{"ً":{"ٌ":669,"ٍ":"قواعد الترجيح عند المفسرين دراسة نظرية تطبيقية","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/qwtrgmfs/","files":["01_104899.pdf","02_104900.pdf"]},"ّ":"الكتاب: قواعد الترجيح عند المفسرين دراسة نظرية تطبيقية\nالمؤلف: حسين بن علي بن حسين الحربي\nأصل الكتاب: رسالة ماجستير- كلية أصول الدين، جامعة الإمام ١٤١٥ هـ بإشرف الشيخ مناع القطان\nالناشر: دار القاسم - السعودية\nالطبعة: الثانية، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م\nعدد الأجزاء: ٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3163,"ٕ":4,"ٖ":1780758706,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2"],"ٚ":[{"title":"تقريظ لفضيلة الشيخ مناع بن خليل القطان","level":1,"page":2},{"title":"المقدمة","level":1,"page":4},{"title":"التمهيد وفيه ثلاثة مباحث","level":1,"page":18},{"title":"المبحث الأول: تعريفات أساسية","level":2,"page":19},{"title":"(١) تعريف التفسير، والمفسر.","level":3,"page":19},{"title":"التفسير في اللغة","level":4,"page":19},{"title":"التفسير اصطلاحا","level":4,"page":20},{"title":"تعريف المفسر","level":4,"page":23},{"title":"(٢) تعريف التعارض","level":3,"page":24},{"title":"(٣) تعريف الترجيح","level":3,"page":24},{"title":"(٤) تعريف القاعدة","level":3,"page":25},{"title":"(٥) التعريف بالمركب الإضافي «قواعد الترجيح»","level":3,"page":28},{"title":"أولا: قواعد الترجيح عند المفسرين هي","level":4,"page":28},{"title":"ثانيا: موضوع القواعد الترجيحية","level":4,"page":29},{"title":"ثالثا: غايتها","level":4,"page":29},{"title":"المبحث الثاني: بيان متى يكون الترجيح","level":2,"page":30},{"title":"المبحث الثالث: تنازع القواعد المثال الواحد","level":2,"page":45},{"title":"الفصل الأول: قواعد الترجيح المتعلقة بالنص القرآنى وفيه مدخل ومبحثان","level":1,"page":56},{"title":"المدخل في قاعدة: لا تصح دعوى النسخ في آية من كتاب الله إلا إذا صح التصريح","level":2,"page":57},{"title":"صورة القاعدة","level":3,"page":58},{"title":"بيان ألفاظ القاعدة","level":3,"page":58},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":3,"page":60},{"title":"مفهوم النسخ عند السلف","level":3,"page":63},{"title":"الزيادة على النص عند الحنفية","level":3,"page":65},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":3,"page":66},{"title":"المبحث الأول: قواعد الترجيح المتعلقة بالقراءات ورسم المصحف وفيه أربعة مطالب","level":2,"page":71},{"title":"المطلب الأول: قاعدة: إذا ثبتت القراءة فلا يجوز ردها أو رد معناها، وهي بمنزلة آية مستقلة","level":3,"page":72},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":72},{"title":"بيان ألفاظ القاعدة","level":4,"page":72},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":75},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":77},{"title":"المطلب الثاني: قاعدة: اتحاد معنى القراءتين أولى من اختلافه","level":3,"page":81},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":81},{"title":"بيان ألفاظ القاعدة","level":4,"page":81},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":82},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":83},{"title":"المطلب الثالث: قاعدة: معنى القراءة المتواترة أولى بالصواب من معنى القراءة الشاذة","level":3,"page":85},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":85},{"title":"بيان ألفاظ القاعدة","level":4,"page":85},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":86},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":89},{"title":"المطلب الرابع: قاعدة: الوجه التفسيري والإعرابي الموافق لرسم المصحف أولى من الوجه المخالف له","level":3,"page":92},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":92},{"title":"بيان ألفاظ القاعدة","level":4,"page":92},{"title":"أدلة القاعدة وشواهدها","level":4,"page":92},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":95},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":97},{"title":"المبحث الثاني: قواعد الترجيح المتعلقة بالسياق القرآنى وفيه ثلاثة مطالب","level":2,"page":102},{"title":"المطلب الأول: قاعدة: إدخال الكلام في معاني ما قبله وما بعده أولى من الخروج به عنهما، إلا بدليل يجب التسليم له","level":3,"page":103},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":103},{"title":"بيان ألفاظ ألقاعدة","level":4,"page":103},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":105},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":110},{"title":"المطلب الثاني: قاعدة: لا يجوز العدول عن ظاهر القرآن إلا بدليل يجب الرجوع إليه","level":3,"page":114},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":114},{"title":"بيان ألفاظ القاعدة","level":4,"page":114},{"title":"أدلة القاعدة","level":4,"page":117},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":119},{"title":"المخالفون لهذه القاعدة والرد عليهم","level":4,"page":122},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":126},{"title":"ذكر صور خرجت عن هذه القاعدة","level":4,"page":143},{"title":"المطلب الثالث: قاعدة: حمل معاني كلام الله على الغالب من أسلوب القرآن ومعهود استعماله أولى من الخروج به عن ذلك","level":3,"page":145},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":145},{"title":"بيان ألفاظ القاعدة","level":4,"page":145},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":146},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":151},{"title":"الفصل الثاني: قواعد الترجيح المتعلقة بالسنة والاثار والقرائن وفيه ثلاثة مباحث","level":1,"page":158},{"title":"المبحث الأول: قواعد الترجيح المتعلقة بالسنة النبوية وفيه أربعة مطالب","level":2,"page":159},{"title":"المطلب الأول: قاعدة: إذا ثبت الحديث وكان نصا في تفسيرالآية فلا يصار إلى غيره","level":3,"page":160},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":160},{"title":"بيان ألفاظ القاعدة","level":4,"page":160},{"title":"أدلة القاعدة: قال ابن الوزير في بيانه لأنواع التفسير","level":4,"page":163},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":164},{"title":"فمن هؤلاء الأئمة الذين رجحوا بها","level":4,"page":165},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":168},{"title":"المطلب الثاني: قاعدة: إذا ثبت الحديث، وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجح له على ما خالفه","level":3,"page":172},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":172},{"title":"الفرق بين هذه القاعدة وسابقتها","level":4,"page":172},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":172},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":174},{"title":"المطلب الثالث: قاعدة: كل تفسير خالف القرآن أو السنة أو إجماع الأمة فهو رد","level":3,"page":180},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":180},{"title":"بيان ألفاظ القاعدة","level":4,"page":180},{"title":"أدلة القاعدة","level":4,"page":182},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":184},{"title":"* تنبيهات","level":4,"page":185},{"title":"التنبيه الثاني","level":4,"page":185},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":187},{"title":"المطلب الرابع: قاعدة: لا يصح حمل الآية على تفسيرات وتفصيلات لأمور مغيبة لا دليل عليها من القرآن أو السنة","level":3,"page":189},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":189},{"title":"بيان ألفاظ القاعدة","level":4,"page":189},{"title":"أقسام الإسرائيليات، والموقف منها في التفسير","level":4,"page":192},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":195},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":198},{"title":"المبحث الثاني: قواعد الترجيح المتعلقة بالآثار وفيه أربعة مطالب","level":2,"page":202},{"title":"المطلب الأول: قاعدة: إذا صح سبب النزول الصريح فهو مرجح لما وافقه من أوجه التفسير","level":3,"page":203},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":203},{"title":"بيان ألفاظ القاعدة","level":4,"page":203},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":208},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":210},{"title":"المطلب الثاني: قاعدة: إذا ثبت تاريخ نزول الآية أو السورة فهو مرجح لما وافقه من أوجه التفسير","level":3,"page":219},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":219},{"title":"بيان ألفاظ القاعدة","level":4,"page":219},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":222},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":226},{"title":"المطلب الثالث: قاعدة: تفسير السلف وفهمهم لنصوص الوحي حجة على من بعدهم","level":3,"page":231},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":231},{"title":"بيان ألفاظ القاعدة","level":4,"page":231},{"title":"أدلة القاعدة","level":4,"page":232},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":233},{"title":"مسألة في حكم إحداث قول في تفسيرالآية مخالف لأقوال السلف","level":4,"page":239},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":241},{"title":"المطلب الرابع: قاعدة: تفسير جمهور السلف مقدم على كل تفسير شاذ","level":3,"page":246},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":246},{"title":"بيان ألفاظ القاعدة","level":4,"page":246},{"title":"أدلة القاعدة","level":4,"page":248},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":249},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":251},{"title":"المبحث الثالث: قواعد الترجيح المتعلقة بالقرائن وفيه ثلاثة مطالب","level":2,"page":254},{"title":"المطلب الأول: قاعدة: القول الذي تؤيده قرائن في السياق مرجح على ما خالفه","level":3,"page":255},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":255},{"title":"أدلة القاعدة","level":4,"page":255},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":256},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":260},{"title":"المطلب الثاني: قاعدة: القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على ما عدم ذلك","level":3,"page":267},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":267},{"title":"أدلة القاعدة","level":4,"page":267},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":269},{"title":"مسألة: في تحرير مفهوم مصطلح «تفسير القرآن بالقرآن»","level":4,"page":274},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":276},{"title":"المطلب الثالث: قاعدة: القول الذي يعظم مقام النبوة ولا ينسب إليها ما لا يليق بها أولى بتفسيرالآية وقاعدة: كل قول طعن في عصمة النبوة ومقام الرسالة فهو مردود","level":3,"page":281},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":281},{"title":"بيان ألفاظ القاعدة","level":4,"page":282},{"title":"أدلة القاعدة","level":4,"page":284},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":286},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":290},{"title":"الفصل الثالث: قواعد الترجيح المتعلقة بلغة العرب وفيه ثلاثة مباحث","level":1,"page":295},{"title":"المبحث الأول: قواعد الترجيح المتعلقة باستعمال العرب للألفاظ والمباني وفيه ثمانية عشر مطلبا","level":2,"page":296},{"title":"المطلب الأول: قاعدة: كل تفسير ليس مأخوذا من دلالة ألفاظ الآية وسياقها فهو رد على قائله","level":3,"page":298},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":298},{"title":"بيان ألفاظ القاعدة","level":4,"page":298},{"title":"أدلة القاعدة","level":4,"page":300},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":303},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":306},{"title":"أولا: التفسير الباطني","level":5,"page":306},{"title":"١ - التفسير الباطني عند الرافضة","level":5,"page":306},{"title":"٢ - التفسير الباطني عند الصوفية","level":5,"page":307},{"title":"ثانيا: تأويلات دعاة التجديد، والشطط في التفسير العلمي التجريبي","level":5,"page":309},{"title":"المطلب الثاني: قاعدة: ليس كل ما ثبت في اللغة صح حمل آيات التنزيل عليه","level":3,"page":310},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":310},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":310},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":312},{"title":"المطلب الثالث: قاعدة: يجب حمل كلام الله - تعالى - على المعروف من كلام العرب دون الشاذ والضعيف والمنكر","level":3,"page":315},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":315},{"title":"بيان ألفاظ القاعدة","level":4,"page":315},{"title":"أدلة القاعدة","level":4,"page":317},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":318},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":322},{"title":"أولا: تأويلات أهل الكلام والفلسفة","level":5,"page":322},{"title":"ثانيا التفسير الباطني","level":5,"page":323},{"title":"ثالثا: تأويلات دعاة التجديد العصري","level":5,"page":324},{"title":"رابعا: بعض أقوال المفسرين التي ليست مما سبق وخالفت القاعدة","level":5,"page":326},{"title":"المطلب الرابع: قاعدة: يجب حمل نصوص الوحي على الحقيقة","level":3,"page":331},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":331},{"title":"بيان ألفاظ القاعدة","level":4,"page":331},{"title":"موقف العلماء من المجاز في اللغة والقرآن","level":4,"page":332},{"title":"أدلة القاعدة","level":4,"page":333},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":336},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":339},{"title":"المطلب الخامس: قاعدة إذا اختلفت الحقيقة الشرعية والحقيقة اللغوية في تفسير كلام الله - تعالى - قدمت الشرعية","level":3,"page":344},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":344},{"title":"بيان ألفاظ القاعدة","level":4,"page":344},{"title":"أدلة القاعدة","level":4,"page":345},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":346},{"title":"المخالفون للقاعدة والجواب على قولهم","level":4,"page":349},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":350},{"title":"تنبيه","level":4,"page":353},{"title":"المطلب السادس: قاعدة: إذا اختلفت الحقيقة العرفية والحقيقة اللغوية في تفسير كلام الله - تعالى - قدمت العرفية","level":3,"page":355},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":355},{"title":"بيان ألفاظ القاعدة","level":4,"page":355},{"title":"أدلة القاعدة","level":4,"page":357},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":357},{"title":"المخالفون للقاعدة","level":4,"page":359},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":359},{"title":"وأما القول إن المراد طلبة العلم، فالكلام على ذلك من وجهين","level":4,"page":360},{"title":"المطلب السابع: قاعدة: القول بالاستقلال مقدم على القول بالإضمار","level":3,"page":362},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":362},{"title":"بيان ألفاظ القاعدة","level":4,"page":362},{"title":"أولا: الاستقلال","level":5,"page":362},{"title":"ثانيا: الإضمار","level":5,"page":363},{"title":"الحذف والإضمار في كلام العرب والقرآن، وفي هذه القاعدة","level":4,"page":364},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":367},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":369},{"title":"النوع الأول: مخالفة المؤولة المبتدعة لمذهب السلف بناء على ما اعتقدوه، سالكين سبيل الإضمار في نصوص الوحي","level":5,"page":369},{"title":"النوع الثاني: خلاف المفسرين الذين ليس مما سبق","level":5,"page":373},{"title":"النوع الثالث: خلاف المعربين في إعراب بعض الآيات","level":5,"page":377},{"title":"القاعدة الأولى: تقدير ما ظهر في القرآن أولى في بابه من كل تقدير","level":5,"page":379},{"title":"صورة القاعدة","level":5,"page":379},{"title":"إيضاح القاعدة","level":5,"page":379},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":5,"page":381},{"title":"القاعدة الثانية: التقدير الموافق لغرض الآية وأدلة الشرع مقدم على غيره","level":5,"page":384},{"title":"صورة القاعدة","level":5,"page":384},{"title":"النظر بين هذه القاعدة والقاعدة الآتية","level":5,"page":384},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":5,"page":385},{"title":"القاعدة الثالثة: إذا دار الأمر بين قلة المحذوف وكثرته، كان الحمل على قلته أولى","level":5,"page":388},{"title":"صورة القاعدة","level":5,"page":388},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":5,"page":388},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":5,"page":389},{"title":"المطلب الثامن: قاعدة: القول بالترتيب مقدم على القول بالتقديم والتأخير","level":3,"page":391},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":391},{"title":"التقديم والتأخير في اللغة والقرآن، وفي هذه القاعدة","level":4,"page":391},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":395},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":397},{"title":"المطلب التاسع: قاعدة: لا ينبغي حمل الآية على القلب ولها بدونه وجه صحيح","level":3,"page":400},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":400},{"title":"بيان ألفاظ القاعدة","level":4,"page":400},{"title":"تعريف القلب","level":5,"page":400},{"title":"أنواع القلب","level":5,"page":401},{"title":"موقف العلماء من أسلوب القلب","level":5,"page":403},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":404},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":406},{"title":"المطلب العاشر: قاعدة: إذا دار الكلام بين التأسيس والتأكيد فحمله على التأسيس أولى","level":3,"page":411},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":411},{"title":"بيان ألفاظ القاعدة","level":4,"page":411},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":412},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":415},{"title":"المطلب الحادي عشر: قاعدة: حمل ألفاظ الوحي على التباين أرجح من حملها على الترادف","level":3,"page":418},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":418},{"title":"بيان ألفاظ القاعدة","level":4,"page":418},{"title":"تعريف الترادف والتباين","level":5,"page":418},{"title":"موقف العلماء من الترادف في اللغة وفي القرآن","level":5,"page":419},{"title":"أدلة القاعدة","level":4,"page":423},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":425},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":427},{"title":"المطلب الثاني عشر: قاعدة: إذا دار الكلام بين الزيادة والتأصيل فحمله على التأصيل أولى","level":3,"page":431},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":431},{"title":"الزيادة بين مثبتيها ومنكريها، وتحديد مفهومها في هذه القاعدة","level":4,"page":431},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":434},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":435},{"title":"المطلب الثالث عشر: قاعدة: إذا دار اللفظ بين أن يكون مشتركا أو مفردا فإنه يحمل على إفراده","level":3,"page":439},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":439},{"title":"بيان ألفاظ القاعدة","level":4,"page":439},{"title":"وقوع المشترك في اللغة وفي القرآن","level":4,"page":439},{"title":"أدلة القاعدة","level":4,"page":440},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":441},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":442},{"title":"القاعدة الأولى","level":5,"page":443},{"title":"القاعدة الثانية","level":5,"page":443},{"title":"القاعدة الثالثة","level":5,"page":443},{"title":"القاعدة الرابعة","level":5,"page":443},{"title":"المطلب الرابع عشر: قاعدة: القول الذي يؤيده تصريف الكلمة وأصل اشتقاقها أولى بتفسير الآية","level":3,"page":444},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":444},{"title":"بيان ألفاظ القاعدة","level":4,"page":445},{"title":"التصريف","level":5,"page":445},{"title":"الاشتقاق","level":5,"page":445},{"title":"فأركان الاشتقاق أربعة","level":5,"page":446},{"title":"أقسام الاشتقاق","level":5,"page":446},{"title":"الفرق بين الاشتقاق والتصريف","level":5,"page":447},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":447},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":450},{"title":"وقد دلت قواعد متعددة على ترجيحه","level":4,"page":453},{"title":"المطلب الخامس عشر: قاعدة: يجب حمل نصوص الوحي على العموم ما لم يرد نص بالتخصيص","level":3,"page":457},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":457},{"title":"بيان ألفاظ القاعدة","level":4,"page":457},{"title":"القسم الأول: المخصصات المتصلة","level":5,"page":460},{"title":"القسم الثاني: المخصصات المنفصلة","level":5,"page":460},{"title":"أدلة القاعدة","level":4,"page":462},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":465},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":468},{"title":"والجواب عن هذا من وجوه","level":4,"page":470},{"title":"المطلب السادس عشر: قاعدة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب","level":3,"page":472},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":472},{"title":"أدلة القاعدة","level":4,"page":472},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":475},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":478},{"title":"المطلب السابع عشر: قاعدة: إذا دار اللفظ بين أن يكون مقيدا أو مطلقا فإنه يحمل على إطلاقه","level":3,"page":482},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":482},{"title":"بيان ألفاظ القاعدة: * تعريف المطلق والمقيد","level":4,"page":482},{"title":"ما يدخل تحت هذه القاعدة","level":4,"page":483},{"title":"ما يقيد به المطلق","level":4,"page":484},{"title":"حالات المطلق مع المقيد","level":4,"page":484},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":485},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":489},{"title":"المطلب الثامن عشر: قاعدة: الأصل في الأوامر أنها للوجوب وفي النواهي أنها للتحريم","level":3,"page":493},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":493},{"title":"بيان ألفاظ القاعدة","level":4,"page":493},{"title":"صيغة الأمر، وصيغة النهي، ودلالاتهما","level":4,"page":494},{"title":"أدلة القاعدة","level":4,"page":496},{"title":"١ - فمن أدلة الكتاب أن الله تعالى ذم - في آيات كثيرة","level":5,"page":496},{"title":"٢ - ومن أدلة السنة على هذه القاعدة","level":5,"page":498},{"title":"٣ - ومن أدلة هذه القاعدة إجماع الصحابة - ﵃ - فإنهم أجمعوا على وجوب طاعة الله - تعالى","level":5,"page":499},{"title":"٤ - ومن أدلة هذه القاعدة إجماع أهل اللسان العربي","level":5,"page":499},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":501},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":503},{"title":"المبحث الثاني: قواعد الترجيح المتعلقة بمرجع الضمير وفيه خمسة مطالب","level":2,"page":506},{"title":"المطلب الأول: قاعدة: إذا أمكن حمل الضمير على غير الشأن فلا ينبغي الحمل عليه","level":3,"page":507},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":507},{"title":"إيضاح ألفاظ القاعدة","level":4,"page":507},{"title":"الأوجه التي خالف فيها ضمير الشأن القياس","level":4,"page":509},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":510},{"title":"تنبيه","level":4,"page":511},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":512},{"title":"المطلب الثاني: قاعدة: إعادة الضمير إلى مذكور أولى من إعادته إلى مقدر","level":3,"page":514},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":514},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":514},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":517},{"title":"المطلب الثالث: قاعدة: إعادة الضمير إلى المحدث عنه أولى من إعادته إلى غيره","level":3,"page":522},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":522},{"title":"إيضاح ألفاظ القاعدة","level":4,"page":522},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":523},{"title":"فمن هؤلاء الأئمة","level":4,"page":523},{"title":"مسألة","level":4,"page":525},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":526},{"title":"المطلب الرابع: قاعدة: توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد أولى من تفريقها","level":3,"page":531},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":531},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":531},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":534},{"title":"المطلب الخامس: قاعدة: الأصل إعادة الضمير إلى أقرب مذكور، ما لم يرد دليل بخلافه","level":3,"page":538},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":538},{"title":"إيضاح ألفاظ القاعدة","level":4,"page":538},{"title":"من هذه الأدلة","level":4,"page":539},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":541},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":543},{"title":"فإعادته إلى القريب أولى من إعادته إلى البعيد.","level":4,"page":545},{"title":"المبحث الثالث: قواعد الترجيح المتعلقة بالإعراب وفيه مطلبان","level":2,"page":548},{"title":"توطئة","level":3,"page":549},{"title":"المطلب الأول: قاعدة: يجب حمل كتاب الله على الأوجه الإعرابية اللائقة بالسياق والموافقة لأدلة الشرع","level":3,"page":550},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":550},{"title":"بيان ألفاظ القاعدة","level":4,"page":550},{"title":"الإعراب في اللغة","level":4,"page":550},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":551},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":554},{"title":"المطلب الثاني: قاعدة يجب حمل كتاب الله على الأوجه الإعرابية القوية والمشهورة دون الضعيفة والشاذة والغريبة","level":3,"page":559},{"title":"صورة القاعدة","level":4,"page":559},{"title":"أقوال العلماء في اعتماد القاعدة","level":4,"page":559},{"title":"الأمثلة التطبيقية على القاعدة","level":4,"page":562},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":566},{"title":"فهرس المراجع والمصادر","level":1,"page":569},{"title":"أولا: القرآن الكريم.","level":2,"page":569},{"title":"ثانيا: المخطوطات والرسائل العلمية","level":2,"page":569},{"title":"ثالثا: المطبوعات","level":2,"page":571},{"title":"أ -","level":3,"page":571},{"title":"ب -","level":3,"page":576},{"title":"ت -","level":3,"page":578},{"title":"ث -","level":3,"page":582},{"title":"ج -","level":3,"page":583},{"title":"ح -","level":3,"page":584},{"title":"خ -","level":3,"page":584},{"title":"د -","level":3,"page":584},{"title":"ز -","level":3,"page":586},{"title":"س -","level":3,"page":586},{"title":"ش -","level":3,"page":587},{"title":"ص -","level":3,"page":589},{"title":"ض -","level":3,"page":590},{"title":"ط -","level":3,"page":590},{"title":"ع -","level":3,"page":591},{"title":"غ -","level":3,"page":591},{"title":"ف -","level":3,"page":592},{"title":"ق -","level":3,"page":593},{"title":"ك -","level":3,"page":594},{"title":"ل -","level":3,"page":595},{"title":"م -","level":3,"page":595},{"title":"ن -","level":3,"page":602},{"title":"هـ -","level":3,"page":604},{"title":"ي -","level":3,"page":604},{"title":"رابعا: الدوريات","level":2,"page":605}],"ٛ":{"1,3":1,"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,16":13,"1,17":14,"1,18":15,"1,19":16,"1,20":17,"1,21":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,61":56,"1,63":57,"1,64":58,"1,65":59,"1,66":60,"1,67":61,"1,68":62,"1,69":63,"1,70":64,"1,71":65,"1,72":66,"1,73":67,"1,74":68,"1,75":69,"1,76":70,"1,77":71,"1,79":72,"1,80":73,"1,81":74,"1,82":75,"1,83":76,"1,84":77,"1,85":78,"1,86":79,"1,87":80,"1,88":81,"1,89":82,"1,90":83,"1,91":84,"1,92":85,"1,93":86,"1,94":87,"1,95":88,"1,96":89,"1,97":90,"1,98":91,"1,99":92,"1,100":93,"1,101":94,"1,102":95,"1,103":96,"1,104":97,"1,105":98,"1,106":99,"1,107":100,"1,108":101,"1,109":102,"1,111":103,"1,112":104,"1,113":105,"1,114":106,"1,115":107,"1,116":108,"1,117":109,"1,118":110,"1,119":111,"1,120":112,"1,121":113,"1,122":114,"1,123":115,"1,124":116,"1,125":117,"1,126":118,"1,127":119,"1,128":120,"1,129":121,"1,130":122,"1,131":123,"1,132":124,"1,133":125,"1,134":126,"1,135":127,"1,136":128,"1,137":129,"1,138":130,"1,139":131,"1,140":132,"1,141":133,"1,142":134,"1,143":135,"1,144":136,"1,145":137,"1,146":138,"1,147":139,"1,148":140,"1,149":141,"1,150":142,"1,151":143,"1,152":144,"1,153":145,"1,154":146,"1,155":147,"1,156":148,"1,157":149,"1,158":150,"1,159":151,"1,160":152,"1,161":153,"1,162":154,"1,163":155,"1,164":156,"1,165":157,"1,167":158,"1,169":159,"1,171":160,"1,172":161,"1,173":162,"1,174":163,"1,175":164,"1,176":165,"1,177":166,"1,178":167,"1,179":168,"1,180":169,"1,181":170,"1,182":171,"1,183":172,"1,184":173,"1,185":174,"1,186":175,"1,187":176,"1,188":177,"1,189":178,"1,190":179,"1,191":180,"1,192":181,"1,193":182,"1,194":183,"1,195":184,"1,196":185,"1,197":186,"1,198":187,"1,199":188,"1,200":189,"1,201":190,"1,202":191,"1,203":192,"1,204":193,"1,205":194,"1,206":195,"1,207":196,"1,208":197,"1,209":198,"1,210":199,"1,211":200,"1,212":201,"1,213":202,"1,215":203,"1,216":204,"1,217":205,"1,218":206,"1,219":207,"1,220":208,"1,221":209,"1,222":210,"1,223":211,"1,224":212,"1,225":213,"1,226":214,"1,227":215,"1,228":216,"1,229":217,"1,230":218,"1,231":219,"1,232":220,"1,233":221,"1,234":222,"1,235":223,"1,236":224,"1,237":225,"1,238":226,"1,239":227,"1,240":228,"1,241":229,"1,242":230,"1,243":231,"1,244":232,"1,245":233,"1,246":234,"1,247":235,"1,248":236,"1,249":237,"1,250":238,"1,251":239,"1,252":240,"1,253":241,"1,254":242,"1,255":243,"1,256":244,"1,257":245,"1,258":246,"1,259":247,"1,260":248,"1,261":249,"1,262":250,"1,263":251,"1,264":252,"1,265":253,"1,267":254,"1,269":255,"1,270":256,"1,271":257,"1,272":258,"1,273":259,"1,274":260,"1,275":261,"1,276":262,"1,277":263,"1,278":264,"1,279":265,"1,280":266,"1,281":267,"1,282":268,"1,283":269,"1,284":270,"1,285":271,"1,286":272,"1,287":273,"1,288":274,"1,289":275,"1,290":276,"1,291":277,"1,292":278,"1,293":279,"1,294":280,"1,295":281,"1,296":282,"1,297":283,"1,298":284,"1,299":285,"1,300":286,"1,301":287,"1,302":288,"1,303":289,"1,304":290,"1,305":291,"1,306":292,"1,307":293,"1,308":294,"2,3":295,"2,5":296,"2,6":297,"2,7":298,"2,8":299,"2,9":300,"2,10":301,"2,11":302,"2,12":303,"2,13":304,"2,14":305,"2,15":306,"2,16":307,"2,17":308,"2,18":309,"2,19":310,"2,20":311,"2,21":312,"2,22":313,"2,23":314,"2,24":315,"2,25":316,"2,26":317,"2,27":318,"2,28":319,"2,29":320,"2,30":321,"2,31":322,"2,32":323,"2,33":324,"2,34":325,"2,35":326,"2,36":327,"2,37":328,"2,38":329,"2,39":330,"2,40":331,"2,41":332,"2,42":333,"2,43":334,"2,44":335,"2,45":336,"2,46":337,"2,47":338,"2,48":339,"2,49":340,"2,50":341,"2,51":342,"2,52":343,"2,53":344,"2,54":345,"2,55":346,"2,56":347,"2,57":348,"2,58":349,"2,59":350,"2,60":351,"2,61":352,"2,62":353,"2,63":354,"2,64":355,"2,65":356,"2,66":357,"2,67":358,"2,68":359,"2,69":360,"2,70":361,"2,71":362,"2,72":363,"2,73":364,"2,74":365,"2,75":366,"2,76":367,"2,77":368,"2,78":369,"2,79":370,"2,80":371,"2,81":372,"2,82":373,"2,83":374,"2,84":375,"2,85":376,"2,86":377,"2,87":378,"2,88":379,"2,89":380,"2,90":381,"2,91":382,"2,92":383,"2,93":384,"2,94":385,"2,95":386,"2,96":387,"2,97":388,"2,98":389,"2,99":390,"2,100":391,"2,101":392,"2,102":393,"2,103":394,"2,104":395,"2,105":396,"2,106":397,"2,107":398,"2,108":399,"2,109":400,"2,110":401,"2,111":402,"2,112":403,"2,113":404,"2,114":405,"2,115":406,"2,116":407,"2,117":408,"2,118":409,"2,119":410,"2,120":411,"2,121":412,"2,122":413,"2,123":414,"2,124":415,"2,125":416,"2,126":417,"2,127":418,"2,128":419,"2,129":420,"2,130":421,"2,131":422,"2,132":423,"2,133":424,"2,134":425,"2,135":426,"2,136":427,"2,137":428,"2,138":429,"2,139":430,"2,140":431,"2,141":432,"2,142":433,"2,143":434,"2,144":435,"2,145":436,"2,146":437,"2,147":438,"2,148":439,"2,149":440,"2,150":441,"2,151":442,"2,152":443,"2,153":444,"2,154":445,"2,155":446,"2,156":447,"2,157":448,"2,158":449,"2,159":450,"2,160":451,"2,161":452,"2,162":453,"2,163":454,"2,164":455,"2,165":456,"2,166":457,"2,167":458,"2,168":459,"2,169":460,"2,170":461,"2,171":462,"2,172":463,"2,173":464,"2,174":465,"2,175":466,"2,176":467,"2,177":468,"2,178":469,"2,179":470,"2,180":471,"2,181":472,"2,182":473,"2,183":474,"2,184":475,"2,185":476,"2,186":477,"2,187":478,"2,188":479,"2,189":480,"2,190":481,"2,191":482,"2,192":483,"2,193":484,"2,194":485,"2,195":486,"2,196":487,"2,197":488,"2,198":489,"2,199":490,"2,200":491,"2,201":492,"2,202":493,"2,203":494,"2,204":495,"2,205":496,"2,206":497,"2,207":498,"2,208":499,"2,209":500,"2,210":501,"2,211":502,"2,212":503,"2,213":504,"2,214":505,"2,215":506,"2,217":507,"2,218":508,"2,219":509,"2,220":510,"2,221":511,"2,222":512,"2,223":513,"2,224":514,"2,225":515,"2,226":516,"2,227":517,"2,228":518,"2,229":519,"2,230":520,"2,231":521,"2,232":522,"2,233":523,"2,234":524,"2,235":525,"2,236":526,"2,237":527,"2,238":528,"2,239":529,"2,240":530,"2,241":531,"2,242":532,"2,243":533,"2,244":534,"2,245":535,"2,246":536,"2,247":537,"2,248":538,"2,249":539,"2,250":540,"2,251":541,"2,252":542,"2,253":543,"2,254":544,"2,255":545,"2,256":546,"2,257":547,"2,259":548,"2,261":549,"2,262":550,"2,263":551,"2,264":552,"2,265":553,"2,266":554,"2,267":555,"2,268":556,"2,269":557,"2,270":558,"2,271":559,"2,272":560,"2,273":561,"2,274":562,"2,275":563,"2,276":564,"2,277":565,"2,278":566,"2,279":567,"2,280":568,"2,283":569,"2,284":570,"2,285":571,"2,286":572,"2,287":573,"2,288":574,"2,289":575,"2,290":576,"2,291":577,"2,292":578,"2,293":579,"2,294":580,"2,295":581,"2,296":582,"2,297":583,"2,298":584,"2,299":585,"2,300":586,"2,301":587,"2,302":588,"2,303":589,"2,304":590,"2,305":591,"2,306":592,"2,307":593,"2,308":594,"2,309":595,"2,310":596,"2,311":597,"2,312":598,"2,313":599,"2,314":600,"2,315":601,"2,316":602,"2,317":603,"2,318":604,"2,319":605},"ٜ":{"1":[3,308],"2":[3,319]},"ٝ":["1,3","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,61","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,167","1,169","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,267","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","2,3","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,259","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319"],"ٞ":{"2":[1],"4":[2],"18":[3],"19":[4,5,6],"20":[7],"23":[8],"24":[9,10],"25":[11],"28":[12,13],"29":[14,15],"30":[16],"45":[17],"56":[18],"57":[19],"58":[20,21],"60":[22],"63":[23],"65":[24],"66":[25],"71":[26],"72":[27,28,29],"75":[30],"77":[31],"81":[32,33,34],"82":[35],"83":[36],"85":[37,38,39],"86":[40],"89":[41],"92":[42,43,44,45],"95":[46],"97":[47],"102":[48],"103":[49,50,51],"105":[52],"110":[53],"114":[54,55,56],"117":[57],"119":[58],"122":[59],"126":[60],"143":[61],"145":[62,63,64],"146":[65],"151":[66],"158":[67],"159":[68],"160":[69,70,71],"163":[72],"164":[73],"165":[74],"168":[75],"172":[76,77,78,79],"174":[80],"180":[81,82,83],"182":[84],"184":[85],"185":[86,87],"187":[88],"189":[89,90,91],"192":[92],"195":[93],"198":[94],"202":[95],"203":[96,97,98],"208":[99],"210":[100],"219":[101,102,103],"222":[104],"226":[105],"231":[106,107,108],"232":[109],"233":[110],"239":[111],"241":[112],"246":[113,114,115],"248":[116],"249":[117],"251":[118],"254":[119],"255":[120,121,122],"256":[123],"260":[124],"267":[125,126,127],"269":[128],"274":[129],"276":[130],"281":[131,132],"282":[133],"284":[134],"286":[135],"290":[136],"295":[137],"296":[138],"298":[139,140,141],"300":[142],"303":[143],"306":[144,145,146],"307":[147],"309":[148],"310":[149,150,151],"312":[152],"315":[153,154,155],"317":[156],"318":[157],"322":[158,159],"323":[160],"324":[161],"326":[162],"331":[163,164,165],"332":[166],"333":[167],"336":[168],"339":[169],"344":[170,171,172],"345":[173],"346":[174],"349":[175],"350":[176],"353":[177],"355":[178,179,180],"357":[181,182],"359":[183,184],"360":[185],"362":[186,187,188,189],"363":[190],"364":[191],"367":[192],"369":[193,194],"373":[195],"377":[196],"379":[197,198,199],"381":[200],"384":[201,202,203],"385":[204],"388":[205,206,207],"389":[208],"391":[209,210,211],"395":[212],"397":[213],"400":[214,215,216,217],"401":[218],"403":[219],"404":[220],"406":[221],"411":[222,223,224],"412":[225],"415":[226],"418":[227,228,229,230],"419":[231],"423":[232],"425":[233],"427":[234],"431":[235,236,237],"434":[238],"435":[239],"439":[240,241,242,243],"440":[244],"441":[245],"442":[246],"443":[247,248,249,250],"444":[251,252],"445":[253,254,255],"446":[256,257],"447":[258,259],"450":[260],"453":[261],"457":[262,263,264],"460":[265,266],"462":[267],"465":[268],"468":[269],"470":[270],"472":[271,272,273],"475":[274],"478":[275],"482":[276,277,278],"483":[279],"484":[280,281],"485":[282],"489":[283],"493":[284,285,286],"494":[287],"496":[288,289],"498":[290],"499":[291,292],"501":[293],"503":[294],"506":[295],"507":[296,297,298],"509":[299],"510":[300],"511":[301],"512":[302],"514":[303,304,305],"517":[306],"522":[307,308,309],"523":[310,311],"525":[312],"526":[313],"531":[314,315,316],"534":[317],"538":[318,319,320],"539":[321],"541":[322],"543":[323],"545":[324],"548":[325],"549":[326],"550":[327,328,329,330],"551":[331],"554":[332],"559":[333,334,335],"562":[336],"566":[337],"569":[338,339,340],"571":[341,342],"576":[343],"578":[344],"582":[345],"583":[346],"584":[347,348,349],"586":[350,351],"587":[352],"589":[353],"590":[354,355],"591":[356,357],"592":[358],"593":[359],"594":[360],"595":[361,362],"602":[363],"604":[364,365],"605":[366]},"ٟ":[101,113,142,156,179,218,230,253,265,266]},"pages":[{"text":"بسم الله الرّحمن الرّحيم\nهذا الكتاب في الأصل رسالة علمية قدمت لنيل درجة الماجستير من كلية أصول الدين في الرياض التابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.\nوكانت لجنة المناقشة مكونة من فضيلة الشيخ مناع بن خليل القطان مشرفا، وفضيلة الشيخ محمد بن محمد بن عبد الرحمن الراوي وفضيلة الشيخ الدكتور سعود بن عبد الله الفنيسان مناقشين، وكانت المناقشة في ١١/ ١٤١٥/٢٦ هـ وقد منح الباحث درجة الماجستير بتقدير ممتاز، وأوصت اللجنة بطباعة الرسالة وتداولها بين الجامعات.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>تقريظ لفضيلة الشيخ مناع بن خليل القطان</span>\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.\nتكشف الرسائل الجامعية عن مواهب وقدرات العاملين في مجال البحث العلمي، والابتكار الذي يضيف جديدا إلى المعرفة.\nولئن كانت العلوم النافعة التي تنهض بالأمة كثيرة متعددة الجوانب، فإن الدراسات القرآنية على رأس هذه العلوم في أمة الإسلام التي تنشد الهداية الإلهية ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].\nوالرسالة التي بين يدي القارئ «قواعد الترجيح عند المفسرين دراسة نظرية تطبيقية» التي أعدها الأخ الشيخ حسين بن علي بن حسين الحربي ونال بها درجة الماجستير بامتياز مع التوصية بطباعتها وتداولها لدى الجامعات. هذه الرسالة تتميز بالجدة والأصالة والإبداع وعمق البحث والتوثيق العلمي، وكم كنت أود أن تجيز لائحة الدراسات العليا بجامعتنا - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - تحويل رسالة الماجستير المتميزة إلى رسالة دكتوراة كما في بعض لوائح الجامعات الغربية، فتكون هذه الرسالة جديرة بذلك.\nلقد وفق الله الباحث في عرض رسالته، وأحكم ترتيبها في قواعد الترجيح المتعلقة بالنص القرآني، وقواعد الترجيح المتعلقة بالسنة والآثار، وقواعد الترجيح المتعلقة بلغة العرب، في منهجية علمية موضوعية، وأسلوب رصين بليغ وبيان جلي مشرق، واستدلال مقنع، واستقصى ما أمكن الوصول إليه من قواعد الترجيح عند المفسرين، واختار ثلاثة من أمهات كتب التفسير التي تعنى بالخلاف والترجيح، واستقرأ ما فيها من هذه القواعد باللفظ أو المعنى، وأضاف إلى ذلك ما استفاده من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وكلام تلميذه ابن القيم، وشرح كل قاعدة، وبين","vol":"1","page":5},{"text":"أدلتها، وآراء العلماء في اعتمادها، وأتى بالأمثلة التطبيقية عليها، وأحال في نهاية كل مثال إلى نظائره، وذكر القواعد المتفرعة عن كل قاعدة أصلية.\nوحيث كانت بعض هذه القواعد مشتركة مع قواعد أصول الفقه، أو القواعد اللغوية فإن الباحث رجع إلى المصادر الأصولية واللغوية في ذلك، ووثق النصوص توثيقا دقيقا من مصادرها الأصلية.\nوهذا العمل العلمي المضني الشاق بما فيه من عبقرية فذة يعدّ نموذجا للرسائل الجامعية التي تثري المكتبة الإسلامية بعامة والتفسيرية منها بخاصة.\nأسأل الله أن ينفع بهذا الحصاد العلمي، وأن يمد صاحبه بمزيد من التوفيق.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\n\nمناع بن خليل القطان\nأستاذ الدراسات العليا والمشرف على إدارتها ١١/ ١٤١٥/٢٧ هـ الرياض","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>المقدمة</span>\nإنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ وعلى آله وصحبه ومن سار على سنته إلى يوم الدين.\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١٠٢) [آل عمران: ١٠٢].\n﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (١) [النساء: ١].\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٧١) [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].\nأما بعد:\nفبعد أن تخرجت من السنة المنهجية أخذت في البحث عن موضوع مناسب لتسجيله رسالة علمية نافع لي ولكل ناظر فيه ولم يسبق أحد في طرق أبوابه، ولا في نظم حلله، معتبرا في ذلك بمضمون كلام ابن الجزري - ﵀ - في قوله:\nوينبغي لمن أراد التصنيف أن يبدأ بما يعم النفع به، وتكثر الحاجة إليه بعد تصحيح النية، والأولى أن يكون شيئا لم يسبق إلى مثله. اهـ (^١).\nوقد هداني الله - تعالى - إلى موضوع أغلب ظني أنه لم يلق عناية ببحث ودراسة فهو موضوع بكر لم تفتح أبوابه، ولم تكشف أسراره، فإنه لما كثرت الأقوال في\n_________\n(^١) منجد المقرئين ص ١٠.","vol":"1","page":7},{"text":"تفسير كلام الله - تعالى - واختلط الحق بالباطل احتاج الأمر إلى وضع النقاط على الحروف، بتقعيد قواعد وضوابط يعرف بها الحق من الباطل، والصواب من الخطأ، وهذا هو ما دفع شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - إلى تصنيف مقدمته في أصول التفسير قال في مقدمتها: أما بعد: فقد سألني بعض الإخوان أن أكتب له مقدمة تتضمن قواعد كلية تعين على فهم القرآن ومعرفة تفسيره ومعانيه … والتمييز - في منقول ذلك ومعقوله - بين الحق وأنواع الأباطيل والتنبيه على الدليل الفاصل بين الأقاويل، فإن الكتب المصنفة في التفسير مشحونة بالغث والسمين، والباطل الواضح والحق المبين. اهـ (^١).\nفكان تخلية كتب التفسير - من كل دخيل علق بها وتجريدها من الآراء العقدية الفاسدة - ضرورة ملّحة لا غنى لأمة الإسلام عنها لتأخذ تفسير كتاب الله نبعا صافيا وموردا زلالا، فشحذت الهمة وقويت العزم على خوض غمار ما كتبه الأوائل لاستخراج قواعد وضوابط يعرف بها الصواب في تفسير كتاب الله - تعالى - ويجرده من كل ضعيف وشاذ من أقوالهم، وينقيه من كل دخيل فيه، فكان هذا البحث خطوة في هذا الطريق، ووسمته ب «قواعد الترجيج عند المفسرين»، ودرسته دراسة نظرية بتأصيل قواعده، وتطبيقها على خلاف المفسرين من خلال كتب التفسير.\nفأبرزت جملة من قواعد الترجيج في موضع واحد مبينا موقف المفسرين منها ومدى تطبيقهم واعتمادهم لها، ويلمح منها أهم أسباب خلافهم.\nوكل ذلك من منظور أهل السنة والجماعة، المبني على دلائل الكتاب والسنة، وكل من خالفه فهو محجوج به مردود إليه.\nففكرت في اختيار بعض كتب التفسير لاستقرائها، وتقييد حللها، فتأملت في كتب التفسير فرأيتها لا تخرج عن ثلاثة أقسام:\nأولها: ما يكون مختصرا يعرض مؤلفه فيه تفسيرآيات التنزيل على ما ترجح عنده\n_________\n(^١) مقدمة في أصول التفسير ص ٣٣.","vol":"1","page":8},{"text":"دون ذكر لخلاف أو سرد لأقوال.\nوهذا القسم لا يفيد - غالبا - في استخراج قواعد للترجيح؛ إذا كان من مقاصد أصحابها اختصار الأقوال وعدم ذكر الخلاف.\nالثاني: من يذكر الخلاف غير أنه لا يهتم ببيان الراجح منها، ووجه ترجيحه، وإن رجح أحيانا لا يذكر وجه ترجيحه.\nوأيضا هذا القسم ليس رئيسا في استقرائي لقواعد الترجيح.\nالثالث: من جمع بين ذكر الخلاف والترجيح فيه وبيان وجه الترجيح، وذلك كتفسير الإمام الطبري، وابن عطية، والقرطبي، وأبي حيان، وابن كثير، والشنقيطي، وغيرهم.\nفكانت عنايتي منصبّة على هذا القسم، فاخترت ثلاثة من كتبه المشهورة المعروفة بالتحرير، وراعيت في ذلك أن يتنوع أسلوب عرضها، فاخترت «جامع البيان» للطبري، و«المحرر الوجيز» لابن عطية، و«أضواء البيان» للشنقيطي.\nوسبب اختياري لهذه الكتب دون غيرها هو اهتمام أصحابها بالترجيح في خلاف المفسرين، والتعليل له - غالبا - إضافة إلى ما للإمام الطبري من منزلة عظيمة في هذا الفن عموما وفي الترجيح خصوصا فهو لا يكاد يجاوز خلافا إلا ويختار ويرجح، ويعلل ويحتج لترجيحه. ومع ذلك تميزه في جانب التفسير بالأثر.\nأما تفسير ابن عطية فهو على مسماه محررّ وجيز يبين - غالبا - أصح الأقوال في تفسيرالآية، وعليه اعتمد كثير ممن بعده كالقرطبي، وأبي حيان، والشوكاني، وصديق خان، وغيرهم، مع ما يمثله من مدرسة الرأي.\nأما «أضواء البيان» فلا يقضي العالم منه عجبه، محرر مدقق، عمدته الدليل، تجرد صاحبه من كل هوى وبدعة، أصولي مفسر، استعان بالقواعد الأصولية في فهم كتاب الله، ومعرفة أرجح الأقوال في تفسيرآيات التنزيل، ولا يذكر خلافا - غالبا - إلا ويبين الراجح فيه مقرونا بالدليل والتعليل.","vol":"1","page":9},{"text":"إضافة إلى قلّة استطراد هؤلاء الثلاثة في العلوم الأخرى كالفقه والنحو بالنسبة إلى الجصاص، والقرطبي، وأبي حيان، والسمين الحلبي، وغيرهم.\nثم رسمت لنفسي منهجا أسير عليه في تسطير سطور هذا البحث وهو كالتالي:\nأولا: استقرأت هذه الكتب الثلاثة، فقرأت «جامع البيان» و«أضواء البيان» كاملين، وتسع مجلدات من «المحرر الوجيز» أقف عند كل خلاف، وكل ترجيح سطره هؤلاء الأئمة وأقيد كل ذلك مقسّما حسب خطة البحث.\nثم تتبعت كلام شيخ الإسلام ابن تيمية المتناثر في الفتاوى فيما يتعلق بالتفسير وأصوله، وقرأت كلام ابن القيم المجموع في «التفسير القيم». وقد استغرق هذا الاستقراء مني ما يزيد على أربعة عشر شهرا.\nثانيا: لم أهمل بقية كتب التفسير بل قمت بمقارنة ما اجتمع عندي من قواعد وأمثلة عليها مع بقية كتب التفسير، خاصة التي تهتم بذكر الخلاف والترجيح فيه، وقيدت ترجيحاتهم وأقوالهم في اعتماد القاعدة.\nثالثا: جعلت كل مطلب من مطالب هذه الرسالة يمثل قاعدة أصلية وما يلحق بها من قواعد متفرعة عنها أو داخلة تحت مضمونها.\nوبعض هذه القواعد الترجيحية قواعد تفسيرية، تفسّر بهاآيات التنزيل ابتداء، وذكرتها هنا لمخالفة بعض الأقوال لها، فهي تفسيرية من حيث إنه ينبغي أن تفسر الآية بها ابتداء، وترجيحية من حيث النظر بها بين الأقوال المختلفة في التفسير، فهي تفسيرية من وجه، ترجيحية من وجه آخر.\nوهذه القواعد منها ما هو منصوص عليها بلفظها ومعناها من قبل، ومشهورة بين العلماء بلفظها، كقاعدة «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب». ومنها ما يقل ذكرها والتنصيص عليها بلفظها، غير أن اعتمادها والعمل بمضمونها معروف بينهم، كقاعدة القلب، وقاعدة: «تقدير ما ظهر في القرآن أولى في بابه من كل تقدير».\nومنها ما لم أجد من ذكرها بلفظها، فاستخرجتها من ترجيحاتهم واجتهدت","vol":"1","page":10},{"text":"في صياغتها، وبينت عمل العلماء بمضمونها، كقاعدة: «لا يصح حمل الآية على تفسيرات وتفصيلات لأمور مغيبة لا دليل عليها من القرآن أو السنة».\nوأحيانا توجد قواعد مشتهرة بين علماء الأصول بلفظ معين، غير أني أختار عبارة بعض المفسرين وإن خالف المشهور، كما في قاعدة: «لا تصح دعوى النسخ في آية من كتاب الله إلا إذا صح التصريح بنسخها أو انتقى حكمها من كل وجه».\nرابعا: درست القواعد الأصلية دراسة وافية، وطريقتي في ذلك تقسيم الكلام فيها على فقرات كالتالي:\n١ - صورة القاعدة: أذكر فيها معنى القاعدة العام مختصرا.\n٢ - بيان ألفاظ القاعدة: وفيه أشرح معاني ألفاظ القاعدة من حيث اللغة والاصطلاح، وبيان القيود والشروط فيها - إن وجدت -، وأذكر ما يدخل تحت القاعدة، وما يخرج منها من جزئيات.\n٣ - أدلة القاعدة: حيث أستدل على القاعدة من القرآن والسنة وإجماع الأمة - إن وجد ذلك واحتاج الأمر إليه - ولا أغفل التعليل والمستند العقلي الصحيح الذي يتفق مع دلائل الكتاب والسنة.\n٤ - أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: حيث أذكر فيها أقوال العلماء التي تدل على اعتماد المفسر للقاعدة، واستعماله لها في الترجيح، وأختار منها الواضح الصريح الذي لا يحتاج إلى تعليق وإيضاح وبيان.\nوطريقتي في عرضها أني أجتزء من كلام العالم القول الذي يقرر به القاعدة سواء ذكرها بلفظها أو بمضمونها، أو رجح بما يتفق مع مضمونها، وسردت أقوال العلماء مرتبة حسب الوفيات.\n٥ - بعد تقرير القاعدة أذكر من خالف في اعتمادها - إن وجد - وأبين مستنده وأرده مدعّما ذلك بالأدلة، والنقول عن الأئمة.\n٦ - الأمثلة التطبيقية على القاعدة: حيث أبسط الكلام على مثال واحد - غالبا -","vol":"1","page":11},{"text":"أذكر أقوال العلماء في الآية، ولم ألتزم نسبتها إلى قائليها إلا ما دعت إليه الحاجة - طلبا للاختصار -، وأبيّن الراجح - حسب وسعي - ووجه ترجيحه مستندا إلى الأدلة من القرآن والسنة، ووجوه الترجيح الصحيحة، ثم أذكر بعض أقوال العلماء في ترجيحه، وأردف أخيرا بالقواعد التي تؤيد القاعدة في ترجيحها.\nوإذا كانت القاعدة مركبة من أكثر من جزء أذكر لكل جزء مثالا (^١)، وأحاول دائما أن أوسع دائرة تطبيق القاعدة فأذكر أصناف من تردّ القاعدة تفاسيرهم مدعّما كل ذلك بالأمثلة من مصادرهم الأصلية.\nوحرصت على ذكر الأمثلة التي لها أثر عملي أو عقدي حتى تتضح أهمية القاعدة في الترجيح، ونبهت على المناهج المنحرفة في تفسير القرآن عند كل مناسبة تسنح لي، وأضرب الأمثلة من مصادرهم الأصلية - ما وجدت إلى ذلك سبيلا - ثم أبيّن وجه بطلانها، وأردف بسرد أقوال بعض علماء أهل السنة في إبطالها، وهتك أستارها، إلا ما كان واضحا وضح الشمس في رابعة النهار.\n٧ - أحلت في نهاية المثال إلى نظائره معزوة إلى مصادرها بالجزء والصفحة، معتمدا فيها على ترجيح من أحلت إليه، وإن نازعتها في الحقيقة قاعدة أخرى.\n٨ - ذكرت بعد ذلك القواعد المتفرعة عن القاعدة الأصلية أو الداخلة تحت مضمونها - إن وجدت - وشرحت منها ما يحتاج إلى شرح، واكتفيت في بعضها بذكرها والإحالة إلى من ذكرها من العلماء استغناء بما بسط من القواعد الأصلية.\nخامسا: من منهجي أن لا أعتبر في الترجيح إلا ما كان صريحا من أقوالهم، وقد أعبّر أحيانا في الترجيح بقولي: «ومال إليه فلان …» وذلك لكونه لم يصرح بترجيحه وإنما أطنب في تقريره والاستدلال له، أو حكى غيره بصيغة التمريض،\n_________\n(^١) مثل قاعدة: «كل تفسير خالف القرآن أو السنة أو إجماع الأمة فهو ردّ»، وقاعدة: «الوجه التفسيري والإعرابي الموافق لرسم المصحف أولى من الوجه المخالف له»، وغيرها.","vol":"1","page":12},{"text":"ولم أعتبر تقديم العالم لقول ترجيحا على الرغم من أنه منهج لبعضهم (^١)، وذلك لعدم صراحته.\nسادسا: قد أحتاج أحيانا إلى إدخال بعض كلامي أثناء نص منقول بلفظه لأحد العلماء لإيضاح إحالة إلى محذوف، ونحوه، فأميزه بوضعه معترضا ومحصورا بين معقوفين هكذا -[]-.\nسابعا: عزوت الآيات القرآنية الواردة في البحث إلى سورها.\nثامنا: خرّجت الأحاديث النبوية والآثار من مصادرها الأصلية، فما كان منها في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت به - غالبا - وإن لم يكن فيهما فإني أخرّجه من مصادره الأصلية، وأنقل تصحيحه أو تضعيفه من أقوال بعض العلماء المتقدمين أو المتأخرين.\nتاسعا: وثقت النصوص التي أنقلها توثيقا علميا دقيقا من مصادرها الأصلية إلاّ أن يتعذر عليّ ذلك فإني أبينه، إلاّ ما كان من أمر «التفسير القيم» فإني أحلت إليه على الرغم من أنه جمع متأخر؛ لأني جمعت الإحالات منه، ولسهولة مراجعته، ولشهرته وانتشاره بين الخاصة والعامة.\nعاشرا: عرّفت بالمصطلحات العلمية الواردة في البحث من حيث اللغة والاصطلاح واعتمدت في كل مصادره الأصلية من كتب اللغة والأصول والقراءات وغيرها، ومن كتب التعاريف والمعاجم.\nالحادي عشر: ترجمت للأعلام الوارد ذكرهم في صلب البحث ترجمة مختصرة وافية بالغرض من كتب التراجم المعتمدة، عدا الخلفاء الأربعة والمعاصرين الأحياء.\nالثاني عشر: عرفت بالفرق والطوائف والبلدان الوارد ذكرها في البحث من كتبها المعتمدة.\n_________\n(^١) انظر مثلا جامع البيان (١٢/ ١٠٦ - ١٠٧).","vol":"1","page":13},{"text":"الثالث عشر: أبدأ في الإحالات الهامشية - غالبا - بالمتقدم وفاة ثم أرتبهم حسب الوفيات، وقد أقدم أحيانا المتأخر لفائدة كأن يكون النص المنقول من كلامه اخترته لوضوحه أو سهولته أو شموله، ونحو ذلك.\nالرابع عشر: إذا كان للكتاب أكثر من طبعة فإني أميز الطبعة التي لم أكثر من الرجوع إليها والنقل عنها، وأهمل تمييز الطبعة التي اعتمدتها في نقولي وأكثرت من الرجوع إليها مثل تفسير الطبري وتفسير ابن عطية (^١).\nالخامس عشر: الكتب التي تتفق أسماؤها أميزها إما بالنسبة إلى الفن أو إلى المؤلف، أو بسردها مع كتب من نفس الفن، كالبحر المحيط في التفسير، والبحر المحيط في أصول الفقه، والبرهان للزركشي وللجويني، والأشباه والنظائر لابن السبكي ولابن نجيم وللسيوطي، وغيرها.\nالسادس عشر: عملت فهارس فنية تساعد على كشف مضامين هذا البحث بسهولة ويسر.\nوسرت في بحثي هذا على خطة مرسومة مكونة من مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول وخاتمة. على النحو التالي:\n- المقدمة: وفيها أهمية البحث، وأسباب اختياري له، ومنهجي فيه، وخطته وشكر ودعاء لكل من أعان عليه.\n- التمهيد: وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريفات أساسية.\nالمبحث الثاني: بيان متى يكون الترجيح.\nالمبحث الثالث: تنازع القواعد المثال الواحد.\n_________\n(^١) اعتمدت في تفسير الطبري الطبعة الكاملة ط: دار الفكر، وإن أحلت إلى تحقيق شاكر أبينه بقولي:\nتحقيق شاكر، أو ط: شاكر واعتمدت الطبعة المغربية لتفسير ابن عطية، وإن أحلت إلى القطرية أبنت ذلك.","vol":"1","page":14},{"text":"الفصل الأول: قواعد الترجيح المتعلقة بالنص القرآني:\nوفيه مدخل، ومبحثان:\nالمدخل في قاعدة:\n«لا تصح دعوى النسخ في آية من كتاب الله إلا إذا صح التصريح بنسخها أو انتفى حكمها من كل وجه».\nالمبحث الأول: قواعد الترجيح المتعلقة بالقراءات ورسم المصحف:\nوفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: قاعدة:\n«إذا ثبتت القراءة فلا يجوز ردّها أو ردّ معناها، وهي بمنزلة آية مستقلة».\nالمطلب الثاني: قاعدة:\n«اتحاد معنى القراءتين أولى من اختلافه».\nالمطلب الثالث: قاعدة:\n«معنى القراءة المتواترة أولى بالصواب من معنى القراءة الشاذة».\nالمطلب الرابع: قاعدة:\n«الوجه التفسيري والإعرابي الموافق لرسم المصحف أولى من الوجه المخالف له».\nالمبحث الثاني: قواعد الترجيح المتعلقة بالسياق القرآني:\nوفيه ثلاث مطالب:\nالمطلب الأول: قاعدة:\n«إدخال الكلام في معاني ما قبله وما بعده أولى من الخروج به عنهما إلا بدليل يجب التسليم له».\nالمطلب الثاني: قاعدة:\n«لا يجوز العدول عن ظاهر القرآن إلا بدليل يجب الرجوع إليه».","vol":"1","page":15},{"text":"المطلب الثالث: قاعدة:\n«حمل معاني كلام الله على الغالب من أسلوب القرآن ومعهود استعماله أولى من الخروج به عن ذلك».\n- الفصل الثاني: قواعد الترجيح المتعلقة بالسنة والآثار والقرائن:\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: قواعد الترجيح المتعلقة بالسنة النبوية:\nوفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: قاعدة:\n«إذا ثبت الحديث، وكان نصا في تفسيرالآية فلا يصار إلى غيره».\nالمطلب الثاني: قاعدة:\n«إذا ثبت الحديث، وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجّح له على ما خالفه».\nالمطلب الثالث: قاعد:\n«كل تفسير خالف القرآن أو السنة أو إجماع الأمة فهو ردّ».\nالمطلب الرابع: قاعدة:\n«لا يصح حمل الآية على تفسيرات وتفصيلات لأمور مغيبة لا دليل عليها من القرآن أو السنة».\nالمبحث الثاني: قواعد الترجيح المتعلقة بالآثار:\nوفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: قاعدة:\n«إذا صح سبب النزول الصريح فهو مرجّح لما وافقه من أوجه التفسير».\nالمطلب الثاني: قاعدة:\n«إذا ثبت تاريخ نزول الآية أو السورة فهو مرجّح لما وافقه من أوجه التفسير».\nالمطلب الثالث: قاعدة:\n«تفسير السلف وفهمهم لنصوص الوحي حجة علي من بعدهم».","vol":"1","page":16},{"text":"المطلب الرابع: قاعدة:\n«تفسير جمهور السلف مقدم على كل تفسير شاذّ».\nالمبحث الثالث: قواعد الترجيح المتعلقة بالقرائن:\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: قاعدة:\n«القول الذي تؤيده قرائن في السياق مرجّح على ما خالفه».\nالمطلب الثاني: قاعدة:\n«القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على ما عدم ذلك».\nالمطلب الثالث: قاعدة:\n«القول الذي يعظّم مقام النبوة ولا ينسب إليها ما لا يليق بها أولى بتفسيرالآية»، وقاعدة: «كل قول طعن في عصمة النبوة ومقام الرسالة فهو مردود».\n- الفصل الثالث: قواعد الترجيح المتعلقة بلغة العرب:\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: قواعد الترجيح المتعلقة باستعمال العرب للألفاظ والمباني.\nوفيه ثمانية عشر مطلبا:\nالمطلب الأول: قاعدة:\n«كل تفسير ليس مأخوذا من دلالة ألفاظ الآية وسياقها فهو ردّ على قائله».\nالمطلب الثاني: قاعدة:\n«ليس كل ما ثبت في اللغة صح حمل آيات التنزيل عليه».\nالمطلب الثالث: قاعدة:\n«يجب حمل كلام الله - تعالى - على المعروف من كلام العرب دون الشاذ والضعيف والمنكر».\nالمطلب الرابع: قاعدة:\n«يجب حمل نصوص الوحي على الحقيقة».","vol":"1","page":17},{"text":"المطلب الخامس: قاعدة:\n«إذا اختلفت الحقيقة الشرعية والحقيقة اللغوية في تفسير كلام الله - تعالى - قدمت الشرعية».\nالمطلب السادس: قاعدة:\n«إذا اختلفت الحقيقة العرفية والحقيقة اللغوية في تفسير كلام الله - تعالى - قدمت العرفية».\nالمطلب السابع: قاعدة:\n«القول بالاستقلال مقدم على القول بالإضمار».\nالمطلب الثامن: قاعدة:\n«القول بالترتيب مقدم على القول بالتقديم والتأخير».\nالمطلب التاسع: قاعدة:\n«لا ينبغي حمل الآية على القلب ولها بدونه وجه صحيح».\nالمطلب العاشر: قاعدة:\n«إذا دار الكلام بين التأسيس والتأكيد فحمله على التأسيس أولى».\nالمطلب الحادي عشر: قاعدة:\n«حمل ألفاظ الوحي على التباين أرجح من حملها على الترادف».\nالمطلب الثاني عشر: قاعدة:\n«إذا دار الكلام بين الزيادة والتأصيل فحمله على التأصيل أولى».\nالمطلب الثالث عشر: قاعدة:\n«إذا دار اللفظ بين أن يكون مشتركا أو مفردا، فإنه يحمل على إفراده».\nالمطلب الرابع عشر: قاعدة:\n«القول الذي يؤيده تصريف الكلمة وأصل اشتقاقها أولى بتفسيرالآية».\nالمطلب الخامس عشر: قاعدة:","vol":"1","page":18},{"text":"«يجب حمل نصوص الوحي على العموم ما لم يرد نص بالتخصيص».\nالمطلب السادس عشر: قاعدة:\n«العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب».\nالمطلب السابع عشر: قاعدة:\n«إذا دار اللفظ بين أن يكون مقيدا أو مطلقا فإنه يحمل على إطلاقه».\nالمطلب الثامن عشر: قاعدة:\n«الأصل في الأوامر أنها للوجوب، وفي النواهي أنها للتحريم».\nالمبحث الثاني: قواعد الترجيح المتعلقة بمرجع الضمير:\nوفيه خمسة مطالب:\nالمطلب الأول: قاعدة:\n«إذا أمكن حمل الضمير على غير الشأن فلا ينبغي الحمل عليه».\nالمطلب الثاني: قاعدة:\n«إعادة الضمير إلى مذكور أولى من إعادته إلى مقدّر».\nالمطلب الثالث: قاعدة:\n«إعادة الضمير إلى المحدث عنه أولى من إعادته إلى غيره».\nالمطلب الرابع: قاعدة:\n«توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد أولى من تفريقها».\nالمطلب الخامس: قاعدة:\n«الأصل إعادة الضمير إلى أقرب مذكور، ما لم يرد دليل بخلافه».\nالمبحث الثالث: قواعد الترجيح المتعلقة بالإعراب:\nوفيه مطلبان:\nالمطلب الأول: قاعدة:\n«يجب حمل كتاب الله على الأوجه الإعرابية اللائقة بالسياق والموافقة لأدلة","vol":"1","page":19},{"text":"الشرع».\nالمطلب الثاني: قاعدة:\n«يجب حمل كتاب الله على الأوجه الإعرابية القوية والمشهورة دون الضعيفة والشاذة».\n- الخاتمة: وفيها أهم النتائج.\n- الفهارس الفنية اللازمة للبحث.\nوفي الختام أشكر الله - تعالى - وأثني عليه الخير كله على ما منّ به عليّ، ويسّر وأعان على إتمام هذا الجهد، وسلك بي سبيل العلم، ثم أتقدم بالشكر والتقدير الجزيلين لفضيلة الشيخ مناع القطّان المشرف على هذه الرسالة على ما غمرني به من علم وفضل، ولين جانب وحسن توجيه، وبما فتح لي صدره وبيته، وبما صرف لي من ثمين وقته وسعة صدره، فجزاه الله عني خير الجزاء وجعل ذلك في ميزان حسناته، وأشكر كل من أبدى لي نصحا أو مساعدة برأي أو مشورة أو بتوجيه أو بإعانة فلهم مني جزيل الشكر والثناء، والدعاء لهم بأن ينفع الله بهم ويبارك في أعمارهم.\nكما أشكر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ممثلة في كلية أصول الدين.\nوأشكر وزارة المعارف ممثلة في كليتي المعلمين في جازان وفي الرياض اللتين يسرتا لي فرصة الالتحاق بالجامعة ومواصلة دراستي.\nوهذا جهد المقلّ فما كان فيه من صواب فمن الله وحده، وما كان فيه من خطأ وزلل فمن نفسي ومن الشيطان والله ورسوله منه بريئان، وأستغفر الله - تعالى - منه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\nالباحث","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>التمهيد وفيه ثلاثة مباحث:</span>\nالمبحث الأول: تعريفات أساسية.\n(١) تعريف التفسير، والمفّسّر.\n(٢) تعريف التعارض.\n(٣) تعريف الترجيح.\n(٤) تعريف القاعدة.\n(٥) تعريف المركب الإضافي «قواعد الترجيح».\nالمبحث الثاني: بيان متى يكون الترجيح.\nالمبحث الثالث: تنازع القواعد المثال الواحد.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>المبحث الأول:\nتعريفات أساسية</span>\n<span data-type='title' id=toc-5>(١) تعريف التفسير، والمفسر</span>.\n<span data-type='title' id=toc-6>التفسير في اللغة:</span>\nاختلف علماء العربية في أصل لفظ «التفسير». فقال جماعة، منهم الأزهري (^١)\nفي تهذيبه، وابن فارس (^٢) في مقاييسه وغيرهما: أن التفسير «تفعيل» من «الفسر» بمعنى الإبانة وكشف المراد عن اللفظ المشكل وإيضاحه (^٣). يقال فسر الشيء يفسره - بالكسر - ويفسره - بالضم - فسرا، وفسّره: أي أبانه (^٤).\nوالفسر: التفسير وهو: بيان وتفصيل للكتاب.\nوقال آخرون: هو مقلوب من «سفر» ومعناه أيضا الكشف، يقال سفرت المرأة سفورا، إذا ألقت خمارها عن وجهها، وهي سافرة، وأسفر الصبح، أضاء، وإنما بنوه على التفعيل؛ لأنه للتكثير، كقوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]، وقوله: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ﴾ [يوسف: ٢٣]، فكأنه يتبع سورة بعدسورة وآية بعد أخرى (^٥).\n_________\n(^١) هو: محمد بن أحمد بن الأزهر الهروي أبو منصور، أحد أئمة اللغة والأدب، اشتغل أولا بالفقه ثم غلب عليه التبحر في العربية فرحل في طلبها وتوسع فيها وألف كتابه العظيم تهذيب اللغة توفي سنة سبعين وثلاث مائة. الوفيات (١/ ٥٠١)، وسير أعلام النبلاء (١٦/ ٣١٥).\n(^٢) هو: أحمد بن فارس بن زكريا الرازي، من أئمة اللغة الأعلام، صاحب معجم مقاييس اللغة وله «جامع التأويل في التفسير» مفقود توفى سنة خمس وتسعين وثلاث مائه، انباه الرواة (١/ ١٢٧) والوفيات (١/ ٣٥).\n(^٣) تهذيب اللغة (١٢/ ٤٠٧) ومعجم مقاييس اللغة (٤/ ٥٠٤) مادة «فسر».\n(^٤) لسان العرب (٥/ ٥٥) مادة «فسر».\n(^٥) البرهان في علوم القرآن، للزركشي (٢/ ١٤٧).","vol":"1","page":23},{"text":"وقال الراغب الأصفهاني (^١): والفسر والسّفر يتقارب معناهما، كتقارب لفظيهما؛ لكن جعل الفسّر لإظهار المعنى المعقول …، وجعل السّفر لإبراز الأعيان للأبصار فقيل سفرت المرأة عن وجهها وأسفر الصبح (^٢). اهـ.\nوأيّا كان الأمر فأصل المادة يدور على معنى البيان والكشف والإيضاح.\n\n<span data-type='title' id=toc-7>التفسير اصطلاحا:</span>\nعرّف بتعريفات كثيرة، فعرفه أبو حيان (^٣) بقوله: التفسير علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها، وأحكامها الإفرادية، والتركيبية، ومعانيها التي تحمل عليها حال التركيب، وتتمات لذلك (^٤). اهـ ونقل هذا التعريف الألوسي (^٥)\nوتفسيره (^٦).\nثم شرح التعريف بقوله: قولنا علم: هو جنس يشمل سائر العلوم.\nوقولنا: يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن: هذا هو علم القراءات.\nوقولنا: ومدلولاتها: أي مدلولات تلك الألفاظ، وهذا علم اللغة الذي يحتاج إليه\n_________\n(^١) هو: الحسين بن محمد بن المفضل الراغب الأصفهاني، أبو القاسم، أديب لغوي، مفسر، من أهل أصبهان، من أشهر كتبه المفردات في غريب القرآن، وله كتاب في التفسير، طبعت مقدمته، توفى سنة ثنتين وخمسمائة. سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٢٠).\n(^٢) مقدمة جامع التفاسير للراغب ص ٤٧، وانظر المفردات ص ٤١٢ وص ٦٣٦.\n(^٣) هو: محمد بن يوسف بن علي بن حيان، الإمام أثير الدين أبو حيان، الأندلسي الغرناطي، نحوى عصره، ولغويه، ومفسره، ومحدثه، ومقرؤه، ومؤرخه، وأديبه، له يد طولى في التفسير واللغة، ومن أعظم تصانيفه البحر المحيط، مات سنة خمس وأربعين وسبعمائة. انظر طبقات المفسرين للداوودي (٢/ ٢٨٧).\n(^٤) البحر المحيط (١/ ٢٦).\n(^٥) هو: محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي، شهاب الدين، أبو الثناء، مفسر، محدث، أديب، من أهل بغداد، مولده ووفاته فيها تقلد الإفتاء في بلده، له مصنفات كثيرة أعظمها روح المعاني مات سنة سبعين ومائتين وألف، انظر الأعلام (٤/ ١٧٦).\n(^٦) روح المعاني (١/ ٤).","vol":"1","page":24},{"text":"في هذا العلم.\nوقولنا: وأحكامها الإفرادية والتركيبية: هذا يشمل علم التصريف، وعلم الإعراب، وعلم البيان، وعلم البديع.\nوقولنا: ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب: شمل ما دلالته عليه بالحقيقة، وما دلالته عليه بالمجاز، فإن التركيب قد يقتضي بظاهره شيئا، ويصد عن الحمل على الظاهر صاد، فيحتاج لأجل ذلك أن يحمل على غير الظاهر وهو المجاز.\nوقولنا: وتتمات لذلك: هو معرفة النسخ، وسبب النزول، وقصة توضح بعض ما انبهم في القرآن ونحو ذلك (^١).\nوعرفه الزركشي (^٢) بقوله: علم يعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيه محمد ﷺ، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه (^٣) اهـ.\nفعلى هذا التعريف يكون استمداد علم التفسير من علم اللغة، والنحو، والتصريف، وعلم البيان، وأصول الفقه، والقراءات، ويحتاج لمعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ.\nقال شيخنا الشيخ مناع القطان - ﵀ -: وتشترك التعريفات السابقة في أنها تناولت تفصيلات وأحكاما جزئية مما هو خارج عن الماهية، فليست حدا للتفسير، وغاية ما يقال فيها إنها تعاريف بالرسم، والأولى عندي أن يقال في تعريفه: بيان كلام الله المتعبد بتلاوته المنزل على محمد ﷺ.\n«فبيان كلام الله» هذا المركب الإضافي، يخرج بيان كلام غيره - تعالى - من الإنس والجن والملائكة.\n_________\n(^١) البحر المحيط (١/ ٢٦).\n(^٢) هو: محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي، بدر الدين أبو عبد الله، صاحب التصانيف، كان أصوليا أديبا، له البرهان في علوم القرآن والبحر المحيط في أصول الفقه وغيرها. توفي سنة أربع وتسعين وسبعمائة. انظر شذرات الذهب (٦/ ٣٣٥).\n(^٣) البرهان في علوم القرآن (١/ ١٣).","vol":"1","page":25},{"text":"«المتعبد بتلاوته» أخرج الحديث القدسي.\n«والمنزل» يخرج كلام الله الذي استأثر به - سبحانه -.\nوتقييد المنزل بكونه «على محمد ﷺ» يخرج به ما أنزل على الأنبياء قبله كالتوراة والإنجيل (^١) اهـ.\nوبنحو هذا التعريف عرّفه فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين - حفظه الله - فقال: بيان معاني القرآن الكريم (^٢) اهـ (**).\n(**) ومما يعبر به بعض المفسرين عن تفسيرالآية، لفظ «التأويل» كما يفعل ابن جرير الطبري - ﵀ - فيقول: القول في تأويل قول الله - تعالى - ..، أي القول في تفسير قوله - تعالي - .. والتأويل لغة، من الأول وهو الرجوع، فإرجاع اللفظ وتصييره إلى معنى من المعاني التي يحتملها يكون تأويلا، ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أي تكشف عاقبته، ويقال آل الأمر إلى كذا أي صار إليه، وقيل أصله من الإيالة وهي السياسة، فكأن المؤول للكلام يسوي الكلام ويضع المعنى في موضعه، معجم مقاييس اللغة (١/ ١٦٠)، لسان العرب (١١/ ٣٣ - ٣٤)، البرهان في علوم القرآن (٢/ ١٤٨).\nوللتأويل اصطلاحا عدة معاني:\nالأول: تفسير الكلام وبيان معناه.\nالثاني: أنه حقيقة الكلام وعين مقصوده، فتأويل الأمر هو الفعل المأمور به، فهذان المعنيان هما استعمال المتقدمين.\nوأما «التأويل» في عرف المتأخرين هو: صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به. وهذا المعنى الذي يتكلمون عليه في أصول الفقه ومسائل الخلاف في الصفات وغيرها، والمعنى الأول هو الذي بمعنى التفسير عند أهل التفسير، انظر مجموع فتاوى ابن تيمية (١٣/ ٢٨٨) وما بعدها.\nومن العلماء من فرّق بين التفسير والتأويل، وقد اختلفت أقوالهم في ذلك، جمع حامد أفندي العمادي، مفتي دمشق، المتوفى سنة ست وثلاثين ومائة وألف جملة منها في «رسالة التفصيل في الفرق بين التفسير والتأويل»، بلغت فيها الأقوال أكثر من أربعة عشر قولا. يقوم د. فهد الرومي بتحقيقها، وانظر جملة من هذه الأقوال في البرهان في علوم القرآن (٢/ ١٤٩)، والإتقان (٤/ ١٦٧).\n_________\n(^١) مذكرة مادة علوم القرآن للسنة المنهجية عام ١٤١١ هـ ص ٣٤ له.\n(^٢) أصول في التفسير ص ٢٧.","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8>تعريف المفسر:</span>\nكل أهل فن عرّفوا بمن اشتغل بفنهم، فالفقهاء عرّفوا بالفقيه، وكذا الأصوليون عرفوا بالأصولي، وهكذا.\nولم أر - على قصور منّي - من عرّف بالمفسر، ممن اشتغل بهذا الفن غير أنه يمكن استيحاء ذلك، من الضوابط العامة التي جعلت للمفسر، ومن تعريفات أصحاب الفنون لأصحابها (^١).\nفالمفسر هو: من له أهلية تامة يعرف بها مراد الله - تعالى - بكلامه المتعبد بتلاوته، قدر الطاقة، وراض نفسه على مناهج المفسرين، مع معرفته جملا كثيرة من تفسير كتاب الله، ومارس التفسير عمليا بتعليم أو تأليف.\nفقولي: «من له أهلية تامة ..» أدخل كل من استكمل المؤهلات التي تؤهله لتفسير كلام الله، وذلك بأن يكون عالما باللغة وما يندرج تحتها من شرح مفردات، وفهم تراكيب ودلالات الألفاظ، والنحو والتصريف، والاشتقاق، والبلاغة، وكذلك علم القراءات، وعلم أصول الفقه، والفقه، ومعرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وما يحتاج إليه من ذلك. وخرج بهذا القيد من لم يستكمل تلك العلوم.\nوقولي: «ومارس التفسير عمليا بتعليم أو تأليف» قيد أخرج من علم جملة من تفسير كتاب الله ولم يمارس تعليمه أو التأليف فيه، فإنه لا يكون مفسرا بمجرد العلم بجملة من التفسير، بل يكون بها وحدها وعاء ناقلا لتلك الجمل التي حفظها وعلمها. ووضعت هذا القيد ليدخل في مسمى «المفسّر» من عرف جملا من التفسير، ومارسه بالتعليم دون التأليف وهم كثير من علماء الأمة، فكثيرا ما يجد القارئ في كتب التراجم، وطبقات المفسرين من كان ينتصب لتدريس تفسير كتاب الله في المساجد والمدارس، ولم يعرف عنه أنه ألف في التفسير كتابا.\n***\n_________\n(^١) انظر شرح الكوكب المنير (١/ ٤٢) تعريف الفقه.","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9>(٢) تعريف التعارض:</span>\n«التعارض» في اللغة، مصدر تعارض، يقال عارض الشيء بالشيء معارضة قابله، وعارضت كتابي بكتابه أي قابلته، والشيء عرض عيني أي مقابلها، وعرض الشيء يعرض، واعترض: انتصب ومنع، وصار عارضا كالخشبة المنتصبة في النهر والطريق، ونحوها تمنع السالكين سلوكها .. وعرض لك الشيء من بعيد بدا وظهر … وعارضه في المسير أي سرت حياله وحاذيته (^١).\n«التعارض» في الاصطلاح: تقابل الحجتين المتساويتين في القوة على وجه يوجب كل منهما ضد ما توجبه الأخرى في محل واحد في وقت واحد (^٢).\nوهذا هو مفهوم التعارض عند الفقهاء والأصولين أنه تقابل حجتين أو دليلين، أما مفهوم «التعارض» في بحثي هذا فهو أوسع من مفهومه عندهم، وما ذاك إلا لأن موضوع «التعارض» عند الأصوليين هو الأدلة العقلية والشرعية، أما في موضوعي هذا فهو الأقوال المختلفة في التفسير، فالأصل فيه هو خلاف التضاد وأدخلت بعض صور خلاف التنوع من باب حمل الآية على أولى الوجوه وأوفقها للنص القرآني - على ما سيأتي بيانه إن شاء الله في المبحث الآتي - والتعامل مع أقوال العلماء يختلف عن التعامل مع نصوص الشريعة - كما هو معلوم -.\n\n<span data-type='title' id=toc-10>(٣) تعريف الترجيح:</span>\nالترجيح في اللغة:\nقال ابن فارس: الرء والجيم والحاء، أصل واحد يدلنا على رزانة وزيادة، يقال:\n_________\n(^١) لسان العرب مادة «عرض» (٧/ ١٦٧ - ١٦٨ - ١٦٩)، وانظر أيضا تهذيب اللغة (١/ ٤٥٤).\n(^٢) التيسير في قواعد علم التفسير ص ٢٢٨، وانظر تعريف التعارض في البحر المحيط للزركشي (٦/ ١٠٩) وشرح الكوكب المنير (٤/ ٦٠٥) والتعارض والترجيح للبرزنجي (١/ ٢٤ - ٤٢) والتعارض والترجيح للحفناوي ص ٣٩.","vol":"1","page":28},{"text":"رجح الشيء وهو راجح إذا رزن (^١). اهـ. وأرجح الميزان أي أثقله حتى مال (^٢) ..\nوفي اصطلاح الأصوليين: تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى لدليل (^٣).\nوعرّف بغير هذا (^٤).\nوفي موضوعي هذا: تقوية أحد الأقوال في تفسيرالآية لدليل أو قاعدة تقوية، أو لتضعيف أو ردّ ما سواه.\nفقولي: «لتضعيف أوردّ ما سواه» لأنه إذا ضعّف غيره من الأقوال صار ذلك حصرا للصواب فيه، وهذا من أوجه الترجيح.\nوسوف أعتمد ترجيحات أئمة التفسير الأعلام وأقوالهم في تقرير القواعد التي نصوا عليها، والترجيح بها في أمثلتها. ودراسة ومقارنة ترجيحاتهم فيما لم ينصوا عليه أو يذكروه، ثم الخلوص منها بقاعدة ترجيحية يصدق عليها مسمى القاعدة - بإذن الله -.\n\n<span data-type='title' id=toc-11>(٤) تعريف القاعدة:</span>\nالقاعدة لغة: [أصل الأسّ، وجمعها قواعد وهي الأساس، وقواعد البيت أساسه، وفي التنزيل ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧]. وفيه أيضا قوله تعالى: ﴿فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ﴾ [النحل: ٢٦].\nوالقواعد أساطين البناء التي تعمده، وقواعد الهودج: خشبات أربع معترضة في أسفله تركّب عيدان الهودج فيها. وقال أبو عبيد (^٥): القواعد هي أصولها المعترضة\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة (٢/ ٤٨٩).\n(^٢) لسان العرب (٢/ ٤٤٥) وانظر تهذيب اللغة (٤/ ١٤٢) مادة «رجح».\n(^٣) شرح الكوكب المنير (٤/ ٦١٦).\n(^٤) انظر أصول السرخسي (٢/ ٢٤٩) والمحصول (٢/ ٥٢٩/٢) والبحر المحيط للزركشي (٦/ ١٣٠) والتعارض والترجيح للبرزنجي (١/ ١١٦) والتعارض والترجيح للحفناوي ص ٢٧٩ وما بعدها.\n(^٥) هو: القاسم بن سلاّم الهروي الأزدي الخزاعي، من كبار العلماء بالحديث والأدب والفقه، تولى قضاء طرسوس ثماني عشرة سنة، له مصنفات كثيرة من أشهرها غريب الحديث، وغريب القرآن، توفي بمكة سنة أربع وعشرين ومائتين. انظر تذكرة الحفاظ (٢/ ٤١٧).","vol":"1","page":29},{"text":"في آفاق السماء، وأحسبها مشبهة بقواعد البيت وهي حيطانه، والواحد منها:\nقاعدة (^١). قال ذلك في بيانه لغريب قوله ﷺ حين سأل عن سحائب مرت فقال:\n«كيف ترون قواعدها وبواسقها» (^٢). وقال ابن الأثير (^٣): أراد بالقواعد ما اعترض منها وسفل تشبيها بقواعد البناء (^٤). اهـ.\nويقال للفسيلة إذا صار لها جذع: قد قعدت، وفي أرض فلان من القاعدة كذا وكذا أصلا] (^٥). وهذه أمور حسية، واستعملت أيضا في الأمور المعنوية ومن ذلك قواعد العلم.\nالقاعدة اصطلاحا: عرفت بتعاريف كثيرة.\nفقيل هي: الأمر الكلي الذي ينطبق على جزئيات كثيرة تفهم أحكامها منه (^٦).\nفقيل أمر كلي: ولم يقل أغلبي؛ لأن شأن القواعد أن تكون كلية (^٧). وإن الفرع أو الفروع المخرجة منها ليست داخلة فيها، إذ هي كلية بالنسبة إلى غير تلك الفروع المخرجة منها، فالدليل الذي أخرج هذا الفرع أو الفروع منها، خصصها بما وراءه من فروع (^٨).\n_________\n(^١) غريب الحديث لأبي عبيد (٣/ ١٠٤).\n(^٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره عند قوله: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) [الشعراء: ١٩٥] (٩/ ٢٨١٨) وانظر تفسير ابن كثير (٦/ ١٧٢).\n(^٣) هو: المبارك بن محمد الجزري مجد الدين أبو السعادات، صاحب جامع الأصول، والنهاية في غريب الحديث، وألف كتابا في التفسير سماه «الإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف» توفي سنة ست وستمائه. انظر سير أعلام النبلاء (٢١/ ٤٨٨).\n(^٤) النهاية في غريب الحديث (٤/ ٧٨).\n(^٥) لسان العرب (٣/ ٣٦١) وانظر تهذيب اللغة (١/ ٢٠٢) ومعجم مقاييس اللغة (٥/ ١٠٩) مادة «قعد».\n(^٦) شرح الكوكب المنير (١/ ٣٠).\n(^٧) ذكر هذا المعنى، الفتوحي في شرح الكوكب المنير (١/ ٤٥).\n(^٨) انظر كتاب القواعد لأبي بكر عبد المؤمن المعروف بالحصني (١/ ١٠) تحقيق عبد الرحمن الشعلان.\nرسالة ماجستير كلية الشريعة.","vol":"1","page":30},{"text":"قال الإمام الشاطبي (^١): وأيضا فالجزئيات المتخلفة قد يكون تخلفها لحكم خارجة عن مقتضى الكلي فلا تكون داخلة تحته أصلا (^٢). اهـ\nوعرفت القاعدة - أيضا - بأنها: حكم أغلبي ينطبق على معظم جزئياته (^٣).\nقيل حكم أغلبي؛ لأنها لا تنطبق على جميع الجزئيات في كل قاعدة، وإنما حكم أغلبي إذ إن كثيرا من القواعد تشذ عنها بعض المسائل، فتعد مستثناة منها، ولا يقدح ذلك في كونها قاعدة (^٤)، وبذلك صار الحكم أغلبيا.\nوفي نظري - والله أعلم - أن الخلاف بين الحدين خلاف صوري إذ كل منهما يقرر أن لكل قاعدة مستثنيات لا تدخل تحت حكم القاعدة.\nفمن جعل حكم القاعدة كليا، نظر إلى هذه الجزئيات المخرجة من القاعدة على أنها لا تدخل في حكم القاعدة أصلا. فجعل حكمها كليا باعتبار ما بقى تحت حكمها من جزئيات.\nومن جعل حكمها أغلبيا اعتبر هذه الجزئيات المخرجة على أنها غير داخلة تحت صورة القاعدة أصلا، وإنما أخرجت بدليل، فصار حكم القاعدة منتفيا عنها مع كونها كانت من جزئيات القاعدة، وبما أن هذه الجزئيات المخرجة قليلة بالنسبة لما يندرج تحت القاعدة من جزئيات صار حكم القاعدة أغلبيا.\nولعل التعريف الثاني - حكم أغلبي ينطبق على معظم الجزئيات - أقرب إلى الناحية الواقعية في الصورة المختلف عليها، وهي الجزئيات المستثناة، فهي في الأصل تدخل\n_________\n(^١) هو: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي، الشهير بالشاطبي، أصولي حافظ، صاحب التصانيف، من أشهر مؤلفاته الموافقات والاعتصام، والاتفاق في علم الاشتقاق، توفي سنة تسعين وسبعمائة، انظر درة الحجال، ذيل الوفيات (١/ ١٨٢) والأعلام (١/ ٧٥).\n(^٢) الموافقات (٢/ ٥٣).\n(^٣) المدخل الفقهي العام للزرقا (٢/ ٩٤٦).\n(^٤) انظر مجلة البحث العلمي والتراث الإسلامي أم القرى - العدد الخامس ١٤٠٢ - ١٤٠٣ ص ١٣ في بحث للدكتور وهبة الزحيلي.","vol":"1","page":31},{"text":"تحت القاعدة وإنما خرجت لاعتبار معين.\nفهذا تعريف القاعدة بمدلولها العام فتشمل كل ما يطلق عليه قاعدة في العلوم كافة كالقاعدة الأصولية «الأمر يقتضي الوجوب»، والقاعدة النحوية: «الفاعل مرفوع» والقاعدة الفقهية «لا ضرر ولا ضرار» والقاعدة الترجيحية «القول بالتأسيس مقدم على القول بالتأكيد»، وغيرها من القواعد.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-12>(٥) التعريف بالمركب الإضافي «قواعد الترجيح»:</span>\nلم أر أحدا سبق في دراسة هذا الموضوع دراسة مستقلة، وحدد معالمه، ووضع حدوده، فالذين كتبوا في علوم القرآن وأصول التفسير، لم يتعرضوا إلى هذا الموضوع؛ لذلك كانت هذه محاولة مني لتحديد معالم هذا العلم. فأقول وبالله التوفيق.\n\n<span data-type='title' id=toc-13>أولا: قواعد الترجيح عند المفسرين هي:</span>\nضوابط وقواعد أغلبية يتوصل بها إلى معرفة الراجح من الأقوال المختلفة في تفسير كتاب الله.\nقلت: «ضوابط وقواعد» باعتبار عدم التفريق بين القاعدة والضابط كما هو نهج بعض العلماء، وقد فرق بينهما آخرون (^١).\nوقلت: «أغلبية» باعتبار أن القاعدة أغلبية وقد سبق الإشارة إلى ذلك في تعريف القاعدة.\nوقولي: «يتوصل بها إلى معرفة الراجح» خرج به القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام وغيرها، فالترجيح لا استنباط فيه من الآية وإنما هو نظر في الأقوال\n_________\n(^١) عقد د. علي الندوي في رسالته القواعد الفقهية مبحثا في الفرق بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي وسرد مذاهب العلماء في ذلك فمنهم من فرق بينهما ومنهم من لم يفرق. انظر ص ٤٦ ولا يظهر في بحثي هذا الفرق بينهما على قول من فرق؛ لأن القواعد الترجيحية ترجح بين أقوال المفسرين في تفسير كتاب الله كاملا، ولا علاقة لنا هنا بأبواب أو فصول من العلم كما هو في الفقه، والله أعلم.","vol":"1","page":32},{"text":"المستنبطة من الآية، للترجيح بينها من خلال هذه القاعدة.\nقولي: «من الأقوال المختلفة» خرج به ما كان موضع وفاق بين العلماء، فلا، مجال للترجيح فيه، وهو ما يعرف بالإجماع.\nقولي: «في تفسير كتاب الله» خرج به الترجيح في غيره من العلوم، كالفقه والنحو وغيرها.\n\n<span data-type='title' id=toc-14>ثانيا: موضوع القواعد الترجيحية:</span>\nموضوعها أقوال المفسرين المختلفة في تفسير كتاب الله - تعالى -.\n\n<span data-type='title' id=toc-15>ثالثا: غايتها:</span>\nغاية العلم بقواعد الترجيح هي:\n* معرفة أصح الأقوال وأولاها بالقبول في تفسير كتاب الله، ومن ثم العمل بها اعتقادا إن كانت من آيات العقيدة، وعملا بالجوارح إن كانت من آيات الأحكام العملية، وسلوكا وأدبا إن كانت من آيات الأخلاق والآداب.\n* وتصفيه وتنقية كتب التفسير مما قد علق ببعضها، من أقوال شاذة أو ضعيفة، أو مدسوسة فيها لمذهب عقدي ونحو ذلك.\nرابعا: استمدادها من أصول الدين، ومن لغة العرب، وأصول الفقه، والقواعد الفقهية، وعلوم الحديث، وعلوم القرآن، واستقراء ترجيحات أئمة التفسير.","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type='title' id=toc-16>المبحث الثاني:\nبيان متى يكون الترجيح</span>\nإن طلب أصح الأوجه في تفسير كلام الله - تعالى - من أهم مقاصد طلب العلم وتحصيله، ودراسة التفسير خاصة، لذلك مما ينبغي العلم به، العلم بالتفسير الذي اتفق عليه العلماء، وأجمع عليه أهل الأمصار والأعصار، أو أهل عصر معين، كإجماع الصحابة، أو إجماع التابعين، أو من بعدهم. قال ابن قدامة (^١): ويجب على المجتهد في كل مسألة أن ينظر أول شيء إلى الإجماع فإن وجده لم يحتج إلى النظر في سواه (^٢). أهـ فهو أصح وأعلى أنواع التفسير فيجب المصير إليه، وحمل الآية عليه. كإجماعهم - عليهم رحمة الله - على تفسير اليقين في قوله تعالى:\n﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (٩٩) [الحجر: ٩٩] بأنه الموت (^٣). أو إجماعهم على تفسير المغضوب عليهم بأنهم اليهود، والضالين بأنهم النصارى (^٤)، في قوله تعالى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَ﴾ (٧) وكاتفاقهم على تفسير الأمر في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا﴾ (١) [الطلاق: ١] بأنها الرجعة (^٥)، أو كاتفاقهم على تفسير الأميين في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾\n_________\n(^١) هو عبد الله بن أحمد بن قدامة، شيخ الإسلام، موفق الدين، صاحب التصانيف، له المغني في فقه الحنابلة هو من أعظم كتبه وله الروضة في الأصول، وغيرها، كان إماما في الفقه والأصول والفرائض.\nوفيات الأعيان (٢/ ١٨٥).\n(^٢) روضة الناظر مع شرحها (٢/ ٤٥٦).\n(^٣) التفسير القيم ص ٩٤ قال ابن القيم: اليقين ههنا الموت بإجماع أهل التفسير. اهـ.\n(^٤) تفسير ابن أبي حاتم (١/ ٢٣ - ٢٤).\n(^٥) النكت والعيون (٦/ ٣٠) قال الماوردي: يعني الرجعه في قول جميع المفسرين إن طلق دون الثلاث. اهـ.","vol":"1","page":34},{"text":"[الجمعة: ٢]. بأنهم العرب (^١). ونحوها من الآيات التي اتفق السلف على تفسيرها (^٢).\nوذلك بتنصيص أحد الأئمة الأعلام وحكايته لهذا الإجماع، وعدم العلم بالمخالف، فهذا يدل على أن الأمة متفقة على تفسير هذه الآية وفهمها على هذا الوجه، إذ يستحيل أن تجهل الأمة - أو تعلم وتسكت - في عصور مختلفة تفسيرآيات من كتاب الله، وتفسرها بمعان هي خلاف الصواب، ولا تفسّر بغيرها من المعاني الصحيحة.\nوالكثرة الكاثرة من الآيات وقع الخلاف في تفسيرها، وهذا الخلاف لا يخلو من أحد أربعة أمور:\nإمّا أن تكون جميع الأقوال محتملة في الآية وبقوة الاحتمال نفسها أو قريبا منه، ومن نصوص القرآن والسنة ما يشهد لكل واحد منها.\nوإما أن تكون الأقوال متعارضة مع بعضها يتعذر حمل الآية عليها جميعا.\nوإما أن تكون الأقوال ليست متعارضة مع بعضها، وإنما يكون بعضها معارضا لدلالة آيات قرآنية، أو لنصوص صحيحة من السنة، أو لإجماع الأمة.\nوإما أن تكون الأقوال المختلفة في الآية ليس بينها تعارض - لا مع بعضها ولا مع آيات أو أحاديث أو إجماع - وهي محتملة، غير أن بعضها أولى من بعض، لاعتبارات سيأتي بسطها في ثنايا هذا البحث. وسوف أذكر - بمشيئة الله - لكل نوع من هذه الأنواع أمثلة، مراعيا فيها جانب الاختصار، مبينا بها المقصود.\nفأما النوع الأول من الخلاف وهو ما إذا كان جميع الأقوال محتملة في الآية ونصوص القرآن والسنة شاهدة لكل واحد منها، فكقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام: ٣] فللعلماء ثلاثة أوجه من\n_________\n(^١) أضواء البيان (١/ ١٤٧).\n(^٢) انظر جامع البيان (١/ ٢٦٨) تحقيق شاكر وتفسير ابن أبي حاتم (١/ ٣١) والنكت والعيون (٦/ ١٦٢) والمحرر الوجيز (٨/ ٤٨ - ٥٣)، (١٦/ ١٦١) والتفسير القيم ص ٣٨ - ١٦٨ - ٢١٣، والتحرير والتنوير (١/ ٢٥). والإجماع عند المفسرين للدكتور محمد الخضيري.","vol":"1","page":35},{"text":"التفسير، قال العلامة الشنقيطي (^١): وكل واحد منها له مصداق في كتاب الله - تعالى -.\nالأول: أن المعنى، وهو الله في السماوات وفي الأرض، أي وهو الإله المعبود في السماوات والأرض؛ لأنه - جل وعلا - هو المعبود وحده بحق في الأرض والسماء، وعلى هذا فجملة ﴿يَعْلَمُ﴾ حال، أو خبر، وهذا المعنى يبينه، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] أي وهو المعبود في السماء والأرض بحق، ولا عبرة بعبادة الكافرين غيره؛ لأنها وبال عليهم يخلدون بها في النار الخلود الأبدي، ومعبوداتهم ليست شركاء لله - ﷾ عن ذلك علوا كبيرا - ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ﴾ [النجم: ٢٣]، وقال: ﴿وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ (٦٦) [يونس: ٦٦].\nالوجه الثاني: أن قوله: ﴿فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] يتعلق بقوله:\n﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ أي وهو الله يعلم سركم في السماوات وفي الأرض ويبين هذا القول ويشهد له قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾\n[الفرقان: ٦].\nالوجه الثالث: أن الوقف تام على قوله: ﴿فِي السَّماواتِ،﴾ وقوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾ يتعلق بما بعده، أي يعلم سركم وجهركم في الأرض. ومعنى هذا القول: أنه - جل وعلا - مستو على عرشه فوق جميع خلقه، مع أنه يعلم سر أهل الأرض وجهرهم لا يخفى عليه شيء من ذلك، يبين هذا القول ويشهد له قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ﴾ (١٦)\n_________\n(^١) هو: العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي، بحر العلوم، درّس في المسجد النبوي، وكليتي الشريعة واللغة العربية، وغيرها، توفي سنة ثلاثة وتسعين وثلثمائة وألف. عن ترجمة تلميذه عطية محمد سالم في مقدمة الأضواء (١/ ٣).","vol":"1","page":36},{"text":"[الملك: ١٦]، وقوله: ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى﴾ (٥) [طه: ٥]، مع قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقوله: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنّا غائِبِينَ﴾ (٧) [الأعراف: ٧] انتهى كلامه (^١).\nوكالخلاف في لفظة ﴿ما﴾ في قوله تعالى: ﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾\n[الرعد: ٨]، فهي تحتمل أن تكون موصولة والعائد محذوف، أي يعلم الذي تحمله كل أنثى، وعلى هذا فالمعنى: يعلم ما تحمله من ولد على أي حال هو من ذكورة وأنوثة، وخداج، وحسن، وقبح … وغير ذلك من الأحوال، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ﴾ [لقمان: ٨]؛ لأن ﴿ما﴾ فيه موصولة بلا نزاع، وقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾\n[آل عمران: ٦].\nوتحتمل أن تكون - ﴿ما﴾ - مصدرية، أي يعلم حمل كل أنثى، بالمعنى المصدري، وقد جاءت آيات تدل على هذا المعنى كقوله تعالى: ﴿وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١]، وقوله تعالى: ﴿* إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ﴾\n[فصلت: ٤٧] (^٢).\nفمثل هذا الخلاف محتمل، وكل الأقوال فيه حق، ولا يدخله ترجيح لكون الأقوال صحيحة، وجميعها مراد من الآية، والقرآن يشهد لكل واحد منها؟ فلذلك هو خارج عن موضوع بحثي، إذ يستقيم حمل الآية على كل قول منها، وليس بعضها أولى من بعض.\n_________\n(^١) أضواء البيان (٢/ ١٨١ - ١٨٢).\n(^٢) هذا المثال بلفظه من كلام الشنقيطي في أضواء البيان (٣/ ٨٠ - ٨١).","vol":"1","page":37},{"text":"أما الأنواع الثلاثة الباقية فهي موضوع بحثي، وكل عملي في هذا البحث منصبّ عليها، وأكثره على النوع الثالث منها.\nأما النوع الأول من هذه الأنواع الثلاثة فهو ما إذا كانت الأقوال متعارضة يتعذر حمل الآية عليها جميعا، فلا بد أن يكون المراد أحدها، وغالب ذلك في المشترك، والمتواطئ المراد به أحد النوعين. إذ اتفق أهل الأصول على عدم جواز استعمال اللفظ المشترك في معنييه أو معانيه من متكلم واحد في وقت واحد، إذا امتنع الجمع بين مدلوليه أو مدلولاته (^١).\nمثل «القرء» فإنه يراد به «الحيض» ويراد به «الطهر» ولا يمكن أن يكون المراد الاعتداد بهما معا في آن واحد.\nقال الماوردي (^٢) في مقدمة تفسيره: الضرب الثاني: أن يتفق أصل الحقيقة فيهما فيكونا مستعملين في اللغة على سواء أو في الشرع أو في العرف، فهذا على ضربين:\nأحدهما: أن يتنافى اجتماعهما ولا يمكن استعمالهما، في الأحكام الشرعية مثل «القرء» الذي هو حقيقة في الطهر وحقيقة في الحيض، ولا يجوز للمجتهد أن يجمع بينهما، لتنافيهما، وعليه أن يجتهد رأيه في المراد منهما بالأمارات الدالة عليه (^٣) … اهـ.\n_________\n(^١) انظر الإحكام للآمدي (٢/ ٢٦١) وشرح تنقيح الفصول ص ١٤٤ - ١١٥ والتمهيد للأسنوى ص ١٧٣ وشرح الكوكب المنير (١/ ١٤٠) ومختصر من قواعد العلائي (١/ ١٢٥ - ٣٨٧) وإرشاد الفحول ص ٤٨.\n(^٢) هو علي بن محمد بن حبيب الماوردي القاضي أبو الحسن، من فقهاء الشافعية، له تصانيف كثيرة، في أصول الفقه وفروعه، والتفسير وغيرها، مات سنة خمسين وأربعمائة. سير أعلام النبلاء (١٨/ ٦٤) وطبقات المفسرين (١/ ٤٢٧).\n(^٣) النكت والعيون (١/ ٣٩).","vol":"1","page":38},{"text":"وأما إذا لم يمتنع الجمع بين مدلولي المشترك، فهل يجوز استعماله فيهما؟ فيه مذهبان:\nالأول: أنه يصح إطلاق المشترك المفرد في معنييه أو معانيه معا في وقت واحد من متكلم واحد، ونسبه الشوكاني (^١) إلى جمهور العلماء (^٢)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣). قال - ﵀ -: ومن التنازع الموجود عنهم ما يكون اللفظ فيه محتملا للأمرين.\nإما لكونه مشتركا في اللفظ كلفظ «قسورة» الذي يراد به الرامي ويراد به الأسد.\nولفظ «عسعس» الذي يراد به إقبال الليل وإدباره.\nوإما لكونه متواطئا في الأصل؛ لكن المراد به أحد النوعين أو أحد الشيئين كالضمائر في قوله: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ (٨) [النجم: ٨] وكلفظ ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ (٣) [الفجر: ١ - ٣] وما أشبه ذلك، فمثل هذا قد يجوز أن يراد به كل المعاني التي قالها السلف، وقد لا يجوز ذلك. فالأول إما لكون الآية نزلت مرتين فأريد بها هذا تارة وهذا تارة، وإما لكون اللفظ المشترك يجوز أن يراد به معنياه، إذ قد جوز ذلك أكثر الفقهاء: المالكية، والشافعية، والحنبلية، وكثير من أهل الكلام (^٤) … اهـ.\nالمذهب الثاني: أنه لا يجوز أن يحمل المشترك على معنييه أو معانيه في وقت واحد\n_________\n(^١) هو محمد بن علي الشوكاني، الفقيه الأصولي المفسر، صاحب التصانيف، من علماء اليمن، تولى قضاء صنعاء، وكان نابذا للتقليد داعيا للاجتهاد توفى سنة خمسين ومائتين وألف. الأعلام (٦/ ٢٩٨).\n(^٢) إرشاد الفحول ص ٤٨.\n(^٣) هو أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني الدمشقي، أبو العباس، ناصر السنة وقامع البدعة، أفتى ودرّس وصنف وهو دون العشرين، مات سجينا في قلعة دمشق سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، انظر البداية والنهاية (١٤/ ١٤١).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٤١) وهو ترجيح الشنقيطي في أضواء البيان (٢/ ١٥) و(٦/ ٨١).","vol":"1","page":39},{"text":"من متكلم واحد. وهو اختيار الرازي (^١) في المحصول (^٢). وانتصر لهذا المذهب العلامة ابن القيم (^٣) فقال: إن الأكثرين لا يجوزون استعمال المشترك في معنييه، لا بطريق الحقيقة، ولا بطريق المجاز، وما حكي عن الشافعي (^٤) من تجويزه ذلك فليس بصحيح عنه، وإنما أخذ من قوله: «إذا أوصى لمواليه، وله موال من فوق ومن أسفل تناول جميعهم». فظن من ظن أن لفظ الموالي مشترك بينهما، وأنه عند التجرد يحمل عليهما، وهذا ليس بصحيح. فإن لفظ المولى من الألفاظ المتواطئة، فالشافعي - في ظاهر مذهبه - وأحمد (^٥) يقولان بدخول نوعي الموالي في هذا اللفظ وهو عنده عام متواطئ لا مشترك (^٦). اهـ. والذي يدخل معنا في هذا النوع هو المشترك الذي يمتنع الجمع بين مدلوليه أو مدلولاته، فلا يجوز أن يحمل على معنييه أو معانيه، بحيث\n_________\n(^١) هو محمد بن عمر بن الحسين الرازي، فخر الدين، الشهير بابن خطيب الريّ، المفسر، الأصولي، المتكلم، صاحب التصانيف، من منظري مذهب الأشاعرة، توفي سنة ست وستمائة. انظر طبقات الشافعية (٨/ ١٨) وطبقات المفسرين (٢/ ٢١٣).\n(^٢) المحصول في علم أصول الفقه (١/ ٣٧٣)، وانظر تفسيره (١٠/ ٢١).\n(^٣) هو: محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي، الشهير بابن قيم الجوزية، أبو عبد الله، إمام من أئمة الإسلام الأعلام، تتلمذ على شيخ الإسلام ابن تيمية، وحمل علمه، وسجن معه في قلعة دمشق، صاحب التصانيف، توفي سنة إحدى وخمسين وسبعمائة. شذرات الذهب (٦/ ١٦٨).\n(^٤) هو: محمد بن إدريس بن العباس الهاشمي أبو عبد الله، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، إمام في الفقه واللغة والقراءات وأول من صنف في أصول الفقه، أفتى وهو ابن عشرين، له تصانيف كثيرة أشهرها الأم والرسالة، توفي بمصر سنة أربع ومائتين. تذكرة الحفاظ (١/ ٣٢٩).\n(^٥) هو: إمام أهل السنة أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، أبو عبد الله، أحد الأئمة الأربعة: نشأ محبا للعلم منكبا عليه، ورحل في طلبه إلى الكوفة والبصرة ومكة واليمن والمغرب وغيرها، سجن وعذب في محنة القول بخلق القرآن فنصر الله به السنة وثبته عليها، له مصنفات منها المسند، وله كتاب في التفسير مفقود. مات سنة ٢٤١. سير أعلام النبلاء (١١/ ١٧٧).\n(^٦) جلاء الأفهام ص ١٢٤، وانظر المسألة في نهاية السول (٢/ ١٢٣)، والبحر المحيط للزركشي (٢/ ١٢٨)، وما بعدها، والبرهان له (٢/ ١٦٧)، وتفسير النصوص (٢/ ١٤١) وما بعدها.","vol":"1","page":40},{"text":"تكون مرادة جميعا معا في الآية:\nأما الذي لا يمتنع الجمع بين مدلوليه فهذا الأمر فيه أوسع، ولا يظهر تعارض بين الأقوال إذا قيل بجميع معانيه في الآية.\nومثل المتواطئ المراد به أحد النوعين أو أحد الشيئين كالضمائر في قوله تعالى:\n﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى﴾ (٩) [النجم: ٨ - ٩]، فقد اختلف المفسرون في المراد بالمقترب الداني الذي صار بينه وبين محمد - ﷺ - قاب قوسين أو أدنى.\nفقالت عائشة (^١) وابن مسعود (^٢) وأبو ذر (^٣) وأبو هريرة (^٤) - ﵃:\nإنه جبريل - ﵇.\nوصح عن ابن عباس (^٥) - ﵄ - أنه قال: رأى محمد ربه بفؤاده مرتين. اهـ فجعل هذه إحداهما (^٦).\n_________\n(^١) هي: أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، أفقه نساء المسلمين وأعلمهن بالدين، بنى بها النبي ﷺ في السنة الثانية من الهجرة، توفيت في سنة ثمان وخمسين. سير أعلام النبلاء (٢/ ١٣٥).\n(^٢) هو: عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، فقيه الأمة، من السابقين الأولين إلى الإسلام، هاجر الهجرتين وشهد بدرا، توفي سنة اثنتين وثلاثين ودفن بالبقيع. انظر سير أعلام النبلاء (٣/ ٣٣١).\n(^٣) هو: جندب بن جنادة بن سفيان من بني غفار، من كنانة، مختلف في اسمه واسم أبيه، من كبار الصحابة، ومات بالربذة من قرى المدينة، كان لا يدخر من المال قليلا ولا كثيرا، مات سنة اثنتين وثلاثين وقيل غير ذلك. انظر الإصابة (٧/ ١٠).\n(^٤) هو: الإمام الفقيه الحافظ، صاحب رسول الله ﷺ، اختلف في اسمه واسم أبيه، على أقوال، أرجحها عبد الرحمن بن صخر الدوسي اليماني، قدم المدينة سنة سبع للهجرة ولازم النبي ﷺ حتى مات، توفي سنة تسع وخمسين وقيل غير ذلك. انظر سير أعلام النبلاء (٢/ ٥٧٨) والإصابة (٧/ ١٩٩).\n(^٥) هو: عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي القرشي البحر، حبر الأمة وترجمان القرآن، فقيه عصره، إمام التفسير صحب النبي ﷺ نحوا من ثلاثين شهرا، توفي سنة ثمان أو سبع وستين. انظر سير أعلام النبلاء (٣/ ٣٣١).\n(^٦) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب معنى قوله: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) [النجم: ١٣] حديث (١٧٦). وانظر تفسير ابن كثير (٧/ ٤٢٢) والتفسير القيم ص ٤٥٢.","vol":"1","page":41},{"text":"وقد يكون هذا النوع في غير المشترك والمتواطئ مثل الخلاف في تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. فقال بعض المفسرين:\nهو ولي البكر. وقال آخرون: هو الزوج (^١).\nوأمّا مثال النوع الثاني من هذه الأنواع الثلاثة، وهو ما إذا كانت الأقوال غير متعارضة، وإنما يكون بعضها معارضا لآيات قرآنية، أو لنصوص صحيحة من السنة، أو لإجماع الأمة، فمثل هذه الأقوال يجب إطراحها، وسقوط حكمها.\nقال الماوردي: الضرب الثاني: أن يترجح أحدهما -[أي أحد القولين]- على الآخر بدليل، وهو على ضربين:\nأحدهما: أن يكون دليلا على بطلان أحد المعنيين، فيسقط حكمه، ويصير المعنى الآخر هو المراد، وحكمه هو الثابت. اهـ (^٢)، وذلك كقول سعيد بن المسيب (^٣): ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل، ولكن حواء سقته الخمر، حتى إذا سكر قادته إليها فأكل (^٤). اهـ. فمثل هذا القول معارض لصريح القرآن في وصف خمر الجنة، أنه لا يغتال العقول فيذهب بها، أو يغيّرها كما قال تعالى: ﴿لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ (٤٧) [الصافات: ٤٧].\nقال أبو حبان: وما أظنه يصح عنه -[أي عن ابن المسيب]-؛ لأن خمر الجنة كما ذكر الله تعالى: ﴿لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ (٤٧) اهـ (^٥).\n_________\n(^١) انظر جامع البيان (٢/ ٥٤٢ - ٥٤٩)، وانظر أصول في التفسير لابن عثيمين ص ٣٣ - ٣٤.\n(^٢) النكت والعيون (١/ ٤٠).\n(^٣) هو: سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي عالم أهل المدينة، وسيد التابعين في زمانه، رأى عمر وسمع عثمان وعليا وزيد بن ثابت وغيرهم. مات سنة أربع وتسعين، وقيل غير ذلك. انظر سير أعلام النبلاء (٤/ ٢١٧).\n(^٤) أخرجه الطبري بسنده عنه في جامع البيان (١/ ٢٣٧)، وذكره ابن عطية في تفسيره (١/ ١٨٨) وغيرهما.\n(^٥) البحر المحيط (١/ ٢٦١).","vol":"1","page":42},{"text":"وقال ابن قتيبة (^١): تبيّن قوله في وصف خمر أهل الجنة: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ﴾ (١٩) [الواقعة: ١٩]، كيف نفى عنها بهذين اللفظين جميع عيوب الخمر، وجمع بقولها ﴿وَلا يُنْزِفُونَ﴾ (١٩) عدم العقل وذهاب المال ونفاد الشراب. أهـ (^٢).\nوكقول مقاتل بن سليمان (^٣): إن الله - تعالى - إنما أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يخلقه (^٤). اهـ فمثل هذا القول معارض لصريح قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿(٢٨) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ (٢٩) [الحجر: ٢٨ - ٢٩].\nوقال قوم: «سجود الملائكة كان مرتين»، قال ابن عطية: والإجماع يرد هذا. اهـ (^٥).\nومثله في مخالفة إجماع الأمة من ادعى جواز نكاح تسع نسوة حرائر استدلالا بقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾\n[النساء: ٣] (^٦).\nومن أمثلة الأقوال المخالفة للسنة، قول محمد بن كعب القرظي في قول الله تعالى: ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ [مريم: ٢٨]: هي أخت هارون لأبيه وأمه، وهي أخت موسى أخي هارون التي قصّت أثر موسى فبصرت به عن جنب وهم لا\n_________\n(^١) هو: عبد الله بن مسلم بن قتيبة أبو محمد الدّنيوريّ، النحوي اللغوي، صاحب التصانيف، توفي سنة ست وسبعين ومائتين، انظر إنباه الرواة (٢/ ١٤٣) وطبقات المفسرين (١/ ٢١٥).\n(^٢) تأويل مشكل القرآن ص ٧.\n(^٣) مقاتل بن سليمان بن كثير الأزدي البلخي، المفسر، كذّبوه، وهجروه، ورمي بالتجسيم، مع أنه من أوعية العلم بحر في التفسير، مات سنة خمسين ومائة. طبقات المفسرين (٢/ ٣٣٠).\n(^٤) المحرر الوجيز (١/ ١٧٨) قال ابن عطية: قال النقاش -[معلقا على هذا القول]- والقرآن يرد على هذا القول. اهـ.\n(^٥) المحرر الوجيز (١/ ١٧٨).\n(^٦) انظر الموافقات (٣/ ٣٩٢)، والاعتصام (٢/ ٣٠٢).","vol":"1","page":43},{"text":"يشعرون. اهـ (^١).\nوهذا القول مخالف لحديث المغيرة بن شعبة (^٢) - ﵁ - قال: لما قدمت نجران سألوني فقالوا: إنكم تقرءون «يأخت هارون» وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، فلما قدمت على رسول الله ﷺ سألته عن ذلك فقال: «إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم» (^٣).\nومخالف لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي ﷺ قال: «أنا أولى الناس بابن مريم، الأنبياء أولاد علات، وليس بيني وبينه نبي» (^٤).\nوردّ هذا القول بمضمون هذه القاعدة الحافظ ابن كثير (^٥)، والعلامة الشنقيطي (^٦)، وغيرهما.\nوأما أمثلة النوع الثالث وهو ما إذا كانت الأقوال المختلفة في الآية محتملة وليس بينها تعارض، غير أن بعضها أولى من بعض؛ لكون القرآن ودلالة ألفاظه تشهد لقول دون غيره، أو السنة تشهد لأحدها، أو لغة العرب، أو قرائن في السياق، أو أسباب أخر تقضي بتقديم أحد الأقوال، وهذا ما يسمى تقديم الأولى.\n_________\n(^١) رواه عنه ابن أبي حاتم بسنده في تفسيرالآية. بواسطة نقل ابن كثير في تفسيره (٥/ ٢٢١)، وذكر هذا القول البغوي في تفسيره (٥/ ٢٢٩) منسوبا إلى الكلبي.\n(^٢) هو: المغيرة بن شعبة بن أبي عامر الثقفي، أبو عيسى أو أبو محمد، أسلم قبل الحديبية وشهدها وبيعة الرضوان، من كبار الصحابة أولي الشجاعة والمكيدة، وذهبت عينه يوم اليرموك، توفي سنة خمسين، وقيل غير ذلك. سير أعلام النبلاء (٣/ ٢١)، والإصابة (٦/ ١٣١).\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب، حديث رقم (٩).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا (١٦) [مريم: ١٦] انظر الصحيح مع الفتح (٦/ ٥٥٠). ومسلم، كتاب الفضائل، حديث رقم (١٤٣)، وأولاد العلات هم: الأخوة لأب من أمهات شتى.\n(^٥) انظر تفسير القرآن العظيم (٥/ ٢٢١ - ٢٢٣).\n(^٦) انظر أضواء البيان (٤/ ٢٧١ - ٢٧٢).","vol":"1","page":44},{"text":"وأمثلته أكثر من أن تحصى وفي ثنايا هذا الكتاب جملة وافرة منها:\nقال العز بن عبد السلام (^١): وأولى الأقوال ما دل عليه الكتب في موضع آخر أو السنة أو إجماع الأمة أو سياق الكلام، وإذا احتمل الكلام معنيين وكان حمله على أحدهما أوضح وأشد موافقة للسياق كان الحمل عليه أولي. اهـ (^٢) وقد اعتمد ذلك جلّ علماء التفسير فمثلا هذا ابن كثير (^٣) كثيرا ما يقول، وكلا القولين معنى حسن ولكن الأول أولى (^٤) وذاك إمامهم ابن جرير الطبري (^٥) لا يكاد يخلو تفسيرآية من قوله: وأولى الأقوال عندي بتفسيرالآية كذا وكذا.\nوهذا النوع يكون في بعض اختلاف التنوع الذي أثر عن السلف، ولا يلزم من تقديم قول أن يطرح ما سواه، بل هذا من باب تقديم الأولى، وإن كانت بقية الأقوال لها وجه في الآية.\nقال الماوردي: الضرب الثاني: أن يترجح أحدهما على الآخر بدليل وهو على ضربين:\nوالضرب الثاني: أن يكون دليلا على صحة أحد المعنيين فيثبت حكمه ويكون\n_________\n(^١) هو: عبد العزيز بن عبد السلام السّلمي الشافعي، الملقب بسلطان العلماء، فقيه أصولي مفسر صاحب التصانيف، له قدم صدق في إنكار المنكر على العامة والسلاطين، توفي سنة ستين وستمائة.\nانظر فوات الوفيات (٢/ ٣٥٠) وطبقات المفسرين (١/ ٣١٥).\n(^٢) الإشارة إلى الإيجاز ص ٢٢٠.\n(^٣) هو: إسماعيل بن عمر بن كثير، الإمام الحافظ المحدث الفقيه المفسر المؤرخ، صاحب التصانيف، تتلمذ على المزي وصاهره وأخذ عنه، وله خصوصية بشيخ الإسلام ابن تيمية. توفي سنة أربع وسبعين وسبعمائة. الدرر الكامنة (١/ ٣٩٩) وطبقات المفسرين (١/ ١١١).\n(^٤) تفسير ابن كثير (٨/ ٢٨٣) وانظر فتح القدير (٢/ ٢٧٤).\n(^٥) هو: محمد بن جرير بن يزيد الطبري، أبو جعفر، إمام المفسرين صدقا وعدلا، الإمام الحافظ المجتهد، الفقيه المحدث اللغوي، صاحب التصانيف، كان من أئمة الاجتهاد يحكم بقوله ويرجع إلى رأية، توفي سنة عشر وثلثمائة. سير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٦٧).","vol":"1","page":45},{"text":"مرادا، ولا يقتضي سقوط المعنى الآخر، ويجوز أن يكون مرادا، وإن لم يكن عليه دليل؛ لأن موجب لفظه دليل، فاستويا في حكم اللفظ، وإن ترجّح أحدهما بدليل، فصارا مرادين معا.\nوذهب بعض أهل العلم إلى أن المعنى الذي يرجّح بدليل أثبت حكما من المعنى الذي تجرد عنه لقوته بالدليل الذي ترجح به، فهذا أصل يعتبر من وجوه التفسير، ليكون ما احتملته ألفاظ القرآن من اختلاف المعاني محمولا عليه، فيعلم ما يؤخذ به ويعدل عنه. اهـ (^١).\nوقال العز بن عبد السلام: وعلى الجملة فالقاعدة في ذلك أن يحمل القرآن على أصح المعاني وأفصح الأقوال، فلا يحمل على معنى ضعيف ولا لفظ ركيك … اهـ (^٢).\nوقال ابن القيم: … للقرآن عرف خاص، ومعان معهودة لا يناسبه تفسيره بغيرها، ولا يجوز تفسيره بغير عرفه، والمعهود من معانية، فإنّ نسبة معانية إلى المعاني كنسبة ألفاظه إلى الألفاظ، بل أعظم، فكما أن ألفاظه ملوك الألفاظ وأجلها وأفصحها، ولها من الفصاحة أعلى مراتبها التي يعجز عنها قدر العالمين، فكذلك معانية أجل المعاني وأعظمها وأفخمها، فلا يجوز تفسيره بغيرها من المعاني التي لا تليق به، بل غيرها أعظم منها وأجل وأفخم، فلا يجوز حمله على المعاني القاصرة … فتدبر هذه القاعدة ولتكن منك على بال، فإنك تنتفع بها في معرفة ضعف كثير من أقوال المفسرين وزيفها، وتقطع أنها ليست مراد المتكلم تعالى بكلامه. اهـ (^٣).\nوجماع القول في ذلك أن تفسيرالآية بما هو راجح أمر لازم حتما، ولا يسع أحدا أن يعدل عن تفسيرالآية بالراجح إلى المرجوح، كما قرر أصل المسألة علماء\n_________\n(^١) النكت والعيون (١/ ٤٠).\n(^٢) الإشارة إلى الإيجاز ص ٢٢٠.\n(^٣) بدائع الفوائد (٣/ ٢٧) وانظر التفسير القيم ص ٢٦٩.","vol":"1","page":46},{"text":"الأصول بتقريرهم وجوب العمل بالراجح، وحكوا إجماع الصحابة على ذلك (^١).\nوقال الإمام الطبري: وكتاب الله - ﷿ - لا توجّه معانيه، وما فيه من البيان إلى الشواذ من الكلام والمعاني، وله في الفصيح من المنطق والظاهر من المعاني المفهوم، وجه صحيح موجود (^٢). اهـ وحكاية الخلاف وذكر الأقوال في تفسيرالآية دون تنبيه على الراجح منها يضيع الحق، ويظهر النقص (^٣) على حاكيه. إذا تقرر ذلك كله، فليعلم أن قواعد الترجيح في هذا الكتاب تشمل الآتي:\n* القواعد التي ترجح بعض الأقوال في تفسيرالآية. وإن لم تتعرض إلى ما سوى الراجح بتضعيف أو إبطال، وصلة هذا النوع بمسمى «قواعد الترجيح» ظاهرة، وهي أكثر القواعد المذكورة في هذا الكتاب.\n* وتشمل أيضا القواعد التي تضعّف بعض الأقوال أو تبطلها، وإن لم تتعرض إلى ما سواها بترجيح، كقاعدة «كل تفسير خالف القرآن أو السنة أو إجماع الأمة فهو ردّ» وكقاعدة «لا يصح حمل الآية على تفسيرات وتفصيلات - لأمور مغيبة - لا دليل عليها من القرآن أو السنة» ووجه صلة هذا النوع بمسمى «قواعد الترجيح»، هو أنها تحصر الصواب والراجح فيما عدا الوجه أو الأوجه التي ضعّفتها أو أبطلتها، وهذا معروف عند المفسرين، وقد استعملوه في الترجيح كثيرا.\nومثال ذلك قول ابن جرير الطبري - بعد أن برهن على بطلان بعض الأوجه في التفسير -: وإذا فسد هذان الوجهان، صح الثالث وهو ما قلنا (^٤). اهـ.\n_________\n(^١) انظر المحصول (٢/ ٥٢٩/٢) والروضة مع شرحها (٢/ ٤٥٩) والبحر المحيط للزركشي (٦/ ١٣٠) وشرح الكوكب (٤/ ٦١٩) وإرشاد الفحول ص ٤٦٠.\n(^٢) جامع البيان (٧/ ١٠٠) ط: شاكر.\n(^٣) انظر إيثار الحق ص ١٤٩ ومجموع فتاوى ابن تيمية (١٣/ ٣٦٨).\n(^٤) جامع البيان (١٧/ ٨٠) وانظر نحو ذلك فيه أيضا (١/ ٥٠٠) ط: شاكر، و(١٤/ ١٢٩) (١٥/ ١٠٦) و(٢٦/ ١٨) ط: الفكر.","vol":"1","page":47},{"text":"قال ابن عبد البر مؤصلا هذا النوع من الترجيح: لا خلاف بين أهل العلم والنظر أن المسألة إذا كان فيها وجهان فقام الدليل على بطلان الوجه الواحد منهما أن الحق في الوجه الآخر، وأنه مستغن عن قيام الدليل على صحته بقيام الدليل على بطلان ضده. اهـ (^١).\n* وتشمل أيضا قواعد عامة تضبط النظر في الأقوال المختلفة في تفسيرالآية، كقاعدة «ليس كل ما ثبت في اللغة صح حمل آيات التنزيل عليه» فقواعد هذا الكتاب بمجموعها، منها ما يشير إلى الرجحان، ومنها ما يشير إلى البطلان، ومنها ما يشير إلى تضعيف بعض الأقوال، ومنها ضوابط عامة، للنظر في الأقوال المختلفة، للترجيح بينها.\n***\n_________\n(^١) التمهيد (٢٠/ ١٩٩ - ٢٠٠).","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type='title' id=toc-17>المبحث الثالث:\nتنازع القواعد المثال الواحد</span>\nهذا المبحث من المباحث المهمة جدا في الترجيح، إذ لا يكفي فقط العلم بالقاعدة الترجيحية، بل لا بد من العلم بعدم منازعة غيرها لها في ترجيح أحد الأقوال.\nوقبل الشروع في المقصد لا بد من تحرير مسألة اجتماع أكثر من قاعدة ترجيحية في مثال واحد، فالأمر لا يخلو من حالتين:\nإما أن تكون هذه القواعد مجتمعة بعضها يؤيد بعضا في ترجيح قول واحد.\nوإما أن يكون بعضها يرجح قولا وأخرى ترجح آخر.\nفأما الأولى فهي من تعاضد القواعد وتقوية بعضها بعضا، فهي تزيد الترجيح قوة إلى قوة والأمثلة على ذلك كثيرة في ثنايا هذا الكتاب.\nوأما الأخرى فهي المقصودة في هذا المبحث، وهي التي سيجري الكلام عليها في خطوط عامة تنسج ترتيبها عند تنازعها، دون تفصيل وإطناب لا سيما في الأمثلة؛ لأنها سوف تأتي في مواضعها في ثنايا الكتاب. وتعارض وجوه الترجيح قد تكلم عليه الأصوليون، وقرروا ضابطا عاما في تقديم بعضها على بعض وهو تقديم ما قوي فيه الظن.\nقال الزركشي: واعلم أن التراجيح كثيرة، ومناطها ما كان إفادته للظن أكثر فهو الأرجح، وقد تتعارض هذه المرجحات، كما في كثرة الرواة وقوة العدالة وغيره، فيعتمد المجتهد في ذلك ما غلب على ظنه. اهـ (^١).\nوقال الشنقيطي: والمرجحات يرجح بعضها على بعض، وضابط ذلك عند الأصوليين هو قوة الظن. اهـ (^٢).\n_________\n(^١) البحر المحيط (٦/ ١٥٩)، وانظر كشف الأسرار عن أصول البزدوي (٤/ ١٦٤).\n(^٢) أضواء البيان (٥/ ٣٧١).","vol":"1","page":49},{"text":"إذا تقرر هذا فأول القواعد التي تتصف بهذا الوصف هي القواعد التي ترجّح التفسير الأثري - وأعني به تفسير القرآن بالقرآن وتفسيره بالسنة -، فهي مقدمة عند التنازع على كل قاعدة ترجح تفسيرا اجتهاديا؛ لأن الله - تعالى - أعلم بما نزّل ورسوله ﷺ مكلّف بييان ما نزّل - كما هو مقرر في مواضعه - «والتفسير الأثرى إذا صح لا يعارض بتفسير الرأي والاجتهاد، وبظواهر الألفاظ؛ لأنه إما أن يكون للرأي مستند من الوحيين أو لا، فإن كان الأول فلا يتعارض وحيان، وإن كان الآخر فلا يعدو أن يكون اجتهادا مستندا إلى القرائن والأمارات لا يقوى على معارضة ما كان مستنده القرآن والسنة» (^١). فإذا كان ذلك كذلك فقاعدة «إذا ثبت الحديث وكان نصا في تفسيرالآية فلا يصار إلى غيره» لا تعارض بأي قاعدة أخرى، فإن نازعتها قاعدة أخرى في مثال ما، فهي المقدمة على غيرها مطلقا.\nوإنّ الاحتجاج بالظواهر والقياسات والاجتهادات وترجيحها مع الإعراض عن تفسير النبي ﷺ وأصحابه طريق أهل البدع، كما نص على ذلك الأئمة (^٢).\nوسيأتي بيان ذلك في مواضعه من هذا الكتاب.\nفمن أمثلة هذا التنازع، منازعة قاعدة «إدخال الكلام في معاني ما قبله وما بعده أولى من الخروج به عن ذلك» وقاعدة «توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد أولى من تفريقها» للتفسير النبوي الثابت الصريح في تفسير قوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨] فما قبله وما بعده عن أهل قباء، وكذا الضمائر في الآية غير محل النزاع تعود إلى مسجد قباء.\nوالتفسير النبوي بيّن أن المراد مسجده ﷺ (^٣).\n_________\n(^١) انظر مناهل العرفان (٢/ ٦٤) والإسرائيليات في كتب التفسير لأبي شهبة ص ١٢٠.\n(^٢) انظر الإيمان لابن تيمية ص ٣٧٥.\n(^٣) كما في حديث عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري قال: قال أبي: دخلت على رسول الله ﷺ في بيت بعض نسائه فقلت: يا رسول الله أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال: «فأخذ كفا من حصباء فضرب به الأرض ثم قال: هو مسجدكم هذا» لمسجد المدينة». أخرجه مسلم، كتاب الحج، حديث رقم (٥١٤).","vol":"1","page":50},{"text":"وكما في تفسير قوله تعالى: ﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (٤٦) [الكهف: ٤٦].\nقال العلائي (^١) - بعد أن ذكر اختيار ابن جرير وابن عطية للقول بالعموم -: لكن هذا إذا لم يرد ما يمنع من ذلك، وقد ورد هنا تفسير للنبي ﷺ ثابت عنه يدل على القول الثاني (^٢). اهـ (^٣).\nوقد أطال العلائي في تقرير هذا التنازع بين القاعدتين - في هذا المثال - وترجيح التفسير النبوي فليراجعه من أراد المزيد (^٤).\nوالكلام على هذه الأمثلة جميعا ونظائرها واحد، وهو ترجيح قاعدة التفسير النبوي على ما سواها من القواعد (^٥). هذا إذا كان الحديث في درجة القبول - أعنى\n_________\n(^١) هو: العلامة الحافظ خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي الشافعي، كان إماما في الفقه والنحو والأصول وغيرها، درّس وأفتى وألف في فنون مختلفة. توفي بالقدس سنة إحدى وستين وسبعمائة.\nالدرر الكامنة (٢/ ١٧٩) وشذرات الذهب (٦/ ١٩٠).\n(^٢) هذا القول الذي أشار إليه العلائي هو نفس لفظ التفسير النبوي الذي جاء في قول النبي ﷺ:\n«خذوا جنتكم». قالوا: يا رسول الله من عدو؟ قال: «لا، بل جنتكم من النار، قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر فإنها تأتي يوم القيامة منجيات ومقدمات وهن الباقيات الصالحات» أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٤١) والعلائي في جزء في تفسيرها ص ٢٢ - ٢٣ وتوسع في تخريجه، وله شاهد عند الطبري في جامعه (١٥/ ٢٥٥).\n(^٣) جزء في تفسير الباقيات الصالحات ص ٢٢.\n(^٤) جزء في تفسير الباقيات الصالحات ص ٢٢ - ٢٨.\n(^٥) ولم أجعل في مقدمة القواعد عند التنازع قواعد تفسير القرآن بالقرآن، كما هو مشهور في أحسن طرق التفسير التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية، لما سيأتي تحريره من تحديد مفهوم تفسير القرآن بالقرآن، وأنه ينقسم إلى قسمين:\nقسم توقيفي لا يقع في مثله الخلاف.\nوقسم اجتهادي بجعل آية نظير أخرى: انظر تفصيل ذلك ضمن مباحث قاعدة «القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على ما عدم ذلك».","vol":"1","page":51},{"text":"الصحيح والحسن -، أما إذا كان الحديث ضعيفا فمواقف العلماء منه مختلفة - على ما سيأتي بيانه - وخلاصة القول أنه إذا لم يوجد مرجح غيره رجّح به، أما إذا نازعته أوجه أخرى للترجيح فالذي يظهر - والله أعلم - تقديم ما غلب على الظن من هذه الأوجه والقواعد، إذا تقرر ذلك فقد تجتمع أكثر من قاعدة سوى التفسير النبوي الذي ضعف إسناده فتكون هذه القواعد مفيدة لغلبة الظن أكثر من هذا الحديث الضعيف، أو تكون القاعدة المنازعة له من القواعد القوية في الترجيح، التي لا يقوى الحديث الضعيف على معارضتها. ولهذا وذاك مثل منها منازعة التفسير النبوي في حديث ضعيف، لقاعدة «القول بالاستقلال مقدم على القول بالإضمار» ولقاعدة «حمل معاني كلام الله على الغالب من أسلوب القرآن ومعهود استعماله أولى من الخروج به عن ذلك» في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ﴾ ﴿﴾\n﴿فِي الْأَرْضِ فَسادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ﴾ ﴿تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] على ما سيأتي بسطه في أمثله قاعدة: «القول بالاستقلال مقدم على القول بالإضمار».\nومن تقديم قواعد التفسير الأثري، ما قرره العز بن عبد السلام بقوله: وأولى الأقوال ما دل عليه الكتاب في موضع آخر أو السنة أو إجماع الأمة أو سياق الكلام … اهـ (^١).\nفمن القواعد التي يشهد القرآن فيها لأحد الأقوال قاعدة: «القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على ما عدم ذلك». وقاعدة: «حمل كلام الله على الغالب من أسلوب القرآن ومعهود استعماله أولى من الخروج به عن ذلك».\nوقاعدة: «القول الذي تؤيده قرائن في السياق مرجّح على ما خالفه».\nومن القواعد التي تشهد فيها السنة لأحد الأقوال قاعدة: «إذا ثبت الحديث وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجّح له على ما خالفه».\n_________\n(^١) الإشارة إلى الإيجاز ص ٢٢٠.","vol":"1","page":52},{"text":"ومن القواعد التي يشهد فيها الإجماع لأحد الأقوال قاعدة: «تفسير جمهور السلف مقدم على كل تفسير شاذ» وهو ما يعرف عند ابن جرير الطبري بإجماع الحجة، وسيأتي بيان معنى الشذوذ في القاعدة.\nومن القواعد التي يشهد فيها السياق لأحد الأقوال قاعدة: «إدخال الكلام في معاني ما قبله وما بعده أولى من الخروج به عن ذلك». وغيرها من القواعد.\nفمن تنازع قاعدة أثرية، وقاعدة لغوية، تنازع قاعدة: «إذا صح سبب النزول الصريح فهو مرجّح لما وافقه من أوجه التفسير» مع قاعدة. «يجب حمل كلام الله على المعروف من كلام العرب دون الشاذ والضعيف والمنكر» في تفسير قوله: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢]، فقاعدة سبب النزول ترجّح أن ﴿ما﴾\nفي الآية موصولة واقعة موقع «من»، وعلى مذهب من لا يجيز ذلك هي كذلك اسم موصول واقعة على أنواع من يعقل كما في قولي تعالى ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] فهي مفعول لقوله: ﴿وَلا تَنْكِحُوا،﴾ والمعنى: ولا تنكحوا النساء اللاتي نكحهن آباؤكم؛ وذلك لما جاء في سبب نزولها أنه لما توفى أبو قيس بن الأسلت (^١) خطب ابنه قيس (^٢) امرأة أبيه فقالت: إني أعدّك ولدا، ولكني آتي رسول الله ﷺ أستأمره فأتته فأخبرته فأنزل الله - تعالى - هذه الآية (^٣).\nوهذا النوع من النكاح الجاهلي كان موجودا معروفا عند العرب في الجاهلية.\n_________\n(^١) مشهور بكنيته، واختلف في اسمه فقيل: صيفي، وقيل: الحارث، وقيل: غير ذلك واسم الأسلت عامر بن جشم الأوسي، كان في الجاهلية من أوصف الناس لدين الحنيفية، مختلف في إسلامه، توفي في السنة الأولى من الهجرة. الإصابة (٧/ ١٥٨).\n(^٢) قيس بن صيفي بن الأسلت بسببه نزلت آية: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ الإصابة (٥/ ٢٥٧).\n(^٣) أخرجه ابن أبي حاتم - في تفسيره تفسيرسورة النساءآية: ٢٢ (٣/ ٩٠٩)، وانظر تفسير ابن كثير (٢/ ٢١٤) - وأسباب النزول للواحدي ص ١٤٨، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٤٦٨) وعزاه إلى الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي، وضعّفه الحافظ ابن حجر في الإصابة (٥/ ٢٥٧).","vol":"1","page":53},{"text":"واختار هذا القول جماعة من المفسرين (^١).\nأما قاعدة: «يجب حمل كلام الله على المعروف من كلام العرب …» ترجّح أن ﴿ما﴾ في الآية مصدرية؛ وذلك لأن أكثر استعمالها في لسان العرب لغير بني آدم، فيكون النهي في الآية عن نكاح الآباء الفاسد الذي يتعاطونه في الجاهلية.\nواستعمل هذه القاعدة في ترجيح هذا القول الإمام الطبري، وقال: إن ذلك هو المعروف من كلام العرب ولو كان المقصود النهي عن حلائل الآباء لقال: … ولا تنكحوا من نكح آباؤكم؛ لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب؛ إذ كان «من» لبني آدم، و«ما» لغيرهم (^٢).\nوترجيح قاعدة أسباب النزول أولى؛ لأنها أغلب في الظن فهي قاعدة أثرية خاصة وأن المعنى الذي رجحته لم يخرج بالآية عن فصيح كلام العرب؛ لأن «ما» تأتي للعاقل كما تأتي لغيره سواء أكان المراد بها النوع والأوصاف، أو آحادهم - على الخلاف في ذلك - ولا يعدّ ذلك شذوذا أو استعمالا لما لا تعرفه العرب، بل هو من فصيح ما ورد عنهم (^٣)، وكفاه صحة وفصاحة أن جاء به القرآن كما في قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى﴾ [النحل: ٦٢] فجاءت ﴿ما﴾ في هذه الآية لمن يعقل وهم البنات، وبهذا فسرها الإمام الطبري نفسه قال - ﵀ -: ويجعلون لله ما يكرهونه لأنفسهم ويزعمون أن لهم الحسنى، الذي يكرهونه لأنفسهم البنات يجعلونهن لله - تعالى -.\n_________\n(^١) منهم ابن العربي في أحكام القرآن (١/ ٤٧٥)، والقرطبي في الجامع (٥/ ١٠٣)، والشنقيطي في أضواء البيان (١/ ٣٧٨)، وغيرهم واقتصر عليه آخرون كالرازي في تفسير (١٠/ ١٨)، وابن كثير في تفسيره (٢/ ٢١٤)، والشوكاني في فتح القدير (١/ ٤٤٢)، وغيرهم.\n(^٢) جامع البيان (٤/ ٣١٩).\n(^٣) انظر تقرير ذلك في الكتاب لسيبوبه (٤/ ٢٢٨)، والكشاف (٤/ ٢٥٨)، والبحر المحيط لأبي حيان (٣/ ٥٧٤)، (٤/ ٦٤٥ - ٦٥١)، والدر المصون (٣/ ٦٣٥) و(٥/ ١٥٦)، والنحو الوافي (١/ ٣٥١ - ٣٧٠).","vol":"1","page":54},{"text":"أهـ (^١) فجعلها موصولة لمن يعقل، فهذا إلزام له - على جلالة قدره - من قوله على تأصيله وترجيحه بين القاعدتين.\nوكما جاء في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١] ولا شك أن من المسبحين العقلاء، فهم داخلون تحت عموم ﴿ما﴾ (^٢)، وكما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي﴾ [آل عمران: ٣٥] ولا شك أن ما في بطنها عاقل إما ذكرا أو أنثى.\nوغيرها من الآيات.\nفمن مجموع كلام الطبري في هذه الآيات وغيرها يظهر - والله أعلم - أنه أراد الترجيح بالأغلب من استعمال العرب في قوله: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ﴾\n[النساء: ٢٢]، وهذه القاعدة من القواعد المشتهرة عند الطبري، ويرجّح بها ويقررها كثيرا.\nفإذا كان ذلك كذلك فالقاعدة الأثرية هي المقدّمة، خاصة إذا كان المعنى الذي تفسر به الآية مما عرف في العربية، ولم يخرج إلى الشذوذ والنكارة، وإن كان أقل استعمالا من الآخر، وذلك؛ لأنها مفيدة لغلبة الظن أكثر من الترجيح بالأكثر استعمالا في العربية.\nومن تنازع القواعد الأثرية مع قواعد السياق، تنازع قاعدة: «إدخال الكلام في معاني ما قبله وما بعده أولى من الخروج به عن ذلك» مع قاعدة «تفسير جمهور السلف مقدم على كل تفسير شاذ» في تفسير قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠]، بعد أن حكى الطبري الخلاف في تفسيرالآية، ذكر ترجيحه مضمّنا تنازع القاعدتين والترجيح بينهما فقال: والصواب من القول في ذلك عندنا أن\n_________\n(^١) جامع البيان (١٤/ ٢١٦).\n(^٢) انظر تقرير الطبري لذلك في جامع البيان (٢٨/ ٩٣).","vol":"1","page":55},{"text":"الذي قاله مسروق (^١) في تأويل ذلك أشبه بظاهر التنزيل؛ لأن قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ في سياق توبيخ الله - تعالى - ذكره مشركي قريش، واحتجاجا عليهم لنبيه ﷺ، وهذه الآية نظيرة سائر الآيات قبلها، ولم يجر لأهل الكتاب ولا لليهود قبل ذلك ذكر، فتوجّه هذه الآية إلى أنها فيهم نزلت، ولا دلّ على انصراف الكلام عن قصص الذين تقدّم الخبر عنهم معنى، غير أن الأخبار قد وردت عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ بأن ذلك عني به عبد الله بن سلام (^٢) وعليه أكثر أهل التأويل، وهم كانوا أعلم بمعاني القرآن، والسبب الذي فيه نزل وما أريد به، فتأويل الكلام، إذ كان ذلك كذلك، وشهد عبد الله بن سلام، وهو الشاهد من بني إسرائيل على مثله، يعني على مثل القرآن، وهو التوراة، وذلك شهادته أن محمدا مكتوب في التوراة أنه نبي تجده اليهود مكتوبا عندهم في التوراة، كما هو مكتوب في القرآن أنه نبي. اهـ (^٣).\nومن تنازع القواعد للمثال الواحد، تنازع قاعدة: «تفسير جمهور السلف مقدم على كل تفسير شاذ» وهو ما يعرف عند ابن جرير الطبري بإجماع الحجة، وقاعدة:\n«يجب حمل نصوص الوحي على العموم»، في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ (٤٠) [ق: ٤٠]. ذهب جماهير المفسرين إلى أن المراد بها ركعتان بعد المغرب. وذهب ابن زيد (^٤): إلى أنها النوافل في أدبار المكتوبات.\n_________\n(^١) هو: ابن الأجدع بن مالك الهمداني الكوفي، الإمام القدوة العلم، حدّث عن جمع من الصحابة كأبيّ وعمر ومعاذ وغيرهم - ﵃ -، كان عالما بالفتوى، توفي سنة ثلاث وستين، سير أعلام النبلاء (٤/ ٦٨).\n(^٢) هو: عبد الله بن سلام بن الحارث أبو يوسف الإسرائيلي الأنصاري، الإمام الحبر، المشهود له بالجنة، من خواص أصحاب النبي ﷺ، أسلم أول ما قدم النبي ﷺ المدينة وقيل تأخر، توفي سنة ثلاث وأربعين، سير أعلام النبلاء (٢/ ٤١٣) والإصابة (٤/ ٨٠).\n(^٣) جامع البيان (٢٦/ ١٢).\n(^٤) هو: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم المدني، من أتباع التابعين، روى عن أبيه وابن المنكدر، قال أبو -","vol":"1","page":56},{"text":"قال الطبري - بعد أن حكى القولين السابقين مضمنا كلامه تنازع القاعدتين والترجيح بينهما -: وأولى الأقوال في ذلك بالصحة، قول من قال: هما الركعتان بعد المغرب، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك، ولولا ما ذكرت من إجماعها عليه، لرأيت أن القول في ذلك ما قاله ابن زيد؛ لأن الله - جلّ ثناؤه - لم يخصص بذلك صلاة دون صلاة، بل عمّ أدبار الصلوات كلها، فقال: وأدبار السجود، ولم تقم بأنه معنيّ به: دبر صلاة دون صلاة، حجة يجب التسليم لها من خبر ولا عقل. اهـ (^١).\nفقواعد السنة النبوية وإجماع السلف وجماهيرهم مقدم على قواعد السياق وقواعد اللغة وغيرها.\nوقواعد العموم مقدمة على قواعد السياق وغيرها، فقواعد العموم أقوى من قواعد السياق (^٢) فتخصيص العام يكون بالقرآن أو السنة أو إجماع الأمة.\nومن تنازع قواعد الضمائر مع بعضها - وهو كثير - تنازع قاعدة: «توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد أولى من تفريقها»، وقاعدة: «الأصل إعادة الضمير إلى أقرب مذكور»، مع قاعدة: «إعادة الضمير إلى المحدث عنه أولى من إعادته إلى غيره» فكثيرا ما تتنازع هذه القواعد المثال الواحد - وإن كانت أحيانا تتفق وتتعاضد في ترجيح أحد الأقوال - فإذا تنازعت فقاعدة المحدث عنه هي المقدّمة، لأجل ارتكازها على المعنى وموارد الكلام، أما قاعدة: «توحيد مرجع الضمائر»، وقاعدة: «الأصل إعادة الضمير إلى أقرب مذكور» فملحوظ فيهما جانب النظم والأسلوب، وتقديم المعنى أولى.\n_________\n= حاتم: كان في نفسه صالحا وفي الحديث واهيا. اهـ له «التفسير» و«الناسخ والمنسوخ». مات سنة ثنتين وثمانين ومائة. انظر سير أعلام النبلاء (٨/ ٣٤٩)، وطبقات المفسرين (١/ ٢٧١).\n(^١) جامع البيان (٢٦/ ١٨٢).\n(^٢) انظر ترجيح قاعدة: «يجب حمل نصوص الوحي على العموم …» على قاعدة: «إدخال الكلام في معاني ما قبله وما بعده أولى …» في جامع البيان (٢٨/ ١٤٤).","vol":"1","page":57},{"text":"ثم يأتي بعد قاعدة: «المحدث عنه» قاعدة: «توحيد مرجع الضمائر»؛ لأنها أكمل من قاعدة: «إعادة الضمير إلى أقرب مذكور» في جانب تناسق النظم وبيان وجوه الإعجاز فيه.\nوقد قرر الأئمة هذا الترجيح بين هذه القواعد عند تنازعها، فالضمير يعود إلى أقرب مذكور بشرط أن يكون متحدثا عنه (^١)، وما لم يكن في ذلك تشتيت للضمائر في السياق الواحد.\nقال أبو حيان - مقررا هذا الترجيح بين هذه القواعد عند تنازعها المثال الواحد -:\nولقائل أن يقول إن الضمير إذا كان صالحا لأن يعود على الأقرب وعلى الأبعد كان عوده على الأقرب راجحا، وقد نص النحويون على هذا … والجواب أنه إذا كان أحدهما هو المحدث عنه والآخر فضلة كان عوده على المحدث عنه أرجح، ولا يلتفت إلى القرب (^٢) اهـ.\nوقال في موضع آخر: ولا يترجح بالقرب إلا إذا تساويا من حيث المعنى، والإنسان هنا -[أي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ (٦) [العاديات: ٦]]- هو المحدث عنه والمسند إليه الكنود، وأيضا فتناسق الضمائر لواحد مع صحة المعنى أولى من جعلها لمختلفين، ولا سيما إذا توسط الضمير بين ضميرين عائدين على واحد. اهـ (^٣).\nوذكر الزركشي هذا الترجيح بين هذه القواعد عند التنازع، وقرر أن الضمير يعود إلى القريب ولا يرجع إلى ما قبله إلا بدليل، وذكر من الأدلة أن يكون البعيد هو المحدث عنه (^٤).\n_________\n(^١) انظر الأشباه والنظائر لابن السبكي (٢/ ٢٣٦).\n(^٢) البحر المحيط (٧/ ٣٣٠).\n(^٣) البحر المحيط (١٠/ ٥٣٠)، وانظر دراسات لأسلوب القرآن لعضيمة (ق ٣ ح ١ ص ١٥).\n(^٤) انظر البحر المحيط في أصول الفقه (٣/ ٣٢٥)، والبرهان (٤/ ٣٩)، وبمثل هذا قال السيوطي في همع الهوامع (١/ ٢٢٧). أي: جعل من الأدلة التي تصرف الضمير عن القريب إلى البعيد كونه محدثا عنه.","vol":"1","page":58},{"text":"وقرر ذلك - أيضا - الشنقيطي في تفسيره، وجعل من الأدلة التي تصرف الضمير عن القريب، القرينة في السياق، إذا دلت على خلاف إعادة الضمير إلى أقرب مذكور.\nومنها سياق الجمل المذكورة قبله (^١) وكذا بعده، وهذا هو مضمون قاعدة «توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد».\nفمن أمثلة هذا التنازع ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ (٧) [العاديات: ٧]. ومثله ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [طه: ٣٩]، وسيأتي الكلام على بعضها في أمثلة قواعد الضمائر.\nثم بعد ذلك يرجّح بين القواعد وفق الضابط العام للترجيح بين وجوه الترجيح وقواعده الذي سبق تقريره، مع مراعاة السياق دائما فهو المقصود بهذه القواعد حتى يفهم على وجهه، ومع مراعاة حمل القرآن على عموم ألفاظه ما لم يرد دليل بالتخصيص.\nقال الزركشي: ليكن محطّ نظر المفسر مراعاة نظم الكلام الذي سيق له، وإن خالف أصل الوضع اللغوي لثبوت التجوّز. اهـ (^٢).\nوصور تنازع القواعد كثيرة سأنبه على بعض ما لم يرد هنا في موضعه - إن شاء الله تعالى -.\n_________\n(^١) انظر أضواء البيان (٥/ ٧٥١).\n(^٢) البرهان (١/ ٣١٧).","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type='title' id=toc-18>الفصل الأول:\nقواعد الترجيح المتعلقة بالنص القرآنى وفيه مدخل ومبحثان:</span>\nالمدخل في قاعدة:\nلا تصح دعوى النسخ في آية من كتاب الله إلا إذا صح التصريح بنسخها أو انتفى حكمها من كل وجه.\nالمبحث الأول:\nقواعد الترجيح المتعلقة بالقراءات ورسم المصحف.\nالمحبث الثاني:\nقواعد الترجيح المتعلقة بالسياق القرآني.","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type='title' id=toc-19>المدخل في قاعدة:\nلا تصح دعوى النسخ في آية من كتاب الله إلا إذا صح التصريح</span>\nبنسخها أو انتفى حكمها من كل وجه ويدخل تحت هذه القاعدة القواعد التالية:\nالأولى: إذا وقع التعارض بين احتمال النسخ واحتمال التخصيص، فالتخصيص أولى.\nالثانية: إذا وقع التعارض بين النسخ والإضمار، فالإضمار أولى.\nالثالثة: إذا وقع التعارض بين النسخ والاشتراك، فالاشتراك أولى.\nالرابعة: إذا وقع التعارض بين النسخ والمجاز، فالمجاز أولى.\nالخامسة: إذا وقع التعارض بين النسخ والنقل، فالنقل أولى.","vol":"1","page":63},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-20> صورة القاعدة:</span>\nإذا تنازع المفسرون في آية من كتاب الله - تعالى -، فمدّع عليها النسخ، ومانع منه، فأصح الأقوال المنع منه، إلا بثبوت التصريح بنسخها، أو انتفاء حكمها من كل وجه، وامتناع الجمع بينها وبين ناسخها.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-21> بيان ألفاظ القاعدة:</span>\nالنسخ في اللغة: إزالة شيء بشيء يتعقّبه، كنسخ الشمس الظّلّ، والظّلّ الشمس، فتارة يفهم منه الإزالة، وتارة يفهم منه الإثبات، وتارة يفهم منه الأمران (^١).\nوالنسخ اصطلاحا: رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم، بخطاب متراخ عنه (^٢).\nومعنى الرفع: إزالة الشيء على وجه لولاه لبقي ثابتا.\nوقيّد بالخطاب المتقدم؛ لأن ابتداء العبادات في الشرع مزيل لحكم العقل من براءة الذمة وليست بنسخ.\nوقيد بالخطاب الثاني؛ لأن زوال الحكم بالموت والجنون ليس بنسخ.\nوقولهم: متراخ عنه؛ لأنه لو كان متصلا به كان بيانا وإتماما لمعنى الكلام (^٣). وعرف بتعاريف أخر تنظر في مظانها من كتب الأصول (^٤).\nوالنسخ ثلاثة أقسام:\nأحدها: ما نسخت تلاوته وحكمه (^٥).\n_________\n(^١) مفردات الراغب ص ٨٠١. وانظر معجم مقاييس اللغة (٥/ ٤٢٤)، واللسان (٣/ ٦١) مادة «نسخ».\n(^٢) روضة الناظر مع شرحها (١/ ١٩٠).\n(^٣) روضة الناظر مع شرحها (١/ ١٩٠ - ١٩١).\n(^٤) انظر المحصول (٣/ ٤٢٣/١)، وشرح تنقيح الفصول ص ٣٠١، والمسودة ص ١٩٥، وشرح الكوكب (٣/ ٥٢٦).