منهم: الزركشي في: النكت على مقدمة ابن الصلاح (٢/ ٢٨٥)، وابن حجر في: النكت على كتاب ابن الصلاح (٢/ ٨٥٢)، والسخاوي في: فتح المغيث (٢/ ١٢٠)، وعبد الرحمن المعلمي في: التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل (١/ ٤٤٩).\n(^١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٢/ ٢٥٥)، وأدب الطلب للشوكاني (ص/ ١٣١)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عمر الأشقر (ص / ١٥٤ - ١٥٥)، وبين متبع ومقلد أعمى للدكتور عامر الزيباري (ص/ ٥٢، ٧٦)، وتاريخ التشريع الإسلامي لعلي معوض وزميله (٢/ ٢٧٠).\n(^٢) (١/ ٣٤٩)، وانظر منه: (١/ ٣٥٠ - ٣٥١).\n(^٣) انظر: معالم السنن للخطابي (١/ ٥).","vol":"3","page":1394},{"text":"والنظرِ: أكثرُهم لا يُعَرِّجون مِن الحديثِ إلا على أقلِّه، ولا يكاد يميزون صحيحَه مِنْ سقيمِه، ولا يعرفون جيّدَه مِنْ رديئِه\" (^١).\nويقولُ تقيُّ الدِّينِ بنُ تيميةَ: \"وجمهورُ المتعصبينَ لا يعرفونَ مِن الكتابِ والسنةِ إلا ما شاء اللهُ، بلْ يتمسكونَ بأحاديث ضعيفة أو اراء فاسد\" ... \" (^٢).\nوإذا كان أربابُ المذهب يُعَنَوْنَ بتحققِ أقوالِ إمامِهم، فلا يقبلون نقلَ أيّ ناقلٍ عنه، فأَوْلى بهم أن يُوْلُوا حديثَ النبي - ﷺ - العنايةَ اللائقة؛ لئلا يقعوا في الاستدلالِ بما لا يصحُّ عنه - ﷺ - (^٣).\nيقولُ الدكتورُ الصادقُ الغرياني عن بعضِ مؤلفاتِ علماءِ المالكيةِ: \"إنَّك لتعجبُ حين ترى في الحواشي والشروحِ المتأخرةِ الاستشهادَ - على قِلَّتِه - بالواهي أو الموضوعِ، وبالألفاظِ التي لا تجدُ لها أصلًا في كتبِ الحديثِ\" (^٤).\nويصدقُ كلامُ الدكتور الصادق الغرياني على بقيةِ المذاهبِ، مع تفاوتٍ بينها في هذا الأمرِ قلةً وكثرةً.\nوقد بيَّن أبو الوفاءِ بنُ عقيلٍ الحنبلي أنَّ مِنْ أرباب مذهبِه مَنْ يتبعُ المذهبَ بالعصبيةِ، ثمَّ يطلبون أدلةً عليه، وكما هو معلوم، فإنَّ صاحبَ العصبيةِ يأخذ بأيّ شيءٍ يتخيّله دليلًا لمذهبِه (^٥).\nويقولُ ابنُ حزمٍ: \"فإنَّهم - أيْ: أتباع الإمامِ أبي حنيفة والإمامِ مالكٍ -\n_________\n(^١) المصدر السابق (١/ ٧).\n(^٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٢/ ٢٥٤ - ٢٥٥). وانظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي (١/ ١١٥).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (١/ ٧ - ٩).\n(^٤) المتأخرون بين التجريد والتدليل، بحوث الملتقى الأول: القاضي عبد الوهاب المالكي (٦/ ٥٢٨).\n(^٥) انظر: أصول الفقه لابن مفلح (١٣/ ١٤٣)، والتحبير (٧/ ٣٧٠٦).","vol":"3","page":1395},{"text":"يأخذون مِن الحجاجِ ما وافق مذهبَهم، وإنْ كان خبرًا موضوعًا\" (^١).\nويؤكّدُ ما تقدم آنفًا أمورٌ، منها:\n- ما حكاه أبو بكرٍ البيهقي (ت: ٤٥٨ هـ) عن حالِ بعضِ الشافعيةِ في عصرِه، قائلًا: \"رأيتُ المُحْدَثِين مِنْ أصحابِنا يُرْسِلُونَها - أي: الأخبار - في المسائلِ على ما يحضرُهم مِنْ ألفاظِها، مِنْ غيرِ تمييزٍ منهم بين صحيحِها، وسقيمِها ... \" (^٢)، إلى أنْ قالَ عنهم: \"ولو عَرَفُوه - أي: علم الحديث - معرفتَهم - أيْ: معرفة متقدمي الشافعية بعلمِ الحديثِ - لميّزوا صحيحَ ما يوافقُ أقوالَهم مِنْ سقيمِه، ولأمسكوا عن كثيرٍ ممَّا يحتجّون به، وإنْ كان يطابقُ أقوالَهم، ولاقتدوا في تركِ الاحتجاجِ بروايةِ الضعفاءِ والمجهولين بإمامِهم\" (^٣).\n- وما حكاه ابنُ الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) في فاتحةِ كتابِه: (التحقيق في أحاديث التعليق) (^٤) عن بعضِ المتمذهبين في عصرِه، فقالَ: \"لمَّا نظرتُ في التعاليقِ رأيتُ بضاعةَ أكثرِ الفقهاءِ في الحديثِ مزجاةً، يعوّل أكثرُهم على أحاديث لا تصحُّ\".\n- وما حكاه محيي الدين النووي (ت: ٦٧٦ هـ) في ديباجةِ كتابِه: (خلاصة الأحكام) (^٥): \"ولا تغترنَّ بكثرةِ المتساهلين في العملِ والاحتجاجِ في الأحكامِ بالأحاديثِ الضعيفةِ، وإنْ كانوا مصنّفِين وأئمة في الفقهِ، وقد أكثروا مِنْ ذلك في كتبِهم\".\nويحكي أبو شامةَ المقدسي خللًا وقع فيه بعضُ الشافعيةِ، فيقول: \"ما\n_________\n(^١) الإحكام في أصول الأحكام (٦/ ١١٧).\n(^٢) رسالة الإمام أبي بكر البيهقي إلى الإمام أبي محمد الجويني (ص/ ٤٦).\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) (١/ ٢). وانظر: دلائل الأحكام لابن شداد (١/ ٦٧)، والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (ص / ٥٤١)، وتعليل الأحكام للدكتور محمد شلبي (ص / ٣٦٠).\n(^٥) (١/ ٥٩ - ٦٠).","vol":"3","page":1396},{"text":"يفعلونه في الأحاديثِ النبويةِ والآثارِ المرويةِ، مِنْ كثرةِ استدلالِهم بالأحاديثِ الضجيفةِ على ما يذهبون إليه؛ نصرةً لقولِهم\" (^١).\nويقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية بعدما ذَكَرَ طائفةً مِن الأحاديث الواهيةِ التي يستدلُّ بها بعضُ الفقهاءِ: \"إلى أمثالِ ذلك مِن الأحاديثِ التي يصدّقُ بعضَها طائفةٌ مِن الفقهاءِ، وَيبْنُون عليها الحلالَ والحرامَ\" (^٢).\nوقد بيَّن ابنُ القيّمِ أنَّ متعصبي المذاهبِ إذا جاءَهم حديثٌ ضعيفُ الإسنادِ موافقٌ لمذهبِهم، وقد ردّوا ما هو أمثلُ منه أو نظيره؛ لكونِه غيرَ موافقٍ لقولِ إمامِهم: قَبِلُوه، ولم يستجيزوا ردَّه، واعترضوا به على منازعِهم (^٣).\nوقد بَلَغَ مِنْ تعصّب بعضِ المتمذهبين المشتغلين بالحديثِ أنَّهم إذا رأوا حديثًا ضعيفًا يخالفُ مذهبَهم بيّنوا ضعفَه، وإنْ كان الحديثُ يوافقُ مذهبَهم سكتوا عن الطعنِ فيه!\nويعلِّقُ ابنُ الجوزي على هذا الفعلِ، فيقول: \"وهذا ينبئُ عن قلّةِ دينٍ، وغلبةِ هوى\" (^٤).\nويلتحق بالأثر السلبي: (الانتصار للمذهب بالأحاديث الواهية): ما يفعله بعضُ المتمذهبين مِن التّصرفِ في ألفاظِ بعضِ الأحاديثِ النبويةِ - عن قصدٍ أو غير قصدٍ - بتغييرِ ألفاظِها، أو بالزيادةِ فيها؛ نُصْرَةً للمذهبِ.\nيقولُ أبو شامةَ المقدسي مستنكرًا تصرّفاتِ بعضِ الشافعيةِ في أحاديث النبي - ﷺ -: \"ما يفعلونه في الأحاديثِ النبويةِ ... مِن تغييرِ لفظِ ما صحَّ منها،\n_________\n(^١) خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول (ص/ ١١٩).\n(^٢) منهاج السنة النبوية (٧/ ٤٣٠).\n(^٣) انظر: إعلام الموقعين (٢/ ١٤٣).\n(^٤) التحقيق في أحاديث التعليق (١/ ٣). وانظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٤/ ١٥٤)، وتنقيح التحقيق لابن عبد الهادي (١/ ٥)، والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (ص/٤٥٢).","vol":"3","page":1397},{"text":"والزيادةِ والنقصِ منه؛ لقلَّة خبرتِهم بذلك\" (^١).\nويقولُ الشيخُ بكرٌ أبو زيد عن صنيعِ برهانِ الدينِ المرغيناني الحنفي في كتابِه: (هداية المهتدي شرح بداية المبتدي): \"أَرْعَفَ قلمَه بزيادةِ ألفاظٍ لا أصولَ لها، مضافة إلى متونِ جُملةٍ كبيرةٍ مِن الأحاديثِ المرفوعةِ إلى النبي - ﷺ -؛ كلُّ هذا لتأييدِ المذهبِ! \" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>أمثلة على استدلال بعض المتمذهبين بالأحاديث الواهية:</span>\nالمثال الأول: جاءَ في بعضِ كتبِ المذاهب (^٣) الاستدلالُ بحديثِ: (مَنْ قصَّ أظفارَه مخالفًا (^٤)، لم يرَ في عينيه رَمَدًا) (^٥) على استحباب مخالفةِ الأصابعِ حين قصها.\nيقولُ وليُّ الدين العراقي عن الحديثِ: \"هذا لا أصلَ له البتة\" (^٦). ويقولُ شمسُ الدين السخاوي (^٧) عنه: \"وهو في كلامِ غيرِ واحدٍ مِن الأئمة،\n_________\n(^١) خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول (ص/ ١١٩).\n(^٢) تحريف النصوص من مآخذ أهل الأهواء (ص/ ١٥٠) ضمن مجموع: الردود.\n(^٣) انظر على سبيل المثال: المغني لابن قدامة (١/ ١١٨)، والشرح الكبير لابن قدامة (١/ ٢٥٤) مطبوع مع المقنع والإنصاف، ونهاية المحتاج للرملي (٢/ ٣٤١)، وكشاف القناع للبهوتي (١/ ١٥٩).\n(^٤) مما فُسِّرت به المخالفة: أنْ يبدأ بخنصر يده اليمنى، ثم الوسطى، ثم الإبهام، ثم البنصر، ثم السبابة، ثم يبدأ بإبهام يده اليسرى، ثم الوسطى، ثم الخنصر، ثم السبابة، ثم البنصر. انظر: المصادر السابقة.\n(^٥) لم أقف - فيما رجعت إليه من مصادر - على من ذكر الحديث مسندًا. ويقول الحافظ ابن حجر في: فتح الباري (١٠/ ٣٤٥): \"لم يثبتْ في ترتيب الأصابع عند القصِّ حديثٌ يُعْمَلُ به\".\n(^٦) طرح التثريب (٢/ ٧٩).\n(^٧) هو: محمد بن عبد الرحمن بن محمد السخاوي، شمس الدين أبو الخير، ولد سنة ٨٣١ هـ كان حافظًا متقنًا بارعًا في الحديث وعلومه، مشاركًا في العلوم الأخرى، شافعي المذهب، وقد لزم الحافظَ ابن حجر، وتخرج به، وكان يملي الحديث بالقاهرة، من مؤلفاته: فتح المغيث بشرح ألفية الحديث، والضوء اللامع على محاسن أهل القرن التاسع، وشرح شمائل الترمذي، والإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ، توفي بالمدينة سنة ٩٠٢ هـ. انظر ترجمته في: الضوء اللامع للسخاوي (١/ ٨)، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ ٧٠١)، وشذرات الذهب لابن العماد (١٠/ ٢٣)، والكواكب السائرة للغزي (١/ ٥٣).","vol":"3","page":1398},{"text":"منهم: ابنُ قدامة في: (المغني) ... ولم أجدْه\" (^١).\nالمثال الثاني: جاءَ في بعضِ كتبِ المذاهبِ (^٢) الاستدلالُ بحديثِ: (إذا صلّى أحدُكم في الصحراءِ، فليجعلْ بين يديه سترةً) (^٣) على قصرِ استحبابِ وَضْعِ السترةِ للمصلي في الصحراءِ.\n_________\n(^١) المقاصد الحسنة (ص/ ٤٢٤).\n(^٢) انظر على سبيل المثال: المبسوط للسرخسي (١/ ١٩٠)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٢١٨ - ٢١٧)، والهداية للمرغيناني (١/ ١٦٠).\n(^٣) لم أقف على هذا الحديث بهذا اللفظ. ويقول جمالُ الدين الزيلعي في: نصب الراية (١/ ٨٥): \"ويقرب منه ما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: (إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، فإنْ لم يجد فلينصب عصا، فإنْ لم يكن معه عصا، فليخطط خطًا، ولا يضره ما مرَّ أمامه) \".\nوحديث أبي هريرة - ﵁ - قريب من الحديث المذكور من جهة الدلالة على مشروعية السترة في الأصل، وليس فيه دلالة على قصر استحباب وضع السترة في الصحراء. وقد أخرج حديث أبي هريرة - ﵁ -: أبو داود في: سننه، كتاب: الصلاة، باب: الخط إذا لم يجدْ عصا (ص/ ١١١)، برقم (٦٨٩)؛ وابن ماجه في: سننه، كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما يستر المصلي (ص/١٧٣)، برقم (٩٤٣)؛ وعبد بن حميد في: المنتخب من المسند (٢/ ٣٤٠)، برقم (١٤٣٤)؛ والحميدي في: المسند (٢/ ٢٠٦)، برقم (١٠٢٣)؛ وأحمد في: المسند (١٢/ ٣٥٤)، برقم (٧٣٩٢)! وابن خزيمة في: الصحيح، كتاب: الصلاة، باب: ذكر الاستتار بالخط إذا لم يجد المصلي ما ينصب بين يديه (٢/ ١٣)، برقم (٨١١)؛ وابن حبان في: الصحيح، كتاب: الصلاة، باب: ما يُكره للمصلي، وما لا يُكره (٦/ ١٢٥)، برقم (٢٣٦١)؛ والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: الصلاة، باب: الخط إذا لم يجد عصا (٢/ ٢٧٠)؛ وفي: معرفة السنن والآثار، كتاب: الصلاة، باب: الصلاة إلى العنزة والعصا إنْ كان في صحراء (٣/ ١٩١)، برقم (٤٢٢٦)؛ والبغوي في: شرح السنة، كتاب: الصلاة، باب: قَدْر السترة (٢/ ٤٥١)، برقم (٥٤١)، وقال: \"وفي إسناده ضعفٌ\".\nوقد اختلف العلماء في صحة حديث أبي هريرة - ﵁ -: فقد توقف الإمامُ الشافعي في صحةِ الحديث، كما نقله عنه البيهقي في: معرفة السنن والآثار (٣/ ١٩١). ونقل أبو داود في: السنن (ص/ ١١١) ميلَ سفيان الثوري إلى تضعيف الحديث. ونقل النوويُّ في: شرح صحيح مسلم (٤/ ٢١٧) تضعيفَ القاضي عياض له.\nويقول ابن عبد الحق الإشبيلي في: الأحكام الوسطى (١/ ٣٤٥): \"وقد روي حديث الصلاة إلى الخط عن أبي هريرة من طرقٍ، ولا يصح ولا يثبت الحديث، ذكر ذلك الدارقطني\".\nوحكم ابنُ الصلاح على الحديث في: علوم الحديث (ص/ ٩٤) بالاضطراب. وضعَّف الحديثَ الألبانيُّ في: تعليقه على سنن أبي داود وابن ماجه. =","vol":"3","page":1399},{"text":"يقولُ جمالُ الدّينِ الزيلعي عن الحديث: \"غريبٌ بهذا اللفظِ\" (^١).\nالمثال الثالث: جاءَ في بعضِ كتب المذاهب (^٢) الاستدلالُ بحديثِ: (تَمْكُثُ إحداكن شطرَ دهرِها لا تصلي) على أنَّ أَكثرَ مدة الحيضِ خمسة عشر يومًا.\nيقولُ أبو بكر البيهقي عن الحديثِ: \"أمَّا الذي يذكره بعضُ فقهائِنا ... مِنْ قعودِها شطر عمرِها وشطر دهرِها لا تصلي: فقد تَطَلّبْتُه كثيرًا، فلم أجدْه في شيءٍ مِنْ كتبِ أصحابِ الحديثِ، ولم أجدْ له إسنادًا بحالٍ\" (^٣).\nويقولُ عنه ابنُ الجوزي: \"وأصحابنُا - يعني: الحنابلةَ - قد ذكروا أنَّ رسولَ لله - ﷺ - قال: (تَمْكُثُ إحداكن شطرَ عمرِها لا تصلي)، وهذا لفظٌ لا أعرفُه\" (^٤).\nويقولُ عنه ابنُ الملقن: \"هذا الحديثُ بهذا اللفظِ غريبٌ جدًّا، وقد نصَّ غيرُ واحدٍ مِن الحفاظِ على أنَّه لا يَعْرِفُ له أصلًا\" (^٥).\n_________\n= وصحح الدارقطنيُّ في: العلل (١٠/ ٢٧٨) طريقًا للحديث رفعَه الرواي. ونقل ابنُ عبد البر في: الاستذكار (٦/ ١٧٥)، وابن عبد الحق الإشبيلي في: الأحكام الوسطى (١/ ٣٤٥) تصحيحَ الإمام أحمد وعلي بن المديني لحديث أبي هريرة - ﵁ -. ونقل ابنُ حجر في: النكت على مقدمة ابن الصلاح (٢/ ٧٧٤) تصحيح الحاكم للحديث. وحسن ابن حجر في: بلوغ المرام (ص/ ٩٢) الحديثَ، ولم يصوِّب إعلاله بالاضطراب.\nوللتوسع في الحديث انظر: البدر المنير لابن الملقن (٤/ ١٩٨ - ٢٠٣).\n(^١) نصب الراية (٢/ ٨٠).\n(^٢) انظر على سبيل المثال: رؤوس المسائل الخلافية للعكبري (١/ ١٣٥)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٢/ ٢٩٢)، والعدة في شرح العمدة لبهاء الدين المقدسي (١/ ٦٢)، وشرح العناية للبابرتي (١/ ١٤٣) بهامش فتح القدير لابن الهمام.\n(^٣) معرفة السنن والآثار (٢/ ١٤٥). وانظر: فتح الباري لابن رجب (٢/ ١٥١).\n(^٤) التحقيق في أحاديث التحقيق (١/ ٣٧٣). وانظر: نصب الراية للزيلعي (١/ ١٩٣).\n(^٥) البدر المنير (٣/ ٥٥). وللاطلاع على كلام أهل العلم عن الحديث، انظر: الإمام لابن دقيق العيد (٣/ ٢١٣)، وخلاصة الأحكام للنووي (١/ ٢٢٧)، وتحفة الطالب لابن كثير (ص/ ٣٦١)، والتلخيص الحبير لابن حجر (٢/ ٤٤٣).","vol":"3","page":1400},{"text":"المثال الرابع: جاءَ في بعضِ المذاهب (^١) الاستدلالُ بحديثِ: (صلاةُ النهارِ عجماء (^٢» (^٣) على كراهةِ الجهرِ في صَلاةِ النافلةِ نهارًا.\nيقولُ أبو الحسنِ الدارقطني (^٤) عن الحديثِ: \"هذا ليس مِنْ كلام النبي - ﷺ -، ولم يُرْوَ عنه، وإنَّما هو قولُ بعضِ الفقهاءِ\" (^٥).\nويقولُ محيي الدين النووي عنه: \"باطلٌ لا أصلَ له\" (^٦). ويقولُ جمالُ\n_________\n(^١) انظر على سبيل المثال: المبسوط للسرخسي (١/ ١٦)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ١١٠)، والهداية للمرغيناني (١/ ١٣٨)، والاختيار لتعليل المختار للموصلي (١/ ٥٥)، وكشاف القناع للبهوتي (٢/ ٣٢١)، ومطالب أولي النهى للرحيباني (١/ ٥٧٥).\n(^٢) المقصود بأنَّ صلاة النهار عجماء: أي: لا جهر فيها؛ تشبيها بالعجماء من الحيوان؛ لأنَّه لا يتكلم، فصلاة النهار عجماء؛ لأنَّه لا يُسمع فيها قراءة. انظر: المجموع شرح المهذب للنووي (٣/ ٣٥٤) ط: الإرشاد، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (عجم)، (ص/ ٣٢٢).\n(^٣) لم أقف على الحديث مسندًا إلى النبي - ﷺ -. ويقول ابنُ حجر عن الحديث في: الدراية في تخريج أحاديث الهداية (١/ ١٦٠): \"لم أجده\".\nوقد جاء لفظ الحديث من قول بعض السلف: كالحسن ومجاهد وأبي عبيدة، وأخرج قول الحسن وأبي عبيدة: عبد الرزاق في: المصنف، كتاب: الصلاة، باب: ترديد الآية في الصلاة، وباب: قراءة النهار (٢/ ٤٩٣)، بالأرقام (٤١٩٩، ٤٢٠١، ٤٢٠٢)؛ وابن أبي شيبة في: المصنف، كتاب: الصلاة، باب: في قراءة النهار، كيف هي في الصلاة؟ (٣/ ٢٤٨)، بالرقمين (٣٦٨٤ - ٣٦٨٥).\nوأخرج قول مجاهد: عبد الرزاق في: المصنف، كتاب: الصلاة، باب: ترديد الآية في الصلاة، وباب: قراءة النهار (٢/ ٤٩٣)، بالرقم (٤٢٠٠).\n(^٤) هو: علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود البغدادي أبو الحسن الدارقطني، ولد سنة ٣٠٦ هـ كان أحد كبار المحدثين، شافعي المذهب، إمامًا حافظًا مجودًا، عالمًا جهبذًا، صادقًا أمينًا ثقةً عدلًا، فريد عصره، وقريع دهره، ونسيج وحده، بحرًا من بحور العلم، وإمامًا من أئمة الدنيا، انتهى إليه علم الأثر، والمعرفة بعلل الأحاديث وأسماء الرجال، مع التقدم في القراءات وطرقها، وقوة المشاركة في الفقه والاختلاف والمغازي والأدب والشعر، دَرَس المذهب الشافعي على أبي سعيد الاصطخري، من مؤلفاته: السنن، والعلل، توفي سنة ٣٨٥ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (١٣/ ٤٨٧)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٢٩٧)، وسير أعلام النبلاء (١٦/ ٤٤٩)، وتاريخ الإسلام للذهبي (٨/ ٥٧٦)، وطبقات الشافعة الكبرى لابن السبكي (٣/ ٤٦٢)، وطبقات الشافعية للإسنوي (١/ ٥٠٨).\n(^٥) نقل كلامَ أبي الحسن الدارقطني النوويُّ في: المجموع شرح المهذب (٣/ ٤٨) ط: الإرشاد، والعجلونيُّ في: كشف الخفاء (٢/ ٣٦).\n(^٦) خلاصة الأحكام (١/ ٣٩٤).","vol":"3","page":1401},{"text":"الدين الزيلعي عنه: \"غريبٌ\" (^١).\nالمثال الخامس: جاءَ في بعضِ كتب المذاهب (^٢) الاستدلالُ بحديثِ عبد الله بن عمر - ﵄ -: (صلوا على مَنْ قالَ: لا إله إلا الله) (^٣) على مشروعية الصلاةِ على جميعِ أهلِ القبلةِ.\nيقولُ أبو الحسنِ الدارقطني عن هذا الحديث - وعمَّا ورد في معناه -: \"ليس فيها شيءٌ يَثْبت\" (^٤).\nويقولُ ابنُ الجوزي عنها: \"هذه الأحاديثُ كلُّها لا تصحُّ\" (^٥). ويقولُ ابنُ الملقنِ عن حديثِ عبدِ الله بنِ عمرَ - ﵄ -: \"فالحاصلُ أنَّ هذا الحديثَ مِنْ جميعِ طرقِه لا يَثْبُتُ\" (^٦).\n* * *\n_________\n(^١) نصب الراية (١/ ٢).\n(^٢) انظر على سبيل المثال: الحاوي للماوردي (٣/ ٣٧)، والعزيز شرح الوجيز للرافعي (٣/ ٣٧)، والشرح الكبير لابن قدامة (٣/ ٣٩)، و(٦/ ٢٧)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (٦/ ٢٢٨)، وحاشيتي قليوبي وعميرة (١/ ٣٩٠)، ونهاية المحتاج للرملي (٢/ ٤٨٧)، وشرح المنتهى للبهوتي (٢/ ١٠٥)، وكشاف القناع له (١/ ٤٨)، ومطالب أولي النهى للرحيباني (١/ ٨٧٤)، ومنح الجليل لعليش (١/ ٥١٣).\n(^٣) أخرج حديث عبد الله بن عمر، - ﵄ -: الطبراني في: المعجم الكبير (١٢/ ٢٤٤)، برقم (١٣٦٢٢)؛ والدارقطني في: السنن، كتاب: العيدين، باب: صفة من تجوز الصلاة معه، والصلاة عليه (٢/ ٤٠١ - ٤٥٢)، بالأرقام (١٧٦١ - ١٧٦٣)؛ وأبو نعيم في: حلية الأولياء (١٠/ ٣٢٠)؛ وفي: أخبار أصبهان (٢/ ٣٢٨)؛ والخطيب البغدادي في: تاريخ بغداد (١٣/ ١٧٧)؛ وابن الجوزي في: العلل المتناهية، كتاب: الصلاة، باب: في الصلاة خلف كل برٍّ وفاجرٍ (٢/ ٤٢٢ - ٤٢٤)، بالأرقام (٧١٢ - ٧١٦)، وبيَّن علل كل طريق في: المصدر السابق، وفي: التحقيق في أحاديث التعليق (٣/ ٢٩٨ - ٣٠٢).\nوللتوسع في الحديث انظر: خلاصة الأحكام للنووي (٢/ ٦٩٥)، وتنقيح التحقيق لابن عبد الهادي (٢/ ٤٧٨ - ٤٨٠)، ونصب الراية للزيلعي (٢/ ٢٨)، والتلخيص الحبير لابن حجر (٢/ ٩٣٤)، وإرواء الغليل للألباني (٢/ ٣٠٥ - ٣٠٧).\n(^٤) السنن (٢/ ٤٠٣).\n(^٥) العلل المتناهية (٢/ ٤٢٦).\n(^٦) البدر المنير (٤/ ٤٦٥).","vol":"3","page":1402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>المطلب الرابع: الاستدلال بالحديث متى ما وافق المذهب ومخالفة الحديث نفسه في حكم آخر دل عليه؛ لمخالفته المذهب</span>\nمِن الآثارِ الخطيرةِ التي ظَهَرَتْ بين صفوفِ بعضِ المتمذهبين\nالاستدلالُ بالحديثِ النبوي على حكم مسألةٍ وافق الحديثُ فيها مذهبَ المستدلِّ، ومخالفةُ الحديثِ نفسِه في مسألةٍ أخرى دلَّ عليها؛ لمخالفتِه المذهب، ولا يكون ثمةَ ما يعارضُ دليلَ حكمِ المسألةِ.\nقد يهتمُّ بعضُ المتمذهبين بالتدليلِ على أقوال مذهبِه - وهو أمرٌ حسنٌ وإيجابيٌ - لكنَّهم يَغْفَلون، فيستدلون بشطرِ الحديثِ؛ لموافقتِه للمذهبِ، ويتركون شطرَه؛ لمخالفتِه للمذهبِ.\nوفي هذا التصرف تعصبٌ بيّنٌ (^١)، وتفريقٌ بين متماثلين - إذ كلتا المسألتين قد دلَّ عليهما نصٍّ واحدٌ - دونَ ما يسوّغه، وتطبيقٌ خاطئٌ لمدلولِ التمذهب، وكيف يكون الحديثُ حجةً في شطرٍ منه، وليس بحجةٍ في شطرٍ آخر؟ ! (^٢).\nوقد بيَّنَ ابنُ القيّمِ عوارَ فعلِ بعضِ المتمذهبين المتعصبين لمذاهبِهم، فقالَ مخاطبًا لهم: \"إذا أخذتم بالحديثِ - مرسلًا كان أو مسندًا - لموافقتِه رأيَ صاحبِكم، ثمَّ وجدتم فيه حُكْمًا يخالفُ رأيَه: لم تأخذوا به في ذلك\n_________\n(^١) انظر: بدعة التعصب المذهبي لمحمد عباسي (ص/ ٢٢٤)، وزوابع في وجه السنة لصلاح الدين مقبول (ص/ ٣٧٧).\n(^٢) انظر: المصدر السابق، وسبيل الجنة بالتمسك بالقرآن والسنة لأحمد البنعلي (ص/ ٩٣).","vol":"3","page":1403},{"text":"الحكمِ، وهو حديثٌ واحدٌ! وكأنَّ الحديثَ حجةٌ فيما وافقَ رأي مَنْ قلَّدتُموه، وليس بحجةٍ فيما خالفَ رأيَه\" (^١).\nويتصلُ بهذا الأثرِ صورةٌ أخرى، وهي؛ أنْ يقومَ المتمذهبُ بالاستدلالِ بحديثٍ ما على مسألةٍ دلَّ عليها؛ موافقة لمذهبِه، ثم يقومُ بتضعيفِ الحديثِ ذاتِه في مسألةٍ أخرى تخالفُ مذهبَه.\nوهذا العملُ في الحقيقةِ عملٌ مَشِينٌ؛ فليستْ نصوصُ الشريعةِ محلًا للأخذِ والردِّ على حسب موقعها مِنْ قولِ الإمامِ، بلْ أقوالُ الإمام هي محلّ الأخذِ والردِّ؛ بحسبِ موافقتِها أو مخالفتِها لنصوصِ الشارعِ.\nويبدو أنَّ هذا الداءَ الخطيرَ كان قد استشرى في نفوسِ بعضِ المتمذهبين في زَمنٍ متقدمٍ؛ فقد ذكر ابنُ حزمٍ (ت: ٤٥٦ هـ) أنَّه اطلعَ على كتابِ: (شرح الرسالة) (^٢) للقاضي عبدِ الوهاب المالكي (ت: ٤٢٢ هـ)، فرآه في باب: (مَنْ يعتق على المرءِ إذا ملكه)، قد استدلَّ بحديثِ: (مَنْ ملك ذا رحمٍ مَحْرَم فهو حرٌّ) (^٣)، وبعدَ هذه المسألة بقليلٍ ذَكَرَ قولَ الإمامِ أبي حنيفة في\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٤/ ٤٩١).\n(^٢) طبع القدر الموجود من شرح الرسالة للقاضي عبد الوهاب في مجلدين، عن دار ابن حزمٍ، وليس فيه أبواب: العتق.\n(^٣) جاء هذا الحديث من عدة طرق، من أشهرها: طريق الحسن عن سمرة بن جندب - ﵁ -، وأخرجه: أبو داود في: سننه، كتاب: العتق، باب: فيمن ملك ذا رحم محرم (ص/ ٥٩٢)، برقم (٣٩٤٩)؛ والترمذي في: جامعه، كتاب: الأحكام عن رسول الله - ﷺ -، باب: ما جاء فيمن ملك ذا رحمٍ محرم (ص/ ٣٢٢)، برقم (١٣٦٥)، وقال: \"هذا حديث لا نعرفه مسندًا إلا من حديث حماد بن سلمة، وقد روى بعضهم هذا الحديث عن قتادة عن الحسن عن عمر شيئًا من هذا\". والنسائي في: السنن الكبرى، كتاب: العتق، باب: من ملك ذا رحمٍ محرم (٥/ ١٣)، بالأرقام (٤٨٧٨ - ٤٨٨٢)؛ وابن ماجه في: سننه، كتاب: العتق، باب: من ملك ذا رحم محرم فهو حر (ص/ ٤٣٠)، برقم (٢٥٢٤)؛ والطيالسي في: المسند (٢/ ٢٢٧)، برقم (٩٥٢)؛ وابن أبي شيبة في: المصنف، كتاب: البيوع والأقضية، باب: في الرجل يملك المحرم منه، يعتق، أم لا؟ (١٠/ ٥١٠)، برقم (٢٠٤٤٧)؛ وأحمد في: المسند (٣٣/ ٣٣٨)، برقم (٢٠١٦٧)؛ والروياني في: المسند (٢/ ٥٣)، برقم (٨١٨)؛ والطحاوي في: شرح معاني الآثار، كتاب: العتاق، باب: الرجل يملك ذا رحم محرم منه، هل يعتق عليه، أم لا؟ =","vol":"3","page":1404},{"text":"مسألةٍ أخرى، وقال: \"فإنْ احتجَّ بما رُوي عن النبي - ﷺ -: (مَنْ ملك ذا رحم محرم فهو حرٌّ). قلنا: هذا خبرٌ لا يصحُّ! \" (^١).\n_________\n= (٣/ ١٠٩)؛ والطبراني في: المعجم الكبير (٧/ ٢٠٥)، برقم (٦٨٥٢)؛ وفي: المعجم الأوسط (٢/ ١١٨)، برقم (١٤٣٨)، وقال: \"لم يرو هذا الحديثَ عن عاصم الأحول إلا حمادُ بن سلمة، ولا عن حماد إلا محمدٌ، تفرد به محمد بن يحيى\". والحاكم في: المستدرك، كتاب: العتق (٢/ ٢٦٧)، برقم (٢٨٥٢)، وصححه، ووافقه الذهبي. والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: العتق، باب: من يعتق بالملك (١٠/ ٢٨٩)؛ وفي: معرفة السنن والآثار، كتاب: العتق، باب: من يعتق بالملك (١٤/ ٤٠٦)، برقم (٢٠٤٧٩)، وقال: \"والحديث إذا انفرد به حماد بن سلمة، ثم يشكُّ فيه، ثم يخالفه فيه مَنْ هو أحفظ منه، وجب التوقف فيه، وفد أشار البخاريُّ إلى تضعيف الحديث، وقال علي بن المديني: هذا عندي منكرٌ\". وانظر: التلخيص الحبير (٦/ ٣٢٦٤).\nوقال الخطابي عن الحديث في: معالم السنن (٥/ ٤٠٨): \"حديثُ سمرة غير ثابت\".\nوقد أعل الحديثَ: عبدُ الحق الإشبيلي في: الأحكام الوسطى (٤/ ١٥)، وابنُ القيم في: تهذيب السنن (٤/ ١٨٩٧ - ١٨٩٨).\nوقال ابن حجر عن الحديث في: بلوغ المرام (ص/ ٥١٢): \"ورجح جمعٌ من الحفاظ أنه موقوف\".\nوصحح الألبانيُّ الحديثَ مرفوعًا في: إرواء الغليل (٦/ ١٦٩).\nوللحديث شاهد عن عبد الله بن عمر - ﵄ -، صححه ابن حزمٍ في: المحلى (٩/ ٢٠٢)، وعبدُ الحق الإشبيلي في: الأحكام الوسطى (٤/ ١٥)، وابنُ القطان في: بيان الوهم والإيهام (٥/ ٤٣٧).\nوقال عنه أبو العباس القرطبي في: المفهم (٤/ ٣٤٥): \"وهذا الحديث ثابتٌ بنقل العدل عن العدل، ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بعلة توجب تركه، غير أن بعضهم قال: تفرد به ضمرة. وهذا لا يلتفت إليه؛ لأن ضمرة عدل ثقة، وانفراد الثقة بالحديث لا يضره ... \".\nوفي المقابل أعلَّ حديث عبد الله بن عمر: النسائي في: السنن الكبرى (٥/ ١٣)، وقال: \"لا نعلم أن أحدًا روى الحديث عن سفيان غير ضمرة، وهو حديث منكر\". وقال أبو بكرٍ البيهقيُّ في: السنن الكبرى (١٠/ ٢٩٨ - ٢٩٠): \"المحفوظ بهذا الإسناد حديث نهى عن بيع الولاء وعن هبته\".\nوللاطلاع على حديث عبد الله بن عمر - ﵄ -، وعلى اختلاف العلماء فيه وفي حديث سمرة، انظر: الأحكام الوسطى لعبد الحق الإشبيلي (٤/ ١٥)، وتنقيح التحقيق لابن عبد الهادي (٥/ ٩٦ - ٩٧)، ونصب الراية للزيلعي (٣/ ٢٧٩ - ٢٨٠)، والبدر المنير لا بن الملقن (٩/ ٧٠٧ - ٧٠٨)، والتلخيص الحبير لابن حجر (٦/ ٣٢٦٣ - ٣٢٦٤)، وإرواء الغليل للألباني (٦/ ١٦٩ - ١٧١).\n(^١) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ٢٢٠).","vol":"3","page":1405},{"text":"ثمَّ يحكي ابنُ حزمٍ واقعَ بعضِ المتمذهبين، فيقول: \"ولا أُحْصِي كم وجدتُ للحنفيين والمالكيين والشافعيين تصحيحَ روايةِ ابنِ لَهِيْعة (^١)، وعمرو بن شعيب (^٢) عن أبيه (^٣) عن جدّه (^٤)، إذا كان فيها ما يوافقُ تقليدَهم في\n_________\n(^١) هو: عبد الله بن لهيعة بن عقبة بن فُرعان الحضرمي الأعدولي، ويقال: الغافقي، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو النضر المصري، ولد سنة ٩٥ هـ وقيل: ٩٦ هـ طلب العلم في صباه، ولقي كبار علماء مصر والحرمين، كان قاضي مصر ومحدثها، فقيهًا علامةً، من بحور العلم، وقد لقي اثنين وسبعين تابعيًا، قال عنه سفيان الثوري: \"عند ابن لهيعة الأصول، وعندنا الفروع\"، وقد اختلف علماء الحديث في درجة ما يرويه ابن لهيعة، فضعفه جمعٌ من المحدثين، منهم: يحيى بن سعيد، وابن معين، والنسائي، واعتبره آخرون، يقول الإمام أحمد: \"ما حديث ابن لهيعة بحجة، وإني لأكتب كثيرًا مما أكتب أعتبر به، وهو يقوي بعضه ببعض\"، ويقول ابن عبد الهادي: \"الصحيح أنَّ حديثه في الرتبة الوسطى من الحسن، ولا يحتج به في الأصول\"، توفي سنة ١٧٤ هـ. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٧/ ٥١٦)، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي (١/ ٢٨٣)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٨٣)، وتهذيب الكمال للمزي (١٥/ ٤٨٧)، وطبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي (١/ ٣٥٠)، وسير أعلام النبلاء (٨/ ١١).\n(^٢) هو: عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي السهمي، أبو إبراهيم ويقال: أبو عبد الله المدني، كان إمامًا محدثًا فقيه أهل الطائف، حدَّث عن أبيه، فأكثر الرواية عنه، اختلف المحدثون في درجة حديثه، وقد احتج به أحمد بن حنبل وعلي بن المديني، يقول يحيى بن سعيد القطان: \"إذا روى عن الثقات، فهو ثقة يحتج به\"، توفي بالطائف سنة ١١٨ هـ. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٥/ ٣٣٣)، والتاريخ الكبير للبخاري (٦/ ٣٤٢)، وتهذيب الكمال للمزي (٢٢/ ٦٤)، وسير أعلام النبلاء (٥/ ١٦٥)، وتاريخ الإسلام للذهبي (٣/ ٢٨٨)، وميزان الاعتدال له (٣/ ٢٦٣).\n(^٣) هو: شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي السهمي، سمع من أبيه، واختلف العلماء في سماعه من جده، ورجح غير واحد أنَّه سمع منه، وليس في شعيب بأس، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال عنه ابن حجر: \"صدوق ثبت سماعه من جده\"، توفي بعد سنة ٨٠ هـ. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٥/ ١٨٧)، وتهذيب الكمال للمزي (١٢/ ٥٣٤)، وسير أعلام النبلاء (٥/ ١٨١)، وتاريخ الإسلام للذهبي (٢/ ٩٤٢)، وتهذيب التهذيب لابن حجر (٢/ ١٧٥)، وتقريب التهذيب له (ص/ ٣١٨).\n(^٤) إن كان المقصود بالجد هو: جد شعيب بن محمد، فجده هو: عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل القرشي، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، أسلم قبل أبيه، وهو صحابي ابن صحابي، حمل عن النبي - ﷺ - علمًا كثيرًا، يقول أبو هريرة - ﵁ -: \"ما كان أحد أكثر حديثًا عن رسول الله - ﷺ - مني إلا عبد الله بن عمرو؛ - ﵄ - كان يكتب، وكنت لا أكتب\"، وقد كتب الكثير =","vol":"3","page":1406},{"text":"مسألتِهم تلك، ثم رُبَّما أتى بعدها - بصفحةٍ أو ورقةٍ أو أوراقٍ - احتجاجُ خصمِهم عليهم بروايةِ عمرو بنِ شعيب عن أبيه عن جدّه، أو بروايةِ ابنِ لهيعة، فيقولون: هذه صحيفة (^١)، وابنُ لهيعة ضعيفٌ! \" (^٢).\nوليس مِنْ شكٍّ في أنَّ ما صنعه بعضُ المتمذهبين فعلٌ غيرُ مقبولٍ، وتناقضٌ واضحٌ (^٣)، صادرٌ ممَّنْ لا يَقْدِرُ نصوصَ الشارعِ حقَّ قدرِها.\nيقولُ أبو شامةَ المقدسي: \"مِنْ قبيحِ ما يأتي به بعضُهم: تضعيفهم لخبرٍ يحتجُّ به بعضُ مخالفيهم، ثمَّ يحتاجون هُمْ إلى الاحتجاجِ بذلك الخبرِ بعينِه في مسألةٍ أخرى، فيُوردونه مُعْرِضين عمَّا ضعفوه! \" (^٤).\nوقريبٌّ ممَّا سَبَقَ: مَنْ يضعّف بعضَ رجالِ الإسنادِ في موضع ما إذا كان حديثُهم يخالف مذهبَه، ويحتجّ بهم في موضعٍ آخر إذا كان حديثُهم يوافقُ مذهبَه (^٥).\n_________\n= بإذن النبي - ﷺ -، كان مجتهدًا في العبادة، توفي - ﵁ - بالحرة، وقيل: بالطائف، وقيل: بمكة سنة ٦٣ هـ وقيل: سنة ٦٥ هـ وقيل: سنة ٧٧ هـ. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٣٧٣)، والتاريخ الكبير للبخاري (٥/ ٥)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٥/ ١١٦)، والاستيعاب لابن عبد البر (ص/ ٤٢١)، والحلة السيراء لابن الأبار (١/ ١٧)، وسير أعلام النبلاء (٣/ ٧٩)، والإصابة لابن حجر (٤/ ١٩٢)، وتهذيب التهذيب له (٢/ ٣٩٢).\nوإن كان المقصود بالجد هو جد عمرو بن شعيب، فهو: محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، روى عن أبيه، ورى عنه ابنه شعيب، يقول عنه شمس الدين الذهبي: \"غير معروف الحال، ولا ذُكر بتوثيق ولا بلين\"، ويقول أيضًا: \"الظاهر موته في حياة أبيه\". انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (٥/ ١٨١)، وتهذيب التهذيب لابن حجر (٣/ ٦١١)، وتقريب التهذيب له (ص/٥٧٠).\n(^١) يحتمل أن تكون لفظة: \"صحيفة\" محرفةً، عن: \"ضعيفة\"، إلا إذا أريد أنَّ روايةَ عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وجاد، ولا تصح الرواية بها، لكن من أعلها من أهل العلم أعلها بالإرسال؛ لأنَّ محمد بن عمرو بن العاص لم يلق النبي - ﷺ -.\nوللتوسع في رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، انظر: تهذيب الكمال للمزي (١٢/ ٥٣٦)، وتعليق الشيخ أحمد شاكر على جامع الترمذي (٢/ ١٤١ - ١٤٤).\n(^٢) الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ٢٢٠).\n(^٣) انظر: إعلام الموقعين (٣/ ٥٢٢).\n(^٤) خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول (ص/ ١٢٠).\n(^٥) انظر: تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي (١/ ٥).","vol":"3","page":1407},{"text":"أمثلة للأثر السلبي:\nالمثال الأول: استدلالُ بعضِ العلماءِ (^١) بحديثِ: (نهى رسول الله - ﷺ - أنْ تغتسل المرأةُ بفضلِ الرجلِ، أو يغتسل الرجلُ بفضلِ المرأةِ) (^٢): على كراهةِ استعمالِ الرجلِ للماءِ الذي خلتْ به المرأة، ولم يستدلوا به على كراهةِ استعمالِ المرأة للماءِ الذي خلى به الرجلُ.\nيقولُ الشيخُ محمد العثيمين: \"مِنْ غرائبِ العلم: أنَّهم استدلوا به - أي: بالحديثِ السابقِ - على أنَّ الرجلَ لا يتوضأ بفضلِ المرأةِ، ولم يستدلوا به على أنَّ المرأةَ لا تتوضأ بفضلِ الرجلِ، وقالوا: يجوز أنْ تغتسلَ المرأةُ بفضلِ الرجل.\nفما دام الدليلُ واحدًا، والحكمُ واحدًا، والحديث مقسّمًا تقسيمًا، فما بالنُا نأخذ بقسمٍ، ولا نأخذ بالثاني؟ ! \" (^٣).\n_________\n(^١) انظر على سبيل المثال: المغني لابن قدامة (١/ ٢٨٥)، والتحقيق في أحاديث التحقيق لابن الجوزي (١/ ٣٢ - ٣٣)، والإنصاف (١/ ٤٧ - ٤٩)، وكشاف القناع للبهوتي (١/ ٦٣)، وحاشية الروض المربع لابن قاسم (١/ ٧٩).\n(^٢) جاء هذا الحديث عن حميد بن عبد الرحمن عن رجلٍ صحب النبي - ﷺ -، وأخرجه: أبو داود في: سننه، كتاب: الطهارة، باب: النهي عن الوضوء بفضل وضوء المرأة (ص/١٧)، برقم (٨١)؛ والنسائي في: المجتبى، كتاب: الطهارة، باب: ذكر النهي عن الاغتسال بفضل الجنب (ص/ ٤٥)، برقم (٢٣٧)؛ وأحمد في: المسند (٢٨/ ٢٢٤)، برقم (١٧٠١٢)؛ والطحاوي في: شرح معاني الآثار، كتاب: الطهارة، باب: سؤر بني آدم (١/ ٢٤)؛ والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في النهي عن فضل المحدث (١/ ١٩٠)، وقال: \"وهذا الحديثُ رواتُه ثقات، إلا أنَّ حميدًا لم يسمِّ الصحابيِّ الذي حدّثه، فهو بمعنى المرسل، إلا أنَّه مرسل جيّد، لولا مخالفته الأحاديث الثابتة الموصولة\".\nوتعقب ابنُ عبد الهادي في: تنقيح التحقيق (١/ ٤٣) كلامَ البيهقي، فقال: \"وهذا الحديث ليس بمرسل، وجهالة الصحابي لا تضر\".\nوانظر: الإمام لابن دقيق العيد (١/ ١٥٥)، وفتح الباري لابن حجر (١/ ٣٠٠).\nوصحح الحديثَ: الحميديُّ - كما نقله ابن القطان في: بيان الوهم والإيهام (٥/ ٢٢٦)، وابن عبد الهادي في: المحرر في الحديث (ص/ ٢٩) - وابنُ حجر في: بلوغ المرام (ص/ ٢٤)، والألبانيُّ في: تعليقه على السنن في المواضع السابقة.\n(^٣) الشرح الممتع (١/ ٤٤). وانظر: إعلام الموقعين (٣/ ٤٩٢)، والتقليد والإفتاء لعبد العزيز الراجحي (ص/ ٧٩).","vol":"3","page":1408},{"text":"المثال الثاني: استدلالُ بعضِ العلماءِ (^١) بحديثِ أبي هريرةَ - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: (لا تُصرِّوا (^٢) الإبلَ والغنمَ، فمَنْ ابتاعها بعدُ، فإنَّه بخيرِ النظرين بعد أنْ يحتلبَها: إنْ شاءَ أمسك، وإنْ شاءَ ردَّها وصاعًا مِنْ طعامٍ، وهو بالخيارِ ثلاثًا) (^٣): على أنَّ أقصى مدةِ الخيارِ في البيعِ ثلاثةُ أيام، في حينِ أنَّ المستدلَّ بالحديثِ على تحديدِ مدةِ الخيارِ لم يأخذْ بما دلَّ عليه الحديثُ من ردِّ الشاةِ بعدَ بيعِها مصراة مع صاعٍ مِن الطعامِ.\nويعلِّقُ ابنُ حزمٍ على ما صدَرَ مِنْ بعضِ الحنفيةِ قائلًا: \"وهذا مِنْ عجائب الدنيا، وهم أشدُّ الناسِ إنكارًا لخبرِ المصرَّاة، ويقولون: هو مخالفٌ للأصولِ، وهو مضطربٌ ... ثمَّ يحتجون به فيما ليس فيه منه أثرٌ ولا دليلٌ؛ لأنَّه ليس في خبر المصرَّاة ذكرُ خيارٍ في عقدِ البيعِ أصلًا\" (^٤).\nالمثال الثالث: استدلالُ بعضِ العلماءِ (^٥) بحديثِ عمار بن ياسر (^٦)\n_________\n(^١) انظر على سبيل المثال: المبسوط للسرخسي (١٣/ ٣٨)، وبدائع الصنائع للكاساني (٥/ ٢٧٤)\n(^٢) التصرية: حبس اللبن في ضرع الشاة وجمعه فيه، ويكون بعدم الحلب أيامًا، ويفعل مالك الشاة هذا الأمر عندما يريد بيعها؛ ليُظن أنَّها غزيرة اللبن. انظر: صحيح البخاري (ص/ ٤٠٣)، والمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ١٩٤)، حاشية (٢).\n(^٣) أخرج حديث أبي هريرة - ﵁ -: البخاري في: صحيحه، كتاب: البيوع، باب: النهي للبائع أنْ لا يُحفّل الإبل (ص / ٤٠٣)، برقم (٢١٤٨)، وقال بعده: \"وقال بعضهم: عن ابن سيرين: (صاعًا من طعام، وهو بالخيار ثلاثًا)؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: البيوع، باب: حكم بيع المصرَّاة (٢/ ٧١٠)، برقم (١٥٢٤).\n(^٤) الإعراب عن الحيرة والالتباس (١/ ٣٧٨ - ٣٨٠). وانظر: إعلام الموقعين (٣/ ٤٩٧)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ٣٢٦) ط/ دار الفتح، وسبيل الجنة بالتمسك بالقرآن والسنة لأحمد البنعلي (ص/ ٩٣)، والتقليد والإفتاء لعبد العزيز الراجحي (ص/ ٧٩).\n(^٥) انظر: المهذب للشيرازي (١/ ١٦٧).\n(^٦) هو: عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن حصين العنسي، ثم المذحجي أبو اليقظان، حليف لبني مخزوم، من مشاهير صحابة رسول الله - ﷺ -، ومن المهاجرين الأولين، وأحد السابقين إلى الإسلام، وممن عُذِّب هو وأبوه، فكان النبي - ﷺ - يمرُّ عليهم، ويقول: (صبرًا آل ياسر، إنَّ موعدكم الجنة)، هاجر إلى الحبشة، وصلى إلى القبلتين، شهد بدرًا وما بعدها، وقد أبلى في غزوة بدر بلاءً حسنًا، وشهد اليمامة، وأبلى فيها، وقد قُطِعت أذنُه يومئذ، وقال عنه رسول الله - ﷺ -: (تقتل عمارًا الفئةُ الباغيةُ)، استعمله عمر بن الخطاب =","vol":"3","page":1409},{"text":"- ﵁ -: (إنَّما تغسل ثوبَك مِن البولِ، والغائطِ، والمني مِن الماءِ الأعظم، والدمِ، والقيءِ) (^١): على أنَّ الغائطَ نجسٌ، وقرروا في مسألةِ: (طهارة المني) أنَّه طاهرٌ (^٢)، دونَ التعرضِ للحديثِ الذي احتجوا به في مسألةِ: (نجاسة الغائطِ).\nيقولُ أبو شامةَ المقدسي معلِّقًا على هذا الأمر: \"ولم يتعرّضْ للجوابِ عن هذا الحديثِ الذي هو حجّةُ خصمِه، ولم يكن له حاجةٌ إلى ذكرِه أصلًا؛ فإنَّ الغائط لا ضرورةَ إلى الاستدلالِ على نجاستِه بهذا الحديثِ\n_________\n= - ﵁ -، على الكوفة، وكتب إليهم: \"إنه من النجباء\"، قُتِلَ - ﵁ - في صفين سنة ٣٧ هـ ودفنه علي بن أبي طالب - ﵁ -، وكانت سن عمار يوم قتل ثلاثًا وتسعين سنة، وقيل: إحدى وتسعين سنة. انظر ترجمته في: حلية الأولياء لأبي نعيم (١/ ١٣٩)، وتاريخ مدينة السلام للخطيب (١/ ٤٨٧)، والاستيعاب لابن عبد البر (ص/ ٤٨١)، وتهذيب الكمال للمزي (١٢/ ٢١٥)، وسير أعلام النبلاء (١/ ٤٥٦)، والإصابة لابن حجر (٤/ ٥٧٥).\n(^١) أخرج حديث عمار بن ياسر - ﵁ -: البزار في: المسند (٤/ ٢٣٤)، برقم (١٣٩٧)، وقال: \"هذا الحديث لم يروه إلا إبراهيمُ بن زكريا، عن ثابت بن حماد، وإبراهيم بن زكريا بصري، وقد حدَّث بغيرِ حديث لم يتابع عليه، وأما ثابت بن حماد، فلا نعلم روى إلا هذا الحديث\". وأبو يعلى في: المسند (٣/ ١٨٥)، برقم (١٦١١)؛ والعقيلي في: الضعفاء (١/ ٤٦٦)؛ والطبراني في: المعجم الأوسط (٦/ ١١٣)، برقم (٥٩٦٣)، وقال: \"لم يرو هذا الحديثَ عن سعيد بن المسيب إلا عليُّ بنُ زيد، تفرد به ثابت بن حماد، ولا يُروى عن عمار إلا بهذا الإسناد\". والدارقطني في: السنن، كتاب: الطهارة، باب: نجاسة البول (١/ ٢٣٠)، برقم (٤٥٨)، وقال: \"لم يروه غيرُ ثابت بن حماد، وهو ضعيف جدًّا\". وأبو نعيم في: معرفة الصحابة (٤/ ٢٠٧٣)؛ والبيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: الطهارة، باب: إزالة النجاسة بالماء (١/ ١٤)، وقال: \"هذا باطلٌ لا أصل له، وإنما رواه ثابت بن حماد، عن علي بن زيد، عن ابن المسيب، عن عمار، وعليُّ بن زيد غيرُ محتج به، وثابت بن حماد متهم بالوضع\".\nوحكم تقيُّ بن تيمية في: منهاج السنة النبوية (٧/ ٤٢٩ - ٣٤٠) على هذا الحديث بأنه كذب على النبي - ﷺ -.\nوانظر: خلاصة الأحكام للنووي (١/ ١٧٧).\nوقال ابنُ الملقن عن الحديث في: البدر المنير (١/ ٤٩٣): \"هذا الحديث باطلٌ، لا يحل الاحتجاج به\".\nوللاستزادة انظر: المصدر السابق، والتلخيص الحبير لابن حجر (١/ ٧٠)، وسلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني (ج ١٠/ ق ١/ ٤١٤).\n(^٢) انظر: المهذب للشيرازي (١/ ١٦٨).","vol":"3","page":1410},{"text":"الضعيفِ المنتهض حجةً عليه في أمرٍ آخر\" (^١).\nالمثال الرابع: استدلالُ بعضِ العلماءِ (^٢) بحديثِ أبي هريرةَ - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: (مَنْ أدرك ركعةً مِن الصبحِ قبلَ أنْ تطلعَ الشمسُ، فقد أدركها؛ ومَنْ أدرك ركعةً مِن العصرِ قبل أنْ تغيبَ الشمسُ، فقد أدركها) (^٣): على أنَّ المصلي لو غربتْ عليه الشمسُ، وهو يصلي العصرَ، فإنّه يتمُّ صلاتَه، في حين أنَّ المستدل بالحديثِ يقولُ ببطلانِ صلاةِ الفجرِ لمَنْ طلعتْ عليه الشمسُ، وهو يصلي.\nوغيرُ خافٍ ما في هذا الفعل مِن التناقض (^٤)، يقول ابنُ القيّمِ مُلْزِمًا مَن استدلَّ بالحديثِ في إتمامِ صلاةِ العصرِ، ولم يقلْ بمثلِ هذا في صلاةِ الفجرِ: \"حديثٌ واحدٌ قاله - ﷺ - في وقتٍ واحدٍ، وقد وجبتْ طاعتُه في شطرِه، فتجبُ طاعتُه في الشطرِ الآخر\" (^٥).\nالمثال الخامس: استدلَّ بعضُ العلماءِ (^٦) بحديثِ عبدِ الله بنِ عباسٍ - ﵁ - في الرجلِ الذي وقصته ناقتُه، وهو محرمٌ، فقال النبي - ﷺ -: (لا تُخَمّروا رأسَه ولا وجهَه؛ فإنَّه يبعث يوم القيامة ملبيًا) (^٧): على تحريمِ تغطيةِ وجهِ\n_________\n(^١) خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول (ص/ ١٢٠).\n(^٢) انظر على سبيل المثال: شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١٥٢ - ١٥٣)، وشرح مشكل الآثار له (١٠/ ١٤٠ - ١٤٣)، والمبسوط للسرخسي (١/ ١٥٢)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ١٢٢)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ٥٣٥).\n(^٣) أخرج حديث أبي هريرة - ﵁ -: البخاري في: صحيحه، كتاب: مواقيت الصلاة، باب: مَن أدرك من الفجر ركعةً (ص/ ١٢٨)، برقم (٥٧٩)؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: من أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة (١/ ٢٧٤)، برقم (٦٠٨).\n(^٤) انظر: رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٢/ ٥٣٦).\n(^٥) إعلام الموقعين (٤/ ١٥٣).\n(^٦) انظر على سبيل المثال: المبسوط للسرخسي (٤/ ٧)، وبدائع الصنائع للكاساني (١/ ٣٠٨)، و(٢/ ١٨٤ - ١٨٥)، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٧/ ٣٣).\n(^٧) أخرج الحديث بذكر الرأس والوجه: مسلمٌ في: صحيحه، كتاب: الحج، باب: ما يُفعل بالمحرم إذا مات (١/ ٥٤٥)، برقم (١٢٠٦). =","vol":"3","page":1411},{"text":"المحرمِ، وذهبوا إلى أنَّ المُحْرِمَ إذا ماتَ فإنَه يُغَظَى رأسُه ووجهُه (^١).\nوقد علَّقَ ابنُ حزمٍ على هذا قائلًا: \"فكانَ هذا عجبًا جدًّا؛ خالفوه - أي: الحديث - في نصِّ ما فيه، فقالوا: المُحْرِمُ إذا ماتَ وَجَبَ أنْ يُغَطَّى وجهُه ورأسُه ... \" (^٢).\nويقولُ الشيخُ محمد ناصر الدين الألباني: \"يجبُ على الحنفيةِ أنْ يأخذوا بالحديثِ، ولا يتأولوه بالتأويلِ البعيدِ؛ توفيقًا بينه وبين مذهبِ إمامِهم! \" (^٣).\n* * *\n_________\n= وقد اختلف علماءُ الحديث في قبول لفظة: (وجهه): يقول الحاكم في: معرفة علوم الحديث (ص/ ٤٣٨): \"ذكر الوجه تصحيف من الرواة؛ لاجتماع الثقات والأثبات من أصحاب عمرو بن دينار على روايته عنه: (ولا تغطوا رأسه)، وهو المحفوظ\". وانظر: نصب الراية للزيلعي (٣/ ٢٨)، والدراية في تخريج أحاديث الهداية لابن حجر (٢/ ١١).\nويقول البيهقيُّ في: السنن الكبرى (٣/ ٣٩٣) عن رواية مسلم: \"رواه مسلم في: الصحيح عن عبد بن حميد عن عبيد الله بن موسى هكذا، وهو وَهْمٌ من بعض رواته في المتن والإسناد جميعًا\".\nويقول الألبانيُّ في إرواء الغليل (٤/ ٢٠٠): \"وجملة القول: أنَّ زيادة الوجه في الحديث ثابتةٌ محفوظةٌ عن سعيد بن جبير من طرقٍ عنه\".\nوأخرج الحديث بلفظ: (لا تخمروا رأسه): البخاريُّ في: صحيحه، كتاب: الجنائز، باب: الكفن في ثوبين (ص/ ٢٤٧)، برقم (١٢٦٥)؛ ومسلمٌ في: صحيحه، كتاب: الحج، باب: ما يُفعل بالمحرم إذا مات (١/ ٥٤٤)، برقم (١٢٠٦).\n(^١) يقول أبو البركات النسفي في: كنز الدقائق (٢/ ٣٤٩) مع البحر الرائق: \"اعلم أن أئمتنا استدلوا بهذا الحديث على حرمة تغطية الوجه على المحرم الحي المفهوم من التعليل، ولم يعملوا بمنطوقه في حق الميت المحرم\".\n(^٢) الإعراب عن الحيرة والالتباس (١/ ٣٩٣). وانظر: إعلام الموقعين (٣/ ٤٩٩)، وإيقاظ همم أولي الأبصار للفلاني (ص/ ٣٢٩) ط/ دار الفتح.\n(^٣) إرواء الغليل (٤/ ٢٠٠).","vol":"3","page":1412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>المبحث الثاني: دعوى غلق باب الاجتهاد، ومحاربة من يدعيه</span>\nمِن الآثارِ السلبيةِ التي أسهمَ التمذهبُ في انتشارِها وتَمَسُّكِ المتمذهبين بها القولُ بإغلاقِ باب الاجتهادِ، ومحاربةِ مَنْ يدّعيه، فليس بإمكانِ أحدٍ أنْ يدّعي أنَّه يستنبطُ أحَكامَ المسائلِ بنَظَرِه في الأدلةِ الشرعيةِ، بلْ عليه النظرُ في المذهبِ - أو المذاهب المتبوعة - لمعرفةِ الحُكْمِ (^١).\nوالحديثُ عن إغلاقِ باب الاجتهادِ حديثٌ متشعبٌ، ولن أتحدثَ عن آثارِ القولِ بإغلاقِه، ولا عن مَسالةِ: (خلو العصرِ عن مجتهدٍ)، وإنْ كان كلام الأصوليين عنها يدلُّ على أثرِ التمذهب في القولِ بإغلاقِ بابِ الاجتهادِ في الشريعةِ عند القائلين بجوازِ خلوِ العصَرِ عن مجتهدٍ (^٢).\nإنَّ للقولِ بإغلاقِ باب الاجتهادِ أسبابًا عدّة، ويأتي في مقدمتِها: النزعةُ المذهبيةُ التي ترى أنَّ المتمذهبين مهما بلغوا مِن العلمِ، فلنْ يصلوا إلى علومِ السابقين (^٣).\nويصفُ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة الحالةَ العلميةَ في القرونِ التاليةِ لعصورِ الاجتهادِ الأُولى، فيقول: \"اقتصرَ العناءُ على مراجعةٍ أقوالِ السابقين، ثمَّ\n_________\n(^١) انظر: الفقه الإسلامي ومدارسه لمصطفى الزرقا (ص/ ١٠١ - ١٠٢)، وبدعة التعصب المذهبي لمحمد عباسي (ص/٢٢).\n(^٢) يقول الشيخ محمد أبو زهرة في: تاريخ المذاهب الإسلامية (ص/٣٠٣): \"إنَّ المذاهب المختلفة لم تستقبل فكرة غلق باب الاجتهاد بقدرٍ واحدٍ، فإذا كانت الفكرةُ قد لاقتْ في المذهبين: الحنفي والشافعي رواجًا، فإنها لم يكن لها مثل الرواج في المذهب المالكي، وإنْ كان للفكرة أثر فيه، أمَّا المذهب الحنبلي، فقد قرر فقهاؤه وجوبَ أنْ لا يخلو عصرٌ من العصور من مجتهد\". وانظر: ابن حنبل - حياته وعصره له (ص / ٣٢١ - ٣٢٢).\n(^٣) انظر: إعلام الموقعين (٤/ ٣١ - ٣٢).","vol":"3","page":1413},{"text":"جاءَ بعد ذلك في العصورِ المتأخرةِ مَنْ أغلقَ بابَ الاجتهادِ، مكتفيًا باجتهادِ الأئمةِ السابقين\" (^١).\nوينبغي التفريقُ بين الاجتهادِ المطلق المستقلّ، والاجتهادِ المطلق المنتسب:\nفالاجتهادُ المطلقُ المستقلُّ طوي بساطُه، وأُغْلَق بابُه؛ لاستقرارِ الأصولِ التي سارَ عليها أئمةُ الاجتهادِ، فليس لأحدٍ أنْ يأتي بأصول مخترعةٍ لم يُسبق إليها (^٢).\nوفي هذا المقام يقولُ ابنُ الصلاح: \"ومنذُ دهرِ طويلِ طوي بساطُ المفتي المستقل المطلقَ\" (^٣).\nوقد نصَّ بدرُ الدين الزركشي على خلوِّ العصرِ عن المجتهدين المطلقين، ثمَّ نَقَلَ اتفاقَ المسلمين على انحصارِ الحقِّ في المذاهب المعروفةِ (^٤)، ولعله يقصدُ الاجتهادَ المستقلَّ.\nأمَّا الاجتهادُ المطلقُ المنتسبُ فلم يُغْلقْ بابُه، وإنْ ادّعى بعضُ الناس أنَّه مغلقٌ.\nيقولُ ابنُ الصلاح: \"وأفضى أمرُ الفتوى إلى الفقهاءِ المنتسبين إلى أئمةِ المذاهبِ المتبوعةِ\" (^٥).\n_________\n(^١) تاريخ المذاهب الإسلامية (ص/ ٣٠٣).\n(^٢) انظر: مجلة المنار (٤/ ٦٩٢)، وشرائط الاجتهاد بين النظرية والتطبيق المعاصر للدكتور عبد المعز حريز، مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد: (٥٠)، (ص/ ٢٧٢)، والاجتهاد بين مسوغات الانقطاع وضوابط الاستمرار للدكتور محمد ابن الشيخ (ص/ ٤٣).\n(^٣) أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩١). وانظر: المجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٤٣)، وأدب القضاء لابن أبي الدم (١/ ٢٧٩)، وصفة الفتوى لابن حمدان (ص/ ١٧)، والبحر المحيط (٦/ ٢٠٧)، والفتاوى الكبرى الفقهية للهيتمي (٤/ ٣٠٢)، وفواتح الرحموت (٢/ ٣٩٩)، وغاية الأماني للألوسي (١/ ٩٦)، والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (ص/ ٣٧٤)، ومجلة المنار (٤/ ٦٩٢)، والفكر السامي لمحمد الحجوي (٤/ ٤٥٢)، وأصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي (٢/ ١٠٧١).\n(^٤) انظر: البحر المحيط (٦/ ٢٠٩).\n(^٥) أدب المفتي والمستفتي (ص/ ٩١). وانظر: المجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٤٣)، وصفة الفتوى لابن حمدان (ص/ ١٧)، والإنصاف في بيان سبب الخلاف للدهلوي (ص/ ٣١).","vol":"3","page":1414},{"text":"ولقد استنكرَ ابنُ حمدان عدمَ وجودِ المجتهدِ، وأشارَ إلى سببِ هذا الأمرِ، فقالَ: \"ومنذُ زمنِ طويلِ عُدمَ المجتهدُ المطلقُ، مع أنَّه الآن أيسرُ منه في الزمنِ الأولِ؛ لأنَّ الحديثَ والفقهَ قد دُونا، وكذا ما يتعلق بالاجتهادِ مِن الآياتِ والآثارِ وأصولِ الفقهِ والعربيةِ، وغيرِ ذلك، لكنَّ الهممَ قاصرةٌ، والرغباتِ فاترةٌ، ونارَ الجدِّ والحذر (^١) خامدةٌ؛ اكتفاءً بالتقليدِ، واستعفاءً من التعبِ الوكيدِ، وهَرَبًا مِن الأثقالِ ... وهو فرضُ كفايةٍ، قد أهملوه وملّوه، ولم يَعقلوه؛ ليفعلوه\" (^٢).\nويقولُ جلالُ الدين السيوطي مفرِّقًا بين المجتهدِ المستقلِّ، والمجتهدِ المطلقِ: \"لَهَجَ كثيرٌ مِن الناسِ اليومَ بأنَّ المجتهدَ المطلقَ فُقِدَ مِنْ قديمٍ، وأنَّه لم يوجدْ مِنْ دهرٍ إلا المجتهدُ المقيّدُ.\nوهذا غلطٌ منهم، ما عرفوا كلامَ العلماءِ، ولا عرفوا الفرقَ بين المجتهدِ المطلقِ، والمجتهدِ المستقلِّ؛ ولا بين المجتهدِ المقيّدِ، والمجتهدِ المنتسبِ (^٣)، وبين كلّ ممَّا ذُكِرَ فرقٌ\" (^٤).\nوفي كلامِ جلالِ الدّينِ السيوطي دلالةٌ على انتشارِ القولِ بإغلاقِ بابِ\n_________\n(^١) كذا في: صفة الفتوى لابن حمدان (ص/ ١٧)، ويظهر لي أنَّ الكلمة محرفة، وصوابها: \"الحرص\".\n(^٢) المصدر السابق. وانظر: البحر المحيط (٦/ ٢٠٨)، وإرشاد الفحول (٢/ ١٠٣٨)، والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (ص/ ٣٧٤).\nوقد علَّق ابنُ مفلح في: أصول الفقه (٤/ ١٥٥٤) على كلام ابن حمدان، فقال: \"فيه نظر\"، ولم يبيّن وجه النظر.\nويقول المرداوي في: التحبير (٨/ ٤٠٦٩ - ٤٠٧٠) مبينًا كلام ابن مفلح: \"وهو كما قال؛ فإنه وُجِدَ من المجتهدين بعد ذلك جماعةٌ، منهم: الشيخُ تقيُّ الدين بن تيمية، ونحوه، ومنهم: الشيخُ تقيُّ الدين السبكي والبلقينيُّ\".\nوهؤلاء بلغوا درجة الاجتهاد المطلق المنتسب، ولم يكونوا مستقلين.\n(^٣) في الطبعة التي رجعت إليها: \"ولا المجتهد المنتسب\"، وفد أثبت ما في: طبعة دار الكتب العلمية (ص/١١٢)؛ لصحته.\n(^٤) الرد على من أخلد إلى الأرض (ص/ ٩٣). وانظر: فيض القدير للمناوي (١/ ١١)، وفواتح الرحموت (٢/ ٣٩٩)، وغاية الأماني للألوسي (١/ ٨٣).","vol":"3","page":1415},{"text":"الاجتهادِ المطلقِ المنتسبِ؛ تمسكًا ببعضِ عباراتِ العلماءِ التي نصتْ على إغلاقِ بابِ الاجتهادِ المستقل.\nلقد أسهم بعضُ المتمذهبين في القولِ بإغلاقِ بابِ الاجتهادِ في الشريعةِ؛ وكان السببُ في هذه الدعوى:\n- إمَّا حفظًا للدِّين مِنْ أنْ يتكلمَ أو يفتي فيه مَنْ لا يوثق به، أو مَنْ لا يُحسنُ الكلام فيه، فيدّعي الاجتهادَ مَنْ ليس مِنْ أهلِه (^١).\nيقولُ الشيخُ مصطفى الزرقا: \"كان هذا الإقفالُ تدبيرًا وقائيًا حين لَحَظَ فقهاءُ المذاهب الأربعة ... ضعفَ الوازعِ الديني لدى بعضِ العلماءِ أو المتعالمين، وَانفصالَ العلم عن تقوى الله تعالى، وصيرورةَ العلم أداةً لكسبِ المنافعِ الدنيويةِ ... وفُقِدت الأمانةُ لدى بعضِ العلماءِ - ممَّا عُبِّرَ عنه بـ: فسادِ الزمانِ - فخشي فقهاءُ المذاهبِ أنْ تشوّه أحكام الشريعةِ وفقهها بما يصدرُ عن أمثالِ هؤلاءِ؛ تحتَ ستارِ الاجتهادِ، فأفتوا بعدمِ جوازِ الاجتهادِ مِنْ أحدٍ بعد القرنِ الرابعِ الهجري، وهذا ما سُمّي بإقفالِ بابِ الاجتهادِ\" (^٢).\n_________\n(^١) انظر: مقدمة ابن خَلدون (٣/ ١٠٥٠)، وبلوغ السول لمحمد مخلوف (ص/ ١٤)، وأصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي (٢/ ١٠٧٣)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ٥٦)، والاجتهاد الجماعي للدكتور عبد المجيد السوسوه (ص/ ٥٥)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور شوقي الساهي (ص/ ١٢١)، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور عبد الله الدرعان (ص/ ١٩٤)، وآثار اختلاف الفقهاء لأحمد الأنصاري (ص/ ١٢٥)، والمدخل لدراسة الشريعة للدكتور عبد الكريم زيدان (ص/ ١٢٤)، والاجتهاد في الفقه الإسلامي لعبد السلام السليماني (ص/ ٣٢١)، ومدخل لدراسة الفقه لمحمد محجوبي (ص/ ٢٤٩)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ١٢٢)، وسد باب الاجتهاد لعبد الكريم الخطيب (ص/ ١٣٧)، والتشريع الإسلامي للدكتور عبد الفتاح كبارة (ص/ ١٩٥)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور ناصر الطريفي (ص/ ١٥٠)، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور حسن الشاذلي (ص/ ٣٢٠)، وبلوغ الأماني للدكتور الحسن العلمي (ص/ ١٦٩)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور حسين حسان (ص / ١١٣ - ١١٤).\n(^٢) الفقه الإسلامي ومدارسه (ص/ ١٠٢ - ١٠٣).","vol":"3","page":1416},{"text":"- وإمَّا قناعةً مِن المتمذهبين وإعجابًا منهم واكتفاءً بما في مذهبِهم مِنْ ثروةٍ فقهيةٍ مستوعبةٍ وشاملةٍ لجمهورِ المسائلِ، تُغْنِي في نظرِهم عن الحاجةِ إلى الاجتهادِ (^١).\n- وإمَّا تعصبًا مِنْ بعضِ المتمذهبين لمذهبِهم؛ لئلا يخرج عنه أحدٌ؛ بحجّةِ أنَّه مجتهدٌ (^٢).\nإضافةً إلى انشغالِ جمهورِ المتمذهبين بمذاهبِهم: بالتأليفِ والتبويبِ والتفريعِ والتأصيلِ والترجيحِ والانتصارِ لها، الأمر الذي جعلهم يبعدون عن الاجتهادِ شيئًا فشيئًا (^٣).\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (ص/ ١٠٥)، وفقه إمام الحرمين للدكتور عبد العظيم الديب (ص/ ٥٢١)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص/ ٢١٧)، والاجتهاد في الفقه الإسلامي لعبد السلام السليماني (ص/ ٣٢١)، وآثار اختلاف الفقهاء لأحمد الأنصاري (ص/ ١٢٥)، وشرائط الاجتهاد بين النظرية والتطبيق المعاصر للدكتور عبد المعز حريز، مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد: (٥٠)، (ص/ ٢٦٩)، والفتوى - نشأتها وتطورها للدكتور حسين الملاح (ص/ ٣٤٠)، وملامح الحوار المذهبي للدكتور رضوان غربية، بحوث الملتقى الأول: القاضي عبد الوهاب المالكي (٢/ ٢١٣)، والاجتهاد للدكتور أحمد بوعود (ص/ ٨١)، وبين متبع ومقلد أعمى للدكتور عامر الزيباري (ص/ ٥٢)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور محمد موسى (ص/ ٦١).\nومن الشواهد لهذا السبب: ما قاله الدكتور محمد الفرفور في كتابه: ابن عابدين وأثره في الفقه (٢/ ٩٧٨): \"لا يذهبنَّ بك الوهمُ مِنْ دعوتنا للاجتهاد المذهبي هذا إلى تطاول منا على الدعوة للاجتهاد المطلق في الشريعة، فهذا خارجُ دائرة كل من المذاهب الأربعة، وهو ما يُعبّر عنه بالاجتهاد المطلق، مستبعدٌ كليًا، لا نراه، ولا ندعو إليه؛ لأننا لسنا بحاجة إليه أبدًا بعد استقرار المذاهب الأربعة المعروفة بمذاهب فقهاء الأمصار، كما أنَّ لنا بالاجتهاد المذهبي المضبوط بضوابط غُنيةً عن الاجتهاد المطلق، هذا الذي يجلب للمسلمين فوضى دينية، وفِتَنًا لا أول لها من آخر\".\n(^٢) انظر: مناهج الاجتهاد للدكتور محمد مدكور (ص/ ٤١٥)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد الحصري (ص / ٢١٦، ٢٢٧)، والمدخل المفصّل إلى فقه الإمام أحمد (١/ ٧٦)، والفتوى - نشأتها وتطورها للدكتور حسين الملاح (ص/ ٣٤٠).\n(^٣) انظر: المدخل لدراسة الفقه للدكتور شوقي الساهي (ص/ ١٢١)، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور عبد الله الدرعان (ص/ ١٩٣).","vol":"3","page":1417},{"text":"وقد ادّعى ابنُ أبي الدم (^١) أنَّ الله أعجزَ الخلائق عن بلوغِ درجةِ الاجتهادِ! وصَرَفَ هممهم عن دركِها وبلوغِها (^٢).\nيقولُ أبو شامةَ المقدسي حاكيًا حالَ بعضِ أربابِ المذاهبِ مع مَنْ يريدُ بلوغَ رتبةِ الاجتهادِ: \"صاروا ممَّنْ يرومُ رتبةَ الاجتهادِ يَعْجَبُون، وله يَزْدَرُون\" (^٣).\nوقد نَقَلَ أبو العباسِ الونشريسي كلامًا عن بعضِ الفقهاءِ (^٤) يصوّرُ حالَ بعضِ المتمذهبين الذين أغلقوا بابَ الاجتهادِ، فيقول: \"وقد حكى الناسُ أنَّه لم يبلغْ في هذه الملةِ أحدٌ بعدَ الأئمةِ الأربعةِ رتبةَ الاجتهاد غير إسماعيلَ القاضي ... فكيفَ تطمحُ نفسُ عاقلٍ إلى تعاطي رتبة الاجتهادِ، والنظر في قول مالكٍ والشافعي وأبي حنيفةَ؟ ! وترجيحِ بعضِها على بعضٍ بهذه البلاد؟ ! وفي هذا الزمانِ الذي غاية المفتي به والعارفِ الدَّينِ الفاضلِ أنْ يكونَ قد مارسَ اصطلاحَ الفقهاءِ بعضَ الممارسةِ، ويكون عنده بعضُ دفاتر في الفقهِ مقتناه في خزانتِه، فإذا وَرَدَت عليه النازلةُ نَظَرَ في تلك الدفاترِ ...، (^٥).\nويستغربُ شمسُ الدّينِ بنُ القيّمِ (^٦)،\n_________\n(^١) هو: إبراهيم بن عبد الله بن عبد المنعم بن علي بن محمد بن أبي الدم الهمداني، شهاب الدين أبو إسحاق، ولد بحماة سنة ٥٨٣ هـ كان علامةً عالمًا فقيهًا مؤرخًا رجلًا مهابًا عفيفًا ورعًا، وافر الفضل، حسن الأخلاق، من أعيان المذهب الشافعي في زمنه، تولى قضاء حماة، من مؤلفاته: أدب القضاء، والتاريخ الكبير، وشرح مشكل الوسيط، توفي بحماة سنة ٦٤٢ هـ.\nانظر ترجمته في: صلة التكملة لوفيات النقلة للحسيني (١/ ١٠٠)، وسير أعلام النبلاء (٢٣/ ١٢٥)، والوافي بالوفيات للصفدي (٦/ ٣٣)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٨/ ١١٥)، وطبقات الشافعية للإسنوي (١/ ٥٤٦).\n(^٢) أدب القضاء (١/ ٢٧٩).\n(^٣) خطبة الكتاب المؤمل في الرد إلى الأمر الأول (ص/ ١٠٠).\n(^٤) فقيه من فقهاء ماطلة، لم يذكر الونشريسي اسمه في: المعيار المعرب (٢/ ١٦٦).\n(^٥) المصدر السابق (٢/ ١٧٠). وانظر في المعنى الذي نقله الونشريسي: مواهب الجليل للحطاب (٦/ ٨٩)، والفتاوى الكبرى الفقهية للهيثمي (٤/ ٣٠٢).\n(^٦) انظر: إعلام الموقعين (٤/ ٣٥). وانظر في المعنى نفسه: غاية الأماني للألوسي (١/ ٨٦)، والفكر السامي لمحمد الحجوي (٤/ ٤٥٢)، ومناهج الاجتهاد للدكتور محمد مدكور =","vol":"3","page":1418},{"text":"وجلالُ الدّينِ السيوطي (^١)، والأميرُ الصنعاني (^٢)، والإمام الشوكاني (^٣)، والشيخ عبد القادر بنُ بدران (^٤)، والشيخُ محمدٌ الشنقيطي (^٥) مَنْ لا يُصدِّق بوجود المجتهدين في عصورهم؛ فالله ﷾ قادرٌ على هذا الأمرِ.\nويقولُ الشيخُ صالح المقبلي متحدّثًا عن مفاسدِ الخلافِ بين المذاهبِ - ومنها: الزيدية -: \"سدّ باب التفقهِ في الدِّينِ، ومعرفةِ الكتاب والسنةِ، حتى صار المتشوّفُ لذلك متفقًا على جنونِه وخذلانِه عندهم! ويصرِّحون أنَّ الاجتهادَ قد استحالَ منذُ زمانٍ\" (^٦).\nولقد بيَّن الأميرُ محمدٌ الصنعاني (ت: ١١٨٢ هـ) أنَّ عامةَ أرباب المذاهبِ الأربعةِ في عصرِه قد طبَّقتْ على إحالةِ الاجتهادِ في الشريعةِ، وعَلى إغلاق بابِه (^٧).\nويقولُ الشوكانيُّ (ت: ١٢٥٠ هـ) عن متمذهبي عصرِه: \"ويالله العجبُ، ما قَنِعَ هؤلاءِ ... حتى سدّوا على أمةِ محمدٍ - ﵌ - بابَ معرفةِ الشريعةِ مِنْ كتابِ الله وسنةِ رسولِه - ﵌ - وأنَّه لا سبيلَ إلى ذلك ولا طريقَ ... وكلُّ هذا حرصٌ منهم على أنْ تعمَّ بدعةُ التقليدِ كلَّ الأمةِ ... \" (^٨).\n_________\n= (ص/ ٤١٨)، وأصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي (٢/ ١٠٧١)، وبدعة التعصب المذهبي لمحمد عباسي (ص/٢٣).\n(^١) انظر: تشير الاجتهاد (ص/ ٤٥).\n(^٢) انظر: إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد (ص/ ١٠٤).\n(^٣) انظر: إرشاد الفحول (٢/ ١٠٣٨).\n(^٤) انظر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد (ص/ ٣٨٧).\n(^٥) انظر: أضواء البيان (٧/ ٦١٥).\n(^٦) العَلَم الشامخ (ص/ ٤٢١). وانظر: مقدمة ابن خَلدون (٣/ ١٠٥٠)، وغاية الأماني للألوسي (١/ ٨٣).\n(^٧) انظر: إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد (ص/ ٨٩).\n(^٨) القول المفيد في حكم التقليد (ص/ ١٤١ - ١٤٢). وانظر: إرشاد الفحول (٢/ ١٠٣٩).","vol":"3","page":1419},{"text":"ويقولُ أيضًا: \"فانظرْ أيّها المنصفُ: ما حَدَثَ بسببِ بدعةِ التقليدِ مِن البلايا الدينيةِ، والرزايا الشيطانيةِ، فإنَّ هذه المقالةَ بخصوصِها، أعني: انسدادَ بابِ الاجتهادِ، لو لم يحدثْ مِنْ مفاسدِ التقليدِ إلا هي، لكان فيها كفايةٌ ونهايةٌ ... \" (^١).\nوإنْ كان في كلامِ الشوكاني كثيرٌ مِن التحاملِ على مخالفيه، إلا أنَّه يُبينُ تأثيرَ التمذهبِ في القولِ بإغلاقِ بابِ الاجتهادِ.\nولقد وَقَفَ كثيرٌ مِن المتمذهبين بالمرصادِ أمام مَنْ يدّعى بلوغَ رتبةِ الاجتهادِ، ونالَ كثيرًا مِن العلماءِ كثيرٌ مِن الأذى؛ بسببِ دعوتِهم للنظرِ في الكتابِ والسنةِ، وعدمِ الجمودِ على المذهبِ (^٢).\nويقولُ الشوكانيّ أيضًا: \"وما زال هذا - أي: محاربة مَنْ يدعي الاجتهاد - دَأَبَ الناسِ مع مَنْ بَلَغَ إلى تلك الرتبةِ\" (^٣).\nويبيّن الشوكانيُّ (ت: ١٢٥٠ هـ) في موضعٍ آخر حالةَ الناس في قُطْرِه مع مَنْ يدّعي الاجتهاد، فيقول: \"إذا سمعوا برجلٍ يدّعي الاجتهادَ ... قاموا عليه قيامًا تبكي عليه عيونُ أهلِ الإسلامِ، واستحلوا منه ما لا يستحلونه مِنْ أهلِ الذمةِ! مِن الطعنِ واللعنِ والتفسيقِ والتكفيرِ! ... \" (^٤).\nومِنْ أمثلة محاربة مَنْ يدّعي الاجتهاد المطلق: ما جرى لجلالِ الدينِ السيوطي حين ادّعى بلوغَ رتبةِ الاجتهادِ، فقام عليه معاصروه، ورموه عن\n_________\n(^١) القول المفيد في حكم التقليد (ص/ ١٤٣). وانظر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (ص/ ٣٨٧).\n(^٢) انظر: أدب الطلب للشوكاني (ص/ ١٣٩)، وآثار اختلاف الفقهاء لأحمد الأنصاري (ص/ ٢٩٩)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عمر الأشقر (ص/ ١٦٩)، والمدخل إلى الشريعة والفقه له (ص/ ٣١٣)، والوسيط في تاريخ التشريع للدكتور أحمد الشرقاوي (ص/ ٢٥٢)، وتاريخ التشريع للدكتور أحمد العليان (ص/ ٢٧٧).\n(^٣) البدر الطالع (ص/ ٣٤٢). وانظر: أدب الطلب للشوكاني (ص/ ٩٥).\n(^٤) القول المفيد في حكم التقليد (ص/ ١٤٤).","vol":"3","page":1420},{"text":"قوسٍ واحدةٍ، وكتبوا له أسئلةً يختبرون بها علمَه في مرتبةِ الاجتهادِ في الفتوى في المذهب الشافعي! (^١).\nوفي هذا الصنيعِ مِن معاصري السيوطي دلالةٌ على ضيقِهم وعدمِ قبولهم واستبعادِهم أنْ يبلغَ أحدٌ رتبةَ الاجتهادِ المطلقِ في الشريعةِ.\nولما دعا الشيخُ صالح المقبلي إلى تركِ التقليدِ الأعمى، والعملِ بالاجتهادِ أُوذي، وناله مِن المحنِ والعداوةِ ما حمله على تركِ بَلدِه، والارتحالِ إلى مكةَ (^٢).\nولما قام الأميرُ محمدٌ الصنعاني (ت: ١١٨٢ هـ) على معاصريه - ولا سيما علماء الزيدية - وحاربَ التمذهبَ والتقليدَ الأعمى الذي وقع فيه أهلُ قطرِه، قام عليه كثيرٌ منهم، يقول الشيخُ محمدٌ الشوكاني عن الأميرِ الصنعاني: \"تظهّرَ بالاجتهادِ، وعَمِلَ بالأدلةِ، ونفَرَ عن التقليدِ، وزيّف ما لا دليلَ عليه مِن الآراءِ الفقهيةِ، وجرتْ له مع أهلِ عصرِه خطوبٌ ومحنٌ\" (^٣).\nوالشوكانيُّ نفسُه صَنَعَ مثلما صَنَعَ الأميرُ الصنعاني، يقول الشوكاني عن نفسِه إنَّه: \"تَرَكَ التقليدَ، واجتهدَ رأيَه اجتهادًا مطلقًا غيرَ مقيّدٍ، وهو قبل الثلاثين\" (^٤)، ولم يسلمْ مِنْ علماءِ قُطرِه، وأوذي بسببِ دعواه (^٥).\nوإنْ كانتْ محاربةُ مدّعي الاجتهاد القادر عليه - أو محارب التقليد الأعمى - مرفوضةً، فإن ممَّا يزيدُ في محاربةِ كثيرٍ مِنْ مدّعي الاجتهاد ما\n_________\n(^١) انظر: الضوء اللامع للسخاوي (٤/ ٦٧ - ٧٥)، وفيض القدير للمناوي (١/ ١١ - ١٢)، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ ٣٤٠).\n(^٢) انظر: أدب الطلب للشوكاني (ص/ ٩٧).\n(^٣) البدر الطالع (ص/ ٦٤٩). وانظر: أدب الطلب للشوكاني (ص/ ٩٧).\n(^٤) البدر الطالع (ص / ٧٤٠). وانظر: أدب الطلب للشوكاني (ص/ ٩٨ وما بعدها).\n(^٥) انظر: القول المفيد في حكم التقليد (ص/ ١٢٩)، والفكر السامي لمحمد الحجوي (٤/ ٣٩٢).","vol":"3","page":1421},{"text":"يصدرُ عن بعضهم مِن الوقوعِ في أعيانِ المذاهب ورجالها، ورميهم بالخطأِ، والتنقصِ مِنْ علمهم ونحو ذلك (^١).\n* * *\n_________\n(^١) ومن يطالع كتب أبي محمد بن حزم يرى قسوته وشدته وتطاوله على مخالفيه من أرباب المذاهب.\nوذكر عبدُ الحي الحسني في: نزهة الخواطر (٨/ ١٠٠١) أنَّ عبد الحق بن فضل الله العثماني - من علماء الهند - لما ذهب إلى المدينة النبوية تكلَّم في بعض المسائل الخلافية، وصدر عنه ما لا يليق بشأن الأئمة المجتهدين، ورمى أصحابَ المذاهب بالضلال! فرفع أمره إلى قاضي المدينة.\nويتصل بهذا المبحث الإشارة إلى أنَّ بعض المتمذهبين لم تقتصرْ محاربتهم على مَن يدَّعي رتبةَ الاجتهاد، أو يدعو إلى النظرِ في نصوصِ الكتاب والسنةِ، بلْ أمسى كثيرٌ منهم في بعض القرون يحاربون ويعادون متمذهبي المذاهبِ الفقهية الأخرى، فكل فرقةٍ تنصرُ مذهبها، وتدعو إليه، وتذمّ من خالفها، بلْ وصل الحالُ عند بعضهم إلى أنَّهم يرون المخالف لهم كأنَّه مِنْ أهلِ ملةٍ أخرى.\nانظر: إعلام الموقعين (٣/ ٥٥٦)، والقول المفيد في حكم التقليد للشوكاني (ص/ ١١٩)، والمذاهب الفقهية الإسلامية لمحمد تاجا (ص/ ١٦٥)، وبلوغ الأماني للدكتور الحسن العلمي (ص/ ١٦٥)، المقلِّدون والأئمة الأربعة لسعيد معشاشة (ص/ ٨١).\nيقول تقيُّ الدين بنُ تيمية في: مجموع الفتاوى (٢٢/ ٢٥٤): \"وبلادُ المشرقِ مِنْ أسبابِ تسليطِ الله التتر عليها: كثرةُ التفرقِ والفتنِ بينهم في المذاهبِ وغيرِها، حتى تجد المنتسبَ إلى الشافعي يتعصب لمذهبِه على مذهبِ أبي حنيفة حتى يخرج عن الدِّين، والمنتسبَ إلى أبي حنيفة يتعصب لمذهبِه علَى مذهبِ الشافعي وغيرِه حتى يخرج عن الدِّين، والمنتسبَ إلى أحمدَ يتعصب على مذهبِ هذا أو هذا، وفي المغرب: تجد المنتسبَ إلى مالكٍ يتعصب لمذهبِه على هذا أو هذا، وكَلُّ هذا مِن التفرقِ والاختلافِ الذي نهى اللهُ ورسولُه عنه\".\nويقول الأميرُ الصنعاني في: منحة الغفار (١/ ١٢٣): \"التمذهبُ منشأُ فرقةِ المسلمين، وبابُ فتنةِ الدنيا والدِّينِ، وهل فرَّق الصلواتِ المأمور بالاجتماعِ لها في بيتِ الله الحرامِ إلا تفرقُ المذاهبِ النابت عن غرسِ شجرةِ الالتزام؟ ! وهل سُفِكت الدماءُ وكفَّر المسلمونَ بعضَهم بعضًا إلا بسببِ التمذهبِ؟ ! \".\nوكلام الصنعاني إن إراد به حكاية حال بعض المتمذهبين في زمنه، الواقعين في لوثة التعصب، فمسلم، وإلا ففي كلامِه مبالغةٌ وتعميمٌ غير مرضيين.","vol":"3","page":1422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>المبحث الثالث: ظهور الحيل الفقهية</span>\nيحسنُ قبلَ الحديثِ عن أثرِ التمذهبِ في ظهورِ الحيلِ تعريفُ مصطلحِ الحيلِ في: اللغةِ، والاصطلاحِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>أولًا: تعريف الحيل في اللغة:</span>\nالحِيَل: جمعُ حِيْلَةٍ، على وزن: (فعيلة)، ماخوذةٌ مِن التحولِ (^١).\nويرجعُ أصلُ الكلمةِ إلى مادة: (حول)، ولهذه المادة عدة معان، أهمّها: تَحرُّكٌ في دَوران (^٢)، يقال: حَالَ الرجلُ في فرسِه، يَحُولُ حَوْلًا، وحُؤُولًا، إذا وَثَبَ (^٣)، وحَالَ الشخصُ يَحُولُ، إذا تَحَرَّكَ (^٤).\nومِنْ هذا البابِ: الحيلةُ؛ لأن الشخصَ يدورُ حوالي الشيءِ؛ ليدركَه (^٥).\nومعنى الحيلةِ: الحِذْقُ في تدبيرِ الأمورِ، ويكونُ بتقليبِ الفِكْرِ حتى يُهتدى إلى المقصودِ، وجودةُ النظرِ، والقدرةُ على دقّةِ التصرفِ (^٦).\n_________\n(^١) انظر: إعلام الموقعين (٤/ ١٨٨).\n(^٢) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (حول)، (٢/ ١٢١).\n(^٣) انظر: المصدر السابق.\n(^٤) انظر: المصدر السابق، والقاموس المحيط، مادة: (حول)، (ص/ ١٢٧٨).\n(^٥) انظر: مقاييس اللغة، مادة: (حول)، (٢/ ١٢١)، والقاموس المحيط، مادة: (حول)، (ص/ ١٢٧٨).\n(^٦) انظر: لسان العرب، مادة: (حول)، (١١/ ١٨٥)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (حول)، (ص/ ١٣٦).","vol":"3","page":1423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>ثانيًا: تعريف الحيل في الاصطلاح:</span>\nلقد عُرِّفت الحيل في الاصطلاحِ بتعريفاتٍ عدةٍ، ومِنْ أشهرِها:\nالتعريف الأول: أنْ يقصدَ المكلّفُ سقوطَ الواجبِ أو حِلَّ الحرامِ بفعلٍ لم يَقصدْ به ما شُرِعَ الفعلُ له. وهذا تعريفُ تقي الدين بنِ تيمية (^١).\nالتعريف الثاني: التّوصّلُ إلى الغرضِ الممنوعِ منه شرعًا، أو عقلًا، أو عادةً. وهذا تعريفُ ابنِ القيّمِ (^٢).\nالتعريف الثالث: تقديمُ عملٍ ظاهرُه الجوازُ؛ لإبطالِ حكمٍ شرعي، وتحويله في الظاهرِ إلى حكمٍ آخر. وهذا تعريفُ أبي إسحاقَ الشاطبي (^٣).\nوهذه التعريفات متقاربةٌ مِنْ حيثُ المعنى، يكاد معناها أنْ يكونَ واحدًا.\nولن أتحدث في هذا المبحث عن نشأةِ الحيل، وأقسامِها، وحُكمِها، وضابطِ الحيل المباحةِ، والحيلِ المحرمةِ، فهذا له مقامٌ آخر، وسأقتصرُ في حديثي هنا على بيانِ أنَّ مِنْ آثارِ التمذهبِ ظهورَ الحيل عند بعضِ المتمذهبين.\nلمَّا ظَهَرَت المذاهبُ الفقهيةُ، وأضحتْ منتشرةً بين أصنافِ المتعلمين كافةً، ازدادَ تمسكُ الناسِ بها، والتزمَ كثيرٌ مِن المفتين الإفتاءَ بها، وشدّد آخرون، فلم يجوّزوا الخروجَ عنها (^٤)؛ لئلا يقعَ الناسُ في التلفيقِ بين المذاهبِ.\n_________\n(^١) انظر: بيان الدليل (ص/ ٢٦).\n(^٢) انظر: إعلام الموقعين (٤/ ١٨٨).\n(^٣) انظر: الموافقات (٥/ ١٨٧). وللاستزادة من تعريفات الحيلة، انظر: بحوث فقهية مقارنة للدكتور محمد الدريني (١/ ٤١٥)، والحيل في الشريعة الإسلامية لمحمد بحيري (ص/ ١٩)، والحيل وأثرها في الأحوال الشخصية للدكتور إيهاب أبو الهيجاء (ص/ ٢٠ - ٢٩)، والحيل الفقهية للدكتور صالح بو بشيش (ص / ١٩ - ٢٨)، والحيل الفقهية في المعاملات لمحمد بن إبراهيم (ص/ ١٧ - ٢١)، والحيل الشرعية لنشوة العلواني (ص/ ٢٣).\n(^٤) انظر: تاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عمر الأشقر (ص/ ١٨٠).","vol":"3","page":1424},{"text":"وإذا كانَ بعضُ علماءِ المذاهبِ مقتنعين بعدمِ جوازِ الخروجِ عن المذهبِ، ولزومِ الإفتاءِ به، فإنَّ الغالبَ في شأنِهم أنْ لا يفتوا الناسَ إلا بالمذهبِ، وإذا كان في الإفتاءِ به حرجٌ ومشقةٌ بالغين، فإنَّ بعضَ المفتين يجنحُ إلىَ حيلةٍ يرى أنَّها تُخرج المستفتي مِن الحرجِ والمشقة اللذين وَقَعَا عليه، دون الخروجِ عن المذهبِ، مع العلمِ أنَّه بإمكانِ العالمِ أنْ يُفتي بغيرِ مذهبِه - إمَّا لرجحانِه وإمَّا للضرورةِ ونحو ذلك - دونَ الجنوحِ إلى الحيل، فبَدَلًا مِنْ أنْ يحافظَ المفتي على هيبةِ المذهبِ (^١)، فليحافظْ على هيبةِ الشرعِ (^٢).\nيقولُ تقيُّ الدين بن تيمية مُبَيّنًا حالَ مَنْ يُشدّد على نفسِه: \"إنَّه لا بُدَّ أنْ يضطرَ إلى إجازةِ ما حرّمه: فإمَّا أنْ يخرجَ عن مذهبِه الذي يُقلِّده في المسألةِ، وإمَّا أنْ يحتالَ\" (^٣).\nويبيّن في موضعٍ آخر أنَّه لما شاعَ في الأُمةِ اليمينُ بالطلاقِ، وانتشرَ انتشارًا عظيمًا، واعتقدَ كثيرٌ مِن الناسِ أنَّ الطلاقَ يقعُ بهذه اليمينِ لا محالةَ، وفي إيقاعِ الطلاقِ بها حرجٌ ومشقةٌ على الناسِ: نَشَأَ عن التزامِ هذا القولِ أنواعٌ من الحيلِ التي لا يقعُ بها الطلاقُ، ولا يُفتى فيها بما عدا المذهب (^٤).\nوبيَّن تقيُّ الدين أنَّه ليس في القرآنِ الكريمِ، ولا في السنةِ المطهرةِ، ولا في فتاوى الصحابةِ - ﵁ - لزومُ الطلاق في هذه الحالة (^٥).\nوليس الباعثُ على ظهورِ الحيلِ وانتشارِها محصورًا في أمرٍ واحدٍ، بل هناك عدّةُ أمورٍ ساعدتْ على ظهورها، ويأتي في مقدمتِها: التزامُ المذهبِ، وعدم الخروجِ عنه.\n_________\n(^١) انظر: عدة البروق للونشريسي (ص/ ٥٤٢).\n(^٢) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٣٥/ ٢٩٨).\n(^٣) القواعد الكلية (ص/ ٢٥٨).\n(^٤) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٣٥/ ٢٩٠).\n(^٥) انظر: المصدر السابق (٣٥/ ٢٩٦).","vol":"3","page":1425},{"text":"وقد ذكر الأستاذُ محمد بحيري الباعثَ على ارتكابِ الحيلِ، فَذَكَر أنَّ مرتكبها قد \"يكون ممَّنْ تأخذُه العصبيةُ المذهبيةُ، فيأبى إلا أنْ يتمسكَ بمذهبِه في كل أحوالِه، وقد يكون في مذهبِه مِنْ الشدّةِ في بعضِ المسائلِ ما لا يطيقُ احتمالَه، ولا يبيحُ لنفسِه أنْ يقلِّدَ غيرَ مذهبِه، فيتخلّص مِنْ هذا المأزقِ بالحيلةِ التي ظاهرُها التزامُ المذهبِ، وحقيقتُها مخالفتُه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>أمثلة على تأثير التمذهب في الإفتاء بالحيلة:</span>\nالمثال الأول: إذا قالَ الرجلُ لزوجتِه في أمرٍ لا بُدَّ لها مِنْ فعلِه: إنْ فعلتِ كذا، فأنتِ طالقٌ ثلاثًا.\nاحتالَ بعضُ المفتين، فَأَمَرَ الزوجَ أنْ يخالعَ زوجتَه؛ لتفعلَ المحلوفَ عليه، ثم يعقد عليها (^٢)؛ التزامًا في جعل هذه الصيغة تعليقًا للطلاق، دونَ النظرِ إلى نيةِ الزوجِ، أأراد بها تعليق الطلاقِ، أم حثّ الزوجةِ على التركِ؟\nالمثال الثاني: نَقَلَ تاجُ الدين بنُ السبكي فتوى لأحدِ علماءِ الشافعيةِ (^٣) في طلاقِ الثلاثِ، ملخصها: أنَّ رجلًا طلَّق زوجتَه ثلاثًا، بعد صحبةِ سنين، وبَعْد أولاد، فسألَ المفتي عن ولي المرأةِ، أكان يشربُ الخمرَ ويدخلُ الحمامَ بلا مئزر؟ وغير ذلك ممَّا يسقطُ العدالة، فإذا ذَكَرَ له ذلك، أفتى بعدمِ وقوعِ الطلاقِ؛ لفسادِ النكاحِ في الأصلِ (^٤).\nولا يخفى أن الباعثَ للمفتي على هذه الحيلة التزام إيقاع الطلاقِ الثلاثِ إذا كان بلفظٍ واحدٍ.\n_________\n(^١) الحيل في الشريعة الإسلامية (ص/ ٣٠٣). وانظر: بدعة التعصب المذهبي لمحمد عيد عباسي (ص/ ١٧٦)، وبين متبع ومقلد أعمى للدكتور عامر الزيباري (ص/ ٥٣)، والمقلدون والأئمة الأربعة لعبد الرحمن معشاشة (ص/ ٨٠)، وتاريخ التشريع الإسلامي لعلي معوض وزميله (٢/ ٢٧٠).\n(^٢) انظر: إبطال الحيل لابن بطة (ص/ ٤٧)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام (٣٥/ ٢٩١).\n(^٣) هو: نصر الله بن عبد القوي المصيصي.\n(^٤) الأشباه والنظائر (١/ ١٢١ - ١٢٢). وانظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٣٥/ ٢٩٢).","vol":"3","page":1426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>المبحث الرابع: عدم الاطلاع على ما لدى المذاهب الأخرى</span>\nما مِنْ ريبٍ في أنَّ عددًا مِن المتمذهبين في عصورٍ سابقةٍ، وأقطارٍ متعددةٍ قد اكتفوا بما في مذهبِهم من الأقوال (^١) - سواءٌ أكان ذلك في التقعيد، أم في التفريع، أم في الإفتاءِ والقضاءِ (^٢) - فقصروا اطلاعَهم عليه، ولم يعرفوا غيرَه مِن المذاهبِ (^٣).\nإنَّ مَنْ لم يُحْسِنْ دخولَ مدرسةِ التمذهب بمذهبٍ معيّنٍ - مع قدرتِه على الترقي في دروبِ الفقهِ وأصولِه - ويكتفَى بمذهبِه الذي نَشَأَ عليه: فسيفوتُه خيرٌ كثيرٌ ممَّا لدى المذاهبِ الأخرى (^٤)؛ إذ ليس الحقُّ محصورًا في مذهبٍ واحدٍ، وليست أقوالُ المذهبِ راجحةً في جميعِ المسائلِ (^٥).\nويُعدُّ هذا الأثر مِن الصورِ المؤسفةِ التي وَصَلَ إليها بعضُ المتمذهبين، إذ مِنْ شأنِه أنْ يضيق بنَظَرِ المتمذهبِ وأُفقِه، وأنْ يُضعِفَ علمَه بالفقهِ وبأصولِه (^٦).\n_________\n(^١) انظر: بغية المستفيد للشوكاني (٥/ ٢٢٧٣) ضمن كتاب الفتح الرباني، وآثار اختلاف الفقهاء لأحمد الأنصاري (ص/ ٣٠٧).\n(^٢) انظر: الإفصاح لابن هبيرة (٢/ ٤٠٨).\n(^٣) انظر: بغية المستفيد للشوكاني (٥/ ٢٢٧٣) ضمن كتاب الفتح الرباني، وأدب الطلب له (ص/ ٩١)، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور محمد مدكور (ص/ ٩٥)، وبدعة التعصب المذهبي لمحمد عباسي (ص/ ١٥٧)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عمر الأشقر (ص/ ١٨١).\n(^٤) انظر: بين متبع ومقلد أعمى للدكتور عامر الزيباري (ص/ ٥٢).\n(^٥) انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (ج ١/ ق ١/ ٥٤٣)، وبدعة التعصب المذهبي لمحمد عباسي (ص/١٥٧).\n(^٦) انظر: المدخل لدراسة الفقه للدكتور محمد موسى (ص/ ٦٠ - ٦١)، وتاريخ التشريع للدكتور أحمد العليان (ص/ ٢٧٨)، والمدخل إلى الشريعة والفقه الإسلامي للدكتور عمر الأشقر (ص/ ٢١٩)، وتاريخ الفقه الإسلامي له (ص/ ١٨١).","vol":"3","page":1427},{"text":"ولم يكن غالبُ متقدمي علماء المذاهبِ الفقهيةِ مكتفين بما جاءَ عن إمامِهم، وبما في مذهبِهم، والدليلُ على هذا: أنَّ منهم مَنْ خالفَ إمامَه، ورجّحَ قولَ غيرِه (^١)، لكنَّ الأمرَ بدأَ بالتدريجِ رويدًا رويدًا عند بعضِ المتمذهبين، حتى أضحى سِمَةً ظاهرةً عندهم، بلْ صارَ الحالُ إلى اكتفاءِ بعضهم بكتاب أو بكتابين مِنْ كتبِ المذهبِ المتأخرةِ، واقتصارهم عليها (^٢)، وأمسى الفارقُ بين المتمذهب المبتدئِ في العلمِ، والمتمذهبِ المنتهي، في كثرةِ المسائلِ التي يحفظها (^٣).\nويحكي العزُّ بنُ عبد السلام حالَ بعضِ متمذهبي عصرِه، فيقول: \"إذا ذُكِر لأحدِهم خلاف ما وطّن نفسَه عليه، تعجَّب منه غايةَ العجبِ، حتى ظنَّ أنَّ الحق منحصرٌ في مذهبِ إمامِه\" (^٤).\nويبيّنُ تقيُّ الدين بنُ تيمية أن غالبَ الخائضين في الفقهِ إنَّما يعرفُ أحدُهم مذهبَ إمامِه، ثمَّ قد يعلمُه على الجُمْلة، دونَ أنْ يميّزَ المسائلَ القطعيةَ، وما يسوغ فيه الاجتهادُ، وما انفردَ به إمامُه (^٥).\nويقولُ الطوفيُّ: \"غالبُ الفقهاءِ يتفاوتون في معرفةِ مذهبِ خصمِهم\" (^٦).\nوفي اكتفاءِ المتمذهبِ بمذهبِ إمامِه، وبدليلِ قولِه نقصٌ بيّنٌ؛ فليس بإمكانِه حينئذٍ أنْ يرجِّح بين الأقوالِ، ولا أنْ يُزَيّفَ الضعيفَ؛ لعدمِ اطلاعِه على المذاهبِ الأخرى في الأصلِ.\n_________\n(^١) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ١٤٣)، وخطبة الكتاب المؤمل في الرد إلى الأمر الأول لأبي شامة (ص/ ١٣٨)، وتاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٧٣ - ٣٧٤).\n(^٢) انظر: العَلَم الشامخ للمقبلي (ص/ ٤٢٣)، ورسالة في الاجتهاد والتقليد لحمد بن معمر (ص/ ٩٤ - ٩٥)، والدرر السنية لابن قاسم (٤/ ٥٨ - ٥٩)، وتاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٦٨)، والاجتهاد في الفقه الإسلامي لعبد السلام السليماني (ص/ ٣٢٣).\n(^٣) انظر: تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٧٤)، والمنهج الفريد في الاجتهاد والتقليد للدكتور وميض العمري (ص/ ٢٦٠).\n(^٤) القواعد الكبرى (٢/ ٢٧٥).\n(^٥) انظر: الاستقامة (١/ ٦٠).\n(^٦) شرح مختصر الروضة (٣/ ٤٨٤).","vol":"3","page":1428},{"text":"ومِثلُ هذا المتمذهبِ لا يُعدّ مِن العلماءِ المحققين (^١)، ولقد وَصَفَ تقيُّ الدّينِ بنُ تيميةَ مَنْ هذا حالُه - فلم يَعْرِفْ إلا قولَ إمامٍ واحدٍ وحجته، دونَ قولِ المخالفِ وحجته - بأنَّه مِن العوامِّ المقلِّدين! (^٢).\nويقولُ الشيخُ محمدٌ ناصر الدين الألباني عن بعضِ أربابِ المذاهبِ الفقهيةِ: \"إنَّ المتمذهبَ بواحدٍ منها - أي: بالمذاهب - يتعصبُ له، ويتمسكُ بكلِّ ما فيه، دون أنْ يلتفتَ إلى المذاهب الأخرى وينظرَ؛ لعلّه يجد فيها مِن الأحاديثِ ما لا يجدُه في مذهبِه الذي قلَّده\" (^٣).\nبلْ بَلَغَ الأمرُ في بعضِ الأقطارِ إلى عدمِ وجودِ مؤلفاتِ المذاهبِ الأخرى، فضلًا عن الاطلاعِ عليها، يدلّ على هذا: ما قاله أبو إسحاقَ الشاطبي معلِّلًا قلةَ الاطلاعِ على كتب المذاهبِ الأخرى: \"إذ كتبُ الحنفيةِ كالمعدومةِ الوجودِ في بلادِ المغربِ! وكذلك كتبُ الشافعيةِ وغيرِهم مِنْ أهلِ المذاهبِ\" (^٤). ويقولُ في موضع آخر: \"إنَّ المذاهبَ الخارجةَ عن مذهبِ مالكٍ في هذه الأمصارِ مجهولةٌ\" (^٥).\nوفي هذا الكلامِ ما يُعطي بعضَ المتمذهبين في بعضِ الأقطار في زمنٍ مضى شيئًا مِن العذرِ في عدمِ اطلاعِهم على المذاهبِ الأخرى؛ لعدمِ وجودِ مؤلفاتِ علمائِها.\nويبيّنُ الشاطبيُّ مَغَبَّةَ عدمِ الاطلاع على المذاهبِ الأخرى، فيقول: \"إنَّ اعتيادَ الاستدلالِ لمذهبٍ واحدٍ رُبما يُكسِبُ الطالبَ نفورًا وإنكارًا لمذهبِ\n_________\n(^١) انظر: خطبة الكتاب المؤمل في الرد إلى الأمر الأول لأبي شامة (ص/ ١٤١)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام (٣٥/ ٢٣٣).\n(^٢) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٣٥/ ٢٣٣).\n(^٣) سلسلة الأحاديث الصحيحة (ج ١/ ق ١/ ٥٤٣).\n(^٤) الموافقات (٣/ ١٣١).\n(^٥) المصدر السابق (٥/ ١٠٢ - ١٠٣). وانظر: نشر البنود (٢/ ٣٥٢)، ونثر الورود للشنقيطي (٢/ ٦٨٧).","vol":"3","page":1429},{"text":"غيرِه، مِنْ غيرِ اطلاعٍ على مأخذِه، فيورث ذلك حزازةً في الاعتقادِ في الأئمةِ الذين أجمعَ الناسُ على فضلِهم وتقدّمهم في الدِّينِ، واضطلاعهم بمقاصدِ الشارعِ وفهمِ أغراضِه، وقد وُجِدَ هذا كثيرًا! \" (^١).\nولم يسوّغ بعضُ المالكيةِ الفتوى بغيرِ مذهبِ الإمامِ مالكٍ فمَنَعَوا مِن الفتوى بغيرِ مذهبِهم (^٢).\nوأشدُّ ممَّا سَبَقَ أنْ يُحذَّرَ مِنْ مخالفةِ المذهبِ، فقد نَقَلَ أبو العباس الونشريسيُّ عن بعضِ ولاةِ الأندلس (^٣) أنَّه كتب كتابًا، قالَ فيه: \"مَنْ خالفَ مذهبَ مالكِ بنِ أنسٍ - ﵀ - بالفتوى أو غيرِه، وبلغني خبرُه، أنزلتْ به مِن النّكالِ ما يستحقّ! \" (^٤).\nونَقَلَ عنه - أيضًا - قوله: \"كل مَنْ زاغَ عن مذهبِ مالكِ بن أنس، فإنَّه ممّن رِينَ على قلبِه، وزُيِّنَ له سوءُ عملِه\" (^٥).\nوفي هذا الأمرِ - أيًّا كان الباعثُ عليه - دافعٌ قويٌ إلى تركِ الاطلاعِ على ما دوّنه علماءُ المذاهب الأخرى.\nوذَكَرَ الشيخُ صالحٌ المقبلي (ت: ١١٠٨ هـ) أنَّ أحدَ طلبةِ العلمِ المغاربةِ أخبره، وهما بمكةَ بأنَّ الطلبةَ في أرضِه لا يَعرفون إلا مذهبَهم، ولا يعرفون غيرَه من المذاهبِ (^٦).\nولما سَبَقَ، فقد حثَّ عددٌ مِن العلماءِ والمحققين على عدمِ الاقتصارِ\n_________\n(^١) الموافقات (٣/ ١٣١ - ١٣٢).\n(^٢) انظر: عدة البروق للونشريسي (ص / ٥٤٣).\n(^٣) هو: الحكم بن عبد الرحمن الأموي.\n(^٤) المعيار المعرب (٢/ ٣٣٣).\n(^٥) المصدر السابق. ولا يَبْعُد عندي أنَّ ما قاله هذا الوالي بسبب ما استقر في ذهنه من كثرة وجود البدع والمبتدعين في المذاهب الأخرى؛ إذ نقل الونشريسي عنه في: المصدر السابق قولَه: \"جُلّ مَنْ يعتقد مذهبًا مِنْ مذاهب الفقهاء ... فإنَّ فيهم الجهميَّ والرافضيَّ والخارجيَّ إلا مذهب مالك\".\nوهذا ما قد يجعل اللائمةَ متجهةً إلى علماء المالكية في عصر الوالي وقُطْره؛ من جهة أنَّ ما استقر في ذهن الوالي كان بتأثير بعض علماء المالكية.\n(^٦) انظر: العَلَم الشامخ (ص/ ٤٠٢).","vol":"3","page":1430},{"text":"على مذهبِ إمامِ واحدٍ يعتقدُ أنَّ كلَّ ما فيه صوابٌ (^١)، وقد ظَهَرَ أثرُ هذا جليًّا في المؤلفاتِ التي لم يقتصرْ مؤلِّفوها على ذكرِ مذهبِهم، بلْ ذكروا فيها آراءَ المذاهبِ الفقهيةِ الأخرى (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: حجة الله البالغة للدهلوي (١/ ٤٧٦)، والمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٥٢). وقارن بالقول المفيد في حكم التقليد للشوكاني (ص/ ١١٩).\n(^٢) وهذا الأمر لا يخلو منه مذهبٌ، وخذْ مثالًا عليه: بما قاله القرافيُّ في مقدمة كتابه: الذخيرة (١/ ٣٧ - ٣٨): \"وقد آثرتُ التنبيهَ على مذاهب المخالفين لنا مِنْ الأئمة الثلاثة - ﵏ - ومآخذِهم في كثيرِ من المسائل؛ تكميلًا للفائدة، ومزيدًا في الاطلاع، فإنَّ الحق ليس محصورًا في جهةٍ، فيعلم الفقيه أيَّ المذهبين أقرب للتقوى، وأعلق بالسبب الأقوى\".\nوانظر: المدرسة المالكية العراقية للدكتور حميد لحمر، بحوث الملتقى الأول: القاضي عبد الوهاب المالكي (١/ ٥١٠ وما بعدها).","vol":"3","page":1431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>الفصل الثالث: أسباب ظهور الآثار السلبية، وطرق علاجها</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: أسباب ظهور الآثار السلبية\nالمبحث الثاني: طرق علاج الآثار السلبية","vol":"3","page":1433},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-267>المبحث الأول: أسباب ظهور الآثار السلبية</span>\nلقد جَعَلَ اللهُ لكلِّ شيءٍ سببًا، وقد كانَ لظهورِ الآثارِ السلبيةِ للتمذهبِ أسبابٌ سائقةٌ لها، ولعل مِن المهمِّ بيانَ أنَّ بعضَ الآثار - التي تقدّمَ بيانُها - ناشئةٌ عن أثرٍ سلبي، فيمكن القول: إنَّ التعصبَ المذهبي - وهو مِنْ أسوأِ الآثارِ، إنْ لم يكنْ أسوأها - نَشَأَ عنه عددٌ من الآثارِ السلبيةِ.\nوسأحاولُ في هذا المقامِ بيان أهمِّ أسبابِ ظهورِ الآثارِ السلبيةِ السابقةِ.\nوقبل ذكر الأسباب أنبه إلى أمرين:\nالأمر الأول: قد تكون بعضُ الأسباب التي أذكرها سببًا لأثرٍ واحدٍ أو أثرين، فلا أتقيَّد بكونِ السببِ سببًا لجميعِ الآثارِ السلبيةِ السابقةِ.\nالأمر الثاني: ألفتُ النظرَ إلى أن وقوعَ بعضِ المتمذهبين في شيءٍ مِن الآثارِ السلبيةِ ناشئٌ عن الخطأِ في تطبيقِ التمذهب ونابع منه، إذ لا يعني التمذهبُ الجمودَ ولا تركَ الأدلةِ، ولا التعصب (^١).\nوبتأمّلِ الآثارِ السلبيةِ السابقةِ، وما جاءَ مِنْ كلامِ أهلِ العلمِ والباحثين في هذا المقامِ، فقد ظَهَرَ لي أنَّ لها أسبابًا متعددة، وإليك بيانُها:\nالسبب الأول: الغُلوّ في تعظيمِ أئمةِ المذاهب (^٢).\nلقد كانَ وقوعُ بعضِ أفرادِ الأمةِ الإسلاميةِ في الغلوِّ داءً متعددَ الألوانِ\n_________\n(^١) قارن بمعالم تجديد المنهج الفقهي لحليمة بوكروشة (ص/ ١٢٨).\n(^٢) انظر: تاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٣٠٦)، وبدعة التعصب المذهبي لمحمد =","vol":"3","page":1435},{"text":"والأشكالِ، والذي يهمني هنا: هو الغلوُّ في أئمةِ المذاهب، والمبالغةُ في تعظيمِهم واتِّباعِهم.\nلقد جَعَلَ بعضُ المتمذهبين إمامَهم المجتهدَ في مكانةٍ فوقَ التي يستحقها، فأنزلوه منزلةَ النبي - ﷺ - مع أمتِه! فحرَّموا مخالفتَه، والخروجَ عن رأيه، ولم يقبلوا عن أحدٍ سواه (^١)، وزعموا - بالمقالِ أو بلسانِ الحالِ - أنَّ ما قاله إمامُهم فحسب هو الشريعة الإسلامية (^٢).\nوما مِنْ شكَّ في مكانةِ أئمةِ المذاهبِ في الإسلامِ، وما لهم مِن المنزلةِ الرفيعةِ في الأمةِ، وما لأقوالهم مِن الاعتبارِ، لكنَّ هذا لا يعطي العالمَ مهما بلغتْ درجتُه في العلمِ، ومهما بلغتْ خدمتُه للدِّينِ، درجةَ النبي - ﷺ - مع أمتِه؛ إذ الذي تحرمُ مخالفتُه، ويحرمُ الخروجُ عن قولِه هو النبيّ - ﷺ - الذي أوجبَ اللهُ تعالى طاعتَه، فلا يجوزُ إنزالُ أئمةِ المذاهبِ منزلةً لم يبلغوها (^٣).\nوأجزمُ أنَّ الأئمةَ المجتهدين لا يرضون أنْ يُعْطَوا فوقَ ما يستحقون، بلْ كان كلُّ واحدٍ منهم معظمًا للأدلةِ، راجعًا إليها إذا تبيّنَتْ له، حاثّا تلاميذَه على النظرِ فيها، ولم يَرِدْ عن أحدٍ منهم على الإطلاقِ الحث على أخذِ أقوالِه.\nيقولُ أبو الوفاءِ بنُ عقيلٍ: \"الغلوُّ في تعظيمِ الأوائل بحطِّ المتأخرين عن مناصبِهم غيرُ محمودٍ في الشرعِ والعقلِ\" (^٤).\n_________\n= عباسي (ص/ ٥٣)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عمر الأشقر (ص/ ١٤٦)، والمدخل إلى الشريعة والفقه له (ص/ ٣٠٣)، وتاريخ التشريع للدكتور أحمد العليان (ص/ ٢٤٧)، والعصبية في ضوء الإسلام لهاشم المشهداني (ص/ ١٦٢)، وتحريف النصوص لبكر أبو زيد (ص/ ١٤٩) ضمن مجموع الردود، وآثار اختلاف الفقهاء لأحمد الأنصاري (ص/ ٢٩٥).\n(^١) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية (١/ ٨٦ - ٨٧).\n(^٢) انظر: الاعتصام للشاطبي (٣/ ٣٢٠)، وأدب الطلب للشوكاني (ص / ٩١)، والمذاهب الفقهية الإسلامية لمحمد تاجا (ص/ ٢٥٦).\n(^٣) انظر: الواضح في أصول الفقه (٥/ ٤٢٥).\n(^٤) المصدر السابق.","vol":"3","page":1436},{"text":"وللشيخِ عبدِ الرحمن المعلمي كلمةٌ جميلةٌ في التحذيرِ مِن الغلوِّ في أئمةِ المذاهبِ، يقول: \"مِن أوسعِ أوديةِ الباطلِ الغلوُّ في الأفاضلِ\" (^١).\nوبدلّ على هذا السبب: ما نقله القاضي عياضٌ عن بعضِ المشايخِ أنَّهم قالوا: \"إنَّ الإمامَ لمَن التزمَ تقليدَ مذهبِه كالنبي - ﷺ - مع أمتِه، لا يحلُّ لَه مخالفتُه\" (^٢).\nوقد أيَّدَ القاضي عياضٌ هذه الجملةَ قائلًا: \"وهذا صحيحٌ في الاعتبارِ، وبما بسطناه وشرطناه، يظهرُ صوابُه لأولي البصائرِ والأبصارِ\" (^٣).\nوقد علَّق شمسُ الذينِ الذهبي على ما نقله القاضي عياض، قائلًا: \"قوله: \"لا تحلُّ مخالفته\"، مجرّدُ دعوى، واجتهادٌ بلا معرفةٍ\" (^٤).\nويقولُ ابنُ أبي العز الحنفي عن حالِ بعضِ الحنفيةِ مع الإمامِ أبي حنيفةَ: \"غَلَتْ في تقليدِه، فلم تتركْ له قولًا، وأنزلوه منزلةَ الرسولِ - ﷺ - ... \" (^٥).\nويقولُ عن بعضِ مقلِّدةِ المذاهبِ: \"يأخذُ أحدُهم بما يجدُ في كتبِ أصحاب ذلك الإمامِ الذي قلَّده، ولا يلَتفتُ إلى قولٍ خالفه، كائنًا مَنْ كان، ونصَّ ذَلك الإمام والكتبُ عنده بمنزلةِ نصِّ الشارعِ! \" (^٦).\nوقد أوضحَ الشيخُ صالحٌ المقبلي (ت: ١١٠٨ هـ) أنَّ حالَ متمذهبي قُطْره مِن الزيديةِ يكادون يُلحقون إمامَ المذهبِ بالنبي - ﷺ - (^٧).\nوقد جعلَ بعضُ المتمذهبين نصوصَ إمامِهم كنصوصِ الكتابِ والسنةِ (^٨).\n_________\n(^١) التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل (١/ ٦).\n(^٢) ترتيب المدارك (١/ ٦٢ - ٦٣). وانظر: تأريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص / ٣٠٦).\n(^٣) ترتيب المدارك (١/ ٦٣).\n(^٤) سير أعلام النبلاء (٨/ ٩٠).\n(^٥) الاتباع (ص/ ٣٠).\n(^٦) المصدر السابق (ص/ ٣١).\n(^٧) انظر: العَلَم الشامخ (ص/ ٣٨٩).\n(^٨) انظر: المصقول في علم الأصول لمحمد زاده (ص/ ١٥٩). =","vol":"3","page":1437},{"text":"واستمعْ إلى ما يقوله الشيخُ ظفر أحمد التهانوي الحنفي عن الإمام أبي حنيفةَ: \"فوالله لم يُولدْ في الإسلامِ بعدَ النبي - ﷺ - أيمنُ وأسعدُ مِن النعمان أبي حنيفة\" (^١).\nوهذا غلوُّ كبيرٌ، وتنزيلٌ للإمامِ فوقَ الدرجةِ التي يستحقها، وحطٌّ مِنْ قدرِ صحابةِ رسولِ الله - ﷺ -.\nويقولُ الفخرُ الرازي: \"القولُ بأنَّ قولَ الشافعي خطأٌ في مسألةِ كذا، إهانةٌ للشافعي القرشي، وإهانةُ قريشٍ غيرُ جائزةٍ، فوجَبَ أنْ لا يجوزَ القولُ بتخطئتِه في شيءٍ من المسائلِ ... ! \" (^٢).\nوقد تقدمتْ حكايةُ أبي شامةَ المقدسي لحال بعض علماءِ الشافعيةِ مع كتبِ أبي إسحاقَ الشيرازي وأبي حامد الغزالي؛ إذ يرون أن نصوصَهما كنصوصِ الكتابِ والسنةِ، لا يُخْرَجُ عنها (^٣).\nويقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية عن أتباعِ الأئمةِ الأربعةِ: \"تجدُ أحدَهم دائمًا يَجِدُ في كلامِهم - أي: أئمة الفقهاء - ما يراه هو باطلًا، ويتوقّفُ في ردِّ ذلك؛ لاعتقادِه أنَّ إمامَه أكملُ منهم عقلًا وعلمًا ودينًا، هذا مع علمِ كلٍّ مِنْ هؤلاءِ أنَّ متبوعَه ليس بمعصومٍ، وأنَّ الخطأَ عليه جائزٌ (^٤).\nويبيِّنُ أبو إسحاقَ الشاطبي سببَ تعصبِ بعضِ المالكيةِ على الإمامِ بقي بنِ مخلد، فيقول: \"هو تحكيمُ الرجالِ على الحقِّ، والغلوُّ في محبةِ المذهبِ\" (^٥).\n_________\n(^١) نقل الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة العبارة السابقة في تعليقه على كتاب: الرفع والتكميل للكنوي (ص/ ٣٩٤). وانظر: العَلَم الشامخ للمقبلي (ص / ٤٠٢).\n(^٢) إرشاد الطالبين إلى المنهج القويم (ص/ ٣٩٢).\n(^٣) انظر: خطبة الكتاب المؤمل في الرد إلى الأمر الأول لأبي شامة (ص/ ١٤٠).\n(^٤) درء تعارض العقل والنقل (١/ ١٥٥). وانظر: جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (٢/ ١١٣٧).\n(^٥) الاعتصام (٣/ ٣٢٠).","vol":"3","page":1438},{"text":"والغلوُّ في إمامِ المذهب يورثُ المتمذهبَ اعتقادًا بأنَّ كلَّ ما عدا مذهبه وأقوال إمامِه ليس مِنْ الدَّينِ، وأن الحقَّ مقصورٌ على مذهبِه، محصورٌ فيه (^١)، وأنَّ ما عند أربابِ المذاهب الأخرى باطلٌ قطعًا (^٢).\nيقولُ الشيخُ عبدُ الحي اللكنوي عن حالِ كثيرٍ من المتمذهبين المتأخرين: \"أقاموا الطامّةَ الكبرى، ونصبوا راياتِ المنازعةَ العظمى، وأخذوا في حصرِ الصحةِ على مذهب إمامِهم، وإنْ خالفَ الأحاديثَ الصحيحةَ الصريحةَ! مِنْ غيرِ أنْ يقومَ دليلٌ على عدمِ الاحتجاجِ به، وحكموا بخطأِ مذهبِ مَنْ خالفهم، وإنْ وافق الدلائلَ القويةَ مع الاحتجاجِ بها\" (^٣).\nالسبب الثاني: اعتقادُ عدم خفاء شيءٍ من الأدلة على إمام المذهب.\nيظنُّ بعضُ المتمذهبين، ويجزمُ آخرون منهم بأنَّ إمامَهم لم يخفَ عليه شيءٌ مِن الأدلةِ، ولا سيما دليل السنةِ.\nوما منْ ريبٍ في أن بعضَ الأئمةِ المجتهدين قد بلغوا شأوًا كبيرًا في معرفةِ سنةِ النبي - ﷺ - القولية والفعلية، ولكنَّ هذا الأمر لا يعني إحاطةَ الواحدِ منهم بالسنةِ النبويةِ (^٤).\nيقولُ تقيُّ الدّينِ بنُ تيميةَ: \"أمَّا إحاطةُ واحدٍ - أي: من العلماء - بجميعِ حديثِ رسولِ الله - ﷺ -، فهذا لا يمكنُ ادّعاؤه قط\" (^٥).\nويقول ابن البرِّ: \"والإحاطةُ بها - أي: بأخبار الآحاد - ممتنعةٌ، وما أعلمُ أحدًا مِنْ أئمةِ الأمصارِ مع بحثهم وجمعِهم إلا وقد فاته شيءٌ من السننِ المرويةِ من طريق الآحاد\" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٢/ ٢٤٨)، ونقاط الالتقاء بين المذاهب الإسلامية للدكتور وهبة الزحيلي (٤/ ١٧٠) ضمن موسوعة الفقه الإسلامي المعاصر.\n(^٢) انظر: أدب الطلب للشوكاني (ص/ ٩٢)، وعمدة التحقيق لمحمد الباني (ص/ ٨٠).\n(^٣) إمام الكلام (ص/ ٣٦).\n(^٤) انظر: تاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عمر الأشقر (ص/ ١٨٠).\n(^٥) رفع الملام عن الأئمة الأعلام (ص/ ٧).\n(^٦) التمهيد (٢/ ٦٢) مع موسوعة شروح الموطأ.","vol":"3","page":1439},{"text":"فالعالمُ مهما بلغتْ درجتُه في العلمِ والاجتهادِ قد يخفى عليه كثيرٌ مِن الأحاديثِ، وقد سبقت الإشارةُ إلى هذا الأمرِ.\nلكن ما بَيّنتُه آنفًا لم يكنْ متقررًا في أذهانِ عددٍ ليس بالقليلِ مِن المتمذهبين، ورأوا أنَّ إمامَهم وأئمةَ مذهبِهم لم يخفَ عليهم شيءٌ مِن الأدلةِ - ودليل السنة منها على وجه الخصوص - فإذا وقفوا على دليلٍ نقلي، قالَ إمامُهم بخلافِ ما دلَّ عليه، وقالَ بمقتضاه مجتهدٌ آخر، جعلوا حجتَهم في تركِ الدليلِ وعدمِ الأخذِ به، والحرصِ على تأويلِه، علمَهم أنَّ إمامَ مذهبِهم لم يترك الدليلَ إلا لضعفِه، أو لمعارضٍ أرجح، فيأخذون في تأويلِه - ويتكلفون في ذلك - أو يقولون بنسخِه؛ ليتركوا العملَ به (^١).\nومن الأمثلة لهذا السبب: ما علَّقه أبو عيسى الوزاني على كلامِ العزِّ بنِ عبد السلام حين وَصَفَ بعضَ المتمذهبين بأنَّ أحدَهم يقفُ على ضعفِ مأخذِ إمامِه، ويقلِّده فيه - وقد سَبَقَ نقلُ كلامِ العزِّ في المطلب الثاني: (رد دلالة الآيات والأحاديث الثابتة، والتكلف في ذلك) - فقد قالَ: \"أمَّا كونُ المقلِّد لم يجدْ لضعفِ إمامِه مدفعًا - كما قاله عزُّ الدين - فلا يُوْجِب انتفاءَه؛ إذ قد يكون له مدفعٌ، ولا يعلمُه هذا الفقيه المقلِّد، تأمَّله\" (^٢).\nوقد نقلَ الشيخُ صالحٌ المقبلي (ت: ١١٠٨ هـ) عن بعضِ متمذهبي قُطْرِه مِن الزيديةِ أنَّهم صرَّحوا بأنَّ الاعتمادَ على نصوصِ إمامِهم أولى؛ لأنَّه قد بَلَغَ في معرفةِ الكتابِ والسنةِ مبلغًا لا يدركونه، ولا يقاربونه، فما حَكَمَ به، فكأنَّه حُكْمُ صاحبِ الشريعةِ! (^٣).\nلقد أورثَ إعجابُ المتمذهبين بعلماءِ مذهبهم، وتمجيدُهم لهم أنْ يُنَزّهوهم عن الوقوعِ في الخطأِ، فحصروا أنفسَهم في مذهبِهم (^٤).\n_________\n(^١) انظر: أدب الطلب للشوكاني (ص/ ٩١)، وإمام الكلام لعبد الحي اللكنوي (ص/ ٣٦).\n(^٢) النوازل الجديدة الكبرى (١/ ٣١٧).\n(^٣) انظر: العَلَم الشامخ (ص/ ١٠٧ - ١٠٨).\n(^٤) انظر: أليس الصبح بقريب لابن عاشور (ص/ ١٧٩ - ١٨٠)، ومدخل لدراسة الفقه لمحمد المحجوبي (ص/ ٢٤٢)، ومدخل لدراسة الفقه للدكتور حسين حسان (ص/ ١١٤).","vol":"3","page":1440},{"text":"ومِن العجيبِ أنْ يقعَ في هذا المزلق بعضُ المحققين مِنْ أهلِ العلمِ (^١).\nويحكي أبو شامةَ المقدسي حالةَ بعضِ متعصبي الشافعية - وقد نَفَدَ صبرُه ممّا بَدَرَ منهم - إذا وقفوا على حديثٍ صحيحٍ على خلافِ مذهبِهم، قائلًا: \"فيقول المتحذلقُ منهم المتصدّرُ في منصبٍ لا يستحقه: أَمَا كانَ هؤلاءِ الأئمة يعرفون هذا الحديثَ الصحيحَ الواردَ على خلافِ نصِّهم؟ ! \" (^٢).\nويقولُ عنهم في موضعٍ آخر: \"إذا نُسِبَ إلى بعضِ المتأخرين أنَّه خَفَي عليه شيءٌ مِن السنةِ: أَنِفَ ذلك المقلِّدُ المتعصبُ المتصعّبُ مِنْ هذا، وأَنَكَرَ، وخوّفَ وحذَّرَ، وهو غارقٌ في غيّه المنكرِ\" (^٣).\nوالغريبُ أنَّ بعضَ المتمذهبين يجوّزُ على أئمة الاجتهادِ خفاءَ شيءٍ مِن السننِ عليهم، إلا إمامَه، فلا يُسلّم بخفاءِ شيءٍ من السنةِ النبويةِ عليه (^٤).\nوهذا السبب (اعتقاد عدم خفاء شيءٍ من الأدلة على إمام المذهب) ناشئٌ عن السببِ الأول: (الغُلوّ في تعظيم الأئمة المجتهدين)؛ لأنَّ ثمرةَ الغلوِّ اعتقادُ عدمِ خفاءِ الأدلةِ على الإمامِ.\nالسبب الثالث: اتباع الهوى (^٥).\nإنَّ اتّباعَ الهوى مِنْ أهمِّ الأسبابِ التي تصدُّ المسلمين، وكثيرًا مِنْ أربابِ المذاهبِ عن اتباعِ الراجحِ والأخذِ بالدليلِ.\n_________\n(^١) فمثلًا: ذكر أبو الخطاب في: التمهيد في أصول الفقه (١/ ٢٩١) قولَ القاضي أبي يعلى في مسألة: (هل يدخل المؤنث في جمع المذكر؟)، فقال: \"وقال أكثر الفقهاء والمتكلمين: لا يدخل المؤنث في ذلك، وهو الأقوى عندي، ولكن ننصر قول شيخنا\"!\n(^٢) خطبة الكتاب المؤمل في الرد إلى الأمر الأول (ص/ ١٤٠).\n(^٣) المصدر السابق (ص/ ١٤٢).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (ص/ ١٤٢ - ١٤٣)، وإمام الكلام لعبد الحي اللكنوي (ص/ ٣٦).\n(^٥) انظر: إغاثة اللهفان لابن القيم (٢/ ٨٨٧)، والفوائد له (ص/ ١٦٣)، والفروع لابن مفلح =","vol":"3","page":1441},{"text":"فإذا كان المتمذهبُ متبعًا لهواه، فسيردُّ القولَ الراجحَ إذا بانَ له واتضحَ (^١)؛ لأنَّه عاقدٌ قلبَه على الأخذِ بقولٍ معيّن (^٢)، فيستدل له بأيّ دليلٍ، ولو كان خبرًا موضوعًا، ويؤولُ ما خالفه بأيّ طريقٍ، دونَ التفاتٍ أكان مذهبُه هو القول الراجح، أم لا؟\nيقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية: \"صاحبُ الهوى يُعْمِيه الهوى ويصمُّه، فلا يستحضرُ ما لله ورسولِه في ذلك، ولا يَطْلُبُه، ولا يرضى لرضا الله ورسولِه، ولا يغضبُ لغضبِ الله ورسولِه، بلْ يرضى إذا حَصَلَ ما يرضاه بهواه، ويغضبُ إذا حصَلَ ما يغضبُ له بهواه، ويكون مع ذلك معه شبهةُ دِيْن: أنَّ الذي يرضى له ويغضبُ له أنَّه مَن السنةِ، وهو الحقُّ، وهو الدِّينُ ... \" (^٣).\nويقولُ شمسُ الدينِ بنُ القيّمِ: \"إنَّ اتباعَ الهوى يعمي عن الحق معرفةً وقصدًا\" (^٤).\nومسالكُ الهوى أكثرُ مِنْ أنْ تُحْصَرَ، وإذا أرادَ المتمذهبُ أنْ يعرفَ أوقعَ في شيءٍ منها، أم لا؟ فليفرضْ أنَّه قرأَ آية مِن القرآن الكريم، فلاحَ له منها موافقةُ قولٍ لإمامِه، وقَرَأَ آيةً أخرى، فلاحَ له منها مخالفةُ قولٍ آخر لإمامِه، أيكون نظرُه إلى الآيتين سواءً؟ لا يبالي أنْ يتبيّنَ منهما بعدَ التدبرِ صحةُ ما لاح له، أو عدمُ صحتِه.\n_________\n= (٣/ ٢٢)، والإمام الشوكاني رائد عصره للدكتور حسين العمري (ص/ ٦٧)، والمذاهب الفقهية الإسلامية لمحمد تاجا (ص/ ١٨٠)، ومقدمة في أسباب اختلاف المسلمين لمحمد العبده وزميله (ص/ ٥٠ وما بعدها)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور شوقي الساهي (ص/ ١٢٠)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور إبراهيم إبراهيم (ص/ ١٢٦).\n(^١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٢/ ٢٥٤)، وآثار اختلاف الفقهاء في الشريعة لأحمد الأنصاري (ص/ ٣٦٥).\n(^٢) انظر: إغاثة اللهفان لابن القيم (٢/ ٨٨٨).\n(^٣) منهاج السنة النبوية (٥/ ٢٥٦).\n(^٤) الفوائد (ص/ ١٤٤ - ١٤٥). وقد نقل ابن القيم في كتابه: الداء والدواء (ص/ ٩٤) عن علي - ﷺ - قوله: \"وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق\". ولم أقف عليه مسندًا، فيما بين يدي من مصادر.","vol":"3","page":1442},{"text":"وليفرضْ أنَّه وَقَفَ على حديثين لا يعرفُ صحتَهما ولا ضعفَهما، أحدهما: يوافقُ قولًا لإمامِه، والآخر يخالفُه، أيكون نظرُه في الحديثين سواءً، لا يبالي أنْ يصحَّ سندُ كلٍّ منهما، أو يضعف؟ (^١).\nإنَّ إجابةَ المتمذهبِ عن هذينِ السؤالينِ السابقينِ مِنْ شأنِها أنْ تُبَيّن مدى اتباعِه لهواه.\nيقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية عن العالمِ القادرِ على الاجتهادِ في بعضِ المسائلِ: \"إذا قَدِرَ على الاجتهادِ التامِّ الذي يعتقدُ معه أن القولَ الآخر ليس معه ما يَدْفَعُ به النصّ، فهذا يجبُ عليه اتباعُ النصوصِ، وإنْ لم يفعلْ كان متبعًا للظنِّ، وما تهوى الأنفسُ\" (^٢).\nويقولُ في موضع آخر: \"أمَّا ترجيحُ بعضِ الأئمةِ والمشايخِ على بعضٍ، مثل: مَنْ يرجّح إمامَه الذي تفقه به ... فهذا البابُ أكثرُ الناسِ يتكلمون فيه بالظنِّ وما تهوى الأنفسُ ... \" (^٣).\nبلْ إنَّ تقيَّ الدين عدَّ المنتسبَ إلى الأئمةِ الخارجَ عن موجبِ الكتابِ والسنةِ مِنْ أهل الأهواء؛ لأنَّ مَنْ لم يتبع العِلمَ، فقد اتبع هواه (^٤).\nولأبي إسحاقَ الشاطبي حديثٌ عن وجهِ عدِّ المبتدعِ متّبعًا لهواه صادقٌ إلى حدِّ ليس بالبعيدِ على متعصبي المذاهبِ، يقول فيه: \"إنَّهم اتبعوا أهواءَهم، فلم يأخذوا بالأدلةِ الشرعيةِ مأخذَ الافتقارِ إليها، والتعويل عليها، حتى يصدروا عنها، بلْ قدّموا أهواءَهم، واعتمدوا على آرائِهم، ثم جعلوا الأدلةَ الشرعيةَ منظورًا فيها مِنْ وراء ذلك\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل لعبد الرحمن المعلمي (٢/ ١٩٦ - ١٩٧).\n(^٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٠/ ٢١٣).\n(^٣) المصدر السابق (٢٠/ ٢٩١).\n(^٤) انظر: الاستقامة (٢/ ٢٢٤ - ٢٢٥).\n(^٥) الاعتصام (٣/ ١٠٢)، وانظر منه: (٣/ ١١٧).","vol":"3","page":1443},{"text":"السبب الرابع: التعصب للمذهب (^١).\nلقد كان التعصبُ المذهبي هو الداءَ العضالَ الذي فَتَكَ بأربابِ المذاهبِ، وأَوْقَعَ كثيرًا منهم في التفرقِ والاختلافِ.\nوقد بيّنَ أبو شامةَ المقدسي أنَّ مِنْ أكبرِ أسبابِ تركِ طلب درجةِ الاجتهادِ، والبقاءِ على التقليدِ المذهبي، وعدمِ التزحزح عنه هو: الوَقوع في التعصبِ المذهبي (^٢).\nويقولُ الشيخُ صالحٌ المقبلي: \"إنما يُعَظِّمُ الخلافَ التعضبُ\" (^٣).\nولئن كنتُ أتحدثُ هنا عن أسباب الآثارِ السلبية، وعلى رأسِها: التعصبُ المذهبي، فإنَّني أقولُ: إن التعصَبَ المذهبي بعدَ ظهورِه أضحى سببًا في ظهورِ كثيرٍ مِن الآثارِ السلبيةِ السابقةِ؛ ولذا أفردته بالذّكرِ.\nالسبب الخامس: المناظرات والجدل (^٤).\nلئنْ كانت المناظراتُ مِن الآثارِ الإيجابيةِ للتمذهبِ، إلا أنَّ بعضَ\n_________\n(^١) انظر: أدب الطلب للشوكاني (ص/ ١١١)، وأليس الصبح بقريب لابن عاشور (ص/ ١٩٨)، وفقه السنة لسيد سابق (١/ ١٣)، وتاريخ التشريع الإسلامي للدكتور عبد الفتاح الشيخ (ص/ ٢٢٩)، وتاريخ الفقه للدكتور أحمد الحصري (ص/ ٢٢٧، ٢٢٩)، ومناهج الاجتهاد في الإسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ٩٩)، ومقدمة في أسباب اختلاف المسلمين لمحمد العبده وزميله (ص/ ٨٥)، والفتوى - نشأتها وتطورها للدكتور حسين الملاح (ص/ ٣٤٠)، وبلوغ الأماني للدكتور الحسن العلمي (ص/ ١٦٤)، ومدخل لدراسة الفقه لمحمد المحجوبي (ص/ ٢٤٢)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور شوقي الساهي (ص/ ١٢١)، والمدخل الفقهي للدكتور خليفة بابكر وزميليه (ص/ ٣٣٢)، والمدخل للفقه الإسلامي للدكتور عبد الله الدرعان (ص/ ١٩٢)، والمدخل لدراسة الشريعة الإسلامية لعبد اللطيف خالقي (ص/ ٤١٢)، والمذاهب الفقهية الإسلامية لمحمد تاجا (ص/١٦٧).\n(^٢) انظر: خطبة الكتاب المؤمل في الرد إلى الأمر الأول (ص/ ١٢٧).\n(^٣) انظر: العَلَم الشامخ (ص/ ٣٨٩).\n(^٤) انظر: تاريخ الجدل لمحمد أبو زهرة (ص/ ٢٩٨)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ٢٢٢)، وآثار اختلاف الفقهاء لأحمد الأنصاري (ص/ ٣٧٥)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عمر الأشقر (ص/ ١٧٠)، وبلوغ الأماني للدكتور الحسن العلمي (ص/ ١٦٥)، وفقه الائتلاف لمحمود الخرندار (ص/ ٥٧ - ٥٨).","vol":"3","page":1444},{"text":"المتمذهبين لم يجعل المناظرةَ لطلبِ الصواب، ومعرفةِ الأدلةِ ودرجاتِها (^١)، بلْ جالوا في ميدانِها؛ لنصرةِ مذهبِهم أيًّا كَان الطريقُ إلى ذلك، ولدعوةِ الناسِ إلى التمذهبِ بمذهبِهم (^٢).\nبلْ وَصَلَ الأمرُ في بعضِ المناظراتِ التي جرتْ بين متأخري المذاهبِ إلى التشاحنِ والتشاجر، فأضحت المناظراتُ مقامَ تطاولٍ وتناحرٍ، لا يُرَاعَى فيها جانبُ الحقِّ (^٣)، وقد سَبَقَت الإشارةُ إلى هذا عند حديثي عن المناظرات في الفصلِ السابقِ.\nوهذا الخُلُق الذميمُ مِنْ شأنِه أنْ يجعلَ النفوسَ غيرَ قابلةٍ للحقِّ والصوابِ إذا بانَ لها واتضح، فيتمسك كلٌّ بقولِه، ويتعصب له، ويتكلّف ردَّ أدلةِ مَناظرِه، وينصر قولَه ومذهبَه بأيّ دليلٍ (^٤).\nيقول الشيخُ محمدٌ الشوكاني: \"إنَّ الرجلَ قد يكون له بصيرةٌ وحسنُ إدراكٍ، ومعرفةٌ بالحقِّ ورغوبٌ إليه، فيخطئ في المناظرةِ، ويحمله الهوى، ومحبةُ الغَلَب، وطلبُ الظهورِ على التصميمِ على مقالِه، وتصحيحِ خطئِه، وتقويمِ معوجِّه بالجدالِ والمراءِ\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: آثار اختلاف الفقهاء لأحمد الأنصاري (ص/ ٣٧٥)، وتاريخ التشريع الإسلامي للدكتور عبد الفتاح الشيخ (ص/ ٢٣١)، ومدخل لدراسة الفقه لمحمد المحجوبي (ص/ ٢٤٥)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور شوقي الساهي (ص/ ١٢٤).\n(^٢) انظر: تاريخ الجدل لمحمد أبو زهرة (ص/ ٢٩٨)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١٨٠)، والمذاهب الفقهية الإسلامية لمحمد تاجا (ص/ ١٨١)، وتاريخ التشريع الإسلامي للدكتور عبد الفتاح الشيخ (ص/ ٢٣١)، وتاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٣٠٥)، والمدخل إلى الشريعة والفقه للدكتور عمر الأشقر (ص/ ٣١٤)، وتاريخ التشريع للدكتور أحمد العليان (ص/ ٢٧٧)، ومدخل لدراسة الفقه لمحمد المحجوبي (ص/ ٢٤٥ - ٢٤٦)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور شوقي الساهي (ص/ ١٢٤ - ١٢٥).\n(^٣) انظر: المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٠٩)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١٨٠).\n(^٤) انظر: تاريخ الجدل لمحمد أبو زهرة (ص/ ٢٩٨)، والوسيط في تاريخ التشريع للدكتور أحمد الشرقاوي (ص/ ٢٥٤).\n(^٥) أدب الطلب (ص/ ١١٠).","vol":"3","page":1445},{"text":"ويشهدُ لهذا السببِ: ما قاله أبو حامدٍ الإسفرايني لبعضِ جلسائِه: \"لا تُعلِّقْ كثيرًا ممَّا تسمعُ مني في مجالسِ الجدلِ؛ فإن الكلامَ يجري فيها على خَتْل (^١) الخصمِ، ومُغَالطتِه، ودفعِه ومُغالبتِه، فلسنا نتكلّم لوجهِ الله خالصًا! ولو أردنا ذلك، لكان خَطْونا إلى الصمتِ أسرعَ مِنْ تطاولنا في الكلامِ\" (^٢).\nويقولُ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة عن المناظراتِ الفقهيةِ: \"وقد أدتْ تلك المُلاحاةُ، وهذه المناقشاتُ التي كانت تُتخذُ أحيانًا للمغالطاتِ إلى أمرين: ... ثانيهما: اشتدادُ التعصبِ المذهبي الذي انتقل إلى مخاصماتٍ، فعداواتٍ، وسَرَى ذلك إلى العامةِ، حتى كادَ يؤدّي إلى التناحرِ ... \" (^٣).\nالسبب السادس: الإلفُ والاعتيادُ على مذهبٍ فقهي واحدٍ.\nلم يكن التواصلُ بين المذاهبِ الفقهيةِ قائمًا في جميعِ الأقطارِ، فقد عُمرتْ بعضُها بمذهبٍ فقهي واحدٍ، لم يخالطه غيرُه من المذاهب، إلا على وجهٍ لا يكادُ يُذكر.\nومِنْ شأنِ إلفِ المتمذهب للمذهبِه، واعتيادِه عليه، ورُؤيته مَنْ يُعَظِمُه ويُجِلُّه مقيمًا عليه، وتمذهب العلماء والكبراء به، وعدم الاطلاع على غيرِه مِن المذاهبِ (^٤): أنْ يجعلَ نفسَ المتمذهبِ غيرَ مُتَقَبِّلةٍ لغيرِ ما تعرفُه مِنْ مذهبِها، دونَ نظرٍ في القولِ ودليلِه، بلْ يتجاوزُ الأمرُ عند بعضِهم إلى الطعنِ ومحاربةِ مَنْ يأتي بغيرِ مذهبِهم (^٥).\n_________\n(^١) الخَتْل: الخداع. انظر: الصحاح، مادة: (ختل)، (٤/ ١٦٨٢)، والقاموس المحيط، مادة: (ختل)، (ص/ ١٢٨١).\n(^٢) نقل كلامَ أبي حامد تاجُ الدين بن السبكي في: طبقات الشافعية الكبرى (٤/ ٦٢). وانظر: تاريخ الجدل لمحمد أبو زهرة (ص/ ٢٩٨)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/٢٢٢).\n(^٣) تاريخ الجدل (ص/ ٢٩٩). وانظر: تاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة (ص/ ٤٦٥).\n(^٤) انظر: هداية الحيارى لابن القيم (ص/ ٣٩)، والاعتصام للشاطبي (٣/ ١٠٨).\n(^٥) انظر: التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل لعبد الرحمن المعلمي (٢/ ١٨٨ - ١٨٩).","vol":"3","page":1446},{"text":"وقد قيلَ: إنَّ مَنْ مارس مذهبًا بُرْهَةً مِن الزمانِ، ونَشَأَ عليه، فإنَّه يجزمُ بصحته، وببطلانِ غيرِه مِن المذاهبِ (^١).\nوقد يُوْرِثُ هذا الأمر رهبةً في نفسِ مَنْ ترجّح عنده خلافُ مذهبِه مِنْ أنْ يُظْهِرَ قولَه ورأيه (^٢).\nيقولُ ابنُ القيّمِ: \"إنَّ العادةَ قد تقوى حتى تغلبَ حكمَ الطبيعةِ ... فيُربَّى الرجلُ على المقالةِ، ويَنْشَأُ عليها صغيرًا، فيتربى قلبُه ونفسُه عليها، كما يتربى لحمُه وعظمُه على الغذاءِ المعتادِ، ولا يَعْقل نفسَه إلا عليها، ثمَّ يأتيه العلمُ وهلةً واحدةً يريدُ إزالتَها وإخراجَها مِنْ قلبِه، وأنْ يَسْكُنَ موضعَها، فيعسرُ عليه الانتقالُ، ويصعبُ عليه الزوالُ\" (^٣).\nويقولُ أبو إسحاقَ الشاطبي عن حالِ بعضِ المتمذهبين المتعصبين لمذهبِهم: \"إذا جاءَهم أحدٌ ممّنْ بَلَغَ درجةَ الاجتهادِ، وتكلّم في المسائلِ باجتهادِه، ولم يرتبطْ إلى إمامِهم: رموه بالنكيرِ وفَوَقُوا (^٤) إليه سهامَ النقدِ، وعدّوه مِن الخارجين عن الجادّة، والمفارقين للجماعةِ! مِنْ غيرِ استدلالٍ منهم بدليلٍ؛ بلْ بمجرّدِ الاعتيادِ العامي\" (^٥).\nوقد عدَّ الشيخُ محمدٌ الشوكاني نشأةَ المسلمِ في بلدٍ تمذهب أهلُه بمذهبٍ واحدٍ الداءَ الذي طبَّق بلادَ الإسلامِ (^٦).\nوقد يعتادُ بعضُ المتمذهبين النظرَ في كتبِ مذهبِه؛ لطلب أدلةِ المذاهبِ الأخرى، وقد يطَّلعُ على كتابٍ غيرِ مُنْصِفٍ في هذا المَقامِ،\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (٢/ ٢١٦، ٣٥٢).\n(^٢) انظر: فتح القدير للشوكاني (٢/ ١٩٨ - ١٩٩)، وأدب الطلب له (ص/ ٩٢)، والإمام الشوكاني - حياته وفكره للدكتور عبد الغني الشرجي (ص ٢٨٣ - ٢٨٤).\n(^٣) مفتاح دار السعادة (١/ ٢٨٥). وانظر: جامع المسائل لابن تيمة (المجموعة الثامنة/ ٤٤٠).\n(^٤) الفُوق: الرمي والرشق. انظر: مجمل اللغة لابن فارس، مادة: (فوق)، (٤/ ٧٠٨)، والقاموس المحيط، مادة: (فوق)، (ص/ ١١٨٧).\n(^٥) الاعتصام (٣/ ٣١٩ - ٣٢٠). وانظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٩٠).\n(^٦) انظر: أدب الطلب (ص/ ٩١).","vol":"3","page":1447},{"text":"يُعْرِضُ عن أدلةِ المخالفِ القويةِ، ويسميها شُبَهًا، فإذا اقتصرَ المتمذهبُ على مثلِ هذه الكتب، ظنَّ مذهبَه صوابًا في جميعِ المسائلِ، وكلَ مَنْ خالفه فهو مخطئ (^١).\nالسبب السابع: الخشيةُ مِنْ وقوعِ الناسِ في تتبعِ الرخصِ، والتلفيقِ بين المذاهبِ.\nلقد كان الحادي والدافعُ لبعضِ المتمذهبين في الدعوةِ إلى البقاءِ على المذهبِ، وعدمِ خروجِ الناسِ عنه، هو المحافظة على الدِّينِ والصيانة له (^٢)؛ لئلا يتساهلَ المفتون في إفتاءِ الناسِ بالرخصِ، ولئلا يقعَ الناسُ في تلفيقٍ يُبْطِلُ عبادتهم، وقد سَبَقَت الإشارةُ إلى هذه المسألةِ مِنْ قبلُ.\nويتصل بهذا السببِ: الحرصُ على سلامةِ أقضيةِ الناسِ، وحكوماتِهم مِنْ جَوْرِ بعضِ القضاةِ، فيُلْزَمُ القاضي بالقضاءِ بالمذهب فقط؛ لئلا يُعْطَى فرصةً للتلاعبِ في الاحكامِ.\nوها هو ذا الشيخُ محمد الحجوي مع ما عُرِف عنه من دعوةٍ إلى الاجتهادِ، والتحذيرِ مِن التقليدِ المذهبي، يُقررُ ضرورةَ القضاءِ والإفتاءِ بالمذهب فحسب، فلا يخرج عنه البتة، يقول: \"أمَّا الأحكامُ القضائيةُ مِنْ بيعٍ وطَلاقٍ ومِلكٍ واستحقاقٍ، أو أيّ عقدٍ كان، والإفتاءُ للغيرِ، فالصواب: أنْ لا نشغل أنْفُسَنَا بالأماني والخيالِ، بلْ علينا النظرُ إلى الحقائقِ الراهنةِ ... أمَّا المعوّلُ عليه الآن، فهو ما عليه الناسُ مَن التزامِ مذهبٍ معيّنٍ: كمالكٍ أو الشافعي أو غيرِهما ممّنْ ظَهَرَتْ أمانتُه ومتانةُ أقوالِه، وحسنُ نظرِه، فلا معدل عن الراجح أو المشهورِ، أو ما به العملُ؛ لقلةِ الأمانةِ في الوقتِ الحاضرِ؛ إذ لو فُتِحَ بابُ الاجتهادِ لأطلقنا طُغْمَة (^٣) القضاة\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص/ ١٦٨ - ١٦٩).\n(^٢) انظر: عمدة التحقيق لمحمد الباني (ص/ ٨٠).\n(^٣) للطَّغم: عدة معانٍ، أنسبها للسياق: الوغد والدناءة. انظر: القاموس المحيط، مادة: (طغم)، (ص/ ١٤٦٣).","vol":"3","page":1448},{"text":"عن كلِّ تقييدٍ ... وبابُ الحيلِ قد فُتِحَ مِنْ قبلُ مع رقّةِ الديانةِ وذهابِ الأمانةِ ... \" (^١).\nالسبب الثامن: الأوقاف على المذاهب الفقهية (^٢).\nلقد كانَ الوقفُ بابًا مهمًّا لئلا ينقطعَ عملُ المسلمِ بعد موتِه، وجهاتُ الوقفِ كثيرةٌ لا تكاد تُحْصَر، ومِنْ أهمِّها: الوقفُ على معلمي المذاهبِ الفقهيةِ الذين ينذرون أوقاتهم للتعليمِ ونشرِه، وذلك بإنشاءِ مدارسَ تعنى بالمذهبِ، وقد انتفعَ الطلابُ بهذه المدارسِ، وتعلموا فيها، وتخرج فيها عددٌ مِن العلماءِ المحققين (^٣).\nلكنَّ المشكلةَ التي حلَّتْ في بعضِ الأزمانِ والأقطارِ أنَّ بعضَ الواقفين يشترطُ في معلمي المدرسةِ أن يكونوا مِنْ مذهبٍ فقهي معيَّنٍ، أو أنْ يُدَرِّسوا مذهبًا معينًا، والغالبُ أنَّ هذا الشرطَ صادرٌ مِن الواقفِ عن حُسْنِ نيةٍ وقصدٍ (^٤).\nوهذا الشرطُ وأمثالُه أورثَ عند بعضِ المدرسين جمودًا وعدمَ تزحزحٍ عن المذهب، فلا يخرجُ عنه، ولا يُقرر غيرَه مِن المذاهبِ، فضلًا عن تدريسِها، وَلا يتجاوزُ المذهبَ وأدلتَه؛ كلُّ هذا؛ لئلا يخرجَ عن شرطِ\n_________\n(^١) الفكر السامي (٤/ ٤٦١ - ٤٦٢).\n(^٢) انظر: فقه السنة لسيد سابق (١/ ١٣). وما من ريب أن للمال على بعض المنسببن إلى العلم سطوةً تجعل بعضهم يحيد عن الصواب؛ مخافة زواله، وفي هذا المعنى يقول الشوكاني في: البدر الطالع (ص/ ٧٨٥): \"رُبّ عالم لا يقدر على الكلمة الواحدة في الحق لمن له عليه أدنى نعمة؛ مخافة من زوالها، بل رُبّ عالم يمنعه رجاء العطية ونيل الرتبة السنية عن التكلم بالحق، ولم يكن بيده إلا مجرد الأماني الأشعبية\".\n(^٣) انظر: ابن تيمية - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ ١٢٨ - ١٢٩)، والاجتهاد ومقتضيات العصر لمحمد الأيوبي (ص/ ١٥٢).\n(^٤) يقول ابنُ القيم في: إعلام الموقعين (٨٧/ ٦) في سياق حديثه عن شروط الوقف الباطلة: \"ومِن هذا: أن يشترط أنْ لا يستحق الوقف إلا من ترك الواجب عليه من طلب النصوص، ومعرفتها، والتفقه في متونها، والتمسك بها، إلى الأخذ بقول فقيهٍ معيّنٍ، يَتْرُكُ لقوله قولَ مَنْ سواه، بلْ يَتْرُكُ النصوصَ لقوله، فهذا شرطٌ مِنْ أبطل الشروط\".","vol":"3","page":1449},{"text":"الواقفِ، إذ لو خَرَجَ عن شرطِه؛ لما استحقَّ شيئًا مِنْ ريعِ الوقفِ (^١).\nوقد أنكرَ بعضُ المتمذهبين على تقي الدينِ بنِ تيمية تدريسَه بمدرسةِ ابنِ الحنبلي؛ إذ هي وقفٌ على الحنابلةِ، وتقيُّ الدين لا يلتزمُ مذهبَهم (^٢).\nويقولُ أبو شامةَ المقدسي مبيّنًا سببَ تركِ بعضِ العلماء لطَلَبِ رُتْبَةِ الاجتهادِ، والبقاءِ على المذهبِ: \"ومِنْ أكبر أسبابِه: تعصبهم وتقيّدهم برِفْقِ الوقوفِ\" (^٣).\nويقولُ - أيضًا -: \"وعُدِمَ منهم - أي: من متعصبة المذاهب - الإنصافُ في مسائلِ الخلافِ؛ ولا سيما لما وُقِفَتْ عليهم الأوقافُ\" (^٤).\nويقولُ الشيخُ محمدٌ الحجوي: \"هناك بالمشرقِ أوقافٌ خاصةٌ بالشافعيةِ، وأخرى بالحنفيةِ مثلًا، ومدارسُ لا يُنَال التدريسُ بها إلا مَنْ كان مقلِّدًا لأحدِ المذاهبِ الأربعةِ، ووظائفُ كذلك مِنْ قضاءٍ وفتوى، فكان هذا العملُ ممَّا أوجبَ بقاءَ العلماءِ مقلِّدين، ولو بلغوا درجةَ الاجتهادِ\" (^٥).\nويقولُ الشيخُ محمدٌ أبو زهرة: \"إنَّ إنشاءَ المدارسِ - مع أنّه أذَّى إلى نشرِ العلمِ، وكثرةِ تحصيله - قد أدَّى إلى التعصبِ الفكري، وكثرةِ الأتباعِ،\n_________\n(^١) بيَّن تقيُّ الدين بن تيمية في: اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٨٥) أن من أسباب كتم العلم عند بعض المنتسبين إليه حبَّ المال. وانظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم (١/ ٢٨٢)، والاعتصام للشاطبي (٣/ ١٠٢)، وأدب الطلب للشوكاني (ص/ ١٠٦).\n(^٢) انظر: إعلام الموقعين (٣/ ٥٤٢)، وقد أجاب تقيُّ الدين عن قولهم بأنه إنما يتناول ما يتناول من المدرسة على معرفته بمذهب الإمام أحمد، لا على تقليده له.\n(^٣) خطبة الكتاب المؤمل في الرد إلى الأمر الأول (ص/ ١٢٧). وعلَّق الشيخ محمد الباني في: عمدة التحقيق (ص/ ٧٩) على كلام أبي شامة قائلًا: \"يريد برفق الوقوف: ارتفاق الأوقاف مما شَرَطه الواقفون من الخيرات على الأحناف أو الشافعية أو غيرهما مثلًا، فَتَقَيّدهم بالارتفاق بها، وحصر وجهة الارتزاق منها أورث تعصبَهم للمذهب، وجمودَهم على التقليد\".\n(^٤) خطبة الكتاب المؤمل في الرد إلى الأمر الأول (ص/ ١٠١).\n(^٥) الفكر السامي (٤/ ٤٤٨).","vol":"3","page":1450},{"text":"وقلةِ التفكيرِ الحرِّ المستقلِّ الذي ينظرُ إلى الدليلِ، وما يوصل إليه البرهانُ مِنْ غير تقليدٍ أو اتباعٍ ... \" (^١).\nومن الشواهد على هذا السبب: ما ذكره وليُّ الدين العراقي بقوله: \"قلتُ مرةً لشيخنِا الإمامِ البُلقيني - رحمه الله تعالى -: ما يقصرُ بالشيخِ تقيِّ الدّينِ السبكي عن الاجتهادِ، وقد استكمل آلته؟ وكيف يُقلِّدُ؟ ! - ولم أذكرْه هو؛ استحياءً منه؛ لما أريدُ أن أُرَتب على ذلك - فَسَكَتَ. فقلتُ: ما عندي أنَّ الامتناعَ مِنْ ذلك إلا للوظائفِ التي قُررت للفقهاءِ على المذاهب الأربعةِ، وأنَّ مَنْ خَرَجَ عن ذلك واجتهدَ، لم ينلْه شيءٌ مِنْ ذلك، وحُرِمَ وَلايةَ القضاءِ، وامتنع الناسُ مِن استفتائِه، ونُسِب إلى البدعةِ. فتبسَّم، ووافقني على ذلك\" (^٢).\nالسبب التاسع: الوقوعُ في ردّة الفعل.\nعندما يدعو بعضُ المنتسبين إلى العلم غيرَهم مِن المتمذهبين إلى النظرِ في الأدلةِ، وترجيحِ ما يرجّحه الدليلُ، ويصاحب هذه الدعوةَ في بعضِ الأحايين ما يُنفّر منها، ويدعو إلى محاربةِ مَنْ ينتسبُ إليها، كأنْ يصدرَ مِن الداعي هجومٌ على إمامِ المذهبِ وعلماءِ مذهبِه، أو هجومٌ على المذاهبِ، والدعوة إلى تركِها بالكليةِ، ونحو هذا: يقف المدعوون موقفًا سلبيًا ومعاديًا لهؤلاءِ؛ بسببِ سوءِ التصرفِ الصادرِ عنهم.\nولو سَلَكَ أولئك القوم طريقةً أحسن مِن هذه الطريقِةِ لكانت النتيجةُ أفضلَ، فكيفَ نريدُ مِنْ علماءِ الحنفيةِ مثلًا أنْ يقبلوا دعوةَ مَن يدعوهم إلى الأخذِ بالدليلِ في بعضِ المسائلِ، والداعي يتهجم على الإمامِ أبي حنيفةَ نفسِه؟ ! (^٣).\n_________\n(^١) ابن تيمية - حياته وعصره (ص/ ١٢٨). وانظر: أدب الطلب للشوكاني (ص/ ٩٣)، والإمام الشوكاني رائد عصره للدكتور حسين العمري (ص/ ٦٧).\n(^٢) الغيث الهامع (٣/ ٩٠٢ - ٩٠٣). وقارن: بمنهج البحث والفتوى لمصطفى الطرابلسي (ص/ ٢٢٧).\n(^٣) انظر: أدب الاختلاف لمحمد عوامة (ص/ ٤١ - ٤٢)، وأثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة له (ص/ ١٢١).","vol":"3","page":1451},{"text":"يقولُ شمسُ الدين الذهبي عن ابنِ حزمٍ: \"لم يتأدبْ مع الأئمةِ في الخطاب، بلْ فجَّجَ العبارة، وسبَّ وجدّعَ، فكان جزاؤه مِنْ جنسِ فعلِه، بحيثُ أَعرضَ عن تصانيفِه جماعةٌ مِنْ الأئمةِ، وهجروها، ونفروا منها، وأُحْرِقَتْ في وقتٍ ... \" (^١).\nويقولُ أحمدُ بن المقّري (^٢) عنه أيضًا: \"هو نسيجُ وَحْدِه (^٣)، لولا ما وُصِفَ به مِنْ سوءِ الاعتقادِ، والوقوعِ في السلفِ الذي أثارَ عليه الانتقادَ، سامحه الله\" (^٤).\nولقد أرشدَ الشوكانيُّ مَنْ يريدُ إقامةَ الحجةِ بالصدعِ بالحقِّ، وضرب البدعةِ في وجهِ صاحبِها، وأنْ يُلْقَمَ المتعصبُ حجرًا، ويوضّح ما شرعه اللهُ لعبادِه، وأنَّ يُبيّنَ للمتمسكِ بالرأي مع وجودِ الأدلةِ الثابتةِ عن الشارعِ أنَّه\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٨٦ - ١٨٧). وانظر: مقدمة ابن خَلدون (٣/ ١٠٤٨)، وتاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري (ص/ ٣٤٥).\n(^٢) هو: أحمد بن محمد بن أحمد بن يحيى بن عبد الرحمن المقَّري، شهاب الدين أبو العباس، ولد بتلمسان، كان حافظًا إمامًا علامةً ماهرًا في عدد من علوم الشريعة، مع الزهد والورع، معروفًا ببيانه وفصاحته، أخذ عن سعيد المقبري الفقه والحديث، وروى عنه الكتب الستة، وقد رحل إلى المشرق في طلب العلم، من مؤلفاته: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، وأزهار الرياض في أخبار القاضي عياض، وشرح مقدمة ابن خلدون، توفي بمصر سنة ١٠٤١ هـ. انظر ترجمته في: خلاصة الأثر للمحبي (١/ ٣٣٩)، وفهرس الفهارس والأثبات للكتاني (٢/ ٥٤٧)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (١/ ٣٠٠)، والأعلام للزركلي (١/ ٢٣٧)، ومقدمة تحقيق نفح الطيب للمقري (١/ ١٧).\n(^٣) نسيج وحده: أي: لا نظير له في العلم. انظر: القاموس المحيط، مادة (نسج)، (ص/ ٢٦٥).\n(^٤) نفح الطيب (٢/ ٧٨). وقد يكون مراد أحمد المقري بسوء الاعتقاد الذي وقع فيه ابن حزم أنه وافق الجهمية في نفي الصفات عن الله تعالى، ويدل على لهذا:\n- ما قاله تقيُّ الدين بن تيمية في: درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٢٥٠) عن ابن حزم: \"قد بالغ في نفي الصفات وردها إلى العلم، مع أنه لا يثبتُ علمًا هو صفة، ويزعم أنَّ أسماء الله: كالعليم والقدير ونحوهما، لا تدلُّ على العلم والقدرة\".\n- وما قاله ابن عبد الهادي في: طبقات علماء الحديث (٣/ ٣٥٠) عن ابن حزم: \"وقد طالعتُ أكثر كتاب: (الملل والنحل)، لابن حزم، فرأيته قد ذكر فيه عجائب كثيرة ... لكنْ تبيَّن لي أنه جهمي جَلْد، لا يثبتُ مِن معاني أسماء الله الحسنى إلا القليل ..... \".","vol":"3","page":1452},{"text":"كخابطِ عشواء، وراكبِ عمياء (^١).\nومثل هذا المسلكِ لا يصلحُ لكثيرٍ مِن الناسِ، وهو مُؤذنٌ بعدمِ قبولِ المنصوحِ للنصيحةِ.\nويتحدّثُ أبو حامدٍ الغزاليُّ عن بعضِ العلماءِ الذين يزدون مخالفيهم فيقع مخالفوهم في مخالفةِ الصواب؛ نتيجةً لسوءِ أولئك العلماء، فيقول: \"إذ التعصّبُ سببٌ يرسخُ العقائدَ فيَ النفوسِ، وهو مِنْ آفاتِ العلماءِ السوء، فإنَّهم يبالغون في التعصّبِ للحقِّ، وينظرون إلى المخالفين بعينِ الازدراءِ والاستحقارِ، فينبعثُ منهم الدعوى بالمكافأةِ والمقابلةِ والمعاملةِ، وتتوافر بواعثُهم على طلبِ نصرةِ الباطلِ، ويقوى غرضُهم في التمسّكِ بما نسبوا إليه، ولو جاءوا مِنْ جانب اللطفِ والرحمةِ والنصحِ في الخلوةِ، لا في معرضِ التعصّبِ والتحقيرِ: لأنجحوا فيه ... \" (^٢).\nوقد يقعُ بعضُ الناسِ في التعصبِ نتيجةً لفعل صارٍ مِنْ بعض المتمذهبين.\nومن الأمثلة على هذا: أنَّ أحدَ علماءِ المالكيةِ البارزين (^٣) لمَّا مالَ إلى مذهب الإمامِ الشافعي، أَخَذَ يُسمي: (المدونة) بالمدودة! فهجره علماءُ المالكية (^٤)، والظاهر أنَّهم هجروه؛ لإساءته اللفظيةِ لكتابٍ مؤلَّفٍ في أجوبة إمامِهم.\nالسبب العاشر: الضعف العلمي (^٥).\nلم يكن العلماءُ والمتعلمون يومًا ما على درجةٍ واحدةٍ في العلمِ، بلْ\n_________\n(^١) انظر: أدب الطلب (ص/ ٩٣).\n(^٢) إحياء علوم الدين (١/ ٦٨). وانظر: إتحاف السادة المتقين للزبيدي (١/ ٢٧٥).\n(^٣) هو: سعيد بن محمد بن صبيح، أبو عثمان الإفريقي (ت: ٣٠٢).\n(^٤) انظر: العبر في خبر من غبر للذهبي (١/ ٤٤٣)، وجامع مسائل الأحكام للبُرزلي (٦/ ٣٧٤).\n(^٥) انظر: إغاثة اللهفان لابن القيم (٢/ ٨٨٧)، ومفتاح دار السعادة له (١/ ٢٨١)، وأليس الصبح بقريب لابن عاشور (ص/ ١٧٨)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عمر الأشقر (ص/ ١٨٣)، وتاريخ التشريع للدكتور أحمد العليان (ص/ ٢٧٩).","vol":"3","page":1453},{"text":"هم متفاوتون فيه تفاوتً واضحً، والمتمذهبُ الذي حصَّل شيئًا مِن العلمِ، وجهلَ أشياءَ كثيرة، ولم يجعل جهلَه عذرًا له في تركِ الإنكارِ على غيرِه، فأضحى ينكرُ على كلِّ مَنْ خالف مذهبه، دونَ معرفةِ حجةِ قولِه: واقعٌ في أثرِ سلبي؛ نتيجةَ لضعفِه العلمي (^١).\nيقولُ تقيُّ الدينِ بنُ تيميةَ: \"مِن الناسِ مَنْ لا يعرفُ مذاهبَ أهلِ العلمِ، وقد نَشَأَ على قولٍ لا يعرف غيرَه، فيظنَّه إجماعًا\" (^٢).\nولابنِ القيمِ كلماتٌ صالحةٌ لهذا السبب، يقولُ بعدما قرر مسألةَ: (اشتراط المحلِّل في السباق) بأقوالِها وأدلتِهَا (^٣): \"فتأمّلْ أيّها المنصفُ المذاهبَ، وهذه المآخذَ؛ لتعلمَ ضعفَ بضاعةِ مَنْ قمّشَ شيئًا مِنْ العلمِ مِنْ غيرِ طائلٍ، وارتوى مِنْ غيرِ مَوْردٍ، وأنكرَ غيرَ القولِ الذي قلَّده بلا علمٍ\" (^٤).\nولا يخفى أنَّ الجهلَ داءٌ قد يصدُّ عن الحقِّ؛ إذ الجهلُ أصلُ كلِّ فسادٍ (^٥)، يقولُ ابنُ القيمِ: \"الأسبابُ المانعةُ مِنْ قبولِ الحقِّ كثيرةٌ جدًّا: فمنها: الجهلُ به، وهذا السببُ هو الغالبُ على أكثرِ النفوسِ، فإنَّ مَنْ جهلَ شيئًا عاداه، وعادى أهلَه\" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: المذاهب الفقهية الإسلامية لمحمد تاجا (ص/ ٢٤٧).\n(^٢) الإيمان (ص/ ٣٢).\n(^٣) المقصود بالمسالة: أنْ يتسابق اثنان، وللفائز منهما جعلٌ يبذله كلا المتسابقين، أفيجوز ذلك، أم لا بد من وجود شخص ثالث - يسمى المحلل - يدخل مع المتسابقين في السباق؟\n(^٤) الفروسية المحمدية (ص/ ٢٨٤). وانظر: المنار المنيف لابن القيم (ص/ ٣٤).\n(^٥) انظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم (١/ ٢٦٤).\n(^٦) هداية الحيارى (ص/ ٣٩). انظر: جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (١/ ٥٢٣)، والاعتصام للشاطبي (٣/ ١١١ وما بعدها)، والمذاهب الفقهية الإسلامية لمحمد تاجا (ص/ ١٧٠ وما بعدها)، ومقدمة في أسباب اختلاف المسلمين لمحمد العبده وزميله (ص/ ١٠١ وما بعدها)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عمر الأشقر (ص/ ١٨٣)، وتاريخ التشريع للدكتور أحمد العليان (ص/ ٢٧٩).","vol":"3","page":1454},{"text":"ويقولُ الشيخُ محمدٌ الباني مبيّنًا سببَ التعصبِ عند بعضِ فقهاءِ عصرِه: \"وهذا ناشئٌ عن جفافِ علمِهم، وضعفِ عقولِهم\" (^١).\nوقد بيّنَ الشيخُ محمدٌ الشوكاني أنَّه يغلبُ على مَنْ له اشتغالٌ بطلب العلمِ في مذهبِه، والاقتصار عليه، وعدم الالتفاتِ إلى ما سواه، وتركَ التحقيقِ في العلمِ، التعصب على العلماءِ الذين ينظرون في المسائلِ نَظَرَ المجتهدين (^٢).\nوإذا علمنا أنَّ مِنْ فقهاءِ أهلِ الرأي مَنْ أجازَ نسبةَ الحُكم الذي دلَّ عليه القياسُ إلى رسولِ الله - ﷺ - فيقول قالَ رسولُ لله - ﷺ - كذا (^٣) - فليسَ مِنْ ريبٍ في أنَّ الجهلَ أحدُ الأسبابِ الي أوقعتهم في مثلِ هذا الصنيعِ.\nالسبب الحادي عشر: الكسلُ والرغبة في الراحة (^٤).\nلا يستريبُ أحدٌ في أنَّ العلمَ الشرعي صعبُ المنالِ، ويحتاج إلى صبرٍ ومصابرةٍ، وليس بإمكانِ الإنسانِ أنْ يتعلمَ العلمَ إلا إذا جدَّ واجتهدَ، وكان في مزيدِ تعلّمِ في يومه وليلته، فيكونَ دائمًا في طلبِ الازديادِ منه (^٥).\nلكنَّ بعضَ المتمذهبين أرادَ أنْ يخلدَ إلى الراحةِ، وأنْ لا يكدَّ ذهنَه في العلمِ، ومعرفةِ الأقوالِ وأدلتِها، فاقتصرَ على مذهبِه تعلمًا وحفظًا، دونَ عنايةٍ بالأدلةِ والاستنباطِ منها، ومعرفةِ درجتها وصحتها.\n_________\n(^١) عمدة التحقيق (ص/ ٨٠).\n(^٢) انظر: القول المفيد في حكم التقليد (ص/ ١٢٩)، وأدب الطلب (ص/ ١١٩).\n(^٣) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي (١/ ١١٥)، والنكت على مقدمة ابن الصلاح للزركشي (٢/ ٢٨٥)، والنكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (٢/ ٨٥٢)، وفتح المغيث للسخاوي (٢/ ١٢٠)، والتنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل للمعلمي (١/ ٤٤٩).\n(^٤) انظر: تاريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٣٨٥)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور رمضان الشرنباصي (ص/ ٩٨)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور إبراهيم إبراهيم (ص/ ١٢٦).\n(^٥) انظر: خطبة الكتاب المؤمل في الرد إلى الأمر الأول لأبي شامة (ص/ ١٤١).","vol":"3","page":1455},{"text":"ويدلُّ على هذا السبب: ما ذكره أبو الفرجِ بنُ الجوزي في مقدمة كتابِه: (التحقيق في أحاديث التعليق) (^١) عن سبب إعراضِ بعضِ فقهاءِ عصرِه عن طلبِ الأدلةِ الصحيحةِ، ووجودِ الأدلةِ الضعيفة في مدوّناتهم، فقالَ: \"قومٌ غَلَبَ عليهم الكسلُ، ورأوا في البحثِ تَعَبًا وكلفةً، فتعجلوا الراحةَ، واقتنعوا بما سطّره غيرُهم\".\nوقد يُعبَّرُ عن هذا السبب بـ: ضعفِ الهمةِ وقصورِها (^٢)؛ إذ ضعفُ الهمةِ مؤذنٌ بالكسلِ العلمي في طلبِ تحقيقِ المسائلِ، وصحةِ الأقوالِ، والاكتفاء بالمذهبِ فحسب (^٣).\nوقد ساعدَ على ضعفِ الهمةِ عند بعضِ المتمذهبين تدوينُ المذاهبِ الفقهيةِ، فإذا عرضتْ حادثةٌ طلبوا حكمَها في مدوّناتِ المذهبِ، التي يغلبُ على عددٍ منها عدمُ الاعتناءِ بذكرِ أدلةِ المسائلِ (^٤).\n_________\n(^١) (١/ ٢).\n(^٢) انظر: خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول لأبي شامة (ص/ ٩٩ - ١٠٠)، والفكر السامي لمحمد الحجوي (٤/ ١٦٣)، والمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٠٣)، والاجتهاد ومقتضيات العصر لمحمد الأيوبي (ص/ ١٥٢)، وبلوغ الأماني للدكتور الحسن العلمي (ص/ ١٦٣).\n(^٣) انظر: خطبة الكتاب المؤمل في الرد إلى الأمر الأول لأبي شامة (ص/ ٩٣، ١٢٧)، وصفة الفتوى لابن حمدان (ص/ ١٧)، والمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٠٣).