\n(^٥) مثاله ما أخرجه مسلم، كتاب الرضاع، حديث رقم (٢٤ - ٢٥) من حديث عائشة - ﵂ - أنها قالت: كان فيما أنزل الله من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن. فالعشر رضعات نسخ حكمها وتلاوتها، والخمس نسخت تلاوتها دون حكمها.","vol":"1","page":64},{"text":"الثاني: ما نسخت تلاوته وبقي حكمه.\nوالثالث: ما نسخ حكمه وبقيت تلاوته.\nوالقسم الثالث هو مجال البحث في هذه القاعدة، ولا علاقة لنا في هذه القاعدة بالقسمين الآخرين (^١).\nولا يقع النسخ إلا في الأمر والنهي، والأخبار التي يراد بها الأمر والنهي (^٢).\nوقولي: «إلا إذا صح التصريح بنسخها».\nأعني بهذا، الطرق الصحيحة في معرفة النسخ التي قررها الأصوليون، وهي التنصيص من الشارع على أن هذا الأمر ناسخ لهذا، أو التصريح بلفظ يدل عليه بلا إشكال، أو إجماع الأمة على أن هذه الآية أو الحديث منسوخ، أو حكاية الصحابي للنسخ، دون قوله: هذا منسوخ (^٣). والفرق بين حكاية الصحابي، وقوله، أن الأول ينقل الصحابي الحكم الذي عمل به ثم نسخ إلى حكم آخر، أو يقول رخّص في كذا ثم نهي عنه، ونحو ذلك.\nوأما قوله فهو رأيه العلمي، وذلك بأن يقول هذه الآية منسوخة. وعدم اعتباره لما سيأتي من اتساع مفهوم النسخ عند الصحابة والتابعين.\nوهناك تفريعات أخرى وقع التنازع فيها بين العلماء ليس هذا مجال بسطها (^٤).\nوقولي: «أو انتفى حكمها من كل وجه».\n_________\n(^١) انظر الأنواع الثلاثة في الإيضاح لناسخ القرآن لمكي ص ٦٧، وغرائب التفسير وعجائب التأويل (١/ ١٦٨)، وشرح الكوكب المنير (٣/ ٥٥٤).\n(^٢) انظر جامع البيان (٩/ ٢٣٨)، (١٠/ ٤١)، والبرهان للزركشي (٢/ ٣٣).\n(^٣) انظر العدة لأبي يعلى (٣/ ٨٣٥)، والإحكام لابن حزم (٤/ ٤٩٧)، وشرح تنقيح الفصول ص ٣٢١، وشرح الكوكب (٣/ ٥٦٧).\n(^٤) تنظر مع أمثلة ما ذكر في شرح اللمع (٢/ ٢٣٥)، وشرح تنقيح الفصول ص ٣٢٠ - ٣٢١، والمسودة ص ٢٢٩، وشرح الكوكب (٣/ ٥٦٣)، وإرشاد الفحول ص ٣٣٤، والنسخ في القرآن لمصطفى زيد (١/ ٢٠٨) وما بعدها.","vol":"1","page":65},{"text":"انتفاء الحكم من كل وجه: ثبوت النقيض أو الضد؛ لأنه متى ثبت نقيض الشيء، أو ضده انتفى فكان ذلك دليل الرفع (^١).\nوفي هذا إخراج لمفهوم النسخ عند السلف - لإدخالهم فيه تخصيص العام، وتقييد المطلق، وتبيين المجمل، وإيضاح المبهم، والاستثناء، ونحو ذلك على ما سيأتي - فإن حكم الآية لم ينتف من كل وجه، بل من بعض الوجوه دون بعض.\nوفيه - أيضا - إخراج لقول الحنفية بأن الزيادة على النص نسخ؛ لأن الزيادة على النص ليس فيها نفي للحكم من كل وجه.\nوفيه - أيضا - إخراج لما ادعى فيه النسخ - لظهور تعارض بين النصوص - واختلفت موارد النصوص فيها.\nفهذه قاعدة ترجيحية بين الأقوال المختلفة في النسخ وعدمه، فالأصل بقاء الحكم، ولا يقال بالنسخ إلا بحجة واضحة ظاهرة قاضية بالنسخ، أمّا إذا كان الأمر محتملا فالأصل عدم النسخ.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-22> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nأقوال العلماء في اعتماد هذه القاعدة كثيرة، واعتمادهم لمضمونها واضح جليّ، فمن هؤلاء الأئمة الذين اعتمدوا هذه القاعدة في الترجيح:\n١ - الإمام الطبري: قال - مقررا هذه القاعدة بعد أن رجح الإحكام في آية ادعي عليها النسخ -: وليس في الآية دليل على أن حكمها منسوخ، لاحتمالها ما ذكرت من المعنى الذي وصفت. وغير جائز أن يحكم بحكم قد نزل به القرآن أنه منسوخ، إلاّ بحجة يجب التسليم لها، فقد دللنا في غير موضع من كتبنا على أن لا منسوخ إلا ما أبطل حكمه حادث حكم بخلافه، ينفيه من كل معانيه، أو يأتي خبر يوجب\n_________\n(^١) شرح تنقيح الفصول ص ٣٢١.","vol":"1","page":66},{"text":"الحجة أن أحدهما ناسخ الآخر. اهـ (^١) واستعمل الإمام الطبري هذه القاعدة كثيرا في الترجيح في تفسيره (^٢).\n٢ - ومنهم أبو جعفر النحاس: فقد استعمل هذه القاعدة كثيرا في كتابه الناسخ والمنسوخ. ففي معرض ردّه لادّعاء النسخ في آية قال - مقررا هذه القاعدة - القياسات والتمثيلات لا يؤخذ بها في الناسخ والمنسوخ، وإنما يؤخذ الناسخ والمنسوخ بالتيقن والتوقيف. اهـ (^٣).\nوقال في موضع آخر: إذا أمكن العمل بالآيتين فلا معنى للقول بالنسخ. اهـ (^٤).\n٣ - وقال أبو محمد ابن حزم: لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول في شيء من القرآن والسنة: هذا منسوخ إلا بيقين؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [النساء: ٦٤] وقال تعالى: ﴿اِتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣] فكل ما أنزل الله - تعالى - في القرآن على لسان نبيه ففرض اتباعه، فمن قال في شيء من ذلك إنه منسوخ فقد أوجب ألا يطاع ذلك الأمر، وأسقط لزوم اتباعه، وهذه معصية لله - تعالى - مجردة، وخلاف مكشوف، إلا أن يقوم برهان على صحة قوله، وإلا فهو مفتر مبطل .... وكل ما ثبت بيقين فلا يبطل بالظنون، ولا يجوز أن تسقط طاعة أمر أمرنا به الله - تعالى - ورسوله إلا بيقين نسخ لا شك فيه. اهـ (^٥).\n٤ - ومنهم الإمام ابن عبد البر: قال - ﵀ -: الناسخ يحتاج إلى تاريخ، أو دليل لا معارض له، ولا سبيل إلى نسخ قرآن بقرآن، أو سنة بسنة، ما وجد إلى\n_________\n(^١) جامع البيان (١٣/ ٣٨٢) ط شاكر، وانظر (٦/ ١١٨) منه ط شاكر.\n(^٢) انظر الإحالات إلى جملة منها في الأمثلة التطبيقية على هذه القاعدة.\n(^٣) الناسخ والمنسوخ في كتاب الله (٢/ ١٣).\n(^٤) الناسخ والمنسوخ (٣/ ١٢).\n(^٥) الإحكام (٤/ ٤٩٧).","vol":"1","page":67},{"text":"استعمال الآيتين، أو السنّتين سبيل. اهـ (^١).\n٥ - ومنهم الإمام القرطبي: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها﴾ [محمد: ٤] بعد أن اختار القول بإحكامها ونقل قول النحاس بأن الآيتين محكمتان معمول بهما، قال: وهو قول حسن؛ لأن النسخ إنما يكون لشيء قاطع، فإذا أمكن العمل بالآيتين فلا معنى للقول بالنسخ. اهـ (^٢).\n٦ - ومنهم الإمام الشوكاني: قال - بعد أن ذكر ادّعاء النسخ في قوله تعالى:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]-: وخالفهم الجمهور فقالوا: الآية محكمة، وهو الحق لعدم وجود دليل صحيح يدل على النسخ اهـ (^٣).\n٧ - ومنهم العلاّمة القاسمي (^٤): قال - مقررا هذه القاعدة -: إذا دار الأمر في الآي بين الإحكام والنسخ، فالأول هو المرجّح اهـ (^٥).\n٨ - ومنهم العلاّمة الشنقيطي: فقد قرر هذه القاعدة بقوله: النسخ لا بد له من دليل يجب الرجوع إليه. اهـ (^٦).\nوقد نص الأصوليون على هذه القاعدة، وقرروا «أن الأمر إذا دار بين نسخ الحكم وبقائه حمل على بقائه دون نسخه إلا لدليل راجح» (^٧).\n_________\n(^١) التمهيد (١/ ٣٠٧).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٢٢٨).\n(^٣) فتح القدير (٢/ ٨٦).\n(^٤) هو: محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم القاسمي الدمشقي، إمام الشام في عصره، كان سلفيّ العقيدة لا يقول بالتقليد، تزيد مؤلفاته على السبعين، منها محاسن التأويل في التفسير، توفي في دمشق سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة وألف، الأعلام (٢/ ١٣٥).\n(^٥) محاسن التأويل (١٥/ ٥٣٧٥).\n(^٦) أضواء البيان (٦/ ٧٢).\n(^٧) انظر شرح تنقيح الفصول ص ١١٢، وشرح الكوكب (١/ ٢٩٨ - ٢٩٩).","vol":"1","page":68},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-23> مفهوم النسخ عند السلف:</span>\nكان للصحابة والتابعين اصطلاح خاص في مسألة النسخ، فمفهوم النسخ عندهم أعم من مفهومه عند الأصولين، والفقهاء والمحدّثين، وما استقر عليه الأمر بعد ذلك في هذا المصطلح.\nفكل تغيير في أحوال النص اعتبره السلف نسخا، سواء أكان رفع حكم ليحل آخر مكانه، أو تخصيص عام، أو تقييد مطلق، أو تبيين مجمل، أو استثناء، أو رفع ظن في دلالة الآية على معنى، كل ذلك عندهم داخل في مفهوم النسخ.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: و«فصل الخطاب»: أن لفظ «النسخ» مجمل، فالسلف كانوا يستعملونه فيما يظن دلالة الآية عليه، من عموم أو إطلاق أو غير ذلك، كما قال من قال: إن قوله: ﴿اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] و﴿وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] نسخ بقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وليس بين الآيتين تناقض، لكن قد يفهم بعض الناس من قوله: ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾\nو﴿حَقَّ جِهادِهِ﴾ الأمر بما لا يستطيعه العبد فينسخ ما فهمه هذا … فالله ينسخ ما يقع في النفوس من فهم معنى وإن كانت الآية لم تدل عليه؛ لكنه محتمل.\nاهـ (^١).\nوقال الإمام الشاطبي: الذي يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين، فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخا، وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخا، وعلى بيان المبهم والمجمل نسخا، كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر نسخا؛ لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد، وهو أن النسخ في الاصطلاح المتأخر اقتضى أن الأمر المتقدم غير مراد في التكليف، وإنما المراد ما جيء به آخرا، فالأول غير معمول به، والثاني هو المعمول به.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٤/ ١٠١)، وانظر (١٤/ ١٣٣) منه.","vol":"1","page":69},{"text":"وهذا المعنى جار في تقييد المطلق، فإن المطلق متروك الظاهر مع مقيّده، فلا إعمال له في إطلاقه، بل المعمل هو المقيد، فكأن المطلق لم يفد مع مقيده شيئا، فصار مثل الناسخ والمنسوخ. وكذلك العام مع الخاص؛ إذ كان ظاهر العام يقتضي شمول الحكم لجميع ما يتناوله اللفظ، فلما جاء الخاص أخرج حكم ظاهر العام عن الاعتبار، فأشبه الناسخ والمنسوخ، إلا أن اللفظ العام لم يهمل مدلوله جملة، وإنما أهمل منه ما دل عليه الخاص، وبقي السائر على الحكم الأول. والمبين مع المبهم كالمقيد مع المطلق.\nفلما كان كذلك استسهل إطلاق لفظ النسخ في جملة هذه المعاني؛ لرجوعها إلى شيء واحد اهـ (^١).\nوسرد الشاطبيّ بعد هذا التحقيق جملة وافرة من الأمثلة التي توضحه. فإذا تقرر هذا، فليس صحيحا أن نحاكم أقوالهم على مصطلح نشأ بعدهم - إلا ما كان من قولهم في معنى ذلك المصطلح -؛ إذ إن منازعة المتأخر لهم في آية أهي محكمة أو منسوخة؟ نزاع منفكة جهته، وليس له أن ينقل الآثار عنهم في نسخ آية، وهي من قبيل التخصيص أو التقييد ونحو ذلك، ويحكم عليها بالنسخ على ما اصطلح عليه الأصوليون.\nلكنّ النّاظر في كتب التفسير يجد بعض المفسرين - الذين جاءوا بعد تحديد مصطلح النسخ بمفهومه عند الأصوليين - ينقلون أقوال الصحابة والتابعين في النسخ، ويجعلونها قسيمة الإحكام ويضعّفونها (^٢)، وأحيانا ربما مال بعضهم إلى القول بها على الرغم أنها ليست من قبيل النسخ الاصطلاحي عند المتأخرين، بل هي إما تقييد مطلق أو تخصيص عام، أو استثناء أو نحو ذلك.\nوفي الأمثلة التطبيقية على القاعدة إحالات إلى كثير من أمثلة ذلك.\n_________\n(^١) الموافقات (٣/ ١٠٨). وانظر نحو هذا البيان لمفهوم النسخ عند السلف في إعلام الموقعين (١/ ٣٥)، ومحاسن التأويل (١/ ٣٢)، والنسخ في القرآن لمصطفى زيد (١/ ١٠٦).\n(^٢) انظر على سبيل المثال إلى قول ابن الجوزي بعد أن حكى عن السدي النسخ في قول الله تعالى:\nوَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا [البقرة: ٢٢٩]. قال السدي: منسوخ بالاستثناء وهو قوله:\nإِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ [البقرة: ٢٢٩]. -","vol":"1","page":70},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-24> الزيادة على النص عند الحنفية:</span>\nخالف الحنفية في مسألة الزيادة على النص، فقالوا: إن الزيادة على المنصوص نسخ. فكل زائد على الكتاب فهو ناسخ، كزيادة الإيمان في رقبة الكفارة، وزيادة التغريب على الجلد في جلد الزاني البكر، فما جاء منه بطريق التواتر قبل، وما جاء منه بطريق الآحاد فلا يقبل؛ لأن الآحاد لا ينسخ المتواتر، كقول النبي ﷺ:\n«لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (^١) فهذا عندهم زيادة على المنصوص في قوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وهذا يقتضي افتراض مطلق القراءة لما تيسر من أي سورة، فجعل الفاتحة ركنا، نسخ لهذا القاطع بخبر الواحد فلا يجوز (^٢).\nوالصحيح ما ذهب إليه الجمهور من أن الزيادة على المنصوص ليست نسخا (^٣)، وإنما هي تخصيص وبيان وتقييد، إضافة إلى أن حقيقة النسخ لا توجد في الزيادة؛\n_________\n= قال ابن الجوزي - بعد أن ذكر هذا القول -: قلت: وهذا من أرذل الأقوال، لأن الاستثناء إخراج بعض ما شمله اللفظ، وليس بنسخ. اهـ من نواسخ القرآن ص ٢٥٠. فتأمل كيف رد ابن الجوزي قول السدي، وحاكمه على اصطلاح المتأخرين، ولم ينزّل قوله على ما كان مصطلحا عليه في ذلك الوقت.\nوقول السدي هذا مروي نحوه عن ابن عباس - ﵄ - انظر الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد ص ١١٣ مع الإيضاح لناسخ القرآن لمكي ص ١٧٨.\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلّها في الحضر والسفر …، من حديث عبادة بن الصامت. انظر الصحيح مع الفتح (٢/ ٢٧٦)، وأخرجه من حديثه - أيضا - مسلم، كتاب الصلاة، حديث رقم (٣٤).\n(^٢) انظر كشف الأسرار عن أصول البزدوي (٣/ ٣٦٠ - ٣٦١]، وأصول السرخسي (٢/ ٨٢)، والعدة لأبي يعلى (٣/ ٨٢٤)، وشرح اللمع (٢/ ٢٣٩)، والبرهان للجويني (٢/ ٨٥٣)، وروضة الناظر مع شرحها (١/ ٢٠٨)، وشرح الكوكب (٣/ ٥٨٢)، وإرشاد الفحول ص ٣٣١، وأضواء البيان (٢/ ٢٤٩)، (٣/ ٣٦٨)، (٥/ ٢١١ - ٢١٢).\n(^٣) انظر مجموع فتاوى ابن تيمية (٦/ ٤٠٧)، والمسودة ص ٢١٠، وأضواء البيان (٣/ ٣٦٨)، (٧/ ٥٥٧ - ٥٥٨).","vol":"1","page":71},{"text":"لأن حقيقته تبديل ورفع للحكم المشروع، أما الزيادة فهي تقرير للحكم المشروع وضم حكم آخر إليه (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-25> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\n- أمثلة هذه القاعدة كثيرة جدا منها ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها﴾ [محمد: ٤].\nاختلف أهل العلم في هذه الآية، فقال بعضهم: هي منسوخة، نسخها قول الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقوله: ﴿فَإِمّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧]، أي لا يجوز المنّ على الأسير، أو الفداء به، وإنما يقتل.\nوهذا مروي عن ابن عباس والسدي وقتادة وغيرهم (^٢)، وبه قالت الحنفية (^٣).\nوقال بعضهم: هي ناسخة لقول الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ فلا يجوز قتل الأسير، ولكن يمن عليه، أو يفادي به. وهذا قول الضحاك وجماعة (^٤).\nوقال آخرون: بل الآية محكمة، وليست بمنسوخة، وكذاآية القتل محكمة. أي له المنّ، أو الفداء، أو القتل، أو الاسترقاق، على ما يراه الإمام من الأصلح للإسلام والمسلمين. وهذا مروي عن ابن عباس، وابن عمر (^٥)، والحسن، وغيرهم (^٦).\n_________\n(^١) انظر كشف الأسرار (٣/ ٣٦٢).\n(^٢) انظر الروايات في جامع البيان (٢٦/ ٤٠ - ٤١)، وانظر الناسخ والمنسوخ للنحاس (٣/ ٥)، ونواسخ القرآن لابن الجوزي ص ٥١٩.\n(^٣) انظر أحكام القرآن للجصاص (٥/ ٢٦٩ - ٢٧١).\n(^٤) الناسخ والمنسوخ للنحاس (٣/ ١٠)، والإيضاح لناسخ القرآن لمكي ص ٤١٤.\n(^٥) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، أبو عبد الرحمن، أسلم وهو صغير، ثم هاجر مع أبيه وهو لم يحتلم. استصغر يوم أحد، وشهد الخندق، وبيعة الرضوان. توفي سنة أربعة وسبعين، وقيل غير ذلك. سير أعلام النبلاء (٣/ ٢٠٣). والإصابة (٤/ ١٠٧).\n(^٦) انظر الروايات في جامع البيان (٢٦/ ٤١).","vol":"1","page":72},{"text":"وهذا القول هو الذي ترجّحه هذه القاعدة، وتقضي به؛ لأن الحكم إذا دار بين النسخ والإحكام فالقول بالإحكام مقدم؛ «ولأن النسخ إنما يكون لشيء قاطع، فإذا أمكن العمل بالآيتين فلا معنى للقول بالنسخ» (^١).\nولا دليل لمن ادعى النسخ يحكم به، وليس القتل نقيضا للمن والفداء، فالعمل بالجميع ممكن حسب ما يرى الإمام من المصلحة، وهذا القول الذي رجحته هذه القاعدة هو ما اختاره ورجحه أئمة التفسير.\nقال الإمام الطبري - مرجّحا بهذه القاعدة، بعد أن ذكر الأقوال في تفسير الآية -:\n* والصواب من القول عندنا في ذلك أن هذه الآية محكمة غير منسوخة، وذلك أن صفة الناسخ والمنسوخ ما قد بيّنا في غير موضع في كتابنا إنه ما لم يجز اجتماع حكميهما في حال واحدة، أو ما قامت الحجة بأن أحدهما ناسخ الآخر، وغير مستنكر أن يكون جعل الخيار في المنّ والفداء والقتل إلى رسول الله ﷺ، وإلى القائمين بعده بأمر الأمة، وإن لم يكن القتل مذكورا في هذه الآية، لأنه قد أذن بقتلهم في آية أخرى، وذلك قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾\n[التوبة: ٥]، بل ذلك كذلك، لأن رسول الله ﷺ كذلك كان يفعل فيمن صار أسيرا في يده من أهل الحرب فيقتل بعضا ويفادي ببعض، ويمن على بعض مثل يوم بدر قتل عقبة بن أبي معيط وقد أتي به أسيرا، وقتل بني قريظة وقد نزلوا على حكم سعد (^٢) وصاروا في يده سلما، وهو على فدائهم، والمنّ عليهم قادر، وفادى بجماعة\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٢٢٨).\n(^٢) هو: سعد بن معاذ بن النعمان الأشهلي الأنصاري، سيد الأوس، شهد بدرا، ورمي بسهم يوم الخندق فعاش بعد ذلك شهرا حتى حكم في بني قريظة وأجيبت دعوته في ذلك، اهتز عرش الرحمن لموته، توفي سنة خمس من الهجرة، الإصابة (٣/ ٨٧).","vol":"1","page":73},{"text":"أسارى المشركين الذين أسروا ببدر، ومنّ على ثمامة بن أثال الحنفي (^١)، وهو أسير في يده، ولم يزل ذلك ثابتا من سيره في أهل الحرب من لدن أذن الله له بحربهم، إلى أن قبضه إليه ﷺ دائما ذلك فيهم، وإنما ذكر - جلّ ثناؤه - في هذه الآية المنّ والفداء في الأسارى، فخصّ ذكرهما فيها؛ لأن الأمر بقتلهما والإذن منه بذلك قد كان تقدم في سائر آي تنزيله مكرّرا، فأعلم نبيه ﷺ بما ذكره في هذه الآية من المنّ والفداء ماله فيه مع القتل. اهـ (^٢).\nوقال بإحكام الآية أكثر العلماء من مفسرين (^٣) وفقهاء (^٤)، على اختلاف بينهم في بعض أحكامها (^٥).\n_________\n(^١) أبو أمامة اليمامي، أخرج البخاري قصة إسلامه عن أبي هريرة قال: «بعث النبي ﷺ خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج إليه النبي ﷺ فقال: «أطلقوا ثمامة»، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله»، قتل في حروب الردة في البحرين وهو في جيش العلاء بن الحضرمي، الإصابة (١/ ٢١١).\n(^٢) جامع البيان (٢٦/ ٤٢).\n(^٣) كأبي عبيد في الناسخ والمنسوخ ص ٢١١ - ٢١٦، والنحاس في الناسخ والمنسوخ (٣/ ١٢) والمعاني (٦/ ٤٦٣)، ومكي في الناسخ والمنسوخ ص ٤١٤، والكيا الهراسي في أحكام القرآن (٤/ ٣٧٣)، والبغوي في معالم التنزيل (٧/ ٢٧٨)، وابن العربي في أحكام القرآن (٤/ ١٣٢)، وابن عطية في المحرر الوجيز (١٥/ ٥١)، والقرطبي في الجامع (١٦/ ٢٢٨)، والقاسمي في محاسن التأويل (١٥/ ٥٣٧٥)، والشوكاني في الفتح (٥/ ٣١) وغيرهم كثير.\n(^٤) انظر الأم (٤/ ٣٦١ - ٣٦٣)، والمغني (١٣/ ٤٤)، والمجموع (٢١/ ١٧٠)، والسيل الجرار (٤/ ٥٦٧)، وغيرها من كتب الفروع.\n(^٥) ونظائر هذا المثال - من الآيات التي ادعى فيها النسخ والتحقيق خلافه، ومحاكمة السلف في النسخ على اصطلاح المتأخرين - كثير انظر على سبيل المثال:\n- الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد ص ٣٣.\n- وجامع البيان (١/ ٥٠٥)، (٢/ ١١٦ - ٣٦٨ - ٤٧٢)، (٣/ ١٧ - ١٤٩)، (٧/ ١٢٤)، (٨/ ١٠٧)، (٩/ ١٣٤ - ١٧٦ - ٢٠٣ - ٢٣٨)، (١٠/ ٢ - ٣٤ - ٥٧ - ٨١ - ١٣٥ - ١٤٣)، (١٤/ ١٣٨ - ١٩٧) -","vol":"1","page":74},{"text":"ويدخل تحت هذه القاعدة القواعد التي يذكرها الأصوليون من ترجيح غير النسخ عليه، في مبحث «تعارض ما يخل بالفهم» وهي:\nالقاعدة الأولى:\n«إذا وقع التعارض بين احتمال النسخ واحتمال التخصيص، فالتخصيص أولى» (^١).\nالقاعدة الثانية:\n«إذا وقع التعارض بين النسخ والإضمار، فالإضمار أولى» (^٢).\n_________\n=، (٢١/ ٣)، (٢٥/ ٣٨ - ٤٠)، (٢٨/ ٦٦)، (٢٩/ ٧٢).\n- والناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس (١/ ٤٦٨ - ٤٧٥ - ٤٨٥ - ٥١١)، (٢/ ٥١ - ٣٨١ - ٤٢٧ - ٤٣٩)، (٣/ ٦٨).\n- والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي ص ١٢٤ - ١٥٢ - ١٥٥ - ١٥٦ - ١٧٨ - ١٧٩ - ٢٠٢.\n- والمحرر الوجيز (١/ ٢٧٨ - ٣١٣)، (٢/ ١٩٤ - ٢٠٢ - ٣٨٣)، (٤/ ٤٦ - ٦٦) (٨/ ٣٢ - ٥٥)، (١١/ ٣٢٩).\n- ونواسخ القرآن لابن الجوزي ص ١٥٢ - ١٥٤ - ١٥٨ - ١٥٩ - ١٦٣ - ١٧٤ - ١٧٥ - ١٧٦ - ١٧٨ - ١٨١ - ١٨٣ - ٢٠٣ - ٢١٦ - ٢١٩ - ٢٢٣ - ٢٢٤ - ٢٢٦ - ٢٢٩ - ٢٣١ - ٢٤٥ - ٢٤٦ - ٢٤٩.\n- والجامع لأحكام القرآن (٣/ ١٣٩ - ١٤٠).\n- ومجموع فتاوى ابن تيمية (١٤/ ١١٠ - ١٣٣)، (٢٢/ ٢٠٧ - ٢١٦).\n- وبدائع الفوائد (١/ ١٤٠).\n- وأضواء البيان (١/ ١٤٦). (٧/ ١٥٨ - ٥٩٧). وغير هذا كثير جدا.\n(^١) انظر البحر المحيط في أصول الفقه (٢/ ٢٤٦)، والتعارض والترجيح للبرزنجي (٢/ ١٤٥)، وانظر مثال هذه القاعدة في الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي ص ٨٨ - ٩٩ - ٢٦١. وبهذه القاعدة يرجح مذهب الجمهور على مذهب الحنفية في مسألة الزيادة على النص، فهي من قبيل التخصيص لا النسخ.\n(^٢) انظر التعارض والترجيح للبرزنجي (٢/ ١٥١).","vol":"1","page":75},{"text":"القاعدة الثالثة:\n«إذا وقع التعارض بين النسخ والاشتراك، فالاشتراك أولى» (^١).\nالقاعدة الرابعة:\nإذا وقع التعارض بين النسخ والمجاز، فالمجاز أولى» (^٢).\nالقاعدة الخامسة:\n«إذا وقع التعارض بين النسخ والنقل، فالنقل أولى» (^٣).\n_________\n(^١) انظر المحصول (١/ ٥٠٢/١)، ونهاية السول، وبحاشيته سلم الوصول لشرح نهاية السول (٢/ ١٨٠ - ١٨٤)، والبحر المحيط (٢/ ٢٤٥)، والتعارض والترجيح (٢/ ١٣٠).\n(^٢) انظر التعارض والترجيح (٢/ ١٥١).\n(^٣) انظر التعارض والترجيح (٢/ ١٥١).","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type='title' id=toc-26>المبحث الأول:\nقواعد الترجيح المتعلقة بالقراءات ورسم المصحف وفيه أربعة مطالب:</span>\nالمطلب الأول: قاعدة:\nإذا ثبتت القراءة فلا يجوز ردها أو رد معناها، وهي بمنزلة آية مستقلة.\nالمطلب الثاني: قاعدة:\nاتحاد معنى القراءتين أولى من اختلافه.\nالمطلب الثالث: قاعدة:\nمعنى القراءة المتواترة أولى بالصواب من معنى القراءة الشاذة.\nالمطلب الرابع: قاعدة:\nالوجه التفسيري والإعرابي الموافق لرسم المصحف أولى من الوجه المخالف له.","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type='title' id=toc-27>المطلب الأول:\nقاعدة: إذا ثبتت القراءة فلا يجوز ردها أو رد معناها، وهي بمنزلة آية مستقلة</span>\n*<span data-type='title' id=toc-28> صورة القاعدة:</span>\nهذه القاعدة تحمي حمى القراءات القرآنية ومعانيها التي تدل عليها من طعن بعض المفسرين والمعربين الذي شاع وانتشر بينهم في بعض القراءات الثابتة، فمتى ثبتت القراءة فلا يجوز ردها أو رد معناها، بل يجب قبولها وقبول معناها، وكل طاعن أو رادّ لها أو لمعناها الذي تؤدي إليه فقوله ردّ عليه.\nفهذه القاعدة تضبط نظر الناظر في أقوال المفسرين والمعربين في تفسير وإعراب آيات القرآن، فلا تعتبر الأقوال التي تطعن أو تردّ قراءات قرآنية ثابتة، وكل قراءة بمنزل آية مستقلة وبذلك ينحصر الصواب في تفسيرالآية فيما عد أقوال الطاعنين.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-29> بيان ألفاظ القاعدة:</span>\nقولي: «إذا ثبتت القراءة ....».\nأولا: تعريف القراءة:\nأصل مادة «قرأ» و«قرى» مهموزة وغير مهموزة - في اللغة يدل على جمع واجتماع، وسمي القرآن بذلك لجمعه ما فيه من الأحكام والقصص وغير ذلك.\nوالقراءة: ضمّ الحروف والكلمات إلى بعض في الترتيل. وكل شيء جمعته فقد قرأته (^١).\n_________\n(^١) انظر معجم مقاييس اللغة (٥/ ٧٨ - ٧٩)، ومفردات الراغب ص ٦٦٨، واللسان (١/ ١٢٨) مادة «قرأ».","vol":"1","page":79},{"text":"والقراءة مفرد جمعه قراءات.\nوهي في الاصطلاح: اختلاف ألفاظ الوحي في كتبة الحروف أو كيفيتها، من تخفيف وتثقيل وغيرهما (^١).\nثانيا: ثبوت القراءة:\nاشترط العلماء لصحة القراءة وثبوتها أن يتوفر فيها ثلاثة أركان (^٢):\nأحدها: صحة السند وعليه مدار صحة القراءة والمقصود بصحة السند: أن يروي تلك القراءة العدل الضابط عن مثله كذلك حتى تنتهي، وتكون مع ذلك مما عرف واشتهر عند أئمة الشأن الضابطين له، غير معدودة عندهم من الغلط أو مما شذ به بعضهم (^٣).\n_________\n(^١) البرهان في علوم القرآن (١/ ٣١٨). وانظر تعريف ابن الجزري لها في منجد المقرئين ص ٣.\n(^٢) انظر الإبانة لمكي ٣٩، والمرشد الوجيز ص ١٧١ - ١٧٣ وص ١٧٨، والنشر (١/ ٩)، ومنجد المقرئين لابن الجزري ص ١٥، والبرهان للزركشي (١/ ٣٣١).\n(^٣) النشر (١/ ١٣)، واشترط بعض العلماء في هذا التواتر، وقالوا القرآن لا يثبت بخبر الآحاد.\nوهذا ظاهر كلام مكي - في الإبانة ص ٣٩ -، وبه كان يقول ابن الجزري - النشر (١/ ١٣) - ونقل - في منجد المقرئين ص ١٧ - عن ابن الصلاح نحوه، وقال به بعض أهل الأصول انظر إرشاد الفحول ص ٦٣.\nوقال آخرون: بل يكفي صحة السند واشتهارها عند الحذاق من أهل الشأن، مع موافقة الرسم والعربية.\nقال أبو شامة: وقد شاع على ألسنة جماعة من المقرئين المتأخرين وغيرهم من المقلدين أن القراءات السبع كلها متواترة، أي كل فرد فرد مما روي عن هؤلاء الأئمة السبعة، قالوا: والقطع بأنها منزلة من عند الله واجب.\nونحن بهذا نقول، ولكن فيما اجتمعت على نقله عنهم الطرق واتفقت عليه الفرق من غير نكير له مع أنّه شاع واشتهر واستفاض، فلا أقل من اشتراط ذلك، إذا لم يتفق التواتر في بعضها.\nفإن القراءات السبع المراد بها ما روي عن الأئمة السبعة القراء المشهورين، وذلك المروي عنهم منقسم إلى ما أجمع عليه عنهم لم تختلف فيه الطرق، وإلى ما اختلف فيه بمعنى أنه نفيت نسبته إليهم في بعض الطرق.\nفالمصنفون لكتب القراءات يختلفون في ذلك اختلافا كثيرا، ومن تصفح كتبهم في ذلك ووقف على -","vol":"1","page":80},{"text":"فإذا تواترت القراءة فلا يحتاج إلى الركنين الأخيرين، ويغني التواتر عنهما (^١)، وإن كانت دون التواتر فمع الركنين الأخيرين تثبت القراءة.\nالثاني: موافقة أحد المصاحف ولو احتمالا.\nفقولهم: «أحد المصاحف» أي أحد المصاحف التي وجهها عثمان - ﵁ - إلى الأمصار، واشترط موافقة أحدها؛ لأجل ما كان ثابتا في بعض المصاحف دون بعض.\nوقولهم: «ولو احتمالا» لأن الموافقة قد تكون صريحة تحقيقا، وقد تكون محتملة تقديرا، فإنه قد خولف صريح الرسم في مواضع إجماعا.\nالثالث: موافقة العربية ولو بوجه.\nأي موافقتها بأي وجه من الوجوه، سواء كان فصيحا أو أفصح، مجمعا عليه أو مختلفا فيه.\nولا حجة في هذا الركن لمن أنكر بعض القراءات؟ لأجل مخالفة قاعدة في العربية - كما يفعل بعض النحاة وبعض المفسرين -؛ لأن أئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل، والرواية إذا ثبتت عنهم لم يردها قياس عربية ولا فشو لغة؛ لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها (^٢).\n_________\n= كلامهم فيه عرف صحة ما ذكرناه.\n- إلى أن قال -: فالحاصل إنا لسنا ممن يلتزم التواتر في جميع الألفاظ المختلف فيها بين القراء، بل القراءات كلها منقسمة إلى متواتر وغير متواتر، وذلك بيّن لمن أنصف وعرف وتصفح القراءات وطرقها.\nاهـ المرشد الوجيز ص ١٧٦ - ١٧٨.\nوبنحو هذا قال الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٠/ ١٧١) والحافظ ابن الجزري - في النشر (١/ ١٣) ومنجد المقرئين ص ٢٠، والعلامة الشوكاني في إرشاد الفحول ص ٦٣، وغيرهم.\n(^١) انظر النشر (١/ ١٣).\n(^٢) من كلام الداني نقله عنه ابن الجزري في النشر (١/ ١٠ - ١١)، والسيوطي في الإتقان (١/ ٢١١).","vol":"1","page":81},{"text":"فالرواية هي الأصل، وقواعد العربية تبع لها، لا العكس، والقرآن حكم على قواعد اللغة لا العكس.\nقولي: «فهي بمنزلة آية مستقلة»، قد نص على هذا كثير من العلماء، كابن العربي (^١)، وابن تيمية (^٢)، ونقله الزركشي (^٣)، والسيوطي (^٤)، وقرره الشنقيطي (^٥)، وغيرهم - عليهم رحمة الله جميعا -.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن القراءتين كالآيتين، فزيادة القراءات كزيادة الآيات؛ لكن إذا كان الخط واحدا واللفظ محتملا كان ذلك أخصر في الرسم. اهـ (^٦).\nوقال العلاّمة الشنقيطي: اعلم أن القراءتين إذا ظهر تعارضهما في آية واحدة لهما حكم الآيتين، كما هو معروف عند العلماء. اهـ (^٧).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-30> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nإطباق الأمة على تلقي القراءات السبع - والثلاث المتمة للعشر على الصحيح - مع صحة سندها، وموافقتها لخط المصحف يغني في تقرير هذه القاعدة عن سرد أقوال بعض العلماء في الدفاع عن القراءات، وردّ طعن الطاعنين الذين حاكموا القراءات إلى النحو البصري، أو النحو الكوفي، فالقرآن هو الحجة لا قواعد النحو «فلا يجوز الحكم على القراءة صحة أو ضعفا من خلال قواعد اللغة أو النحو، وإنما الحكم على القراءة بالصحة أو الضعف يرجع في أساسه إلى الرواية وصحة النقل،\n_________\n(^١) انظر أحكام القرآن (١/ ٢٣٣).\n(^٢) انظر مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٩١ - ٤٠٠).\n(^٣) انظر البرهان (١/ ٣٢٧).\n(^٤) انظر الإتقان: ١/ ٢٢٦ - ٢٢٧).\n(^٥) انظر أضواء البيان (٢/ ٨).\n(^٦) مجموع الفتاوى (١٣/ ٤٠٠).\n(^٧) أضوء البيان (٢/ ٨).","vol":"1","page":82},{"text":"فإذا ثبتت القراءة، وصحّ نقلها وجب اتباعها؛ لأنها سنة متّبعة لا بد من التزامها والمصير إليها ولو خالفت الأقيسة اللغوية، والقواعد النحوية» (^١).\nوإن تعجب فعجب فعلهم في اعتبار بيت الشعر شاهدا للقاعدة، وقبول القراءة عندهم تبع لذلك، وعدم اعتبار القراءة في تصحيح القاعدة إذا خلا منها كلام الشعراء.\nوالقراءة إذا ثبتت كانت آية من كتاب الله تعالى - كما سبق تقريره - فلا يجوز ردّها، أو ردّ موجبها.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - بعد أن ذكر بعض القراءات الثابتة -: فهذه القراءات التي يتغاير فيها المعنى كلها حق، وكل قراءة منها مع القراءة الأخرى بمنزلة الآية مع الآية يجب الإيمان بها كلها، واتباع ما تضمنته من المعنى علما وعملا، لا يجوز ترك موجب إحداهما لأجل الأخرى ظنا أن ذلك تعارض. اهـ (^٢).\nوقرر مضمون هذه القاعدة، وردّ أقوال الطاعنين في بعض القراءات كثير من العلماء كأبي جعفر النحاس (^٣)، وأبي شامة (^٤)، وابن المنير (^٥)، وأبي حيان (^٦)، والسمين الحلبي (^٧)، والزركشي (^٨)، وابن الجزري (^٩)، وغيرهم.\n_________\n(^١) مدرسة التفسير في الأندلس لمصطفى المشيني ص ٣٢٠.\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٩١).\n(^٣) انظر إعراب القرآن (٥/ ٢٣١).\n(^٤) انظر إبراز المعاني من حرز الأماني له ص ٧٠، والدر المصون (١/ ٤٩)، والبرهان (١/ ٣٤٠).\nوأبو شامة هو: شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي، الحافظ العلامة المجتهد، صاحب التصانيف، أتقن فن القراءات على علم الدين السخاوي وهو حدث، وبرع فيه. له شرح الشاطبية، والمرشد الوجيز، توفي سنة خمس وستين وستمائة. تذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٦٠)، وشذرات الذهب (٥/ ٣١٨).\n(^٥) انظر الإنتصاف بهامش الكشاف (٢/ ٥٣).\n(^٦) انظر البحر المحيط (٤/ ٦٥٧ - ٦٥٨).\n(^٧) انظر الدر المصون (٥/ ١٦٢ - ١٦٦).\n(^٨) انظر البرهان (١/ ٣٤٠).\n(^٩) انظر النشر (١/ ٩)، و(٢/ ٢٦٣)، ومنجد المقرئين ص ٢٤.","vol":"1","page":83},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-31> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nمن أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ﴾ [النساء: ١] اختلف القراء والمفسرون في قراءة وتفسير لفظ ﴿وَالْأَرْحامَ﴾.\nفقرأ حمزة (^١) ﴿وَالْأَرْحامَ﴾ بالجر.\nوقرأ بقية السبعة (^٢) ﴿وَالْأَرْحامَ﴾ بالنصب (^٣).\n_________\n=وابن الجزري هو: محمد بن محمد بن محمد الدمشقي الشافعي، العلاّمة نهاية المحققين، طلب الحديث والقراءات وبرّز فيهما، وكانت عنايته بالقراءات أكثر، له النشر في القراءات العشر، ونظم القراءات الثلاث المتممة للعشر، وغيرها، توفي سنة ثلاث وثلاثين وثمان مائة. الضوء اللامع (٩/ ٢٥٥).\n(^١) هو: حمزة بن حبيب الزيات، أبو عمارة الكوفي، أحد القراء السبعة، أدرك بعض الصحابة. إليه صارت إمامة القراءة في الكوفة بعد عاصم، قرأ عليه الكسائي من السبعة. توفي سنة ست وخمسين ومائة، معرفة القراء الكبار (١/ ١١١).\n(^٢) وبقية السبعة هم: ١ - عاصم بن أبي النّجود الكوفي، أبو بكر. معدود من التابعين قرأ على أبي عبد الرحمن السلمي، وزر بن حبيش. توفي سنة (١٢٧ هـ). معرفة القراء (٢/ ٨٨).\n٢ - علي بن حمزة الكسائي الكوفي، أبو الحسن، إمام العربية المشهور، قرأ على حمزة الزيات. توفي سنة (١٨٩ هـ) معرفة القراء (١/ ١٢٠).\nوهؤلاء الثلاثة عاصم، حمزة، والكسائي هم الكوفيون.\n٣ - نافع بن عبد الرحمن المدني، إمام المدينة في الإقراء، قرأ على سبعين من التابعين، توفي سنة (١٦٩ هـ).\nمعرفة القراء (١/ ١٠٧).\n٤ - عبد الله بن كثير المكي، أبو معبد، إمام المكيين في القراءة، توفي سنة (١٢٠ هـ). معرفة القراء (١/ ٨٦).\n٥ - عبد الله بن عامر اليحصبي الدمشقي، أبو عمران، إمام أهل الشام في القراءة، أعلى القراء السبعة سندا، توفي سنة (١١٨ هـ). معرفة القراء (١/ ٨٢).\n٦ - زبّان بن العلاء المازني البصري أبو عمرو، إمام القراءات، والنحو، واللغة. توفي سنة (١٥٤ هـ). معرفة القراء (١/ ١٠٠).\n(^٣) انظر الحجة للفارسي (٣/ ١٢١)، والكشف لمكي (١/ ٣٧٥)، والنشر (٢/ ٢٤٧).","vol":"1","page":84},{"text":"فالمعنى على قراءة الجر: أنه يتساءل بها كما يقول الرجل: أسألك بالله وبالرحم، وبهذا فسرها الحسن، ومجاهد، وغيرهما (^١).\nوعلى قراءة النصب يكون المعنى بإضمار فعل تقديره: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، كذا فسرها ابن عباس، وقتادة، وعكرمة، وغيرهم (^٢).\nقال الطبري - بعد أن ذكر معنى الآية على قراءة الجر -: وعلى هذا التأويل قول بعض من قرأ قوله: «والأرحام» بالخفض عطفا بالأرحام على الهاء التي في قوله:\n﴿بِهِ،﴾ كأنه أراد: واتقوا الله الذي تساءلون به وبالأرحام، فعطف بظاهر على مكنيّ مخفوض وذلك غير فصيح من الكلام عند العرب؛ لأنها لا تنسق بظاهر على مكنيّ في الخفض، إلا في ضرورة الشعر، وذلك لضيق الشعر، وأما الكلام فلا شيء يضطر المتكلم إلى اختيار المكروه من المنطق، والرديء في الإعراب منه\nوالقراءة التي لا نستجيز للقارئ أن يقرأ غيرها في ذلك النصب ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ﴾ بمعنى: واتقوا الأرحام أن تقطعوها. اهـ (^٣).\nوقال ابن عطية عن قراءة حمزة: وهذه القراءة عند رؤساء نحويي البصرة لا تجوز؛ لأنه لا يجوز عندهم أن يعطف ظاهر على مضمر مخفوض … قال القاضي أبو محمد: … ويردّ عندي هذه القراءة من المعنى وجهان:\nأحدهما: أن ذكر الأرحام فيما يتساءل به لا معنى له في الحض على تقوى الله، ولا فائدة فيه أكثر من الإخبار بأن الأرحام يتساءل بها، وهذا تفرق في معنى الكلام وغض من فصاحته، وإنما الفصاحة في أن يكون لذكر الأرحام فائدة مستقلة.\nوالوجه الثاني: أن في ذكرها على ذلك تقريرا للتساؤل بها والقسم بحرمتها، والحديث الصحيح يرد ذلك في قوله - ﵇ -: «من كان حالفا فليحلف بالله\n_________\n(^١) انظر جامع البيان (٤/ ٢٢٦)، والمحرر الوجيز (٤/ ٨)، وغيرهما من كتب التفسير.\n(^٢) انظر جامع البيان (٤/ ٢٢٧ - ٢٢٨)، والمحرر الوجيز (٤/ ٨)، وغيرهما من كتب التفسير.\n(^٣) جامع البيان (٤/ ٢٢٦ - ٢٢٨).","vol":"1","page":85},{"text":"أو ليصمت» (^١). اهـ (^٢).\nوالمعتدون على هذه القراءة المتواترة من النحاة والمفسرين كثر (^٣)، وأقوالهم في ردّ هذه القراءة، ورد معناها ظاهرة البطلان؛ لأن هذه القراءة سبعية ثابتة، وقد أطبقت الأمة على قبولها وقبول معناها، وأن العمدة في قبول القراءة وردّها هو الرواية، لا العلل النحوية، والقياسات اللغوية، فالإمام حمزة قطعا أخذ هذه القراءة رواية، ولم يقرأ بها من اجتهاده.\nقال الألوسي: فالتشنيع على هذا الإمام في غاية الشناعة، ونهاية الجسارة، والبشاعة، وربما يخشى منه الكفر، وما ذكر من امتناع العطف على الضمير المجرور هو مذهب البصريين، ولسنا متعبدين باتباعهم. هـ (^٤).\nوقال أبو حيان: وما ذهب إليه أهل البصرة وتبعهم فيه الزمخشري وابن عطية، من امتناع العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار، ومن اعتلالهم لذلك غير صحيح، بل الصحيح مذهب الكوفيين في ذلك وأنه يجوز.\nوقد أطلنا في الاحتجاج في ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وذكرنا ثبوت ذلك في لسان العرب نثرها ونظمها (^٥)\nوأما قول ابن عطية: ويرد عندي هذه القراءة من المعنى وجهان. فجسارة قبيحة منه لا تليق بحاله ولا بطهارة لسانه؛ إذ عمد إلى قراءة متواترة عن رسول الله ﷺ قرأ بها سلف الأمة، واتصلحت بأكابر قراء الصحابة الذين تلقوا القرآن من في رسول الله ﷺ بغير واسطة عثمان، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأقرأ الصحابة\n_________\n(^١) متفق عليه من حديث ابن عمر، البخاري، كتب الأيمان والنذور، باب لا تحلفوا بآبائكم. انظر الصحيح مع الفتح (١١/ ٥٣٨). ومسلم، كتاب الأيمان، حديث رقم (٣).\n(^٢) المحرر الوجيز (٤/ ٨ - ٩).\n(^٣) انظر بعضهم في معاني القرآن للفراء (١/ ٢٥٢)، ومعاني القرآن للزجاج (٢/ ٦)، وإعراب القرآن للنحاس (١/ ٤٣١)، والحجة للفارسي (٣/ ١٢١)، والكشف لمكي (١/ ٣٧٥)، والكشاف (١/ ٤٩٣).\n(^٤) روح المعاني (٤/ ١٨٤).\n(^٥) انظره في البحر المحيط (٢/ ٣٨٧ - ٣٨٩).","vol":"1","page":86},{"text":"أبيّ بن كعب عمد إلى ردّها بشيء خطر له في ذهنه، وجسارته هذه لا تليق إلا بالمعتزلة كالزمخشري، فإنه كثيرا ما يطعن في نقل القراء وقراءتهم … ولم يقرأ حمزة حرفا من كتاب الله إلا بأثر. وكان حمزة صالحا ورعا ثقة في الحديث\nولسنا متعبدين بقول نحاة البصرة ولا غيرهم ممن خالفهم، فكم حكم ثبت بنقل الكوفيين من كلام العرب لم ينقله البصريون، وكم حكم ثبت بنقل البصريين لم ينقله الكوفيون، وإنما يعرف ذلك من له استبحار في علم العربية. اهـ (^١).\nوأما الإمام الطبري على - جلالة قدره - له منهج في تفسيره تجاه اختيار القراءات، وربما نظر في اختيار القراءات إلى موافقة القياس اللغوي، أو لطلب لطائف المعاني التي يستنبطها من سياق الآيات وإن لم يكن له طعن فيها من حيث الثبوت، ونحوها من العلل التي يختار لأجلها القراءة فهو إمام القراءات، وبما ثبت وما لم يثبت عالم، وهو صاحب اختيار في القراءة (^٢) وله كتاب في القراءات يحيل إليه في تفسيره كثيرا، لكنه ربما تجوّز في عبارته في اختيار القراءة والعذر له في ذلك أن اجتماع الأمة على القراءات السبع أو العشر كان بعد عصره - ﵀ -.\nإذا تقرر ذلك كله، فالذي ندين الله به أنه لا يجوز ردّ قراءة ثابتة أو الطعن فيها، أو ردّ معناها، وكل من فعل ذلك فقوله وطعنه ردّ عليه، لا يعتمد ولا ينظر إليه (^٣).\n_________\n(^١) البحر المحيط (٣/ ٤٩٩ - ٥٠٠).\n(^٢) انظر فتح الباري (٨/ ٦٤٧).\n(^٣) ومن نظائر هذا المثال ما جاء في تفسير قول الله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) [الفاتحة: ٤].\nانظر جامع البيان (١/ ٦٥ - ٦٦)، والحجة لأبي علي الفارسي (١/ ١٨)، والمحرر الوجيز (١/ ٧٠)، والجامع لأحكام القرآن (١/ ١٤٠)، والدر المصون (١/ ٤٨ - ٤٩).\nومنها ما جاء في قول الله تعالى: وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ [الأنعام: ١٣٧]. على قراءة ابن عامر.\nانظر جامع البيان (٨/ ٤٣ - ٤٤)، ومشكل إعراب القرآن (١/ ٢٩١)، والكشاف (٢/ ٥٤)، والمحرر الوجيز (٦/ ١٥٨)، البحر المحيط (٤/ ٦٥٧ - ٦٥٨)، والدر المصون (٥/ ١٦٢) وما بعدها والنشر (٢/ ٢٦٣) وما بعدها.","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type='title' id=toc-32>المطلب الثاني:\nقاعدة: اتحاد معنى القراءتين أولى من اختلافه</span>\n*<span data-type='title' id=toc-33> صورة القاعدة:</span>\nإذا اختلف المفسرون في تفسيرآية من كتاب الله - تعالى - على أقوال، بناء على اختلاف القراءات الواردة في الآية.\nفإذا وجد قول يجمع معنى القراءات في الآية على معنى واحد، وأمكن القول بمقتضاها جميعا، فهو أولى الأقوال بتفسيرالآية.\nوهذا من تفسير القرآن بالقرآن، فالقراءة بمنزلة الآية - كما سبق بيانه في القاعدة السابقة -.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-34> بيان ألفاظ القاعدة:</span>\nمن القراءات ما يتحد فيه اللفظ والمعنى، وإنما يتنوع صفة النطق به كالهمزات، والمدات، والإمالات، ونقل الحركات، والإظهار، والإدغام، ونحو ذلك فهذا ظاهر أنه ليس فيه تناقض ولا تضاد مما تنوع فيه اللفظ أو المعنى؛ إذ هذه الصفات المشروعة في أداء اللفظ لا تخرجه عن أن يكون لفظا واحدا (^١)، وليس داخلا تحت هذه القاعدة.\nومن القراءات ما يكون المعنى فيها متفقا من وجه متباينا من وجه آخر كقوله: «يخدعون، ويخادعون» (^٢)، و«ويكذبون، ويكذّبون» (^٣)، و﴿لامَسْتُمُ،﴾\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٩٢).\n(^٢) في قوله تعالى: وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ [البقرة: ٩]، قرأ ويخدعون وقرأ يخادعون انظر الكشف لمكي (١/ ٢٢٤)، والنشر (٢/ ٢٠٧).\n(^٣) في قوله تعالى: بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) [البقرة: ١٠] قرأ: يَكْذِبُونَ بالتخفيف، وقرأ يَكْذِبُونَ انظر الكشف (١/ ٢٢٧)، والنشر (٢/ ٢٠٧).","vol":"1","page":88},{"text":"﴿أَوْ لامَسْتُمُ﴾ (^١)، و﴿حَتّى يَطْهُرْنَ،﴾ و﴿يَطْهُرْنَ﴾ (^٢) ونحو ذلك. فهذه القراءات التي يتغاير فيها المعنى كلها حق، وكل قراءة منها مع القراءة الأخرى بمنزلة الآية مع الآية يجب الإيمان بها كلها، واتباع ما تضمنته من المعنى علما وعملا (^٣).\nومن القراءات ما يكون المعنى في إحداها ليس هو معنى الأخرى.\nوالبحث في هذه القاعدة في هذين النوعين فإذا أمكن القول بمقتضى القراءتين أو القراءات جميعا فهو أولى من اختلافها.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-35> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\n١ - من هؤلاء العلماء الذين ذكروا هذه القاعدة مكي بن أبي طالب، فقد ذكرها في مواضيع كثيرة من كتابه «الكشف عن وجوه القراءات السبع» (^٤)، من ذلك قوله عند توجيه القراءات في قوله تعالى: ﴿وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩].\nقال أبو محمد: وحمل القراءتين على معنى واحد أحسن. اهـ (^٥).\nوقال في موضع آخر: وحمل الآيتين على معنى واحد أولى. اهـ (^٦).\n_________\n(^١) في قوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ [النساء: ٤٣] والمائدة: ٦] قرأ لمستم وقرأ لامَسْتُمُ انظر الكشف (١/ ٣٩١)، والنشر (٢/ ٢٥٠).\n(^٢) في قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ [البقرة: ٢٢٢] قرأ يطهرن بالتخفيف، وو يطهّرن بتشديد الطاء. انظر الكشف (١/ ٢٩٣)، والنشر (٢/ ٢٢٧).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٩١).\n(^٤) انظر على سبيل المثال فيه (١/ ٢٢٩ - ٢٣٦ - ٢٤٠ - ٢٥٢ - ٢٧٢ - ٣١٣).\n(^٥) الكشف (١/ ٢٢٧)، وانظر تفسير ابن كثير (١/ ٧٣)، ويختار الإمام الطبري (١/ ١١٩ - ١٢٠) أنّ المنافقين خادعوا ربهم والمؤمنين، ولم يخدعوهم بل خدعوا أنفسهم. على اعتبار التفريق بين خادع وخدع، حيث أن «خادع» هو فعل المخادعة دون صحتها، وأمّا «خدع» تدل على صحة الخديعة ووقوعها.\nوبنى على ذلك القراءة الصحيحة وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ دون قراءة وما يخادعون.\n(^٦) بواسطة نقل الدكتور أحمد حسن فرحات في كتابه «مكي وتفسير القرآن» ص ٢٣٤.","vol":"1","page":89},{"text":"٢ - ومنهم القاضي ابن عطية: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ [آل عمران: ٩٧] بعد أن ذكر القراءة المتواترة في ﴿آياتٌ﴾ بالجمع، وذكر قراءة الإفراد وهي شاذة (^١).\nقال ابن عطية: قال الطبري: يريد علامة واحدة المقام وحده، وحكي ذلك عن مجاهد.\nقال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يراد بالآية اسم الجنس فيقرب من معنى القراءة الأولى. اهـ. (^٢).\n٣ - ومنهم السمين الحلبي: فقد قرر هذه القاعدة عند مناقشته لتوجيه بعض القراءات بقوله: الأصل توافق القراءات اهـ. (^٣).\n٤ - ومنهم المعلمي اليماني: فقد ذكر هذه القاعدة بقوله: واتحاد المعنى على القراءتين أولى من اختلافه. اهـ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-36>الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nمن أمثلة هذه القاعدة ما جاء في توجيه قراءة قول الله تعالى: ﴿يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ (٩) [البقرة: ٩].\nفقرأ عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر بفتح الياء وإسكان الخاء من غير ألف «يخدعون.» وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بضم الياء وبألف بعد الخاء وكسر الدال «يخادعون» (^٥).\nفذهب جماعة من المفسرين والقراء وأهل اللغة إلى أن معنى القراءتين واحد ف (خادع، وخدع) بمعنى واحد.\n_________\n(^١) وبها قرأ أبي بن كعب، وعمر، وابن عباس. انظر جامع البيان (٤/ ١٠)، والمحرر الوجيز (٣/ ١٦٥).\n(^٢) المحرر الوجيز (٣/ ١٦٥).\n(^٣) الدر المصون (٣/ ٥٥٥).\n(^٤) التنكيل (٢/ ٦٣٢) رقم الصفحة متسلسل.\n(^٥) انظر الحجة للفارسي (١/ ٢٢٤)، والكشف عن وجوه القراءات (١/ ٣١٢).","vol":"1","page":90},{"text":"فحملها من قرأ بغير ألف على معنى (يخادعون) في أول الآية؛ لأنه بمعنى (يخدعون) ولم يحمله على اللفظ، إذ مخادعتهم إنما كانت للنبي ﷺ وللمؤمنين، ولم يكن من النبي ﷺ والمؤمنين لهم مخادعة، فدل على أن المفاعلة من واحد فجاءت بصورة (يفاعل) وهي بمعنى (يفعل) نحو قاتلك الله بمعنى قتلك الله، فجرى الثاني على معنى الأول. وكذلك فإن (يخدعون) أخص بالواحد من (يخادعون).\nوفي هذا الحرف نسب المخادعة إلى واحد وهي أنفسهم.\nوحملها من قرأ بألف على المطابقة والمشاكلة بين الكلمتين، فأجرى الثاني على لفظ الأول. والمعنى أن ما يخادعون بتلك المخادعة المذكورة أولا إلا أنفسهم، إذ وبالها راجع عليهم.\nوقال آخرون: إن معنى (خادع) يختلف عن معنى (خدع). ف (الخداع) فعل قد يقع وقد لا يقع، و(الخدع) فعل يقع بلا شك.\nفعلى قراءة من قرأ ﴿وَما يَخْدَعُونَ﴾ أخبرت عن فعل وقع بهم بلا شك، وكذلك على قراءة من قرأ «(وما يخادعون)» جاز أن يكون لم تقع بهم المخادعة، وأن تكون قد وقعت، ف (يخدعون) أمكن في المعنى (^١).\nوأحسن الأقوال قول من قال إن معنى القراءتين واحد، إذ اتحاد معناهما أولى من اختلافه، قال مكي بن أبي طالب بعد أن ذكر القراءتين وعلة كل قراءة: وحمل القراءتين على معنى واحد أحسن وهو أن (خادع، وخدع) بمعنى واحد في اللغة، فيكون (وما يخادعون، وما يخدعون) بمعنى واحد من فاعل واحد. اهـ (^٢).\nوقال ابن كثير بعد أن ذكر القراءتين: وكلا القراءتين ترجع إلى معنى واحد.\nاهـ (^٣).\n_________\n(^١) الكشف عن وجوه القراءات (١/ ٢٢٥ - ٢٢٦)، وانظر الحجة للفارسي، والمجاز (١/ ٣١)، وجامع البيان (١/ ٢٧٥ - ٢٧٧).\n(^٢) الكشف (١/ ٢٢٧).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم (١/ ٧٣).","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type='title' id=toc-37>المطلب الثالث:\nقاعدة: معنى القراءة المتواترة أولى بالصواب من معنى القراءة الشاذة</span>\n*<span data-type='title' id=toc-38> صورة القاعدة:</span>\nإذا خالفت القراءة الشاذة القراءة المتواترة في مدلولها، ووقع الخلاف بين العلماء في تفسيرالآية بناء على اختلاف معنى القراءتين، ولم يمكن حمل معنى القراءة الشاذة على معنى القراءة المتواترة بحيث يتحد معنى القراءتين.\nفأولى الأقوال بالصواب في تفسيرالآية، تفسيرها وحملها على مدلول القراءة المتواترة؛ لأن الشاذ لا يقوى على منازعة الثابت المجمع عليه.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-39> بيان ألفاظ القاعدة:</span>\nسبق الكلام عن تعريف القراءة لغة، واصطلاحا، وعن أركان القراءة الصحيحة، وشروط ثبوتها في قاعدة «إذا ثبتت القراءة فلا يجوز ردّها، أو ردّ معناها …» بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.\n«القراءة الشاذة»:\nالشاذ في اللغة، مصدر شذ يشذ، شذوذا يقال شذّ الرجل، إذا انفرد عن أصحابه، وكذلك كل شيء منفرد، فهو شاذّ (^١).\nالقراءة الشاذة في الاصطلاح هي: كل قراءة اختل فيها ركن من أركان القراءة الصحيحة (^٢).\n_________\n(^١) انظر مادة «شذذ» في تهذيب اللغة (١١/ ٢٧١)، ولسان العرب (٣/ ٤٩٤).\n(^٢) انظر الإبانة لمكي ص ٣٩، والنشر (١/ ١٤)، والبرهان للزركشي (١/ ٣٣١)، والقراءات الشاذة لعبد الفتاح القاضي ص ٧.","vol":"1","page":92},{"text":"ويدخل تحت مصطلح الشذوذ هنا أنواع من القراءات وهي:\nالآحاد: وهو ما صح سنده، وخالف الرسم أو العربية، أو لم يشتهر عند القراء تلك الشهرة التي لم يعد بها من الغلط ولا من الشذوذ.\nوالشاذ: وهو ما لم يصح سنده.\nوالمدرج: وهو ما زيد في القراءات على وجه التفسير.\nوالموضوع (^١): وهو الذي لا أصل له في الرواية.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-40> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\n١ - من العلماء الذين استعملوا هذه القاعدة في الترجيح بين أقوال المفسرين الإمام الطبري، فبعد أن ذكر القراءات في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ (٤٣) [الرعد: ٤٣].\nقال - مقررا مضمون هذه القاعدة -: فإذا كانت قرأة الأمصار من أهل الحجاز والشام والعراق على القراءة الأخرى، وهي: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ (٤٣) [الرعد: ٤٣] كان التأويل الذي على المعنى الذي عليه قرأة الأمصار أولى بالصواب ممّا خالفه، إذ كانت القراءة بما هم عليه مجمعون أحق بالصواب. اهـ (^٢).\n٢ - ومنهم القاضي ابن عطية: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] ذكر قراءة الجمهور ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ بكسر الكاف، ويراد به كسوة الثياب. فالتخيير على هذه القراءة بين الإطعام، والكسوة، وتحرير رقبة. وذكر كذلك القراءة الشاذة في لفظ ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ،﴾ وهي: «أو كإسوتهم» بكاف الجر الداخلة على «أسوة» (^٣).\n_________\n(^١) انظر الإتقان (١/ ٢١٥ - ٢١٦).\n(^٢) جامع البيان (١٦/ ٥٠٧) ط: شاكر.\n(^٣) وهي قراءة سعيد بن جبير، ومحمد بن السّميفع اليماني، انظر مختصر في شواذ القراءة ص ٤٠، وفيه «ابن المسيب» بدل «ابن جبير» والمحتسب (١/ ٢١٨).","vol":"1","page":93},{"text":"ونقل توجيه ابن جني لهذه القراءة بقوله: قال أبو الفتح: كأنه قال: أو بما يكفي مثلهم فهو على حذف المضاف بتقدير أو ككفاية إسوتهم، قال: وإن شئت جعلت الأسوة هي الكفاية فلم تحتج إلى حذف المضاف.\nقال القاضي أبو محمد - معلقا على هذه القراءة الشاذة، وعلى توجيه ابن جني -: وفي هذا نظر، والقراءة مخالفة لخط المصحف، ومعناها على خلاف ما تأول أهل العلم من أن الحانث في اليمين بالله مخير في الإطعام أو الكسوة أو العتق. اهـ (^١).\n٣، ٤ - ومنهم الحافظ ابن حجر، والعلاّمة الشنقيطي: فقد قررا هذه القاعدة في معرض جوابهما عن دلالة القراءة الشاذة في قول الله تعالى: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ [البقرة: ١٥٨] وهي: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ وبها قرأ عليّ، وابن عباس، وابن مسعود، وأبي بن كعب وغيرهم (^٢).\nودلالتها أن الطواف بين الصفا والمروة سنة لا يجب بتركه شيء.\nوهذا قول ابن مسعود، وأنس، وابن عباس، وعبد الله بن الزبير، وغيرهم، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد (^٣).\nقال الحافظ ابن حجر - بعد أن نقل توجيه الإمام الطبري لهذه القراءة: وقال غيره:\nلا حجة في الشواذ إذا خالفت المشهور. اهـ (^٤).\nوقال العلاّمة الشنقيطي - معقبا على هذه القراءة الشاذة، ومعناها الذي دلت عليه -: إن هذه القراءة لم تثبت قرآنا لإجماع الصحابة على عدم كتبها في المصاحف العثمانية، وما ذكره الصحابي على أنه قرآن، ولم يثبت كونه قرآنا، ذهب كثير من أهل العلم إلى\n_________\n(^١) المحرر الوجيز (٥/ ١٧٨). وقد أضاف ابن عطية إلى الترجيح بهذه القاعدة ترجيحا آخر، وهو ما عليه الإجماع الفقهي في أنواع الكفارة.\n(^٢) انظر المحتسب (١/ ١١٥)، وجامع البيان (٢/ ٤٩).\n(^٣) انظر جامع البيان (٢/ ٤٩ - ٥٠)، والمغني لابن قدامة (٥/ ٢٣٩)، والجامع لأحكام القرآن (٢/ ١٨٣)، والمجموع للنووي (٨/ ١٠٤)، وأضواء البيان (٥/ ٢٣٠).\n(^٤) فتح الباري (٣/ ٥٨٣).","vol":"1","page":94},{"text":"أنه لا يستدل به على شيء، وهو مذهب مالك، والشافعي، ووجهه أنه لما لم يذكره إلا لكونه قرآنا، فبطل كونه قرانا بطل من أصله، فلا يحتج به على شيء، وقال بعض أهل العلم: إذا بطل كونه قرآنا لم يمنع ذلك من الاحتجاج به كأخبار الآحاد، التي ليست بقرآن.\nفعلى القول الأول: فلا إشكال، وعلى الثاني: فيجاب عنه بأن القراءة المذكورة تخالف القراءة المجمع عليها المتواترة، وما خالف المتواتر المجمع عليه إن لم يمكن الجمع بينهما فهو باطل، والنفي والإثبات لا يمكن الجمع بينهما؛ لأنهما نقيضان. اهـ (^١) ولبعض العلماء توجيه آخر لهذه القراءة الشاذة، ومنهم الفراء، والطبري. فقالوا: إن «لا» التي مع «أن» صلة في الكلام (^٢). فحملوها على القراءة المشهورة.\nوقد ضعف أبو بكر بن العربي هذا التوجيه فقال: وهذا ضعيف من وجهين:\nأحدهما: أنّا قد بينا في مواضع أنه يبعد أن تكون «لا» زائدة.\nالثاني: أنه لا لغويّ، ولا فقيه يعادل عائشة - ﵂ - وقد قررتها غير زائدة، وقد بينت معناها، فلا رأي للفراء ولا لغيره. اهـ (^٣) وذلك في ردّها لقول عروة بن الزبير حين قال لها: أرأيت قول الله تعالى: ﴿* إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾\n[البقرة: ١٥٨] فو الله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة. قالت: «بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت كما أوّلتها عليه كانت لا جناح عليه أن لا يتطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلّل، فكان من أهلّ يتحرّج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك قالوا: يا رسول الله، إنّا كنّا نتحرّج أن\n_________\n(^١) أضواء البيان (٥/ ٢٤٨ - ٢٤٩).\n(^٢) انظر المعاني (١/ ٩٥)، وجامع البيان (٢/ ٥١)، ونقله ابن حجر في الفتح (٣/ ٥٨٣) عن الطبري، والطحاوي.\n(^٣) أحكام القرآن (١/ ٧١).","vol":"1","page":95},{"text":"نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: ﴿* إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ﴾\nالآية» (^١).\nولو صح هذا التوجيه الذي ذكره الفراء والطبري لكان هذا المثال من أمثلة القاعدة السابقة، وهي: «اتحاد معنى القراءتين أولى من اختلافه»، وقد أشار إلى هذا السمين الحلبي بعد أن ذكره، فقال: وحينئد يتّحد معنى القراءتين. اهـ (^٢).\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-41>الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nمن أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ (٤٣) [الرعد: ٤٣].\nقرأ قرأة الأمصار ﴿وَمَنْ﴾ في الآية بفتح الميم وسكون النون فتكون (من) في موضع خفض عطفا على اسم الله.\nبمعني: والذين عندهم علم الكتاب - أي الكتب التي نزلت قبل القرآن كالتوراة والإنجيل - يشهدون بالحقّ ويقرّون به. وعلى هذه القراءة فسّر ذلك المفسّرون.\nفعن ابن عباس قوله: ﴿قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ (٤٣)، فالذين عندهم علم الكتاب: هم أهل الكتاب من اليهود والنّصارى.\nوقال بعض أهل التفسير كمجاهد وغيره: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ (٤٣) قال:\nهو عبد الله بن سلام خاصة.\nوقرأ آخرون: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ وهي قراءة ابن عباس ومجاهد والحسن وبه قرأ ابن السّميفع، وابن أبي عبلة.\n_________\n(^١) متفق عليه، البخاري، كتاب الحج، باب وجوب الصّفا والمروة، وجعل من شعائر الله. انظر الصحيح مع الفتح (٣/ ٥٨١).\n(^٢) الدر المصون (٢/ ١٩٠).","vol":"1","page":96},{"text":"وعلى هذه القراءة يكون المعنى: من عند الله علم الكتاب.\nوأولى الأقوال بالصواب في تفسيرالآية المعنى الذي دلت عليه القراءة المتواترة التي قرأ بها قرأة الأمصار من أن قوله ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ (٤٣) عطف على لفظ الجلالة وأن المراد به كل علماء أهل الكتابين التوراة والإنجيل الذين يجدون صفة محمد ﷺ ونعته في كتبهم المتقدمة، وبشارات الأنبياء به، إذ معنى القراءة المتواترة أولى بالصواب من معنى القراءة الشاذة.\nقال الإمام الطبري بعد أن ذكر القراءتين ومعنى كل قراءة: فإذ كان ذلك كذلك وكانت قرأة الأمصار من أهل الحجاز والشام والعراق على القراءة الأخرى، وهي: (ومن عنده علم الكتاب)، كان التأويل الذي على المعنى الذي عليه قرأة الأمصار أولى بالصواب ممّا خالفه، إذ كانت القراءة بما هم عليه مجمعون أحقّ بالصواب. اهـ (^١).\nويؤيد هذه القاعدة فيما رحجته قاعدة «القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على ما عدم ذلك» حيث ورد هذا المعنى في القرآن في غير موضع كما قال تعالى:\n﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿(١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧] وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (١٩٧) [الشعراء: ١٩٧]. وأمثال ذلك كالإخبار عن استشهاد أهل العلم وسؤالهم عما أنزل الله في عدة مواضع من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] الآية وقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] الآية وقوله: ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٤٣) [النحل: ٤٣] إلى غير ذلك من الآيات (^٢).\n_________\n(^١) جامع البيان (١٦/ ٥٠٧).\n(^٢) انظر أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن - (٢/ ٣٥٣)، وتفسير ابن كثير - (٤/ ٤٧٤).","vol":"1","page":97},{"text":"وأما قول من خص هذه الآية بعبد الله بن سلام أو بعض مسلمة أهل الكتاب فقوله ضعيف، تضعفه القاعدة الترجيحية «إذا ثبت تاريخ نزول الآية أو السورة فهو مرجح لما وافقه من أوجه التفسير» إذسورة الرعد مكية، ومسلمة أهل الكتاب كانوا بالمدينة.\nوبمضمون هذه القاعدة رد جماعة من المفسرين هذا القول (^١). إلا أن يحمل قول من قال ذلك على أن من ذكر باسمه من مسلمة أهل الكتاب ممن يدخل في عموم علماء بني إسرائيل من قبيل التفسير بالمثال (^٢).\n_________\n(^١) انظر جامع البيان (١٦/ ٥٠٥ - ٥٠٦)، والمحرر الوجيز (٤/ ٨٧) وتفسير ابن كثير (٤/ ٤٧٣)، والتحرير والتنوير (٧/ ٣٩٧).\n(^٢) وانظر نظائر هذا المثال في جامع البيان (٣/ ٥٤) ط: شاكر، وفتح الباري (٣/ ٥٨٣)، وأضواء البيان (٥/ ٢٤٨).","vol":"1","page":98},{"text":"<span data-type='title' id=toc-42>المطلب الرابع:\nقاعدة: الوجه التفسيري والإعرابي الموافق لرسم المصحف أولى من الوجه المخالف له</span>\n*<span data-type='title' id=toc-43> صورة القاعدة:</span>\nإذا تنازع المفسرون في تفسيرآية أو لفظة من كتاب الله، أو في إعرابها، وكان أحد الأقوال موافقا لرسم المصحف ولا يقتضي مخالفة له، وآخر يقتضي مخالفته، فأولى الأقوال بتفسيرالآية، وإعرابها ما وافق الرسم العثماني، الذي أجمع عليه الصحابة، أعلم الناس بتفسير القرآن وبلغته.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-44> بيان ألفاظ القاعدة:</span>\nرسم المصحف هو: أوضاع حروف القرآن في المصحف ورسومه الخطيّة (^١).\nقولي: «الوجه التفسيري والإعرابي» أخرج موافقة القراءات للرسم، فليست أولى، بل هي ركن من أركان القراءة الصحيحة - كما سبق -. وأدخلت «الإعرابي» هنا، ولم أفرده بقاعدة مستقلة؛ لتعلقه بالمعنى، فهو فرع المعنى.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-45> أدلة القاعدة وشواهدها:</span>\n١ - مما يدل على هذه القاعدة، قول بعض العلماء: إن رسم المصحف توقيفي، فيلزم بهذا أن يراعى في تفسير معانيه.\n_________\n(^١) مقدمة ابن خلدون ص ٤٣٨.","vol":"1","page":99},{"text":"أو قول غيرهم إن رسم المصحف اصطلاحي (^١)، ووجه دلالته على القاعدة أن الصحابة قد أجمعوا عليه، فقد كتبه الكتبة، وأقرّه عثمان وبقية الصحابة (^٢) - ﵃ جميعا -، وأن ذلك لم يكن من الكتبة كيف أتفق، بل على أمر عندهم قد تحقق، فقد كانوا عالمين بأصول الكتابة والإملاء - إضافة إلى علمهم بتفسيره -، ومما يدل على ذلك كتابتهم المصحف على الذي يعلّله النحويون في ذوات الواو، والياء، والهمز، والمد، والقصر، فكتبوا ذوات الياء بالياء، وذوات الواو بالواو، ولم يصوروا الهمزة إذا كان ما قبلها ساكنا، نحو «الخبء»! و«الدفء» ونحوها.\nومما يدل على ذلك - أيضا - المخالفة بين النظائر بالحذف والإثبات، والزيادة، والنقصان، كإطباق القراء على إثبات الياء في: ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ من قوله تعالى:\n﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١٥٠) [البقرة: ١٥٠].\nوحذفها في الموضعين في المائدة في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائد: ٣] وفي قوله تعال: ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [المائدة: ٤٤].\nوالمخالفة بين ﴿كِتابِيَهْ﴾ (١٩) و﴿حِسابِيَهْ﴾ (٢٠) وهما سواء، في قوله تعالى:\n﴿هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ (٢٠) [الحاقة: ١٩ - ٢٠]، فهذا كله يدل على أن الصحابة كانوا عالمين بالعربية، وبقواعد الكتابة (^٣).\n_________\n(^١) في هذه المسألة خلاف بين العلماء، فمنهم من يقول إن رسم المصحف توقيف، ومنهم من يقول إن رسمه اصطلاح. انظر الأقوال بأدلتها في مناهل العرفان (١/ ٣٧٧)، وتاريخ القرآن للكردي ص ١٠١، والمدخل لأبي شهبة ص ٣٠٨، ومباحث في علوم القرآن لمناع القطان ص ١٤٧، ومباحث في علوم القرآن لصبحي الصالح ص ٢٧٥. وانظر الكشاف (٤/ ٢٣٠ - ٢٣١)، والمرشد الوجيز ص ١٧٣، وتفسير ابن كثير (٦/ ٢٦٨)، وإيقاظ الأعلام لوجوب متابعة رسم المصحف الإمام لحبيب الشنقيطي ص ١٠.\n(^٢) انظر الإبانة لمكي ص ٢٢، ومناهل العرفان (١/ ٣٧٨)، والتحرير والتنوير (١/ ٥٢).\n(^٣) انظر الصاحبي ص ١٤، والبرهان للزركشي (١/ ٣٧٦ - ٣٧٨)، وتاريخ القرآن للكردي ص ١٢٧، والمدخل لأبي شهبة ص ٣٠٨.","vol":"1","page":100},{"text":"وأمّا ما خالف فيها رسم المصحف قواعد الخط فلأجل اختلاف أحوال معاني كلماتها (^١).\nوسواء قيل إنه توقيف أو اجتهاد فهو مرجّح لما وافقه من أقوال المفسرين والمعربين، وخاصة فيما اطردت كتابته فيه بشكل معين.\n٢ - ومما يشهد لهذه القاعدة:\n* أن متابعة الرسم في القراءة أمر لازم، وهو من أركان القراءة الصحيحة - كما سبق بيانه -، وأقوال العلماء في ذلك مبثوثة في مظانها من كتب القراءات، والتفسير (^٢).\n* الإجماع على لزوم اتباع رسم المصاحف العثمانية في الوقف إبدالا، وإثباتا، وحذفا، ووصلا، وقطعا (^٣).\n* أقوال العلماء في المنع من تغيير خطه، ووجوب التزامه مشهورة (^٤). كل ذلك يشهد لمتابعة رسم المصحف في التفسير والإعراب فيما احتمله، فالقول الموافق له أولى من القول المخالف له.\n***\n_________\n(^١) ألّف أبو العباس أحمد بن محمد المراكشي المعروف بابن البناء المتوفي سنة (٧٢١ هـ) كتابا سماه «عنوان الدليل في مرسوم خط التنزيل» بيّن فيه أن الأحرف إنما اختلف حالها في الخط بحسب اختلاف أحوال معاني كلماتها. انظر البرهان (١/ ٣٨٠)، والإتقان (٤/ ١٤٥)، والمدخل لأبي شبهة ص ٣٠٢.\n(^٢) قد سبق في أول القواعد المتعلقة بالقراءات الإحالة إلى بعض كتب القراءات في ذلك ومن كتب التفسير على سبيل المثال، جامع البيان (١/ ١٤٦)، و(٣/ ٣٧ - ١٣٩ - ٢٤٢ - ٢٧٥)، و(٨/ ٧٢)، و(١٣/ ٢٤٧)، ومعاني القرآن للزجاج (٢/ ٦٢ - ٩٩ - ١٨٢)، والكشاف (١/ ٩٥)، والمحرر الوجيز (١/ ١٥٥ - ٢٣٨) (٢/ ٢٨)، والبحر المحيط (١/ ٣٢٤) وغيرها كثير جدا.\n(^٣) الإتقان (١/ ٢٥٠).\n(^٤) انظر المقنع للداني ص ١٩، المحكم في نقط المصاحف له ص ١١، والبرهان (١/ ٣٧٩)، والإتقان (٤/ ١٤٦).","vol":"1","page":101},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-46> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nاعتمد هذه القاعدة في الترجيح جماعة من أئمة التفسير، فرجحوا بها أقوالا، وضعّفوا بها أخرى، فمن هؤلاء الأئمة:\n١ - أبو عبيد: وسيأتي كلامه في الترجيح بهذه القاعدة في المثال الأول من أمثلتها.\n٢ - ومنهم الإمام الطبري: قال - في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّ اللهَ﴾\n[القصص: ٨٢] بعد أن ذكر الأقوال فيها وشواهدها من العربية -: وأولى الأقوال في ذلك بالصحة: القول الذي ذكرنا عن قتادة، من أن معناه: ألم تر، ألم تعلم، للشاهد الذي ذكرنا فيه من قول الشاعر، والرواية عن العرب، وأنّ «ويكأنّ» في خطّ المصحف حرف واحد. ومتى وجه ذلك إلى غير التأويل الذي ذكرناه عن قتادة، فإنه يصير حرفين، وذلك أنه إن وجّه إلى قول من تأوّله بمعنى: ويلك اعلم أن الله، وجب أن يفصل «ويك» من «أنّ»؛ وذلك خلاف خطّ جميع المصاحف، مع فساده في العربية، لما ذكرنا. وإن وجّه إلى قول من يقول: «وي» بمعنى التنبيه، ثم استأنف الكلام ب «كأن»، وجب أن يفصل «وى» من «كأن» وذلك خلاف خطوط المصاحف كلها.\nفإذا كان حرفا واحدا، فالصواب من التأويل: ما قاله قتادة اهـ (^١).\n٣ - ومنهم أبو إسحاق الزجاج (^٢): وسيأتي كلامه في الترجيح بهذه القاعدة في المثال الأول من أمثلتها - إن شاء الله تعالى -.\n٤ - ومنهم أبو جعفر النحاس: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾\n[المطففين: ٣] بعد أن ذكر القولين في الضمير «هم» قال: والصواب أن الهاء والميم في موضع نصب؛ لأنه في السواد بغير ألف. اهـ (^٣) يعني في رسم المصحف بغير ألف\n_________\n(^١) جامع البيان (٢٠/ ١٢١).\n(^٢) هو: إبراهيم بن السّري بن سهل الزجاج، كان من أهل الفضل والدين، أخذ عن المبرد، وثعلب، والجوهري، له مصنفات من أشهرها: «معاني القرآن» مات سنة إحدى عشرة وثلثمائة. إنباه الرواة (١/ ١٩٤)، وطبقات المفسرين (١/ ٩).\n(^٣) إعراب القرآن (٥/ ١٧٤).","vol":"1","page":102},{"text":"بعد الواو، وسيأتي بسط هذا المثال - إن شاء الله -.\n٥ - ومنهم القرطبي: قال - في تفسير قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ (٦) [الأعلى: ٦] بعد أن ذكر القولين فيها، وسيأتي بسطها في الأمثلة -: والأوّل هو المختار -[أي القول بأن «لا» نافية]-؛ لأن الاستثناء من النهي لا يكاد يكون مؤقتا معلوما، وأيضا فإن الياء مثبتة في جميع المصاحف، وعليها القراء. اهـ (^١).\n٦ - ومنهم أبو حيان: فقد استعمل هذه القاعدة في الترجيح، فقد صحح بها بعض الأوجه التفسيرية، والإعرابية، وضعّف بها أقوالا لأجل مخالفتها الرسم، فقال - مضعّفا بهذه القاعدة قول من قال: إن الهاء في ﴿هذانِ﴾ من قوله تعالى: ﴿إِنْ هذانِ لَساحِرانِ﴾\n[طه: ٦٣] ضمير القصة -: وضعف ذلك من جهة مخالفته خط المصحف. اهـ (^٢).\n٧ - ومنهم ابن هشام: فقد استعمل هذه القاعدة في الترجيح، ففي معرض كلامه على الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها، قال: الجهة الثامنة: أن يحمل المعرب على شيء، وفي ذلك الموضع ما يدفعه. أهـ (^٣) ثم ذكر بعض أمثلة هذه القاعدة - وستأتي - وضعّف كل قول فيها خالف الرسم.\n٨ - ومنهم السيوطي: فقد نبّه على هذه القاعدة عند حديثه عما يجب على المعرب مراعاته، فقال: ويجب عليه مراعاة أمور، - إلى أن قال - الثامن: أن يراعي الرسم. اهـ (^٤).\nثم ذكر أمثله لبعض الأوجه الإعرابية التي خالفت رسم المصحف.\n٩ - ومنهم الألوسي: (^٥) وغير هؤلاء الأئمة كثير (^٦) وسيأتي بعض كلامهم في\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ١٩).\n(^٢) البحر المحيط (٧/ ٣٤٩ - ٣٥٠).\n(^٣) مغني اللبيب (٢/ ٥٩٥).\n(^٤) الإتقان (٢/ ٢٦٠ - ٢٦٦).\n(^٥) وانظر في روح المعاني (٣٠/ ٨٨).\n(^٦) كالكرماني في غرائب التفسير (٢/ ١٣٣٠)، والرازي في تفسيره (٣١/ ٨٩ - ١٤٢)، والبيضاوي في تفسيره (٢/ ٥٧٧)، وشيخ زادة في حاشيته على البيضاوي (٤/ ٦٤٩).","vol":"1","page":103},{"text":"الأمثلة - إن شاء الله -.\n\n*<span data-type='title' id=toc-47> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nا - من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ [المطففين: ٣] فقال جمهور المفسرين: معناه وإذا كالوا لهم أو وزنوا لهم يخسرون وتكون «هم» في موضع نصب، ويكون الوقف عليها.\nوكان بعض العلماء يذهب إلى أنها حرفان، ويقف على «كالو»، و«وزنو» ثم يبتدئ ب «هم يخسرون»، فجعل «هم» في موضع رفع، وجعل «كالو» و«وزنو» مكتفيين بأنفسهما (^١).\nوهذه القاعدة ترجح القول الأول، قول الجمهور؛ وذلك أن «كالو» و«وزنو» لم ترسم فيهما الألف الفاصلة لواو الجماعة في جميع المصاحف (^٢)، كما رسمت نظائرها من القرآن، فدل ذلك على أن الفعلين «كالو» و«وزنو» لم يكتفيا بأنفسهما، وأن الضمير «هم» في موضع نصب مفعول به.\nوبهذه القاعدة رجّح كثير من العلماء قول الجمهور، فقال أبو عبيد: والاختيار أن يكونا كلمة واحدة من جهتين:\nإحداهما: الخطّ؛ وذلك أنهم كتبوهما بغير ألف، ولو كانتا مقطوعتين لكانتا «كالوا» و«وزنوا» بالألف.\nوالأخرى: أنه يقال: كلتك ووزنتك بمعنى كلت لك ووزنت لك، وهو كلام عربي. اهـ (^٣).\nوقال الطبري - مرجحا بهذه القاعدة بعد أن ذكر القولين -: والصواب في ذلك عندي:\nالوقف على «هم»؛ لأن «كالو» و«وزنو» لو كانا مكتفيين، وكانت «هم» كلاما مستأنفا،\n_________\n(^١) انظر جامع البيان (٣٠/ ٣٦٢)، وذكر هذين القولين أكثر المفسرين.\n(^٢) انظر معالم التنزيل (٨/ ٣٦٢).\n(^٣) نقله عنه غير واحد من أهل العلم، انظر معالم التنزيل (٨/ ٣٦٢)، والجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٥٢)، وفتح القدير (٥/ ٣٩٨)، وفتح البيان (١٥/ ١٢٥).","vol":"1","page":104},{"text":"كانت كتابة «كالو» و«وزنو» بألف فاصلة بينها وبين «هم» مع كل واحد منهما، إذ كان بذلك جرى الكتاب في نظائر ذلك، إذا لم يكن متصلا به شيء من كنايات المفعول، فكتابهم ذلك في هذا الموضع بغير ألف أوضح الدليل على أن قوله «هم» إنما هو كناية أسماء المفعول بهم. فتأويل الكلام إذ كان الأمر على ما وصفنا، على ما بيّنا. اهـ (^١).\nوقال الزجاج - بعد أن ذكر القولين -: والاختيار أن تكون «هم» في موضع نصب، بمعنى كالوا لهم. ولو كانت على معنى «كالو»، ثم جاءت «هم» توكيدا، لكان في المصحف ألف مثبتة قبل «هم» اهـ (^٢).\nوكذلك رجّح بهذه القاعدة أبو جعفر النحاس (^٣)، والبيضاوي (^٤)، والسيوطي (^٥)، والألوسي (^٦)، وغيرهم (^٧) وقد رجح الزمخشري القول الذي ترجحه هذه القاعدة، غير أنه لم يرتض هذه القاعدة حجة له في ترجيحه، فقال - بعد أن علل لردّه القول الثاني بأنه يفسد النظم -: والتعلق في إبطاله -[أي القول الثاني]- بخط المصحف، وأن الألف التي تكتب بعد واو الجمع غير ثابتة فيه ركيك؛ لأن خط المصحف لم يراع في كثير منه حد المصطلح عليه في علم الخط. اهـ (^٨).\nوالجواب عن هذا أن الرسم العثماني وإن كان قد خالف ما اصطلح عليه في\n_________\n(^١) جامع البيان (٣٠/ ٩١).\n(^٢) معاني القرآن (٥/ ٢٩٨).\n(^٣) انظر إعراب القرآن (٥/ ١٧٤).\n(^٤) انظر أنوار التنزيل (٢/ ٥٧٧)، والبيضاوي هو: عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي ناصر الدين القاضي الشافعي، المفسر، الأصولي، اللغوي، ولي قضاء شيراز مدة، له «أنور التنزيل» في التفسير، و«المنهاج» في الأصول، وغيرها. توفي سنة خمس وثمانين وستمائة. طبقات المفسرين (١/ ٢٤٨)، وشذرات الذهب (٥/ ٣٩٢).\n(^٥) انظر الإتقان (٢/ ٢٦٧).\n(^٦) انظر روح المعاني (٣٠/ ٨٨).\n(^٧) كشيخ زادة في حاشيته على البيضاوي (٤/ ٦٤٩)، وابن هشام في المغني (٢/ ٥٩٦).\n(^٨) الكشاف (٤/ ٢٣٠ - ٢٣١).","vol":"1","page":105},{"text":"بعض الأمور، إلا أنه في هذه المسألة ورد الرسم العثماني موافقا لذلك المصطلح، وذلك برسم الألف بعد واو الجماعة في جميع القرآن إلا في صورة واحدة لم يرسم فيها الألف بعد الواو، وهي إذا سبقت الواو بهمزة فكانت من قبيل مد البدل مثل «جاءو» و«فاءو» ونحوها، وهذا المثال ليس منها، فإخراج هذه الآية مما عمّ استعماله في رسم المصحف، وإبعادها عن نظائرها تحكم بلا دليل.\nقال الألوسي - في تفسير هذه الآية بعد أن ذكر القولين -: وقيل إنه يبعد كون الضمير مرفوعا عدم إثبات الألف بعد الواو، وقد تقرر في علم الخط إثباتها بعدها في مثل ذلك وجرى عليه رسم المصحف العثماني في نظائره، وكونه هنا بالخصوص مخالفا لما تقرر، ولما سلك في النظائر بعيد كما لا يخفى. اهـ (^١).\n٢ - ومن أمثلة هذه القاعدة - أيضا - ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ (٦) [الأعلى: ٦] اختلف العلماء في «لا».\nفقال الجمهور: هي «لا» النافية. فتكون الجملة إخبارا من الله - تعالى - لنبيه ﷺ أنه يعلمه هذا القرآن ويحفظه عليه فلا ينساه إلا ما شاء الله، فإنه ينساه إما بنسخ (^٢)، وإما على أن يتذكر بعد ذلك النسيان (^٣).\nوقال آخرون: هي «لا» الناهية. أي ينهى الله نبيّه ﷺ أن ينسى القرآن الذي أقرأه إياه. والمعنى: لا تغفل عن قراءته وتكراره فتنساه إلا ما شاء الله أن ينسيكه برفع تلاوته للمصلحة (^٤).\n_________\n(^١) روح المعاني (٣٠/ ٨٨).\n(^٢) كما قال تعالى: * ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها [البقرة: ١٠٦].\n(^٣) مما يعرض للحافظة البشرية أحيانا ثم يقيض الله له ما يذكّره، ومثل هذا حديث عائشة - ﵂ - قالت: سمع النبي ﷺ رجلا يقرأ من الليل بالمسجد، فقال: «يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذاآية أسقطتهنّ أو كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا»، أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب شهادة الأعمى وأمره ونكاحه\nانظر الصحيح مع الفتح (٥/ ٣١٢)، وأخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافر حديث رقم (٢٢٤).\n(^٤) انظر جامع البيان (٣٠/ ١٥٤)، والنكت والعيون (٦/ ٢٥٣)، والمحرر الوجيز (١٦/ ٢٨٢)، وغيرها من كتب التفسير.","vol":"1","page":106},{"text":"وأولى القولين بالصواب القول الأول، وذلك لموافقته رسم المصحف في إثبات الألف في «تنسى»، فدل عدم حذفها على أنها ليست ناهية؛ إذ لو كانت ناهية لحذفت الألف علامة للجزم. وأما توجيه ثبوتها بأنها مزيدة للفاصلة فهذه دعوى مرتهنة بإقامة الحجة عليها، لما فيها من مخالفة الأصل (^١).\nويؤيد هذه القاعدة فيما رجحته في هذا المثال قول الله تعالى. ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ (١٩) [القيامة: ١٦ - ١٩].\nورجح ما رجحته القاعدة جماعة من أئمة التفسير منهم الطبري (^٢)، والكرماني (^٣)، والرازي (^٤)، والقرطبي (^٥)، وأبو حيان (^٦)، وغيرهم - عليهم رحمة الله - فمنهم من صرح بالقاعدة أثناء ترجيحه بها، ومنهم من لم يصرح بها.\nقال أبو حيان: والقول بأن «لا» في «فلا تنسى» للنهي، والألف ثابتة لأجل الفاصلة، قول ضعيف، ومفهوم الآية في غاية الظهور، وقد تعسفوا في فهمها.\nاهـ (^٧).\n_________\n(^١) انظر مفاتيح الغيب (٣١/ ١٤٢).\n(^٢) انظر جامع البيان (٣٠/ ١٥٤).\n(^٣) انظر غرائب التفسير وعجائب التأويل (٢/ ١٣٣٠). والكرماني هو: محمود بن حمزة الكرماني، النحوي، المفسر، المعروف بتاج القراء، له «لباب التفسير» و«غرائب التفسير» وغيرها، كان في حدود الخمسمائة، ومات بعدها. طبقات المفسرين (٢/ ٣١٢).\n(^٤) انظر مفاتيح الغيب (٣١/ ١٤٢).\n(^٥) انظر الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ١٩).\n(^٦) البحر المحيط (١٠/ ٤٥٧).\n(^٧) البحر المحيط (١٠/ ٤٥٧).\n* ومن نظائر هذين المثالين:\n١ - ما جاء في إعراب قوله تعالى: ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩) [مريم: ٦٩]. انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٣/ ٣٣٩)، وإعراب القرآن للنحاس (٣/ ٢٤)، ومشكل إعراب القرآن (٢/ ٤٥٨) والبحر المحيط (٧/ ٢٨٧)، والدر المصون (٧/ ٦٢٠)، ومغني اللبيب -","vol":"1","page":107},{"text":"\n_________\n= (٢/ ٥٩٦)، والإتقان (٢/ ١٨١ - ٤٦٧).\n٢ - ومنها ما جاء في إعراب قوله تعالى: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ [طه: ٦٣]. انظر البحر المحيط (٧/ ٣٤٩ - ٣٥٠)، ومغني اللبيب (٢/ ٥٩٥)، والإتقان (٢/ ٢٦٧).\n٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ [القصص: ٩]. انظر معاني القرآن للفراء (٢/ ٣٠٢)، والقطع والائتناف ص ٥٤٣ - ٥٤٤، والمكتفى في الوقف والابتداء ص ٤٣٥.\n٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ [القصص: ٨٢]. انظر معاني القرآن للفراء (٢/ ٣١٢)، وجامع البيان (٢٠/ ١٢١ - ١٢٢)، ومعاني القرآن للزجاج (٤/ ١٥٦)، وإعراب القرآن للنحاس (٣/ ٢٤٤)، والجامع لأحكام القرآن (١٣/ ٣١٨ - ٣١٩)، والبحر المحيط (٨/ ٣٢٩)، وروح المعاني (٢٠/ ٨٢)، ومحاسن التأويل (١٣/ ٤٧٢٨).\n٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلًا (١٨) [الإنسان: ١٨]. انظر جامع البيان (٢٩/ ٢١٩)، والكشاف (٤/ ١٩٨)، والمحرر الوجيز (١٦/ ١٩٠)، والبحر المحيط (١٠/ ٣٦٥)، والإتقان (٢/ ٢٦٦)، وروح المعاني (٢٩/ ٢٠٣).","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type='title' id=toc-48>المبحث الثاني:\nقواعد الترجيح المتعلقة بالسياق القرآنى وفيه ثلاثة مطالب:</span>\nالمطلب الأول: قاعدة:\nإدخال الكلام في معاني ما قبله وما بعده أولى من الخروج به عنهما إلا بدليل يجب التسليم له.\nالمطلب الثاني: قاعدة:\nلا يجوز العدول عن ظاهر القرآن إلا بدليل يجب الرجوع إليه.\nالمطلب الثالث: قاعدة:\nحمل معاني كلام الله على الغالب من أسلوب القرآن ومعهود استعماله أولى من الخروج به عن ذلك.","vol":"1","page":109},{"text":"<span data-type='title' id=toc-49>المطلب الأول:\nقاعدة: إدخال الكلام في معاني ما قبله وما بعده أولى من الخروج به عنهما، إلا بدليل يجب التسليم له</span>\n*<span data-type='title' id=toc-50> صورة القاعدة:</span>\nإذا تنازع المفسرون في تفسيرآية أو جملة من كتاب الله فمنهم من يحملها على معنى لا يخرجها عن سياق الآيات، ومنهم من يحملها على معنى يخرجها عن معاني الآيات قبلها وبعدها، ويجعلها معترضة في السياق. فحمل الآية على التفسير الذي يجعلها داخلة في معاني ما قبلها وما بعدها أولى وأحسن؛ لأنه أوفق للنظم وأليق بالسياق ما لم يرد دليل يمنع من هذا التفسير أو يصحح غيره.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-51> بيان ألفاظ ألقاعدة:</span>\nالمقصود ب «الكلام» في قولهم: «إدخال الكلام في معاني ..»، هو الكلام الذي وقع فيه الخلاف بين العلماء بأن كان بعضهم يدخله في معاني ما سبقه وما يلحق به من كلام، وبعضهم يجعله خارجا عن معاني السياق. سواء أكان هذا الكلام آية أو أكثر، أو أقل - بأن كان جملة من آية، أو كلمة -.\nوقولهم: «ما قبله» أي ما قبل هذا الكلام الذي وقع فيه النزاع، وهذا يسمى «سباقا».\nقال ابن فارس: السين والباء والقاف أصل واحد صحيح يدل على التقديم. أهـ (^١).\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة (٣/ ١٢٩)، وانظر اللسان (١٠/ ١٥١) ومفردات الراغب ص ٣٩٥.","vol":"1","page":111},{"text":"وقال الكفوي (^١): والسّباق - بالموحدة - ما قبل الشيء. اهـ (^٢).\nوقولهم: «وما بعده» أي ما بعد الكلام المتنازع فيه. وهذا يسمى «لحاقا».\nقال ابن فارس: اللام والحاء والقاف أصل يدل على إدراك شيء وبلوغه إلى غيره.\nيقال: لحق فلان فلانا فهو لاحق، وألحق بمعناه،\nوربما قالوا: لحقته: اتّبعته .. اهـ (^٣).\nواللّحق: كل شيء لحق شيئا أو لحق به (^٤).\nوهذا السباق واللحاق مجتمعا يسمى سياقا - بالمثناة التحتية - فهذه قاعدة في ترجيح الأقوال التي يدل عليها سياق الآيات.\nقال الكفوي - بعد أن ذكر السباق - بالموحدة: والسياق - بالمثناة - أعمّ (^٥). اهـ يعني أعم من السباق.\nوقولهم: «أولى من الخروج به عنهما» هذا هو الترجيح.\nوقولهم: «إلا بدليل يجب التسليم له». نبه إليه الطبري - ﵀ - في مواضع كثيرة في معرض تقريره لهذه القاعدة وترجيحه بها (^٦).\nثم بيّن هذا الدليل الذي يصرف له الكلام عن سابقه ولا حقه بأنه:\n١ - خبر صحيح متصل السند، يفسرالآية ويخرجها بذلك عن سابقها ولا حقها. أو يكون مصحّحا لأحد الأقوال التي قيلت في الآية والتي تخرجها عن سياقها.\n_________\n(^١) هو أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي، صاحب الكليات، من قضاة الحنفية ولي القضاء في «كفة» بتركيا وبالقدس وببغداد وتوفي في استانبول سنة ألف وأربعة وتسعين. الأعلام (٢/ ٣٨).\n(^٢) الكليات ص ٥٠٨.\n(^٣) معجم مقاييس اللغة (٥/ ٢٣٨) وانظر مفردات الراغب ص ٧٣٧. مادة «لحق».\n(^٤) لسان العرب (١٠/ ٣٢٧). مادة «لحق».\n(^٥) الكليات ص ٥٠٨.\n(^٦) انظر على سبيل المثال لذلك جامع البيان (٢/ ٨٢) و(٧/ ٢٦٨) و(١٤/ ١٥٨).","vol":"1","page":112},{"text":"٢ - أو إجماع من أهل التأويل على تفسيرالآية، ويكون ذلك التفسير مخرجا لها عن سباقها ولحاقها (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-52> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nاعتمد هذه القاعدة أئمة التفسير، ورجحوا بها، فمنهم من ينص عليها، ويرجح بها، ومنهم من يرجح ما تقضي به هذه القاعدة في مثالها دون التنصيص عليها أو ذكرها، وجميعهم دائر في فلك اعتمادها، «فدلالة السياق متفق عليها في مجاري كلام الله - تعالى -» (^٢).\nفمن هؤلاء الأئمة:\n١ - مسلم بن يسار (^٣): قال: إذا حدثت عن الله فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده.\nاهـ (^٤).\n٢ - ومنهم صالح بن كيسان (^٥): قال - مستدلا على صحة قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ (٢١) [ق: ٢١]-: إنما يراد بهذا الكافر، اقرأ ما بعدها يدلك على ذلك. اهـ (^٦).\n٣ - ومنهم محمد بن جرير الطبري: قال - في معرض تعليله لأحد اختياراته في التفسير: وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في هذه الآية بالصواب، لأن الآيات قبلها\n_________\n(^١) انظر جامع البيان (٧/ ٢٦٨).\n(^٢) انظر البحر المحيط في أصول الفقه (٦/ ٥٢).\n(^٣) مسلم بن يسار البصري أبو عبد الله، تابعي ثقة، روى عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما، توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز سنة مائة، وقيل إحدى ومائة. تهذيب الكمال (٢٧/ ٥٥١). وسير أعلام النبلاء (١٤/ ٥١٠).\n(^٤) تفسير ابن كثير (١/ ١٧).\n(^٥) هو: أبو محمد صالح بن كيسان المدني من فقهاء المدينة، إمام حافظ ثقة كثير الحديث، يعد من التابعين، مات بعد الأربعين والمائة. تهذيب الكمال (١٣/ ٧٩). وسير أعلام النبلاء (٥/ ٤٥٤).\n(^٦) جامع البيان (٢٦/ ١٦٢).","vol":"1","page":113},{"text":"وبعدها فيهم نزلت، فأولى أن تكون هي في معنى ما قبلها وبعدها إذا كانت في سياق واحد. اهـ (^١).\nواستدل بهذه القاعدة على صحة ترجيحه لبعض الأقوال في تفسير بعض الآيات، منها قوله: فإن قال قائل: وما دليلك على أن المقصود بهذه الآية اليهود؟ قيل: دليلنا على ذلك ما قبلها من الآيات وما بعدها فإنهم هم المعنيون به، فكان ما بينهما بأن يكون خبرا عنهم أحق وأولى من أن يكون خبرا عن غيرهم حتى تأتي الأدلة واضحة بانصراف الخبر عنهم إلى غيرهم. اهـ (^٢).\nثمّ بيّن هذه الأدلة التي تصرف الخبر عمّا قبله وبعده بقوله - في موضع آخر -:\nفغير جائز صرف الكلام عما هو في سياقه إلى غيره، إلا بحجة يجب التسليم لها من دلالة ظاهر التنزيل، أو خبر عن الرسول تقوم به حجّة، فأمّا الدّعاوى، فلا تتعذر على أحد. اهـ (^٣).\nواستعمل هذه القاعدة في مواطن كثيرة جدا من كتابه، ونص عليها بلفظها كذلك في مواضع كثيرة، فهي من القواعد الأساسية التي اعتمدها في الترجيح (^٤).\n٤ - ومنهم ابن عطية (^٥): فهي عنده من قواعد الترجيح الأساسية، ورجح بها كثيرا من الأقوال، وضعّف بها كذلك كثيرا من الأقوال، في متن كتابه (^٦).\n_________\n(^١) جامع البيان (٣/ ٣٤٤).\n(^٢) جامع البيان (٢/ ٨٢).\n(^٣) جامع البيان (٩/ ٣٨٩) ط: شاكر.\n(^٤) انظر على سبيل المثال جامع البيان (٣/ ٢٣٣) و(٧/ ١٧٤، ٢٢٥) و(٩/ ١٠٥، ١٣٩، ١٥٥)، و(١٤/ ٦٦) و(٢٩/ ١٥٠) و(٣٠/ ٥٥) وغيرها كثير.\n(^٥) هو: عبد الحق بن غالب بن عطية المحاربي الغرناطي أبو محمد، صاحب المحرر الوجيز، كان فقيها عالما بالتفسير والأحكام والحديث واللغة والأدب، توفي سنة إحدى وأربعين وخمسمائة. طبقات المفسرين (١/ ٢٦٥). وطبقات المفسرين للسيوطي ص ٥٠.\n(^٦) انظر على سبيل المثال المحر الوجيز (١/ ١٥٦) و(٤/ ٢١٤) و(٧/ ٢٥٥) و(٨/ ٣٤) و(٩/ ٧٦) و(١٦/ ١٥٦).","vol":"1","page":114},{"text":"فمن هذه المواضع التي رجح بهذه القاعدة فيها، قوله - معلقا على قول خالف هذه القاعدة -: وهذا تفسير من انتزع ألفاظ آخرالآية عما تقدمها، وارتبط بها من المعنى، وعما تأخر أيضا … اهـ (^١).\nوقال في موضع آخر - معلقا على قول خالف القاعدة -: وهذا القول وإن كانت ألفاظ الآية تقتضيه فما قبلها وما بعدها يرده ويتبرأ منه، ويختل أسلوب القول به. اهـ (^٢).\n٥ - ومنهم الرازي: قال - مرجحا بمضمون هذه القاعدة بعد أن فسرآية -: وكل من أنصف ولم يتعسف علم أنا إذا فسرنا هذه الآية على الوجه الذي ذكرناه صارت هذه السورة من أولها إلى آخرها كلاما واحدا منتظما مسوقا نحو غرض واحد، فيكون هذا التفسير أولى مما ذكروه. اهـ (^٣).\n٦ - ومنهم العز بن عبد السلام: قال - مقررا هذه القاعدة -: إذا احتمل الكلام معنيين وكان حمله على أحدهما أوضح وأشد موافقة للسياق كان الحمل عليه أولى اهـ (^٤).\nونقل عنه الزركشي قوله: السياق يرشد إلى تبيين المجملات، وترجيح المحتملات، وتقرير الواضحات، وكل ذلك بعرف الاستعمال. اهـ (^٥).\n٧ - ومنهم القرطبي (^٦): قال - في معرض تعليله لأحد اختياراته في التفسير -: قال ابن عباس: هو من محاورة نوح لقومه -: وهو أظهر؛ لأنه ليس قبله ولا بعده إلا ذكر نوح وقومه. اهـ (^٧).\n_________\n(^١) المحرر الوجيز (٥/ ٢١٤).\n(^٢) المحرر الوجيز (٨/ ١٣٩).\n(^٣) مفاتيح الغيب (٢٧/ ١٣٥).\n(^٤) الإشارة إلى الإيجاز ص ٢٢٠.\n(^٥) البحر المحيط في الأصول (٦/ ٥٢).\n(^٦) هو: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر الأنصاري المفسر صاحب الجامع، توفي سنة إحدى وسبعين وستمائة. انظر الديباج المذهب لابن فرحون (٢/ ٣٠٨). وطبقات المفسرين (٢/ ٦٩).\n(^٧) الجامع لأحكام القرآن (٩/ ٢٩).","vol":"1","page":115},{"text":"٨ - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: حيث قرر أن من أهم أسباب الخطأ في التفسير هو ما فعله أقوام حيث فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بلغة العرب، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن، والمنزل عليه، والمخاطب به. فراعوا مجرد اللفظ، وما يجوز عندهم أن يريد به العربي من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم به، ولسياق الكلام (^١).\nوقال في موضع آخر: فمن تدبر القرآن، وتدبر ما قبل الآية وما بعدها، وعرف مقصود القرآن تبين له المراد، وعرف الهدى والرسالة، وعرف السداد من الانحراف والاعوجاج اهـ (^٢).\n٩ - ومنهم ابن القيم: فهو ممن اعتمد هذه القاعدة وقررها (^٣)، ورجح بها بين الأقوال في التفسير، فصحح أقوالا، وضعّف أخرى.\nقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ [الكهف: ٣٤]: والسياق يدل على أنها الثمار المعروفة لا غيرها. اهـ (^٤).\nوضعّف في تفسير قوله تعالى: ﴿قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٤١) [الحجر: ٤١] قول من قال: إنه على التهديد والوعيد، بهذه القاعدة فقال: والسياق يأبى هذا ولا يناسبه لمن تأمله. اهـ (^٥).\n١٠ - ومنهم ابن جزي الكلبي (^٦): ذكر هذه القاعدة في مقدمة تفسيره من أوجه الترجيح، قال: السادس: أن يشهد بصحة القول سياق الكلام، ويدل عليه ما قبله\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٥٥ - ٣٥٦).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٥/ ٩٤).\n(^٣) انظر بدائع الفوائد (٤/ ٩).\n(^٤) التفسير القيم ص ١٦٤، وانظر نحو هذا فيه ص ٢٩١ وص ٣١٧.\n(^٥) التفسير القيم ص ١٦.\n(^٦) هو: محمد بن أحمد ابن جزىّ الكلبي الغرناطي أبو القاسم، صاحب التسهيل، استشهد في عام إحدى وأربعين وسبعمائة. الدرر الكامنة (٣/ ٤٤٦). وطبقات المفسرين (٢/ ٨٥).","vol":"1","page":116},{"text":"أو ما بعده. اهـ (^١).\n١١ - ومنهم ابن كثير: فقد استظهر بهذه القاعدة أقوالا في تفسيره (^٢).\n١٢ - ومنهم الزركشي: قال: الرابع - من الأمور التي تعين على المعنى عند الإشكال -: دلالة السياق، فإنها ترشد إلى تبيين المجمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظيره، وغالط في مناظراته. اهـ (^٣).\n١٣، ١٤ - ومنهم الشوكاني وصديق خان (^٤): فقد استعملاها في ترجيح بعض الأقوال في أمثلتها (^٥).\n١٥ - ومنهم الألوسي: فقد رجح بها أقوالا، واستبعد بها أخرى (^٦).\n١٦ - ومنهم محمد رشيد رضا (^٧): قال: وإن أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ: موافقته لما سبق له من القول، واتفاقه مع جملة المعنى. اهـ (^٨).\n***\n_________\n(^١) التسهيل لعلوم التنزيل (١/ ٩).\n(^٢) انظر تفسير القرآن العظيم له (٢/ ٢٦٦) و(٧/ ٦١).\n(^٣) البرهان (٢/ ٢٠٠). وهذا نص كلام ابن القيم في البدائع (٤/ ٩).\n(^٤) هو: محمد صديق خان بن حسن القنوجي، الهندي، أبو الطيب، صاحب فتح البيان في التفسير، مشارك في علوم كثيرة وباللغات العربية والفارسية والهندية، توفي سنة سبع وثلاث مائة وألف. الأعلام (٦/ ١٦٧).\n(^٥) انظر فتح القدير (٢/ ٤٩٧) وفتح البيان (٦/ ١٧٤) ط: العصرية.\n(^٦) انظر روح المعاني (٦/ ١٥٣) و(٧/ ١٩٩).\n(^٧) هو: محمد رشيد بن علي رضا، صاحب مجلة المنار، وأحد رجال الإصلاح الإسلامي، تتلمذ على محمد عبده وضمّن كثيرا من أقواله في مؤلفاته، له تفسير القرآن الحكيم، توفي سنة أربع وخمسين وثلثمائة وألف. الأعلام (٦/ ١٢٦).\n(^٨) تفسير القرآن الحكيم (١/ ٢٢).","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type='title' id=toc-53>الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nالأمثلة على هذه القاعدة كثيرة منها:\n١ - ما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]. اختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله: ﴿إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ وفي تأويل ذلك (^١).\nفقال بعضهم: كان قائل ذلك رجلا من اليهود، ثم اختلفوا في اسم ذلك الرجل على أقوال. فقيل مالك بن الصيف، وقيل: فنحاص اليهودي ..\nوقال آخرون: بل عنى بذلك جماعة من اليهود سألوا النبي ﷺ مثل آيات موسى - ﵇ -. والقولان بمعنى واحد، وهو أن هذه الآية خبر عن اليهود.\nوقال آخرون: هذا خبر من الله - جلّ ثناؤه - عن مشركي قريش أنهم قالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء.\nوهذا القول الأخير هو الأوفق للسياق، وهو الذي رجحه الطبري بهذه القاعدة التي نحن بصدد التمثيل لها.\nقال - ﵀ -: وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل ذلك، قول من قال:\nعنى بذلك: وما قدروا الله حق قدره مشركو قريش، وذلك أن ذلك في سياق الخبر عنهم أولا، فأن يكون ذلك أيضا خبرا عنهم أشبه من أن يكون خبرا عن اليهود، ولما يجر لهم ذكر يكون هذا به متصلا مع ما في الخبر عمن أخبر الله عنه في هذه الآية من إنكاره أن يكون الله أنزل على بشر شيئا من الكتب، وليس ذلك مما تدين به اليهود، بل المعروف من دين اليهود، الإقرار بصحف إبراهيم وموسى وزبور داود، وإذا لم يأت بما روى من الخبر، بأن قائل ذلك كان رجلا من اليهود خبر صحيح متصل السند، ولا كان على أن ذلك كان كذلك من أهل التأويل إجماع، وكان الخبر\n_________\n(^١) انظر الأقوال في جامع البيان (٧/ ٢٦٦) وما بعدها، وقد أطال الرازي في تقرير الاعتراضات الواردة على القولين (١٣/ ٧٨)، وانظر المحرر الوجيز (٦/ ١٠٤) والبحر المحيط (٤/ ٥٨٠).","vol":"1","page":118},{"text":"من أول السورة ومبتدئها إلى هذا الموضع خبرا عن المشركين من عبدة الأوثان، وكان قوله: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ موصولا بذلك غير مفصول منه، لم يجز لنا أن ندعي أن ذلك مصروف عما هو به موصول، إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل. أهـ (^١).\nونصر ابن كثير اختيار الطبري، قال: والأول -[يعني أنه خبر عن المشركين]- أظهر؛ لأن الآية مكية، واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء، وقريش - والعرب قاطبة - كانوا يبعدون إرسال رسول من البشر، كما قال: ﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ﴾ [يونس: ٢] وقال تعالى: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ﴾ ﴿الْهُدى إِلاّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ﴿(٩٤) قُلْ لَوْ كانَ فِي﴾ ﴿الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ (٩٥) [الإسراء: ٩٤ - ٩٥] وقال ها هنا: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]. اهـ (^٢).\n٢ - ومن أمثلة هذه القاعدة - أيضا - ما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ [النحل: ٨٣].\nقال الطبري: اختلف أهل التأويل في المعنيّ بالنعمة التي أخبر الله - تعالى ذكره - عن هؤلاء المشركين أنهم ينكرونها، مع معرفتهم بها، فقال بعضهم: هو النبي ﷺ عرفوا نبوّته ثم جحدوها وكذبوه.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم يعرفون أن ما عدّد الله - تعالى ذكره - في هذه السورة من النعم من عند الله، وأن الله هو المنعم بذلك عليهم، ولكنهم ينكرون ذلك، فيزعمون أنهم ورثوه عن آبائهم.\nوقال آخرون: إنكارهم إياها أن يقول الرجل: لولا فلان ما كان كذا وكذا، ولولا فلان ما أصبت كذا وكذا.\n_________\n(^١) جامع البيان (٧/ ٢٦٨)، وط: شاكر (١١/ ٥٢٤ - ٥٢٥).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم (٣/ ٢٩٣).","vol":"1","page":119},{"text":"وقال آخرون: معنى ذلك أن الكفار إذا قيل لهم: من رزقكم؟ أقرّوا بأن الله هو الذي رزقهم، ثم ينكرون ذلك بقولهم: رزقنا ذلك بشفاعة آلهتنا.\nوأولى الأقوال في ذلك بالصواب، وأشبهها بتأويل الآية، قول من قال: عنى بالنعمة التي ذكرها الله في قوله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ﴾ النعمة عليهم بإرسال محمد ﷺ إليهم داعيا إلى ما بعثه بدعائهم إليه، وذلك أن هذه الآية بين آيتين كلتاهما خبر عن رسول الله ﷺ، وعما بعث به، فأولى ما بينهما أن يكون في معنى ما قبله وما بعده، إذ لم يكن معنى يدلّ على انصرافه عما قبله وعما بعده، فالذي قبل هذه الآية قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ [النحل: ٨٢ - ٨٣]، وما بعده ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [النحل: ٨٤] وهو رسولها. فإذا كان ذلك كذلك، فمعنى الآية: يعرف هؤلاء المشركون بالله نعمة الله عليهم يا محمد بك، ثم ينكرونك ويجحدون نبوّتك ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ﴾ (٨٣) يقول: وأكثر قومك الجاحدون نبوّتك، لا المقرّون بها. اهـ (^١).\n_________\n(^١) جامع البيان (١٤/ ١٥٧ - ١٥٨) مختصرا، واستحسن هذا القول النحاس في المعاني (٤/ ٩٩).\n* ونظائر ذلك كثير جدا:\n١ - منها ما جاء في تفسير قوله تعالى: * إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً [البقرة: ٢٦].\nانظر المحرر الوجيز (١/ ١٥١).\n٢ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ [البقرة: ٢٧] انظر المحرر الوجيز (١/ ١٥٦).\n٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ [البقرة: ٢٩] انظر المحرر الوجيز (١/ ١٦١).\n٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [البقرة: ١١٤] انظر جامع البيان (١/ ٤٩٩).\n٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللهُ [البقرة: ١١٨]. انظر -","vol":"1","page":120},{"text":"\n_________\n(^١) - جامع البيان (١/ ٥١٣).\n٦ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ [البقرة: ١٧١]. انظر جامع البيان (٢/ ٨٢).\n٧ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: * لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [البقرة: ١٧٧]. انظر جامع البيان (٢/ ٩٥).\n٨ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ [البقرة: ٢٦٧]. انظر جامع البيان (٢/ ٣٢٣).\n٩ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: ٢٨٠]. انظر جامع البيان (٣/ ١١٤).\n١٠ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا [النساء: ٣]. انظر التفسير القيم ص ٢٢٠.\n١١ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ [النساء: ٢٥]. انظر تفسير ابن كثير (٢/ ٢٢٨) وأضواء البيان (١/ ٣٨١).\n١٢ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ [النساء: ٣٧]. انظر روح المعاني (٦/ ١٥٣).\n١٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا [المائدة: ٤٨]. انظر روح المعاني (٦/ ١٥٣).\n١٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ [المائدة: ١٠٣].\nانظر المحرر الوجيز (٥/ ٢١٤).\n١٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥) [الأعراف: ١٤٥]. انظر جامع البيان (٩/ ٥٩).\nوالأمثلة على هذه القاعدة كثيرة جدا، انظر مزيدا منها في جامع البيان (٧/ ٢٢٥) و(٩/ ١٠٥، ١٣٩، ١٤٨، ١٥٥، ٢١٢) و(١٧/ ١٣٣، ٢٠٣) و(١٨/ ١٣٥) و(٢٦/ ٨، ١٢) و(٢٧/ ٤٧) و(٢٩/ ٢٤، ١٥٠) و(٣٠/ ٥٥، ١٤٦).\nوفي المحرر الوجيز (٦/ ٧٠) و(٧/ ٢٢٥) و(٨/ ٣٤، ١٣٩) و(٩/ ٧٦، ١٤٠) و(١٥/ ٤٤٧) و(١٦/ ١٥٦).\nوفي تفسير ابن كثير (٧/ ٢٥، ٦١).\nوفي التفسير القيم ص ٢٩١، ٣١٧، ٣٦١.\nوفي أضواء البيان (٢/ ٤٣٠) و(٤/ ١٢٩، ١٣٥، ١٨٢، ٢١٢) و(٥/ ٦٦) و(٦/ ٦٩١).","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type='title' id=toc-54>المطلب الثاني:\nقاعدة: لا يجوز العدول عن ظاهر القرآن إلا بدليل يجب الرجوع إليه</span>\n*<span data-type='title' id=toc-55> صورة القاعدة:</span>\nالأصل في نصوص القرآن - وكذا السنة - أن تحمل على ظواهرها، وتفسر على حسب ما يقتضيه ظاهر اللفظ، ولا يجوز أن يعدل بألفاظ الوحي عن ظاهرها إلا بدليل واضح يجب الرجوع إليه، وهذا ما تقرر في علم الأصول (^١)؛ ولأنه لا يعرف مراد المتكلم إلا بالألفاظ الدالة عليه، والأصل في كلامه وألفاظه أن يكون دالا على ما في نفسه من المعاني، وليس لنا طريق لمعرفة مراده غير كلامه وألفاظه (^٢).\nفمن خالف ظاهر القرآن فقوله مرجوح، وهذه القاعدة ترد عليه، فمن هذا المنظور كانت هذه القاعدة من قواعد الترجيح.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-56> بيان ألفاظ القاعدة:</span>\nالمراد ب «الظاهر» هو ما يتبادر إلى الذهن من المعاني وأنه ليس لها معنى باطن يخالف ظاهرها، وهو يختلف بحسب السياق، وما يضاف إليه الكلام، فالكلمة الواحدة يكون لها معنى في سياق، وآخر في سياق آخر، وتركيب الكلام يفيد معنى على وجه، ومعنى آخر على وجه (^٣).\nومعنى الظاهر في هذه القاعدة لا يوافق معنى الظاهر في اصطلاح الأصوليين من\n_________\n(^١) أضواء البيان (٣/ ١٠٠) وشرح الكوكب المنير (٢/ ١٤٧).\n(^٢) منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد (١/ ٣٩٣) لعثمان بن علي بن حسن.\n(^٣) بلفظه من القواعد المثلى ص ٣٦ القاعدة الرابعة. وانظر مجموع فتاوى ابن تيمية (٦/ ٣٥٦).","vol":"1","page":122},{"text":"كل وجه، فهو عندهم ما احتمل أمرين هو في أحدهما أظهر من الآخر (^١). وهو في مقابل النص - وهو ما يفيد بنفسه من غير احتمال (^٢). فالظاهر في هذه القاعدة قد يكون تارة هو الظاهر في اصطلاح الأصوليين، وقد يكون أخرى هو النص في اصطلاحهم.\nوقد استعمل لفظ «الظاهر» عند المتكلمين استعمالا يخالف ما كان عليه السلف، وما أريد به في القاعدة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - وأمّا سؤاله عن «إجراء القرآن على ظاهره» فإنه إذا آمن بما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ، من غير تحريف ولا تكييف فقد اتبع سبيل المؤمنين.\nولفظ «الظاهر» في عرف المتأخرين قد صار فيه اشتراك، فإن أراد بإجرائه على الظاهر الذي هو من خصائص المخلوقين حتى يشبّه الله بخلقه فهذا ضال، بل يجب القطع بأن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله. فقد قال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء. يعني أن موعود الله في الجنة من الذهب، والحرير، والخمر، واللبن، تخالف حقائقه حقائق هذه الأمور الموجودة في الدنيا، فالله - تعالى - أبعد عن مشابهة مخلوقاته بما يدركه العباد، ليست حقيقته كحقيقة شيء منها.\nوأمّا إن أراد بإجرائه على الظاهر الذي هو الظاهر في عرف سلف الأمة، لا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يلحد في أسماء الله - تعالى -، ولا يقرأ القرآن والحديث بما يخالف تفسير سلف الأمة وأهل السنة، بل يجرى ذلك على ما اقتضته النصوص وتطابق عليه دلائل الكتاب والسنة، وأجمع عليه سلف الأمة، فهذا مصيب في ذلك وهو الحق. اهـ (^٣).\nفالظاهر في هذه القاعدة هو مدلول النصوص المفهوم بمقتضى الخطاب العربي (^٤).\n_________\n(^١) التمهيد في أصول الفقه (١/ ٧)، وروضة الناظر مع شرحها (٢/ ٣٠).\n(^٢) روضة الناظر مع شرحها (٢/ ٢٧).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٧٩).\n(^٤) انظر الموافقات (٣/ ٣٨٣، ٣٩١) وجامع البيان تحقيق شاكر (١/ ٧٢) هامش رقم (٢) ومنهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد (١/ ٣٩٨).","vol":"1","page":123},{"text":"والمراد بقولهم «إلا بدليل يجب الرجوع إليه».\nهذا الدليل الذي يجوز صرف الظاهر له، إما أن يكون عقليا ظاهرا أو سمعيا ظاهرا. أما الدليل العقلي الظاهر، هو الذي يعلم به كل أحد المراد، وأن الظاهر غير مراد، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، فإن كل أحد يعلم بعقله أن المراد أوتيت من جنس ما يؤتاه مثلها، وكذلك قوله: ﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٦٢) [الزمر: ٦٢] يعلم المستمع أن الخالق لا يدخل في هذا العموم.\nوأما الأدلة السمعية فهي الدلالات في الكتاب والسنة التي تصرف بعض الظواهر (^١)\nفإذا وجد الدليل جاز صرف اللفظ عن ظاهره (^٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ويجوز باتفاق المسلمين أن تفسر إحدى الآيتين بظاهر الأخرى ويصرف الكلام عن ظاهره، إذ لا محذور في ذلك عند أحد من أهل السنة، وإن سمي تأويلا عن الظاهر فذلك لدلالة القرآن عليه؛ ولموافقة السنة والسلف عليه، ولأنه تفسير للقرآن بالقرآن ليس تفسيرا له بالرأي، والمحذور إنما هو صرف القرآن عن فحواه بغير دلالة من الله ورسوله والسابقين. اهـ (^٣).\n_________\n(^١) انظر فتاوى ابن تيمية (٦/ ٣٦١) وقد نص من قبل ابن جرير الطبري (٨/ ٩١) على هذين الدليلين يصرف لهما ظاهر اللفظ.\n(^٢) واشترط العلماء لصحة حملة على معنى معين خلاف الظاهر - بعد وجود الدليل الظاهر على صرفه عن ظاهره - شروطا:\nأولها: أن يكون المعنى المدّعى موافقا لوضع اللغة أو عرف الاستعمال وعادة صاحب الشرع، وكل تأويل خرج عن هذا فليس بصحيح.\nالثاني: أن يقوم الدليل على أن المراد بذلك اللفظ هو المعنى الذي حمل عليه، ويسلم ذلك الدليل من المعارض.\nانظر فتاوى ابن تيمية (٦/ ٣٦٠) وبدائع الفوائد (٤/ ٢٠٥) والموافقات (٣/ ٣٩٤) وإرشاد الفحول ص ٣٠٠.\n(^٣) مجموع الفتاوى (٦/ ٢١).","vol":"1","page":124},{"text":"وسيأتي التمثيل لما صح فيه صرف اللفظ عن ظاهره بدلالة القرآن أو السنة تحت بحث ما استثني من القاعدة.\nأما ما أحدثه المتأخرون من صرف ألفاظ القرآن والسنة عن ظواهرها، وتأويلها دون دليل من القرآن أو السنة وإنما فعلوا ذلك كي توافق مذاهبهم التي اعتقدوها وأسسوها على ما أملته عليهم عقولهم، فمثل هذا ردّ على أصحابه، وسيأتي أمثلة لذلك والردّ عليها بهذه القاعدة العظيمة - إن شاء الله -.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-57> أدلة القاعدة:</span>\n١ - منها: خبر الله - تعالى - في كتابه أن هذا القرآن عربي لا عوج فيه، وأنه فصّل آياته، قال تعالى: ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٣) [فصلت: ٣] وقال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾ [الشورى: ٧] ونحوها من الآيات التي أخبرت عن تفصيل آياته، وعن كونه بلسان عربي مبين، وتفصيل الآيات، وإنزاله عربيا يقتضى لزاما أن تكون معانيه جارية على ظاهر دلالة ألفاظه التي تدل عليها عربته، ولا يحاد به عن ظاهر ألفاظه العربية، وإلا كان منافيا لتفصيله وكمال عربته التي أخبر الله بها عنه.\n٢ - ومنها قول الله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (٦) [سبأ: ٦]، وقول الله تعالى:\n﴿* أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (١٩) [الرعد: ١٩] فمدح الله - تعالى - العلماء الذين عرفوا الحق من طريق الوحي وشهدوا به، فلو كانت ظواهره لا تدل على مراد الشارع لما استحقوا هذا المدح والتكريم (^١).\n٣ - ومنها قوله تعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ﴾\n_________\n(^١) منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد (١/ ٤٢٥).","vol":"1","page":125},{"text":"﴿نَذِيرًا﴾ (١) [الفرقان: ١]. وقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]. ونحوها من الآيات، التي تصف النبي ﷺ بأنه منذر، وبهذا القرآن ينذر، فكيف يتم البلاغ ويكمل الإنذار، وتقوم الحجة، وتنقطع المعذرة به وظاهر ألفاظه غير مقصودة، وليست هي الدالة على مراد المتكلم، ولم يبين الله ولا رسوله ﷺ دليلا يدل على الذي صرف لأجله الظاهر. هذا مناف لمهمة الإنذار والبلاغ، وليس بمثل هذه الأحاجي تقوم الحجة وتنقطع المعذرة. فلا سبيل إلى قيام الحجة وانقطاع المعذرة، وكمال الإنذار إلا أن يكون ظاهر الألفاظ مراده، ويكون بها الإنذار، وبها الإيمان وإليها المرجع والتحاكم (^١).\n٤ - ومنها قول الله - تعالى - عن هذا القرآن: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]. وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ (٢٤) [محمد: ٢٤]. ونحوها من الآيات الدالة على أن هذا القرآن هدى للناس والآمرة بتدبره، فإن الله - تعالى - خاطب عباده جميعا بذلك، وفيهم الذكي والبليد، والفقيه وغير الفقيه وأوجب عليهم أن يتدبروا ذلك الخطاب ويعقلوه ويتفكروا فيه، ويعتقدوا موجبه فإذا لم يكن هذا كله يفهم من ظاهر الخطاب، ولم ينصب دليلا ظاهرا على إحالته عن ظاهره، أو نصب دليلا خافيا يستنبطه أفراد الناس يدل على أنه لم يرد ظاهره كان هذا تدليسا وتلبيسا، وكان نقيض البيان وضد الهدى وهو بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالهدى والبيان (^٢).\n٥ - ومنها: حديث زيد بن أرقم (^٣) أن النبي ﷺ قام خطيبا فحمد الله وأثنى\n_________\n(^١) انظر منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد (١/ ٤٢٦).\n(^٢) انظر مجموع الفتاوى (٦/ ٣٦٢)، والصواعق المرسلة (١/ ٣١٠).\n(^٣) هو: زيد بن أرقم بن زيد الأنصاري الخزرجي أبو عمرو، من مشاهير الصحابة، ردّ يوم أحد لصغر سنه، وشهد مؤتة. توفي سنة ست وستين وقيل غير ذلك. انظر سير أعلام النبلاء (٣/ ١٦٥).","vol":"1","page":126},{"text":"عليه ووعظ وذكّر ثم قال: «أما بعد، ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحثّ على كتاب الله ورغب فيه» (^١).\nفهذا أمر عام لجميع الأمة بالاستمساك بهذا الكتاب العظيم، ليهتدوا بهداه فلما اشترك جميع الأمة في هذا الأمر، وكان معتصمهم واحدا دل على أن ظاهره هو المراد، وبه المعتصم، وإلا لو كان المراد غير ظاهره - الذي يتبادر إلى الأذهان عند قراءته وسماعه لمن صحت لغته واستقامت فطرته - ولم يبينه النبي ﷺ لكان ذلك طعنا في تبليغه الرسالة وإكمال الدين، وقيام الحجة.\n٦ - ومنها: إجماع الأمة على أنه يجب العمل بالظاهر حتى يرد دليل شرعي صارف عنه، وأن صرفه عنه بغير دليل باطل.\nقال الشنقيطي: وقد أجمع جميع المسلمين على أن العمل بالظاهر واجب حتى يرد دليل شرعي صارف عنه إلى المحتمل المرجوح وعلى هذا كل من تكلم في الأصول اهـ (^٢).\nوقال الفخر الرازي: إن صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل باطل بإجماع المسلمين اهـ (^٣).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-58> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nاعتمد هذه القاعدة عامة علماء الأمة فمن هؤلاء الأئمة:\n١ - الإمام الشافعي: قال - في معرض حديثه عن السنة مقررا هذه القاعدة: فكل كلام كان عاما ظاهرا في سنة النبي ﷺ فهو على ظهوره وعمومه، حتى يعلم حديث ثابت عن رسول الله - بأبي هو وأمي - يدل على أنه إنما أريد بالجملة العامة في\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب فضائل الصحابة، حديث رقم (٣٦ - ٣٧).\n(^٢) أضواء البيان (٧/ ٤٤٣).\n(^٣) مفاتيح الغيب (٣٠/ ٩٤).","vol":"1","page":127},{"text":"الظاهر بعض الجملة دون بعض. اهـ (^١).\n٢ - ومنهم إمام المفسرين ابن جرير الطبري: قال - مقررا هذه القاعدة، ناصا عليها، مرجحا بها -: وغير جائز ترك الظاهر المفهوم من الكلام إلى باطن لا دلالة على صحته (^٢). اهـ.\nوقال في موضع آخر: وإذا تنوزع في تأويل الكلام كان أولى معانيه به أغلبه على الظاهر إلا أن يكون من العقل أو الخبر دليل واضح على أنه معنيّ به غير ذلك اهـ (^٣). واستعمل ابن جرير الطبري هذه القاعدة في الترجيح كثيرا، ولا يكاد يرجح بها إلا وينص عليها ويقررها، - وسترى بإذن الله في الأمثلة التطبيقية جملة وافرة من ذلك.\n٣ - ومنهم القاضي ابن عطية: قال - في معرض ردّه لأحد الأقوال التي خرجت، باللفظ عن ظاهره: وهذا غير جيد؛ لأنه إخراج لفظ بيّن في اللغة عن ظاهره الحقيقي إلى باطن لغير ضرورة، وهذا هو طريق اللغز الذي برئ القرآن منه اهـ (^٤).\n٤ - ومنهم الفخر الرازي: قال: إن صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل باطل لإجماع المسلمين؛ ولأنا إن جوزنا ذلك انفتحت أبواب تأويلات الفلاسفة في أمر المعاد، فإنهم يقولون في قوله: ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ (^٥) ليس هناك لا أنهار ولا أشجار وإنما مثل للّذة والسعادة … ومعلوم أن ذلك يفضي إلى رفع الشرائع وفساد الدين اهـ (^٦).\n٥ - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيميه: فقد أبان هذه القاعدة في مواطن كثيرة من\n_________\n(^١) الرسالة ص ٣٤١.\n(^٢) جامع البيان (١/ ٢٦١).\n(^٣) جامع البيان (٨/ ٩١).\n(^٤) المحرر الوجيز (٦/ ٣).\n(^٥) جزء من آيات كثيرة جدا منهاسورة البقرة (٢٥). وسورة آل عمران آية (١٩٥) وغيرها.\n(^٦) مفاتيح الغيب (٣٠/ ٩٤).","vol":"1","page":128},{"text":"مؤلفاته وأوضح ما حصل من اشتراك في لفظ «الظاهر» (^١) وأن سلف الأمة كانوا يجرون ألفاظ الوحي على ظاهرها دون تأويل، قال - ﵀ -: لم يكن في الصحابة من تأول شيئا من نصوصه -[أي الوحي]- على خلاف ما دل عليه، لا فيما أخبر به الله عن أسمائه وصفاته، ولا فيما أخبر عما بعد الموت اهـ (^٢).\n٦ - ومنهم العلامة ابن القيم: فقد عقد فصلا في الصواعق المرسلة قال فيه: الفصل الحادي عشر في أن قصد المتكلم من المخاطب حمل كلامه على خلاف ظاهره وحقيقته ينافي البيان، والإرشاد، والهدى، وأن القصدين متنافيان، وأن تركه بدون ذلك الخطاب خير له وأقرب إلى الهدى.\nفإذا بين المتكلم مراده، بالألفاظ الدالة على مراده، ولم يعلم السامع معنى تلك الألفاظ، لم يحصل له البيان، فلا بد من تمكن السامع من الفهم، وحصول الإفهام من المتكلم، فحينئذ لو أراد الله ورسوله ﷺ من كلامه خلاف حقيقته وظاهره الذي يفهمه المخاطب لكان قد كلّفه أن يفهم مراده بما لا يدل عليه، بل بما يدل على نقيض مراده … اهـ (^٣).\n٧ - ومنهم ابن جزيّ الكلبي: فقد ذكر هذه القاعدة من أوجه الترجيح التي اعتمدها في كتابه، ونص عليها في مقدمته، قال - ﵀ -: السابع: أن يكون ذلك المعنى المتبادر إلى الذهن، فإن ذلك دليل على ظهوره ورجحانه. اهـ (^٤).\n٨ - ومنهم الزركشي: قال - مقررا هذه القاعدة -: وكل لفظ احتمل معنيين فهو قسمان:\nأحدهما: أن يكون أحدهما أظهر من الآخر، فيجب الحمل على الظاهر إلا أن يقوم دليل على أن المراد هو الخفي دون الجليّ فيحمل عليه اهـ (^٥).\n_________\n(^١) انظر مجموع الفتاوى (٣/ ٤٣، ٢٠٧).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٥٢).\n(^٣) الصواعق المرسلة (١/ ٣١٠).\n(^٤) التسهيل (١/ ٩).\n(^٥) البرهان (٢/ ١٦٧).","vol":"1","page":129},{"text":"٩ - ومنهم ابن الوزير (^١): قال: وأمّا الأمر الثاني: وهو النقص في الدين برد النصوص والظواهر ورد حقائقها إلى المجاز من غير طريق قاطعة تدل على ثبوت الموجب للتأويل إلا مجرد التقليد لبعض أهل الكلام في قواعد لم يتفقوا عليها أيضا. اهـ (^٢).\n١٠ - ومنهم محمد الأمين الشنقيطي: قال: والتحقيق الذي لا شك فيه، وهو الذي كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ وعامة علماء المسلمين أنه لا يجوز العدول عن ظاهر كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ في حال من الأحوال بوجه من الوجوه، حتى يقوم دليل صحيح شرعي صارف عن الظاهر إلى المحتمل المرجوح. اهـ (^٣).\nوغير هؤلاء كثير جدا، ونقل غير واحد من العلماء إجماع الأمة على وجوب الأخذ بظواهر الكتاب والسنة - كما سبق - فهذا يغني عن الإطناب في سرد أقوال أئمة الإسلام في ذلك.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-59> المخالفون لهذه القاعدة والرد عليهم:</span>\nأولا: المرجئة (^٤):\nذهبت المرجئة إلى أنه يجوز أن يعني الله بكلامه خلاف ظاهره، دون أن يدل دليل على ذلك (^٥).\nوالخلاف معهم في آيات وأحاديث الوعيد، وفاقا لمذهبهم في أنه لا يضر مع الإيمان معصية، فقالوا إن ظاهر النصوص الذي يقتضي الوعيد غير مراد.\n_________\n(^١) هو: محمد بن إبراهيم بن علي المرتضى اليماني، من أئمة الاجتهاد في عصره، ألف العواصم والقواصم ردا على الزيدية، مات سنة أربعين وثمان مائة. انظر الضوء اللامع (٦/ ٢٧٢).\n(^٢) إيثار الحق ص ١٢٣.\n(^٣) أضواء البيان (٧/ ٤٣٨).\n(^٤) المرجئة سموا بهذا؛ لأنهم يؤخرون العمل عن النية وعقد القلب، ويقولون لا تضر معصية مع الإيمان كما لا تنفع مع الكفر طاعة، وهم أربعة فرق، مرجئة الخوارج، ومرجئة القدرية، ومرجئة الجبرية، والمرجئة الخالصة. انظر مقالات الإسلاميين (١/ ٢١٣) والملل والنحل (١/ ١٦١) والفرق بين الفرق ص ١٩٠.\n(^٥) انظر المحصول (١/ ٥٤٦/١) والبحر المحيط للزركشي (١/ ٤٦٠) والتحصيل من المحصول (١/ ٢٥٥).","vol":"1","page":130},{"text":"قال الزركشي: والخلاف في آيات الوعيد والأحاديث الدالة على وعيد الفساق لا غير، على ما فهم من أدلتهم، وأمّا الأمر والنهي فلا خلاف فيهما. اهـ (^١).\nومذهبهم هذا كما هو ظاهر مبني على أصل عقديّ معلوم بطلانه - وليس هذا مجال مناقشته -، وفيه إبطال للنصوص الشرعية في هذا الباب، وإبطال لفائدة الإفهام منها، ولو فتح لهم الباب لما بقي الاعتماد على شيء من خبر الله وخبر رسوله ﷺ؛ لأنه ما من خبر إلا ويحتمل أن يكون المقصود منه أمرا وراء الإفهام، ومعلوم أن ذلك ظاهر الفساد (^٢). واللفظ بالنسبة إلى غير ظاهره لا يدل عليه فهو كالمهمل، والخطاب بالمهمل باطل (^٣).\nثانيا - الصاوي المالكي (^٤):\nذهب الصاوي في حاشيته على الجلالين إلى إبطال الأخذ بظاهر نصوص الكتاب والسنة، بل شطّ حتى جعل الأخذ بظاهرهما من أصول الكفر، ففي تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧] قال: أي كنصارى نجران ومن حذا حذوهم من أخذ بظاهر القرآن، فإن العلماء ذكروا أن من أصول الكفر الأخذ بظواهر الكتاب والسنة. اهـ (^٥).\nوهذا القول بهتان عظيم، ومباهتة بيّنة قد تولى علماء الأمة الرد عليه، وسأكتفي بذكر بعض كلام العلامة محمد الأمين الشنقيطي في رده عليه، قال - ﵀ -: فانظر رحمك الله، ما أشنع هذا الكلام وما أبطله، وما أجرأ قائله على انتهاك حرمات الله، وكتابه ونبيه وسنته ﷺ، وما أدله على أن صاحبه لا يدري ما يتكلم به. فإنه\n_________\n(^١) البحر المحيط (١/ ٤٦٠).\n(^٢) المحصول (١/ ٥٤٦/١).\n(^٣) البحر المحيط (١/ ٤٦٠) وانظر المحصول (١/ ٥٤٦/١).\n(^٤) هو: أحمد بن محمد الخلوتي، الشهير بالصاوي، فقيه مالكي، له حاشية على تفسير الجلالين، توفي بالمدينة المنورة سنة إحدى وأربعين ومائتين وألف. انظر الأعلام (١/ ٢٤٦).\n(^٥) حاشية الصاوي على الجلالين (١/ ١٤٠). وانظر (٣/ ١٠) منها.","vol":"1","page":131},{"text":"جعل ما قاله نصارى نجران، هو ظاهر كتاب الله، ولذا جعل مثلهم من حذا حذوهم فأخذ بظاهر القرآن.\nوقد قال قبل هذا: قيل سبب نزولها أن وفد نجران قالوا للنبي ﷺ ألست تقول:\nإن عيسى روح الله وكلمته؟ فقال: «نعم»، فقالوا: حسبنا، أي كفانا ذلك في كونه ابن الله. فنزلت الآية.\nفاتضح أن الصاوي يعتقد أن ادعاء نصارى نجران أن ظاهر قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] هو أن عيسى ابن الله ادعاء صحيح، وبنى على ذلك أن العلماء قالوا إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر.\nوهذا كله من أشنع الباطل وأعظمه، فالآية لا يفهم من ظاهرها البتة، بوجه من الوجوه، ولا بدلالة من الدلالات، أن عيسى ابن الله، وادعاء نصارى نجران ذلك كذب بحت.\nفقول الصاوي كنصارى نجران ومن حذا حذوهم ممن أخذ بظواهر القرآن صريح في أنه يعتقد أن ما ادعاه وفد نجران من كون عيسى ابن الله هو ظاهر القرآن اعتقاد باطل! باطل!! باطل!!! حاشا القرآن العظيم من أن يكون هذا الكفر البواح ظاهره، بل هو لا يدل عليه البتة فضلا عن أن يكون ظاهره وقوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجائية: ١٣] أي كل ذلك من عيسى ومن تسخير السماوات والأرض مبدؤه ومنشؤه منه - جل وعلا -.\nفلفظة «من» في الآيتين لابتداء الغاية، وذلك هو ظاهر القرآن وهو الحق خلافا لما زعمه الصاوي وحكاه عن نصارى نجران.\nوقد اتضح بما ذكرنا أن الذين يقولون: إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر لا يعلمون ما هي الظواهر وأنهم يعتقدون شيئا ظاهر النص. والواقع أن النص لا يدل عليه بحال من الأحوال فضلا عن أن يكون ظاهره. فبنوا باطلا على باطل، ولا شك أن الباطل لا يبنى عليه إلا باطل، ولو تصوروا معاني ظواهر الكتاب والسنة على حقيقتها لمنعهم ذلك، من أن يقولوا ما قالوا … وقول الصاوي في","vol":"1","page":132},{"text":"كلامه المذكور إن العلماء قالوا: إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر، قول باطل لا يشك في بطلانه من عنده أدنى معرفة. ومن هم العلماء الذين قالوا إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر؟ سموهم لنا، وبيّنوا لنا من هم؟\nوالحق الذي لا شك فيه أن هذا القول لا يقوله عالم، ولا متعلم … وقد أجمع جميع المسلمين على أن العمل بالظاهر واجب حتى يرد دليل شرعي صارف عنه، إلى المحتمل المرجوح، وعلى هذا كل من تكلم في الأصول (^١). انتهى بلفظه. وقد أطنب الشيخ في الرد عليه، وعلى من نفى الصفات بحجة أن ظاهرها التشبيه، فليراجعه من أراد المزيد.\nوقد نبّه شيخ الإسلام ابن تيمية من قبل على جذور هذا المنهج الذي سلكه الصاوي، وبنى عليه الحكم بأن ظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر. وذلك تأسيسا لمذهبه العقدي المبني على تأويل آيات الصفات. قال شيخ الإسلام: إذا قال القائل: ظاهر النصوص مراد أو ظاهرها ليس بمراد. فإنه يقال: لفظ الظاهر فيه إجمال واشتراك؛ فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين أو ما هو من خصائصهم فلا ريب أن هذا غير مراد؛ ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرها، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفرا وباطلا، والله - ﷾ - أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر أو ضلال، والذين يجعلون ظاهرها ذلك يغلطون من وجهين:\nتارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ، حتى يجعلوه محتاجا إلى تأويل يخالف الظاهر، ولا يكون كذلك.\nوتارة يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ، لاعتقادهم أنه باطل. اهـ (^١).\n***\n_________\n(^١) أضواء البيان (٧/ ٤٤٠ - ٤٤٣)، وقد ردّ عليه الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي، في كتابه «تنزيه السنة والقرآن عن أن يكونا من أصول الضلال والكفران».","vol":"1","page":133},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-60> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nكما أسلفت في مبحث بيان متى يكون الترجيح - من مباحث التمهيد - أن الترجيح قد يكون فيه ردّ أو تضعيف لبعض الأقوال التي قيلت في الآية، وقد يكون الترجيح بتصحيح قول لموافقته القاعدة، وتضعيف غيره لمخالفته لها، وغيرها من الأنواع، وضربت لذلك أمثلة مقتضبة. (^١)\nوهذه القاعدة يكون الترجيح بها شاملا لكل ذلك كما تدل عليه أمثلتها - كما سترى بإذن الله.\nومن التفاسير التي تعمل فيها هذه القاعدة:\nأولا: تفاسير الباطنية قاطبة.\nثانيا: تفاسير أهل الإشارة والاعتبار.\nثالثا: تفاسير المتكلمين وأهل التأويل.\nرابعا: أقوال بعض المفسرين التي ليست مما سبق وخالفوا بها القاعدة.\nأولا: تفاسير الباطنية (^٢):\nومن الباطنية الذين تردّ هذه القاعدة مذاهبهم وأقوالهم في التفسير.\n- الإمامية الاثنا عشرية (^٣):\nتقول الإمامية الاثنا عشرية: إن القرآن له ظاهر وباطن .. بل له سبعة وسبعون\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ٤٣).\n(^٢) الباطنية سموا بذلك؛ لأنهم يقولون: إن للنصوص ظاهرا وباطنا ولكل تنزيل تأويلا، ولهم ألقاب كثيرة منها القرامطة والخزمية والإسماعليية والنصيرية وغيرها. وهم يقولون: إنه لا بد في كل عصر من إمام معصوم قائم بالحق يرجع إليه في تأويل الظواهر، ولهم معتقدات هدموا بها الشريعة. انظر الملل والنحل (١/ ٢٢٨).\n(^٣) هم فرقة من غلاة الشيعة، يقولون باثني عشر إماما، ويعتقدون فيهم العصمة من الخطأ والنسيان وعن اقتراف الكبائر والصغائر، ويعتقدون الرجعة، ويتبرأون ويطعنون في الخلفاء الثلاثة وكبار الصحابة.\nانظر مقالات الإسلاميين (١/ ٨٨)، والملل والنحل (١/ ١٨٩)، والفصل لابن حزم (٥/ ٣٥)، والوشيعة في نقد عقائد الشيعة لموسى جار الله.","vol":"1","page":134},{"text":"بطنا، ولم يقتصروا على ذلك بل تمادوا وادعوا أن الله - تعالى - جعل ظاهر القرآن في الدعوة إلى التوحيد والنبوة والرسالة، وجعل باطنه في الدعوة إلى الإمامة والولاية وما يتعلق بهما … ومن نتائج هذا التفسير الباطني للقرآن أن وجد القائلون به أمام أفكارهم مضطربا بالغا ومجالا رحبا، يتسع لكل ما يشاؤه الهوى وتزينه لهم العقيدة فأخذوا يتصرفون في القرآن كما يحبون وعلى أي وجه يشتهون (^١).\nفليس هناك ضابط لتأويلاتهم، ولا تدل عليه ألفاظ القرآن الكريم بأي نوع من أنواع الدلالة، بل هو مبني على ما تمليه عليهم عقيدتهم وأذواقهم ومشاربهم، فمثل هذه التأويلات لظاهر ألفاظ القرآن مردودة على صاحبها - ولا كرامة - بهذه القاعدة المسلّمة عند أهل السنة والقرآن.\nوهناك أمثلة تبين شيئا من تلك الضلالات والهدم لمدلولات ألفاظ القرآن الكريم.\nيقول مفسرهم عن قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ (١٧) [الرحمن: ١٧]:\nالمشرقين رسول الله وعلي - صلوات الله عليهما - والمغربين الحسن والحسين - ﵉ -.\nوعند قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ (٢٢) [الرحمن: ١٩ - ٢٢] يقول مفسرهم: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ علي وفاطمة - ﵉ - ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ﴾ محمد ﷺ ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ (٢٢) الحسن والحسين - ﵉ - (^٢).\nفأين هذا التفسير من ظاهر هذه الآية! تحطيم كامل لمدلولات ألفاظ القرآن الكريم.\nوكقول مفسرهم في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ﴾\n_________\n(^١) انظر التفسير والمفسرون (٢/ ٢٨ - ٣٠).\n(^٢) انظر تفسير نور الثقلين للحويزي (٥/ ١٩٠ - ١٩١)، وتفسير الميزان لطباطبائي (١٩/ ١٠٣).","vol":"1","page":135},{"text":"﴿وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ [التحريم: ١٠]: مثل ضربه الله لعائشة وحفصة (^١) أن تظاهرتا على رسول الله وأفشتا سره (^٢). اهـ وعن قوله تعالى: ﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] قال مفسرهم: نحن وجه الله، أهـ (^٣) وأمثلة ذلك كثير من تفسيرهم الباطني لكتاب الله - تعالى - وإعراضهم عما دلّ عليه ظاهر القرآن، مع كون هذا الباطن لا دلالة عليه من اللفظ البتة، وإنما هي أهواء وضلالات تملي هذا التفسير على عقولهم وقلوبهم. نعوذ بالله من الخذلان.\nوالباطنية عامة الذين ترد عليهم هذه القاعدة، هم الذين فسروا القرآن بأمور باطنة تخالف ظاهره (^٤)، فهذا معلوم الفساد من جهة مخالفته لظاهر القرآن.\n_________\n(^١) هي: أم المؤمنين حفصة بنت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، توفيت سنة إحدى وأربعين، وقيل غير ذلك. سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٢٧)، والإصابة (٨/ ١٥).\n(^٢) انظر تفسير الميزان (١٩/ ٣٤٦).\n(^٣) انظر نور الثقلين (٤/ ١٤٦)، وتفسير الميزان (١٩/ ١٠٣).\n(^٤) * ومن هذه الفرق الإمامية والإسماعيلية، فهم يرون أن للقرآن ظاهرا وباطنا ونسبة الباطن إلى الظاهر كنسبة اللب إلى القشر، والمتمسك بظاهره معذب، وباطنة مؤد إلى ترك العمل بظاهره. وعلى هذا فسروا بعض آيات القرآن، وبعض الأمور الشرعية، كالوضوء قالوا: هو عبارة عن موالاة الإمام، و«الصلاة» عبارة عن الناطق الذي هو الرسول بدليل قوله: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت: ٤٥]. و«الغسل» تجديد العهد ممن أفشى سرا من غير قصد، و«الكعبة» النبي. وغير هذه التّرهات كثير جدا، وانظر التفسير والمفسرون (٢/ ٢٤١) وما بعدها.\n* ومن هذه الفرق باطنية الصوفية: من تأويلاتهم ما قاله مفسرهم في تفسير قوله تعالى: وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (١١) [التحريم: ١١]. قال: وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا يعني القوى المؤمنة من قوي النفس اللوامة، اِمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ يعني القوى الصالحة القاتلة تحت القوة الفاسدة الفاعلة المستكبرة، وما ضرها كفر القوة الفاعلة الفاسدة إذا كانت صالحة هي بنفسها إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ يعني إذا قالت اللطيفة الصالحة القابلة في مناجاتها مع ربها، ابن لي بيتا في أخص أطوار القلب ..\nوأمثال ذلك كثير جدا. وانظر التفسير والمفسرون (٢/ ٣٩٨).","vol":"1","page":136},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: .. وأمّا إذا أريد بالعلم الباطن الذي يبطن عن أكثر الناس أو عن بعضهم فهذا على نوعين:\nأحدهما: باطن يخالف العلم الظاهر، والثاني: لا يخالفه. فأما الأول فباطل، فمن ادعى علما باطنا أو علما بباطن وذلك يخالف العلم الظاهر كان مخطئا، إما ملحدا زنديقا وإمّا جاهلا ضالا.\nوأما الثاني فهو بمنزلة الكلام في العلم الظاهر قد يكون حقا وقد يكون باطلا.\nفإن الباطن إذا لم يخالف الظاهر لم يعلم بطلانه من جهة مخالفته للظاهر المعلوم، فإن علم أنه حق قبل، وإن علم أنه باطل ردّ وإلا أمسك عنه. وأما الباطن المخالف للظاهر المعلوم فمثل ما يدعيه الباطنية القرامطة (^١) من الإسماعيلية (^٢).\n_________\n=* ومن هذه الفرق أيضا، فرقة «القرآنيون»، فإن لهم دعاوى عظيمة، وتأويلات باطلة لآيات القرآن، هذه بالإضافة إلى ما أسسوا عليه مذهبهم من ردّ كامل للسنة. انظر تفصيل مذهبهم وشبهاتهم ومنهجهم في تفسير القرآن مع بعض الأمثلة لتأويلاتهم في كتاب «القرآنيون وشبهاتهم حول السنة» لخادم حسين إلهي بخش.\n* ومن هذه الفرق أيضا البابية والبهائية، الذين حطموا مدلولات الألفاظ وفسروا القرآن على ما أرادوا من نصرة مذهبهم دون اعتبار لدلالة أو مدلول. انظر بعض أقوالهم في التفسير والمفسرون (٢/ ٢٦٥ - ٢٧٩). وغيرهم من الفرق التي سلكت هذا المنهج في إلغاء ظاهر القرآن وتأويله وتحريفه على ما يسمى باطنا.\n(^١) هم: أتباع حمدان القرمطي. وكان رجلا متواريا صار إليه أحد دعاة الباطنية ودعوه إلى معتقدهم فقبل الدعوة، ثم صار يدعو الناس إليها. وضل بسببه خلق كثير. وهم ليسوا من فرق المسلمين، بل مجوس، وضررهم على الإسلام أعظم من ضرر اليهود والنصارى. انظر الفرق بين الفرق ص ١٦ - ٢٦٦، ومقالات الإسلاميين (١/ ١٠٠)، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص ١٠٨.\n(^٢) هم: فرقة باطنية رافضية يقولون بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق، وقد مات قبل أبيه، فاعتقد بعضهم أنه حي ولم يمت، وبعضهم قال: إنه مات واعتقدوا فيه الرجعة. ويعتقدون أن الله لا يوصف بوصف ولا يسمى باسم، ولهم دعوة في كل زمان، ومقالة جديدة بكل لسان، ويلقبون بالباطنية والقرامطة وغيرها. انظر الملل والنحل (١/ ١٩٦ - ٢٢٦)، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص ٦٥، وكتاب الإسماعيلية تاريخ وعقيدة لإحسان إلهي ظهير.","vol":"1","page":137},{"text":"والنصيرية (^١) وأمثالهم ممن وافقهم من الفلاسفة (^٢) وغلاة المتصوفة والمتكلمين. اهـ (^٣).\nثانيا: تفاسير أهل الإشارة والاعتبار:\nوتفاسير هؤلاء داخلة تحت النوع الثاني الذي سبق ذكره عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الباطن الذي لا يخالف العلم الظاهر، فهو بمنزلة الكلام في العلم الظاهر قد يكون حقا وقد يكون باطلا.\nوقال شيخ الإسلام في موضع آخر: والثاني: ما كان في نفسه حقا، لكن يستدلون عليه من القرآن والحديث بألفاظ لم يرد بها ذلك، فهذا الذي يسمونه «إشارات»\nوهو يشتبه كثيرا على بعض الناس فإن المعنى يكون صحيحا، لدلالة الكتاب والسنة عليه، ولكن الشأن في كون اللفظ الذي يذكرونه دل عليه، وهذا قسمان:\nأحدهما: أن يقال: إن ذلك المعنى مراد باللفظ فهذا افتراء على الله، فمن قال المراد بقوله: ﴿تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] هي النفس وبقوله: ﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ﴾\n[طه: ٢٤] هو القلب، ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أبو بكر ﴿أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ﴾ عمر ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ عثمان ﴿تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح: ٢٩] علي. فقد كذب على الله إما متعمدا وإمّا مخطئا.\n_________\n(^١) هم: من غلاة الرافضة الباطنية يزعمون أن الله - تعالى - يحلّ في عليّ في بعض الأوقات. وفي اليوم الذي قلع عليّ باب خيبر كان الله - تعالى - قد حلّ فيه. ويقولون بتناسخ الأرواح، وادعوا النبوة في رجل يقال له محمد بن نصير النميري وإليه ينتسبون، ويقولون بنكاح المحارم. وانظر الملل والنحل (١/ ٢٢٠)، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص ٧٥.\n(^٢) الفلسفة باليونانية محبة الحكمة، وأكثر الفلاسفة ينكرون علم الله - تعالى -، وينكرون حشر الأجساد، ومن أشهرهم أرسطاطاليس ونقل كتبه عن الفلسفة ابن سينا وغيره، وجميع الفلاسفة يعتقدون في تلك الكتب اعتقادات عظيمة. انظر الملل والنحل (٢/ ٣٦٩)، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص ١٢٦.\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٣٥ - ٢٣٦).","vol":"1","page":138},{"text":"والقسم الثاني: أن يجعل ذلك من باب الاعتبار والقياس لا من باب دلالة اللفظ، فهذا من نوع القياس، فالذي تسميه الفقهاء قياسا هو الذي تسميه الصوفية إشارة، وهذا ينقسم إلى صحيح وباطل، كانقسام القياس إلى ذلك. فمن سمع قول الله تعالى:\n﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٧٩) [الواقعة: ٧٩] وقال: إنه اللوح المحفوظ أو المصحف، فقال: كما أن اللوح المحفوظ الذي كتب فيه حروف القرآن لا يمسه إلا بدن طاهر، فمعاني القرآن لا يذوقها إلا القلوب الطاهرة، وهي قلوب المتقين. كان هذا معنى صحيحا واعتبارا صحيحا، ولهذا يروى هذا عن طائفة من السلف، قال تعالى: ﴿الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢) [البقرة: ١ - ٢] وقال: ﴿هذا بَيانٌ لِلنّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١٣٨) [آل عمران: ١٣٨] وقال: ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ [المائدة: ١٦] وأمثال ذلك .. وقد تبين بذلك أن من فسر القرآن أو الحديث، وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله، ملحد في آيات الله، محرّف للكلم عن مواضعه، وهذا فتح لباب الزندقة والإلحاد، وهو معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام. اهـ (^١).\nوقال ابن الصلاح (^٢): وجدت عن الإمام أبي الحسن الواحدي (^٣) المفسر - ﵀ - أنه قال: صنف أبو عبد الرحمن السلمي (^٤) «حقائق التفسير»، فإن كان قد\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٤٠ - ٢٤٣) بشيء من الاختصار.\n(^٢) هو: عثمان بن عبد الرحمن بن موسى الكردي أبو عمرو، إمام في الحديث والفتيا والتفسير، مشارك في عدة فنون، كان سلفيا حسن الاعتقاد توفي سنة ثلاث وأربعين وستمائة. تذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٣٠)، وسير أعلام النبلاء (٢٣/ ١٤٠).\n(^٣) هو: علي بن أحمد بن محمد الواحدي النيسابوري، له البسيط والوسيط والوجيز في التفسير، وكان إماما في العربية، مات سنة ثمان وستين وأربعمائة. سير أعلام النبلاء (١٨/ ٣٣٩).\n(^٤) هو: محمد بن الحسين السلمي، شيخ خراسان وكبير الصوفية، متكلّم فيه، قال الذهبي في تفسيره: حقائق التفسير أتى فيه بمصائب وتأويلات الباطنية. اهـ وقال السبكي: وحقائق التفسير قد كثر فيه الكلام من قبل أنه اقتصر فيه على ذكر تأويلات ومحالّ للصوفية ينبو عنها ظاهر اللفظ. اهـ. انظر سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٤٧)، وطبقات الشافعية (٤/ ١٤٣).","vol":"1","page":139},{"text":"اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر، وأنا أقول الظن بمن يوثق به منهم أنه إذا قال شيئا من أمثال ذلك أنه لم يذكره تفسيرا ولا ذهب به مذهب الشرح للكلمة المذكورة من القرآن العظيم، فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسالك الباطنية، وإنما ذلك ذكر منهم لنظير ما ورد به القرآن، فإن النظير يذكر بالنظير، ومع ذلك فيا ليتهم لم يتساهلوا بمثل ذلك لما فيه من الإبهام والالتباس والله أعلم. اهـ (^١).\nويشبه ما يذكره أرباب الإشارات، ما روي عن الضحاك (^٢) في تفسير قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣].\nقال: لم يعن بها الخمر، وإنما عنى بها سكر النوم اهـ (^٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيميه: وهذا إذا قيل: إن الآية دلّت عليه بطريقة الاعتبار، أو شمول معنى اللفظ العام، فلا ريب أن سبب نزول الآية كان السّكر من الخمر، واللفظ صريح في ذلك اهـ (^٤).\nوهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم وهو اختيار ابن جرير الطبري (^٥)، وترجيح ابن عطية (^٦)، والشوكاني (^٧)، وغيرهم.\n_________\n(^١) فتاوى ابن الصلاح ص ٦٢، وانظر سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٥٥). وقال السيوطي في الإتقان (٤/ ١٩٤): وأما كلام الصوفية في القرآن فليس بتفسير. اهـ، وانظر البرهان (٢/ ١٧٠ - ١٧١).\n(^٢) هو: الضحاك بن مزاحم الهلالي، صاحب التفسير، يروي تفسيره عنه عبيد بن سليمان، مختلف في روايته، توفي سنة اثنتين ومائة وقيل غير ذلك. سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٩٨)، وطبقات المفسرين (١/ ٢٢٢).\n(^٣) جامع البيان (٥/ ٩٦)، وانظره في الدر المنثور (٢/ ٥٤٦)، وعزاه للفريابي وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبري.\n(^٤) اتباع الرسول بصحيح المنقول وصريح المعقول ص ١٥.\n(^٥) جامع البيان (٥/ ٩٦).\n(^٦) المحرر الوجيز (٤/ ١٢٥).\n(^٧) فتح القدير (١/ ٤٦٨).","vol":"1","page":140},{"text":"فهذا المعنى الذي دلّت عليه، وهو سكر الخمر مقدم في تفسيرالآية - ولا شك - وهو المراد قطعا، وحمل الآية على ظاهر اللفظ، ودلالته الظاهرة هو المتعين، وإن صح اعتبار وقياس سكرة النوم عليه - كما هو قول الضحاك - قياسا لا تفسيرا لنفس لفظ الآية كما ذكر شيخ الإسلام.\nثالثا: تفاسير المتكلمين وأهل التأويل:\nوقد ذهب هؤلاء إلى صرف نصوص القرآن والسنة عن ظاهرها فيما يتعلق بصفات الباري - سبحانه -.\nقال أبو حامد الغزالي (^١): كل خبر مما يشير إلى إثبات صفة الباري يشعر ظاهره بمستحيل في العقل، نظر، إن تطرق إليه التأويل قبل وأوّل، وإن لم يندرج فيه احتمال تبين على القطع كذب الناقل. اهـ (^٢).\nوقرر ذلك الرازي في أساس التقديس، وكذلك في مواضع متعددة من تفسيره (^٣).\nوإن كان هؤلاء في الجملة ممن يقولون بهذه القاعدة ويقررونها، إلا أنهم يخالفون في تطبيقها، فهم محجوجون بها. فهم يعتقدون معتقدا ويصرفون ظواهر الكتاب والسنة لتوافق معتقدهم، حيث أحال العقل عندهم اتصاف الله - تعالى - بتلك الصفات التي نفوها عنه - سبحانه -، فهم أرادوا حمل ألفاظ القرآن على ما اعتقدوا، وهذا منشأ الخطأ وأصل الضلال، وقد نبه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى هذا الأصل بقوله:\nوأمّا النوع الثاني من مستندي الاختلاف وهو ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل، فهذا أكثر\n_________\n(^١) هو: محمد بن محمد بن محمد الطّوسي الغزالي، صاحب التصانيف، غلب عليه التصوف والفلسفة، قال فيه أبو بكر بن العربي: شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة وأراد أن يتقيّأهم فما استطاع. اهـ توفي سنة خمسة وخمسمائة. سير أعلام النبلاء (١٩/ ٣٢٢)، وشذرات الذهب (٤/ ١٠).\n(^٢) المنخول من تعليقات الأصول ص ٢٨٦.\n(^٣) انظر تفسيره (٢٢/ ٧) و(٢٩/ ٢٨١) و(٣٠/ ٩٤) وغيرها، وأساس التقديس ص ٩١ - ١٩١ - ١٩٣ - ٢٠٧.","vol":"1","page":141},{"text":"ما فيه الخطأ من جهتين - حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان - إحداهما: قوم اعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها. - فهؤلاء - راعوا المعنى الذي رأوه من غير نظير إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان ..\nتارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرد به، وفي كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلا، فيكون خطؤهم في الدليل والمدلول، وقد يكون حقا فيكون خطؤهم في الدليل لا في المدلول .. فالذين أخطأوا في الدليل والمدلول - مثل طوائف من أهل البدع - اعتقدوا مذهبا يخالف الحق الذي عليه الأمة الوسط الذين لا يجتمعون على ضلالة، كسلف الأمة وأئمتها، وعمدوا إلى القرآن فتأوّلوه على آرائهم. تارة يستدلون بآيات على مذهبهم ولا دلالة فيها، وتارة يتأوّلون ما يخالف مذهبهم بما يحرفون به الكلم عن مواضعه، ومن هؤلاء فرق الخوارج (^١)، والروافض، والجهمية (^٢)، والمعتزلة (^٣)، والقدرية (^٤)، والمرجئة، وغيرهم. اهـ (^٥). والذي ألجأهم إلى هذا المعتقد أنهم\n_________\n(^١) هي: فرقة ضالة أجمعت على إكفار علي بن أبي طالب - ﵁ - أن حكّم، وأجمعوا على أن كل كبيرة كفر، وصاحبها مخلد في النار. ثم أطلق لقب الخوارج على كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه. انظر مقالات الإسلاميين (١/ ١٦٧)، والملل والنحل (١/ ١٣١).