\n(^٤) انظر: الفكر السامي لمحمد الحجوي (٤/ ١٦٣)، وتاريخ الجدل لمحمد أبو زهرة (ص/ ٢٩٧)، والمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٠٥)، والمدخل في الفقه الإسلامي للدكتور محمد شلبي (ص/ ١٣٦)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين (ص/ ٩٦)، والاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ١٨٢)، وتاريخ الفقه الإسلامي لمحمد السايس (ص/ ١٨٨)، وتاريخ الفقه للدكتور أحمد الحصري (ص/ ٢٢٩ - ٢٣٠)، وتأريخ التشريع للدكتور عبد الله الطريقي (ص/ ٣٨٥)، وتاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عبد الودود السريتي (ص/ ١٢٠)، وبلوغ الأماني للدكتور الحسن العلمي (ص/ ١٦٧)، ومدخل لدراسة الفقه للدكتور حسين حسان (ص/ ١١٤)، والمدخل لدراسة الشريعة الإسلامية لعبد اللطيف خالقي (ص/ ٤١٢).","vol":"3","page":1456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>المبحث الثاني: طرق علاج الآثار السلبية</span>\nإنَّ الحديثَ عن طُرُقِ علاجِ الآثارِ السلبيةِ حديثٌ مهمٌ، وتبرز أهميتُه في خطورةِ الآثارِ السلبيةِ.\nوتحسنُ الإشارةُ إلى أنَّ الآثارَ السلبيةَ السابقةَ متفاوتةٌ مِنْ جهةِ الخطورة، ومِنْ جهةِ الانتشارِ، ومِنْ جهةِ بقائِها إلى عصرِنا الحاضر.\nوإنَّ مِن النعمِ التي حبانا اللهُ تعالى بها أنَّ كثيرًا مِن الآثارِ السلبيةِ قد تقلصتْ، مع بقاءِ المذاهبِ قائمةً في أقطارِ المسلمين، وقد تقدّمت الإشارةُ إلى هذا الأمرِ في الفصلِ الثاني مِن البابِ الأولِ.\nوسأنطلقُ في هذا المبحثِ مقتنعًا بضرورةِ بقاءِ المذاهبِ المتبوعةِ، ومشروعيتها، فلن يكونَ مِنْ سُبُلِ العلاجِ الدعوةُ إلى إلغائِها واقتلاعِها (^١)؛ لظهورِ فسادِ هذا الطريقِ، ولو فَرَضْتُ جدلًا قبولَه، فإنَّ تطبيقَه أشبه شيءٍ بالمستحيل، إضافةً إلى خطورته الجسيمةِ على حاضر الفقهِ وأصولِه وماضيهما (^٢).\nوقبل بيانِ الطرقِ المقترحة أُحِبُّ أنْ أبيّنَ أمرين:\nالأمر الأول: أنَّ المتلطخين بالآثارِ السلبيةِ للتمذهبِ متفاوتون في درجةِ التأثرِ، فقد نجدُ بين المتعصبين للمذاهبِ مَنْ هو شديدُ التعصبِ لمذهبِه، موغلٌ في تقليدِه، مع قدرتِه على الاستدلالِ، ونجدُ مَنْ فيه شائبةٌ مِنْ داءِ التعصبِ.\n_________\n(^١) كما دعا زايد محمد طالب إلى اقتلاع جميع المذاهب، والاعتصام بالكتاب والسنة، كما في كتابه: خطيئة المذاهب (ص/ ١٢)، بواسطة: التجديد في الفقه الإسلامي للدكتور محمد السوقي (ص/ ١٧١)، ورسالة: الانسلاخ من المذاهب الفقهية لمليكة صوالح (ص/ ٢٤).\n(^٢) انظر: التجديد في الفقه الإسلامي للدكتور محمد السوقي (ص/ ١٧١).","vol":"3","page":1457},{"text":"الأمر الثاني: أنَّ بعضَ الذين تلبسوا بالآثارِ السلبيةِ يصعبُ علاجُهم، وقد يكون رجوعهم إلى جادةِ الصواب مِنْ أبعدِ الأمورِ، إلا بتوفيقِ الله تعالى (^١).\nوبتأمَّل الآثارِ السابقةِ، وأسباب ظهورها، فإنَّني أقترح بعض الطرقِ التي أرى أنَّها تسهمُ في علاجِها.\nالطريق الأول: الاهتمامُ بالكتب المذهبيةِ البعيدةِ عن التعصب المذهبي، والتي تُعْنَى بالاستدلالِ.\nلم يبخلْ أربابُ المذاهبِ على مذاهبِهم بالتأليفِ فيها - كما سَبَقَ بيانُه - وقد تنوعتْ جهودُهم في خدمةِ مذاهبِهم، ولا يخلو مذهبٌ مِنْ وجودِ مؤلفاتٍ ومدوّناتٍ عُنيتْ وشحِنَتْ بالاستدلالِ للمذهب، وإظهارِ الصنعةِ الأصوليةِ.\nإنَّ الاهتمامَ بأمثالِ هذه المؤلفاتِ مِنْ شأنِه أنْ يعوّدَ أربابَ المذهبِ وطلابَه على تطلّبِ الدليلِ، والبحثِ عنه، وتعظيمِه؛ ليكونَ الوقوفُ على دليلِ المذهبِ؛ للنَظرِ فيه قوةً وضعفًا مقصدًا للمتمذهبِ، كما يقصدُ معرفةَ أقوالِ إمامِه وما قرره محققو مذهبِه.\nومِنْ شأنِه - أيضًا - أنْ يُعودَ أربابَ المذهب على تطبيقِ القواعدِ الأصوليةِ (^٢)، وعلى تركِ مذهبِهم في المسائل الَتي لم يقوَ فيها دليلُ المذهبِ.\nوقد حثَّ أبو إسحاقَ الشاطبي المتعلمَ على الاعتمادِ على كتبِ المتقدمين، فقالَ: \"أنْ يتحرى كتبَ المتقدمين مِنْ أهلِ العلمِ المراد؛ فإنَّهم\n_________\n(^١) انظر: أدب الطلب للشوكاني (ص/ ١١٩ - ١٢٠).\n(^٢) انظر: أليس الصبح بقريب لابن عاشور (ص/ ١٢٩)، وشرائط الاجتهاد بين النظرية والتطبيق المعاصر للدكتور عبد المعز حريز، مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد: (٥٠)، (ص/ ٢٨٤).","vol":"3","page":1458},{"text":"أقعدُ مِنْ غيرِهم مِنْ المتأخرين\" (^١).\nالطريق الثاني: الاطلاعُ على بقيةِ المذاهبِ المتبوعة، ومعرفةُ أقوالِ السلفِ.\nإنَّ المذاهبَ الفقهيةَ المتبوعةَ تحتوي على ثروةٍ فقهيةٍ وأصوليةٍ ضخمة، ومِن الخسارةِ الكبيرةِ أنْ لا يفيدَ المتمذهبُ إلا مِنْ كتبِ مذهبِه ومؤلفاتِه (^٢).\nيقولُ الشيخُ مصطفى الزرقا بعدما حثّ على الإفادةِ مِن المذاهبِ: \"هذا الانفتاحُ قد أزال العصبيةَ المذهبيةَ التي كانت بين أتباعِ المذاهب في الماضي ... وأصبحت الدراسةُ الفقهيةُ في الجامعات تُظهرُ للطالبِ مزايا المذاهبِ المختلفةِ، وما فيها مِنْ ثروةٍ فقهيةٍ، وتنميةٍ فكريةٍ، وتوسعةٍ للمداركِ بمناقشةِ الأدلةِ، وتيسيرٍ على المكلَّفِ في التطبيقِ\" (^٣).\nوقد بيّنَ الشيخُ الزرقا أنَّ الانفتاحَ على المذاهبِ مِنْ سماتِ فقيه العصرِ الحاضرِ (^٤).\nوقد جاءَ عن بعضِ السلفِ ما يدلُّ على ضرورةِ أنْ يطلّعَ العالمُ على أقوالِ العلماءِ في المسائل، فمِنْ ذلك:\n- قول قتادة (^٥): \"مَنْ لم يَعرف الاختلافَ لم يشمَّ رائحةَ الفقهِ\n_________\n(^١) الموافقات (١/ ١٤٨).\n(^٢) انظر: الفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد للدكتور عبد الله الجبوري (ص/ ١٤٩ - ١٥٠)، والمدخل لدراسة الفقه للدكتور شوقي الساهي (ص/ ١٤٢).\n(^٣) المدخل الفقهي العام (١/ ٢٥٢).\n(^٤) انظر: فتاوى مصطفى الزرقا (ص/ ٣٧٠).\n(^٥) هو: قتادة بن دعاة بن عزيز السدوسي البصري، أبو الخطاب، ولد سنة ٦٠ هـ كان أحد كبار المفسرين في وقته، حافظ عصره، محدثًا ومفسرًا، عارفًا بالأنساب واللغة وأيام العرب، ومن أوعية العلم، يضرب به المثل في جودة الحفظ، قال عنه الإمام أحمد: \"كان قتادة أحفظ أهل البصرة، لم يسمع شيئًا إلا حفظه\"، وقال معمر: \"لم أرَ في هؤلاء أفقه من الزهري وقتادة وحماد\"، توفي سنة ١١٨ هـ. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٧/ ١٧١)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ٨٥)، وتهذيب الكمال للمزي (٢٣/ ٤٩٨)، وسير أعلام =","vol":"3","page":1459},{"text":"بأنفِه\" (^١).\n- وقول سعيد بن أبي عروبة (^٢): \"مَنْ لم يسمع الاختلافَ فلا تعدَّه عالمًا\" (^٣).\nالطريق الثالث: التقاءُ علماءِ المذاهب الفقهيةِ لدراسةِ ما يهم المسلمين.\nإنَّ مكانةَ العلماءِ في نفوسِ المسلمين مكانةٌ كبيرةٌ، فهم ممَّنْ يُقتدى بهم في أقوالِهم وتصرفاتِهم، وإذا رأى المتمذهبون وأربابُ المذاهبِ علماءَهم كيفَ يصنعون إذا التقوا، فإنَّ هذه الصورةَ المشرقةَ مِنْ شأنِها أنْ تَمْحِي آثارًا سلبيةَ كثيرةَ عالقةً في تصرفاتِ بعضِ المتمذهبين؛ لأنَّها تطبيقٌ عمليٌ لما يجبُ أنْ يكونَ عليه علماءُ المذاهبِ.\nولقد أسهمت المجامعُ والمحافلُ والمؤتمراتُ الفقهية في التقاءِ العلماءِ مِنْ مختلفِ المذاهب، فنظروا في المسائلِ العديدةِ، واجتهدوا اجتهادًا جماعيًا؛ للتوصلِ إلى أَحكامِها (^٤).\n_________\n= النبلاء (٥/ ٢٦٩)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (١/ ١٢٢)، وطبقات المفسرين للداوودي (٢/ ٤٧).\n(^١) أخرج قول قتادة: ابن عبد البر في: جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٨١٤ - ٨١٥)، بالرقمين (١٥٢٠، ١٥٢٢).\n(^٢) هو: سعيد بن أبي عروبة مهران العدوي مولاهم، أبو النضر البصري، كان إمامًا حافظًا عالم أهل البصرة، ومن أوائل من صنف في السنة النبوية، ثقةً مأمونًا، أخذ الحديث عن الحسن وابن سيرين وجماعة، يقول أبو عوانة: \"لم يكن عندنا في الزمان أحدٌ أحفظ من سعيد بن أبي عروبة\"، وقال عنه الإمام أحمد: \"كان يقول بالقدر ويكتم ذلك! \"، وعلق الذهبي على عبارة الإمام أحمد بأنه لعله تاب ورجع، توفي سنة ١٥٦ هـ وقيل: ١٥٧ هـ وهو في عشر الثمانين.\nانظر ترجمته في: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٤/ ٦٥)، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي (١/ ٢٢١)، وتهذيب الكمال للمزي (١١/ ٥)، وسير أعلام النبلاء (٦/ ٤١٣)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (١/ ١٧٧).\n(^٣) \"أخرج قول سعيد: ابن عبد البر في: جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٨١٥)، برقم (١٥٢١)، و(٢/ ٨١٩)، برقم (١٥٣٦).\n(^٤) انظر: بحوث فقهية مقارنة للدكتور محمد الدريني (١/ ٩٧)، والفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد للدكتور يوسف القرضاوي (ص/ ٣٩).","vol":"3","page":1460},{"text":"وقد عدَّ الشيخُ مصطفى الزرقا التقاءَ العلماءِ في هذه المحافلِ الفقهيةِ لدراسةِ النوازلِ بعثًا للاجتهادِ مِنْ مرقدِه في صورةٍ جماعيةٍ (^١).\nالطريق الرابع: تربيةُ المتمذهبِ على احترامِ المذاهبِ وأهلِها (^٢).\nإنَّ التنشئةَ على حبِّ العلمِ، وحبِّ أهلِه، واحترامِهم مِنْ الأهميةِ بمكان.\nوممَّا يساعدُ في هذا الجانب: الاهتمامُ بالكتبِ التي ألّفها علماؤنا في الآدابِ الشرعيةِ عمومًا، وآدابِ طالبِ العلمِ على وجهِ الخصوصِ.\nوإذا كان المتمذهبُ عارفًا للأئمةِ قدرَهم، محبًّا للإنصافِ، متحليًّا بالآداب، فإنَّه سيتجنبُ الوقوعَ في التعصبِ وذيولِه (^٣).\nيقولُ أبو الوفاءِ بنُ عقيل: \"كانتْ أيدي الحنابلة مبسوطةً في أيامِ ابنِ يوسفَ (^٤)، فكانوا يستطيلون بالبغي على أصحاب الشافعي في الفروعِ، حتى لا يُمَكّنوهم مِن الجهرِ والقنوتِ، وهي مسألةٌ اجتهاديةٌ ... فلمَّا ماتَ ابنُ يوسفَ، وزالتْ شوكةُ الحنابلةِ، استطالَ عليهم أصحابُ الشافعي استطالةَ السلاطين الظلمة ... فتدبرتُ أمرَ الفريقين، فإذا بهم لم تعمل فيهم آدابُ العلمِ، وهل هذه إلا أفعالُ الأجنادِ؟ ! ... \" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: المدخل الفقهي العام (١/ ٢٥١).\n(^٢) انظر: منهج ابن تيمية في الفقه للدكتور سعود العطيشان (ص/ ١٥٥).\n(^٣) انظر: المذاهب الفقهية الإسلامية لمحمد تاجا (ص/ ٢٤٦).\n(^٤) هو: عبد الملك بن محمد بن يوسف البغدادي، أبو منصور، ولد سنة ٣٩٥ هـ يعرف بالشيخ الأجل، كان أوحد وقته في فعل الخيرات، ودوام الصدقة، والإفضال على العلماء، والقيام بأمورهم، والتحمل لمؤنهم، والنصر لأهل السنة، والقمع لأهل البدعة، ذا جاه عريض، واتصال بالخليفة توفي سنة ٤٦٠ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (١٢/ ١٩٢)، وسير أعلام النبلاء (١٨/ ٣٣٣)، وتاريخ الإسلام للذهبي (١٠/ ١٢٠)، والبداية والنهاية (١٦/ ١٥).\n(^٥) نقل كلامَ ابن عقيل: ابنُ مفلح في: الفروع (٣/ ٢٢)، والبهوتيُّ في: كشاف القناع (٣/ ٢٠٥).","vol":"3","page":1461},{"text":"وقد دعا الإمامُ الشوكانيُّ طلابَ العلمِ إلى أنْ يوطنوا أنفسَهم على الإنصافِ، وعدمِ التعصب لمذهب من المذاهب، ولا لعالم من العلماءِ، فمَنْ صَنَعَ ذلك فقد فاز بأعَظمِ فوائَدِ العلمِ (^١).\nوقد ذَكَرَ الشيخُ محمد الطاهر بنُ عاشور أنَّ مِنْ أسباب تأخرِ التعليم: \"عُرُوُّ التعليم عن مادة الآداب وتهذيب الأخلاقِ، وشرحِ العوائدِ النافعةِ وغيرِها، وهو السبب الذي قَضَى على المسلمين بالانحطاطِ في الأخلاقِ والعوائدِ\" (^٢).\nويتصل بهذا الطريق أمران:\nالأمر الأول: أنْ يتعلمَ أربابُ المذاهبِ، ويرسخَ في أذهانِهم أنَّ أئمتهم قد تخرجوا في مدارس متقاربةٍ، فأصولُهم متقاربةٌ، وكانتْ بينهم رَحِمُ العلمِ؛ إذ دَرَسَ بعضُ الأئمةِ على غيرِه من الأئمة (^٣)، فالإمامُ الشافعي تلميذُ الإمامِ مالكٍ، والإمامُ أحمدُ تتلمذ للإمامِ الشافعي.\nفمعرفةُ المتمذهبين بقربِ مذاهبِهم مِنْ بعضها في أصولِها، وبوقوع المحبةِ فيما بين أئمتِهم، دافعةٌ لهم أنْ يتّبعوا إمامَهم في هذا الأمرِ، وأنْ ينزعَ فتيلَ التعصبِ مِنْ قلوبِهم (^٤).\nالأمر الثاني: أنْ يقومَ علماءُ المذاهب العارفون بالآثارِ السلبيةِ بتحذيرِ أرباب مذهبِهم منها؛ لئلا يقعوا فيها، أو يتلَبسوا بشيءِ منها (^٥).\n_________\n(^١) انظر: أدب الطلب (ص/ ٨٩).\n(^٢) أليس الصبح بقريب (ص/ ١٢٤).\n(^٣) انظر: المدخل إلى دراسة المذاهب للدكتور عمر الأشقر (ص/ ٢٦١)، والوسيط في تاريخ التشريع للدكتور أحمد الشرقاوي (ص/ ٢٤٢).\n(^٤) انظر: المدخل إلى دراسة المذاهب للدكتور عمر الأشقر (ص/ ٢٦٤).\n(^٥) انظر: أليس الصبح بقريب لابن عاشور (ص/ ١٣٥)، وشرائط الاجتهاد بين النظرية والتطبيق المعاصر للدكتور عبد المعز حريز، مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد: (٥٠)، (ص/ ٢٨٤).","vol":"3","page":1462},{"text":"الطريق الخامس: العنايةُ بالتخصصِ العلمي.\nممَّا هو معلومٌ أنَّ العلمَ الواحدَ بحورٌ زاخرةٌ، وممَّا يسهمُ في ضبطِه أنْ يتخصصَ المتمذهبُ في علمٍ - أو فنٍ - بحيثُ يتقنُه ويستوعبُه، ويستوفي مقاصدَه وأغراضَه.\nإنَّ المتخصصَ في العلمِ أقربُ إلى الاهتمامِ بالدليلِ، وإلى تركِ التعصبِ ونبذِه، والدراسةُ المتخصصةُ مِنْ أفضلِ أساليبِ التأليفِ في العصرِ الحاضرِ (^١).\nبل إنَّ الاهتمامَ بموضوعاتٍ وأبوابٍ محددةٍ في العلمِ الواحدِ - إذا كان واسعًا مترامي الأطراف كالفقه مثلًا - أحرى بصاحبِه إلى ضبطِ مسائلِه وإتقانِها، ومعرفةِ أدلتِها.\nومِنْ شأنِ المتخصصِ إذا كان ذا أهليةٍ أنْ يكونَ منصفًا، دقيقًا في آرائه (^٢)، ذا قدرةٍ على النقدِ والابتكارِ.\nوقد جاء عن بعضِ العلماءِ المتقدمين الحثُّ على التخصص في العلم: يقولُ الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت: ١٧٥ هـ): \"إذا أردتَ أنْ تكونَ عالمًا، فاقصدْ لفنٍ مِنْ العلمِ، وإنْ أردتَ أنْ تكون أديبًا، فخذْ مِنْ كلِّ شيءٍ أحسنَه\" (^٣).\nوحينَ بيّن الشيخُ محمد الطاهر بن عاشور أسبابَ تأخرِ المسلمين في علومِهم، ذَكَرَ مِنْ جملةِ الأسباب: إهمال التخصصِ، فبيّنه قائلًا: \"طموحُ النفسِ إلى المشاركةِ في جميعِ العَلومِ، ممَّا جعل التآليف خليطًا مِن المسائلِ التي يتوقف بعضُها على فهمِ بعضٍ ... وذلك حال دونَ أهلِ العلمِ، ودونَ\n_________\n(^١) انظر: المدخل لدراسة الفقه للدكتور شوقي الساهي (ص/ ١٤٦).\n(^٢) انظر: التعليم والإرشاد لمحمد النعساني (ص/ ٢٢٣)، ونصائح منهجية لحاتم العوني (ص/ ٣٨).\n(^٣) نقل كلامَ الخليل بن أحمد ابنُ عبد البر في: جامع بيان العلم وفضله (١/ ٥٢٢).","vol":"3","page":1463},{"text":"تحقيقِ علم مِن العلومِ ينبغون فيه؛ لأنَّ الزمانَ أقصرُ مِن استيفاءِ حاجةِ كلِّ العلومِ، لاسيما مع اختلالِ التعليمِ، ولإهمالِ الناسِ هذا الصلاح وقفوا عند حدودِ الأولين، بلْ نقصوا عنهم؛ لأنَّ المتقدمين لم يكونوا يبرزون إلا في فنٍ واحدٍ، وهو الاختصاص؛ ولذا ظهرتْ فيهم أئمةٌ مشاهير\" (^١).\nوألفتُ النظرَ إلى أنَّ بروزَ المتمذهب في الفقهِ على وجهِ الخصوصِ، وإبداعَه فيه موكولٌ إلى مهارتِه الأصوليةِ، وَمعرفته الدقيقة بعلمِ أصولِ الفقهِ.\nالطريق السادس: العنايةُ بطرقِ التعليمِ.\nإنَّ طرقَ التعليمِ متعددةٌ، وليست الأقطارُ على طريقٍ تعليميةٍ واحدةٍ، وكلٌّ يتبعُ ما يراه مفيدًا، وحسنُ اتخاذِ الطريقِ يؤدي إلى نتيجةِ أفضل؛ فإذا تعلمَ المتمذهبُ بالترقي في العلمِ (^٢)، فَفَهِمَ مسائلَه، ثمّ اهتمَّ بالنظرِ في الأدلةِ وما يتصلُ بها، وتكونت لديه الملكةُ، بحيثُ يصبح بمقدورِه أنْ يفهمَ المسائلَ العويصةَ والمغلقةَ والمبهمةَ، ويوضحَها: فإنَّ هذا مِنْ شأنه أنْ يرسّخَ الطالبَ في المذهب، وأنْ يكون ذا دربةٍ للنظرِ في الأدلةِ والاستنباطِ منها (^٣).\nيقولُ الشيحُ محمدٌ الحجوي ناصحًا للأساتذةِ وشيوخِ الطلاب: \"ليْتَنَا نمرّنُ طلبةَ الفقهِ على النظرِ في الآياتِ القرآنيةِ المتعلقةِ بالأحكامِ، وحَفظِها، وفهمِها فهمًا استقلاليًا يوافقُ ما كان يفهمه منها قريشٌ الذين نزَلَ بلغتِهم، وعلى النظرِ في السنةِ الصالحةِ للاستدلالِ، وحفظِها وإتقانِها، وفهمِها كذلك، ونمرنُهم على اللغةِ العربية، وأصولِ الفقه ... ولن يُصْلِحَ آخر هذه الأمة إلا ما صَلَحَ عليه أولُها\" (^٤).\n_________\n(^١) أليس الصبح بقريب (ص/١٧٨).\n(^٢) انظر: المصدر السابق (ص/ ١٢٧)، والتعليم والإرشاد لمحمد النعساني (ص/ ٢٠٤ وما بعدها، و٢٢٠ وما بعدها).\n(^٣) انظر: مقدمة ابن خَلدون (٣/ ١٢٤٣)، والمدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا (١/ ٢٥١).\n(^٤) الفكر السامي (٤/ ٣٩٤).","vol":"3","page":1464},{"text":"وفي العصرِ الحديثِ أسهمت الدراساتُ العلميةُ المتخصصةُ في مجالي الفقه وأصوله في معالجةِ كثيرٍ من المسائلِ بعيدةً عن التعصبِ والآثارِ السلبيةِ الأخرى، يقولُ الشيخُ مصطفى الزرقا مادحًا هذه الأطروحات العلمية: \"وُجِدتْ رسائلُ ماجستير ودكتوراه في موضوعاتٍ فقهيةٍ كثيرةٍ، تستوعبُ كلَّ موضوعٍ وتناقشُه بتعمّقٍ مِنْ مختلف جوانبِه، وتغني الباحثين والمراجعين ... \" (^١).\n* * *\n_________\n(^١) المدخل الفقهي العام (١/ ٢٥٢).","vol":"3","page":1465},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>الفصل الرابع: مشروع توحيد المذاهب الفقهية</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: عرض مشروع توحيد المذاهب الفقهية\nالمبحث الثاني: نقد مشروع توحيد المذاهب الفقهية","vol":"3","page":1467},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>المبحث الأول: عرض مشروع توحيد المذاهب الفقهية</span>\nلم يكن موقفُ بعضِ المعارضين للتمذهبِ موقفًا يعتمدُ على اطِّراح التمذهبِ والتقليدِ المذهبي فحسب، بل اقترحَ بعضُهم مشروعًا ليكونَ بديلًا عن تمذهبِ المسلمين بالمذاهب المتبوعةِ، وإذا صوّبنا النظرَ تجاههم نجد أنَّ لبَّ المَشروعِ المطروحِ مِنْ قِبَلِهم قائمٌ على توحيدِ المذاهب الفقهيةِ، لا على أساسِ الاكتفاءِ بواحدٍ منها، بلْ على أساسِ الأخذِ بالقَولِ الراجحِ منها، دونَ انتسابٍ إلى مذهبٍ مِن المذاهبِ المعروفةِ.\nولا شكَّ عندي في أنَّ الحادي لهؤلاءِ إلى الدعوةِ إلى توحيدِ المذاهبِ، والباعثَ لهم حرصُهم على أنْ يلتئمَ شملُ أربابِ المذاهب المتبوعةِ، فلا يكون بينهم عداوةٌ ولا بغضاء، وأنْ يعملوا جميعُهم بالأدلةِ الشرعيةِ، وأنْ يستفيدوا مِنْ جميعِ المذاهبِ المتبوعةِ (^١).\nيقولُ الشيخُ محمدٌ الباني مُعللًا دعوتَه إلى توحيدِ المذاهبِ: \"تخلّصًا مِن التعصبِ الممقوتِ، وحميةِ الجاهليةِ الأُوْلى التي نشأتْ بين متأخري أتباعِ المذاهب، فَنَجَمَ عنها: تفرّقُ كلمتِهم، وتخاذلُهم في وقتٍ هم أشدُّ الناسِ احتياجًا فيه إلى اتّحادِ الكَلِم والتضامنِ\" (^٢).\nويظهر لي أنَّ بدءَ الدعوةِ إلى توحيدِ المذاهبِ كانت في أوائل القرنِ الرابعِ عشرِ الهجري تقريبًا، يدلُّ على هذا: ما جاء في فتاوى الشيخ عبد القادر بن بدران (ت: ١٣٤٦ هـ) من السؤال عن توحيدِ المذاهبِ (^٣)، ودعوةِ\n_________\n(^١) انظر: مجلة المنار (٣٣/ ٧١١)، وبدعة التعصب المذهبي لمحمد عباسي (ص / ٦٠، ٦٤ - ٦٦).\n(^٢) عمدة التحقيق (ص/ ٤٤ - ٤٥).\n(^٣) انظر: المواهب الربانية (ص/ ٢٠٢).","vol":"3","page":1469},{"text":"الشيحِ محمد رشيد رضا (ت: ١٣٥٤ هـ) إلى توحيدِ المذاهبِ (^١)، وكذلك ما قرره الشيخُ محمد الباني (ت: ١٣٥١ هـ) (^٢).\nوقبلَ بيانِ مشروعِ توحيدِ المذاهبِ أُحِبُّ أنْ أنبّه إلى النقاطِ الآتيةِ:\nالأولى: رغّبَ الشيخُ عبدُ القادر بنُ بدران في توحيدِ المذاهبِ في أبوابِ المعاملاتِ، دونَ أبواب العبادات، وبقراءة كلامِه يظهر أنَّه أراد تقنينَ الأحكام في ضوءِ قولٍ واحدٍ، يقول في إجابتِه عن سؤالِ إمكانيّة توحيدِ المذاهب: \"هاهنا تفصيل: فإنْ كانَ توحيدُ المذاهبِ في العباداتِ، فهذا لا يمكنُ ... وإنْ كانَ في المعاملاتِ، وكان الموحّدون للمذاهبِ أصحابَ علم واجتهادٍ، وأصحابَ معرفةٍ بأحوالِ الزمانِ، ومعرفةٍ بالمصالحِ المرسلة: فإنَّ توحيدَ المذاهبِ هذه أولى مِنْ اختراعِ القوانينِ المبتدعةِ، ومِن السيرِ على نمطِ القوانينِ الأُورباوية التي لم تزلْ عُرْضةً للتغييرِ والتبديلِ ... \" (^٣).\nالثانية: نَسَبَ الشيخ محمدٌ الباني القولَ بتوحيدِ المذاهبِ إلى علماءِ عصرِه وحُكمائِه المجددين (^٤).\nالثالثة: يختلفُ مفهومُ توحيدِ المذاهبِ عند بعضِ الداعين إليه فيما بينهم، فالمتبادرُ مِنْ قولهم: توحيد المذاهب أنْ يكونَ للمسلمين مذهبٌ واحدٌ، لكنَّ الشيخَ محمدًا الباني فسَّر توحيدَ المذاهبِ - الذي دعا إليه العلماءُ في عصرِه - بـ: \"التوفيق بينها فيما يمكنُ التوفيق به؛ قصرًا للطريقِ على طالبِ التفقه في دينِه، وخروجًا مِنْ خلافِ العلماءِ حسب الإمكانِ؛ أخذًا بالورعِ\" (^٥).\nوأعدُّ ما قرره الشيخُ محمدٌ الباني مِنْ اللبناتِ الأُوْلى في طريقِ توحيدِ المذاهبِ؛ إذ جاءَ بعده مَنْ لم يقصرْ توحيدَ المذاهبِ على ما يمكنُ التوفيقُ فيه فحسب، بل جَعَلَ دعوته لتوحيدِ المذاهبِ في جميعِ المسائلِ.\n_________\n(^١) انظر: مجلة المنار (٤/ ٦٩٢).\n(^٢) انظر: عمدة التحقيق (ص/ ٤٤).\n(^٣) المواهب الربانية (ص/ ٢٠٢).\n(^٤) انظر: عمدة التحقيق (ص/ ٤٤).\n(^٥) المصدر السابق (ص/ ٤٤).","vol":"3","page":1470},{"text":"الرابعة: هناك فرقٌ بين الحديثِ عن تقارب المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعةِ، والدعوةِ إلى توحيدِها؛ إذ المذاهبُ الفقَهيةُ متقاربةٌ مِنْ حيثُ أصولُها، وأحكامُ فروعِها (^١)، وليس هذا بغريبٍ؛ لأنَّ أئمةَ المذاهبِ تخرجوا في مدارس متقاربةِ الأصولِ، وقد تتلمذ بعضُهم لبعضٍ (^٢).\nالخامسة: ضرورةُ التفريقِ بين الدعوةِ إلى توحيدِ المذاهبِ، والدعوةِ إلى جعلِ المذاهبِ كالمذهبِ الواحدِ.\nفتوحيدُ المذاهبِ صهرٌ لأقوالِ المذاهبِ في مذهب وقالبٍ واحدٍ، بحيثُ لا توجدُ المذاهبُ المعروفةُ؛ أمَّا جعلُ المذاهب كالمذهب الواحدِ، فهو بقاءٌ على المذهبية مع الأخذِ بما يرجحه الدليلُ والبرهانُ، ولو كان خارجَ المذهب، فلا يُوجَدُ حَرَجٌ عند هؤلاءِ مِن الأخذِ بمذهبٍ آخرَ شريطةَ أنْ يكون هناكَ ما يُسوّغُ الأخذَ به.\nأشرتُ إلى هذا الأمرِ؛ لئلا يذهبَ ذاهبٌ إلى عدِّ مَنْ دعا إلى جعلِ المذاهب كالمذهبِ الواحدِ منْ حيثُ الإفادةُ منها مِن الداعين إلى توحيدِها (^٣).\nالسادسة: ثمةَ فرقٌ بين الدعوةِ إلى توحيدِ المذاهبِ، والدعوةِ إلى توحيدِ الحُكمِ القضائي والإفتائي.\nفمَنْ دعا إلى توحيدِ الحكمِ القضائي والإفتائي - بغضِّ النظرِ عن حُكمِ توحيدِ القول في القضاءِ والإفتاءِ - فإنَّه لا يُعدُّ مِن الداعين إلى توحيدِ\n_________\n(^١) انظر: نقاط الالتقاء بين المذاهب الإسلامية للدكتور وهبة الزحيلي (٤/ ١٤٩ - ١٦٨) ضمن موسوعة الفقه الإسلامي المعاصر، والمدخل إلى دراسة المذاهب للدكتور عمر الأشقر (ص/ ٢٦١)، ومحاضرات في تاريخ الفقه لوهبي غاوجي (ص/ ٧١)، والوسيط في تاريخ التشريع للدكتور أحمد الشرقاوي (ص/ ٢٤٢).\n(^٢) انظر: المدخل إلى دراسة المذاهب للدكتور عمر الأشقر (ص/ ٢٦١)، والوسيط في تاريخ التشريع للدكتور أحمد الشرقاوي (ص/ ٢٤٢).\n(^٣) انظر على سبيل المثال: الفكر السامي لمحمد الحجوي (٤/ ٤٤٩).","vol":"3","page":1471},{"text":"المذاهبِ (^١)؛ لأنَّ منشَأَ دعوته هو النظر إلى مصلحةِ المتخاصِمَينِ والمستفتينَ.\nعرض المشروع:\nلم ينصَّ جميعُ دعاةِ توحيدِ المذاهب على مشروعٍ معيَّنٍ، بلْ دعا بعضُهم إلى توحيدِها، دون أنْ ينصَّ على طريقِ توحيدِها.\nوقد أسهم آخرون في هذا المجالِ، وذكروا مشروعًا، وبيّنوا مضمونَه، ومِنْ أهمِّ ما وقفتُ عليه - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادر - ما عرضه الشيخُ محمدٌ الباني، وما عرضه الأستاذُ محمدٌ عيد عباسي، وسوف أذكر ما قاله كلُّ واحدٍ منهما في هذا الشأن، مكتفيًا بهما (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>أولًا: مشروعُ الشيخِ محمد الباني:</span>\nبيَّن الشيخُ محمدٌ الباني مشروعَه، وأوجزَه في الأسطرِ الآتية، فقالَ: \"يريدُ دعاةُ الوحدةِ الأخذَ مِنْ كلِّ مذهبٍ بما كان دليلُه أقوى من كتابٍ وسنةٍ ثابتةٍ؛ مراعاةً للاحتياطِ بالنسبةِ لأهلِ العزائمِ.\nكما يريدون الأخذَ بالأيسرِ مِنْ كلِّ مذهبٍ؛ رفقًا بضعفِ أربابِ الرخصِ، بالشروطِ المخصوصةِ؛ وفقًا لمقتضى يسرًا لدينِ وتسامحِه؛ خشيةَ تهاونِهم بالتكاليفِ إذا شُدّد عليهم.\nوكذلك يريدُون الأخذَ مِنْ كلِّ مذهبٍ في المعاملاتِ والعقوباتِ والقضاءِ بما هو أقربُ لروحِ الزمانِ ومقتضياتِ العمرانِ، وأوفقِ\n_________\n(^١) انظر: الفقه الإسلامي ومدارسه لمصطفى الزرقا (ص/ ٨٥ - ٨٦)، وفتاوى مصطفى الزرقا (ص/٣٦٩).\n(^٢) كان الشيخ محمد رشيد رضا من أوائل الدعاة إلى توحيد المذاهب، لكنْ لم أقف على مشروعٍ عملي له في هذا المقام - فيما رجعت إليه من مصادر - وإنما كانت دعوته على وجه العموم، ومما بيّنه في هذا المقام ما ذكره في: مجلة المنار (٤/ ٦٩٢) أنَّ ما يريده من توحيد المذاهب - الذي سماه أيضًا بالوحدة الإسلامية - هو تحكيم الأدلة، واستخلاص مذهب واحد ملفق منها. وانظر: مسيرة الفقه الإسلامي المعاصر للدكتور شويش المحاميد (ص/ ٧٢).","vol":"3","page":1472},{"text":"للمصلحةِ ... ومثلُ هذا أحكامُ الأحوالِ الشخصيةِ، فإنَّهم يريدون الأخذَ بما هو أقربُ للسعادةِ البشريةِ، ومصلحةِ الشؤونِ العائليةِ؛ صيانةً للفروجِ والأنسابِ، وفرارًا مِن حدوثِ ما لا تُحْمَدُ مَغَبَّته في قضايا الزوجيةِ\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>ثانيًا: مشروع الأستاذ محمد عيد عباسي:</span>\nلقد كانَ الأستاذُ محمدٌ عباسي أكثر دقّةً فيما دعا إليه، فجعل مشروعَه في بنودٍ، ودعا علماءَ المسلمين إلى العملِ بها، وقد يبيّن الأستاذُ عباسي قبل ذكرِ مشروعِه أهميةَ توحيدِ آراءِ المسلمين وأفكارِهم؛ لأنَّه مِنْ أعظمِ الأسس التي تُوَحّدُ مشاعرَهم وعواطفهم (^٢).\nوقد عرَضَ الأستاذُ محمدٌ عباسي مشروعَه قائلًا: \"نصُّ المشروعِ:\n١) تُؤلف لجنةٌ تضمُّ أكبرَ علماءِ المسلمين في العالمِ الإسلامي، وتضمُّ مختلفَ الاختصاصاتِ الشرعيةِ، ويكون مهمتُها توحيدَ المذاهبِ الفقهيةِ الإسلاميةِ في مذهبٍ واحدٍ.\n٢) تعملُ هذه اللجنةُ حسب الخطةِ الآتية:\nأ - تُقرر الأحكامَ المتفقَ عليها بين فقهاءِ الإسلامِ دونَ خلافٍ.\nب - في المسائلِ المختلفِ عليها اختلاف تنوعٍ: يُؤخذُ بجميعِ الأقوالِ، ما دامت ثابتةً في الشرعِ، ولا يُقْتَصَرُ على واحدٍ منها.\nت - في المسائلِ المختلفِ عليها اختلاف تضاد: يُنْظَرُ في دليلِ كلِّ مذهبٍ، ويُؤْخَذُ بأقوى الآراءِ وأرجحها مِنْ ناحيةِ الدليلِ، دون تعصّبٍ لرأي على آخر.\nث - في المسائلِ التي يَصْعُبُ ترجيحُ رأي مِن الآراءِ فيها، وتتساوى أدلتُها في القوة: يجوزُ الأخذُ بأيِّ رأي منها، ويَحْسُنُ تقديمُ ما\n_________\n(^١) عمدة التحقيق (ص/ ٤٥).\n(^٢) انظر: بدعة التعصب المذهبي (ص/ ٦٤ - ٦٥).","vol":"3","page":1473},{"text":"يُرجّح مِنْ ناحيةِ المصلحةِ للمسلمين.\nج - يُترك كلُّ رأي ظَهَرَ بطلانُه وضعفُه.\n٣) يُسمّى هذا المذهب: مذهبُ الكتابِ والسنةِ وجميعِ الأئمةِ\" (^١).\nهذان هما أبرزُ مشروعين - مِنْ وجهةِ نظري - لدعاةِ توحيدِ المذاهب الفقهيةِ، وسأنقدهما في المبحثِ القادمِ.\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص/ ٦٧ - ٦٨).","vol":"3","page":1474},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>المبحث الثاني: نقد مشروع توحيد المذاهب الفقهية</span>\nإنَّ النقدَ الموجّهَ إلى أيِّ عملٍ ومشروعٍ علمي لا يعني توجُّهه إلى مَنْ كَتَبَه، ما دام النقدُ سالمًا مِن التجريحِ الشخصي، وفي هذا المبحثِ سأنتقدُ المشروعَ المقترحَ في ضوءِ المحورين الآتيين:\nالمحور الأول: نقدُ فكرةِ توحيدِ المذاهبِ.\nالمحور الثاني: نقدُ المشروعِ العملي المقترح لتوحيدِ المذاهبِ.\nالمحور الأول: نقدُ فكرةِ توحيدِ المذاهبِ.\nإنَّ الدعوةَ إلى توحيدِ المذاهب بحيثُ نكوّن مذهبًا واحدًا مُلفّقًا مِن المذاهب الفقهيةِ المتبوعةِ، يُؤخَذُ منهَا القول الذي يشهدُ له الدليلُ، أمرٌ في غايةِ الصَعوبةِ؛ وذلك للآتي:\nالأول: أنَّ غالبَ الفقهِ مِنْ قبيلِ المسائلِ الاجتهاديةِ التي لم يقمْ عليها دليل قاطعٌ، وهذه المسائلُ لا يُجْزَمُ فيها بخطإِ المخالفِ، فكيفَ يحصلُ الاختيار فيها؟ ! ولا سيما أنَّ بعفنصوصِ الكتاب والسنةِ تحتملُ أكثرَ مِنْ وجهٍ، فكلا الفريقينِ في المسألةِ يعتمدانِ على نصٍّ واحدٍ، كلٌّ منهما فَهِمَه في ضوءِ الأصولِ التي يسيرُ عليها، فمِثلُ هذه المسائلِ يصعبُ أنْ تَتَحّدَ فيها أقوالُ العلماءِ.\nيقولُ أبو شامةَ المقدسي: \"نصوصُ القرآنِ والسنةِ تحتمل وجوهًا مِن التأويلِ، وطُرُقُ العربيةِ ومجاريها واسعةٌ، فلكلِّ قولٍ منها دليلٌ\" (^١).\n_________\n(^١) خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول (ص/ ٩٩).","vol":"3","page":1475},{"text":"ويقولُ الشيخُ مصطفى الزرقا معلِّلًا عدمَ إمكانِ توحيدِ المذاهبِ: \"قد يكون النصُّ نفسُه يحتملُ أنْ يُفهم على أكثرِ مِنْ وجهٍ، وتكون كلُّها مقبولةً رُغْم اختلافِها، فهذا مجالٌ واسعٌ في فهمِ النصوصِ وتفسيرِها، تختلفُ فيه آراءُ العلماءِ المتشرعين في ترجيحِ الفهمِ الذي يرى العالمُ الفقيهُ أنَّه هو الصحيحُ، أو الأصحُّ، أو الأقربُ إلى غرضِ الشارعِ، أو الأكثرُ انطباقًا على القواعدِ المقررةِ المستمدةِ مِنْ مجموعِ النصوصِ ذاتِ العلاقةِ في كلِّ موضوعٍ.\nوكلُّ ذلك - أيضًا - هو فقهٌ يقومُ حولَ النصوصِ التشريعيةِ، فَهْمًا لها، وقياسًا عليها، وتفريعًا على قواعدِها ... ونحو ذلك ممَّا لا يمكنُ أنْ تَتحدَ فيه فهومُ العلماءِ، فكيفَ يمكنُ توحيدُ الفقه إذًا؟ ! \" (^١).\nالثاني: أنَّ اختلافاتِ العلماءِ في المسائلِ لم تأْتِ دونَ سببٍ، لتُحلَّ بتوحيدِ المذاهبِ، بلْ هذه الأقوالُ والاختلافاتُ عائدةٌ إلى أصولٍ وقواعد سارَ عليها كلُّ عالمٍ.\nوسيترتبُ على التوحيدِ خلطٌ في المسائلِ، وتلفيقٌ بينها، مِنْ جهةِ اعتمادِ بعضِ الأصولِ في مسائل، وإغفالِها وعدمِ العملِ بها في مسائل أخرى.\nثمَّ هل سيحجرُ على العلماءِ أنْ يختاروا، وأنْ يفتوا بخلافِ القولِ الذي قرره موحدو المذاهبِ الفقهيةِ؟ ! (^٢).\nالثالث: لو فُرِضَ قيامُ مشروعِ توحيدِ المذاهب، فهل سَيُؤَسّسُ المشروعُ دونَ أصولٍ وقواعد يُرْجَعُ إليها؟\nإنَّ سكوتَ الداعين إلى توحيدِ المذاهبِ عن الأصولِ والقواعدِ\n_________\n(^١) فتاوى مصطفى الزرقا (ص/ ٣٦٤).\n(^٢) يقول تقيُّ الدين بنُ تيمية في: مجموع الفتاوى (٣٠/ ٨٠): \"فمن تبيّن له صحة أحد القولين تبعه، ومَنْ قلَّد أهل القول الآخر، فلا إنكار عليه\".","vol":"3","page":1476},{"text":"والضوابطِ مِنْ أهمِّ الأمورِ التي تُضْعِفُ مِنْ شأنِ مشروعِهم، فإذا لم يكنْ ثمة أصولٌ، فكيفَ تُعالجُ النوازل؟ ! وكيفَ يسيرُ أربابُ هذا المذهبِ في استنباطِ الأحكامِ مِنْ نصوصِ الكتابِ والسنةِ؟ !\nالرابع: أنَّ معالجةَ التعصبِ والتفرقِ وآثارِ التمذهب السلبيةِ الأخرى بالدعوةِ إلى توحيدِ المذاهب، معالجةٌ غيرُ ناجعةٍ. والدلَيل على هذا: أنَّ لهذه الدعوةِ عقودًا متطاولةً وَهي قائمةٌ وموجودةٌ، فمِن استجابَ لها؟ ! وهل أَخَذَ علماءُ المجامعِ والهيئاتِ العلمية بالمشروعِ، فأصدروا أحكامًا للمسائل التي وَرَدَت فيها نصوصٌ غيرُ قاطعةٍ؟ !\nولما دعا الشيخُ محمدٌ الحجوي إلى تعويدِ الطلاب على النظرِ في نصوصِ الكتاب والسنةِ - كما تقدّمَ نقلُ كلامِه حينَ تكلّمتُ عنْ طرقِ علاجِ الآثارِ السلبية - خَتَمَ دعوتَه قائلًا: \"وهذا العملُ أنجحُ مِن السعي في توحيدِ المذاهبِ\" (^١).\nوقال - أيضًا -: \"كنتُ لا أرتضي فكرةَ توحيدِ المذاهب؛ لأنَّها فكرةٌ لا نتيجةَ لها، ولا تفيدُ المجتمعَ الإسلاميَّ إلا شقاقًا آخر فقط! \" (^٢).\nثمَّ إنَّ إعراضَ علماءِ عصرِنا عن توحيدِ المذاهبِ دليلٌ على ضعفِ هذا العلاجِ لاجتثاثِ التعصبِ المذهبي المقيتِ.\nالخامس: أنَّ في توحيدِ المذاهبِ الفقهيةِ في مذهبٍ واحدٍ، بحيثُ يسيرُ الناسُ كلُّهم على قولٍ واحدٍ، مشقةً عليهم؛ فليس بمقدورِهم أنْ يكونوا على قولٍ واحدٍ في جميعِ المسائلِ العَمَلية، فعدمُ توحيدِ المذاهبِ يدفعُ عن الناسِ مشقاتٍ عديدة يعرفُها أهلُ العلمِ الممارسون إفتاء الناسِ (^٣).\nبلْ إنَّ وجودَ الاختلافاتِ بين العلماءِ ممَّا يُمْكِنُ معه تحقيقُ اليُسْرِ على العلماءِ، بحيثُ لا يُضلَّل المخالفُ في المسائلِ الاجتهاديةِ.\n_________\n(^١) الفكر السامي (٤/ ٣٩٤).\n(^٢) المصدر السابق (٤/ ٤١٦).\n(^٣) انظر: فتاوى مصطفى الزرقا (ص/ ٣٦٧).","vol":"3","page":1477},{"text":"يقولُ أبو شامة المقدسي: \"اختلافُ الأئمةِ رحمةٌ\" (^١).\nويقولُ جلالُ الدين السيوطي: \"اعلمْ أنَّ اختلافَ المذاهب في هذه الملّةِ نعمةٌ كبيرةٌ، وفضيلةٌ عظيمةٌ ... \" (^٢)، ويقولُ أيضًا: \"إنَّ اختلافَ المذاهبِ في هذه الملّة خِصّيصةٌ فاضلةٌ لهذه الأمةِ، وتوسيعٌ في هذه الشريعةِ السمحةِ السهلةِ ... \" (^٣).\nوقد وَصَفَ السيوطيُّ القائلين بأنَّ النبيَّ - ﷺ - جاءَ بشرع واحدٍ، فمِنْ أينَ جاءَت هذه المذاهب الأربعة؟ بالجُهالِ (^٤).\nوقد جاءَ عن بعضِ السلفِ أقوالٌ في هذا المعنى، دالةٌ على تخفيفِ وطأةِ اختلافاتِ العلماءِ فيما كان طريقُه الاجتهاد، فمِنْ هذا:\n- قول عمر بن عبد العزيز (^٥): \"ما يَسُرّني باختلافِ أصحاب النبي - ﷺ - حُمْر النَّعَم (^٦) \" (^٧).\n_________\n(^١) خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول (ص/ ٩٩).\n(^٢) جزيل المواهب في اختلاف المذاهب (ص/ ٢٥).\n(^٣) المصدر السابق (ص/ ٢٧).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (ص/ ٢٥).\n(^٥) هو: عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي القرشي، أبو حفص المدني ثم الدمشقي، ولد بالمدينة سنة ٦١ هـ وقيل: سنة ٦٣ هـ وهو الخليفة الأموي الزاهد، والإمام العادل، والمجتهد الورع، والعامل العابد، روى عن أنس بن مالك - ﵁ -، وصلى أنس خلفه، كان تابعيًا جليلًا علامةً حافظًا ثقةً مأمونًا، له فقه وعلم وورع، تولى الخلافة سنة ٩٩ هـ فأقام العدل بين الناس، توفي سنة ١٠١ هـ. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٥/ ٣٣٠)، وحلية الأولياء لأبي نعيم (٥/ ٢٥٣)، وتهذيب الكمال للمزي (٢١/ ٤٣٢)، وسير إعلام النبلاء (٥/ ١١٤)، والبداية والنهاية (١٢/ ٦٧٦)، وتهذيب التهذيب لابن حجر (٣/ ٢٤٠).\n(^٦) حُمْر النَّعَم: الحُمْر جمع أحمر، والنَّعَم: واحد الأنعام، وهي البهائم، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل، فحُمْر النَّعَم: كرائمها، وهي مَثَل في كل نفيس. انظر: المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي، مادة: (حمر)، (١/ ٢٢٣)، والمصباح المنير للفيومي، مادة: (حمر)، (ص/١٣١).\n(^٧) أخرج قول عمر بن عبد العزيز: ابنُ سعد في: الطبقات الكبرى (٥/ ٣٨١)؛ والخطيب البغدادي في: الفقيه والمتفقه (٢/ ١١٧)، برقم (٧٤٥)؛ وابن عبد البر معلّقًا في: جامع بيان =","vol":"3","page":1478},{"text":"- وقول الموفق بنِ قدامة في فاتحةِ كتابِه (المغني) (^١) عن الأئمة المجتهدين: \"اتفاقُهم حجةٌ قاطعةٌ، واختلافُهم رحمةٌ واسعةٌ\".\nالسادس: ليس الاختلافُ في الفقهِ والفروعِ مِن الاختلافِ المنهيِّ عنه (^٢)، لنخرجَ عنه بتوحيدِ المذاهب، بل إنَّ الاختلافَ فيها موجود منذُ زمنِ الصحابةِ - ﵃ - (^٣)، ولم يدعُ أحدٌ مَنهم إلى توحيدِ الأقوالِ (^٤).\nويدل على أنَّ الاختلافَ في الفروعِ ليس بمذموم حتى مع وجودِ النصِّ المحتمل: حديثُ عبدِ الله بنِ عمر - ﵄ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - لصحابته - ﵃ - (لا يُصلينَّ أحَدٌ العصرَ إلا في بني قريظة). فادرك بعضُهم العصرَ في الطريقِ، وقال بعضُهم: \"لا نصلي حتى نأتيها\". وقال بعضُهم: \"بلْ نصلي؛ لم يُرِد منَّا ذلك\". فَذُكِرَ للنبي - ﷺ -، فلم يُعَنّفْ واحدًا منهم (^٥).\n_________\n= العلم وفضله (٢/ ٩٠١)، برقم (١٦٩٨)، وقال عقيبه: \"هذا فيما كان طريقه الاجتهاد\".\nوالدارمي بنحوه في: المسند، في المقدمة، باب: اختلاف الفقهاء (١/ ٤٨٩)، برقم (٦٥٢).\nوقال ابنُ حجر في: المطالب العالية (١٢/ ٦٠٠) عن الأثر: \"صحيح مقطوع\".\nوعلَّق تقيُّ الدين بنُ تيمية في: مجموع الفتاوى (٣٠/ ٨٠) على قول عمر بن عبد العزيز، فقال: \"لأنهم إذا اجتمعوا على قولٍ، فخالفهم رجلٌ كان ضالًا، وإذا اختلفوا، فأخذ رجلٌ بقول هذا، ورجلٌ بقول هذا، كان في الأمر سعة\".\nوانظر: جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (٢/ ٩٠٢)، وجزيل المواهب في اختلاف المذاهب للسيوطي (ص/ ٢١). وقارن بالعَلَم الشامخ للمقبلي (ص/ ٤٨٥).\n(^١) (١/ ٤). وانظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٣٠/ ٨٠).\n(^٢) انظر: الفقه الإسلامي ومدارسه لمصطفى الزرقا (ص/ ٨٤ - ٨٥)، ونقاط الالتقاء بين المذاهب الإسلامية للدكتور وهبة الزحيلي (٤/ ١٧٠) ضمن موسوعة الفقه الإسلامي المعاصر.\n(^٣) انظر: جزيل المواهب في اختلاف المذاهب للسيوطي (ص/ ٢٥).\n(^٤) انظر: نقاط الالتقاء بين المذاهب الإسلامية للدكتور وهبة الزحيلي (٤/ ١٧١) ضمن موسوعة الفقه الإسلامي المعاصر.\n(^٥) أخرج حديث عبد الله بن عمر - ﵄ -: البخاري في: صحيحه، كتاب: صلاة الخوف، باب: صلاة الطالب والمطلوب راكبًا وإيماءً (ص/ ١٨٩)، برقم (٩٤٦)، واللفظ له؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: الجهاد والسير، باب: مَنْ لزمه أمرٌ، فدخل عليه أمر آخر (٢/ ٨٤٨)، برقم (١٧٧٠). =","vol":"3","page":1479},{"text":"وكذلك الاختلافُ موجودٌ بين أربابِ العلومِ الأخرى - كالنحوِ والحديثِ والتفسيرِ وغيرِها - ولم يدعُ أحدٌ مِنْ أربابِ هذه العلومِ إلى توحيدِ الأقوالِ في علومِهم، ولم يعبْ أحدٌ منهم الاختلافَ الواقعَ بينهم (^١).\nالسابع: أنَّ في الدعوةِ إلى توحيدِ المذاهبِ عدةَ سلبيات:\nمنها: ظنُّ السامعِ للدعوةِ إلى توحيدِ المذاهب أنَّ المذاهبَ المتبوعةَ عيبٌ يجبُ التّخلّصُ منه، ومشكلةٌ يجب حلُّها (^٢)، ولَيس الأمرُ كذلك قطعًا.\nومنها: هدرُ الثروةِ العلميةِ التي خلفتها المذاهبُ الفقهيةُ المتبوعة وتضييعُها - من المؤلفات في الفقه وأصوله، والقواعد والضوابط الفقهية - وهذه الثروةُ محلُّ اعتزازِ وامتيازٍ للأمةِ وعلمائِها (^٣).\nومنها: التسويةُ بين الاختلافِ في الفروع، والاختلافِ في العقائدِ، إذ الاختلافُ في العقائدِ مذمومٌ، وهو سببٌ للفُرْقَةِ والتفرّقِ، بخلافِ الاختلافِ في الفروعِ، فليس بسببٍ للفُرْقَةِ، إذا خلا عن التعصبِ المذهبي.\nوختامًا لهذا المحورِ، أقول: لقد ذَكَرَ الشيخُ محمدٌ الحجوي كلمةً حسنةً في هذا المقامِ، فقالَ: \"فالواجبُ علينا أنْ لا نسعى وراءَ توحيدِ المذاهبِ؛ لأنَّه أصعب شيءٍ يعانيه المصلحون، بلْ يجبُ أنْ نطّرحَ\n_________\n= وقد علَّق ابن القيم في: إعلام الموقعين (٢/ ٣٥٥) على فعل الصحابة - ﵃ -، فقال: \"اجتهد بعضُهم وصلّاها في الطريق، وقال: لم يُرِدْ منا التأخير، وإنَّما أراد سرعة النهوض، فنظروا إلى المعنى، واجتهد آخرون، وأخروها إلى بني قريضة، فصلوها ليلًا؛ نظروا إلى اللفظ. وأولئك سلف أهل الظاهر، وأولئك سلف أصحاب المعاني والقياس\".\nوانظر: المصفى في أصول الفقه لأحمد الوزير (ص/ ٢٢)، وأسباب اختلاف الفقهاء لعلي الخفيف (ص/ ١٨٧ - ١٨٨)، ومناهج الاجتهاد في الإسلام للدكتور محمد مدكور (ص/ ٩٩ - ١٠٠).\n(^١) انظر: نقاط الالتقاء بين المذاهب الإسلامية للدكتور وهبة الزحيلي (٤/ ١٧١) ضمن موسوعة الفقه الإسلامي المعاصر.\n(^٢) انظر: الفقه الإسلامي ومدارسه لمصطفى الزرقا (ص/ ٨٤).\n(^٣) انظر: المصدر السابق (ص/ ٨٥).","vol":"3","page":1480},{"text":"التعصبَ، ونعتبرَ أنَّ كلَّ مذهب فيه صوابٌ وخطأ لم يتعمدْه قائلُه، ولكنْ أداه إليه اجتهادُه\" (^١).\nوقد وَصَفَ الشيخُ مصطفى الزرقا الدعوةَ إلى توحيدِ المذاهبِ بأنَّها تدعو إلى أمرٍ مستحيلٍ (^٢).\nوقسا الدكتورُ وهبة الزحيلي فوصف الداعين إلى توحيد المذاهب بـ: \"الجهلةِ والعوامِّ\" (^٣).\nالمحور الثاني: نقد المشروع العملي المقترح لتوحيد المذاهب.\nكما سَبَقَ في المبحثِ الأولِ، فقد اقترحَ بعضُ الداعين إلى توحيدِ المذاهبِ مشروعًا، يضمنُ للأمةِ أنْ تسيرَ على مذهب واحدٍ، ولكونِ المشروعِ الذي اقترحه الأستاذُ محمدٌ عباسي أنضجَ ممَّا ذَكَرَه الشيخُ محمد الباني، فسوفَ أقتصرُ في نقدي على المشروعِ الثاني، تاركًا ما قاله الشيخُ الباني؛ لأنَّ ما ذكرتُه في المحورِ الأولِ صالحٌ لنقدِه ومناقشتِه.\nيمكن نقدُ المشروعِ المقترحِ في ضوءِ الآتي:\nأولًا: لم يُبْدِ صاحبُ المشروعِ المقترحِ أصولًا يسيرُ عليها العلماءُ المنتسبون إليه، فلم يذكرْ أدلةً يُرْجَعُ إليها، ولا طُرُقًا للاستدلالِ.\nوهذا ماخذ كبيرٌ؛ إذ كيفَ يقومُ مذهبٌ دونَ أصول يسيرُ أربابُهْ عليها؟ !\nثانيًا: دعا صاحبُ المشروعِ إلى إقامةِ لجنةٍ مؤلَّفةٍ مِنْ علماءِ العالم الإسلامي؛ لتنظرَ في المسائلِ المختلفِ فيها اختلافَ تضاد، وتقررُ اللجنةُ أقوى الآراءِ وأرجحِها مِنْ حيثُ الدليلُ، دونَ تعصبٍ لرأي على آخر.\n_________\n(^١) الفكر السامي (٤/ ٤٤٩).\n(^٢) انظر: الفقه الإسلامي ومدارسه (ص/ ٨٦).\n(^٣) نقاط الالتقاء بين المذاهب الإسلامية (٤/ ١٧٠) ضمن موسوعة الفقه الإسلامي المعاصر.","vol":"3","page":1481},{"text":"وهذا أمرٌ يسهلُ تقريره نظريًا، لكن ما العمل إذا اجتمعوا، واختلفوا؟ ! بل إنَّ احتمالَ اختلافِهم أقربُ مِن احتمالِ اتفاقِهم، كما هو الشأنُ عادةً بين علماءِ المسلمين في المسائلِ الاجتهاديةِ، إذا كانوا مِنْ مذاهب فقهيةٍ مختلفةٍ.\nثالثًا: دعا المشروعُ إلى تركِ كلِّ رأي ظَهَرَ ضعفُه وبطلانُه، وهذا أمرٌ حسنٌ، لا أظن أحدًا يخالفُ فيه، لكنْ لم يُحَدّدْ في المشروعِ ضابطُ ضعفِ القولِ وبطلانِه.\nرابعًا: اقترح صاحبُ المشروعِ تسمية مشروعِه بمذهبِ الكتابِ والسنةِ وجميعِ الأئمةِ، وهنا عدة أمورٍ:\nالأمر الأول: إذا نَظَرَ علماءُ اللجنةِ في مسألةٍ، ورجّحوا قولَ الإمامِ مالكٍ، وتركوا قولَ الإمامِ أحمدَ مثلًا، فكيفَ يسمي المشروعُ المذهبَ كلَّه بمذهبِ جميعِ الأئمةِ، وقد خالفوا الإمامَ أحمدَ؟ !\nوإذا نُظِرَ في مسألةٍ لم يُنْقَلْ فيها عن أحدِ الأئمةِ قولٌ أصلًا، فكيف يُنْسَبُ إليه ما اختارته اللجنةُ؟ ! فمعنى نسبةِ المذهبِ إلى جميعِ الأئمةِ أنَّ الأقوالَ التي تختارها اللجنةُ قد قالها الأئمةُ كلُّهم، واختاروها.\nالأمر الثاني: في تسميةِ المشروعِ للمذهبِ الموحَّدِ بمذهب الكتابِ والسنةِ إشارةٌ إلى أنَّ ما عداه مِن المذاهبِ ليس كذلك، وهذا قدحٌ خفيٌ في المذاهبِ المتبوعة، غير مطابقٍ لواقعِها؛ إذ من أصولِها الاعتمادُ على دليلي: الكتابِ والسنةِ.\nالأمر الثالث: قرَّرَ المشروعُ في المسائلِ التي يصعبُ فيها الترجيحُ، وتتساوى أدلتُها في القوةِ، جوازَ الأخذِ بأيِّ رأي منها، ويحسن تقديمُ ما يرجح مِنْ ناحيةِ المصلحةِ للمسلمين.\nفهل يسمى هذا الرأي بمذهبِ الكتابِ والسنةِ وجميعِ الأئمة؟ !\nالأمر الرابع: لم يدّعِ أحدٌ مِن الأئمةِ المجتهدين أنَّ ما قرره واختاره","vol":"3","page":1482},{"text":"هو مذهبُ الكتابِ والسنةِ، وإنَّما لسانُ حالِهم أنَّ ما اختاروه هو الأقربُ إلى دلالةِ الكتابِ والسنةِ، ولا سيما في المسائل التي تتجاذبها الأدلةُ.\nويدلُّ على عدمِ جواز ادِّعاءِ المجتهدِ أنَّ قولَه ورأيَه هو حكم الشرعِ أو حكم الله تعالى أمورٌ، منها:\n- كان النبيُّ - ﷺ - إذا أمّر على جيشٍ أوصى الأميرَ فيما إذا أرادَ الكفارُ منه أنْ ينزلَهم على حكمِ الله، فقال: (إذا حاصرتَ أهلَ حصنٍ، فأرادوك أنْ تُنزِلَهم على حُكمِ الله، فلا تُنزِلْهم على حكمِ الله، ولكنْ أنزلهم على حكمِك؛ فإنَّك لا تدري أتصيبَ فيهم حكمَ الله، أم لا؟) (^١).\n- جاء عن بعض الصحابة - ﵃ - عدمُ نسبةِ آرائِهم إلى الله ورسولِه - ﷺ -، فمن ذلك:\n- لما كَتَبَ كاتبُ عمرَ بنِ الخطاب - ﵁ - (هذا ما أرى اللهُ أميرَ المؤمنين عمر)، فانتهره عمر - ﵁ -، وقالَ: (لا، بلْ اكتبْ هذا ما رأى عمرُ؛ فإنْ يكن صوابًا فمِن الله، وانْ يكن خطأ فمِنْ عمرَ) (^٢).\nخامسًا: لم يبيّن المشروعُ المنهجَ المتبعَ في دراسةِ النوازلِ والحوادثِ، وما العملُ إذا نَظَرَ علماءُ اللجنةِ في النازلةِ، واختلفوا؟\nسادسًا: نفى الأستاذُ محمدٌ عباسي عن نفسِه أنَّه يدعو إلى إنشاءِ مذهب خامسٍ (^٣)، وفي الحقيقةِ لا أرى المشروعَ المقترحَ منه إلا دعوةً إلى مذهبٍ خامسٍ؛ لأنَّ إلغاءَ المذاهبِ الأربعةِ أمرٌ غيرُ ممكنٌ، وقد دعا إلى توحيدها في مذهبٍ جديدٍ.\n_________\n(^١) هذا قطعة من حديث بريدة - ﵁ -، وأخرجه: مسلم في: صحيحه، كتاب: الجهاد والسير، باب: تأمير الإمام الأمراء على البعوث (٢/ ٨٢٨)، برقم (١٧٣١).\n(^٢) أخرج أثر عمر بن الخطاب - ﵁ -: البيهقي في: السنن الكبرى، كتاب: آداب القاضي، باب: ما يقضي به القاضي ويفتي به المفتي (١٠/ ١١٦).\nوقال ابن حجر في: التلخيص الحبير (٦/ ٣٢٠٢) عن الأثر: \"إسناده صحيح\".\n(^٣) انظر: بدعة التعصب المذهبي (ص/ ٦٢).","vol":"3","page":1483},{"text":"هذا ما بدا لي من نقدٍ على المشروعِ المقترحِ، وتجدرُ الإشارةُ إلى أنَّ نقدَ المشروعِ لا يعني بحالٍ انتقادَ مَنْ يدعو إلى تعظيمِ الأدلةِ، والعملِ بها، فهذا شيءٌ، ونقد المشروعِ المقترحِ شيءٌ آخر.\n* * *","vol":"3","page":1484},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>الخاتمة</span>\nوتشمل على:\n• أهمِّ نتائج البحث\n• التوصيات","vol":"3","page":1485},{"text":"أحمدُ اللهَ تعالى على إعانتِه لي على إتمامِ البحثِ، وتيسيرِ سُبُلِه، فله الحمدُ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ويطيبُ لي في هذا المقامِ أنْ أذكرَ أهمَّ نتائجِ البحثِ بذكرِ خلاصةٍ لبعضِ ما جاءَ فيه، ثمَّ أردفُها بذكرِ بعضِ التوصياتِ التي ظهرتْ لي في أثناءِ إعدادِ البحثِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>أولًا: أهم نتائجُ البحثِ:</span>\nيمكنُ بيانُ نتائجِ البحثِ في النقاطِ الآتية:\n١) جاء وزنُ: (تمفعل) في لغةِ العربِ؛ فقد جاءَ في حديثٍ نبوي، وأثرٍ عن أحدِ الصحابةِ - ﵃ -، إضافةً إلىَ اعتبارِ الوزنِ لدى طائفةٍ مِنْ علماءِ الصَرْفِ ومحققيه.\n٢) يشملُ مسمَّى المذهبِ في الاصطلاحِ عدّةَ أمورٍ، وهي:\n• أقوال إمامِ المذهبِ.\n• أقوال أتباعِ الإمامِ وأصحابِه التي لا تتعارضُ مع أصولِ المذهبِ، وتخريجات أربابِ المذهب على أصولِ مذهبِهم وفروعِه.\n• أصول المذهبِ.\nوالأقربُ تعريفُ المذهبِ بأنَّه: أقوالُ الإمامِ في المسائلِ الشرعيةِ الاجتهاديةِ، وما جرى مجرى قولِه، وقواعدُ الاستنباطِ التي سارَ عليها، وما خُرِّج على قولِه، أو على أصلِه.\n٣) لم يتعرضْ متقدمو الأصوليين إلى بيانِ المعنى الاصطلاحي للتمذهبِ، وكان اهتمامُ المتأخرين بتعريفِه ظاهرًا.\n٤) عُرِّفَ التمذهبُ في الاصطلاحِ بعددٍ مِن التعريفاتِ، لم يَسلمْ كثيرٌ منها مِنْ بعض الاعتراضاتِ، وقد رأيتُ تعريفَه بأنَّه التزامُ غيرِ العامي مذهبَ مجتهدٍ معيَّنٍ في الأصولِ والفروعِ، أو في أحدهما، أو انتسابُ مجتهدٍ إليه.","vol":"3","page":1487},{"text":"٥) هناك عددٌ مِن المصطلحاتِ لها علاقةٌ بمصطلحِ التمذهبِ، وهي: التقليدُ، والاجتهادُ، والاتباعُ، والتأسي، والتعصبُ، والخلافُ، والانتصارُ للمذهبِ، والصلابةُ في المذهبِ.\n٦) لا يعتبرُ المجتهدُ المستقلُّ إمامًا إلا إذا كان له أتباعٌ يسيرون على أقوالِه الأصوليةِ والفروعيةِ.\n٧) للاجتهادِ شروطٌ متعددةٌ، وقد اختلفتْ مناهجُ الأصوليين في ذكرِها، وقد جعلتُها على نوعين:\nالنوع الأول: الشروطُ المتعلقةُ بالجانبِ الشخصي للمجتهدِ.\nالنوع الثاني: الشروطُ المتعلقةُ بالجانبِ العلمي للمجتهدِ.\nوأهمُّ شروطِ النوعِ الأولِ: (الشروط المتعلقة بالجانب الشخصي للمجتهد):\n• الأول: العقلُ.\n• الثاني: البلوغُ.\n• الثالث: الإسلامُ.\n• الرابع: الملكةُ الفقهيةُ.\n٨) لا تشترطُ للوصولِ إلى مرتبةِ الاجتهادِ: الأوصافُ الآتية: العدالة، والذكورية، والحرية.\n٩) أهمُّ شروطِ النوعِ الثاني: (الشروط المتعلقة بالجانب العلمي للمجتهد):\n• الأول: معرفةُ كتابِ الله ﷾.\n• الثاني: معرفةُ السنةِ النبويةِ.\n• الثالث: معرفةُ الناسخِ والمنسوخِ.\n• الرابع: معرفةُ أسبابِ نزولِ الآياتِ، وأسبابِ ورودِ الأحاديثِ.","vol":"3","page":1488},{"text":"• الخامس: معرفةُ المسائلِ المجمعِ عليها.\n• السادس: معرفةُ علمِ أصولِ الفقهِ.\n• السابع: معرفةُ مقاصدِ الشريعةِ الإسلاميةِ.\n• الثامن: معرفةُ لسانِ العربِ.\n١٠) لا تُشترطُ لبلوغِ مرتبةِ الاجتهادِ معرفةُ العلومِ الآتية: معرفةُ علمِ الكلامِ، ومعرفةُ علمِ المنطقِ، ومعرفةُ الفروعِ الفقهيةِ.\n١١) نظرًا لانحصارِ أقوالِ أئمةِ المذاهبِ، فقد اتجه أتباعُ الأئمةِ إلى التوصّلِ إلى أحكامِ الفروعِ الفقهيةِ بطُرقٍ عدّة، وتحصّل لدي مِنْها ثمانية طُرُقٍ، وهي:\nالأول: القولُ، الثاني: المفهومُ، الثالث: الفعلُ، الرابع: السكوتُ، الخامس: التوقفُ، السادس: القياسُ على القولِ، السابع: لازمُ القولِ، الثامن: ثبوت الحديث.\n١٢) تشحُّ كتاباتُ الأصوليين في تقريرِ الطريقِ الأولِ: (القول)، باستثناءِ ما دونه علماءُ الحنابلةِ، ولعل مردّ هذا الأمر إلى بدهيةِ نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ عن طريقِ لفظِه.\n١٣) النظرُ إلى قولِ إمامِ المذهبِ مِنْ جانبين:\nالجانب الأول: ثبوتُ القولِ عن الإمامِ.\nالجانب الثاني: دلالةُ قولِ إمامِ المذهبِ.\nويثبتُ قولُ الإمام إذا وصل إلينا عن طريقِ كتابٍ ألَّفه، أو بذكرِ تلامذتِه لقولِه.\n١٤) لنقلِ التلاميذِ قولَ إمامِهم مِنْ حيثُ نسبتُه إليه تفصيل:\nفإذا اتفقَ التلاميذُ على نقلِ قولِ إمامِهم، ولم يختلفوا فيه، فالمنقولُ قولُه الذي تصحُّ نسبتُه إليه.","vol":"3","page":1489},{"text":"أما إذا حَصَلَ بين التلاميذ اختلافٌ:\n• إنْ لم ينفردْ واحدٌ منهم بالنقلِ، فمذهبُ الإمامِ لا يخرجُ عن أقوالِهم، ويبقى النظرُ في طلبِ مرجّحٍ لأحدِها.\n• إن انفردَ أحدُ التلاميذِ بقولٍ مخالفٍ لسائرهم:\n• إنْ لم يكنْ لقولِ المنفردِ دليلٌ قويٌّ، فلا يُنْسَب ما ذكره إلى إمامِ المذهبِ.\n• إنْ كان للقولِ الذي انفردَ به التلميذُ دليلٌ قويٌّ، فالمسألةُ محلُّ خلافٍ عند علماءِ الحنابلةِ، والأرجحُ: النظرُ إلى وجودِ قرينةٍ تدلُّ على تعددِ المجلس أو اتحاده:\n• فإنْ كان ثمةَ قرينةٌ ترَجِّحُ اتحادَ المجلسِ، لم يُنْسَب القولُ إلى إمامِ المذهبِ.\n• وإنْ رجَّحَت القرينةُ تعددَ المجلسِ، قبِل ما نقله التلميذُ.\n• وانْ خلا الحالُ عن القرينة نُسِبَ القولُ إلى الإمامِ، إلا إذا كان التلميذُ كثيرَ الانفرادِ.\n١٥) إذا سُئلَ إمامُ المذهب عن حكمٍ، فأجابَ بآيةٍ، أو بحديثٍ، أو بقولِ صحابي، فما دلّت عَليه الآيةُ والحديث وقولُ الصحابي، هو قولُ الإمامِ الذي يُنسبُ إليه.\n١٦) إذا سُئلَ إمامُ المذهبِ عن حكمٍ، فأجابَ بقولِ عالمٍ، وتجرَّد الحالُ عن قرينةٍ دالةٍ على اختيارِ القولِ المحكي، فالأقربُ نسبةُ القولِ الذي حكاه الإمامُ إليه.\n١٧) إذا أخبرَ التلميذُ برأي إمامِه، ولم تكنْ حكايته للرأي بنصٍّ عن إمامِه، بلْ بما فَهِمَه منه، فالأقربُ اعتبارُ حكايةِ التلميذِ في هذه الحالةِ كنصِّ الإمامِ.\n١٨) إذا فسَّرَ التلميذ قولَ إمامِه، أو ذَكَرَ له قيدًا أو مخصِّصًا له، فالحكمُ هنا","vol":"3","page":1490},{"text":"كالحكمِ فيما لو أخبرَ التلميذُ برأي إمامِه على سبيلِ الحكايةِ.\n١٩) بعد ثبوتِ النقلِ عن الإمامِ، يُنْظَرُ إلى جانبِ دلالةِ القولِ:\n• إنْ كانَ القولُ صريحًا في مدلولِه، نُسِبَ إلى إمامِ المذهبِ.\n• إنْ كان القولُ ظاهرًا في مدلولِه، ويحتملُ غيرَه، فإنَّه يُنْسَبُ المدلولُ الظاهرُ إلى الإمامِ، ويجوز تأويلُه بدليلٍ أقوى منه.\n• إنْ كان اللفظُ محتملًا لشيئين على السواءِ، فإنَّه يُنْسَبُ اللفظُ إلى الإمامِ، ويُتَوقفُ في نسبةِ المدلولِ إليه.\n٢٠) صحةُ نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ عن طريقِ مفهومِ الموافقة، أمَّا فيما يتصلُ بنسبةِ القولِ عن طريقِ مفهومِ المخالفةِ، فالمسألةُ محل خلافٍ، والأقربُ مِنْ وجهةِ نظري صحةُ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ متى ما احتفتْ به قرينةٌ تدلُّ على اختصاصِ المذكورِ بالحُكمِ، وعدمُ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على المفهومِ، إذا خلا الكلامُ عن قرينةٍ دالةٍ على اختصاصِ المذكورِ بالحُكمِ.\n٢١) في نسبةِ القولِ إلى الإمامِ عن طريقِ فعلِه خلافٌ بين العلماء، والأقربُ مِنْ وجهةِ نظري اعتبارُ القرينةِ في الفعلِ، فإن احتفتْ بالفعلِ قرينةٌ دالةٌ على أنَّ ما صَدَرَ من الإمامِ يُمَثّل رأيَه نُسِبَ إليه، وإلا فلا يُنسب.\n٢٢) لسكوتِ إمامِ المذهبِ صورتانِ:\nالصورة الأولى: أنْ يُفعلَ أمرٌ عنده، ويسكتُ عن إنكارِه، فهل يُعَدُّ سكوتُه إقرارًا منه على جوازِ الفعلِ؟\nالصورة الثانية: أنْ يُفْتِي إمامُ المذهب بحُكمٍ، ثمَّ يعترضَ عليه معترضٌ، فيسكت عن الجوابِ، فهل يُعَدُّ سَكوتُه رجوعًا عن قولِه؟\nوقد سقتُ الحديثَ في الصورتين في سياقٍ واحدٍ؛ نظرًا لتقاربِهما، وظَهَرَ لي أنَّ السكوتَ ليس بطريقٍ لإثباتِ قولِ الإمامِ في كلتا الصورتين.\n٢٣) لمعرفةِ توقّفِ إمام المذهبِ طرقٌ، منها:","vol":"3","page":1491},{"text":"• تصريحُ الإمامِ بالتوقفِ.\n• الإجابةُ التي يُفْهَمُ منها التوقف، ويُفهم التوقف بأمورٍ متعددةٍ.\n• حكايةُ تلاميذِ الإمامِ وأصحابِه أنَّه متوقفٌ.\n٢٤) إنْ كان سببُ التوقفِ تعارضَ الأدلةِ، مع عدمِ المرجّحِ، فالتوقفُ حينئذٍ قولٌ، وإنْ كان سببُ التوقفِ عدمَ النظرِ في المسألةِ ابتداءً، أو عدم استكمالِ النظرِ فيها، فلا يُعَدُّ التوقفُ حينئذٍ قولًا.\n٢٥) تباينتْ أقوالُ العلماءِ في مسألةِ: (القياس على قولِ إمام المذهبِ)، وتعددتْ وجهاتُهم فيها، والأقربُ مِنْ وجهةِ نظري صحةُ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ عن طريقِ القياسِ، إذا نصَّ على علةِ الحكمِ، وصحةُ نسبةِ القولِ إليه إذا لم ينصَّ على علةِ الحكم، ولم يُومئ إليها، لكن يُنْسَب القولُ إليه مقيَّدًا - بقولنا مثلًا: قياسُ قولِه كذا - مع ذكرِ الأصلِ المقيسِ عليه.\n٢٦) لا تصحُّ نسبةُ القولِ إلى إمام المذهب عن طريقِ النقلِ والتخريج بين قوليه.\n٢٧) المرادُ بلازمِ القولِ في مسألةِ: (نسبة القولِ إلى إمامِ المذهب): أنْ يقولَ إمامُ المذهب قولًا، ويلزم منه لازمٌ عقليٌّ، أو شرعيٌّ، أوَ عاديٌّ، فهل تصحُّ نسبةُ الَقولِ باللازمِ إلى الإمامِ في هذه الحالةِ؟\n٢٨) اختلفَ العلماءُ في نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ عن طريقِ اللازمِ، والذي يظهرُ لي أنَّ وطاةَ الخلافِ في هذه المسألة تخفُّ إذا طبقنا اللازمَ في الفروعِ الفقهيةِ؛ لانتفاءِ المفاسدِ الكبرى التي قد تترتبُ على القولِ بنسبةِ لازم القولِ إلى القائلِ، والأقربُ مِنْ وجهةِ نظري: أنَّه إذا كان اللازمُ بعيدًا، بحيثُ يغلبُ على الظنِّ غفلةُ المتكلمِ عنه، فلا يُنْسَبُ إلى إمامِ المذهبِ، وإذا كان اللازمُ غيرَ بعيد، نُسِب إليه مقيَّدًا.\n٢٩) لنسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ عن طريقِ ثبوت الحديثِ النبوي الثابتِ أربعُ صورٍ، وهي:","vol":"3","page":1492},{"text":"الصورة الأولى: إذا روى الإمامُ الحديثَ، ولم يَرُدَّه، ولم يُنْقَل عنه خلافُ ما دلَّ عليه الحديثُ.\nوقد اختلف الحنابلةُ في هذه الصورةِ، والأقربُ عندي أنَّ الأصلَ عدمُ صحةِ نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ، إلا إنْ كان هناك قرينة دالة على أنَّ ما رواه قد اختاره، كما لو بوَّب على الحديثِ مثلًا، أو صححه.\nالصورة الثانية: إذا روى الإمامُ الحديثَ، وخالفه.\nصرّح بعضُ العلماءِ بعدمِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ في هذه الصورةِ.\nالصورة الثالثة: إذا ثَبَتَ الحديثُ مِنْ غيرِ مَرْوي الإمامِ، وخالفه.\nاختلف العلماءُ في نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهب في هذه الصورةِ، والأقربُ مِنْ وجهةِ نظري عدمُ صحةِ نسبةِ القولِ إلىَ الإمامِ.\nالصورة الرابعة: إذا ثبت الحديثُ مِنْ غيرِ مَرْوي الإمامِ، ولم يُنْقَلْ عنه قولٌ بخلافِه.\nالأقرب عندي في هذه الصورة هو صحةُ نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهب، لكن مع توضيحِ ذلك، بأن يُقال: لم يَرِدْ في المسألةِ قولٌ عن الإمامَ، وقد صحَّ الحديثُ فيها، ومِنْ أصولِ الإمامِ القولُ بالحديثِ، وأَنَّه مذهبُه.\n٣٠) يعدُّ المتمذهبُ الركن الأقوى في التمذهبِ، وقد عَرّفتُه بأنَّه: الذي يلتزمُ مذهبًا معيّنًا في الأصولِ والفروعِ، أو في أحدِهما، أو مَنْ ينتسبُ إلى مذهبٍ معينٍ.\n٣١) يُشترط في المتمذهبِ شروطٌ عامةٌ، وشروطٌ خاصةٌ.\n• الشروط العامة: الأول: العقلُ، الثاني: البلوغُ، الثالث: الإسلامُ.\n• الشروط الخاصة: الأول: أنْ يكونَ متهيئًا للتمذهب، الثاني: أنْ يعرفَ مذهبَ إمامِه في الأصولِ والفروعِ، أو في أحدَهما.\n٣٢) يدخلُ المخرّجُ في طبقةٍ مِنْ طبقاتِ التمذهبِ، وهي أعلى الطبقاتِ،","vol":"3","page":1493},{"text":"ويدخل الفروعي في طبقةٍ مِنْ طبقاتِ التمذهبِ، وهي أدناها.\n٣٣) لتمذهب المجتهدِ ثلاثُ حالاتٍ:\nالحالة الأولى: أنْ ينتسبَ المجتهدُ إلى مذهب معيَّنٍ، دون أن يكونَ لهذه النسبةِ أثرٌ في اجتهادِه.\nفالأصل في هذه الحالة هو الجوازُ.\nالحالة الثانية: أنْ ينتسبَ المجتهدُ إلى مذهبٍ معيّنٍ، ويأخذَ بقولِ إمامِه في بعضِ المسائلِ على سبيلِ الاتباعِ.\nوالذي يظهرُ لي في هذه الحالةِ هو الجواز، وعدم المنعِ منها.\nالحالة الثالثة: أنْ ينتسبَ المجتهدُ إلى مذهب معيّنٍ، ويأخذَ بقولِ إمامِه في بعضِ المسائلِ على سبيلِ التقليدِ.\nيُبْنَى الحكمُ في هذه الحالة على ما حرره الأصوليون في مسألةِ: (تقليد المجتهدِ لغيرِه مِن المجتهدين)، وهي مسالةٌ خلافيةٌ، وقد رجَّحتُ فيها القولَ القائلَ بمنعِ المجتهدِ مِنْ تقليدِ غيرِه مِن المجتهدين إلا إذا تعذَّر عليه الاجتهادُ تعذرًا حقيقًا؛ لأيِّ سبب كان، إذا ظنَّ أنَّه لنْ يتوصلَ إلى رأي راجحٍ في المسألةِ، لكنْ لا بُدَّ أنْ تطمئن نفسُ المجتهدِ إلى القولِ الذي قلَّد فيه غيرَه.\n٣٤) الأقربُ أنَّ العاميَّ لا مذهبَ له، ولا يصحُّ منه التمذهب؛ لفقدِه أهليةَ معرفةِ المذهبِ.\n٣٥) التمذهبُ فرعُ الاجتهادِ، فما كان مِن المسائلِ محلًا للاجتهادِ، فهو محلٌّ للتمذهب، سواء أكان مِنْ مسائلِ الفقهِ، أم مِنْ مسائلِ أصولِ الفقهِ، ولذا قلتُ: محلُّ التمذهب هو الفقه وأصوله ممَّا لم يقمْ عليه دليلٌ قاطعٌ.\n٣٦) يشملُ محلُّ التمذهبِ أمورًا، وهي:\nأولًا: مسائلُ أصولِ الفقهِ التي لم يقمْ عليها دليلٌ قاطعٌ.","vol":"3","page":1494},{"text":"ثانيًا: مسائلُ الفقهِ التي ثبتتْ بدليلٍ نقلي ظني، وهي على ثلاثةِ أنواعٍ:\n• النوع الأول: المسائلُ الفقهيةُ التي ثبتتْ بدليلٍ ظني الثبوتِ، ظني الدلالةِ.\n• النوع الثاني: المسائلُ الفقهيةُ التي ثبتتْ بدليلٍ ظني الثبوتِ، قطعي الدلالةِ.\n• النوع الثالث: المسائلُ الفقهيةُ التي ثبتتْ بدليلٍ قطعي الثبوتِ، ظني الدلالةِ.\nثالثًا: المسائلُ التي لم يَرِدْ فيها دليلٌ نقلي أصلًا.\n٣٧) المسائلُ التي ليستْ مجالًا للتمذهبِ:\nأولًا: القواعدُ والأصولُ التي ثبتتْ بالدليلِ القاطعِ.\nثانيًا: ما عُلِمَ مِن الدِّينِ بالضرورة.\nثالثًا: المسائلُ التي ثبتتْ بالإجماعَ القاطعِ.\nرابعًا: المسائلُ الفقهيةُ التي ثبتتْ بدليلٍ قطعي الثبوتِ، قطعي الدلالةِ.\n٣٨) لمعرفةِ المذهبِ ثلاثةُ طرقٍ:\nالطريق الأول: ما صنَّفه إمامُ المذهبِ.\nالطريق الثاني: ما نقله تلاميذُ إمامِ المذهبِ، ومعاصروه.\nالطريق الثالث: ما دوّنه أربابُ المذهبِ في مؤلفاتِهم الأصولية والفقهية.\nومِن الأمورِ المهمةِ التي تتصلُ بالطريقِ الثاني: ضرورةُ انتفاءِ الشذوذِ والعلّةِ عمَّا نُقِلَ عن إمامِ المذهبِ.\nومِن الأمورِ المهمةِ التي تتصلُ بالطريقِ الثالثِ: ضرورةُ الانتباه إلى أنَّه ليس كلُّ ما دُوِّنَ في الكتب المذهبيةِ تصحُّ نسبتُه إلى إمامِ المذهب وإلى مذهبِه، فقد يُوجد فيها ما لا تسوغُ حكايتُه منسوبًا إلى المذهبِ أو إلى إمامِه.","vol":"3","page":1495},{"text":"٣٩) هناك صورٌ متعددةٌ لنقلِ المذهب يعتريها الخطأ، وقد بيّنتُ أهمَّها، وأسبابَ الوقوعِ فيها.\n٤٠) اهتمَّ أتباعُ المذاهب بتمييزِ المسائلِ المذكورةِ في مذهبِهم، واستعملوا مصطلحاتٍ في مَعانٍ خاصةٍ، وقد ذكرتُ أهمَّ المصطلحاتِ التي استعملوها.\nوالمصطلحات التي تحدثتُ عنها، هي: الروايةُ، والتنبيهُ، والقولُ، والوجهُ، والاحتمالُ، والتخريجُ، والنقل والتخريجُ، والصحيحُ، والمعروفُ، والراجحُ، وقياسُ المذهب، والمشهورُ مِن المذهبِ، وظاهرُ المذهبِ، والضعيفُ، والشاذ، والطرقُ، والإجراءُ، والتوجيه.\n٤١) تكلمتُ عن مسألةِ: (تفضيل مذهب من المذاهب) في الفقرتين الآتيتين:\nالأولى: هل يجوزُ تفضيلُ مذهبٍ على غيرِه؟\nالثانية: نماذجُ مِنْ أقوالِ بعضِ العلماءِ في تفضيلِ مذهبِهم على غيرِه.\n• مِنْ أهمِّ ما يتصلُ بالحكمِ في النقطةِ الأولى: (هل يجوز تفضيل مذهب على غيره؟):\nأولًا: إنْ كان الباعثُ على الحديثِ عن فضلِ المذهبِ ومزيتِه، التعصّبَ له، وإيجابَ التزامِه في جميعِ المسائلِ، وتحريم الخروجِ عنه، حتى ولو خالف الدليل: فإنَّه لا يجوز.\nثانيًا: إنْ كان الحديثُ عن تفضيلِ المذهب متضمّنًا الحطَّ مِنْ قدرِ أئمةِ المذاهبِ الأخرى، أو الطعنِ فيهم: فإنَّه لا يجوز.\nثالثًا: لا يُوجدُ مذهبٌ مِن المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعةِ متمحِّضٌ في الصواب ولا في الخطأ، بلْ أيّ مذهبٍ يصيب في بعضِ المسائلِ، ويخطئُ في بعضِها الآخر، وبناءً عليه: فترجيحُ مذهبٍ برُمّتِه على مذهبٍ آخر لا يخلو مِنْ كثيرٍ مِن الحيفِ.\n• في النقطة الثانية: (نماذج من أقوال بعض العلماء في تفضيل مذهبهم","vol":"3","page":1496},{"text":"على غيره)، تبيَّن أنَّ حديثَ بعضِ العلماءِ عن فضلِ مذهبِهم لم يخلُ مِن الحطِّ مِنْ أئمةِ المذاهبِ الأخرى، في حين أنَّه جاء عن بعضِ العلماءِ كلامٌ جيّدٌ حينما تحدثوا عن التفضيل بين المذاهب.\n٤٢) يمكنُ تقسيمُ التمذهبِ عدة أقسامٍ، وذلك باعتباراتٍ مختلفةٍ:\n• باعتبارِ محلِّه ينقسمُ إلى:\n* التمذهب في الأصولِ.\n* التمذهب في الفروعِ.\n* التمذهب في الأصولِ والفروعِ.\n• باعتبارِ درجةِ الالتزامِ بالمذهبِ ينقسمُ إلى:\n* التمذهب في جميعِ المسائلِ، أو أغلبِها.\n* التمذهب في كثيرِ مِن المسائلِ، أو بعضِها.\n• باعتبارِ صفةِ التمذهبِ ينقسمُ إلى:\n* التمذهب الحقيقي.\n* التمذهب الاسمي.\n• باعتبارِ معرفةِ الدليلِ ينقسمُ إلى:\n* التمذهب مع معرفةِ الدليلِ.\n* التمذهب مع عدمِ معرفةِ الدليلِ.\n٤٣) لم يُوْجَدْ قبلَ نشأةِ المذاهب الفقهيةِ تمذهبٌ بمعناه المعهود، ولا نسبةٌ مذهبيةٌ إلى أحدٍ مِن المجتهدَين.\n٤٤) وُجِدَت اللبناتُ الأُولى في طريقِ التمذهب بين تلامذةِ علماءِ الصحابةِ - ﵃ -، وقد سقتُ شاهدًا على هذا الأَمرِ مِنْ كلامِ علي ابن المديني.\n٤٥) مِنْ أهمِّ الصورِ العلميةِ الموجودةِ قبلَ وجودِ المذاهبِ الفقهيةِ وجودُ مدرستين: إحداهما تُعْنَى بالأثرِ، والأخرى تُعنى بالرأي، ولكلٍّ منهما","vol":"3","page":1497},{"text":"سماتٌ وخصائص، وقد تخرّج فيهما عددٌ مِن الأئمةِ المجتهدين، وقد ظَهَرَ أثرُ الاختلافِ المنهجي بين المدرستين في أصول المذاهبِ الفقهيةِ الناشئةِ عنهما.\n٤٦) كان هناك عدد مِن المذاهب الفقهيةِ، وقد بقي منها المذاهبُ الفقهيةُ الأربعةُ: (المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي)، وقد هيأ اللهُ تعالى لها عددًا مِن الأسبابِ التي أسهمتْ في بقائِها قرونًا عدّة إلى وقتنا الحاضرِ، ومِنْ أهمِّ هذه الأسباب:\n• التلاميذُ النجباءُ.\n• تمذهبُ الدولةِ بالمذهبِ الفقهي.\n• المدارسُ المذهبيةُ.\n• الأوقافُ على أربابِ المذهبِ.\n• تفرّقُ المذهبِ في الأقاليمِ.\n٤٧) وُجِدَ في أواخرِ القرنِ الثاني الهجري تقريبًا عددٌ مِن المتمذهبين بمذاهبِ بعضِ الأئمةِ، وقد برزتْ في القرنِ الثالثِ الهجري أسماءُ عددٍ مِن المتمذهبين المحققين، وشاعَ التمذهبُ في هذا القرنِ، وبدأَ فيه ظهورُ المناظراتِ والمجادلاتِ المذهبيةِ.\n٤٨) حلَّ التمذهبُ محلَّ الاجتهادِ المطلقِ في القرونِ التاليةِ للقرنِ الثالث الهجري، فكان غالبًا على الحياةِ العلميةِ، وبدأتْ في هذه القرونِ الكتابةُ في فقهِ الأئمةِ وأصولِهم، مع اتسامِ المؤلفاتِ بالتنظيمِ والتحقيقِ للمذهبِ، وصَاحَبَ هذا الأمر نبوغُ عددٍ مِن المتمذهبين المحققين لمذاهبِهم.\n٤٩) ممَّا بَرَزَ في القرونِ التاليةِ للقرنِ الثالث الهجري إلى نهايةِ القرنِ السابعِ الهجري:\n• نضوجُ الكتابةِ في علمِ أصولِ الفقهِ، وتحريرُ مسائلِه، ونضوجُ الاتجاهين الرئيسين فيه.","vol":"3","page":1498},{"text":"• قيامُ عددٍ مِن المتمذهبين بأعمالٍ علميةٍ مذهبيةٍ، ومِنْ أهمِّها:\n* القيامُ ببيانِ عِلَلِ الأحكامِ التي استنبطها إمامُ المذهبِ.\n* القيامُ بالترجيحِ بين الآراءِ المختلفةِ في المذهبِ.\n* القيامُ بالانتصارِ للمذهبِ.\n• شيوعُ دراسةِ النوازلِ عن طريقِ الاجتهادِ المذهبي المقيّدِ.\n• القولُ بإقفالِ بابِ الاجتهادِ في الشريعةِ الإسلاميةِ.\n• شيوعُ التعصبِ المذهبي بين عددٍ مِن المتمذهبين.\n• وجودُ العلماءِ الذين بيّنوا خطرَ التقليدِ المذهبي، وحذّروا منه.\n٥٠) لم يختلف الحالُ كثيرًا بعد انسلاخِ القرنِ السابعِ الهجري، بلْ زادَ تمسّكُ المتمذهبين بمذاهبِهم، فلا يحيدُ أكثرُهم عنها، وتمكّنتْ روحُ التقليدِ المذهبي الصرفِ بين صفوفِهم، ومع ذلك، فقد وُجِدَ عددٌ مِن العلماءِ المحققين لمذاهبِهم العارفين بأدلتِها، وممَّا ظَهَرَ جليًّا في القرونِ التاليةِ للقرنِ السابعِ إلى منتصف القرنِ الرابع عشر الهجري تقريبًا:\n• انتشارُ المختصراتِ المذهبيةِ ذاتِ التعقيداتِ اللفظيةِ.\n• شيوعُ الكتبِ ذاتِ التطبيقاتِ الفقهيةِ، والتي عُرِفَتْ باسمِ: كتبِ الفتاوى.\n• استمرارُ انتشارِ التعصّبِ المذهبي بين عددٍ مِنْ أربابِ المذاهبِ.\n• وجودُ عددٍ مِن العلماءِ الذين بيّنوا خطرَ التقليدِ المذهبي.\n• ظهورُ بعضِ الدعواتِ في العالمِ الإسلامي، التي ينادي كثيرٌ منها بالعودةِ إلى الكتابِ والسنةِ.\n٥١) استمرَّ الحالُ الذي كان طاغيًا على الحياةِ العلميةِ في القرونِ السابقةِ على الحالةِ العلميةِ في غالب سنين القرنِ الرابع عشر الهجري، ثمَّ بدأَ انحسارُ الصبغةِ المذهبيةِ القاتمةِ، والتعصبِ المذهبي عن الحياةِ العلميةِ","vol":"3","page":1499},{"text":"بعد منتصفِ القرنِ الرابع عشر الهجري تقريبًا، وتَبِعَ ذلك وجودُ المجامعِ والمحافلِ العلميةِ التي تُمَارس الاجتهاد الجماعي، إضافةً إلى وجودِ الكتب المذهبيةِ بكافَّةِ ألوانِها مطبوعةً، مع خدمةِ عددٍ منها على أُسسٍ علميةٍ.\n٥٢) وُجِدَ بعد منتصف القرن الرابع عشر الهجري، وفي القرنِ الخامس عشر الهجري عددٌ مِن العلماءِ الذين حاربوا التمذهبَ، وقد تباينوا في هذا الأمرِ، فمنهم مِنْ حارب التقليدَ المذهبيَّ، ومنهم من حارب التمذهبَ بصورةٍ عامةٍ.\n٥٣) لمسألةِ: (تقليدِ المجتهدِ الميتِ) علاقةٌ واضحةٌ بمسألةِ: (حكم التمذهب)، وقد نصَّ بعضُ العلماءِ على تفريعِ مسألةِ حكم التمذهبِ على مسألةِ تقليدِ الميتِ.\n٥٤) اختلف الأصوليون في مسألةِ: (تقليد المجتهد الميت) على أقوال عدة، وقد ظَهَرَ لي أنَّ القولَ الراجحَ في المسألةِ هو جواز تقليدِ المجتهدِ الميت.\n٥٥) تحدثتُ عن مسألةِ: (التمذهب بمذهب الصحابي والتابعي)، وقد تبيّنَ لي مِنْ خلالِ النظرِ فيها، وتأمّلها أنَّ العلماءَ متفقون على عدمِ وجوبِ التمذهبِ بمذهبِ الصحابي والتابعي.\nوتَرِدُ مسألةُ: (التمذهب بقول الصحابي) عند القائلين بعدمِ حجيةِ قولِ الصحابي.\n٥٦) اختلف العلماءُ في مسألةِ: (التمذهب بمذهب الصحابي والتابعي) على قولين، ومِنْ أبرزِ الأدلةِ التي جاءتْ في سياقِ المسألةِ، وكان له مناقشاتٌ متعددةٌ، دليلُ الإجماعِ الذي حكاه إمامُ الحرمين الجويني، فقد حكى إجماعَ المحققين على منعِ غيرِ المجتهدين مِنْ أخذ أقوالِ الصحابةِ - ﵃ -، وقد انتهيتُ في المسألةِ إلى القولِ بجوازِ التمذهبِ بمذهبِ الصحابي والتابعي مِنْ جهةِ التنظيرِ، ويبقى النظرُ في إمكانِه، والظاهر عدمُ إمكانِ التمذهبِ إلا بمشقةٍ بالغةٍ.","vol":"3","page":1500},{"text":"٥٧) تُعَدُّ مسألةُ: (التمذهب بأحد المذاهب الأربعة المشهورة) كبرى المسائلِ التي دار فيها حديثٌ وجدلٌ كبيرين بين العلماءِ قديمًا وحديثًا، وحينما بحثتُ المسألةَ ظَهَرتْ لي عدّةُ أمورٍ، مِنْ أهمَّها:\n• لا خلافَ بين العلماءِ في قبولِ وجودِ المذاهبِ الفقهيةِ الأربعةِ.\n• اتفق العلماءُ المجيزون للتمذهب على أن المتمذهبَ المتأهلَ إذا خالف مذهبَه، وخَرَجَ عنه؛ لرَجحانِ غيرِه مِن المذاهبِ، فقد أحسن.\n• مِنْ خلالِ تأمّلِ المسألةِ تبيّنَ لي أن خلافَ العلماءِ فيها واردٌ على ثلاثِ صورٍ:\nالصورة الأولى: التزامُ المتمذهبِ بمذهبِ إمامِه، واكتفاؤه به، بحيثُ لا يخرج عنه، أو التزامه بمذهبِه، مع عدمِ معرفتِه بدليلِه.\nالصورة الثاني: إعراضُ المتمذهبِ المتاهلِ عن النظرِ في الأدلةِ.\nالصورة الثالثة: التزامُ المتمذهبِ بالمذهبِ مع مخالفتِه للدليلِ.\n• مِنْ أبرزِ العلماءِ الذين جاء عنهم كلامٌ في التمذهب: ابنُ حزمٍ، وابنُ عبد البر، وتقيُّ الدين بنُ تيمية، وابنُ القيم - وقد تبعهم كثيرٌ مِن العلماءِ المتأخرين والمعاصرين - وقد حررتُ أقوالَهم في المسألة، وخلاصةُ الأمر أنَّهم حاربوا التقليدَ المذهبي، أي: التمذهبُ دون معرفةِ دليلِ المذهبِ.\n• اختلفَ العلماءُ مِن المتقدمين والمتأخرين والمعاصرين في مسألةِ:\n(التمذهب بأحد المذاهب الأربعة المشهورة)، وقد استدلَّ كلُّ فريقٍ بأدلةٍ متعددةٍ، وقد ذكرتُ طَرَفًا منها، وانتهيتُ في الترجيحِ إلى تفصيلٍ طويلٍ في المسألةِ، وخلاصته أنَّ التمذهبَ جائزٌ في الجملةِ، وأنَّ وطأةَ الخصومةِ والنزاعِ بين المجوزين أو الموجبين للتمذهبِ، والمانعين منه تخفُّ في المسائل التي لم يَرِدْ فيها نصٌّ مِن الشارعِ.","vol":"3","page":1501},{"text":"• للخلافِ في المسألةِ عدّةُ أسبابٍ، وقد ظَهَرَ أثرُه في نشوءِ مسألةٍ أخرى، وهي: (الانتقالُ عن المذهبِ).\n٥٨) تحدثتُ عن مسألةِ: (حكم التمذهبِ بغيرِ المذاهبِ الأربعةِ)، وقد جَعَلتُ التمذهبَ بالمذاهب على ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: التمذهبُ بمذهبٍ مندثرٍ.\nالقسم الثاني: التمذهبُ بالمذهبِ الظاهري.\nالقسم الثالث: التمذهبُ بمذهبٍ فقهي لإحدى الفرقِ المبتدعةِ.\n• فيما يتصلُ بالقسمِ الأولِ: (التمذهب بمذهب مندثر)، بيّنتُ حكمَ هذا القسم، ومِنْ أهمِّ ما توصلتُ إليه: أن تقريرَ الحُكمِ فيه لا يختلف عن تقريرِه في مسألةِ: (التمذهب بمذهب الصحابي والتابعي)، وأنَّ الأَولى عدمُ التمذهبِ بمذهبٍ مندثرٍ.\n• فيما يتصل بالقسم الثاني: (التمذهب بالمذهب الظاهري)، فإنَّ بعضَ الباحثين يعدُّ المذهبَ الظاهري مِن المذاهبِ المندثرةِ، لكنني آثرتُ الحديثَ عنه في قسمٍ مستقلٍّ؛ لتميّزِه عن سائرِ المذاهبِ بتدوينِ أصولِه وفروعِه، وانفرادِه ببعضِ اللآراءِ الأصوليةِ، ولوجودِ بعضِ الأفرادِ الذين ينتسبون إليه، وقد بينتُ أنَّ التمذهبَ به يعني: التزامَ أصولِه، مع القناعةِ برجحانها عن حُجِّةٍ وبُرهانٍ، ثم تطبيق هذه الأصولِ على الفروعِ الفقهيةِ، سواء أوافقَ علماءَ المذهبِ الظاهري، أم خالفهم، أمَّا التزامُ المذهبِ الظاهري في أصولِه وفروعِه، وعدمُ الخروجِ عنه، في الجملة - وقد يصحب الالتزامَ معرفةُ الدليل في بعضِ المسائل - فإنَّ أصولَ المذهب الظاهري تردُّ هذا الالتزام.\nوقد بيّنتُ صعوبةَ القولِ بمنعِ التمذهبِ بالمذهبِ الظاهري، مع أنَّ الأَولى ترك التمذهبِ به؛ لعددٍ مِن الاعتباراتِ.\n• فيما يتصلُ بالقسمِ الثالثِ: (التمذهب بمذهب فقهي لإحدى الفرق","vol":"3","page":1502},{"text":"المبتدعة)، فإنَّ الفرقَ المنتسبة إلى البدعةِ تختلفُ في مدى تغلغلِ البدعةِ فيها:\n* فإن كانت بدعةُ المذهب مكفرةً، فلا يجوزُ التمذهبُ به.\n* وإنْ كانت بدعةُ المذهبِ غيرَ مكفّرةٍ، فإنَّ الأقربَ مِنْ وجهةِ نظري هو المنعُ مِن التمذهبِ به، لعددٍ من الاعتبارات، علمًا أنني لم أقفْ - فيما رجعتُ إليه من مصادر - على من نصَّ على حُكمِ التمذهبِ في القسمِ الثالثِ؛ ولعلَّ السبب في هذا الأمرِ عائدٌ إلى أنَّ اهتمامَ العلماءِ منصبٌّ على الردِّ على عقائد المبتدعةِ المنحرفةِ، وفي هذا غُنْيَةٌ عن الحديثِ عن حكمِ التمذهب بمذاهبِهم الفقهيةِ؛ لأنَّه إذا بَطَلَتْ آراءُ المذهبِ العقديةِ، فبطلانُ آرائِه الفقيهة والأصولية تبَعٌ.\n٥٩) كان لبعضِ أهلِ العلمِ مِن المتقدمين والمتأخرين جهودٌ في بيانِ طبقاتِ العلماءِ والمفتين، ومِنْ ضمنِها طبقاتُ المتمذهبين، ومِنْ أهمِّ مَنْ ذكر الطبقاتِ مِن متقدمي أهلِ العلم: ابنُ الصلاح، وابنُ حمدان، وابنُ القيم، وابنُ كمال باشا.\n٦٠) كان لتقسيمِ ابنِ كمال باشا وقفاتٌ مِنْ بعضِ أهلِ العلمِ، ولا سيما مِنْ علماءِ المذهبِ الحنفي، فكان منهم المؤيّدُ، ومنهم المعارضُ المنتقد له.\n٦١) مِنْ أهمِّ مَنْ ذَكَرَ طبقاتِ المتمذهبين مِن العلماء المتأخرين: شاه ولي الله الدهلوي، والشيخ محمد أبو زهرة، والدكتور محمد الفرفور.\n٦٢) أرى أن أبرزَ مَنْ ذَكَرَ الطبقاتِ السابقة: ابنُ الصلاح، وابنُ كمال باشا - إذ أثرهما على مَنْ جاءَ بعدهما واضحٌ - وهما يسيران في اتجاهين متقاربين، وقد أجريتُ موازنةً بين ما ذكراه من طبقات.\n٦٣) بعدَ التأمّلِ فيما ذُكِرَ في بابِ الطبقاتِ انتهيتُ إلى تقسيمِ المتمذهبين إلى أربعِ طبقات، وهي:","vol":"3","page":1503},{"text":"الطبقة الأولى: المجتهدُ المطلقُ المنتسبُ إلى مذهب معيّنن.\nالطبقة الثانية: المجتهدُ المقيّدُ في مذهبِ إمامٍ معيّنٍ.\nالطبقة الثالثة: مجتهدُ الترجيحِ.\nالطبقة الرابعة: حافظُ المذهبِ.\n٦٤) مبنى التمذهب على التزامِ مذهبِ إمامٍ بعينِه، وقد يحصل انتقالٌ عن المذهبِ بالكليةِ، أو خروجٌ عنه في بعضِ المسائلِ.\n٦٥) قد يصلُ المتمذهبُ إلى درجةِ الاجتهادِ المطلقِ في الشريعةِ الإسلاميةِ، لكنْ هل له أنْ يدَّعي بلوغَ درجةِ الاجتهادِ المستقلِّ، بحيثُ يمسي مجتهدًا مستقلًا بأصولِه وفروعِه؟ وقد بينتُ الحُكمَ بما خلاصتُه:\n• إذا لم تجتمعْ في المتمذهبِ شروطُ الاجتهادِ، فليس له ادّعاءُ بلوغِه.\n• إذا اجتمعت شروطُ الاجتهادِ فيه، وادّعى أنَّه مجتهدٌ مستقلٌّ بالاجتهادِ، فلهذه الدعوى صورتان:\nالصورة الأولى: أنْ يكوِّن لنفسِه أصولًا وقواعدَ يسير عليها مخالفةً لما استقرتْ عليه أصولُ المذاهب.\nوالذي يظهر لي في هذه الصورة المنعُ منها، وعدمُ جوازها.\nالصورة الثانية: أنْ لا يكوِّن لنفسِه أصولًا وقواعد مخالفة لما استقرّتْ عليه أصولُ المذاهب، بلْ يسيرُ على الأصولِ المدوّنةِ، لكنَّه يأخذُ بما ترجَّح عنده مِن الأصولِ، دونَ التزامِ أصولِ مذهب معيّنٍ.\nوالذي يظهرُ لي في هذه الصورةِ الجواز، بشرط: أنْ لا يدَّعي لنفسِه مذهبًا قائمًا بأصولِه وقواعدِه الخاصةِ.\n٦٦) إذا اجتمعتْ شروطُ الاجتهادِ في المتمذهبِ، ورأى من نفسِه أنَّه مجتهدٌ مطلقٌ منتسبٌ إلى مذهب إمامِه، فالواجبُ عليه تركُ التمذهب والذهابُ إلى الاجتهادِ في الأحكامِ.\n٦٧) قد يرى بعضُ المتمذهبين تركَ مذهبِه بالكلية، والانتقالَ عنه إلى","vol":"3","page":1504},{"text":"التمذهب بمذهبٍ آخر، والأصل في هذا الأمر هو الجوازُ والإباحةُ، ويختلفَ الحكمَ مدحًا أو ذمًّا بالنَّظرِ إلى غَرَضِ المتمذهبِ في انتقاله:\n• إنْ كان الغرضُ دنيويًا فالانتقالُ مذمومٌ.\n• إنْ كان الغرضُ دينيًا فالانتقالُ ممدوحٌ.\n٦٨) قد يخرجُ التمذهبُ عن مذهبِه في بعضِ المسائلِ، ولا يكون ثمة ارتباطٌ بينها، وقد يخرجُ عن مذهبِه في مسائلَ بينها ارتباطٌ، وقد يكون خروجُه عن المذهبِ على سبيلِ تتبعِ الرخصِ.\n٦٩) إنْ كان الخروجُ عن المذهبِ في مسائل لا يوجد ارتباطٌ بينها، فخروجُه محلُّ خلافٍ، والأقربُ مِن وجهةِ نظري القولُ بالجوازِ، إذا اطمأنّتْ نفسُ المتمذهبِ إلى القولِ الذي ذَهَبَ إليه، وخلا الخروجُ عن قصدِ التلهي والهوى.\n٧٠) إنْ كان خروجُ المتمذهبِ عن مذهبِه بقصدِ الترخصِ بالرُّخصِ المذهبيةِ، فهذا ما يُسمّى بـ (تتبع الرخص)، وقد اهتمَّ كثيرٌ مِن المتأخرين والمعاصرين بالحديثِ عنه، وتعددت تعريفاتُهم له، وغالبُها يسيرُ في اتجاهٍ متقاربٍ، وقد اخترتُ تعريفه بـ: أنْ يأخذَ المكلَّفُ فيما يقعُ له من المسائلِ بأخًفِّ الأقوالِ.\n٧١) اختلف العلماءُ في حكمِ تتبعِ الرخصِ على أقاويلَ كثيرةٍ، وقد بينتُ ضرورةَ التفريقِ بين حالةِ مَنْ يتتبع الرخص دائمًا، دون مسوّغٍ ولا حاجةٍ، وحالةِ مَنْ يأخذُ بالرخصةِ عند وجودِ ما يدعو إلى الأخذِ بها، والأقربُ أنَّ تتبعَ الرخصِ محرّمٌ، والخلافُ في المسألةِ خلافٌ معنوي، ويظهرُ أثرُه في الحكمِ بفسقِ متتبعِ الرحْصِ.\n٧٢) إن كان خروجُ المتمذهب عن مذهبِه في مسائل بينها ارتباطٌ، فهذا ما يسمى بـ (التلفيق بين المذَاهب)، ولقد اهتمَّ كثيرٌ مِن العلماءِ المتأخرين والمعاصرين بالحديثِ عن التلفيقِ، وتعددتْ تعريفاتُهم له، وقد اخترتُ تعريفَه بأنَّه: تركيبُ كيفيةٍ في مسألةٍ واحدةٍ، ذات فروع مترابطةٍ، أو في","vol":"3","page":1505},{"text":"مسألتين لهما حُكمِ المسألةِ الواحدةِ، مِنْ قولِ مجتهدَيْنِ أو أكثر، بحيثُ لا يقولُ بصحتِها أحدٌ مِن المجتهدين.\n٧٣) للتلفيق أقسام ثلاثة، وهي:\nالقسم الأول: التلفيقُ في الاجتهادِ.\nالقسم الثاني: التلفيقُ في التقليدِ.\nالقسم الثالث: التلفيقُ في التقنينِ.\n٧٤) يُبنى الحكمُ في القسم الأول: (التلفيق في الاجتهاد) على ما ذكره الأصوليون في مسألة: إحداث قولٍ ثالث.\n٧٥) اختلف العلماءُ في القسم الثاني: (التلفيق في التقليد) على عدةِ أقوال، وقد حُكِي في أدلةِ القائلين بالمنعِ مِن التلفيقِ الإجماعُ على منعِه، وقد بينتُ بُعْدَ إمكانيةِ انعقادِ الإجماعِ، واحتمالَ إرادةِ مَنْ حكاه إجماع الإمامين على القولِ ببطلانِ ما صَدَرَ عن الملفِّق، والأقربُ في حكم القسم الثاني من وجهة نظري:\n• بالنسبةِ للعامي يصعبُ القولُ بمنعِه من التلفيقِ، وإبطالُ عبادتِه بسببِ وقوعِه فيه.\n• بالنسبةِ للمتمذهبِ: إنْ ترجَّح له ما ذَهَبَ إليه، فالقولُ في هذه الحالةِ كالقولِ في التلفيقِ في الاجتهادِ، وإنْ قَارَنَ تلفيقَه تتبعٌ للرخص، فله حكمُ مسألةِ: (تتبع الرخص)، وإنْ خلا التلفيق عمَّا سَبَقَ، فإنْ وَقَعَ فيه عن غيرِ قصدٍ، فلا حَرجَ عليه، وإنْ قَصَدَه فالأحوط تركُه؛ خروجًا مِن الخلافِ.\n٧٦) اهتمَّ كثيرٌ مِن المعاصرين بالحديثِ عن القسمِ الثالثِ: (التلفيق في التقنين)، الذي يُقصدُ به: تخيّر وليُّ الأمرِ مِنْ أحكامِ مختلفِ المذاهبِ الفقهيةِ المعتبرةِ مجموعةً مِن الأحكامِ؛ لتكون قانونًا يُقضى وبُفتى به بين مَنْ يخضعون له، بحيثُ يأخذُ أحكامَ القانون مِنْ عدّةِ مذاهب على وجهٍ يترتب عليه التلفيقُ بين أقوالِ المجتهدين في مسألةٍ واحدةٍ.","vol":"3","page":1506},{"text":"ومجملُ القولِ في حكمِ التلفيقِ في القسم الثالث، أنَّه لا يخرج عن القسمينِ الأولينِ: (التلفيقِ في الاجتهادِ)، و(التلفيقِ في التقليدِ)، ويكون النظرُ في المسألةِ إلى المقنّن، أهو من المجتهدين، أم مِن المقلدين؟\n• إنْ كان مِن المجتهدين أَخَذَ حكمَ مسألةِ: (التلفيق في الاجتهاد).\n• إنْ كان مِن المقلدين أَخَذَ حكمَ مسألةِ: (التلفيق في التقليد).\n٧٧) لا يخلو مذهبٌ مِن المذاهبِ الفقهيةِ مِن الوقوعِ في مخالفةِ دليلٍ مِن الأدلةِ الشرعيةِ، ولا سيما دليل السنة النبوية، فإذا كان المذهبُ على خلافِ ما دلَّ الحديثُ النبويُّ عليه، فهلْ يأخذُ المتمذهبُ بالحديثُ؟\nاختلف العلماءُ في المسألةِ على كدةِ أقوال، وقد فصّلتُ القولَ في الترجيحِ، وقد بينتُ ضرورةَ إلاهتمامِ بالنظرِ إلى ثبوتِ صحةِ الحديثِ، وعدمِ الغفلةِ عن أحكامِ متقدمي المحدثين على الأحاديثِ، ولا سيما حين يُضَعّفون حديثًا ظاهرُ إسنادِه الصحةُ؛ لعلّةِ خَفئةٍ، ثمَّ يأتي مَنْ يُصحح الحديثَ بالنظرِ في إسنادِه غافلًا عمَّا أُعلَّ الحديثُ به، وذكرتُ أيضًا ضرورةَ الانتباهِ إلى معرفةِ درجةِ الزيادةِ في متونِ الأحاديثِ، وضرورة الانتباه إلى بعضِ المتساهلين في تصحيحِ الأحاديثِ الضعيفةِ، ولا سيما إنْ كان في متنها شيءٌ مِن الشذوذِ والنكارةِ.\n٧٨) قد يصادفُ المتمذهبُ في بعضِ الأوقاتِ وجودَ أكثر مِنْ قولٍ لإمامِه في مسألةٍ واحدةٍ، فيحتاجُ إلى الترجيحِ بينها، ولقيامِه به جعلتُ الترجيحَ على قسمين:\nالقسم الأولى: الترجيحُ بين قولي إمامِ المذهبِ اللذينِ قالهما في وقتٍ واحدٍ.\nالقسم الثانية: الترجيحُ بين قولي إمامِ المذهبِ اللذينِ قالهما في وقتين.\nوتحتَ هذين القسمين حالاتٌ، وتحت الحالاتِ صورٌ وتفصيلاتٌ،","vol":"3","page":1507},{"text":"وبمراعاة ما ذكرتُه فيها يتحقق للمتمذهب غلبةُ الظنِّ بأنَّه أَخَذَ بقولِ إمامِه الذي استقر رأيه عليه.\n٧٩) يتصلُ بما سَبَقَ الحديثُ عن مسألتينِ مهمتينِ اهتمَّ بهما عددٌ من الأصوليين، وللخلاف فيها آثارٌ في عدة مسائل، وهما:\nالمسألة الأولى: إذا جاءَ عن إمامِ المذهب قولانِ مختلفانِ، وقد عُلِمَ المتأخرُ منهما مِن المتقدمِ، فهل يُنْسَبُ إليهَ القولُ المتقدمُ؟\nاختلفَ العلماءُ في المسألةِ، وتعددت أقوالهم وأدلتُهم فيها، وقد ظَهَرَ لي أنَّ الإمامَ إذا صرَّح بالرجوع، أو عُلِمَ رجوعُه، فلا ينسب إليه القولُ المتقدِّمُ قطعًا، أمَّا إذا لم يصرِّحْ بالرجوع، ولم يُعْلَم رجوعُه، فالظاهرُ رجوعُه عن قولِه المتقدِّمِ.\nالمسألة الثانية: إذا جاءَ عن إمامِ المذهب قولانِ مختلفانِ، ولم يُعلم المتقدّمُ منهما مِن القولِ المتأخر، فما القول الذي ينسبُ إلى إمام المذهبِ في هذه الحالةِ؟\nاختلف العلماءُ في المسألةِ، وتعددتْ أقوالُهم وأدلتُهم فيها، وقد ظَهَرَ لي أنَّه مِنْ جهةِ نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ: فإنَّ الأرجحَ هو اعتقادُ نسبةِ أحدِ القولين إليه، ورجوعِه عن القولِ الآخر، دونَ تعيينِ أحدِهما، أمَّا مِنْ جهةِ عملِ المتمذهبِ: فالأقربُ أنَّه يأخذُ بالقولِ الأشبهِ بأصولِ مذهبِه وقواعدِه.\n٨٠) لمعرفةِ رجوعِ إمامِ المذهبِ عن قولِه عدةُ طرق، منها:\n• تصريحُ الإمامِ نفسِه برجوعِه عن قولِه.\n• ما ينقلُه تلاميذُ الإمامِ وأصحابُه مِنْ رجوعِ إمامِهم عن قولِه.\n• ما يقرره أصحابُ المذهبِ المحققون فيه أن إمامَهم قد رَجَعَ عن قولِه.\n• إذا تعارضَ قولُ لإمامِ المذهبِ مع قولٍ آخر، وعُلِمَ القولُ المتأخر منهما، فالمتقدِّم مرجوعٌ عنه.","vol":"3","page":1508},{"text":"٨١) إذا ثَبَتَ عند التمذهبِ رجوعُ إمامِه عن قولِه، فهل له أخذ القولِ المرجوعِ عنه في هذه الحالةِ؟\nلا يخلو الأمرُ من حالتين:\nالحالة الأولى: أنْ تكونَ المسألة بعد رجوعِ الإمامِ عن قولِه وفاقيةً.\nالحالة الثانية: أنْ تكونَ المسألةُ بعد رجوعِ الإمامِ عن قوله خلافيةً.\nوالذي يظهر لي في الحالة الأولى: (أنْ تكون المسألةُ بعد رجوعِ الإمامِ عن قولِه وفاقيةً) هو عدمُ جوازِ أخذِ قولِ الإمامِ المرجوعِ عنه.\nأمَّا في الحالة الثانية: (أنْ تكون المسألةُ بعد رجوعِ الإمامِ عن قولِه خلافيةً):\n* إنْ ترجّحَ للتمذهبِ قولُ إمامِه المرجوع عنه، فالظاهرُ جوازُ أخذِه، إنْ لم أقلْ بالوجوبِ.\n* إذا كان أَخْذُ المتمذهبِ للقولِ المرجوع عنه بناءً على أنَّه مذهبُ إمامِه، فالظاهرُ عدمُ الجوازِ.\n٨٢) يُعْتَدُّ بقولِ المتمذهبِ في الإجماعِ على المسائلِ الأصوليةِ إذا كان أصوليًا عارفًا بالأصولِ، أمَّا إذا كان المتمذهبُ غيرَ عارفٍ بأصولِ الفقه، أو كان في معرفتِه ضعف، فلا يُعْتَدُّ بقولِه في هذه الحالةِ.\n٨٣) يُعْتَدُّ بقولِ المتمذهبِ في الإجماعِ على المسائلِ الفقهيةِ في الحالات الآتية:\n• إذا كان المتمذهبُ أصوليًا ذا مهارةٍ وبَصَرٍ بالفقهِ.\n• إذا كان المتمذهبُ مِنْ طبقةِ المخرِّجين.\n• إذا كان المتمذهبُ مِنْ طبقةِ مجتهدي الترجيح، وتحققَ له في المسألةِ محلِّ النظرِ وصفُ الاجتهادِ المذهبي المقيّدِ.\n٨٤) قد يقفُ المتمذهبُ في بعضِ المسائلِ الأصوليةِ أو الفقهيةِ على اختلافٍ في مذهبِه بين إمامِه، وأحدِ الأصحاب:","vol":"3","page":1509},{"text":"• فإنْ كان قولُ الصاحب غيرَ سائرِ على أصولِ المذهب، وأرادَ المتمذهبُ أخذَه، فله حَكمُ مسألةِ: (الخروج عن المذهب).\n• إنْ كان القولُ سائرًا على أصولِ المذهب، فالأصلُ في هذا المقامِ هو قولُ إمامِ المذهبِ، ويسوغ الأخذُ بقولِ الصاحبِ لمقتضِ.\n٨٥) إذا وَقَعَ اختلافٌ بين المتمذهبين في تعيينِ المذهبِ:\n• فإنْ كان المتمذهبُ متمكنًا مِن الترجيحِ المذهبي بنفسِه، فإنَّه يُبيّنُ الاختلافَ في المذهبِ، ثمَّ المعوّل على ما ترجّحَ عنده.\n• وإنْ لم يكنْ متمكنًا مِن الترجيحِ، فعليه الاعتمادُ على ما يرجّحه شيوخُ مذهبِه مِن أربابِ درجةِ الاجتهادِ المذهبي المقيّدِ، وأربابِ درجةِ مجتهدي الترجيحِ، فإنْ كان ثمة اختلافٌ بين المرجحين في تعيينِ المذهبِ، فهناك عددٌ من المرجحات، منها: الترجيحُ بالكثرةِ، ولا سيما إنْ كانوا مِن المحققين للأقوالِ المذهبيةِ، والترجيحُ بزيادةِ العلم، والترجيحُ بموافقةِ أكثرِ المذاهبِ المتبوعةِ.\n٨٦) مِن المهائم التي تولاها عددٌ مِن المتمذهبين القيامُ بإفتاءِ الناسِ في أمورِهم وما يعرضُ لهم، وقد بيّنتُ خلافَ العلماءِ في مسألة: (إفتاء المتمذهب بمذهبه)، وقد ترجَّحَ عندي جوازُ إفتاءِ مجتهدِ المذهبِ بمذهبِه، ولمجتهدِ الترجيحِ (مجتهد الفتيا) الإفتاءُ بمذهبِه الذي ترجّحَ لديه، أمَّا حافظُ المذهبِ، فله الإفتاءُ فيما نصَّ إمامُه على حكمِه إذا لم يُوْجَد غيرُه، وليس له الإفتاءُ فيما لم يقفْ لإمامِه على نصٍّ فيه.\n٨٧) تتصلُ مسألةُ: (الإفتاء بقولٍ ضعيف في المذهب) بمسألةِ: (الإفتاء بالمذهب)، ولذا تحدثتُ عنها، وبينتُ أنَّ الأصلَ في الإفتاءِ أنْ يكونَ بالمذهبِ المعتمدِ أو الصحيحِ، ولا يصحُّ الإفتاءُ بالقولِ الضعيفِ دونَ مسوّغٍ، وإذا كان سؤالُ المستفتي عن المذهبِ أو قولِ إمامِه، لم يسغْ إفتاؤه بالقولِ المذهبي الضعيفِ، وقد بينتُ عددًا مِن الضوابطِ لجوازِ الإفتاءِ بالقولِ الضعيفِ في بعضِ الحالات، وهي:","vol":"3","page":1510},{"text":"• أنْ يكونَ المفتي بالقولِ الضعيفِ عارفًا بالمذهبِ ومآخذِه، بارعًا فيه.\n• أنْ لا يكونَ القولُ في نفسِه قولًا شاذًّا لم يقلْ به أحدٌ مِن العلماءِ المعتبرين، ولا ضعيفًا ضعفًا شديدًا في المذهبِ.\n• أنْ تكون هناك ضرورةٌ، أو حاجةٌ داعيةٌ إلى الإفتاءِ بالقولِ الضعيفِ، أو مصلحةٌ راجحةٌ تترتب على الإفتاءِ به.\n• أنْ لا يَنْسِبَ المتمذهبُ القولَ الذي أفتى به إلى إمامِه.\n٨٨) يسوغُ للمتمذهب أنْ يُفْتِي بغيرِ مذهبِه إذا ترجّحَ لديه، مع إعلامِه السائل بقولِ الإمامِ، أمَّا إنْ أفتى بغيرِ مذهبِه؛ لسهولتِه ويسرِه، فالذي يظهر لي في حكمِ المسألةِ هو المنعُ وعدمُ الجواز، وإنْ أفتى بغيرِ مذهبِه؛ لأنَّه أحوط، فالظاهرُ الجوازُ، إنْ لم يقع المستفتي في حرجٍ ومشقةٍ، مع إعلامِه المستفتي بمذهبِ الإمامِ.\n٨٩) اعتمدَ كثيرٌ مِن المتمذهبين عند دراسةِ النوازلِ على تخريجِ حكمِها على أصولِ المذهبِ وقواعدِه، وتخريجِ حكمِها على فروعِ المذهبِ.\n٩٠) المقصودُ بتخريجِ حكمِ النازلةِ: أنْ يُبَيّنَ المتمذهبُ حكمَ النازلةِ التي لم ينصّ إمامُه عليه بإلحاقِها بقاعدةٍ مِنْ قواعدِ المذهبِ، أو بإلحاقها بما يشبهها مِنْ فروعِه.\n٩١) يفتقرُ تخريجُ حكمِ النازلةِ على أصولِ المذهبِ، وفروعِه إلى أمرين مهمّين:\n• الأمر الأول: صحةُ نسبةِ الأصلِ إلى إمامِ المذهب أو إلى مذهبِه (فإنْ كان التخريجُ على فروعِ المذهب، فلا بُدَّ أَنْ يكون الفرعُ المخرَّجُ عليه ثابتَ النسبةِ إلى إمامِ المذهبِ أو إلى مذهبِه).\n• الأمر الثاني: أنْ يُوْجَدَ في مذهب الإمامِ مجتهدون مقيَّدون بمذهبِه، يسيرون على طريقتِه، ولديهم قدرَةٌ على التخريجِ والإلحاقِ.\n٩٢) هناك حاجةٌ قائمةٌ لوجودِ المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعة؛ إذ ما فيها مِنْ","vol":"3","page":1511},{"text":"أقوال يُمَثّلُ فقه الشريعة وأصولها، ولأن التفقه عن طريقِها مِنْ سُبلِ التفقه في دين الله تعالى، ولئلا يأتي الناظرُ في المسائلِ الخلافيةِ بقولٍ آخرَ يخرمُ به إجماعَ مَنْ سَبَقَه.\n٩٣) للتمذهبِ آثارٌ إيجابيةٌ متعددةٌ، ومِنْ أهمِّها:\n• ظهورُ المناظراتِ والمساجلاتِ الفقهيةِ والأصوليةِ بين أربابِ المذاهب المختلفةِ؛ بُغْيَةَ الاستدلالِ للمذهب والانتصارِ له بإبرازِ أدلتِه.\n• ازدهارُ النشاطِ التأليفي في مختلفِ الموضوعاتِ المتعلقة بالفقهِ وأصولِه، وقد كان النشاطُ التأليفي في فنون متعددة، منها:\n* التأليفُ في الفقهِ المذهبي.\n* التأليفُ في الألغازِ والأحاجي والمطارحاتِ الفقهيةِ.\n* التأليفُ في أصولِ المذهبِ.\n* التأليفُ في قواعد المذهبِ الفقهيةِ وضوابطه.\n* التأليفُ في بيانِ أدلةِ المذهب.\n* التاليف في الردودِ على مخالفي المذهب.\n* التأليفُ في مناقبِ إمامِ المذهبِ.\n* التأليف في طبقاتِ علماءِ المذهبِ.\n• تجنبُ الآراءِ الشاذّةِ.\n• الإلمامُ الشمولي بالمسائلِ الأصوليةِ، والفقهيةِ.\n• دعمُ سبيلِ الارتقاءِ إلى مقامِ الاجتهادِ.\n• تجنبُ التناقضِ في الاختيارِ بين الأقوالِ.\n• بروزُ فنِّ الفروقِ الفقهيةِ، والأشباهِ والنظائرِ.\n٩٤) لم يكنْ تطبيقُ التمذهبِ عند بعضِ المتمذهبين على الوجهِ الصحيحِ، فترتب على تمذهبِهم عددٌ من الآثارِ السلبيةِ، وظَهَرَ لي أنَّ مِنْ أهمِّها:","vol":"3","page":1512},{"text":"• ظهورُ التعصبِ المذهبي بين أربابِ المذاهبِ المختلفةِ، ومِنْ صورِه:\n* الإعراضُ عن الاستدلالِ بالكتابِ والسنةِ الثابتةِ.\n* ردُّ دلالةِ الآياتِ والأحاديثِ الثابتةِ، والتكلّف في ذلك.\n* الانتصارُ للمذهبِ بالأحاديثِ الواهيةِ.\n* الاستدلالُ بالحديثِ متى ما وافق المذهبَ ومخالفةُ الحديثِ نفسِه في حكمٍ آخر دلَّ عليه؛ لمخالفتِه المذهب.\n• دعوى غلقِ بابِ الاجتهادِ، ومحاربةِ مَنْ يدّعيه.\n• ظهورُ الحيلِ الفقهيةِ.\n• عدمُ الاطلاعِ على ما لدى المذاهبِ الأخرى.\n٩٥) كان لظهورِ الآثارِ السلبيةِ عددٌ من الأسبابِ، مِنْ أهمِّها:\n• الغُلوّ في تعظيمِ أئمةِ المذاهب.\n• اعتقادُ عدمِ خفاءِ شيءٍ مِن الأدلةِ على إمامِ المذهبِ.\n• اتباعُ الهوى.\n• التعصبُ للمذهب.\n• المناظراتُ والجدلُ.\n• الإلفُ والاعتيادُ على مذهبٍ فقهيٍّ واحدٍ.\n• الخشيةُ مِنْ وقوعِ الناسِ في تتبعِ الرخص، والتلفيقِ بين المذاهب.\n• الأوقافُ على المذاهبِ الفقهيةِ.\n• الوقوعُ في ردّةِ الفعلِ.\n• الضعفُ العلمي.\n• الكسلُ والرغبةُ في الراحةِ.","vol":"3","page":1513},{"text":"٩٦) قدمتُ عددًا مِن المقترحات لعلاجِ آثارِ التمذهبِ السلبيةِ، والمقترحاتُ هي:\n• الاهتمامُ بالكتبِ المذهبيةِ البعيدة عن التعصب، والتي تُعْنَى بالاستدلالِ.\n• الاطلاع على بقيةِ المذاهبِ المتبوعةِ، ومعرفةُ أقوالِ السلف.\n• التقاءُ علماءِ المذاهبِ الفقهيةِ لدراسةِ ما يُهِمُّ المسلمين.\n• تربيةُ المتمذهبِ على احترامِ المذاهبِ وأهلِها.\n• العنايةُ بالتخصصِ العلمي.\n• العنايةُ بطرقِ التعليم.\n٩٧) قدَّم بعضُ المعارضين للتمذهب مشروعًا يقترحُ فيه توحيدَ المذاهبِ المتبوعة في مذهبٍ واحدٍ، وأهمُّ ما وقفتُ عليه: ما ذكره الشيخُ محمدٌ الباني، وما ذكره الأستاذُ محمدٌ عيد عباسي.\n٩٨) كان المشروعُ الذي ذكره الأستاذ محمد عيد عباسي أنضجَ ممَّنْ قبله، وقد وجّهتُ إليه شيئًا مِن النقدِ الدالِّ على عدم صلاحيته، وبيّنتُ ضرورة الانتباه إلى أنَّ نقدَ المشروعِ لا يعني بحالٍ انتقاد مَنْ يدعو إلى تعظيمِ الأدلةِ، والعملِ بها، فهذا شيءٌ، والمشروع المقترح شيءٌ آخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>ثانيًا: التوصيات:</span>\n١) تحريرُ أقوالِ أئمةِ المذاهبِ، والإمام أحمد بن حنبل على وجهِ الخصوصِ، وذلك بدراسةِ ما جاءَ عنهم مِنْ أقوال، وبيان دلالتِها على الأحكامِ في ضوءِ درجةِ الألفاظِ التي يستعملونها، مع مقارنتِها بما قرره علماءُ المذهبِ.\n٢) ضرورةُ تفقدِ أربابِ كلِّ مذهبٍ ما في مذهبِهم مِنْ أقوال ورواياتٍ، والعناية ببيانِ الأقوالِ الضعيفةِ والشاذةِ فيه، وضرورة تمييز أقوال الإمام المنصوصة مِن أقوالِه المخرّجةِ، وتمييز أقوالِه عن أقوالِ أربابِ مذهبِه.","vol":"3","page":1514},{"text":"٣) قيامُ أربابِ كلِّ مذهبٍ بمشروعٍ علمي يقومُ على بيانِ أدلةِ المذهبِ تفصيلًا في الفقه وأصوله - من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وبقية الأدلة مما يُعَدُّ دليلًا في أصولِ المذهبِ - والإجابة عمَّا قد يَرِدُ عليها من اعتراضات، ولا سيما إذا كان المذهبُ يعاني مِنْ قِلّةِ ذكرِ الأدلةِ في مدوناتِه المذهبيةِ.\n٤) قيامُ دراسةٍ علميةٍ تبيّنُ أثرَ أقوالِ الصحابة - ﵃ - والتابعين في آراء الأئمةِ الأربعةِ وأقوالهم.\n٥) قيامُ دراسةٍ علميةٍ تُعنى بدراسةِ المصطلحاتِ الأصوليةِ مِنْ حيثُ بيانُ المعنى الذي قُصِد بها عبر القرون، فقد يكون للمصطلح معنى في زمنٍ يختلف عن معناه في زمنٍ آخر.\n٦) قيامُ دراسةٍ علميةٍ عن التجديدِ الأصولي والفقهي وأحكامِه.\nوفي الختامِ أسألُ اللهَ تعالى أنْ ينفعني بهذا العملِ، وأن يجعلَه خالصًا لوجهِه الكريمِ ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ (^١)، وأتقدم بالدعاءِ والشكرِ لكلِّ مَنْ أسدى إليَّ معروفًا، ولا سيما شيخي الفاضل الأستاذ الدكتور فهد بن محمد السدحان، المشرف على البحث.\nوآخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٢)، وصلى الله على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم.\nد. خالد بن مساعد بن محمد الرويتع\n* * *\n_________\n(^١) من الآية (١٩) من سورة النمل.\n(^٢) من الآية (١٠) من سورة يونس.","vol":"3","page":1515},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>قائمة المصادر والمراجع </span>(^١)\nأ/ الكتب:\nحرف الألف\n١ - الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير للحافظ أبي عبد الله الحسين بن إبراهيم الجوزجاني (ت: ٥٤٣ هـ)، تحقيق: عبد الرحمن الفريوائي، الناشر: دار الصميعي للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الثالثة، ١٤١٥ هـ.\n٢ - الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة (الكتاب الأول: الإيمان) للإمام أبي عبد الله عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري الحنبلي (ت: ٣٨٧ هـ)، تحقيق: رضا معطي، الناشر: دار الراية للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الثانية، ١٤١٥ هـ.\n٣ - الابتهاج في اصطلاح المنهاج للعلامة أحمد بن أبي بكر بن سميط العلوي الحضرمي الشافعي (ت: ١٣٤٣ هـ)، مطبوع مع مقدمة تحقيق النجم الوهاج للدميري.\n٤ - أبجد العلوم للعلامة صديق بن حسن القنوجي (١٣٠٧ هـ)، الناشر: دار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n٥ - الأبحاث المسددة في فنون متعددة للشيخ صالح بن المهدي بن علي المقبلي (ت: ١١٠٨ هـ)، عني به: الوليد عبد الرحمن الربيعي، الناشر: مكتبة الجيل الجديد بصنعاء، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٦ - أبحاث معاصرة في الفقه الإسلامي وأصوله - دراسات مقارنة للدكتور محمد خالد منصور، الناشر: دار عمار للنشر والتوزيع بالأردن، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n_________\n(^١) في حال إغفالي ذكر بعض معلومات المصدر كتاريخ الطبعة ومكانها، فلعدم جودها فيه.","vol":"3","page":1517},{"text":"٧ - إبطال الحيل للإمام أبي عبد الله عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري الحنبلي (ت: ٣٨٧ هـ)، تحقيق: الدكتور سليمان العمير، الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع بمكة المكرمة، الطبعة الثانية ١٤٢٨ هـ.\n٨ - ابن باديس - حياته وآثاره جمع ودراسة الدكتور عمار الطالبي، الناشر: دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ.\n٩ - ابن تيمية حياته وعصره - آراؤه وفقهه للشيخ محمد بن أحمد أبو زهرة (ت: ١٣٩٤ هـ)، الناشر: دار الفكر العربي بالقاهرة، ١٤٢٠ هـ.\n١٠ - ابن حزم حياته وعصره - آراؤه وفقهه للشيخ محمد بن أحمد أبو زهرة (ت: ١٣٩٤ هـ)، الناشر: دار الفكر العربي بالقاهرة، ١٤٢٥ هـ.\n١١ - ابن حزم خلال ألف عام، جمع وتحقيق: أبي عبد الرحمن بن عقيل الظاهري، الناشر: دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٢ هـ.\n١٢ - ابن حنبل حياته وعصره - آراؤه وفقهه للشيخ محمد بن أحمد أبو زهرة (ت: ١٣٩٤ هـ)، الناشر: دار الفكر العربي بالقاهرة.\n١٣ - ابن رشد وعلوم الشريعة الإسلامية للدكتور حمادي العبيدي، الناشر: دار الفكر العربي ببيروت، الطبعة الأولى، ١٩٩١ م.\n١٤ - ابن عابدبن وأثره في الفقه الإسلامي - دراسة مقارنة بالقانون للدكتور محمد عبد اللطيف صالح الفرفور، الناشر: دار البشائر بسورية، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n١٥ - الإبهاج في شرح المنهاج لتقي الدين بن السبكي (ت: ٧٥٦)، ولتاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي (ت: ٧٧١ هـ)، تحقيق: الدكتور أحمد جمال الزمزمي، والدكتور نور الدين صغيري، الناشر: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث بالإمارات العربية المتحدة، دبي، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n١٦ - أبو حنيفة حياته وعصره - آراؤه وفقهه للشيخ محمد بن أحمد أبو زهرة (ت: ١٣٩٤ هـ)، الناشر: دار الفكر العربي بالقاهرة، ١٩٩١ م.\n١٧ - أبو حنيفة وأصحابه المحدثون للشيخ ظفر أحمد العثماني التهانوي (ت: ١٣٩٤ هـ)، الناشر: إدارة القرآن والعلوم الإسلامية بكراتشي، الطبعة الثالثة، ١٤١٤ هـ.","vol":"3","page":1518},{"text":"١٨ - الاتباع للقاضي ابن أبي العز الحنفي (ت: ٧٩٢ هـ)، تحقيق: محمد عطا الله حنيف والدكتور عاصم بن عبد الله القريوتي، الناشر: عالم الكتب ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ.\n١٩ - الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث - نشأة المدرسة الفقهية للمحدثين وأصولها واتجاهاتها للدكتور عبد المجيد محمود عبد المجيد، الناشر: دار الفكر بالأردن، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٢٠ - إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين للعلامة محمد بن محمد الحسيني الزبيدي الشهير بمرتضى (ت: ١٢٠٥ هـ)، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ببيروت.\n٢١ - إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة للحافظ أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ)، تحقيق: عبد القدوس محمد نذير وآخرين، الناشر: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية بالتعاون مع الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n٢٢ - الإتقان في علوم القرآن للعلامة جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت: ٩١١ هـ)، تحقيق: مركز الدراسات القرآنية، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة النبوية، الطبعة الأولى.\n٢٣ - آثار اختلاف الفقهاء في الشريعة لأحمد بن محمد الأنصاري، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\n٢٤ - أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة الفقهاء لمحمد عوامة، الطبعة الرابعة، ١٤١٨ هـ.\n٢٥ - أثر العرف في التشريع الإسلامي للدكتور السيد صالح عوض، الناشر: دار الكتاب الجامعي بالقاهرة.\n٢٦ - أثر العرف في تغير الفتوى لجمال كركار، الناشر: الشركة الجزائرية اللبنانية بالجزائر ودار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ.\n٢٧ - إجابة السائل شرح بغية الآمل للعلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني","vol":"3","page":1519},{"text":"(ت: ١١٨٢ هـ)، تحقيق: حسين السياغي، والدكتور حسن الأهدل، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، ومكتبة الجيل الجديد بصنعاء، الطبعة الثانية، ١٤٠٨ هـ.\n٢٨ - اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (ت: ٧٥١ هـ)، تحقيق: الدكتور عواد المعتق، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n٢٩ - الاجتهاد الجماعي في التشريع الإسلامي للدكتور عبد المجيد السوسوة الشرفي، كتاب الأمة عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر، العدد: ٦٢، ذو القعدة ١٤١٨ هـ السنة السابعة عشرة، الطبعة الأولى.\n٣٠ - الاجتهاد الجماعي ودور المجامع الفقهية في تطبيقه للدكتور شعبان محمد إسماعيل، الناشر: دار البشائر الإسلامية ببيروت، ودار الصابوني بسورية، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n٣١ - اجتهاد الخلفاء الراشدين الأربعة فيما لا نص فيه وأثره في اختلاف الفقهاء - دراسة وتحليل لمحمود علي العبيدي، الناشر: دار الزمان للنشر والتوزيع بالمدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n٣٢ - اجتهاد الرسول - ﷺ - وصحابته الكرام لأمل بنت عباس جار، الناشر: دار المحمدي بجدة، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n٣٣ - اجتهاد الصحابة (بحث في أصول الفقه وتاريخ التشريع) لمحمد معاذ بن مصطفى الخن، الناشر: دار الأعلام بالأردن، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n٣٤ - الاجتهاد الفقهي أيّ دور وأي جديد، مجموعة بحوث نسق بينها محمد الروقي، الناشر: جامعة محمد الخامس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، الطبعة الأولى، ١٩٩٦ م.\n٣٥ - الاجتهاد بتحقيق المناط في الفقه الإسلامي لعبد الرحمن الزايدي، الناشر: دار الحديث بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n٣٦ - الاجتهاد بين مسوغات الانقطاع وضوابط الاستمرار للدكتور محمد الأمين ولد محمد سالم بن الشيخ، الناشر: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث بالإمارات العربية المتحدة، دبي، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.","vol":"3","page":1520},{"text":"٣٧ - الاجتهاد في الشريعة الإسلامية (يحوي بحثين للشيخ عبد الوهاب خلاف (ت: ١٣٧٥ هـ)، الأول: الاجتهاد والتقليد والتعارض والترجيح، والثاني: الاجتهاد بالرأي) تحقيق: عبد الحليم إبراهيم عبد الحليم، الناشر: دار الفكر العربي بالقاهرة، ١٤٢٨ هـ.\n٣٨ - الاجتهاد في الشريعة الإسلامية للدكتور محمد فوزي فيض الله، الناشر: مكتبة دار التراث بالكويت، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ.\n٣٩ - الاجتهاد في الشريعة الإسلامية مع نظرات تحليلية في الاجتهاد المعاصر للدكتور يوسف القرضاوي، الناشر: دار الأرقم بالكويت، الطبعة الثالثة، ١٤٢٠ هـ.\n٤٠ - الاجتهاد في الفقه الإسلامي ضوابطه ومستقبله للأستاذ عبد السلام السليماني، الناشر: وزارة الاوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، ١٤١٧ هـ.\n٤١ - الاجتهاد فيما لا نص فيه - عرض وتحليل للاجتهاد والقياس والأدلة المختلف فيها للدكتور الطيب خضري السيد (ت: ١٤٠٥ هـ)، الناشر: مكتبة الحرمين بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ.\n٤٢ - الاجتهاد والتقليد عند الإمام الشاطبي للباحث وليد بن فهد الودعان، رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في أصول الفقه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، قسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض، إشراف الدكتور عبد العزيز بن عبد الرحمن المشعل، العام الجامعي (١٤٢٠ هـ).\n٤٣ - الاجتهاد والتقليد في الإسلام للدكتورة نادية شريف العمري، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n٤٤ - الاجتهاد والتقليد في الشريعة الإسلامية للدكتور محمد الدسوقي، الناشر: دار الثقافة بالدوحة، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n٤٥ - الاجتهاد والتقليد والفتوى عند شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - جمعًا وتوثيقًا ودراسةً للباحثة ريم بنت مسفر الشردان، رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في أصول الفقه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، قسم","vol":"3","page":1521},{"text":"أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض، إشراف الدكتور سعد بن ناصر الشثري، العام الجامعي (١٤٢٤ هـ).\n٤٦ - الاجتهاد والمجتهدون وضرورة العمل بمذاهب الأئمة الأربعة وخطر اللامذهبية الضالة، إخراج الأستاذ أحمد عز الدين البيانوني، الناشر: مكتبة الشباب المسلم بحلب، الطبعة الأولى، ١٣٨٨ هـ.\n٤٧ - الاجتهاد وضوابطه عند الإمام الشاطبي (دراسة مقارنة) للدكتور عمار بن ناصح علوان، الناشر: دار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n٤٨ - الاجتهاد وطبقات مجتهدي الشافعية للدكتور محمد حسن هيتو، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ.\n٤٩ - الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه في هذا العصر للدكتور سيد محمد موسى \"توانا\" الأفغانستاني، الناشر: دار الكتب الحديثة بالقاهرة.\n٥٠ - الاجتهاد ومقتضيات العصر لمحمد هشام الأيوبي، الناشر: دار الفكر بالأردن.\n٥١ - الأجزاء الحديثية للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد (ت: ١٤٢٩ هـ)، الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ،\n٥٢ - الإجماع (حقيقته - أركانه - شروطه - إمكانه - حجيته - بعض أحكامه) للدكتور يعقوب بن عبد الوهاب الباحسين، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ.\n٥٣ - الإجماع للإمام أبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري (ت: ٣١٨ هـ)، تحقيق: الدكتور أبو حماد صغير حنيف، الناشر: مكتبة الفرقان بعجمان، الطبعة الثانية، ١٤٢٠ هـ.\n٥٤ - إجمال الأصابة في أقوال الصحابة للعلامة أبي سعيد خليل بن كيكلدي صلاح الدين العلائي الشافعي (ت: ٧٦١ هـ)، تحقيق: محمد بن سليمان الأشقر، الناشر: جمعية إحياء التراث الإسلامي بالكويت، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n٥٥ - الآحاد والمثاني لأحمد بن عمر ابن أبي عاصم (ت: ٢٨٧ هـ)، تحقيق:","vol":"3","page":1522},{"text":"الدكتور باسم بن فيصل الجوابرة، الناشر: دار الراية بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ.\n٥٦ - الإحاطة في أخبار كرناطة للسان الدين ابن الخطيب (ت: ٧٧٦ هـ)، تحقيق: محمد عبد الله عنان، الناشر: مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الرابعة، ١٤٢٤ هـ.\n٥٧ - إحكام الفصول في أحكام الأصول للعلامة أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي (ت: ٤٧٤ هـ)، تحقيق: عبد المجيد تركي، الناشر: دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n٥٨ - أحكام القرآن للإمام أبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص (ت: ٣٧٠ هـ)، تحقيق: محمد الصادق قمحاوي، الناشر: دار إحياء التراث العربي ببيروت، ١٤٠٥ هـ.\n٥٩ - أحكام القرآن للعلامة أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي (ت: ٥٤٣ هـ)، تحقيق: علي البجاوي، الناشر: دار إحياء الكتب العربية، الطبعة الأولى، ١٣٧٧ هـ.\n٦٠ - الأحكام الوسطى من حديث النبي - ﷺ - للحافظ أبي محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الإشبيلي (ت: ٥٨١ هـ)، تحقيق: حمدي السلفي وصبحي السامرائي، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\n٦١ - الإحكام في أصول الأحكام لسيف الدين أبي الحسن علي بن محمد الآمدي (ت: ٦٣٠ هـ)، علق عليه: الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الناشر: مؤسسة النور، الطبعة الأولى، ١٣٨٧ هـ.\n٦٢ - الإحكام في أصول الأحكام للعلامة أبي محمد علي بن حزم الظاهري (ت: ٤٥٧ هـ)، قدم له: إحسان عباس، الناشر: دار الآفاق الجديدة ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ.\n٦٣ - الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام لشهاب الدين أبي العباس أحمد بن إدريس القرافي (ت: ٦٨٤ هـ)، اعتنى به: عبد الفتاح أبو غدة، الناشر: مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب، الطبعة الثانية، ١٤١٦ هـ.","vol":"3","page":1523},{"text":"٦٤ - إحياء علوم الدين للعلامة أبي حامد محمد بن محمد الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ)، الناشر: دار الكتاب العربي.\n٦٥ - إخاء أربعين سنة لأمير البيان شكيب أرسلان (ت: ١٣٦٦ هـ)، الناشر: دار أضواء السلف بالرياض، مصورة عن طبعة ابن زيدون بدمشق، ١٣٥٦ هـ.\n٦٦ - أخبار أصبهان للحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني (ت: ٤٣٠ هـ)، الناشر: دار الكتاب الإسلامي.\n٦٧ - الأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية للعلامة علاء الدين أبي الحسن علي بن محمد بن عباس البعلي الدمشقي الحنبلي، المعروف بابن اللحام (ت: ٨٠٣ هـ)، تحقيق: أحمد بن محمد الخليل، الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n٦٨ - أخبار القضاة لوكيع محمد بن خلف بن حيان (ت: ٣٠٦ هـ)، الناشر: عالم الكتب ببيروت، الطبعة الأولى.\n٦٩ - اختصار علوم الحديث للحافظ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت: ٧٧٤ هـ)، تحقيق: علي حسن عبد الحميد، الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\n٧٠ - الاختلاف الفقهي في المذهب المالكي، مصطلحاته وأسبابه لعبد العزيز بن صالح الخليفي، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n٧١ - اختلاف المفتين والموقف المطلوب تجاهه من عموم المسلمين (مؤصلًا من أدلة الوحيين) لحاتم بن عارف العوني، الناشر: دار الصميعي للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ.\n٧٢ - الاختيار لتعليل المختار لعبد الله بن محمود بن مورود الموصلي (ت: ٦٨٣ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية ببيروت.\n٧٣ - آداب البحث والمناظرة للشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ)، تحقيق: سعود بن عبد العزيز العريفي، الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع بمكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.","vol":"3","page":1524},{"text":"٧٤ - آداب الشافعي ومناقبه للإمام أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس الحنظلي الرازي (ت: ٣٢٧ هـ)، تحقيق: الشيخ عبد الغني عبد الخالق، الناشر: مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الثالثة، ١٤٢١ هـ.\n٧٥ - الآداب الشرعية والمنح المرعية لشمس الدين محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي (ت: ٧٦٣ هـ)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وعمر القيام، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الرابعة ١٤٢٦ هـ.\n٧٦ - أدب الاختلاف في مسائل العلم والدين لمحمد عوامة، الناشر: دار البشائر الإسلامية ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٨ هـ.\n٧٧ - أدب الإملاء والاستملاء للحافظ أبي سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني (ت: ٥٦٢ هـ)، تحقيق: أحمد محمد محمود، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n٧٨ - أدب الدنيا والدين للعلامة أبي الحسن علي بن محمد الماوردي الشافعي (ت: ٤٥٠ هـ)، تحقيق: ياسين محمد السواس، الناشر: دار بن كثير للطباعة والنشر بدمشق، الطبعة الثالثة، ١٤٢٣ هـ.\n٧٩ - أدب الطلب ومنتهى الأرب للعلامة محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ)، تحقيق: عبد الله السريحي، الناشر: دار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n٨٠ - أدب القاضي للعلامة أبي الحسن علي بن محمد الماوردي الشافعي (ت: ٤٥٠ هـ)، تحقيق: محيي هلال السرحان، الناشر: مطبعة الإرشاد بغداد، ١٣٩١ هـ.\n٨١ - أدب القضاء لشهاب الدين أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الله الهمداني الحموي، المعروف بابن أبي الدم (ت: ٦٤٢ هـ)، تحقيق: الدكتور محيي هلال سرحان، الناشر: وزاة الأوقاف والشؤون الدينية بالجمهورية العراقية، إحياء التراث الإسلامي، ١٤٠٤ هـ.\n٨٢ - أدب المفتي والمستفتي للعلامة تقي الدين أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري المعروف بابن الصلاح (ت: ٦٤٣ هـ)، تحقيق: الدكتور موفق","vol":"3","page":1525},{"text":"ابن عبد الله عبد القادر، الناشر: مكتبة العلوم والحكم بالمدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n٨٣ - الأدب المفرد للإمام محمد بن إسماعيل البخاري (ت: ٢٥٦ هـ)، خرّج أحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار البشائر الإسلامية ببيروت، الطبعة الرابعة، ١٤١٧ هـ.\n٨٤ - أدوات النظر الاجتهادي المنشود في ضوء الواقع المعاصر للدكتور قطب سانو، الناشر: دار الفكر المعاصر ببيروت، ودار الفكر بسورية، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٨٥ - آراء ابن بري التصريفية - جمعًا ودراسة للدكتور فراج بن ناصر الحمد، الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، عمادة البحث العلمي، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n٨٦ - الأربعون النووبة للإمام أبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت: ٦٧٦ هـ)، مطبوعة مع جامع العلوم والحكم لابن رجب.\n٨٧ - ارتشاف الضرب من لسان العرب للعلامة أبي حيان محمد بن يوسف التوحيدي (ت: ٧٤٥ هـ)، تحقيق: الدكتور رجب عثمان محمد، الناشر: مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n٨٨ - إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب لياقوت الحموي الرومي (ت: ٦٢٦ هـ)، تحقيق: الدكتور إحسان عباس، الناشر: دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الأولى، ١٩٩٣ هـ.\n٨٩ - إرشاد الطالبين إلى المنهج القويم (كتاب في مناقب الإمام الشافعي) لفخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ)، تحقيق: الدكتور أحمد حجازي السقا، الناشر: المكتبة الأزهرية للتراث بالقاهرة، الطبعة الأولى، ٢٠٠٨ م.\n٩٠ - إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول للعلامة محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ)، تحقيق: سامي بن العربي الأثري، الناشر: دار الفضيلة بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٩١ - إرشاد المقلدين عند اختلاف المجتهدين للشيخ باب بن الشيخ سيدي","vol":"3","page":1526},{"text":"الشنقيطي (ت: ١٣٤٢ هـ)، تحقيق: الطيب بن عمر بن الحسين الجكني، الناشر: دار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n٩٢ - إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد للعلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني (ت: ١١٨٢ هـ)، تحقيق: صلاح الدين مقبول أحمد، الناشر: الدار السلفية بالكويت، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n٩٣ - إرشاد أهل الملة إلى إثبات الأهلة للشيخ محمد بخيت المطيعي (ت: ١٣٥٤ هـ)، اعتنى به: حسن أحمد أسبر، الناشر: دار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٩٤ - الإرشاد للخليل بن عبد الله بن أحمد الخليلي (ت: ٤٤٦ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد إدريس، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، ١٤٠٩ هـ.\n٩٥ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل للشيخ محمد ناصر الدين الألباني (ت: ١٤٢٠ هـ)، الناشر: المكتب الإسلامي بدمشق، الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ.\n٩٦ - أزهار الرياض في أخبار عياض لشهاب الدين أحمد بن محمد المقري التلمساني (ت: ١٠٤١ هـ)، الناشر: صندوق إحياء التراث الإسلامي المشترك بين المملكة المغربية والإمارات العربية المتحدة.\n٩٧ - أساس البلاغة للعلامة جار الله أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري (ت: ٥٣٨ هـ)، الناشر: دار صادر ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\n٩٨ - أسباب اختلاف الفقهاء في الأحكام الشرعية للدكتور مصطفى إبراهيم الزلمي، الناشر: الدار العربية للطباعة بالعراق، الطبعة الأولى، ١٣٩٦ هـ.\n٩٩ - أسباب اختلاف الفقهاء للشيخ علي الخفيف (ت: ١٣٩٨ هـ)، الناشر: دار الفكر العربي بالقاهرة، الطبعة الثانية، ١٤١٦ هـ.\n١٠٠ - الاستحسان: حقيقته - أنواعه - حجيته - تطبيقاته المعاصرة للدكتور يعقوب بن عبد الوهاب الباحسين، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ\n١٠١ - الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه","vol":"3","page":1527},{"text":"الموطأ من معاني الرأى والآثار وشرح ذلك كله بالإيجاز والاختصار للعلامة أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر (ت: ٤٦٣ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد المعطي قلعجي، الناشر: دار الوعي بحلب، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ، ورجعت أيضًا إلى النسخة التي حققها الدكتور عبد الله التركي، مطبوعة مع التمهيد (وأشير إليها بقولي: ضمن موسوعة شروح الموطأ).\n١٠٢ - الاستعداد لرتبة الاجتهاد لمحمد بن علي بن الخطيب المعروف بابن نور الدين (ت: ٨٢٥ هـ)، تحمْيق: الدكتور ملاطف مالك، والدكتور محمد بركات، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n١٠٣ - الاستغناء في الفرق والاستثناء لمحمد بن أبي سليمان البكري (من علماء القرن الثامن)، تحقيق: الدكتور سعود بن مسعد الثبيتي، الناشر: جامعة أم القرى، مركز إحياء التراث الإسلامي بمكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n١٠٤ - الاستقامة لابي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (ت: ٧٢٨ هـ)، تحقيق: محمد رشاد سالم، الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة الثانية، ١٤١١ هـ.\n١٠٥ - الاستقراء وأثره في القواعد الأصولية والفقهية - دراسة نظرية تطبيقية للطيب السنوسي أحمد، الناشر: دار التدمرية بالرياض، الطبعة الثانية، ١٤٢٩ هـ.\n١٠٦ - الاستيعاب في معرفة الأصحاب للعلامة أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر (ت: ٤٦٣ هـ)، تصحيح: عادل مرشد، الناشر: دار الأعلام، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n١٠٧ - أسد الغابة في معرفة الصحابة لأبي الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم المعروف بابن الأثير (ت: ٦٣٠ هـ)، الناشر: دار إحياء التراث العربي ببيروت.\n١٠٨ - أسماء الله وصفاته التي دل عليها كتاب الله سبحانه للحافظ أبي بكر أحمد","vol":"3","page":1528},{"text":"ابن الحسين البيهقي (ت: ٤٥٨ هـ)، تحقيق: محمد محب الدين أبو زيد، الناشر: مكتبة الوعي الإسلامية للتحقيق والنشر بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ.\n١٠٩ - أسنى المطالب شرح روض الطالب للعلامة أبي يحيى زكريا الأنصاري الشافعي (ت: ٩٢٦ هـ)، الناشر: المكتبة الإسلامية لصاحبها رياض الشيخ.\n١١٠ - الإشارة في معرفة الأصول والوجازة في معنى الدليل للعلامة أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي (ت: ٤٧٤ هـ)، تحقيق: محمد علي فركوس، الناشر: دار البشائر الإسلامية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\n١١١ - الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان للعلامة زين العابدين بن إبراهيم بن نجيم الحنفي (ت: ٩٧٠ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\n١١٢ - الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية للعلامة جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت: ٩١١ هـ)، تحقيق: محمد تامر وحافظ عاشور، الناشر: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n١١٣ - الأشباه والنظائر لسراج الدين أبي حفص سراج الدين عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بابن الملقن (ت: ٨٠٤ هـ)، تحقيق: حمد بن عبد العزيز الخضيري، الناشر: إدارة القرآن والعلوم الإسلامية بكراتشي، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n١١٤ - الأشباه والنظائر للعلامة تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي (ت: ٧٧١ هـ)، تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي معوض، الناشر: دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ.\n١١٥ - الأشباه والنظائر لمحمد بن عمر بن مكي بن عبد الصمد المعروف بابن الوكيل (ت: ٧١٦ هـ)، تحقيق: الأستاذ الدكتور أحمد العنقري، والدكتور عادل الشيوخ، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.","vol":"3","page":1529},{"text":"١١٦ - الإشراف على نكت مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي المالكي (ت: ٤٢٢ هـ)، مقدمة محققه: الحبيب بن طاهر، الناشر: دار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n١١٧ - أشرف علي التهانوي - حكيم الأمة وشيخ مشايخ العصر في الهند لمحمد رحمة الله الندوي، الناشر: دار القلم بدمشق، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n١١٨ - الإصابة في تمييز الصحابة للحافظ أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ)، تحقيق: علي البجاوي، الناشر: دار الجيل ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\n١١٩ - اصطلاح المذهب عند المالكية للدكتور محمد إبراهيم أحمد علي، الناشر: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث بالإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n١٢٠ - أصول الإفتاء لمحمد تقي العثماني، مطبوع مع شرحه: المصباح في رسم المفتي.\n١٢١ - أصول البزدوي للشيخ أبي الحسن علي بن محمد البزدوي الملقب بفخر الإسلام (ت: ٤٨٢ هـ)، مطبوع مع شرحه: كشف الأسرار للبخاري.\n١٢٢ - أصول التشريع الإسلامي للشيخ علي حسب الله، الناشر: دار الفكر العربي بالقاهرة، الطبعة السادسة، ١٤٠٢ هـ.\n١٢٣ - الأصول التي عليها مدار فروع الحنفية للعلامة أبي الحسن عبيد الله الكرخي (ت: ٣٤٠ هـ)، الناشر: مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الثانية، ١٤١٥ هـ.\n١٢٤ - أصول الجدل والمناظرة في الكتاب والسنة للدكتور حمد بن إبراهيم العثمان، الناشر: دار ابن حزم ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤٢٥ هـ.\n١٢٥ - أصول السرخسي لشمس الأئمة أبي بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي (ت: ٤٩٠ هـ)، تحقيق: أبي الوفا الأفغاني، الناشر: دار المعرفة ببيروت.\n١٢٦ - أصول الفتوى للدكتور علي عباس الحكمي، الناشر: المكتبة المكية بمكة المكرمة، ومؤسسة الريان ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤٢٢ هـ.","vol":"3","page":1530},{"text":"١٢٧ - أصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكى للدكتور محمد رياض، الناشر: مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء، الطبعة الثالثة، ١٤٢٣ هـ.\n١٢٨ - أصول الفتيا في الفقه على مذهب الإمام مالك لمحمد بن حارث الخشني (ت: ٣٦١ هـ)، تحقيق: محمد المجذوب، والدكتور محمد أبو الأجفان، وعثمان بطيخ، الناشر: الدار العربية للكتاب، والمؤسسة الوطنية للكتاب، ١٩٨٥ م.\n١٢٩ - أصول الفقه الإسلامي (تاريخه، ومناهج الأصوليين في الحكم والأدلة) للدكتور محمد سلام مدكور (ت: ١٤٠٥ هـ)، الناشر: دار النهضة العربية بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٩٧٦ م.\n١٣٠ - أصول الفقه الإسلامي للدكتور بدران أبو العينين بدران، الناشر: مؤسسة شباب الجامعة بالإسكندرية.\n١٣١ - أصول الفقه الإسلامي للدكتور زكي الدين شعبان، الناشر: دار الكتاب الجامعي بالقاهرة.\n١٣٢ - أصول الفقه الإسلامي للدكتور محمد مصطفى شلبي، الدار الجامعية للطباعة والنشر ببيروت.\n١٣٣ - أصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي، الناشر: دار الفكر المعاصر ببيروت، ودار الفكر بسورية، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n١٣٤ - أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله للأستاذ الدكتور عياض بن نامي السلمي، الناشر: دار التدمرية بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n١٣٥ - أصول الفقه عند القاضي عبد الوهاب - جمعًا وتوثيقًا ودراسة للدكتور عبد المحسن بن محمد الريس، الناشر: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث بالإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n١٣٦ - أصول الفقه لشمس الدين محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي (ت: ٧٦٣ هـ)، تحقيق: الأستاذ الدكتور فهد بن محمد السدحان، الناشر: مكتبة العبيكان بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n١٣٧ - أصول الفقه للشيخ محمد الخضري (ت: ١٣٤٥ هـ)، الناشر: دار المعارف للطباعة والنشر بتونس، ١٩٨٩ م.","vol":"3","page":1531},{"text":"١٣٨ - أصول الفقه للشيخ محمد بن أحمد أبو زهرة (ت: ١٣٩٤ هـ)، الناشر: دار الفكر العربي بالقاهرة.\n١٣٩ - أصول فقه الإمام مالك (أدلته النقلية) للدكتور عبد الرحمن بن عبد الله الشعلان، الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة الأولى، ١٣٢٤ هـ.\n١٤٠ - الأصول في النحو لأبي بكر محمد بن سهل بن السراج البغدادي (ت: ٣١٦ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الحسين الفتلي، الناشر: مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة الرابعة، ١٤٢٠ هـ.\n١٤١ - أصول مذهب الإمام أحمد - دراسة أصولية مقارنة للدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الرابعة، ١٤١٦ هـ.\n١٤٢ - أصول مذهب الشيعة الأمامية الإثني عشرية - عرض ونقد للدكتور ناصر بن عبد الله القفاري، الناشر: دار الرضا للنشر والتوزيع بمصر.\n١٤٣ - أضواء البيان في الضاح القرآن بالقرآن للشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ)، الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع بمكة المكرمة، الطبعة الأولى ١٤٢٦ هـ.\n١٤٤ - الاعتصام للعلامة أبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ)، تحقيق: الدكتور هشام الصيني والدكتور سعد الحميد والدكتور محمد الشقير، الناشر: دار ابن الجوزي بالدمام، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ.\n١٤٥ - الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس للعلامة أبي محمد علي بن حزم الظاهري (ت: ٤٥٧ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد زين العابدين رستم، الناشر: أضواء السلف بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n١٤٦ - الأعراف البشرية في ميزان الشريعة الإسلامية للدكتور عمر بن سليمان الأشقر، الناشر: دار النفائس للنشر والتوزيع بالأردن، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.","vol":"3","page":1532},{"text":"١٤٧ - الأعلام (قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين) لخير الدين الزركلي (ت: ١٣٩٦ هـ)، الناشر: دار العلم للملايين ببيروت، الطبعة الحادية عشرة، ١٩٩٥ م.\n١٤٨ - الأعلام الشرقية في المائة الرابعة الهجرية لزكي محمد مجاهد، الناشر: دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الثانية، ١٩٩٤ م.\n١٤٩ - أعلام العراق للعلامة محمد بهجة الأثري، الناشر: الدار العربية للموسوعات ببيروت، الطبعة الثانية ١٤٢٢ هـ.\n١٥٠ - إعلام الموقعين عن رب العالمين لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (ت: ٧٥١ هـ)، تحقيق: مشهور حسن آل سلمان، الناشر: دار ابن الجوزي بالدمام، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n١٥١ - أعلام وعلماء وقدماء ومعاصرون للشيخ محمد بن أحمد أبو زهرة (ت: ١٣٩٤ هـ)، اعتنى به: مجد أحمد مكي، الناشر: دار الفتح للدراسات والنشر بالأردن، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ.\n١٥٢ - أعيان العصر وأعوان النصر لصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي (ت: ٧٦٤ هـ)، تحقيق: الدكتور علي أبي زيد والدكتور نبيل أبي عمشة وآخرين، الناشر: دار الفكر بدمشق، ودار الفكر المعاصر ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n١٥٣ - إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزبة (ت: ٧٥١ هـ)، تحقيق: علي حسن عبد الحميد، الناشر: دار ابن الجوزي بالدمام، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ. (ورجحت إلى طبعة دار عالم الفوائد، بتحقيق: محمد عزير شمس، الطبعة الأولى، ١٤٣٢ هـ وأشرت إليها بـ ط/ عالم الفوائد).\n١٥٤ - الإفصاح عن معاني الصحاح للوزير أبي المظفر يحيى بن محمد المعروف بابن هبيرة (ت: ٥٦٠ هـ)، تحقيق: محمد حسين الأزهري، الناشر: دار العلا للنشر والتوزيع بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ (وقد طبعه محقق الكتاب بعنوان: إجماع الأئمة الأربعة واختلافهم).","vol":"3","page":1533},{"text":"١٥٥ - الاقتراح في بيان الاصطلاح وما أضيف إلى ذلك من الأحاديث المعدودة في الصحاح للعلامة تقي الدين أبي الفتح محمد بن علي الشهير بابن دقيق العيد (ت: ٧٠٢ هـ)، تحقيق: الدكتور عامر حسن صبري، الناشر: دار البشائر الإسلامية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ\n١٥٦ - اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لأبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (ت: ٧٢٨ هـ)، تحقيق: الدكتور ناصر العقل، الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة السادسة، ١٤١٩ هـ.\n١٥٧ - الإقناع في مسائل الإجماع لأبي الحسن علي بن القطان الفاسي (ت: ٦٢٨ هـ)، تحقيق: الدكتور فاروق حمادة، الناشر: دار القلم بدمشق، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n١٥٨ - الإقناع لطالب الانتفاع لشرف الدين موسى بن محمد بن موسى أبي النجا الحجاوي المقدسي (ت: ٩٦٨ هـ)، مطبوع مع: كشاف القناع لمنصور البهوتي.