\n(^٢) هم: أتباع جهم بن صفوان الذي قال بالإجبار، وأنكر الاستطاعات كلها، ونفى الصفات، وزعم أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وزعم أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط، وأن الكفر هو الجهل به فقط، ومخازيه كثيرة. انظر الفرق بين الفرق ص ١٩٩، والملل والنحل (١/ ٩٧).\n(^٣) هم: أتباع واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وسبب تسميتهم: أن واصل بن عطاء لما قال في الفاسق: لا مؤمن ولا كافر، طرده الحسن البصري من مجلسه، فلحق بعمرو بن عبيد واعتزلا مجلس الحسن. من أشهر بدعهم نفي الصفات والقول بخلق القرآن، ونفي القدر، والقول بأن مرتكب الكبيرة بين المنزلتين، ومخازيهم كثيرة. انظر الفرق بين الفرق ص ١٥ - ٩٣، والملل والنحل (١/ ٥٦).\n(^٤) هم: الذين يزعمون أن العبد يخلق فعله، فأثبتوا خالقا مع الله، وسموا بالقدرية لكلامهم في القدر وإنكارهم له. وهم مجوس هذه الأمة كما جاءت الآثار بذلك. انظر الملل والنحل (١/ ٥٦).\n(^٥) مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٥٥ - ٣٥٧).","vol":"1","page":142},{"text":"شبّهوا أولا الخالق بالمخلوق فجعلوا صفاته كصفاتهم، فجعلوا ظواهر الكتاب والسنة التشبيه فأوّلوها ليخرجوا من ذلك.\nوهذا قول باطل أملته الأهواء والعقول الفاسدة، ولا دلالة عليه من كتاب أو سنة، والحق الذي لا مرية فيه أن كل ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ فظاهره المتبادر منه السابق إلى الفهم هو التنزيه التام عن مشابهة شيء من صفات المخلوقين، فلا مناسبة بين تلك الصفة الموصوف بها الخالق، وبين شيء من صفات المخلوقين، كما هو الحال في الذات. وليس هذا موطن القوم (^١)، وإنما أردت التنبيه على أصل الشبهة والتي من أجلها أوّلوا ظواهر الكتاب والسنة.\nوكتب التفسير إضافة إلى كتب العقائد مليئة بهذه التأويلات لصفات الباري - سبحانه -، ليس المقام مقام سردها وبسطها، وإنما المقصود مطلق المثال، يبيّن من خلاله مخالفة بعض المفسرين لظاهر القرآن والسنة.\nفمن أمثله ذلك، الآيات الدالة على صفة اليدين لله - تعالى -، كقوله تعالى:\n﴿مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: ٦٤].\nقال القاضي عبد الجبار الهمداني (^٢): والمراد بذلك: أن نعمتيه مبسوطتان على العباد، وأراد به نعمة الدين والدنيا، والنعمة الظاهرة والباطنة، وقد يعبر باليد عن النعمة فيقال: لفلان عندي يد وأياد ويد جسيمة. اهـ (^٣).\n_________\n(^١) ألف شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه العظيم «درء تعارض العقل والنقل» في الرد عليهم، وانظر مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥٥ - ٣٧٣)، و(٥/ ٣٣ - ١٦٦ - ١٦٨ - ١٧٠ - ١٧٢) وغير هذه المواضع كثير، والتدمرية ص ٦٩ وما بعدها، وأضواء البيان (٢/ ٣١٩ - ٣٢٠). وللقاضي أبي يعلى كتاب خاص بذلك مترجم ب «إبطال التأويلات لأخبار الصفات» طبع جزء منه. وقد ضمّن بعض أهل السنة كتبهم في العقائد الرد على المخالفين لهم، كما فعل ابن أبي العز في شرح الطحاوية، السفاريني.\n(^٢) هو: عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني أبو الحسن، إمام أهل الاعتزال في زمانه، له مصنفات منها التفسير، توفي سنة خمس عشرة وأربعمائة. طبقات الشافعية (٥/ ٩٧)، وطبقات المفسرين (١/ ٢٦٢).\n(^٣) متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار (١/ ٢٣١) تحقيق عدنان زرزور.","vol":"1","page":143},{"text":"ونفى صفة اليد الزمحشري (^١) في كشافه، وجعلها من المجاز، على أصول مذهبه الاعتزالي، وكذا بن المنيّر (^٢) في تعليقه على الكشاف، على طريقته في تقرير مذهب الأشاعرة في الانتصاف (^٣). وهكذا فعل ابن عطية (^٤)، والرازي (^٥)، والقرطبي (^٦)، وأبو حيان (^٧)، والسمين الحلبي (^٨)، وابن جزيّ الكلبيّ (^٩)، وأبو السعود (^١٠)، والشوكاني (^١١)، وابن عاشور (^١٢) وغيرهم.\n_________\n(^١) هو: محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي أبو القاسم، النحوي اللغوي المفسر، له تصانيف كثيرة. كان معتزليا، مجاهرا به، داعية إليه، توفي سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة. طبقات الحنفية (٣/ ٤٤٧)، وطبقات المفسرين (٢/ ٣١٤).\n(^٢) هو: أحمد بن محمد بن منصور الإسكندري المعروف بابن المنيّر، كان بارعا في الفقه واللغة، تعقب الزمخشري في اعتزالياته التي تخالف مذهب الأشاعرة، له «البحر الكبير» في التفسير. توفي سنة ثلاث وثمانين وستمائة. طبقات المفسرين (١/ ٨٩).\n(^٣) انظر الكشاف وبهامشه الانتصاف (١/ ٦٢٨) و(٢/ ٥٣٠).\n(^٤) انظر المحرر الوجيز (٥/ ١٥٠).\n(^٥) انظر مفاتيح الغيب (١٢/ ٤٥ - ٤٦)، وأساس التقديس ص ١٤٠ - ١٤٥.\n(^٦) انظر الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٢٣٩).\n(^٧) انظر البحر المحيط (٤/ ٣١٣ - ٣١٤).\n(^٨) انظر الدر المصون (٤/ ٣٤٣ - ٤٣٣)، والسمين هو: أحمد بن يوسف بن محمد الحلبي، المقرئ النحوي المفسر، لازم أبا حيان فترة طويلة، توفي سنة ست وخمسين وسبعمائة. الدرر الكامنة (١/ ٣٦٠)، وطبقات المفسرين (١/ ١٠١).\n(^٩) انظر التسهيل (١/ ١٨٢).\n(^١٠) انظر إرشاد العقل السليم (٣/ ٥٨). وأبو السعود هو: محمد بن محمد العمادي الحنفي صاحب التفسير، تولى القضاء مدة في مدن مختلفة. توفي سنة اثنتين وثمانين وتسعمائة. شذرات الذهب (٨/ ٣٩٨).\n(^١١) انظر فتح القدير (٢/ ٥٧).\n(^١٢) انظر التحرير والتنوير (٦/ ٢٥٠). وابن عاشور هو: محمد بن الطاهر بن عاشور، رئيس المفتين في تونس، وشيخ جامع الزيتونة، من أعضاء المجمعين العربيين في دمشق والقاهرة، ومن أشهر كتبه «التحرير والتنوير» في التفسير، توفي سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة وألف. الأعلام (٦/ ١٧٤).","vol":"1","page":144},{"text":"ومن قبل نقل الماوردي مذاهب أهل التأويل، ولم ينقل قول أهل السنة والجماعة (^١)\nفهذا الجمع من أئمة التفسير ذهبوا إلى خلاف الصحيح في تفسيرالآية، وخالفوا بذلك ظاهر القرآن - الذي أثبت لله يدا - دون دليل صحيح.\nفمن هؤلاء من اتخذ التأويل والتحريف منهجا له في صفات الله أو في بعضها، كالقاضي عبد الجبار، والزمخشري المعتزليين، وكالرازي، وابن عطية، وابن عاشور، وغيرهم الذين سلكوا مذهب الأشاعرة. ومن هؤلاء من زلّ به القلم في تفسير هذه الآية، وربما كان لها نظائر أخر، دون أن يعتقد صحة مذهب من المذاهب المخالفة لأهل السنة، بل هو يقرر في مواطن متعددة مذهب السلف في إثبات صفات الباري - سبحانه - كالشوكاني.\nوالصحيح الذي لا يجوز العدول عنه في تفسير هذه الآية ونظائرها من آيات الصفات، إثباتها لله - تعالى - على ظاهرها كما أثبتها الله لنفسه وأثبتها له نبيه ﷺ معلومة المعاني غير معقولة الكيف.\nفدل ظاهر هذه الآية على إثبات صفة اليدين لله - تعالى -، وبهذا فسرها إمام المفسرين ابن جرير الطبري وأبطل قول من ذهب إلى تأويلها، فقال - ﵀ -: .. ومع ما وصفناه من أنه غير معقول في كلام العرب أن اثنين يؤديان عن الجميع ما ينبئ عن خطأ قول من قال: معنى اليد في هذا الموضع: النعمة، وصحة قول من قال: إن «يد الله» هي صفة له، قالوا: وبذلك تظاهرت الأخبار عن رسول الله ﷺ وقال به العلماء وأهل التأويل اهـ (^٢).\nوقال البغوي - ﵀ -: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ ويد الله صفة من صفاته كالسمع والبصر والوجه اهـ (^٣).\n_________\n(^١) انظر النكت والعيون (٢/ ٥١).\n(^٢) جامع البيان (٦/ ٣٠٢).\n(^٣) معالم التنزيل (٣/ ٧٦).","vol":"1","page":145},{"text":"ومن القواعد التي تؤيد هذه القاعدة فيما قررته في هذا المثال، قاعدة. «يجب حمل نصوص الوحي على الحقيقة» - وسيأتي الحديث عنها إن شاء الله - فاليد في الصفة حقيقة وفي غيرها مجاز (^١).\nولا يجوز صرفها من الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل واضح، وتعذر حمل اللفظ على الحقيقة. وهنا لا دليل، وليس متعذرا حملها على الحقيقة فالله أعلم بنفسه من خلقه، فهو الذي وصف نفسه بذلك فنحن نثبتها، كما أثبتها الله لنفسه.\nقال أبو عمر ابن عبد البر (^٢): أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيّفون شيئا من ذلك، ولا يحدّون فيه صفة محصورة، وأمّا أهل البدع، الجهمية والمعتزلة كلها، والخوارج، فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله، وسنة رسوله، وهم أئمة الجماعة. اهـ (^٣). والكلام في باقي الصفات كالكلام في هذه الصفة، فباب الصفات واحد.\nرابعا: أقوال بعض المفسرين التي ليست مما سبق وخالفوا فيها القاعدة:\nفمن أمثلة ذلك قولهم (^٤) في تفسير قول الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] إن كل شيء فيه روح يسبح، وما لا روح فيه فلا يسبح،\n_________\n(^١) انظر البحر المحيط (٤/ ٣١٣).\n(^٢) هو: يوسف بن عبد الله ابن عبد البر الأندلسي، حافظ المغرب وشيخ الإسلام. صاحب التصانيف الفائقة، قال الذهبي فيه: وكان في أصول الديانة على مذهب السلف، لم يدخل علم الكلام اهـ توفي.\nسنة ثلاث وستين وأربعمائة. سير أعلام النبلاء (١٥٣/ ١٨).\n(^٣) التمهيد (٧/ ١٤٥).\n(^٤) انظر هذه الأقوال في زاد المسير (٥/ ٣٩)، والمحرر الوجيز (١٠/ ٣٠٠)، والبحر المحيط (٧/ ٥٤)، وغيرها من كتب التفسير.","vol":"1","page":146},{"text":"قاله الحسن (^١)، والضحاك، وغيرهما.\nوقال عكرمة (^٢): الشجرة تسبح والأسطوانة لا تسبح. وهو ما كان من نام من حيوان وغيره يسبح حقيقة.\nوقيل: إن كل شيء لم يغيّر عن حاله يسبح، فإذا تغيّر انقطع تسبيحه.\nوقيل: إن التراب يسبح ما لم يبتل، فإذا ابتل ترك التسبيح، وإن الورقة تسبّح ما دامت على الشجرة، فإذا سقطت تركت التسبيح، ونحو ذلك.\nوقيل: إن هذا التسبيح تجوّز، ومعناه إن كل شيء تبدو فيه صنعة الصانع الدالة عليه فتدعو رؤية ذلك إلى التسبيح من المعتبر.\nوترى هذه الأقوال كيف خالفت ظاهرالآية، فظاهرالآية يثبت التسبيح حقيقة لكل المخلوقات من حيوانات ناطقة وغير ناطقة، ومن نبات، وجماد، وما لم نعلم من خلق الله - تعالى - على الحقيقة كما يدل عليه ظاهرالآية. فهذا هو القول الصحيح الذي دل عليه ظاهر القرآن.\nقال أبو حيان: ونسبة التسبيح للسموات والأرض ومن فيهنّ من ملك وإنس وجن حمله بعضهم على النطق بالتسبيح حقيقة، وأن ما لا حياة فيه ولا نمو يحدث الله له نطقا وهذا هو ظاهر اللفظ اهـ (^٣).\nوقال الشنقيطي: التحقيق أن تسبيح الجبال والطير مع داود تسبيح حقيقي؛ لأن الله - جل وعلا - يجعل لها إدراكات تسبّح بها.\n_________\n(^١) هو: الحسن بن أبي الحسن البصري، أبو سعيد، مولى زيد بي ثابت، كان إماما كبير الشأن، رفيع الذكر رأسا في العلم والعمل، له «التفسير» رواه عنه جماعة، توفي سنة عشر ومائة. سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٦٣) وطبقات المفسرين (١/ ١٥٠).\n(^٢) هو: العلامة الحافظ المفسر عكرمة بن عبد الله، أبو عبد الله المدني البربري الأصل، مولى ابن عباس، وهو ثقة ثبت، عالم بالتفسير، لا تثبت عنه بدعة ولا كذب، توفي سنة أربع ومائة، وقيل غير ذلك. سير أعلام النبلاء (٥/ ١٢)، وطبقات المفسرين (٧/ ٥٤).\n(^٣) البحر المحيط (٧/ ٥٤).","vol":"1","page":147},{"text":"والقاعدة المقررة عند العلماء: أن نصوص الكتاب والسنة لا يجوز صرفها عن ظاهرها المتبادر منها إلا بدليل يجب الرجوع إليه. اهـ (^١).\nورجح هذا القول أيضا القرطبي (^٢)، وابن كثير (^٣)، وغيرهما.\nويشهد لهذه القاعدة فيما رجحته في هذا المثال قاعدة: «يجب حمل نصوص الوحي على الحقيقة».\nويشهد لها أيضا قاعدة: «إذا ثبت الحديث وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجّح له على ما خالفه».\nوقد صحت أحاديث كثيرة في تسبيح الجمادات حقيقة بالمقال، وفي كلامها بغير التسبيح بالمقال حقيقة.\nمنها قول ابن مسعود - ﵁ -: «.. ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل» (^٤) أي على عهد رسول الله ﷺ.\nومنها حديث جابر بن سمرة (^٥) - ﵄ - أن النبي ﷺ قال: «إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن» (^٦).\nومنها حديث جابر بن عبد الله (^٧) - ﵄ - قال: «كان المسجد مسقوفا\n_________\n(^١) أضواء البيان (٤/ ٦٧٢).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٢٦٨).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم (٥/ ٧٦).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام. حديث رقم (٣٥٧٩). انظر الصحيح مع الفتح (٦/ ٦٧٩).\n(^٥) هو: جابر بن سمرة بن جنادة العامري، أبو عبد الله، له ولأبيه صحبة أخرج له أصحاب الصحيح، وفي الصحيح أنه قال. صليت مع النبي ﷺ أكثر من ألفي مرة، توفي سنة أربع وسبعين. الإصابة (١/ ٢٢١).\n(^٦) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الفضائل حديث رقم (٢).\n(^٧) هو: جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، له ولأبيه صحبة، وأحد المكثرين في الرواية عن النبي ﷺ مات سنة ثمان وسبعين وقيل غير ذلك. الإصابة (١/ ٢٢٢).","vol":"1","page":148},{"text":"على جذوع من نخل، فكان النبي ﷺ إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر فكان عليه، فسمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار حتى جاء النبي ﷺ فوضع يده عليها فسكنت» (^١).\nفهذه الأحاديث وغيرها صريحة في إثبات تسبيح الجمادات وكلامها، كشفه الله لنبيه ﷺ ولبعض أصحابه، وهو عن كثير من الناس محجوب. فهذا يشهد لصحة قول من جعل التسبيح عاما لجميع الخلق.\nويشهد لهذه القاعدة - أيضا - فيما رجحته في هذا المثال، قاعدة «يجب حمل نصوص الوحي على العموم ما لم يرد نص بالتخصيص».\nفقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ عموم لا يجوز تخصيصمه إلا بدليل واضح يجب الرجوع إليه، ولا دليل هنا، فوجب حمله على العموم. ومن جعل قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾\nعموما، ومعناه الخصوص في كل حيّ ونام (^٢)، فقوله مرجوح بهذه القاعدة، وهو مرتهن بإقامة الحجة على دعواه.\nقال الشوكاني: ومدافعة عموم هذه الآية بمجرّد الاستبعادات ليس دأب من يؤمن بالله - سبحانه - ويؤمن بما جاء من عنده. اهـ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، حديث (٣٥٨٥) وأخرجه كذلك عن ابن عمر في المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام حديث (٣٥٨٣) بلفظ مقارب انظر الصحيح مع الفتح (٦/ ٦٩٦).\n(^٢) انظر الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٢٦٦).\n(^٣) فتح القدير (٣/ ٢٣١).\n* ونظائر هذا المثال كثيرة جدا، سوف أسرد جملة منها، أذكر جزءالآية الذي وقع فيه الخلاف ثم أحيل على المرجع الذي ذكر الخلاف وبيّن الترجح بالقاعدة.\n١ - فمنها ما جاء في تفسير قوله تعالي وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥) [البقرة: ٤٥]. انظر جامع البيان (١/ ٢٦١)، والبحر المحيط (١/ ٢٩٩)، وروح المعاني (١/ ٢٤٩).\n٢ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (٦٥) [البقرة: ٦٥]، انظر جامع البيان (١/ ٣٣٢)، وتفسير ابن كثير (١/ ١٥١ - ١٥٣). -","vol":"1","page":149},{"text":"\n_________\n= ٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: ١٢٥]. انظر جامع البيان (١/ ٥٣٧).\n٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا [البقرة: ٢٢٩].\nانظر جامع لأحكام القرآن (٣/ ١٣٧).\n٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ [آل عمران: ٧]. انظر جامع البيان (٣/ ١٨٠).\n٦ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [الأنعام: ١]. انظر المحرر الوجيز (٦/ ٢ - ٣).\n٧ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ [الأنعام: ١٥٤]. انظر جامع البيان (٨/ ٩١).\n٨ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ [التوبة: ٥٥]. انظر جامع البيان (١٠/ ١٥٣).\n٩ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ [الكهف: ٥٠]. انظر جامع البيان (٤/ ١٢٢).\n١٠ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ [الأنبياء: ٤٧] انظر جامع البيان (٨/ ١٢٣ - ١٢٤) والمحرر الوجيز (٥/ ٤٣١ - ٤٣٢) ط: القطرية و(٧/ ١٢) ط: المغربية، مع التنبّه إلى وجود تقديم وتأخير أخل بالكلام في هذه الطبعة، وأضواء البيان (٤/ ٥٨٤).\n١١ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ [النور: ٨]. انظر أضواء البيان (٦/ ١٣٢ - ١٣٣).\n١٢ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [الفرقان: ١٢]. انظر أضواء البيان (٦/ ٢٨٨ - ٢٨٩).\n١٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) [الرحمن: ٢٢]. انظر أضواء البيان (٢/ ٢١١).\n١٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: اِتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [الحديد: ٢٨]. انظر أضواء البيان (٦/ ٥٧٦).\n١٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا [المجادلة: ٤]. انظر شرح مختصر ابن الحاجب (٢/ ٤٢٣)، وأضواء البيان (١/ ٣٣٠).\nوانظر مزيدا من أمثلة هذه القاعدة في جامع البيان (١/ ٢٨٠، ٤٦٧) و(٢/ ٥٧، ٥٩، ٧٥، ٢٦٧) و(٨/ ٦٠) و(١٧/ ٨٤) و(٢١/ ٩٣، ١٤١) و(٢٥/ ٣٨) والمحرر الوجيز (٩/ ٤٠٩) ومفاتيح الغيب (٤/ ٦٣).","vol":"1","page":150},{"text":"<span data-type='title' id=toc-61>ذكر صور خرجت عن هذه القاعدة:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: ويجوز باتفاق المسلمين أن تفسر إحدى الآيتين بظاهر الأخرى ويصرف الكلام عن ظاهره، إذ لا محذور في ذلك عند أحد من أهل السنة، وإن سمي تأويلا وصرفا عن الظاهر فذلك لدلالة القرآن عليه، ولموافقة السنة والسلف عليه؛ ولأنه تفسير للقرآن بالقرآن ليس تفسيرا له بالرأي. والمحذور إنما هو صرف القرآن عن فحواه بغير دلالة من الله ورسوله والسابقين. اهـ (^١).\nوقال ابن جرير - ﵀ -: … وإنما الكلام يوجه معناه إلى ما دل عليه ظاهره المفهوم حتى تأتي دلالة بينة تقوم بها الحجة على أن المراد به غير ما دل عليه ظاهره، فيكون حينئذ مسلّما للحجة الثابتة بذلك اهـ (^٢).\nوهذا أوان الوفاء بالوعد، فهذه أمثلة دلت آيات قرآنية وأحاديث نبوية على أن الظاهر المتبادر منها حسب الوضع اللغوي غير مراد، وهذا هو ما استثنيناه من القاعدة بقولنا «إلا بدليل يجب الرجوع إليه».\nأ - مثال ما صرفت فيه الآية عن ظاهرها بدليل قرآني:\nقوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فإن ظاهره المتبادر منه أن الطلاق كله محصور في المرتين، ولكنه - تعالى - بيّن أن المراد بالمحصور في المرتين خصوص الطلاق الذي تملك بعده الرجعة بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾\n[سورة الأنعام: ١٥٢] و[الإسراء: ٣٤] فإن المتبادر من مفهوم الغاية أنه إذا بلغ أشده، فلا مانع من قربان ماله بغير التي هي أحسن، ولكنه - تعالى - بيّن أن المراد بالغاية أنه إن بلغها\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٦/ ٢١).\n(^٢) جامع البيان (١/ ٥١٦).\n(^٣) أضواء البيان (١/ ٧٥).","vol":"1","page":151},{"text":"يدفع إليه إن أونس منه الرشد، وذلك في قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٣] (^١).\nب - مثال ما صرفت فيه الآية عن ظاهرها بدليل من السنة:\nقوله تعالى بعد ذكر المحرمات: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]. أخبر - تعالى - أنه أحل ما سوى من ذكر في الآيتين السابقتين وظاهره العموم، ويدخل تحت هذا العموم الذي أفاده ظاهرالآية جواز نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها والجمع بينهما؛ ولكن النبي ﷺ بيّن أن الظاهر المتبادر من هذه الآية غير مراد في نكاح امرأة على عمتها وعلى خالتها بقوله ﷺ: «لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها» (^٢).\nوقال ابن عطية: وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الآية حكم حرم الله به سبعا من النسب وستا من بين رضاع وصهر، وألحقت السنة المأثورة سابعة وذلك الجمع بين المرأة وعمتها ومضى عليه الإجماع. اهـ (^٣) وعلى هذا تجري كل عمومات القرآن التي صح تخصيصها فظاهرها خارج عن الاعتبار فيما دل عليه الخاص.\nوالآيات التي صح نسخها فإن ظاهرها قبل النسخ كان هو المراد فلما نسخت تحول إلى النص الناسخ لها. وأصبح بعد النسخ ظاهرها غير داخل في التكليف، وكذا تقييد المطلق، فإن المطلق متروك الظاهر مع مقيّده، فلا إعمال له في إطلاقه، بل المعمل هو المقيد (^٤).\n_________\n(^١) أضواء البيان (١/ ٧٥).\n(^٢) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة، في كتاب النكاح، باب لا تنكح المرأة على عمتها، حديث رقم (٥١٠٩) انظر الصحيح مع الفتح (٩/ ٦٤). وأخرجه من حديثه - أيضا - مسلم في صحيحه، كتاب النكاح، حديث رقم (٣٣).\n(^٣) المحرر الوجيز (٤/ ٦٩).\n(^٤) انظر الموافقات (٣/ ١٠٨).","vol":"1","page":152},{"text":"<span data-type='title' id=toc-62>المطلب الثالث:\nقاعدة: حمل معاني كلام الله على الغالب من أسلوب القرآن ومعهود استعماله أولى من الخروج به عن ذلك</span>\n*<span data-type='title' id=toc-63> صورة القاعدة:</span>\nإذا تنازع المفسرون في تفسيرآية أو جملة أو لفظة من كتاب الله فأولى الأقوال بالصواب، القول الذي يوافق استعمال القرآن في غير موضع النزاع، سواء أكان ذلك في الألفاظ المفردة، أو في التراكيب.\nوسواء أكان ذلك الاستعمال، استعمالا أغلبيا - بأن كان لموضع النزاع نظائر وقع فيها النزاع ولكن الكثرة الكاثرة من الاستعمال هي مما اتفق على معناه - أو مطردا - بأن يكون استعمالها في جميع مواردها في القرآن متفقا عليه، غير موضع الخلاف بأن يقول مفسر قولا في آية جميع نظائرها في القرآن على خلاف هذا القول (^١) - أو عادة في أسلوب القرآن (^٢).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-64> بيان ألفاظ القاعدة:</span>\nالمقصود ب «كلام الله» في قولي: «حمل معاني كلام الله» هو الكلام الذي وقع فيه النزاع بين العلماء، سواء أكان ذلك الكلام لفظة أو جملة من القرآن.\nوالإشارة ب «ذلك» في قولي: «أولى من الخروج به عن ذلك» عائدة إلى «الغالب من أسلوب القرآن ومعهود استعماله».\n***\n_________\n(^١) من أمثلة هذا، المثال الثاني من أمثلة هذه القاعدة. وانظر التفسير القيم ص ٢٤٤.\n(^٢) انظر الموافقات (٣/ ٣٥٨)، والتبيان في أقسام القرآن ص ١٣٦، والتحرير والتنوير (١/ ١٢٤).","vol":"1","page":153},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-65> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nاعتمد هذه القاعدة في الترجيح أئمة التفسير الأعلام، فمن هؤلاء الأئمة:\n١ - حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس - ﵄ -:\nفقد أخرج الطبري عنه في مخاصمته لنافع بن الأزرق (^١) قوله: الورود: الدخول. -[يعني في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ [مريم: ٧١]]-، وقال نافع: لا، فقرأ ابن عباس ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ (٩٨) [الأنبياء: ٩٨] أورود هو أم لا؟ وقال ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ (٩٨) [هود: ٩٨] أورود هو أم لا؟ أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر هل نخرج منها أم لا؟. اهـ (^٢).\nفاستدل ابن عباس لصحة قوله في تفسير «الورود» بمواردها في القرآن، فالغالب استعمال الورود بمعنى الدخول؛ فحمل الآية التي فيها الخلاف على ما غلب استعماله في القرآن أولى.\n٢ - ومنهم الإمام الطبري: قال - في معرض ترجيحه لأحد الأقوال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ (١٠٠) [النحل: ١٠٠]- قال: والقول الأوّل، أعني قول مجاهد (^٣)، أولى القولين في ذلك بالصواب، وذلك أن الذين يتولون الشيطان إنما يشركونه بالله في عبادتهم وذبائحهم ومطاعمهم ومشاربهم، لا أنهم\n_________\n(^١) هو نافع بن الأزرق بن قيس البكري الخارجي رأس الأزارقة وإليه نسبتهم، له أسئلة في التفسير سألها ابن عباس، أخرج الطبراني بعضها في مسند ابن عباس من المعجم الكبير، قتل سنة خمس وستين. لسان الميزان (٦/ ١٤٤)، والأعلام (٧/ ٣٥٢).\n(^٢) جامع البيان (١٦/ ١٠٩)، وانظر أضواء البيان (٤/ ٣٤٩).\n(^٣) قال مجاهد: والذين هم بالله مشركون. ومجاهد هو: الإمام شيخ القراء والمفسرين مجاهد بن جبر المكي أبو الحجاج، روى عن ابن عباس فأكثر وأطاب، وعنه أخذ القرآن والتفسير والفقه، توفي سنة مائة، وقيل غير ذلك. سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٤٩).","vol":"1","page":154},{"text":"يشركون بالشيطان. ولو كان معنى الكلام ما قاله الربيع (^١) لكان التنزيل: الذي هم مشركوه، ولم يكن في الكلام به. فكان يكون لو كان التنزيل كذلك، والذين هم مشركوه في أعمالهم، إلا أن يوجه موجه معنى الكلام، إلى أن القوم كانوا يدينون بألوهه الشيطان، ويشركون الله به في عبادتهم إياه، فيصح حينئذ معنى الكلام، ويخرج عما جاء التنزيل به في سائر القرآن، وذلك أن الله - تعالى - وصف المشركين في سائر سور القرآن أنهم أشركوا بالله، ما لم ينزل به عليهم سلطانا، وقال في كل موضع تقدّم إليهم بالزجر عن ذلك، لا تشركوا بالله شيئا، ولم نجد في شيء من التنزيل: لا تشركوا الله بشيء، ولا في شيء من القرآن، خبرا من الله عنهم أنهم أشركوا الله بشيء، فيجوز لنا توجيه معنى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ (١٠٠) [النحل: ١٠٠] إلى والذين هم بالشيطان مشركو الله، فبين إذا إذ كان ذلك كذلك، أن الهاء في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ﴾ عائدة على الرب في قوله:\n﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٩٩) [النحل: ٩٩]. اهـ (^٢).\n٣ - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: قال - في معرض ترجيحه لتفسير السلف في قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] بأنه: كل شيء هالك إلا ما أريد به وجهه (^٣).\n_________\n(^١) قال الربيع: أشركوا الشيطان في أعمالهم. والربيع هو: الربيع بن أنس بن زياد البكري الخرساني، كان عالم مرو في زمانه، سجن بمرو ثلاثين سنة، وسمع منه ابن المبارك، توفي سنه تسع وثلاثين ومائة.\nسير أعلام النبلاء (٦/ ١٦٩).\n(^٢) جامع البيان (١٤/ ١٧٥ - ١٧٦).\n(^٣) قال فضيلة شيخنا الشيخ مناع القطان - ﵀ -: وهذا لا يتعارض مع ما ذكره شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية من الاستدلال بالآية - وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ - على إثبات صفة الوجه لله - تعالى - على ما يليق به، لأن إضافة الوجه إلى الله - تعالى - أو إلى ضميره يحمل فيها الوجه على الحقيقة بما يليق به - سبحانه -، أما المعنى الإسنادي للجملة وحمل المراد به على ما أريد به وجه الله فإنه لا يعارض ذلك، فإن السلف يفسرون المعنى الإسنادي","vol":"1","page":155},{"text":"ورده لتفسير المتكلمة (^١) والمتصوفة (^٢) ومن وافقهم بأن معنى الآية: كل ممكن هو باعتبار ذاته هالك .. وإنما له الوجود من جهة ربه.\nقال: الوجه الخامس: أن يقال: اسم الوجه في الكتاب والسنة، إنما يذكر في سياق العبادة له والعمل له، والتوجه إليه، فهو مذكور في تقرير ألوهيته، وعبادته وطاعته لا في تقرير وحدانية كونه خالقا وربا … ولهذا: قدمت في مثل قوله: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٥) وفي مثل قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣].\nوقال تعالى: ﴿وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى﴾ (٢٠) [الليل: ١٩ - ٢١]. وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُورًا﴾ (٩) [الإنسان: ٨ - ٩] وقال تعالى:\n﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢].\nوإذا كان كذلك كان حمل اسم الوجه في هذه الآية: على ما يدل عليه في سائر الآيات أولى من حمله على ما [لا] (^٣) يدل عليه لفظ الوجه في شيء من الكتاب\n_________\n=باللازم ولا ينفون حقيقة الصفة، وهذا لا بأس به بخلاف من يفسرون باللازم وينفون الصفة. اهـ كما قال السيوطي في الإتقان (٣/ ٢٠): كل صفة يستحيل حقيقتها على الله تفسّر بلازمها. اهـ فاتخذوا التفسير باللازم وسيلة إلى نفي الصفة عن الباري - سبحانه -. على عكس طريقة السلف فهم يثبتون الصفة حقيقة وإن فسروا باللازم.\n(^١) المتكلمة وأهل الكلام سموا بذلك نسبة إلى المنهج الذي سلكوه وهو الأخذ بعلم الكلام في منهج جدلي منطقي ومقدمات ودلائل وطرق مبتدعة ادعوا أنها أحسن الطرق لمعرفة الله - تعالى - ودين الإسلام. وكان السلف من أشد الناس نفرة وتنفيرا من الكلام وأهله. وممن سلك هذا المنهج الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية. انظر لوامع الأنوار البهية (١/ ٤) ومجموع فتاوى ابن تيمية (٢٣/ ٢، ٦٩) والعقيدة السلفية ص ٢٢.\n(^٢) سموا بذلك نسبة إلى لبس الصوف، وهم طوائف وطرق متعددة، وكان أصل التصوف في أول أمره زهدا في الدنيا وانقطاعا لعبادة الله، ثم انحرف وتحول إلى خرافات وبدع وضلالات اعتقادية وقولية وعملية، بل وصل بعضه إلى إلحاد وزندقة وقول بوحدة الوجود. اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ص ٩٧ ومجموع فتاوى ابن تيمية (١١/ ١٩) وما بعدها.\n(^٣) ما بين المعقوفين سقط من المطبوع، ولا يستقيم الكلام إلا به. أفاده شيخنا مناع القطان - ﵀ - وشيخنا صالح آل الشيخ - حفظه الله -.","vol":"1","page":156},{"text":"والسنة، بل [هذا هو الواجب دون ذاك] (^١)؛ لأن هذا استعمال للفظ فيما لم يرد به الكتاب، والكتاب قد ورد بغيره حيث ذكر. اهـ (^٢).\nوقال في موضع آخر - في معرض ردّه على من جعل لفظ السراح والفراق صريحا في الطلاق؛ لأنها وردت في القرآن بذلك - قال: الوجه الثاني: وهو القاصم أن هذه الألفاظ أكثر ما جاءت في القرآن في غير الطلاق. اهـ (^٣) وهذه النصوص عنه - ﵀ - تدل بوضوح على اعتماده لهذه القاعدة في الترجيح بين الأقوال المختلفة.\n٤ - ومنهم العلامة ابن القيم: قال - في معرض ترجيحه لأحد الأقوال بهذه القاعدة في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ (٨) [الطارق: ٨]- قال: والقول الصواب هو الأول (^٤) لوجوه: أحدها: أنه هو المعهود من طريقة القرآن من الاستدلال بالمبدأ على المعاد. اهـ (^٥).\nوقال - في معرض ترجيحه لقول من قال في تفسير النجوم في قوله تعالى: ﴿* فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ (٧٥) [الواقعة: ٧٥] بأنها الكواكب -: قال ويرجح هذا القول أن النجوم حيث وقعت في القرآن فالمراد منها الكواكب كقوله تعالى: ﴿وَإِدْبارَ النُّجُومِ﴾ (٤٩) [الطور: ٤٩] وقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. اهـ (^٦).\n_________\n(^١) يقصد شيخ الإسلام بالإشارة ب «وهذا هو الواجب» أي حمل اسم الوجه على ما يدل عليه في سائر الآيات. وي «دون ذاك» أي حمل اسم الوجه على ما لا يدل عليه لفظ الوجه في شيء من الكتاب والسنة.\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢/ ٣٠). وانظر نظير هذا الترجيح بهذه القاعدة في المرجع نفسه (١٦/ ٢١٩)\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٥/ ٤٥٠). وانظر نظير هذا الترجيح بهذه القاعدة في المرجع نفسه (١٥/ ٣٦٦ - ٣٦٧).\n(^٤) والقول الأول في الآية أن معناها: إنه على رجعه إليه يوم القيامة، كما هو قادر على خلقه من ماء هذا شأنه.\n(^٥) التبيان في أقسام القرآن ص ١٣٦.\n(^٦) التبيان في أقسام القرآن ص ٢٧٩ وانظر نظير ذلك من الترجيح بهذه القاعدة في المرجع نفسه ص ١٨٣ وص ٢٣٣.","vol":"1","page":157},{"text":"ومقصود ابن القيم، أن الأغلب استعمالا في القرآن، النجم بمعنى الكوكب، وإلا فهو قد ذكر الخلاف في نفس الآية التي رجح فيها، وذكر الخلاف عن التابعين وغيرهم في سورة النجم (^١) فيحمل قوله: «حيث وقعت في القرآن» على الأغلب، أو فيما عدا المتنازع فيه.\n٥ - ومنهم القاسمي: قال في معرض ترجيحه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ (٦٠) [الزخرف: ٦٠]. قال: إلا أن الأظهر هو الأول (^٢)، لما جرت به عادة التنزيل من خواتيم أمثال ما تقدم، بنظائر هذا الوعيد والله أعلم. اهـ (^٣).\n٦ - ومنهم الشنقيطي: قال في مقدمة تفسيره: ومن أنواع البيان المذكور في هذا الكتاب المبارك الاستدلال على أحد المعاني الداخلة في الآية بكونه هو الغالب في القرآن، فغلبته فيه دليل على عدم خروجه من معنى الآية. اهـ (^٤).\n*** * «مسألة»:\nفي الفرق بين هذه القاعدة وقاعدة: «القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على ما عدم ذلك».\nإن هناك فرقا بين القاعدتين، وذلك أن هذه القاعدة تكون في الآيات المؤيدة للقول في استعمال القرآن لهذه اللفظة أو الجملة أو الأسلوب بمعنى معين فيحمل موضع النزاع على ما غلب استعماله في القرآن.\n_________\n(^١) انظر جامع البيان (٢٧/ ٤٠)، والتبيان في أقسام القرآن ص ٣٠٨.\n(^٢) وهو أن معنى الآية وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ أي بدلكم مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) أي يكونون مكانكم.\n(^٣) محاسن التأويل (١٤/ ٥٢٨٠).\n(^٤) أضواء البيان (١/ ٨٠) وانظر تطبيق ذلك في الترجيح بين الأقوال المختلفة في المرجع نفسه (١/ ٧٠) و(١/ ٣٢٨) و(٤/ ٣٤٩) و(٦/ ١٩٩) و(٦/ ٤٤٢) وغيرها كثير.","vol":"1","page":158},{"text":"أما في تلك القاعدة - يعني قاعدة «القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على ما عدم ذلك» - فليس الأمر كذلك، وإنما الحال أن يكون معنى أحد الأقوال ورد به القرآن في آية أخرى. فورود مضمون هذا القول في القرآن مع انعدام ورود بقية الأقوال دليل على صحته وأنه أولى من غيره. أو يكون الوارد في القرآن معنى يردّ أحد الأقوال التي قيلت في الآية.\nوبالجملة فهذه القاعدة أقوى في الترجيح من تلك القاعدة؛ وذلك؛ لأن المعنى الذي ترجحه يكون واردا في القرآن في أكثر من موضوع بنفس اللفظ أو الأسلوب المتنازع فيه، وأمّا في تلك القاعدة فالآية الأخرى ليست واردة بنفس ألفاظ الآية المتنازع فيها، وإنما في معنى الآية، كما سيأتي بيانه في أمثلتها التطبيقية.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-66> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\n١ - منها ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها﴾\n[النور: ٣١].\nقال العلاّمة الشنقيطي - بعد أن ساق أقوال العلماء في المراد بالزينة الظاهرة والزينة الباطنة -: وجميع ذلك راجع في الجملة إلى ثلاثة أقوال:\nالأول: أن المراد بالزينة ما تتزين به المرأة خارجا عن أصل خلقتها، ولا يستلزم النظر إليه رؤية شيء من بدنها كقول ابن مسعود، ومن وافقه: إنها ظاهر الثياب، لأن الثياب زينة لها خارجة عن أصل خلقتها وهي ظاهرة بحكم الاضطرار كما ترى.\nوهذا القول هو أظهر الأقوال عندنا وأحوطها، وأبعدها من الريبة وأسباب الفتنة.\nالقول الثاني: أن المراد بالزينة، ما تتزين به، وليس من أصل خلقتها أيضا، لكن النظر إلى تلك الزينة يستلزم رؤية شيء من بدن المرأة، وذلك كالخضاب والكحل،","vol":"1","page":159},{"text":"ونحو ذلك، لأن النظر إلى ذلك يستلزم رؤية الموضع الملابس له من البدن كما لا يخفى.\nالقول الثالث: أن المراد بالزينة الظاهرة بعض بدن المرأة الذي هو من أصل خلقتها، كقول من قال: إن المراد بما ظهر منها: الوجه، والكفان. اهـ (^١).\nواستعمل الشيخ هذه القاعدة في الترجيح بين هذه الأقوال، وذلك، لأن لفظ الزينة في القرآن غلب استعماله على ما يزين به الشيء وهو ليس من أصل خلقته، وكون هذا المعنى هو الغالب في استعمال لفظ الزينة في القرآن يدل على أن لفظ الزينة في محل النزاع - أي في هذه الآية - يراد به هذا المعنى الذي غلبت إرادته في القرآن العظيم.\nثم شرع في إيضاح وبيان هذا فقال: وإيضاحه: أن لفظ الزينة يكثر تكرره في القرآن العظيم مرادا به الزينة الخارجة عن أصل المزين بها، ولا يراد بها بعض أجزاء ذلك الشيء المزين بها كقوله تعالى: ﴿* يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾\n[الأعراف: ٣٢] وقوله تعالى: ﴿إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها﴾ [الكهف: ٧] وقوله تعالى: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها﴾ [القصص: ٦٠] وقوله تعالى: ﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ﴾ (٦) [الصافات: ٦] وقوله تعالى:\n﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً﴾ الآية [النحل: ٨]. وقوله تعالى:\n﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ الآية [القصص: ٧٩]. وقوله تعالى: ﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ الآية [الكهف: ٤٩]. وقوله تعالى: ﴿اِعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾ الآية [الحديد: ٢٠]. وقوله تعالى: ﴿قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ الآية [طه: ٥٩].\nوقوله تعالى عن قوم موسى: ﴿وَلكِنّا حُمِّلْنا أَوْزارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ [طه: ٨٧]\n_________\n(^١) أضواء البيان (٦/ ١٩٧ - ١٩٨).","vol":"1","page":160},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] فلفظ الزينة في هذه الآيات كلها يراد بها ما يزين به الشيء وهو ليس من أصل خلقته كما ترى، وكون هذا المعنى هو الغالب في لفظ الزينة في القرآن، يدل على أن لفظ الزينة في محل النزاع يراد به هذا المعنى، الذي غلبت إرادته في القرآن العظيم، … وبه تعلم أن تفسير الزينة في الآية بالوجه والكفين فيه نظر. اهـ (^١).\nوبهذا يعلم أن المراد بالزينة هو ما كان خارجا عن أصل خلقتها، وكونها ما لا يستلزم النظر إليها رؤية شيء من بدن المرأة هو الصواب الذي دلت عليه الآيات، وجاءت به السنة.\nفمن الآيات: قول الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿﴾\n﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩] أي يغطين بها وجوههن وصدورهن، ليتميزن عن غير العفيفات وعن الإماء، فلا يتعرضن إلى أذية من في قلبه مرض (^٢).\nومنها: قوله تعالى: ﴿وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾\n[الأحزاب: ٥٣] ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].\nوالأحاديث كثيرة منها: قول النبي ﷺ: «ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين» (^٣) وهذا يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يحرمن وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن (^٤).\n_________\n(^١) أضواء البيان (٦/ ١٩٩).\n(^٢) ينظر جامع البيان (٢٢/ ٤٩) وأحكام القرآن للجصاص (٥/ ٢٤٥) والجامع لأحكام القرآن (١٤/ ٢٤٣ - ٢٤٤) وتفسير ابن كثير (٦/ ٤٧٠ - ٤٧١) وأضواء البيان (٦/ ٥٨٦) وما بعدما وغيرها من كتب التفسير.\n(^٣) أخرجه البخاري من حديث ابن عمر في كتاب جزاء الصيد، باب ما ينهى من الطيب للمحرم والمحرمة انظر الصحيح مع فتاوى الباري (٤/ ٦٣).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١٥/ ٣٧١).","vol":"1","page":161},{"text":"ومنها: ما جاء في حديث الإفك عن عائشة - ﵂ - قالت: «… فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السّلميّ ثم الذّكوانيّ (^١) من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني، وكان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه (وفي رواية فخمرت وجهي بجلبابي) حتّى أناخ راحلته فوطئ يدها فركبتها» (^٢).\nوالأدله على هذه المسألة كثيرة جدا (^٣) أكتفي بما ذكرت؛ لأنها ليست أصل البحث، وإنما الغرض بيان دور هذه القاعدة في الترجيج في هذا المثال وقد سبق والحمد لله.\n٢ - ومن أمثلة هذه القاعدة - أيضا -: ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨]. زعم بعض الناس أن هذه الآية تدل على أن الجبال الآن في الدنيا يحسبها رائيها جامدة: أي واقفة ساكنة غير متحركة، وهي تمر مر السحاب، وذلك دوران الأرض حول الشمس بل زعموا أن هذا التفسير هو المتناسب مع الإتقان المذكور بعده ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وإلا فالقيامة تخريب للعالم لا يتناسب مع الإتقان (^٤).\nوهذا القول مردود بهذه القاعدة، وذلك أن جميع الآيات التي فيها حركة الجبال\n_________\n(^١) صحابي جليل قال عنه النبي ﷺ في قصة الإفك «ما علمت عليه إلا خيرا»، سكن المدينة وشهد الخندق والمشاهد، قتل في خلافة عمر في غزاة أرمينية شهيدا سنة تسع عشرة وقيل غير ذلك. الإصابة (٣/ ٢٥٠).\n(^٢) هذا جزء من حديث الإفك الطويل أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب تعديل النساء بعضهن بعضا. انظر الصحيح مع الفتح (٥/ ٣١٩) ومسلم، كتاب التوبة حديث رقم (٥٦). واللفظ للبخاري والزيادة لمسلم.\n(^٣) قد استوعب أكثرها محمد بن أحمد المقدم، في كتابه القيّم عودة الحجاب القسم الثالث.\n(^٤) هذا قول دعاة التفسير العلمي المجرد، وعلى رأسهم طنطاوي جوهري في جواهره (١٣/ ٢٥٢)، وصاحب «الهداية والعرفان» ص ٣٠٢، ونقل هذا القول وردّ عليه العلامة الشنقيطي في أضواء البيان (٦/ ٤٤٢).","vol":"1","page":162},{"text":"كلها في يوم القيامة، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْرًا﴾ (١٠) [الطور: ٩ - ١٠] وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً﴾\n[الكهف: ٤٧] وقوله تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ (٢٠) [النبأ: ٢٠] وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ (٣) [التكوير: ٣] فهذه الآيات ونحوها، جاء الخبر فيها عن حركة الجبال في يوم القيامة فهذه الآية هي كذلك (^١)، كما جاء مطردا في القرآن.\nومما يدل على بطلان ذلك القول الذي زعموه، أن هذه الآية جاءت في سياق الحديث عن أحوال الآخرة، فسبقها قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٨٧] وعطفت آية ﴿وَتَرَى الْجِبالَ﴾ على ﴿فَفَزِعَ﴾ أي: ويوم ينفخ في الصور، فيفزع من في السموات، وترى الجبال ..، فدل ذلك على أن مر الجبال مر السحاب كائن يوم ينفخ في الصور لا الآن (^٢).\nويدخل تحت هذه القاعدة، جلّ ما ذكره المفسرون من الكليات؛ لأن جلّها أغلبي، لا كلي مطرد إلا القليل منها. فيحكونها كلية لأجل ترجيحهم في موضع التنازع لما غلب استعماله في أكثر المواضع (^٣).\n_________\n(^١) أضواء البيان (٦/ ٤٤٣).\n(^٢) أضواء البيان (٦/ ٤٤٣).\n(^٣) كقول ابن جريج: الورود الذي ذكره الله في القرآن: الدخول. اهـ جامع البيان (١٦/ ١٠٩). مع أن الخلاف في آية مريم وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها [مريم: ٧١] مأثور.\nوكقول ابن القيم: النجوم حيث وقعت في القرآن فالمراد منها الكواكب. اهـ التبيان في أقسام القرآن ص ٢٧٩. مع أن الخلاف في آية النجم وآية الواقعة آية (٧٥) معلوم وهو - أعني ابن القيم - حكاه كما سبق بيانه.\n* ونظائر هذين المثالين كثيرة منها:\n١ - ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ [البقرة: ٨٨]. انظر التفسير القيم ص ١٣٧.\n٢ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ [آل عمران: ٧]. انظر أضواء البيان (١/ ٣٢٨). -","vol":"1","page":163},{"text":"\n_________\n= ٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [آل عمران: ١٤٦] انظر أضواء البيان (١/ ٨٠، ٣٥٣).\n٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) [الأنفال: ٦٤] انظر أضواء البيان (٢/ ٤١٦).\n٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) [النحل: ١٠٠]، انظر جامع البيان (١٤/ ١٧٥).\n٦ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ [الإسراء: ١١٠]، انظر التفسير القيم ص ٢٤٤.\n٧ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها [مريم: ٧١]. انظر جامع البيان (١٦/ ١٠٨) والجامع لأحكام القرآن (١١/ ١٣٧) وفتح القدير (٣/ ٣٤٤) وأضواء البيان (٤/ ٣٤٩) وما بعدها.\n٨ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ [النمل: ٨٠] انظر أضواء البيان (٦/ ٤١٧).\n٩ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ [القصص: ٨٨]. انظر مجموع الفتاوى (٢/ ٣٠).\n١٠ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) [الصافات: ١٥٨].\nانظر جامع البيان (٢٣/ ١٠٩).\n١١ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) [الزخرف: ٦٠]. انظر محاسن التأويل (١٤/ ٥٢٨٠).\n١٢ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) [النجم: ١]. انظر أضواء البيان (٧/ ٧٠٠).\n١٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: * فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) [الواقعة: ٧٥]. انظر التبيان في أقسام القرآن ص ٢٧٩.\n١٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) [التكوير: ١٧]. انظر أضواء البيان (١/ ٧٠).\n١٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) [الطارق: ٨]. انظر التبيان في أقسام القرآن ص ١٣٦.\n١٦ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) [الغاشية: ٢ - ٣]. انظر مجموع فتاوى ابن تيمية (١٦/ ٢١٩).","vol":"1","page":164},{"text":"وقد ذكر ابن فارس في كتابه الأفراد جملة من الكليات في التفسير نقلها عنه الزركشي (^١) والسيوطي (^٢) وزاد عليها جملة وافرة.\nوذكر الراغب الأصفهاني في المفردات جملة منها واهتم بالأسلوب أكثر من غيره (^٣). واهتم بها أيضا الكفوي في كلياته، وذكر المفسرون في مواضع متناثرة جملة منها (^٤).\n_________\n(^١) انظر البرهان (١/ ١٠٥ - ١١١).\n(^٢) انظر الإتقان (٢/ ١٣٢ - ١٣٩).\n(^٣) جمع شتاتها من الكتاب في فهرس مستقل محقق الكتاب ص ١١٨٨.\n(^٤) * منها قول ابن عباس ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار: كل شيء في القرآن «أو كذا أو كذا» فصاحبه بالخيار أيّ ذلك شاء فعل. اهـ جامع البيان (٢/ ٢٣٧).\n* ومنها قول ابن زيد: التزكي في القرآن كله: الإسلام. اهـ جامع البيان (٣٠/ ٣٩).\n* ومنها قول قتادة: حيثما ذكر الله الخير في القرآن فهو المال. اهـ المحرر الوجيز (٩/ ١٤٧) والبحر المحيط (١٠/ ٥٣٠). وغير هذا كثير جدا.","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type='title' id=toc-67>الفصل الثاني:\nقواعد الترجيح المتعلقة بالسنة والاثار والقرائن وفيه ثلاثة مباحث:</span>\nالمبحث الأول:\nقواعد الترجيح المتعلقة بالسنة النبوية.\nالمبحث الثاني:\nقواعد الترجيح المتعلقة بالآثار.\nالمبحث الثالث:\nقواعد الترجيح المتعلقة بالقرائن.","vol":"1","page":167},{"text":"<span data-type='title' id=toc-68>المبحث الأول:\nقواعد الترجيح المتعلقة بالسنة النبوية وفيه أربعة مطالب:</span>\nالمطلب الأول: قاعدة:\nإذا ثبت الحديث وكان نصا في تفسيرالآية فلا يصار إلى غيره.\nالمطلب الثاني: قاعدة:\nإذا ثبت الحديث. وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجح له على ما خالفه.\nالمطلب الثالث: قاعدة:\nكل تفسير خالف القرآن أو السنة أو إجماع الأمة فهو رد.\nالمطلب الرابع: قاعدة\nلا يصح حمل الآية على تفسيرات وتفصيلات لأمور مغيبة لا دليل عليها من القرآن أو السنة.","vol":"1","page":169},{"text":"<span data-type='title' id=toc-69>المطلب الأول:\nقاعدة: إذا ثبت الحديث وكان نصا في تفسيرالآية فلا يصار إلى غيره</span>\n*<span data-type='title' id=toc-70> صورة القاعدة:</span>\nفي تفسير بعض الآيات نجد تفسيرا للنبي ﷺ، ومع ورود هذا التفسير عنه إلا أننا نجد أحيانا كثيرة أقوالا أخرى في تفسيرالآية، فإذا وجد ذلك، وثبت الحديث، وورد مورد التفسير والبيان للآية، فيجب المصير إليه، وحمل الآية عليه، فالنبي ﷺ أعلم الناس بتفسير وبيان كلام الله، وهذا من مهام رسالته كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، ولا قول لأحد بعد قول رسول الله ﷺ.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-71> بيان ألفاظ القاعدة:</span>\nقولي: «إذا ثبت الحديث» يدخل تحته الصحيح بنوعيه، والحسن بنوعيه، وهذا موضع وفاق، أعني أنه إذا كانت درجة الحديث الوارد في تفسيرالآية الصحة أو الحسن فهو الثابت المعتمد عند جميع العلماء. أما الحديث الضعيف - لا الموضوع وشديد الضعف - ففي الترجيح به تفصيل:\nفإذا عضد الحديث الضعيف وجوها أخرى للترجيح في ترجيح أحد الأقوال فلا إشكال في ذلك، وهو من تعاضد وجوه الترجيح، وفعل ذلك أئمة التفسير، فالإمام الطبري - مثلا - كثيرا ما يقول - بعد أن يرجح أحد الأقوال -: وقد روي عن رسول الله ﷺ بتصحيح ما قلنا في ذلك بما في إسناده نظر (^١). ثم يسوق الحديث مؤيدا به ما اختار.\n_________\n(^١) انظر جامع البيان (٦/ ٢١٦)، و(٨/ ١٩٤)، و(٢٢/ ١٣٧).","vol":"1","page":171},{"text":"ونص على هذا العلاّمة ابن القيم في جملة من وجوه الترجيح في ترجيح أحد الأقوال فقال: الوجه الثاني: أن هذا مروي عن النبي ﷺ، ولو كان من الغرائب فإنه يصلح للترجيح. اهـ (^١).\nفإن عارض الحديث الضعيف وجوها للترجيح أقوى منه فلا يصار إليه، وعلى ذلك عمل الأئمة، فهذا الإمام الطبري كثيرا ما يختار قولا مخالفا للحديث الضعيف اعتمادا على وجوه أخرى للترجيح، ثم يردف ذلك بقوله: ولو كان الخبر عن رسول الله ﷺ صحيحا لم نعده إلى غيره، ولكن في إسناده نظر يجب التثبت فيه. اهـ (^٢). ونحو ذلك من العبارات المؤدية إلى أن الذي منعه من المصير إلى الحديث هو ضعفه، فعدل عنه إلى غيره من وجوه الترجيح وإن خالف ترجيحها ما يرجحه الحديث الضعيف من الأقوال.\nفإن انفرد الحديث الضعيف، ولم يعضده أو يعارضه أيّ وجه من وجوه الترجيح فالترجيح به سائغ، كما سبق في كلام ابن القيم، وكما يوحي به عمل فقهاء الأمة، فهم يقدمون الحديث الضعيف على الرأي، وما أحسن كلمة الإمام أحمد - ﵀ -: ضعيف الحديث خير من الرأي (^٣). فهم يخرّجون على الحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب ما يدفعه، وعلى هذا مذاهب الأئمة (^٤).\nفكذلك هنا إذا لم يوجد أيّ وجه من وجوه الترجيح إلا هذا الحديث الضعيف فالترجيح به سائغ غير أنه ليس تحت هذه القاعدة؛ ولكن تحت القاعدة التالية؛ لأن هذه القاعدة ملزمة بالمصير إلى الحديث، ولا يلزم ذلك في الحديث الضعيف. أما\n_________\n(^١) تحفة المودود ص ٢٠، وانظر ترجيح العلاّمة الشنقيطي بالحديث الضعيف متعاضدا مع وجوه أخرى للترجيح في أضواء البيان (٢/ ٨٩)، و(٤/ ٢٤٨ - ٢٤٩)، و(٧/ ٥٦٠).\n(^٢) جامع البيان (١٦/ ١١٤)، وانظر (٤/ ١٨)، و(٩/ ١١٨)، (٢٢/ ١٤٢) منه.\n(^٣) انظر فتاوى ابن تيمية (١٨/ ٥٢).\n(^٤) انظر العدة لأبي يعلى (٣/ ٩٣٨)، والمسودة ص ٢٧٣، وإعلام الموقعين (١/ ٣١ - ٧٧)، وقواعد في علوم الحديث ص ٩٢.","vol":"1","page":172},{"text":"القاعدة التالية فهي تقديم له على غيره دون إلزام بالمصير إليه.\nواقتضى المقام هنا تفصيل القول فيه؛ لأجل أنه وارد مورد التفسير للآية؛ لكن قيد الثبوت لم يتحقق فضعفت مرتبته في الترجيح فاستحق درجة أقلّ من هذه القاعدة فألحق بالقاعدة التالية.\nوقولي: «وكان نصا في تفسيرالآية» أعني به أمرين:\nأحدهما: أن يكون الحديث مسوقا في تفسير ألفاظ الآية، سواء أكان جوابا عن سؤال، أم رفع إشكال ظهر لبعض الصحابة فيها، أو فسّرها ﷺ ابتداء بتلاوتها ثم بيان معناها، أو بذكر معناها ثم تلاوتها.\nفتعلّق الأمر بتفسير ألفاظ الآية دون بيان وتفسير أحكامها، كما بيّن النبي ﷺ صفة الصلاة، وصفة الحج وأنصباء الزكاة، ومقاديرها، ونحو ذلك، فمثل هذه البيان غير داخل تحت هذه القاعدة؛ لأنه غير متعلق بتفسير ألفاظ الآية. ومما لا يدخل تحت هذه القاعدة ما ورد في غير تفسير ألفاظ الآية، ووافق معناها، أو أحد الأقوال المقولة فيها؛ لأنه إذا كان كذلك كان مؤيدا للمعنى الذي ظهر منها، لا نصا في تفسيرها.\nوسيأتي هذا في القاعدة التالية - إن شاء الله تعالى -.\nالآخر: اصطلاح الأصوليين في لفظ «النص»: وهو ما يفيد بنفسه من غير احتمال.\nوقد يطلق على الظاهر - وهو: ما احتمل معنيين هو في أحدهما أظهر - ولا مانع منه، فإن النص في اللغة بمعنى الظهور (^١).\nوخرج بهذا ما إذا كان التفسير النبوي عاما أو مجملا، كتفسير القوة في قوله تعالى:\n﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] بالرمي (^٢).\n_________\n(^١) شرح روضة الناظر لبدران (٢/ ٢٧ - ٢٨ - ٢٩).\n(^٢) أخرجه مسلم من حديث عقبة بن عامر الجهني في كتاب الإمارة، حديث رقم (١٦٧)، ولفظه:\nقال: سمعت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقول: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ألا إن القوّة الرّمي ألا إن القوة الرّمي ألا إن القوة الرّمي».","vol":"1","page":173},{"text":"فالرمي عام في نوع الرمي، وفرد من أفراد القوة، فلا تقصرالآية عليه (^١). وإن كان تفسيرالآية به أولى؛ لكن الكلام في وجوب المصير إليه، وحمل الآية عليه.\nفإذا توافرت هذه الشروط - أعني بها ثبوت الحديث، ووروده مورد التفسير والبيان لألفاظ الآية، وكونه نصا أو ظاهرا فيه - في التفسير النبوي، فيجب حينئذ؛ حمل الآية عليه، ولا يصار إلى غيره.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-72> أدلة القاعدة:\nقال ابن الوزير في بيانه لأنواع التفسير:</span>\nالنوع الثالث: التفسير النبوي وهو مقبول بالنص والإجماع قال الله تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وقال: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وفي الحديث: «لا يأتي رجل مترف متكئ على أريكته يقول لا أعرف إلا هذا القرآن. ما أحله أحللته وما حرمه حرمته ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه ألا وإن الله حرم كل ذى ناب من السباع ومخلب من الطير» (^٢). ويدل على ذلك أن الإجماع قد انعقد على نسخ وجوب الوصية للوارثين بحديث «لا وصيّه لوارث» (^٣)، وهو حديث حسن وإذا وجب قبول ذلك في نسخ فريضة منصوصة فيه فكيف بسائر\n_________\n(^١) انظر جامع البيان (١٠/ ٣٢).\n(^٢) أخرجه من حديث المقدام بن معد يكرب الإمام أحمد في المسجد (٤/ ١٣١ - ١٣٢) وأبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في لزوم السنة (٤/ ٢٠٠)، والترمذي، كتاب العلم، باب ما نهي عنه أن يقال عن حديث النبيّ ﷺ (٥/ ٣٧)، وابن ماجه في المقدمة، باب تعظيم حديث رسول الله ﷺ، والتغليظ على من عارضه (١/ ٦)، والدارمي في سننه، المقدمة، باب السنة قاضية على كتاب الله (١/ ١٥٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٠٨ - ١٠٩) وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه اهـ، ووافقه الذهبي. وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه. وصححه الألباني في صحيح أبن ماجه حديث رقم ١٢.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد (٤/ ١٨٦ - ١٨٧ - ٢٣٨)، والنسائي، كتاب الوصايا، باب إبطال الوصية للوارث (٦/ ٢٤٧)، والترمذي، كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث (٤/ ٣٧٦)، وابن ماجه، كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث (٢/ ٩٠٥). وصححه الألباني في إرواء الغليل حديث رقم (١٦٥٥).","vol":"1","page":174},{"text":"البيان والتخصيص، وقبوله في نسخ وجوب الوصية إجماع العترة والأمة. اهـ (^١).\nفذكر - ﵀ - بعض النصوص الدالة على وجوب قبول تفسيره وبيانه ﷺ للقرآن، وحكى الإجماع على ذلك، وهذا من المعلوم بالاضطرار، فإن النبي ﷺ أعلم الناس بمعاني القرآن، فإذا ثبت عنه فلا قول ولا رأي لأحد مع قوله، ﷺ، فربنا - تعالى - هو المنزل، ونبينا ﷺ هو المبيّن.\nقال الإمام الطبري - بعد أن ساق بعض الآيات في ذلك: فقد تبين ببيان الله، جل ذكره، أن مما أنزل الله من القرآن، على نبيه ﷺ، ما لا يوصل إلى علم تأويله، إلا ببيان الرسول ﷺ، وذلك تأويل جميع ما فيه، من وجوه أمره، واجبه، وندبه، وإرشاده، وصنوف نهيه، ووظائف حقوقه، وحدوده، ومبالغ فرائضه، ومقادير اللازم بعض خلقه لبعض، وما أشبه ذلك من أحكام آية، التي لم يدرك علمها إلا ببيان رسوله الله ﷺ لأمته. وهذا وجه لا يجوز لأحد القول فيه إلا ببيان رسول الله ﷺ بتأويله، بنص منه عليه، أو بدلالة قد نصبها دالة أمته على تأويله. اهـ (^٢).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-73> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nاعتمد هذه القاعدة عامة العلماء، وما كانت مخالفة المخالف للتفسير النبوي إلا لمذهب اعتقده، أو لعدم بلوغه الحديث، أو لاعتماده على ما دلت عليه ألفاظ الآية من عموم، ونحو ذلك اجتهادا خالف به تفسير النبي ﷺ. وتفسير النبي ﷺ هو المعتمد وما خالفه مردود، وهذه القاعدة جزء من قاعدة: «كل تفسير خالف القرآن أو السنة أو إجماع الأمة فهو ردّ» وسيأتي بحثها وإنما أفردتها هنا لصراحتها في التفسير الذي هو مجال بحثي، وزيادة في العناية بها لأهميتها.\n_________\n(^١) إيثار الحق ص ١٥٢.\n(^٢) جامع البيان (١/ ٣٣)، وانظر الإبانة الكبرى لابن بطة (١/ ٢٢٤).","vol":"1","page":175},{"text":"<span data-type='title' id=toc-74>فمن هؤلاء الأئمة الذين رجحوا بها:</span>\n١ - الإمام الطبري: قال - مقررا هذه القاعدة ومرجحا بها في تفسير قوله تعالى:\n﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (١) [الحج: ١]: وهذا القول (^١) الذي ذكرناه عن علقمة (^٢) والشعبي ومن ذكرنا ذلك عنه، قول لولا مجيء الصحاح من الأخبار عن رسول الله ﷺ بخلافه، ورسول الله ﷺ أعلم بمعاني وحي الله وتنزيله.\nوالصواب من القول في ذلك: ما صحّ به الخبر عنه اهـ (^٣).\nوقال في موضع آخر: ورسول الله ﷺ أعلم بما أنزل الله عليه، وليس لأحد مع قوله الذي يصح عنه قول. اهـ (^٤).\n_________\n(^١) أي: أن وقت الزلزلة في الدنيا قبل يوم القيامة.\n(^٢) هو: ابن قيس بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ، فقيه الكوفة وعالمها ومقرئها، نزل الكوفة ولازم ابن مسعود حتى رأس في العلم والعمل، روى عن عمر وعثمان وعلي وجماعة من الصحابة، وعنه الشعبي، وإبراهيم النخعي، وخلق. توفي سنة إحدى وستين، وقيل غير ذلك. سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٣).\n(^٣) جامع البيان (١٧/ ١١١)، والخبر الذي أشار إليه رواه بسنده في تفسيرالآية من حديث عمران بن حصين، قال: بينما رسول الله ﷺ في بعض مغازيه، وقد فاوت السّير بأصحابه، إذ نادى رسول الله ﷺ بهذه الآية: يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) قال: فحثّوا المطيّ، حتى كانوا حول رسول الله ﷺ. قال: «هل تدرون أيّ يوم ذلك؟» قالوا: الله ورسوله أعلم: قال: «ذلك يوم ينادي آدم، يناديه ربه، ابعث بعث النار، من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين إلى النار».\nوأخرجه من حديثه - أيضا - الإمام أحمد (٤/ ٤٣٥)، والترمذي كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الحج (٥/ ٣٠٢)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٣٣ - ٢٣٤)، وصححه، ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي حديث رقم (٢٥٣٤). وعند البخاري نحوه من حديث أبي سعيد، كتاب التفسير، سورة الحج، باب وَتَرَى النّاسَ سُكارى انظر الصحيح مع الفتح (٨/ ٢٩٥)، وعند مسلم كتاب الإيمان، حديث رقم (٣٧٩).\n(^٤) جامع البيان (٢٥/ ١١٤).","vol":"1","page":176},{"text":"٢ - ومنهم أبو بكر بن العربي: قال - في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٨٧) [الحجر: ٨٧] بعد أن ذكر الخلاف فيها:\nيحتمل أن يكون السبع من السّور، ويحتمل أن يكون من الآيات؟ لكن النبي ﷺ قد كشف قناع الأشكال، وأوضح شعاع البيان؛ ففي الصحيح عند كل فريق ومن كل طريق أنها أمّ الكتاب، والقرآن العظيم - حسبما تقدم من قول النبي ﷺ لأبي ابن كعب: «هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيت» (^١).\nوبعد هذا فالسبع المثاني كثير، والكلّ محتمل، والنصّ قاطع بالمراد، قاطع بمن أراد التكلف والعناد، وبعد تفسير النبي ﷺ فلا تفسير. وليس للمعترض إلى غيره إلا النكير. وقد كان يمكن لولا تفسير النبي ﷺ أن أحرّر في ذلك مقالا وجيزا، وأسبك من سنام المعارف إبريزا، إلا أنّ الجوهر الأغلى من عند النبي ﷺ أولى وأعلى. اهـ (^٢).\n٣ - ومنهم القاضي ابن عطية: قال - معلقا على تفسير للنبي ﷺ: وهذا هو التأويل الذي لا نظر لأحد معه؛ لأنه مستوف للصلاح صادر عن النبي - ﵇ -. اهـ (^٣).\n٤ - ومنهم الإمام القرطبي: قال - في تفسيرسورة العاديات بعد أن ذكر الخلاف في معنى الكنود: قلت: هذه الأقوال كلها ترجع إلى معنى الكفران والجحود. وقد فسر النبيّ ﷺ معنى الكنود بخصال مذمومة، وأحوال غير محمودة، فإن صح فهو أعلى ما يقال، ولا يبقى لأحد معه مقال. اهـ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب ما جاء في فاتحة الكتاب. انظر الصحيح مع الفتح (٨/ ٦).\n(^٢) أحكام القرآن (٣/ ١٣)، وانظر (١/ ٢٦٨) منه.\n(^٣) المحرر الوجيز (٥/ ٢١٤).\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن (٣٠/ ١٦٣)، ويشير إلى الحديث الذي ذكره (٢٠/ ١٦٠) من حديث أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله ﷺ: «الكنود هو الذي يأكل وحده ويمنع رفده ويضرب عبده» وعزاه إلى الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، والله أعلم بحاله.","vol":"1","page":177},{"text":"٥ - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيميه: قال - مقررا مضمون هذه القاعدة: ومما ينبغي أن يعلم أن القرآن والحديث إذا عرف تفسيره من جهة النبي ﷺ لم يحتج في ذلك إلى أقوال أهل اللغة، فإنه قد عرف تفسيره وما أريد بذلك من جهة النبي ﷺ لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم اهـ (^١).\n٦ - ومنهم أبو حيان الأندلسي: فإذا ذكر الخلاف في تفسيرآية، وفيها تفسير النبي ﷺ فكثيرا ما يقول: وإذا صحّ هذا التّفسير وجب المصير إليه (^٢).\n٧ - ومنهم ابن جزيّ الكلبي: فقد ذكر مضمون هذه القاعدة في وجوه الترجيح التي قررها في مقدمة تفسيره، قال: الوجه الثاني: حديث النبيّ ﷺ، فإذا ورد عنه - ﵇ - تفسير شيء من القرآن عوّلنا عليه، لا سيما إن ورد في الحديث الصحيح اهـ (^٣).\n٨ - ومنهم الزركشي: قال - مقررا هذه القاعدة -: لطالب التفسير مآخذ كثيرة، أمهاتها أربعة:\nالأول: النقل عن النبيّ ﷺ، وهذا هو الطراز الأول، لكن يجب الحذر من الضعيف فيه والموضوع فإنه كثير .. اهـ (^٤).\n٩ - ومنهم ابن الوزير: فقد حكى الإجماع على قبوله، وقد سبق نقل بعض كلامه في فقرة أدلة القاعدة.\n١٠ - ومنهم الشوكاني: فقد قرر هذه القاعدة في مقدمة تفسيره، وطبقها عمليا في الترجيح بين الأقوال، فمن ذلك قوله: فإن ما كان من التفسير ثابتا عن رسول الله ﷺ، وإن كان المصير إليه متعينا وتقديمه متحتما، غير أن الذي صح عنه من ذلك إنما هو تفسيرآيات قليلة بالنسبة إلى جميع القرآن. اهـ (^٥).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٧).\n(^٢) انظر مثلا البحر المحيط (١/ ٣١، ٥٣)، و(٦/ ٤٩٤)، و(٥/ ٥٠٤).\n(^٣) التسهيل (١/ ٩).\n(^٤) البرهان (٢/ ١٥٦).\n(^٥) فتح القدير (١/ ١٢)، وانظر (١/ ٢٦٧)، و(٢/ ٣٢٠، ٤٠٦)، و(٥/ ٥٠٣) منه.","vol":"1","page":178},{"text":"١١ - ومنهم الألوسي: قال - رادا على من لم يعتمد تفسير النبي ﷺ: فمن زعم أن الحمل على ذلك -[يعني الحديث]- ضعيف …؛ لأن اللفظ عام والتقييد خلاف الأصل فقد ضل ضلالا بعيدا إن كان قد بلغه ما صح عن رسول الله ﷺ وإلا فقد تجاسر على تفسير كتاب الله مع الجهل بأحاديث رسول الله ﷺ … وهل بعد قول رسول الله ﷺ الصادق الأمين قول لقائل أو قياس لقائس، هيهات هيهات دون ذلك أهوال اهـ (^١).\nوغير هؤلاء كثير (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-75> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nهذه القاعدة تردّ:\nأولا: تفاسير العقلانيين التي ردّوا بها تفسير النبي ﷺ لاعتقادهم الباطل.\nثانيا: أقوال بعض المفسرين التي خالفت التفسير النبوي وليست مما سبق.\nأولا: تفاسير العقلانيين التي ردوا بها تفسير النبي ﷺ.\nفمن أمثلة هذا النوع ما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ الآية [الأنعام: ٨٢] قال الطبري - ﵀ -: اختلف أهل التأويل في المعنى الذي عناه الله بقوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ فقال بعضهم: بشرك، وعمدتهم حديث ابن مسعود قال: «لمانزلت هذه الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على الناس فقالوا: يا رسول الله، وأينا لا يظلم نفسه؟! قال: «إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١٣) [لقمان: ١٣] إنما هو الشرك» (^٣).\n_________\n(^١) روح المعاني (١/ ٩٦).\n(^٢) انظر فتح الباري (٨/ ٦٠٤)، وجزء في تفسير الباقيات الصالحات للعلائي ص ٢٢، وص ٢٦، وفتح البيان (١/ ١٨ - ٢١)، وأضواء البيان (٣/ ١٩٥).\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب ظلم دون ظلم، انظر الصحيح مع الفتح (١/ ١٠٩)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، حديث رقم (١٩٧).","vol":"1","page":179},{"text":"وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولم يخلطوا إيمانهم بشيء من معاني الظلم، وذلك فعل ما نهى الله عن فعله، أو ترك ما أمر الله بفعله، وقالوا: الآية على العموم؛ لأن الله لم يخص به معنى من معاني الظلم.\nقالوا: فإن قال لنا قائل: أفلا أمن في الآخرة إلا لمن لم يعص الله في صغيرة ولا كبيرة، وإلا لمن لقي الله ولا ذنب له؟ قلنا: إن الله عنى بهذه الآية خاصا من خلقه دون الجميع منهم، والذي عنى بها وأراده بها خليله إبراهيم ﷺ، فأما غيره فإنه إذا لقي الله لا يشرك به شيئا فهو في مشيئته إذا كان قد أتى بعض معاصيه التي لا تبلغ أن تكون كفرا، فإن شاء لم يؤمنه من عذابه، وإن شاء تفضل عليه، فعفا عنه، قالوا: وذلك قول جماعة من السلف وإن كانوا مختلفين في المعنيّ بالآية، فقال بعضهم: عني بها إبراهيم. وقال بعضهم: عني بها المهاجرين من أصحاب رسول الله ﷺ.\nقال أبو جعفر: وأولى القولين بالصحة في ذلك، ما صحّ به الخبر عن رسول الله ﷺ. اهـ (^١).\nوبالتفسير النبوي قال عامّة الصحابة والتابعين، قال العلاّمة القاسمي: وبالجملة، فلا يعلم مخالف من الصحابة والتابعين في تفسير (الظلم) هنا بالشرك، وقوفا مع الحديث الصحيح في ذلك اهـ (^٢).\nوذهب الزمخشري - وكذا هو مذهب المعتزلة - إلى منع تفسير الظلم بالشرك، وفسره بالمعصية المفسقة.\nقال: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ أي: لم يخلطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم، وأبى تفسير الظلم بالكفر لفظ اللبس. اهـ (^٣).\n_________\n(^١) جامع البيان (٧/ ٢٥٥ - ٢٥٩) باختصار يسير.\n(^٢) محاسن التأويل (٦/ ٢٣٨٩).\n(^٣) الكشاف (٢/ ٣٣).","vol":"1","page":180},{"text":"قال أبو حيان: وهذه دفينة اعتزال، أي أن الفاسق ليس له الأمن إذا مات مصرا على الكبيرة … وقد فسره الرسول ﷺ بالشرك فوجب قبوله اهـ (^١).\nوالذي حمله على هذا التفسير، وردّه لتفسير النبي ﷺ هو ما اعتقده من اعتقاد فاسد في مرتكب الكبيرة أنه في الآخرة مخلد في النار.\nوالأدلة على ردّ ذلك كثيرة مبثوثة في كتب العقائد (^٢)، وليس هذا مجال الردّ على معتقده، وإنما الغرض ردّ تفسيره المخالف لتفسير النبي ﷺ، فالحديث صحيح، ونص في تفسيرالآية، فقوله مباهتة في مقابل الحديث لا تستحق المجاوبة.\n*** ثانيا: أقوال بعض المفسرين التي خالفت التفسير النبوي وليست مما سبق:\nمن أمثلة هذا ما جاء في تفسير قوله تعالي ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾\n[يس: ٣٨] اختلف أهل التفسير في معنى قوله: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ على أقوال:\nالأول: أن المراد مستقرها المكاني، وهو تحت العرش مما يلي الأرض من ذلك الجانب، وهي أينما كانت فهي تحت العرش؛ لأنه سقف جميع المخلوقات.\nالثاني: أن المراد بمستقرها هو: منتهى سيرها، وهو يوم القيامة، يبطل سيرها وتسكن حركتها، وتكور وينتهي هذا العالم إلى غايته، وهذا هو مستقرها الزماني (^٣).\n_________\n(^١) البحر المحيط (٤/ ٥٧١)، وانظر - أيضا - حاشية زادة (٢/ ١٨٣)، وفتح القدير (٢/ ١٣٥)، وروح المعاني (٧/ ٢٠٧)، ومحاسن التأويل (٦/ ٢٣٨٩)، وفتح البيان (٤/ ١٨٢)، والتحرير والتنوير (٧/ ٣٣٣).\n(^٢) انظر على سبيل المثال شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٤٤٢)، ومجموع فتاوى ابن تيمية (٧/ ٥١١)، وما بعدها، وكتاب الإيمان له ص ٣١٢، وما بعدها، والمعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق ص ٢٢٠ وما بعدها.\n* ونظير هذا المثال:\nما جاء في تفسير قوله تعالى: * لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس: ٢٦] انظر الكشاف (٢/ ٢٣٤) مع جامع البيان (١١/ ١٠٤ - ١٠٧)، وتفسير ابن كثير (٤/ ١٩٨ - ١٩٩).\n(^٣) انظر جامع البيان (٢٣/ ٥)، وتفسير ابن كثير (٦/ ٥٦٢ - ٥٦٣)، وشرح صحيح مسلم للنووي (٢/ ٥٥٤ - ٥٥٥).","vol":"1","page":181},{"text":"الثالث: مستقرها هو أبعد ما تنتهي إليه ولا تتجاوزه.\nالرابع: نهاية ارتفاعها في الصيف ونهاية هبوطها في الشتاء (^١) وقيل غير ذلك.\nوالقول الأول هو الذي يجب المصير إليه؛ لأنه الثابت عن النبي ﷺ فيما أخرجه الإمام البخاري - وغيره - من حديث أبي ذر - ﵁ - قال: كنت مع النبي ﷺ في المسجد عند غروب الشمس فقال: «يا أبا ذر، أتدري أين تغرب الشمس؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فذلك قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٣٨) [يس: ٣٨]، وفي رواية له قال ﷺ: «مستقرها تحت العرش» (^٢). فهذا هو تفسير النبي ﷺ فيجب المصير إليه، ولا قول لأحد معه.\nقال الشوكاني - وغيره - بعد أن ذكر هذا القول: وهذا هو الراجح. اهـ (^٣).\nوقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - ﵀ -: والقول الأول هو الأصح، لأن النبي ﷺ فسر المراد بمستقرها، ولا يجوز العدول عن تفسير النبي ﷺ إلى تفسير غيره. اهـ (^٤).\n_________\n(^١) انظر زاد المسير (٧/ ١٧ - ١٩)، والبحر المحيط (٩/ ٦٦ - ٦٧)، وفتح القدير (٤/ ٣٦٩).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، تفسيرسورة يس، باب وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها انظر الصحيح مع الفتح (٨/ ٤٠٢) وأخرجه مسلم، كتاب الإيمان، حديث رقم (٢٥١).\n(^٣) فتح القدير (٤/ ٣٦٩)، وانظر فتح البيان (١١/ ٢٩٢).\n(^٤) من تعليقي مع سماحته على هامش تفسير ابن كثير (٦/ ٥٦٣) بتاريخ ٥/ ١٤١٢/٣٠ هـ.\n* ونظائر هذا المثال كثيرة:\nانظر جملة منها في جامع البيان (١/ ٥٣٧)، (٣/ ١٠)، (٧/ ٢٤١)، و(١٠/ ٧٤)، و(١١/ ٢٨)، و(١٣/ ١٤٩ - ٢١١)، و(١٦/ ٣٧، ٧٨)، و(١٧/ ١٥١)، و(٢٠/ ١٤٦)، و(٢١/ ١٠٢)، و(٢٤/ ٣٠، ٦٢)، و(٢٥/ ١١٤)، و(٢٩/ ١٩٣)، و(٣٠/ ١٦٩، ٣١٣، ٣٢٣).\nوالمحرر الوجيز (٨/ ٢٧٤)، و(١١/ ٣٢).\nوالجامع لأحكام القرآن (١/ ١٥٠)، و(٤/ ١٤٧)، و(٨/ ٢٦٠)، و(٢٠/ ٢١٨).\nوالبحر المحيط (١/ ٥٣)، (٥/ ٥٠٤)، (٧/ ٢٦٣)، (١٠/ ٥٥٦) وفتح القدير (٢/ ٤٠٦)، و(٥/ ٥٠٣).\nوروح المعاني (١/ ٩٦)، (١١/ ٢٠)، (١٦/ ٩٤)، (٣٠/ ٣١٤) وأضواء البيان (٤/ ٢٨٢).","vol":"1","page":182},{"text":"<span data-type='title' id=toc-76>المطلب الثاني:\nقاعدة: إذا ثبت الحديث، وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجّح له على ما خالفه</span>\n*<span data-type='title' id=toc-77> صورة القاعدة:</span>\nإذا، ورد الخلاف بين المفسرين في تفسيرآية من كتاب الله - تعالى -، وتعددت أقوالهم فيها، فالقول الذي يؤيده خبر عن النبي ﷺ فهو المقدم على غيره؛ وذلك لأن ورود معنى هذا القول في قول النبي ﷺ يدل على صحته. وترجيح غيره ترجيح بلا مرجح، ومخالفة لحديث النبي ﷺ دون مستند. أمّا إذا تأيد كل قول بسنة أو قرآن فبغير هذه القاعدة يرجّح بينها.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-78> الفرق بين هذه القاعدة وسابقتها:</span>\nالفرق بين هذه القاعدة والقاعدة السابقة وهي «إذا ثبت الحديث وكان نصا في تفسيرالآية فلا يصار إلى غيره» أن الحديث الوارد في هذه القاعدة لم يرد مورد التفسير لألفاظ الآية، بل كان وروده لأي سبب آخر في أي باب من أبواب العلم؛ لكن معناه يوافق معنى أحد الأقوال المقولة في الآية.\nأمّا الحديث الوارد في القاعدة السابقة فهو وارد مورد التفسير والبيان لألفاظ الآية - كما سبق بيانه -.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-79> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nاعتمد هذه القاعدة كثير من المفسرين، فمن هؤلاء:\n١ - الإمام الطبري: فكثيرا ما يرجح بمضمون هذه القاعدة، فمن ذلك قوله - في","vol":"1","page":183},{"text":"معرض ترجيحه لأحد الأقوال في تفسيرآية: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب القول الذي ذكره الشعبي عن ابن مسعود؛ لصحة الخبر الذي ذكرناه عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ بتأييده اهـ (^١).\n٢ - ومنهم أبو جعفر النحاس: قال - في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] بعد أن حكى الأقوال فيها معلقا على أحدها: فهذا قول حسن، ويدل على صحته الحديث المسند عن رسول الله ﷺ.\nاهـ (^٢) ثم ساقه بسنده.\n٣ - ومنهم أبو بكر بن العربي: في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] بعد أن ذكر الخلاف في تفسيرها، قال: ومن خصّصه قال: معناه موضعا للصلاة المعهودة، وهو الصحيح، ثبت من كل طريق أن عمر - ﵁ - قال: وافقت ربي في ثلاث: قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلّى، فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ الحديث (^٣)، فلما قضى النبي ﷺ طوافه مشى إلى المقام المعروف اليوم، وقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ وصلى فيه ركعتين. اهـ (^٤).\n٤ - ومنهم القاضي ابن عطية: قال - في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ الآية [البقرة: ٢٧١]-: ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الآية في صدقة التطوع\n_________\n(^١) جامع البيان (٢٢/ ٩٢)، وانظر نحو هذا الترجيح بالقاعدة (١٣/ ١٧٠) منه.\n(^٢) الناسخ والمنسوخ (٢/ ٦٢٠).\n(^٣) متفق عليه، البخاري، كتاب التفسير، سورة البقرة، باب وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى انظر الصحيح مع الفتح (٨/ ١٨). ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، حديث رقم (٢٤).\n(^٤) أحكام القرآن (١/ ٦٠).","vol":"1","page":184},{"text":"قال القاضي أبو محمد عبد الحق: ويقوي ذلك قول النبي ﷺ: «صلاة الرجل في بيته أفضل من صلاته في المسجد إلا المكتوبة» (^١). اهـ (^٢).\n٥ - ومنهم الحافظ ابن كثير: ففي تفسير قول الله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ الآية [ص: ٣٥]، قال: الصحيح أنه سأل من الله ملكا لا يكون لأحد من بعده من البشر مثله، وهذا هو ظاهر السياق من الآية، وبه وردت الأحاديث الصحيحة من طرق عن رسول الله ﷺ اهـ (^٣).\n٦ - ومنهم الشوكاني: وسيأتي بعض قوله في ذلك في الأمثلة التطبيقية.\n٧ - ومنهم الألوسي: فقد استعمل مضمون هذه القاعدة في تأييد اختياره وترجيحه (^٤).\n٨ - وهذه القاعدة من وجوه الترجيح المعتمدة عند الأصوليين، قال القاضي أبو يعلى: وأما الترجيح الذي لا يعود إلى الإسناد والمتن، وإنما هو إلى غيرهما فمن وجوه:\nأحدها: أن يكون أحدهما موافقا لظاهر القرآن أو موافقا لسنة أخرى، فيقدم بذلك. اهـ (^٥).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-80> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nمن أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾\n_________\n(^١) متفق عليه، البخاري، كتاب الأذان، باب صلاة الليل، انظر الصحيح مع الفتح (٢/ ٢٥١) ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث رقم (٢١٣).\n(^٢) المحرر الوجيز (٢/ ٣٣١)، وانظر نحو هذا الترجيح بالقاعدة فيه (٢/ ٢١)، (٧/ ١٢).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم (٧/ ٦١)، وانظر نحو هذا الترجيح بالقاعدة (١/ ١٢٧ - ٣٩٧) منه.\n(^٤) انظر روح المعاني (٨/ ٨٢)، و(٣٠/ ١٤١).\n(^٥) العدة (٣/ ١٠٤٦)، وانظر هذا الوجه في الإحكام للآمدي (٤/ ٢٧٤)، والروضة مع شرحها (٢/ ٤٦٤)، وشرح الكوكب (٤/ ٦٩٤)، والتعارض والترجيح للبرزنجي (٢/ ٣٦٦).","vol":"1","page":185},{"text":"[القلم: ٤٢]، فقد اختلف السلف في تفسير هذه الآية على قولين (^١):\nالقول الأول: أن معناها، يوم يكشف عن شدة وكرب، وذلك يوم القيامة.\nوالعرب تقول: كشف هذا الأمر عن ساق، إذا صار إلى شدة، وتقول وشمرّت الحرب عن ساقها، أي إذا اشتدت.\nقال ابن عباس - ﵄ - عن هذه الآية: يكشف عن أمر عظيم، كقول الشاعر (^٢):\nوقامت الحرب بنا على ساق (^٣) …\nوالقول الثاني: أن معنى الآية، يوم يكشف الرحمن - سبحانه - عن ساقه يوم القيامة.\nوهذا القول مروي بإسناد صحيح (^٤) عن ابن مسعود، وقال به طائفة (^٥). وهذه الآية\n_________\n(^١) نقل القولين أكثر المفسرين، وسيأتي الإحالة إلى بعضها، ونقلهما - أيضا - شيخ الإسلام ابن تيميه في الفتاوى (٦/ ٣٩٤)، وابن القيم في الصواعق (١/ ٢٥٢).\n(^٢) لم أعثر على اسمه.\n(^٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٢٩/ ٣٨ - ٣٩)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٠٠)، وقال صحيح الإسناد اهـ ووافقه الذهبي. واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٤٢٧)، أثر رقم (٧٢٤) والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٨٠).\nوقد ذهب جماعة إلى أن هذه الآثار ونحوها لا تثبت، وتعرضوا لنقدها سندا ومتنا. فمن ذلك قول العلامة ابن القيم في الصواعق (١/ ٢٥٣): وحمل الآية على الشدة لا يصح بوجه، فإن لغة القوم في مثل ذلك أن يقال كشفت الشدة عن القوم، لا كشف عنها، كما قال تعالى. فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠) [الزخرف: ٥٠]، فالعذاب والشدة هو المكشوف لا المكشوف عنه، وأيضا فهناك تحدث الشدة وتشتد ولا تزال إلا بدخول الجنة، وهناك لا يدعون إلى السجود وإنما يدعون إليه أشد ما كانت الشدة اهـ.\nوقد جمع سليم الهلالي طرق المروي عن ابن عباس والتابعين في هذه الآية ودرس أسانيدها في رسالة أسماها [المنهل الرقراق في تخريج ما روي عن الصحابة والتابعين في تفسير يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ]، وخلص من هذه الدراسة إلى أنه لا يصح منها شيء، وضعّف جميع أسانيدها.\n(^٤) انظر المستدرك (٢/ ٥٠٠).\n(^٥) انظر جامع البيان (٢٩/ ٣٩ - ٤٠).","vol":"1","page":186},{"text":"ليست نصا في الصفة؛ لأنها جاءت نكرة في الإثبات، ولم تضف إلى الله - تعالى -، لذا وقع الخلاف بين السلف في تفسيرها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: إن جميع ما في القرآن من آيات الصفات، فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها.\nوقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة، وما رووه من الحديث، ووقفت من ذلك على ما شاء الله - تعالى - من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير، فلم أجد - إلى ساعتي هذه - عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف؛ بل عنهم من تقرير ذلك وتثبيته، وبيان أن ذلك من صفات الله ما يخالف كلام المتأولين ما لا يحصيه إلا الله، وكذلك فيما يذكرونه آثرين وذاكرين عنهم شيء كثير.\nوتمام هذا أني لم أجدهم تنازعوا إلا في مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ فروى عن ابن عباس وطائفة أن المراد به الشدة، إن الله يكشف عن الشدة في الآخرة، وعن أبي سعيد وطائفة أنهم عدّوها في الصفات؟ للحديث الذي رواه أبو سعيد في الصحيحين.\nولا ريب أن ظاهر القرآن لا يدل على أن هذه من الصفات فإنه قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ نكرة في الإثبات لم يضفها إلى الله، ولم يقل عن ساقه، فمع عدم التعريف بالإضافة لا يظهر أنه من الصفات إلا بدليل آخر، ومثل هذا ليس بتأويل، إنما التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها المعروف. اهـ (^١).\nإذا تقرر هذا، فإن أولى القولين هو ما قاله ابن مسعود، وأبو سعيد - ﵄ - وذلك لحديث أبي سعيد - ﵁ - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n«يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقا واحدا» (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٩٤ - ٣٩٥).\n(^٢) متفق عليه، البخاري في مواضع، منها في كتاب التفسير، تفسيرسورة القلم، باب يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ انظر الصحيح مع الفتح (٨/ ٥٣١). ومسلم، كتاب الإيمان، حديث رقم (٣٠٢).","vol":"1","page":187},{"text":"فهذا الحديث ذكر الكشف عن الساق والسجود له - سبحانه -، وهي كذلك مذكورة في الآية فهذا مما يؤيد القول الثاني، أما القول الأول فليس في معناه خبر من الرسول ﷺ، ذكر فيه الشدة والكرب مقرونا بالسجود.\nوهذا الذي رجحته القاعدة هو مقتضى كلام ابن جرير الطبري (^١)، وصدّر به ابن كثير تفسيرالآية (^٢)، وانتصر له الشوكاني (^٣)، وصديق خان (^٤)، وعليه اقتصر السعدي (^٥) - على الجميع رحمة الله -.\nقال الشوكاني - بعد أن ساق أقوال أهل اللغة، وحديث أبي سعيد، وأثر ابن عباس -: وقد أغنانا الله - سبحانه - في تفسير هذه الآية بما صح عن رسول الله ﷺ كما عرفت، وذلك لا يستلزم تجسيما، ولا تشبيها، فليس كمثله شيء.\nدعوا كل قول عند قول محمد … فما آمن في دينه كمخاطر. اهـ (^٦)\nويؤيد هذه القاعدة فيما رجحته في هذا المثال، قاعدة: «يجب حمل ألفاظ الوحي على الحقيقة». فإن الكلام على القول الذي رجحته القاعدة محمول على الحقيقة، أمّا على القول الأول فإنه يصرف إلى المجاز، والأصل حمل ألفاظ القرآن على الحقيقة فترجّح بذلك القول الثاني، وهو ما رجحته القاعدة.\nوانتصر اخرون للقول الأول، وردّوا القول الثاني، وذلك لأجل معتقد اعتقدوه - فنزّلوا الآيات والأحاديث على ذلك المعتقد - لا لأدلة دلت على ترجيحه وردّ ما\n_________\n(^١) انظر جامع البيان (٢٩/ ٤٢) قال: ويدعوهم الكشف عن الساق إلى السجود لله - تعالى - فلا يطيقون ذلك اهـ.\n(^٢) انظر تفسير القرآن العظيم (٨/ ٢٢٤)\n(^٣) فتح القدير (٥/ ٢٧٨).\n(^٤) فتح البيان (١٤/ ٢٧٣).\n(^٥) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (٧/ ٤٥٢).\n(^٦) فتح القدير (٥/ ٢٧٨).","vol":"1","page":188},{"text":"سواه، بل بناء على ذلك المعتقد ردّوا الأحاديث الصحيحة، وحرفوا معاني القرآن، ومن ذلك ردهم للقول الثاني في هذه الآية على الرغم من روايته عن السلف، وانتصروا للقول الأول لهوى وافقه، فترجيحهم ذلك مبني على أساس عقديّ ومستندهم فيه مستند عقلي، ليس هذا موضع مناقشته - وقد تكفل أئمة الإسلام، كشيخ الإسلام ابن تيميه وابن القيم وغيرهم كثير برد حججهم في ذلك المعتقد - وإنما الغرض هو بيان أن الحق الذي تقضي به أوجه الترجيح الصحيحة هو ما ردّه القوم، وأنهم إنما ردّوا القول الصحيح لا لدليل صحيح اعتمدوه، وإنما لأجل مذهب باطل اعتقدوه، وسوف أسرد بعض أقوالهم ليرى القارئ البصير بعض هذا الباطل الذي اعتقدوه في هذا الباب.\nقال الماوردي: فأمّا ما روي أن الله - تعالى - يكشف عن ساقه فإن الله - تعالى - منزه عن التبعيض، والأعضاء وأن ينكشف أو يتغطى. اهـ (^١). ونقل القرطبي هذه المقالة بلفظها (^٢).\nوقال الكرماني: العجيب: ابن مسعود: يوم يكشف الرب عن ساقه.\nوهذا يؤول كما يؤول غيرها من الآيات، ولا يوصف الله - سبحانه - بالأعضاء، والأجزاء والأبعاض. اهـ (^٣).\nوقال الزمخشري: فمعنى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ في معنى يوم يشتد الأمر ويتفاقم، ولا كشف ثمّ ولا ساق … وأما من شبّه فلضيق عطنه، وقلة نظره في علم البيان، والذي غره منه حديث ابن مسعود - ﵁ - (^٤). اهـ ثم ذكره.\nونظائر هذه الأقوال كثيرة في كتبهم (^٥).\n_________\n(^١) النكت والعيون (٦/ ٧١).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٤٩).\n(^٣) غرائب التفسير وعجائب التأويل (٢/ ١٢٤١).\n(^٤) الكشاف (٤/ ١٤٧).\n(^٥) انظر المحرر الوجيز (١٦/ ٨٦)، ومفاتيح الغيب (٣٠/ ٩٤ - ٩٥)، وأنوار التنزيل (٢/ ٥١٨)، -","vol":"1","page":189},{"text":"\n_________\n= ومدارك التنزيل (٣/ ١٨٥٠).\n* ونظائر هذا المثال كثيرة، انظر على سبيل المثال جملة منها:\nفي جامع البيان (١/ ١١٢)، و(٢/ ٣٦٥)، و(٣/ ٢٩١)، و(٤/ ٤٥)، و(٥/ ١٠٥)، و(٧/ ١١١ - ٣٠٣)، و(٩/ ١٦٦)، و(١٠/ ١٢٠)، و(١٣/ ١٧٠)، و(١٤/ ٥٧)، و(١٥/ ٨١)، و(١٦/ ١١٢)، و(٢٢/ ٩٢)، و(٢٦/ ١٧٠).\nوالمحرر الوجيز (١/ ٢٨٦)، (٢/ ٤ - ٥ - ٢١ - ١٨٠ - ٣٣١)، و(٧/ ١٢).\nوتفسير ابن كثير (١/ ١٢٧ - ٣٩٧)، و(٢/ ٢٧٧)، (٧/ ٢٢ - ٢٧ - ٦١).\nوروح المعاني (٨/ ٨٢)، و(٣٠/ ١٤١).\nوأضواء البيان (١/ ٢٠٦ - ٣٢٢ - ٣٧٧)، و(٢/ ٣٣٥)، و(٣/ ٧١)، و(٤/ ١١٣)، و(٧/ ٢٦٦).","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type='title' id=toc-81>المطلب الثالث:\nقاعدة: كلّ تفسير خالف القرآن أو السنة أو إجماع الأمة فهو ردّ</span>\n*<span data-type='title' id=toc-82> صورة القاعدة:</span>\nهذه القاعدة من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة، ووجه كونها ترجيحية من جهتين:\nإحداهما: رد الأقوال الموسومة بمعارضة القرآن، أو السنة، أو الإجماع.\nوالأخرى: حصر الصواب فيما عدا الأقوال المردودة، على تفاوت بينها في القوة والضعف، وينظر في الترجيح بينها بقواعد أخرى.\nثم هذه القاعدة والقاعدة التالية من القواعد المشتركة بين القرآن والسنة، وآثرت ذكرها ضمن قواعد الترجيح بالسنة النبوية؛ لأن شواهدها، وأمثلتها في السنة أكثر؛ ولأن السنة شارحة ومبينة للقرآن.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-83> بيان ألفاظ القاعدة:</span>\nقولي: «خالف القرآن أو السنة أو إجماع الأمة» أعني به مخالفة قطعي الثبوت والدلالة، وظني الثبوت قطعي الدلالة إذا اقترن بوصف يقوّيه ويصححه.\nقال الإمام الشاطبي: إن المخالفة للأدلة الشرعية على مراتب: فمن الأقوال ما يكون خلافا لدليل قطعي من نص متواتر أو إجماع قطعي في حكم كلي، ومنها ما يكون خلافا لدليل ظني، والأدلة الظنية متفاوتة، كأخبار الآحاد والقياس الجزئية. فأما المخالف للقطعي فلا إشكال في اطّراحه، ولكن العلماء ربما ذكروه للتنبيه عليه وعلى ما فيه، لا للاعتداد به، وأما المخالفة للظني ففيه الاجتهاد بناء على التوازن بينه وبين ما","vol":"1","page":191},{"text":"اعتمده صاحبه من القياس أو غيره. اهـ (^١) وكلامه - ﵀ - في مخالفة الدليل الظني بحكم أن الأدلة الظنية متفاوتة ويدخل فيها خبر الآحاد، والقياس وغيره.\nفإذا كان الدليل الظني خبر الآحاد فلا سبيل لمخالفته بعد صحته وثبوته وقول المخالف مردود ما لم يستند قوله إلى خبر آخر.\nقال الإمام ابن عبد البر: كل قول تعارضه السنة أو تدفعه، ولا دليل عليه من مثلها، لا وجه له. اهـ (^٢) وهذا لا يكون إلا في السنة النبوية.\nوأمّا إذا كانت مخالفة الآية أو الحديث في دلالة ظنية فالأمر يختلف، وهو موضع اجتهاد. والقرائن هي التي ترجح أحد الأقوال.\nقولي: «فهو ردّ» أي مردود، من إطلاق المصدر على اسم المفعول، كقول النبي ﷺ: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ» (^٣) أي مردود. فردّ الأقوال الآنفة الوصف، يرجح بالمقابل قولا أو أقوالا أخرى في الآية (^٤).\nقال الإمام الشاطبي: فإذا كان بيّنا ظاهرا أن قول القائل مخالف للقرآن أو للسنة لم يصح الاعتداد به ولا البناء عليه … ولا يصح اعتمادها -[أي زلّة العالم]- خلافا في المسائل الشرعية؛ لأنها لم تصدر في الحقيقة عن اجتهاد ولا هي من مسائل الاجتهاد، وإن حصل من صاحبها اجتهاد فهو لم يصادف فيها محلا، فصارت في نسبتها إلى الشرع كأقوال غير المجتهد. وإنما يعد في الخلاف الأقوال الصادرة عن أدلة معتبرة في الشريعة، كانت مما يقوى أو يضعف. وأما إذا صدرت عن مجرد خفاء الدليل أو عدم مصادفته فلا؛ فلذلك قيل إنه لا تصح أن يعتد بها في الخلاف، كما لم يعتد السلف الصالح بالخلاف في مسألة ربا الفضل، والمتعة، ومحاشي النساء،\n_________\n(^١) الموافقات (٤/ ١٧٣).\n(^٢) التمهيد (٤/ ١٤٤).\n(^٣) سيأتي ذكر هذا الحديث وتخريجه في أدلة هذه القاعدة.\n(^٤) انظر مثلا استعمال الإمام الطبري لهذه الطريقة في الترجيح في جامع البيان (١٦/ ١٥١).","vol":"1","page":192},{"text":"وأشباهها من المسائل التي خفيت فيها الأدلة على من خالف فيها. اهـ (^١).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-84> أدلة القاعدة:</span>\n١ - من أدلة هذه القاعدة: قول الله تعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. فإذا قضى الله - تعالى - ورسوله ﷺ بأمر أو نهي، أو أخبر بخبر فليس لأحد قول مع قول الله وقول رسوله ﷺ، فما تعارض مع قول الله أو قول رسوله أو ما اجتمعت عليه الأمة المعصومة من الاجتماع على ضلالة وخطأ فهو مردود.\nقال الإمام ابن عبد البر: كل قول تعارضه السنة، وتدفعه، ولا دليل عليه من مثلها، لا وجه له، قال الله تعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. اهـ (^٢).\nوقال في موضع آخر: وليس في خلاف السنة عذر لأحد إلا لمن جهلها، ومن جهلها مردود إليها محجوج بها. اهـ (^٣) وكذا مخالفة القرآن والإجماع.\nقال الحافظ ابن كثير: - معلقا على هذه الآية -: فهذه الآية في جميع الأمور وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء، فليس لأحد مخالفته، ولا اختيار لأحد ههنا ولا رأي ولا قول. اهـ (^٤).\n٢ - ومنها قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٥٩) [النساء: ٥٩].\nقال ابن كثير: قال مجاهد وغير واحد من السلف أي: إلى كتاب الله وسنة رسوله وهذا أمر من الله - ﷿ - بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه\n_________\n(^١) الموافقات (٤/ ١٧٢).\n(^٢) التمهيد (٤/ ١٤٤).\n(^٣) التمهيد (١٣/ ١٩١).\n(^٤) تفسير القرآن العظيم (٦/ ٤١٩).","vol":"1","page":193},{"text":"أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ﴾ [الشورى: ١٠] فما حكم به كتاب الله وسنة رسوله وشهدا له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟. اهـ (^١).\n٣ - ومنها: قول النبي ﷺ: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ» (^٢).\nقال الإمام البخاري: باب إذا اجتهد العامل - أو الحاكم - فأخطأ خلاف الرسول من غير علم فحكمه مردود لقول النبي ﷺ: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ». اهـ (^٣).\nوقال في كتاب الأحكام: باب إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو ردّ. اهـ. (^٤) وساق حديث ابن عمر في بعث خالد بن الوليد (^٥) إلى بني جذيمة (^٦).\nقال الحافظ ابن حجر: ترجمة إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو مردود، معقودة لمخالفة الإجماع، وهذه -[يعني ترجمة إذا اجتهد العامل فأخطأ خلاف الرسول من غير علم …]- معقودة لمخالفة الرسول - ﵊ -. اهـ (^٧).\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٣٠٤). وانظر التمهيد لابن عبد البر (١٠/ ١٢٧).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، من حديث عائشة - ﵂ - انظر الصحيح مع الفتح (٥/ ٣٥٥). وأخرجه مسلم، كتاب الأقضية، حديث رقم (١٨) من حديث عائشة - ﵂ - واللفظ له.\n(^٣) الصحيح مع الفتح (١٣/ ٣٢٩). وقال ابن حجر: في رواية الكشميهني «العالم» بدل العامل.\n(^٤) الصحيح مع الفتح (١٣/ ١٩٣).\n(^٥) هو: خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي القرشي، سيف الله، وفارس الإسلام، أبو سليمان، أسلم سنة سبع بعد خيبر، وقيل: قبلها، شهد مع النبي ﷺ فتح مكة، وحنين، والطائف، مناقبه غزيرة، توفي سنة إحدى وعشرين. سير أعلام النبلاء (١/ ٣٦٦)، والإصابة (٢/ ٩٨).\n(^٦) فيه أن النبي ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فقالوا: «صبأنا صبأنا» فجعل خالد يقتل ويأسر، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ قال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد.\nمرّتين».\n(^٧) فتح الباري (١٣/ ٣٢٩).","vol":"1","page":194},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-85> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nهذه القاعدة من الأصول المتفق عليها بين الصحابة وتابعيهم بإحسان وهي محل إجماع المسلمين. وما كانت مخالفة المخالف لهذه القاعدة في قول أو منهج إلا لجهل بسنة، أو اجتهاد خالف محله، أو كان صاحب هوى وبدعة قدّم عقله ووجده على الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.\nلذلك سوف أعرض عن سرد بعض أقوال العلماء هنا؛ لكون هذه القاعدة من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وتابعيهم بإحسان، وأكتفي هنا بكلمات تحبّر بماء الذهب لشيخ الإسلام ابن تيمية - وسوف ترى بعض أقوال العلماء في ترجيحهم بهذه القاعدة في الأمثلة التطبيقية إن شاء الله - تعالى -.\nقال - ﵀ -: ومن الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن، لا برأيه، ولا ذوقه، ولا معقوله، ولا قياسه، ولا وجده، فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات، والآيات البينات أن الرسول جاء بالهدى ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم …، ولهذا لا يوجد في كلام أحد من السلف أنه عارض القرآن بعقل ورأي وقياس، ولا بذوق ووجد ومكاشفة، ولا قال قط قد تعارض في هذا العقل والنقل، فضلا عن أن يقول: فيجب تقديم العقل. والنقل - يعني القرآن والحديث وأقوال الصحابة والتابعين - إما أن يفوض وإما أن يؤول.\nولا فيهم من يقول: إن له ذوقا أو وجدا أو مخاطبة أو مكاشفة تخالف القرآن والحديث، فضلا عن أن يدعي أحدهم أنه يأخذ من حيث يأخذ الملك الذي يأتي الرسول.\nولم يكن السلف يقبلون معارضة الآية إلا بآية أخرى تفسرها وتنسخها، أو بسنة الرسول ﷺ تفسرها، فإن سنة رسول الله ﷺ تبين القرآن وتدل عليه وتعبر عنه\nوالمقصود أنهم كانوا متفقين على أن القرآن لا يعارضه إلا قرآن، لا رأي ومعقول","vol":"1","page":195},{"text":"وقياس، ولا ذوق ووجد وإلهام ومكاشفة. اهـ (^١).\nوقال في موضع آخر: فكل معنى يخالف الكتاب والسنة فهو باطل وحجته داحضة. اهـ (^٢).\n***\n\n* *<span data-type='title' id=toc-86> تنبيهات:</span>\n* التنبيه الأول: في طرق معرفة الأقوال المخالفة للقرآن أو للسنة أو لإجماع الأمة.\nليس كل أحد يدرك وجه مخالفة تلك الأقوال للقرآن أو للسنة أو لإجماع الأمة، وسبيل معرفتها هو تنبيه العلماء المجتهدين على ذلك؛ لأنهم هم العارفون بما وافق أو خالف.\nقال الإمام الشاطبي: فإن قيل: فبماذا يعرف من الأقوال ما هو كذلك مما ليس كذلك؟ فالجواب: أنه من وظائف المجتهدين، فهم العارفون بما وافق أو خالف، وأما غيرهم فلا تمييز لهم في هذا المقام\nفإن قيل: فهل لغير المجتهد من المتفقهين في ذلك ضابط يعتمده [أو] (^٣) لا؟ فالجواب: أن له ضابطا تقريبيا، وهو أن ما كان معدودا في الأقوال غلطا وزللا قليل جدا في الشريعة، وغالب الأمر أن أصحابها منفردون بها، قلما يساعدهم عليها مجتهد آخر، فإذا انفرد صاحب قول عن عامة الأمة فليكن اعتقادك أن الحق مع السواد الأعظم من المجتهدين، لا من المقلدين. اهـ. (^٤).\n\n*<span data-type='title' id=toc-87> التنبيه الثاني:</span>\nإذا قال قائل: كيف يتحقق الإجماع مع وجود الخلاف الذي أنت بصدد\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٨ - ٣٠) باختصار يسير.\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٤٣).\n(^٣) في الأصل [أم]. وهي لا تأتي بعد هل، إنما تأتي بعد الهمز. اهـ من كلام شيخنا الشيخ مناع القطان - ﵀ -.\n(^٤) الموافقات (٤/ ١٧٣).","vol":"1","page":196},{"text":"الترجيح فيه؟!\nفالجواب عن ذلك من وجهين:\nأحدهما: أن العلماء - ﵏ - قد نقلوا الإجماع في مسائل كثيرة، وكذا نقلوا لنا الخلاف في بعضها.\nوفعلهم هذا لا يخلو من أمرين:\nإمّا أنهم لم يعتدوا بهذا الخلاف، ولم يعتبروه ناقضا للإجماع لأن مستند الإجماع النص، ومن خالفه خالف النص، فلا عبرة بقوله.\nأو أن يكون الإجماع انعقد بعد هذا الخلاف.\nوفي الحالتين إذا ذكرت الخلاف، إنما أذكره ليعلم سقوط ذلك القول المخالف؛ لأجل مخالفته لما استقر عليه الإجماع.\nوالآخر: أني لست بدعا في ذلك، فلقد فعل ذلك الأئمة الأعلام. فتجد أحدهم يناقش خلافا في مسألة ما، ويردّ أحد الأقوال، محتجا على ذلك بالإجماع المنعقد على القول الآخر.\nودونك مثال يوضح صنيعهم هذا - وسيأتي غيره في الأمثلة التطبيقية إن شاء الله تعالى -.\nقال الإمام أبو بكر بن العربي في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]: فيه قولان:\nالأول: من شهد منكم الشّهر، وهو مقيم، ثم سافر لزمه الصوم في بقيته. قاله ابن عباس، وعائشة.\nالثاني: من شهد منكم الشهر فليصم منه ما شهد وليفطر ما سافر.\nوقد سقط القول الأول بالإجماع من المسلمين كلّهم على الثاني، وكيف يصح أن يقول ربّنا - سبحانه -: «فمن شهد منكم الشهر فليصم منه ما لم يشهد»،","vol":"1","page":197},{"text":"وقد روي «أن النبيّ ﷺ سافر في رمضان فصام حتى بلغ الكديد (^١)، فأفطر وأفطر المسلمون» (^٢). اهـ (^٣).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-88> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nالأمثلة في هذه القاعدة ربما تتداخل، فمثلا، المثال المضروب لمعارضة القرآن قد يكون - أيضا - معارضا للسنة، أو لإجماع الأمة، وإنما اقتصرت على ذكره تحت جزء واحد من أجزاء القاعدة تقريبا للأفهام، وابتعادا عن التكرار. ثم إنني اقتصرت على ذكر القول المردود بهذه القاعدة دون أن أذكر القول الصحيح في الآية، أو حتى سائر الأقوال فيها، اعتمادا على سياق القاعدة في ردّ أقوال موصوفة بالصفات المذكورة، فاقتصرت على منصوص القاعدة. وإذا سقطت هذه الأقوال انحصر الصواب فيما سواه من الأقوال، على تفاوت بينها في التقديم والتأخير بحسب النظر إليها بقواعد ترجيحية أخرى - وهذا لا يعنينا في هذا الموضع - فلذلك آثرت عدم ذكرها اختصارا.\nوقد سبق في مبحث «بيان متى يكون الترجيح» من مباحث التمهيد ذكر بعض الأمثلة على هذه القاعدة بما أغنى عن إعادتها في هذا الموضع، وعن ذكر\n_________\n(^١) قال الإمام البخاري الكديد ماء بين عسفان وقديد انظر الصحيح مع الفتح (٤/ ٢١٣).\n(^٢) الحديث متفق عليه من حديث ابن عباس - ﵄ -. البخاري، كتاب الصيام، باب إذا صام أياما من رمضان ثم سافر. انظر الصحيح مع الفتح (٤/ ٢١٣) ومسلم، كتاب الصيام حديث رقم (٨٨) وذكر ابن العربي له بصيغة التمريض فيه نظر كما ترى.\n(^٣) أحكام القرآن (١/ ١١٨ - ١١٩) وانظر نحو هذا من ذكر الخلاف ثم الترجيح بحكاية الإجماع على أحد الأقوال في تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص ٤٥٦، والمحرر الوجيز (١٤/ ١١١ - ٢٠١)، (١٥/ ٣٥٤ - ٣٩٦)، والتسهيل لعلوم التنزيل (٢/ ١٠٤)، وأضواء البيان (١/ ٧٧). والطبري كثيرا ما يذكر الخلاف ويبطل أحد الأقوال بقوله: وهذا قول بخلاف إجماع أهل التأويل ومذهب الطبري في الإجماع مشهور وسيأتي الحديث عنه في قاعدة: «تفسير جمهور السلف مقدم على كل قول شاذ».","vol":"1","page":198},{"text":"نظائرها (^١). وتركت هنا التمثيل للمناهج التي سلكها بعض الفرق في معارضة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة - كمعارضة الكتاب والسنة بالعقل عند المتكلمين، وكذا معارضتها بالذوق والوجد والمكاشفة عند الصوفية، وكذا المنهج الباطني الذي سلكه الرافضة وغيرهم -؛ لأنه سبق في أكثر من قاعدة التنبيه على بطلان هذه المناهج، وضرب أمثلة عليها.\n_________\n(^١) انظر بعض نظائر ما ذكر هناك من معارضة بعض الأقوال لصريح القرآن في تأويل مختلف الحديث ص ٥٥ - ٥٦، وجامع البيان (١/ ٥٥٢)، والمحرر الوجيز (١/ ٣٥٩)، ومفاتيح الغيب (٤/ ٦٣)، ومجموع فتاوى ابن تيمية (٤/ ٣٦٢)، والبحر المحيط (١/ ٦١٩)، وتفسير ابن كثير (١/ ٣٢٠)، وروح المعاني (١/ ٣٨٤)، ومحاسن التأويل (٢/ ١٠٢)، وأضواء البيان (٧/ ٣١٩).\nومن نظائر ما ذكر من معارضة بعض الأقوال للسنة، انظر المحرر الوجيز (٢/ ١٨٠ - ٢٠٤)، (٥/ ٨٨)، وتفسير ابن كثير (١/ ٤٠٨)، (٢/ ٢٢٦)، والإتقان (٣/ ٣٢٨)، وأضواء البيان (١/ ٣٨٥).\nومن نظائر ما ذكر من معارضة بعض الأقوال لإجماع الأمة، انظر المحرر الوجيز (٢/ ٢٠٢)، ومجموع فتاوى ابن تيمية (٤/ ٣٥٨ - ٣٦٠)، وتفسير ابن كثير (١/ ٤٠٢)، وفتح القدير (١/ ٦٦ - ٢٣٩).","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type='title' id=toc-89>المطلب الرابع:\nقاعدة: لا يصح حمل الآية على تفسيرات وتفصيلات لأمور مغيبة لا دليل عليها من القرآن أو السنة</span>\n*<span data-type='title' id=toc-90> صورة القاعدة:</span>\nلا سبيل إلى معرفة الأمور المغيبة - وهي كل الأمور التي لا يمكن إدراكها بطرق الاجتهاد وقوة الاستنباط - إلا بنص من قرآن أو سنة، وهذا كله مما لا تعلق له بالأحكام التكليفية، ويتضمن هذا ما قد مضى وسلف كأمور بدء الخلق، وأخبار الأمم البائدة، وما لم يقع كالملاحم والبعث، وصفة الجنة والنار، ونحوها، فكل ذلك لا يصح تفسيره باجتهادات لا دليل عليها، أو بأخبار إسرائيلية.\nوجعلت هذه القاعدة ترجيحية، لأنها ترجّح أصل الإبهام والإجمال والاختصار في الآية على تلك التفصيلات التي لا دليل عليها، وإنما هي مبنية على أخبار إسرائيلية. فمن هذا المنظور كانت قاعدة ترجيحية.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-91> بيان ألفاظ القاعدة:</span>\nقولي: «لا يصح حمل الآية» يدخل تحت القاعدة التفسيرات والتفصيلات للأمور المغيبة العارية عن الدليل إذا سيقت على أنها بيان لكلام الله - تعالى - وتفسير له.\nولا تدخل هذه الأمور تحت القاعدة إذا سيقت من باب التحديث عن بني إسرائيل الذي أجازه النبي ﷺ بقوله: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» (^١)، لا من باب التفسير والبيان لكلام الله. فالإذن في التحديث عنهم لا في جعل ذلك التحديث\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل. من حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - انظر الصحيح مع الفتح (٦/ ٥٧٢).","vol":"1","page":200},{"text":"بيانا لكلامه - سبحانه -.\nوقولي: «لا دليل عليها من القرآن أو السنة» خرج به ما ثبت فيه تفصيل أو تفسير أو تعيين مبهم من قبل الله - تعالى - أو رسوله ﷺ. كتعيينه ﷺ اسم صاحب موسى - ﵇ - بأنه الخضر (^١).\nفمثل هذا يجب الجزم به، وحمل الآية عليه إذا صح الحديث، لأنه وحي يوحى كما قال تعالى: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى﴾ (٤) [النجم: ٣ - ٤].\nوألحق العلماء بالحديث المرفوع قول الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه، ولا تعلّق له ببيان لغة وشرح غريب.\nفقالوا: له حكم الرفع. وجزم به على هذا الإطلاق غير واحد (^٢).\nوقيّده جماعة من الأئمة بأن لا يكون ذلك الصحابي ممن عرف بالنظر في الإسرائيليات (^٣). وهو الحق؛ لأن الإطلاق مشكل، وذلك لاحتمال أن يكون\n_________\n(^١) وذلك في حديث ابن عباس الطويل في قصة موسى مع الخضر أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى - ﵉ - انظر الصحيح مع الفتح (٦/ ٤٩٧).\n(^٢) منهم الرازي في المحصول (١/ ٦٤٣/٢)، والعراقي في التبصرة والتذكرة (١/ ١٣٩)، والتهانوي في علم الحديث ص ١٢٧ وغيرهم.\n(^٣) منهم الحافظ ابن حجر في النكت على ابن الصلاح (٢/ ٥٣٠ - ٥٣٢)، وفي شرح النخبة ص ٥٣، والسيوطي في تدريب الراوي (١/ ١٥٥)، وفي الإتقان (٤/ ١٨١)، والمناوي في اليواقيت والدرر (٢/ ٤٨٦)، وغيرهم. هذه عبارة الحافظ ابن حجر في النكت، أما عبارته في شرح النخبة وكذا عبارة غيره «أن يقول الصحابي الذي لم يأخذ عن الإسرائيليات ما لا مجال للاجتهاد فيه ..» والفرق بين العبارتين ظاهر، وهو أن من عرف بالنظر يكون مكثرا في الرواية عنهم غالبا ولا يلزم هذا من عرف بالأخذ.\nغير أن التقييد بالأخذ مشكل، وذلك من وجه أنه يلزم منه جعل كل قول - مما لا مجال للاجتهاد فيه - قاله أحد الصحابة الذين أخذوا عن أهل الكتاب من الإسرائيليات، ولو لم يكن في الحقيقة منها؛ وذلك لأنهم وضعوا هذا القيد احترازا من الإسرائيليات قال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة ص ٥٣: وإنما كان له حكم المرفوع؛ لأن إخباره بذلك يقتضي مخبرا له، وما لا مجال للاجتهاد فيه يقتضي موقفا للقائل به، ولا موقف للصحابة -","vol":"1","page":201},{"text":"ذلك المروي - الذي ليس للرأي فيه مجال - من الإسرائيليات التي أخذها عن أهل الكتاب، وهو موجود في مرويات بعض الصحابة، كمسلمة أهل الكتاب، وعبد الله بن عمرو (^١)، وابن عباس، وابن مسعود، وأبي هريرة، وغيرهم - ﵃ -\n_________\n= إلا النبي ﷺ أو بعض من يخبر عن الكتب القديمة؛ فلهذا وقع الاحتراز عن القسم الثاني. اهـ.\nومما يدل على عدم دقة هذا التقييد أنهم ضربوا أمثلة لهذا الباب، عن بعض الصحابة الذين أخذوا عن أهل الكتاب كابن مسعود وابن عباس، وعلي وغيرهم فإذا كان القيد متعلقا بالقائل لما صح لهم التمثيل بأقوال هؤلاء ويزيد الأمر وضوحا وجلاء عمل الأمة، فإنها قبلت أقوالا لبعض الصحابة ممن أخذ عن أهل الكتاب وتلقتها بالقبول، كقول ابن عباس - ﵄ - في قوله تعالى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [البقرة: ٢٥٥]، قال: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره إلا الله.\nروى هذا الأثر عن ابن عباس وكيع في تفسيره - بواسطة نقل ابن كثير في تفسيره (١/ ٤٥٧) - والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٨٢) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٣٢٣) عن الطبراني وقال. ورجاله رجال الصحيح.\nفابن عباس من الذين أخذوا عن أهل الكتاب وتلقت الأمة قوله هذا بالقبول. فإذا تقرر هذا، فإنه - أيضا - يرد إشكال على الروايات التي من قبيل الإسرائيليات وهي من قول من لم يكثر منهم. فبأي قيد أخرجت من قول الصحابي فيما لا مجال للاجتهاد فيه؟\nلم أجد - على طول بحث وسؤال - من دفع هذا الإشكال ابتداء أو جوابا عنه، ولو ظفرت به لطرت به فرحا، ولما زاد نسبة المسألة إليه إلا توثيقا وفصلا فيها، فبحثت - على ضعفي وقلّة بضاعتي - عن أقوى الوجوه في ذلك، فرأيت أن تعلق القيد بالقول لا بالقائل أدق من الناحية التطبيقية، فإذا كان القول مما لا مجال للاجتهاد فيه ولم يكن من الإسرائيليات كان له حكم الرفع.\nوعمل الأئمة يوحي بهذا فنجدهم يقبلون أقوالا - مما لا مجال للرأي فيها - لمن أخذ عن أهل الكتاب - كقول ابن عباس السابق - ويحكمون على أخرى عنهم بأنها من الإسرائيليات وهي كثيرة مشهورة.\nفالذي اختلف في الحالين القول لا القائل، فتعين تعليق القيد به. فإن قال قائل: وكيف يمكن معرفة الروايات الإسرائيلية من غيرها؟\nفالجواب: أن أهل الحديث هم أهل الشأن في الكشف عنها، كما كشفوا عن علل الحديث في المتون والأسانيد، وهي خفية غامضة جدا. فقد يكون الكشف عن الإسرائيليات أيسر وأسهل من الكشف عن علل الحديث الخفية.\n(^١) هو: عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي، أسلم قبل أبيه، ويقال لم يكن بين مولدهما إلا اثنتي عشرة سنة، له مناقب وفضائل ومقام راسخ في العلم، حمل عن النبي ﷺ علما جما، وعن بعض الصحابة، وكان كثير القيام والصيام والتلاوة. توفي سنة خمس وستين، وقيل غير ذلك. سير أعلام النبلاء (٣/ ٧٩)، والإصابة، (٤/ ١١١).","vol":"1","page":202},{"text":"فإن قيل: حكم قوله الرفع إذا لم يكن للرأي فيه مجال. لزم منه قبول الإسرائيليات التي من هذا القبيل ويكون حكمها الرفع كذلك. وهذا باطل.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-92> أقسام الإسرائيليات، والموقف منها في التفسير:</span>\nالإسرائيليات: إمّا أن يعلم كذبها بما عندنا من الشريعة.\nوإمّا أن يعلم صدقها بما عندنا من الشريعة.\nوإمّا أن تكون من المسكوت عنه؛ لكنها أقرب إلى الخرافة والكذب وتحيلها العقول السليمة.\nوإما أن تكون من المسكوت عنه، والعقول لا تحيل وقوعها. فهذه أربعة أقسام للإسرائيليات.\nفالقسم الأول: وهو ما علم كذبه بشهادة شرعنا له بالبطلان يجب رده واطراحه، ولا تجوز حكايته إلا على سبيل التنبيه على بطلانه.\nقال الحافظ ابن كثير: وما شهد له شرعنا منها -[يعني من الإسرائيليات]- بالبطلان فذاك مردود لا يجوز حكايته إلا على سبيل الإنكار والإبطال. اهـ (^١).\nوالقسم الثاني: وهو ما علم صدقه بشهادة شرعنا له بالصحة. فإذا ذكر هذا القسم إنما يذكر استشهادا لا اعتقادا، ولا حاجة لنا فيه اسغناء بما ثبت في شرعنا. وإذا ذكر في التفسير لا يكون هو المفسّر للآية، بل المفسّر للآية هو ما ثبت في شرعنا، فانتفى كون الآية مفسّرة بها ومحمولة عليها.\nوالقسم الثالث: وهو ما كان من المسكوت عنه؛ لكن العقول السليمة تحيله، ويغلب على الظنون كذبه، وهو أقرب إلى الخرافة. كجبل قاف المزعوم، والحوت «نون» الذي تحمل عليه الأرض.\nقال الحافظ ابن كثير: وإنما أباح الشارع الرواية عنهم في قوله: «حدثوا عن بني\n_________\n(^١) البداية والنهاية (١/ ٥).","vol":"1","page":203},{"text":"إسرائيل ولا حرج» فيما قد يجوّزه العقل، فأما ما تحيله العقول، ويحكم عليه بالبطلان، ويغلب على الظنون كذبه، فليس من هذا القبيل. اهـ (^١).\nوالقسم الرابع: وهو ما كان من المسكوت عنه، ولا تحيله العقول السليمة، ولا يغلب على الظنون كذبه، فيجب في مثل هذا التوقف فلا يحكم عليه بصدق أو كذب، وعلى هذا القسم ينزّل قول النبي ﷺ: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ..» (^٢).\nقال الحافظ ابن حجر: أي إذا كان ما يخبرونكم به محتملا لئلا يكون في نفس الأمر صدقا فتكذبوه، أو كذبا فتصدقوه، فتقعوا في الحرج، ولم يرد النهي عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه ولا عن تصديقهم، فيما ورد شرعنا بوفاقه، نبه على ذلك الشافعي - ﵀ - اهـ (^٣).\nوقال الحافظ ابن كثير في قول النبي ﷺ: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»:\nهذا محمول على الإسرائيليات المسكوت عنها عندنا، فليس عندنا ما يصدقها ولا ما يكذبها فيجوز روايتها للاعتبار. اهـ (^٤).\nوهذا القسم أكثر الأقسام ذكرا في كتب التفسير، وغالبه في تحديد مبهمات لا فائدة للأمة في تحديدها، كأسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، ومكان الكهف، وكم عدد الدراهم التي اشتري بها يوسف - ﵇ - أمّا ما تحتاجه الأمة فقد بينه لنا رسولنا ﷺ، وشرحه، وأوضحه، عرفه من عرفه، وجهله من جهله (^٥).\nفإذا كان حكم هذا النوع هو التوقف في التصديق والتكذيب؛ فلا يصح تفسير\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٧/ ٣٧٣).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، سورة البقرة باب: قُولُوا آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا [البقرة: ١٣٦] من حديث أبي هريرة - ﵁ - انظر الصحيح مع الفتح (٨/ ٢٠).\n(^٣) فتح الباري (٨/ ٢٠).\n(^٤) البداية والنهاية (١/ ٥).\n(^٥) انظر البداية والنهاية (١/ ٥).","vol":"1","page":204},{"text":"كلام الله بأمور مشكوك في صدقها وكذبها؛ فلربما حملت الآية عليها فكانت كذبا فيكون قد فسر كلام الله - تعالى - بالكذب حقيقة، أو يكون قد خولف أمر النبي ﷺ وذلك باعتقادنا صدق هذه الإسرائيليات، وأيّ تصديق لها أعظم من جعلها بيانا لمراد الله - تعالى - فيما أبهمه عن خلقه.\nوكلا الأمرين باطل، فالقرآن حق ولا يحمل إلا على حق، واعتقادنا في الإسرائيليات المسكوت عنها التوقف. فتعين صحة عدم تفسيرآيات القرآن بهذه الإسرائيليات.\nقال العلاّمة عبد الرحمن السعدي: واعلم أن كثيرا من المفسرين - ﵏ - قد أكثروا في حشو تفاسيرهم من قصص بني إسرائيل، ونزلوا عليها الآيات القرآنية، وجعلوها تفسيرا لكتاب الله، محتجين بقوله ﷺ: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»، والذي أرى أنه، وإن جاز نقل أحاديثهم على وجه، تكون مفردة غير مقرونة، ولا منزلة على كتاب الله، فإنه لا يجوز جعلها تفسيرا لكتاب الله قطعا إذا لم تصح عن رسول الله ﷺ. وذلك أن مرتبتها كما قال ﷺ: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم».\nفإذا كانت مرتبتها أن تكون مشكوكا فيها، وكان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن القرآن يجب الإيمان به والقطع بألفاظه ومعانيه.\nفلا يجوز أن تجعل تلك القصص المنقولة بالروايات المجهولة، التي يغلب على الظن كذبها، أو كذب أكثرها، معاني لكتاب الله، مقطوعا بها، ولا يستريب بهذا أحد. ولكن بسبب الغفلة عن هذا، حصل ما حصل. والله الموافق. اهـ (^١).\nوقال العلاّمة أحمد شاكر (^٢): إن إباحة التحدّث عنهم فيما ليس عندنا دليل على\n_________\n(^١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (١/ ٩٨).\n(^٢) هو: أحمد بن محمد شاكر من آل أبي علياء، إمام من أئمة الحديث في هذا القرن، تولى القضاء في مصر أكثر من ثلاثين سنة، له تحقيقات كثيرة من أشهرها مسند الإمام أحمد - لم يتمه -، وتفسير الطبري - كذلك لم يتمه - توفي سنة سبع وسبعين وثلثمائة وألف. عن ترجمة شقيقه محمود شاكر في مقدمة كتاب «حكم الجاهلية» له.","vol":"1","page":205},{"text":"صدقه ولا كذبه - شيء، وذكر ذلك في تفسير القرآن، وجعله قولا أو رواية في معنى الآيات، أو في تعيين ما لم يعين فيها، أو في تفصيل ما اجمل فيها - شيء آخر؛ لأن في إثبات مثل ذلك بجوار كلام الله ما يوهم أنّ هذا الذي لا نعرف صدقه ولا كذبه مبيّن لمعنى قول الله - سبحانه -، ومفصّل لما أجمل فيه، وحاشا لله ولكتابه من ذلك.\nوإن رسول الله ﷺ إذ أذن بالتحدث عنهم - أمرنا أن لا نصدقهم ولا نكذبهم.\nفأيّ تصديق لرواياتهم وأقاويلهم أقوى من أن نقرنها بكتاب الله ونضعها منه موضع التفسير أو البيان؟ اللهم غفرا. اهـ (^١) وبهذا التحرير يعلم أن جميع أقسام الإسرائيليات لا يصح تفسير القرآن بها.\nويدخل تحت هذه القاعدة كل تفسير لأمر غيبي - ولو لم يكن من الإسرائيليات - ليس عليه دليل من القرآن أو السنة.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-93> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nأقوال العلماء في اعتماد هذه القاعدة كثيرة جدا، فمنها:\n١ - قول الإمام الطبري في معرض تقريره لهذه القاعدة في تفسير قول الله تعالى:\n﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠].\nفبعد أن ذكر أقوال المفسرين في مبلغ هذه الدراهم قال: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله - تعالى - ذكره أخبر أنهم باعوه بدراهم معدودة غير موزونة، ولم يحدّ مبلغ ذلك بوزن ولا عدد، ولا وضع عليه دلالة من كتاب، ولا خبر من الرسول ﷺ وقد يحتمل أن يكون كان عشرين، ويحتمل أن يكون كان اثنين وعشرين، وأن يكون كان أربعين، وأقل من ذلك وأكثر، وأيّ ذلك كان فإنها كانت معدودة غير موزونة، وليس في العلم بمبلغ وزن ذلك فائدة تقع في دين، ولا\n_________\n(^١) عمدة التفسير (١/ ١٥).","vol":"1","page":206},{"text":"في الجهل به دخول ضرّ فيه، والإيمان بظاهر التنزيل فرض، وما عداه فموضوع عنا تكلف علمه. اهـ (^١).\n٢ - نقل القرطبي قول أبي بكر بن العربي في تقرير هذه القاعدة في معرض ردّه للإسرائيليات في قصة أيوب - ﵇ - قال: «ولم يصح عن أيوب في أمره إلا ما أخبرنا الله عنه في كتابه في آيتين: الأولى قوله تعالى: ﴿* وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣] والثانية في (ص): ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ﴾ (٤١) [ص ٤١] وأما النبي ﷺ: فلم يصح عنه أنه ذكره بحرف واحد إلا قوله: «بينما أيوب يغتسل، إذ خر عليه رجل من جراد من ذهب …» (^٢) الحديث، وإذا لم يصح فيه قرآن، ولا سنة إلا ما ذكرنا: فمن الذي يوصل السامع إلى أيوب خبره، أم على أي لسان سمعه؟ والإسرائيليات مرفوضة عند العلماء على البتات، فأعرض عن سطورها بصرك، وأصم عن سماعها أذنيك، فإنها لا تعطي فكرك إلا خيالا، ولا تزيد فؤادك إلا خبالا». اهـ (^٣).\n٣ - ومنها: قول ابن عطية بعد أن ساق الإسرائيليات في تحديد الشجرة التي أكل منها آدم - ﵇ -: وليس في شيء من هذا التعيين ما يعضده خبر، وإنما الصواب أن يعتقد أن الله - تعالى - نهى آدم عن شجرة فخالف هو إليها وعصى في الأكل منها. اهـ (^٤).\n_________\n(^١) جامع البيان (١٢/ ١٧٤). وانظر نحو هذا التقرير فيه (١/ ٢٠٩)، (١٢/ ١٧٧)، وغيرها كثير انظر جملة منها في الإحالات إليها في الأمثلة التطبيقية.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الغسل، باب من اغتسل عريانا وحده في الخلوة، ومن تستر فالتستر أفضل. من حديث أبي هريرة وتمامه «.. فجعل أيوب يحتثي في ثوبه، فناداه ربه: يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك ولكن لا غنى بي عن بركتك» وفي أوله يغتسل عريانا. انظر الصحيح مع الفتح (١/ ٤٦٠).\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٢١٠). ولم أعثر عليه في مظانه من أحكام القرآن.\n(^٤) المحرر الوجيز (١/ ١٨٥).","vol":"1","page":207},{"text":"٤ - ومنها: قول الرازي في البعض الذي ضرب به قتيل بني إسرائيل قال:\nواختلفوا في البعض الذي ضرب به القتيل فقيل: لسانها، وقيل: فخذها اليمنى ..\nولا شك أن القرآن لا يدل عليه، فإن ورد خبر صحيح قبل، وإلا وجب السكوت عنه. اهـ (^١).\n٥ - ومنها: قول الحافظ ابن كثير في معرض تعليقه على ما روي من الإسرائيليات في قصة هاروت وماروت: وقصّها خلق من المفسرين المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله - تعالى - والله أعلم بحقيقة الحال. اهـ (^٢).\n٦ - ويقرر هذه القاعدة على وجه العموم العلامة ابن الوزير فيقول في مراتب التفسير فيما يرجع إلى الدراية إنه يرجع إلى سبعة أنواع:\nالنوع السابع: ما لم يصح فيه شيء من جميع ما تقدم ويختلف فيه أهل التفسير وأهل العلم، مثل تفسير الحروف التي في فواتح السور، وتفسير الروح ونحو ذلك مما لم يصح دليل لنا على تفسيره، ولا معنا ضرورة عملية تلجئ إلى وجوب البحث عنه، وقد يرتكب فيه مخالفة الظواهر ويبتني على أسباب مختلف في صحتها، فالحزم الوقف فيه لما تقدم من حديث ابن عباس في وعيد من فسر القرآن برأيه (^٣).\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب (٣/ ١٣٤).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم (١/ ٢٠٣) وانظر نحو هذا فيه (٥/ ١٦٥)، (٧/ ٢٨).\n(^٣) ولفظه «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده في النار» وفي رواية «برأيه». أخرجه الترمذي في سننه، كتاب: التفسير، باب: ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه (٥/ ١٨٣)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب: فضائل القرآن، باب: من قال في القرآن بغير علم (٥/ ٣٠). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وضعّفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي حديث رقم (٣١٣٤ - ٣١٣٥).","vol":"1","page":208},{"text":"وعن جندب (^١) مثله (^٢) رواه أبو داود (^٣) والترمذي (^٤). وأوضح منهما قوله تعالى:\n﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]. اهـ (^٥).\n٧ - وقال العلاّمة الشنقيطي: واعلم أن قصة أصحاب الكهف وأسماءهم، وفي أي محل من الأرض كانوا، كل ذلك لم يثبت فيه عن النبي ﷺ شيء زائد على ما في القرآن، وللمفسرين في ذلك أخبار كثيرة إسرائيلية أعرضنا عن ذكرها لعدم الثقة بها. اهـ (^٦).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-94> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nأمثلة هذه القاعدة كثيرة جدا.\n١ - فمنها: ما جاء في تفسير قول الله - تعالى - في قصة نوح - ﵇ -:\n﴿وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ (٤٠) [هود: ٤٠].\n_________\n(^١) هو: جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي، أبو عبد الله، صاحب النبي ﷺ نزل الكوفة والبصرة، وله عدة أحاديث، روى له الجماعة، عاش إلى حدود سنة سبعين. سير أعلام النبلاء (٣/ ١٧٤).\n(^٢) ولفظه: «من قال في كتاب الله - ﷿ - برأيه فأصاب فقد أخطأ» أخرجه أبو داود في سننه، كتاب:\nالعلم، باب: الكلام في كتاب الله بغير علم (٣/ ٣٢٠). والترمذي، كتاب التفسير، باب ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه (٥/ ١٨٣)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب فضائل القرآن، باب من قال في القرآن بغير علم (٥/ ٣١). وضعّفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود حديث رقم (٣٦٥٢) وضعيف سنن الترمذي حديث رقم (٣١٣٦).\n(^٣) هو: سليمان بن الأشعث بن شداد السجستاني الأزدي، الإمام شيخ السنة، محدث البصرة، صاحب السنن، أبو داود، كان على مذهب السلف في اتباع السنة والتسليم لها، توفي سنة خمس وسبعين ومائتين. سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٠٣).\n(^٤) هو: محمد بن عيسى بن سورة بن موسى الضحاك، أبو عيسى الترمذي الحافظ العلم الإمام البارع، صاحب الجامع، والعلل، وغيرها، مات سنة تسع وسبعين ومائتين. سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٧٠).\n(^٥) إيثار الحق ص ١٥٦.\n(^٦) أضواء البيان (٤/ ٢٠).","vol":"1","page":209},{"text":"نقل الإمام الطبري خلاف المفسرين في عدد الذين آمنوا مع نوح فحملهم معه في الفلك، وذكر أربعة أقوال وأسندها إلى قائليها (^١).\nفقال بعضهم: كانوا ثمانية أنفس.\nوقال آخرون: بل كانوا سبعة أنفس.\nوقال آخرون: كانوا عشرة سوى نسائهم.\nوقال آخرون: بل كانوا ثمانين نفسا.\nفهذه أربعة أقوال في تحديد العدد الذي آمن بنوح - ﵇ - وحمل معه في السفينة، وكلها لا دلالة عليها من كتاب أو سنة، بل هي مما أخذ من بني إسرائيل، فالصواب ألا تحمل الآية على أي منها، فهو مما أبهمه الله عنا، ولم تقم حجة ببيانه.\nقال الإمام الطبري - بعد أن ذكر الأقوال السابقة -: والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله: ﴿وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ (٤٠) [هود: ٤٠] يصفهم بأنهم كانوا قليلا، ولم يحدد عددهم بمقدار، ولا خبر عن رسول الله ﷺ صحيح، فلا ينبغي أن يتجاوز في ذلك حد الله، إذ لم يكن لمبلغ عدد ذلك حد من كتاب الله أو أثر عن رسول الله ﷺ. اهـ (^٢).\n٢ - ومن أمثلة هذه القاعدة - أيضا -: ما جاء عن مجاهد في تفسير قول الله تعالى: ﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ (٧٩) [الإسراء: ٧٩].\nقال: يجلسه معه على عرشه. اهـ (^٣).\nوهذا أمر غيبي من أحوال الآخرة، ولم يقم عليه دليل من القرآن أو السنة، ولم ينقل بسند صحيح عن أحد من الصحابة؛ فهو مردود بهذه القاعدة.\n_________\n(^١) انظرها في جامع البيان (١٢/ ٤٢ - ٤٣).\n(^٢) جامع البيان (١٢/ ٤٣).\n(^٣) جامع البيان (١٥/ ١٤٥).","vol":"1","page":210},{"text":"وقد صح التفسير النبوي للآية بخلافه، فثبت في السنة أن المقام المحمود هو الشفاعة (^١).\nقال الإمام ابن عبد البر: وعلى هذا أهل العلم في تأويل قول الله تعالى: ﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ (٧٩) [الإسراء: ٧٩] أنه الشفاعة. وقد روى عن مجاهد أن المقام المحمود: أن يقعده معه يوم القيامة على العرش. وهذا - عندهم - منكر في تفسير هذه الآية، والذي عليه جماعة العلماء من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين أن المقام المحمود هو المقام الذي يشفع فيه لأمته، وقد روي عن مجاهد مثل ما عليه الجماعة من ذلك، فصار إجماعا في تأويل الآية من أهل العلم بالكتاب والسنة. اهـ (^٢).\nوالغريب كلام الإمام الطبري بعد أن رجح أن المقام المحمود هو الشفاعة، قال عن قول مجاهد: فإن ما قاله مجاهد من أن الله يقعد محمدا ﷺ على عرشه، قول غير مدفوع صحته، لا من جهة خبر ولا نظر، وذلك؛ لأنه لا خبر عن رسول الله ﷺ،\n_________\n(^١) منها ما أخرجه البخاري، كتاب التفسير، سورة الإسراء، باب عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا (٧٩) عن ابن عمر - ﵄ - قال: «إن الناس يصيرون يوم القيامة جثا كل أمة تتبع نبيها.\nيقولون: يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي ﷺ فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود» انظر الصحيح مع الفتح (٨/ ٢٥١)، وانظر (٣/ ٣٩٦) منه. وفي مسند الإمام أحمد (٣/ ٤٥٦) من حديث كعب بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «يبعث الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تل ويكسوني ربي - ﷿ - حلة خضراء ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول فذلك المقام المحمود».\nوأخرج الطبري في تفسيره (١٥/ ١٤٥) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا (٧٩) [الإسراء: ٧٩] سئل عنها، قال: «هي الشفاعة» وروي نحوه ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ٦٣).\n(^٢) التمهيد (١٩/ ٦٣ - ٦٤).","vol":"1","page":211},{"text":"ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن التابعين بإحالة ذلك. اهـ (^١). ثم شرع في بيان وجه عدم إحالة قول مجاهد من جهة النظر.\nوهذا التوجيه من الإمام الطبري غير وجيه، ومخالف لمنهجه في مثل هذه المسألة الذي يقرره كثيرا في تفسيره، وهو عدم إطلاق قول عن المنقولات لم يرد به نقل.\nوذلك؛ لأن مثل هذا الخبر الذي أخبر به مجاهد من الأمور المغيبة التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالنص، ولا نص هنا بهذا، بل النصوص متضافرة على أنه الشفاعة.\nفالأصل في إثبات المغيبات هو ورود النص بها، لا ورود النصوص المانعة منها (^٢).\n_________\n(^١) جامع البيان (١٥/ ١٤٧).\n(^٢) * وانظر نظائر هذين المثالين:\nفي جامع البيان (١/ ٢٠٩، ٥٤٩)، (٢/ ٣٣٦)، (٧/ ١٣٥)، (٩/ ٤٠ - ٤١، ٩٠ - ٩١)، (٢/ ١٧٤، ١٧٧)، (١٣/ ٢٥٤)، (٢٠/ ٦٢)، (٢٤/ ٧٢)، (٣٠/ ٢٣).\nوفي المحرر الوجيز (١/ ١٨٥، ٣٠٨ - ٣٠٩ - ٣٤٨)، (٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨).\nوفي الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٥١)، (١٥/ ٢٠٨ - ٢١٠، ٢٩٤).\nوفي تفسير ابن كثير (٢/ ٦٤)، (٧/ ١٤ - ١٦ - ٣٤).\nوفي أضواء البيان (٣/ ٦٧ - ٦٨)، (٤/ ٧٧، ٤١، ٣٠، ٢٠، ١٠٥، ١٥٧، ٤٣٨، ٥٧٤)، وغيرها كثير.","vol":"1","page":212},{"text":"<span data-type='title' id=toc-95>المبحث الثاني:\nقواعد الترجيح المتعلقة بالآثار وفيه أربعة مطالب:</span>\nالمطلب الأول: قاعدة:\nإذا صح سبب النزول الصريح فهو مرجّح لما وافقه من أوجه التفسير.\nالمطلب الثاني: قاعدة:\nإذا ثبت تاريخ نزول الآية أو السورة فهو مرجّح لما وافقه من أوجه التفسير.\nالمطلب الثالث: قاعدة:\nتفسير السلف وفهمهم لنصوص الوحي حجة على من بعدهم.\nالمطلب الرابع: قاعدة\nتفسير جمهور السلف مقدم على كل تفسير شاذ.","vol":"1","page":213},{"text":"<span data-type='title' id=toc-96>المطلب الأول:\nقاعدة: إذا صح سبب النزول الصريح فهو مرجّح لما وافقه من أوجه التفسير</span>\n*<span data-type='title' id=toc-97> صورة القاعدة:</span>\nقرر الأئمة الأعلام أن من أهم فوائد معرفة أسباب النزول، أنها تعين على فهم الآية على وجه صحيح (^١). فإذا تنازع العلماء في تفسيرآية من كتاب الله وتعددت أقوالهم فيها، فأولى الأقوال بتفسيرالآية ما وافق سبب النزول الصحيح الصريح في السببية.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-98> بيان ألفاظ القاعدة:</span>\nتعريف «سبب النزول».\nالسبب لغة: كل شيء يتوصل به إلى غيره (^٢).\nالنزول في اللغة: هبوط شيء ووقوعه (^٣).\nسبب النزول اصطلاحا، عرّف بأكثر من تعريف، أختار منها تعريف شيخنا الشيخ مناع القطان؛ لأنه جامع مانع.\nقال - ﵀ -: ما نزل قرآن بشأنه وقت وقوعه، كحادثة أو سؤال. اهـ (^٤).\nفهذا التعريف يحدد لنا سبب النزول، وأنه قاصر على نوعين:\n_________\n(^١) انظر مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية ص ٤٧، والموافقات (٣/ ٣٤٧)، والبرهان (١/ ٢٢)، والإتقان (١/ ٨٣)، والمباحث للشيخ مناع القطان ص ٧٩، والمدخل لأبي شهبة ص ١٢٥، وحاشية مقدمة التفسير لابن قاسم ص ٤٥.\n(^٢) مفردات الراغب ص ٣٩١، ولسان العرب (١/ ٤٥٨) مادة «سبب».\n(^٣) معجم مقاييس اللغة (٥/ ٤١٧)، ومفردات الراغب ص ٧٩٩ مادة «نزل».\n(^٤) مباحث في علوم القرآن ص ٧٨.","vol":"1","page":215},{"text":"أحدهما: إما بسبب حادثه. تنزل الآية أو الآيات مبينة ما يتصل بتلك الآيات، كالذي نزل في غزوة بدر وأحد وقصة الإفك واللّعان ونحوها.\nوالآخر: أو بسبب سؤال. فينزل القرآن بالجواب عن ذلك السؤال الذي طرح على النبي ﷺ كما في السؤال عن الأهلة والإنفاق والأنفال والروح ونحوها.\nوهذا في الآيات التي لنزولها سبب، وإلا فأكثر القرآن نزل ابتداء من غير سبب.\nوالمراد ب «وقت وقوعه» أي وقت وقوع السبب، حادثه أو سؤال، سواء أكان النزول بعد السبب مباشرة، كالسؤال عن الروح والآيات التي نزلت بالجواب عن ذلك.\nأم تأخر عنه كما في قصة الإفك، والثلاثة الذين خلّفوا، ونحو ذلك، وهذا كله في عصر النبوة، ووقت التنزيل. خرج بذلك الآيات التي نزلت ابتداء متحدثة عن قصص الأنبياء والأمم السالفة، وعواقب المكذبين كأصحاب الفيل ونحو ذلك فليست من أسباب النزول.\nقال السيوطي: والذي يتحرّر في سبب النزول أنه مانزلت الآية أيام وقوعه، ليخرج ما ذكره الواحديّ في سورة الفيل من أن سببها قصة قدوم الحبشة به، فإن ذلك ليس من أسباب النزول في شيء، بل هو من باب الإخبار عن الوقائع الماضية، كذكر قصة نوح وعاد وثمود وبناء البيت، ونحو ذلك. اهـ (^١).\nقولي: «إذا صح سبب النزول» هذا قيد أخرج سبب النزول الضعيف فلا تعويل عليه في تصحيح قول، أو تضعيف آخر، فلا بد من صحة الرواية عن النبي ﷺ، أو عن الصحابة (^٢)، أو عن التابعين عند من اعتمد قولهم في هذا، لذلك اعتمد العلماء\n_________\n(^١) الإتقان (١/ ٩٠).\n(^٢) إذا ذكر الصحابي السبب الذي لأجله نزلت آيات فهذا حكمه حكم المرفوع عند عامة العلماء، أما إذا قال الصحابي «نزلت هذه الآية في كذا» ففيه نزاع، فالبخاري وابن الصلاح والحاكم جعلوه من المرفوع، والإمام أحمد ومسلم وغيرهما لم يدخلوه في المرفوع، وجعلوه مما يقال بالاستدلال والتأويل، وليس من جنس النقل لما وقع. -","vol":"1","page":216},{"text":"الصحيح من أسباب النزول عند تعدد الأسباب والنازل واحد (^١).\nقال الزرقاني (^٢): لا طريق لمعرفة أسباب النزول إلا النقل الصحيح. اهـ (^٣) وعلى هذا عمل الأئمة الأعلام، فهذا الإمام الطبري يعرض عن اعتماد سبب نزول آية لأجل ضعفه، ويرجح غيره من الأقوال معللا ذلك بعدم ثبوت الخبر من طريق صحيح متصل السند (^٤).\nويرجح القرطبي أقوالا اعتمادا على صحة الرواية في سبب النزول (^٥).\nوهذا شيخ الإسلام ابن تيميه يردّ سبب نزول آية لعلة ضعف السند قال: ومن قال: إن سبب نزول الآية سؤال اليهود عن حروف المعجم في «ألم» بحساب الجمل، فهذا نقل باطل، أما أولا: فلأنه من رواية الكلبي. اهـ (^٦).\nوكلام الحافظ ابن حجر - في سبب نزول سورة الضحى - في قصة إبطاء جبريل بالوحي وأنه كان بسبب كلب ميت تحت سرير النبي ﷺ مشهور، قال فيه: وقصة إبطاء جبريل بسبب كون الكلب تحت سريره مشهورة، لكن كونها سبب نزول هذه\n_________\n=أما إذا قال التابعي ذلك فهو عند من اعتبره جعلوه من المرفوع المرسل، له أحكام المرسل. انظر الناسخ والمنسوخ للنحاس (٢/ ٣٦٠)، وفتاوى ابن تيمية (١٣/ ٣٤٠)، والبرهان (١/ ٣٢)، والإتقان (١/ ٨٩ - ٩١)، وأضواء البيان (٣/ ٣٧٥) وغيرها.\n(^١) انظر تقرير ذلك في الإتقان (١/ ٩١)، ومناهل العرفان (١/ ١١٦)، والمباحث للشيخ مناع ص ٧٦ - ٧٨، والمباحث لصبحي الصالح ص ١٣٥، والمدخل لأبي شهبة ص ١٢٣، والتعارض والترجيح للبرزنجي (٢/ ١٠٣).\n(^٢) هو: محمد بن عبد العظيم الزرقاني، من علماء الأزهر بمصر، تخرج في كلية أصول الدين، ودرّس بها، له مناهل العرفان في علوم القرآن، توفي سنة ألف وثلثمائة وسبعة وستين. الأعلام (٦/ ٢١٠).\n(^٣) مناهل العرفان (١/ ١١٤).\n(^٤) انظر جامع البيان (٧/ ٢٦٨).\n(^٥) انظر الجامع لأحكام القرآن (٥/ ١٢١)، و(٦/ ١٧٦ - ١٧٧).\n(^٦) مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٩٨).","vol":"1","page":217},{"text":"الآية غريب، بل شاذ مردود بما في الصحيح. اهـ (^١).\nوقال السيوطي: كثيرا ما يذكر المفسرون لنزول الآية أسبابا متعدّدة، وطريق الاعتماد في ذلك أن ينظر إلى العبارة الواقعة فإن عبّر أحدهم بقوله: نزلت في كذا، والآخر:\nنزلت في كذا، وذكر أمرا آخر، فقد تقدم أن هذا يراد به التفسير لا سبب النزول -[إلى أن قال]- وإن ذكر واحد سببا، وآخر سببا غيره، فإن كان إسناد أحدهما صحيحا دون الآخر فالصحيح المعتمد. اهـ (^٢).\nوأعني بالصحيح هنا رتبة القبول ويشمل الحسن بنوعيه، والصحيح بنوعيه.\nوقولي: «الصريح» خرج به سبب النزول غير الصريح في السببية، فلا يعتبر مرجحا؛ لذلك جعل العلماء صيغة سبب النزول النظر الثاني في الترجيح بين أسباب النزول المتعددة إذا صحت، فالصريحة هي المقدّمة، والمعتمدة في السببية.\nوأول من رأيته ذكر الصراحة في السببية، واعتبارها مرجحة، الإمام القرطبي - ﵀ - المتوفى سنة إحدى وسبعين وستمائة.\nقال - في تفسير قوله تعالى: ﴿* وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٤]-:\nوهذا نص صحيح صريح في أن الآية نزلت بسبب تحرّج أصحاب النبي ﷺ عن وط ء المسبيات ذوات الأزواج. اهـ (^٣). فهذا تنبيه من الإمام القرطبي على أن من أسباب النزول ما تكون صيغته صريحة، ومنها ما تكون غير صريحة.\nثم حدّد هذا المفهوم بشكل أكثر وضوحا ودقة بعد ذلك.\n_________\n(^١) فتح الباري (٨/ ٥٨٠) والذين في الصحيح أن النبي ﷺ اشتكى فلم يقم ليلتين أو ثلاث فجاءت امرأة فقالت يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك لما أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثا فأنزل الله وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب «ما ودعك ربك وما قلى» انظر الصحيح مع الفتح (٨/ ٥٨٠). وكذا أخرجه مسلم، كتاب الجهاد والسير حديث رقم (١١٤).\n(^٢) الإتقان (١/ ٩١).\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ١٢١).","vol":"1","page":218},{"text":"فتكون الصيغة نصا في السببية في الحالات الآتية:\n١ - إذا نص الراوي على السببية كأن يقول «سبب نزول هذه الآية كذا وكذا ..».\n٢ - إذا أتى بفاء تعقيبية داخلة على مادّة النزول بعد ذكر الحادثة أو السؤال.\n٣ - إذا سأل سائل النبي ﷺ عن شيء فينزل الوحي بالجواب عن السؤال، حاكيا السؤال مع جوابه، كالسؤال عن الروح أو الأهلّة أو نحوها.\nوتكون الصيغة غير صريحة في السببية - وإنما هي محتملة للسببية ولما تضمنته الآية من الأحكام، والقرائن هي التي تحدد أحدهما - في الحالات الآتية:\n١ - إذا قال الراوي «نزلت هذه الآية في كذا» فهذا يراد به تارة سبب النزول، ويراد به تارة أخرى أن هذا المذكور داخل تحت معنى الآية، وإن لم يكن السبب (^١).\n٢ - إذا قال الراوي «أحسب هذه الآية نزلت في كذا» أو «ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في كذا».\nفتلك ثلاث صيغ دلالتها على سبب النزول صريحة وهاتان صيغتان تحتملان السببية وغيرها (^٢).\nوقولي: «فهو مرجح لما وافقه من أوجه التفسير» هذا هو الترجيح.\nويرد هنا منازعة قاعدة «العبرة بعموم اللفظ لا بخصحوص السبب» لهذه القاعدة في الترجيح، وسيأتي - بإذن الله - بسط الكلام على قاعدة «العبرة بعموم اللفظ ..». لكنّي أذكر هنا الحالات التي تقدم فيها هذه القاعدة على غيرها، وذلك في صورتين:\n_________\n(^١) انظر مقدمة في أصول التفسير لا بن تيميه ص ٤٨، والبرهان في علوم القرآن (١/ ٣١ - ٣٢).\n(^٢) انظر ذلك في مناهل العرفان (١/ ١١٤) والمباحث للشيخ مناع ص ٨٥، والمباحث للدكتور صبحي الصالح ص ١٤٢ والمدخل لأبي شهبة ص ١٣٢، وأسباب النزول وأثرها في التفسير ص ٢١، رسالة ماجستير في قسم القرآن لعصام الحميدان.","vol":"1","page":219},{"text":"إحداهما: إذانزلت الآية بسبب معيّن ولا عموم للفظها - أي ليس فيها صيغة من صيغ العموم - فإنّ أصح الأقوال في تفسيرالآية هو ما وافق سبب النزول، وذلك كما في المثال الأول من أمثلة هذه القاعدة.\nقال السيوطي: أمّاآية نزلت في معيّن ولا عموم للفظها فإنها تقصر عليه قطعا. اهـ (^١).\nالأخرى: إذا خصّص العموم بدليل، فأولى الأقوال بهذا الخصوص ما وافق صورة سبب النزول من الأقوال؛ لأن صورتها قطعية الدخول في العموم (^٢)، وليس ذلك لغيرها. كما في المثال الثاني من أمثلة هذه القاعدة.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-99> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nاعتمد هذه القاعدة في الترجيح أئمة التفسير؛ فصححوا بها أقوالا، وضعّفوا بها أخرى، وهذا شائع منتشر في تفاسيرهم، سوف أذكر جماعة منهم هنا، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - في الأمثلة ذكر آخرين استعملوا هذه القاعدة في الترجيح، فمن هؤلاء الأئمة:\n١ - أبو جعفر النحاس: فعند كلامه على قول الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] ذكر خلاف العلماء في معناها، ومحكمة هي أو منسوخة، ومن هذه الأقوال التي ذكرها قول عبد الله (^٣) وعروة (^٤) ابني الزبير: إنما أنزل الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾\n_________\n(^١) انظر الإتقان (١/ ٨٧).\n(^٢) انظر المنخول ص ١٥١ - ١٥٢، وشرح الكوكب (٣/ ١٨٧)، والإتقان (١/ ٨٧)، وأضواء البيان (١/ ٧٧ - ١٨٦ - ١٩٠).\n(^٣) هو: ابن الزبير بن العوام القرشي، أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، ولد عام الهجرة. حفظ عن النبي ﷺ وهو صغير، وحدّث عنه، وعن أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم قتل سنة ثلاث وسبعين من الهجرة. الإصابة (٤/ ٧١).\n(^٤) هو: ابن الزبير بن العوام القرشي، حدّث عن أبيه بشيء يسير لصغره، وعن أمه أسماء وخالته عائشة وعلي بن أبي طالب وغيرهم، مات سنة ثلاث وتسعين. سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٢١).","vol":"1","page":220},{"text":"من أخلاق الناس. اهـ (^١).\nقال أبو جعفر: وهذا أولى ما قيل في الآية، لصحة إسناده، وأنه عن صحابي يخبر بنزول الآية، وإذا جاء الشيء هذا المجيء لم يسع أحدا مخالفته، والمعنى عليه ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أي: السهل من أخلاق الناس، ولا تغلظ عليهم .... اهـ (^٢).\n٢ - ومنهم أبو بكر بن العربي: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها﴾ [البقرة: ١٨٩] قال - بعد أن ذكر الخلاف في تفسيرالآية -: وحقيقة هذه الآية البيوت المعروفة بدليل ما روي في سبب نزولها من طرق متعددة. اهـ (^٣).\n٣ - ومنهم أبو محمد ابن عطية: استعمل هذه القاعدة في الترجيح، ففي معرض مناقشته للأقوال في معنى الأنفال ضعّف ما لا يوافق أسباب النزول، ورجّح ما وافقها، فقال: وهذا قول بعيد عن الآية غير ملتئم مع الأسباب المذكورة … -[إلى أن قال]-: وأولى هذه الأقوال، وأوضحها القول الأول الذي تظاهرت الروايات بأسبابه وناسبه الوقت الذي نزلت الآية فيه. اهـ (^٤).\n٤ - ومنهم القرطبي: وسيأتي ترجيحه بالقاعدة (^٥) في الأمثلة التطبيقية - إن شاء الله تعالى -.\n٥ - ومنهم ابن القيم (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، تفسيرسورة الأعراف، باب: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩)، انظر الصحيح مع الفتح (٨/ ١٥٥)، وأخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ (٢/ ٣٦٠) وغيرهما.\n(^٢) الناسخ والمنسوخ (٢/ ٣٦٠).\n(^٣) أحكام القرآن (١/ ١٤٣).\n(^٤) المحرر الوجيز (٨/ ٧).\n(^٥) وانظر الجامع لأحكام القرآن (٥/ ١٢١) و(٩/ ١١٠).\n(^٦) انظر التفسير القيم ص ١٨٢.","vol":"1","page":221},{"text":"٦ - ومنهم الشوكاني: قال - في معرض ترجيحه لأحد الأقوال -: والأول أولى بدليل سبب النزول. اهـ (^١).