\n١٥٩ - أقوالنا وأفعالنا لمحمد كرد علي (ت: ١٣٧١ هـ)، الناشر: دار أضواء السلف، نسخة مصورة عن مطبوعة عام ١٣٦٥ هـ.\n١٦٠ - أليس الصبح بقريب للشيخ محمد الطاهر بن عاشور (ت: ١٣٩٤ هـ)، الناشر: الشركة التونسية للتوزيع.\n١٦١ - الأم للإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ)، تحقيق: الدكتور رفعت عبد المطلب، الناشر: دار الوفاء بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n١٦٢ - أمالي الدلالات ومجالي الاختلافات للشيخ عبد الله بن المحفوظ بن بيه، الناشر: دار المنهاج للنشر والتوزيع بجدة، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n١٦٣ - الإمام أبو الحسن اللخمي وجهوده في تطوير الاتجاه النقدي في المذهب المالكي بالغرب الإسلامي للدكتور محمد المصلح، الناشر: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.","vol":"3","page":1534},{"text":"١٦٤ - الإمام الاوزاعي (شيخ الإسلام وعالم أهل الشام) لعبد الستار الشيخ، الناشر: دار القلم بدمشق، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n١٦٥ - الإمام الجويني إمام الحرمين للدكتور محمد الزحيلي، الناشر: دار القلم بدمشق، الطبعة الثانية، ١٤١٢ هـ.\n١٦٦ - الإمام الشهاب القرافي حلقة وصلة وصل بين المشرق والمغرب في مذهب مالك في القرن السابع للأستاذ الصغير بن عبد السلام الوكيلي، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، ١٤١٧ هـ.\n١٦٧ - الإمام الشوكاني - حياته وفكره للدكتور عبد الغني قاسم الشرجي، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، ومكتبة الجيل الجديد بصنعاء، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n١٦٨ - الإمام الشوكاني: رائد عصره - دراسة في فقهه وفكره للدكتور حسين بن عبد الله العمري، الناشر: دار الفكر بسورية، ودار الفكر المعاصر ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ.\n١٦٩ - الإمام الصادق حياته وعصره - آراؤه وفقهه للشيخ محمد بن أحمد أبو زهرة (ت: ١٣٩٤ هـ)، الناشر: دار الفكر العربي بالقاهرة، ١٤٢٥ هـ.\n١٧٠ - الإمام الطبري شيخ المفسرين، وعمدة المؤرخين، ومقدم الفقهاء والمحدثين، صاحب المذهب الجريري للدكتور محمد الزحيلي، الناشر: دار القلم بدمشق، الطبعة الثانية، ١٤٢٠ هـ.\n١٧١ - إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام للشيخ أبي الحسنات محمد عبد الحي بن محمد عبد الحليم اللكنوي (ت: ١٣٠٤ هـ)، تحقيق: عثمان ضميرية، الناشر: مكتبة السوادي للتوزيع بجدة، الطبعة الأولى، ٤١١١ هـ.\n١٧٢ - الإمام زيد حياته وعصره - آراؤه وفقهه للشيخ محمد بن أحمد أبو زهرة (ت: ١٣٩٤ هـ)، الناشر: دار الفكر العربي بالقاهرة، ١٤٢٥ هـ.\n١٧٣ - الإمام في معرفة أحاديث الأحكام للعلامة تقي الدين أبي الفتح محمد بن علي الشهير بابن دقيق العيد (ت: ٧٠٢ هـ)، تحقيق: سعد بن عبد الله آل حميد، الناشر: دار المحقق للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.","vol":"3","page":1535},{"text":"١٧٤ - الإمام محمد بن الحسن الشيباني وأثره في الفقه الإسلامي للدكتور محمد الدسوقي، الناشر: دار الثقافة بالدوحة، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n١٧٥ - الأمنية في إدراك النية لشهاب الدين أبي العباس أحمد بن إدريس القرافي (ت: ٦٨٤ هـ)، تحقيق: أبي عبد الرحمن الأخضر الأخضري، الناشر: اليمامة للطباعة والنشر والتوزيع بسورية، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ ورجعت أيضًا إلى طبعة أخرى، حققها الدكتور محمد بن حمد المنيع، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ.\n١٧٦ - إنباء الغمر بأنباء العمر للحافظ أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ)، الناشر: مطبعة مجلس وزارة المعارف العثمانية بحيدر أباد الدكن، ١٣٨٧ هـ.\n١٧٧ - إنباه الرواة على أنباه النحاة للوزير جمال الدين أبي الحسن علي بن يوسف القفطي (ت: ٦٢٤ هـ)، تحقيق: محمد أبي الفضل إبراهيم، الناشر: دار الفكر العربي بالقاهرة، ومؤسسة الكتب الثقافية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n١٧٨ - انتصار الفقير السالك لترجيح مذهب الإمام مالك لشمس الدين محمد بن محمد الراعي الأندلسي (ت: ٨٥٣ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد أبو الأجفان، الناشر: دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الأولى، ١٩٨١ م.\n١٧٩ - الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء مالك والشافعي وأبي حنيفة - ﵁ - للعلامة أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر (ت: ٤٦٣ هـ)، اعتنى به: عبد الفتاح أبو غدة، الناشر: مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n١٨٠ - الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين وآثارها في حياة الأمة لعلي بن بخيت الزهراني، الناشر: دار الرسالة للنشر والتوزيع بمكة المكرمة.\n١٨١ - الأنساب للحافظ أبي سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني","vol":"3","page":1536},{"text":"(ت: ٥٦٢ هـ)، تحقيق: الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي، الناشر: مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بالهند، الطبعة الأولى، ١٣٨٤ هـ.\n١٨٢ - الانسلاخ من المذاهب الفقهية: حقيقته - أسبابه - وآثاره في الفقه الإسلامي، مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في الفقه وأصوله، إعداد مليكة صوالح، إشراف: رضوان غربية، جامعة الحاج لخضر * باتنة * بالجزائر، كلية العلوم الاجتماعية والعلوم الإسلامية، قسم الشريعة: الفقه وأصوله، العام الجامعي: ١٤٢٦/ ١٤٢٧ هـ.\n١٨٣ - الإنصاف في بيان سبب الاختلاف في الأحكام الفقهية لشاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي (ت: ١١٧٦ هـ)، وقف على طبعه محب الدين الخطيب، الناشر: المطبعة السلفية ومكتبتها بالقاهرة، ١٣٨٥ هـ.\n١٨٤ - الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للعلامة علاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان المرداوي الحنبلي (ت: ٨٨٥ هـ)، تحقيق: محمد حامد الفقي، الطبعة الأولى، ١٣٧٤ هـ.\n١٨٥ - أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء للشيخ قاسم بن عبد الله القونوي (ت: ٩٧٨ هـ)، تحقيق: الدكتور أحمد بن عبد الرزاق الكبيسي، الناشر: دار ابن الجوزي بالدمام، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n١٨٦ - أهل الملل والردة والزنادقة وتارك الصلاة والفرائض من كتاب الجامع للخلال لأبي بكر أحمد بن محمد بن هارون البغدادي الحنبلي (ت: ٣١١ هـ)، تحقيق: الدكتور إبراهيم بن حمد السلطان، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\n١٨٧ - الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف للإمام أبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري (ت: ٣١٨ هـ)، تحقيق: الدكتور صغير أحمد حنيف، الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ.\n١٨٨ - أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك للإمام أبي محمد عبد الله بن يوسف بن هشام (ت: ٧٦١ هـ)، الناشر: دار الفكر.","vol":"3","page":1537},{"text":"١٨٩ - الآيات البينات على شرح جمع الجوامع لأحمد بن قاسم العبادي الشافعي (ت: ٩٩٤ هـ)، ضبطه: زكريا عميرات، الناشر: دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n١٩٠ - إيضاح الدلائل في الفرق بين المسائل للعلامة عبد الرحيم بن عبد الله الزَّريراني (ت: ٧٤١ هـ)، مقدمة محققه: الدكتور عمر بن محمد السبيل، الناشر: جامعة أم القرى، مركز إحياء التراث الإسلامي بمكة المكرمة.\n١٩١ - إيضاح المحصول من برهان الأصول للإمام أبي عبد الله محمد بن علي بن عمر المازري (ت: ٥٣٦ هـ)، تحقيق: الأستاذ الدكتور عمار الطالبي، الناشر: دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الأولى، ٢٠٠١ م.\n١٩٢ - إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون للأديب العالم إسماعيل باشا البغدادي (ت: ١٣٣٩ هـ)، عني بتصحيحه وطبعه: المعلم رفعت الكليس، الناشر: دار إحياء التراث العربي ببيروت.\n١٩٣ - الإيضاح في شرح المفصل للعلامة جمال الدين أبي عمر عثمان بن عمر بن الحاجب (ت: ٦٤٦ هـ)، تحقيق: الدكتور موسى العليلي، الناشر: مكتبة العاني بغداد.\n١٩٤ - إيقاظ همم أولي الأبصار للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار وتحذيرهم عن الابتداع الشائع في القرى والأمصار من تقليد المذاهب مع الحمية والعصبية بين فقهاء الأعصار لصالح بن محمد بن نوح الفلاني (ت: ١٢١٨ هـ)، الناشر: دار الطباعة المنيرية بمصر، الطبعة الأولى، ١٣٥٤ هـ ورجحت إلى طبعة بتحقيق: أبي عماد السخاوي، الناشر: دار الفتح بالشارقة، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ (وأشير إليها بـ: ط/ الفتح).\n١٩٥ - إيقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرآن للشيخ محمد بن علي السنوسي الخطابي الحسني الإدريسي (ت: ١٢٧٦ هـ)، الناشر: دار القلم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n١٩٦ - الإيمان لأبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (ت: ٧٢٨ هـ)، خرّج أحاديثه: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: المكتب الإسلامي بدمشق، الطبعة الثالثة، ١٤٠٨ هـ.","vol":"3","page":1538},{"text":"حرف الباء\n١٩٧ - البحث الفقهي: طبيعته - خصائصه - أصوله - مصادره مع المصطلحات الفقهية في المذاهب الأربعة للدكتور إسماعيل سالم عبد العال، الناشر: مكتبة الزهراء، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\n١٩٨ - البحر الرائق شرح كنز الدقائق للعلامة زين العابدين بن إبراهيم بن نجيم الحنفي (ت: ٩٧٠ هـ)، الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع ببيروت، الطبعة الثانية.\n١٩٩ - البحر المحيط في أصول الفقه لبدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي الشافعي (ت: ٧٩٤)، قام بتحريره: الدكتور عمر بن سليمان الأشقر، راجعه: الدكتور عبد الستار أبو غدة والدكتور محمد بن سليمان الأشقر، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت، الطبعة الأولى.\n٢٠٠ - بحوث الملتقى الأول: القاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي، الناشر: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث بالإمارات العربية المتحدة، دبي، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n٢٠١ - بحوث فقهية مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله للأستاذ الدكتور محمد فتحي الدريني، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n٢٠٢ - بحوث وفتاوى فقهية معاصرة للدكتور أحمد الحجي الكردي، الناشر: دار البشائر الإسلامية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n٢٠٣ - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع لعلاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي (ت: ٥٨٧ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية ببيروت.\n٢٠٤ - بدائع الفوائد لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (ت: ٧٥١ هـ)، تحقيق: علي بن محمد العمران، الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع بمكة المكرمة، الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ.\n٢٠٥ - بداية المجتهد ونهاية المقتصد للقاضي الفقيه أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد القرطبي (ت: ٥٩٥ هـ)، تحقيق: ماجد الحموي، الناشر: دار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.","vol":"3","page":1539},{"text":"٢٠٦ - البداية والنهاية للحافظ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت: ٧٧٤ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر، الناشر: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٩١ هـ.\n٢٠٧ - البدر الطالع بمحاسن مَنْ بعد القرن السابع للعلامة محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ)، تحقيق: الدكتور حسين بن عبد الله العمري، الناشر: دار الفكر بدمشق، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n٢٠٨ - البدر الطالع في حل جمع الجوامع لجلال الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد المحلي الشافعي (ت: ٨٦٤ هـ)، تحقيق: مرتضى الداغستاني، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n٢٠٩ - البدر المنير في تخريج أحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير لسراج الدين أبي حفص سراج الدين عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بابن الملقن (ت: ٨٠٤ هـ)، تحقيق: عبد الله بن سليمان وجماعة، الناشر: دار الهجرة للنشر والتوزيع بالثقبة، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ ورجعت أيضًا إلى طبعة دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ٤٣٠١ هـ (وأشير إليها بـ: ط/ العاصمة).\n٢١٠ - بدعة التعصب المذهبي وآثارها الخطيرة في جمود الفكر وانحطاط المسلمين، لمحمد عيد عباسي، الناشر: المكتبة الإسلامية بالأردن، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ.\n٢١١ - البدور اللوامع في شرح جمع الجوامع في أصول الفقه للعلامة أبي المواهب الحسن بن مسعود اليوسي (ت: ١١٠٢ هـ)، تحقيق: حميد حماني اليوسي، الناشر: دار الفرقان للنشر الحديث بالدار البيضاء، ١٤٣٢ هـ.\n٢١٢ - بذل النظر في الأصول لمحمد بن عبد الحميد الأسمندي (ت: ٥٥٢ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد زكي عبد البر، الناشر: مكتبة دار التراث بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.","vol":"3","page":1540},{"text":"٢١٣ - برنامج عملي للمتفقهين (ثماني قواعد ضرورية لكل مشتغل بطلب العلم والتفقه في دين الله) للدكتور عبد العزيز بن عبد الفتاح القارئ، الناشر: دار الأرقم للنشر والتوزيع بريطانيا، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.\n٢١٤ - البرهان في أصول الفقه لإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني (ت: ٤٨٧ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد العظيم الديب، الناشر: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثالثة، ١٤١٢ هـ.\n٢١٥ - البرهان في علوم القرآن لبدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي الشافعي (ت: ٧٩٤ هـ)، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الناشر: رئاسة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية، الطبعة الثالثة، ١٤٠٠ هـ.\n٢١٦ - بغية المستفيد في الرد على من أنكر العمل بالاجتهاد من أهل التقليد للعلامة محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ)، مطبوع ضمن: الفتح الرباني، تحقيق: أبي مصعب محمد صبحي حلاق، الناشر: مكتبة الجيل الجديد بصنعاء، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n٢١٧ - بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس لأبي جعفر أحمد بن يحيى الضبي (ت: ٥٩٩ هـ)، الناشر: المكتبة العصرية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n٢١٨ - بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة للعلامة جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت: ٩١١ هـ)، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الناشر: مطبعة عيسى الحلبي بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٣٨٤ هـ.\n٢١٩ - البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزابادي (ت: ٨١٧ هـ)، تحقيق: محمد المصري، الناشر: جمعية إحياء التراث الإسلامي بالكويت، الطبعة الأولى، ١٤٥٧ هـ.\n٢٢٠ - بلوغ الأماني في تاريخ الفقه الإسلامي للدكتور الحسن العلمي، الناشر: معهد الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ.\n٢٢١ - بلوغ السول في مدخل علم الأصول للشيخ محمد حسنين مخلوف العدوي","vol":"3","page":1541},{"text":"المالكي (ت: ١٣٥٥ هـ)، تحقيق: حسنين محمد مخلوف، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بالقاهرة، الطبعة الثانية، ١٣٨٦ هـ.\n٢٢٢ - بلوغ المرام من أدلة الأحكام للحافظ أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ)، ضبط نصه: أحمد بن سليمان، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n٢٢٣ - البناية في شرح الهداية لبدر الدين أبي محمد محمود بن أحمد العيني (ت: ٨٥٥ هـ)، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، ١٤١١ هـ.\n٢٢٤ - بهحة الناظرين إلى تراجم الشافعية البارعين للإمام أبي البركات محمد بن أحمد الغزي العامري الشافعي (ت: ٨٦٤ هـ)، ضبط نصه: عبد الله الكندري، الناشر: دار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٢٢٥ - البهجة في شرح التحفة لأبي الحسن علي بن عبد السلام التسولي (ت: ١٢٥٨ هـ)، الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر ببيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٧ هـ.\n٢٢٦ - بيان الدليل على بطلان التحليل لأبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (ت: ٧٢٨ هـ)، تحقيق: الدكتور أحمد الخليل، الناشر: دار ابن الجوزي بالدمام، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n٢٢٧ - بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب لأبي الثناء محمود بن عبد الرحمن بن أحمد الأصفهاني (ت: ٧٤٩ هـ)، تحقيق: مظهر بقا، الناشر: جامعة أم القرى بمكة المكرمة، مركز إحياء التراث، الطبعة الأولى.\n٢٢٨ - بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام للحافظ علي بن محمد بن عبد الملك بن القطان الفاسي (ت: ٦٢٨ هـ)، تحقيق: الدكتور الحسين سعيد، الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n٢٢٩ - بيان فضل علم السلف على علم الخلف للحافظ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد الشهير بابن رجب الحنبلي (ت: ٧٩٥ هـ)، تحقيق: محمد بن ناصر","vol":"3","page":1542},{"text":"العجمي، الناشر: دار البشائر الإسلامية ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤٢٤ هـ.\n٢٣٠ - البيان في مذهب الإمام الشافعي للإمام أبي الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني الشافعي (ت: ٥٥٨ هـ)، اعتنى به: قاسم محمد النوري، الناشر: دار المنهاج للطباعة والنشر بجدة، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٢٣١ - البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل في مسائل المستخرجة للقاضي الفقيه أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد ابن رشد القرطبي (ت: ٥٩٥ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد حجي، الناشر: دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٨ هـ.\n٢٣٢ - البيان والتفصيل في وجوب معرفة الدليل لمحمد بن عبد الله القحطاني.\n٢٣٣ - بين متبع ومقلد أعمى في فروع الفقه للدكتور عامر سعيد الزيباري، الناشر: دار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\nحرف التاء\n٢٣٤ - تاج التراجم للعلامة أبي الفداء قاسم بن قطلوبغا (ت: ٨٧٩ هـ)، تحقيق: محمد خير رمضان، الناشر: دار القلم بدمشق، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\n٢٣٥ - تاج العروس من جواهر القاموس للعلامة محمد بن محمد الحسيني الزبيدي الشهير بمرتضى (ت: ١٢٠٥ هـ)، تحقيق: عبد العليم الطحاوي، الناشر: وزارة الإرشاد والأنباء بالكويت، ١٣٨٧ هـ.\n٢٣٦ - التاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول للعلامة محمد صديق بن حسن القنوجي (١٣٠٧ هـ)، الناشر: وزارة الأوقات والشؤون الإسلامية بدولة قطر، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٢٣٧ - التاج والإكليل لمختصر خليل لأبي عبد الله محمد بن يوسف بن أبي القاسم العبدري، الشهير بالمواق (ت: ٨٩٧ هـ)، مطبوع بهامش مواهب الجليل للحطاب.\n٢٣٨ - التاريخ ليحيى بن معين (ت: ٢٣٣ هـ)، دراسة وترتيب وتحقيق: الدكتور أحمد محمد نور سيف، الناشر: جامعة الملك عبد العزيز، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، بمكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ.","vol":"3","page":1543},{"text":"٢٣٩ - تاريخ ابن قاضى شهبة لتقي الدين أبي بكر أحمد بن قاضي شهبة الدمشقي (ت: ٨٥١ هـ)، تحقيق: عدنان درويش، الناشر: المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية بدمشق، ١٩٧٧ م.\n٢٤٠ - تاريخ أبي زُرعة عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله بن صفوان المعروف بأبي زرعة الرازي (ت: ٢٨١ هـ)، تحقيق: شكر الله بن نعمة الله القوجاني، الناشر: مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق.\n٢٤١ - تاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، جامعه: الشيخ محمد رشيد رضا (ت: ١٣٥٤ هـ)، الناشر: دار الفضيلة للنشر والتوزيع بالقاهرة، الطبعة الأولى، ٢٠٠٣ م.\n٢٤٢ - تاريخ الإسلام ووفيات مشاهير الأعلام لشمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ)، تحقيق: الدكتور بشار معروف عواد، الناشر: دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n٢٤٣ - تاريخ التشريع الإسلامي - دراسات في التشريع وتطوره ورجاله لعلي محمد معوض وعادل أحمد عبد الموجود، الناشر: دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n٢٤٤ - تاريخ التشريع الإسلامي للأستاذ الدكتور عبد الفتاح حسيني الشيخ، ١٤١٣ هـ.\n٢٤٥ - تاريخ التشريع الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي، الناشر: دار المكتبي بدمشق، الطبعة الأولى.\n٢٤٦ - تاريخ التشريع الإسلامي للشيخ محمد الخضري بك (ت: ١٣٤٥ هـ)، الناشر: مكتبة الاستقامة بالقاهرة، الطبعة السابعة، ١٩٦٠ م.\n٢٤٧ - تاريخ التشريع الإسلامي للشيخ مناع القطان (ت: ١٤٢٠ هـ)، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الثالثة، ٤٢٢١ هـ.\n٢٤٨ - تاريخ التشريع والفقه الإسلامي للدكتور أحمد العليان، الناشر: دار إشبيليا للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n٢٤٩ - تاريخ التشريع والفقه الإسلامي للدكتور محمود حامد عثمان، الناشر: مكتبة ابن الوليد بالحديدة، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.","vol":"3","page":1544},{"text":"٢٥٠ - تاريخ التشريع ومراحله الفقهية - دراسة تاريخية ومنهجية للأستاذ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن الطريقي، ١٤١٥ هـ.\n٢٥١ - تاريخ الجدل للشيخ محمد بن أحمد أبو زهرة (ت: ١٣٩٤ هـ)، الناشر: دار الفكر العربي بالقاهرة.\n٢٥٢ - تاريخ الفقه الإسلامي لإلياس دردور، الناشر: دار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٣١ هـ.\n٢٥٣ - تاريخ الفقه الإسلامي للدكتور أحمد فراج حسين، الناشر: الدار الجامعية للطباعة والنشر ببيروت.\n٢٥٤ - تاريخ الفقه الإسلامي للدكتور عمر سليمان الأشقر، الناشر: مكتبة الفلاح للنشر والتوزيع بالكويت، ودار النفائس للنشر والتوزيع بالكويت، الطبعة الثانية، ١٤١٠ هـ.\n٢٥٥ - تاريخ الفقه الإسلامي للدكتور ناصر بن عقيل بن جاسر الطريفي، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n٢٥٦ - تاريخ الفقه الإسلامي لمحمد علي السايس، اعتنى به وضبطه: محمد فاضلي، الناشر: المدار الإسلامي بليبيا، الطبعة الأولى.\n٢٥٧ - تاريخ الفقه الإسلامي لمحمد يوسف موسى، الناشر: دار البخاري ببريدة.\n٢٥٨ - تاريخ الفقه الإسلامي ونظرياته العامة للدكتور عبد الودود محمد السريتي، الناشر: دار النهضة العربية ببيروت، ١٩٩٣ م.\n٢٥٩ - تاريخ الفقه الإسلامي ونظرية الملكية والعقود للدكتور بدران أبو العينين بدران، الناشر: دار النهضة العربية ببيروت.\n٢٦٠ - تاريخ الفقه الإسلامي: نشأته - مصادره - أدواره - مدارسه للدكتور أحمد الحصري، الناشر: دار الجيل ببيروت، ومكتبة الكليات الأزهرية بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ.\n٢٦١ - التاريخ الكبير للإمام محمد بن إسماعيل البخاري (ت: ٢٥٦ هـ)، الناشر: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر بالقاهرة.\n٢٦٢ - تاريخ المذاهب الإسلامية للشيخ محمد بن أحمد أبو زهرة (ت: ١٣٩٤ هـ)، الناشر: دار الفكر العربي بالقاهرة، ١٩٩٦ م.","vol":"3","page":1545},{"text":"٢٦٣ - تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار للشيخ عبد الرحمن الجبرتي (ت: ١٢٣٧ هـ)، الناشر: دار الجيل ببيروت.\n٢٦٤ - تاريخ علماء الأندلس للحافظ أبي الوليد عبد الله بن محمد المعروف بابن الفرضي (ت: ٤٠٣ هـ)، تحقيق: الدكتور بشار عواد معروف، الناشر: دار الغرب الإسلامي بتونس، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ.\n٢٦٥ - تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر الهجري لمحمد مطيع الحافظ ونزار أباظة، الناشر: دار الفكر بدمشق، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n٢٦٦ - تاريخ مدينة السلام (المعروف بتاريخ بغداد) للإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (ت: ٤٦٣ هـ)، تحقيق: الدكتور بشار عواد، الناشر: دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n٢٦٧ - تاريخ مدينة دمشق وذكر فضائلها وتسمية من حل بها من الأماثل للإمام أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي، المعروف بابن عساكر (ت: ٥٧١ هـ)، تحقيق: عمر بن غرامة العمروي، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\n٢٦٨ - تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب لمحمد زاهد الكوثري (ت: ١٣٧١ هـ)، الناشر: المكتبة الأزهرية للتراث بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n٢٦٩ - تأويل مختلف الحديث للإمام أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت: ٢٧٦ هـ)، تحقيق: سليم بن عيد الهلالي، الناشر: دار ابن القيم بالرياض، ودار ابن عفان بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n٢٧٠ - تبصرة الحكام في الأقضية ومناهج الأحكام للقاضي برهان الدين إبراهيم بن علي بن أبي القاسم بن محمد بن فرحون المالكي (ت: ٧٩٩ هـ)، مراجعة: محمد الشاغولي، الناشر: المكتبة الأزهرية للتراث بالقاهرة.\n٢٧١ - التبصرة في أصول الفقه للإمام أبي إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (ت: ٤٧٦ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد حسن هيتو، الناشر: دار الفكر بدمشق، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ.","vol":"3","page":1546},{"text":"٢٧٢ - تبصير النجباء بحقيقة الاجتهاد والتقليد والتلفيق والإفتاء للدكتور محمد إبراهيم الحفناوي، الناشر: دار الحديث بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\n٢٧٣ - تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للعلامة فخر الدين عثمان بن علي الزيلعي الحنفي (ت: ٧٤٣ هـ)، الناشر: مطبعة بولاق بمصر، الطبعة الأولى، ١٣١٣ هـ.\n٢٧٤ - تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري للإمام أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي، المعروف بابن عساكر (ت: ٥٧١ هـ)، الناشر: دار الفكر بدمشق، ودار الفكر المعاصر ببيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٩ هـ.\n٢٧٥ - تتبع الرخص بين الشرع والواقع لعبد اللطيف بن عبد الله التويجري، الناشر: كتاب البيان، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م.\n٢٧٦ - التجديد في الفقه الإسلامي للأستاذ الدكتور محمد السوقي، الناشر: المدار الإسلامي بليبيا، الطبعة الأولى، ٢٠٠٦ م.\n٢٧٧ - التحبير شرح التحرير في أصول الفقه للعلامة علاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان المرداوي الحنبلي (ت: ٨٨٥ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الرحمن الجبرين والدكتور عوض القرني والدكتور أحمد السراح، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٢٧٨ - التحجيل في تخريج ما لم يخرَّج من الأحاديث والآثار في إرواء الغليل لعبد العزيز الطريفي، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الثالثة ١٤٢٧ هـ.\n٢٧٩ - تحرير القواعد المنطقية شرح الرسالة الشمسية لقطب الدين محمود بن محمد الرازي (ت: ٧٦٦ هـ)، الناشر: مطبعة البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة الثانية ١٣٦٧ هـ.\n٢٨٠ - تحرير المقال فيما تصح نسبته للمجتهد من الأقوال للأستاذ الدكتور عياض بن نامي السلمي، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\n٢٨١ - تحرير بعض المسائل على مذهب الأصحاب لمحمد بن عمر المعروف بأبي","vol":"3","page":1547},{"text":"عبد الرحمن بن عقيل الظاهري، الناشر: مكتبة دار العلوم بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠١ هـ.\n٢٨٢ - التحرير في أصول الفقه للعلامة كمال الدين محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد بن مسعود الشهير بابن الهمام الحنفي (ت: ٨٦١ هـ)، مطبوع مع شرحه تيسير التحرير.\n٢٨٣ - التحرير والتنوير للشيخ محمد الطاهر بن عاشور (ت: ٣٩٤١ هـ)، الناشر: دار سحنون للنشر والتوزيع بتونس.\n٢٨٤ - تحريف النصوص من مآخذ أهل الأهواء للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد (ت: ١٤٢٩ هـ)، ضمن مجموع بعنوان: الردود، الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n٢٨٥ - التحسين والتقبيح العقليان وأثرهما في مسائل أصول الفقه للدكتور عايض بن عبد الله الشهراني، الناشر: كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ.\n٢٨٦ - التحصيل من المحصول لسراج الدين محمود بن أبي بكر الأرموي (ت: ٦٨٢ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الحميد أبو زيند، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n٢٨٧ - تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي للمحدث أبي العلى محمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري (ت: ١٣٥٣ هـ)، تحقيق: رائد صبري بن أبي علفة، الناشر: بيت الأفكار الدولية بالأردن، الطبعة الأولى.\n٢٨٨ - تحفة الإخوان بتراجم بعض الأعيان لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (ت: ١٤٢٠ هـ)، اعتنى به: عبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم، الناشر: دار أصالة الحاضر بالرياض، الطبعة الثانية، ١٤٣١ هـ.\n٢٨٩ - تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف للحافظ جمال الدين أبي الحجاج يوسف المزي (ت: ٧٤٢ هـ)، تحقيق: الدكتور بشار عواد، الناشر: دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الأولى، ١٩٩٩ م.\n٢٩٠ - تحفة الأنام في العمل بحديث النبي ﵇ لمحمد حياة السندي","vol":"3","page":1548},{"text":"(ت: ١١٣٦ هـ)، تحقيق: صلاح الدين مقبول أحمد، الناشر: دار غراس بالكويت، الطبعة الثانية، ١٤٢٤ هـ.\n٢٩١ - تحفة الطالب بمعرفة أحاديث مختصر ابن الحاجب للحافظ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت: ٧٧٤ هـ)، تحقيق: عبد الغني بن حميد الكبيسي، الناشر: دار حراء للنشر والتوزيع بمكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n٢٩٢ - تحفة المجيب على أسئلة الحاضر والغريب للشيخ أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي (ت: ١٤٢٢ هـ)، الناشر: دار الآثار صنعاء، الطبعة الثانية، ١٤٢٣ هـ.\n٢٩٣ - تحفة المحتاج بشرح المنهاج لشهاب الدين أبي العباس أحمد بن حجر الهيتمي (ت: ٩٧٣ هـ)، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ببيروت.\n٢٩٤ - تحفة المسوول في شرح مختصر منتهى السول لأبي زكريا يحيى بن موسى الرهوني (ت: ٧٧٣ هـ)، تحقيق: الدكتور الهادي شبيلي، الناشر: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث بالإمارات العربية المتحدة، دبي، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n٢٩٥ - التحقيق في بطلان التلفيق للشيخ أبي العون محمد بن أحمد السفاريني (ت: ١١٨٨ هـ)، اعتنى به: عبد العزيز بن إبراهيم الدخيل، الناشر: دار الصميعي للنشر والتوزيع بالراياض، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n٢٩٦ - التحقيق في مسائل الخلاف للإمام أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد المعطي قلعجي، الناشر: دار الوعي العربي بحلب، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n٢٩٧ - التحقيقات في شرح الورقات للعلامة الحسين بن أحمد الكيلاني المكي (ت: ٨٨٩ هـ)، تحقيق: الدكتور سعد بن حسين، الناشر: دار النفائس للنشر والتوقيع بالأردن، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n٢٩٨ - تخريج إحياء علوم الدين لولي الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي (ت: ٨٠٦ هـ)، اعتنى به: محمود بن محمد الحداد، الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.","vol":"3","page":1549},{"text":"٢٩٩ - تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشري لجمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي الحنفي (ت: ٧٦٢ هـ)، اعتنى به: سلطان بن فهد الطبيشي، الناشر: دار عالم الكتب بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n٣٠٠ - تخريج الفروع على الأصول - دراسة تاريخية ومنهجية وتطبيقية لعثمان بن محمد شوشان، الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n٣٠١ - التخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب بن عبد الوهاب الباحسين، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ.\n٣٠٢ - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي للعلامة جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت: ٩١١ هـ)، تحقيق: طارق بن عوض لله، الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n٣٠٣ - تذكرة الحفاظ لشمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ)، الناشر: دار إحياء التراث.\n٣٠٤ - التذهيب شرح عبيد الله بن فضل الله الخبيصي على تهذيب المنطق والكلام للعلامة سعد الدين التفتازاني (ت: ٧٩٢ هـ)، راجع تصحيحه: الشيخ محمد عبد المجيد الشرنوبي، الناشر: مطبعة البابي الحلبي وأولاده بمصر، ١٣٥٥ هـ.\n٣٠٥ - تراجم ستة من فقهاء العالم الإسلامي في القرن الرابع عشر وآثارهم الفقهية للشيخ عبد الفتاح أبو غدة (ت: ١٤١٧ هـ)، الناشر: مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n٣٠٦ - تراجم لتسعة من الأعلام لمحمد بن إبراهيم الحمد، الناشر: دار ابن خزيمة بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٣٠٧ - تراجم لمتأخري الحنابلة للشيخ سليمان بن عبد الرحمن بن حمدان (ت: ١٣٩٧ هـ)، تحقيق: بكر بن عبد الله أبو زيد، الناشر: دار ابن الجوزي بالدمام، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.","vol":"3","page":1550},{"text":"٣٠٨ - ترتيب العلوم للشيخ محمد بن أبي بكر المرعشي، الشهير بساجقلي زاده (ت: ١١٤٥ هـ)، تحقيق: محمد بن إسماعيل السيد أحمد، الناشر: في دار البشائر الإسلامية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n٣٠٩ - ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعيان مذهب مالك للقاضي عياض بن موسى بن عياض السبتي المالكي (ت: ٥٤٤ هـ)، تحقيق: محمد بن تاويت الطبخي، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ.\n٣١٠ - ترتيب الموضوعات الفقهية ومناسباته في المذاهب الأربعة للأستاذ الدكتور عبد الوهاب بن إبراهيم أبو سليمان، الناشر: جامعة أم القرى بمكة المكرمة، معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n٣١١ - ترتيب فروق القرافي وتلخيص الاستدلال عليها لأبي عبد الله بن محمد بن إبراهيم البقوري (ت: ٧٠٧ هـ)، تحقيق: الدكتور الميلودي بن جمعة، والأستاذ الحبيب بن طاهر، الناشر: مؤسسة المعارف للطباعة والنشر ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n٣١٢ - ترجمة ابن الوزير لمحمد بن عبد الله الهادي بن إبراهيم الوزير (ت: ٨٩٧ هـ)، تحقيق: علي بن محمد العمران، مطبوعة في مقدمة تحقيق الروض الباسم لابن الوزير، الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع بمكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n٣١٣ - الترغيب والترهيب من الحديث الشريف للحافظ عبد العظيم بن عبد القوي المنذري (ت: ٦٥٦ هـ)، تحقيق: محيي الدين بستو، الناشر: دار ابن كثير بسورية، دار الكلم الطيب ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n٣١٤ - تزيين الألفاظ بتتميم ذيول تذكرة الحفاظ لمحمود سعيد ممدوح، الناشر: دار البشائر الإسلامية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\n٣١٥ - تسهيل السابلة لمريد معرفة الحنابلة للشيخ صالح بن عبد العزيز ين علي آل عثيمين (ت: ١٤١٠ هـ)، تحقيق: بكر بن عبد الله أبو زيد، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.","vol":"3","page":1551},{"text":"٣١٦ - تسهيل المسالك إلى هداية السالك إلى مذهب الإمام مالك للشيخ مبارك بن علي بن حمد التميمي الأحسائي (ت: ١٢٣٠ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الحميد بن مبارك آل الشيخ مبارك، الناشر: دار ابن حزم ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤٢٢ هـ.\n٣١٧ - التشريع الإسلامي في مدينة الرسول - ﷺ - للدكتور محفوظ إبراهيم فرج، الناشر: دار الاعتصام بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ.\n٣١٨ - التشريع الإسلامي: أصوله ومقاصده للدكتور عمر الجيدي، الناشر: دار عكاظ بالدار البيضاء، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n٣١٩ - تشنيف السامع بجمع الجوامع لبدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي الشافعي (ت: ٧٩٤)، تحقيق: الدكتور عبد الله ربيع، والدكتور سيد عبد العزيز، الناشر: مؤسسة قرطبة بمصر، الطبعة الأولى.\n٣٢٠ - تصحيح الفروع للعلامة علاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان المرداوي الحنبلي (ت: ٨٨٥ هـ)، مطبوع مع الفروع لابن مفلح.\n٣٢١ - التصريح بمضمون التوضيح لخالد زين الدين بن عبد الله الأزهري (ت: ٩٠٥ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الفتاح بحيري إبراهيم، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\n٣٢٢ - تطور المذهب المالكي في الغرب الإسلامي حتى نهاية العصر المرابطي لمحمد بن حسن شرحبيلي، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، ٤٢١١ هـ.\n٣٢٣ - التعارض في الحديث للدكتور لطفي بن محمد الزعير، الناشر: مكتبة العبيكان للنشر بالرباض، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٣٢٤ - التعريفات للعلامة علي بن محمد الشريف الجرجاني (ت: ٨١٦ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد عبد الرحمن المرعشلي، الناشر: دار النفائس ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n٣٢٥ - تعظيم الفتيا للإمام أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزى (ت: ٥٩٧ هـ)، تحقيق: مشهور حسن آل سلمان، الناشر: مكتبة التوحيد بالبحرين، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.","vol":"3","page":1552},{"text":"٣٢٦ - تعليق الشيخ عبد الله دراز (ت: ١٩٣٢ هـ) على الموافقات للشاطبي، مطبوع مع الموافقات للشاطبي.\n٣٢٧ - التعليقات السنية على الفوائد البهية في تراجم الحنفية للشيخ أبي الحسنات محمد عبد الحي بن محمد عبد الحليم اللكنوي (ت: ١٣٠٤ هـ)، اعتنى به: نعيم أشرف نور أحمد، الناشر: إدارة القرآن والعلوم الإسلامية بكراتشي، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n٣٢٨ - تعليل الأحكام عرض وتحليل لطريقة التعليل وتطوراتها في عصور الاجتهاد للأستاذ محمد شلبي، الناشر: دار النهضة العربية ببيروت.\n٣٢٩ - التعليم والإرشاد لمحمد بدر الدين النعساني الحلبي (ت: ١٣٦٣ هـ)، اعتنى به: حسن السماحي سويدان، الناشر: دار القادري للنشر والتوزيع بدمشق، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ.\n٣٣٠ - التعيين في شرح الأربعين لنجم الدين أبي الربيع سليمان بن عبد القوي الطوفي الحنبلي (ت: ٧١٦ هـ)، تحقيق: أحمد حاج عثمان، الناشر: مؤسسة الريان للنشر والتوزيع ببيروت، والمكتبة المكية بمكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n٣٣١ - تغليق التعليق على صحيح البخاري للحافظ أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ)، تحقيق: سعيد عبد الرحمن موسى القزقي، الناشر المكتب الإسلامي بدمشق، ودار عمار بالأردن، الطبعة الثانية، ١٤٢٠ هـ.\n٣٣٢ - تغير الاجتهاد للدكتور وهبة الزحيلي، الناشر: دار المكتبي بدمشق، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n٣٣٣ - التفريع لأبي القاسم عبيد الله بن الحسين بن الحسن الجلاب (ت: ٣٧٨ هـ)، تحقيق: حسين سالم الدهماني، الناشر: دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n٣٣٤ - التفريق بين الأصول والفروع للدكتور سعد بن ناصر الشثري، الناشر: دار المسلم للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.","vol":"3","page":1553},{"text":"٣٣٥ - تفسير القرآن العظيم للحافظ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت: ٧٧٤ هـ)، تحقيق: سامي السلامة، الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الثانية ١٤٢٢ هـ.\n٣٣٦ - تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا (ت: ١٣٥٤ هـ)، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ببيروت، الطبعة الثانية.\n٣٣٧ - تقريب التهذيب للحافظ أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ)، تحقيق: محمد عوامة، الناشر: دار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\n٣٣٨ - تقريب الوصول إلى علم الأصول لأبي القاسم محمد بن أحمد بن جزي الكلبي الغرناطي المالكي (ت: ٧٤١ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد المختار الشنقيطي، الناشر: مكتبة ابن تيمية بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n٣٣٩ - التقريب بين أهل السنة والشيعة: ما له وما عليه للدكتور أحمد سيد أحمد علي، الناشر: دار اليقين للنشر والتوزيع بمصر، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ.\n٣٤٠ - التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية للعلامة أبي محمد علي بن حزم الظاهري (ت: ٤٥٧ هـ)، تحقيق: عبد الحق بن ملا التركماني، الناشر: مركز البحوث الإسلامية بالسويد، ودار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٣٤١ - التقريب والإرشاد الصغير للعلامة القاضي أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني (ت: ٤٠٣ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الحميد أبو زيند، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٨ هـ.\n٣٤٢ - التقريب والإرشاد في أصول الفقه إملاء العلامة القاضي أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني (ت: ٤٠٣ هـ)، (الجزء الأخير)، قدم له، وحقق نصه، وعلق عليه: الدكتور محمد بن عبد الرزاق الدويش عام ١٤١٥ هـ غير منشور.\n٣٤٣ - تقرير القواعد وتحرير الفوائد للحافظ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد الشهير بابن رجب الحنبلي (ت: ٧٩٥ هـ)، تحقيق: مشهور حسن آل سلمان، الناشر: دار ابن عفان بالخبر، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.","vol":"3","page":1554},{"text":"٣٤٤ - التقرير لأصول فخر الإسلام البزدوي لأكمل الدين محمد بن محمود البابرتي الحنفي (ت: ٧٨٦ هـ)، تحقيق: الأستاذ الدكتور عبد السلام صبحي حامد، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة الكويت، ١٤٢٦ هـ.\n٣٤٥ - التقرير والتحبير لابن أمير الحاج (ت: ٨٧٩ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ.\n٣٤٦ - تقريرات الشربيني على جمع الجوامع لابن السبكي لعبد الرحمن بن محمد الشربيني (ت: ١٠١٤ هـ)، مطبوعة مع حاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع.\n٣٤٧ - تقريرات عليش المالكي (ت: ١٢٩٩ هـ) على حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، مطبوعة مع حاشية الدسوقي.\n٣٤٨ - التقليد في الشريعة الإسلامية لعبد الله بن عمر محمد الأمين الشنقيطي، الناشر: دار البخاري للنشر والتوزيع بالمدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n٣٤٩ - التقليد وأحكامه للدكتور سعد بن ناصر الشثري، الناشر: دار الوطن بالرياض، ودار الغيث، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\n٣٥٠ - التقليد والإفتاء والاستفتاء للشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي، الناشر: كنوز إشبيليا بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n٣٥١ - تقويم أصول الفقه وتحديد أدلة الشرع للقاضي أبي زيد عبيد الله بن عمر الدبوسي (٤٣٠ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الرحيم يعقوب، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ.\n٣٥٢ - تكملة شرح المهذب لتقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي (ت: ٧٥٦ هـ)، مطبوع مع المجموع شرح المهذب للنووي.\n٣٥٣ - التكملة لكتاب الصلة لأبي عبد الله محمد بن عبد الله القضاعي المعروف بابن الأبار (ت: ٦٥٨ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد السلام هراس، الناشر: دار الفكر ببيروت، ١٩٩٥ م.\n٣٥٤ - التكملة لوفيات النقلة لأبي محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري","vol":"3","page":1555},{"text":"(ت: ٦٥٦ هـ)، تحقيق: الدكتور بشار معروف عواد، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الثالثة ١٤٠١ هـ.\n٣٥٥ - التكييف الأصولي وأثره في النوازل المعاصرة للأستاذ الدكتور عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس، الناشر: معهد البحوث العلمية وإحياء التراث بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤٣١ هـ.\n٣٥٦ - التكييف الفقهي للوقائع المستجدة وتطبيقاته الفقهية للدكتور محمد عثمان شبير، الناشر: دار القلم بدمشق، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n٣٥٧ - التلخيص لأبي العباس أحمد بن أبي أحمد الطبري، المعروف بابن القاص (ت: ٣٣٥ هـ)، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلي معوض، الناشر: مكتبة نزار مصطفى الباز بمكة المكرمة، الطبعة الأولى.\n٣٥٨ - التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير للحافظ أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد الثاني بن عمر بن موسى، الناشر: دار أضواء السلف بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٣٥٩ - التلخيص في أصول الفقه لإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني (ت: ٤٨٧ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الله النيبلي، وشبير العمري، الناشر: دار البشائر الإسلامية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n٣٦٠ - التلخيص لمستدرك الحاكم لشمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ)، مطبوع بحاشية المستدرك للحاكم.\n٣٦١ - التلخيص لوجوه التخليص للعلامة أبي محمد علي بن حزم الظاهري (ت: ٤٥٧ هـ)، حققه وعلق عليه: عبد الحق التركماني، الناشر: مركز البحوث الإسلامية ودار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n٣٦٢ - التمذهب لعبد الفتاح بن صالح اليافعي، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n٣٦٣ - التمذهب الفقهي بين الغالين فيه والجافين عنه للدكتور عطية فياض، بحث منشور على الشبكة العنكبوتية (الإنترنت).","vol":"3","page":1556},{"text":"٣٦٤ - التمهيد في أصول الفقه للعلامة أبي الخطاب محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني الحنبلي (ت: ٥١٠ هـ)، تحقيق: الدكتور مفيد محمد أبو عمشة والدكتور محمد بن علي بن إبراهيم، الناشر: جامعة أم القرى بمكة المكرمة، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n٣٦٥ - التمهيد في تخريج الفروع على الأصول للإمام جمال الدين أبي محمد بن الحسن الإسنوي (ت: ٧٧٢ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد حسن هيتو، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الرابعة، ١٤٠٧ هـ.\n٣٦٦ - تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية لمصطفى عبد الرازق، الناشر: مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة.\n٣٦٧ - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد للعلامة أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر (ت: ٤٦٣ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز هجر للبحوث والدراسات العربية والإسلامية، الناشر: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n٣٦٨ - تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل لأبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (ت: ٧٢٨ هـ)، تحقيق: علي بن محمد العمران ومحمد عزير شمس، الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع بمكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n٣٦٩ - تنزيه السنة والقرآن عن أن يكونا من أصول الضلال والكفران للشيخ أحمد بن حجر آل بو طامي البنعلي (ت: ١٤٢٣ هـ)، الناشر: دار الصميعي للنشر والتوزيع بالرياض، ومكتبة ابن القيم بقطر، ١٤١٣ هـ.\n٣٧٠ - التنظير الفقهي للدكتور جمال عطية، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n٣٧١ - تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق للعلامة أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي (ت: ٧٤٤ هـ)، تحقيق: سامي بن محمد جاد الله وعبد العزيز الخياني، الناشر: دار أضواء السلف بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.","vol":"3","page":1557},{"text":"٣٧٢ - تنقيح الفتاوى الحامدية للعلامة محمد أمين بن عمر الحنفي المعروف بابن عابدين (ت: ١٢٥٢ هـ)، الناشر: دار المعرفة ببيروت.\n٣٧٣ - التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل للشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (ت: ١٣٨٦ هـ)، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ.\n٣٧٤ - تهذيب الأجوبة لأبي عبد الله الحسن بن حامد البغدادي الحنبلي (ت: ٤٠٣ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد العزيز بن محمد القايدي، الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ومكتبة العلوم والحكم، بالمدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n٣٧٥ - تهذيب الأسماء واللغات للإمام أبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت: ٦٧٦ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية.\n٣٧٦ - تهذيب التهذيب للحافظ أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ)، اعتنى به: إبراهيم الزيبق وعادل مرشد، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\n٣٧٧ - تهذيب السنن لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (ت: ٧٥١ هـ)، تحقيق: الدكتور إسماعيل مرحبا، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٣٧٨ - تهذيب الكمال في أسماء الرجال للحافظ جمال الدين أبي الحجاج يوسف المزي (ت: ٧٤٢ هـ)، تحقيق: الدكتور بشار عواد، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n٣٧٩ - تهذيب اللغة لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت: ٣٧٠ هـ)، تحقيق: عبد السلام هارون.\n٣٨٠ - توصيف الأقضية في الشريعة الإسلامية - دراسة شرعية لأصول وفروع تنزيل الأحكام الكلية على الوقائع القضائية والفتوية للشيخ عبد الله بن محمد آل خنين، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n٣٨١ - توضيح الأفكار للعلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني","vol":"3","page":1558},{"text":"(ت: ١١٨٢ هـ)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، الناشر: دار إحياء التراث ببيروت، الطبعة الأولى، ١٣٦٦ هـ.\n٣٨٢ - التوضيح شرح التنقيح للعلامة عبيد الله بن مسعود الملقب بصدر الشريعة الحنفي (ت: ٧٤٧ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية.\n٣٨٣ - التوضيح على جامع الأمهات للعلامة خليل بن إسحاق المالكي (ت: ٧٦٧ هـ)، تحقيق: الدكتور أحسن زقور، الناشر: دار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٣٨٤ - التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقح للعلامة للعلامة أحمد بن محمد الشويكي (ت: ٩٣٩ هـ)، تحقيق: الدكتور ناصر بن عبد الله الميمان، الناشر: المكتبة المكية بمكة المكرمة، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ.\n٣٨٥ - التوضيح لشرح الجامع الصحيح لسراج الدين أبي حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري، المعروف بابن الملقن (ت: ٨٠٤ هـ)، تحقيق: دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ.\n٣٨٦ - التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح للشيخ محمد الطاهر بن عاشور (ت: ١٣٩٤ هـ)، الناشر: طبعة النهضة نهج الجزيرة بتونس، الطبعة الأولى ١٣٤١ هـ.\n٣٨٧ - التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح للشيخ محمد الطاهر بن عاشور (ت: ١٣٩٤ هـ)، الناشر: طبعة النهضة نهج الجزيرة بتونس، الطبعة الأولى ١٣٤١ هـ.\n٣٨٨ - التوقف عند الفقهاء - دراسة تأصيلية تحليلة للدكتور قطب الريسوني، الناشر: دار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٣٨٩ - التوقف وأثره في اختلاف الفقهاء - دراسة فقهية مقارنة لمحمود حربي عبد الفتاح شعبان، الناشر: دار المحدثين بالقاهرة، ومكتبة الأصالة والتراث بالإمارات العربية المتحدة.\n٣٩٠ - التوقيف على مهمات التعاريف للعلامة محمد عبد الرؤوف المناوي","vol":"3","page":1559},{"text":"(ت: ١٠٣١ هـ)، تحقيق: محمد رضوات الداية، الناشر: دار الفكر بدمشق، الطبعة الأولى ١٤٢٣ هـ.\n٣٩١ - تيسير الاجتهاد للعلامة جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت: ٩١١ هـ)، تحقيق: الدكتور فؤاد عبد المنعم أحمد، الناشر: المكتبة التجارية لمصطفى الباز بمكة المكرمة.\n٣٩٢ - تيسير التحرير لمحمد أمين المعروف بأمير باد شاه الحسيني الحنفي (ت: ٩٨٧ هـ)، الناشر: مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، ١٣٥١ هـ.\n٣٩٣ - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ت: ١٣٧٦ هـ)، اعتنى به: سعد بن فواز الصميل، الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع بالدمام، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n٣٩٤ - تيسيرات لغوية للدكتور شوقي ضيف، الناشر: دار المعارف بالقاهرة، الطبعة الأولى.\nحرف الثاء\n٣٩٥ - الثقات للإمام الحافظ أبي حاتم محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي (ت: ٣٥٤ هـ)، الناشر: مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد بالهند، الطبعة الأولى، ١٣٩٨ هـ.\nحرف الجيم\n٣٩٦ - جامع الأمهات للعلامة جمال الدين أبي عمر عثمان بن عمر بن الحاجب (ت: ٦٤٦ هـ)، تحقيق: الأخضر الأخضري، الناشر: دار اليمامة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n٣٩٧ - جامع البيان عن تأويل آي القران للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات بدار هجر، الناشر: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ.\n٣٩٨ - جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم للحافظ","vol":"3","page":1560},{"text":"زين الدين عبد الرحمن بن أحمد الشهير بابن رجب الحنبلي (ت: ٧٩٥ هـ)، تحقيق: طارق عوض الله، الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع بالدمام، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\n٣٩٩ - جامع المسائل (المجموعة الثامنة) لأبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (ت: ٧٢٨ هـ)، تحقيق: محمد عزير شمس، الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع بمكة، الطبعة الأولى، ١٤٣٢ هـ.\n٤٠٠ - جامع بيان العلم وفضله للعلامة أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر (ت: ٤٦٣ هـ)، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع بالدمام، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n٤٠١ - الجامع في السنن والآداب والحِكَم والمنازي والتاريخ وغير ذلك للعلامة أبي محمد عبد الله بن أبي زيد عبد الرحمن القيرواني (ت: ٣٨٦ هـ)، تحقيق: عبد المجيد تركي، الناشر: دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الثانية، ١٩٩٠ م.\n٤٠٢ - جامع كرامات الأولياء ليوسف بن إسماعيل النبهاني (ت: ١٣٥٠ هـ)، تحقيق: إبراهيم عطوة عوض، الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع ببيروت.\n٤٠٣ - الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة والفرقان، لأبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي (ت: ٦٧١ هـ)، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ.\n٤٠٤ - الجامع لشعب الإيمان للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت: ٤٥٨ هـ)، تحقيق: مختار أحمد الندوي، الناشر: الدار السلفة بالهند، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\n٤٠٥ - الجامع للإمام أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي (ت: ٣٧٩ هـ)، اعتنى به: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ورجعت أيضًا إلى تحقيق الشيخ أحمد شاكر لجامع الترمذي، الناشر: دار الكتب العلمية ببيروت.","vol":"3","page":1561},{"text":"٤٠٦ - جامع مسائل الأحكام لما نزل من القضايا بالمفتين والحكام لأبي القاسم بن أحمد البلوي التونسي المعروف بالبرزلي (ت: ٨٤٤ هـ)، تحقيق: الأستاذ الدكتور محمد الحبيب الهيلة، الناشر: دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الأولى، ٢٠٠٢ م.\n٤٠٧ - الجدل عند الأصوليين بين النظرية والتطبيق للدكتور مسعود بن موسى فلوسي، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n٤٠٨ - الجدل للعلامة أبي الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي الحنبلي (ت: ٥١٣ هـ)، تحقيق: الدكتور علي العميريني، الناشر: مكتبة التوبة بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n٤٠٩ - الجديد في تاريخ الفقه الإسلامي للأستاذ الدكتور محمد مصطفى إمبابي، الناشر: دار المنار للنشر والتوزيع بالقاهرة، ١٤٠٦ هـ.\n٤١٠ - جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس لأبي عبد الله محمد بن فتوح بن عبد الله الحميدي (ت: ٤٨٨ هـ)، تحقيق: الدكتور بشار عواد معروف ومحمد بشار عواد، الناشر: دار الغرب الإسلامي بتونس، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ.\n٤١١ - الجرح والتعديل للإمام أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس الحنظلي الرازي (ت: ٣٢٧ هـ)، الناشر: دار الفكر.\n٤١٢ - جزء في كيفية النهوض في الصلاة للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد (ت: ١٤٢٩ هـ)، مطبوع ضمن: الأجزاء الحديثية، الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n٤١٣ - جزيل المواهب في اختلاف المذاهب للعلامة جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت: ٩١١ هـ)، تحقيق: عبد القيوم بن محمد شفيع البستوي، الناشر: دار الاعتصام بالقاهرة.\n٤١٤ - الجعديات حديث علي بن الجعد الجوهري لأبي القاسم عبد الله بن محمد البغوي (ت: ٣١٧ هـ)، تحقيق: الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب، الناشر: مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.","vol":"3","page":1562},{"text":"٤١٥ - جلاء العينين في محاكمة الأحمدين لأبي البركات نعمان خير الدين الشهير بالألوسي البغدادي (ت: ١٣١٧ هـ)، الناشر: مطبعة المدني بالقاهرة، ودار المدني بجدة.\n٤١٦ - الجماعات الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة بفهم السلف لأبي أسامة سليم بن عيد الهلالي، الناشر دار الإمام أحمد، والدار الأثرية بالأردن، ١٤٢٥ هـ.\n٤١٧ - جمال الدين القاسمي، أحد علماء الإصلاح الحديث بالشام للدكتور نزار أباظة، الناشر: دار القلم بدمشق، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n٤١٨ - جمع الجوامع في أصول الفقه للعلامة تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي (ت: ٧٧١ هـ)، تحقيق: عبد المنعم خليل إبراهيم، الناشر: دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٤١٩ - الجمع والفرق للإمام أبي محمد عبد الله بن يوسف الجويني (ت: ٤٣٨ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الرحمن بن سلامة المزيني، الناشر: دار الجيل للنشر والطباعة والتوزيع ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n٤٢٠ - جمهرة اللغة لأبي بكر محمد بن الحسن بن دريد (ت: ٣٢١ هـ)، تحقيق: الدكتور رمزي منير بعلبكي، الناشر: دار العلم للملايين ببيروت الطبعة الأولى، ١٩٨٧ م.\n٤٢١ - جمهرة تراجم الفقهاء المالكية (الحلقة الأولى رجال المالكية من كتاب ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض) للدكتور قاسم علي سعد، الناشر: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث بالإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n٤٢٢ - جناية التأويل الفاسد على العقيدة الإسلامية للدكتور محمد أحمد نوح، الناشر: دار ابن القيم للنشر والتوزيع، ودار ابن عفان للنشر والتوزيع بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n٤٢٣ - جهود الشيخ الألباني في الحديث لعبد الرحمن العيزري، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.","vol":"3","page":1563},{"text":"٤٢٤ - الجواهر الثمينة في بيان أدلة عالم بالمدينة للعلامة حسن بن محمد المشاط (ت: ١٣٩٩ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان، الناشر: دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤١١ هـ.\n٤٢٥ - الجواهر المضية في طبقات الحنفية لمحيي الدين أبي محمد عبد القادر بن محمد بن محمد القرشي الحنفي (ت: ٧٧٥ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، ودار هجر للطباعة والنشر والتوزيع بمصر، الطبعة الثانية، ١٤١٣ هـ.\n٤٢٦ - الجوهر المنضد في طبقات متأخري أصحاب أحمد للعلامة أبي المحاسن يوسف بن الحسن بن عبد الهادي الدمشق، المعروف بابن المبرد (ت: ٩٠٩ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، الناشر: مكتبة العبيكان بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\nحرف الحاء\n٤٢٧ - حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (ت: ٧٥١ هـ)، تحقيق: زائد بن أحمد النشري، الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع بمكة المكرمة، الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ.\n٤٢٨ - حاشية ابن قندس على الفروع لابن مفلح لأبي بكر بن إبراهيم بن يوسف البعلي المعروف بابن قندس (ت: ٨٦١ هـ)، مطبوعة مع الفروع لابن مفلح.\n٤٢٩ - حاشية أحمد بن محمد الصاوي المالكي (ت: ١٢٤١ هـ) على تفسير الجلالين، راجع تصحيحها: الشيخ علي محمد الضباع شيخ القراء بالديار المصرية، الناشر: شركة مكتبة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة الأخيرة، ١٣٦٠ هـ.\n٤٣٠ - حاشية البناني (ت: ١١٩٨ هـ) على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع، الناشر: مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة الثانية، ١٣٥٦ هـ.\n٤٣١ - حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للعلامة شمس الدين محمد عرفة","vol":"3","page":1564},{"text":"الدسوقي (ت: ١٢٣٠ هـ)، الناشر: دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر ببيروت.\n٤٣٢ - حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع للشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي (ت: ١٣٩٢ هـ)، الطبعة الرابعة، ١٤١٠ هـ.\n٤٣٣ - حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع، للشيخ حسن العطار (ت: ١٢٥٠ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية.\n٤٣٤ - حاشية المغربي الرشيدي على نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج لأحمد بن عبد الرزاق بن محمد المعروف بالمغربي الرشيدي (ت: ١٠٩٦ هـ)، مطبوعة مع نهاية المحتاج للرملي.