\n٧ - ومنهم الشنقيطي: قال - في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] بعد أن ذكر الخلاف في «ما» موصولة أو مصدرية -:\nوالذي يظهر وجزم به غير واحد من المحققين أن «ما» موصولة واقعة على النساء التي نكحها الآباء …؛ لأنهم كانوا ينكحون نساء آبائهم كما يدل له سبب النزول. اهـ (^٢).\n٨ - ويقول الدكتور صبحي الصالح - مقررا مضمون هذه القاعدة -: ولئن كانت معرفة جو القصيدة، والظروف التي نظمت خلالها تعين على الفهم السديد، وتسعف بالذوق السليم، وتواكب الشرح الأدبي جنبا إلى جنب، لتكوننّ معرفة قصة الآية والأسباب التي اقتضت نزولها أعون على دقة الفهم وأدنى إلى استلهام أرجح التأويل وأصح التفسير. اهـ (^٣).\nوغير هؤلاء كثير.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-100> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nا - من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها﴾ [البقرة: ١٨٩] اختلف العلماء في تفسير هذه الآية على أقوال (^٤):\n_________\n(^١) فتح القدير (٤/ ١٦).\n(^٢) أضواء البيان (١/ ٣٧٨) وانظر (١/ ٣٨٢) منه.\n(^٣) مباحث في علوم القرآن ص ١٢٩.\n(^٤) انظر هذه الأقوال في النكت والعيون (١/ ٢٤٩) وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٤٢ - ١٤٣) والمحرر الوجيز (٢/ ٩٨ - ٩٩) والجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٤٤ - ٣٤٥) والبحر المحيط (٢/ ٢٣٧) وغيرها من كتب التفسير.","vol":"1","page":222},{"text":"أحدها: أن المراد بالبيوت هي المنازل المعروفة، والإتيان هو المجيء إليها ودخولها.\nقاله ابن عباس وقتادة وغيرهما.\nوالثاني: أن المراد بالبيوت، النساء أمرنا لإتيانهنّ من القبل لا من الدّبر. قاله ابن زيد.\nوالثالث: أنها مثل. فقيل أمر الناس أن يأتوا الأمور من وجوهها.\nوقيل: المعنى: ليس البر أن تشذوا في الأسئلة عن الأهلّة وغيرها فتأتوا الأمور على غير ما يجب. وقيل غير ذلك.\nوأولى هذه الأقوال بالصواب هو القول الأوّل، وذلك لما صح في سبب نزول هذه الآية من حديث البراء بن عازب (^١) - ﵄ - قال: كانت الأنصار إذا حجوا فرجعوا لم يدخلوا البيوت إلا من ظهورها. قال: فجاء رجل من الأنصار فدخل من بابه، فقيل له ذلك فنزلت هذه الآية ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها﴾ (^٢).\nوهذا ما ترجحه القاعدة التي نحن بصدد التمثيل لها. وقد رجّح هذا القول بهذه القاعدة جماعة من أئمة التفسير، منهم ابن العربي (^٣)، وابن عطية (^٤)، والقرطبي (^٥)، وأبو حيان (^٦)، وغيرهم.\n_________\n(^١) هو: البراء بن عازب بن الحارث الأوسي الأنصاري، له ولأبيه صحبة، ردّ يوم بدر لصغر سنه، روى عن النبي ﷺ جملة من الأحاديث، وعن أبي بكر، وعمر، وغيرهما، توفي سنة اثنتين وسبعين الإصابة (١/ ١٤٧).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، تفسيرسورة البقرة باب: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها انظر الصحيح مع الفتح (٨/ ٣١)، ومسلم كتاب التفسير، حديث رقم (٢٣)، وغيرهما.\n(^٣) انظر أحكام القرآن (١/ ١٤٣).\n(^٤) انظر المحرر الوجيز (٢/ ٩٩).\n(^٥) انظر الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٤٦).\n(^٦) نظر البحر المحيط (٢/ ٢٣٧).","vol":"1","page":223},{"text":"قال أبو بكر بن العربي - بعد أن ذكر الأقوال في تفسيرالآية -:\nالمسألة الحادية عشرة: في تحقيق هذه الأقوال:\nأما القول إنّ المراد بها النساء: فهو تأويل بعيد لا يصار إليه إلا بدليل، فلم يوجد ولا دعت إليه حاجة.\nوأما كونه مثلا في إتيان الأمور من وجوهها: فذلك جائز في كل آية؛ فإنّ لكل حقيقة مثلا منها ما يقرب ومنها ما يبعد.\nوحقيقة هذه الآية البيوت المعروفة، بدليل ما روي في سبب نزولها من طرق متعددة ذكرنا أوعبها، عن الزهري (^١)، فحقّق أنها المراد بالآية، ثم ركّب من الأمثال ما يحمله اللفظ ويقرب، ولا يعارضه شيء. اهـ (^٢).\nوقال القرطبي - بعد أن ذكر الأقوال في الآية -: قلت: القول الأول أصح هذه الأقوال؛ لما رواه البراء. -[وذكر حديث البراء السابق]- إلى أن قال: وأمّا تلك الأقوال فتؤخذ من موضع آخر لا من الآية، فتأمّله. اهـ (^٣).\nواقتصر على ما رجحته القاعدة آخرون من أئمة التفسير، ولم يذكروا غيره مستندين إلى سبب النزول، منهم ابن جرير الطبري (^٤)، والزجاج (^٥)، والنحاس (^٦)، والبغوي (^٧)، وابن كثير (^٨)، وغيرهم.\n_________\n(^١) هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري القرشي، الإمام العلم، حافظ زمانه، روى عن ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وسهل بن سعد وغيرهم، توفي سنة أربع وعشرين ومائة، وقيل غير ذلك. سير أعلام النبلاء (٥/ ٣٢٦).\n(^٢) أحكام القرآن (١/ ١٤٣).\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٤٦).\n(^٤) انظر جامع البيان (٢/ ٢٨٦).\n(^٥) انظر معاني القرآن وإعرابه (١/ ٢٦٢).\n(^٦) انظر معاني القرآن (١/ ١٠٥).\n(^٧) انظر معالم التنزيل (١/ ٢١٢).\n(^٨) انظر تفسير القرآن العظيم (١/ ٣٢٦).","vol":"1","page":224},{"text":"ويؤيد هذه القاعدة فيما قررته قاعدة: «يجب حمل نصوص الوحي على الحقيقة»، وذلك أن القول الذي رجحته هذه القاعدة هو الحقيقة في لفظ «البيوت» على عكس غيره من الأقوال فهي تحمل لفظ البيوت على المجاز، والأصل في الكلام الحقيقة.\nقال أبو حيان - بعد أن ذكر سبب نزول الآية -: وهذه أسباب تضافرت على أن البيوت أريد بها الحقيقة، وأن الإتيان هو المجيء إليها، والحمل على الحقيقة أولى من ادعاء المجاز مع مخالفة ما تضافرت من هذه الأسباب. اهـ (^١) أي: أسباب النزول.\n٢ - ومن أمثلة هذه القاعدة - أيضا - ما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿* وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. اختلف المفسرون في المراد بهذه الآية:\nفقال بعضهم: المراد بالمحصنات هنا المزوجات، والاستثناء في ﴿إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ أي السبايا اللواتي فرق بينهن وبين أزواجهن السّباء.\nوقال آخرون: المحصنات المزوجات، والمستثنى هنّ الإماء، فتحرم المزوجات إلا ما ملك منهنّ بشراء أو هبة أو صدقة أو إرث، فإن مالكها أحق ببضعها من الزوج، والبيع والهبة والصدقة والإرث طلاق لها.\nوقال آخرون: المحصنات هنّ العفائف، وتأويل الآية على هذا: والعفائف من النساء حرام عليكم، إلا ما ملكت أيمانكم منهن بنكاح أو ملك. فالمعنى على هذا القول تحريم الزنا.\nوقال آخرون: المحصنات الحرائر، والمعنى: حرمت عليكم الحرائر إلا ما ملكت أيمانكم أي بنكاح. على جعل الاستثناء متصلا. وأمّا إن كان منقطعا فيكون المعنى:\nحرمت عليكم الحرائر إلا ما ملكت أيمانكم، أي بالتسري (^٢).\n_________\n(^١) البحر المحيط (٢/ ٢٣٧).\n(^٢) انظر الأقوال وقائليها في جامع البيان (٥/ ١ - ٦)، والنكت والعيون (١/ ٤٦٩)، وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٩٠)، والمحرر الوجيز (٤/ ٧٦)، والجامع لأحكام القرآن (٥/ ١٢١)، والبحر المحيط (٣/ ٥٨٣).","vol":"1","page":225},{"text":"وأولى هذه الأقوال بتفسيرالآية، القول الأول؛ وذلك لما صح في سبب نزولها من حديث أبي سعيد الخدري (^١) - ﵄ - أن رسول الله ﷺ يوم حنين بعث جيشا إلى أوطاس - وهو واد بديار هوازن (^٢) - فلقوا العدو فقاتلوهم وظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا، فكأن ناسا من أصحاب النبي ﷺ تحرّجوا من غشيانهنّ من أجل أزواجهنّ من المشركين فأنزل الله ﷿: ﴿* وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] (^٣).\nفهذا سبب نزول الآية صحيح صريح في السببية، مصحح للقول الأول لموافقته له، وقد رجّح هذا القول بهذه القاعدة جماعة من أئمة التفسير، منهم أبو جعفر النحاس (^٤)، وابن العربي (^٥)، والقرطبي (^٦)، والشنقيطي (^٧)، ومال إليه ابن كثير (^٨)، وابن جزي (^٩) وغيرهم - عليهم رحمة الله جميعا -.\nقال القرطبي - بعد أن ذكر القول واستدل له بحديث أبي سعيد -: وهذا نص صحيح صريح في أن الآية نزلت بسبب تحرّج أصحاب النبي ﷺ عن وط ء المسبيات ذوات الأزواج، فأنزل الله تعالى في جوابهم: ﴿إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]\n_________\n(^١) هو: سعد بن مالك بن سنان الخزرجي الأنصاري، مشهور بكنيته، استصغر بأحد واستشهد أبوه بها، وغزا هو ما بعدها، مكثر في رواية الحديث، توفي سنة أربع وسبعين وقيل غير ذلك. الإصابة (٣/ ٨٦).\n(^٢) هوازن: حي من اليمن يضاف إليه مخلاف باليمن. معجم البلدان (٥/ ٤٢٠).\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب الرضاع، حديث رقم (٣٣).\n(^٤) انظر معاني القرآن (٢/ ٥٧).\n(^٥) انظر أحكام القرآن (١/ ٤٩٣).\n(^٦) انظر الجامع لأحكام القرآن (٥/ ١٢١).\n(^٧) انظر أضواء البيان (١/ ٣٨٢).\n(^٨) انظر تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٢٣).\n(^٩) انظر التسهيل (١/ ١٣٧).","vol":"1","page":226},{"text":"وبه قال مالك (^١) وأبو حنيفة (^٢) وأصحابه، والشافعي، وأحمد وإسحاق (^٣)، وأبو ثور (^٤)، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. اهـ (^٥).\nوقال الشنقيطي - معلقا على القول الذي رجحته هذه القاعدة بعد أن ختم به الأقوال في الآية -: وهذا القول هو الصحيح، وهو الذي يدل القرآن لصحته\nويؤيده سبب النزول. اهـ (^٦).\nأما القول الثاني، وهو حمل قوله تعالى ﴿إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ على العموم في الإماء دون تخصيصه بالمسبيّات، أخذا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيكون بيع الأمة طلاقا لها من زوجها. وعليه يكون هذا من باب تنازع قاعدة:\n«العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» مع هذه القاعدة التي يمثّل لها. وقاعدة «العبرة بعموم اللفظ …» مقدّمة كما هو مبين في مبحث تنازع القواعد.\nوالجواب عنه هو ما تقدم تحريره في أول هذه القاعدة، من أن قاعدة: «العبرة بعموم اللفظ …» مقدّمة إلا في صورتين، هذه إحداهما، وهي ما إذا ثبت تخصيص\n_________\n(^١) هو: شيخ الإسلام، حجة الأمة، إمام دار الهجرة، أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك الأصبحي، طلب العلم وهو ابن بضع عشرة سنة، وتأهل للفتيا، وجلس للإفادة، وله إحدى وعشرون سنة، وحدث عنه جماعة وهو حيّ شاب طري، توفي سنة تسع وسبعين ومائة. سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٨).\n(^٢) هو: الإمام، عالم العراق أبو حنيفة النعمان بن ثابت التيمي الكوفي، عني بطلب الآثار، وارتحل في ذلك، وأما الفقه والتدقيق في الرأي وغوامضه، فإليه المنتهى والناس عليه عيال في ذلك، توفي سنة خمسين ومائة. سير أعلام النبلاء (٦/ ٣٩٠).\n(^٣) هو: ابن راهويه، أبو يعقوب، الإمام الكبير سيّد الحفاظ، كان إماما في التفسير، ورأسا في الفقة، من أئمة الاجتهاد، توفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين. سير أعلام النبلاء (١١/ ٣٥٨).\n(^٤) هو: إبراهيم بن خالد الإمام الحافظ الحجة المجتهد، مفتي العراق، أبو ثور الكلبي البغدادي كان أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وورعا وفضلا، صنّف الكتب وفرّع على السّنن، وذب عنها. توفي سنة أربعين ومائتين. سير أعلام النبلاء (١٢/ ٧٢).\n(^٥) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ١٢١).\n(^٦) أضواء البيان (١/ ٣٨٢).","vol":"1","page":227},{"text":"العموم، وقد أحلت هناك على هذا المثال لبيان هذه الصورة، وهذا موطن البيان.\nذلك أن قوله تعالى: ﴿إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ ليس على عمومه في جميع الإماء، وليس بيع الأمة طلاقا لها، لما في الصحيحين وغيرهما أن عائشة - ﵂ - اشترت بريرة وأعتقتها، وكانت ذات زوج فخيرها النبي ﷺ بين البقاء مع زوجها أو الفراق، فاختارت الفراق (^١).\nففي تخيير النبي ﷺ لها دليل على أن عقد الزوجية لم ينفسخ بالبيع، ولم يعد شراء عائشة - ﵂ - طلاقا، ولو كان شراؤها طلاقها لم يكن لتخيير النبي ﷺ معنى، ولوجب بالشراء والعتق الفراق، فدل ذلك على أن عقد النكاح السابق ثابت، فتحرم على غير زوجها حتى يطلقها، أو تختار هي الفراق، أو تنقضي عدتها لوفاته (^٢).\nفإذا انتفى العموم في «ملك اليمين» كان أولى الأقوال بتفسيرالآية فيه على الخصوص هو ما وافق سبب النزول. وصورة سبب النزول قطعية الدخول في العام - كما هو معروف عند الأصوليين - (^٣).\nقال الزركشي: ومن فوائد أسباب النزول: أنه قد يكون اللفظ عاما، ويقوم الدليل على التخصيص، فإن محل السبب لا يجوز إخراجه بالاجتهاد والإجماع، كما حكاه\n_________\n(^١) أخرج القصة البخاري في مواضع، منها في كتاب الطلاق، باب لا يكون بيع الأمة طلاقا. انظر الصحيح مع الفتح (٩/ ٣١٥). وأخرجها مسلم، كتاب العتق، حديث رقم (٥ - ١٥).\n(^٢) انظر جامع البيان (٥/ ٨)، والجامع لأحكام القرآن (٥/ ١٢٢)، وتفسير ابن كثير (٢/ ٢٢٥)، وروح المعاني (٥/ ٢)، وأضواء البيان (١/ ٣٨٣).\n(^٣) انظر المنخول ص ١٥١ وشرح الكوكب (٣/ ١٨٧)، وانظر أضواء البيان (١/ ٧٧، ١٨٦، ١٩٠، ٣٥٥)، (٦/ ٥٣٦، ٥٧٧) منه.","vol":"1","page":228},{"text":"القاضي أبو بكر (^١) في «مختصر التقريب» (^٢)؛ لأن دخول السبب قطعي اهـ (^٣).\nأما حمل قوله: ﴿إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ على التسرّي، والنكاح الشرعي، فهو خلاف الظاهر، وخلاف استعمال القرآن. وقاعدة: «حمل معاني كلام الله على الغالب من أسلوب القرآن أولى من الخروج به عن ذلك» تضعّفه، بل [إن ملك اليمين لم يرد في القرآن إلا بمعنى الملك بالرق، كقوله تعالى: ﴿فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ﴾ [النساء: ٢٥] وقوله: ﴿وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وقوله:، ﴿وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦] وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ﴾ [المعارج: ٢٩ - ٣٠] فجعل ملك اليمين قسما آخر غير الزوجية. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ [النور: ٣٣] فهذه الآيات -[ونحوها]- تدل على أن المراد بما ملكت أيمانكم الإماء دون المنكوحات كما هو ظاهر] (^٤).\n_________\n(^١) هو: القاضي أبو بكر محمد الطيب الباقلاني، أصولي متكلم، صاحب التصانيف، صنف في الردّ على الرافضة والمعتزلة، والجهمية، وغيرهم، وانتصر لمذهب الأشاعرة، توفي سنة ثلاث وأربعمائة. سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٩٠).\n(^٢) هو: كتاب في أصول الفقه لخصه إمام الحرمين من كتاب ابن الباقلاني (التقريب) ويطلق عليها «مختصر التقريب» - (مخطوط) - ويقوم بتحقيقه أحد منسوبي الجامعة الإسلامة بالمدينة المنورة لنيل درجة الدكتوراه. عن رسالة موسى فقيهي (تحقيق تشنيف المسامع بجمع الجوامع للزركشي) ص ٧٣، هامش (٣).\n(^٣) البرهان (١/ ٢٢)، وانظر الإتقان (١/ ٨٢ - ٨٧)، ومناهل العرفان (١/ ١١٣).\n(^٤) أضواء البيان (١/ ٣٨٢).\n* ومن نظائر هذين المثالين:\n١ - ما جاء في تفسير قوله تعالى: قائِمًا بِالْقِسْطِ [آل عمران: ١٨]. انظر التفسير القيم ص ١٨٢.\n٢ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ [النساء: ٢٢]. انظر أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٧٥)، والجامع لأحكام القرآن (٥/ ١٠٣)، -","vol":"1","page":229},{"text":"\n_________\n= وتفسير ابن كثير (٢/ ٢١٤)،\nوفتح القدير (١/ ٢٤٢)، وروح المعاني (٤/ ٢٤٨)، وأضواء البيان (١/ ٣٧٨) ٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ [الأعراف: ١٩٩]، انظر الناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس (٢/ ٣٥٩ - ٣٦٠)\n٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ [الأنفال: ١]. انظر المحرر الوجيز (٨/ ٧).\n٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [هود: ١١٤] انظر الجامع لأحكام القرآن (٩/ ١١٠).\n٦ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ [النور: ٢٢] انظر فتح القدير (٤/ ١٦)، وأضواء البيان (٦/ ١٦٠ - ١٦١).\n- وانظر مزيدا من الأمثلة في بدع التفاسير للغماري ص ٨١ - ٨٣ - ٩٠ - ١٠٠ - ١٤٠.","vol":"1","page":230},{"text":"<span data-type='title' id=toc-101>المطلب الثاني:\nقاعدة: إذا ثبت تاريخ نزول الآية أو السورة فهو مرجّح لما وافقه من أوجه التفسير</span>\n*<span data-type='title' id=toc-102> صورة القاعدة:</span>\nإذا اختلف العلماء في تفسيرآية من كتاب الله، فالقول الذي يوافق تاريخ نزول الآية هو القول الراجح، والقول الذي يخالف تاريخ نزولها، ولا يتفق معه فهو قول ضعيف أو مردود.\nوإنما قلت: أو مردود؛ لأن تاريخ نزول الآية لا يخلو إما أن يكون متفقا عليه أو مختلفا فيه، فإن كان متفقا عليه فالقول الذي يخالفه ولا يتفق معه مردود؛ لأجل مخالفته أمرا مجمعا عليه.\nوإن كان تاريخ نزولها مختلفا فيه، غير أنه تبين الصحيح. والراجح بأدلته، فالقول الذي يوافق الصحيح والراجح، هو الراجح، والقول الذي يخالفه ويوافق القول الضعيف في تاريخ نزولها، هو ضعيف مرجوح.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-103> بيان ألفاظ القاعدة:</span>\n«ثبوت تاريخ النزول» أعني به في هذه القاعدة أمرين، أحدهما: اتفاق العلماء عليه، وذلك كاتفاقهم على السور المكية، وكذا المدنية، والآيات التي نزلت في تبوك، أو في حجة الوداع، ونحو ذلك.\nوالآخر: ثبوت تاريخ النزول برجحان أحد الأقوال وظهوره دون غيره، وذلك كأن تكون الرواية فيه صحيحة، والقول الآخر روايته ضعيفة، وهذا يقع في الآيات والسور المختلف في تاريخ نزولها.","vol":"1","page":231},{"text":"- وأصل هذه القاعدة، هو المكي والمدني، ولكنها ليست قصرا عليه، وإنما هي أعم وأشمل منه، فهي تتعلق بتاريخ نزول الآية أو السورة، فقد يقع الترجيح بين أقوال في التفسير بناء على التاريخ في قرآن مكي فقط، أو مدني فقط. وإن كان العلماء تنازعوا في المراد بالمكي والمدني، غير أن المشهور والصحيح في تحديد المكي والمدني - وهو الذي يتفق مع هذه القاعدة التي تحرر - هو: ما نزل قبل هجرة النبي ﷺ إلى المدينة، فهو مكي، وما نزل بعدها، فهو مدني، وإن نزل بمكة (^١).\nوإنما اخترت هذا الاصطلاح للمكي والمدني؛ لتعلقه بزمن النزول، وهو الذي يعنينا في هذه القاعدة؛ ولأنه حاصر لجميع القرآن، ومطرد فيه، على عكس غيره من تعريفات المكي والمدني.\nوأما سبيل معرفة المكّي والمدنيّ، فهو الرواية عن الصحابة والتابعين (^٢)، فالصحابة - ﵃ - هم الذين شاهدوا التنزيل، فعلموا متى نزل؟ وأين نزل؟ وكان\n_________\n(^١) انظر البرهان (١/ ١٨٧)، والإتقان (١/ ٢٣)، ومناهل العرفان (١/ ١٩٤).\n(^٢) نقل الزركشي في البرهان (١/ ١٨٩)، والسيوطي في الإتقان (١/ ٤٨)، قول الجعبري - وهو إبراهيم بن عمر بن إبراهيم الجعبري ت: ٧٣٢ -: لمعرفة المكيّ والمدنيّ طريقان: سماعيّ وقياسي، فالسماعيّ ما وصل إلينا نزوله بأحدهما، والقياسى، قال علقمة عن عبد الله: كل سورة فيها «يا أيها الناس» فقط، أو «كلاّ» أو أولها حروف تهجّ سوى الزهراوين والرعد في وجه، أو فيها قصة آدم وإبليس سوى الطولى -[أي البقرة]- فهي مكّية، وكل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم الخالية مكية، وكل سورة فيها فريضة أو حد فهي مدنية اهـ.\nوالذي يظهر - والله أعلم - أن الطريق القياسي مبني على استقراء المنقول، وجمعه في ألفاظ كلية كالأمثلة المذكورة آنفا.\nأو يكون القياس مبنّيا على العلم بواقع معين في مراحل تنزّل القرآن، فمن خلال ما ورد من الحديث عن هذا الواقع يحكم عليه بأنه مكي أو مدني. فمثلا: النفاق لم يظهر إلا في المدينة، ونزلت آيات تعالج هذه القضية، وتكشف عور المنافقين، فلا شك أن تكون هذه الآيات مدنية؛ لأنه لم يكن له وجود في مكة. ومع ذلك فإن النقل لا ينفك عنه حتى ولو في نقل هذا الواقع الذي وجد في مرحلة معينة وما نقل عن الصحابة والتابعين في بيان المكي والمدني أكثر من أي علم آخر من علوم القرآن.","vol":"1","page":232},{"text":"النبي ﷺ إذانزلت عليه السورة تلاها، وعلّمها الصحابة.\nوالتابعون تتلمذوا على الصحابة؛ وأخذوا العلم عنهم - ﵃ جميعا - ولا يعني القول إن هذه السورة مكية أن يكون جميعها مكيا، بل قد يكون فيها بعض الآيات مدنية، والعكس صحيح - على أن يكون هذا جاريا على الاصطلاح الذي اخترته للمكي والمدني في هذه القاعدة (^١) - فالعمدة على ثبوت تاريخ الآية المفسّرة، سواء استقلت بتاريخ غير تاريخ بقية السورة، أو كان تاريخها هو تاريخ نزول السورة.\nولا أعني بالتاريخ ضرورة معرفة الساعة واليوم والعام، بل قد يكفي في التاريخ مرحلة زمنية كالعهد المكي قبل الهجرة، أو حادثة معينة كالإسراء، أو غزوة معينة، أو القبلية والبعدية بالنسبة لسورة أخرى، كأن يقال سورة كذانزلت قبل سورة كذا.\nفهذا هو ما أعني به «تاريخ النزول».\nوأعني بقولي: «لما وافقه من أوجه التفسير» أي ترجيح التفسير الذي يتفق مع تاريخ النزول على غيره مما لا يتفق معه.\nمثلا إذا اختلف العلماء في تفسيرآية على قولين، أحدهما يلزم منه أن تكون الآية مكية، والآخر يلزم منه أن تكون الآية مدنية. واتفق العلماء على أن هذه الآية المفسّرة مثلا مكية، فالقول الذي يلزم منه أن تكون الآية مكية هو الراجح.\nوسترى في الأمثلة التطبيقية - إن شاء الله - إيضاح ذلك.\n***\n_________\n(^١) احترازا من الحكم على آيات أو سور بأنها مكية أو مدنية على غير الاصطلاح الذي اخترته في هذه القاعدة؛ لأنه إذا كان على غيره لم يفدنا في الترجيح بهذه القاعدة.\nوذلك مثل قول الماوردي في النكت (١/ ٦٣) في سورة البقرة. مدنية في قول الجميع، إلاآية منها، وهي قوله تعالى وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ [البقرة: ٢٨١]، فإنهانزلت يوم النحز في حجة الوداع بمنى اهـ.\nفعلى الاصطلاح الذي سار عليه الماوردي ليست مدنية أما على الاصطلاح الذي اخترته فهي مدنية، فتكون السورة جميعا مدنية.","vol":"1","page":233},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-104> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nاعتمد هذه القاعدة أئمة التفسير، فصححوا بها أقوالا، وضعّفوا بها أخرى بناء على ما تقضي به هذه القاعدة، فمن هؤلاء الأئمة:\n١ - التابعي الجليل سعيد بن جبير (^١): أخرج ابن جرير الطبري بسنده عن أبي بشر (^٢)\nقال: قلت لسعيد بن جبير ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ (٤٣) [الرعد: ٤٣] أهو عبد الله بن سلام، قال: هذه السورة مكية، فكيف يكون عبد الله بن سلام! قال: وكان يقرأها ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ يقول: «من عند الله» (^٣).\n٢ - ومنهم مسروق بن الأجدع: فقد أخرج ابن جرير الطبري بسنده عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ الآية [الأحقاف: ١٠]، أنه قال: والله مانزلت في عبد الله بن سلام، مانزلت إلا بمكة، وما أسلم عبد الله إلا بالمدينة، ولكنها خصومة خاصم محمد ﷺ بها قومه، قال: فنزلت: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ قال: فالتوراة مثل القرآن، وموسى مثل محمد ﷺ، فآمنوا بالتوراة وبرسولهم، وكفرتم. اهـ (^٤).\n_________\n(^١) ابن هشام، الإمام الحافظ المقرئ المفسّر الشهيد، أبو محمد الكوفي، أحد الأعلام، روى عن ابن عباس فأكثر وجوّد، وكان من العبّاد العلماء قتله الحجّاج في شعبان سنة خمس وتسعين. سير أعلام النبلاء (٤/ ٣٢١).\n(^٢) هو: جعفر بن إيّاس بن أبي وحشيّة الواسطي، روى عن سعيد بن جبير، وطاوس بن كيسان، وعامر الشعبي وغيرهم وعنه أيوب السختياني، وشعبة بن الحجاج، وخلق. قال الحافظ ابن حجر:\nثقة من أثبت الناس في سعيد بن جبير، وضعّفه شعبة في حبيب بن سالم ومجاهد. توفي سنة خمس وعشرين ومائة، وقيل غير ذلك. تهذيب الكمال (٥/ ٥)، والتقريب ترجمة (٩٣٠).\n(^٣) جامع البيان (١٦/ ٥٠٥) تحقيق شاكر.\n(^٤) جامع البيان (٢٦/ ٩).","vol":"1","page":234},{"text":"٣ - ومنهم الشعبي (^١): أخرج الطبري بسنده عنه أنه قال: أناس يزعمون أن شاهدا من بني إسرائيل على مثله عبد الله بن سلام، وإنما أسلم عبد الله بن سلام بالمدينة، وقد أخبرني مسروق أن آل حم إنمانزلت بمكة. اهـ (^٢).\n٤ - ومنهم ابن جرير الطبري: فقد أسند إلى ابن زيد في تفسير قوله تعالى:\n﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ﴾\n[الفتح: ١٥] قوله: قال الله - ﷿ - له حين رجع من غزوه ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣] الآية. يريدون أن يبدّلوا كلام الله: أرادوا أن يغيروا كلام الله الذي قال لنبيه ﷺ ويخرجوا معه، وأبى الله ذلك عليهم ونبيه ﷺ. قال الطبري - معلقا على هذا القول -:\nوهذا الذي قاله ابن زيد قول لا وجه له، لأن قول الله ﷿: ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ إنما نزل على رسول الله ﷺ منصرفه من تبوك، وعني به الذين تخلّفوا عنه حين توجه إلى تبوك لغزو الروم، ولا اختلاف بين أهل العلم بمغازي رسول الله ﷺ أن تبوك كانت بعد فتح خيبر وبعد فتح مكة أيضا، فكيف يجوز أن يكون الأمر على ما وصفنا معنيا بقول الله ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ﴾ - وهو خبر عن المتخلفين عن المسير مع رسول الله ﷺ، إذ شخص معتمرا يريد البيت، فصدّه المشركون عن البيت - الذين تخلّفوا عنه في غزوة تبوك، وغزوة تبوك لم تكن كانت يوم نزلت هذه الآية، ولا كان أوحي إلى رسول الله ﷺ قوله: ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾. اهـ (^٣).\n_________\n(^١) هو: الإمام عامر بن شراحيل الهمداني ثم الشعبي أبو عمرو، علامة عصره، رأى عليا - ﵁ - وصلى خلفه، وسمع من عدّة من كبراء الصحابة، قال العجليّ لا يكاد يرسل إلا صحيحا.\nاهـ، توفي سنة أربع ومائة، وقيل غير ذلك. سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٩٤).\n(^٢) جامع البيان (٢٦/ ٩).\n(^٣) جامع البيان (٢٦/ ٨١).","vol":"1","page":235},{"text":"٥ - ومنهم القاضي ابن عطية: ففي معنى «الإثم» من قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣] قال: قال بعض الناس:\nهي الخمر، واحتج على ذلك بقول الشاعر:\nشربت الإثم حتى طار عقلي (^١) …\nقال القاضي أبو محمد: وهذا قول مردود؛ لأن هذه السورة مكية، ولم تعن الشريعة بتحريم الخمر إلا بالمدينة بعد أحد؛ لأن جماعة من الصحابة اصطبحوها يوم أحد، وماتوا شهداء وهي في أجوافهم، وأيضا فبيت الشعر يقال إنه مصنوع مختلق، وإن صح فهو على حذف مضاف .. اهـ (^٢).\n٦ - ومنهم أبو عبد الله القرطبي: قال - في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩]-:\nقيل: ﴿فَصَّلَ﴾ بيّن، وهو ما ذكره في سورة المائدة من قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] الآية.\nقلت -[القائل القرطبي]-: هذا فيه نظر؛ فإن «الأنعام» مكية، و«المائدة» مدنية، فكيف يحيل بالبيان على ما لم ينزل بعد. اهـ (^٣).\n٧ - ومنهم ابن المنيّر: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ (١) [المزمل: ١]، حكى الزمخشري قولا مفاده أن النبي ﷺ كان في مرط لعائشة يصلي وقت خطابه بهذه السورة.\nقال ابن المنيّر - معلقا على هذا القول -: وأما نقله -[أي الزمخشري]- أن ذلك\n_________\n(^١) هذا البيت كما ترى حكى ابن عطية أنه مصنوع، وكذا قال أبو حيان في البحر (٥/ ٤٤)، والسمين في الدر (٧/ ٣٠٥) والبيت في تهذيب اللغة (١٥/ ١٦١)، والصحاح (٥/ ١٨٥٨)، واللسان (١٢/ ٧) مادة «إثم». وفي البحر بدل «طار»، «زل» وعند غيرهما «ضل».\n(^٢) المحرر الوجيز (٧/ ٤٩ - ٥٠)، وانظر نحو هذا الترجيح بهذه القاعدة (٦/ ٥٦)، (٦٨/ ٨ - ١٩٢ - ٣٠١)، (١٠/ ٥٤)، (١٥/ ٢٣) منه.\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن (٧/ ٧٣)، وانظر نحو هذا الترجيح بهذه القاعدة فيه (٩/ ٣٣٦).","vol":"1","page":236},{"text":"كان في مرط عائشة - ﵂ - فبعيد، فإن السورة مكية، وبنى النبي ﷺ على عائشة - ﵂ - بالمدينة. اهـ (^١).\n٨ - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيميه: قال - في منهاج السنة في معرض رده على الرافضي الذي ادعى أن سورة، «هل أتى» نزلت في حق علي وفاطمة (^٢) والحسن (^٣)\nوالحسين (^٤) -: إن سورة «هل أتى» مكية باتفاق العلماء، وعليّ إنما تزوج فاطمة بالمدينة بعد الهجرة، ولم يدخل بها إلا بعد غزوة بدر، وولد له الحسن في السنة الثالثة من الهجرة، والحسين في السنة الرابعة من الهجرة بعد نزول «هل أتى» بسنين كثيرة، وقول القائل: إنهانزلت فيهم من الكذب الذي لا يخفى على من له علم بنزول القرآن، وعلم بأحوال هؤلاء السادة الاخيار اهـ (^٥).\n٩، ١٠ - ومنهم أبو حيان الأندلسي، وابن جزيّ الكلبي: فقد ذكرا في تفسير قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ﴾ [الفتح: ١٥] قول ابن زيد في الآية، ورداه بهذه القاعدة (^٦)، وقد سبق ذكر قول ابن زيد وردّه بهذه القاعدة، في كلام ابن جرير\n_________\n(^١) الإنصاف بهامش الكشاف (٤/ ١٧٤).\n(^٢) هي: فاطمة الزهراء بنت إمام المتقين رسول الله ﷺ ورضي عنها، روت عن أبيها، وروى عنها ابناها وأبوهما وعائشة وغيرهم - ﵃ - تزوجها علي بن أبي طالب - ﵁ - في أوائل المحرم سنة ثنتين، وقيل غير ذلك، توفيت سنة إحدى عشرة. الإصابة (٨/ ١٥٧).\n(^٣) هو: سبط رسول الله ﷺ وريحانته، الحسن بن عليّ بن أبي طالب الهاشمي، أمير المؤمنين أبو محمد، ولد في نصف رمضان سنة ثلاث من الهجرة، وقيل غير ذلك، روى عن رسول الله ﷺ أحاديث منها دعاء القنوت، توفي سنة تسع وأربعين وقيل غير ذلك. الإصابة (٢/ ١١).\n(^٤) هو: سبط رسول الله ﷺ وريحانته، الحسين بن عليّ بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد الله، ولد في شعبان سنة أربع من الهجرة، وقيل غير ذلك، حفظ أحاديث عن النبي ﷺ، قتل في معركة كربلاء في يوم عاشوراء سنة إحدى وستين. الإصابة (٢/ ١٤).\n(^٥) منهاج السنة النبوية (٤/ ٢٠) وانظر نحو هذا الترجيح بهذه القاعدة فيه (٤/ ٢٧)، (١٧/ ٣٩٩).\n(^٦) انظر البحر المحيط (٩/ ٤٨٩)، والتسهيل (٤/ ٥٣) وانظر - أيضا - الترجيح بالقاعدة في البحر المحيط (٥/ ٤٤).","vol":"1","page":237},{"text":"الطبري في اعتماده لهذه القاعدة، بما يغني عن إعادته هنا.\nوغير هؤلاء كثير يطول المقام بسرد أقوالهم في ذلك (^١).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-105> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nسبق في «أقوال العلماء في اعتماد القاعدة» الإشارة إلى بعض أمثلة هذه القاعدة، والترجيح بها، بما يغني عن الإطناب والبسط في هذا الموضع؛ لذلك سوف أذكر مثالا واحدا مختصرا، ثم أحيل بعده على جملة من الأمثلة في مظانّها.\nفمن أمثلة هذه القاعدة، ما جاء عند الرافضة في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] حيث ساق مفسرهم بسنده عن ابن عباس - ﵄ - قال: لمانزلت هذه الآية: ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ قالوا: يا رسول الله من قرابتك الذين افترض الله علينا مودتهم؟ قال: علي، وفاطمة، وولداهما. اهـ (^٢).\n_________\n(^١) منهم الفخر الرازي في تفسيره (١٣/ ١٧٥)، والسمين الحلبي في تفسيره (٥/ ٣٠٦، ٣٠٧)، والحافظ ابن كثير في تفسيره (٢/ ١٥٩ - ٣٤٦)، (٣/ ٢٩٣)، (٥/ ٩٧)، والحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ٤٢٧)، والعلامة الألوسي في تفسيره (٨/ ١٤)، (١٦/ ٢٤)، والعلاّمة الشنقيطي في تفسيره (٢/ ٢٠٩).\n(^٢) تفسير فرات الكوفي (٢/ ٣٩٠)، وأخرجه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (٧/ ١٨٩)، والدر المنثور (٧/ ٣٤٨) وعزاه أيضا إلى ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، وضعّف إسناده. وإسناد فرات الكوفي وابن أبي حاتم يدور على حسين الأشقر، وهو شيعي، ولا يقبل خبره في هذا، قال الحافظ ابن كثير بعد أن ساق إسناد ابن أبي حاتم: وهذا إسناد ضعيف، فيه مبهم لا يعرف، عن شيخ شيعي متخرّق، وهو حسين الأشقر، ولا يقبل خبره في هذا المحل. اهـ والتخرق - قال في اللسان (١٠/ ٧٥) مادة خرق -: لغة في التخلّق من الكذب، وخرق الكذب، وتخرّقه، وخرّقه كلّه: اختلقه. اهـ وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ٤٢٧): وإسناده واه وفيه ضعيف ورافضي اهـ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا الحديث: إن هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، وهم المرجع إليهم في هذا، وهذا لا يوجد في شيء من كتب الحديث التي يرجع إليها اهـ منهاج السنة (٧/ ٩٩). وانظر أيضا تخريجه في الكاف الشاف حديث رقم (٣٥٠)، والفتح السماوي (٣/ ٩٨٠).","vol":"1","page":238},{"text":"وقال مفسر آخر منهم في تفسير هذه الآية: قال أبو عبد الله (^١) - ﵇ -:\nإنمانزلت فينا خاصة أهل البيت في علي، وفاطمة، والحسن، والحسين، أصحاب الكساء (^٢) - ﵈ -. اهـ (^٣).\nوهذه القاعدة التي نحن بصدد التمثيل لها ترد وتبطل كذب الرافضة؛ وذلك أن عليا لم يتزوج فاطمة الزهراء إلا في المحرم من السنة الثانية (^٤) للهجرة، ولم يولد لهما الحسن إلا في السنة الثالثة (^٥)، والحسين في السنة الرابعة من الهجرة (^٦) - ﵃ جميعا - وهذه السورة مكية، فكيف تكون نزلت فيهم، وعليّ لم يتزوج فاطمة فضلا عن أن يولد لهما أولاد!!! فهذا يدل على كذب القوم وبطلان ما يدّعون على كتاب الله، وقد أطال شيخ الإسلام ابن تيميه في إبطال تفسيرهم لهذه الآية، وأكتفي بذكر الأوجه التي لها تعلق بهذه القاعدة التي نحن بصدد التمثيل لها.\nقال - ﵀ -: الوجه الثالث: أن هذه الآية في سورة الشورى وهي مكيّة\n_________\n(^١) أي جعفر بن محمد بن علي بن أبي طالب، الملقب بالصادق، سادس أئمتهم، ولد سنة ثمانين، ورأى بعض الصحابة، كان ثقة مأمونا، مكثر في الرواية عن أبيه. افترى عليه الرافضة الأكاذيب، وقد توفي سنة ثمان وأربعين ومائة. تهذيب الكمال (٥/ ٧٤)، وسير أعلام النبلاء (٦/ ٢٥٥).\n(^٢) أصحاب الكساء عليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين، وذلك لما جاء في حديث أم سلمة أنه لما نزلت آية إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) [الأحزاب: ٣٣]، دعا النبي ﷺ فاطمة وحسنا وحسينا فجلّلهم بكساء، وعليّ خلف ظهره ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا». أخرجه الإمام أحمد في المسند (٦/ ٣٠٤)، والترمذي، كتاب التفسير، باب ومن سورة الأحزاب (٥/ ٣٢٧ - ٣٢٨)، والطبري في تفسيره (٢٢/ ٧)، وقال الترمذي حديث غريب، وحسّنه في موضع آخر (٥/ ٦٥٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي حديث رقم (٤٤٣٥).\n(^٣) نور الثقلين (٤/ ٥٧١ - ٥٧٢).\n(^٤) انظر الإصابة (٨/ ١٥٧).\n(^٥) انظر الإصابة (٢/ ١١).\n(^٦) انظر الإصابة (٢/ ١٤).","vol":"1","page":239},{"text":"باتفاق أهل السنة (^١)، بل جميع ال حم مكيّات، وكذلك آل طس. ومن المعلوم أن عليّا إنما تزوج فاطمة بالمدينة بعد غزوة بدر، والحسن ولد في السنة الثالثة من الهجرة، والحسين في السنة الرابعة، فتكون هذه الآية قدنزلت قبل وجود الحسن والحسين بسنين متعددة، فكيف يفسر النبي ﷺ الآية بوجوب مودة قرابة لا تعرف، ولم تخلق بعد.\nالوجه الثامن: أن القربى معرّفة باللام، فلا بد أن يكون معروفا عند المخاطبين الذين أمر أن يقول لهم: ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الشورى: ٢٣] وقد ذكرنا أنها لمانزلت لم يكن قد خلق الحسن، ولا الحسين، ولا تزوج عليّ بفاطمة. فالقربى التي كان المخاطبون يعرفونها يمتنع أن تكون هذه، بخلاف القربى التي بينه وبينهم، فإنها معروفة عندهم. اهـ (^٢).\nوقال الحافظ ابن كثير: وذكر نزول هذه الآية في المدينة بعيد، فإنها مكيّة ولم يكن إذ ذاك لفاطمة أولاد بالكلية، فإنها لم تتزوج بعلي إلا بعد بدر من السنة الثانية من الهجرة.\nوالحق تفسيرالآية بما فسرها به الإمام حبر الأمة، وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، كما رواه عنه البخاري (^٣). اهـ (^٤).\n_________\n(^١) ومن قال إنها مكية إلا أربع آيات من قوله تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا [الشورى: ٢٣] اعتمدوا على آثار ضعيفة من رواية الكلبي وأمثاله من الضعفاء والمتروكين، وقد ضعفها وضعّف قول من استند إليها الأئمة كالحافظ ابن كثير في تفسيره (٧/ ١٨٩)، والحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ٤٢٧)، والشوكاني في تفسيره (٤/ ٥٣٦) وغيرهم.\nوحكي الإجماع على أن جميعها مكي كما ترى في كلام شيخ ألاسلام. وقال ابن عطية (١٤/ ٢٠١) هذه السورة مكية بإجماع من أكثر المفسرين اهـ.\n(^٢) منهاج السنة (٧/ ٩٩ - ١٠٣).\n(^٣) هو: إمام الدنيا وحافظ الزمان أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أمير المؤمنين في الحديث، وصاحب أصح كتاب مصنّف، علم مشهور. توفي سنة ست وخمسين ومائتين.\nانظر سير أعلام النبلاء (١٢/ ٣٩١).\n(^٤) تفسير القرآن العظيم (٧/ ١٨٩).","vol":"1","page":240},{"text":"ولفظه أن ابن عباس - ﵄ - سئل عن قوله: ﴿إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد ﷺ، فقال ابن عباس عجلت، إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: «إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة» (^١).\nوصحح هذا القول في تفسيرالآية ابن جرير الطبري (^٢)، وشيخ الإسلام ابن تيميه (^٣)، وابن كثير (^٤)، وابن حجر (^٥)، والشوكاني (^٦)، والطاهر ابن عاشور (^٧)، والشنقيطي (^٨)، وغيرهم (^٩) - عليهم رحمة الله جميعا -.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، تفسيرسورة الشورى، باب إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى. انظر الصحيح مع الفتح (٨/ ٤٢٦).\n(^٢) انظر جامع البيان (٢٥/ ٢٦).\n(^٣) انظر منهاج السنة النبوية (٤/ ٢٦ - ٥٦٢)، (٧/ ١٠٣).\n(^٤) انظر تفسير القرآن العظيم (٧/ ١٨٩).\n(^٥) انظر فتح الباري (٨/ ٤٢٧).\n(^٦) انظر فتح القدير (٤/ ٥٣٧).\n(^٧) انظر التحرير والتنوير (٢٥/ ٨٣).\n(^٨) انظر أضواء البيان (٧/ ١٩٠).\n(^٩) انظر ردّ دعوى النسخ في هذه الآية، والقول بإحكامها في الإيضاح لناسخ القرآن لمكي ص ٤٠٥، ومعالم التنزيل (٧/ ١٩٢)، والمحرر الوجيز (١٤/ ٢١٨)، ونواسخ القرآن لابن الجوزي ص ٥٠٦، والجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٢٣)، وفتح الباري (٨/ ٤٢٧)، وأضواء البيان (٧/ ١٩١).\n* ومن نظائر هذا المثال:\n١ - ما جاء في تفسير قوله تعالى: الم (١) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) [آل عمران: ١ - ٢] انظر مجموع فتاوى ابن تيميه (١٧/ ٢٩٩).\n٢ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام: ٩١]. انظر المحرر الوجيز (٦/ ١٠٤)، وتفسير ابن كثير (٣/ ٢٩٣).\n٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ [الأنعام: ١١٩]. انظر الجامع لأحكام القرآن (٧/ ٧٣)، وأضواء البيان (٢/ ٢٠٨ - ٢٠٩). -","vol":"1","page":241},{"text":"\n_________\n= ٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (٤٣) [الرعد: ٤٣]. انظر المحرر الوجيز (١٠/ ٥٤)، والجامع لأحكام القرآن (٩/ ٣٣٦).\n٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ [الفتح: ١٥]. انظر جامع البيان (٢٦/ ٨١)، والمحرر الوجيز (١٥/ ١٠٠)، والبحر المحيط (٩/ ٤٨٩)، والتسهيل (٤/ ٥٣)، وتفسير ابن كثير (٧/ ٣٢٠)، وروح المعاني (٢٦/ ١٠١) وفتح القدير (٥/ ٤٩)، ومحاسن التأويل (١٥/ ٥٤١٣).\n- وانظر مزيدا من الأمثلة في المحرر الوجيز (٦/ ٥٦)، (٧/ ٤٩)، (٨/ ٦٨ - ١٩٢ - ٣٠١)، (١٤/ ١٤٧ - ١٤٨)، (١٥/ ٢٣)، ومنهاج السنة النبوية (٤/ ٢٠)، (٨/ ٤٩٤). وتفسير ابن كثير (٢/ ١٥٩ - ٣٤٦)، (٥/ ٩٧).","vol":"1","page":242},{"text":"<span data-type='title' id=toc-106>المطلب الثالث:\nقاعدة: تفسير السلف وفهمهم لنصوص الوحي حجة على من بعدهم</span>\n*<span data-type='title' id=toc-107> صورة القاعدة:</span>\nهذه القاعدة تردّ تفاسير أصحاب الأهواء والبدع الذين خالفوا تفاسير الصحابة وتابعيهم بإحسان، فحملوا القرآن على معان اعتقدوها، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين ولا من أئمة المسلمين لا في رأيهم ولا في تفسيرهم.\nوترجّح فهم وتفاسير السلف على فهم وتفاسير أولئك القوم وبالجملة فأقوال السلف هي المعتمدة دون أقوال من خالفهم من أصحاب الأهواء والبدع.\n\n*<span data-type='title' id=toc-108> بيان ألفاظ القاعدة:</span>\n- المراد ب «السلف» -\nالسلف هم: الصحابة الكرام - رضوان الله عليهم - وأعيان التابعين لهم بإحسان وأتباعهم، وأئمة الدين ممن شهد له بالإمامة، وعرف عظم شأنه في الدين، وتلقى الناس كلامهم خلفا عن سلف دون من رمي ببدعة، أو اشتهر بلقب غير مرضي مثل الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة، والجبرية (^١)، والجهمية، والمعتزلة، والكرامية (^٢)، ونحو هؤلاء (^٣).\n_________\n(^١) الجبر هو نفي الفعل حقيقة عن العبد وإضافته إلى الرب - تعالى -، والجبرية أصناف، فالجبرية الخالصة: هي التي لا تثبت للعبد فعلا ولا قدرة على الفعل، والجبرية المتوسطة: هي التي تثبت للعبد قدرة غير مؤثرة أصلا. الملل (٩٧/ ١).\n(^٢) الكرامية: أصحاب أبي عبد الله محمد بن كرام، وهو ممن يثبت الصفات إلا أنه ينتهي إلى التجسيم والتشبيه، وهم طوائف بلغ عددهم إلى اثنتي عشرة فرقة، وهم متفقون على أن العقل يحسن ويقبح قبل الشرع، وقالوا: الإيمان هو الإقرار باللسان فقط دون التصديق بالقلب، ودون سائر الأعمال. الملل والنحل (١/ ١٢٤).\n(^٣) لوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/ ٢٠).","vol":"1","page":243},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-109> أدلة القاعدة:</span>\nأدلتها كثيرة منها:\n١ - قول الله تعالى: ﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ﴾ ﴿﴾\n﴿اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا﴾ ﴿﴾\n﴿الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١٠٠) [التوبة: ١٠٠].\nووجه الدلالة أن الله - تعالى - أثنى على من اتبعهم، فإذا قالوا قولا فاتبعهم متبع عليه قبل أن يعرف صحته فهو متبع لهم، فيجب أن يكون محمودا على ذلك، وأن يستحق الرضوان.\nوالرضوان عمن اتبعهم دليل على أن اتباعهم صواب ليس بخطأ، فإنه لو كان خطأ لكان غاية صاحبه أن يعفى له عنه، فإن المخطئ إلى أن يعفى عنه أقرب منه إلى أن يرضى عنه، وإذا كان صوابا وجب اتباعه.\nوالاتباع عام في كل الأمور التي يأتي فيها الاتباع، في أصول الدين وفي الشرائع (^١)\nومن ذلك تفسير كتاب الله - تعالى -.\n٢ - وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا﴾ (١١٥) [النساء: ١١٥].\nوتفسير القرآن بمعان لا تدل عليها ألفاظه ولم يسلك ذلك أحد من سلف هذه الأمة وإنما حمله على ذلك معتقده الذي خالف فيه سبيل المؤمنين، فهذا من اتباع غير سبيلهم المستوجب للعقوبة العظيمة المذكورة في الآية.\n٣ - ومنها: حديث عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم …» الحديث (^٢).\nفأخبر النبي ﷺ أن خير القرون قرنه مطلقا، وذلك يقتضي تقديمهم في كل باب\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٤/ ١٢٣ - ١٢٦ - ١٢٨).\n(^٢) متفق عليه، البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أصحاب النبي ﷺ، انظر الصحيح مع الفتح (٧/ ٥)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، حديث رقم (٢١٠ - ٢١١ - ٢١٢).","vol":"1","page":244},{"text":"من أبواب الخير، وإلا لو كانوا خيرا من بعض الوجوه، فلا يكونون خير القرون مطلقا، فلو جاز أن يخطئ الرجل منهم في حكم وسائرهم لم يفتوا بالصواب - وإنما ظفر بالصواب من بعدهم وأخطأواهم - لزم أن يكون ذلك القرن خيرا منهم من ذلك الوجه؛ لأن القرن المشتمل على الصواب خير من القرن المشتمل على الخطأ في ذلك الفن، ثم هذا يتعدد في مسائل عديدة\nومعلوم أن فضيلة العلم ومعرفة الصواب أكمل الفضائل وأشرفها (^١).\n٤ - ومنها: حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تسبّوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» (^٢) وهذا خطاب منه لخالد بن الوليد ولأقرانه من مسلمة الحديبية والفتح، فإذا كان مدّ أحد أصحابه أو نصيفه أفضل عند الله من مثل أحد ذهبا من مثل خالد وأضرابه من أصحابه فكيف يجوز أن يحرمهم الله الصواب في الفتاوى -[وفي تفسير وفهم كتاب الله]- ويظفر به من بعدهم؟ هذا من أبين المحال (^٣).\nوأدلة هذه القاعدة كثيرة جدا (^٤)، أكتفي بما ذكرت منها طلبا للاختصار.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-110> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nالنقول عن الأئمة في ذلك كثيرة جدا، وتعظيم شأن الصحابة وسلف هذه الأمة في فهمهم لكتاب الله مشتهر، فمن أقوال هؤلاء الأئمة:\n١ - قول عبد الله بن عباس - ﵄ - للخوارج حين ناظرهم: جئتكم من\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٤/ ١٣٦).\n(^٢) متفق عليه، البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي ﷺ: «لو كنت متخذا خليلا». انظر الصحيح مع الفتح (٧/ ٢٥). ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، حديث رقم (٢٢٢).\n(^٣) إعلام الموقعين (٤/ ١٣٨) وما بين المعقوفين ليس من كلام ابن القيم.\n(^٤) انظر جملة منها في إعلام الموقعين (٤/ ١٢٣ - ١٥٦)، ومختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٤٦٣ - ٤٦٥).","vol":"1","page":245},{"text":"عند أصحاب رسول الله ﷺ وليس فيكم منهم أحد، ومن عند ابن عم رسول الله ﷺ وعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بتأويله. اهـ (^١).\nفهذا الأثر يدل على أن الصحابة، هم أعلم بتأويل القرآن، وأن الخوارج لم يكن فيهم أحد منهم - وكذا باقي الفرق - فمن سار على نهج الصحابة في العلم والعمل كان أعلم بتأويل القرآن من جميع الفرق الضالة.\n٢ - وأقوال إمام المفسرين ابن جرير الطبري في اعتماد مضمون هذه القاعدة مبثوثة في تفسيره، فكثيرا ما يحكي الخلاف في تفسيرآية ثم يردف القول بترجيح تفسير الصحابة والتابعين على تفسير من دونهم بقوله: غير أن الأخبار قد وردت عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ بأن ذلك عنى به [كذا]- وعليه أكثر أهل التأويل، وهم كانوا أعلم بمعاني القرآن، والسبب الذي فيه نزل، وما أريد به (^٢).\nويقول أحيانا: ولولا أن أقوال أهل التأويل مضت بما ذكرت عنهم من التأويل، وأنّا لا نستجيز خلافهم فيما جاء عنهم، لكان وجها يحتمله التأويل أن يقال … (^٣).\nويستعمل مضمون هذه القاعدة في رد أقوال ليس لها سلف في أقوال من سلف فيقول: وهذا قول لا نعلم له قائلا من متقدّمي العلم قاله وإن كان له وجه، فإذا كان ذلك كذلك، وكان غير جائز عندنا أن يتعدّى ما أجمعت عليه الحجة، فما صح من الأقوال في ذلك إلا أحد الأقوال التي ذكرناها عن أهل العلم (^٤).\nوأحيانا كثيرة يجعل مضمون هذه القاعدة من براهينه على تضعيف بعض الأقوال، لكونها خلاف تأويل السلف، ولخروجها عن أقوال أهل التأويل والعلماء بالتفسير (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، باب إثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة ص ١٢٦ - ١٢٧.\n(^٢) جامع البيان (٢٦/ ١٢).\n(^٣) جامع البيان (١٥/ ١٨٨).\n(^٤) جامع البيان (٢٩/ ٣٣).\n(^٥) انظر جامع البيان (٩/ ٤٣)، و(١٥/ ٥٣)، و(٢٠/ ١١٠).","vol":"1","page":246},{"text":"بل جعل مخالفة أقوال الصحابة والتابعين شذوذا فقال: ولا يعارض بالقول الشاذ ما استفاض به القول من الصحابة والتابعين (^١). اهـ ونحو هذه العبارات المقررة تماما لمضمون هذه القاعدة.\n٣ - وقرر شيخ الإسلام ابن تيمية هذه القاعدة أتم تقرير فقال: فإن الصحابة والتابعين والأئمة إذا كان لهم في تفسيرالآية قول، وجاء قوم فسرواالآية بقول آخر لأجل مذهب اعتقدوه، وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان صاروا مشاركين للمعتزلة وغيرهم من أهل البدع في مثل هذا.\nو«في الجملة» من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئا في ذلك، بل مبتدعا وإن كان مجتهدا مغفورا له خطؤه، فالمقصود بيان طرق العلم وأدلته، وطرق الصواب. ونحن نعلم أن القرآن قرأه الصحابة والتابعون وتابعوهم، وأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه، كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله ﷺ، فمن خالف قولهم وفسر القرآن بخلاف تفسيرهم فقد أخطأ في الدليل والمدلول جميعا. اهـ (^٢).\nوقال في موضع آخر بعد أن تكلم عن تفاسير الصوفية: وقد تبين بذلك أن من فسر القرآن أو الحديث، وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله، ملحد في آيات الله، محرف للكلم عن مواضعه، وهذا فتح لباب الزندقة والإلحاد، وهو معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام. اهـ (^٣).\n٤ - ومنها: قول العلامة ابن القيم: فإن قيل .. ما تقولون في أقوالهم - يعني الصحابة - في تفسير القرآن هل هي حجة يجب المصير إليها؟\nقيل: لا ريب أن أقوالهم في التفسير أصوب من أقوال من بعدهم، وقد ذهب\n_________\n(^١) جامع البيان (٢/ ٥٩٠).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٦١ - ٣٦٢).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٤٣) وانظر تطبيقه للقاعدة عمليا في الترجيح فيه «درء تعارض العقل والنقل» (١/ ٣١٤).","vol":"1","page":247},{"text":"بعض أهل العلم إلى أن تفسيرهم في حكم المرفوع، قال أبو عبد الله الحاكم (^١) في مستدركه: وتفسير الصحابي عندنا في حكم المرفوع (^٢)، ومراده أنه في حكمه في الاستدلال به والاحتجاج، لا أنه إذا قال الصحابي في الآية قولا فلنا أن نقول هذا القول قول رسول الله ﷺ، أو قال رسول الله ﷺ.\nوله وجه آخر، وهو أن يكون في حكم المرفوع بمعنى أن رسول الله ﷺ بين لهم معاني القرآن وفسّره لهم كما وصفه تعالى بقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾\n[النحل: ٤٤] فبين لهم القرآن بيانا شافيا كافيا، وكان إذا أشكل على أحد منهم معنى سأله عنه فأوضحه له، كما سأله الصديق عن قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] فبين له المراد (^٣)، وكما سأله الصحابة عن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] فبين لهم معناها (^٤)، وكما سألته أم سلمة (^٥) عن قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ (٨) [الانشقاق: ٨] فبين\n_________\n(^١) هو: محمد بن عبد الله بن محمد النيسابوري، الإمام الحافظ الناقد العلامة شيخ المحدّثين، رمي بالتشيع، له تصانيف كثيرة من أشهرها «المستدرك». توفي سنة خمس وأربعمائة، وقيل غير ذلك. سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٦٢).\n(^٢) انظر المستدرك (١/ ٢٧ - ٢٨ - ١٢٣ - ٥٤٢).\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ١٧٤)، وأحمد في المسند (١/ ١١)، والترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب ومن سورة النساء (٥/ ٢٣١ - ٢٣٢)، والطبري في تفسيره (٩/ ٢٤١) تحقيق شاكر أثر رقم (١٠٥٢١ - ١٠٥٢٩) بألفاظ متقاربة فيها أن أبا بكر سأل النبي ﷺ كيف الصلاح بعد هذه الآية. قال النبي ﷺ: «غفر الله لك يا أبا بكر ألست تمرض؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء؟ قال: فهو ما تجزون به» وضعف هذا الحديث الترمذي وقال: وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن أبي بكر وليس له إسناد صحيح أهـ (٥/ ٢٣٢). وذكره الألباني في ضعيف سنن الترمذي حديث رقم (٥٨١).\n(^٤) فيه «حين نزلت هذه الآية شق ذلك على الصحابة وقالوا أينا لا يظلم نفسه، فقال النبي ﷺ «ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) [لقمان: ١٣]، متفق عليه، وقد سبق تخريجه ص ١٩٥ من هذا الكتاب.\n(^٥) هي: أم المؤمنين هند بنت أبي أمية المخزومية، بنت عم خالد بن الوليد، دخل بها النبي ﷺ سنة أربع من الهجرة، وكانت آخر أمهات المؤمنين موتا. توفيت سنة إحدى وستين، وقيل غير ذلك. سير أعلام النبلاء. (٢/ ٢٠١).","vol":"1","page":248},{"text":"لها أنه العرض (^١)، وكما سأله عمر عن الكلالة فأحاله على آية الصّيف التي في آخر السورة (^٢)، وهذا كثير جدا، فإذا نقلوا لنا تفسير القرآن فتارة ينقلونه عنه بلفظه، وتارة بمعناه، فيكون ما فسروا بألفاظهم من باب الرواية بالمعنى، كما يروون عنه السنة تارة بلفظها وتارة بمعناها، وهذا أحسن الوجهين، والله أعلم. اهـ (^٣).\n٥ - ونص على هذه القاعدة في الترجيح ابن جزيّ الكلبي في مقدمة تفسيره.\nقال: الرابع -[أي من وجوه الترجيح]-: أن يكون القول قول من يقتدى به من الصحابة كالخلفاء الأربعة، وعبد الله بن عباس لقول رسول الله ﷺ: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (^٤). اهـ (^٥).\n٦ - ومنها قول الشاطبي بعد أن ذكر حال الفرق الضالة بأنها تستدل بأدلة شرعية قال: فلهذا كله يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون وما كانوا عليه في العمل به فهو أحرى بالصواب، وأقوم في العلم والعمل. اهـ (^٦).\n٧ - وذكر السيوطي في التحبير نوعا هو أشبه ما يكون بهذه القاعدة:\nقال: النوع الحادي والتسعون: من يقبل تفسيره ومن يرد. اهـ (^٧). ثم ذكر مآخذ\n_________\n(^١) السائلة عائشة لا أم سلمة، وهو متفق عليه من حديثها، البخاري، كتاب التفسير، تفسيرسورة الانشقاق، باب فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا (٨) انظر الصحيح مع الفتح (٨/ ٥٦٦). ومسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث رقم (٧٩ - ٨٠).\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الفرائض، حديث رقم (٩).\n(^٣) إعلام الموقعين (٤/ ١٥٣ - ١٥٤)، وانظر الصواعق المرسلة (٢/ ٥٠٩)، ومختصرها (٢/ ٤٦٣).\n(^٤) أصل الحديث في الصحيحين، البخاري، كتاب الوضوء، باب وضع الماء عند الخلاء، انظر الصحيح مع الفتح (١/ ٢٩٤). ومسلم، كتاب فضائل الصحابة حديث رقم (١٣٨)، وزيادة «وعلمه التأويل» ليست في الصحيحين انظر الفتح (١/ ٢٠٥)، بل هي في المسند (١/ ٣١٤ - ٣٢٦ - ٣٢٧ - ٣٢٨ - ٣٣٥).\n(^٥) التسهيل (٩/ ١).\n(^٦) الموافقات (٣/ ٧٧).\n(^٧) التحبير في علم التفسير ص ٣٢٧.","vol":"1","page":249},{"text":"التفسير وأنه يؤخذ عن الصحابة والتابعين؛ لأنه كان عندهم علوم العربية بالطبع لا بالاكتساب، وحصّلوا بقية العلوم من القرآن والسنن التي تلقوها عن النبي ﷺ، وذكر أن هذا العلم - أعني التفسير - يؤخذ - أيضا - ممن استكمل علوم الآلة التي تعينه على تفسير كتاب الله، ثم ذكر أن من لم يستكمل تلك العلوم يردّ تفسيره ويكون من باب الرأي المنهي عنه.\nثم قال بعدها: وممن لا يقبل تفسيره: المبتدع خصوصا الزمخشري في كشافه فقد أكثر من إخراج الآيات عن وجهها إلى معتقده الفاسد\n- إلى أن قال: ولا يقبل ممن عرف بالجدال والمراء والتعصب لقول قاله وعدم الرجوع إلى الحق إذا ظهر له، ولا ممن يقدّم الرأي على السنة، ولا من عرف بالمجازفة وعدم التثبت أو بالجرأة والإقدام على الله وقلة المبالاة. اهـ (^١).\nوعلى ذلك درج مفسرو أهل السنة - وإن كانوا قليلا - فإنهم يقدمون أقوال السلف في تفسير القرآن ويردون تفاسير أهل الضلال الذين حرفوا نصوص القرآن لتوافق ما اعتقدوه من البدع التي أصّلها لهم شيوخهم، والسيوطي من المحجوجين بهذه القاعدة، فكما قرر ردّ تفاسير المبتدعة أمثال الزمخشري، فكذلك تأويلات الأشاعرة لبعض الآيات مردودة.\nوبالجملة فتقديم تفسير الصحابة على تفسير غيرهم مسألة معلومة مشتهرة قد سطرها أهل العلم في كتبهم حيث جعلوا تفسير الصحابي بعد التفسير النبوي في المرتبة في أحسن طرق التفسير (^٢).\nوكذلك هي قاعدة معتمدة من أوجه الترجيح عند الأصوليين (^٣).\n***\n_________\n(^١) التحبير ص ٣٣٠ - ٣٣١.\n(^٢) انظر مقدمة في أصول التفسير لا بن تيميه ص ٩٥، وتفسير ابن كثير (١/ ١٣)، والبرهان للزركشي (٢/ ١٥٩)، وإيثار الحق ص ١٤٦ - ١٤٧، والإتقان (٤/ ١٨١)، ومحاسن التأويل (١/ ٧).\n(^٣) انظر التمهيد في أصول الفقه (٤/ ٢٨٨)، والمسودة ص ٣٧٧، وانظر العدة لأبي يعلى (٣/ ٧٢١ - ٧٢٤).","vol":"1","page":250},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-111> مسألة في حكم إحداث قول في تفسيرالآية مخالف لأقوال السلف:</span>\nإذا اختلف السلف في تفسيرآية على قولين - مثلا - فهل يجوز إحداث قول ثالث في تفسيرالآية أو لا؟\nفالجواب عن ذلك:\nأن الخلاف نوعان: خلاف تنوع، وخلاف تضاد.\nفإن كان هذا القول الثالث المحدث في تفسيرالآية مع القولين السابقين من خلاف التنوع فهو جائز، وحمل الآية عليه لا يخرج الآية عما قال السلف، وهو إلى الوفاق أقرب منه إلى الخلاف.\nوإن كان القول المحدث مع القولين السابقين من خلاف التضاد فالصحيح أنه لا يجوز إحداثه، ولا تفسيرالآية به؛ لأن إجماعهم على قولين إجماع على بطلان ما عداهما، كما أن الإجماع على واحد إجماع على بطلان ما عداه، ولا فرق بينهما (^١).\nويلزم من أجاز إحداث قول مخالف لأقوالهم إذا اختلفوا أن يجيز كذلك إحداث قول إذا أجمعوا (^٢).\nوفي تجويز إحداث قول مخالف لأقوالهم يوجب نسبة الأمة إلى تضييع الحق؟ لأن اختلافهم على قولين اقتضى حصر الصواب فيهما فلو كان القول الثالث المحدث حقا لكانت الأمة قد ضيعته، وهذا غير جائز؛ لأن الأمة معصومة من الاجتماع على غير الحق (^٣).\nوهذا القول هو الذي اعتمده إمام المفسرين الإمام الطبري وصرح به (^٤).\n_________\n(^١) العدة في أصول الفقه (٤/ ١١١٣).\n(^٢) انظر العدة في أصول الفقه (٤/ ١١١٣).\n(^٣) انظر روضة الناظر مع شرحها (١/ ٣٧٨)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٨٩).\n(^٤) انظر جامع البيان (١٥/ ١٨٨)، (٢٩/ ٣٣).","vol":"1","page":251},{"text":"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - بعد أن ذكر من يفسر القرآن بمجرد الاحتمالات اللغوية، وأنهم أكثر غلطا من المفسرين المشهورين -: وأعظم غلطا من هؤلاء وهؤلاء من لا يكون قصده معرفة مراد الله؛ بل قصده تأويل الآية بما يدفع خصمه عن الاحتجاج بها، وهؤلاء يقعون في أنواع من التحريف ولهذا جوز من جوز منهم أن تتأول الآية بخلاف تأويل السلف وقالوا: إذا اختلف الناس في تأويل الآية على قولين جاز لمن بعدهم إحداث قول ثالث: بخلاف ما إذا اختلفوا في الأحكام على قولين، وهذا خطأ، فإنهم إذا أجمعوا على أن المراد بالآية إما هذا وإما هذا كان القول بأن المراد غير هذين القولين خلافا لإجماعهم؛ ولكن هذه طريق من يقصد الدفع لا يقصد معرفة المراد، وإلا فكيف يجوز أن تضل الأمة عن فهم القرآن، ويفهمون منه كلهم غير المراد، والمتأخرون يفهمون المراد؟! (^١).\nوقال في موضع آخر رادّا على من جوّز إحداث قول ثالث: فجوّزوا أن تكون الأمة مجتمعة على الضلال في تفسير القرآن والحديث، وأن يكون الله أنزل الآية وأراد بها معنى لم يفهمه الصحابة والتابعون؛ ولكن قالوا: إن الله أراد معنى آخر، وهم لو تصوروا هذه «المقالة» لم يقولوا هذا، فإن أصلهم أن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا يقولون قولين كلاهما خطأ والصواب قول ثالث لم يقولوه؛ لكن قد اعتادوا أن يتأولوا ما خالفهم، والتأويل عندهم مقصوده بيان احتمال في لفظ الآية بجواز أن يراد ذلك المعنى بذلك اللفظ، ولم يستشعروا أن المتأول هو مبين لمرادالآية مخبر عن الله - تعالى - أنه أراد هذا المعنى إذا حملها على معنى.\nوكذلك إذا قالوا يجوز أن يراد بها هذا المعنى والأمة قبلهم لم يقولوا أريد بها إلا هذا أو هذا، فقد جوزوا أن يكون ما أراده الله لم يخبر به الأمة، وأخبرت أن مراده غير ما أراده، لكن الذي قاله هؤلاء يتمشى إذا كان التأويل أنه يجوز أن يراد هذا المعنى من غير حكم بأنه مراد، وتكون الأمة قبلهم كلها كانت جاهلة بمراد الله، ضالة\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٥/ ٩٥).","vol":"1","page":252},{"text":"عن معرفته، وانقرض عصر الصحابة والتابعين وهم لم يعلموا معنى الآية،\nولكن طائفة قالت: يجوز أن يريد هذا المعنى، وطائفة قالت يجوز أن يريد هذا المعنى، وليس فيهم من علم المراد. فجاء الثالث وقال: ههنا معنى يجوز أن يكون هو المراد، فإذا كانت الأمة من الجهل بمعاني القرآن والضلال عن مراد الرب بهذه الحال توجه ما قالوه. وبسط هذا له موضع آخر. اهـ (^١).\nوهذا القول هو الصواب في المسألة وعليه جمهور علماء الأصول (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-112> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nأمثلة هذه القاعدة كثيرة ومنها: تفاسير أهل البدع كفرق الخوارج والروافض والجهمية والمعتزلة والقدرية والمرجئة والصوفية وغيرهم.\nفهؤلاء يتأولون القرآن على آرائهم، فتارة يستدلون بآيات على مذهبهم ولا دلالة فيها، وتارة يتأولون ما يخالف مذهبهم بما يحرفون به الكلم عن مواضعه (^٣). وقد سبق في أكثر من قاعدة ذكر جملة وافرة من تفاسير هؤلاء القوم؛ فلذلك لا أطيل هنا فالمقصود مطلق المثال، وخاصة في تفاسير هؤلاء.\nفمن ذلك قول القاضي عبد الجبار المعتزلي في تفسير قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: ٣] قال: المراد بالاستواء هو الاستيلاء والاقتدار … وبينا أن القول إذا احتمل هذا والاستواء الذي هو بمعنى الانتصاب، وجب حمله عليه؛ لأن العقل قد اقتضاه، من حيث دل على أنه تعالى قديم، ولو كان جسما يجوز عليه الأماكن لكان محدثا، - تعالى - الله عن ذلك؛ لأن الأجسام لا بد من أن يلزمها دلالة الحدث، وهي أيضا لا تنفك من\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٥٩). وانظر (١٣/ ٢٤ - ٢٦) منه.\n(^٢) انظر العدة لأبي يعلى (٤/ ١١١٣)، وأصول السرخسي (١/ ٣١٠)، والتمهيد لأبي الخطاب (٣/ ٣١٠)، وروضة الناظر مع شرحها (١/ ٣٧٧)، وشرح مختصر الروضة (٣/ ٨٨)، والمسودة ص ٣٢٦، وشرح الكوكب (٢/ ٢٦٤)، وإرشاد الفحول ص ١٥٧.\n(^٣) انظر مجموع فتاوى ابن تيمية (١٣/ ٣٥٦).","vol":"1","page":253},{"text":"الحوادث ولا تخلو منها. اهـ (^١).\nوذهب إلى تأويل صفة الاستواء بالاستيلاء، أو الملك والسلطان، أو نحوها كثير من المتأخرين من أهل التفسير كالزمخشري (^٢)، وابن عطية (^٣)، والرازي (^٤)، وأبي السعود (^٥)، وغيرهم (^٦).\nفخالفوا بهذا فهم السلف الصالح لنصوص القرآن والسنة في باب الصفات، ومنها الاستواء، فإن الصحابة والتابعين لهم بإحسان من أئمة الإسلام كان الإثبات منهجهم، وعدم التقدم بين يديّ الله ورسوله طريقتهم، فهم يثبتون ما أثبته الله ورسوله ﷺ من غير تحريف ولا تكييف ولا تمثيل، وينفون عن الله - تعالى - ما نفاه عن نفسه ونفاه عنه رسوله ﷺ، مستندين في كل ذلك إلى دلائل الكتاب والسنة، وأجمعوا على ذلك، مع تأييد العقل والفطرة له.\nوليس هذا الموضع مجال سرد الأدلة على ذلك، أو نقض كلام أهل التأويل نقلا وعقلا (^٧)؛ لأن الغرض من هذا المثال في هذه القاعدة هو بيان مخالفة المتأخرين من\n_________\n(^١) متشابه القرآن (١/ ٣٥١) وانظر (١/ ٧٢) منه.\n(^٢) انظر الكشاف (٢/ ٥٣٠).\n(^٣) انظر المحرر الوجيز (١/ ١٦١)، و(٧/ ٧٥)، و(٩/ ٨).\n(^٤) انظر مفاتيح الغيب (١٤/ ١٠٦)، و(٢٢/ ٥) وما بعدها.\n(^٥) انظر إرشاد العقل السليم (٣/ ٢٣٢)، و(٦/ ٥).\n(^٦) انظر مدارك التنزيل (١/ ٥١٩)، وروح البيان للبروسوي (٥/ ٣٦٣).\n(^٧) ألف الذهبي في إثبات صفة العلو كتابه «العلو للعلي الغفار» استوعب فيه كثير من الأدلة، والنقول عن السلف، وفيه الرد على أهل التأويل، وانظر ذلك في الرد على الجهمية للإمام أحمد ص ١٣٥، والرد على الجهمية للدارمي ص ٣٣، والإبانة للأشعري ص ١٠٥، ورسالة أهل الثغور للأشعري ص ٢٣٢، والشرح والإبانة لابن بطة ص ١٨٩، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٣٨٧)، والأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ١٤٩)، والتمهيد لابن عبد البر (٧/ ١٣٨)، ومجموع فتاوى ابن تيمية (٣/ ١٣٥ - ١٤٢ - ٢١٩)، و(٥/ ٥٢ - ١٨٠ - ١٩٣)، واجتماع الجيوش الإسلامية ص ٩٦ وما بعدها، وشرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٣٧٢)، ومحاسن التأويل (٧/ ٢٧٠٢) وما بعدها، وأضواء البيان (٢/ ٣٠٤) وما بعدها.","vol":"1","page":254},{"text":"أهل التأويل لفهم السلف لنصوص الوحي.\nفإن تأويل صفة الاستواء - وكذا باقي الصفات - مذهب محدث مخالف لما عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، والنقل عنهم في إثبات صفة الاستواء لله رب العالمين - وكذا باقي الصفات - مستفيض.\nفعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: ما بين سما القصوى وبين الكرسي خمسمائة سنة، وما بين الكرسي والماء خمسمائة سنة والعرش فوق الماء، والله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم (^١).\nوعن ابن عباس - ﵄ - قال: إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا فخلق الخلق فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة (^٢).\nوكان لعبد الله بن رواحه (^٣) جارية فوقع عليها، فقالت: له امرأته فعلتها؟ فجاحدها ذلك، قالت: إن كنت صادقا فاقرأ القرآن. قال:\nشهدت بأنّ وعد الله حقّ … وأنّ النّار مثوى الكافرينا\nوأنّ العرش فوق الماء طاف … وفوق العرش ربّ العالمينا\nوتحمله ملائكة كرام … ملائكة الإله مسوّمينا\nفقالت: آمنت بالله، وكذبت البصر.\nفأتى رسول الله ﷺ فحدّثه، فضحك ولم يغير عليه (^٤).\n_________\n(^١) رواه اللاكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٣٩٦) أثر رقم (٦٥٩)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ١٤٥).\n(^٢) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٣٩٦) أثر رقم (٦٦٠).\n(^٣) هو: ابن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، الأمير السعيد الشهيد أبو عمرو، شهد بدرا والعقبة، أحد الأمراء في غزوة مؤتة، وفيها استشهد، وكانت سنة ثمان للهجرة. سير أعلام النبلاء (١/ ٢٣٠).\n(^٤) أخرج القصة الإمام الدارمي في الرد على الجهمية ص ٤٧، والذهبي في سير أعلام النبلاء (١/ ٢٣٨).","vol":"1","page":255},{"text":"وعن أم سلمة - ﵂ - قالت في قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى﴾ (٥) [طه: ٥]: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر (^١).\nوقال الضحاك في قول الله تعالى: ﴿ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] الآية: هو على العرش ولن يخلو شيء من علمه (^٢).\nوقال الأوزاعي (^٣): كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله - تعالى - ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت السنة به من صفاته - جل وعلا - (^٤).\nوقال إسحاق بن راهوية: إجماع أهل العلم أنه - تعالى - على العرش استوى، ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة (^٥).\nوالآثار عن الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان في إثبات صفة الاستواء كثيرة جدا لا تحصى إلا بكلفة بالغة (^٦)، وهم مجمعون على ذلك، وكل من صنّف في العقائد من المتقدمين نقل عن السلف مذهبهم في إثبات الصفات - ومنها الاستواء - لله - ﷿ -، ولم ينقل حرف واحد عن الصحابة وأئمة الإسلام أنهم ذهبوا\n_________\n(^١) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٣٩٧) أثر رقم (٦٦٣)، وجاء نحو هذا الأثر عن ربيعة الرأي شيخ الإمام مالك أخرجه عنه اللالكائي (٣/ ٣٩٨) أثر رقم (٦٦٥)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ١٥١)، وجاء كذلك عن الإمام مالك أخرجه اللالكائي (٣/ ٣٩٨) أثر رقم (٦٦٤)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ١٥٠).\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٢٨/ ١٢).\n(^٣) هو: عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد، شيخ الإسلام، وعالم أهل الشام أبو عمرو، ولد في حياة الصحابة، وكان ثقة فاضلا، مأمونا كثير العلم والحديث والفقه. توفي سنة سبع وخمسين ومائة. سير أعلام النبلاء (٧/ ١٠٧).\n(^٤) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ١٥٠)، وانظر فتح الباري (١٣/ ٤١٧).\n(^٥) ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (١١/ ٣٧٠) بإسناد أبي بكر المرّوذي إلى إسحاق.\n(^٦) جمع الذهبي في كتابه «العلو»، وابن القيم في إجتماع الجيوش ص ١١٨ وما بعدها، وغيرهما جملة وافرة منها، فمن أراد المزيد فلينظرها - غير مأمور -.","vol":"1","page":256},{"text":"إلى التأويل، أو التحريف، أو التشبيه، بل مذهبهم الإثبات بلا كيف، وبلا تمثيل، وبلا تحريف، ولم ينقل عنهم أنهم اختلفوا في تفسيرآية من آيات الصفات، بعضهم يثبتها وبعضهم ينفيها، لم ينقل عنهم مثل هذا البتة (^١).\nوهذا هو ما أثبته مفسرون أهل السنة من المتقدمين والمتأخرين كالطبري (^٢)، والبغوي (^٣)، وابن كثير (^٤)، والقاسمي (^٥)، والسعدي (^٦)، والشنقيطي (^٧)، وغيرهم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيميه: وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة، وما رووه من الحديث، ووقفت من ذلك على ما شاء الله - تعالى - من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير، فلم أجد - إلى ساعتي هذه - عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف، بل عنهم من تقرير ذلك وتثبيته، وبيان أن ذلك من صفات الله ما يخالف كلام المتأولين ما لا يحصيه إلا الله. وكذلك فيما يذكرونه آثرين وذاكرين عنهم شيء كثير. اهـ (^٨).\nوكفى بمخالفة الصحابة والتابعين لهم بإحسان دليلا على بطلان قول مخالفهم.\nوالقول في باقي الصفات كالقول في هذه الصفة فالقاعدة ترد عليهم، وكذلك نفاة الأفعال والقدر، وغيرها من المحدثات التي أحدثت بعد عصر الصحابة، ويدخل في ذلك تفاسير الإشارات والباطنية قاطبة من باب أولى. والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر مجموع فتاوى ابن تيمية (٦/ ٣٩٤).\n(^٢) جامع البيان (١/ ١٩١ - ١٩٢).\n(^٣) معالم التنزيل (٣/ ٢٣٥).\n(^٤) تفسير القرآن العظيم (٣/ ٤٢٢).\n(^٥) محاسن التأويل (٧/ ٢٧٠٢) وما بعدها.\n(^٦) تيسير الكريم الرحمن (٣/ ٣٨).\n(^٧) أضواء البيان (٢/ ٣٠٤).\n(^٨) مجموع فتاوى ابن تيمية (٦/ ٣٩٤).","vol":"1","page":257},{"text":"<span data-type='title' id=toc-113>المطلب الرابع:\nقاعدة: تفسير جمهور السلف مقدم على كل تفسير شاذ</span>\n*<span data-type='title' id=toc-114> صورة القاعدة:</span>\nإذا انفرد مفسر في تفسيرآية من كتاب الله - تعالى - بقول خالف فيه عامّة المفسرين، ولم يكن لقوله هذا دلالة واضحة قوية فهو قول شاذ، وقول الجماعة أولى بالصواب، وهم إلى الحق أقرب، ومن الخطأ أبعد.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-115> بيان ألفاظ القاعدة:</span>\nمما يشكل في هذه القاعدة هو تحديد مفهوم الشذوذ، والشاذ من الأقوال. والذي يظهر أن تحديد هذا المفهوم يختلف باختلاف الناظر فيه، فإذا كان الناظر لتحديده من أهل الاجتهاد، فإنه يحدّد مفهوم الشذوذ عنده بمخالفة دليل ثابت. وقد تكون هذه المخالفة لدليل قطعي من نص متواتر أو إجماع قطعي، وقد تكون المخالفة لدليل ظني كأخبار الآحاد.\nوكل قول كان كذلك فهو شاذ - وإن صدر من عالم مجتهد - فهو منه زلة، فلا يصح اعتمادها، ولا الأخذ بها تقليدا له، كما أنه لا ينبغي أن ينسب صاحبها إلى التقصير، ولا أن يشنع عليه بها، ولا ينتقص من أجلها (^١).\nوإن لم يكن الناظر لتحديد هذا المفهوم من أهل الاجتهاد، فإنه لا يتخذ حكمه على قول بالشذوذ مسلّما، وليس من السهل بمكان تحديد ذلك، وإنما وضع له العلماء ضابطا تقريبيا ليعرف به أولى الأقوال وأصحها وأبعدها عن الشذوذ.\n_________\n(^١) انظر الموافقات (٤/ ١٧٠)، وقد سبق عرض هذا القسم في قاعدة مستقلة وهي «كل تفسير خالف القرآن أو السنة أو إجماع الأمة فهو ردّ» وقد وعدت هناك بالقسم الآخر وهو هذه القاعدة.","vol":"1","page":258},{"text":"وهذا الضابط التقريبي هو هذه القاعدة التي نحن بصدد عرضها، قال الإمام الشاطبي - محددا هذا الضابط الذي يعرف به الخطأ والزلل في الأقوال -: فإن قيل:\nفهل لغير المجتهد من المتفقهين في ذلك ضابط يعتمده أم لا؟ فالجواب أنّ له ضابطا تقريبيا، وهو أن ما كان معدودا في الأقوال غلطا وزللا قليل جدا في الشريعة، وغالب الأمر أن أصحابها منفردون بها، قلما يساعدهم عليها مجتهد آخر، فإذا انفرد صاحب قول عن عامة الأمة فليكن اعتقادك أن الحق مع السواد الأعظم من المجتهدين، لا من المقلدين. اهـ (^١).\nوقد جعل بعض الأصوليين هذا الضابط محددا لمعنى الشذوذ، فقالوا: الشذوذ قول الواحد وترك قول الأكثر (^٢).\nوهذا هو ما اعتمده إمام المفسرين ابن جرير الطبري في معنى الشذوذ، فقال: ولا يعارض بالقول الشاذ ما استفاض به القول من الصحابة والتابعين. اهـ (^٣) فجعل مخالفة الواحد والاثنين للجمهور أو إجماع الحجة شذوذا.\nفسبيلنا في تطبيق هذه القاعدة هو تنصيص أحد العلماء أو جماعة منهم على شذوذ قول معين، فإن لم يوجد هذا، وخالف مفسر عامة المفسرين ولا دليل على تصحيح وترجيح أحد الأقوال فهذه القاعدة هي المرجحة لقول جمهور السلف.\nإنما قلت «جمهور السلف» ولم أقل «جمهور المفسرين»؛ لأنه قد كثر الخطأ عند المتأخرين، وخاصة في أبواب العقائد وتواطأت عليه أقوالهم وهم كثير، فيلزم من ترجيح قول جمهور المفسرين ترجيح قولهم في ذلك، وتصحيح مذهبهم وهذا باطل، فلأجل هذا قلت «جمهور السلف».\nوالشاذ هنا يشبه الشاذ في علوم الحديث، فإنهم يعرّفون الشاذ بأنه: رواية الثقة\n_________\n(^١) الموافقات (٤/ ١٧٣).\n(^٢) انظر البحر المحيط في أصول الفقه (٤/ ٥١٨).\n(^٣) جامع البيان (٢/ ٥٩٠).","vol":"1","page":259},{"text":"حديثا يخالف ما روى الناس (^١) فمخالفة الراوي الثقة لرواية الثقات ومن هو أولى منه بكثرة عدد أو زيادة حفظ يعدّ شذوذا، ويكون حكمه الرد، وكذلك المفسر إذا خالف عامة المفسرين.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-116> أدلة القاعدة:</span>\nالأدلة على أصل هذه القاعدة كثيرة (^٢) منها:\n١ - حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: «صلّى بنا النبيّ ﷺ الظهر - أو العصر - فسلّم، فقال له ذو اليدين (^٣): الصلاة يا رسول الله أنقصت؟ فقال النبيّ ﷺ لأصحابه:\nأحقّ ما يقول؟ قالوا: نعم. فصلّى ركعتين أخريين، ثم سجد سجدتين» (^٤).\nفهذا الحديث واضح الدلالة على تقوية قول الأكثر، وذلك أن النبي ﷺ قوّى قول ذي اليدين بقول الصحابة: «نعم». فوافقوه على ما قال، فأخذ بقولهم ورجحه على ظنه الذي ظنه بأنه صلى أربعا.\n٢ - ومنها: حديث قبيصة بن ذؤيب (^٥) قال: «جاءت الجدة إلى أبي بكر فسألته ميراثها فقال: مالك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله ﷺ شيئا فارجعي حتى أسأل الناس فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة حضرت رسول الله ﷺ أعطاها السدس\n_________\n(^١) الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث ص ٥٣، وانظر تدريب الراوي (١/ ١٩٣) واليواقيت والدرر (١/ ٢٨١)، ومنهج النقد ٤٢٨.\n(^٢) انظر روضة الناظر مع شرحها لبدران (٢/ ٤٥٩).\n(^٣) ذو اليدين هو: الخرباق - بكسر المعجمة وسكون الراء - السلمي، على ما رجحه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٣/ ١٢١)، والإصابة (٢/ ١٠٨).\n(^٤) متفق عليه، البخاري، كتاب السهو، باب إذا سلّم في ركعتين أو ثلاث فسجد سجدتين، انظر الصحيح مع الفتح (٣/ ١١٦). ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث رقم (٩٧ - ١٠٠).\n(^٥) هو: قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، الفقيه، أبو سعيد المدني ثم الدمشقي، ولد عام الفتح، وروى عن جماعة من الصحابة، وكان ثقة مأمونا كثير الحديث. توفي سنة ست وثمانين، وقيل غير ذلك. سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٨٢).","vol":"1","page":260},{"text":"فقال هل معك غيرك فقام محمد بن مسلمة (^١) فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة فأنفذه لها أبو بكر» (^٢).\nفهذا يدل على ترجيح أبي بكر - ﵁ - خبر المغيرة بن شعبة لّما عضده خبر محمد بن مسلمة.\nوأمثال هذا كثير عن الصحابة - ﵃ - مما يدل على أنهم كانوا يرجحون بكثرة العدد.\n٣ - ومنها: أن قول ورواية الأكثر أقوى في الظن وأبعد عن الخطأ وأقرب إلى الصواب من رواية وقول الأقل، وتقديم الأرجح والأغلب في الظن متعين (^٣).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-117> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nاعتمد هذه القاعدة أئمة التفسير، فنصوا عليها، ورجحوا بها، فكثيرا ما يذكرها ويرجح بها إمام المفسرين ابن جرير الطبري، ويعرف هذا عنده بالإجماع، فيقول أولى الأقوال ما أجمع عليه أهل التأويل (^٤).\nويرد القول المخالف لها بقوله: وهذا قول خلاف لقول أهل التأويل، وحسبه من الدلالة على فساده خروجه عن قول جميعهم (^٥).\n_________\n(^١) هو: محمد بن مسلمة بن سلمه الأنصاري الأوسي، شهد بدرا والمشاهد كان ممن اعتزل الفتنة فلم يحضر الجمل ولا صفين، قال عنه النبي ﷺ «لا تضره الفتنة». توفي سنة ثلاث وأربعين. سير أعلام النبلاء (٢/ ٣٦٩).\n(^٢) أخرجه أبو داود، كتاب الفرائض، باب في الجدة (٣/ ١٢١)، والترمذي، كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث الجدة (٤/ ٣٦٥). وابن ماجه، كتاب الفرائض، باب ميراث الجدة (٢/ ٩٠٩)، ومالك في الموطأ، كتاب الفرائض، حديث رقم (٤)، وضعفه الألباني في الإرواء حديث رقم (١٦٨٠).\n(^٣) انظر العدة لأبي يعلى (٣/ ١٠١٩)، والتمهيد لأبي الخطاب (٣/ ٢٠٤)، والروضة مع شرحها لبدران (٢/ ٤٥٨).\n(^٤) انظر على سبيل المثال جامع البيان (١/ ٥٥٢)، (٢/ ٥٩٠)، (١٢/ ١٤٧)، (١٣/ ١١٩)، (١٥/ ٧٦)، (١٦/ ١٥١، ١٨٣)، (٢٦/ ١٨٢).\n(^٥) جامع البيان (١٣/ ١٢٢)، تحقيق شاكر (١٦/ ٣٨٤).","vol":"1","page":261},{"text":"وأحيانا يقول: وما جاء به المنفرد فغير جائز الاعتراض به على ما جاءت به الجماعة التي تقوم بها الحجة نقلا، وقولا، وعملا (^١).\nومذهب الإمام الطبري في الإجماع معروف عند الأصوليين، فهو يرى انعقاد الإجماع مع مخالفة الواحد والاثنين - ووافقه على هذا آخرون (^٢) - لأنه يندر إصابة الواحد والاثنين وخطأ الباقين. وهذه المسألة مدونة في كتب الأصول (^٣).\nونص على هذه القاعدة ابن جزي الكلبي في وجوه الترجيح التي سردها في مقدمة تفسيره. قال: الثالث: أن يكون قول الجمهور وأكثر المفسرين، فإن كثرة القائلين بالقول يقتضي ترجيحه. اهـ (^٤) وطبّق ذلك عمليا في كتابه (^٥).\nورجح بها جماعة من المفسرين منهم ابن عطية (^٦)، والرازي (^٧)، والقرطبي (^٨)، والألوسي (^٩)، والشنقيطي (^١٠)، وغيرهم عليهم - رحمة الله -.\nقال العلاّمة الشنقيطي: وقد تقرر في الأصول أن كثرة الرواة من المرجحات، وكذلك\n_________\n(^١) جامع البيان (١/ ٤٠٨).\n(^٢) منهم أبو بكر الرازي الحنفي، وابن حمدان، وبعض المالكية، وبعض المعتزلة، وحكاه الآمدي في الإحكام (١/ ٢٩٤) رواية عن الإمام أحمد. وقال أبو يعلى في العدة (٤/ ١١١٨) أومأ إليه أحمد. وكذا قال ابن قدامة في الروضة (١/ ٣٥٨).\n(^٣) انظرها في المنخول ص ٣١١، والإحكام للآمدي (١/ ٢٩٤)، والروضة مع شرحها لبدران (١/ ٣٥٨)، والتحصيل من المحصول (٢/ ٧٥)، والمسودة ص ٣٢٩، وشرح تنقيح الفصول ص ٣٣٦، وشرح الكوكب (٢/ ٢٢٩)، وإرشاد الفحول ص ١٦٠.\n(^٤) التسهيل (١/ ٩).\n(^٥) انظر التسهيل (٢/ ٩٢)، وانظر ابن جزي ومنهجه في التفسير (٢/ ٨٤٦).\n(^٦) انظر المحرر الوجيز (٤/ ١٢٤).\n(^٧) انظر مفاتيح الغيب (١٠/ ٢٣).\n(^٨) انظر الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٥٤).\n(^٩) انظر روح المعاني (٣/ ٨٤)، و(٢٩/ ١٠٧).\n(^١٠) انظر أضواء البيان (١/ ٣٨٥)، و(٧/ ٦٠٣).","vol":"1","page":262},{"text":"كثرة الأدلة، كما عقده في مراقي السعود في مبحث الترجيح باعتبار حال المروي:\nوكثرة الدليل والرواية … مرجح لدى ذوي الدراية\nوالقول بعدم الترجيح بالكثرة ضعيف. اهـ (^١).\nوكذلك هي من وجوه الترجيح بين الأحاديث المختلفة عند علماء الحديث كما هو مسطر في علوم الحديث (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-118> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nمن أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ (٦٥) [البقرة: ٦٥].\nذهب عامة المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى أن المسخ في هذه الآية كان مسخا حقيقيا معنويا وصوريا. مسخت قلوبهم ومسخت صورهم قردة.\nروي هذا من طرق عن ابن عباس، وقتادة، والسدّي، وغيرهم، وهو قول عامّة المفسرين بعدهم.\nوذهب مجاهد إلى أن المسخ كان معنويا لا صوريا، مسخت قلوبهم، ولم يمخسوا قردة، وإنما مثل ضربه الله لهم مثل ما ضرب مثل الحمار يحمل أسفارا (^٣).\n_________\n(^١) أضواء البيان (١/ ٢٩٨)، وانظر البيت وشرحه في نشر البنود على مراقي السعود (٢/ ٢٨٤).\nوالقول بعدم الترجيح بالكثرة قول أكثر الحنفية، انظر كشف الأسرار (٣/ ٢٠٧)، وقواعد في علوم الحديث للتهانوي ص ٢٩٤، ٢٩٧ وانظر مسألة الترجيح بالكثرة في العدة لأبي يعلى (٣/ ١٠١٩)، والمنخول ص ٤٣٠، والتمهيد لأبي الخطاب (٣/ ٢٠٢)، وروضة الناظر مع شرحها (٢/ ٤٥٨)، والتحصيل من المحصول (٢/ ٢٧٠)، وشرح تنقيح الفصول ص ٤٢٢، والمسودة ص ٣٠٥، والبحر المحيط للزركشي (٦/ ١٥٠ - ١٧٨)، وإرشاد الفحول ص ٤٦١، ٤٦٥.\n(^٢) انظر الكفاية للخطيب ص ٤٧٦، والاعتبار للحازمي ص ٥٩، والتبصرة والتذكرة للعراقي (٢/ ٣٠٣)، وتدريب الراوي (٢/ ١٧٧).\n(^٣) انظر الروايات عنهم في جامع البيان (١/ ٣٢٩ - ٣٣٢)، وتفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم (١/ ٢٠٩).","vol":"1","page":263},{"text":"وهذا القول من مجاهد قول غريب (^١)، خالف فيه عامّة المفسرين، قال القرطبي - بعد أن ذكر قول مجاهد: ولم يقله غيره من المفسرين فيما أعلم. اهـ (^٢).\nوقد ردّ هذا القول أهل التحقيق؛ لأجل مخالفته لقول عامّة المفسرين، وللظاهر من السياق في هذا المقام وفي غيره، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠] (^٣).\nقال الإمام الطبري - في معرض ردّه لقول مجاهد:\nقال أبو جعفر: وهذا القول الذي قاله مجاهد، قول لظاهر ما دلّ عليه كتاب الله مخالف. وذلك أن الله أخبر في كتابه أنه جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، كما أخبر عنهم أنهم قالوا لنبيهم: ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، وأن الله - تعالى ذكره - أصعقهم عند مسألتهم ذلك ربّهم، وأنهم عبدوا العجل فجعل توبتهم قتل أنفسهم، وأنهم أمروا بدخول الأرض المقدسة فقالوا لنبيهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ (٢٤) [المائدة: ٢٤] فابتلاهم بالتيه. فسواء قائل قال: هم لم يمسخهم قردة، وقد أخبر جل ذكره أنه جعل منهم قردة وخنازير - وآخر قال: لم يكن شيء مما أخبر الله عن بني إسرائيل أنه كان منهم - من الخلاف على أنبيائهم، والنكال والعقوبات التي أحلها الله بهم. ومن أنكر شيئا من ذلك وأقر بآخر منه، سئل البرهان على قوله، وعورض - فيما أنكر من ذلك - بما أقر به. ثم يسأل الفرق من خبر مستفيض أو أثر صحيح.\nهذا مع خلاف قول مجاهد قول جميع الحجة التي لا يجوز عليها الخطأ والكذب فيما نقلته مجمعة عليه. وكفى دليلا على فساد قول، إجماعها على تخطئته. اهـ (^٤).\n_________\n(^١) انظر غرائب التفسير وعجائب التأويل (١/ ١٤٥).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (١/ ٤٤٣)، وانظر زاد المسير (١/ ٩٥).\n(^٣) تفسير ابن كثير (١/ ١٥١)، وانظر روح المعاني (١/ ٢٨٣).\n(^٤) جامع البيان (٢/ ١٧٣) تحقيق: شاكر. -","vol":"1","page":264},{"text":"\n_________\n=* ونظائر هذا المثال كثيرة جدا انظر جملة منها في:\nجامع البيان (١/ ٧٥، ١٢٦، ١٧٢، ٢٧٤، ٤٦٧، ٥٥٢)، و(٢/ ١٤١، ٢٩٣، ٥٩٠)، و(٧/ ٦٢)، و(١٢/ ١٤٧)، و(١٣/ ١١٩، ١٢٢)، و(١٥/ ٧٦)، و(١٦/ ١٨٣)، و(٢٦/ ١٢، ١٨٢)، و(٣٠/ ١٦٣، ١٦٩) والمحرر الوجيز (٤/ ١٢٤) والجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٥٤). وتفسير ابن كبير (٢/ ٩٠). وأضواء البيان (٤/ ٣٨٨)، و(٥/ ٧٤٠)، و(٦/ ٦٧٣)، و(٧/ ٦٠٣).","vol":"1","page":265},{"text":"<span data-type='title' id=toc-119>المبحث الثالث:\nقواعد الترجيح المتعلقة بالقرائن وفيه ثلاثة مطالب:</span>\nالمطلب الأول: قاعدة:\nالقول الذي تؤيده قرائن في السياق مرجّح على ما خالفه.\nالمطلب الثاني: قاعدة:\nالقول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على ما عدم ذلك.\nالمطلب الثالث: قاعدة:\nالقول الذي يعظّم مقام النبوة ولا ينسب إليها ما لا يليق بها أولى بتفسيرالآية.\nوقاعدة:\nكل قول طعن في عصمة النبوة ومقام الرسالة فهو مردود.","vol":"1","page":267},{"text":"<span data-type='title' id=toc-120>المطلب الأول:\nقاعدة: القول الذي تؤيده قرائن في السياق مرجّح على ما خالفه</span>\n*<span data-type='title' id=toc-121> صورة القاعدة:</span>\nإذا تنازع العلماء في تفسيرآية من كتاب الله، وكان في السياق قرينة - إما لفظة، أو جملة، أو غيرها - تؤيد أحد الأقوال المقولة في الآية، فالقول الذي تؤيده القرينة أولى الأقوال بتفسيرالآية. فإن تنازع المثال قرينتان، كل قرينة تؤيد قولا، رجّح القول الذي تؤيده أرجح القرينتين وأقواهما (^١).\nوالقرينة هي: ما يوضح المراد لا بالوضع، بل تؤخذ من لا حق الكلام الدال على خصوص المقصود، أو سابقه (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-122> أدلة القاعدة:</span>\n١ - منها قول الله - تعالى - عن شاهد يوسف: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ ﴿(٢٦) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ﴾ ﴿وَهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿(٢٧) فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ﴾ ﴿﴾\n﴿كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ (٢٨) [يوسف: ٢٦ - ٢٧ - ٢٨].\nفي هذه الآية الكريمة أقر الله فيها حكم شاهد يوسف - ﵇ - حين حكم بحكمه اعتمادا على قرائن الحال وهي «قد القميص» فجعل قده من قبل قرينة على أنه كان مقبلا عليها فيكون هو المراود لها وتكون هي صادقة في دعواها. وإن كان القدّ من دبر فهذه قرينة تدل على أنه كان موليا مدبرا عنها فتكون هي المراودة، ويكون هو صادقا في دعواه، فاستحق يوسف البراءة عند سيده بهذا الحكم المبني على القرائن،\n_________\n(^١) انظر المثال الثاني من أمثلة هذه القاعدة لترى تنازع القرينتين وترجيح أقواهما.\n(^٢) انظر الكليات للكفوي ص ٧٣٤.","vol":"1","page":269},{"text":"مما يدل على صحة اعتماد القرائن في الترجيح بين الأقوال وتصحيح الصحيح منها في الأحكام والدعاوى، وكذا هو في تفسير وفهم كتاب الله.\n٢ - ومنها: حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول الله ﷺ قال: «كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك. فتحاكمتا إلى داود - ﵇ - فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود - ﵉ - فأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما. فقالت الصغرى: لا تفعل - يرحمك الله - هو ابنها، فقضى به للصغرى» (^١).\nفترى في هذا الحديث الصحيح حكم سليمان بن داود - ﵇ - وتصحّيحه لدعوى الصغرى وذلك اعتمادا على القرينة التي استنبطها من حالهما، فإشفاق الصغرى على المولود وتنازلها عنه مقابل بقائه حيا، يدل على إشفاق الأمومة الحانية، فإن الأم ترضى ببقاء ابنها حيا ولو كان عند غيرها - كما فعلت أم موسى - ﵇ - أما الأخرى فهي إما أن تظفر به أو يموت حتى تستويا في المصاب (^٢).\nفهذا الحكم من هذا النبي الكريم بتصحيحه قول الصغرى وإعطائها المولود يدل على اعتماد القرائن في تصحيح أقوال وتضعيف أخرى على حسب ما تقضي به القرينة.\n\n*<span data-type='title' id=toc-123> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nاعتمد هذه القاعدة أئمة التفسير وغيرهم، ونص بعضهم على مضمونها ورجح بها، ورجح بها آخرون دون التنصيص عليها، وكل معتمد لها في الترجيح. فمن هؤلاء الأئمة:\n١ - إمام أهل السنة أحمد بن حنبل: فقد اعتبر قرائن السياق في فهم خطاب الله - تعالى -.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الفرائض، باب إذا ادعت المرأة ابنا، حديث (٦٧٦٩)، انظر الصحيح مع الفتح (١٢/ ٥٦) ومسلم، كتاب الأقضية حديث رقم (٢٠).\n(^٢) انظر فتح الباري (٦/ ٥٣٦).","vol":"1","page":270},{"text":"نقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن القاضي أبي يعلى (^١) قوله: وقد اعتبر أحمد القرائن\nفقال في قوله تعالى: ﴿ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] قال: المراد به علم الله، لأن الله افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم. اهـ (^٢).\n٢ - ومنهم إمام المفسرين ابن جرير الطبري: ففي معرض ترجيحه بهذه القاعدة في تفسير قوله تعالى: ﴿كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ [الأنبياء: ٣٠]، قال: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا من المطر والنبات، ففتقنا السماء بالغيث، والأرض بالنبات. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في ذلك لدلالة قوله: ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾\n[الأنبياء: ٣٠] على ذلك، وأنه - جلّ ثناؤه - لم يعقب ذلك بوصف الماء بهذه الصفة إلا والذي تقدمه من ذكر أسبابه. اهـ (^٣).\n٣ - ومنهم البغوي (^٤): فقد اعتمدها ورجح بها (^٥).\n_________\n(^١) هو شيخ الحنابلة محمد بن الحسين بن محمد البغدادي، صاحب التصانيف المفيدة في المذهب، أفتى ودرس وإليه انتهت الإمامة في الفقه مع معرفة بعلوم القرآن وتفسيره، توفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. سير أعلام النبلاء (١٨/ ٨٩).\n(^٢) نقض أساس التقديس مخطوط ج ٣ لوحة ٧ /ب، مصور في جامعة الملك سعود رقم (٥٥١/ ١).\nتنبيه: لا يفهم من كلام الإمام أحمد أنه صرف اللفظ عن ظاهره، لأنه ليس ظاهر المعية ومقتضاها أن تكون، ذات الرب مختلطة بالخلق. وذلك أن كلمة «مع» في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة من غير وجود مماسة أو محاذاة، فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى. انظر مجموع فتاوى ابن تيمية (٥/ ١٠٣ - ١٠٤) و(٦/ ٢٢).\n(^٣) جامع البيان (١٧/ ١٩) وانظر نحو هذا الترجيح في (٣/ ١٢٩) و(٩/ ١٢٩ - ١٦١) و(١٦/ ٩٩) منه، وفي الأمثلة التطبيقية على القاعدة أمثلة كثيرة.\n(^٤) هو: الحسين بن مسعود بن محمد البغوي، محيي السنة، أبو محمد، كان إماما في التفسير، والحديث، والفقه، مات سنة ست عشرة وخمسمائة. سير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٣٩) وطبقات المفسرين (١/ ١٦١).\n(^٥) معالم التنزيل (٦/ ٣٥٦).","vol":"1","page":271},{"text":"٤ - ومنهم ابن عطية: قال - في معرض ترجيحه بهذه القاعدة -:\nوهذا قول يردّه قوله: «في قلوبهم». اهـ (^١).\n٥ - ومنهم الرازي: قال - في معرض ترجيحه بهذه القاعدة: الحجة الخامسة قوله تعالى: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا﴾ [آل عمران: ٧] يعني أنهم آمنوا بما عرفوه على التفصيل، وبما لم يعرفوا تفصيله وتأويله، فلو كانوا عالمين بالتفصيل في الكل لم يبق لهذا الكلام فائدة. اهـ (^٢).\n٦ - ومنهم القرطبي: قال في تفسير قوله تعالى: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتَ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، اختلف في القائل فقيل: الله - ﷿ - … وقيل: سمع هاتفا من السماء\nوقيل: خاطبه جبريل. -[وقيل غير ذلك]. قلت: - القائل القرطبي - والأظهر أن القائل هو الله - تعالى -، لقوله: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا﴾ [البقرة: ٢٥٩]. اهـ (^٣).\n٧ - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيميه: فقد قرر هذه القاعدة أتم تقرير، قال - في معرض كلامه على مذاهب نفاه الصفات ومثبتيها: إذا تنازع النفاة والمثبتة في صفة ودلالة نصت عليها، يريد المريد أن يجعل ذلك اللفظ - حيث ورد - دالا على الصفة ظاهرا فيها. ثم يقول النافي: وهناك لم تدل على الصفة فلا تدل هنا. وقد يقول بعض المثبتة: دلت هنا على الصفة فتكون دالة هناك، بل لما رأوا بعض النصوص تدل على الصفة، جعلوا كل آية فيها ما يتوهمون أنه يضاف إلى الله - تعالى - إضافة صفة - من آيات الصفات، كقوله تعالى: ﴿فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ [الزمر: ٥٦] وهذا يقع فيه طوائف من المثبتة والنفاة، وهذا من أكبر الغلط، فإن الدلالة في كل موضع\n_________\n(^١) المحرر الوجيز (١/ ٢٩٥)، وانظر نحو هذا الترجيح بهذه القاعدة في (١/ ١٥٨) و(٢/ ١٧) و(٤/ ٩٩) منه.\n(^٢) مفاتيح الغيب (٧/ ١٩٢).\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٩١).","vol":"1","page":272},{"text":"بحسب سياقه، وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية. اهـ (^١).\n٨ - ومنهم أبو حيان: قال - في معرض ترجيحه لأحد الأقوال -: ولأن الله مدح الراسخين في العلم بأنهم قالوا «آمنا به» ولو كانوا عالمين بتأويل المتشابه على التفصيل لما كان في الإيمان به مدح، لأن من علم شيئا على التفصيل لا بد أن يؤمن به. اهـ (^٢).\n٩ - ومنهم الحافظ ابن كثير: قال - في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾\n[الملك: ١٤]-: أي: ألا يعلم الخالق، وقيل: معناه: ألا يعلم الله مخلوقه؟ والأول أولى لقوله: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١٤) [الملك: ١٤]. اهـ (^٣).\n١٠ - ومنهم العلامة ابن القيم: ففي معرض ترجيحه بهذه القاعدة، قال - معلقا على قول من قال في تفسير قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]، إنه مثل للمنافقين وما يوقدونه من نار الفتنة التي يوقعونها بين أهل الإسلام -: وهذا التقدير - وإن كان حقا - ففي كونه مرادا بالآية نظر، فإن السياق إنما قصد لغيره، ويأباه قوله تعالى: ﴿فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾ [البقرة: ١٧] وموقد نار الحرب لا يضيء ما حوله أبدا، ويأباه قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ وموقد نار الحرب لا نور له، ويأباه قوله تعالى: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ (١٧) [البقرة: ١٧]. اهـ (^٤).\n١١ - ومنهم العلامة محمد الأمين الشنقيطي: قال مقررا هذه القاعدة في مقدمة كتابه: ومن أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أن يقول بعض العلماء في الآية قولا، ويكون في نفس الآية قرينة تدل على بطلان ذلك القول. اهـ (^٥).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٦/ ١٤).\n(^٢) البحر المحيط (٣/ ٢٨).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم (٨/ ٢٠٦). تكون «من» على القول الأول فاعلا، وعلى القول الثاني مفعولا.\n(^٤) التفسير القيم ص ١١٧ - ١١٨.\n(^٥) أضواء البيان (١/ ٧٥)، وانظر نحو هذا التقرير والترجيح بها في المرجع نفسه (١/ ١٤١ - ٣٣١) و(٦/ ٧١ - ٥٨٠).","vol":"1","page":273},{"text":"وطبق ذلك عمليا في كتابه في مواضع كثيرة جدا، سوف ترى - بإذن الله - جملة وافرة منها في الأمثلة التطبيقية على هذه القاعدة.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-124> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\n١ - منها: ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧].\nاختلف المفسرون في الذي أخفاه النبي ﷺ في نفسه.\nفقيل: هو وقوع زينب (^١) في قلبه ومحبته لها وهي في عصمة زيد (^٢)، وكان حريصا على أن يطلقها زيد فيتزوجها هو. ومستندهم في ذلك روايات عن قتادة (^٣)، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم مضمونها، أن النبي ﷺ أتى زيدا ذات يوم لحاجة، فأبصر زينب فوقعت في قلبه وأعجبه حسنها فقال: «سبحان الله مقلب القلوب وانصرف».\nوتناقل هذه الروايات كثير من المفسرين.\nوقال أهل التحقيق: إن الذي أخفاه النبي ﷺ هو زواجه من زينب بعد أن يطلقها زيد. فعاتبه الله على قوله لزيد: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ بعد أن أعلمه الله أنها ستكون زوجه، وأنه ما فعل ذلك إلا خشية أن يقول الناس تزوج امرأة ابنه.\n_________\n(^١) زينب بت جحش الأسدية، أم المؤمنين، تزوجها النبي ﷺ سنة ثلاث، وقيل خمس، وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة، ماتت سنة عشرين. انظر الإصابة (٨/ ٩٢).\n(^٢) زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، وكان يدعى زيد بن محمد حتى نزلت اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ لم يسم الله في كتابه صحابيا باسمه إلا زيد بن حارثة. استشهد في غزوة مؤتة وهو أمير الجيش سنة ثمان. الإصابة (٣/ ٢٤).\n(^٣) هو: ابن دعامة السدوسي، الحافظ العلامة، المفسر، كان ضريرا، ولا يسمع شيئا إلا حفظه روى «تفسيره» عن شيبان بن عبد الرحمن التميمي، مات بالطاعون في سنة ثماني عشرة ومائة وقيل غير ذلك. سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٩٦) وطبقات المفسرين (٢/ ٤٧).","vol":"1","page":274},{"text":"وهذا القول مروي عن علي بن الحسين زين العابدين (^١). والسّديّ (^٢).\nوهذه القاعدة التي نحن بصدد التمثيل لها تصحح القول الثاني وترد القول الأول.\nووجه ذلك أن في الآية قرينة تدل على صحة القول الثاني وهي أن الله - تعالى - عاتب النبي ﷺ لإخفائه في نفسه ما الله مبديه، والذي أبداه الله هو زواجه من زينب، ولم يبد حبّ النبي ﷺ وشغفه بزينب، وذلك قوله بعدها: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ [الأحزاب: ٣٧]. فهذه قرينة واضحة الدلالة على صحة ما قاله المحققون، ومبطلة لما ادعي من حبه ﷺ لها، وقد رجح ما رجحته القاعدة جماعة من أئمة المفسرين وأهل التحقيق.\nقال الإمام البغوي بعد أن ذكر قول علي بن الحسين السابق:\nوهذا هو الأولى والأليق بحال الأنبياء، وهو مطابق للتلاوة؛ لأن الله علم أنه يبدي ويظهر ما أخفاه ولم يظهر غير تزويجها منه فقال: ﴿زَوَّجْناكَها﴾ فلو كان الذي أضمره رسول الله ﷺ محبتها أو إرادة طلاقها لكان يظهر ذلك، لأنه لا يجوز أن يخبر أنه يظهره ثم يكتمه فلا يظهره، فدل على أنه إنما عوتب على إخفاء ما أعلمه الله أنها ستكون زوجة له. اهـ (^٣).\n_________\n(^١) هو: ابن أمير المؤمنين علي بي أبي طالب الهاشمي، حدّث عن أبيه، وعن جده مرسلا، كان عابدا زاهدا، قال لأهل العراق: يا أهل العراق أحبونا حب الإسلام ولا تحبونا حب الأصنام … مات سنة أربع وتسعين وقيل غير ذلك. سير أعلام النبلاء (٤/ ٣٨٦).\n(^٢) هو: إسماعيل بن عبد الرحمن بن كريمة، الإمام المفسر، أبو محمد، أحد موالي قريش، صاحب التفسير، حدّث عن أنس وابن عباس، وغيرهما مات سنة سبع وعشرين ومائة. انظر سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٦٤)، وطبقات المفسرين (١/ ١١٠).\nانظر الروايات في جامع البيان (١٢/ ١٣) ومعالم التنزيل (٦/ ٣٥٤) وما بعدها، وذكرها الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ٣٨٤) وعزاها إلى ابن أبى حاتم، وقال: وتفسير السدي أوضح سياقا وأصح إسنادا -[يعني أصح اسنادا من رواية زين العابدين]- ووردت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم والطبري ونقلها كثير من المفسرين لا ينبغي التشاغل بها. اهـ يقصد الآثار عن قتادة وعبد الرحمن بن زيد.\n(^٣) معالم التنزيل (٦/ ٣٥٦).","vol":"1","page":275},{"text":"وصحح هذا القول القاضي عياض (^١)، وأبو بكر بن العربي (^٢)، والقرطبي (^٣)، وأبو حيان (^٤)، وابن كثير (^٥)، وابن حجر (^٦)، والشنقيطي وغيرهم - عليهم رحمة الله جميعا -.\nقال الشنقيطي في تفسيرالآية: فإنه هنا أبهم هذا الذي أخفاه ﷺ في نفسه وأبداه الله، ولكنه أشار إلى أن المراد به زواجه زينب بنت جحش حيث أوحى إليه ذلك وهي في ذلك الوقت تحت زيد بن حارثة؛ لأن زواجه إياها هو الذي أبداه الله بقوله:\n﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ وهذا هو التحقيق في معنى الآية الذي دل عليه القرآن وهو اللائق بجنابه ﷺ وبه تعلم أن ما يقوله كثير من المفسرين من أن ما أخفاه في نفسه وأبداه الله، وقوع زينب في قلبه ومحبته لها وهي تحت زيد وأنها سمعته قال: «سبحان مقلب القلوب» إلى آخر القصة فإنه كله لا صحة له، والدليل\n_________\n(^١) انظر الشفا (٢/ ٨٧٩ - ٨٨٢) ونسب هذا القول إلى الزهري.\nوالقاضي عياض هو: الإمام الحافظ شيخ الإسلام أبو الفضل عياض بن موسى بن عياش اليحصبي الأندلسي استبحر من العلوم، وجمع وألف، وسارت بتصانيفه الركبان، واشتهر اسمه في الآفاق، توفي سنة أربع وأربعين وخمسمائة. سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٢١٢).\n(^٢) انظر أحكام القرآن (٣/ ٥٧٧) وأبو بكر بن العربي هو: محمد بن عبد الله بن محمد الأندلسي، الإمام الحافظ، صاحب التصانيف، ألف «أنوار الفجر في التفسير» ثمانين ألف ورقة، في عشرين سنة، كان موجودا في خزانة ملك مراكش في منتصف القرن الثامن. توفي سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة.\nسير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٩٧) وطبقات المفسرين (٢/ ١٦٧).\n(^٣) انظر الجامع لأحكام القرآن (١٤/ ١٩٠).\n(^٤) انظر البحر المحيط (٨/ ٤٨٢).\n(^٥) انظر تفسير القرآن العظيم (٦/ ٤٢٠).\n(^٦) انظر فتح الباري (٨/ ٣٨٤) وابن حجر هو: شيخ الإسلام وأمير المؤمنين في الحديث، حافظ الإسلام في عصره، أحمد بن علي بن محمد العسقلاني الشهير بابن حجر، صاحب التصانيف المنيفة قال السخاوي. انتشرت مصنفاته في حياته وتهادتها الملوك وكتبها الأكابر، توفي سنة اثنتين وخمسين وثمان مائة. الضوء اللامع (٢/ ٣٦)، وشذرات الذهب (٧/ ٢٧٠).","vol":"1","page":276},{"text":"عليه أن الله لم يبد من ذلك شيئا مع أنه صرح بأنه مبدي ما أخفاه رسوله ﷺ.\nاهـ (^١).\nوهذا ما أردت بيانه في هذا المثال على هذه القاعدة، وهو بيان وجه الترجيح بهذه القاعدة، وهناك أوجه أخرى تؤيد هذه القاعدة فيما قررته في هذا المثال.\nمنها: أن القول الأول فيه خدش لجانب العصمة النبوية، وتجاوز على مقام النبوة.\nوأن القول الثاني هو الذي يوافق جانب العصمة ومقام النبوة وذلك لما فيه من بيان وتشريع للأمة (^٢).\nومنها: أن هذه الروايات ضعيفة سندا ومتنا، بل هي ساقطة (^٣).\nومنها: أن النبي ﷺ كان يعرف زينب أتم المعرفة فهي بنت عمته، ولم يزل يراها منذ ولدت، ولا كان النساء يحتجبن منه ﷺ، وهو زوّجها لزيد، ولم تقع في قلبه، فكيف يتجدد له هوى لم يكن. حاشا لذلك القلب المطهر من هذه العلاقة الفاسدة (^٤).\n٢ - ومن أمثلة هذه القاعدة - أيضا -: ما روي عن الحسن البصري في تفسير قوله تعالى: ﴿* وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾ ﴿بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْبانًا﴾ [المائدة: ٢٧].\nقال: كان الرجلان اللذان في القرآن واللذان قال الله: ﴿* وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْبانًا﴾ من بني إسرائيل، ولم يكونا ابني آدم لصلبه، وإنما كان القربان في بني إسرائيل، وكان آدم أول من مات (^٥).\n_________\n(^١) أضواء البيان (١/ ٧٣) و(٦/ ٥٨٠).\n(^٢) انظر أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٥٧٧) والجامع لأحكام القرآن (١٤/ ١٩١) والبحر المحيط (٨/ ٤٨٢) و«مع المفسرين والمستشرقين في زواج النبي ﷺ بزينب بنت جحش» للدكتور زاهر الألمعي.\n(^٣) انظر أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٥٧٧) وتفسير ابن كثير (٦/ ٤٢٠) وفتح الباري (٨/ ٣٨٤).\n(^٤) انظر الشفا (٢/ ٨٨١) وأحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٥٧٧).\n(^٥) رواه الطبري بسنده عن الحسن في جامع البيان (٦/ ١٨٩).","vol":"1","page":277},{"text":"فلحظ الحسن قوله: ﴿قَرَّبا قُرْبانًا﴾ فكانت عنده قرينة تدل على صحة قوله؛ لأن القرابين إنما كانت في بني إسرائيل.\nوقال جماهير المفسرين: إن الابنين كانا لآدم من صلبه، وهو ظاهر التلاوة. ويؤيد قول الجمهور قرينة في السياق، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿فَبَعَثَ اللهُ غُرابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١] فإنها تدل على أن هذه الحادثة حدثت قبل أن يعلم الناس دفن الموتى، وذلك في عهد ابني آدم لصلبه (^١). فإذا نظرت إلى القولين وجدت تنازعا بين القرينتين في الترجيح، وبالنظر في القرينتين نجد أن القرينة التي استدل بها الحسن البصري قرينة ضعيفة، إذ العلم بأن القرابين كانت في بني إسرائيل لا يدل على أنها لم تعرف من قبل ذلك، هذا إذا كانت على المعنى العرفي وهو اسم للنّسيكة التي هي الذبيحة، أما على المعنى العام فلا حجة ولا قرينة لقول الحسن فيها، وذلك أن القربان عام في كل ما يتقرب به إلى الله (^٢)، وهذا هو الذي يظهر من سياق الآية.\nأما القرينة التي تؤيد قول الجمهور - وهي تعليم الغراب لأحدهما كيف يدفن الميت - فهي قرينة قوية على أن هذه الحادثة حدثت في العهد الأول إذ لم يعرف دفن الموتى، وهما أول أبناء آدم وجدوا على الأرض، فعدم العلم بالدفن عندهما مقطوع به، أما في بني إسرائيل فالدفن كان معروفا قطعا، نظرا لتوالي الموتى من أول الخليقة إلى عهدهم. فلا ينتقل من أمر مقطوع به إلى أمر محتمل لمجرد قرينة محتملة، فدلّ ذلك على صحة قول من قال هما ابنا آدم لصلبه، كما هو قول جماهير المفسرين (^٣).\n_________\n(^١) انظر أضواء البيان (١/ ٧٦) و(٢/ ٥٨).\n(^٢) قال المناوي في التوقيف ص ٥٧٨ القربان: ما يتقرب به إلى الله، ثم صار عرفا: اسما للنسيكة التي هي الذبيحة اهـ وانظر الكليات للكفوي ص ٧٣٣.\n(^٣) * ونظائر ذلك كثير جدا منها:\n١ - ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ [البقرة: ١٧]. انظر -","vol":"1","page":278},{"text":"\n_________\n= التفسير القيم ص ١١٧.\n٢ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: كُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [البقرة: ٢٨].\nانظر المحرر الوجيز (١/ ١٥٨).\n٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاّ أَمانِيَّ [البقرة: ٧٨].\nانظر أضواء البيان (١/ ١٤١).\n٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا [البقرة: ٩٣]. انظر أضواء البيان (١/ ١٤٣).\n٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى. وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [البقرة: ٩٣]. انظر المحرر الوجيز (١/ ٢٩٥).\n٦ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [البقرة: ١٥٠]. انظر المحرر الوجيز (٢/ ١٧).\n٧ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: ١٩٦]. انظر أضواء البيان (١/ ١٨٤).\n٨ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: قالَ كَمْ لَبِثْتَ [البقرة: ٢٥٩]. انظر الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٩١).\n٩ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا [البقرة: ٢٨٢] انظر جامع البيان (٣/ ١٢٩).\n١٠ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ [آل عمران: ٧]. انظر جامع البيان (٣/ ١٨٤)، ومفاتيح الغيب (٧/ ١٩٠ - ١٩٢)، والبحر المحيط (٣/ ٢٨)، وروح المعاني (٣/ ٨٤) وما بعدها وأضواء البيان (١/ ٣٣١ - ٣٣٢).\n١١ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا [النساء: ٣٢]. انظر المحرر الوجيز (٤/ ٩٩).\n١٢ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ [المائدة: ٩٥]. انظر أضواء البيان (٢/ ١٣٠).\n١٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا [الأنعام: ٢٧]. انظر المحرر الوجيز (٦/ ٣٢).\n١٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ [الأعراف: ١٧٦] انظر -","vol":"1","page":279},{"text":"\n_________\n= جامع البيان (٩/ ١٢٩).\n١٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) [الأعراف: ١٩٠] انظر أضواء البيان (٢/ ٣٤٠).\n١٦ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها [الأعراف: ٢٠٣].\nانظر جامع البيان (٩/ ١٦١).\nوانظر مزيدا من أمثلة هذه القاعدة في جامع البيان (٩/ ١٨٣) و(١٦/ ٩٩) و(١٧/ ١٩) و(١٨/ ٦٨ - ١٤٥) و(٢٣/ ١١).\nوفي المحرر الوجيز (٨/ ٥٨) و(١٠/ ٢٠).\nوفي تفسير ابن كثير (٨/ ٢٠٦).\nوفي أضواء البيان (٣/ ٣١٦، ٣٩١، ٦١٧) و(٤/ ٣٤، ٤٢، ٢٤٦، ٢٤٨، ٥٤٨، ٥٧٣، ٥٩٦) و(٥/ ٧٢٩، ٧٣٦) و(٦/ ٧١، ١٩٨، ٣٨٨، ٤١٦، ٤٤٢). وغيرها كثير.","vol":"1","page":280},{"text":"<span data-type='title' id=toc-125>المطلب الثاني:\nقاعدة: القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدّم على ما عدم ذلك</span>\n*<span data-type='title' id=toc-126> صورة القاعدة:</span>\nإذا تنازع العلماء في تفسيرآية من كتاب الله، وكان أحد الأقوال تؤيده آية أوآيات أخرى أو قراءة متواترة في نفس الآية -؛ لأنها بمثابة الآية (^١) - فهو أولى بحمل الآية عليه؛ لأن تأييد القرآن له يدل على صحته واستقامته. فإن تأيّد كل قول بآية أوآيات خرج الترجيح بينها عن هذه القاعدة ويطلب من قواعد أخرى (^٢).\nويدخل تحت هذه القاعدة ما إذا كانت الآيات تردّ أحد الأقوال، وتقضي ببطلان مقتضاه؛ وذلك لأنه إذا ردّ أحد الأقوال أو ضعّف ترجح القول الآخر أو انحصر الراجح في بقية الأقوال.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-127> أدلة القاعدة:</span>\n١ - من أدلة هذه القاعدة: ما وصف الله به آيات كتابه من التفصيل والإحكام، كقوله\n_________\n(^١) انظر الإشارة إلى الإيجاز ص ٢٢٠ والإتقان (١/ ٢٢٦ - ٢٢٧) وأضواء البيان (٢/ ٨).\n(^٢) مثل نزاع العلماء في المراد بالقرء في قوله: ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨]. هل هي الحيضات أو الأطهار؟ فالذين قالوا هي الحيضات أيدوا تفسيرهم هذا بقول الله تعالى: وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ [الطلاق: ٤] قالوا فترتيب العدة بالأشهر على عدم الحيض يدل على أن أصل العدة بالحيض، والأشهر بدل من الحيضات عند عدمها. وبقوله: وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ [البقرة: ٢٢٨] والذي خلق الله في أرحامهن الولد أو الحيض. وأما الذين قالوا هي الأطهار فأيدوا تفسيرهم هذا بقول الله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١]، قالوا عدتهن المأمور بطلاقهن لها، الطهر لا الحيض كما هو صريح الآية، انظر أضواء البيان (١/ ٢١٢).","vol":"1","page":281},{"text":"تعالى: ﴿وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٥٥) [الأنعام: ٥٥] وقوله تعالى: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٩٧) [الأنعام: ٩٧] وقوله تعالى:\n﴿وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ﴾ [الأعراف: ٥٢] وقوله تعالى: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (١) [هود: ١]، ونحوها من الآيات التي أخبر الله - تعالى - فيها عن تفصيل آيات كتابه، والتفصيل هو الإيضاح والبيان، مشتق من الفصل بمعنى التفريق بين الشيء وغيره بما يميزه (^١).\nوتفصيل الآيات تبيّنها وشرحها وإيضاح معانيها (^٢)، سواء كان هذا البيان والإيضاح من أول خطابه، فتكون معاني الآيات واضحة بينة ابتداء. أو كان هذا الإيضاح والبيان من آياته الأخرى؛ بأن أوضح بعضه بعضا، - وهذا هو مضمون هذه القاعدة - أو كان الإيضاح والبيان من النبي ﷺ - وسيأتي إن شاء الله.\n٢ - ولهذه القاعدة أصل في التفسير النبوي: فإن النبي ﷺ قد استعملها في تفسيره لبعض الآيات؛ ففسر القرآن بالقرآن، وصحح فهم الصحابة لآيات بمقتضى هذه القاعدة. كالذي جاء في حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: لمانزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شق ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله أينا لا يظلم نفسه؟ قال: «ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١٣) [لقمان: ١٣]» (^٣).\nفهذا الحديث وأمثاله أصل في تفسير القرآن بالقرآن، وأن الفهم إذا وافق القرآن فهو أولى من غيره، كما صحح النبي ﷺ فهم الصحابة بآية لقمان. ثم جاء الصحابة ومن بعدهم وطبقوا ذلك في تفسيرهم، ففسروا القرآن بالقرآن ما وجدوا إلى ذلك\n_________\n(^١) انظر التحرير والتنوير (١١/ ٣١٥).\n(^٢) انظر المحرر الوجيز (٦/ ٦١) والجامع لأحكام القرآن (٦/ ٤٣٦).\n(^٣) متفق عليه، وقد سبق تخريجه ص ١٩٥ من هذا الكتاب.","vol":"1","page":282},{"text":"سبيلا، على ما سيأتي في الأمثلة التطبيقية.\n٣ - إجماع العلماء: فقد أجمع العلماء على أن أشرف أنواع التفسير وأجلها تفسير كتاب الله بكتاب الله، إذ لا أحد أعلم بمعنى كلام الله من الله - جل وعلا - (^١).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-128> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nإن تفسير القرآن بالقرآن في طرق التفسير أشهر من أن يعزى إلى مصدر معين، واعتماد العلماء له مستفيض ومشتهر، من عهد النبي ﷺ ومرورا بالصحابة والتابعين إلى وقتنا هذا؛ لذلك فإن تتبع أقوالهم في اعتماده يطول جدا، وسوف أكتفي بذكر بعضها بما يكفي في تقرير القاعدة من وجه كونها ترجيحية، تأصيلا، أو تطبيقيا.\nفمن هؤلاء الأئمة:\n١ - أبيّ بن كعب (^٢) وعامة الصحابة: أخرج الطبري عن محمد بن كعب القرظي (^٣)\nقال: مرّ عمر بن الخطاب برجل يقرأ ﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ ..﴾. حتى بلغ ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] قال: وأخذ عمر بيده فقال: من أقرأك هذا؟ قال: أبيّ بن كعب، فقال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه، فلما جاءه قال عمر: أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا؟ قال: نعم. قال: أنت سمعتها من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. قال: لقد كنت أظنّ أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا، فقال أبيّ: بلى تصديق هذه الآية في أول سورة الجمعة ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣) [الجمعة: ٣]، وفي سورة الحشر: ﴿وَالَّذِينَ﴾\n_________\n(^١) أضواء البيان (١/ ٦٧) وانظر أصول التفسير وقواعده لخالد العك ص ٧٩.\n(^٢) أبيّ بن كعب بن قيس الأنصاري أبو المنذر سيد القراء، كان من أصحاب العقبة الثانية، وشهد بدرا والمشاهد، توفي سنة ثلاثين وقيل غير ذلك. الإصابة (١/ ١٦).\n(^٣) محمد بن كعب بن سليم القرظي المدني، كان أبوه من سبي بني قريظة ولم ينبت يومئذ. كان إماما من أوعية العلم، ومن أئمة التفسير، توفي سنة ثمان ومائة وقيل غير ذلك. سير أعلام النبلاء (٥/ ٦٥).","vol":"1","page":283},{"text":"﴿جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ﴾\n[الحشر: ١٠]، وفي الأنفال ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥] … إلى آخرالآية (^١).\nفكان اختلاف القراءة سبب الحادثة، ولكن عمر - ﵁ - أبان عن فهمه من قراءته، فأثبت أبيّ - ﵁ - صحة القراءة (^٢)، ثم تحول ليثبت عدم صحة المعنى الذي كان يفهمه عمر - ﵁ - من الآية، فاحتج عليه بهذه الآيات التي تلاها من سورة الجمعة، والحشر، والأنفال، مما يدل على اعتمادهم لمضمون هذه القاعدة في الترجيح بين الأقوال.\n٢ - وفي استنباط علي بن أبي طالب - ﵁ - أقل مدة الحمل من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] ومن قوله: ﴿* وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، واعتراضه بذلك على حكم عثمان ابن عفان - ﵁ - بالرجم على المرأة التي ولدت لستة أشهر، ونزول عثمان على رأيه (^٣) لأكبر دليل على اعتمادهم لما تقرر هذه القاعدة. وأمثال ذلك كثير سيأتي بعضه في الأمثلة على القاعدة.\n٣ - ومنهم الطبري: قال - في معرض ترجيحه لأحد الأقوال في تفسير ﴿واصِبٌ﴾ (٩) من قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ﴾ (٩) [الصافات: ٩]-: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من قال: معناه: دائم خالص، وذلك أن الله تعالى قال:\n﴿وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ [النحل: ٥٢] فمعلوم أنه لم يصفه بالإيلام والإيقاع وإنما وصفه\n_________\n(^١) جامع البيان (١١/ ٨).\n(^٢) ومراد أبيّ بن كعب - ﵁ - أن هذه الآيات التي استدل بها تدل على أن التابعين غير الأنصار، وأن الأنصار من السابقين الأولين. وكان فهم عمر - ﵁ - للآية على حسب ما كان يقرأ من رفع الأنصار وإسقاط الواو في وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ أي: اختصاص السبق بالمهاجرين. والأنصار هم التابعون بإحسان. انظر المحرر الوجيز (٨/ ٢٦٠) وروح المعاني (١١/ ٨).\n(^٣) انظر تفسير ابن كثير (٧/ ٢٦٤).","vol":"1","page":284},{"text":"بالثبات والخلوص. اهـ (^١).\n٤ - ومنهم مكي بن أبي طالب (^٢): قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] قال: أي وإن كنتم أيها الناس في شك من القرآن أنه ليس من عند الله فأتوا بسورة من مثل القرآن، وقيل:\nمن مثل محمد - ﷺ - … وقيل: من مثله: من التوراة والإنجيل، والاختيار عند الطبري من مثل القرآن في بيانه، دليله قوله تعالى في موضع آخر: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] ولا يحسن هنا إلا مثل القرآن، فحمل الآيتين على معنى واحد أولى. اهـ (^٣).\n٥ - ومنهم البغوي: - قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤]:\nواختلفوا في أن هذا الخطاب مع أي الملائكة، فقال بعضهم: مع الذين كانوا سكان الأرض والأصح أنه مع جميع الملائكة لقوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ (٣٠) [الحجر: ٣٠]. اهـ (^٤).\n٦ - ومنهم ابن عطية: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾\n[الأعراف: ١٥٠] ردّ قول من قال: كان ذلك ليسارّه فخشي هارون أن يتوهم الناظر إليهما أنه لغضب .. بقوله: وهذا ضعيف، والأول هو الصحيح -[أي من الغضب]- لقوله تعالى ﴿فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ (٩٤) [طه: ٩٤]. اهـ (^٥).\n_________\n(^١) جامع البيان (٢٣/ ٤٠).\n(^٢) مكي بن أبي طالب حمّوش القيسي أبو محمد، كان فقيها مقرئا أديبا، وغلب عليه علم القرآن، وكان من الراسخين فيه، توفي سنة سبع وأربعمائة الديباج المذهب (٢/ ٣٤٢) وطبقات المفسرين (٢/ ٣٣١).\n(^٣) الهداية إلى بلوغ النهاية مخطوط. بواسطة نقل د. أحمد حسن فرحات في «مكي وتفسير القرآن» ص ٢٣٤.\n(^٤) معالم التنزيل (١/ ٨١) وانظر «البغوي الفراء، وتفسير القرآن» للدكتور محمد إبراهيم شريف ص ٣١٩ - ٣٢١.\n(^٥) المحرر الوجيز (٧/ ١٦٨).","vol":"1","page":285},{"text":"٧ - ومنهم الرازي: قال - معللا اختياره لأحد الأقوال الذي تؤيده آية أخرى:\nفوجب أن يكون ههنا مفسرا بذلك؛ لأن تفسير كلام الله - تعالى - بكلام الله أقرب الطرق إلى الصدق والصواب. اهـ (^١).\n٨ - ومنهم العز بن عبد السلام: قال - في معرض بيانه ضروب التفسير والترجيح بينها: وقد يتردد بين محامل كثيرة يتساوى بعضها مع بعض، ويترجح بعضها على بعض، وأولى الأقوال ما دل عليه الكتاب في موضع آخر، أو السنة، أو إجماع الأمة .. اهـ (^٢).\n٩ - ثم جاء شيخ الإسلام ابن تيميه وقرر في مقدمته في أصول التفسير أن أصح طرق التفسير هي تفسير القرآن بالقرآن. فقال: إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن فما أجمل في مكان فإنه قد فسّر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر. اهـ (^٣).\n١٠ - ونص ابن جزيّ الكلبي على هذه القاعدة على أنها وجه من أوجه الترجيح عنده، فقال: وأمّا وجوه الترجيح فهي [اثنا] (^٤) عشر، الأول: تفسير بعض القرآن ببعض فإذا دل موضع من القرآن على المراد بموضع آخر حملناه عليه، ورجحنا القول بذلك على غيره من الأقوال. اهـ (^٥).\n١١ - وتميز ابن كثير في هذا الجانب، فهو يهتم بتفسير القرآن بالقرآن، ويرجح بين الأقوال بما تقضي به هذه القاعدة، ومدمن النظر في تفسيره يجد ذلك واضحا جليا، فمن ذلك قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (٢٦) [الحجر: ٢٦] بعد أن ذكر الخلاف في المراد بالصلصال قال: والظاهر أنه\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب (١٠/ ٤٢).\n(^٢) الإشارة إلى الإيجاز ص ٢٢٠.\n(^٣) مقدمة في أصول التفسير ص ٧٣.\n(^٤) كتبت في الأصل [اثني].\n(^٥) التسهيل (١/ ٩).","vol":"1","page":286},{"text":"كقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ﴾ (١٥) [الرحمن: ١٤ - ١٥] وتفسيرالآية بالآية أولى. اهـ (^١).\n١٢ - وللعلامة ابن الأمير الصنعاني (^٢) «مفاتح الرضوان في تفسير الذكر بالآثار والقرآن» (^٣). وهذا جانب من جوانب تطبيق هذه الطريقة في التفسير.\n١٣ - وختم هؤلاء الأئمة الذين اعتنوا بتفسير القرآن بالقرآن وطبقوا ذلك عمليا في تفسيرهم، وفي الترجيح بين أقوال من سلف بالقرآن، معتمدين هذه القاعدة، ختموا بالعلامة محمد الأمين الشنقيطي في كتابه العظيم «أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن»، والذي حدد مقاصده من تأليفه في مقدمته فقال: أولها: بيان القرآن بالقرآن لإجماع العلماء على أن أشرف أنواع التفسير وأجلها تفسير كتاب الله بكتاب الله؛ إذ لا أحد أعلم بمعنى كلام الله - جل وعلا - من الله - جل وعلا -. اهـ (^٤).\nوقدم لهذا الكتاب بمقدمة قيّمة في أنواع بيان القرآن بالقرآن، وقد استعمل هذه القاعدة كثيرا في الترجيح بين أقوال العلماء، وسترى - بإذن الله - في الأمثلة التطبيقية أمثلة ذلك.\nومضمون هذه القاعدة اعتمده الأصوليون في الترجيح بين الأدلة المتعارضة؛ بأن يكون أحد الدليلين موافقا لظاهر القرآن، فيقدم لأجل موافقته لآية أوآيات من كتاب الله (^٥).\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٤/ ٤٥١)، وانظر نحو ذلك فيه (٢/ ٥٧) و(٣/ ٢٨٦).\n(^٢) محمد بن إسماعيل بن صلاح الصنعاني، المعروف بالأمير، الإمام العلامة المجتهد صاحب التصانيف توفي في صنعاء سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف. الأعلام (٦/ ٣٨).\n(^٣) وقد حقق بعضه في رسالة علمية في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وبعض المخطوط مفقود.\nوعنوان الكتاب يغنى عن التنبيه على طريقته فيه.\n(^٤) أضواء البيان (١/ ٦٧).\n(^٥) انظر هذا الوجه من أوجه الترجيح في العدة لأبي يعلى (٣/ ١٠٤٦)، والمنخول ص ٤٣١، والبحر المحيط للزركشي (٦/ ١٧٥)، وشرح الكوكب المنير (٤/ ٦٩٤)، والتعارض والترجيح للبرزنجي (٢/ ٣٦٤) وغيرها من كتب الأصول في مبحث الترجيح الذي لا يعود إلى الإسناد والمتن (أي الذي يعود إلى أمور خارجة).","vol":"1","page":287},{"text":"فالترجيح بين أقوال المفسرين لأجل موافقة آية أوآيات لأحد الأقوال من باب أولى. بل يجب أن يرجح ذلك القول الموافق للقرآن إذا لم ينازعه وجه آخر مثله أو أقوى منه، لدلالة القرآن على صحته.\nوكذلك اعتمده المحدّثون كوجه من أوجه الترجيح عندهم بين الأحاديث المختلفة، كما هو مسطر في علوم الحديث (^١).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-129> مسألة: في تحرير مفهوم مصطلح «تفسير القرآن بالقرآن»:</span>\nيذكر العلماء «تفسير القرآن بالقرآن» على أنه من أنواع التفسير بالمأثور، وأنه أبلغ أنواع التفسير وأصحها، وما وجدت لأحد منهم عناية بتقرير حدّ وضابط واضح يضبط هذا النوع الذي استحق هذه الرتبة العظيمة في التفسير، وإنما هو كلام عام فيه وتطبيقات عليه لا يظهر منها تحديد دقيق له.\nوبعد طول تأمل في هذا المصطلح وأمثلته ظهر لي - والله تعالى أعلم - أن تفسير القرآن بالقرآن ينقسم إلى قسمين، أحدهما: توقيفي، لا اجتهاد فيه ولا نظر. والآخر:\nاجتهادي، يعتمد على قوة نظر المفسر وتجرده، في قربه من الصحة أو بعده عنها.\nفالقسم الأول: التوقيفي هو: «أن يكون في الكلام لبس وخفاء فيأتي بما يزيله ويفسره» (^٢)، إما بعده مباشرة، أو في موضع آخر وارد مورد البيان له.\nفمن أمثلة هذا القسم تفسير الهلوع في قوله تعالى: ﴿* إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ (١٩) [المعارج: ١٩] بقوله: ﴿إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ (٢١) [المعارج: ٢٠ - ٢١] وتفسير الطارق في قوله: ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطّارِقُ﴾ (٢) بقوله: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ (٣) [الطارق: ١ - ٣].\n_________\n(^١) انظر الاعتبار للحازمي ص ٧٩، والتبصرة والتذكرة للعراقي (٢/ ٣٠٤)، وتدريب الراوي (٢/ ١٨١)، وقواعد في علوم الحديث ص ٣٠٣.\n(^٢) معترك لأقران (١/ ٢٧٣).","vol":"1","page":288},{"text":"وتفسير أولياء الله في قوله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٦٢) بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٦٣) [يونس: ٦٢ - ٦٣].\nومثال ما فسر في موضع آخر قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النحل: ١١٨] وذلك في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦].\nوغير ذلك من الأمثلة (^١)، فهذا القسم ولا شك أنه أبلغ أنواع التفسير ولا قول لأحد معه، ومثله لا يختلف فيه، وهو الذي يصنّف من التفسير بالمأثور.\nوالقسم الثاني: الاجتهادي، وهو المعتمد على صحة النظر وقوة الاستنباط، وذلك بأن يحمل معنى آية على آية أخرى تكون مبينة وشارحة للآية الأولى، وهذا النوع منه المقبول ومنه المردود كأيّ اجتهاد في تفسيرآية، ولا اعتبار في قبوله بكونه فسّرت آية بأخرى، فكثيرا ما تجعل الآية أو لفظ منها نظيرا لما ليس مثله (^٢)، وقد يكون حمل\n_________\n(^١) انظر جملة منها في البرهان للزركشي (٢/ ١٨٦ - ١٩٦) و(٣/ ٣٦) ومعترك الأقران (١/ ٢٧٣).\n(^٢) كما يفعل أهل البدع والأهواء من المعتزلة ومن نحا نحوهم، فهم يقررون بدعهم، ويجعلون بعض الآيات نظائر بعض - وهي ليست كذلك - لتصحيح ما ذهبوا إليه. كمن جعل قوله تعالى: ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥] مثل قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعامًا [يسن: ٧١] والحق أن هذه الآية ليست مثل تلك؛ لأنه هنا أضاف الفعل إلى الأيدي فصار شبيها بقوله: بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ [الروم: ٤١] وهنا أضاف الفعل إليه فقال «لما خلقت» ثم قال «بيدي» وأيضا: فإنه هنا ذكر نفسه المقدسة بصيغة المفرد، وفي اليدين ذكر لفظ التثنية، كما في قوله:\nبَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ [المائدة: ٦٤]، وهناك أضاف الأيدي إلى صيغة الجمع، فصار كقوله. تَجْرِي بِأَعْيُنِنا [القمر: ١٤].\nوهذا في «الجمع» نظير قوله «بيده الملك» «بيده الخير» في «المفرد» فالله - ﷾ - يذكر نفسه تارة بصيغة المفرد مظهرا أو مضمرا، وتارة بصيغة الجمع كقوله: إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) -","vol":"1","page":289},{"text":"الآية على الأخرى اجتهادا مجردا خاليا من الهوى والبدعة؛ لكنه خلاف الراجح، لوجود معارض أقوى منه، واعتماد غيره بوجه من وجوه الترجيح (^١). إذا تقرر هذا، فالمعتبر في هذا هو صحة النظر، وقوة الاستنباط، والتجرد من كل هوى وبدعة، فإذا توفر هذا وسلم من المعارض الأقوى منه فهو مرجّح للقول الموافق له على ما خالفه من الأقوال، وهو مضمون هذه القاعدة.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-130> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\n١ - منها ما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦] اختلف المفسرون في قوله: ﴿هذا رَبِّي﴾ هل هو مقام نظر أو مناظرة؟ (^٢).\nفقال بعضهم: هو مقام نظر، كان إبراهيم - ﵇ - مسترشدا طالبا للتوحيد حتى وفقه الله وآتاه الرشد فلم يضرّه ذلك في حالة الاستدلال.\nوقال آخرون: بل هو مقام مناظرة لقومه، ليبين لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الأصنام.\nوهذا القول هو الحق الذي يدل عليه القرآن. كما في سورة مريم والأنبياء\n_________\n= [الفتح: ١]، وأمثال ذلك. ولا يذكر نفسه بصيغة التثنية قط؛ لأن صيغة الجمع تقتضي التعظيم الذي يستحقه، وربما تدل على معاني أسمائه. وأما صيغة التثنية فتدل على العدد المحصور وهو مقدس عن ذلك. انظر مجموع فتاوى ابن تيمية (٣/ ٤٥).\n(^١) من أمثلة ذلك قول ابن كثير (٦/ ٥٦١) - في تفسير قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ [يس: ٣٧]-: وزعم قتادة أنها كقوله تعالى: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ [الحج:\n٦١]، وقد ضعف ابن جرير قول قتادة، ههنا، وقال: إنما معني الإيلاج الأخذ من هذا في هذا، وليس هذا مرادا في هذه الآية، وهذا الذي قاله ابن جرير حق. اهـ تفسير ابن كبير (٦/ ٥٦١) وجامع البيان (٢٣/ ٥). وانظر من نظائر هذا في جامع البيان (٢٤/ ٤٨) و(٣٠/ ٥٥).\n(^٢) حكى القولين عامّة المفسرين، انظر على سبيل المثال جامع البيان (٧/ ٢٤٨) وما بعدها، ومعالم التنزيل (٣/ ١٦١)، وتفسير ابن كثير (٣/ ٢٨٥ - ٢٨٦).","vol":"1","page":290},{"text":"والشعراء وغيرها، فمجادلة إبراهيم لأبيه وقومه هي التي جاءت في القرآن، ولم يرد حرف واحد في القرآن أنه كان مشركا في زمن ما.\nوالقرآن أيضا يدل على بطلان القول الأول، الذي جعل إبراهيم مشركا بالله في فترة من الزمن وقت نظره سواء قبل أن يوحى إليه أو في صغره، وقد نفى الله - تعالى - عن إبراهيم الشرك، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٢٠) [النحل: ١٢٠] وقوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٢٣) [النحل: ١٢٣] وقوله.\n﴿قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا﴾ ﴿مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٦١) [الأنعام: ١٦١]، ونفي الكون الماضي يستغرق جميع الزمن الماضي، فثبت أنه لم يتقدم عليه شرك يوما ما (^١)، فكيف يصح أن يكون ناظرا وهو الذي زكّاه الله بكمال توحيده، ونفي الشرك عنه. مما يدل على بطلان القول الأول، وصحة القول الثاني حسب ما قررت هذه القاعدة، وهذا ما صححه أئمة التفسير ورجحوه، كالزجاج (^٢)، والنحاس (^٣)، وابن عطية (^٤)، وابن الجوزي (^٥)، والرازي (^٦)، وابن تيمية (^٧)، وأبي حيان (^٨)، وابن جزيّ (^٩)، وابن كثير (^١٠)، والألوسي (^١١) والقاسمي (^١٢)\n_________\n(^١) أضواء البيان (٢/ ٢٠١).\n(^٢) معاني القرآن وإعرابه (٢/ ٢٦٦ - ٢٦٨).\n(^٣) معاني القرآن (٢/ ٤٥٠ - ٤٥١).\n(^٤) المحرر الوجيز (٦/ ٩١).\n(^٥) زاد المسير (٣/ ٧٤).\n(^٦) مفاتيح الغيب (١٣/ ٥٠ - ٥٢).\n(^٧) مجموع الفتاوى (٦/ ٢٥٤).\n(^٨) البحر المحيط (٤/ ٥٦٥).\n(^٩) التسهيل (٢/ ١٤).\n(^١٠) تفسير القرآن العظيم (٣/ ٢٨٦).\n(^١١) روح المعاني (٧/ ١٩٩).\n(^١٢) محاسن التأويل (٦/ ٢٣٧٦) وما بعدها.","vol":"1","page":291},{"text":"والشنقيطي (^١) وغيرهم - عليهم رحمة الله -.\nويؤيد هذه القاعدة فيما قررته في هذا المثال، قاعدة «القول الذي تؤيده قرائن في السياق مرجّح على ما خالفه».\nوهذه القرائن هي أن السياق قد دلّ على أن إبراهيم - ﵇ - قد عرف ربّه قبل حدوث هذه القصة، وذلك في موضعين، أحدهما: إخبار الله عنه بأنه خاطب أباه ناهيا له عن عبادة الأصنام مقررا ضلال من فعل ذلك، في قوله: ﴿* وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنامًا آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٧٤) [الأنعام: ٧٤] (^٢) والآخر: ترتيب قوله تعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا﴾\n[الأنعام: ٧٦] الآيات «بالفاء» على قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (٧٥) [الأنعام: ٧٥] فدل علي أنه قال ذلك موقنا مناظرا ومحاجا لهم كما قال تعالى: ﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ [الأنعام: ٨٠] الآية، وقال: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] (^٣).\nويؤيد هذه القاعدة - أيضا - فيما رجحته في هذا المثال، عصمة النبوة فإن الأنبياء معصومون ممّا يخدش هذه العصمة، أو ينال من مقام النبوة، والشرك أعظمها، وما بعثوا إلا لنفي الشرك وتقرير التوحيد.\nقال السيوطي (^٤): والأنبياء معصومون من الشرك قبل النبوة، وبعدها إجماعا. اهـ (^٥).\n٢ - ومن أمثلة هذه القاعدة - أيضا - ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا﴾\n_________\n(^١) أضواء البيان (٢/ ٢٠١).\n(^٢) انظر مفاتيح الغيب (١٣/ ٥٠).\n(^٣) أضواء البيان (٢/ ٢٠١) وانظر مفاتيح الغيب (١٣/ ٥١).\n(^٤) هو: عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي، صاحب المؤلفات الفائقة النافعة، نشأ يتيما، واعتزل الناس في الأربعين من عمره واشتغل بالتأليف، توفي سنة إحدى عشرة وتسعمائة. شذرات الذهب (٨/ ٥١).\n(^٥) الإتقان (١/ ٢٥٢).","vol":"1","page":292},{"text":"﴿اِثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] اختلف المفسرون في تفسير هذه الآية.\nفقال ابن مسعود وابن عباس والضحاك وغيرهم: هي كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢٨) [البقرة: ٢٨] (^١) أي: المراد بالإماتتين في هذه الآية، الإماتة الأولى: كونهم في بطون أمهاتهم نطفا وعلقا ومضغا، قبل نفخ الروح فيهم، والإماتة الثانية: إماتتهم وصيرورتهم إلى قبورهم عند انقضاء آجالهم في دار الدنيا.\nوأن المراد بالإحياءتين، الإحياءة الأولى في دار الدنيا، والإحياء الثانية، البعث من القبور إلى الحساب والجزاء والخلود الأبدي إما في الجنة وإما في النار (^٢).\nوقال السدي: أميتوا في الدنيا ثم أحيوا في قبورهم فخوطبوا، ثم أميتوا ثم أحيوا يوم القيامة.\nوقال ابن زيد: خلقهم من ظهر آدم حين أخذ عليهم الميثاق، فلما أخذ عليهم الميثاق أماتهم، ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم، ثم أحياهم يوم القيامة (^٣).\nوأصح الأقوال وأولاها بتفسيرالآية قول ابن مسعود وابن عباس ومن تبعهما، وهو الذي تقرره هذه القاعدة، وذلك لموافقة قولهما لكتاب الله.\nوصحح هذا القول، وضعّف ما سواه أئمة التفسير، كالطبري (^٤) وابن عطية (^٥) وابن كثير والشنقيطي وغيرهم.\nقال ابن كثير - بعد أن ذكر قول ابن مسعود -: وهذا هو الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية.\n_________\n(^١) جامع البيان (٢٤/ ٤٧).\n(^٢) أضواء البيان (٧/ ٧٢).\n(^٣) جامع البيان (٢٤/ ٤٨) وتفسير ابن كثير (٧/ ١٢٣).\n(^٤) جامع البيان (١/ ١٨٩).\n(^٥) المحرر الوجيز (١٤/ ١١٩).","vol":"1","page":293},{"text":"وقال - معقبا على قول السدي وابن زيد -: وهذان القولان ضعيفان؛ لأنه يلزمهما على ما قالا ثلاث إحياءات وإماتات. والصحيح قول ابن مسعود وابن عباس ومن تابعهما. اهـ (^١).\nوقال الشنقيطي - بعد أن ذكر معنى قول ابن مسعود -: والدليل من القرآن على أن هذا القول في الآية هو التحقيق، أن الله صرح به واضحا في قوله جل وعلا:\n﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢٨) [البقرة: ٢٨] وبذلك تعلم أن ما سواه من الأقوال لا معوّل عليه. اهـ (^٢).\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٧/ ١٢٣).\n(^٢) أضواء البيان (٧/ ٧٢).\n* ونظائر هذين المثالين كثيرة جدا انظر جملة منها في:\nجامع البيان (٢/ ٥٦) و(١٣/ ١٨٩) و(٢٣/ ٤٠) و(٢٩/ ٢١)، وأضواء البيان (١/ ١٤٢، ٣٤٣، ٣٦٦، ٣٨١، ٣٨٢، ٣٩١) و(٢/ ١٨٠، ١٨٢) و(٣/ ٤٨٤، ١٤٤) و(٤/ ٤١، ٤٥) و(٥/ ٦٨٧) و(٦/ ٣٦١، ٤١٣) و(٧/ ٣٨١، ٧٣٧).","vol":"1","page":294},{"text":"<span data-type='title' id=toc-131>المطلب الثالث:\nقاعدة: القول الذي يعظم مقام النبوة ولا ينسب إليها ما لا يليق بها أولى بتفسيرالآية وقاعدة: كل قول طعن في عصمة النبوة ومقام الرسالة فهو مردود</span>\n*<span data-type='title' id=toc-132> صورة القاعدة:</span>\nيرد في تفسير بعض الآيات التي تتحدث عن قصص الأنبياء أو أعمالهم أو خطاب الله - تعالى - لهم، خلاف بين المفسرين في تفسيرها، وهذا الخلاف لا تخرج أقواله عن أربع صور.\nالأولى: أن يرد قول في تفسيرالآية فيه وصف نبي بأنه ترك أو فعل أمرا خلاف الأولى به.\nكالذي ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ﴾ (٣٣) [ص: ٣٣] بأنه عقر الخيل وضرب أعناقها (^١).\nالثانية: أن يرد قول في تفسيرالآية يفهم منه وصف النبي بما لا يليق بمقام النبوة ومنزلة الرسالة.\nوقد يصح توجيه هذا القول إلى معنى آخر ليس فيه ذلك، لكن هذا التوجيه ليس الظاهر والمتبادر إلى الذهن من القول.\nكما في المثال الأول من أمثلة هذه القاعدة.\nالثالثة: أن يذكر قول على أنه وجه في تفسيرالآية، لكنه متضمن للطعن في عصمة النبوة ومقام الرسالة، كأن يصف بعض الأنبياء بأوصاف ينزه عن مثلها\n_________\n(^١) انظر الأقوال واختيار الطبري في جامع البيان (٢٣/ ١٥٦).","vol":"1","page":295},{"text":"كل مؤمن فضلا عن نبي، أو يطعن في رسالته أو تبليغه لها، أو يلفّق له قصصا وحوادث تطعن في نبوته، كنسبتهم إلى الخنا والفحش أو الخديعة والمكر (^١).\nوذلك كما في المثال الثاني من أمثلة هذه القاعدة.\nالرابعة: ما سوى تلك الصور، والتي ليس فيها مما ذكر شيء، وهي متفقة مع عصمة النبوة وعظم مكان الرسالة، معظمة تلك الجوانب معتمدة على دلائل الكتاب والسنة وقواعد الشريعة، وسياق الآيات، وما صح من لغة العرب. فهذه الصورة أقوالها هي المعتمدة في تفسيرالآية بالنسبة للأقوال التي تندرج تحت الصور الثلاث السابقة.\nوأما الأقوال التي تندرج تحت الصورة الأولى والثانية، فالقاعدة الأولى هي التي تضعّفها وتقدم عليها أقوال الصورة الرابعة، وهذا التقديم لا يعني أنه يجب رد تلك الأقوال، ولوم من قالها أو من نقلها واعتمدها، كلا، وإنما هو تقديم الأصح في تفسيرالآية، وقد يكون من باب تقديم الأولى. وأما الأقوال التي تندرج تحت الصورة الثالثة، فالقاعدة الثانية هي التي تردها، وتوجب إطراحها، فكل طعن في الرسالة والنبوة وأصحابها، فهو مردود على قائله.\nفهذا فصل الخطاب في الخلاف الذي يرد متعلقا بجناب الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم جميعا.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-133> بيان ألفاظ القاعدة:</span>\nالعصمة هي: صرف دواعي المعصية عن المعصوم، بما يلهم الله المعصوم من ترغيب وترهيب.\nكما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١٥) [الأنعام: ١٥] (^٢).\n_________\n(^١) انظر بحوث في أصول التفسير للصباغ ص ١٥١.\n(^٢) انظر البحر المحيط للزركشي (٤/ ١٧٢)، وشرح الكوكب (٢/ ١٦٧)، وإرشاد الفحول ص ٧٠.","vol":"1","page":296},{"text":"واتفقت الأمة على أن الأنبياء معصومون فيما يخبرون به عن الله (^١) ويستحيل عليهم الكذب، والكتمان، والخطأ، والسهو، والإغفال، والتورية، والألغاز فيما طريقه البلاغ والأداء عن الله، وقد حرسهم الله من كل سبب يقدح في نبوتهم ودلالة معجزاتهم وما خصهم الله به من شرف المنزلة وعلو القدر (^٢). وحكى غير واحد من أهل العلم الإجماع على عصمتهم من الكبائر ومما يجري بمناصبهم كرذائل الأخلاق والدناءات وسائر ما ينفر عنهم، وهي التي يقال لها صغائر الخسة (^٣).\nثم اختلفوا في الصغائر التي تزري بمنصب النبوة. واختلفوا في العصمة هل هي في الفعل أو في الإقرار؟ وهل قبل البعثة عصمة؟\nثم من قالوا بجواز وقوع شيء منهم بعد النبوة، أجمعوا على أنه لا يقر عليه البتة (^٤). وأما قبل النبوة، فالحق أنهم معصومون من الكفر والإشراك بالله، وقد حكى غير واحد من أهل العلم الإجماع على ذلك (^٥).\nوروي عن الإمام أحمد أنه قال: من قال إنه كان ﷺ على دين قومه فهو قول سوء. اهـ (^٦).\nومستند هذا الباب النقل، ولم يرد في الكتاب والسنة والإجماع ما يخبر أن من الأنبياء أحدا بعث واصطفي وكان معروفا بالكفر أو الشرك قبل ذلك.\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن تيمية (١٠/ ٢٨٩ - ٢٩٠). وانظر الإحكام للآمدي (١/ ٢٢٤)، وشرح الكوكب المنير (٢/ ١٦٩).\n(^٢) رسالة في تفسيرآيات أخطأ فيها كثير من المفسرين لابن تيمية مخطوطة لوحة (٥ /ب)، وانظر مفاتيح الغيب (٣/ ٧)، والبحر المحيط لأبي حيان (١/ ٢٦١)، وانظر البحر المحيط للزركشي (٤/ ١٦٩).\n(^٣) البرهان في أصول الفقه (١/ ٣١٩) والإحكام للآمدي (١/ ٢٢٥) وشرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٤٧٩)، والبحر المحيط للزركشي (٤/ ١٧٠ - ١٧١)، وشرح الكوكب المنير (٢/ ١٧٢)، والمحرر الوجيز (٥/ ٨٨)، و(١/ ٣٦١)، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني (٢/ ٣٠٣).\n(^٤) انظر المسودة ص ١٩٠، وشرح الكوكب (٢/ ١٧٢)، ومجموع فتاوى ابن تيمية (١٠/ ٢٩٣).\n(^٥) انظر مفاتيح الغيب (١٠/ ٢٩٣)، والإتقان (١/ ٢٥٢).\n(^٦) رسالة في تفسيرآيات أخطأ في تفسيرها كثير من المفسرين، لابن تيمية مخطوط لوحة (٦ /أ).","vol":"1","page":297},{"text":"قال القاضي عياض: إن قريشا قد رمت نبينا بكل ما افترته، وعيّر كفار الأمم أنبياءها بكل ما أمكنها واختلقته، مما نصّ الله - تعالى - عليه، أو نقلته إلينا الرّواة، ولم نجد في شيء من ذلك تعييرا لواحد منهم برفضه آلهته، وتقريعه بذمّه بترك ما كان قد جامعهم عليه.\nولو كان هذا لكانوا بذلك مبادرين، وبتلوّنه في معبوده محتجين، ولكان توبيخهم له بنهيهم عما كان يعبد قبل أفظع وأقطع في الحجة من توبيخه بنهيهم عن تركهم آلهتهم، وما كان يعبد آباؤهم من قبل.\nففي إطباقهم على الإعراض عنه دليل على أنهم لم يجدوا سبيلا إليه؟ إذ لو كان لنقل، وما سكتوا عنه، كما لم يسكتوا عند تحويل القبلة، وقالوا: ﴿ما وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٢]، كما حكاه الله عنهم. اهـ (^١).\nوقد طعن الكفار في إرسال الرسل لكونهم مشتركين معهم في البشرية كما قال الله تعالى عنهم: ﴿قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ (١٠) [إبراهيم: ١٠]. فلو كانوا مشتركين معهم في عبادة الأصنام والإشراك بالله لكان أكبر حجة لهم في الطعن في إرسالهم. والقدح في إرسالهم بحجة الاشتراك في الشرك أقوى وأعظم من الاشتراك في البشرية كما لا يخفى، فلمّا لم يرد ذلك دلّ على أنهم لم يكونوا معهم على ملة واحدة. فإذا تقرر ذلك كله، فلا يجوز أن يفسر القرآن بتفسير فيه قدح في مقام النبوة، وله في غير ذلك محمل صحيح سليم.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-134> أدلة القاعدة:</span>\nالأدلة على عصمة الأنبياء والرسل كثيرة نقلية وعقلية، فإذا ثبت ذلك، فالتفسير الذي يتمشى مع هذه العصمة أولى بتفسيرالآية، وكل قول طعن فيها وخالفها فهو\n_________\n(^١) الشفا (٢/ ٧٢٠).","vol":"1","page":298},{"text":"مردود لمخالفته للدلائل الصريحة عليها.\n١ - كقوله تعالى: ﴿* وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمامًا قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ (١٢٤) [البقرة: ١٢٤].\nقال السدي: العهد: النبوة وقال مجاهد: الإمامة (^١)؛ أي: الإمامة في الدين خاصة (^٢).\nقال الرازي: والغاية تدل على عصمة الأنبياء من وجهين:\nالأول: أنه قد ثبت أن المراد من هذا العهد الإمامة، ولا شك أن كل نبي إمام، فإن الإمام هو الذي يؤتم به، والنبي أولى الناس، وإذا دلت الآية على أن الإمام لا يكون فاسقا، فبأن تدل على أن الرسول لا يجوز أن يكون فاسقا فاعلا للذنب والمعصية أولى.\nالثاني: قال: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ (١٢٤) فهذا العهد إن كان هو النبوة؛ وجب أن تكون لا ينالها أحد من الظالمين وإن كان هو الإمامة؛ فكذلك لأن كل نبي لا بد وأن يكون إماما يؤتم به، وكل فاسق ظالم لنفسه؛ فوجب أن لا تحصل النبوة لأحد من الفاسقين والله أعلم. اهـ (^٣).\n٢ - وقوله تعالى مخبرا عن اصطفائه لهم: ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]، وقوله: ﴿* إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٣٣) [آل عمران: ٣٣]، وقال - تعالى - عن إبراهيم - ﵇ -: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا﴾ [البقرة: ١٣٠]، وقال في موسى - ﵇ -: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] ونحوها من الآيات. فلا يفسر القرآن ويحمل على أوجه تنافي هذا الاصطفاء وهذه الخيرية وله في غيرها محمل صحيح.\n_________\n(^١) المحرر الوجيز (١/ ٣٥٠).\n(^٢) محاسن التأويل (٢/ ٢٤٦).\n(^٣) مفاتح الغيب (٤/ ٤٧ - ٤٨)، وانظر عصمة الأنبياء له ص ٢٣.","vol":"1","page":299},{"text":"٣ - وقال تعالى: ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾\n[آل عمران: ١٦١]. وقال تعالى: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [آل عمران: ٧٩].\nقال ابن حزم: في معرض استدلاله بهاتين الآيتين على عصمة الأنبياء: فوجدنا الله - تعالى - وهو أصدق القائلين قد نفى عن الأنبياء - ﵈ - الغلول والكفر والتجبر، ولا خلاف بين أحد من الأمة في أن حكم الغلول كحكم سائر الذنوب، وقد صح الإجماع بذلك، وأن من جوز على الأنبياء - ﵈ - شيئا من تعمد الذنوب جوز عليهم الغلول، ومن نفى الغلول نفى عنهم سائر الذنوب، وقد صح نفي الغلول عنهم بكلام الله - تعالى - فوجب انتفاء تعمد الذنوب عنهم بصحة الإجماع على أنها سواء والغلول. اهـ (^١).\n٤ - وقال النبي ﷺ: «إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين» (^٢).\nقال ابن حزم: فنفى - ﵇ - عن جميع الأنبياء - ﵈ - أن تكون لهم خائنة الأعين، وهو أخف ما يكون من الذنوب، ومن خلاف الباطن للظاهر؛ فدخل في هذا جميع المعاصي صغيرها وكبيرها سرها وجهرها. اهـ (^٣)\nوالدلائل على عصمة الأنبياء كثيرة، أكتفي بما ذكرت طلبا للاختصار (^٤).\n\n*<span data-type='title' id=toc-135> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nاعتمد العلماء مضمون هذه القاعدة، ورجحوا بها أقوالا، وردّوا بها أخرى، لأجل ما رأوه من مخالفتها لعصمة النبوة، ولما علم من حال الأنبياء وعظم منزلتهم.\n_________\n(^١) الفصل (٤/ ٥١).\n(^٢) أخرجه أبو داود، كتاب: الحدود، باب: الحكم فيمن ارتد (٤/ ١٢٨). والنسائي، كتاب: تحريم الدم، باب الحكم فيمن ارتد (٧/ ١٠٦). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود حديث رقم (٤٣٥٩)، وفي صحيح سنن النسائي حديث رقم (٣٧٩١).\n(^٣) الفصل (٤/ ٥٤).\n(^٤) انظر الفصل لا بن حزم (٤/ ٥١ - ٥٩) وعصمة الأنبياء للرازي ص ١٩ - ٢٤. ومفاتيح الغيب (٣/ ١٠٨)، ومجموع فتاوى ابن تيمية (١٠/ ٢٩٣).","vol":"1","page":300},{"text":"فمن هؤلاء الأئمة:\n١ - الصديقة بنت الصديق عائشة - ﵂ - وسيأتي نص كلامها في المثال الأول من أمثلة هذه القاعدة - إن شاء الله تعالى -.\n٢ - ومنهم ابن قتيبة: قال - بعد أن ساق أقوال المفسرين في تفسير قوله تعالى:\n﴿حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: ١١٠] الآية - وهذه مذاهب مختلفة، والألفاظ تحتملها كلها، ولا نعلم ما أراد الله - ﷿ -. غير أن أحسنها في الظاهر وأولاها بأنبياء الله - صلوات الله عليهم - ما قالت أم المؤمنين عائشة - ﵂ -. اهـ (^١).\n٣ - ومنهم إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري: قال - في معرض ترجيحه لأحد الأقوال في تفسير قوله تعالى عن يونس: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]:\nوأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب قول من قال: عنى به: فظنّ يونس أن لن نحبسه ونضيق عليه؛ عقوبة له على مغالبته ربه.\nوإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الكلمة؛ لأنه لا يجوز أن ينسب إلى الكفر، وقد اختاره لنبوّته، ووصفه بأن ظن أن ربه يعجز عما أراد به، ولا يقدر عليه، وصف له بأنه جهل قدرة الله، وذلك وصف له بالكفر، وغير جائز لأحد وصفه بذلك. اهـ (^٢).\n٤ - ومنهم أبو بكر بن العربي: قال - رادا على أقوال المفسرين في قوله تعالى:\n﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها﴾ [يوسف: ٢٤] معتمدا على جانب العصمة -: … فما تعرّض لامرأة العزيز، ولا أناب إلى المراودة بحكم المراودة؛ بل أدبر عنها، وفرّ منها؛ حكمة خصّ بها، وعملا بمقتضى ما علمه الله - سبحانه -، وهذا يطمس وجوه الجهلة من الناس والغفلة من العلماء في نسبتهم إليه ما لا يليق به، وأقلّ ما\n_________\n(^١) تأويل مشكل القرآن ص ٤١٢.\n(^٢) جامع البيان (١٧/ ٧٩).","vol":"1","page":301},{"text":"اقتحموا من ذلك أنه هتك السراويل، وهمّ بالفتك فيما رأوه من تأويل، وحاش لله ما علمت عليه من سوء، بل أبرئه مما برأه منه، فقال: ﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [يوسف: ٢٢]، وقوله: ﴿كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (٢٤) [يوسف: ٢٤]. والفحشاء هي: الزنا، والسوء:\nهو المراودة والمغازلة، فما ألمّ بشيء ولا أتى بفاحشة. اهـ (^١).\n٥ - ومنهم ابن عطية الأندلسي: في تفسير قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠]- بضم الكاف وكسر الذال - قال: وتحتمل هذه القراءة أيضا أن يكون الضمير في «ظنوا» وفي «كذبوا» عائدا على الرسل.\nوالمعنى: كذبهم من أخبرهم عن الله. والظن على بابه - وحكى هذا التأويل قوم من أهل العلم - والرسل بشر فضعفوا وساء ظنهم - قاله ابن عباس وابن مسعود أيضا وابن جبير - وقال: ألم يكونوا بشرا؟ وقال ابن مسعود لمن سأله عن هذا: هو الذي نكره. وردّت هذا التأويل عائشة أم المؤمنين وجماعة من أهل العلم. وأعظموا أن توصف الرسل بهذا. وقال أبو علي الفارسي: هذا غير جائز على الرسل.\nقال القاضي أبو محمد: وهذا هو الصواب، وأين العصمة والعلم؟. اهـ (^٢).\n٦ - ومنهم الفخر الرازي: ففي معرض ردّه لقول من قال إن إبراهيم حين نظر إلى الكوكب والقمر والشمس كان مستدلا لا مناظرا.\nقال: إن القول بربوبية النجم كفر بالإجماع والكفر غير جائز بالإجماع على الأنبياء. اهـ (^٣).\n٧ - ومنهم القرطبي: قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]:\n_________\n(^١) أحكام القرآن (٣/ ٤٧).\n(^٢) المحرر الوجيز (٩/ ٣٩٤).\n(^٣) مفاتح الغيب (١٣/ ٥٠).","vol":"1","page":302},{"text":"والمراد بقوله تعالى: ﴿وَتَخْشَى النّاسَ﴾ إنما هو إرجاف المنافقين بأنه نهى عن تزويج نساء الأبناء وتزوج بزوجة ابنه. فأما ما روي أن النبي ﷺ هوي زينب امرأة زيد - وربما أطلق بعض المجّان لفظ عشق - فهذا إنما يصدر عن جاهل بعصمة النبي ﷺ عن مثل هذا، أو مستخفّ بحرمته .. اهـ (^١).\n٨ - ومنهم أبو حيان الأندلسي: قال في معرض نقده للأقوال التي قيلت في بيان (همّ يوسف) - ﵇ -: وأمّا أقوال السلف فنعتقد أنه لا يصح عن أحد منهم شيء من ذلك؟ لأنها أقوال متكاذبة يناقض بعضها بعضا، مع كونها قادحة في بعض فساق المسلمين، فضلا عن المقطوع لهم بالعصمة\nوقد طهرنا كتابنا هذا عن نقل ما في كتب التفسير مما لا يليق ذكره، واقتصرنا على ما دل عليه لسان العرب، ومساق الآيات التي في هذه السورة مما يدل على العصمة، وبراءة يوسف - ﵇ - من كل ما يشين. اهـ (^٢).\n٩ - ومنهم العلاّمة الشنقيطي: قال - في تفسير قوله تعالى: ﴿ظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنّاهُ﴾ الآية [ص: ٢٤]: واعلم أن ما يذكره كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية الكريمة مما لا يليق بمنصب داود - ﵇ -، وعلى نبينا - الصلاة والسلام - كله راجع إلى الإسرائيليات، فلا ثقة به، ولا معول عليه، وما جاء منه مرفوعا إلى النبي ﷺ لا يصح منه شيء. اهـ (^٣).\nوغير هؤلاء من أئمة التفسير كثير ممن قرروا هذه القاعدة (^٤).\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (١٤/ ١٩١).\n(^٢) البحر المحيط (٦/ ٢٥٨).\n(^٣) أضواء البيان (٧/ ٢٤).\n(^٤) كالكرماني في غرائب التفسير (١/ ٥٥٦)، والقاضي عياض في الشفا (٢/ ٨٣٦)، وابن الجوزي في زاد المسير (٧/ ١١٦ - ١١٧)، والحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ٢١٩)، والألوسي في روح المعاني (١٣/ ٧٢).","vol":"1","page":303},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-136> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\n١ - منها: ما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠]، في «كذبوا» قراءتان (^١).\nالأولى: «كذّبوا» بضم الكاف وتشديد الذال وكسرها (^٢).\nوالأخرى: «كذبوا» بضم الكاف وكسر الذال وتخفيفها (^٣).\nفعلى قراءة التشديد:\nيكون المعنى: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان من كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم؛ لما لحقهم من البلاء والامتحان وتأخر النصر.\nوبهذا قالت عائشة - ﵂ - وصحت الرواية عنها بذلك، وبه قال قتادة (^٤)، ورجحه أبو جعفر النحاس، وقال: هو أشبه بالمعنى وهو أعلى إسنادا.\nاهـ (^٥).\nوذهب الحسن وقتادة إلى أن المعنى: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يؤمنوا بهم، وأيقنت الرسل أن قومهم قد كذبوهم.\nفيكون الضميران في «ظنوا» و«كذبوا» يعودان على الرسل، وظن بمعنى اليقين.\nوضعف هذا القول الطبري؛ لأجل مخالفته لجميع أقوال الصحابة في الآية، واستعمال العرب الظنّ بمعنى اليقين (^٦).\nوأما على قراءة تخفيف الذال:\n_________\n(^١) انظر الكشف عن وجوه القراءات السبع لمكي (٢/ ١٥)، والنشر (٢/ ٢٩٦)، والبدور الزاهرة في القراءات العشرة ص ١٦٨ والمغني في توجيه القراءات العشر المتواترة (٢/ ٢٨١).\n(^٢) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر، ويعقوب الحضرمي من العشرة.\n(^٣) وهي قراءة حمزة وعاصم والكسائي، وأبي جعفر المدني وخلف العاشر من العشرة.\n(^٤) انظر تفسير القرآن العظيم لعبد الرزاق الصنعاني (٢/ ٣٢٩).\n(^٥) معاني القرآن (٣/ ٤٦٢).\n(^٦) انظر الروايات عنهم في جامع البيان (١٣/ ٨٨)، وانظر المحرر الوجيز (٩/ ٣٩٢).","vol":"1","page":304},{"text":"فذهب ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك وغيرهم إلى أن المعنى: حتى إذا استيأس الرسل من أن يستجيب لهم قومهم، وظن القوم أن الرسل قد كذبوهم (^١). فيعود الضميران في «ظنوا» و«كذبوا» إلى المرسل إليهم وهم القوم (^٢).\nوروى عن ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير أن معنى الآية: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظنت الرسل أنهم قد كذبوا فيما وعدوا من النصر (^٣).\nفيكون الضمير في «ظنوا» وفي «كذبوا» عائدا على الرسل (^٤).\nوهذه القاعدة تضعّف هذا القول؛ وذلك لما فيه من وصف الرسل بسوء الظن بربهم، وهذا يقدح في صالح المؤمنين فضلا عمّن فضّل بالنبوة والرسالة. فمقام النبوة عظيم، قد اصطفى الله لها أفضل الخلق على الإطلاق وأعرفهم بالله. وقد ردّت عائشة - ﵂ - هذا القول بما ألمحت له من رفعة مقام النبوة، ولما علم من حال الأنبياء والرسل.\nأخرج البخاري - وغيره - بسنده عن عروة بن الزبير عن عائشة - ﵂ - قالت له وهو يسألها عن قول الله تعالى: ﴿حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾\n[يوسف: ١١٠] قال: قلت: أكذبوا أم كذّبوا؟ قالت عائشة: كذّبوا قلت: فقد استيقنوا أنّ قومهم كذبوهم، فما هو بالظن. قالت: أجل لعمري، لقد استيقنوا بذلك.\nفقلت لها: وظنوا أنهم قد كذبوا؟ قالت: معاذ الله، لم تكن الرسل تظن ذلك بربّها.\nقلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدّقوهم، فطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذّبهم من قومهم،\n_________\n(^١) انظر الروايات عنهم في جامع البيان (١٣/ ٨٢ - ٨٥).\n(^٢) المحرر الوجيز (٩/ ٣٩٣).\n(^٣) انظر الروايات عنهم في جامع البيان (١٣/ ٨٦).\n(^٤) انظر المحرر الوجيز (٩/ ٣٩٤).","vol":"1","page":305},{"text":"وظنّت الرسل أن أتباعهم قد كذّبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك» (^١).\nوكذلك ضعّف هذا القول أئمة التفسير؛ لأجل مخالفته لعظم مقام النبوة، ونسبة ما لا يليق إلى الرسل.\nقال الطبري - بعد أن ساق الأسانيد إلى ابن عباس وغيره بهذا القول -:\nوقول غيره من أهل التأويل أولى عندي بالصواب، وخلافه من القول أشبه بصفات الأنبياء والرسل، إن جاز أن يرتابوا بوعد الله إياهم، ويشكوا في حقيقة خبره مع معاينتهم من حجج الله وأدلته ما لا يعاينه المرسل إليهم، فيعذروا في ذلك أن المرسل إليهم الأولى في ذلك منهم بالعذر. اهـ (^٢).\nوقال الكرماني - بعد أن ذكر هذا القول من عجائب التفسير -: وهذا بعيد لا يعتقد مثله في الأنبياء والمرسلين. اهـ (^٣).\nوسبق نقل كلام ابن عطية في ردّه لهذا القول؛ لأجل العصمة (^٤).\nوصدّر القرطبي تفسير هذه الآية بقوله: هذه الآية فيها تنزيه الأنبياء وعصمتهم عما لا يليق بهم، وهذا باب عظيم، وخطره جسيم ينبغي الوقوف عليه … اهـ (^٥).\nوقال الألوسي - بعد أن ساق توجيه بعض العلماء لقول ابن عباس هذا -: … وأنت تعلم أن الأوفق بتعظيم الرسل، والأبعد عن الحوم حول حمى ما لا يليق بهم، القول بنسبة الظن إلى غيرهم - صلى الله عليهم وسلم - والله - تعالى - أعلم (^٦). اهـ (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، تفسيرسورة يوسف، حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ. انظر الصحيح مع الفتح (١٧/ ٢٨)، وأخرجه الطبري في تفسيره (١٣/ ٨٦ - ٨٧).\n(^٢) جامع البيان (١٣/ ٨٦).\n(^٣) غرائب التفسير وعجائب التأويل (١/ ٥٥٦).\n(^٤) المحرر الوجيز (٩/ ٣٩٤).\n(^٥) الجامع لأحكام القرآن (٩/ ٢٧٥).\n(^٦) روح المعاني (١٣/ ٧٢).\n(^٧) كان هذا المثال من نوع تقديم الأولى بتفسيرالآية، لوجاهة توجيه بعض العلماء لهذا القول وأنه لا يقتضي طعنا في العصمة، ولا قدحا في الرسالة؛ لصحة الدلائل على هذا التوجيه؛ ولصحة الرواية -","vol":"1","page":306},{"text":"٢ - ومن أمثلة هذه القاعدة - أيضا -: ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ [ص: ٣٤].\nيذكر كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية قصة الشيطان الذي أخذ خاتم سليمان وجلس على كرسي سليمان، وطرده عن ملكه، وتسلط على نسائه في الحيض، واستمر على ذلك حتى وجد سليمان الخاتم في بطن السمكة التي أعطاها له من كان يعمل عنده بأجر، مطرودا عن ملكه، إلى آخر القصة (^١).\n_________\n= عن حبر الأمة وترجمان القرآن، وابن أم عبد - ﵃ جميعا - كتوجيهه بأنه ما يخطر بالبال ويهجس في النفس، وكتوجيه الظن بأنه التوهم؛ لوروده بذلك في الكتاب والسنة كما انتصر لذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (١٥/ ١٧٥).\nونحوها من التوجيهات. انظر الجامع لأحكام القرآن (٩/ ٢٧٦)، وروح المعاني (١٣/ ٦٩)، وكل هذا توجيه لإزالة الإشكال الذي يظهر من ظاهر هذا القول. وقد صحت الرواية عن عائشة وابن عباس وابن مسعود وغيرهم بتفسيرالآية على خلاف هذا القول، فحملها على تلك التفسيرات المروية عنهم الخالية من الإشكال أولى وأحسن وأسلم.\nقال الحافظ ابن حجر - في توجيه قول ابن عباس: كانوا بشرا ضعفوا وأيسوا وظنوا أنهم قد كذبوا.\nوقول الراوي عنه: قد ذهب بها هناك: إنه أراد من آمن من أتباع الرسل لا نفس الرسل، وقال: وقول الراوي عنه «ذهب بها هناك» أي: إلى السماء معناه أن أتباع الرسل ظنوا أن ما وعدهم به الرسل على لسان الملك تخلف، ولا مانع أن يقع ذلك في خواطر بعض الأتباع … ولم يأت عنه التصريح بأن الرسل هم الذين ظنوا ذلك، ولا يلزم من قراءة التخفيف … وإذا كان ذلك محتملا وجب تنزيه ابن عباس عن تجويزه ذلك على الرسل، ويحمل إنكار عائشة على ظاهر مساقهم من إطلاق المنقول عنه.\n- ثم ساق الرواية الأخرى عن ابن عباس بأن المراد ظن قومهم أن الرسل قد كذبوا. إلى أن قال: وإسناده حسن، فليكن هو المعتمد في تأويل ما جاء عن ابن عباس في ذلك؛ وهو أعلم بمراد نفسه من غيره.\nمن الفتح (٨/ ٢١٩ - ٢٢٠).\n(^١) انظرها في جامع البيان (٢٣/ ١٥٧)، وتفسير ابن كثير (٧/ ٥٩ - ٦٠) وغيرهما من كتب التفسير.","vol":"1","page":307},{"text":"وهذه القصة باطلة مردودة؛ لأجل طعنها في عصمة النبوة، وقد نص على بطلانها بما تقرر هذه القاعدة أئمة التفسير وغيرهم، كالقاضي عياض (^١)، والقرطبي (^٢)، وأبي حيان (^٣)، وابن كثير (^٤)، والألوسي (^٥)، والشنقيطي (^٦).\n_________\n(^١) انظر الشفا (٢/ ٨٣٦).\n(^٢) انظر الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٢٠١).\n(^٣) انظر البحر المحيط (٩/ ١٥٥).\n(^٤) انظر تفسير القرآن العظيم (٧/ ٥٩ - ٦٠).\n(^٥) انظر روح المعانى (٢٣/ ١٩٨ - ١٩٩).\n(^٦) أضواء البيان (٤/ ٧٧)، (٧/ ٣٥).\n* ومن نظائر هذين المثالين:\n١ - ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَلَمّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغًا قالَ هذا رَبِّي [الأنعام: ٧٧]. انظر معالم التنزيل (٣/ ١٦١)، والمحرر الوجيز (٦/ ٩١)، ومفاتيح الغيب (١٣/ ٥٠)، والجامع لأحكام القرآن (٧/ ٢٥).\n٢ - وما جاء في تفسير قوله تعالى: وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ [الأعراف: ١٥٠].\nانظر المحرر الوجيز (٧/ ١٦٧).\n٣ - وما جاء في تفسير قوله تعالى: فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) [الأعراف: ١٩٠] انظر جامع البيان (٩/ ١٤٨ - ١٤٩)، مع الإتقان في علوم القرآن (١/ ٢٥٢).\n٤ - وما جاء في تفسير قوله تعالى: لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٤٦) [هود: ٤٦] انظر المحرر الوجيز (٩/ ١٦٣ - ١٦٤) وما قبلها، وبدع التفاسير ص ٦٨.\n٥ - وما جاء في تفسير قوله تعالى: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها [يوسف: ٢٤]. انظر أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٤٦ - ٤٧)، والمحرر الوجيز (٩/ ٢٧٨)، والبحر المحيط (٦/ ٢٥٨).\n٦ - وما جاء في تفسير قوله تعالى: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ [الأحزاب: ٣٧] انظر أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٥٧٦)، والجامع لأحكام القرآن (١٤/ ١٩١).\n٧ - وما جاء في تفسير قوله تعالى: وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنّاهُ [ص: ٢٤]. انظر زاد المسير (٧/ ١١٦ - ١١٧)، وأضواء البيان (٧/ ٢٤).\n٨ - وما جاء في تفسير قوله تعالى وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ [الأحقاف: ٩]. انظر أضواء البيان (٧/ ٣٨٧).","vol":"1","page":308},{"text":"<span data-type='title' id=toc-137>الفصل الثالث:\nقواعد الترجيح المتعلقة بلغة العرب وفيه ثلاثة مباحث:</span>\nالمبحث الأول:\nقواعد الترجيح المتعلقة باستعمال العرب للألفاظ والمباني المبحث الثاني:\nقواعد الترجيح المتعلقة بمرجع الضمير المبحث الثالث:\nقواعد الترجيح المتعلقة بالإعراب","vol":"2","page":3},{"text":"<span data-type='title' id=toc-138>المبحث الأول:\nقواعد الترجيح المتعلقة باستعمال العرب للألفاظ والمباني وفيه ثمانية عشر مطلبا:</span>\nالمطلب الأول: قاعدة: كل تفسير ليس مأخوذا من دلالة ألفاظ الآية وسياقها فهو ردّ على قائله.\nالمطلب الثاني: قاعدة: ليس كل ما ثبت في اللغة صح حمل آيات التنزيل عليه.\nالمطلب الثالث: قاعدة: يجب حمل كلام الله - تعالى - على المعروف من كلام العرب دون الشاذ والضعيف والمنكر.\nالمطلب الرابع: قاعدة: يجب حمل نصوص الوحي على الحقيقة.\nالمطلب الخامس: قاعدة: إذا اختلفت الحقيقة الشرعية والحقيقة اللغوية في تفسير كلام الله - تعالى - قدمت الشرعية.\nالمطلب السادس: قاعدة: إذا اختلفت الحقيقة العرفية والحقيقة اللغوية في تفسير كلام الله - تعالي - قدمت العرفية.\nالمطلب السابع: قاعدة: القول بالاستقلال مقدم على القول بالإضمار.","vol":"2","page":5},{"text":"المطلب الثامن: قاعدة: القول بالترتيب مقدم على القول بالتقديم والتأخير.\nالمطلب التاسع: قاعدة: لا ينبغي حمل الآية على القلب ولها بدونه وجه صحيح.\nالمطلب العاشر: قاعدة: إذا دار الكلام بين التأسيس والتأكيد فحمله على التأسيس أولى.\nالمطلب الحادي عشر: قاعدة: حمل ألفاظ الوحي على التباين أرجح من حملها على الترادف.\nالمطلب الثاني عشر: قاعدة: إذا دار الكلام بين الزيادة والتأصيل فحمله على التأصيل أولى.\nالمطلب الثالث عشر: قاعدة: إذا دار اللفظ بين أن يكون مشتركا أو مفردا، فإنه يحمل على إفراده.\nالمطلب الرابع عشر: قاعدة: القول الذي يؤيده تصريف الكلمة وأصل اشتقاقها أولى بتفسير الآية.\nالمطلب الخامس عشر: قاعدة: يجب حمل نصوص الوحي على العموم ما لم يرد نص بالتخصيص.\nالمطلب السادس عشر: قاعدة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\nالمطلب السابع عشر: قاعدة: إذا دار الكلام بين أن يكون مقيدا أو مطلقا فإنه يحمل على إطلاقه.\nالمطلب الثامن عشر: قاعدة: الأصل في الأوامر أنها للوجوب. وفي النواهي أنها للتحريم.","vol":"2","page":6},{"text":"<span data-type='title' id=toc-139>المطلب الأول:\nقاعدة: كل تفسير ليس مأخوذا من دلالة ألفاظ الآية وسياقها فهو رد على قائله</span>\n*<span data-type='title' id=toc-140> صورة القاعدة:</span>\nكل تفسير خرج بمعاني كتاب الله عما تدل عليه ألفاظه وسياقه، ولم يدل اللفظ على هذا المعنى بأيّ نوع من أنواع الدلالة: مطابقة، أو تضمنا، أو التزاما، أو مفهوما موافقا، أو مفهوما مخالفا، فهو مردود على قائله؛ لأنه إذا كان بهذه الصفة كان ضربا من التخرص، والقرمطة، والتلاعب بكتاب الله - تعالى -، لا تقره لغة، ولا يرضاه دين، ولا عقل، وليس من تفسير كلام الله في شيء.\nفبالألفاظ يكون التخاطب والإفصاح عن المراد، والألفاظ قوالب المعاني، فإلغاء دلالاتها إبطال للغة التخاطب وفائدته.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-141> بيان ألفاظ القاعدة:</span>\nقولي: «دلالة ألفاظ الآية».\nدلالة اللفظ هي: ما ينصرف إليه هذا اللفظ في الذهن من معنى مدرك أو محسوس، والتلازم بين الكلمة ودلالتها أمر لا بد منه في اللغة ليتم التفاهم بين الناس (^١)، وإنما جعلت الألفاظ أدلّة يستدل بها على مراد المتكلم (^٢).\nقولي: «دلالة» حتى لا يقصر التفسير المقبول على التفسير بالمطابق، فيدخل بهذا، التفسير باللازم، سواء قيل دلالة اللازم لفظية أو عقلية، فمعنى اللازم ليس من\n_________\n(^١) الترادف في اللغة لحاكم لعيبي ص ١٣.\n(^٢) أعلام الموقعين (١/ ٢١٨)، وانظر الخصائص (٣/ ١٠٠)، والموافقات (٢/ ٨٧).","vol":"2","page":7},{"text":"الألفاظ، وإنما هو أمر خارج عن اللفظ دلّ عليه اللفظ (^١)، فعند فهم مدلول اللفظ من اللفظ ينتقل الذهن من مدلول اللفظ إلى لازمه، ولو قدّر عدم هذا الانتقال الذهني لما كان ذلك اللازم مفهوما (^٢).\nوقولي: «ألفاظ» أدخل الدلالة اللفظية الوضعية، وهي: كون اللفظ إذا أطلق فهم من إطلاقه ما وضع له (^٣)، فشمل دلالات المطابقة والتضمن، ودلالة الالتزام، ومفهوم الموافقة على الصحيح (^٤).\nوأخرج الدلالات غير اللفظية، وهي: الدلالة الوضعية كدلالة السبب على المسبب، والدلالة العقلية كدلالة الأثر على المؤثر (^٥).\nوقولي: «وسياقها» قيد هام في إدخال مفهوم المخالفة، فإنه لا يفهم من اللفظ المفرد، بل يفهم من النظم والتركيب.\nومثله على الصحيح دلالة مفهوم الموافقة لفظية فهمت من السياق والقرائن المفيدة للدلالة على المعنى الحقيقي لا المانعة من إرادته (^٦) (¬،**).\n_________\n(^١) شرح الكوكب (٣/ ٤٧٤).\n(^٢) الإحكام للآمدي (١/ ٣٦).\n(^٣) شرح الكوكب (١/ ١٢٦).\n(^٤) انظر شرح الكوكب (٣/ ٤٨٣).\n(^٥) شرح الكوكب (١/ ١٢٥).\n(^٦) شرح الكوكب (٣/ ٤٨٤).\n(¬**» قد اهتم الأصوليون، واللغويون ببيان طرق دلالة اللفظ على المعنى، فعقد ابن جني في خصائصه (٣/ ٩٨) بابا قال فيه: «باب في الدلالة اللفظية، والصناعية، والمعنوية» وشرع في بيان هذه الدلالات وأمثلتها من العربية، وكذا اعتنى بها الأصوليون عناية فائقة، وسبب ذلك أن بحثهم فيها كان لاستنباط المعاني والأحكام من النصوص الشرعية، وخلاصة ما قالوا: إن دلالة اللفظ على الحكم تنقسم إلى قسمين: دلالة منطوق، ودلالة مفهوم.\nفدلالة المنطوق هي: ما دل عليه لفظ في محل نطق.\nوتنقسم إلى مطابقة، وتضمن، والتزام فدلالة المطابقة هي: فهم السامع من كلام المتكلم كمال المسمى. -","vol":"2","page":8},{"text":"قولي: «فهو ردّ على قائله» هذا حكم التفسير الموصوف سابقا.\nوردّه يقتضي حصر الصواب فيما سواه.\nوهذا الحكم أخرج الترجيح بتقديم الأولى، والترجيح بتضعيف بعض الأقوال؛ لأنه لا يوجب ردّها، واطراح حكمها.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-142> أدلة القاعدة:</span>\n١ - منها أن الله - تعالى - هدد وتوعد الذين يلحدون في آياته - تعالى - بأنه عالم محيط بهم، وأنه سيجزيهم على ذلك العقوبة والنكال، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠] والإلحاد في آيات الله: أن يوضع الكلام على غير موضعه، قاله ابن عباس (^١) - ﵄ -.\n_________\n(¬**» - ودلالة التضمن هي: فهم السامع من كلام المتكلم جزء المسمى.\nودلالة الالتزام هي: فهم السامع من كلام المتكلم لازم المسمى البيّن، وهو اللازم له في الذهن.\nوأمّا دلالة المفهوم فهي: ما دل عليه لفظ لا في محل نطق.\nوهي تنقسم إلى قسمين: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة.\nفمفهوم الموافقة هو: ما كان حكم المسكوت عنه موافقا لحكم المنطوق.\nومفهوم المخالفة هو: ما كان حكم المسكوت عنه مخالفا لحكم المنطوق.\nوفي بعض هذه المفاهيم خلاف بين العلماء، وللحنفية تقسيم آخر، وليس هذا مجال بسط الخلاف في هذه الدلالات، وهي مبسوطة في مظانها من كتب الأصول، انظر العدة لأبي يعلى (١/ ١٥٢)، و(٤/ ١٣٣٣)، والبرهان للجويني (١/ ٣١٢)، والمحصول (١/ ٢٩٩/١)، و(١/ ٣١٨/١)، وروضة الناظر (١/ ٥٠)، و(٢/ ١٩٧)، والإحكام للآمدي (١/ ٣٦) و(٣/ ٧١) وشرح تنقيح الفصول ص ٢٣ - ٢٤، وص ٢٧٠، وكشف الأسرار عن أصول البزدوي (١/ ١٧١)، وشرح الكوكب (١/ ١٢٥)، (٣/ ٤٧٣) ومذكرة الشنقيطي ص ٢٨٢، وتفسير النصوص (١/ ٥٩١) وغيرها من كتب الأصول.\n(^١) أخرجه عنه الطبري في جامع البيان (٢٤/ ١٢٣)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٣٣٠) إلى ابن أبي حاتم، وذكره عن مجاهد وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"2","page":9},{"text":"وقال عمر بن الخطاب - ﵁ - إن هذا القرآن كلام الله - ﷿ - فضعوه على مواضعه، ولا تتبعوا فيه أهواءكم. اه (^١)، فتفسير الآية بغير ما تدل عليه ألفاظها وضع للكلام في غير موضعه، وتحريف له عن مواضعه؛ فهو من الإلحاد في آيات الله - تعالى -.\nقال السيوطي - بعد أن ذكر تفسير ابن عباس السابق -: ففيه الرد على من تعاطى تفسير القرآن بما لا يدل عليه جوهر اللفظ، كما يفعله الباطنية، والاتحادية (^٢)، والملاحدة (^٣)، وغلاة المتصوفة. اه (^٤).\n٢ - ومنها ذم الله - تعالى - لليهود الذين وصفهم بتحريف الكلم عن مواضعه فقال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣] وقال تعالى: ﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١].\nقال الحافظ ابن كثير - في قوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ -: أي:\nفسدت فهومهم، وساء تصرفهم في آيات الله، وتأولوا كتابه على غير ما أنزله، وحملوه على غير مراده، وقالوا عليه ما لم يقل. اه (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في الزهد ص ٤٦، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٣٣٠) وعزاه له.\n(^٢) الاتحادية: من غلاة فرق الصوفية القائلين بوحدة الوجود، أي: أن الله - تعالى وتقدس - اتحد بخلقه فكان الخالق هو عين المخلوق، وأول من فتح باب القول بوحدة الوجود الحلاج، وتبعه ابن عربي وابن الفارض وابن سبعين وغيرهم، وكفر هؤلاء أعظم من كفر النصارى.\nانظر الصوارم الحداد القاطعة لعلائق مقالات أرباب الاتحاد للشوكاني، والمعجم الفلسفي ص ٢.\n(^٣) الملاحدة: جمع ملحد، والإلحاد هو: الميل عن الحق، ويطلق على كل من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، وينكر مسلّمات العقائد، أو من لا يؤمن بأي إله، فهم ينكرون جميع الأديان.\nانظر الكليات ص ٤٩٠، والمعجم الفلسفي ص ١٩٢.\n(^٤) الإكليل في استنباط التنزيل ص ٢٢٩، وانظر محاسن التأويل (١٤/ ٥٢١١).\n(^٥) تفسير القرآن العظيم (٣/ ٦٢)، وانظر (٣/ ١٠٥) منه.","vol":"2","page":10},{"text":"وقال - أيضا -: أي: يتأولون على غير تأويله، ويفسرونه بغير مراد الله - ﷿ - قصدا منهم وافتراء. اه (^١).\nفمن أعرض عن تفسير كتاب الله بما تدل عليه ألفاظه وسياقاته فهو بهذا الذم أولى، وبذلك الوصف أحرى.\n٣ - ومنها خبر الله عن كتابه بأنه عربي فقال: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾\n[يوسف: ٢] وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (١٩٥) [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥] وقال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾ [الشورى: ٧]، ونحوها من الآيات.\nقال الإمام الشافعي - بعد أن ساق الآيات السابقة ونظائرها -: فأقام حجّته بأن كتابه عربيّ، في كل آية ذكرناها، ثم أكّد ذلك بأن نفى عنه - جل ثناؤه - كلّ لسان غير لسان العرب في آيتين من كتابه: فقال ﵎: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (١٠٣) [النحل: ١٠٣] وقال: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤] (^٢).\nإذا تقرر هذا فسبيل معرفة معانيه هو هذا اللسان الذي به نزل، فمن أراد فهم القرآن وتفسيره فمن هذه الجهة؛ إذ دلالة اللفظ على المعنى سمعية، كما قرر ذلك أئمة الإسلام.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وليس كل معنى صحيح يفسر به اللفظ لمجرد مناسبة، كالمناسبة التي بين الرؤيا والتعبير، وإن كانت خارجة عن وجوه دلالة اللفظ، كما تفعله القرامطة والباطنية؛ إذ دلالة اللفظ على المعنى سمعية، فلا بد أن يكون اللفظ مستعملا في ذلك المعنى بحيث قد دل على المعنى به، لا يكتفي في ذلك بمجرد أن\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٢٨٤).\n(^٢) الرسالة ص ٤٧.","vol":"2","page":11},{"text":"يصلح وضع اللفظ لذلك المعنى؛ إذا الألفاظ التي يصلح وضعها للمعاني ولم توضع لها لا يحصي عددها إلا الله. اه (^١).\nوقال الإمام الشاطبي: كل معنى مستنبط من القرآن غير جار على اللسان العربي فليس من علوم القرآن في شيء، لا مما يستفاد منه، ولا مما يستفاد به، ومن ادعى فيه ذلك فهو في دعواه مبطل. اه (^٢).\nوقال في موضع آخر: فمن أراد تفهم القرآن فمن جهة لسان العرب يفهم، ولا سبيل إلى تطلب فهمه من غير هذه الجهة. اه (^٣).\nفيجب أن لا يحمل القرآن إلا على المعاني التي تدل عليها الألفاظ المفردة، والأساليب المركبة بأيّ نوع من أنواع الدلالة - على تفاوت في تقديم بعضها على بعض - سواء أكانت قطعية أم ظنية، وعلى هذا كافة تفاسير السلف الصالح، وأهل العلم والإيمان من هذه الأمة، كلّها جارية على ما تقضي به العربية في مدلولات ألفاظها، وما تدل عليه أدلة الشريعة، على عكس التفسير الباطني فكل ذلك مفقود فيه.\nقال الإمام الشاطبي: وما نقل من فهم السلف الصالح في القرآن، فإنه كله جار على ما تقضي به العربية، وما تدل عليه الأدلة الشرعية. اه (^٤).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-143> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nهذه القاعدة من القواعد المسلّمة عند أهل العلم من سلف هذه الأمة، ومن تبعهم بإحسان، إذ جميع تفاسيرهم جارية وفق دلالات ألفاظ القرآن، ولم يخرج منها شيء عن ذلك.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢/ ٢٧).\n(^٢) الموافقات (٣/ ٣٩١).\n(^٣) الموافقات (٢/ ٦٤)، وانظر (٣/ ٣٩٤) منها.\n(^٤) الموافقات (٣/ ٤٠٤).","vol":"2","page":12},{"text":"فهم جميعا بهذا معتمدون لهذه القاعدة، وأقوالهم في إبطال تفاسير الباطنية التي أخرجت الألفاظ عن مدلولاتها كثيرة - سيأتي بعضها في الأمثلة إن شاء الله - تعالى -. ولم يعرض عن هذه القاعدة إلا الباطنية - قبحهم الله -؛ فلذلك سأكتفي هنا بذكر مقالتين لإمامين جليلين من أئمة الإسلام، اختصارا، واستغناء بما ظهر واشتهر من اعتماد مضمون هذه القاعدة.\nأحدهما: شيخ الإسلام ابن تيمية.\nفقد قعّد هذه القاعدة، وقررها أتم تقرير، وأصاب المحز في بيان وجه مخالفة المخالفين لها.\nفقال - ﵀ -: وأما النوع الثاني من مستندي الاختلاف، وهو ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل، فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين - حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان\n- «إحداهما» قوم اعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها، و«الثانية» قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بلغة العرب، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن، والمنزلة عليه، والمخاطب به.\nف «الأولون» راعوا المعنى الذي رأوه من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان\nوهم «صنفان» تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به، وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرد به، وفي كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلا، فيكون خطؤهم في الدليل والمدلول، وقد يكون حقا فيكون خطؤهم في الدليل لا في المدلول … -[وهؤلاء]- عمدوا إلى القرآن فتأولوه على آرائهم، تارة يستدلون بآيات على مذهبهم ولا دلالة فيها، وتارة يتأولون ما يخالف مذهبهم بما يحرفون به الكلم عن مواضعه، ومن هؤلاء فرق الخوارج، والروافض، والجهمية، والمعتزلة، والقدرية، والمرجئة، وغيرهم","vol":"2","page":13},{"text":"ثم إنه لسبب تطرف هؤلاء وضلالهم دخلت الرافضة الإمامية، ثم الفلاسفة، ثم القرامطة وغيرهم فيما هو أبلغ من ذلك، وتفاقم الأمر في الفلاسفة والقرامطة والرافضة، فإنهم فسروا القرآن بأنواع لا يقضي العالم منها عجبه، فتفسير الرافضة كقولهم: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] هما أبو بكر وعمر، و﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] أي: بين أبي بكر وعلي في الخلافة\nوأعجب من ذلك قول بعضهم: ﴿وَالتِّينِ﴾ أبو بكر ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾ (١) عمر ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ (٢) عثمان ﴿وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ (٣) علي، وأمثال هذه الخرافات التي تتضمن تارة تفسير اللفظ بما لا يدل عليه بحال، فإن هذه الألفاظ لا تدل على هؤلاء الأشخاص. اه (^١).\nوالآخر أبو حيان الأندلسي: قال - في مقدمة تفسيره - وربما ألممت بشيء من كلام الصوفية مما فيه بعض مناسبة لمدلول اللفظ، وتجنبت كثيرا، من أقاويلهم، ومعانيهم التي يحمّلونها الألفاظ، وتركت أقوال الملحدين الباطنية المخرجين الألفاظ القريبة عن مدلولاتها في اللغة إلى هذيان افتروه على الله - تعالى -، وعلى عليّ - كرم الله وجهه - وعلى ذريته، ويسمونه علم التأويل، وقد وقفت على تفسير لبعض رؤوسهم، وهو تفسير عجيب يذكر فيه أقاويل السلف مزدريا عليهم وذاكرا أنه ما جهل مقالاتهم، ثم يفسر هو الآية على شيء لا يكاد يخطر في ذهن عاقل، ويزعم أن ذلك هو المراد من هذه الآية وهذه الطائفة لا يلتفت إليها، وقد رد أئمة المسلمين عليهم أقاويلهم وذلك مقرر في علم أصول الدين، نسأل الله السلامة في عقولنا وأدياننا وأبداننا. اه (^٢).\n***\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٥٥ - ٣٦٠) مختصرا. وانظر تطبيقه للقاعدة في الترجيح على سبيل المثال في درء تعارض العقل والنقل (١/ ٣١٦)، ومجموع الفتاوى (٥/ ٥٥٠).\n(^٢) البحر المحيط (١/ ١٣)، وانظر مثلا تطبيقه هذه القاعدة (١/ ٣٤، ٤٨، ٤٩، ٥٣)، و(١٠/ ٤١٥) منه.","vol":"2","page":14},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-144> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nهذه القاعدة من القواعد العظيمة التي ترد كل قول لم تدل عليه ألفاظ الآية الكريمة منطوقا أو مفهوما.\nومن التفاسير التي تعمل فيها هذه القاعدة:\nأولا: تأويلات الباطنية قاطبة.\nثانيا: تأويلات دعاة التجديد، والشطط في التفسير العلمي التجريبي.\n\n<span data-type='title' id=toc-145>أولا: التفسير الباطني:</span>\n<span data-type='title' id=toc-146>١ - التفسير الباطني عند الرافضة:</span>\nمن أمثله ذلك قول مفسرهم في تفسير قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] قال: الغسل عند لقاء كل إمام. اه (^١).\nومنها - أيضا - قول مفسرهم عند قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ (٣) [التين: ١ - ٣].\nقال: ﴿وَالتِّينِ﴾ رسول الله ﷺ، و﴿وَالزَّيْتُونِ﴾ (١) أمير المؤمنين - ﵇ -، و﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ (٢) الحسن والحسين، و﴿وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ (٣) الأئمة - ﵈ - (^٢). اه وكتبهم مليئة بمثل هذه الخرافات والبهتان على كتاب الله (^٣)، فما علاقة هذه الألفاظ بتلك المعاني المدّعاة؟!! منكر من القول وزور.\n_________\n(^١) تفسير الميزان (٨/ ٩٥).\n(^٢) تفسير نور الثقلين (٥/ ٦٠٦).\n(^٣) كتفسير مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار للكازراني، وتفسير الحسن العسكري، والصافي في تفسير القرآن لمحسن الكاشي، وتفسير العياشي، وتفسير فرات الكوفي، ونور الثقلين للحويزي، وتفسير الميزان للطباطبائي وغيرها كثير، وقد اعتمدت في نقولي عنهم على الأخيرين.\nوقد نقل بعض أهل السنة بعض أقوالهم وردّوها عليهم، انظر على سبيل المثال الموافقات للشاطبي (٣/ ٣٩٤) وما بعدها، ومجموع فتاوى ابن تيمية (٥/ ٥٥٠) و(١٣/ ٢٣٧ - ٢٤٠ - ٣٥٧ - ٣٦١) وانظر المحرر الوجيز (١٠/ ١٨٤ - ٢٠٨)، وغيرها كثير","vol":"2","page":15},{"text":"<span data-type='title' id=toc-147>٢ - التفسير الباطني عند الصوفية:</span>\nمن أمثلته ما جاء عنهم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١٢٦) [البقرة: ١٢٦].\nقال مفسرهم: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا﴾ الصدر الذي هو حرم القلب ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾ من استيلاء صفات النفس، واغتيال العدو للعين، وتخطّف جن القوى البدنية، أهله ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ﴾ من ثمرات معارف الروح، أو حكمه وأنواره ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ من وحّد الله منهم وعلم المعاد، ﴿قالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾\nأي: ومن احتجب أيضا من الذين سكنوا الصدر، ولا يجاوزون حدّه بالترقي إلى مقام العين لاحتجابهم بالعلم الذي وعاؤه الصدر، ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ من المعاني العقلية، والمعلومات الكلية النازلة إليهم من عالم الروح على قدر ما تعيشوا به. اه (^١).\nوقال آخر في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [النساء: ٣٦].\nقال: … وأما باطنها فالجار ذو القربى هو القلب، والجار الجنب هو الطبيعة، والصاحب بالجنب هو العقل المقتدي بالشريعة، وابن السبيل هو الجوارح المطيعة لله، هذا باطن الآية. اه (^٢).\nقال الإمام الشاطبي: - معلقا على كلام التستري (^٣) السابق -: وهو من المواضع المشكلة في كلامه، ولغيره مثل ذلك أيضا؛ وذلك أن الجاري على مفهوم كلام العرب في هذا الخطاب ما هو الظاهر، من أن المراد بالجار ذي القربي وما ذكر معه ما يفهم\n_________\n(^١) تفسير القرآن لابن عربي (١/ ٨٤).\n(^٢) من كلام سهل بن عبد الله التستري في تفسيره ص ٣٠.\n(^٣) هو: سهل بن عبد الله بن يونس التستري أبو محمد الصوفي الزاهد، روى عنه أبو نعيم قوله: أصولنا ستة، التمسك بالقرآن، الاقتداء بالسنة، وأكل الحلال، وكفّ الأذى، واجتناب الآثام، والتوبة، وأداء الحقوق، له كتاب في التفسير، توفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين. سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٣٠).","vol":"2","page":16},{"text":"منه ابتداء، وغير ذلك لا يعرفه العرب، لا من آمن، ولا من كفر، والدليل على ذلك أنه لم ينقل عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين تفسير للقرآن يماثله، أو يقاربه، ولو كان عندهم معروفا لنقل؛ لأنهم كانوا أحرى بفهم ظاهر القرآن وباطنه باتفاق الأئمة، ولا يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها، ولا هم أعرف بالشريعة منهم، ولا أيضا ثمّ دليل يدل على صحة هذا التفسير، لا من مساق الآية - فإنه ينافيه -، ولا من خارج.\nإذ لا دليل عليه كذلك، بل مثل هذا أقرب إلى ما ثبت رده ونفيه عن القرآن من كلام الباطنية، ومن أشبههم … وهذا كله إن صح نقله، خارج عن ما تفهمه العرب، ودعوى ما لا دليل عليه في مراد الله بكلامه (^١).\nوهكذا كل تفسير باطني فهو مردود بهذه القاعدة، فلا يقبل تفسير لا تدل عليه ألفاظ القرآن الكريم بدلالاتها؛ فالألفاظ قوالب المعاني، فهي التي تدل على المعنى، ومتى حاول المفسر للقرآن إلغاء ألفاظه ومدلولاتها، وفسّره بما هو خارج عن ألفاظه، وعما تدل عليه، ألغي تفسيره وردّ عليه.\nواقتصرت على ذكر هؤلاء من الباطنية وهم كثر؛ لأنهم هم الذين أفردوا التفسير بالتأليف - على قصور علمي -، وأما غيرهم فحرفوا آيات معينة ولا يوجد لهم تفسير للقرآن كامل، وقد سبق في قاعدة «لا يجوز العدول عن ظاهر القرآن إلا بدليل يجب الرجوع إليه» شيء من تأويلاتهم (^٢).\nوالله المستعان هو حسبي ونعم الوكيل.\n_________\n(^١) الموافقات (٣/ ٤٠٢ - ٤٠٣).\n(^٢) وأمثلة هذا كثير جدا، فقد ألفوا كتبا على طرائقهم في فهم نصوص القرآن سواء أكانت من باب الإشارات الاعتبارية، أم من باب قرمطة الباطنية، ومن كتبهم «حقائق التفسير» لأبي عبد الرحمن السلمي، و«تفسير القرآن العظيم» لسهل التستري و«تفسير القرآن» المنسوب لابن عربي، و«لطائف الإشارات» للقشيري وغيرها.\nوانظر مزيدا من الأمثلة في تفسير التستري ص ١١، ١٦، ١٧، ٢٧، ٧٠، ٧٤. -","vol":"2","page":17},{"text":"<span data-type='title' id=toc-148>ثانيا: تأويلات دعاة التجديد، والشطط في التفسير العلمي التجريبي:</span>\nمن أمثله ذلك ما قاله صاحب «الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن» (^١) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنّا فاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [الأنبياء: ٧٩ - ٨١]، «يسبحن» يعبر عما تظهره الجبال من المعادن التي كان يسخرها داود في صناعته الحربية، «الطير» يطلق على ذي الجناح، وكل سريع السير من الخيل والقطارات البخارية، والطيارات الهوائية، «تجري بأمره» الآن تجري بأمر الدول الأوربية وإشارتها في التلغرافات، والتليفونات الهوائية. اه (^٢).\nقال الدكتور محمد حسين الذهبي - بعد أن نقل القول السابق -: وهذا بلا شك خروج صريح عن مدلولات النصوص القرآنية، وإلحاد في آيات الله - سبحانه - اه (^٣).\n_________\n= وتفسير القشيري (١/ ٧٣، ١١٣) و(٣/ ٦٩٣، ٦٩٤، ٧٠٧).\nوتفسير ابن عربي (١/ ٥٩، ١١٧، ٣٠٣، ٦١١، ٦٣١).\nوقد نقل بعض أئمة التفسير بعض أقوالهم وردوا عليها، انظر على سبيل المثال المحرر الوجيز (٦/ ٢، ٣، ٦٥) و(١٠/ ٣٤، ٣٥)، و(٩/ ٣٠١)، و(١٦/ ٢٣٩)، والجامع لأحكام القرآن (١/ ٤٠١) و(١٠/ ١٠٥) و(١٣/ ١١)، ومجموع فتاوى ابن تيمية (١٣/ ٢٣٧، ٢٤٠، ٣٥٧، ٣٦١)، والموافقات للشاطبي (٣/ ٣٩٧) وما بعدها.\n(^١) للهالك محمد أبو زيد، وحين طبع هذا الكتاب أحدث ضجة في الأوساط العلمية والمجتمع المسلم، وقد تولت مشيخة الأزهر وغيرهم الرد عليه، وحكم على صاحبه بالزيغ والضلال والكفر، وصودر كتابه من الأسواق، وقد وقفت على نسخة منه بحوزة د. فهد الرومي واطلعت على بعض ما فيه، وانظر منهج هذا الرجل في تفسيره في «التفسير والمفسرون» (٢/ ٥٣٢) و«اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر» (٣/ ١٠٧٦) وما بعدها.\n(^٢) الهداية والعرفان ص ٢٥٧.\n(^٣) الاتجاهات المنحرفة في تفسير القرآن الكريم ص ١٠٦، وتفسير الجواهر مليء بمثل هذه الخرفات، انظر على سبيل المثال (١/ ٨٤ - ٨٥).","vol":"2","page":18},{"text":"<span data-type='title' id=toc-149>المطلب الثاني:\nقاعدة: ليس كل ما ثبت في اللغة صح حمل آيات التنزيل عليه</span>\n*<span data-type='title' id=toc-150> صورة القاعدة:</span>\nهذه القاعدة تضبط التفسير اللغوي، وتقيده بقبول السياق له، وأنه لا ينظر في التفسير اللغوي إلى ثبوته في اللغة فحسب بل لا بد مع ذلك من مراعاة السياق القرآني؛ لذلك خطئ قول من أهمل جانب السياق القرآني، وأسباب النزول، والقرائن التي حفت بالخطاب حال التنزيل، واعتمد على مجرد اللغة فحسب؛ لأن في ذلك إهمالا لغرض المتكلم به - سبحانه - من كلامه، ولكل كلمة معنى في سياق قد لا يصلح في سياق آخر.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-151> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nهذه القاعدة من القواعد التي عليها عامة المفسرين، وصنيعهم في تفسير الآيات يدل على هذا، حيث نجدهم يضعّفون أقوالا ويردون أخرى على الرغم من ثبوت هذا المعنى للكلمة المفسّرة في اللغة، وهذه القضية من الظهور بمكان، وأشهر من أن يستدل لها، وفي أمثلة هذا البحث الشيء الكثير من ذلك.\n١ - فمن هؤلاء الأئمة الإمام الطبري: وسيأتي في الأمثلة التطبيقية بعض النقول عنه في تقريره مضمون هذه القاعدة.\n٢ - ومنهم الزمخشري: فنجده أحيانا يردّ بعض الأوجه في التفسير، ويطلق عليها أنها من بدع التفاسير، مع أن لها وجها في العربية غير أن السياق لا يقبلها فمن هذه المواضع قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (٨٩) [الشعراء: ٨٩]:","vol":"2","page":19},{"text":"ومن بدع التفاسير تفسير بعضهم السليم باللديغ من خشية الله. اه (^١).\nوالعرب تطلق لفظ السليم على اللديغ تفاؤلا بالسلامة، والسّلم: لدغ الحية (^٢).\n٣ - ومنهم ابن عطية: ذكر في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ (١٠) [الرعد: ١٠] القول بأن معنى ﴿مُسْتَخْفٍ:﴾ الظاهر، من قولهم خفيت الشيء إذا أظهرته.\nقال ابن عطية: وهذا القول - وإن كان تعلقه باللغة بينا - فضعيف؛ لأن اقتران الليل بالمستخفي، والنهار بالسارب يرد على هذا القول. اه (^٣).\n٤ - ومنهم الإمام القرطبي: قال: فمن لم يحكم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرّد فهم العربية كثر غلطة ودخل في زمرة من فسر القرآن بالرأي، والنقل والسماع لا بدّ له منه في ظاهر التفسير أوّلا ليتقي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط. اه (^٤).\n٥ - وقد أشار إلى مضمون هذه القاعدة شيخ الإسلام ابن تيمية حين ذكر الخلاف الذي مستنده الاستدلال لا النقل، وذكر الجهات التي يكثر فيها الخطأ، وحصرها في جهتين.\nقال: الجهة الثانية: قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بلغة العرب، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن والمنزل عليه والمخاطب به … فهؤلاء راعوا اللفظ وما يجوز عندهم أن يريد به العربي من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم به ولسياق الكلام (^٥). اه.\n_________\n(^١) الكشاف (٣/ ١١٨).\n(^٢) انظر مادة «سلم» في تهذيب اللغة (١٢/ ٤٥٠)، ومعجم مقاييس اللغة (٣/ ٩١)، ولسان العرب (١٢/ ٢٩٢).\n(^٣) المحرر الوجيز (١٠/ ٢٠).\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن (١/ ٣٤).\n(^٥) مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٥٥ - ٣٥٦) مختصرا، وانظر (١٥/ ٩٤) منه.","vol":"2","page":20},{"text":"٦ - ومنهم الحافظ ابن كثير: فقد راعى هذه القاعدة في اختياره وترجيحه، ففي معرض ردّه لقول الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى﴾ (٧) [النجم: ٦ - ٧] إن المعنى: استوى هذا الشديد القوي ذو المرة هو ومحمد صلى الله عليهما وسلم بالأفق الأعلى أي: استويا جميعا بالأفق وذلك ليلة الإسراء (^١).\nقال ابن كثير: وهذا الذي قاله من جهة العربية متجه؛ ولكن لا يساعده المعنى على ذلك (^٢) اه.\n٧ - وذكر مضمون هذه القاعدة الزركشي، قال في البرهان: اعلم أن القرآن قسمان:\nأحدهما: ورد تفسيره بالنقل عمن يعتبر تفسيره، وقسم لم يرد، - إلى أن قال:\nالثاني: ما لم يرد فيه نقل عن المفسرين، وهو قليل، وطريق التوصل إلى فهمه النظر إلى مفردات الألفاظ من لغة العرب ومدلولاتها، واستعمالها بحسب السياق، وهذا يعتني به الراغب كثيرا في كتاب «المفردات» فيذكر قيدا زائدا على أهل اللغة في تفسير مدلول اللفظ؛ لأنه اقتنصه من السياق. اه (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-152> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nأمثلة هذه القاعدة كثيرة، متمثلة في المنهج الذي انتهجه أبو عبيدة معمر بن المثنى (^٤) في «مجاز القرآن» حيث جعل القرآن نصا عربيا مجردا، ولم يراع في\n_________\n(^١) انظر جامع البيان (٢٧/ ٤٣).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم (٧/ ٤٢٠).\n(^٣) البرهان (٢/ ١٧٢).\n(^٤) التيميّ البصري اللغوي أخذ عنه أبو عبيد القاسم بن سلام وأبو حاتم في آخرين، كان يميل إلى مذهب الخوارج، له تصانيف كثيرة، توفي سنة تسع ومائتين، وقيل غير ذلك إنباه الرواة (٣/ ٢٧٦)، وطبقات المفسرين (٢/ ٣٢٦).","vol":"2","page":21},{"text":"تفسيره سياق الآيات ولا أسباب النزول ولا المعاني الشرعية التي تدل عليها ألفاظ القرآن، ولا ما أثر من التفسير عن الصحابة والتابعين ولا عادات المخاطبين بهذا القرآن، جرّد تفسيره للآيات من هذا كله، ونزّله على المعاني العربية دون أن يحتكم إلى غير استعمال العرب للألفاظ والتراكيب - وقد أنكر عليه هذا المنهج جماعة من تلاميذه ومعاصريه ومن بعدهم (^١).\nفمن أمثلة اعتماده للعربية فقط دون نظر لسياق أو أسباب نزول أو مأثور التفسير عن الصحب الكرام وأئمة التابعين في التفسير قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ [آل عمران: ٣٩]: بكلمة من الله أي بكتاب من الله، تقول العرب للرجل: أنشدني كلمة كذا وكذا أي قصيدة فلان وإن طالت. اه (^٢).\nقال الطبري: وقد زعم بعض أهل العلم بلغات العرب من أهل البصرة أن معنى قوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ بكتاب من الله، من قول العرب: أنشدني فلان كلمة كذا، يراد به قصيدة كذا جهلا منه بتأويل الكلمة، واجتراء على ترجمة القرآن برأيه (^٣) اه.\nومن أمثلة ذلك - أيضا - قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ (٤٩) [يوسف: ٤٩]:\nأي به ينجون، وهو من العصر، وهي العصرة - أيضا - وهي المنجاة، قال:\nولقد كان عصرة المنجود (^٤)\n_________\n(^١) انظر مثلا جامع البيان (١/ ٥٨) و(١٢/ ٢٣٣)، وإنباه الرواه (٣/ ٢٧٨)، والنحو وكتب التفسير لإبراهيم رفيدة (١/ ١٥٤).\n(^٢) المجاز (١/ ٩١).\n(^٣) جامع البيان (٣/ ٢٥٣ - ٢٥٤)، والذي ذهب إليه أهل التفسير في تفسير هذه الآية أن معنى مصدقا بكلمة من الله، أي بعيسى بن مريم، وبه قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والحسن والسدي والربيع بن أنس وغيرهم.\n(^٤) هذا عجز بيت صدره «صاديا يستغيث غير مغاث» لأبي زبيد الطائي، والبيت في جامع البيان (١٢/ ٢٣٣)، ولسان العرب مادة «عصر» (٤/ ٥٧٨).","vol":"2","page":22},{"text":"أي: المقهور المغلوب … اه (^١).\nقال الطبري - معلقا على هذا القول: وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل ممن يفسر القرآن برأيه على مذهب كلام العرب يوجّه معنى قوله: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ (٤٩) - ثم ذكر قول أبي عبيدة ثم قال: وذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه، خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين اهـ (^٢).\nويدخل تحت أمثلة هذه القاعدة بعض أقوال المفسرين واللغويين في تفسير القرآن على وجه تحتمله العربية غير أن سياق الآيات لا يحتمله، وإن لم يكن ذلك منهجا لقائله.\nوقد سبق ذكر بعض ذلك عند الحديث عن اعتماد العلماء لهذه القاعدة.\n***\n_________\n(^١) المجاز (١/ ٣١٣ - ٣١٤).\n(^٢) جامع البيان (١٢/ ٢٣٣ - ٢٣٤)، والذي قاله الصحابة والتابعون في معنى وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) قولان:\nالأول: يعصرون العنب والسمسم وما أشبه ذلك.\nوالآخر: يعصرون أي: يحلبون.\nوسياق الآيات يدل على هذين المعنيين دون معنى ينجون.\n* ومن نظائر هذا:\n١ - قوله في تفسير قول الله تعالى: وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (١١) [الأنفال: ١١]، انظره في المجاز (١/ ٢٤٢)، وجامع البيان (٩/ ١٩٧).\n٢ - وقوله في تفسير قوله تعالى: وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١) [الكهف: ٨١]، انظره في المجاز (١/ ٤١٢)، وجامع البيان (١٦/ ٤).\n٣ - وقوله في تفسير قوله تعالى: وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) [الواقعة: ٢٩]، انظره في المجاز (٢/ ٢٥٠)، وجامع البيان (٢٧/ ١٨١).\n٤ - وقوله في تفسير قوله تعالى: وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢٥) [القلم: ٢٥]، انظره في المجاز (٢/ ٢٦٥)، وجامع البيان (٢٩/ ٣٣).","vol":"2","page":23},{"text":"<span data-type='title' id=toc-153>المطلب الثالث:\nقاعدة: يجب حمل كلام الله - تعالى - على المعروف من كلام العرب دون الشاذ والضعيف والمنكر</span>\n*<span data-type='title' id=toc-154> صورة القاعدة:</span>\nيجب أن يفسر القرآن ويحمل على أحسن المحامل، وأفصح الوجوه، فلا يحمل على معنى ركيك، ولا لفظ ضعيف، وإنما يحمل على المعروف عند العرب من الأوجه المطردة دون الشاذّة والضعيفة، ويحمل على الأكثر استعمالا دون القليل والنادر، ويحمل على المعاني والعادات والعرف الذي نزل به القرآن والسنة، دون ما حدث واستجد بعد التنزيل؛ وذلك لأن القرآن أفصح الكلام، ونزل على أفصح اللغات وأشهرها، فلا يعدل به عن ذلك كله وله فيها وجه صحيح.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-155> بيان ألفاظ القاعدة:</span>\nالمراد ب «المعروف من كلام العرب» أي: المستعمل في كلامهم، سواء أكان ذلك الاستعمال مطردا وهو: الذي لا يتخلف البتة، ولا تعرف العرب غيره (^١)، أم غالبا وهو: أكثر الاستعمال عليه؛ لكنه يتخلف أحيانا قليلة (^٢).\nوعلى كثرة الاستعمال مدار الفصاحة، فما كثر استعماله في ألسنة العرب الموثوق بعربيتهم فهو الفصيح، فإن تعارض قوة القياس وكثرة الاستعمال، فكثرة الاستعمال\n_________\n(^١) انظر الخصائص (١/ ٩٦)، والمزهر (١/ ٢٢٦)، والأشباه والنظائر في النحو (١/ ٢٦٠)، والكليات ص ٥٢٩. قال ابن جني: أصل مواضع «ط ر د» في كلامهم التتابع والاستمرار.\n(^٢) انظر الكليات ص ٥٢٩.","vol":"2","page":24},{"text":"هي المقدمة، وقد نص على ذلك كله غير واحد من أئمة العربية (^١).\nوالمراد ب «الشاذ والضعيف والمنكر» يجمعها جميعا قلة الاستعمال فالشاذ: هو الذي يكون وجوده قليلا؛ لكن لا يجيء على القياس (^٢)، والشذوذ يلحق القياس والاستعمال (^٣).\nوالضعيف: ما انحط عن درجة الفصيح، ويكون في ثبوته كلام (^٤).\nوالمنكر: هو أضعف من الضعيف، وأقل استعمالا بحيث أنكره بعض أئمة اللغة ولم يعرفه (^٥).\nومثلها القليل، ومثلها النادر: وهو ما قلّ وجوده وإن لم يكن بخلاف القياس، وهو أقل من القليل (^٦).\nويدخل تحت هذه القاعدة دخولا أوّليا، ما لم تستعمله العرب البتة ولم يرد في لسانها وقت نزول القرآن، وذلك كالاصطلاحات والمعاني الحادثة المستجدة والتي حدثت بعد عصر التنزيل؛ لأن الله - تعالى - خاطب العرب باللغة، والعادة، والعرف التي كانت موجودة وقت نزول القرآن لا بما حدث بعد ذلك، ومن فسر القرآن بتلك المعاني الحادثة فقد زعم أن الله خاطب العرب بما لم يعرفوا من لغتهم، وهو في زعمه مبطل.\nفيجب أن يفسر القرآن وتفهم نصوصه بحسب مدلولاتها الشرعية والعرفية واللغوية في عصر نزول القرآن.\n_________\n(^١) انظر الخصائص (١/ ١٢٤ - ١٢٥)، والإصباح في شرح الاقتراح ص ٣٩١، والمزهر (١/ ١٨٧).\n(^٢) الكليات ص ٥٢٨.\n(^٣) انظر الخصائص (١/ ٩٦)، والمزهر (١/ ٢٢٦ - ٢٢٧)، والأشباه والنظائر في النحو (١/ ٢٦٠).\n(^٤) المزهر (١/ ٢١٤)، والأشباه والنظائر في النحو (١/ ٢٦٣)، والكليات ص ٥٢٩ وص ٥٧٥.\n(^٥) المزهر (١/ ٢١٤)، والكليات ص ٥٧٥.\n(^٦) المزهر (١/ ٢٣٤)، والكليات ص ٥٢٩.","vol":"2","page":25},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-156> أدلة القاعدة:</span>\nدلالة القرآن على هذه القاعدة واضحة جلية، وذلك من وجوه أذكر منها ما يلي (^١):\n١ - أن الله - تعالى - حض عباده على تدبر القرآن وتعقله فقال تعالى: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (٢٩) [ص: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ (٢٤) [محمد: ٢٤] وأخبر - سبحانه - عن تيسيره للقرآن في تلاوته وحفظه، وفي فهمه وتدبره بقوله تعالى:\n﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (١٧) [القمر: ١٧].\nوتدبره لا يكون إلا بفهم معانيه، ومن تيسير الله - تعالى - له أن تفهمه الأمة ثم تعمل به، وفهمه والعمل به لا بد لهما من العلم بمعانيه التي يحمل عليها، وهذا خطاب عام للأمة جميعا، ولا يكون لجمهور الأمة تدبر وتفهم لمعانيه إلا إذا كانت تلك المعاني هي المعروفة والمشهورة من لسان العرب، لا ما قل استعماله وندر، وإنّ حمله على المعاني الغريبة، أو النادرة، أو قليلة الاستعمال ينافي التيسير الذي امتنّ الله به على هذه الأمة في فهم كتابه والادكار به، فليس كل مخاطب بهذه الآيات يعلم ما قلّ وندر في استعمال العرب، فضلا عن كون العرب الذين نزل القرآن بلغتهم لا يعرفون هذا المعنى؛ «لأن الله - جل ثناؤه - إنما خاطبهم بما خاطبهم به، لإفهاهم معنى ما خاطبهم به» (^٢).\nقال الإمام الشاطبي: إنما يصح - في مسلك الأفهام والفهم - ما يكون عاما لجميع العرب، فلا يتكلف فيه فوق ما يقدرون عليه بحسب الألفاظ والمعاني؛ فإن الناس - في الفهم وتأتي التكليف فيه - ليسوا على وزان واحد ولا متقارب، إلا أنهم يتقاربون في الأمور الجمهورية وما والاها، … فيلزم أن ينزل فهم الكتاب والسنة، بحيث تكون معانيه مشتركة لجميع العرب، ولذلك أنزل القرآن على سبعة أحرف،\n_________\n(^١) أفدت في بعض هذه الوجوه من كتاب «منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد» (٢/ ٤٥٧).\n(^٢) جامع البيان (١٢/ ٤٠).","vol":"2","page":26},{"text":"واشتركت فيه اللغات حتى كانت قبائل العرب تفهمه\nفالحاصل أن الواجب في هذا المقام إجراء الفهم في الشريعة على وزان الاشتراك الجمهوري الذي يسع الأميين كما يسع غيرهم اهـ (^١).\n٢ - ومنها أن الله - تعالى - أخبر أنه أنزل القرآن بلسان عربي مبين فقال سبحانه:\n﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾\n(١٩٥) [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥] فهو نزل على أفصح اللغات وأكملها وأظهرها وأبينها، فحمله على خلاف ذلك مخالفة للسانه الذي نزل به، وخروج به عن حكمة الله - تعالى - في إنزاله على هذه الفصاحة.\n٣ - ومنها أن الله - تعالى - وصف هذا القرآن بالبيان والهدى والرحمة، فقال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٨٩) [النحل: ٨٩] مما يدل على أنه بيّن واضح في ألفاظه ومعانيه، فيه الهدى والرحمة للمسلمين جميعا، فلا يحتاج في إدراك معانيه تكلف وعناء، ومطاردة شواذ وغرائب المعاني وهذا لا يكون إلا بحمله على أفصح الوجوه وأشهرها، وأغلبها في استعمال المخاطبين.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-157> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nنص على هذه القاعدة، ورجح بها كثير من العلماء:\n١ - منهم الإمام الطبري: قال - مقررا هذه القاعدة: إنما يوجه الكلام إلى الأغلب المعروف في استعمال الناس من معانيه، دون الخفي، حتى تأتي بخلاف ذلك مما يوجب صرفه إلى الخفي من معانيه حجة يجب التسليم لها من كتاب، أو خبر عن الرسول ﷺ، أو إجماع من أهل التأويل اهـ (^٢).\n_________\n(^١) الموافقات (٢/ ٨٥ - ٨٧).\n(^٢) جامع البيان (٧/ ٥٠٩) تحقيق: شاكر.","vol":"2","page":27},{"text":"وقال في موضع آخر: إن الكلام إذا تنوزع في تأويله، فحمله على الأغلب والأشهر من معناه أحق وأولى من غيره ما لم تأت حجة مانعة من ذلك يجب التسليم لها اهـ (^١).\nوقال في موضع آخر: وغير جائز حمل كتاب الله - تعالى - ووحيه - جل ذكره - على الشواذ من الكلام وله في المفهوم الجاري بين الناس وجه صحيح موجود اه (^٢).\nوهذه القاعدة من القواعد التي ذكرها الطبري ورجح بها في مواضع كثيرة جدا - وستأتي الإحالة إلى بعضها في الأمثلة التطبيقية.\n٢ - ومنهم أبو جعفر النحاس: قال: والواجب أن يحمل تفسير كتاب الله - ﷿ - على الظاهر والمعروف من المعاني إلا أن يقع دليل على غير ذلك اهـ (^٣).\n٣ - ومنهم مكي بن أبي طالب: ففي معرض ردّه على من جعل «إلا» في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] بمعنى الواو أي: واللمم، قال: وكون «إلا» بمعنى الواو بعيد شاذ، ولو جعلت «إلا» بمعنى «لكن» لكان أقرب وأجود اهـ (^٤).\n٤ - ومنهم الزمخشري: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا﴾\n[الزخرف: ١٥] قال: ومن بدع التفاسير تفسير الجزء بالإناث، وادعاء أن الجزء لغة اسم للإناث، وما هو إلا كذب على العرب، ووضع مستحدث منحول اهـ (^٥).\n٥ - ومنهم القاضي ابن عطية: فقد اعتمد هذه القاعدة في معرض ردّه لقول ابن\n_________\n(^١) جامع البيان (٧/ ٢٢١).\n(^٢) جامع البيان (٢/ ٤٦٨).\n(^٣) إعراب القرآن (٥/ ١٣٢).\n(^٤) بواسطة نقل السيوطي في الأشباه والنظائر في النحو (٤/ ٢٨٦).\n(^٥) الكشاف (٣/ ٤٨١).","vol":"2","page":28},{"text":"زيد في تفسير السّنة في قوله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] قال ابن زيد:\nالوسنان الذي يقوم من النوم وهو لا يعقل.\nقال أبو محمد: وهذا فيه نظر وليس ذلك بمفهوم من كلام العرب اهـ (^١).\n٦ - ومنهم العز بن عبد السلام: قال - مقررا مضمون هذه القاعدة -: وعلى الجملة فالقاعدة في ذلك أن يحمل القرآن على أصح المعاني، وأفصح الأقوال، فلا يحمل على معنى ضعيف، ولا على لفظ ركيك اهـ (^٢).\n٧ - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: قال - مقررا هذه القاعدة رادّا على من خالفها بحمل ألفاظ الكتاب والسنة على معان حادثة -: الواجب أن يعرف اللغة والعادة والعرف الذي نزل في القرآن والسنة، وما كان الصحابة يفهمون من الرسول عند سماع تلك الألفاظ، فبتلك اللغة والعادة والعرف خاطبهم الله ورسوله، لا بما حدث بعد ذلك. اه (^٣). واستعمل هذه القاعدة في الترجيح ونبّه عليها في مواضع (^٤).\n٨ - ومنهم العلاّمة ابن القيم: فقد قرر هذه القاعدة تقريرا يشفي الغليل قال فيه:\nللقرآن عرف خاص ومعان معهودة لا يناسبه تفسيره بغيرها ولا يجوز تفسيره بغير عرفه والمعهود من معانيه فإن نسبة معانيه إلى المعاني كنسبة ألفاظه إلى الألفاظ بل أعظم، فكما أن ألفاظه ملوك الألفاظ وأجلها وأفصحها ولها من الفصاحة أعلى مراتبها التي يعجز عنها قدر العالمين فكذلك معانيه أجل المعاني وأعظمها وأفخمها، فلا يجوز تفسيره بغيرها من المعاني التي لا تليق به بل غيرها أعظم منها وأجل وأفخم، فلا يجوز حمله على المعاني القاصرة بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي.\nفتدبر هذه القاعدة ولتكن منك على بال فإنك تنتفع بها في معرفة ضعف كثير\n_________\n(^١) المحرر الوجيز (٢/ ٢٧٥)، وانظر نحو هذا الترجيح فيه (٨/ ٢٤٦).\n(^٢) الإشارة إلى الإيجاز ص ٢٢٠.\n(^٣) الإيمان ص ١٠١.\n(^٤) انظر درء تعارض العقل والنقل (١/ ٣١٦).","vol":"2","page":29},{"text":"من أقوال المفسرين وزيفها وتقطع أنها ليست مراد المتكلم - تعالى - بكلامه، وسنزيد هذا إن شاء الله - تعالى - بيانا وبسطا في الكلام على أصول التفسير، فهذا أصل من أصوله، بل هو أهم أصوله اهـ (^١).\nوقال في موضع آخر في معرض ذكره لأنواع التأويل الباطل قال فيه:\nالرابع: ما لم يؤلف استعماله في ذلك المعنى في لغة المخاطب، وإن ألف في الاصطلاح الحادث، وهذا موضع زلت فيه أقدام كثير من الناس، وضلت فيه أفهامهم، حيث تأولوا كثيرا من ألفاظ النصوص بما لم يؤلف استعمال اللفظ له في لغة العرب البتة، وإن كان معهودا في اصطلاح المتأخرين، وهذا مما ينبغي التنبه له فإنه حصل بسببه من الكذب على الله ورسوله ما حصل اهـ (^٢).\nوطبق هذه القاعدة في تحقيقه وترجيحه لبعض الأقوال في التفسير (^٣).\n٩ - ومنهم الإمام الشاطبي: قال مقررا هذه القاعدة: إنه لا بد في فهم الشريعة من اتباع معهود الأميين - وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم - فإن كان العرب في لسانهم عرف مستمر، فلا يصح العدول عنه في فهم الشريعة، وإن لم يكن ثم عرف فلا يصح أن يجري في فهمها على ما لا تعرفه.\nوهذا جار في المعاني، والألفاظ والأساليب … وإذا كان كذلك، فلا يستقيم للمتكلم في كتاب الله أو سنة رسول الله أن يتكلف فيهما فوق ما يسعه لسان العرب اه (^٤).\n١٠ - ومنهم العلاّمة ابن الوزير: ففي معرض بيانه للتفسير باللغة قال: وينبغي التنبيه في هذا النوع لتقديم المعروف المشهور على الشاذ … اه (^٥).\n_________\n(^١) بدائع الفوائد (٣/ ٢٧ - ٢٨).\n(^٢) الصواعق المرسلة (١/ ١٨٩).\n(^٣) انظر على سبيل المثال بدائع الفوائد (٣/ ٢٧ - ٢٨ - ٣٠)، وتحفة المودود ص ٢٠.\n(^٤) الموافقات (٢/ ٨٢ - ٨٥).\n(^٥) إيثار الحق ص ١٥٤.","vol":"2","page":30},{"text":"وغير هؤلاء كثير، تركت بعض أقوالهم خوف الإطالة (^١).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-158> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nهذه القاعدة تعمل في التفاسير التالية وما شابهها:\n\nأولا: تأويلات أهل الكلام والفلسفة.\nثانيا التفسير الباطني.\nثالثا: تأويلات دعاة التجديد العصريّ.\nرابعا: بعض أقوال المفسرين التي ليست مما سبق وخالفت القاعدة.\n\n<span data-type='title' id=toc-159>أولا: تأويلات أهل الكلام والفلسفة:</span>\nإن من أهم الأسباب التي دفعت بعض المفسرين للعدول في تفسير القرآن عن الفصيح إلى الركيك أو إلى ما لا يعرف من لسان العرب الذي نزل به القرآن هي تلك المذاهب التي اعتقدوها فأرادوا تصحيح مذاهبهم بحمل الآيات عليها، «فإذا حمل حامل آية من كتاب الله، أو لفظا من ألفاظ رسول الله ﷺ على أمثال هذه المحامل، وأزال الظاهر الممكن إجراء لمذهب اعتقده، فهذا لا يقبل» (^٢)، ويرد على قائله.\nفمن أمثلة هذا تفسير طائفة من الجهمية والمعتزلة «الأفول» في قول الله تعالى:\n﴿فَلَمّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (٧٦) [الأنعام: ٧٦] بالحركة والانتقال (^٣).\nوقد تولى شيخ الإسلام ابن تيمية - وغيره - الرد عليهم في هذا من عدة وجوه، أحدها مضمون هذه القاعدة فقال - ﵀ -:\n_________\n(^١) انظر بعضها في العدة لأبي يعلى (٣/ ١٠٣٥)، والبرهان للجويني (١/ ٣٥٦ - ٣٥٨)، وروضة الناظر مع شرحها (٢/ ٣٩)، البرهان للزركشي (٢/ ١٦٠)، والأشباه والنظائر في النحو للسيوطي (١/ ٢٢٦)، و(٤/ ٢٨٦)، وشرح الكوكب (٤/ ٦٦١)، وروح المعاني (١/ ٣٤٣)، و(٢٩/ ١١٠)، وأضواء البيان (٣/ ٦٠ - ٦٢)، و(٥/ ٢٥)، و(٧/ ٢١٥ - ٢٨٩)، والمدخل الفقهي العام (٢/ ٨٧٧)، وبدع التفاسير ص ١٢.\n(^٢) البرهان في أصول الفقه للجويني (١/ ٣٥٦).\n(^٣) انظر الكشاف (٢/ ٣١)، ودرء تعارض العقل والنقل (١/ ٣١٠)، والصواعق المرسلة (١/ ١٩٠).","vol":"2","page":31},{"text":"الوجه الرابع: أن هذا القول الذي قالوه لم يقله أحد من علماء السلف أهل التفسير، ولا من أهل اللغة، بل هو من التفسيرات المبتدعة في الإسلام … ومن المعلوم بالضرورة من لغة العرب أنهم لا يسمون كل مخلوق موجود آفلا، ولا كل موجود بغيره آفلا، ولا كل موجود يجب وجوده بغيره لا بنفسه آفلا، ولا ما كان من هذه المعاني التي يعنيها هؤلاء بلفظ الإمكان، بل هذا أعظم افتراء على القرآن واللغة من تسمية كل متحرك آفلا، ولو كان الخليل أراد بقوله: ﴿لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾\n(٧٦) هذا المعنى، لم ينتظر مغيب الكوكب والشمس والقمر اهـ (^١).\nوقال العلامة ابن القيم: ولا يعرف في اللغة التي نزل بها القرآن أن الأفول هو الحركة البتة في موضع واحد اهـ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-160>ثانيا التفسير الباطني:</span>\nهذه القاعدة ترد كل تأويلات الباطنية، وإشارات الصوفية، فكل ذلك تفسير بما لا تعرف العرب من لسانها، فضلا عن أن يكون مستعملا على سبيل القلّة أو الندرة، فإذا كان يجب حمل القرآن على الأكثر استعمالا، والابتعاد به عن الأقل والنادر والشاذ ونحوها، فما بالك بما لا يعرف من لغتها وقت التنزيل مطلقا؟! فردّه بهذه القاعدة أولى وأحرى - كما سبق ذلك في بيان ألفاظ القاعدة.\nوقد سبق في بعض القواعد ذكر أمثلة لتفاسير الباطنية، فلا أطنب هنا بذكر أمثلة كثيرة، فمنهج القوم واحد، وأكتفي من ذلك بمثالين من تفسير القرآن العظيم لسهل التستري مع ذكر ردّ الإمام الشاطبي لهما بما تقتضيه هذه القاعدة.\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٣١٤ - ٣١٥).\n(^٢) الصواعق المرسلة (١/ ١٩٠).\n* ومن نظائر هذا المثال: تأويل الأحد: في قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١) بأنه الذي لا يتميز منه شيء عن شيء ومنه تأويل: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤] بأن المعنى: أقبل على خلق العرش، انظر الصواعق المرسلة (١/ ١٩٠ - ١٩١)، ومختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٣٢٠) وما بعدها.","vol":"2","page":32},{"text":"المثال الأول: قال سهل التستري في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦]: باطنها الرسول، يؤمن به من أثبت الله في قلبه التوحيد من الناس اهـ (^١).\nقال الإمام الشاطبي: وهذا التفسير يحتاج إلى بيان، فإن هذا المعنى لا تعرفه العرب، ولا فيه من جهتها وضع مجازي مناسب ولا يلائمة مساق بحال اهـ (^٢).\nالمثال الثاني: قال التستري في قول الله تعالى: ﴿وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [النساء: ٣٦]: وأمّا باطنها فالجار ذو القربي هو:\nالقلب، والجار الجنب: هو الطبيعة، والصاحب بالجنب هو: العقل المقتدي بالشريعة، وابن السبيل هو: الجوارح المطيعة لله اهـ (^٣).\nوقال الإمام الشاطبي: - بعد أن ذكر معنى الآية: وغير ذلك لا تعرفه العرب، لا من آمن ولا من كفر\n[إلى أن قال بعد أن ساق بعض تفاسير الصوفية للآية]: وهذا كله خارج عما تفهمه العرب، ودعوي ما لا دليل عليه في مراد الله اهـ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-161>ثالثا: تأويلات دعاة التجديد العصري:</span>\nحاولت مدرسة التجديد التوفيق بين العلوم العصرية ونصوص القرآن الكريم، وإن كلفهم ذلك تحميل الآيات ما لا تحتمل، أو حمل القرآن على ما لا يعرف في لسان العرب الذي نزل القرآن به، أو حمل القرآن على معان ونظريات علمية، بغض النظر عن كون هذه المعاني تحتملها الألفاظ أو لا؟ وتعرفها العرب من لسانها أو لا؟\n- ومن ذلك تجويز محمد عبده وأتباعه تأويل «الطير الأبابيل» التي رمت أصحاب\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم له ص ٢٧.\n(^٢) الموافقات (٣/ ٤٠١).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم له ص ٣٠.\n(^٤) الموافقات (٣/ ٤٠٢ - ٤٠٣).","vol":"2","page":33},{"text":"الفيل بحجارة من سجيل - كما في سورة الفيل - بأن تكون من جنس الذباب أو البعوض أو الميكروبات، والحجارة: هي الجراثيم التي تنقل الأمراض الفتاكة.\nقال محمد عبده: فيجوز لك أن تعتقد أن هذا الطير من جنس البعوض أو الذباب الذي يحمل جراثيم بعض الأمراض، وأن تكون هذه الحجارة من الطين المسموم اليابس الذي تحمله الرياح فيعلق بأرجل هذه الحيوانات فإذا اتصل بجسد دخل في مسامه فأثار فيه تلك القروح التي تنتهي بإفساد الجسم وتساقط لحمه، وأن كثيرا من هذه الطيور الضعيفة يعد من أعظم جنود الله في إهلاك من يريد إهلاكه من البشر وأن هذا الحيوان الصغير الذي يسمونه الآن بالمكروب لا يخرج عنها، وهو فرق وجماعات لا يحصي عددها إلا بارئها اهـ (^١).\nفهل تعرف العرب من لسانها - وقت نزول القرآن بالإخبار عن هذه الحادثة - هذه الميكروبات والجراثيم - التي اكتشفها العلم الحديث - فيفسر القرآن بها ويحمل عليها؟!\nقال د. محمد حسين الذهبي بعد أن ساق كلام محمد عبده المذكور آنفا: وهذا ما لا نقره عليه؛ لأن هذه الجراثيم التي اكتشفها الطب الحديث لم يكن للعرب علم بها وقت نزول القرآن، والعربي إذا سمع لفظ الحجارة في هذه السورة لا ينصرف ذهنه إلى تلك الجراثيم بحال من الأحوال، وقد جاء القرآن بلغة العرب خاطبهم بما يعهدون ويألفون … اه (^٢).\nوقال الشيخ محمد الصادق عرجون: وهل في عرف اللغة العربية واستعمالاتها إطلاق لفظ «الطير» على الحيوان المسمى بالمكروب، فهل كان القوم المخاطبون في وقت المواجهة بالخطاب التعجيبي الذي افتتحت به السورة يعلمون شيئا عن هذا الحيوان\n_________\n(^١) تفسير جزء عم له ص ١٥٦، وكذا قال المراغي في تفسيره (٣٠/ ٢٤٣)، ومحمد فريد وجدي في المصحف المفسر ص ٨٢٢.\n(^٢) التفسير والمفسرون (٢/ ٥٦٩).","vol":"2","page":34},{"text":"المسمى (بالمكروب) … أليس هذا تحميلا لآيات القرآن فوق طاقة أساليب العربية وفوق طاقة أفهام من نزل القرآن لتعجيبهم من شأن هذه الحادثة المبدعة إرهاصا لمقدم بعثة خاتم النبيين محمد ﷺ … وهذا ضرب من التعسف في التأويل المتملق لنظريات العلم المستحدثة وهو مذهب لكثير من المجددين في تفسير القرآن … اه (^١).\nوقال د. فهد الرومي: بل إن الآية صرحت بإرسال الطير ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبابِيلَ﴾ (٣) وبين المخاطبين كثير ممن عاصر الحادث بل ممن شاهده وفيهم كثير من أعداء الرسول ﷺ فالسورة مكية ولو أنهم لم يروا هذا الطير الأبابيل رأي العين لبادروا إلى تكذيب القرآن وإنكارهم لرمي الطير لجيش أبرهة ولا يقبل أن يقال أنهم رأوا المكروب أو الجراثيم لأنهم لا يستطيعون رؤيتها ولا يقال أنهم رأوا الذباب أو البعوض لأنهم لا يرون الحجارة التي تحملها فكان لا بد أن يكونوا رأوا طيرا ورأوا الحجارة التي تحملها ورأوا الرمي ولا يهم بعد ذلك أن يكون هلاك الجيش بمجرد وقوع الحجر أو أن تكون هذه الحجارة قد أصابته بمرض من الأمراض فالقرآن لم يصرح بذلك بل ذكر هلاكهم بهذا العقاب الشديد اهـ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-162>رابعا: بعض أقوال المفسرين التي ليست مما سبق وخالفت القاعدة:</span>\nالأصل في هذا النوع أن يكون ذلك الوجه الذي تضعّفه القاعدة وتخالفه، هو ما كان ضعيفا، أو نادرا، أو قليل الاستعمال في لغة العرب.\nوأمثلة هذا النوع كثيرة جدا:\n١ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (٢٧) [آل عمران: ٢٧].\nاختلف المفسرون في المراد بقوله: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾.\n_________\n(^١) نحو منهج لتفسير القرآن ص ٣٤ - ٣٦.\n(^٢) منهج المدرسة العقلية في التفسير (٢/ ٧٢٦).","vol":"2","page":35},{"text":"فقال بعضهم: أنه يخرج الحي من النطفة الميتة، ويخرج النطفة الميتة من الشيء الحي.\nوقال آخرون: أنه يخرج النخلة من النواة، والنواة من النخلة، والسنبل من الحب، والحب من السنبل، والبيض من الدجاج، والدجاج من البيض.\nوقال آخرون: أنه يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن.\nقال الطبري - بعد أن ذكر هذه الأقوال، ورواها عن قائليها -:\nوأولى التأويلات التي ذكرناها في هذه الآية بالصواب تأويل من قال: يخرج الإنسان الحيّ والأنعام والبهائم الأحياء من النطف الميتة، وذلك إخراج الحيّ من الميت، ويخرج النطفة الميتة من الإنسان الحيّ والأنعام والبهائم الأحياء، وذلك إخراج الميت من الحيّ، وذلك أن كل حيّ فارقه شيء من جسده، فذلك الذي فارقه منه ميت، فالنطفة ميتة لمفارقتها جسد من خرجت منه، ثم ينشئ الله منها إنسانا حيا وبهائم وأنعاما أحياء، وكذلك حكم كل شيء حيّ زايله شيء منه، فالذي زايله منه ميت، وذلك هو نظير قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢٨) [البقرة: ٢٨].\nوأما تأويل من تأوّله بمعنى الحبة من السنبلة، والسنبلة من الحبة، والبيضة من الدجاجة، والدجاجة من البيضة، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، فإن ذلك وإن كان له وجه مفهوم، فليس ذلك الأغلب الظاهر في استعمال الناس في الكلام، وتوجيه معاني كتاب الله - ﷿ - إلى الظاهر المستعمل في الناس، أولى من توجيهها إلى الخفي القليل في الاستعمال اهـ (^١).\n٢ - ومن أمثلة هذا النوع - أيضا - ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠].\nاختلف المفسرون في معني ﴿وَفارَ التَّنُّورُ:﴾\nفقال بعضهم: انبجس الماء من وجه الأرض، وفار التنور، وهو وجه الأرض.\n_________\n(^١) جامع البيان (٣/ ٢٢٦).","vol":"2","page":36},{"text":"وقال آخرون: هو تنوير الصبح من قولهم: نوّر الصبح تنويرا.\nوقال آخرون: معنى ذلك: وفار على الأرض وأشرف مكان فيها بالماء، وقال التنور: أشرف الأرض.\nوقال آخرون: هو التنور الذي يختبز فيه.\nقال الإمام الطبري - بعد أن ساق هذه الأقوال مسندة إلى من قال بها -:\nوأولى هذه الأقوال عندنا بتأويل قوله: ﴿التَّنُّورُ﴾ قول من قال: هو التنور الذي يخبز فيه؛ لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب، وكلام الله لا يوجه إلا إلى الأغلب الأشهر من معانيه عند العرب، إلا أن تقوم حجة على شيء منه بخلاف ذلك، فيسلم لها، وذلك أنه - جل ثناؤه - إنما خاطبهم بما خاطبهم به، لإفهامهم معنى ما خاطبهم به. اه (^١).\n_________\n(^١) جامع البيان (١٢/ ٤٠).\n* ونظائر هذين المثالين كثيرة جدا:\nانظر بعضها في جامع البيان (١/ ١٧٢)، و(٢/ ١٤، ٤٦٨)، و(٣/ ٢٧٧)، و(٤/ ٤٢)، و(٧/ ٢٢١)، و(٨/ ١٢٧)، و(٩/ ٨، ١٧١)، و(١٠/ ٢٨، ٧٥، ١٢٧، ١٢٨، ١٤٦، ٢٠٤)، و(١١/ ١٥٥)، و(١٢/ ٤٠، ٢٠٥)، و(٤/ ٩٨)، و(١٥/ ٤٦، ٥٧، ٨٧، ١٢٧)، و(١٦/ ٦، ١٠٥، ١٥٣)، و(١٧/ ٣٥، ١٧٨)، و(١٨/ ١٤، ٣٤، ١٧٠)، و(٢١/ ١٠٢)، و(٢٣/ ١٧٨)، و(٢٤/ ٩٣، ١٠٣، ١٠٨)، و(٢٦/ ٣)، و(٢٧/ ١٩، ٢٦، ٢٠٤، ٢٣١)، و(٣٠/ ١٣، ٦٧، ١٠٧، ١٤٥، ١٧٧، ١٨٠، ١٩٨، ٢٤٠، ٢٩٩).\nوالمدخل لعلم تفسير كتاب الله لأبي النصر السمرقندي ص ٩٨ وما بعدها، وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ٨٢)، (٤/ ٤١٤).\nوالمحرر الوجيز (١/ ٩٦، ٢٠٦، ٢٨٨)، و(٢/ ٢٧٥)، و(٥/ ٢٤٦)، و(١٥/ ٦٨)، و(١٦/ ١٥٩).\nوالجامع لأحكام القرآن (١/ ٤٢٥).\nوالتفسير القيم ص ٢٢٠، ٢٧٢، ٣٠٠، ٣٤١، ٤٢٥، ومغنى اللبيب (٢/ ٥٠٩، ٥١٠)، وتفسير ابن كثير (١/ ١٦٧)، والأشباه والنظائر في النحو للسيوطي (٤/ ٢٨٦)، وأضواء البيان (١/ ٢١٤، ٣٧٥)، و(١/ ٢١٤، ٣٧٥)، و(٣/ ٦٠، ٦٢)، و(٥/ ٢٤)، و(٦/ ٣٠٠)، و(٧/ ٢١٥، ٢٨٩).","vol":"2","page":37},{"text":"ويدخل تحت هذه القاعدة، القواعد التالية:\nالقاعدة الأولى:\nإذا دار الكلام بين الإضمار والزيادة، فالإضمار أولى.\n*صورتها:\nإذا اختلف المفسرون في تفسير آية من كتاب الله - تعالى -، فمنهم من يقول بالإضمار في الآية، ومنهم من يقول بالزيادة فيها، والكلام محتمل لذلك، فقول القائل بالإضمار أولى؛ لأنه في كلام العرب أكثر من الزيادة (^١).\nالقاعدة الثانية:\nإذا دار الأمر بين الاشتراك والمجاز، قدم المجاز.\n*صورتها:\nإذا وقع التعارض بين الاشتراك والمجاز، فالمجاز أولى؛ لأنه أكثر استعمالا من المشترك بالاستقراء - عند القائلين به -، والحمل على الأكثر أولى (^٢).\nالقاعدة الثالثة:\nإذا دار الأمر بين المجاز والإضمار، قدم المجاز.\nوسبب تقديمه أنه أكثر في اللسان، والإضمار أقل منه، والكثرة تدل على الرجحان (^٣).\nالقاعدة الرابعة:\nإذا دار الأمر بين الاختلاف والتقدير كان التقدير أولى.\n_________\n(^١) ذكر هذه القاعدة بعض الأصوليين انظر التمهيد للأسنوي ص ٢٠٦، وشرح الكوكب (١/ ١٩٦)، وانظر اعتمادها في الترجيح في معاني القرآن للأخفش (٢/ ٤٩٧)، وجامع البيان (٢٤/ ٣٦) والتفسير القيم ص ٤٢٤ - ٤٢٥، وانظر - أيضا - جامع البيان (٨/ ١٣٠)، وتفسير ابن كثير (٣/ ٣٨٧).\n(^٢) البحر المحيط للزركشي (٢/ ٢٤٤)، وانظر المحصول (١/ ٤٩٢/١)، والتعارض والترجيح للبرزنجي (٢/ ١٣٣).\n(^٣) انظر شرح تنقيح الفصول ص ١٢١ - ١٢٢ - ١٢٤، والبحر المحيط للزركشي (٢/ ٢٤٥) وشرح الكوكب (٤/ ٦٦٦)، والتعارض والترجيح للبرزنجي (٢/ ١٦٠).","vol":"2","page":38},{"text":"*صورتها:\nإذا دار الأمر بين اختلاف الجمل في العطف، بأن تعطف جملة اسمية على فعلية، وتقدير فعل، بحيث تعطف جملة فعلية على جملة فعلية، فالتقدير أولى، وذلك لكثرة التقدير في كلام العرب، وقلة الاختلاف في تعاطف الجمل، والحمل على الأكثر أولى (^١).\n***\n_________\n(^١) انظر الأشباه والنظائر في النحو للسيوطي (١/ ٢٢٨)، وأوضح المسالك (٢/ ١٦٨)، وشرح ابن عقيل على الألفية (١/ ٤٤٦)، والإتقان (٢/ ٣٢٢)، ومعترك الأقران (٣/ ٤٩٧).","vol":"2","page":39},{"text":"<span data-type='title' id=toc-163>المطلب الرابع:\nقاعدة: يجب حمل نصوص الوحي على الحقيقة</span>\n*<span data-type='title' id=toc-164> صورة القاعدة:</span>\nالأصل في الكلام أن يحمل على الحقيقة، ولا يجوز العدول به عنها وله فيها محمل صحيح. فيجب حمل نصوص الوحي وتفسيرها على حقائقها.\nفإذا تنازع المفسرون في تفسير آية من كتاب الله - تعالى -، فمنهم من يحمل ألفاظها على حقائقها، ومنهم من يدعي عليها المجاز ويحملها على معان مخالفة لما تدل عليه حقائقها.\nفقول من حملها على حقائقها هو الصواب، والذي يجب أن يعتمد ويصار إليه.\nومن ادعى صرف شيء من ألفاظها عن حقيقته إلى مجازه لم يتم له ذلك إلا بعد أربع مقدمات:\nأحدها: بيان امتناع إرادة الحقيقة، وصحة ذلك.\nالثاني: بيان صلاحية اللفظ لذلك المعنى الذي عينه وإلا كان مفتريا على اللغة.\nالثالث: الجواب عن الدليل الموجب لإرادة الحقيقة.\nالرابع: أن تكون القرينة تصلح لنقلها عن حقيقتها إلى مجازها (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-165> بيان ألفاظ القاعدة:</span>\nالحقيقة في اللغة مأخوذة من قولهم: حق الشيء إذا وجب.\nواشتقاقه من الشيء المحقق وهو المحكم، تقول ثوب محقق النّسج: أي\n_________\n(^١) انظر نقض تأسيس الجهمية (١/ ٤١)، وبدائع الفوائد (٤/ ٢٠٥)، والموافقات (٣/ ٩٩).","vol":"2","page":40},{"text":"محكمة (^١).\nوفي اصطلاح الأصوليين هي: كل لفظ بقي على موضعه ولم ينقل إلى غيره (^٢).\nوهذه هي الحقيقة اللغوية.\nوقسيمها المجاز - عند القائلين به - وهو: استعمال الكلمة في غير ما وضعت له لعلاقة بينهما مع قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي (^٣).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-166> موقف العلماء من المجاز في اللغة والقرآن:</span>\nاختلف العلماء في وقوع المجاز في اللغة وفي القرآن - والخلاف في ذلك مشهور معروف،، أقتصر منه على ذكر الخلاف دون حجج المانعين، والمجيزين، وجواب كل فريق؛ لأنه ليس مقصودي من ذكر هذه القاعدة -.\nفذهب بعض العلماء إلى منع وجود المجاز في اللغة، ورجح هذا القول وانتصر له شيخ الإسلام ابن تيمية، وألف رسالة في الحقيقة والمجاز (^٤)، وردّ القول به، وهدم حدّه الذي حدّ به (^٥). وتبعه تلميذه العلاّمة ابن القيم، وعقد له فصلا في الصواعق المرسلة قال فيه: كسر الطاغوت الثالث وهو المجاز من خمسين وجها (^٦).\nوذهب كثير من العلماء إلى القول بالمجاز في اللغة.\n_________\n(^١) الصاحبي ص ٣٢١، وانظر معجم مقاييس اللغة (٢/ ١٥)، وتهذيب اللغة (٣/ ٣٧٤)، ولسان العرب (١٠/ ٥٢) مادة «حقق».\n(^٢) شرح اللمع (١/ ١١٩)، وانظر العدة لأبي يعلى (١/ ١٧٢)، والتمهيد لأبي الخطاب (٢/ ٢٤٧)، وأصول السرخسي (١/ ١٧٠)، وشرح الكوكب (١/ ١٤٩).\n(^٣) مذكرة في أصول الفقه للشنقيطي ص ٢١٠.\n(^٤) انظرها ضمن مجموع الفتاوى (٢٠/ ٤٠٠).\n(^٥) انظر مجموع الفتاوى (٧/ ٩٦ - ١٠٩)، والإيمان ص ٨٣.\n(^٦) انظرها في مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٢٤١).","vol":"2","page":41},{"text":"ثم اختلف هؤلاء في جواز إطلاقه في القرآن، فمنهم من أجازه (^١)، ومنهم من منعه (^٢).\nوقد ألف العلاّمة الشنقيطي رسالة في منعه سمّاها «منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز» تكلم فيها عن المسألة، وأدلة كل فريق، وأجاب عن الآيات التي ادعي فيها المجاز، وحرر رأيه بقوله: والذي ندين الله به ويلزم قبوله كل منصف محقق أنه لا يجوز إطلاق المجاز في القرآن مطلقا على كلا القولين، أما على القول بأنه لا مجاز في اللغة أصلا وهو الحق، فعدم المجاز في القرآن واضح، وأما على القول بوقوع المجاز في اللغة العربية فلا يجوز القول به في القرآن اهـ (^٣).\nوعلى قول من أجاز وقوع المجاز في القرآن فالذي يجب الجزم به واعتقاده ولا تجوز مخالفته أن آيات الصفات، ومسائل الغيب كالجنة والنار والميزان والصراط ونحوها، وأخبار الأمم البائدة لا يدخلها المجاز البتة، وكل من ادعى فيها المجاز فهو في دعواه مبطل.\n\n*<span data-type='title' id=toc-167> أدلة القاعدة:</span>\n١ - منها: قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (١٧) [القمر: ١٧] فأخبر - تعالى - أنه يسر كتابه للذكر، وتيسيره يتضمن أنواعا من التيسير:\nإحداها: تيسير ألفاظه للحفظ.\nالثاني: تيسير معانيه للفهم.\nالثالث: تيسير أوامره ونواهيه للامتثال.\n_________\n(^١) وهذا هو مذهب جمهور أهل اللغة والأصول، انظر المحصول (١/ ٤٤٧/١)، وشرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٢٣٢)، والمسودة ص ٥٦٤، وشرح الكوكب (١/ ١٩١)، والمزهر (١/ ٢١١).\n(^٢) انظر المسودة ص ٥٦٤، وشرح الكوكب (١/ ١٩٢).\n(^٣) منع جواز المجاز ص ٧ - ٨.","vol":"2","page":42},{"text":"وإن الانصراف في تفسيره وفهم معانيه عن الحقيقة التي تدل عليها ألفاظه إلى أنواع الاستعارات وضروب المجازات مناف لهذا التيسير الذي أخبر الله به عن كتابه.\nفلو كان فهم ألفاظه على حقائقها غير مراد، والمراد فهم ما يدل على خلاف حقائقها فأيّ تيسير يكون في ذلك؟! وأيّ تعقيد وتعسير يكون أعظم منه؟ (^١).\nإذا تقرر هذا فإن كمال التيسير وأحسن التفسير في حمل ألفاظه على حقائقها وظاهرها.\n٢ - ومنها: أن الله - تعالى - أخبر في كتابه عن كمال علمه - تعالى -، وعن علم نبيه ﷺ به - تعالى -، وبكتابه، وأخبر - تعالى - أنه بيّن كتابه بأحسن بيان كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (٣٣) [الفرقان: ٣٣]، فالحق هو المعنى والمدلول الذي تضمنه الكتاب، والتفسير الأحسن: هو الألفاظ الدالة على ذلك الحق فهي تفسيره وبيانه (^٢).\nوأخبر - سبحانه - أنه أنزل الكتاب على رسوله ليبينه لهم كما قال تعالى:\n﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال تعالى:\n﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، فكمال علم الله - تعالى - الذي تكلم بهذا القرآن، وكمال بيانه - تعالى - لكتابه في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ، وكمال نصحه للناس يقتضي ذلك كله أن يفهم القرآن، وتفسر ألفاظه على حقائقها وتحمل على ظاهرها.\n«وإن حمل نصوص الوحي على خلاف ظاهرها، وخلاف حقائقها يقدح في علم المتكلم بها، وفي بيانه، وفي نصحه وفي فصاحتها، وتقرير ذلك أن يقال: إما أن يكون المتكلم بهذه النصوص عالما أن الحق في تأويلات المتأولين لها على خلاف حقائقها أو لا يعلم.\n_________\n(^١) انظر الصواعق المرسلة (١/ ٣٣١) وما بعدها.\n(^٢) الصواعق المرسلة (١/ ٣٣٠).","vol":"2","page":43},{"text":"فإن لم يعلم ذلك والحق فيها كان ذلك قدحا في علمه، وإن كان عالما أن الحق فيها فلا يخلو:\nإما أن يكون قادرا على التعبير بعبارتهم واستعاراتهم المجازية التي صرفوا بها النصوص عن حقائقها.\nأو لا يكون قادرا على تلك العبارات.\nفإن لم يكن قادرا على التعبير بذلك لزم القدح في فصاحة كلامه وكان أولئك المحرفين لنصوص الوحي أقدر على تأدية المعاني منه، وأفصح كلاما، وأحسن بيانا وتعبيرا عن الحق، وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة.\nوإن كان قادرا على ذلك، ولم يتكلم به، وتكلم دائما بخلافه وما يناقضه كان ذلك قدحا في نصحه» (^١) فبطل بهذا أن يكون الهدى والبيان في حمل نصوص الوحي على خلاف حقائقها، واتضح أن الحق والهدى والبيان في حملها على حقائقها، خاصة نصوص صفات الباري - سبحانه - ومسائل الغيب.\n٣ - ومنها: أنه قد حكى غير واحد الإجماع على أن المجاز خلاف الأصل، والأصل هو الحقيقة، ولم يخالف في ذلك أحد، حتى الذين استعملوا المجاز لتحريف بعض نصوص الوحي التي تخالف معتقدهم يقررون أن الأصل في الكلام الحقيقة ولا يجوز صرف الكلام عنها إلا عند تعذر حمله عليها، وإن خالفوا هذا عند التطبيق.\nقال الرازي: وأجمع العلماء على أنه لا يجوز صرف الكلام إلى المجاز إلا بعد تعذر حمله على الحقيقة اهـ (^٢).\nوقرر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: ومن قسم الكلام إلى حقيقة ومجاز متفقون على أن الأصل في الكلام هو الحقيقة اهـ (^٣).\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة (١/ ٣٢٤) باختصار يسير.\n(^٢) مفاتيح الغيب (٣٠/ ٩٤)،\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٤٧٣).","vol":"2","page":44},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-168> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nهذه القاعدة من القواعد المشهورة عند العلماء، وهم يكادون يتفقون على أصلها وهو أن الأصل في الكلام الحقيقة - كما سيأتي تصريحهم بهذا - فمن هؤلاء الأئمة:\n١ - الإمام الطبري: وإن كنت لم أقف على نص له يصرح فيه بهذه القاعدة، إلا أنه رجح في أمثلتها وفق ما ترجح القاعدة (^١).\n٢ - ومنهم الإمام ابن عبد البر: قال مقررا هذه القاعدة: وحمل كلام الله - تعالى - وكلام نبيه ﷺ على الحقيقة أولى بذوي الدين والحق؛ لأنه يقص الحق، وقوله الحق، - ﵎ علوا كبيرا - اه (^٢).\n٣ - ومنهم أبو بكر بن العربي: قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ (١): قيل: هو حقيقة، وقيل: عبّر به عن دمشق، أو جبالها، أو مسجدها، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل اهـ (^٣).\n٤ - ومنهم القاضي أبو محمد بن عطية: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٨) [الأعراف: ٨] وذكر الخلاف في معنى الوزن والموازين إلى أن قال - معقبا على القول بأن الميزان حقيقي له عمود وكفتان:\nقال القاضي أبو محمد:\nوهذا القول أصح من الأول من جهات:\nأولها: أن ظواهر كتاب الله - ﷿ - تقتضيه، وحديث الرسول - ﵇ - ينطق به، من ذلك قوله لبعض الصحابة وقد قال له: يا رسول الله أين أجدك يوم\n_________\n(^١) انظر على سبيل المثال جامع البيان (١/ ٣٦٥)، و(٨/ ٩٦).\n(^٢) التمهيد (٥/ ١٦)، وانظر (٧/ ١٤٥) منه.\n(^٣) أحكام القرآن (٤/ ٤١٤).","vol":"2","page":45},{"text":"القيامة؟ فقال: «اطلبني عند الحوض فإن لم تجدني فعند الميزان» (^١) ولو لم يكن الميزان مرئيا محسوسا لما أحاله رسول الله ﷺ على الطلب عنده.\nوجهة أخرى: أن النظر في الميزان والوزن والثقل والخفة المقترنات بالحساب لا يفسد شيء منه ولا تختل صحته، وإذا كان الأمر كذلك فلم نخرج من حقيقة اللفظ إلى مجازه دون علة؟\nوجهة ثالثة: وهي أن القول في الميزان هو من عقائد الشرع الذي لم يعرف إلا سمعا، وإن فتحنا فيه باب المجاز غمرتنا أقوال الملحدة والزنادقة في أن الميزان، والصراط، والجنة، والنار والحشر، ونحو ذلك إنما هي ألفاظ يراد بها غير الظاهر.\nقال القاضي أبو محمد: فينبغي أن يجري في هذه الألفاظ إلى حملها على حقائقها اهـ (^٢).\n٥ - ومنهم الرازي: فهو ممن يقرر هذه القاعدة بل حكى الإجماع عليها - كما سبق في أدلة القاعدة - واستعملها في الترجيح بين الأقوال في غير آيات الصفات (^٣)، أمّا إذا جاءت آيات الصفات فإنه يهرع إلى المجاز، ويخالف القاعدة مدعيا أنه لا يمكن حملها على الحقيقة لما فيها من التشبيه، وقد أعمل في كل ذلك العقل، وأفسد معاني النصوص وحملها على غير محاملها؛ لأجل ما اعتقد من اعتقاد باطل.\n٦ - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: فموقفه من تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز مشهور، وهو ينكر المجاز في اللغة وفي القرآن (^٤)؛ ولكني أذكر هنا حكايته اتفاق القائلين بالمجاز على أن الأصل في الكلام الحقيقة، بما يؤيد هذه القاعدة.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب ما جاء في شأن الصراط (٤/ ٥٣٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي حديث رقم (١٩٨١).\n(^٢) المحرر الوجيز (٧/ ١٣).\n(^٣) انظر مثلا مفاتيح الغيب (٢/ ١٣٠)، (١٠/ ٢١)، و(٢١/ ٢٠٩).\n(^٤) انظر مجموع الفتاوى (٢٠/ ٤٠٠) وما بعدها.","vol":"2","page":46},{"text":"قال - ﵀ -: ومن قسم الكلام إلى حقيقة ومجاز متفقون على أن الأصل في الكلام هو الحقيقة، وهذا يراد به شيئان: يراد به أنه إذا عرف معنى اللفظ. وقيل:\nهذا الاستعمال مجاز قيل: بل الأصل الحقيقة وإذا عرف أن للفظ مدلولين: حقيقي ومجازي فالأصل أن يحمل على معناه الحقيقي: فيستدل تارة بالمعنى المعروف على دلالة اللفظ عليه، وتارة باللفظ المعروف دلالته على المعنى المدلول عليه اهـ (^١).\n٧ - ومنهم أبو حيان: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى﴾ [البقرة: ١٨٩] قال في معرض ترجيحه لأحد الأقوال بهذه القاعدة: وهذه الأسباب -[يعني أسباب النزول]- تضافرت على أن البيوت أريد بها الحقيقة، وأن الإتيان هو المجيء إليها، والحمل على الحقيقة أولى من ادعاء المجاز. اه (^٢).\n٨ - ومنهم العلاّمة ابن القيم: فقد أطنب في إبطال دعوى جواز حمل نصوص الوحي على خلاف ظاهرها وحقيقتها، وأن ذلك ينافي قصد البيان والإرشاد والهدى، وينافي كمال علم المتكلم وفصاحته ونصحه، وينافي تيسير القرآن للذكر، ولو أراد الله ورسوله من كلامه خلاف حقيقته وظاهره الذي يفهمه المخاطب، لكان قد كلفه أن يفهم مراده بما لا يدل عليه، بل يما يدل على نقيض مراده (^٣).\n٩ - ومنهم ابن جزي الكلبي: فقد ذكر هذه القاعدة ضمن وجوه الترجيح التي ذكرها في مقدمة تفسيره قال فيها: الثامن: تقديم الحقيقة على المجاز، فإن الحقيقة أولى أن يحمل عليها اللفظ عند الأصوليين اهـ (^٤).\n١٠ - ومنهم السيوطي: فقد ذكرها في القواعد الفقهية، قال: قاعدة: الأصل في\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٤٧٣).\n(^٢) البحر المحيط (٢/ ٢٣٧).\n(^٣) انظر الصواعق المرسلة (١/ ٣١٠ - ٣٤١).\n(^٤) التسهيل (١/ ٩).","vol":"2","page":47},{"text":"الكلام الحقيقة اهـ (^١) وفرع عليها فروعا فقهية، وهي من القواعد الأصولية المقررة عند علماء الأصول (^٢).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-169> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nمن أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وقوله تعالى: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [المائدة: ٦٤].\nوقد سبق ذكر هذا المثال في قاعدة «لا يجوز العدول عن ظاهر القرآن …» ونبهت هناك على وجه تأييد قاعدة «يجب حمل نصوص الوحي على الحقيقة» لتلك القاعدة فيما رجحته في هذا المثال، ووعدت هناك ببسط الحديث عنها هنا، وهذا أوان الوفاء بالوعد.\nوسوف أقتصر هنا على ما يتعلق بهذه القاعدة فقط إتماما لما سبق الحديث عنه في قاعدة «لا يجوز العدول عن ظاهر القرآن …».\nفذهب المعتزلة وطائفة من الأشاعرة (^٣) إلى أن المراد باليدين: النعمتين، وذهبت طائفة إلى أن المراد باليدين ها هنا: القدرة (^٤).\n_________\n(^١) الأشباه والنظائر ص ٦٣.\n(^٢) انظر المحصول (١/ ٥٧٦/١)، والروضة مع شرحها لبدران (٢/ ٢١)، وشرح تنقيح الفصول ص ١١٢، ونهاية السول (٢/ ١٧٠)، وكشف الأسرار (٢/ ١٥٢ - ١٧٠)، والبحر المحيط للزركشي (٢/ ١٩١)، و(٦/ ١٦٦)، وشرح الكوكب (١/ ٢٩٤).\n(^٣) هم اتباع أبي الحسن الأشعري وإليه ينتسبون مذهبهم في الصفات إثبات سبع صفات فقط لدلالة العقل عليها وهي: السمع والبصر والعلم والقدرة والكلام والحياة والإرادة، ولهم مقالات أخرى خالفوا بها أهل السنة في أبواب مختلفة في الكلام وفي الإيمان والكسب وغيرها، وقد رجع أبو الحسن عن مذهبه هذا ولم يرجع أتباعه، انظر الملل والنحل (١/ ١٠٦).\n(^٤) انظر بعض أقوالهم والإحالة إليها في الأمثلة التطبيقية على قاعدة «لا يجوز العدول عن ظاهر القرآن …».","vol":"2","page":48},{"text":"وذهب أهل السنة إلى إثبات صفتين ذاتيتين هما اليدان، وهذا هو الحق الذي نطق به القرآن والسنة، والدلائل على إثبات صحته، وإبطال غيره كثيرة.\n* منها: هذه القاعدة «حيث إن القرآن نزل بلغة العرب، واليد المطلقة في لغة العرب وفي معارفهم وعاداتهم المراد بها إثبات صفة ذاتية للموصوف، لها خصائص فيما يقصد به، وهي حقيقة في ذلك، كما ثبت في معارفهم الصفة التي هي القدرة، والصفة التي هي العلم، كذلك سائر الصفات من الوجه والسمع والبصر والحياة وغير ذلك، وهذا هو الأصل في هذه الصفة، وأنهم لا ينتقلون عن هذه الحقيقة إلى غيرها مما يقال على سبيل المجاز إلا بقرينة تدل على ذلك، فأما مع الإطلاق فلا، ولهذا يقولون: لفلان عندي يد، فيراد بذلك ما يصل من الإحسان بواسطة اليد، وإنما فهم ذلك بإضافة اليد إلى قوله «عندي» والتعبير باليد عن القدرة إنما يثبت ذلك بقرينة، وهو أن يقول: لفلان عليّ يد، فقوله «عليّ» قرينة تدل على أن المراد باليد القدرة» (^١).\nولا قرينة هنا فوجب حملها على الحقيقة.\n* ومنها: أنه لا شك أن الرجوع في الكلام الوارد عن الحقيقة والظاهر المعهود إلى المجاز إنما يكون بأحد ثلاثة أشياء:\nأحدها: أن يعترض على الحقيقة مانع يمنع من إجرائها على ظاهر الخطاب.\nالثاني: أن تكون القرينة لها تصلح لنقلها عن حقيقتها إلى مجازها.\nوالثالث: أن يكون المحل الذي أضيفت إليه الحقيقة لا يصلح لها فينتقل عنها إلى مجازها.\nفإن قالوا: إن إثبات اليد الحقيقة التي هي صفة لله - تعالى - ممتنع لعارض يمنع.\nفليس بصحيح، من جهة أن الباري - تعالى - ذات قابلة للصفات المساوية لها\n_________\n(^١) ملخصا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في نقض تأسيس الجهمية (١/ ٤٠).","vol":"2","page":49},{"text":"في الإثبات، فإن الباري - سبحانه - في نفسه ذات لا ماهية له تعرف وتدرك وتثبت في شاهد العقل، ولا ورد ذكرها في نقل، وإذا ارتفع عنه إثبات الماهية، امتنع عنه المثل، فالنفار من قولنا «يد» مع هذه الحال، كالنفار من قولنا «ذات» ولا فرق بينهما في الإثبات، فإذا أقروا بالذات لزمهم الإقرار باليد التي هي صفة تناسب الذات فيما ثبت لها.\nوإن قالوا: من جهة أنه اقترن بها قرينة تدل على صلاحية نقلها عن حقيقتها إلى مجازها، فذلك محال من جهات:\nإحداها: أن إضافة الفعل - «الخلق» - إلى اليد على الإطلاق لا يكون إلا والمراد به يد الصفة، وهذا توكيد لإثبات الصفة الحقيقة، ومحال أن يجتمع مؤكد للحقيقة مع قرينة ناقلة عن الحقيقة.\nوالثانية: أن القرائن قد ذكرناها، وهو أنه إذا أريد باليد النعمة قال: لفلان عندي يد، فعندي قرينة تدل على النعمة، وإذا أريد بها القدرة قال لفلان عليّ يد ف «عليّ» هي القرينة الدالة على القدرة، وكلاهما معدومان ههنا.\nوالثالثة: أن الخصم يدعي أن الداعي إلى ذلك ما يقتضيه الشاهد من إثبات العضو والجارحة والجسمية والبعضية والكمية والكيفية الداخل على جميع ذلك فحصل مثل وشبيه، وقد بينا أن ذلك محال في حقه؛ لأن نسبة اليد إليه - تعالى - كنسبة الذات إليه، على ما تقرر، فإذا ارتفع هذا بطل السبب المعارض للحقيقة النافي لإثباتها الموجب لإبدالها بالمجاز.\nوإن قالوا: إن المحل الذي أضيفت إليه اليد - وهو ذات الباري - لا يصلح لإثبات اليد الحقيقة، فهذا محال، من جهة أنا قد اتفقنا على أن ذات الباري تقبل إضافة الصفات الذاتية على سبيل الحقيقة كالوجود والعلم والقدرة والإرادة وغير ذلك من صفات الإثبات على ما قدمناه (^١).\n_________\n(^١) نقض تأسيس الجهمية (١/ ٤١ - ٤٣) مختصرا، وانظر الصواعق المرسلة (١/ ٢٦٩). -","vol":"2","page":50},{"text":"ويدخل تحت هذه القاعدة:\nقاعدة:\nإذا احتمل اللفظ التخصيص والمجاز، حمل على التخصيص (^١)، وذلك؛ لأن اللفظ يبقى حقيقة فيما لم يخرجه المخصص، والحقيقة مقدمة على المجاز.\nكما في قول الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] فإنه يحتمل التخصيص؛ لأن بعض المشركين كالذميين والمعاهدين أخرجهم دليل مخصص لعموم المشركين.\nويحتمل عند القائلين بالمجاز أنه مجاز مرسل، أطلق فيه الكل وأراد به البعض،\n_________\n(^١) -* ومن نظائر هذا المثال:\n١ - ما جاء في تفسير قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [الأنعام: ١٥٨].\nانظر جامع البيان (٨/ ٩٦)، وتفسير ابن كثير (٣/ ٣٦٦)، وانظر النكت والعيون (٢/ ١٩٠)، والكشاف (٢/ ٦٣)، والمحرر الوجيز (٦/ ١٨٦)، وزاد المسير (٣/ ١٥٦)، مفاتيح الغيب (١٤/ ٨)، والجامع لأحكام القرآن (٧/ ١٤٤)، وتفسير البيضاوي (١/ ٣٢٨)، وتفسير النسفي (١/ ٤٩٧)، والدر المصون (٥/ ٢٣١، ٢٣٢)، والتحرير والتنوير (٨/ ١٨٥).\n٢ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) [ق: ٣٠] انظر تأويل مشكل القرآن ص ١٠٨، والنكت والعيون (٥/ ٣٥٣)، والمحرر الوجيز (١٥/ ١٨٣)، والجامع لأحكام القرآن (٧/ ١٨)، وفتح القدير (٥/ ٧٧)، وروح المعاني (٢٦/ ١٨٧)، ومحاسن التأويل (١٥/ ٥٥١١).\n٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ [البقرة: ٧٤] انظر جامع البيان (١/ ٣٦٤ - ٣٦٥)، والمحرر الوجيز (١/ ٢٦٦)، والجامع لأحكام القرآن (١/ ٤٦٥)، ومذاهب التفسير الإسلامي ص ١١٨.\nوانظر جملة منها في المحرر الوجيز (١/ ١٠٨، ٣٣٥)، و(٣/ ٢٩٣)، و(٦/ ٤٨٧)، و(١٥/ ٩٦).\nوفي مفاتيح الغيب (٩/ ١٢٢)، (١٤/ ٨)، (١١/ ٧)، و(٢٩/ ٢٨١)، و(٣٠/ ٩٤).\nوفي تلخيص البيان في مجازات القرآن للشريف الرضي ص ١٣، ٢٧، ٥٨، ٥٩، ٨٠، ٨٨، ١٢٣، ١٥٨، ٢٤٠، ٢٧٩، ٢٨١، ٢٨٩.\nوفي أضواء البيان (٦/ ٢٤٥)، (٨/ ٣٩٥، ٦١٨).\n(^١) انظر المحصول (١/ ٥٠١/١)، والبحر المحيط للزركشي (٢/ ٢٤٥)، وشرح الكواكب (٤/ ٦٦٥)، ونشر البنود (١/ ١٢٦)، وأضواء البيان (٤/ ٣٣٨)، والتعارض والترجيح للبرزنجي (٢/ ١٥١، ١٥٥).","vol":"2","page":51},{"text":"فيقدم التخصيص لأمرين:\nأحدهما: أن اللفظ يبقى حقيقة فيما لم يخرجه المخصص، والحقيقة مقدمة على المجاز.\nالثاني: أن اللفظ يبقى مستصحبا في الأفراد الباقية بعد التخصيص من غير احتياج إلى قرينة (^١).\n***\n_________\n(^١) بلفظه من كلام الشنقيطي في أضواء البيان (٤/ ٣٣٨).","vol":"2","page":52},{"text":"<span data-type='title' id=toc-170>المطلب الخامس:\nقاعدة إذا اختلفت الحقيقة الشرعية والحقيقة اللغوية في تفسير كلام الله - تعالى - قدمت الشرعية</span>\n*<span data-type='title' id=toc-171> صورة القاعدة:</span>\nإذا دار كلام الشارع بين مسمى شرعي، ومسمى لغوي ولا دليل يعين أحدهما، فيجب حمله على المسمى الشرعي؛ لأنه عرفه، ويجب أن يحمل كلام كل أحد على عرفه الخاص به، ولما سيأتي من أدلة على ذلك، فإن قام دليل على تعيين أحدهما فلا ترجيح إذا بهذه القاعدة، كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، فلفظة «صلّ» مختلف فيها المعنى الشرعي والمعنى اللغوي، إلا أنه لم يرجّح المعنى الشرعي فيها لقيام الدليل على إرادة المعنى اللغوي، لحديث عبد الله بن أبي أوفى (^١) قال: «كان النبي ﷺ إذا أتي بصدقة قوم صلى عليهم، فأتاه أبي بصدقته فقال: «اللهم صلّ على آل أبي أوفى» (^٢) (¬،٣).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-172> بيان ألفاظ القاعدة:</span>\nتنقسم الحقيقة إلى لغوية وعرفية وشرعية، لأن الوضع المعتبر فيه: إما وضع اللغة، وهي اللغوية، وهي: استعمال اللفظ في موضعه الأصلى، كالأسد للحيوان\n_________\n(^١) واسمه علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي مختلف في كنيته، له ولأبيه صحبة من أهل بيعة الرضوان، وشهد مع النبي ﷺ سبع غزوات، توفي سنة ست وثمانين، وقيل غير ذلك، سير أعلام النبلاء (٣/ ٤٢٨)، والإصابة (٤/ ٣٨).\n(^٢) متفق عليه، البخاري، كتاب الزكاة، باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة، انظر الصحيح مع الفتح (٣/ ٤٢٣)، ومسلم، كتاب الزكاة، حديث رقم (١٧٦).\n(^٣) انظر أصول في التفسير للعثيمين ص ٢٩.","vol":"2","page":53},{"text":"المفترس أولا.\nوأما وضع الشارع وهي الشرعية، والمراد بها ما عرفت فيه التسمية الخاصة من قبل الشرع، كالصلاة للأركان وقد كانت في اللغة للدعاء أولا، وأمّا عرف الاستعمال، وهي العرفية (^١)، وسيأتي الحديث عنها في القاعدة التالية - إن شاء الله تعالى.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-173> أدلة القاعدة:</span>\nأولا: أن القرآن أساس الشريعة، والنبي ﷺ بعث لبيان الأحكام الشرعية التي لا تعرف إلا من جهته، لا لتعريف ما هو معروف لأهل اللغة فوجب حمل اللفظ عليه لما فيه من موافقة مقصود البعثة (^٢).\nثانيا: أننا لو حملنا اللفظ على تعريف المعنى اللغوي كانت فائدة لفظ الشارع التأكيد، بتعريف ما هو معروف لنا، ولو حملناه على تعريف الحكم الشرعي كانت فائدته التأسيس وتعريف ما ليس معروفا لنا، وفائدة التأسيس أصل، وفائدة التأكيد تبع، فكان حمله على التأسيس أولى (^٣)، وسيأتي الكلام عنها في قاعدة مستقلة.\nثالثا: أن الأحكام تتعلق بالاسم الشرعي دون اللغوي (^٤)، فوجب حمله عليه.\nرابعا: أن المعنى الشرعي كالناسخ المتأخّر - أي متأخر عن المعني اللغوي - فيجب حمله عليه (^٥).\nخامسا: أن حمل خطاب الله - تعالى - على المسميات الشرعية يفيد تقرير معنى\n_________\n(^١) ينظر روضة الناظر مع شرحها (٢/ ٨) وما بعدها، وشرح مختصر الروضة (١/ ٤٨٦)، والبحر المحيط للزركشي (٢/ ١٥٤) وما بعدها، ومذكرة في أصول الفقه للشنقيطي ص ٢٠٩ - ٢١٠.\n(^٢) الأحكام للآمدي (٣/ ٣٦)، وانظر شرح تنقيح الفصول ص ١١٤، وشرح مختصر ابن الحاجب (٢/ ٣٧٩)، والبحر المحيط للزركشي (٢/ ١٦٨ - ١٦٩)، و(٣/ ٤٧٣)، وشرح الكوكب (٣/ ٤٣٣ - ٤٣٤).\n(^٣) الإحكام للآمدي (٣/ ٢٦)، وشرح الكوكب (٣/ ٤٣٣).\n(^٤) التمهيد لابن عبد البر (٤/ ١٤١).\n(^٥) شرح الكوكب (٣/ ٤٣٤)، وانظر التمهيد لأبي الخطاب (٢/ ٢٦٣).","vol":"2","page":54},{"text":"شرعي أو حكم شرعي، ولا تتحقق هذه القاعدة عند حمله على المسميات اللغوية، وإذا دار أمر الخطاب بين حمله على معنى يؤدي فائدة شرعية وبين حمله على معنى خال عن هذه الفائدة، كان حمله على المعنى الذي يحققها أولى من حمله على غيره؛ لأن حمله على غيره إهمال لتلك الفائدة، ولا شك أن إعمال الكلام أولى من إهماله (^١).\nسادسا: القاعدة: أن من له عرف وعادة في لفظ إنما يحمل لفظه على عرفه، فإن كان المتكلم هو الشرع حملنا لفظه على عرفه (^٢).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-174> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nاعتمد هذه القاعدة جمهور العلماء من المفسرين، والفقهاء، والأصوليين، وغيرهم.\n١ - فمن هؤلاء أبو الحسن الماوردي: قال - مقررا هذه القاعدة في معرض كلامه على القسم الثالث من أقسام التفسير وهو ما يرجع إلى اجتهاد العلماء -:\nوالقسم الثالث: ما يرجع فيه إلى اجتهاد العلماء، وهو تأويل المتشابه، واستنباط الأحكام، وبيان المجمل، وتخصيص العموم، والمجتهدون من علماء الشرع أخص بتفسيره من غيرهم حملا لمعاني الألفاظ على الأصول الشرعية، حتى لا يتنافي الجمع بين معانيها وأصول الشرع، فيعتبر فيه حال اللفظ، فإنه ينقسم إلى قسمين:\nأحدهما: أن يكون مشتملا على معنى واحد لا يتعداه، ومقصورا عليه ولا يحتمل ما سواه، فيكون من المعاني الجلية والنصوص الظاهرة، التي يعلم مراد الله - تعالى -\n_________\n(^١) انظر «القاعدة الكلية إعمال الكلام أولى من إهماله» لمصطفى عبود ص ٣٢٥، رسالة ماجستير في جامعة الإمام محمد بن سعود، على الآلة الكاتبة.\n(^٢) هذا كلام القرافي في شرح تنقيح الفصول ص ٢١١، وانظر شرح الكوكب (١/ ٢٩٩)، والمدخل الفقهي العام (٢/ ٨٥٢).","vol":"2","page":55},{"text":"بها قطعا من صريح كلامه، وهذا قسم لا يختلف حكمه ولا يلتبس تأويله.\nوالقسم الثاني: أن يكون اللفظ محتملا لمعنيين أو أكثر، وهذا على ضربين:\nأحدهما: أن يكون أحد المعنيين ظاهرا جليا، والآخر باطنا خفيّا فيكون محمولا على الظاهر الجلي دون الباطن الخفي، إلا أن يقوم الدليل على أن الجليّ غير مراد، فيحمل على الخفي.\nوالضرب الثاني: أن يكون المعنيان جليّين، واللفظ مستعملا فيهما حقيقة، وهذا على ضربين:\nأحدهما: أن يختلف أصل الحقيقة فيهما، فهذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\nأحدها: أن يكون أحد المعنيين مستعملا في اللغة، والآخر مستعملا في الشرع، فيكون حمله على المعنى الشرعيّ أولى من حمله على المعني اللّغويّ، لأن الشرع ناقل اهـ (^١).\n٢ - ومنهم الفخر الرازي: فقد قرر هذه القاعدة في محصوله - كما سيأتي الإحالة إليه - وطبّقها في تفسيره (^٢).\n٣ - ومنهم الزركشي: فقد قرر هذه القاعدة، ونقل مضمون كلام الماوردي السابق، إلى أن قال: أن يكونا - أي المعنيين - جليين، والاستعمال فيهما حقيقة.\nوهذا على ضربين:\nأحدهما: أن تختلف أصل الحقيقة فيهما، فيدور اللفظ بين معنيين هو في أحدهما حقيقة لغوية، وفي الآخر حقيقة شرعية، فالشرعية أولى إلا أن تدل قرينة على إرادة اللغوية نحو قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] … ولو دار بين الشرعية والعرفية فالشرعية أولى؛ لأن الشرع\n_________\n(^١) النكت والعيون (١/ ٣٨ - ٣٩).\n(^٢) انظر مفاتيح الغيب (٢/ ٢٣١)، (٦/ ٨٦).","vol":"2","page":56},{"text":"ألزم (^١) اه (^٢).\n٤ - ومنهم العلاّمة ابن الوزير: ففي معرض كلامه على مراتب التفسير فيما يرجع منه إلى الدراية، قال إنه يرجع إلى سبعة أنواع، وفي النوع الخامس منها قرر هذه القاعدة فقال: وينبغي التنبيه في هذا النوع لتقديم المعروف على الشاذ وتقديم الحقيقة الشرعية ثم العرفية ثم اللغوية اهـ (^٣).\n٥ - ومنهم العلاّمة الألوسي: فقد رجح بها (^٤)، كما سيأتي في الأمثلة التطبيقية إن شاء الله - تعالى -.\n٦ - ومنهم العلاّمة الشنقيطي: يقول - مقررا هذه القاعدة -: والمقرر في الأصول عند المالكية والحنابلة وجماعة من الشافعية أن النص إن دار بين الحقيقة الشرعية والحقيقة اللغوية حمل على الشرعية، وهو التحقيق خلافا لأبي حنيفة في تقديم اللغوية ولمن قال يصير اللفظ مجملا لاحتمال هذا وذاك اهـ (^٥).\n٧ - وقال الشيخ محمد العثيمين في أصول التفسير: وإن اختلف المعنى الشرعي واللغوي أخذ بما يقتضيه الشرعي؛ لأن القرآن نزل لبيان الشرع لا لبيان اللغة إلا أن يكون هناك دليل يترجح به المعنى اللغوي فيؤخذ به اهـ (^٦).\n_________\n(^١) لم أذكر لاختلاف الحقيقة الشرعية والعرفية قاعدة للترجيح؛ لأنه لا عبرة بالعرف المعارض للشرع، فالشرع حاكم على العرف فما أقره فهو الثابت، وما نفاه وأبطله فهو الباطل، وإنما يحصل تعارضمها إذا كان الخطاب صادرا من غير الشارع، وقد اهتم الفقهاء ببيان تعارضمها في ذلك، انظر الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٩٣، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ١٠٥.\n(^٢) البرهان (٢/ ١٦٧).\n(^٣) إيثار الحق ص ١٥٤.\n(^٤) انظر روح المعاني (٢٤/ ٩٨ - ٩٩).\n(^٥) أضواء البيان (٣/ ١٠٠)، وانظر مذكرة في أصول الفقه ص ٢٠٩ - ٢١٠.\n(^٦) أصول في التفسير ص ٣١.","vol":"2","page":57},{"text":"٨ - وهي قاعدة أصولية قررها علماء الأصول في مصنفاتهم (^١)، فقد قرروا أن خطاب الشارع إذا ورد بلفظ له حقيقة في اللغة، وحقيقة في الشرع كالوضوء والصلاة والزكاة والصوم والحج ونحوها، فإنه يجب حمل ذلك على عرف الشرع، على أرجح المذاهب في المسألة (^٢).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-175> المخالفون للقاعدة والجواب على قولهم:</span>\nنازع في هذه القاعدة الإمام أبو حنيفة، وبعض الأصوليين فذهب الإمام أبو حنيفة إلى تقديم الحقيقة اللغوية على الحقيقة الشرعية، وحجته في هذا أن المعنى الشرعي مجاز، والكلام لحقيقته، إلا أن يدل دليل على المجاز، بناء على أن اللفظ في الأصل موضوع لمعناه اللغوي، فإذا نقل إلى المعنى الشرعي صار مجازا (^٣).\nوذهب بعض الأصوليين إلى أن اللفظ إذا دار بين الحقيقة اللغوية والحقيقة الشرعية، فإنه يصير مجملا (^٤)، وذلك لتردده بينهما؛ لأن النبي ﷺ يناطق العرب بلغتهم، كما يناطقهم بعرف شرعه، إلا أن ترد قرينة ترجح إحداهما (^٥).\n_________\n(^١) انظرها في شرح اللمع (١/ ١٣١)، والتمهيد لأبي الخطاب (٢/ ٢٦٢ - ٢٦٣)، والمحصول (١/ ٥٧٧/١)، و(٢/ ٥٧٤/٢)، وروضة الناظر مع شرحها (٢/ ١٤)، والإحكام للآمدي (٣/ ٢٥)، وشرح تنقيح الفصول ص ١١٢ - ١١٤، وبيان المختصر «شرح مختصر ابن الحاجب» (٢/ ٣٧٩)، والتمهيد للأسنوي ص ٢٢٨، والبحر المحيط للزركشي (٣/ ٤٧٣ - ٤٧٥)، وشرح الكوكب (١/ ٢٩٩)، و(٣/ ٤٣٤)، وإرشاد الفحول ص ٢٩٠ - ٤٦٣)، ونشر البنود (١/ ١٢٩).\n(^٢) شرح الكوكب (٣/ ٤٣٤) بتصرف يسير.\n(^٣) شرح الكوكب المنير (٣/ ٤٣٥)، وانظر كشف الأسرار عن أصول البزدوي (٢/ ٧٦)، وقواعد في علوم الحديث ص ٢٩٧، والتعارض والترجيح للبرزنجي (٢/ ١١٨).\n(^٤) المجمل في اصطلاح الأصوليين هو: ما لا ينبئ عن المراد بنفسه، ويحتاج إلى قرينة تفسره، قاله القاضي أبو يعلى في العدة (١/ ١٤٢)، وقال الفتوحي هو: ما تردّد بين محتملين فأكثر على السواء، شرح الكوكب (٣/ ٤١٤).\n(^٥) هذا القول هو ظاهر كلام الإمام أحمد، واختاره القاضي أبو يعلى في العدة (١/ ١٤٣)، وانظر المسودة ص ١٧٧، وشرح الكوكب (٣/ ٤٣٥).","vol":"2","page":58},{"text":"ويجاب عما استدل به الحنفية، بأن اللفظ لما نقل من العرف اللغوي إلى عرف الشرع ترك المعنى اللغوي، وصار حقيقة شرعية؛ لأن المتبادر عند إطلاقه هو المعنى الشرعي، والمتبادر من إطلاقه الحقيقة (^١)، فهو بالنسبة إلى الشرع حقيقة وإلى اللغة مجاز (^٢).\nوأما القول بالإجمال إلا بقرينة، فيجاب عنه بأن أقوى قرينة ترجح إرادة الحقيقة الشرعية هي كون النبي ﷺ بعث لبيان الشرعيات ولم يبعث لبيان الحقائق اللغوية (^٣).\nوأدلة هذه القاعدة توضح بجلاء تام صحتها وضعف قول المخالفين لها.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-176> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nمن أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ (٧) [فصلت: ٦ - ٧].\nاختلف المفسرون في المراد بقوله: ﴿لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾.\nفقال بعضهم معناه: الذين لا يعطون الله الطاعة التي تطهرهم، وتزكي أبدانهم ولا يوحدونه.\nويروى هذا القول عن ابن عباس وعكرمة غيرهما.\nوقال آخرون: بل معناه: الذين لا يقرون بزكاة أموالهم التي فرضها الله فيها، ولا يعطونها أهلها. ويروى هذا القول عن قتادة والحسن وغيرهما (^٤).\nوهذا القول هو الذي ترجحه هذه القاعدة، وذلك أن من حمل معنى الزكاة على تزكية وتطهير أنفسهم بفعل الطاعة حملها على أصل المعنى اللغوي لها، وهو النماء\n_________\n(^١) التعارض والترجيح للبرزنجي (٢/ ١١٨).\n(^٢) شرح الكوكب (٣/ ٤٣٥).\n(^٣) انظر رسالة ماجستير بعنوان «القاعدة الكلية إعمال الكلام أولى من إهماله» لمحمد مصطفى عبود ص ٣٢٥ في جامعة الإمام محمد بن سعود، على الآلة الكاتبة.\n(^٤) انظر جامع البيان (٢٤/ ٩٢ - ٩٣)، ومعالم التنزيل (٧/ ١٦٤)، وغيرها من كتب التفسير.","vol":"2","page":59},{"text":"والزيادة والطهارة والصلاح (^١).\nوأما من حملها على زكاة المال يعني صدقة المال، ففسرها بالمعنى الشرعي لها، والحقيقة الشرعية مقدمة في تفسير كلام الشارع كما تقرر هذه القاعدة - ما لم يرد دليل يمنع من أرادتها، ولا دليل هنا.\nوهذا القول الذي ترجحه هذه القاعدة، قد رجحه جماعة من المفسرين.\nقال الطبري - بعد أن ذكر القولين -:\nوالصواب من القول في ذلك ما قاله الذين قالوا: معناه: لا يؤدّون زكاة أموالهم، وذلك أن ذلك هو الأشهر من معنى الزكاة، وأن قوله في: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ (٧) دليل على أن ذلك كذلك؛ لأن الكفار الذين عنوا بهذه الآية كانوا لا يشهدون أن لا إله إلا الله، فلو كان قوله: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ مرادا به الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله لم يكن لقوله: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ (٧) معنى؛ لأنه معلوم أن من لا يشهد أن لا إله إلا الله لا يؤمن بالآخرة، وفي إتباع الله قوله: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ (٧) قوله: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾\nما ينبئ عن أن الزكاة في هذا الموضع معنى بها زكاة الأموال اهـ (^٢).\nوقال ابن كثير: وهذا هو الظاهر عند كثير من المفسرين اهـ (^٣).\nوهو اختيار ابن جزيّ (^٤)، والألوسي (^٥)، وعليه اقتصر آخرون كالفراء (^٦)، والزجاج (^٧)،\n_________\n(^١) انظر معجم مقاييس اللغة مادة «زكى» (٣/ ١٧)، وفي لسان العرب (١٤/ ٣٥٨)، والمفردات للراغب ص ٣٨٠ - ٣٨١.\n(^٢) جامع البيان (٢٤/ ٩٣).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم (٧/ ١٥٣).\n(^٤) التسهيل (٤/ ١١).\n(^٥) روح المعاني (٢٤/ ٩٨ - ٩٩).\n(^٦) انظر معاني القرآن (٣/ ١٢).\n(^٧) انظر معاني القرآن وإعرابه (٤/ ٣٨٠).","vol":"2","page":60},{"text":"والرازي (^١)، وغيرهم.\nوأمّا الذين اختاروا القول الأول كابن عطية (^٢)، وغيره فاحتجوا على ذلك أن سورة فصلت نزلت بمكة قبل الهجرة، وزكاة المال المفروضة إنما فرضت بالمدينة بعد الهجرة بسنتين، فدلّ ذلك على أن المراد بالزكاة تزكية النفس بالتوحيد والطاعة لله رب العالمين.\nوالجواب عن ذلك أنه غير ممتنع أن تكون السورة والآية مكيّة والمراد بها زكاة المال، بأن فرض أصل الزكاة في مكة وفصّلت المقادير وبقية الأحكام في المدينة فيكون المراد أصل الصدقة كما هو في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾\n[الأنعام: ١٤١] (^٣).\n_________\n(^١) انظر مفاتيح الغيب (٢٧/ ١٠٠).\n(^٢) انظر المحرر الوجيز (١٤/ ١٦٤).\n(^٣) انظر التسهيل (٤/ ١١)، وتفسير ابن كثير (٧/ ١٥٣)، وروح المعاني (٢٤/ ٩٩).\n* ونظائر هذا المثال كثيرة منها:\n١ - ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة: ٣٤].\nانظر مفاتيح الغيب (٢/ ٢٣١)، الجامع لأحكام القرآن (١/ ٢٩٣)، والبحر المحيط لأبي حيان (١/ ٢٤٧)، وفتح القدير (١/ ٦٦).\n٢ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: ١٢٥]، انظر المحرر الوجيز (١/ ٣٥٣).\n٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ [البقرة: ٢٢٦]، انظر مفاتيح الغيب (٦/ ٨٦)، وانظر مفردات الراغب ص ٨٤.\n٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة: ٢٣٠]، انظر التعارض والترجيح للبرزنجي (٢/ ١١٨).\n٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ [النساء: ٢٢]، انظر أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٥١)، وأحكام القرآن للكيا (٢/ ٣٨٣)، ومفاتيح الغيب (١٠/ ١٨ - ١٩)، والمغني لابن قدامة (٩/ ٣٣٩ - ٥٢٦ - ٥٢٧)، والمجموع شرح المهذب (١٧/ ٣٢٤)، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٧٧، ومجمل أسباب اختلاف الفقهاء لعبد الله التركي ص ١٣٩، رسالة -","vol":"2","page":61},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-177> تنبيه:</span>\n«القرآنيون (^١) وموقفهم من الحقائق الشرعية»:\nمما يحسن التنبية عليه في هذا المقام - بمناسبة الكلام على ترجيح الحقائق الشرعية على الحقائق اللغوية في تفسير القرآن عند اختلافها - ذلك المنهج الخطير الذي سلكته هذه الفرقة في تفسير القرآن، وهو اعتمادهم على اللغة العربية كليا في شرح مفردات القرآن، ومعانيه، وأحكامه، وجعل ذلك أصلا من أصول التفسير عندهم (^٢)، ويريدون من هذا التفسير بهذا الشكل إبطال الحقائق الشرعية، واجتثاثها من أصولها، لهدم شريعة الإسلام، فهم يفسرون الألفاظ والحقائق الشرعية وفق معانيها في أصل اللغة، ولا يعترفون لها بمعان وحقائق شرعية، حتى لو كانت مما أصبح علما على أمر معين من الأمور الشرعية كالصلاة والزكاة والطواف وغيرها\nواعتمادا على هذا المسلك الخطير نفى أكثر القرآنيين جلّ الحقائق الشرعية المستفادة من الألفاظ التي خصها الشارع لها، ومن أمثلة ذلك قولهم في تفسير الطواف: ليس معنى الطواف أن ندور حول البيت، بل معناه أن نتردد بين الحين والآخر، وهو المقصود لقوله ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾\n_________\n= ماجستير - المعهد العالي للقضاء.\n٦ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [الرعد: ١٥]، انظر أضواء البيان (٣/ ١٠٠).\n(^١) هي فرقة ضالة معاصرة، نشأت في الهند عام (١٩٠٢ م) على يد رجل يدعى عبد الله جكر الوي، ووضع أسسها وبني أفكارها الهدامة المتلخصة في الرد الكامل للسنة الشريفة، والاعتماد على القرآن وحده، وألف في ذلك الرسائل، وعندهم من الانحراف العقديّ، والانحراف في تفسير القرآن، وبيان الحقائق الشرعية الشيء العظيم، انظر كتاب «القرآنيون وشبهاتهم حول السنة» فقد أفاض في الكلام عن تاريخهم، وعرض أرائهم والرد عليها.\n(^٢) انظر كتاب «القرآنيون وشبهاتهم حول السنة» ص ٢٦٤ وص ٢٧٥ - ٢٧٧.","vol":"2","page":62},{"text":"﴿بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ [النور: ٥٨] (^١)، ولهم طوامّ ليس هذا موضع ذكرها.\n_________\n(^١) بواسطة نقل د. خادم حسين إلهي في كتابه «القرآنيون وشبهاتهم حول السنة» ص ٢٧٦، نقلا عن فريضة حج ص ٦١ إدارة بلاغ القرآن، مطبعة بنجاب لاهور، ومجلة بلاغ القرآن عدد يناير ١٩٧٥ م.","vol":"2","page":63},{"text":"<span data-type='title' id=toc-178>المطلب السادس:\nقاعدة: إذا اختلفت الحقيقة العرفية والحقيقة اللغوية في تفسير كلام الله - تعالى - قدمت العرفية</span>\n*<span data-type='title' id=toc-179> صورة القاعدة:</span>\nإذا لم يمكن حمل اللفظ على الحقيقة الشرعية، لدليل صارف عنها، أو لكونه لا معنى شرعيا له، ثم كان هذا اللفظ دائرا بين الحقيقة العرفية والحقيقة اللغوية، ولا دليل يوجب حمل اللفظ على إحداهما، فالحمل على العرفية أرجح.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-180> بيان ألفاظ القاعدة:</span>\n«الحقيقة العرفية».\nسبق بيان معنى الحقيقة.\nوالعرف في اللغة: ضد النّكر، يقال أولاه عرفا أي معروفا، والمعروف، والعارفة خلاف النّكر، وهو كلّ ما تعرفه النفس من الخير وتطمئن إليه (^١).\nوفي الاصطلاح الفقهي: هو عادة جمهور قوم في قول أو عمل (^٢).\nوأمّا إثبات الاسم من جهة عرف الاستعمال فهو: أن يكون اللفظ في اللغة موضوعا لمعنى إلا أن الناس استعاروه في غيره، واستعملوه فيه، وكثر استعمالهم له حتى غلب على ما وضع له اللفظ في اللغة (^٣).\n_________\n(^١) لسان العرب مادة «عرف» (٩/ ٢٣٩).\n(^٢) المدخل الفقهي العام (١/ ١٣١)، وانظر التعارض والترجيح للحفناوي ص ١١٣.\n(^٣) شرح اللمع في أصول الفقه (١/ ١٣٠)، وانظر روضة الناظر مع شرحها (٢/ ٩) والبحر المحيط للزركشي (٢/ ١٥٦).","vol":"2","page":64},{"text":"وقد قسم الإمام الشاطبي العادات إلى قسمين:\nالأول: العوائد الشرعية التي أقرها الدليل الشرعي أو نفاها، ومعنى ذلك أن يكون الشرع أمر بها إيجابا أو ندبا أو نهى عنها كراهة أو تحريما أو أذن فعلا وتركا.\nوالآخر: العوائد الجارية بين الخلق بما ليس في نفيه أو إثباته دليل، فأما الأول فثابت كسائر الأمور الشرعية (^١)، فالمنظور فيه هو الدليل الشرعي الذي حكم عليها، ولا يدخل هذا تحت العرف والعادة المرادة هنا، ولذلك لن أورد في شروطه شرط عدم مخالفته لنصوص شرعية اكتفاء بإخراجه هنا.\nوأما الآخر فهو المراد وسواء أكانت هذه العادة أو العرف قولا أم عملا، فإن كلامي في هذا الجانب يقتصر على ما كان متعلقا بخطاب الشارع، لا بأقوال وأعمال المكلفين؛ لأنه تفسير لكلام الله كما هو معلوم، أمّا أقوال وأعمال المكلفين فقد تكلم الفقهاء عنها، والفقه وقواعده مجال بحثها.\nولهذا لن أذكر في شروط العرف الآتية - إلا ما كان له تعلق بموضوعنا هذا.\n- شروط العرف الذي يقدم على اللغة:\n١ - «أن يكون هذا العرف قائما في زمان رسول الله ﷺ أو موجودا قبله، فأما عرف حدث بعد رسول الله ﷺ واصطلح الناس على استعمال اللفظ فيما بينهم فيه، فإنه لا يجوز حمل خطاب الله - ﷿ - عليه وخطاب رسول الله ﷺ.\nوإنما قلنا ذلك؛ لأنا نريد أن نعرف مراد الله - ﷿ - ومراد رسول الله ﷺ في خطابهما، ولا يمكن معرفة مرادهما بالكلام إلاّ من عرف كان قائما موجودا عند ورود الخطاب، فنعلم أنه قصد بإطلاق الكلام ما يقتضيه ذلك العرف، فأما عرف حدث بعده فإنه لا يجوز أن يتعرف منه مراد رسول الله ﷺ؛ لأنه لم يكن موجودا في زمانه» (^٢).\n_________\n(^١) انظر الموافقات (٢/ ٢٨٣).\n(^٢) بلفظه من شرح اللمع للشيرازي (١/ ١٣١)، وانظر شرح تنقيح الفصول ص ٢١١، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٩٦، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ١١٠، والمدخل الفقهي العام (٢/ ٨٧٨).","vol":"2","page":65},{"text":"٢ - أن يكون هذا العرف مطّردا أو غالبا، فإن كان مضطربا فلا يقدم، ويرجع إلى اللغة (^١).\n٣ - أن لا يوجد للّفظ محمل شرعي، أو وجد دليل صارف عن إرادته، وهذا من اقتضاء تقديم الحقيقة الشرعية على اللغوية والعرفية.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-181> أدلة القاعدة:</span>\nمن أدلة هذه القاعدة:\n١ - أن المعنى العرفي أظهر في الخطاب من المعنى اللغوي؛ لأنه هو المتبادر إلى الفهم، وما وضع الكلام، إلا للإفهام؛ فلذلك يقدم المعنى العرفي (^٢).\n٢ - أن المعنى العرفي ناسخ للّغة، والناسخ يقدم على المنسوخ (^٣).\n٣ - أن التكلم بالمعتاد عرفا أغلب من المراد عند أهل اللغة (^٤).\n\n*<span data-type='title' id=toc-182> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nهذه القاعدة مبنية على أصول المذاهب الفقهية؛ ولذلك سوف أعرض في هذه الفقرة أقوال العلماء باقتضاب؛ لأنه معلوم أن المفسرين يتبعون تلك الأصول غالبا، وكذلك من ألف في أصول الفقه أو القواعد الفقهية، فالكلام في الجميع متكرر، فمن المفسرين الذين ذكروها:\nالماوردي: ففي معرض كلامه عن أقسام التفسير، تكلم عن القسم الذي يرجع إلى اجتهاد العلماء، وقرر أنه أقسام، فمن تلك الأقسام ما إذا كان اللفظ محتملا\n_________\n(^١) انظر الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٩٢ - ٩٥، والمدخل الفقهي العام (٢/ ٨٧٣).\n(^٢) انظر أصول السرخسي (١/ ١٩٠)، وكشف الأسرار عن أصول البزدوي (٢/ ١٧٨)، وشرح الكوكب (٣/ ٤٣٥).\n(^٣) انظر شرح تنقيح الفصول ص ٢١١، والفروق للقرافي (١/ ١٧٣).\n(^٤) التمهيد للأسنوي ص ٢٢٨.","vol":"2","page":66},{"text":"لمعنيين أو أكثر، وهذا أيضا أقسام بالنسبة إلى تلك المعاني المحتملة في اللفظ فمنها القسم الثاني قال فيه: أن يكون أحد المعنيين مستعملا في اللغة والآخر مستعملا في العرف، فيكون حمله على المعنى العرفي أولى من حمله على معنى اللّغة لأنه أقرب معهود اهـ (^١).\nومنهم الزركشي: قال: إذا دار اللفظ بين اللغوية والعرفية، فالعرفية أولى لطريانها على اللغة اهـ (^٢).\nوذكرها وقررها الشنقيطي على طريقة الأصوليين وطبّقها في تفسيره (^٣).\nوهذه القاعدة مذهب جماهير العلماء من الأصوليين والفقهاء خلافا لأبي حنيفة، فهي مذهب المالكية (^٤) والشافعية (^٥)، والحنابلة (^٦)، وهو قول أبي يوسف (^٧)، ومحمد بن الحسن (^٨) من الحنفية (^٩).\n***\n_________\n(^١) النكت والعيون (١/ ٣٩).\n(^٢) البرهان (٢/ ١٦٧).\n(^٣) انظر أضواء البيان (٦/ ٥٢٢)، و(٧/ ٢٦٨ - ٢٧٤).\n(^٤) انظر شرح تنقيح الفصول ص ٢١١، والفروق (١/ ١٧٣) كلاهما للقرافي.\n(^٥) انظر شرح اللمع للشيرازي (١/ ١٣١)، والتمهيد للأسنوي ص ٢٢٨.\n(^٦) انظر شرح الكوكب للفتوحي (٣/ ٤٣٥).\n(^٧) هو: يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري القاضي، صاحب أبي حنيفة، وعنه أخذ الفقه، وثقة أحمد وابن معين وابن المديني، توفى سنة اثنتين وثمانين ومائة، الجواهر المضية (٣/ ٦١١)، وسير أعلام النبلاء (٨/ ٥٣٥).\n(^٨) هو: محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني أبو عبد الله، الإمام، صحب أبا حنيفة وأخذ عنه الفقه، وسمع الموطأ من مالك، له «السّير الكبير» توفي سنة تسع وثمانين ومائة، الجواهر المضية (٣/ ١٢٢)، وسير أعلام النبلاء (٩/ ١٣٤).\n(^٩) انظر أصول السرخسي (١/ ١٧٦)، وكشف الأسرار عن أصول البزدوي (٢/ ١٠٦).","vol":"2","page":67},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-183> المخالفون للقاعدة:</span>\nالمخالفون لهذه القاعدة، هم المخالفون للقاعدة السابقة، وذلك؛ لأن الأصول واحدة، فعند أبي حنيفة تقديم الحقيقة اللغوية على الشرعية والعرفية (^١)، والذين قالوا بالإجمال كذلك قالوا به هنا لأجل تردده بين الاحتمالين، فيحتاج إلى بيان المقصود (^٢).\nوقد سبق في القاعدة السابقة حكاية مذاهبهم والجواب عنهم فلا داعي لتكراره هنا، وأدلة هذه القاعدة، والقاعدة السابقة تردّ على من ذهب إلى خلافهما.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-184> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nمن أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿* إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠].\nفي المراد ب «سبيل الله» أقوال (^٣).\nمنها: أن المراد الغزاة في سبيل الله الذين لا ديوان لهم، وبهذا قال جماهير العلماء.\nومنها: أن المراد الحجيج، ويروى هذا عن ابن عمر، وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية، وإسحاق، وهو رواية عن الإمام أحمد.\nومنها: أن المراد طلبة العلم.\nومنها: أن المراد جميع القرب فيدخل فيه كل سعي في طاعة الله، وسبل الخير.\nوأولى هذه الأقوال بتفسير الآية القول الأول، وهو أن المراد الغزاة في سبيل الله،\n_________\n(^١) انظر أصول السرخسي (١/ ١٧٦)، ونشر البنود (١/ ١٢٨)، وأضواء البيان (٧/ ٢٦٨).\n(^٢) انظر أضواء البيان (٦/ ٥٢٢)، و(٧/ ٢٦٨).\n(^٣) انظر أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٤٢٩)، ومعالم التنزيل (٤/ ٦٥)، وأحكام القرآن لابن عربي (٢/ ٥٣٣)، وتفسير ابن كثير (٤/ ١٠٩)، وروح المعاني (١٠/ ١٢٣).","vol":"2","page":68},{"text":"ويكاد يكون مجمعا عليه وذلك أن العلماء الذين قالوا بغيره أدخلوه معه (^١)، واقتصر عليه آخرون فلم يذكروا غيره (^٢).\nوإنّ إطلاق لفظ «في سبيل الله» على الغزو والجهاد كان شائعا في الاستعمال عند نزول القرآن، فكان عرفا.\nقال الحافظ ابن حجر في الفتح: قال ابن الجوزي (^٣): إذا أطلق ذكر سبيل الله فالمراد به الجهاد … وقال ابن دقيق العيد (^٤): «في سبيل الله» العرف الأكثر فيه استعماله في الجهاد … اه (^٥).\nفكان هذا القول أولى الأقوال بتفسير الآية تقديما للعرف المقارن للخطاب على العرف المتأخر عنه، وعلى الاستعمال اللغوي.\nفإطلاق في «سبيل الله» على كل طاعة قصد بها وجه الله، والحكم بإرادة ذلك في الآية غير صحيح يأباه سياق الآية وفحواها؛ لأنها في سياق حصر الأصناف التي تصرف لهم الزكاة، فإن جعل صنف «في سبيل الله» في طاعة الله ووجوه الخير، لا يكون لذلك الحصر كبير فائدة؛ لأنه يدخل فيه كل ما ذكر في الآية دون تقييد بغنى أو فقر، وفعل الطاعة ووجوه الخير لا تحصر لا في الأغنياء ولا في الفقراء.\n\n<span data-type='title' id=toc-185>وأما القول إن المراد طلبة العلم، فالكلام على ذلك من وجهين:</span>\n_________\n(^١) انظر تفسير المنار (١٠/ ٤٩٩).\n(^٢) منهم الإمام الطبري في جامع البيان (١٠/ ١٦٥).\n(^٣) هو: أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد القرشي الحنبلي، صاحب التصانيف، حامل لواء الوعظ، وعلاّمة السير والتاريخ، وبحر التفسير، غير أنه ممن خاض في التأويل توفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة، سير أعلام النبلاء (٢١/ ٢٦٥).\n(^٤) هو: محمد بن علي بن وهب القشيري، أبو الفتح، تتلمذ على العز بن عبد السلام، وولى قضاء مصر ثماني سنين، برع في علوم كثيرة، وله مصنفات كثيرة، توفي سنة اثنتين وسبعمائه، الدرر الكامنة (٤/ ٢١٠)، وشذرات الذهب (٦/ ٥).\n(^٥) فتح الباري (٦/ ٥٦)، وإحكام الأحكام لابن دقيق (٢/ ٢٤٧).","vol":"2","page":69},{"text":"أحدهما: أن يكون طلبة العلم داخلين في عموم القول السابق الذي أجيب عنه.\nالآخر: أن يكون عرفا للفظ «سبيل الله» فإن كان هذا عرفا، فهو طارئ بعد نزول القرآن، وليس مقارنا له، فلا يجوز حمل الآية عليه - كما سبق في شروط اعتبار العرف - والترجيح به، «وإن النص التشريعي يظل محمولا على معناه العرفي الأول عند صدوره، ومعمولا به في حدود ذلك المعنى؛ لأنه هو مراد الشارع، ولا عبرة للمعاني العرفية أو الاصطلاحية الحادثة بعد ورود النص» (^١).\nوأما القول إن المراد الحجيج، فإنه وإن ورد في الحديث «الحج والعمرة من سبيل الله» (^٢) فلا تظهر إرادته في هذه الآية - والله أعلم - وذلك؛ لأنه قال: «من سبيل الله» على عموم ذلك المعنى، وقد سبق الجواب عنه.\nوجاء هذا مقترنا بالحج والعمرة مبينا لهما؛ لكن الكلام على إطلاق لفظ «في سبيل الله» دون أن يقيّد بعمل معين.\nقال أبو بكر ابن العربي: والذي يصح عندي من قولهما -[يعني أحمد وإسحاق]- أن الحج من جملة السّبّل مع الغزو؛ لأنه طريق برّ، فأعطي منه باسم السبيل، وهذا يحل عقد الباب، ويخرم قانون الشريعة، وينثر سلك النظر، وما جاء قط بإعطاء الزكاة في الحج أثر اهـ (^٣).\n_________\n(^١) المدخل الفقهي العام (٢/ ٨٧٨).\n(^٢) أخرجه أحمد (٦/ ٤٠٥ - ٤٠٦)، والحاكم في المستدرك (١/ ٤٨٢) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني بدون لفظ «العمرة» في الإرواء حديث رقم (٨٦٩).\n(^٣) أحكام القرآن (٢/ ٥٣٣).\n* ومن نظائر هذا المثال:\n- ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران: ٥٥]، انظر أضواء البيان (٧/ ٢٦٨) وما بعدها.\n- ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ [الأحزاب: ٤]، انظر أضواء البيان (٦/ ٥٢٢).","vol":"2","page":70},{"text":"<span data-type='title' id=toc-186>المطلب السابع:\nقاعدة: القول بالاستقلال مقدم على القول بالإضمار</span>\nويلى هذه القاعدة ثلاث قواعد في الحذف والتقدير:\nالأولى: تقدير ما ظهر في القرآن أولى في بابه من كل تقدير.\nالثانية: التقدير الموافق لغرض الآية وأدلة الشرع مقدم على غيره.\nالثالثة: إذا دار الأمر بين قلة المحذوف وكثرته كان الحمل على قلته أولى.\n\n*<span data-type='title' id=toc-187> صورة القاعدة:</span>\nإذا اختلف المفسرون في تفسير آية من كتاب الله - تعالى -، فمنهم من يرى افتقار الكلام إلى التقدير، ومنهم من يرى استقلال الكلام وعدم احتياجه إلى ذلك التقدير، والمعنى مستقيم بدونه، فحمل الآية على الاستقلال مقدم؛ لأجل موافقة الأصل.\n\n*<span data-type='title' id=toc-188> بيان ألفاظ القاعدة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-189>أولا: الاستقلال:</span>\nأصل مادة «قلّ» يدل على نزارة الشيء، يقال: قلّ الشيء يقلّ قلّة فهو قليل، ويقال: استقلّ القوم إذا مضوا لمسيرهم (^١)، «ويقال: استقلّ الطائر في طيرانه: أي نهض للطيران وارتفع في الهواء، والاستقلال بمعنى الارتفاع والاستبداد» (^٢).\n«وتأتي استقلّ» لازمة، ومتعدية بالباء فتدل على الانفراد، يقال: استقل فلان:\nأي انفرد بتدبير أمره، واستقل بالشيء: انفرد به، وبهذا المعنى يعرّف الاستقلال هنا بأنه: إفادة المعنى المراد بالكلام الملفوظ به منفردا دون حاجة إلى تقدير» (^٣)،\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة (٥/ ٣) مادة «قل».\n(^٢) لسان العرب مادة «قلل» (١١/ ٥٦٦).\n(^٣) من كلام شيخنا الشيخ مناع القطان - ﵀ -.","vol":"2","page":71},{"text":"فالاستقلال هو عدم التقدير (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-190>ثانيا: الإضمار:</span>\nيستعمل «الإضمار» في اللغة في معان عديدة، الذي يعنينا منها هو ما يتعلق بموضوع القاعدة، وهو الإسقاط والإخفاء، وقد ذكر ابن فارس أن مادة «ضمر» لها أصلان صحيحان، أحدهما: يدل على غيبة وتستّر - وهو الذي يهمنا في هذه القاعدة - ثم شرع في بيانه فقال: الضّمار هو المال الغائب الذي لا يرجى، وكلّ شيء غاب عنك فلا تكون منه على ثقة فهو ضمار اهـ (^٢).\nفيدور هذا المعنى اللغوي على الغيبة والتستر والخفاء، فالإضمار في الجملة هو كذلك.