\n٤٣٥ - حاشية زكريا الأنصاري (ت: ٩٢٦ هـ) على شرح المحلي على جمع الجوامع، تحقيق: عبد الحفيظ بن طاهر الجزائري، الناشر: مكتبة الرشد، بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٤٣٦ - حاشية سعد الدين التفتازاني (ت: ٧٩٢ هـ) على شرح عضد الدين الإيجي على مختصر ابن الحاجب، مطبوعة مع شرح عضد الدين الإيجي.\n٤٣٧ - حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل للعلامة أبي الحسن نور الدين محمد بن عبد الهادي السندي (ت: ١١٣٨ هـ)، اعتنى بها: نور الدين طالب، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n٤٣٨ - حاشيتا قليوبي وعميرة لشهاب الدين قليوبي (ت: ١٠٦٩ هـ) والشيخ عميرة (ت: ٩٥٧ هـ) على شرح العلامة جلال الدين المحلي على منهاج الطالبين للشيخ محيي الدين النووي في فقه مذهب الإمام الشافعي، الناشر: مطبعة إحياء الكتب العربية لأصحابها عيسى البابي الحلبي وشركاؤه بمصر.\n٤٣٩ - الحاصل من المحصول في أصول الفقه لتاج الدين أبي عبد الله محمد بن الحسين الأرموي (ت: ٦٥٣ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد السلام أبو ناجي، الناشر: جامعة قان يونس بنغازي، ١٩٩٤ م.\n٤٤٠ - حاضر العالم الإسلامي لوثرب الأمريكي، نقله إلى العربية عجاج نويهض، الناشر: مكتبة ابن تيمية بالقاهرة.","vol":"3","page":1565},{"text":"٤٤١ - الحاوي الكبير للعلامة أبي الحسن علي بن محمد الماوردي الشافعي (ت: ٤٥٠ هـ)، تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي معوض، الناشر: دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ.\n٤٤٢ - الحاوي للفتاوي للعلامة جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت: ٩١١ هـ)، الناشر: دار الكتاب العربي ببيروت.\n٤٤٣ - حجة الله البالغة لشاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي (ت: ١١٧٦ هـ)، تحقيق: الدكتور عثمان ضميرية، الناشر: مكتبة الكوثر للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n٤٤٤ - حجة الوداع للعلامة أبي محمد علي بن حزم الظاهري (ت: ٤٥٧ هـ)، تحقيق: عبد الحق بن مُلا حقي التركماني، الناشر: دار ابن حزم ببيروت، ومركز البحوث الإسلامية بالسويد، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ\n٤٤٥ - الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة للعلامة أبي يحيى زكريا الأنصاري الشافعي (ت: ٩٢٦ هـ)، تحقيق: الأستاذ الدكتور عبد الرؤوف خرابشة، الناشر: دار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٤٤٦ - الحدود في الأصول للعلامة أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي (ت: ٤٧٤ هـ)، تحقيق: نزيه حماد، الناشر: دار الآفاق العربية، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ.\n٤٤٧ - الحديث الضعيف وحكم الاحتجاج به للدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، الناشر: مكتبة المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الثانية، ١٤٢٦ هـ.\n٤٤٨ - حسن التقاضي في سيرة الأمام أبي يوسف القاضي، لمحمد زاهد الكوثري (ت: ١٣٧١ هـ)، قام بطبعها ونشرها راتب حاكمي، ١٣٨٨ هـ.\n٤٤٩ - حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة للعلامة جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت: ٩١١ هـ)، تحقيق: الدكتور علي محمد عمر، الناشر: مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٤٥٠ - حصول المأمول من علم الأصول للعلامة محمد صديق بن حسن","vol":"3","page":1566},{"text":"القنوجي (ت: ١٣٠٧ هـ)، تحقيق: أحمد مصطفى الطهطاوي، الناشر: دار الفضيلة للنشر والتوزيع بالقاهرة.\n٤٥١ - حقيقة البدعة وأحكامها لسعيد بن ناصر الغامدي، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الرابعة، ١٤٢١ هـ.\n٤٥٢ - حقيقه الكلام في احتجام الصوام للشيخ فريح بن صالح البهلال، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n٤٥٣ - حكم التقليد والتمذهب - حكم التعصب فيهما للشيخ أحمد بن حجر آل بو طامي البنعلي (ت: ١٤٢٣ هـ)، مطبوع مع سبيل الجنة بالتمسك بالقرآن والسنة.\n٤٥٤ - الحكم الوضعي عند الأصوليين لسعيد بن علي الحميري، الناشر: المكتبة الفيصلية بمكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n٤٥٥ - الحلة السيراء لأبي عبد الله محمد بن عبد الله القضاعي المعروف بابن الأبار (ت: ٦٥٨ هـ)، تحقيق: الدكتور حسين مؤنس، الناشر: دار المعارف بالقاهرة، الطبعة الثانية، ١٩٨٥ م.\n٤٥٦ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء للحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني (ت: ٤٣٠ هـ)، الناشر: دار الفكر للنشر والتوزيع.\n٤٥٧ - حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر لعبد الرزاق البيطار (ت: ١٣٣٥ هـ)، تحقيق: محمد البيطار، الناشر: دار صادر ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٣ هـ.\n٤٥٨ - حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء لسيف الدين أبي بكر محمد بن أحمد الشاشي القفال (ت: ٥٠٧ هـ)، تحقيق: الدكتور ياسين أحمد درادكة، الناشر: مكتبة الرسالة الحديثة، الطبعة الأولى، ١٩٨٨ م.\n٤٥٩ - الحماسة البصرية لصدر الدين علي بن أبي الفرج بن الحسن البصري (ت: ٦٥٦ هـ)، تحقيق: الدكتور عادل سليمان جمال، الناشر: مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n٤٦٠ - حياة الألباني وآثاره وثناء العلماء علي لمحمد بن إبراهيم الشيباني، الناشر: الدار السلفية بالكويت، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.","vol":"3","page":1567},{"text":"٤٦١ - الحياة العلمية في إفريقية \"المغرب الأدنى\" منذ إتمام الفتح وحتى منتصف القرن الخامس الهجري \"٩٠/ ٤٥٠ هـ\" للدكتور يوسف بن أحمد حواله، الناشر: جامعة أم القرى، معهد البحوث العلمية، مركز بحوث الدراسات الإسلامية، ١٤٢١ هـ.\n٤٦٢ - الحياة العلمية في صقلية الإسلامية للدكتور علي بن محمد الزهراني، الناشر: جامعة أم القرى، معهد البحوث وإحياء التراث الإسلامي، ١٤١٧ هـ.\n٤٦٣ - الحياة العلمية في عصر الخلافة في الأندلس (٣١٦ - ٤٢٢ هـ) للدكتور سعد بن عبد الله البشري، الناشر: جامعة أم القرى بمكة المكرمة، معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n٤٦٤ - الحيل الشرعية بين الحظر والإباحة لنشوة العلواني، الناشر: دار إقرأ بسورية، الطبعة الأولى، ١٤٣٢ هـ.\n٤٦٥ - الحيل الفقهية - ضوابطها وتطبيقاتها على الأحوال الشخصية للدكتور صالح إسماعيل بوبشيش، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n٤٦٦ - الحيل الفقهية في المعاملات المالية لمحمد بن إبراهيم، الناشر: دار سحنون للنشر والتوزيع بتونس، ودار السلام للنشر والتوزيع بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ.\n٤٦٧ - الحيل في الشريعة الإسلامية وشرح ما ورد فيها من الآيات والأحاديث (أو: كشف النقاب عن موقع الحيل من السنة والكتاب) للشيخ محمد عبد الوهاب بحيري، الناشر: مطبعة السعادة، الطبعة الأولى، ١٣٩٤ هـ.\n٤٦٨ - الحيل وأثرها في الأحوال الشخصية - دراسة نظرية تطبيقية للدكتور إيهاب أحمد أبو الهيجاء، الناشر: دار النفائس بالأردن.\nحرف الخاء\n٤٦٩ - خبر الواحد إذا خالف عمل أهل المدينة - دارسةً وتطبيقًا للدكتور حسان بن محمد فلمبان، الناشر: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث بالإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.","vol":"3","page":1568},{"text":"٤٧٠ - خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب لعبد القادر بن عمر البغدادي (ت: ١٠٩٣ هـ)، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، الناشر: مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الرابعة، ١٤١٨ هـ.\n٤٧١ - الخصائص لأبي الفتح عثمان بن جني (ت: ٣٩٢ هـ)، تحقيق: محمد علي النجار، الناشر: دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد، الطبعة الرابعة.\n٤٧٢ - خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول لشهاب الدين أبي محمد عبد الرحمن بن إسماعيل الشافعي، المعروف بأبي شامة المقدسي (ت: ٦٦٥ هـ)، تحقيق: جمال غزون، الناشر: دار أضواء السلف بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n٤٧٣ - خطط الشام لمحمد كرد علي (ت: ١٣٧٢ هـ)، الناشر: مكتبة ابن تيمية بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٤٧٤ - خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر لمحمد أمين بن فضل الله المحبي الحنفي (ت: ١١١١ هـ)، تحقيق: محمد حسن إسماعيل، الناشر: دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n٤٧٥ - خلاصة الأحكام في مهمات السنن وقواعد الإسلام للإمام أبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت: ٦٧٦ هـ)، تحقيق: حسين إسماعيل الجمل، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n٤٧٦ - خلاصة العسجد من حوادث دولة الشريف محمد بن أحمد لعبد الرحمن البهلكي (ت: ١٢٤٨ هـ)، تحقيق: ميشيل توشيرير، وعدنان درويش، ٢٠٠٠ م.\n٤٧٧ - الخلافيات للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت: ٤٥٨ هـ)، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، الناشر: دار الصميعي للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\nحرف الدال\n٤٧٨ - الداء والدواء لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (ت: ٧٥١ هـ)، تحقيق: محمد أجمل الإصلاحي، الناشر: دار عالم الفوائد بمكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ.","vol":"3","page":1569},{"text":"٤٧٩ - در الغمام الرقيق برسائل الشيخ السيد أحمد بن الصديق لعبد الله بن عبد القادر التليدي، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٤٨٠ - الدر الفريد في بيان حكم التقليد لشهاب الدين أحمد بن محمد الحموي الحنفي (ت: ١٠٩٨ هـ)، تحقيق: عبد الكريم عمر الشاقي العاني، الناشر: مكتبة الأصالة والتراث بالإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ.\n٤٨١ - الدر المنثور في التفسير بالمأثور للعلامة جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت: ٩١١ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز هجر للبحوث والدراسات العربية والإسلامية، الناشر: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n٤٨٢ - الدر المنضد في ذكر أصحاب الإمام أحمد لمجير الدين عبد الرحمن بن محمد العليمي الحنبلي (ت: ٩٢٨ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، الناشر: مكتبة التوبة بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\n٤٨٣ - الدر النضيد في أدب المفيد والمستفيد للعلامة بدر الدين محمد بن محمد الغزي (ت: ٩٨٤ هـ)، اعتنى به: عبد الله محمد الكندري، الناشر: دار البشائر الإسلامية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n٤٨٤ - الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي للعلامة أبي المحاسن يوسف بن الحسن بن عبد الهادي الدمشق، المعروف بابن المبرد (ت: ٩٠٩ هـ)، تحقيق: الدكتور رضوان مختار بن غريبة، الناشر: دار المجتمع بجدة، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ.\n٤٨٥ - درء تعارض العقل والنقل لأبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (ت: ٧٢٨ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم، الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة الأولى، ١٤٠٠ هـ.\n٤٨٦ - دراسات اللبيب في الأسوة بالحبيب للشيخ محمد المعين بن محمد الأمين السندي (ت: ١٠٦١ هـ)، تحقيق: محمد عبد الرشيد النعماني، الناشر: دار الكتبي.","vol":"3","page":1570},{"text":"٤٨٧ - دراسات عن الإباضية للدكتور عمرو خليفة النامي، ترجمة ميخائيل خوري، الناشر: دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الأولى، ٢٠٠١ م.\n٤٨٨ - دراسات في الاجتهاد وفهم النص للدكتور عبد المجيد محمد السوسوه، الناشر: دار البشائر الإسلامية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n٤٨٩ - دراسة تاريخية للفقه وأصوله والاتجاهات التي ظهرت فيهما للدكتور مصطفى سعيد الخن، الناشر: الشركة العربية المتحدة للتوزيع بسورية، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ.\n٤٩٠ - دراسة تحليلية مؤصلة لتخريج الفروع على الأصول عند الأصوليين والفقهاء لجبريل بن المهدي بن علي ميغا، رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في أصول الفقه بجامعة أم القرى، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، فرع الفقه وأصوله، إشراف الأستاذ الدكتور شعبان محمد إسماعيل، العام الجامعي: (١٤٢١ - ١٤٢٢ هـ).\n٤٩١ - دراسة موجزة عن مجلة الأحكام العدلية للدكتور شامل الشاهين، الناشر: دار غار حراء بسورية، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n٤٩٢ - الدراية في تخريج أحاديث الهداية للحافظ أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ)، تحقيق: عبد الله هاشم اليماني المدني، الناشر: دار المعرفة ببيروت.\n٤٩٣ - درة الحجال في أسماء الرجال لأبي العباس أحمد بن محمد المكناسي الشهير بابن القاضي (ت: ١٠٢٥ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد الأحمد أبو النور، الناشر: المكتبة العتيقة بتونس ودار التراث بالقاهرة.\n٤٩٤ - الدرر البهية في الرخص الشرعية - أحكامها وضوابطها لأسامة محمد الصلابي، الناشر: مكتبة الصحابة، الإمارات العربية المتحدة بالشارقة، ومكتبة الجيل بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n٤٩٥ - الدرر البهية في المسائل الفقهية للعلامة محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ)، تحقيق: عبد الله بن صالح العبيد، الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n٤٩٦ - درر الحكام شرح مجلة الأحكام لعلي حيدر (ت: ١٣٥٣ هـ)، تعريب","vol":"3","page":1571},{"text":"المحامي: فهمي الحسيني، الناشر: دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ.\n٤٩٧ - الدرر السنية في الأجوبة النجدية للشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي (ت: ١٣٩٢ هـ)، الطبعة الخامسة، ١٤١٤ هـ.\n٤٩٨ - درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة للعلامة تقي الدين أحمد بن علي المقريزي (ت: ٨٤٥ هـ)، تحقيق: الدكتور محمود الجليلي، الناشر: دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٣ هـ.\n٤٩٩ - الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة للحافظ أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ)، الناشر: دار الجيل ببيروت، ١٤١٤ هـ.\n٥٠٠ - الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع لشهاب الدين أحمد بن إسماعيل الكوراني (ت: ٨٩٣ هـ)، تحقيق: إلياس قبلان التركي، الناشر: دار صادر ببيروت، ومكتبة الإرشاد باستابول، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٥٠١ - الدعاء للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (ت: ٣٦٠ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد سعيد البخاري، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ.\n٥٠٢ - دقائق التصريف لأبي القاسم بن محمد بن سعيد المؤدب (ت: ٣٣٨ هـ)، تحقيق: الأستاذ الدكتور حاتم الضامن، الناشر: دار البشائر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n٥٠٣ - دلائل الأحكام من أحاديث الرسول - ﷺ - للشيخ بهاء الدين أبي المحاسن يوسف بن رافع بن شداد الشافعي (ت: ٦٣٢ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد شيخاني والدكتور زياد الأيوبي، الناشر: دار قتيبة للطباعة والنشر والتوزيع بدمشق، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\n٥٠٤ - الدليل الشافي على المنهل الصافي لجمال الدين أبي المحاسن يوسف بن تغري بردي (ت: ٨٧٤ هـ)، تحقيق: فهيم شلتون، الناشر: جامعة أم القرى، مركز البحث العلمي وإحياء التراث بمكة المكرمة.\n٥٠٥ - دليل الطالب على أرجح المطالب للعلامة محمد صديق بن حسن","vol":"3","page":1572},{"text":"القنوجي (١٣٠٧ هـ)، نقله من الفارسية إلى العربية ليث محمد، اعتنى به: الدكتور محمد لقمان السلفي، الناشر: دار الداعي للنشر والتوزيع بالرياض، ومركز العلامة عبد العزيز بن باز للدراسات الإسلامية بمدينة السلام بالهند، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n٥٠٦ - دور الفقهاء في الحياة السياسية والاجتماعية بالأندلس في عصري الإمارة والخلافة للدكتور خليل إبراهيم الكبيسي، الناشر: دار البشائر الإسلامية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n٥٠٧ - الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب للقاضي برهان الدين إبراهيم بن علي بن أبي القاسم بن محمد بن فرحون المالكي (ت: ٧٩٩ هـ)، تحقيق: الدكتور محمود أبو النور، الناشر: مكتبة دار التراث.\n٥٠٨ - الدين الخالص للعلامة محمد صديق بن حسن القنوجي (ت: ١٣٠٧ هـ)، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٥٠٩ - ديوان ابن الرومي أبي الحسن علي بن العباس بن جريج (ت: ٢٨٣ هـ)، تحقيق: الدكتور حسين نصار، الناشر: مطبعة دار الكتب بمصر، ١٩٧٦ م.\n٥١٠ - ديوان المعاني لأبي هلال الحسن بن عبد الله العسكري (ت: بعد ٣٩٥ هـ)، تحقيق: أحمد سليم غانم، الناشر: دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n٥١١ - ديوان النابغة الذبياني زياد بن عمرو (ت: ١٨ قبل الهجرة)، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الناشر: دار المعارف بمصر، الطبعة الثانية.\n٥١٢ - ديوان ذي الرمة غيلان بن عقبة العدوي (ت: ١١٧ هـ)، مطبوع مع شرحه أبي نصر الباهلي.\n٥١٣ - ديوان رؤبة بن العجاج (ت: ١٤٥ هـ)، مطبوع بعنوان: مجموع أشعار العرب، اعتنى به: وليم بن الورد البروسي، مطبوع في ليبييغ، مدينة برلين.\n٥١٤ - ديوان لبيد ربيعة العامرى (ت: ٤١ هـ)، الناشر: دار صادر ببيروت ١٣٨٦ هـ.\n٥١٥ - ديوان لقيط بن يعمر (ت نحو: ٢٥٠ قبل الهجرة)، تحقيق: عبد المعين خان، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، ودار الأمان، ١٣٩١ هـ.","vol":"3","page":1573},{"text":"حرف الذال\n٥١٦ - ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (شرح سنن النسائي الصغرى) للشيخ محمد بن علي بن آدم الأثيوبي المولوي، الناشر: دار آل بروم للنشر والتوزيع بمكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n٥١٧ - الذخيرة لشهاب الدين أبي العباس أحمد بن إدريس القرافي (ت: ٦٨٤ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد حجي، الناشر: دار الغرب الإسلامي بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٩٤ م.\n٥١٨ - ذكريات علي الطنطاوي (ت: ١٤٢٠ هـ)، الناشر: دار المنارة للنشر والتوزيع بجدة، الطبعة الخامسة، ٢٠٠٧ هـ.\n٥١٩ - ذم الكلام وأهله للإمام أبي إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي الهروي (ت: ٤٨١ هـ)، تحقيق: عبد الله بن محمد الأنصاري، الناشر: مكتبة الغرباء الأثرية بالمدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n٥٢٠ - ذيل الأعلام للزركلي لأحمد العلاونة، الناشر: دار المنارة للنشر والتوزيع بجدة، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n٥٢١ - الذيل على رفع الأصر لشمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي (ت: ٩٠٢ هـ)، تحقيق: الدكتور جودة هلال ومحمد صبيح، الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب ٢٠٠٠ م.\n٥٢٢ - الذيل على طبقات الحنابلة للحافظ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد الشهير بابن رجب الحنبلي (ت: ٧٩٥ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، الناشر: مكتبة العبيكان بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\nحرف الراء\n٥٢٣ - رؤوس المسائل الخلافية بين جمهور الفقهاء لأبي المواهب الحسين بن محمد العكبري الحنبلي (من علماء القرن الخامس)، تحقيق: الدكتور خالد الخشلان والدكتور ناصر السلامة، الناشر: دار إشبيليا للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٥٢٤ - رؤوس المسائل للعلامة جار الله أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري","vol":"3","page":1574},{"text":"(ت: ٥٣٨ هـ)، تحقيق: عبد الله نذير أحمد، الناشر: دار البشائر الإسلامية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n٥٢٥ - رافضة اليمن على مر الزمن لأبي نصر محمد عبد الله الإمام، الناشر: دار الحديث بمصر، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n٥٢٦ - رأي الأصوليين في المصالح المرسلة والاستحسان من حيثُ الحجية للأستاذ الدكتور زين العابدين العبد محمد النور، الناشر: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث بالإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n٥٢٧ - الرأي وأثره في الفقه الإسلامي في عصور ما قبل قيام المذاهب الفقهية للدكتور إدريس جمعه بشير، الناشر: دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة.\n٥٢٨ - الرأي وأثره في مدرسة المدينة - دراسة منهجية تطبيقية تثبتُ صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان للدكتور إسماعيل محمد ميقا، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n٥٢٩ - الرحلة إلى إفريقيا للشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ)، تحقيق: خالد عثمان السبت، الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع بمكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n٥٣٠ - الرحلة في طلب الحديث للإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (ت: ٤٦٣ هـ)، تحقيق: نور الدين عتر، الناشر: دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٣٩٥ هـ.\n٥٣١ - الرخص الشرعية وإثباتها بالقياس للأستاذ الدكتور عبد الكريم بن علي النملة، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الثانية، ١٤٢٢ هـ.\n٥٣٢ - الرخصة الشرعية في الأصول والقواعد الفقهية، ونماذج تطبيقية في فتاوى شرعية لبعض المعاملات المالية للدكتور عمر عبد الله كامل، الناشر: المكتبة المكية بمكة المكرمة، ودار حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n٥٣٣ - رد المحتار على الدر المختار للعلامة محمد أمين بن عمر الحنفي المعروف بابن عابدين (ت: ١٢٥٢ هـ)، تحقيق: الدكتور حسام الدين بن","vol":"3","page":1575},{"text":"محمد صالح الفرفور، الناشر: دار الثقافة والتراث بسورية، ومعهد جمعية الفتح الإسلامي بدمشق، شعبة البحوث والدراسات، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٥٣٤ - الرد على من اتبع غير المذاهب الأوبعة للحافظ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد الشهير بابن رجب الحنبلي (ت: ٧٩٥ هـ)، تحقيق: الدكتور الوليد بن عبد الرحمن آل فريان، الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع بمكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n٥٣٥ - الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أنَّ الاجتهاد في كل عصر فرض للعلامة جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت: ٩١١ هـ)، تحقيق: الدكتور فؤاد عبد المنعم أحمد، الناشر: مؤسسة شباب الجامعة للنشر والتوزيع، الإسكندرية، ١٤٠٥ هـ (ورجعت أيضًا إلى الطبعة التي بتحقيق: خليل الميس، الناشر: دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ).\n٥٣٦ - رسائل ابن نجيم الحنفي (ت: ٩٧٠ هـ) دراسة وتحقيق الأستاذ الدكتور محمد أحمد سراج والأستاذ الدكتور علي جمعة محمد، الناشر: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤١٩/ ١٤٢٠ هـ.\n٥٣٧ - رسائل الإصلاح للشيخ محمد الخضر حسين (ت: ١٣٧٧ هـ)، الناشر: دار الإصلاح بالدمام.\n٥٣٨ - رسائل ودراسات في الأهواء والافتراق والبدع وموقف السلف منها للدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل، الناشر: دار الوطن للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الثانية، ١٤٢٣ هـ.\n٥٣٩ - الرسالة للإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ)، تحقيق: أحمد محمد شاكر، الناشر: دار الكتب العلمية.\n٥٤٠ - رسالة الإمام أبي بكر البيهقي (ت: ٤٥٨ هـ) إلى الإمام أبي محمد الجويني (ت: ٤٣٨ هـ)، اعتنى بها: فراس بن خليل مشعل، الناشر: دار البشائر الإسلامية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٥٤١ - الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة للعلامة أبي عبد الله محمد بن جعفر الكتاني (ت: ١٣٤٥ هـ)، اعتنى به: محمد بن محمد","vol":"3","page":1576},{"text":"الكتاني، الناشر: دار البشائر الإسلامية ببيروت، الطبعة الخامسة، ١٤١٤ هـ.\n٥٤٢ - رسالة عن التلفيق للشيخ مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي (ت: ١٠٣٣ هـ)، مطبوعة مع كتاب التحقيق في بطلان التلفيق للشيخ محمد السفاريني.\n٥٤٣ - رسالة في أصول الفقه المنسوبة إلى أبي علي الحسن بن شهاب الحسن العكبري الحنبلي (ت: ٤٢٨ هـ)، تحقيق: الدكتور موفق عبد القادر، الناشر: المكتبة المكية بمكة المكرمة، والمكتبة البغدادية، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ (^١).\n٥٤٤ - رسالة في بيان الكتب التي يعول عليها وبيان طبقات علماء المذهب الحنفي للشيخ محمد بخيت المطيعي (ت: ١٣٥٤ هـ)، اعتنى بها: حسن السماجي سويدان، الناشر: دار القادري للطباعة والنشر والتوزيع بدمشق، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ.\n٥٤٥ - رسالة في الاجتهاد والتقليد للشيخ حمد بن ناصر بن معمر (ت: ١٢٢٥ هـ)، تحقيق: الدكتور عوض بن محمد القرني، الناشر: دار الأندلس الخضراء بجدة، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٥٤٦ - رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب للعلامة تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي (ت: ٧٧١ هـ)، تحقيق: علي معوض، وعادل عبد الموجود، الناشر: عالم الكتب ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n٥٤٧ - رفع العتاب والملام عمن قال: العمل بالضعيف اختيارًا حرام لأبي عبد الله محمد بن قاسم القادري الفاسي (ت: ١٣٣١ هـ)، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي، الناشر: دار الكتاب العربي ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n_________\n(^١) في نسبة الرسالة إلى ابي حفص العكبري نظرٌ، من جهة عدم ملائمة أسلوبها لعصر المؤلف، ولأنه لم يذكر في ترجمة العكبري أنه كان أصوليًا، والذي بيَّن لي إشكالية نسبة الرسالة إلى أبي حفص شيخي الفاضل الأستاذ الدكتور فهد السدحان، وقد بيَّن لي الدكتور هشام السعيد أنَّه توصّل إلى أنَّها لعبد الجبار بن عبد الخالق العَكبري (ت: ٦٨١ هـ)؛ لعدد من القرائن الدالة على ذلك.","vol":"3","page":1577},{"text":"٥٤٨ - رفع الملام عن الأئمة الأعلام لأبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (ت: ٧٢٨ هـ)، الناشر: مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، الطبعة الخامسة، ١٣٩٦ هـ.\n٥٤٩ - رفع النقاب عن تنقيح الشهاب لأبي علي حسين بن علي بن طلحة الرجراجي الشوشاوي (ت: ٨٩٩ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الرحمن الجبرين، والدكتور أحمد السراح، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n٥٥٠ - رفع اليدين في الصلاة لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (ت: ٧٥١ هـ)، تحقيق: علي بن محمد العمران، الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع بمكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤٣١ هـ.\n٥٥١ - الرفع والتكميل في الجرح والتعديل للشيخ أبي الحسنات محمد عبد الحي بن محمد عبد الحليم اللكنوي (ت: ١٣٠٤ هـ)، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، الناشر: مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب، الطبعة الثالثة، ١٤٠٧ هـ.\n٥٥٢ - الروح لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (ت: ٧٥١ هـ)، الناشر: الدكتور بسام العموش، الناشر: دار ابن تيمية للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الثانية ١٤١٢ هـ.\n٥٥٣ - الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - ﷺ - للعلامة محمد بن إبراهيم الوزير (ت: ٨٤٠ هـ)، اعتنى به: علي بن محمد العمران، الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع بمكة المكرمة، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ.\n٥٥٤ - روضة الطالبين وعمدة المفتين للإمام أبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت: ٦٧٦ هـ)، أشرف عليه: زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي بدمشق، الطبعة الثالثة، ١٤١٢ هـ.\n٥٥٥ - روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن\nحنبل لموفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي (ت: ٦٢٠ هـ)، تحقيق: الأستاذ الدكتور عبد الكريم النملة، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الرابعة، ١٤١٦ هـ.","vol":"3","page":1578},{"text":"٥٥٦ - روضة الناظرين عن مآثر علماء نجد وحوادث السنين لمحمد بن عثمان بن صالح بن عثمان القاضي، الناشر: مطبعة الحلبي بالقاهرة، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ.\n٥٥٧ - رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وإفريقية وزهادهم لأبي بكر عبد الله بن محمد المالكي (ت بعد سنة: ٤٦٠ هـ)، تحقيق: بشير البكوش، الناشر: دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ.\nحرف الزاي\n٥٥٨ - زاد المسير في علم التفسير للإمام أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ)، الناشر: المكتب الإسلامي بدمشق، الطبعة الرابعة، ١٤٠٧ هـ.\n٥٥٩ - زاد المعاد في هدي خير العباد لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (ت: ٧٥١ هـ)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط، النا شر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة العاشرة، ١٤٠٥ هـ.\n٥٦٠ - الزاهر في غريب ألفاظ الإمام الشافعي لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت: ٣٧٠ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد المنعم طوعي بشناني، الناشر: دار البشائر الإسلامية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n٥٦١ - زجر السفهاء عن تتبع رخص الفقهاء لجاسم الفهيد الدوسري، الناشر: دار البشائر الإسلامية ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٣ هـ.\n٥٦٢ - زوائد تاريخ بغداد على الكتب الستة لخلدون الأحدب، الناشر: دار القلم بدمشق، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n٥٦٣ - زوابع في وجه السنة قديمًا وحديثًا لصلاح الدين مقبول أحمد، الناشر: دار عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع بالرياض.\n٥٦٤ - رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام للإمام أبي حفصٍ تاج الدين عمر بن علي بن سالم الفاكهاني (ت: ٧٣١ هـ)، تحقيق ودراسة: نور الدين طالب، الناشر: دار النوادر بسوريا، الطبعة الأولى، ١٤٣٣١ هـ.","vol":"3","page":1579},{"text":"٥٦٥ - الزيدية: نشأتها ومعتقدها للقاضي إسماعيل بن علي الأكوع، الطبعة الثالثة، ١٤٢١ هـ.\nحرف السين\n٥٦٦ - سبيل الجنة بالتمسك بالقرآن والسنة للشيخ أحمد بن حجر آل بو طامي البنعلي (ت: ١٤٢٣ هـ)، الناشر: مكتبة منار السبيل للنشر والتوزيع بالقاهرة، الطبعة الثانية، ١٤٠٩ هـ.\n٥٦٧ - السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة لمحمد بن عبد الله بن حميد (ت: ١٢٩٥ هـ)، تحقيق: بكر بن عبد الله أبو زيد، والدكتور عبد الرحمن العثيمين، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\n٥٦٨ - سد باب الاجتهاد وما ترتب عليه لعبد الكريم الخطيب، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، ومؤسسة دار الأصالة، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n٥٦٩ - سر صناعة الأعراب لأبي الفتح عثمان بن جني (ت: ٣٩٢ هـ)، تحقيق: الدكتور حسن هنداوي، الناشر: دار القلم بدمشق، الطبعة الثانية ١٤١٣ هـ.\n٥٧٠ - السراج الوهاج في شرح المنهاج للعلامة فخر الدين أحمد بن حسن الجاربردي (ت: ٧٤٦ هـ)، تحقيق: الدكتور أكرم أوزيفان، الناشر: دار المعراج الدولية بالرياض، الطبعة الثانية، ١٤١٨ هـ.\n٥٧١ - سلاسل الذهب لبدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي الشافعي (ت: ٧٩٤ هـ)، تحقيق: محمد المختار الشنقيطي، الناشر: مكتبة ابن تيمية بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ.\n٥٧٢ - سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها للشيخ محمد ناصر الدين الألباني (ت: ١٤٢٠ هـ)، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع بالرياض، ١٤١٥ هـ.\n٥٧٣ - سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للشيخ محمد ناصر الدين الألباني (ت: ١٤٢٠ هـ)، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الرا بعة، ١٤٠٨ هـ.","vol":"3","page":1580},{"text":"٥٧٤ - السلطة المذهبية - التقليد والتجديد في الفقه الإسلامي للدكتور وائل حلاق، ترجم الكتاب: رياض الميلادي، الناشر: دار المدار الإسلامي بليبيا، الطبعة الأولى، ٢٠٠٧ م.\n٥٧٥ - السلفية (حقيقتها - أصولها - موقفها من المذاهب - شبهة حولها) أربع رسائل علمية للشيخ محمد ناصر الدين الألباني (ت: ١٤٢٠ هـ)، جمعها ورتبها: عمر عبد المنعم سليم، الناشر: دار الضياء للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٥٧٦ - سليك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر لمحمد خليل المرادي (ت: ١٢٠٦ هـ)، تحقيق: أكرم حسن العليمي، الناشر: دار صادر ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n٥٧٧ - سلم المتعلم المحتاج إلى معرفة رموز المنهاج للعلامة أحمد ميقري شميلة الأهدل (ت: ١٣٩٠ هـ)، مطبوع مع مقدمة تحقيق النجم الوهاج للدميري.\n٥٧٨ - السلم المرونق في علم المنطق بشرح ناظمها العلامة عبد الرحمن الأخضري الجزائري المالكي (ت: ٩٥٣ هـ)، تحقيق: أبي بكر بلقاسم ضيف الجزائري، الناشر: دار بن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n٥٧٩ - سلم الوصول لشرح نهاية السول للشيخ محمد بخيت المطيعي (ت: ١٣٥٤ هـ)، الناشر: عالم الكتب ببيروت.\n٥٨٠ - سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس لأبي عبد الله محمد بن جعفر بن إدريس الكتاني (ت: ١٣٤٥ هـ)، تحقيق: عبد الله الكتاني وحمزة محمد الكتاني ومحمد حمزة الكتاني، الناشر: دار الثقافة للنشر والتوزيع بالدار البيضاء.\n٥٨١ - السنة لأبي بكر أحمد بن محمد بن هارون البغدادي الحنبلي (ت: ٣١١ هـ)، تحقيق: الدكتور عطية الزهراني، الناشر: دار الراية بالرياض، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ.\n٥٨٢ - السنة للإمام أبي بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم (ت: ٢٨٧ هـ)، تحقيق: الدكتور باسم الجوابرة، الناشر: دار الصميعي للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.","vol":"3","page":1581},{"text":"٥٨٣ - السنن للإمام أبي الحسن علي بن عمر بن أحمد الدارقطني (ت: ٣٨٥ هـ)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وحسن شلبي، وعبد اللطيف حرز الله، وأحمد برهوم، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n٥٨٤ - السنن للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت: ٢٧٥ هـ)، اعتنى به: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ورجعت أيضًا إلى الطبعة التي بتحقيق: محمد عوامة، الناشر: دار القبلة للثقافة الإسلامية بجدة ومؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع بلبنان، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ (وأشير إليها بـ ط/ الريان).\n٥٨٥ - السنن للإمام أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني المعروف بابن ماجه (ت: ٢٥٧ هـ)، اعتنى به: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى.\n٥٨٦ - السنن للحافظ سعيد بن منصور بن شعبة (ت: ٢٢٧ هـ)، تحقيق: الدكتور سعد آل حميد، الناشر: دار الصميعي للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ ورجعت إلى الطبعة التي بتحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، ونشرتها: الدار السلفية بالهند، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ (وأشير إلى هذه النسخة بـ: ط/ الأعظمي).\n٥٨٧ - السنن الصغرى (المجتبى) لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت: ٣٠٣ هـ)، اعتنى به: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى.\n٥٨٨ - السنن الكبرى لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت: ٣٠٣ هـ)، تحقيق: حسين شلبي، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٥٨٩ - السنن الكبرى للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت: ٤٥٨ هـ)، الناشر: دار الفكر ببيروت.\n٥٩٠ - سير أعلام النبلاء لشمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي","vol":"3","page":1582},{"text":"(ت: ٧٤٨ هـ)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة التاسعة، ١٤١٣ هـ.\n٥٩١ - السيف المسلول على من سب الرسول - ﷺ - لتقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي (ت: ٧٥٦ هـ)، تحقيق: إياد أحمد الغوج، الناشر: دار الفتح بالأردن، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\nحرف الشين\n٥٩٢ - الشافعي حياته وعصره - آراؤه وفقهه للشيخ محمد بن أحمد أبو زهرة (ت: ١٣٩٤ هـ)، الناشر: دار الفكر العربي بالقاهرة، الطبعة الثانية.\n٥٩٣ - شجرة النور الزكية في طبقات المالكية للشيخ محمد بن محمد مخلوف (ت: ١٣٦٠ هـ)، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ببيروت.\n٥٩٤ - شذرات الذهب في أخبار من ذهب لشهاب الدين عبد الحي بن أحمد العكري الحنبلي الدمشقي (ت: ١٠٨٩ هـ)، تحقيق: محمود الأرناؤوط، الناشر: دار ابن كثير بدمشق، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\n٥٩٥ - شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك لبهاء الدين عبد الله بن عقيل الهمذاني (ت: ٧٦٩ هـ)، الناشر: المكتبة العصرية ببيروت، ١٤٢٦ هـ.\n٥٩٦ - شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للإمام أبي القاسم هبة الله بن الحسين اللالكائي (ت: ٤١٨ هـ)، تحقيق: الدكتور أحمد الغامدي، الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الرابعة، ١٤١٦ هـ.\n٥٩٧ - شرح الإلمام بأحاديث الأحكام للعلامة تقي الدين أبي الفتح محمد بن علي الشهير بابن دقيق العيد (ت: ٧٠٢ هـ)، تحقيق: محمد مخلوف العبد الله، الناشر: دار النوادر بسورية، الطبعة الثانية، ١٤٣٠ هـ.\n٥٩٨ - شرح التلقين للإمام أبي عبد الله محمد بن علي بن عمر المازري (ت: ٥٣٦ هـ)، تحقيق: الشيخ محمد المختار السلامي، الناشر: دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الثانية، ٢٠٠٨ م.\n٥٩٩ - شرح الزركشي على مختصر الخرقي في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل لشمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي","vol":"3","page":1583},{"text":"(ت: ٧٧٢ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين.\n٦٠٠ - شرح السنة للإمام الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وزهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي بدمشق، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ.\n٦٠١ - شرح السير الكبير لشمس الأئمة أبي بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي (ت: ٤٩٠ هـ)، تحقيق: صلاح الدين المنجد، الناشر: مطبعة مصر، ١٩٥٧ م.\n٦٠٢ - الشرح الصغير لأحمد الدردير (ت: ١٢٠١ هـ)، مطبوع مع شرحه بلغة السالك لأقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك لأحمد الصاوي، الناشر: دار المدار الإسلامي بليبيا، الطبعة الأولى، ٢٠٠٢ هـ.\n٦٠٣ - شرح العقائد النسفية للعلامة سعد الدين التفتازاني (ت: ٧٩٢ هـ)، تحقيق: الدكتور أحمد حجازي السقا، الناشر: مكتبة الكليات الأزهرية بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n٦٠٤ - شرح العمد للعلامة أبي الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري (ت: ٤٣٦ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الحميد بن علي أبو زنيد، الناشر: مكتبة العلوم والحكم بالمدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.\n٦٠٥ - شرح العمدة لأبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (ت: ٧٢٨ هـ)، حقق كتابَ الطهارة الدكتورُ سعود العطيشان، الناشر: مكتبة العبيكان بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ وحقق كتابَ الحج الدكتور صالح بن محمد الحسن، الناشر: مكتبة الحرمين بالرياض، الطبعة الأولى، الأولى، ١٤٠٩ هـ.\n٦٠٦ - شرح العناية على الهداية لأكمل الدين محمد بن محمود البابرتي الحنفي (ت: ٧٨٦ هـ)، مطبوع بهامش فتح القدير لابن الهمام.\n٦٠٧ - شرح القصيدة النونية (المسماة الشافية في الانتصار للفرقة الناجية) للدكتور محمد خليل هراس (ت: ١٩٧٥ م)، الناشر: مكتبة ابن تيمية بالقاهرة، ١٤٠٧ هـ.\n٦٠٨ - شرح القواعد الفقهية للشيخ أحمد بن محمد الزرقا (ت: ١٣٥٧ هـ)، اعتنى","vol":"3","page":1584},{"text":"به: مصطفى أحمد الزرقا، الناشر: دار القلم بدمشق، الطبعة الثانية، ١٤٠٩ هـ.\n٦٠٩ - الشرح الكبير على المقنع لشمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة (ت: ٦٨٢ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، مطبوع مع المقنع والإنصاف، الناشر: دار هجر للطباعة بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\n٦١٠ - الشرح الكبير على الورقات لأحمد بن قاسم العبادي (ت: ٩٩٤ هـ)، تحقيق: سيد عبد العزيز، الناشر: مؤسسة قرطبة بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\n٦١١ - شرح الكوكب الساطع في نظم جمع الجوامع في أصول الفقه للعلامة جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت: ٩١١ هـ)، تحقيق: الدكتور محمود عبد المنعم والدكتور منتصر الشافي، الناشر: دار الفكر العربي بالقاهرة، ودار الكتاب العربي بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٦١٢ - شرح الكوكب المنير للعلامة محمد بن أحمد بن عبد العزيز المعروف بابن النجار (ت: ٩٧٢ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد الزحيلي والدكتور نزيه حماد، الناشر: مكتبة العبيكان بالرياض، الطبعة الثانية، ١٤١٣ هـ.\n٦١٣ - شرح اللمع للإمام أبي إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (ت: ٤٧٦ هـ)، تحقيق: عبد المجيد تركي، الناشر: دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الأ ولى، ١٤٥٨ هـ.\n٦١٤ - شرح المجلة لسليم رستم باز الببيروتي (ت: ١٣٣٨ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الثالثة.\n٦١٥ - شرح المعالم في أصول الفقه لأبي محمد عبد الله بن محمد الفهري المعروف بالتلمساني (ت: ٦٤٤ هـ)، تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي معوض، الناشر: عالم الكتب ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n٦١٦ - شرح المفصل في صنعة الإعراب - الموسوم بالتخمير - للقاسم بن الحسين الخوارزمي (ت: ٦١٧ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، الناشر: دار الغرب الإسلامي بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٩٠ م.","vol":"3","page":1585},{"text":"٦١٧ - الشرح الممتع على زاد المستقنع للشيخ محمد بن صالح العثيمين (ت: ١٤٢١ هـ)، الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع بالدمام، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٦١٨ - شرح المنار من علم الأصول لعز الدين عبد اللطيف بن عبد العزيز بن ملك (ت: ٨٠١ هـ)، الناشر: المطبعة العثمانية، ١٣١٥ هـ.\n٦١٩ - شرح المنهج المنتخب إلى قواعد المذهب لأحمد بن علي المنجور (ت: ٩٩٥ هـ)، تحقيق: محمد الشيخ محمد الأمين، الناشر: دار عبد الله الشنقيطي بمكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n٦٢٠ - شرح النووي على صحيح مسلم للإمام أبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت: ٦٧٦ هـ)، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ببيروت.\n٦٢١ - شرح تنقيح الفصول لشهاب الدين أبي العباس أحمد بن إدريس القرافي (ت: ٦٨٤ هـ)، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، الناشر: مكتبة الكليات الأزهرية بالقاهرة.\n٦٢٢ - شرح ديوان ذي الرمة غيلان بن عقبة العدوي لأبي نصر أحمد بن حاتم الباهلي (ت: ٢٣١ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد القدوس أبو صالح، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الثالثة، ١٤١٤ هـ.\n٦٢٣ - شرح سنن أبي داود لبدر الدين أبي محمد محمود بن أحمد العيني (ت: ٨٥٥ هـ)، تحقيق: خالد إبراهيم المصري، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n٦٢٤ - شرح شافية ابن الحاجب لرضي الدين محمد بن الحسن الاستراباذي (ت: ٦٨٦ هـ)، تحقيق: محمد نور الحسن ومحمد الزفزاف ومحمد عبد الحميد، الناشر: دار الفكر العربي، ١٣٩٥ هـ.\n٦٢٥ - شرح صحيح البخاري لأبي الحسن علي بن خلف بن عبد الملك المعروف بابن بطال (ت: ٤٤٩ هـ)، تحقيق: ياسر بن إبراهيم، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الثالثة، ١٤٢٥ هـ.\n٦٢٦ - شرح عقود رسم المفتي للعلامة محمد أمين بن عمر الحنفي المعروف بابن","vol":"3","page":1586},{"text":"عابدين (ت: ١٢٥٢ هـ)، علق عليه: مظفر حسين المطاهري، الناشر: مكتبة الرشيد \"الوقف\" بباكستان، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٦٢٧ - شرح عماد الرضا ببيان آداب القضا (فتح الرؤوف القادر) للعلامة محمد عبد الرؤوف المناوي (ت: ١٠٣١ هـ)، تحقيق: عبد الرحمن عبد الله عوض بكير، الناشر: الدار السعودية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\n٦٢٨ - شرح غاية السول على علم الأصول للعلامة أبي المحاسن يوسف بن الحسن بن عبد الهادي الدمشق، المعروف بابن المبرد (ت: ٩٠٩ هـ)، تحقيق: أحمد العنزي، الناشر: دار البشائر الإسلامية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٦٢٩ - شرح مختصر ابن الحاجب لعضد الدين الإيجي (ت: ٧٥٦ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية ببيروت.\n٦٣٠ - شرح مختصر الروضة لنجم الدين أبي الربيع سليمان بن عبد القوي الطوفي الحنبلي (ت: ٧١٦ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.\n٦٣١ - شرح مراح الأرواح لبدر الدين أبي محمد محمود بن أحمد العيني (ت: ٨٥٥ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الستار جواد، الناشر: مطبعة الرشيد ببغداد، ١٩٩٠ م.\n٦٣٢ - شرح مشكل الآثار للإمام أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي (ت: ٣٢١ هـ)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\n٦٣٣ - شرح معاني الآثار للإمام لأبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي (ت: ٣٢١ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٧ هـ.\n٦٣٤ - شرح منتهى الإرادات للشيخ منصور بن يونس البهوتي الحنبلي (ت: ١٠٥١ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.","vol":"3","page":1587},{"text":"٦٣٥ - شرف أصحاب الحديث للإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (ت: ٤٦٣ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد سعيد خطيب، الناشر: دار إحياء السنة النبوية.\n٦٣٦ - الشريعة الإسلامية - تاريخها ونظرية الملكية والعقود للدكتور بدران أبو\nالعينين بدران، الناشر: مؤسسة شباب الجامعة بالإسكندرية.\n٦٣٧ - الشريعة لابي بكر محمد بن الحسين الآجري (ت: ٣٦٠ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عمر الدميجي، الناشر: دار الوطن بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n٦٣٨ - الشعر والشعراء للإمام أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت: ٢٧٦ هـ)، تحقيق: الشيخ أحمد محمد شاكر، الناشر: دار الحديث بالقاهرة، الطبعة الثانية، ١٤١٨ هـ.\n٦٣٩ - شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل للعلامة أبي حامد محمد بن محمد الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ)، تحقيق: الدكتور حمد الكبيسي، الناشر: مطبعة الإرشاد ببغداد، ١٣٩٠ هـ.\n٦٤٠ - شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم للعلامة نشوان بن سعيد الحميري (ت: ٥٧٣ هـ)، تحقيق: الأستاذ الدكتور حسين بن عبد الله العمري، ومطهر الإرياني، والأستاذ الدكتور يوسف محمد عبد الله، الناشر: دار الفكر المعاصر بدمشق، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n٦٤١ - الشيخ صالح المقبلي - حياته وفكره (١٠٤٠ - ١١٠٨) لأحمد عبد العزيز المليكي، الناشر: وزارة الثقافة والسياحة بدولة اليمن، ١٤٢٥ هـ.\n٦٤٢ - الشيخ عبد الرحمن المعلمي وجهوده في السنة ورجالها لمنصور بن عبد العزيز السماري، الناشر: دار ابن عفان للنشر والتوزيع بالخبر، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\nحرف الصاد\n٦٤٣ - الصادع في الرد على من قال بالقياس والرأي والتقليد والاستحسان والتعليل للعلامة أبي محمد علي بن حزم الظاهري (ت: ٤٥٧ هـ)، تحقيق:","vol":"3","page":1588},{"text":"مشهور بن حسن آل سلمان، الناشر: الدار الأثرية بالأردن، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ.\n٦٤٤ - الصارم المسلول على شاتم الرسول - ﷺ - لأبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (ت: ٧٢٨ هـ)، تحقيق: محمد بن عبد الله الحلواني ومحمد كبير شودري، الناشر: دار رمادي للنشر بالدمام، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n٦٤٥ - الصحابي وموقف العلماء من الاحتجاج بقوله للدكتور عبد الرحمن بن عبد الله الدرويش، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\n٦٤٦ - الصحاح لإسماعيل بن حماد الجوهري (ت: ٣٩٣ هـ)، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، الناشر: دار العلم للملايين ببيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٩ هـ.\n٦٤٧ - صحة أصول مذهب أهل المدينة لأبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (ت: ٧٢٨ هـ)، مطبوع مع مجموع فتاوى شيخ الإسلام.\n٦٤٨ - صحيح ابن حبان (ت: ٣٥٤ هـ) بترتيب علاء الدين علي بن بلبان الفارسي المعروف بابن بلبان (ت: ٧٩٣ هـ)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ.\n٦٤٩ - صحيح الأدب المفرد للبخاري للشيخ محمد ناصر الدين الألباني (ت: ١٤٢٠ هـ)، الناشر: دار الصديق للنشر والتوزيع بالجبيل، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n٦٥٠ - صحيح الترغيب والترهيب للشيخ محمد ناصر الدين الألباني (ت: ١٤٢٠ هـ)، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٦٥١ - صحيح الجامع الصغير وزيادته (الفتح الكبير) للشيخ محمد ناصر الدين الألباني (ت: ١٤٢٠ هـ)، الناشر: المكتب الإسلامي بدمشق، الطبعة الثالثة، ١٤٠٨ هـ.","vol":"3","page":1589},{"text":"٦٥٢ - الصحيح لأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة (ت: ٣١١ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، الناشر: المكتب الإسلامي بدمشق، الطبعة الثانية، ١٤١٢ هـ.\n٦٥٣ - الصحيح للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري (ت: ٢٦١ هـ)، اعتنى به: أبو قتيبة نظر محمد الفريابي، الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n٦٥٤ - الصحيح للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت: ٢٥٦ هـ)، اعتنى به: أبو صهيب الكرمي، الناشر: بيت الأفكار الدولية بالأردن، ٢٠٠٥ م.\n٦٥٥ - صحيفة سوابق وجريدة بوائق جمعها نصيحة لله ورسوله من كلام الشيخ الصوفي أبي الفيض أحمد بن محمد الغماري تلميذه: أبو أويس محمد بو خبزة الحسني، الناشر: دار الآفاق بالقاهرة، ودار التوحيد للنشر بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ.\n٦٥٦ - صديقون ريحانة طنجة سيدي محمد بن الصديق وأنجاله الأشقاء الخمسة الغماريون للمختار محمد التمسماني، الناشر: مركز التراث الثقافي المغربي بالدار البيضاء، ودار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٦٥٧ - صراع مع الملاحدة لعبد الرحمن بن حبنكة الميداني، الناشر: دار القلم بدمشق، الطبعة الخامسة، ١٤١٢ هـ.\n٦٥٨ - صفة الفتوى والمفتي والمستفتي لأحمد بن حمدان الحراني الحنبلي (ت: ٦٩٥ هـ)، خرّج أحاديثه: محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: المكتب الإسلامي بدمشق، الطبعة الأولى، ١٣٨٠ هـ.\n٦٥٩ - صفة صلاة النبي - ﷺ - من التكبير إلى التسليم كأنك تراها للشيخ محمد ناصر الدين الألباني (ت: ١٤٢٠ هـ)، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ.\n٦٦٠ - الصفوة الصفية في شرح الدرة الألفية لتقي الدين إبراهيم بن الحسن المعروف بالنيلي (من علماء القرن السابع الهجري)، تحقيق: الأستاذ","vol":"3","page":1590},{"text":"الدكتور محسن سالم العمري، الناشر: جامعة أم القرى، مركز إحياء التراث الإسلامي، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\n٦٦١ - صلة التكملة لوفيات النقلة للحافظ عز الدين أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الحسيني (ت: ٦٩٥ هـ)، تحقيق: الدكتور بشار معروف عواد، الناشر: دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٦٦٢ - الصلة في تاريخ أئمة الأندلس وعلمائهم ومحدثيهم وفقهائهم وأدبائهم لأبي القاسم خلف بن عبد الملك المعروف بابن بشكوال (ت: ٥٧٨ هـ)، تحقيق: السيد عزت العطار الحسيني، الناشر: مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ.\n٦٦٣ - صناعة الفتوى وفقه الأقليات للشيخ عبد الله بن المحفوظ بن بيه، الناشر: دار المنهاج للنشر والتوزيع بجدة، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٦٦٤ - الصوارم والأسنة في الذب عن السنة للشيخ محمد بن أبي مدين الشنقيطي، الناشر: دار عباس أحمد الباز للنشر والتوزيع بمكة المكرمة، ودار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n٦٦٥ - الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (ت: ٧٥١ هـ)، تحقيق: الدكتور علي الدخيل لله، الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الثانية ١٤١٢ هـ.\nحرف الضاد\n٦٦٦ - ضحى الإسلام لأحمد أمين (ت: ١٣٧٣ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n٦٦٧ - الضروري في أصول الفقه (مختصر المستصفى) لأبي الوليد محمد بن رشد الحفيد (ت: ٥٩٥ هـ)، تحقيق: جمال الدين العلوي، الناشر: دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الأولى، ١٩٩٤ م.\n٦٦٨ - الضعفاء لأبي جعفر محمد بن عمرو العقيلي (ت: ٣٢٢ هـ)، تحقيق: الدكتور مازن بن محمد السرساوي، الناشر: دار مجد الإسلام بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ.","vol":"3","page":1591},{"text":"٦٦٩ - الضوء اللامع لأهل القرن التاسع لشمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي (ت: ٩٠٢ هـ)، الناشر: دار الجيل ببيروت، ١٤١٢ هـ.\n٦٧٠ - ضوء النهار المشرق على صفحات الأزهار للعلامة الحسن بن أحمد الجلال (ت: ١٠٨٤ هـ)، تحقيق: محمد صبحي حلاق، الناشر: مكتبة الجيل الجديد بصنعاء، الطبعة الأولى، ١٤٢٩/ ١٤٣٠ هـ.\n٦٧١ - ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة (صياغة للمنطق وأصول البحث متمشية مع الفكر الإسلامي) لعبد الرحمن حبنكة الميداني، الناشر: دار القلم بدمشق، الطبعة الرابعة، ١٤١٤ هـ.\nحرف الطاء\n٦٧٢ - الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد لأبي الفضل كمال الدين جعفر بن ثعلب الأدفوي الشافعي (ت: ٧٤٨ هـ)، تحقيق: سعد محمد حسن، الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ٢٠٠١ م.\n٦٧٣ - طبقات الحضيكي لمحمد بن أحمد الحضيكي (ت: ١١٨٩ هـ)، تحقيق: أحمد بو مزكو، الناشر: مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n٦٧٤ - طبقات الحنابلة للقاضي أبي الحسين محمد بن أبي يعلى الفراء الحنبلي (ت: ٥٢٦ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الرحمن العثيمين، الناشر: الأمانة العامة للاحتفال بمرور مائة عام على تأسيس المملكة، ١٤١٩ هـ.\n٦٧٥ - الطبقات السنية في تراجم الحنفية لتقي الدين بن عبد القادر الداري الغزي الحنفي (ت: ١٠٠٥ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الفتاح الحلو، الناشر: دار الرفاعي بالرياض، ودار هجر للطباعة والنشر والتوزيع بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.\n٦٧٦ - طبقات الشافعية الكبرى للعلامة تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي (ت: ٧٧١ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الفتاح الحلو والدكتور محمود الطناحي، الناشر: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع بالقاهرة، الطبعة الثانية، ١٤١٣ هـ.\n٦٧٧ - طبقات الشافعية لأبي بكر بن هداية الله الحسيني (ت: ١٠١٤ هـ)، تحقيق:","vol":"3","page":1592},{"text":"عادل نويهض، الناشر: دار الآفاق الجديدة بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٠٢ هـ.\n٦٧٨ - طبقات الشافعية للإمام جمال الدين أبي محمد بن الحسن الإسنوي (ت: ٧٧٢ هـ)، تحقيق: عبد الله الجبوري، الناشر: دار العلوم، ١٤٠١ هـ.\n٦٧٩ - طبقات الشافعية للحافظ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت: ٧٧٤ هـ)، تحقيق: عبدالحفيظ منصور، الناشر: دار المدار الإسلامي بليبيا، الطبعة الأولى، ٢٠٠٤ م.\n٦٨٠ - طبقات الفقهاء الشافعية لتقي الدين أبي بكر أحمد بن قاضي شهبة الدمشقي (ت: ٨٥١ هـ)، تحقيق: الدكتور علي محمد عمر، الناشر: مكتبة الثقافة الدينية بمصر، الطبعة الأولى.\n٦٨١ - طبقات الفقهاء الشافعية للعلامة تقي الدين أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري المعروف بابن الصلاح (ت: ٦٤٣ هـ)، تحقيق: محيي الدين علي نجيب، الناشر: دار البشائر الإسلامية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\n٦٨٢ - طبقات الفقهاء للإمام أبي إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (ت: ٤٧٦ هـ)، تحقيق: الدكتور علي محمد عمر، الناشر: مكتبة الثقافة الدينية بمصر، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n٦٨٣ - الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد بن منيع الزهري، المعروف بابن سعد (ت: ٢٣٠ هـ)، الناشر: دار صادر ببيروت.\n٦٨٤ - طبقات المجتهدين لشمس الدين بن كمال باشا (ت: ٩٤٠ هـ)، تحقيق: أبي عبد الرحمن بن عقيل الظاهري، مطبوع ضمن مجموع بعنوان: الذخيرة من المصنفات الصغيرة، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ.\n٦٨٥ - طبقات المعتزلة لأحمد بن يحيى المرتضى (ت: ٨٤٠ هـ)، تحقيق: سوسنة ديفلد - قلزر، الناشر: المعهد الألماني للأبحاث الشرقية ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٧ هـ.\n٦٨٦ - طبقات المفسرين لأحمد بن محمد الأدنه وي (من علماء القرن الحادي","vol":"3","page":1593},{"text":"عشر)، تحقيق: سليمان بن صالح الخزي، الناشر: مكتبة العلوم والحكم بالمدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n٦٨٧ - طبقات المفسرين لشمس الدين محمد بن علي بن أحمد الداودي (ت: ٩٤٥ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ.\n٦٨٨ - طبقات علماء الحديث للعلامة أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي (ت: ٧٤٤ هـ)، تحقيق: أكرم البلوشي وإبراهيم الزيبق، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٧ هـ.\n٦٨٩ - طبقات فحول الشعراء لمحمد بن سلام الجمحي (ت: ٢٣١ هـ)، قرأه وشرحه: محمود شاكر، الناشر: دار المدني بجدة.\n٦٩٠ - طبقات فقهاء اليمن لعمر بن علي بن سمرة الجعدي، تحقيق: فؤاد سيد، الناشر: دار القلم ببيروت.\n٦٩١ - طرح التثريب في شرح التقريب لزين الدين أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي (ت: ٨٠٦ هـ)، ولولده أبي زرعة (ت: ٨٢٦ هـ)، الناشر: مؤسسة التاريخ العربي ببيروت، ١٤١٣ هـ.\n٦٩٢ - طرق الاستدلال ومقدماتها عند المناطقة والأصوليين للدكتور يعقوب بن عبد الوهاب الباحسين، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٦٩٣ - الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (ت: ٧٥١ هـ)، تحقيق: نايف بن أحمد الحمد، الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع بمكة المكرمة، الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ.\n٦٩٤ - الطريق إلى الفقه للدكتور حمد بن إبراهيم الشتوي، الناشر: دار الأندلس الخضراء للنشر والتوزيع بجدة، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٦٩٥ - طريق الهجرتين وباب السعادتين لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (ت: ٧٥١ هـ)، تحقيق: محمد أجمل","vol":"3","page":1594},{"text":"الإصلاحي، الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع بمكة المكرمة، الطبعة الأولى ١٤٢٩ هـ.\n٦٩٦ - الطريقة المثلى في الإرشاد إلى ترك التقليد واتباع ما هو أولى لأبي الخير نور الحسن بن محمد صديق حسن خان القنوجي (ت: ١٣٣٦ هـ)، اعتنى به: عبد الحميد بن أحمد العربي الأثري، الناشر: مكتبة الفرقان بعجمان، ١٤٢٠ هـ.\n٦٩٧ - الطريقة المثلى في تحصيل العلم ومدارسته وتبليغه لصالح بن عبد العزيز آل الشيخ، جمع وإعداد: سعود بن عبد الله المطيري، الناشر: دار إيلاف الدولية للنشر والتوزيع بالكويت، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n٦٩٨ - طلبة الطلبة للإمام نجم الدين أبي حفص عمر بن محمد النسفي (ت: ٧١٠ هـ)، تحقيق: خالد بن عبد الرحمن العك، الناشر: دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\nحرف الظاء\n٦٩٩ - ظاهري بالفطرة لأبي عبد الرحمن بن عقيل الظاهري، الناشر: دار ابن حزم للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ.\n٧٠٥ - ظهر الإسلام لأحمد أمين (ت: ١٣٧٣ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\nحرف العين\n٧٠١ - عارضة الأحوذي لشرح صحيح الترمذي للعلامة أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي (ت: ٥٤٣ هـ)، الناشر: دار الكتاب العربي ببيروت.\n٧٠٢ - العبر في خبر من غبر لشمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ)، تحقيق: محمد السعيد زغلول، الناشر: دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n٧٠٣ - عدة البروق في جمع ما في المذهب من الجموع والفروق للعلامة أبي العباس أحمد بن يحيى الونشريسي (ت: ٩١٤ هـ)، تحقيق: حمزة أبو","vol":"3","page":1595},{"text":"فارس، الناشر: دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.\n٧٠٤ - العدة في أصول الفقه للقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء البغدادي الحنبلي (ت: ٤٥٨ هـ)، تحقيق: الدكتور أحمد بن علي سير المباركي، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.\n٧٠٥ - العدة في شرح العمدة لبهاء الدين عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي (ت: ٦٢٤ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الله التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٧٠٦ - العذب الفائض شرح عمدة الفارض لإبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم الفرضي الحنبلي (ت: ١١٨٩ هـ).\n٧٠٧ - العرف - حجيته وأثره في فقه المعاملات المالية عند الحنابلة (دراسة نظرية تأصيلية تطبيقية) لعادل بن عبد القادر قوته، الناشر: المكتبة المكية بمكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n٧٠٨ - العرف والعادة في رأي الفقهاء (عرض نظرية في التشريع) للشيخ الدكتور أحمد فهمي أبو سنة (ت: ١٤٢٤ هـ)، الناشر: دار البصائر بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n٧٠٩ - العرف والعمل في المذهب المالكى ومفهومهما لدى علماء المغرب لعمر بن عبد الكريم الجيدي، الناشر: اللجنة المشتركة لنشر إحياء التراث الإسلامي بين حكومة المغرب والإمارات، ١٩٨٢ م.