\nوالإضمار في الاصطلاح هو: أن يخفي المتكلم في نفسه معنى ويريد من المخاطب أن يفهمه (^٣)، وذلك يكون بإسقاط بعض الكلام لفظا لغرض ما، مع قيام قرينة على ذلك لئلا يلتبس المعنى، قال الكفوي: الإضمار ما ترك ذكره من اللفظ وهو مراد بالنية اهـ (^٤).\nوالحذف هو: إسقاط جزء الكلام أو كله لدليل (^٥).\nفالمحذوف وإن سقط لفظه فإن معناه باق وينتظمه المقدر (^٦).\nومن العلماء من يفرق بين الحذف والإضمار، ويرى أن الحذف إسقاط الشيء لفظا ومعنى، أما الإضمار فهو إسقاط الشيء لفظا لا معنى.\nلكنه لا بد فيهما من مقدر، قال الكفوي: وشرط الحذف والإضمار هو أن يكون\n_________\n(^١) شرح الكوكب (١/ ٢٩٥).\n(^٢) انظر معجم مقاييس اللغة (٣/ ٣٧١)، وانظر مادة «ضمر» في تهذيب اللغة (١٢/ ٣٧) والصحاح (٢/ ٧٢٢)، واللسان (٤/ ٤٩٢)، والكليات ص ١٣٥.\n(^٣) الصواعق المرسلة (٢/ ٧١٤).\n(^٤) الكليات ص ٣٨٤.\n(^٥) كذا عرّفه الزركشي في البرهان (٣/ ١٠٢).\n(^٦) الكليات ص ٨٧٠.","vol":"2","page":72},{"text":"ثمّة مقدّر اهـ (^١).\nواشترط بعضهم في مقدر المضمر، بقاء أثره في اللفظ (^٢)، وأيّا كان الأمر فالذي يهمنا هنا هو وجود هذا المقدر، فإذا دار الكلام بين الإضمار والاستقلال حمل على الاستقلال، أو بعبارة أخرى إذا دار الكلام بين التقدير وعدمه، حمل على عدم التقدير؛ لذلك فإني في هذه القاعدة لن أعتمد فروقا بين هذه المصطلحات، لعدم أثرها الواضح في القاعدة، وسوف أعبر عن هذه القضية أعني التقدير في الكلام بالإضمار أو الحذف أو التقدير ولن ألتزم أحدها.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-191> الحذف والإضمار في كلام العرب والقرآن، وفي هذه القاعدة:</span>\nالإضمار والحذف والتقدير خلاف الأصل (^٣)، فيجب التقليل من مخالفة الأصل مهما أمكن، والعرب لا تحذف من الكلام شيئا إلا وتركت عليه دليلا، بل من عادتها الحسنة أنهم يحذفون من الكلام ما يكون المذكور دليلا عليه اختصارا، ودلالة الكلام على المحذوف قد تحصل من صريحه تارة، ومن سياقه، ومن قرائنه المتصلة به تارة أخرى (^٤).\nوهذا وارد في فصيح كلامها، وهو كثير في القرآن الكريم (^٥)، كقوله تعالى:\n﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] فمعلوم أن المراد فضرب فانفلق؛\n_________\n(^١) الكليات ص ٣٨٤.\n(^٢) البرهان (٣/ ١٠٢).\n(^٣) انظر مغني اللبيب (٢/ ٥٩٩ - ٦١٥)، والبرهان في علوم القرآن (٣/ ١٠٤)، والأشباه والنظائر في النحو للسيوطي (١/ ١٠١)، وشرح الكوكب (١/ ٢٩٥)، وأضواء البيان (٢/ ٨٧).\n(^٤) الصواعق المرسلة (٢/ ٧١٣)، وانظر أدلة الحذف وشرائطه في تأويل مختلف الحديث ص ٢٤٥، والإشارة إلى الإيجاز ص ٣ - ٨، ومغني اللبيب (٢/ ٦٠٣) والبرهان في علوم القرآن (٣/ ١٠٨ - ١١١)، والإتقان (٣/ ١٧٤)، والكليات ص ٣٨٥.\n(^٥) انظر على سبيل المثال معاني القرآن للفراء (٢/ ٢٤٧)، وتأويل مشكل القرآن ص ٢١٠ - ٢٢٦، وجامع البيان (١/ ٦١ - ٢٦٥)، و(١٠/ ٢٣)، و(١٢/ ١٦٠)، و(٢٣/ ٦٠)، والصاحبي ص ٣٣٧، -","vol":"2","page":73},{"text":"لكن لم يحتج إلى ذكر ذلك في اللفظ إذ كان قوله: فقلنا اضرب، فانفلق: دليلا على أنه ضرب فانفلق (^١).\nقال الطاهر بن عاشور: إنك تجد في كثير من تراكيب القرآن حذفا، ولكنك لا تعثر على حذف يخلو الكلام من دليل عليه من لفظ أو سياق اهـ (^٢).\nفمثل هذا الإضمار والتقدير غير داخل تحت هذه القاعدة التي نحن بصدد عرضها - وستأتي قواعد تتعلق بهذا النوع - إن شاء الله - تعالي - لأنه في حكم الملفوظ به وإن حذف اختصارا لدلالة الكلام عليه، وهذه الدلالة تسمى عند الأصوليين «دلالة الاقتضاء» وهي: أن يكون الكلام المذكور لا يصح ضرورة إلا بتقدير محذوف، وهذا المحذوف هو «المقتضى» (^٣)، هذا المحذوف الذي دلّ الدليل عليه قد يكون جملة بأسرها أو أحد أركانها.\nأما الفضلة فلا يشترط ذكرها بحيث إذا لم تذكر قيل عنها إنها محذوفة؛ ولكن إذا تعلق الغرض بمجرد إيقاع الفاعل للفعل فيقتصر عليها، ولا يذكر المفعول، ولا ينوى؛ إذ المنويّ كالثابت، ولا يسمى محذوفا؛ لأن الفعل ينزل لهذا القصد منزلة ما لا مفعول له، ومنه قوله تعالى: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] … إذ المعنى ربي الذي يفعل الإحياء والإماتة (^٤) … فلا يقال فيه إنه حذف بغير دليل (^٥).\n_________\n= ٣٨٦، والمحرر الوجيز (٥/ ٨٤)، وفتح القدير (٣/ ٨٤)، و(٤/ ١٦٨)، وأضواء البيان (٣/ ٣٥٦ - ٦٠٠ - ٦١٠)، (٤/ ٤٣٤ - ٤٣٦ - ٨٥٥)، و(٦/ ٢٤٩ - ٢٩٦)، و(٧/ ١٠٥ - ١٥٩).\n(^١) مجموع فتاوى ابن تيمية (٢٠/ ٤٦٦).\n(^٢) التحرير والتنوير (١/ ١٢٢).\n(^٣) انظر الواضح في أصول الفقه للدكتور محمد الأشقر ص ٢٢١، وانظر دلالة الاقتضاء في المحصول (١/ ٣١٨/١)، وأصول السرخسي (١/ ٢٤٨) وشرح تنقيح الفصول ص ٥٣، ٥٥ والبحر المحيط (٣/ ١٦٠)، وشرح الكوكب (٣/ ٤٧٥).\n(^٤) انظر مغنى اللبيب (٢/ ٦٠٣ - ٦١٢).\n(^٥) البرهان في علوم القرآن (٣/ ١٠٢).","vol":"2","page":74},{"text":"وأمّا الذي يعنينا في هذه القاعدة فهو ما سوى ذلك - أعني سوى ما دلّ الدليل على حذفه - فإذا لم يقم دليل على الحذف، فلا تصح دعواه، لما فيه من مخالفة الأصل دون دليل، ومثل هذا لا يرد في كلام العرب، ولا يحسن فيه، وإلا كان فيه ضرب من تكليف علم الغيب معرفته (^١).\nقال العز بن عبد السلام: … والعرب لا يحذفون ما لا دلالة عليه ولا وصلة إليه؛ لأن حذف ما لا دلالة عليه مناف لغرض وضع الكلام من الإفادة والإفهام\nاه (^٢).\nوهو - أيضا - لا يرد في كلام من يريد البيان والهدى، فإن الإضمار إذا سلط على الكلام أفسد التخاطب وأبطل التكاليف، ولم يفهم أحد مراد أحد، إذ يمكنه أن يضمر كلمة تغيّر المعنى، ولا يدل المخاطب عليها، وباب الإضمار لا ضابط له فكل من أراد إبطال كلام متكلم ادعى فيه إضمارا يخرجه عن ظاهره، وبمثل هذا حرفت كثير من النصوص من قبل المبتدعة والباطنية والزنادقة، فمثل هذا الإضمار باطل، يعلم انتفاؤه قطعا (^٣).\nومنه - أعني مما يعنينا في القاعدة - إذا احتمل الكلام الإضمار وعدمه، فحمله على عدم الإضمار أولى، لموافقته الأصل، وظاهر الخطاب؛ ولأنه هو الموافق لقصد البيان والهدى.\nقال العلاّمة ابن القيم: النوع الثالث -[أي من أنواع الإضمار]- كلام يحتمل الإضمار ويحتمل عدمه فهذا إذا قام الدليل على أن المتكلم به عالم ناصح مرشد، قصده البيان والهدى والدلالة والإيضاح بكل طريق، وحسم مواد اللبس ومواقع الخطأ، وأن هذا هو المعروف المألوف من خطابه وأنه اللائق بحكمته لم يشك السامع\n_________\n(^١) الخصائص (٢/ ٣٦٠).\n(^٢) الإشارة إلي الإيجاز ص ٢.\n(^٣) انظر الصواعق المرسلة (٢/ ٧١١) بتصرف.","vol":"2","page":75},{"text":"في أن مراده ما دلّ عليه ظاهر كلامه، دون ما يحتمله باطنه من إضمار ما لم يجعل للسامع عليه دليلا، ولا له إلى معرفته سبيلا … اه (^١).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-192> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nهذه القاعدة من القواعد التي اعتمدها المفسرون والأصوليون، وهي قاعدة لغوية معروفة قد نبّه علماء العربية عليها، واستعملها أئمة التفسير في الترجيح بين الأقوال المختلفة في التفسير فمن هؤلاء الأئمة:\n١ - الإمام الطبري: ففي معرض ردّه على من ادعى التقدير في قوله تعالى:\n﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٤٤] أي: وقال لهم، قال: وذلك إنما يجوز في الموضع الذي يدل ظاهر الكلام على حاجته إليه، ويفهم السامع أنه مراد به الكلام وإن لم يذكر، فأمّا في الأماكن التي لا دلالة على حاجة الكلام إليه، فلا وجه لدعوى مدع أنه مراد فيها اهـ (^٢).\n٢ - ومنهم الفخر الرازي: فقد ذكر هذه القاعدة، ورجح بها، فصحح أقوالا وضعّف أخرى، ونص على أن الإضمار خلاف الأصل (^٣).\n٣ - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: قال - في معرض ردّه على من ادعى إضمار استفهام في قوله تعالى: ﴿وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] أي:\nأفمن نفسك؟ -: قلت: وإضمار الاستفهام - إذا دل عليه الكلام - لا يقتضي جواز إضماره في الخير المخصوص من غير دلالة، فإن هذا يناقض المقصود، ويستلزم أن كل من أراد أن ينفي ما أخبر الله به يقدر أن ينفيه، بأن يقدر في خبره استفهاما، ويجعله استفهام إنكار اهـ (^٤).\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة (٢/ ٧١٣ - ٧١٤).\n(^٢) جامع البيان (٢/ ٥٩٢) وانظر نحو هذا التقرير في (١٧/ ٧٩) منه.\n(^٣) انظر مفاتيح الغيب (٢/ ١٣٠)، (٢٩/ ٢٥٩).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٢٢).","vol":"2","page":76},{"text":"٤ - ومنهم أبو حيان: قال: متى أمكن حمل الكلام على غير إضمار ولا افتقار، كان أولى أن يسلك به الإضمار والافتقار، وهكذا تكون عادتنا في إعراب القرآن، لا نسلك فيه إلى الحمل على أحسن الوجوه، وأبعدها من التكلف، وأسوغها في لسان العرب اهـ (^١).\n٥ - ومنهم ابن القيم: وقد مرّ في الفقرة السابقة نقل بعض أقواله في تقرير القاعدة واعتمادها.\n٦ - ومنهم ابن جزيّ الكلبي: فقد اعتمد هذه القاعدة وجها من أوجه الترجيح التي قررها في مقدمة تفسيره، قال فيه: الحادي عشر: تقديم الاستقلال على الإضمار إلا أن يدل دليل على الإضمار اهـ (^٢).\n٧ - ومنهم ابن كثير: ففي معرض ردّه على من قال في تفسير القاف في أول سورة «ق»: قضي الأمر والله، قال: وفي هذا التفسير نظر؛ لأن الحذف في الكلام إنما يكون إذا دلّ الدليل عليه، ومن أين يفهم هذا من ذكر هذا الحرف اهـ (^٣).\n٨ - ومنهم الزركشي: قال: والحذف خلاف الأصل، وعليه ينبني فرعان: أحدهما:\nإذا دار الأمر بين الحذف وعدمه كان الحمل على عدمه أولى؛ لأن الأصل عدم التغيير اه (^٤).\n٩ - ومنهم الشنقيطي: قال - مقررا هذه القاعدة -: … اللفظ إذا دار بين الاستقلال والافتقار إلى تقدير فالاستقلال مقدم؛ لأنه هو الأصل، إلا بدليل منفصل على لزوم تقدير المحذوف اهـ (^٥).\n_________\n(^١) البحر المحيط (١/ ٦١).\n(^٢) التسهيل (١/ ٩).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم (٠٧/ ٣٧٣).\n(^٤) البرهان (٣/ ١٠٤).\n(^٥) أضواء البيان (٢/ ٧٨)، وانظر نحو هذا التقرير (٣/ ٣٥٥) منه.","vol":"2","page":77},{"text":"وقال - في موضع آخر مرجحا بهذه القاعدة -: والقول الأول أظهر عندي؛ لأن ما لا تقدير فيه أولى مما فيه تقدير إلا بحجة يجب الرجوع إليها تثبت المحذوف المقدر اهـ (^١).\nوذكر الأصوليون هذه القاعدة: من أوجه الترجيح التي ذكروها بين الألفاظ المتعارضة من الكتاب والسنة، قال القاضي أبو يعلى: وأمّا الترجيح الذي يعود إلى متنه فمن وجوه: … التاسع: أن يكون أحد التأويلين موافقا لفظه من غير إضمار … اه (^٢).\nوقالوا في الترجيح بين مقتضيات الألفاظ إن اللفظ إذا دار بين أن يكون مضمرا أو مستقلا فإنه يحمل على استقلاله وهو عدم التقدير (^٣).\n\n*<span data-type='title' id=toc-193> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nهذه القاعدة تعمل في ثلاثة أنواع من الخلاف:\nالأول: مخالفة المؤولة المبتدعة لمذهب السلف بناء على ما اعتقدوه، سالكين سبيل الإضمار في نصوص الوحي.\nالثاني: خلاف المفسرين الذي ليس مما سبق.\nالثالث: خلاف المعربين في إعراب بعض الآيات.\n***\n\n<span data-type='title' id=toc-194>النوع الأول: مخالفة المؤولة المبتدعة لمذهب السلف بناء على ما اعتقدوه، سالكين سبيل الإضمار في نصوص الوحي:</span>\n١ - فمن أمثلة ذلك: ما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٢٢) [الفجر: ٢٢].\n_________\n(^١) أضواء البيان (٤/ ١٣٧).\n(^٢) العدة لأبي يعلى (٣/ ١٠٣٥)، وانظر البحر المحيط للزركشي (٦/ ١٦٧).\n(^٣) شرح الكوكب المنير (١/ ٢٩٥)، وانظر المحصول (٢/ ٥٧٤/٢)، وشرح تنقيح الفصول ص ١١٢، وإرشاد الفحول ص ٤٦٣.","vol":"2","page":78},{"text":"فذهب أهل السنة في تفسير هذه الآية إلى إثبات صفة المجيء لله - تعالى -، صفة تليق به - سبحانه -، وأن الآية مستقلة لا تقدير فيها، وليس في ألفاظها ولا سياقها ولا في دلالة شرعية تدل على إضمار شيء فيها وبإثبات هذه الصفة فسرها مفسرو أهل السنة كالطبري، وابن كثير، وغيرهما.\nقال الطبري: يقول - تعالى - ذكره: وإذا جاء ربك يا محمد وأملاكه صفوفا صفا بعد صف اهـ (^١) وساق آثارا في إثبات الصفة عن ابن عباس، والضحاك، وأعقبها بحديث مرفوع عن النبي ﷺ.\nوقال ابن كثير: «وجاء ربك» يعنى لفصل القضاء بين خلقه وذلك بعد ما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد ﷺ … اه (^٢).\nودلائل القرآن والسنة متظاهرة مشهورة في إثبات صفة المجيء لله - تعالى -، وهو مذهب السلف.\nوأما الخلف فذهبوا في تفسير هذه الآية إلى تقدير مضاف محذوف أي: جاء أمر ربك، أو جاء قضاؤه، ونحوها.\nقال ابن عطية: في تفسير هذه الآية: معناه: وجاء قدره وسلطانه وقضاؤه اه (^٣).\nوقال القرطبي: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ﴾ أي أمره وقضاؤه، قاله الحسن، وهو من باب حذف المضاف اهـ (^٤).\nوبمثل هذا قال جماعة (^٥).\n_________\n(^١) جامع البيان (٣٠/ ١٨٥).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم (٨/ ٤٢١)، وانظر فتح البيان (١٥/ ٢٣٠).\n(^٣) المحرر الوجيز (١٦/ ٢٩٩).\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ٥٥).\n(^٥) انظر مثلا معالم التنزيل (٨/ ٤٢٢)، ومدارك التنزيل للنسفي (٣/ ١٩٦٣)، وإرشاد العقل السليم (٩/ ١٥٧)، وفتح القدير (٥/ ٤٤٠)، والتحرير والتنوير (٣٠/ ٣٣٦).","vol":"2","page":79},{"text":"ولا شك في صحة مذهب السلف في هذا، غير أني ذكرت هذا الخلاف في تفسير الآية؛ لأنه مذكور في جلّ كتب التفسير، خاصة المتأخرة منها، وحتى أبين دور القاعدة - التي نحن بصدد عرضها - في الترجيح في مثل هذا الخلاف، وإن كانت دلائل الكتاب، والسنة وأقوال الصحابة، والتابعين تغني عنها - وذلك أن دعوى الحذف والإضمار في هذه الآية وأمثالها من آيات الصفات باطل؛ لأنه لا دليل عليه من ألفاظ الآية وسياقها ولا من دلائل الكتاب والسنة، والذين ذهبوا إلى تقدير محذوف فيها، إنما ذهبوا إلى هذا لأجل ما اعتقدوه من نفي هذه الصفة وغيرها من صفات الأفعال عن الله - تعالى -، ومستندهم في ذلك العقل، فإنه يحيل عندهم اتصاف الباري - سبحانه - بهذه الصفة قال الرازي في تفسير هذه الآية: واعلم أنه ثبت بالدليل العقلي أن الحركة على الله - تعالى - محال؛ لأن كل ما كان كذلك كان جسما والجسم يستحيل أن يكون أزليا فلا بد من التأويل، وهو أن هذا من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه اهـ (^١).\nفأنت ترى السبب الذي جعله يقول بأن هذه الآية من باب حذف المضاف، وكذلك جعلها العز بن عبد السلام (^٢)، والزركشي (^٣) - وغيرهم من أهل التأويل - ودليلهم جميعا على الحذف هو دلالة العقل على استحالة اتصاف الله بهذه الصفة، وهو دليل ظاهر البطلان، فلا تعارض نصوص الكتاب والسنة بالعقل الفاسد، وأمّا العقل الصحيح الذي استنار بنور الكتاب والسنة فلا يجد تعارضا مع الكتاب والسنة، ويتّبع في اعتقاده الكتاب والسنة.\nوأمّا الذين يتبعون الكتاب والسنة لما اعتقدوه فهم يحرفون الكلم عن مواضعه ويلوون النصوص بالإضمار والتقدير وغيرها حتى توافق ما اعتقدوه وما رأوه حسنا.\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب (٣١/ ١٧٤).\n(^٢) انظر الإشارة إلى الإيجاز ص ٤.\n(^٣) انظر البرهان (٣/ ١٠٩).","vol":"2","page":80},{"text":"وبالجملة فباب الصفات مبناه على التسليم لله ولرسوله ﷺ فما أثبت الله لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ أثبتناه كما أثبته، وما نفاه الله ورسوله ﷺ نفيناه كما نفاه.\nفآيات الصفات كلها مستقلة لا إضمار ولا تقدير فيها كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، والحمد لله رب العالمين (^١).\n٢ - ومن أمثلته - أيضا -: إضمار الرافضة في نصوص القرآن بناء على ما اعتقدوه دون نظر إلى دليل أو قرينة أو سياق يدل على المقدر، وإنما هي أهواء.\nفمنه ما قاله مفسرهم في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ (٤١) [الزخرف: ٤١] قال: فإما نذهبنّ بك يا محمد ﷺ من مكة إلى المدينة فإنا رادوك إليها ومنتقمون منهم بعلي بن أبي طالب اهـ (^٢).\nوأنت ترى في هذا القول صبغة تحريف الكلم عن مواضعه، وهو ظاهر البطلان، وبطلانه أظهر من أن يناقش.\nقال العلامة ابن القيم: ومن رأى ما أضمره المتأولون من الرافضة والجمهية والقدرية والمعتزلة، مما حرفوا به الكلم عن مواضعه وأزالوا به عن ما قصد له من البيان والدلالة، علم أن لهم أوفر نصيب من مشابهة أهل الكتاب الذين ذمهم الله بالتحريف واللي والكتمان اهـ (^٣).\n_________\n(^١) * ومن نظائر هذا المثال، من تأويل الصفات بالإضمار في نصوصها.\n١ - انظر المحرر الوجيز (٦/ ١٨٦) في تفسير قوله تعالى: أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [الأنعام: ١٥٨].\n٢ - وانظر الإشارة إلى الإيجاز ص ٤ في قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ [البقرة: ٢١٠].\nوقوله تعالى: فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا [الحشر: ٢].\nوقوله تعالى: فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ [النحل: ٢٦].\n٣ - وانظر الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٥٠) في تفسير قوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٧].\n(^٢) نور الثقلين (٤/ ٦٠٣ - ٦٠٤).\n(^٣) الصواعق المرسلة (٢/ ٧١٢).","vol":"2","page":81},{"text":"<span data-type='title' id=toc-195>النوع الثاني: خلاف المفسرين الذين ليس مما سبق:</span>\nفمن أمثلته ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣].\nاختلف المفسرون في تفسير هذه الآية (^١):\nفقال ابن عباس في رواية عنه: من شهر السلاح في قبّة الإسلام وأخاف السبيل، ثم ظفر به وقدر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار: إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله وكذا قال سعيد بن المسيب، ومجاهد، والحسن، والضحاك، والإمام مالك وغيرهم.\nوقال الجمهور وهي رواية عن ابن عباس: إن قطّاع الطريق إذا قتلوا وأخذوا المال قتّلوا وصلّبوا وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال: قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا: قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا:\nنفوا من الأرض.\nومن ذهب إلى ترجيح القول الأول، كانت هذه القاعدة من وجوه ترجيحه، وقالوا: إن اللفظ إذا دار بين الاستقلال والإضمار فحمله على الاستقلال أولى، وهذه القيود لم تذكر في ألفاظ الآية، وليس في ألفاظها وسياقها ما يدل عليها.\nقال الشنقيطي: ورجح المالكية هذا القول بأن اللفظ فيه مستقل غير محتاج إلى تقدير محذوف؛ لأن اللفظ إذا دار بين الاستقلال والافتقار إلى تقدير محذوف فالاستقلال مقدم؛ لأنه هو الأصل، إلا بدليل منفصل على لزوم تقدير المحذروف اهـ (^٢).\nوأيدوا ذلك بالغالب من أسلوب القرآن ومعهود استعماله ل «أو» فإنها للتخيير،\n_________\n(^١) انظر الأقوال والروايات في جامع البيان (٦/ ٢١١)، وانظر أحكام القرآن للشافعي (١/ ٣١٣)، وأحكام القرآن للجصاص (٤/ ٥٤)، وأحكام القرآن للكيا الهراسي (٣/ ٦٥)، وأحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٩٧)، والجامع لأحكام القرآن (٦/ ١٥١) وتفسير ابن كثير (٣/ ٩٣)، وعامة المفسرين ذكروا الخلاف في الآية.\n(^٢) أضواء البيان (٢/ ٨٧)، وانظر شرح تنقيح الفصول ص ١١٢.","vol":"2","page":82},{"text":"كما في قوله في جزاء الصيد: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، وقوله في كفارة الترفّه: ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وكقوله في كفارة اليمين: ﴿فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] هذه كلها على التخيير، فكذلك فلتكن هذه الآية (^١).\nوقد أثر عن ابن عباس أنه قال: ما كان في القرآن «أو» فصاحبه بالخيار (^٢).\nوحجة القول الثاني قول النبي ﷺ: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدي ثلاث الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (^٣) فنفى النبي ﷺ قتل من خرج عن الوجوه الثلاثة، ولم يخصص فيه قاطع الطريق، فانتفى بذلك قتل من لم يقتل من قطاع الطريق (^٤).\nوأجاب ابن العربي عن هذا بقوله: والآية نص في التخيير، وصرفها إلى التعقيب والتفصيل تحكّم على الآية وتخصيص لها، وما تعلقوا منه بالحديث لا يصح؛ لأنهم قالوا: يقتل الرّدء (^٥) ولم يقتل، وقد جاء القتل بأكثر من عشرة أشياء، منها متفق عليها ومنها مختلف فيها، فلا تعلق بهذا الحديث لأحد اهـ (^٦).\n_________\n(^١) انظر تفسير ابن كثير (٣/ ٩٣).\n(^٢) انظر الجامع لأحكام القرآن (٦/ ١٥٢).\n(^٣) متفق عليه من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - البخاري في كتاب الديات، باب قوله تعالى: أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ [المائدة: ٤٥]، انظر الصحيح مع الفتح (١٢/ ٢٠٩)، ومسلم كتاب القسامة حديث رقم (٢٥ - ٢٦).\n(^٤) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٥٥)، وانظر جامع البيان (٦/ ٢١٥).\n(^٥) الردء هو المعين والنصير، ومنه قوله تعالى: فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا [القصص: ٣٤] انظر مادة «ردأ» في تهذيب اللغة (١٤/ ١٦٧)، وفي اللسان (١/ ٨٤).\n(^٦) أحكام القرآن (٢/ ٩٨ - ٩٩).","vol":"2","page":83},{"text":"وأيد من اختار الإضمار في الآية قوله بحديث ضعيف، أخرجه الطبري وضعّفه فقال: وقد روي عن رسول الله ﷺ بتصحيح ما قلنا في ذلك بما في إسناده نظر.\nثم ساق بسنده أن عبد الملك بن مروان (^١) كتب إلى إنس بن مالك (^٢) يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين، وهم من بجيلة (^٣) قال أنس: فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، وساقوا الإبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام، قال أنس: فسأل رسول الله ﷺ جبريل - ﵇ - عن القضاء فيمن حارب، فقال: من سرق وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته، ورجله بإخافته، ومن قتل فاقتله، ومن قتل، وأخاف السبيل، واستحلّ الفرج الحرام فاصلبه (^٤).\nوهذه المسألة كما ترى من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الأئمة، وهي من الأمثلة التي تنازعتها القواعد، فهذه القاعدة ترجح القول بأن الإمام مخير في أي عقوبة رآها من تلك العقوبات، والحديث ينازعها، وإن كان ضعيفا عند من يرى اعتماده في الترجيح.\nوأمّا معارضة حديث الصحيحين للقول بتخيير الإمام، فليست ظاهرة، وليس نصا فيها، وإلا وجب المصير إليه؛ إذ هو محتمل، وخاصة أنه قد ثبت بنصوص\n_________\n(^١) هو: عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي، الخليفة الفقيه، أبو الوليد تملك بعد أبيه الشام ومصر، واستولى على العراق، وجهز الحجاج لحرب ابن الزبير وولاه العراق، توفي سنة ستّ وثمانين، سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٤٦).\n(^٢) هو: أنس بن مالك بن النضر بن حرام النجار، رواية الإسلام أبو حمزة الأنصاري، لازم النبي ﷺ وكان في خدمته، دعا له النبي ﷺ بكثرة المال والولد وطول العمر، توفي سنة ثلاث وتسعين، وقيل غير ذلك، سير أعلام النبلاء (٣/ ٣٩٥).\n(^٣) بجيلة: هي بطن عظيم ينتسب إلى أمهم «بجيلة»، وهم بنو أنمار بن أرش من القحطانية، يتفرعون إلى عدة بطون، منهم عرينة، انظر معجم قبائل العرب (١/ ٦٣).\n(^٤) جامع البيان (٦/ ٢١٦).","vol":"2","page":84},{"text":"أخر جواز قتل غير هؤلاء، بل الأمر بقتلهم كالصائل، والباغي، ومن عمل عمل قوم لوط، ومن خرج وأمر الناس مجتمع، وغيرهم، مما يضعف دلالة الحديث على الحصر.\nوأيّا كان الأمر، فالقصد بيان وجه الترجيح بالقاعدة، وكيف استعملها العلماء في الترجيح بين الأقوال، فإن صحت منازعة غيرها من القواعد لها فذلك لا يخرج المثال عن قصده وغرضه، والحمد لله أولا وآخرا (^١).\n_________\n(^١) * ونظائر هذا المثال كثيرة جدا:\n١ - منها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) [البقرة: ٢٤٤]، انظر جامع البيان (٢/ ٥٩٢).\n٢ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [النساء: ١٥٩]، انظر أضواء البيان (٧/ ٢٦٥).\n٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا [الأعراف: ٤]، انظر جامع البيان (٨/ ١١٨).\n٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) [الأعراف: ٥٦]، انظر التفسير القيم ص ٢٦٦.\n٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها [يوسف: ٢٤]، انظر البحر المحيط (٦/ ٢٥٨).\n٦ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي [يوسف: ٥٣]، انظر التفسير القيم ص ٣١٦.\n٧ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى [الإسراء: ٩٤]، انظر أضواء البيان (٤/ ١٣٧).\n٨ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء: ٨٧]، انظر جامع البيان (١٧/ ٧٩).\n٩ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلاّ مَنْ ظَلَمَ [النمل: ١٠ - ١١]، انظر تأويل مشكل القرآن ص ٢١٩.\n١٠ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (١١٩) [الصافات: ٧٨ - ١٠٨ - ١١٩ - ١٢٩]، انظر التفسير القيم ص ٤١٣. -","vol":"2","page":85},{"text":"<span data-type='title' id=toc-196>النوع الثالث: خلاف المعربين في إعراب بعض الآيات </span>(^١):\nمن أمثلة ذلك ما جاء في إعراب قوله تعالى: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ [هود: ٨].\nاختلف المعربون في العامل (^٢) في قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمْ:﴾\nفقال جماعة منهم: ﴿يَوْمَ﴾ منصوب ب ﴿مَصْرُوفًا،﴾ والمعنى: ليس العذاب مصروفا عنهم يوم يأتيهم.\nوقال آخرون: العامل في ﴿يَوْمَ﴾ محذوف دلّ عليه الكلام، والتقدير: لا يصرف عنهم العذاب يوم يأتيهم، أو التقدير: يلازمهم يوم يأتيهم …، ونحو ذلك.\nوأولى القولين في ذلك بالصواب القول الأول؛ لأنه سالم من الإضمار والتقدير، الذي هو خلاف الأصل.\nقال السيوطي: الإضمار خلاف الأصل؛ ولذلك ردّ … على من قال في قوله تعالى: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ إنّ يوم ليس منصوبا بمصروف بل بفعل دل الكلام عليه، تقديره يلازمهم يوم يأتيهم أو يهجم عليهم؛ لأنه لا حاجة إليه مع أن الإضمار خلاف القياس اهـ (^٣) وعلى هذا القول اقتصر جماعة من المعربين (^٤).\n_________\n(^١) - ١١ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَلَقَدْ مَكَّنّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنّاكُمْ فِيهِ [الأحقاف: ٢٦]، انظر أضواء البيان (٧/ ٣٩٩).\n(^١) جعلت الخلاف في الإعراب قسما مستقلا عن الخلاف في التفسير، كوجه من أوجه البسط والإيضاح، كي تتسع دائرة تطبيق القاعدة وإلا فالإعراب فرع المعنى.\n(^٢) انظر إملاء ما من به الرحمن (٢/ ٣٥)، والدر المصون (٦/ ٢٩٢).\n(^٣) الأشباه والنظائر في النحو (١/ ١٠١).\n(^٤) انظر معاني القرآن للزجاج (٣/ ٤٠)، والبحر المحيط (٦/ ١٢٧).\n* ومن نظائر هذا المثال:\n١ - ومنها ما جاء في إعراب قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى [البقرة: ٢٦٤]، انظر مغني اللبيب (٢/ ٥٩٩). -","vol":"2","page":86},{"text":"وإذا قام الدليل على الإضمار في الآية فالقواعد التالية ترجح بين الأقوال في تقدير ذلك المضمر:\nالقاعدة الأولى: تقدير ما ظهر في القرآن أولى في بابه من كل تقدير.\nالقاعدة الثانية: التقدير الموافق لغرض الآية وأدلة الشرع مقدم على غيره.\nالقاعدة الثالثة: إذا دار الأمر بين قلة المحذوف وكثرته، كان الحمل على قلته أولى.\n***\n_________\n= ٢ - ومنها ما جاء في إعراب قوله تعالى: * لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) [آل عمران: ١١٣]، انظر إعراب القرآن للنحاس (١/ ٤٠١).\n٣ - ومنها ما جاء في إعراب قوله تعالى: وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى [فصلت: ٤٤]، انظر البحر المحيط (٩/ ٣١٣).","vol":"2","page":87},{"text":"<span data-type='title' id=toc-197>القاعدة الأولى:\nتقدير ما ظهر في القرآن أولى في بابه من كل تقدير</span>\n*<span data-type='title' id=toc-198> صورة القاعدة:</span>\nإذا دل الدليل المعتبر على الحذف في آية، وظهر هذا المحذوف في آية أخرى، فتقدير ذلك المحذوف بما ظهر في موضع آخر أولى من كل تقدير، وأوفق للصواب، وهو من قبيل تفسير القرآن بالقرآن.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-199> إيضاح القاعدة:</span>\nتقدم في القاعدة السابقة أن الحذف الذي دل عليه الدليل غير داخل فيها، وسيأتي في قواعد لاحقة، وهذا أوان الوفاء بالوعد، فهذه إحدى قواعده.\nوذلك أن المحذوف الذي دلّ عليه الدليل لا يخلو: إما أن يكون قد ذكر في آية أخرى، أو لا، فإن كان قد ذكر في آية أخرى فهذه القاعدة هي التي ترجح لنا صحة تقدير هذا المحذوف وهو ما ظهر في الآيات الأخرى، وإن كانت الصورة الثانية فالقواعد الآتية هي المرجحة لصحة تقدير ذلك المحذوف.\nوقد ذكر هذه القاعدة بلفظها العز بن عبد السلام وذكر لها جملة من الأمثلة (^١)، واعتمدها عامّة المفسرين؛ لأنها تعتبر جزءا من تفسير القرآن بالقرآن، وقد سبق بسط ذلك، وذكر قواعده، وأدلتها، واعتماد العلماء لها في الفصل الأول، وسوف أقتصر في هذا الموضع على التمثيل لما يظهر المقصود منها، وهو ما حذف في موضع وقامت الدلائل على حذفه، وأظهر في موضع آخر، فإن أولى التقديرات في ذلك الموضع المحذوف هو ما ظهر في الموضع الآخر، مع ملاحظة أنه يصح تطبيق هذه القاعدة إذا\n_________\n(^١) انظر الإشارة إلى الإيجاز ص ٩.","vol":"2","page":88},{"text":"صح القول بالحذف والإضمار في الآية وذلك بوجود أدلة على المحذوف، ولا يصح تطبيقها إذا لم يصح القول بالإضمار وذلك بأن كان دعوى مجردة، أو كان يحتمل الإضمار والاستقلال، فيحمل على الاستقلال كما مرّ في القاعدة السابقة.\nإذا تقرر هذا\n* علم فساد قول من قال (^١) في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]: أي: أمره، ويدل على المحذوف ذكره في موضع آخر وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [النحل: ٣٣]؛ لأنه لا حذف أصلا وكلتا الآيتين مستقلة، فهو - سبحانه - يأتي يوم القيامة لفصل القضاء، وأمره آت بحشرهم لموقف القيامة، وما يعاينون فيه من أهوال.\nولا دليل صحيح على الحذف، ومن قال بالحذف كان ذلك بسبب ما اعتقده من نفي هذه الصفة عن الله، ومستندهم في ذلك دلالة عقولهم التي عارضوا بها الوحي وجعلوا ذلك مستحيلا في حقه - تعالى -، فلجأوا إلى تأويلها بتقدير محذوف.\nوقد سبق مناقشة القول بالحذف والإضمار في آيات الصفات في الأمثلة التطبيقية في القاعدة السابقة.\nفإذا بطل القول بالحذف أصلا، بطل تعيين المحذوف بهذه القاعدة\n* ولا يدخل تحت هذه القاعدة عدم ذكر بعض الصفات المقيّدة لإطلاق الحكم وذكرها في موضع آخر، مثل صفة الإيمان في عتق الرقبة ذكرت في كفارة القتل الخطأ، ولم تذكر في كفارة الظهار وكفارة اليمين، فلا يعتبر عدم ذكرها هنا أنها\n_________\n(^١) انظر: البرهان في علوم القرآن (٣/ ١١٤) وفي ص ١٠٩ من نفس الجزء جعل العقل هو دليل الحذف والتعيين كقوله: وَجاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢] أي: أمره أو عذابه أو ملائكته؛ لأن العقل دلّ على أصل الحذف ولاستحالة مجيء البارئ عقلا؛ لأن المجيء من سمات الحوادث، ودل العقل أيضا على التعيين وهو الأمر ونحوه، وانظر الإرشاد إلى الإيجاز ص ٤. مما يدلك أن أصل القضية هي المعتقد، فحين يجد متشبثا في آية أخرى تعلق بها، وحين لا يجد استمر على ما انتهجه، وجعل العقل هو الدال على الحذف، والدال على تعيين المحذوف.","vol":"2","page":89},{"text":"قد حذفت؛ لأنه لا دلالة من ألفاظ الآية وسياقها يدل على الحذف، وليس مسلّما أن ذكرها في موضع يكفي دليلا على الحذف في موضع آخر، بل النصوص جميعا مستقلة ولا حذف ولا إضمار فيها إلا بدليل خلافا لابن قتيبة وغيره (^١).\nولهذه المسألة بحث في المطلق والمقيد، وفي حمل المطلق على المقيد نزاع بين العلماء.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-200> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\n- ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ [النساء: ١٧١].\nسبق في تقرير هذه القاعدة، أنه يرجح بها إذا قام الدليل على الإضمار، وفي هذه الآية توجد قرينة تدل على الإضمار وهي رفع «ثلاثة» بعد القول ولا رافع لها مذكور، فدل هذا على وجود مضمر.\nقال الإمام الطبري: ورفعت الثلاثة بمحذوف دلّ عليه الظاهر وهو «هم»، ومعنى الكلام ولا تقولوا هم ثلاثة، وإنما جاز ذلك؛ لأن القول حكاية، والعرب تفعل ذلك في الحكاية، وكل ما ورد من مرفوع بعد القول لا رافع معه ففيه إضمار اسم رافع لذلك الاسم اهـ (^٢).\nإذا تقرر صحة الإضمار، فأولى التقديرات لهذا المضمر ما ظهر في القرآن في موضع آخر، كما تقرر هذه القاعدة.\n_________\n(^١) انظر تأويل مختلف الحديث ص ٢٤٥ - ٢٤٦، ذكر فيه أن القرآن يأتي بالصفة في موضع، ولا يأتي بها في موضع آخر، فيستدل على حذفها من أحد المكانين بظهورها في المكان الآخر، وضرب لذلك أمثلة بما أطلق في آية وقيّد في آية أخرى كالإيمان في عتق الرقبة في الكفارة، والعدالة في الشهود. وانظر البرهان في علوم القرآن (٣/ ٢١٦).\n(^٢) جامع البيان (٦/ ٣٧) وهذه مضمون عبارة الفراء في المعاني (١/ ٢٩٦).","vol":"2","page":90},{"text":"ففي هذه الآية اختلفت عبارات العلماء في تقدير ذلك المضمر.\nقال الفراء (^١) التقدير: هم ثلاثة (^٢)، وهو قول أبي عبيدة (^٣)، وبه قال الطبري كما سبق نقله عنه.\nوقال الزجاج (^٤)، والنحاس (^٥)، ومكي (^٦)، وابن الأنباري (^٧): تقديره: آلهتنا ثلاثة.\nوقال أبو علي الفارسي: التقدير: هو ثالث ثلاثة (^٨).\nوأولى هذه التقديرات هو تقدير أبي علي الفارسي، لأجل موافقته لما ظهر في القرآن في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، وهذا هو الذي تقرره هذه القاعدة.\nوقد رجح هذا التقدير العز بن عبد السلام، بعد أن ذكر الأقوال السابقة، قال:\nوتقدير ما ظهر في القرآن أولى من كل تقدير اهـ (^٩).\n_________\n(^١) هو: أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله الأسدي، صاحب الكسائي، ومن أعلم أهل الكوفة بالنحو بعده، كان ثقة، وله مصنفات من أشهرها المعاني، توفي سنة سبع ومائتين، سير أعلام النبلاء (١٠/ ١١٨)، وطبقات المفسرين (٢/ ٣٦٧).\n(^٢) معاني القرآن (١/ ١٤٤).\n(^٣) انظر مجاز القرآن (١/ ١٤٤).\n(^٤) معاني القرآن (٢/ ١٣٥).\n(^٥) إعراب القرآن (١/ ٥٠٩).\n(^٦) مشكل إعراب القرآن (١/ ٢١٤).\n(^٧) البيان في غريب إعراب القرآن (١/ ٢٧٩)، وابن الأنباري هو: كمال الدين أبو البركات عبد الرحمن ابن محمد بن عبيد الله الأنباري نزل بغداد، كان إماما كبيرا في النحو صاحب علم وعبادة، توفي سنة سبع وسبعين وخمسمائة، إنباه الرواة (٢/ ١٦٩)، وسير أعلام النبلاء (٢١/ ١١٣).\n(^٨) بواسطة نقل العز بن عبد السلام في الإشارة إلى الإيجاز ص ١٥، والقرطبي في الجامع (٦/ ٢٣)، وأبي حيان في البحر (٤/ ١٤٤).\n(^٩) الإشارة إلى الإيجاز ص ١٥.","vol":"2","page":91},{"text":"وقال أبو حيان: ويترجح قول أبي علي بموافقته الآية التي ذكرناها (^١) وبقوله تعالى: ﴿سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧١]، والنصارى وإن اختلفت فرقهم فهم مجمعون على التثليث اهـ (^٢).\n***\n_________\n(^١) يعني قوله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة: ٧٣].\n(^٢) البحر المحيط (٤/ ١٤٤).\n* وانظر نظير هذا المثال في الإشارة إلى الإيجاز ص ٩، والبرهان في علوم القرآن (٣/ ٢١٦)، وأضواء البيان (١/ ٧٨ - ٧٩)، في تفسير قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (٢٦) [النازعات: ٢٦].","vol":"2","page":92},{"text":"<span data-type='title' id=toc-201>القاعدة الثانية:\nالتقدير الموافق لغرض الآية وأدلة الشرع مقدم على غيره</span>\n*<span data-type='title' id=toc-202> صورة القاعدة:</span>\nإذا قامت الأدلة على وجود إضمار في آية، ولم يظهر ذلك المضمر في آية أخرى، فأولى التقديرات بالصحة ما كان منها موافقا لغرض الآية المسوقة له، وأدلة الشرع العامة، ولم يكن مخالفا لها.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-203> النظر بين هذه القاعدة والقاعدة الآتية:</span>\nهذه القاعدة مقدّمة على القاعدة الآتية - «إذا دار الأمر بن قلة المحذوف وكثرته كان الحمل على قلته أولى» - في النظر بين تقديرات العلماء للمضمر في حالة تنازعهما لمثال واحد.\nفإن موافقة غرض الآية والأدلة الشرعية هو المقصود الأول، فهو مقدم بلا ريب على النظر لتقليل المقدر.\nفإن هذه القاعدة ملحوظ فيها ملاءمة السياق، وصحة المعنى سياقا وشرعا بعد التقدير، أمّا القاعدة الآتية فملحوظ فيها الجانب الصناعي.\nوخلاصة القول في هذا، أنه إذا لم يظهر المضمر في آية أخرى فيرجح بين تقديرات العلماء لهذا المضمر بهذه القاعدة أولا، فإن كانت جميع أقوالهم أو جملة منها موافقة لهذه القاعدة، نظر بينها ورجح منها ما كان موافقا للقاعدة الآتية وهو الأقل تقديرا.\nوهذه القاعدة مركبة من مجموع تأصيلات فريدة في الحذف للعز بن عبد السلام وقد نبه إلى بعضها غير واحد من العلماء - كما سترى في الأمثلة التطبيقية -.","vol":"2","page":93},{"text":"قال - ﵀ - في معرض ترجيحه لأحد المقدرات في قوله تعالى: ﴿فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ﴾ [الحشر: ٦]:\nفيقدر من هذه المحذوفات أخفها وأحسنها وأفصحها وأشدها موافقة للغرض في هذه الآية … وكذلك جميع حذوف القرآن من المفاعيل الموصوفات، وغيرهما لا يقدر إلا أفصحها وأشدّها موافقة للغرض؛ لأن العرب لا يقدرون إلا ما لو لفظوا به لكان أحسن وأنسب لذلك الكلام كما يفعلون ذلك في الملفوظ به اهـ (^١).\nوقال في موضع آخر: وقد يقدر بعض النحاة ما يقتضيه علم النحو لكن يمنع منه أدلة شرعية، فيترك ذلك التقدير ويقدر تقدير آخر يليق بالشرع … وكذلك لا يقدر فيه من المحذوفات إلا أحسنها وأشدها موافقة وملايمة للسياق اهـ (^٢).\nوقال أبو حيان مرجحا أحد التقادير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾\n[البقرة: ٥٨]: والأظهر من التقادير السابقة في إضمار المبتدأ، القول الأول - أي مسألتنا حطة -؛ لأن المناسب في تعليق الغفران عليه هو سؤال حط الذنوب، لا شيء من تلك التقادير الأخر اهـ (^٣).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-204> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nمن أمثلة هذه القاعدة تقدير بعض المعربين والمفسرين خبر «لا» المضمر في جملة:\n«لا إله إلا الله» سواء كانت مفردة أو في آيات قرآنية كقوله تعالى: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ (١٦٣) [البقرة: ١٦٣]، وكقوله: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾\n[البقرة: ٢٥٥]، ونحوها.\n_________\n(^١) الإشارة إلى الإيجاز ص ٤.\n(^٢) الإشارة إلى الإيجاز ص ٢٢٠، ونقله عنه القاسمي في مقدمة تفسيره (١/ ٢٦٢).\n(^٣) البحر المحيط (١/ ٣٥٩).","vol":"2","page":94},{"text":"فقال بعض المعربين: خبر «لا» المحذوف تقديره: موجود (^١). فيكون المعنى: لا معبود موجود إلا الله.\nوقدّره غيرهم ب «حق، أو بحق» فيكون المعنى «لا معبود بحق إلا الله» وهذا التقدير هو الحق، وذلك لموافقته للغرض من هذه الجملة، وهو إثبات الوحدانية في الإلهية له وحده، ونفيها عمن سواه.\nإلى جانب ما يوهمه التقدير الأول - أي موجود - من معنى فاسد، مخالف لما علم بالاضطرار من توحيده - تعالى -، ولمخالفته لأدلة الكتاب والسنة، ولمخالفته الغرض الذي سيقت هذه الجملة من أجله، وهذا المعنى الذي أوهمه ذلك التقدير هو إثبات معنى الاتحاد - تعالى الله وتقدس -؛ لأن المعنى مع هذا التقدير يصبح «لا معبود موجود إلا الله» أي كل معبود موجود في الوجود فهو الله، فكل ما عبد بحق أو بباطل فهو الله، فتأمل.\nقال العلاّمة حافظ الحكمي (^٢) في نقد ونقض هذا التقدير: فمعنى «لا إله إلا الله» لا معبود بحق إلا الله، «لا إله» نافيا جميع ما يعبد من دون الله فلا يستحق أن يعبد «إلا الله» مثبتا العبادة لله فهو الإله الحق المستحق للعبادة، فتقدير خبر لا المحذوف بحق هو الذي جاءت به نصوص الكتاب والسنة كما سنوردها - إن شاء الله - وأما تقديره بموجود فيفهم منه الاتحاد، فإن الإله هو المعبود، فإذا قيل لا معبود موجود إلا الله، لزم منه أن كل معبود عبد بحق أو باطل هو الله فيكون ما عبده المشركون من الشمس والقمر والنجوم والأشجار والأحجار والملائكة والأنبياء والأولياء وغير ذلك هي الله فيكون ذلك كله توحيدا، فما عبد على هذا التقدير إلا الله إذ هي هو، وهذا\n_________\n(^١) انظر البحر المحيط (٢/ ٧٥ - ٧٦)، والبرهان في علوم القرآن (٣/ ١١٥).\n(^٢) هو: الحافظ حافظ بن أحمد بن علي الحكمي، من علماء «جازان»، تتلمذ على الشيخ عبد الله القرعاوي - على الجميع رحمة الله - له مؤلفات كثيرة أعظمها معارج القبول، وله نظم في الفقه، والفرائض، والمصطلح، وغيرها توفي سنة سبع وسبعين وثلثمائة وألف. انظر الأعلام (٢/ ١٥٩).","vol":"2","page":95},{"text":"والعياذ بالله أعظم الكفر وأقبحه على الإطلاق، وفيه إبطال لرسالات جميع الرسل، وكفر بجميع الكتب، وجحود لجميع الشرائع وتكذيب بكل ذلك وتزكية لكل كافر من أن يكون كافرا إذ كل ما عبده من المخلوقات هو الله فلم يكن عندهم مشركا بل موحدا - تعالى الله عما يقول الظالمون الجاحدون علوا كبيرا - فإذا فهمنا هذا فلا يجوز تقدير الخبر «موجود»، إلا أن ينعت اسم لا «بحق» فلا بأس ويكون التقدير «لا إله حقا موجود إلا الله»، فبقيد الاستحقاق ينتفي المحذور الذي ذكرنا اهـ (^١).\nوالتقدير ب «حق» فقط أولى؛ لما فيه من تقليل المقدر، أما تقديره ب «حق موجود» ففيه تكثير للمقدر، والقاعدة التالية هي التي ترجح في هذا:\n***\n_________\n(^١) معارج القبول (٢/ ٤١٦).\n* ومن نظائر هذا المثال:\n١ - انظر البحر المحيط (١/ ٣٥٩) في تفسير قوله تعالى: وَقُولُوا حِطَّةٌ [البقرة: ٥٨].\n٢ - انظر إغاثة اللهفان ص ٣٧ - ٣٨ في تفسير قوله تعالى: عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) [المطففين: ٢٣، ٣٥].","vol":"2","page":96},{"text":"<span data-type='title' id=toc-205>القاعدة الثالثة:\nإذا دار الأمر بين قلة المحذوف وكثرته، كان الحمل على قلته أولى</span>\n*<span data-type='title' id=toc-206> صورة القاعدة:</span>\nإذا دلّ الدليل على الإضمار في آية، ولم يظهر ذلك المضمر في آية أخرى، واحتاج المفسر أو المعرب إلى تقدير ذلك المضمر، فأولى التقديرات ما قلّ فيه التقدير دون ما كثر؛ وذلك لتقليل مخالفة الأصل بكثرة الحذف والتقدير.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-207> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\n١ - ألمع إلى هذه القاعدة العز بن عبد السلام، وذلك باختياره وترجيحه لتقديرات معللا ذلك بأنه أخصر (^١) وضعّف بعض التقديرات معللا ذلك بأنه فيه طول، قال - ﵀ -: … ولأن اختصار المحذوفات أحسن من إطالتها فلا يقدر ما فيه طول إلا عند الاضطرار إلى الإطالة اهـ (^٢).\n٢ - وذكرها العلاّمة ابن القيم: وقرر أن تقليل الإضمار أولى من تكثيره، واستعملها في الترجيح فضعّف بها ما كان فيه تكثير للمقدر (^٣).\n٣ - وذكرها ابن هشام في المغني فقال: بيان مقدار المقدر، ينبغي تقليله ما أمكن، لتقلّ مخالفة الأصل اهـ (^٤).\n٤ - واستعملها السمين الحلبي في الترجيح، ففي تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا﴾\n_________\n(^١) انظر الإشارة إلى الإيجاز ص ٤.\n(^٢) الإشارة إلى الإيجاز ص ٥.\n(^٣) انظر التفسير القيم ص ٤٢١.\n(^٤) مغنى اللبيب (٢/ ٦١٥).","vol":"2","page":97},{"text":"﴿كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]، ذكر عشرة أوجه في إعراب ﴿يَوْمَ نَدْعُوا،﴾\nقال في العاشر منها: إنه مفعول به بإضمار «اذكر» وهذا - وإن كان أسهل التقادير - أظهر ممّا تقدم؛ إذ لا بعد فيه ولا إضمار كثير اهـ (^١).\n٥ - ونص الزركشي على هذه القاعدة، باللفظ الذي ذكرته (^٢).\n٦ - وذكرها السيوطي قال: قاعدة: ينبغي تقليل المقدر مهما أمكن لتقل مخالفة الأصل اهـ (^٣).\n٧ - وكذا قال الكفوي في كلياته (^٤).\nوذلك؛ لأن الحذف والتقدير والإضمار خلاف الأصل كما سبق تقريره، وكلما توسع المفسر والمعرب في التقدير ازدادت مخالفته للأصل، وكلما قلل المقدر كلما قرب من الأصل.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-208> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\n- منها ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾\n[البقرة: ٩٣].\nقال أبو حيان: ﴿الْعِجْلَ﴾ هو على حذف مضافين، أي حب عبادة العجل (^٥).\nوقال عامّة المفسرين والمعربين: إن التقدير: حب العجل، على حذف مضاف واحد (^٦).\n_________\n(^١) الدر المصون (٧/ ٣٨٩).\n(^٢) البرهان (٣/ ١٠٤).\n(^٣) الإتقان (٣/ ١٧٩)، ومعترك الأقران (١/ ٢٣٩).\n(^٤) الكليات ص ٢٨٤.\n(^٥) البحر المحيط (١/ ٤٩٥)، وكذا قال السمين في الدر (٢/ ٥).\n(^٦) انظر معاني القرآن للفراء (١/ ٦١)، وجامع البيان (١/ ٤٢٣)، وإعراب القرآن للنحاس (١/ ٢٤٨) والبيان لابن الأنباري (١/ ١٠٩)، وإملاء ما من به الرحمن (١/ ٥٢).","vol":"2","page":98},{"text":"وأولى القولين القول الثاني، وذلك تقليلا للمحذوف.\nقال ابن هشام: وضعّف قول بعضهم في: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ إن التقدير: حب عبادة العجل، والأولى تقدير الحب فقط اهـ (^١).\nوهذا المحذوف مما دلّ عليه سياق الكلام، قال الطبري: ولكنه ترك ذكر الحبّ اكتفاء بفهم السامع لمعنى الكلام، إذ كان معلوما أن العجل لا يشرب القلب، وأن الذي يشرب منه حبه … اه (^٢).\n***\n_________\n(^١) مغني اللبيب (٢/ ٦١٥)، وانظر الكليات ص ٢٨٤.\n(^٢) جامع البيان (١/ ٤٢٣).\n* ومن نظائر هذا المثال:\n- ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ [الطلاق: ٤]، انظر مغنى اللبيب (٢/ ٦١٥)، والإتقان (٣/ ١٧٩).\n- وذكر العز بن عبد السلام في الإشارة إلى الإيجاز ص ٥ جملة من أمثلة هذه القاعدة.","vol":"2","page":99},{"text":"<span data-type='title' id=toc-209>المطلب الثامن:\nقاعدة: القول بالترتيب مقدم على القول بالتقديم والتأخير</span>\n*<span data-type='title' id=toc-210> صورة القاعدة:</span>\nإذا اختلف المفسرون في تفسير آية من كتاب الله وكان خلافهم دائرا بين مدع للتقديم والتأخير في الآية ومبق لها على ترتيبها، فأولى القولين بالصواب قول من قال بالترتيب؛ لأنه الأصل في الكلام، ولا ينتقل عن الأصل إلا بدليل واضح، وقرينة بيّنة، لا سيما إذا استقام المعنى بدونه، فإذا احتمل الأمر وعدم الدليل والقرينة فالقول الحق أن يبقى الكلام علي ترتيبه.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-211> التقديم والتأخير في اللغة والقرآن، وفي هذه القاعدة:</span>\nالأصل في ترتيب الكلام أن يوضع كل لفظ في موضعه تقديما وتأخيرا وكل تقديم وتأخير في الكلام هو خلاف الأصل.\nغير أن العرب كانت تتفنن في كلامها، ولها أساليب في عرضه حسب ما تملي به مقتضيات الأحوال، ومقاصد المتكلم، ومن هذه الأساليب التي تستخدمها أحيانا حسب الأغراض أسلوب التقديم والتأخير (^١)، ونزل القرآن على هذا اللسان العربي فجاء هذا الأسلوب فيه (^٢)، فنجد بعض الألفاظ قدمت في موضع وأخرت في\n_________\n(^١) انظر الخصائص لابن جني (٢/ ٣٨٢)، والصاحبي لابن فارس ص ٤١٢. وأغراض التقديم والتأخير مبسوطة في مصنفات البلاغة وهي من أبوابها الرئيسة في علم المعاني والبيان، وانظر جملة منها في البرهان (٣/ ٢٣٨) وما بعدها.\n(^٢) انظر رسالة ماجستير بعنوان أسلوب التقديم والتأخير في القرآن الكريم» للباحث زيد عمر عبد الله، جامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض.","vol":"2","page":100},{"text":"موضع آخر (^١)، ولم يختلف أهل التفسير في بعض الآيات على أنها من باب المقدم والمؤخر، وهذا التقديم والتأخير الذي جاء في القرآن لا يخل بأصل المعنى، ولا يقدح في البيان ولا يلتبس على السامع (^٢) وذلك لوجود قرينة، ودليل في الكلام عليه، - وجواز التقديم والتأخير مشروط بوجود القرينة أما مع اللبس فلا يجوز (^٣) - سواء أكان من المقدم بنية التأخير، أم غير ذلك «وهذا هو الذي يتكلم عليه علماء المعاني والبيان ويقع في باب الاستفهام والنفي والمبتدأ والخبر والفاعل والمفعول» (^٤).\nوهذا النوع من التقديم والتأخير غير مقصود في قاعدتنا هذه، وهو مما لا يقع فيه الخلاف بين المفسرين (^٥).\nمثل قوله تعالى: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٥) [الفاتحة: ٥]. فقدم ﴿إِيّاكَ﴾ وحقه التأخير.\nوقوله تعالى: ﴿* وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤]. فقدم ﴿إِبْراهِيمَ﴾ وحقه التأخير.\nوقوله تعالى: ﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها﴾ [الحج: ٣٧]. فقدم لفظ الجلالة ﴿اللهَ﴾ وحقه التأخير.\nونحوها من الآيات.\n_________\n(^١) كقوله تعالى: وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ [البقرة: ٥٨]، وقوله تعالى: وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا [الأعراف: ١٦١] ونظائرها كثير، انظر على سبيل المثال الكشاف (٣/ ١٣٥)، ومفاتيح الغيب (٢٩/ ١٤)، والبحر المحيط (١/ ٣٦٢)، والإتقان (٣/ ٤١)، وروح المعاني (٢٤/ ٨٣).\n(^٢) انظر الصواعق المرسلة (٢/ ٧١٥).\n(^٣) انظر تقرير هذا في جامع البيان (١٣/ ٦٦)، ومجموع فتاوى ابن تيمية (١٦/ ٢١٨)، والصواعق المرسلة (٢/ ٧١٥).\n(^٤) الصواعق المرسلة (٢/ ٧١٧ - ٧١٨).\n(^٥) انظر مثلا جامع البيان (١٥/ ١٩١).","vol":"2","page":101},{"text":"أما التقديم والتأخير الذي يعنينا في هذه القاعدة، فهو دعوى التقديم والتأخير في كلام لم ينصب عليه دليل في الكلام، ولا أرشدت إليه قرينة، ويخل بفهم أصل المعنى، «فإرادة التقديم والتأخير بمثل هذا الخطاب خلاف البيان، وأمر المخاطب بفهمه تكليف لما لا يطاق» (^١).\nفمثل هذه الدعوى في التقديم والتأخير هي التي نعني، وهي التي تضعّف وتؤخر، والذي يصحح ويرجح إبقاء الكلام على ترتيبه ونظمه، وهذا النوع من التقديم والتأخير خفي، تنازع فيه العلماء، بين مجيز لوقوعه في القرآن كالقائلين به - على ما سيأتي في الأمثلة التطبيقية إن شاء الله تعالى - ومانع لوقوعه في القران مطلقا كأبي حيان (^٢)، وسالك سبيل التوسط بين ذلك، كما هو حال كثير من المفسرين، وهذا هو الحق، وهو ما تقرره هذه القاعدة، من أن تضعيف القول به من باب الترجيح وتقديم الراجح - وهو القول بالترتيب - وذلك لأن التقديم والتأخير له أصل في اللغة والقرآن، وقد أثر عن بعض الصحابة وعلى رأسهم حبر الأمة وترجمان القرآن، ابن عباس (^٣) وعن بعض التابعين وعلى رأسهم من إذا جاءك التفسير عنه كفاك، مجاهد بن جبر (^٤)، وقتادة (^٥) وغيرهم.\nوهؤلاء كانوا أعلم بلغة العرب وبلغة القرآن وتفسيره، فالقول بردّه مطلقا جملة\n_________\n(^١) ما بين الأقواس من كلام شيخ الإسلام في الفتاوى (١٦/ ٢١٨).\n(^٢) فهو يرى أن التقديم والتأخير - أي هذا النوع الذي نتكلم عليه - من باب الضرورات التي تنتشر في الشعر، ينزه أفصح الكلام عنه، قال - في معرض ردّه على القول بالتقديم والتأخير في قوله تعالى:\nفَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ [البقرة: ٢٦٥] والتقديم والتأخير من ضرورات الشعر فينزه القرآن عن ذلك.\nاه البحر المحيط (٢/ ٦٧٠) وذكر ذلك في أكثر من موضع من كتابه، انظر الأمثلة التطبيقية.\n(^٣) انظر مثلا قوله بالتقديم والتأخير في جامع البيان (١٠/ ١٥٣)، و(١٨/ ١١٠ - ١١٢)، وتأويل مشكل القرآن ص ٢٠٨، والإتقان (٣/ ٣٣).\n(^٤) انظر مثلا قوله بالتقديم والتأخير في البحر المحيط (٦/ ٣٦٢).\n(^٥) انظر مثلا قوله بالتقديم والتأخير في جامع البيان (١٠/ ١٥٣).","vol":"2","page":102},{"text":"وتفصيلا وأنه لا يقع في القرآن فيه اطراح لأقوال هؤلاء وأمثالهم، وفي النفس هنات من ذلك، ولكن الأولى هو الترجيح الذي هو من باب تقديم الأرجح والأولى دون اطراح للأقوال المرجوحة، قد يكون لبعضها وجه ولو بعيد، ومما يزيد الأمر جلاء ووضوحا أن أبا حيان وهو القائل بمنع التقديم والتأخير - الذي هو من هذا النوع - في القرآن، مضطرب في ذلك، فتارة يرد ويطرح القول بالتقديم والتأخير بناء على ما قرر، وتارة تجده يرجح الأصل وهو الترتيب، وإن أجاب على القول بالتقديم والتأخير فبعبارة لطيفة توحي بثبوته قولا في تفسير الآية، ولا توجب اطراحه، وإن كان ضعيفا (^١)، وربما ذكر القول بالتقديم والتأخير ولم يعقب عليه بشيء (^٢).\nوأيّا كان الأمر، فإذا لم توجد قرينة تدل على التقديم والتأخير، وتنازع العلماء في الآية، فالصحيح هو حمل الآية على الترتيب، ومن قال أو اختار التقديم والتأخير - ولو كان ممن يقرر هذه القاعدة كالطبري (^٣) وابن عطية (^٤) والرازي (^٥) وأبي حيان وغيرهم - فقوله واختياره محجوج بهذه القاعدة، وقوله واختياره هو المؤخّر والمضعّف، والقول بالترتيب هو المقدم والمصحح، والله أعلم.\n***\n_________\n(^١) قال في البحر (٦/ ٣٦٢): قال الفراء وجماعة: في الكلام تقديم وتأخير …، ولا يحتاج في هذا المعنى إلى تقدير تقديم وتأخير، اه فترى تضعيفه لهذا القول بهذه العبارة «ولا يحتاج» ولم يذكر أنه من الضرورات، ولا يأتي في فصيح الكلام.\n(^٢) كما فعل عند تفسير قوله تعالى: إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ [آل عمران ٥٥]، قال: قال الفراء: هي وفاة موت، ولكن المعنى: متوفيك في آخر أمرك عند نزولك وقتلك الدجال، وفي الكلام تقديم وتأخير. اه انظر البحر المحيط (٣/ ١٧٦)، وانظر قول الفراء في معاني القرآن (١/ ٢١٩).\n(^٣) انظر بعض أقواله واختياراته خلاف القاعدة في جامع البيان (١/ ٦٤ - ١٤٥ - ٤٥٢)، و(٨/ ١١٧)، و(٢٧/ ٤٤).\n(^٤) انظر مثلا اختياره خلاف القاعدة في المحرر الوجيز (٦/ ١٤٣).\n(^٥) انظر مثلا اختياره خلاف القاعدة في مفاتيح الغيب (١٣/ ١٨٣).","vol":"2","page":103},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-212> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nاعتمد المفسرون هذه القاعدة، ونصوا عليها ورجحوا بها بين الأقوال المختلفة في التفسير، فمن هؤلاء الأئمة:\n١ - إمام المفسرين ابن جرير الطبري: قال - مقررا هذه القاعدة ومرجحا بها -\nوهذا القول وإن كان غير مدفوع … غير صواب عندي، بخلافه تأويل أهل التأويل في أن الحرف إنما يحتال لمعناه المخرج بالتقديم والتأخير، إذا لم يكن له وجه مفهوم إلا بتقديمه عن موضعه، أو تأخيره، فأمّا وله في موضعه وجه صحيح فلا وجه لطلب الاحتيال لمعناه بالتقديم والتأخير اهـ (^١).\nوقال في موضع آخر: … ولا وجه لتقديم شيء من كتاب الله عن موضعه أو تأخيره عن مكانه إلا بحجة واضحة اهـ (^٢).\n٢ - ومنهم أبو جعفر النحاس: قال: … فالتقديم والتأخير إنما يكون إذا لم يجز غيرهما اهـ (^٣).\nوقال في موضع آخر: ولا يقع التقديم والتأخير إلا بتوقيف أو دليل قاطع. اه (^٤).\n٣ - ومنهم أبو عمرو الداني (^٥): - فقد نص على هذه القاعدة في معرض ردّه على من ادعى التقديم والتأخير في قوله تعالى: ﴿ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦] قال: وهذا خطأ؛ لأن التقديم والتأخير مجاز فلا يستعمل إلا بتوقيف، أو دليل قاطع اهـ (^٦).\n_________\n(^١) جامع البيان (٣٠/ ١٥٣).\n(^٢) جامع البيان (١٣/ ٦٦).\n(^٣) القطع والائتناف ص ١٧٥.\n(^٤) القطع والائتناف ص ٥٤٤.\n(^٥) هو: الإمام الحافظ، عالم الأندلس، أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عثمان الأمويّ الأندلسي، وإليه المنتهى في تحرير علم القراءات، وعلم المصاحف، مع براعة في علم الحديث، والتفسير، والنحو وغير ذلك، توفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة، سير أعلام النبلاء (١٨/ ٧٧).\n(^٦) المكتفى في الوقف والابتداء ص ٢٤٥، وانظر نحو هذا التقرير ص ٤٣٦ - ٤٣٧ منه.","vol":"2","page":104},{"text":"٤ - ومنهم الزمخشري: قال - في معرض رده على دعوى التقديم والتأخير في قوله تعالى: ﴿وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ (٩٩) [يوسف: ٩٩]: ومن بدع التفاسير أن قوله: ﴿إِنْ شاءَ اللهُ﴾ من باب التقديم والتأخير، وأن موضعها ما بعد قوله: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] في كلام يعقوب، وما أدري ما أقول فيه وفي نظائره اهـ (^١).\n٥ - ومنهم ابن عطية الأندلسي: وسيأتي بعض كلامه (^٢) في الأمثلة التطبيقية.\n٦ - ومنهم الفخر الرازي: قال - في معرض ردّه على من ادعى التقديم والتأخير في قوله تعالى: ﴿عَفَا اللهُ عَنْها﴾ [المائدة: ١٠١]-: وهذا ضعيف؛ لأن الكلام إذا استقام من غير تغيير النظم لم يجز المصير إلى التقديم والتأخير اهـ (^٣).\n٧ - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: قال - مقررا هذه القاعدة ومرجحا بها -:\nوالتقديم والتأخير على خلاف الأصل، فالأصل إقرار الكلام على نظمه وترتيبه لا تغيير ترتيبه اهـ (^٤).\n٨ - ومنهم أبو حيان الأندلسي: قال - في معرض ردّه على من ادعى التقديم والتأخير في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥]-: والتقديم والتأخير من ضرورات الشعر فينزه القرآن عن ذلك اهـ (^٥).\n٩ - ومنهم ابن جزي الكلبي: فقد ذكر هذه القاعدة في أوجه الترجيح التي اعتمدها، ونص عليها في مقدمة كتابه، فقال: الثاني عشر - أي من وجوه الترجيح -: حمل الكلام على ترتيبه إلا أن يدل دليل على التقديم والتأخير اهـ (^٦).\n_________\n(^١) الكشاف (٢/ ٣٤٤).\n(^٢) وانظر المحرر الوجيز (٢/ ١٥٦).\n(^٣) مفاتيح الغيب (١٢/ ١١٤).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١٦/ ٢١٨).\n(^٥) البحر المحيط (٢/ ٦٧٠).\n(^٦) التسهيل (١/ ٩).","vol":"2","page":105},{"text":"١٠ - ومنهم الألوسي: قال - في معرض ردّه على من قال بالتقديم والتأخير في قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] الآية -: ولا أظن يقدم على مثل ذلك في كتاب الله من له أدنى ذوق؛ لأنه وإن كان المعنى صحيحا في نفسه، إلا أن التركيب ينبو عنه والفصاحة تأباه ولا ضرورة تدعو إليه، لا سيما على قول من يخص التقديم والتأخير بالضرورة اهـ (^١).\n١١ - ومنهم الشنقيطي: قال - مقررا هذه القاعدة من خلال تقرير علماء الأصول لها -: تقرر في الأصول وجوب الحمل على بقاء الترتيب إلا لدليل اهـ (^٢).\nوغيرهم من المفسرين (^٣).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-213> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nمن أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا﴾ [المجادلة: ٣] ذهب بعض العلماء إلى أن في الآية تقديما وتأخيرا تقديره: والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ثم يعودون لما قالوا إنا لا نفعله فيفعلونه (^٤).\n_________\n(^١) روح المعاني (١/ ٣٣٠).\n(^٢) أضواء البيان (٦/ ٥١٦)، وانظر اعتماد الأصوليين لهذه القاعدة في شرح تنقيح الفصول ص ١١٢، وشرح الكوكب (١/ ٢٩٦).\n(^٣) كالقرطبي في الجامع (٣/ ٣١٧)، وابن القيم في الصواعق المرسلة (٢/ ٧١٦)، والسمين في الدر (٤/ ١٩٣ - ١٩٤)، وابن كثير في تفسيره (٧/ ٥٤)، وأبي السعود في تفسيره (٣/ ٧١).\n(^٤) هذا مضمون قول الأخفش في معاني القرآن (٢/ ٥٣٧)، ونقله الطبري في تفسيره (٢٨/ ٨)، ونقله عنه أبو جعفر النحاس في إعراب القرآن (٤/ ٣٧٣)، وأبو حيان في البحر (١٠/ ١٢٣)، وغيرهم، ونص عبارة الأخفش: فتحرير رقبة مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا أن لا نفعله فيفعلونه؛ هذا «الظهار» يقول: «هي عليّ كظهر أمي» وما أشبه هذا من الكلام، فإذا أعتق رقبة أو أطعم ستين -","vol":"2","page":106},{"text":"فعلى هذا القول لا يكون العود شرطا في وجوب الكفارة (^١).\nوذهب جمهور المفسرين والمعربين إلى أن الآية على ترتيبها، وليس فيها تقديم ولا تأخير، على خلاف بينهم في تفسير العود (^٢).\nوالذي يهمنا في هذه القاعدة هو الخلاف الأول، فالذي تقرره هذه القاعدة صحة قول الجمهور القائلين بالترتيب، وضعف قول من قال بالتقديم والتأخير، وذلك؛ لأن الأصل وظاهر النظم هو الترتيب ولا يوجد في الكلام دليل صريح أو قرينة واضحة تدل على صحة دعوى التقديم والتأخير، وهذا هو الذي رجحه واختاره أئمة التفسير اعتمادا لمضمون هذه القاعدة، ومنهم من نص عليها حال ترجيحه بها كابن قتيبة (^٣)، والطبري (^٤)، والجصاص (^٥)، والبغوي (^٦)، والزمخشري (^٧)، ابن العربي (^٨)، ابن عطية (^٩)، وغيرهم.\n_________\n= مسكينا، عاد لهذا الذي قد قال: «إنه عليّ حرام» ففعله اه.\n(^١) انظر شرح الكوكب (١/ ٢٩٦).\n(^٢) قال القرطبي في الجامع (١٧/ ٢٨٠) وهذا حرف مشكل اختلف الناس فيه على أقوال سبعة: الأول: أنه العزم على الوط ء، الثاني: العزم على الإمساك بعد التظاهر منها، الثالث: العزم عليهما، الرابع: أنه الوط ء نفسه، الخامس: هو أن يمسكها زوجة بعد الظهار مع القدرة على الطلاق، السادس: أن الظهار يوجب تحريما لا يرفعه إلا الكفارة، السابع: هو تكرير الظهار بلفظه اه. مختصرا، وذكر هذه الأقوال ابن العربي في أحكام القرآن (٤/ ١٩٢).\n(^٣) انظر تفسير غريب القرآن ص ٤٥٦.\n(^٤) جامع البيان (٢٨/ ٨).\n(^٥) أحكام القرآن (٥/ ٣٠٤ - ٣٠٦). والجصاص هو: أبو بكر أحمد بن علي الرازي الحنفي، صاحب التصانيف، تفقه على أبي الحسن الكرخي، إليه المنتهى في معرفة مذهب الحنفية، كان فيه ميل إلى الاعتزال، توفي سنة سبعين وثلثمائة سير أعلام النبلاء (١٦/ ٣٤٠)، والجواهر المضية (١/ ٢٢٠).\n(^٦) معالم التنزيل (٨/ ٥١).\n(^٧) الكشاف (٤/ ٧٠).\n(^٨) أحكام القرآن (٤/ ١٩٢ - ١٩٣).\n(^٩) المحرر الوجيز (١٥/ ٤٣٩).","vol":"2","page":107},{"text":"قال ابن عطية: وقال بعض الناس في هذه الآية تقديم وتأخير، وتقديرها فتحرير رقبة لما قالوا، وهذا قول يفسد [نظم] (^١) الآية، وحكي عن الأخفش (^٢)؛ لكنه غير قويّ اهـ (^٣).\nوقال أبو حيان - وبعد أن حكى قول الأخفش: وهذا قول ليس بشيء؛ لأنه يفسد نظم الآية اهـ (^٤).\nوقال الشنقيطي - بعد أن ذكر القول بالتقديم والتأخير: … وهذا غير صحيح، لما تقرر في الأصول من وجوب الحمل على بقاء الترتيب إلا لدليل اهـ (^٥).\n***\n_________\n(^١) في الطبعة المغربية [نظر]، التصحيح من الطبعة القطرية (١٤/ ٣٣٨).\n(^٢) هو: سعيد بن مسعدة المجاشعي الأخفش الأوسط، أبو الحسن، قرأ اللغة على سيبويه، كان معتزليا له مصنفات كثيرة في اللغة ومعاني القرآن، توفي سنة خمس عشرة ومائتين، وقيل غير ذلك، إنباه الرواه (٢/ ٣٦)، وطبقات المفسرين (١/ ١٩١).\n(^٣) المحرر الوجيز (١٥/ ٤٣٩).\n(^٤) البحر المحيط (١٠/ ١٢٣).\n(^٥) أضواء البيان (٦/ ٥١٦).\n* ونظائر هذا المثال كثيرة جدا:\nانظر جملة منها في جامع البيان (٣/ ٢٩١)، و(١٠/ ١٥٣)، و(١٣/ ٦٦)، و(١٧/ ١٣٤)، و(٢٠/ ١٢٦)، و(٢٩/ ٢٠٥)، و(٣٠/ ١٥٣). وفي الكشاف (٢/ ٣٤٤). وفي أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ١٦).\nوفي المحرر الوجيز (٢/ ١٥٦)، و(٤/ ١٧٤ - ١٧٥)، و(٥/ ١٠). وفي مفاتيح الغيب (٩/ ١١٢)، و(١٢/ ١١٤)، (١٦/ ٩٥). وفي الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣١٧). وفي مجموع فتاوى ابن تيمية (١٦/ ٢١٧ - ٢١٨). وفي البحر المحيط (١/ ٣٥، ٥٠٣، ٦٣٠)، و(٢/ ٣٧٤، ٦٧٠)، و(٦/ ٣٦٢). وفي الصواعق المرسلة (٢/ ٧١٦). وفي تفسير ابن كثير (٤/ ٥٤). وفي إرشاد العقل السليم (٣/ ٧١). وفي روح المعاني (١/ ٣٣٠)، و(٣/ ١٧٩). وفي أضواء البيان (٤/ ٢٨٩)، و(٧/ ٨٥).","vol":"2","page":108},{"text":"<span data-type='title' id=toc-214>المطلب التاسع:\nقاعدة: لا ينبغي حمل الآية على القلب ولها بدونه وجه صحيح</span>\n*<span data-type='title' id=toc-215> صورة القاعدة:</span>\nإذا ورد خلاف بين المفسرين في تفسير آية من كتاب الله، وكان خلافهم دائرا بين حمل الآية على القلب أو عدمه، فحمل الآية على عدم القلب أولى وأصح، متى صح ذلك؛ لأنه هو الموافق لظاهر الآية، ولا يجوز العدول عن الظاهر إلا بدليل يرجع إليه؛ ولأنه هو الأصل في الكلام، ولا ضرورة بنا إلى الخروج عن الأصل وللآية فيه وجه صحيح، ومن ادعى أمرا خلاف الأصل بقي مرتهنا بإقامة الدليل على داعواه؛ ولأنه فيه خروج من الخلاف؛ لأنه قد أنكر جماعة من العلماء وجود القلب في القرآن - كما سيأتي إن شاء الله.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-216> بيان ألفاظ القاعدة:</span>\n-<span data-type='title' id=toc-217> تعريف القلب:</span>\nذكر ابن فارس أن لمادة «قلب» في اللغة أصلين صحيحين أحدهما يدل على خالص شيء وشريفه، والآخر على ردّ شيء من جهة إلى جهة، وهذا الأصل هو المعنيّ في هذه القاعدة، قال ابن فارس: والأصل الآخر قلبت الثوب قلبا، والقلب: انقلاب الشّفه … وقلبت الشيء: كببته، وقلّبته بيديّ تقليبا ويقال: أقلبت الخبزة، إذا حان لها أن تقلب … والقليب: البئر قبل أن تطوى، وإنما سميت قليبا؛ لأنها كالشيء يقلب من جهة إلى جهة، وكانت أرضا فلما حفرت صار ترابها كأنه قلب اهـ (^١).\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة (٥/ ١٧ - ١٨)، وانظر مادة «قلب» في الصحاح (١/ ٢٠٤)، واللسان (١/ ٦٨٥)، ومفردات الراغب ص ٦٨١.","vol":"2","page":109},{"text":"وعرّف البلاغيون القلب بأنه: جعل أحد أجزاء الكلام مكان الآخر، والآخر مكانة (^١)، على وجه يثبت حكم كل منهما للآخر (^٢).\nويلحظ من هذا أن بين المعنى اللغوي للقلب والمعنى الاصطلاحي تقاربا كبيرا حيث هو في اللغة ردّ الشيء من جهة إلى جهة وفي الاصطلاح ردّ أحد أجزاء الكلام من مكان إلى مكان، فهما يشتركان في أنه وضع الشيء على غير وجهة الذي هو عليه في الأصل، سواء أكان هذا في الجملة الواحدة بتغير ترتيبها مع أخذ كل جزء منها حكم الآخر أم كان القلب في استعمال ألفاظ على غير وضعها وغرضها، لغرض ما.\nوقولهم: «على وجه يثبت حكم كل منهما للآخر» ليخرج به نحو في الدار زيد وضرب عمرا زيد بتقديم المفعول، فإن كلا - ولو جعل في محل الآخر - باق على حكمه (^٣) فهذا القيد هو الذي أخرج التقديم والتأخير؛ لأنه وإن كان فيه قلب بجعل أحد أجزاء الكلام مكان الآخر غير أن كلا منهما باق على حكمه، ولذلك أفردته في قاعدة مستقلة.\nوهذا هو الفرق بين أمثلة قاعدة التقديم والتأخير وقلب الإسناد في هذه القاعدة.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-218> أنواع القلب:</span>\nالقلب يكون في الكلمة الواحدة، ويكون في الجملة، فالقلب في الكلمة هو عبارة عن تقليب بعض حروف الكلمة تقديما وتأخيرا، كقولهم: «جبذ وجذب» (^٤) وقد تكلم على هذا علماء اللغة وأفرده بعضهم بالتأليف (^٥).\n_________\n(^١) كتاب المطول للتفنازاني ص ١٣٧.\n(^٢) انظر شروح التلخيص (١/ ٤٨٧)، وشرح الإيضاح في علوم البلاغة لمحمد الخفاجي (٢/ ٩٧).\n(^٣) مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح، انظره في شروح التلخيص (١/ ٤٨٧).\n(^٤) انظر جامع البيان (١/ ٤٤٥) ط. شاكر.\n(^٥) ذكر السيوطي في المزهر (١/ ٤٧٦) أن ابن السكّيت ألف كتابا في هذا النوع.","vol":"2","page":110},{"text":"وهذا النوع ليس مرادا في هذه القاعدة، وليس منه شيء في القرآن، كما قال ابن فارس (^١).\nوالقلب في الجملة هو المراد في هذه القاعدة، وذكر له العلماء أنواعا ومثّلوا له، وجعلوا بعض آيات التنزيل من ذلك، وهذه القاعدة ترجّح عدم القلب فيها - كما سترى في الأمثلة التطبيقية إن شاء الله تعالى -.\nومن هذه الأنواع التي تعمل هذه القاعدة في أمثلتها:\n١ - قلب الإسناد: وهو أن يكون الإسناد إلى شيء والمراد غيره كقلب الفاعل مفعولا والمفعول فاعلا ونحو ذلك، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ﴾\n[الأحقاف: ٢٠]، وغيرها (^٢).\n٢ - ومنها قلب العطف: وذلك بجعل المعطوف عليه معطوفا، والمعطوف معطوفا عليه، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ (٢٨) [النمل: ٢٨]، وقوله: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ (٨) [النجم: ٨]، وغيرها (^٣).\n٣ - ومنها القلب بأن يوصف الشيء بضدّ صفته للاستهزاء: وجعلوا منه قول قوم شعيب: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ (٨٧) [هود: ٨٧] (^٤) أو للتطير، أو التفاؤل، أو للمبالغة في الوصف.\nوهناك أنواع أخر من القلب ذكرها الأئمة غير أنها ليست مرادة في هذه القاعدة، ولا تدخل تحت أمثلتها.\nمنها: ما قلب على الخطأ، وليس في كتاب الله منه شيء قطعا (^٥).\n_________\n(^١) انظر الصاحبي ص ٣٢٩، والجامع لأحكام القرآن (٣/ ١٠٨).\n(^٢) انظر البرهان في علوم القرآن (٣/ ٢٨٨).\n(^٣) انظر البرهان (٣/ ٢٩٢).\n(^٤) انظر تأويل مشكل القرآن ص ١٨٥، المدخل لعلم تفسير كتاب الله - تعالى - ص ٣٥٥.\n(^٥) انظر تأويل مشكل القرآن ص ١٩٨ - ٢٠٣.","vol":"2","page":111},{"text":"ومنها: تسمية المتضادين باسم واحد، والأصل واحد (^١)، وهذا من الأضداد، وبعض أفراده من المشترك اللفظي.\nومنها: قلب العكس، وهو أمر لفظي كقوله تعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] (^٢).\nومنها: القلب المستوي، وهو أن الكلمة أو الكلمات تقرأ من أوّلها إلى آخرها، ومن أخرها إلى أوّلها لا يختلف لفظها ولا معناها، كقوله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾\n[الأنبياء: ٣٣] (^٣).\nوهذا - أيضا - لفظي لا أثر له في التفسير.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-219> موقف العلماء من أسلوب القلب:</span>\nاختلف العلماء في كون القلب من أساليب البلاغة، ومن ثمّ في جواز حمل القرآن عليه (^٤).\nفذهب بعض العلماء إلى إنكاره مطلقا، وجعلوه من الضرورات التي يسلكها الشعراء لمراعاة القافية والوزن، والقرآن منزه عنه فلا يحمل عليه أبدا (^٥).\nوذهب آخرون إلى قبوله مطلقا.\n_________\n(^١) انظر تأويل مشكل القرآن ص ١٨٦.\n(^٢) البرهان (٣/ ٢٩٢).\n(^٣) البرهان (٣/ ٢٩٣).\n(^٤) انظر الخلاف في هذه المسألة في الإيضاح في علوم البلاغة للقزويني ص ٨١، وكتاب المطول للتفتازاني ص ١٣٨، وشروح التلخيص (١/ ٤٨٨)، والبرهان في علوم القرآن (٣/ ٢٨٨)، وأضواء البيان (٧/ ٣٩١).\n(^٥) وبه قال أبو حيان في البحر (٩/ ٤٤٣)، ونقله الزركشي في البرهان (٣/ ٢٨٨) عن حازم القرطاجني المتوفى سنة (٦٤٨) في كتابه منهاج البلغاء وسراج الأدباء. وذكر السيوطي في المزهر (١/ ٤٨١) أن ابن دستويه ألف كتابا في إبطال القلب.","vol":"2","page":112},{"text":"واشترط له آخرون عدم اللبس (^١).\nوفصّل آخرون: فقالوا: إن تضمّن اعتبارا لطيفا قبل، وإلا ردّ (^٢)؛ لأن العدول عن مقتضى الظاهر من غير نكتة تقتضيه خروج عن مطابقة الكلام لمقتضى الحال (^٣).\nوهذه القاعدة الترجيحية ترجّح عدم حمل الآية على القلب ولها بدونه وجه صحيح، سواء قيل بقبوله مطلقا أو بشرط أن يتضمن اعتبارا لطيفا، فإن جاز حمل القرآن عليه لا يعدو أن يكون وجها في الآية، والصواب فيها خلافه، أمّا على القول بإنكاره مطلقا فهو لا يوجد أصلا في القرآن، والحمد لله رب العالمين.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-220> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nاعتمد جماعة من أئمة التفسير مضمون هذه القاعدة وقرروه على تفاوت بينهم في العبارة وفي التطبيق.\nفمن هؤلاء الأئمة:\n١ - ابن قتيبة: قال بعد أن نقل أقوال بعض أصحاب اللغة في ادعاء القلب في بعض الآيات: وهذا ما لا يجوز لأحد أن يحكم به على كتاب الله - ﷿ -\n_________\n(^١) منهم المبرد قال في «ما اتفق لفظه واختلف معناه» ص ٥٩: وإنما يكون مثل هذا مما لا يكون فيه لبس ولا إشكال ولا وهم. اه. انظر البرهان (٣/ ٢٨٨).\n(^٢) انظر الإيضاح ص ٨١.\n(^٣) انظر كتاب المطول ١٣٨، وبهذا القول قال الخطيب القزويني صاحب الإيضاح، وتبعه شراح التلخيص في علوم البلاغة، وصنيع ابن قتيبة يدل على اعتماده لهذا القول حيث إنه قال به في بعض الآيات، وردّ ادعاءه في آيات أخرى، انظر تأويل مشكل القرآن ص ١٨٥ - ٢٠٣، وأما الإمام الطبري فهو يرجحه أحيانا ما لم ينازعه ما هو أقوى منه، وحكم باستفاضة استعماله في العربية، انظر على سبيل المثال في جامع البيان (٢/ ٣٤٠)، و(١٢/ ٢٨).\nوأحيانا يضعّف القول به لأجل وجه من أوجه الترجيح التي اعتمدها، انظر على سبيل المثال جامع البيان (١٧/ ٢٧)، و(٢٠/ ١١٠).","vol":"2","page":113},{"text":"لو لم يجد له مذهبا؛ لأن الشعراء تقلب اللفظ، وتزيل الكلم على الغلط أو على طريق الضرورة للقافية أو لاستقامة وزن البيت … والله - تعالى - لا يغلط ولا يضطرّ اهـ (^١).\n٢ - ومنهم أبو جعفر النحاس: وسيأتي كلامه في الأمثلة التطبيقية.\n٣ - ومنهم ابن عطية: قال - في معرض تعليقه على القول بالقلب واختيار الطبري له (^٢) في قوله تعالى: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] الآية - قال القاضي أبو محمد: وادعاء القلب على لفظ كتاب الله دون ضرورة تدفع إلى ذلك عجز وسوء نظر، وذلك أن الكلام يتخرج على وجهه ورصفه … اه (^٣).\n٤ - ومنهم الرازي: قال مقررا هذه القاعدة: إذا أمكن حمل الكلام على معنى صحيح وهو على ترتيبه فهو أولى من أن يحمل على أنه مقلوب اهـ (^٤).\n٥ - ومنهم القرطبي: وسيأتي ترجيحه وفق هذه القاعدة (^٥) ضمن الأمثلة التطبيقية.\n٦ - ومنهم أبو حيان: فقد قرر في مواضع كثيرة من تفسيره أن القلب من ضرورات الشعر، ولا يجوز حمل القرآن عليه، فمن هذه المواضع قوله: ولا ينبغي حمل القرآن على القلب، إذ الصحيح في القلب أنه مما يضطر إليه في الشعر، وإذا كان المعنى صحيحا واضحا مع عدم القلب، فأي ضرورة تدعو إليه؟! اه (^٦).\n٧ - ومنهم الشنقيطي: قال - مقررا هذه القاعدة: … وهذا النوع من القلب وإن\n_________\n(^١) تأويل مشكل القرآن ص ٢٠٠ - ٢٠٣.\n(^٢) انظر جامع البيان (٢/ ٣٤٠).\n(^٣) المحرر الوجيز (٢/ ١٥٤).\n(^٤) مفاتيح الغيب (٢٢/ ١٧٢).\n(^٥) وانظر الجامع لأحكام القرآن (٩/ ٨٧).\n(^٦) البحر المحيط (٩/ ٤٤٣)، وانظر (٢/ ٣٧٠)، و(٧/ ٤٣٠)، و(٨/ ٣٢٤) منه.","vol":"2","page":114},{"text":"أجازه بعضهم فلا ينبغي حمل الآية عليه؛ لأنه خلاف الظاهر، ولا دليل عليه يجب الرجوع إليه اهـ (^١).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-221> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\n١ - من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]، ذهب أبو عبيدة، وابن قتيبة، والزجاج إلى أن في الآية قلبا، والمعنى خلق العجل من الإنسان، وهو العجلة، والعرب تفعل هذا إذا كان الشيء من سبب الشيء بدءوا بالسبب (^٢).\nوذهب عامة المفسرين أن الآية على ترتيبها، واختلفت عباراتهم في معناها (^٣).\nفقال بعضهم: خلق الإنسان عجولا، أي: يستعجل الأمور قبل أوانها، وهو ضد التأني والتثبت.\nوقال آخرون: خلق الإنسان من تعجيل في خلق الله إياه ومن سرعة فيه وعلى عجل، وقالوا: خلقه الله في آخر النهار يوم الجمعة قبل غروب الشمس على عجل في خلقه إياه قبل مغيبها.\nوقال آخرون: خلق الإنسان من تعجيل من الأمر؛ لأنه قال: ﴿إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤٠) [النحل: ٤٠] قالوا فهذا العجل.\nوقال آخرون: العجل هو الطين، وهي لغة حمير (^٤)، ومنه قول الشاعر:\n_________\n(^١) أضواء البيان (٧/ ٣٩٢).\n(^٢) مجاز القرآن (٢/ ٣٨ - ٣٩)، وتأويل مشكل القرآن ص ١٩٧، ومعاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٩٢).\n(^٣) انظر جامع البيان (١٧/ ٢٦)، والنكت والعيون (٣/ ٤٤٧)، وزاد المسير (٥/ ٣٥١)، وغيرها من كتب التفسير.\n(^٤) حمير بطن عظيم من القحطانية، ينتسب إلى حمير بن سبأ بن يشجب بن قحطان، واسم «حمير» «العرنج»، معجم قبائل العرب (١/ ٣٠٦).","vol":"2","page":115},{"text":"والنبع في الصخر الصماء منبتة … والنخل تنبت بين الماء والعجل (^١)\nوالقول بالترتيب - على الخلاف في توجيه المعنى - أولى القولين بتفسير الآية؛ لموافقته ظاهر الآية، ولا موجب للقول بالقلب، ولا دليل عليه مع مخالفته الظاهرة لظاهر الآية.\nوهذا هو قول وترجيح عامّة المفسرين، وهو ما ترجحه هذه القاعدة التي نحن بصدد التمثيل لها.\nوردّ أئمة التفسير ادعاء القلب في الآية، قال الإمام الطبري - بعد أن ذكره عن بعض أهل العربية: وفي إجماع أهل التأويل على خلاف هذا القول الكفاية المغنية عن الاستشهاد على فساده بغيره اهـ (^٢).\nواستبعد الرازي القول بالقلب في الآية، وجعله أبعد الأقوال، ونص على هذه القاعدة في ترجيحه (^٣) - وقد سبق نقل بعض كلامه في أقوال العلماء في اعتماد القاعدة.\nوضعّف القرطبي هذا القول، ونقل كلاما للنحاس يقرر هذه القاعدة قال فيه:\nوهذا القول لا ينبغي أن يجاب به في كتاب الله؛ لأن القلب إنما يقع في الشعر اضطرارا اهـ (^٤).\nوقال أبو حيان: ومن يدعى القلب فيه … وأن التقدير خلق العجل من الإنسان\n_________\n(^١) لم أجد هذا البيت منسوبا إلى قائله، وهو في مادة «عجل» من تهذيب اللغة (١/ ٣٦٩)، واللسان (١١/ ٤٢٨)، وفي غريب القرآن لعبد الله بن المبارك المتوفى سنة ٢٣٧ ص ٢٥٤، وورد الشطر الثاني فيه «والنخل منبته» في السهل العجل»، وفي النكت والعيون (٣/ ٤٤٨)، والكشاف (٢/ ٥٧٣)، والجامع لأحكام القرآن (١١/ ٢٨٩)، والبحر المحيط (٧/ ٤٣١)، وغيرها.\n(^٢) جامع البيان (١٧/ ٢٧).\n(^٣) انظر مفاتيح الغيب (٢٢/ ١٧٢).\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن (١١/ ٢٨٩)، ولم أجده في كتب النحاس التي بين يديّ.","vol":"2","page":116},{"text":"فليس قوله بجيد؛ لأن القلب الصحيح فيه أن لا يكون في كلام فصيح، وأن بابه الشعر اهـ (^١).\nوردّه كذلك الألوسي (^٢).\nوقال ابن منظور عن القلب في هذه الآية: وحمله على القلب يبعد في الصنعة، ويصغّر المعنى اهـ (^٣) وهذا هو الصحيح - إن شاء الله - وهو ما تقرره هذه القاعدة، وذلك بأن تحمل آيات القرآن على ترتيبها ما أمكن ذلك، ولا يدّعى فيها القلب ولها بدونه وجه صحيح.\nوهذا ما أردت إيضاحه من خلال هذا المثال، بغض النظر عن تعيين القول الراجح في تفسير الآية من بين تلك الأقوال السابقة الذكر، ولكن إتماما للفائدة، أسوق أقوال العلماء في الترجيح بين تلك الأقوال، أمّا القولان الأخيران فهما ظاهرا الضعف، وذلك؛ لأن قول من قال المعنى: خلق الإنسان من تعجيل في الأمر، يلزم منه إلغاء تخصيص الإنسان بذكر أنه خلق من عجل؛ لأن كل شيء أراده الله يقول له كن فيكون.\nقال الطبري - بعد أن ذكره -: وعلى قول صاحب هذه المقالة يجب أن يكون كل خلق الله خلق على عجل؛ لأن كل ذلك خلق بأن قيل له كن فكان، فإذا كان ذلك كذلك، فما وجه خصوص الإنسان إذا بذكر أنه خلق من عجل دون الأشياء كلها، وكلها مخلوق من عجل، وفي خصوص الله تعالى ذكره الإنسان بذلك الدليل الواضح على أن القول في ذلك غير الذي قاله صاحب هذه المقالة اهـ (^٤).\nوقول من قال: العجل هو الطين بلغة حمير، يرده قوله تعالى بعده: ﴿فَلا﴾\n_________\n(^١) البحر المحيط (٧/ ٤٣٠).\n(^٢) انظر روح المعاني (١٧/ ٤٨).\n(^٣) لسان العرب مادة «عجل» (١١/ ٤٢٨).\n(^٤) جامع البيان (١٧/ ٢٧).","vol":"2","page":117},{"text":"﴿تَسْتَعْجِلُونِ﴾ (٣٧)، فهذا يدل على أن المراد بالعجل في أول الآية غير الطين.\nقال الشنقيطي: ﴿مِنْ عَجَلٍ﴾ فيه للعلماء قولان معروفان، وفي نفس الآية قرينة تدل على عدم صحة أحدهما، أما القول الذي دلت القرينة المذكورة على عدم صحته فهو قول من قال: العجل الطين وهي لغة حميرية … والقرينة المذكورة الدالة على أن المراد بالعجل في الآية ليس الطين قوله بعده: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ (٣٧) وقوله:\n﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٣٨) [الأنبياء: ٣٨] اه (^١).\nوأولى الأقوال بتفسير الآية هو القول الأول، وهو قول من قال المعنى: خلق الإنسان عجولا، وقد رجحه جماعة من المفسرين كابن عطية (^٢)، الرازي (^٣)، والقرطبي (^٤)، والألوسي (^٥)، والشوكاني (^٦)، والشنقيطي، وغيرهم.\n_________\n(^١) أضواء البيان (٤/ ٥٧٣).\n(^٢) انظر المحرر الوجيز (١١/ ١٣٦ - ١٣٧).\n(^٣) انظر مفاتيح الغيب (٢٢/ ١٧٢).\n(^٤) انظر الجامع لأحكام القرآن (١١/ ٢٨٨).\n(^٥) انظر روح المعاني (١٧/ ٤٩).\n(^٦) انظر فتح القدير (٣/ ٤٠٨).\n* ومن نظائر هذا المثال:\n١ - ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢١٣]، انظر المحرر الوجيز (٢/ ١٥٤)، والبحر المحيط (٢/ ٣٧٠).\n٢ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَنِداءً [البقرة: ١٧١]، انظر تأويل مشكل القرآن ص ١٩٩.\n٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤) [الأعراف: ٤]، انظر الإيضاح في علوم البلاغة ص ٨٢، والبرهان في علوم القرآن (٣/ ٢٩٢)، ومغني اللبيب (٢/ ٦٩٦).\n٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) [هود: ٨٧]، انظر مفاتيح الغيب (١٨/ ٤٥)، والبحر المحيط (٦/ ١٩٧)، والجامع لأحكام القرآن (٩/ ٨٧)، ومحاسن التأويل (٩/ ٣٤٧٨).\n٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا (٧٤) [الفرقان: ٧٤]، انظر تأويل مشكل القرآن ص ١٩٩. -","vol":"2","page":118},{"text":"ويشهد لهذا القول قوله تعالى: ﴿سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ (٣٧) [الأنبياء: ٣٧]، وقوله تعالى: ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا﴾ (١١) [الإسراء: ١١].\n_________\n= ٦ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: اِذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ (٢٨) [النمل: ٢٨]، انظر الإيضاح ص ٨٢، والبرهان في علوم القرآن (٣/ ٢٨٨)، ومغني اللبيب (٢/ ٦٩٧).\n٧ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ [القصص: ٧٦] انظر تأويل مشكل القرآن ص ١٩٩، وجامع البيان (٢٠/ ١١٠)، ومعاني القرآن للنحاس (٥/ ١٩٩)، والبحر المحيط (٨/ ٣٢٤)، والبرهان في علوم القرآن (٣/ ٢٨٨)، ومغني اللبيب (٢/ ٦٩٧)، وروح المعاني (٢٠/ ١١١)، والتحرير والتنوير (٢٠/ ١٧٧).\n٨ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) [الدخان: ٤٩]، انظر تأويل مشكل القرآن ص ١٨٦، والمدخل لعلم تفسير كتاب الله ص ٣٥٥، ومفاتيح الغيب (٢٧/ ٢٥٣)، والجامع لأحكام القرآن (١٦/ ١٥١)، وروح المعاني (٢٥/ ١٣٤).\n٩ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ [الأحقاف: ٢٠]، انظر البحر المحيط (٩/ ٤٤٣)، والبرهان في علوم القرآن (٣/ ٢٩١)، وأضواء البيان (٧/ ٣٩١)، ومغنى اللبيب (٢/ ٦٩٦).\nوذكر ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن ص ١٨٥ - ٢٠٥، والزركشي في البرهان (٣/ ٢٨٩) جملة وافرة من الآيات التي ادعى فيها القلب، وهذه القاعدة ترجح خلافه.","vol":"2","page":119},{"text":"<span data-type='title' id=toc-222>المطلب العاشر:\nقاعدة: إذا دار الكلام بين التأسيس والتأكيد فحمله على التأسيس أولى</span>\n*<span data-type='title' id=toc-223> صورة القاعدة:</span>\nإذا احتمل اللفظ - أو الجملة - من كتاب الله تعالى أن يكون مؤكدا للفظ - أو جملة - سابق، أو يكون مفيدا لمعنى جديد لم يسبق في الكلام، فحمله على الإفادة أولى من حمله على الإعادة؛ لأن إفادة معنى جديد أولى من إلغاء هذا المعنى بجعله مؤكّدا لما تقرر في كلام سابق، فالتأكيد خلاف الأصل؛ لأن الأصل في وضع الكلام إنما هو إفهام السامع ما ليس عنده، فإن تعذر حمله على فائدة جديدة حمل حينئذ على التأكيد.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-224> بيان ألفاظ القاعدة:</span>\nالتأسيس في اللغة: من الأسّ، والأساس وهو: أصل البناء، وأسّ البناء مبتدؤه، والأسيس: أصل كل شيء، والتأسيس في الشعر ألف تلزم القافية وبينها وبين حرف الروي حرف يجوز كسره ورفعه ونصبه (^١).\nوفي الاصطلاح: إفادة معنى آخر لم يكن حاصلا قبّل (^٢).\nوالتأكيد أو التوكيد هو: تقوية مدلول ما ذكر بلفظ آخر، وهو إما معنويّ كقولك:\nجاء القوم كلهم أجمعون، أو لفظيّ وهو: إعادة اللفظ الأول بعينه (^٣).\n_________\n(^١) انظر مادة «أسس» في تهذيب اللغة (١٣/ ١٤١)، وفي اللسان (٦/ ٦).\n(^٢) التوقيف على مهمات التعريف ص ١٥٥، وانظر تعريفات الجرجاني ص ٧٦.\n(^٣) التمهيد للأسنوي ص ١٦٧، وانظر التعريفات ص ٧٦، والتوقيف ص ١٥٦.","vol":"2","page":120},{"text":"وقد تخرج بعض صور التأكيد من هذه القاعدة، كالتأكيد المعنويّ فهو محصور في سبعة ألفاظ وهي: النفس، والعين، وكلا، وكلتا، وكل، وجميع، وعامّة، فمثل هذا التأكيد لا ينازع التأسيس هنا ولا يقع في مثله الخلاف بين التأسيس والتأكيد.\nويدخل تحت التأكيد الذي أعنيه في هذه القاعدة تأكيد معنى سابق، ولو لم يكن في ذلك تكرار لأي لفظ من ألفاظ الجملة السابقة؛ ولكن معنى اللفظة أو الجملة المتأخرة دائر بين أن يكون مقررا ومؤكدا لمعنى سابق، أو مؤسسا ومفيدا لمعنى جديد، فالتأسيس أولى.\nوهذه القاعدة من القواعد الترجيحية، ومن القواعد التفسيرية، وهي متفرّعة عن القاعدة الأصولية «إعمال الكلام أولى من إهماله» فإن كان المفسر لكتاب الله تعالى ينشئ تفسيرا فهو يستعملها في بيان معاني كلام الله، فهي في هذه الحالة تفسيرية.\nوإن كان ناظرا بين أقوال المفسرين المختلفة مرجحا بينها فهي قاعدة ترجيحية.\nفحديثي إذا عما وقع فيه الخلاف، أما ما لم يقع فيه خلاف، بأن كان الكلام على أصله في التأسيس، أو كان مؤكدا، ولم يدخل عليه احتمال التأسيس، ولا خلاف بين العلماء في ذلك فلا ترجيح بهذه القاعدة.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-225> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nهذه القاعدة من القواعد التي استعملها عامة المفسرين مختلفين في طرق اعتمادها والتنبيه عليها، فمنهم من ينشئ تفسيره ويعتمدها كقاعدة تفسيرية، ويفسر أمثلتها بما يوافقها.\nومنهم من يرجح مضمون القاعدة، وإن لم يصرح بلفظها، ومن العلماء من يرجح بها وينص عليها مستشهدا بها على صحة ترجيحه، وكل هؤلاء يعتمدون عليها في ترجيحاتهم، فمن هؤلاء الأئمة:\n١ - الإمام الطبري: فعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ﴾","vol":"2","page":121},{"text":"﴿مِنْهُ حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ (٥٥) [الحج: ٥٥] بعد أن ذكر الخلاف بين أهل التأويل في «اليوم» أيّ يوم هو؟ فقال بعضهم يوم القيامة، وقال آخرون: يوم بدر.\nقال - معقبا - على القول الثاني -:\nوهذا القول الثاني أولى بتأويل الآية؛ لأنه لا وجه لأن يقال: لا يزالون في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة، أو تأتيهم الساعة؛ وذلك أن الساعة هي يوم القيامة، فإن كان اليوم العقيم أيضا هو يوم القيامة، فإنما معناه ما قلنا من تكرير ذكر الساعة مرتين باختلاف الألفاظ، وذلك ما لا معنى له، فإذا كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين به أصحهما معنى، وأشبههما بالمعروف في الخطاب، وهو ما ذكرناه في معناه اهـ (^١).\n٢ - ومنهم أبو محمد مكي بن أبي طالب: قال - مقررا مضمون هذه القاعدة: وحمل اللفظين على فائدتين، ومعنيين أولى من حملهما على التكرار بمعنى واحد اهـ (^٢).\n٣ - ومنهم أبو بكر بن العربي: قال - مقررا هذه القاعدة: إذا أمكن حمل اللفظ على فائدة مجدّدة لم يحمل على التكرار في كلام الناس، فكيف كلام العليم الحكيم؟ اه (^٣).\n٤ - ومنهم العلاّمة ابن القيم: ففي معرض تفسيره لقول الله تعالى: ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (٤) [التكاثر: ٣ - ٤] قال: قيل: تأكيد لحصول العلم كقوله تعالى: ﴿كَلاّ سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلاّ سَيَعْلَمُونَ﴾ (٥) [النبأ: ٤ - ٥]، وقيل:\nليس تأكيدا، بل العلم الأول عند المعاينة ونزول الموت، والعلم الثاني في القبر\nويدل على صحة هذا القول عدة أوجه:\n_________\n(^١) جامع البيان (١٧/ ١٩٣)، وانظر نحو هذا الترجيح بهذه القاعدة فيه (٧/ ٣٦).\n(^٢) الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص ٢١٩.\n(^٣) أحكام القرآن (١/ ٢٣٢).","vol":"2","page":122},{"text":"أحدها: أن الفائدة الجديدة والتأسيس هو الأصل، وقد أمكن اعتباره، مع فخامة المعنى وجلالته، وعدم الإخلال بالفصاحة اهـ (^١).\n٥ - ومنهم الشوكاني: قال - معللا لاختياره وترجيحه: والأول أولى؛ لأن التأسيس خير من التأكيد اهـ (^٢).\n٦ - ومنهم الألوسي: فقد ذكرها في معرض الترجيح بها فقال: التأسيس خير من التأكيد اهـ (^٣).\n٧ - ومنهم محمد الأمين الشنقيطي: قال - مقررا هذه القاعدة بما تقرر في الأصول:\nإن المقرر في الأصول أن النص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ إذا احتمل التأسيس والتأكد معا، وجب حمله على التأسيس، ولا يجوز حمله على التأكيد إلا لدليل يجب الرجوع إليه اهـ (^٤).\nوقال في موضع آخر: وقد تقرر في الأصول أنه إذا دار الكلام بين التوكيد والتأسيس رجح حمله على التأسيس اهـ (^٥).\nوهذه القاعدة من القواعد الأصولية المتفرّعة عن القاعدة الكلية «إعمال الكلام أولى من إهماله»، التي قررها علماء الأصول فهم متفقون على أن التأكيد على خلاف الأصل؛ لأن الأصل في وضع الكلام إنما هو إفهام السامع ما ليس عنده، فإذا دار اللفظ بين التأسيس والتأكيد، تعين حمله على التأسيس (^٦).\n_________\n(^١) عدة الصابرين ص ٢٣١.\n(^٢) فتح القدير (٢/ ٤٧).\n(^٣) روح المعاني (٤/ ٩٠).\n(^٤) أضواء البيان (٦/ ٦٩٢).\n(^٥) أضواء البيان (٣/ ٣٥٥)، وانظر نحو هذا التقرير فيه (٦/ ٢٤٥)، و(٧/ ٤١٤).\n(^٦) التمهيد في تخريج الفروع على الأصول للأسنوي ص ١٦٧، والكوكب الدريّ له ص ٤٠٦، وانظر المحصول (١/ ٣٥٧/١)، والإحكام للآمدي (٣/ ٢٦)، وشرح تنقيح الفصول ص ١١٢، والبحر المحيط للزركشي (٢/ ١١٧)، وشرح الكوكب (١/ ٢٩٨)، وإرشاد الفحول ص ٤٦٥.","vol":"2","page":123},{"text":"وغير هؤلاء الأئمة كثير (^١).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-226> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nأمثلة هذه القاعدة كثيرة، منها ما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ (٤١) [النور: ٤١].\nاختلف العلماء في عائد الضمير المحذوف الذي هو فاعل «علم».\nفقال بعض أهل العلم: إنه راجع إلى الله تعالى في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ﴾ الآية، وعلى هذا يكون المعنى: كل من المصلين والمسبحين، قد علم الله صلاته وتسبيحه.\nوقال آخرون: بل هو راجع إلى قوله: ﴿كُلٌّ،﴾ فعلى هذا يكون المعنى: كل من المصلين والمسبحين قد علم صلاة نفسه وتسبيح نفسه (^٢).\nوأولى القولين في هذا بالصواب القول الثاني، أي إعادة الضمير إلى قوله: ﴿كُلٌّ،﴾\nوذلك حتى يكون قوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ (٤١) تأسيسا لمعنى جديد، وهو إحاطة علمه تعالى بكل ما يفعلون.\nأمّا على القول الأول فإن جملة ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ (٤١) تكون مؤكدة لمعنى جملة ﴿قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ فالجملة الأولى مخبرة عن علمه تعالى بصلاتهم وتسبيحهم، وكذلك جملة ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ (٤١) مخبرة بذلك فتكون مؤكدة لها.\nوإذا دار الكلام بين التأسيس والتأكيد فحمله على التأسيس أرجح.\n_________\n(^١) كالقزويني في الإيضاح في علوم البلاغة ص ٦٩، والجرجاني في التعريفات ص ٧٦، والسيوطي في الأشباه والنظائر في الفقه ص ١٣٥، والمناوي في التوقيف ص ١٥٥، والكفوي في الكليات ص ١٠٦٥، والمعلمي في التنكيل (٢/ ٦٣٢) رقم الصفحة متسلسل.\n(^٢) أضواء البيان (٦/ ٢٤٤).","vol":"2","page":124},{"text":"وهذا القول الذي رجحته هذه القاعدة هو ما اختاره ورجحه أئمة التفسير كأبي حيان (^١)، وتلميذه السمين (^٢)، والشوكاني (^٣)، وتلميذه صديق خان (^٤)، والطاهر ابن عاشور (^٥)، والشنقيطي (^٦)، وغيرهم.\nقال العلاّمة الشنقيطي - بعد أن ذكر القولين، ثم أردف بذكر القاعدة:\nوإذا علمت ذلك فاعلم أن الأظهر على مقتضى ما ذكرنا عن الأصوليين، أن يكون ضمير الفاعل المحذوف في قوله: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ راجعا إلى قوله: ﴿كُلٌّ﴾ أي كل من المصلين قد علم صلاة نفسه، وكل من المسبحين، قد علم تسبيح نفسه، وعلى هذا القول فقوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾\n(٤١) تأسيس لا تأكيد، أما على القول بأن الضمير راجع إلى الله - أي: قد علم الله صلاته - يكون قوله: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ (٤١) كالتكرار مع ذلك فيكون من قبيل التوكيد اللفظي.\nوقد علمت أن المقرر في الأصول أن الحمل على التأسيس أرجح من الحمل على التوكيد اهـ (^٧).\nويؤيد هذه القاعدة فيما رجحته في هذا المثال قاعدة: «توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد أولى من تفريقها».\nفإعادة ضمائر ﴿عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ إلى ﴿كُلٌّ﴾ أولى من تفريقها بإعادة ضمير ﴿عَلِمَ﴾ إلى ﴿اللهَ،﴾ وإعادة ضميرا ﴿صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ إلى\n_________\n(^١) انظر البحر المحيط (٨/ ٥٦).\n(^٢) انظر الدر المصون (٨/ ٤١٨ - ٤١٩).\n(^٣) انظر فتح القدير (٤/ ٤٠ - ٤١).\n(^٤) انظر فتح البيان (٦/ ٣٨٢).\n(^٥) انظر التحرير والتنوير (١٨/ ٢٥٩).\n(^٦) انظر أضواء البيان (٦/ ٢٤٤).\n(^٧) أضواء البيان (٦/ ٢٤٤ - ٢٤٥).","vol":"2","page":125},{"text":"﴿كُلٌّ﴾.\nقال السمين الحلبي - في معرض ترجيحه لما رجحت القاعدة: وهذا أولى لتوافق الضمائر اهـ (^١).\nوقال الطاهر ابن عاشور: وضمائر ﴿عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ راجعة إلى ﴿كُلٌّ﴾\nلا محالة، ولو كان المراد بها التوزيع على من في السموات والأرض والطير من جهة، وعلى اسم الجلالة من جهة لوقع ضمير فصل بعد ﴿عَلِمَ﴾ فلكان راجعا إلى الله - تعالى - اه (^٢).\nويؤيد هذه القاعدة فيما رجحته في هذا المثال، قاعدة «إعادة الضمير إلى أقرب مذكور أولى من إبعاده» فأقرب المذكورين هو لفظ ﴿كُلٌّ﴾ فإعادة الضمير إليه أولى من إعادته إلى الأبعد، وهو لفظ الجلالة.\n***\n_________\n(^١) الدر المصون (٨/ ٤١٩).\n(^٢) التحرير والتنوير (١٨/ ٢٥٩).\n* ولهذا المثال نظائر:\nانظر جملة منها في تأويل مشكل القرآن ص ٧٩، وجامع البيان (٧/ ٣٦)، و(١٤/ ١٧٢)، و(١٧/ ١٩٣)، و(٢٩/ ٣)، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي ٢١٩، وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ٢٣٢)، والمحرر الوجيز (٢/ ٤٣)، و(٥/ ٢٠)، و(١٠/ ٢٢٩)، والتفسير القيم ص ١٤٨، ٥١٥ وفتح القدير (٢/ ٤٧)، و(٣/ ١٩٣)، وروح المعاني (٤/ ٩٠)، وأضواء البيان (٣/ ٣٥٣)، و(٥/ ٧٥٩)، و(٧/ ٤١٣ - ٤١٤ - ٥٩٣ - ٨٢١).","vol":"2","page":126},{"text":"<span data-type='title' id=toc-227>المطلب الحادي عشر:\nقاعدة: حمل ألفاظ الوحي على التباين أرجح من حملها على الترادف</span>\n*<span data-type='title' id=toc-228> صورة القاعدة:</span>\nعند اختلاف المفسرين في تفسير ألفاظ القرآن الكريم، بين قائل بترادف بعض ألفاظها تأكيدا للمعنى المذكور، وقائل بالتباين بين معانيها، فأرجح القولين وأصحهما في ذلك، قول من حملها على التباين؛ لأنه هو الأصل، وهو أكثر اللغة؛ ولأن حملها على التباين يفيد معنى جديدا، وأما حملها على الترادف (^١) فهي لا تكون إلا مؤكدة لسابقتها، والتأسيس أولى من التأكيد كما مرّ في القاعدة السابقة.\nوالفرق بين المترادف والمؤكّد، أن المترادفين يفيدان فائدة واحدة من غير تفاوت أصلا، وأمّا المؤكّد فإنه لا يفيد عين فائدة المؤكّد، بل يفيد تقويته (^٢).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-229> بيان ألفاظ القاعدة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-230>تعريف الترادف والتباين:</span>\nالترادف في اللغة: التتابع، قال ابن فارس: الراء والدال والفاء أصل واحد مطرد يدل على اتّباع الشيء، فالترادف: التتابع، والرّديف: الذي يرادفك … ويقال: نزل بهم أمر فردف لهم أعظم منه أي: تبع الأوّل ما كان أعظم منه اهـ (^٣).\n_________\n(^١) هذا على قول من أجاز وقوعه في اللغة وفي القرآن، وإلا فقد منعه طائفة من العلماء، وسيأتي قريبا الكلام على هذه المسألة.\n(^٢) المحصول (١/ ٣٤٨/١)، وانظر التحصيل من المحصول (١/ ٢٠٩)، والمزهر (١/ ٤٠٢)، وشرح الكوكب المنير (١/ ١٤٥).\n(^٣) معجم مقاييس اللغة (٢/ ٥٠٣)، وانظر مادة «ردف» في تهذيب اللغة (١٤/ ٩٦)، وفي اللسان (٩/ ١١٥).","vol":"2","page":127},{"text":"وفي الاصطلاح: عرّفه الزركشي بقوله: هو الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد باعتبار واحد.\nثم شرع في بيان محترزات التعريف فقال: واحترز ب «المفرد» عن دلالة الرسم والحد -[أي التعريف]- فإنهما يدلان على شيء واحد، وليسا مترادفين؛ لأن الحد مركب.\nوخرج ب «اعتبار واحد» المتزايلات كالسيف والصارم فإن مدلولهما واحد؛ لكن باعتبارين اهـ (^١).\nوالتباين في اللغة: أصل مادة «بين» هو: بعد الشيء وانكشافه (^٢).\nوفي الاصطلاح: الألفاظ المختلفة للمعاني المختلفة (^٣).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-231> موقف العلماء من الترادف في اللغة وفي القرآن:</span>\nاختلف العلماء في وقوع الترادف في اللغة:\nفقال بوقوعه جماعة من أئمة العربية منهم سيبويه (^٤) وابن جني (^٥)، وغيرهما (^٦).\n_________\n(^١) البحر المحيط (٢/ ١٠٥)، وانظر المحصول (١/ ٣٤٧/١)، وروضة الناظر مع شرحها (١/ ٥٣)، وشرح تنقيح الفصول ص ٣١.\n(^٢) معجم مقاييس اللغة (١/ ٣٢٧)، وانظر مادة «بين» في تهذيب اللغة (١٥/ ٤٩٥)، وفي اللسان (١٣/ ٦٢).\n(^٣) روضة الناظر مع شرحها (١/ ٥٣)، وانظر شرح تنقيح الفصول ص ٣٢، والتعريفات ص ٧٧، والتوقيف ص ١٥٧.\n(^٤) قال في الكتاب (١/ ٢٤): هذا باب اللفظ للمعاني، اعلم أن من كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين هو نحو: جلس وذهب، واختلاف اللفظين والمعنى واحد: ذهب وانطلق اه.\n(^٥) انظر الخصائص (٢/ ١١٣ - ١٣٣)، ابن جني هو: عثمان بن جني أبو الفتح الموصلي النحوي اللغوي، إمام العربية، له تصانيف كثيرة، منها «الخصائص» في فقه اللغة، و«المحتسب» في شواذ القراءات، توفي سنة اثنين وتسعين وثلثمائة، إنباه الرواة (٢/ ٣٣٥)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ١٧).\n(^٦) كالرّماني، فقد ألف كتابه «الألفاظ المترادفة» مختارا فيه هذا القول، وقال بالترادف في ألفاظ كثيرة.","vol":"2","page":128},{"text":"وصححه من الأصوليين الرازي (^١)، والزركشي (^٢) وغيرهما (^٣)، وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية (^٤).\nوذهب آخرون منهم إلى منع الترادف في العربية، ومن هؤلاء ابن الأعرابي (^٥)، وابن فارس (^٦)، وابن الأنباري (^٧)، والراغب (^٨)، وغيرهم (^٩).\nقال ابن الأعرابي: كل حرفين أوقعتهما العرب على معنى واحد، في كل واحد منهما معنى ليس في صاحبه، ربما عرفناه فأخبرنا به، وربما غمض علينا فلم نلزم العرب جهله اهـ (^١٠).\nوالخلاف بين العلماء في هذه المسألة مشهور، وقد نصر كل فريق منهم قوله بأدلة، ليس هذا مجال بسطها (^١١)؛ لأنها ليست مقصودة في هذه القاعدة، وإنما\n_________\n(^١) انظر المحصول (١/ ٣٤٩/١).\n(^٢) انظر البحر المحيط (٢/ ١٠٥).\n(^٣) نسبة الفتوحي في شرح الكوكب (١/ ١٤١) إلى الحنابلة، والحنفية، والشافعية.\n(^٤) انظر الفتاوى (١٣/ ٣٤١).\n(^٥) انظر الأضداد لابن الأنباري ص ٧، وابن الأعرابي هو: محمد بن زياد الأعرابي أبو عبد الله، إمام العربية، ولد بالكوفة سنة خمسين ومائة، كان صالحا زاهدا صدوقا حافظا صاحب سنة واتباع، توفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين، إنباه الرواة (٣/ ١٢٨)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٨٧).\n(^٦) انظر الصاحبي ص ١١٥.\n(^٧) انظر الأضداد ص ٨.\n(^٨) انظر المفردات ص ٥٥.\n(^٩) كأبي هلال العسكري، فقد ألف في منع الترادف كتابه «الفروق اللغوية» انظره ص ١٠ - ١١.\n(^١٠) الأضداد لابن الأنباري ص ٧.\n(^١١) قد بسط الكلام في هذه الظاهرة اللغوية في كثير من كتب اللغة، والأصول، وأفردت بالتصنيف قديما وحديثا، فمن ذلك كتاب الرّماني المتوفي سنة (٣٨٤ هـ) «الألفاظ المترادفة المتقاربة المعنى»، وكتاب أبي هلال العسكري المتوفي بعد سنة (٣٩٥ هـ) وحديثا كتاب حاكم بن مالك الزيادي «الترادف في اللغة»، ورسالة الماجستير للدكتور محمد الشايع «الفروق اللغوية وأثرها في تفسير القرآن» من جامعة الأمام محمد بن سعود الإسلامية (طبع أخيرا).","vol":"2","page":129},{"text":"أردت من ذكرها هنا التذكير بهذا الخلاف لما فيه من تقوية بعض جوانب القاعدة، بغض النظر عن ترجيح أحد الأقوال بإثبات الترادف في اللغة أو نفيه.\nولابن القيم تقسيم - في غاية الحسن - للأسماء الدالة على مسمى واحد، وما بينها من ترادف أو تباين، وموقف العلماء منها، أسوقه لنفاسته، قال - ﵀ -: فالأسماء الدالة على مسمى واحد نوعان:\nأحدهما: أن يدلّ عليه باعتبار الذات فقط، فهذا النوع هو المترادف ترادفا محضا، وهذا كالحنطة والقمح والبرّ والاسم والكنية واللّقب إذا لم يكن فيه مدح ولا ذم وإنما أتي به لمجرد التعريف.\nوالنوع الثاني: أن يدلّ على ذات واحدة باعتبار تباين صفاتها كأسماء الرب تعالى، وأسماء كلامه، وأسماء نبيه، وأسماء اليوم الأخر، فهذا النوع مترادف بالنسبة إلى الذات، ومتباين بالنسبة إلى الصفات، فالربّ والرحمن والعزيز والقدير والملك يدل على ذات واحدة باعتبار صفات متعددة، وكذلك البشير والنذير والحاشر والعاقب والماحي، وكذلك يوم القيامة ويوم البعث ويوم الجمع ويوم التّغابن ويوم الآزفة ونحوها، وكذلك القرآن والفرقان والكتاب والهدى ونحوها، وكذلك أسماء السيف فإنّ تعدّدها بحسب أوصاف وإضافات مختلفة، كالمهنّد والعضب والصّارم ونحوها، … وقد أنكر كثير من الناس الترادف في اللغة، وكأنهم أرادوا هذا المعنى، وأنه ما من اسمين لمسمي واحد إلا وبينهما فرق في صفة أو نسبة أو إضافة، سواء علمت لنا أو لم تعلم، وهذا الذي قالوه صحيح باعتبار الواضع الواحد، ولكن قد يقع الترادف باعتبار واضعين مختلفين يسمي أحدهما المسمى باسم، ويسميه الواضع الآخر باسم غيره، ويشتهر الوضعان عند القبيلة الواحدة، وهذا كثير ومن ههنا يقع الاشتراك أيضا، فالأصل في اللغة هو التباين وهو أكثر اللغة والله أعلم اهـ (^١).\nوأمّا وقوع الترادف في القرآن، فقد منعه بعض العلماء، وعلى رأسهم من منع وجوده\n_________\n(^١) روضة المحبين ونزهة المشتاقين ص ٥٥، ونقله عنه الفتوحي في شرح الكوكب (١/ ١٤١).","vol":"2","page":130},{"text":"في اللغة.\nقال الراغب الأصفهاني في مقدمة مفرداته: وأتبع هذا الكتاب - إن شاء الله تعالى ونسأ في الأجل - بكتاب ينبئ عن تحقيق «الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد، وما بينها من الفروق الغامضة»، فبذلك يعرف اختصاص كل خبر بلفظ من الألفاظ المترادفة دون غيره من أخواته، نحو ذكر القلب مرّة والفؤاد مرة والصدر مرّة، ونحو ذكره تعالى في عقب قصة: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣٧) [الروم: ٣٧]، وفي أخرى: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢٤) [يونس: ٢٤]، وفي أخرى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾\n(٢٣٠) [البقرة: ٢٣٠]، وفي أخرى: ﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ (٩٨) [الأنعام: ٩٨]، وفي أخرى:\n﴿لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ (١٣) [آل عمران: ١٣]، وفي أخرى: ﴿لِذِي حِجْرٍ﴾ (٥) [الفجر: ٥]، وفي أخرى: ﴿لِأُولِي النُّهى﴾ (٥٤) [طه: ٥٤]، ونحو ذلك مما يعدّه من لا يحقّ الحقّ ويبطل الباطل أنّه باب واحد، فيقدّر أنه إذا فسّر: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ بقوله: الشكر لله، و﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] بلا شك فيه، فقد فسّر القرآن ووفاه التبيان اهـ (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الترادف في اللغة قليل، وأما في ألفاظ القرآن فإمّا نادر وإما معدوم، وقلّ أن يعبر عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدي جميع معناه؛ بل يكون فيه تقريب لمعناه، وهذا من أسباب إعجاز القرآن اهـ (^٢).\nوذهب بعض العلماء إلى جواز وقوع الترادف في القرآن؛ لأنه واقع في اللغة، والقرآن نزل بلغة العرب وعلى أساليبها، وفنون كلامها، والترادف من ذلك، وصحح الزركشي هذا القول (^٣).\nوسواء قيل بالترادف في القرآن أو قيل بعدمه، متى أمكن حمل ألفاظ القرآن على التباين كان ذلك هو المعتمد؛ لموافقته الأصل، ولإفادته فائدة جديدة وهي أولى من التأكيد.\n_________\n(^١) المفردات ص ٥٥.\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٤١).\n(^٣) انظر البحر المحيط (٢/ ١٠٨)، وانظر الفروق اللغوية وأثرها في التفسير ص ١٣٨ - ١٤٦.","vol":"2","page":131},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-232> أدلة القاعدة:</span>\nأولا: لا ريب أن القرآن الكريم أفصح الكلام، وجميع ألفاظه وتراكيبه في قمة الفصاحة والبيان، وكل كلمة قد جعلت في موضعها اللائق بها، وكل لفظ في موضعه يؤدي معنى لا يؤديه غيره من الألفاظ، وظاهر القرآن التفريق بين معاني الألفاظ، حيث فرّق بين قول لفظ وآخر مما يدل على وجوب اهتمام المفسر بالفروق بين الألفاظ وأن لا يجزم بترادف الألفاظ ولها بدونه وجه ثابت صحيح.\nوقد قرر الله - تعالى - هذا المسلك في تفريقه بين لفظي «الإيمان والإسلام»، وبين لفظي «راعنا وانظرنا» في قول الله تعالى: ﴿* قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا﴾ [الحجرات: ١٤]، وقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا﴾ [البقرة: ١٠٤]، وفي هذا الاستعمال القرآني التنبيه إلى منهج متميز في إثبات معنى لكل لفظ يخصه، ويفرقه عن غيره من الألفاظ المناظرة له، وإن اتفقت في كثير من معانيها.\nثانيا: أن النبي ﷺ سلك هذا المسلك القرآني في التفريق بين الألفاظ في الاستعمال والمعنى بدقة بالغة، بما يكون فيه تنبيه على حمل كل لفظ على دقائق معانية دون ادعاء الترادف عليها، وذلك في عدّة أحاديث، منها:\n١ - حديث البراء بن عازب قال: قال النبي ﷺ: «إذا أتيت مضجعك فتؤضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن متّ من ليلتك فأنت على الفطرة واجعلهن آخر ما تتكلم به»، قال: فردّدتها على النبي ﷺ، فلما بلغت «اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت» قلت: ورسولك، قال: «لا، ونبيك الذي أرسلت» (^١).\n_________\n(^١) متفق عليه، البخاري، كتاب الوضوء، باب فضل من بات على الوضوء، انظر الصحيح مع الفتح (١/ ٤٢٦)، ومسلم، كتاب الذكر، حديث رقم (٥٦).","vol":"2","page":132},{"text":"٢ - ومنها حديث سعد بن أبي وقاص (^١) - ﵁ - قال: قسم رسول الله ﷺ قسما فقلت: يا رسول الله أعط فلانا فإنه مؤمن فقال النبي ﷺ: «أو مسلم أقولها ثلاثا ويرددها عليّ ثلاثا» (^٢).\n٣ - ومنها حديث البراء بن عازب - ﵁ - قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله علمني عملا يدخلني الجنة، فقال: «لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة، أعتق النسمة وفك الرقبة»، فقال: يا رسول الله أو ليستا بواحدة؟ فقال: «لا، إن عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في عتقها» (^٣).\nففرق النبي ﷺ في هذه الأحاديث بين ألفاظ قد ظنّ أنها مترادفة ففي الحديث الأول فرّق بين الرسول والنبي، ولم يجعل أحدهما يكفي، عن الآخر.\nوفي الحديث الثاني فرّق بين المؤمن والمسلم، وفي الحديث الثالث فرّق بين عتق النسمة وفك الرقبة، «فتأمل كيف رتب الكلامين واقتضى من كل واحد أخص البيانين فيما وضع له من المعنى، وضمنه من المراد» (^٤) مما يدل على اهتمامه ﷺ بإثبات الفروق بين الألفاظ، وإن دل أحدهما على معظم معاني الآخر (^٥).\nثالثا: التباين هو الأصل في الكلام، والترادف خلاف الأصل؛ لأنه يخل بالفهم\n_________\n(^١) هو: سعد بن مالك بن أهيب القرشي، أبو إسحاق من السابقين إلى الإسلام وأحد العشرة المبشرين بالجنة، كان مجاب الدعوة، ومناقبه كثيرة، توفي سنة إحدي وخمسين، الإصابة (٣/ ٨٣).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل، انظر الصحيح مع الفتح (١/ ٩٩)، ومسلم، كتاب الإيمان، حديث رقم (٢٣٦ - ٢٣٧).\n(^٣) أخرجه الدارقطني في سننه، كتاب الزكاة، باب الحث على إخراج الصدقة وبيان قسمتها (٢/ ١٣٥)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢١٧) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والخطابي في إعجاز القرآن ص ٣٣.\n(^٤) إعجاز القرآن للخطابي ص ٣٣ - ٣٤، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن.\n(^٥) أفدت في هذا من رسالة د. محمد الشايع «الفروق اللغوية، وأثرها في تفسير القرآن ص ١٤٨ - ١٥٠.","vol":"2","page":133},{"text":"التامّ، لاحتمال أن يكون المعلوم لكل واحد من المتخاطبين غير الاسم الذي يعلمه الآخر، فعند التخاطب لا يعلم كل واحد منهما مراد الآخر؛ ولأنه يتضمن تعريف المعرّف وهو خلاف الأصل (^١).\nومن ادعى خلاف الأصل بقي مرتهنا بإقامة الحجة على دعواه\nرابعا: والتباين هو أكثر اللغة (^٢)، وحمل الكلام على الأكثر أولى من حمله على الأقل، على قول من أثبت الترادف في اللغة والقرآن، وإلا فقد أنكره جماعة من الأئمة.\nخامسا: والتباين فيه إفادة جديدة، وأما الترادف فهو تأكيد لما سبق، والتأسيس أولى من التأكيد.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-233> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nاعتمد هذه القاعدة كثير من العلماء، ونص عليها وصرح بها جماعة منهم، وهي قاعدة أصولية مشهورة، فمن هؤلاء:\n١ - شيخ الإسلام ابن تيمية: فمقتضى كلامه من أن الترادف في القرآن إما نادر أو معدوم (^٣)، يوحي باعتماده لهذه القاعدة، وإن لم ينص عليها هنا.\nوقد ردّ القول بالترادف في آيات سيأتي بسط الكلام على بعضها في الأمثلة التطبيقية - إن شاء الله -.\n٢ - ومنهم العلامة ابن القيم: فقد اعتمدها في ترجيحاته، حيث يختار ويرجح التباين ويرد القول بالترادف، وقرر أن الأصل في اللغة هو التباين،\n_________\n(^١) المحصول (١/ ٣٥١/١ - ٣٥٢ - ٤٣٩)، وانظر نهاية السول (٢/ ١١١)، والبحر المحيط للزركشي (٢/ ١٠٨)، والمزهر (١/ ٤٠٦).\n(^٢) روضة المحبين ونزهة المشتاقين ص ٥٥، والبحر المحيط اللزركشي (٢/ ١٠٩).\n(^٣) انظر مجموع الفتاوى (١٣/ ٣١).","vol":"2","page":134},{"text":"وأنه أكثر اللغة (^١).\n٣ - ومنهم الزركشي قال مقررا هذه القاعدة: الترادف خلاف الأصل، فإذا دار اللفظ بين كونه مترادفا أو متباينا فحمله على التباين أولى اهـ (^٢).\nوقال في موضع آخر: قاعدة في ألفاظ يظن بها الترادف وليست منه، ولهذا وزّعت بحسب المقامات، فلا يقوم مرادفها فيما استعمل فيه مقام الآخر، فعلى المفسر مراعاة الاستعمالات والقطع بعدم الترادف ما أمكن اهـ (^٣).\nأمّا المفسرون فلم أقف على كلام لأحدهم ينص على هذه القاعدة بلفظها، اللهم إلا ما يفهم من كلام الإمام الطبري بعد أن ذكر أسماء القرآن الواردة فيه، وذكر الآيات في ذلك قال: ولكل اسم من أسمائه الأربعة -[يعني القرآن، والذكر، والفرقان، والكتاب]- في كلام العرب معنى ووجه غير معنى الآخر ووجه اهـ (^٤).\nبيد أن اعتمادهم لمضمون هذه القاعدة ظاهر بيّن، وعملهم بمقتضاها واضح كوضوح الشمس في رابعة النهار، وذلك أن كثيرا منهم يفسر الآيات التي قيل بترادف بعض ألفاظها تفسيرا يدل على أنه يرى عدم ترادفها، وذلك بذكر فروق بين تلك الألفاظ، مع الإغفال التام للقول بالترادف (^٥).\n_________\n(^١) انظر روضة المحبين ص ٥٥.\n(^٢) البحر المحيط (٢/ ١٠٨)، وانظر نهاية السول (٢/ ١١١)، والمزهر (١/ ٤٠٦)، وشرح الكوكب (١/ ٢٩٧).\n(^٣) البرهان (٤/ ٧٨).\n(^٤) جامع البيان (١/ ٤٢).\n(^٥) انظر مثال ذلك في تفسير قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا [المائدة: ٤٨] في المجاز (١/ ١٦٨)، والمعاني للأخفش (١/ ٢٨٣)، وجامع البيان (٦/ ٢٧٠)، والمعاني للنحاس (٢/ ٣١٩)، والنكت والعيون (٢/ ٤٥)، والكشاف (١/ ٦١٨)، والجامع لأحكام القرآن (٦/ ٢١١)، ومدارك التنزيل (١/ ٤٠٢)، والتسهيل (١/ ١٧٩)، وتفسير ابن كثير (٣/ ١٢٠)، ونظم الدرر (٦/ ١٨١)، وفتح القدير (٢/ ٤٨)، والتحرير والتنوير (٦/ ٢٢٣).","vol":"2","page":135},{"text":"وربما حكى بعضهم القول بالترادف؛ لكنه يختار ويرجح القول بالتباين (^١).\nوأحيانا يحكي بعضهم القول بالترادف بصيغة التمريض منبها بذلك على ضعفه (^٢).\nوكل هذا يدل على اعتمادهم لمضمون هذه القاعدة.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-234> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nمن أمثلة هذه القاعدة قول المرجئة: إن الإيمان مرادف للتصديق، وقالوا: إن الله تعالى قال: ﴿وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ [يوسف: ١٧] أي بمصدق لنا، والإيمان في اللغة التصديق، والرسول ﷺ إنما خاطب الناس بلغة العرب، فيكون مراده بالإيمان التصديق، والتصديق يكون بالقلب واللسان، فالأعمال ليست من الإيمان (^٣).\nومذهبهم هذا باطل، قد تولى أئمة الإسلام إبطاله، والرد عليه من وجوه كثيرة (^٤)، أسوق منها محل الغرض، وهو إبطال دعوى الترادف بين لفظ الإيمان، ولفظ التصديق، تمثيلا لهذه القاعدة.\nفمنها: أن هذه القاعدة تصحح القول بالتباين بين اللفظين.\nفحمل ألفاظ نصوص الوحي على التباين أرجح من حملها على الترادف في حالة ورود الاحتمالين، كما تقرر هذه القاعدة فكيف الحال إذا لم يرد الاحتمال، ولم تصح دعوى الترادف بين اللفظين لغة؟، وذلك أن لفظ الإيمان يتعدى إلى الضمير\n_________\n(^١) انظر مثال ذلك في الإيمان لابن تيمية ص ١٦٩، والبحر المحيط للزركشي (٢/ ١٠٦).\n(^٢) انظر على سبيل المثال مفاتيح الغيب (١٢/ ١٤)، والفتوحات الإلهية (١/ ٤٩٧)، وروح المعاني (٦/ ١٥٣).\n(^٣) انظر مجموع فتاوى ابن تيمية (٧/ ٢٨٩)، وانظر تفصيل أقوالهم وفرقهم في الفرق بين الفرق ص ١٩٠، والفصل (٣/ ٢٢٧)، والملل والنحل (١/ ١٦٢).\n(^٤) انظر هذه الوجوه في فتاوى ابن تيمية (٧/ ٢٩٠ - ٢٩٧)، وانظر الرد عليهم في الإبانة الكبرى لابن بطة (٢/ ٦٣٠)، وما بعدها، ولوامع الأنوار البهية (١/ ٤٢٢) وما بعدها.","vol":"2","page":136},{"text":"باللام دائما، وليس كذلك لفظ التصديق فإنه يتعدى بنفسه، فإنه يقال للمخبر إذا صدقته: صدقه، ولا يقال: آمنه، وآمن به، بل يقال آمن له.\nوجاء تعدي لفظ الإيمان إلى مفعوله باللام في آيات كثيرة منها قوله تعالى:\n﴿* فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ [يونس: ٨٣]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ (٢١) [الدخان: ٢١]، ونحوها من الآيات.\nوهذا من الفروق بين اللفظين في اللغة مما يدل على بطلان دعوى الترادف بينهما.\nومنها: أن لفظ الإيمان ليس مرادفا للفظ التصديق في المعنى، فإن لفظ التصديق يستعمل في كل خبر عن أمر مشاهد أو غائب، أما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا في الخبر عن غائب، ولم يوجد في القرآن والسنة ولغة العرب أنه استعمل في الخبر عن مشاهد، بل كل ما ورد من استعماله فهو في الخبر عن غائب.\nوهذا يدل على بطلان دعوى الترادف بينهما.\nومنها: أن لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب كلفظ التصديق، بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر، فيقال: لكل مخبر صدقت، أو كذبت، أو صدقناه، أو كذبناه، ولا يقال لكل مخبر آمنا له، أو كذبناه.\nوالكفر ليس تكذيبا فقط بل هو تكذيب وزيادة، فقد يكون عنادا ومخالفة ومعاداة بلا تكذيب.\nفإذا كان كذلك كان لفظ الإيمان ليس هو لفظ التصديق فقط، بل فيه موالاة وموافقة وانقياد، فدل هذا على عدم ترادف اللفظين.\nفإذا تقرر هذا، وانتفى الترادف بين لفظ الإيمان ولفظ التصديق، بطلت دعوى أن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان. والأدلة على دخول الأفعال في مسمى الإيمان كثيرة أذكر منها حديث وفد عبد القيس أن النبي ﷺ قال لهم: «آمركم بأربع:\nالإيمان بالله، وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة،","vol":"2","page":137},{"text":"وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغانم الخمس» (^١) فدل هذا الحديث بوضوح على دخول الأعمال في مسمى الإيمان، ومثله قول النبي ﷺ: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [الروم: ٣١]، انظر الصحيح مع الفتح (٢/ ١٠)، ومسلم، كتاب الإيمان، حديث رقم (٢٣).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب أمور الإيمان، انظر الصحيح مع الفتح (١/ ٦٦)، ومسلم، كتاب الإيمان، حديث رقم (٥٨) والفظ له.\n* ومن أمثلة هذه القاعدة:\n١ - ما جاء في تفسير قوله تعالى: عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [البقرة: ١٥٧]، انظر جامع البيان (٢/ ٤٢)، والمحرر الوجيز (٢/ ٢٣ - ٢٤)، والجامع لأحكام القرآن (٢/ ١٧٧)، والتفسير القيم ص ٢٩٩ - ٣٠٠، وتفسير ابن كثير (١/ ٢٨٥)، والكليات ص ٣١٥.\n٢ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِلاّ دُعاءً وَنِداءً [البقرة: ١٧١]، انظر الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٢١٥)، والكليات ص ٣١٥، وروح المعاني (٢/ ٤١).\n٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى [المائدة: ٢]، انظر جامع البيان (٦/ ٦٧)، والمحرر الوجيز (٥/ ٢٠)، والبحر المحيط (٤/ ١٧٠).\n٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا [المائدة: ٤٨]، انظر زاد المسير (٢/ ٣٧٢)، والإيمان لابن تيمية ص ١٦٩، والبحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٢٨٤)، وتفسير ابن كثير (٣/ ١٢٠)، والبحر المحيط الزركشي (٢/ ١٠٦)، وروح المعاني (٦/ ١٥٣).\n٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ [التوبة: ٧٨]، جامع البيان (١٠/ ١٩٣)، والكشاف (٢/ ٢٠٤)، والكليات ص ٣١٥، والتحرير والتنوير (١٠/ ٢٧٤).\n٦ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي [يوسف: ٨٦]، جامع البيان (١٣/ ٤٥)، والمحرر الوجيز (٩/ ٣٦١)، والكليات ص ٣١٥.\n٧ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) [الحشر: ٩]، جامع البيان (٢٨/ ٤٣)، وأحكام القرآن لابن العربي (٤/ ٢٢٠)، والجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٢٩)، والكليات ص ٣١٥.\n٨ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) [المدثر: ٢٨]، جامع البيان (٢٩/ ١٥٨)، -","vol":"2","page":138},{"text":"والأدلة على ذلك كثيرة، والكلام في إبطال مذهب القوم يطول، وإنما اقتصرت على ما يحصل به المقصود، والله أعلم.\n***\n_________\n= ومفاتيح الغيب (٣٠/ ٢٠٢)، والجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٧٧)، والكليات ص ٣١٥.\n٩ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) [المرسلات: ٦]. جامع البيان (٢٩/ ٢٣٢)، والجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٥٦)، وتفسير ابن كثير (٨/ ٣٢١)، والكليات ص ٣١٥.","vol":"2","page":139},{"text":"<span data-type='title' id=toc-235>المطلب الثاني عشر:\nقاعدة: إذا دار الكلام بين الزيادة والتأصيل فحمله على التأصيل أولى</span>\n*<span data-type='title' id=toc-236> صورة القاعدة:</span>\nإذا اختلف المفسرون في تفسير لفظة من كتاب الله، فمنهم من يجعلها زائدة، وأصل المعنى تام بدونها، وما جاءت إلا للتقوية والتأكيد، ومنهم من يجعلها أصلية في الكلام، وأصل المعنى لا يتم إلا بها.\nفالأولي حملها على التأصيل - وهو عدم الزيادة -؛ لأنه الأصل في الكلام، ولا يعدل عن الأصل إلا بدليل يجب الرجوع إليه؛ ولأن التأسيس أولى من التأكيد كما مرّ في قاعدة سابقة، فيرجح بهذه القاعدة في خلاف المفسرين فيما احتمل فيه اللفظ الزيادة والتأصيل، فخرج بهذا ما إذا كان زائدا للتقوية والتأكيد قولا واحدا؛ لأن زيادة بعض الحروف والكلمات للتأكيد وارد في لسان العرب (^١) ومن سننها في الكلام، وبه جاء القرآن (^٢)، فإذا لم يحتمل اللفظ التأصيل والزيادة فإنه لا يقع فيه خلاف أصلا، ومن ثمّ لا ترجيح بهذه القاعدة فيه.\n\n*<span data-type='title' id=toc-237> الزيادة بين مثبتيها ومنكريها، وتحديد مفهومها في هذه القاعدة:</span>\nاختلف العلماء في وقوع الزائد - أي الصلة - في القرآن الكريم.\n_________\n(^١) ذكر العلماء حروف الزيادة التي تكثر زيادتها في كلام العرب في بعض مواردها لا أنها ملازمة للزيادة في كل وقت، انظر تأويل مشكل القرآن ص ٢٤٤ - ٢٢٥، والبرهان في علوم القرآن (٣/ ٧٥)، وانظر الصاحبي ص ٣٣٩، وذكر هؤلاء أمثلة لحروف الزيادة من آيات القرآن، وأكثرها من أمثلة هذه القاعدة الراجح فيها عدم الزيادة، لاحتمال اللفظ لهما، وإذا احتمل اللفظ الزيادة وعدمها كان حمله على عدمها أولى.\n(^٢) انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج (١/ ٤٨٢)، وجامع البيان (٤/ ١٥٠)، والمحرر الوجيز (٣/ ٢٧٩)، والأشباه والنظائر في النحو (٢/ ٧٤)، وأضواء البيان (٤/ ٢٥٢ - ٥٠٤).","vol":"2","page":140},{"text":"- فمنهم من أنكره.\n- ومنهم من أثبته، وينسب هذا إلى عامّة العلماء من الفقهاء والمفسرين وغيرهم (^١)؛ لأنه نزل بلسان القوم ومتعارفهم وهو كثير؛ لأن الزيادة بإزاء الحذف هذا للاختصار والتخفيف وهذا للتوكيد والتوطئة (^٢).\nفمن أنكر وقوع الزائد في العربية وفي القرآن إنما أراد إنكار زيادة لفظ لا فائدة فيه ولا معنى له؛ لأن الكلام العاري عن الفائدة والمعنى هذيان ونقص لا يقصده العقلاء في كلامهم، فكيف برب العالمين؟! (^٣).\nقال الرازي: لا يجوز أن يتكلم الله تعالى بشيء ولا يعني به شيئا؛ لأن التلكّم بما لا يفيد شيئا هذيان، وهو نقص، والنقص على الله تعالى محال؛ ولأن الله وصف القرآن بكونه هدى وشفاء وبيانا وذلك لا يحصل بما لا يفهم معناه اهـ (^٤).\nأما من أثبته فهو يقول زائد عن أصل المعنى؛ جاء لغرض التقوية والتأكيد، وهذا هو ما نص عليه العلماء في بيانهم لحقيقة مذهب من أنكر الزيادة في القرآن، ومذهب من أثبتها.\nقال ابن عطية - في تفسير قوله تعالى: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]-: و«ما» جرّد عنها معنى النفي، ودخلت للتأكيد، وليست زائدة على الإطلاق لا معنى لها، وأطلق عليها سيبويه (^٥) اسم الزيادة من حيث زال عملها اهـ (^٦).\n_________\n(^١) البرهان في علوم القرآن (٣/ ٧٢)، وينسب القول بإنكاره إلى المبرد وثعلب.\n(^٢) البرهان (١/ ٣٠٥)، والبحر المحيط في أصول الفقه (١/ ٤٥٩ - ٤٦٠).\n(^٣) انظر البرهان (٣/ ٧٢).\n(^٤) المحصول (١/ ٥٣٩/١ - ٥٤١)، وانظر نهاية السول شرح منهاج الأصول (١/ ٢٧٦).\n(^٥) هو: إمام النحو، أبو بشر، عمرو بن عثمان بن قنبر الفارسي ثم البصري، أخذ النحو عن الخليل ابن أحمد ولازمه، وألف «الكتاب» في النحو، توفي سنة ثمانين ومائة، وقيل غير ذلك، انظر إنباه الرواة (٢/ ٣٤٦)، وسير أعلام النبلاء (٨/ ٣٥١).\n(^٦) المحرر الوجيز (٣/ ٢٧٩).","vol":"2","page":141},{"text":"وقال البيضاوي: ولا نعني بالمزيد اللغو الضائع، فإن القرآن كله هدى وبيان، بل ما لم يوضع لمعنى يراد منه، وإنما وضعت لأن تذكر مع غيرها فتفيد له وثاقة وقوة وهو زيادة في الهدى غير قادح فيه اهـ (^١).\nوقال السمين الحلبي - في تقريره لمعنى الزيادة عند القائلين بها -: إن القائلين يكون هذا زائدا لا يعنون أنه يجوز سقوطه ولا أنه مهمل لا معنى له، بل يقولون زائد للتوكيد، فله أسوة بسائر ألفاظ التوكيد الواقعة في القرآن اهـ (^٢).\nوتجنبا لما يوهمه لفظ «الزيادة» كانوا يرون استبداله بألفاظ «الصلة، والمقحم، والتأكيد» تأدبا مع القرآن لئلا يتوهم فيه ما لا يليق به من وجود ألفاظ لا فائدة فيها ولا معنى لها.\nويقرر الزركشي هذا بقوله: والأكثرون ينكرون إطلاق هذه العبارة -[يعني الزيادة]- في كتاب الله، ويسمونه التأكيد ومنهم من يسميه بالصلة، ومنهم من يسميه المقحم … والأولى اجتناب مثل هذه العبارة في كتاب الله، فإن مراد النحويين بالزائد من جهة الإعراب، لا من جهة المعنى اهـ (^٣).\nومثل هذا الخلاف في تسميتها - زيادة أو صلة أو مقحم - ليس مهما في هذه القاعدة، فالأمر يستوي فيها جميعا، وذلك؛ لأنها أتت لتقوية وتأكيد المعنى على كل تسمية، وإنما وقع الكلام فيها طلبا للتأدب مع القرآن.\nوأمّا الخلاف المعتبر في أمثله هذه القاعدة هو الخلاف الذي يجعل اللفظة زائدة، بحيث يكون المعنى تاما بدونها عدا التوكيد، «فالزائد هو ما أتي به لغرض التقوية والتأكيد» (^٤).\n_________\n(^١) أنوار التنزيل (١/ ٤٤).\n(^٢) الدر المصون (٣/ ٤٦٢).\n(^٣) البرهان في علوم القرآن (٣/ ٧٠ - ٧٢)، وانظر البحر المحيط في الأصول (١/ ٤٥٩).\n(^٤) البرهان (٣/ ٧٣).","vol":"2","page":142},{"text":"أو يجعلها متأصلة بحيث لا يتم المعنى بدونها، وهي أصلية في الكلام، فمثل هذا الخلاف هو الذي يظهر فيه اختلاف المعنى على القولين، وهو الذي يدخل تحت هذه القاعدة، ويرجّح بها فيه، فبهذا التحرير يظهر المقصود بالزيادة والتأصيل في القاعدة.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-238> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nاعتمد هذه القاعدة وقررها جماعة من المفسرين والأصوليين، ورجحوا بها في أمثلتها، وعلى رأس هؤلاء إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري فقد قرر أنه غير جائز إبطال حرف كان دليلا على معنى في الكلام (^١)، وذلك بادعاء زيادته، ورجح بها في مواضع من كتابه (^٢)، استعملها في الترجيح تقديما لمحتمل اللفظ الراجح على المحتمل المرجوح جماعة من المفسرين كابن العربي (^٣)، وابن عطية (^٤)، والرازي (^٥)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (^٦)، وأبي حيان (^٧)، وابن القيم (^٨)، والقاسمي (^٩)، والشنقيطي (^١٠)، وغيرهم (^١١).\n_________\n(^١) انظر جامع البيان (١/ ١٩٦)، وجامع البيان تحقيق شاكر (١/ ٤٤٠).\n(^٢) انظر على سبيل المثال جامع البيان (١/ ٩٥، ٩٦، ٤٤١، ٤٤٢)، (٨/ ١٣٠)، وجامع البيان تحقيق شاكر (١/ ٤٠٥، ٢٢٤، ١١٨)، (٢/ ٤٠٠)، (١٢/ ٣٢٦)، (١٤/ ٣٠).\n(^٣) انظر أحكام القرآن (١/ ٧١).\n(^٤) انظر المحرر الوجيز (٤/ ٣٤).\n(^٥) انظر مفاتيح الغيب (٢٨/ ٢٩).\n(^٦) انظر مجموع الفتاوى (١٦/ ٧٣).\n(^٧) انظر البحر المحيط (١٠/ ٤٥٧).\n(^٨) انظر التفسير القيم ص ٤٢٥.\n(^٩) انظر محاسن التأويل (١٥/ ٥٣٥٥).\n(^١٠) انظر أضواء البيان (٣/ ٣٥٥)، (٧/ ٣٩٩).\n(^١١) انظر النبأ العظيم ص ١٣٠.","vol":"2","page":143},{"text":"وسيأتي ذكر بعض أقوالهم في الأمثلة التطبيقية - إن شاء الله - تعالى -.\nوهي قاعدة مشهورة عند علماء الأصول، فهم يقررون أنه إذا دار اللفظ بين أن يكون زائدا أو متأصلا فإنه يحمل على تأصيله (^١)، وهذه القاعدة من القواعد المتفرعة عن القاعدة الكلية «إعمال الكلام أولى من إهماله» كما هو مقرر في الأصول.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-239> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nمن أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصارًا وَأَفْئِدَةً﴾ [الأحقاف: ٢٦].\nاختلف العلماء في «إن» في هذه الآية:\nفقال بعضهم: هي شرطية، وجزاء الشرط محذوف، والتقدير: إن مكناكم فيه طغيتم وبغيتم.\nوهذا القول ضعيف؛ لأن فيه حذفا وتقديرا، وهو خلاف الأصل، ولا يصار إليه إلا بحجة واضحة، كما تقرر في قاعدة: «القول بالاستقلال مقدم على القول بالإضمار»، قال ابن عطية بعد حكاية هذا القول: وهذا تنطع في التأويل اهـ (^٢).\nوقال آخرون: هي زائدة بعد «ما» الموصولة حملا ل «ما» الموصولة على «ما» النافية؛ لأن «ما» تزاد بعدها لفظة «إن»، ويكون المعنى: مكناهم في مثل ما مكناكم فيه.\nواستشهدوا على زيادة «إن» بعد «ما» النافية بوروده في شعر العرب، وبهذا قال ابن قتيبة (^٣).\nوقال آخرون: هي أصلية في الكلام، بمعنى النفي، أي: ولقد مكناهم في الذي\n_________\n(^١) شرح الكوكب المنير (١/ ٢٩٦)، وانظر شرح تنقيح الفصول ص ١١٢ - ١١٣.\n(^٢) المحرر الوجيز (١٥/ ٣٥).\n(^٣) انظر تأويل مشكل القرآن ص ٢٥١.","vol":"2","page":144},{"text":"لم نمكنكم فيه من القوة في الأجساد وكثرة في الأموال والأولاد\nوهذا القول أولى الأقوال بالصواب، وهو الذي تقرره هذه القاعدة التي نحن بصدد التمثيل لها، لأن التأصيل هو الأصل ولا ينتقل عنه إلا بدليل يجب الرجوع إليه.\nويؤيد هذه القاعدة: فيما رجحته في هذا المثال قاعدة: «القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على ما عدم ذلك» فقد جاء معنى هذا القول في آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثًا وَرِءْيًا﴾ (٧٤) [مريم: ٧٤]، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾\n[الروم: ٩]، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثارًا فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر: ٨٢]، وقوله تعالى:\n﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾\n[الأنعام: ٦] الآية، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ [الزخرف: ٨]، وغيرها من الآيات.\nوعلى هذا القول اقتصر الفراء (^١)، والطبري (^٢) - وأسنده إلى ابن عباس، وقتادة -، والبغوي (^٣)، وابن كثير (^٤)، وغيرهم (^٥).\nواختاره ورجحه جماعة من أئمة التفسير الأعلام كأبي جعفر النحاس (^٦)،\n_________\n(^١) انظر معاني القرآن (٣/ ٥٦).\n(^٢) انظر جامع البيان (٢٦/ ٢٨).\n(^٣) انظر معالم التنزيل (٧/ ٢٦٤).\n(^٤) انظر تفسير القرآن العظيم (٧/ ٢٧١).\n(^٥) كالبقاعي في نظم الدرر (١٨/ ١٧٢).\n(^٦) انظر معاني القرآن (٦/ ٤٥٤).","vol":"2","page":145},{"text":"والزمخشري (^١)، وابن عطية (^٢)، والرازي (^٣)، وأبي حيان (^٤)، وأبي السعود (^٥)، والشوكاني (^٦)، والألوسي (^٧)، والقاسمي (^٨)، والشنقيطي (^٩)، وغيرهم.\nقال القاسمي - بعد أن اختار القول الراجح وذكر الآيات التي تدل على معناه:\nوالأصل توافق المعاني في الآي الواردة في نبأ واحد، على ما فيه أيضا من سلامة الحذف والزيادة اهـ (^١٠).\nوقال الشنقيطي - بعد أن ذكر القول بالشرطية والقول بالزيادة -: وهذان هما الوجهان اللذان لا تظهر صحة واحد منهما؛ لأن الأول منهما فيه حذف وتقدير، والثاني منهما فيه زيادة كلمة، وكل ذلك لا يصار إليه إلا بدليل يجب الرجوع إليه اه (^١١).\n_________\n(^١) انظر الكشاف (٣/ ٥٢٦).\n(^٢) انظر المحرر الوجيز (١٥/ ٣٥).\n(^٣) انظر مفاتيح الغيب (٢٨/ ٢٩).\n(^٤) انظر البحر المحيط (٩/ ٤٤٧).\n(^٥) انظر إرشاد العقل السليم (٨/ ٨٧).\n(^٦) انظر فتح القدير (٥/ ٢٣).\n(^٧) انظر روح المعاني (٢٦/ ٢٨).\n(^٨) انظر محاسن التأويل (١٥/ ٥٣٥٥).\n(^٩) انظر أضواء البيان (٧/ ٣٩٩).\n(^١٠) محاسن التأويل (١٥/ ٥٣٥٥).\n(^١١) أضواء البيان (٧/ ٣٩٩).\n* ونظائر هذا المثال كثيرة جدا منها:\n١ - وما جاء في تفسير قوله تعالى: بِسْمِ اللهِ [الفاتحة: ١]، انظر المجاز (١/ ١٦)، وتأويل مشكل القرآن ص ٢٥٥، وجامع البيان (١/ ٥٠ - ٥١)، والصاحبي ص ٣٣٩، والجامع لأحكام القرآن (١/ ٩٨).\n٢ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ [البقرة: ٣٤]، انظر المجاز (١/ ٣٦)، وجامع البيان (١/ ١٩٦)، والمحرر الوجيز (١/ ١٦٢)، والجامع لأحكام القرآن (١/ ٢٦٢).\n٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ [البقرة: ١٧١]، انظر التفسير -","vol":"2","page":146},{"text":"***\n_________\n(^١١) - القيم ص ١٤٢.\n٤ - ما جاء في تفسير قوله تعالى: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ [البقرة: ١٠٠]، انظر جامع البيان (١/ ٤٤١).\n٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ [النساء: ١١]، انظر المحرر الوجيز (٤/ ٣٤)، وأضواء البيان (١/ ٣٧٤).\n٦ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) [الأنعام: ٣٤]، انظر مفاتيح الغيب (١٢/ ٢١٦)، والبحر المحيط (٤/ ٤٩١)، وإملاء ما من به الرحمن (١/ ٢٤٠).\n٧ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا [الإسراء: ٤١]، انظر المحرر الوجيز (١٠/ ٢٩٨)، والبحر المحيط لأبي حيان (٣/ ٥٣)، وأضواء البيان (٤/ ١٣٢).\n٨ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥]، انظر الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٢٢٨)، والإتقان (١٨//٣)، وفتح القدير (٤/ ٤٤٥).\n٩ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها [الزمر: ٧٣]، انظر معاني القرآن للأخفش (٢/ ٤٩٧)، وتأويل مشكل القرآن ص ٢٥٢ - ٢٥٣، وجامع البيان (٢٤/ ٣٦)، والتفسير القيم ص ٤٢٤.\n١٠ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) [القلم: ٦]، انظر جامع البيان (٢٩/ ٢٠)، ومجموع فتاوى ابن تيمية (١٦/ ٧٣)، وتفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير فيها قول صواب لابن تيمية مخطوط لوحه ٢ /ب.\n١١ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلاّ ما شاءَ اللهُ [الأعلى: ٦ - ٧]، انظر معاني القرآن للفراء (٣/ ٢٥٦)، البحر المحيط لأبي حيان (١٠/ ٤٥٧).","vol":"2","page":147},{"text":"<span data-type='title' id=toc-240>المطلب الثالث عشر:\nقاعدة: إذا دار اللفظ بين أن يكون مشتركا أو مفردا فإنه يحمل على إفراده</span>\n*<span data-type='title' id=toc-241> صورة القاعدة:</span>\nإذ ورد لفظ في كتاب الله - تعالى - واحتمل الاشتراك، والإفراد، فيحمل على إفراده؛ لأنه هو الأصل في اللغات، والأكثر في الاستعمال والتخاطب.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-242> بيان ألفاظ القاعدة:</span>\nالمشترك هو: اللفظ الواحد الدال على معنيين مختلفين أو أكثر دلالة على السواء عند أهل تلك اللغة، سواء أكانت الدلالتان مستفادتين من الوضع الأول أم من كثرة الاستعمال، أم استفيدت إحداهما من الوضع والأخرى من كثرة الاستعمال (^١).\nومثاله: لفظ العين: فإنه يطلق على الباصرة، وعين الشمس وما ينبع من الماء والجاسوس، وغير ذلك.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-243> وقوع المشترك في اللغة وفي القرآن:</span>\nذهب بعض العلماء إلى: إحالة وقوع المشترك في اللغة.\nوذهب بعضهم: إلى أنه يجب بحكم المصلحة العامة أن يكون في اللغات ألفاظ مشتركة.\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (٢/ ١٢٢)، انظر تعريف المشترك في المحصول (١/ ٢٥٩/١)، وكشف الأسرار (١/ ١٠٣)، ونهاية السول (٢/ ١١٤)، ونشر البنود (١/ ١١٨)، والصاحبي ص ٤٥٦، والتعريفات ص ٢٦٩، والتوقيف ص ٦٥٧.","vol":"2","page":148},{"text":"وذهب آخرون: إلى منعه في اللغة الواحدة من واضع واحد.\nوذهب قوم: إلى جواز وقوعه في اللغة، ومنعه في القرآن خاصة، وقيل غير ذلك.\nوالمختار جواز وقوعه عقلا، ووقوعه سمعا في اللغة، والصحيح وقوعه في القرآن كما في القرء يطلق على الطهر وعلى الحيض - وكما في «عسعس» في قوله تعالى:\n﴿وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ﴾ (١٧) [التكوير: ١٧]، يراد به إقبال الليل وإدباره، وغيرهما، فلا وجه لمن أنكر ذلك (^١).\nوقد سبق في «مبحث: بيان متى يكون الترجيح» شرح بعض مسائل المشترك وذكر بعض أمثلته، وحكم الجمع بين مدلوليه أو مدلولاته، وذكر أقوال ومذاهب العلماء في ذلك بما أغنى عن إعادتها في هذا الموضع.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-244> أدلة القاعدة:</span>\nيدل على صحة هذه القاعدة أدلة:\nمنها: أنه لا خلاف في أن الاشتراك على خلاف الأصل، فالأصل عدمه، والمراد بهذا أنه إذا دار اللفظ بين الاشتراك وعدمه كان الأغلب على الظن عدم الاشتراك (^٢).\nومنها: أنه ثبت بالاستقراء أن أكثر اللغة مفردة، فكان الحمل عليه أولى؛ لأن الكثرة تفيد ظن الرجحان (^٣).\nومنها: أنه لو لم يكن الأصل الإفراد لما حصل التفاهم حال التخاطب إلا بالاستفسار، وقد علمنا حصول التفاهم، فكان الغالب حصول احتمال الانفراد (^٤).\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (٢/ ١٢٢ - ١٢٣)، وانظر المحصول (١/ ٣٦٦/١)، ونهاية السول (٢/ ١١٤ - ١١٩).\n(^٢) المحصول (١/ ٣٨١/١)، ونهاية السول (٢/ ١٢٠)، والمزهر (١/ ٣٧٠)، والبلغة في أصول اللغة ص ٢٠٨.\n(^٣) البحر المحيط للزركشي (٢/ ١٢٥)، والمحصول (١/ ٣٨٢/١)، ونهاية السول (٢/ ١٢٠).\n(^٤) المحصول (١/ ٣٨١/١)، ونهاية السول (٢/ ١٢٠).","vol":"2","page":149},{"text":"ومنها: أنه لو تساوى الاحتمالان - أي الاشتراك والإفراد - لامتنع الاستدلال بالنصوص على إفادة الظنون فضلا عن تحصيل العلوم لجواز أن تكون ألفاظها موضوعة لمعان أخر وتكون تلك المعاني هي المرادة (^١).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-245> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nهذه القاعدة من القواعد التي قررها واعتمدها علماء الأصول (^٢)، وغيرهم.\nقال الزركشي: المشترك خلاف الغالب وهو خلاف الأصل، والمراد بالأصل هنا الغالب، فإذا جهلنا كون اللفظ مشتركا أو منفردا فالغالب عدم الاشتراك فيحكم بأنه منفرد للاستقراء أن أكثر الألفاظ مفردة اهـ (^٣).\nوقال ابن القيم: إن الاشتراك خلاف الأصل بل لا يعلم أنه وقع في اللغة من واضع واحد، كما نصّ على ذلك أئمة اللغة، منهم المبرد (^٤) وغيره، وإنما يقع وقوعا عارضا اتفاقيا بسبب تعدد الواضعين، ثم تختلط اللغة فيقع الاشتراك اهـ (^٥).\nوقال ابن هشام - في معرض ترجيحه بمضمون هذه القاعدة -: وقول الجماعة بعيدّ من جهات، إحداها: اقتضاؤه الاشتراك، والأصل عدمه لما فيه من الإلباس، حتى إن قوما نفوه، ثم المثبتون له يقولون: متى عارضه غيره مما يخالف الأصل كالمجاز قدّم عليه اهـ (^٦).\n_________\n(^١) نهاية السول (٢/ ١٢٠).\n(^٢) انظر المحصول (١/ ٣٨١/١)، وشرح تنقيح الفصول ص ١١٢، ونهاية السول (٢/ ١٢٠)، وشرح الكوكب (١/ ٢٩٥)، وتفسير النصوص (٢/ ١٣٨).\n(^٣) البحر المحيط (٢/ ١٢٥).\n(^٤) هو: محمد بن يزيد بن عبد الأكبر أبو العباس المبرّد، شيخ أهل النحو، وحافظ علم العربية، موثقا في الرواية، له مصنفات كثيرة، منها «معاني القرآن»، و«إعراب القرآن»، و«المقتضب»، وغيرها، توفي سنة ست وثمانين ومائتين، إنباه الرواة (٣/ ٢٤١)، وطبقات المفسرين (٢/ ٢٦٩).\n(^٥) جلاء الأفهام ص ١٢٤.\n(^٦) مغني اللبيب (٢/ ٦٠٧).","vol":"2","page":150},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-246> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nمن أمثلة هذه القاعدة لفظ «النكاح» في نحو قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٢].\nفقد ذهب بعض العلماء إلى: أن لفظ «النكاح» مشترك بين العقد والوط ء حقيقة فيهما.\nوذهب آخرون إلى: أنه حقيقة في الجماع مجاز في العقد، وقيل بعكس هذا (^١)، والذي ترجحه هذه القاعدة أنه ليس مشتركا بينهما، بل يحمل على أحدهما إما الوط ء وإما العقد، فهذا أرجح من كونه مشتركا (^٢)، لأن الاشتراك خلاف الأصل كما تقرر.\nأما أيّ المعنيين يقدم في تفسير الآية، فهذا بحث آخر في قاعدة تقديم الحقيقة الشرعية على الحقيقة اللغوية في تفسير كلام الله، خلاصته حمل لفظ «النكاح» على العقد؛ لأنه الحقيقة الشرعية فيه.\nأما حمل لفظ «النكاح» على أنه حقيقة في الوط ء مجاز في العقد أو العكس فهو قول مرجوح؛ لأن المجاز خلاف الأصل كما هو مقرر في قاعدته (^٣).\nويدخل تحت هذه القاعدة، القواعد التي يذكرها الأصوليون في ترجيح غير الاشتراك عليه، وهي القواعد التالية:\n_________\n(^١) انظر المغني لابن قدامة (٩/ ٣٣٩)، وأضواء البيان (١/ ٣٧٧).\n(^٢) انظر شرح تنقيح الفصول ص ١١٢، وشرح الكوكب (١/ ٢٩٥).\n(^٣) ونظير هذا المثال، لفظ «الصلاة» في قوله تعالى: إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب: ٥٦]، وقوله: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ [الأحزاب: ٤٣].\nانظر نهاية السول (٢/ ١٣٠ - ١٣١)، والبحر المحيط للزركشي (٢/ ١٢٨) مع جلاء الأفهام ص ١٢٤، ومغني اللبيب (٢/ ٦٠٦ - ٦٠٧)، والتحرير والتنوير (٢٢/ ٤٩).","vol":"2","page":151},{"text":"<span data-type='title' id=toc-247>القاعدة الأولى:</span>\nإذا دار الأمر بين الإضمار والاشتراك، فالإضمار أولى (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-248>القاعدة الثانية:</span>\nإذا دار الأمر بين التخصيص والاشتراك، فالتخصيص أولى (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-249>القاعدة الثالثة:</span>\nإذا دار الأمر بين النقل (^٣) والاشتراك، فالنقل أولى (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-250>القاعدة الرابعة:</span>\nإذا دار الأمر بين التواطؤ (^٥) والاشتراك، فالتواطؤ أولى (^٦).\n***\n_________\n(^١) انظر المحصول (١/ ٤٩٦/١)، وشرح تنقيح الفصول ص ١٢١ - ١٢٣، ونهاية السول (٢/ ١٨٠ - ١٨١)، والبحر المحيط (٢/ ٢٤٤)، والأشباه والنظائر في النحو للسيوطي (١/ ١٠٠)، والكليات ص ١٣٥، والتعارض والترجيح للبرزنجي (٢/ ١٣٩).\n(^٢) انظر المحصول (١/ ٤٩٨/١)، والتحصيل من المحصول (١/ ٢٤٤)، وشرح تنقيح الفصول ص ١٢١ - ١٢٣، والبحر المحيط (٢/ ٢٤٤).\n(^٣) المراد بالنقل: المنقول من اللغة إلى الشرع، انظر شرح الكوكب (٤/ ٦٦٠).\n(^٤) انظر المحصول (١/ ٤٨٩/١)، والتحصيل من المحصول (١/ ٢٤٢)، وشرح تنقيح الفصول ص ١٢١ - ١٢٣، والبحر المحيط (٢/ ٢٤٣)، وشرح الكوكب (٤/ ٦٦٧).\n(^٥) الألفاظ المتواطئة: هي الألفاظ الدالة على الأعيان المتغايرة بالعدد المتفقة في المعنى الذي وضع اللفظ له، كدلالة لفظ الإنسان على زيد، وعمرو، وبكر. البحر المحيط للزركشي (٢/ ٦٠).\n(^٦) انظر المحصول (١/ ٥٠٣/١)، والتحصيل من المحصول (١/ ٢٤٦)، وشرح تنقيح الفصول ص ١٢١، والبحر المحيط (٢/ ١٧٥)، وشرح الكوكب (٤/ ٦٦٠).","vol":"2","page":152},{"text":"<span data-type='title' id=toc-251>المطلب الرابع عشر:\nقاعدة: القول الذي يؤيده تصريف الكلمة وأصل اشتقاقها أولى بتفسير الآية</span>\n*<span data-type='title' id=toc-252> صورة القاعدة:</span>\nإذا اختلف المفسرون في تفسير آية من كتاب الله، وأيد تصريف الكلمة أو أصل اشتقاقها أحد الأقوال، فهذا القول هو أولى الأقوال بتفسير الآية، لأن التصريف والاشتقاق يعيدان الألفاظ إلى أصولها فتتضح الألفاظ والمعاني المتفرعة عنها.\nوقد يدل تصريف الكلمة واشتقاقها على ضعف أحد الأقوال في تفسير الآية؛ لأجل مخالفته لهما (^١).\n_________\n(^١) هذا إذا كانت الكلمة مشتقة من أصل واحد، فإذا تردد بين أصلين فأكثر طلب الترجيح بين هذه الأصول، وبناء على الترجيح في اشتقاقها يكون الترجيح في تفسيرها بهذه القاعدة.\nولترجيح أحد الأصول في اشتقاق الكلمة - إذا ترددت بينها - قواعد، ذكرها السيوطي في المزهر (١/ ٣٤٩)، ونقلها عنه صديق خان في العلم الخفاق ص ١٠٤، وهي مختصرة:\nالأولى: إذا ترددت الكلمة بين أصلين - أو أصول - رجّح أمكنهما.\nالثانية: إذا ترددت الكلمة بين أصلين - أو أصول - رجّح أشرفهما.\nالثالثة: إذا ترددت الكلمة بين أصلين - أو أصول - رجّح أظهرهما، وأوضحهما.\nالرابعة: إذا ترددت الكلمة بين أصلين - أو أصول - رجّح أسهلهما، وأحسنهما تصرّفا.\nالخامسة: إذا ترددت الكلمة بين أصلين - أو أصول - رجّح أليقهما.\nالسادسة: إذا ترددت الكلمة بين أصلين: أحدهما خاص، والآخر عام رجّح العام، وقيل عكسه.\nالسابعة: إذا ترددت الكلمة بين أصلين: أحدهما مطلق، والآخر مقيد رجّح المطلق.\nالثامنة: إذا ترددت الكلمة بين أصلين: أحدهما أقرب، والآخر أبعد رجّح الأقرب.\nالتاسعة: إذا ترددت الكلمة بين أصلين: أحدهما جوهر، والآخر عرض لا يصلح لمصدرية، رجّح الجوهر. -","vol":"2","page":153},{"text":"- وسترى بإذن الله الأمثلة على تصحيح القاعدة لبعض الأقوال، وتضعيفها لأقوال أخرى -.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-253> بيان ألفاظ القاعدة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-254>التصريف:</span>\nهو لغة: ردّ الشيء من حالة إلى حالة، ومنه صريف الرياح: صرفها من جهة إلى جهة (^١).\nواصطلاحا بالمعنى العمليّ: تحويل الأصل الواحد إلى أمثلة مختلفة، لمعان مقصودة، لا تحصل إلا بها، كاسمي الفاعل والمفعول، واسم التفضيل والتثنية والجمع إلى غير ذلك.\nوبالمعنى العلميّ: علم بأصول يعرف بها أحوال أبنية الكلمة، التي ليست بإعراب ولا بناء (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-255>الاشتقاق:</span>\nاشتقاق الشيء: بنيانه: من المرتجل، واشتقاق الكلام: الأخذ فيه يمينا وشمالا، واشتقاق الحرف من الحرف: أخذه منه (^٣).\nواصطلاحا هو: ردّ لفظ إلى آخر لموافقته له في الحروف الأصلية، ومناسبته في المعنى (^٤).\n_________\n(^١) - وقد ذكر السيوطي لكل قاعدة مثالا غير أن أكثرها ليست من كلمات وألفاظ القرآن الكريم.\nوقد تعرضت هذه القواعد للنقد بأن أكثرها نسبي، وبعضها من اصطلاح أهل المنطق، وهو نقد له وجاهته، انظر فقه اللغة لصبحي الصالح ص ١٨٥.\n(^١) انظر مادة «صرف» في المفردات ص ٤٨٢، وتهذيب اللغة (١٢/ ١٦١).\n(^٢) شذا العرف ص ١٩، وانظر تعريفه في البرهان (١/ ٢٩٧)، والتعريفات ص ١٧٣.\n(^٣) لسان العرب مادة «شقق» (١٠/ ١٨٤)، وانظر تهذيب اللغة (٨/ ٢٤٨).\n(^٤) شرح الكوكب (١/ ٢٠٦)، وانظر تعريفه في المحصول (١/ ٣٢٥/١)، وتعريفات الجرجاني ص ٤٩، والمزهر (١/ ٣٤٦)، والعلم الخفاق ص ٦٥ وما بعدها.","vol":"2","page":154},{"text":"<span data-type='title' id=toc-256>فأركان الاشتقاق أربعة:</span>\nالأول: المشتق.\nالثاني: المشتق منه.\nالثالث: الموافقة في الحروف الأصلية.\nالرابع: المناسبة في المعنى مع التغيير (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-257>أقسام الاشتقاق:</span>\nالاشتقاق على قسمين: صغير وكبير.\nفالصغير: هو أن يكون بين اللفظين توافق في الحروف الأصلية مرتبة من غير اعتبار بما يفصل بينها من حروف زائدة (^٢).\nوذلك كتركيب «س ل م» فإنه يؤخذ منه السلامة في تصرّفه نحو سلم ويسلم، وسالم سلمان والسلامة (^٣)، فيشترط فيه أن يتفق المشتق والمشتق منه في الحروف الأصلية، وترتيبها.\nوهذا القسم هو الذي يسميه أهل النحو، والصرف، والبيان اشتقاقا، وعليه يحمل ما يرد في استعمالاتهم (^٤)؛ بل هو الذي ينصرف إليه إطلاق الاشتقاق من غير قيد (^٥).\nوهذا القسم هو المراد في هذه القاعدة.\nوأما الاشتقاق الكبير فهو: أن تأخذ أصلا من الأصول فتعقد عليه وعلى تراكيبه معنى واحدا يجمع تلك التراكيب، وما تصرف منها.\nمثل مادة «ك ل م» تتقلب إلى «ك م ل»، و«م ك ل»، و«م ل ك»، و«ل ك م»\n_________\n(^١) شرح الكوكب (١/ ٢٠٧)، وانظر المحصول (١/ ٣٢٦/١).\n(^٢) العلم الخفاق ص ١٤٠، وانظر تعريفه في الخصائص (٢/ ١٣٤)، والتعريفات ص ٤٩.\n(^٣) انظر الخصائص (٢/ ١٣٤)، والإكسير في علم التفسير ص ٢٣٦.\n(^٤) العلم الخفاق ص ١٤٠.\n(^٥) انظر شرح الكوكب (١/ ٢١١)، ونشر البنود (١/ ١٠٧).","vol":"2","page":155},{"text":"فجميع تقاليب الكلام الستة تدور على القوة والشدة (^١).\nفيشترط في هذا القسم أن يتفق المشتق والمشتق منه في الحروف الأصلية دون ترتيبها.\nوهذا القسم لا يجري في جميع اللغة (^٢).\nوهناك قسم ثالث ذكره بعض العلماء يسمى «الأكبر» وهو: أن يكون بين اللفظين تناسب في المخرج، فيبدل حرف مكان آخر نحو «نعق» من النهق (^٣)، فالعين والهاء من حروف الحلق، وأكثر العلماء أنكروا هذا القسم ولم يثبتوه (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-258>الفرق بين الاشتقاق والتصريف:</span>\nمما سبق يمكن أن تلحظ بعض الفروق بين علم التصريف وعلم الاشتقاق فمنها:\nأن علم الاشتقاق يراعى فيه جانب المناسبة في المعنى بين المشتق والمشتق منه.\nوأما علم التصريف فلا يلزم فيه وجود هذه المناسبة.\nومنها: أن الاشتقاق ينفرد عن التصريف فيما يراعى فيه الحروف الأصلية دون ترتيبها، كما هو في الاشتقاق الكبير.\nومنها: أن التصريف أعم من الاشتقاق (^٥)، فالاشتقاق جزء من التصريف.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-259> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nلقد قرر كثير من المفسرين وغيرهم مضمون هذه القاعدة، حيث استعملوها في ترجيح وتصحيح بعض الأقوال والتي تتفق مع تصريف الكلمة وأصل اشتقاقها،\n_________\n(^١) انظر الخصائص (٢/ ١٣٤)، والفوائد المشوق ص ٣٣٥، والإكسير في علم التفسير ص ٢٣٧ وما بعدها.\n(^٢) انظر الخصائص (٢/ ١٣٨)، والفوائد المشوق ص ٣٣٦.\n(^٣) انظر التعريفات ص ٤٩، والعلم الخفاق ص ٧٩ - ١٢٤.\n(^٤) انظر شرح الكوكب (١/ ٢١١)، وفقه اللغة صبحي الصالح ص ٢١٠.\n(^٥) انظر المزهر (١/ ٣٥١)، والعلم الخفاق ص ١٠٨.","vol":"2","page":156},{"text":"وكذلك ضعفوا وردّوا أقوالا أخرى لأجل مخالفتها للتصريف والاشتقاق، فبهما تعرف المعاني المختلفة المتشعبة من معنى واحد، فمن هؤلاء الأئمة:\n١ - الإمام الطبري: فقد استعمل مضمون هذه القاعدة في الترجيح في مواضع متعددة فمن ذلك قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥]: وقد قيل في «التصدية»: إنها «الصدّ عن بيت الله الحرام»، وذلك قول لا وجه له؛ لأن «التصدية» مصدر من قول القائل: «صدّيت تصدية»، وأمّا «الصدّ» فلا يقال منه: «صدّيت»، إنما يقال منه «صددت»، فإن شدّدت منها الدال على معنى تكرير الفعل، قيل: «صدّدّت تصديدا» … اه (^١).\n٢ - ومنهم جار الله الزمخشري: وسيأتي بعض كلامه في الأمثلة التطبيقية إن شاء الله.\n٣ - ومنهم أبو بكر بن العربي: فهو ممن يرجح بمضمون هذه القاعدة، فإذا اختار قولا ورجحه - في أمثلة هذه القاعدة - جعل من وجوه الترجيح أن الاشتقاق أو التصريف يعضده (^٢).\n٤ - ومنهم القاضي ابن عطية: فهو يرجح بهذه القاعدة، فكثيرا ما يقول: ويؤيد هذا ويعضده الاشتقاق، أو يوهن هذا التصريف، أو ويردّ التصريف هذا، ونحوها من العبارات التي تدل دلالة واضحة على اعتماده لمضمون هذه القاعدة، وترجيحه بها في تصحيح أقوال، وتضعيف أخرى (^٣).\n٥ - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: ففي قوله تعالى: ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ (٢) [الإخلاص: ٢] بعد أن ذكر الأقوال في معنى الصمد قال: قلت: الاشتقاق يشهد للقولين جميعا قول من قال: إن ﴿الصَّمَدُ﴾ (٢) الذي لا جوف له، وقول من قال:\n_________\n(^١) جامع البيان (١٣/ ٥٢٧) تحقيق شاكر.\n(^٢) انظر أحكام القرآن (١/ ٤٤٨)، و(٤/ ٢١٠).\n(^٣) انظر على سبيل المثال المحرر الوجيز (٤/ ٢٤)، و(٧/ ٣٠)، و(٩/ ١٤٨)، و(١٠/ ١٤٩) و(١١/ ١٩٧).","vol":"2","page":157},{"text":"إنه السيد، وهو على الأول أدل؛ فإن الأول أصل الثاني اهـ (^١).\n٦ - ومنهم أبو حيان الأندلسي: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ﴾ [الكهف: ١٧] قال: قال أبو علي: معنى ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ تعطيهم من ضوئها شيئا ثم تزول سريعا كالقرض يسترد، والمعنى عنده أن الشمس تميل بالغدوة وتصيبه بالعشي إصابة خفيفة، انتهى، ولو كان من القرض الذي يعطى ثم يسترد لكان الفعل رباعيا فكان يكون ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ بالتاء مضمومة، لكنه من القطع، وإنما التقدير تقرض لهم أي تقطع لهم من ضوئها شيئا اهـ (^٢).\n٧ - ومنهم العلاّمة ابن القيم: فقد استند إلى الاشتقاق في بعض ترجيحاته في تفسير بعض الآيات (^٣).\n٨ - ٩ -: ومنهم السمين الحلبي: والحافظ ابن كثير، وسيأتي بعض كلامهما في الترجيح بمضمون هذه القاعدة في الأمثلة التطبيقية - إن شاء الله -.\n١٠ - ومنهم ابن جزيّ الكلبي: فقد ذكر هذه القاعدة من وجوه الترجيح التي قررها في مقدمة تفسيره قال: الخامس: أن يدل على صحة القول كلام العرب من اللغة والإعراب، أو التصريف، أو الاشتقاق اهـ (^٤).\n١١ - ١٢ - ومنهم الزركشي، والسيوطي: فقد ذكرا أهمية علم التصريف والاشتقاق، وأنه لا غنى للمفسر عنهما، وهما من العلوم التي يحتاج المفسر إليها، وضربا لذلك أمثلة من القرآن يتبين بها أهمية معرفة التصريف والاشتقاق للوصول إلى أصح المعاني في تفسيرها، ونفي الوجوه الضعيفة والباطلة عنها (^٥).\n١٣ - ومنهم العلاّمة الشنقيطي: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٢٢٦).\n(^٢) البحر المحيط (٧/ ١٥٢)، وأبو علي هو الفارسي.\n(^٣) انظر التفسير القيم ص ٤٦٤، وص ٤٦٩.\n(^٤) التسهيل (١/ ٩).\n(^٥) انظر البرهان (١/ ٢٩٧) وما بعدها، والإتقان (٤/ ١٨٦).","vol":"2","page":158},{"text":"(٥٢) [الكهف: ٥٢] بعد أن ذكر خلاف العلماء في معنى ﴿مَوْبِقًا﴾ (٥٢) (^١)، قال:\nوالتحقيق: أن الموبق المهلك، من قولهم: وبق يبق، كوعد يعد: إذا هلك، وفيه لغة أخرى وهي: وبق يوبق، كوجل يوجل، ولغة ثالثة أيضا: وهي: وبق يبق كورث يرث، ومعنى كل ذلك: الهلاك، والمصدر من وبق - بالفتح - الوبوق على القياس، والوبق، ومن وبق - بالكسر - الوبق بفتحتين على القياس وأوبقته ذنوبه: أهلكته، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٣٤] أي: يهلكهن، ومنه الحديث: «فموبق نفسه أو بائعها فمعتقها» (^٢).\nوحديث: «السبع الموبقات» (^٣) أي: المهلكات اهـ (^٤).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-260> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\n١ - من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوّابِينَ غَفُورًا﴾ (٢٥) [الإسراء: ٢٥].\nاختلف المفسرون في المراد بالأوابين:\nفقال بعضهم: هم المسبحون.\nوقال آخرون: هم المطيعون المحسنون.\n_________\n(^١) ذكر ثلاثة أقوال في معنى «موبقا» الأول: المهلك، والثاني: واد في جهنم، والثالث: الموعد.\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، حديث رقم (١)، من حديث أبي مالك الأشعري ولفظه فيه «كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها».\n(^٣) متفق عليه من حديث أبي هريرة، البخاري كتاب الوصايا، باب إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠) [النساء: ١٠]، انظر الصحيح مع الفتح (٥/ ٤٦٢)، ومسلم، كتاب الإيمان، حديث رقم (١٤٥). ولفظ الحديث «اجتنبوا السبع الموبقات»، قيل:\nيا رسول الله وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات».\n(^٤) أضواء البيان (٤/ ١٢٧)، وانظر لسان العرب مادة «وبق» (١٠/ ٣٧٠).","vol":"2","page":159},{"text":"وقال آخرون: هم الذين يصلون بين المغرب والعشاء.\nوقال آخرون: هم الذين يصلون الضّحى.\nوقال آخرون: «الأوّاب» هو الراجع من ذنبه، والتائب منه. وقيل غير ذلك (^١).\nوأولى الأقوال بتفسير الآية القول الأخير؛ لأن اشتقاق كلمة «أوّاب» يدل عليه، «يقال قد آب يؤوب أوّبا إذا رجع» (^٢).\nقال الإمام الطبري - مرجحا بين هذه الأقوال -: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: الأوّاب: هو التائب من الذنب، الراجع من معصية الله إلى طاعته، ومما يكرهه إلى ما يرضاه؛ لأن الأوّاب إنما هو «فعّال» من قول القائل: آب فلان من كذا إما من سفره إلى منزلة، أو من حال إلى حال، كما قال عبيد بن الأبرص:\nوكلّ ذي غيبة يؤوب … وغائب الموت لا يؤوب (^٣)\nفهو يئوب أوبا، وهو رجل آئب من سفره، وأوّاب من ذنوبه اهـ (^٤).\nوقال الحافظ ابن كثير - معلقا على اختيار الطبري -: وهذا الذي قاله هو الصواب، لأن الأوّاب مشتق من الأوب، وهو الرجوع، يقال: آب فلان إذا رجع، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ﴾ (٢٥) [الغاشية: ٢٥]، وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ كان إذا رجع من سفر قال: «آيبون تائبون عابدون، لربّنا حامدون» (^٥) اه (^٦).\n_________\n(^١) انظر جامع البيان (١٥/ ٦٨ - ٧٠)، وزاد المسير (٥/ ٢٦).\n(^٢) انظر معاني القرآن للزجاج (٣/ ٢٣٥).\n(^٣) عبيد بن الأبرص شاعر جاهلي، والبيت في ديوانه ص ٢٦، من قصيده مطلعها:\nأقفر من أهله ملحوب فالقطبيّات فالذّنوب\n(^٤) جامع البيان (١٥/ ٧١).\n(^٥) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر، البخاري، كتاب العمرة، باب ما يقول إذا رجع من الحج أو العمرة أو الغزو؟ انظر الصحيح مع الفتح (٣/ ٧٢٤)، ومسلم كتاب الحج، حديث رقم (٤٢٨، ٤٢٩).\n(^٦) تفسير القرآن العظيم (٥/ ٦٥).","vol":"2","page":160},{"text":"٢ - ومن أمثلة هذه القاعدة - أيضا - ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (٧١) [الإسراء: ٧١].\nاختلف المفسرون في معنى الإمام في قوله: ﴿بِإِمامِهِمْ﴾.\nفقال بعضهم: هو نبيهم، ومن كان يقتدى به في الدنيا ويؤتم به.\nويروى هذا القول عن أنس، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك أن يدعوهم بكتب أعمالهم التي عملوها في الدنيا، وبهذا القول قال ابن عباس والحسن والضحاك.\nوقال آخرون: بل معناه: يوم ندعو كل أناس بكتابهم الذي أنزل على نبيهم، من التشريع، وبه قال ابن زيد ومجاهد (^١).\nوقال بعضهم: إن معنى «إمام» جمع «أمّ» وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم دون آبائهم، ويحكى هذا القول عن محمد بن كعب القرظي (^٢).\nوهذه القاعدة تردّ القول الأخير؛ وذلك لأن «أمّ» لا تجمع على «إمام»، وإنما تجمع على أمهات.\nقال الزمخشري: ومن بدع التفاسير أن الإمام جمع «أمّ» وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم، وأن الحكمة في الدعاء بالأمهات دون الأباء رعاية حق عيسى - ﵇ - وإظهار شرف الحسن والحسين، وأن لا يفتضح أولاد الزنى، وليت شعري أيهما أبدع أصحة لفظه أم بهاء حكمته؟ اه (^٣) وفي الإتقان قال: وهذا غلط أوجبه جهله بالتصريف فإن «أمّا» لا يجمع على «إمام». اه (^٤).\nوقال السمين الحلبي - معلقا على كلام الزمخشري السابق -: قلت: وهو معذور؛\n_________\n(^١) انظر هذه الأقوال، والروايات في جامع البيان (١٥/ ١٢٦ - ١٢٧)، والدر المنثور (٥/ ٣١٦).\n(^٢) انظر معالم التنزيل (٥/ ١١٠).\n(^٣) الكشاف (٢/ ٤٥٩).\n(^٤) الإتقان (٤/ ١٨٦).","vol":"2","page":161},{"text":"لأن «أمّ» لا يجمع على «إمام»، هذا قول من لا يعرف الصناعة ولا لغة العرب اه (^١).\nومما يدل على بطلان هذا القول - أيضا - ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «إذ جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان» (^٢).\nفقوله: «هذه غدرة فلان بن فلان» دليل على أن الناس يدعون في الآخرة بأسمائهم وأسماء آبائهم، وهذا يرد على من قال: إنما يدعون بأسماء أمهاتهم (^٣).\nومثله قول النبي ﷺ: «إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم» (^٤).\nإذا تقرر هذا، فإبطال هذا القول بهذه القاعدة هو المقصود من هذا المثال.\nوإتماما للفائدة فأولى الأقوال بتفسير الآية القول الثاني، وهو أن «الإمام» الذي يدعون به هو كتاب أعمالهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-261>وقد دلت قواعد متعددة على ترجيحه:</span>\nمنها قاعدة: «القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على ما عدم ذلك» حيث جاء معنى هذا القول في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ﴾ (١٢) [يس: ١٢] حيث سمى الكتاب إماما، ومنها قوله تعالى: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هذا كِتابُنا يَنْطِقُ﴾\n_________\n(^١) الدر المصون (٧/ ٣٩٠).\n(^٢) متفق عليه من حديث ابن عمر، البخاري، كتاب الأدب، باب ما يدعى الناس بآبائهم، انظر الصحيح مع الفتح (١٠/ ٥٧٨)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، حديث رقم (٩).\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٢٩٧ - ٢٩٨)، وانظر فتح الباري (١٠/ ٥٧٩)، وأضواء البيان (٣/ ٦١٧).\n(^٤) أخرجه أبو داود من حديث أبي الدرداء، كتاب الأدب، باب في تغيير الأسماء (٤/ ٢٨٧)، وقال:\nزكرياء لم يدرك أبا الدرداء اه. وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود حديث رقم (١٠٥٣).","vol":"2","page":162},{"text":"﴿عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢٩) [الجاثية: ٢٨ - ٢٩] على أقرب الأقوال في تفسير ﴿كِتابِهَا﴾ (^١)، حيث أخبر - سبحانه - أن كل أمة تدعى إلى كتابها الذي فيه أعمالها، ومنها قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ [الكهف: ٤٩]، وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا (١٣) اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (١٤) [الإسراء: ١٣ - ١٤]، ونحوها من الآيات.\nورجح الحافظ ابن كثير، والقاسمي هذا القول بمضمون هذه القاعدة، قال القاسمي:\nورجح ابن كثير - ﵀ - القول أن الإمام هو كتاب الأعمال … -[ثم ذكر الآيات]- وما رجحه - ﵀ - هو الصواب؛ لأن القرآن يفسر بعضه بعضا، وأول ما ينبغي الاهتمام به في معاني الآيات، هو الرجوع إلى نظائرها اهـ (^٢).\nومن القواعد التي دلت على ترجيح هذا القول قاعدة: «إذا ثبت الحديث وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجّح له على ما خالفه» حيث جاء في حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾\nقال: «يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه ويمدّ له في جسمه ستون ذراعا …» الحديث (^٣).\n_________\n(^١) ومما يرجح أن الكتاب في هذه الآية - أعني آية الجاثية - هو كتاب الأعمال قوله تعالى: بعده:\nوَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) [الجاثية: ٢٨ - ٢٩].\n(^٢) محاسن التأويل (١٠/ ٣٩٥٢).\n(^٣) أخرجه الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الإسراء (٥/ ٢٨٢)، وقال: حسن غريب، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣) وصححه، ووافقه الذهبي، وابن حبان في صحيحه، كتاب إخباره ﷺ عن مناقب الصحابة، باب إخباره ﷺ عن البعث وأحوال الناس (١٦/ ٣٤٦).\nوضعّفه الألباني في ضعيف الترمذي حديث رقم (٦١٠)، وفي ضعيف الجامع (٦٤٢٤). فعلى القول بتصحيح الحديث أو تحسينه فهو حجة واضحة في ترجيح هذا القول، وعلى القول بضعفه فهو يصلح للترجيح وقرينة قوية فيه خاصة وقد عضدته في ذلك وجوه أخرى، وقد سبق بسط الكلام على الترجيح بالحديث الضعيف في قاعدة: «إذ ثبت الحديث وكان نصا في تفسير الآية فلا يصار إلى غيره» فلينظر هناك.","vol":"2","page":163},{"text":"وهذا الحديث في معنى القول الذي رجحته القاعدة السابقة فهو - أيضا - مرجّح له.\nومن القواعد التي دلت على ترجيح هذا القول قاعدة «القول الذي تؤيده قرائن في السياق فهو مرجّح على ما خالفه».\nقال العلاّمة الشنقيطي: وقوله: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ من القرائن الدالة على ترجيح ما اختاره ابن كثير من أن «الإمام» في هذه الآية كتاب الأعمال اهـ (^١).\nوقال الطاهر بن عاشور - بعد أن فسّر قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾\n-: وفرّع على هذا قوله: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ تفريع التفصيل لما أجمله قوله: ﴿نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ،﴾ أي ومن الناس من يؤتى كتابه، أي كتاب أعماله بيمينه اهـ (^٢).\nوآخر هذه الوجوه التي ترجح هذا القول أنه قول حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس - ﵁ -.\nوذهب الإمام الطبري إلى ترجيح القول بأن «الإمام» هو الذي كانوا يقتدون به، ويأتمون به في الدنيا.\nوعلل ترجيحه هذا بقوله: لأن الأغلب من استعمال العرب الإمام فيما ائتمّ واقتدى به، وتوجيه معاني كلام الله إلى الأشهر أولى، ما لم يثبت حجة بخلافه يجب التسليم لها اهـ (^٣).\nوهذه القاعدة التي استعملها الطبري في الترجيح هنا من القواعد المشتهرة عنده، وقد سبق الكلام عليها وهي قاعدة: «يجب حمل كلام الله - تعالى - على المعروف من كلام العرب دون الشاذ والضعيف والمنكر».\n_________\n(^١) أضواء البيان (٣/ ٦١٧).\n(^٢) التحرير والتنوير (١٥/ ١٦٨).\n(^٣) جامع البيان (١٥/ ١٢٧).","vol":"2","page":164},{"text":"إذا علم هذا، فالحجة التي ثبتت بخلاف هذه القاعدة هي الآيات والحديث والقرائن التي رجحت لنا القول بأن «الإمام» في الآية هو كتاب الأعمال.\nفإن لم يسلّم الإمام الطبري بهذه الحجج، فالمسألة من تنازع القواعد المثال الواحد، وقد سبق في التمهيد تقرير هذا، ومما ورد هناك أن القواعد التي ترجح التفسير الأثري مقدمة على القواعد التي ترجح التفسير الاجتهادي اللغوي، خاصة إذا كان المعنى الذي تفسر به الآية مما عرف في العربية، ولم يخرج إلى الشذوذ والنكارة، وإن كان أقلّ استعمالا من الآخر.\nوعللت ذلك بأنه مفيد لغلبة الظن أكثر من الترجيح بغلبة الاستعمال في العربية، ونبهت هناك على بعض أمثلة ذلك، وهذا المثال يندرج تحت تلك الصورة.\nإذ علم هذا، فأولى الأقوال بتفسير الآية هو القول بأن «إمامهم» في الآية هو كتاب أعمالهم (^١) والله أعلم.\n_________\n(^١) * ومن أمثلة القاعدة - أيضا -:\n١ - ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ [النساء: ١٢]. انظر أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٤٨)، والمحرر الوجيز (٤/ ٢٤).\n٢ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِلاّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً [الأنفال: ٣٥]، انظر جامع البيان (٩/ ٢٤٣).\n٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي [الكهف: ١٧]، انظر البحر المحيط (٧/ ١٥١)، والدر المصون (٧/ ٤٥٨)، وأضواء البيان (٤/ ٣٧).\n٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢) [الكهف: ٥٢]، انظر أضواء البيان (٤/ ١٢٧).\n٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ [القصص: ٨٥]، انظر جامع البيان (٢٠/ ١٢٦).\nوانظر مزيد من الأمثلة في جامع البيان (٥/ ١٩١)، وأحكام القرآن لابن العربي (٤/ ٢١٠)، والمحرر الوجيز (٩/ ١٤٨)، و(١١/ ١٩٧)، وفتاوى ابن تيمية (١٤/ ٧٤)، و(١٧/ ٢٢٣ - ٢٢٦)، والبحر المحيط (٣/ ٥٠٩)، والتفسير القيم ص ٤٦٤، وص ٤٦٩، والموافقات (٣/ ٣٩٣)، وأضواء البيان (٦/ ٢٦٢).","vol":"2","page":165},{"text":"<span data-type='title' id=toc-262>المطلب الخامس عشر:\nقاعدة: يجب حمل نصوص الوحي على العموم ما لم يرد نص بالتخصيص</span>\n*<span data-type='title' id=toc-263> صورة القاعدة:</span>\nيجب أن تحمل نصوص الوحي العامة على عموم ألفاظها - فأصل التشريع جاء عاما - ما لم يرد نص بالتخصيص.\nفإذا اختلفت أقوال المفسرين في تفسير آية من كتاب الله - تعالى - فمنهم من يحملها على عموم ألفاظها، ومنهم من يخصصها ويقصرها على بعض أفراد العموم، فالصواب هو حملها على العموم.\nومتى أمكن حمل الآية على معنى كليّ عام شامل يجمع تفسيرات جزئية جاءت في تفسيرها - من قبيل التفسير بالمثال، أو بالجزء، أو بالثمرة، أو بنحو ذلك - ولا معارض له، وتشهد الأدلة لصحته، فهو أولى بتفسير الآية حملا لها على عموم ألفاظها، ولا داعي لتخصيصها بواحد من المعاني الجزئية التي جاءت في التفاسير إلا أن يكون السياق يقتضي تخصيصها حتما، أو يقوم الدليل على ذلك (^١).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-264> بيان ألفاظ القاعدة:</span>\nقولي: «… على العموم ما لم يرد نص بالتخصيص».\nالعام هو: اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد.\nفقولهم: «بحسب وضع واحد» احتراز من اللفظ المشترك، أو الذي له حقيقة\n_________\n(^١) انظر قواعد التدبر الأمثل ص ٥٩.","vol":"2","page":166},{"text":"ومجاز، فإن عمومه لا يقتضي أن يتناول مفهوميه معا (^١).\nوللعموم صيغ كثيرة، أوصلها بعضهم إلى مائتين وخمسين صيغة (^٢)، منها المتفق عليه، ومنها المختلف فيه، وأفردها بعضهم بالتصنيف (^٣)، وتكلم عنها عامة علماء الأصول وغيرهم (^٤).\nويستدل على عموم اللفظ بقبوله الاستثناء منه، إلا في العدد (^٥).\nفمن هذه الألفاظ «كل» وهي أعمها، كقوله الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٣٨) [المدثر: ٣٨].\nومنها: «من» وتكون موصولة، واستفهامية، وشرطية.\nفالموصولة كقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩].\nوالاستفهامية كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾\n[البقرة: ٢٥٥].\nوالشرطية كقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦] و[الجاثية: ١٥].\nومنها: «ما»، و«جميع»، و«عامة»، و«كافة»، و«قاطبة»، و«أين»، و«كيف»، و«إذا» الشرطية، والجمع المعرف بلام الجنس، أو المضاف إليها، واسم الجنس المحلى بلام الجنس، أو بالإضافة، والأسماء الموصولة، والنكرة في سياق النفي، أو النهي، أو الشرط، أو الاستفهام، وغيرها.\n_________\n(^١) المحصول (٢/ ٥١٣/١ - ٥١٤)، وإرشاد الفحول ص ١٩٧، وعرّف بغير هذا انظرها في العدة لأبي يعلى (١/ ١٤٠)، والتمهيد لأبي الخطاب (١/ ٩)، والمسودة ص ٥٧٤، وشرح الكوكب (٣/ ١٠١).\n(^٢) ذكره العلائي في تلقيح الفهوم ص ٢٠٠ عن القرافي، وتعقبه في ذلك.\n(^٣) ألف العلائي كتابا في صيغ العموم سماه «تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم» مطبوع.\n(^٤) انظر التمهيد لأبي الخطاب (١/ ٩)، والروضة مع شرحها (٢/ ١٢٣)، والبحر المحيط للزركشي (٣/ ٦٢)، وشرح الكوكب (٣/ ١١٩)، وتفسير النصوص (٢/ ١٢)، وأضواء البيان (١/ ١٥٤ - ٢٧١)، (٧/ ٢٧٩ - ٦٣٨).\n(^٥) انظر العدة لأبي يعلى (٢/ ٥٠٠)، وشرح الكوكب (٣/ ١٥٣).","vol":"2","page":167},{"text":"ويستفاد العموم - أيضا - من غير هذه الصيغ فيؤخذ من المعنى، لا من اللفظ وهذا هو ما يسمى بالعموم المعنويّ، وهو أنواع (^١):\nمنها: عموم المفهوم مطلقا، سواء أكان مفهوم موافقة أم مخالفة، وذلك كعموم مفهوم الموافقة في قول الله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] فهو نهي عما هو مثل التأفف، أو أعلى منه من الأذى في حق الوالدين.\nومنها: خطاب الله تعالى للنبي ﷺ، فهو يعم الأمة على الصحيح، وهو ما ورد في القرآن مبدوءا بقول الله تعالي: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ،﴾ فهو من حيث اللفظ خاص موجّه إلى النبي ﷺ إلا أنه يحمل على العموم للأمة؛ وذلك لما دل عليه قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وكذا الأمر بمتابعته ﷺ.\nوقد دلّ عليه - أيضا - استقراء القرآن العظيم حيث يعبر فيه دائما بالصيغة الخاصة به ﷺ، ثم يشير إلى أن المراد عموم حكم الخطاب للأمة، كقوله في أول سورة الطلاق: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ،﴾ ثم قال: ﴿إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ الآية [الطلاق: ١]، فدل على دخول الكل حكما تحت قوله: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ،﴾ وقال في سورة التحريم ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] فدل على عموم الخطاب بقوله: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ،﴾ نحو ذلك من الآيات.\nوقد جاء معنى هذا النوع مصرحا به في قول الله تعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فإن هذا الخطاب خاص بالنبي ﷺ، وقد صرح - تعالى - بشمول حكمه لجميع المؤمنين في قوله: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ الآية.\nوجاء مشارا إليه في قوله تعالى: ﴿خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]؛\n_________\n(^١) انظرها في البحر المحيط للزركشي (٣/ ١٤٦)، وشرح الكوكب (٣/ ١٥٤ - ١٩٧)، وما بعدها، والواضح في أصول الفقه ص ١٨٨ - ١٩٢.","vol":"2","page":168},{"text":"لأن الخطاب الخاص به ﷺ في قوله: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾\nالآية، لو كان حكمه خاصا به ﷺ لأغنى ذلك عن قوله: ﴿خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ،﴾ كما هو ظاهر (^١).\nوالتخصيص هو: إخراج بعض ما تناوله العموم (^٢).\nومخصصات العموم قسمان (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-265>القسم الأول: المخصصات المتصلة:</span>\nوهي ما لا يستقل بنفسه، ويتعلق معناه باللفظ الذي قبله، وهي أنواع:\nمنها: الاستثناء، نحو قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦].\nومنها: الشرط، نحو قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥].\nومنها: الغاية، نحو قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ﴾\n[المائدة: ٦].\nومنها: الصفة، والمراد بها المعنوية لا النعت بخصوصه، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣].\n\n<span data-type='title' id=toc-266>القسم الثاني: المخصصات المنفصلة:</span>\nوهي: ما يستقل بنفسه، ولا يكون متصلا بالعام في الكلام، وتشمل دليل العقل، ودليل الحس، والدليل النقلي، والإجماع.\nنحو قوله تعالى: ﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] فإنا نعلم بالضرورة أنه\n_________\n(^١) انظر أضواء البيان (٢/ ٦٥ - ٦٧).\n(^٢) العدة لأبي يعلى (١/ ١٥٥)، وعرّف بغير هذا انظر البحر المحيط للزركشي (٣/ ٢٤١)، وشرح الكوكب (٣/ ٢٦٧).\n(^٣) انظرها في البحر المحيط للزركشي (٣/ ٢٧٣) ما بعدها، وشرح الكوكب (٣/ ٢٧٧) وما بعدها، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص ١٠١، والإتقان (٣/ ٤٦).","vol":"2","page":169},{"text":"ليس خالقا لنفسه، - تعالى وتقدس - أن يكون مخلوقا.\nومن حكم الدليل العقلي أن لا يخصّص إلا بالقضايا العقلية.\nومن حكم الدليل السمعي أن لا يخصّص إلا بالقضايا السمعية، والدليل العقلي لا يتصور فيه إخراج أمر خاص من خطاب عام، وإنما يتصور ذلك في الدليل السمعي (^١).\nومثال التخصيص بدليل الحس قول الله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾\n[النمل: ٢٣] مع أنها لم تؤت ما كان في يد سليمان.\nوذهب بعض العلماء منهم الإمام الشاطبي إلى أن هذا ليس من باب التخصيص؛ لأن الخارج بالعقل والحس لم يدخل في العموم حتى يبحث عن إخراجه فيكون مخصصا.\nفما لا يخطر ببال المتكلم عند قصده التعميم إلا بالإخطار لا يحمل لفظه عليه، إلا مع الجمود على مجرد اللفظ، وأما المعنى فيبعد أن يكون مقصودا للمتكلم، وهذا هو ما يصح بحسب لسان العرب (^٢).\nومثال تخصيص القرآن بالقرآن قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، خصص من هذا العموم الحامل بقول الله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، والمطلقة غير المدخول بها بقول الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحزاب: ٤٩].\nومثال تخصيص القرآن بالسنة قول الله تعالى: ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ [المائدة: ٣٨].\nخصّ من هذا العموم سرقة ما هو دون النصاب بقول النبي ﷺ: «لا تقطع اليد\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (٣/ ٣٥٩).\n(^٢) انظر الموافقات (٣/ ٢٧١).","vol":"2","page":170},{"text":"إلا في ربع دينار فصاعدا» (^١) ومثال تخصيص عموم القرآن بالإجماع قول الله تعالى:\n﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، فاللفظ العام في كل ولد حر أو عبد، وقد أجمع المسلمون أن الولد إذا كان عبدا لم يرث، وكذلك الأب إذا كان عبدا لم يرث (^٢).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-267> أدلة القاعدة:</span>\n١ - من أدلة هذه القاعدة قول الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ (٩٨) [الأنبياء: ٩٨].\nلما نزلت هذه الآية شق على كفار قريش، وقالوا: شتم آلهتنا، وأتوا ابن الزّبعرى وأخبروه، فقال: لو حضرته لرددت عليه، قالوا: وما كنت تقول له؟ قال: كنت أقول له: هذا المسيح تعبده النصارى، واليهود تعبد عزيرا أفهما من حصب جهنم؟ فعجبت قريش من مقالته، ورأوا أن محمدا قد خصم، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ (١٠١) [الأنبياء: ١٠١] (^٣) تنبيها على صرف العام عن شموله لبعض أفراده بالتخصيص، ولم ينكر ﷺ، ولا أصحابه تعلقه بعموم الآية (^٤).\nقال القرطبي: هذه الآية أصل في القول بالعموم، وأن له صيغا مخصوصة، خلافا لمن قال: ليست له صيغة موضوعة للدلالة عليه، وهو باطل بما دلّت عليه هذه الآية\n_________\n(^١) متفق عليه من حديث عائشة - ﵂ -، البخاري، كتاب الحدود، باب قوله الله تعالى:\nوَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما، وفي كم تقطع؟، انظر الصحيح مع الفتح (١٢/ ٩٩)، ومسلم، كتاب الحدود، حديث رقم (١ - ٤)، واللفظ له.\n(^٢) الإيضاح لناسخ القرآن ص ١٠٢.\n(^٣) أخرج القصة الواحدي في أسباب النزول ص ٣٠٥، والطبري في تفسيره (١٧/ ٩٦) عن ابن عباس - ﵄ -.\n(^٤) انظر كشف الأسرار عن أصول البزدوي (١/ ٦١٤)، وتفسير النصوص (٢/ ٧١).","vol":"2","page":171},{"text":"وغيرها، فهذا عبد الله بن الزّبعرى قد فهم «ما» في جاهليته جميع من عبد، ووافقه على ذلك قريش وهم العرب الفصحاء، واللسن البلغاء، ولو لم تكن للعموم لما صح أن يستثنى منها، وقد وجد ذلك فهي للعموم وهذا واضح اهـ (^١).\n٢ - ومن أدلة هذه القاعدة أن النبي ﷺ قررها بقوله وفعله، فمن ذلك قوله ﷺ في قضايا خاصة سئل فيها أهي لنا خاصة أم للناس عامّة؟: «بل للناس عامة» كما في قضية الذي نزلت فيه ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ [هود: ١١٤] وأشباهها، وقد جعل نفسه - ﵊ - قدوة للناس (^٢).\nوسيأتي الكلام على هذا الدليل في قاعدة: «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب».\nومن ذلك قول النبي ﷺ حين سئل عن الحمر الأهلية: «ما أنزل عليّ فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذّة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٨) [الزلزلة: ٧ - ٨]» (^٣)، فاستدل رسول الله ﷺ بعموم «من» لما لم يذكر له حكم؛ لأن السائل سأل عن صدقة الحمر وليس لها حكم خاص، فهذا استدلال بالعموم وإثبات لصيغته خلافا لمن أنكر أو وقف، وفيه تحقيق لإثبات العمل بظواهر العموم وأنها ملزمة حتى يدل دليل التخصيص (^٤).\n٣ - ومن أدلة هذه القاعدة إجماع سلف الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم على إجراء ألفاظ الكتاب والسنة على العموم إلا ما دل الدليل على تخصيصه، وقد ثبت أنهم كانوا يطلبون دليل الخصوص لا دليل العموم (^٥).\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (١١/ ٣٤٣).\n(^٢) الموافقات (٣/ ٥١ - ٥٢).\n(^٣) متفق عليه من حديث أبي هريرة، البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الخيل لثلاثة … انظر الصحيح مع الفتح (٦/ ٧٥)، ومسلم كتاب الزكاة، حديث رقم (٢٤).\n(^٤) انظر فتح الباري (٦/ ٧٧)، وتفسير النصوص (٢/ ٦٤ - ٦٥).\n(^٥) انظر العدة لأبي يعلى (٢/ ٤٩٢)، وكشف الأسرار (١/ ٦١٤).","vol":"2","page":172},{"text":"وشواهد هذا كثيرة جدا:\nمنها: فهم الظلم في قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] على عموم لفظه فشق عليهم ذلك حتى بين لهم النبي ﷺ أن الظلم في الآية هو الشرك، وليس على عمومه في شمول ما ينطوي تحته من أفراد العام (^١).\nومنها: منع أبي بكر الصديق - ﵁ - توريث فاطمة - ﵂ - من أبيها - ﵊ - مع عموم قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] تخصيصا لهذا العموم بقول النبي ﷺ: «لا نورّث ما تركناه صدقة» (^٢)، وكان احتجاج فاطمة - ﵂ - وبعض الصحابة في هذه المسألة بعموم آية الميراث حتى نقل لهم هذا الحديث المخصص لعموم آية الميراث، مما يدلّ على فهمهم الطبعي للعموم من آية الميراث، وكان بحثهم عن النص المخصص لهذا العموم (^٣).\nوأمثال ذلك كثير جدا في احتجاجهم لأقوالهم وفتاواهم (^٤) (¬،*).\n_________\n(^١) تفسير النصوص (٢/ ٧١).\n(^٢) متفق عليه من حديث عائشة، البخاري، كتاب الفرائض، باب قول النبي ﷺ: «لا نورث ما تركنا صدقة»، انظر الصحيح مع الفتح (١٢/ ٧)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، حديث رقم (٥١ - ٥٢).\n(^٣) انظر كشف الأسرار (١/ ٦١١)، وتفسير النصوص (٢/ ٦٦).\n(^٤) انظر مزيدا في أصول السرخسي (١/ ١٣٥)، وكشف الأسرار (١/ ٦٠٩) وما بعدها، والموافقات (٣/ ٥١).\n(¬*» وفي هذه الأدلة رد على الذين ذهبوا إلى التوقف عن العمل بصيغ العموم حتى يقوم دليل عموم أو خصوص، وهذا مذهب عامة الأشاعرة وبعض المتكلمين.\nوفيها رد على من ذهب إلى حمل صيغة العموم على بعض ما يقتضيه الاسم في اللغة دون بعض.\nبهذا قال الجبّائي من المعتزلة، [انظر هذين المذهبين في أصول السرخسي (١/ ١٣٢)، وتلقيح الفهوم ص ١٠٧، وإرشاد الفحول ص ٢٠٢، وتفسير النصوص (٢/ ١٩)].\nويكفي في التدليل على بطلان هذين القولين، أنهما مخالفان لظواهر الكتاب والسنة، وما عليه سلف -","vol":"2","page":173},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-268> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nهذه القاعدة من القواعد التي اعتمدها عامة علماء، وأصحاب المذاهب، وعليها إجماع سلف الأمة، وأقوالهم في اعتمادها كثيرة جدا، أذكر هنا بعض أقوالهم، فمن هؤلاء الأئمة الذين اعتمدوها:\n١ - الإمام الشافعي: قال في الرسالة: ولا يقال بخاص في كتاب الله ولا سنة إلا بدلالة فيهما أو في واحد منهما، ولا يقال بخاص حتى تكون الآية تحتمل أن يكون أريد بها ذلك الخاصّ، فأمّا ما لم تكن محتملة له فلا يقال فيها بما لم تحتمل الآية اهـ (^١).\nوقال في موضع آخر: فكلّ كلام كان عامّا ظاهرا في سنة رسول الله فهو على ظهوره وعمومه حتى يعلم حديث ثابت عن رسول الله - بأبي هو وأمي - يدلّ على\n_________\n=) - الأمة، وهما قولان محدثان لم يكن لهما وجود في القرون المفضلة، ولم يقل بهما أحد مما شهد له بالإمامة في الدين، ولا قالت بهما طائفة لها مذهب مستقر في العلم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض ردّه على من ادعى ضعف دلالة العموم أو أنكرها: أمّا دلالة «العموم المعنويّ العقلي» فما أنكره أحد من الأمة فيما أعلمه، بل ولا من العقلاء، ولا يمكن إنكارها … وأمّا «العموم اللفظي» فما أنكره - أيضا - إمام ولا طائفة لها مذهب مستقر في العلم، ولا كان في القرون الثلاثة من ينكره وإنما حدث إنكاره بعد المائة الثانية، وظهر بعد المائة الثالثة، وأكبر سبب إنكاره إما من المجوّزين للعفو من «أهل السنة»، ومن المرجئة من ضاق عطنه لما ناظره الوعيدية بعموم آيات الوعيد وأحاديثه، فاضطره إلى أن جحد العموم في اللغة والشرع فكانوا فيما فروا إليه من هذا الجحد كالمستجير من الرمضاء بالنار اه من الفتاوى (٦/ ٤٤٠ - ٤٤١).\nومذهب جميع الخلائق من الأولين والآخرين إلا شرذمة من المرجئة والأشعرية والشيعة أن للعموم صيغا، والعام يقبل التخصيص، وهؤلاء التزموا إنكار العموم لئلا يدخل جميع المؤمنين في نصوص الوعيد، انظر فتاوى ابن تيمية (١٢/ ٤٨١ - ٤٨٢) وقد أطال - ﵀ - في إبطال هذين القولين الشاذين. انظر مجموع الفتاوى (٦/ ٤٣٩) وما بعدها، و(١٢/ ٤٨١) وما بعدها، ومن قبله أبو محمد ابن حزم في الأحكام (٣/ ٣٦١) وما بعدها.\n(^١) الرسالة ص ٢٠٧.","vol":"2","page":174},{"text":"أنه إنما أريد بالجملة العامّة في الظاهر بعض الجملة دون بعض اهـ (^١).\n٢ - ومنهم الإمام الطبري: فقد نص على هذه القاعدة، واستعملها في الترجيح بين الأقوال المختلفة في التفسير في مواضع كثيرة جدا لا تحصر من تفسيره إلا بمشقة.\nفهو يردّ بهذه القاعدة الأقوال التي ادّعت الخصوص في آيات ظاهرها العموم، فيقرر أنه غير جائز ادعاء خصوص في آية عامّ ظاهرها إلا بحجة يجب التسليم لها (^٢).\nويبدي ويعيد في تقرير هذا المعنى بنحو قوله: وليس لأحد أن يجعل خبرا جاء الكتاب بعمومه، في خاصّ مما عمه الظاهر، بغير برهان من حجة خبر أو عقل (^٣).\nوبنحو قوله: وغير جائز أن يخصّ ذلك إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر، أو عقل، ولا خبر بخصوص ذلك، ولا برهان يجب التسليم له بخصوصه، فهو على عمومه كما عمه (^٤).\n٣ - ومنهم مكي بن أبي طالب: فقد قرر هذه القاعدة بقوله: اعلم أن القرآن إذا أتت اللفظة منه تعم ما تحتها حملت على ذلك من عمومها - عند مالك وأصحابه - حتى يأتي ما يخصّصها فتحمل عليه اهـ (^٥).\n٤ - ومنهم أبو بكر بن العربي: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] ذكر الخلاف في المراد بالمساجد المذكور في الآية.\nإلى أن قال: الرابع: أنه كلّ مسجد، وهو الصحيح؛ لأن اللفظ عام ورد بصيغة\n_________\n(^١) الرسالة ص ٣٤١.\n(^٢) جامع البيان (٢/ ٥٣٩) ط: شاكر.\n(^٣) جامع البيان (١٣/ ١٣٤) ط: شاكر.\n(^٤) جامع البيان (٣٠/ ١٩٦).\n(^٥) الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص ١٠١.","vol":"2","page":175},{"text":"الجمع، فتخصيصه ببعض المساجد، أو بعض الأزمنة محال اهـ (^١).\n٥ - ومنهم القاضي أبو محمد ابن عطية: فقد استعمل هذه القاعدة في الترجيح كثيرا، فردّ كثيرا من الأقوال التي ادّعت التخصيص لعمومات بعض الآيات بقوله:\nإنه تخصيص لا دليل عليه (^٢)، وأحيانا يقول: وهذا التخصيص كله لا وجه له إذ اللفظ يعم اهـ (^٣) وأحيانا يقول: وأصوب ما يقال في تفسير هذه الآية أن تعمم ألفاظها بغاية ما تتناول اهـ (^٤) ونحو هذا كثير.\n٦ - ومنهم ابن جزيّ الكلبي: فقد ذكر هذه القاعدة في وجوه الترجيح التي قررها في مقدمة تفسيره قال فيها: التاسع: تقديم العمومي على الخصوصي، فإن العمومي أولى؛ لأنه الأصل إلا أن يدل دليل على التخصيص اهـ (^٥).\n٧ - ومنهم العلاّمة الألوسي: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾\n[التحريم: ٤] بعد أن ذكر أقوالا تحمل الآية على أفراد مخصوصين كالقول بأنهم أبو بكر، وعمر، أو علي، ونحو ذلك، قال - معقبا على ذلك -: وأنا أقول العموم أولى، وهما - وكذا علي كرم الله وجهه - يدخلان دخولا أوليا. اه (^٦).\n٨ - ومنهم العلاّمة الشنقيطيي: فقد قرر هذه القاعدة، واستعملها في الترجيح في مواضع كثيرة، فهو يقررها بما تقرر في أصول الفقه، بنحو قوله: وقد تقرر في الأصول أنه لا يمكن تخصيص العام إلى بدليل يجب الرجوع إليه، سواء كان من المخصصات المتصلة، أو المنفصلة اهـ (^٧).\n_________\n(^١) أحكام القرآن (١/ ٥٠).\n(^٢) المحرر الوجيز (١/ ٢٠).\n(^٣) المحرر الوجيز (٧/ ٦)، و(٥/ ٢٠٤).\n(^٤) المحرر الوجيز (٥/ ٧).\n(^٥) التسهيل (١/ ٩).\n(^٦) روح المعاني (٢٨/ ١٥٤).\n(^٧) أضواء البيان (٥/ ٧٨)، وانظر نحو هذا التقرير (٣/ ٢٤٦)، و(٧/ ٤٣١) منه.","vol":"2","page":176},{"text":"وهذه القاعدة من القواعد الأصولية التي قررها علماء الأصول.\nفيجب حمل اللفظ عندهم على عمومه إلا أن يرد دليل يخصصه (^١).\nوإذا دار الأمر في اللفظ بين جريانه على عمومه أو تخصيصه، فإنه يحمل على عمومه؛ لأن الأصل بقاء العموم (^٢).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-269> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nمن أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].\nاختلف العلماء في تفسير هذه الآية على قولين:\nأحدهما: أن حكم هذه الآية عام في المطلقات، والمتوفى عنهن أزواجهن، فعدّتهن وضع الحمل، وهذا قول جماهير العلماء من الصحابة ومن بعدهم.\nوالآخر: أن حكم الآية خاصّ في المطلقات، وأمّا المتوفى عنها فإن عدتها أبعد الأجلين، وهذا القول مروي عن عليّ وابن عباس - ﵃ - وهو أحد القولين في مذهب مالك (^٣).\nوهذه القاعدة ترجح القول الأول، أخذا بعموم ألفاظ الآية، ولا دليل يوجب تخصيص عموم ألفاظها.\nوصيغة العموم في الآية جمع مضاف إلى معرف بأل - ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ﴾ - والمضاف إلى المعرف بأل من صيغ العموم (^٤).\n_________\n(^١) انظر التمهيد لأبي الخطاب (١/ ٩).\n(^٢) شرح الكوكب (١/ ٢٩٥)، وانظر شرح تنقيح الفصول ص ١١٢.\n(^٣) ذكر هذين القولين في الآية عامة المفسرين، انظر جامع البيان (٢٨/ ١٤٢ - ١٤٤)، والمحرر الوجيز (١٦/ ٤٠ - ٤١)، وتفسير ابن كثير (٨/ ١٧٥) وما بعدها، والجامع لأحكام القرآن (٣/ ١٧٤)، وغيرها من كتب التفسير.\n(^٤) انظر زاد المعاد (٥/ ٥٩٤)، وأضواء البيان (١/ ٢٨٠).","vol":"2","page":177},{"text":"قال الإمام الطبري: والصواب من القول في ذلك أنه عامّ في المطلقات والمتوفى عنهنّ؛ لأن الله - جلّ وعزّ -، عمّ بقوله ذلك فقال: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ،﴾ ولم يخص بذلك الخبر عن مطلقة دون متوفى عنها، بل عمّ الخبر به عن جميع أولات الأحمال، إن ظنّ ظانّ أن قوله: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ في سياق الخبر عن أحكام المطلقات دون المتوفى عنهنّ، فهو بالخبر عن حكم المطلقة أولى بالخبر عنهنّ، وعن المتوفى عنهنّ، فإن الأمر بخلاف ما ظنّ؛ وذلك أن ذلك وإن كان في سياق الخبر عن أحكام المطلقات، فإنه منقطع عن الخبر عن أحكام المطلقات، بل هو مبتدأ عن أحكام عدد جميع أولات الأحمال المطلقات منهنّ وغير المطلقات، ولا دلالة على أنه مراد به بعض الحوامل دون بعض من خبر ولا عقل، فهو على عمومه لما بيّنا اهـ (^١).\nويؤيد هذه القاعدة فيما رجحته قاعدة: «إذ ثبت الحديث، وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجّح له على ما خالفه».\nوقد ثبت في الصحيحين أن زوج سبيعة الأسلمية (^٢) قتل وهي حبلى، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت، فأنكحها رسول الله ﷺ (^٣).\nوهذا الحديث فصل الخطاب في موضع النزاع.\nومن العلماء من جعل هذه الآية وقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] من تعارض\n_________\n(^١) انظر جامع البيان (٢٨/ ١٤٤).\n(^٢) هي: سبيعة بنت الحارث الأسلمية، ثبتت قصتها في الصحيحين وغيرهما، يروى عنها عبد الله بن عمر على خلف فيه، ومسروق بن الأجدع وآخرون، انظر الإصابة (٨/ ٣).\n(^٣) متفق عليه، البخاري، كتاب التفسير، سورة الطلاق، باب وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤) انظر الصحيح مع الفتح (٨/ ٥٢١) ومسلم، كتاب الطلاق، حديث رقم (٥٦ - ٥٧).","vol":"2","page":178},{"text":"الأعمين من وجه (^١)، فالحامل المتوفى عنها زوجها تدخل تحت عموم الآيتين، ومن قال بأنها تعتد بآخر الأجلين أراد الجمع بين الآيتين، فهي إذا قضت أقصى الأجلين فقد عملت بمقتضى الآيتين (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-270>والجواب عن هذا من وجوه:</span>\nأحدها: أنه لا عموم في آية البقرة؛ إذ لفظ «أزواجا» نكرة والجمع المنكّر لا يفيد العموم عند أكثر العلماء (^٣)، وبقى عموم آية ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ﴾ [الطلاق: ٤]، ولا مخصص له، فوجب حملها على العموم، فسقطت بهذا دعوى التعارض بين الأعمين في الآيتين.\nالثاني: على القول بأن الجموع المنكرة تفيد العموم، فإن عموم آية البقرة دخله تخصيص، وهو في حالة تمادي حمل الحامل أكثر من أربعة أشهر وعشرا فإنها تتربص حتى تضع، ولا ينتهي أجلها إلا بوضع الحمل إجماعا.\nإذا تقرر هذا فعموم آية البقرة مخصوص، وعموم آية سورة الطلاق غير مخصوص، والعموم الذي لم يدخله التخصيص مقدم (^٤).\nالثالث: على القول بأن الجموع المنكرة تفيد العموم، وبعدم وجود المخصص لآية البقرة يظهر التعارض بين الأعمين، فيرجح بينهما، والراجح يخصّص به عموم المرجوح.\nإذا تقرر هذا فالراجح عموم آية سورة الطلاق وذلك لحديث سبيعة الأسلمية الآنف الذكر، فإنه في موضع النزاع، فالرسول ﷺ جعل عدّتها وضع الحمل، فتبين أن آية سورة الطلاق محمولة على عمومها في المطلقة والمتوفى عنها زوجها.\n_________\n(^١) انظر أضواء البيان (١/ ٢٨٠).\n(^٢) انظر الجامع لأحكام القرآن (٣/ ١٧٥)، وزاد المعاد (٥/ ٥٩٧ - ٥٩٨).\n(^٣) انظر تلقيح الفهوم ص ٣٤٨، وشرح الكوكب (٣/ ١٤٢)، وأضواء البيان (١/ ٢٨٠).\n(^٤) انظر زاد المعاد (٥/ ٥٩٦)، والجامع لأحكام القرآن (٣/ ١٧٦)، وانظر شرح الكوكب (٤/ ٦٧٤ - ٦٧٥).","vol":"2","page":179},{"text":"فإذا كان ذلك كذلك فعموم آية سورة الطلاق مخصّص لعموم آية سورة البقرة (^١)، فيجب إجراؤها على عمومها كما تقرر هذه القاعدة وهذا هو ما رجحه أئمة التفسير (^٢).\n_________\n(^١) انظر أضواء البيان (١/ ٢٨٠).\n(^٢) انظر جامع البيان (٢٨/ ١٤٤)، وأحكام القرآن للهراسي (٤/ ٤٢١ - ٤٢٢)، وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ٢٨٠)، (٤/ ٢٨٦)، المحرر الوجيز (١٦/ ٤١)، والجامع لأحكام القرآن (٣/ ١٧٤)، و(١٨/ ١٦٥)، وزاد المعاد (٥/ ٥٩٤)، وتفسير ابن كثير (٨/ ١٧٥)، وأضواء البيان (١/ ٢٨٠).\n* وأمثلة هذه القاعدة كثيرة جدا انظر جملة منها في:\nجامع البيان (١/ ١٠٠، ١٠١، ٢٤٢، ٣٢٤، ٣٤٨، ٣٤٩، ٥٠٨، ٥١٠)، و(٢/ ٧٠، ٧٢، ٧٣، ١٢١، ١٤٣، ٢٦٧، ٣٠١، ٣١٨، ٣٢٥، ٤٠٣، ٤٧٠، ٤٧٣، ٤٩٤، ٥٣٥، ٥٧٦) و(٤/ ٤١)، و(٥/ ٢٩٣)، و(٧/ ٣، ١٠٢، ١٢٣، ١٤٥، ١٨٩، ٢٧٤)، و(٨/ ٢، ٤٨، ٦١، ٧٣، ٧٤، ١٧٦)، و(٩/ ٨٧، ٢٤٦)، و(١٠/ ٤٨)، و(١١/ ٣٩)، و(١٥/ ٩٩، ٢٥٦)، و(١٧/ ٢١، ٨٣، ١٤١، ١٤٢، ١٤٧، ١٥٧)، و(١٨/ ٣، ١٦١)، و(١٩/ ٥، ١٢٦)، و(٢٣/ ١٤٠، ١٤١)، و(٢٦/ ٢٠٦)، و(٢٧/ ٧٣)، و(٢٨/ ١٣٤)، و(٢٩/ ٢١٠، ٢٢٩، ٢٣١، ٢٣٢)، و(٣٠/ ٢٤، ٢٨، ٧٧، ١٠٠، ١٠١، ١٥٢، ١٥٩، ١٦٠، ١٩٦، ٢٣٧، ٢٧٤، ٢٧٥، ٢٨٩، ٢٩٠، ٣٠٩، ٣١٩، ٣٢٠، ٣٢٨، ٣٥٢، ٣٥٣، ٣٥١، ٣٥٤، ٣٥٥، ٣٥٦). والمحرر الوجيز (١/ ٩٨، ١٢٠، ١٩٧)، و(٢/ ١٠١، ١٢٣، ١٤٢)، و(٤/ ٧٩، ٢٦٣)، و(٥/ ٧، ٢٠٤)، و(٦/ ١٩٠)، و(٧/ ٦، ٢٢٢)، و(٨/ ١٤١). وفتاوى ابن تيمية (٢٠/ ٢٧١)، و(١٦/ ٥٩١). البحر المحيط (٢/ ١١٢). وأضواء البيان (١/ ٩٤، ٢٧١، ٢٧٩)، و(٣/ ٨٢، ٢٨٩، ٢٤٦)، و(٤/ ٨٨، ١٠٩)، و(٥/ ٧٨)، و(٦/ ٥١، ٨٣، ٥٤٠)، و(٧/ ١٢، ١٠٢، ٢٧٩، ٤٣١، ٦٣٨).","vol":"2","page":180},{"text":"<span data-type='title' id=toc-271>المطلب السادس عشر:\nقاعدة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب</span>\n*<span data-type='title' id=toc-272> صورة القاعدة:</span>\nإذا صح للآية سبب نزول، وجاءت ألفاظها أعم من سبب نزولها، ومستقلا بنفسه إن كان جواب سؤال - أي يصح الابتداء به ويكون تاما مفيدا للعموم (^١) - واختلف العلماء فيها، فمنهم من جعلها قاصرة على سبب نزولها لا تتعداه إلى ما سواه، وآخرون حملوها على عموم ألفاظها، شاملة لأفراد السبب، ولأفراد غيره مما شابهه، فالقول الحق هو قول من حملها على عموم ألفاظها ولم يقصرها على سبب نزولها، بل تتعداه إلى غيره مما ينطبق عليه لفظ الآية. ما لم يدل دليل على تخصيص عموم اللفظ (^٢)، «وما لم تكن هناك قرينة تعميم، فإن كانت، فالقول بالتعميم ظاهر كل الظهور، بل لا ينبغي أن يكون في التعميم خلاف» (^٣).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-273> أدلة القاعدة:</span>\nأولا: قرر هذه القاعدة النبي ﷺ، وبين للأمة أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - «أن رجلا أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فأنز الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود: ١١٤].\n_________\n(^١) البحر المحيط للزركشي (٣/ ١٩٨).\n(^٢) انظر البحر المحيط للزركشي (٣/ ٢١٢).\n(^٣) الأشباه والنظائر، لابن السبكي (٢/ ١٣٦).","vol":"2","page":181},{"text":"فقال رجل: يا رسول الله، ألي هذا؟ قال: «لجميع أمّتي كلّهم» (^١).\nقال العلامة الشنقيطي - معلقا على هذا الحديث -:\nفهذا الذي أصاب القبلة من المرأة نزلت في خصوصه آية عامة اللفظ، فقال للنبي ﷺ ألي هذه؟ ومعنى ذلك: هل النص خاص بي لأني سبب وروده؟ أو هو على عموم لفظه؟ وقول النبي ﷺ له: «لجميع أمتي» معناه أن العبرة بعموم لفظ ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ لا بخصوص السبب. والعلم عند الله - تعالى - اه (^٢).\nثانيا - أفتى النبي ﷺ بمضمون هذه القاعدة، وبما تقرره، في قصة سلمة بن صخر الأنصاري (^٣) حين ظاهر من امرأته (^٤)، حيث أجرى عليه عموم لفظ آيات الظهار\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلاة كفارة، انظر الصحيح مع الفتح (٢/ ١٢) وأخرجه أيضا في كتاب التفسير، تفسير سورة هود انظر الفتح (٨/ ٢٠٥). وأخرجه مسلم، كتاب التوبة، حديث رقم (٣٩ - ٤٢).\n(^٢) أضواء البيان (٣/ ٢٥٠).\n(^٣) هو سلمة بن صخر بن سليمان الخزرجي الأنصاري، له صحبة، وكان أحد البكائين في جيش العسرة. قال البغوي: لا أعلم له حديثا مسندا إلا حديث الظهار. انظر تهذيب الكمال (١١/ ٢٨٨)، والإصابة (٣/ ١١٧).\n(^٤) أخرج القصة الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٣٧)، وأبو داود في السنن، كتاب الطلاق، باب في الظهار (٢/ ٢٦٥)، والترمذي، كتاب التفسير، تفسير سورة المجادلة (٥/ ٣٧٨)، وابن ماجة، كتاب الطلاق، باب الظهار (١/ ٦٦٥).\nومضمون القصة أنه وقع على امرأته بعد أن ظاهر منها، فأتى النبي ﷺ فأخبره الخبر. فقال ﷺ: «أنت بذاك يا سلمة؟» قال سلمة: قلت: أنا بذاك يا رسول الله مرتين، وأنا صابر لأمر الله فاحكم فيّ ما أراك الله، قال: «حرّر رقبة» قلت: والذي بعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها، وضربت صفحة رقبتي، قال:\n«فصم شهرين متتابعين» قال: وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام؟ قال: «فأطعم وسقا من تمر بين ستين مسكينا» قلت: والذي بعثك بالحق بتنا وحشين ما لنا طعام قال: «فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك، فأطعم ستين مسكينا وسقا من تمر وكل أنت وعيالك بقيتها».\nقال الحافظ ابن كثير - بعد أن ذكر سبب نزول آيات الظهار، وأنها نزلت في أوس بن الصامت وزوجه -:\nهذا هو الصحيح في سبب نزول صدر هذه السورة فأما حديث سلمة بن صخر فليس فيه أنه كان سبب النزول، ولكن أمر بما أنزل الله في هذه السورة من العتق أو الصيام، أو الإطعام. اهـ (٨/ ٦٢).","vol":"2","page":182},{"text":"دون أن يذكر قياسا أو دليلا آخر.\nثالثا: روى الزركشي حكاية الإجماع على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (^١).\nرابعا - أن الله تعالى لم يجعل الأحكام معلقة بالأسباب، بل ربما أعرض عنها، بالكلية، وانتقل إلى بيان المهم كما في قوله تعالى: ﴿* يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] فإن السؤال كان عن شكل الهلال، ما باله يبدو فيطلع دقيقا مثل الخيط ثم يزيد حتى يعظم ويستوي ويستدير، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يكون كما كان (^٢). فجاء الجواب على غير السبب.\nوكقوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥] فجاء الجواب على خلاف السؤال الذي كان سببا في النزول، «فإن الاعتبار للفظ في كلام الشارع، واللفظ يقتضي العموم بإطلاقه فيجب إجراؤه على عمومه إذا لم يمنع عنه مانع، والسبب لا يصلح مانعا؛ لأنه لا ينافي عمومه، والمانع هو المنافي» (^٣).\nخامسا - احتجاج الصحابة وغيرهم من أئمة الإسلام الأعلام في جميع الأعصار والأمصار في وقائع مختلفة بعموم آيات نزلت على أسباب خاصة، وهذا أمر شائع ذائع بينهم، ولم يعرف عنهم أنهم لجأوا إلى قياس أو استدلال بغير ألفاظ الآيات، فدل ذلك على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (^٤).\n_________\n(^١) البحر المحيط (٣/ ١٩٨)، وانظر إرشاد الفحول ص ٢٣٠).\n(^٢) أسباب النزول للواحدي ص ٥٣.\n(^٣) كشف الأسرار عن أصول البزدوي (٢/ ٤٨٩)، وانظر التمهيد لأبي الخطاب (٢/ ١٦٣)، والمحصول (٣/ ١٨٩/١)، والبحر المحيط للزركشي (٣/ ٣٨٠)، وإرشاد الفحول ص ٢٣٢، ومناهل العرفان (١/ ١٢٧ - ١٢٨).\n(^٤) انظر الإتقان (١/ ٨٥)، ومناهل العرفان (١/ ١٢٩)، والمدخل لأبي شهبة ص ١٤٥.","vol":"2","page":183},{"text":"- وسيأتي في الفقرة التالية بعض أقوالهم في اعتمادها وتقريرها - وأدلة هذه القاعدة كثيرة (^١).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-274> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nاعتمد هذه القاعدة أكثر علماء الأمة من مفسرين وغيرهم، واتفق عليها المحققون من أهل الأصول، فمن هؤلاء الأئمة:\n١ - حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس - ﵄ -: أخرج الطبري بسنده عنه قوله - في قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٨) [البقرة: ٨]-: يعني المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم. اه (^٢).\n٢ - ومنهم كعب بن عجرة (^٣) - ﵁ -: فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن معقل بن مقرن (^٤) قال: جلست إلى كعب بن عجرة فسألته عن الفدية، فقال: نزلت في خاصة وهي لكم عامة ..» (^٥).\n_________\n(^١) انظر جملة منها في العدة لأبي يعلى (٢/ ٦٠٨ - ٦١٠)، والتمهيد لأبي الخطاب (٢/ ١٦٢ - ١٦٤)، والمحصول (٣/ ١٨٩/١)، وشرح الكوكب المنير (٣/ ١٧٩).\n(^٢) جامع البيان (١/ ١١٦).\n(^٣) هو: كعب بن عجرة الأنصاري السالمي من أهل بيعة الرضوان، له عدة أحاديث، نزل فيه قول الله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:\n١٩٦]، توفي سنة اثنتين وخمسين. سير أعلام النبلاء (٣/ ٥٢).\n(^٤) هو: عبد الله بن معقل بن مقرّن المزني أبو الوليد الكوفي، لأبيه صحبة، روى عن أبيه وعن كعب بن عجرة وابن مسعود وغيرهم، أخرج له البخاري ومسلم وغيرهما. قال العجلي: كوفي تابعي ثقة من خيار التابعين. اه توفي سنة ثمان وثمانين، تهذيب الكمال (١٦/ ١٦٩)، وسير أعلام النبلاء (٤/ ٢٠٦).\n(^٥) صحيح البخاري، كتاب المحصر، باب الإطعام في الفدية نصف صاع. انظر الصحيح مع الفتح (٤/ ٢١)، ومسلم، كتاب الحج حديث رقم (٨٦).","vol":"2","page":184},{"text":"٣ - ومنهم محمد بن كعب القرظي: أخرج الطبري بسنده قوله: إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد. اه (^١).\n٤ - ومنهم الإمام محمد بن جرير الطبري: قرر هذه القاعدة بقوله: إن الآية كانت قد نزلت لسبب من الأسباب، ويكون الحكم بها عامّا في كل ما كان بمعنى السبب الذي نزلت فيه اهـ (^٢).\n٥ - ومنهم القاضي أبو محمد ابن عطية: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢٧٤) [البقرة: ٢٧٤] بعد أن ذكر أنها نزلت في علي بن أبي طالب قال: والآية وإن كانت نزلت في علي - ﵁ - فمعناها يتناول كل من فعل فعله اهـ (^٣).\n٦ - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: قال - في معرض تقريره لهذه القاعدة -: فالآية التي لها سبب معين إن كانت أمرا أو نهيا فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته، وإن كانت خبرا بمدح أو ذم فهي متناولة لذلك الشخص وغيره ممن كان بمنزلته أيضا. اه (^٤).\nوقال - أيضا -: وقصر عمومات القرآن على أسباب نزولها باطل، فإن عامة الآيات نزلت بأسباب اقتضت ذلك، وقد علم أن شيئا منها لم يقصر على سببه اهـ (^٥).\n٧ - ومنهم أبو حيان الأندلسي: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ﴾\n_________\n(^١) جامع البيان (٢/ ٣١٣).\n(^٢) جامع البيان (١٤/ ١٦٥)، وانظر أيضا فيه تحرير هذه القاعدة (١/ ١٨٣)، (٢/ ٣٢٢)، (٥/ ٩)، (١٧/ ١٣٣).\n(^٣) المحرر الوجيز (٢/ ٣٤٣). وانظر أيضا فيه استعمال القاعدة (٦/ ١٠٩).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٣٩).\n(^٥) مجموع الفتاوى (١٥/ ٣٦٤).","vol":"2","page":185},{"text":"﴿مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] بعد أن ذكر جملة من الأقوال في أسباب النزول، قال: وظاهر الآية العموم في كل مانع وفي كل مسجد، والعموم وإن كان سبب نزوله خاصا، فالعبرة به لا بخصوص السبب. اه (^١).\n٨ - ومنهم الحافظ ابن كثير: فبعد أن ساق أسباب نزول قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ [الأنفال: ٢٧] الآية. قال: قلت: والصحيح أن الآية عامة، وإن صح أنها وردت على سبب خاص، فالأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند الجماهير من العلماء. اه (^٢).\n٩ - ومنهم العلامة عبد الرحمن ابن سعدي: فقد ذكر هذه القاعدة ضمن قواعده الحسان فقال: القاعدة الثانية: العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، وهذه القاعدة نافعة جدا، بمراعاتها يحصل للعبد خير كثير وعلم غزير، وبإهمالها وعدم ملاحظتها يفوته علم كثير، ويقع في الغلط والارتباك الخطير.\nوهذا الأصل اتفق عليه المحققون من أهل الأصول وغيرهم اهـ (^٣).\n١٠ - ومنهم العلامة محمد الأمين الشنقيطي: فقد نص على هذه القاعدة كثيرا ورجح بها، واستند إليها في تفسير الآيات (^٤)، وقد سبق في أدلة القاعدة بعض كلامه.\nوغير هؤلاء الأئمة كثير جدا (^٥).\n_________\n(^١) البحر المحيط (١/ ٥٧١).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم (٣/ ٥٨٢).\n(^٣) القواعد الحسان، ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفاته في التفسير (٨/ ١٤).\n(^٤) انظر مثلا أضواء البيان (١/ ١١٣، ١٣٦، ٤٨٢)، (٢/ ١٠٤، ١٠٩)، (٣/ ٦١٩)، (٤/ ٨٦، ١٢٥، ١٣٤، ١٩٢، ٣٠٨)، (٥/ ٧٨)، (٦/ ٣١٣).\n(^٥) وانظر تأويل مشكل القرآن ص ٢٦٢، وغرائب التفسير (٢/ ٧٩٣)، والكشاف (١/ ٣٠٦)، ومفاتيح الغيب (٦/ ٥٧)، (٢٣/ ١٩٤)، ومدارك التنزيل (٢/ ١١٢٧)، وفتح القدير (١/ ٣٠١)، (٤/ ١٧)، وروح المعاني (١٧/ ١٣٣) وفتح البيان (٩/ ١٩١).","vol":"2","page":186},{"text":"واعتمد هذه القاعدة ونص عليها أكثر علماء الأصول فهي قاعدة أصولية مشهورة (^١)، وكذا هي ذات تعلق وثيق بمبحث أسباب النزول من مباحث علوم القرآن (^٢).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-275> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nمن أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢٣) [النور: ٢٣].\nاختلف أهل التأويل في المحصنات اللاتي هذا حكمهن (^٣).\nفقال بعضهم: إنما ذلك لعائشة خاصة، وحكم من الله فيها وفيمن رماها، دون\n_________\n(^١) وبها قال جمهور الأصوليين.\nوذهب مالك في رواية وبعض الشافعية وأبو ثور إلى أن اللفظ العام يقصر على سببه، ولا يؤخذ حكم ما أشبه صورة السبب من نصّ الآية، وإنما يعلم بدليل مستأنف آخر من قياس وغيره.\nوهذا المذهب ضعيف لما قد بينا من أدلة هذه القاعدة.\nقال الشوكاني - معلقا على مذهب الجمهور -: وهذا هو الحق الذي لا شك فيه ولا شبهة؛ لأن التعبد للعباد إنما هو باللفظ الوارد عن الشارع، وهو عام، ووروده على سؤال خاص لا يصلح قرينة لقصره على ذلك السبب، ومن ادعى أنه يصلح لذلك فليأت بدليل تقوم به الحجة، ولم يأت أحد من القائلين بالقصر على السبب بشيء يصلح لذلك، وإذا ورد في بعض المواطن ما يقتضي قصر ذلك العام الوارد فيه على سببه لم يجاوز به محله بل يقصر عليه، ولا جامع بين الذي ورد فيه بدليل يخصه وبين سائر العمومات الواردة على أسباب خاصة حتى يكون ذلك الدليل في ذلك الموطن شاملا لها. اه من إرشاد الفحول ص ٢٣٢.\nوانظر رد حجج من ذهب إلى قصر العام على سببه في العدة لأبي يعلى (٢/ ٦١١)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٢/ ١٦٤)، والمحصول (٣/ ١٩٠/١)، والأشباه والنظائر لابن السبكي (٢/ ١٣٤)، وشرح الكوكب (٣/ ١٨٠)، وإرشاد الفحول ص ٢٣٢)، ومناهل العرفان (١/ ١٠٣).\n(^٢) انظر البرهان للزركشي (١/ ٣٢)، والإتقان (١/ ٨٥)، ومناهل العرفان (١/ ١٢٥)، ومباحث في علوم القرآن لمناع القطان ص ٨٢، والمدخل لدراسة القرآن لأبي شهبة ص ١٤٢.\n(^٣) ذكر هذه الأقوال عامة المفسرين. انظرها وقائليها في جامع البيان (١٨/ ١٠٣) وما بعدها. وانظر المحرر الوجيز (١١/ ٢٨٧)، والجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٢٥)، وتفسير ابن كثير (٦/ ٣٢) وما بعدها.","vol":"2","page":187},{"text":"سائر نساء أمة نبينا محمد ﷺ وفيها نزلت.\nوقال آخرون: بل ذلك لأزواج النبي ﷺ خاصة، دون سائر النساء غيرهن.\nوقال آخرون: ذلك للمهاجرات. كانت المرأة المؤمنة إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة، وقالوا: إنما خرجت لتفجر فنزلت هذه الآية.\nوقال آخرون: بل هي عامة لأزواج النبي ﷺ ولغيرهن ممن كان بالصفة التي وصف الله في هذه الآية، وإن كانت نزلت في شأن عائشة - ﵂ - خاصة، وذلك حكم كل من رمى محصنة لم تقارف سوءا.\nوهذا القول أصح الأقوال في تفسير الآية، والذي ترجحه هذه القاعدة، وذلك؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\nوقد نزلت هذه الآية في شأن عائشة - ﵂ - ومن رماها، وألفاظها عامة، فتحمل على عموم ألفاظها في كل محصنة، إذ لا دليل يدل على تخصيصها، ورجح هذا القول الإمام الطبري بقوله:\nوأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب: قول من قال: نزلت هذه الآية في شأن عائشة، والحكم بها عام في كل من كان بالصفة التي وصفه الله بها فيها.\nوإنما قلنا ذلك أولى تأويلاته بالصواب؛ لأن الله عم بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ﴾ [النور: ٢٣] كل محصنة غافلة مؤمنة، رماها رام بالفاحشة، من غير أن يخص بذلك بعض دون بعض، فكل رام محصنة بالصفة التي ذكر الله جل ثناؤه في هذه الآية، فملعون في الدنيا والآخرة، وله عذاب عظيم، إلا أن يتوب من ذنبه ذلك قبل وفاته، فإن الله دل باستثنائه بقوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [النور: ٥] على أن ذلك حكم رامي كل محصنة بأي صفة كانت المحصنة المؤمنة المرمية، وعلى أن قوله: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾\n(٢٣) معناه: لهم ذلك إن هلكوا ولم يتوبوا. اه (^١).\n_________\n(^١) جامع البيان (١٨/ ١٠٥).","vol":"2","page":188},{"text":"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - بعد أن ذكر هذا القول -:\nوجهه ظاهر الخطاب، فإنه عام فيجب إجراؤه على عمومه، إذ لا موجب لخصوصه، وليس هو مختصا بنفس السبب بالاتفاق؛ لأن حكم غير عائشة من أزواج النبي ﷺ داخل في العموم؛ وليس هو من السبب؛ ولأنه لفظ جمع والسبب في واحدة هنا؛ ولأن قصر عمومات القرآن على أسباب نزولها باطل، فإن عامة الآيات نزلت بأسباب اقتضت ذلك، وقد علم أن شيئا منها لم يقصر على سببه … -[إلى أن قال:]- وقد روي عن النبي ﷺ من غير وجه وعن أصحابه: «إن قذف المحصنات من الكبائر» وفي لفظ الصحيح: «قذف المحصنات الغافلات المؤمنات» (^١). اه (^٢).\nوقال الحافظ ابن كثير - بعد أن ذكر اختيار ابن جرير -: وهو الصحيح اهـ (^٣). ثم عضده بحديث الصحيحين الذي أشار إليه شيخ الإسلام.\nوقد صرح جماعة من المفسرين بهذه القاعدة عند ترجيحهم هذا القول منهم الرازي (^٤) والشوكاني (^٥) وصديق خان (^٦) (*) وغيرهم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠) [النساء: ١٠] انظر الصحيح مع الفتح (٥/ ٤٦٢). ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، حديث رقم (١٤٥) من حديث أبي هريرة. ولفظه «اجتنبوا السبع الموبقات» قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات».\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٥/ ٣٦٤).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم (١/ ٣٣).\n(^٤) انظر مفاتيح الغيب (٢٣/ ١٩٤).\n(^٥) انظر فتح القدير (١٧/ ٤).\n(^٦) انظر فتح البيان (٩/ ١٩١).","vol":"2","page":189},{"text":"***\n_________\n= (*) ومن نظائر هذا المثال:\n- انظر جامع البيان (١/ ١٢٥، ١٨٣)، (٢/ ٣١٨، ٣٢٢)، (٥/ ٩)، (٩/ ٢٠٣)، (١٤/ ١٦٥)، (١٧/ ١٣٣)، (٣٠/ ٣٣٠).\n- وأحكام القران لابن العربي (١/ ٥٠).\n- والمحرر الوجيز (٢/ ٣٤٣)، (٦/ ١٠٩)، (١١/ ١٨٧)، (١٥/ ٧٩).\n- ومفاتيح الغيب (٦/ ٥٧)، (٢٣/ ٢٢ - ١٩٤).\n- والجامع لأحكام القرآن (٢/ ٧٧).\n- والبحر المحيط (١/ ٥٧١).\n- وتفسير ابن كثير (٣/ ٥٨٢)، (٥/ ٤٠١).\n- والبحر المحيط في أصول الفقه (٣/ ٢١٧).\n- وأضواء البيان (١/ ٣٦ - ١١٣ - ٤٨٢)، (٢/ ١٠٤)، (٤/ ٨٦ - ١٢٥ - ١٩٢)، (٦/ ٣١٣).","vol":"2","page":190},{"text":"<span data-type='title' id=toc-276>المطلب السابع عشر:\nقاعدة: إذا دار اللفظ بين أن يكون مقيدا أو مطلقا فإنه يحمل على إطلاقه</span>\n*<span data-type='title' id=toc-277> صورة القاعدة:</span>\nإذا ورد شيء من نصوص الوحي مطلقا غير مقيد بقيد أو شرط فلا يجوز تقييده بل يجب العمل بالنص وتفسيره على إطلاقه وإبهامه إلا إذا قام الدليل على التقييد، ومن خالف ذلك بحمل النصوص المطلقة على غير إطلاقها فقوله مردود، وفعله تحكم في تفسير النصوص بلا دليل، فلا يقبل منه ذلك أبدا.\nكما أن النص إذا ورد مقيدا فلا بد أن يفسر ويعمل به بمقتضى قيده، ومن أوله بما يؤدي إلى بطلان قيده فلا يقبل منه ذلك، ولا يعتمد عليه، بل هو رد على صاحبه (^١).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-278> بيان ألفاظ القاعدة:\n* تعريف المطلق والمقيد:</span>\nأصل مادة «طلق» في اللغة تدل على التخلية والإرسال، وترجع جميع فروع هذه المادة إلى هذا المعنى (^٢).\nومادة «قيد» في اللغة مأخوذة من القيد، وهو معروف، ثم يستعار في كل شيء يحبس (^٣).\n_________\n(^١) انظر التعارض والترجيح البرزنجي (٢/ ٤٠ - ٤١)، وتفسير النصوص (٢/ ١٩٢ - ١٩٧).\n(^٢) انظر معجم مقاييس اللغة (٣/ ٤٢٠).\n(^٣) معجم مقاييس اللغة (٥/ ٤٤).","vol":"2","page":191},{"text":"وفي اصطلاح الأصوليين:\nالمطلق: هو المتناول لواحد لا بعينه باعتبار حقيقة شاملة لجنسه.\nفقولهم: «هو المتناول لواحد» خرج به ألفاظ الأعداد المتناولة لأكثر من واحد.\nوقيد «لا بعينه» أخرج المعارف كزيد ونحوه.\nوقولهم: «باعتبار حقيقة شاملة لجنسه» خرج به المشترك والواجب المخير، فإن كلا منهما يتناول واحدا لا بعينه، لا باعتبار حقائق مختلفة.\nوالمقيّد: هو المتناول لمعين، أو لغير معين موصوف بأمر زائد على الحقيقة الشاملة لجنسه.\nفقولهم: «أو لغير معين» أي كان متناولا لغير معين لكنه موصوف بأمر زائد على الحقيقة الشاملة لجنسه. وتتفاوت مراتبه في تقييده باعتبار قلة القيود وكثرتها (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-279> ما يدخل تحت هذه القاعدة:</span>\nيدخل تحت هذه القاعدة المطلق الذي لم يرد مقيدا في نص آخر، ولم يقم دليل على تقييده، وهذا هو المقصود الأول من هذه القاعدة.\nوتشمل - أيضا - المطلق الذي ورد مقيّدا في نص آخر غير أن اتفاق الأئمة قائم على عدم حمل المطلق على المقيد في صورته. أو كان عدم حمل المطلق على المقيّد يجعله بيانا له راجحا، فبناء على هذا الترجيح يدخل تحت مضمون هذه القاعدة.\nولا يدخل تحت هذه القاعدة ما اتفق الأئمة فيه على وجوب حمل المطلق على المقيد بجعل المقيّد بيانا للمطلق. أو كان الراجح فيه ذلك. على ما سيأتي في تفصيل حالات المطلق مع المقيد.\nأما المقيّد الذي لم يرد مطلقا في نص آخر، ولم يقم دليل على أن المراد به الإطلاق لا التقييد فإنه يفسر ويعمل بمقتضى قيده، ولا يخرج عن ذلك فيه.\n_________\n(^١) روضة الناظر مع شرحها لبدران (٢/ ١٩١). وعرّفا بغير ذلك انظر بعضها في البحر المحيط للزركشي (٣/ ٤١٣)، وشرح الكوكب (٣/ ٣٩٢).","vol":"2","page":192},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-280> ما يقيد به المطلق:</span>\nالمطلق والمقيد، كالعام والخاص في هذا الجانب، فكل ما يخصص العام فهو يقيد المطلق، فيقيد مطلق الكتاب بمقيده، وبالسنة المتواترة، وبالإجماع. وما اختلف فيه في تخصيص العام وهو كذلك مختلف فيه هنا كخبر الآحاد والمفهوم وهو يقيد المطلق على الصحيح (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-281> حالات المطلق مع المقيد:</span>\nإذا ورد اللفظ مطلقا في نص ومقيدا في نص آخر فله أربع حالات:\nالأولى: أن يتحدا في الحكم والسبب معا، كتحريم الدم، فإنه ورد مقيدا في سورة الأنعام بكونه مسفوحا في قوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾\n[الأنعام: ١٤٥]، ومطلقا عن هذا القيد في سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وفي سورة المائدة في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، وفي سورة النحل في قوله تعالى: ﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ [النحل: ١١٥] وفي هذه الحالة يحمل المطلق على المقيد عند الأئمة الأربعة، وحكي الإجماع على ذلك.\nالثانية: أن يختلفا في الحكم والسبب معا، كلفظ «اليد» جاءت مطلقة في السرقة في قول الله تعالى: ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ [المائدة: ٣٨]، وقيدت في آية الوضوء بالمرفقين في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ﴾\n[المائدة: ٦]. فالسبب مختلف فيهما فهو في المطلق السرقة، وفي المقيد الصلاة، والحكم مختلف كذلك ففي المطلق القطع، وفي المقيد الغسل. ففي مثل هذه الحالة لا يحمل المطلق على المقيد إجماعا.\nالثالثة: أن يتحدا في الحكم، ويختلفا في السبب، مثل الرقبة جاءت مطلقة في كفارة\n_________\n(^١) انظر نشر البنود (١/ ٢٦٠)، والتعارض والترجيح البرزنجي (٢/ ٣٨ - ٤٠).","vol":"2","page":193},{"text":"الظهار في قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا﴾ [المجادلة: ٣] وجاءت مقيدة بالإيمان في كفارة القتل في قوله الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] فالحكم واحد، وهو عتق رقبة كفارة؟ لكن الظهار والقتل سببان مختلفان.\nففي هذه الحالة وقع الخلاف بين العلماء فعند الشافعية والحنابلة وكثير من المالكية يحمل المطلق على المقيد، خلافا لأبي حنيفة.\nالرابعة: عكس الحالة الثالثة، وهي: أن يختلفا في الحكم ويتحدا في السبب، مثل اليد جاءت مقيدة بالمرفقين في الوضوء في قول الله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، وفي آية التيمم جاءت مطلقة في قوله تعالى:\n﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾\n[المائدة: ٦] فاتحدا في السبب وهو الصلاة، واختلفا في الحكم، فحكمها في الوضوء الغسل، وفي التيمم المسح.\nوهذه الحالة أكثر العلماء لا يحملون فيها المطلق على المقيد (^١).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-282> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nهذه القاعدة من القواعد التي تشبه قاعدة العموم التي سبق تحريرها، واعتاد أهل الأصول على ذكر المطلق والمقيد عقب العام والخاص لتشابههما، إذ عموم العام شمولي، وعموم المطلق بدلي (^٢)، بل جعلهما بعضهم قسما في العموم\n_________\n(^١) انظر هذه الحالات في كشف الأسرار (٢/ ٥٢٠)، والبحر المحيط للزركشي (٣/ ٤١٦)، وشرح الكوكب (٣/ ٣٩٥)، وأضواء البيان (٦/ ٥٤٦).\n(^٢) انظر نشر البنود (١/ ٢٥٨)، وإرشاد الفحول ص ٢٠٠.","vol":"2","page":194},{"text":"والخصوص (^١). وهما سواء عند المتقدمين (^٢)؛ لذلك لا أطيل هنا بسرد الأقوال، وإنما أذكر مرة نبذا منها إضافة إلى ما سبق ذكره في قاعدة العموم.\nفمن هؤلاء الأئمة الذين اعتمدوا هذه القاعدة:\n١ - عامة الصحابة والتابعين فيما نقله عنهم الإمام الطبري: فبعد أن نقل أقوال بعضهم - كابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم - في تفسير قوله تعالى: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ (٧٠) [البقرة: ٧٠]، بأنهم لو أخذوا أدنى بقرة كما أمرهم الله فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكن شددوا فشدد الله عليهم.\nقال أبو جعفر: وهذه الأقوال التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه - من الصحابة والتابعين والخالفين بعدهم، من قولهم إن بني إسرائيل لو كانوا أخذوا أدنى بقرة فذبحوها أجزأت عنهم، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم - من أوضح الدلالة على أن القوم كانوا يرون أن حكم الله، فيما أمر ونهى في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ، على العموم الظاهر، دون الخصوص الباطن، إلا أن يخص بعض ما عمّه ظاهر التنزيل، كتاب من الله أو رسول الله؛ وأن التنزيل أو الرسول، إن خص بعض ما عمه ظاهر التنزيل بحكم خلاف ما دل عليه الظاهر، فالمخصوص من ذلك خارج من حكم الآية التي عمّت ذلك الجنس خاصة، وسائر حكم الآية على العموم، على نحو ما قد بيناه في كتابنا (كتاب الرسالة) من (لطيف القول في البيان عن أصول الأحكام) في قولنا في العموم والخصوص، وموافقة قولهم في ذلك قولنا ومذهبهم مذهبنا، وتخطئتهم قول القائلين بالخصوص في الأحكام، وشهادتهم على فساد قول من قال: حكم الآية الجائية مجيء العموم على العموم، ما لم يختصّ منها ما عمّته الآية. فإن خص منها بعض، فحكم\n_________\n(^١) كما فعل الرازي في المحصول (١/ ٢١٣/٣)، قال: القسم الرابع من كتاب العموم والخصوص في حمل المطلق على المقيد.\n(^٢) ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيميه في كتاب الإيمان ص ٣٧٥، وستلاحظ هذا في كلام الطبري الآتي.","vol":"2","page":195},{"text":"الآية حينئذ على الخصوص فيما خصّ منها، وسائر ذلك على العموم.\nوذلك أن جميع من ذكرنا قوله آنفا - مما عاب على بني إسرائيل مسألتهم نبيّهم ﷺ عن صفة البقرة التي أمروا بذبحها وسنّها وحليتها - رأوا أنهم كانوا في مسألتهم رسول الله ﷺ موسى ذلك مخطئين، وأنهم لو كانوا استعرضوا أدنى بقرة من البقر - إذ أمروا بذبحها بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، فذبحوها - كانوا للواجب عليهم من أمر الله في ذلك مؤدّين، وللحق مطيعين، إذ لم يكن القوم حصروا على نوع من البقر دون نوع وسنّ دون سنّ.\nففي إجماع جميعهم على ما روينا عنهم من ذلك - مع الرواية التي رويناها عن رسول الله ﷺ بالموافقة لهم (^١) - دليل واضح على صحة قولنا في العموم والخصوص، وأن أحكام الله جل ثناؤه في آي كتابه - فيما أمر ونهى - على العموم، ما لم يخص ذلك ما يجب التسليم له. وأنه إذا خصّ منه شيء، فالمخصوص منه خارج حكمه من حكم الآية العامة الظاهر، وسائر حكم الآية على ظاهرها العام - ومؤيد حقيقة ما قلنا في ذلك، وشاهد عدل على فساد قول من خالف قولنا فيه. اه (^٢).\nوقال في موضع آخر مقررا هذه القاعدة في معرض ترجيحه بها: فكذلك كل مبهمة في القرآن، غير جائز رد حكمهما على المفسّرة قياسا؛ ولكن الواجب أن يحكم لكل واحدة منها بما احتمله ظاهر التنزيل، إلا أن يأتي في بعض ذلك خبر عن الرسول ﷺ، بإحالة حكم ظاهره إلى باطنه، فيجب التسليم حينئذ لحكم الرسول، إذ كان هو المبين عن مراد الله. اه (^٣).\n_________\n(^١) والرواية التي أشار إليها هي من مراسيل قتادة.\nقال الطبري: حدثنا بشر، قال حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: «إنما أمر القوم بأدنى بقرة، ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شدد عليهم، والذي نفس محمد بيده، لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد».\n(^٢) جامع البيان (١/ ٣٤٨ - ٣٤٩).\n(^٣) جامع البيان (٢/ ٢٤٠).","vol":"2","page":196},{"text":"٢ - ومنهم أبو بكر بن العربي: فقد استعمل هذه القاعدة في الترجيح في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ﴾\n[البقرة: ١٩٦]. بعد أن ذكر قول الحسن وعكرمة: بأنه صيام عشرة أيام.\nقال: قالوا: لأن الله تعالى ذكر الصيام ههنا مطلقا، وقيده في التمتع بعشرة أيام، فيحمل المطلق على المقيد.\nقلنا: هذا فاسد من وجهين:\nأحدهما: أن المطلق لا يحمل على المقيد إلا بدليل في نازلة واحدة\nالثاني: أن النبي ﷺ قد بين في الحديث الصحيح قدر الصيام، وذلك ثلاثة أيام (^١). اه (^٢).\n٣ - ومنهم الفخر الرازي: فقد استعمل هذه القاعدة في الترجيح في تفسيره، فبعد أن اختار ما ترجح هذه القاعدة، قال معللا لاختياره: لأن اللفظ مطلق، فتخصيصه ببعض الجهات دون البعض ترجيح من غير مرجح وهو غير جائز. اه (^٣).\n٤ - ومنهم ابن جزي الكلبي: فقد ذكر هذه القاعدة من وجوه الترجيح التي ذكرها في مقدمة تفسيره، قال فيها: العاشر: تقديم الإطلاق على التقييد، إلا أن يدل دليل على التقييد. اه (^٤).\n٥ - ومنهم بدر الدين الزركشي: قال في البرهان: إن وجد دليل على تقييد المطلق صير إليه، وإلا فلا، والمطلق على إطلاقه، والمقيد على تقييده؛ لأن الله - تعالى\n_________\n(^١) أي: في حديث كعب بن عجرة في الصحيحين، البخاري، كتاب المحصر، باب قول الله تعالى:\nفَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ انظر الصحيح مع الفتح (٤/ ١٦). ومسلم، كتاب الحج، حديث رقم (٨٠ - ٨٦). وفيه قول النبي ﷺ: «احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو أنسك بشاة».\n(^٢) أحكام القران (١/ ١٧٧).\n(^٣) مفاتيح الغيب (٦/ ٥٥).\n(^٤) التسهيل (١/ ٩).","vol":"2","page":197},{"text":"- خاطبنا بلغة العرب. والضابط أن الله تعالى إذا حكم في شيء بصفة أو شرط ثم ورد حكم آخر مطلقا نظر، فإن لم يكن له أصل يردّ إليه إلا ذلك الحكم المقيد وجب تقييده به، وإن كان له أصل غيره لم يكن رده إلى أحدهما بأولى من الآخر. اه (^١).\nوغيرهم كثير (^٢)، وسيأتي الإحالة إلى بعض أقوالهم في الأمثلة التطبيقية - إن شاء الله -.\nوهذه القاعدة من القواعد الأصولية التي حررها علماء الأصول بقولهم: إذا دار اللفظ بين أن يكون مقيدا أو مطلقا فإنه يحمل على إطلاقه (^٣).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-283> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nمن أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كانَ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].\nاختلف العلماء في قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ هل يلزم في هذه الأيام التتابع أو لا؟ على قولين:\nأحدهما: أنه يجب في هذه الأيام التتابع.\nوالآخر: أنه لا يجب التتابع فيها، بل إن شاء فرقها، وإن شاء تابعها (^٤).\nفمن قال بوجوب التتابع علل قوله بأن القضاء يحكي الأداء فيلزم فيه التتابع،\n_________\n(^١) البرهان (٢/ ١٥).\n(^٢) كالجصاص في أحكام القرآن (١/ ٢٥٨)، والكيا الهراسي في أحكام القرآن (١/ ٦٦)، والقرطبي في الجامع (٢/ ٢٨٢)، وأبي حيان في البحر (٢/ ١٩١)، والسيوطي في الإتقان (٣/ ٩١).\n(^٣) شرح الكوكب (١/ ٢٩٦)، وانظر شرح تنقيح الفصول ص ١١٢، وإرشاد الفحول ص ٢٧٩.\n(^٤) انظر هذين القولين في الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٢٨١)، وتفسير ابن كثير (١/ ٣١٢)، وفتح الباري (٤/ ٢٢٣)، والقول بوجوب التتابع مروي عن علي وعائشة - ﵄ -، وهو قول بعض أهل الظاهر.","vol":"2","page":198},{"text":"وبقراءة أبي بن كعب في هذه الآية: (فعدة من أيام أخر متتابعات) (^١).\nومستند من قال بعدم وجوب التتابع هو ظاهر كتاب الله - تعالى - فقد أطلق - سبحانه - وجوب صيام هذه الأيام دون أن يقيدها بقيد، أو شرط، أو زمان.\nوهذا القول هو الصواب الذي تضافرت الأدلة على ترجيحه، وهو الذي ترجحه هذه القاعدة؟ وذلك أن الله - تعالى - أطلق في وجوب صيام عدة ما أفطر ولم يقيدها بتتابع، وهذا يدل على عدم اشتراط التتابع فيها، ولم يرد بقيد التتابع نص من كتاب الله، ولا ثبت عن رسول الله ﷺ فيه شيء، ولا إجماع على تقييده منعقد ولا يجوز تقييد النصوص المطلقة إلا بدليل يدل على ذلك، ولا دليل هنا يصلح لذلك، فوجب حمل الآية وتفسيرها على إطلاقها دون قيد، والعمل بمقتضى ذلك الإطلاق. وهذا هو مذهب جماهير العلماء من المتقدمين والمتأخرين.\nقال الحافظ ابن كثير مصححا هذا القول: وهذا قول جمهور السلف والخلف، وعليه ثبتت الدلائل. اه (^٢).\nوعلى ترجيح هذا القول جرت أقوال أئمة التفسير (^٣).\nومما يؤيد هذه القاعدة فيما رجحته في هذا المثال قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا﴾ [البقرة: ١٨٥] بعد قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ فهذه قرينة في الآية تدل على أن هذه الأيام الأخر مقصود فيها اليسر «فكل ما كان أيسر عليه فقد اقتضى الظاهر جواز فعله، وفي إيجاب التتابع نفي اليسر وإثبات العسر، وذلك منتف بظاهر الآية» (^٤)، ومستندهم في إيجاب التتابع تعليل لا يصلح\n_________\n(^١) رواها مالك في الموطأ، كتاب الصيام، أثر رقم (٤٩) عن مجاهد، وذكرها الجصاص في أحكام القرآن (١/ ٢٥٩).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم (١/ ٣١٢).\n(^٣) انظر أحكام القرآن للجصاص (١/ ٢٥٨)، وأحكام القرآن للهراسي (١/ ٦٦)، وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ١١٢)، والجامع لأحكام القرآن (٢/ ٢٨٢)، ومحاسن التأويل (٣/ ٤٢٧) وغيرها.\n(^٤) أحكام القرآن للجصاص (١/ ٢٥٨)، وانظر التمهيد لابن عبد البر (٢/ ١٧٥).","vol":"2","page":199},{"text":"أن يكون مقيدا لإطلاق الآية، وما وجب التتابع في الأداء وهو رمضان إلا لضرورة أدائه في الشهر، وأما بعد انقضاء رمضان فالمراد صيام أيام عدة ما أفطر؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ (^١).\nوأما قراءة أبي بن كعب فهي قراءة مخالفة لسواد مصاحف المسلمين، فلم يثبتها الصحابة في المصاحف، وقد اجتمعت الأمة في قراءة هذه الآية على خلاف قراءته، فهي قراءة شاذة، والشاذ لا يعارض الثابت والمتواتر، ولا يصلح أن يكون مقيدا لإطلاق الآية، إضافة إلى ما عارضها من وجوه الترجيح الأخرى، وقد سبق في قاعدة «معنى القراءة المتواترة أولى بالصواب من معنى القراءة الشاذة» بيان بعض ذلك.\nوفوق ذلك ما جاء عن عائشة - ﵂ - أنها قالت: نزلت (فعدة من أيام أخر متتابعات) فسقطت (متتابعات) (^٢)، فهو - إن صح - يدل على أنها نزلت أولا ثم نسخت، فكانت قراءة أبيّ على ما كان أولا من الوجوب، فلا دلالة فيها على وجوب التتابع؟ لأنها منسوخة (^٣).\nومما يشمله الإطلاق في هذه الآية الزمان، فلم توقت هذه الأيام بوقت معين، «فدل ذلك على وجوب القضاء من غير تعيين لزمان، لأن اللفظ مسترسل على الأزمان لا يختص ببعضها دون بعض» (^٤)، ولم يجئ عن الله ولا عن رسوله ولا إجماع على تقييدها بأيام لا تجزيء في غيرها (^٥)، وهذا يردّ قول من أوجب على من أفطر يوما من رمضان لعذر أن يصوم الثاني من شوال، فإن ترك صيامه فقد أثم وفرط (^٦).\n_________\n(^١) انظر تفسير ابن كثير (١/ ٣١٢).\n(^٢) أخرجه الدارقطني في سننه، كتاب الصيام، باب القبلة للصائم (٢/ ١٩٢). والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الصيام، باب قضاء شهر رمضان (٤/ ٢٥٨).\n(^٣) انظر فتح الباري (٤/ ٢٢٣).\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٢٨٢).\n(^٥) مدارج السالكين (١/ ٣٨٣).\n(^٦) وبه قال داود الأصفهاني، انظر أحكام القرآن للجصاص (١/ ٢٦٣)، والجامع لأحكام القرآن (٢/ ٢٨٢).","vol":"2","page":200},{"text":"وحديث عائشة - ﵂ - يردّه - أيضا - وفيه أنها قالت: «كان يكون عليّ الصّوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان» (^١)، وفي رواية أنها قالت:\n«إن كانت إحدانا لتفطر في زمان رسول الله ﷺ فما تقدر على أن تقضيه مع رسول الله ﷺ حتى يأتي شعبان» (^٢) ففي هذا الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقا سواء كان لعذر أو لغير عذر …؛ لأن الظاهر إطلاع النبي ﷺ على ذلك مع توافر دواعي أزواجه على السؤال عن أمر الشرع، فلولا أن ذلك كان جائزا لم تواظب عائشة - ﵂ - عليه (^٣).\n***\n_________\n(^١) متفق عليه، البخاري، كتاب الصوم، باب متى يقضي قضاء رمضان؟. انظر الصحيح مع الفتح (٤/ ٢٢٢). ومسلم، كتاب الصيام حديث رقم (١٥١).\n(^٢) الرواية لمسلم، كتاب الصيام، حديث رقم (١٥٢).\n(^٣) انظر فتح الباري (٤/ ٢٢٥)، وشرح النووي على مسلم (٧/ ٢٧٠).\n* وانظر بعض نظائر هذا المثال في جامع البيان (٢/ ٢٤٠)، وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٧٧)، ومفاتيح الغيب (٦/ ٥٥)، والتسهيل (٢/ ٩٩).","vol":"2","page":201},{"text":"<span data-type='title' id=toc-284>المطلب الثامن عشر:\nقاعدة: الأصل في الأوامر أنها للوجوب وفي النواهي أنها للتحريم</span>\n*<span data-type='title' id=toc-285> صورة القاعدة:</span>\nإذا ورد في شيء من نصوص الوحي صيغة أمر مجردة عن القرائن فإنها تحمل على الوجوب، وكذا إذا وردت صيغة نهي مجردة عن القرائن فإنها تحمل على التحريم.\nفإذا اقترن بالصيغة قرينة أو ورد دليل يدل على أن المراد بالأمر غير الوجوب، وبالنهي غير التحريم، فإنها تحمل على ما دلت عليه القرينة أو الدليل بلا إشكال.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-286> بيان ألفاظ القاعدة:</span>\nقولهم: «الأصل في الأوامر …».\nالأصل في اللغة هو أساس الشيء (^١).\nوفي الاصطلاح يطلق ويراد به عدة معان:\nأحدها: يطلق ويراد به الدليل، كقولهم: أصل هذه المسألة الكتاب والسنة، أي:\nدليلها.\nالثاني: يطلق ويراد به الراجح من الأمور بالنسبة إلى المرجوح، كقولهم: الأصل في الكلام الحقيقة دون المجاز، وهذا المعنى هو المراد في هذه القاعدة.\nالثالث: يطلق على القاعدة المستمرة، كقولهم: أكل الميتة على خلاف الأصل، يعني على خلاف الحالة المستمرة.\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة (١/ ١٠٩).","vol":"2","page":202},{"text":"الرابع: يطلق على المقيس عليه، وهو يقابل الفرع في باب القياس (^١).\n* الأمر في اصطلاح الأصوليين: استدعاء الفعل بالقول على جهة الاستعلاء (^٢).\nفقولهم: «استدعاء الفعل» يتناول الأمر والشفاعة والالتماس؛ لأن طلب الفعل إما أن يكون من الأدنى وهو سؤال، أو من المساوي فهو شفاعة والتماس، أو من الأعلى وهو الأمر.\nوقولهم: «بالقول» أخرج الإشارة ونحوها.\nوقولهم: «على وجه الاستعلاء» خرج به السؤال، والالتماس، والشفاعة (^٣).\nوالنهي ضد الأمر، فهو: استدعاء الترك بالقول على جهة الاستعلاء (^٤).\n\n*<span data-type='title' id=toc-287> صيغة الأمر، وصيغة النهي، ودلالاتهما:</span>\nللأمر صيغة تدل بمجردها على كونها أمرا إذا تعرّت عن القرائن وهي «افعل» للحاضر، والمضارع المقرون باللام «ليفعل» للغائب، كقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، والمصدر المؤكد لعامله كقوله تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤]، (^٥) فهذه صيغة صريحة في الأمر، وهناك صيغ أخرى منها: حمل الفعل المطلوب على المطلوب فيه، كقوله تعالى:\n﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] (^٦).\nومنها: الإخبار بأن الفعل مكتوب على المخاطبين كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾\n_________\n(^١) شرح الكوكب (١/ ٣٩)، وانظر المزهر (١/ ٣٦١)، والكليات ص ١٢٢، وإرشاد الفحول ص ١٧.\n(^٢) روضة الناظر مع شرحها (٢/ ٦٢)، وعرف بتعريفات كثيرة، انظر العدة لأبي يعلى (١/ ١٥٧)، والمحصول (٢/ ١٩/١)، وشرح الكواكب (٣/ ١٠).\n(^٣) شرح روضة الناظر لبدران (٢/ ٦٢).\n(^٤) انظر تعريفه في العدة لأبي يعلى (١/ ١٥٩)، والتمهيد للأسنوي ص ٢٩٠.\n(^٥) انظر: روضة الناظر مع شرحها (٢/ ٦٣)، والمسودة ص ٤، والتمهيد للأسنوي ص ٢٦٢.\n(^٦) انظر شرح الكوكب (٣/ ٦٦).","vol":"2","page":203},{"text":"﴿الصِّيامُ﴾ [البقرة: ١٨٣].\nومنها: الإخبار بأن الفعل على الناس عامة أو على طائفة منهم خاصة، كقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].\nومنها: الوصية بالفعل كقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١].\nوصيغة الأمر الصريحة حقيقة في الوجوب ظاهرة فيه، وذلك كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨].\nوتخرج عن الوجوب إلى معان أخر تعينها القرائن، وهي كثيرة:\nمنها: الندب، وهي احتمال فيه (^١)؛ لذلك رجّح حملها على الوجوب دون الندب ترجيحا للظاهر على المحتمل.\nومثال الندب قول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وذلك لوجود الصارف عن الوجوب، وهو بيع وشراء النبي ﷺ دون أن يشهد (^٢).\nومنها: الإباحة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢] فهو أمر بعد حظر، وكان الفعل مباحا قبل الحظر.\nومنها: الإهانة، نحو قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ (٤٩) [الدخان: ٤٩].\nوغيرها كثير (^٣).\nوأمّا النهي فصيغته المضارع المسبوق بلا الناهية «لا تفعل» من الأعلى إلى الأدنى، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى﴾ [الإسراء: ٣٢]، ونحوها (^٤). أو فعل الأمر الدال\n_________\n(^١) انظر شرح روضة الناظر لبدران (٢/ ١١١).\n(^٢) انظر تفسير ابن كثير (١/ ٤٩٩)، وانظر مثال آخر في أضواء البيان (١/ ٣٢٢).\n(^٣) انظر شرح الكوكب (٣/ ١٧)، وما بعدها، والإتقان (٣/ ٢٤٢ - ٢٤٣).\n(^٤) انظر المسودة ص ٨٠، وشرح الكوكب (٣/ ٧٧).","vol":"2","page":204},{"text":"على طلب الكف كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠].\nوهي حقيقة في التحريم ظاهرة فيه، واحتمال في الكراهة (^١)؛ فلذلك رجّح حملها على التحريم من ترجيح الظاهر على المحتمل، وهو مضمون هذه القاعدة.\nوترد لمعان آخر كالدعاء والإهانة وغيرها حسب ما تحدده القرائن (^٢). ومثل النهي بصيغة «لا تفعل»:\n* ما يكون من نفي الفعل كقوله تعالى ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٧٩) [الواقعة: ٧٩] (^٣).\n* ولفظ التحريم، كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ﴾\n[النساء: ٢٣].\n* والتعبير بنفي الصحة بلفظ «ما كان»، كقوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].\n* والحكم على الفعل بأنه كفر أو ظلم أو فسق، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ (٤٤) [المائدة: ٤٤]، وفي الأخرى ﴿الظّالِمُونَ﴾ (٤٥) [المائدة: ٤٥]، وفي الأخرى ﴿الْفاسِقُونَ﴾ (٤٧) [المائدة: ٤٧].\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-288> أدلة القاعدة:</span>\nدل على هذه القاعدة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأهل اللسان (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-289>١ - فمن أدلة الكتاب أن الله تعالى ذمّ - في آيات كثيرة</span>\n- من خالف أمره وأمر رسوله ﷺ، أو ارتكب نهيه، وسماه عاصيا، ورتب على هذه المخالفة العقاب\n_________\n(^١) انظر شرح روضة الناظر (٢/ ١١١).\n(^٢) انظرها في شرح الكوكب (٣/ ٧٨) وما بعدها، والإتقان (٣/ ٢٤٣).\n(^٣) شرح الكوكب (٣/ ٦٦).\n(^٤) انظر روضة الناظر مع شرحها (٢/ ٧١).","vol":"2","page":205},{"text":"العاجل والآجل مما يفيد أن الأمر المطلق للوجوب، والنهي المطلق للتحريم (^١).\nومن هذه الآيات قول الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦٣) [النور: ٦٣]، فتوعد - سبحانه - في هذه الآية المخالفين عن أمره بالفتنة أو العذاب، وحذرهم من مخالفة الأمر (^٢)، وكل ذلك يقتضي أن الأمر للوجوب ما لم يصرف عنه صارف، والنهي للتحريم ما لم يصرف عنه صارف؛ لأن غير الواجب لا يستوجب تركه الوعيد الشديد والتحذير (^٣).\nوكقوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ (٤٨) [المرسلات: ٤٨] فإن قوله: ﴿اِرْكَعُوا﴾ أمر مطلق، وذمه تعالى للذين لم يمتثلوه، بقوله ﴿لا يَرْكَعُونَ﴾ (٤٨) يدل على أن امتثاله واجب (^٤).\nوكقوله تعالى لإبليس: ﴿ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الإعراف: ١٢] فإنكاره على إبليس موبخا له بقوله: ﴿ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ،﴾ يدل على أنه تارك واجبا، وأن امتثال الأمر واجب، مع أن الأمر المذكور مطلق، وهو قوله تعالى:\n﴿اُسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١] وعلق الذم على تركه (^٥).\nوكقوله تعالى عن موسى ﵇: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ (٩٣) [طه: ٩٣] فسمى مخالفة الأمر معصية، وأمره المذكور مطلق، وهو قوله: ﴿اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١٤٢) [الأعراف: ١٤٢]، فأطلق اسم المعصية على عدم امتثال الأمر مما يدل على أن الأمر المطلق واجب الامتثال.\n_________\n(^١) انظر بدائع الفوائد (٤/ ٣).\n(^٢) الأمر والنهي كل منهما أمر، إلا أن أحدهما أمر بالفعل، والآخر أمر بالترك. التمهيد لأبي الخطاب (١/ ١٦٤).\n(^٣) أضواء البيان (٦/ ٢٥٣)، وانظر مفاتيح الغيب (٢٤/ ٤٠)، وروضة الناظر مع شرحها (٢/ ٧٢).\n(^٤) أضواء البيان (٦/ ٢٥٣)، وانظر مفاتيح الغيب (٣٠/ ٢٨٤).\n(^٥) انظر الجامع لأحكام القرآن (٧/ ١٧٠)، وأضواء البيان (٦/ ٢٥٣).","vol":"2","page":206},{"text":"وكقوله تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ (٦) [التحريم: ٦] وإطلاق اسم المعصية على مخالفة الأمر يدل على أن مخالفه عاص، ولا يكون عاصيا إلا بترك واجب، أو ارتكاب محرم.\nوكقوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] فإنه يدل على أن أمر الله وأمر رسوله ﷺ مانع من الاختيار موجب للامتثال، ونبه إلى أن مخالفته وعدم امتثاله معصية بقوله بعده:\n﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ (٣٦) [الأحزاب: ٣٦] وهذا يدل على اقتضائه الوجوب (^١).\nوالآيات في هذا المعنى كثيرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-290>٢ - ومن أدلة السنة على هذه القاعدة:</span>\nأ - حديث أبي سعيد بن المعلى (^٢) قال: كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه، فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي، فقال: «ألم يقل الله:\n﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]»، الحديث (^٣).\nفلامه على تركه الإجابة بعد أمر الله تعالى بها، فدل على أن الأمر للوجوب (^٤).\nب - ومنها حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (^٥).\nقال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث: فيه دليل على أن الأمر للوجوب من\n_________\n(^١) أضواء البيان (٦/ ٢٥٣)، وانظر (٣/ ٤٢٢ - ٤٤٣)، و(٤/ ٥٠٥ - ٥٠٦)، و(٥/ ٢٤٥) منه.\n(^٢) هو: الحارث بن نفيع بن المعلى الأنصاري، وهو غير رافع بن المعلى، أخرج له البخاري، وأرخوا وفاته سنة أربع وسبعين، وقيل: سنة ثلاث. الإصابة (٧/ ٨٤).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب ما جاء في فاتحة الكتاب، انظر الصحيح مع الفتح (٨/ ٦).\n(^٤) التمهيد لأبي الخطاب (١/ ١٥٥).\n(^٥) متفق عليه، البخاري، كتاب الجمعة، باب السواك يوم الجمعة. انظر الصحيح مع الفتح (٢/ ٤٣٥)، ومسلم، كتاب الطهارة، حديث رقم (٤٢).","vol":"2","page":207},{"text":"وجهين:\nأحدهما: أنه نفى الأمر مع ثبوت الندبية، ولو كان للندب لما جاز النفي.\nثانيهما: أنه جعل الأمر مشقة عليهم، وذلك إنما يتحقق إذا كان الأمر للوجوب، إذ الندب لا مشقة فيه؛ لأنه جائز الترك. اه (^١).\nج - ومنها قوله ﷺ لبريرة (^٢): «لو راجعته. قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: إنما أنا أشفع؟. قالت: لا حاجة لي فيه» (^٣). ومعلوم أن مقتضى شفاعته مستحب. فلما تبرأ من الأمر، وفرق بينه وبين الشفاعة دل على أنه لو أمر لاقتضى الوجوب (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-291>٣ - ومن أدلة هذه القاعدة إجماع الصحابة - ﵃ - فإنهم أجمعوا على وجوب طاعة الله - تعالى</span>\n- وامتثال أوامره من غير سؤال النبي ﷺ عما عنى بأوامره في حال من الأحوال، فلما لم ينقل ذلك عنهم دل على أنهم عقلوا من أمره الوجوب، وعقلوا من نهيه الكف عن الفعل والترك فكان إجماعا منهم (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-292>٤ - ومن أدلة هذه القاعدة إجماع أهل اللسان العربي</span>\nعلى أن السيد لو قال لعبده:\nاسقني ماء مثلا، ثم لم يمتثل العبد، وعاقبه سيده على عدم الامتثال كان ذلك العقاب واقعا موقعه؛ لأن صيغة «افعل» ألزمته الامتثال، وليس للعبد أن يقول:\nصيغة «افعل» لم توجب عليّ الامتثال، ولم تلزمني إياه، فعقابك لي غلط؛ لأني\n_________\n(^١) فتح الباري (٢/ ٤٣٦).\n(^٢) هي: بريرة مولاة عائشة - ﵂ - قيل كانت مولاة لقوم من الأنصار، فاشترتها عائشة فأعتقتها، وقصة عتقها في الصحيحين، وقد جمع بعض الأئمة فوائد قصتها فزادت على ثلثمائة فائدة.\nالإصابة (٨/ ٢٩).\n(^٣) أخرج هذا اللفظ البخاري، كتاب الطلاق، باب شفاعة النبي ﷺ في زوج بريرة من حديث ابن عباس. انظر الصحيح مع الفتح (٩/ ٣١٩)، وأخرج القصة - كذلك - مسلم، كتاب العتق، حديث رقم (٥ - ١٥).\n(^٤) التمهيد لأبي الخطاب (١/ ١٥٦).\n(^٥) انظر التمهيد لأبي الخطاب (١/ ١٥٦ - ١٥٨ - ٣٦٢)، وروضة الناظر مع شرحها (٢/ ٧٣)، والتحصيل من المحصول (١/ ٢٨٠).","vol":"2","page":208},{"text":"لم أترك شيئا لازما حتى تعاقبني عليه.\nوإجماعهمم على أنه ليس له ذلك وأن عقابه له صواب لعصيانه دليل على أن صيغة «افعل» تقتضي الوجوب، ما لم يصرف عنه صارف (^١).\nوكذلك لو نهى عبده عن فعل شيء فخالفه وفعله، عاقبه، لم يلم في عقوبته، فلو لم يكن النهي يقتضي التحريم والمنع لما استحق به العقوبة (^٢).\n***\n_________\n(^١) أضواء البيان (٥/ ٢٤٥ - ٢٤٦)، وانظر روضة الناظر مع شرحها (٢/ ٧٣).\n(^٢) التمهيد لأبي الخطاب (١/ ٣٦٣).\n* وهذه الأدلة ظاهرة كل الظهور في تقرير هذه القاعدة، ومن خالفها لم يأت بشيء يعتد به في مواجهة هذه الأدلة، ولا في تقرير وترجيح قول غير مضمون هذه القاعدة، وإنما هي آراء وعلل عقلية لا اعتماد عليها.\nفمن الذين خالفوا هذه القاعدة جماعة من المعتزلة وبعض الشافعية فقالوا: إن حقيقة الأمر تقتضي الندب.\nواحتجوا بحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي ﷺ قال: «إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» [متفق عليه، البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن النبي ﷺ، انظر الصحيح مع الفتح (١٣/ ٢٦٤)، ومسلم، كتاب الحج، حديث رقم (٤١٢)].\nقالوا: فرد ذلك إلى مشيئتنا وهو معنى الندب.\nوهذا قول ضعيف جدا؛ دلالته على الندب واهية، بل هو من أدلة القاعدة، فهو يدل على أن الأمر للوجوب لا للندب؛ وذلك لأن ما لا نستطيعه لا يجب علينا، وإنما يجب علينا ما نستطيعه، والمندوب لا حرج في تركه مع الاستطاعة.\nومن حججهم أنه لا بد من تنزيل الأمر على أقل ما يشترك فيه الوجوب والندب، وهو طلب الفعل واقتضاؤه، وأن فعله خير من تركه.\nوهذه الحجة لا تصح؛ لأن الواجب ليس ندبا وزيادة، فالندب يدخل فيه جواز الترك، وليس هذا بموجود في الواجب.\nثم إن أدلة القاعدة السابقة تبطل هذا، حيث دلت على أن صيغة الأمر المطلقة تقتضي الوجوب.\nوانظر التمهيد لأبي الخطاب (١/ ١٤٧، ١٦٩)، والمسودة ص ٥، ٨، وروضة الناظر مع شرحها (٢/ ٧٠، ٧٤)، وإرشاد الفحول ص ١٦٩، ١٧٣. -","vol":"2","page":209},{"text":"* أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:\n<span data-type='title' id=toc-293>أقوال العلماء في اعتماد القاعدة </span>- عند المعتمدين لها - كثيرة، وقد سبق في أدلة القاعدة أقوال بعضهم في تقريرها، وسيأتي في الأمثلة التطبيقية - إن شاء الله - بعضها، ولم يخالف في اعتمادها إلا من سبق التنبيه على مخالفته، والصحيح من ذلك هو ما\n_________\n= ومن الذين خالفوا هذه القاعدة الأشاعرة، فقالوا: إذا ثبت كون الصيغة للاستدعاء، وجب التوقف بين الوجوب والندب حتى يدل الدليل على ما أريد به.\nواحتجوا بأن لصيغة الأمر أكثر من احتمال فهي ترد والمراد بها الوجوب، وترد والمراد بها الاستحباب، وترد والمراد بها التهديد، وترد والمراد بها الإباحة، وليس حملها على أحد هذه الوجوه بأولى من حملها على الوجه الآخر، ولا يعلم ذلك إلا بنقل أو عقل، ولم يوجد أحدهما، فوجب التوقف فيها.\nوالجواب عن هذا: أنا لا نسلم أنها إذا وردت مجردة تحتمل غير الوجوب بحال، وإنما تحمل على غير وجه الوجوب بقرينة أو دليل.\nولو سلمنا جدلا صحة دعواهم، فإن ظواهر الكتاب والسنة والإجماع وقول أهل اللسان التي سبق ذكرها في أدلة القاعدة رجحت لنا حمل صيغة الأمر على الوجوب دون غيره إلا بدليل.\nوأيضا فإن العقل يدل على ذلك، فقول القائل «افعل» لا يخلو إما أن يقتضي افعل لا محالة، وإما أن يقتضي المنع من الفعل، وإما أن يقتضي التوقف، وإما أن يقتضي الأمر التخيير بينه وبين الإخلال، ومن المحال أن يكون قوله «افعل» معناه لا تفعل؛ لأنه نقيض فائدة اللفظ، أو يكون معناه التوقف؛ لأن قوله «افعل» بعث على الفعل فهو نقيض التوقف، ولا يجوز أن يقتضي التخيير؛ لأنه ليس للتخيير ذكر في اللفظ، وإنما اللفظ يتعلق بالفعل دون تركه، فثبت أن قوله «افعل» يقتضي أن يفعل لا محالة.\nانظر التمهيد لأبي الخطاب (١/ ١٤٧، ١٦٣، ١٦٦)، وروضة الناظر مع شرحها (٢/ ٧١، ٧٤)، والمسودة ص ٥، وتفسير النصوص (٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨).\nوفي المسألة أقوال أخرى متهافتة لا تستند إلى برهان أو حجة، وإنما هي آراء واجتهادات مردودة بما ذكرنا من أدلة هذه القاعدة، انظرها في التمهيد للأسنوي ص ٢٦٧ - ٢٦٩) وإرشاد الفحول ص ١٦٩، وغيرهما من كتب الأصول.\nولما كان النهي مقابلا للأمر، فكما اختلف العلماء في دلالة الأمر المجرد عن القرائن على الوجوب أو غيره، اختلفوا في دلالة النهي المجرد عن القرائن على التحريم أو غيره، والمذاهب في النهي كما هي في الأمر. انظر تفسير النصوص (٢/ ٣٧٩). والتمهيد لأبي الخطاب (١/ ٣٦٢)، والمسودة ص ٨١، وشرح الكوكب (٣/ ٨٣).","vol":"2","page":210},{"text":"تقرر هذه القاعدة لما سبق من الأدلة، وأقوال العلماء في تقرير ذلك كثيرة.\nفهذا الإمام الطبري يقرر في غير موضع من تفسيره: أن كل أمر لله ففرض لازم إلا ما قامت حجته من الوجه الذي يجب التسليم له بأنه ندب وإرشاد (^١).\nواستعملها في الترجيح، على ما سيأتي في الأمثلة التطبيقية.\nوقال أبو جعفر النحاس: وأمّا الندّب، فلا يحمل عليه الأمر إلا بدليل قاطع (^٢).\nوقال مكي: والأمر لا يحمل على الندب إلا بقرينة ودليل. اه (^٣).\nوقال أبو عمر ابن عبد البر: إن النهي من قبل الله إذا ورد فحكمه التحريم إلا أن يزيحه عن ذلك دليل يبين المراد منه. اه (^٤).\nوقال القرطبي في تفسير قوله تعالى:\n﴿فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ (٦٨) [البقرة: ٦٨]: وهذا يدل على مقتضى الأمر الوجوب كما تقوله الفقهاء، وهو الصحيح على ما هو مذكور في أصول الفقه. اه (^٥).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وذمه تعالى في غير موضع من القرآن من تولى دليل على وجوب طاعة الله ورسوله، وأن الأمر المطلق يقتضي وجوب الطاعة اهـ (^٦).\nوقال الشنقيطي: وصيغة الأمر المجردة عن القرائن تقتضي الوجوب، كما أوضحناه في مواضع من هذا الكتاب المبارك، وصيغة النهي كذلك تقتضي التحريم. اه (^٧).\nوهذه القاعدة مذهب جماهير العلماء من الفقهاء والأصوليين وغيرهم، فقرروا في\n_________\n(^١) انظر على سبيل المثال جامع البيان (٣/ ١٢٠ - ١٣٤).\n(^٢) الناسخ والمنسوخ (٢/ ١١٦).\n(^٣) الإيضاح ص ١٦٦، وانظر ص ١٩٦ منه.\n(^٤) التمهيد (٤/ ١٤١).\n(^٥) الجامع لأحكام القرآن (١/ ٤٤٩)، وانظر (٧/ ١٧٠) منه.\n(^٦) الإيمان ص ٥٦.\n(^٧) أضواء البيان (٦/ ٢٣١)، وانظر (٣/ ١٧٢، ٢٢٢، ٣٥٧، ٤٤٢)، و(٥/ ٤٣٩، ٦٤٠)، و(٦/ ٢١٦).","vol":"2","page":211},{"text":"كتبهم أن الأصل في الأوامر أنها للوجوب.\nوأن الأصل في النواهي أنها للتحريم، وبهذا قال الأئمة الأربعة وغيرهم (^١).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-294> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nمن أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢٣٦) [البقرة: ٢٣٦].\nاختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ هل هي على الوجوب أو على الندب؟\nفقال بعضهم: هي على الوجوب، يقضى بالمتعة في مال المطلق كما يقضى عليه بسائر الديون الواجبة عليه لغيره وبهذا قال ابن عمر، وقتادة، والحسن، وسعيد بن جبير، وابن المسيب، وغيرهم، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد.\nوقال آخرون: إنما ذلك من الله تعالى ذكره ندب وإرشاد إلى أن تمتّع المطلقة.\nوهو مذهب مالك وأصحابه (^٢).\nقال ابن عبد البر: وهي مستحبة يؤمر المطلق بها ولا يجبر عليها، ولكنه يندب إليها، وهي من أخلاق المحسنين المتقين، والسلطان هو الذي يأمر بها ويحض عليها، هذا كله قول مالك وأصحابه. اه (^٣).\nوأولى القولين بالصواب القول بوجوب المتعة، وهو الذي ترجحه هذه القاعدة\n_________\n(^١) انظر العدة لأبي يعلى (١/ ٢٢٤)، وروضة الناظر مع شرحها (٢/ ٧٠)، والتحصيل (١/ ٢٧٤)، والمسودة ص ٥، ٦، ٨١، والتمهيد للأسنوي ص ٢٦٦، وشرح الكوكب (٣/ ٣٩، ٨٣)، و(٤/ ٤٤٢)، وأضواء البيان (٤/ ٥٠٦).\n(^٢) انظر القولين منسوبين إلى قائليهما في جامع البيان (٢/ ٣٥٢ - ٤٣٤)، وأحكام القرآن للجصاص (٢/ ١٣٧) وما بعدها، وأحكام القرآن للهراسي (١/ ٢٠٢)، وزاد المسير (١/ ٢٨٠)، ومفاتيح الغيب (٦/ ١٤٩)، والجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٠٠).\n(^٣) الكافي في فقه المدينة المالكي له (٢/ ٦١٧).","vol":"2","page":212},{"text":"وذلك؛ لأن الأمر المجرد من القرائن يقتضي الوجوب إلا أن يدل دليل على أنه للندب والإرشاد، ولا دليل هنا يدل على أن الأمر في قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ للندب والإرشاد لا من خبر الله - تعالى -، ولا من خبر رسوله ﷺ، ولا كان ذلك إجماعا من الأمة.\nقال الإمام الطبري: وأرى أن المتعة للمرأة حق واجب، إذا طلقت، على زوجها المطلّقها - على ما بينا آنفا - يؤخذ بها الزوج كما يؤخذ بصداقها، لا يبرئه منها إلا أداؤه إليها أو إلى من يقوم مقامها في قبضها منه، أو ببراءة تكون منها له، وأرى أن سبيلها سبيل صداقها وسائر ديونها قبله، يحبس بها إن طلقها فيها، إذا لم يكن له شيء ظاهر يباع عليه، إذا امتنع من إعطائها ذلك.\nوإنما قلنا ذلك؛ لأن الله تعالى ذكره قال: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ،﴾ فأمر الرجال أن يمتعوهن، وأمره فرض، إلا أن يبين تعالى ذكره أنه عنى به الندب والإرشاد، لما قد بينا في كتابنا المسمى ب (لطيف البيان عن أصول الأحكام)، لقوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾\n[البقرة: ٢٤١]. ولا خلاف بين جميع أهل التأويل أن معنى ذلك: وللمطلقات على أزواجهن متاع بالمعروف. وإذا كان ذلك كذلك، فلن يبرأ الزوج مما لها عليه إلا بما وصفنا قبل، من أداء أو إبراء على ما قد بيّنّا. اه (^١).\nوقال القرطبي: والقول الأول أولى؛ لأن عمومات الأمر بالإمتاع في قوله:\n﴿وَمَتِّعُوهُنَّ،﴾ وإضافة الإمتاع إليهن بلام التمليك في قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ﴾\nأظهر في الوجوب منه في الندب. اه (^٢).\nوعلى ترجيح هذا القول جرت أقوال كثير من أئمة التفسير (^٣).\n_________\n(^١) جامع البيان (٥/ ١٣٢ - ١٣٣) تحقيق: شاكر.\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٠٠).\n(^٣) انظر أحكام القرآن للجصاص (٢/ ١٣٧ - ١٣٨)، وأحكام القرآن للهراسي (١/ ٢٠٢)، ومفاتيح الغيب (٦/ ١٤٩)، والبحر المحيط لأبي حيان (٢/ ٥٣٠)، وفتح القدير (١/ ٢٥٢) والسيل الجرار (٢/ ٢٨٣)، وفتح البيان (٢/ ٤٦)، وأضواء البيان (١/ ٢٨٢ - ٢٨٣).","vol":"2","page":213},{"text":"وأما ما تمسك به القائلون بالندب من أن قوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾\n(٢٣٦) وفي الآية الأخرى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٢٤١) يدل على الندب حيث جعل هذا من باب الإحسان، إذ لو كانت المتعة واجبة وجوب الحقوق اللازمة بكل حال لم يخصص المتقون والمحسنون بأنها حق عليهم دون غيرهم، ولأطلقها على كل أحد من الناس (^١).\nوهذا الذي تمسكوا به لا يصلح أن يكون دليلا على صرف الأمر من الوجوب إلى الندب، بل هو كذلك دال على الوجوب؛ لأنه - تعالى - قد أمر جميع خلقه بأن يكونوا من المحسنين، ومن المتقين، وما وجب من حق على أهل الإحسان والتقى فهو على غيرهم أوجب، ولهم ألزم (^٢). وما ذكر المتقين والمحسنين إلا تأكيدا لوجوبها، وليس تخصيصهم بالذكر هنا نفيا عن غيرهم، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢) [البقرة: ٢] وهو هدى للناس كافة، كما جاء في قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فلم يكن قوله: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢) موجبا لئلا يكن هدى لغيرهم، فكذلك قوله:\n﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢٣٦) و﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٢٤١) غير ناف أن يكون حقا على غيرهم (^٣) (¬،*).\n***\n_________\n(^١) انظر جامع البيان (٥/ ١٣٠) تحقيق: شاكر، ومفاتيح الغيب (٦/ ١٤٩)، والجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٠٠).\n(^٢) جامع البيان (٥/ ١٣٣) تحقيق: شاكر.\n(^٣) انظر أحكام القرآن للجصاص (٢/ ١٣٨)، وأضواء البيان (١/ ٢٨٢).\n(¬*» ولهذا المثال نظائر كثيرة انظر جملة منها في جامع البيان (٣/ ١٢٠ - ١٣٤)، و(١٨/ ١٣٢)، و(٢٧/ ٤٠)، والإيضاح لناسخ القرآن لمكي ص (١٦٦)، وص (١٩٦)، وأضواء البيان (٣/ ٢٢٢ - ٣٥٧ - ٤٤٢)، و(٦/ ١٦٩ - ٢١٦).","vol":"2","page":214},{"text":"<span data-type='title' id=toc-295>المبحث الثاني:\nقواعد الترجيح المتعلقة بمرجع الضمير وفيه خمسة مطالب:</span>\nالمطلب الأول: قاعدة:\nإذا أمكن حمل الضمير على غير الشأن فلا ينبغي الحمل عليه.\nالمطلب الثاني: قاعدة:\nإعادة الضمير إلى مذكور أولى من إعادته إلى مقدر.\nالمطلب الثالث: قاعدة:\nإعادة الضمير إلى المحدث عنه أولى من إعادته إلى غيره.\nالمطلب الرابع: قاعدة:\nتوحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد أولى من تفريقها.\nالمطلب الخامس: قاعدة:\nالأصل إعادة الضمير إلى أقرب مذكور ما لم يرد دليل بخلافه.","vol":"2","page":215},{"text":"<span data-type='title' id=toc-296>المطلب الأول:\nقاعدة: إذا أمكن حمل الضمير على غير الشأن فلا ينبغي الحمل عليه</span>\n*<span data-type='title' id=toc-297> صورة القاعدة:</span>\nإذا تنازع العلماء في ضمير ما، فقائل يقول: هو ضمير الشأن والقصة، وآخر يقول: ليس هو ضمير الشأن والقصة.\nفإذا كان لقول الآخر وجه صحيح في العربية وفي السياق فهو أولى بحمل الآية عليه، ولا يقال بضمير الشأن إلا إذا لم يكن له محمل صحيح غيره؛ لأجل مخالفته للقياس من وجوه مختلفة - على ما سيأتي -.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-298> إيضاح ألفاظ القاعدة:</span>\nالضمير مأخوذ من الضمور وهو دقة في الشيء، وذلك؛ لأن حروفه قليلة بالنسبة إلى الظاهر، أو هو مأخوذ من الضمير؛ لأنه كناية عما فيه من الاسم الظاهر، وهذا الأصل يدل على غيبة وتستر (^١).\nوالضمير اصطلاحا: هو اللفظ المحتاج في تفسيره إلى لفظ منفصل عنه إن كان غائبا، أو قرينة تكلم أو خطاب.\nفقولهم: «إلى لفظ»، احترازا من ألفاظ الإشارة؛ لأنه لا بد أن يكون معها مفسر.\nوقولهم: «منفصل عنه» احترازا من الموصولات؛ لأنه لا بد أن تتصل صلاتها بها.\nوقولهم: «قرينة تكلم أو خطاب» ليدخل فيه ضمير المتكلم والمخاطب؛ لأنه لا\n_________\n(^١) انظر معجم مقاييس اللغة (٣/ ٣١٧)، والمفردات للراغب ص ٥١٢.","vol":"2","page":217},{"text":"يحتاج إلى معرفة لفظ ظاهر، بل قرينة التكلم والخطاب كافية في ذلك (^١).\nوالشأن هو: الحال والأمر الذي يتفق ويصلح، ولا يقال إلا فيما يعظم من الأحوال والأمور (^٢).\nوضمير الشأن هو: ضمير يأتي على صورة الغائب المفرد، مبهما ثم يفسر، ويقصد بذلك تعظيم الأمر والشأن (^٣).\nقولهم: «فلا ينبغي الحمل عليه».\nلفظ «ينبغي» ورد استعماله في كلام الله وكلام رسوله مطردا في المحظور شرعا أو قدرا وفي المستحيل الممتنع كقوله تعالى: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ (٩٢) [مريم: ٩٢] وقوله: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، وقوله: ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ﴾ (٢١١) [الشعراء: ٢١٠ - ٢١١] وقوله ﷺ: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام» (^٤) وأمثال ذلك (^٥).\nوورد استعماله في كلام العلماء في الواجب وفي المستحب إلا أن استعماله في الواجب أكثر (^٦).\nفإذا قيل: «لا ينبغي» فهي ضد الوجوب أو ضد الاستحباب، إذا تقرر هذا، فقولهم: «فلا ينبغي أن يحمل عليه» أي لا يجوز الحمل عليه وله وجه صحيح في غيره، فلا يحمل على ضمير الشأن إلا عند الضرورة كما سيأتي في كلام أبي حيان.\n_________\n(^١) شرح تنقيح الفصول ص ٣٣ - ٣٤. وانظر شرح التسهيل لابن مالك (١/ ١٢٠).\n(^٢) المفردات للراغب ص ٤٧٠.\n(^٣) انظر شرح التسهيل (١/ ١٦٢ - ١٦٣)، وهمع الهوامع (١/ ٢٣٢)، والنحو الوافي (١/ ٢٥٢) ودراسات لأسلوب القرآن الكريم ق ٣ ج ١ ص ١٥٠.\n(^٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب قوله ﷺ: «إن الله لا ينام» حديث رقم (٢٩٣).\n(^٥) إعلام الموقعين (١/ ٤٣).\n(^٦) انظر أعلام الموقعين (٣/ ١٠٢).","vol":"2","page":218},{"text":"أو كان الأولى أن لا يحمل عليه كما سيأتي في كلام غيره، وكل ذلك على حسب استعمال لفظ «ينبغي» و«لا ينبغي» في كلامهم.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-299> الأوجه التي خالف فيها ضمير الشأن القياس:</span>\nقال ابن هشام (^١): وهذا الضمير مخالف للقياس من خمسة أوجه:\nأحدها: عوده على ما بعده لزوما (^٢)، إذ لا يجوز للجملة المفسرة له أن تتقدم هي، ولا شيء منها عليه.\nالثاني: أن مفسره لا يكون إلا جملة، ولا يشاركه في هذا ضمير.\nالثالث: أنه لا يتبع بتابع، فلا يؤكد، ولا يعطف عليه، ولا يبدل منه.\nالرابع: أنه لا يعمل فيه إلا الابتداء، أو أحد نواسخه - أي نواسخ الابتداء -.\n_________\n(^١) هو: عبد الله بن يوسف بن هشام، جمال الدين أبو محمد النحوي المشهور، صاحب التصانيف، تبحر في العربية ففاق الأقران بل الشيوخ، مات سنة إحدى وستين وسبعمائة. الدرر الكامنة (٢/ ٤١٥).\n(^٢) هذا أحد المواضع التي يعود فيها الضمير على متأخر لفظا ورتبة، وهو ضمير الشأن.\nوالثاني: أن يكون الضمير مرفوعا بنعم وبئس وبابهما ولا مفسر إلا التمييز نحو قوله تعالى: فَنِعِمّا هِيَ [البقرة: ٢١٧].\nوالثالث: أن يكون مرفوعا بأول المتنازعين المعمل ثانيهما.\nوالرابع: أن يكون مخبرا عنه فيفسره خبره نحو قوله تعالى: إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا [الأنعام: ٢٩].\nالخامس: أن يجر برب ويفسره التمييز نحو ربه رجلا.\nوالسادس: أن يكون مبدلا منه الظاهر المفسر له، كضربته زيدا.\nوالسابع: أن يكون متصلا بفاعل مقدم ومفسره مفعول مؤخر كضرب غلامه زيدا.\nانظر مغني اللبيب (٢/ ٤٨٩ - ٤٩٢) والبرهان في علوم القرآن (٤/ ٤١) وهمع الهوامع (١/ ٢٢٩ - ٢٣٢)، والأشباه والنظائر في النحو للسيوطي (٢/ ٥٠)، وما عدا هذه المواضع فلا بد أن يكون مرجع الضمير الذي يبين معناه والمقصود منه متقدما عليه في اللفظ أو الرتبة أو اللفظ والرتبة، وهذا هو الأصل في مرجع الضمير. انظر البرهان (٤/ ٤١) وهمع الهوامع (١/ ٢٢٦، ٢٢٧)، والنحو الوافي (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦).","vol":"2","page":219},{"text":"الخامس: أنه ملازم للإفراد، فلا يثنى ولا يجمع وإن فسر بحديثين أو أحاديث. اه (^١).\nوزاد ابن منظور (^٢) على هذه الأوجه:\n١ - أنه لا يقصد به شيء بعينه.\n٢ - ولا يستعمل إلا في التفخيم.\n٣ - ولا يرجع إلى مذكور (^٣).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-300> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nيقول أبو حيان - في معرض رده على الزمخشري في حمله للضمير في ﴿إِنَّهُ يَراكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] (^٤) على الشأن -: ولا ضرورة تدعو إلى هذا. اه (^٥). وبهذا يقرر أبو حيان أن ضمير الشأن لا يصار إليه إلا عند الضرورة وهي عدم وجود محمل للضمير غير الشأن والقصة.\nونص على هذه القاعدة ابن هشام في المغني، فقال - بعد أن ذكر الوجوه التي خالف فيها ضمير الشأن القياس -: وإذا تقرر هذا علم أنه لا ينبغي الحمل عليه إذا أمكن غيره ..، وقول كثير من النحويين إن اسم «أن» المفتوحة المخففة ضمير الشأن، والأولى أن يعاد على غيره إذا أمكن. اه (^٦).\n_________\n(^١) مغني اللبيب (٢/ ٤٩٠). وانظر هذه الأوجه في شرح التسهيل لابن مالك (١/ ١٦٣) وما بعدها وهمع الهوامع (١/ ٢٣٢).\n(^٢) هو: محمد بن مكرم بن علي الأنصاري الإفريقي جمال الدين أبو الفضل، صاحب «لسان العرب» كان مغرما باختصار كتب الأدب المطولة. مات سنة إحدى عشرة وسبعمائة. الدرر الكامنة (٥/ ٣١).\n(^٣) لسان العرب مادة «كون» (١٣/ ٣٦٨).\n(^٤) وتتمة الآية: إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧).\n(^٥) البحر المحيط (٥/ ٣٣).\n(^٦) مغني اللبيب (٢/ ٤١٩)، ونقله عنه السيوطي في معترك الأقران (٣/ ٤٦٨).","vol":"2","page":220},{"text":"وقد اعتمد جملة من المفسرين هذه القاعدة، فنقل السمين الحلبي في الدر المصون (^١) وصديق خان في تفسيره (^٢) وغيرهما (^٣) نحو عبارة أبي حيان السابقة الذكر المقررة للقاعدة، ونقل مضمون عبارة أبي حيان الدكتور محمد عبد الخالق عضيمة في كتابه القيم دراسات لأسلوب القرآن قال: إذا أمكن تقدير غيره - يعني غير ضمير الشأن - كان أولى. اه (^٤).\n\n*<span data-type='title' id=toc-301> تنبيه:</span>\nلا تعني هذه القاعدة أنه لا يأتي ضمير الشأن، ولا يترجح في القرآن الكريم البتة، بل يتعين ضمير الشأن في مواضع متعددة من كتاب الله تعالى.\nمن أمثلة ذلك الضمير في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ (٢٣) [يوسف: ٢٣]. قال ابن عطية: والضمير في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ﴾ مراد به الأمر والشأن فقط. اه (^٥) وقال السمين الحلبي: هذه الهاء ضمير الشأن ليس إلا.\nاهـ (^٦).\nوقد جمع د. محمد عبد الخالق عضيمة - في بحثه الاستقرائي لأسلوب القرآن الكريم - الآيات التي تعين فيها الضمير للشأن، وهي المواضع التي لا يحتمل الضمير فيها غير ضمير الشأن (^٧). وإنما المقصود من هذه القاعدة هو ما إذا جاء ضمير في آية واحتمل أن يكون ضمير الشأن أو غيره، وورد التنازع فيه بين العلماء، فحمل الآية على غير ضمير الشأن أولى وأحسن.\n_________\n(^١) الدر المصون (٥/ ٢٩٣).\n(^٢) فتح البيان (٤/ ٣٢٥).\n(^٣) منهم العجيلي في الفتوحات الإلهية (٢/ ١٣٣).\n(^٤) دراسات لأسلوب القرآن الكريم ق ٣ ج ١ ص ١٥٠.\n(^٥) المحرر الوجيز (٩/ ٢٧٧).\n(^٦) الدر المصون (٦/ ٤٦٦).\n(^٧) انظرها في دراسات لأسلوب القرآن الكريم ق ٣ ج ١ ص ١٥١.","vol":"2","page":221},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-302> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nمن أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام: ٣] اختلف العلماء في الضمير - (هو) - (^١):\nفقال الجمهور: هو ضمير عائد على ما عادت عليه الضمائر قبله، وهو «الله».\nوقال أبو علي الفارسي (^٢): «هو» ضمير الشأن، و«الله» مبتدأ خبره ما بعده، والجملة مفسرة لضمير الشأن.\nوقول الجمهور أولى القولين بتفسير الآية؛ لأنه متى أمكن الحمل على غير ضمير الشأن فلا يحمل عليه.\nقال أبو حيان: والظاهر أن (هو) ضمير عائد على ما عادت عليه الضمائر قبله وهذا قول الجمهور. اه (^٣).\nوعلل أبو حيان سبب جنوح أبي علي الفارسي إلى هذا التأويل بقوله: وإنما فر إلى هذا؛ لأنه إذا لم يكن ضمير الشأن كان عائدا على الله تعالى فيصير التقدير (والله الله) فينعقد مبتدأ وخبر من اسمين متحدين لفظا ومعنى لا نسبة بينهما إسنادية، وذلك لا يجوز فلذلك - والله أعلم - تأول أبو علي الآية على أن الضمير ضمير الأمة (^٤).\nقال السمين مجيبا على هذا: قلت: الضمير إنما هو عائد على ما تقدم من\n_________\n(^١) انظر الأقوال في غرائب التفسير للكرماني (١/ ٣٥١) والمحرر الوجيز (٦/ ٦) والبحر المحيط (٤/ ٤٣٣) والدر المصون (٤/ ٥٢٨).\n(^٢) هو: الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي النحوي، كان بارعا في النحو، وصنف كتبا عجيبة حسنة لم يسبق إلى مثلها، وكان متهما بالاعتزال توفي سنة سبع وسبعين وثلثمائة. إنباه الرواة على أخبار النحاة (١/ ٣٠٨).\n(^٣) البحر المحيط (٤/ ٤٣٣).\n(^٤) انظر البحر المحيط (٤/ ٤٣٣).","vol":"2","page":222},{"text":"الموصوف بتلك الصفات الجليلة وهي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، وخلق الناس من طين إلى آخرها، فصار في الإخبار بذلك، فائدة من غير شك. اه (^١).\n_________\n(^١) الدر المصون (٤/ ٥٢٩).\n* ومن نظائر هذا المثال:\n١ - ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ [البقرة:\n٨٥]. انظر معاني القرآن للفراء (١/ ٥١)، ومعاني القرآن للزجاج (١/ ١٦٧)، والكشاف (١/ ٢٩٤)، والبحر المحيط (١/ ٤٧٠)، والجامع لأحكام القرآن (٢/ ٢٢)، والدر المصون (١/ ٤٨٤).\n٢ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ [البقرة: ٩٦]، انظر معاني القرآن للزجاج (١/ ١٧٨)، والبحر المحيط (١/ ٥٠٥).\n٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [البقرة: ٢٨٣]، انظر إملاء ما من به الرحمن (١/ ١٢١).\n٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ [آل عمران: ١٨]، انظر البحر المحيط (٣/ ٦١).\n٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئُونَ وَالنَّصارى [المائدة: ٦٩]، انظر غرائب التفسير (١/ ٣٣٥).\n٦ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف:\n٢٧]، انظر الكشاف (٢/ ٧٥)، والبحر المحيط (٥/ ٣٣)، والدر المصون (٥/ ٢٩٣)، والفتوحات الإلهية (٢/ ١٣٣)، ومغني اللبيب (٢/ ٤٩١)، وفتح البيان (٤/ ٣٢٥)، وروح المعاني (٨/ ١٠٥).\n٧ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) [الأنفال: ٢٤]، انظر البحر المحيط (٥/ ٣٠٣).\n٨ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي [الكهف: ٣٨]، انظر الكشاف (٢/ ٤٨٤)، والبحر المحيط (٧/ ١٧٩).\n٩ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: مَعاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ [يوسف: ٢٣]، انظر الكشاف (٢/ ٣١٠)، وإملاء ما من به الرحمن (٢/ ٥١)، والبحر المحيط (٦/ ٢٥٧)، وفتح القدير (٣/ ١٧).","vol":"2","page":223},{"text":"<span data-type='title' id=toc-303>المطلب الثاني:\nقاعدة: إعادة الضمير إلى مذكور أولى من إعادته إلى مقدر</span>\n*<span data-type='title' id=toc-304> صورة القاعدة:</span>\nإذا احتمل السياق إعادة الضمير إلى مذكور أو إعادته إلى مقدر، واختلف العلماء على الاحتمالين، فإعادة الضمير إلى المذكور أولى وأحسن؛ لأن الإعادة إلى المقدر مع إمكان الإعادة إلى المذكور فيه إخراج للآية عن نظمها دون موجب.\nهذا في حالة احتمال الضمير للأمرين واختلاف العلماء على القولين، أما إذا لم يقع خلاف بين العلماء في إعادة الضمير إلى أحدهما فليس داخلا تحت هذه القاعدة (^١)؛ لأنها قاعدة ترجيحية بين الأقوال المختلفة، ولا خلاف هنا.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-305> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nهذه القاعدة من القواعد التي اعتمدها الأئمة، وهي جزء من قاعدة أعم منها\n_________\n(^١) مثال ما أعيد فيه الضمير إلى مذكور، ولم يقع فيه خلاف، قوله تعالى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها [المائدة: ٤٥]، فالضمير في «عليهم» عائد على اليهود -[السابق ذكرهم]- بإجماع. الجامع لأحكام القرآن (٦/ ١٩٠)، وأضواء البيان (٢/ ١٠٢).\nومثله الضمير في «بهم» من قوله تعالى: وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨٣) [غافر: ٨٣] فهو عائد على الكفار بلا خلاف انظر المحرر الوجيز (١٤/ ١٦٠).\nومثال ما أعيد فيه الضمير إلى غير مذكور بلا خلاف، قوله تعالى: ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ [النحل:\n٦١]. فالضمير في «عليها» راجع إلى غير مذكور وهو الأرض؛ لأن قوله «من دابة»، يدل عليه؛ لأن من المعلوم أن الدواب إنما تدب على الأرض. انظر أضواء البيان (٣/ ٢٨٩)، وزاد المسير (٤/ ٤٥٩).\nوانظر دراسات لأسلوب القرآن الكريم ق ٣ ج ١ ص ٣٩ وما بعدها. فقد جمع أمثلة كثيرة مما عاد فيها الضمير على غير مذكور لدلالة المعنى عليه. وانظر الكوكب الدّري ص ٢٠٥.","vol":"2","page":224},{"text":"سبق بيانها وهي قاعدة «القول بالاستقلال مقدم على القول بالإضمار» غير أن هذه القاعدة تعلقها في التقدير بمفسر الضمير، والتقدير خلاف الأصل؛ لذا كان إعادة الضمير إلى مذكور أولى من إعادته إلى مقدر.\nفمن هؤلاء الأئمة الذين اعتمدوا هذه القاعدة في الترجيح:\n١ - الإمام الطبري: قال - في معرض ترجيحه في أحد أمثلة هذه القاعدة -:\nوأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قول قتادة ومجاهد، وذلك أن قوله:\n﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [الإسراء: ٧٦] في سياق خبر الله ﷿ عن قريش وذكره إياهم ولم يجر لليهود قبل ذلك ذكر، فيوجه قوله: ﴿وَإِنْ كادُوا﴾ إلى أنه خبر عنهم، فهو بأن يكون خبرا عمن جرى له ذكر أولى من غيره. اه (^١).\n٢ - ومنهم جار الله الزمخشري: قال - في معرض ترجيحه في أحد أمثلة هذه القاعدة -: والإضمار ضرب من التعسف، وترك الظاهر الذي يدعوه المعنى إلى نفسه، إلى الباطن الذي يجفو عنه، ترك للحق الأبلج إلى الباطل اللجلج. اه (^٢).\n٣ - ومنهم أبو بكر ابن العربي: فقد حرر هذه القاعدة في معرض رده لقول مجاهد وغيره في تفسير قوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] قالوا: الهاء في «فيه» يعود على القرآن.\nقال ابن العربي: وهذا قول بعيد، ما أراه يصح عنهم، ولو صح نقلا لم يصح عقلا، فإن مساق الكلام كله للعسل، ليس للقرآن فيه ذكر، وكيف يرجع ضمير في كلام إلى ما لم يجر له ذكر فيه، وإن كان كله منه، ولكنه إنما يراعي مساق الكلام ومنحى القول. اه (^٣).\n_________\n(^١) جامع البيان (١٥/ ١٣٣).\n(^٢) الكشاف (٣/ ٣١٦).\n(^٣) أحكام القرآن (٣/ ١٣٨).","vol":"2","page":225},{"text":"٤ - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: فقد استعمل هذه القاعدة في الترجيح، قال في معرض تضعيفه لقول من قال: الضمير في ﴿وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ﴾ [هود: ١٧] عائد على القرآن: ولم يتقدم للقرآن ذكر. اه (^١).\n٥ - ومنهم السمين الحلبي: فقد قرر هذه القاعدة. فقال: إن عود الضمير على غير مذكور بلا مدلول عليه بشيء خلاف الأصل. اه (^٢).\n٦ - ومنهم الشنقيطي: قال - مقررا ومرجحا بهذه القاعدة في تفسير قوله تعالى:\n﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]-:\nالوجه الثاني: من مرجحات هذا القول، أنه على هذا القول الصحيح، فمفسر الضمير، ملفوظ مصرح به، في قوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ﴾ [النساء: ١٥٧].\nوأما على القول الآخر فمفسر الضمير ليس مذكورا في الآية أصلا، بل هو مقدر تقديره: ما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به قبل موته، أي موت أحد أهل الكتاب المقدر.\nومما لا شك فيه، أن ما لا يحتاج إلى تقدير، أرجح وأولى، مما يحتاج إلى تقدير.\nاه (^٣).\nوغير هؤلاء كثير كابن عطية (^٤) وأبي حيان (^٥) والألوسي (^٦) وغيرهم (^٧) على ما\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٥/ ٨٨)، وانظر نظير هذا الترجيح بهذه القاعدة (١٥/ ٤٤٩) و(١٦/ ٢٢٧) منه.\n(^٢) الدر المصون (٢/ ٢٤٨).\n(^٣) أضواء البيان (٧/ ٢٦٥).\n(^٤) انظر المحرر الوجيز (١٠/ ٢٢) و(١١/ ٣٠٤) و(١٤/ ٣٦).\n(^٥) انظر البحر المحيط (١/ ٦١) و(١/ ٢٨٨) و(٢/ ١٣٥) و(٩/ ٥١).\n(^٦) انظر روح المعاني (١٥/ ١٣١) و(٢٢/ ٢١٥) و(٢٣/ ٢٠٥).\n(^٧) كالماوردي انظر النكت والعيون (٥/ ١٠١)، والشوكاني في فتح القدير (٤/ ٤٣٤) وصديق خان في فتح البيان (١٢/ ٤٨).","vol":"2","page":226},{"text":"سيأتي في الأمثلة التطبيقية - إن شاء الله تعالى -.\n\n*<span data-type='title' id=toc-306> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nأمثلة هذه القاعدة وأمثلة قواعد الضمائر الآتية تتداخل كثيرا، وسوف اكتفى ببسط بعضها هنا فيما يتعلق بهذه القاعدة، وسيأتي بعضها في القواعد الآتية.\n- فمنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ [هود: ٥] اختلف أهل التفسير في عائد الضمير في «منه» (^١):\nفقالت طائفة: عائد على الله - تعالى -، السابق ذكره (^٢).\nوقال آخرون: عائد على محمد ﷺ.\nوأولى القولين بتفسير الآية القول الأول؛ لأن مفسر الضمير فيه مذكور، على عكس القول الثاني فإنه لم يسبق للنبي ﷺ ذكر في السياق.\nوهذا هو ترجيح الإمام الطبري وابن عطية وابن كثير وغيرهم.\nقال الطبري: … والهاء في قوله «منه» عائد على اسم الله، ولم يجر لمحمد ذكر قبل فيجعل من ذكره ﷺ، وهذا في سياق الخبر عن الله، فإن كان ذلك كذلك كانت بأن تكون من ذكر الله أولى. اه (^٣).\nوقال ابن عطية - مرجحا ما رجحته هذه القاعدة -: والضمير في «منه» عائد على الله تعالى، هذا هو الأفصح والأجزل في المعنى. اه (^٤).\nويؤيد هذه القاعدة فيما قررته، قاعدة «القول الذي تؤيده قرائن في السياق مرجح على ما خالفه».\nفقوله تعالى: ﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾\n_________\n(^١) ذكر هذين القولين عامة المفسرين وانظرهما في معالم التنزيل (٤/ ١٦١) والمحرر الوجيز (٩/ ١٠٧)، وزاد المسير (٤/ ٧٨)، والبحر المحيط (٦/ ١٢٣)، وغيرها.\n(^٢) في قوله: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ [هود: ٤]، والآيات قبلها.\n(^٣) جامع البيان (١١/ ١٨٥).\n(^٤) المحرر الوجيز (٩/ ١٠٧).","vol":"2","page":227},{"text":"[هود: ٥] بعدها قرينة واضحة في ترجيح القول الأول وهو إعادة الضمير إلى الله - تعالى - كما هو ظاهر.\nقال ابن كثير: وعود الضمير على الله أولى، لقوله: ﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾. اه (^١).\nويؤيد هذه القاعدة فيما رجحته ما صح من سبب النزول عن محمد بن عباد (^٢)\nأن ابن عباس قرأ «ألا تثنوني صدورهم» قال: قلت: يا أبا العباس ما تثنوني صدورهم؟ قال: كان الرجل يجامع امرأته فيستحيي أو يتخلى فيستحيي، فنزلت ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٣٨).\n(^٢) محمد بن عباد بن جعفر المخزومي القرشي، قال ابن معين: ثقة مشهور. اه. يروي عن جماعة من الصحابة عن أبي هريرة وابن عباس وابن عمر وغيرهم أخرج له الجماعة. تهذيب الكمال (٢٥/ ٤٣٣) وثقات ابن حبان (٥/ ٣٥٦).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ الآية انظر الفتح (٨/ ٢٠٠)، وانظر القراءة وتوجيهها في المحتسب (١/ ٣١٨).\n* ومن نظائر هذا المثال:\n١ - ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ [البقرة: ٤١]، انظر جامع البيان (١/ ٢٥٣)، والجامع لأحكام القرآن (١/ ٣٣٣)، والبحر المحيط (١/ ٢٨٨).\n٢ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [النساء:\n١٥٩]، انظر أضواء البيان (٧/ ٢٦٥).\n٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ [هود: ١٧]، انظر مجموع فتاوى ابن تيمية (١٥/ ٨٧، ٨٨).\n٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ [يوسف: ٣٢]، انظر المحرر الوجيز (٩/ ٢٩٤).\n٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ [الرعد: ١١]، انظر جامع البيان (١٣/ ١١٧ - ١٢١)، والمحرر الوجيز (١٠/ ٢٢). -","vol":"2","page":228},{"text":"ويلحق بالضمير في هذه القاعدة اسم الإشارة.\nفالقول الذي يجعل المشار إليه مذكورا أولى من القول الذي يجعله مقدرا.\nوالعدول بالإشارة من الظاهر إلى المضمر مع إمكان الحمل على الظاهر خلاف الأصل، ولقد اعتمد العلماء هذه القاعدة، ورجحوا بها بين الأقوال المختلفة في التفسير، وسترى في الأمثلة الآتية تقريرهم واعتمادهم لهذه القاعدة في الترجيح.\nفمن أمثلتها ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (٣٩) [ص: ٣٩].\nقال الماوردي: في المشار إليه ب «هذا» ثلاثة أقاويل:\nأحدها: ما تقدم ذكره من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده بتسخير الريح والشياطين.\nوالقول الثاني: أن في الكلام تقديما وتأخيرا تقديره هذا عطاؤنا بغير حساب فامنن أو أمسك.\nوالقول الثالث: إن هذا إشارة إلى مضمر غير مذكور وهو ما حكي أن سليمان كان في ظهره ماء مائة رجل، وكان له ثلاثمائة امرأة وسبعمائة سرية، فقال الله تعالى:\n﴿هذا عَطاؤُنا﴾ يعني الذي أعطيناك من القوة على النكاح ﴿فَامْنُنْ﴾ بجماع من\n_________\n= ٦ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها [الإسراء:\n٧٦]، انظر جامع البيان (١٥/ ١٣٣)، والبحر المحيط (٧/ ٩١)، وروح المعاني (١٥/ ١٣١).\n٧ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: * اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [النور: ٣٥]، انظر المحرر الوجيز (١١/ ٣٠٤).\n٨ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا [الأحزاب: ٥٣]. انظر مجموع فتاوى ابن تيمية (١٥/ ٤٤٩).