\n٧١٠ - العزيز شرح الوجيز للإمام أبي القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي (ت: ٦٢٣ هـ)، تحقيق: علي معوض وعادل عبد الموجود، الناشر: دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n٧١١ - العصبية في ضوء الإسلام - دراسة وصفية تحليلية لهاشم محمد علي المشهداني، الناشر: دار الثقافة بقطر، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n٧١٢ - العصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين التغريب لمحمد حامد الناصر، الناشر: مكتبة الكوثر بالرياض، الطبعة الثانية، ١٤٢٢ هـ.\n٧١٣ - العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين للإمام تقي الدين محمد بن أحمد","vol":"3","page":1596},{"text":"الحسني الفاسي المكي (ت: ٨٣٢ هـ)، تحقيق: فؤاد السيد، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ.\n٧١٤ - عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم بالمدينة لجلال الدين عبد الله بن نجيم بن شاس (ت: ٦١٦ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد أبو الأجفان وعبد الحفيظ منصور، الناشر: دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ.\n٧١٥ - عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد لشاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي (ت: ١١٧٦ هـ)، وقف على طبعه: محب الدين الخطيب، الناشر: المطبعة السلفية بالقاهرة، عام ١٣٨٥ هـ.\n٧١٦ - العقد الفريد في أحكام التقليد للعالم نور الدين علي بن عبد الله بن أحمد السمهودي الحسني الشافعي (ت: ٩١١ هـ)، عني به: أنور بن أبي بكر الشيخي الداغستاني، الناشر: دار المنهاج للنشر والتوزيع بجدة، الطبعة الأولى، ١٤٣٢ هـ.\n٧١٧ - العقد المنظوم في الخصوص والعموم لشهاب الدين أبي العباس أحمد بن إدريس القرافي (ت: ٦٨٤ هـ)، تحقيق: أحمد الختم عبد الله، الناشر: المكتبة المكية بمكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n٧١٨ - العقود الياقوتية في جيد الأسئلة الكويتية للشيخ عبد القادر بن بدران الحنبلي (ت: ١٣٤٦ هـ)، تحقيق: محمد صباح المنصور، الناشر: دار إيلاف الدولية للنشر والتوزيع بالكويت، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n٧١٩ - العلامة المجاهد الشيخ محمد الحامد لعبد الحميد محمود طهماز، الناشر: دار القلم بدمشق، الطبعة الرابعة، ١٤١٥ هـ.\n٧٢٠ - علل الحديث ومعرفة الرجال والتاريخ للإمام أبي الحسن علي بن المديني (ت: ٢٣٤ هـ)، تحقيق: مازن بن محمد السرساوي، الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع بالدمام، الطبعة الثانية، ١٤٣٠ هـ.\n٧٢١ - العلل المتناهية في الأحاديث الواهية للإمام أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ)، تحقيق: إرشاد الحق الأثري، الناشر: المكتبة الإمدادية بمكة المكرمة.","vol":"3","page":1597},{"text":"٧٢٢ - العلل الواردة في الأحاديث النبوية للإمام أبي الحسن علي بن عمر بن أحمد الدارقطني (ت: ٣٨٥ هـ)، تحقيق: الدكتور محفوظ الرحمن السلفي، الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى.\n٧٢٣ - علم أصول الفقه من التدوين إلى نهاية القرن الرابع الهجري - دراسة تاريخية استقرائية تحليلية للأستاذ الدكتور أحمد بن عبد الله الضويحي، الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، عمادة البحث العلمي، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n٧٢٤ - علم الجَذَل في علم الجدل لنجم الدين أبي الربيع سليمان بن عبد القوي الطوفي الحنبلي (ت: ٧١٦ هـ)، تحقيق: فولفهارت، الناشر: جمعية المستشرقين الألمانية، ١٤٠٨ هـ.\n٧٢٥ - العَلَم الشامخ في تفضيل الحق على الآباء والمشايخ للشيخ صالح بن المهدي بن علي المقبلي (ت: ١١٠٨ هـ)، الناشر: مكتبة دار البيان بدمشق.\n٧٢٦ - علم القواعد الشرعية للأستاذ الدكتور نور الدين مختار الخادمي، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n٧٢٧ - علم المنطق لأحمد عبده خير الدين، الناشر: المطبعة الرحمانية بمصر، الطبعة الثانية ١٣٥١ هـ.\n٧٢٨ - علماء دمشق وأعيانها في القرن الخامس عشر الهجري للدكتور نزار أباظة، الناشر: دار الفكر بدمشق، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٧٢٩ - علماء نجد خلال ثمانية قرون للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن آل بسام (ت: ١٤٢٣ هـ)، الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الثانية، ١٤١٩ هـ.\n٧٣٠ - علماء ومفكرون عرفتهم لمحمد المجذوب، الناشر: دار الشواف للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الرابعة.\n٧٣١ - علوم الحديث للعلامة تقي الدين أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري الممروف بابن الصلاح (ت: ٦٤٣ هـ)، تحقيق: نور الدين عتر، الناشر: دار الفكر بدمشق، ١٤٠٦ هـ.","vol":"3","page":1598},{"text":"٧٣٢ - عمدة التحقيق في التقليد والتلفيق للشيخ محمد سعيد الباني (ت: ١٣٥١ هـ)، الناشر: المكتب الإسلامي بدمشق، الطبعة الأولى، ١٤٠١ هـ.\n٧٣٣ - عمدة الرعاية في حل شرح الوقاية للشيخ أبي الحسنات محمد عبد الحي بن محمد عبد الحليم اللكنوي (ت: ١٣٠٤ هـ)، مطبوع في لكنهو، ١٣١٩ هـ.\n٧٣٤ - عمل أهل المدينة بين مصطلحات مالك وآراء الأصوليين للأستاذ الدكتور أحمد محمد نور سيف، الناشر: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث بالإمارات العربية المتحدة، دبي، الطبعة الثانية، ١٤٢١ هـ.\n٧٣٥ - عمل أهل المدينة وأثره في الفقه الإسلامي لموسى إسماعيل، الناشر: دار التراث بالجزائر ودار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n٧٣٦ - عنوان المجد في تاريخ نجد للشيخ عثمان بن عبد الله بن بشر النجدي الحنبلي (ت: ١٢٩٠ هـ)، تحقيق: عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ، الناشر: دارة الملك عبد العزيز، الطبعة الرابعة، ١٤٠٢ هـ.\n٧٣٧ - العواصم من القواصم للعلامة أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي (ت: ٥٤٣ هـ)، تحقيق: الدكتور عمار الطالبي، الناشر: دار الثقافة بقطر، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\n٧٣٨ - العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم للعلامة محمد بن إبراهيم الوزير (ت: ٨٤٠ هـ)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، - الطبعة الثالثة، ١٤١٥ هـ.\n٧٣٩ - عون الباري بحل أدلة البخاري للعلامة محمد صديق بن حسن القنوجي (ت: ١٣٠٧ هـ)، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ.\nحرف الغين\n٧٤٠ - غاية الأماني في الرد على النبهاني للعلامة أبي المعالي محمود شكري الألوسي (ت: ١٣٤٢ هـ)، اعتنى به: الداني بن منير آل زهوي، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n٧٤١ - الغاية القصوى في دراية الفتوى للقاضي عبد الله بن عمر البيضاوي","vol":"3","page":1599},{"text":"(ت: ٦٨٥ هـ)، تحقيق: محيي الدين القره داغي، الناشر: دار الإصلاح بالدمام.\n٧٤٢ - غاية المطلب في معرفة المذهب لتقي الدين أبي بكر زيد الجراعي الحنبلي الدمشقي (ت: ٨٨٣ هـ)، تحقيق: الدكتور ناصر السلامة، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n٧٤٣ - غاية الوصول شرح لب الأصول للعلامة أبي يحيى زكريا الأنصاري الشافعي (ت: ٩٢٦ هـ)، الناشر: مطبعة عيسى البابي الحلبي.\n٧٤٤ - غذاء الألباب شرح منظومة الآداب للشيخ أبي العون محمد بن أحمد السفاريني (ت: ١١٨٨ هـ)، الناشر: مؤسسة قرطبة، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ.\n٧٤٥ - غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر لشهاب الدين أحمد بن محمد الحموي الحنفي (ت: ١٠٩٨ هـ)، الناشر: إدارة القرآن والعلوم الإسلامية بباكستان، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n٧٤٦ - الغنية للقاضي عياض بن موسى بن عياض السبتي المالكي (ت: ٥٤٤ هـ)، تحقيق: ماهر زهير جرار، الناشر: دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٢ هـ.\n٧٤٧ - غياث الأمم في التياث الظلم لإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني (ت: ٤٨٧ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد العظيم الديب، الناشر: الشؤون الدينية بقطر، الطبعة الأولى، ١٤٠٠ هـ.\n٧٤٨ - الغيث الهامع شرح جمع الجوامع لولي الدين أبي زرعة أحمد العراقي (ت: ٨٢٦ هـ)، تحقيق: مكتب قرطبة، الناشر: مؤسسة قرطبة بمصر، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n٧٤٩ - الغيلانيات للحافظ أبي بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي (ت: ٣٥٤ هـ)، تحقيق: حلمي كامل عبد الهادي، الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع بالدمام، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\nحرف الفاء\n٧٥٠ - الفائق في أصول الفقه للعلامة صفي الدين محمد بن عبد الرحيم الأرموي","vol":"3","page":1600},{"text":"الهندي (ت: ٧١٥ هـ)، تحقيق: الدكتور علي العميريني، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ.\n٧٥١ - الفائق في غريب الحديث للعلامة جار الله أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري (ت: ٥٣٨ هـ)، تحقيق: علي البجاوي ومحمد إبراهيم، الناشر: المكتبة العصرية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n٧٥٢ - فتاوى ابن رشد أبي الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد القرطبي المالكي (ت: ٥٩٥ هـ)، تحقيق وجمع وتعليق: الدكتور المختار بن الطاهر التليلي، الناشر: دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n٧٥٣ - فتاوى الإمام الشاطبي أبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد أبو الأجفان، الطبعة الثانية، ١٤٠٩ هـ.\n٧٥٤ - فتاوى الإمام النووي (ت: ٦٧٦ هـ) (المسمى بـ: المنثورات في عيون المسائل المهمات) ترتيب تلميذه: علاء الدين بن العطار، تحقيق: محمد رحمت الله حافظ محمد الندوي، الناشر: المكتب الإسلامي بدمشق، ودار الإشراق للطباعة والنشر بالدوحة، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n٧٥٥ - فتاوى الإمام محمد رشيد رضا (ت: ١٣٥٤ هـ)، الدار العمرية.\nفتاوى البرزلي = جامع مسائل الأحكام لما نزل من القضايا بالمفتين والحكام.\n٧٥٦ - الفتاوى البزازية لمحمد بن محمد بن شهاب البزازي (ت: ٨٢٨ هـ)، مطبوعة بهامش الفتاوى الهندية، الناشر: المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق مصر، ١٣١٠ هـ.\n٧٥٧ - الفتاوى الحديثية لشهاب الدين أحمد بن محمد بن حجر الهيتمي (ت: ٩٧٣ هـ)، اعتنى به: محمد أحمد بدر الدين، الناشر: دار التقوى بسوريا، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n٧٥٨ - الفتاوى الخيرية لنفع البرية على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان - ﵀ - لخير الدين الرملي (ت: ١٠٨١ هـ)، الناشر: المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق مصر، الطبعة الثانية، ١٣٠٠ هـ.","vol":"3","page":1601},{"text":"٧٥٩ - فتاوى الرملي شمس الدين محمد بن أحمد بن أحمد بن حمزة الرملي (ت: ١٠٠٤ هـ)، مطبوع بهامش الفتاوى الكبرى الفقهية لابن حجر الرملي.\n٧٦٠ - فتاوى السبكي تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي (ت: ٧٥٦ هـ)، الناشر: دار المعرفة ببيروت.\n٧٦١ - الفتاوى الكبرى الفقهية لشهاب الدين أحمد بن محمد بن حجر الهيتمي (ت: ٩٧٣ هـ)، الناشر: دار صادر ببيروت.\n٧٦٢ - الفتاوى الكبرى لأبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (ت: ٧٢٨ هـ)، الناشر: دار المعرفة ببيروت.\n٧٦٣ - الفتاوى المصرية للعلامة عبد العزيز بن عبد السلام السلمي المعروف بالعز بن عبد السلام (ت: ٦٦٠ هـ)، تحقيق: إياد خالد الطباع، الناشر: دار الفكر بسورية، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٧٦٤ - فتاوى علماء الأحساء ومسائلهم، جمع وترتيب: عبد العزيز بن أحمد العصفور، الناشر: دار البشائر الإسلامية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م.\n٧٦٥ - فتاوى قاضي الجماعة أبي القاسم سراج الأندلسي (ت: ٤٨٤ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد أبو الأجفان، الناشر: دار ابن حزم ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤٢٧ هـ.\n٧٦٦ - فتاوى مصطفى الزرقا (ت: ١٤٢٠ هـ)، اعتنى بها: مجد أحمد مكي، الناشر: دار القلم بدمشق، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n٧٦٧ - فتاوى ورسائل ابن الصلاح في التفسير والحديث والأصول والفقه، تحقيق: الدكتور عبد المعطي قلعجي، الناشر: دار المعرفة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n٧٦٨ - فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (ت: ١٣٨٩ هـ)، جمع وترتيب وتحقيق: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، الناشر: مطبعة الحكومة بمكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ.\n٧٦٩ - فتح الباري بشرح صحيح للحافظ أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ)، رقم كتبه وأبوابه: محمد عبد الباقي، قام بإخراجه","vol":"3","page":1602},{"text":"وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب، الناشر: المكتبة السلفية.\n٧٧٠ - فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد الشهير بابن رجب الحنبلي (ت: ٧٩٥ هـ)، تحقيق: محمد عبد المقصود وإبراهيم القاضي وجماعة، الناشر: مكتبة الغرباء الأثرية بالمدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n٧٧١ - الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ)، تحقيق: محمد صبحي حلاق، الناشر: مكتبة الجيل الجديد بصنعاء، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n٧٧٢ - فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك لأبي عبد الله محمد أحمد عليش (ت: ١٢٩٩ هـ)، الطبعة الأخيرة.\n٧٧٣ - فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للعلامة محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ)، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوقيع ببيروت، ١٤٠٣ هـ.\n٧٧٤ - فتح القدير للعاجز الفقير للعلامة كمال الدين محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد بن مسعود الشهير بابن الهمام الحنفي (ت: ٨٦١ هـ)، الناشر: دار إحياء التراث العربي ببيروت.\n٧٧٥ - الفتح المبين في طبقات الأصوليين للشيخ عبد الله مصطفى المراغي، الناشر: المكتبة الأزهرية للتراث بالقاهرة، ١٤١٩ هـ.\n٧٧٦ - فتح المغيث بشرح ألفية الحديث لشمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي (ت: ٩٠٢ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الكريم الخضير، والدكتور محمد الفهيد، الناشر: دار المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n٧٧٧ - الفتوى - نشأتها وتطورها للدكتور حسين بن محمد الملاح، الناشر: المكتبة العصرية للطباعة والنشر ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n٧٧٨ - الفتوى في الإسلام للدكتور عبد الله بن عبد العزيز الدرعان، الناشر: مكتبة التوبة بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ.","vol":"3","page":1603},{"text":"٧٧٩ - الفتوى في الإسلام للشيخ محمد جمال الدين القاسمي (ت: ١٣٣١ هـ)، عني به: محمد إبراهيم الحسين، الناشر: دار النهضة بسورية، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n٧٨٠ - الفتوى في الشريعة الإسلامية (مقدماتها، آدابها، إعداد الحكم الكلي لها، وقائعها، تنزيل الحكم على وقائعها، أصولها، إصدارها، آثارها) لعبد الله بن محمد آل خنين، الناشر: مكتبة العبيكان بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ.\n٧٨١ - الفتيا المعاصرة - دراسة تأصيلية تطبيقية في ضوء السياسة الشرعية للدكتور خالد بن عبد الله المزيني، الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع بالدمام، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ.\n٧٨٢ - الفتيا ومناهج الإفتاء للدكتور محمد سليمان الأشقر، الناشر: مكتبة المنار الإسلامية بالكويت، الطبعة الأولى، ١٤٩٦ هـ.\n٧٨٣ - الفرائد الجديدة للعلامة جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت: ٩١١ هـ)، تحقيق: الشيخ عبد الكريم المدرس، الناشر: وزارة الأوقاف بالجمهورية العراقية.\n٧٨٤ - فرائد الفوائد وتعارض القولين لمجتهد واحد لصدر الدين أبي المعالي محمد بن إبراهيم بن إسحاق السلمي المناوي (ت: ٨٠٣ هـ)، تحقيق: محمد عبد الحي المصري، الناشر: مكتبة السنة بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n٧٨٥ - الفَرْق بين الفِرَق للإمام عبدالقاهر بن طاهر البغدادي (ت: ٤٢٩ هـ)، اعتنى به: إبراهيم رمضان، الناشر: دار المعرفة بيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٧ هـ.\n٧٨٦ - الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لأبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (ت: ٧٢٨ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الرحمن بن عبد الكريم اليحيى، الناشر: مكتبة المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٧٨٧ - الفروسية المحمدية لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (ت: ٧٥١ هـ)، تحقيق: زائد بن أحمد النشيري، الناشر:","vol":"3","page":1604},{"text":"دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع بمكة المكرمة، الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ.\n٧٨٨ - الفروع لشمس الدين محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي (ت: ٧٦٣ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n٧٨٩ - الفروق لشهاب الدين أبي العباس أحمد بن إدريس القرافي (ت: ٦٨٤ هـ)، تحقيق: عمر القيام، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n٧٩٠ - الفروق الفقهية للقاضي عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي المالكي (ت: ٤٢٢ هـ)، تحقيق: محمود سلامة الغرياني، الناشر: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث بالإمارات العربية المتحدة، دبي، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n٧٩١ - الفروق الفقهية والأصولية (مقوماتها، شروطها، نشأتها، تطورها) دراسة نظرية وصفية، تاريخية، للدكتور يعقوب بن عبد الوهاب الباحسين، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n٧٩٢ - الفروق على مذهب الإمام أحمد بن حنبل للشيخ أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن الحسين السامري (ت: ٦١٦ هـ)، تحقيق: محمد بن إبراهيم اليحيى، الناشر: دار الصميعي للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n٧٩٣ - الفصل في الملل والأهواء والنحل للعلامة أبي محمد علي بن حزم الظاهري (ت: ٤٥٧ هـ)، الناشر: مكتبة المثنى ببغداد، ومؤسسة الخانجي بمصر.\n٧٩٤ - الفصول في الأصول للإمام أبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص (ت: ٣٧٠ هـ)، تحقيق: الدكتور عجيل النشمي، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ.\n٧٩٥ - فضائل الصحابة للإمام أحمد بن حنبل (ت: ٢٤١ هـ)، تحقيق: وصي الله عباس، الناشر: دار ابن الجوزي بالدمام، الطبعة الثالثة، ١٤٢٦ هـ.\n٧٩٦ - فقه الائتلاف - قواعد التعامل مع المخافلين بالإنصاف لمحمود محمد","vol":"3","page":1605},{"text":"الخرندار، الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٧٩٧ - الفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد للأستاذ الدكتور عبد الله محمد الجبوري، الناشر: دار النفائس للنشر والتوزيع بالأردن، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n٧٩٨ - الفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد للدكتور يوسف القرضاوي، الناشر: دار الصحوة للنشر بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n٧٩٩ - الفقه الإسلامي في القرن الرابع عشر للدكتور سليمان بن أحمد العليوي، الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n٨٠٠ - الفقه الإسلامي في ميزان التاريخ - دراسة تحليلية مع عرض أدواره وتطوراته وخصائصه للدكتور محمد تاج عبد الرحمن العروسي، الطبعة الثانية، ١٤٢٧ هـ.\n٨٠١ - الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي، الناشر: دار الفكر بدمشق، الطبعة الرابعة، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n٨٠٢ - الفقه الإسلامي ومدارسه للشيخ مصطفى أحمد الزرقا (ت: ١٤٢٠ هـ)، الناشر: دار القلم بدمشق، والدار الشامية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\n٨٠٣ - فقه السنة للشيخ سيد سابق (ت: ١٤٢٠ هـ)، الناشر: دار الكتاب العربي ببيروت، الطبعة السابعة، ١٤٠٥ هـ.\n٨٠٤ - الفقه النافع للإمام ناصر الدين أبي القاسم محمد بن يوسف السمرقندي (ت: ٥٥٦ هـ)، تحقيق: الدكتور إبراهيم بن محمد العبود، الناشر: مكتبة العبيكان بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٨٠٥ - فقه النوازل - دراسة تأصيلية تطبيقية للدكتور محمد حسين الجيزاني، الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع بالدمام، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n٨٠٦ - فقه النوازل - قضايا فقهية معاصرة للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد (ت: ١٤٢٩ هـ)، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.","vol":"3","page":1606},{"text":"٨٠٧ - فقه النوازل عند المالكية - تاريخًا ومنهجًا لمصطفى الصمدي، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٨٠٨ - فقه النوازل في سوس قضايا وأعلام للدكتور الحسن العبادي، الناشر: مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n٨٠٩ - فقه إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله الجويني - خصائصه، أثره، منزلته للدكتور عبد العظيم الديب (ت: ١٤٣١ هـ)، الناشر: دار الوفاء للطباعة والنشر بالقاهرة، الطبعة الثانية، ١٤٠٩ هـ.\n٨١٠ - فقه أهل العراق وحديثهم لمحمد زاهد الكوثري (ت: ١٣٧١ هـ)، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، الناشر: دار القبلة للثقافة الإسلامية بجدة، ومؤسسة الريان للنشر والتوزيع ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤٢٤ هـ.\n٨١١ - الفقيه والمتفقه للإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (ت: ٤٦٣ هـ)، تحقيق: عادل العزازي، الناشر: دار ابن الجوزي بالدمام، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n٨١٢ - الفكر الإصلاحي في المغرب المعاصر: محمد بن الحسن الحجوي - دراسة ونصوص للدكتور سعيد بن سعيد العلوي، الناشر: دار المدار الإسلامي بالجزائر، الطبعة الأولى، ٢٠٠٧ م.\n٨١٣ - الفكر الأصولي - دراسة تحليلية نقدية للأستاذ الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان، الناشر: دار الشروق بجدة، الطبعة الثانية، ١٤٠٤ هـ.\n٨١٤ - الفكر التكفيري عند الشيعة .. حقيقة أم افتراء؟ ! لعبد الملك بن عبد الرحمن الشافعي، الناشر: مكتبة الإمام البخاري للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n٨١٥ - الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي لمحمد بن الحسن الحجوي الثعالبي (ت: ١٣٧٦ هـ)، الناشر: دار التراث، الطبعة الأولى، ١٣٩٦ هـ.\n٨١٦ - فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات لعبد الحي بن عبد الكبير الكتاني (ت: ١٤٠٣ هـ)، اعتنى به: الدكتور إحسان عباس، الناشر: دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٢ هـ.","vol":"3","page":1607},{"text":"٨١٧ - الفوائد لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (ت: ٧٥١ هـ)، تحقيق: محمد عزير شمس، الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع بمكة المكرمة، الطبعة الأولى ١٤٢٩ هـ.\n٨١٨ - الفوائد البهية في تراجم الحنفية للشيخ أبي الحسنات محمد عبد الحي بن محمد عبد الحليم اللكنوي (ت: ١٣٠٤ هـ)، اعتنى به: نعيم أشرف نور أحمد، الناشر: إدارة القرآن والعلوم الإسلامية بكراتشي، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n٨١٩ - الفوائد الجنية حاشية المواهب السنية شرح الفرائد البهية في نظم القواعد الفقهية لأبي الفيض محمد ياسين بن عيسى الفاداني (ت: ١٤١٠ هـ)، اعتنى به: رمزي دمشقية، الناشر: دار البشائر الإسلامية ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٧ هـ.\n٨٢٠ - فوائد الحنائي لأبي القاسم الحسين بن محمد الحنائي (ت: ٤٥٩ هـ)، تخريج الحافظ أبي محمد عبد العزيز النخشبي (ت: ٤٥٦ هـ)، تحقيق: خالد رزق أبو النجا، الناشر: أضواء السلف بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٨٢١ - الفوائد السنية شرح الألفية في أصول الفقه للعلامة محمد بن عبد الدائم البرماوي (ت: ٨٣١ هـ)، تحقيق ودراسة: حسن بن محمد المرزوقي، رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في أصول الفقه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، بقسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض، إشراف الأستاذ الدكتور عبد العزيز بن عبد الرحمن الربيعة، العام الجامعي (١٤١٤ هـ).\n٨٢٢ - الفوائد شرح الزوائد لبرهان الدين أبي إسحاق إبراهيم بن موسى الأبناسي (ت: ٨٠٢ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد العزيز بن محمد العويد، الناشر: دار التدمرية بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٣٢ هـ.\n٨٢٣ - الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للعلامة محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ)، تحقيق: الشيخ عبد الرحمن المعلمي، الناشر: المكتب الإسلامي ببيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٠٧ هـ.\n٨٢٤ - الفوائد المكية فيما يحتاجه طلبة الفقه الشافعية للشيخ علوي بن أحمد السقاف (ت: ١٣٣٥ هـ)، مطبوع مع مجموع بعنوان: مجموعة ثماني رسائل","vol":"3","page":1608},{"text":"شافعية مهمة، الناشر: دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ.\n٨٢٥ - فوائد في علوم الفقه للشيخ حبيب أحمد الكيرواني، الناشر: إدارة القرآن والعلوم الإسلامية بباكستان، الطبعة الثالثة، ١٤١٤ هـ.\n٨٢٦ - فوات الوفيات والذيل عليها لمحمد بن شاكر الكتبي (ت: ٧٤٦ هـ)، تحقيق: الدكتور إحسان عباس، الناشر: دار صادر ببيروت.\n٨٢٧ - فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت في أصول الفقه لعبد العلي محمد بن نظام الدين الأنصاري (ت: ١٢٢٥ هـ)، مطبوع مع المستصفى في علم الأصول للغزالي، الناشر: دار الكتب العلمية ببيروت.\n٨٢٨ - الفواكه العديدة في المسائل المفيدة للعلامة أحمد بن محمد المنقور التميمي النجدي (ت: ١١٢٥ هـ)، الناشر: المكتب الإسلامي بدمشق، الطبعة الأولى، ١٣٨٠ هـ.\n٨٢٩ - فيض القدير شرح الجامع الصغير للعلامة محمد عبد الرؤوف المناوي (ت: ١٠٣١ هـ)، الناشر: دار المعرفة ببيروت.\nحرف القاف\n٨٣٠ - القاموس المحيط لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي (ت: ٨١٧ هـ)، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٧ هـ.\n٨٣١ - قضاء الأرب في أسئلة حلب لتقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي (ت: ٧٥٦ هـ)، تحقيق: محمد عالم الأفغاني، الناشر: المكتبة التجارية لمصطفى أحمد الباز بمكة المكرمة، ١٤٠٩ هـ.\n٨٣٢ - قمع أهل الزيغ والإلحاد عن الطعن في تقليد أئمة الاجتهاد للشيخ محمد الخضر بن عبد الله الجكني الشنقيطي (ت: ١٣٥٣ هـ)، تحقيق: جمال السيد رفاعي الشايب، الناشر: المكتبة الأزهرية للتراث بالقاهرة، والجزيرة للنشر والتوزيع بالقاهرة.\n٨٣٣ - قواطع الأدلة في أصول الفقه لأبي المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار","vol":"3","page":1609},{"text":"السمعاني الشافعي (ت: ٤٨٩ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الله بن حافظ الحكمي، والدكتور علي بن عباس الحكمي، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n٨٣٤ - قواعد الأحكام في إصلاح الأنام للعلامة عبد العزيز بن عبد السلام السلمي المعروف بالعز بن عبد السلام (ت: ٦٦٠ هـ)، تحقيق: الدكتور نزيه حماد والدكتور عثمان ضميرية، الناشر: دار القلم بدمشق، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٨٣٥ - القواعد الفقهية - مفهومها، نشأتها، تطورها، دراسة مولفاتها، أدلتها، مهمتها، تطبيقاتها للدكتور علي أحمد الندوي، الناشر: دار القلم بدمشق، الطبعة الثانية، ١٤١٢ هـ.\n٨٣٦ - القواعد الفقهية (المبادئ - المقومات - المصادر - الدليلية - التطور) دراسة نظرية - تحليلية - تأصيلية - تاريخية للدكتور يعقوب الباحسين، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n٨٣٧ - القواعد الكلية (المعروف بالقواعد النورانية الفقهية) لأبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (ت: ٧٢٨ هـ)، تحقيق: محيسن المحيسن، الناشر: مكتبة التوبة بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ ورجعت إلى طبعة دار ابن الجوزي، تحقيق: الدكتور أحمد بن محمد الخليل، الطبعة الثانية، ١٤٢٤ هـ وأشير إليها بـ ط/ ابن الجوزي.\n٨٣٨ - قواعد في علوم الحديث لظفر أحمد العثماني التهانوي (ت: ١٣٩٤ هـ)، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، الناشر: مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب، الطبعة الخامسة، ١٤٠٤ هـ.\n٨٣٩ - القواعد لأبي بكر بن محمد بن عبد المؤمن المعروف بتقي الدين الحصني (ت: ٨٢٩ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الرحمن الشعلان، والدكتور جبريل البصيلي، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n٨٤٠ - القواعد لأبي عبد الله محمد بن محمد بن أحمد المقري (ت: ٧٥٦ هـ)، تحقيق: أحمد بن عبد الله بن حميد، الناشر: جامعة أم القرى، مركز إحياء التراث بمكة المكرمة.\n٨٤١ - القواعد لعلامة علاء الدين أبي الحسن علي بن محمد بن عباس البعلي","vol":"3","page":1610},{"text":"الدمشقي الحنبلي، المعووف بابن اللحام (ت: ٨٠٣ هـ)، تحقيق: عايض بن عبد الله الشهراني، وناصر بن عثمان الغامدي، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n٨٤٢ - القواعد والضوابط الفقهية القرافية - زمرة التمليكات المالية للدكتور عادل بن عبد القادر قوته، الناشر: دار البشائر الإسلامية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n٨٤٣ - قوانين الأحكام الشرعية ومسائل الفروع الفقهية لأبي القاسم محمد بن أحمد بن جزي الكلبي الغرناطي المالكي (ت: ٧٤١ هـ)، تحقيق: عبد الرحمن حسن محمود، الناشر: عالم الفكر بالقاهرة، الطبعة الأول، ١٤٠٥ - ١٤٠٦ هـ.\n٨٤٤ - القول السديد في أدلة الاجتهاد والتقليد لأبي نصر علي بن حسن بن صديق خان القنوجي (ت: قريبًا من منتصف القرن الرابع عشر الهجري)، تحقيق: عبد الرحمن سعيد معشاشة، الناشر: دار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٨٤٥ - القول السديد في بعض مسائل الاجتهاد والتقليد للشيخ محمد عبد العظيم ابن الملا فروخ الحنفي (ت: ١٠٥١ هـ)، تحقيق: خالد حسين الخالد، الناشر: اليمامة للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ ورجعت أيضًا إلى طبعة حققها جاسم محمد الياسين وعدنان بن سالم الرومي، الناشر: دار الدعوة الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ (وأشير إليها بـ: ط/ دار الدعوة).\n٨٤٦ - القول الشاذ وأثره في الفتيا للأستاذ الدكتور أحمد بن علي المباركي، الناشر: دار العزة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٣٢ هـ.\n٨٤٧ - القول المسدد في الذب عن المسند للحافظ أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ)، دار المعارف بالقاهرة.\n٨٤٨ - القول المفيد في حكم التقليد للعلامة محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ)، تحقيق: الدكتور شعبان محمد إسماعيل، الناشر: دار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.","vol":"3","page":1611},{"text":"حرف الكاف\n٨٤٩ - الكاشف عن المحصول في علم الأصول لأبي عبد الله محمد بن محمود بن عباد العجلي الأصفهاني (ت: ٦٥٣ هـ)، تحقيق: عادل عبد الموجود، وعلي معوض، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n٨٥٠ - الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة لشمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ)، تحقيق: عزب عطية وموسى الموشي، الناشر: دار الكتب الحديثة، الطبعة الأولى، ١٣٩٢ هـ.\n٨٥١ - الكافي لموفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي (ت: ٦٢٠ هـ)، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n٨٥٢ - الكافي الشافي في تخريج أحاديث الكشاف للحافظ أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ)، تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي معوض، مطبوع مع الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل للعلامة جار الله أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري (ت: ٥٣٨ هـ)، الناشر: مكتبة العبيكان بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n٨٥٣ - الكافي في فقه أهل المدينة المالكي للعلامة أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر (ت: ٤٦٣ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد أحيد ولد ماديك الموريتاني، الناشر: مكتبة الرياض الحديثة، الطبعة الثالثة، ١٤٠٦ هـ\n٨٥٤ - الكافية في الجدل لإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني (ت: ٤٨٧ هـ)، تحقيق: الدكتورة فوقية محمود، الناشر: مطبعة عيسى البابي الحلبي بمصر، ١٣٩٩ هـ.\n٨٥٥ - الكامل في ضعفاء الرجال للإمام الحافظ أبي أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني (ت: ٣٦٥ هـ)، تحقيق: الدكتور سهيل زكار، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثالثة، ١٩٨٨ م.","vol":"3","page":1612},{"text":"٨٥٦ - الكامل لأبي العباس محمد بن يزيد المبرد (ت: ٢٨٥ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد أحمد الدالي، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٣ هـ.\n٨٥٧ - الكبائر لشمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ)، تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، الناشر: مكتبة الفرقان بعجمان، الطبعة الثانية، ١٤٢٤ هـ.\n٨٥٧ - كتاب الروايتين والوجهين (المسائل الفقهية منه) للقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء البغدادي الحنبلي (ت: ٤٥٨ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الكريم بن محمد اللاحم، الناشر: مكتبة المعارت للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n٨٥٩ - كتاب الصلاة وحكم تاركها لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (ت: ٧٥١ هـ)، تحقيق: تيسير زعيتر، الناشر: المكتب الإسلامي بدمشق، الطبعة الأولى، ١٤٠١ هـ. وقد رجعت إلى طبعة دار عالم الفوائد، بتحقيق: عدنان بن صفاخان البخاري، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ وأشير إليها بـ ط/ دار عالم الفوائد.\n٨٦٠ - كتاب العلل للإمام أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس الحنظلي الرازي (ت: ٣٢٧ هـ)، تحقيق: فريق من الباحثين بإشراف وعناية: الدكتور سعد بن عبد الله الحميد والدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n٨٦١ - كتاب العلم للحافظ أبي خيثمة زهير بن حرب النسائي (ت: ٢٣٤ هـ)، تحقيق: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٨٦٢ - كتاب العلم للشيخ محمد بن صالح العثيمين (ت: ١٤٢١ هـ)، إعداد: فهد بن ناصر السليمان، الناشر: دار الثريا للنشر بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n٨٦٣ - كتاب العين لأبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت: ١٧٥ هـ)،","vol":"3","page":1613},{"text":"تحقيق: الدكتور مهدي المخزومي والدكتور إبراهيم السامرائي، الناشر: وزارة الثقافة والإعلام بالجمهورية العراقية.\n٨٦٤ - كتاب في أصول الفقه لأبي الثناء محمود بن زيد اللامشي الحنفي (من علماء القرن الخامس)، تحقيق: عبد المجيد تركي، الناشر: دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الأولى، ١٩٩٥ م.\n٨٦٥ - الكتاب لسيبويه أبي بشر عمرو بن عثمان بن قَنبر (ت: ١٨٠ هـ)، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، الناشر: مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الثالثة، ١٤٠٨ هـ.\n٨٦٦ - كتب حذّر منها العلماء لمشهور بن حسن آل سلمان، الناشر: دار الصميعي للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\n٨٦٧ - كشاف القناع عن الإقناع للشيخ منصور بن يونس البهوتي الحنبلي (١٠٥١ هـ)، تحقيق: لجنة متخصصة في وزارة العدل، الناشر: وزار العدل بالمملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٨٦٨ - كشف الأسرار شرح المصنف على المنار لأبي البركات عبد الله بن أحمد المعروف بحافظ الدين النسفي (ت: ٧١٠ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n٨٦٩ - كشف الأسرار على أصول فخر الإسلام البزدوي لعبد العزيز البخاري (ت: ٧٣٠ هـ)، الناشر: الصدف بباكستان.\n٨٧٠ - كشف الخفاء ومزيل الألباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس للشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: ١١٦٢ هـ)، علق عليه: أحمد القلاس، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة السادسة، ١٤١٦ هـ.\n٨٧١ - كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون للعلامة مصطفى بن عبد الله الرومي المعروف بحاجي خليفة (ت: ١٠٦٧ هـ)، الناشر: المكتبة التجارية لمصطفى الباز، ١٤١٤ هـ.\n٨٧٢ - كشف النقاب الحاجب من مصطلح ابن الحاجب للقاضي برهان الدين إبراهيم بن علي بن أبي القاسم بن محمد بن فرحون المالكي (ت: ٧٩٩ هـ)،","vol":"3","page":1614},{"text":"تحقيق. حمزة أبو فارس والدكتور عبد السلام الشريف، الناشر: دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الأولى، ١٩٩٠ م.\n٨٧٣ - الكفاية في علم الرواية للإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (ت: ٤٦٣ هـ)، تحقيق: أبي عبد الله السورفي، الناشر: المكتبة العلمية بالمدينة المنورة.\n٨٧٤ - كلمة علمية حول جملة: \"إذا صح الحديث فهو مذهبي\" لوهبي سليمان غاوجي الألباني، الناشر: دار الفتح للدراسات والنشر بالأردن، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n٨٧٥ - كلمة عن دراسات اللبيب لمحمد عبد الرشيد النعماني، مطبوعة مع دراسات اللبيب لمحمد التتوي.\n٨٧٦ - الكليات لأبي البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي (ت: ١٠٩٤ هـ)، تحقيق: الدكتور عدنان درويش ومحمد المصري، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٩ هـ.\n٨٧٧ - كنز الدقائق لأبي البركات عبد الله بن أحمد المعروف بحافظ الدين النسفي (ت: ٧١٠ هـ)، مطبوع مع شرحه البحر الرائق لابن نجيم.\n٨٧٨ - كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال للعلامة علاء الدين علي المتقي بن حسام الدين الهندي البرهان فوري (ت: ٩٧٥ هـ)، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، ١٤١٣ هـ.\n٨٧٩ - الكنى والأسماء للإمام الحافظ أبي بشر محمد بن أحمد بن حماد الدولابي (ت: ٣١٠ هـ)، تحقيق: نظر الفاريابي، الناشر: دار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٨٨٠ - الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة لنجم الدين محمد بن محمد الغزي الدمشقي (ت: ١٠٦١ هـ)، تحقيق: الدكتور جبرائيل جبور، الناشر: دار الآفاق الجديدة، الطبعة الثانية، ١٩٧٩ م.\n٨٨١ - كيف نتعامل مع التراث والتمذهب والاختلاف؟ للدكتور يوسف القرضاوي، الناشر: مكتبة وهبة بالقاهرة، الطبعة الثانية، ١٤٢٥ هـ.","vol":"3","page":1615},{"text":"حرف اللام\n٨٨٢ - الانتصار في المسائل الكبار على مذهب الإمام أحمد بن حنبل للعلامة أبي الخطاب محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني الحنبلي (ت: ٥١٠ هـ)، مقدمة محققيه: الدكتور سليمان بن عبد الله العمير والدكتور عوض بن رجاء العوفي، الناشر: مكتبة العبيكان بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\n٨٨٣ - اللامذهبية أخطر بدعة تهدد الشريعة الإسلامية للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، الطبعة - الثانية ١٣٩٠ هـ.\n٨٨٤ - لباب المحصول في علم الأصول للحسين بن رشيق المالكي (ت: ٦٣٢ هـ)، تحقيق: محمد غزالي جابي، الناشر: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث بالإمارات العربية المتحدة، دبي، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n٨٨٥ - اللباب في الجمع بين السنة والكتاب للإمام أبي محمد علي بن زكريا المنبجي (ت: ٦٨٦ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد فضل المراد، الناشر: دار القلم بدمشق، والدار الشامية ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ.\n٨٨٦ - لزوم اتباع مذاهب الأئمة حسمًا للفوضى الدينبة لمحمد الحامد (ت: ١٣٨٩ هـ)، الناشر: مكتبة المنار بالأردن، الطبعة الثانية.\n٨٨٧ - لسان العرب للعلامة أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور (ت: ٧١١ هـ)، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ببيروت.\n٨٨٨ - لسان الميزان للحافظ أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ)، اعتنى به: عبد الفتاح أبو غدة، الناشر: مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب، الطبعة - الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n٨٨٩ - لقطة العجلان وبلة الظمآن لبدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي الشافعي (ت: ٧٩٤)، تحقيق: الدكتور محمد المختار بن محمد الأمين الشنقيطي، الناشر: مكتبة العلوم والحكم بالمدينة المنورة، ودار العلوم والحكم بسوريا.\n٨٩٠ - لمع اللوامع في توضيح جمع الجوامع لشهاب الدين أبي العباس أحمد بن حسين بن حسن بن رسلان الرملي (ت: ٨٤٤ هـ)، القسم الثاني: من بداية","vol":"3","page":1616},{"text":"كتاب الإجماع إلى نهاية كتاب الاجتهاد - تحقيق ودراسة: خالد بن مساعد الرويتع، رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في أصول الفقه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، بقسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض، إشراف فضيلة الشيخ الدكتور عبد الرحمن بن محمد السدحان، العام الجامعي: ١٤٢٥/ ١٤٢٤ هـ.\n٨٩١ - لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية شرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية للشيخ أبي العون محمد بن أحمد السفاريني (ت: ١١٨٨ هـ)، الناشر: المكتب الإسلامي ببيروت، ودار الخاني بالرياض، الطبعة الثالثة، ١٤١١ هـ.\nحرف الميم\n٨٩٢ - المؤتلف والمختلف للإمام أبي الحسن علي بن عمر بن أحمد الدارقطني (ت: ٣٨٥ هـ)، تحقيق: الدكتور موفق بن عبد الله بن عبد القادر، الناشر: دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n٨٩٣ - مالك حياته وعصره - آراؤه وفقهه للشيخ محمد بن أحمد أبو زهرة (ت: ١٣٩٤ هـ)، الناشر: دار الفكر العربي بالقاهرة، الطبعة الثانية.\n٨٩٤ - مباحث في أحكام الفتوى للدكتور عامر الزيباري، الناشر: دار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\n٨٩٥ - المبتدعة وموقف أهل السنة والجماعة منهم للدكتور محمد يسري، الناشر: دار طيبة الخضراء بمكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n٨٩٦ - المبدع في شرح المقنع لأبي إسحاق برهان الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح (ت: ٨٨٤ هـ)، الناشر: المكتب الإسلامي بدمشق، ١٤٠٠ هـ.\n٨٩٧ - المبسوط لشمس الأئمة أبي بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي (ت: ٤٩٠ هـ)، الناشر: دار المعرفة ببيروت، ١٤١٤ هـ.\n٨٩٨ - المجالسة وجواهر العلم لأبي بكر أحمد بن مروان بن محمد الدينوري (ت: ٣٣٣ هـ)، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، الناشر: دار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.","vol":"3","page":1617},{"text":"٨٩٩ - مجلة الأحكام العدلية - مصادرها وأثرها في قوانين الشرق الإسلامي للدكتور سامر مازن القبَّج، الناشر: دار الفتح للدراسات والنشر بالأردن، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٩٠٠ - مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر للفقيه عبد الله عبد الرحمن المعروف بداماد أفندي (ت: ١٠٧٨ هـ)، الناشر: دار العامرة للطباعة، ١٣١٩ هـ.\n٩٠١ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي (ت: ٨٠٧ هـ)، الناشر: دار الفكر ببيروت، ١٤٠٨ هـ.\n٩٠٢ - مجمل اللغة للعلامة أبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا (ت: ٣٩٥ هـ)، تحقيق: زهير عبد المحسن سلطان، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ.\n٩٠٣ - المجموع المذهب في قواعد المذهب للعلامة أبي سعيد خليل بن كيكلدي صلاح الدين العلائي الشافعي (ت: ٧٦١ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد بن عبد الغفار الشريف، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n٩٠٤ - المجموع شرح المهذب للإمام أبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت: ٦٧٦ هـ)، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ورجعت أيضًا إلى طبعة، مكتبة الإرشاد بجدة، (وأشير إليها ب: ط/ الإرشاد).\n٩٠٥ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ)، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم (ت: ١٣٩٢ هـ)، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصاحف، ١٤١٦ هـ تحت إشراف وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد.\n٩٠٦ - محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء لأبي القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني (ت: ٥٠٢ هـ)، تحقيق: رياض عبد الحميد مراد، الناشر: دار صادر ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n٩٠٧ - محاضرات في تاريخ الفقه لوهبي سليمان غاوجي، الناشر: دار البشائر الإسلامية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.","vol":"3","page":1618},{"text":"٩٠٨ - محاضرات في تاريخ المذهب المالكي في الغرب الإسلامي للدكتور عمر الجيدي، الناشر: دار عكاظ بالدار البيضاء.\n٩٠٩ - المحرر في الحديث للعلامة أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي (ت: ٧٤٤ هـ)، اعتنى به: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n٩١٠ - المحرر في الفقه لمجد الدين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن تيمية (ت: ٦٥٢ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٩١١ - المحصول في أصول الفقه للعلامة أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي (ت: ٥٤٣ هـ)، اعتنى به: حسين علي البدري، الناشر: دار البيارق بالأردن، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n٩١٢ - المحصول في علم أصول الفقه لفخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ)، تحقيق: الدكتور طه جابر العلوني، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٢ هـ.\n٩١٣ - المحقق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول - ﷺ - لشهاب الدين أبي محمد عبد الرحمن بن إسماعيل الشافعي، المعروف بأبي شامة المقدسي (ت: ٦٦٥ هـ)، تحقيق: أحمد الكويتي، الناشر: مؤسسة قرطبة للنشر والتوزيع بالقاهرة، الطبعة الثانية، ١٤١٠ هـ.\n٩١٤ - المحلى للعلامة أبي محمد علي بن حزم الظاهري (ت: ٤٥٧ هـ)، تحقيق: حسن زيدان طلبة، الناشر: مكتبة الجمهورية العربية بمصر، ١٣٩٠ هـ.\n٩١٥ - محمد أبو زهرة إمام الفقهاء المعاصرين والمدافع الجريء عن حقائق الدين للدكتور محمد عثمان شبير الناشر: دار القلم بدمشق، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n٩١٦ - محيط المحيط (قاموس مطول للغة العربية) لبطرس البستاني، الناشر: مكتبة بيروت، ١٩٨٧ م.\n٩١٧ - المحيط في اللغة للصاحب إسماعيل بن عباد (ت: ٣٨٥ هـ)، تحقيق: محمد حسن آل ياسين، الناشر: عالم الكتب ببيروت، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ.","vol":"3","page":1619},{"text":"٩١٨ - مختصر اختلاف العلماء للإمام أحمد بن علي الرازي الجصاص (ت: ٣٧٠ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الله نذير أحمد، الناشر: دار البشائر الإسلامية ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٧ هـ.\n٩١٩ - مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لشمس الدين محمد بن محمد الموصلي (ت: ٧٧٤ هـ)، تحقيق: الدكتور الحسن بن عبد الرحمن العلوي، الناشر: دار أضواء السلف بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n٩٢٠ - مختصر الفوائد المكية فيما يحتاجه طلبة الشافعية للشيخ علوي بن أحمد السقاف (ت: ١٣٣٥ هـ)، تحقيق: الدكتور يوسف بن عبد الرحمن المرعشلي، الناشر: دار البشائر الإسلامية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n٩٢١ - مختصر الكامل في الضعفاء وعلل الحديث للعلامة تقي الدين أحمد بن علي المقريزي (ت: ٨٤٥ هـ)، تحقيق: أيمن بن عارف الدمشقي، الناشر: مكتبة السنة بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\n٩٢٢ - مختصر المزني أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني (ت: ٢٦٤ هـ)، مطبوع مع الحاوي للعلامة أبي الحسن علي بن محمد الماوردي الشافعي (ت: ٤٥٠ هـ)، تحقيق: الدكتورة راوية بنت أحمد الطهار، الناشر: دار المجتمع للنشر والتوزيع بجدة، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n٩٢٣ - مختصر خلافيات البيهقي لأحمد بن فرح اللخمي الإشبيلي الشافعي (ت: ٦٩٩ هـ)، تحقيق: الدكتور ذياب عقل والدكتور إبراهيم الخضيري، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n٩٢٤ - مختصر خليل في فقه إمام دار الهجرة الإمام مالك للعلامة خليل بن إسحاق المالكي (ت: ٧٦٧ هـ)، تحقيق: الشيخ الطاهر أحمد الزاوي، الناشر: دار المدار الإسلامي بليبيا، الطبعة الثانية ٢٠٠٤ م.\n٩٢٥ - مختصر سنن أبي داود للحافظ عبد العظيم بن عبد القوي المنذري (ت: ٦٥٦ هـ)، تحقيق: محمد حامد الفقي، مطبوع مع معالم السنن للخطابي.","vol":"3","page":1620},{"text":"٩٢٦ - المختصر في أصول الفقه على مذهب الإِمام أحمد بن حنبل للعلامة علاء الدين أبي الحسن عليّ بن محمد بن عبَّاس البعلي الدمشقي الحنبلي، المعروف بابن اللحام (ت: ٨٠٣ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد مظهر بقا، الناشر: جامعة الملك عبد العزيز، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإِسلامي.\n٩٢٧ - مختصر كتاب النظر في أحكام النظر لأبي العبَّاس أحمد القباب الفاسي (ت: ٧٧٨ هـ)، مقدمة محققه: الدكتور محمد أبو الأجفان، الناشر: مكتبة التوبة بالرياض، ومؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n٩٢٨ - مختصر منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل للعلامة جمال الدين أبي عمر عثمان بن عمر بن الحاجب (ت: ٦٤٦ هـ)، تحقيق: الدكتور نذير حمادو، الناشر: الشركة الجزائرية الببيروتية بالجزائر، ودار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n٩٢٩ - مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (ت: ٧٥١ هـ)، تحقيق: عامر بن عليّ ياسين، الناشر: دار ابن خزيمة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n٩٣٠ - مدارك الشريعة الإسلامية وسياستها للشيخ محمد الخضر حسين (ت: ١٣٧٧ هـ)، إِعداد وضبط: عليّ الرضا الحسيني، الناشر: الدار الحسينية للكتاب، الطبعة الثالثة، ١٤١٤ هـ.\n٩٣١ - المدخل الفقهي العام للشيخ مصطفى بن أحمد الزرقا (ت: ١٤٢٠ هـ)، الناشر: دار القلم بدمشق، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n٩٣٢ - المدخل الفقهي وتاريخ التشريع الإِسلامي للدكتور خليفة با بكر والدكتور عبد الرَّحمن الصابوني والدكتور محمود محمد طنطاوي، الناشر: مكتبة وهبة بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ.\n٩٣٣ - المدخل المفصل إِلى فقه الإِمام أحمد بن حنبل وتخريجات الأصحاب","vol":"3","page":1621},{"text":"للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد (ت: ١٤٢٩ هـ)، الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n٩٣٤ - المدخل إِلى أصول الفقه وتاريخ التشريع الإِسلامي لموسى إِبراهيم الإِبراهيم، الناشر: دار عمار للنشر والتوزيع بالأردن، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ.\n٩٣٥ - المدخل إِلى التشريع الإِسلامي للدكتور كامل موسى، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.\n٩٣٦ - المدخل إلى السنن الكبرى للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت: ٤٥٨ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد ضياء الرَّحمن الأعظمي، الناشر: أضواء السلف بالرياض، الطبعة الثانية، ١٤٢٠ هـ.\n٩٣٧ - المدخل إلى الشريعة والفقه الإِسلامي للأستاذ الدكتور عمر بن سليمان الأشقر، الناشر: دار النفائس للنشر والتوزيع بالأردن، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n٩٣٨ - المدخل إِلى الفقه، تاريخ التشريع ومصادره والنظريات الفقهية للدكتور محمود محمد الطنطاوي، الناشر: أكاديمية شرطة دبي، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n٩٣٩ - المدخل إِلى دراسة الفقه الإِسلامي لعبد المجيد عبد الحميد الديباني، الناشر: جامعة قار يونس ببنغازي، الطبعة الأولى، ١٩٩٤ م.\n٩٤٠ - المدخل إلى دراسة الفقه الإِسلامي للأستاذ الدكتور عبد الله محمد الصالح، الناشر: أكاديمية شرطة دبي، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n٩٤١ - المدخل إِلى دراسة المذاهب والمدارس الفقهية للدكتور عمر بن سليمان الأشقر، الناشر: دار النفائس للنشر والتوزيع بالأردن، الطبعة الثالثة، ١٤٢٣ هـ.\n٩٤٢ - المدخل إلى علم أصول الفقه لمحمد معروف الدواليبي، الناشر: دار العلم للملايين ببيروت، الطبعة الخامسة، ١٣٨٥ هـ.\n٩٤٣ - المدخل إِلى مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان ﵀ للدكتور أحمد","vol":"3","page":1622},{"text":"حوى، الناشر: دار الأندلس الخضراء للنشر والتوزيع بجدة، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n٩٤٤ - المدخل إِلى مذهب الإِمام أحمد بن حنبل للشيخ عبد القادر بن بدران الحنبلي (ت: ١٣٤٦ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الله التركي، الناشر: مؤسسة الوسالة ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠١ هـ.\n٩٤٥ - المدخل إِلى مذهب الإِمام الشَّافعي للدكتور أكرم يوسف القواسمي، الناشر: دار النفائس للنشر والتوزيع بالأردن، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n٩٤٦ - المدخل في التعريف بالفقه الإِسلامي وتاريخه وأسسه وخصائصه ومصادره للدكتور عبد المجيد محمود مطلوب، الناشر: مؤسسة المختار للنشر والتوزيع بالقاهرة.\n٩٤٧ - المدخل في الفقه الإِسلامي: تعريفه وتاريخه ومذاهبه، نظرية الملكية والعقد للأستاذ الدكتور محمد مصطفى شلبي، الناشر: الدار الجامعية ببيروت، الطبعة العاشرة، ١٤٠٥ هـ.\n٩٤٨ - المدخل لدراسة الشريعة الإِسلامية لعبد اللطيف خالقي، الطبعة الأولى، ١٩٩٨ - ١٩٩٩ م.\n٩٤٩ - المدخل لدراسة الشريعة الإِسلامية للدكتور عبد الكريم زيدان، الناشر: مؤسسة الوسالة ببيروت، الطبعة السادسة عشرة، ١٤٢٠ هـ.\n٩٥٠ - المدخل لدراسة الفقه الإِسلامي للدكتور رمضان عليّ الشرنباصي، الناشر: دار الجامعة الجديدة للنشر بالإسكندرية، ٢٠٠٣ م.\n٩٥١ - المدخل لدراسة الفقه الإِسلامي للدكتور شوقي عبده ضيف، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.\n٩٥٢ - المدخل لدراسة الفقه الإِسلامي للدكتور محمد يوسف موسى، الناشر: دار الفكر العربي بالقاهرة.\n٩٥٣ - المدخل لدراسة الفقه الإِسلامي لمحمد الحسيني حنفي، الناشر: دار النهضة العربية بالقاهرة، الطبعة الثالثة، ١٩٧٤ هـ.\n٩٥٤ - المدخل لدراسة الفقه الإِسلامي لمحمد محجوبي، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.","vol":"3","page":1623},{"text":"٩٥٥ - المدخل لدراسة الفقه الإِسلامي: تاريخه ومصادره ونظرياته ونظرياته العامة للأستاذ الدكتور إِبراهيم عبد الرَّحمن إِبراهيم، الناشر: دار الثقافة للنشر والتوزيع بالأردن، الطبعة الأولى، ١٩٩٩ م.\n٩٥٦ - المدخل لدراسة الفقه للدكتور حسين حامد، الناشر: مكتبة المتنبي بالقاهرة.\n٩٥٧ - المدخل للتشريع الإِسلامي: نشأته - أدواره التاريخية - مستقبله للدكتور محمد فاروق النبهان، الناشر: وكالة المطبوعات بالكويت، ودار القلم ببيروت، الطبعة الثانية، ١٩٨١ م.\n٩٥٨ - المدخل للشريعة الإِسلامية للدكتور أحمد محمود الشَّافعي، الناشر: الدار الجامعية، ١٩٩٧ م.\n٩٥٩ - المدخل للفقه الإسلامي (تاريخه ومصادره ونظرياته العامة) لمحمد سلام مدكور (ت: ١٤٠٥ هـ)، الناشر: دار الكتاب الحديث بالكويت.\n٩٦٠ - المدخل للفقه الإسلامي: تاريخه - قواعده - مبادئه العامة للدكتور عبد الله الدرعان، الناشر: مكتبة التوبة، بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\n٩٦١ - المدخل للفقه الإِسلامي، تاريخ التشريع الإِسلامي - أطواره - مذاهبه - مصادره للدكتور حسن بن عليّ الشاذلي، الناشر: دار الاتحاد العربي للطباعة.\n٩٦٢ - مدرسة الإِمام الحافظ أبي عمر بن عبد البر في الحديث والفقه وآثارها في تدعيم المذهب المالكي بالمغرب لمحمد بن يعيش، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية بالمملكة المغربية، ١٤١٤ هـ.\n٩٦٣ - المدرسة البغدادية للمذهب المالكي (نشأتها - أعلامها - منهجها - أثرها) للدكتور محمد العلمي، الناشر: دار البحوث للدراسات الإِسلامية وإحياء التراث بالإِمارات العربية المتحدة، دبي، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n٩٦٤ - المدرسة الظاهرية بالمشرق والمغرب للدكتور أحمد بكير محمود، الناشر: دار قتيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ.\n٩٦٥ - المدرسة الظاهرية بالمغرب والأندلس (نشأتها - أعلامها - أصولها وأثرها)","vol":"3","page":1624},{"text":"للدكتور توفيق بن أحمد الإِدريسي، الناشر: دار ابن حزم للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n٩٦٦ - المدرسة المالكية الأندلسية إِلى نهاية القرن الثالث الهجري - نشأة وخصائص لمصطفى الهروس، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية بالمملكة المغربية، ١٤١٨ هـ.\n٩٦٧ - المذاهب الاجتهادية بين يسر الشريعة وعسر التعصب لمحمود إِبراهيم بزال، الناشر: دار الكلم الطيب بدمشق، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n٩٦٨ - المذاهب الإسلامية - تعريف موجز بالمذاهب الفقهية القائمة في عصرنا وبغيرها من المذاهب للدكتور فوزي فيض الله، الناشر: دار القلم بدمشق، والدار الشامية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n٩٦٩ - المذاهب الفقهية الأربعة للعلامة أحمد تيمور باشا (ت: ١٣٤٨ هـ)، الناشر: دار الآفاق العربية بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n٩٧٠ - المذاهب الفقهية الإسلامية والتعصب المذهبي لمحمد تاجا، الناشر: دار قتيبة للطباعة والنشر والتوزيع بدمشق، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n٩٧١ - مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر للشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ)، تحقيق: عليّ بن محمد العمران، الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع بمكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n٩٧٢ - المذهب الحنبلي - دراسة في تاريخه وسماته وأشهر أعلامه ومولفاته للدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n٩٧٣ - المذهب الحنفي (مراحله وطبقاته، ضوابطه ومصطلحاته، خصائصه ومؤلفاته) لأحمد بن محمد نصير الدين النقيب، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n٩٧٤ - المذهب المالكي: مدارسه ومؤلفاته - خصائصه وسماته لمحمد المختار محمد المامي، الناشر: مركز زايد للتراث والتاريخ بالإِمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.","vol":"3","page":1625},{"text":"٩٧٥ - المذهب عند الحنفية للدكتور محمد إِبراهيم أحمد علي (ت: ١٤٣٠ هـ)، الناشر: جامعة أم القرى، مركز البحث العلمي وإِحياء التراث الإِسلامي، كلية الشريعة والدراسات الإِسلامية، بمكة المكرمة، مطبوع في مجموع بعنوان: دراسات في الفقه الإِسلامي.\n٩٧٦ - مراتب الإِجماع في العبادات والمعاملات والاعنقادات للعلامة أبي محمد عليّ بن حزم الظاهري (ت: ٤٥٧ هـ)، بعناية: حسن أحمد أسبر، الناشر: دار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n٩٧٧ - مراعاة الخلاف (بحث أصولي) لعبد الرَّحمن بن معمر السنوسي، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n٩٧٨ - مراعاة الخلاف في الفقه - تأصيلًا وتطبيقًا لصالح بن عبد العزيز سندي، رسالة علمية مقدمة لنيل درجة الماجستير في أصول الفقه، إِشراف الدكتور عبد الرَّحمن بن عبد الله الشعلان، العام الجامعي: ١٤١٩ هـ.\n٩٧٩ - مراقي السعود إِلى مراقي السعود لمحمد الأمين بن أحمد زيدان الجكني، المعروف بالمرابط (ت: ١٣٢٥ هـ)، تحقيق: محمد المختار بن محمد الأمين الشنقيطي، الناشر: مطابع ابن تيمية بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\n٩٨٠ - المزهر في علوم اللغة العربية وأنواعها للعلامة جلال الدين عبد الرَّحمن السيوطي (ت: ٩١١ هـ)، تحقيق: محمد أحمد جاد المولى وعلي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إِبراهيم، الناشر: دار الجيل ببيروت، ودار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ببيروت.\n٩٨١ - مسائل الإِمام أحمد بن حنبل الفقهية رواية مهنا بن يحيى الشامي، جمع ودراسة: إِسماعيل مرحبا، الناشر: الجامعة الإِسلامية بالمدينة المنورة، عمادة البحث العلمي، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n٩٨٢ - مسائل الإِمام أحمد بن حنبل رواية ابنه صالح (ت: ٢٦٦ هـ)، تحقيق: الدكتور فضل الرَّحمن دين محمد، الناشر: الدار العلمية بدلهي، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n٩٨٣ - مسائل الإِمام أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله (ت: ٢٩٠ هـ)، تحقيق:","vol":"3","page":1626},{"text":"الدكتور عليّ بن سليمان المهنا، الناشر: مكتبة الدار بالمدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n٩٨٤ - مسائل الإِمام أحمد بن حنبل رواية إِسحاق بن هانئ النَّيْسَابُورِيّ (ت: ٢٧٥ هـ)، تحقيق: زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإِسلامي بدمشق، الطبعة الأولى، ١٤٠٠ هـ.\n٩٨٥ - مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإِسحاق بن راهوية برواية إِسحاق بن منصور المروزي (ت: ٢٥١ هـ)، تحقيق: عبد الله بن معتق السهلي وجماعة، الناشر: الجامعة الإِسلامية بالمدينة المنورة، عمادة البحث العلمي، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n٩٨٦ - مسائل الإِمام أحمد رواية أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت: ٢٧٥ هـ)، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد، الناشر: مكتبة ابن تيمية بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n٩٨٧ - مسائل الخلاف في أصول الفقه لأبي عبد الله الحسين بن عليّ بن محمد الصيمري (ت: ٤٣٦ هـ)، تحقيق: راشد بن عليّ الحاي، رسالة ماجستير مقدمة لقسم أصول الفقه بكلية، الشريعة بالرياض، إِشراف الدكتور عبد العزيز الربيعة، العام الجامعي ١٤٠٤ - ١٤٠٥ هـ.\n٩٨٨ - مسائل لا يعذر فيها بالجهل على مذهب الإِمام مالك شرح العلامة الأمير (ت: ١٢٣٢ هـ) على منظومة بهرام، مقدمة محققه: إِبراهيم المختار أحمد الجبرتي الزيلعي، الناشر: دار الغرب الإِسلامي ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ.\n٩٨٩ - مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة للدكتور ناصر بن عبد الله القفاري، الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الرابعة، ١٤١٦ هـ.