\n٩ - منها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِنّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) [يس: ٨]. انظر الكشاف (٣/ ٣١٥ - ٣١٦)، والبحر المحيط (٩/ ٥١)، والتفسير القيم ص ٤١١، وروح المعاني (٢٢/ ٢١٥).","vol":"2","page":229},{"text":"تشاء من نسائك ﴿أَوْ أَمْسِكْ﴾ عن جماع من تشاء من نسائك.\nثم قال بعد أن حكى هذه الأقوال: وهذا القول عدول من الظاهر إلى ادعاء مضمر بغير دليل. اه (^١).\nوالقول الأول هو الأولى بتأويل الآية؛ لأنه يجعل المشار إليه مذكورا في سياق الكلام على عكس القول الثالث. وهذا القول هو اختيار إمام المفسرين الطبري. قال - بعد أن ذكر الأقوال في الآية -:\nوأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب القول الذي ذكرناه عن الحسن والضحاك من أنه عنى بالعطاء ما أعطاه من الملك تعالى ذكره، وذلك أنه جل ثناؤه ذكر ذلك عقيب خبره عن مسألة نبيه سليمان - صلوات الله وسلامه عليه - إياه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، فأخبر أنه سخر له ما لم يسخر لأحد من بني آدم، وذلك تسخيره له الريح والشياطين على ما وصفت، ثم قال له عز ذكره: هذا الذي أعطيناك من الملك، وتسخيرنا ما سخرنا لك عطاؤنا، ووهبنا لك ما سألتنا أن نهبه لك من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعدك. اه (^٢).\nورجحه أبو جعفر النحاس (^٣) وابن عطية (^٤) وأبو حيان (^٥) وابن جزي (^٦)\n_________\n(^١) النكت والعيون (٥/ ١٠٠ - ١٠١) مختصرا.\n(^٢) جامع البيان (٢٣/ ١٦٣).\n(^٣) معاني القرآن (٦/ ١١٧)، والنحاس هو: أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي النحوي، المفسر المعروف بالنحاس، صاحب التصانيف، زادت تصانيفه على خمسين مصنفا، كان واسع العلم غزير الرواية إذا خلا بقلمه جود وأحسن. مات سنة سبع وثلاثين وثلثمائة. إنباه الرواة (١/ ١٣٦) وطبقات المفسرين (١/ ٦٨).\n(^٤) المحرر الوجيز (١٤/ ٣٦).\n(^٥) البحر المحيط (٩/ ١٥٨).\n(^٦) التسهيل (٣/ ١٨٦).","vol":"2","page":230},{"text":"والألوسي (^١) والشوكاني (^٢) وصديق خان (^٣) وغيرهم.\nقال أبو حيان - بعد أن ذكر القول الثالث منسوبا إلى ابن عباس - ﵄ -: ولعله لا يصح عن ابن عباس؛ لأنه لم يجر هنا ذكر النساء، ولا ما أوتي من القدرة على ذلك. اه.\nوقال الألوسي - معقبا على القول الثالث أيضا -: … ولا يكاد يصح، إذ لم يجر لذلك ذكر في الآية. اه.\nوقال الشوكاني - معقبا على نفس القول -: وهذا لا وجه لقصر الآية عليه لو قدرنا أنه تقدم ذكره من جملة تلك المذكورات، فكيف يدعي اختصاص الآية به مع عدم ذكره؟ اه.\nبهذا يعلم ترجيح الأئمة لما تقرره هذه القاعدة، ورد القول الذي يخالفها.\nويعلم أن أولى الأقوال بتفسير الآية هو القول الذي يجعل المشار إليه مذكورا، وهو القول الأول، أما القول الثاني فهو خلاف الأصل، ولا دليل يوجب هذه المخالفة للأصل (^٤)، وقد سبق بيان وجه كون التقديم والتأخير خلاف الأصل في قاعدة:\n«القول بالترتيب مقدم على القول بالتقديم والتأخير».\n***\n_________\n(^١) روح المعاني (٢٣/ ٢٠٥).\n(^٢) فتح القدير (٤/ ٤٣٤).\n(^٣) فتح البيان (١٢/ ٤٨).\n(^٤) * ومن نظائر هذا المثال:\n١ - ما جاء في تفسير قوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: ٢]. انظر البحر المحيط (١/ ٦١).\n٢ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ [هود: ١٧]. انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٥/ ٨٩).","vol":"2","page":231},{"text":"<span data-type='title' id=toc-307>المطلب الثالث:\nقاعدة: إعادة الضمير إلى المحدث عنه أولى من إعادته إلى غيره</span>\n*<span data-type='title' id=toc-308> صورة القاعدة:</span>\nإذا جاء ضمير في سياق قرآني، وتعددت الاحتمالات في مرجعه، فرجوعه إلى المحدث عنه في السياق أولى من رجوعه إلى غيره؛ لأنه هو المقصود بالكلام، وإليه يتجه الخطاب.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-309> إيضاح ألفاظ القاعدة:</span>\n«المحدث عنه».\nقال أبو حيان: المحدث عنه أحد جزئي الإسناد. اه (^١). وغير المحدث عنه هو ما ذكر فضلة لا عمدة (^٢).\nوالإسناد في عرف النحاة: عبارة عن ضم إحدى الكلمتين إلى الأخرى على وجه الإفادة التامة (^٣).\nوالمحدث عنه من جزئي الإسناد هو المسند إليه، وهو:\n١ - الفاعل «للفعل التام أو شبهه».\n٢ - ونائب الفاعل.\n٣ - والمبتدأ في الجملة الاسمية.\n٤ - وأسماء النواسخ «أي ما أصله المبتدأ».\n_________\n(^١) البحر المحيط (٣/ ٢٨٨).\n(^٢) البحر المحيط (١/ ٣٠٨).\n(^٣) تعريفات الجرجاني ص ٤٤، والتوقيف ص ٦٥ والكليات ص ١٠٠.","vol":"2","page":232},{"text":"٥ - والمفعول الأول لظن وأخواتها -[أي ما أصله المبتدأ أو الخبر].\n٦ - والمفعول الثاني لأرى وأخواتها (^١) -[أي ما أصله المبتدأ أو الخبر].\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-310> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nهذه القاعدة من القواعد التي اعتمدها في الترجيح أئمة التفسير، فمنهم من ينص عليها أثناء ترجيحه بها، ومنهم من يرجح القول الذي ترجحه هذه القاعدة، مما يشعر باعتماده لها.\n\n<span data-type='title' id=toc-311>فمن هؤلاء الأئمة:</span>\n١ - الإمام ابن جرير الطبري: قال - في معرض ترجيحه في تفسير قوله تعالى:\n﴿فِيهِ شِفاءٌ﴾ [النحل: ٦٩]-: وهذا القول -[أي إعادة الضمير إلى العسل]- أولى بتأويل الآية؛ لأن قوله «فيه» في سياق الخبر عن العسل فأن تكون الهاء من ذكر العسل؛ إذا كانت في سياق الخبر عنه أولى من غيره اه. (^٢).\nفمضمون كلام الطبري هو مضمون هذه القاعدة.\n٢ - ومنهم الزمخشري: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾\n(١٧٥) [النساء: ١٧٥] قال: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ﴾ إلى عبادته (^٣). اه قال أبو حيان - معلقا على قول الزمخشري -: فجعل الضمير عائدا على الله تعالى وذلك على حذف مضاف وهذا هو الظاهر؛ لأنه المحدث عنه، و﴿فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ ليس محدثا عنهما. اه (^٤).\n_________\n(^١) جواهر البلاغة للهاشمي ص ٤٣ - ٤٤، وانظر «في بناء الجملة العربية» د. محمد عبد اللطيف ص ٥٣.\n(^٢) جامع البيان (١٤/ ١٤١).\n(^٣) الكشاف (١/ ٥٨٩).\n(^٤) البحر المحيط (٤/ ١٤٩).","vol":"2","page":233},{"text":"٣ - ومنهم أبو حيان: قال - مرجحا بهذه القاعدة في أحد أمثلتها -: والأرجح الأول؛ لأنه أقرب، وهو منطوق به مقصود للحديث عنه. اه (^١) وقال في موضع آخر: والظاهر عود الضمير في ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] على الأمر؛ لأنه هو المحدث. اه (^٢).\n٤ - ومنهم السمين الحلبي: قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ﴾\n[الأنعام: ١٣٧]: الضمير المنصوب للقتل -[أي السابق ذكره في الآية ﴿قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾]- للتصريح به؛ ولأنه المسوق للحديث عنه. اه (^٣).\n٥ - ومنهم الزركشي: قال: إذا جاء مضاف ومضاف إليه، وذكر بعدهما ضمير عاد إلى المضاف؛ لأنه المحدث عنه. اه (^٤).\n٦ - ومنهم السيوطي: قال - في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ﴾\n[العنكبوت: ٢٧]- فضمير ﴿ذُرِّيَّتِهِ﴾ عائد على إبراهيم، وهو غير الأقرب؛ لأنه المحدث عنه من أول القصة إلى آخرها. اه (^٥).\n٧ - ومنهم الألوسي: فقد استعمل هذه القاعدة في الترجيح، ففي تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢] قال: الظاهر أن الضمير المنصوب في «ترونها» للزلزلة؛ لأنها المحدث عنها. اه (^٦).\n***\n_________\n(^١) البحر المحيط (١/ ٢٨٨).\n(^٢) البحر المحيط (٦/ ٥٠٣).\n(^٣) الدر المصون (٥/ ١٨٠).\n(^٤) البرهان (٤/ ٣٩)، وانظر البحر المحيط في الأصول (٣/ ٣٢٥).\n(^٥) همع الهوامع (١/ ٢٢٧)، ودراسات لأسلوب القرآن الكريم (ق ٣ ج ١ ص ١٦)، وانظر معترك الأقران (٣/ ٤٦٦).\n(^٦) روح المعاني (١٧/ ١١١) وانظر (١٤/ ٩٠) منه.","vol":"2","page":234},{"text":"<span data-type='title' id=toc-312>مسألة:</span>\nإذا أمكن عود الضمير على كل من المضاف والمضاف إليه على انفراده، ولم يتعين أحدهما بقرينة في السياق فإلى أيهما يرجع؟ قولان مشهوران للعلماء:\nأحدهما: قول ابن حزم (^١)، والماوردي ومن وافقهما إنه يعود على المضاف إليه؛ لأنه أقرب مذكور. قالوا ذلك في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾\n[الأنعام: ١٤٥] فأعادوا الضمير إلى الخنزير.\nقال ابن حزم: وأما الخنزير فإن الله تعالى قال: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾ والضمير في لغة العرب التي نزل بها القرآن راجع إلى أقرب مذكور إليه.\nاه (^٢).\nوالآخر: قول الجمهور ورجحه أبو حيان والزركشي وغيرهما إنه يعود على المضاف؛ لأنه المحدث عنه (^٣).\nفإن قال قائل وما الجديد في هذه المسألة؟ ألم تقرر في مبحث تنازع القواعد أنه إذا تنازعت قاعدة إعادة الضمير إلى أقرب مذكور وقاعدة إعادة الضمير إلى المحدث عنه، قدمت قاعدة المحدث عنه؟\nفالجواب: أن هذا ما لم يكن في هذه المسألة، فأما هذه المسألة فلها نظر خاص، وذلك؛ لأنه ليس مطردا رجوع الضمير إلى المضاف، ولا إلى المضاف إليه. كما أنه ليس مطردا أن يعود الضمير إلى أقرب مذكور (^٤)، ولا أن يكون الإخبار والحديث\n_________\n(^١) هو: علي بن أحمد بن حزم الظاهري، أبو محمد، الفقيه الحافظ المتكلم الأديب الوزير عالم الأندلس في عصره، صاحب التصانيف المشهورة، توفي سنة ست وخمسين وأربعمائة. سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٨٤).\n(^٢) المحلى (٧/ ٣٩٠).\n(^٣) انظر البحر المحيط لأبي حيان (٤/ ٦٧٤)، والبحر المحيط للزركشي (٣/ ٣٢٥)، والبرهان له (٤/ ٣٩)، والكوكب الدري ص ٢٠٢، وروح المعاني (٨/ ٤٤).\n(^٤) يأتي في قاعدة «الأصل إعادة الضمير إلى أقرب مذكور ..» بيان الأدلة التي تصرف الضمير عن -","vol":"2","page":235},{"text":"دائما عن المضاف دون المضاف إليه. وبيان ذلك أنه جاء في كتاب الله آيات كثيرة (^١)\nعاد الضمير فيها إلى المضاف إليه اتفاقا، كقوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١١٤) [النحل: ١١].\nوكذلك جاءت آيات أخرى كثيرة (^٢) عادت الضمائر فيها على المضاف اتفاقا، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] و[النحل: ١٨].\nوجاء في كتاب الله كذلك الإخبار عن المضاف إليه كقوله تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ (٤) [الشعراء: ٤] فأخبر تعالى عن المضاف إليه، ولو كان خبرا عن المضاف لقال خاضعة (^٣).\nإذا تقرر كل ذلك فأحسن ما يقال في هذه المسألة، ما قاله الزركشي - بعد أن ذكر هذه المسألة والأقوال فيها -: وإذا تعارض الأصلان تساقطا ونظر في الترجيح من خارج. اهـ (^٤).\nوأفضل شيء يحدد مرجع الضمير إذا سبقه مضاف ومضاف إليه هو السياق وقرائنه فيرجع إليه في ذلك. والله تعالى أعلم.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-313> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\n١ - من الأمثلة التي تتخرج على هذه القاعدة. ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٨ - ٣٩].\n_________\n= القريب إلى البعيد، بل إنهم قد استثنوا هذه المسألة منها فقالوا: الضمير يعود إلى أقرب مذكور ما لم يكن مضافا إليه. انظر النحو الوافي (١/ ٢٥٦، ٢٦٢).\n(^١) انظر جملة منها في دراسات لأسلوب القرآن الكريم ق ٣ ج ٣ ص ٥٨٣.\n(^٢) انظر جملة منها في دراسات لأسلوب القرآن الكريم ق ٣ ج ٣ ص ٥٧٨.\n(^٣) البرهان (٤/ ٣٩).\n(^٤) البرهان (٤/ ٣٩).","vol":"2","page":236},{"text":"اختلف المفسرون في عائد الضمير في «فاقذفيه» و«فليلقه» (^١):\nفقال بعضهم: هما عائدان إلى التابوت.\nوقال آخرون: بل إلى موسى - ﵇ - في داخل التابوت.\nوهذه القاعدة ترجح هذا القول، وذلك؛ لأن سياق الآيات عن موسى ﵇ والضمائر راجعة إليه من أول الآيات إلى موضع الخلاف وكذلك بعده راجعة إليه، فهو المقصود في الخطاب أولا وآخرا [فهو حاضر في ذهن أمه الموحى إليها، وقذفه في التابوت وفي اليم وإلقاؤه في الساحل أفعال متعلقة بضميره إذ لا فرق في فعل الإلقاء بين كونه مباشرا أو في ضمن غيره؛ لأنه هو المقصود بالأفعال الثلاثة] (^٢)\nوما جاء التابوت إلا تبعا له، فالضمائر جميعا ترجع إليه؛ لأنه المحدث عنه. وهذا هو ما رجحه أئمة التفسير بهذه القاعدة، وبغيرها.\nقال أبو حيان: والظاهر أن الضمير في «فاقذفيه في التابوت» عائد على موسى وكذلك الضميران بعده إذ هو المحدث عنه لا التابوت، إنما ذكر التابوت على سبيل الوعاء والفضلة. اه (^٣).\nوقال الشوكاني في تفسير الآية: والضمائر كلها لموسى لا للتابوت، وإن كان قد ألقي معه لكن المقصود هو موسى، مع كون الضمائر قبل هذا وبعده له (^٤). اه\nوقال الألوسي: والضمائر كلها لموسى - ﵇ - إذ هو المحدث عنه والمقذوف في البحر والملقى بالساحل، وإن كان هو التابوت أصالة؛ لكن لما كان المقصود بالذات ما فيه، جعل التابوت تبعا له في ذلك .. والحق أن عدم التفكيك فيما نحن فيه - يعني هذه الآية - أولى اه. (^٥).\n_________\n(^١) انظر الكشاف (٢/ ٥٣٦)، والبحر المحيط (٧/ ٣٣٠)، وفتح القدير (٣/ ٣٦٤).\n(^٢) انظر التحرير والتنوير (١٦/ ٢١٦).\n(^٣) البحر المحيط (٧/ ٣٣٠)، وانظر الدر المصون (٨/ ٣٤ - ٣٥).\n(^٤) فتح القدير (٣/ ٣٦٤).\n(^٥) روح المعاني (١٦/ ١٨٨).","vol":"2","page":237},{"text":"ويؤيد هذه القاعدة فيما رجحته، قاعدة «توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد أولى من تفريقها».\nوذلك أن ضمير «أن اقذفيه» قبل المختلف فيها عائد إلى موسى - ﵇ - بلا خلاف، وكذلك ضميرا «يأخذه» و«له» بعد المختلف فيها راجعة إلى موسى ﵇ بلا خلاف.\nفإلحاق الضمائر المختلف فيها بما اتفق عليها أولى وأحسن، لما في توحيد مرجع الضمائر جميعا في السياق من المحافظة على اتساق النظم (^١).\nقال الزمخشري: والضمائر كلها راجعة إلى موسى، ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت فيه هجنة؛ لما يؤدي إليه من تنافر النظم. فإن قلت: المقذوف في البحر هو التابوت، وكذلك الملقى إلى الساحل، قلت: ما ضرك لو قلت المقذوف والملقى هو موسى في جوف التابوت حتى لا تفرق الضمائر فيتنافر عليك النظم الذي هو أم إعجاز القرآن، والقانون الذي وقع عليه التحدي ومراعاته أهم ما يجب على المفسر اه. (^٢).\nوقال الشنقيطي - في تفسير هذه الآية، مرجحا بهذه القاعدة فيها -: والصواب رجوعه -[أي الضمير]- إلى موسى في داخل التابوت؛ لأن تفريق الضمائر غير حسن. اه (^٣).\nأما من رجح القول الأول، فاعتمد على قاعدة: إعادة الضمير إلى أقرب مذكور - سيأتي بسطها إن شاء الله - والتابوت أقرب مذكور. فأصبح هذا من تنازع القواعد المثال الواحد، وقد سبق بسطة في مبحث تنازع القواعد من مباحث التمهيد، وسيأتي التنبيه عليه في الأدلة التي تصرف الضمير من القريب إلى البعيد.\n_________\n(^١) انظر حاشية زاده على البيضاوي (٣/ ٣١٤).\n(^٢) الكشاف (٢/ ٥٣٦).\n(^٣) أضواء البيان (٤/ ٤٠٦).","vol":"2","page":238},{"text":"وقد حرر أبو حيان هذه المسألة في تفسير هذه الآية فقال: ولقائل أن يقول إن الضمير إذا كان صالحا لأن يعود على القريب وعلى الأبعد كان عوده على الأقرب راجحا، وقد نص النحاة على هذا فعوده على «التابوت» في قوله: ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ﴾ [طه: ٣٩] راجح، والجواب أنه إذا كان أحدهما هو المحدث عنه والآخر فضلة كان عوده على المحدث عنه أرجح ولا يلتفت إلى القرب اه. (^١).\n_________\n(^١) البحر المحيط (٧/ ٣٣٠ - ٣٣١).\n* ونظائر هذا المثال كثيرة:\n١ - انظر دراسات لأسلوب القرآن الكريم ق ٣ ج ١ ص ١٥ - ١٦ وص ٢١ - ٢٢.\n٢ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ [البقرة: ٤١]. انظر جامع البيان (١/ ٥٦٤) ط: شاكر، والبحر المحيط (١/ ٢٨٨)، والدر المصون (١/ ٣١٨).\n٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥) [النساء: ١٧٥]. انظر البحر المحيط (٤/ ١٤٩).\n٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ [الأنعام: ١٣٧]. انظر البحر المحيط (٤/ ٦٥٩)، والدر المصون (٥/ ١٨٠).\n٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: ١]. انظر البحر المحيط (٦/ ٥٠٣)، والدر المصون (٧/ ١٨٧)، وروح المعاني (١٤/ ٩٠).\n٦ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ [النحل: ٦٩] انظر جامع البيان (١٤/ ١٤٠ - ١٤١)، وأحكام القرآن لابن العربي (٣/ ١٣٨)، والبحر المحيط (٦/ ٥٦١).\n٧ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ [الحج: ١ - ٢]. انظر البحر المحيط (٧/ ٤٨١)، وروح المعاني (١٧/ ١١).\n٨ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ [العنكبوت: ٢٧]. انظر همع الهوامع (١/ ٢٢٧)، وانظر الجامع لأحكام القرآن (١٣/ ٣٤٠)، والبحر -","vol":"2","page":239},{"text":"***\n_________\n(^١) - المحيط في التفسير (٨/ ٣٥٣)، وتفسير ابن كثير (٦/ ٢٨٥)، وأضواء البيان (٦/ ٤٦٤).\n٩ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) [العاديات: ٧]. انظر البحر المحيط (١٠/ ٥٢٩)، والتسهيل (٤/ ٢١٤)، وفتح القدير (٥/ ٤٨٣)، وروح المعاني (٣٠/ ٢٨٠)، والتحرير والتنوير (٣٠/ ٥٠٤)، وأضواء البيان (١/ ٧٤).","vol":"2","page":240},{"text":"<span data-type='title' id=toc-314>المطلب الرابع:\nقاعدة: توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد أولى من تفريقها</span>\n*<span data-type='title' id=toc-315> صورة القاعدة:</span>\nإذا جاءت ضمائر متعددة في سياق واحد، واحتملت في مرجعها أقوالا متعددة، فتوحيد مرجعها وإعادتها إلى شيء واحد، أولى وأحسن، لانسجام النظم، واتساق السياق، وقوة الإعجاز، ما دام الأمر محتملا، ولا حجة توجب تفريقها، وتأبى توحيدها.\nفإن وردت آيات قرآنية لم يختلف أهل التفسير في تفريق ضمائرها، أو قامت حجة ظاهرة على تفريقها، فهي غير داخلة تحت هذه القاعدة، فلا يذهبنّ أحد إلى إلزام المعتمد لهذه القاعدة بنصوص قرآنية يوجب عليها توحيد مرجع ضمائرها، بعد إذ لم يكن فيها خلاف؛ لأن هذه القاعدة ترجيحية بين الأقوال المختلفة، فما لم يقع فيه خلاف بين المفسرين فلا يدخل تحت هذه القاعدة أصلا (^١).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-316> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nاعتمد هذه القاعدة وقررها ورجح بها بين الأقوال المختلفة في التفسير كثير من المفسرين، فمن هؤلاء الأئمة:\n١ - إمام المفسرين الطبري: فقد أومأ إلى هذه القاعدة، ورجح بمضمونها. فبعد\n_________\n(^١) كقوله تعالى: وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢) [الكهف: ٢٢]. فإن ضمير «فيهم» يعود لأصحاب الكهف، و«منهم» لأهل الكتاب من يهود أو نصارى. فهذا التفريق بين ضمائر هذه الآية هو الذي جرى عليه أهل التفسير قاطبة، ولم يذكر أحد منهم القول بتوحيد مرجعها. فمثل هذه الآية غير داخلة تحت هذه القاعدة.","vol":"2","page":241},{"text":"أن ذكر الخلاف في عائد الضمير في «منه» من قوله تعالى: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ [الحج: ٥٥] قال: وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: هي كناية من ذكر القرآن الذي أحكم الله آياته، وذلك أن ذلك من ذكر قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الحج: ٥٤] أقرب منه من ذكر قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ [الحج: ٥٢]. والهاء من قوله: ﴿أَنَّهُ﴾ من ذكر القرآن، فإلحاق الهاء في قوله: ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ بالهاء من قوله: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أولى من إلحاقها بما التي في قوله: ﴿ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ مع بعد ما بينهما. اهـ (^١).\nفيلحظ من هذا الترجيح اعتماده لهذه القاعدة، وذلك في إلحاقه الهاء من «منه» بالهاء من قوله «أنه» كي تتحد في رجوعها إلى القرآن. وكذلك اعتمد قاعدة «إعادة الضمير إلى أقرب مذكور أولى». وستأتي بعد هذه القاعدة - إن شاء الله -.\n٢ - ومنهم الزمخشري: ففي معرض رده على من أجاز إعادة الضمير في ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [طه: ٣٩] إلى التابوت، وما قبله وبعده يعود إلى موسى -: قال: والضمائر كلها راجعة إلى موسى ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت في هجنة؛ لما يؤدي إليه من تنافر النظم، فإن قلت: المقذوف في البحر هو التابوت، وكذلك الملقى إلى الساحل.\nقلت: ما ضرّك لو قلت المقذوف والملقى هو موسى في جوف التابوت حتى لا تفرق الضمائر فيتنافر عليك النظم الذي هو أم إعجاز القرآن، والقانون الذي وقع عليه التحدي، ومراعاته أهم ما يجب على المفسر. اه (^٢).\n٣ - ومنهم ابن عطية: قال - في معرض تضعيفه لأحد الأقوال في التفسير المخالفة لهذه القاعدة -: وهذا غير قوي؛ لأنه يفرق الضمائر ويشعب المعنى. اه (^٣).\n_________\n(^١) جامع البيان (١٧/ ١٩٢ - ١٩٣).\n(^٢) الكشاف (٢/ ٥٣٦) وانظر مفاتيح الغيب (٢٢/ ٥٢).\n(^٣) المحرر الوجيز (١٤/ ١٧٠)، وانظر (٦/ ٥٨) منه.","vol":"2","page":242},{"text":"٤ - ومنهم أبو حيان: فقد رجح بهذه القاعدة في مواضع كثيرة من تفسيره، وهي من القواعد الترجيحية التي قررها ورجح بها، على ما سوف تراه في الأمثلة، فمن هذه المواضع قوله - في معرض ترجيحه لأحد الأقوال في أمثلة هذه القاعدة -:\nوتناسق الضمائر لشيء واحد أوضح. اه (^١).\n٥ - ومنهم ابن جزي الكلبي: قال - في معرض تضعيفه لأحد الأقوال المخالفة للقاعدة -: ويضعف ذلك بأن الضمائر بعدها للرسول ﵇. اه (^٢).\n٦ - ومنهم الزركشي: ذكر هذه القاعدة في البرهان، فقال: إذا اجتمع ضمائر، فحيث أمكن عودها لواحد فهو أولى من عودها لمختلف. اه (^٣).\n٧ - ومنهم السيوطي: فقد ذكر هذه القاعدة وقررها، فقال: الأصل توافق الضمائر في المرجع حذرا من التشتت. اه (^٤).\n٨ - ومنهم الألوسي: قال - مرجحا بهذه القاعدة -: واتساق الضمائر وعدم تفكيكها يرجح الأول. اه (^٥).\n٩ - ومنهم الشنقيطي: فقد استعمل هذه القاعدة في الترجيح في مواضع كثيرة من كتابه، على ما سيأتي في الأمثلة التطبيقية.\nفمن هذه المواضع قوله - في تفسير قوله تعالى: ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ (٨٢) [مريم: ٨٢]: إن الضمير في قوله «ويكونون» راجع للمعبودات، وعليه فرجوع الضمير في «يكفرون» للمعبودات أظهر لانسجام الضمائر بعضها مع بعض. اه (^٦).\n_________\n(^١) البحر المحيط (٨/ ١٨٩).\n(^٢) التسهيل (٢/ ٧٦) وانظر (٤/ ٢١٤) منه\n(^٣) البرهان (٤/ ٣٥).\n(^٤) الإتقان (٢/ ٢٨٤) ومعترك الأقران (٣/ ٤٦٦).\n(^٥) روح المعاني (٣٠/ ٢٨٠).\n(^٦) أضواء البيان (٤/ ٣٨٨) وانظر (١/ ٧٤) منه.","vol":"2","page":243},{"text":"وغير هؤلاء الأئمة كثير (^١)، سوف ترى في الأمثلة مزيدا من أقوالهم، والإحالة على بعضها.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-317> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nأمثلة هذه القاعدة وأمثلة القاعدة السابقة بينهما تشابه وتداخل كبير، وقليل من الأمثلة التي يقع فيها التنازع بين القاعدتين (^٢)، وإلا فالغالب اتحاد أمثلتها، فتوحيد مرجع الضمائر يعود إلى المحدث عنه غالبا، وقد تتفق هاتان القاعدتان مع قاعدة إعادة الضمير إلى أقرب مذكور - الآتي ذكرها - فيكون الضمير يعود إلى أقرب مذكور، وهو المحدث عنه، والضمائر جميعا في السياق عائدة إليه، وقد تختلف وتتنازع هذه القواعد، وقد بينت ذلك في مبحث تنازع القواعد من مباحث التمهيد.\nفمن أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (٨) [العاديات: ٦ - ٨].\nاختلف العلماء في عائد الضمير في «إنه على ذلك»، فقال بعض العلماء: هو عائد على الإنسان.\nوقال آخرون: هو عائد على رب الإنسان المذكور في قوله «لربه» (^٣) وهذه القاعدة\n_________\n(^١) منهم البيضاوي وشيخ زاده في حاشيته انظرها (٣/ ٣١٤) والسمين الحلبي (٧/ ٢٨٦) والعجيلي في حاشيته على الجلالين (٤/ ١٦٠) والقاسمي في محاسن التأويل (١٥/ ٥٤٠١) والطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير (٣٠/ ٥٠٤).\n(^٢) مثل قوله تعالى: وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجًا وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ (١٦) [الحجر: ١٦]. فقال بعض العلماء إن الضمير في «زيناها» عائد على البروج؛ لأنها المحدث عنها، والأقرب في اللفظ، وقال بعضهم: إنه على السماء حتى لا تختلف الضمائر. انظر البحر المحيط لأبي حيان (٦/ ٤٧١).\nفتنازعت هذه القاعدة، والقاعدة السابقة «إعادة الضمير إلى المحدث عنه أولى» وهذا قليل.\n(^٣) انظر النكت والعيون (٦/ ٣٢٦) والمحرر الوجيز (١٦/ ٣٥٥) وزاد المسير (٩/ ٢١٠) وغيرها من كتب التفسير.","vol":"2","page":244},{"text":"ترجح القول الأول، وذلك حتى تتفق وتتسق الضمائر، فقبل هذا الضمير وبعده ضمائر كلها عائدة على الإنسان اتفاقا، فكذلك هذا الضمير المتنازع فيه يعود إليه، وبه تتحد الضمائر في السياق. وقد رجح هذا القول جماعة من أئمة التفسير كأبي حيان وابن جزي والشوكاني (^١) والألوسي والطاهر بن عاشور (^٢) والشنقيطي وغيرهم.\nقال ابن جزي: والأول -[أي عوده إلى الإنسان] أرجح؛ لأن الضمير الذي بعده للإنسان باتفاق، فيجري الكلام على نسق واحد. اه (^٣).\nوقال الألوسي: … واتساق الضمائر وعدم تفكيكها يرجح الأول، فإن الضمير السابق أعني ضمير ربه للإنسان ضرورة، وكذا الضمير اللاحق أعني الضمير في قوله: «وإنه لحب الخير». اه (^٤).\nوقال الشنقيطي - مرجحا هذا القول بهذه القاعدة -: والنظم الكريم يدل على عوده إلى الإنسان وإن كان هو الأول في اللفظ بدليل قوله «وإنه لحب الخير لشديد» فإنه للإنسان بلا نزاع، وتفريق الضمائر بجعل الأول للرب والثاني للإنسان لا يليق بالنظم الكريم. اه (^٥).\nومن رجح القول الثاني، استند إلى قاعدة «إعادة الضمير إلى أقرب مذكور أولى من إبعاده». وذلك؛ لأن أقرب مذكور هو رب الإنسان. وهذا من تنازع القواعد وقد سبق في مبحث تنازع القواعد ترجيح قاعدة «توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد …» على قاعدة «إعادة الضمير إلى أقرب مذكور أولى …». وقد تعرّض أبو حيان لهذا التنازع في هذا المثال ورجح قاعدة «توحيد مرجع الضمائر …» فقال:\n_________\n(^١) انظر فتح القدير (٥/ ٤٨٣).\n(^٢) انظر التحرير والتنوير (٣٠/ ٥٠٤).\n(^٣) التسهيل (٤/ ٢١٤).\n(^٤) روح المعاني (٣٠/ ٢٨٠).\n(^٥) أضواء البيان (١/ ٧٤).","vol":"2","page":245},{"text":"ولا يترجح بالقرب - «أي عود الضمير إلى أقرب مذكور وهو رب الإنسان]- إلا إذا تساويا من حيث المعنى، والإنسان هنا هو المحدث عنه، والمسند إليه الكنود، وأيضا فتناسق الضمائر لواحد مع صحة المعنى أولى من جعلها لمختلفين، ولا سيما إذا توسط الضمير بين ضميرين عائدين إلى واحد. اه (^١).\n_________\n(^١) البحر المحيط (١٠/ ٥٢٩ - ٥٣٠).\n* ونظائر هذا المثال كثير، منها:\n١ - ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَقَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩) [النساء: ١٥٧ - ١٥٩].\nانظر البحر المحيط (٤/ ١٢٨ - ١٢٩)، وتفسير ابن كثير (٢/ ٤٠٥)، وأضواء البيان (٧/ ٢٦٥).\n٢ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها [التوبة: ٤٠].\nانظر جامع البيان (١٠/ ١٣٧)، والتسهيل (٢/ ٧٦)، وتفسير ابن كثير (٤/ ٩٦)، ومنهاج السنة النبوية (٨/ ٤٩٢).\n٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ (٥١) ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (٥٢) * وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي [يوسف: ٥١ - ٥٣].\nانظر الجامع لأحكام القرآن (٩/ ٢٠٩)، ومجموع فتاوى ابن تيمية (١٥/ ١٣٨)، والتفسير القيم ص ٣١٦، وتفسير ابن كثير (٤/ ٣٢٠)، والتحرير والتنوير (١٣/ ٥).\n٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) [النحل: ١٠٠].\nانظر البحر المحيط (٦/ ٥٩٤)، والدر المصون (٧/ ٢٨٦).\n٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢) [مريم: ٨٢].\nانظر أضواء البيان (٤/ ٣٨٨).\n٦ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [طه: ٣٨ - ٣٩]. -","vol":"2","page":246},{"text":"***\n_________\n(^١) - انظر الكشاف (٢/ ٥٣٦)، والبحر المحيط (٧/ ٣٣٠)، وحاشية زاده على البيضاوي (٣/ ٣١٤)، وروح المعاني (١٦/ ١٨٨)، والتحرير والتنوير (١٦/ ٢١٦)، وأضواء البيان (٤/ ٤٠٦).\n٧ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ [الحج: ٧٨].\nانظر جامع البيان (١٧/ ٢٠٧) والمحرر الوجيز (١١/ ٢٢١)، ومفاتيح الغيب (٢٣/ ٧٥)، والتسهيل (٣/ ٤٨)، وفتح القدير (٣/ ٤٧١)، وأضواء البيان (٥/ ٧٥٠).\n٨ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصّافِناتُ الْجِيادُ (٣١) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٣٢) رُدُّوها عَلَيَّ [ص: ٣١ - ٣٣].\nانظر البحر المحيط (٩/ ١٥٤)، والبرهان في علوم القرآن (٤/ ٢٦)، وروح المعاني (٢٣/ ١٩٦).\n٩ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: * وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) [الزخرف: ٥٧ - ٦١].\nانظر البحر المحيط (٩/ ٣٨٥ - ٣٨٦) وروح المعاني (٢٥/ ٩٥ - ٩٦)، وأضواء البيان (٧/ ٢٦١ - ٢٦٣).\n١٠ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩) [الفتح: ٩].\nانظر الكشاف (٣/ ٥٤٢)، ومفاتيح الغيب (٢٨/ ٨٦)، وحاشية زاده على البيضاوي (٤/ ٣٥٦)، والبحر المحيط (٩/ ٤٨٦)، وحاشية الجمل على الجلالين (٤/ ١٦٠)، وروح المعاني (٢٦/ ٩٦)، والتحرير والتنوير (٢٦/ ١٥٦).","vol":"2","page":247},{"text":"<span data-type='title' id=toc-318>المطلب الخامس:\nقاعدة: الأصل إعادة الضمير إلى أقرب مذكور، ما لم يرد دليل بخلافه</span>\n*<span data-type='title' id=toc-319> صورة القاعدة:</span>\nهذه القاعدة تقرر أن الأصل في العربية أن يرجع الضمير إلى أقرب مذكور، فلذلك إذا اختلف العلماء في عائد أحد الضمائر في القرآن، فأرجح الأقوال في هذا الخلاف، القول الذي يعيد الضمير إلى أقرب مذكور، فإعادته إلى القريب أولى من إعادته إلى البعيد. هذا إذا لم ينازع هذه القاعدة غيرها من القواعد، فإن نازعها غيرها، نظر بين القواعد المتنازعة بالضوابط التي مر تحريرها في مبحث تنازع القواعد.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-320> إيضاح ألفاظ القاعدة:</span>\nقولهم: «ما لم يرد دليل على خلافه»، أي على خلاف هذا الأصل من إعادة الضمير إلى أقرب مذكور.\nوقد ذكر كثير من العلماء هذا الشرط في إعادة الضمير إلى أقرب مذكور، بل كان من قرر هذه القاعدة قيدها بهذا الشرط، مما يدل على أنها ليست على إطلاقها (^١).\nوقد سبق في مبحث تنازع القواعد، الكلام على تنازع هذه القاعدة مع قاعدة «إعادة الضمير إلى المحدث عنه أولى …»، وقاعدة «توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد أولى ..»، وذكرت مواقف العلماء من هذا التنازع، وبينت هناك أن هذه القاعدة مؤخرة في الرّتبة عن القاعدتين الآنفتي الذكر عند التنازع، ونقلت أقوال بعض العلماء في تقرير هذا، وكل ذلك سبق تحريره بما أغنى عن إعادته في\n_________\n(^١) انظر روح المعاني (١٦/ ١٨٨).","vol":"2","page":248},{"text":"هذا الموضع.\nإذا تقرر هذا، فما الأدلة التي تدل على إعادة الضمير إلى البعيد دون القريب خلافا للقاعدة؟\n\n<span data-type='title' id=toc-321>من هذه الأدلة:</span>\n١ - القرينة في السياق: فإذا دلت القرينة على تعيين مفسر الضمير صير إليها، ووجب النزول على ما تقضيه؛ إذ عليها وحدها المعوّل، وهي القول الفصل في الإيضاح هنا (^١). فقد تدل القرينة على إعادته على البعيد، أو القريب، أو المحدث عنه، أو غير المحدث عنه، ففي كل هي المعتمدة في تعيين مفسر الضمير، هذا إذا وجدت، فإذا لم توجد قرينة عمل بالقواعد السابقة في ترجيح أولى الأقوال في تعيين مفسر الضمير عند تردده بين أكثر من مرجع وهذا الدليل هو مضمون القاعدة الترجيحية:\n«القول الذي تؤيده قرائن في السياق مرجّح على ما خالفه».\n٢ - ومن هذه الأدلة، سياق الجمل المذكورة قبل الضمير المختلف فيه وبعده، فهي تدل على تعيين أو ترجيح مرجع الضمير، فإذا كان سياق الجمل قبل وبعد الضمير عن شيء واحد، واحتمل الضمير رجوعه إليه - وكان بعيدا -، ورجوعه إلى القريب، فرجوعه إلى البعيد في هذه الحالة أرجح. وهذا الدليل هو مضمون قاعدة: «إعادة الضمير إلى المحدث عنه أولى …» وقاعدة: «توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد أولى ..».\nقال السيوطي: الأصل تقديم مفسر الغائب، ولا يكون غير الأقرب إلا بدليل. ثم شرع في شرح هذا بقوله: … وأن يكون الأقرب نحو لقيت زيدا وعمرا يضحك فضمير يضحك عائد على عمرو ولا يعود على زيد إلا بدليل، كما في قوله تعالى:\n﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]، فضمير «ذريته» عائد على «إبراهيم» وهو غير الأقرب؛ لأنه المحدث عنه من أول\n_________\n(^١) النحو الوافي (١/ ٢٥٦ - ٢٦٢).","vol":"2","page":249},{"text":"القصة إلى آخرها. اه (^١). فقرر السيوطي في كلامه هذا أن من الأدلة التي يصرف لها الضمير من القريب إلى البعيد، أن يكون البعيد محدثا عنه.\nومن أمثلة ما اجتمع فيه هذان الدليلان قول الله تعالى: ﴿هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا﴾ [الحج: ٧٨].\nقال العلامة الشنقيطي - في معرض رده لقول عبد الرحمن بن زيد بأن الضمير «هو» يعود على إبراهيم، وهو أقرب مذكور - قال: في هذه الآيات قرينتان تدلان على أن قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم غير صواب.\nإحداهما: أن الله قال: ﴿هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا﴾ أي القرآن ومعلوم أن إبراهيم لم يسمهم المسلمين في القرآن، لنزوله بعد وفاته بأزمان طويلة كما نبه على هذا ابن جرير.\nوالقرينة الثانية: أن الأفعال كلها في السياق المذكور راجعة إلى الله، لا إلى إبراهيم فقوله: ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ أي الله. ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ:﴾\nأي الله ﴿هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ:﴾ أي الله. فإن قيل: الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور للضمير المذكور: هو إبراهيم.\nفالجواب: أن محل رجوع الضمير إلى أقرب مذكور محله ما لم يصرف عنه صارف، وهنا قد صرف عنه صارف، لأن قوله: ﴿وَفِي هذا﴾ يعني القرآن، دليل على أن المراد بالذي سماهم المسلمين فيه: هو الله لا إبراهيم، وكذلك سياق الجمل المذكورة قبله نحو: ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ يناسبه أن يكون هو سماكم: أي الله المسلمين. اه (^٢).\n***\n_________\n(^١) همع الهوامع (١/ ٢٢٦ - ٢٢٧).\n(^٢) أضواء البيان (٥/ ٧٥٠ - ٧٥١).","vol":"2","page":250},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-322> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nهذه القاعدة من القواعد المشهورة عند العلماء، وهي قاعدة لغوية استعملها أئمة التفسير في تفسير القرآن، وفي الترجيح بين الأقوال المختلفة فيه، غير أنه قد اختلفت عباراتهم في تقرير هذه القاعدة، فمنهم من صرح بوجوب إعادة الضمير إلى أقرب مذكور، ومنهم من جعل ذلك أولى وأحسن، ومنهم من عبّر بلفظ محتمل للوجوب والاستحباب كلفظ «ينبغي»، وكل هؤلاء معتمدون للقاعدة في الترجيح، سواء كان الترجيح من باب تقديم الأولى كما هو عند قوم، أو كان الترجيح بتقديم الراجح وتضعيف ما سواه كما هو عند آخرين، وكلا النوعين من قواعد الترجيح، فمن هؤلاء الأئمة الذين رجحوا بهذه القاعدة:\n١ - إمام المفسرين ابن جرير الطبري: فقد استعملها في الترجيح كثيرا. فمن ذلك قوله - في معرض تعليله لأحد ترجيحاته في التفسير: وإنما قلت هذا القول أولى بالصواب في ذلك؛ لأنه لم يجر في هذه الآية ذكر لغير موسى؛ فلأن تكون الهاء في قوله: «من قومه» من ذكر موسى لقربها من ذكره، أولى من أن تكون من ذكر فرعون لبعد ذكره منها، إذ لم يكن بخلاف ذلك دليل من خبر ولا نظر. اه (^١).\n٢ - ومنهم ابن حزم: قال في الإحكام: والضمير راجع إلى أقرب مذكور، لا يجوز غير ذلك؛ لأنه مبدل من مخبر عنه أو مأمور فيه، فلو رجع إلى أبعد مذكور لكان ذلك إشكالا رافعا للفهم، وإنما وضعت اللغات للبيان. اه (^٢).\n٣ - ومنهم ابن عطية: فقد استعمل هذه القاعدة في الترجيح، قال - بعد أن ذكر الخلاف في مرجع ضمير في أحد أمثلة هذه القاعدة -: والعود على الأقرب أحسن.\nاه (^٣).\n_________\n(^١) جامع البيان (١١/ ١٥٠)، وانظر (١٦/ ٣٧٤) ط: شاكر.\n(^٢) الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ٤٤٥).\n(^٣) المحرر الوجيز (٣/ ١٨٥).","vol":"2","page":251},{"text":"٤ - ومنهم الرازي: قال - مقررا هذه القاعدة ومرجحا بها -: والضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات. اه (^١).\n٥ - ومنهم إمام العربية ابن مالك (^٢): قال - مقررا هذه القاعدة -: إذا ذكر ضمير واحد بعد اثنين فصاعدا جعل للأقرب، ولا يجعل لغيره إلا بدليل من خارج.\nاه (^٣).\n٦ - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: قال - مقررا هذه القاعدة ومرجحا بها -:\nوالضمير يعود إلى القريب، إذا لم يكن هناك دليل على خلاف ذلك. اه (^٤).\n٧ - ومنهم أبو حيان: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ﴾\n[البقرة: ١٧٧] نص على هذه القاعدة ورجح بها فقال: والظاهر أن الضمير في «حبه» عائد على المال، لأنه أقرب مذكور، ومن قواعد النحويين أن الضمير لا يعود على غير الأقرب إلا بدليل. اه (^٥).\n٨ - ومنهم ابن جزيّ الكلبي: قال - في معرض رده لأحد الأقوال المخالفة للقاعدة -: وهذا بعيد …؛ لأن الضمير ينبغي أن يعود على أقرب مذكور. اه (^٦).\n٩ - ومنهم الزركشي: فقد نص على هذه القاعدة، فقال: الأصل في الضمير عوده إلى أقرب مذكور. اه (^٧).\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب (١٠/ ٢٣)، وانظر (١٧/ ١٥٠) منه.\n(^٢) هو: جمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الأندلسي إمام العربية المشهور، وكان إماما في القراءات وعللها، وله فيها قصيدة في مقدار الشاطبية. توفي سنة اثنتين وسبعين وستمائة. شذرات الذهب (٥/ ٣٣٩).\n(^٣) شرح التسهيل (١/ ١٥٧).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١٥/ ١١٢).\n(^٥) البحر المحيط (٢/ ١٣٥) وانظر (١/ ٢٩٩) منه.\n(^٦) التسهيل (٢/ ٩٧).\n(^٧) البرهان (٤/ ٣٩).","vol":"2","page":252},{"text":"١٠ - ومنهم السيوطي: قال: قاعدة: الأصل عود الضمير على أقرب مذكور.\nاه (^١).\n١١ - ومنهم الشنقيطي: قال - في معرض ترجيحه بهذه القاعدة لأحد الأقوال في أمثلتها -: … الضمير يرجع إلى أقرب مذكور إلا بدليل صارف عن ذلك يجب الرجوع إليه. اه (^٢).\nوغيرهم كثير (^٣).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-323> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nمن الأمثلة التي تتخرج على هذه القاعدة، ما جاء في تفسير قوله تعالى:\n﴿فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (٢٤) [مريم: ٢٤].\nللعلماء في المنادي لمريم قولان مشهوران حكاهما عن السلف أكثر أهل التفسير، وذلك بناء على الخلاف في مرجع الضمير في «فناداها».\nفالقول الأول: المنادي هو الملك جبريل - ﵇ -.\nوالقول الثاني: إن الذي ناداها من تحتها هو عيسى لا جبريل - ﵉ (^٤) - وهذا القول هو الذي ترجحه هذه القاعدة؛ وذلك لأن عيسى - ﵇ - هو أقرب المذكورين إلى الضمير في «فناداها» وذلك في قوله: ﴿* فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا﴾ (٢٢) [مريم: ٢٢] وما بعدها، وإعادة الضمير إلى أقرب مذكور أولى، ما لم يصرفه عنه صارف، ولا صارف هنا.\nوقد رجح هذا القول جماعة من أئمة التفسير اعتمادا على هذه القاعدة. قال\n_________\n(^١) الإتقان (٢/ ٢٨٤)، ومعترك الأقران (٣/ ٤٦٥)، وانظر همع الهوامع (١/ ٢٢٦).\n(^٢) أضواء البيان (٤/ ٢٤٦).\n(^٣) انظر تفسير ابن كثير (٣/ ٢٩١)، وفتح البيان (١/ ١٦٠).\n(^٤) انظر جامع البيان (١٦/ ٦٧)، والنكت والعيون (٣/ ٣٦٤)، وتفسير ابن كثير (٥/ ٢١٨)، وغيرها من كتب التفسير.","vol":"2","page":253},{"text":"الطبري - بعد أن حكى الخلاف السابق -: وأولى القولين في ذلك عندنا قول من قال: الذي ناداها ابنها عيسى، وذلك أنه من كناية ذكره أقرب منه من ذكر جبرائيل فرده على الذي هو أقرب إليه أولى من رده على الذي هو أبعد منه، ألا ترى في سياق قوله: ﴿* فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا﴾ (٢٢) يعني به: فحملت عيسى فانتبذت به، ثم قيل فناداها نسقا على ذلك من ذكر عيسى والخبر عنه.\nولعلة أخرى، وهي قوله: ﴿فَأَشارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩] ولم تشر إليه - إن شاء الله - إلا وقد علمت أنه ناطق في حاله تلك، وللذي كانت قد عرفت ووثقت به منه بمخاطبته إياها بقوله: ﴿أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (٢٤) وما أخبر الله عنه أنه قال لها أشيري للقوم إليه، ولو كان ذلك قولا من جبريل، لكان خليقا أن يكون في ظاهر الخبر، مبينا أن عيسى سينطق ويحتج عنها للقوم .. اهـ (^١).\nورجح هذا القول أيضا الرازي (^٢)، والشنقيطي (^٣)، وذكرا الحجتين اللتين ذكرهما الطبري، واستظهره أبو حيان في بحره (^٤).\nويؤيد هذه القاعدة فيما رجحته في هذا المثال، قاعدة «توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد أولى من تفريقها»، وذلك أن الضمائر في قوله: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ﴾\nو﴿وَرَحْمَةً مِنّا﴾ و﴿* فَحَمَلَتْهُ﴾ و﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ﴾ و﴿فَناداها﴾ فهذه خمسة ضمائر بين بارز ومستتر كلها عائد إلى عيسى - ﵇ - اتفاقا إلا ضمير ﴿فَناداها﴾ على الخلاف السابق، فإلحاقه بما سبق من الضمائر أولى من إخراجه عنها ما دام الأمر محتملا (^٥).\n_________\n(^١) جامع البيان (١٦/ ٦٨ - ٦٩).\n(^٢) مفاتيح الغيب (٢١/ ٢٠٥).\n(^٣) أضواء البيان (٤/ ٢٤٦).\n(^٤) البحر المحيط (٧/ ٢٥٣).\n(^٥) * ونظائر هذا المثال كثيرة، منها:\n١ - ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها [البقرة: ٣٦].","vol":"2","page":254},{"text":"ويلحق بهذه القاعدة «اسم الإشارة الموضوع للقريب».\n\n<span data-type='title' id=toc-324>فإعادته إلى القريب أولى من إعادته إلى البعيد</span>.\nوذلك؛ لأن العرب استعملت في الإشارة إلى القريب «ذا» و«ذه»، فإذا أدخلوا عليها الكاف ك «ذاك» كانت للتوسط - عند قوم وأنكر هذه المرتبة آخرون - وإذا\n_________\n= انظر البحر المحيط (١/ ٢٦٢)، والدر المصون (١/ ٢٨٨).\n٢ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥) [البقرة: ٤٥].\nانظر البحر المحيط (١/ ٢٩٩).\n٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ [البقرة: ١٧٠].\nانظر جامع البيان (٢/ ٧٨)، والبحر المحيط (٢/ ١٠٢ - ١٠٣)، والدر المصون (٢/ ٢٢٦).\n٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ [البقرة: ١٧٧].\nانظر البحر المحيط (٢/ ١٣٥)، والدر المصون (٢/ ٢٤٧ - ٢٤٨)، وانظر تفسير ابن كثير (١/ ٢٩٧).\n٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها [آل عمران:\n١٠٣].\nانظر المحرر الوجيز (٣/ ١٨٥)، والبحر المحيط (٣/ ٢٨٨).\n٦ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحًا هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ [الأنعام: ٨٤].\nانظر المحرر الوجيز (٦/ ٩٧)، والدر المصون (٥/ ٢٧)، وتفسير ابن كثير (٣/ ٢٩١).\n٧ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ [يونس: ٨٣].\nانظر جامع البيان (١١/ ١٥٠)، ومفاتيح الغيب (١٧/ ١٥٠)، والبحر المحيط (٦/ ٩٤)، والدر المصون (٦/ ٢٥٤)، والتسهيل (٢/ ٩٧)، ومحاسن التأويل (٩/ ٣٣٨٦).\n٨ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا [هود: ٩٢].\nانظر جامع البيان (١٢/ ١٠٧ - ١٠٨).\n٩ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ [الرعد: ١١].\nانظر جامع البيان (١٣/ ١١٧)، والمحرر الوجيز (١٠/ ٢٢).","vol":"2","page":255},{"text":"دخلت عليها اللام ك «ذلك وتلك» كانت للبعيد» (^١).\nفإذا تنازع المفسرون في المشار إليه باسم الإشارة القريب، فحمله على القريب أولى وأحسن، وذلك لموافقته أصل الاستعمال، ومحافظته على نظم الآية الكريمة.\nقال ابن حزم: والإشارة بخلاف الضمير وهي عائدة إلى أبعد مذكور، وهذا حكمها في اللغة إذا كانت الإشارة بذلك، أو تلك، أو هو، أو أولئك، أو هم، أو هي، أو هما. فإن كانت بهذا، أو هذه، فهي راجعة إلى حاضر قريب ضرورة، وهذا ما لا خلاف فيه بين أحد من أهل اللغة، ولا يعرف نحوي أصلا غير ما ذكرنا. اه (^٢).\nولقد اعتمد هذه القاعدة أئمة التفسير وحرروها، ورجحوا بها، ففي تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ (١٨) [الأعلى: ١٨] اختلف العلماء في الذي أشير إليه ب «هذا» في الآية (^٣).\nفقال بعضهم: أشير به إلى الآيات في سبح اسم ربك الأعلى.\nوقال آخرون: أشير به إلى الذي قصه الله في هذه السورة.\nوقال آخرون: أشير به إلى ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ (١٧) [الأعلى: ١٧].\nوقيل: أشير به إلى القرآن.\nوقيل: أشير به إلى كتب الله كلها.\nقال الطبري - بعد أن حكى بعض هذه الأقوال -: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: إن قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ (١٧) [الأعلى: ١٤ - ١٧] لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم خليل الرحمن، وصحف موسى بن عمران.\n_________\n(^١) انظر تفصيل ذلك في شرح التسهيل (١/ ٢٣٩، ٢٤٢ - ٢٤٣)، والجنى الداني ص ٢٣٨، وأوضح المسالك (١/ ١٣٦)، والبحر المحيط لأبي حيان (١/ ٥٦).\n(^٢) الإحكام (٤/ ٤٤٦)، وانظر البحر المحيط للزركشي (٣/ ٣٢٦).\n(^٣) انظر جامع البيان (٣٠/ ١٥٨)، والنكت والعيون (٦/ ٢٥٦)، والبحر المحيط (١٠/ ٤٥٨)، والدر المنثور (٨/ ٤٨٨)، وغيرها من كتب التفسير.","vol":"2","page":256},{"text":"وإنما قلت: ذلك أولى بالصحة من غيره؛ لأن «هذا» إشارة إلى حاضر؛ فلأن يكون إشارة إلى ما قرب منها أولى من أن يكون إشارة إلى غيره. اه (^١).\nقال ابن كثير: - معلقا على اختيار الطبري -: وهذا اختيار حسن قوي. اه (^٢).\nوقال ابن عطية: - مرجحا بهذه القاعدة -: وهذا هو الأرجح لقرب المشار إليه ب «هذا». اه (^٣).\nوقال أبو حيان: - في معرض ترجيحه لما رجحته القاعدة -: … ويرجح بقرب المشار إليه ب «هذا». اه (^٤).\nفيلحظ من أقوال هؤلاء الأئمة في ترجيحهم في هذا المثال مدى اعتمادهم لهذه القاعدة، والترجيح بها.\n_________\n(^١) جامع البيان (٣٠/ ١٥٨).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم (٨/ ٤٠٥).\n(^٣) المحرر الوجيز (١٦/ ٢٨٥).\n(^٤) البحر المحيط (١٠/ ٤٥٨).","vol":"2","page":257},{"text":"<span data-type='title' id=toc-325>المبحث الثالث:\nقواعد الترجيح المتعلقة بالإعراب وفيه مطلبان:</span>\nالمطلب الأول: قاعدة:\nيجب حمل كتاب الله على الأوجه الإعرابية اللائقة بالسياق والموافقة لأدلة الشرع.\nالمطلب الثاني: قاعدة:\nيجب حمل كتاب الله على الأوجه الإعرابية القوية والمشهورة دون الضعيفة والشاذة والغريبة.","vol":"2","page":259},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-326> توطئة:</span>\nمر في مباحث سابقة بعض القواعد التي تتعلق بالإعراب، أو كان الإعراب من مجالات تطبيقها، وذكرتها هناك لتعلقها بتلك المباحث التي ذكرت فيها، فجرى هناك تحريرها، وضرب الأمثلة عليها بما يغني عن إعادتها في هذا الموضع.\nوهذه القواعد هي:\n١ - قاعدة: «الوجه التفسيري والإعرابي الموافق لرسم المصحف أولى من الوجه المخالف له».\n٢ - قاعدة: «القول بالاستقلال مقدم على القول بالإضمار».\n٣ - قاعدة: «التقدير الموافق لغرض الآية وأدلة الشرع مقدم على غيره».","vol":"2","page":261},{"text":"<span data-type='title' id=toc-327>المطلب الأول:\nقاعدة: يجب حمل كتاب الله على الأوجه الإعرابية اللائقة بالسياق والموافقة لأدلة الشرع</span>\n*<span data-type='title' id=toc-328> صورة القاعدة:</span>\nهذه القاعدة توجب حمل آيات التنزيل على الأوجه الإعرابية اللائقة بسياق الآية ومعناها، والموافقة لأدلة الشرع، دون الأوجه الجافية عنها، وإن كان لها وجه صحيح في العربية، فليس كل ما صح القول به في تركيب عربي صح حمل آيات التنزيل عليه، فللقرآن عرف خاص يجب أن يحمل عليه ولا يتعداه، ولا يتجاوز ما صح من معانيه بكل احتمال نحوي؛ وذلك لأن الإعراب يبين المعنى، والمعنى هو المقصود في النص القرآني دون الإعراب وقواعده.\nوقد سبق في قاعدة: «ليس كل ما ثبت في اللغة صح حمل آيات التنزيل عليه» التنبيه على بطلان منهج من جعل القرآن نصا عربيا مجردا يفسره باللغة دون اعتبار سياق الآيات وأسباب نزولها وما أثر في تفسيرها. فهذه القاعدة تشبه تلك، مع اختصاصها بجانب الإعراب.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-329> بيان ألفاظ القاعدة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-330>الإعراب في اللغة:</span>\nقال ابن فارس: العين والراء والباء أصول ثلاثة:\nأحدها: الإبانة والإفصاح، والآخر: النشاط وطيب النفس، والثالث: فساد في جسم أو عضو.","vol":"2","page":262},{"text":"فالأول قولهم: أعرب الرجل عن نفسه إذا بيّن وأوضح … وإعراب الكلام من هذا القياس؛ لأن بالإعراب يفرق بين المعاني في الفاعل، والمفعول، والنفي، والتعجب، والاستفهام، وسائر أبواب هذا النحو من العلم .. اهـ (^١)، وهذا الأصل هو الذي يعنينا هنا.\nوهو في اصطلاح النحاة: ما جيء به لبيان مقتضى العامل من حركة، أو حرف، أو سكون، أو حذف (^٢).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-331> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nاعتمد هذه القاعدة عامة المفسرين، فالإعراب فرع المعنى، وما هو إلا مبين ومميز للمعاني، فأصح الوجوه الإعرابية ما كان موافقا لمعنى الآية. ومن خالف في تطبيق مضمون هذه القاعدة فهو محجوج بها. وأقوال العلماء في اعتمادها والترجيح بها كثيرة، فمن هؤلاء الأئمة الذين اعتمدوها:\n١ - الإمام الطبري: فكثيرا ما يذكر خلاف المعربين في إعراب آية أو جملة منها ويردف ذلك بالتنبيه إلى هذه القاعدة بقوله: وهذا القول على مذهب العربية أصح، والأول إلى مذهب أهل التأويل أقرب. اه (^٣).\nأو بنحو قوله - بعد أن يذكر خلاف المعربين -: والوجه الأول أولى الوجهين بالصواب؛ لأن التأويل من أهل التأويل به جاء. اهـ (^٤).\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة (٤/ ٢٩٩)، وانظر مادة «عرب» في تهذيب اللغة (٢/ ٣٦٠)، ولسان العرب (٢/ ٧٥).\n(^٢) التسهيل لابن مالك (١/ ٣٣).\n(^٣) جامع البيان (٧/ ١٢٥).\n(^٤) جامع البيان (٩/ ٢٥)، وانظر نحو هذا في (٨/ ٩٣) منه.","vol":"2","page":263},{"text":"٢ - ومنهم ابن جني: فهو يختار بعض الوجوه الإعرابية ويرد أخرى لأجل مراعاة معنى الآية وسياقها فلا يختار الأوجه الغريبة أو الضعيفة أو القاصرة لئلا يصغر المعنى (^١)، وعقد في الخصائص بابا هو مضمون هذه القاعدة قال فيه: باب في تجاذب المعاني والإعراب .. إنك تجد في كثير من المنثور والمنظوم الإعراب والمعنى متجاذبين:\nهذا يدعوك إلى أمر، وهذا يمنعك منه، فمتى اعتورا كلاما أمسكت بعروة المعنى، وارتحت لتصحيح الإعراب. اه (^٢).\nوضرب لذلك أمثلة من القرآن، ومن شعر العرب ومنثورها.\n٣ - ومنهم مكي بن أبي طالب: فقد استعمل مضمون هذه القاعدة في كتابه «مشكل إعراب القرآن» ونبه عليها في ترجيحه بين الأعاريب، معللا اختياره لبعض الوجوه بأنها أصح في التفسير، وأولى في المعنى (^٣). وإن كان غيرها صحيحا من جهة العربية.\n٤ - ومنهم القاضي أبو محمد ابن عطية: فقد رجّح بمضمون هذه القاعدة في مواضع كثيرة من تفسيره، فهو يضعف أحيانا بعض الأوجه الإعرابية بنحو قوله: وفي هذا ذهاب برونق المعنى (^٤). أو بقوله: وهذا قول ضعيف من جهة المعنى، وأما من جهة اللفظ فجيد (^٥).\nأو بنحو قوله: وهذا خطأ في معنى الآية (^٦).\n٥ - ومنهم أبو حيان الأندلسي: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٨] بعد أن ذكر خلاف المعربين في «من» قال:\nوالذي نختار أن تكون «من» موصولة؛ وإنما اخترنا ذلك؛ لأنه الراجح من حيث\n_________\n(^١) انظر الخصائص (٢/ ٤٠٢).\n(^٢) الخصائص (٣/ ٢٥٥).\n(^٣) انظر مشكل إعراب القرآن (٢/ ٥٤٧).\n(^٤) انظر المحرر الوجيز (٢/ ٣١٣).\n(^٥) المحرر الوجيز (٩/ ١١٣).\n(^٦) انظر المحرر الوجيز (٩/ ١٩٧)، و(١/ ٣٣٩).","vol":"2","page":264},{"text":"المعنى، ومن حيث التركيب الفصيح. اه (^١).\n٦ - ومنهم العلامة ابن القيم: فقد قرر هذه القاعدة أتم تقرير، بما يروي الغليل ويشفي العليل، فقال - ﵀ -:\nوينبغي أن يتفطن ههنا لأمر لا بد منه وهو أنه لا يجوز أن يحمل كلام الله ﷿ ويفسر بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي الذي يحتمله تركيب الكلام ويكون الكلام به له معنى ما، فإن هذا مقام غلط فيه أكثر المعربين للقرآن فإنهم يفسرون الآية ويعربونها بما يحتمله تركيب تلك الجملة ويفهم من ذلك التركيب أي معنى اتفق، وهذا غلط عظيم يقطع السامع بأن مراد القرآن غيره، وإن احتمل ذلك التركيب هذا المعنى في سياق آخر وكلام آخر، فإنه لا يلزم أن يحتمله القرآن … بل للقرآن عرف خاص ومعان معهودة لا يناسبه تفسيره بغيرها، ولا يجوز تفسيره بغير عرفه والمعهود من معانيه، فإن نسبة معانيه إلى المعاني كنسبة ألفاظه إلى الألفاظ بل أعظم، فكما أن ألفاظه ملوك الألفاظ وأجلها وأفصحها ولها من الفصاحة أعلى مراتبها التي يعجز عنها قدر العالمين، فكذلك معانيه أجل المعاني وأعظمها وأفخمها، فلا يجوز تفسيره بغيرها من المعاني التي لا تليق به، بل غيرها أعظم منها وأجل وأفخم. فلا يجوز حمله على المعاني القاصرة بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي.\nفتدبر هذه القاعدة ولتكن منك على بال فإنك تنتفع بها في معرفة ضعف كثير من أقوال المفسرين وزيفها وتقطع أنها ليست مراد المتكلم تعالى بكلامه وسنزيد هذا - إن شاء الله تعالى - بيانا وبسطا في الكلام على أصول التفسير. فهذا أصل من أصوله بل هو أهم أصوله. اه (^٢).\nوطبق هذه القاعدة في الترجيح بين الأقوال الإعرابية والتفسيرية (^٣).\n٧ - ومنهم ابن هشام الأنصاري: فقد ذكر مضمون هذه القاعدة عند كلامه على\n_________\n(^١) البحر المحيط (١/ ٨٨).\n(^٢) بدائع الفوائد (٣/ ٢٧ - ٢٨).\n(^٣) انظر المرجع السابق، والتفسير القيم ص ٢٥٧، وص ٢٩٢.","vol":"2","page":265},{"text":"الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها. قال فيها: الجهة الأولى: أن يراعى ما يقتضيه ظاهر الصناعة ولا يراعى المعنى، وكثيرا ما تزل الأقدام بسبب ذلك. وأول واجب على المعرب أن يفهم معنى ما يعربه، مفردا أو مركبا. اه (^١).\nوأقوال العلماء في ذلك كثيرة، وسيأتي بعضها في الأمثلة التطبيقية (^٢).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-332> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nمن أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير وإعراب قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦٤) [الأنفال: ٦٤].\nاختلف المعربون في الموقع الإعرابي لقوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ على أقوال:\nأحدها: أن تكون «الواو» عاطفة ل «من» على الكاف المجرورة في ﴿حَسْبُكَ﴾.\nوهذا على مذهب من أجاز العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار، وبه قال الكوفيون (^٣).\nوالثاني: أن يكون «من» في محل نصب عطفا على محل الكاف، في قوله: ﴿حَسْبُكَ﴾\nفإن محلها النصب، فهي في معنى «كافيك» أي: الله يكفيك ويكفي من اتبعك.\nومعنى هذا القول مروي عن الشعبي وابن زيد وغيرهما، وبه قال الطبري (^٤)، والنحاس (^٥)، ومكي (^٦)، وغيرهم، وعليه اقتصر ابن كثير (^٧)، وغيره.\n_________\n(^١) مغني اللبيب (٢/ ٥٢٧).\n(^٢) وانظر معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣٤٠)، ومعاني القرآن للنحاس (٣/ ٢٤)، والكشاف (٤/ ١٣٨)، والجامع لأحكام القرآن (١١/ ١٣٣)، والانتصاف لابن المنير بهامش الكشاف (٤/ ١٣٧)، وفتاوى ابن تيمية (١٤/ ٤٤٢)، و(١٦/ ٧٥٠ - ٥٧١)، والبرهان للزركشي (١/ ٣٠٢)، والإتقان (٢/ ٢٦٠).\n(^٣) انظر إملاء ما من به الرحمن (٢/ ١٠)، والدر المصون (٥/ ٦٣٢).\n(^٤) انظر جامع البيان (١٠/ ٣٧).\n(^٥) انظر إعراب القرآن (٢/ ١٩٤).\n(^٦) انظر مشكل إعراب القرآن (١/ ٣١٩).\n(^٧) انظر تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٠).","vol":"2","page":266},{"text":"قال الإمام الطبري بعد أن ساق الآثار عن الشعبي وابن زيد: ف «من» من قوله:\n﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦٤) على هذا التأويل الذي ذكرناه عن الشعبي نصب عطفا على معنى «الكاف» في قوله: ﴿حَسْبُكَ اللهُ﴾ لا على لفظه؛ لأنها في محل خفض في الظاهر، وفي محل نصب في المعنى؛ لأن معنى الكلام يكفيك الله، ويكفي من اتبعك من المؤمنين. اه (^١).\nالثالث: أن تكون «من» في موضع نصب بفعل محذوف دل عليه الكلام، تقديره:\nويكفي من اتبعك من المؤمنين.\nفالمعنى: فإن الله يكفيك ويكفي من اتبعك من المؤمنين (^٢).\nالرابع: أن تكون «من» في موضع رفع بالابتداء، أي: ومن اتبعك من المؤمنين فحسبهم الله. فيكون من عطف الجمل (^٣).\nوهذه الأوجه التي سبق ذكرها متفقة مع هذه القاعدة، ومتمشية مع الصحيح في معنى الآية، ولا تعارض أدلة شرعية، وإن وجد تقديم لبعضها على بعض من جهة الصناعة. كالذي يقال في القول الأول بأنه من العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار، وهو وإن كان جائزا في أصح القولين؛ لكنه قليل، وإعادة الجار أحسن وأفصح (^٤).\nونحو ذلك من الاعتراضات على بعض الأقوال من جهة الصناعة فقط. أما من جهة المعنى فجميعها صحيح، وليس هذا هو ما أردت بيانه في هذا المثال، إنما أردت بيان ضعف القول الخامس الذي قال به بعض العلماء لمخالفته سياق الآية وبعض أدلة الشرع، وهذه القاعدة تضعفه.\n_________\n(^١) جامع البيان (١٠/ ٣٧).\n(^٢) انظر معاني القرآن للزجاج (٢/ ٤٦٨)، وإملاء ما من به الرحمن (٢/ ١٠).\n(^٣) انظر مشكل إعراب القرآن (١/ ٣١٩)، والبيان لابن الأنباري (١/ ٣٩١)، وأضواء البيان (٢/ ٤١٨).\n(^٤) انظر منهاج السنة (٧/ ٢٠٢).","vol":"2","page":267},{"text":"وهو: جعل «من» في محل رفع عطفا على اسم الله تعالى.\nومعناه: حسبك الله وأتباعك من المؤمنين.\nواختار هذا القول الفراء (^١)، والنحاس (^٢)، واستظهره أبو حيان (^٣)، والسمين (^٤)، وغيرهم.\nووجه ضعف هذا القول، بل بطلانه، أن الحسب هو الكافي، ولا يصح صرف هذا لغير الله تعالى، كالرغبة والرهبة وسائر أنواع العبادات.\nوقد دلّ القرآن في آيات كثيرة على أن «الحسب» و«الكفاية» لله وحده لا شريك له فيهما، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنّا إِلَى اللهِ راغِبُونَ﴾ (٥٩) [التوبة: ٥٩] فتأمل كيف جعل الإيتاء لله ورسوله في أول الآية ووسطها، وعطف «بالحسب، الرغبة» وجعلهما له وحده، ولم يقل: حسبنا الله ورسوله، ولا إنا إلى الله ورسوله راغبون» (^٥).\nمما يدل بوضوح تام على أن «الحسب» خاص به تعالى لا يشركه فيه أحد.\nوكقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦٢) [الأنفال: ٦٢] ففرق بين «الحسب» و«التأييد»، فجعل «الحسب» له وحده، وجعل «التأييد» له بنصره وبعباده (^٦).\nوفي أمثال هذه الآيات التي يرد فيها التفريق بين ما يجوز أن يشترك أحد معه سبحانه فيها وما لا يجوز الدلالة الواضحة على بطلان قول من جعل قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦٤) معطوفا على اسم الله تعالى، فيشترك المؤمنون مع\n_________\n(^١) انظر معاني القرآن (١/ ٤١٧).\n(^٢) انظر إعراب القرآن (٢/ ١٩٥)، وانظر الجامع لأحكام القرآن (٨/ ٤٣).\n(^٣) انظر البحر المحيط (٥/ ٣٤٨).\n(^٤) انظر الدر المصون (٥/ ٦٣٢).\n(^٥) انظر منهاج السنة (٧/ ٢٠٤)، وزاد المعاد (١/ ٣٦)، وأضواء البيان (٢/ ٤١٦).\n(^٦) زاد المعاد (١/ ٣٦)، وأضواء البيان (٢/ ٤١٧).","vol":"2","page":268},{"text":"الله في كفاية النبي ﷺ.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد ظن بعض الغالطين أن معنى الآية: أن الله والمؤمنين حسبك، ويكون ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ رفعا عطفا على الله، وهذا خطأ قبيح مستلزم للكفر؛ فإن الله وحده حسب جميع الخلق.\nكما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيمانًا وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (١٧٣) [آل عمران: ١٧٣] أي: الله وحده كافينا كلنا.\nوفي البخاري عن ابن عباس في هذه الكلمة: قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قال لهم الناس: ﴿إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيمانًا وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (١٧٣) (^١).\nفكل من النبيين قال: حسبي الله، فلم يشرك بالله غيره في كونه حسبه، فدل على أن الله وحده حسبه ليس معه غيره.\nومنه قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٥٩] الآية، فدعاهم إلى أن يرضوا ما آتاهم الله ورسوله، وإلى أن يقولوا: حسبنا الله، ولا يقولوا: حسبنا الله ورسوله. لأن الإيتاء يكون بإذن الرسول، كما قال تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾\n[الحشر: ٧].\nوأما الرغبة فإلى الله، كما قال تعالى: ﴿فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ (٨) [الشرح: ٧ - ٨].\nوكذلك التحسب الذي هو التوكل على الله وحده. فلهذا أمروا أن يقولوا: حسبنا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، تفسير سورة آل عمران، باب الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ … الآية. انظر الصحيح مع الفتح (٨/ ٧٧).","vol":"2","page":269},{"text":"الله، ولا يقولوا: ورسوله. فإذا لم يجز أن يكون الله ورسوله حسب المؤمن، كيف يكون المؤمنون مع الله حسبا لرسوله؟!. اه (^١).\nوقد رد هذا الوجه في إعراب الآية والمعنى الذي يؤديه العلامة ابن القيم، فبعد أن ذكره قال: وهذا وإن قاله بعض الناس فهو خطأ محض، لا يجوز حمل الآية عليه، فإن «الحسب» و«الكفاية» لله وحده، كالتوكل والتقوى والعبادة. اه.\nثم ساق الأدلة - التي سبق ذكرها - على بطلان هذا القول، وفيها غنية وكفاية عن قول كل قائل (^٢).\n_________\n(^١) منهاج السنة (٧/ ٢٠٤ - ٢٠٥).\n(^٢) ولهذا المثال نظائر:\nانظر جملة منها في جامع البيان (٨/ ٩٣)، (٩/ ٢٥)، (١٧/ ١٢٥)، ومشكل إعراب القرآن (٢/ ٥٤٧)، والكشاف (٤/ ١٣٧)، والمحرر الوجيز (١/ ١٩٤، ٣٣٩)، (٢/ ٣١٣)، (٤/ ٢٢٠)، (٩/ ١١٣، ١٩٧)، وفتاوى ابن تيمية (١٤/ ٤٤٢)، (١٦/ ٥٧٠ - ٥٧١)، والبحر المحيط (١/ ٨٨)، والتفسير القيم ص ٢٥٦ - ٢٥٧، ومغني اللبيب (٢/ ٥٢٩ - ٥٣٧)، وروح المعاني (٨/ ٨٢)، وأضواء البيان (١/ ٣٥٣)، (٢/ ٣٧٢)، (٤/ ١٤، ٥١٩).","vol":"2","page":270},{"text":"<span data-type='title' id=toc-333>المطلب الثاني:\nقاعدة يجب حمل كتاب الله على الأوجه الإعرابية القوية والمشهورة دون الضعيفة والشاذة والغريبة</span>\n*<span data-type='title' id=toc-334> صورة القاعدة:</span>\nهذه القاعدة توجب حمل كتاب الله تعالى على أقوى الوجوه الإعرابية وأشهرها وأفصحها، وتجنيبه الأوجه الضعيفة والشاذة والغريبة، ويتبع ذلك ما لا تعرف العرب من لسانها من باب أولى.\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-335> أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:</span>\nهذه القاعدة متفرعة عن قاعدة: «يجب حمل كلام الله تعالى على المعروف من كلام العرب دون الشاذ والضعيف والمنكر» فهذه القاعدة خاصة بالإعراب واستعمالهم للعوامل، وتلك القاعدة في كل ما هو وارد عنهم في الألفاظ المفردة والتراكيب والأساليب، وقد سبق هناك ذكر أقوال بعض العلماء، وأضيف هنا أقوال بعضهم مخصوصة في جانب الإعراب، فمن ذلك:\n١ - قول أبي عبيد مقررا هذه القاعدة: وإنما يحمل القرآن على أعرب الوجوه وأصحها في اللغة والنحو. اه (^١).\n٢ - ومنها قول الإمام الطبري بعد أن ذكر خلاف المعربين في رافع قوله تعالى:\n﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ،﴾ وقوله: ﴿اِثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]: وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: «الشهادة» مرفوعة بقوله: «إذا حضر»؛ لأن قوله: «إذا حضر» بمعنى: عند حضور أحدكم الموت، و«اثنان» مرفوع\n_________\n(^١) الناسخ والمنسوخ ص ٢٤٧.","vol":"2","page":271},{"text":"بالمعنى المتوهم، وهو: أن يشهد اثنان، فاكتفى من قيل «أن يشهد» بما قد جرى من ذكر «الشهادة» في قوله: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾.\nوإنما قلنا ذلك أولى بالصواب؛ لأن «الشهادة» مصدر في هذا الموضع، و«اثنان» اسم، والاسم لا يكون مصدرا، غير أن العرب قد تضع الأسماء مواضع الأفعال، فالأمر وإن كان كذلك، فصرف كل ذلك إلى أصح وجوهه ما وجدنا إليه سبيلا أولى بنا من صرفه إلى أضعفها. اه (^١).\n٣ - ومنها قول أبي حيان الأندلسي في مقدمة تفسيره عن منهجه الذي سوف يسير عليه: … ثم أشرع في تفسير الآية ذاكرا سبب نزولها … [إلى أن قال]: منكبا في الإعراب عن الوجوه التي ينزه القرآن عنها، مبينا أنها مما يجب أن يعدل عنه، وأنه ينبغي أن يحمل على أحسن إعراب وأحسن تركيب؛ إذ كلام الله تعالى أفصح الكلام، فلا يجوز فيه جميع ما يجوزه النحاة في شعر الشماخ والطرماح وغيرهما من سلوك التقادير البعيدة، والتراكيب القلقة، والمجازات المعقدة. اه (^٢).\nوطبّق ذلك عمليا في تفسيره، وكثيرا ما ينبه إلى أن القرآن أفصح الكلام فلا يحمل إلا على أحسن الوجوه وأبعدها عن التكلف وأسوغها في لسان العرب، فلا يحمل القرآن على جميع ما يحتمله اللفظ من وجوه الاحتمالات، وإنما ينبغي إعرابه على أفصح الوجوه (^٣).\n٤ - ومنه قول ابن هشام الأنصاري مقررا به مضمون هذه القاعدة، في معرض كلامه عن الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها. قال فيها: الجهة الثانية: أن يراعي المعرب معنى صحيحا، ولا ينظر في صحته في الصناعة (^٤).\n_________\n(^١) جامع البيان (٧/ ١٠٣).\n(^٢) البحر المحيط (١/ ١٢).\n(^٣) انظر على سبيل المثال (١/ ٦١، ٦٣، ٦٧، ٢٢٥)، (٤/ ٦٧٦).\n(^٤) مغني اللبيب (٢/ ٥٣٩).","vol":"2","page":272},{"text":"والجهة الرابعة: أن يخرّج على الأمور البعيدة والأوجه الضعيفة، ويترك الوجه القريب والقوي، فإن كان لم يظهر له إلا ذاك فله عذر، وإن ذكر الجميع فإن قصد بيان المحتمل أو تدريب الطالب فحسن، إلا في ألفاظ التنزيل فلا يجوز أن يخرّج إلا على ما يغلب على الظن إرادته، فإن لم يغلب شيء فليذكر الأوجه المحتملة من غير تعسف. اه (^١).\nفهذا تقرير المنع من حمله على الوجوه الضعيفة والشاذة، إذن لا بد من حمله على المشهور والمستعمل المعروف في لسان العرب، وأما الذي لم يثبت في العربية فرده بهذه القاعدة من باب أولى، وهذه هي الجهة الثالثة من الجهات التي ذكرها ابن هشام في الاعتراض على المعرب.\nقال فيها: الجهة الثالثة: أن يخرّج على ما لم يثبت في العربية، وذلك إنما يقع عن جهل أو غفلة. اه (^٢).\n٥ - ومنها قول الزركشي - وما نقله عن الزمخشري -: ويجب على المعرب تجنب الأعاريب المحمولة على اللغات الشاذة، فإن القرآن نزل بالأفصح من لغة قريش، قال الزمخشري في كشافه القديم: القرآن لا يعمل فيه إلا على ما هو فاش دائر على ألسنة فصحاء العرب، دون الشاذ النادر الذي لا يعثر عليه إلا في موضع أو موضعين.\nاه (^٣).\n٦ - ومنها قول الألوسي في معرض ترجيحه بهذه القاعدة وتقريره لها: ولا يخفى لدى كل منصف أنه لا ينبغي لمؤمن حمل كلام الله تعالى وهو أعلى مراتب البلاغة والفصاحة على ما هو أدنى من ذلك، وما هو إلا مسخ لكتاب الله تعالى عز شأنه، وإهباط له عن شأواه، ومفاسد قلة البضاعة لا تحصى. اه (^٤).\n_________\n(^١) مغني اللبيب (٢/ ٥٤٨).\n(^٢) مغني اللبيب (٢/ ٥٤٦).\n(^٣) البرهان (١/ ٣٠٤).\n(^٤) روح المعاني (١/ ٣٤٣).","vol":"2","page":273},{"text":"وأقوال العلماء في ذلك كثيرة، سيأتي بعضها في الأمثلة التطبيقية (^١).\n***\n\n*<span data-type='title' id=toc-336> الأمثلة التطبيقية على القاعدة:</span>\nمن أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ (٥) [الأنفال: ٥].\nهذه الآية من الآيات المشكلة، وقد اختلف المعربون والمفسرون اختلافا كبيرا في الشيء الذي تتعلق به الكاف في «كما»، حتى أوصل بعضهم الأقوال فيها إلى عشرين قولا (^٢)، فيها أوجه قوية، وأخرى ضعيفة، والذي يهمنا هنا هو التمثيل لهذه القاعدة، وذلك بتضعيفها وردها للأقوال التي تحمل الآية على أوجه ضعيفة أو شاذة أو لا تعرف في لغة العرب، وكل ما شاع وانتشر في العربية فحمل الآية عليه محتمل، ويرجّح بينها بقواعد أخر.\nومن أغرب ما ورد في تفسير وإعراب هذه الآية ما قاله أبو عبيدة في المجاز، قال:\nمجازها مجاز القسم، كقولك: والذي أخرجك ربك؛ لأن «ما» في موضع «الذي».\nاه (^٣) فجعل «الكاف» حرف قسم بمعنى «الواو». وهذا القول غريب جدا في العربية وفي معنى الآية، وقد ردّ الأئمة هذا الوجه الذي ذكره أبو عبيدة، وأنكروا ورود الكاف بمعنى واو القسم في لغة العرب، وجعل ابن هشام قول أبي عبيدة هذا من التخريج على ما لم يثبت في العربية.\nقال في المغني بعد أن ذكر قول أبي عبيدة في الآية: ويبطل هذه المقالة أربعة أمور:\nأن الكاف لم تجيء بمعنى واو القسم.\n_________\n(^١) وانظر المحرر الوجيز (٩/ ٥)، والتفسير القيم ص (٤٢٠ - ٤٢١).\n(^٢) كالسمين الحلبي في الدر المصون (٥/ ٥٥٩)، وذكر أبو حيان قبله في البحر (٥/ ٢٧٢) خمسة عشر قولا، وانظر بعضها في إعراب القرآن للنحاس (٢/ ١٦٧)، ومشكل إعراب القرآن لمكي (١/ ٣٠٩)، والمحرر الوجيز (٨/ ١٤ - ١٦).\n(^٣) مجاز القرآن (١/ ٢٤٠).","vol":"2","page":274},{"text":"وإطلاق «ما» على الله ﷾.\nوربط الموصول بالظاهر وهو فاعل «أخرج» وباب ذلك الشعر ..\nووصله بأول السورة مع تباعد ما بينهما. اهـ (^١) أي جعله التقدير: الأنفال لله والرسول والذي أخرجك.\nوقال أبو حيان عن أبي عبيدة وقوله هذا: وكان ضعيفا في علم النحو، وقال الكرماني: هذا سهو، وقال ابن الأنباري: الكاف ليست من حروف القسم انتهى.\nوفيه - أيضا - أن جواب القسم بالمضارع المثبت جاء بغير لام ولا نون توكيد، ولا بد منهما في مثل هذا على مذهب البصريين، أو من معاقبة أحدهما الآخر على مذهب الكوفيين، أما خلوه عنهما أو أحدهما فهو قول مخالف لما أجمع عليه الكوفيون والبصريون. انتهى كلام أبي حيان (^٢).\nوقد رد قول أبي عبيدة هذا عامة العلماء؛ لأجل عدم استعمال العرب للكاف بمعنى واو القسم، ولبعده وضعفه من حيث المعنى (^٣).\nأما أولى الأقوال في إعراب الآية فهو ما اختاره القاضي أبو محمد ابن عطية، ووجه ترجيحه هو مضمون القاعدة السابقة.\nقال القاضي أبو محمد: اختلف الناس في الشيء الذي تتعلق به الكاف من قوله:\n«كما» حسبما نبين من الأقوال التي أنا ذاكرها بعد بحول الله، والذي يلتئم به المعنى ويحسن سرد الألفاظ قولان. وأنا أبدأ بهما.\nقال الفراء: التقدير: امض لأمرك في الغنائم ونفل من شئت وإن كرهوا، كما\n_________\n(^١) مغني اللبيب (٢/ ٥٤٦).\n(^٢) البحر المحيط (٥/ ٢٧٣).\n(^٣) انظر غرائب التفسير (١/ ٤٣٤ - ٤٣٥)، وإملاء ما من به الرحمن (٢/ ٣)، والدر المصون (٥/ ٥٦٠)، ومغني اللبيب (٢/ ٥٤٦)، والإتقان (٢/ ٢٦٢).","vol":"2","page":275},{"text":"أخرجك ربك (^١). هذا نص قوله في هداية مكي - ﵀ - والعبارة بقوله: امض لأمرك ونفل من شئت، غير محررة، وتحرير هذا المعنى عندي أن يقال: إن هذه الكاف شبّهت هذه القصة التي هي إخراجه من بيته بالقصة المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأنفال، كأنهم سألوا عن النفل وتشاجروا فأخرج الله ذلك عنهم، فكانت فيه الخيرة كما كرهوا في هذه القصة انبعاث النبي ﷺ فأخرجه الله من بيته فكانت في ذلك الخيرة. فتشاجرهم في النفل بمثابة كراهيتهم ههنا للخروج، وحكم الله في النفل بأنه لله وللرسول دونهم هو بمثاية إخراجه نبيه ﷺ من بيته، ثم كانت الخيرة في القصتين فيما صنع الله، وعلى هذا التأويل يمكن أن يكون قوله: «يجادلونك» كلاما مستأنفا يراد به الكفار، أي يجادلونك في شريعة الإسلام من بعد ما تبين الحق فيها، كأنما يساقون إلى الموت في الدعاء إلى الإيمان.\nقال القاضي أبو محمد:\nوهذا الذي ذكرت من أن يجادلونك في الكفار منصوص.\nوالقول الثاني: قال مجاهد والكسائي وغيرهما: المعنى في هذه الآية كما أخرجك ربك من بيتك على كراهية من فريق منهم كذلك يجادلونك في قتل كفار مكة ويودون غير ذات الشوكة من بعد ما تبين لهم أنك إنما تفعل ما أمرت به لا ما يريدون هم.\nقال القاضي أبو محمد:\nوالتقدير على هذا التأويل يجادلونك في الحق مجادلة ككراهتهم إخراج ربك إياك من بيتك، فالمجادلة على هذا التأويل بمثابة الكراهية وكذلك وقع التشبيه في المعنى، وقائل هذه المقالة يقول: إن المجادلين هم المؤمنون، وقائل المقالة الأولى يقول: إن المجادلين هم المشركون، فهذان قولان مطردان يتم بهما المعنى ويحسن\n_________\n(^١) انظر معاني القرآن (١/ ٤٠٣) ونص عبارته: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ على كره منهم، فامض لأمر الله في الغنائم كما مضيت على مخرجك وهم كارهون.","vol":"2","page":276},{"text":"رصف اللفظ. اه (^١).\nفكان الوجه الذي اعتمده في اختياره لهذين القولين هو حسن المعنى وصحته، وحسن رصف اللفظ. ومراعاة معنى الآية وسياقها في ترجيح الوجه الإعرابي هو مضمون القاعدة السابقة، كما سبق بيانه (^٢).\n***\n_________\n(^١) المحرر الوجيز (٨/ ١٤ - ١٥).\n(^٢) وانظر بعض نظائر هذا المثال في الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد ص ٢٤٧، وجامع البيان (٧/ ١٠٣)، (٨/ ١٠)، وإعراب القرآن للنحاس (٣/ ٢٤٣)، والمحرر الوجيز (٩/ ٥)، ومغني اللبيب (١/ ٢٩٨ - ٢٩٩)، (٢/ ٥٠٩، ٥١٠، ٥٣٩، ٥٥٥)، والبحر المحيط لأبي حيان (١/ ٤١، ٦١، ٦٣، ٨١، ٢٢٥)، و(٤/ ٦٧٦)، (٦/ ٢١٨)، والبرهان للزركشي (١/ ٣٠٤)، والإتقان (٢/ ٢٦٣)، وروح المعاني (١/ ٣٤٣).","vol":"2","page":277},{"text":"<span data-type='title' id=toc-337>الخاتمة</span>\nوبعد أن عشت في رحاب تفسير كتاب الله تعالى مع أئمة التفسير، ودراسة ما استخرجت من قواعد وضوابط للترجيح تبين لي من خلال هذه الدراسة ما يلي:\n١ - تميز بعض المفسرين عن بعض في تطبيق القواعد الترجيحية كثرة وقلة، وتحريرا لها، وتمثيلا وترجيحا بها، مما يدعو إلى ضرورة مقارنة كتب التفسير للخروج بتصور واضح لعامة القواعد.\nفمثلا الإمام الطبري يلحظ اهتمامه بقواعد الترجيح المتعلقة بالسياق وقواعد الترجيح المتعلقة باستعمال العرب للألفاظ والمباني، وتميزه في تحريرها والترجيح بها على عكس - مثلا - قواعد الترجيح المتعلقة بالضمائر، فإن اهتمامه بها قليل.\nونلاحظ أن أبا حيان يهتم بقواعد الترجيح المتعلقة بالضمائر يرجح بها ويقررها في غالب أمثلتها أكثر من اهتمامه بقواعد السياق. على عكس الزمخشري وابن عطية فهما يهتمان كثيرا بقواعد السياق أكثر من غيرها.\nوأما الشنقيطي فهو يهتم كثيرا بقواعد الأصول واللغة تحريرا وتأصيلا، وتمثيلا وتطبيقا عند كل مناسبة.\nوهذا كله راجع إلى تأثر المفسر واهتمامه بفن من فنون العلم أكثر من غيره.\n٢ - أن كثيرا من القواعد المذكورة في هذه الدراسة مشهورة معروفة من الناحية النظرية ولا سيما في أصول الفقه، لكن تطبيقها في الترجيح بين أقوال المفسرين ليس بارزا بروزا يوازي شهرتها.\n٣ - أن بعض القواعد متفق عليها أو على أصلها؛ لكن الخلاف يقع في تطبيقها على الأمثلة، وقد تكون مخالفة المخالف في تطبيق القاعدة أو حتى في تأصيلها واعتمادها لأجل أصول وجذور عقدية مبنية على آراء وأهواء مبتدعة أنكروا القاعدة","vol":"2","page":278},{"text":"أو خالفوا في تطبيقها كيما يتسنى لهم حمل نصوص الوحي على ما اعتقدوه.\nوقد يكون الخلاف مبنيا على أصول مذهبية.\n٤ - أن بعض المفسرين استعملوا تفسير كتاب الله تعالى وسيلة لبث آرائهم الفكرية المنحرفة، ومعتقداتهم الفاسدة، فكانت هذه الدراسة أولى الخطوات في تجريد كتب التفسير من ذلك.\n٥ - أن هذه القواعد بواسطتها يعرف الراجح من الأقوال في تفسير الآية مما يسهم في معرفة وحفظ أرجح الأقوال في تفسير آيات التنزيل بعد تعذر حفظ كل الأقوال فيها.\n٦ - أن بعض قواعد الترجيح قد تتنازع المثال الواحد فبعضها يطلب ترجيح قول، وبعضها يطلب ترجيح قول آخر، فضابط الترجيح بينها غلبة الظن.\n٧ - أن دراسة هذه القواعد تعطي رصيدا علميا غزيرا لتنوع مسائل ومصادر هذه الدراسة، وتكسب ملكة واسعة في مقارنة أقوال المفسرين، وسبرها ومناقشتها، والوقوف بذلك على أرجح الأقوال بدليله.\n٨ - أن عمدة هذه الدراسة على استقراء كتب التفسير وعلوم القرآن والحديث وعلومه، واللغة وعلومها، والفقه وقواعده وأصوله، فجمعت من ذلك جزءا كبيرا في ثنايا هذه الدراسة بعد شتات كانت فيه بما يتفق والخطة المرسومة لها، وزمنها المحدود لها، ولا زالت بعض القواعد رهينة البطاقات اجتمع عليها ضيق الزمان، وعدم شمول الخطة لها، واحتياجها إلى مزيد بحث وتحرير عسى الله أن يهيئ الوقت ويشرح الصدر لبسطها وتحريرها.\nولا أدعي في جمعي هذا أني قد أحطت بجميع قواعد الترجيح عند المفسرين؛ لأن البحث يعتمد على الاستقراء، ولكن حسبي أني بذلت غاية وسعي، ونهاية جهدي.\nوأخيرا فإني لم أبخل على هذه الرسالة بوقت أو جهد فعسى الله أن يكتب عليه","vol":"2","page":279},{"text":"الأجر والمثوبة، وما كان فيها من صواب فمن الله وحده، وما كان فيها من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان وأستغفر الله تعالى منه، وما هو إلا جهد المقلّ، فأسأل الله أن يبارك فيه، ويجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفعني وكل ناظر فيه بما فيه من صواب.\nوالحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه على التمام، والشكر والثناء التامين على ما يسره وأعان، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه الكرام.","vol":"2","page":280},{"text":"<span data-type='title' id=toc-338>فهرس المراجع والمصادر</span>\n<span data-type='title' id=toc-339>أولا: القرآن الكريم</span>.\n<span data-type='title' id=toc-340>ثانيا: المخطوطات والرسائل العلمية:</span>\n١ - أسباب النزول وأثرها، لعصام الحميدان، رسالة ماجستير في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - كلية أصول الدين في الرياض، ١٤٠٥ هـ.\n٢ - أسلوب التقديم والتأخير، لزيد عمر عبد الله، رسالة ماجستير في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - كلية أصول الدين في الرياض، ١٤٠٠ هـ.\n٣ - أسلوب الحذف وأثره في إعجاز القرآن الكريم وبيان معانيه، لمصطفى شاهر خلوف، رسالة ماجستير - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - كلية أصول الدين في الرياض، ١٤٠٥ هـ.\n٤ - تشنيف المسامع بجمع الجوامع في أصول الفقه، لبدر الدين الزركشي، تحقيق: موسى علي الفقيهي، من أول الكتاب إلى مبحث الإجماع. رسالة دكتوراة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، كلية الشريعة الرياض.\n٥ - تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير فيها قول صواب، لشيخ الإسلام ابن تيميه. (مخطوط) مكتبة برلين في المجموع رقم (٣٩٦٨)، ومنها نسختان في دار الكتب المصرية رقم (٣٣٠) فلم (٢٤٤٨٠)، ورقم (٦٩٥) فلم (٧٨٦٨).\n٦ - اختلاف التنوع واختلاف التضاد في تفسير السلف، لعبد الله بن عبد الرحمن الأهدل - رسالة دكتوراة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - كلية أصول الدين - الرياض، ١٤٠٧ هـ.\n٧ - اختلاف المفسرين أسبابه وآثاره، لسعود الفنيسان، رسالة دكتوراة - جامعة","vol":"2","page":283},{"text":"الإمام محمد بن سعود الإسلامية - كلية أصول الدين - الرياض.\n٨ - رسالة في قواعد التفسير، لمؤلف مجهول. (مخطوط) منه نسخة في مكتبة عارف حكمت، رقمها (١٥٧)، ومنها صورة في مركز الملك فيصل للبحوث برقم (١٦٥ /فلم).\n٩ - علم القراءات نشأته، أطواره، أثره في العلوم الشرعية، لنبيل محمد إسماعيل، رسالة ماجستير، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - كلية أصول الدين - الرياض، ١٤١١ هـ.\n١٠ - الفروق اللغوية وأثرها في تفسير القرآن الكريم، لمحمد الشايع، رسالة ماجستير - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - كلية أصول الدين في الرياض.\n١١ - فوائد جليلة أكثرها يتعلق بقواعد تفسير الكشاف وجامع البيان، جمعها:\nأحمد بن عبد الرحمن المجاهد. (مخطوط) يوجد منه نسخة في جامعة الملك سعود برقم (٧٨٩٣/ ٤٤ م عب، ق ٨٣ - ٢٩١ أ).\n١٢ - القاعدة الكلية إعمال الكلام أولى من إهماله، لمحمد مصطفى عبود هرموش، رسالة ماجستير - جامعة الإمام محمد بن سعود - كلية الشريعة في الرياض ١٩٨٤ م.\n١٣ - القواعد، لأبي بكر بن عبد المؤمن المعروف بالحصني، تحقيق: عبد الرحمن الشعلان، رسالة ماجستير، كلية الشريعة - الرياض.\n١٤ - قواعد تفسير القرآن، لأحمد بن محمد السمناني الصوفي، (مخطوط) يوجد منه نسخة في مركز الملك فيصل للبحوث، برقم (١١٩٤ - ٥ - ف).\n١٥ - مجمل أسباب اختلاف الفقهاء، لعبد الله بن عبد المحسن التركي. رسالة ماجستير في المعهد العالي للقضاء - الرياض ١٣٨٩ - ١٣٩٠ هـ.\n١٦ - مفاتيح الرضوان في تفسير الذكر بالآثار والقرآن، لأحمد بن إسماعيل","vol":"2","page":284},{"text":"<span data-type='title' id=toc-342>ا</span>لصنعاني، [من الشعراء إلى الروم]، تحقيق: عبد الله سوقان الزهراني، رسالة ماجستير في الجامعة الإسلامية - كلية القرآن - المدينة النبوية، ١٤٠٨ هـ.\n١٧ - نقض أساس التقديس، لشيخ الإسلام ابن تيمية، (المجلد الثالث مخطوط) منه صورة في جامعة الملك سعود في الرياض، رقم التصوير (٥٥١/ ١) في ٣/ ١٣٩٩/٢٠ هـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-341>ثالثا: المطبوعات:</span>\n- أ -\n١٨ - الإبانة عن أصول الديانة، لأبي الحسن الأشعري، تحقيق: فوقية حسين محمود، ط: دار الأنصار - القاهرة، ١٣٩٧ هـ.\n١٩ - الإبانة عن شريعة الفرق الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، لعبد الله بن محمد بن بطة، تحقيق: رضا بن نعسان معطي، ط: دار الراية - الرياض، الأولى ١٤٠٩ هـ.\n٢٠ - الإبانة عن القراءات، لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي، تحقيق:\nمحيي الدين رمضان، ط: دار المأمون للتراث - دمشق، ١٣٩٩ هـ.\n٢١ - إبراز المعاني من حرز الأماني، لعبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة، تحقيق: إبراهيم عطوه عوض، ط: البابي الحلبي.\n٢٢ - إبطال التأويلات لأخبار الصفات، لأبي يعلى محمد بن الحسين الفراء، تحقيق: محمد بن حمد النجدي، ط. دار الإمام الذهبي، الأولى ١٤١٠ هـ.\n٢٣ - إتباع الرسول بصحيح المنقول وصريح المعقول، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ضبط. علي حسن عبد الحميد، ط: المكتبة الإسلامية - عمان - الأردن، الأولى ١٤١٠ هـ.\n٢٤ - اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر، لفهد بن عبد الرحمن الرومي، ط:\nمؤسسة الرسالة - بيروت.","vol":"2","page":285},{"text":"٢٥ - الاتجاهات المنحرفة في تفسير القرآن، لمحمد حسين الذهبي، ط. دار الاعتصام، الثانية ١٣٩٨ هـ.\n٢٦ - الإتقان في علوم القرآن، لجلال الدين السيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط: دار التراث - القاهرة الثالثة ١٤٠٥ هـ.\n٢٧ - اجتماع الجيوش الإسلامية، للإمام ابن قيم الجوزية، تحقيق: عواد عبد الله المعتق، ط: دار المعذر - بالرياض ١٤٠٨ هـ.\n٢٨ - الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، ترتيب: علاء الدين علي بن بلبان الفارسي، تحقيق: كمال يوسف الحوت، مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت، الأولى ١٤٠٧ هـ.\n٢٩ - إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، لتقي الدين أبي الفتح الشهير بابن دقيق العيد، ط: دار الكتاب العربي - بيروت.\n٣٠ - الإحكام في أصول الأحكام، لعلي بن محمد الآمدي، تحقيق: سيد الجميلي، ط: دار الكتاب العربي - بيروت، الثانية ١٤٠٦ هـ.\n٣١ - الإحكام في أصول الأحكام، لأبي محمد علي بن أحمد ابن حزم، ط:\nدار الكتب العلمية - بيروت.\n٣٢ - أحكام القرآن، لمحمد بن إدريس الشافعي، جمعه: أحمد بن الحسين البيهقي، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، ١٤٠٠ هـ.\n٣٣ - أحكام القرآن، لأبي بكر أحمد بن علي الجصاص، تحقيق: محمد الصادق قمحاوي، ط: دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n٣٤ - أحكام القرآن، لعماد الدين بن محمد الطبري المعروف بالكياالهراسي، ط:\nدار الكتب العلمية - بيروت، الثانية ١٤٠٥ هـ.\n٣٥ - أحكام القرآن، لأبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي، تحقيق:\nمحمد عبد القادر عطا، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، الأولى ١٤٠٨ هـ.","vol":"2","page":286},{"text":"٣٦ - إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، لأبي السعود محمد بن محمد العمادي، ط: دار إحياء التراث العربي.\n٣٧ - إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول، لمحمد بن علي الشوكاني، تحقيق:\nمحمد سعيد البدري، ط: مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت - الأولى ١٤١٢ هـ.\n٣٨ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، لمحمد ناصر الدين الألباني، ط: المكتب الإسلامي - بيروت، الثانية ١٤٠٥ هـ.\n٣٩ - أساس التقديس، للفخر الرازي، تحقيق: أحمد حجازي السقا، ط: دار الجيل - بيروت، الأولى ١٤١٣ هـ.\n٤٠ - أسباب النزول، لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي، تحقيق: عصام بن عبد المحسن الحميدان، ط: دار الإصلاح - الدمام، الأولى ١٤١١ هـ.\n٤١ - الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير، لمحمد أبو شهبة، ط: مكتبة السنة - القاهرة، الرابعة ١٤٠٨ هـ.\n٤٢ - الأسماء والصفات، لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: عماد الدين أحمد حيدر، ط: دار الكتاب العربي - بيروت، الأولى ١٤٠٥ هـ.\n٤٣ - الإسماعيلية تاريخ وعقائد، لإحسان إلهي ظهير، ط: دار عالم الكتب، الأولى ١٤٠٥ هـ.\n٤٤ - الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز، للعز بن عبد السلام، تحقيق:\nرمزي دمشقية، ط: دار البشائر الإسلامية - بيروت، الأولى ١٤٠٨ هـ.\n٤٥ - الأشباه والنظائر، لابن نجيم الحنفي، وبحاشيته نزهة النواظر على الأشباه والنظائر، لابن عابدين، تحقيق: محمد مطيع الحافظ، ط: دار الفكر - دمشق، الأولى ١٤٠٣ هـ.\n٤٦ - الأشباه والنظائر في فروع الشافعية، لعبد الوهاب بن علي ابن السبكي، تحقيق: عادل عبد الموجود، وعلي عوض، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، الأولى","vol":"2","page":287},{"text":"١٤١١ هـ.\n٤٧ - الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية، لجلال الدين السيوطي، ط: مصطفى البابي الحلبي، ط: ١٣٧٨ هـ.\n٤٨ - الأشباه والنظائر في النحو، لجلال الدين السيوطي، ط: دار الكتاب العربي - بيروت، الأولى ١٤٠٤ هـ.\n٤٩ - الإصابة في تمييز الصحابة، للحافظ ابن حجر العسقلاني، ط: دار الكتب العلمية - بيروت.\n٥٠ - الإصباح في شرح الاقتراح، لمحمد فجال، ط: دار القلم - دمشق، الأولى ١٤٠٩ هـ.\n٥١ - أصول التفسير وقواعده، لخالد عبد الرحمن العك، ط: دار النفائس - بيروت، الثانية ١٤٠٦ هـ.\n٥٢ - أصول السرخسي، لأبي بكر محمد بن أحمد السرخسي، تحقيق: أبو الوفاء الأفغاني، ط: دار الكتاب العربي - القاهرة ١٣٧٢ هـ.\n٥٣ - أصول في التفسير، لمحمد بن صالح العثيمين، ط: دار ابن تيمية - القاهرة، ١٤١٠ هـ.\n٥٤ - الأضداد، لمحمد بن القاسم الأنباري، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط: دار المكتبة العصرية - بيروت، الأولى ١٤٠٧ هـ.\n٥٥ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، لمحمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، ط: عالم الكتاب - بيروت.\n٥٦ - الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار، لأبي بكر محمد بن موسى الحازمي، تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي، ط: جامعة الدراسات الإسلامية - باكستان، الثانية ١٤١٠ هـ.\n٥٧ - اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، للفخر الرازي، ضبط: محمد المعتصم","vol":"2","page":288},{"text":"بالله البغدادي، ط: دار الكتاب العربي - بيروت، الأولى ١٤٠٧ هـ.\n٥٨ - إعراب القرآن، لأبي جعفر أحمد بن محمد النحاس، تحقيق: زهير زاهد، عالم الكتب، الأولى ١٤٠٥ هـ.\n٥٩ - الأعلام، لخير الدين الزركلي، ط: دار العلم للملايين - بيروت، السابعة، ١٩٨٦ م.\n٦٠ - أعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، ط: المكتبة العصرية - بيروت، ١٤٠٧ هـ.\n٦١ - إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، لابن قيم الجوزية، تحقيق: مجدي السيد، ط: دار الحديث - القاهرة.\n٦٢ - الإكسير في علم التفسير، لسليمان بن عبد القوي الطوفي، تحقيق: عبد القادر حسين، ط: مكتبة الآداب.\n٦٣ - الإكليل في استنباط التنزيل، لجلال الدين السيوطي، تحقيق: سيف الدين عبد القادر الكاتب، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، الثانية ١٤٠٥ هـ.\n٦٤ - الألفاظ المترادفة المتقاربة المعنى، لأبي الحسن علي بن عيسى الرماني، تحقيق: فتح الله صالح المصري، ط: دار الوفاء، الثانية ١٤٠٨ هـ.\n٦٥ - الأم، للإمام الشافعي، تحقيق: محمود مطرجي، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، الأولى ١٤١٣ هـ.\n٦٦ - إملاء ما من به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات في جميع القرآن، لأبي البقاء عبد الله بن الحسين العكبري، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، الأولى ١٣٩٩ هـ.\n٦٧ - إنباه الرواة على أنباء النحاة، لأبي الحسن علي بن يوسف القفطي، تحقيق:\nمحمد أبو الفضل إبراهيم، ط: دار الفكر العربي - القاهرة، ومؤسسة الكتب الثقافية - بيروت، الأولى ١٤٠٦ هـ.","vol":"2","page":289},{"text":"٦٨ - الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال، مط<span data-type='title' id=toc-343>ب</span>وع في هامش الكشاف.\n٦٩ - أنوار التنزيل وأسرار التأويل، لأبي سعيد بن عبد الله بن عمر البيضاوي، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، الأولى ١٤٠٨ هـ.\n٧٠ - أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، لجمال الدين عبد الله بن يوسف بن هشام الأنصاري، ومعه كتاب «عدة السالك إلى توضيح أوضح المسالك»، لمحمد محيي الدين عبد الحميد، ط: المكتبة العصرية - بيروت.\n٧١ - إيثار الحق على الخلق في رد الخلاف إلى المذهب الحق من أصول التوحيد، لمحمد بن المرتضى اليماني المشهور بابن الوزير، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، الثانية ١٤٠٧ هـ.\n٧٢ - الإيضاح في علوم البلاغة والمعاني والبيان والبديع، لمحمد بن سعد القزويني، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، الأولى ١٤٠٥ هـ.\n٧٣ - الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ومعرفة أصوله واختلاف الناس فيه، لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي، تحقيق: أحمد حسن فرحات، ط: دار المنار - جدة، الأولى ١٤٠٦ هـ.\n٧٤ - الإيمان، لشيخ الإسلام ابن تيمية، أشرف على طبعه: زهير الشاويش، ط:\nالمكتب الإسلامي - بيروت، الثالثة ١٤٠٨ هـ.\n\n- ب -\n٧٥ - الباعث الحثيث في شرح اختصار علوم الحديث، للحافظ ابن كثير، لأحمد محمد شاكر، ط: دار الفكر - بيروت، الأولى ١٤٠٣ هـ،\n٧٦ - البحر المحيط في أصول الفقه، لبدر الدين الزركشي، تحقيق: عبد القادر عبد الله العاني وآخرين، ط: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - الكويت، الثانية ١٤١٣ هـ.\n٧٧ - البحر المحيط في التفسير، لمحمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي،","vol":"2","page":290},{"text":"عناية: صدقي محمود جميل، ط: دار الفكر، الأولى ١٤١٢ هـ.\n٧٨ - البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة، لعبد الفتاح القاضي، ويليه القراءات الشاذة وتوجيهها من لغة العرب له، ط: دار الكتاب العربي - بيروت، الأولى ١٤٠١ هـ.\n٧٩ - بحوث في أصول التفسير، لمحمد بن لطفي الصباغ، ط: المكتب الإسلامي - بيروت، الأولى ١٤٠٨ هـ.\n٨٠ - بحوث في أصول التفسير ومناهجه، لفهد بن عبد الرحمن الرومي، ط:\nمكتبة التوبة - الرياض، الأولى ١٤١٣ هـ.\n٨١ - بدائع الفوائد، لابن قيم الجوزية، ط: دار الكتاب العربي - بيروت.\n٨٢ - البداية والنهاية، للحافظ ابن كثير، تحقيق: أحمد أبو ملحم وآخرين، ط:\nدار أم القرى للطباعة والنشر - القاهرة، الأولى ١٤٠٨ هـ.\n٨٣ - البدر الطالع بمحاسن القرن السابع، لمحمد بن علي الشوكاني، ط: دار المعرفة - بيروت.\n٨٤ - بدع التفاسير، عبد الله محمد الصديق الغماري، ط: مكتبة القاهرة، الأولى ١٣٨٥ هـ.\n٨٥ - البرهان في أصول الفقه، لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني، تحقيق: عبد العظيم محمود الديب، ط: دار الوفاء، الثالثة ١٤١٢ هـ.\n٨٦ - البرهان في علوم القرآن، لبدر الدين الزركشي، تحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط: دار المعرفة - بيروت، الثانية ١٣٩١ هـ.\n٨٧ - البغوي الفراء وتفسير القرآن الكريم، لمحمد شريف، ط: مطبعة المدنية، الأولى ١٤٠٦ هـ.\n٨٨ - البلغة في أصوله اللغة، لمحمد صديق خان، تحقيق: نذير محمد مكتبي، ط: دار البشائر الإسلامية، الأولى ١٤٠٨ هـ.","vol":"2","page":291},{"text":"٨٩ - بيان المخ<span data-type='title' id=toc-344>ت</span>صر شرح مختصر ابن الحاجب، لشمس الدين أبي الثناء محمود بن عبد الرحمن الأصفهاني، تحقيق: محمد مظهر بقا، ط: جامعة أم القرى، الأولى ١٤٠٦ هـ.\n٩٠ - البيان في غريب إعراب القرآن، لأبي البركات ابن الأنباري، تحقيق: طه عبد الحميد طه، ط: الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٤٠٠ هـ.\n\n- ت -\n٩١ - تأويل مختلف الحديث، لأبي محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة، تصحيح:\nمحمد النجار، ط: مكتبة الكليات الأزهرية.\n٩٢ - تأويل مشكل القرآن، لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، عناية: السيد أحمد صقر، ط: دار التراث - القاهرة، الثانية ١٣٩٣ هـ.\n٩٣ - تاريخ القرآن وغرائب رسمه وحكمه، لمحمد طاهر بن عبد القادر الكردي، ط: مكتبة المعارف - الطائف، الأولى ١٣٦٥ هـ.\n٩٤ - التبصرة والتذكرة شرح ألفية العراقي، لزين الدين العراقي، ويليه فتح الباقي على ألفية العراقي، لزكريا الأنصاري، ط: دار الكتب العلمية - بيروت.\n٩٥ - التبيان في أقسام القرآن، للعلامة ابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد شريف سكر، ط: دار إحياء العلوم، الأولى ١٤٠٢ هـ.\n٩٦ - التحبير في علم التفسير، لجلال الدين السيوطي، تحقيق: فتحي عبد القادر فريد، ط: دار العلوم، الأولى ١٤٠٢ هـ.\n٩٧ - التحصيل من المحصول، لسراج الدين محمود بن أبي بكر الأرموي، تحقيق: عبد الحميد أبو زنيد، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت، الأولى ١٤٠٨ هـ.\n٩٨ - تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، لأبي العلى محمد عبد الرحمن المباركفوري، ط: المكتبة السلفية - المدينة المنورة، الثانية ١٣٨٤ هـ.\n٩٩ - تحفة المودود بأحكام المولود، للعلامة ابن قيم الجوزية، حققه: محمد علي","vol":"2","page":292},{"text":"أبو العباس، ط: مكتب الساعي - الرياض.\n١٠٠ - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، لجلال الدين السيوطي، تحقيق:\nأحمد عمر هاشم، ط: دار الكتاب العربي - بيروت، الأولى ١٤٠٥ هـ.\n١٠١ - التدمرية تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: محمد بن عودة السعوي، ط: شركة العبيكان للطباعة والنشر - الرياض، الأولى ١٤٠٥ هـ.\n١٠٢ - تذكرة الحفاظ، للحافظ شمس الدين الذهبي، ط: دار الفكر العربي - بيروت، عن ط: دائرة المعارف العثمانية - الهند، ١٣٧٤ هـ.\n١٠٣ - الترادف في اللغة، لحاكم مالك الزيادي، ط: منشورات وزارة الثقافة والإعلام، الجمهورية العراقية.\n١٠٤ - التسهيل لعلوم التنزيل، لمحمد بن أحمد بن جزي الكلبي، دار الكتاب العربي - بيروت، الرابعة ١٤٠٣ هـ.\n١٠٥ - التعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية، لعبد اللطيف البرزنجي، ط:\nمطبعة العاني - العراق، الأولى ١٤٠٨ هـ.\n١٠٦ - التعارض والترجيح عند الأصوليين وأثرهما في الفقه الإسلامي، لمحمد الحفناوي، ط: دار الوفاء - مصر، الثانية ١٤٠٨ هـ.\n١٠٧ - التعريفات، للسيد الشريف الجرجاني، تحقيق: عبد الرحمن عميرة، ط:\nعالم الكتب - بيروت، الأولى ١٤٠٧ هـ.\n** تفسير البيضاوي - أنوار التنزيل وأسرار التأويل.\n** تفسير الرازي - مفاتيح الغيب.\n** تفسير الطبري - جامع البيان.\n** تفسير ابن عطية - المحرر الوجيز.\n** تفسير القاسمي - محاسن التأويل.","vol":"2","page":293},{"text":"** تفسير القرطبي - الجامع لأحكام القرآن.\n** تفسير الميزان - الميزان في تفسير القرآن.\n** تفسير النسفي - مدارك التنزيل وحقائق التأويل.\n١٠٨ - تفسير التحرير والتنوير، لمحمد الطاهر ابن عاشور، ط: الدار التونسية - ليبيا.\n١٠٩ - تفسير القرآن الحكيم «تفسير المنار»، لمحمد رشيد رضا، ط: دار المعرفة - بيروت، الثانية.\n١١٠ - تفسير القرآن العظيم، لعبد الرزاق بن همام الصنعاني، تحقيق: مصطفى مسلم محمد، ط: مكتبة الرشد - الرياض، الأولى ١٤١٠ هـ.\n١١١ - تفسير القرآن العظيم مسندا عن الرسول ﷺ والصحابة والتابعين، للحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، تحقيق: أحمد الشهراني وحكمت ياسين، ط:\nهجر للطباعة والنشر - مصر، الأولى ١٤٠٨ هـ.\n١١٢ - تفسير القرآن العظيم، للحافظ إسماعيل بن كثير، تحقيق: عبد العزيز غنيم وآخرين، ط: الشعب - القاهرة.\n١١٣ - تفسير القرآن العظيم، لسهل بن عبد الله التستري، ط: دار الكتب العربية الكبرى «البابي الحلبي» - مصر.\n١١٤ - تفسير القرآن الكريم، لمحيي الدين ابن عربي، تحقيق: مصطفى غالب، ط: دار الأندلس - بيروت، الثالثة ١٤٠١ هـ.\n١١٥ - التفسير القيم، للعلامة ابن القيم، جمعه: محمد أويس الندوي، حققه:\nمحمد حامد الفقي، ط: دار العلوم الحديثة - بيروت.\n١١٦ - تفسير المراغي، لأحمد مصطفى المراغي، ط: دار الفكر الثالثة ١٣٩٤ هـ.\n١١٧ - تفسير النصوص في الفقه الإسلامي، لمحمد أديب الصالح، ط: المكتب","vol":"2","page":294},{"text":"الإسلامي - بيروت، الثالثة ١٤٠٤ هـ.\n١١٨ - تفسير جزء عم، لمحمد عبده خير الله، ط: مكتبة محمد علي صبيح - القاهرة ١٣٨٧ هـ.\n١١٩ - تفسير غريب القرآن، لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، تحقيق:\nالسيد أحمد صقر، ط: دار الكتب العلمية - بيروت ١٣٩٨ هـ.\n١٢٠ - تفسير فرات الكوفي، لفرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي، تحقيق محمد الكاظم، ط: مؤسسة النعمان للطباعة والنشر - بيروت ١٤١٢ هـ.\n١٢١ - تفسير نور الثقلين، لعبد علي بن جمعة الحويزي، صححه: هاشم الرسولي المحلاتي، ط: المطبعة العلمية - بقم.\n١٢٢ - التفسير والمفسرون، لمحمد حسين الذهبي، ط: دار الكتب الحديثة، الثانية ١٣٩٦ هـ.\n١٢٣ - تقريب التهذيب، للحافظ ابن حجر العسقلاني، قابله: محمد عوامة، ط: دار الرشيد - سوريا، الثالثة ١٤١١ هـ.\n١٢٤ - تلخيص البيان في مجازات القرآن، للشريف الرضي، ط: عالم الكتب - بيروت، الأولى ١٤٠٦ هـ.\n١٢٥ - تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم، للعلائي خليل بن كيكلدي، تحقيق:\nعبد الله بن محمد آل الشيخ، ط: الأولى ١٤٠٣ هـ.\n١٢٦ - التمهيد في أصول الفقه، لأبي الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني، تحقيق: مفيد محمد أبو عيشة، ط: جامعة أم القرى، الأولى ١٤٠٦ هـ.\n١٢٧ - التمهيد في تخريج الفروع على الأصول، لأبي محمد جمال الدين الأسنوي، تحقيق: محمد حسن هيتو، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت، الثالثة ١٤٠٤ هـ.\n١٢٨ - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لأبي عمر يوسف ابن عبد البر،","vol":"2","page":295},{"text":"تحقيق: مصطفى العلوي وآخرين، ط: مطبعة فضالة - المحمدية المغرب.\n١٢٩ - تنزيه السنة والقرآن عن أن يكونا من أصول الضلال والكفران، لأحمد بن حجر آل بوطامي، ط: مكتبة ابن القيم - الدوحة ١٤١٣ هـ.\n١٣٠ - التنكيل بما في تأنيب الكو<span data-type='title' id=toc-345>ث</span>ري من الأباطيل، للعلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني، مع تخريجات: محمد ناصر الدين الألباني وآخرين، ط:\nالمكتب الإسلامي - بيروت، الثانية ١٤٠٦ هـ.\n١٣١ - تهذيب التهذيب، للحافظ ابن حجر العسقلاني، ط: دار الفكر - بيروت، الأولى ١٤٠٤ هـ.\n١٣٢ - تهذيب الكمال في أسماء الرجال، للحافظ جمال الدين أبي الحجاج يوسف المزي، تحقيق: بشار عواد معروف، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت، الأولى ١٤١٣ هـ.\n١٣٣ - تهذيب اللغة، لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري، تحقيق: عبد السلام هارون وآخرين، ط: الدار المصرية للتأليف والترجمة - مصر ١٣٨٤ هـ.\n١٣٤ - التوقيف على مهمات التعاريف، لمحمد عبد الرؤوف المناوي، تحقيق:\nمحمد رضوان الداية، ط: دار الفكر المعاصر - بيروت، الأولى ١٤١٠ هـ.\n١٣٥ - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ط: مركز صالح بن صالح الثقافي - بعنيزة ١٤٠٧ هـ.\n١٣٦ - التيسير في قواعد علم التفسير، لمحيي الدين محمد بن سليمان الكافيجي، تحقيق: ناصر بن محمد المطرودي، ط: دار القلم - دمشق، الأولى ١٤١٠ هـ.\n\n- ث -\n١٣٧ - الثقات، لأبي حاتم محمد بن حبان البستي، ط: دائرة المعارف العثمانية - الهند، الأولى ١٣٩٣ هـ.\n١٣٨ - ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، للرماني، والخطّابي، والجرجاني، تحقيق:","vol":"2","page":296},{"text":"محمد خلق الله أحمد، ومحمد زغلول، ط: دار المعارف - القاهرة ١٩٩١ م.\n\n-<span data-type='title' id=toc-346> ج </span>-\n١٣٩ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ط: دار الفكر - بيروت ١٤٠٥ هـ.\n** جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لمحمد بن جرير الطبري، تحقيق: محمود شاكر، ط: دار المعارف بمصر - الثانية.\n١٤٠ - جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله، لأبي عمر يوسف ابن عبد البر، ط: دار الفكر.\n** الجامع الصحيح - سنن الترمذي.\n١٤١ - الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، ط: دار إحياء التراث العربي - بيروت، ١٩٦٥ م.\n١٤٢ - جزء في تفسير الباقيات الصالحات، لأبي سعيد خليل بن كيكلدي العلائي، تحقيق: بدر الزمان محمد شفيع النيبالي، ط: مكتبة الإيمان - المدينة المنورة، الأولى ١٤٠٧ هـ.\n١٤٣ - ابن جزي ومنهجه في التفسير، لعلي محمد الزبيري، ط: دار القلم - دمشق، الأولى ١٤٠٧ هـ.\n١٤٤ - جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام، لابن قيم الجوزية، تحقيق: محيي الدين مستو، ط: مكتبة دار التراث للنشر، الثانية ١٤١٣ هـ.\n١٤٥ - الجنى الداني في حروف المعاني، لحسن بن قاسم المرادي، تحقيق: فخر الدين قباوة ومحمد نديم، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، الأولى ١٤١٣ هـ.\n١٤٦ - جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، للسيد أحمد الهاشمي، ط:\nدار الكتب العلمية - بيروت، السادسة.","vol":"2","page":297},{"text":"١٤٧ - الجواهر في تفسير القرآن، لطنطاوي جوهري، ط: دار إ<span data-type='title' id=toc-347>ح</span>ياء التراث العربي - بيروت، الرابعة ١٤١٢ هـ.\n١٤٨ - الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية، لمحيي الدين عبد القادر بن محمد القرشي الحنفي، تحقيق: عبد الفتاح الحلو، ط: عيسى البابي الحلبي ١٣٩٩ هـ.\n\n- ح -\n١٤٩ - حاشية الصاوي على الجلالين، لأحمد الصاوي المالكي، ط: دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n١٥٠ - حاشية زاده على البيضاوي، لمحيي الدين شي<span data-type='title' id=toc-348>خ </span>زاده، ط: المكتبة الإسلامية - تركيا.\n١٥١ - حاشية مقدمة التفسير، لعبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ط: الثانية ١٤١٠ هـ.\n١٥٢ - الحجة للقراء السبعة، لأبي علي الحسن بن عبد الغفار الفارسي، حققه:\nبدر الدين قهوجي، وبشير جويجاتي، ط: دار المأمون للتراث - دمشق، الأولى ١٤٠٤ هـ.\n\n- خ -\n١٥٣ - الخصائص، لأبي الفتح عثمان بن جني، تحقيق: محمد علي النجار، ط:\n<span data-type='title' id=toc-349>د</span>ار الكتاب العربي - بيروت.\n\n- د -\n١٥٤ - درء تعارض العقل والنقل، لابن تيميه تقي الدين أحمد بن عبد الحليم، تحقيق: محمد رشاد سالم، ط: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الأولى ١٣٩٩ هـ.\n١٥٥ - الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، لأحمد بن يوسف المعروف بالسمين الحلبي، تحقيق: أحمد محمد الخراط، ط: دار القلم - دمشق، الأولى","vol":"2","page":298},{"text":"١٤٠٦ هـ.\n١٥٦ - الدر المنثور في التفسير المأثور، لجلال الدين السيوطي، ط: دار الفكر - بيروت، الأولى ١٤٠٣ هـ.\n١٥٧ - دراسات في أصول التفسير، لمحسن عبد الحميد، ط: دار الثقافة - الدار البيضاء - المغرب ١٤٠٤ هـ.\n١٥٨ - دراسات في التفسير وأصوله، لمحيي الدين بلتاجي، دار الثقافة - الدوحة، الأولى ١٩٨٧ م.\n١٥٩ - دراسات لأسلوب القرآن الكريم، لمحمد عبد الخالق عضيمة، ط: دار الحديث - القاهرة.\n١٦٠ - درة الحجال في أسماء الرجال \"ذيل وفيات الأعيان\"، لأبي العباس أحمد ابن محمد المنكاسي الشهير بابن القاضي، تحقيق: محمد الأحمدي أبو النور، ط:\nدار التراث - القاهرة والمكتبة العتيقة - تونس.\n١٦١ - الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، للحافظ ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محمد سيد جاد الحق، ط: دار الكتب الحديثة - مصر، الثانية ١٣٨٥ هـ.\n١٦٢ - الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، لأبي إسحاق إبراهيم بن علي بن فرحون المالكي، تحقيق: محمد الأحمدي أبو النور، ط: دار التراث للطبع والنشر - القاهرة.\n١٦٣ - ديوان عبيد بن الأبرص، ط: دار بيروت للطباعة والنشر - بيروت، الثانية ١٤٠٤ هـ.\n١٦٤ - الرد على الجهمية والزنادقة، للإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: عبد الرحمن عميرة، ط: دار اللواء - الرياض، الثانية ١٤٠٢ هـ.\n١٦٥ - الرد على الجهمية، للإمام عثمان بن سعيد الدارمي، حققه: بدر الدين، ط: الدار السلفية، الأولى ١٤٠٥ هـ.","vol":"2","page":299},{"text":"١٦٦ - الر<span data-type='title' id=toc-351>س</span>الة، للإمام محمد بن إدريس الشافعي، تحقيق: أحمد محمد شاكر، ط: مكتبة دار التراث - القاهرة، الثانية ١٣٩٩ هـ.\n١٦٧ - رسالة إلى أهل الثغر، لأبي الحسن الأشعري، تحقيق: عبد الله شاكر الجندي، ط: مؤسسة علوم القرآن - بيروت، الأولى ١٤٠٩ هـ.\n١٦٨ - رسم المصحف العثماني، لعبد الفتاح إسماعيل شلبي، ط: دار المنار - جدة، الثالثة ١٤١٠ هـ.\n١٦٩ - روح البيان، لإسماعيل حقي البروسوي، ط: دار الفكر - بيروت.\n١٧٠ - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، لمحمود شكري الألوسي، ط: دار الفكر - بيروت ١٤٠٨ هـ.\n١٧١ - روضة المحبين ون<span data-type='title' id=toc-350>ز</span>هة المشتاقين، لابن قيم الجوزية، ط: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع - بيروت، الأولى ١٤٠٢ هـ.\n١٧٢ - روضة الناظر وجنة المناظر، لموفق الدين أحمد ابن قدامة، ومعها شرحها نزهة الخاطر العاطر، لعبد القادر بن أحمد بن بدران، ط: مكتبة المعارف - الرياض.\n\n- ز -\n١٧٣ - زاد المسير في علم التفسير، لأبي الفرج عبد الرحمن بن على ابن الجوزي، ط: المكتب الإسلامي - بيروت، الثالثة ١٤٠٤ هـ.\n١٧٤ - الزهد، للإمام أحمد بن حنبل، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، الأولى ١٤٠٣ هـ.\n\n- س -\n١٧٥ - سنن أبي داود، لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، مراجعة:\nمحمد محيي الدين عبد الحميد، ط: دار الفكر.\n١٧٦ - سنن ابن ماجة، لأبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني، تحقيق: محمد","vol":"2","page":300},{"text":"فؤاد عبد الباقي، ط: مطبعة دار إحياء الكتب العربية «البابي الحلبي».\n١٧٧ - سنن الترمذي «الجامع الصحيح» لأبي عيسى محمد بن سورة، تحقيق:\nأحمد<span data-type='title' id=toc-352> ش</span>اكر، ومحمد عبد الباقي، وكمال الحوت، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، الأولى ١٤٠٨ هـ.\n١٧٨ - سنن الدارقطني، للإمام أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني، ط: فالكن - لاهور - باكستان.\n١٧٩ - سنن الدارمي، للإمام عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، تحقيق: فواز زمرلي، وخالد السبع، ط: دار الكتاب العربي - بيروت، الأولى ١٤٠٧ هـ.\n١٨٠ - السنن الكبرى، لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، تحقيق:\nعبد الغفار البنداري، وسيد كسروي، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، الأولى ١٤١١ هـ.\n١٨١ - السنن الكبرى، لأحمد بن الحسن البيهقي، ط: دار المعرفة - بيروت.\n١٨٢ - سنن النسائي «المجتبى» لأحمد بن شعيب النسائي، وبهامشه حاشية السيوطي، وحاشية السندي، اعتني به: عبد الفتاح أبو غدة، ط: دار البشائر الإسلامية - بيروت، الثالثة ١٤٠٩ هـ.\n١٨٣ - سير أعلام النبلاء، لشمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، حققه: جماعة بإشراف شعيب الأرنؤوط، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت، الثالثة ١٤٠٥ هـ.\n١٨٤ - السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، لمحمد بن علي الشوكاني، تحقيق:\nقاسم غالب أحمد، وآخرين، ط: وزارة الأوقاف بمصر، الثانية ١٤٠٣ هـ.\n\n- ش -\n١٨٥ - شذا العرف في فن الصرف، لأحمد الحملاوي، ط: البابي الحلبي بمصر، السادسة عشرة ١٣٨٤ هـ.\n١٨٦ - شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لعبد الحي بن العماد الحنبلي، ط:","vol":"2","page":301},{"text":"دار المسيرة - بيروت، الثانية ١٣٩٩ هـ.\n١٨٧ - شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، لهبة الله بن الحسن اللالكائي، تحقيق: أحمد سعد حمدان، ط: دار طيبة للنشر والتوزيع - الرياض.\n١٨٨ - شرح التسهيل، لمحمد بن عبد الله الطائي (ابن مالك)، تحقيق: عبد الرحمن السيد، ومحمد المختون، ط: دار هجر، الأولى ١٤١٠ هـ.\n١٨٩ - شرح الإيضاح في علوم البلاغة، لمحمد عبد المنعم خفاجة، ط: مكتبة الكليات الأزهرية، الثانية.\n١٩٠ - شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول، لشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، حققه: طه عبد الرؤوف سعد، ط: دار الفكر - بيروت، الأولى ١٣٩٣ هـ.\n١٩١ - شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي، تحقيق: عبد الله التركي، وشعيب الأرنؤوط، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت، الثانية ١٤١١ هـ.\n١٩٢ - شرح الكوكب المنير، لمحمد بن أحمد الفتوحي الحنبلي المعروف بابن النجار، تحقيق: محمد الزحيلي، ونزيه حماد، ط: جامعة أم القرى، الأولى ١٤٠٠ هـ.\n١٩٣ - شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، ط: مكتبة الفيصلية - مكة المكرمة، الثانية.\n١٩٤ - شرح اللمع في أصول الفقه، لأبي إسحاق الشيرازي، تحقيق: علي بن عبد العزيز العميريني، ط: دار البخاري - القديم بريدة ١٤٠٧ هـ.\n١٩٥ - شرح مختصر الروضة، لسليمان بن عبد القوي الجوفي، تحقيق: عبد الله التركي، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت، الأولى ١٤٠٩ هـ.\n١٩٦ - شرح صحيح مسلم، لأبي زكريا يحيى بن شرف النووي، راجعه: خليل الميس، ط: دار القلم - بيروت، الأولى ١٤٠٧ هـ.","vol":"2","page":302},{"text":"١٩٧ - الشرح والإبانة عن أ<span data-type='title' id=toc-353>ص</span>ول السنة والديانة، لعبيد الله محمد ابن بطة، تحقيق: رضا نعسان معطي، ط: الفيصلية - مكة المكرمة، ١٤٠٤ هـ.\n١٩٨ - شروح التلخيص، وفيه مجموعة من شروح تلخيص المفتاح للخطيب القزويني، وهي:\n١ - مختصر سعد الدين التفتازاني على تلخيص المفتاح.\n٢ - مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح، لأبي يعقوب المغربي.\n٣ - عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح، لبهاء الدين السبكي. وبالهامش:\n١ - الإيضاح لمؤلف التلخيص وهو القزويني.\n٢ - حاشية الدسوقي على شرح السعد.\nط: دار السرور - بيروت.\n١٩٩ - الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض، تحقيق: علي محمد البجاوي، ط: البابي الحلبي، ١٩٧٧ م.\n\n- ص -\n٢٠٠ - الصاحبي، لأبي الحسين أحمد بن فارس، تحقيق: السيد أحمد صقر، ط: البابي الحلبي - القاهرة.\n٢٠١ - الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، لإسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق:\nأحمد عبد الغفور عطار، ط: دار العلم للملايين - بيروت، الرابعة ١٩٩٠ م.\n٢٠٢ - صحيح البخاري مع فتح الباري - فتح الباري.\n٢٠٣ - صحيح ابن حبان - الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان.\n٢٠٤ - صحيح سنن أبي داود، لمحمد ناصر الدين الألباني، ط: المكتب الإسلامي - بيروت، الأولى ١٤٠٩ هـ.\n٢٠٥ - صحيح سنن الترمذي، لمحمد ناصر الدين الألباني، ط: المكتب الإسلامي - بيروت، الأولى ١٤٠٨ هـ.","vol":"2","page":303},{"text":"٢٠٦ - صحيح سنن النسائي، لمحمد ناصر الدين الألباني،<span data-type='title' id=toc-355> ط:</span> المكتب الإسلامي - بيروت، الأولى ١٤٠٩ هـ.\n٢٠٧ - صحيح سنن ابن ماجة، لمحمد ناصر الدين الألباني، ط: المكتب الإسلامي - بيروت، الثالثة ١٤٠٨ هـ.\n٢٠٨ - صحيح مسلم، للإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري، ترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي، المكتبة الإسلامية - استانبول - تركيا، الأولى ١٣٧٤ هـ.\n٢٠٩ - الصوارم الحداد القاطعة لعلائق مقالات أرباب الاتحاد، لمحمد بن علي الشوكاني، تحقيق: محمد ربيع مدخلي، ط: دار الحريري - القاهرة.\n٢١٠ - الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن قيم الجوزية، تحقيق: علي ابن محمد الدخيل الله، ط: دار العاصمة - الريا<span data-type='title' id=toc-354>ض</span>، الأولى ١٤٠٨ هـ.\n\n- ض -\n٢١١ - ضعيف سنن أبي داود، لمحمد ناصر الدين الألباني، ط: المكتب الإسلامي - بيروت، الأولى ١٤١٢ هـ.\n٢١٢ - ضعيف سنن الترمذي، لمحمد ناصر الدين الألباني، ط: المكتب الإسلامي - بيروت، الأولى ١٤١١ هـ.\n٢١٣ - الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، لشمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، ط: دار مكتبة الحياة - بيروت.\n\n- ط -\n٢١٤ - طبقات الحنابلة، لأبي الحسين محمد بن أبي يعلى، ط: دار المعرفة - بيروت.\n٢١٥ - طبقات الحنفية الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية، لمحيي الدين أبي محمد عبد القادر بن محمد القرشي الحنفي، تحقيق: عبد الفتاح الحلو، ط: البابي الحلبي، ١٣٩٩ هـ.","vol":"2","page":304},{"text":"٢١٦ - طبقات الشاف<span data-type='title' id=toc-356>ع</span>ية، لتاج الدين أبي نصر عبد الوهاب بن علي السبكي، تحقيق: محمود الطناجي، وعبد الفتاح الحلو، ط: دار إحياء الكتب العربية.\n٢١٧ - طبقات المفسرين، للحافظ جلال الدين السيوطي، ط: دار الكتب العلمية - بيروت.\n٢١٨ - طبقات المفسرين، لمحمد بن علي الداوودي، ط: دار الكتب العلمية - بيروت.\n\n- ع -\n٢١٩ - عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، لابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد عثمان الخشت، ط: دار الكتاب العربي - بيروت، الرابعة ١٤١٠ هـ.\n٢٢٠ - العدة في أصول الفقه، للقاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء الحنبلي، تحقيق: أحمد سير المباركي، ط: الثانية ١٤١٠ هـ.\n٢٢١ - العقيدة السلفية في كلام رب البرية وكشف أباطيل المبتدعة الردية، لعبد الله بن يوسف الجديع، ط: ١٤٠٨ هـ.\n٢٢٢ - العلم الخفاق من علم الاشتقاق، لمحمد صديق حسن خان، تحقيق: نذير محمد مكتبي، ط: دار البصائر - دمشق، الأولى ١٤٠٤ هـ.\n٢٢٣ - علماء نجد خلال ستة قرون، لعبد الله بن عبد الرحمن البسام، ط: مكتبة ومطبعة النهضة الحديثة، الأولى ١٣٩٨ هـ.\n٢٢٤ - عمدة التفسير، لأحمد محمد شاكر، ط: دار المعارف - مصر.\n٢٢٥ - عودة الحجاب، لمحمد بن أحمد المقدم، ط: دار طيبة - الرياض، الثالثة.\n\n-<span data-type='title' id=toc-357> غ </span>-\n٢٢٦ - غرائب التفسير وعجائب التأويل، لمحمود بن حمزة الكرماني، تحقيق:\nشمران سركال العجلي - ط: مؤسسة علوم القرآن - بيروت، الأولى ١٤٠٨ هـ.","vol":"2","page":305},{"text":"٢٢٧ - غريب الحديث، لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي، ط: مجلس دائرة المعار<span data-type='title' id=toc-358>ف </span>العثمانية - حيدر آباد - الهند، الأولى ١٣٨٤ هـ.\n٢٢٨ - غريب القرآن وتفسيره، عبد الله بن يحيى بن المبارك، تحقيق: محمد سليم الحاج، ط: عالم الكتب - بيروت، الأولى ١٤٠٥ هـ.\n\n- ف -\n٢٢٩ - فتاوى ابن الصلاح في التفسير والحديث والأصول والفقه، تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي، ط: دار الوعي - حلب - القاهرة، الأولى ١٤٠٣ هـ.\n٢٣٠ - فتح البيان في مقاصد القرآن، لمحمد صديق القنوجي، عني بطبعه:\nعبد الله بن إبراهيم الأنصاري، ط: المكتبة العصرية - بيروت، ١٤١٢ هـ.\n٢٣١ - الفتح السماوي بتخريج أحاديث تفسير القاضي البيضاوي، لزين الدين عبد الرؤوف المناوي، تحقيق: أحمد مجتبي السلفي، ط: دار العاصمة - الرياض.\n٢٣٢ - فتح القدير، لمحمد بن علي الشوكاني، ط: دار الفكر - بيروت ١٤٠٣ هـ.\n٢٣٣ - الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، لسليمان بن عمر العجيلي الشهير بالجمل، ط: البابي الحلي - بمصر.\n٢٣٤ - الفرق بين الفرق، لعبد القاهر بن طاهر البغدادي، ط: دار الآفاق الجديدة - بيروت، الخامسة ١٤٠٢ هـ.\n٢٣٥ - الفروق، لأبي العباس أحمد بن إدريس القرافي، ط: عالم الكتب - بيروت.\n٢٣٦ - الفروق اللغوية، لأبي هلال العسكري، ضبط: حسام الدين القدسي، ط: دار الكتب العلمية - بيروت.\n٢٣٧ - الفصل في الملل والأهواء والنحل، لعلى بن أحمد المعروف بابن حزم، تحقيق: محمد نصر، وعبد الرحمن عميرة، ط: دار الجيل - بيروت ١٤٠٥ هـ.","vol":"2","page":306},{"text":"٢٣٨ - فصول في أصول التفسير، لمساعد بن سليمان الطيار، ط: دار النشر الدولي - الرياض، الأولى ١٤١٣ هـ.\n٢٣٩ - ف<span data-type='title' id=toc-359>ق</span>ه اللغة، لصبحي الصالح، ط: دار العلم للملايين - بيروت، الحادية عشرة ١٩٨٦ م.\n٢٤٠ - الفوائد المشوق إلى علوم القرآن - منسوب -، لأبي بكر ابن قيم الجوزية، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، الأولى ١٤٠٢ هـ.\n٢٤١ - فوات الوفيات، والذيل عليها، لمحمد بن شاكر الكتبي، تحقيق: إحسان عباس، ط: دار صادر - بيروت.\n٢٤٢ - الفوز الكبير في أصول التفسير، لولي الله الدهلوي، عربه من الفارسية:\nسليمان الحسني الندوي، ط: دار الصحوة - القاهرة، الثانية ١٤٠٧ هـ.\n٢٤٣ - في بناء الجملة العربية، لمحمد حماسة عبد اللطيف، ط: دار القلم - الكويت، الأولى ١٤٠٢ هـ.\n\n- ق -\n٢٤٤ - القرآنيون وشبهاتهم حول السنة، لخادم حسين إلهي بخش، ط: مطبعة الصديق - الطائف، الأولى ١٤٠٩ هـ.\n٢٤٥ - القطع والائتلاف، لأبي جعفر النحاس، تحقيق: أحمد خطاب العمر، ط: مطبعة العاني - بغداد ١٣٩٨ هـ.\n٢٤٦ - القواعد، لعبد الرحمن بن رجب الحنبلي، ط: دار المعرفة - بيروت.\n٢٤٧ - قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله ﷿، لعبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، ط: دار القلم - دمشق، الثانية ١٤٠٩ هـ.\n٢٤٨ - القواعد الحسان لتفسير القرآن، للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ضمن مجموع مؤلفاته، ط: مركز صالح بن صالح الثقافي - بعنيزة ١٤٠٨ هـ.\n٢٤٩ - القواعد الفقهية، لعلي أحمد الندوي، ط: دار القلم - دمشق، الأولى","vol":"2","page":307},{"text":"١٤٠٦ هـ.\n٢٥٠ - القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، للشيخ محمد بن صالح العثيمين، ط: دار طيبة - الرياض.\n٢٥١ - قواعد في علوم الحديث، لظفر أحمد التهانوي، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، ط: شر<span data-type='title' id=toc-360>ك</span>ة العبيكان للطباعة والنشر - الرياض، الخامسة ١٤٠٤ هـ.\n\n- ك -\n٢٥٢ - الكاف الشاف بتخريج أحاديث الكشاف، مطبوع مع الكشاف، ط: دار المعرفة - بيروت.\n٢٥٣ - الكافي في فقه أهل المدينة المالكي، لأبي عمر يوسف ابن عبد البر الأندلسي، تحقيق: محمد أحيد الموريتاني، ط: مكتبة الرياض الحديثة، الثالثة ١٤٠٦ هـ.\n٢٥٤ - كتاب سيبويه، لأبي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، تحقيق: عبد السلام هارون، ط: عالم الكتب - بيروت، الثالثة ١٤٠٣ هـ.\n٢٥٥ - الكشاف، لأبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري، ومعه:\n١ - حاشية السيد الشريف علي بن محمد الحسني الجرجاني.\n٢ - الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال، لناصر الدين محمد بن محمد ابن المنير، ط: مطبعة البابي الحلبي بمصر، الطبعة الأخيرة ١٣٩٢ هـ.\n٢٥٦ - كشف الأسرار عن أصول البزدوي، لعبد العزيز أحمد البخاري، تعليق: محمد المعتصم بالله البغدادي، ط: دار الكتاب العربي - بيروت، الأولى ١٤١١ هـ.\n٢٥٧ - الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها، لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي، تحقيق: محيي الدين رمضان، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت، الرابعة ١٤٠٧ هـ.","vol":"2","page":308},{"text":"٢٥٨ - ا<span data-type='title' id=toc-361>ل</span>كليات،<span data-type='title' id=toc-362> م</span>عجم في المصطلحات والفروق اللغوية، لأبي البقاء أيوب بن موسى الكفوي، قابله: عدنان درويش، ومحمد المصري، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت، الأولى ١٤١٢ هـ.\n٢٥٩ - الكوكب الدري فيما يتخرج على الأصول النحوية من الفروع الفقهية، لجمال الدين الأسنوي، تحقيق: محمد عواد، ط: دار عمار للنشر - عمان - الأردن، الأولى ١٤٠٥ هـ.\n\n- ل -\n٢٦٠ - لسان الميزان، للحافظ ابن حجر العسقلاني، ط: منشورات مؤسسة الأعجمي، الثانية ١٣٩٠ هـ.\n٢٦١ - لطائف الإشارات، لأبي القاسم القشيري، تحقيق: إبراهيم بسيوني، ط:\nالهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة، ١٩٨١ م.\n٢٦٢ - لوامع الأنوار البهية وقواطع الأسرار الأثرية، للعلامة محمد السفاريني الحنبلي، ط: المكتب الإسلامي - بيروت، الثالثة ١٤١١ هـ.\n\n- م -\n٢٦٣ - ما اتفق لفظه واختلف معناه من القرآن المجيد، لأبي العباس المبرد، اعتنى به: محمد رضوان الدايه، ط: دار البشائر - دمشق، الأولى.\n٢٦٤ - مباحث في علوم القرآن لصبحي الصالح، ط: دار العلم للملايين - بيروت، السادسة عشر ١٩٨٥ م.\n٢٦٥ - مباحث في علوم القرآن، لمناع القطان، ط: مكتبة العارف - الرياض، الأولى ١٤١٣ هـ.\n٢٦٦ - متشابه القرآن، للقاضي عبد الجبار أحمد الهمداني، تحقيق: عدنان زرزور، ط: دار التراث، ١٤١٥ هـ.\n٢٦٧ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي،","vol":"2","page":309},{"text":"ط: دار الكتاب العربي - بيروت، الثالثة ١٤٠٢ هـ.\n٢٦٨ - المجموع شرح المهذب للشيرازي، لأبي زكريا محيي الدين شرف النووي، تحقيق: محمد نجيب المطيعي، ط: مكتبة الإرشاد - جدة.\n٢٦٩ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، جمع: عبد الرحمن بن محمد ابن قاسم، ط: المصرية.\n٢٧٠ - المجموعة الكاملة لمؤلفات الشيخ عبد الرحمن السعدي، ط: مركز صالح بن صالح الثقافي - بعنيزة ١٤٥٧ هـ.\n٢٧١ - محاسن التأويل، لمحمد جمال الدين القاسمي، صححه: محمد عبد الباقي، ط: دار إحياء الكتب العربية «البابي الحلبي».\n٢٧٢ - المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات، لأبي الفتح عثمان بن جني، تحقيق:\nعلي النجدي، وآخرين، ط: دار سزكين للطباعة والنشر، الثانية ١٤٠٦ هـ.\n٢٧٣ - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لأبي محمد عبد الحق بن غالب ابن عطية، ط: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب - الأولى.\n** المحرر الوجيز، لابن عطية الأندلسي، ط: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر - الأولى.\n٢٧٤ - المحصول في علم أصول الفقه، لفخر الدين محمد بن عمر الرازي، تحقيق: طه جابر فياض، ط: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض، الأولى ١٣٩٩ هـ.\n٢٧٥ - المحكم في نقط المصحف، لأبي عمرو الداني، تحقيق: عزة حسن، ط:\nدار الفكر - دمشق، الثانية ١٤٠٧ هـ.\n٢٧٦ - مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن قيم الجوزية، اختصره: محمد الموصلي، ط: دار الندوة الجديدة - بيروت، ١٤٠٥ هـ.\n٢٧٧ - مختصر العلو للعلي الغفار، للحافظ أبي عبد الله الذهبي، اختصار","vol":"2","page":310},{"text":"وتحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، ط: المكتب الإسلامي - بيروت، الأولى ١٤٠١ هـ.\n٢٧٨ - مختصر في شواذ القراءات، لابن خالويه، تحقيق: برجست راسر، ط:\nمكتبة المتنبي - القاهرة.\n٢٧٩ - مختصر من قواعد العلائي وكلام الأسنوي، لأبي الثناء نور الدين محمود بن أحمد الفيومي، تحقيق: مصطفى محمود النيحوبني، ط: مطبعة الجمهورية - العراق - الموصل ١٩٨٤ م.\n٢٨٠ - مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد حامد الفقي، ط: دار الكتاب العربي - بيروت ١٣٩٢ هـ.\n٢٨١ - مدارك التنزيل وحقائق التأويل، لعبد الله بن أحمد النسفي، ضبط:\nإبراهيم محمد رمضان، ط: دار القلم - بيروت، الأولى ١٤٠٨ هـ.\n٢٨٢ - المدخل الفقهي العام، لمصطفى أحمد الزرقاء، ط: دار الفكر - دمشق، التاسعة ١٩٦٨ م.\n٢٨٣ - المدخل لدراسة القرآن الكريم، لمحمد بن محمد أبو شبهة، ط: دار الجيل - بيروت ١٤١٢ هـ.\n٢٨٤ - المدخل لعلم تفسير كتاب الله، لأبي النصر أحمد بن محمد السمرقندي، تحقيق: صفوان عدنان داوودي، ط: دار القلم - دمشق، الأولى ١٤٠٨ هـ.\n٢٨٥ - مدرسة التفسير في الأندلس، لمصطفى إبراهيم المشيني، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت، الأولى ١٤٠٦ هـ.\n٢٨٦ - مذاهب التفسير الإسلامي، إجنتى جولد تسهر، ط: دار اقرأ - بيروت، الثانية ١٤٠٣ هـ.\n٢٨٧ - مذكرة في أصول الفقه، لمحمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، ط:\nمكتبة ابن تيمية - القاهرة، الأولى ١٤٠٩ هـ.","vol":"2","page":311},{"text":"٢٨٨ - المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز، لأبي شامة المقدسي، تحقيق: طيار آلتي قولاج، ط: دار صادر - بيروت ١٣٩٥ هـ.\n٢٨٩ - المزهر في علوم اللغة وأنواعها، لجلال الدين السيوطي، صححه: محمد بك وعلى البجاوي ومحمد أبو الفضل، ط: مكتبة دار التراث - القاهرة، الثالثة.\n٢٩٠ - المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري محمد بن عبد الله، ط:\nدار المعرفة - بيروت.\n٢٩١ - مسند الإمام أحمد بن حنبل، ط: الميمنية - القاهرة، ١٣١٣ هـ.\n٢٩٢ - المسودة في أصول الفقه، لآل تيمية، جمعها: شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد الدمشقي، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، ط: دار الكتاب العربي - بيروت.\n٢٩٣ - مشكل إعراب القرآن لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي، تحقيق:\nحاتم الصالح الضامن، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت، الثانية ١٤٠٥ هـ.\n٢٩٤ - المصحف المفسر، لمحمد فريد وجدي، ط: الشعب - القاهرة.\n٢٩٥ - المطول في شرح التلخيص، للتفتازاني، وبهامشه: حاشية مير شريف، ط: مكتبة الداوري - قم - إيران، الأولى ١٣٠٩ هـ.\n٢٩٦ - مع المفسرين والمستشرقين في زواج النبي ﷺ بزينب بنت جحش، لزاهر بن عواض الألمعي، ط: دار الكتاب الجديد - بيروت، الثالثة ١٣٩٨ هـ.\n٢٩٧ - معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول، لحافظ بن أحمد الحكمي، ضبط: عمر بن محمود أبو عمر، ط: دار ابن القيم - الدمام، الأولى ١٤١٠ هـ.\n٢٩٨ - معالم التنزيل، لمحيي السنة الحسين بن مسعود البغوي، تحقيق: محمد عبد الله النمر، وآخرين، ط: دار طيبة - الرياض، ١٤٠٩ هـ.\n٢٩٩ - معاني القرآن، لأبي الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش، تحقيق: هدى","vol":"2","page":312},{"text":"محمود قراعة، ط: مكتبة الخانجي - القاهرة، الأولى ١٤١١ هـ.\n٣٠٠ - معاني القرآن الكريم، لأبي جعفر النحاس، تحقيق: محمد بن علي الصابوني، ط: جامعة أم القرى، الأولى ١٤٠٨ هـ.\n٣٠١ - معاني القرآن، لأبي زكريا يحيى بن زياد الفراء، ط: عالم الكتب - بيروت، الثالثة ١٤٠٣ هـ.\n٣٠٢ - معاني القرآن وإعرابه، لأبي إسحاق إبراهيم بن السري، تحقيق: عبد الجليل شلبي، ط: عالم الكتب - بيروت، الأولى ١٤٠٨ هـ.\n٣٠٣ - معترك الأقران في إعجاز القرآن، لجلال الدين السيوطي، صححه، أحمد شمس الدين، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، الأولى ١٤٠٨ هـ.\n٣٠٤ - المعتزلة وأصولهم الخمسة وموقف أهل السنة منها، لعواد بن عبد الله المعتق، ط: دار العاصمة - الرياض، الأولى ١٤٠٩ هـ.\n٣٠٥ - معجم البلدان، لياقوت بن عبد الله الحموي، ط: دار بيروت - بيروت، ١٤٠٠ هـ.\n٣٠٦ - المعجم الفلسفي، إعداد: مجمع اللغة العربية، لجنة العلوم الفلسفية والاجتماعية - القاهرة، ١٤٠٣ هـ.\n٣٠٧ - معجم قبائل العرب القديمة الحديثة، عمر رضا كحالة، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت، السادسة ١٤١٢ هـ.\n٣٠٨ - المعجم المفهرس لألفاظ الحديث، رتبه ونظمه: لفيف من المستشرقين، ونشره: أ. ى ونسلك، ط: مكتبة بريل في مدينة ليدن، ١٩٣٦ م.\n٣٠٩ - المعجم المفهرس لألفاظ القرآن، صنعه: محمد فؤاد عبد الباقي، ط:\nالمكتبة الإسلامية - استانبول - تركيا، ١٩٨٢ م.\n٣١٠ - معجم مقاييس اللغة، لأبي الحسين محمد بن فارس، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، ط: دار الفكر، ١٣٩٩ هـ.","vol":"2","page":313},{"text":"٣١١ - معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعمار، لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق: بشار عواد معروف وآخرين، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت، الثانية ١٤٠٨ هـ.\n٣١٢ - المغني، لابن قدامة، تحقيق عبد الله التركي، وعبد الفتاح الحلو، ط: دار هجر، الأولى ١٤٠٦ هـ.\n٣١٣ - مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، لابن هشام الأنصاري، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، ط: دار المكتبة العصرية - بيروت، ١٤٠٧ هـ.\n٣١٤ - المغني في توجيه القراءات العشر المتواترة، لمحمد سالم محيسن، ط: دار الجيل - بيروت، الثانية ١٤٠٨ هـ.\n٣١٥ - مفاتيح الغيب، تفسير الفخر الرازي المشتهر بالتفسير الكبير، لمحمد بن عمر الرازي فخر الدين، ط: دار الفكر - بيروت، ١٤١٠ هـ.\n٣١٦ - المفردات، للراغب الأصفهاني، تحقيق: صفوان عدنان داوودي، ط: دار القلم - دمشق، الأولى ١٤١٢ هـ.\n٣١٧ - مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، لأبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، ط: المكتبة العصرية - بيروت، ١٤١١ هـ.\n٣١٨ - مقدمة ابن خلدون، لعبد الرحمن بن محمد بن خلدون، ط: دار إحياء التراث العربي - بيروت، ١٤٠٨ هـ.\n٣١٩ - مقدمة جامع التفاسير، لأبي القاسم الراغب الأصفهاني، تحقيق: أحمد حسن فرحات، ط: دار الدعوة - الكويت، الأولى ١٤٠٨ هـ.\n٣٢٠ - مقدمة في أصول التفسير، لابن تيميه تقي الدين أحمد بن عبد الحليم، تحقيق: عدنان زرزور، ط: دار القرآن الكريم - بيروت.\n٣٢١ - المقنع في رسم مصاحف الأمصار، مع كتاب النقط، لأبي عمرو عثمان","vol":"2","page":314},{"text":"بن سعيد الداني، تحقيق: محمد الصادق قمحاوي، ط: مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة.\n٣٢٢ - المكتفى في الوقف والابتدا في كتاب الله - ﷿ -، لأبي عمرو الداني تحقيق: يوسف عبد الرحمن المرعشلي، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت، الثانية ١٤٠٧ هـ.\n٣٢٣ - مكي بن أبي طالب وتفسير القرآن، لأحمد حسن فرحات، ط: دار الفرقان - الأردن، الأولى ١٤٠٤ هـ.\n٣٢٤ - الملل والنحل، لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، تحقيق:\nأمير علي مهنا، وعلي حسن فاعور، ط: دار المعرفة - بيروت، الثانية ١٤١٣ هـ.\n٣٢٥ - مناهل العرفان في علوم القرآن، لمحمد عبد العظيم الزرقاني، ط: دار الفكر.\n٣٢٦ - منجد المقرئين ومرشد الطالبين، لمحمد بن محمد ابن الجزري، ط: دار المكتبة العلمية - بيروت ١٤٠٠ هـ.\n٣٢٧ - المنخول من تعليقات الأصول، لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي، تحقيق: محمد حسن هيتو، ط: دار الفكر - دمشق، الثانية ١٤٠٠ هـ.\n٣٢٨ - منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز، لمحمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، ط: ضمن أضواء البيان «المجلد العاشر».\n٣٢٩ - منهاج السنة النبوية، لابن تيمية أبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم، تحقيق: محمد رشاد سالم، ط: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ١٤٠٦ هـ.\n٣٣٠ - منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة، لعثمان بن علي بن حسن، ط: مكتبة الرشد - الرياض، ١٤١٢ هـ.\n٣٣١ - منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير، لفهد بن عبد الرحمن الرومي،","vol":"2","page":315},{"text":"ط: مؤسسة الرسالة - بيروت، الأولى ١٤٠١.\n٣٣٢ - م<span data-type='title' id=toc-363>ن</span>هج النقد في علوم الحديث، لنور الدين عتر، ط: دار الفكر - دمشق، الثالثة ١٤٠١ هـ.\n٣٣٣ - المنهل الرقراق في تخريج ما روي عن الصحابة والتابعين في تفسير «يوم يكشف عن ساق»، لسليم بن عيد الهلالي، ط: دار ابن الجوزي - الدمام، الأولى ١٤١٢ هـ.\n٣٣٤ - الموافقات في أصول الشريعة، لأبي إسحاق الشاطبي، تعليق: عبد الله دراز، ط: دار المعرفة - بيروت.\n٣٣٥ - الموطأ، للإمام مالك بن أنس، صححه: محمد عبد الباقي، ط: دار إحياء الكتب العربية «البابي الحلبي».\n٣٣٦ - الميزان في تفسير القرآن، لمحمد حسين الطباطبائي، ط: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، الثانية ١٣٩٤ هـ.\n\n- ن -\n٣٣٧ - الناسخ والمنسوخ في كتاب الله ﷿، لأبي جعفر أحمد بن محمد النحاس، تحقيق: سليمان بن إبراهيم اللاحم، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت، الأولى ١٤١٢ هـ.\n٣٣٨ - الناسخ والمنسوخ، لابن حزم الأندلسي، تحقيق: عبد الغفار البنداري، ط:\nدار الكتب العلمية - بيروت، الأولى ١٤٠٦ هـ.\n٣٣٩ - الناسخ والمنسوخ من كتاب الله - ﷿ -، لهبة الله بن سلامة المقري، تحقيق: زهير الشاويش، ومحمد كنعان، ط: المكتب الإسلامي - بيروت، الثانية ١٤٠٦ هـ.\n٣٤٠ - الناسخ والمنسوخ، لعبد القاهر بن طاهر البغدادي، تحقيق: حلمي كامل عبد الهادي، ط: دار العدوي - الأردن، الأولى ١٤٠٧ هـ.","vol":"2","page":316},{"text":"٣٤١ - النبأ العظيم، لمحمد عبد الله دراز، ط: دار القلم - الكويت، الثالثة ١٩٨٨ م.\n٣٤٢ - النحو الوافي، لعباس حسن، ط: دار المعارف بمصر، الخامسة.\n٣٤٣ - نحو منهج لتفسير القرآن، لمحمد الصادق عرجون، ط: الدار السعودية للنشر والتوزيع.\n٣٤٤ - النحو وكتب التفسير، لإبراهيم عبد الله رفيدة، ط: المنشأة العامة للنشر - طرابلس - ليبيا، الثانية ١٩٨٤ م.\n٣٤٥ - النسخ في القرآن الكريم، لمصطفى زيد، ط: دار الوفاء للطباعة - المنصورة - مصر، الثالثة ١٤٠٨ هـ.\n٣٤٦ - نشر البنود على مراقي السعود، لسيدي عبد الله بن إبراهيم الشنقيطي، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، الأولى ١٤٠٩ هـ.\n٣٤٧ - النشر في القراءات العشر، لأبي الخير محمد بن محمد ابن الجزري، أشرف على تصحيحه: علي محمد الضباع، ط: دار الكتب العلمية - بيروت.\n٣٤٨ - نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، لبرهان الدين أبي الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي، ط: دائرة المعارف العثمانية - الهند، الأولى ١٣٩٦ هـ.\n٣٤٩ - نقض تأسيس الجهمية، لشيخ الإسلام ابن تيميه أحمد بن عبد الحليم، بتصحيح: محمد بن عبد الرحمن ابن قاسم، ط: الحكومة - مكة المكرمة، الأولى ١٣٩٢ هـ.\n٣٥٠ - النكت والعيون، لأبي الحسن علي بن محمد الماوردي، مراجعة: السيد بن عبد المقصود بن عبد الرحيم، ط: دار الكتب العلمية - بيروت، الأولى ١٤١٢ هـ.\n٣٥١ - نهاية السول في شرح منهاج الأصول، لجمال الدين عبد الرحيم بن الحسن الأسنوي، ومعه «سلم الوصول لشرح نهاية السول» لمحمد بخيت المطيعي، ط: عالم الكتب.","vol":"2","page":317},{"text":"٣٥٢ - النها<span data-type='title' id=toc-365>ي</span>ة في غريب الحديث والأثر، لأبي السعادات المبارك الجزري المعروف بابن الأثير، تحقيق: طاهر الزاوي، ومحمود الطناجي، ط: المكتبة العلمية - بيروت.\n٣٥٣ - نواسخ القرآن، لعبد الرحمن بن علي ابن الجوزي، تحقيق: حسين سليم الداراني، ط: دار الثقافة العربية - دمشق - بيروت، الأولى ١٤١١<span data-type='title' id=toc-364> هـ</span>.\n٣٥٤ - نيل الوطر من تراجم رجال اليمن في القرن الثالث عشر، لمحمد بن محمد بن يحيى اليمني الصنعاني، ط: المطبعة السلفية - القاهرة، الأولى ١٣٤٨ هـ.\n\n- هـ -\n٣٥٥ - الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن، لمحمد أبو زيد، ط: البابي الحلبي، الأولى ١٣٤٩ هـ.\n٣٥٦ - همع الهوامع في شرح جمع الجوامع، لجلال الدين السيوطي، تحقيق:\nعبد السلام هارون، وعبد العال مكرم، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت، ١٤١٣ هـ.\n٣٥٧ - الواضح في أصول الفقه، لمحمد سليمان الأشقر، ط: دار النفائس - الأردن، الرابعة ١٤١٢ هـ.\n٣٥٨ - الوجيز في أصول التفسير، لمناع خليل القطان، ط: المطبعة السلفية، الأولى ١٣٧٩ هـ.\n٣٥٩ - الوشيعة في نقد عقائد الشيعة، لموسى جار الله، ط: مكتبة الكليات الأزهرية.\n٣٦٠ - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لأبي العباس أحمد بن محمد بن خلكان، تحقيق: إحسان عباس، ط: دار صادر - بيروت.\n\n- ي -\n٣٦١ - اليواقيت والدرر شرح شرح نخبة الفكر، لمحمد عبد الرؤوف المناوي، تحقيق:\nربيع بن محمد السعودي، ط: مكتبة الرشد - الرياض، الأولى ١٤١١ هـ.","vol":"2","page":318},{"text":"<span data-type='title' id=toc-366>رابعا: الدوريات:</span>\n٣٦٢ - مجلة الأبحاث، تصدرها الجامعة الأمريكية في بيروت، السنة (٢٦) ١٩٧٣ م.\n٣٦٣ - مجلة الأصالة، السنة الأولى ١٤١٤ هـ العدد السادس.\n٣٦٤ - مجلة البحث العلمي والتراث الإسلامي - أم القرى، العدد الخامس ١٤٠٢ - ١٤٠٣ هـ.\n٣٦٥ - مجلة البحوث الإسلامية، تصدر عن الرئاسة العامة للإفتاء - الرياض، العدد (٣٥).\n***","vol":"2","page":319}]}