\n٩٩٠ - المسالك في شرح موطأ مالك للعلامة أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي (ت: ٥٤٣ هـ)، تحقيق: محمد بن الحسين السليماني وعائشة بنت الحسين السليماني، الناشر: دار الغرب الإِسلامي ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.","vol":"3","page":1627},{"text":"٩٩١ - المستدرك على الصحيحين للإِمام أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النَّيْسَابُورِيّ (ت: ٤٠٥ هـ)، اعتنى به: صالح اللحام، الناشر: دار ابن حزم ببيروت، والدار العثمانية، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n٩٩٢ - المستدرك على هجر العلم ومعاقله في اليمن للقاضي إِسماعيل بن عليّ الأكوع، الناشر: دار الفكر المعاصر ببيروت، ودار الفكر بدمشق، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n٩٩٣ - المستصفى من علم الأصول للعلامة أبي حامد محمد بن محمد الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد سليمان الأشقر، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n٩٩٤ - المستملح من كتاب التكملة لشمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذَّهبي (ت: ٧٤٨ هـ)، تحقيق: الدكتور بشار عواد معروف، الناشر: دار الغرب الإِسلامي بتونس، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ.\n٩٩٥ - المستوعب لنصير الدين محمد بن عبد الله السامري (ت: ٦١٦ هـ)، تحقيق: مساعد الفالح، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\n٩٩٦ - المستوعب لتاريخ الخلاف العالي ومناهجه عند المالكية للدكتور محمد العلمي، الناشر: مركز الدراسات والأبحاث وإِحياء التراث، الرابطة المحمدية للعلماء، الطبعة الأولى، ١٤٣١ هـ.\n٩٩٧ - المسك الأذفر في نشر مزايا القرن الثاني عشر والثالث عشر للعلامة محمود شكري الآلوسي (ت: ١٣٤٣ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الله الجبوري، الناشر: دار العلوم للطباعة والنشر بالرياض، ١٤٠٢ هـ.\n٩٩٨ - مسلم الثبوت في أصول الفقه لمحب الله بن عبد الشكور (ت: ١١١٩ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية ببيروت.\n٩٩٩ - مسند الروياني أبي بكر محمد بن هارون الروياني (ت: ٣٠٧ هـ)، تحقيق: أيمن أبو يماني، الناشر: مؤسسة قرطبة بالقاهرة، الطبعة الثانية، ١٤٣٠ هـ.","vol":"3","page":1628},{"text":"١٠٠٠ - مسند الشهاب لأبي عبد الله محمد بن سلامة القضاعي (ت: ٤٥٤ هـ)، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n١٠٠١ - مسند الفاروق أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب - ﵁ - وأقواله على أبواب العلم للحافظ عماد الدين أبي الفداء إِسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت: ٧٧٤ هـ)، حقق نصوصه وخرَّج أحاديثه وعلَّق عليه: إِمام عليّ إِمام، الناشر: دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث، الطبعة الأولى، - ١٤٣٠ هـ.\n١٠٠٢ - المسند لأبي بكر أحمد بن عمر البزار (ت: ٢٩٢ هـ)، تحقيق: الدكتور محفوظ الرَّحمن زين الله وجماعة، الناشر: مكتبة العلوم والحكم بالمدينة المنورة، ١٤٢٤ هـ.\n١٠٠٣ - المسند لأبي بكر عبد الله بن الزبير القرشي الحميدي (ت: ٢١٩ هـ)، تحقيق: حسين سليم أسد، الناشر: دار المأمون بدمشق، ودار المغني للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الثانية، ١٤٢٣ هـ.\n١٠٠٤ - المسند لأبي داود سليمان بن داود الطيالسي الجاروري (ت: ٢٠٤ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد بن عبد المحسن التركي، الناشر: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n١٠٠٥ - المسند لأبي عوانة يعقوب بن إِسحاق الإسفرائيني (ت: ٣١٦ هـ)، تحقيق: أيمن بن عارف الدمشقي، الناشر: دار المعرفة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n١٠٠٦ - المسند لأبي محمد عبد الله بن عبد الرَّحمن الدارمي (ت: ٢٥٥ هـ)، تحقيق: حسين سليم أسد الداراني، الناشر: دار المغني بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n١٠٠٧ - المسند لأبي يعلى أحمد بن عليّ بن المثنى التميمي الموصلي (ت: ٣٠٧ هـ)، تحقيق: حسين سليم أسد، الناشر: دار الثقافة العربية بدمشق، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.","vol":"3","page":1629},{"text":"١٠٠٨ - المسند للإِمام أحمد بن حنبل (ت: ٢٤١ هـ)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ ورجعتُ أيضًا إِلى تحقيق الشَّيخ أحمد شاكر للمسند، الناشر: دار المعارف بمصر، ١٣٧٧ هـ.\n١٠٠٩ - المسند للإِمام محمد بن إِدريس الشَّافعي (ت: ٢٥٤ هـ)، تحقيق: الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب، الناشر: دار البشائر الإِسلامية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n١٠١٠ - المسودة في أصول الفقه صنفها ثلاثة من أئمة آل تيمية، لمجد الدين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن تيمية (ت: ٦٥٢ هـ)، وشهاب الدين أبو المحاسن عبد الحليم بن عبد السلام (ت: ٦٨٢ هـ)، وأبو العبَّاس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (ت: ٧٢٨ هـ)، جمعها وبيضها: شهاب الدين أبو العبَّاس أحمد بن محمد الحراني (ت: ٧٤٥ هـ)، تحقيق: الدكتور أحمد بن إِبراهيم الذروي، الناشر: دار الفضيلة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ ورجعت أيضًا إِلى الطبعة الَّتي حققها: محمد محيي الدين عبد الحميد، الناشر: دار الكتاب العربي ببيروت.\n١٠١١ - مسيرة الفقه الإِسلامي المعاصر وملامحه للدكتور شويش هزاه المحاميد، الناشر: دار عمار للنشر والتوزيع بالأردن، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n١٠١٢ - مشاهير علماء نجد لعبد الرَّحمن بن عبد اللطيف آل الشَّيخ، الناشر: دار حرش للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، ١٣٩٤ هـ.\n١٠١٣ - مشايخ بلخ من الحنفية وما انفردوا به من المسائل للدكتور محمد محروس المدرس، الناشر: وزارة الأوقاف بالجمهورية العراقية، ١٩٧٨ م.\n١٠١٤ - مشكاة المصابيح لمحمد بن عبد الله الخطيب التبريزي (ت: بعد ٧٣٧ هـ)، تحقيق: الشَّيخ محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: المكتب الإِسلامي بدمشق، الطبعة الثانية، ١٣٩٩ هـ.","vol":"3","page":1630},{"text":"١٠١٥ - مصادر التشريع الإِسلامي فيما لا نصَّ فيه للشيخ عبد الوهاب خلاف (ت: ١٣٧٥ هـ)، دار القلم بالكويت، الطبعة الرابعة، ١٣٩٨ هـ.\n١٠١٦ - مصادر التلقي وأصول الاستدلال العقدية عند الإِمامية الاثني عشرية - عرض ونقد لإِيمان بنت صالح العلواني، الناشر: دار التدمرية بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ.\n١٠١٧ - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير لأحمد بن محمد عليّ الفيومي (ت: ٧٧٠ هـ)، اعتنى به: عادل مرشد، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ.\n١٠١٨ - المصباح في رسم المفتي ومناهج الإِفتاء لمحمد كمال الدين أحمد الراشدي، الناشر: دار إِحياء التراث العربي ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n١٠١٩ - مصطلحات المذاهب الفقهية وأسرار الفقه المرموز في الأعلام والكتب والآراء والترجيحات لمريم بنت محمد بن صالح الظفيري، الناشر: دار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n١٠٢٠ - المصفى في أصول الفقه لأحمد بن محمد بن عليّ الوزير، الناشر: دار الفكر المعاصر ببيروت، ودار الفكر بسورية، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n١٠٢١ - المصقول في علم الأصول للملا محمد جلبي زاده الكوبي (ت: ١٣٦١ هـ)، تحقيق: عبد الرزاق بميار، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بالعراق، الطبعة الأولى، ١٤٠١ هـ.\n١٠٢٢ - المصلحة المرسلة والاستحسان وتطبيقاتها الفقهية للدكتور عبد اللطيف العلمي، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية بالمملكة المغربية، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n١٠٢٣ - المصنف للحافظ أبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت: ٢١١ هـ)، تحقيق: حبيب الرَّحمن الأعظمي، الناشر: المكتب الإِسلامي بدمشق، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ.\n١٠٢٤ - المصنف للحافظ أبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة (ت: ٢٣٥ هـ)،","vol":"3","page":1631},{"text":"تحقيق: محمد عوامة، الناشر: شركة دار القبلة بجدة، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n١٠٢٥ - المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية للحافظ أحمد بن عليّ بن محمد بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التويجري وآخرين، وتنسيق: الدكتور سعد بن ناصر الشثري، الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n١٠٢٦ - مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى للفقيه الشَّيخ مصطفى السيوطي الرحيباني (ت: ١٢٤٠ هـ)، الطبعة الثانية، ١٤١٥ هـ.\n١٠٢٧ - مطلع البدور ومجمع البحور في تراجم رجال الزيدية للقاضي أحمد بن صالح بن أبي الرجال (ت: ١٠٩٢ هـ)، تحقيق: عبد الرقيب مطهر حجر، الناشر: مركز أهل البيت للدارسات الإِسلامية باليمن، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n١٠٢٨ - المطلع على أبواب المقنع للإِمام أبي عبد الله شمس الدين محمد بن أبي الفتح البعلي الحنبلي (ت: ٧٠٩ هـ)، الناشر: المكتب الإِسلامي بدمشق، ١٤٠١ هـ.\n١٠٢٩ - مع الاثني عشرية في الأصول والفروع \"موسوعة شاملة\" دراسة مقارنة في الحديث وعلومه وكتبه، ودراسة مقارنة في الفقه وأصوله للدكتور علي السالوس، الناشر: دار التقوى بمصر، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n١٠٣٠ - معارج الألباب في مناهج الحق والصواب لحسين بن مهدي بن عز الدين النعمي (ت: ١١٨٧ هـ)، تحقيق: محمد عبد الله مختار، الناشر: دار المغني للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ ورجعت إِلى نسخة أخرى حققها محمد حامد الفقي، وخرج أحاديثها علي حسن عبد الحميد، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n١٠٣١ - المعاصرون لمحمد كرد علي (ت: ١٣٧٢ هـ)، علق عليه وأشرف على","vol":"3","page":1632},{"text":"طبعه: محمد المصري، الناشر: دار صادر ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٣ هـ.\n١٠٣٢ - معالم السنن لأبي سليمان حمد الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ)، تحقيق: أحمد شاكر ومحمد الفقي، الناشر: مكتبة السنة المحمدية بالقاهرة، ومكتبة ابن تيمية بالقاهرة.\n١٠٣٣ - معالم تجديد المنهج الفقهي - إِنموذج الشوكاني لحليمة بوكروشة، كتاب الأمة عن وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية بدولة قطر، العددان: (٩٠ - ٩١) ١٤٢٣ هـ.\n١٠٣٤ - معالم طريقة السلف في أصول الفقه (الثبات والشمول) للدكتور عابد بن محمد السفياني، الناشر: مكتبة المنارة بمكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n١٠٣٥ - معالم وضوابط الاجتهاد عند شيخ الإِسلام ابن تيمية للدكتور علاء الدين حسين رحال، الناشر: دار النفائس للنشر والتوزيع بالأردن، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n١٠٣٦ - المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر لبدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي الشَّافعي (ت: ٧٩٤)، تحقيق: حمدي السلفي، الناشر: دار الأرقم، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ.\n١٠٣٧ - المعتمد في أصول الفقه للعلامة أبي الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري (ت: ٤٣٦ هـ)، تحقيق: محمد حميد الله، وأحمد بكير، وحسن حنفي، الناشر: المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية بدمشق، ١٣٨٥ هـ.\n١٠٣٨ - المعجم الأوسط للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطَّبراني (ت: ٣٦٥ هـ)، تحقيق: طارق عوض الله وعبد المحسن الحسيني، الناشر: دار الحرمين للطباعة والنشر بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\n١٠٣٩ - معجم الشيوخ (المعجم الكبير) لشمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذَّهبي (ت: ٧٤٨ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد الهيلة، الناشر: مكتبة الصديق بالطائف، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.","vol":"3","page":1633},{"text":"١٠٤٠ - المعجم الفلسفي، معجم صادر عن مجمع اللغة العربية بجمهورية مصر العربية، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية ١٤٠٣ هـ.\n١٠٤١ - المعجم الكبير للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطَّبراني (ت: ٣٦٠ هـ)، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، الناشر: دار إِحياء التراث ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤٢٢ هـ.\n١٠٤٢ - المعجم المؤسس للمعجم المفهرس للحافظ أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ)، تحقيق: الدكتور يوسف عبد الرَّحمن المرعشلي، الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\n١٠٤٣ - معجم المولفين لعمر رضا كحالة (ت: ١٤٠٨ هـ)، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n١٠٤٤ - المعجم الوسيط قام بإِخراجه: إِبراهيم مصطفى وأحمد حسن الزيات وحامد عبد القادر ومحمد علي النجار، الناشر: المكتبة الإِسلامية للطباعة والنشر والتوزيع باستانبول، الطبعة الثانية.\n١٠٤٥ - معجم لغة الفقهاء للأستاذ الدكتور محمد رواس قلعجي، الناشر: دار النفائس بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٢٧ هـ.\n١٠٤٦ - معرفة السنن والآثار للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت: ٤٥٨ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد المعطي أمين قلعجي، الناشر: دار الوعي بحلب، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\n١٠٤٧ - معرفة الصحابة للحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني (ت: ٤٣٠ هـ)، تحقيق: عادل العزازي، الناشر: دار الوطن بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n١٠٤٨ - معرفة علوم الحديث وكمية أجناسه للإِمام أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النَّيْسَابُورِيّ (ت: ٤٠٥ هـ)، تحقيق: أحمد بن فارس السلوم، الناشر: دار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n١٠٤٩ - معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار لشمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذَّهبي (ت: ٧٤٨ هـ)، تحقيق: الدكتور طيار آلتي","vol":"3","page":1634},{"text":"قولاج، الناشر: دار عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع مركز البحوث الإِسلامية التابع لوقف الديانة التركي، ١٤٢٤ هـ.\n١٠٥٠ - المعرفة والتاريخ لأبي يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي (ت: ٢٧٧ هـ)، تحقيق: الدكتور أكرم العمري، الناشر: مكتبة الدار بالمدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.\n١٠٥١ - معنى قول الإِمام المطلبي: \"إِذا صح الحديث فهو مذهبي\" لتقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي (ت: ٧٥٦ هـ)، تحقيق: علي نايف بقاعي، الناشر: دار البشائر الإِسلامية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\n١٠٥٢ - معونة أولي النهى شرح المنتهى للعلامة محمد بن أحمد بن عبد العزيز المعروف بابن النجار (ت: ٩٧٢ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الملك بن عبد الله بن دهيش، الناشر: دار خضر للطباعة والنشر والتوزيع ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\n١٠٥٣ - المعونة على مذهب عالم المدينة للقاضي عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي المالكي (ت: ٤٢٢ هـ)، تحقيق: محمد الحسين السليماني، مطبوع ما يتعلق بأصول الفقه مع المقدمة لابن القصار، الناشر: دار الغرب الإِسلامي ببيروت، الطبعة الأولى، ١٩٩٦ م.\n١٠٥٤ - المعونة في الجدل للإِمام أبي إِسحاق إِبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (ت: ٤٧٦ هـ)، تحقيق: عبد المجيد تركي، الناشر: دار الغرب الإِسلامي ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n١٠٥٥ - المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي علماء إِفريقية والأندلس والمغرب للعلامة أبي العبَّاس أحمد بن يحيى الونشريسي (ت: ٩١٤ هـ)، خرَّجه جماعةٌ بإِشراف: الدكتور محمد حجي، الناشر: دار المغرب الإِسلامي ببيروت، الطبعة الأولى.\n١٠٥٦ - المعيار في الأحاديث الضَّعيفة والموضوعة الَّتي استشهد بها الفقهاء لتاج","vol":"3","page":1635},{"text":"الدين علي بن عبد الله بن الحسن التبريزي الشَّافعي (ت: ٧٤٦ هـ)، تحقيق: خلدون الباشا، الناشر: دار الإِصلاح للطباعة والنشر والتوزيع بسورية، الطبعة الأولى، ٢٠٠٦ م.\n١٠٥٧ - معيد النعم ومبيد النقم للعلامة تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي (ت: ٧٧١ هـ)، تحقيق: محمد علي النجار، وأبو زيد شلبي، ومحمد أبو العيون، الناشر: مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الثالثة، ١٤١٤ هـ.\n١٠٥٨ - المغرب في ترتيب المعرب لأبي الفتح ناصر الدين المطرزي، تحقيق: محمود فاخوري وعبد الحميد مختار، الناشر: مكتبة أسامة بن زيد بحلب، الطبعة الأولى ١٣٩٩ هـ.\n١٠٥٩ - مغني المحتاج على معرفة معاني ألفاظ المنهاج لمحمد الشربيني الخطيب (ت: ٩٧٧ هـ)، الناشر: مكتبة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، ١٣٧٧ هـ.\n١٠٦٠ - المغني لموفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي (ت: ٦٢٠ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي والدكتور عبد الفتاح الحلو، الناشر: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع بالقاهرة، الطبعة الثانية، ١٤١٢ هـ.\n١٠٦١ - مغيث الخلق في ترجيح القول الحق لإِمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني (ت: ٤٨٧ هـ)، اعتنى به: عبد الحميد تشاطي، الناشر: فيصل آباد باكستان، ١٤٠٢ هـ.\n١٠٦٢ - مفاتيح الغيب لفخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرَّازي (ت: ٦٠٦ هـ)، ملتزم الطبع: عبد الرَّحمن محمد، الناشر: المطبعة البهية المصرية، ١٣٥٧ هـ.\n١٠٦٣ - مفاتيح الفقه الحنبلي للدكتور سالم بن علي الثقفي، الطبعة الأولى، ١٣٩٨ هـ.\n١٠٦٤ - مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم لمحمد بن أحمد المعروف بطاش كبري زاده (ت: ٩٦٨ هـ)، دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.","vol":"3","page":1636},{"text":"١٠٦٥ - مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية أهل العلم والإِرادة لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (ت: ٧٥١ هـ)، تحقيق: عامر بن علي ياسين، الناشر: دار ابن خزيمة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ ورجعت إِلى طبعة دار ابن حزم، تحقيق: فواز زمرلي وفاروق الترك، الطبعة الأولى، ١٤٣١ هـ وأشير إِليها ب ط/ ابن حزم.\n١٠٦٦ - المفتي في الشريعة الإِسلامية وتطبيقاته في هذا العصر للدكتور عبد العزيز بن عبد الرَّحمن الربيعة، الناشر: دار المطبوعات الحديثة، الطبحة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n١٠٦٧ - المفراح في شرح مراح الأرواح في التصريف لحسن باشا بن علاء الدين الأسود (ت: ٨٢٧ هـ)، تحقيق: الدكتور شريف عبد الكريم النجار، الناشر: دار عمار بالأردن، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n١٠٦٨ - مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني (ت: قيل: ٥٠٣ هـ)، تحقيق: صفوان عدنان داوودي، الناشر: دار القلم بدمشق، الطبعة الثانية، ١٤١٨ هـ.\n١٠٦٩ - المفصل في صنعة الإِعراب للعلامة جار الله أبي القاسم محمود بن عمر الزَّمخشري (ت: ٥٣٨ هـ)، تحقيق: الدكتور خالد إِسماعيل حسان، الناشر: مكتبة الآداب بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n١٠٧٠ - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للحافظ أبي العبَّاس أحمد بن عمر بن إِبراهيم القرطبي (ت: ٦٥٦ هـ)، تحقيق: محيي الدين مستو ويوسف بديوي وأحمد السيد ومحمود بزال، الناشر: دار ابن كثير بدمشق، ودار الكلم الطيب بدمشق، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n١٠٧١ - مفهوم الفقه الإِسلامي وتطوره، وأصالته، ومصادره العقلية والنقلية لنظام الدين عبد الحميد، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ.","vol":"3","page":1637},{"text":"١٠٧٢ - المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة لشمس الدين محمد بن عبد الرَّحمن السخاوي (ت: ٩٠٢ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ.\n١٠٧٣ - مقاصد الشريعة الإِسلامية للشيخ محمد الطاهر بن عاشور (ت: ١٣٩٤ هـ)، تحقيق: محمد الحبيب بن الخوجة، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية بدولة قطر، ١٤٢٥ هـ.\n١٠٧٤ - مقاصد الشريعة ومكارمها لعلال الفاسي (ت: ١٣٩٤ هـ)، الناشر: دار الغرب الإِسلامي ببيروت، الطبعة الخامسة، ١٩٩٣ م.\n١٠٧٥ - مقاصد المكلفين عند الأصوليين للدكتور فيصل بن سعود الحليبي، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ.\n١٠٧٦ - المقاصد العامة للشريعة الإِسلامية للدكتور يوسف العالم، الناشر: الدار العالمية للكتاب الإسلامي، والمعهد العالمي للفكر الإِسلامي، الطبعة الثانية، ١٤١٥ هـ.\n١٠٧٧ - مقالات الإِسلاميين واختلاف المصلين للإِمام أبي الحسن علي بن إِسماعيل الأشعري (ت: ٣٣٠ هـ)، تحقيق: محيي الدين عبد الحميد، الناشر: المكتبة العصرية ببيروت، ١٤١١ هـ.\n١٠٧٨ - مقالات محمد ناصر الدين الألباني (ت: ١٤٢٠ هـ)، اعتنى بها: نور الدين طالب، الناشر: دار أطلس للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n١٠٧٩ - مقاييس اللغة للعلامة أبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا (ت: ٣٩٥ هـ)، تحقيق: عبد السلام هارون، الناشر: دار الجيل ببيروت، ١٤٢٠ هـ.\n١٠٨٠ - مقدمات الإمام الكوثري (ت: ١٣٧١ هـ)، الناشر: دار الثريا للطباعة والنشر والتوزيع بدمشق، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n١٠٨١ - مقدمة ابن خلدون عبد الرَّحمن بن محمد بن خلدون (ت: ٨٠٨ هـ)، تحقيق: الدكتور علي عبد الواحد وافي، الناشر: دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع بالقاهرة، الطبعة الثانية.","vol":"3","page":1638},{"text":"١٠٨٢ - مقدمة في أسباب اختلات المسلمين وتفرقهم لمحمد العبده وطارق عبد الحكيم، الناشر: دار الأرقم بالكويت، ١٤٠٥ هـ.\n١٠٨٣ - مقدمة في أصول الفقه للقاضي أبي الحسن علي بن عمر البغدادي المعروف بابن القصار المالكي (ت: ٣٩٧ هـ)، تحقيق: الدكتور مصطفى مخدوم، الناشر: دار المعلمة، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n١٠٨٤ - مقدمة في دراسة الفقه الإِسلامي للدكتور محمد الدسوقي والدكتور أمينة الجابر، الناشر: دار الثقافة بقطر، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ.\n١٠٨٥ - المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإِمام أحمد للإِمام برهان الدين إِبراهيم بن محمد بن عبد الله بن مفلح (ت: ٨٨٤ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الرَّحمن بن سليمان العثيمين، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.\n١٠٨٦ - المقفى الكبير للعلامة تقي الدين أحمد بن علي المقريزي (ت: ٨٤٥ هـ)، تحقيق: محمد اليعلاوي، الناشر: دار الغرب الإِسلامي ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n١٠٨٧ - المقلِّدون والأئمة الأربعة ﵏ لسعيد معشاشة، الناشر: المكتب الإِسلامي بدمشق، ودار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n١٠٨٨ - المقنع في فقه الإِمام أحمد بن حنبل لموفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي (ت: ٦٢٠ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، مطبوع مع المقنع والإِنصاف، الناشر: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\n١٠٨٩ - الملتقط في دفع ما ذكر عن الإِمام أحمد - ﵀ - من الكذب والغلط لعلي بن محمد أبو الحسن وعمر بن أحمد الأحمد، الناشر: دار أطلس الخضراء للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n١٠٩٠ - ملحق النعت الأكمل لأصحاب الإِمام أحمد بن حنبل لمحمد مطيع الحافظ ونزار أباظة، الناشر: دار الفكر بدمشق، ١٤٠٢ هـ.\n١٠٩١ - ملخص إِبطال القياس والرأي والاستحسان والتقليد والتعليل للعلامة أبي","vol":"3","page":1639},{"text":"محمد علي بن حزم الظاهري (ت: ٤٥٧ هـ)، تحقيق: سعيد الأفغاني، الناشر: مطبعة جامعة دمشق، ١٣٧٩ هـ.\n١٠٩٢ - الملل والنحل للإِمام أبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (ت: ٥٤٨ هـ)، تحقيق: محمد بن فتح الله بدران، الناشر: دار أضواء السلف بالرياض، مصورة عن طبعة الأزهر، الطبعة الأولى.\n١٠٩٣ - الممتع في التصريف لأبي الحسن علي بن مؤمن المعروف بابن عصفور الإِشبيلي (ت: ٦٦٩ هـ)، تحقيق: الدكتور فخر الدين قباوة، الناشر: دار المعرفة بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n١٠٩٤ - منار أصول الفتوى وقواعد الإِفتاء بالأقوى لبرهان الدين إِبراهيم بن إِبراهيم اللقاني (ت: ١٠٤١ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الله الهلالي، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية بالمملكة المغربية، ١٤٢٣ هـ.\n١٠٩٥ - منار السالك إلى مذهب الإِمام مالك لأحمد السباعي الرجراجي، الطبعة الأولى بفاس، ١٣٥٩ هـ.\n١٠٩٦ - المنار المنيف في الصحيح والضعيف لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (ت: ٧٥١ هـ)، تحقيق: يحيى بن عبد الله الثمالي، الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع بمكة المكرمة، الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ.\n١٠٩٧ - المناسبة الشرعية وتطبيقاتها المعاصرة للأستاذ الدكتور نور الدين مختار الخادمي، الناشر: المعهد العالمي للفكر الإِسلامي بالولايات المتحدة، ودار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n١٠٩٨ - مناظرات في أصول الشريعة الإِسلامية بين ابن حزم والباجي للدكتور عبد المجيد تركي، الناشر: دار الغرب الإِسلامي بيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ.\n١٠٩٩ - المناظرة في أصول التشريع الإِسلامي (دراسة في التناظر بين ابن حزم والباجي) للأستاذ مصطفى الوضيفي، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية بالمملكة المغربية، ١٤١٩ هـ.","vol":"3","page":1640},{"text":"١١٠٠ - مناقب الإِمام أحمد بن حنبل للإِمام أبي الفرج عبد الرَّحمن بن علي ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الله التركي، الناشر: دار هجر للطباعة والنشر بالقاهرة، الطبعة الثانية، ١٤٠٩ هـ.\n١١٠١ - مناقب الإِمام الشَّافعي للحافظ عماد الدين أبي الفداء إِسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت: ٧٧٤ هـ)، تحقيق: خليل ملا ماطر، الناشر: مكتبة الإِمام الشَّافعي بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\n١١٠٢ - مناقب الشَّافعي للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت: ٤٥٨ هـ)، تحقيق: السيد أحمد صقر، الناشر: مكتبة دار التراث بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٣٩١ هـ.\n١١٠٣ - مناهج الاجتهاد في الإِسلام في الأحكام الفقهية والعقائدية للدكتور محمد سلام مدكور (ت: ١٤٠٥ هـ)، الناشر: مطبوعات جامعة الكويت، ١٩٧٧ م.\n١١٠٤ - المناهج الأصولية في الاجتهاد والرأي في التشريع الإِسلامي للأستاذ الدكتور محمد فتحي الدريني، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الثالثة، ١٤١٨ هـ.\n١١٠٥ - مناهج التحصيل ونتائج لطائف التاوبل في شرح المدونة وحل مشكلاتها لأبي الحسن علي بن سعيد الرجراجي، اعتنى به: أبو الفضل الدمياطي أحمد بن علي، الناشر: مركز التراث الثقافي المغربي بالدار البيضاء، ودار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n١١٠٦ - مناهج المحدِّثين (مالك، أحمد، ابن خزيمة، ابن حبَّان، الحاكم، الطَّبراني) للأستاذ الدكتور محمد بن تركي التركي، الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ.\n١١٠٧ - المنتخب من العلل للخلال لموفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي (ت: ٦٢٠ هـ)، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد، الناشر: دار الراية للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.","vol":"3","page":1641},{"text":"١١٠٨ - المنتخب من مسند عبد بن حميد (ت: ٢٤٩ هـ)، تحقيق: أبي عبد الله مصطفى بن العدوي، الناشر: دار بلنسية بالرياض الطبعة الثانية، ١٤٢٣ هـ.\n١١٠٩ - المنتخب من معجم الشيوخ للحافظ أبي سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني (ت: ٥٦٢ هـ)، تحقيق: الدكتور موفق بن عبد الله عبد القادر، الناشر: جامعة الإِمام محمد بن سعود الإِسلامية، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n١١١٠ - منتخبات التواريخ الدمشقية لمحمد أديب آل تقي الدين الحصني (ت: ١٣٥٨ هـ)، الناشر: دار البيروتي، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n١١١١ - المنتخل في الجدل للعلامة أبي حامد محمد بن محمد الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ)، تحقيق: الأستاذ الدكتور علي بن عبد العزيز العميريني، الناشر: دار الوراق بالرياض، ودار النيرين للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n١١١٢ - المنتقى شرح موطأ مالك للعلامة أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي (ت: ٤٧٤ هـ)، تحقيق: محمود شاكر، الناشر: دار إِحياء التراث العربي ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n١١١٣ - المنتقى لأبي محمد عبد الله بن علي بن الجارود (ت: ٣٠٨ هـ)، تخريج أبي إِسحاق الحويني، الناشر: دار الكتاب العربي ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n١١١٤ - منتهى السول في علم الأصول لسيف الدين أبي الحسن علي بن محمد الآمدي (ت: ٦٣٠ هـ).\n١١١٥ - منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل للعلامة جمال الدين أبي عمر عثمان بن عمر بن الحاجب (ت: ٦٤٦ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n١١١٦ - المنثور في القواعد لبدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي الشَّافعي (ت: ٧٩٤)، تحقيق: الدكتور تيسير فائق أحمد محمود،","vol":"3","page":1642},{"text":"الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية بالكويت، الطبعة الأولى، ١٤٠٢ هـ.\n١١١٧ - منح الجليل على مختصر العلامة خليل للشيخ محمد عليش (ت: ١٢٩٩ هـ)، الناشر: دار صادر ببيروت.\n١١١٨ - منحة الغفار حاشية ضوء النهار للعلامة محمد بن إِسماعيل الأمير الصنعاني (ت: ١١٨٢ هـ)، مطبوعة مع ضوء النهار.\n١١١٩ - المنخول من تعليقات الأصول للعلامة أبي حامد محمد بن محمد الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ)، تحقيق: محمد حسن هيتو، الناشر: دار الفكر بدمشق، الطبعة الثانية، ١٤٠٠ هـ.\n١١٢٠ - المنصف شرح كتاب التصريف للمازري لأبي الفتح عثمان بن جني (ت: ٣٩٢ هـ)، تحقيق: إِبراهيم مصطفى وعبد الله أمين، الناشر: شركة ومطبعة البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة الأولى، ١٣٧٣ هـ.\n١١٢١ - منع الموانع عن جمع الجوامع في أصول الفقه للعلامة تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي (ت: ٧٧١ هـ)، تحقيق: الدكتور سعيد بن علي الحميري، الناشر: دار البشائر الإِسلامية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n١١٢٢ - منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية لأبي العبَّاس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (ت: ٧٢٨ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم، الناشر: جامعة الإِمام محمد بن سعود الإِسلامية، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n١١٢٣ - منهاج الطالبين للإِمام أبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت: ٦٧٦ هـ)، تحقيق: الدكتور أحمد الحداد، الناشر: دار البشائر الإِسلامية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n١١٢٤ - منهاج الوصول إِلى علم الأصول للقاضي عبد الله بن عمر البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ)، مطبوع مع شرحه السراج الوهاج.\n١١٢٥ - المنهاج في ترتيب الحجاج للعلامة أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي","vol":"3","page":1643},{"text":"(ت: ٤٧٤ هـ)، تحقيق: عبد المجيد تركي، الناشر: دار الغرب الإِسلامي ببيروت، الطبعة الثانية، ١٩٨٧ م.\n١١٢٦ - منهج البحث والفتوى في الفقه الإِسلامي بين انضباط السابقين واضطراب المعاصرين السيد سابق والأستاذ القرضاوي نموذجًا، لمصطفى بشير الطرابلسي، الناشر: دار الفتح للدراسات والنشر بالأردن، الطبعة الأولى، ١٤٣١ هـ.\n١١٢٧ - منهج ابن تيمية في الفقه للدكتور سعود بن صالح العطيشان، الناشر: مكتبة العبيكان بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n١١٢٨ - منهج استنباط أحكام النوازل الفقهية المعاصرة - دراسة تأصيلية تطبيقية للدكتور مسفر بن علي القحطاني، الناشر: دار الأندلس الخضراء بجدة، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n١١٢٩ - المنهج الاحمد في تراجم أصحاب الإِمام أحمد لمجير الدين عبد الرَّحمن بن محمد العليمي الحنبلي (ت: ٩٢٨ هـ)، تحقيق: محمود الأرناؤوط، الناشر: دار صادر ببيروت، الطبعة الأولى، ١٩٩٧ م.\n١١٣٠ - منهج الإفتاء عند الإِمام ابن القيم الجوزية - دراسة وموازنة لأسامة عمر سليمان الأشقر، الناشر: دار النفائس للنشر والتوزيع بالأردن، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n١١٣١ - منهج البحث في الفقه الإِسلامي: خصائصه ونقائصه للأستاذ الدكتور عبد الوهاب بن إِبراهيم أبو سليمان، الناشر: المكتبة المكية بمكة المكرمة، ودار ابن حزم ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤٢١ هـ\n١١٣٢ - منهج الخلاف والنقد عند الإِمام المازري للدكتور عبد الحميد عشاق، الناشر: دار البحوث للدراسات الإِسلامية وإحياء التراث بالإِمارات العربية المتحدة، دبي، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n١١٣٣ - المنهج الفريد في الاجتهاد والتقليد للدكتور وميض بن رمزي العمري، الناشر: دار النفائس للنشر والتوزيع بالأردن، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.","vol":"3","page":1644},{"text":"١١٣٤ - المنهج الفقهي العام لعلماء الحنابلة ومصطلحاتهم للدكتور عبد الملك بن دهيش، الناشر: دار خضر للطباعة والنشر والتوزيع ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤٢٢ هـ.\n١١٣٥ - منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير للدكتور فهد بن عبد الرَّحمن الرومي، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٠٧ هـ.\n١١٣٦ - المنهج إِلى المنهج إِلى أصول المذهب المبرج لمحمد الأمين الجكني الشنقيطي، مقدمة محققه: الحسين بن عبد الرَّحمن بن محمد الأمين الشنقيطي، الناشر: دار الكتاب المصري بالقاهرة، ودار الكتاب اللبناني ببيروت.\n١١٣٧ - المنهج في استنباط أحكام النوازل لوائل بن عبد الله الهويريني، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ.\n١١٣٨ - المهذب في فقه الإِمام الشَّافعي للإِمام أبي إِسحاق إِبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (ت: ٤٧٦ هـ)، تحقيق: الدكتور محمد الزحيلي، الناشر: دار القلم بدمشق، والدار الشامية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\n١١٣٩ - المهمات في شرح الروضة والرافعي للإِمام جمال الدين أبي محمد بن الحسن الإِسنوي (ت: ٧٧٢ هـ)، اعتنى به: أبو الفضل الدمياطي، الناشر: مركز التراث الثقافي المغربي، ودار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ.\n١١٤٠ - الموافقات للعلامة أبي إِسحاق إِبراهيم بن موسى الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ)، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، الناشر: دار ابن عفان للنشر والتوزيع بالخبر، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n١١٤١ - موافقة الخُبْر الخبر للحافظ أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ)، تحقيق: حمدي السلفي، وصبحي السامرائي، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الثانية ١٤١٤ هـ.\n١١٤٢ - المواقف في علم الكلام لعضد الدين الإِيجي (ت: ٧٥٦ هـ)، الناشر: دار عالم الكتب ببيروت.","vol":"3","page":1645},{"text":"١١٤٣ - مواهب الجليل لشرح مختصر خليل لأبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرَّحمن المغربي المعروف بالحطاب (ت: ٩٥٤ هـ)، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٢ هـ.\n١١٤٤ - موسوعة الفقه الإِسلامي المعاصر للأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي، الناشر: دار المكتبي بسورية، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n١١٤٥ - الموسوعة الفقهية الصادرة عن وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية بدولة الكويت، الطبعة الرابعة، ١٤٢٣ هـ.\n١١٤٦ - الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، إِشراف وتخطيط ومراجعة: الدكتور مانع الجهني، الناشر: دار الندوة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الثالثة، ١٤٢٤ هـ.\n١١٤٧ - الموسوعة الميسرة في تراجم أئمة التفسير والأقراء والنحو واللغة، جمع وإِعداد: وليد القيسي وإياد القيسي وآخرين، الناشر: مجلة الحكمة، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n١١٤٨ - الموسوعة في آداب الفتوى (أدب الفتوى وشروط المفتي وصفة المستفتي وأحكامه وكيفية الفتوى)، وفيها: الفتوى واختلاف القولين لأبي عمرو عثمان بن الصلاح (ت: ٦٤٣ هـ)، وآداب الفتوى والمفتى والمستفتي لمحيي الدين أبي زكريا النووي (ت: ٦٧٦ هـ)، وصفة الفتوى والمفتي والمستفتي لابن حمدان الحنبلي (ت: ٦٩٥ هـ)، تحقيق: الدكتور أحمد بدر الدين الحسون، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n١١٤٩ - موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون للعلامة محمد بن علي التهانوي (كان حيًّا سنة ١١٥٨ هـ)، تحقيق: الدكتور علي دحروج، الناشر: مكتبة لبنان، الطبعة الأولى، ١٩٩٦ م.\n١١٥٠ - الموضوعات من الأحاديث المرفوعات للإِمام أبي الفرج عبد الرَّحمن بن علي بن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ)، تحقيق: الدكتور نور الدين بن شكري بويا جيلار، الناشر: دار أضواء السلف بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.","vol":"3","page":1646},{"text":"١١٥١ - الموطأ لإِمام دار الهجرة مالك بن أنس (ت: ١٧٩ هـ)، رواية يحيى بن يحيى الليثي، تحقيق: الدكتور بشار عواد، الناشر: دار الغرب الإِسلامي ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٧ هـ.\n١١٥٢ - موقف الأئمة الأربعة وأعلام مذهبهم من الرافضة وموقف الرافضة منهم للدكتور عبد الرزاق عبد المجيد، الناشر: أضواء السلف بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n١١٥٣ - الموقف المعاصر من المنهج السلفي في البلاد العربية (دراسة نقدية) للدكتور مفرح بن سليمان القوسي، الناشر: دار الفضيلة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n١١٥٤ - موقف أهل السُّنَّة والجماعة من أهل الأهواء والبدع للدكتور إِبراهيم بن عامر الرحيلي، الناشر: مكتبة العلوم والحكم بالمدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n١١٥٥ - موقف شيخ الإِسلام ابن تيمية من آراء الفلاسفة، ومنهجه في عرضها للدكتور صالح بن غرم الله الغامدي، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n١١٥٦ - ميزان الأصول في نتائج العقول في أصول الفقه لعلاء الدين شمس النظر أبي بكر محمد بن أحمد السمرقندي (ت: ٥٣٩ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الملك السعدي، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، لجنة إِحياء التراث العربي والإِسلامي بالعراق، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n١١٥٧ - ميزان الاعتدال في نقد الرجال لشمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذَّهبي (ت: ٧٤٨ هـ)، تحقيق: علي البجاوي، الناشر: دار المعرفة ببيروت.\n١١٥٨ - الميسر في علم القواعد الفقهية للأستاذ الدكتور نور الدين مختار الخادمي، الناشر: مؤسسة ابن عاشور للتوزيع بتونس، واليمامة للطباعة والنشر والتوزيع بسورية، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.","vol":"3","page":1647},{"text":"حرف النون\n١١٥٩ - ناظورة الحق لشهاب الدين المرجاني (ت: ١٣٠٦ هـ)، طبع ما يتعلق منه بنقد طبقات الفقهاء لابن كمال باشا ملحقًا بكتاب: حسن التقاضي، لمحمد زاهد الكوثري.\n١١٦٠ - النبذ للعلامة أبي محمد علي بن حزم الظاهري (ت: ٤٥٧ هـ)، تحقيق: محمد صبحي حلاق، الناشر: دار ابن حزم ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤٢٠ هـ.\n١١٦١ - نبراس العقول في تحقيق القياس عند علماء الأصول للشيخ عيسى منون (ت: ١٣٦٧ هـ)، الناشر: دار العدالة.\n١١٦٢ - نثر الورود شرح مراقي السعود للشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ)، تحقيق: علي بن محمد العمران، الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع بمكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n١١٦٣ - النجم الوهاج في شرح المنهاج للعلامة كمال الدين أبي البقاء محمد بن موسى الدميري (ت: ٨٠٨ هـ)، تحقيق: فريق من الباحثين بإِشراف محمد غزان عزقول، الناشر: دار المنهاج للنشر والتوزيع بجدة، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n١١٦٤ - النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لجمال الدين أبي المحاسن يوسف بن تغري بردي (ت: ٨٧٤ هـ)، الناشر: دار الكتب المصرية القاهرة، الطبعة الأولى، ١٣٥٧ هـ.\n١١٦٥ - ندوة الإِمام مالك إِمام دار الهجرة - دورة القاضي عياض، المملكة المغربية، وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية، ١٤٠١ هـ.\n١١٦٦ - ندوة الإِمام مالك إِمام دار الهجرة، المملكة المغربية، وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية، ١٤٠٠ هـ.\n١١٦٧ - نزهة الألباء في طبقات الأدباء لأبي البركات كمال الدين عبد الرَّحمن بن محمد بن الأنباري (ت: ٥٧٧ هـ)، تحقيق: الدكتور إِبراهيم السامرائي،","vol":"3","page":1648},{"text":"الناشر: مكتبة المنار بالأردن، الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ.\n١١٦٨ - نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر لمؤرخ الهند العلامة عبد الحي بن فخر الدين الحسني (ت: ١٣٤١ هـ)، الناشر: دار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n١١٦٩ - نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر للحافظ أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الله الرحيلي، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n١١٧٠ - نشأة الفقه الإِسلامي وتطوره للدكتور وائل حلاق، ترجم الكتاب: رياض الميلادي، الناشر: دار المدار الإِسلامي بليبيا، الطبعة الأولى، ٢٠٠٧ م.\n١١٧١ - نشر البنود على مراقي السعود لعبد الله بن إِبراهيم العلوي الشنقيطي (ت: ١٢٣٠ هـ)، الناشر: صندوق إِحياء التراث الإِسلامي المشترك بين المملكة المغربية، والإِمارات العربية المتحدة.\n١١٧٢ - نصائح منهجية لطالب علم السنة النبوية لحاتم بن عارف العوني، الناشر: دار الصميعي للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الثانية، ١٤٢٩ هـ.\n١١٧٣ - نصب الراية لأحاديث الهداية لجمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي الحنفي (ت: ٧٦٢ هـ)، اعتنى به: محمد عوامة، الناشر: دار القبلة الإِسلامية بجدة، الطبعة الثانية، ١٤٢٤ هـ.\n١١٧٤ - نصرة القولين للإمام الشَّافعي رضوان الله عليه للإِمام أبي العبَّاس أحمد بن أبي أحمد الطبري الشَّافعي المعروف بابن القاص، تحقيق: مازن سعد الزبيبي، الناشر: دار البيروتي، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ.\n١١٧٥ - النظائر للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد (ت: ١٤٢٩ هـ)، الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\n١١٧٦ - نظرية الأخذ بما جرى به العمل في المغرب في إِطار المذهب المالكي للأستاذ عبد السلام العسري، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية بالمملكة المغربية، ١٤١٧ هـ.","vol":"3","page":1649},{"text":"١١٧٧ - نظرية الاستحسان في التشريع الإِسلامي وصلتها بالمصلحة المرسلة للدكتور محمد عبد اللطيف صالح الفرفور، الناشر: دار دمشق للطباعة والنشر بدمشق، الطبعة الأولى، ١٩٨٧ م.\n١١٧٨ - نظرية الاستحسان لأسامة الحموي، الناشر: دار الخير للطباعة والنشر بدمشق، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\n١١٧٩ - نظرية التخريج في الفقه الإِسلامي للدكتور نوار بن الشلي، الناشر: دار البشائر الإِسلامية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٣١ هـ.\n١١٨٠ - نظرية التقعيد الفقهي وأثرها في اختلاف الفقهاء للدكتور محمد الروكي، الناشر: دار الصفاء بالجزائر، ودار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n١١٨١ - نظرية المقاصد عند الإِمام الشاطبي لأحمد الريسوني، الناشر: الدار العالمية للكتاب الإِسلامي، والمعهد العالمي للفكر الإِسلامي، الطبعة الرابعة، ١٤١٦ هـ.\n١١٨٢ - النعت الأكمل لأصحاب الإِمام أحمد بن حنبل لمحمد كمال الدين بن محمد الغزي العامري (ت: ١٢١٤ هـ)، تحقيق: محمد مطيع الحافظ ونزار أباظة، الناشر: دار الفكر بدمشق، ١٤٠٢ هـ.\n١١٨٣ - نفائس الأصول في شرح المحصول لشهاب الدين أبي العبَّاس أحمد بن إِدريس القرافي (ت: ٦٨٤ هـ)، الناشر: مكتبة نزار مصطفى الباز بمكة المكرمة، الطبعة الثانية، ١٤١٨ هـ.\n١١٨٤ - نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب لشهاب الدين أحمد بن محمد المقري التلمساني (ت: ١٠٤١ هـ)، تحقيق: الدكتور إِحسان عبَّاس، الناشر: دار صادر ببيروت، الطبعة الأولى الجديدة ١٩٩٧ م.\n١١٨٥ - النفي في باب صفات الله ﷿ بين أهل السُّنَّة والجماعة والمعطلة لأبي محمد أزرقي بن محمد سعيداني، الناشر: دار المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n١١٨٦ - النقود والردود شرح مختصر ابن الحاجب لأكمل الدين محمد بن محمود البابرتي الحنفي (ت: ٧٨٦ هـ)، تحقيق: ضيف الله العمري، والدكتور","vol":"3","page":1650},{"text":"ترحيب بن ربيعان الدوسري، الناشر: مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n١١٨٧ - النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد عبد الرَّحمن بن يحيى المعلمي، أعده وعلق عليه: أبو أنس إِبراهيم بن سعيد الصبيحي، الناشر: دار أضواء السلف الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n١١٨٨ - النكت الظراف على الأطراف للحافظ أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ)، مطبوع مع تحفة الأشراف للمزي تحقيق: عبد الصمد شرف الدين، الناشر: الدار القيمة بالهند، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ.\n١١٨٩ - النكت على كتاب ابن الصلاح للحافظ أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ)، تحقيق: الدكتور ربيع بن هادي عمير، الناشر: الجامعة الإِسلامية بالمدينة المنورة، المجلس العلمي، إِحياء التراث الإِسلامي، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ.\n١١٩٠ - النكت على مقدمة ابن الصلاح لبدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي الشَّافعي (ت: ٧٩٤)، تحقيق: الدكتور زين العابدين بن محمد بلا فريج، الناشر: أضواء السلف بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n١١٩١ - النكت والفروق لمسائل المدونة والمختلطة للفقيه أبي محمد عبد الحق بن هارون الصقلي (ت: ٤٦٦ هـ)، اعتنى به: أحمد بن علي الدمياطي، الناشر: مركز التراث الثقافي المغربي بالدار البيضاء، ودار ابن حزم ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ.\n١١٩٢ - نهاية السول في شرح منهاج الأصول للإِمام جمال الدين أبي محمد بن الحسن الإِسنوي (ت: ٧٧٢ هـ)، الناشر: عالم الكتب ببيروت.\n١١٩٣ - نهاية المحتاج إِلى شرح المنهاج شمس الدين محمد بن أحمد بن أحمد بن حمزة الرملي (ت: ١٠٠٤ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية ببيروت، ١٤١٤ هـ.\n١١٩٤ - نهاية المراد في شرح هداية ابن العماد لعبد الغني بن إِسماعيل النابلسي","vol":"3","page":1651},{"text":"الحنفي، تحقيق: عبد الرزاق الحلبي (ت: ١٠٥١ هـ)، الناشر: دار الجفان والجابي للطباعة والنشر، ودار ابن حزم ببيروت، الطبعة الثانية، ١٤٢٥ هـ.\n١١٩٥ - نهاية المطلب في دراية المذهب لإِمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني (ت: ٤٨٧ هـ)، تحقيق: الأستاذ الدكتور عبد العظيم الديب، الناشر: دار المنهاج للنشر والتوزيع بجدة، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n١١٩٦ - نهاية الوصول إِلى علم الأصول لأحمد بن علي بن تغلب الساعاتي (ت: ٦٩٤ هـ)، تحقيق: الدكتور سعد بن غرير السلمي، الناشر: جامعة أم القرى بمكة المكرمة، محمد البحوث العلمية وإحياء التراث، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n١١٩٧ - نهاية الوصول في دراية الأصول للعلامة صفي الدين محمد بن عبد الرحيم الأرموي الهندي (ت: ٧١٥ هـ)، تحقيق: الدكتور صالح بن سليمان اليوسف، والدكتور سعد بن سالم السويح، الناشر: مكتبة نزار مصطفى الباز بمكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\n١١٩٨ - النهاية في غريب الحديث والأثر للإِمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير (ت: ٦٠٦ هـ)، تحقيق: محمود الطناحي وطاهر الزاوي، الناشر: مؤسسة التاريخ العربي، ورجعت أيضًا إِلى نسخة أخرى بإِشراف علي بن حسن عبد الحميد، الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع بالدمام، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ (والعزو إِليها برقم الصفحة فقط).\n١١٩٩ - النهج الأقوى في أركان الفتوى - دراسة فقهية مقارنة لأحكام وآداب الفتوى والمفتي والمستفتي للدكتور أحمد بن سليمان القاضي، الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ.\n١٢٠٠ - النوادر والزيادت على ما في المدونة من غيرها من الأمهات للعلامة أبي محمد عبد الله بن أبي زيد عبد الرَّحمن القيرواني (ت: ٣٨٦ هـ)، تحقيق:","vol":"3","page":1652},{"text":"الدكتور عبد الفتاح الحلو، الناشر: دار الغرب الإِسلامي بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٩٩ م.\n١٢٠١ - النوازل الجديدة الكبرى فيما لأهل فاس وغيرهم من البدو والقرى (المسماة بـ المعيار الجديد الجامع المعرب عن فتاوى المتأخرين من علماء المغرب) لأبي عيسى محمد المهدي بن محمد الوزاني (ت: ١٣٤٢ هـ)، صححه: الأستاذ: عمر بن عباد، الناشر: وزارة الأوقات والشؤون الإِسلامية بالمملكة المغربية ١٤١٧ هـ.\n١٢٠٢ - نوازل الزكاة - دراسة فقهية تأصيلية للدكتور عبد الله بن منصور الغفيلي، الناشر: دار الميمان للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ.\n١٢٠٣ - النوازل الصغرى المسماة (المنح السامية في النوازل الفقهية) لأبي عيسى محمد المهدي بن محمد الوزاني (ت: ١٣٤٢ هـ)، الناشر: وزارة الأوقات والشؤون الإِسلامية بالمملكة المغربية، ١٤١٢ هـ.\n١٢٠٤ - نيل الابتهاج بتطريز الديباج لأحمد بابا التنبكتي (ت: ١٠٣٦ هـ)، اعتنى به: الدكتور عبد الحميد الهرامة، الناشر: دار الكاتب بطرابلس الغرب، الطبعة الثانية، ٢٠٠٠ م.\n١٢٠٥ - نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار للعلامة محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ)، تحقيق: طارق بن عوض الله محمد، الناشر: دار ابن القيم، ودار ابن عفان بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\nحرف الهاء\n١٢٠٦ - هجر العلم ومعاقله في اليمن للقاضي إِسماعيل بن علي الأكوع، الناشر: دار الفكر بدمشق، ودار الفكر المعاصر ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\n١٢٠٧ - هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (ت: ٧٥١ هـ)، تحقيق: عثمان جمعه ضميرية، الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع بمكة المكرمة، الطبعة الأولى ١٤٢٩ هـ.","vol":"3","page":1653},{"text":"١٢٠٨ - هداية السلطان إِلى مسلمي بلاد اليابان للشيخ محمد سلطان المعصومي الخجندي (ت: ١٣٨٠ هـ)، تحقيق: سليم بن عيد الهلالي، الناشر: دار ابن القيم بالدمام، ودار ابن عفان بالقاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n١٢٠٩ - الهداية شرح بداية المبتدي لبرهان الدين أبي الحسن علي بن عبد الجليل أبي بكر المرغيناني (ت: ٥٩٣ هـ)، مطبوع مع فتح القدير لابن الهمام.\n١٢١٠ - الهداية في تخريج أحاديث البداية (بداية المجتهد لابن رشد) للحافظ أبي الفيض أحمد بن محمد بن الصديق الغماري (ت: ١٣٨٠ هـ)، تحقيق: يوسف عبد الرَّحمن المرعشلي وعدنان شلاق، الناشر: عالم الكتب ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n١٢١١ - هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين للأديب العالم إِسماعيل باشا البغدادي (ت: ١٣٣٩ هـ)، طبع بعناية وكالة المعارف الجليلة في مطبعتها البهية باستنابول، ١٩٥١ هـ.\nحرف الواو\n١٢١٢ - الواضح في أصول الفقه للعلامة أبي الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي الحنبلي (ت: ٥١٣ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n١٢١٣ - الوافي بالوفيات لصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي (ت: ٧٦٤ هـ)، تحقيق: جماعة من المستشرقين الألمان، الناشر: دار صادر بيروت، ١٩٦٢ م.\n١٢١٤ - الوافي في أصول الفقه لحسام الدين حسين بن علي بن حجاج السغناقي (ت: ٧١٠ هـ)، تحقيق: الدكتور أحمد محمد اليماني، الناشر: دار القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n١٢١٥ - وجيز الكلام في الذيل على دول الإِسلام لشمس الدين محمد بن عبد الرَّحمن السخاوي (ت: ٩٠٢ هـ)، تحقيق: الدكتور بشار عواد، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.","vol":"3","page":1654},{"text":"١٢١٦ - الوجيز في أصول استنباط الأحكام في الشريعة الإِسلامية للدكتور محمد عبد اللطيف صالح الفرفور، الناشر: دار البشائر للطباعة والنشر والتوزيع بسورية، الطبعة الثانية، ١٤٢٣ هـ.\n١٢١٧ - الوجيز في أصول التشريع للدكتور محمد حسن هيتو، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n١٢١٨ - الوجيز في أصول الفقه الإِسلامي (الدلالات - الاجتهاد والتقليد والفتوى - التعارض والترجيح) للدكتور محمد مصطفى الزحيلي، الناشر: دار الخير للطباعة والنشر والتوزيع بسورية، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n١٢١٩ - الوجيز في أصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان، الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة السابعة، ١٤١٨ هـ.\n١٢٢٠ - الوسيط في المذهب للعلامة أبي حامد محمد بن محمد الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ)، تحقيق: أحمد إِبراهيم ومحمد ثامر، الناشر: دار السَّلام للطباعة والنشر بمصر، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ ورجعت أيضًا إِلى الطبعة الَّتي حققها: علي محيي الدين علي القره داغي، الناشر: اللجنة الوطنية للاحتفال بمطلع القرن الخامس عشر بالجمهورية العراقية، الطبعة الأولى.\n١٢٢١ - الوسيط في تاريخ التشريع والفقه الإِسلامي للدكتور أحمد بن محمد الشرقاوي، الناشر: دار الصميعي للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n١٢٢٢ - الوسيط في تراجم أدباء شنقيط لأحمد بن الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٣١ هـ)، اعتنى به: فؤاد السيد، الناشر: مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة السادسة، ١٤٢٩ هـ.\n١٢٢٣ - الوصول إِلى الأصول لأبي الفتح أحمد بن علي بن برهان (ت: ٥١٨ هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الحميد أبو زنيد، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ.\n١٢٢٤ - الوصول إِلى قواعد الأصول لمحمد بن عبد الله بن أحمد الخطيب التمرتاشي الغزي الحنفي (ت: ١٠٠٤ هـ)، تحقيق: محمد شريف أحمد","vol":"3","page":1655},{"text":"سليمان، الناشر: دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n١٢٢٥ - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لابي العبَّاس شمس الدين أحمد بن محمد أبي بكر بن خلكان (ت: ٦٨١ هـ)، تحقيق: الدكتور إِحسان عبَّاس، الناشر: دار صادر ببيروت، ١٣٩٧ هـ.\n١٢٢٦ - الوفيات لأبي العبَّاس أحمد بن حسن بن علي الشهير بابن قنفذ (ت: ٥٧٠ هـ)، تحقيق: عادل نويهض، الناشر: دار الآفاق الجديدة، الطبعة الثالثة، ١٤٠٥ هـ.\n١٢٢٧ - ومضات فكر للشيخ محمد الفاضل بن عاشور (ت: ١٣٩٠ هـ)، الناشر: الدار العربية للكتاب بتونس، ١٩٨١ م.\nب: البحوث العلمية والمجلات:\nحرف الألف\n١٢٢٨ - آفاق فقه مالك عبر التاريخ لمحمد صالح، بحث منشور في: ندوة الإِمام مالك.\n١٢٢٩ - الاجتهاد في الشريعة الإِسلامية للدكتور حسن مرعي، منشور ضمن كتاب الاجتهاد في الشريعة الإِسلامية - بحوث مقدمة لمؤتمر الفقه الإِسلامي الَّذي عقدته جامعة الإِمام محمد بن سعود الإِسلامية بالرياض ١٣٩٦ هـ، طبع عام ١٤٠٤ هـ.\n١٢٣٠ - الاجتهاد في الشريعة الإِسلامية للدكتور وهبة الزحيلي، منشور ضمن كتاب الاجتهاد في الشريعة الإِسلامية - بحوث مقدمة لمؤتمر الفقه الإِسلامي الَّذي عقدته جامعة الإِمام محمد بن سعود الإِسلامية بالرياض ١٣٩٦ هـ، طبع عام ١٤٠٤ هـ.\n١٢٣١ - الاجتهاد في الشريعة الإِسلامية للشيخ علي الخفيف، منشور ضمن كتاب الاجتهاد في الشريعة الإِسلامية - بحوث مقدمة لمؤتمر الفقه الإِسلامي الَّذي عقدته جامعة الإِمام محمد بن سعود الإِسلامية بالرياض ١٣٩٦ هـ، طبع عام ١٤٠٤ هـ.\n١٢٣٢ - الأخذ بالرخص الشرعية للدكتور وهبة الزحيلي، منشور ضمن مجلة مجمع الفقه الإِسلامي، العدد: الثامن.","vol":"3","page":1656},{"text":"١٢٣٣ - الأخذ بالرخص وحكمه للدكتور عبد العزيز خياط، بحث منشور ضمن مجلة مجمع الفقه الإِسلامي، العدد: الثامن.\n١٢٣٤ - الأخذ بالرخص وحكمه للشيخ الطيب سلامة، بحث منشور ضمن مجلة مجمع الفقه الإِسلامي، العدد: الثامن.\n١٢٣٥ - الأخذ بالرخص وحكمه لمجاهد القاسمي، بحث منشور ضمن مجلة مجمع الفقه الإِسلامي، العدد: الثامن.\n١٢٣٦ - الأخذ بالرخصة وحكمه للدكتور أبو بكر دوكوري، بحث منشور ضمن مجلة مجمع الفقه الإِسلامي، العدد: الثامن.\n١٢٣٧ - الأخذ بالرخصة وحكمه للدكتور عبد الله محمد، بحث منشور ضمن مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: الثامن.\n١٢٣٨ - الأخذ بالرخصة وحكمه لمصطفى التازي، بحث منشور ضمن مجلة مجمع الفقه الإِسلامي، العدد: الثامن.\n١٢٣٩ - أسباب اختلاف وجهات النظر الفقهية للدكتور وهبة الزحيلي، بحث منشور ضمن موسوعة الفقه الإِسلامي المعاصر.\n١٢٤٠ - الاصطلاحات الفقهية عند الحنابلة للدكتور عبد الكريم بن محمد اللاحم، بحث منشور في مجلة الشريعة وأصول الدين بالقصيم، العدد الثالث، سنة ١٤٠٣/ ١٤٠٤ هـ.\n١٢٤١ - الإِمام الشَّافعي للدكتور وهبة الزحيلي، بحث منشور ضمن موسوعة الفقه الإِسلامي المعاصر.\n١٢٤٢ - الانتصار لمذهب مالك للدكتور عبد الكبير المدغري، بحث منشور ضمن ندوة الإِمام مالك.\nحرف التاء\n١٢٤٣ - التلفيق بين أحكام المذاهب للشيخ محمد السنهوري، بحث منشور في مجلة مجمع البحوث الإِسلامية، عام ١٣٨٣ هـ ١٩٦٤ م.\n١٢٤٤ - التلفيق بين أقوال المذاهب للشيخ عبد الرَّحمن القلهود، بحث منشور في مجلة مجمع البحوث الإسلامية، عام ١٣٨٣ هـ ١٩٦٤ م.","vol":"3","page":1657},{"text":"١٢٤٥ - التلفيق في الاجتهاد والتقليد للدكتور ناصر بن عبد الله الميمان، بحث منشور في مجلة العدل، بالمملكة العربية السعودية، العدد الحادي عشر ١٤٢٢ هـ.\n١٢٤٦ - التلفيق في الفتوى للدكتور سعد العنزي، بحث منشور في مجلة الشريعة والدراسات الإِسلامية، بجامعة الكويت، العدد: الثامن والثلاثون، ١٤٢٠ هـ.\n١٢٤٧ - التلفيق لخليل الميس، بحث منشور ضمن مجلة مجمع الفقه الإِسلامي، العدد: الثامن.\n١٢٤٨ - التلفيق وموقف الأصوليين منه للدكتور محمد بن عبد الرزاق الدويش، بحث غير منشور، كتب عام ١٤١٥ هـ.\n١٢٤٩ - التمذهب - دراسة تأصيلية واقعية للدكتور عبد الرَّحمن الجبرين، بحث منشور في مجلة البحوث الإِسلامية، العدد: السادس والثمانون.\nحرف الحاء\n١٢٥٠ - حقيقة القولين للعلامة أبي حامد محمد بن محمد الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ)، تحقيق: الدكتور مسلم بن محمد الدوسري، منشور في: مجلة الجمعية الفقهية السعودية، العدد: الثالث، جمادى أول، ١٤٢٩ هـ.\n١٢٥١ - حكم إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة على ضوء قواعد الفقه الإِسلامي للدكتور علي القره داغي، منشور في مجلة مجمع الفقه الإِسلامي، العدد: السادس.\nحرف الشين\n١٢٥٢ - شروط الاجتهاد بين النظرية والتطبيق لعبد المعز حريز، بحث منشور ضمن مجلة الشريعة والدراسات الإِسلامية بجامعة الكويت، العدد: الخمسون.","vol":"3","page":1658},{"text":"حرف الصاد\n١٢٥٣ - صمود المذهب المالكي للدكتور عبد العزيز فارح، بحث منشور ضمن بحوث الملتقى الأول للقاضي عبد الوهاب البغدادي.\nحرف الضاد\n١٢٥٤ - ظاهرة الانتصار للمذهب للدكتور محمد المصلح، بحث منشور ضمن بحوث ملتقى القاضي عبد الوهاب البغدادي.\nحرف الفاء\n١٢٥٥ - الفقه المالكي بين التدليل والتجديد لمحمود الغرياني، بحث منشور مطبوع ضمن بحوث القاضي عبد الوهاب البغدادي.\nحرف الميم\n١٢٥٦ - معنى النوازل والاجتهاد فيها للدكتور عابد بن محمد السفياني، مجلة الأصول والنوازل، العدد الأول، محرم ١٤٣٠ هـ.\n١٢٥٧ - مجلة المنار، مجلة أدبية علمية، منشؤها الشَّيخ محمد رشيد رضا (ت: ١٣٥٤ هـ)، الجزء الرابع، ١٣١٩ هـ.\n١٢٥٨ - مجلة مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإِسلامي بجدة، العدد الثامن، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م.\n١٢٥٩ - مدخل إِلى فقه النوازل للدكتور عبد الحق حميش، بحث منشور في: مجلة جامعة الإِمام محمد بن سعود (العلوم الشرعية) العدد: العاشر.\n١٢٦٠ - المدخل إِلى فقه النوازل للدكتور عبد الناصر أبو البصل، بحث منشور في: أبحاث اليرموك، سلسلة: العلوم الإِنسانية والاجتماعية، المجلد: الثالث عشر (أ).\n١٢٦١ - المدرسة الفقهية المالكية بالعراق للدكتور عبد المنعم التمسماني، بحث منشور ضمن بحوث الملتقى الأول: القاضي عبد الوهاب المالكي.\n١٢٦٢ - المدرسة الفقهية المالكية للدكتور عبد المنعم التمسماني، بحث منشور ضمن بحوث الملتقى الأول للقاضي عبد الوهاب البغدادي.","vol":"3","page":1659},{"text":"١٢٦٣ - المدرسة المالكية العراقية للدكتور حميد لحمر، بحث منشور ضمن بحوث الملتقى الأول للقاضي عبد الوهاب المالكي.\n١٢٦٤ - المدرسة المالكية العراقية للدكتور عبد الفتاح الزنيفي، بحث منشور ضمن بحوث الملتقى الأول للقاضي عبد الوهاب البغدادي.\n١٢٦٥ - المدرسة المالكية في عهد سيادة القيروان للدكتور محمد أبو الأجفان، بحث منشور ضمن بحوث ملتقى القاضي عبد الوهاب البغدادي.\n١٢٦٦ - مدرسة المغرب الأقصى في الفقه المالكي للدكتور مصطفى أحمد، بحث منشور ضمن بحوث الملتقى الأول للقاضي عبد الوهاب البغدادي.\n١٢٦٧ - المذهب المالكي مذهب المغاربة المفضل للأستاذ محمد الناصري، بحث منشور ضمن ندوة الإِمام مالك.\n١٢٦٨ - مراحل تأسيس المدرسة الفقهية للدكتور مختار نصيرة، بحث منشور ضمن بحوث الملتقى الأول للقاضي عبد الوهاب البغدادي.\n١٢٦٩ - ملامح الحوار المذهبي للدكتور رضوان غربية، بحث منشور ضمن بحوث الملتقى الأول: القاضي عبد الوهاب المالكي.\n١٢٧٠ - مناصرة المذهب وأثرها العلمي للدكتور محمد أبو الأجفان، بحث منشور ضمن ضمن مجلة جامعة الزيتونة، العدد الأول، السنة الأولى عام ١٩٩٢ م.\nحرف النون\n١٢٧١ - نشأة المدرسة المالكية بالمغرب للدكتور إِبراهيم القادري، بحث منشور ضمن بحوث الملتقى الأول للقاضي عبد الوهاب البغدادي.\n١٢٧٢ - نقاط الالتقاء بين المذاهب الإِسلامية للدكتور وهبة الزحيلي، بحث منشور ضمن موسوعة الفقه الإِسلامي المعاصر.\n١٢٧٣ - النوازل الأصولية للدكتور أحمد بن عبد الله الضويحي، بحث منشور في: مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، العدد: الرابع والسبعون، السنة التاسعة عشرة، ١٤٢٨ هـ.","vol":"3","page":1660}]}